بعض مصطلحات الصوفية
: وقال1: "إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله2، يتسترون بها في زندقتهم، فينبغي الحذر من ذلك، فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء، وجعلوها خيالا وسرابا على ما هو مذهب السوفسطائية3، وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق، وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالا وسرابا، وكون وجود جميع الأشياء -حتى وجود الخبائث والقاذورات4- إلها، وذلك
غير ما أراده العارفون، فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع1وهم مصرحون بأن كل حقيقة يردها الشرع فهي زندقة، وأنه لس في أسرار المعرفة شيء يناقض ظاهر الشرع، بل باطن الشريعة يتم بظاهره، وسره يكمل صريحه [55] ولهذا إذا انكشفت على أهل الحقيقة أسرار الأمور على ما هي عليه2، نظروا إلى الألفاظ الواردة في الشرع، فما وافق ما شاهدوه قرروه، وما خالف أولوه بما يطابق الشرع، كالآيات المتشابهة3، ولا يستبعد وقوع المتشابه في الكشف ابتلاء
لقلوب العارفين1، كما أن وقوع المتشابه في الشرع ابتلاء لقلوب الراسخين, فأراد بالبقاء التخلق بالأخلاق الإلهية، والتنصل عن كدورات الصفات البشرية والفناء عندهم عبارة عن اطمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودها، وعن الغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم، وكذا الوحدة المطلقة عبارة عن مشاهدة الله -لا غير- من بين الموجودات لاطمحلالها مع تحققها ووجودها عند ظهور أنوار التجليات، كاطمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار، فإن كان العارف في هذه الحال يرى نفسه، فذلك هو الفناء في التوحيد, وهو مرتبة الخواص، وهو مشوب بكدورة وقصور، وإن غاب مع ذلك عن مشاهدة نفسه
وعن أحواله الظاهرة والباطنة وعن ذلك الفناء -بحيث لا يشاهد شيئا غير الله1كما لا يشاهد في النهار من الكواكب غير الشمس- فذلك هو فناء الفناء في التوحيد، وهو درجة خواص الخواص، فيصير لهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [النمل: 88] ذوقا وحالا، كما أن حظ غيرهم من المؤمنين منه يكون علما وإيمانا، فالذوق نيل عين تلك الحال بالحصول الاتصافي، والعلم معرفة ذلك بالبرهان، ومأخذه القياس بأن ينظر إلى اطمحلال تلك الكواكب عند إشراق الشمس، فيقاس به اطمحلال وجود الكائنات عند إشراق أنوار التجليات، والإيمان قبوله بالتسامع والإذعان له، ولا يخالف هذا قولهم: إن الطريق إلى المعلوم بالكشف، إنما هو العيان دون البرهان؛ لأن المراد منا إقامة البرهان، على تحقق الكشف، لا على إثبات المعلوم، فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين2بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة، ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام؛ ليتمكن من هدمه عند الضعفاء.