سؤال فرعون وجواب موسى
: ثم قال ابن عربي: "وهنا سر كبير فإنه -أي: موسى عليه السلام أجاب بالفعل لمن سألوه عن الحد الذاتي1- أي بقوله: وما رب العالمين، فجعل الحد
الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، أو ما ظهر فيه من صور العالم، فكأنه قال في جواب قوله: وما رب العالمين.
قال: الذي تظهر فيه صورة
العالمين من علو -وهو السماء- وسفل -وهو الأرض- إن كنتم موقنين1## فرعون عند الصوفية رب موسى وسيده : ثم قال: "فلما جعل موسى المسئول عنه عين [صور] العالم2خاطبه فرعون بهذا اللسان -والقوم لا يشعرون- فقال [له] : ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29] والسين في السجن من حروف الزوائد3" أي: لأسترنك، فإنك أجبت بما أيدتني به، أن أقول لك مثل هذا القول. فإن قلت لي: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي -والعين واحدة- فكيف فرقت؟ فيقول فرعون: إنما فرقت المراتب العين.4
ما تفرقت [العين]، ولا انقسمت في ذاتها, ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا أنت بالعين، وغيرك بالرتبة5", ثم قال: "ولما كان فرعون في منصب التحكم
صاحب الوقت1، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي, لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] أي: وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله، لم ينكروه، وأقروا له بذلك، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72] فالدولة لك, فصح قوله: أنا ربكم الأعلى، وإن كان عين الحق، فالصورة لفرعون، فقطع الأيدي والأرجل [35] وصلب بعين حق في صورة باطل2، لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل [فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها، لأن الأعيان الثابتة اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت]، إذ لا تبديل لكلمات الله، وليس كلمات الله سوى أعيان الموجودات3، فينسب إليها القديم من حيث ثبوتها، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها، كما تقول: حدث اليوم
عندنا إنسان، أو ضيف، ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل الحدوث1".