باب القول في انتقاء الحديث وانتخابه لمن عجز عن كتبه على الوجه واستيعابه
١٥٤١ - نا محمد بن علي بن مخلد الوراق، بحضرة أبي بكر البرقاني قال: سمعت عبد الله الفارسي، وعرفه البرقاني، يقول: " أقمت مع إخوتي بالكوفة عدة سنين نكتب عن ابن عقدة فلما أردنا الانصراف ودعناه فقال ابن عقدة: " قد اكتفيتم بما سمعتم مني؟ أقل شيخ سمعت منه عندي عنه مائة ألف حديث قال: فقلت: أيها الشيخ نحن أخوة أربعة قد كتب كل واحد منا عنك مائة ألف حديث "
١٥٤٢ - نا أبو حازم العبدوي، إملاء نا أبو علي الحسين بن محمد الحافظ، نا محمد بن إبراهيم بن ناصح، نا عمار بن رجاء، قال: سمعت عبيد بن يعيش، يقول: «أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي يعني بالليل كانت أختي تلقمني وأنا أكتب»
فصل قد ذكرنا أن الحفظ أرفع درجات الحديث وأعلاها وأشرف منازل الرواية وأسماها وأبنا عزة وجود المتحققين به وذلك غير مانع من ابتغائه وطلبه
١٥٤٣ - فقد أنشدني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد بن محمد الأرموي قال: أنشدني أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن أبي الليث الكاتب لأبي الفرج بن هندوا:
[البحر البسيط]
لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجا وترتيبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تسمو فتنبت أنبوبا فأنبوبا
١٥٤٤ - وحدثني أبو الفضل عبد الصمد بن محمد الخطيب، نا الحسن بن الحسين الفقيه الهمذاني، قال: سمعت جعفرا الخلدي، يقول: سمعت الجنيد، يقول: «ما طلب أحد شيئا بجد وصدق إلا ناله فإن لم ينله كله نال بعضه» فينبغي للطالب أن يخلص في الطلب نيته ويجدد للصبر عليه عزيمته فإذا فعل ذلك كان جديرا أن ينال منه بغيته
١٥٤٥ - أنا أبو منصور محمد بن علي بن إسحاق خازن دار العلم نا محمد بن الحسن بن مقسم المقرئ، نا أبو العباس ثعلب قال: حدثني الفضل بن سعيد بن سلم، قال: " كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه فعزم على تركه فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة قد أثر الماء فيها فقال: الماء على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها والله لأطلبن العلم فطلب فأدرك "
١٥٤٦ - أنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس أنا علي بن عبد الله بن المغيرة، نا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: قال عبد الله بن المعتز: «إن لم تدرك الحاجة بالرفق والدوام فبأي شيء تدرك»
١٥٤٧ - حدثني عبد الصمد بن محمد، نا الحسن بن الحسين الفقيه، قال: سمعت جعفرا الخلدي، يقول: سمعت الجنيد بن محمد، يقول: «باب كل علم نفيس جليل مفتاحه بذل المجهود»
١٥٤٨ - أخبرني أبو طاهر عبد الكريم بن عبد الواحد بن محمد الصوفي، بأصبهان قال: أنشدنا محمد بن إبراهيم بن علي بن المقرئ، قال: أنشدنا أبو يعلى الموصلي:
[البحر البسيط]
اصبر على مضض الإدلاج بالسحر ... وبالرواح على الحاجات والبكر
لا تعجزن ولا يضجرك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر"
ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف دون التميز بمعرفة صحيحه من فاسده والوقوف على اختلاف وجوهه والتصرف في أنواع علومه إلا تلقيب المعتزلة للقدرية من سلك تلك الطريقة بالحشوية لوجب على الطالب الأنفة لنفسه ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه
١٥٤٩ - فكيف وقد حدثني محمد بن أحمد بن علي الدقاق، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، قال: حدثني العباس بن الحسن البغدادي، نا أحمد بن محمد بن بكر النيسابوري، قال: سمعت أبا ⦗١٨١⦘ العباس الحراني، يقول: سمعت أبا عاصم النبيل، يقول: «الرئاسة في الحديث بلا دراية رئاسة نذلة» والرئاسة التي أشار إليها أبو عاصم إنما هي اجتماع الطلبة على الراوي للسماع منه عند علو سنه وانصرام عمره وربما عاجلته المنية قبل بلوغ تلك الأمنية فتكون أعظم لحسرته وأشد لمصيبته
١٥٥٠ - أنا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد بن موسى السماك بالري قال: سمعت أبا محمد بن سعدويه، يقول: سمعت الساجي، يقول: سمعت سلمة بن شبيب، يقول: " أقمت على عبد الرزاق بصنعاء أربعين سنة فلما أردت الرجوع إلى نيسابور دنوت منه وهو خارج من منزله سلمت عليه وقلت: كيف أصبح الشيخ؟ فقال: بخير منذ لم أر وجهك ثم قال: لعن الله صنعة لا تروج إلا بعد ثمانين سنة " وإذا تميز الطالب بفهم الحديث ومعرفته تعجل بركة ذلك في شبيبته والطريق إليه ما ذكرناه من داوم السماع والإكثار منه والمطالبة له والنظر فيه والمذاكرة به وصرف العناية إليه وسنرتب ذلك ترتيبا ينتفع به من وقف عليه إن شاء الله