الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامعباب الترغيب في إعارة كتب السماع وذم من سلك في ذلك طريق البخل والامتناع

باب الترغيب في إعارة كتب السماع وذم من سلك في ذلك طريق البخل والامتناع

٤٧٦ - أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب بأصبهان، أنا أبو بكر بن المقرئ، نا محمد بن الحسن بن قتيبة، نا حسين بن أبي السري، قال: سمعت وكيعا، يقول: «أول بركة الحديث إعارة الكتب» قال أبو بكر: إذا كان لرجل كتاب مسموع من بعض الشيوخ الأحياء، فطلب منه ليسمع من ذلك الشيخ، فيستحب أن لا يمتنع من إعارته؛ لما في ذلك من البر واكتساب المثوبة والأجر، وهكذا إذا كان في كتابه سماع لبعض الطلبة من شيخ قد مات فابتغى الطالب نسخه، استحب له إعارته إياه، وكره أن يمنعه منه

٤٧٧ - أنا الحسن بن أبي بكر أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان، نا أحمد بن علي الأبار، نا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: «من بخل بالحديث، وكسر على الناس سماعهم لم يفلح»

٤٧٨ - أخبرني محمد بن جعفر بن علان الوراق، أنا علي بن محمد بن نصير، نا أبو بكر أحمد بن محمد القاضي، نا عثمان بن سعيد، نا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري، يقول: سمعت سفيان الثوري، يقول: " من بخل بعلمه ابتلي بثلاث: إما أن ينساه ولا يحفظ، وإما أن يموت ولا ينتفع به، وإما أن تذهب كتبه "

٤٧٩ - أنا محمد بن أبي القاسم الأزرق، أنا محمد بن الحسن بن زياد النقاش، أن أحمد بن يحيى بن زيد، أخبرهم قال: " أتى أبا العتاهية بعض إخوانه فقال له: أعرني دفتر كذا وكذا، فقال: إني أكره ذاك، فقال له: أما علمت أن المكارم موصلة بالمكاره؟ فدفع إليه الدفتر "

٤٨٠ - أنا علي بن أحمد بن علي المؤدب، أنا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، نا الحسن بن عثمان التستري، نا أبو زرعة الرازي، قال: " ادعى رجل على رجل بالكوفة سماعا منعه إياه، فتحاكما إلى حفص بن غياث، وكان على قضاء الكوفة فقال حفص: " لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه أعفيناك منه "، فقيل لأبي زرعة: ممن سمعته؟ قال: من إسحاق بن موسى الأنصاري، قال ابن خلاد: سألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا، فقال: لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا؛ لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه، وقال غيره: ليس بشيء "

٤٨١ - حدثت عن القاضي أبي الحسن علي بن الحسن الجراحي، قال: أنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة بن الصلت، قال: " رأيت رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فادعى عليه أن له سماعا في الحديث في كتابه، وأنه قد أبى أن يعيره، فسأل إسماعيل المدعى عليه، فصدقه فقال: في كتابي سماع ولست أعيره، فأطرق إسماعيل مليا، ثم رفع رأسه إلى المدعى عليه فقال له: عافاك الله، إن كان سماعه في كتابك بخطك، فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم، قال: سماعه في كتابي بخطي ولكنه يبطئ برده علي، فقال: أخوك في الدين أحب أن تعيره، وأقبل على الرجل، فقال: «إذا أعارك شيئا فلا تبطئ به»

كراهة حبس الكتب المستعارة عن أصحابها وما جاء في الأمر بتعجيل ردها إلى أربابها

٤٨٢ - أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني، نا محمد بن أحمد بن محمد المفيد، بجرجرايا، نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا الحسن بن شاذان الواسطي، نا أيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، قال: قال لي الزهري: " يا يونس إياك وغلول الكتب قال: قلت: وما غلول الكتب؟ قال: «حبسها على أصحابها»

٤٨٣ - أنا الحسن بن الحسين النعالي، أنا أحمد بن نصر الذارع، نا أبو شعيب الحراني، نا أبو زيد، نا هارون بن معروف، عن ضمرة، عن يونس بن يزيد، قال، قال الزهري: " إياك وغلول الكتب، قلت: وما هو؟ قال: حبسها "

٤٨٤ - أنا أبو سعد الماليني، أنا عبد الله بن عدي الحافظ، نا ابن قتيبة، نا محمد بن أبي السري، نا قتيبة بن بسام، نا إسماعيل، عن ليث، عن مجاهد، وجعفر، عن أبيه، قالا: «سرقة صحف العلم مثل سرقة الدنانير والدراهم»

٤٨٥ - أنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزاز، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، إملاء، نا أحمد بن محمد بن مسروق، نا إبراهيم بن عبد الله، نا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت فضيل بن عياض، يقول، وأنا أبو الحسن علي بن القاسم بن الحسن الشاهد بالبصرة، نا علي بن إسحاق المادرائي، نا المفضل بن محمد بن إبراهيم، نا إسحاق بن إبراهيم الطبري، قال، قال الفضيل: «ليس من فعال أهل الورع، ولا من فعال الحكماء أن تأخذ سماع رجل فتحبسه عنه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه»، واللفظ لابن مخلد

٤٨٦ - أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي، نا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن سفيان المعلم، نا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بالموصل، نا عبد الصمد بن يزيد مردويه الصائغ، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: «ليس من فعل أهل الورع، ولا من فعال العلماء أن تأخذ سماع رجل وكتابه فتحبسه عليه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه»

٤٨٧ - أخبرني علي بن أحمد المؤدب، نا أحمد بن إسحاق، نا ابن خلاد، نا محمد بن يوسف العسكري، نا إبراهيم بن حرب، قال: «كان أبو الوليد الطيالسي إذا استعدي عنده أن فلانا حبس عن فلان سماعه، تقدم إلى صاحب الربع فحبسه، وكان يبعث بخاتمه إليه، وهو العلامة بينه وبينه»

٤٨٨ - أنا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن علي بن أحمد بن لال بهمذان يقول: سمعت القاسم بن أبي صالح، يقول: سمعت عمر بن بحر، يقول: سمعت الجاحظ، يقول: " وقد تقاضى تلميذا له كتابا، وتقاضى التلميذ أيضا كتابا له، فرد الكتاب عليه، ثم أنشأ الجاحظ يقول:

[البحر الخفيف]

أيها المستعير مني كتابا... ارض لي فيه ما لنفسك ترضى

⦗٢٤٤⦘

لا ترى رد ما أعرتك نفلا... وترى رد ما استعرتك فرضا"

قال لنا أبو بكر: ولأجل حبس الكتب امتنع غير واحد من إعارتها، واستحسن آخرون أخذ الرهون عليها من الأصدقاء، وقالوا الأشعار في ذلك

٤٨٩ - أنا محمد بن الحسين القطان، أنا دعلج، أنا أحمد بن علي الأبار، نا أبو غسان الرازي، نا جرير، عن حمزة الزيات، قال: «لا تأمنن قارئا على صحيفة، ولا جمالا على حبل»

٤٩٠ - أنا علي بن أبي علي، نا محمد بن العباس الخزاز، نا محمد بن القاسم الأنباري، نا أبو حصين القاضي، نا عبيد بن يعيش، نا علي بن قادم، قال: سمعت سفيان، يقول: «لا تعر أحدا كتابا»

٤٩١ - أنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ، حدثني أبي، نا أحمد بن إبراهيم بن عبد الوهاب الشيباني، بدمشق قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كتب إلي البويطي: «احفظ كتبك، فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد بدله»

٤٩٢ - أنشدنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق لأبي القاسم علي بن الحسن القطيعي:

[البحر الخفيف]

جل قدر الكتاب يا صاح عندي... فهو أغلى من الجواهر قدرا

لست يوما معيره من صديق... لا ولا من أخ أحاذر غدرا

ما على من يصونه من ملام... بل له العذر فيه سرا وجهرا

لن أعير الكتاب إلا برهن... من نفيس الرهون تبرا ودرا"

٤٩٣ - أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أنشدنا محمد بن العباس الخزاز، قال: أنشدنا محمد بن خلف قال: أنشدت:

أعر الدفتر للصاحب بالرهن الوثيق ⦗٢٤٥⦘... إنه ليس قبيحا أخذ رهن من صديق"

٤٩٤ - وأخبرني الأزهري، أيضا، قال: أنشدنا محمد بن العباس، قال: أنشدنا محمد بن خلف قال: أنشدت:

[البحر الخفيف]

أيها المستعير مني كتابا... إن رددت الكتاب كان صوابا

أنت والله إن رددت كتابا... كنت أعطيته أخذت كتابا"

٤٩٥ - ذكر أبو خازم محمد بن الحسين بن محمد الفراء، أن أبا الحسين علي بن أحمد بن يحيى الجوردكي، أنشدهم لنفسه بالبصرة:

[البحر المجتث]

يا من يروم كتابي... لنسخه إن أراده

أو رغبة في اطلاع... يبغي بذاك الزياده

توق فيه خصالا... تسويده وفساده

ونل مرادك منه... بالفكر والاستعاده

فالعلم للمرء يحيي... تاموره وفؤاده

لا تقصدن التواني... أمانة كالقلاده

إذا فرغت فأسرع... به إلى الإعاده

⦗٢٤٦⦘

حرمت تأخير أصلي... من غير عذر أكاده

فحبسه فعل سوء... وسرعة الرد عاده

رواه شيخ مفن... عن معمر عن قتادة"

٤٩٦ - وذكر أبو خازم، أن الجوردكي أنشدهم لنفسه أيضا:

[البحر المجتث]

إن المروءة تدفع... عن حبس جزء وتمنع

والحر فيه اقتصاد... يروم نسخا ويقنع

يعجل الرد حتى... يصير في الغير يشفع

والنذل يبغي التواني... في الغصب للحر يطمع

فدهره في احتيال... من خيره ليس يشبع

إذا اقتضى أم بهتا... بالمطل والمين يدفع

لا العتب ينجع فيه... والاقتضا ليس ينفع

لا بارك الله فيه... وبئس ما هو يصنع"

٤٩٧ - أنشدني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال: أنشدنا أبو أحمد عبد السلام بن علي المؤدب، قال: أنشدنا أبو مزاحم الخاقاني:

[البحر البسيط]

ما أنت في سعة من حبس دفترنا... بل أنت من حبسه في أضيق الحرج

عذبت قلبي بالتعليق منك له... وما أرى لك من عذر ولا حجج

قد كنت مستعينا عن أن تبين لنا... ما أنت بينته من خلقك السمج

يلقاك بالخلف من في دينه عوج... وليس في دين أهل الصدق من عوج

من يحبس الجزء عمدا بعد قولي ذا... فهو امرؤ ما به قلبي بمبتهج"

٤٩٨ - قال لنا الشيخ أبو بكر: قرأت على ظهر كتاب لصاحبنا أبي بكر أحمد بن الحسين القطان بخطه:

[البحر البسيط]

يا مستعير كتابي إنه علق... بمهجتي علق المحبوب بالمهج

انسخه واردده في حل وفي سعة... وأنت من حبسه في أضيق الحرج"

شكر المستعير للمعير

٤٩٩ - أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي البزاز، أنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، نا أحمد بن محمد التبعي، نا القاسم بن الحكم، نا شعيب بن صفوان، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»

٥٠٠ - أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم البصري بها، نا الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي، نا يعقوب بن سفيان، نا أبو بكر فهد بن حيان، وأبو غسان مالك بن إسماعيل، قالا: نا محمد بن طلحة بن مصرف، نا عبد الله بن شريك العامري، عن عبد الرحمن بن عدي الكندي، عن الأشعث بن قيس الكندي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس»

٥٠١ - أنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأصبهاني، بها، نا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، نا عبد الوهاب بن الضحاك، نا إسماعيل بن عياش، عن الوليد بن عباد، عن عرفطة، عن نافع، عن ابن عمر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى يعلم أنكم قد شكرتم، فإن الله شاكر يحب الشاكرين»

٥٠٢ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: سمعت بعض شيوخنا يقول:

قد رددنا إليك أصلحك الله... مع الشكر ما استعرناه منكا

⦗٢٤٩⦘

ورأيناك أحسن الناس صبرا... واحتمالا لما حبسناه عنكا"

جارٍ التحميل