باب القراءة على المحدث وأدبها، وما يختار من الأمور المتعلقة بها إذا قرأ المحدث بنفسه كان أفضل، وثوابه في ذلك أكمل، وإن عجز عن القراءة فأمر بها غيره جاز، لأن القراءة عليه بمنزلة قراءته بنفسه
جواز الأثرة بالرواية لأهل المعرفة والدراية
٦٦٢ - أنا أبو القاسم الأزهري، أنا محمد بن العباس الخزاز، أنا إبراهيم بن محمد الكندي، نا أبو موسى محمد بن المثنى قال: سألت الأنصاري فقلت: " ترى أن يؤثر الرجل في الحديث؟ قال: نعم، يؤثر أهل الحديث وأهل العلم "
٦٦٣ - أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا حنبل بن إسحاق، نا محمد، يعني ابن داود نا عيسى بن يونس، قال: " ربما رأيت سفيان الثوري يجيء إلى الأعمش فيقول: سلام عليكم، فيقول: سفيان بن سعيد: فيقول: نعم، فيقول: خذ بيدي، فيأخذ بيده فيدخله فيحدثه ويدعنا "
٦٦٤ - وحدثني أبو بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد الأردستاني، نا علي بن عمر الحافظ، نا أبو سعيد العدوي، نا عبد الواحد بن غياث، نا حفص بن غياث، قال: أتيت الأعمش فقال: «إذا كان غدا فأتني أطعمك عصيدة، وأحدثك بعشرة أحاديث نخب، ولا تحمل معك ثقيلا»، فلما أصبحت رآني عبد الله بن إدريس فتحدثنا، فلما صرنا إلى الأعمش قال لي: من معك؟ فقلت: ابن إدريس، فقال لي: «لا تأكل إلا بجوز، ودخل» ساق أبو بكر بن شاذان هذا الخبر، وأبو القاسم الأزهري عن العدوي أتم من هذه السياقة
٦٦٥ - أنا علي بن أبي علي البصري، وأبو القاسم الأزهري، قالا: نا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، نا أبو سعيد الحسن بن علي بن زكريا البصري، نا عبد الواحد بن غياث، نا حفص بن غياث، قال، قال لي سليمان الأعمش: «إذا كان غدا فبكر علي حتى أحدثك بعشرة أحاديث نخب، وأطعمك عصيدة، واحذر أن تجيئني معك بثقيل»، قال فلما كان من غد ثم أصبحت غدوت إليه فتلقاني ابن إدريس فقال: حفص: قلت: «نعم»، قال: أين تريد؟ قلت: الأعمش، قال: مكانك حتى أجيء معك، قال: فلما بصر بنا قام ودخل، وقام وراء الباب، فلما دققت الباب قال: من هذا؟ قلت: حفص، قال: يا حفص: لا تأكل العصيد إلا بجوز، ألم أقل لك: لا تجيئني معك بثقيل، قال: ولم يخرج، فلما كان العشي جئت فدققت الباب قلت: يا جارية، أبو محمد في الدار، قال: فدخل البيت وقال: قولي له: لا، قال: فلما كان من غد، جئت فدققت الباب فقلت: يا جارية، أبو محمد في البيت فخرج إلى الدار، وقال: قولي له: لا، قال: فلما كان بعد شهر لقيته في الطريق فقلت: يا أبا محمد، إن إتيانك لذل، وإن تركك لحسرة، قال: «كذا وحقك أشتهي، فانصرف»
٦٦٦ - قرأت على محمد بن الحسين القطان عن دعلج بن أحمد، أنا أحمد بن علي الأبار، نا إبراهيم بن سعيد، قال: سمعت سفيان، يقول: قيل لمسعر: تحدث فلانا ولا تحدثنا قال: «يخف علي أن أحدث واحدا وأدع الآخر»
٦٦٧ - أخبرني علي بن أحمد المؤدب، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن عبد الرحمن، نا مهذب بن محمد الموصلي، نا إسحاق بن سيار النصيبي، قال: سمعت أبا عاصم، يقول: " رأيت سفيان يجذب الرجل من وسط الحلقة فيحدثه بعشرين حديثا، والناس قعود، قالوا: لعله كان ضعيفا، قال: لا " قال: وسمعت أبا عاصم يقول: رأيت سفيان وشعبة وابن عون ومالكا وابن جريج يدعو أحدهم الرجل فيحدثه بأربعمائة حديث، أو أقل، أو أكثر، ويدع أصحابه "، ورأيت شعبة تبعه اثنان فدعا أحدهما، وقال: «للآخر لا تجئ»
٦٦٨ - أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي، وأبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، نا العباس بن محمد الدوري، إملاء، نا أبو عاصم النبيل، قال: " رأيت شعبة يقبل على إنسان خراساني يحدثه، فقال له أهل البصرة: تقبل على هذا وتدعنا؟ فقال شعبة: «وما عليكم، لعل مع هذا خنجرا يشق به بطني»
٦٦٩ - أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا محمد بن العباس العصمي، نا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس الحافظ، نا أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، قال: سمعت النفيلي، - وعاتبه رجل في قلة ما حدثه فقال: حدثتني بأربعة، وحدثت هذا الغريب بثلاثين - فقال النفيلي: «إنما أحدث الناس على قدر ما يحتملون، رأيت هذا موضعا لما حدثته، ولم أر فيك موضعا لأكثر من أربعة أحاديث أو نحوه»، قال أبو إسحاق: «أراد بالغريب عثمان بن سعيد»
٦٧٠ - وكتب معي أبو بكر البرقاني إلى أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ كتابا يقول في فصل منه: وقد نفذ إلى ما عندك عمدا متعمدا أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيده الله وسلمه ليقتبس من ⦗٣٠٩⦘ علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورع والتحفظ، وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، وتجمل عندك منزلته، وأنا أرجو إذا صحت لديك منه هذه الصفة أن تلين له جانبك، وأن تتوفر عليه، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادة في الاصطبار، فقدما حمل السلف من الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكل منهم
من كان يخص بالتحديث الشبان ويؤثرهم على المشايخ وذوي الأسنان
٦٧١ - أنا أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن بشار السابوري، بالبصرة، نا محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، نا عمران بن موسى، يعني النصيبي، نا أبو الطاهر، نا الوليد هو بن محمد الموقري، نا الزهري، أخبرني قبيصة، قال: قال لنا زيد يعني ابن ثابت، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «استودعوا العلم الأحداث إذا رضيتموهم»
٦٧٢ - أنا محمد بن الحسين القطان، أنا دعلج بن أحمد، أنا أحمد بن علي الأبار، نا علي بن حجر، نا أيوب بن جابر الحنفي، عن عطاء بن السائب، عن رجل، قال: " كنا جلوسا مع حذيفة قال: فمر رجل فقال له حذيفة: " يا فلان، ما يمنعك أن تجالسنا؟ قال: والله ما يمنعني من ذاك إلا هؤلاء الشباب الذين هم حولك، قال: فغضب حذيفة وقال: " أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٠] و﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾ [الكهف: ١٣] وهل الخير إلا في الشباب "
٦٧٣ - أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذاء، قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل البزاز، نا محمد بن أحمد بن هارون الفقيه، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، نا عبد الله بن أبي بكر المقدمي، نا جعفر بن سليمان، قال: قال مالك بن دينار: «إنما الخير في الشباب»
أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا عثمان بن أحمد، نا حنبل بن إسحاق، نا محمد بن الأصبهاني، أنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، قال: «كان يأتي الكتاب فيجمع صبيان الكتاب فيحدثهم لكي لا ينسى حديثه»
٦٧٤ - أنا القاضي أبو العلاء الواسطي، أنا عبد الله بن محمد بن عثمان المزني، بواسط، نا أحمد بن علي بن المثنى، نا سهل بن زنحلة، نا ابن فضيل، عن الأعمش، قال: «رأيت إسماعيل بن رجاء يأتي صبيان الكتاب فيحدثهم لكي لا ينسى حديثه»
٦٧٥ - أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه، أنا محمد بن العباس الخزاز، نا أبو العباس إسحاق بن محمد بن مروان الغزال، نا أبي، نا إسحاق بن وزير، عن عبد الملك بن موسى، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعد ما يكبر كالكتاب على الماء»
٦٧٦ - أنا أبو نعيم الحافظ، نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، نا محمد بن الحسن بن سماعة، نا أبو نعيم، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: «ما حفظت وأنا شاب كأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة»
٦٧٧ - أنا محمد بن الحسين القطان، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، نا أحمد بن منيع، نا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: أتأذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو مثله؟ فقال: " إنه ممن قد علمتم، فأذن لهم يوما وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ [النصر: ٢]، فقالوا: أمر الله نبيه إذا فتح الله عليه أن يستغفر وأن يتوب إليه، فقال لي: ما تقول يا ابن عباس: فقلت: ليس كذلك، ولكنه أخبر نبيه بحضور أجله، فقال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] فتح مكة ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا﴾ [النصر: ٢] أي فعند ذلك علامة موتك ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر: ٣] قال: فقال لهم: «كيف تلوموني عليه بعدما ترون»
٦٧٨ - حدثني أبو القاسم الأزهري، نا عبد الرحمن بن عمر الخلال، نا محمد بن أحمد بن يعقوب، نا جدي، حدثني سويد، نا ضمام بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب، أن الحسن، قال: «قدموا إلينا أحداثكم، فإنهم أفرغ قلوبا، وأحفظ لما سمعوا، فمن أراد الله أن يتمه له أتمه»
٦٧٩ - حدثني علي بن أحمد المؤدب، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، نا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، نا أحمد بن محمد بن إسحاق الأهوازي، ويعرف بالشعراني، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، بجبلة، قال: سمعت أبي يقول: سمعت إسماعيل بن عياش، يقول: " كان ابن أبي حسين المكي يدنيني، فقال له أصحاب الحديث: نراك تقدم هذا الغلام الشامي وتؤثره علينا، فقال: " إني أؤمله، فسألوه يوما عن حديث حدث به عن شهر، إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل، فذكر ثلاثا ونسي الرابعة، فسألني عن ذلك، فقال لي: كيف حدثتكم؟ فقلت: حدثتنا عن شهر أنه إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل: إذا كان أوله حلالا، وسمي عليه الله حين يوضع، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله حين يرفع، فأقبل على القوم فقال: «كيف ترون»
٦٨٠ - وأخبرني علي بن أحمد، نا أحمد بن إسحاق، نا ابن خلاد، نا عبد الله بن أحمد بن معدان، نا سعيد بن رحمة الأصبحي، قال: " كنت أسبق إلى مجلس عبد الله بن المبارك بليل معي أقراني، لا يسبقني أحد ويجيء هو مع الأشياخ، فقيل له: قد غلبنا عليك هؤلاء الصبيان، فقال: " هؤلاء أرجى عندي منكم؛ أنتم كم تعيشون، وهؤلاء عسى الله أن يبلغ بهم، قال سعيد: فما بقي أحد غيري "
٦٨١ - حدثني عبيد الله بن أبي الفتح، نا عمر بن أحمد الواعظ، نا الحسين بن أحمد بن بسطام، نا عبد الله بن معاوية الجمحي، نا يحيى بن حميد الطويل، أو غيره قال: أتينا يوما حماد بن سلمة وبين يديه صبيان يحدثهم، فجلسنا إليه حتى فرغ فقلنا له: يا أبا سلمة، نحن مشايخ أهلك قد جئناك، تركتنا وأقبلت على هؤلاء الصبيان، قال: «رأيت فيما يرى النائم كأني على شط نهر ومعي دلية أسقي فسيلا، فتأولته هؤلاء الصبيان»
٦٨٢ - أنا محمد بن الحسين القطان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، نا أبو ربيعة، فهد بن عوف قال: " جئنا إلى حماد بن سلمة في يوم حار شديد الحر، وصلينا معه الظهر، وكان حماد صاحب ليل، وظننا أنه صائم قال: فرحمناه مما به من الجهد، وأجمعنا على أن ننصرف عنه لا نسأله عن شيء، فتفرقنا وبقي من بقي، قال: " فركع بعد الفريضة وخرج من المسجد، وسار في الطريق في الشمس، فانبرى له غلام حدث فسأله عن شيء معه فوقف في الشمس معه يسائله ويحدثه، قال: فقال له بعض مشيخة المسجد: يا أبا سلمة، انصرف أصحابنا عنك لما رأوا بك من الضعف، ووقفت مع هذا الغلام في الشمس تحدثه، قال: «رأيت في هذه الليلة كأني أسقي فسيلة أصب الماء في أصلها، فتأولت رؤياي هذا الغلام حين سألني»
٦٨٣ - حدثني علي بن أحمد المؤدب، نا أحمد بن إسحاق، قال: أنشدنا ابن خلاد قال: أنشدنا أصحابنا البغداديون: «
إن الحداثة لا تقصر ... بالفتى المرزوق ذهنا
لكن تذكي قلبه ... فيفوق أكبر منه سنا»
٦٨٤ - أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي، نا أبو بكر بن شاذان، نا سليمان بن أحمد الملطي، نا عبد الله بن حميد بن البنا، نا أبو خيثمة، قال: سمعت سفيان بن عيينة، يقول: «إذا كتب الرجل الحديث وهو ابن ثلاثين سنة سمي تير، وإذا كتب وهو ابن أربعين سنة سمي تيرماه» قال أبو بكر: تير وتيرماه بالفارسية من أشد شهور القيظ حرا، وأثقلها على القلوب كربا، وأراد سفيان بذلك أن طلب الحديث في الحداثة أسهل من أن يتركه الإنسان حتى يتكامل شبابه، ويدخل في الكهولة، ثم يبتدئ بطلبه في تلك الحال، فيكون بمثابة تيرماه في الثقل، والله أعلم