بَابُ مُنَاظَرَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى بْنِ مَشْكَوَيْهِ الْهَمْدَانِيِّ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
456 - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيِدِ بْنِ مُسَبَّحٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّفَّارُ الْقَنْطَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مَشْكَوَيْهِ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: " أُدْخِلْتُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُتَكَنِّي بِالْوَاثِقِ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَقْبَلَ بِالْمَسْأَلَةِ عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَجُلٌ مُرَوَّعٌ وَلَا عَهْدَ لِي بِكَلَامِ الْخُلَفَاءِ مِنْ قَبْلِكَ.
" فَقَالَ: لَا تَرْعَ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ، مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقُلْتُ: «كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، فَقَالَ: أَشْهَدُ لَتَقُولَنَّ مَخْلُوقًا أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قَالَ: " فَقُلْتُ: إِنَّكَ إِنْ تَضْرِبْ عُنُقِي، فَإِنَّكَ فِي مَوْضِعِ ذَلِكَ إِنْ جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَتَثَبَّتْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِمَّا أَنْ أَكُونَ عَالِمًا فَتَثْبُتَ حُجَّتِي، وَإِمَّا أَنْ أَكُونَ جَاهِلًا فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي لِأَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَخَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَابْنُ عَمِّ نَبِيِّهِ"
فَقَالَ: أَمَا تَقْرَأُ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، قُلْتُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْكُلِّيَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ خَاصٌّ أَمْ عَامٌّ؟»، قَالَ: عَامٌّ.
قُلْتُ: " لَا، بَلْ خَاصٌّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23] فَهَلْ أُوتِيَتْ مُلْكَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ فَحَذَفَنِي بِعَمُودٍ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُوهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَأُخْرَجْتُ إِلَى قُبَّةٍ قُرَيْبَةٍ مِنْهُ، فَشُدَّ عَلَيْهَا كِتَافِي، فَنَادَيْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ ضَارِبٌ عُنُقِي، وَأَنَا مُتَقَدِّمُكَ، فَاسْتَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا" فَقَالَ: أَخْرِجُوا الزِّنْدِيقَ وَضَعُوهُ فِي أَضْيَقِ الْمَحَابِسِ، فَأُخْرِجْتُ إِلَى دَارِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا أَنَا بِابْنِ أَبِي دُؤَادٍ يُنَاظِرُ النَّاسَ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: يَا خُرَّمِيُّ قُلْتُ: «أَنْتَ وَالَّذِينَ مَعَكَ وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ» فَحَبَسَنِي فِي سِجْنِ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ الْمُطَبَّقُ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ رُقْعَةً يُشَجِّعُونَنِي وَيُثَبِّتُونَنِي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، فَقَرَأْتُ مَا فِيهَا، فَإِذَا فِيهَا:
[البحر البسيط]
عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ وَاهْجُرْ كُلَّ مُبْتَدَعٍ ... وَكُلَّ غَاوٍ إِلَى الْأَهْوَاءِ مَيَّالِ وَلَا تَمِيلَنَّ يَا هَذَا إِلَى بِدَعٍ ... يَضِلُّ أَصْحَابُهَا بِالْقِيلِ وَالْقَالِ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ ... لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بَالِ لَوْ أَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا لَصَيَّرَهُ ... رَيْبُ الزَّمَانِ إِلَى مَوْتٍ وَإِبْطَالِ
وَكَيْفَ يَبْطُلُ مَا لَا شَيْءَ يُبْطِلُهُ ... أَمْ كَيْفَ يَبْلَى كَلَامُ الْخَالِقِ الْعَالِي
وَهَلْ يُضِيفُ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ أَحَدٍ ... إِلَى الْبِلَى غَيْرُ ضُلَّالٍ وَجُهَّالِ
فَلَا تَقُلْ بِالَّذِي قَالُوا وَإِنْ سَفِهُوا ... وَأَوْثَقُوكَ بِأَقْيَادٍ وَأَغْلَالِ
أَلَمْ تَرَ الْعَالِمَ الصَّبَّارَ حَيْثُ بُلِيَ ... بِالسَّوْطِ هَلْ زَالَ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالِ
فَاصْبِرْ عَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِهِ ... فَالصَّبْرُ سِرْبَالُهُ مِنْ خَيْرِ سِرْبَالِ
يَا صَاحِبَ السِّجْنِ فَكِّرْ فِيمَ تَحْسِبُهُ ... أُقَاتِلٌ هُوَ أَمْ عَوْنٌ لِقَتَّالِ
أَمْ هَلْ أَتَيْتَ بِهِ رَأْسًا لِرَافِضَةٍ ... يَرَى الْخُرُوجَ لَهُمْ جَهْلًا عَلَى الْوَالِي
أَمْ هَلْ أُصِيبَ عَلَى خَمْرٍ وَمِعْزَفَةٍ ... يُصَرِّفُ الْكَأْسَ فِيهَا كُلَّ ضَلَّالِ
مَا هَكَذَا هُوَ بَلْ لَكِنَّهُ وَرِعٌ ... عَفٌّ عَفِيفٌ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْمَالِ
ثُمَّ ذَكَرَنِي بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَأَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: عَسَاكَ مُقِيمًا عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟ فَقُلْتُ: «وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَأَدْعُوَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي لِيَلِي وَنَهَارِي أَلَّا يُمِيتَنِي إِلَّا عَلَى مَا كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي» قَالَ: أُرَاكَ مُتَمَسِّكًا قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ قُلْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ لَقِيتُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ بِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ، فَرَأَيْتُهُمْ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
فَقَالَ لِي: وَمَا السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ؟ قُلْتُ: " سَأَلْتُ عَنْهَا الْعُلَمَاءَ فَكُلٌّ يُخْبِرُ وَيَقُولُ: إِنَّ صِفَةَ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ مُخْلِصًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، وَيَشْهَدُ الْعَبْدُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ لِسَانِهِ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ، وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَلِمَ مِنْ خَلْقِهِ مَا
هُمْ فَاعِلُونَ، وَمَا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ خَلْفَ كُلِّ إِمَامٍ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلَاةُ الْمَكْتُوبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَدِّمَ وَقْتًا أَوْ تُؤَخِّرَ وَقْتًا، وَأَنْ نَشْهَدَ لِلْعَشَرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْجَنَّةِ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ إِذَا جَرَى كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالتَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ إِذَا سَافَرَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا بِالْهَاشِمِيِّ - ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا - وَتَقْدِيمُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَتَرْكِيبُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْجَهْرُ بِآمِينَ، وَإِخْفَاءُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَنْ تَقُولَ بِلِسَانِكَ وَتَعْلَمَ يَقِينًا بِقَلْبِكَ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمُنْكَرٍ وَنكِيرٍ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُخْرِجُ أَهْلَ
الْكَبَائِرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيهَا إِلَّا مُشْرِكٌ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِأَبْصَارِهِمْ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا مِنِّي أَمَرَ بِي فَقَلَعَ لِي أَرْبَعَةَ أَضْرَاسٍ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُ عَنِّي لَا يُفْسِدُ عَلَيَّ مَا أَنَا فِيهُ، فَأُخْرِجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَسَأَلَنِي عَمَّا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لَا نَسِيَ اللَّهُ لَكَ هَذَا الْمَقَامَ حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ نَكْتُبَ هَذَا عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِنَا، وَنُعَلِّمَهُ أَهْلَنَا وَأَوْلَادَنَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى ابْنِهِ صَالِحٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ هَذَا الْحَدِيثَ وَاجْعَلْهُ فِي رَقٍّ أَبْيَضَ وَاحْتَفِظْ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ حَدِيثٍ كَتَبْتَهُ، إِذَا لَقِيتَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَلْقَاهُ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
457 - وَحَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَبِّحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُنْتَصِرُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَصْبَحَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ
ذَاتَ يَوْمٍ مَغْمُومًا، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مِمَّ غَمُّكَ؟ قَالَ: " رَأَيْتُ فِيَ مَنَامِي دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ صَافَحَنِي، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ إِلَّا خَيْرٌ، نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ أَيُّوبَ لَابْتُلِيتُ فِي بَدَنِي، وَلَوْ كَانَ يَعْقُوبَ لَابْتُلِيتُ فِي وَلَدِي، وَلَكِنَّهُ دَاوُدُ ابْتُلِيَ فِي دِينِهِ، وَأَنَا أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أُبْتُلَى فِي دِينِي» فَمَا كَانَتْ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى امْتُحِنَ فَأَجَابَ، قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْمِحْنَةِ لِأَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَتْهُ جَارِيَةٌ بِرُقْعَةٍ فَدَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَقَرَأَهَا ثُمَّ بَكَى قَالَ: فَسُئِلَ عَمَّا فِيهَا فَقَالَ: بَعْضُ الْأَبْيَاتِ، فَإِذَا هِيَ: [البحر الطويل] يَا ابْنَ الْمَدِينِيِّ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ ... دُنْيَا فَجَادَ بِدِينِهِ لِيَنَالَهَا مَاذَا دَعَاكَ إِلَى انْتِحَالِ مَقَالَةٍ ... قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ كَافِرًا مَنْ قَالَهَا أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدُهُ فَتَبِعْتَهُ ... أَمْ زَهْرَةُ الدُّنْيَا أَرَدْتَ نَوَالَهَا فَلَقَدْ عَهِدْتُكَ لَا أَبَا لَكَ جَاهِدًا ... صَعْبَ الْمَقَالَةِ لِلَّتِي تُدْعَى لَهَا إِنَّ الْمُعَزَّى مَنْ يُصَابُ بِدِينِهِ ... لَا مَنْ يُرَزَّى نَاقَةً وَفِصَالَهَا
458 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ سِوَارٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ الْمُغَلِّسِيِّ الْحِمَّانِيُّ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ أَبُو الْحَسَنِ، بِبَغْدَادَ فَوْقَ قَصْرِ طَاقَ عَبْدُوَيْهِ قَالَ: كَتَبَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمِرِّيسِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى أَبِي يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبِي: «عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، فَإِنْ يَفْعَلْ فَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَإِنْ لَا يَفْعَلْ فَهِيَ وَاللَّهِ الْهَلَكَةُ»، أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَاهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " لَيْسَ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ حُجَّةٌ، وَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اشْتَرَكَ فِيهِ السَّائِلُ وَالْمُجِيبُ، أَمَّا السَّائِلُ فَتَعَاطَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَتَكَلَّفَ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ، وَمَا أَعْرِفُ خَالِقًا إِلَّا اللَّهُ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، فَانْتَهِ بِنَفْسِكَ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ مَعَكَ فِي الْقُرْآنِ إِلَى أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا تَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، إِنَّ ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَونَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180] "
459 - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الطَّبَّاخُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ حَسَّانَ، مِنْ كَرْخِ سُرَّ مَنْ رَأَى قَالَ: قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ:
رَآنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَمَا كَلَّمَنِي، فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ، رَآنِي فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر البسيط] يَا طَالِبَ الْعِلْمِ صَارِمْ كُلَّ بَطَّالِ ... وَكُلَّ غَاو إِلَى الْأَهْوَاءِ مَيَّالِ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعْرِفُهُ ... لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بَالِ لَوْ أَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا لَغَيَّرَهُ ... رَيْبُ الزَّمَانِ إِلَى مَوْتٍ وَإِبْطَالِ وَكَيْفَ يَبْطُلُ مَا لَا شَيْءَ يُبْطِلُهُ ... أَمْ كَيْفَ يَبْلَى كَلَامُ الْخَالِقِ الْعَالِي
460 - وَحَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: " وَالْإِلُّ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهُ قِرَاءَةٌ مَنْ قَرَأَ (جَبْرَائِيلَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِلٌّ هَاهُنَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَيَّرَ الْعَبْدَ كَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10] قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَكَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، جَاءُوا بِأُسَارَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ كَذِبِ صَاحِبِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَقَالُوا: مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ وَزَعَمَ أَنَّهُ قُرْآنٌ: يَا ضِفْدَعُ نَقِّي نَقِّي، لَا الْمَاءُ تَشْرَبِينَ وَلَا الطَّعَامُ تَأْكُلِينَ، وَمِنْهُ شَاةٌ سَوْدَاءُ تَحْلِبُ لَبَنًا أَبْيَضَ، هَذَا مِنَ الْعَجَبِ قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، أَيْنَ ذَهَبَ بِكُمْ؟ هَلْ خَرَجَ هَذَا مِنْ إِلٍّ؟
قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:: وَهَذَا أَحَدُ الْأَدِلَّاءِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا
461 - قَالَ أَبُو عُمَرَ: سَأَلْتُ الْمُشَوِّفَ الْفَيْلَسُوفَ صَدِيقَ إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ لَهُ: «أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ مِنْ غَيْرِ جَوْهَرِ الْجِنْسِ؟» قَالَ: لَا.
فَقُلْتُ لَهُ: «أَفَطِنْتَ لِمَا أَرَدْتُ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَحَمَدْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: «لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَسْحٌ مِنْ قُطْنٍ»
462 - قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسَانَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ كَيْسَانَ: أَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ وَهُوَ الْخَالِقُ»، وَأَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ وَهُوَ مَخْلُوقٌ»، وَأَقُولُ: «إِنَّ الْقُرْآنَ أَمْرُهُ لَا خَالِقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ»
ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَثَعْلَبٍ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ
463 - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْهَاشِمِيُّ الْخَطِيبُ، كَانَ فِي جَامِعِ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عِنْدَ عَفَّانَ وَكَانَ أَوَّلَ مَا امْتُحِنَ عَفَّانُ، وَسَأَلَهُ يَحْيَى بَعْدَمَا امْتُحِنَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ أَخْبِرْنَا بِمَا كَلَّمَكَ بِهِ إِسْحَاقُ وَمَا كَانَ مَرَّدَهُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا زَكَرِيَّا لَمْ أُسَوِّدْ وَجْهَكَ وَلَا وُجُوهَ أَصْحَابِكَ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنِّي لَمْ أُجِبْ»، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ: " قَرَأَ عَلَيَّ الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الْمَأْمُونُ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الرَّقَةِ، فَإِذَا فِيهِ: امْتَحِنْ عَفَّانَ وَادْعُهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: الْقُرْآنُ - يَعْنِي: مَخْلُوقٌ - فَإِنْ أَجَابَ فَأَقِرَّهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْكَ إِلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ، فَاقْطَعْ عَنْهُ الَّذِي تُجْرِي عَلَيْهِ " قَالَ عَفَّانُ: " فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيَّ، قَالَ لِي إِسْحَاقُ: مَا تَقُولُ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] " فَقَالَ لِي إِسْحَاقُ: يَا شَيْخُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُجِبْهُ إِلَى
مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ يَقْطَعْ عَنْكَ مَا يُجْرِي عَلَيْكَ، وَإِنْ قَطَعَ عَنْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَطَعْنَا نَحْنُ أَيْضًا، فَقَالَ: قَالَ عَفَّانُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22] قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ، فَسُرَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَيَحْيَى وَأَصْحَابُهُمْ " قَالَ حَنْبَلٌ: فَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: " سُبْحَانَ اللَّهِ كَانَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ يَعْنِي: فِي هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ وَيَذْكُرُونَهُمَا، وَكُنَّا مِنَ النَّاسِ فِي أَمْرِهِمَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، قَامَا لِلَّهِ بِأَمْرٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ مِثْلُ مَا قَامَا بِهِ عَفَّانُ وَأَبُو نُعَيْمٍ
464 - وَحَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ الشِّيرَجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْأَعْيُنُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَفَّانَ وَقَدْ دَعَاهُ إِسْحَاقُ لِهَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ: " أَعْطُونِي ثِيَابِي، فَجَاءُوهُ بِقَمِيصٍ جَدِيدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا يَكُونُ لَكُمْ، هَاتُوا قَمِيصًا خَلَقًا.
قَالَ: فَأَلْبَسْتُهُ إِيَّاهُ، يَعْنِي: لِضَرْبِ الْعُنُقِ "
465 - وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبَزَّازُ، قَالَ:
" لَمَّا امْتُحِنَ عَفَّانُ قَالَ: امْتَحَنَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِكِتَابِ الْمَأْمُونِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ يُجْرِي عَلَى عَفَّانَ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يُجْرِي عَلَيْهِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: امْتَحِنْ عَفَّانَ، فَإِنْ أَجَابَ إِلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مَا كُنَّا نُجْرِي، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ، فَأَسْقِطْ عَنْهُ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِسْحَاقُ فَأَحْضَرَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ الْمَأْمُونِ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: يَا شَيْخُ إِنَّهُ يَقْطَعُ عَنْكَ مَا كَانَ يُجْرِي عَلَيْكَ إِنْ لَمْ تُجِبْ، فَلَا أَدْرِي مَا رَدَّ عَلَيْهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ: فَأَحْسَنَ إِسْحَاقُ فِي أَمْرِهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ أَنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ، وَقَدِ امْتَحَنَهُ فَلَمْ يُجِبْ، وَلَا أَحْسَبُ يَصِلُ كِتَابِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا وَقَدْ تُوُفِّيَ
466 - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْخَالَقَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ حِينَ أَنْشَدَهُ أَبُو الرُّمَّةِ هَذَا
الشِّعْرَ فِي بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ: «اكْتُبُوا هَذَا الشِّعْرَ وَتَعَلَّمُوهُ فَهُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلِّمُوهُ صِبْيَانَكُمْ، وَرَأَيْتُ بِشْرًا يُعْجِبُهُ هَذَا الشِّعْرُ إِذَا أُنْشِدَهُ»: [البحر الخفيف] أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْتَقِيمُوا إِلَى الْ ... حَقِّ وَخَافُوا عُقُوبَةَ الرَّحْمَنِ وَاتَّقُوا يَوْمَ يَنْجَلِي الْأَمْرُ فِيهِ ... لَكُمْ مِنْ كَرَامَةٍ أَوْ هَوَانِ فَإِلَى جَنَّةٍ الْخُلْدُ فِيهَا أَمْ ... إِلَى جَاحِمٍ مِنَ النِّيرَانِ يَوْمَ يَجْمَعُكُمُ الْإِلَهِ لِيَوْمٍ ... فِيهِ شَابَتْ ذَوَائِبُ الْوِلْدَانِ فَأَجِيبُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَعَمَّا ... قُلْتُمُوهُ يَا مَعْشَرَ الْمُجَّانِ أَزَعَمْتُمْ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَكَذَبْتُمْ ... . . . وَمُنْزِلِ الْفُرْقَانِ بَلْ كَلَامُ الْإِلَهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ... وَلَا مَيِّتٍ مَعَ الْإِنْسَانِ كُلُّ خَلْقٍ يَبِيدُ لَا شَكَّ فِيهِ ... أَيُّ خَلْقٍ يَبْقَى عَلَى الْحَدَثَانِ لَا تَقُولُوا بِقَوْلِ بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ ... وَالْعَنُوهُ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ بِشْرٍ ... كَاسْتِعَاذَتِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا أَرَادَ الَّذِي أَرَادَ سِوَى الشِّرْكِ ... وَلَكِنْ كَنَّى عَنِ الْأَوْثَانِ بِالْقُرْآنِ أَهْتَدِي وَضَلَّ الَّذِي ضَلَّ ... وَكُلُّ مُخَاصِمٍ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْكُمْ بِدِينِكُمْ لَا تَبِيعُوهُ ... بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعِيشَةِ فَانِ لَا عَلَى الشِّرْكِ تَرْقُدُونَ وَإِنْ مُتُّمْ ... عَلَى الدِّينِ صِرْتُمْ لِلْجِنَانِ فَاقْبَلُوا النُّصْحَ مِنْ أَخٍ بَذَلَ النُّصْحَ ... لَكُمْ مِنْ ضَمِيرِهِ وَاللِّسَانِ