الإبانة الكبرى لابن بطةصفحات 538-559

بَابُ ذَمِّ الْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ , وَالتَّحْذِيرِ مِنْ أَهْلِ الْجِدَالِ وَالْكَلَامِ

صفحات 538-559
عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، ابن بطة
الكتاب
الإبانة الكبرى لابن بطة
المؤلف
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
المحقق
رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
الناشر
دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
عدد الأجزاء
9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
الطبعة
الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
الطبعة
الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
الطبعة
الأولى، 1426 هـ - 2005 م

مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ , أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ , وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَالْكَلَامُ فِيهِ غَيْرُ مَحْمُودٍ قَالَ: وَكَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ "

675 - وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يُفْلِحْ , لَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إِلَى خَيْرٍ»

675 - وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ الصَّايِغُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ قَلْبِهِ , وَلَا تَرَى صَاحِبَ كَلَامٍ يُفْلِحُ»

676 - وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «عَلَيْكُمْ بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ , وَمَا يَنْفَعُكُمُ اللَّهُ بِهِ , وَإِيَّاكُمْ وَالْخَوْضَ وَالْجِدَالَ وَالْمِرَاءِ , فَإِنَّهُ لَا يُفْلِحُ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ , وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ كَلَامًا لَمْ يَكُنْ آخِرُ أَمْرِهِ إِلَّا إِلَى بِدْعَةٍ , لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ , وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ وَلَا الْخَوْضَ وَلَا الْجِدَالَ , وَعَلَيْكُمْ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ وَالْفِقْهِ الَّذِي تَنْتَفِعُونَ بِهِ , وَدَعُوا الْجِدَالَ , وَكَلَامَ أَهْلِ الزَّيْغِ , وَالْمِرَاءَ , أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَلَا يَعْرِفُونَ هَذَا , وَيُجَانِبُونَ أَهْلَ الْكَلَامِ , وَعَاقِبَةُ الْكَلَامِ لَا تَئُولُ إِلَى خَيْرٍ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْفِتَنِ وَسَلَّمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ»

677 - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: قَالَ أَيُّوبُ: «إِذَا مَرَقَ أَحَدُكُمْ لَمْ يَعُدْ أَبَدًا»

677 - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا يُنَاظِرُ الْجَهْمِيَّةَ , وَيُبَيِّنُ خَطَأَهُمْ , وَيُدَقِّقُ عَلَيْهِمُ الْمَسَائِلَ فَمَا تَرَى؟ قُلْتُ: " لَسْتُ أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ , وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يُنَاظِرَهُمْ , أَلَيْسَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: «الْخُصُومَةُ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ , وَالْكَلَامُ الرَّدِيءُ لَا يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ كَلَامٍ , تَجَنَّبُوا أَصْحَابَ الْجِدَالِ وَالْكَلَامِ , عَلَيْكُمْ بِالسُّنَنِ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ قَبْلَكُمْ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ , وَالْخَوْضَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ , وَالْجُلُوسَ مَعَهُمْ , وَإِنَّمَا السَّلَامَةُ فِي تَرْكِ هَذَا , لَمْ نُؤْمَرْ بِالْجِدَالِ , وَالْخُصُومَاتِ مَعَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ , فَإِنَّهُ سَلَامَةٌ لَهُ مِنْهُ»

678 - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «صَاحِبُ كَلَامٍ لَا يَخْرُجُ حُبُّ الْكَلَامِ مِنْ قَلْبِهِ , إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِمُحْدَثَةٍ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الذَّبِّ عَنْهَا»

679 - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُحِبُّ الْكَلَامَ فَاحْذَرْهُ»

679 - وَأُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: " لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ كَلَامٍ , وَإِنْ ذَبَّ عَنِ السُّنَّةِ , فَإِنَّهُ لَا يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى خَيْرٍ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ حُذِّرْنَا الْخُصُومَةَ , وَالْمِرَاءَ , وَالْجِدَالَ , وَالْمُنَاظَرَةَ , وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ , وَإِنَّ هَذِهِ سَبِيلُ الْعُلَمَاءِ , وَطَرِيقُ الصَّحَابَةِ وَالْعُقَلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْمُسْتَبْصِرِينَ , فَإِنْ جَاءَنِي رَجُلٌ يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ , وَالْمَذَاهِبِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي قَدِ انْتَشَرَتْ , وَيُخَاطِبُنِي مِنْهَا بِأَشْيَاءَ يَلْتَمِسُ مِنِّي الْجَوَابَ عَلَيْهَا , وَأَنَا مِمَّنْ قَدْ وَهَبَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لِي عِلْمًا بِهَا , وَبَصَرًا نَافِذًا فِي كَشْفِهَا , أَفَأَتْرُكُهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا يُرِيدُ وَلَا أُجِيبُهُ , وَأُخَلِّيهِ وَهَوَاهُ وَبِدْعَتَهُ , وَلَا أَرُدُّ عَلَيْهِ قَبِيحَ مَقَالَتِهِ؟ فَإِنِّي أَقُولُ لَهُ: اعْلَمْ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الَّذِي تُبْلَى بِهِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ لَنْ يَخْلُوَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا رَجُلًا قَدْ عَرَفْتَ حُسْنَ طَرِيقَتِهِ , وَجَمِيلَ مَذْهَبِهِ , وَمَحَبَّتَهُ لِلسَّلَامَةِ , وَقَصْدَهُ طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ , وَإِنَّمَا قَدْ طَرَقَ سَمْعَهُ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ سَكَنَتِ الشَّيَاطِينُ قُلُوبَهُمْ , فَهِيَ تَنْطِقُ بِأَنْوَاعِ الْكُفْرِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ , وَلَيْسَ يَعْرِفُ وَجْهَ الْمَخْرَجِ مِمَّا قَدْ بُلِيَ بِهِ , فَسُؤَالُهُ سُؤَالُ مُسْتَرْشِدٍ يَلْتَمِسُ الْمَخْرَجَ مِمَّا بُلِيَ بِهِ , وَالشِّفَا مِمَّا أُوذِيَ.
. . . . . . إِلَى عِلْمِكَ حَاجَتُهُ إِلَيْكَ حَاجَةُ

الصَّادِي إِلَى الْمَاءِ الزُّلَالِ , وَأَنْتَ قَدِ اسْتَشْعَرْتَ طَاعَتَهُ , وَآمَنْتَ مُخَالَفَتَهُ , فَهَذَا الَّذِي قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكَ تَوْفِيقَهُ وَإِرْشَادَهُ مِنْ حَبَائِلِ كَيْدِ الشَّيَاطِينِ , وَلْيَكُنْ مَا تُرْشِدُهُ بِهِ , وَتُوقِفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ , وَإِيَّاكَ وَالتَّكَلُّفَ لِمَا لَا تَعْرِفُهُ , وَتَمَحُّلَ الرَّأْيِ , وَالْغَوْصَ عَلَى دَقِيقِ الْكَلَامِ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِكَ بِدْعَةٌ , وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ السُّنَّةَ , فَإِنَّ إِرَادَتَكَ لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَقِّ بَاطِلٌ , وَكَلَامَكَ عَلَى السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ السُّنَّةِ بِدْعَةٌ , وَلَا تَلْتَمِسْ لِصَاحِبِكَ الشِّفَاءَ بِسَقَمِ نَفْسِكَ , وَلَا تَطْلُبْ صَلَاحَهُ بِفَسَادِكَ , فَإِنَّهُ لَا يَنْصَحُ النَّاسَ مَنْ غَشَّ نَفْسَهُ , وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَا خَيْرَ فِيهِ لِغَيْرِهِ , فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ وَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ , وَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ أَعَانَهُ وَنَصَرَهُ "

680 - سَمِعْتُ جَعْفَرًا الْقَافْلَائِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمَرُّوذِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُسْلِمٍ الزَّاهِدَ , رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ , وَقَدْ ذَكَرَ يَوْمًا الْمُخَالِفِينَ , وَأَهْلَ الْبِدَعِ , فَقَالَ: «قَلِيلُ التَّقْوَى يَهْزِمُ الْعَسَاكِرَ وَالْجُيُوشَ»

681 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ , «يَنْهَى عَنِ الْجِدَالِ إِلَّا رَجُلًا إِنْ كَلَّمْتَهُ طَمَعْتَ فِي رُجُوعِهِ»

682 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْخَيَّاطُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ , قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ , قَالَ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: " آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: مَنْ يَقْبَلُ مِنْكَ قَالَ الشَّيْخُ: صَدَقَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ , فَهَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا إِمْرَةَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ , فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ لَكَ هَذِهِ

أَوْصَافُهُ , وَجَوَابُكَ لَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَدْ شَرَحْتُهُ , فَشَأْنَكَ بِهِ , وَلَا تَأْلُ فِيهِ جَهْدًا , فَهَذِهِ سَبِيلُ الْعُلَمَاءِ الْمَاضِينَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَعْلَامًا فِي هَذَا الدِّينِ , فَهَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ , وَرَجُلٌ آخَرُ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسٍ أَنْتَ فِيهِ حَاضِرٌ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِكَ , وَيَكْثُرُ نَاصِرُوكَ وَمُعِينُوكَ , فَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ فِيهِ فِتْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ عَلَى قُلُوبِ مُسْتَمِعِيهِ لِيُوقِعَ الشَّكَّ فِي الْقُلُوبِ , لِأَنَّهُ هُوَ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ يَتْبَعُ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَالْبِدْعَةِ , وَقَدْ حَضَرَ مَعَكَ مِنْ إِخْوَانِكَ وَأَهْلِ مَذْهَبِكَ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُ , إِلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ عِنْدَهُمْ عَلَى مُقَابَلَتِهِ , وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَبِيحِ مَا يَأْتِي بِهِ , فَإِنْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْمَنْ فِتْنَتَهُ بِأَنْ يُفْسِدَ بِهَا قُلُوبَ الْمُسْتَمِعِينَ , وَإِدْخَالُ الشَّكِّ عَلَى الْمُسْتَبْصِرِينَ , فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بِدْعَتَهُ , وَخَبِيثَ مَقَالَتِهِ , وَتَنْشُرُ مَا عَلَّمَكَ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ , وَلَا يَكُنْ قَصْدُكَ فِي الْكَلَامِ خُصُومَتَهُ وَلَا مُنَاظَرَتَهُ , وَلْيَكُنْ قَصْدُكَ بِكَلَامِكَ خَلَاصَ إِخْوَانِكَ مِنْ شَبَكَتِهِ , فَإِنَّ خُبَثَاءَ الْمَلَاحِدَةِ إِنَّمَا يَبْسُطُونَ شِبَاكَ الشَّيَاطِينِ لِيَصِيدُوا بِهَا الْمُؤْمِنِينَ , فَلْيَكُنْ إِقْبَالُكَ بِكَلَامِكَ , وَنَشْرِ عِلْمِكَ وَحِكْمَتِكَ , وَبِشْرِ وَجْهِكَ , وَفَصِيحِ مَنْطِقِكَ عَلَى إِخْوَانِكَ , وَمَنْ قَدْ حَضَرَ مَعَكَ لَا عَلَيْهِ , حَتَّى تَقْطَعَ أُولَئِكَ عَنْهُ , وَتَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اسْتِمَاعِ كَلَامِهِ , بَلْ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَقْطَعَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ تُحَوِّلُ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ عَنْهُ , فَافْعَلْ

683 - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَصْرَوِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ , قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ , سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَ هَؤُلَاءِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي مَوْضِعِ جِنَازَةٍ , أَوْ مَقْبَرَةٍ , فَيَتَكَلَّمُونَ , وَيُعْرِضُونَ فَتَرَى لَنَا أَنْ نُجِيبَهُمْ , فَقَالَ: «إِنْ كَانَ مَعَكَ مَنْ لَا يَعْلَمُ , فَرُدُّوا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَرَى أُولَئِكَ أَنَّ الْقَوْلَ كَمَا يَقُولُونَ , وَإِنْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَهُمْ فَلَا تُكَلِّمُوهُمْ , وَلَا تُجِيبُوهُمْ , فَهَذَانِ رَجُلَانِ قَدْ عَرَّفْتُكَ حَالَهُمَا , وَلَخَّصْتُ لَكَ وَجْهَ الْكَلَامِ لَهُمَا , وَثَالِثٌ مَشْئُومٌ قَدْ زَاغَ قَلْبُهُ , وَزَلَّتْ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ قَدَمُهُ , فَعَشِيَتْ بَصِيرَتُهُ , وَاسْتَحْكَمَتْ لِلْبِدْعَةِ نُصْرَتُهُ , يُجْهِدُهُ أَنْ يُشَكِّكَ فِي الْيَقِينِ , وَيُفْسِدَ عَلَيْكَ صَحِيحَ الدِّينِ» فَجَمِيعُ الَّذِينَ رُوِّينَاهُ , وَكُلُّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَجْلِهِ وَبِسَبَبِهِ , فَإِنَّكَ لَنْ تَأْتِيَ فِي بَابٍ حُصِرَ مِنْهُ , وَوَجِيعُ مَكِيدَتِهِ أَبْلَغُ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ جَوَابِهِ , وَالْإِعْرَاضِ عَنْ خَطَأٍ بِهِ , لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ مُنَاظَرَتِكَ أَنْ يَفْتِنَكَ فَتَتْبَعَهُ , فَيَمَلًَّكَ وَيَيْأَسَ مِنْكَ فَيُشْفِيَ غَيْظَهُ أَنْ يُسْمِعَكَ فِي دِينِكَ مَا تَكْرَهُهُ , فَأَخْسِئْهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُ , وَأَذِلَّهُ بِالْقَطِيعَةِ لَهُ , أَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ لَهُ الْقَائِلُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ تَعَالَ حَتَّى أُخَاصِمَكَ فِي الدِّينِ , فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَبْصَرْتُ دِينِي , فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَضْلَلْتَ دِينَكَ , فَالْتَمِسْهُ.
وَأَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ حِينَ جَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ , فَقَالَ لَهُ: أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي , وَأَمَّا أَنْتَ فَشَاكٌّ , فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ.
فَهَلْ يَأْتِي فِي جَوَابِ الْمُخَالِفِ مِنْ جَمِيعِ الْحُجَجِ حُجَّةٌ هِيَ أَسْخَنُ لِعَيْنِهِ , وَلَا أَغْيَظُ لِقَلْبِهِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ؟ وَالْجَوَابُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ: لَا تُجَالِسْ مَفْتُونًا , فَإِنَّهُ لَنْ يُخْطِئَكَ إِحْدَى اثْنَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَفْتِنَكَ فَتَتْبَعَهُ , وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِيَكَ قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَهُ " وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ حِينَ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أُكَلِّمُكَ بِكَلِمَةٍ , فَوَلَّى عَنْهُ , وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ: وَلَا نِصْفِ كَلِمَةٍ , وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ حِينَ قَالَ لِابْنِ أَبِي يَحْيَى: الْقَلْبُ ضَعِيفٌ , وَلَيْسَ الدِّينُ لِمَنْ غُلِبَ

684 - حَدَّثَنَا أَبُو طَلْحَةَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: قَالَ الْأَعْمَشُ: السُّكُوتُ جَوَابٌ , حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ شَبِيبَ بْنَ شَيْبَةَ , يَقُولُ: «مَنْ صَبَرَ عَلَى كَلِمَةٍ حَسَمَهَا , وَمَنْ أَجَابَ عَنْهَا اسْتَدَرَّهَا , فَإِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الِاسْتِقَامَةَ , وَيُؤْثِرُ طَرِيقَ السَّلَامَةِ , فَهَذِهِ طَرِيقُ الْعُلَمَاءِ , وَسَبِيلُ الْعُقَلَاءِ , وَلَكَ فِيمَا انْتَهَى إِلَيْكَ مِنْ عِلْمِهِمْ وَفِعْلِهِمْ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ , وَإِنْ كُنْتَ مِمَّنْ قَدْ زَاغَ قَلْبُهُ , وَزَلَّتْ قَدَمُهُ , فَأَنْتَ مُتَحَيِّزٌ إِلَى فِئَةِ الضَّلَالَةِ , وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ , قَدْ أَنِسْتَ بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْعُقَلَاءُ , وَرَغِبْتَ فِيمَا زَهَدَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ , قَدْ جَعَلْتَ لِقَوْمٍ بِطَانَتَكَ وَخِزَانَتَكَ قَدِ اسْتَبْشَرَتْ جَوَارِحُكَ بِلِقَائِهِمْ , وَأَنِسَ قَلْبُكَ بِحَدِيثِهِمْ , فَقَدْ جَعَلْتَ ذَرِيعَتَكَ إِلَى مُجَالَسَتِهِمْ , وَطَرِيقَكَ إِلَى مُحَادَثَتِهِمْ , إِنَّكَ تُرِيدُ بِذَلِكَ مُنَاظَرَتَهُمْ , وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ , وَرَدَّ بَالَهُمْ إِلَيْهِمْ , فَإِنْ تَكُ بَهْرَجَتُكَ خَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ الْغَفْلَةِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ , فَلَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ , وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ»

685 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّاجِيَانِ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ فَتْحُ بْنُ شَخْرَفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ , قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى مُوسَى: يَا مُوسَى «قُلْ لِلْمُبَهْرِجِ عَلَيَّ دِينَهُ مِيعَادُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْكَوْرُ , وَالسِّبَاكُ مَلَكٌ»

686 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ , قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ يُنْشِدُ: « [البحر الوافر] أَأَقْعُدُ بَعْدَمَا رَجَفَتْ عِظَامِي ... وَكَانَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مَا يَلِينِي أُنَاظِرُ كُلَّ مُبْتَدَعٍ خَصِيمٍ ... وَأَجْعَلُ دِينَهُ عَرَضًا لَدِينِي فَأَتْرُكُ مَا عَلِمْتُ لَرَأْيِ غَيْرِي ... وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِينِ وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَنٌ قُدَامَى ... يَلْحَنُ بِكُلِّ فَجٍّ أَوْ أَحِينِ وَمَا أَنَا وَالْخُصُومَةُ وَهِيَ لُبْسٌ ... تَفَرَّقَ فِي الشِّمَالِ وَفِي الْيَمِينِ وَمَا عَوَّضَ لَنَا مِنْهَاجُ جَهْمٍ ... بِمِنْهَاجِ ابْنِ آمِنَةَ الْأَمِينِ»

687 - أَمْلَى عَلَيَّ أَبُو عُمَرَ النَّحْوِيُّ , وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ , وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَرِّدُ , قَالَ: أَنْشَدَنِي الرِّيَاشِيُّ لِمُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ يَعِيبُ الْمُتَكَلِّمِينَ: « [البحر المنسرح] يَا سَائِلِي عَنْ مَقَالَةِ الشِّيَعِ ... وَعَنْ صُنُوفِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ دَعْ مَنْ يَقُولُ الْكَلَامَ نَاحِيَةً ... فَمَا يَقُولُ الْكَلَامَ ذُو وَرَعِ كُلُّ أُنَاسٍ بِزِيِّهِمْ حَسَنٌ ... ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدُ لِلشِّيَعِ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ ... لَمْ يَكُ فِي قَوْلِهِ بِمُنْقَطِعِ»

688 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَرَوِيُّ , كَانَ الشَّافِعِيُّ " يَنْهَى النَّهْيَ الشَّدِيدَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْأَهْوَاءِ , وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِذَا خَالَفَهُ أَخوهُ: قَدْ كَفَرْتَ , وَالْعِلْمُ إِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ: أَخْطَأْتَ "

688 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ أَكْذَبَ فِي الدَّعْوَى , وَلَا أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ» قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَذَا النَّهْيُ وَالتَّحْذِيرُ عَنِ الْجَدَلِ فِي الْأَهْوَاءِ , وَالْمُمَارَاةِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ فَهِمْنَاهُ , وَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا فِيهِ عِظَةٌ وَمَنْفَعَةٌ , فَمَا نَصْنَعُ بِالْجَدَلِ وَالْحِجَاجِ فِيمَا يُعْرَضُ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ فِي الْفِقْهِ , فَإِنَّا نَرَى الْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ يَتَنَاظَرُونَ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرًا فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ , وَلَهُمْ بِذَلِكَ حِلَقٌ وَمَسَاجِدُ , فَإِنِّي أَقُولُ لَهُ: هَذَا لَسْتُ أَمْنَعُكَ مِنْهُ , وَلَكِنِّي أَذْكُرُ

لَكَ الْأَصْلَ الَّذِي بَنَى الْمُسْلِمُونَ أَمْرَهُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى , كَيْفَ أَسَّسُوهُ وَوَضَعُوهُ , فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَصْلُ أَصْلُهُ , وَهُوَ قَصْدُهُ وَمُعَوَّلُهُ , فَالْحِجَاجُ وَالْمُنَاظَرَةُ لَهُ مُبَاحَةٌ , وَهُوَ مَأْجُورٌ , ثُمَّ أَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى نَفْسِكَ , فَهُوَ الْمَطَّلِعُ عَلَى سِرِّكَ , فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ النَّصِيحَةُ , وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ النَّصِيحَةِ أَفْقَرَ وَلَا أَحْوَجَ , وَلَا هِيَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَفْرَضُ وَلَا أَلْزَمُ مِنَ النَّصِيحَةِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ قِوَامُ الدِّينِ وَبِهِ أَدَّيْتَ الْفَرَائِضَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَالَّذِي يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَمُنَاظَرَاتِهِمْ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَالْأَحْكَامِ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ بِالنَّصِيحَةِ , وَاسْتِعْمَالُ الْإِنْصَافِ وَالْعَدْلِ وَمُرَادِ الْحَقِّ الَّذِي بِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ , فَمِنَ النَّصِيحَةِ أَنْ تَكُونَ تُحِبُّ صَوَابَ مُنَاظِرِكَ , وَيَسُوؤُكَ خَطَأُهُ , كَمَا تُحِبُّ الصَّوَابَ مِنْ نَفْسِكَ , وَيَسُوؤُكَ الْخَطَأُ مِنْهَا , فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ هَكَذَا كُنْتَ غَاشًّا لِأَخِيكَ , وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَكُنْتَ مُحِبًّا أَنْ يَخْطَأَ فِي دِينِ اللَّهِ وَأَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ , وَلَا يُصِيبُ الْحَقَّ فِي الدِّينِ وَلَا يَصْدُقُ , فَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُكَ أَنْ يَسُرَّكَ صَوَابُ مُنَاظِرِكَ وَيَسُوءَكَ خَطَأُهُ فَأَصَابَ وَأَخْطَأْتَ لَمْ يَسُؤْكَ الصَّوَابُ , وَلَمْ تَدْفَعْ مَا أَنْتَ تُحِبُّهُ بَلْ سَرَّكَ ذَلِكَ , وَتَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالسُّرُورِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ وَفَّقَ صَاحِبَكَ لِمَا كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْهُ , فَإِنْ أَخْطَأَ سَاءَكَ ذَلِكَ , وَجَعَلْتَ هِمَّتَكَ التَّلَطُّفَ لِتَزِيلَهُ عَنْهُ , لِأَنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَلْزَمُكَ النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ , فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ بَذَلْتَهُ وَأَحْبَبْتَ قَبُولَهُ , وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِكَ قَبِلْتَهُ , وَمَنْ دَلَّكَ عَلَيْهِ شَكَرْتَ لَهُ , فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُكَ , وَهَذِهِ دَعْوَاكَ , فَأَيْنَ تَذْهَبُ عَمَّا أَنْتَ لَهُ طَالِبٌ , وَعَلَى جَمْعِهِ حَرِيصٌ , وَلَكِنَّكَ وَاللَّهِ يَا أَخِي تَأْبَى الْحَقَّ , وَتُنْكِرُهُ إِذَا سَبَقَكَ مُنَاظِرُكَ إِلَيْهِ , وَتَحْتَالُ لِإِفْسَادِ صَوَابِهِ , وَتَصْوِيبِ خَطَئِكَ , وَتَغْتَالُهُ وَتُلْقِي عَلَيْهِ التَّغَالِيظَ وَتُظْهِرُ التَّشْنِيعَ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي عَيْنِكَ وَعِنْدَ أَهْلِ مَجْلِسِكَ أَنَّهُ أَقَلُّ عِلْمًا مِنْكَ , فَذَاكَ الَّذِي تَجْحَدُ صَوَابَهُ , وَتُكَذِّبُ حَقَّهُ , وَلَعَلَّ الْأَنَفَةَ تَحْمِلُكَ إِذَا هُوَ احْتَجَّ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ خَالَفَ قَوْلَكَ , فَقَالَ لَكَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قُلْتَ: لَمْ يَقُلْهُ رَسُولِ اللَّهِ , فَجَحَدْتَ

الْحَقَّ الَّذِي تَعْلَمُهُ , وَرَدَدْتَ السُّنَّةَ , فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُكَ إِنْكَارَهُ أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلَّةً تُغَيِّرُ بِهَا مَعْنَاهُ , وَصَرَفْتَ الْحَدِيثَ إِلَى غَيْرِ وَجْهِهِ , فَإِرَادَتُكَ أَنْ يَخْطَأَ صَاحِبُكَ خَطَأٌ مِنْكَ , وَاغْتِمَامُكَ بِصَوَابِهِ غِشٌّ فِيكَ , وَسُوءُ نِيَّةٍ فِي الْمُسْلِمِينَ.
فَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَنْ كَرِهَ الصَّوَابَ مِنْ غَيْرِهِ وَنَصَرَ الْخَطَأَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ مَا عَلَّمَهُ , وَيُنْسِيَهُ مَا ذَكَّرَهُ , بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ إِيمَانَهُ , لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكَ افْتَرَضَ عَلَيْكَ طَاعَتَهُ , فَمَنْ سَمِعَ الْحَقَّ فَأَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ لَهُ فَهُوَ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ عَلَى اللَّهِ , وَمَنْ نَصَرَ الْخَطَأَ فَهُوَ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ , فَإِنْ قُلْتَ أَنْتَ الصَّوَابَ وَأَنْكَرَهُ خَصْمُكَ وَرَدَّهُ عَلَيْكَ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَنَفَتِكَ , وَأَشَدَّ لِغَيْظِكَ وَحَنْقِكَ وَتَشْنِيعِكَ وَإِذَاعَتِكَ , وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْعِلْمِ , وَلَا مُوَافِقٌ لِلْحَقِّ

689 - أَبْلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَرَوِيِّ الْمِصْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ , فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَخْطَأَ , وَمَا فِي ظَنِّي عِلْمٌ إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ , وَلَا يُنْسَبُ إِلَيَّ»

689 - وَبَلَغَنِي عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ أَعْلَمُهُ يَعْلَمُهُ النَّاسُ , أُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْمَدُونَنِي»

690 - وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ , قَالَ: سَمِعْتُ حُسَيْنًا الزَّعْفَرَانِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَحْلِفُ وَهُوَ يَقُولُ:

«مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا عَلَى النَّصِيحَةِ , وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا مَا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ , أَفَهَكَذَا أَنْتَ يَا أَخِي بِاللَّهِ عَلَيْكَ؟ إِنِ ادَّعَيْتَ ذَلِكَ , فَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّكَ خَيِّرٌ مِنَ الْأَخْيَارِ , وَبَدَلٌ مِنَ الْأَبْدَالِ , وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ أَهْلِ وَقْتِنَا أَنَّهُمْ يُنَاظِرُونَ مُغَالَبَةً لَا مُنَاظَرَةً , وَمُكَايَدةً لَا مُنَاصَحَةً , وَلَرُبَّمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مَا قَدْ كَثُرَ وَانْتَشَرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ , فَمِمَّا يَظْهَرُ مِنْ قَبِيحِ أَفْعَالِهِمْ وَمَا يَبْلُغُ بِهِمْ حُبَّ الْغَلَبَةِ , وَنُصْرَةَ الْخَطَأِ أَنْ تَحْمَرَّ وُجُوهُهُمْ , وَتَدُرَّ عُرُوقُهُمْ , وَتَنْتَفِخَ أَوْدَاجُهُمْ , وَيَسِيلُ لُعَابُهُمْ , وَيَزْحَفُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ , حَتَّى رُبَّمَا لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَرُبَّمَا بَزَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ , وَرُبَّمَا مَدَّ أَحَدُهُمْ يَدَهُ إِلَى لِحْيَةِ صَاحِبِهِ , وَلَقَدْ شَهِدْتُ حَلْقَةَ بَعْضِ الْمُتَصَدِّرِينَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ , فَتَنَاظَرَ أَهْلُ مَجْلِسِهِ بِحَضْرَتِهِ , فَأَخْرَجَهُمْ غَيْظُ الْمُنَاظَرَةِ , وَحِمْيَةُ الْمُخَالَفَةِ إِلَى أَنْ قَذَفَ بَعْضُهُمْ زَوْجَةَ صَاحِبِهِ وَوَالِدَتَهُ , فَحَسْبُكَ بِهَذِهِ الْحَالِ بَشَاعَةٌ وَشَنَاعَةٌ عَلَى سَفَهِ النَّاسِ وَجُهَّالِهِمْ , فَكَيْفَ بِمَنْ تَسَمَّى بِالْعِلْمِ , وَتَرَشَّحَ لِلْإِمَامَةِ وَالْفُتْيَا , وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمُنَاظِرِينَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ , فَمَا رَأَيْتُ وَلَا حُدِّثْتُ , وَلَا بَلَغَنِي أَنَّ مُخْتَلِفَيْنِ تَنَاظَرَا فِي شَيْءٍ فَفَلَجَتْ حُجَّةُ أَحَدِهِمَا , وَظَهَرَ صَوَابُهُ , وَأَخْطَأَ الْآخَرُ , وَظَهَرَ خَطَأُهُ , فَرَجَعَ الْمُخْطِئُ عَنْ خَطَئِهِ , وَلَا صَبَا إِلَى صَوَابِ صَاحِبِهِ , وَلَا افْتَرَقَا إِلَّا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالْمُبَايَنَةِ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَسِّكٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ , وَلَرُبَّمَا عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى الْخَطَأِ , فَاجْتَهَدَ فِي نُصْرَتِهِ , وَهَذِهِ أَخْلَاقٌ كُلُّهَا تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ»

691 - سَمِعْتُ 1131 بَعْضَ , شُيُوخِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: «الْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ , وَالْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاظَرَةِ غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ , وَحَسْبُكَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَصْلًا تَرْجِعُ إِلَيْهِ , وَتَحْمِلُ أُمُورَكَ كُلَّهَا عَلَيْهِ , وَبِمَا حَكَيْتُهُ لَكَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُنَاظِرِينَ , وَسُوءِ مَذَاهِبِهِمْ عَارًا تَأْنَفُ مِنْهُ , وَتَنْأَى عَنْهُ»

692 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ , عَنِ الْأَسْوَدِ الْبُوشَجَانِيُّ , قَالَ: قَالَ مُسَاوِرٌ الْوَرَّاقُ: « [البحر البسيط] كُنَّا مِنَ الْعِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي سَعَةٍ ... حَتَّى ابْتُلِينَا بِأَصْحَابِ الْمَقَايِيسِ قَوْمٌ إِذَا نَاظَرُوا ضَجُّوا كَأَنَّهُمْ ... ثَعَالِبُ صَوَّتَتْ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ أَمَّا الْعُرَيْبُ فَقَوْمٌ لَا عَطَاءَ لَهُمْ ... وَفِي الْمَوَالِي عَلَامَاتُ الْمَفَالِيسِ قَامُوا عَنِ السُّوقِ إِذْ قَلَّتْ مَكَاسِبُهُمْ ... وَأَحْدَثُوا الرَّأْيَ وَالْإِقْتَارَ وَالْبُؤْسِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعُرَيْبُ تَصْغِيرُ الْعَرَبِ

بَابُ التَّحْذِيرِ مِنِ اسْتِمَاعِ كَلَامِ قَوْمٍ يُرِيدُونَ نَقْضَ الْإِسْلَامِ , وَمَحْوَ شَرَائِعِهِ فَيُكَنُّونَ عَنْ ذَلِكَ بِالطَّعْنِ عَلَى فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ , وَعَيْبِهِمْ بِالِاخْتِلَافِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ ذَكَرْتَ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْفُرْقَةِ , وَتَحْذِيرَهُ أُمَّتَهُ ذَلِكَ , وَحَضَّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ , وَقُلْتَ:

إِنَّ ذَلِكَ هُوَ أَصْلُ الْمُسْلِمِينَ , وَدُعَامَةُ الدِّينِ , وَأَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ هِيَ وَاحِدَةٌ , وَالْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ نَيْفٌ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً , وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَيْضًا فِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ , وَتَبَايُنٌ فِي الْمَذَاهِبِ , وَنَرَى فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُخْتَلِفِينَ , فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ يَقُولُهُ , وَمَذْهَبٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَنْصُرُهُ , وَيَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ , فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إِمَامٌ , وَلَهُ أَصْحَابٌ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ , وَيَعِيبُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ , وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ , وَكَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ , وَطَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ , وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَهُ مَذْهَبٌ يُخَالِفُ فِيهِ غَيْرَهُ.
وَنَرَى قَوْمًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ , وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَعِيبُونَنَا بِهَذَا الِاخْتِلَافِ , وَيَقُولُونَ لَنَا: الْحَقُّ وَاحِدٌ , فَكَيْفَ يَكُونُ فِي وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , فَإِنِّي أَقُولُ لَهُ فِي جَوَّابِ هَذَا السُّؤَالِ: أَمَّا مَا تَحْكِيهِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّا يَعِيبُونَ بِهِ أَهْلَ التَّوْحِيدِ , وَالْإِثْبَاتِ مِنَ الِاخْتِلَافِ , فَإِنِّي قَدْ تَدَبَّرْتُ كَلَامَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى , فَإِذَا

هُمْ لَيْسَ الِاخْتِلَافُ يَعِيبُونَ , وَلَا لَهُ يَقْصِدُونَ , وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ عَلِمُوا أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ وَالْمُلُوكَ وَالسُّوقَةَ وَالْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ وَأَهْلَ الدُّنْيَا كَافَّةً إِلَى الْفُقَهَاءِ يَرْجِعُونَ , وَلِأَمْرِهِمْ يُطِيعُونَ , وَبِحُكْمِهِمْ يَقْضُونَ فِي كُلِّ مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ , وَفِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ , فَعَلَى فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَعُولُونَ فِي رُجُوعِ النَّاسِ إِلَى فُقَهَائِهِمْ , وَطَاعَتُهُمْ لِعُلَمَائِهِمْ ثَبَاتٌ لِلدِّينِ , وَإِضَاءَةٌ لِلسَّبِيلِ , وَظُهُورٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ , وَكُلُّ ذَلِكَ , فَفِيهِ غَيْظٌ لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ , وَاضْمِحْلَالٌ لِلْبِدَعِ , فَهُمْ يُوهُونَ أَمْرَ الْفُقَهَاءِ , وَيُضَعِّفُونَ أُصُولَهُمْ , وَيَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ بِالِاخْتِلَافِ لِتَخْرُجَ الرَّعِيَّةُ عَنْ طَاعَتِهِمْ , وَالِانْقِيَادِ لِأَحْكَامِهِمْ , فَيُفْسَدُ الدِّينُ , وَتُتْرَكُ الصَّلَوَاتُ وَالْجَمَاعَاتُ , وَتُبْطَلُ الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ , وَيُسْتَحَلُّ الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخُمُورُ وَالْفُجُورُ , وَمَا قَدْ ظَهَرَ مِمَّا لَا خِفَاءَ بِهِ عَلَى الْعُقَلَاءِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ , وَيَعِيبُونَ مَا يَأْتُونَ , وَيَجْحَدُونَ مَا يَعْلَمُونَ , وَيُبْصِرُونَ الْقَذَى فِي عُيُونِ غَيْرِهِمْ , وَعُيُونُهُمْ تَطْرِفُ عَلَى الْأَجْذَالِ , وَيَتَّهِمُونَ أَهْلَ الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّقْلِ , وَلَا يَتَّهِمُونَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى الظَّنِّ , وَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ اخْتِلَافًا , وَأَشَدُّهُمْ تَنَافِيًا وَتَبَايُنًا , لَا يَتَّفِقُ اثْنَانِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى قَوْلٍ , وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَلَى مَذْهَبٍ.
فَأَبُو الْهُذَيْلِ يُخَالِفُ النَّظَّامَ ,

وَحُسَيْنٌ النَّجَّارُ يُخَالِفُهُمَا , وَهِشَامٌ الْفُوَطِيُّ يُخَالِفُهُمْ , وَثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ يُخَالِفُ الْكُلَّ , وَهَاشِمٌ الْأَوْقَصُ وَصَالِحُ بْنُ قُبَّةَ يُخَالِفَانِهِمْ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ دِينًا يَنْصُرُهُ , وَرَبًّا يَعْبُدُهُ , وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابٌ يَتْبَعُونَهُ , وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ , وَيَلْعَنُ مَنْ لَا يَتْبَعُهُ , وَهُمْ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَتَبَايُنِهِمْ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: 113]. فَاخْتِلَافُهُمْ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ , وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ , وَفِي الْكَيْفِيَّةِ , وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ , وَفِي عَظَمَتِهِ , وَفِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ , وَفِي عَذَابِ النَّارِ , وَفِي الْبَرْزَخِ , وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ , وَفِي الرَّقِّ الْمَنْشُورِ , وَفِي عِلْمِ اللَّهِ ,

وَفِي الْقُرْآنِ , وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ , إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ , وَلَيْسَ يُعْدَمُ مَنْ رَدَّ الْعِلْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَى رَأْيِهِ , وَهَوَاهُ , وَقِيَاسِهِ , وَنَظَرِهِ , وَاخْتِيَارِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْعَظِيمِ , وَالتَّبَايُنِ الشَّدِيدِ.
وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَأَشَدُّ النَّاسِ اخْتِلَافًا وَتَبَايُنًا وَتَطَاعُنًا , فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَارُ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ يَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ , وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ , وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا صَلَاةَ , وَلَا صِيَامَ , وَلَا جِهَادَ , وَلَا جُمُعَةَ , وَلَا عِيدَيْنِ , وَلَا نِكَاحَ , وَلَا طَلَاقَ , وَلَا بَيْعَ , وَلَا شِرَاءَ إِلَّا بِإِمَامٍ , وَإِنَّهُ مَنْ لَا إِمَامَ لَهُ فَلَا دِينَ لَهُ , وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ إِمَامُهُ فَلَا دِينَ لَهُ , ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَئِمَّةِ , فَالْإِمَامِيَّةُ لَهَا إِمَامٌ تُسَوِّدُهُ وَتَلْعَنُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ غَيْرُهُ , وَتُكَفِّرُهُ , وَكَذَلِكَ الزَّيْدِيَّةُ لَهَا إِمَامٌ غَيْرُ إِمَامِ الْإِمَامِيَّةِ , وَكَذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ , وَكَذَلِكَ الْكَيْسَانِيَّةُ وَالْبُتْرِيَّةُ , وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَنْتَحِلُ مَذْهَبًا وَإِمَامًا , وَتَلْعَنُ مَنْ خَالَفَهَا عَلَيْهِ , وَتُكَفِّرُهُ , وَلَوْلَا مَا نُؤْثِرُهُ مِنْ صِيَانَةِ الْعِلْمِ الَّذِي أَعْلَى اللَّهُ أَمْرَهُ , وَشَرَّفَ قَدْرَهُ , وَنَزَّهَهُ أَنْ يُخْلَطَ بِهِ نَجَاسَاتُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَقَبِيحُ أَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمُ الَّتِي تَقْشَعِرُّ الْجُلُودُ مِنْ ذِكْرِهَا , وَتَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنِ اسْتِمَاعِهَا , وَيُنَزِّهُ الْعُقَلَاءُ أَلْفَاظَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ لَفْظِهَا لَذَكَرْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ , وَلَكِنَّهُ.

693 - قَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ , رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي عَلَى طَهَارَةٍ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا تَقُولُهُ الرَّوَافِضُ

694 - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ , وَلَوْلَا أَنَّكَ قُلْتَ إِنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ يَطْعَنُونَ عَلَى أَئِمَّتِنَا , وَعُلَمَائِنَا بِاخْتِلَافِهِمْ , فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرُوهُ هُمُ ابْتَدَعُوهُ , وَأَنَّ الَّذِي عَابُوهُ هُمُ اسْتَحْسَنُوهُ , وَلَوْلَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أُصُولِهِمْ وَعُقُودِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ لَمَا دَنَّسْنَا أَلْفَاظَنَا بِذِكْرِ حَالِهِمْ.
فَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا اخْتِلَافٌ الْإِقْرَارُ بِهِ إِيمَانٌ وَرَحْمَةٌ وَصَوَابٌ , وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الْمَحْمُودُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ , وَمَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ , وَرَضِيَتْ بِهِ الْأُمَّةُ , وَذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي أُصُولُهَا تَرْجِعُ إِلَى الْإِجْمَاعِ , وَالِائْتِلَافِ.
وَاخْتِلَافٌ هُوَ كُفْرٌ وَفُرْقَةٌ وَسَخْطَةٌ وَعَذَابٌ يَئُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الشَّتَاتِ وَالتَّضَاغُنِ وَالتَّبَايُنِ وَالْعَدَاوَةِ وَاسْتِحْلَالِ الدَّمِ وَالْمَالِ , وَهُوَ اخْتِلَافُ أَهْلِ الزَّيْغِ فِي الْأُصُولِ وَالِاعْتِقَادِ وَالدِّيَانَةِ.
فَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الزَّيْغِ , فَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ كَيْفَ هُوَ , وَفِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي يُئُولُ بِأَهْلِهِ إِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْأُلْفَةِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّرَاحُمِ , فَإِنَّ أَهْلَ الْإِثْبَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالرِّسَالَةِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ , وَبِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ , وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ , وَمَا لَمْ يَشَأْ لَا يَكُونُ , وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمُقَدِّرُهُمَا , وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَعَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ بَاقِيَتَانِ بِبَقَاءِ اللَّهِ , وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ , وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ , وَأَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ لَا بِدَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ وَلَا غَايَةَ , بِصِفَاتِهِ التَّامَّةِ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا , نَاطِقًا , سَمِيعًا , بَصِيرًا , حَيًّا , حَلِيمًا , قَدْ عَلِمَ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ , وَأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ خَلْقِ

الْأَشْيَاءِ , وَمُجْمِعُونَ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ , وَعُثْمَانَ , وَعَلِيٍّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ , وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ جَزْمًا وَحَتْمًا لَا شَكَّ فِيهِ , وَمُجْمِعُونَ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ , وَلِأَزْوَاجِهِ , وَأَوْلَادِهِ , وَأَهْلِ بَيْتِهِ , وَالْكَفِّ عَنْ ذِكْرِهِمْ إِلَّا بِخَيْرٍ , وَالْإِمْسَاكُ وَتَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ , فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ لَمْ يَزَلِ النَّاسُ مُذْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا وَسَهْلِهَا وَجَبَلِهَا يَرْوِيهِ الْعُلَمَاءُ رُوَاةُ الْآثَارِ , وَأَصْحَابُ الْأَخْبَارِ , وَيَعْرِفُهُ الْأُدَبَاءُ وَالْعُقَلَاءُ , وَيَجْمَعُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسْوَانُ وَالشَّيْبُ وَالشُّبَّانُ وَالْأَحْدَاثُ , وَالصِّبْيَانُ فِي الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ , وَالْعَرَبِ , وَالْعَجَمِ , لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ , وَلَا يَشِذُّ عَنِ الْإِجْمَاعِ مَعَ النَّاسِ فِيهِ إِلَّا رَجُلٌ خَبِيثٌ زَائِغٌ مُبْتَدِعٌ مَحْقُورٌ مَهْجُورٌ مَدْحُورٌ , يَهْجُرُهُ الْعُلَمَاءُ , وَيَقْطَعُهُ الْعُقَلَاءُ , إِنْ مَرِضَ لَمْ يَعُودُوهُ , وَإِنْ مَاتَ لَمْ يَشْهَدُوهُ.
ثُمَّ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ مُجْمِعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ خَمْسٌ , وَعَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ , وَعَلَى الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ , وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَتَحْرِيمِ شَهَادَةِ الزُّورِ , وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ , وَمَا يَطُولُ الْكِتَابُ بِشَرْحِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ , وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافًا لَمْ يَصِرْ بِهِمْ إِلَى فُرْقَةٍ , وَلَا شَتَاتٍ , وَلَا مُعَادَاةٍ , وَلَا تُقَاطُعٍ , وَتَبَاغُضٍ , فَاخْتَلَفُوا فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَالنَّوَافِلِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ , فَكَانَ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ , وَنَفَسٌ , وَفُسْحَةٌ , وَرَحْمَةٌ , وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ذَلِكَ , وَلَا أَكْفَرَهُ , وَلَا سَبَّهُ , وَلَا لَعَنَهُ , وَلَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحْكَامِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا عَلِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ , وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَالْأَئِمَّةُ وَالْحُجَّةُ.
فَكانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَا يَرِثُهُ الْأَبُ , وَيَحْجِبُ مَنْ يُحْجِبُهُ الْأَبُ , فَخَالَفَهُ عَلَى ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَخَالَفَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , وَخَالَفَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ , وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفَرَائِضِ , وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي

أَبْوَابٍ مِنَ الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ , وَفِي الرُّهُونِ , وَالدُّيُونِ , وَالْوَدِيعَةِ , وَالْعَارِيَةِ , وَفِي الْمَسَائِلِ الَّتِي الْمُصِيبُ فِيهَا مَحْمُودٌ مَأْجُورٌ , وَالْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِرَأْيِهِ الْمُعْتَمِدُ لِلْحَقِّ إِذَا أَخْطَأَ فَمَأْجُورٌ أَيْضًا غَيْرُ مَذْمُومٍ , لِأَنَّ خَطَأَهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْمِلَّةِ , وَلَا يُوجِبُ لَهُ النَّارَ , وَبِذَلِكَ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

جارٍ التحميل