بَابُ الْقَوْلِ فِي الْمُرْجِئَةِ وَمَا رُوِيَ فِيهِ وَإِنْكَارِ الْعُلَمَاءِ لِسُوءِ مَذَاهِبِهِمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
فَلَا يُوجد شَيْء خَارج قَضَاء الله وَقدره لم يسْبق بِهِ علمه وَلم يجر بِهِ قلمه كَمَا جَاءَ بَيَان ذَلِك فِي حَدِيث سراقَة بن مَالك رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ قَالَ يَا رَسُول الله أنعمل لأمر فرغ مِنْهُ اَوْ لأمر نأتنفه فَقَالَ بل لأمر فرغ مِنْهُ فَقَالَ سراقَة ابْن مَالك يار سَوَّلَ الله فَفِيمَا الْعَمَل إِذا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَفِي كِتَابَة الْمَقَادِير الأزلية جَاءَ قَوْله تَعَالَى ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ وَقَوله عز وَجل ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فدلت الْآيَة الأولى على أَن الله تَعَالَى أقسم بالقلم الَّذِي سطر الْمَقَادِير فِي الْأَزَل ودلت الْآيَة الثَّانِيَة على ان الْمَلَائِكَة الموكلين بِحِفْظ أَعمال الْعباد اليومي وكتابتها كَانُوا يستنسخون من الْكتاب السَّابِق الَّذِي كتبه الْقَلَم فِي أم الْكتاب أزلا فَيكون عمل الرجل اليومي مطابقا لما يستنسخ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ كَمَا فسره بذلك حبر الْأمة عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَمَعَ ثُبُوت أزلية الْقدر بِالْكتاب وَالسّنة زعمت الْقَدَرِيَّة أَن الله تَعَالَى لم يقدر مقادير الْأَشْيَاء أزلا وَالْأَمر آنف لم يعلم بِهِ الله إِلَّا بعد وجوده تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا قلت إِن أزلية الْقدر الإلهي مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الرِّوَايَات من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة وَغَيرهم من عُلَمَاء السّنة الَّذين ألفوا فِي بَيَان مَذْهَب السّلف مثل الْآجُرِيّ فِي الشَّرِيعَة واللالكائي فِي شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي كثير من مؤلفاته وَابْن الْقيم الجوزية فِي كِتَابه شِفَاء العليل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الِاعْتِقَاد بِالْإِضَافَة إِلَى مَا رَود من ذَلِك فِي كثير من آيَات الله الْبَينَات المثبتة للقدر الأزلي لَهُ تَعَالَى هدفهم جَمِيعًا الرَّد على الْقَدَرِيَّة الْمُنكرَة لذَلِك والجدير بِالذكر أَن ثُبُوت الْقدر الأزلي وَالْإِيمَان بِهِ لَا يسْقط المسؤولية عَن
الْمُكَلّفين فَلَا يجوز لأحد الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ فِي ترك الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة أمرا أَو نهيا لِأَن ذَلِك مَا تَقْتَضِيه نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فالإيمان بِالْقدرِ دون الْعَمَل بالشريعة هُوَ مَذْهَب الجبرية كَمَا أَن التَّمَسُّك بتكاليف الشَّرِيعَة دون الْإِيمَان بِالْقدرِ هُوَ مَذْهَب الْقَدَرِيَّة وَلَا شكّ ان كلا من المذهبين بَاطِل رد عَلَيْهِمَا عُلَمَاء السّنة فِي كل زمَان وَمذهب أهل السّنة يُوجب الْإِيمَان بِالْقدرِ مَعَ الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة دون احتجاج بِالْقضَاءِ وَالْقدر فِي ارْتِكَاب الْمعاصِي وَترك الْوَاجِبَات لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأَصْحَابه لما سَأَلُوهُ عَن ذَلِك اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية إِن الْقدر نؤمن بِهِ وَلَا نحتج بِهِ فَمن احْتج بِالْقدرِ فحجته داحضة وَمن اعتذر بِالْقدرِ فعذره غير مَقْبُول وَلَو كَانَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ مَقْبُولًا لقبل من إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يقطع سَارِق وَلَا قتل قَاتل وَلَا أقيم حد على ذِي جريمة وَلَا جوهد فِي سَبِيل الله وَلَا أَمر بِمَعْرُوف وَلَا نهي عَن مُنكر وَقد سُئِلَ رَسُول الله عَن هَذَا فَقيل يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَسلف الْأمة وأئمتهم متفقون على أَن الْعباد مأمورون بِمَا أَمرهم الله بِهِ منهيون عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ ومتفقون على الْإِيمَان بوعده ووعيده الَّذِي نطق بِهِ الْكتاب وَالسّنة ومتفقون أَنه لَا حجَّة لأحد على الله فِي وَاجِب تَركه ومحرم فعله بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة على عباده وَمن احْتج بِالْقدرِ على ترك مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور أَو دفع مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص فِي الْوَعْد والوعيد فَهُوَ أعظم ضلالا وافتراء على الله وَمُخَالفَة لدين الله من أُولَئِكَ الْقَدَرِيَّة وَقد عقد ابْن الْقيم لبَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة بَابا خَاصّا عنوانه الْبَاب السَّابِع فِي أَن سبق الْمَقَادِير بالسعادة والشقاء لَا يَقْتَضِي ترك الْأَعْمَال بل يُوجب
الِاجْتِهَاد والحرص لِأَنَّهُ تَقْدِير بالأسباب ثمَّ قَالَ يسْبق إِلَى أفهام كثير من النَّاس أَن الْقَضَاء وَالْقدر إِذا كَانَ قد سبق فَلَا فَائِدَة فِي الْأَعْمَال وَأَن مَا قَضَاهُ الرب سُبْحَانَهُ وَقدره لَا بُد من وُقُوعه فتوسط الْعَمَل لَا فَائِدَة فِيهِ وَفِيه سبق إِيرَاد هَذَا السُّؤَال من الصَّحَابَة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأجَاب بِمَا فِيهِ الشِّفَاء وَالْهَدْي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَليّ بن أبي طَالب كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد فَأَتَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ مخصرة فَنَكس فَجعل ينْكث بمخصرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد مَا من نفس منفوسة إِلَّا كتب مَكَانهَا من الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا قد كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَمن كَانَ منا من أهل السَّعَادَة فسيصير إِلَى عمل السَّعَادَة وَمن كل من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر أما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة وَأما أهل الشَّقَاء فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثمَّ قَرَأَ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ ثمَّ قَالَ بعد أَن أورد عدَّة رِوَايَات فِي هَذَا الْبَاب فاتفقت هَذِه الْأَحَادِيث ونظائرها على أَن الْقدر السَّابِق لَا يمْنَع الْعَمَل وَلَا يُوجب الاتكال عَلَيْهِ بل يُوجب الْجد وَالِاجْتِهَاد وَلِهَذَا قَالَ بعض الصَّحَابَة لما سمع هَذَا الحَدِيث مَا كنت أَشد اجْتِهَادًا مني الْآن وَهَذَا مِمَّا يدل على جلالة فقه الصَّحَابَة ودقة أفهامهم وَصِحَّة علومهم فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخْبرهُم بِالْقدرِ السَّابِق وجريانه على الخليقة بالأسباب فَإِن العَبْد ينَال مَا قدر لَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي أقدر عَلَيْهِ وَمكن مِنْهُ
وهيء لَهُ فَإِذا أَتَى بِالسَّبَبِ أوصله إِلَى الْقدر الَّذِي سبق لَهُ فِي أم الْكتاب وكل مَا زَاد اجْتِهَادًا فِي تَحْصِيل السَّبَب كَانَ حُصُول الْمَقْدُور أدنى إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَا إِذا قدر لَهُ أَن يكون من اعْلَم أهل زَمَانه فَإِنَّهُ لَا ينَال ذَلِك إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ والحرص على التَّعَلُّم وأسبابه فَإِذا قدر لَهُ أَن يرْزق الْوَلَد لم ينل ذَلِك إِلَّا بِالنِّكَاحِ اَوْ التَّسَرِّي وَالْوَطْء وَإِذا قدر لَهُ أَن يستغل من أرضه من الْمغل كَذَا وَكَذَا لم ينله إِلَّا بالبذر وَفعل أَسبَاب الزَّرْع وَإِذ قدر الشِّبَع والري فَذَلِك مَوْقُوف على الْأَسْبَاب المحصلة لذَلِك من الْأكل وَالشرب واللبس وَهَذَا هُوَ شان امور المعاش والمعاد فَمن عطل الْعَمَل اتكالا على الْقدر السَّابِق فَهُوَ بِمَنْزِلَة من عطل الْأكل وَالشرب وَالْحَرَكَة فِي المعاش وَسَائِر أَسبَابه اتكالا على مَا قدر لَهُ فالقدر السَّابِق معِين على الْأَعْمَال وَمَا يحث عَلَيْهَا ومقتضي لَهَا لَا أَنه منَاف لَهَا وصاد عَنْهَا وَهَذَا مَوضِع مزلة قدم من ثبتَتْ قدمه فَازَ بالنعيم الْمُقِيم وَمن زلت قدمه عَنهُ هوى إِلَى قَرَار الْجَحِيم فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرشد الْأمة فِي الْقدر إِلَى امرين هما سَببا السَّعَادَة الْإِيمَان بالأقدار فَإِنَّهُ نظام التَّوْحِيد والإتيان بالأسباب الَّتِي توصل إِلَى خَيره وتحجز عَن شَره وَذَلِكَ نظام الشَّرْع فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى نظام التَّوْحِيد وَالْأَمر فَأبى المنحرفون إِلَّا الْقدح بإنكاره فِي أصل التَّوْحِيد أَو الْقدح بإثباته فِي أصل الشَّرْع وَلم تتسع عقلوهم الَّتِي لم يلق الله عَلَيْهَا من نوره للْجمع بَين مَا جمعت الرُّسُل جَمِيعهم بَينه وَهُوَ الْقدر وَالشَّرْع والخلق وَالْأَمر وَهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَدِيد الْحِرْص على جمع هذَيْن الْأَمريْنِ للْأمة وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن الْعَاجِز من لم يَتَّسِع للأمرين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْفَصْل الثَّالِث شُمُول الْقدر الالهي لجَمِيع أَفعَال الْعباد وضرورة تحَققه
عقد ابْن بطة لبَيَان هَذَا الْمَعْنى بَابا خَاصّا وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء التَّاسِع عنوانه بَاب الْإِيمَان بِأَن الله عز وَجل إِذا قضى من النُّطْفَة خلقا كَانَ وَإِن عزل صَاحبهَا وَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة قررت النُّصُوص الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب أَن إِرَادَته تَعَالَى غالبة ومشيئته فِي خلقه مَاضِيَة فَلَا يقدر أحد من خلقه على أَن يجلب لنَفسِهِ مَا لم يرد الله لَهُ من الْخيرَات وَالْمَنَافِع كمالا يقدر على أَن يدْفع عَن نَفسه مَا قدر الله عَلَيْهِ من الشرور والمضار فَالله تَعَالَى لَا يمنعهُ مَانع من تَنْفِيذ إِرَادَته كَمَا لَا يقدر أحد من خلقه أَن ينفذ خلاف مُرَاده سُبْحَانَهُ خلافًا للْعَبد فِي ذَلِك فَالله تَعَالَى قد يحول بَينه وَبَين مُرَاده إِذا لم يرد لَهُ ذَلِك أزلا مهما أُوتِيَ العَبْد من قُوَّة واجتهاد وَمهما أُوتِيَ من حزم وحيلة واحتياط وبيانا لهَذَا الْمَعْنى يَقُول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أَن المَاء الَّذِي يكون مِنْهُ الْوَلَد يبيت على صَخْرَة لأخرج الله مِنْهُ ولدا ليخلقن الله نسمَة هُوَ خَالِقهَا // صَحِيح // وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قدر الله لنَفس أَن تخرج إِلَّا وَهِي كائنة // صَحِيح // وَذَلِكَ حينما جَاءَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن لي جَارِيَة أفأعزل عَنْهَا قَالَ سيأتيها مَا قدر لَهَا
فَذهب ثمَّ جَاءَ فَقَالَ يَا رَسُول الله ألم تَرَ إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي سَأَلتك عَنْهَا فَإِنَّهَا قد حبلت فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا قدر الله لنَفس أَن تخرج إِلَّا وَهِي كائنة // صَحِيح // وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ أَصَابَنَا نسَاء يَوْم خَيْبَر فَكُنَّا نعزل عَنْهُن وَنحن نُرِيد الْفِدَاء فسألوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك فَقَالَ لَيْسَ من كل المَاء يخلق الْوَلَد وَإِن الله عز وَجل إِذا أَرَادَ شَيْئا لَا يمنعهُ شَيْء وَسَأَلَ رجل من أَشْجَع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْعَزْل فَقَالَ مَا يقدر الله عز وَجل فِي الرَّحِم فسيكون // صَحِيح // وَفِي الْأَثر الَّذِي رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم ان السّلف كَانُوا يَقُولُونَ النُّطْفَة الَّتِي قدر مِنْهَا الْوَلَد لَو ألقيت على صَخْرَة لَخَرَجت تِلْكَ النَّسمَة مِنْهَا فَدلَّ كل من الْأَحَادِيث والْآثَار على شُمُول إرداته تَعَالَى وَأَنه إِذا أَرَادَ شَيْئا لَا يمنعهُ شَيْء وَلَا يكون إِلَّا مَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ وَأَن ذَلِك هُوَ مَذْهَب السّلف يجب على الْمُسلمين مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ فَمن زعم خلاف ذَلِك فقد زعم أَن مَشِيئَة الْعباد أغلب من مَشِيئَة الله وَأَنَّهُمْ أقدر على مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ على مَا يُرِيد وَهَذَا عين الشّرك بِاللَّه تَعَالَى الله عَمَّا تَقوله الملحدة الْقَدَرِيَّة علوا كَبِيرا وَمن زعم ان السّرقَة وَشرب الْخمر وَأكل مَال الْحَرَام لَيْسَ بِقَضَاء وَقدر من الله زعم ان هَذَا الْإِنْسَان قَادر على أَن يَأْكُل رزق غَيره وَأَن مَا أَخذه وَأكله وَملكه وَتصرف فِيهِ من أَحْوَال الدُّنْيَا وأموالها كَانَ إِلَيْهِ وبقدرته يَأْخُذ مِنْهَا مَا يَشَاء وَيَضَع مَا يَشَاء وَيُعْطِي من يَشَاء وَيمْنَع من يَشَاء إِن شَاءَ أغْنى نَفسه
أغناه وَإِن شَاءَ أَن يفقرها أفقرها وَمذهب أهل السّنة ان مَا سَاقه الله على عباده من رزق حَلَال أَو حرَام وَمن خير اَوْ شَرّ فَهُوَ بِقدر من الله تَعَالَى وان الْمَقْتُول مَاتَ فِي أَجله الْمَحْدُود لَهُ أزلا خلافًا لهَؤُلَاء الْقَدَرِيَّة الَّتِي تزْعم أَنه تَعَالَى لَا يقدر وَلَا يرْزق الْحَرَام وَإِنَّمَا العَبْد هُوَ الَّذِي يرْزق لنَفسِهِ من الْحَرَام بقدرته دون إِرَادَة الرب عز وَجل وَأَن الْمَقْتُول مَاتَ بِدُونِ أَجله فَأثْبت ابْن بطة أَن كل ذَلِك من الله تَعَالَى فَالله هُوَ الَّذِي يرْزق الْحَلَال وَالْحرَام وَأَن الْمَقْتُول مَاتَ فِي أَجله الْمَحْدُود لَهُ وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمَا تزعمه الْقَدَرِيَّة فَهُوَ مَذْهَب بَاطِل دلّ على بُطْلَانه الْكتاب وَالسّنة والْآثَار المنقولة عَن السّلف من ذَلِك مَا جَاءَ فِي الْأَثر عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ الزِّنَا بِقدر وَشرب الْخمر بِقدر وَالسَّرِقَة بِقدر وَجَاء رجل إِلَى سَالم بن عبد الله فَقَالَ الزِّنَا بِقدر قَالَ نعم قَالَ قدر الله عَليّ ويعذبني عَلَيْهِ قَالَ فَأخذ لَهُ سَالم الْحَصْبَاء هَكَذَا كَانَ السّلف يثبتون أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقدر كل شَيْء سَوَاء فِي ذَلِك الْخَيْر وَالشَّر قلت وَمَا ذكره ابْن بطة من شُمُول الْقدر الإلهي لجَمِيع أَفعَال الْعباد وَأَن مَا قدره لَا بُد من تحَققه ونفاذه هُوَ مَذْهَب السّلف الصَّالح الثَّابِت بِالْكتاب وَالسّنة لم يُخَالف فِي ذَلِك سوى الْقَدَرِيَّة الَّتِي تزْعم ان أَفعَال الْعباد مخلوقة لَهُ دون مَشِيئَة من الله تَعَالَى بل يَزْعمُونَ أَنه تَعَالَى غير قَادر على أَفعَال الْعباد فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ فَمن الْأَدِلَّة الدَّالَّة على شُمُول الْقدر الإلهي بِأَفْعَال الْعباد وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات قَوْله تَعَالَى ذَلِكُم الله ربكُم خَالق كل شَيْء فَدخل فِيهِ
الْأَعْيَان وَالْأَفْعَال من الْخَيْر وَالشَّر وَقَالَ أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء فنفى ان يكون خَالق غَيره وَنفى أَن يكون شَيْء سواهُ غير مَخْلُوق وَمن أصرح الْأَدِلَّة وأوضحها دلَالَة على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لَهُ تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَأخْبر أَن أَعْمَالهم مخلوقة لله عز وَجل وَفِيمَا رَوَاهُ البقيهي عَن قَتَادَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى (أتعبدون مَا تنحتون) قَالَ الْأَصْنَام (وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ) قَالَ خَلقكُم وَخلق مَا تَعْمَلُونَ بِأَيْدِيكُمْ وَقَالَ تَعَالَى وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم فامتدح بالقولين جَمِيعًا فَكَمَا لَا يخرج شَيْء من علمه لَا يخرج شَيْء غَيره من خلقه وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ فَأخْبر أَن قَوْلهم وسرهم وجهرهم خلقه وَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِك عليم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى وَأَنه هُوَ أمات وَأَحْيَا﴾ فَكَمَا كَانَ مميتا محييا بِأَن خلق الْمَوْت والحياة كَانَ مضحكا مبكيا بِأَن خلق الضحك والبكاء وَقد يضْحك الْكَافِر سُرُورًا بقتل الْمُسلمين وَهُوَ مِنْهُ كفر وَقد يبكي خوفًا بِظُهُور الْمُسلمين وَهُوَ مِنْهُ كفر ثَبت أَن الْأَفْعَال كلهَا خَيرهَا وشرها صادرة عَن خلقه وإحداثه إِيَّاهَا وبمثل مَا جَاءَت الْآيَات القرآنية من الدّلَالَة على شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد وَغَيرهَا جَاءَت السّنة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذَلِك مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من عُلَمَاء السّنة
عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله يصنع كل صانع وصنعته وَفِي حَدِيث آخر عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله عز وَجل يَقُول أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا خلقت الْخَيْر وَقدرته فطوبى لمن خلقته للخير وخلقت الْخَيْر لَهُم وأجريت الْخَيْر على يَدَيْهِ أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا خلقت الشَّرّ وَقدرته فويل لمن خلقت الشَّرّ لَهُ وخلقته للشر وأجريت الشَّرّ على يَدَيْهِ قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية والقدرية الثَّانِيَة الْمَجُوسِيَّة الَّذين يجْعَلُونَ لله شُرَكَاء فِي خلقه كَمَا جعل الْأَولونَ لله شُرَكَاء فِي عِبَادَته فَيَقُولُونَ خَالق الْخَيْر غير خَالق الشَّرّ وَيَقُول من كَانَ مِنْهُم فِي ملتنا إِن الذُّنُوب الْوَاقِعَة لَيست وَاقعَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وَرُبمَا قَالُوا وَلَا يعلمهَا أَيْضا وَيَقُولُونَ أَن جَمِيع أَفعَال الْحَيَوَان وَاقع بِغَيْر رقدرته وَلَا صنعه فيجحدون مشيئتة النافدة وَقدرته الشاملة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس الْقدر نظام التَّوْحِيد فَمن وحد الله وآمن بِالْقدرِ تمّ توحيده وَمن وحد الله وَكذب بِالْقدرِ نقض تَكْذِيبه توحيده ويزعمون أَن هَذَا هُوَ الْعدْل ويضمون إِلَى ذَلِك سلب الصِّفَات ويسمونه التَّوْحِيد وَقَالَ ابْن الْقيم فِي قصيدته النونية اسْتِدْلَالا على شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد وَغَيرهَا من الْمَخْلُوقَات (وَهُوَ الْقَدِير فَكل شَيْء فَهُوَ مَقْدُور ... لَهُ طَوْعًا بِلَا عصيان) (وَعُمُوم قدرته تدل بِأَنَّهُ ... هُوَ خَالق الْأَفْعَال للحيوان) (هِيَ خلقه حَقًا وأفعال لَهُم ... حَقًا وَلَا يتناقض الْأَمْرَانِ) (لَكِن اهل الْجَبْر والتكذيب بالأقدار ... مَا فتحت لَهُم عينان)
قَالَ شَارِح القصيدة الدكتور خَلِيل هراس رَحمَه الله وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن أَفعَال الْحَيَوَانَات تنْسب إِلَى الله عز وَجل على انه خَالِقهَا وموجدها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وتنسب إِلَيْهَا على أَنَّهَا أَفعَال لَهَا صادرة عَن قدرهَا وإراداتها الْحَادِثَة وَلَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ فَإِن معنى كَونهَا مخلوقة لله أَن الله خلق جَمِيع الْأَسْبَاب الَّتِي وجدت بهَا مثل الْقدر والإرادات والحواس والآلات والمواد الخارجية الَّتِي تقع عَلَيْهَا الْأَفْعَال وَمعنى كَونهَا أفعالا للعباد أَنهم هم الَّذين باشروها بقدرهم وإراداتهم مُبَاشرَة تجوز اتصافهم بهَا على الْحَقِيقَة فَيُقَال صلى وَصَامَ وزنى وسرق هَذَا هُوَ مَذْهَب الْأمة الْوسط الَّذِي يجمع بَين الْآيَات الدَّالَّة على عُمُوم خلقه سُبْحَانَهُ مثل قَوْله الله خَالق كل شَيْء وَبَين الْآيَات الدَّالَّة على نِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى الْعباد وَهِي كَثِيرَة مثل قَوْله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْت﴾ وَقَوله ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَلَكِن أهل الْجَبْر الَّذين ينفون عَن العَبْد الْقُدْرَة على الْفِعْل وَلَا يسمونه فَاعِلا إِلَّا على جِهَة الْمجَاز والقدرية الَّذين يَزْعمُونَ أَن العَبْد مُسْتَقل بِخلق أَفعاله دون أَن تتَعَلَّق بهَا قدرَة الله ومشيئته نظرُوا إِلَى الْمَسْأَلَة بِعَين أَعور حِين أَخذ كل مِنْهُم بِجَانِب من الْحق دون جَانب فالمجبرة غلبوا عُمُوم الْقُدْرَة والمشيئة فَلم يجْعَلُوا للْعَبد فعلا وَلَا جَعَلُوهُ مسؤولا عَمَّا يصدر مِنْهُ إِذْ لَا يسْأَل عَمَّا لَيْسَ من فعله والقدرية غلبوا جَانب التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي فخصصوا فِي الْقدر والمشيئة وعزلوا أَفعَال الْعباد عَن الدُّخُول تحتهما تَحْقِيقا لمسؤولية العَبْد وتصحيحا للتكليف وَهَكَذَا نظرت كل من الطَّائِفَتَيْنِ نظرا قاصرا فَلم يُؤمنُوا بِالْكتاب كُله الدَّال على إِثْبَات عُمُوم قَضَاء الله وَقدره ومشيئته وعَلى ان
أَفعَال الْعباد وَاقعَة مِنْهُم بقدرتهم ومشيئتهم فَلَو وفقوا لذَلِك كَمَا وفْق لَهُ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لهدوا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَلَو كَانَت الْأَفْعَال غير مخلوقة لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ خَالق بعض الْأَشْيَاء دون جَمِيعهَا وَهَذَا خلاف مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال أَكثر من الْأَعْيَان فَلَو كَانَ الله خَالق الْأَعْيَان وَالنَّاس خالقي الْأَفْعَال لَكَانَ خلق النَّاس أَكثر من خلقه ولكانوا أتم قدرَة مِنْهُ وَأولى بِصفة الْمَدْح من رَبهم سُبْحَانَهُ ... قلت وَلَا يتعارض مَا ثَبت من أَنه تَعَالَى خَالق أَفعَال الْعباد مَعَ مَا ثَبت من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك لِأَن الْمَقْصُود من هَذِه الْكَلِمَة لَيْسَ نفي خلق الشَّرّ عَن الله تَعَالَى وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهَا كَمَا قدره شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وعلامة ابْن قيم الجوزية وَالْبَيْهَقِيّ أَن الشَّرّ الْمَحْض لَيْسَ من أَفعاله تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يخلق الشَّرّ الْمَحْض إِذْ جَمِيع أَفعاله تَعَالَى فِيهَا حِكْمَة وعاقبة محمودة وَلَيْسَ فِيهَا شَرّ بِالنِّسْبَةِ لَهُ تَعَالَى وَإِن كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ للمخلوقين فَهَذَا معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية الْحَسَنَة مُضَافَة إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أحسن بهَا من كل وَجه ... فَمَا من وَجه من وُجُوهًا إِلَّا وَهُوَ يَقْتَضِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ وَأما السَّيئَة فَهُوَ إِنَّمَا يخلقها حِكْمَة وَهِي بِاعْتِبَار تِلْكَ الْحِكْمَة من إحسانه فَإِن الرب لَا يفعل سَيِّئَة قطّ بل فعله كُله حسن وحسنات وَفعله كُله خير وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول فِي دُعَاء الاستفتاح الْخَيْر بيديك وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك فَإِنَّهُ لَا يخلق شرا مَحْضا بل كَانَ مَا يخلقه فَفِيهِ حِكْمَة هُوَ باعتبارها خير وَلَكِن قد يكون فِيهِ شَرّ لبَعض النَّاس وَهِي شَرّ جزئي إضافي فَأَما شَرّ كلي أَو شَرّ مُطلق
فالرب منزه عَنهُ وَهَذَا هُوَ الشَّرّ الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهِ وَأما الشَّرّ الجزئي الإضافي فَهُوَ خير بِاعْتِبَار حكمته وَلِهَذَا لَا يُضَاف إِلَيْهِ مُفردا بل إِمَّا أَن يدْخل فِي عُمُوم الْمَخْلُوقَات كَقَوْلِه تَعَالَى وَخلق كل شَيْء وَإِمَّا أَن يُضَاف إِلَى السَّبَب كَقَوْلِه ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ وَأما أَن يحذف فَاعله كَقَوْل الْجِنّ ﴿وَأَنا لَا نَدْرِي أشر أُرِيد بِمن فِي الأَرْض أم أَرَادَ بهم رَبهم رشدا﴾ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي معنى هَذِه الْآيَة وَالشَّر لَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْك وَهَذَا قَلِيل من كثير مِمَّا ذكره عُلَمَاء السّنة فِي بَيَان شُمُول الْقدر الإلهي لأفعال الْعباد فقد توسع ابْن الْقيم فِي كِتَابه شِفَاء العليل فِي بَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة أَكثر من غَيره فَمن أَرَادَ مزيدا من الْإِيضَاح فِي الْمَسْأَلَة فَعَلَيهِ مُرَاجعَة هَذَا الْكتاب حَيْثُ عقد بَابا خَاصّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة عنوانه الْبَاب السَّادِس عشر فِيمَا جَاءَ فِي السّنة من تفرد الرب تَعَالَى بِخلق أَعمال الْعباد كَمَا هُوَ متفرد بِخلق ذواتهم وصفاتهم ثمَّ أورد أَدِلَّة طَوِيلَة فِي ذَلِك مِمَّا يطول ذكره هُنَا نكتفي بِهَذَا الْقدر خوف الإطالة وَهُنَاكَ جَانب آخر نبه عَلَيْهِ ابْن بطة على مَا تقدم بَيَانه وَهُوَ أَن كلا من الْحَلَال وَالْحرَام يُسمى رزقا من الله عِنْد أهل السّنة إِذْ لَا رَازِق غير الله تَعَالَى وخالفت الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك فأنكرت أَن يكون الْحَرَام رزقا من الله تَعَالَى كَمَا أنْكرت أَن يكون الْمَقْتُول مَيتا بأجله الْمَحْدُود وَهَذَا الَّذِي وضحه ابْن بطة هُوَ
مَحل إِجْمَاع لَدَى عُلَمَاء السّنة سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقيل لَهُ إِن الرجل إِذا قطع الطَّرِيق وسرق أَو اكل الْحَرَام وَنَحْو ذَلِك هَل هُوَ رزقه الَّذِي ضمن الله تَعَالَى لَهُ أم لَا فَأجَاب قَائِلا الْحَمد لله لَيْسَ هَذَا هُوَ الرزق الَّذِي أَبَاحَهُ الله لَهُ وَلَا يحب ذَلِك وَلَا يرضاه وَلَا أمره أَن ينْفق مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى وأنفقوا مِمَّا رزقناكم وَنَحْو ذَلِك لم يدْخل فِيهِ الْحَرَام بل من أنْفق من الْحَرَام فَإِن الله تَعَالَى يذمه وَيسْتَحق بذلك الْعقَاب فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِحَسب دينه وَقد قَالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَلَكِن هَذَا الرزق الَّذِي سبق بِهِ علم الله وَقدره كَمَا فِي // الحَدِيث الصَّحِيح // عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يجمع خلق أحدكُم فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَة ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله إِلَيْهِ الْملك فَيُؤْمَر بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد فَكَمَا أَن الله كتب مَا يُعلمهُ من خير أَو شَرّ وَهُوَ يثيبه على الْخَيْر ويعاقبه على الشَّرّ فَكَذَلِك كتب مَا يرْزق من حَلَال أَو حرَام مَعَ أَنه يُعَاقِبهُ على الرزق الْحَرَام وَلِهَذَا كل مَا فِي الْوُجُود وَاقع بِمَشِيئَة الله وَقدره كَمَا تقع سَائِر الْأَعْمَال لَكِن لَا عذر لأحد بِالْقدرِ بل الْقدر يُؤمن بِهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يحْتَج على الله بِالْقدرِ بل لله الْحجَّة الْبَالِغَة وَمن احْتج بِالْقدرِ على ركُوب الْمعاصِي فحجته داحضة وَمن اعتذر بِهِ فعذره غير مَقْبُول كَالَّذِين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ وَالَّذين قَالُوا ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ إِلَى أَن قَالَ فَأَما الرزق الَّذِي ضمنه الله لِعِبَادِهِ فَهُوَ قد ضمن لمن يتقيه أَن يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَأما من لَيْسَ من الْمُتَّقِينَ فضمن لَهُ مَا يُنَاسِبه بِأَن يمنحه مَا يعِيش بِهِ فِي الدُّنْيَا ثمَّ يُعَاقِبهُ فِي
الْآخِرَة كَمَا قَالَ عَن الْخَلِيل ﴿وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالَ ﴿وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير﴾ إِلَى آخر مَا قَالَه هُنَالك وَسُئِلَ أَيْضا رَحمَه الله عَن الْمَقْتُول هَل مَاتَ بأجله أم قطع الْقَاتِل أَجله فَأجَاب الْمَقْتُول كَغَيْرِهِ من الْمَوْتَى لَا يَمُوت أحد قبل أَجله وَلَا يتَأَخَّر أحد عَن أَجله بل سَائِر الْحَيَوَان وَالْأَشْجَار لَهَا آجال لَا تتقدم وَلَا تتأخر فَإِن أجل الشَّيْء هُوَ نِهَايَة عمره وعمره مُدَّة بَقَائِهِ فالعمر مُدَّة الْبَقَاء وَالْأَجَل نِهَايَة الْعُمر بالانقضاء ... وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ إِلَّا أَن الْأَجَل أجلان أجل مُطلق يعلم الله وَأجل مُقَيّد وَبِهَذَا يتَبَيَّن معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أَجله فَليصل رَحمَه فَإِن الله أَمر الْملك أَن يكْتب لَهُ أَََجَلًا وَقَالَ إِن وصل رَحمَه زِدْته كَذَا وَكَذَا وَالْملك لَا يعلم أيزداد ام لَا لَكِن الله يعلم مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ الْأَمر فَإِذا جَاءَ ذَلِك لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر وَقد يسْأَل سَائل كَيفَ أَنه تَعَالَى يخلق وَيقدر الْمعْصِيَة ويعاقب عَلَيْهَا وَالطَّاعَة فيثيب عَلَيْهَا أَقُول إِن الْإِجَابَة على هَذَا السُّؤَال ستأتي فِي التَّعْلِيق على الْفَصْل التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل الرَّابِع أزلية الْعلم الالهي بِأَهْل الْجنَّة وَالنَّار وتعيينهم وَالْحكم عَلَيْهِم بذلك
وَاسْتدلَّ ابْن بطة على هَذِه الْمسَائِل بِمَا ذكره من الْآيَات وَمَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث والْآثَار المروية عَن السّلف فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب الْخَامِس وَالسَّادِس من الْجُزْء الثَّامِن وَالْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء التَّاسِع وَهَذِه الْأَبْوَاب هِيَ (بَاب مَا رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق خلقه كَمَا شَاءَ لما شَاءَ فَمن شَاءَ خلقه للجنة وَمن شَاءَ خلقه للنار سبق بذلك علمه وَنفذ فِيهِ حكمه وَجرى فِيهِ قلمه وَمن جَحده فَهُوَ من الْفرق الهالكة (بَاب الْإِيمَان بِأَن الله أَخذ ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فجعلهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير 3 - (بَاب الْإِيمَان بِأَن السعيد والشقي من سعد أَو شقي فِي بطن أمه وَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة وَحَاصِل مَا تقرره النُّصُوص فِي هَذِه الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة أَنه تَعَالَى علم أهل الْجنَّة وَالنَّار وَأهل السَّعَادَة والشقاء أزلا وحددهم وميز بَعضهم عَن بعض وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَخذ الله ذُرِّيَّة آدم من ظَهره فَأخذ كل طيبَة بِيَدِهِ الْيُمْنَى بَيْضَاء نقية وَأخْبر أَنَّهَا من أَصْحَاب الْجنَّة وَأخذ كل خبيثة بِيَدِهِ الْأُخْرَى سَوْدَاء على هَيْئَة الفحم
وَبَين أَنهم من أَصْحَاب النَّار ثمَّ أَعَادَهَا فِي صلب آدم بعد أَن أشهدهم على أنفسهم أَنه رَبهم وخالقهم وَأخذ الْمِيثَاق مِنْهُم على عدم مخالفتهم الْعَهْد عِنْدَمَا يُرْسل إِلَيْهِم الرُّسُل فِي الدُّنْيَا أما أهل السَّعَادَة فَإِنَّهُم يُوفونَ الْعَهْد بعد وجودهم فِي الدُّنْيَا فيكونون من أهل الْجنَّة وَأما الأشقياء فَإِنَّهُم ينقضون الْمِيثَاق فيكونون من أَصْحَاب السعير وَقد ثَبت أَيْضا بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه إِذا اسْتَقر الْجَنِين فِي الرَّحِم أَتَاهُ ملك الْأَرْحَام فَيكْتب أَنه شقي أَو سعيد فخلق أَحَدنَا يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ ثمَّ يكون علقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله عز وَجل إِلَيْهِ الْملك بِأَرْبَع كَلِمَات رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد وَلِهَذَا يقسم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَائِلا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ثمَّ يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ فِي الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ثمَّ يُدْرِكهُ مَا سبق لَهُ فِي الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها كل ذَلِك سبق بِهِ علم الله وَمضى بِهِ قدره وَجرى بِهِ قلمه فِي الْأَزَل قبل وجود آدم وَذريته وَقبل اسْتِقْرَار الأجنة فِي بطُون أمهاتها بِخَمْسِينَ ألف سنة فَلَا بُد أَن يكون مآل كل امْرِئ إِلَى مَا قدر لَهُ من السَّعَادَة أَو الشَّقَاء وَالْجنَّة أَو النَّار فالسعيد إِلَى الْجنَّة مهما عمل من عمل أهل النَّار لِأَنَّهُ تَعَالَى سيوفقه بِعَمَل يدْخل بِهِ الْجنَّة قبل مَوته وَلَو بلحظه فَيكون بذلك من أهل الْجنَّة والشقي إِلَى النَّار مهما عمل من عمل أهل الْجنَّة فكم من رجل يعْمل فِيمَا يَبْدُو للنَّاس بِعَمَل أهل السَّعَادَة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَين الْجنَّة إِلَّا ذِرَاع فَيعْمل فِي آخر حَيَاته بِعَمَل يُوجب لَهُ النَّار فَيكون من أَصْحَاب النَّار وَقد يكون العَبْد مَكْتُوبًا عِنْد الله سعيدا من أهل الْجنَّة وَهُوَ يعْمل فِيمَا يَبْدُو للنَّاس بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر حَيَاته وَفقه الله بِعَمَل يدْخل بِهِ الْجنَّة فَيكون
بذلك من أهل الْجنَّة فبذلك نعلم أَن الله خلق الْإِنْسَان لوَاحِدَة من المنزلتين إِمَّا للجنة وَإِمَّا للنار وَمَعَ هَذَا كُله فقد بَين الرَّسُول الْكَرِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الْإِيمَان بِالْقدرِ لَا يمْنَع الْعَمَل بِطَاعَة الله وَرَسُوله فَلَا يجوز لأحد أَن يتقاعس عَن الْعَمَل بتكاليف الشَّرِيعَة الَّتِي جَاءَت بهَا الرُّسُل الْكِرَام عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام احتجاجا بِالْقدرِ وبيانا لهَذَا الْمَعْنى يَقُول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من نفس منفوسة إِلَّا كتب مَكَانهَا من الْجنَّة اَوْ النَّار وَإِلَّا كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل أَفلا نَتَّكِل على كتابها يَا رَسُول الله وَنَدع الْعَمَل قَالَ لَا وَلَكِن اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما أهل الشَّقَاء فييسرون لعمل أهل الشَّقَاء وَأما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى﴾ // أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد // قلت وَمَا ذكره ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة من إِثْبَات الْعلم الإلهي الأزلي بِأَهْل الْجنَّة وَالنَّار السعيد والشقي مِنْهُم وتمييز بَعضهم عَن بعض لم يخْتَلف فِي ذَلِك أحد سوى الْقَدَرِيَّة الْأَوَائِل الَّذين يُنكرُونَ علمه السَّابِق وَتَقْدِيره الأزلي عز وَجل إِذْ ثَبت بأدلة من الْكتاب وَالسّنة أَن الله خلق النَّاس فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير علمهمْ قبل وجودهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم كَمَا بَينه ابْن بطة وَغَيره من عُلَمَاء السّنة وَلَكِن الجدير بِالذكر هُنَا أَن تحديده تَعَالَى بأصحاب الْجنَّة وَالنَّار وتعيينهم وَالْحكم عَلَيْهِم بذلك أزلا لَا يَعْنِي أَن الله جعلهم من أهل الْجنَّة وَالنَّار بِدُونِ أَسبَاب تَقْتَضِي ذَلِك فالمؤمن يدْخل الْجنَّة بِسَبَب إيمَانه وجده فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل الصَّالح وَالْكَافِر يدْخل النَّار بِسَبَب كفره وَكَذَلِكَ العَاصِي وَالْفَاسِق يستحقان النَّار إِن لم يغْفر الله لَهما بِسَبَب تقصيرهما فِي الْعَمَل الصَّالح وارتكابهما الْكَبَائِر إِذْ وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا
الصَّالِحَات أَن يدخلهم الْجنَّة بأعمالهم إِن شَاءَ جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ كَمَا وعد الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات أَن يدخلهم النَّار جَزَاء بِمَا اقترفوا من السَّيِّئَات فالرب يعلم أَن فلَانا سيعمل عمل أهل الْجنَّة فَيَجْعَلهُ بذلك من أهل الْجنَّة وَفُلَانًا سيعمل عمل أهل النَّار فَيكون بذلك من أهل النَّار وَمِمَّا يُوضح ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا رَوَاهُ عمر بن الْخطاب وَغَيره أَن الله تَعَالَى قَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وخلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ // أوردهُ ابْن الْقيم // وَفِي الْأَثر عَن أبي قلَابَة قَالَ إِن الله كتب أهل النَّار وَمَا هم عاملون وَأهل الْجنَّة وَمَا هم عاملون فطوى الْكتاب وَرفع الْقَلَم وَمن الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى يدْخل السُّعَدَاء الْجنَّة والأشقياء النَّار يَوْم الْقِيَامَة على مُقْتَضى أَعْمَالهم الَّتِي قدموها فِي الدُّنْيَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنِّي جزيتهم الْيَوْم بِمَا صَبَرُوا أَنهم هم الفائزون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا﴾ وَقَوله عز وَجل ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ وَقَوله وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ وَمَا
ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء) وَقَوله ﴿هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَقَالُوا ماسلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين وأمثال هَذَا فِي الْقُرْآن كثير جدا فَبين سُبْحَانَهُ فِيمَا يذكرهُ من سَعَادَة الْآخِرَة وشقاوتها أَن ذَلِك سَيكون جَزَاء بِالْأَعْمَالِ الْمَأْمُور بهَا والمنهي عَنْهَا كَمَا يذكر نَحْو ذَلِك فِيمَا يَقْتَضِيهِ من الْعُقُوبَات والمثوبات فِي الدُّنْيَا أَيْضا قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم﴾ قَالَ على علم بِمَا يكون قبل أَن يخلقه ... وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير وَمُقَاتِل على علمه فِيهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق أَي على مَا سبق فِي علمه أَنه ضال قبل أَن يخلقه وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ على علم مِنْهُ بعاقبة قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث تَعْلِيقا على حَدِيث الشقي من شقي فِي بطن أمه والسعيد من سعد فِي بطن أمه مَا نَصه هَذَا من بَاب الْعلم أَي علم الله أَن فلَانا سيعطى الْحُرِّيَّة وَالِاخْتِيَار فيختار مَا يُفْضِي للسعادة وَفُلَانًا سيعطاهما فيختار سَبِيل الشَّقَاء وعَلى هَذَا الضَّوْء يفهم الْقَارئ جَمِيع الْآيَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي يكَاد يفهم
مِنْهَا الْجَبْر مثل فَمنهمْ شقي وَسَعِيد ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ ... يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد هَؤُلَاءِ إِلَى الْجنَّة وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاء إِلَى النَّار وَلَا أُبَالِي ... لقد كتب الله على نَفسه الرَّحْمَة وَمن رَحمته بالمكلفين أَن منحهم سَعَادَة الْحُرِّيَّة وَالِاخْتِيَار والإرادة فَإِن استفادوا من هَذِه الموهبة وَعمِلُوا صَالحا سعدوا وَإِن أهملوها شَقوا إِذن فسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمار إِيمَان واستقامة وشقاؤها ثمار انحراف والمكلف قَادر على تَمْثِيل الدورين وَهَذَا ناموس عَام ثَابت نعم علم الله مَاذَا سيفعل مُطلق مُكَلّف وَعلم مَا سَيكون لأعمال الْمُكَلف من أثر فِي مستقبله وَلَكِن علمه لَا يَقْتَضِي جبر الْمُكَلف إِذْ الْجَبْر والتكليف لَا يَجْتَمِعَانِ بل يَعْنِي الْإِحَاطَة والشمول إِذْ هما لله وَحده ... لقد عبد الله طَرِيق السَّعَادَة وأمرنا بسلوكه وكفل لنا سَلامَة الْوُصُول إِن صممنا على الْوُصُول أما الشَّقَاء فظلمة لَا تخيم إِلَّا حَيْثُ يَنْعَدِم النُّور وَهُوَ طَاقَة كامنة فِينَا لَا تنعدم إِلَّا إِذا أردنَا إعدامها وَقَالَ ابْن الْقيم بعد أَو أورد أَحَادِيث وآثار تدل على أَن عمل العَبْد هُوَ السَّبَب فِي سعادته أَو شقاوته قَالَ فَهَذِهِ وَغَيرهَا تدل على أَن الله سُبْحَانَهُ قدر أَعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقب خلق أَبِيهِم وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم ... فَالله سُبْحَانَهُ قد علم قبل أَن يُوجد عباده أَحْوَالهم وَمَا هم عاملون وَمَا هم إِلَيْهِ سائرون ثمَّ أخرجهم إِلَى هَذِه الدَّار ليظْهر معلومه الَّذِي علمه فيهم كَمَا علمه وابتلاهم من الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَيْر وَالشَّر بِمَا أظهر معلومه فاستحقوا الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب بِمَا قَامَ بهم من الْأَفْعَال
وَالصِّفَات الْمُطَابقَة للْعلم السَّابِق وَلم يَكُونُوا يسْتَحقُّونَ ذَلِك وَهِي فِي علمه قبل أَن يعملوها فَأرْسل رسله وَأنزل كتبه وَشرع شرائعه إعذارا إِلَيْهِم وَإِقَامَة للحجة عَلَيْهِم لِأَن لَا يَقُولُوا كَيفَ تعاقبنا على علمك فِينَا وَهَذَا لَا يدْخل تَحت كسبنا وقدرتنا فَلَمَّا ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل الْعقَاب على معلومه الَّذِي أظهره الِابْتِلَاء والاختبار ... ذكر الشَّيْخ رشيد رضَا فِي تَفْسِيره فِي قَوْله تَعَالَى وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْإِنْس وَالْجِنّ إِن الله ذرأهم لِجَهَنَّم لأجل إعراضهم عَن أوَامِر الله يدل لذَلِك السِّيَاق فِي نفس الْآيَة لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ وَأُولَئِكَ هم الغافلون وَقَالَ فِي تَفْسِير الْآيَة مَعْنَاهُ نقسم أننا خلقنَا وبثثنا فِي الْعَالم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لأجل سُكْنى جَهَنَّم وَالْمقَام فِيهَا أَي كَمَا ذرأنا للجنة مثل ذَلِك وَهُوَ متقضى استعداد الْفَرِيقَيْنِ فَمنهمْ شقي وَسَعِيد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير وبماذا كَانَ هَؤُلَاءِ معدين لِجَهَنَّم دون الْجنَّة وَمَا صفاتهم المؤهلة لذَلِك الْجَواب ذَلِك بِأَن لَهُم قلوبا لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا ... إِلَخ وَرجح ابْن تَيْمِية أَن تكون اللَّام فِي الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ الْآيَة للغاية وَلَيْسَت للعاقبة وَضعف قَول الَّذين يَقُولُونَ إِنَّهَا للعاقبة لِأَن معنى الْعَاقِبَة غير مُنَاسِب هُنَا وَذَلِكَ لِأَن لَام الْعَاقِبَة الَّتِي لم يقْصد فِيهَا الْفِعْل لأجل الْعَاقِبَة إِنَّمَا تكون من جَاهِل أَو عَاجز فَالْأول
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ لم يعلم فِرْعَوْن بِهَذِهِ الْعَاقِبَة وَالثَّانِي الَّذِي هُوَ الْعَاجِز كَقَوْلِهِم لدو للْمَوْت وَابْنُوا للخراب فَإِنَّهُم يعلمُونَ هَذِه الْعَاقِبَة عاجزون عَن دَفعهَا فَالله تَعَالَى عليم قدير فَلَا يُقَال أَن فعله كَفعل الْجَاهِل الْعَاجِز وَقد بَين شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية هَذِه الْمَسْأَلَة من خلال نقاش طَوِيل أجَاب فِيهِ على سُؤال وَجه إِلَيْهِ حول هَذِه الْمَسْأَلَة حَاصله السعيد لَا يشقى والشقي لَا يسْعد فَمَا فَائِدَة الْعَمَل فَأجَاب قَائِلا هَذِه الْمَسْأَلَة قد أجَاب فِيهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غير حَدِيث فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قيل يَا رَسُول الله أعلم أهل الْجنَّة من أهل النَّار قَالَ نعم قيل فَفِيمَ يعْمل الْعَامِلُونَ قَالَ اعْمَلُوا كل ميسر لما خلق لَهُ ... وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي الْأسود الدؤَلِي قَالَ قَالَ لي عمرَان بن حُصَيْن أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أَشَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم من قدر سَابق أَو فِيمَا يستقبلون بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم فَقلت بل شَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى عَلَيْهِم قَالَ أَفلا يكون ذَلِك ظلما قَالَ فَفَزِعت من ذَلِك فَزعًا شَدِيدا وَقلت كل شَيْء خلق الله وَملك يَده فَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون فَقَالَ يَرْحَمك الله إِنِّي لم أرد بِمَا سَأَلتك إِلَّا لأجود عقلك إِن رجلَيْنِ من مزينة أَتَيَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَا يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس الْيَوْم ويكدحون فِيهِ أَشَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى فيهم من قدر سَابق أَو فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيّهم وَثبتت الْحجَّة عَلَيْهِم فَقَالَ لَا بل شَيْء قضي عَلَيْهِم وَمضى فيهم وتصديق ذَلِك
فِي كتاب الله ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ ثمَّ قَالَ النُّصُوص والْآثَار فِي تقدم علم الله وكتابته وقضائه وَتَقْدِيره الْأَشْيَاء قبل خلقهَا وأنواعها كَثِيرَة جدا وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ذَلِك لَا يُنَافِي وجود الْأَعْمَال الَّتِي بهَا تكون السَّعَادَة والشقاوة وَأَن من كَانَ من أهل السَّعَادَة فَإِنَّهُ ييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَمن كَانَ من أهل الشقاوة فَإِنَّهُ ييسر لعمل أهل الشقاوة وَقد نهى أَن يتكل الْإِنْسَان على الْقدر السَّابِق ويدع الْعَمَل وَلِهَذَا كَانَ من اتكل على الْقدر السَّابِق وَترك مَا أَمر بِهِ من الْأَعْمَال هُوَ من الأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَكَانَ تَركهم لما يجب عَلَيْهِم من الْعَمَل من جملَة الْمَقْدُور الَّذِي يسروا بِهِ لعمل أهل الشقاوة فَإِن أهل السَّعَادَة هم الَّذين يَفْعَلُونَ الْمَأْمُور ويتركون الْمَحْظُور فَمن ترك الْعَمَل الْوَاجِب الَّذِي أَمر بِهِ وَفعل الْمَحْظُور متكلا على الْقدر كَانَ من جملَة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل الشقاوة وَهَذَا الْجَواب الَّذِي أجَاب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَايَة السداد والاستقامة وَهُوَ نَظِير مَا أجَاب بِهِ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَنه قيل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقي نسترقي بهَا وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا فَقَالَ هِيَ من قدر الله وَذَلِكَ لِأَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ يَكْتُبهَا فَإِذا كَانَ قد علم أَنَّهَا تكون بِأَسْبَاب من عمل وَغَيره وَقضى أَنَّهَا تكون كَذَلِك وَقدر ذَلِك لم يجز أَن يظنّ أَن تِلْكَ الْأُمُور تكون بِدُونِ الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله أسبابا وَهَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَوَادِث مِثَال ذَلِك إِذا علم الله وَكتب أَنه سيولد لهذين ولد وَجعل الله سُبْحَانَهُ ذَلِك مُعَلّقا باجتماع الْأَبَوَيْنِ على النِّكَاح وإنزال المَاء المهين الَّذِي ينْعَقد مِنْهُ الْوَلَد فَلَا يجوز أَن يكون وجود الْوَلَد بِدُونِ السَّبَب الَّذِي علق بِهِ وجود الْوَلَد
والأسباب وَإِن كَانَت نَوْعَيْنِ مُعْتَادَة وغيرية فالمعتادة كولادة الْآدَمِيّ من أبوين والغربية كولادة الْإِنْسَان من أم فَقَط كَمَا ولد عِيسَى أَو من أَب فَقَط كَمَا ولدت حَوَّاء أَو من غير أبوين كَمَا خلق آدم أَبُو الْبشر من طين فَجَمِيع الْأَسْبَاب قد تقدم علم الله بهَا وكتابته لَهَا وَتَقْدِيره إِيَّاهَا وقضاؤه بهَا كَمَا تقدم ربط ذَلِك بالمسببات كَذَلِك أَيْضا الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا يخلق النَّبَات من إِنْزَال الْمَطَر وَغَيره من هَذَا الْبَاب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وَبث فِيهَا من كل دَابَّة﴾ ﴿فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات﴾ وَقَالَ وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ وأمثال ذَلِك فَجَمِيع ذَلِك مُقَدّر مَعْلُوم مقضي مَكْتُوب قبل تكوينه فَمن ظن أَن الشَّيْء إِذا علم وَكتب أَنه يَكْفِي ذَلِك فِي وجوده وَلَا يحْتَاج إِلَى مَا بِهِ يكون من الْفَاعِل الَّذِي يَفْعَله وَسَائِر الْأَسْبَاب فَهُوَ جَاهِل ضال ضلالا مُبينًا ... وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد علم أَن المكونات تكون بِمَا يخلقه من الْأَسْبَاب لِأَن ذَلِك هُوَ الْوَاقِع فَمن قَالَ أَنه يعلم شَيْئا بِدُونِ الْأَسْبَاب فقد قَالَ على الله الْبَاطِل وَهُوَ بِمَنْزِلَة من قَالَ إِن الله يعلم أَن هَذَا الْوَلَد ولد بِلَا أبوين وَأَن هَذَا النَّبَات نبت بِلَا مَاء فَإِن تعلق الْعلم بالماضي والمستقبل سَوَاء فَكَمَا ان من أخبر عَن الْمَاضِي بِعلم الله بِوُقُوعِهِ بِدُونِ الْأَسْبَاب يكون مُبْطلًا فَكَذَلِك من أخبر عَن الْمُسْتَقْبل كَقَوْل الْقَائِل أَن الله علم أَنه خلق آدم من غير طين وَعلم أَنه يتانسل النَّاس من غير تناكح وَأَنه أنبت الزروع من غير مَاء وَلَا تُرَاب فَهُوَ بَاطِل ظَاهر لكل أحد وَكَذَلِكَ إخْبَاره عَن الْمُسْتَقْبل وَكَذَلِكَ الْأَعْمَال هِيَ سَبَب فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَلَو قَالَ قَائِل إِن الله أخرج آدم من الْجنَّة بِلَا ذَنْب وَأَنه قدر ذَلِك أَو قَالَ إِنَّه غفر لآدَم بِلَا تَوْبَة وَأَنه علم ذَلِك
كَانَ هَذَا كذبا وبهتانا ... وَكَذَلِكَ كل مَا أخبر بِهِ من قصَص الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ علم انه أهلك قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَفرْعَوْن وَلُوط ومدين وَغَيرهم بِذُنُوبِهِمْ ... وَأَنه نجى الْأَنْبِيَاء وَمن اتبعهم بأيمانهم وتقواهم كَمَا قَالَ ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ أنجينا الَّذين ينهون عَن السوء وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ وَقَالَ ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أرسلنَا عَلَيْهِ حاصبا وَمِنْهُم من أَخَذته الصَّيْحَة وَمِنْهُم من خسفنا بِهِ الأَرْض وَمِنْهُم من أغرقنا﴾ ... الْآيَة وَقَالَ ﴿ذَلِك جزيناهم ببغيهم﴾ وَقَالَ ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم من الله من واق﴾ وَقَالَ ﴿فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنشأنا من بعدهمْ قرنا آخَرين﴾ وَقَالَ فَتلك بُيُوتهم خاوية بِمَا ظلمُوا إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يعْملُونَ ... إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات وَكَذَلِكَ خَبره عَمَّا يكون من السَّعَادَة والشقاوة بِالْأَعْمَالِ كَقَوْلِه ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ وأمثال هَذَا فِي الْقُرْآن كثيرا جدا وَالْعلم بِأَن الشَّيْء سَيكون وَالْخَبَر عَنهُ بذلك وَكِتَابَة ذَلِك لَا يُوجب اسْتغْنَاء ذَلِك عَمَّا بِهِ يكون من الْأَسْبَاب الَّتِي لَا يتم إِلَّا بهَا كالفاعل وَقدرته ومشيئته فَإِن اعْتِقَاد هَذَا غَايَة فِي الْجَهْل إِذْ هَذَا الْعلم لَيْسَ مُوجبا بِنَفسِهِ لوُجُود الْمَعْلُوم بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل هُوَ مُطَابق لَهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ لَا يكسبه صفة وَلَا
يكْتَسب مِنْهُ صفة بِمَنْزِلَة علمنَا بالأمور الَّتِي قبلنَا كالموجودات الَّتِي كَانَت قبل وجودهَا مثل علمنَا بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته فَإِن هَذَا الْعلم لَيْسَ مؤثرا فِي وجود الْمَعْلُوم بِاتِّفَاق الْعلمَاء فَتبين أَن الْعلم وَالْخَبَر وَالْكتاب لَا يُوجب الِاكْتِفَاء بذلك عَن الْفَاعِل الْقَادِر المريد مِمَّا يدل على ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلم ويخبر بِمَا سَيكون من مفعولات الرب كَمَا يعلم أَنه سيقيم الْقِيَامَة ويخبر بذلك وَمَعَ ذَلِك فمعلوم أَن هَذَا الْعلم وَالْخَبَر لَا يُوجب وُقُوع الْمَعْلُوم الْمخبر بِهِ بِدُونِ الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله أسبابا لَهُ إِذا تبين ذَلِك فَقَوْل السَّائِل السعيد لَا يشقى والشقي لَا يسْعد كَلَام صَحِيح أَي من قدر الله أَن يكون سعيدا يكون سعيدا لَكِن بِالْأَعْمَالِ الَّتِي جعله سعد بهَا والشقي لَا يكون شقيا إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي جعله يشقى بهَا الَّتِي من جُمْلَتهَا الاتكال على الْقدر وَترك الْأَعْمَال الْوَاجِبَة وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علم وَقدر أَن هَذَا يعْمل كَذَا فيسعد بِهِ وَهَذَا يعْمل كَذَا فيشقى بِهِ وَهُوَ يعلم ان هَذَا الْعَمَل الصَّالح يجلب السَّعَادَة كَمَا يعلم سَائِر الْأَسْبَاب والمسببات كَمَا يعلم ان هَذَا يَأْكُل السم فَيَمُوت وان هَذَا يَأْكُل الطَّعَام فيشبع وَيشْرب الشَّرَاب فيروى وَظهر فَسَاد قَول السَّائِل فَلَا وَجه لإتعاب النَّفس فِي عمل وَلَا لكفها عَن ملذوذات فَإِن الْمَكْتُوب فِي الْقدَم وَاقع لَا محَالة وَذَلِكَ أَن الْمَكْتُوب فِي الْقدَم هُوَ سَعَادَة السعيد لما يسر لَهُ من الْعَمَل الصَّالح وشقاوة الشقي لما يسر لَهُ من الْعَمَل السيء لَيْسَ الْمَكْتُوب أَحدهمَا دون الآخر فَمَا أَمر بِهِ العَبْد من عمل فِيهِ تَعب أَو امْتنَاع عَن شَهْوَة هُوَ من الْأَسْبَاب الَّتِي تنَال بهَا السَّعَادَة والمقدر الْمَكْتُوب هُوَ السَّعَادَة وَالْعَمَل الَّذِي بِهِ ينَال السَّعَادَة وَإِذا ترك العَبْد مَا أَمر بِهِ متكلا على الْكتاب كَانَ ذَلِك من الْمَكْتُوب الْمَقْدُور الَّذِي يصير بِهِ شقيا وَكَانَ قَوْله ذَلِك بِمَنْزِلَة من يَقُول أَنا لَا آكل وَلَا أشْرب فَإِن كَانَ الله قضى بالشبع والري حصل وَإِلَّا لم يحصل أَو يَقُول لَا أجامع امْرَأَتي فَإِن كَانَ الله قضى لي بِولد فَإِنَّهُ يكون
الْفَصْل الْخَامِس تَقْدِير الْهِدَايَة والإضلال
قرر ابْن بطة هَذَا الْمَعْنى بِمَا أوردهُ من أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة والْآثَار عَن السّلف فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْكتاب وَهِي الْبَاب الثَّانِي من الْجُزْء الثَّامِن وعنوانه بَاب ذكر مَا أعلمنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَأَنه لَا يهدي بِالْمُرْسَلين والكتب والآيات والبراهين إِلَّا من سبق فِي علم الله أَنه يهديه وَالْبَاب الثَّالِث من الْجُزْء الثَّامِن وموضوعه بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى أَنه أرسل الْمُرْسلين إِلَى النَّاس يَدعُونَهُمْ إِلَى عبَادَة رب الْعَالمين ثمَّ أرسل الشَّيَاطِين تحرضهم على تَكْذِيب الْمُرْسلين فَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة وَالْبَاب الأول من الْجُزْء التَّاسِع وعنوانه بَاب الْإِيمَان بِأَن الله عز وَجل كتب على آدم الْمعْصِيَة قبل أَن يخلقه فَمن رد ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة وَالْبَاب الْخَامِس من الْجُزْء التَّاسِع وموضوعه بَاب الْإِيمَان بَان الشَّيْطَان مَخْلُوق مسلط على بني آدم يجْرِي مِنْهُم مجْرى الدَّم إِلَّا من عصمه الله وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ من الْفرق الهالكة وَحَاصِل مَا قَرّرته الْآيَات والْآثَار المروية من ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب أَن
الله تَعَالَى قدر الْهِدَايَة والضلال والمخالفة لأَمره سُبْحَانَهُ أزلا على من أَرَادَ من عباده وكل من الْهدى والضلال لم يكن إِلَّا بِإِذن الله تَعَالَى وَقَضَاء وَقدر مِنْهُ عز وَجل وَقد أورد ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب كثيرا من الْآيَات القرآنية تربو عَن ثَلَاثِينَ آيَة تثبت لله عز وَجل دون غَيره الْهِدَايَة والإضلال فَلَا هادي وَلَا مضل إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وَلَو شَاءَ لهداهم أَجْمَعِينَ وَلَكِن لحكمة يعلمهَا عز وَجل جعلهم فريقين فريقا على الْهدى وفريقا على الضلال لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَلِهَذَا لم يهتد كثير من النَّاس بدعوة الْمُرْسلين فِي الْأُمَم السَّابِقَة وَفِي هَذِه الْأمة أَيْضا رغم مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من الْبَيَان والبلاغة والفصاحة والبراهين القاطعة والحجج الْوَاضِحَة الَّتِي بعثوا بهَا من عِنْد الله تَعَالَى مؤيدين بالمعجزات الواضحات مثل الشَّمْس فِي رَابِعَة النَّهَار يدعونَ أمتهم إِلَى المحجة الْبَيْضَاء فَهَذَا أَبُو طَالب عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ حرصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على هدايته لم يكْتب الله لَهُ الْهِدَايَة وَلم يسْبق فِي علم الله أَنه يهديه وَفِي حَقه نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِنَّك لاتهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء فِي حِين أننا نجد أَبَا بكر وَعمر بن الْخطاب وَغَيرهمَا من السُّعَدَاء من هَذِه الْأمة قد سبقت لَهُم من الله الْهِدَايَة أزلا فَدَخَلُوا فِي دين الله افواجا وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة كَمَا فِي قصَّة نَبِي الله نوح عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ قومه وَابْنه الَّذِي كَانَ يتَمَنَّى لَهُ الْهِدَايَة والتوفيق وَلَكِن الله لم يرد لَهُ الْهِدَايَة حَتَّى مَاتَ كَافِرًا وَفِي حَقه يَقُول رب الْعِزَّة إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح فَلَا تَسْأَلنِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين وَقد دَعَا نوح عَلَيْهِ السَّلَام قومه مُدَّة ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما فَلم يُؤمن بِهِ إِلَّا أنَاس معدودون من قومه أَرَادَ الله لَهُم الْهِدَايَة وَكثير مِنْهُم أَعرضُوا عَن الْإِيمَان وعتوا عتوا كَبِيرا كَمَا حكى الله ذَلِك عَنْهُم بقوله عز وَجل على لِسَان
نوح عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَإِنِّي كلما دعوتهم لتغفر لَهُم جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم واستغشوا ثِيَابهمْ وأصروا واستكبروا استكبارا﴾ وَذَلِكَ لِأَن الله لم يرد لَهُم الْهِدَايَة كَمَا قَالَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام مُخَاطبا لَهُم وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت ان أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هور بكم وَإِلَيْهِ ترجعون أما الْهِدَايَة المنسوبة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِلَى كِتَابه الْعَزِيز فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ فَالْمُرَاد بهَا هُنَا هِدَايَة إرشاد وَدلَالَة لَا هِدَايَة توفيق لِأَن الْهِدَايَة بِمَعْنى التَّوْفِيق خَاصَّة بِهِ عز وَجل لَا يملكهَا أحد غير الله تَعَالَى فَلِذَا جَاءَ نَفيهَا عَن غير الله فِي غير آيَة من الْقُرْآن الْكَرِيم من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فبذلك نعلم أَن الْهِدَايَة فِي الْقُرْآن لَهَا مَعْنيانِ الْهِدَايَة بِمَعْنى الْإِرْشَاد وَالْبَيَان وَالدّلَالَة فَهَذِهِ لِلْقُرْآنِ وَالْمُرْسلِينَ وَمن يقوم مقامهم فِي الدعْوَة إِلَى الله وَالثَّانِي الْهِدَايَة بِمَعْنى التَّوْفِيق فَهَذِهِ خَاصَّة بِاللَّه تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهَا أحد إِلَّا الله تَعَالَى وَمن هُنَا نعلم أَن مهمة الرُّسُل مَقْصُورَة على الْإِنْذَار وتبيلغ الرسَالَة مَعَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد﴾ وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده وَقد نبه ابْن بطة إِلَى أَن الله إِذا أَرَادَ للعباد السَّعَادَة وَقدر لَهُم الْهِدَايَة فِي الْأَزَل ألان قُلُوبهم وَفتح أذهانهم لتقبل الْهِدَايَة الَّتِي جَاءَت بهَا الرُّسُل فينتفعون بدعوة الْمُرْسلين فَيجْعَل لَهُم من أنفسهم وازعا وداعيا إِلَى الْهدى وكما أرسل الله الرُّسُل بالهداية أرسل الشَّيَاطِين لإضلال من أَرَادَ إضلاله فِي الْأَزَل خلافًا لما تدعيه الْقَدَرِيَّة من أَن الْهِدَايَة والإضلال والسعادة والشقاء بيد الْعباد لَا بيد الله تَعَالَى فالشياطين هم الَّذين يغوون من شاؤوا دون إِرَادَة من الله تَعَالَى ومشيئته فِي الْأَزَل وَلَكِن دلّت على بطلَان هَذِه الدعْوَة نُصُوص
كَثِيرَة من كتاب الله وَسنة رَسُوله والْآثَار المنقولة عَن السّلف والمفسرين الدَّالَّة على أَن الله تَعَالَى أرسل الشَّيَاطِين على الْكَافرين بدعوتهم إِلَى الشّرك وَالْمقَام على الْكفْر والمعاصي كل ذَلِك ليتم مَا علم وَلَا يكون إِلَّا مَا قدر وَعلم فسبحان من جعل هَذَا هَكَذَا وحجب قُلُوب الْخلق ومنعهم على مُرَاده فِي ذَلِك وَجعله سره المخزون وَعلمه الْمكنون وَيصدق لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ أَي تهيجهم وتحرضهم على الْمعاصِي وَالْكفْر وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وقيضنا لَهُم قرناء فزينوا لَهُم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين﴾ وَقَالَ عز وَجل ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين وَإِنَّهُم ليصدونهم عَن السَّبِيل وَيَحْسبُونَ أَنهم مهتدون﴾ فقد أخبرنَا عز وَجل أَنه يُرْسل الشَّيَاطِين فتْنَة للْكَافِرِينَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل وَمن سبقت عَلَيْهِم الشقوة حَتَّى يؤزرهم أزا ويحرضوهم على الْكفْر تحريضا ويزينوا لَهُم سوء أَعْمَالهم فَهَذَا كَلَام الله عز وَجل وإخباره عَن فعله فِي خلقه يعلمهُمْ أَن الْمفْتُون من فتْنَة الله والمهتدي من هداه الله والضال من أضلّهُ الله وَحَال بَينه وَبَين الْهدى فَعَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن الْبَصْرِيّ رَضِي الله عَنْهُمَا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ قَالُوا لَا تفتنون إِلَّا من قدر لَهُ أَن يصلى الْجَحِيم وَعَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز أَن الله عز وَجل لَو أَرَادَ أَن لَا يَعْصِي مَا خلق إِبْلِيس وَذَلِكَ لكَونه
مصدر كل شَرّ وَقد وكل لكل إِنْسَان قرينه من الْجِنّ يجْرِي مِنْهُم مجْرى الدَّم حَتَّى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أخبر بذلك فِيمَا رَوَاهُ عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من أحد إِلَّا وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ قَالُوا وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ وَأَنا إِلَّا أَن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَيْسَ يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير // رَوَاهُ مُسلم وَأحمد الدَّارمِيّ // وَقدر الله على آدم أَن يَأْكُل من الشَّجَرَة بوسوسة من الشَّيْطَان وَأمره أَن لَا يقرب مِنْهَا عِنْدَمَا ادخله الْجنَّة فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان فَخَالف آدم أَمر ربه فَأكل من الشَّجَرَة قَالَ تَعَالَى فعصى آدم ربه فغوى فَأخْرجهُ الله بِسَبَب ذَلِك من الْجنَّة وَكَانَ ذَلِك قدرا مَقْدُورًا فَعَاتَبَهُ على ذَلِك نَبِي الله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَائِلا أَنْت الَّذِي أغويت النَّاس وأخرجتهم من الْجنَّة فَأجَاب آدم على العتاب قَائِلا أتلومني على أَمر قد كتب عَليّ قبل أَن أخلق بِخَمْسِينَ ألف سنة فَقَالَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فحج آدم مُوسَى ثَلَاث مَرَّات أَي أَقَامَ عَلَيْهِ الْحجَّة فِي الْإِجَابَة على مُعَاتَبَته لَهُ وكما قدر الله على آدم الْمُخَالفَة لأَمره فِي الْأَزَل فِي أكل الشَّجَرَة قدر لَهُ التَّوْبَة من الْخَطِيئَة وَقبل مِنْهُ التَّوْبَة بعدذ لَك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ وكل من الْخَطِيئَة الأولى وإلهام التَّوْبَة وَالْهِدَايَة بعد الْخَطِيئَة الأولى وإهباطه على وَجه الأَرْض بعد قبُول تَوْبَته كَانَ بِقدر من الله تَعَالَى أزلا ليسكن هُوَ وَذريته فِيهَا إِلَى قيام السَّاعَة كل ذَلِك كَانَ من الله قدرا مَقْدُورًا ومكتوبا عِنْده تَعَالَى فِي أم الْكتاب قبل خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة
قلت وَلما كَانَ مَوْضُوع هَذَا الْفَصْل مرتبطا بموضوع الْفَصْل التَّالِي فقد رَأَيْت أَن أجعَل التَّعْلِيق عَلَيْهَا وَاحِدًا وَأَن أجعله فِي نِهَايَة الْفَصْل التَّالِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل السَّادِس ختم الله وطبعه على قُلُوب الضَّالّين من عباده
عقد ابْن بطة فِي هَذَا الْكتاب بَابا خَاصّا لبَيَان هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ الْبَاب الأول من الْجُزْء الثَّانِي وعنوانه بَاب ذكر مَا أخبرنَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَنه ختم على قُلُوب من أَرَادَ من عباده فهم لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحق وَلَا يسمعُونَ وَلَا يبصرونه وَأَنه طبع على قُلُوبهم وَلما كَانَت الْقَدَرِيَّة تنكر الْخَتْم والطبع ضمن مَا تنكره من الأقدار عقد ابْن بطة هَذَا الْبَاب فأورد فِيهِ أَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع تثبت الغشاوة على الْأَبْصَار والختم والطبع على الْقُلُوب كَمَا بَين رَحمَه الله أَن مآل السُّعَدَاء الَّذين شرح الله صُدُورهمْ للْإيمَان إِلَى الْجنَّة ومصير الأشقياء الَّذين ختم الله
على قُلُوبهم وَجعل الغشاوة على أَبْصَارهم سَيكون إِلَى النَّار فَللَّه الْمِنَّة وَالشُّكْر فِيمَا هدى وَأعْطى وَهُوَ الحكم الْعدْل فِيمَا منع وأضل وأشقى وَله الْحَمد والْمنَّة على من تفضل عَلَيْهِ وهداه وَله الْحجَّة الْبَالِغَة على من أضلّهُ وأشقاه فَجعل على سمعهم وأبصارهم غشاوة وَفِي آذانهم وقرا وحجابا فَلَا يبصرون طَرِيق الْهِدَايَة والرشاد وَلَا يسمعُونَ نِدَاء الْحق والفلاح على قُلُوبهم أكنة تحول بَينهم وَبَين الْهِدَايَة والرشاد ... وَللَّه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي ذَلِك فَلَا يجوز لأحد أَن يَقُول لم فعل الله بهم ذَلِك وَقد فرض الله على الْمُؤمن أَن يعلم أَن ذَلِك عدل وَحِكْمَة لِأَن الْخلق كُله لله عز وَجل وَالْملك ملكه وَالْعَبْد عَبده يهدي من يَشَاء ... ويضل من يَشَاء ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء ويحمد على السَّعَادَة ويشقي من يَشَاء ويذم على الشَّقَاء وَهُوَ عدل فِي ذَلِك لَا راد لحكمه وَلَا معقب لقضائه لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَمن النُّصُوص الْوَارِدَة فِي إِثْبَات الْخَتْم والطبع على من شَاءَ من بعباده قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وَاتبعُوا أهواءهم﴾ هَذَا الصِّنْف من النَّاس لايهتدون وَلَا يُؤمنُونَ مهما أنذروا بِالْآيَاتِ القرآنية وشاهدوا من الْآيَات الكونية وَمهما سمعُوا وعاينوا من المعجزات النَّبَوِيَّة الْوَاضِحَة كَمَا قصّ الله تَعَالَى عَن هَؤُلَاءِ فِي غير آيَة من كِتَابه من ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لقد حق القَوْل على أَكْثَرهم فهم لَا يُؤمنُونَ إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالا فَهِيَ إِلَى الأذقان فهم مقمحون وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سدا وَمن خَلفهم سدا فأغشيناهم فهم لَا يبصرون وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تَدعهُمْ إِلَى الْهدى فَلَنْ يهتدوا إِذا أبدا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤمنين كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين لَا يُؤمنُونَ بِهِ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ فَهَذَا وَنَحْوه فِي الْقُرْآن مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ الْعُقَلَاء من عباد الله الْمُؤمنِينَ على أَن الله عز وَجل خلق خلقا من عباده أَرَادَ بهم الشَّقَاء فَكتب ذَلِك عَلَيْهِم فِي أم الْكتاب عِنْده فختم على قُلُوبهم فحال بَينهم وَبَين الْحق أَن يقبلوه وغشى أَبْصَارهم عَنهُ فَلم يبصروه وَجعل فِي آذانهم الوقر فَلم يسمعوه وَجعل قُلُوبهم ضيقَة حرجة وَجعلهَا فِي أكنة ومنعها الطَّهَارَة وَصَارَت رجسه لِأَنَّهُ خلقهمْ للنار
فحال بَين قبُول مَا ينجيهم مِنْهَا فقد قَالَ الله عز وَجل ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ﴾ قلت تَقْدِير الْهِدَايَة والإضلال وتسليط الشَّيْطَان على من يَشَاء من عباده وَكِتَابَة الْمعْصِيَة على آدم قبل خلقه وَجعل الْخَتْم والطبع على الْقُلُوب والغشاوة على الْأَبْصَار والحيلولة بَين الْمَرْء وَالْإِيمَان كل هَذَا وَغَيره مِمَّا ذكره ابْن بطة لَا يتنازع فِيهِ عُلَمَاء السّنة وَذَلِكَ لثُبُوته بأدلة من الْكتاب وَالسّنة كَمَا وضحه ابْن بطة فِي هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا من أَبْوَاب هَذَا الْكتاب وَلَكِن الطائفتان الْقَدَرِيَّة والجبرية ضلت عَن الثَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة لعدم دراستها لنصوص الْكتاب وَالسّنة فِي مسَائِل الْقدر دراسة شَامِلَة لجَمِيع جوابنها حَيْثُ أَن كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ تَأْخُذ جانبا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة تظن انه يُؤَيّد مذهبها فِي الْجَبْر أَو فِي نفي الْقدر وتترك الْجَانِب الآخر الَّذِي يكون حجَّة عَلَيْهَا فَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَنه لَيْسَ هُنَاكَ تَقْدِير للهداية والإضلال أزلا رغم وُرُود مئات من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة تدل على ثُبُوت ذَلِك كُله كَمَا وضحها ابْن بطة وَغَيره من عُلَمَاء السّنة وَادعت أَن العَبْد هُوَ الَّذِي يخلق الْهِدَايَة والضلال لنَفسِهِ دون مَشِيئَة الله تَعَالَى وَتَقْدِيره الأزلي فَالله تَعَالَى فِي نظرهم لَيْسَ هاديا وَلَا مضلا للعباد وَلَا سُلْطَان للشَّيْطَان على أحد من خلقه وَلم يقدر الْمعْصِيَة على آدم وَغَيره من الْعباد وَلم يَجْعَل الْخَتْم والطبع والغشاوة والران والقفل على قُلُوبهم وَلَكِن الَّذِي يفعل ذَلِك كُله هُوَ العَبْد أَو الشَّيْطَان دون إِرَادَة من الله تَعَالَى إِذْ لَا يُمكن أَن يكون ذَلِك من الله لِأَن ذَلِك كَا يَقُولُونَ يتنافى مَعَ عَدَالَة الرب عز وَجل وَقَالَت الجبرية أَن العَبْد مجبور لَا يَسْتَطِيع الْحَرَكَة نَحْو الْخَيْر وَالشَّر
بِاخْتِيَارِهِ وإرادته ويستدلون على ذَلِك بِكَثِير من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا تدل على مَذْهَبهم فِي الْجَبْر مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله ﴿ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء من عباده وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَوله (وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم) وَيَقُول عز وَجل ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء ولتسألن عَمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَيَقُول عز وَجل فَمن يهدي الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا وَقَوله من يهدي الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم
الغافلون وَقَوله ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزؤهم أزا وَقَوله تَعَالَى ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك وأجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وعدهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات القرآنية الَّتِي تزْعم الجبرية أَنَّهَا تدل على الْجَبْر وَلَيْسَ للْعَبد اخْتِيَار وَلَا مَشِيئَة فِي كل مَا يفعل وَمن هَذَا الْبَاب إخْبَاره سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ طبع على قُلُوب الْكَافرين وَختم عَلَيْهَا وَأَنه أصمها عَن الْحق وأعمى أبصارها عَنهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ وَكَقَوْلِه عز وَجل ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة﴾ وَقَوله وَقَالُوا قلبونا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم وَقَالَ عز وَجل ﴿كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين﴾ كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ ﴿ونطبع على قُلُوبهم فهم لَا يسمعُونَ﴾ وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن على بعض الْقُلُوب أقفالا تمنعها من أَن تنفتح لدُخُول الْهدى إِلَيْهَا وَقَالَ ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى﴾ غهذا الوقر والعمى حَال بَينهم وَبَين أَن يكون لَهُم
هدى وشقاء ... والقدرية ترد هَذَا كُله إِلَى الْمُتَشَابه وتجعله من متشابه الْقُرْآن وتتأوله على غير تَأْوِيله بِمَا يقطع بِبُطْلَانِهِ وَعدم إِرَادَة الْمُتَكَلّم لَهُ مِمَّا لَا مجَال لذكره هُنَا لطوله والجبرية تستدل بهَا على أَن العَبْد لَا مَشِيئَة وَلَا إِرَادَة لَهُ دون الْتِفَات إِلَى مئات من الْآيَات القرآنية الَّتِي تدل على أَن للْعَبد مَشِيئَة وَإِرَادَة واختيارا وَهِي كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾ وَقَوله ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ وَقَوله ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يبخسون﴾ وَقَوله ﴿من كَانَ يُرِيد العاجلة عجلنا لَهُ فِيهَا مَا نشَاء لمن نُرِيد ثمَّ جعلنَا لَهُ جَهَنَّم يصلاها مذموما مَدْحُورًا وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾ فهدى الله أهل السّنة لما اخْتلفُوا فِيهِ فحملوا الْآيَات الْمُتَقَدّمَة الدَّالَّة على الإضلال والختم والطبع على محمل صَحِيح وبينوا أَنَّهَا لَا تدل على الْجَبْر بِالْمَعْنَى الَّذِي يريدونه بل أَن العَبْد لَهُ مَشِيئَة وَإِرَادَة وَفِيمَا يَلِي بَيَان ذَلِك مفصلا وضح ابْن الْقيم الْمَعْنى الْمَقْصُود من هَذِه الْآيَات الَّتِي تستدل بهَا الجبرية
على أَن العَبْد مجبور مسلوب الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار وضح ذَلِك بقوله وَالْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره إِنَّمَا يدل على أَن الطَّبْع والختم والغشاوة لم يَفْعَلهَا الرب سُبْحَانَهُ بِعَبْدِهِ من أول وهلة حِين أمره بِالْإِيمَان أَو بَين لَهُ وَإِنَّمَا فعله بعد تكْرَار الدعْوَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ والتأكيد فِي الْبَيَان والإرشاد وتكرار الْأَعْرَاض مِنْهُم وَالْمُبَالغَة فِي الْكفْر والعناد فَحِينَئِذٍ يطبع على قُلُوبهم وَيخْتم عَلَيْهَا فَلَا تقبل الْهدى بعد ذَلِك والإعراض وَالْكفْر الأول لم يكن مَعَ ختم وطبع بل كَانَ اخْتِيَارا فَلَمَّا تكَرر مِنْهُم صَار طبيعة وسجية ثمَّ سَاق ابْن الْقيم أَدِلَّة من كتاب الله توضح هَذَا الْمَعْنى مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ وَقَالَ ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَقَالَ ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم﴾ وَقَالَ ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم إِلَى يَوْم يلقونه بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي تُؤدِّي هَذَا الْمَعْنى وَهِي كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم