بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَجَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَقَبْلَ الْعَرْشِ وَالْقَلَمِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
229 - حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: ثنا بُنْدَارٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ بِيَدِهِ أَرْبَعَةَ
أَشْيَاءَ: آدَمَ وَالْقَلَمَ وَالْعَرْشَ وَجَنَّاتِ عَدْنٍ، وَاحْتَجَبَ مِنْ خَلْقِهِ بِأَرْبَعَةٍ: بِنَارٍ وَظُلْمَةٍ وَنُورٍ وَظُلْمَةٍ، وَقَالَ: لِسَائِرِ الْخَلْقِ: كُنْ فَكَانَ "
230 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنْ وَرْدَانَ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ جِبْرِيلَ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ الْقَلَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ الَّذِي عِنْدَهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ»
231 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الْبَاغَنْدِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ
بِيَدِهِ، وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]
232 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: " أُخْبِرْتُ أَنَّ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَمَسَّ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: غَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ
233 - وَفِي رِوَايَةٍ: «جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ»
234 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حِينَ فَرَغَ مِنْهَا ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]، ثُمَّ أُغْلِقَتْ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا، فَإِذَا كَانَ كُلُّ سَحَرٍ فُتِحَتْ مَرَّةً، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]
235 - وَزَعَمَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِبِلَ بِيَدِهِ، وَنَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71]
236 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أنا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ: أنبا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: " قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ خَلَقْتَ بَنِي آدَمَ فَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَيَتَمَتَّعُونَ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا أَجْعَلُ ذُرِّيَّةَ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ كَشَيْءٍ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ "
237 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ
238 - وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، مِثْلُهُ
239 - حَدَّثَنَا الْقَافْلَائِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أنبا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»
240 - حَدَّثَنَا الْقَافْلَائِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ أنبا أَبُو عَوْنٍ صَاحِبُ الْقِرَبِ الْبَصْرِيُّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبَضَ قَبْضَةً، فَقَالَ: لِلْجَنَّةِ، وَقَبَضَ قَبْضَةً، فَقَالَ: لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي "
241 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 67]، قَالَ: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» قِيلَ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
242 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَنَى الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، وَحَظَرَهَا عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ وَعَنْ كُلِّ، مُدْمِنٍ الْخَمْرَ سِكِّيرٍ
243 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: يُجَاءُ بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُعَرِّفُهُ ذُنُوبَهُ، ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُ "
244 - حَدَّثَنَا الْقَافْلَائِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بَلَغَهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ فِي الْأَلْوَاحِ بِيَدِهِ لِعَبْدِهِ مُوسَى، عَبْدِي لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَلَا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِبًا؛ فَإِنِّي لَا أُزَكِّي، وَلَا أَرْحَمُ مَنْ يَحْلِفُ بِاسْمِي كَاذِبًا»
245 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أنبا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُحْرِقُكَ نَارُ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّ يَمِينَهُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُنْعِشُهُ، وَإِنْ عَثَرَ فِي يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ»
246 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْقَافْلَائِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي " قَالَ الشَّيْخُ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَمَا ضَاهَاهَا، وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهَا فِي كَمَالِ الدِّينِ، وَتَمَامِ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ بِهَا، وَالْقَبُولُ لَهَا، وَتَلَقِّيهَا بِتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا وَاتِّبَاعُ آثَارِ السَّلَفِ فِي رِوَايَتِهَا بِلَا كَيْفٍ وَلَا لِمَ، فَإِنَّ التَّنْقِيبَ وَالْبَحْثَ عَنْ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ، وَيُزِيلُ الْقَلْبَ عَنْ مُسْتَقَرِّ الْإِيقَانِ، وَيُزَحْزِحُهُ عَنْ طُمَأْنِينَةِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فُتِنُوا بِكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَالتَّنْقِيرِ، وَالْفَحْصِ عَنْ مَعَانِي أَحَادِيثَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ حَتَّى
أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْفِتَنَ وَالْمِحَنَ، فَلَجِجُوا فِي بِحَارِ الشَّكِّ، فَصَارَ بِهِمْ إِلَى رَدِّ السُّنَنِ، وَالتَّكْذِيبِ لِمَا جَاءَ فِي نَصِّ التَّنْزِيلِ، وَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنِ الرَّسُولِ، وَقَالُوا: لَا نَقْبَلُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَصِفَ اللَّهَ إِلَّا بِمَا قَبِلَهُ الْمَعْقُولُ، وَقَالُوا: لَا نَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ يَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْأَصَابِعِ، وَكَفٍّ وَسَاعِدَيْنِ، وَرَاحَةٍ، وَمَفَاصِلَ، فَفَرُّوا بِزَعْمِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ، فَفِيهِ وَقَعُوا، وَإِلَيْهِ صَارُوا، وَكُلُّ مَا زَعَمُوا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأَنَّ يَدَا اللَّهِ بِلَا كَيْفٍ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَكْذَبَهُمُ الرَّسُولُ، فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصِحَابَتِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةِ الدِّينِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ الْكَرِيمُ فِي ذِكْرِهِمْ أُنْسًا لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ مَا فِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ وَشِفَاءٌ، وَأَمَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وَقَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وَقَالَ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾،
ثُمَّ صَدَّقَ ذَلِكَ، وَأَبَانَ مَعْنَاهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ لَا يُغِيضُهَا شَيْءٌ»،
247 - وَقَوْلُهُ: " إِنَّ اللَّهَ نَثَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُمْ فِي يَدَيْهِ، فَقَالَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأُخْرَى: هَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ "، وَمَا قَدْ ذَكَرْتُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمَا قَبْلَهُ كُلُّهَا تُوَافِقُ مَعْنَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ يُصَدِّقُهَا.
وَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ عَدَاوَتِهِ شَيْئًا فَكَانَ كَذِبًا لَمْ يَدَعْ ذَلِكَ حَتَّى يُبَيِّنَ كَذِبَهُمْ فِيهِ، وَإِذَا حَكَى عَنْهُمْ شَيْئًا صَدَقُوا فِيهِ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ، فَيَكُونُ قَدْ مَدَحَهُمْ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَدَقُوا وَلَمْ يُصَدِّقِ الْكَاذِبَ أَحْيَانًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]، فَصَدَقُوا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَكَذَبُوا فِي آخِرِهِ، فَكَذَّبَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ كَمَا قَالُوا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ إِبْلِيسَ: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: 39]، فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، فَلَمْ يُكَذِّبْهُ إِذْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَيَكُونُ تَصْدِيقُهُ إِيَّاهُ مِدْحَةً لَهُ
وَمِنْ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28]، فَصَدَقُوا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَكَذَبُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ يُصَدِّقُهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ تَصْدِيقُهُ لَهُمْ مِدْحَةً لَهُمْ، وَكَذَّبَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28] فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28]، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْيَهُودِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64]، فَكَذَّبَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64]، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي ذِكْرِ الْيَدِ فَيَكُونُ مَادِحًا لَهُمْ، ثُمَّ أَوْضَحَ أَنَّ لَهُ يَدَيْنِ فَقَالَ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64]، مِنْ ذِكْرِ الْغِلِّ، ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: مَعْنَى الْيَدِ النِّعْمَةُ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَقُلْ " ﴿يَدَاهُ﴾ [المائدة: 64]، وَلَقَالَ: بَلْ مَبْسُوطَةٌ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْيَدِ مَعْنَى النِّعْمَةِ لَمْ يَقُلْ بِيَدَيَّ، وَلَقَالَ: بِيَدِي أَوْ بِنِعْمَتِي؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَعْمَتَيْنِ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: 67]، كَقَوْلِكَ: الدَّارُ فِي قَبْضِ فُلَانٍ، يَعْنِي: فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ قَبَضْتَ الْمَالَ، وَلَيْسَ فِي كَفِّكِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: الْأَرْضُ، وَالدَّارُ، وَالْغُلَامُ، وَالدَّابَّةُ فِي قَبْضَتِي
فَمَوَّهُوا بِذَلِكَ عَلَى الْجَاهِلِ، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: 18]، فَالْقُرْآنُ مَرْدُودٌ إِلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]، وَقَالَ: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103]، فَالْجَهْمِيُّ الْمَلْعُونُ إِنَّمَا أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَمِنْ تَعَاشِيهِ عَنِ الْجَادَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَطَلَبِهِ الْمُتَشَابِهَ، وَثَنِيَّاتِ الطُّرُقِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]، فَقَوْلُ الْجَهْمِيِّ: الدَّارُ فِي قَبْضَةِ فُلَانٍ، إِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُغَالَطَةَ، وَإِدْخَالَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ عَلَى قَلْبِ الضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَوَّى بِجَهْلِهِ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْقَبْضَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: الدَّارُ فِي قَبْضَةِ فُلَانٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْمِلْكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْقَبْضِ لَمْ تُدْخِلِ الْهَاءَ، فَإِنْ أَرَدْتَ قَبْضَةَ الْيَدِ، أَدْخَلْتَ الْهَاءَ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: 67]، وَلَوْ كَانَ كَقَوْلِ الْجَهْمِيِّ لَقَالَ: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا فِي قَبْضَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]،
وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ كُلَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَهُزُّهَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ " وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: لَا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ كَذِبَتْ
بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، رَدًّا لِمَا جَحَدَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ الْمُلْحِدَةُ قَالَ الشَّيْخُ: فَالْجَهْمِيَّةُ تَجْحَدُ أَنَّ لِلَّهِ سَمْعًا، وَبَصَرًا، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 61] أَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَقَوْلِكَ لِلْمَكْفُوفِ: مَا أَبْصَرَهُ بَكَيْتَ وَكَيْتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى إِبْطَالِ صِفَاتِ الْمَوْصُوفِ، وَرَدُّوا كِتَابَ
اللَّهِ وَجَحَدُوا صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فَعَدَلُوا عَمَّا نَهَى اللَّهُ، وَوَهَّمُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ تَنْزِيهَ اللَّهِ، وَصَرْفَ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فِي الْقُدْرَةِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ، وَالسُّلْطَانِ، وَالرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ وَصَفَ خَلْقَهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاحِدَةً، وَلَيْسَ الْمَوْصُوفُ بِهَا مِثْلَهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلَّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، وَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وَقَالَ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، فَذَكَرَ لِنَفْسِهِ وَجْهًا وَذَكَرَ لِخَلْقِهِ وُجُوهًا،
وَقَالَ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28] وَقَالَ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وَقَالَ: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134]، وَقَالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2]، وَقَالَ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75]، وَقَالَ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: 28]، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]، وَقَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101]، وَقَالَ: ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25]، وَقَالَ: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: 51]، وَقَالَ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الَقْوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وَقَالَ: (مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ)، وَقَالَ، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50]،
وَقَالَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]، وَقَالَ: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، فَهَذِهِ كُلُّهَا وَأَمْثَالُهَا، وَنَظَائِرُهَا وَمَا لَمْ نَذْكُرْهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي وَصَفَ خَلْقَهُ بِمِثْلِهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ قَوْلُنَا: فُلَانٌ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، وَفُلَانٌ رَحِيمُ، وَفُلَانٌ حَلِيمٌ، وَفُلَانٌ عَالِمٌ، وَفُلَانٌ مَلِكُ قَوْمِهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ.
وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّ مَعْنَى سَمْعِهِ: مَعْنَى بَصَرِهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46] فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد: 31] إِنَّمَا مَعْنَى نَعْلَمُ هَاهُنَا: حَتَّى نَرَى الْمُجَاهِدِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْمُجَاهِدِينَ بِالْعِلْمِ السَّابِقِ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُجَاهِدُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَحْدِثُ عِلْمًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحْدَثَ عِلْمًا بِشَيْءٍ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ جَاهِلًا، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَلَكِنَّهُ لَا يَرَاهُمْ مُجَاهِدِينَ حَتَّى يُجَاهِدُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْبَصَرَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْبَصَرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ عَلِمَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّكَ تُصَلِّي قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ وَأَنَّكَ تُجَاهِدُ قَبْلَ أَنْ تُجَاهِدَ , وَلَكِنَّهُ لَا يَرَاكَ مُصَلِّيًا حَتَّى تُصَلِّيَ وَلَا عَامِلًا حَتَّى تَعْمَلَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [آل عمران: 181]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: 80]، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 15]، وَأَشْبَاهٌ لِهَذَا، وَنَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا تَجْحَدُهَا الْجَهْمِيَّةُ وَتَأْبَى قَبُولَهَا، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُوَافِقُ الْكِتَابَ،
248 - قَالَتْ عَائِشَةُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَتْهُ، وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِيَ تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا.
. .﴾ [المجادلة: 1] الْآيَةَ