الإبانة الكبرى لابن بطةبَابُ ذِكْرِ مِحْنَةِ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ، وَرُجُوعِ الْوَاثِقِ عَنْ مَذْهَبِهِ

بَابُ ذِكْرِ مِحْنَةِ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ، وَرُجُوعِ الْوَاثِقِ عَنْ مَذْهَبِهِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، ابن بطة
الكتاب
الإبانة الكبرى لابن بطة
المؤلف
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
المحقق
رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
الناشر
دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
عدد الأجزاء
9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
الطبعة
الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
الطبعة
الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
الطبعة
الأولى، 1426 هـ - 2005 م

452 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْقَاضِي الْبِسْتِيُّ، وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحِ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ إِدْرِيسَ الْقَزْوِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُمْتَنِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ

التَّيْمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَهْلِ الْجَلَالَةِ وَالسِّنِّ مِنْهُمْ، قَالَ: حَضَرْتُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ جَلَسَ يَنْظُرُ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَنَظَرْتُ إِلَى قِصَصِ النَّاسِ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَيَأْمُرُنَا بِالتَّوْقِيعِ فِيهَا وَإِنْشَاءِ الْكُتُبِ لِأَصْحَابِهَا، وَتُخْتَمُ وَتُدْفَعُ إِلَى صَاحِبِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَفَطِنَ وَنَظَرَ إِلَيَّ، فَغَضَضْتُ عَنْهُ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مِنِّي وَمِنْهُ مِرَارًا ثَلَاثًا، إِذَا نَظَرَ إِلَيَّ غَضَضْتُ وَإِذَا اشْتَغَلَ نَظَرْتُ، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُمْتُ قَائِمًا، فَقَالَ: فِي نَفْسِكَ مِنَّا شَيْءٌ تُحِبُّ أَنْ تَقُولَهُ، أَوْ قَالَ: تُحِبُّ أَنْ تَقُولَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: عُدْ إِلَى مَوْضِعِكَ، فَعُدْتُ.
وَعَادَ فِي النَّظَرِ حَتَّى إِذَا قَامَ قَالَ لِلْحَاجِبِ: لَا يَبْرَحْ صَالِحٌ فَانْصَرَفَ النَّاسُ، ثُمَّ أَذِنَ لِي وَقَدْ هَمَّتْنِي نَفْسِي، فَدَخَلْتُ دَعَوْتُ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: «اجْلِسْ» فَجَلَسْتُ، فَقَالَ: «يَا صَالِحُ تَقُولُ لِي مَا دَارَ فِي نَفْسِكَ أَوْ أَقُولُ أَنَا مَا دَارَ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ دَارَ فِي نَفْسِكَ؟» قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْزِمُ عَلَيْهِ وَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ فَقَالَ: «وَأَقُولُ أَنَا، كَأَنِّي بِكَ وَقَدِ اسْتَحْسَنْتَ مَا رَأَيْتَ مِنَّا»، فَقُلْتَ: أَيُّ خَلِيفَةٍ خَلِيفَتُنَا إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَوَرَدَ عَلَى قَلْبِي أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَهَمَّتْنِي نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ: يَا نَفْسُ هَلْ تَمُوتِينَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَلْ تَمُوتِينَ قَبْلَ أَجَلِكِ، وَهَلْ يَجُوزُ الْكَذِبَ فِي جِدٍّ أَوْ هَزْلٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَارَ فِي نَفْسِي إِلَّا مَا قُلْتَ، أَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: " وَيْحَكَ، اسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، فَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ الْحَقَّ، فَسُرِّيَ عَنِّي وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي وَمَنْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَابْنُ عَمِّ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؟ فَقَالَ لِي: " مَا زِلْتُ أَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ صَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الْوَاثِقِ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْنَا ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ أَذَنَةَ، فَأُدْخِلَ الشَّيْخُ عَلَى الْوَاثِقِ وَهُوَ جَمِيلُ الْوَجْهِ، تَامُّ الْقَامَةِ، حَسَنُ الشَّيْبَةِ، فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ قَدِ اسْتَحْيَا مِنْهُ وَرَقَّ لَهُ، فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ وَيُقَرِّبُهُ حَتَّى قُرِّبَ مِنْهُ، فَسَلَّمَ الشَّيْخُ فَأَحْسَنَ السَّلَامَ، وَدَعَا فَأَبْلَغَ وَأَوْجَزَ، فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا شَيْخُ نَاظِرِ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَلَى مَا يُنَاظِرُكَ عَلَيْهِ»، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ أَبِي دؤادٍ يَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، فَغَضِبَ الْوَاثِقُ وَعَادَ مَكَانَ الرِّقَةِ لَهُ غَضَبًا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ يَصْبُو، وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنْ مُنَاظَرَتِكَ أَنْتَ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِكَ، وَأْذَنْ لِي فِي مُنَاظَرَتِهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: مَا دَعَوْتُكَ إِلَّا لِمُنَاظَرَتِهِ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ إِلَى مَا دَعَوْتُ النَّاسَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِلَى أَنْ تَقُولَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.

فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ مَا نَقُولُ.
قَالَ: أَفْعَلُ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، وَاجِبَةٌ دَاخِلَةٌ فِي عُقْدَةِ الدِّينِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى عِبَادِهِ، هَلْ سَتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي دِينِهِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَّةَ إِلَى مَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: تَكَلَّمْ.
فَسَكَتَ، فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ إِلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: وَاحِدَةٌ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حِينَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ﴿الْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّادِقَ فِي إِكْمَالِ دِينِهِ أَمْ أَنْتَ الصَّادِقُ فِي نُقْصَانِهِ، فَلَا يَكُونُ الدِّينُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ فِيهِ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَجِبْ يَا أَحْمَدُ، فَلَمْ يُجِبْهُ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اثْنَتَانِ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: اثْنَتَانِ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، عَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ جَهِلَهَا؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: عَلِمَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ: فَدَعَا النَّاسُ إِلَيْهَا؟ فَسَكَتَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثٌ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: ثَلَاثٌ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ فَاتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَلِمَهَا كَمَا زَعَمْتَ، وَلَمْ

يُطَالِبْ أُمَّتَهُ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَاتَّسَعَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: نَعَمْ.
فَأَعْرَضَ الشَّيْخُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْوَاثِقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدَّمْتُ الْقَوْلَ أَنَّ أَحْمَدَ يَصْبُو وَيَقِلُّ وَيَضْعُفُ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَكَ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَهُ مَا اتَّسَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: نَعَمْ، إِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا، اقْطَعُوا قِيدَ هَذَا الشَّيْخِ.
لَمَّا قُطِعَ ضَرَبَ الشَّيْخُ بِيَدِهِ إِلَى الْقَيْدِ لِيَأْخُذَهُ، فَجَاذَبَهُ الْحَدَّادُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعِ الشَّيْخَ لِيَأْخُذَهُ، فَأَخَذَهُ الشَّيْخُ فَوَضَعَهُ فِي كُمِّهِ، فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ الشَّيْخُ: لِأَنِّي نَوَيْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ إِلَى مَنْ أُوصِي إِلَيْهِ إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كَفَنِي حَتَّى أُخَاصِمَ بِهِ هَذَا الظَّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ عَبْدَكَ هَذَا لِمَ قَيَّدَنِي؟ وَرَوَّعَ أَهْلِي وَوَلَدِي وَإِخْوَانِي بِلَا حَقٍّ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيَّ؟.
وَبِكَى الشَّيْخُ، فَبَكَى الْوَاثِقُ فَبَكَيْنَا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْوَاثِقُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حَلٍّ

وَسَعَةٍ مِمَّا نَالَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ وَسَعَةٍ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِكْرَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ كُنْتَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً فَعَلْتُ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: تُقِيمُ قِبَلَنَا، فَيَنْتَفِعُ بِكَ فِتْيَانُنَا.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَدَّكَ إِيَّايَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ أَنْفَعُ لَكَ مِنْ مَقَامِي عَلَيْكَ، وَأُخْبِرُكَ بِمَا فِي ذَلِكَ أَصِيرُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي، فَأَكُفُّ دُعَاءَهُمْ، فَقَدْ خَلَّفْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ الْوَاثِقُ: فَتَقَبَّلْ مِنَّا صِلَةً تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى دَهْرِكَ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَحِلُّ لِي أَنَا عَنْهَا غَنِّيٌّ، وَذُو مِرَّةٍ سَوِيٌّ، قَالَ: فَاسْأَلْ حَاجَتَكَ.
قَالَ: أَوَتَقْضِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: تُخَلِّي سَبِيلِي السَّاعَةَ وَتَأْذَنْ لِي فِيهِ.
قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ.
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَخَرَجَ.
قَالَ صَالِحٌ: قَالَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ: فَرَجَعْتُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَظُنُّ الْوَاثِقَ بِاللَّهِ كَانَ رَجَعَ عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ

بَابُ ذِكْرِ مُنَاظَرَةِ هَذَا الشَّيْخِ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ نَقَلْتُهَا مِنْ كُتُبِ بَعْضِ شُيُوخِ بَلْدَتِنَا، وَكَتَبْتُهَا مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، وَهِيَ أَتَمُّ مِنْ هَذِهِ وَأَشْبَعُ فِي حِجَاجِهَا، فَأَعَدْتُهَا لِمَوْضِعِ الزِّيَادَةِ

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ فِي كُتُبِ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِخَطِّهِ: 453 - حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَنْصُورِ، قَالَ: " كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَلَسَ لِلنَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ لِلْعَامَّةِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْقِصَّةِ الْأُولَى أَوْ شَبِيهًا بِهَا حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا إِلَى قَوْلِهِ: يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ فِي الْقُرْآنِ ﴿الْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، وَقُلْتَ أَنْتَ: الدِّينُ لَا يَكُونُ كَامِلًا حَتَّى يُقَالَ بِمَقَالَتِكَ، أَكَانَ اللَّهُ الصَّادِقَ فِي إِكْمَالِهِ أَمْ أَنْتَ الصَّادِقَ فِي نُقْصَانِهِ؟ فَسَكَتَ أَحْمَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ ثِنْتَانِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ الْكَلِمَةُ الَّتِي يُكَوِّنُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْأَشْيَاءَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهَا؟» فَسَكَتَ أَحْمَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: «ثَلَاثٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ» ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ أَخْبِرْنِي حَيْثُ كَانَ اللَّهُ فِي وِحْدَانِيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ كَانَ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا؟» قَالَ: بَلْ تَامًّا.
قَالَ: «فَكَيْفَ يَكُونُ تَامًّا مَنْ لَا كَلَامَ لَهُ»، فَسَكَتَ أَحْمَدُ.
فَقَالَ: أَرْبَعٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الشَّيْخُ: «يَا أَحْمَدُ أَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا تَامَّ الْعِلْمِ، أَمْ كَانَ جَاهِلًا؟» فَسَكَتَ أَحْمَدُ: فَقَالَ: خَمْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: " يَا أَحْمَدُ، قَوْلُهُ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: 13] الْكَلِمَةُ مِنْهُ أَمْ خَلَقَهَا مِنْ غَيْرِهِ؟ " فَأَمْسَكَ أَحْمَدُ، فَقَالَ: سِتٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " وَذَكَرَ مِنَ الْقِصَّةِ فِي الْقَيْدِ وَغَيْرِهَا شَبِيهًا بِمَا مَضَى فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَزَادَ فِيهِ: " قَالَ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ زِدْ أَحْمَدَ مِنْ هَذِهِ الْحُجَجِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.
قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ نَزَلَ الْعِلْمُ، وَمِنْكُمُ اقْتَبَسْنَاهُ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ قَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، أَلَيْسَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَّغَنَا هَذَا الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ أَمْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ حَتَّى نُتَابِعَكَ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْنَا، فَقَدْ نَسَبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ كَتَمَ أَمْرًا أَمَرَهُ اللَّهُ إِبْلَاغَنَا إِيَّاهُ، فَسَكَتَ أَحْمَدُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ.
قَالَ الشَّيْخُ: يَا أَحْمَدُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَا مُوسَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعَبُدْنِي﴾ [طه: 14]، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَخْلُوقًا؟ فَسَكَتَ أَحْمَدُ.

قَالَ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ سَلْنِي حَاجَةً.
قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَرُدَّنِي السَّاعَةَ إِلَى مَنْزِلِي الَّذِي أُخْرِجْتُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ مُكْرَمًا.
قَالَ صَالِحٌ: فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ: فَرَجَعْتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ تِلْكِ الْمَقَالَةِ، وَرَجَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاثِقُ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ يُنَاظِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى مَاتَ "

جارٍ التحميل