بَابُ بَيَانِ كُفْرِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
الْقُرْآنَ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُمْ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ؟ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَتَزْعُمُونَ أَنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] مَخْلُوقٌ، وَقَوْلُهُ ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]، وَأَنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، فَيُقَالُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ دَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: يَا خَالِقَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اغْفِرْ لَنَا، كَمَا يَقُولُ: يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا خَالِقَ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ يَا خَالِقَ اللَّهِ الصَّمَدِ يَا خَالِقَ مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ كَمَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَيَا خَالِقَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ مَخْلُوقَةً وَصِفَاتِهِ كَمَا زَعَمَ الْجَهْمِيُّ الْمَلْعُونَ وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، لَكَانَ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ أَنْ يُدْعَى فَيُقَالُ: يَا خَالِقَ الْقُرْآنِ وَيَا خَالِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَيَا خَالِقَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيَا خَالِقَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا حَلَفَ بِهَذِهِ الْيَمِينِ؟ أَوَلَيْسَ إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقَسَمَ بِأَسْمَائِهِ يَمِينًا يَبْرَأُ بِهَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الطَّالِبِ، وَجَعَلَ الْحَلِفَ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي حُقُوقِهِمْ وَالْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ الَّتِي يَتَحَوَّبُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْحِنْثِ بِهَا هِيَ الْحَلِفُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَبِذَلِكَ حَكَمَ حُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ ادَّعَى لِنَفْيِهِ حَقًّا؟ أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ هُوَ قَسَامَةُ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَ النَّفْسِ أَنْ
يَحْلِفَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الطَّالِبِ الْغَالِبِ إِلَى آخِرِ الْيَمِينِ؟ أَفَرَأَيْتَ لَوْ حَلَفَ، فَقَالَ: وَحَقِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْبِحَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، هَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا أَوْ تُبْرِئُهُ مِنْ دَعْوَى حَقِيرَةٍ صَغِيرَةٍ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَنِ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ الْأَمْوَالُ الْخَطِيرَةُ وَالْحُقُوقُ الْعَظِيمَةُ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَبِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ فِي الْقُرْآنِ تُرَدَّدُ وَتُرْجَعُ وَتَكْثُرُ لَبِرِئَ مِنْ كُلِّ دَعْوَى عَلَيْهِ وَطَلْبَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
أَوَلَيْسَ مَنْ قَالَ: يَا خَالِقَ الرَّحْمَنِ يَا خَالِقَ الْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ فَقَدْ أَبَانَ زَنْدَقَتَهُ وَأَرَادَ إِبْطَالَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا كُلِّهِ شَيْءٌ، حَتَّى خُلِقَ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا وَيَلْزَمُ الْجَهْمِيَّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ رَبَّهُ بِالْأَصْنَامِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ النَّحَّاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحِجَارَةِ، فَتَدَبَّرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ نَفْيَ الْجَهْمِيِّ لِلْكَلَامِ عَنِ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَبَّهُ كَهَذِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوْمًا عَبَدُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: 194] فَزَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ رَبَّهُ كَذَا إِذَا دُعِيَ لَا يُجِيبُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ عَيَّرَ قَوْمَهُ بِعِبَادَةِ مَا لَا يَنْطِقُ حِينَ قَالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ مَنْ لَا يَنْطِقُ إِلَهًا؟ فَلَمَّا أَسْكَتَهُمْ بِذَلِكَ وَبَّخَهُمْ فَقَالَ ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 66]، فَأَيُّ خَيْرٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، فَإِنَّمَا يَدُورُ الْجَهْمِيُّ فِي كَلَامِهِ وَاحْتِجَاجِهِ عَلَى إِبْطَالِ صِفَاتِ اللَّهِ لِيُبْطِلَ مَوْضِعَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَالْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيُدْحِضَ حُجَّتَهُ، فَتَفَكَّرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِيمَا اعْتَقَدَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ وَقَالَتْهُ وَجَادَلَتْ فِيهِ وَدَعَتِ النَّاسَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمَا وَعَقْلًا وَوَهَبَ لَهُ بَصَرًا نَافِذًا وَذِهْنًا ثَاقِبًا، عَلِمَ بِحُسْنِ قَرِيحَتِهِ وَدِقَّةِ فِطْنَتِهِ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ تُرِيدُ إِبْطَالَ الرُّبُوبِيَّةَ وَدَفْعَ الْإِلَهِيَّةَ، وَاسْتَغْنَى بِمَا يَدُلُّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَتُنَبِّهُهُ عَلَيْهِ فِطْنَتُهُ عَنْ تَقْلِيدِ الْأَئِمَّةِ الْقُدَمَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ زَنَادِقَةٌ، وَأَنَّهُمْ يَدُورُونَ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ لِذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَهْلُ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ وَوَرَعٍ وَدِيَانَةٍ، فَإِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ وَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَا تَكَلَّمَ قَطُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ أَبَدًا، فَجَحَدُوا بِهَذَا الْقَوْلِ عِلْمَهُ وَأَسْمَاءَهُ وَقُدْرَتَهُ وَجَمِيعَ صِفَاتِهِ، لِأَنَّ مَنْ أَبْطَلَ صِفَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ أَبْطَلَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا، كَمَا أَنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ.
وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُرَى فِي الْقِيَامَةِ، فَمَا بَالُهُمْ لَا يَأْلُونَ أَنْ يَأْتُونَ بِمَا فِيهِ
إِبْطَالِهِ وَإِبْطَالِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ؟ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَا كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَلَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَا هُوَ عَلَى عَرْشِهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَمْ تُخْلَقَا بَعْدُ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّهُمَا إِذَا خُلِقَتَا فَإِنَّهُمَا تُبِيدَانِ وَتَفْنَيَانِ.
وَقَالُوا إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ لَا يُعَذَّبُونَ إِبْطَالًا لِلرُّجُوعِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا مِيزَانَ، وَلَا صِرَاطَ، وَلَا حَوْضَ، وَلَا شَفَاعَةَ وَلَا كُتُبَ، وَجَحَدُوا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَبِالرَّقِّ الْمَنْشُورِ، وَبِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، فَلَيْسَ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَسْمَعُهُ مَنْ يَفْهَمُهُ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْإِبْطَالِ وَالْجُحُودِ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ وَجَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْمَعُ، وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَغْضَبُ، وَلَا يَرْضَى وَلَا يُحِبُّ، وَلَا يَكْرَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ، وَكُلُّ مَا ادَّعُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَانْتَحَلُوهُ فَقَدْ أَكْذَبُهُمُ اللَّهُ فِيهِ وَنَطَقَ الْقُرْآنُ بِكُفْرِ مَنْ جَحَدَهُ.
وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَتَّبَ عَلَى أَبِيهِ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] فَيَقُولُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَاتَبَ أَبَاهُ، وَنَقِمَ عَلَيْهِ عِبَادَةَ مَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، ثُمَّ عَادَ أَبَاهُ إِلَى عِبَادَةِ مَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَبْيَنَ كُفْرِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ وَسَيَأْتِي تِبْيَانُ كُفْرِهِمْ وَإِيضَاحُ الْحُجَّةِ بِالْحَقِّ عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ
نَبِيِّنًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالُوهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَأَبْوَابِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ فَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِذَا مَاتَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ مَنِ الْقَائِلُ ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16] وَقَدْ مَاتَ كُلُّ مَخْلُوقٍ، وَمَاتَ مَلَكُ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَرُدُّ رَبُّنَا تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48]، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ يَبْقَى مَخْلُوقٌ مَعَ اللَّهِ، وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقُولُ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ، فَقَدْ كَذَّبُوا كِتَابَ اللَّهِ وَجَحَدُوا بِهِ وَرَدُّوهُ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَائِلًا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16]، أَلَيْسَ يَكُونُ كَاذِبًا وَلِكِتَابِ اللَّهِ رَادًّا، فَأَيُّ كُفْرٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا كَيْفَ حَالُ مَنْ لَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ أَحْوَالُ الْكُفَّارِ، وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ أَيْضًا أَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْبُدَلَاءِ، فَمَا فَضْلُ هَؤُلَاءِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَلَوْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مَعَ أَهْلِ الْكُفْرِ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنِ احْتِجَابِ اللَّهِ دُونَهُمْ وَتَرْكِ كَلَامِهِمْ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ لَمَا كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي وَعِيدِ الْكُفَّارِ وَالتَّهْدِيدِ لَهُمْ بِهِ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ بِضَائِرٍ لَهُمْ، إِذْ هُمْ فِيهِ وَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ سَوَاءٌ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيِّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَنِ الْقَائِلُ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكُ﴾ [طه: 11] فَإِنْ قَالُوا: خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا قَالَ ذَلِكَ لِمُوسَى، قِيلَ لَهُمْ: وَقَبِلَ ذَلِكَ
مُوسَى وَاسْتَجَابَ لِمَخْلُوقٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ أَنَا رَبُّكُ؟ وَيُقَالُ لَهُ: مَنِ الْقَائِلُ ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: 9]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 30]؟ وَمَنِ الْقَائِلُ: ﴿يَا مُوسَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾؟ فَإِنْ قَالَ الْجَهْمِيُّ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأْتِنِي بِكُفْرٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ يَقُولُ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ مُوسَى أَجَابَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ وَأَطَاعَهُ، فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْبُدُ مَخْلُوقًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيُّ، فَكَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ خُلِقَ عِنْدَهُمْ لِيُفْهِمَ مُوسَى أَنَّ خَالِقِي هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَاعْبُدْهُ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لَذِكْرِهِ وَلَوْ قَالَ الْجَهْمِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا لَتَبَيَّنَ كُفْرُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ لَمْ يَكُنْ لَيَقُولَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤْمَرَ بِهِ، فَإِنْ قَالَ الْجَهْمِيُّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ قَالَهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ يُؤْمَرُ بِهِ، فَقَدْ زَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْقَصَصِ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ بِإِرَادَهِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ، فَقَدْ زَعَمَ أَنّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّ الْمَخْلُوقَ يَعْلَمُ مُرَادَ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ هُوَ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ مَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ، وَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْعَوْنَ وَيَتَقَلَّبُونَ فِي أُمُورٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لَمْ يَشَأْهَا اللَّهُ وَلَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ عَمِلُوهَا، وَيَزْعُمُونَ هَاهُنَا أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَعْلَمُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَهُ، وَاللَّهُ
يَقُولُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وَالْجَهْمِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَلْقَ يَعْلَمُونَ مَا فِي نَفْسِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا فِي نُفُوسِهِمْ حَتَّى يَقُولُوهُ أَوْ يُعْلِمُوهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْجَهْمِيُّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَالْجَهْمِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَاللَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65] وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيُّ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وَقَوْلُهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 11]، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَخْلُوقًا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11]، فَالْجَهْمِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ مَعَ اللَّهِ مَخْلُوقًا خَلَقَ الْخَلْقَ دُونَهُ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4] فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَمْرَهُ قَبْلَ الْخَلْقِ وَبَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، فَالْأَمْرُ هُوَ كَلَامُهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيَفْعَلُ بِهِ مَا يُرِيدُ بِهِ وَيَخْلُقُ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: الْخَلْقُ
كُلُّ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَمْرُ، فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: 4]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ: 12].
وَقَالَ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: 29]، وَقَالَ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64]، فَهَذِهِ كُلُّهَا لَو سُمِّيَ الْأَمْرُ فِيهَا بِاسْمِ الْخَلْقِ لَمْ يُجَزْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْخَلْقُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْخَلْقُ يَدْخُلُ فِيهِ الْخَلْقُ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ خَلْقًا مِنْ عِنْدِنَا، وَلَا يُقَالُ: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ خَلْقِنَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قُلْ خَلَقَ رَبِّي بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ خَلَقَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: حَتَّى إِذَا جَاءَ خَلْقُنَا وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْأَمْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ، جَازَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْمَعْنَى، فَفِي هَذَا بَيَانُ كُفْرِ الْجَهْمِيَّةِ فِيمَا ادَّعُوهُ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَسَنُوَضِّحُ مَا قَالُوهُ بَابًا بَابًا، حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَى مُسْتَرْشِدٍ أَرَادَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَأَحَبَّ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَيَزِيدُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بَصِيرَةً، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ