الإبانة الكبرى لابن بطةصفحات 174-212

بَابُ بَيَانِ كُفْرِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ

صفحات 174-212
عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، ابن بطة
الكتاب
الإبانة الكبرى لابن بطة
المؤلف
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
المحقق
رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
الناشر
دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
عدد الأجزاء
9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
الطبعة
الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
الطبعة
الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
الطبعة
الأولى، 1426 هـ - 2005 م

أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ آنِيَّتَهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا.
الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ وَيُوَحِّدُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ قَادِحًا فِي تَوْحِيدِهِ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَأَمَّا دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِآنِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَلَسْنَا نَذْكُرُ هَذَا هَاهُنَا لِطُولِهِ وَسَعَةِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْجَهْمِيَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ جَحْدُهُ لِلصِّفَاتِ قَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ لَهُمَا.
وَأَمَّا مَحَاجَّةُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ فِي مَعْنَى صِفَاتِهِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِهَا،

فَبِالْآيَاتِ الَّتِي اقْتَصَّ فِيهَا أُمُورَ بَرِيَّتِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا أَخْرَجَهَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُسْنِ الْقَوَامِ وَتَمَامِ النِّظَامِ، وَخَتَمَ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا بِذِكْرِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: 37] فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّدْبِيرَ الْعَجِيبَ الَّذِي دَبَّرَ بِهِ أَمْرَهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96].
فَإِنَّ هَذَا خَرَجَ فِي ظَاهِرَهِ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، وَهُوَ فِي بِاطِنِهِ مَحَاجَّةٌ بَلِيغَةٌ لِأَنَّ الَّذِي يَعْقِلُ مِنْ تَأْوِيلِهِ أَنَّهُ لَو لَمْ تَكُنْ قُدْرَتُهُ نَافِذَةً لَمَا جَرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا وُجِدَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ سَابِقًا لِمَا خَلَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ عَلَى هَذَا النِّظَامِ الْعَجِيبِ، إِذْ كَانَ مِمَّا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ أَنَّ الْمُتَعَسِّفَ فِي أَفْعَالِهِ لَا يُوجَدُ لَهَا قِوَامٌ وَلَا انْتِظَامٌ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَشْهِدُ لِخَلْقِهِ بِآثَارِ صَنْعَتِهِ الْعَجِيبَةِ، وَإِتْقَانِهِ لِمَا خَلَقَ، وَإِحْكَامِهِ عَلَى سَابِقِ عِلْمِهِ وَنَافِذِ قُدْرَتِهِ وَبَلِيغِ حِكْمَتِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: 3].
لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ عَيْنَ الْمَصْنُوعِ أَوْجَبَ صَانِعًا، كَذَلِكَ مَا ظَهَرَ فِي آثَارِ الْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ فِي الصَّنْعَةِ أَوْجَبَ حَكِيمًا قَادِرًا، وَفِي دَفْعِ آلَاتِ الصَّنْعَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَكُونَ الصَّانِعُ

مَوْصُوفًا بِهَا، جَحْدٌ لِلصَّانِعِ وَإِبطْالٌ لَهُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى أَرَادَ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْغَرَ خَلْقِهِ إِنْ أَبْطَلْتَ صَنْعَتَهُ بَطَلَ؟ فَكَيْفَ الْعَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّخْلَةَ لَهَا جِذْعٌ وَكَرَبٌ، وَلِيفٌ، وَجُمَّارٌ، وَلُبٌّ، وَخُوصٌ وَهِيَ تُسَمَّى نَخْلَةً، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: نَخْلَةٌ عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ النَّخْلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِهَذَا الِاسْمِ نَخْلَةٌ، فَلَوْ قَالَ: نَخْلَةٌ وَجِذْعُهَا وَكَرَبُهَا وَلِيفُهَا وَجُمَّارُهَا وَلُبُّهَا وَخُوصُهَا وَتَمْرُهَا كَانَ مُحَالًا، لِأَنَّهُ يُقَالُ: فَالنَّخْلَةُ مَا هِيَ إِذَا جَعَلْتَ هَذِهِ الصِّفَاتِ غَيْرَهَا؟ أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ لِي نَخْلَةً كَرِيمَةً آكُلُ مِنْ تَمْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا جِذْعٌ وَلَا كَرَبٌ وَلَا لِيفٌ وَلَا خُوصٌ وَلَا لُبٌّ وَلَيْسَ هِيَ خَفِيفَةً، وَلَيْسَ هِيَ ثَقِيلَةً، أَيَكُونُ هَذَا صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ؟ أَوَلَيْسَ إِنَّمَا جَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ: نَخْلَةٌ عَرَفْنَاهَا بِصِفَاتِهَا، ثُمَّ نَعَتَ نَعْتًا نُفِيَتْ بِهِ النَّخْلَةُ.
فَأَنْتَ مِمَّنْ لَا يُثْبِتُ مَا سَمَّى إِنْ كَانَ صَادِقًا، فَلَا نَخْلَةَ لَكَ.
فَإِذَا كَانَتِ النَّخْلَةُ فِي بُعْدِ قَدْرِهَا مِنَ الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ تُبْطَلُ إِذَا نُفِيَتْ

صِفَاتُهُا، فَلَيْسَ إِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْمِيُّ إِبْطَالَ الرُّبُوبِيَّةَ وَجُحُودَهَا فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الْمَخْلُوقِ أَنَّ اسْمَهَ جَامِعٌ لِصِفَاتِهِ، وَأَنَّ صِفَاتِهِ لَا تُبَايِنُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَهْمِيُّ يَقُولُ إِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا عِلْمَ، وَلَا عِزَّةَ، وَلَا كَلَامَ، وَلَا اسْمَ حَتَّى خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَكَانَ بَعْدَ مَا خَلَقَهُ.
فَإِذَا أَبْطَلَ صِفَاتِهِ فَقَدْ أَبْطَلَهُ، وَإِذَا أَبْطَلَهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ فَقَدْ أَبْطَلَهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا إِلَهًا وَاحِدًا قَدِيمًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَبْقَى بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا بَعْدَ فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16] أَنَّ قَوْلَهُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، لِأَنَّ الْكَلَّ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، فَهَلْ يَهْلِكُ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ؟ هَلْ يَهْلِكُ عِلْمُ اللَّهِ فَيَبْقَى بِلَا عِلْمٍ؟ هَلْ تَهْلِكُ عِزَّتُهُ؟ تَعَالَى رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ، أَلَيْسَ هَذِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَهْلِكُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] فَقَدْ قَالَ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]، فَهَلْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ، وَأَبْوَابَ الرَّحْمَةِ، وَأَبْوَابَ الطَّاعَةِ، وَأَبْوَابَ الْعَافِيَةِ، وَأَبْوَابَ السَّعَادَةِ، وَأَبْوَابَ النَّجَاةِ مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ؟ وَهَذِهِ كُلُّهَا مِمَّا أَغْلَقَ أَبْوَابَهَا عَنْهُمْ، وَهِيَ شَيْءٌ، وَقَدْ قَالَ ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]،

وَقَدْ قَالَ أَيْضًا: فِي بِلْقِيسَ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]، وَلَمْ تُؤْتَ مُلْكَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ تُسَخَّرْ لَهَا الرِّيحُ وَلَا الشَّيَاطِينُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِمَّا فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، فَقَدْ قَالَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]، وَقَالَ فِي قَصَصِ يُوسُفَ، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: 111]، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] وَلَمْ يَخْلُقْ آدَمَ مِنَ الْمَاءِ وَإِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، وَلَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ مِنَ الْمَاءِ قَالَ ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 27]، وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ.
وَقَالَ فِي الرِّيحِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ عَادٍ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى أَشْيَاءَ لَمْ تُدَمِّرْهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، فَلَمْ تُدَمِّرْ مَسَاكِنَهُمْ،

وَلَوْ أَنْصَفَ الْجَهْمِيُّ الْخَبِيثُ مِنْ نَفْسِهِ وَاسْتَمَعَ كَلَامَ رَبِّهِ وَسَلَّمَ لِمَوْلَاهُ وَأَطَاعَهُ، لَتَبَيَّنَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، فَالْجَهْمِيُّ الضَّالُّ وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ غَالٍّ أَعْمَى أَصَمُّ قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْبَصِيرَةُ، فَهُوَ لَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يَهْوَى، وَلَا يُبْصِرُ إِلَّا مَا اشْتَهَى.
أَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40].
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَوْلَ قَبْلَ الشَّيْءِ، لِأَنَّ إِرَادَتَهُ الشَّيْءَ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ إِرَادَةَ الشَّيْءِ يَكُونُ قَبْلَ قَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ قَبْلَ الشَّيْءِ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا كَانَ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: 82].
فَالشَّيْءُ لَيْسَ هُوَ أَمْرُهُ، وَلَكِنَّ الشَّيْءَ كَانَ بِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 19] فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ شَيْءٌ، وَهُوَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ أَكْبَرُ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَدْخُلُ فِي

الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، فَإِذَا وَضَحَ لِلْعُقَلَاءِ كُفْرُ الْجَهْمِيِّ وَإِلْحَادُهُ، ادَّعَى أَمْرًا لِيَفْتِنَ بِهِ عِبَادَ اللَّهِ الضُّعَفَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْقُرْآنِ، هَلْ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ؟ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ اللَّهُ، فَأَنْتُمْ تَعْبُدُونَ الْقُرْآنَ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَمَا كَانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، فَيَظُنُّ الْجَهْمِيُّ الْخَبِيثُ أَنْ قَدْ فَلَجَتْ حُجَّتُهُ وَعَلَتْ بِدْعَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ الْعَالِمُ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ نَالَ بَعْضَ فِتْنَتِهِ.
فَالْجَوَابُ لِلْجَهْمِيِّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: الْقُرْآنُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَبِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ قَالَ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، وَبِحَسْبِ الْعَاقِلِ الْعَالِمِ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُسَمِّيَ الْأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِهَا، فَمَنْ سَمَّى الْقُرْآنَ بِالِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ وَلَا بِمَا سَمَّاهُ بِهِ، كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَعَلَى اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171]، فَهَذَا مِنَ الْغُلُوِّ وَمِنْ مَسَائِلِ الزَّنَادِقَةِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ كَلَامًا وَأَبْطَلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ اللَّهِ، كَمَا لَا يُقَالُ إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا قُدْرَةَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا صِفَاتِ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا عِزَّةَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا سُلْطَانَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا وُجُودَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَكِنْ يُقَالُ: كَلَامُ اللَّهِ، وعِزَّةُ اللَّهِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ وَبحَسْبُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ولله مِنَ الْمُطِيعِينَ وَبِكِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُصَدِّقِينَ ولِأَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ أَنْ يُسَمِّيَ الْقُرْآنَ بِمَا سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ، فَيَقُولُ:

الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15]، وَلَمْ يَقُلْ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا اللَّهَ، وَلَمْ يَقُلْ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا غَيْرَ اللَّهِ، وَقَالَ ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144]، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْقُرْآنَ أَنَا هُوَ وَلَا هُوَ غَيْرِي، فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ فِيهِ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، فَمَنْ قَالَ هُوَ اللَّهُ، فَقَدْ قَالَ إِنَّ مُلْكَ اللَّهِ، وَسُلْطَانَ اللَّهِ، وَعِزَّةَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ سُلْطَانَ اللَّهِ وَعِزَّةَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّ مُلْكَ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزُولُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ مُلْكَ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُلْكَ اللَّهِ اغْفِرْ لَنَا، يَا مُلْكَ اللَّهِ ارْحَمْنَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ مُلْكَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَخْلُوقِ، فَيُبْطِلُ دَوَامَهُ، وَمَنْ أَبْطَلَ دَوَامَهُ أَبْطَلَ مَالِكَهُ، وَلَكِنْ يُقَالُ: مُلْكُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، وَكَذَلِكَ عِزَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ لِمَنِ الْعِزَّةُ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ عِزَّةَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، مَنْ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ تَزَلْ لَهُ الْعِزَّةُ، وَلَوْ كَانَتِ الْعِزَّةُ مَخْلُوقَةً لَكَانَ بِلَا عِزَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا حَتَّى خَلَقَهَا فَعَزَّ بِهَا، تَعَالَى رَبُّنَا وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ عِزَّةَ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَكَانَتْ رَغْبَةُ الرَّاغِبِينَ

وَمَسْأَلَةُ السَّائِلِينَ أَنْ يَقُولُوا: يَا عِزَّةَ اللَّهِ عَافِينَا، وَيَا عِزَّةَ اللَّهِ أَغْنِينَا، وَلَا يُقَالُ: عِزَّةُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَكِنْ يُقَالُ: عِزَّةُ اللَّهِ صِفَةُ اللَّهِ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ اللَّهُ بِصِفَاتِهِ وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ وَجَمِيعُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَفَهَّمُوا حُكْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى عَزِيزًا، قَدِيرًا، عَلِيمًا، حَكِيمًا، مَلِكًا، مُتَكَلِّمًا، قَوِيًّا، جَبَّارًا، لَمْ يَخْلُقْ عِلْمَهُ وَلَا عِزَّهُ، وَلَا جَبَرُوتَهُ، وَلَا مُلْكَهُ، وَلَا قُوَّتَهُ، وَلَا قُدْرَتَهُ، وَإِنَّمَا هَذِهِ صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ.
وَالْجَهْمِيُّ الْخَبِيثُ يَنْفِي الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفِيَ عَنِ اللَّهِ التَّشْبِيهَ بِخَلْقِهِ، وَالْجَهْمِيُّ الَّذِي يُشَبِّهُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ وَلَا عِلْمَ، وَكَانَ وَلَا قُدْرَةَ، وَكَانَ وَلَا عِزَّةَ، وَكَانَ وَلَا سُلْطَانَ، وَكَانَ وَلَا اسْمَ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ اسْمًا، وَهَذِهِ كلها صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، لِأَنَّ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَانَ وَلَا عِلْمَ، خَلَقُهُ اللَّهُ جَاهِلًا ثُمَّ عَلَّمَهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]، وَكَانَ وَلَا كَلَامَ حَتَّى يُطْلِقَ اللَّهُ لِسَانَهُ، وَكَانَ وَلَا قُوَّةَ وَلَا عِزَّةَ، وَلَا سُلْطَانَ حَتَّى يُقَوِّيَهُ اللَّهُ وَيُعِزَّهُ وَيُسَلِّطَهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ

وَكُلُّ مَنْ حَدَثَتْ صِفَاتُهُ، فَمُحْدَثٌ ذَاتُهُ، وَمَنْ حَدَثَ ذَاتُهُ وَصِفَتُهُ، فَإِلَى فَنَاءٍ حَيَاتُهُ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ إِذَا بَطَلَتْ حُجَّتُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ، ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ فَقَالَ: أَنَا أَجِدُ فِي الْكِتَابِ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَّةُ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مَخْلُوقٌ؟ فَوَهِمَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالْأَحْدَاثِ وَأَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَمَوَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِهِ عَالِمًا لَا يَكُونُ مُحْدِثًا، فَعِلْمُهُ أَزَلِيٌّ كَمَا أَنَّهُ هُوَ أَزَلِيٌّ، وَفِعْلُهُ مُضْمَرٌ فِي عِلْمِهِ، وإِنَّمَا يَكُونُ مُحْدِثًا مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا حَتَّى عَلِمَهُ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِجَمِيعِ مَا فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ جِبْرِيلُ وَيَنْزِلَ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ

وَقَالَ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].
يَقُولُ: كَانَ إِبْلِيسُ فِي عِلْمِ اللَّهِ كَافِرًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ، ثُمَّ أَوْحَى بِمَا قَدْ كَانَ عَلَّمَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4] فَنَفَى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَحْيِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2]، أَرَادَ: مُحْدَثًا عِلْمُهُ، وَخَبَرُهُ، وَزَجْرُهُ، وَمَوْعِظَتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَّ عِلْمَكَ يَا مُحَمَّدُ وَمَعْرِفَتَكَ مُحْدَثٌ بِمَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَيْكَ يُحْدِثُ لَكَ وَلِمَنْ سَمِعَهُ عِلْمًا وَذِكْرًا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52].
وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113]، فَأَخْبَرَ أَنَّ الذِّكْرَ الْمُحْدِثَ هُوَ مَا يحْدثُ مِنْ سَامِعِيهِ وَمِمَّنْ عَلِمَهُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، لَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا قُرْآنَ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ

إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ بَعْدُ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا عِلْمَ وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ، وَلَا اسْمَ لَهُ، وَلَا عِزَّةَ لَهُ، وَلَا صِفَةَ لَهُ حَتَّى أَحْدَثَ الْقُرْآنَ.
وَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ، وَلَا يُقَالُ: كَانَ اللَّهُ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا لَا مَتَى عَلِمَ وَلَا كَيْفَ عَلِمَ، وَإِنَّمَا وَهَّمَتِ الْجَهْمِيَّةُ النَّاسَ وَلَبَّسَتْ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُولَ: أَلَيْسَ اللَّهُ الْأَوَّلَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ وَلَا شَيْءَ، وإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي: كَانَ اللَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَقَبْلَ الْأَرَضِينَ وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ، فَأَمَّا أَنْ نَقُولَ: قَبْلَ عِلْمِهِ، وَقَبْلَ قُدْرَتِهِ، وَقَبْلَ حِكْمَتِهِ، وَقَبْلَ عَظَمَتِهِ، وَقَبْلَ كِبْرِيَائِهِ، وَقَبْلَ جَلَالِهِ، وَقَبْلَ نُورِهِ، فَهَذَا كَلَامُ الزَّنَادِقَةِ وَقَوْلُهُ ﴿مَا يَأْتِيهُمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2]، فَإِنَّمَا هُوَ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ عِنْدَ نَبِيِّهِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا يُحْدِثُهُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ، وَلَمْ يِأْتِهِمْ بِهِ كِتَابٌ قَبْلَهُ، وَلَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولٌ.
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، وَإِلَى قَوْلِهِ فِيمَا يُحْدِثُ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَمِعُوهُ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83] فَأَعْلَمَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ يُحْدِثُ نُزُولُهُ لَنَا عِلْمًا وَذِكْرَا وَخَوْفًا، فَعِلْمُ نُزُولِهِ مُحْدَثٌ عِنْدَنَا وَغَيْرُ مُحْدَثٍ عِنْدَ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ حِينَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ وَظَهَرَتْ زَنْدَقَتُهُ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ، ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ وَوَهِمَ وَلَبَّسَ عَلَى أَهْلِ دَعْوَتِهِ، فَقَالَ: أَتَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَالْقُرْآنُ؟ فَإِنْ

زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَالْقُرْآنُ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَمَعَهُ شَيْءٌ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ وَلَا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ، وَالْقُرْآنُ لَمْ يَزَلْ، وَالْكَلَامُ لَمْ يَزَلْ وَالْعِلْمُ، ولَمْ يَزَلْ وَالْقِوَّةُ، وَلَمْ يَزَلْ وَالْقُدْرَةُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ كَمَا قَالَ ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]، وَكَمَا قَالَ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96]، فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِقُوَّتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَعِلْمِهِ، وَجُودِهِ، وَكَرَمِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَسُلْطَانِهِ، مُتَكَلِّمًا عَالِمًا، قَوِيًّا، عَزِيزًا، قَدِيرًا، مَلِكًا، لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا بِبَائِنَةٍ مِنْهُ، وَلَا مُنْفَصِلَةٍ عنه، وَلَا تُجَزَّأُ وَلَا تَتَبَعَّضُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهَا مِنْهُ وَهِيَ صِفَاتُهُ، فَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58].
وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: 13]، وَقَالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: 31]، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَلَامِهِ، فَقَالَ ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.

وَقَالَ ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ [طه: 68]، وَقَالَ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]، فَبِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَارَ أُولَئِكَ قِرَدَةً، وَبِقَوْلِهِ أَمِنَ مُوسَى، وَبِقَوْلِهِ صَارَتِ النَّارُ بَرْدًا وَسَلَامًا، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ الْمَلْعُونَ غَالَطَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَقَالَ: قُوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]، فَقَالَ: كُلُّ مَا أَتَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، فَكَانَ هَذَا إِنَّمَا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: 106] يُرِيدُ بِخَيْرٍ لَكُمْ، وَأَسْهَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْعَمَلِ وَأَنْفَعَ لَكُمْ فِي الْفِعْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يُنَزِّلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ الَّذِي فِيهِ الشِّدَّةُ ثُمَّ يَنْسَخُهُ بِالسُّهُولَةِ وَالتَّخْفِيفِ؟ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ وَالصَّلَاةَ كَانَتْ مَفْرُوضَةً فِيهِ عَلَى أَجْزَاءَ مَعْلُومَةٍ وَأَوْقَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَجْزَائِهِ مَقْسُومَةٍ، فَعَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا عَلَى الْعِبَادِ فِي ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْمَشَقَّةِ وَقُصُورِ عَمَلِهِمْ عَنْ إِحْصَاءِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَجْزَائِهِ، فَنَسَخَهَا بِصَلَاةِ النَّهَارِ وَأَوْقَاتِهِ.
فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ

عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: 20] يَقُولُ: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُطِيقُوهُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ، فَقَالَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]، وَ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] وَمَنْ ذَلِكَ أَنَّ الصِّيَامَ كَانَ مَفْرُوضًا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ وَنَامَ ثُمَّ انْتَبَهَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطْعَمَ إِلَى الْعِشَاءِ مِنَ الْقَابِلَةِ فَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.
. .﴾ [البقرة: 187] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ.
. .﴾ [البقرة: 187] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]، وَكَانَ هَذَا أَمْرًا لَا يَبْلَغُهُ وُسْعُ الْعِبَادِ، فَنَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فَهَذَا وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ لِئَلَّا يَطُولَ الْكِتَابُ بِهِ، أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنُزُولِ النَّاسِخِ رَفْعَ الْمَنْسُوخِ، وَلِيَكُونَ فِي ذَلِكَ خَيْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، لَا أَنَّهُ يَأْتِي بِقُرْآنٍ خَيْرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ خَيْرًا لَنَا وَأَسْهَلَ عَلَيْنَا.
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ

وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: 187]، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: 20]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرِ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. فَهَذَا وَشِبْهُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، لَا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ شَيْءٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: سُورَةُ كَذَا خَيْرٌ مِنْ سُورَةِ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا شَرٌّ مِنْ سُورَةِ كَذَا، وَمِمَّا يُغَالِطُ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42] فَقَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَيْنَ يَدَيْنِ وَخَلْفٌ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ شَخْصًا فَيَكُونُ لَهُ خَلْفٌ وَقُدَّام، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى لَا يَأتِيهِ التَّكْذِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فِيمَا نَزَلَ قَبْلَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلَهُ.
﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]، يَقُولُ: وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ بِكِتَابٍ يُبْطِلُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، كَمَا أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أَيْضًا مُصَدِّقٌ لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَقَالَ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92].
يُقَالُ لِمَا كَانَ قَبْلَ الشَّيْءِ وَأَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ خَلْفَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12]،

لَا يُرِيدُ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدِينٍ وَخَلْفًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ قَبْلَ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ قَبْلَ الْمَطَرِ.
وَقَالَ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46]، يَقُولُ: نَذِيرٌ قَبْلَ الْعَذَابِ.
وَكَذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [فصلت: 42]، أَرَادَ قَبْلَهُ وَلَا مِنْ بَعْدِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مَعْنَى الْمَخْلُوقِ، لَكَانَ شَخْصًا لَهُ قُدَّام وَخَلْفٌ وَظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَيَدَانِ وَرِجْلَانِ وَرَأْسٌ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾، فَزَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فَالْحَقُّ الَّذِي خَلَقَ بِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: 84]

وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: 73]، فَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ كَانَ بِالْحَقِّ، وَالْحَقُّ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ، وَقَالَ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 73]، وَقَالَ: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: 5]، يَعْنِي قَوْلَهُ وَكَلَامَهُ، فَقَوْلُهُ وَكَلَامُهُ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَتَفَهَّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَلَا يَسْتَفِزَّنَّكُمُ الْجَهْمِيُّ الْخَبِيثُ بِتَغَالِيطِهِ وَتَمْوِيهِهِ وَتَشْكِيكِهِ لِيُزيِلَكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّ لَا يَأْلُوا جَهْدًا فِي تَكْفِيرِ النَّاسِ وَتَضْلِيلِهِمْ عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ بِرَحْمَتِهِ وَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ: أَخْبِرْنَا: مَنْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا؟ فَإِذَا قَالَ: اللَّهُ، فَيُقَالُ لَهُ: فَجَعَلْتَ خَبَرَ اللَّهِ عَنِ الْخَلْقِ خَلْقًا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ , وَيَقُولُ: إِنَّ الْخَبَرَ عَيْنُ الْمُخْبِرِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَالْخَبَرُ مَخْلُوقٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ وَيَقُولُ: الْخَبَرُ غَيْرُ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ دُونَ خَلْقِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: فَالْخَبَرُ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَأَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ مَنْ قَالَ لَهُ: أَخْبِرِ الْخَلْقَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ، أَلَيْسَ اللَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ خَلْقًا دُونَ خَلْقٍ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ نَكُونَ نَحْنُ ذَلِكَ الْخَلْقَ الَّذِينَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ هُوَ خَلَقَ الْخَلْقَ؟ وَإِنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْبِرْ ذَلِكَ الْخَلْقَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُعْلِمَ الْخَلْقَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: فَقَدْ أَقْرَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَزَعَمْتَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ هَذَا الْخَبَرُ وَهُوَ مَخْلُوقٌ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

وَالْأَرْضَ؟ وَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يُعْلِمْ وَلَمْ يَأْمُرْه بِهِ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُوضَحُ كُفْرُ الْجَهْمِيَّ وَكَذِبُهُ عَلَى اللَّهِ وَقَبِيحُ ضَلَالِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ كَذَّبَتِ الْآثَارَ وَجَحَدَتِ الْأَخْبَارَ، وَطَعَنَتْ عَلَى الرُّوَاةِ، وَاتَّهَمُوا أَهْلَ

الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَانْتَصَحُوا أَهْوَاءَهُمْ وَآرَاءَهُمْ، وَاتَّخَذُوا أَهْوَاءَهُمْ آلِهَةً مَعْبُودَةً وَأَرْبَابًا مُطَاعَةً.
فَإِذَا وَجَدُوا حَدِيثًا قَدْ وَهَمَ الْمُحَدِّثُ فِي رِوَايَتِهِ وَكَانَ فِي أَلْفَاظِ مَتْنِهِ بَعْضُ التَّلْبِيسِ وَالتَّوَهُّمِ، انْتَحَلُوهُ دِينًا، وَجَعَلُوهُ أَصْلًا، وَوَثَّقُوا رِوَايَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَصَحَّحُوهُ وَإِنْ كَانُوا لَا يُثْبِتُونَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحَدِيثٍ

425 - رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الذِّكْرَ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ، فَكَتَبَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ» فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الذِّكْرُ، وَاللَّهُ خَلَقَ الذِّكْرَ، فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَحُفَّاظَ الْحَدِيثِ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَهِمَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ وَكُلَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: رَوَاهُ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مِنَ

الثِّقَاتِ، فَلَمْ يَقُولُوا: خَلَقَ الذِّكْرَ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَتَبَ فِي الذِّكْرِ، وَالذِّكْرُ هَاهُنَا غَيْرُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ قُلُوبَ الْجَهْمِيَّةِ فِي أَكِنَّةٍ، وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، فَلَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا مَا تَشَابَهَ، وَلَا يَقْبَلُونَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ضَعُفَ وَأُشْكِلَ، وَالذَّكَرُ هَاهُنَا هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ كُلِّ شَيْءٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِيَ لَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ قَالَ: فَكَتَبَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ أَفَتَرَاهُ كَتَبَ فِي كَلَامِهِ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الذِّكْرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]، يَعْنِي: ذَا الشَّرَفِ، وَقَالَ ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]، يَعْنِي: شَرَفَكُمْ.
وَقَالَ: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: 71]، يَعْنِي: بِخَبَرِهِمْ.
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، يَقُولُ: وَإِنَّهُ لَشَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ.
وَقَالَ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] يَعْنِي: الصَّلَاةَ.
وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 105] يَعْنِي: فِي اللَّوْحِ

الْمَحْفُوظِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ قَالَ ﴿فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 105]، وَالزَّبُورُ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ أَيْضًا هُوَ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَاتِ كَمَا أَعْلَمْتُكَ، إِلَّا أَنَّ الْحَرْفَ يَأْتِي بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمَعْنَاهُ شَتَّى وَالْجَهْمِيُّ يَقْصِدُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ، فَيَتَأَوَّلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ هَوَاهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ وَجْهًا غَيْرَهُ، وَاللَّهُ يُكَذِّبُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ هَوَاهُ.
وَمِمَّا وَضَحَ بِهِ كُفْرُ الْجَهْمِيِّ مَا رَدَّهُ عَلَى اللَّهِ وَجَحَدَهُ مِنْ كِتَابِهِ، فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَطُّ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا أَبَدًا، فَيُقَالُ لَهُ: فَأَخْبِرْنَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: قَالَ اللَّهُ وَقُلْنَا، وَيَوْمَ نَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ: قَالَ الْحَائِطُ فَسَقَطَ، وَقَالَتِ النَّخْلَةُ فَمَالَتْ، وَقَالَتِ النَّعْلُ فَانْقَطَعَتْ، وَقَالَتِ الْقَدَمُ فَزَلَّتْ، وَقَالَتِ السَّمَاءُ فَهَطَلَتْ، وَالنَّخْلَةُ وَالْحَائِطُ وَالسَّمَاءُ لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا قَطُّ، فَرَدَّ الْجَهْمِيُّ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]، وَلِسَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَانٌ قُرَشِيٌّ، وَهُمْ أَوْضَحُ

الْعَرَبِ بَيَانًا وَأَفْصَحَهُا لِسَانًا، وَهَذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ الْقُرْآنُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فُصَحَاءُ الْعَرَبِ، فَحَكَمُوا عَلَى اللَّهِ بِمَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ عَوَامِّ النَّاسِ، وَشَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِالْحَائِطِ وَالنَّخْلَةِ وَالنَّعْلِ وَالْقَدَمِ.
وَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَالَ: سَقَطَ الْحَائِطُ، وَهَطَلَتِ السَّمَاءُ، وَزَلَّتِ الْقَدَمُ، وَنَبَتَتِ الْأَرْضُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ الْحَائِطُ، وَلَا قَالَتِ السَّمَاءُ وَأَسْقَطَ قَالَ وَقَالَتْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَيَكُونُ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ؟ أَمْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْحَقِّ فِي خِطَابِهِ؟ فَإِذَا قَالَ: لَيْسَ بِتَارِكٍ لِلْحَقِّ، قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ عَمَدَ إِلَى كُلِّ قَالَ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَالَ فَمَحَاهُ، هَلْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْحَقِّ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَهَا يَبِينُ كُفْرُ الْجَهْمِيِّ وَكَذِبُهُ.
وَمِمَّا يُغَالِطُ بِهِ الْجَهْمِيُّ جُهَّالَ النَّاسِ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، أَنْ يَقُولَ: خَبِّرُونَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82] فَيَقُولُ: خَبِّرُونَا عَنْ هَذَا الشَّيْءِ، أَمَوْجُودٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَوْجُودٍ؟ فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: 82] هُوَ فِي عِلْمِهِ كَائِنٌ بِتَكْوِينِهِ إِيَّاهُ، قَالَ لِذَلِكَ الَّذِي قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ مَخْلُوقٌ: كُنْ كَمَا أَنْتَ فِي عِلْمِي، فَيَكُونُ كَمَا عَلِمَ وَشَاءَ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، فَصَارَ مَعْلُومًا مَخْلُوقًا كَمَا قَالَ وَشَاءَ وَعَلِمَ.
وَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ: أَلَسْتَ مُقِرًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ.
فَيَقُولُ: لَا أَقُولُ، إِنَّهُ يَقُولُ فَيَرُدُّ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكْفُرُ بِهِ وَيَقُولُ: لَا، وَلَكِنَّهُ

إِذَا أَرَادَ شَيْئًا كَانَ، فَيُقَالُ لَهُ: يُرِيدُ أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ، أَنْ يَمُوتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَأَنْ يُبْعَثُوا كُلُّهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ فَيَكُونُ.
وَقَالَ الْجَهْمِيُّ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَبَدًا.
وَقِيلَ لَهُ: مَنْ يُحَاسَبُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: 7] وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]، وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 93]، وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144]؟.
وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14]؟ وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وَمَنِ الْقَائِلُ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]؟

فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا تَكْثُرُ عَلَى الْإِحْصَاءِ مِنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ الْجَهْمِيُّ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حِسَابًا، فَقِيلَ لِلْجَهْمِيِّ.
هَذَا الْخَلْقُ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُ: فَيَقُولُ اللَّهُ لِهَذَا الْخَلْقِ: أَخْبِرِ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ فَقَالَ: لَا يَقُولُ لَهُ، إِنْ قُلْتَ إِنَّهُ يَقُولُ، فَقَدْ تَكَلَّمَ، فَقُلْنَا: مِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ هَذَا الْخَلْقُ مَا قَدْ أَحْصَاهُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ وَالْغَيْبُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ كُفْرُ الْجَهْمِيِّ.
ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171] فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَعِيسَى مَخْلُوقٌ.
فَقِيلَ لِلْجَهْمِيِّ: جَهْلُكَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَبِيحُ تَأْوِيلِكَ قَدْ صَارَ بِكَ إِلَى صُنُوفِ الْكُفْرِ، وَجَعَلَكَ تَتَقَلَّبُ فِي فُنُونِ الْإِلْحَادِ، فَكَيْفَ سَاغَ لَكَ أَنْ تَقِيسَ عِيسَى بِالْقُرْآنِ؟ وَعِيسَى قَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ وَتَقَلَّبَتْ بِهِ أَحْوَالٌ لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِنْهَا أَحْوَالَ الْقُرْآنِ.
مِنْهَا: أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَوَضَعَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ، فَكَانَ وَلِيدًا، وَرَضِيعًا، وَفَطِيمًا، وَصَبِيًّا، وَنَاشِئًا وَكَهْلًا وَحَيًّا نَاطِقًا، وَمَاشِيًا وَذَاهِبًا، وَجَائِيًا وَقَائِمًا، وَقَاعِدًا، وَيَصُومُ وَيُصَلِّي، وَيَنَامُ وَيَسْتَيْقِظُ، وَيَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ، وَيَكُونُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ.

وَبِذَلِكَ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَكْذِيبًا لِلنَّصَارَى حِينَ قَالُوا فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي يُضَاهِي قَوْلَكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ، فَقَالَ ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]، فَكَنَّى بِالطَّعَامِ عَنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا مُخَاطَبٌ بِالتَّعَبُّدِ وَبِالسُّؤَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَمُحَاسَبٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ حَيٌّ وَمَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ، فَهَلْ سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ عِيسَى؟ فَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171]، فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿كُنْ﴾ [البقرة: 117]، فَكَانَ عِيسَى بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ﴾ [البقرة: 117]، وَكَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ وَهْمَ الْمُتَوَهِّمِ، فَقَالَ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]، فَكَلِمَةُ اللَّهُ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ [البقرة: 117] وَالْمُكَوَّنُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْجَهْمِيُّ حَرِيصٌ عَلَى إِبْطَالِ صِفَاتِ رَبِّهِ لِإِبْطَالِ آنِيَّتِهِ وَمِمَّا يَدَّعِيهِ الْجَهْمِيُّ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86].

فَقَالَ الْجَهْمِيُّ: فَهَلْ يَذْهَبُ إِلَّا مَخْلُوقٌ؟ وَكَمَا قَالَ ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: 41]، فَالْقُرْآنُ يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَفْحَشَ الْجَهْمِيُّ فِي التَّأْوِيلِ وَأَتَى بِأَنْجَسِ الْأَقَاوِيلِ، لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْقُرْآنَ يَمُوتُ كَمَا تَمُوتُ، إِنَّمَا يُرِيدُ: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِحِفْظِهِ عَنْ قَلْبِكَ وَتِلَاوَتِهِ عَنْ لِسَانِكَ أَمَا سَمِعْتَ مَا وَعَدَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ حِينَ يَقُولُ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، فَلَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ الْقُرْآنَ مِنَ الْقُلُوبِ، لَكَانَ مَوْجُودًا مَحْفُوظًا عِنْدَ مَنِ اسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهُ، وَلَئِنْ ذَهَبَ الْقُرْآنُ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ وَأَمَاتَ اللَّهُ كُلَّ قَارِئٍ لَهُ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَوْجُودٌ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي عِلْمِهِ، وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وَقَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21].
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْجَهْمِيُّ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنْ قَالَ: أَلَيْسَ الْقُرْآنُ خَيْرًا؟ فَإِذَا قِيلَ لَهُ بَلَى قَالَ: أَفَتَقُولُونَ أَنَّ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ؟ فَيَتَوَهَّمُ بِجَهْلِهِ أَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ حُجَّةً وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَجَلِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ خَيْرٌ، وَعِلْمَ اللَّهِ خَيْرٌ، وَقُدْرَةَ اللَّهِ خَيْرٌ، وَلَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا قُدْرَتُهُ مَخْلُوقَيْنِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، فَكَيْفَ يَخْلُقُ كَلَامَهُ؟ وَلَوْ كَانَ

اللَّهُ خَلَقَ كَلَامَهُ لَخَلَقَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ، فَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَكَانَ وَلَا يَعْلَمُ، فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَلَا مَلَائِكَتُهُ وَلَا أَنْبِيَاؤُهُ، وَلَا أَوْلِيَاؤُهُ، فَخَالَفَهُمْ كُلُّهُمْ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 30]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 34]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: 23]، وَلَمْ يَقُولُوا: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكَ قَالُوا الْحَقَّ.
وَقَالَ جِبْرِيلُ ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9] وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ سَأَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَنْ أَمْرِ الْبَقَرَةِ حِينَ ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: 68]، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَقَالَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58].

وَقَالَ أَعْدَاءُ اللَّهِ فِي النَّارِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: 31]، فَسَمَّى اللَّهُ قَوْلَهُ قَوْلًا وَلَمْ يُسَمِّهِ خَلْقًا، وَسَمَّتِ الْمَلَائِكَةُ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلًا وَلَمْ تُسَمِّهِ خَلْقًا، وَسَمَّتِ الْأَنْبِيَاءُ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلًا وَلَمْ تُسَمِّهِ خَلْقًا، وَسَمَّى أَهْلُ الْجَنَّةِ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلًا وَلَمْ يُسَمُّوهُ خَلْقًا، وَسَمَّى أَهْلُ النَّارِ قَوْلَ اللَّهِ قَوْلًا وَلَمْ يُسَمُّوهُ خَلْقًا، وَسَمَّتِ الْجَهْمِيَّةُ قَوْلَ اللَّهِ خَلْقًا وَلَمْ تُسَمِّهِ قَوْلًا خِلَافًا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى مَلَائِكَتِهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَجَأَتْ إِلَى الْمُغَالَطَةِ فِي أَحَادِيثَ تَأَوَّلُوهَا مَوَّهُوا بِهَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ: " يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ الْقُرْآنُ: أَنَا الَّذِي أَظْمَأْتُ نَهَارَكَ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ فَيَأْتِي اللَّهَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ تَلَانِي وَوَعَانِي وَعَمِلَ بِي "

وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: «تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ»، فَأَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَإِنَّمَا عَنَى فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي قَوْلِهِ: يَجِيءُ الْقُرْآنُ وَتَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَتَجِيءُ الصَّلَاةُ وَيَجِيءُ الصِّيَامُ، يَجِيءُ ثَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكُلُّ هَذَا مُبَيَّنٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، فَظَاهِرُ اللَّفْظِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَرَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، لَيْسَ يَرَى الْخَيْرَ

وَالشَّرَّ وَإِنَّمَا ثَوَابَهُمَا وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30]، وَلَيْسَ يَعْنِي أَنَّهَا تِلْكَ الْأَعْمَالُ الَّتِي عَمِلَتْهَا بِهَيْئَتِهَا وَكَمَا عَمِلَتْهَا مِنَ الشَّرِّ، وَإِنَّمَا تَجِدُ الْجَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]، فَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: يَجِيءُ الْقُرْآنُ، تَجِيءُ الصَّلَاةُ، وَتَجِيءُ الزَّكَاةُ، يَجِيءُ الصَّبْرُ، يَجِيءُ الشُّكْرُ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ ثَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ يُجْزَى مَنْ عَمِلَ السَّيِّءَ بِالسُّوءِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8]، أَفَتَرَى يَرَى السَّرِقَةَ وَالزِّنَا وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَسَائِرَ أَعْمَالِ الْمَعَاصِي إِنَّمَا يَرَى الْعِقَابَ وَالْعَذَابَ عَلَيْهِمَا، وَبَيَانُ هَذَا وَأَمْثَالُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَأَمَّا مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَقَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ظِلُّ الْمُؤْمِنُ صَدَقَتُهُ»، فَلَا شَيْءَ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، فَإِرْشَادُكَ الضَّالَّةَ صَدَقَةٌ، وَتَحِيَّتُكَ لِأَخِيكَ بِالسَّلَامِ صَدَقَةٌ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ صَدَقَةٌ،

وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَمُبَاضَعَتُكَ لِأَهْلِكَ صَدَقَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ مُبَاضَعَتِهِ لِأَهْلِهِ؟ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ كُلِّهِ ثَوَابَ صَدَقَتِهِ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُظِلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، فَلْيَنْظُرْ مُعْسِرًا أَوْ لِيَدْعُ لَهُ»، فَأَعْلَمَكَ أَنَّ الظِّلَّ مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنْ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ فِي جَوَابِ كَلَامِهِ هَذَا: إِنَّا لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ كُلَّ مَا دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَلَكِنَّا لَا نَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَمِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: 37] وَقَالَ: ﴿سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58]، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ دُونِ رَبٍّ.
وَقَالَ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدَنَا﴾ [الدخان: 4]، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ آمِرٍ، كَمَا لَا يَكُونُ الْقَوْلُ إِلَّا مِنْ قَائِلٍ، وَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ، كَيْفَ يَقُولُهُ وَهُوَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، بَلْ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ دُونِهِ وَهُوَ قَالَهُ؟.
وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ، أَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَبُّ الْقُرْآنِ وَكُلُّ

مَرْبُوبٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
فَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِكَلِمَةٍ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا الْقُرْآنُ، وَلَا جَاءَ بِهَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ حُجَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ خَفَّتْ عَلَى أَلَسُنِ بَعْضِ الْعَوَامِّ، وَجَازَتْ بَعْضُ اللُّغَاتِ، فَتَجَافَى لَهُمْ عَنْهَا الْعُلَمَاءُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي جَوَازِ ذَلِكَ كَمَا اسْتَجَازُوا أَنْ يَقُولُوا: مَنْ رَبُّ هَذِهِ الدَّارِ، وَهَذَا رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَلَيْسَ هُوَ خَلَقَهَا، وَكَمَا يَقُولُونَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْكَلَامِ، وَمَنْ رَبُّ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَمَنْ رَبُّ هَذَا الْكِتَابِ، أَيْ: مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ وَمَنْ أَلَّفَ هَذَا الْكِتَابَ؟ وَمَنْ أَرْسَلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؟ لَا أَنَّهُ خَالِقُ الْكَلَامِ، وَلَا خَالِقُ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةَ.
فَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ بَعْضُ الْعَوَامِّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَخَفَّتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَا أَصْلَ لَهَا عَمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ: يَا مَنْزِلَ الْقُرْآنِ وَيَا مَنْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَيَا قَائِلَ الْقُرْآنِ.
فَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّهِ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ كُفْرَ الْجَهْمِيَّةَ وَكَذِبَهَا فِي دَعْوَاهَا أَنَّ كُلَّ مَرْبُوبٍ

مَخْلُوقٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، أَفَتَرَى ظَنَّ الْجَهْمِيُّ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ خَلَقُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]، يَعْنِي: عِنْدَ سَيِّدِكَ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 42] وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَاللَّوْحُ مَحْدُودٌ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ مَخْلُوقٌ عَلَى أَنَّ الْجَهْمِيَّ يَجْحَدُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ وَيُنْكِرُهُ وَيَرُدُّ كِتَابَ اللَّهِ وَوَحْيَهُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُقِرُّ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يَرْجُو بِهِ الْحُجَّةَ لِكُفْرِهِ، فَقَالَ الْجَهْمِيُّ إِنَّ اللَّوْحَ بِمَا فِيهِ مَخْلُوقٌ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَقَبَّحُوا فِي التَّأْوِيلِ وَكَفَرُوا بِالتَّنْزِيلِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَعِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَجَمِيعُ صِفَاتِهِ كُلُّ ذَلِكَ سَابِقُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الْقَلَمِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ فَكَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَكَانَ خَلَقَ الْقَلَمَ وَاللَّوْحَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ

وَجَلَّ لَهُمَا كُونَا، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ خَلْقِهِ، وَمَا فِي اللَّوْحِ كَلَامُهُ، وَإِنَّمَا مَا فِي اللَّوْحِ مِنَ الْقُرْآنِ الْخَطُّ وَالْكِتَابُ، فَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مَطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13]، وَإِنَّمَا كُرِّمَتْ وَرُفِعَتْ وَطُهِّرَتْ لِأَنَّهَا لِكَلَامِ اللَّهِ اسْتَوْدَعَتْ " وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقٌ فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَذَلِكَ أَيْضًا يَهِتُّ مِنْ كَلَامِهِمْ وَيَتَنَاقَضُ فِي حُجَجِهِمْ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: 3]، وَالسَّمَاوَاتُ مَخْلُوقَةٌ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مَخْلُوقًا فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمِنْ أَصْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَذَاهِبِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحِلُّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَفِي الْأَمْكِنَةِ، وَالْأَمْكِنَةُ مَخْلُوقَةٌ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لَا مَخْلُوقَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْهُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا قَالَ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255] فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ:

عِلْمُهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عِلْمَهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهَلْ يَكُونُ الْعِلْمُ مَخْلُوقًا؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَخْلُوقًا مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، وَرَبُّنَا لَمْ يَزَلْ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ: الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ»، فَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ، وَأَخْطَئُوا وَغَالَطُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَمَا غَالَطُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِذَا تَفَهَّمَهُ الْعَاقِلُ وَجَدَهُ وَاضِحًا بَيِّنًا، فَلَوْ كَانَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةً كَخَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِذًا لَكَانَتِ السَّمَاءُ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَكَانَتِ الْجَنَّةُ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَكَانَتِ النَّارُ أَعْظَمَ مِنْهَا لِقِلَّةِ حُرُوفِهَا وَخِفَّتِهَا عَلَى اللِّسَانِ، وَإِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَطْوَلُ وَأَعْرَضُ وَأَوْسَعُ وَأَثْقَلُ وَأَعْظَمُ فِي الْمَنْظَرِ، وَلَا بَلَغَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَبْلَغَ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ

كَلَامِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِ مَا يَبْلُغُ عِظَمَ كَلَامِ اللَّهِ وَإِنْ خَفَّ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَلَنْ يَعْظُمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي أَعْيُنِ الْعِبَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: مَا خَلَقَ اللَّهُ بِالْبَصْرَةِ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؟ وَسُفْيَانُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ: لَيْسَ بِالْبَصْرَةِ مَعَ عِظَمِهَا وَكَثْرَةِ أَهْلِهَا مِثْلُهُ وَلَا مَنْ يُدَانِيهِ فِي فَضْلِهِ وَكَقَوْلِكَ: «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ»، فَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ أَصْدَقَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَصْدَقَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَنْ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ فِي الصِّدْقِ، وَإِنْ فَضَلُوهُ فِي غَيْرِهِ.
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 19]، فَسَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.

فَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: «مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ»، لِأَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ عَظِيمِ مَا خَلَقَ يَعْدِلُ بِآيَةٍ وَلَا بِحَرْفٍ مِنْ كَلَامِهِ " أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَّمَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَقَالَ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: 57]؟ ثُمَّ آيَةُ الْكُرْسِيِّ مَعَ خِفَّتِهَا وَقِلَّةِ حُرُوفِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَبِكَلَامِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَخُلِقَتِ الْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْمِيَّ الْخَبِيثَ يَقُولُ فِي الظَّاهِرِ: أَنَا أَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، فَإِذَا نَصَصْتُهُ قَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي كَلَامَ اللَّهِ مِثْلُ مَا أَقُولُ: بَيْتُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَمَسْجِدُ اللَّهِ، فَمَثَّلُ شَيْئًا لَا يُشْبِهُ مَا مَثَّلَهُ بِهِ، وَالتَّمْثِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَإِنْ زَادَ التَّمْثِيلَ عَمَّا مُثِّلَ بِهِ أَوْ نَقَصَ بَطَلَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْتَ بُنِيَ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِي الْأَرْضِ، وَبَنَاهُ مَخْلُوقٌ، وَهُدِمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَهُوَ مِمَّا يُدْخَلُ فِيهِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ، وَالْمَسْجِدُ مِمَّا يُخَرِّبُ وَيَبِيدُ وَيَعْفُو أَثَرُهُ وَيَزُولُ اسْمُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ يُمْشَى عَلَيْهَا وَتُحْفَرُ وَيُدْفَنُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ نُطْفَةٌ، وَجَنِينٌ، وَمَوْلُودٌ، وَرَضِيعٌ، وَفَطِيمٌ، وَصَبِيُّ، وَنَاشِئٌ، وَشَابٌّ، وَكَهْلٌ، وَشَيْخٌ، وَآكِلٌ، وَشَارِبٌ، وَمَاشٍ، وُمَتَكَلِّمٌ، وَحَيُّ، وَمَيِّتٌ، فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ

جارٍ التحميل