بَابُ بَيَانِ كُفْرِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
416 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَّادُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ: نا التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ، فَاحْذَرُوهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "
417 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ، قَالَ: نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «هَلَاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ».
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِلْكِتَابِ؟ قَالَ: «يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ
418 - قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
419 - حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ سَلَامَةَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: نا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِي مَلِيحٍ، عَنْ مَعْقِلِ
بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ، أَحِلُّو حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَاقْتَدُوا بِهِ وَلَا تَكْفُرُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَمَا تَشَابَهَ عَلَيْكُمْ فَرَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنْ بَعْدِي كَيْمَا يُخْبِرُوكُمْ، وَآمِنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَسَعُكُمُ الْقُرْآنُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، مَا حَلَّ مُصَدِّقٌ، أَلَا إِنِّي أُعْطِيتُ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
420 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: نا أَبُو
الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ: نا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ، فَقُومُوا عَنْهُ»
421 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: نا سُهَيْلٌ، أَخُو حَزْمٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ»
422 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَرَجِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: نا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ
423 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، قَالَ: نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا الصَّبَّاحُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ
عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِئَةٍ خَرَجَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينَ، كَانَ حَبَسَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَزَائِرِ الْبُحُورِ، فَيَذْهَبُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ يُجَادِلُونَهُمْ بِمُشْتَبَهِ الْقُرْآنِ، وَعُشْرٌ بِالشَّامِ»
424 - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّينَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُجَالِدٍ، قَالَا: نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ
أَبِي صَفْوَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ عِلْمُنَا يَقْصُرُ عَمَّا بَيَّنَ لَنَا فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] "
425 - وَحَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ التُّوزِيُّ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ قَالَ: دَخَلْتُ دَارَ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَفِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْجَعْفَرِيُّ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي
الْقُرْآنِ، فَخِفْتُ أَنْ يَعْلُقَ بِقُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: «يَكُونُ مَخْلُوقٌ بِلَا قَوْلٍ؟» قَالَ: لَا قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي خُلِقَ بِهِ الْخَلْقُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: فَقَالَ: «مَا أَرَى الَّذِي تَكَلَّمَ فِي هَذَا إِلَّا شَيْطَانًا» قَالَ الشَّيْخُ: فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُلْحِدَةِ أَلْقَتْ إِلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْخُصُومَةَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَزَاغَتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، فَقُلْ لِلْجَهْمِيِّ الضَّالِّ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَمَّاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قُرْآنًا وَفُرْقَانًا وَنُورًا وَهَدًى وَوَحْيًا وَتِبْيَانًا وَذِكْرًا وَكِتَابًا وَكَلَامًا وَأَمْرًا وَتَنْزِيلًا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُعَلِّمُنَا أَنَّهُ كَلَامُهُ مِنْهُ وَمُتَّصِلٌ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: 2].
وَقَالَ: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية: 1] فَلَكَ فِي أَسْمَائِهِ الَّتِي سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا كِفَايَةٌ، فَقَدْ جَهِلْتَ وَغَلَوْتَ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَافْتَرَيْتَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ حِينَ زَعَمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَأنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِمَقَالَتِكَ وَيَتَّبِعْكَ عَلَى إِلْحَادِكَ وَضَلَالَتِكَ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ،
تُكَفِّرُهُ وَتَسْتَحِلُّ دَمَهُ، فَكُلُّ مَا قُلْتَهُ وَابْتَدَعْتَهُ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَرَدَّهُ عَلَيْكَ هُوَ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مِنْ عِبَادِ غِيَرَةٍ، وَإِنَّمَا الْتَمَسْنَا دَعْوَاكَ هَذِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ نَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا ادَّعَيْتَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونُ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ.
. .﴾ [الحج: 77] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: 78]، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْ تَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
وَقَالَ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]
وَقَالَ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: 1] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقِيمَةِ﴾ [البينة: 5] وَقَالَ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] وَقَالَ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] وَقَالَ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] وَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] فَمِثْلُ هَذَا وَشِبْهُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، قَدْ قَرَأْنَاهُ وَفَهِمْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْ لِبِدْعَتِكَ هَذِهِ فِيهِ ذِكْرًا وَلَا أَثَرًا، وَلَا دَعَا اللَّهُ عِبَادَهُ وَلَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا زَعَمْتَ أَنَّهُ تَوْحِيدُهُ وَدِينُهُ
أَفَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْفَلَ هَذَا أَمْ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَرْتَهُ أَنْتَ وَأَنْبَهْتَهُ عَلَيْهِ؟ فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]، وَقَالَ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] أَمْ عَسَاكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ فِي دِينِهِ، وَكَتَمَ مَا أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ؟ فَإِنَّ فِي جُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ مَا قَدْ قُلْتَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَكُلُّ ذَلِكَ فَقَدْ أَكْذَبَكَ اللَّهُ فِيهِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ.
. .﴾ [الأعراف: 157] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]. وَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].
وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67].
وَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54].
وَقَالَ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 94] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 67] " الْآيَةَ ثُمَّ الْتَمَسْنَا هَذِهِ الضَّلَالَةَ الَّتِي اخْتَرَعْتَهَا وَزَعَمْتَ أَنَّهَا الشَّرِيعَةُ الْوَاجِبَةُ وَالدِّينُ الْقَيِّمُ وَالتَّوْحِيدُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فِي سُنَّةِ الْمُصْطَفَى، وَمَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَّتَهُ وَقَاتَلَ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ، فَمَا وَجَدْنَا لِذَلِكَ أَثَرًا وَلَا إمَارَةً وَلَا دَلَالَةً.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ " فَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ أَنَّهَا سِتٌّ بِضَلَالَتِكَ هَذِهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، حُرِّمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ " وَقَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ " وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ وَإِجْمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ وَسَبِيلُهُمْ تُخَالِفُكَ، وَتَدُلُّ عَلَى ضَلَالَتِكَ، وَعَلَى إِبْطَالِ مَا ادَّعَيْتَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَكَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالدِّينُ، الذي شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ، فَقَدْ بَطَلَ الْآنَ مَا ادَّعَيْتَهَ مِنْ قَوْلِكَ: إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَبَانَ كَذِبُكَ وَبُهْتَانُكَ لِلْعُقَلَاءِ فَأَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ خَلْقِ مَا خَلَقَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّا نَحْنُ قَدْ أَوْجَدْنَاكَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْهُ، وَفِيهِ صِفَاتُهُ وَأَسْمَاءُهُ، وَأَنَّهُ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا مِنْ أَسْمَائِهِ، وَلَا مِنْ عِلْمِهِ، وَلَا مِنْ قُدْرَتِهِ، وَلَا مِنْ عَظَمَتِهِ، وَلَا مِنْ عِزَّتِهِ مَخْلُوقَةً وَرَأَيْنَاكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَنْفِي التَّشْبِيهَ عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِكَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَرَأَيْنَاكَ شَبَّهْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِأَضْعَفَ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ مَخْلُوقٌ، وَأَسْمَاءَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، وَعِلْمَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ، وَقُدْرَتَهُمْ وَعِزَّتَهُمْ مَخْلُوقَةٌ، فَأَنْتَ بِالتَّشْبِيهِ أَحَقُّ وَأَخْلَقُ، وَأَنْتَ فَلَيْسَ تَجِدُ مَا قُلْتَهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا مَأْثُورًا عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَا عَنْ أَحَدِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَجَأَ الْجَهْمِيُّ إِلَى آيَاتٍ مِنَ الْمُتَشَابِهِ جَهِلَ عِلْمَهَا، فَقَالَ: قُلْتَ:
ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]، وَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقٌ، فَنَزَعَ بِآيَةٍ مِنَ الْمُتَشَابِهِ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُلْحِدَ فِي تَنْزِيلِهَا، وَيَبْتَغِيَ الْفِتْنَةَ فِي تَأْوِيلِهَا فَقُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ مَنَعَكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ حِينَ جَعَلْتَ كُلَّ مَجْعُولٍ مَخْلُوقًا، وَأَنَّ كُلَّ جَعَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ هُوَ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَمِنْ هَاهُنَا بُلِيتَ بِهَذِهِ الضَّلَالَةِ الْقَبِيحَةِ، حِينَ تَأَوَّلْتَ كِتَابَ اللَّهِ بِجَهْلِكَ وَهَوَى نَفْسِكَ وَمَا زَيَّنَهُ لَكَ شَيْطَانُكَ، وَأَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِكَ إِخْوَانُكَ، وَذَلِكَ أَنَّا نَجِدُ الْحَرْفَ الْوَاحِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعَانِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِكَثْرَتِهَا وقَصَدْنَا لِذِكْرِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَجْتَ بِهَا.
فَ ﴿جَعَلَ﴾ [الأنعام: 1] فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى خَلَقَ، فجعل من الْمَخْلُوقِينَ، عَلَى مَعْنَى وَصَفَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ، وَقَسَمَ مِنْ أَقْسَامِهِمْ، وَ (جَعَلَ) أَيْضًا عَلَى مَعْنَى فَعَلَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَا يَكُونُ خَلْقًا وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْخَلْقِ، فَتَفَهَّمُوا الْآنَ ذَلِكَ وَاعْقِلُوهُ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى: وَصَفُوهُ بِغَيْرِ وَصْفِهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ حِينَ عَضُوهُ وَمَيَّزُوهُ فَقَالُوا:
إِنَّهُ شِعْرٌ، وَإِنَّهُ سِحْرٌ، وَإِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ، وَإِنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100]، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19]، وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: 62]، وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتَ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: 57]، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] لَا يَعْنِي ذَلِكَ وَلَا تَخْلُقُوا، وَقَالَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: 9]، وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: 56]، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: 33]
فَهَذَا كُلُّهُ (جَعَلَ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: (خَلَقَ)، وَ (جَعَلَ) مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى فَعَلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: 19] لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: يَخْلُقُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، وَقَالَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: 96]، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: خَلَقَهُ نَارًا، وَقَالَ: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: 58]، أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُمْ جُذَاذًا؟ وَ (جَعَلَ) فِي مَعْنَى (خَلَقَ) فِي مَعْنَى مَا كَانَ مِنَ الْخَلْقِ مَوْجُودًا مَحْسُوسًا، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1].
فَجَعَلَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى خَلَقَ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ يَرَاهُمَا النَّاسُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل: 78] وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي بَنِي آدَمَ وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: 12]، يَعْنِي: خُلِقَتَا، وَهُمَا مَوْجُودَانِ
مَعْرُوفَانِ بِإِقْبَالِهِمَا وَإِدْبَارِهِمَا، فَهَلْ يُعْرَفُ الْقُرْآنُ بِإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ؟ وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 16] مَعْنَاهُ خَلَقَ، وَالشَّمْسُ نُورٌ وَحَرٌ وَهِيَ تُرَى، فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ؟، وَقَالَ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: 12]، يَعْنِي: خَلَقْتُ، وَالْمَالُ مَوْجُودٌ يُوزَنُ وَيُعَدُّ وَيُحْصَى وَيُعْرَفُ، فَهَلْ يُوزَنُ الْقُرْآنُ؟، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: 19] وَهِيَ مَوْجُودَةٌ، يُمْشَى عَلَيْهَا وَتُحْرَثُ، فَهَلْ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى لَفظِ (جَعَلَ) وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْخَلْقِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَعْنَى الْجَعْلِ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْخَلْقِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103] لَا يَعْنِي: مَا خَلَقَ
اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، لِأَنَّهُ هُوَ خَلَقَ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ النَّاسَ بِاتِّخَاذِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، فَهَذَا لَفْظُ (جَعَلَ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] لَا يَعْنِي: خَالِقُكَ، لِأَنَّ خَلْقَهُ قَدْ سَبَقَ إِمَامَتَهُ، وَقَالَ لِأُمِّ مُوسَى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7] لَا يَعْنِي وَخَالِقُوهُ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُرْسَلًا بَعْدَ خَلْقِهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمَنَّا﴾ [إبراهيم: 35] لَا يَعْنِي: رَبِّ اخْلُقْ هَذَا الْبَلَدَ، لِأَنَّ الْبَلَدَ قَدْ كَانَ مَخْلُوقًا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ [إبراهيم: 35]؟ وَقَالَ: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: 15]، لَا يُرِيدُ: حَتَّى خَلَقْنَاهُمْ حَصِيدًا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40] لَا يَعْنِي: رَبِّ اخْلُقْنِي، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128]، وَلَمْ يُرِيدَا: وَاخْلُقْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ لِأَنَّ خَلْقَهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِمَا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ
كَثِيرٌ، مِمَّا لَفْظُهُ (جَعَلَ) عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] إِنَّمَا جَعَلَهُ عَرَبِيًّا لِيُفْهَمَ وَيُبَيَّنَ لِلَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: 97]؟ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]، يَقُولُ: أَعَرَبِيٌّ مُحَمَّدٌ وَعْجَمِيٌّ كَلَامُهُ بِالْقُرْآنِ؟ فَجَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
كَذَلِكَ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103]؟ وَقَالَ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 3]، وَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ [الشورى: 52]، فَإِنَّمَا يَعْنِي: أَنْزَلْنَاهُ نُورًا، تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: 8].
وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174]، وَقَالَ: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهَدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 91]، فَقَدْ بُيِّنَ لِمَنْ عَقَلَ وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ أَنَّ (جَعَلَ) فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَ (جَعَلَ) أَيْضًا بِمَعْنَى (خَلَقَ)، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] هُوَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ).
فَبِأَيِّ حُجَّةٍ وفِي أَيِّ لُغَةٍ زَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ كُلَّ (جَعَلَ) عَلَى مَعْنَى (خَلَقَ)؟ أَلَمْ يَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ﴾ [القصص: 5]؟ أَفَتَرَى الْجَهْمِيَّ يَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: 5] إِنَّمَا يُرِيدُ: أَنْ نَخْلُقَهُمْ أَئِمَّةً؟ أَفَتُرَاهُ يَخْلُقُهُمْ خَلْقًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِمُ الْأَوَّلِ؟ فَهَلْ يَكُونُ مَعْنَى (الْجَعْلِ) هَاهُنَا مَعْنَى (الْخَلْقِ)؟ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18] لَا يَعْنِي:
ثُمَّ خَلَقْنَا لَهُ جَهَنَّمَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ قَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُهَا، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تُخْلَقُ حِينَ يَفْعَلُ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ جُعِلَتْ دَارَهُ وَمَسْكَنَهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ خَلْقُهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: 37]، وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: 21]، وَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: 124]، يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَفَيَظُنُّ الْجَهْمِيُّ الْمُلْحِدُ أَنَّمَا أَرَادَ: إِنَّمَا خُلِقَ السَّبْتُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَقَدْ عَلِمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّ السَّبْتَ مَخْلُوقٌ فِي مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ قَبْلَ كَوْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَبْلَ نُوحٍ، وَقَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَسْبِتُوا السَّبْتَ خَاصَّةً، فَهَذَا عَلَى غَيْرِ مَعْنَى (خَلَقَ)، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّ مِنَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مِنَ الَّذِينَ ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 198]، فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَأَنْزَلَهُ عَرَبِيًّا لِتَفْقَهَ الْعَرَبُ، وَلِتُتَّخَذَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] وَلَمْ يُرِدْ عَرَبِيًّا فِي أَصْلِهِ وَلَا نَسَبِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَرَبِيًّا فِي قِرَاءَتِهِ.
وَمِنْ أَوْضَحِ الْبَيَانِ مِنْ تَفْرِيقِ اللَّهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 1]، أَلَا تَرَاهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 2]، وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى: لَقَالَ: «خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَالْقُرْآنَ»، وَلَكِنَّهُ تَكَلَّمَ بِالصِّدْقِ لِيُفْهَمَ وَلِيُفَصَّلَ كَمَا فَصَلَّهُ.
فَخَالَفَ ذَلِكَ الْجَهْمِيُّ وَكَفَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ وُجِدَ وَرُوِيَ خِلَافُ قَوْلِ الْجَهْمِيِّ، حَيْثُ عَابَ اللَّهُ أَقْوَامًا بِمِثْلِ فِعْلِ الْجَهْمِيِّ فِي هَذَا، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُرُوهُ لِمَنْ عَبَدُوا خَلْقًا فِي الْأَرْضِ وَلَا شِرْكَ لَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ قَالَ: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف: 4] يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ، أَيْ: ائْتُونِي
بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا تَجِدُونَ فِيهِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4]، أَيْ: رِوَايَةٍ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] فَسَلَكَ الْجَهْمِيُّ فِي مَذْهَبِهِ طَرِيقَ أُولَئِكَ، وَقَالَ فِي اللَّهِ وَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، وَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَتَعَدَّى مَا أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْمِيثَاقِ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ قَالَ: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: 93] وَمِنْ أَبْيَنِ الْبَيَانِ وَأَوْضَحِ الْبُرْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ اللَّهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْقُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فَتَفَهَّمُوا هَذَا الْمَعْنَى، هَلْ تَشُكُّونَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخَلْقُ كُلُّهُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ [الأعراف: 54] أَرَادَ أَنَّ لَهُ بَعْضَ الْخَلْقِ؟ بَلْ قَدْ دَخَلَ الْخَلْقُ كُلُّهُ فِي الْخَلْقِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ أَيْضًا غَيْرَ الْخَلْقِ لَيْسَ هُوَ خَلْقًا، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخَلْقِ وَهُوَ (الْأَمْرُ)، فَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ خَارِجٌ مِنَ الْخَلْقِ، فَالْأَمْرُ أَمْرُهُ وَكَلَامُهُ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَهَمَ عَنِ اللَّهِ وَعَقَلَ أَمْرَ اللَّهِ أَنَّكَ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذِكْرَ الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إِذَا كَانَا فِي مَوْضِعٍ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، وَإِذَا كَانَا شَيْئَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ
وَأَسْمَاؤُهُ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعْنَاهُ مُتَّفِقٌ، فَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِالْوَاوِ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78]، فَلَمْ يَفْصِلْ بِالْوَاوِ حِينَ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ شَيْئًا وَاحِدًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ؟ وَقَالَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: 5]، فَلَمَّا كَانَ هَذَا كُلُّهُ نَعْتَ شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ يَفْصِلْ بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ بِالْوَاوِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: 5]، فَلَمَّا كَانَ الْأَبْكَارُ غَيْرَ الثَّيِّبَاتِ فَصَلَ بِالْوَاوِ، لِأَنَّ الْأَبْكَارَ وَالثَّيِّبَاتِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَالَ أَيْضًا فِيمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِأَسْمَاءِ مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يَفْصِلْهُ بِالْوَاوِ، وَقَالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]، ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]، فَلَمَّا كَانَ هَذَا كُلُّهُ شَيْئًا وَاحِدًا لَمْ يَفْصِلْ بِالْوَاوِ، وَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَاوٌ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي، وَالثَّانِي غَيْرَ الثَّالِثِ، وَقَالَ فِيمَا هُوَ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.
. .﴾ [الأحزاب: 35] إِلَى
آخِرِ الْآيَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَيْرَ الْمُسْلِمَاتِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْلِمَاتِ، لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَالَ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: 162]، فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ غَيْرَ النُّسُكِ، وَالْمَحْيَا غَيْرَ الْمَمَاتِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ.
وَقَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: 19]، فَفَصَلَ هَذَا كُلَّهُ بِالْوَاوِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ وَمَعَانِيهِ.
وَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: 27]، فَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ غَيْرَ صَاحِبِهِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَدَائِقُ غُلْبًا شَيْئًا وَاحِدًا، أَسْقَطَ بَيْنَهُمَا الْوَاوَ، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار خَلِفَةً﴾ [الفرقان: 62]، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ غَيْرَ النَّهَارِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، كَمَا قَالَ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: 33]، فَلَمَّا كَانَ الشَّمْسُ غَيْرَ الْقَمَرِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَعَقَلَهُ وَأَرَادَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَهِدَايَتَهُ،
فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ غَيْرَ الْخَلْقِ، فَصَلَ بِالْوَاوِ، فَقَالَ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ والْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فَالْأَمْرُ أَمْرُهُ وَكَلَامُهُ، وَالْخَلْقُ خَلْقٌ، وَبِالْأَمْرِ خَلَقَ الْخَلْقَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِمَا شَاءَ وَخَلَقَ بِمَا شَاءَ، فَزَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ خَلْقٌ، وَالْخَلْقَ خَلْقٌ، فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54] إِنَّمَا هُوَ الْإِلَهُ الْخَلْقُ وَالْخَلْقُ، فَجَمَعَ الْجَهْمِيُّ بَيْنَ مَا فَصَلَهُ اللَّهُ.
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيُّ، لَكَانَ قَوْلُ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِخَلْقِ رَبِّكَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ هُوَ كَلَامُهُ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5]، فَيُسَمِّي اللَّهُ الْقُرْآنَ أَمْرَهُ، وَفَصَلَ بَيْنَ أَمْرِهِ وَخَلْقِهِ، فَتَفَهَّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ: 12]، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ خَلْقِنَا.
وَقَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25]، وَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِهِ، لِأَنَّهَا لَو قَامَتْ بِخَلْقِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ مُعْجِزَاتِ قُدْرَتِهِ، وَلَكِنْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَنْ يَقُومَ الْمَخْلُوقُ بِالْخَالِقِ، وَبِأَمْرِ الْخَالِقِ قَامَ الْمَخْلُوقُ، وَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] فَبِدَعْوَةِ
اللَّهِ يَخْرُجُونَ.
وَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِآيَةٍ انْتَزَعَهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3]، فَهَلْ يُدَبَّرُ إِلَّا مَخْلُوقٌ؟ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَكُونُ لَفْظُهُ وَاحِدًا بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَجَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَإِنَّمَا يَعْنِي: يُدَبِّرُ أَمْرَ الْخَلْقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدَبِّرَ كَلَامَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَكَلَامُهُ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا تَدْبِيرُ الْكَلَامِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ فِي كَلَامِهِمُ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ، فَهُمْ يُدَبِّرُونَ كَلَامَهُمْ مَخَافَةَ ذَلِكَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالْخَطَأِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى الصَّوَابِ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخْطِئُ وَلَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يُدَبِّرُ كَلَامَهُ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4]، يَقُولُ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ الْخَلْقِ وَمِنْ بَعْدِ الْخَلْقِ، وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5]، يَعْنِي: هِدَايَةٌ هَدَاكُمُ اللَّهُ بِهَا، وَالْهِدَايَةُ عِلْمُهُ، وَالْعِلْمُ مِنْهُ وَمُتَّصِلٌ بِهِ، كَمَا أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ مُتَّصِلٌ بِعَيْنِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَابَتْ عَيْنُ الشَّمْسِ ذَهَبَ الشُّعَاعُ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الدَّائِمُ الْأَبَدِيُّ الْأَزَلِيُّ، وَعِلْمُهُ أَزَلِيٌّ، وَكَلَامُهُ دَائِمٌ لَا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ وَلَا يَزُولُ، ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ لِيُضِلَّ بِهِ الضُّعَفَاءَ وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرُونَا عَنِ الْقُرْآنِ، هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَوْ لَا شَيْءَ؟
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ: لَا شَيْءَ، فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ شَيْءٌ , فَيَظُنُّ حِينَئِذٍ أَنَّهُ قَدْ ظَفَرَ بِحُجَّتِهِ وَوَصَلَ إِلَى بُغْيَتِهِ، فَيَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الأنعام: 102]، وَالْقُرْآنُ شَيْءٌ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، فَيُقَالُ لَهُ: أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْكُلَّ يَجْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ذَلِكَ وَأَكْذَبَكَ الْقُرْآنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسٌ لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْكَلِّ، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ شَيْءٌ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا قَالَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وَقَالَ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].
فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا نَفْسَ لَهُ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ الْقُرْآنُ وَرَدَّ عَلَيْكَ قَوْلَكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، وَقَالَ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]، وَقَالَ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ عِيسَى
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]. فَقَدْ عَلِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ حَقٌّ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَأَنَّ لِلَّهِ نَفْسًا، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَا تَمُوتُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185] لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا نَفْسُ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنَ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَمُوتُ، وَقَدْ فَهِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ، وَنَفَسَ اللَّهِ، وَعَمَلَ اللَّهِ، وَقُدْرَةَ اللَّهِ، وَعِزَّةَ اللَّهِ، وَسُلْطَانَ اللَّهِ، وَعَظَمَةَ اللَّهِ، وَحِلْمَ اللَّهِ، وَعَفْوَ اللَّهِ، وَرِفْقَ اللَّهِ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْخَالِقِ وَمِنَ الْخَالِقِ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 102]، لَا كَلَامُهُ، وَلَا عِزَّتُهُ، وَلَا قُدْرَتُهُ، وَلَا سُلْطَانُهُ، وَلَا عَظَمَتُهُ، وَلَا جُودُهُ، وَلَا كَرَمُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ صِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ، أَزَلِيَّةٌ بِأَزَلِيَّتِهِ، دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ، بَاقِيَةٌ بِبَقَائِهِ، لَمْ يَخْلُ رَبُّنَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: