بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَبْصَارِ رُءُوسِهِمْ فَيُكَلِّمُهُمْ وَيُكَلِّمُونَهُ لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَلَا تُرْجُمَانَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العكبري، ابن بطة
- الكتاب
- الإبانة الكبرى لابن بطة
- المؤلف
- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
- المحقق
- رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
- الناشر
- دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
- عدد الأجزاء
- 9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
- الطبعة
- الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
- الطبعة
- الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
- الطبعة
- الأولى، 1426 هـ - 2005 م
56 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الرُّؤْيَا، فَقَالَ: " هَذِهِ عِنْدَنَا حَقٌّ رَوَاهَا الثِّقَاتُ عَنِ الثِّقَاتِ إِلَى أَنْ صَارَتْ إِلَيْنَا، إِلَّا أَنَّا إِذَا قِيلَ لَنَا: فَسِّرُوهَا، قُلْنَا: لَا نُفَسِّرُ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ نُمْضِيهَا كَمَا جَاءَتْ
57 - وَقَالَ أَسْوَدِ بْنِ سَالِمٍ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَاللَّهِ حَقٌّ، نَحْلِفُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ
58 - سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ صَاحِبَ اللُّغَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44] أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ اللِّقَاءَ هَاهُنَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَايَنَةً وَنَظَرًا بِالْأَبْصَارِ
رِسَالَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَاجِشُونِ فِي الرُّؤْيَةِ
59 - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِي قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، أَمْلَاهَا عَلَيَّ إِمْلَاءً، وَسَأَلْتُهُ فِيمَا جَحَدَتِ الْجَهْمِيَّةُ
أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ فَهِمْتُ مَا سَأَلْتَ فِيمَا تَتَابَعَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ حَالَفَهَا فِي صِفَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ الَّذِي فَاتَتْ عَظَمَتُهُ الْوَصْفَ، وَالتَّقْدِيرَ، وَكَلَّتِ الْأَلْسُنُ عَنْ تَفْسِيرِ صِفَتِهِ، وَانْحَسَرَتِ الْعُقُولُ دُونَ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، وَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغًا فَرَجَعَتْ خَاسِئَةً وَهِيَ حَسِيرٌ، وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِالنَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ فِيمَا خَلَقَ بِالتَّقْدِيرِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: كَيْفَ كَانَ؟، لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً ثُمَّ كَانَ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَحُولُ، وَلَا يَزُولُ، وَلَمْ يَزَلْ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ قَدْرُ مَنْ لَمْ يُبْدَأْ وَمَنْ لَا يَبْلَى، وَلَا يَمُوتُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ لِصِفَةِ شَيْءٍ مِنْهُ حَدٌّ، أَوْ مُنْتَهًى، يَعْرِفُهُ عَارِفٌ، أَوْ يَحِدُّ قَدْرَهُ وَاصِفٌ؟، وَذَلِكَ مِنْ جَلَالِهِ، فُصِّلَ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، لَا حَقَّ أَحَقُّ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ أَبْيَنُ مِنْهُ.
الدَّلِيلُ عَلَى عَجْزِ الْعُقُولِ عَنْ تَحْقِيقِ صِفَتِهِ عَجْزُهَا عَنْ تَحْقِيقِ صِفَةِ أَصْغَرِ خَلْقِهِ لَا تَكَادُ تَرَاهُ صِغَرًا يَجُولُ وَيَزُولُ، وَلَا يُرَى لَهُ سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ لِمَا يَتَقَلَّبُ بِهِ وَيَحْتَالُ مِنْ عَقْلِهِ، أَعْضَلُ بِكَ وَأَخْفَى عَلَيْكَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]،
وَخَالِقُهُمْ وَسَيِّدُ السَّادَّةِ وَرَبُّهُمْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، اعْرِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ غِنَاكَ عَنْ تَكَلُّفِ صِفَةِ مَا لَمْ يَصِفِ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ بِعَجْزِكَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ قَدْرَ مَا وَصَفَ مِنْهَا، إِذَا لَمْ تَعْرِفْ قَدْرَ مَا وَصَفَ فَمَا كَلَّفَكَ عِلْمَ مَا لَمْ يَصِفْ، هَلْ تَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ طَاعَتِهِ أَوْ تَتَزَحْزَحُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَتِهِ؟ فَأَمَّا الَّذِي جَحَدَ مَا وَصَفَ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ تَعَمُّقًا وَتَكَلُّفًا قَدِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: 71]، فَصَارَ أَحَدَهَا، وَمِنْهَا يَسْتَدِلُّ مَنْ زَعَمَ عَلَى جَحْدِ مَا وَصَفَ الرَّبُّ وَسَمَّى مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: لَا بُدَّ إِنْ كَانَ لَهُ كَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَذَا، فَعُمِّيَ عَنِ الْبَيِّنِ بِالْخَفِيِّ، بِجَحْدِ مَا سَمَّى الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ، فَصَمَتَ الرَّبُّ عَمَّا لَمْ يُسَمِّ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُمْلِي لَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى جَحَدَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]، فَقَالَ: لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَحَدَ وَاللَّهِ أَفْضَلَ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَنُضْرَتِهِ إِيَّاهُمْ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55]، وَقَدْ قَضَى أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ، فَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ يَنْضَرُونَ
وَإِنَّمَا كَانَ يَهْلِكُ مَنْ رَآهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَبْقَى سِوَاهُ، فَلَمَّا حَتَّمَ الْبَقَاءَ، وَنَفَى الْمَوْتَ وَالْفَنَاءَ، أَكْرَمَ أَوْلِيَاءَهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَاللِّقَاءِ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُخْلِصِينَ ثَوَابًا فَتَنْضَرُ بِهَا وُجُوهُهُمْ دُونَ الْمُجْرِمِينَ، وَتَفْلُجُ بِهَا حُجَّتُهُمْ عَلَى الْجَاحِدِينَ، فَهُمْ وَشِيعَتُهُ وَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبُونَ، لَا يَرَوْنَهُ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُرَى، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَيْفَ لَمْ يَعْتَبِرْ قَائِلُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]؟ أَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُقْصِيهِمْ وَيُعَذِّبُهُمْ بِأَمْرٍ يَزْعُمُ الْفَاسِقُ أَنَّهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فِيهِ سَوَاءٌ؟ وَإِنَّمَا جَحَدَ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ الضَّالَّةِ الْمُضِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ إِذَا تَجَلَّى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا مِنْهُ مَا كَانُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ لَهُ جَاحِدًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» فَقَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَئِذٍ كَذَلِكَ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَمْتَلِئُ النَّارُ حَتَّى يَضَعَ الرَّحْمَنُ قَدَمَهُ فِيهَا فَتَقُولُ: قَطٍ قَطٍ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ "، وَقَالَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: «لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ مِمَّا فَعَلْتَ بِضَيْفِكَ الْبَارِحَةَ» وَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا: «إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ مِنْ أَزْلِكُمْ، وَقُنُوطِكُمْ، وَسُرْعَةِ إِجَابَتِكُمْ»، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ: إِنَّ رَبَّنَا لَيَضْحَكُ؟ قَالَ «نَعَمْ» قَالَ: لَا يَعْدِمُنَا مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا " فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِمَّا لَمْ نُحْصِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]،
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وَقَالَ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فَوَاللَّهِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى عَظِيمٍ مِنْ وَصْفِ نَفْسِهِ، وَمَا تُحِيطُ قَبْضَتُهُ إِلَّا صَغَّرَ نَظِيرَهَا مِنْهُمْ عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي أَلْقَى فِي رُوعِهِمْ، وَخُلِقَ عَلَى مَعْرِفَةِ قُلُوبِهِمْ، فَمَا وَصَفَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ فَسَمَّاهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ سَمَّيْنَاهُ كَمَا سَمَّاهُ، وَلَمْ نَتَكَلَّفْ مِنْهُ صِفَةَ مَا سِوَاهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، لَا نَجْحَدُ مَا وَصَفَ، وَلَا نَتَكَلَّفُ مَعْرِفَةَ مَا لَمْ يَصِفْ، اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي الدِّينِ إِنْ تَنْتَهِ حَيْثُ انْتَهَى بِكَ فَلَا تُجَاوِزْ مَا قَدْ حُدَّ لَكَ، فَإِنَّ مِنْ قِوَامِ الدِّينِ مَعْرِفَةُ الْمَعْرُوفِ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ، فَمَا بُسِطَتْ عَلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ، وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ الْأَفْئِدَةُ، وَذُكِرَ أَصْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَوَارَثَتْ عَلْمَهُ الْأُمَّةُ، فَلَا تَخَافَنَّ فِي ذِكْرِهِ، وَصِفَتِهِ مِنْ رَبِّكَ مَا وَصَفَ مِنْ نَفْسِهِ عَبَثًا، وَلَا تَتَكَلَّفَنَّ لِمَا وَصَفَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرًا، وَمَا أَنْكَرَتْهُ نَفْسُكَ
وَلَمْ تَجِدْ ذِكْرَهُ فِي كِتَابِ رَبِّكَ، وَلَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ نَبِيِّكَ، مِنْ صِفَةِ رَبِّكَ فَلَا تَتَكَلَّفَنَّ عِلْمَهُ بِعَقْلِكَ، وَلَا تَصِفْهُ بِلِسَانِكَ، وَاصْمُتْ عَنْهُ كَمَا صَمَتَ الرَّبُّ عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ تَكَلُّفَكَ مَعْرِفَةَ مَا لَمْ يَصِفْ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلُ إِنْكَارِكَ مَا وَصَفَ مِنْهَا، فَكَمَا أَعْظَمْتَ مَا جَحَدَ الْجَاحِدُونَ مِمَّا وَصَفَهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْظِمْ تَكَلُّفَ مَا وَصَفَ الْوَاصِفُونَ مِمَّا لَمْ يَصِفْ مِنْهَا، فَقَدْ وَاللَّهِ عَزَّ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْمَعْرُوفَ وَبِمَعْرِفَتِهِمْ يُعْرَفُ، وَيُنْكِرُونَ الْمُنْكَرَ وَبِإِنْكَارِهِمْ يُنْكَرُ، يَسْمَعُونَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِهِ وَمَا يَبْلُغُهُمْ مِثْلُهُ عَنْ نَبِيِّهِ، فَمَا مَرِضَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا وَتَسْمِيَتُهُ مِنَ الرَّبِّ قَلْبٌ مُسْلِمٌ، وَلَا تَكَلَّفَ صِفَةَ قَدْرِهِ وَلَا تَسْمِيَةَ غَيْرِهِ مِنَ الرَّبِّ مُؤْمِنٌ.
وَمَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمَّاهُ مِنْ صِفَةِ رَبِّهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمَّى وَوَصَفَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ، مِنْ أَجْلِ مَا وَصَفْنَا، كَالْجَاحِدِ الْمُنْكِرِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْهَا، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الْوَاقِفُونَ حَيْثُ انْتَهَى عِلْمُهُمُ، الْوَاصِفُونَ لِرَبِّهِمْ بِمَا وَصَفَ مِنْ نَفْسِهِ، التَّارِكُونَ لِمَا تَرَكَ مِنْ ذِكْرِهَا، لَا يُنْكِرُونَ صِفَةَ مَا سَمَّى مِنْهُ جَحْدًا، وَلَا يَتَكَلَّفُونَ وَصْفَهُ بِمَا لَمْ يُسَمِّ تَعَمُّقًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ تَرَكَ مَا تَرَكَ، وَتَسْمِيَةُ مَا
سَمَّى ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وَهَبَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ حُكْمًا وَأَلْحَقَنَا بِالصَّالِحِينَ.
قَالَ الشَّيْخُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ لَكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنْ تَثْبِيتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَشَرَحْتُ ذَلِكَ وَبَيَّنْتُهُ مُلَخِّصًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُغَاتِ الْعَرَبِ مَا فِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ، وَغِنًى وَهِدَايَةٌ، وَشِفَاءٌ لِمَنْ وَهَبَ اللَّهُ بَصِيرَةً، وَأَرَادَ بِهِ مَوْلَاهُ الْكَرِيمُ الْخَيْرَ وَالسَّلَامَةَ، فَأَمَّا الْجَهْمِيُّ الْمَلْعُونُ الَّذِي قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ الرَّيْنُ، وَمُنِعَ الْعِصْمَةَ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْفِيقِ، فَإِنَّهُ يَجْحَدُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُنْكِرُهُ، وَيُعْرِضُ عَنْهُ، وَيَتَّخِذُهُ هُزُوًا، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: 7] فَالْجَهْمِيُّ يُنْكِرُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ نَزَعَ بِآيَاتٍ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ فِي أَصْلِ مَذْهَبِهِ، وَتَأْسِيسِ اعْتِقَادِهِ تَكْذِيبُ الْقُرْآنِ وَجَحْدُهُ، فَيُمَوِّهُ بِاحْتِجَاجِهِ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ عَلَى جُهَّالِ النَّاسِ، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، فَيَقُولُ حُجَّتِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُمْ أَنَّهُمْ نَزَّهُوهُ، وَأَجَلُّوهُ، وَوَحَّدُوهُ، بِإِنْكَارِهِمْ رُؤْيَتَهُ، وَاحْتِجَاجِهِمْ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَيُقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَعَانِي كَلَامِهِ، وَمُرَادِهِ فِي وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ أَمْ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ؟ فَإِنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ
الْقُرْآنُ وَجَاءَ بِالْهُدَى مِنْ رَبِّهِ وَالْبُرْهَانِ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَكَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ»، «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ»، أَفَيَظُنُّ الْجَهْمِيُّ الْمُلْحِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْجَهْمِيُّ؟ أَمْ يَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ قَرَأَهَا؟ أَمْ يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَارَضَ الْقُرْآنَ، وَتَلَقَّاهُ بِالْخِلَافِ عَلَيْهِ وَالرَّدِّ كَمَا تَفْعَلُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ؟ فَإِنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ إِذَا وَضَحَ عِنْدَهُمْ صِحَّةُ الرِّوَايَاتِ، وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا التَّوَاطُؤُ وَالِاسْتِحَالَةُ، قَالُوا: قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُشَبِّهًا، وَالْمُشَبِّهُ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ مُلْحِدٌ، فَأَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي نَبِيِّهِمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامُهُمْ فِي رَبِّهِمْ، وَإِلْحَادُهُمْ فِي أَسْمَائِهِ وَجَحْدُهُمْ لِصفَاتِهِ، وَإِبْطَالُهُمْ رُبُوبِيَّتَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ جَالَسْتَ الْمُعْتَزِلِيَّ عُمُرَهُ كُلَّهُ، مَا قَطَعَ مَجْلِسَهُ، وَلَا أَفْنَى لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ إِلَّا بِالْخُصُومَةِ وَالْجَدَلِ فِي اللَّهِ، وَفِي صِفَاتِهِ، وَقَدَرِهِ، وَفِي جَحْدِ الْعِلْمِ، وَفِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، قَدْ وَلِهَتْهُ الْخُصُومَةُ، وَأْلَهَاهُ الْجَدَلُ عَنِ النَّظَرِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
اللَّذَيْنِ تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهَمَا، وَفَرَضَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِهِمَا، وَالْعَمَلَ بِالَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ، فَأَمَّا حُجَّتُهُ، وَخُصُومَتُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ وَاضِحٌ لَا يَخِيلُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، ذَلِكَ أَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى الصَّغِيرِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فِيمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُكَ، وَلَا يُحِيطُ نَظَرُكَ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُدْرِكُهُ بَصَرٌ وَإِنَّمَا الْإِدْرَاكُ أَنْ يُحِيطَ الْبَصَرُ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَرَاهُ كُلَّهُ فَذَلِكَ الْإِدْرَاكُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَرَى الْقَمَرَ فَلَا تَرَى مِنْهُ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَخْفَى عَلَيْكَ مَا غَابَ مِنْ قَفَاهُ، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَكَذَلِكَ الْبَحْرُ، وَكَذَلِكَ الْجَبَلُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَلِّمُكَ وَهُمْ مَعَكَ فَمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُكَ، وَإِنَّمَا تَنْظُرُ مِنْهُ إِلَى مَا أَقْبَلَ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]، لَا تُحِيطُ بِهِ لِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّمَا يَنْزِعُ إِلَى الْمُتَشَابِهِ لِيَفْتِنَ الْجَاهِلَ.
قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]، إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الِانْتِظَارَ، فَخَالَفَتْ فِي ذَلِكَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ جَمِيعَ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَمَا يَعْرِفُهُ الْفُصَحَاءُ مِنْ كَلَامِهَا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103]،
وَقَالَ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28]، فَلَيْسَ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَكَلَامَهَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] الِانْتِظَارَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ يَعْنِي أَنْتَظِرُكَ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: أَنْتَظِرُكَ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الْكَلَامِ إِلَى، فَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ غَيْرَ النَّظَرِ، يَقُولُ: أَنْظُرُ إِلَيْكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]، وَلَوْ أَرَادَ الِانْتِظَارَ لَقَالَ: لِرَبِّهَا مُنْتَظَرَةٌ، وَلِرَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاضِحٌ بَيِّنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِمَّنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ عِلْمًا فِي كِتَابِهِ، وَبَصَرًا فِي دِينِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعْنَاهُ الِانْتِظَارُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِالتَّخْفِيفِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّثْقِيلِ، فَأَمَّا مَا عُنِيَ بِهِ الِانْتِظَارُ، فَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [الزخرف: 66]، مَعْنَاهُ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ، وَشَبَهُهُ وَشَاهِدُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: 102]، فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّثْقِيلَ إِنَّمَا هُوَ فِي الِانْتِظَارِ، كَقَوْلِهِ: يَنْتَظِرُونَ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا﴾ [يونس: 102] فَثَقَّلَ، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210]، فَهَذَا انْتِظَارٌ مُثَقَّلٌ، وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53]، يَعْنِي: يَنْتَظِرُونَ، فَثَقَّلَ،
وَقَالَ مِمَّا هُوَ بِمَعْنَى النَّظَرِ فَخَفَّفَ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: 6]، فَلَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ النَّظَرَ، قَالَ: ﴿إِلَى﴾ [ق: 6] فَخَفَّفَ، وَقَالَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: 99]، وَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] مَعْنَاهُ: النَّظَرُ
60 - سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بْنَ الْأَنْبَارِيِّ النَّحْوِيَّ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى مُنْتَظَرَةٍ مَا جَازَ أَنْ تَكُونَ نَاضِرَةً؛ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ عَلَى وَجْهِهِ الْحُزْنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّعٌ شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَالنَّاضِرَةَ مُسْفِرَةٌ، مُشْرِقَةٌ، ضَاحِكَةٌ، مُسْتَبْشِرَةٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالنَّاظِرَةِ: مُنْتَظَرَةً، كَانَ يَقُولُ: لِرَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.
وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 5]، وَ ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، إِنَّمَا هُوَ كَمَا تَقُولُ: لَقِيتُ خَيْرًا، وَلَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ شَرًّا، وَكَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]
وَهَذَا كُلُّهُ تَأْوِيلٌ تَأَوَّلَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَلَا عِلْمٍ بِفَصِيحِ اللِّسَانِ، يُلْبِسُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ مَا قَالُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ، وَبَيْنَ مَا قُلْنَا، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: لَقِيتُ مِنْكَ، وَلَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ خَيْرًا، فَإِذَا دَخَلَتْ (مِنْ) جَازَ أَنْ يَكُونَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ لِقَاءَ النَّظَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا (مِنْ)، فَإِذَا قُلْتَ لَقِيتُ فُلَانًا وَلَقِيتُكَ، كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اللِّقَاءِ وَالنَّظَرِ لَا غَيْرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]، أَدْخَلَ فِيهَا (مِنْ)، وَلَيْسَ فِيمَا احْتَجَجْنَا بِهِ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ (مِنْ).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 5]، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 110]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44]
61 - وَسَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ، صَاحِبَ اللُّغَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَعْلَبًا، يَقُولُ: أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44] أَنَّ اللِّقَاءَ هَاهُنَا لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَايَنَةً، وَنَظَرًا بِالْأَبْصَارِ،
وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّ النَّظَرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِطُولٍ وَعَرْضٍ وَلَوْنٍ وَجِسْمٍ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْبَرْتُمُونَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا؟، فَإِذَا قَالُوا: بَلَى، قِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّ النَّظَرَ يَكُونُ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّكُمْ شَبَّهْتُمْ رَبَّكُمْ بِالْقَمَرِ، فَقُلْتُمْ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ»، فَتَفَهَّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ جَهْلَهُمْ وَكَذِبَهُمْ، وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ، فَهَلْ سَمِعْتُمْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِثْلُ الْقَمَرِ؟ وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّهُ يُرَى كَمَا يُرَى الْقَمَرُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى الْقَمَرِ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ، وَلَيْسَ الْقَمَرُ مِثْلَ الْأَرْضِ؟ وَلَكِنَّ النَّظَرَ مَثَلٌ فَتَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ الْعَظِيمِ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ الصَّغِيرِ، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: أَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا فَأَهْدَيْتُ إِلَيْهِ ثَوْبًا، وَأَهْدَى إِلَيَّ شَاةً فَأَهْدَيْتُ إِلَيْهِ بَقَرَةً، فَيُقَالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَهْدَيْتُ إِلَيْهِ كَمَا أَهْدَى إِلَيَّ، فَلَيْسَ الثَّوْبُ مِثْلَ الْفَرَسِ، وَلَا الشَّاةُ مِثْلَ الْبَقَرَةِ، وَلَكِنَّ الْهَدِيَّةَ مِثْلُ الْهَدِيَّةِ فِي الِاسْمِ.
وَاتِّفَاقُ الْمَعْنَى فِي الْفِعْلِ لَا فِي الشَّخْصَيْنِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ مِثْلُ النَّظَرِ فِي الِاسْمِ، وَلَيْسَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ كُلُّهُ سَوَاءٌ
62 - قَالَ رَجُلٌ لِنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ: كَيْفَ يَنْظُرُ الْخَلْقُ إِلَى اللَّهِ، وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي الدُّنْيَا خَلْقَ فَنَاءٍ، وَخَلَقَ أَنْوَارَهُمْ خَلْقَ فَنَاءٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ خَلَقَهُمْ خَلْقَ بَقَاءٍ، وَخَلَقَ أَنْوَارَهُمْ خَلْقَ بَقَاءٍ، فَنَظَرُوا بِنُورِ الْبَقَاءِ إِلَى الْبَقَاءِ
حَدِيثُ شَجَرَةِ طُوبَى، وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَسُوقِهَا
63 - حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ سَلَامَةَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا طُوبَى، يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، زَهْرُهَا رِيَاطٌ، وَوَرَقُهَا بُرُودٌ، وَكُثْبَانُهَا عَنْبَرٌ، وَبَطْحَاؤُهَا يَاقُوتٌ، وَتُرَابُهَا كَافُورٌ، وَوَحْلُهَا مِسْكٌ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارُ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُتَحَدَّثُ بَيْنِهِمْ، فَبَيْنَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَجْلِسِهِمْ إِذْ أَتَتْهُمْ مَلَائِكَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ يَقُودُونُ نُجُبًا مَزْمُومَةً بِسَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ وُجُوهُهَا
كَالْمَصَابِيحِ مِنْ حُسْنِهَا، وَوَبَرُهَا كَجَزَّةِ الْمَعِزَى مِنْ لِينِهِ، عَلَيْهَا رِحَالٌ أَلْوَاحُهَا مِنْ يَاقُوتٍ، وَدُفُوفُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَثِيَابُهَا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، قَالَ: فَيُنِيخُونَهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّنَا أَرْسَلَنَا إِلَيْكُمْ لِتَزُورُوهُ وَتُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَرْكَبُونَهَا وَهِيَ أَسْرَعُ مِنَ الطَّائِرِ، وَأَوْطَأُ مِنَ الْفَرَسِ الْمَفْرُوشِ، نُجُبًا مِنْ غَيْرِ تَهْيِئَةٍ، ذُلُلًا مِنْ غَيْرِ رِيَاضَةٍ، يَسِيرُ الرَّجُلُ إِلَى جَنْبِ أَخِيهِ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ وَيُنَاجِيهِ، وَلَا تَسْبِقُ أُذُنُ رَاحِلَةٍ مِنْهَا أُذُنَ صَاحِبَتِهَا، وَلَا رُكْبَةُ رَاحِلَةٍ مِنْهَا رُكْبَةَ صَاحِبَتِهَا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتُنَحَّى عَنْ طُرُقِهِمْ؛ لِئَلَّا تُفَرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، قَالَ: فَيَأْتُونَ إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَيُسْفِرُ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَحَقَّ لَكَ الْجَلَالُ وَالْإِكْرَامُ، قَالَ: فَيَقُولُ رَبُّنَا تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ: أَنَا السَّلَامُ وَمِنِّي السَّلَامُ وَعَلَيْكُمْ حَقَّتْ مَحَبَّتِي وَرَحْمَتِي، مَرْحَبًا بِعِبَادِي الَّذِينَ خَشَوْنِي بِالْغَيْبِ وَأَطَاعُوا أَمْرِي،
فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا إِنَّا لَمْ نَعْبُدْكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَلَمْ نَقْدُرْكَ حَقَّ قَدْرِكَ فَأْذَنْ لَنَا بِالسُّجُودِ قُدَّامَكَ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ نَصَبٍ وَلَا عِبَادَةٍ، وَلَكِنَّهَا دَارُ مُلْكٍ وَنُعَيْمٍ، وَإِنِّي قَدْ رَفَعْتُ عَنْكُمْ نَصَبَ الْعِبَادَةِ، فَسَلُونِي مَا شِئْتُمْ، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أُمْنِيَّتَهُ، فَيَسْأَلُونَهُ حَتَّى إِنَّ أَقْصَرَهُمْ أُمْنِيَّةً، يَقُولُ: يَا رَبِّ تَنَافَسَ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَتَضَايَقُوا فِيهَا، رَبِّ فَآتِنِي مِثْلَ كُلِّ مَا كَانُوا فِيهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهَا إِلَى أَنِ انْتَهَتِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ قَصُرَتْ بِكَ أُمْنِيَّتُكَ، وَلَقَدْ سَأَلْتَ دُونَ مَنْزِلَتِكَ، هَذَا لَكَ مِنِّي وَسَأُتْحِفُكَ بِمَنْزِلَتِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عَطَائِي هَلَكٌ وَلَا تَصْرِيدٌ، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: اعْرِضُوا عَلَى عِبَادِي مَا لَمْ تَبْلُغْهُ أَمَانِيُّهُمْ وَلَمْ يَخْطِرْ لَهُمْ عَلَى بَالٍ فَيُعْرَضُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقْصُرْ بِهِمْ أَمَانِيُّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ فِيمَا يَعْرَضُونَ عَلَيْهِمْ بَرَاذِينُ مَقَرَّبَةٌ عَلَى كُلِّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا سَرِيرٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى كُلِّ سَرِيرٍ مِنْهَا قُبَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ مُفْرَغَةٌ فِي كُلِّ قُبَّةٍ مِنْهَا فَرْشٌ مِنْ فُرُشِ الْجَنَّةِ طَاهِرَةٌ، فِي كُلِّ قُبَّةٍ مِنْهَا جَارِيَتَانِ مِنْ حُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ جَارِيَةٍ مِنْهُنَّ
ثَوْبَانِ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَوْنٌ إِلَّا أَنَّهُ فِيهَا وَلَا رِيحٌ طَيِّبٌ، إِلَّا قَدْ عُبِّقَتَا بِهِ يَنْفُذُ ضَوْءُ وُجُوهِهِمَا غِلَظَ الْقُبَّةِ حَتَّى يَظُنَّ مَنْ يَرَاهُمَا أَنَّهُمَا مِنْ دُونِ الْقُبَّةِ، يُرَى مُخُّهَا مِنْ فَوْقِ سَاقِهَا كَالسِّلْكِ الْأَبْيَضِ فِي الْيَاقُوتَةِ الْحَمْرَاءِ، تَرَيَانِ لِصَاحِبِهِمَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى صَاحِبَتَيْهِ كَفَضْلِ الدُّرِّ عَلَى الْحِجَارَةِ أَوْ أَفْضَلَ، وَيَرَى هُوَ أَفْضَالَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَيْهِمَا فَيُحَيِّيَانِهِ، وَتُقَبِّلَانِهِ، وَتُعَانِقَانِهِ، وَتَقُولَانِ لَهُ: وَاللَّهِ مَا ظَنَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ مِثْلَكَ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَيَسِيرُونَ بِهِمْ صَفًّا فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ "
64 - حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا أَبُو عِيسَى هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ بِعَبَّادَانَ قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الدَّرْوَقِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ الدِّينَوَرِيُّ قَالَا: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ أَبُو مَسْعُودٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ثنا إِدْرِيسُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ إِدْرِيسُ: ثُمَّ لَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ ابْنِ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَحَدَّثَنِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يُقَالُ لَهَا طُوبَى، لَوْ يُسَخَّرُ لِلرَّاكِبِ الْجَوَادُ أَنْ يَسِيرَ فِي ظِلِّهَا لَسَارَ فِيهِ مِائَةَ عَامٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْطَعَهَا، وَرَقُهَا وَبُسْرُهَا بُرُودٌ خُضْرٌ، وَزَهْرُهَا رِيَاطٌ صُفْرٌ، وَأَفْنَاؤُهَا سُنْدُسٌ وَإِسْتَبْرَقٌ، وَثَمَرُهَا حُلَلٌ حُمْرٌ، وَصَمْغُهَا زَنْجَبِيلٌ وَعَسَلٌ وَبَطْحَاؤُهَا يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، وَزُمُرُّدٌ أَخْضَرُ، وَتُرَابُهَا مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ وَكَافُورٌ أَصْفَرُ، وَحَشِيشُهَا زَعْفَرَانٌ مَنِيعٌ، وَأُجُوجٌ يَتَأَجَّجَانِ مِنْ غَيْرِ وَقُودٍ، يَتَفَجَّرُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارُ السَّلْسَبِيلِ وَالْمَعِينِ وَالرَّحِيقِ، وَظِلُّهَا مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَأْلَفُونَهُ وَمُتَحَدَّثٌ يَجْمَعُهُمْ،
فَبَيْنَا هُمْ فِي ظِلِّهَا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَقُودُونَ نُجُبًا جُبِلَتْ مِنَ الْيَاقُوتٍ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ، مَزْمُومَةً بِسَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ كَأَنَّ وُجُوهَهَا الْمَصَابِيحُ نَضَارَةً وَحَسَنًا، نُجُبًا مِنْ غَيْرِ رِيَاضَةٍ، عَلَيْهَا رِحَالٌ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مُفَضَّضَةٌ بِاللَّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، صِفَاقُهَا مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ مُلَبَّسَةٌ بِالْعَبْقَرِيِّ وَالْأُرْجُوَانِ، فَأَنَاخُوا إِلَيْهِمْ تِلْكَ النَّجَائِبَ، ثُمَّ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ رَبَّكُمْ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ، وَيَسْتَزِيرُكُمْ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ، وَتُحَيُّونَهُ وَيُحَيِّيكُمْ، وَيُكَلِّمَكُمْ وَتُكَلِّمُونَهُ، وَيَزِيدَكُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَسَعَتِهِ إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، وَبَرَكَةٍ وَفَضْلٍ عَظِيمٍ، فَيَتَحَوَّلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا صَفًّا وَاحِدًا مُعْتَدِلًا لَا يَفُوتُ مِنْهُ شَيْءٌ شَيْئًا، لَا يَمُرُّونَ بِشَجَرَةٍ إِلَّا أَتْحَفَتْهُمْ بِثَمَرِهَا، وَزَحَلَتْ لَهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْثَلِمَ صَفُّهُمْ أَوْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَرَفِيقِهِ، فَلَمَّا دَنَوْا إِلَى الْجَبَّارِ تَعَالَى أَسْفَرَ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَتَجَلَّى لَهُمْ فِي عَظَمَتِهِ الْعَظِيمَةِ يُحَيِّيهِمْ بِالسَّلَامِ، فَقَالُوا: رَبَّنَا أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَلَكَ حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ،
فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى: إِنِّي أَنَا السَّلَامُ، وَمِنِّي السَّلَامُ، وَلِي حَقُّ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَمَرْحَبًا بِعِبَادِيَ الَّذِينَ حَفِظُوا وَصِيَّتِي، وَرَعَوْا عَهْدِي، وَخَافُونِي بِالْغَيْبِ، وَكَانُوا مِنِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ مُشْفِقِينَ، فَقَالُوا: أَمَا وَعِزَّتِكَ وَعَظَمَتِكَ وَجَلَالِكَ وَعُلُوِّ مَكَانِكَ مَا قَدَرْنَاكَ حَقَّ قَدْرِكَ، وَمَا أَدَّيْنَا إِلَيْكَ حَقَّكَ، فَأْذَنْ لَنَا بِالسُّجُودِ لَكَ، قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى: إِنِّي وَضَعْتُ عَنْكُمْ مُؤْنَةَ الْعِبَادَةِ، وَأَرَحْتُ لَكُمْ أَبْدَانَكُمْ، وَطَالَ مَا نَصَبْتُمْ لِيَ الْأَبْدَانَ، وَأَعْنَتُّمْ لِيَ الْوُجُوهَ، فَالْآنَ أَفْضَيْتُمْ إِلَى رَوْحِي وَرَحْمَتِي وَكَرَامَتِي، فَسَلُونِي مَا شِئْتُمْ، وَتَمَنُّوا عَلَيَّ أُعْطِكُمْ أَمَانِيَّكُمْ، فَإِنِّي لَنْ أَجْزِيَكُمُ الْيَوْمَ بِقَدْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَلَكِنْ بِقَدْرِ رَحْمَتِي وَطَوْلِي وَجَلَالِي وَعُلُوِّ مَكَانِي، وَعَظَمَةِ شَأْنِي، فَمَا يَزَالُونَ فِي الْأَمَانِيِّ وَالْعَطَايَا وَالْمَوَاهِبِ حَتَّى إِنَّ الْمُقَصِّرَ فِيهِمْ فِي أُمْنِيَّتِهِ يَتَمَنَّى مِثْلَ جَمِيعِ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَهَا اللَّهُ إِلَى يَوْمِ أَفْنَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى: لَقَدْ قَصَّرْتُمْ فِي أَمَانِيِّكُمْ، فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاهِبِ رَبِّكُمُ الَّذِي وَهَبَ لَكُمْ، فَإِذَا بِقِبَابٍ مِنَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَغُرَفٍ مَبْنِيَّةٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْمَرْجَانِ أَبْوَابُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَسُرُرُهَا مِنْ يَاقُوتٍ، وَفَرْشُهَا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، وَمَنَابِرُهَا مِنْ نُورٍ، يَفُورُ مِنْ أَبْوَابِهَا نُورٌ، شُعَاعُ الشَّمْسِ عِنْدَهُ مِثْلُ الْكَوْكَبِ الْمُضِيءِ الدُّرِّيِّ فِي النَّهَارِ، وَإِذَا بِقُصُورٍ شَامِخَةٍ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مِنَ
الْيَاقُوتِ يَزْهُو نُورُهَا، فَلَوْلَا أَنَّهُ مُسَخَّرٌ إِذًا لَالْتَمَعَ الْأَبْصَارَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْقُصُورِ مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَبْيَضِ فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالْحَرِيرِ الْأَبْيَضِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالْعَبْقَرِيِّ الْأَخْضَرِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ فَهُوَ مَفْرُوشٌ بِالْأُرْجُوَانِ الْأَصْفَرِ، مَبْثُوثٌ بِالزُّمُرَّدِ الْأَخْضَرِ وَبِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَبِالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءَ، قَوَاعِدُهَا وَأَرْكَانُهَا مِنَ الْجَوْهَرِ، وَشُرَفُهَا قِبَابٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، وَبُرُوجُهَا غُرَفٌ مِنَ الْمَرْجَانِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا إِلَى مَا أَعْطَاهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى قُرِّبَتْ لَهُمْ بَرَاذِينُ مِنَ الْيَاقُوتِ الْأَبْيَضِ، مَنْفُوخٍ فِيهَا الرُّوحُ، بِجَنْبِهَا الْوِلْدَانُ الْمُخَلَّدُونَ، بِيَدِ كُلِّ وَلِيدٍ مِنْهُمْ حَكَمَةُ بِرْذَوْنٍ مِنْ تِلْكِ الْبَرَاذِينِ، وَلُجُمُهَا وَأَعِنَّتُهَا مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ مَنْظُومَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، سُرُوجُهَا سُرُرٌ مَوْضُونَةٌ مَفْرُوشَةٌ بِالسُّنْدُسِ وَالْإِسْتَبْرَقِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ تِلْكَ الْبَرَاذِينُ تَزُفُّ بِهِمْ، وَتُبَطَّنُ بِهِمْ رِيَاضُ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَجَدُوا الْمَلَائِكَةَ قُعُودًا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَنْتَظِرُونَهُمْ لَيَزُورُوهُمْ، وَيُصَافِحُوهُمْ، وَيُهَنِّئُوهُمْ بِكَرَامَةِ رَبِّهِمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا قُصُورَهُمْ وَجَدُوا فِيهَا جَمِيعَ مَا تَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ مِمَّا سَأَلُوهُ وَتَمَنَّوْهُ، وَإِذَا عَلَى بَابِ كُلِّ قَصْرٍ مِنْ
تِلْكَ الْقُصُورِ أَرْبَعُ جَنَّاتٍ: جَنَّتَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ، وَجَنَّتَانِ مُدْهَامَّتَانِ، فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ، وَفِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ، وَحُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ، فَلَمَّا تَبَوَّءُوا مَنَازِلَهُمْ وَاسْتَقَرُّوا قَرَارَهُمْ قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾، قَالُوا: نَعَمْ رَبَّنَا، قَالَ: رَضِيتُمْ بِثَوَابِ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: رَضِينَا رَبَّنَا رَضِينَا فَارْضَ عَنَّا.
قَالَ: بِرِضَايَ عَنْكُمْ حَلَلْتُمْ دَارِي، وَنَظَرْتُمْ إِلَى وَجْهِي، وَصَافَحَتْكُمْ مَلَائِكَتِي، هَنِيئًا هَنِيئًا لَكُمْ عَطَاءٌ غَيْرُ مَجْذُوذٍ، فَلَيْسَ فِيهِ تَنْغِيصٌ، وَلَا تَصْرِيدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]، وَ ﴿أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ، وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾
65 - حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ اللَّخْمِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو طَالِبٍ النَّسَائِيُّ، قَالَ:
ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ زُرْعَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُوبَى، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ تَدْرِي مَا طُوبَى؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ، يَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سِتِّينَ خَرِيفًا، وَرَقُهَا الْحُلَلُ، يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ أَمْثَالُ الْبُخْتِ»،
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هُنَاكَ لَطَيْرًا نَاعِمًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَأَنْعَمُ مِنْهُ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»
66 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْقَافْلَائِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهِقْلُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: نُبِّئْتُ، أَنَّهُ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِيَ سُوقِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: وَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، فَيُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَرَوْنَ اللَّهَ فِيهِ، فَيَبْرُزُ لَهُمْ عَلَى عَرْشِهِ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَيُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيٍّ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ أَفْضَلُ مِنْهُمْ مَجْلِسًا».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، هَلْ تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا تَمْتَرُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَحَدٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى إِنَّهُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ مِنْكُمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ تَذْكُرِ يَوْمُ عَمِلْتَ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَيُذَكِّرُهُ بَعْضِ غَدْرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَوَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ، قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَأَمَرَّتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِيهِ مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ، وَلَمْ يَخْطِرْ عَلَى الْقُلُوبِ، وَيَحْمِلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ فِي شَيْءٍ يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا،
قَالَ: فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَيُرَوِّعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ فَمَا يَقْضِي آخِرَ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَمَثَّلَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا، قَالَ: فَنُصْرَفُ إِلَى مَنَازِلِنَا فَتَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا، فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِحَبِيبِنَا، لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ وَالطِّيبِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ، فَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا بِهِ "
بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَضْحَكُ قَالَ الشَّيْخُ: اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ تَصْدِيقَ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ، وَتَلَقِّيَهَا بِالْقَبُولِ، وَتَرْكَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا بِالْقِيَاسِ وَمُوَاضَعَةِ الْقَوْلِ بِالْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ، وَالْمُؤْمِنَ هُوَ الْمُصَدِّقُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، فَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا نَقَلَتْهُ الْعُلَمَاءُ، وَرَوَاهُ الثِّقَاتُ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ، الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ فِيمَا رَوَوْهُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَلَا يُقَالُ فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ؟ وَلَا لِمَ؟ بَلْ يَتَّبِعُونَ وَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَيُسَلِّمُونَ، وَلَا يُعَارِضُونَ، وَيَتَيَقَّنُونَ وَلَا يَشْكُونَ وَلَا يَرْتَابُونَ، فَكَانَ مِمَّا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَهْلُ الْعَدَالَةِ، وَمَنْ يَلْزَمُ الْمُؤْمِنِينَ قَبُولُ رِوَايَتِهِ وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَضْحَكُ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلَا يَجْحَدُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ مَذْمُومُ الْحَالِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، دَاخِلٌ فِي الْفِرَقِ الْمَذْمُومَةِ وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَهْجُورَةِ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ بِرَحْمَتِهِ
67 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَاثِهِ» قَالَ أَبُو رَزِينٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَضْحَكُ رَبُّنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ نَعْدِمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا» وَفِي رِوَايَةٍ «وَقُرْبِ غِيَرِهِ»
68 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْقَافْلَائِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتَجَلَّى لَنَا رَبُّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا»
69 - حَدَّثَنَا الْقَافْلَائِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أنبأ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ فِي الْجَنَّةِ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ»