الإبانة الكبرى لابن بطةصفحات 125-154

بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَبْصَارِ رُءُوسِهِمْ فَيُكَلِّمُهُمْ وَيُكَلِّمُونَهُ لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَلَا تُرْجُمَانَ

صفحات 125-154
عن هذه الطبعة
عَلَم
العكبري، ابن بطة
الكتاب
الإبانة الكبرى لابن بطة
المؤلف
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: 387هـ)
المحقق
رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
الناشر
دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض
عدد الأجزاء
9 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج] الكتاب الرابع/ نسخ - مكتبة أحمد الخضري، مقابلة - مكتبة يا باغي الخير أقبل __________جـ 1، 2: حققه: رضا بن نعسان معطي -
الطبعة
الثانية، 1415 هـ - 1994 مجـ 3، 4: حققه: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 5: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الثانية، 1418 هـجـ 6: حققه: د. يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل -
الطبعة
الأولى، 1415 هـجـ 7: حققه: الوليد بن محمد نبيه بن سيف النصر -
الطبعة
الأولى، 1418 هـجـ 8، 9: حققه: د حمد بن عبد المحسن التويجري -
الطبعة
الأولى، 1426 هـ - 2005 م

95 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، جَفَافُهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ بَرْقٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ

وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ "

96 - وَعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: مَا نَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْجَنَّةِ قَطُّ إِلَّا قَالَ لَهَا: طِيبِي لِأَهْلِكِ، فَزَادَتْ طِيبًا حَتَّى يَدْخُلَهَا أَهْلُهَا

97 - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَبُو الْأَسْوَدِ، قَالَ: أَنْبَأَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ

عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ الْآيَةَ الَّتِي فِي خَاتِمَةِ النُّورِ وَهُوَ جَاعِلٌ أَصَابِعَهُ تَحْتَ عَيْنَيْهِ» يَقُولُ: «بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ»

98 - حَدَّثَنَا الْقَافْلَائِي جَعْفَرٌ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ بِبَصَرِ عَيْنَيْهِ لَمْ يَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، إِنَّمَا يَلْتَفِتُ مَنْ يَعْيَا "

بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْضَبُ، وَيَرْضَى، وَيُحِبُّ، وَيَكْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ: وَالْجَهْمِيُّ يَدْفَعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا وَيُنْكِرُهَا وَيَرُدُّ نَصَّ التَّنْزِيلِ وَصَحِيحَ السُّنَّةِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَغْضَبُ، وَلَا يَرْضَى، وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَكْرَهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِدَفْعِ الصِّفَاتِ وَإِنْكَارِهَا جَحْدَ الْمَوْصُوفِ بِهَا.
وَاللَّهُ

تَعَالَى قَدْ أَكْذَبَ الْجَهْمِيَّ وَأَخْزَاهُ، وَبَاعَدَهُ مِنْ طَرِيقِ الْهِدَايَةِ وَأَقْصَاهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: 93]، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: 9] وَقَالَ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، وَقَالَ: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 80] وَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 60]،

وَقَالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119] وَقَالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18] فَهَذَا وَشَبَهُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وَقَالَ فِي الْحُبِّ وَالْكَرَاهَةِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: 46]، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُوَافِقُ ذَلِكَ وَيُضَاهِيهِ

99 - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِي قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ:

ثنا أَبُو عَتَّابٍ الدَّلَّالُ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»

100 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ

101 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَعْمَرٍ، يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ، فَهُوَ كَافِرٌ، إِنْ رَأَيْتَهُ وَاقِفًا عَلَى بِئْرٍ فَاطْرَحْهُ فِيهَا فَإِنَّهُمْ كُفَّارٌ

بَابُ الْإِيمَانِ بِالتَّعَجُّبِ وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)، هَكَذَا قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ شُرَيْحًا قَرَأَهَا: ﴿عَجِبْتَ﴾ [الصافات: 12]، فَقَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَعْلَمُ مِنْ شُرَيْحٍ، وَالتَّعَجُّبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمَحَبَّةُ

بِتَعْظِيمِ قَدْرِ الطَّاعَةِ وَالسُّخْطِ بِتَعْظِيمِ قَدْرِ الذَّنْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ شَابٍّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ»، أَيْ أَنَّ اللَّهَ مُحِبٌّ لَهُ رَاضٍ عَنْهُ عَظِيمٌ قَدْرُهُ عِنْدَهُ،

وَالثَّانِي التَّعَجُّبُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِنْكَارِ لِلشَّيْءِ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِنْكَارِ هُوَ الْجَاهِلُ بِهِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، فَلَمَّا عَرَفَهُ وَرَآهُ اسْتَنْكَرَهُ، وَعَجِبَ مِنْهُ، وَجَلَّ اللَّهُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا دَلَّ عَلَى التَّعَجُّبِ الْأَوَّلِ

102 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْمُخَرِّمِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: ثنا شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَجِبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْمٍ جِيءَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ حَتَّى يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ»

103 - حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا عَاصِمٌ، أَوْ غَيْرُهُ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ بَيْنَ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي قَامَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ طَلَبَ مَا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِنْ عَذَابِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ "

104 - وَعَنِ ابْنِ الْهُذَيْلِ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَعْجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُهُ فِي الْأَسْوَاقِ

بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، لَا يَأْبَى ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرْهُ إِلَّا مَنِ

انْتَحَلَ مَذَاهِبَ الْحُلُولِيَّةِ، وَهُمْ قَوْمٌ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَمَرَقُوا مِنَ الدِّينِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ذَاتَهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ بِذَاتِهِ حَالٌّ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَأَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ لِلْحُلُولِيَّةِ: لِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] وَقَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59] فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ،

فَقَالُوا: لَا نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْعَرْشِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى الْعَرْشِ فَإِنَّهُ يَخْلُو مِنْهُ أَمَاكِنُ كَثِيرَةٌ، فَنَكُونَ قَدْ شَبَّهْنَاهُ بِخَلْقِهِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمْ فِي مَنْزِلِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَيَخْلُو مِنْهُ سَائِرُ دَارِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ كَمَا هُوَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَإِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَرْشِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْعَرْشِ، فَقَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29]، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ [الأنعام: 3]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ بِعِلْمِهِ فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وَقَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 59]، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيبُ﴾ [فاطر: 10]، فَهَلْ يَكُونُ الصَّعُودُ إِلَّا إِلَى مَا عَلَا، وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْ خَلْقِهِ، وَقَالَ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْمَلَائِكَةِ

وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، فَقَالَ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: 17]، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، وَقَالَ لِعِيسَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]، وَقَالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، وَقَالَ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19]، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 18]، وَقَالَ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: 15]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: 5]، وَقَالَ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: 3]، فَهَذَا وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّ الْمُعْتَزِلِيَّ الْحُلُولِيَّ الْمَلْعُونَ يَتَصَامَمُ عَنْ هَذَا وَيُنْكِرُهُ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْمُتَشَابِهِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الزَّيْغِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَمَاكِنَ كَثِيرَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنْ رَبِّهِمْ إِلَّا عِلْمُهُ وَعَظَمَتُهُ، وَقُدْرَتُهُ وَذَاتُهُ تَعَالَى لَيْسَ هُوَ فِيهَا، فَهَلْ زَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ مَكَانَ إِبْلِيسَ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَجْتَمِعُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ فِيهِ، بَلْ يَزْعُمُ الْجَهْمِيُّ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى حَالَّةٌ فِي إِبْلِيسَ،

وَهَلْ يَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ وَأَنَّ الْجَلِيلَ الْعَظِيمَ الْعَزِيزَ الْكَرِيمَ مَعَهُمْ فِيهَا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَهَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَحِلُّ أَجْوَافَ الْعِبَادِ وَأْجَسَادَهُمْ، وَأَجْوَافَ الْكِلَابِ، وَالْخَنَازِيرِ، وَالْحُشُوشَ، وَالْأَمَاكِنَ الْقَذِرَةَ، الَّتِي يَرْبَأُ النَّظِيفُ الطَّرِيفُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ يَجْلِسَ فِيهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُكَرِّمُهُ وَيُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ يَحِلُّ فِيهَا وَبِهَا، وَالْمُعْتَزِلِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ فِي كُمِّهِ، وَفِي فَمَهِ، وَفِي جَيْبِهِ، وَفِي جَسَدِهِ، وَفِي كُوزِهِ، وَفِي قِدْرِهِ، وَفِي ظُرُوفِهِ وَآنِيَتِهِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي نُجِلُّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ نَنْسُبَهُ إِلَيْهَا.

105 - فَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ، وَزَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَقَدْ أَكْذَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143]؟

فَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ: أَرَأَيْتَ الْجَبَلَ حِينَ تَجَلَّى لَهُ؟ وَكَيْفَ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ وَهُوَ فِي الْجَبَلِ؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69]، فَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ: هَلِ اللَّهُ نُورٌ؟ فَيَقُولُ: هُوَ نُورٌ كُلُّهُ، قِيلَ لَهُ: فَاللَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: فَمَا بَالُ الْبَيْتِ الْمُظْلِمُ لَا يُضِيءُ مِنَ النُّورِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَنَحْنُ نَرَى سِرَاجًا فِيهِ فَتِيلَةٌ يَدْخُلُ الْبَيْتَ الْمُظْلِمَ فَيُضِيءُ؟، فَمَا بَالُ الْمَوْضِعُ الْمُظْلِمُ يَحِلُّ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِزَعْمِكُمْ، فَلَا يُضِيءُ؟ فَعِنْدَهَا يَتَبَيَّنُ لَكَ كَذِبُ الْجَهْمِيِّ، وَعَظِيمُ فِرْيَتِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ: أَلَيْسَ قَدْ كَانَ اللَّهُ وَلَا خَلْقَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: فَحِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ أَيْنَ خَلَقَهُمْ وَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ؟ أَخَلَقَهُمْ فِي نَفْسِهِ؟ أَوْ خَارِجًا مِنْ نَفْسِهِ؟ فَعِنْدَهَا يَتَبَيَّنُ لَكَ كُفْرُ الْجَهْمِيِّ، وَأَنَّهُ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ: خَلَقَ الْخَلْقَ فِي نَفْسِهِ،

كَفَرَ وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجِنَّ، وَالْإِنْسَ، وَالْأَبَالِسَةَ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَالْأَقْذَارَ وَالْأَنْتَانَ فِي نَفْسِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ خَارِجًا مِنْ نَفْسِهِ، فَقَدِ اعْتَرَفَ أَنَّ هَا هُنَا أَمْكَنَةً قَدْ خَلَتْ مِنْهُ، وَيُقَالُ لِلْجَهْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ: أَخْبِرْنَا هَلُ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ؟ وَهَلْ يُصِيبُهُ الرِّيحُ، وَالثَّلْجُ، وَالْبَرْدُ؟، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِنَاءً أَوْ يَحْفِرُ بِئْرًا، أَوْ يُلْقِيَ قَذَرًا لَكَانَ إِنَّمَا يُلْقِي ذَلِكَ وَيَصْنَعُهُ فِي رَبِّهِ؟ فَجَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ، وَيَنْسُبُهُ إِلَيْهِ الزَّائِغُونَ، لَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّ رَبَّنَا تَعَالَى فِي أَرْفَعِ الْأَمَاكِنِ، وَأَعْلَى عِلِّيِّينَ، قَدِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، يَعْلَمُ مَا نَأَى كَمَا يَعْلَمُ مَا دَنَا، وَيَعْلَمُ مَا بَطَنَ كَمَا يَعْلَمُ مَا ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى، فَقَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا، وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]، فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَا، وَمَا فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَيَعْلَمُ الْخَطْرَةَ وَالْهَمَّةَ، وَيَعْلَمُ جَمِيعَ مَا تُوَسْوِسُ النُّفُوسُ بِهِ، يَسْمَعُ

وَيَرَى، وَهُوَ بِالنَّظَرِ الْأَعْلَى لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ سُبْحَانَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ شَهِدُوهَا وَكَتَبُوهَا، وَرَفَعُوا إِلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَجَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَمَّا يَنْسُبُهُ إِلَيْهِ الْجَاحِدُونَ، وَيُشَبِّهُهُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ، أَوَمَا سَمِعَ الْحُلُولِيُّ الْمُلْحِدُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: 16]، وَقَوْلَهُ لِعِيسَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] وَقَالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]، وَقَالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 3]، وَقَالَ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر: 15]، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ ذَمَّ رَبُّنَا تَعَالَى مَا سَفَلَ، وَمَدَحَ مَا عَلَا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] يَعْنِي السَّمَاءَ السَّابِعَةَ وَاللَّهُ تَعَالَى فِيهَا،

وَقَالَ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينَ﴾ [المطففين: 7]، يَعْنِي الْأَرْضَ السُّفْلَى، فَزَعَمَ الْجَهْمِيُّ الْحُلُولِيُّ أَنَّ اللَّهَ هُنَاكَ حَيْثُ يَكُونُ كِتَابُ الْفُجَّارِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ وَسَفَّلَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ عُلُوًّا، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]، فَذَمَّ الْأَسْفَلَ، وَقَالَ: ﴿نَجَعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: 29]، وَعَاقَبَ اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ حِينَ عَصَيَا بِأَنْ أَهْبَطَهُمَا وَأَنْزَلَهُمَا، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: عِلْمُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، كَمَا قَالَ: ﴿فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ [الأنعام: 3]، وَمَعْنَاهُ أَيْضًا: أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]،

وَقَدْ قَرَأَهَا بَعْضُهُمْ: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي الْأَرْضِ اللَّهُ) وَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ، وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا وَفِينَا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54] وَقَدْ فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: 7] إِلَى قَوْلِهِ: وَ ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾، إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ عِلْمَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، فَرَجَعَتِ الْهَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ ﴿هُوَ﴾ [البقرة: 29] عَلَى عِلْمِهِ لَا عَلَى ذَاتِهِ.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]، فَعَادَ الْوَصْفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْعِلْمَ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِأُمُورِهِمْ كُلِّهَا،

وَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75]، أَنَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ بِالْمُشَاهَدَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى عِلْمِ الْخَلَائِقِ، وَبَطَلَ فَضْلُ عِلْمِهِ بِعِلْمِ الْغَيْبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ شَاهَدُ شَيْئًا وَعَايَنَهُ وَحَلَّهُ بِذَاتِهِ، فَقَدْ عَلِمَهُ، فَلَا يُقَالُ لِمَنْ عَلِمَ مَا شَاهَدَهُ، وَأَحْصَى مَا عَايَنَهُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَخْلُوقِ أَنْ لَا يَعْلَمَ الشَّيْءَ حَتَّى يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَيَسْمَعَهُ بِأُذُنِهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْهُ جَهِلَهُ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ فَيَكُونُ مُعَلَّمًا لَا عَالِمًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِ ﴿أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28]، وَ ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54]، فَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، فَبَيَّنَ تِلْكَ الْإِحَاطَةَ: إِنَّمَا هِيَ بِالْعِلْمِ لَا بِالْمُشَاهَدَةِ بِذَاتِهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ كَعِلْمِهِ عِلْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ، فَتَفَهَّمُوا الْآنَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ كُفْرَ الْجَهْمِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى الْجَهْمِيِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ لَنَا وَحَالٌّ بِذَاتِهِ، فَسَارَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ذَرَأَهُ وَبَرَأَهُ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، فَوَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بِعِلْمِ الْغَيْبِ وَالْكِبْرِ وَالْعُلُوِّ، وَوَصَفَهُ الْجَهْمِيُّ بِضِدِّ ذَلِكَ

كُلِّهِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِمُشَاهَدَتِهِ لَهَا، وَصَغَّرَهُ حَتَّى زَعَمَ أَنَّهُ يَحُلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْبَعُوضَةِ، وَسَفَّلَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109]، وَالْجَهْمِيُّ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ بِحُلُولِهِ فِيهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَهْمِيُّ الْمُلْحِدُ عُلُوًّا كَبِيرًا

106 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّد بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ مَا مَعْنَاهَا؟ فَقَالَ: مَعْنَاهَا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ بِعِلْمِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرُ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: 7]؟، أَرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ شَاهِدًا يَحْضُرُ مِنْهُمْ مَا عَمِلُوا، لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخَلَائِقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ يَحْضُرُ أَمْرًا وَيَشْهَدُهُ إِلَّا عَلِمَهُ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ حَاضِرًا كَحُضُورِ الْخَلْقِ مِنَ الْخَلْقِ فِي أَفْعَالِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي عِلْمِهِ فَضْلٌ عَلَى خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةُ خَلْقِهِ،

وَإِنَّكَ لَتَجِدُ فِي الصَّغِيرِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنَّهُ لَيَرَى الشَّيْءَ، وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ، فَاللَّهُ تَعَالَى بِعَظَمَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ أَعْظَمُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَأْخُذُ الرَّجُلُ الْقَدَحَ بِيَدِهِ وَفِيهِ الشَّرَابُ أَوِ الطَّعَامُ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ، فَيَعْلَمُ مَا فِي الْقَدَحِ، وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ، وَرُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا دَلَّ رَبُّنَا تَعَالَى عَلَى فَضْلِ عَظَمَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ أَنَّهِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَهُوَ يَعْلَمُ الصَّغِيرَ التَّافِهَ الْحَقِيرَ الَّذِي هُوَ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، أَيْ فَلَيْسَ عِلْمُهُ كَعِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا يُشَاهِدُونَ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: 13]، وَقَالَ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يُثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: 5]، فَرَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ لَا إِلَى الْمُشَاهَدَةِ وَالْحُلُولِ فِي الصُّدُورِ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]؟ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالْخَبَرِ وَالْعِلْمِ

107 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

عَمِيرَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَطْحَاءِ فِي عُصْبَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: السَّحَابَ،

قَالَ: «وَالْمُزْنَ؟» قَالُوا: وَالْمُزْنَ، قَالَ: «وَالْعَنَانَ؟» قَالُوا: وَالْعَنَانَ، قَالَ: «كَيْفَ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟»، قَالُوا: لَا نَدْرِي، قَالَ: «فَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةً»، وَإِمَّا قَالَ: «ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ السَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلَافِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِمُ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةُ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ»

108 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ

أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَفَكَّرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تُفَكِّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ بَيْنَ كُرْسِيِّهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سَبْعَةَ آلَافِ نُورٍ وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ "

109 - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: ثنا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ

قَالَ: ثنا نُوحُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: ثنا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، قَالَ: هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذِهِ السُّنَّةُ

110 - حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: ثنا أَبُو نَصْرٍ عِصْمَةُ قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ،

فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ أَخْبَرَكَ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا؟، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سُرَيْجِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَالِكٍ

111 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافْلَائِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الضَّبِّيُّ، عَنْ مَعْدَانَ،

قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، قَالَ: عِلْمُهُ

جارٍ التحميل