العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفِيهِ بَابَانِ قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: البَابُ الأوَّلُ في الفَيْءِ

وَهُوَ كُلُّ مَالٍ فَاءَ إلَى المُسْلِمِينَ مِنَ الكُفَّارِ بِغَيْر إيجافِ خَيْلٍ وَرِكَابِ كَمَا إِذَا انْجَلَوا عَنْهُ خَوْفاً، أَوْ بَذَلُوهُ لِنَكُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ فَهُوَ مُخَمَّسٌ، وَكَذَا مَا أُخِذَ بِغَيْرِ تَخْوِيفٍ؛ كَالجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ، والعُشْرِ، وَمَالِ المُرْتَدْ، وَمَالِ من مَاتَ، وَلاَ وَارِثَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المال 1 المأخوذُ من الكفَّار ينقسمُ إلى ما يحصُلُ من غير قتالٍ، وإِيجافِ خيلٍ، وركابٍ، وإِلى ما يحْصُلُ بذلك: ويسمَّى الأول فيئاً؛ لرجوعه 2 من الكفار إِلى المُسْلِمِين، يقال فَاءَ أيْ؛ رَجَعَ الثاني ويسمَّى غَنيمة 3؛ لأَنه فضْلٌ وفائدةٌ

الجزء: 7 - الصفحة: 325

محْضَةٌ ثم ذكر المسعوديُّ وطائفةٌ: أَن اسم كلِّ واحدٍ من المالَيْنِ يقع على الآخر، إِذا أُفرد بالذَّكْر، فإِذا جمع بينهما، افترقا؛ كاسمَيْ الفَقِيرِ والمِسْكِين.
وقال الشيخُ أَبو حاتم القزوينيُّ وغيره: اسمُ الفَيْءِ يشملُ المالَيْن، واسمُ الغنيمةِ لا يتناوَلُ الأوَّلَ، وفي لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" ما يُشْعِر به، وبيانُ قسمةِ المالَيْنِ تقع في بابين: أَحدهما: في الفيء، والأَصْلُ فيه قولُهُ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] فمنه ما جلى عنه الكفار خَوْفاً من المسلمين، إِذا سمعوا خَبَرَهُمْ، وما جلوا عنه؛ لضُرٍّ أَصابهم، وجزية أَهل الذِّمَّة، وما صولِحَ عليه أَهْلُ بلدٍ منهم، = وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد.
فالغنيمة: اسم لما أخذه المسلمون من الكفار، بإيجاف الخيل أو الركاب فما أخذه المسلمون من أهل الذمة أو من الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، وما أخذه الذميون من أهل الحرب لا يسمى غنيمة ولا تجرى عليه أحكامها.
قد صح أن الغنيمة كانت محرمة في الشرائع السّابقة، وإنما أُبيحت لأمة محمَّد -صلى الله عليه وسلم- خاصّة، قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ضمن ما فضل الله به الرسول عليه الصلاة والكلام، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسَتٍّ: أُعْطِيْتُ جَوَامِعَ الْكَلِم، وَنُصِرِتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لي الْغَنَائِم، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طهُورًا وَمَسْجِدَاً، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقَ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبيُّونَ" -وروى البخاري عن همّام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "غَزَا نَبِيُّ مِنَ الأنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبِعَنِي رَجُلٌ مَلَكَ بِضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بِهَا ولمَّا بَيْنَ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتاً، وَلَمْ يَرفَع سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحدٌ اشْتَرَى غَنَمَاً أَوْ خَلَفَاتٍ، وَهُوَ ينْظُرُ وِلاَدَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقرْيةِ صَلاةَ الْعَصْرِ أوْ قَرِيبْاً مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَة وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبسْهَا عَلَيْنَا فَحُبسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمْ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ فَجَاءَت -تَعْنِي النَّارُ- لِتَأْكُلَهَا فَلَم تُطْعَمْهَا فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُوْلاً، فَليُبَايعْنِي من كُلِّ قَبِيلةٍ رَجُلٌ فَلَزقَتْ يَدُ رَجُلٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْيُبَايِعْنِي قِبِيْلَتُكَ فَلَزَقَتْ يَدْ رَجُليْنَ أَوْ ثَلاثَةٍ بَيَدِهِ فَقَال: فِيكُمُ الْفَلُولُ فَجَاؤوا بِرَأْس مِثْلُ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَب، فوضعوها فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَاَ فَأَحَلَّهَا لَنَا".
وبهذه الآية والأحاديث أَخذَتِ الغنائم في الإِسلام حكم الحلّ، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية- بياناً لطريق قسمتها.
والحكمة في حِلِّ الغَنائم أن المجاهدين لما خرجوا عن أموالهم وأولادهم، وتركوا الاشتغال بأمور معاشهم رغبة في الجهاد في سبيل الله، ونشر دينه وإعلاء كلمته، وعرضوا أنفسهم لركوب الأخطار واستقبال الموت من أبوابه المختلفة، تفضل الله عليهم بنباحة الغنائم لهم تقوية لعزائمهم وَحَفْزًا لهممهم وتنشيطاً لهم على الجهاد، وكسراً لشوكة الكفار وإذلالاً لهم بقتلهم، وأسرهم، وسلب ما يتمتعون به من نعم الله التي أغدقها عليهم، ولم يقوموا بشكرها، وايذاناً بأنهم ليسوا أهلاً لها، لعنادهم واستكبارهم عن عبادته.

الجزء: 7 - الصفحة: 326

وعشور تجاراتهم المشروطة عليهم، إِذا دخلوا دار الإِسْلاَم، ومال من مات أَو قتل على الردَّة، ومال من مات من أَهلِ الذمَّة عنْدَنا، ولا وارث له، فكلُّ ذلك مخمَّسٌ عَلَى ما سنفصله، هذا ما عليه قَرَارُ المذهب.
وحُكِيَ عن القديم أَن مَالَ المُرتدِّ لا يخمَّسُ، فمنهم من خَصَّص هذا القَوْلَ المرتَدِّ، وقطعَ بتَخميس سائر الأَنواع المذكورةِ؛ فرقاً بأنَّ المرتدَّ يستصحب فيه حكْم الإِسْلام، كما يؤمَّر بقضاء الصلوات وتلزمه الحدودُ.
ومال المسلم، إِذِا ماتَ، ولا وارث له، لا يخمَّس، ومنْهم مَنْ قال: ما تركُوهُ؛ خَوْفاً من المسلمينَ يُخمَّسُ، قطعاً وفيما عَدَاه يَطَّرِدُ القولُ القديم فيه، ومنهم من أَطلق في مال الفَيْء قولين: الجَدِيد: أَنهُ يخمَّس؛ كالغنيمة، والقديمُ: المنعُ؛ لأَنه لم يقاتل عليه، كما لو صُولِحُوا على الضيافة، لاَ حَقَّ لأَهْلِ الخمس في مال الضيافة، بل يختصُّ به الطارِقُون نقل الطريقة هكذا صاحبُ "التهذيب" قال: وحيثُ قلنا: لا يخمَّس، فحُكم جميعِ المالِ حكْمُ الأَخماسِ الأَربعةِ عَلَى قوْلِنَا بالتخمِيسِ، وفيه خلافٌ سيأَتي، واحتج لظاهر المذهب بأنَّ آية الفَيْءِ نزلَتْ في بني النَّضِير، وقد روي أَن النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- صالَحَهُمْ عَلَى أَن يتركوا الدُّور والأراضِيَ، وتحملوا كلَّ صفراءَ وبيضاءَ، وما يحمله الركاب.
وأَيضاً: فإنه مال مأَخوذٌ من الكفار، فيخمَّس؛ كالغنيمة.
وقوله في الكتاب: "فهو مخمَّس" يجوز إعلامه بالواو للطريقة المرويَّة في "التَّهذيب".
وقوله: "وكذا ما أخذ بغَيْر تخويفٍ؛ كالجزية" قد يخطر فيه أولاً أن الجزية أيضاً مأخوذةٌ بتخويف، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ 4 إلى أن قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] ولو لم يخافُوا، لم يؤدُّوا، وهذا صحيحٌ، ولكَنَّ المرادَ منْه التخويفُ الناجز في الحال، والجزية لا تؤْخَذُ بتخويفٍ حالٍّ، بل يعقد لها استفادة للعصْمَة دائماً، ثم يؤدي المال شيئاً فشيئاً، كدَيْن منجم.
ثم أعْلمْ قوله: "وكذا" بالواو في كثير من النسخ جَرْياً على الطَّريقة المخصِّصة للخِلاَف بما أخذ من غير تخويف القاطعة بالتَّخْميس فيما تركَوهُ؛ خوفاً، وهِيَ التي أوردَهَا الأكثرون ولفظ صاحب الكتاب في "الوَسِيط" يشْعُر يكون المَبذُول ليَكفَّ عن قتالهم فيئاً مخمَّساً بلا خلافٍ، لكن المبذول ليكفَّ عن قتالهم، إِن كان المرادُ منه ما

الجزء: 7 - الصفحة: 327

يبذلونَهُ؛ ليصالحهم، ولا يستعمل بقتالهم، فهذا قد طَرَدُوا فيه الخلافَ، ولم يلحقوه بما تَرَكَهُ الكفار؛ خوفاً، وإِنْ كان المرادُ: ما يبذلونَهُ بعد إِيجافِ الخَيْل والركابِ، وقريباً منهم ليتصرَّف، ففي "حِلْيَةِ" القاضي الرويانيِّ ما ينازع في عَدِّهِ من الفَيْءِ؛ لأَنه قال: إِذا صالَحُونا على مالٍ عنْد القتال، فهو غَنِيمَةٌ 5. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَخُمْسُ هَدَا المَالِ مَقْسُومٌ بِخَمْسَةِ (ح) أَسْهُمِ بِحُكْمِ نَصِّ الكِتَابِ السَّهْمُ الأَوَّلُ المُضَافُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ -صلى الله عليه وسلم- مَصْرُوفٌ إلَى مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ (و) إِذْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَيَاتِهِ وَالأَنْبِيَاءُ لاَ يُورَثُونَ، وَمَصَالِحُ المُسْلِمِينَ سَدُّ الثُّغُورِ وَعِمَارَةُ القَنَاطِرِ وَأَرْزَاقُ القُضَاةِ وَأَمْثَالُهُ.
قَالَ الرَّافِعِىٌّ: مَالُ الفَيْءِ يقسَّم عَلَى خمسةِ أَسْهُمٍ متساوية ثم يؤْخَذ منْهَا سهْمٌ، فيقسَّم خمسةِ أَسهُم متساويةٍ فأربعة يأتي بيان مصرفها، فتكون القسْمة من خمسةٍ وعشرينَ سهماً، هكَذا كان يقسِّمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 6: أَحدُها السَّهْم المضافُ إِلى الله

الجزء: 7 - الصفحة: 328

تعالَى وإِلَى رسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] كان رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ينفق منه على نفسه وأهله ومصالِحِهِ 7، فما فَضَلَ، جعَلَه في السِّلاَح عدَّة في سبيل الله، وفي سائر المصالِحِ، والإِضافة إِلى الله تعالَى، قيل: إِنَّه عَلَى سبيلِ التبرُّك والابتداء باسْمِه تبارَكَ وتعالى، وقيل: إِنها إشارةٌ إلى أنَّ مصارفه مصارفُ القرب أَو إِلَى قطعه عما كانَتِ الملوكُ تعتَادُهُ قبل المبعث من الاستبْدَادِ بالخُمْس ونحوه أو إلَى أَن سبيلَهُ سبيلُ المصالحِ، ولم يكنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يملكُهُ، ولا ينتقِلُ منه إلى غيره إِرْثَاً، بل = من وجه آخر من طريق عبد الملك بن عمير عن الزهري بالسند المذكور، ولفظه لفظ الباب، ويستدل له أيضاً بما رواه النسائي في مسند حديث مالك عن قتيبة عنه عن الزهري عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لما توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن من رسول الله، فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لا يروث نبي ما تركنا صدقة"، لكن رواه في الفرائض من السنن الكبرى عن قتيبة بهذا الإسناد بلفظ: لا نورث ما تركنا صدقة، ليس فيه نبي، فالله أعلم، وكذا هو في الصحيحين، ورواه أحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، أن فاطمة قالت لأبي بكر: ما لنا لا نرث النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: سمعته يقول: إن النبي لا يورث، وفي الصحيحين مثل حديث أبي بكر عن عمر أنه قال لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعلي والعباس: أنشدكم بالله -نذكره- وفيه: أنهم قالوا نعم، زاد النسائي: فيهم طلحة، وعندهما عن أبي هريرة: لا يقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي، فهو صدقة، وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة"، وذكر الدارقطني في العلل حديث الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ عن فاطمة: أنها دخلت على أبي بكر فقالت: لو مت من كان يرثك؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: سمعته يقول: إن الأنبياء لا يورثون، ما تركوه فهو صدقة، وفي الباب عن حذيفة أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه براءة الصديق، من طريق فضيل بن سليمان عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عنه، وهذا إسناد حسن.
(تنبيه) نقل القرطبي وغيره اتفاق النقلة على أن قوله صدقة بالرفع على أنه الخبر، وحكى ابن مالك في توضيحه جواز النصب على أنها حال سدت مسد الخبر واستبعده غيره.

الجزء: 7 - الصفحة: 329

ما يملكه الأَنْبِيَاء -عليه السلام- لا يورث عنْهم، كما اشتهر في الخَبَر، وأَما بعده -صلى الله عليه وسلم- فإِنَّه يصرف هذ السَّهْم إِلَى مصالِح المسلِمِين، كسدِّ الثغور، وعمارة الحُصُون، والقناطِرِ، والمَسَاجِدِ، وأَرزاق القضاةِ، وَالأَئِمَّة، ويقدَّم الأَهَمُّ فالأهُّم منْها.
ونقل الشافعيُّ -رضي الله عنه- عن بَعْضِ أَهل العلْمِ: أَنَّ هذا السهْمَ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُرَدُّ عَلَى أَهل السهمان التي ذَكَرَهَا الله تعالَى معه، وقد جعلَ بعض الأَصحاب هَذَا فيما رواه أبو الفرجَ الزاز قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه- لأنه بعد ما نقله اسْتَحْسَنَهُ، والمذهبُ الأَوَّلُ، وبجوز أن يُعْلَمَ لهذا قوله في الكتاب "فخمس هذا المال مقسومٌ بخمسة أَسهم" بالواو، وأَيضاً بالحاء، والألف، والميم؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: أنه لا يخمس الفيْءُ لا جميعه للمصالِحِ.
ومن أَصحابنا مَنْ يروِي عن أبي حنيفة: أَنَّه يقسَّم جميع الفيء عَلَى ثلاثةِ أَسهمٍ؛ لليتامَى، والمساكين، وابن السبيلِ، كما يقوله في خُمْس الغنيمة، ويروَى عنه أَنَّ خمس الفيء والغنيمة يقسَّم عَلَى أَربعةٍ: ثلاثةٍ لهؤلاءِ، وواحد للفقراء من ذوي القُرْبَى، وعن مالك -رحمه الله- أَنه لا يلزم تخْميسُ الفيء، بل يصرفُهُ الإِمامُ إلَى حيثُ يرَى المصْلَحَةَ فيه وقوله "بحكم نصِّ الكتابِ" المراد منه أصلُ القسْمة بالأَسهم الخَمْسة، وهو المنصوصُ عليه لا قسمة الخُمْس بالأَسهم الخَمْسة، أَمَّا أنَّ ظاهر الآية يقتضي قسْمَةَ جميع الفَيْء بالأسْهُم الخمسة، فسنتكلَّم فيه.
وقوله "مصروف إِلَى مصالِحِ المسْلِمِينَ" مُعْلَمٌ بالواو؛ لأن في "الوسيط" حكايةَ وجهٍ عن الأَصحاب: أَن سهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُصْرَفُ إِلَى الإمام؛ لأنه خليفته، والأكَثرون نقلوه مذهباً لبعض النَّاس، ولم ينسبوه إِلى الأصْحَاب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّهْمُ الثَّانِى لِذَوِي القُرْبَى وَهُمْ أَقَارِبُ رَسُولِ اللهِ كَبَنِي هَاشِمُ وَبَنِي المُطَّلِبُ، دُونَ غيرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ، وَيَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الغَنِيُّ وَالفَقِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ وَالرَّجُلُ وَالمَرْأَةُ وَالغَائِبُ وَالحَاضِرُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الانْتِسَابُ لِجِهَةِ الآبَاءِ، وَلاَ يُفَضَّلُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِالذُّكُورَةَ: فَإنَّهُ يَضْعُفُ بِهِ الحَقُّ كَمَا في المِيرَاثِ.
قَالَ الرَّافِعِىُّ: المرادُ "مِنْ ذوي القُرْبَى" أَقاربُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- المنتسبون إلَى هاشمٍ، وإلَى المطَّلِب ابنَيْ عَبْدِ منافٍ دون غيرهم مَن بني عَبْدِ شَمْسٍ، ويَنِي نَوْفَلِ، وإِن كان عبْدُ شمسٍ، ونوفلٌ ابنَيْ عبد مناف أَيضاً؛ لما رُوِيَ عن جُبَيْرِ بن مُطْعَمٍ -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَسَّمَ رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- سَهْمَ ذَوِي القُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِم، وَبَنِي المُطَّلِبِ، أَتَيتُ أنا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -رضي الله عنه- رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا بَنُو

الجزء: 7 - الصفحة: 330

هَاشِم، فَلاَ نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ؛ لمكانك الذي رفعك الله به منهم، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا مِنْ بَنِي الَمطَّلِب، أَعْطَيْنَهُمْ، وَتَرَكْتَنَا، وإنَّمَا قَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُم وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الَمُطَّلِب شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ" 8 وَرُوِيَ أَنَّه قال: "لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلا إِسْلاَمٍ" وكان عثمان -رضي الله عنه- مِنْ بني عبد شمسٍ وجبير بن مطعم من بني نَوْفَل، وأَشَار النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-[بما ذكره] إِلى شأْن الصَّحِيفَةِ القاطعة الَّتي كتبها قريشٌ، وتبايَعُوا عَلَى ألا يجالس بني هاشم، ولا يبايِعُوهم، ولا يناكحوهم، وَبَقُوا عَلَى ذلك سنَةً، لم يْدخُلْ في بيعتهم بنو المطلب، بل خرجوا مع بني هاشم إلى بَعْضِ الشِّعَابِ، ثم فيه مسائل: إِحداها: يشترك في استحقاق هذا السَّهمْ الغَنِيُّ والفقيرُ؛ لأَن العباس -رضي الله عنه- كان يأخُذُ منه، وهو غنيٌّ، وكذلك الكبيُر والصغيرُ، والذَّكَر والأنثى، ويروى أَنَّ الزُّبَيْر -رضي الله عنه- كان يأْخُذُ لأمِّه 9، ويعمم بالعطاء الغائِبَ عن مَوْضِعِ حصولِ الفَيْء، والحاضِرَ فيه.
وقال أَبو إسحاق -رحمه الله-: يُدْفَعُ هذا السَّهْمُ مما يحْصُلُ في كلِّ إقليمٍ إلى من فيه منْ ذوي القُرْبَى، فالحاصل من كفار الرُّومِ يُدْفَعُ إلى من في الشامِ والعراقِ من ذوِي القربَى، والحاصلُ من التُّرْك يُدْفَعُ إلى مَنْ بخراسان؛ لما في النقل من المشقَّة، ووجَّه ظاهِرِ المذْهَب بعموم الآية، وبأنه سهم يستحقُّ بالقرابة، فيستوي فيه القاضي والدَّاني؛ كالميراث، وأَما المشقَّة، فإِن الإمام يأمر أمناءه في كل إقليمٍ بضَبْطِ مَنْ فيه من ذوي القربَى، ولا يلزم نقْلُ كلِّ ما يحصُلُ من إقليم إلَى من في سائر الأَقاليم، بل الحاصلُ في كلَّ إِقليم يفرِّقه عَلَى ساكنيه، وإِن لم يتفق في بعْضِها شيءٌ، أَو لم يَفِ بمن فيه، إِذا وزع جميعُ السَّهْم عليهم، فحينئذٍ: ينقل بقدر الحاجة وذلك مما لا تعظم فيه المشقَّة.
قال إِمام الحرمين: ولو كان الحاصلُ من الفَيْء قدراً لَوْ وُزِّع عليهم، لم يسدَّ مسداً، فيقدَّم الأحوجُ فالأحوجُ، ولا يستوعب للضَّرورة، وتصيرُ الحاجة مرجَّحة، وإِن لم تكن معتبرةً في استحقاق هذا السَّهمْ.
الثانية: يشترط أَنْ يكون الانتسابُ بجهةِ الآباء، ولا يُدْفِع إلى أولادِ البَنَاتِ شَيْء، وكذلك فعل الأولون وعن القاضي الحسين -رحمه الله-: أن المُدْلِيَ بجهتَيْن يفضَّل على المدْلِي بجهةٍ واحدةٍ، كما يقدَّم الأخ من الأَبوَيْن على الأخ من الأب قال صاحب

الجزء: 7 - الصفحة: 331

الكتاب وغيره: هذا يدلُّ عَلَى أن للإدْلاَءِ بالأمِّ أَثراً في الاستحقاق، وحينئذٍ: فلا يبعُدُ عن القياس تأثيرُهُ عند الانفراد.
الثالثة: لا يفضل أَحدٌ، عَلَى أَحدٍ من ذوي القربَى إِلاَّ بالذكورة، فللذَّكَر سهمان، وللأنثى سهم؛ لأَنه مستحقٌّ بقرابة الأَب، فأشبه الميراثَ، وعند المزنيِّ -رحمه الله- يُسمَّى بينهما في الوصيَّة للأقارب.
وقوله في الكتاب "ولا يفضل أَحدٌ على أَحدٍ" يجوز أنْ يُعْلَمَ بالواو؛ لما نقل عن القاضي من تفضيل المُدْلِي بجهتين.
وقوله "إلاَّ بالذكورة فإنه يضعف بها الحق" بالزاي والحاء؛ لأَن أَبا حنيفة في الرواية الَّتي أثبت لذوي القُرْبَى حقّاً لم يفضل الذَّكَر على الأُنثى.
وقوله: "أَقارب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبني هاشم وبني المطلب" لو قال بدله: "بنو هاشم وبنو المطلب" على البدل من الأَقارب، لَكَانَ أحسن؛ لأن الكاف للتَّمْثِيل، لا مستحق سِوَاهُم؛ حتى يمثلِ بِهِمْ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّهْمُ الثَّالِثُ: اليَتَامَى وَهُوَ كُلُّ طِفْلٍ لاَ كَافِلَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَقِيراً عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ لَفْظَ اليَتِيمِ يُنْبِئُ عَنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحدُ سهامِ الخمس لليتامَى، ولا بد من الصِّغَر في تحقيق اسْمِ اليتيم، رُوِيَ أَنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يُتْمَ بَعْدَ الحُلُمَ" 10. ثم قال الأكثرون: اليَتِيمُ الصَّغيرُ الذي ليس له أَبٌ، فاكتفوا بِفِقْدَانِ الأَبِ، وهذا ما أَوردناه في الوصيَّة.
ومنْهم؛ من أَضافَ إِليه الجَدَّ، فقال: الَّذي لاَ أَبَ لَهُ، ولاَ جَدَّ.
وقوله في الكتاب: "وهو كلُّ طفلٍ لا كافِلَ له" أَعمُّ من ذلك، فالمفْهُوم من الكافِلِ الَّذي يقوم بنفقته ومؤناته، ومقتضاه اشتراطُ فِقْدَانِ الأُصولِ، لكنَّ غالب الظَّنِّ خلافُه، بل الوضعُ والعُرْف يُوجِبُ الاكتفاءَ بِفِقْدَانِ الأَب.
وقد صرَّح به بعض شارِحِي المِفْتَاحِ، وظاهر المذْهَب: أَنه يشترط الفقْرُ، ووجه بأن استغناءه بمالِ أبيهِ، إِذا منع من الاستحقاق، فاستغناؤه بمالِ نَفْسه أَولى أَن يمنع، وبأَن

الجزء: 7 - الصفحة: 332

لفظ "اليتيم" يُشْعِر بالضَّعْف والحاجَةِ، وكأَنهم أَعطوا بدلاً عما فاتَهُمْ من كفالة الآباء.
وعن ابن القاصِّ، والقفَّالِ الشَّاشِيَّ، فيما روى الحليميُّ عنه؛ نَقْلُ قَوْلِ آخر: أَنه لا يُشْتَرَطُ الفقْرُ، ويشترك فيه الغَنِيُّ والفقير؛ لشمول الأسم، فحصل في المسألة قولان.
ومنهم من يُعبِّرُ عن الخلاف فيها بالوجّهَيْن، وعلى ذلك جَرَى صاحب الكتاب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّهْمُ الرَّابعُ: لِلْمَسَاكِينِ السَّهْمُ الخَامِسُ: لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَبَيَانُهُمَا في تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ، والمُستَحِقُّونَ بِالحَاجَةِ تَتَفَاوَتُ حُقُوقُهُم بِتَفَاوُتِ الحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَوْلُ في معنى المسْكِين وأبناء السَّبيل يأتي فِي قَسْم الصدقات، ولكلِّ واحدٍ من هذَيْن الصَّنْفَيْن سهمٌ من الخمس بالآية، ويعم اليتامَى والمساكِين، وأَبناء السبيل، أمْ يختصُّ الحاصلُ في كلِّ إقليمٍ وناحيةٍ بمن فيها؟ منْهم حكى الشيخ أَبو حامد وغيره: أَنه على الخلافِ المذْكُور في ذوي القُربَى، وقد مرَّ في باب الوصية: أَن عند الانفرادِ يدْخُل في اسم الفُقَرَاء المساكينُ، وبالعكْسِ، ولفظ "المساكين" مفرد هاهنا: فيدخل فيه الفقراءُ، وحينئذ، فقضيةُ القَوْل تُوجِبُ التعميمَ في مساكينِ النَّاحية، أو المساكينِ كلِّهم، يتناول الفقراء أَيضاً، وإيراد بعض الأئمة يوافِقُ هذه القضية.
ومنْهُم مَنْ يقول: يجوز الصَّرْف للفقراء؛ لأَنهم أَشدُّ حاجةً، وهذا الإيرادُ 11 لا يوافِقُهَا، ويجوز أَن يفاوت بين اليتامى 12، وكذا في المساكين 13، وأَبناء السبيل؛ لأَنَّ هؤلاءِ يستحقُّون بالحاجة، فيراعي حاجاتُهم، بخلاَفِ ذوي القربَى؛ فإنهم يستحقُّون بالقرابة، ولا يشترط أَنْ يكُونَ هؤلاء الأَصنافُ الثلاثةُ من المرتزقَةِ عَلَى المشهورِ، وعن القَفَّال اختصاصُ الاستحقاقِ بيتامى المُرْتزقة، وذكر أَقضَى القُضَاةِ المَاوَرْدِيُّ مثله في المَسَاكِين، وأَبناء 14 السبيل، فقال: يُصْرَف سهم إِلَى مساكينِ أَهْلِ الفَيْء، وسهم إِلَى أَبناء السبيل منهم،

الجزء: 7 - الصفحة: 333

قال: وأَهلُ الفَيْء هم الذابون، عن البَيْضة، والمجاهدون للعَدُوِّ، وقد يحتج له بظَاهِرِ قول ابن عَبَّاسِ -رضي الله عنهما- أن أهْلَ الفَيْءِ كانُوا في زمانِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمَعْزِلٍ عن الصَّدَقة، وأهْل الصَّدَقَة بمعزلٍ عن الفَيْء، وإِذا فقد بعض الأَصناف، وُزِّع نصيبه على البَاقِين، كما في الزَّكَاة، إِلاَّ سهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه مصرُوفٌ بعده إِلى المَصَالحُ كَما تقدَّم، ولا يجوز الصَّرْف إِلى كافر؛ كالزكاة، ولا يجُوزُ الاقتصار عَلَى إِعطاء ثلاثةٍ من المساكين، وأبناء السَّبيل، وبمثله أَجابوا في الزكاة، إِذا كان الإِمامُ هو الذي يقسِّم عَلَى ما سيأتي 15. قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فَقَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَهُ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا): أَنَّه لِلْمَصَالِحِ كَخُمْسِ الخُمْسِ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يُقَسَّمُ كَمَا يُقَسَّمُ الخُمْسُ فَيَكُونُ جُمْلَةُ الفَيْءِ مَقْسُوماً بِخَمْسَةِ أقْسَامٍ كَمَا دل ظَاهِرُ الكِتَابَ عَلَيْهِ (وَالثَّالِثُ): وَهُوَ الأَظْهَرُ أنَّهُ لِلْمُرْتَزِقَةِ المُقَاتِلِينَ كَأرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الغَنِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّن مَصْرف خُمْس الفَيْء، فأَما أَربعة أَخْمَاسه، فإِنَّها كانَتْ لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته مضمومة إِلَى خمس الخمس، فجملةُ ما كان -صلى الله عليه وسلم- احَدٌ وعشْرُونَ سَهْماً من خَمْسَة وعشْرِين سهماً، هكذا ذكر الأكْثَرُون.
ومنهم: من قال: إِنَّ جميع الفَيْء كانَ له -صلى الله عليه وسلم- وقد نقله "الوسيط" مع أنه قال فيه: إِن خُمْسَ الخُمْسِ كان له، وإِن أربعة أَخماس الفَيْء كانت له، ولا معنى لتَخْصِيصها بالذِّكْر مع القول بأَنَّ الكلَّ كان له ثُم ذكر أَبو العَبَّاس الرويانيُّ هاهنا شَيْئَيْنِ: أَحدهما: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يَصْرفُ الأَخماس الأربعة إِلى المَصَالح، وهل كان ذلك واجباً علَيْه أَو تفضُّلاً منه، قيل: فيه طريقانِ، وهذا الخلافُ يوجِبُ الخلاف في قَوْلِنا: إنها كانت له.
والثاني: حَكَى خلافاً في أَنه، مِنْ أَين كانَ يأْخُذُ قوته، وقُوتَ عياله، ففي وجهٍ: يأَخذه من أَربعةِ أَخماس الفَيْء، وفي وجهٍ: من خمس الفيء، والغنمية، فهذا حكمها في حياته.

الجزء: 7 - الصفحة: 334

وأَما بعده -صلى الله عليه وسلم- فقد نَقَلَ صاحب الكتاب وآخرون: أن فيها ثلاثَةَ أَقْوَالِ والمشهورُ الأَولُ والثالث: أَحدها: أَنها للمصالح؛ لأنها كانت للنبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَمصْرِفُها بعده للِمصَالِح؛ كخمس الخمس.
والثاني: أَنها تقسَّم كما يقسَّم الخمْس وعَلَى هذا فينْقَسِم خُمْس الفيء بخَمْسَة أَسْهُمْ، كما دَلَّ عليه ظاهرُ قوله تعالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7]، وما قدَّمنا أَن القسْمَة تصحُّ من خمسة وعشرين يتفرَّع على غير هذا القول.
والثالث: وهو الأَصَحُّ: أَنها للمرتزقةِ المترصِّدين للجهاد؛ لأَنَّها كانت للنبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لحُصُول النُّصْرة به، كان منصوراً بالرُّعْب على مسيرة شهر، وبعده جند الإِسْلاَم، فهم المترصدُون للنّصرة، وإِرعاب الكفار، هذا وجه القول به، لكنه يُشْكِلُ بخمس الخمس.
وقوله في الكتاب "كأربعة أَخماسِ الغَنِيمَةِ" يعني أَنها مصروفةٌ إِلى المقاتِلِينَ، فكذلك أربعةُ أخماسِ الفَيْء، والغرضُ التشبيهُ الجُمَلِيُّ، ثم التفاصيلُ مختلفةٌ، وأَما ظاهر الآيَةِ، فإِذا علم أَن الأخْمَاس الأرَبعةَ كانتِ لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فهُوَ مَعْمُول به، ليس فيه إلاَّ أَنَّ الاستحقاق على التفاضلَ، فللنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أحَدٌ وعشرون من خمسة وعشْرين، ولكلِّ واحدٍ من الأصناف سهْمٌ، والإضافة عند التفاضُل، والتساوي شائعةٌ، وإذا فَرَّعنا على القوْلِ الأَوَّل، وهو أنها للمصالِحِ، فيبدأ بالأهمِّ فالأهَمِّ والأهَمُّ تعهُّدُ المرتزقة، فإنَّهم القائمون بحفْظِ بَيْضَة الإِسلامِ، هكذا ذكره الأَصحاب، وكذلك يكون الحُكْمُ في خُمْس الخُمْس، وبهذا يَهُونُ وَقْعُ البَحْث عن الأصَحِّ من القولَيْن المشْهُورين؛ لأَن المَصْرِف المرتزقةُ على القولَيْن، وإنما يختلف التفريعُ فيما يفْضُل عنْهم، ولنتكلَّم الآن في كيفية الصَّرْف إليهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لإِمَامِ أَنْ يَضَعَ دِيواناً يُحْصِي فِيهِ المُرْتَزِقَةَ بأَسْمَائِهِمْ، وَيُنصَبِّ عَلَى كُلِّ عَشَرَةِ عَرِيفاً يَجْمَعُهُمْ، وُيسَوِّي (و) بَيْنَهُمْ فِي الإِعْطَاءِ فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْر حَاجَتِهِ، وَيُعْطِي (و) لِوَلَدِهِ وَعَبْدِهِ وَفَرَسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَإنْ كُنَّ أَرْبَعَاً، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى عَبْدٍ وَاحدٍ إِذْ لاَ حَصْرَ فِيهِ، وَيُعْطِي الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، وَكُلَّما زَادَتْ حَاجَتُهُ بالكِبَرِ زَادَ فِي حِصَّتِهِ، وَيُقَدِّمُ في الإعْطَاءِ قُرَيْشاً، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ بَنُو هَاشِم وَبَنُو المُطَّلِبِ، ثُمَّ مَنْ بعْدَهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ القُرْب، ثُمَّ يُعْطِي العَجَمَ بَعْدَ العَرَبِ، ثُمَّ يُقَدِّمُ بِالسِّنِّ أَوِ بِالسَّبْقِ في الإِسْلاَمِ، وَلاَ يَثْبِتُ فِي الدَّيوَانِ اسْمَ صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ وَلاَ عَبْدٍ وَلاَ ضَعِيفٍ، بَلِ اسْمَ المُسْتَعِدِّينَ

الجزء: 7 - الصفحة: 335

لِلْغَزْوِ، فَإِنْ طَرَأَ الضَّعْفُ وَالجُنُونُ فَإِنْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُهُ فَلاَ يَسْقُطُ الاسْمُ، وَإِلاَّ فَيَسْقُطِ، وإذَا مَاتَ فَالأَظْهَرُ (و) أنَّهُ يُعْطِي لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلاَدِهِ مَا كَانَ يُعْطِيهِم فِي حَيَاتهِ، أَمَّا الزَّوْجَةُ فَإلَى التَّزَوُّجِ، وَأمَّا الأوْلادُ فَإِلَى الاسْتِقْلاَلِ بِالكَسْبِ أَوِ الجِهَادِ، وَيُفَرِّقُ أَرزَاقَهُمْ فِي أَوَّلِ كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ مَاتَ وَاحِدٌ بَعْدَ جَمْعِ المَالِ وَانْقِضَاءِ السَّنَةِ فَحَقُّهُ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الجَمْعِ وَالحَوْلِ فَلاَ حَقَّ لَهُ (و)، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الجَمْعِ وَقَبْلَ الحَوْلِ فَقَوْلاَنِ:

"

القول في كيفية الصرف إليهم

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: للإِمامِ في القَسْم على المرتزقة بَيَانُ وظائِفَ: إِحداها: يضَعُ ديواناً، قال في "الشَّامِلِ"، وهو الدَّفْتر الَّذي يثبت فيه الأَسماءَ 16، ويُحْصِي فيه المرتزقة بأَسمائهم، ويُنَصِّب لكلِّ قبيلةٍ أو عَدَدٍ يَرَاهُ، عَرِّيفاً ليعرض عليه، أَحوالَهُم ويجمعهم عند الحاجة، ويثبت فيه أَقدار أَرزاقهم 17، وكل ذلك للتسهيلِ، ولَفْظ "العشرة" في الكتاب جَرَى التقريب دون التقدير، فله أَن يزيد وَينقُصَ عَلَى ما يقتضيه الحالُ عَلَى أَنه يوافِقُ ما روي عن عمر -رضي الله عنه- ورُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه عَرَّفَ عام خَيْبَرَ عَلَى كل عشرة عريفاً، وذلك في استطابته قلوبَهُمْ في سَبْيِ هَوَازِنَ 18. الثانية: يُعْطِي كُلَّ واحدٍ قَدْرَ حاجته، فيعرف حاله، وعدد مَنْ في نَفَقَتِهِ ويقف عَلَى قدر نفقاتهم، وكسوتهم، وسائر مُؤْنَتِهِمْ، ويراعى الزمانَ والمكَانَ، وما يَعْرِضُ من رُخْصٍ أو غلاءٍ، وحال الشخص من مروءته وضدِّها، وعادة البلد في المطاعم، فيكفيه المؤناتِ، ليتفرَّغ للجِهَاد، وهذه: جملةُ تفصيلِهَا صُوَرٌ: إِحداها: يعطيه لأولاده الَّذينَ هُمْ في نفقته، أَطفالاً، كانوا أَو كباراً، وكلَّما زادَتِ الحاجةُ بالكِبَرِ، زاد في حصته ونقل الحنَّاطِيُّ، وأبو الفرج الزاز وجّهاً غريباً: أَنه لا

الجزء: 7 - الصفحة: 336

يُعْطِي للأولادِ شيئاً؛ لأَنهم لا يقاتلون، وعلى الصحِيحِ: فيدفع إِلَيْه ما يتعهَّد منه للأَولادِ، أَو يتولَّى الاِمام تعهُّدهم بنفسه، أَو بمن ينصبه لذلك، ذكروا فيه قولَيْن، أَشبَهُهُما أوَّلُهُمَا.
الثانية: إِذا كان لَهُ عبْدٌ يقتنيه للزِّينة، أَو للتِّجَارة، لم يُعْطَ له، وإن كان يقاتِلُ معه، أَو يحتاج إِليه في الغزو؛ لسياسة الدوابِّ ونحوها، أعْطِيَ له، وكذا لو كان لَهُ عبدٌ يخدمه، وهو ممن يخدم، بل لو لم يكُن له عبْدٌ، واحتاج إِلَيْه، فيعطيه الإمامُ عبداً، ولا يُعْطَى إلاَّ لعبد واحد، وفي الزوجات يعطَى الزائدَةَ على الواحدةِ؛ لأَن نَهايَتهُنَّ أَربعٌ، والعبيد لا حَصْر لهم، وكان هذا في عَبِيدٍ الخدْمة، فأما الذين يتعلَّق بهم مصلحةُ الجهاد 19، فينبغي أَن يُعْطَى لهم، كم كَانُوا 20. الثالثَةُ: يعطى المرتزق مؤنة فرسه، بل يعطى الفرس، إِذا كان يقاتِلُ فارساً، ولا فَرَسَ له، ولا يعطَى الدَّوابَّ الَّتي يتَّخِذُها للزينة وَنْحوِها.
الرابعةُ: يُعْطَى للزوجةِ الواحدةِ والزوجات، وإذا نكح جديدةً، زاد في العطاءِ.
وقوله: "في الكتاب ويسوي بينهم في الإِعطاء" أَي في أَن يعطي كل واحد منهم بقدر حاجته لا في القدر المعطى، ولا يفضل بعضهم على بعض لشرف النسب والسبق في الإِسلام والهجرة وسائر الخصال المرضية، بل يسوى بين الشريف وغيره كما يسوى في الإِرث بين البار والعاق، وفي الغنيمة بين الجريء والجبان؛ وهذا لأنهم يعطون بسبب ترصدهم للجهاد، وكلهم مترصدون له، وإلى التسوية ذهب أَبو بكر، وعلي -رضي الله عنهما- وكان عمر -رضي الله عنه- يفضل، وعن عثمان -رضي الله عنه- مثله 21. وحكى أَبو الفرج السرخسي أَن من أَصحابنا من قال بالتفضيل إِذا كان في المال سعة فيجوز أَن يعلم لهذا قوله في الكتاب "ويسوي بينهم في الإِعطاء فيعطي كل واحد

الجزء: 7 - الصفحة: 337

على قدر حاجته" بالواو.
ويجوزُ أَن يُعْلَمَ قوله: "يعطي لولده" للوجْهِ الغَرِيب في الأَولاد، ويجْرِي ذلك عَلَى بُعْدِه في العَبِيد والزَّوْجات والله أعلم.
الوظيفةُ الثالثةُ: يُقَدَّم الإمامُ في الإعْطاء، وفي إِثباتِ الاسْمِ في الديوان قُرَيشاً عَلَى سائر الناسِ عَلَى ما قال -صلى الله عليه وسلم-: "قَدَّموا قُرَيْشاً" 22 وهم ولدُ النَّضْر بن كِنَانَة بنْ خُزَيْمة بْن مُدْرَكَة بن الْيَاس بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ.
قال الأستاذ أَبو منصور -رحمه الله-: هذا قول أَكثر النسابين، وبه قال الشافعيُّ -رضي الله عنه وأصحابه -رحمهم الله تعالى- وهو أصحُّ الأَقوال.
ومنْهم مَنْ قال: هم ولدُ إلياس بْن مُضَرَ.
ومنْهم مَنْ قال: هُمْ ولدُ مضَرَ بْنِ نِزَارٍ وفي "المهذَّب": أَن بعض الناس قَالَ: هم ولَدُ فِهْرِ بْنِ مَالكِ بْنِ النضْرِ بْنِ كنانةَ.
ثم يقدِّم من قريش الأَقربَ فالأقربَ إِلَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مُحَمَّد بن عبد الله بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ بْنِ هَاشِم بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيَّ بْنِ كلاب بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤيِّ بْنِ غَالِب بْنِ فَهْرٍ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، فيقدِّم بني هاشم، وبني المطَّلب عَلَى سائر قُرَيْش أَما تقديم بني هاشم؛ فلأَن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم، وأَما تقديمُ بني المطلب، فلتسوية النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بينهما، كَما سبق ثم يقدَّم بعدهما بني عبد شمس وبني نوفل أَخوَيْ هاشم، ويقدِّم منهما بني عبد شمس لأن عَبْدَ شَمْسِ أخو هاشم من الأبوين، ونوفل أخوه من الأب، ثم يقدم بعدهم بني عبد العُزَّى، [وبني عبد الداد، وهما ابنا قُصَيِّ، ويقدِّم منهما بني عبد العزَّى] 23 لأنهم أصهارُ رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ خديجةَ -رضي الله عنها- مِنْ بنِي أسدٍ بْنِ عَبْدِ العزَّى.
وأيضاً، فإنَّهم من المُطَيَّبينَ، وكان لقريشٍ حلْفانِ قَبْل المَبْعَثِ والحلْفُ العَهْد، والبيعة: أحدُهُما: أنه وقع تنازُعٌ بيْنَ بني عبد مناف، وبني عَبْد الدَّار فيما كان إلى قُصَيِّ من الحجابة، والسقاية، والرقادة، واللواء، فتبع عبدُ منافٍ قبائلَ، منْهم أَسدُ بن عبدِ العَزَّى وتيمٌ، وزهرة، وبنو الحارث بْن فهو، وتحالَفُوا عَلَى أَلا يتخاذَلُوا، وعَلَى أَن ينصروا المظْلُومين، ويدْفَعُوا الظالمين، وتبع عبد الدار جُمَعُ، وسَهْمٌ، ومخْزومٌ، وعَدِيٌّ، وتحالفوا أَيضاً وهَؤُلاَء يُسَمَّوْن بالأحلاف، وعبد مناف ومن معهم يسمون المطَّيبين؛ لأَنهم أَخرجوا جفنةً مملوءةً طيباً، وكانوا يَغْمِسُون أَيديهم فِيهَا، ويتبايعون.

الجزء: 7 - الصفحة: 338

وقيل: لأنهم أَخرجُوا من طيب أَموالهم، وأَعدُّوه للأضياف.
والثاني: أَنه كان في قريشٍ مَنْ يَسْتَضْعِفُ الغريبَ، فيظلمه، ويأخذ مالَهُ، فأَنكروا ذلك وَتَبَايَعُوا على منع الظالم من الظلم في دار عبد الله بْنِ جُدْعَان واجتمع عليه بنُو هاشِمٍ، وبنو المطلب، وأسد ابن عبد العزَّي، وزهرة وتيم، ويسمَّى هذا حلْفَ الفُضُول.
قيلَ: لأَنهم أَخرجوا فُضُولَ أموالهم للأضياف.
وقيل: لأَنه قام بأمره جماعةٌ، اسمهم الفَضْلُ منهم الفَضْلُ بن الحارث، والفضْلُ ابن وَدَاعَةَ، والفضلُ بن فَضَالَةَ، فجُمِعُوا على فُضُولٍ؛ كسَعْدٍ وسُعُودٍ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معَهُمْ في حِلْفِ الفضول 24، وكذلك في الحِلْفِ الأَول، وكان مع المطَيّبين، ثم بعد بني عبد العزى يُقَدِّم بني عبد الدار، ثم بني زهرة بْنِ كلاب، وهو أخو قُصَيٍّ، ثم بني تيم وبني مخزُومٍ، وهما أَخوا كلاب، تقدِّم منهما بني تيم، لمكان أبي بكْرٍ، وعائشةَ -رضي الله عنهما- من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم تقدم بني جُمَعَ، وبني سَهْم، وهما ولد هُصَيْص بن كَعْب، وبني عدي بن كعب وهصيص وعدي أخوا مرة بن كعْب، وقدَّم عُمَرُ -رضي الله عنه- من هؤلاء القَبَائِلَ الثلاث من بني جمح، وسوَّى بين بني سَهْمٍ، وبني عَدِيًّ، كما يسوّي بين بني هَاشِم وبني المطلب، قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- وقدم المهديُّ -رضي الله عنه-[أميرُ المؤمنينَ في زمانه بني عديٍّ علي بني جمح، وبني سهْم لمكان عُمَرَ] 25 والذي فعله عُمَرُ -رضي الله عنه- كان تواضُعاً منه، ثم يقدِّم بني عامر بن لُؤيٍّ، وهو أخو كعْبٍ، ثم بني الحارث بن فِهْرٍ، وهو أَخُو غالِبِ.
وإِذا فَرَغَ من قريشٍ، بدأ بالأنصار 26، لآثارهم الحميدةِ في الإِسْلاَم، ثم يعطي سائِرَ 27 العَرَب،

الجزء: 7 - الصفحة: 339

هكذا رتَّب الأَصحاب، وظاهر لَفْظ الشَّافعي -رضي الله عنه- يوافقه.
وفي "أَمالي" أبي الفرج السرخسيِّ حمله على الَّذِينَ هُمْ أَبْعدُ من الأَنصار، فأَما سائرُ العَرَب الذين هم أَقرَبُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأَنصار فيقدَّمون عليهم، وإِذا تساوَى اثناَن في القُرْب، قُدِّم أسنهما، فإِن استويا في السِّنِّ، فأَقدمهما إِسلاماً، وهجرةً 28، ثم يعطِي العَجَمَ بَعْد العَرَب، ثم في "المهذب" و"التهذيب": أَنَّ التقديم فيهم بالسِّنِّ والفضائِلِ، ولا يقدم بعضهم علَىَ بعضٍ بالنسب، وفيه كلامان: أحدهما: أن المعتبر في العَرَب القُرْبُ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والعَجَم قد يعرف نسبهم، فينبغي أَن يعتبر في معروفي النَّسَب منْهم القرب والبعد أَيْضاً.
والثاني: أن النسب في بَابِ الصَّلاة بالجماعةَ من الأَسباب المقدمة، [و] حكينا أَن هناك عن كلامِ الإِمام -رحمه الله-: أَن الظاهرَ رعايةُ كلِّ نسب يعتبر في الكفاءة في النِّكاح، وسنذكرَ إنْ شَاء الله -تعالَى جَدُّه- أَن نسب العَجَمِ مرعيٌّ في الكفاءة عَلَى خلافٍ فيه، فليكُنْ ذلك هاهُنَا 29 قال الأَئمة: وجميعُ الترتيبِ المذْكُور في هذه الوظيفةِ مستحَبٌّ، لا مستحق 30 واعلم أَنه قد سَبَق في خصال التقديم للصَّلاَة ذكْرُ خلافٍ في أَن المقدَّم من السنِّ والنَّسَب أَيهما، ولم يذكروه هاهنا، بل أَطلقوا تقديمَ شَرَفِ النَّسب على السِّنِّ، فليتأَمل في الفرق.
الرابعةُ: لا يُثْبِتُ في الديوانِ اسْمَ الصبيانِ، والمجَانِينِ، والنِّسْوَان، والعبيد، والضُّعَفَاء الَّذِين لا يصلُحُون للغَزْو نَحْو العميان والزمْنَى، وإِنما هم تَبَعٌ للمقاتل، إذا كانوا في عياله، يعطي لهم كما مَرَّ، وإِنما يُثْبِتُ في الديوانِ اسْمَ الرجالِ المكلَّفيَن المستعِدين للغزو، وإِذا طَرَأ على المقاتل مَرَضٌ أَو جُنُونٌ، نظرَ: إِن كان يرجَى زوالُه، أُعْطِيَ، ولَمْ يسقط اسمه من الديوان، وإلاَّ لرغب الناس عن الجهاد، واشتغلوا بالكَسْب، فإنهم لا يأَمنون هذه العوارِضَ، وإِن كان لا يرجَى زواله، فيسقط اسْمُهُ، وهل يعطَى، فيه الخلافُ المذكورُ عَلَى الأثر في زوجة المقَاتِلِ وأَولاده بعد موته، وهو

الجزء: 7 - الصفحة: 340

أَولَى بأن 31 يعطَى، وإِذا ماتَ واحدٌ من المرتزقة، ففي زوجَتِهِ وأَولاده وَجْهَان، ويقال: قَوْلاَنِ، وهو الأَظْهَر: أَحدهما: أَنَّهم لا يرزقون؛ لأَنهم ليْسُوا بمقاتِلِين ولم يَبْقَ من كانوا تَبَعاً له.
وأَظهرهما: عَلَى ما ذكره في الكتاب: أَنهم يرزقون؛ لئَلاَّ يشتغلَ المجَاهِدُون بالكَسْب، إِذا علموا ضَيَاعَ عيالهم، فيتعطَّل أَمر الجهاد، فعلَى هذا ترزَقُ الزوجةُ إلَى أَن تتزوَّج، فتستغنِي بالزوج الثَّاني، وأَما الأولادُ، فإِلَى أن يبلغوا، ويشتغلوا بالكَسْب، أو يرغبوا في الجِهَاد، فيثبت اسمهم في الديوان، ومَنْ منهم، وهو أعمَى أو زَمِنٌ، رزق عَلَى هذا القَوْل، كما كان يرزق قبل البلوغ، هذا في ذكور الأَولاد.
أما الإِناثُ: فقضيَّة ما في "الوسيط": أَنهنَّ يرزقْنَ إلى أن يُنْكَحْنَ، والله أعلم.
وقوله في الكتاب "فالأظهر أنه يُعْطِي لزوجته وأولاده ما كَانَ يعطيهم في حياته" لفظة "يعطيهم" [يوافق] 32 ظاهرها القَوْل الثاني بينما روينا أن الأِمامَ تعهَّدهم بنفسه ولا يدفع موتاهم إِلى المقاتل، والله أعلم.
الخامسةُ: يفرق الأرزاق في كل عام مَرَّةَ، ويجعل له وقتاً معلوماً، لا يختلف والتقديرُ بالعام؛ لِئَلاَّ يشغلهم بالأَخْذِ كلَّ أسبوع أَو كلَّ شهر عن الجهاد، ولأَن الاعتماد في أمْر الفيء على الجزية الدارةِ، وهي تُؤْخَذُ في السنَةِ مرةً؛ فلذلك يفرق مرةً، نعم لو رأى الإِمامُ المصلحةَ في أَن يفرق مشاهرةً ونحوها، أَتبع المصلحة، وإِذا اقتصر في السنة على الَمَرَّة الواحدةِ، فيشبه أَن يقال: يجتهدُ فيما يقتضيه الحالُ، ويتمكن فيه من الإِعطاء في أَول السنة، أَو في آخرها يأَتي به؛ وعلَى ذلك ينزل قوله في الكتاب: "ويفرق أَرْزَاقهم في أوَّلِ كلِّ سنة" وقول آخرين أنه يفرقها في آخر كل سنة وإِذا مات واحدٌ من المرتزقة بَعْد جمع المال، وانقضاء الحَوْل، فيصرف نصيبه إِلَى ورثته؛ لأنَه حقٌّ لازمٌ، له، فينتقل إلى ورثته، ولا يسقط هَذا الحَقُّ بالإِعراض عنه، على الظاهر، هكذا قاله 33

الجزء: 7 - الصفحة: 341

الإمام -رحمه الله- وإِن ماتَ بَعْدَ جمع المالِ، قَبْلَ تَمامِ الحَوْل، فقولان، ويقال: وجهان: أظهرهما: أن قِسْطَ ما مَضَى، يُصْرَف إلى ورثته، كالأُجْرَة في الإِجَارةِ.
والثاني: المَنْعُ كالجعل في الجَعَالة، لا يستحق قَبْل تمام العَمَل، وإِن مات قَبْل جَمْع المال، فإن انقضى الحَوْلُ، ثم مات، فظَاهِرُ النصِّ أَنه لا شَيْء للوارث، وبه أَخذ القاضي أبو الطَّيِّب وآخرون، وقالوا: إنما يثبت الحقُّ بحصول المال، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وقال الشيخ أبو حامد: إن عطاءه يصرف مما سيحصل إلَى ورثته وادعى ثبوت الحَقِّ له بمضيَّ المُدَّة، والحقُّ إِذا ثبت لمعيَّن، انتقل بموته إلى ورثته، وقَيْدُ التعْيينِ للاحتراز عما إِذا مَاتَ الفقيرُ بعد تمامِ الحَوْل ووجوب الزكاة، حيث لا شَيْء لورثته؛ لأن ذلك الفقيرَ غَيْر متعيّن للزكاة؛ حتَّى لو لم يكن في القرية إِلاَّ ثلاثةٌ من الفقراء ومنعنا نقل الصدقة، فعن نَصِّه في "الأُمِّ" أن الحَقَّ ينتقلُ إلَى الورثة، كان لم يتمَّ الحول، فإن قلْنا: لو مات بَعْد انقضائه، فلا شَيْء للوارِثِ، فهاهنا أوْلَى وإنْ قلْنا: إن عطاءه يصرف إِلَى ورثته هناك، ففي قِسْط ما مَضَى الخِلاَفُ المذكورُ فيما إذا مَاتَ بعد جمع المال، وقبل تمام الحَوْل، كذلك رتَّب الشيخ أبو الفرج السرخسيُّ، وقد أحسن فيه، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُه في الكتاب "وإِن مات قبل الجَمْع والحَوْل، فَلاَ حق له" بالواو، وما ذكرناه من انقضاء الحَوْل وعدَمِهِ، فهو مبنىٌّ على ما إِذا كان الإمامُ يعْطَى في الحول مرةً واحدةً، وقد عيَّن له وقعاً، فإن رأى العطاءَ مرتَيْنِ، فصاعداً، فالاعتبار بمضيِّ المدة المضروبة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإنْ كَانَ في جُمْلَةِ الفَيْءِ أَرْضٌ فَخُمُسُهَا لِأَهْلِ الخُمُس، وَالبَاقِي يَكُونُ وَقْفاً هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقِيلَ: أَرادَ بِهِ وَقْفاً شَرْعِيّاً لِأنَّهُ المَصْلَحَةُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّوقُّف عَنْ قِسْمَةِ الرَّقبةِ، وَقِيلَ فُرِّعَ (و) عَلَى أنَّهُ للمَصَالِحِ، وَإلاَّ فَعَلَى القَوْلِ الثَّانِي تَجِبُ قِسْمَتُهُ، وَإِذَا فَضُلَ شَيءٌ مِنَ الأَخْمَاسِ الأرْبَعَةِ عَنْ قَدْرِ حَاجَتِهِمْ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفَصْل مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: أن جميع ما ذكرناه في المَنْقُولاتِ من أموال الفَيْء، فأما الدُّور = لازم كالملك الحاصل للورثة في حصصهم".
والمسألة محتملة والأظهر عندنا أن الملك لازم فإن المرتب في ديوان المرتزقة ظاهر الأشعار بقصد تحصيل الرزق والجهاد لا يحمل على قصد المغانم فإن بناه على قصد إعلاه كلمة الله فلا يقع المغنم فيه مقصود.

الجزء: 7 - الصفحة: 342

والأراضِي، فقد قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: هي وقْفٌ للمسلمين تستغل، وتقسَّم غلتها في كل عام كذلك أبداً، والوجهُ أَنْ نورد مقالاتِ الأصْحَاب في أربعة أخْمَاسِهَا أولاً، ثم في خُمُسِها: فأما أربعةُ أَخماسِها، فمِنْهم: من يقول: الحكم بأنَّها وقفٌ مفرَّعٌ عَلَى أن أربعة أخماسِ الفَيْء للمَصَالح.
فأما إذا جعلناها للمرتزقة، فيُقسَّم بينهم، كالمنقولاتِ، وكأربعة أَخماس الغَنِيمةَ، ومنْهم: من يقول هذا الحكْمَ، سواءٌ جعلناها للمصالح أو للمرتزقة خاصَّةٌ؛ لتبقى الرقبةُ مؤبَّدة، وينتفع بغلَّتها المستحقُّون كلَّ عام، وتفارق المنقولات؛ لتعرُّضها للهَلاَك لو بَقِيَتْ، وتفارق أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنها بعيدةٌ عن نظر الإمام، واجتهادِهِ، لتأَكُّد حقِّ الغانمين فيها، وأربعة أخماس الفَيْء فيها بحال النظر والاجْتِهَاد؛ فإنَّه يجتهد في تعرُّف حاجاتهم ومقادِيرِها، وهذا أصحُّ، وإِذا قلنا بالوقْف: إِما تفريعاً عَلَى أنَّها للمصالح أو على القولَيْن جميعاً، فوجهان: أحدهما: أن المرادَ منْه التوقُّف عن قسمة الرقبة، دُون الوقْف الشرعيِّ المانع من البَيْع ونَحْوه.
وأظهرهما: أنَّ المراد الوقْفُ الشرعيُّ للمصلحة، وعلَى هذا، فوجهان: أحدهما: أنه يصيرُ وقْفاً بنفس الحصول، كما يرقِّ النساء والصبيان بنَفْس الأَسْر.
وأصحُّهما: المنع، لكن الإِمام يقفها، وإن رأى قسمتها أو بيعها، أو قسمة ثمنها فله ذلك ذكره في "التهذيب".
وقول الشَّافعي -رضي الله عنه-: "هي وقْفٌ" أي تجعل 34 وقفاً، وأَما خمْسُها، فقد قال في الكتاب: إِنه لِأهلِ الخمس، هكذا ذكر في "التهذيب" والاقتصار علَيْه لا يغنِي، بلْ لا بد من تفصيل سهَامِهِ فأما سهمُ المصالِحِ، فلا سبيلَ فيه إِلى القسْمَة، بل الطريقُ: إما الوقْفُ وصرْفُ الغلَّة إِلى المصالح، أو البَيع، وصرف الثَّمن إِلَيْها، والوقف أولَى، ويجيء الوجهُ السَّابق في أَنه يصيرُ وقفاً بنَفْسِ الحصول، وأما سهم ذوي القربَى، فعلى الخلافِ المذكورِ في الأخماس الأربعة؛ تفريعاً على أنَّها للمرتزقة، وسهم اليتامَى والمساكين، وأبناء السبيل يرتَّب على سهم ذي القُربَى، إِن قلنا: إنه وقْفٌ، فهذه السهامُ أولَى؛ لأن ذوي القربَى يتعيّنون بخلافِ هؤلاء الأصناف، وإن لم نجعلْه وقفاً، ففي هذه السهام وجهَان:

الجزء: 7 - الصفحة: 343

أحدهما: أن الجوابَ كذلك.
وأظهرهما: أنَّها وقفٌ أيضاً، وإِذا تأمَّلْت هذه الاختلافاتِ المذكورةَ في الأخماس الأربعَةِ، ثم في الخمس، عَرَفْتَ أن الظاهِرَ في الكلِّ الوقْفُ، وهو الموافِقُ لنصِّ الشافعيَّ -رضي الله عنه- الذي أوردناه في أوَّل المسألة.
الثانية: الأخماسُ الأربعةُ، إذا فضلْت عن حاجاتِ المرتزقةِ، فإن قلْنا: إنها للمرتزقَةِ، وهو الأصحُّ، يصرف الفاضلُ إِلَيْهم أيضاً، ويقسّم بينهم عَلَى قدر مؤناتهم، وهَلْ يجوز أن يُصْرَف شيءٌ منه إلَى إصلاح الحُصُون، وإلى الكُرَاع والسِّلاَح، ليكون عُدَّة لهم؟ فيه وجهان: أظهرهما: نَعَمْ، وإنْ قلنا: إنها للمصالِحِ، فما فضل مَصْرُوفٌ إلَى سائر المصالِحِ، كإِصْلاح الحُصُون، والكُرَاعِ، والسَّلاح، فإن فضل شيءٌ؛ ففي جوازِ صَرْفه إلَيْهم وجّهان 35، وَلا خلافَ في جَوَاز صرفه إلَيْهم عن كفاية السَّنَة القابلة.
وقوله في الكتاب وزع علَيْهم مفرَّع على القول الأَصحِّ، فيجوز إعلامُه بالواو؛ للقول الآخَر.
ثم الباب مختومٌ بفروع ومسائِلَ: مِنْ شَرْطِه؛ إِذا جاء رجَلٌ وطالب إِثبات اسمه في الديوان، أجابه الإِمامُ، إن في المال سعَةٌ، وفي الطالِب أَهليَّةٌ، وإلاَّ لَمْ يجبْهُ، ولا يحبس شيئاً من مالِ الفَيْء؛ خوفاً من أَن تنزل بالمسلمينَ نَازلةٌ، بل يفرِّق الجميع عند مجيء الوَقْت المعيَّن، ثم إِذا نزلَتْ نازلةٌ، فعلى كافة المسلمِينَ القيامُ بأمْرها، وإِن غشيَهُمْ العدوُّ، فعلى جميعهم أَن يَنْفُروا، وذكر الشافعيُّ -رضي الله عنه- أَنه يَرْزُقُ من مال الفَيْء الحُكَّام ووُلاَة الأحْدَاثِ والصَّلاَة، وكل من قام بأمْر الفَيْءِ منْ والٍ وكاتبٍ وجنديٍّ لا يستغْنِي أهْلُ الفيء عنهم، والمرادُ مِن الحكام: الَّذينِ يحْكُمُون بَيْن أَهْل الفيء في مغزاهم، ووُلاةُ الأحداث: قيل: هُمُ الذين يعلِّمُونَ أحداثَ أهل الفيء الفُروسِيَّةَ والرمي.
وقيل: الذين يَنْصبون في الأطراف لتولية القُضَاة، وسُعَاة الصَّدَقة، وعزلهم، وتَجْهِيز الجيوش إلى الثُّغور، وحفظ البلاَدِ من أهل الفساد ونحوها مِنَ الأحداث، وولاَةِ الصَّلاَة الخُطَبَاء الَّذِين يُقِيمُون لَهُم الجُمُعَات، والجَمَاعَات، وكذلك يرزق عرفاء أهل الدفئ، وإِذا وجد من يتطوَّع بهذه الأعْمَال، لم يرْزُقُ عليها غَيْرَه، ويجوز أن يكون عَامِلُ الفيء من ذوي القُرْبَى.
قال أقْضَى القُضَاة المَاوَرْدِيِّ -رحمه الله- وعاملُ الفَيْء إِن ولي وَضْع أموال الفيء

الجزء: 7 - الصفحة: 344

وَتقْدِيرَهَا، وتقريرها فَيُشْتَرَطُ أنْ يكُونَ مسلماً، حُرّاً، مُجْتَهِداً، عارفاً بالحِسَاب والمسَاحَةِ، وإِن ولي جباية أَموالها بَعْدَ تقرُّر جهاتها، سقَطَ اعْتِبارُ الشَّرْطِ الثالث، وإنْ ولي جبايةَ نَوْعٍ، خاص من أموال الفَيْء، نُظِرَ: إِنْ لم يستغْنِ فيه عن استنابةٍ، اعتبر فيه الإِسْلاَم، والحرية، والاضْطِلاعُ بشَرْط ما ولي من حسَابٍ أو مساحةٍ؛ لما فيه من معْنَى الولاية، وإِن استغنى عن الاستنابة، جاز أَن يكُونَ عبداً؛ لأَنه كالرسول المأمور، فأما كونه ذمِّيّاً، فإن كانَتْ جبايَتُهُ من أَهلِ الذِّمَّة؛ كالجزية، وعشر التجار، جاز أَن يكون ذِمِّيّاً، وإِن كانَتْ من المسلمين؛ كالخَرَاج الموضوع عَلَى رقاب الأَرضِينَ، إِذا صارَتْ في أيدي المسْلِمِينَ، ففي جواز كَوْنه ذِمِّيّاً وجهان، وإِذَا فسدَتْ ولايةُ العامِلِ، وقبض المال مع فسادِها برئ، الدافع؛ لأن الإِذنَ يبقَى، وإِن فسدت الولايةُ، نعم، لو نَهى عن القبض بَعْد فسادِها، لم يبرأ الدافع بالدَّفْعِ إِليه، إن علم بالنَّهْي، وإن لم يعلم النهي، فوجهان؛ كالوكيل (1)، ذكر ذلك كلَّه المَاوَرْديُّ، والله أعلم.

البَابُ الثَّانِي في قِسْمَةِ الغَنَائِمِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالغَنِيمَةُ كُل مَالٍ أَخَذَهُ الفِئَةُ المُجَاهِدَةُ عَلَى سَبِيلِ الغَلَبَةِ، فَخُمُسُهَا مَقْسُوم كَخُمُسِ الفَيْءِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلغَانِمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد ذكَرْنا أنَّ الغنيمةَ: هيَ المَالُ الَّذي يأخذه المسلِمُون من الكُفَّار بإيجاف الخَيْل والرِّكَابْ.
قال في "التَّهذيب": سواءٌ ما أَخَذَوهُ من أيديهِمْ قَهْراً، وما استولوا عليه بَعْد ما هزمناهم في القتال فتركوا المَالَ، وما كانَتِ الغنائمُ تَحِلُّ للأنبياء -عليهم السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم إِنَّهَا أحلت له، ولأمته، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أُعْطِيتُ خَمْساً لَم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي" فذكر منها إحْلاَلَ الغنَائِمِ 37، وكانت في أَولِ الأمرِ له خاصَّةً يصْنَعُ بها ما يشاء، وفي36

الجزء: 7 - الصفحة: 345

ذلك نَزَلَ قولُهُ تعالَى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] لمَّا تنَازَعَ فيها المهاجِرُون والأنْصَار 38 -رضي الله عنهم- يَوْمَ بَدْرٍ، وعليه يحمل إعطاؤُهُ مَنْ لم يشهد الوقعة، ثم نُسِخَ ذلك، فَجُعِل خُمُسُهَا مقْسُوماً بخمسة أسهم كالفيء 39؛ قال الله تعالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] الآيةَ، جعل أربعة أخماسِهَا للغانِمِين رُوِيَ أنَّ اَلنبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقعَةَ" 40. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَتَطَرَّقُ إِلَيْه النَّفَلُ وَالرَّضْخُ وَالسَّلَبُ، ثُمَّ القِسْمَةُ بَعْدَهُ أَمَّا النَّفَلُ فَهُوَ زِيَادَةُ مَالٍ يَشْتَرِطُهُ أَمِيرُ الجُيُوشِ لِمَنْ يَتَعَاطَى فِعْلاً مُخَطَّرا كَتَقَدُّمِهِ عَلَى طَلِيعَةٍ أَوْ تَهَجُّمِهِ عَلَى قَلْعَةٍ، وَمَحلُّهُ مَالُ المَصَالِحِ أَوْ خُمُسُ الخُمُسِ مِمَّا سَيُؤْخَذُ مِنَ الكفَّارِ، وَقَدْرُهُ مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْيُ بِحَسَبِ خَطَرِ الفِعْل، أمَّا ثُلُثُ خُمُسِ الخُمُسِ أَوْ رُبُعُهُ أَوْ ثُلُثُ مَا يَأْخُذهُ أَوْ رُيُعُهُ كمَا يَرَاهُ الإِمَامُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نفرض في مال الغنيمة النَّظَرَ في ثلاثة أمور: أحدها 41: النَّفَلُ وهو زيادةُ مال عَلَى سَهْمِ الغنِيمَةِ يشرطه الإِمامُ أو أميرُ الجَيْشِ

الجزء: 7 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أمّا دليل مشروعيته فما صح في أحاديث مستمدة من ان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فعله مع المقاتلة في وقائع شتى: منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُنَقّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسَمُ عَامَّةِ الْجَيْش" وعنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعثَ سَرِيَّة قِبَل نَجْدٍ فَخرجت فيها فَبَلَغَتْ سِهَامُنا اثْني عَشَرَ بَعيْراً، ونَفّلَنَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَعيراٌ بَعيراٌ، متفق عليهما.
وما روي عن عبادة بن الصامت أَنَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُنَفّلُ في البَدْاءةِ الربع وَفي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُّ، رواه أحمد، وابن ماجة، والترمذي.
وقد تلقت الأمة هذه الأحاديث كلها بالقبول، وقد نزل فيه فيما يرى بعض العلماء قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ والمراد أن الحكم فيها يرجع إلى الله ورسوله فيحكم فيها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بما يراه.
اتفقت الأمة على مشروعية الأنفال، وعبر عنها بعض الفقهاء بالجواز كما جاء في كتاب "المهذب للشيرازي" من علماء الشافعية قال: يجوز لأمير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلاً يفضي إلى الظفر بالعدوّ، وعبر عنها بعضهم بالاستحباب كما جاء في كتاب "فتح القدير" للكمال بن الهُمامِ من علماء الحنفِة تعليقاً على قول صاحب "الْهِدَايَةِ" ولا بأس بأن ينفل الإمام في حال القتل ويحرض به على القتال" قال الْكَمَالُ: "أي يستحب أن ينفل نص عليه في المبسوط، وسيذكر المصنف أنه تحريض والتحريض مندوب إليه" ثم قال أيضاً "واعلم أن التحريض واجب للنص المذكور أي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ لكنه لا ينحصر في التنفيل ليكون التنفيل واجباً، بل يكون بغيره أيضاً من الموعظة الحسنة، والترغيب فيما عند الله فإذا كان التنفيل أحد خصال التحريض كان التنفيل واجباً مخيراً، ثم إذا كان هو أدْعَى الخصال إلى المقصود يكون أسقاط الواجب به دون غيره مما يسقط به الواجب أولى وهو المندوب، فصار المندوب اختيار الإسقاط به دون غيره لا هو في نفسه، بل هو واجب مخير".
هذا -وقد نقل الكمال بن الهُمَام أيضاً: طعن بعض الناس على التنفيل بحجة أن فيه ترجيح البعض، وتوهين البعض الآخر قالوا: وتوهين المسلم حرام، فقال الكمال في الرّد عليه "إنّه ليس بشيء، وإلاّ حرم التنفيل لاستلزامه المحرم وهو توهين المسلم مع أن التنفيل ثابت بالأحاديث الصحيحة".
والواقع أن التنفيل من شأنه أن يغري الباقين بمثل ما فعل المنفل له، فهو يورث شجاعة وحمية لا توهينا ثم هو بعد ذلك ليس على عمل قام به جميع المجاهدين، بل على عمل زائد قام به المُنَفَّلُ له فكان النفل مكافأة، وشكراً لا إيثاراً له وانتقاصاً لغيره ممن يساوي.
فالحق كما قال الكمال: إنّ هذا القول ليس بشيء.
وممّا سبق بتبين أن التنفيل مشروع الأصل، وأن بحسب ما يراه الإمام فيكون حائزاً ويكون مندوباٌ، وقد يكون واجباً متى تعيّن طريقاً للتحريض الواجب بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الآية.
اختلف الفقهاء في محل النفل من الغنيمة فقل إن من الخمس الواجب لبيت المال، وهو مذهب الإمام مالك، وَرُوِي عن سعيد بن المسيب وقيل من خمس الخمس المرصد للمصالح، وهو الأصح عند الشافعيّة وقيل من الأخماس الأربعة، وهو مذهب الإمام أحمد ووجه عند الشافعية، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وفقهاء الشام وأنس بن مالك، وقيل من أصل الغنيمة، وروي عن =

الجزء: 7 - الصفحة: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الإمام أحمد، والأوزاعي، وأبي ثور، والهادوية، وهو وجه عند الشافعية أيضاً وذهب الحنفية إلى أن النفل قيل الإحراز بدار الإِسلام يكون بالسريع بعد الخمس، أو بالربع أو بالثلث، أو بالكل، فحمله قبل الإحراز كل الغنيمة غير أنهم قالوا لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، ومع ذلك إن فعله جاز متى رأى فيه المصلحة امّا بعد إلاحراز فلا يجوز أن ينفل إلا من الخمس.
استدل الإمامان مالك، والشافعي على أن النفل يكون من الخمس على وجه العموم بما رواه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيّب أنه قال: كَانَ النَّاسُ يُعْطُوُنَ النَّفْلَ مِنَ الخُمْسِ "قال الإمام مالك: وذلك أحسن ما سمعت في ذلك" قال القرطبي: وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون، وهم الموجفون، والخمس مردود قسمة إلى اجتهاد الإمام، وأهله غير معينين فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد وإنما يكون من حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الخمس.
ولكن الإمام الشَّافعي يرى أن النفل لا يكون من الخمس كله بل من خمس الخمس المرصد للمصالح كما هو الأصح في المذهب؛ لأن الخمس بالنص موزع على خمسة قسم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتصرف فيه كيف شاء ويضعه حيث أراه الله، وهذا الذي يعطي منه النفل، وما سوى ذلك السهم من بقية الخمس يكون لمن سماهم الله عزّ وجلّ فى كتابه، وهم ذو القربى، ومن عطف عليهم فلا ينفل من حقوقهم لأحد، قال في "الأم" "وقول سعيد بن المسيب يعطون النفل من الخمس كما قال: إن شاء الله وذلك من خمس النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن له خمس الخمس من كل غنيمة فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضعه حيث أراه الله كما يضع سائر ماله فكان الذي يريه الله تبارك وتعالى ما فيه صلاح المسلمين، وما سوى سهم النبي -صلى الله عليه وسلم- من جميع الخمس لمن سمّاه الله عَزَّ وَجَلَّ له فلا يتوهم عالم بأن يكون قوم حضروا فأخذوا مالهم وأعطوا مما لغيرهم إلاّ أن يطوع به عليهم غيرهم".
واستدل الإمام أحمد على أن النفل من الأخماس الأربعة بما رواه أحمد وأبو داود عن معين بن يزيد السلمي قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لاَ نَفْلَ إلاَّ بَعْدَ الْخُمُسِ" وبروايتهما أيضاً عن حبيب بن مسلمة أن النبي "نَفَلَ الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمْسِ في بَدْأَتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمْسِ في رَجْعَتِهِ" فهذان الحديثان صريحان في أن النفل من الأخماس الأربعة.
واستدل القائلون بأن النفل يكون من أصل الغنيمة بما رواه أبو داود عن نافع عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث سريّة قِبَل نجد فأصَبْنَا نِعَماً كَثِيراً فَنَفَلَنَا أُمِيْرُنَا بَعِيراً بَعِيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَسَمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَنَا غَنِيْمَتَنَا فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ منَّا اثْنَي عَشَرَ بَعِيْراً بَعْدَ الْخُمْسِ وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بِالَّذِيْ أَعْطَانَا صَاحِبنَا وَلاَ عَابَ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ منَّا ثَلاَثَةٌ عَشْرَ بَعِيْراً بَنَفْلِهِ" وهو صريح في أن التنفيل كان من أصل الغنيمة.
واستدل الحنفية بأن لم يثبت للغانمين حق قيل الإحراز فليس في التنفيل بالكل أو بالبعض اعتداء على حق أحد امّا بعد الإحراز فقد تأكد حقّ الغانمين به، ولهذا يورث عمّن مات منهم فلا يجوز إبطال حقهم فيمتنع التنفيل بما يتعلق به حقهم وهو الأخماس الأربعة، وليس لهم حق في الخمس فجاز للإمام أن ينفل منه.
وقد اعترضوا هم على ذلك بأن حق الفقراء أيضاً قد تأكد في الخمس كما تأكد حق الغانمين في =

الجزء: 7 - الصفحة: 348

لِمَنْ يَقُومُ بما فيه نكايةٌ زائدةٌ في العَدُوِّ، أو توقُّعُ ظَفَر أو دَفْعُ شَرٍّ، وذلك كالتقدم على طليعةٍ، أو التَّهَجُّم على قلعةٍ، أو الدَّلالة عليها، أو كحفظ مكمن، وتجسُّس حالٍ، وما أشبهها، وإنما ينفل الإمام إذا مَسَّتِ الحاجةُ إلَيْه لكثرةِ العَدُوِّ، وقلَّةِ المسلمينَ، واقْتَضَى الرأْيُ بعْثَ السرايا، وحفْظ المكامِنِ، ولذلك نَفَلَ رُسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في بعض الغزوات دُونَ بَعْضٍ 42. ثُمَّ الكلامُ فيمن يشرط له، وفي محلِّ المَشْرُوط وقَدْرِهِ.
أما الأَول: فيجوز أنْ يكُونَ المشْرُوطُ له شخصاً معيَّناً، أو جماعةً معيَّنين، ويجوز أنْ يُطْلَق؛ فيقول: مَنْ فَعَلَ كذا، فله كذا.
وأما المحَلُّ: فيجوزُ أنْ يشترطَ النَّفْل من مال المصالِحِ المرصدة عنده في بيت المالِ، وَحِينَئِذٍ فيشترط كونه معلوماً، ويجوز أنْ يشرطه مما سيغنم، وُيؤْخَذُ من الكُفَّار في هذا القتال، وَحِينَئِذٍ [فيذكر جزء من] 43 ثلث وربع وغيرهما، ويحتمل فيه الجهالة للحاجة، وإذا نفل من المأْخُوذْ فيمن نفل، فيه ثلاثَة أوْجُهٍ، ويقال: ثلاثة أقوال، ويقال: قَوْلاَنِ وَوَجْهٌ: أظهرهما: أنه ينتفل من خُمُسِ خُمُسِهِ؛ لما رُوِيَ عن سَعِيد بْنِ المُسَيِّب -رَضِيَ اللهُ عَنْه- قال: كان النَّاسُ يعطون النفلَ من الخُمُس 44. والثاني: أنه ينفل مِنْ رأَسِ مال الغنيمةِ، ويجعل ذلك كأجْرَةِ الكيَّال، وما في معْنَاها، ثم يقسم الباقِي، ونُسِبَ هذا إِلى رواية القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- عن القديم.
والثالثُ: أنه ينفل مِنْ أربعةِ أخماسِ الغنيمةِ، ثمَّ يُقْسَّمُ الباقي منها بين أصحاب النفل، وسائر الجَيْش، وأمَّا القدْرُ فليس له حَدٌّ مضْبُوطٌ، ولكنْ يجتهدُ الإمامُ فيه، = الأخماس الأربعة فوجب ألاَّ يجوز إبطال حقهم كما لا يجوز إبطال حق الغانمين.
وأجابوا بأن جواز ذلك في الخمس باعتبار أن المنفك إليه مصرف، ولهذا قيدوه بالمقاتل الفقير، وقالوا إذا كان غنياً لا يجوز تنفيله لما فيه من إبطال حق الأصناف الثلاثة.

الجزء: 7 - الصفحة: 349

ويجْعَلُه عَلَى قَدْر العمل وخَطَرِهِ، وقد رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت -رضي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- "نَفَلَ في البداءة الرُّبُعَ وفي الرَّجْعَةِ الثُّلُث" 45 وفَسَّرَ بعْضُهُمْ "البداءة" بالسرية الأولى "والرجعة" بالثانية، والمشهور أنَّ البداءة ابتداء السفر، والمراد [بالبداءة] 46 بالسَّرِيَّة: الَّتي بعَثَها الإمامُ قَبْل دخوله دَارَ الحَرْب مقدّمة له، والرَّجْعة: الَّتي يأمرها بالرجُوعِ بَعدَ توجُّه الجَيش إلى دار الإِسلام، وإنما زاد النَّفَلَ في الرَّجْعَةِ؛ لأنهم في البداءة مسترِحُون لم يَطُلْ بِهِم السفر؛ ولأنَّ الكفَّار في غفلة منْهُمْ؛ ولأنَّ الإمام مِنْ ورائهم فيستظهرون به، وكل ذلك في الرَّجّعَة بخلافه، واختلفوا في المراد منَ الخَبَر، بحَسَب اختلافِهِمْ في مَحَلِّ النَّفَل: فَمِنْ قائل: إِنَّ المرادَ ثُلُثُ خُمُسِ الخُمُسِ؛ أو ربعه، ومِنْ قائلٍ: إِنَّ المراد ثُلُث الجميع أو رُبُعُهُ، ومِنْ قَائلٍ: إِنَّ المراد ثلث أربعةِ أخماسها أو رُبُعها.
وقيل: إنه أراد أنه يزاد حصة كلِّ واحدٍ من الغنيمة مثل ثلثه أو مثْل رُبعه، ويجوزُ الزيادَةُ على الثُّلُث، والنُّقْصَان عن الرُّبُع بالاجتِهَاد، والله أعلم، هذا هو الفِقْهُ.
أَما لَفْظُ الكتاب فقوله: "أو يتطرَّق إليها" يعني إلى الغنيمة، وقوله: "ثم القسمة بعده" فظاهر صرف الكناية إلى "المتطرَّق إِليها، لكن في كون القِسْمة بَعْدَ هذه الأمور توقُفٌ واختلافٌ شديدٌ، سواءٌ قدَّرنا أن المرادَ قسْمةُ الغنيمةِ خُمُساً وأربعة أخماس، أو قُسمة الأخْمَاس الأربعةِ على الغَانِمِينَ، أمَّا في النَّفَل، فعلَى قولِنا: إِنه، ينفل من الخمس، فلا تكُونُ القسْمَة بعده، وأما في الرَّضْخ والسَّلَب، فسيأتي.
وقوله: "ومحله مالُ المصالِح" يعني الحاصِلَ في بيت المالِ، وقوله بعده: "أو خُمُس الخُمُس، مما سَيُؤْخَذُ من الكُفَّار" ظاهره يُشْعِرُ بتخيير الإمام، وربما صرَّح به، والأشبه أنَّه يجتهدُ، ويراعي المصلَحَةَ.
وقوله: "أما ثلث خمس الخمس أو ربعه" يعني خمس الخمس مما سيؤخذ منهم.
وقوله: "أو ثلث ما يأخذه أو رُبُعُه" يحتمل أنْ يفسَّرَ بما يأخذه الإمَامُ، ويغنمه من هذا القتال، ويحتمل أنْ يفسَّر بحصته الَّتِي يأخذها من الغنيمة، ولو لم يقل كما يراه الإِمامُ، لجعلنا الترديد إشارة إلَى وجهين للأصْحَابِ قد أسْلَفْنَاهما، فالمحتمَلُ الأوَّل:

الجزء: 7 - الصفحة: 350

هو الوجّهُ الثانِي منَ الوجوه المذكورة في محلِّ النَّفَل، والمحتملُ الثاني: هو الوجّهُ الآخر من الوجوه المذكورة في تَفْسير حَدِيثِ البداءة، وإذا ذكره، فظاهر المفْهُومِ منه التخييرُ والتَّفْوِيضُ إلَى رأي الاِمامِ، وأنَّه شَيْءٌ زائدٌ على ما قال الأصْحَاب.
فَرْعٌ: إذا قال الأَمير: "من أَخَذَ شَيئاٌ، فهو لَهُ" فعلَى قولَيْن، أشارَ الشافعيُّ -رضي الله عنه- إلَيْهِما: أحدهما: أنه يَصِحُّ شَرْطُه؛ لما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ذلك يَومَ 47 بدر، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله- ويروى أيضاً عن مالك -رحمه الله-.
وأصحُّهما: المَنْعُ كما لا يجوزُ شّرْط شيء من الغنيمة لغَيْرِ الغانِمِينَ، والحديث مما تكلَّموا في ثبوته، وبتقديرِ ثُبُوته، فإِنَّ غنائمَ بَدْرٍ كَانَتْ له خاصَّةَ يضعها حيْثُ يشاء.
آخر: من ظهر منه في الحرب مبارزة، وحُسْن إِقدامٍ، وأثرٌ محمودٌ، أُعْطِيَ سهمَهُ من الغنيمة وزِيدَ منْ سهم المَصَالِحِ ما يليق بالحال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الرَّضْخُ فَهُوَ مَالٌ تَقْدِيرُهُ إِلَى رَأْيِ الإِمَامِ بشَرْطِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى سَهْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الغَانِمِينَ بَلْ يَنْقُصَ، وَيُصْرَفُ إلى العَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَنُقْصَانُهُ عَنِ السَّهْم لِنُقْصَانِ حَالِهِم، وَكَذا الكَافِرُ (و) إِنْ حَضَرَ بِإذنِ الإِمَامِ (و) يُرْضَخ لَهُ، وَفي مَحَلِّهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالِ: (أحَدُهَا) أنَّهُ مِنْ أَصْلِ الغَنِيمَةِ كَأُجْرَةِ النَّقْلِ وَالحَمْلِ (وَالثَّاني): أنَّهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ كَالنَّفْلِ (وَالثَّالِثُ): أنَّهُ مِنَ الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُ سَهْمٌ مِنَ الغَنِيمَةِ إِلاَّ أنَّهُ دُونَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأمر الثاني 48: الرَّضْخ: فالعَبِيدُ والصِّبْيَان والنِّسَاء والخَنَاثَى والزَّمْنَى

الجزء: 7 - الصفحة: 351

وأهْلُ الذمة، لا يُسْهَمُ لهم من الغنيمة؛ رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهما-؛ "سُئِلَ عَنْ النِّسَاءِ: هَلْ كُنَّ يَشْهَدْنَ الْحرْبَ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهل كان يضرب لهنَّ بسَهْمٍ، فقال: كنَّ يشْهَدْنَ الحرْبَ 49 فأما أنْ يُضرَبَ لَهُنَّ بِسَهْمٍ، فلا" ولأنَّهم ليسوا من أهْل فَرْض الجهَادِ، فلا يشاركون أهل الكمال في استحقاق السهْم، لا وجه لحرمانهم، إذا = ذلك تسويته بالمجاهدين لأن ما يأخذه بمنزلة الأجرة، فيعطى بالغاً ما بلغ.
ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنه لا يسهم للمرأة، والصبي، والعبد، بل يرضخ لهم، وذهب الإمام مالك في المشهور عنه إلى أن الذين لا يسهم لهم لا يرضخ لهم أيضاً، وله في الصبي إن أجيز وقاتل خلاف: وحكى الشوكاني عن الأوزاعي أنه يسهم للمرأة، والصيي وهذا هو مشهور المذاهب.
استدل الجمهور بما رواه أحمد، ومسلم عن عبد الله بن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَغْزُوْ بِالنِّسَاءِ فيَداوِيْنَ الجَرْحَى وَيُحْذين مِنَ الغنيمة، "وأما بسهم فلم يضرب لَهُنَّ" وعنه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "نُعْطَي الْمَرأْة وَالمَمْلُوكَ مِنَ الْغَنَائِم.
دُوْنَ مَا يُصِيْبُ الجَيْشُ" رواه أحمد -وعنه أيضأ "أنَّهُ كَتَبَ إلى نَجْدَةَ الحروري سَأْلْتُ عَنِ الْمَرْأةِ وَالعَبْدِ هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُوْمٌ إِذَا حَضَرا الْتِبَاسُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِلاَّ أَن يُحْذَيَا مِنْ غَنَانِمِ الْصَوْمِ" رواه أحمد، ومسلم.
وليس للإمام مالك على منع الرضخ دليل معروف.
قال الشوكاني والظاهر أنه لا يُسْهِمُ لِلنِّسَاءِ، والصبيان، والعبيد، والذميين وما ورد من الأحاديث مما فيه إِشعار بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسهم لاحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ، وهو العطية القيلة.
جمعاً بين الأحاديث، وقد صرح ابن عباس بذلك.
وكذلك صرح حديث عمير مولى آبي اللحم فإنه فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَضَخَ لَهُ بشَيءٍ مِنَ الأَنَاث وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ.
وبذلك يتعين حمل ما جاء في مرسل الأوزاعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسْهَمَّ لِلصِّبيَانِ بِخَيْبَرَ، رواه الترمذي وما في مرسل الزهري أنه -صلى الله عليه وسلم- أَسْهَمَ لِقوْم مِن اليَهُودِ قَاتَلُوا مَعْهُ" رواه الترمذي، وأبو داود في الوسيلة وما عن حَشْرَجَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أَسْهَمَ لِلنِّسَاءِ رواه أحمد وأبو داود -ويحمل ذلك كله على مجرد العطية جمعاً بين الأحاديث.
اختلف الفقهاء في مأخذ الرضخ فذهب الحنفية والشافعي في قول له وأحمد في رواية عنه إلى أنه من أصل الغنيمة، والحجة في ذلك أنه من أعوان المجاهدين فجعل حقه في أصل الغنيمة كالنقال والحافظ وذهب الشَّافعي في أظهر الأقوال عنده، وأحمد في رواية عنه إلى أنه من الأخماس الأربعة، والحجة في ذلك أنه من المجاهدين فحقه في الأخماس الأربعة.
وذهب الشَّافعي في قول ثالث له إلى أنه من خمس الخمس المرصد للمصالح.
وذهب الأمام مالك إلى أنه من الخمس كله والحجة في ذلك أنه من أهل المصالح فحقه في سهمها.
والراجح المذهب الأول؛ لأنه لم يصل إلى درجة المجاهدين حتى يعتبر منهم، ولأن عمله أشق من عمل أرباب المصالح فلا يصح اعتباره منهم.

الجزء: 7 - الصفحة: 352

كَثَّروا السَّوَاد، وأعانوا المسلمين، فيرضخ لهم بشيء وحَكَى أبو الفرج الزاز قولَيْن: في أنه مستحَبٌّ أَو مستحَقٌّ، والمشهور الاستحقاقُ، لم يتركْ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الرَّضْخَ قطْ، ولنا فِيهِ أسوةٌ حسنةٌ، ثم يجتهد الإِمامُ في تقديره، ولا يبلغْ به سهْمَ واحدٍ من الغانمين، فلا يبلغ به سهم راجلهم؛ إنْ كان من يُرْضَخُ له راجلاً، وإنْ كان فارساً، فهل يجوز أَن يبلغ به سهْم راجِلِهمْ؟ فيه وجهان؛ بِناءً على أنه، هَلْ يجوز أنْ يَبْلُغَ تعزيرُ الحُرِّ حَدَّ 50 العبيد، ولا فَرْقَ بين أنْ يَكُونَ حضُورُ العبيد بإذْنِ السَّادَةِ والصِّبْيَان والنِّسَاء، بإذْنِ الأولياءِ والأزواجِ، أو بغَيْر إِذْن، أما الذِّمِّيُّ: إذا حضر بغير إِذنِ الإمام؛ فإنَّه لا يستحقُّ شيئاً؛ لأَنه متَّهَمٌ بموالاة أهْلِ دينه، بل للإمامِ تعزيرُهُ، إذا أدَّى اجَتهادُه إِلَيْه، وفيه وجةٌ: أنه يستحقُّ الرضْخَ، والمَسألةُ بما فيها من الخلاَفِ مذكورة في كتاب "السِّيَرِ"، وإنْ حضر بالإذْنِ، فإنْ كان قد اسْتَأجَرَهُ، فليس له إلاَّ الأجْرَةُ، وإِلاَّ فلَهُ الرضْخُ، وفي بعض الشُّرُوح وجّةٌ: أَنَّه لا شَيْءَ له، وعن أبي إسْحَاقَ: أنَّه إِنَّما يستحقُّ الرضْخَ، إذا قاتل؛ بخلاف سائر مستحقِّي الرضْخِ؛ لأَن المدفوعَ إلَيْه في معْنَى الأجرةِ فلا بدَّ من العمل، ونساءُ أهْلِ الذمةِ، إِذا خَرجْنَ بإذْنِ الإمام، لهُنَّ الرضْخُ على أصحَّ الوجهَيْن؛ كنساء المسلمين، ويفضل الإمامُ بين أهل الرَّضْخِ عَلَى حَسَب ما يرَى من غنائمهم؛ فيزيد المقاتِلَ، ولمن قتاله أكثَرُ عَلَى غيره [والفارس على الراجل] ويفضل المرأة التي تداوِي الجَرْحَى، وتسقي العطشَى على التي تَحْفَظُ الرَّجُلَ بخلاف سَهْم الغنيمة، حيْثُ يسوّي فيه بين المقاتل، وغيره، وفرق بعض بينهما بأن الغنيمة: منصوص عليها [والرضخ مجتهد فيه، فجاز أن يختلف كلدية الحرِّ، لما كان منصوصاً علَيْه] 51 لم يختلف، وقيمة العبد مجتهدٌ فيها، فاختلفت، ومن أين يُرضَخُ لهم؛ أما العبيد والنساء والصبيان، ففيه ثلاثة أقوالٍ، وربما قِيل: أوجه: أحدها: مِنْ أصْلِ الغنيمة؛ كأجرةِ النَّقْلِ، والحَمْلِ، والحِفْظ؛ لأنَّ حضورهم لمصلحة الغَنِيمَة، والغانمي؛ فإنَّهم يسقون الماءَ، ويحفظون الرحل، ويكفون المؤَن، فيتفرَّغ الغازون لشأنهم.
والثاني: من خُمُس الخُمُسِ بسهم المصالح؛ لأنهم ليْسُوا من أهل أربعةِ أخماس، الخمس، ولا هُمْ عَلَى صفات الغانمين؛ فكان الدفْعُ إِلَيْهم من المصالح.

الجزء: 7 - الصفحة: 353

والثالث: وهُوَ الأصحُّ: أنَّه من الأخماس الأربعةِ المقْسُومة بَيْن الغانِمِينَ؛ لأنه سَهْمٌ من الغنيمة مستَحَقٌّ بحضور الوقْعَة إِلاَّ أنه ناقِصٌ.
وأما أهل الذِّمَّةِ، فأصَحُّ الطريقين: أَنَّ رَضخَهم كرضْخِ العبيد.
والثاني: القَطْع بأنَّهم يُعْطَوْنَ من خُمُس الخُمُس؛ لأنهم يُعْطَوْن لمجرَّد المصْلَحة وغيرهم بحضور الوقْعَة، ومنْهم مَنْ خصَّص هذا القَوْلَ برَضْخِ أهل الذِّمَّة، ولم يثبت في حقِّ غيرهم إلاَّ القَوْل الأوَّل والثَّالث، وحيْثُ قلْنا: إنَّ الرضخ من أصْلِ الغنيمة، فيبدأ الإِمَامُ به، كما يبدأ بالسَّلَب، ثم يقسم الباقِي خُمُساً وأربعة أخْمَاسٍ.
وأما لفْظُ الكتابِ، فقوله: "وأما الرضْخُ: فهو مالٌ تقديرُه إلَى رأي الإمام تمام الكلام بعد قوله: "يصرف إلى العَبِيدِ والصبيانِ والنساء" كأنه قال: الرضْخُ: مالٌ يصرف إلَيْهِم، وقدْرُه يتْبَعُ فيه رأي الإمام، وُيشْتَرَطُ ألا يزيد عَلَى سَهْمٍ واحدٍ من الغانمين، وإنما قال: بَلْ ينقص؛ لأنه قال: أَوَّلاً بشرط ألا يزيد، ولا يكتفي بأنْ لاَ يزيدَ فاحتاج إلَى استدراكٍ، ولو قال: بشرط ألا يبلغ سَهْمَ واحدٍ من الغانمين، لاستغنَى عن الجَمْع بين الكلمَتَيْنِ، ثم ظاهرُ لفظه يُوافِق الوجّهَ الذاهِبَ إلى أنَّ سهْمَ ذي الرَّضْخِ، وإنْ كان فارِساً، لا يبلغ سهْمَ الرَّاجل من الغانِمِينَ، كما لا يبلغ سَهْم الفارِسِ منْهم، وأنهُ مُطْلقٌ، وبذلك أجاب الماوَرْدِيُّ -رحمه الله-.
وقوله: "وكذا الكافِرُ، إنْ حَضَر بإذْنِ الإمامِ، يُرْضَخُ لهم" يجوز أنْ يُعْلَمَ بالواو؛ لِمَا سَبَقَ، ثم في التقييد إِشارةٌ إلَى أنَّه حضَر بغَيْر إذن الإمام، لم يرضخ له، وهو الظاهرُ، ولكن يجوز أنْ يعلم بالواو؛ لما سَبَق وقوله: "من خمس الخُمُس، كالنفل" يعني على الأصحِّ من الخلاف الَّذي مَرَّ في النفل.
فُرُوعٌ: أحَدُهَا: إذا انفردَ العبيدُ، والنِّسَاء، والصِّبيَان بغَزْوةٍ، وغنموا، خمست ثم في الباقي ثلاثةُ أوجهٍ محكيَّةٍ في "الشَّامل" عن أبي إسحاق، وهو الأصحُّ عند القاضي أبي الطيِّبِ، أنه يقسم بينهم، كما يقسَّم الرضْخُ عَلَى ما يقتضيه الرأْيُ من التسْوية والتَّفضِيل.
والثانى: يُقَسَّم كما تقسَّم الغنيمةُ للفَارِس ثلاثةُ أسهم، وللراجل سَهْم.
والثالث: يُرْضَخ لهُمْ، ويجعل الباقِي في بيت المالِ، وخصَّص هذا الوجه في "التَّهذيب" بالصِّبْيَان والنساءِ، ولم يذكر في العبيد إلاَّ أنَّه لسادَاتِهِمْ، وحكى أنَّه لو سُبِيَ مراهِقُون ومجانِينُ صغاراً، حكم بإسلامهم تبعاً لهم، ولو كان مع أهل الرضْخ واحدٌ من أهْلِ الكَمَال، فيرضخ لهم، والباقي لذلك الواحدِ، ولا يُخمَّسُ ما أخذه الذمِّيّون من أهل الحَرْب؛ لأنَّ الخمس حقٌّ يجب على المُسْلمين؛ كالزَّكَاةَ 52.

الجزء: 7 - الصفحة: 354

والثاني: مَنْ قاتل من أهل الكَمَال أكْثَرَ من غيره، فيُرْضَخُ له مع السَّهْم، كذلك ذكره المَسْعُودِيُّ، وصاحب "التهذيب" ومنْهم: مَنْ ينازع كلامه فيه، وقيل: يزاد من سهم المصالح ما يَلِيقُ بالحال.
الثالث: لو زَالَ نقصانُ أَهْلِ الرضْخِ فيعتْقِ العبد، واسلمَ الكافر، وبلغ الصبي قَبْل انقضَاءِ الحَرْب، أسهم لَهُمْ، وإنْ كان بعد انقضاءِ الحَرْب، فقد أطلق القاضي المَاوَرْديُّ: أنه ليس لهم إلاَّ الرَّضْخ، وينبغي أنْ يجيء في الزَّوال بَعْد انقضاءِ الحَرْب وقبل حيازة المالِ [الخلافُ الذي سنذكره في استحقاق مَنْ حضر بَعْدِ انقضاء الحَرْبِ وقبل حيازة المال] 53. قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا السَّلَبُ فَهُوَ ما يُوجَدُ مَعَ القَتِيلِ مِنْ ثِيَابِهِ وَسِلاَحِهِ وَزِينَتِهِ يَسْتَحِقُّهُ قَاتِلُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ القَتِيلُ مُقْبِلاً وَالقَاتِلُ رَاكِبَاً لِلغَزْوِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ الصَّفِّ وَقُتِلَ، أَوْ كَانَ القَتِيلُ مُنْهَزِماً أَوْ غَافِلاً فَقُتِلَ لَمْ يَستَحِقَّ، وَيسْتَحِقُّ بالإِثْخَانِ، فَإِن قَتَلَهُ غَيرُهُ فَالسَّلَبُ لِلمُثْخِنِ، فَإنْ اشْتَرَكَا في الإِثْخَانِ فَالسَّلَبُ لَهُمَا، وَإذَا أَسَرَ كَافِراً اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ (و)، وَفِي اسْتِحْقَاقِ رَقَبَتِهِ إِذَا رُقَّ، أَوْ بَدَلِهِ إِذَا فَادَى نَفْسَهُ قَوْلاَنِ، وَالذِّمِّيُّ لاَ يَسْتَحِقُّ (و) السَّلَبَ، وَفِي مُسْتَحِقِّ الرَّضْخِ إِذَا قُتِلَ خِلاَفٌ، وَالخَاتَمُ وَالسِّوَارُ والمَنْطِقَة مِن السَّلَبِ عَلَى الأَظْهَرِ (و)، وَالحَقِيبَةُ المَشْدُودَةُ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَذَا الجَنِيبَة لَيْسَ مِنَ السَّلَبَ عَلَى الأشْهَرِ، وَفِيمَا مَعَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ قَوْلاَنِ، وَالأَشْبَهُ بِالحَدِيثِ أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الخُمُسُ مِنَ السَّلَب.
قَالَ الرَّافِعِيُّ 54: السَّلَبُ للقاتل؛ لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أُعْطَى سَلَبَ مَرْحَبٍ يَوْمَ

الجزء: 7 - الصفحة: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية، والسلب مال مغنوم لأنه مأخوذ بقوة الجيش، إذ لولا الجيش لما حصل السلب، ومباشرة القتل لا عبرة بها، أما أنها لم تعتبر في منع الردء من الغنيمة بل هو، والمقاتل المباشر فيها سواء -وبما رواه البخاري، ومسلم من حديث جاء فيه: أن مُعَاذَ ابْنِ عَمْرُو بن الْجَمُوْح وَمُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ ضَرَبَا أبا جهل بسيفيهما حَتَّى قتلاه فأتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَاَلَ كل واحدٍ مِنْهُما: أنَا قَتَلْتهُ، فَنَظَر في السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كلاكمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلْبِهِ لِمَعَاذِ بْنِ عَمْرُو بِنِ الجُموحِ" فهذا الحديث نصّ على أن السلب ليس للقاتل، بل هو بتعيين الإمام وبما روي عن طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلاً فأراد أبو عبيدة أن يخمس سلبه فقال له حبيب: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالسَّلب للقاتل فقال له معاذ: مهلاً يا حبيب سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إِنَّمَا لِلْمَرءِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ" وهذا الحديث أيضاً يدلّ على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لما توقف على طيب نفس الإمام.
ورد على الحنفية في استدلالهم بالآية أنَّ السلب حقيقة من الغنيمة وتشمله الآية؛ ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام بيّن أنه خارج من حكم الغنيمة كما خصت الآية بكثير غير السلب كالقاتل الذمي، وقاتل النساء، والصبيان، وغيرهم ممن لم يقاتل، وإنما جعله -صلى الله عليه وسلم- للقاتل في مقابلة مخاطرته بنفسه رغبة منه في إعلاء كلمة الله تعالى وأما حديث الصحيحين فقد أجيب عنه بأن في سياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن، وإنما حكم بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ لأنه رأى أن ضربته هي المؤثرة في قتله لعمقها وظهور أثرها، قال المهلب: "وإنما قال كلاكما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه لتطيب نفس الآخر".
أما حديث حبيب بن مسلمة، ففيه عمرو بن واقد وهو منكر الحديث كما قاله البخاري وغيره.
وقد ورد على ما استدل به الشَّافعي، ومن معه من قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلْبُهُ" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قاله يوم حنين، وقد هُزِمَ المسلمون تحريضاً لهم على القتال، قال الإمام مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين، وأجاب الشَّافعي، ومن معه بأن ذلك حفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة مواطن منها يوم بدر، ويوم أحد، فقد قَتَلَ حاطب بن أبي بلتعة رجلاً فسَلَّمَهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سَلْبَهُ كما أخرجه البيهقي، وفي غزوة مؤتة وفي وقائع كثيرة، واحتج به الصحابة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل مرة خولف فيها أمره عليه الصلاة والسلام.
ورُدَّ على الشافعية في تخصيص آية الغنيمة بحديث السلب أن هذا لو كان على سبيل الشرع العام، وهو موضع النزاع.
وورد عليهم أن قوله عليه السلام "كِلاَكُمَا قَتَلَهُ" مع قضائه بالسلب لأحدهما ظاهر في أن أمر السلب للإمام، وما يقولونه تأويلاً لهذا بعد قوله: "فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا" وقوله -صلى الله عليه وسلم- "كِلاَكُمَا قَتَلَهُ" بعد نظره في سيفيهما بعيد؛ لأنه يتضمن ثبوت الاشتراك في القتل ومباشرتهما له، وهو موجب لاشتراكهما في السلب والقول بأنه تطيب لنفس الآخر غير مسلّم.
بل هو حرمان له بعد تقرير النبي عليه الصلاة والسلام أنه قتل مع صاحبه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- مقدر لجهة الحكم فلا يصح أن يقول هذا ثم يحكم لأحدهما فقط.
فدلّ ذلك على أن المسألة ليست شرعاً مقرراً في ذاته وإنّما هي ترجع إلى رأي الإمام، وقد رأى إعطاء أحدهما دون الآخر وهو الذي يقدر عوامل الإعطاء والحرمان.
=

الجزء: 7 - الصفحة: 356

خَيْبَرٍ مَنْ قَتَلَهُ 55، وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: خَرَجْنَا مع رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ حنين فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ عَلاَ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدتُّ فِيهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي إلَى أَنْ مَات، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ قتيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبْهُ؛ فَقُمْتُ، فَاقتَصَصْتُ عَلَيهِ القِصَّة، فقال رَجُلٌ: صَدَقَ يا رَسُولَ الله، وسَلَبُ ذَلِكَ القَتِيل عِنْدِي، فقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ" فأعْطَانِيهِ فَابْتَعْتُ بِهِ مخرفاً في بني سلمة فإنه لأَوَّلُ مال تأثلثة في الإِسْلام.
والكَلاَم في سببِ استحقاقِ السَّلَب، وفي المستحِقِّ، وفي السَّلِب نفسه، وفي كيفية إخراجه من الغَنَائِم: أما سبب الاستَحقاق: فقد قال في "الوسيط" في ضبطه: هو ركوبُ الغرر في قهر كافِرٍ مُقْبِلِ على القتال بما يَكْفِي شَرَّهُ بالكُلِّيَّة، وفيه قيودٌ: أحدها: ركوبُ الغرر، فلو رَمَى مِنْ حصنٍ إلَى كافرٍ أو من وراءِ الصَّفِّ، وقتل لم = وبعد هذا فالسلب نوع من التحريض، والتحريض أمره موكول إلى الإمام في أصله ونوعه فهو الذي يشترطه، وهو الذي يتصرف فيه بما يرى، وقد جاء في مسلم، وأبي داود حديث عوف بن مالك الأشجعي، وهو ظاهر في أن مرجع السلب إلى الإمام، وهذا هو الحديث.
عن عوف بن مالك قال: قَتَلَ رَجُلٌ من حِمْيَرَ رَجُلاً مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرَادَ سَلْبُهُ فَمَنَعَهُ خَالِدٌ بْنُ الْوَلِيْدِ، وَكَانَ وَالِياً عَلَيهِم، فَأتَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَوْفُ بْنُ مَالِكِ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِخَالِدٍ مَا مَنَعَكَ أن تُعْطِيَهُ سَلْبَهُ؟ فَقَالَ: اسْتَكثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَمَرَّ خَالِدٌ بعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكرْتُ لَكَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَغضَبَ فَقَالَ: لاَ تُعْطِهِ يَا خَالِدُ هَلْ أَنْتُم تَارِكُوْنَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُم كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَرْعَى إِبلاً وَغَنَمَاً فَرَعَاهَا ثُمَّ تحِيَّن سُعْيهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضَاً فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ كَيْدَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُم وَكَدِرُهُ عَلَيهِمْ" رواه أحمد، ومسلم، فهذا الحديث يرد على من قال: أن النبي عليه السلام لَمْ يقل من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين، فإن هذه الواقعة كانت في غزوة مؤتة، وهي قبل حنين، ويدل أيضاً على أن السلب موكول إلى الإمام ألا ترى أنه -صلى الله عليه وسلم- مَنَعَ خَالِدَاً من إعْطَاءِ السَّلَب بَعْدَمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلاَ يَكُونُ ... ذلك، والقضاء بالسلب شرع لازم للقاتل والقول بأن رد السلب كان زجراً لعوف بمنعه أن عوفاً لم يكن هو صاحب الحق حتى يُزْجَرَ بِمَنْعِهِ، وإنما صاحبه المددي الذي كان مع عرف، وهو لم يتجرأ على خالد، ولم يصدر منه ما يستحق به الزجر، والزجر إنما يكون لمن أذنب ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وكيف يزجر إنسان بمنع آخر حقه؟

الجزء: 7 - الصفحة: 357

يستحِقَّ، وكذا لو رَمَى من صفِّ المسلمين إِلَى صفِّ الكفار، فأصاب واحداً منْهم، فقَتَلَهُ لأَنَّ السلب في مقابلةِ احْتمالِ الخَطَرِ.
والثاني: إِقْبالُ الكافرِ على القِتَال، وليس المرادُ منْه اشتغالَهُ بالقتالِ حينَ قُتِلَ؛ لأنهما لو تقاتَلاَ زماناً، ثم هَرَبَ، فقتَلَهُ المسلمُ في إدباره، قال الأصحاب: يستحقُّ سلبه، ولا يشترط أيضاً أنْ يكون مقاتلته مع قاتله، بل لَو قَصَدَ كافرٌ مُسلِماً، فجاءَ مسلمٌ آخَرُ من ورائه، وقتله، استحَقَّ سلبه كما دلَّ عليه حديثُ أبي قتادة، بل المَرْعِيُّ ما ذكره أصحابُنَا العراقيُّون -رحمهم الله-: وهو أنْ يقتلهُ مُقبِلاً أو مُدْبِراً، والحربُ قائمةٌ، فأما إذا انهزم جَيْشُ الكافرين، فاتبعهم، وقَتَلَ واحداً منْهم، لم يستحقَّ سلَبَهُ؛ وذلك لأنهم، لِما انهزموا، فقد اندفع شرهم، وما دامت الحربُ قائمةً، فالشر متوقَّعٌ، والمولَّي لا يؤمَنُ كَرَّتُهُ، ولو قُتِلَ الكافرُ، وهو أسيرٌ في يده، أو نائمٌ، أو مشغولٌ بأكْلٍ ونحوه، أو مثخَنٌ زائلُ الامتناع، لم يستحقَّ سلبه؛ [لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-] لم يُعْطَ ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- سَلَبَ أبِي جَهْلٍ؛ لأنه كان قد أثْخَنَهُ فِتيَانٌ مِنَ الأنْصَارِ، وهما: مُعَاذٌ ومُعَوَّذٌ ابْنَا عَفرَاءَ 56. وقوله في الكتاب بشرط أنْ يكونَ القتل مُقْبِلاً، والقَاتِلُ راكباً للغزو إشارةٌ إلَى هذَيْن القَيْدَيْن، ويمكن أنْ يستغنَى بأحدهما عن الثاني، فإنه إذا كان القتيل مقبلاً على القتال، كان القاتل راكباً للغزو، وإنما يكون القاتل راكبًا للغزو، إذا كان القتيلُ مقبلاً ولفْظُ الشافعيِّ -رضي الله عنه- لا يتعرَّض إلاَّ لإقْبَالِ الكافِرِ، وقيامِ الحَرْب.
القيدُ الثَّالِثُ: قَهْرُهُ بما يكْفِي شَرَّهُ بالكلية، إِما بالقَتل أو بالإثْخَان، أو إزالةِ الامْتناع؛ بأنْ يعميه أو يقطع يَدَيْه ورجْلَيْه، ولا يلحق به قَطْع يدٍ واحدةٍ أو رجْلٍ واحدةٍ، وإنْ قَطَعَ يَدَيْهِ أو رِجلَيهِ أو يداً ورجلاً، فقولان: أحدهما: أنه ليس بإثْخَانٍ؛ لأنه لا يكفِي شرّه بالكلية، فإنه بعد قطع الرجْلَيْنِ قد يُقَاتِل راكباً بيديه، وبعد قَطْع اليَدَينِ قد يَهْرُبُ، ويجمع القَوْم.
وأشبههما: أنه إثخانٌ، كما لو فقأ عَيْنَيْهِ، وهذا ما أورده المزنيُّ، وبه أجاب

الجزء: 7 - الصفحة: 358

جماعةٌ من الأصحاب منهم القاضي الرُّويانيُّ، ولو اشترك اثْنَانِ فصاعداً في الإثخان أو القتل، فالسَّلَبُ مشتركٌ.
وحكى أبو الفرج الزاز وجهاً: أنه لو وقع فيما بين جماعة، لا تُرْجَى نجاتُه منْهم، لم يختصَّ قاتله بسَلَبِهِ؛ لأنه صارَ مكْفيَّ الشَّرِّ بالوقوع فيما بينهم، وذكر أنه لو أمْسَكَهُ واحدٌ، وقتله آخَرُ، كان السَّلَبُ بينهما؛ لأنَّ كفايةَ شَرِّه حصلَتْ بهما ويخالف القِصَاصُ، فإنه مَنُوطٌ بالقَتْلِ؛ وكأن هذا التصويرُ فيما إذا مَنَعهُ من أنْ يذْهَب لوجهِه، ولم يضبطه، فأما الإِمسَاكُ الضابطُ، فإنه أسْرٌ، وقتلُ الأسيرِ لا يُسْتَحَقُّ به السَّلَبُ، ولو أثخنه واحدٌ، ثم قتله آخر، فالسَّلَب للمثخن 57، ولو جَرَحَهُ، ولم يثخنه، ثم قتله آخرُ، فالسَّلَبَ للثاني، وإذا أُسِرَ كافِرٌ، هل يستحق سلبه؟ فيه قولان: أحدهما: لا لأنَّ شره كلُّهِ لا يندفع بالأسر.
وأصحُّهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقَفَّال -رحمهما الله تعالَى- نعم؛ لأنَّ الأسْرَ أصعَبُ من القتل، وأبْلَغُ في القَهْر، ولأنه إذا أُسِرَ، تمكَّن الإمامُ من القَتْل وغيره، ثُمَّ الإمامُ يتخيَّر في الأسير الَّذي لَيْس من الذُّرِّيَّة بين القتل، والاسترقاق، والمَنِّ، والمفادَاةِ عَلَى ما سيأتِي في مَوْضِعه -إن شاء الله تعالى- فإنْ أرقَّهُ، هلْ لمن أسره رَقَبَتُهُ، وإنْ فاداه، هَل له مالُ الفداءِ؟ طُرِدَ فيه القولان، ومنهم: من يَقول: فيه وجهان، ويشبه أنْ يكونَ الأظهر هاهنا المَنْعَ؛ لأن اسم السَّلَب لا يَقَعُ عليه وأمَّا مستحِقُّ السَّلَب، فمن يستحق سَهْمَ الغنيمة يستحقُّ السلب، وأما من لا يستحقه؛ كالعبد والصبي والمرأة، ففيه وجهان، ويقال: قولان: أحدهما: الاستحقاقُ لعُمُومِ الخبَر؛ لأنهم كَفُّوا الشرَّ.
والثاني: المنِع؛ لأنَّ استحقاق الغنيمة آكد مِن استحقاق السلب، فإذا لم يستحقَّ الغنيمة، فالسلب أوْلَى، وعلى هذا، فلو كان القاتِلُ خنثَى يوقف السلَبُ إلَى أنْ يتبين حالُهُ، وفي الذِّمِّيِّ طريقان: أحدُهُما: طَرْدْ الخلافِ، وهذا ما ذكره العراقِيُّون.
والثاني: القَطْعُ بالمَنْع، والفرق أنَّ الصبيَّ والمرأة والعبد أشْبَهُ بالغانمين؛ ألا تَرَى أنهم يستحقُّون بالحُضُور والكَافِر لا يأْخُذُ إِلاَّ عَلَى سبيل الأجْرة، وفي "التهذيب": أنَّه إنْ قلْنا: يرضخُ له من الغنيمة، فهو كالعبد، وإنْ قُلْنَا: من مالِ المَصَالِحِ، فلا سَلَبَ له، وهذا إذا حَضَر الذمِّيُّ بإذْن الإمَام، أما إذا حَضَرَ بغَيْر إذْنه، فلا سلب له، وكذا

الجزء: 7 - الصفحة: 359

المخذْل، لا سَلَب له، كما لا سَهْم له، والذي أجاب به صاحبُ الكِتَاب في حقِّ الذميِّ المَنْعُ، وفي الصبيِّ والمرأةِ، اختار القاضِي الرُّويَانِيُّ الاستحقاقَ، ويلزَم مثله في العَبْدِ بطريق الأولى؛ لزيادة العناء فيه؛ ولذلك جزم العبَّادِيُّ في "الرَّقْمِ" بثبوت الاستحقاقِ في العَبْد، وخصَّص الوجهين بالصبيِّ والمرأة والتاجر إذا قُلْنَا: إِنه لا يستحقُّ السهْمَ بالحُضُور، كالصبيِّ في استحقاق السَّلَب، هذا في طرف القاتِل، أما الكافر المقتولِ، إنْ كان صبيّاً أو امرأةً، نُظِرَ: إنْ كان لا يُقَاتِلُ، لا يستحق سَلَبَهُ؛ لأنَّ قتله مَنْهِيٌّ عنْهُ، وإنْ كان يُقَاتِلُ، استحق عَلَى أصحِّ الوجهين، والعبدُ يلحق بالصبيِّ والمرأةِ في "التهذيب" وامتنع بعْضُهم عن ذكر الخلافِ فيه، كما ذكرنا فيما إذَا كان قاتلاً.
وأما السَّلَب، فَهُو ما عليه من ثياب البَدَنِ مع الخُفِّ والرانين 58، وما عليه من آلاتِ الحَرْب؛ كالدرع والمِغْفَرِ، والسلاح ومركوبِهِ الَّذي يُقَاتِلُ عليه، وما عليه من السَّرْج واللِّجَام، والعُقُود وغيرها، وكذا لوَ كان مُمْسِكَاً بعنانه، وهو يقاتل راجلاً، وفيما عليه من الزينة، كالطوق، والسوار، والمنطقة، والخاتم، وفي الهميان، وما فيه من دراهم النَّفقة، قولان، ويقال وَجْهان: أحدهما: أنها لَيْسَت من السَّلَب؛ كثيابِهِ وأمتعته المخلَّفة في خيمته.
وأصحُّهما: فيما ذكره الشيخ أبو حامدٍ وغيره: أنها من السَّلَب؛ لأنها مسلوبةٌ ومأخوذة من يده، وطمع القاتِل يمتدُّ إلَى جميع ما في يدِهِ، وربما أشعر إيرادُ بعْضِهِمْ بإخراج المنْطقة من الخلاف؛ لأنَّها تَبَعٌ للسِّلاحَ المعلَّق بها والجنيبة التي تُقَادُ بين يدَيْهِ، وفيها طريقان 59: أحدهما: القَطْع بالمَنْع؛ كالدوابِّ الَّتِي يَحْمِلُ عليها أثقاله.

الجزء: 7 - الصفحة: 360

وأظهرَهُمَا: وبه قال القاضي الماوَرْدِيُّ، والشيخ أبو حامد: طَرْدُ الخلاف؛ لأنه قَدْ يَحْتَاج إلَيْها، فهيَ كمركوبه الَّذِي أمْسَكَ بعنانه، وهو يقاتل راجِلاً، والحقيبة المشدودة عَلَى فرسه وما فيها من الدَّرَاهِم والأمتعة، طرد بعضهم الخلاف فيها، وقَطَع آخَرون بالمَنْع، وهو الأظهر.
وأما كيفية إِخراج السَّلَب ففي تخميسه قولان: أحدُهُما: أنه يخمَّس؛ كسائر أموال الغنيمة، فيدفع خمسة [إلَى أهْل الخُمُس، والباقي للقَاتِلِ، وعلى هذا يخرج خُمُسُه] 60 أولاً، ثم يدفع السَّلَب إلى القاتِلِ، ثم يقسَّم الباقي.
وأصحُّهما: المنع؛ لظَاهِرِ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه" 61 وعن عَوفِ بْنِ مَالِكِ الأشجَعِيِّ، وخَالِدِ بْنِ الوَلِيد -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "قضَى بالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسْ السلب 62 ولا فرق في استحقاق السَّلَب بَين أنْ يُقْتَلَ الكَافِر في المبارزة، وبين أنْ ينْغَمِس في صفِّ العَدُوَ، فيقتله، ولا بَيْنَ أن ينادِيَ الإِمامُ؛ فيقول: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبُهُ" أو لاَ يُنَادِي، وبه قال أحمدُ في أصحِّ الروايتَيْنِ، والروايةُ = وبه صرح صاحب التعجيز في شرحه فقال: والجنيبة إن كان ممسكها فعلى وجهين، فإن لم يكن ممسكاً لم يكن سلباً كسائر ماله الذي ليس معه بيده.
وعبارة المنهاج محتملة للأمرين، والظاهر أنه أراد الثاني وإلا لقال يقودها، والحاصل أن الجنيبة على ضربين: أحدهما: أن يقودها هو ويقاتل على غيرها فقيل سلب قطعاً وقيل قولان.
الثاني: أن تقاد معه بيد غلامه، وفيها طريقان أظهرهما وبه جزم الجمهور أنها ليست من السلب، والثاني: على قولين أو وجهين أرجحهما عندهما أنها سلب، واعتمد الرافعي هذا الترجيح؛ لأن الروياني وغيره عدوا الجنيبة من السلب.
قال الأذرعي: ولفظ الروياني: والجنيبة التي يمسكها في أصح القولين، والذي رأيته في الطريقين ما قدمته والرافعي منفرد بالترجيح في التي يقودها غيره وحاصل الضربين ثلاثة أوجه أصحها التفصيل.

الجزء: 7 - الصفحة: 361

الأخرَى وبها قال مالكٌ وأبو حنيفةَ: أنه ليس للقاتِلِ السَّلَبَ إِلاَّ إذا نادَى الإمامُ وشرطه.
لنا حديثُ أبي قتادَةَ -رضيَ اللهُ عَنْه- المذْكُورُ في أوَّل الفَصْلِ، فإنَّ قتله المشْرِك، كان قَبْلَ النداء، وقد دفع إليه سَلَبُهُ، ثم السَّلَبُ معدودٌ من أصْل الغنيمة.
وعن مالك -رحمه الله-: أنه يحْسب من خمس الخُمُس المَصْروف إلى المصالح، فإنْ كان بقَدْرِه، فذاك، وإنْ زاد السَّلَب، دفع إلى القاتل قَدْرُ خُمُس الخُمُس، والباقي للمصالح، وإنْ زاد خُمُس الخُمُس، دُفِع إليه السَّلَب، والباقي للمصالح، ولنرجع إِلَى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب، والله أعلم.
قوله: "يوجَدُ مع القتيل" إِشارة فيه إلى أنَّ ما خلفه في خيمته من الثِّيَاب والسِّلاح لا يُعَدُّ من السَّلَبِ، وقوله: "وزينته" ينطبق عَلَى أظهر القولَيْن في الخاتم والسِّوار، وقد ذكر فيها الخلاف من بعد، وقضية لَفْظِهِ هَاهُنَا إخراجُ الدنانيرِ الَّتي معه؛ لأنَّها ليْسَتْ من الثياب، والسلاح ولا الزينة وقوله: "أو كان القتيلُ منهزماً" محمولٌ على ما إذا نهزَمَ مع الجيش دُون أنْ ينهزم، والصفُّ بحاله، كما بيناه وقوله: "وإنْ أَسَرَ كافراً، استحق سَلَبَهُ" مُعْلَمٌ بالواو، وكذا قولُه: "والذمِّيُّ لا يستحِقُّ السَّلَب" لما مَرَّ وقوله: "وفي مستحقِّ الرَّضْخ" أي: سوى الذِّمِّي، وقوله: "الحقيبةُ المشدودةُ عَلَى فَرَسِهِ، وكذا الجنيبة لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ على الأشْهَر" هكذا هو في بعض النُّسَخِ، وهو صحيحٌ، والخلافُ ثابتٌ في كلتيهما عَلَى ما حكَيْنَا وقَطَعَ بعضُهم الجنيبة عن الحَقِيبَة، وألحق بينهما كلمةُ "فَصَار" والحقيبة المشْدُودة عَلَى فَرَسِهِ ليست من السَّلَب، والجنيبةُ إلى آخره، ولعلَّ الحاملَ عليه أنَّ صاحِبَ الكتاب حكَى في "الوسِيط": اتفاقَ الأصْحَاب عَلَى أنَّ الحقيبةِ ليْسَتْ من السلب، ثم عن القاضي: أنَّه لا بُدَّ؛ من أجل الخلافِ فيها، ولَوْ جمع بَيْن الخاتَم والسِّوَار الحَقِيبةَ، والجنيبة، والدَّنانير، وحكي الخلافَ في الجميع -لكان صحيحاً، لكنه فَصَلَ بينهما، ليتبيَّن الظاهر في السِّوَار، وما في معناه أنَّه من السَّلَب، وفي الحقيبة المَنْعُ، ورأى القولَيْن في الدنانير كالمتقاوِمَيْنِ، فأطلقهما إطلاقًا، وقرب الجنيبة من والحقِيبَة في ظهور المَنْع، فقال: "على الأشْهَر" لكن ذكر القاضي الرُّويانيُّ وغيره: أنَّ الأصحَّ عد الجنيبة من السَّلَب ثم ذُكر أبو الفرج الزاز: "أنا إذَا جعلْنا الجنيبةَ من السَّلَب، لم يستحقَّ إلاَّ جنيبةَ واحدةً" وعلَى هذا، فيبقَى النَّظَر فيما إذا كان يقودُ جنيبتن فصاعداً في أنَّ السلب أيهما، أيرجع فيه إلى تعيين الإِمَامِ، أم يُقْرَعُ 63؟ وقوله: "والأشبهُ بالحَدِيث" يجوز أنْ يريدَ بالحديث، قولُه "من قتل قتيلاً، فله

الجزء: 7 - الصفحة: 362

سَلَبُهُ" ويجوزُ أنْ يريدَ ما رُوِيَ عن خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعوف بن مالكٍ -رضي الله عنهما- وَهُوَ الذي يَدُلُّ عليه سياقُ "الوسيط" وليعلم قوله: "ولا يخرج الخُمُس" بالميم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا قِسْمَةُ الغَنِيْمَةِ فَفِيهَا مَسَائِلُ: الأولى إِذَا مَيَّزَ الإمَامُ الخُمُسَ وَالسَّلَبَ وَالرَّضْخَ وَالنَّفَلَ قَسَّم البَاقِيَ عَلَى الغَانِمِينَ بِالسَّويَّةِ عَقَاراً كَانَ أَوْ مَنْقُولاً، وَلاَ يُؤَخِّرُ القِسْمَةَ (ح) إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول فِي قسمة الغنيمة وأحكامها يتوزَّع عَلَى هذا الباب، وعلَى كتاب "السير" نحن نشرح كلَّ قسمٍ منْها في موضعه -إِن شاء الله تعالَى- فما يتعلَّق بهذا المَوْضِع أنه إذا أراد الإمامُ أو أميرُ الجيشِ القسْمَة، بدأ بالسَّلَب، فيدفعه إلى القاتل؛ تفريعاً على المصحيح، وهو أنَّ السلَبَ لا يخمَّس، ثم يخرج المُؤَن الَّتي تلزم من أجْرَةِ الحمَّال والحافظ وغيرهما، ثم يجعل الباقِي خمسةَ أقسامٍ متساوية ويأخذ خَمْسَ رِقَاعٍ فيكتب على واحدةٍ: للهِ تعالَى، أو للمصالح، وعلى أربعةٍ للغانمين، ويدرجها في بَنَادِق متساويةٍ، ويجففها، ويخرج لكلِّ قسم رقعة، فما خرج عليه اسمُ الله تعالَى، جعله بين أهْلِهِ على خمسة أسهمٍ، وفيه يقع النَّفلُ على الظاهرِ مِنَ الخلافِ المذْكُور فيه، ويقسَّم الباقي على الغانمين، ويقدَّم قسمته على الغانِمِينَ عَلَى قسمة الخُمُس؛ لأنهم حاضِرُونَ مَحْصُورون، وفيه يقع الرضخ على الظَّاهِرِ من الخَلافِ فيه، ولا فَرْقَ بين المنقول والعَقَار من أموالِ الكُفَّار؛ لإطلاق القرآنِ والأخبار.
وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمه الله- يتخيَّر الإمام في العَقَار بَيْن القسْمَة؛ كالمنقول، ويين أنْ يرده على الكفَّارِ، ويضرب عليه خراجاً، فتصير حقّاً عَلَى رقبة الأرض، ولا يسقط بالإسْلامِ، وبين أن يقفه على المُسْلمين.
وقال مالك -رحمه الله- تصير وقْفاً بنَفْس الاغتنام، وعند أحمد -رحمه الله-: إنْ رأَى الإمام أن الأصْلَحَ قسمتها، قسمها، وإن رأَى وقفَهَا وَقَفَهَا، وكلٌّ نَزَّلَ أمْرَ سوادِ العراقِ على مذهبه، وسيأتي ذلك في "السير" -إن شاء الله تعالى- ويجوز قِسْمَة الغنائِمِ في دارِ الحَرْب من غير كراهة 64 لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَسَّم غنائمَ بَدرٍ بشِعْبِ مِنْ شِعَاب الصَّفْراء قَرِيبٍ من بَدْرٍ، وقسم غنائمَ بني المُصْطَلِقِ عَلَى مياههم، وقسم غَنائم حنين بَأوْطَاس، وهو وادي حنين 65.

الجزء: 7 - الصفحة: 363

وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا تُقسَّم الغنيمة في دار الحرب، وقوله في الكتاب: "إذا مَيَّز الامامُ الخُمُس والسَّلَب والرَّضخ والنَّفَل" يعني على ما فيها من الاختلاف الَّذي مَرَّ في التقديم والتأخير، وقوله: "بالسوية" يعني إذا لم يوجَدْ سببُ التفضيل، وهو مبين [من] بَعدُ في المسألة الرابعة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالغَانِمَ مَنْ شَهِدَ الوَقْعَةِ لَنُصْرَةِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ شَهِدَ آخِرَ الوَقْعَةِ اسْتَحَقَّ، وَلَوْ حَضَرَ بَعْدَ انقِضَاءِ القِتَالِ فلاَ (ح)، وَإِنْ حَضَرَ بَعد انْقِضَاءِ القِتَالِ وَقَبْلَ حِيَازَةِ الغَنِيمَةِ فَقَوْلاَنِ، وإذَا غَابَ في آخِرِ القِتَالِ إنْ كَانَ بِانْهِزَامٍ سَقَطَ حَقُّهُ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرَى، وَإِذَا أتُّهِمَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ يَسْتِحِقِّ السَّهْمَ، وَإِنْ مَاتَ فَرَسُهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ لأَنَّ المَتْبُوعَ قَائِمٌ هَذَا هُوَ النَّصُّ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَالمَرَضُ الَّذي لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ كَالمَوْتِ، وَقيلَ: طَرَيَانُةُ لاَ يُسْقِطُ السَّهْمَ لِحَاجَتِهِ إِلَى نَفَقَةِ العِلاجَ وَالإِيَابِ، أَما المُخَذِّلُ لِلجَيْشِ فَيَخْرُجُ مِنَ الصَّفِّ، فَإِنْ بَقِيَ فَلاَ يُعْطَى شَيْئاً أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شَهِدَ الوقْعَةَ عَلَى نية الجهادِ، ونُصْرَةِ المسلمين، استحقَّ الغنيمة، قَاتَلَ أو لم يُقَاتِلْ؛ لما رُوِيَ مَرْفُوعاً عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَمَوْقُوفاً على أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا-: "أَنَّ الْغَنيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ" 66 ويتعلَّق بهذا الأصلْ صُوَرٌ: إحداها: مَنْ حَضَر قبل انقضاء القتالِ، استحَقَّ الغنيمة؛ لأنَّه شَهَدَ الوقعة، وإِنْ حَضَرَ بعد انقضاء القتال، نُظِرَ: إنْ كان بعد حيازةِ المالِ، لم يستحقَّ شيئاً، وإنْ لم يدخُلُوا بَعْدُ دَارَ الإِسلام؛ خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- فيمن لَحِقَ في دارِ الحَرْب قَبْل قسمة الغنيمة، حيثُ قال: "إِنَّهُمْ يشاركون" وإن كان قبل حيازَتِهِ، فوجّهَان في رواية بَعْضِهِمْ، وقولان في رواية آخرِينَ: أصحهما: أنَّ الجوابَ كذلك؛ لعدَمِ شهود الوقعة.
والثاني: أنه يثبت الاستحقاقُ؛ لأنه لَحِقَ قَبلَ تمام الاسْتيلاَءِ، وحكى القاضِي ابنُ كج عن بعض الأصحابُ: "أنَّه إنْ كان لا يُؤْمَنُ رجعةُ الكفارِ، استحَقَّ الذي لَحِق؛ = رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم الحرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، وأردنا أن نستمتع ونعزل -الحديث- قال ففيه دليل على أنه قسم غنائمهم قبل رجوعه إلى المدينة، وأما قسمة غنائم حنين، فغير معروف، والمعروف ما في صحيح البخاري وغيره من حديث أنس أنه قسمها بالجعرانة، وفي الطبراني الأوسط من حديث قتادة، عن أنس لما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة حنين والطائف، أتى الجعرانة فقسم الغنائم بها واعتمر منها.

الجزء: 7 - الصفحة: 364

لانتفاع الأوَّلِينَ بحضوره، وإنْ كان يُؤمَنُ، لم يستحِقَّ فهذا وجهٌ ثالثٌ، وعلى قياسِ المسألَة، قال الحَنَّاطِيُّ -رحمه الله-: "إذا أقاموا عَلَى حصْنٍ، وأشرفوا عَلَى فتحه، فَلَحِقَ مَدَدٌ قَبْلَ الفتح، شاركوهم في الغنيمة، وإن فَتَحُوا، ودخلوا آمِنِينَ، ثم جاءَهُمُ المدَدُ، لم يَشارِكُوهم".
الثانية: إذا غاب بعضُهُمْ في أثناء القتال منْهزِمَاً، لم يَعُدْ حتَّى انقضَى القتالُ، فلا حقَّ له وإنْ عاد قبل انقضائه، استحَقَّ من المحوز بعد عَوْدِهِ، دون المحوز قبل عَوْده، هكذا ذكره في "التهذيب" وقياسه أن يُقَالَ فيمن حَضَر قبل انقضاءِ القتال.
إِنَّه لا حقَّ له في الغنيمةِ المحوزةِ قبل حضوره، وكذلك نقله أبو الفَرَج الزاز عن بعض الأصحاب، وإنْ أطلقنا في المسألة السابقةِ 67، أنه يستحِقُّ، ولم يفصل، وإنْ وَلى مُتَحَرِّفَاً لقتال أو مُتَحَيِّزَاً إلَى فئة، لم يبطُلْ حقُّه عَلَى تفصيل مذكور في "السير" ومن هَربَ ثم ادَّعَى أنه كان مُتَحَرِّفاً أو متَحَيِّزاً، فالجواب في الكتاب أنَّه يصدَّق بيمينه، وقال في "التهذيب": إنْ لم يَعُدْ إلاَّ بعد انقضاء القتال، لم يصدَّق؛ لأنَّ الظاهرَ خلافُهُ 68، وإنْ عاد قبله، صُدِّق بيمينه، فإِنْ حَلَف، استحَقَّ من الكُلِّ، وإنْ نَكَلَ، لم يستحقَّ إلا من المحوز بَعْدَ عوده 69. الثالثة: إذا ماتَ واحدٌ من الغانمين قبل الشُّرُوع في القتال، فلا حَقَّ له، وإذا مات فَرَسُهُ، فليس له سهْمُ الفرس، وإنْ كان ذلك بَعْدَ دخوله دارَ الحَرْب فارساً، ولو سرق فرسه، أو عار، أو خرج من يده ببيعٍ أو هبة، فهو كما لو ماتَ، وفيما إذا عار وجهٌ: أنه يستحقُّ سهمه، نقله الشيخ أبو حامد، وضعفه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-:"إذا دخل دارَ الحَرْب فارساَ، ثم مَاتَ الفرسُ، استحق سَهْمَ الفرس".
وعنْه فيما لو باعه أو وَهَبَهُ روايتان، واحتجَّ الأصحابُ بأنَّه حيوانٌ يُسْهَمُ له، فإذا مات قبل الشُّرُوع في القتال، لم يُسْهَمْ له كالفارس، لكن أقضى القضاة المَاوَرْدِيُّ روي عن أبي حنيفة -رحمهما الله- في: "الأحكامِ السُّلْطَانِيَّةِ": أنه إذا ماتَ هو، أو فرسَهُ بعد دخول دار الحَرْب، "يُسْهَمُ له" فسوَّى بين موت الفارِسِ ومَوْتِ الفرس، ولو مات واحدٌ منهم بَعْدَ انقضاءِ القتالِ، وحيازةِ المَالِ، انتقل حقُّه إِلَى ورثته وإنْ لم يدْخُلوا بَعد دارِ الإسْلاَم؛ خلافاً لأَبي حنيفة -رحمه الله- ولو مات فرسُهُ في هذه الحالةِ، استحَقَّ سهم الفرس، وَلو مات الغانمُ بعد انقضاء القتالِ، وقبل حيازة المال، فوجهان قال في "التهذيب":

الجزء: 7 - الصفحة: 365

أصحهما: انتقال حقِّه إلَى ورثته أيضاً، ويجري الوجهانِ فيما إذا مات فرسُهُ في هذه الحالة هلْ يستحقُّ سهم الفرس لحُصُولِ الغنائم بحضوره فارساً، وإنْ مات في أثناء القتالِ، فالحكاية عن النصِّ سقوطُ حقه، وفيما إذا مَات فرسه في أثناء القتالِ: أنه يستحِقُّ سهم الفرس، وللأصحابِ فيها طُرُقٌ: أظهرها: تقريرُ النصَّيْن؛ فرقاً بأنَّ الفارس متبوعٌ، فإذا مات فات الأصل، والفرس تابع؛ فإذا مات، جاز أنْ يبقَى سهمه للمتبوع.
والثاني: أنَّ فيهما جميعاً قولين: وجْه الاستحقاقِ: شهودُ بعْضِ الوقعة، ووجْهُ المَنْع: اعتبارُ آخر القتال؛ فإنَّه وقت الخَطَر؛ والظَّفر.
وعن الشيخ أبي زيد: أنه إنْ حصَلَتْ حيازة المال بنصب قتالٍ جديدٍ، فلا استحقاقَ، لا في موت الفرس، ولا في موت الفارس، وعليه يُحْمَلُ نصه في موت الفارسِ، وِإنْ أفضَى ذلك القتالُ إلى الحِيَازَةِ، ثبت الاستحقاقُ في الصورتَيْنِ، وعليه يحمل لَهُم في صورة الفَرَسِ.
الرابعةُ: إذا شهد الوقْعَةَ صحيحاً، ثمَّ مرضَ نُظِر: إنْ كان مرضاً لا يمتنع معه القتالُ؛ كالحُمَّى الخفيفةِ، والصُّدَاعُ أو كان يرجَى زوالُه، لم يبطُلْ حقُّه، وإنْ كان غير ذلك؛ كالزَّمَانة، والفَالج، والعمَى، فقولان، أو وجهان: أحدهما: يبطُلُ، لخروجه عن أهليَّةِ القتالِ، كما لو مات.
والثاني: المَنْع؛ لأنه يُنْتَفَعُ برأيه ودُعَائِهِ بِخِلاَفِ الميِّت؛ ولأنه يحتاج إلى العلاج والإياب؛ بخلاف الميت، وفي إبطالِ حقِّه ما يمنعه عن الجهادِ، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وغيره وإيراد الكتاب يُشْعِرُ بترجيح الأول؛ وهو الذي أورده القاضي ابن كج، ولو جُرحَ في الحَرْب، ففي "التهذيب" يُنَزَّلُ منزلةَ المرضِ، فينظرُ في الجراحةِ، وحصول الأثخان بها، وعدمه، وفي "الشَّامل" وغيره ترتيبُ الجراحةِ على المَرضَ، إنْ قلنا: يستحقُّ المريضُ، فالمجروحُ أولَى، وإلا، ففيه خلافٌ؛ لأنَّ ما أصابه إنَّما أصابه بسبب الحرب، فلا يحسُنُ حرمانُهُ، ثم الأكثرون أطلَقُوا القَوْل في رجاءِ الزوال وعدمه، وحكَى بعض أصحاب الإمام: أنَّ المعتبر رجاءُ الزوال قبل انْجِلاءِ القتال 70، وإذا لم يستحقَّ المريضُ، فَيَرْضَخُ له، وكذلك ذكره الحَنَّاطِيُّ وآخرون، والمريض بعد إنقضاء القتال؛ وقَبْلَ حيازةِ الغنيمةِ، على الخلافِ الَّذي سَبَقَ في المَوْت.
الخامسة: المُخَذِّلُ للجَيشِ يُمْنَعُ من الخروج مع الناس، والحُضُور في الصفِّ،

الجزء: 7 - الصفحة: 366

فإن حضر، لم يُعْطَ شيئاً، لا السَّهْم، ولا الرَّضْخ؛ لأنَّ ضرر حضورِهِ فَوْقَ ضرر انهزامِ المُنْهَزِمِ؛ والمخذِّل هو الذي يُكثِرُ الأَراجِيفَ؛ وَيُكَسِّر قُلُوبَ الناسِ، وَيُثَبطهُم، فيقول: لا تنفروا في الحر؛ وإنَّ في العَدُوّ كثرةٌ، وما أشبه ذلك، ولا يلحق الفاسقُ بالمُخَذِّل، وذكر القاضي ابن كج: أنَّ أبا الحُسَيْن حكَى وجْهاً: "أنه لاَ يُسْهَمُ له؛ لأنه لا يُؤْمَنُ منه الغَدْرُ والتخْذِيل" 71. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ إِذَا وَجَّهَ الإِمَامُ سَرِيَّة فَغَنِمْتَ شَيْئاً يُشَارِكُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا جَيْشُ الإمَامِ، إِذَا كانُوا بِالقُرْب مُتَرَصِّدِينَ للِنُّصْرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو بعث الإمامُ أو قائدُ الجيشِ سريَّةَ إلَى دار الحرب، وهو مقيمٌ في بلده، فَغَنِمَتْ شيئاً، لم يشركْهُمُ الإمام ومَنْ معه من الجَيْش 72؛ كانت السرايَا تَخْرُج من المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتغنم، فلا يشاركُهُمُ المُقيمونَ بها، ولو بعث سريتَيْنِ إلى جهتين، فلا تشارك إحْدَاهما الأخرَى فيما تغْنَمُ، نعم؛ لو أوغلنا في ديار الكفر، والتقتا في موضع، فيَشْتَرِكَانِ فيما يغْنَمَانِ بعد الاجتماع، ولو بعثهما إلَى جهةٍ واحدةٍ، فإن أَمَّرَ عليهما أسيراً واحداً أو كانت إحداهُمَا قريبةً من الأخرى؛ بحيث تكونُ إحداهما عَوْناً للأخرَى، فيشتركان في الغنائم، وإلا، فلا، ولو دخل الإمامُ دارَ الحَرْب، أو دخَلَها قائدُ الجَيْش، فوجَّه سريةً إلَى ناحيةِ فغنِمَتْ شاركهم جيشُ الإمام، ولو غنم الجيش، شاركته السريةُ؛ لاستظهارِ كلِّ فرقة منها بالأخْرَى، وقد رُوِيَ أنَّ جيش المسلمين تَفَرَّقُوا، فَغَنِمَ بعضُهم بـ"أوْطَاس" ومنهم بخيبر فشركوهم، ولو وجه سريتَيْنِ إلَى جهةٍ واحدةٍ، اشترك الكلُّ فيما يغْنَمُ كلُّ منهم، ولو وجههما إِلَى جهتين، فكذلك في ظاهر المَذْهَب؛ لأنَّ كل واحدةٍ منهما تستظهرُ بجَيْش الإمام، وهو كالجامِعِ لهما؛ بخلاف ما لو بعثهما إلَى جهتين، وهو في بلدِهِ، حيث لا تُشَارك إِحداهما الأخْرَى؛ لأنه لا جامِعَ هناك، ولا تستظهر واحدةٌ منهما بالأخُرَى، وفيه وجهٌ: أنه لا مشاركةَ بين

الجزء: 7 - الصفحة: 367

السريَتَيْنِ هاهنا أيضاً، وأشار في "الشامل" إلَى خلافٍ في التشريكِ هناك أَيْضاً، ثم ذكر القاضِي ابن كج والإمام -رحمهما الله تعالى-: أنَّ شرط الشركةِ أن يكُونُوا بالقُرْب مترصِّدين للنُّصْرة، وحَدُّ القربِ أن يبلغَهُمُ الغوث والمَدَدُ منْهم، إنْ احتاجوا، وعلَى ذلك جَرَى في الكتاب، ولم يتعرَّض أكثرهم لذلِكَ، واكتفوا باجتماعهم في دار الحرب (1) وهكذا حكاه صاحب الكِتاب عن القَفَّال، واستبعده، فعلى الأول؛ ولو كانت إِحداهما قريبةً، والأخرَى بعيدةً، اختصَّت القريبةُ بالمشاركة.

" فَرْعٌ":

بعث الإمامُ جاسوساً، فَغَنِمَ الجَيْشُ قبل رجوعه: فأحد الوجهَيْنِ: أنه لا يشاركهم؛ لأنَّه لم يشْهَدِ الوقعة.
وأشبَهُهُمَا: وبه قال الدَّارِكِيَّ -رحمه الله- أنه يشاركهم؛ لأنه فارقهُمْ؛ لمصلحتِهِم، وخاطَرَ بما هو أعظَمُ من شهود الوَقْعَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ مَنْ حَضَرَ لاَ لِقَصْدِ الجِهَادِ كَالأَجِيرِ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ إِنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَستَحِقَّ (و)، وَإِنْ قَاتَلَ فَثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، فِي الثَّالِثِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إِسْقَاطِ الأُجْرَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ القِتَال وَبَيْنَ إِسْقَاطِ الغَنِيمَة، وَفِي التَّاجِرِ هَذَانِ القَوْلاَنِ وَلاَ يَجْرِي الثَّالِثُ، وَأَمَّا الأَجِيرُ للِجِهَادِ فَإِنْ كَانَ كَافِراً اسْتَأْجَرَهُ الإِمَامُ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً فَلاَ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ الغَنِيمَةَ أَيْضاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، لأَنَّهُ أَعْرِضَ عَنْهَا، وَأَمَّا الأَسِيرُ إنْ كَانَ مِنْ هَذا الجَيْشِ وَعَادَ اسْتَحَقَّ قَاتِلَ أَوْ يُقَاتِلْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جَيْشٍ آخَرَ وَلَمْ يُقَاتِل فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ والْتَحَقَ بِجُنْدِ الإِسْلاَمِ اسْتَحَقّ وإنْ لَمْ يُقَاتِل عَلَى الأَظْهَرِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ المسأَلَةِ الكلامُ في صُوَرٍ: إحداها: إذا شَهِدَ الأجيرُ مع المستأْجِرِ الوقْعَة، نُظِر: إنْ كانتِ الإجارةُ لعَمَلٍ في الذمَّة من غير تعِيينِ مدَّةٍ؛ كخياطة ثَوْبٍ، وبناءِ حائِطٍ، فخرج، وشَهِدَ الوقعةَ، فله السَّهْمُ بِلاَ خلاَفٍ، والعمل المستأجر علَيْهِ دَيْنٌ في ذمته، وإن تعلَّقت الإجارة بمدة معيَّنةٍ، كما إذا استأْجَرَ لسياسَةِ الدوابِّ، وحفْظِ الأمتعة شَهْراً، وخرج به، نَقَلَ جماعةٌ منهم المصنِّفُ، وصاحب "التهذيب" أَيْضاً؛ أنه إنْ لم يقاتِلْ، لم يستحقَّ السَّهْم، وإنْ قاتَلَ، فثلاثة أقوال، وأطلَقَ المسعودِيُّ وآخرون الأقوال من غير فصل بين أن يقاتل أو لا يقاتل، وكذلك أطلقها الشافعيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر".73

الجزء: 7 - الصفحة: 368

أظهرها: أن له السهْمَ؛ لَشُهودِ الوقعة.
والثاني: المنع؛ لأنَّ منفعته مستحَقَّةٌ للغَيْرِ، وكان كالعبد، إذا شَهِدَ الوقْعَةَ وعلى القولَيْنِ يستحقُّ الأجرةَ بمقتضَى الإِجَارَةِ.
والثالث: أنه يخيَّر بين الأُجْرَةَ، و [بين] سَهْمِ الغنيمة، فإنْ اختار الأجْرَةَ، فلا سَهْمَ لَهُ، وَإِنِ اختارَ السَّهْم، سقَطَتِ الأجرة؛ ليخلصَ سعيه للجهادِ وقد توجه له، و [قد] احتج له بأن التسليم الواحدَ لا يوجِبُ بدَلَيْنِ مختلفَيْنِ، وأيهما اختَارَ سَقَطَ الآخَرُ؛ كالقِصَاص، والدِّية، وهذا القول الثالثُ موضِعُ البحث من جهَةِ أنَّ الإِجارة عقْدٌ لازمٌ، فكيف يخيَّر الأجير فيها، وبتقدير التخْيِير، فإذا اختار السَّهْم سقط أجرة جميع المدة، أم كَيْفَ الحالُ؟ ومتَى يخيَّر، قبل شهودِ الوقعة، أو بعده؟ فالجواب: أما الأَوَّلُ: فعن صاحب "الإفصاح": "أنَّ القولَ الثَّالِثَ فيما إذا استأجر الإِمَامُ؛ لِسَقْيِ الغزاة، وحفْظِ دوابِّهم مِنْ سَهْم الغزاةِ مِنَ الصَّدَقات، فشهد الأجيرُ الوقْعَة، فيخيره فالإمام فأما أجيرُ آحادِ النَّاس، فلا يجيء فيه هذا القَوْلُ؛ لأنَّ الإجارة لازمةٌ إلاَّ أن يكون الجارِي بينهما صورةَ الجَعَالَةِ، وأيضاً فإِن أجير الآحاد يسلم الأجرة للمستأجِرِ، وُيؤْخَذ السهم من الغانمين، وهو بَعِيدٌ، والذي استأجَره الإمامُ؛ لمصلحةِ الغُزَاة: إِن اختَارَ السهْمَ، سلمت الأجرة للغُزَاةِ، وإن اختار الأجرةَ، سلم السهم لهُمْ، والأكثرون أَجرُوه في الأجيرين، كما أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وقالوا: "لزوم الإجارةُ لا يختلف في الصورتَيْنِ" وأما سلامةُ الأجرةِ للمستأْجِرِ، فلا يُعَدُّ فيما إذا مرض إذ الغرض أنْ يُخْلِص عمله للجِهَاد، وللقربة، فليقدِّر الغانِمُونَ أنه لم تجر إجارة، وأما ما يَسْقُطُ من الأجرةِ، إِذا اختار السهْمَ ففيه وجْهَان: أحدهما: أنَّها تسقُطُ منْ وقتِ دخولِ دَارِ الحَرْبِ.
وأظهرهما: مِنْ وَقْتِ شهودِ الوَقْعة؛ لأنَّ استحقاقَ الغنيمةِ يتعلَّق به، فلا يجبُ معه الأجرة، فأما فيما قَبْلَهُ، وبَعْدَه، فلا يجمع الحقَّان، وأمَّا أنه متَى يخيَّر، ففي "الشامل": أنَّ الأصحابَ قَالُوا: يُخيَّر قبل القِتَالِ وبَعْدَه، فيقال قَبْلَه: إنْ أردت الجهادَ، فاطَّرِح الأجرة،.
وإنْ أردتَّ الأجرةَ، فاطَّرِحِ الجهاد، ويقال بعده: إنْ كنتَ قَصَدَتَّ الجهادَ، فلا أجرة لك، وإن قصدتَّ الأجرةَ، فَخُذْهَا، ولا سَهْمَ لك والمراد أنَّ الغَرَضَ يَحْصُلُ بكلِّ واحدٍ منهما إلا أنه يخير في الحالَتَيْنِ جميعاً، والله أعلَمُ.
وإذا قلْنا: يُسْهَمُ للأَجيرِ، فله السَّلَب، إذا قَتل، وإن قلْنا: لا يُسْهَمُ له، فوجْهَانِ، وله الرَّضْخُ؛ كالعبيد والمرَأة، وحكى القاضِي ابن كج وجهاً: "أنه لا يُرْضَخُ له"؛ لأنه لم يُسْهَمْ له، وهو من أهله، فلا يُرْضَخُ له، هذا في سائر الأُجَرَاءِ، وأما الأجيرُ للجهادِ، فالكَلاَمُ في استئْجَارِ المُسْلِمِ واستئْجَارِ الذِّمِّيِّ للجهاد مؤخر إلَى كتاب "السير" وإذا

الجزء: 7 - الصفحة: 369

صحَّتِ الإجارةُ، فللأجير الأجرةُ، ولا سَهْم، ولا رضخ وينبغي أنْ يجيء عَلَى وجهٍ ذُكِرَ في صحَّة استئْجَارِ المُسْلِم على الجهادِ الأقوالُ الثلاثةُ، وإذا لم تصحَّ الإجارة، فلا أجْرَةَ له، وفي سلم الغنيمة، فوجهان: أحدُهُما: أنه يستحقُّه لشهودِ الوَقْعَة.
والثاني: وهو المذكورُ في "التهذيب": المنْعُ، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه أعرضَ عَنْه بالإجارة، ولم يحضُرْ مجاهداً، والوجهانِ فيما ذكر الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- مبنيَّانِ على القولَيْنِ فيما إذا أحْرَم الأجيرُ عن المستأجِرِ، ثم صرف النية إلَى نفسه، هل يستحقُّ الأجرة، وهما شبيهانِ بالوجْهَيْنِ فيما إذا شَرَطَ في المضاربة كلَّ الربح للمالِكِ، هل يستحقُّ الأجرة، قوله في الكتاب: "إنْ لم يقاتِلْ، لم يستحق"، يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة المطْلقة.
وقوله: "وبيْنَ إسْقَاط الأجْرَةِ من ابتداءِ القتالِ، وبين الغنيمة" أي: وبين إسقاطِ الغَنِيمَةِ، وإلاَّ فإسقاطُ الأجرةِ إثباتُ الغنيمةُ، فلو لم يضمن في الغنيمةِ الإسْقَاط، لم يكُنْ فيه تعرض للطَّرَفَينِ، وقوله: "من ابتداء القتال" مرقومٌ بالواو؛ للوجه الآخر، وقوله: "وإنْ كان كافراً، اسْتَأجَرَهُ الإمام" أشار به إلَى أنَّ استئجار الآحادِ ممنوعٌ منه، وفيه خلافٌ مذكورٌ في السير وقوله: "وإن كان مسلِماً فلا" يجُوزُ إعلامه بالواو لشيء يُذكَرُ هناك.
الثانية: تُجَّار العَسْكر وأهْلُ الحِرَفِ، كالسَّرَّاجين الخياطين البزازين والبقالين، وكلَّ من خرج لغَرَضِ تجارةٍ أو معاملةٍ، إذا شهد الوقعةَ، هل يُسْهَمُ له؟ فيه قولانِ؛ كما في الأجير، ولا يجيءُ فيهم قولُ التخيير، وفي موضعِ القولَيْنِ طُرُقٌ: أظهرها: أنَّ القولَيْنِ فيما إذا قاتلوا، فإنْ لم يقاتِلُوا، لم يستحقُّوا قولاً واحداً، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" وهو الذي يقتضيه نَظْمُ الكتاب.
والثاني: وهو الذي قال به القاضي أبو حامد: "أنَّ القولَيْنِ فيما إذا لم يقاتلوا، وأما إذا قاتَلُوا، استحقُّوا بلا خلاف، لأنَّا عرفنا بقتاله أنَّ قصْده لمْ يَكُنْ لمحْضِ التجارةِ، فصار كما لو خرج للجِهَاد، وحمل مع نفسه متاعاً يبيعه.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق، وابْنُ القطان -رحمهما الله تعالَى- أنهما يُطْرَدَانِ في الحالَتَيْنِ، وبهذا أجاب القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- في "الحلية" وقال: أصحُّ القولَيْنِ: أنه يُسهَمُ للتاجر؛ لتكثيره سوادَ المُسْلِمين" وإذا قلنا: لا يُسْهَمُ للتاجر، فهل يُرْضَخُ له؟ فيه وجهانِ، كما في الأجير؛ الأصحُّ: نعم.
الثالثةُ: لو أفلت الأسيرُ من يد الكافِرِ، وشهد الوقعةَ مع المسلمين؛ فإِنْ كَانَ من

الجزء: 7 - الصفحة: 370

هذا الجيش استحَقَّ السهْمَ، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه خرج للجهاد وقَهْرِ العَدُوِّ بالإفلات، وشهد الوقعة، وإنْ كان من جيش آخَرَ، أسر من قبل، فقوْلان؛ وجه المنع: أنه لم يَقْصِدِ الجهاد، ووجْهُ الاستحقاقِ: شهودُ الوَقْعة، وفي محلِّ القولَيْن طريقان عن أبي إسحاقَ وغيره، طَرْدُ القولَيْنِ فيما إذا قَاتَلَ أو لم يقاتل [فأظهرهما، وهو المنصوصُ في "المختصر": أن القولين فيما إذا لم يقاتل] 74 فإن قاتل، استحقَّ بلا خلاف؛ لأنه قد بانَ بالقتال أن قصْدَه الجهادُ، وأنَّ الخلاصَ لم يتمحَّض عوضاً له، فصار كما لو اختلط أن أحاط المشركون بأهل قرية لا يُسْهَمُ للمقيمين بها، حتَّى يقاتلوا؛ ليمتاز المجاهِدْ عن المقيم، حُكِيَ هذا التوجيهُ والشبه 75 عن أبي يعقوب الأبيوردي، هذا إذا أفلت قبل الحرب، وحيازة الغَنِيمَةِ، وإنْ أفلَتَ بعد الحرب، وقبل الحِيَازة، فعلى ما مَرَّ في لحوق المَدَدِ، وإنْ أفلت بعد الحيازة، قال في "الشامل": إن قلنا: تملك الغنيمة بالحيازة، فلا سهم لَه، وإلا فَهُوَ كما لو أفْلَتَ قبل الحيازة ولم يقاتِلْ، وإذا لم نَجْعَلْ للأسير السهْمَ، ففي الرضْخِ الخلافُ السابِق وعند أبي حنيفة -رحمه الله- حكمُ الأجيرِ والتاجِرِ والأسيرِ واحدٌ، إن قاتلوا، استحقُّوا السهْمَ، وإلا فلا.
الرابعة: لو أسلم كافرٌ، فالتحقَ بجُنْدِ الإِسلام، استحَقَّ السهم، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنَّه قصد إعلأَ كلمةِ الله تعالَى بالإِسلام، وشهودِ الوَقْعَة فيقبح حرمانُهُ.
وقوله: "استحقَّ السهْمَ وإنْ لم يقاتل علَى الأظْهَر" هكذا هو في متْن الكتاب، وقضيته إثباتُ خلافٍ في المسألة وخطَّ بعض المعنيين بهذا الكتاب عَلَى كلمة "على الأظهر" لأنه لم يذكر في "الوسيط" خلافاً فيه، بل قال: "يستحقُّ السهْمُ قَاتَلَ أو لم يُقَاتِلْ" لكن يجوز أنْ يترك بحالها لأنَّ أبا الحسن العباديَّ قال في "الرقم لو أسلم كافرٌ، وحضر المعسكر إنْ قاتَلَ، استحق، وإنْ لم يقاتِلْ، لم يستحق" قال: وأصْلُ هذه المسائِلِ إنَّ القصْدَ إلى الجهَادِ، هل هو شرطٌ يعني من الابتداء، واختلافُ جوابِ الأئمةِ يُوجِبُ الخلاف.
واعْلَمْ أنَّ الحكم في هذه الصُّوَرِ بالترتيب، فالكافِرُ الذي أسْلَم أولَى بالاستحْقَاقِ، ويليه الأسيرُ لما في الإفْلاَتِ من قهْرِ الكفار، ويليهما التاجِرُ والأَجير والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ يُسَوَّى (ح م) بَيْنَ الجَمِيعِ فِي القِسْمَةِ إلاَّ لِأَصْحَابِ الرَّضْخِ فإنَّهُمْ يَنْقُصُونَ، وَإلاَّ الفَارِسَ فَإنَّهُ يُعْطَى (ح) ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ وَللِرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلاَ يُعْطَى إلاَّ لِرَاكِبِ الخَيْلِ، ثُم لاَ فَرْقَ فِي الفَرَسِ (و) بَيْنَ العَرَبيِّ وَالعَجَمِيِّ وَالتُّركِيِّ، وَلاَ يُعْطَى

الجزء: 7 - الصفحة: 371

الضَّعِيفُ وَالأَعْجَفُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ أَحْضَرَ فَرَسَيْنِ لَمْ يُعْطَ (و) إِلاَّ لأحَدِهِمَا، وُيعْطَى لِلفَرَسِ المُسْتَعَارِ وَالمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَا المَغْصُوبُ، (و) وَلَكِنَّهُ لِلغَاصِبِ، أَوِ للمَالِكِ فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مَرَّ أنَّ المَالَ المغنوم يبدأُ منه بالسَّلَب والمُؤَن، ثم يقسَّم الباقي خمسةَ أقسامٍ، ويجعلُ أربعةُ أخماسِهَا للغانِمِينَ، يُسوَّى بينهم في ذلك، ولا يُفَضَّل بعضُهُم على بعضٍ إلاَّ بشَيْئَيْنِ: أحدُهُما: النُّقْصَان المقْتَضِي للرَّضْخِ، عَلَى ما سبق، وهذا مفرَّع عَلَى أنَّ الرضْخَ من الأخماس الأربعة.
والثاني: أنَّ الفارسَ يُفضَّل على الراجِلِ، ويعطَي الفارسُ ثلاثةَ أسهُم؛ سهماً له، وسهمين لفرسه، ويعطي الراجل سهماً، لمَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "ضَرَبَ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ، وللفارس بسهم" 76. وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: للفارس سهمان؛ سهمٌ له، وسَهْمٌ لفرسه، وللراجِلِ سهْمٌ واحدٌ، ويتعلَّق بهذا الأصْلِ مسائلُ.
إحداها: لا يلحقُ راكبُ البعير، والفِيلِ، والحِمَارِ، والبَغْلِ براكب الخَيْل؛ لأَنَّ هذه الدوابَّ لا تصلُحُ للحَرْبِ صلاحَيَةَ الخَيْل، ولا يتأتى منْها الكَرُّ والفَرُّ، ولكنْ يعطَى للراكب سهْمٌ، ويرضَخُ لهذَه الدوابِّ، ويجْعَلُ رضْخُ الفيل أكثر من رضْخِ البَغْل، ورَضْخُ البغْلِ أكثَرَ من رَضْخِ الحمَارِ، ولا يبلغ رضخُهُمَا سهْمَ الفَرَس 77. الثانية: لا فرق في الخَيْلِ بين الَّذي أَبَوَاهُ عربيَّانِ، ويقال: له العَتِيقُ، والذي أبواه عَجَمِيَّانِ، ويقال: له البِرْذَوْنُ، والذي أبوه عَرَبِيٌّ، وأمه عجميةٌ، وهو الهَجينُ، والذي أبوه عجميٌّ، وأمه عربيَّةٌ، وهو المقرف؛ لأن الكَرَّ والفر يجيء من هذه الأنواع، وقد روي أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نواصِيَها إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" الأجر والمغنم 78،

الجزء: 7 - الصفحة: 372

فأطلق لَفْظَ الخيل، وفيه قول: أنه لا يسهم للبِرْذَوْنِ، بل يُرْضَخُ له؛ لأنَّه لا يعمل عَمَلَ العربيِّ، ومن قال بالظَّاهِر شبه تفاوتهما بتفاوُتِ الراكب القَوِيِّ، والراكِب الضعيف، وعن أحمد -رحمه الله- في أصحِّ الروايتين: "أنَّه يجعل لما سِوَى العربيِّ سهْمٌ لا سَهْمَانِ".
الثالثة: ليتعهد الإمامُ الخيلَ، إذا أرادَ دُخُول دارِ الحَرْب، فلا يُدْخِلُ إلاَّ فرساً شديداً، ولا يُدْخِل حطماً وهو قحماً وهو الهرم الفاني ولا ضرعاً، وهو الصغيرُ الضعيفُ، ولا أعجف رازحاً والأعجف الهزولُ والرازح البين الهزال 79، فلو أدْخَلَ بعضُهم شيئاً منْها، نُظِرَ: إن نهى الإمامُ عن إدخاله، وبلغه خبر النَّهْيِ، لم يسهم لفرسه، وإن لم يَنْه الإمام أو لم يبلُغْهُ خَبَرُ النهْيِ، فقولان: أحدهما: أنه يُسْهَمُ لهُ، كما يُسْهَم للشَّيْخ الضعيف، إذا حَضَر.
وأصحُّهما: المَنْع؛ لأنه لا فائِدَةَ فيه، بل هو كلٌّ عَلَى صاحبه، بخلاف الشيْخِ، فإنَّه ينتفع برأْيِهِ.
ودعائه، وعن أبي إسحاق أنه لا خِلاَف في المسألة، بل القولُ الأوَّل محمولٌ عَلَى ما إذا أمكَنَ القتَالُ عَليه، والثانِي عَلَى ما إذا لم يُمْكِنْ.
الرابعةُ: من حَضَرَ بفرسَيْنِ، لم يُسْهَم إلا لواحدٍ، لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يُعْطِ الزُّبَيْرَ -رضي الله عنه- إلا لفَرَسٍ واحدٍ، وَقَدْ حَضَرَ يَوْمَ خيبر 80 بأفراس".
وقال أحمد -رحمه الله-: "يعطي لفرَسَينِ" ولا يزادُ لحديثٍ وَرَدَ 81 فيه، ورواه راوُونَ قولاً عن الشافعيِّ -رضي الله عنه-.

الجزء: 7 - الصفحة: 373

الخامسةُ: يُسْهَم للفَرَسِ المستعارِ والمستأْجَرِ، ويكونُ ذلك للمستعِيرِ والمستأْجِرِ، وعن رواية: ابن القَطَّان -رحمه الله- وجه: أنه يكونُ سَهْمُ الفرسِ المستعارِ للمُعِير، وأما الفرسُ المغْصُوب، فوجهان في أنَّه، هل يسهم له: وجْه المنع: أنَّ ركُوبَهُ وإحضارَهُ حرامٌ شرعاً، فكان كالمعدومِ، والأصحُّ الإثبات؛ لحصول الغناء به، وعلى هذا، فهو للمالِكِ (1) أو للغَاصِب الراكِب فيه قولان، ويقال: وجهَان؛ وجه الأَوَّل: أنَّ منافعَ الفَرَسِ وفوائِدَهُ للمالِكِ، وَالأصحُّ الثانِي؛ لأنه الذي أحْضَرَهُ، وشَهِدَ به الوقعةَ، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد -رحمه الله- "بناءُ هذا الخلافِ عَلَى أنَّ ربح الدراهِمِ المغْصُوبَة، للمالك أو للغَاصِب" وقد عرفْتَ بما ذكرنا أنَّ قوله في الكتاب يُسَوَّى بين الجميعَ في القسْمَة يعني قسْمَةَ الأخماس الأربعةِ، ولو حمل عَلَى جميع الغنيمة، لاحتيج إلى استثناء أصْحَاب النَّقَل والسَّلَب أيضاً، ثم هو مُعْلَمٌ بالحاء والميم؛ لأن عندهما يجوز للإمام تفْضيلُ بعض الفارِسين عَلَى بعض، وبعض الراجلين على بعض، كما يراه، وجوز مالك -رحمه الله-: أن يعطي غَيْرَ مَنْ شَهِدَ الوقعة أيضاً.
وقوله: "إنه يعطي ثلاثة أسهم" معلَمٌ بالحاء، ويجوزُ أن يعلم قوله "إلا لراكب خَيْل" بالألف؛ لأن عند أحمد: يجعلُ للبَعِير سهم.
وقوله: "ثم لا فَرْقَ في الفَرَسِ" مُعْلَمٌ بالألف والواو، وكذا قوله: "لم يُعْط إلاَّ لأحدهما"، وقوله: "وكذا للمغصوب" بالواو، ويمكِنُ أنْ يعلم قوله "فقولان" بالواو؛ لأنَّ صاحِبَ "الشامل" رأَى القَطْعَ بأنه للغَاصِبِ.

فَرْعٌ:

إذا كان القتالُ في ماءٍ أو حصنٍ، وقد أحضر الفرس، أسْهم لفرسه؛ لأنَّه قد يحتاج إلى الركوب، حكى ذلك عن نَصِّه في "الأمِّ" وحمله القاضي ابن كج: "عَلَى ما إذا كَانُوا بالقُرْبِ من السَّاحِل" واحتملَ أنْ يَخْرُجَ، ويَرْكَبُ، فأما إذا لم يَحْتَمِلِ، الحالُ الرُّكُوبَ، فَلاَ معنَى لإعطاءِ سَهْمِ الفَرَسِ.
ولك أن تقولُ: قضيةُ التوْجِيهِ المذْكُور أنْ يسْهِمَ لفرَسَيْنِ وأكثر؛ لأنَّه قد يحتاجُ إلَى ركوب الثانِي والثالِثِ، وقد التزم مؤنتهما، وُيرْضَخُ للصبيِّ والذميِّ والفارسين أكثَرَ مما إذا كَانَا راجِلِينَ، ولو أحضر اثنان فرساً مشتركاً بينهما، فلا يعطَيَانِ سهْمَ الفرس؛ لأنه لم يَحْضَر واحدٌ منهما بفرس تام، أو يعطَى كلُّ واحدِ منهما سَهْمَ فرس؛ لأنَّ معه82

الجزء: 7 - الصفحة: 374

فرساً، قد يركبه أو يُعْطَيَانِ سهم فرس مناصَفَةً؟ فيه ثلاثة أوجه 83 مذكورة في "أمالي أبي الفرج السرخَسِيِّ" -رحمه الله- ولو ركب اثنان فَرَساً وشهدا الوقْعَةَ، حكى القاضي ابن كجٍّ عن أبي الحُسَيْن عن بعض الأصحاب: "أنَّهُمَا كفارِسَيْنِ، يجعل لهما ستَّةُ أسهم" واستبعَدَهُ، وعن بعْضِهِمْ أنهما كراجِلَيْنِ، لتعذُّر الكرِّ والفرِّ، قال: "وعندي يجب أنْ يُجْعَلَ لهما أربعة أسهمٍ، سهمان لهما، وسهمان للفرس" 84 والله أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 375

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل