كِتَابُ أدَبِ القُضَاةِ
(1)، وفِيهِ أرْبَعَةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالعَزْلِ،
وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ: وَفِيهِ مَسَائِل: الأُولَى: أَنَّ القَضَاءَ وَالإِمَامَةَ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحَ العِبَادِ.1
الجزء: 12 - الصفحة: 405
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نتيمن أولاً بإيراد طرف من الآيات والأخبار في الباب، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقال عزَّ اسمُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] وقال تعالَى جدُّه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105].
ونُقِلَ عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ" 2.
وأَيضَاً قال عَلَيْهِ السَّلامُ: "السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وإِذَا سُئِلُوا بَذَلُوهُ، وَإِذَا حَكَمُوا لِلنَّاسِ، حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ" 3.
وأَيْضاً: "إِذَا جَلَسَ الحَاكِم لِلْحَكْمٌ بَعَثَ اللهُ مَلَكَيْنِ يُسَدِّدَانِهِ وُيوَفِّقَانِهِ فَإِنْ عَدَلَ، أَقَامَا، وَإِنْ جَارَ، عَرَّجَا وَتَرَكَاهُ" 4. = أن المعنيين متلازمان فالصفة لا يتحقق مقتضاها بدون المعنى المصدري، والمعنى المصدري لا يتحقق إلا إذا وجدت هذه الصفة.
وعلى هذا فمن عرف المعنى المصدري يسهل عليه جداً معرفة الصفة الحكمية التي يتصف بها من يصدر نه ذلك المعنى.
ومن عرف الصفة التي ينشأ عنها ذلك المعنى لم يخف عليه الفعل الناشئ عنها، فلا غضاضة على واحد من الطرفين في سلوكه المسلك الذي اختاره؛ لأن كلاً منهما موصل لمعرفة القضاء.
والقضاء هو -على ما قال ابن عرفة.
صفة حكمية توجب لمرصوفها.
نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 406
ويُروى أنه -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ عَلِيَّاً -كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ- إلى اليَمَنِ قَاضِيَاً فَقَال: "يَا رسول الله، بَعَثْتَنِي، أَقْضِي بَيْنَهُمْ وَأَنَا شَابٌّ لاَ أَدْرِي مَا القَضَاءُ؟ قال عليٌّ -عليه السلام- فَضَرَبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي صَدْرِي وقال: "اللَّهُمَّ اهْدِهِ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ"، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ 5.
وأَنه -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذَاً -رضي الله عنه- إلى اليمن قال له: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟؛ قال: أَقْضِي بكِتَابِ اللهِ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ " قال فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ.
قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ أجْتَهِدُ رَأَيَي وَلاَ آلُو، فَضَرَبَ = يجر، فإذا جار عرجاً، وتركاه، وإسناده ضعيف، قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له أصل، وروى الطبراني معناه من حديث واثلة بن الأسقع، وفي البزار من رواية إبراهيم بن خيثم بن عراك عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: من ولي من أمر المسلمين شيئاً، وكل الله به ملكاً عن يمينه، أحسبه قال: وملكاً عن شماله، يوفقانه ويسددانه، إذا أريد به خيراً، ومن ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأريد به غير ذلك، وكل إلى نفسه، قال: ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من حديث عراك وإبراهيم ليس بالقوي، وروى الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي، من حديث عبد الله بن أبي أوفى: إن الله مع القاضي ما لم يجر، زاد البيهقي: فإذا جار تخلى عنه، ولزمه الشيطان، وزاد ابن ماجة: فإذا جار وكله الله إلى نفسه، وللحاكم: فإذا جار تبرأ الله منه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمران القطّان، قلت: وفيه مقال إلا أنه ليس بالمتروك، وقد استشهد به البخاري، وصحح له ابن حبان والحاكم، وروى الطبراني في الأوسط من رواية عبد الأعلى الثعلبي عن بلال بن أبي بردة الأشعري عن أنس: أن الحجاج أراد أن يجعل إليه قضاء البصرة، فقال أنس: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: من طلب القضاء واستعان عليه، وكل إلى نفسه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملكاً يسدده، وقال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الاِسناد، تفرد به عبد الأعلى انتهى وقوله: بلال بن أبي بردة فيه نظر، فقد أخرجه البزار من طريق عبد الأعلى عن بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس، وقال: لا نعلمه عن أنس إلا من هذا الوجه، قال: وروي عن عبد الأعلى بغير ذكر خيثمة، قلت: طريق خيثمة أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم.
الجزء: 12 - الصفحة: 407
صَدْرَهُ وقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُ الله" 6.
ونقول ثانياً: القضاءُ على ما ذكره أئمة اللغة والفقه، إحكام الشيء وإمضاؤه، ومنه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] والقضاء الإتمام، ومنه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] والقضاء الفراغ، ومنه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15] أي قَتَله وفرغ منه، ويُقَال: قضيت حاجتي.
وُسُمٌّ قَاضٍ أي قاتلٌ، فسُمِّيَ القضاء قضاءً؛ لأن القاضِيَ يتم الأمر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه، وسُمِّيَ حَكَماً لما فيه من منع الظالم من الظلم، ومنه الحَكَمَةُ: ويقال: أحْكَمْتُ السَّفِيهَ إِذا أَخَذْتُ على يدِهِ ومَنَعْتُهُ.
ونقولُ ثالثاً: ترجمة الكتاب تتركَّب عن جُزَءَيْنِ أدب، وقضاء، ولا شَكَّ أن القَضَاء لا يَثْبُت للشخص من ذاته، وإنما هو ولايةٌ تَثْبتُ بالتَّوْلِيَة، وتزول بالعزل تارةً،
الجزء: 12 - الصفحة: 408
وبالانعزال أخرَى، ثم أدب القضاء وأعماله تنقسم إلى ما يشترك فيه القضاءُ على الحاضر، والقضاءُ على الغائب، وإلَى ما يختص بما إذا كان المقضى عليه غائباً، فأودع المُصَنِّفُ هذه الجملَ في ثلاثة أبواب.
باب في التولية والعزل، وباب في آداب القاضي وأعماله على العموم.
وباب فيما يتعلَّق بالقَضَاء على الغائب خاصَّة.
وأما البابُ الرابعُ المعقود في القسمة، فإنه أَتبع فيه الشافعيَّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- حيث أوردوا القسمة في خلال الأقضية، أو على أثرها، وسببه أن القاضي لا يَسْتغني عن القسام للحاجة إلى قسمة المُشْتَركات، بل القسام كالحاكم، لما سيأتي، فحسن الكلام في القسم مع الأقضية، هذا ضبط الأبواب، أما الباب الأول، فَفِيه فصلان:
أحدهما: في طرف التولية، وأول ما افتتح به الفصْل أن القضاء والإمامة من فروض الكفايات، لا غنى عنهما بالإجماع 7 لأن الظُّلْم من شيم النفوس، ولا بدّ من حاكم ينتصف للمظلومين من الظالمين.
وأيضاً، لما يتعلَّق بهما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد رُوِيَ أن
الجزء: 12 - الصفحة: 409
النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ لاَ يُقَدِّسُ أمَّةً لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَأْخُذُ للِضَّعِيفِ حَقَّهُ" 8.
ويجوز أن يوضع على لَفْظ المسألة من الكتاب واو, لأن بعض الأصحاب فيما حَكَى القاضي ابن كج ذهب إلى أن القضاء مكروهٌ؛ احتجاجاً بالأحاديث المُحَذَّرةِ في الباب.
كما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ جُعِلَ قَاضِيَاً، فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" 9.
وروي أنه قال: "يُجَاءُ بِالْقَاضِي الْعَدْلِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَاب مَا يَتَمَنَّى أَنَّه لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ" 10 ومن قال بظاهر المذهب قال: المقصود من التحذير بيانُ خطره، وأن من اسْتُقضِيَ، فقد حُمِلَ على أمر تام الوقْع، فإن جَارَ فيه هَلَك، وإن عدَل فاز بخير كثير، وهكذا يكون تبيانُ الأمورِ الخطيرة، وأيضاً، فإنَّ من الناس من يكره له القضاء، أو يحرم على ما سنبين من التفصيل، فليحمل التحذيرات
الجزء: 12 - الصفحة: 410
عليه جمعاً بين الأخبار، وإن قلنا: بالظاهر، فإذا قام بعض الصالحين للقضاء به، سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنع الكلُّ أثموا، ثم الإِمام يجبر واحداً منْهم كَيْلاَ تتعطْل المصالح، أو لا يجبر؛ لِئَلاَّ يلتحق فرض الكفاية العين، فيه وجهان أشبههما الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ فِيهِ خَطَرٌ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يقْدِمَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ، وَأَخْذُهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ حَسَنٌ، وَأَخْذُهُ بِطَلَبٍ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ، وَلَكِنْ إِنْ تَعَيَّنَ لِلولاَيَةِ وَلَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُ وَجَبَ الطَّلَبُ وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الخِيَانَةَ لَكِنْ يَجَبُ عَلَيْهِ تَركُ الخِيَانَةِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ حَرُمَ الطَّلَبُ، فَإنْ قُلِّدَ فَفَي انْعِقَادِ الإِمَامَةِ لِلمَفْضُولِ خِلاَفٌ، وَفِي القَضَاءِ تَرَدُّدٌ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يُنْعَقِدُ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَازَ القَبُولُ وَكُرِهَ الطَّلَبُ إِذَا لَمْ يَكُن بِهِ حَاجَةٌ إلَى رِزْقٍ، وإنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ وَقُلْنَا: لاَ يَنْعَقِدُ لِلمَفْضُولِ وَجَبَ الطَّلَبُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَقِدُ لَمْ يَجِبْ وَجَازَ، وَفِي وُجُوبِ القَبُولِ إِذَا قُلِّدَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ لاَ يَجِبُ الطَّلَبُ فَإِنَّمَا يُبَاحُ القَبُولُ وَالطَّلَبُ إِذَا لَمْ بَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الخِيَانَةَ، فَإِنْ خَافَ فَلْيَحْذَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "لكن فيه خَطَر" أراد به أن الولاية لَمَّا أنَّهَا تفيد قُوَّة بعْد ضَعْف، وقدرة بعد عجز، تَتَّخِذُها النَّفْسُ المجبولةُ على الشرِّ ذريعةً إلى الانتقام من العدوِّ، والنظر للصَّدِيق، وتتبع الأغراض الفاسدة، ولا يوثق بحسن عاقبتها وسلامة مجاوزتها، فالأولى ألا يطلب ما أمكن، ولذلك قَالَ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ سَمُرَةِ: "لا تَسْأَل الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسَأَلةِ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" 11 وتفصيل حال الناس فيه، أن الشخص، إما أَلاَّ يصلح للقضاء؛ فلا يجوز تقليده، ولا يجوز له التقليد الطلب، لهاما أن يصلح له؛ فإما أن يتعين، أو يكون هناك غيره.
الحالة الأولَى: إذا تعين للقضاء، وجب عليه القبول، ويجب عليه أن يطلبه 12، ويشهر نفسه عند الإِمام، إن كان خاملاً، ولا يعذر بأن يخاف من نفسه الميل والخيانة، بل عليه أن يقبل ويتحرز، فإن امتنع، عصى، وهل يجبره الإِمام عليه، قيل: لا، لِمَا روَي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّا لاَ نُكْرَهُ عَلَى الْقَضَاءِ أَحَدَاً" 13.
الجزء: 12 - الصفحة: 411
والأكثرون حملوا الحديث على حالة عدم التعيين، وحكموا بالإِجبار؛ لأن الناس مضطرُّون إلَى علمه ونظره، فأجبر على البذل كما يجبر المالك على بذل الطعام للمضطرِّ، وكما يجبر على القيام بسائر فروض الكفايات عند التعيين.
وربما تردد الناظر في الأخبار من جهة أن الامتناع من هذا الفَرْضِ الذي هو مناط المصالح العامة بعدما يعين يشبه أن يكون من الكَبَائِر، وحينئذٍ، فيُفَسَّق به، ويخرج عن أهلية القضاء، لفوات شرط العدالة، فكيف يولَّى ويجبر على القبول، ويمكن أن يكون المراد أنه يؤمر بالتوبة أولاً فإذا تاب يُولَّى 14.
الحالة الثانية: ألا يتعين بل يكون هناك غيره ممن يَصْلُح للقضاء، فذلك الغير؛ إما أن يكون أصلح وأولَى منه، أو يكون مثله، أو دونه، إن كان أصلح، فيرتب على أن الإِمامة العظمَى، هل تنعقد للمفضول؟ وفيه قولان للمتكلِّمين والفقهاء:
أحَدُهِما: المنعُ، رعايةً لزيادة الفضيلة.
وأصحُّهُما: الانعقادُ؛ لأن تلك الزيادة خارجةٌ عن حدِّ الإِمامة، فأشبه إمامة الصلوات وسائر المناصب الدينية، والقضاء أولَى بأن يجوز تفويضه إلى المفضول؛ لأن الغائب بِتَولِّي المفضولِ الإمامةَ لا يُتَدَارك، والغائب في القضاء يُتَدَارك بنظر من فوقه من الولاة، فإن لم نجوز للمفضول القضاء، حرمت توليته، وحرم عليه الطلب والقبول، وإن جوزناه، جاز القبول 15، وأما الطلب، فيكره أو يحرم فيه وجهان منْقُولاَن في "الوسيط":
أظهرهما، وهو المذكور في "التهذيب": الاقتصار على الكراهة، فإذا كان الأصلح لا يتولى القضاء، فهو كما لو لم يوجدِ الأصلحُ، وإن كان هناك مِثْلُه، فله
الجزء: 12 - الصفحة: 412
القبول، إذا قُلِّد، وفي الوجوب قولانِ قريبَانِ من الوجهين في أنَّه، إذا امتنع الكلُّ، هل يَجْبُر الإِمامُ أحدَهُم؟ والأظهر ههنا عدم الوجوب؛ لأنه قد يقوم به غيره، وأما الطالب فإن كان خامل الذكر، ولو ولي القضاء، لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، فيستحب له الطلب، وإن كان مشهوراً ينتفع بعلمه، فإن لم يكن له كفاية ولو ولي، لصار مَكْفِيّاً من بيت المال.
فعبارة الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيِّب والمعظم -رحمهم الله- أنه يستحبُّ له الطلَبُ أيضاً لينتفع به، وضايق بعضهم في الاستحباب هاهنا، واقتصر على نفي الكراهية، وعن القَفَّال أنه لا يُسْتحبُّ الطلب بحالٍ لظاهرِ حديثِ عبْدِ الرحمَنِ بْنِ سمُرة، والأظهر الأول، وإن كان مع الشهرة مَكْفِيّاً، فيكره له الطلب.
ومنهم من لا يُطْلِق لفْظَ الكراهية، ويقتصر على أن الأولَى ألا يطلب، والسببُ فيه ما مرَّ من التحذيرات، وكما يكره الطلب، والحالة هذه يكره القبول.
ولو قُلِّدَ من غير طَلَبٍ تفريعاً على القول بعَدَم الوجوب، وعلى ذلك ينزل امتناع السَّلَف كامتناع ابن عمر -رضي الله عنهما- لَمَّا استقضاه عثمان -رضي الله عنه-، وكهرب أبي قِلاَبَة والثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة -رحمهم الله-.
ويروى أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- أوصى المُزنيَّ -رحمهم الله- في مرض موته بأن لا يتولَّى القضاء، وعرض عليه كتاب الرشيد بالقضاء، وأنه لم يُجِبْه إليه، وانتهى امتناع أبي علي بن خيران، لما استقضاه الوزير ابن الفرات؛ حتى ختمت دوره بالطين أيَّاماً.
وإنْ كان هناك مَنْ هو دونه، فإن لم نجوز تولية المفضول، فهو كما لو تعيَّن، وإن جوزناه فيستحب له القبول، وفي الوجوب الوجهان، ويستحب له الطلب، إذا وَثِقَ بنفسه، وهكذا حيث استحببنا الطلب والتقليد أو أوجبناهما، فذلك عند الوثوق وغلبة الظن بقوة النفس، وأما عند الاستشعار، فينبغي أن يحترز، فإن أهم الغنائم حفظ السلامة، ثم اعْرِف ههنا أموراً:
أحدها: التفصيل الذي ذكرناه في الطلب، فيما إذا لم يكن في الموضع المطلوب قضاؤه قاضٍ، فإن كان فيه من يلابس القضاء، نظر، إنْ لم يكن مستحَقّاً بجور أو جهل، فالحكم كما لو لم يكن قاضٍ، وإن كان مستحقاً، والطالب يروم عزله، قال أقضى القضاة الماوَرْدِيُّ هذا الطَّلب محظور، والطالب بالتعريض له مجروح.
والثاني: حكم الطلب من غير بذل ما بَيَّنَّاهُ، فأما إذا بَدَل مالاً ليتولى، فإن ابن القاص وآخرين أطلقوا القول بأنه محظور، وبأن قضاءه مردود، والأشبه تفصيل أورده القاضي الرُّويانيُّ -الله- وهو أنه إن تعيَّن عليه القضاء، أو كان ممن يُستَحبُّ له القضاء، فله بذل المال، ولكنَّ الآخذ ظالمٌ بالأخذ، وهو كما إذا تعذَّر الأمر برحمه المعروف إلا ببذل مال، فإن لم يتعيَّن عليه، ولا هو ممَّن يُستَحبُّ له القضاء، فلا يجوز له بذل
الجزء: 12 - الصفحة: 413
المال ليُوَلَّى ويجوز له بذْل المال بعد ما وُلِّيَ لئلا يُعْزَلَ.
والآخذ ظالم بالأخذ، وأمَّا بذل المال لعَزْل مَنْ هو ملابسٌ للقضاء؛ فإن لم يكنْ بصفاتِ القضاةِ، فهو مُستَحبٌّ لتخليص الناس منه، لكنَّ أخذه حرامٌ على الآخذ، وإن كان بصفات القضاة، فهو حرام، فإن فعل، وعزل الأول برشوة، وولى الباذل مكانه من غير رشوة، قال ابن القاصِّ: توليته باطلةٌ، والمعزولُ عَلَى قضائه؛ لأنَّ العزل بالرشوة حرامٌ، وتولية المرتشي الراشي حرامٌ، وليكن هذا محمولاً على الأصل الممهد في الشريعة، فأما عند الضرورات وظهور الفتن، فلا بدّ من تنفيذ التولية والعزل جميعاً كتولية الباغين.
والثالث: طرق الأصحاب مُتَّفِقَةٌ في تعيين الشخص للقضاء وعدم تعينه على النظر إلى البلد والناحية لا غير، وقضيته أَلاَّ يجب على من يصلُحُ للقضاء طَلَبُ القضاء ببلدة أخرَى لا صالح بها ولا قَبُولُه إذا وُلِّيَ ويجوز أن يُفَرَّقَ بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلم العلم، ونحوهما؛ بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة وتركٌ للوطن بالكلية.
وقوله في الكتاب: "وإن وُجِدَ مَنْ هو أصْلَحُ مِنْهُ، حَرُمَ الطَّلَبُ" إنما يظهر الحكم بحرمة الطلب مع الأصلح، إذا منعنا تولية المفضول، أما إذا جوزناها، فأظهر الوجهين على ما مرَّ؛ أنه يُكْرَهُ الطَّلَب، ولا يحرم، فيصح أن يُعلَم قوله "حرم" بالواو.
وكذلك قوله: "وفي القضاء تردد" يجوز أن يُعْلَم بالواو، لما بيَّنَّا أن الخلاف في القضاء مُرتَّب على الخلاف في الإمامة، والترتيبُ يفيد طريقةٌ قاطعةً بالجواز في القضاء، ويوضَّحه أنَّ الأصحاب -رحمهم الله- ربما احتجوا لقول انعقاد الإِمامة للمفضول؛ بأن القضاء ينعقد له، وإنما يصدر هذا الاحتجاج ممن يقطع بانعقاد القضاء له.
وقوله: "وكره الطلب إذا لم يكن به حاجةٌ إلى رزق" قضيته تعميم الكراهة، حيث لم يحتج إلى الرزق، لكنا بينا أن الخامل الذي لو ولى انتشر علمه، يُستحَب له الطلب، فلا بدّ من استثناء هذه الصورة.
واعلم أن نظم الكتاب مصرح بوجوب الطلب، إذا تعيَّن الشخصُ، للقضاء وبحرمة الطلب، إذا لم يتعيَّن، وكان غيره أصلح منه، وبالكراهية إذا كان مثله، وبالجواز إذا كان دونه، وإذا استوعبت الأحوال، تبين أنه متى يُكْرَه؟ ومتى لا يُكْرَه؟ فلا حاجة إلى قوله أولاً أخذه بطَلَب 16 فيه كراهية.
الجزء: 12 - الصفحة: 414
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: لاَ بُدَّ للِقَاضِي مِنْ صِفَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُرّاً ذَكَرَاً مُجْتَهِداً (ح) بَصِيراً (م و) عَدْلاً بَالِغاً، فلاَ يَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ وَالأَعْمَى وَالصَّبِيِّ وَالفَاسِقِ وَالجَاهِلَ وَالمُقَلِّدِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالاجْتِهَادِ، وَالَّذِي يَجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحَدِ الأَئِمَّةِ لَهُ الفَتْوَى عَلَى وَجْهٍ وَيَكُونُ مُقَلِّداً للإِمَامِ المَيِّتِ وَلاَ يَنْتَصِبُ لِلقَضَاءِ هَذَا هُوَ الأَصْلُ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ الشُّرُوطُ وَغَلَبَ عَلَى الْوِلاَيَاتِ مُتَغَلِّبُونَ فَسَقَةٌ، فَكُلُّ مَنْ وَلاَّهُ صَاحِبُ شَوْكَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْفُذْ حُكْمُ البغَاةِ وإن لَمْ يَصْدُرُ عَنْ رَأَي الإمَامِ، وَالظَّاهِرُ أَن قَضَاءَ الأُمِّيِّ الَّذِي لاَ يَكْتُبُ جَائِزٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألة بيانُ الصفاتِ المشْرُوطة في القضاء، وقد تخلَّلها كلام في الفتوى، ونحْن نأتِي بفَصْلٍ من صفات القاضي وآخر بما يتعلَّق بالفتْوَى.
أما الفصل الأول، فإحْدَى الصَّفَات المشرُوطَة في القاضي الحرية؛ فلا يَصْلُح الرقيقُ للقَضَاء، قِنّاً كان، أو غَيْر قِنٍّ؛ لأنه ناقص، ولأنه لا يَتفرَّغ له.
والثانية: الذكورة، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون امرأةٌ قاضيةً فيما يُقْبَل شهادتها فيه.
لنا: ما رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَليَتْهُمُ امْرَأَةٌ" 17 ولأنه لا يليق بحالها مجالسة الرجال، ورفع الصوت بينهم، ولا بدّ للقاضي من ذلك.
والثالثة: أهليَّة الاجْتهَاد، فلا يجوز تَوْلية الجَاهِل بالأحكام الشرعيَّة، وطرقها المحتاج إلى تقليد غيره لما روِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْقُضَاةُ ثَلاثةٌ؛ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، واثْنَانِ فِي النَّارِ، فَالَّذِي فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى به، واللَّذَانِ فِي النَّارِ رَجُلٌ عَرَف الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكِمْ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْل" 18 وعند أبي حنيفة: يجُوز تَوْلِيَةُ العَامِّيِّ، ثم هو يَسأل أهل العلْم ويقضي، واحتج الأصحاب عليه بأنه لا يَجُوز الفتوى بالتقليد، فكذلك القضاء، وبل أولى؛ لأنَّا نعتبر في القضاء ما لا نعتبر في الفتوى وعلى ما سيظهر.
وإنما تحصل أهلية الاجتهاد بالعلْم بأمور:
أحدها: كتاب الله تعالى جَدُّه ولا يُعتبر العلْم بجميعه، بل ما يتعلَّق منه بالأحكام، ولا يُشتَرَطُ حفظه عن ظهر قلب، ومن الأصحاب من ينازع ظاهِرَ كَلاَمِه فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 415
والثاني: سنَّة رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لا جَمِيعُها، بل بما يتعلَّق منها بالأحكام، وينبغي أن يعرف منهما العامَّ، والخاصَّ، والمطلَقَ والمقيَّدَ، والمُجْمَل والمبيَّن، والنَّاسِخ والمَنْسُوخ ومِنَ السنةِ؛ المتواتر والآحاد والمرسل والمسند وحال الرواة قوةً وضعفاً.
والثالث: أقاويل علماء الصحابة -رضي الله عنهم- فمَنْ بعدهم إجماعاً واختلافاً.
والرابع: القياس فيعرف جليَّة، وخفيَّة، ويميِّز الصحيح منه من الفاسد.
والخامس: لسانُ العرب لغةً وإعراباً، فإن الشريعة ورَدَتْ بالعربية، ومِنْ هذه الجهة يُعْرَفُ عموم اللفظ وخصوصه، وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه.
قال علماؤنا -رحمهم الله-: ولا يُعتبَرَ التبحُّر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة كل جمل منها، وزاد المصنِّف تحقيقاتٍ أوردها في أصول الفقه.
منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرُّقها وانتشارها, ولكن يكفي أن يكون له أصل مصحح، وقعتِ العنايةُ فيه بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داود 19، ويكفي أن يعرف مواقع كلِّ باب، فيراجعه إذا احتاج إلى الفَتْوَى في ذلك الباب.
ومنها: أنه لا يحتاج إلى ضبْط جميع مواضع الإجْمَاع والاختلاف، بل يكفي أن يعرف في المسألة الَّتي يُفْتِي فيها أن قوْلَه لا يخالف الإجَماع، إما بأن يعلم أنه وافق قَوْلَ بعض المتقدِّمين، أو يغلب على ظنِّه أن الواقعة متولِّدَة في ذلك العصر، لم يخض فيها الأولون، وعلى هذا، قياس معرفة الناسخ والمنسوخ.
ومنها: أن كل حديث أجمع السَّلَف على قوله أو تواتَرَتْ عدالةُ رواتِهِ، فلا حاجة إلى البَحْث عن رواته، وما عدا ذلك فينبغي أن يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهورِ عُرِف صحة مذهبه في التعديل، إلا، فَمَنْ دَرَجَ في الأحوال الماضِيَة، لا يُخْتُبَرُ، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 416
يُشاهَد حالُه، وتواتُر السنة لا يكاد يوجَدُ إلاَّ في جماعة معْدُودين 20.
ومنها: اجتماع هذه العلوم، إنما يشترط في المجتهد المُطْلَق الذي يفتي في جميع أبواب الشَّرْع.
وَيَجُوزُ أن يكون للعالم منْصِبُ الاجتهاد في باب دون باب، فالناظر في مسألة المشتركة يكفيه معرفة أصول الفرائض، ولا يضرُّه ألا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المسكر مثلاً، وعدَّ الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول الاعتقاد، قال المصنِّف: وعندي يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طرق المتكلمين والأدلة التي يحررونها؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يُحْسِنُون تلْك الصناعة.
والصفة الرابعة: أن يكون بصيراً، فلا يجوز التفويض إلى الأعْمَى؛ لأنه لا يعرف الخصوم والشهود، وعن مالك -رحمه الله- تجويزه وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانيِّ وجهٌ يوافقه.
والخامسة: العدالة، فإنَّ الفاسقَ لا يصلح للشَّهادة، فللقضاء أولَى.
والسادسة: البلوغ، فالصبيُّ لا ينفذ قوله على نفسه، فعلَى غيره أولَى، وهل يجوز أن يكون القاضي أمِّيّاً، فيه وجهان:
أحدهما: لا، للحاجة إلى مطالعة الحُجَجِ وإثباتها.
وأصحهما: نعم؛ لأن النبوة التي هي أصْل القضاء لا يُشْتَرَط فيها معرفة الخَطِّ.
هذه هي الصفات المذكورة في الكتاب.
ويُشْتَرَط وراءها صفات أُخَرٌ.
منها: الإسْلام، فلا يجوز تقليد الكافرِ القضاءَ لا على المسلمين ولا على الكفار، قال أقضْىَ القُضَاة الماوَرْدِيّ: وما جرت به عادةُ الولاةِ من نَصْب حاكمٍ بين أهل الذِّمَّة، فهو تقليدُ سياسة 21 وزعامة لا تقليد حكم وقضاء، وإنَّما يلزمهم حكمه بالتزامهم لا للزومه، وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنه يجوز تقليد الكافر للقضاء بين أهْلِ دِينه.
ومنها: أنْ يكونَ ناطقاً سميعاً، فلا يجوز تقليدُ الأخرس الذي لا تُعْقَل إشارته،
الجزء: 12 - الصفحة: 417
وإن عُقِلَتْ فوجهان، خرجهما ابن القاصِّ، الأصح المنع أيضاً، ولا يُقلَّد الأصمُّ الذي لا يسمع أصلاً، وإن كان يسمع إذا صيح به، فيجوز تقليده.
ومنها: الكفاية 22، فلا يجوز قضاء المُغفَّل، والذي اختل رأْيُه ونظره بكبرٍ ومرضٍ ونحوهما.
ويُستَحَبُّ أن يكون القاضِي مع الصفات المشروطَة وافرَ العَقْل حليماً متثبتاً ذا فِطْنَةٍ وتيقظٍ كاملَ الحواسِّ والأعضاءِ عالماً بلغة الدين يَقْضِي بينهم.
بريئاً من الشحْنَاء بعيداً عن المطمع صَدُوقَ اللهجة، ذا رأيٍ ووفاءٍ وسكينةٍ ووقارٍ وألاَّ يكون جَبَّاراً تهابه الخصوم، فلا يتمكنون من استيفاء الحجة، ولا ضعيفاً يستَخِفُّون به، ويطمعون في جنبه والأولى أن يكون قُرَشياً، ورعاية العلم والتقى.
أولَى من رعالة النَّسَب.
إذا عُرِف ذلك، فلو أن الإِمام عَرَفَ فيمن يولِّيه الصفاتِ المشروطةَ، نذاك، وإلا، بَحَث عن حاله، واختبره، كما اختبر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- معاذاً -رضي الله عنه-.
ولو ولَّى مَنْ لَمْ يجتمعْ فيه الصفاتُ عَلَى عِلْمِ حالِهِ، توجَّه الجَرْح على المُوَلِّي والمُوَلَّى، ولم يَنْفُذْ قضاؤه بصواب ولا خطأ، هذا هو الأصل في الباب.
قال في "الْوَسِيط": لكنَّ اجتماعَ هذه الشروط متعذِّرٌ في عَصْرِنا؛ لخلُوِّ الْعَصْر عنِ المجْتَهد المستقل فالوجْه تنفيذُ قضاء كلِّ من ولاه سلطانٌ ذو شوكة، وإن كان جاهلاً أو فاسقاً؛ كيلا تتعطل مصالح الناس ويؤيده أنا ننفذ قضاء قاضي أهل البغي لمثل هذه الضرورة، وهذا حسن.
ولكن في بعض الشروح أن قاضي أهل البغْي، إن كان منهم، نُظِر، إن كان بغيهم لا يوجب الفسق؛ كبغي معاوية -رضي الله عنه- جاز قضاؤه، وإن أوجب الفسق، كبغي أهل النهروان، لم يجز 23، وذُكِرَ أن القاضي العادل، إذا استقضاه أمير باغ، أجابه إليه، فقد سُئِلتْ عائشة -رضي الله عنها- عن ذلك لمن استقضاه زياد، فقالت: إن لم
الجزء: 12 - الصفحة: 418
يقضِ لهم خياركم، قض لهم شراركم 24.
فرع: من لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يجوز تقليده القضاء، قال القاضي الماوَرْدِيُّ: وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإِجماع، أو لا يقول بأخبار الآحاد، وكذا القول في نفاة القياس، وهم الشيعة الدين لا يقولون بالاجتهاد أصلاً، بل يتتبعون النصوص، وإذا لم يَجِدُوا أَخَذُوا بقول سلفهم، وإن كانوا يجتهدون في فحوى الكلام، ويبنون الكَلاَمَ على عُمُوم النصوص وإشاراتها، ففي تقليدهم وجهان، والأظهر جوازه.
الفصْلُ الثاني: في الفتوى، ومهما لم يكن في الموضع إلا واحد يصلح للفتوى، تعيَّنَ عليه أن يفتي، وإن كان هناك غيره، فهو من فروض الكفايات، ومع ذلك فلا يحمد التسارع وإليه كانت الصحابة -رضي الله عنهم- مع مشاهدتهم التنزيل، يحيل = قال في القوت: قال ابن شداد: ما ذكره الغزالي لم أجده بغيره، وقال ابن أبي الدم لا تصح ولاية الفاسق ولا ينفذ حكمه ولا يقبل قوله لأن لا تقبل شهادته فرد حكمه أولى فلو ولاه الإِمام أو نائبه أو ذو الشوكة وحكم بين الناس على فسقه، لم تنفذ أحكامه قطعاً لا شك نيه لا يعرف فيه خلاف، وبه قطع العراقيون والمراوزة إلا الغزالي فقال: كذا ولا أعلم أحداً نقله غيره مع تصفح شروح المذهب والمصنفات فيه وجرى على ذلك ابن الصلاح، انتهى.
وقال في المهمات رداً على ابن شداد وابن الصلاح أن الرافعي حكى في البغاة عن المعتبرين أنه إذا كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم نفذ حكمه وإن استحلها لم ينفذ، ومنهم من أطلق نفوذه وبأن في البحر محتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو أهل للقضاء، فإن لم يجدوا أهلاً له نفذت أحكامه.
وقال الشيخ الإِمام البلقيني أن الدارمي سبق الغزالي إلى كلام أعم مما قال فقال في الاستذكار إن ولي من ليس بأهل فعلى كل واحد عزله وتولية غيره، فإن لم يقدروا وأقضى لهم فقوله قضى لهم يعني نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى.
وقال ابن الرفعة: الحق أنه إذا لم يكن ثم من يصلح للقضاء نفذ حكمه قطعاً وإلا فتردد.
وقال الشيخ البلقيني أيضاً في تصحيح المنهاج: التعذر فيما ذكره غير معتبر، فإن السلطان ذا الشوكة إذا ولى فاسقاً ينفذ قضاؤه للضرورة، فإن لم يتعذر جمع هذه الشروط، وإذا تعذر جمع هذه الشروط فتولية المقلد صحيحة، وإن صدرت من غير ذي الشوكة والعبارة السديدة في ذاك وإن تعذر المجتهد مع تولية المقلد وإن لم يتعذر وولى سلطان له شوكة مقلداً مع وجود المجتهد أو جاهلاً مع وجود عالم أو فاسقاً نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى وهو في غاية التحقيق.
الجزء: 12 - الصفحة: 419
بعضهم في الفتاوى على بَعْضٍ ويحترزون 25 عن استعمال الرأي والقياس ما أَمْكَنَ 26، ثم الكلام في ثَلاَثِ جُمَلٍ:
إحداها: في طرف المُفْتِي؛ ويشترط فيه الإِسلام والبلوغ والعدالة، فإن الفاسق لا يوثق بفتواه، نعم، يعمل لنفسه باجتهاده، ويشترط فيه التيقظ وقوة الضبط؛ فلا تُقْبَلُ فتوى من تَغْلِب عليه الغفلة والسهو، ذكره أبو القاسم الصيمريّ.
ويُشتَرط أيضاً أهلية الاجتهاد؛ ليأخذ غيره بقوله، كما أنَّه يُشْتَرَط الاجتهاد في القبلة، ليقلده غيره 27 ممن لا يعرف القبلة، ويدل عليه ظاهرُ قَولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سُئِلَ فَأَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ" 28 فلو عرف عرف العاميُّ مسألةً أو مسائلَ بدليلها، لم يكن له أن يفتي فيها, ولم يكن لغيره أن يقلِّد فيها، ويأخذ بقوله، هذا هو الصحيح، ووراءه وجهان حكاهما الصيمريُّ، والقاضي الرويانيُّ في البَحْر:
أحدهما: أنه يجوز؛ لأنه عرف الحكم والدليل.
والثاني: الْفَرْقُ بين أن يَكُون الدليل نقلياً، فيجوز، أو قياساً، فلا يجوز.
والعالم الذي لم يبلُغْ رتبةَ الاجتهاد، كالعاميِّ؛ في أنه لا يجوز تقليده على الصحيح، وموت المجتهد هل يخرجه عن أن يُقَلَّد، ويُؤْخَذَ بقوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لخروجه عن أهلية الاجتهاد، كما لو فسق بعد عدالته.
وأيضاً، فإنه لا قول له بعد موته، ألا ترى أن الواحد من الصحابة -رضي الله عنهم- إذا كان يخالف الباقين في مسألة، لم يكن اتفاق الباقين إجماعاً؟ فإذا مات ذلك الواحد، صار إجماعاً، فدلَّ على أنه لم يبق له قولٌ بَعْد موته.
الجزء: 12 - الصفحة: 420
وأصحُّهما: أنه يجوز تقليده، والأخْذُ بقوله، كما إذا شَهِدَ الشاهِدُ، ثم مات يجوز الحُكْم بشهادته، والمسألة المُسْتَشْهَدُ بها ممْنُوعة، ولو بَطَل قول القائل بموته، لَبَطَل الإِجْمَاع بمَوْت المجْمِعِين، ولصارت المسألة اجتهاديةً، وأيضاً فالخَلْق كالمتَّفقين على أنه لا مجتهد الْيَوْم 29 فلو مَنَعْنا من تقليد الماضيين لتركنا الناس حَيَارَى، وبنوا على هذين الوجهين، أنَّ مَن عَرَف مَذْهب بعض المجتهدين وتبحَّر فيه، لكنه لم يبلْغُ رتبة الاجتهاد، هل له أن يفتي؟ وهل يُؤْخَذُ بقوله؟ إن قلْنا بالوجه الأوَّل، فلا يجوز، وإن قلنا بالثاني، الأصح، يجوزُ الأخذ بقوله، كأنه لا يقلّده وإنَّما يقلد ذلك المجتهد، هكذا صوروا هذا الفرع.
ولك أن تقول: إنْ كان المأخَذُ ما بيَّنَّا، فلا فرق بين أن يكون متبحِّراً، أو غير متبحِّر، بل العامِّيُّ، إذا عَرَف حُكْم المسألة عنْد ذلك المجتهد، فأخبر عنه، وأخذ غيره به تقليداً للمجتهد الميت، وجب أن يجوز على الأصحِّ 30. إذا جوَّزنا الفتوَى إخباراً عن مذْهَب الميِّت، فإنْ عَلِم مِنْ حاله أنه يُفْتِي عَلَى مذْهبٍ واحدٍ معيَّنٍ كفى إطلاق الجواب منه، وإلا فلا بدّ أن يضيفه إلى صاحب المَذْهَب، وليس للمجتهد أن يقلِّد مجتهداً آخر لا ليعمل به، ولا لِيُفْتِيَ به غيره ولا إذا كان قاضياً ليقضي به، خلافاً لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه في "البَحْر"، ولأبي حنيفة -رحمه الله- في القَاضي.
لنا: أنه يجد ما يتوصّل به إلى معرفة الحُكْم، فلا يجوز له تَقْليد، كما في العقليات.
الجزء: 12 - الصفحة: 421
ولا فرق بين أن يخاف الفوات، لضيق الوقت، أو لا يخافه؛ لأن الاجتهاد فرض عليه، فلا يسقط بضيق الوقت، كما أن فرض العاميِّ، وهو الاستفتاء والسؤال لا يسقط لضيق الوقت، وقال ابن سُرَيْج، فيما حكاه عنه صاحب "التلخيص" سماعاً: يجوز له التَّقْلِيد عنْد ضيق الوَقْت؛ للعمل به، ولا يجوز لِيُفْتِيَ به غيره، وقياس ذلك أَلاَّ نجوزه للقضاء بطريق الأولَى، وفي "الشامل" و"التهذيب" طرد قول ابن سُرَيْج في التقْليد للقضاء، وصور ضيق الوقْت فيه فيما إذا تحاكَمَ إلَيْه مسافران، والقافلة تَرْتَحِل، ومَنْ قال به، فينبغي أن يطرده في الفَتْوَى.
وهل على المجتهد تجديدُ الاجتهاد، إذا وقعت الحادثةُ مرَّةً أخرَى، أو سئل عنْها مرةً أخْرَى؟ أو يقتنع بما أدَّى إلَيْه اجتهادُه؟ الأوَّل فيه وجهان، كما ذكرنا في الاجتهاد في القبلة 31.
واعلم أن الَّذين يُقَال لهم أصحابُ الشافعيِّ وأصحابُ أبي حنيفة ومالك -رحمهم الله- ثلاثة أصناف العوامّ، وتقليدهم إياهم مفرَّع على جواز تقليد الميِّت، وقد عرفته، والبالغون درجة الاجتهاد، وقد ذكَرْنا أن المجتهد لا يُقلِّد المجتهد، وإنَّما يُنْسَبُ هؤلاء إلى الشافعيِّ -رضي الله عنه- وغيره؛ لأنهم يجرون على طريقته في الاجتهاد واستعمال الأدلة وترتيب بعضها على بعض، ويوافق اجتهادُهم اجتهادَ مُمَهِّدي تلْك الطرق، وإذا خالف أحياناً لم يُبَالَوا بالمخالفة، وهذا كما أن الشافعيَّ -رَضِيَ الله عَنْه- يقول في كلامه: وقال بعض أصحابنا: ويريد به مالكاً؛ لتوافقهما على اتباع السنة المأثورة عن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.
والصِّنْف الثالث: المتوسِّطون بين الصِّنْفَيْن الأوَّلَيْن، وهم الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد في أصل الشرع ولكنهم وقفوا على أصول الإِمام الذي ينتسبون إليه في الأبواب، وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصاً له على ما وجد، وهؤلاء مقلِّدون له تفريعاً على تقليد الميت.
وكذا من يأخذ بقولهم من العوامِّ تقليداً له، والمشهور: أنه لا يقلِّدهم في أنفسهم؛ لأنهم مقلِّدون، وقد نَجِدُ ما يشعر بخلافه؛ هذا أبو الفتح الهَرَوِيُّ وهو من أصحاب الإِمام - قدَّس الله روحه- يقول في الأُصُول: مذْهَبُ عامة أصحابنا أن العاميَّ لا مذهب لَهُ، فإن وَجَدَ مُجتهداً قلده، وإلا ووجد متبحراً في مذْهَب، فإنه يفتيه على مذهب نفسه، وإن كان العاميُّ لا يعتقد مذهبه، وهذا قولٌ: بأنه يقلد المتبحِّر في نفسه، ثم ههنا فروع:
الجزء: 12 - الصفحة: 422
أحدها: المتبحران في مذهب واحد، قد يختلفان في المسألة؛ لاختلافهما في قياس أصوله، ومنْه يتولَّد وجوه الأصحاب، ونقول: بأيهما يأخذ العامي؟ هو كما سنذكره فيما إذا وجد مجتهِدَيْن.
الثاني: إنْ نَصَّ صاحب المذْهَب على الحُكْم والعلَّة، وألحق، بتلْك العلَّة غيْرَ المَنْصُوص بالمَنْصُوص، وإن اقتصر على الحُكْم، فهل يستنبط العلَّة، ويعدي الحكم بها؟ حُكي.
والذي عن الإِمام محمد بن يحْيَى -رحمهما الله- المنع من ذلك، وإنما جاز في نصوص الشارع؛ لأنه تعبدنا، وأمرنا بالقياس، والأشبه بصنيع الأصحاب خلافُه، ألا تراهم ينقلون الحكم ثم يختلفون في أن العلة كذا وكذا وكل منهم يطرد الحُكْم في فروع علَّته.
الثالث: اختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ -رحمه الله- أنه إذا نَصَّ في واقعة على حكم، وفي أخرى بشبهها على نقيضه، لم يجز نقل قوله من إحداهما إلى الأخرى، وتخريجها على قولين، وإن ما يقتصر على ما يقتضيه قول المجتهد، لا يجوز أن يُجْعَل قولاً له، إلا إذا لم يحتمل الفرق مثل أن يقول ثَبَتَتِ الشُّفْعَة في بيع الشِّقْص من الدار، فيجوز أن يُقَال: قوله في الحانوت كذلك.
والمشهور في المذهب خلافُ ما اختاره، نعم، الأَوْلَى أن يُقَالَ: إِنه قياسُ أصله أو قوله، ولا يُقال: إنه قوله.
ويجوز للمفْتِي أن يشدد في الجواب بلفظٍ هو مُؤَوَّلُ عنه زجراً وتهديداً في مواضع الحاجة 32.
سُئل ابنُ عبَاس -رضي الله عنه- عن توبة القاتل فقال: لا توبة له، وسأَلَهُ آخر، فقال: له توبة ثم قال: رأيتُ في عَيْنَي الأول، أنَّه يقصد القتل، فمنعته، وكان الثاني صاحبَ واقعةٍ يطلب المَخْرَج.
الجملة الثانية في طرف المستفتي: وعليه مراجعة المُفْتِي، والسؤال عنه، وإنما تَسْأَل من عَرَفَ علمه وعدالته، فإذا لم يَعْرِف العلْم، بحث عنه بسؤال الناس، وإن لم يَعْرِف العدالة، فلصاحب الكتاب فيه احتمالان، ذكرهما في الأصول:
أحدها: أن الجواب كذلك، وأشبههما الاكتفاء، فإن الغالب من حال العلماء
الجزء: 12 - الصفحة: 423
العدالة، بخلاف البَحْث عن العِلْم، فإنه ليس الغالب من حال الناس أن يكونوا علماء ثم ذكر احتمالين في أنه، إذا وجب البَحْث، فَيَفْتَقِرُ إلى عددِ التَّواتُر أم يكفي إخبار عدل أو عدلَيْن؟ أقربهما الثاني 33.
وإذا وَجَد من المفتين اثْنَيْنِ فَصَاعداً، فهل عليه أنْ يجتهد فيسأل أعلمهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج: نعم, لأنه لا يتعذَّر عليه هذا القَدْر من الاجتهاد.
بخلاف الاجتهاد في الأحكام، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج، وكذلك القَفَّال، قال القاضي الحُسَيْن: إنَّ رجلاً سأل القفَّال عَلَى رأس الحدادين بـ"مرو" عن مسألة، فقال القَفَّال: مَنْ أنا؟ فَقَال: أنتَ واحدٌ من الفقهاء، فقال: لا يحلُّ لك أَنْ تعمل بقَوْلي ما لم تَسْأَلْ عن الأعلم في البلد.
وأصحُّهما: عن عامة الأصحاب: أنه يتخيَّر، فيسأل من شاء منهم؛ لأن الأوَّلين كانوا يسألون علماء الصحابة، على تفاوتهم في الفضل والعلْم، ويعملون بقول من سألوه من غير نكير، وذكر صاحب الكتاب في الأصول: أنه إذا كان يعتقد أن أحدهم أعلم، بجزء أن يقلِّد غيره، وإن كان لا يجب عليه البَحْث عن الأعْلَم، إذا لم يعتقد اختصاص أَحَدِهِم بمزيد 34.
وإذا سأل المستفتي، ووجد الجواب، فوقعت الحادثة مرةً أخرَى، نُظِرَ، إن عرف
الجزء: 12 - الصفحة: 424
استناد الجواب إلَى نَصٍّ أو إجماع، فلا حاجَةَ إلى السُّؤَال ثانياً وكذا لو كان المقلِّد ميِّتاً، وجوَّزناه، وإن عَرَفَ استناده إِلَى الرَّأْي والقياس، أو شَكَّ فيه والمقلِّد حَيٌّ، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى السُّؤَال ثانياً؛ لأن الظاهر استمراره على الجواب الأول.
وأصحُّهما: أن عليه السؤالَ ثانياً، وهما كان ذكرنا في تجْديد المجتهد الاجتهاد، وفي الاجتهاد في القِبْلَة.
ولو اختلف علَيْه جوابُ اثْنيَنْ في المسألة، فإنْ أوجبنا البحث وتقليد الأعلم، لم يجب الجواب، وإن لم نوجبه فأوجه.
أصحُّهما: أنه يتخير، ويأخذ بقول أيهما شاء.
والثاني: يأخذ بأغلظ الجوابين احتياطاً.
والثالث: يأخذ بأخفِّهما.
والرابع: بقول من يبني قوله على الأثر دون الرَّأْي.
وفي "البحْر" وجه آخر: أنه يأخذ بقول من سأله أوَّلاً؛ لأنه لزمه حين سأل 35، وذكر وجهين في أن من استفتى فقيهاً، ولم تسكن نفسه إلى فتواه، يسأل ثانياً وثالثاً؛ لتسكن نفسه إليه، أم يجوز الاقْتِصَار على جواب الأوَّل، والقياسُ الثَّانِي؟.
الجملة الثالثة: فيما يتعلَّق بالطرفين؛ يجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه، ويجوز أن يسأل برسول عدل يبعثه إليه، وبالرقعة، ويكفي ترجمان واحد، إذا لم يعرف لغته 36.
ومِنْ آداب المستفتي أَلاَّ يسأل المفتي، وهو قائم أو مشغول بما يمنعه من إعطاء الفِكْرِ حقه، وَأَلاَّ يقول إذا أجابه هكذا قُلْتُ أنا وأَلاَّ يطالبه بالحُجَّة على الجواب، فإن أراد معرفة الحُجَّة، سأل عنها في وقْتِ آخَر، وإذا سأل بالرقعة، فليكن كاتبُها حاذقاً؛ ليبين موضع السؤال ولينقط مواضع الاشتباه؛ كيلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه السؤال، كما يُحْكَى أنه كتب غفلاً في زمان أبي الحسن الكَرْخيِّ -رحمه الله-: ما يقول الفقهاءُ في رَجُلٍ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إنْ، ثم وقف عند "إنْ" فقرؤوه إن تمّ وقف عبدان، أجابوا بأنه إن تم وقفه، طُلِّقَتْ وإلاَّ، فلا، فَعُرِضَتِ الرقعةُ على الكَرْخِيِّ، فلما
الجزء: 12 - الصفحة: 425
تأمَّلها، عرف أنهم صحَّفُوا، وأن الكاتب أراد أنه قال: أنتِ طالق إن، ثم أمسك بعد إنْ، ولم يذكر شَرْطاً.
وليتأمل المفتي الاستفتاءَ كلمةً كلمةً، وليكن اعتناؤه بآخر الكلام أشدَّ لأنه موضع السؤال، وليتثبت في الجواب، واضحةً كانت المسألةُ أو مشكلةً، وحسن أن يشاور في الجواب من عنده، وهو يصلح لذلك، إلا أن يكون فيها ما لا يحسن إظهاره وله أن ينقط مواضع الإِشكال، وأن يصلح ما يرى فيه من خطأ ولحن فاحش، وإذا رأى في آخر بعض السطور بياضاً شغله بخط، بما قصد تغليطه كما يُقال: إنه كتب إلى القاضي أبي حامد، ما يقول فيمن مات وخلف بنتاً واحدةً؟ وجعلت هذه الكلمة في آخر سطر، وكُتِبَ في السطر الذي يليه، وابن عم، فأجاب؛ للبنت النصف، والباقي لابن العم، فألحق بموضع البياض، وأباً، وغلط في الجواب.
وليبين المفتي بخطِّه، وليكن قلمه بين قلمين ولو كتب مع الجواب حجَّةً من آية وخبر فلا بأس.
ولا يعتاد ذكر القياس وطرق الاجتهاد، ولكن لو تعلَّق الفتوى بقاضٍ، حسن أن يومئ إلى طريق الاجتهاد، وإذا رأى في الرقعة جواب من لا يستحق أن يفتي، لم يُفْتِ معه، قال الصيمَرِيُّ -رحمه الله-: وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة ودون إذنه، ولا يحسبها إلا بإذنه، ولم يستحبُّوا أن يكون السؤال بخطِّ المفتي، ومهما تغيَّر اجتهاد المجتهد، دار المقلد معه، وعمل في المستقبل بقوله الثاني، ولا ينقض ما مضى، ولو نكح المجتهد امرأةً خالعها ثلاثاً؛ لأنه رأى الخُلعْ فسخًا، ثم تغير اجتهاده، قال صاحب الكتاب في "الأصول": يلزمه تسريحُها، وأبدى تردداً فيما إذا فعل المقلِّد مثل ذلك، ثم تغير اجتهاد مُقَلِّده قال: والصحيح أن الجواب كذلك، كما لو تغيَّر اجتهاد مقلده والمقلِّد في الصلاة، فإنه يتحوَّل.
ولو قال مجتهدٌ للمقلِّد والصورةُ هذه أخطأ بك من قلِّدتَّه، فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني أو استويا، فلا أثر لقوله، وإن كان الثاني أعلم، فالقياس أنَّا إن أوجبنا تقليد الأعلم، فهو كما لو تغيَّرَ اجتهاد مقلَّده، وإلا فلا أثر له 37.
الجزء: 12 - الصفحة: 426
وإذا قلَّد الأعمى في القبلة، ويُحْرِم بالصلاة، فقال له من هو أعلم من مقلَّده: أخطأ بك، فالقياس، أن يخرج على هذا الخلاف، لكن أطلقوا الجواب أنه كتغير اجتهاد المجتهد، على ما مرَّ في باب الاستقبال.
فَرْع: لا يجبُ أن يكون للمجتهد مذْهَبٌ مدوَّن؛ فإنَّ علماء الصحابة -رضي الله عنهم- لم يدونوا، وإنما كانوا يجتهدون في النوازل بحسب الحاجة، وإذا دونت المذاهب، فهل يجوز للمقلِّد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب؟ إن قلنا: يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم وغلب على ظنه أن الثاني أعلم، وجب أن يجوز، بل يجب، وإن قلنا: يتخيَّر، فينبغي أن يجوز أيضاً، كما لو قَلَّدَ في القبلة هذا أياماَ، وهذا أياماً، ولو قَلَّدَ مجتهداً في مسائل وآخر من مسائل أخرى، واستوى المجتهدان عنده، أو قلنا: إنه يتخيَّر فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز؛ لأنهم كانوا يسألون تارَةً من هذا من غير نكير.
وأيضاً، فإن الأعمى إذا قلْنا: إنه لا يجتهد في الثياب والأواني، يجوز له أن يقلِّد في الأواني المشتبهة بصيراً، وفي الثياب غَيْرَه، لكن الأصوليون منعوا منه للمصلحة، وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق، فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه، أنَّه يفسق به، وعن ابن أبي هريرة أنه لا يفسق 38، والله أعلم.
= الاجتهاد، فلا؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولا يعلم خلاف هذا لأصحابنا، وما ذكره صاحبا "المستصفى" و"المحصول"، فليس فيه تصريح بمخالفة هذا.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وإن كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين، فرجع لكونه تيقن مخالفة نص إمامه، وجب نقضه، وإن كان اجتهادياً؛ لأن نص إمامه في حقه كنص الشارع في حتى المستقل، وأما إذا لم يعلم المستفتي برجوعه، فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل، وذا بعده حيث يجب النقض، وإذا عمل بفتواه في إتلاف، ثم بان أنه أخطأ، وخالف القاطع، فقال الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني: إن كان أهلاً للفتوى، ضمن، وإلا، فلا، لأن المستفتي مقصر، وهذا الذي قاله فيه نظر، وينبغي أن يخرج على قولي الغرور أو يقطع بعدم الضمان مطلقاً إذ لم يوجد منه الإِتلاف، ولا ألجأ إليه بإلزام.
الجزء: 12 - الصفحة: 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = التصرف والاستنباط، وسواء الحر والعبد، والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وينبغي أن يكون المفتي كالراوي في أنه لا تؤثر فيه القرابة والعداوة، وجر النفع، ودفع الضر؛ لأنه في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالراوي لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي.
قال: ووجدت عن صاحب "الحاوي" أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً، صار خصماً معانداً، ترد فتواه على من عاداه، أما ترد شهادته.
قال الصيمري: ويقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج، ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه، وذكر الخطيب هذا ثم قال: وأما الشراة وهم بضم الشين المعجمة، والرافضة الذين يسبون السلف، ففتاويهم مردودة، وأقاويلهم ساقطة.
ومن كان من أهل الفتوى وهو قاض، فهو كغيره، فلا يكره له الفتوى هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل: له أن يفتي في العبادات وغيرها، مما لا يتعلق بالأحكام، وفي الأحكام وجهان.
قال ابن المنذر: يكره فتراه في الأحكام دون غيرها، وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصح به المسائل الحسابية الفقهية؟ وجهان، حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني، وصاحبه أبو منصور البغداد.
ويشترط في المفتي المنتسب إلى مذهب إمام أما سبق أن يكون فقيه النفس، حافظاً مذهب إمامه، ذا خبرة بقواعده، وأساليبه ونصوصه، وقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك، ولو وقعت له واقعة، لزمه أن يستفتي فيها، ويلتحق به المتصرف البحاث في الفقه من أئمة الخلاف، وفحول المناظرين؛ لأنه ليس أهلاً لإِدراك حكم الواقعة استقلالاً، لقصور آلته، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.
وإذا استفتى العامي عما لم يقع، لم يجب جوابه ولا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه، ومن عرف بذلك، لم يجز أن يستفتي، وتساهله قد يكون بأن لا يثبت، ويسرع بالجواب قبل استيفاء الفكر والنظر، فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه، فلا بأس بالإِسراع، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من المسارعة، وقد يكون تساهله بأن تحمله أغراض فاسدة على تتع الحيل المحرمة المكروهة، والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص على من يروم نفعه، أو الغليظ على من يروم ضره، ومن فعل هذا، فلا وثوق به.
وأما إذا صح قصده، فاحتسب في طلب حيلة لا شهة فيها، ولا تجر إلى مفسدة، ليخلص بها المستفتي من وريطة يمين ونحوها، فذلك حسن، وعليه يحمل ما جاء من بعض السلف من هذا.
وينبغي أن لا يفتي في كل حال تغير خلقه، وتشغل قلبه، وتمنعه التثبت والتأمل كحالة الغضب أو الجوع أو العطش والحزن والفرح الغالب، والنعاس، والملالة، والمرض المقلق، والحر المزعج، ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك، ومتى أحس بشغل قلبه، وخروجه عن الاعتدال، لم يفت، فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يعتقد أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب، صحت فتواه، وإن كان مخاطراً.
والأولى للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك، ويجوز أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال إلا إذا تعين عليه، وله كفاية، فالصحيح أنه لا يجوز.
ثم إن كان له رزق لا يجوز له أخذ أجرة، وإن لم يكن له رزق، لم يجز له أخذ أجرة من أعيان المستفتين كالحاكم.
واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في حيلة، فقال: يقول للمستفتي: يلزمني أن أفتيك قولاً، ولا يلزمني أن أكتب لك، فإن استأجره على الكتابة، جاز، وهذا الذي ذكره وإن كان مكروهاً، فينبش أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك =
الجزء: 12 - الصفحة: 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = القدر ولو لم يكن فتوى، لئلا يكون آخذاً زيادة بسبب الإفتاء.
قال الصيمري والخطيب وغيرهما: ولو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقاً من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم، جاز.
وأما الهدية، فقال أبو المظفر السمعاني من أصحابنا: ويجوز له قبولها بخلاف الحاكم؛ لأنه يلزمه حكمه قال الشيخ أبو عمرو: وينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد، كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بالأعراض.
قال الخطيب: وعلى الإِمام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم أو للفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب، ولا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإِقرار والوصايا ونحوها، إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ أو نازلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم في العادة، وليس للمفتي والعامل على مذهب الإِمام الشَّافعي في المسألة ذات الوجهين أو القولين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر وهذا لا خلاف فيه، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، فإن لم يكن رجح أحدهما ولا علم السابق، لزمه البحث عن أرجحهما، فيعمل به، فإن كان أهلاً للترجيح، اشتغل به متعرفاً ذلك من نصوص الشافعي، ومآخذه وقواعده، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة، فإن لم يحصل له ترجيح بطريق، توقف.
وأما الوجهان فيتعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار بالتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد، وإذا كان أحدهما منصوصاً للشافعي، والآخر مخرجاً، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالباً، كما إذا رجح الشافعي في أحد القولين، بل هذا أولى.
ولو وجد من ليس أهلاً للترجيح خلافاً للأصحاب في الأرجح من القولين أو الوجهين، فليعتمد ما صححه الأكثر، والأعلم والأورع، فإن تعارض أعلم وأورع، قدم الأعلم، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح، اعتبر صفات الناقلين للقولين، والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربغ المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواها الربيع الجيزي وحرملة، كذا نقله الخطابي من أصحابنا عن أصحابنا، إلا أنه لم يذكر البويطي، وزدته أنا لكونه أجل من الربيع، وأقدم من المزني، وأخص بالشافعي منه.
قال الشيخ أبو عمرو: ويترجح أيضاً ما وافق أكثر أئمة المذاهب.
وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان، أحدهما كقول أبي حنيفة رضي الله عنه وجهين، قال الشيخ أبو حامد المخالف لأبي حنيفة رضي الله عنه أرجح، فلو لم يطلع الشافعي على معنى مخالف لما خالفه، والصحيح أن الموافق أولى، وبه قال القفال، وهذا إذا لم نجد مرجحاً مما سبق.
ولو تعارض جزم مصنفين، فهو كتعارض الوجهين، فيرجع إلى البحث كما سبق، ويرجح أيضاً بالكثرة، فإذا جزم مصنفان بشيء، وجزم ثالث مساوٍ لأحدهما بخلافهما، رجحناهما عليه.
واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل أصحابنا الخراسانيين غالباً إن لم يكن دائماً وهذا مما يتعلق بما نحن فيه.
ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين أن يكون الشافعي رحمه الله ذكره في بابه ومظنته، والآخر جاء مستطرداً في باب آخر.
واعلم أن هذا الكتاب الذي اختصرته وهذبته محصل لك جميع ما ذكرته ولا أقول هذا تبجحاً بل نصيحة للمسلمين ومناصحة للدين، وهما واجبان عليّ وعلى سائر المكلفين.
واعلم أنه يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على قوله: فيه قولان، أو وجهان، أو خلاف ونحو ذلك، فإن هذا ليس جواباً صحيحاً للمستفتي، ولا يحصل به مقصوده، وهو بيان ما يعمل به لما =
الجزء: 12 - الصفحة: 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ذكرنا، بل ينبغي أن يجزم بما هو الراجح، فإن لم يظهر له الراجح، انتظر ظهوره، أو امتنع من الإِفتاء في المسألة، كما فعله كثير من أصحابنا وغيرهم.
واعلم أنه متى كان قولان قديم وجديد، فالعمل على الجديد إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة قد أوضحتها مفصلة في أول شرح "المهذب" مع ما يتعلق بها ويترتب بها، ويترتب عليها، وبالله التوفيق، وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل، فحسن أن يرتب الجراب على ترتيب الأسئلة، وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب، فإنه خطأ بالاتفاق، وليس له يكتب الجواب على ما يعلمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له، بل يذكر جواب ما في الرقعة فإن أراد الجواب على خلاف ما فيها، فليقل، وإن كان هو المبتدئ بالافتاء في الرقعة، قال الصيمري وغيره: فالعادة قديماً وحديثاً أن يكتب في الناحية اليسرى؛ لأنه أمكن.
قال الصيمري وغيره: ولو كتب وسط الرقعة، أو في حاشيتها، فلا عتب عليه، ولا يكتب فوق البسملة بحال.
ويستحب عند إرادة الإِفتاء أن يستعيذ من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآية، ويستحب أن يكتب في أول فتواه: الحمد لله، أو الله الموفق، أو حسبنا الله، أو حسبي الله ونحو ذلك، نقل ذلك الصيمري عن كثيرين، قال: وحذفه آخرون.
قال: ولا يدع أن يختم جوابه بقوله: والله أعلم، أو وبالله التوفيق ونحوه.
قال: ولا يقبح أن يقول: الجواب عندنا، أو الذي عندنا، أو الذي نذهب إليه كذا؛ لأنه من أهله قال: وإذا كان السائل قد أغفل الدعاء للمجيب، أو الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر الفتوى، ألحق المفتي ذلك بخطه فإن العادة جارية به، ويكتب بعد: والله أعلم، ونحوه: كتبه فلان، أو فلان بن فلان الفلاني، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو غيرهما، ثم ينتسب إلى المذهب، فيقول الشافعي أو الحنفي ونحوهما، قال الصيمري: وإن كانت الفتوى تتعلق بالسلطان، دعا له، فقال: وعلى السلطان أو على ولي الأمر وفقه الله، أو أصلحه، أو مدده، أو شد أزره، ولا يقول: أطال الله بقاءه، فإنه ليس من ألفاظ السلف.
وقد نقل النحاس اتفاق العلماء على كراهية أطال الله بقاءك.
وقد أوضحت هذه اللفظة وما يتعلق بها ويشبهها في آخر كتاب "الأذكار".
وينبغي أن يختصر جوابه، ويكون بحيث يفهم للعامة فهماً جلياً، قال الصيمري والخطيب وغيرهما: وإذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد الله، أو الصلاة لغو ونحو هذه العبارات، فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم، أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت هذا بإقراره، أو ببينة، استتابه السلطان، فإن تاب، قبلت توبته، وإلا فعل كذا وكذا وأشبع القول فيه، وإن سئل عن شيء يحتمل وجوهاً يكفر ببعضها دون بعض قال.
يسأل القاتل، فإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا، وإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا.
وإذا سئل عمن قتل أو قلع سناً أو عيناً، احتاط في الجواب، فيذكر الشروط التي يجب باجتماعها القصاص، وإذا سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيره، ذكر ما يعزر به، فيقول: ضربه السلطان ما بين كذا وكذا, ولا يزاد على كذا، وينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء، ولا يدع بينهما فرجة مخافة أن يزيد السائل شيئاً يفسد الجواب.
وإذا كان موضع الجراب ورقة ملصقة، كتب على موضع الإِلصاق؛ وإذا ضاق آخر الورقة عن الجواب، لم يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهر هذه أو حاشيتها وأيهما أولى؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: هما سواء، والراجح أن حاشيتها أولى، وبه قطع الصيمري وغيره، وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه، ووجوه الميل معروفة.
ومنها أن يكتب ماله =
الجزء: 12 - الصفحة: 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = دون ما عليه، وليس له أن يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه، وإذا ظهر له أن الجواب خلاف غرض المستفتي، وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته، اقتصر على مشافهته بالجواب، ويجب عليه عند اجتماع الرقاع أن يقدم الأسبق فالأسبق، كالقاضي وهذا فيما يجب فيه الإِفتاء، فإن تساووا وجهل السابق، أقرع والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة، والمسافر الذي شد رحله، ويتضرر بتخلفه عن رفقته إلا إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يتضرر غيرهم تضرراً ظاهراً، فيقدم حينئذٍ بالسبق، ثم القرعة، ثم لا يقدم أحداً إلا في فتيا واحدة.
قال الصيمري وكمِره: إذا سئل عن ميراث، فالعادة أن لا يشترط في الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرهما مما يمنع الإِرث، بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الإِخوة والأخوات، ولا بدّ أن يقول في الجواب: من أبوين أو أب أو أم، وإذا سئل عن المنبرية وهي زوجة وأبوان وبنتان، لا يقول: للزوجة الثمن، ولا التسع؛ لأنه لم يطلقه أحد من السلف، بل يقول: لها الثمن عائلاً، وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهماً، أولها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين، وإذا كان في المذكورين من لا يرث أفصح بسقوطه، فقال: وسقط فلان، فإن كان سقوطه في حال دون حال، قال: في هذه الحالة ونحو ذلك، لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال.
قال: وينبغي أن يكون شديد الاحتراز في جواب المناسخات.
قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا، قالوا وإذا رأى في الرقعة فتوى غيره ممن هو أهل للافتاء، وخطه موافق لما عنده، كتب تحته الجواب صحيح، أو جوابي مثل هذا، أو بهذا أقول وله أن يكتب الجواب بعبارة أخصر من عبارة السابق.
وإن كان فيها خط من ليس بأهل، قال الصيمري وغيره: لم يفت معه؛ لأن ذلك تقرير للخطأ، بل يضرب عليه، وينهر المستفتي، ويعرفه قبح ما فعله، وأنه وإن واجباً عليه البحث عن أهل الفتوى.
لأن رأى فيها اسم من لا يعرفه.
سأل عنه، فإن لم يعرفه، فله الامتناع خوفاً مما قلناه.
والأولى أن يأمر صاحبها بإبدالها، فإن أبى، أجابه شفاهاً، وإذا خاف فتنة من الضرب عليها, ولم تكن فتياه خطأ، امتنع من الإفتاء معه.
وهل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء، نظر إن كان منتسباً إلى مذهب، بني على وجهين، حكاهما القاضي حسين في أن العامي هل له مذهب أم لا؟ أحدهما: لا؛ لأن المذهب لعارف الأدلة، فعلى هذا له أن يستفتي من شاء، وأصحهما عند القفال له مذهب، فلا تجوز مخالفته.
وإن لم يكن منتسباً، بني على وجهين، حكاهما ابن برهان بفتح الباء من أصحابنا في أن العامي هل يلزمه التقيد بمذهب معين؟ أحدهما: لا، فعلى هذا هل له أن يقلد من شاء أم يبحث عن أسد المذاهب.
فيقلد أهله وجهان، كالبحث عن الأعلم.
والثاني وبه قطع أبو الحسن إلْكِيَا: يلزمه.
وهو جار في كل من يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم، لئلا يتلفط رخص المذاهب بخلاف العصر الأول، ولم تكن مذاهب مدونة، فيتلقط رخصها.
فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهباً يقلده في كل شيء، وليس له التمذهب بمجرد التشهي، ولا بما وجد عليه أباه، هذا كلام الأصحاب.
والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص، ولحل من منعه لم يشق بعدم تلقطه.
وإذا استفتى وأفتاه المفتي، فقال أبو المظفر السمعاني: لا يلزمه العمل به إلا بإلزامه، قال: ويجوز أن يقال: يلزمه إذا إخذ في العمل به، وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، قال: وهذا أولى الأوجه، والمختار ما نقله الخطيب وغيره، أنه إذا لم يكن هناك مفت آخر، لزمه بمجرد فتواه، =
الجزء: 12 - الصفحة: 431
وأما لفظ الكتاب فليعلم قوله "ذكَراً" بالحاء.
وقوله: "مجتهداً" كذ لك.
وقوله: "بصيراً" بالميم والواو.
وقوله: "والجاهل والمقلِّد" لا ضرورة إلى الجمع بين اللفظين، فإنه لو اقتصر على المقلِّد لتناول العامِّيَّ الصَّرْف وغيره، بل أهل الأصول يجعلون المقلِّد، كيف كان، جاهلاً، ويخصون في اصطلاح الباب اسم العالم بالمجتهد، وإذا جمع بينهما، فكأنه أراد بالجاهل العامِّيَّ، الصرف وبالمقلِّد الذي حصل شيئاً من العلم، ولم يبلُغْ رتبة الاجتهاد.
وقوله: "والذي يجتهدُ في مذهب أحد الأئمة، له الفتوى على وجه، ويكون مقلداً للإِمام الميت" قد عرفت أنه إذا كان المأخذ أن الميت، هل يُقَلِّد، فلا حاجة إلى كونه مجتهداً في المذهب، وليس قوله "إلا إخباراً عن مذهب الغير" وأمَّا قوله: "فلا ينتصب للقضاء فإنه يوافق ما سبق من اشتراط الاجتهاد؛ لأنه مقلد، وإن كان مجتهداً في مذهب ذلك الإِمام، قال في "الوسيط ": ويجب تقديمه للقضاء على مَنْ لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المذهب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَة: إِذَا نُهِيَ القَاضِي عَنْ الاسْتِخْلاَفِ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَطْلَقَ التَّوْلِيَةَ فَفِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَسْتَخْلِفُ إِنِ اتَّسَعَتِ الخُطَّةُ وَإِلاَّ فَلاَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الخَلِيفَةِ صِفَاتُ القُضَاةِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُفَوَّضْ إِلَيْهِ إِلاَّ سَمَاعُ شَهَادَةٍ وَنَقْلٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ إِلاَّ عَلَى ذَلِكَ القَدْرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى النَّائِبِ الحُكْمِ بِخِلاَفِ اجْتِهَادِهِ أَوْ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِ صَاحِبِهِ إِذَا جَوَّزْنَا تَوْلِيَةَ المُقَلِّدِ عِنْدَ الضَّرُوةِ.
= وإن لم تسكن نفسه، وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه، إذ له أن يسأل غيره، وحينئذٍ فقد يخالفه، فيجيء فيه الخلاف السابق في اختلاف المفتيين، وينبغي للمستفتي أن يبدأ من المفتين بالأسن الاعلم وبالأولى فالأولى فإن أراد جمعهم في رقعة، وإن أراد إفرادهم في رقاع، وبدأ بمن شاء، وتكون رقعة الاستفتاء واسعة، ويدعو في الورقة لمن يستفتيه، ويدفع الورقة إلى المفتي منشورة، ويأخذها منشورة، فيريحه من نشرها وطيها، وإذا لم يجد صاحب الواقعة مفتياً في بلده ولا غيره، ولا من ينقل حكمها، قال الشيخ أبو عمرو: هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية، وحكمها حكم ما قبل ورود الشرع، والصحيح في كل ذلك أن لا تكليف ولا حكم في حقه أصلاً، فلا يؤاخذ إذا صاحب الواقعة شيء بصنعه.
فهذا آخر النبذ التي يسر الله الكريم إلحاقها وهي وإن كانت طويلة بالنسبة إلى هذا المختصر فهي قصيرة بالنسبة إلى ما ذكرته في شرح "المهذب"، وموضع بسطها والزيادات والفروع هناك.
وهذا الفصل مما يكثر الاحتياج إليه، فلهذا بسطناه أدنى بسط.
الجزء: 12 - الصفحة: 432
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسْتَحَبُّ للإِمام إذا ولى رجلاً للقضاء، أن يأذن له في الاصتخلاف؛ ليكون أسهل عليه، وأقضى إلى فصل الخصومات، فإن لم يأذن، فأما أن يطلق التولية، أو ينْهَاه عن الاستخلاف.
الحالة الأولى: إذا أطلق التولية، فيُنْظَر، إن كان ما فوَّضَه إليه مما يمكنه القيام به، كقضاء بلدة صغيرة فوجهان:
أصحّهما: أنه ليس له الاستخلاف؛ لأن الإِمام لم يرض بنظر غيره.
والثاني: وبه قال مالك -رحمه الله- فيما حكى الإِصطخري: أنه يجوز؛ لأنه ناظر في المصالح العامة، فَيُمكَنَّ من الاستخلاف، كالإِمام، وإن لم يمكنه القيام بما فوضه إليه؛ كقضاء بلدتين فصاعداً، أو قضاء البلدة الكبيرة فله أن يستخلف؛ لأن قرينة الحال مشعرة بالإِذن.
وشبهوه بما إذا دفع متاعاً إلى إنسان ليبيعه، وهو ممَّن لا يعتاد الطواف بالأمتعة والنداء عليها، فإنه يكون إذناً في دفعه إلى من يقوم بذلك، ثم فيم يستخلف في القدر الزائد على ما يمكنه القيام أم في الكل فيه؟ وجهان:
أصحّهما: الأول؛ لأن ذلك القدر هو المعلوم في القرينة، والقياس فيما إذا أذن له في الاستخلاف، أن يكون في القدر المستخْلَف فيه هذان الوجهان إلا أن يصرح بالإِذن في الكل، وقطع القاضي ابن كج بأنه عند الإِذن المطلق يستخلف في الكل.
الثانية: إذا نهاه عن الاستخلاف، لم يجز له الاستخلاف، فإن كان ما فوَّضَه إليه أكثر مما يمكنه القيام به، ففي "الشامل": أن القاضي أبا الطَّيِّب جعل وجُود النَّهْي كعدمه، والأقرب أحد احتمالين، إما بطلان التولية، ويحكَى هذا عن ابن القَطَّان، أو اقتصاره على ما يقدر عليه، وترك الاستخلاف 39.
وجميع ما ذكرنا في الاستخلاف العام، أما في الأمور الخاصَّة كتحليف وسماع بينة، فمنهم من جعله على الخلاف، وهو قضية إطلاق الأكثرين، وعن القَفَّال: القطع بجوازه؛ لأن القاضي لا يُسْتَغْنَى عنه، وهو جارٍ مجرى التوكيل.
وقوله في الكتاب "وإن أطلق التولية ففيه ثلاثة أوجه وفي الثالث يستخلف، إن اتسعت الحطّة، وإلا فلا" فيه إثبات وجهين مطلقين:
أحدهما: الجواز، إن اتسعت خطة الولاية، وتعذَّر القيام بما فُوِّض إليه، أو لم يتَّسِع.
الجزء: 12 - الصفحة: 433
والثاني: المنع في الحالين والوجهان فيما إذا لم يتسع، ولم يتعذَّر مشهوران، فأما مع الاتساع والتعذر، قليلاً ما يُوجَد للأئمة -رحمهم الله- حكايةُ الخِلاَف فيه، وإنما الذي ذكروه جواز الاستخلاف، كما بيَّنَّا، لكنَّ إثبات الخلاف فيه يتأيد، بأن جواز التوكيل مع كثرة التصرفات وتعذر القيام بها يختلف فيه كما سبق في الوكالة 40، فكذلك هاهنا، ثم يتعلق بالاستخلاف فُرُوعٌ:
أحدها: يشترط في الخليفة ما يشترط في القاضي، قال الشيخ أبو محمد، وغيره؛ لو فوض إليه أمراً خاصّاً، كفاه من العلم ما يحتاج إليه في ذلك الباب، حتى أن نائب القاضي في القرى إذا كان المفوَّض إليه سَمَاعَ البينة ونقلها دون الحكم، كفاه العلم بشرائط البينة، فلا يشترط فيه رتبة الاجتهاد.
الثاني: قال القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة": نَصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المبسوط" يدل على أن الحاكِمَ الشافعيِّ لا يجوز أن يستخلف من يخالفه، والمذهب المشهور خلافه؛ لأن الحاكم يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، بل لو شرط على النائب أن يخالف اجتهاده ويحكم باجتهاد المنيب، لم يجز، وكذا إذا جاز تولية المقلِّد للضرورة فاعتقاد مقلده في حقه كاجتهاد المجتهد، فلا يجوز أن يشترط عليه الحكم بخلاف اعتقاد مقلّده.
ولو خالف، وشرط الحنفي على النائب الشافعيِّ الحُكْمَ بمذهب أبي حنيفة، قال في "الوسيط": له الحكم في المسائل المتفقة بين الإِمامَيْن، وفي المختلف فيها لا يحكم، أما بمذهب أبي حنيفة، فلأنه يخالف معتقده، وأما بمذهب الشافعيِّ -رضي الله عنه- فلأنه غير مأذون فيه، وهذا حكم بصحة الاستخلاف، ورعاية للشرط، ولكن أقْضَى القُضَاة الماوَرْدِيَّ، وصاحِبَي "المهذَّب" و"التهذيب"، وغيرهم قالوا: لو قلَّد الإِمام رجلاً القضاءَ على أن يقضي بمذهب عَيَّنَه، بطل الشَّرْط والتقليد جميعاً، فقضية هذا: بطلان الاستخلاف هناك.
وفي فتاوى القاضي الحسين: أن الإِمام الحنفيَّ، إذا ولى شافعياً بشرط أَلاَّ يقضي بشاهد ويمين، ولا على غائب تصح التولية، ويلغو الشرط، حتى يقضي بما يؤدي إليه اجتهاده، فقضية هذا: ألا يراعى الشرط هناك، قال الماوَرْدِيُّ: ولو لم تجز صيغة الشرط، ولكن قال الإِمام: قلدتك القضاء، فاحْكُم بمذهب فلان، ولا تحكم بمذهب فلان، صح التقليد، ويلغو الأمر والنهي، وكان يجوز أن يجعل هذا الأَمْر شرطاً وتقييداً، كما لو قال: قلَّدتُّك القضاء، فاقْضِ في موضع كذا، وفي يوم كذا.
ولو قال: لا تحكم في قتل المسلم بالكافر، والحرِّ بالعبد، جَازَ، وكان قَصْراً
الجزء: 12 - الصفحة: 434
لعمله على بقية الحوادث، وحكى وجهين فيما لو قال: لا تقضِ فيهما بالقصاص: أنه يلغو، أو يكون منعاً له من الحكم بالقصاص نفياً وإثباتاً.
الثالث: حيث لا يجوز الاستخلاف، فلو استخلف، فحكم الخليفة باطل، نعم، لو ترافع إليه الخصمان ورضيا بحكمه، فيكون كالحكم، وليس للقاضي إنفاذ حكمه، بل يستأنف الحكم بين الخصمين، وعن أبي حنيفة فيما حكاه صاحب "التلخيص": إذا أنفذ القاضي حكمه، نفذ وإذا جاز الاستخلاف، فلو استخلف من لا يصلح للقضاء، فحكمه باطل أيضاً، ولا يجوز إنفاذه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: لَوْ نُصَّبَ فِي البَلَدِ قَاضيَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يَخْتَصُّ بِطَرَفٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ اتَّفَاقَهُمَا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَثْبَتَ الاسْتِقْلاَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ إِذَا تَنَازَعَ الخَصْمَانِ فِي الاخْتِيَارِ أَوْ ازْدَحَمَ مُتَدَاعِيَانِ فَالْقُرْعَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نصب الإِمام قاضيين في بلد واحد، نُظِرَ؛ إن خصص كل واحد منهما بطرف من البلد، أو عين لكل واحد منهما زماناً، أو جعل أحدهما قاضياً في الأموال والآخر في الدماء والفروج، جاز قال القاضي ابن كج: وكذا لو ولاَّهما على أن يَحْكُم كلُّ واحدٍ منهما في الواقعة التي يرفعها إليه المتخاصمان، وإن عمم ولايتهما مكاناً وزماناً وحادثة، فإن شرط عليهما الاجتماع في الحكم، لم يجز؛ لأن الخلاف في مواقع الاجتهاد مما يكثر، فتنفى الخصومات عن مقصوده.
وإن أثبت لكل واحد منهما الاستقلال، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما في الولاية العظْمَى ولأن الخصمين يتنازعان في اختيارهما، وفي إجابة داعيهما.
وليس أحدهما بأولَى من الآخر بخلاف الإِمام مع القاضي، والقاضي مع الغائب، فعلى هذا إن ولاهما معاً، بطلت توليتهما.
وإن ولى على التعاقب، صحَّت تولية الأول، وأصحُّهما الجواز، كنصب الوكيلين والوصيين، فعلى هذا يُجابُ من سبق داعيه، فإن جاءا معاً، حكمت القرعة، وإذا تنازعا في اختيار القاضيين، أطلق في الكتاب أنه يحكم بالقرعة.
وقال القاضي الماوَرْدِيُّ: القول قول الطالب دون المطلوب، فإن تساويا، حَضَرَا عنْد أقرب القاضيين إليهما، فإن استويا في القرب، ففي أحد الوجهين يقرع، وهو الأظهر، وفي الآخر، يُمنعَان من التخاصم، حتى يتفقا على أحدهما، وإن أطلق، نصب اثنين، ولم يشترط عليهما الاجْتِمَاعَ، ولا صرح بالاستقلال، فعن صاحب "التقريب" يحمل على إثبات الاستقلال 41، تنزيلاً للمُطْلَق على ما يجوز، وعن غيره: أنَّ التولية
الجزء: 12 - الصفحة: 435
فاسدةٌ، ما لم يصرح بإثبات الاستقلال والله أعْلَمُ 42.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ التَّحْكِيِمُ جَائِزٌ عَلَى أَضْعَفِ القَوْلَيْنِ فِي الأَمْوَالِ، وَفِي النِّكَاحِ خِلاَف مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَفِي العُقُوَياتِ أَوْلَى بِالمَنْعِ مِنَ النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ فِي البَلَدِ قَاضٍ فَهُوَ أَبْعَدَهُ، ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلَيْسَ لَهُ الحَبْسُ وَاسْتِيفَاءُ العُقُوَبةِ، وَلاَ يَنْفُذْ حُكْمُهُ عَلَى غَيْرِ المُتَراضِيَيْنِ حَتَّى لاَ يَضْرِبَ دِيَةَ الخَطَأَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّاضِي بِحُكْمِهِ، وَهَلْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الرِّضَا بعَدْ الحُكْمِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يجوز أَن يُحَكِّم الخصمان واحداً من الناس ليحكم بينهما: وهل لحكمه اعتبار؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن تقليد القضاء من مناصب الإِمام، فلا يثبت للآحاد، ولأن فيه تفويت الحكومات على القاضي، وتفويت رأيه ونظره فيها.
والثاني: نعم؛ لما رُوِيَ أن عُمَرو أبَيِّ بْنَ كعْبٍ -رضي الله عنهما- تحاكما إلى زيْدِ بْن ثابتٍ 43، وأن عثمان وطلحة تحاكَمَا إلى جُبَيرْ بن مُطْعم -رضي الله عنه 44 - ورُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضياً بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ" 45 ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم، لَمَا كان لَهذَا التهْديد معنى، وهذا أضعف القولين عند الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- وأقواهما عند المُعْظَم، منْهم الشيخ = شئت أو إلى فلان ولم يقل عني ولا عنك، فصحح البغوي أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصلح ولم ينزل المطلق على ما يجوز.
قال في هامش أسنى المطالب: قلت ويمكن الفرق بأن المصنف منع وصاية الوصي إلا أن صرح الموصي بأن يوصي عنه بخلاف تولية القضاء فإنه جائز والظاهر من اللفظ إرادة الاستغلال.
الجزء: 12 - الصفحة: 436
أبو حامد وأتباعه والقاضي الرُّويانيُّ -رحمهم الله- ثم اختلفوا في محلِّ القولين من وجهين:
أحدهما: هل يجري القولان في جميع ما يقع فيه التداعي؟ فيه طريقان:
أحدهما: وهو اختيار القاضي ابن كج -لا، بل يختص بالأموال، فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف، فلا يجوز التحكيم فيها؛ لأنها أمور خطيرة، فَتُنَاطُ بنَظَر القاضي ومنْصِبِه.
والثاني: وبه قال الأكثرون أن الخلاف جارٍ في جميع ما يقع فيه التَّداعِي؛ لإِطلاق الخبر السابق، وحدودُ اللهِ تعالَى لا يُحْكَم فيها، إذْ لَيْسَ لها طالبٌ معيَّن، وفي "التهذيب" وغيره ما يقتضي ذهاب بعضهم إلى إجراء الخلاف فيها.
والثاني: هل من فرق بين أن يكون في البلد قاضٍ أو لا يكون؟ فيه طرق:
أظهرهما: أنه لا فرق، وقال قائلون: القولان فيما إذا كان هناك قاضٍ، أما إذا لم يَكُنْ، فيجوز للضرورة، وعكس عاكسون، فقالوا: القولان فيما إذا لم يكن قاض، فإن كان، لم يَجُزْ بلا خلاف محافظةً على منصب القاضي.
التفريع: إذا جوزنا التحكيم، فيشترط في المُحَكَّم صفاتُ القاضي ولا ينفذ حكمه إلا على مَنْ رضي بحُكْمه، حتى لا يضرب دية القتل الخطأ على العاقلة، إذا لم يرضوا بحكمه، ولا يكفي رضى القاتل، وفيه وجه آخر: أنه يكفي، والعاقلة تبع له.
قال الشيخ أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ: هذان الوجهان مخصوصان بقولنا: إن الدية تجب على الجاني، ثم على العاقلة يتحمَّلُون عنه.
فأما إن قلْنا: إنها تجب على العاقلة ابتداءً، فلا خلاف في أنه لا تُضْرَب عليهم عنْد عَدَم الرِّضى وهذا حسن.
وذَكَرَ في الفَصْل شيئين آخرين:
أحدهما: أن رضا المتحاكمين إنَّما يُشْتَرَطُ، إذا لم يكن أحد المتحاكِمَيْنِ القاضِي نَفْسَه، فإن كان فهل يُشترَط رضا الآخر؟ حكى فيه اختلاف نص، وأن الظاهر أنه لا يُشْتَرط، وليكن هذا مَبْنِيّاً على جواز الاستخلاف، إن جاز، فالمرجوع إليه نائب القاضي.
والثاني: أنه يُشْتَرَطُ على أحد الوجهين أَنْ يكُونَ المتحاكِمَان، بحيث يجوز للمحكَّم أن يحكم لكل واحد منهما، حتى إذا كان أحدهما ابنه أو أباه، لم يجز التحكيم وليس للمحكَّم الحبس، بل عليه الإثبات والحكم، وفيه وجه بعيدٌ: أنه يحبس كالقاضي، وبم يلزم حكمه؟ فيه قولان، ويُقَالُ وجهان:
أحدهما: بتراضيهما بعد الحكم، وبه قال المزنيُّ؛ لأن رضاهما مُعْتَبَرٌ في
الجزء: 12 - الصفحة: 437
الحكم، فكذلك في لزومه، وهذا أشبه بما قيل في قسمة من تراضي الشريكان بقسمته على ما سيأْتي.
وأصحُّهما: على ما ذكر القاضي الرويانيُّ، ويُحكَى عن أبي حنيفة ومالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يلزم بنفسه كحكم الحاكم، ويدل عليه الخبر الذي سبق.
ومهما رَجَعَ أحد الخصمين قبل أن يحكم، امتنع عليها الحكم حتى لو أقام المُدعي شاهدين، فقال المدَّعَى عليه: عَزَلْتُكَ، لم يكن له أن يحكم، وعن الإصطخري -رحمه الله- فيما إذا أحسَّ المدَّعَى عليه بالحكم تخريج وجهين؛ في أَنَّه هلَ يُمَكَّن من الرجوع والظاهر الأول، وإذا جوَّزْنا التحكيم في غير الأموال، فإذا خطب رجلٌ امرأةً وحكما رجلاً في التزويج، كان له أن يزوج، قال الرويانيُّ: وهذا هو الأصح، واختيار الأستاذ أبي إسحاق وأبي طاهر الزيادي، وغيرهما من المشايخ، وإنَّمَا يجوز فيه التحْكِيم، إذا لم يكن لها ولِيٌّ خاصٌّ من نسيب أو مُعْتَق، وشرط في بعض الشروح أَلاَّ يكون هناك حاكم.
وحكى صاحب "العدة".
القاضي أبو المكارم الطبريُّ ابن أخت الروياني وجهين في اشتراطه، وليكن هذا مبنياً على الطريقة الفارقة بين أن يكون في البلد حاكمٌ أو لا يكون، وإذا رُفِعَ حُكْمُ المحكِّم إلى القاضي، لم ينقضه إلا بما ينقض قضاء غيره، وقال أبو حنيفة: له نقضه إذا لم يوافق رأيه، بخلاف قضاء القاضي وقوله في الكتاب "وفي النكاح خلاف مرتب" إلى آخره، يشير إلى الطريقتين المذكورتين في أن الخلاف، هل يجري في غير الأموال؟ ووجه ترتيب النكاح على الأموال أنه أتم خَطَراً، وأجدر بالاحتياط، ووجه ترتيب العقوبات على النكاح؛ أنه يسعى في دفعها, ولا يُوَسّع بابها.
وقوله: "فَلَيْسَ له الحبس" معلم بالواو.
وقوله "واستيفاء العقوبة"، أراد به أنه وإن حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف، فإنَّه لا يستوفيه، قال في "الوسيط": لأن ذلك يخرم أبَّهة الولاة.
هذا شرحُ الفَصْلِ الأولِ المعقودِ في التولية ونختمه بمسائل أُخر تتعلق بالتولية.
يجب على الإِمام نصب القاضي في كل بلدة وناحية عَرَفَ أنها خاليةٌ عن القاضي؛ إما بأن يبعث إليهم قاضياً من عنده، أو بأن يختار منهم من يصلح لذلك، ثم إن عرف من حال من يوليه عِلْماً وعدالةً، فذاك، وإلا أحضره وجمع بينه وبين أهل العلم؛ لِيَقِفَ عَلَى قَدْر علمه، ويسأل عن سيرته جيرانَه وخلطاءه، وإذا وَلَّى من لا يعرف حاله، لم تنعقد التوليةُ، وإن عرف من بعد أَنَّه بصفات القضاة.
الجزء: 12 - الصفحة: 438
ويجوز أن يجعل الإِمام نصب القاضي إلى والي الإِقليم، وأمين البلدة، وإن لم يكن المجعول إليه صالحاً للقضاء؛ لأنه سفير محقق، وكذا لو فرض إلى رجل من عُرْض الناس اختيار قاض، وليس له أن يختار والدَهُ ووَلَدَهُ، كما لا يختار نفسه، ولو قال لأهل بَلْدَةٍ: اختاروا رجلاً منكم، وقلَّدوه القضاء؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين.
أشبههما: الجواز، ولا بدّ في التولية من تعيين محِّل ولايته من بلدةٍ أو قريةٍ أو ناحيةٍ؛ ولا بدّ من تعيين المُوَلَّى، فلو قال وَلَّيْتُ أحد هذين، أو من رغب في القضاء ببلدة كذا من علمائها, لم يجز، ولو قال: فوضت إلى فلان وفلان، فهذا نصب قاضيين.
وفي كتاب "الأحكام السلطانية" للقاضي الماوَرْدِيِّ -رحمه الله- أن تولية القضاء تنعقد بما ينعقد به الوكالة، وهو المشافهة باللفظ، والمراسلة، والمكاتبة عند الغيبة، ويجيء في المراسلة والمكاتبة خلاف كما مرَّ في الوكالة، وإن كان الظاهر ما ذكره، وفيه أن صريح اللفظ قوله: وليتك، واستخلفتك، واسْتَنَبْتُكَ، ولم يذكر التفويض بصيغة الأمر، بأن يقول: اقضِ بين الناس، أو احكم ببلدة كذا.
وهو ملحق بالصريح كما في الوكالة، وفيه أن الكنايات اعتمدت عليك في القضاء، أو عولت عليك أو رَدَدتُّه إليك, أو فُوَّضْتُ، أو وكَّلت، أو أسنِدت، فينبغي أن يقترن بها ما يلحقها بالصريح، ولا يكاد يتضح فرق بين أن يقول: وليتك القضاء، وبين أن يقول: فوضته إليك 46 وفيه أن عند المشافهة يُعْتَبَرُ القَبُول على الفور، وفي المراسلة والمكاتبة: لا يُعْتَبَرُ الفَوْر، كما سبق في الوكالة، خلاف في أنه هل يُشتَرط القبول؟ وذكرنا أنه إن كان شرطاً، فالأظهر أنه لا يُعتبَر فيه الفور، فليكن كذلك هاهنا.
ويجوز تعميم التولية وتخصيصها، إما في الأشخاص، بأن يوليه القضاء بين سُكَّان محله أو قبيلةٍ أو في خصومات شخصين معينين، وكذا لو ولاَّه القضاء بين من يرده في داره، أو مسجده من الخصوم، وإما في الحوادث، بأن يوليه في الأنكحة دون الأموال، أو في قدر معيَّن من المال، وإمَّا في طرف الحكم؛ بأن يوليه القضاء بالإقرار دون البينة، وإما في الأمكنة، وهو ظاهر، وإما في الأزمان؛ بأن يوليه سنةً أو يوماً معيناً أو يوماً سماه من كل أسبوع، وذكر القاضي ابن كج وجهاً: أنه إذا قال: قَلَّدتُّك سنةً، بطَلَتِ التَّوْلِيَّةُ، كما في الإِمامة، والظاهر الأول تشبيهاً بالوكالة، ولو كان كالإِمامة، لما جاز سائر التخصيصات.
ومن ولى القضاء مطلقاً، استفاد بالتولية المطْلَقَةِ سَمَاعَ البَيِّنَة والتحليف، وفصل
الجزء: 12 - الصفحة: 439
الخصومات بحكم باتٍ أو يصلح عن تراضٍ، واستيفاء الحقوق، والحبس عند الحاجة، والتعزير وإقامة الحدود، وتزويج اللواتي ليس لهن وليٌّ خاصٌّ، والولاية في مال الصغار والمجانين والسفهاء، والنظر في الضَّوال، وفي الوقوف حفظاً للأصول، وأيضاً إيصالاً للغلات إلى مصارفها بالفحص عن حال المتولِّي، إذا كان لها متولَّى، وبالقيام به، إذا لم يمكن، قال القاضي الماوَرْدِيُّ: ويعمم في الوقوف العامة والخاصة؛ لأن الخاصة ستنتهي إلى العموم أيضاً، والنظر في الوصايا، وتعيين المصروف إليه، إذا كانت الوصية لجهة عامة، بالقيام بها، إن لم يكن وصيٌّ، وبالفحص عن حاله، إن كان، والنظر في الطرق، والتعدي فيها بالأبنية، وإشراع ما لا يجوز إشراعه من الأجنحة، قال القاضي أبو سعد الهرويُّ: ونصب المفتيين المُحتسبين وأخذ الزكوات.
وفصل الماوَرْدِيُّ أمر الزكوات؛ فقال: إن أقام الإِمام لها ناظراً، أخرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا، فوجهان، ويشبه أن يطرد هذا التفصيل في المحتسبين، وكذلك القول في إمامة صلاة الجمعة والعيدين، ويقرب من هذه الأمور نصب الأئمة في المساجد، وليس للقاضي جباية الخراج والجزية بالتولية المطلقة في أظهر الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي العَزْلِ: وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّ طَرِيَانَ الجُنُونِ وَالعَمَى وَالنِّسْيانِ يُوجِبُ الانْعِزَالَ، وَكَذَا طَرَيَانُ الفِسْقِ علَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ عَادَتْ وِلايَتُهُ عَلَى أَضْعَفِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في عزل القاضي وانعزاله مسائل:
إحداها: إذ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه أو عمي أو خرس أو خرج عن أهلية الضبط والاجتهاد بغفلة أو نسيان لم ينفذ حكمه في هذه الأحوال 47، وكذا لو فسق في أصح الوجهين، بخلاف الإِمام الأعظم إذا فسق، لما في إبطال ولايته من اضطراب الأمور وحدوث الفتن.
وإذا طرأت هذه الأحوال وزالت، ففي عود ولاية القاضي وجهان، قد ذكرناهما في باب الوصاية.
الجزء: 12 - الصفحة: 440
وأصحهما: أنها لا تعود إلا بتولية مستأنفة، وبالثاني أجاب صاحب "التلخيص" تخريجاً من قول الشافعيِّ -رضي الله عنه- في أهل البَغْي؛ لأنهم لا يقاتَلُون حتى يناظَرُوا ويُسْأَلُوا ماذا يَنْقِمُون؟ فقد يَسْأَلُون عزل عامل يذكرون جَوْرَة، فلو كان العامل ينعزل بالجور، لقال: يَدَعُون انعزاله بالجَوْر، ولم يقل يَسْأَلون عزله، إلا أنه لم يطرد جوابه في صورة الردة، وسلم أنه إذا تاب بعد الردة، احتاج إلى عقد جديد.
قال الشيخ أبو زيد: والقياس: التسوية، وفي "أمالي أبي الفرج السرخسي": القطع بأنه إذا زال الإِغماء، عادت الولاية، بخلاف الجنون، ولو أخبر الإِمام بموت القاضي أو فسقه، فولى قاضياً، ثم بان خلافه، لم يقدح ذلك في تولية الثاني.
وقوله في الكتاب "يوجب الانعزال" أراد بالانعزال بطلان الحكمِ والنظرِ في الحال، لا البطلان الكلِّي؛ إذ لو أراد البطلان الكُلِّي، لم يحسن ذكر الوجهين بَعْد ذلك في عود الولاية.
ومسألة عود الولاية بعد الإِفاقة من الجنون، قد ذكرناها مرة في باب الوصاية، وكذا مسألة طريان الفسق، إلا أَنه لم يذكر الخلاف هناك، واقتصر على الجواب الأصح، ولفظ الانعزال في ذلك الباب أيضاً محمول على ما ذكرناه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ العَزْلُ عِنْدَ ظُهُورِ خَلَلٍ، وَيَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ غيْرِ خَلَلٍ، وَبِمِثْلِهِ وَمَنْ دُونَهُ لاَ يَجُوزُ إلاَّ لِمَصْلَحَةٍ لَكِنْ إِنْ فَعَلَ نَفَدَ لِلمَصْلَحَةِ وَطَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَهَلْ يَقِفُ الانْعِزَالُ عَلَى بُلُوغِ الخَبَرِ؟ قِيلَ: هُوَ كَالوَكيلِ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ بَأَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ للِضَّرَرِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ انْعَزَلَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَيَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ كُلُّ مَأْذُونٍ فِي شُغُلٍ مُعَيَّنٍ، وَفِي نَائِبِهِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ خِلاَفٌ، وَالقْضَاةُ لاَ يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الإِمَامِ وَانْعِزَالَهِ للِضَّرَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألة بيان أمور:
أحدها: أن العزل متى يجوز؟ فإن ظهر من القاضي خَلَل، فللإمام عزله، قال في "الوسيط": ويكفي فيه غلبة الظن، وإن لم يظهر خلل، فإن لم يكن ثَمَّ مَنْ يصلح للقضاء، فلا يجوز عزله، ولو عزله، لم ينعزل، وإن كان هناك صالح آخر، فإن كان أفضل، جاز عزله به، وانعزل المفضول، وإن كان مثله، أو دونه، قال الإِمام: يُنْظَرُ؛ إن كان في العزل به مصلحةٌ من تسكين فتنة ونحوه، فللإِمام أن يعزله به، وإن لم يكن فيه مصلحة لم يجز عزله به، ولو فعله، هل ينفذ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا, لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله.
الجزء: 12 - الصفحة: 441
وأشبههما: نعم، للمصلحة وطاعة السلطان، وهذا هو المذكور في الكتاب واختيار الإِمام.
ومهما كان العزل في محل النظر، واحتمل أن يكون فيه مصلحة، فلا اعتراض فيه على الإِمام، ويُحكم بنفوذه، وفي بعض الشروح: ذكر وجهين في أن تولية قاض بعد قاض، هل يكون عزلاً للأول؟ وليكونا مبنيين على أنَّه، هل يجوز أن يكون في بلد قاضيان؟ وللقاضي أن يعزل نفسه كالوكيل، وفي الإقناع للماوَرْدِيِّ: أنه إذا عزل نفسه، لم يُعْزَلْ إلا بعلْمِ مَنْ قَلَّده.
والثاني: هل ينعزل القاضي قبل أن يبلغه خبر العزل؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين، كالوكيل، وبهذا قال صاحب "التلخيص" والقاضي ابن كج.
وأصحُّهما: وبه قال أبو زيد: القطع بأنه لا ينعزل؛ لِعِظَمِ الضرر في ردِّ أقضيته 48 بعد العزل، وقبل بلوغ الخبر، ثم الخلاف فيما إذا عزله لفظاً أو كتب إليه: أني عزلتك، أو أنت معزولٌ، فأما إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا، فأنت معزول، فلا ينعزل قبل أن يأتيه الكتاب بحال، وإن كتب: إذا قرأْتَ كتابي، فأنت معزول، فلا ينعزل قبل القراءة.
ثم إذا قرأ بنفسه، فذاك، وإن قُرِئَ عليه، فوجهان:
أحدهما: لا ينعزل كصورة اللفظ.
وأصحُّهما: الانعزال، وهو المذكور في الكتاب 49؛ لأن غرض الإِمام إعلامه
الجزء: 12 - الصفحة: 442
صورة الحال لا قِرَاءَتُهُ بنفسه، ففي مثله في الطلاق، الأظهر ألاَّ يقع الطلاق؛ لأن الطلاق قد يعلق على قرائتها خاصةً فيتبع اللفظ، ولو كان أميّاً؛ تفريعاً على جوازه، فقُرِئَ عليه، فالحكْمُ بالانعزال أولَى، والظاهر في مثله من مسألة الطلاق الوقوعُ.
والثالث: فيمن ينعزل بموت القاضي وانعزاله وينعزل به كلُّ مأذون له في شغل معين؛ كبيع على ميت أو غائب، وسماع شهادة في حادثة معينة، وأما من استخلفه في القضاء، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينعزل كالوكيل بموت الموكِّل، وهذا ما أورده القاضي الرُّويانيُّ.
والثاني: المنع رعايةً لمصلحة النَّاس.
وأظهرها: أنه ينعزل، إن لم يكن القاضي مأذوناً في الاستخلاف لأن الاستخلاف في هذه الحالة، إنما يجوز لحاجته إلى من يعاونه في العمل، فإذا زالت ولايته بَطَلَت المعاونة، وإن كان مَأْذوناً في الاستخلاف، فَيُنْظَرُ؛ إن قال: استخلف عني، فاستخلف عنه، لم ينعزل خليفته؛ لأنه مأذون من جهة الإِمام، وكان الأول سفيراً في التولية، وإن قال: استخلف عن نفسك، أو أطلق، فينعزل؛ لظهور غرض المعاونة وبطلان المعاونة ببطلان ولايته.
ولو نصَّب الإِمام بنفسه نائباً عنه، فقد ذكر الشيخ أبو الفرج السرخسيُّ: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإِمام، ويجوز أن يُقَالَ: إذا كان الإِذن مقيَّداً بالنيابة، ولم يبق الأصل، لا يبقى النائب، ويتخرج على هذا الخلاف والتفصيل؛ أن القاضي هل له أن يعزل الخليفة.
القوَّام على الأيتام والأوقاف جعلهم صاحب الكتاب في "الوسيط" في معنى الخلفاء، والمشهورُ أنَّهُمْ لا ينعزلون بمَوْتِ القاضي وانعزاله من غير خلاف.
كَيْلاَ تختلَّ أبواب المصالح، وصار سبيلهم سبيلَ المُتَوَلِّين المنصوبين من قبل الواقفين 50. = والمصنف في الروضة تبعاً له ولم أكن مستحضراً لذلك حين كتابتي هذا في القاضي، وإذا كان هذا في الزوجة مع أن مراعاة حقائق الألفاظ في تعليق الطلاق معتبرة، ففي القاضي أولى، انتهى.
الجزء: 12 - الصفحة: 443
والقضاةُ والولاةُ لا ينعزلون بموت الإِمام الأعظم وانعزاله، لشدة الضرر؛ في تعطيل الحوادث إلى أن يُنَصَّبَ إمامٌ، وتُنَصَّب قضاة والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثَةُ: لَوْ قَالَ بَعْدَ العَزْلِ: قَضَيْتُ بَكَذَا لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إلاَّ بحُجَّةٍ، وَلَوْ شَهِدَ مَعَ عَدْل أَنَّ هَذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ، وَقَبْلَ العَزْلِ يُقْبَل قَوْلَهُ بِغْيِر حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ.
إذا قال القاضي بعد العزل: كنْتُ حكَمْتُ لفلان بكذا، لم يُقْبَلْ؛ لأنه لا يملك الحكمَ حينئذٍ، فلا يقبل إقراره به، وإنما يثبت حكمه بالبينة 51، فإن شهد مع آخر على أنه حكم به، ففي قبول شهادته وجهان:
أحدهما: وبه قال الإِصطخري: أنها تُقْبَلُ؛ لأنه لا يُجْرِي بشهادَتِهِ نفعاً إلى نفْسِه، ولا يدفع ضرراً.
والثاني: لا يُقْبَل؛ لأنه يشهد على فعل نفسه 52 وهذا أصح باتفاق الأصحاب.
كما إذا شهدت المرضعة على فعْلِ نَفْسِها؛ فقالت: أرضعتها، ففي قبول شهادتها وجهان مذكوران في "الرِّضَاع" واختلفوا في الراجح منهما؛ فمن رجح الوجه الذاهب إلى عَدَمِ القبول هناك؛ استوى البابان عنده، ومَنْ رجَّح القبول؛ فرق بأنَّ فعْلَ الحاكم مقصود، وفعل المرضعة لا اعتبار به، وإنما المعتبر وصول اللبن إلى الجوف، وبأن شهادته على حكمه يتضمن تزكية نفسه؛ لأن الحاكم لا بدَّ وأن يكون عَدْلاً، والمرضعة بخلافه، وإن قلْنا: بالأصح، فلو شهد المعزُولُ مع غيره أن حاكماً جائز الحكم حَكَم بكذا, ولم يضف إلى نفسه فوجهان: = لو شرطه لزيد ثم لعمرو فنصب زيد لنفسه نائباً فيه ثم مات زيد فإنه ينعزل نائبه لا محالة ويصير النظر لعمرو بالشرط، انتهى.
وهذا موضع مهم ثم رأيت كلام الشيخ البلقيني في ذلك فقال: ويستثنى من ذلك ما إذا شرط الواقف النظر لقاضي البلدة فلأن ما تام عنه ناظراً ثم مات القاضي فإنه ينعزل الناظر الذي أقامه من جهته لأنه ليس نظره بوصف القضاء مطلقاً بل بوصف القضاء بقيد تعيينه، فإذا زال عنه القضاء بعزل وانعزال أو بموت انعزل نائبه لأنه ليس نائب نظر قضاء صرف وصار نائب النظر المعين ينعزل بانعزاله.
انتهى، وهذا ضرب غير الضربين الأولين من جهة تعيينه.
الجزء: 12 - الصفحة: 444
أقربهما: القبول، كما لو شَهِدَتِ المرْضِعَةُ عَلَى رضاعٍ محرم، ولم تذكر فِعْلَهَا.
ووجْهُ المَنْع: أنه قد يريد نَفْسَه، فلا بدّ من البيان؛ ليزول الالتباس، والوجهان يَتَفَرَّعان على أنَّه إذا قامت البَيِّنَة على حكومةِ حاكمٍ من الحكَّام، يُقْبَلُ ولا حاجة إلى التعيين، وهو المشهور، وأشار بعضهم إلى وجه آخر، فَعَلَى ذلك الوجْهِ لا تُقْبَلُ شهادة واحد منْهُمَا، ثم يجوز أن يُقَالَ الوجهان فيما إذا لم يَعْلَمِ القاضِي أنه يشْهَد على نفسه، أما إذا علمه، فلا فرق بين المطْلَق والمضاف.
ويجوز أن يعكس، ويقال: الوجهان فيما إذا علم أنه يشهد على حكم نفسه، أما إذا لم يعلم، فيُقْبَلُ لا محالة؛ لجواز أنه يريد حكم غيره، وعلى هذا الاحتمال، فلو شهد المعزول على أن حاكماً حكم به، وشهد الذي معه أن المعزول قد حكم به، وجب أن نقبل؛ لأنا لا نعتني على هذا التقدير إلا بأن نصحح الصيغة 53، ولا يشهد على فعل نفسه، ولو أن المعزول شهد على أنه ملك فلان، أو على أن فلاناً أقر في مجلس حكمي بكذا، قُبِلَتْ شهادته؛ أنه لم يشهد على حكمه.
وقول القاضي في غير مَحَلِّ ولايته: حكمتُ لفلانٍ، بكذا، كقول المعزول، وأما قبل العزل؛ فإذا قال: حكَمْتُ بكذا؛ يُقْبَل، لقدرته على الإِنشاء في الحال، حتى لو قال على سبيل الحكم: نِسَاءُ هذه القَرْية طوالقُ من أزواجهن، يُقْبَل ولا حاجة إلى حجة 54
الجزء: 12 - الصفحة: 445
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "لم يُقْبَلُ قولُهُ إلا بحُجَّةٍ" بالألف: لأن عند أحْمَدَ؛ يُقْبَلُ قوله بعد العزل، كما قُبِلَ العَزْلُ، وأن يُعْلَمَ قولهَ "وقَبْلَ العزل يُقْبَلُ قوله بغَيْر حُجَّةٍ" بالميم؛ لأن عن مالك أنه لا يُقْبَلُ إلا بحجةً.
فَرْعَان: ذكرهما أبو سعد الهرَوِيُّ في "شرح أدب القضاء" للشيخ أبي عاصم العَبَّادِيِّ.
احدهما: قال القاضي بعد العزل: المال الذي في يد هذا الأمين دفعته إليه لزيد أيامَ قَضَائِي، وقال الأمين: إنه لِعَمْروٍ، وما قبضته، منك، فالقول قول الأمين، وإن سلم القبض منه، فالقول قول القاضي.
الثاني: يجوز أن يكون الشاهدان على حكم القاضي هما اللَّذَان شهدا عند القاضي، فَرَتَّبَ، الحكْمَ عَلَى شهادتهما؛ لأنهما الآن يشهدان على فعل القاضي، وحكي أن الأستاذ أبا طَاهِرٍ قال: على هَذَا تَفقَّهْت، وأدركت القضاة والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَوِ ادَّعَّى عَلَى مَعْزُولٍ رَشْوَةً أَحْضَرَهُ القَاضِي وَفَصَلَ الخُصُومَة، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَخَذَ المَالَ مَنِّي بِشَهادَةِ عَبْدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُ الأَخْذَ فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ إِذْ فِي وُجُوبِ الغُرْمِ عَلَى القَاضِي خِلاَفٌ إِذَا لَمْ يَأْخُذْ، وَلَوْ نَائِبُ المَعْزُولِ: أَخَذْتُ هَذَا المَالَ أُجْرَةَ عَمَلِي لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ صَدَّقَهُ المَعْزُولُ إلاَّ بِحُجَّةِ، وَهَلْ يَكْفِيهِ يَمِينُهُ فِي مِقْدَارِ أُجْرَةِ المِثْلِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس على القاضي تتبع أحكامِ مَنْ قبله من القضاة، اكتفاءً بأن الظاهر منها السداد؛ لعلمهم وعدالتهم، وفي جواز تتبعها وجهان مذكوران في "المُهَذَّب" اختيار الشيخ أبي حامد، منها -الجواز؛ احتياطاً، وإذا جاءه متظلِّم من القاضي المعزول، وطلب منه إحضاره، لم يتسارع إلى إجابته، فإنه قد يقصد ابتذاله، بل يسأله عما يريد فيه فإن ذكر أنه يدعي عليه عيناً وديناً على معاملة، أو إتلافاً، أو غصباً، أحضره، وفَصَل الخصومة بينهما، كما يفصل بين سائر الناس، ولو قال: أخذ منِّى كذا، على سبيل الرَّشْوَة المحرمة، أو أخذ منى بشهادة عبدين أو غيرهما، ممن لا تُقْبَلُ شهادته، ودفعه إلى فلان، فكذلك الجواب؛ لأن هذا الأخذ كالغصب 55، وفلان الذي يدعي الدَّفْع = الإِبداء ليجر المحكوم عليه التخلص ثم قال في الخادم أيضاً هذا إذا لم يكن حكمه نقضاً لحكم غيره، فإن كان فالظاهر أنه لا يقبل حتى يبين السبب ويحتمل قبوله مطلقاً إذا كان الثاني غير متهم والأول فيه ريبة.
الجزء: 12 - الصفحة: 446
إليه، إن قال: أخذته بحكم المعزول لي، لم يُقبَلْ قوله، ولا قول المعزول له بل يحتاج إلى بينة تشهد على حكم المعزول له أيام قضائه، فإن لم تكن بينةٌ، انتزع المال منه، وإن اقتصر على أنه لي، ولم يتعرض للأخذ من المُدَّعِي، ولا لحكم المعزول، فالقول قوله مع يمينه.
ولو أن المتظلِّم لم يتعرَّضْ للأخذ، ولكن قال حُكِمَ عليَّ بشهادة عَبْدَيْن، ومن في معْنَاهُما، فكلام مُعْظم الأئمة يخالف ما في الكتاب، قال المُعْظَم: في إحضاره وجهان:
أحدهما: يحضره؛ ليجيب عن دعواه، كما لو طلب إحضار غيره.
والثاني: أنه لا يحضره إلا ببينة تقوم على ما يدعيه، أو على إقرار المعزول بما يدعيه؛ لأنه كان أمين الشرع، والظاهر أن أحكامه على الصواب، فيكتفي بهذا الظاهر، إلى أن تقوم الحجَّة على خلافِه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والأول أصحُّ عند القاضي الرُّويانيِّ وغيره.
وإذا قلنا بالثاني، فليس ذلك على معنى أن البينةٍ تُقَامُ في غيبته، ويكتفي بها، ولكن الغرض أمن يكون إحضاره عن بَيِّنَة، فيُحْضِر المدعي الشهود، ليعرف القاضي منهم أن لدعواه حجةً وحقيقةً، ثم إذا حضر المعزول ادَّعَى المدعي، وشهد الشهود في وجهه على المعهود، وإذا أحضر بعد البينة، أو دونها وأقر، طُولِبَ بمقتضاه.
وإن أنكر صُدِّق، وكيف يُصدَّق؟ بيمين، أو بغير يمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيمين، وهو اختيار العراقيين والقاضي الرُّويانيِّ، كالمُودَعِ وسائر الأمناء، إذا ادُّعِيَتْ عليهم خيانة.
والثاني: بغير يمين، وبه قال الإِصطخريُّ، وصاحب "التلخيص"؛ لأنه كان أمين الشرع؛ فيُصَانُ منْصِبُه عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة، وهذا أحسن، وأصح عند الشيخ أبي عاصم، وصاحب "التهذيب"، وبه قال صاحب "التقريب" والقاضي الماورديُّ ولا فرق في ذلك بين أن يدعي عليه الحكم في مال أو دم حتى إذا ادَّعى عليه؛ أنه قبْل أباه ظُلماً بالحكم جرى الخلاف في أن إحضاره؛ هل يتوقَّف على البينة وفي أنه هل يحلف إذا حضر وأنكر؟ فهذا ما ذكروه، وهم متفقون على أن الدعْوَى مسموعة في الجُمْلة وعلى أن بينة المُدَّعِي محكومٌ بها، وأما صاحب الكتاب، فإنه = أن يرسل وكيله ولا يحضر وقد ذكر ذلك صاحب المطلب جازماً به وهو واضح لا توقف فيه لأن في إحضار المعزول من الأهنة ما لا يستحقه المدعي بمجرد دعواه، وقول الشيخ بشهادة عبدين، قال الشيخ البلقيني: أي وهو عالم بأنهما عبدان، ومن عقيدته أنه لا يحكم بشهادة العبيد، وقول المصنف أيضاً ودفعه إلى فلان أي الذي قامت له شهادة العبدين أو غيرهما ممن لا يقبل شهادته.
الجزء: 12 - الصفحة: 447
نصب الخلاف في سماع أصل الدَّعْوَى، وقال: إنه مبْنِيٌّ على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدَيْن، ومن في معناهما؛ هل يقتضي غُرْماً؟.
وهذا الخلاف غير معروف، نعم، إذا كان المحكوم به قطعاً، أو قتلاً.
فعن الإِصطخرِّي: أن القاضِيَ، إنما يضمن إذا استوفى بنفسه، أو أمر به من استوفاه، أما إذا استوفاه الوليُّ بإذن القاضي، فلا ضمان على القاضي، وخالفه الأكثرون، وقالوا: لا فرق؛ فإن القاضي هو الذي سلَّط الوليِّ، فيمكن أن يجيء هذا الخلاف في الأموال، والقول في أن القاضِيَ كَيْف يغرم؟ يُبْسَط في موضعه إن شاء الله تعالَى -والدعوى على نائب المعزول في القضاء كالدعوى على المعزول.
وأما أمناؤه الدين يجوز لهم الأجرةُ، فلو حُوسِبَ بعْضُهم، فبقَى عليه شيءٌ، فقال: أخذتُ هذا المال أجرة عَمَلِي، فصدقه المعزول، لم ينفعه تصديقه، لكن يُسْتَرَدُّ منْه ما يزيد على أجرة المثْل، وهل يُصدَّقُ بيمينه في أجرة المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل عليه البينة على جريان ذِكْرِ الأجْرة.
والثاني: نعم؛ لأن الظاهر أنه لا يعمل مجاناً، قال الإِمام: والخلاف مبنيٌّ على أن من عمل لغيره، ولم يجر ذكر أجرة، هل يستحِقُّ أجرة المثل 56.
وقد تبيَّن بما ذكرنا أن قوله "ولو قال نائب المعزول" ليس المراد نائِبَهُ في القضاء، فإن القاضي لا يأخذ أجرة، وإنما المراد الأمناء.
وقوله "لم يُقْبَلْ، وإن صدَّقه المعزول إلا بحجة" ظَاهِرَهُ يقتضي قبول الحجة على الإِطلاق.
ومعلوم أن الزيادة على أجرة المثل، لا تُقْبَلُ فيها الحجَّة بحال، وأما قدْرُ أجرة المثل، فيحتاج فيه إلى حجة أم يكفي اليمين؟ فيه الوجهان، هذا حكم الدعوى على المعزول.
وأما الولي فإن ادعى عليه مدَّعٍ بما لا يتعلَّق بالحكم، حكم بينهما خليفةٌ أو قاضٍ آخرُ، وإن ادَّعى ظلماً في الحكم، وأراد تغريمه لم يُمَكَّنْ، ولم يحلف القاضي، ولا تغني إلا البينة، وكذا لو ادعى على الشاهد: أَنَّه شهد بالزور، وأراد تغريمه؛ لأنهما
الجزء: 12 - الصفحة: 448
أمينان شرعاً، ولو فُتحَ بابُ تحليفهما، لاشتد الأمر، ورغب القضاة عن القضاء، والشهود عن أداء الشهادة (1).
وكذا الحكم لو قال للقاضي: قد عزلت، فأنكر، وعن الشيخ أبي حامد أن قياس المذهب التحليف في جميع ذلك، كسائر الأمناء إذا ادعيت عليهم خيانة.
والله أعلم.
البَابُ الثَّانِي فِي جَامِعِ آدَابِ القَضَاءِ،
وَفِيهِ فُصُولٌ قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي آدَابِ مُتَفَرِّقَةٍ:
وَهِيَ عشَرَةُ آدَابٍ: الأَدَبُ الأَوَّلُ: أَنْ يُشِيعَ الوِلاَيَةَ قَبْلَ قُدُومِهِ، فَإِنْ قَدِمَ مِنْ غَيْرِ إشَاعَةٍ وَلاَ كِتَابٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، فَإنْ كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ مِنْ غَيْرِ شَاهِدَيْنِ فَفِي لُزُومِ الطَّاعَةِ بِمُجَرَّدِهِ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ تَظْهَرُ أَمَارَةُ التَّلْبِيسِ يَجُوزُ التَّوقُّفُ لاَ مَحَالَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليَكْتُبِ الإِمامُ كتاب العَهْد لمن يوليه القضاء 58، كما كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رضي الله عَنْهُ- لَمَّا بعَثَهُ إلى اليَمَن 59، وكما كتب أبو بكرٍ لأنس57
الجزء: 12 - الصفحة: 449
-رضي الله عنه- لما بعثه إلى "البَحْرَيْن" 60 وَعُمَرُ لابن مسعود -رضي الله عنه- لما بعثه قاضيًا إلى الكوفة 61: ولُيَذْكُرْ فيه ما يَحْتَاج القاضِي إلى القيام به، وليعظْهُ فيه، ثم إذا كان يبعث إلى بلد آخر، فيُنْظَرُ، إن كان بعيدًا لا ينتشر الخبر إليه، فليشهد شاهدين على التولية على الوجه الذي تضمنه الكتاب، وليقرأه الإِمام عليهما، وإن قرأ غير الإِمام، فالأَحوط أن ينظر الشاهدان فيه ثم يخرج الشاهدان 62 معه فيخبران بالحال هناك.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وليس ذلك على قواعد الشهادات إذْ ليس هناك قاضٍ يؤدي عنده الشهادات، وإن كان البلد قريبًا ينتشر الخبر إليه ويستفيض، فإن أشهد شاهدَيْن يخرجان معه، كما ذكرنا، فذاك، وإلا، ففي الاكتفاء بالاستفاضة وجهان:
أحدهما: المنع، وبه قال أبو إسحاق؛ لأن التولية عقْدٌ، والعقود لا تثبت بالاستفاضة، كالإِجارة والوكالة.
وأظهرهما: الاكتفاء بها، وبه، قال الإِصطخريُّ إذ لم يُؤْثَرْ عنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن الخلفاء بعده الإِشهادُ، بل كانوا يقنعون بالاشتهار وبالاستفاضة، ومن الأصحاب من يطلق الوجهين من غير فرق بين أن تكون البلَدُ بعيدًا أو قريبًا، ويشبه أَلاَّ يكون في هذا خلاف، ولكن الانتشار والاستفاضة، إنما يحصل في مدة، وتختلف المدةُ بحَسَب قرب المسافة وبعدها؛ فمن قال: لا بُدَّ في البلد البعيدة من الإِشهاد، إنما قاله؛ لأن الاستفاضة لا تحصل بها غالبًا في مدة مسير القاضي، ومن أطلق، فلأنه إذا تأخر مسيره لعارض حتى حصلت الاستفاضة، فلا فرق بين القرب والبعد.
وحَكَى في "الوسيط" وجهين في أن مجَرَّد الكتاب من غير استفاضة ولا شهادة شاهدَيْنِ، فهل تعتمد عليه؟.
أحدهما: نعم، لبعد الجرأة في مثل ذلك على الإِمام.
والثاني: لا، بل لا بدّ من عدلَيْن يخبران عن التولية، وهذا هو المفهوم من كلام عامة الأصحاب -رحمهم الله- وهو قياسُ أصْلِنا في امتناع الاعتماد على الخطِّ.
وقوله في الكتاب "من غير إشاعةٍ ولا كتابٍ"، ظاهره يقتضي أَلاَّ يكفي قول عدلَيْن، لكنا سنذكر أن الاعتماد في كتاب القاضي إلى القاضي على الشهود دون الكتاب، فليكن كذلك هاهنا.
الجزء: 12 - الصفحة: 450
وقوله فإن كان معه كتابٌ من غير شاهِدَيْنِ يتناول بإطلاقه ما إذا حصلت الاستفاضة، وفيها الوجهان المذكوران أولًا، وما إذا لم يحْصُل، وفيها الوجهان المنقولان عن "الوسيط".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: أنَّهُ كَمَا قُدِّمَ يُفَتِّشُ عَنِ المَحْبُوسِينَ فَيُطلِّقُ كُلَّ مَنْ حُبِسَ بِظُلْمٍ أَوْ فِي تَعْزِيرِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالحَقِّ رُدَّ إِلَى الحَبْسِ، وَمَنْ قَالَ: أَنَا مَظْلُومٌ أُطْلِقَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ حَضَرَ خَصْمُهُ فَلْيَسْتَأنِفِ الخُصُومَةَ وَلْيُقِمِ الحُجَّةَ عَلَى أَنَّ القَاضِيَ المَصْرُوفَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وَإِنْ قَالَ المَحْبُوسُ: لاَ أَدْرِي لِمَ حُبِسْتُ نُودِيَ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ خَصْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أُطْلِقَ، وَإِنْ ذَكَرَ خَصْمًا غائِبًا وَزَعَمَ أنَّهُ مَظْلُومٌ فَإطْلاقُهُ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لا يُطْلَقُ فَيُرَاقَبُ وَلا يُخَلَّى وَلا يُحْبَسُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ خَصْمُهُ، وَيُكْتَبُ إِلَى خَصْمِهِ لِيُعَجِّلَ، فَإنْ لَمْ يُعَجِّلْ أُطْلِقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أراد القاضي الخروجَ إلى بلد قضائه، ينبغي أن يسأل عن حال من فيه من العلماء والعدول، فإن لم يَتَيَسَّر، سأل في الطريق حتى يدخل على علْم بحالِ البلد، فإن لم يجدْ من يسأله سأل حين يدخل، ويُسَحَبُّ أن يدخل يوم الاثنين 63؛ فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل يوم الاثنين 64، وأن يكون عليه عمامة سوداء فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء، وأن ينزل في وسط البلد أو الناحية؛ كيلا يطول الطريق على بعْضهم.
وإذا دخل، فإن رأى أن يشتغل بقراءة كتاب العهد في الحال فعل، وإن رأى نزل في منزله، وأمر مناديًا ينادي يومًا أو أكثر، أو أقل على حسب كبر البلد وصغرها، أَلاَ إنَّ فلانًا قَدِمَ قاضيًا، وأنه يخرج يوم كذا لقراءة العهد، فمن أحب فليحضر، فإذا اجتمعوا، قرأ عليهم العهد، وإن كان معه شهود شَهِدُوا، ثم ينصرف إلى منزله.
ويستحضر الناس، فيسألهم عن الشهود، والمُزَكَّيْنَ سرًّا وعلانيةً، قال الأصحاب -رحمهم الله-: ويتسلَّم ديوان الحكم، وهو ما كان عند الحاكم قبله من المحاضر والسجلات وحجج الأيتام والأوقاف، وحجج الناس المودوعة في الديوان؛ لأنها كانت في يدِّ الأول بحكم الولاية، وقد انتقلت الولاية إليه، ثم إذا أراد النظر في الأمور، نظر أولاً في المحبوسين؛ لأن الحبس عذابٌ، فلينظر؛ هل يَسْتَحِقُّون أم لا 65؟ ويأمر قبل أن
الجزء: 12 - الصفحة: 451
يجلس للنظر في أمرهم مناديًا ينادي يومًا، أو أكثر على حسب الحاجة، أَلاَ إنَّ القاضي ينظر في أمر المحبوسين يَوْمَ كذا، فمن له محبوسٌ، فليحْضُرْ، وليبعث إلى الحَبْس أمينًا من أمنائه، ليكتب اسم كل محبوس، وما حُبِسَ به، ومَنْ حُبِسَ له في رقْعَةٍ.
وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيب أنه يبعث أمينَيْنِ، وهو أحوط، فإذا جلس اليوم الموعود، وحضر الناس، وُضِعَتْ تِلْكَ الرِّقَاعُ بيْنَ يدَيْه ويخرجه، وهكذا فيأْخُذُ واحدةً واحدةً وينظر في الاسم المثبت فيها، ويسأل عن خَصْمِهِ، فمن قال: أنا خَصْمُه، بعث معه ثقة إلى الحَبْس؛ ليأخُذَ بيده، ويخرجه هكذا، يحضر من المحبوسين بِقَدْر ما يعرف أن المجلس يحتمل النظر في أمرهم، وفي "أمالي" أبي الفرج: أنه يقرع بينهم للبداية، وإذا جمع المحبوس وخصمه عنده سأل المحبوس عن سبب حبسه، والجواب يُفْوَضُ على وجوه.
منها: أن يعترف بالحَبْس بالحَقِّ، فإذا كان ما حبس به مالاً، أُمِرَ بأدائه، فإن قال: أنا مُعْسِرٌ، فعلى ما ذكرنا في التفليس، ثم إذا لم يؤدِّ، ولم يَثْبُتِ الإِعسارُ، فيُرَدُّ إلى الحَبْس، وإن أدَّى، أو أثبت الإِعسار، نودي عليه، فلعلَّ له خصمًا آخر في مال أو غيره، فإن لم يحضر أحدٌ، خُلِّيَ، وإن كان ما حبس به حدًّا، أقسم عليه، وخُلِّيَ عَلَى ما ذكرنا.
ومنها: أن يقول: شهدتُّ على البينة، فحبسني القاضي؛ ليبحث عن حال الشهود، فللأصحاب -رحمهم الله- في جواز الحَبْس بهذا السبب اختلاف، يأتي من بعد، فإن قلنا: لا يُحْبَسُ به لم يرده إلى الحَبْس، وإن قُلْنَا: يُحْبَسُ ردّه، وبَحَثَ عن حال الشهود.
ومنْهَا: أن يقول: حُبْستُ بخَمْرٍ، أو كلب أتلفته على ذمِّيٍّ، والقاضي لا يعتقد التغريم بذلك، فأصح القولين: أنه يمضيه.
والثاني: يتوقَّف، ويسعى في اصطلاحهما على شيء.
ومنْها: أن يقول: حُبِسْتُ ظُلْمًا، فإن كان الخَصْمُ معه، فعلى الخَصْم الحُجَّة، والقول قَوْلُ المَحْبُوس مع يمينه، وإن ذَكَر خَصْمًا غائبًا، فطريقان:
أحدهما: القطع بأنَّه يُطْلَقُ؛ لأن الحبس عذابٌ، وانتظارُ الغائِبِ يطولُ.
وأظهرهما: أنه على وجهين، فإن قلنا: يُطْلَقُ فحسن أن يُؤْخَذَ منْه كفيل، وإن = هناك أمر أهم من المحبوسين قدمه فمن ذلك المحاجير الجائعون الذين تحت نظره وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها وما أشرف من الأوقات وأملاك محاجير على السقوط بحيث تعين الفوز في تداركه ونحو ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 452
قلنا: لا يُطْلَقُ، فيكتب إلى خصمه في الحضور 66، فإن لم يفعل، فحينئذ يُطْلَقُ، وإن قال: لا خصم لي أصلاً، أو قال: لا أدْرِي، لِمَ حُبِسْتُ، نودي عليه في طلب الخصم، فإن لم يحضر أحد، حلف، وأُطْلِقَ؛ وإنما حلف هاهنا ولم يحلف في الأجوبة السابقة؛ لأن هناك ظهر الخصم، وفصل الأمْر، فدعْوى أنه ليس له خَصْم آخر، لا تخالف الظاهر، وأما الحبس من غير خصم، فإنه خلاف الظاهر.
قال في "الوسيط": وفي مدة المناداة لا يُحْبَسُ، ولا يُخَلَّى بالكلِّيَّة، ولكن يُرْتَقَبَ، وحيث أَطْلَقَ الذي ادَّعَى: أنه مَظْلُومٌ، فَهَل يُطالَبُ بكَفيل؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا.
وأما لفظ الكتاب، قوله "فيُطْلَقُ كلُّ من حُبِسَ "بظلم" كان المراد فيه، إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا، وقلنا: إنه يقضي بعلمه، فأما إذا قال المَحْبُوس: أنا مظلوم، فهو مذكور من بعد.
وقوله: "أو في تعزير" إطلاق من حبس تعزيرًا، وقد ذكره هاهنا، وفي "الْوَسِيطِ" وسَكَتْ مُعْظَم الكتب عنه، ولعل وجه ما ذكره أن التعزير يتعلَّق بنظر الحاكم الذي بانَتْ عنده الجناية، ولا يُدْرَى أن الحاكم المصْرُوف، هل كان يديم حبسه لو لم يُصْرَفْ، لكن لو بانَتْ جنايةٌ عند الثاني، ورأَى إدامة حبسه، فالقياس الجَوازُ.
وقوله: "ومن أقر بالحَقِّ رُدَّ إلى الحبس" أي: إذا اقتضاه الحال بأن لم يؤدِّ ولم يثبت إعسارًا.
وقوله: "فإن حضر خصمه، فليستأْنف الخصومة" بعد قوله: "أطلق على أحد الوجهين" تفريع على وجه الإِطلاق، والمعنى؛ أنه يُطْلَقُ، ثم إذا حضر خصمه مجلس الحكم، وادعى، فعليه إثبات الحق الذي يدعيه ببينة تقوم على نَفْس الحَقِّ، أو على أن القاضي المصْرُوفَ، حكم عليه بذلك، وفي "أمالي" أبي الفرج: أنه يكْفِي لاستدامةِ الحَبْس قيامُ البيِّنَة، على أن القاضي المصْرُوفَ حَبَسَهُ بحقٍّ على هذا المُدَّعِي، وإن لم يبيِّن جنس الدين وقدره.
وقوله فيما إذا ذكر خصمًا غائبًا، "فإطلاقه أوَلى" أشار بهذا الترتيب إلى الطريقين
الجزء: 12 - الصفحة: 453
السابقين في الغائب.
وقوله: "فإن قُلْنا: لا يُطْلَقُ فَيُراقَبُ ولا يخلَّى، ولا يُحْبَسُ إلى أن يَحْضُرَ خَصْمُه" هذا لم يذكره في "الوسيط" هاهنا، وإنما ذكره فيما إذا قال: لا أدْرِي، لِمَ حُبِسْتُ؟ على ما بيَّنَّاه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيّ: وإِذا فَرِغَ مِنَ المَحْبُوسِينَ نَظَرَ فِي الأَوْصِياءِ وَمالِ الأَطْفالِ إِذْ لا رَافِعَ لِوَقائِعِهِمْ إِلَيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا فرغ القاضي من المحبوسين، نظر في حال الأوصياء؛ لأن الوصيَّ يتصَّرف في حقِّ من لا يمكنه المرافعة والمطالبة، كالأطفال، وأصحاب الجهات العامة، وإذا حضر من يزعم: أنَّهُ وصيٌّ بفحص القاضي عن شيئَيْنِ:
أحدهما: أصل الوصاية، فإن أقام بيَّنَةً على أنَّ القاضي المصْرُوف نَفَّذ وصايته، وأطلق تَصَرُّفَه، قرره، ولم يَعْزِلْه، نعم، إذا طرأ فِسْقٌ وانعزالٌ فيُنْزَعُ المال منه، وإن شك في عدالته فوجهان 67. قال الإِصطخريُّ: يقرر المال في يده؛ لأن الظاهر الأمانة، وقال أبو إسحاق: ينزعه حتى يتحقق عدالته وإن وجده ضعيفًا، أو كان المال كثيرًا لا يمكنه القيام بحفْظِه والتصرُّف فيه، ضم القاضي إليه من يعينه.
والثاني: تصرفه في المال فإن قال: فرقت ما أوصى بِهِ، نُظِرَ إن كانَتِ الوصيَّةُ لمُعَيَّنَيْنِ، لم يتعرض له؛ لأنهم يطالَبُون لَوْ لَمْ يصل إليهم، وإن كانت لجهةٍ عامَّةٍ فإن كان عَدْلاً، أمضى تَصَرُّفَه، ولم يَضْمَنْه، وإن كان فاسقًا، ضمنه؛ لتعديه، بالتفريق لا عن ولاية 68 ولو أن غير الوصي فرق الثُّلُث الموصى به، خوفًا عليه من أن يضيع، نُظِرَ:
الجزء: 12 - الصفحة: 454
إن كانتِ الوصايةُ لمعينين، وقع الموقع؛ لأن لهم أن يأخُذُوه من غَيْرِ واسِطَةٍ، وإلا، ففي الضمان وجهان:
أظهرهما: الوجوب.
ثم بعد النظر في الأوصياء، ينظر في أمناء الحكام المنصوبين على الأطفال في تفرقة الوصايا؛ فمن تغير حاله بِفِسْقِ أو ضَعْفٍ، فعَلَى ما ذكرنا في الأوصياء ومن لم يتغير حاله، أقرَّه قال القاضي الرويانيُّ: وله أن يَعْزِلَهُ، ويولي، وينصب غيره بخلاف الأوصياء لأن الأمين مُوَلَّى من جهة القاضي بخلاف الوصيِّ.
ثم ينظر في الأوقاف العامة، والمتوليين لها، وفي اللقطة، والضَّوَالِّ مما لا يجوز تملكه، أو يجوز، ولم يختر التَّمَلُّك بعد الحَوْل حفْظ على صاحبه، أو باعه، وحَفِظَ ثمنه لمصلحةِ الحال، وله أن يَحْفَظ هذه الأموال معزولةً عن أمثالها في بيت المال وله أن يَخْلِطَها بمثلها، فإذا ظهر المالك، غرم له من بَيْت المَالِ.
ويقدم من كل نوع من ذلك الأهَمَّ فالأَهَمَّ وإن عرضت حادثة، وهو مشْغُولٌ بهذه المهمات، استخلف من ينظر في تِلْكَ الحادثة وفيما هو فيه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: أنْ يَتَرَوَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَرْتِيبِ الكَاتبَ والمُزَكِّي والمُتَرْجِمِ، وَليَكُنِ الكَاتِبُ عَدْلًا عَاقِلاً عَفِيفًا عَنِ المَطَامِعِ، وَيُشْتَرَطُ العَدَدُ فِي المُزَكَّى والمُتَرَجْمِ دُونَ الكَاتِبِ، وَفِي عَدَدِ المُسْمِعِ إِذَا كَانَ بِالقَاضِي صَمَمٌ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الخَصْمُ أَصَمَّ فَيَعْجَزَ عَنِ الإنْكَارِ لَوْ غَيَّر المُسْمَعُ، فَإِنْ شُرِطَ العَدَدُ فَفِي اشْتِراطِ لَفْظِ الشَّهادَةِ وَجْهَانِ، فَإنْ لَمْ يَشْتَرَط فَفِي اعْتِبَارِ الحُرِّيَّةِ وَجْهَانِ، فَإنْ طَلَبَ المُسْمِعُ أُجْرَةٌ فَهَلْ يَجِبُ فِي مالِ صَاحِبِ الحَقِّ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُرَتِّبُ القاضِي بعْدما ذكَرْنا أمر الكُتَّاب، والمُزَكِّين، والمتَرْجِمِين.
أما الكُتَّابُ؛ فللحاجة إلى كتابة المَحَاضِرِ، والسِّجلاَّت، والكُتُب الحكمية، والحاكم لا يتفرَّع لها غالبًا، ومن المشهور أنه كان لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كُتَّاب، منهم زيدُ بنُ ثابت 69 = يحكم القاضي بفسقه، وإن كان فسقه ظاهرًا لا يقتصر إلى اجتهاد رد تصرفه وعزه إذا لم يمكن التدارك كما إذا فرق على المساكين، قال وليس له أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه على الوصية لأنه يقر بوصوله إليهم بحق، انتهى ما أردته منه.
وقوله إنه خيار اجتهاد لا شهوة أخذه من القوت ولم يعزه له وما نقله عن الماوردي أيضًا أخذه من القوت.
الجزء: 12 - الصفحة: 455
-رضي الله عنه- ويُشْتَرَطُ أن يكونَ الكاتبُ عارفًا بما يكتب من المَحاضِرِ وغيرها، لئلاَّ يفسده.
وأن يكون مسلمًا عدلاً؛ ليؤمن خيانته، وفي "المهذب" حكايةُ وجْهٍ آخر: أنه لا يُشْتَرَطُ الإِسْلام والعدالةُ، ولكن يُسْتَحَبَّان؛ لأنَّ القاضِيَ لا يُمْضِي ما كتبه حتى يقف عليه، ويُسْتَحب أن يكون وافر العقْل عفيفًا عن المطامع الفاسدة، كيلا يُخْدَعَ من غرَّه بمال، وأن يكون فقيهًا، لا يُؤتَى، من جَهْل، وأن يكون جيِّدَ الخَطِّ، ضابطًا للحروف لئلا يقع الغَلَطُ والاشتباه، والأَوْلَى أن يُجْلِسُ الحاكمُ الكاتِبَ بيْن يدَيْه؛ ليملي عليه، ويشاهد ما يكْتُب.
وأما المزكُّون؛ فالحاجة إليهم ظاهرةٌ، وفي التزكية فصْلٌ مفردٌ من بعْدُ.
وأما المترجمون؛ فلأن القاضي قد لا يعرف لسان بعْضِ الخُصُوم والشهود، فلا بدّ مِمَّنْ يطلعه عليه.
ويشترط في المُتَرْجِم العدالة والتكليف والحرية؛ لأنه ينقل قولاً إلى القاضي لا يَعْرِفُه القاضي؛ فأشبه الشهادة، وبمثل هذا نقول باشتراط العَدَدِ فيه، وفي المزكِّي، بخلاف الكاتب؛ فإنه لا يُثْبِت شيئًا، وعند أبي حنيفة: يكفي مترجِمٌ واحدٌ ومذكٍ واحدٌ، ثم قال الأصحاب: إن كان الحقُّ مما يثبت برَجُلٍ وامرأتين، فتقبل الترجمةُ من رجلين، ومن رجُلٍ وامرأتين، وقال صاحب "التهذيب": وجب ألا يقبل إلاَّ من رجلين، كما لا يثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحَقُّ مما يثبت برجل وامرأتين، وهذا ما أورده الإِمام -رحمه الله- وأما العِتْق والنكاح وما لا يثبت برجل وامرأتين؛ فلا يَقْبَلُ الترجمة فيه إلا من رجلين، وفي الزنا: يكفي رجلان أم لا بدّ من أربعة؟ فيه قولان، كما في الشهادة على الإقرار بالزنا، وقيل: يكفي رجلان بلا خلاف، ولو كان الشاهدانِ معًا أعْجَمَّيْينِ؟ فيه قولان كالقولين في شهود الفرع، وبالأول أجاب أبو الحسن العَبَّادِيُّ في "الرَّقْم" وهل يجوز أن يكون المَترْجِمُ أعمى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون شاهدًا.
وأصحهما: نعم؛ لأن الترجمة تَفْسِيرٌ للفظ لا يحتاج فيه إلى معاينة وإشارة، وإذا كان بالقاضي صَمَمٌ، واحتاج إلى من يُسْمِعُه، فثلاثة أوجه:
أصحها: اشتراط العَدَدِ كالمترجم.
والثاني: المنع؛ لأن المُسْمِع، لو غَيَّر أنكر عليه الخَصْم والحاضرون، فلا حاجة فيه إلى العدد، والمترجم لا يعرفون لِسَانَهُ.
= لزيد بن ثابت: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الحديث، وقال القضاعي: كان زيد بن ثابت يكتب عنه للملوك، مع ما كان يكتب من الوحي، وكان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات.
الجزء: 12 - الصفحة: 456
والثالث: أنَّه إن كان الخصمان سميعَيْن، فلا يُشْتَرط العدد، وإن كانا أصَمَّيْن أيضًا، يُشْتَرَطُ فإِنَّ الحاضِرَيْن لا يعتنون بما يقوله اعتناءَ الخُصُوم.
ومنْهُمْ من قطع باشتراط العدد، إذا كان الخصمان أصَمَّيْنِ، وهذا في إسماع خَصْمِ القاضي، فأما إسماع الخصم ما يقوله القاضي، وما يقوله الخصم، فقد حكى القاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع" عن القَفَّال: أنه لا حاجة فيه إلَى العدد، وإذا شرطَنْا العدد في المُسْمِع، ففي اشتراط لفْظِ الشَّهَادَةِ، وجهان:
أصحهما: اشتراطه، فيقول: أشهد أنه كذا وكذا.
والثاني: المنع؛ لأنَّا، وإن استظهرنا بالعدد، فليستْ هي شهادة محقَّقةً، فإن لم يشترط العَدَد، ففي اشتراط الحرية، وجهان، كما في شهادة هلالِ رَمَضَان، والأصحُّ الاشتراطُ وأنه لا يسلك به مَسْلَك الروايات، وليجر الخلاف في لفظ الشهادة، وفي الحرية على بعده من المترجم، ويشبه أن يكون الاكتفاء بإسماع رجل وامرأتين في المال عَلَى ما ذَكَرْنا في المترْجِم، وأجاب في "الوسيط" بالمنع، كما ذكره صاحب "التهذيب" هناك.
ورأى الإِمام أن يُطَّرَدَ في المترجْمِ الوجوهُ المذكورةُ في اشتراط العَدَد في المُسْمِع.
والوجه الثالث: فيه أن يُقَال: إن كان الخصمان عارفَيْن بالعربية، لكن لا يحسنان التعبير، لم يُشْتَرطِ العدد.
وإن كانا لا يعرفانها، فيشترط، وميله إلى ترجيح الوجه الثالث فيهما جميعًا، والله أعلم.
وبقيت مسألة في الفَصْل؛ وهي أن المَسْمعَ لو طلب شيئًا ممَّنْ يُعْطَى، وتقدَّم عليها: أن القاضي، وإن لم يجد كفاية، فيجوز له أن يأخذ رزقًا من بيت المال؛ ليتفرغ للقضاء.
رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا عَامِلٍ اسْتَعْمَلْنَاهُ وَفَرَضْنَا لَهُ رِزْقَهُ فَمَا أَصَابَ بَعْدَ رِزْقِهِ، فَهُوَ غُلولُ" 70 ورُوِيَ أن أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ -رضي الله عنه- كان يأخذ كل يوم من بيت المال درهَمَيْن 71، وأن عمر -رضي الله عنه- كان يَرْزُقُ شُرَيْحًا -رحمه الله- كلَّ شهْرٍ مائة درهم 72 وإن وجد كفاية، فيُنْظَرُ، إن تعيَّن عليه القضاء، لم يجز له أخْذُ
الجزء: 12 - الصفحة: 457
شَيْءٍ؛ لأنه يؤدي فرضًا تَعَيَّن عليه، وإن لم يتعيَّن، فيجوز، والمسْتَحَبُّ تركه 73، ولا يجوز عَقْد الإِجارة على القضاء، لما سبق في الإِجارة.
وفي فتاوى القاضي الحُسَيْن إلحاقه بالأذان، حتى يجوز الإِجارة عليه على رأْي؛ لأن كل واحد منْهما يعُودُ نفعه إلى عامَّة المُسْلمِين، وينبغي للإمام أن يجعل من بيت المال مع رزق القاضي شيئًا لثمن القراطيس التي تُكْتَبُ فيها المَحَاضر والسجلات، ولأجرة الكاتب، فإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، واحْتِيجَ إليه لِمَا هُو أهم، فإن أتى المدَّعِي بصحيفة يثبت فيها خصومته، وشهادة شهوده، وأتى بأجرة الكاتب، فذاك، وإلا، فلا يُجْبَرُ عليه.
ولكنه يعلمه القاضي؛ أنه إذا لم يثبت ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه، وحينئذٍ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ الشهود على ما جرى بل لا بدّ من التَّذَكُّر، كما سيأتي، ولو أثبت ما جرى، حفظه في ديوانه، تذكره بعلاماته.
وليكن رزق القاضي بقَدْرِ كفايته، وكفاية عياله، على ما يليق بحالهم من النفقة والكسوة وغيرهما، وكذا الإِمامُ يأخذ لنفسه ما يليق من الخيل والغلمان والدار الواسعة ولا يجب الاكتفاء بما اكتفَى به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والخلفاءُ الراشِدُونَ -رضي الله عنهم- بعده؛ لأن الناس قد تَغَيَّروا، وبعُدَ العهْد بزمانِ النُّبُوَّة التي كانت سبَبَ النُّصْرَة، وإلقاء الرعب في القلوب، ولو اقتصر الإِمام على مثل ذلك اليوم، لم يُطعْ وتعطَّلَت الأمور، ولو رَزَقَ الإِمامُ القاضِيَ من مال نَفْسه، أو رزقه أهل ولايته أو واحد منْهم، فالذي خرجه صاحب "التلخيص" أنه لا يجوز له قبوله لكنْ ذَكَرْنَا في "باب الأذان" أنه كما
الجزء: 12 - الصفحة: 458
يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مَالِ الإِمَام أو واحد من الرعية.
وذكر الصيمَرِيُّ في "المفتي": أنه يجوز أن يرزقه أهل بلده، ويمكن أن نفرِّق بأن ذلك لا يورث تُهمةً وميلاً في حق المؤذِّن؛ لأن عمله لا يختلف، والقاضي أجدر بالاحتياط من المُفْتِي، وكما يُرْزَقُ الإِمام والقاضي من بيت المال، فكذلك يُرْزَقُ مَنْ ترجْعُ مصلحةُ عمله إلى عامة المسلمين؛ كالأمين، والمفتي، والمحتسب، وإمام الصلاة، والمُؤَذِّن، ومَنْ يُعلِّم الناس القرآن، ومن يُقِيمُ الحدود، وكالقسام، وكاتب الصكوك، وإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، فلا يعين قسامًا ولا كاتبًا، كيلا يغالي في الأجرة، وألحق بهؤلاء المقوِّم.
وفي المترجم وجهان:
أقربهما: أنه يُرْزَقُ من بيت المال أيضًا كهؤلاء.
وثانيهما: المنع، كالوكيل، وهذا ما خرجه صاحب "التلخيص" ويُحْكَى عن أبي زيْدٍ أيضًا، وعلى هذا، فمؤنة من يترجم للمدعى عليه على المدعى عليه، والمُسْمِعُ كالمترْجِم؛ ففي مؤنته هذان الوجهان، فهذه مسألة الكُتَّابُ والوجهان جاريان في المزَكِّي، والقول في الشاهد أخرناه إلى "كتاب الشهادات".
فَرْعٌ: قال القاضي ابن كج: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب الشَّافعي -رضي الله عنه- وأبي حنيفة -رحمه الله-: أنه إذا لم يكن للقاضي شَيْءٌ من بيت المال، فله أن يأخذ عُشْرَ ما يتولاَّه من أموال اليتامى والوُقُوف؛ للضَّرورة، ثم بالغ في الإنكار عليه.
وقَالَ: إنَّه لا ضرورةَ في هَذَا، إن لم يتفرَّغْ للقضاء من غير رِزْقٍ؛ فليمتنع منه، ومن ذهب إليه، فكأنه ذكر العُشْر تمثيلاً وتقريبًا، ولا بدّ من النَّظَر إلى كفايته، وإلى قَدْر المال والعمل.
آخَرُ: في شرح "أدب القضاء" لأبي سعد الهَرَوِيِّ: أن القاضي إذا لم يكن له رزقٌ من بيْتِ المال، وكان محتاجًا، ولم يتعيَّنْ عليه القضاء، فله أن يأخذ من الخصم أجرةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، وإن تعيَّن، قال أصحابنا: لا يأخذ عنه بدلاً، وقال القاسمُ يعني: صاحب "التقريب": إن شاء الله يأخذ كصاحب الطعام في المخمصة، والفَرْعُ غريبٌ مُشْكِلٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّخِذ لِلقَضَاءِ مَجْلِسًا رَفِيعًا فَسِيحًا لا يَتأَذَّى فِيهِ بِبَرْدٍ وَلاَ حَرٍّ فَيُمَلَّ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ المَسْجِدَ مَجْلِسًا لِلِقَضَاءِ فَتُرْفَعَ فِيه الأَصْوَاتُ، وَلا يُكْرَهُ فَصْلُ قَضَايَا مُتَفَرِّقَةٍ فِي المَسْجِدِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَوَّابًا وَحَاجِبًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: المُستَحَبَّ أن يكون مجْلِسُ القضاء فسيحًا، لا يتأذى الحاضرون لِضِيقِهِ، وأن يكون بارزًا، لا يكون دونه حجابٌ؛ ليهتدي إليه المتوطِّن الغريبُ، ويصل إليه كلُّ
الجزء: 12 - الصفحة: 459
واحد، فلا يجلسُ للقضاء في كن كبير، وإن أقام على بابه من يأذن له؛ لأنه لا يظهر جلُوسُه فيه، ولا يهتدى إليه الغرباء، نَزِهًا، لا يُؤْذِي فيه الحَرُّ، والبرد، والروائح، والغُبَار، والدُّخَان، فيجلس للصيف، حيث يليق به، وللرياح والشتاءِ حَيْثُ يليق به، واستحب أبو عبيد بنُ حربويه وغيره أن يكون موضعُ جلوسه مُشْرِفًا؛ كدِكَّةٍ ونحوها؛ ليسهل عليه النظَرُ إلى الناس، وعليهم المطالبة؛ وحَسُنَ أن توطأ له الفُرُشُ، وتُوضعَ الوسائدُ؛ ليعرفه كلُّ واحد؛ وليكون أهْيَبَ عند الخصوم، وأرفق فلا يُمَلَّ، والأَوْلَى أن يكون مستقبل القبلة 74، ولا يتكئ.
الثانية: المُسْتَحبُّ أَلاَّ يُتَّخَذَ المسجدُ مجلسًا للقضاء، وهل يُكْرَهُ اتخاذهُ مجلسًا فيه؟ وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- وكذلك أبو حنيفةَ في إحْدَى الروايتين، كما لا يُكْرَهُ الجلوس فيه للفتوى، وتعلُّم القرآن، والعِلْم.
وأصحهما: نعم، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ صِبْيَانَكُمْ وَمَجانِينَكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْواتِكُمْ" 75 ومعلوم أن مجلس القضاء ترتفع فيه الأصوات، وقد يحتاج فيه إلى إحضار الصبيان والمجانين، وأيضًا، فقد تحضره الحُيَّضُ والكُفَّار والكراهة في إقامة الحَدِّ في المسجد أشدُّ؛ لخوف التلْوِيثِ مع رفع الصوت، ثم كراهية اتخاذ المسجد مجلسًا على التنزيه دون التحريم، فلا يأثم به، قال أبو الحسن العَبَّادِيُّ: ولا يدع الخُصُومَ يجتمعون فيه ويتشاتمون، ولكن يَقْعُدون خارج المسجد، وينصب من يدخل عليه خصْمَيْن خصْمَيْن، ولو اتفقت قضية أو قضايا وقْتَ حضوره المسْجِدَ للصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها.
الثالثة: عن الصيدلانيِّ رواية وجهين: أنه هل يُكْرَه أن يتخذ القاضي حاجبًا وبوَّابًا؟ ويمكن أن يُوَجَّهَ أحدهما بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَليَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ حَجَبَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ" 76.
الجزء: 12 - الصفحة: 460
والثاني: بأنه، لو دخل عليه مَنْ شاء متَى شاء، لبَطَلَتْ هيبته وسقط وقعه، لكن المفهوم من كلام أكْثرَهِم أن الوجهين لَيْسَا بمطْلَقَيْن، بل إذا جلس للقضاء، ولا زحمة، وفي أوقات خلوته، والأظهر الكراهةُ في الحالة الأولَى دون الثانية.
وقوله في الكتاب "مجلسًا رفيقًا" مأخوذ من الرفق، واتبع فيه لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- حيث قال: في أرفق الأماكن.
وقوله: "أن يتخذ المسجد" مُعْلَمٌ بالميم والألف والحاء والواو والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: لا يَقْضِي فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَحَالَةٍ يُسْرُعُ إِلَيْهِ الغَضَبُ فِيهَا أَوْ يَدْهَشُ عَنْ تَمَامِ الفِكْرِ، وَمَا يَحْكُمْ بِهِ فَيَكْتُبُ بِهِ مَحْضَرًا دِيوَانِيًّا يَحْفَظُهُ فِي خَرِيطَةٍ مَخْتُومَةٍ حَتَّى لا يَنْسَى، وَيُعْطِي صَاحِبَ الحَقِّ مِنْهُ نُسْخَةً أُخْرَى، وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ صَاحِبُ الحَقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: لا يقضي القاضي في حال الغَضَب، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ" 77 وكذلك لا يقضي في كل حال يسوء خلقه فيها، ويتغيَّر عَقْلُه، كجوع وشبع مفرط، ومرضٍ مؤلمٍ، وخوفٍ مزعجٍ، وحزنٍ، وفرحٍ شديدٍ، وكغلبةِ نُعاسٍ، ومَلاَلٍ، وكذا لو حضره طعامٌ، ونفْسُه تتوقُ إليه أو آذاه أخبثاه، والمقصود أنه يتمكَّن من استيفاء الفكر والنظر، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَقْضِي الْقَاضِي، إِلاَّ وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ 78 " ثُمَّ هاهنا كلمتان:
إحداهما: قولنا: "لا يقضي القاضي في حال الغضب 79 " نَظْمٌ قد نعني به أن فعله مكروهٌ، وقد نَعْنِي به مجرد أولوية التَّرْك، وهذا من القبيل الأول، فقد صرح بالكراهية = القيامة، قال ابن أبي حاتم عن أبيه في العلل: هذا حديث منكر.
الجزء: 12 - الصفحة: 461
ابن الضَّبَّاغ والقاضي الرويانيُّ -رحمهما الله- وغيرهما.
والثانية: ذكر جماعة من الأئمَّة، منهم الإِمام، وصاحب "التهذيب" أن المنع من القضاء في حالة الغَضَب مخصوصٌ بما إذا لم يَكُنِ الغضبُ لله تعالَى جدُّه، فأما إذا غَضِب لله تعالَى في حكومة، وهو ممَّنْ يملك نَفْسَه فيما يتعلَّق بحظِّه؛ فلا بأس بقضائه، لحديث الزبير -رضي الله عنه- والأنصاريِّ؛ حين تخاصما في شراج الحَرَّة، وقد أوردناه في إحياء الموات ولكن احتج آخرون بهذا الحديث على أنه لو قضى في حال من الغضب، نفذ، وإن كان مكروهًا وهذا مصير منهم إلى قيام الكراهية في ذلك النوع من الغَضَب.
المسألة الثانية: إذا ادعى حقًّا عَلَى إنسان عنْد القاضي، فأقر به المُدَّعَى عليه، أو نكل، وحلف المُدَّعِي اليمينَ المردُودَةَ، ثم سأل المدَّعِي القاضيَ أن يشهد على أنه أقر عنْدَهُ، أو على أنه نكَلَ، وحلف المدعي؛ فعلى القاضي إجابته إليه؛ لأنه قد ينكر من بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه، إن قلنا: إنه لا يقضي بعلمه، وإن قلنا: إنه يقضي بعِلْمِهِ، فربما ينسى، أو يُعْزَلُ، فلا يُقْبَلُ قوله، ولو أنه أقام البينة عَلَى ما ادعاه، وسأل الَقاضِيَ الإِشْهَادَ عليه فهل يلزم؟ فيه وجهان:
أقربهما: نعم، كما في الصورة السابقة.
والثاني: لا؛ لأن له بيِّنة فلا حاجة إلى بينة أخرَى.
ولو أنكر المُدَّعَى عليه، وحلف، وسأل القاضي الإشهاد؛ ليكون حجةً له، فلا يطالبه مرة أُخْرَى، فكذلك يجيبه إليه، وإن سأله أحد المتداعِيَيْنِ أن يكتب له محضرًا بما جرى، ليحتج به إذا احتاج، فيُنظَرُ، إن لم يكن عنده قرطاسٌ من بيت المال ولم يأتِ به الطالب، لم تجِبْ إجابته، وإن كان فيجب الإِجابة أو يستحب فيه وجهان:
أحدهما: يجب توثيقًا لحقِّه كما يجب الإِشهاد.
وأظهرهما: الاقتصارُ على الاستحباب؛ لأن الحق يثبت بالشهود، لا بالكتاب، وأيضًا، فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ومَنْ بَعْدَه من الأئمة كانُوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات.
قال صاحب "الشامل" وغيره؛ إن طلب صاحبُ الحقِّ أن يحكم له بما ثبت، له أن يحكم؛ فيقول: حَكَمْتُ له به، أو أنفذتُ الحكْمَ به، أو ألزمت صاحبه الحق، وإذا حكم، فلو طلب الإِشهاد على حكمه، لزمه الاِشهاد.
وإن طلب أن يكتب به سِجِلاًّ، فعلى التفصيل، والخلاف المذكور في كتابة المحضر، ونقل القاضي ابن كج وجهًا ثالثًا: وهو أنه يجب التسجيل في الدَّيْنِ المؤجَّل، وفي الوقوف، وأموال المصالح، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 462
يجب في الدُّيُون الحالَّة، والحقوقِ الخاصَّة، وسواءٌ أوجبنا الكتابة أو استحببناها، فتُحتَاج إلى بيان المكتوب، وإلى بيان أنه كيف يُضْبَط ويُحْفَظ؟ أمَّا الأوَّل، فالمكتوبُ محضَرٌ وسجلٌّ، أما المحضر، فصورته "بسم الله الرحمن الرحيم أحضر القاضي فلانَ ابْنَ فلاَنِ، وأحضر معه فُلاَنَ بْنَ فلانٍ" ويرْفَعُ في نسبهما قَدْرَ ما يفيد التمييز، وهذا إذا عرفهما القاضي، ويُسْتَحَبُّ مع ذلك التعرُّضُ لحليتهما طولاً وقصرًا في القَدِّ، وسمرةً، وشقرةً في الوجه، ويصف منهما الحاجب، والعين والفم والأنف.
وإن لم يعرفهما، كتب حضرَ رَجُلٌ، ذُكِرَ أنه فلانُ بنُ فلانِ بنِ فلانٍ وأحضر معه رجُلاً، ذكر ذلك المحْضَر أنه فلانُ بنُ فلانِ، ولا بدّ، والحالة هذه، من التعرّض لحليتهما ثم يكتب: وادَّعى عليه كذا من عَيْنِ أو دَيْن، بصفتهما، فأقرَّ المدَّعَى عليه بما ادَّعَى، وإن أنكر وأقام المدعي البينة، كتب، فأنكر، فأحضر المدعي فلانًا، وفلانًا شاهِدَيْن.
وسأل القاضي سماع شهادتهما، فسمعها في مجلس حكمه، وثبت عنده عدالتهما، فسأله أن يكتب محضرًا بما جرى، فأجابه إليه، وذلك في تاريخ كَذَا، وثبَتَ عَلَى رأس المحْضَر علامته؛ من الحمدلة، وغيرها، ويجوز أن يُبْهِمَ ذكْرَ الشاهدَيْن، فيكتب: وأحْضَرَ شهدَيْن، عدّلَيْن، فَشَهِدَا له بما ادعاه.
ولو كان مع المدَّعِي كتابٌ فيه خطُّ الشاهدَيْن، فإن كتب تحْتَ خطوطهما، شَهِدَا عنْدِي بذلك، وأثبت علامته على رأس الكتاب، واكتفى به عن المحضر، جاز، وإن كتب المحضر، وضمنه ذلك الكتابَ، جاز، وعلى هذا قياسُ المَحْضَر، يذكر تحليف المدعى عليه، أو تحليفُ المدَّعِي بعد نكول المدعَى عليه.
وأما السِّجِل فصورته بسم الله الرحمن الرحيم.
هَذَا ما أَشْهد عليه فلانٌ القاضي بموضع كذا، في تاريخ كذا، أنه ثبت عنده كذا بإقرار فلان لفلان، أو شهادة فلان لفلان، ثبتت عدالتهما عنْده أو بيمينه بعْد نكول المدعَى عليه، وأنه حكم بذلك لفلانٍ على فلان، وأنفذه بسؤال المحْكُوم له.
ويجوز أن يكتب، ثبت عنده ما في كتابٍ، هذا نسخته، وينسخ الكتاب إلى آخره، ثم يكتب، وأنه حكم بذلك.
وكيفية التعرُّض لنسب المتداعيين، وحليتهما على ما ذكرنا في المحْضَر، وفي تعْليق الشيخ أبي حامد أن ابن خَيْرَان، لم يجوِّز للقاضِي التسْجِيلَ، إذا لم يعرف المتداعَيَيْن، والْمَذْهَبُ الأَوَّلُ، وإذا كان التَّدَاعِي بيْن رجُلٍ وامرَأة أو بين امرأتين، واحتاج إلى إثبات الحلْيَة؛ فليكنِ النظَرُ لذلك، كالنظَرِ لتحمُّل الشهادة، وأما أنه كيف يضبط ويحْفَظ فينبغي للقاضي أن يجْعَل المحاضرَ والسِجِلاَّتِ على نسختين؛ يدفع منها واحدةً إلى صاحب الحقِّ غير مختومة، ويحفظ الأخْرَى لديوانِ القضاءِ ويختمها،
الجزء: 12 - الصفحة: 463
ويكتب على رأْسها اسم الخصمين، ويضعهما في خريطة أو قِمْطَرِ 80 وهو السَّقْط الذي يجمع فيه المحاضر والسِّجِلات، ويكون بين يديه إلى آخر المجْلِس، فإذا أراد أن يقوم ختمه بنفسه، أو ختمه أمين له بمرأى منه، وأمر بحمله إلى موضعه، ثم يدعو به في اليوم الثاني.
وينظر في الختم، يُفكه بنفسه، أو يفكه أمينه، وهو ينظر إلَيْه، ويضع فيه كتب اليوم الثاني؛ كما ذكَرْنا، وهكذا يفعل حتى يمضي أسبوعٌ فإن كثرت، جعلها في إضبارة، وكتب عليها خصوماتِ أسبوعِ كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
وسجلاته، وعزلها، وإن لم يكثر، تركها إلى أن يمضي شَهْرٌ ثم يعزلها، فإذا مضت سنةٌ جمعها، وكتب عليها سنة كذا، وذلك ليسهل الوقوف عليها عند الحاجة، وليجعلها في موضعٍ لا يصل إليه غيره، وإذا احتاج إلى شيء منها تولى الأخْذَ بنفسه، ونظر أولاً إلى ختمه وعلاماته.
وقوله في الكتاب "وحالةٍ يسرع إليه الغضب فيها"، لا ضرورة إليه بعد قوله: "في حال غضب وجوع" ولو اقتصر على قوله: "في حال غضبٍ وجوعٍ وحالةٍ يَدْهَشُ عن تمام الفكْر لحصل الغرض.
وقوله: "وما يَحْكُمُ به، فيكتب محضرًا ديوانيًا" سمي الكتاب المشتمل على الحكم محضرًا، والمشهور من اصطلاح الأصحاب أن السِّجِلِّ ما يشتمل على الحُكْمِ، والمَحْضَرَ الذي فيه ذكْرُ ما جرى من غير حُكْم على ما بَيَّنَّاه.
فَرْعٌ: ذكر القاضي أبو سعد الهَرَوِيُّ: أن أخذ الأجرة على السجل، يبنى على الخلاف في وجوبه، إذا طلب صاحب الحق.
وقد أطلق في بعض المُسَوَّدَات القول بجواز استئجار القاضي؛ ليسَجِّل، وهو منطبقٌ على مَنعِ الوجوب الذي هو أظْهَر الوجهين، وكذلك استئجار المُفْتي ليكتب الفتوى.
آخر: قيل: الوجهان في أنه، هل يجوز أن يكون القاضي أُمِّيًّا؟ يمكن بناؤهما على الوجهين في أنه، هل يجب على القَاضِي كتابةُ المَحْضَر والسِّجِلِّ؟ وفي "الوسيط" ما يقرب من هذا لكن يشبه أن يكون هذا الخلافُ في أنَّ القَاضِيَ، هل يجب عليه تحْصِيلُ الكتاب؟ حجَّة للطالب، إما بنفسه أو بغيره، لا في مباشرته الكتابة بنفسه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ: أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الفُقَهَاءِ وَيُشَاوِرَهُمْ لِتَنْتَفِي التُّهْمَةُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 464
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المشاورةُ مستحَبَّةٌ عَلَى ما قال تعالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قال الحسن البصريُّ -رحمه الله-: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستنَّ به الحاكمُ بعده، ولأن المشاورة أبعد من التهمة؛ وأطيب لنفوس الخصوم، وإنما يشاورِ العلماءَ الأمناء 81، ويُسْتَحَبُّ أن يَجْمَعَ أصحابَ المذاهِبِ المختلفة؛ ليذكر كلُّ واحد منهم دليلَ مَذْهَبِه: فيتأمل القاضي فيها، ويأخذ الأرجح عنده، ثم الذين يشاورهم، إن شاءَ جمَعَهُمْ عنده، وإنْ شاء أقعدهم ناحيةً، فإذا احتاج، استدعاهم، وموضع المشاورة موضع تعارُضِ الآراء واختلاف وجوه النظر، وأما الحُكْمُ المعلومُ بنَصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ جليٍّ فإنه لا يحتاج فيه إلى مشاورة.
وإذا حضر الذين يشاورهم، فإنما يذكرون ما عندهم، إذا سألهم، ولا يبتدِئُونَ بالاعتراض والرَّدِّ على حُكْمِه، إلا إذا كان حكماً مستَحَقَّ النقْضِ، على ما سيأتي تفصيله.
وقوله في الكتاب "أن يخرج بعد اجتماع الفقهاء"، كالصريح في أنه يُحْضِرُهُمْ قبل أن يجلس للحكم، وهذا، وإن لم يتعرَّضْ له المعظم، يجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أوْلَى منْه بانتظارهم.
وهذا كقولنا: الإِمام يخرج إلى المصلى بعد اجتماع الناس والله أعلم.
قَالَ الغَزالِيُّ: السَّابِعُ: أَلاَّ يَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ وَلاَ بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ حَتَّى لاَ يُسَامَحَ فِي البَيْعِ، وَلاَ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِمَّنْ لَهُ خُصُومَةٌ، فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ سُحْتٌ، وَفِي دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لا خُصُومَةً لَهُ فلا يَحْرُمُ أَخْذُهُ، والأوَلَى أَلاَّ يَأْخُذَ أَوْ يُثَيبَ عَلَيْهِ إِنْ أَخَذَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: يُكْره 82 للقاضي أن يتولَّى البيع والشراء بنفسه، أما في غير مجْلِس
الجزء: 12 - الصفحة: 465
الحكم: فلأنه قد يُحابَى بسبب القضاء، فيميل قلبه إلى مَنْ حاباه، إذا وقعت بينه وبين غيره حكومةٌ، وربما خاف خَصْمٌ من غائلة مَنْ مَيْلُ القاضي إليه، فيمتنع مِنْ رَفْعِهِ، وأما في مجلس الحكم، فلهذا المعْنَى، وَلِئَلاَّ يشتغلَ قلبه ويتجرَّد النظر والاجتهاد.
وقد رُوِيَ عن شُرَيْح -رضي الله عنه- أنه قال: اشترطَ عَلَّي عمر -رضي الله عنه- حين ولاَّنِي أَلاَّ أُبِيعَ، ولا أُبَاعَ، ولا أَقْضِيَ، وأنا غضبان 83، وسبيله فيما يحتاج إليه مِنْ بيع وشراء أن يوكل، فإذا عَرَفَ الشخْصُ بوكالته، أبْدَلَه بآخر، فإن لم يجد مَنْ يوكِّلُه، عقد بنفسه لضرورة ثم إذا وقعت خصومة لمن عامله، أناب من يحكم بينه وبين خصمه، خوفًا من أن يميل إلَيْه ولا يختص هذا الحُكْمُ بالبيع والشراء بل يعم الإِجارة، والاستئجارُ وسائرُ المعاملات في معناهما بل عن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "الأم" أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، ويكله إلى غيره، تفريغًا لقلبه، وعن أبي حنيفة لا يُكْرَهُ له مباشرةُ البَيْعِ والشِّراء.
الثانية: الرِّشْوَةَ محرَّمَةٌ، لما رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: رسولُ الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ الله الرَّاشِي والْمُرْتَشِي في الْحُكْم" 84 ولأن الحكم الذي يأخذ عليه المَالَ، إما أن يكون بغَيْر حَقٍّ، فيحرم أخذ المال في مقابَلَتِهِ؛ لأنه حرامٌ، أو يكون بحَقٍّ، فلا يجوز توقيعه 85 على المال، وهذا إذا أخذ من بيت المال رِزْقًا على القضاء.
أما إذا لم يأخذ، فإنَّ الشَّيْخَ، أبا حامد قد ذكر أنه، لو قال للخصمين: لا أقضي بَيْنَكُمَا، حتَّى تجْعَلاَ لِي رِزْقًا، جاز، وحُكِيَ مثْلُه عن القاضي أبي الطَّيِّب وغيره، وهذا كما حكَيْنَا عن القاضي أبي سَعْدٍ الهَرَوِيِّ: أن له أخْذَ الأجرة عَلَى عمله، إن لم يتعيَّنْ عليه القضاء، وإن تعيَّن فكذلك، جواب صاحب التقريب، قال: والأكثرون منَعُوا منْه، = قال في الخادم ما ذكره من الاستنابة في هذه الحالة هو على جهة الندب كما أشار إليه الماوردي.
وقال صاحب الوافي على هذا يكون من الأعذار التي يباح له الاستخلاف لأجله وإن لم يكن أذن له الإِمام فيه.
الجزء: 12 - الصفحة: 466
فأما إذا رزَقَهُ أهل ولايته، أو واحدٌ من الناس، فقد تقدم، ويشبه أن يجوز ذلك، إذا جاز الأخذ من الخصمين 86.
ويحرم على باذل الرشوة البذل، إن كان يبْذُلُها لحُكْمٍ بغيرِ حَقٍّ، أو لدَفْعِ حُكْمٍ بحق، وإن كان يَبْذلَ لِيَصِلَ إلى حقِّه، فلا كفداء الأسير، هذا حكم الرشوة.
وأما الهدايا، فالأَوْلى أنْ يَسُدَّ الباب، ولا يقبلها؛ لأنه أبعد عن التُّهْمَة، ثم يُنْظَر، فإن كان للمُهْدِي خصومةٌ في الحال، حرم قبول هديته؛ لأنه يدعو إلى الميل إليه، وينْكَسِر به قلْبُ خصمه، وإن لم يكن له خصومة، فإن لم يعهد منه الهديَّة، قبل تولِّي القضاء، حَرُم قبول هديته في محلِّ ولايته؛ لأن هذه هديَّةٌ سببها العمَلُ ظاهرًا، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هَدَايَا الْعُمَالِ غُلُولٌ" 87 وَيُرْوَى "سُحْتٌ" 88 وهديته في غير محلِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 467
ولايته، كهدية من لم يعهد منه الهديَّة قبل تولِّي القضاء؛ لقرابة أو صداقة، ولا يحرم قبولُهَا؛ لأنها ليست حادثةً بسبب العمل.
وحكى صاحب "الشامل": أن بعض الأصحاب حكم بتحريمه، وهو قضية ما أطلقه الماوَرْدِيُّ، فإن زاد المُهْدِي على القَدْر المَعْهُود 89، صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية.
وحيث حكمنا: أن القبول ليس بحرام، فله الأخذ والتملُّك، فالأوْلَى أن يثيب عليها، أو يضعها في بيت المال، وإذا قلْنا، بالتحريم، فلو قيل: هل يملك؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن صاحب "التقريب" نعم؛ لوجود التمليك والقبول.
وأشبههما: لا؛ لأنه قبول محرم، فلا يفيد المِلْك وشُبِّه الوجهان بالوجْهَيْنِ فيمن وهب الماء، وهو محْتَاجٌ إلَيْه للوضوء من غير عَطَشٍ بالمتهب، وذكر العراقيون تفريعًا عَلَى أنه لا يجوز القبول وجهين أو قولين فيما يَصْنَع بها لو قَبِلَ:
أحدهما: أنه يضعها في بَيْت المال.
والثاني: يردها على مالكها، وهذا فيه اضطراب، والقياس ما حكاه أبو الفرج الزاز، وهو أنه إذا لم يملك، ردَّها على مالكها، فإن لم يعرفه، وضَعَها في بيت المالِ.
وإذا عَرَفْتَ أن قَوْلَ الرِّشْوة حرامٌ مطلقًا، وقبول الهدية جائزٌ في بعض الأحوال، طلبت الفرق بينهما، وقلت: باذل المال راضٍ فيهما جميعًا، فَبِمَ نميِّزُ بينهما؟ والذي وجدتُّه في الفرق بينهما شيئان:
أحدهما: في كلام القاضي ابن كج: أنَّ الرِّشْوَة هي التي يُشْتَرَطُ عَلَى باذلها الحُكْمُ بغير الحقِّ، أو الامتناع عن الحكم بالحق، والهدية، هي العطية المطلقة.
والثاني: قال المصنِّف في الاِحياء المال إما أن يُبْذَلَ لغرض آجِلٍ، فهو قربةٌ وصدَقَةٌ، وإن كان لغرض عاجلٍ، فهو إما مالٌ، فهو هبةٌ بشرط الثواب، أو توقُّعِ ثواب، أو عَمَلٌ، فإن كان ذلك العَمَلُ حرامًا أو واجبًا متعينًا، فهو رشوةٌ، وإن كان مباحًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 468
فإجارةُ أو جَعالَةٌ، وأما التقرُّب والتودُّد إلى المُهْدَى إلَيْه، وذلك إمَّا أن يطلبه لنفسه، فهو هديَّةٌ، أو ليتوسَّلَ بجاهه إلى أغراض ومقاصد، فإن كان جاهه بالعِلْم أو بالنَّسَب، فهو هدية، وإن كان بالقضاء والعمل، فهو رشوةٌ، والله أعلم.
وقوله في الكتاب: "فإن قبلها، فهو سُحْتٌ" بعد قوله: "ولا يقبل الهدية ممن له خصومةٌ" ولا بأس به ليتبين أن المراد من قوله لا يقبل التحريم؟ وليرتب عليه قوله وفي دُخُولهِ في ملكه وجهان: وقوله: "من لا خصومة له، فلا يَحْرُمُ أخْذُهُ" ظاهر إطلاقه نفي التحريم، إنْ كان المُهْدِي مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عادَتُه بالهديَّة، وكذلك في "الوسيط" صريحًا، والمشهور خلافه كما بيناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّامِنُ: أَلاَّ يَعَزِّرَ مَنْ أَسَاءَ أَدَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّجْرِ بِاللِّسَانِ والإِصْرَارِ، فَإنْ كَذِبُ الشَّاهِدِ عَزَّرَهُ عَلَى المَلأَ وَنَادَى عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: مقصود الفصل أنه كيف يُعزِّر من أساءِ أدبه في مجلسه ومن شهد بالزور عنده، أما الأول، فمن أساء من الخصوم الأدب في مجلسه؛ بأن صرح بتكذيب الشهود، أو ظَهَر منه مع الخصوم لَدَدٌ ومجاوزةُ حَدٍّ، فَيُزْجَرُ عنه، وينهاه، وإن عاد ثانيًا هدَّده، وصاح عليه، فإن لم ينزجِرْ، عزَّره على ما يقتضيه الاجتهاد من التوبيخ وإغلاظ القول له، بأن يقول: أنت متعدٍّ غيْرُ منصف، ومن الحبس والضرب، ولا يحبسه بمجرَّد ظهور اللَّدَدِ، وعن الإِصطخرِّي؛ أنه على قولَيْن، وذكر في التتمة: أنَّه إنما يضربه بالدّرّة، دون السياط إذ الضربُ بالسياط من شأن الحُدُود.
وهذا غيْرُ مسلَّم، بل الضربُ بالسياط مشروع في غير الحدود، ألا تَرَى أن لفْظَ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في تعزير القاضي شاهِدَ الزُّورِ، حيث قال: عَزَّرَه، ولم يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا، ومثال اللدد أن يتوجَّه اليمين على الخَصْم، فيطلب يمينه، ثم يقطعها علَيْه، ويزعم أن له بيِّنَةً ثم يحضره ثانيةً وثالثةً، ويفعل مثل ذلك، وكذا لو حَضَر إنسانًا، وادَّعَى عليه، وقال: لي بيِّنةٌ سأحضرها، وفعل ذلك مرةً ثانيةً وثالثةً إيذاءً وتعنتًا.
ولو اجترأ خصْمٌ على القاضي، وقال: أنتَ تجورُ أو تميلُ أو أنتَ ظالِمٌ، جاز أن يعزِّره، وأن يعْفُوَ عنه: والعفْوُ أولَى؛ إن لم يحمل على ضعفه، والتعزيرُ أَوْلَى إن حُمِلَ عليه.
وأما الثاني: فشهادة الزور من الكبائر؛ يُرْوَى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالاِشْرَاكِ بِاللهِ تَعالَى" 90 وتلا قوله سبحانه وتعالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا
الجزء: 12 - الصفحة: 469
قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] وإذا ثبت من رجل أنه شهد بالزور، عزَّره القاضي بما يراه من حَبْسٍ وضربٍ وتوبيخٍ، ويشهر حاله، ويأمر بالنداء عليه في سوقه، إن كان من أهل السوق أو قبيلته أو مَسْجِدِهِ، إن كان من أهْل المسجد، تحذيرًا للناس، وتأكيدًا للأمر.
وإنما يثبت شهادة الزور بإقرار الشاهد أو بيقين القاضي؛ بأن شهد عَلَى أنَّ فلانًا زنا يَوْمَ كذا بالكُوفَةِ، والقاضي قد رآه في ذلك اليوم ببغْدَاد، هكذا أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ -رحمهم الله-: ولَمْ يخرجوه على أن القاضِيَ؛ هل يحكم بعلمه؟ ولا يغنى قيام البيِّنَة على أنه شهد بالزور، فقد تكون هذه البينة بينَةُ زُور.
ويجوز إعلام قوله في الكتاب: "عزره، ونادى عليه" بالحاء؛ لأن عن أبي حنيفة: أنه لا يُعَزَّر شاهد الزور، ولا يُنَادَى عليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: التَّاسِعُ: لا يَقْضِي لِوَلَدِهِ وَلا عَلَى عَدُوِّهِ بَلْ يُحِيلُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإنْ قَضَى بِنَفْسِهِ فَفِي النُّفَودِ وَجْهَانِ، فَإِنْ مَنَعْنَا قَضَاءَهُ فَفِي نائِبِهِ وَجْهَانِ، وَوَصِيُّ اليَتِيمِ إِذَا وَليَ القَضَاءَ قَضَى لِلَيتِيمِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور:
إحداها: لا ينفذ قضاءُ القاضي لنفسه 91، ولا لمملوكه القنِّ (2)، وغير القنِّ، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .92 = ففي حكمه في ذلك الخلاف السابق في صورة الوصي على اليتيم يتولى الحكم ببلد اليتيم.
الصورة الخامسة: الأوقاف التي فيها شرط النظر للحاكم أو انقطع فيها شرط الناظر الخاص وصار النظر لجهة الحكم للحاكم أن يحكم بصحتها وبموجبها وإن كان ذلك يتضمن الحكم نفسه من الاستيلاء والتصرف.
الصورة السادسة: إذا مات من لا وارث له أو من له من الورثة من لا يستغرق ماله وارتفعت إلى الإِمام قضية أو قضية تتعلق بأملاك بيت المال فإنه يحكم في ذلك كله وإن كان فيه استيلاؤه عليه لكن بجهة الإِمامة اغتفر ذلك والقاضي غير الإِمام يحكم في ذلك وإن كان يصرف إليه منه في جامكيته ونحو ذلك ولكن التهمة هنا أبعد منه في الذي قبله وهو قريب من صورة من شهد على شخص بما يقتضي قلته وكان ماله منتقلاً لبيت المال هل يجوز أن يصرف له شيء من ماله، فيه وجهان: وجه الجواز أن تهمة الاستعجال غير محققة فيه لأنه لا يتعين مصرفًا له، وقال المصنف في الروضة في أول الفرائض من زيادته الأصح، والصحيح المنع وليس كما قاله وفي جواز صرفه إلى من أوصى له بشيء وجهان، إلى أن قال في الروضة من زيادته الأصح الجواز.
انتهى.
وقول الشيخ المصنف قد يفهم جواز الحكم على نفسه، قال في القوت: قال الماوردي وأما حكمه على نفسه فقبول وهل يكون إقرارًا أو حكمًا فيه وجهان: أحدهما: أن يكون إقرارًا فعلى هذا يصح في كل ما يصح الإِقرار به ويرد فيما لا يلزم بالإِقرار كشفعة الجواز إذا قال حكمت بها على نفسي للجار لم ينفذ بها حكمه على نفسه.
والثاني: يكون حكمًا على نفسه، فإذا حكم عليها بشفعة الجوار لزمته، وإذا حكم بمقاسمة الإِخوة للجد في الميراث وكان جدًا نفذ حكمه عليها، وان كان الحاكم أخًا له لم ينفذ حكمه لأنه حكم لها.
انتهى.
وقال الشيخ البلقيني: المعتمد أنه لا ينفذ حكمه لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه، والحاكم لا بدّ أن يكون غير المحكوم عليه ثم ساق المصنف كلام الماوردي وأخذ صاحب الخادم كلام شيخه البلقيي ولم يعزة له على عادته.
الجزء: 12 - الصفحة: 471
لشريكه فيما له فيه شركه 93، ولا لشريك مكاتبه، فيما له فيه شركة، ولا يقضي أيضًا لواحد من أصوله، وإن علا، وفروعه وإن سفلوا، ولا لمملوكه، ولا لشريكه فيما له فيه شركة، ولو فعل، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا ينفذ؛ لأنهم أبعاضُهُ، فأشبه قضاءَهُ لنفسه.
والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسيرُ البَيِّنة، فلا يظهر فيه تُهْمة بخلاف الشهادة؛ فإنَّها تتعلَّق بالشاهد خاصَّةً، فإن أراد أن يَقْضِيَ لهم بعلمه لم ينفذ على الوجْهَيْن جميعًا، وإن جوَّزْنا للقاضي أنْ يقضي بعلمه، وصاحب "التلخيص" عَبَّر عن الخِلاَف في المسألة بقولَيْن مخرجَيْنِ من قولَيْن حكاهما في شهادة الرَّجُل لأصوله وفُرُوعه.
الجديد المشهور: المَنْع، والقديم الجواز، ويجوز أن يقضي القاضي على أصوله وفروعه، كما يقبل الشهادة عليهم.
وفَصَّلَ في "التهذيب" ما يكون حُكْمًا للولد، وما لا يكون حُكمًا له، فقال: يجوز أن يُحْلِفَ القاضي ابْنَه على نَفي ما يُدَّعَى عليه؛ لأنه قطع الخصومة، وليس حكمًا له، وَيَجُوز أن يَسْمَعَ بينة المُدَّعِي على ابنه، ولا يجوز أن يسمع بينة الدفْع من ابنه، وهل يحكم القاضي بشهادة ابنه فيه وجهان 94؛ لأن القضاء بشهادته يتضمَّن تعديله، وإن عدله شاهدانِ، فالمتجه أنه يَقْضِي.
فرع: تحاكَمَ إلَيْه ابنُهُ وأبوه، هل له أن يحكم لأحدهما؟ فيه وجهان منقُولاَن في "المُهَذَّب":
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب"، لا، كما لو كانت الخصومةُ لأحدهما مع أجنبيِّ.
والثاني: أن يعارض جانيهما بدفع التهمة.
الثانية: إذا امتنع حكْمُه لنفسه ولأَبعاضه، فالطريق، إذا وقعت له خصومةٌ أو
الجزء: 12 - الصفحة: 472
لبعض أبعاضه، أن يَنْظُرَ فيه الإِمام، أو قاضِي بلدةٍ أخْرَى، وفي نائبه وجهان:
أحدهما: أن ما لا يجوز له لا يَجُوزُ لنائبه.
وأظهرهما: الجواز؛ لأنه حاكمٌ، وإن كان نائبًا، فأشبه سائر الحكَّام.
وبَنَوْا هذا الخلافَ على أن نائب الحَاكِم؛ هل يَنْعَزِل بموته وانعزاله؟ إن قلْنَا: لا، فقد ألحقْنَا بالحكَّام المستقبلين.
الثالثة: كما لا يقضي لولده، لا يقضي على عدُوِّه، اعتبارًا بالشهادة، هذا هو المشهور والمذكور في الكتاب، وقال القاضي الماوَرْدِيُّ في "الأحكام السلطانية": يجوز له أن يحكم عليه، بخلاف الشهادة؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسبابَ الشهادةِ خفيَّةٌ، وهذا يشكل بالتسوية بينهما في حَقِّ الأبعاض.
الرابعة: إِذا كانَ لليَتِيمِ وَصيٌّ، فَولَى قضاءَ البَلْدَة، فهل له أن يَسْمَع البَيِّنَة لليتيم ويحكم له؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب ابن الحَدَّاد: لا؛ لأنه إذا حَكَم، فقد أثبت الولاية لنَفْسِهِ.
وأصحُّهما: نعم، وبه قال القَفَّال؛ لأن القاضي يَلِي أمر الأيْتام كلِّهم، وإن لم يكن وصيًّا من قبل، فلا تُهْمَةَ والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيّ: العَاشِرُ أَلاَّ يَنْقُضَ قَضَاءَ نَفْسِهِ وَقَضَاءَ غَيْرِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ أَوْ مَظْنُونًا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَلَمْ يَنْقضْ عُمَرُ قَضَاءَهُ فِي مَسْأَلَةِ المُشَرِّكَةِ، والنَّصُّ أَنَّهُ يَنقُضُ قَضَاءَ مَنْ حَكَمَ بِنِكَاحٍ المَفْقُودِ زَوْجُهَا بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مَعَ أنَّهُ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَيُنْقَضُ قَضَاءُ الحَنَفِيِّ فِي خِيَارِ المَجْلِسِ والعَرَايَا وَذَكَاةِ الجَنِينِ لِظُهُورِ الخَبَرِ، وَفِي القَتْلِ بالمُثَقَّلِ لِظُهُورِ القِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يَنْقَدِحْ في نَفْسِهِ إمْكَانُ الصَّوَابِ انْقِدَاحًا لَهُ وَقْعٌ مَا، فَلَهُ النَّقْضُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل يحوج إلى التعرُّض لقواعد:
إحداها: الأصول التي يَقْضِي بها القاضي، ويفتي بها المُفْتِي؛ كتاب الله تعالى، وسنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإجْمَاعُ والقياسُ، وقد يقتصر على الكتابِ والسُّنَّة، ويُقَال: الإِجماعُ يَصْدُر عن أحدهما، والقياس الردُّ إلى أحدهما فهما الأصلان.
وهاهنا مسألتان:
إحديهما: قول الواحد من الصحابة، إن لم ينتشر فيهم فهل هو حجة؟ فيه قولان:
الجزء: 12 - الصفحة: 473
القديم، نعم، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتَدُوا باللّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" 95 وأنه قال: "عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ مْنْ بَعْدِي" 96 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ" 97 وأيضًا فإن قوله إن استند إلى نصٍ، وجب اتباعه، وإلا، فاجتهاده أقوى؛ لأنه شاهد الوحْيَ وسمع الألفاظ ورأى القرائن.
والجديد: لا، لأنَّهُ غير معْصُومٍ عن الخطأ، فأشبه التابعي ولأن غيره يساويه في
الجزء: 12 - الصفحة: 474
آلة الاجتهاد، فلا يكون قوله حجةً عليه، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ وغيره؛ أن مالكًا وأحْمَدَ -رحمهما الله- قالا بِالقَوْلِ الأول، وأن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن خالف قولٌ القياسَ، فهو توقيفٌ تقدَّم على القياس، وعلى ذلك بِنوا الحكْمَ في نَذْرِ ذَبْحِ الولد؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما- ثم في موضع القولَيْن طريقان فعن أبي بكر الصيْرَفِيِّ، والقفَّال أيضًا: أن القولين، فيما إذا لم يكُنْ مع قوله قياسٌ أصْلاً، أما إذا كان معه قياسٌ ضعيفٌ، فيحتج به، ويرجح على القياس القوي، وقال الأكثرون: لا فَرْقَ، فإنْ قلْنَا: بالقديم، وجب الأخْذُ به، وترك القياس، وفي تخصيص العموم به وجهان: وجْهُ الْجَوَازِ أنَّه يجوز تخصيصه بالْقِيَاسِ فيما تقدم عليه أولَى، ووجه المنع: أنهم كانوا يتركون أقوالهم بالعموميات، فأولى أن يَتْرَكَها غيرهم، فإن قلْنا: بالجديد، فهو كقول سائر المجتهدين.
نعم، لو تعارَضَ قياسان، أحدهما يُوَافِقُ قولَ الصحابيِّ، قال صاحبُ الكتاب في الأصول: قَدْ يَمِيلُ نفْسُ المجْتَهِد إلى ما يوافق قوْلَ الصحابيِّ، ويرجح عنده، هذا إذا لم ينتشر قوله، فإن انتشر، فإما أن يخالفه غيره ويوافقه سائر الصحابة، ويقولوا بمثل ذلك أو يسكتوا، فإن خالفه غيره، فعلَى الجَدِيد، هو كاختلاف سائر المجتهدين، وعلى القديم هما حُجَّتَان تعارضَتَا.
فإن اختص أحد الطرفين بكثرة العَدَد، أو بموافقة أحد الخلفاء الأربعة يُرَجِّح، نصَّ عليه في القديم في موافقة أبِي بَكْرٍ وعمرَ وعُثْمان -رضي الله عنه- وعلي -عليه السلام- في معناهم، لكنه اكتفى بذكرهم، وقيل بخلافه؛ لأنهم كانوا في دار الهجرة، والصحابةُ متوافرون، وكانوا في حكمهم وفتواهم يتشاورون، وعليٌّ -رضي الله عنه- انتقل إلى الكوفة، وتفرَّقَتِ الصحابةُ، ولم يُوجد واحدٌ من الأمرين في وَاحِدٍ من الطرفين أو وجد في كل واحدٍ منهما أحد الأمرين فهما سواء.
ولو كان في أحَدِ الطرفين أبو بكر وعمر، وفي الآخر عليٌّ وعثمانُ -رضي الله عنهم-، فيستويان، أو يترجَّح طرف الشيخين؟ فيه وجهان، ويشبه أن يَجِيءَ مثْلُهما في تعارُضِ الشيخَيْنِ حتَّى يستوي الطرفان على وجه، ويترجح طَرَفُ أبي بكْرٍ على الثاني، وإن وافقه سائرُ الصحابة، وقالوا بما قاله، فهذا إجماعٌ منهم على الحُكْم، ولا يُشْتَرَطُ فيه انقراضُ عَصْرِ المجمعين على أصحِّ الوجهين، ولا يتمكن أحد منهم من الرجوع، بل يكون قوله الأول مع قول سائر المجمعين حجَّةٌ عليه، كما هو حجة على غيرهم.
وإن سكتوا، فاختيار صاحب الكتاب في الأصُولِ أنه لَيْسَ بحُجَّة، والمشهُور عنْدَ الأصحاب خلافُهُ؛ لأنهم، لو لمَ يساعِدُوه، لاعْتَرَضُوا عليه، نعم، ذكروا وجهين في أنَّه، هَلْ يعدُّ ذلك إجماعًا؟ قال القاضي الرويانيُّ: وهذا إذا لم تظهر أمارات الرضا ممن
الجزء: 12 - الصفحة: 475
سكت، فإن ظهرت، فهو إجماع بلا خلاف، قالوا: وأصحُّ الوجهين هاهنا انقراض العصر في كونه حجَّةً أو إجماعًا وهل يُفرق بين أن يكون ذلك القولُ مجرَّد فتوى أو حكمًا من إمام أو حاكم؟ فيه طرق عن ابن أبي هريرة: أنه، إن كان فتوى وسكَتُوا، انتهضت الحجة، وفي الحكم بخلافه؛ لأن الاعتراض على الإِمام ليس من الأدب، فلعل السكُوتَ كان لذلك، وعن أبي إسحاق عكْسُه؛ لأن الحكم يَصْدُر عن مشاورة ومراجعة.
وقال الأكثرون: لا فَرْقَ وكانوا يعترضون عَلَى الإِمام؛ كما يعترضون على غيره، ألا تَرَى أنهم خالفوا أبا بكر في الجَدِّ، وعمر -رضي الله عنه- في المُشَرّكة، هذا إذا نُقِلَ السكوتُ، أما إذا لم ينقلْ قَوْلٌ ولا سكوتٌ فيجوز ألاَّ يلحق بهذا، ويجوز أن يستدل به على السكوت؛ لأنه لو قال شيئًا، لنقل كما نقل اختلافهم في مسائل الاختلاف.
المسألة الثانية: قد يستحسن والشيْءُ بدليل يقوم عليه في كتاب أو سنة، أو إجماعٍ، أو قياسٍ، فيتبع ويستحسن لأَمْرِ يهجس في النفْس أو لعادةِ الناس من غير دليلٍ، أو على خلافِ الدليل، وهذا لا يجوز اتباعه وبناءُ 98 الحكْمِ عليه، وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه يتبع ما يستحسن بالعادَةِ ويُتْرَكُ له القياس، وخَبَرُ الواحد دون الكتاب والسنة المتواترة، ومثل ذلك بقوله في أربعة شَهِدُوا على رجل بالزِّنا في بيْتٍ واحدٍ.
وعين كلُّ واحد منهم زاويةً غَيْرَ ما عين أصحابه، أن القياس أن الشهود قَذَفَةٌ يُحَدَّونَ، وتُرَدّ شهادتهم 99 ولكنِ استحْسَنَ قبول شهادتهم ورجم المشهود عليه، وفسر متأخرو أصحابه الاستحسان بأن يترك القياس بالسنة، وربما قالوا: هو القول بأقوى القياسين.
وعلى هذا فلا خلاف بيننا وبينهم.
القاعدة الثانية: اختلفتْ عباراتُ الأصحاب في تقسيم القياس، والأقرب إلى كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- أن القياس نوعان جليٌّ وغيْرُهُ، أما الجَلِيُّ، فهو الذي يُعْرَفُ به موافقةُ الفرع للأصل، بحيث لا يبقى احتمالُ مفارقتها، أو يبعد ذلك، كظهور التحاق الضرب بالتأفيف في قوله تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] وما فوق الذرة في قوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] وما فَوْقَ النَّقِير، بالنقير في قوله تعالَى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] والدينار بالقنطار في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ من إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] والقنطار بالدينار في قوله عَزَّ وَجَلَّ:
الجزء: 12 - الصفحة: 476
﴿وَمِنْهُمْ من إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] ومن عرف شيئًا من هذه النصوص، لم يرتِّب في هذه الإِلحاقات؛ لأن الفروع أولَى بهذه الأحكام من الأصول.
وبعض الأصحاب لم يسم هذا النوعَ قياسًا، ويقول: هذه الإلحاقات مفهومة من النصوص ويقرب منها التحاقُ العمياء بالعوراء، في حديث المَنْع من التضحية بالعوراء 100، ويليها التحاق سائر التغيرات المزعجة بالغضب، في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَقْضِي الْقَاضيِ، وَهُوَ غَضْبَانُ" 101 وسائر الميتات بالفأرة وغير السَّمْن بالسَّمْن، في قوله في الفأرة تقع في السَّمْنِ، إن كان جامدًا فألقوها، وما حَوْلَها، وإن كان مائعًا فأرِيقُوهُ".
والغائط بالبَوْلِ في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ" 102.
ومن الجلِيِّ ما ورد النصّ فيه على العلة، كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الرَّافَّةِ" 103 وجعل ذِكْرَ المعاني في ترتيب الأحكام عليها، كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- سَهَا، فسجد 104، وأن ماعِزًا زنى، فرُجِمَ 105، وأن بريرة عَتَقَتْ، فخُيِّرَت 106 عن النصِّ على العلة، وكذلك قولُه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 20، 21] لأنه بَيَّنَ أن العلة الإِفضاء.
والنوع الثاني: وهو غير الجَلِيِّ، وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة، ولا يبعده كل البعد فمنه ما كانت العلَّة فيه مستنبطةً، كقياس الأرز على البر، بعلَّةِ الطّعْم، وعن ابن القاصِّ أنه من الجَليِّ أيضًا، والظاهر الأوَّلُ، ومنه قياس الشبه، وهو أن تُشْبِهَ الحادثةُ أصلَيْن، إِما في الأوصاف، بأن يشارك كلُّ واحد من الأصلين في بعض المعاني، والأوصاف الموجودة فيه أو في الأحكام، كما أن العبد يشارك الأحرار في بعض الأحكام والأقوال في بعضها، فيُلْحَقُ بما المشاركة معه أكثر من الأصلين.
وربما يُسَمَّى قياس الشبه خفيًّا والذي قبله من غير الجَلِيِّ واضحًا، وربما خص اسم الجلِيِّ ببعض النوع الأول وهو ما كان الفرع فيه أولَى بحكم الأصل، وسمى ما عداه واضحًا، وهذه أمور اصطلاحية.
القاعدة الثالثة: للأصحاب طريقان في المسائل الشرعية الَّتِي هي محَلُّ الاختلاف واختلاف المجتهدين.
الجزء: 12 - الصفحة: 477
أشهرهما: أنَّ فيها قَوْلَيْنِ:
أصحهما: أن الحقَّ فيها واحدٌ، والمجتهد مأمور بإصابته، ومن ذهب إلى غيره فهو مخطئٌ، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" 107 وأيضًا فإنَّ الصحابَةَ -رضي الله عنهم- خَطَّأَ بعْضُهم بعضًا في مسائل الاختلاف.
وروي عن أبي بَكْر -رضي الله عنه- أنه قال في الكلالة أقول فيها بِرَأْي إنْ كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمنِّي، وأستغفر الله 108 ويُرْوَى مثله في وَقَائِع مختلفةٍ عن عُمَرَ وعليٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنهم 109 - فَدَلَّ ذلك على أن المجتهدين، إصابة وخطأ.
والثاني: أن كل مجتهد مصيبٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منْهُم مأمورٌ بالعمل بما أداه اجتهاده إليه، وغير الحق يؤثر بالعمل به، ولأنه لو لم يكُنْ كذلك، لَتَبرأ الأولُونَ ممَّن يُخالف الحقِّ، ولمنعوهم كما فَعَلُوا بمانعي الزكاة.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأوَّل، قال أبو إسحاق والقاضي أبو الطَّيِّب، فإن قُلْنَا: إن المُصِيبَ واحدٌ، فالمخطئُ معذورٌ غير آثم، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ: أن القاضي أبا بكر الأشعريَّ حَكَى عن أبي عليِّ بْنِ أبي هريرة: أن المخطئ آثمٌ المذهب الأَوَّلُ، والخبر السابق دليلٌ عليه، وعلام يُؤْجَرُ المخطئ؟ فيه وجهان؛ عن أبي إسحاق:
أحدهما: وهُوَ ظاهرُ النصِّ، واختيار المزنيِّ -رحمه الله-: أنه يُؤْجَرُ علَى القَصْد إلى الصواب، ولا يُؤْجَرُ علَى الاجتهاد؛ لأنه اجتهاد أفْضَى به إلى الخَطَأ، وكأنه لم يسْلُكِ الطريق المأْمُورَ به.
الجزء: 12 - الصفحة: 478
والثاني: أنه يُؤْجَرُ عليه، وعلى الاجتهاد جميعًا؛ لأنه بَذَلَ ما في وسعه في طلب الحق، والوقوف عليه، وربما سلك الطريق في الابتداء، ولم يَتيسَّر له الإِتمام.
وإن قلنا: إن كل مجتهدٍ مصيبٌ؛، فهل نقول: الحكْمُ والحَقُّ في كل واحد من المجتهدين: ما غلب وعلى ظنِّه، أو نقول: الحقُّ واحدٌ، وهو أشبه مطلوب إلاَّ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُكَلَّفٌ بما غلب على ظنه، لا بإصابة الأشبه؟ فيه وجهان:
اختيار صاحب الكتاب منهما الأوَّل، وبالثاني أجاب أصحابنا العراقِيُّون، وحكَوْه عن القاضي أبي حامد، والدَّارِكِّي.
وهذه قواعد أصوليةٌ تكلَّمْنا فيها على طريقة المذْهَبَيْن.
ولم نشبع إذا عَرَفْتَ ذلك، فمهما قضى القاضي بالاجتهاد، ثم بَانَ له الخطأُ في قضائِهِ، فله حالتان:
إحداهما: أنه، إذا بان أنه خالَفَ أمرًا مقطوعًا به، كنصِّ كتابٍ، أو سنةٍ متواترةٍ أو إجماعٍ، أو مظنونًا ظنًّا محكمًا بخَبَرِ الواحِدِ، وبالقياسِ الجَلِيِّ؛ لزمه نقض قضائه.
رُوِي أن عمر -رضي الله عنه- كان يفاضل بين الأصابع في الدِّيَة؛ لتفاوت منافعها حتى رُوِيَ له الخَبَرُ في التَّسْوية، فنقض حكمه 110، وأنه كتب إلى أبي موسَى -رضي الله عنه-: لا يمنعك قضاء قَضَيْتَه، ثم راجعْتَ فيه نَفْسَكَ، فَهُدِيتَ لرُشْدِهِ، أن تَنْقُضَهُ، فإنَّ الحق قوام، لا يَنْقُضُهُ شَيْءٌ، والرجُوعُ إلَى الحَقِّ، خَيْرٌ من التمادِي في البَاطِلِ 111، وعن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه نقص قضاءَ شُرَيْحٍ -رحمه الله- بأنَّ شهادة المولى لا تُقْبَلُ بالقياس الجَلِيِّ، وهو أن ابن العم يَقْبَلُ شهادته مع أنه أقرب من المولى.
وهل عَلَى القاضي تعريفُ الخصمين صُورةً الحَالِ؛ ليترافعا إليه، فينقض الحكم حكى القاضي ابن كج عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يجب إذا عَرَّفاه أنه بأن الخطأ، فإن ترافعا إليه، نقض، وعن سائر الأصحاب: أنَّه يجب، وإنْ علما أنه بَانَ الخَطأ؛ لأنهما قد يَتَوَهَّمَان أنَّه لا ينقض الحُكْم، وإن بأن الخطأ فيعرفهما أنه على النقض؛ ليترافعا إليه، هذا إذا كان الحكم فيما يتعلَّق بحقوق الآدميِّين.
الجزء: 12 - الصفحة: 479
فإن كان فيما يتعلَّق بحدود الله تعالَى: فيبادر إلى تداركه، إذا بان الخطأ، وما لا يمكن تداركه، فحكم الضمان فيه، على ما هو مذكورٌ في مَوْضِعِهِ.
الحالة الثانية: إذا ظَهَرَ بقياسٍ خَفِيٍّ، رَجَحَ عنْده على ما حَكَم به، ورأى الصواب، فيحكم من بعد في أخوات الحادثة، بما ظهر له، ولكنْ لا يُنْقَضُ قضاؤه الأول، بل يمضيه؛ لأن الظنون المتعادِلَةَ لو نُقِضَ بعضُها ببعْض؛ لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهورٌ من عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه حَكَم بِحِرْمَانِ الأخ من الأبوين في المشرّكة، ثم شرك بعد ذلك، ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: ذلك على ما قضيناه، وهذا على ما نقضي.
وما ينقض به قضاء نفسه، ينقض به قضاء غيره وما لا ينقض لا ينقض، لا فرق بينهما إلا أنَّه لا يتبع قضاء غيره وإنما ينقضه، إذا رُفِعَ إليه، وله أن يتبع قضاء نفسه؛ لينقض، ولو كان المتصدِّي للْقَضَاء قبله، مِمّنْ لا يَصْلُحُ لِلقَضَاء؛ ففي "المهذَّب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يَنْقُضُ قضاياه كلَّها، أصاب فيها أو أخْطَأ؛ لِصُدُورها ممَّنْ لا يَنفُذُ حكمه.
وقوله في الكتاب: "إلا إِذَا خالف أمرًا مقطوعًا به أو مظنونًا بخبر واحدٍ أو بقياسٍ جَلِيٌّ" يجوز إعلامه بالحاء والميم؛ لأن عن أبي حنيفة ومالكٍ -رحمهما الله- أنَّه لا يُنْقَصُ بخبر الواحد هو القياسِ الجليِّ، ولا بِكُلِّ مقطوعٍ به، وإنما يُنْقَضُ إذا بان له مخالفةُ الإِجماع، ولا ينقض ما وافق قول بعض العلماء، ثم لم يفيا بهذا الضبط، فعن أبي حنيفة أنه ينقض قضاء من بدأ القسامة بيمين المُدَّعِي، ومن أبطل السراية في العتق، ومن صحَّح بيع متروك التَّسْمية، ومن قضى بالشاهد واليمين.
وعن مالك: أنه لا ينقض قضاء من أثبت الشفعة للجار، فهذا هو القول الجُمَلِيُّ في الحكم الذي يُنْقَضُ، والذي لا يُنْقَضُ، وحاول في الكتاب ضَبْطَ ذلك، فقال: "وَإِذا لم ينْقَدِحْ في نَفْسِهِ إمكانُ الصَّوَاب انقداحًا له، وقْعٌ فله فَلَهُ النَّقْضُ" وذلك في النصوص، لصحة موردها، وصراحَةِ لفظها، وبُعْدِها عن قبول التأويل، في الأقيسة موضحها وموافقتها الأصول، وإذا لم تكُنْ كذلك، وتقارب النظران، فلا نقض، ويختلف الحال في ذلك بالمجتهدين، وآحاد الأدلَّة ثم تكلَّموا في صُوَرٍ فردةٍ.
منْهَا: لو قضى قاضٍ بصحَّةِ نكاحِ المفقودِ زوْجُها بعْدَ أربع سنين، ومضَى مدة العدة؛ ففيه وجهان:
أشهرهما، وهو ظاهر النص: حكمه منقوض بمخالفة القياس الجليِّ؛ بأنْ يُجْعَلَ حيًّا في المال، فلا يُقْسَمُ على ورثته، ويُجْعَلُ ميتًا في النكاح.
الجزء: 12 - الصفحة: 480
والثاني: المنع، كما في معظم المجْتَهَداتِ، قال القاضي الرُّويانيُّ: وهو الصحيح، وقرب من هذا الخلافِ الخلافُ في نقض قضاء مَنْ قَضَى بحصول الفرق في اللعان، بأكثر الكلمات الخَمْس، وبسقوط الحد عمن نكح أمة، وَوَطِئَها.
ومنْها: قضاء الحنفيِّ ببطلان خيار المجْلِس والعرايا بالتقييد الذي يجوزه.
وفي ذكاة الجنين، قيل: إنه منقوض؛ لظهور الأخبار وبُعْدِها عن التأويلات الَّتِي يدعونها، وكذلك في الْقَتْل بالمُثَقِّل؛ لأنه على خلاف القياس الجَلِيِّ في عصمة النفوس، وهذا ما أورده الإِمام، وصاحب الكتاب، وبمثله أجاب محقِّقون في الحُكْم بصحة النكاح بلا وَليِّ.
وفي بيع أُمِّ الولد، وثبوت حرمة الرَّضَاع بعد الحولَيْن، وصحَّة النكاح بشهادة الفاسِقين من غير إعلان، ونكاح الشِّغَار، ونكاح المُتْعَة، وفي الحُكْم بقتل المسلم بالذمِّيِّ، وبأنه لا قصاصَ بَيْن الرَّجُل والمرأة، في الطرف، وبجريان التوارُثِ بيْنَ المُسْلِم والكافر، ويردّ الزوائد مَعَ الأصلِ في الردِّ بالعيب على ما ذهب إليه ابن أبي لَيْلَى.
ومن الأصحاب من منع النقض 112؛ وقال: هي مسائلُ اجتهاديَّةٌ، والأدلَّةُ فيها متقاربةٌ، قال القاضي الرويانيُّ: وهو الصحيح، وكذلك ذكره القاضي ابن كج في الحُكْم ببطلان خيار المجلس، ويوافقه ما ذكرناه في باب النكاح، في الحُكْم بالنكاح بلا وليِّ، ويُنقَضُ قضاء من حَكَمَ بالاستحسانِ الفَاسِد.
فَرْعٌ: ما ينقضه من الحُكْم إذا كتب به إليه، فلا يخفى أنَّه لا يقبله، ولا ينفذه، وأما ما لا ينقضه، ويرى غيره أصْوَبَ منه.
فقد حكَى القاضي ابن كج عن نصِّ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أنه يعرض عنْه، ولا ينفذه، كما لا ينقضه؛ لأن التنفيذ إعانةٌ عَلَى ما هو خطأٌ عنْدَهُ.
وقال ابن القاضِّ في "أدب القاضي": لا أحب أن ينفذه، كما لا يبتدئ الحُكْم بما يرى غَيْره أصوب منْه، وفي قوله: "لا أحب" إشعار بأصل التجويز، فيشبه أن تكون المسأَلَةُ على وجهين، وقد صَرَّح بنقلها أبو الفرج السرخسيُّ -رحمه الله- فقال: إذا رُفِعَ إليه حكم الحاكم قَبْلَه، فلم يرَ فيه ما يقتضي النقض، لكن أدى اجتهاده إِلَى غيره، فوجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 481
أحدهما: أنه يعرض عنه.
وأصحهما: أنه ينفذه، وهذا ما عليه العمل، وبه قال أبو حنيفة: أنه لو حكم بنَفْسِه، ثم تغيَّر اجتهاده تغيرًا لا يقتضي النقض، وترافع خَصْمًا الحادِثَةِ إلَيْه، فإنه يمضي حكْمَه الأول، وإن أدى اجتهادُهُ إلى أن غيره أصْوَبُ منه.
فَرْعٌ: المقلِّد المستقْصَى للضرورة، لو حكم بمَذْهَبٍ غَيْرِ مقلِّده؛ قال صاحب الكتاب في الأصول: إن قلْنا لا يجوز للمقلِّد تقْلِيدُ من شاء، بل عليه اتِّبَاعُ مقلَّده الذي هو أعْلَمُ عنده؛ فينقض حكمه، وإن جوَّزْنا له تقليد مَنْ شاء، فلا ينقض والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ الحُكْمُ عِنْدَ اللهِ فِي البَاطِنِ لاَ يَتَغَيَّرُ (ح)، وَلا يَحِلُّ لِلشَّفْعَوِيِّ شُفْعَةُ الجَارِ وَإِنْ قَضَى بِهَا لَهُ الحَنَفِيُّ وَلَكِنَّ القّاضِي لا يَمْنَعُهُ مِنَ الطَّلَبِ اعْتِمَادًا عَلَى اعْتِقَادَ نَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حكم القاضِي قسمان:
أحدهما: ما ليس ناشئًا، وإنما هو تنفيذٌ لما قامَتِ الحجَّةُ عليه، فينفذ ظاهرًا، لا باطنًا، حتَّى لو حكم بشهادة الزور وبظاهر التعديل، لم يفد حكمه الحِلَّ باطنًا، سواءٌ كان الحكْمُ بمال أو نكاحٍ أو غَيْرِهِما، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنِيفَةَ -رحمه الله- يَنْفُذُ في العقودُ والفسوخُ ظاهرًا وباطنًا، حتى إذا قَضَى القاضِي بالنِّكَاح بشهادَةِ الزُّور، حَلَّ للمشهود له وَطْؤُها، وإذا قضى بالطلاق، حرم على المشهود عليه الوطءَ وساعدنا في الأملاك المطْلَقَة، أنه لا يَنْفُذُ فيها إلا ظاهِرًا؛ لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجتِّهِ مِنْ بَعْضٍ، فأَقْضِي لَهُ عَلَى مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلا يَأْخُذَنَّهُ، إِنَّما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ" 113 ويُرَوى "إنما أحْكُمُ بالظَّاهِرِ، واللهُ يَتَوَلَّى السَّرائِر" 114.
الجزء: 12 - الصفحة: 482
وأيْضًا فإنه قضَى بشهادة الزور، فلا يفيد الحِلَّ، كالأملاك المطْلَقَة، وإذا كان المحكوم به نكاحًا، لم يحلَّ للمحكوم له الوطء، وعليها الامتناع والهرب ما أمكنها، فإن أُكْرِهَتْ، فَلا إِثْمَ عليها، وعن الشيخ أبي حامد أن المحكوم له، زانٍ، إذا وطئ، محدود.
ولم يأخُذْ به صاحبُ "الشامل"، والقاضي الرويانيُّ؛ لأن أبا حنيفة يجْعَلُها منكوحةً بحكم القاضي، فيكون وَطْؤُه وطئًا في نكاح مختلَفٍ في صحته، وهو شُبْهة دارئةٌ للحدِّ.
ولو كان المحكوم به الطلاقَ، حل للمَحْكُوم عليه وَطْؤُها، إن ظِفَرَ بها، لكنَّهُ يُكْرَهُ؛ لأنه يعرِّض نَفْسَهُ للتُّهْمَة، والحدِّ، وينفى التوارُثُ بينهما، ولا يُنْفَى النفقة؛ للحيلولة، وإذا تزوَّجت بآخر فالحِلُّ مستمر للمحكُومِ عليه.
نعم لو وَطِئَها الثاني جاهلاً بالحال، فهو وطءُ شبْهةٍ، فتحرم في مدة العدة على الأول، وإن كان الثاني عالمًا، أو نكَحَها أحَدُ الشاهِدَيْن، فقد قبل: إن وَطْأه لا يحرمها على الأول، ويوجب الحدَّ عليه، والأشبه ما ذكره الروياني؛ وهو أنه يُجْعَلُ وطء شبهةٍ؛ لما سبق، قال: وقد سَمِعْتُه من بعْضِ شيوخِنَا في النَّظَرِ، ولم أره في كتب المذهب.
والقسم الثاني: الإنشاءاتُ؛ كالتفريق بين المتلاعِنَيْن، وفسخ النكاح بالعَيبْ، والتسليط على الأخْذِ بالشفعة، وما أشبههما، فإن ترتَّبت على أصْلٍ كاذبٍ، فالحُكْمُ كما في القسم الأول.
ومثاله؛ الفسخ بعَيْبٍ قامت عليه شهادةُ زُورٍ وإن ترتَّبت على أصلٍ صادقٍ، مما لم يكُنْ في محل اختلاف المجتهدين، فهو نافذ ظاهرًا وباطنًا، وما كان مختلفًا فيه فينْفَذ ظاهرًا، وفي الباطن وجهان:
أحدهما: المنع، وبه قال الأستاذ أبو إسحاقَ الإِسفرايينيُّ؛ لتعارض الأدلة، وتقابل النظر.
والثاني: أنه يَنْفُذُ، لتَتَّفِقَ الكلمةُ، ويتم الانتفاع، وإلا فإذا حكم الحنفيُّ للشافعيِّ بما لا يعتقده الشافعيُّ، لم يتهيأ للشافعيِّ الأخذ، وإذا حكم الشافعيُّ عَلَى الحنفيِّ بما يعتقده، سرفه الحنفي، إذا وجد فرصةً، وقد أشِيرَ إلَى هذا، بناءً هذا الخلاف.
على أن كلَّ مجتهد مصيبٌ؛، أو الصَّوابُ في واحدٍ، إن قلْنا بالأول، نفَذَ ظاهرًا وباطنًا.
وإن قلنا بالثاني، لم ينفذ باطنًا وفي "التهذيب" وجه ثالث فارِقٌ بين من يعتقد حكمه من الخصْمَيْن، فنفذ في حقِّه باطنًا أيضًا، ومن لا يعتقد، فلا ينفذ، وهذا يشبه الخلاف في = لنا من أعمالكم، أخرجه البخاري، وحديث أبي سعيد رفعه: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، وهو في الصحيح في قصة الذهب الذي بعث به علي، وحديث أم سلمة الذي قبله، وحديث ابن عباس الذي بعده.
الجزء: 12 - الصفحة: 483
أنَّه، إذا اقتدى الحنفي بالشْفَعَوِيِّ تعين 115 اعتقاد الإِمام اعتقاد المأموم، وإذا منَعْنا النفاذ باطنًا، أما مطلقًا أو في حق من لا يعتقده، فلا يحل للشافعيِّ الأخذُ، إذا حكم له الحنفيُّ بشفْعَة الجوار، أو بالتَّوْرِيثِ بالرَّحِمِ، وهذا ما أورده في الكتاب.
والأصحُّ عند جماعة؛ منهم صاحب "التهذيب"، والشيخ أبو عاصم العباديُّ: أنه ينفذ باطنًا في حقِّ من يعتقده، وفي حق من لا يعتقده، وإذا قيل بما في الكتاب، فمنعه القاضي ظاهرًا؛ لاعتقاده أو لا يمنعه لاعتقاد نَفْسه، حكي في "الوسيط" فيه ترددًا، والصحيحُ: أنه لا يُمْنَعُ ومَنْ منعه، فقد قال: لا ينفذ القضاءُ في حقِّه، لا ظاهرًا، ولا باطنًا 116.
وقوله في الكتاب: "ثم الحكم عند الله تعالَى في الباطن لا يتغيَّر مُرَتَّبٌ؛ على الكلام في الحُكْم الذي يُنْقَضُ، والذي لا يُنْقَضُ، إشارةً إلى أنه، وإن لم ينقض في الظاهر فإنَّه لا يُحِلُّ الحكْمَ في الباطن.
وليُعْلَمْ قوله: "ولا يَحِلُّ للشَّفْعَوِيِّ شُفْعة الجَارِ" بالواو، وكذا قوله: "ولكنَّ القاضي لا يمنعه من الطلب" لما قد تبين.
فَرْعٌ: قال في التهذيب: هل يُقبَل شهادة الشاهد على ما لا يعتقده كالشافعي يشهد بشفعة الجار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لا يقضي القاضي بخلاف ما يَعْتَقِدُه.
والثاني: نعم؛ لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى الشاهد 117.
فَرْعٌ: لو تقدَّم إلى القاضي خَصْمَان، وقالا: بَيْنَنَا خصومةٌ في كذا ففصلها القاضي الذي كان بيننا، وحكم بكذا، ولكنَّا نريد أن نستأنف الحُكْم بيننا باجتهادك، ونرْضَى بحكمك واجتهادِكَ، فهل يجيبهما إليه، أو يتعيَّنُ إمضاء الحكم الأول، ولا يُنْقَضُ الاجتهادُ بالاجتهادِ؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجْهَيْنَ:
أشبههما: الثاني.
هذا تمام الكلامِ في الآداب العَشَرَةَ الَّتي أودعها هذا الفَصْل، وهي غير محتومة إلا
الجزء: 12 - الصفحة: 484
العاشِرَ، فإنه محتوم، وكذا التاسع على الأصحِّ، ووراءها آداب، وأعمالٌ أُخَرُ.
منها: ما أورده في الفَصْل الثالث والرابع من الكتاب.
ومنها: إذا وُلِّيَ القاضي، فالمستحَبُّ أن يدعو الأصدقاء والأمناء، ويلتمس منهم أن يُطْلِعوه على عُيُوبه، ليسعَى في إزالتها، ويُستَحَبُّ أن يكون راكبًا في مسيره إلَى مجْلِس الحكم، وأن يسلم على الناس في طريقه، وعلى القوم إذا دَخَل، وأن يَدْعُو إذا جلس ويسأل الله تعالَى التوفيق والسَّدَاد، وأن يقوم على رأسه أمينٌ يُنَادِي: هل مِنْ خَصْمٍ؟ ويرتِّبَ الناس ويقدِّم الأوَّل فالأولَ، وعن أبي بكر بن المنذر: أن الأوْلَى أَنْ يكُونَ حصينًا لمكان النساءِ، ويجوز أن يعين للقضاء يومًا أو يومَيْنِ عَلَى حسب حاجَةِ النَّاس ودعاويهم.
وأن يعين وقتًا في النهار، ثم إذا حَضَر خصمان في غير الوَقْت المعيَّن، سمع كلامهما، إلا أن يكون في صلاةٍ أو في حَمَّام، أو عَلَى طعام، فيُؤَخَّرُ قَدْرَ ما يفرغ منه، وينبغي أن يكون للقاضِي درة يؤَدِّب بها عند الحاجة، كما كانت لِعُمَرَ -رضي الله عنه- وأن يتخذ سجنًا للحاجة إليه في التعزير، واستيفاء الحقِّ من المماطلين 118. وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- اشترى دارًا بمكة بأربعة آلافٍ، وجعلها سجنًا 119.
وهذه فروعٌ تتعلَّق بالحبس، قال أبو العباسِ بنُ القاصِّ -رحمه الله- إذا استشعر القاضي من المديُونِ بعد ما حبسه الفرارَ من حبسه، فله نقله إلى حبس الجرائم، ولو دعا المحبوس أَمَته، أو زوجته إلى فراشه، لم يُمْنَع، إن كان في الحبس موضعٌ خالٍ، فإن امتنعت، أُجْبِرَتِ الأمة، ولا تُجْبَرُ الزوجة الحُرَّة؛ لأنه لا يصلح للسكْنَى، وإنما هو حبس، ولا حَبْسَ عليها والزوجَةُ الأمة تُجْبَرُ، إن رضي سيِّدُها، وكان يجوز أن يُقَالَ:
الجزء: 12 - الصفحة: 485
الحَبْسُ زجْر وتأديبٌ فإن اقتضى الحال أن نَمْنَع مِنْه زوجته أو أمته، فعل، ولو أراد مستحِقُّ الدَّيْن أن يلازمه بدلاً عن الحبس، مُكِّنَ، فإن الملازمة أخفّ، إلا أن يقول للقاضي: إنه يشق عليَّ الطهارةُ والصلاةُ بسَبَبِ الملازمة، فامْنَعْه منها، واحبسني، فيردُّه إلى الحَبْس، قاله أبو العباس: وقدم الخلاف في أن الأب، هل يُحْبَسُ بدَيْنِ ولده؟ وقياس حبسه، أن يُحْبَسَ المريض والمخدرة وابن السبيل، منعًا لهم من الظُّلْم؛ والحكاية عن أبي عاصم العباديِّ أن هؤلاء لا يُحْبَسُونَ، ولكن يوكَّلُ بهم ليحيلوا أو يؤدُّوا.
قال: ولا يُحْبَسُ الأبُ في حقِّ الصغير، ولا القَيِّم، ولا الوكيل، في دَيْنٍ لم يجب بمعاملتهم.
ويُحبَس الأمناءُ في دَيْنٍ وجب بمعاملتهم، ولا يحبس الصبيُّ والمجنونُ ولا المكاتَبُ بالنُّجُوم، ولا يُحْبَسُ العَبْدُ الجانِي، ولا سيِّدُه ليؤدي، أو يبيع بل يُبَاع عليه، إذا وجد راغب، وامتنع، ونقل القاضي أبو سعد الهرويُّ وجهين في حبس كل غريمٍ، قَدَرْنا على ماله وتمكَنَّا من بَيْعِهِ، وأجرة السجان على المحْبُوس، وأجرة الموكّل على مَنْ وكل به، إذا لم يكن في بَيْتِ المالِ مالٌ، وانصرف إلى جهةٍ أهمَّ من هذه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي مُسْتَنَدِ قَضَائِهِ:
وإِنَّمَا يَقْضِي بِالحُجَّةِ، وَلا يَقْضِي بِعَلْمِهِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ فَسْقَ الشَّاهِدِ أَوْ كَذِبَةٌ تَوَقَّفَ عَنِ القَضَاءِ، وَيُغْنِيهِ عُلمُهُ بَعَدَالَةِ الشُّهُودِ عَنِ المُزَكِّينِ، وَيَقْضِي عَلَى مَنْ أقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ دُونَ مَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا، وَلا يَكْفِي شَاهِدٌ واحِدٌ مَعَ عِلْمِهِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا الفصل: الكلام في أن القاضي، بم يقضي؟ وَإلام يستند قضاؤه؟ أما أنه يقضي بالحُجَّة فواضحٌ، ولو لم يقُمْ عنده حجة، إلاَّ أنه عَلِمَ صدق المدعي، فهل يقضي بعلمه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- لما رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في قضية الملاعنة: "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجُمْتُهَا" 120 ولأن فيه تهمةً، والتهمة تمنع القضاء، ولذلك لا يقضي لولده ووالده.
والثاني: نعم، وبه قال المزنيُّ -رحمه الله- لأنه يقضي بشهادة الشاهدين، والحاصل مجرَّدُ ظنٍّ، فلأَن يقضي باليقين كان أولى، وبه قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- في "كتاب الرسالة": صح عندي، وثبت لَدَيَّ، وهو أقوى من شاهدين، ورجح في الكتاب القول الأول، واختاره القاضي الروياني: لفساد القضاة، وحكاه عن ابن سريج،
الجزء: 12 - الصفحة: 486
لكن الثاني أصح عند عامة الأصحاب، وأجابوا عن معنى التهمة؛ بأن القاضي لو قال: ثبت عندي، وصح لدي كذا، لزم قبوله، ولم يبحث عما صحَّ، وثبت به، والتهمة قائمة.
ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ القولين في الكتاب بالواو؛ لأن من الأصحاب من حَكَى طريقة قاطعة بالقول الثاني؛ بناءً على ما نقل عن الربيع أن الذي كان يذهب إليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن القاضي يقضي بعلمهُ وما كان يبوح به مخافة القضاة السوء، ولا فرق على القولين بين ما علمه في زمان ولايته ومكان ولايته وما علمه في غيرها، وعند أبي حنيفة: يقضي بما علمه في زمان ولايته، ومكان ولايته بشرط بقائه مولى من يوم العلم، إلى يوم القضاء.
ولا يقضي بما علم على غير هذا الوجه، فإن قلنا: لا يقضي بعلمه، فذاك، فيما إذا كان مستند القضاء مجرد علمه بالمحكوم فيه أما إذا شهد عنده شاهدان يعرف عدالتهما، فله أن يقضي، ويغنيه علمه بعدالتهما عن مراجعة المزكين، وفيه وجه آخر؛ لقيام التهمة.
ولو أقر بالمدعي في مجلس قضائه، قضى بعلمه، وذلك قضى بإقراره، لا يعلم القاضي، إن أقر عنده سرًا، فعلى القولَيْن في القضاء بالعلم، ومنهم من خصص القولين بما إذا علم المحكوم بنفسه، وقال: هاهنا نحكم بالإِقرار المعلوم، لا بمجرَّد العلم بالمحكوم فيه.
ولو شهد عنده شاهد واحد، فهل يغنيه علمه عن الشاهد الثاني؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن الحجة لم تتم.
والثاني: ويُحكَى عن مالك: نعم؛ لانكسار سَوْرَة التهمة، وأما إذا قُلْنا: إنه يقضي بعلمه، فذلك في الأموال، وأما في القصاص وحدِّ القذف، فقولان؛ لأن وجه المنع، أن العقوبات يُسعَى في رَفْعَها، ولا يُوسَّعُ بابها، والأظهر الجواز؛ اعتمادًا على حصول العلم، وبهذا أجاب في العدة؟ تفريعًا على هذا القول.
وإذا منعنا القضاء بالْعِلْم في القصاص وحدِّ القَذْف 121، ففي حدود الله تعالَى أولى
الجزء: 12 - الصفحة: 487
أن نمنع وإن جوزناها، ففيها قولان 122:
الأصح: المنع، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الحاكم مأمورٌ بالتَّسَتُّر، وقد رُوِيَ عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال: لو رأيت رجلاً على حدِّ، لم أحُدَّه، حتى يشهد عندي بذلك شاهدان 123، ويجوز أن يُتْرَكَ الترتيب والتفريع، وَيُقَال في القضاء بالعلم ثلاثة أقوال؛ يجوز مطلقًا، ولا يجوز مطلقًا، ويجوز في الأموال دون العقوبات، أو أربعة أقوال، يجوز، لا يجوز، يجوز في الأموال لا غير، يجوز فيما سوى الحدود لا غير.
ولا خلاف أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه، بل إذا علم أن المُدَّعِي أبرأه عما يدعيه، ويقيم الشهود عليه، أو أن المدعي قبله حي، أو رآه قبله غير المدعَى عليه، أو سمع مدعي الرِّقِّ قد أعتق، ومدعي النكاح قد طلق ثلاثًا، وتحقق كذب الشهود، فإنه يمتنع 124 القضاء، وكذا إذا علم أن الشهود فسقة، وهذا ما أراد في الكتاب بقوله: "لكن إن علم فسق الشاهد أو كذبه توقَّف عن القضاء" ولْيُعْلَمْ قوله: "ويغنيه علمه بعدالة الشهود" وقوله: "دون من أقر عنده سرًّا" بالواو لما تقدَّم، واعلم أن الأئِمَّةَ -رحمهم الله- مثلوا القَضَاء بالعِلْم الذي هو محلّ القولين؛ بما إذا ادعى عليه مالاً، وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعَى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء، فيدل على أن ليس المرادُ بالعلم اليَقِينَ، بل الظن المؤكد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الخَطُّ فَلا يَعْتَمُدُهُ الشَّاهِدُ وَلا القَاضِي إِذَا لَمْ يَتَذَكَّرُ لإِمْكَانِ
الجزء: 12 - الصفحة: 488
التَّزْويرِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الخَطُّ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ وَأَمِنَ التَّحْرِيفَ فَهَذَا يُسَلَّطُ عَلَى رِوَايَةِ الحَدِيثِ، وَهَلْ يُسَلِّطُ عَلَى الحُكْم، والشَّهَادَةِ؟ المَشْهُورُ أنَّهُ لا يُسَلَّطُ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَلَيْسَ للِمُحَدِّثِ الرِّوَايَةُ مَعَ احْتِمَالِ التَّحْرِيفِ والغَلَطِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ اعْتِمادًا عَلَى خَطِّ أَبِيهِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا رأى القاضي حجة فيها ذكر حكم لإِنسان، وطلب ذلك الاإنسان منه إمضاءه، والعمل به نُظر؛ إن تَذَكَّر القاضي، أمضاه وعَمِل به كما لو طلب منه العمل في الابتداء، في أمالي أبي الفرج الزاز -رحمه الله- طريقة أخرى: إن أمضاه على القولَيْن في أن القاضي، هَلْ يقضي بعلمه، وإن لم يتذكره، لم يعتمده؛ لإمكان التزوير 125 ومشابهة الخطِّ، وكذا الشاهد، لا يشهد بمضمون الخط، إذا لم يتذكر، هذا، إذا لم يكن الكتاب محفوظًا، عنده، فإن كان، وبَعُدَ احتمال التزوير والتحريف، كالمحاضر والسجلات التي يَحْتَاط فيها القاضي على ما سبق، فالمشهور والمنصوص أنه لا يقضي أيضًا ما يتذكر؛ لإِمكان التحريف، وإن بَعُدَ، وكذا الشاهِدُ في مثل هذه الحالة، لا يشهد، وعن الشيخ أبي محمد وغيره وجه: أنه يجوز الاعتماد عليه، إذا وثق به ولم يتداخلْه ريبةٌ، وهو روايةٌ عن أحمد، وإذا قلْنا بالأول، ففي رواية الحديث؛ اعتمادًا على الخطِّ المحفوظ عنده، وجهان:
أحدهما: المنع إلى أن يتذكر كما في الشهادة، ولا يكفيه رؤية السماع، اعتمادًا على خَطِّه، أو خطِّ ثقة.
حكَى هذا الوجْهَ الصيدلانيُّ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، وأفتى به القاضي الحُسَيْن.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: الجواز، لعمل العلماء به، سلفًا وخلفًا، وقد يتساهل في الرواية بما لا يتساهل به في الشهادة؛ ألا ترى أن الفرع يُرْوَى مع حضور الأصل؟ ولا يشهد أنه لو قال: حدَّثني فلان عن فلان؛ أنه يروى كذا، يُقْبَل:
الجزء: 12 - الصفحة: 489
ولو قال: حَدَّثني فلان عن فلان أنه يشهد بكذا، لا يقبل، وإذا كتب إليه شيخٌ بالإِجازة، وعرف خطه جاز، له؛ تفريعًا على اعتماد الخطِّ أن يُرْوى عنه، فيقول: أخْبَرَني فلان في كتابه، أو كتب إلَيَّ، وهذا على تجويز الرواية بالإجازة، وهو الصحيح، ويُرْوَى عن أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- وأَفْتَى القاضي الحُسَيْن بمنعها 126، كما لو قال: أذِنْتُ لك في أن تشهد على شهادتي في كل موضع عَرَفْتَ شهادتي، ولو رأى بخط معروف: سَمِعْتُ من فلان كذا، لم تجز الرواية عنه، وإن اعتمدنا الخطَّ؛ لأنه، وإن سمعه يقول: هذا خطِّي، لا يجوز الرواية؛ إذ الإِنسان قد يسمع ويكتب ما لا يرويه.
نعم، يجوز أن يقول: رأيتُ بخطِّ فلان، أني سمعت كذا، هذا حكم القضاء والشهادة والرواية بناءً على الخطِّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 490
أما اليمين؛ فقد قال الأصحابُ: يجوز له أن يَحْلِفَ على استحقاق الحقِّ، وأداء الحق؛ اعتمادا على خطِّ أبيه 127، إذا وثق بخطه وأمانته وضبطه قال القفال: وضابط وثوقه بأن يكون بحيث لو وجد في تلْكَ التَّذْكِيرة أن لفلانٍ عليَّ كذا، لا يجد من نفسه أن يحلف على نَفْي العلم به، بل يؤديه من التركة، وفرقوا بينه وبين القضاء والشهادة؛ بأن القضاء والشهادة بناءً على الخطِّ ينجر إلى خطر عظيم.
وفي اليمين: لا يلزم ضرر عام، ولأن القضاء والشهادة تتعلق به، ويمكن فيه التذكير والرجوع إلى اليقين، وخط المورث لا يُتَوَقَّعُ فيه اليقين، فجاز بناء الأمر على غلبة الظن، حتى لو وجد بخط نفسه: أن له على فلان كذا وأنه أدَّى دين لم يجر له الحلف، حتى يتذكر، قاله في الشامل.
فَرْعٌ: قال الصَّيْمَرِيّ: أولى الأمور بالشاهد الاستعانة بالأسباب المغنية عن التذكر عند الأداء، وذلك بأن يثبت حلبة المقر، إذا لم يعرفه بعد ذكر الشهادة، ويقرب من ذلك ذكر التاريخ وموْضِعِ تحمل الشهادة، ومن كان معه حين تَحَمَّل وما أشبه ذلك، وحكى أبو محمد الحدَّاد من الأصحاب -رحمهم الله- أن بعض علمائنا ممن ولى قضاء البصرة كان يكتب: أن الذي شهدت عليه يشبه فلانًا، يعين رجلًا قد قبله علمًا، ويستعين بذلك على التذكُّر.
وهذا أبلغ من إثبات الحلية والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهَدَ عِنْدَ القَاضِي شَاهِدَانِ بِقَضَائِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ لَمْ يُقْضِ بِهِ، والمُحَدِّثُ يُحَدِّثُ عَمَّن أَخْبَرَهُ بِحَدِيثِهِ فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ عَنِّي، وَلِقَاضٍ آخَرِ أَنْ يَقْضِيَ بِالشَّاهِدَيْنِ عَلَى قَضَائِهِ إِنْ لَمْ يُكذِّبَهُما، وَمِنْ ادَّعَى عَليْهِ أنَّهُ قَضَى لَهُ فأَنْكَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحْلِيفُ كَمَا لا يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
الجزء: 12 - الصفحة: 491
إحداهما: لو شهد عنده شاهدان: أنك حَكَّمْتَ لفلانٍ بكذا، وهو لا يتذكر، لم يقبل شهادتهما، ولم يحكم بقولهما، إلا أن يشهدا على الحق بعد إعادة الدعوى، وقال أحمد: يقبل شهادتهما ويمضي حكمه، وعن ابن القاصِّ تخريجُ قول مثله للشافعيِّ -رضي الله عنه- وجه ظاهر المذهب: أن حكمه فعله، والرجوع إلى اليقين هو الأصل في فعل الإِنسان.
وكذلك نأخذ عند الشك في عدد الركعات باليقين، ولو شهد شاهدان: أنك تحمَّلْتَ الشهادة في واقعة كذا، ولم يتذكَّر، لم يجز له أن يشهد، ويخالف ما نحن فيه، رواية الحديث، فإنَّ الراوي إذا نسي، يجوز له أن يقبل ممن سمعه منه؛ كما اشتهر أن سُهَيْلَ بْنَ أبي صالِحٍ -رضي الله عنه- يروي حديث القضاء بالشاهد واليمين عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وسمعه منه ربيعة -رضي الله عنه- ثم إنه اختل حفظه بشَجَّة أصابته، وكان يقول: أخبرني ربيعة: أني أخبرته عن أبي هريرة، والفرق ما سبق أن الرواية مبنية على المسامحة، ولذلك لم يشترط فيها العدد، وقبلت من العبد والمرأة، بخلاف الشهادة على أنَّ القاضِيَ ابن كج حَكَى وجهًا عن بعض الأصحاب: أن الحكم في الرواية كما ذكرنا في القضاء، وإذا لم يتذكر القاضي، فحقه أن يتوقف، ولا يقول: لم أحكم، وهل للمدعي، والحالةُ هذه، تحليف الخصم على أنه لا يعرف حكم القاضي؟ قال صاحب "التهذيب": يَحْتَمِلُ وجهين 128، ولو شهد الشاهدان على حكمه عند قاض آخر؛ فيقبل شهادتهما، ويمضي حكم الأول، إلا إذا قامت البينة على أن الأول أنكر حكمه وكذبهما.
وإن قامت البَيِّنَة على أنه توقَّف، فوجهان، أوفقهما لكلام الأكثرين أنه يقبل شهادتهما وقال الأودنيُّ وصاحب "المهذب": لا تقبل؛ لأن موقفه يورث التهمة، وعلى هذا، فلو شهد شاهدان عَلَى أن شاهدَي الأصل توقَّفَا في الشهادة، لم يجُزِ الحكم بشهادة الفُرُوع.
الثانية: إذا ادَّعَى على القاضي: أنكَ حَكَمْتَ لي بكذا حكى الإِمام في "النهاية" عن الأصحاب: أنه ليس له أن يرفعه إلى قاضٍ آخر، ويحلفه كالشاهد، إذا أنكر الشهادة لا يحلف، وعن القاضي الحُسَيْن: أنا، إن جعلنا اليمين المردودة كالإِقرار، فله أن يحلفه؛ ليحلف إن نكل، فيكون كقول القاضي: نعم حكَمْتُ إذا ادَّعَى عليه، وهو قاضٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 492
وإن ادُّعِيَ عليه بعد عزله، أو في غير محل ولايته، وقد رفعه إلى قاضٍ هناك، فقد حكى الإِمام أنه يجوز سماع البيِّنة، ولا يُقْبَلُ إقراره، ولا يَحْلِف، إن جعلنا اليمين المردودة كالإقرار، وإن جعلناها كالبينة، فيحلف، ولك أن تقول: قبول قول المولى حكمت بكذا، وعدم القبول من المعزول واضحٌ مقررٌ من قبل، لكن سماع الدعوى عليه معزولاً كان أو غير معزول؛ بأنّه حكم ليس على قواعد الدعاوى الملتزمة، وإنما المقصود مِنْهَا التدرج إلى التزام الخصم، فإن كانت له بينة بلغها في وجه الخصم، وما ينبغي أن يسمع على القاضي بيِّنَة، ولا أن يُطالب بيمينٍ، كما إذا ادعى على إنسان أنَّك شاهدي والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي التَّسْوِيَةِ:
وَليُسَوِّ بَيْنَ الخَصْمَينِ فِي القِيَامِ والنَّظَرِ وَجَوَابِ السَّلاَمِ وَأَنْوَاعِ الإِكْرَامِ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ المُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي المَجْلِسِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ مَنِ المُدَّعِي مِنْكُما، فَإذَا ادَّعَى طَالَبَ الثَّاني بِالجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ الحَقُّ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ قَضَيْتُ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ لِلمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإنْ قَالَ: لاَ بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ جَاءَ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: يسوي القاضي بين الخصْمَيْن في الدُّخُول عليه، وفي القيام لهما، وفي النظر والاستماع وطلاقة الوجه وسائر أنواع الإِكرام، ولا يخصِّص، أحدهما بِشَيْء من ذلك؛ لأنه ينكسر به قلب الآخر، ويمنعه من إقامة حجته، وكذلك يسوي بينهما في وجوب السلام؛ فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما دون الآخر، قال الأصحاب: يصبر حتى يسلم الآخر، فيجيبهما، وقد يَتَوقَّف في ذلك عند طول الفَصْل؛ فإنَّه يمنع من استنهاضه جوابًا.
وذكروا: أنه لا بأس أن يقول الآخر: سَلِّمْ، فإذا سَلَّم، أجابهما وفي هذا اشتغال منه بغير الجواب وكأنهم احتملوا جميع ذلك، لئلا يبطل معنى التسوية، وحكى الإِمام: أنهم جوزوا له ترك الجواب مطلقًا، واستبعده 129.
الجزء: 12 - الصفحة: 493
ويسوي بينهما في المجلس، فيجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، إذا كانا شريفَيْن، أو يجلسهما بين يديه، وهو الأولَى على الإطلاق، لما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قضى أن يجلس الخصمان بين يَدَي القاضِي؛ ولأَن النظر إليهما والاستماع لكلامهما حينئذٍ، يكون أسهل نعم، لو كان أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا، فوجهان:
أصحُّهما: وهو الذي أورده العِراقِيُّون: أنَّه يَرْفَع المُسْلِم في المجلس؛ لما روي أن عليًّا -رضي الله عنه- جلس بجنب شُرَيْحٍ في خصومة له مع يَهُودِيٍّ، وقال: لو كان خَصْمي مسلمًا، لجَلَسْتُ معه بين يدَيْكَ، ولكني سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لاَ تُسَاوُرهُمْ فِي الْمَجْلِسِ" 130.
والثاني: أنه يسوي بينهما أيضًا؛ للخبر السابق، ولأنه يسوي بينهما في الإِقبال عليهما، والاستماع منهما، فكذلك في المجلس، ويمكن أن يكون الوجهان في رفْعِ المَجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام، ثم التسوية بين الخَصْمَيْن في الأمور المذكورة مستحبةٌ أو واجبةٌ؟ اقتصر صاحب "الشامل" على الاستحباب، ونص الأكثرون على الوجوب.
ولْيُقْبِل القاضِي عَلَى الخصمين بمجامع قلبه، وعليه السكينة، ولا يمازح أحدهما، ولا يضاحكه، ولا يشير إليه ولا يُسَارُّه، ولا ينْهَرُهُما، ولا يصيح عليهما، إذا لم يَفْعَلا ما يقتضي التأديب، ولا يتعنت الشهود، بأن يقول بم تشهدون، وما هذه الشهادة؟! فيشوش عليهم، ولا يلقن المدعي الدعوى؛ بأن يقول: ادَّعِ علَيْهِ كذا، ولا المُدَّعَى عليه الإِقرار والإِنكار، ولا يجري المائل 131 إلى النكول على اليمين، وكذا لا يلقن الشاهد الشهادة ولا يجريه إذا مال إلى التوقف، ولا يشككه، ولا يمنعه إذا أراد الشهادة وهذا في حقوق الآدميين.
وأما في حدود الله تعالى جده فالقاضي يرشد إلى الإنكار على ما هو مبيَّن في موضعه، وإذا كان يدعي دعوى غير محرَّرة، قال الإِصطخريُّ: يجوز أن يبين له كيفية
الجزء: 12 - الصفحة: 494
الدعوى "الصحيحة" وقال غيره: لا يجوز؛ لأنه يكسر قلب الآخر، وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في "العدَّة": والأصح: الجواز، ولا بأس بالاستفسار مثل أن يدعي دراهم؛ فيقول: أهي صحاح أم مكسرة؟ وعن أبي حنيفة منعه أيضًا.
ويستحب للحاكم إذا أراد الحكم، أن يجلس المحكوم عليه، ويقول: قامت البينة عليك بكذا، ورأيت الحكم عليك؛ ليكون أطيب لقلبه، وأبعد عن التهمة، وعن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يندبهما إلى الصُّلْح بعد ظهور وجْه الحُكْم، ويؤخّر الحكم اليوم واليومين، إذا سألهما، فجعلاه في حل من التأخير، فإن لم يجتمعا على التحْلِيلِ، لم يُؤخَّر.
المسألة الثانية: إذا جلس الخصمان بين يدَي القاضي، فله أن يسكت حتى يتكلمان وله أن يقول: ليتكلَّمِ المدعي منْكما 132، وأن يقول، للمدعي، إذا عرفه: تكلَّم 133 ولو خاطبهما بذلك الأمينُ الواقفُ إلى رأسه، كان أولَى فإذا ادعَى المدَّعِي، طالب خصمه بالجواب، وقال: ماذا تقول؟ وفيه وجه أنه لا يطالبه حتى يسأله المدعَّي، كما لا يطالب بإفاء المال حَتى يسأل المدعي، ثم ينظر في الجواب؛ إن أقر بالمدعي، فللمدَّعِي أن يطلب من القاضي الحكم عليه، قال الشيخ أبو حامد: وحينئذٍ يُحْكَمُ بأن يقول له: اخْرُجْ من حقه، أو كلفتك الخروج من حقه، أو ألزمتك.
وما أشبههما ويثبت المدعي بمجرَّد الإِقرار أم يفتقر ثبوته إلى قضاء القاضي؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يفتقر إليه، كالثبوت بعد إقامة البينة.
وأصحهما: المنع؛ فإن دلالة الإقرار على الحق بينة، إِذ الإنسان على بصيرة والبينة تحتاج في قبولها إلى النظر والاجتهاد، هكذا ذكرت المسألة، والطَّبْعُ لا يكادُ يقبل الخلاف فيها؛ لأنه إِن كان الكلامُ في ثبوت الحقِّ المدَّعَى في نفسه، فمعلومٌ أنه لا يتوقف على الإِقرار، فكيف على الحكم بعد الإِقرار، وإن كان المرادُ المطالبةَ والإِلزامَ، فلا خلاف في أن للمدعي الطَّلَبَ بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام، وإن نظرنا ناظر إلى وجه ذكرناه في الإِقرار أن الإِقرار المُطْلَق لا يكفي للمؤاخذة، بل يسأل المُقِرَّ عَنْ سبب اللزوم، وقال: إِذا كان الإِقرار المطْلَق مختلَفًا فيه، كان في محلِّ النظر والاجتهاد،
الجزء: 12 - الصفحة: 495
فاعتبر قضاء القاضي على رأي، فهذا شيء لا يختص بالإقرار بعْدَ الدَّعْوَى في مجلس القاضي، بل ينبغي أن يطرد في محل الإقرار وإن أنكر المدعَى عليه، فللقاضي أن يسكت، وله أن يقول للمدعي: ألك بينة 134، وقد روي ذلك عن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في تداعي الحضرمِّي والكنديِّ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي وجه: لا يقول ذلك؛ لأنه كالتلقين، ثم إن قال المُدَّعِي: لي بينة، وأقامها، فذاك، وإن قال: لا أقيمها، وأريد يمينه، مكن منه؛ لأنه، إن تورع عن اليمين وأقر، سهُل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف، أقام البينة، وإن بان كذبه وخيانته، فله إذن في التحليف غرض ظاهر، وإن قال: ليست لي بينة حاضرة، فحلف المدعى عليه، ثم جاء المدعي ببينته، سمعت، وإن قال: لا بينة لي حاضرةً ولا غائبةً، أو قال: كُلُّ بينة أقيمها، فهي باطلة، أو كاذبةُ أو بينته زُورٌ، ثم جاء ببيِّنَةٍ، فوجهان:
أظهرهما: على ما ذكر صاحب الكتاب والعراقِيُّون -رحمهم الله- أَنَّها تسمع؛ لأنها ربما لم تعرف أو نسي ثم عَرَفَ وتذَكَّر.
والثاني: المنع، للمناقضة إلا أن يذكر لكلامه هذا التأويل، فيقول: كُنْتُ جاهلاً أو ناسيًا، وإن قال: لا بينة لي، واقتصر عليه، ففي "التهذيب": أنه، كما لو قال: لا بينة لي حاضرةً، ومنهم من قال: هو كما لو قال: لا بينة لي 135 حاضرةً ولا غائبةً، حتى يكون على الوجهَيْنِ، وهذا ما أورده في الكتاب، ولو قال: شهودي عبيدٌ أو فَسَقَةٌ، ثم أتى بشهود تقبل شهادتهم، إنْ مضى زمان قابِلٌ للعتق والاستبراء.
فَرْعٌ: حكى القاضي أبو سعدٍ وجهين في أنَّ الحقَّ يجب بفراغ المُدَّعِي من اليمين المردودة أو لا بدَ من حكم الحاكم وأشار إلى بنائهما على أن اليمين المردودة كالإِقرار أو كالبينة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ تَزَاحَمَ المُدَّعُونَ قُدَّمَ السَّابِقَ، فَإِنْ تَسَاوَوْا أَقْرَعَ بَيْنَهُمُ، وَلا يُقَدِّمُ لِشَرَفٍ إِلاَّ المُسَافِرُ المُسْتَوْفِزُ والمَرْأَةُ فَيُقَدِّمُهُمَا إنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ المفْتِي والمُدَرِّسُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، ثُمَّ السَّابِقُ بِالقُرْعَةِ يَقْنَعُ بِخُصُومَةٍ وَاحِدَةٍ وَلا يَزِيدُ وَإِنِ اتَّحَدَ
الجزء: 12 - الصفحة: 496
المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا إِلَى الدَّعْوَى فَقَالَ الآخَرُ: كُنْتَ أَنَا المُدَّعِي لَمْ يَنْفَعْهُ بَلْ يُجِيبُ أَوَّلاً ثُمَّ يَدَّعِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: إِذا ازدَحَمَ جماعةٌ من المدَّعِينَ، نُظِرَ، إن جاءوا على التعاقب، وعرف الترتيب قدم منهم الأسبق فالأسبق والاعتبار بسبق المدَّعِي دون المدَّعَى عليه، وإن جاءوا معًا أقرع، وإن لم يعرف الترتيب، وقدم من خرجت قرعته، وإن كثروا وعَسُر الإِقراع كُتِبَ أسماؤهم في رقاع وصبت بين يَدَي القاضي؛ ليأخذها واحدةً بعد واحدةٍ، ويسمع دعوَى مَن خرج اسمُه في كل مرَّةٍ، ويستحب للقاضي أن يرتب ثقة يثبت أسماء الحاضرين يوم قضائه، ليعرف الترتيب معهم، ولو قدم الأسبقُ غيره على نفْسِهِ جاز، والمفتِي والمدرِّسُ عند الازْدِحَام يقدَّمان أيضًا بالسبق أو بالقرعة، نعم، لو كان الْفَنُّ الذي يعْلَمُه خارجًا عن فروض الكفايات، فالاختيار إليه في تقديم من شاء، ولا يقدم بَعْضَ المدَّعين بشرف غيره إلا في موضعين:
أحدهما: إذا كان المدعون مسافرين مستوفزين، وهم الذين شَدُّوا الرحال؛ ليخرجوا، ولو أخر أمرهم لتخَلَّفُوا عن رفقائهم، فإن قلُّوا، قدموا؛ لئلا يتضرَّر بالتخلف، وإن كثروا لمساواة المسافرين أهل البلد أو زيادتهم بالحجيج بمكة، لم يقدموا، وكانوا كالمقيمين، فيراعي السبق والقرعة، وفي "المهذَّب" وغيره وجْهٌ آخر أنه لا يقدم بالسفر أصلاً.
والثاني: لو كان في الحاضرين نسوةٌ، ورأى القاضي تقديمهن، لينصرفْنَ قدمهن، وفيه وجه آخر أنهن لا يقدمن، ولكن التقديم فيما إذا لم يكثرن، كما في المسافِرِين، وما ينبغي أن يفرق بين أن يكون المسافر مدعيًا أو مدعى عليه، والظاهر أن تقديم المسافر والمرأة ليس بمستحَقٍّ، وإنما هو نوع رخصة يجوز الأخذ به، وبذلك يشعر لفظ المختصر، ويوافقه قوله في الكتاب "إن رأى فيه مصلحة" ومنهم من يشعر إيراده بالاستحقاق، ثم لا يخفى أن السفر والأنوثة إنما يقتضيان التقديم على المقيمن وعلى الرجال، فأما المسافرون بعْضُهم مع بعض 136 والنسوة بعضهم مع بعض، فالرجوع فيهم إلى السبق والقرعة.
الجزء: 12 - الصفحة: 497
الثانية: المقدَّم بالسبق أو بالقرعة، إنما يقدم في دعوَى واحدةٍ، ولا يمكن أن يزيد، فيضر بالآخرين بل ينصرف إلى أن يحضر في مجلس آخر أو ينتظر فراغ القاضي من سَمَاع دَعْوَى سائر الحاضرين، فحينئذٍ تسمع دعواه الثانية، إن لم يضجر، ولا فرق بين أن تكَون الدعوى الثانية والثالثة على الذي ادَّعَى عليه والدعوى الأولَى، أو على غيره، وفيه وجه أن الزِّيادة عَلَى الدَّعْوَى الأُولَى مسموعة، إذا اتحد المدعَى عليه، ويجعل اتحاد المتداعيين كاتِّحَاد الدَّعْوَى، ثم الناقلون لهذا الوجه منهم من أطلق، وقيد في "الوسيط" فقال: تسمع إلَى ثلاثِ دعاوَى، وتسمع عَلَى من ادَّعَى عليه دعْوَى ثان وثالث؛ لأن الدعوى للمدعي، وقد تعدَّد المدعون، ونقل القاضي ابن كج هاهنا وجهين غريبين:
أحدهما: أن المقدَّم بدعوى واحدة لا يسمع منه الدعوى الثانية إلا في مجلس آخر، وإن فرغ القاضي من سماع دعوى الحاضرين، فعليهم بعد ذلك ترفيهه.
والثاني: أنه لا يسمع على الواحد إلا دعوى واحدةٌ، كما لا تسمع من الواحد إلا دعوى واحدة.
فَرْعٌ: المقدَّم بالسفر يجوز ألاَّ يقدم أيضًا إلا بدعوى واحدةٍ، ويجوز أن يقدم بجميع دعاويه؛ لأن الغرض من تقديمه ألا يتخلف عن الرفقاء، ويجوز أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى، فسبيله سبيل المقيمين؛ لأن في تقديمه بجميع الدعاوى إِضرارًا بغيره وتقديمه بالدعوى الواحدة لا يَحْصُلُ الغَرَض 137.
الثالثة: تنازع الخصمان، وزعم كل واحد منهما أنه هو المُدَّعِي نُظِر، إن سبق أحدهما إِلى الدعوى، لم يلتفت إلى قولِ الآخر، أنِّي كنت المدعي، بل عليه أن يجيب ثم يدعي إن شاء، وإن لم يسبق وتشاجرا، سأل القاضي العون، فمن أحضر العون، فهو المدعَى عليه، فيدعي الآخر عليه، وكذا لو قامت بيِّنة لأحدهما أنه أحضر الآخر؛ ليدعي عليه، وإن استوى الطرفان أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعةُ ادَّعَى وقيل: يُقدِّم القاضي أحدهما باجتهاده والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 498
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ وَلاَئِمَ الخَصْمَينِ وَلاَ بَأْسَ بِوَليمَةِ غَيْرِهِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ المَقْصُودَ بِالدَّعْوَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول في أن الإِجابة إلى الوليمةِ تجب أو تُسْتحبُّ مستوفى 138 في "باب الوليمة والنثر" وذلك في حق غير القاضي، فأما القاضي، فلا يحضر وليمة أحد الخصمين في حال تخاصمهما، ولا وليمتهما؛ لأن أحدهما قد يزيدُ في إكرامه، فيميل قلبه إليه، فأما وليمةُ غيرهما، فعَنْ بعض الأصحاب، فيما رواه صاحب "الإِفصاح" وغيره: أنه يجيء قولُ وجوب الإجابة في حق القاضي أيضًا، وفي "أمالي" أبي الفرج: أن بعضهم قال: لا يجوز الإِجابةَ أصلاً؛ لأنه أجير المسلمين ولا يدري متَى يتحاكم إليه الخصمان، وظاهر المذهب التوسُّط، وهو أنها لا تجب، ولا تحرم، ولكنها مستحبةٌ بشرط التعميم، فإن كثرت وقطعته عن الحكم ترك إجابة الكل، ولم يخصص بعض الناس، نعم، لو كان يخصِّص أناسًا قبل الولاية بإِجابة وليمته، فعن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما حكاه القاضي ابن كج أنه لا بأس بالاستمرار عليه، ويكره الإِجابة إلى دعوى اتخذت للقاضي خاصَّة وللأغنياء، ودعى فيهم، ولا تكره الإجابة إلى ما اتخذ للجيران، وهو منهم أو للعلماء، ودُعِيَ فيهم، واعْلَمْ أن إجابة الوليمةِ مِنَ الدَّعَوات مستحبةٌ، وظاهرة ما أطْلقه الأَئمَّة ثبوت الاستحباب في حقِّ القاضي أيضًا، وإن كان الاستحباب في الوليمة آكد، ومنْهُمْ من خصَّص الاستحباب بالوليمة، ويحكَى هذا عن ابن القاصِّ، ولا يضيف القاضِي أحَدَ الخصمَيْن دون الآخر؛ لأنه ينكسر قلبه، ويجوز أن يضيفهما معًا؛ لما روي عن علي -كرم الله وجهه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: لاَ يُضِيفُ أحَدُكُمْ أحد الخَصْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ خَصْمُهُ مَعَهُ" 139 وَعَن أبي الحُسَيْن أن أبا إسحاق قال: لا تُضِيفُهُمَا مَعًا أَيْضًا؛ لأَنَّه قد يتوهَّم كلُّ واحدٍ منهما أن المقصود بالدعوةِ صاحبُه، وأنه تبعٌ، فينكسر قلبه، ولكن هذا يُشْكِل بسائر وجوه التسوية، وللقاضي أن
الجزء: 12 - الصفحة: 499
يشفع لأحدهما، وأن يؤدي المال عمن عليه؛ فإنه ينفعهما جميعًا.
فرع: القاضي يعود المَرْضَى ويشهد الجنائز، ويزور القادمين؛ لما فيها من البر والثواب، وإذا لم يمكنه الاستيعاب، أتى بما أمْكَنَه مِنْ كل نوع ويخصُّ به من عرفه، وقرب منه، وفرقوا بين هذه الأمور، وبَيْن إِجابة الوليمة حَيْثُ يترك الكُلَّ، إِذا لم يمكنْه الاستيعاب بما لا تسْكُن النفس إِليه، وهو أن أظهر الأغراض في إجابة الوليمة إكرام صاحبها، فالتخصيص إيثارٌ وميل وأظهر الأغراض في العبادة وما في معناها الثواب، فلا يترك المقدور منْها؛ كيلا يفوته الثواب، ولعدم إيضاح هذا الفرق ذهب القاضي أبو حامد فيما حكاه ابن المرزُبَان عنْه، سَمَاعًا أنه كالإِجابة إِلى الوليمة، إِما أن يستوعب أو يترك الكلَّ، ولم يفرق الأكثرون في العيادة وشهود الجنازة بين المتخاصمَيْن وبين سائر الناس، وذلك مناسب لقولهم: إن النظر فيها إِلى الثواب دون الأشخاص، وفي أمالي أبي الفَرَجِ أنه لا يعود الخصم إذا مرض، ولا يزوره إذا قدم لكن يشهد جنازته إذا مات، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي التَّزْكِيَةِ:
وَيَجِبُ علَى القَاضِي الاسْتِزْكَاءَ مَهْمَا شَكَّ وَإِنْ سَكَتَ الخَصْمُ إِلاَّ أَنْ يُقِرَّ الخَصْمُ بَعَدَ التِهِمَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المقصودُ الآن الكلامُ في البَحْث عن حال الشهود وتزكيتهم.
وأول ما نذكره أنه لا يجوز للقاضي أن يتخذ شهودًا معيَّنِين لا يقبل شهادة غَيْرِهِمْ؛ لما فيه من التضييق على الناس، فإنه قد يتحمَّل الشهادة غيرهم، فِإذا لم يقبل ضاع الحق، وقد قال تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فأطلق، وإذا شهد عنده شهودٌ، نَظَر؛ إن عرف فسْقَهم، رد شهادتهم، ولم يحتج إلى بحث، وإن عرف عدالتهم، قبلت شهادتهم ولا حاجة إلى التعديل، وإن طلبه الخصم، وفيه وجه ذكرناه في "فصل القضاء بالعلم" وعن أبي حنيفة فيما رواه صاحب "التهذيب": أنه إذا طلب الخصم، فلا بدّ من التعديل وإن لم يعرف القاضي حالَهُم في الفسق والعدالة، لم يجز له قبول شهادتهم، والحكم بها إلا بعد الاستزكاء والتعديل سواءٌ طعن الخصم أو سكت، وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله- وساعَدَنا أبو حنيفة فيما إذا كانت الشهادةُ على القِصاصِ والحدودِ، وقال في المال: إذا عَرَفَ إسلام الشهود، لم يحتج إِلى البَحْث عن عدالتهم، إلا أن يطعن فيهم الخَصْمُ واحتج الخَصْم بأنَّه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرط الشهادة، كما إذا طعن الخصم، وكما إذا كانتِ الشهادةُ على القصاص، وكما إذا جهل إسلام الشهود، فإنه يجب البحث عنه، عَلَى ما سنَذْكُرَ، ولا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال المُسْلِم العدالةُ، كما لا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال مَنْ في دار الإِسلام الإِسلامُ، وإن أقر الخصم بعدالة الشاهدين، ولكن قال: أخطأ في هذه الشهادة، ففيه وجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 500
أحدهما: أنا إنما كُنَّا نبحث لحقِّه، فإذا اعترف بعدالتهما أغْنَانَا عن البحث والتعديل.
والثاني: لا بدّ من البحث والتعديل لحق الله تعالى، ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة الفساق، وإن رضي الخصم به، وأيضًا، فالحكم بشهادة الإِنسان، يتضمن الحكم بعدالته، والحكم بالعدالة بتعديلِ واحدٍ لا يجوز، وهذا أقوى في المعنى، وإليه يميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب" والمذكور في الكتابِ هو الأولُ، ولو صدقهما فيما شهدا به، فيقضي القاضي عليه بإقراره بالحق، ويستغني عن البحث عن حال الشاهدين، وكذا لو شهد واحدٌ فصدقه 140، ولو شهد شاهدان معلوما العدالةِ، ثم أقرَّ المشْهودُ عليه بما شهد به قبل أن يحكم القاضي، فالحكم يستند إلى الإِقرار دون الشهادة، أو يستند إليهما جميعًا، حكى القاضي أبو سعد الهرويُّ فيه وجهين، قال: والمذهب منهما الأول، والثاني حكاه الفورانيُّ في "المناظرة"، وذكر أنه لو أقر بعد الحكم بشهادة الشاهدَيْن، فقد مضى الحكم مستندًا إلى الشهادة، سواءٌ وقع إقراره بعد تسليم المال إلى المشهود له أو قبله، وفيما إذا أقر قبل التسليم وجهًا آخر، وأنه لو قال الخصم للشاهد: قبل أداء الشهادة ما تشهد به علَيَّ، فأنت عدلٌ صادقٌ، لم يكن ذلك إقرارًا، لكنه تعديل للشاهد، إن كان من أهل التعديل، ولو جهل القاضي إسلام الشاهد، لم يقنع بظاهر الدار، ولكن يبحث عنه، ويكفي فيه الرجوع إلى قول الشاهد، لأن أعرابيًّا شهد عند رسول الله برؤية الهلال فسأله عن إسلامه، وقَبِلَ شهادته 141، ولو جهل حريته يَبْحَثُ أيضًا، وهل يكْفِي فيها قول الشاهد على وجهين:
أحدهما: نعم، كما في الإِسلام.
وأظهرهما: على ما قاله في "المهذب": لا، كما في العدالة ويخالف الإِسلام، فإنه يستقل به، فيقبل قوله فيه، وليست الحرية كذلك.
وقوله في الكتاب "ويجب على القاضي الاستزكاء مهما شك" أشار بقوله مهما شكَّ إِلَى أنه إذا علم حال الشهود لا يستزكي على ما سبق.
وقوله "وإن سكت الخصم" مُعْلَم بالحاء، ويجوز أن يعلم بالواو أيضًا؛ لأن
الجزء: 12 - الصفحة: 501
القاضي أبا القاسم ابن كج رَوَى عن بعض الأصحاب أن الاستزكاء إنما يجب، إذَا طلبه الخَصْمُ؛ لأنه حقه.
فَرْعٌ: قال في "العدة": لو استفاض فسق الشاهدَيْن بين الناس، فلا حاجَةَ إِلى البحث والسؤال، وينزل المستفيض منزلة المَعْلُوم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَليَكْتُبْ إِلَى المُزَكِّيْنَ اسْمَ الشَّاهِدَيْنِ والخَصْمَيْنِ فَلَعَلَّهُ يَعْرِفُ بَيْنَهُمْ عَداوَةً، وَقِيلَ: يَكْتُبُ قَدْرَ المَالِ أَيْضًا فَرُبَّمَا يَعْدِلُ فِي اليَسِيرِ دُونَ الكَثِيرِ، وَقِيلَ: العَدَالَةُ لاَ تَتَّجَزَّأُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل بيان كيفية الاستزكاء، واعْرِفْ أولاً شيئين:
أحدهما: أن القاضي ينبغي أن يكون لَهُ مزكُّون وأصحاب مسائلَ، والمزكُّون هم المرجوع إليهم؛ ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل الذين يبعثهم القاضي إلى المزكِّين؛ ليبحثوا أو يسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- المزكِّين أنفسهم، إمَّا لأنهم مسؤولون، أو لأنهم، إذا لم يعرفوا سألوا من يعرف من الجيران، وأهل الحرفة ورفقاء السفر والمعاملين.
والثاني: المُخْبِرُونَ عن فِسْقِ الشهودِ وعدالَتِهِمْ ضربان:
أحدهما: من نصبه الحاكم للجَرْح والتَّعْدِيل إما مطلقًا أو في واقعةٍ خاصَّةٍ فيسمع الشهادة عليها، وما يثبت عنده أَنْهَاهُ إلى القاضي.
والثاني: من يَشْهَدُ بالعدالة أو الفسق، ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يشهد أصالةً، ومنهم من يشهد بناءً على شهادة غيره، والأول قد يعرف الحَالَ، فيشهد، وقد لا يعرف، فيأمره القاضي بالبحث والتفحص؛ ليعرف، فيشهد كما يوكِّلْ القاضي بالغريب الذي يدعي الإفلاس من يبحث عن حاله، ويخالطه؛ ليعرف إفلاسه، فيشهد، وأما الثاني، فهو شاهد فرع، والقياسُ الظاهرُ أنه لا يشهد إلا عند غيبة الأصل أو عذر مانع من الحضور، وكذلك ذكره القاضي أبو سعد الهرويُّ، ويجيء من بعدُ ما ينازع فيه، إذا تقرَّر ذلك، فإذا أراد القاضي البحث عن حال الشهود، كتب اسم الشاهد وكنيته، إن اشتهر بها، وولاءه إن كان عليه ولاءٌ، واسْمَ أبيه وجَدِّه، وحليته وحرفَتَه، وسوقه ومسجده، وكلَّ ذلك؛ لئلا يشتبه بغيره، فإن كان الرجل مشهورًا، وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف، اكتفى به، ويذكر في الكتاب اسم المشهود عليه، فقد يكون بينه وبين الشاهد عداوة، واسم المشهود له فقد يكون بينه وبين الشاهد ولادة أو شركة تمنع قبول الشهادة، وفي قدر المال وجهان:
أحدهما: لا يذكره؛ لأن العدالة لا تختلف بقلَّة المال وكثرته، ولا تتجزأ.
الجزء: 12 - الصفحة: 502
وأظهرهما: وهو المنصوص: أنه يذكره، وقول الأول أن العدالة تتجزَّأ، حكى أبو العباس الرُّويانيُّ فيه اختلافًا عن الأصحاب، مِنْهُمْ مَنْ منعه، وقال: قبول الشهادة مبنيٌّ على غلبة الظن بصدق الشاهد، وقد يغلب على الظن الصدق في القليل دون الكثير، ومنهم من سلمه، وقال: إنما يذكره؛ لأن الكثير أجدر بالاحتياط، وذكر المال، قد يكون أطيب لقلب المزكي، وبنى على الخلاف في أن العدالة، هل تتجزأ أنه لو عدل، وقد شهد بمال قليل، ثم شهد في الحال بمالٍ كثيرٍ، هل يحتاج إلى التزكية، ويكتب إلى كلِّ مزكي كتابًا، ويدفعه إلى صاحب مسألة، ويخفى كل كتاب عن غير من يدفعه إِليه وغير من يبعثه إِليه احتياطًا، ثم إذا وقف القاضي على ما عند المزكين، فإن كان جرحًا، لم يظهره، وقال للمدعي: زِدْ في الشهود، وإن كان تعديلاً، عمل بمقتضاه، وحكَوْا وجهين، والحالةُ هذه، أنه بم يحكم، بقول المزكِّين، أم بقول أصحاب المسائل؟ لأن قولهم شهادة على شهادة، فكيف يقبل مع حضور الأصل، وإنما هو رسل، وعلى هذا يجوز أن يكون صاحب المسألة واحدًا فإن عاد بالجرح توقَّف القاضي، وإن عاد بالتعديل، دعا مُزَكِّيْن؛ ليشهدا عنده بعدالة الشاهد، ويشير إليه ويأمن بذلك من الغلط من شخص إلى شَخْصٍ، وعن الإصطخريِّ: أنه إِنما يحكم بقول أصحاب المسائل، وعلى هذا قال الشيخ أبو حامدٍ: إنه يبني عَلَى ما يثبت عنده ثم بقول المزكين، وفي "الشامل": إنه، إن كان شهادةً على شهادةٍ تقبل للحاجة، لأنَّ المزكي لا يكلف الحضور عند الحاكم، وقول الإصطخريِّ أصحُّ عند الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وغيرهما: قَالُوا: وعلَى هذا إنما يعتمد القاضي قول اثنين من أصحاب المسائل، فإن وصفاه بالفسق، فعلى ما سبق، وإن وصفاه بالعدالة، أحضر الشاهدين ليشهدا بعدالته علانيةً، ويشير إليه، وقد يفيدك التأمل في كلام الأصحاب أن تقول: ما ينبغي أن يكون في هذا خلافٌ محقَّقٌ، ولكن إن ولى صاحب المسألة الجَرْحَ والتعديلَ، فحكمِ القاضي مبنيٌّ على قوله، ولا يعتبر العدد؛ لأنه حاكم، وإن أمره بالبحث، فبحث ووَقَفَ عَلَى حال الشاهد، وشهد بما وقف عليه، الحكم أيضًا مبنيٌّ على قوله، ويعتبر العدد؛ لأنه شاهد، وإن أمره بمراجعة مزكيين فصاعدًا، أو بأن يعلمه بما عندهما، فهو رسولٌ محضٌ، والاعتماد على قولهما، فليحضرا، وليشهدا، وكذا لو شهد على شهادتهما؛ لأن شهادة الفرع مع حضور الأَصْل غير مقبولة.
وقوله في الكتاب "فلعله يعرف بينهم عداوة" يعني بين الشاهد والمشهود عليه إما العداوة وبينهما وبين المشهود له، فإنها لا يقدح في الشهادة.
وقوله: "وقيل العدالة لا تتجزأ" أي فلا يكتب قدر المال، وفيه ما بيناه، والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 503
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَصِفَةُ المُزَكِّي كَصِفَةِ الشَّاهِدِ لكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِبَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ بِصُحْبَةٍ مَعَهُ، وَلا يَعْتَمِدُ فِي الجَرْحِ إِلاَّ العِيَانَ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ إِنْ نَصَّبِ حَاكِمًا فِي التَّعْدِيلِ، وَيَجِبُ أَنَّ يُشَافِهَ القَاضِيَ بِهِ وَيَأْتىَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ فَيَقُولَ أَشْهَدُ أنَّه عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فَرُبَّ عَدْلٍ مُغَفَّلٍ لا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلا تَكْفِي الرُّقْعَةُ مَعَ شَهَادَةِ رَسُولَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبِبِ الجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
أحدها: من نصبه حاكمًا في الجَرْح والتعديلِ اعتبر فيه صفاتِ القضاةِ، ومَنْ شهد بالعدالة والفِسْقِ، اعتبر فيه صفاتِ الشُّهُود، ويعتبر مع ذلك العِلْم بالعدالة والفِسقْ، وأسبابهما ويعتبر أيضًا أن يكون العَدْلُ خبيرًا بباطنِ حالِ مَنْ يعدله، إما لصحبةٍ وجوارٍ ومعاملةٍ أو نَحْوِه، رُوِي أن شاهِدَيْن شهدا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال لهما: إِنِّي لا أَعْرِفُكُمَا وَلا يَضُرُّكُمَا أَنْ لاَ أَعْرِفَكُمَا ائْتِيَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا فأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كَيْفَ تَعْرِفُهِمَا؟ قَالَ: بِالصَّلاح والأَمَانَةِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ جَارًا لَهُمَا، تَعْرِفُ صَبَاحَهُما وَمَسَاءَهُمَا وَمَدْخَلَهُمَا وَمَخْرَجَهُمَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: هَلْ عَامَلتَهُمَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتي تُعْرَفُ بِهَا أَمَانَاتُ الرِّجَالِ، قَالَ: لاَ قَالَ: فَهَلْ صَاحَبْتَهُمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْفِرُ عَنْ أَخْلاَقِ الرِّجَالِ؛ قَالَ: لاَ فَأَنْتَ لا تَعْرِفُهُمَا، ائْتِيَا بِمْنَ يَعْرِفُكُمَا" 142 والْمَعْنَى فيه أن الإنسان يُخْفِي أسباب الفِسْق غالبًا، فلا بدّ من معرفة بباطن حاله، وهذا كما أن في الشهادة على الإفلاس يعتبر الخبرة الباطنة؛ لأن الإنسان مشغوف بإخفاء المال، وفي الشهادة على أَنْ لا وارث سواء، تعتبر الخبرة الباطنة؛ لأنه قد يتزوَّج في السفر أو في الحَضَر، ويخفيه، فيولد له، قال في "الوسيط": ويجب على القاضي أن يعرف أن المزكِّي، هَلْ خبر بباطن الشاهد في كلِّ تزكية إلا إذا علم من عادته أنه لا يزكِّي إلا بعد الخبرة، وظاهر لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- اعتبارُ التقادمُ في المعرفة الباطنة، ووجَّه ذلك بأنها، إذا لم تتقادَمْ، لم يمكن الاختبار في يَومٍ أو يومين، ويشبه أن يقال: شدة التفحُّص والإمعان فيه يقوم مقام التقادم، ويمكن الاختبار في المدة اليسيرة، وليس ذكره التقادُمَ على سبيل الاشتراط؛ لأنَّ الغالب أنَّ المعرفة الباطنة حينئذٍ تَحْصُل، ويوضِّحه ما ذكرنا أن القاضي قد يأمرُ بالبحث والتفحُّص عن حال الشاهد؛ ليعرف،
الجزء: 12 - الصفحة: 504
فيشهد، ولو اعتبرنا التقادُمَ، لطالت المدة وتضرَّر المتداعيان بالتأْخِيرِ الطويل، هذا في التعديل، وأما في الجرح، فيعتمد المعاينة أو السماع، فالمعاينة بأن رآه يزني أو يشرب الخمر، والسماع كما إذا سمعه يقذف أو يُقِرُّ على نفسه بالزنا وَشُرْب الخمر، وإن سمع من غيره نظر، إن بلغ المخبِرُون حَدَّ التواتر، جاز الجَرْح؛ لحصول العلم، وإن لم يبلغوا حدَّ التواتر، لكنه استفاض وانتشر، فكذلك الجواب فيما حَكى ابن الصَّبَّاغ وصاحبُ "التهذيب" وغيرهما، ولا يجوز الجرح بناءً على خبر الواحد والعَدَدِ اليسيرِ، نعم، له أن يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة، وذكره في "المهذب" تفريعًا على قول الإِصطخريِّ؛ لأني لم أجده في "التهذيب" وهو موجود تفريعًا 143 على ما سبقت حكايته عن الإِصطخريِّ؛ أن القاضي إنما يحكم بقول أصحاب المسائل؛ أنه يجوز أن يكون الخبر من الجيران أصحاب المسائل واحدًا إذا وقع في نفوسهم صدَّقه هل يشترط التعرُّض بسبب رؤية الجرح أو سماعه، قال قائلون: نعم، فلا بدّ وأن يقول: رأيته يَزنِي، وسمعته يقذف 144، وعلى هذا القياس استفاض عندي، وفي "الشامل" أنه لا حاجَةَ إلَيْه، وليس للحاكم أن يقول: من أين عرفت حاله، وعلام بنيت شهادتك، كما في سائر الشهادات، وهذا أقيس، ويحكى عن ابن أبي هريرة، والأول أشهر، ولا يجعل الجارح بذكر الزنا قاذفًا للحاجة، كما لا يجعل الشاهد قاذفًا، فإن لم يساعده غيره ليكن كما لو شهد ثلاثةٌ بالزنا، هل يجعلون قذفةً 145، وينبغي أن يكون المزكُّون وافري العُقُول؛ لئلا يخدعوا برآء من الشحناء والعصبية في النسب والمذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جَرْح عَدْلٍ أو تزكية فاسقٍ، ويجتهد القاضي في إخفاء أمرهم، حتى لا يشتهروا في الناس بالتزكية، وهل يشترط لفظ الشهادة من المزكِّي فيه وجهان، كما ذكرنا في المُسْمِعِ: أظهرهما: نعم، فيقول؛ أشهد أنه عدل، وهذا ما أورده في الكتاب، وقال في
الجزء: 12 - الصفحة: 505
"الوسيط": إن اعتبرنا مشافهةَ القاضِي، فلا بدّ من لفظ الشهادة، وإن لم نعتبره، ففي اشتراطه في الكتابة بالرِّسالَة وجهان، ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين.
الثاني: وفيه وجه آخر: أنه نذكره في "باب الشهادة" وعن كتاب حرملة: أنه لو شهد شاهِدَانِ، وعدَّلَهما آخران لا يعرفهما القاضي وزكَّى الآخرين مزكِّيان للقاضي جاز.
المسألة الثانية: لا يثبت العادلة لمجرَّد رفعه المزكي؛ لأن الخَطَّ لا يعتمد على ما سبق، وإنما يكتب القاضي إلَى المزكِّي؛ لأنه قد يحتاج إلى البحث والتدبر الطويل، وكانت المراجعة بالرقاع أحْسَنَ، ثم الاعتماد على ما يجري أخيرًا، وعن القاضي الحُسين جواز الاعتماد على الرقعة، كما عليه العمل ثم ذكر في "الوسيط" تفريعًا على الأول: أن الإصطخري قال: يكفي رسولان مع الرّقْعة، وإن الأظْهَرَ وجوبُ المشافهة، وهذا ما أوردَه في الكتاب، وهو بَيِّنٌ، إن كان القاضي يحكم بشهادة المزكين، أما إذا ولى بعضهم للحكم بالعدالة والجرح، فليكن كتابه ككتاب القاضي إلى القاضي، وليكن الرسولان كالشاهدين على كتاب القاضي.
الثالثة: لا يقبل الجرح المُطْلَق بل لا بدّ من بيان سببِهِ 146، خلافًا لأبي حنيفة.
لَنَا: أنَّ الجارح قد يُبْنَى 147 على ظَنّ خَطأ، كما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- رأيْتُ بمصر مزكيًا يجرح رجُلاً، فسُئِلَ عن سببه وأَلَحَّ عليه، فقال: رأيته يَبُول قائمًا، قيل: وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه عَلَى بدنه وثيابه، فيصلي فيه قيل: قد رأيته قد أصابه الرَّشَاش، وصلى فيه قبل أن يغتسل ما أصابه، قال: لا وأيضًا، فالمذاهب فيما يوجِبُ الفِسْق مختلفةٌ، فلا بدّ من البيان؛ ليعمل القاضي باجتهاده، ويجوز أن يقال: إذا عرف القاضي أنه لا يطلق الفسق، إلا إذا تحقق سببه، يجوز اعتماده، كما ذكرنا في الخبر عن نجاسة المَاءِ في أبواب الطهارات، وأما التَّعْدِيل، فَلا حاجة فيه إلى بيان السَّبَب؛ لأن العدالة بالتحرزُّ عن أسباب الفسق، وهي كثيرةٌ يعسر ضبْطُها وعدها، وفي "العدة" ذِكر وجهٌ ضعيفٌ أنه يجب بيانُ سبب التَّعْديل أيضًا، وهل يكفي أن يقول: هو عدل، قال في "الأُمِّ" و"المختصر": لا يقبل التعديل، حتى يقول: هو عدل عَلَيَّ وَلي فأخذ بظاهره آخذون، وعلَّلوا اشتراطه بمعنيين:
أحدهما: عن أبي إِسحاق: أن الإِنسان قَدْ يعدل على الإِطلاق، وقد يَعْدِلُ في شَيْءٍ دون شَيْءٍ، وعلى شخص دون شخص، وقوله: "هو عدل بمجرده" لا يفيد
الجزء: 12 - الصفحة: 506
العدالة المطلقة، كقولنا: "فلان صادق" فإذا ضم إليه قوله: "على ولي" فقد أشار إلى العدالة المطلقة.
والثاني: أن اشتراطه؛ ليبيِّن أنه ليس بوالد ولا ولد، فإن تزكية الوالد لولده غَيْر مقبولةٍ، كالحكم لهما، وقال آخرون، منهم الإصطخريُّ وأبو عليِّ الطبريُّ: يكفي أن يقول: هو عدل والزيادة عليه تأكيد، وهذا أقوى وأصح؛ على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، والمعنيان ضعيفان، أما الأول؛ فلأنَّ العدالة قضيةٌ عامةٌ لا يوصف بها إلا من وَاظَب على المفروضات، واجتنب المحرمات، وبتقدير أن يكون الرجل عدلًا في شيء دون شيء، وقوله: "على ولي" لا يفيد العدالة المطلقة، كقول القائل "فلانٌ صادق على ولي" فإنه لا يقتضي صدقه في كل شيء، وأما الثاني، فمن وجهين:
أحدهما: أن قبول تزكية الوالد والولد وجهان، إن قبلناها سقط الكلام، وهو الذي أجاب به أبو الحسن العَبَّادِيُّ، فلا نسلم أنَّ قوله "عدل على ولي" يفهم أنه ليس بوالد ولا ولد، وهذا لأن العَدْلَ عَدْلٌ على أبيه وابنه ولهما إلاَّ أنه لا يقبل شهادته لهما؛ لمعنى البعضية، وبتقدير أن يفهم، نفي البعضية فالمعتبر ألاَّ يكون هناك بعضية فأما أن يتعرض له مطلقًا [.....] 148، وهذا كما أن الشاهد لغيره ينبغي ألاَّ يكون أبًا له ولا ابْنًا، ولا يشترط أن يقول: لست بأَبٍ ولا ابْنٍ.
والثاني: أنه، لو كان الغرضُ بيانَ أنَّه ليس بأبٍ ولا ابْنٍ، فهذا الغرضُ يحْصُل بقوله: هو عدْلٌ على ولي، فإنَّ من تُقْبَل شهادته له، لا يكون أبًا ولا ابنًا، فليخرج قوله عليه مما يؤيد الوجه الثاني: أن القاضِيَ ابن كج نقل عن جماعة من الأصحاب أنهم جعلوا قول المزكِّي هو عدلَّ مرضيٌّ أو رضيٌّ أو مقبول الشهادة وافيًا مغنيًا عن قوله: "على ولي"، وحكَوْه عن نصه في حرملة، ومعلوم أن هذه الزيادات لا تشتمل على معنى "علي ولي" فدل على أن ذكره جرى تأكيدًا، ثم حكَى هذا القاضي؛ تفريعًا على اعتبار كلمتي "على ولي" وجهين؛ أن اعتبارهما مخصوصٌ باختيار المَسْؤولين أصحاب المسائل، أو شامل لأخبارهم إياهم ولأخبار أصحاب المسائل القاضي ولا فقه في الفرق ولا يحصل التعديلُ بقوله: لا أعلم منه إلا خيرًا؛ لأنه قد لا يعرف منه إلا الإِسلام، ويقول: لا أعلم منه ما يوجب رَدَّ الشهادة؛ لأنه قد لا يعرف ما يوجب القَبُولَ أيضًا، والله أعلم، ولا يخفى بعد ما ذكرنا المواضع المستحقة للعلامات من لفظ الكتاب، وأن قوله "ولا يعتمد في الجرح إلا العيان" غَيْر معمول بإطلاقه.
وقوله في الكتاب: "فيقول: أشهد أنه عدل مقبول الشهادة" ينبغي أن يعرف فيه شيئان:
الجزء: 12 - الصفحة: 507
أحدهما: أن الوصف بأنّه مقبول الشهادة يجب أن يغني عن الوصف بالعدالة.
والثاني: أن في هذا الكلام إشعارًا بأن المزكي يتوظَّف عليه بيانُ أن شهادته مقبولةٌ في الحادثة، ويوافقه قولُنا من قبل: إن القاضي يكتب اسم المشهود عليه، فقد يكون بينه وبين الشاهد عداوةٌ واسم المشهود له فقد يكون بينهما ولادةٌ، وعلى هذا، فالمزكي كما يحتاج إلى البحث عن العدالة، إذا لم يعرف بنفسه يحتاج إلى البحث عن المروة، وعن التيقظ ولكن يشبه أن يقال: إن الحال يختلف بحسب سُؤَال القاضي، إن سأل عن قبول شهادته في الحادثة تَعَرَّض المزكي للقَبُول واحتاج إلى الأبحاث المذكورة، إذا لم يعرف، وإنه سأل عن عدالته، كفاه التعرض لها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإنِ ارْتَابَ القَاضِي بَعْدَ التَّزْكِيَةِ لِتَوَهُّمِ غَلَطِ الشَّاهِدِ فَلْيَبْحَثْ وَلْيَسْأَلْ عَنِ التَّفْصِيل فَرُبَّمَا يَخْتَلِفُ كَلاَمُ الشَّاهِدِ، فَإنْ أَصَرَّ عَلَى إِعَادَةِ الكَلاَمِ الأَوَّلِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى القَاضِي الحُكْمُ بَعْدَ البَحْثِ وَإِنْ بَقِيَتِ الرِّيبَةُ، وَبَيِّنَةُ الجَرْحِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ، وَقَوْلُ الوَاحِدِ فِي الجَرْحِ لا يُقابِلُ بَيِّنَةَ التَّعْدِيلِ، وَلا يَجُوزُ الجَرْحُ والتَّعْدِيلُ بِالتَّسْامُعِ، وَإِنْ شَهِدَ مَرَّةً أُخْرَى رَجَعَ المُزَكِّي ثَانِيًا إِنْ طَالَ الزَّمَانُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه فروع:
أحدها: إذا ارتاب القاضي بالشهود أو توهَّم غلطهم؛ لخفة عقل وجدها فيهم، فينبغي أن يفرقهم، ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عَنْ وَقْتِ تحمُّل الشهادة عامًّا وشهرًا ويومًا وغدوةً وعشيةً، وعن مكانًا ومحله، وسكةً ودارًا وصفةً أو صحنًا، ويسأل أنه تحمل وحده أو كان هناك غيره وأنه كتب شهادته أم لا، وكتب قبل ما كتب فلان أو بعده، وكتبوا بحبر أو بمداد وما أشبه ذلك؛ ليستدل على صدقهم، إن اتفقت كلمتهم، ويقف على عوره، وإن لم يتفق، ويقال: إنَّ أوَّل من فرَّق الشهود دانيال النبيُّ -عليه السلام - شهد عنْدَه شهودٌ بالزنا على امرأَةٍ، ففرقهم وسألهم، فقال، أحدهم: زنتْ بشابٍّ تحت شجرة كُمَّثْرَى، وقال آخر: تحت شجرة تُفَّاحٍ، فعرف كذبهم 149، وإِذا أجاب بعْضَهم عما سأل، لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم أيضًا كيلا يخبرهم الأول بجوابه، ومهما اتفقوا في الجواب، أو لم يتعرَّض للتفصيل، ورأى أن يعظهم ويحذرهم عقوبةَ
الجزء: 12 - الصفحة: 508
شهادةِ الزُّور، فَعَل، فإن أصروا وجب القضاء، إذا تحقق شروطه، ولا عبرة بما يبقى من ريبة، وإن لم يجد فيهم خفَّة عَقْلٍ ومخيلة نَقْصٍ، فالمنصوصُ والمشهورُ أنَّه لا يفرقهم؛ لأن فيه غضًّا منهم، وذكر القاضي الرويانيّ في "جمع الجوامع" أنه يفرقهم أيضًا، ليقف على عورة إن كانت، وقال في "التهذيب": إن فرقهم بمسألة الخصم، فلا بأس، فإن قلت: متى يفرقهم القاضي قبل التزكية أو بعدها؟ وهذا التفريق والاستفصال واجبٌ أو مستحبٌّ؟ قلنا: أما الأوَّلُ فإنَّ صاحبَ الكتاب أمر بالبحث والاستفصال بعد التزكية، والذي ذكره أصحابنا العراقيُّون وغيرهم أنَّه يقدم التفريق والاستفصال على الاستِزْكاء، وهو الوجه، فإِنه إن طلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبَحثْ عن حالهم، وإن لم يطلع، فإن عرفهم بالعدالة، قضى، وإن لم يعرفْهم، فحينئذٍ يستزكي.
وأما الثاني: فإن الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" حكما بالوجوب، وقالا: لو ترك الاستفصال، وقضى مع الارتياب، لم ينفذ قضاؤه، وعامة الأصحاب، ومنْهم القاضي ابن كج وصاحبُ "التَّهذيب" -رحمهم الله- اقتصروا على الاسْتِحْباب، وهو الموافِقُ بِـ"المختصر"، وربما أورد بعضهم الفرق بين أن يسأل الخَصْم التفريق، فيجب؛ لأنه قد يعرف منْهم ما لا يعرفه القاضي، أو لا يسأل، فلا يجب.
الثاني: تقدم بينة الجرح على بينة التعديل؛ لأن عند الجارح زيادةً على ما خفي على المُعَدِّل؛ وذلك لأن المُعَدِّل يبنى عَلَى ما هو الأصل الظاهر من حال المسلم، والجارحُ اطَّلَع على ما نسخ ذلك الأصل، فنقل عنه، وشبه ذلك بما لو قامت بينة علَى الحق، وبيِّنةٌ على الإبراء، ولو انعكست القضية بأن قال المعدِّلُ: قد عرفت السبب الذي ذكره الجارح، لكنه قد تاب، وحسنت حالته، فتقدم بينة التعديل؛ لأن مع المعدِّل، والصورة هذه، زيادة عُلِم، كذلك ذكره جماعةٌ منهم صاحب "الشامل" وقول الواحدِ في الجَرح لا يقابل بينة التعديل فضلاً عن التقدُّم؛ لأنَّ نصاب الجرح لم يَتِمَّ.
الثالث: إِذا عدل الشاهد، ثم شهد في واقعة أخْرَى، نُظِرَ، إن لم يطل الزمانُ، يحكم بشهادته، ولا يطلب تعديله ثانيًا، وإن طال فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن عدالته قد ثبتَتْ من قبل، والأصل استمرارها.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكِتَابِ، وبه قال: أبو إِسحاق: يطلب تعديله ثانيًا، لأن طول الزمان يغيِّرُ الأحوال، ويجتهد الحاكم في طول المدة وقصرها 150.
الجزء: 12 - الصفحة: 509
وأمَّا قوله في الكتاب "ولا يجوز الجرح والتعديل بالتسامُعِ" فيه توقف، أما طرف الجرح، فقد ذكر الإِمام -قدس الله روحه الجواب- كما ذكره، لكنَّا بيَّنَّا من قبلُ أن جماعة من الأصحاب جوَّزوا الجرح بالاستفاضةِ، والتسامُعُ والاستفاضةُ متقاربان إلا أن يقال: المراد من التسامع مُطْلَقُ بلوغِهِ سماعًا، وذلك غيْرُ كافٍ، فإِنه لو سمع شخْصَيْن أو عددًا يسيرًا، لم يجز الجرح بالاتفاق، والاستفاضة تُحْصُل بعدَدٍ وافرٍ، فلا يختلف النقلان، وأما في طرف التعدِيل، فقد مرَّ أنه يعتبر في المعدِّل الخبرة الباطنة، فيوافقه القول بأنّه لا يجوز التعديل بالتسامع، ولكن المخبرين الذين تحصل بهم الاستفاضة، لَوْ كانوا خبيرين بباطنِ حَالِه، وسمع منهم عدالَتَه، فلا يبعد أن يجوز له التعديل، وتقام خبرتهم مقام خبرته، كما أقيم في الجرح رؤيتهم مقام رؤيته، والله أعلم.
شهادةُ المسافِرِينَ والمجتازينِ منَ القوافِلِ كشهادة غَيْرِهِمْ في الحاجة إِلى التعديل، فإِن حصل التعديل مِنْ مزكين في البلد أو عدل مزكيان اثنين من رُفَقَاء القافِلَة، ثم هما عَدَّلاَ الشاهدين، قُبِلَت الشهادة، وإلاَّ، فلا، وعن مالك: أن شهادتهم مقبولة عند توهُّم الخير والصلاح فيهم، وذكر ابن القاصِّ: أن القاضي، لَوْ سأل عن عدالة الشهود بَعْدَ ما خرج عن محلِّ ولايته فعدلوا، يجوز أن يقضي بشهادتهم بَعْد العود إِلى محل ولايته (1)، إِذا جوَّزنا له أنْ يقضي بعلْمِ نفْسِه، ولم يرتضه أبو عاصمٍ العبَّادِيُّ وآخرون، وقالوا: القياسُ منْعُه، كما لو سمع البينة خارجَ ولايته.
ويقبل شهادة الحسبة على العدالة والفسق؛ لأن البحث عن حال الشُّهود في امتناع الحُكْم بشهادة الفاسق لحقِّ الله تعالَى، ذَكَرَهُ القاضي أبو سعدٍ الهرويُّ، ولو عُدِّلَ الشاهد والقاضي مُتَحقِّق فسقه بالتسامع، قال الإِمام: الذي يجب القطعُ به أنه يتوقَّف ولا يقضي، والله أعلم.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهُوَ نافِذٌ (ح و) وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِأَرْكانٍ الرُّكْنُ الأوَّلُ: الدَّعْوَى: وَلْيَكُنْ مَعْلومًا أَعْنِي جِنْسَ المَالِ وَقَدْرَهُ، وَصَرِيحًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي مُطالِبٌ؛ به، وَلا يَكْفِي151 = للمشقة، ثم قال أعني صاحب الخادم قضيته أي كلام الرافعي تكرر هذه الأمور في كل واقعة وفيه مشقة وتعذر وقال في البحر إذا أعاد البحث مرارًا واستقرت عدالته فإن تجددت منه استرابة أعاد البحث والكشف، وإن لم يتجدد لم تعد وهذا هو المختار.
الجزء: 12 - الصفحة: 510
قَوْلُهُ: لِيَ عَلَيْهِ كَذَا، وَلْيَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ، وَيدَّعِي جُحُودَ الغَائِبِ، وَإِنْ أقرّ بَأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ لَمْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُ لِجُحُودِهِ فَوَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيّ: القضاء على الغائب جائزٌ في الجملة، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- واحْتَجَّ الأصحاب له بما رُوِيَ أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِهِنْدَ: "خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرِوفِ" 152 وكان ذَلِكَ قضاءً منه على زَوْجِهَا أَبِي سفيان، وهو غائب، وبأن عمر بن الخطاب قال في خطبته في قضية الأسيفع: "مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا غَدًا فَإنَّا بائعو مَالِهِ وَقَاسِمُوهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ" 153 وكان ذلك الرجل غائبًا، وبأن البينة مسموعة بالاتفاق على الغائب، فليجر الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وبأن الحكم على الميِّت والصغير جائزٌ، والموت والصغر أعظم من العفْوِ عن الدفع من الغيبة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز القضاء على الغائِبِ إِلاَّ إِذَا كان للدَّعْوَى اتصال بحاضر بأن قال: لي على فلانٍ الغائب كذا وفلان كفيله أو شريكه أو أحالني على هذا الحاضر أو باع من هذا الحاضر كذا، وأَنا شفيعٌ مطالِبٌ أو ادعت الزوجة النفقةَ عَلَى زوجها الغائِبِ في أن له على هذا كذا وفي يد هذا كذا أو ادعى إتلاف مال عَلَى جماعةٍ أحدُهم حاضرٌ، والباقون غُيَّبٌ؛، وعن صاحب "التقريب": أن حرملة روى في المسألة قولاً كمذهب أبي حنيفة، والمذهبُ المشهورُ ما سبق، إِذا عرف ذلك، فالكلام في القضاء عَلَى الغائب يتعلَّق بأطراف، كل واحد منْهُما ركن، فمسائِلُ الباب:
أحدها: الدعْوَى، ويشترط في الدعْوَى على الغائب ما يشترط في الدعْوَى عَلَى الحاضِرِينَ من بيان جنْس المدعي وقدره وصفته، وقوله: إني مطالِبٌ بالمال، ولا يكفي الاقتِصار عَلَى قوله: "لي عليه كذا" على ما سيأتي ذلك بشرحه في باب الدعْوَى، وينبغي أن يكون على المدعَى عليه بيِّنَة، وإلا فلا فائدة للدعوى عَلَى الغائب، وأن يدعي جُحُود الغائب، فإن قال: هو مقر، لم تسمع بينته ولغت دعواه، وإن لم يتعرَّضْ لجحوده ولا إِقراره، فوجهان: ميل الإِمام منهما إلى أن بينته تسمع؛ لأنه قد لا يعلم جحُودَهُ في غيبته، ويحتاج إِلى إِثبات الحق، فليجعل غيبته كسكوته.
والثاني: لا تسمع إلا عنْدَ التعرّض للجُحُود؛ لأن البينة إِنما يحتاج إِلَيْها عنْد الجحود، فعلى هذا يشترط أن يَقُول: هو جاحد، وعلى الأول الشَّرْط أَلاَّ يقول: هو مقر، ورأيت فيما جمع من فتاوى القَفَّال 154 أن هذا كله فيما إذا أراد إِقامة البينة عَلَى ما
الجزء: 12 - الصفحة: 511
يدعيه؛ ليكتب القاضي به إِلى حاكمِ بلَدٍ الغائب، فأما إِذا كان للغائب مالٌ حاضرٌ، وأراد إِقامة البينة على دينه؛ ليوفيه القاضي، فإِن القاضي يسمع بينته، ويوفيه، سواءٌ قال: هو مقرٌّ أو جاحدٌ أو قال: لا أدري، أهو مقرٌّ أو جاحد؟ وهل على القاضي سماع الدعوى على الغائب أن ينصب مُسَخَّرًا يُنْكر على الغائب؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لتكون البينة على إِنْكَار منكر.
وأصحهما: عَلَى ما ذكره في "التهذيب" لا لأن الغائب قَدْ يكون مقرًّا، فيكون إِنكار المسخر كذبًا، وقضية هذا التوجيه ألا يجوز نصْبُ المسخَّر، لكن الذي ذكره أبو الحسن العبَّاديُّ وغيره أن القاضي مخيَّر إِن شاء نَصَب عنْه، وإن شاء لَمْ ينصب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: المُدَّعِي: وَيُحَلِّفُهُ القَاضِيَ بَعْدَ البَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الإبْرَاءِ والاسْتِيفاءِ والاعْتِيَاضِ، وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وإِنْ كَانَ الدَّعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَو مَيِّتٍ وَجَبَ وَجْهًا واحِدًا، وَلا يَجِبُ التَّعَرُضُ فِي اليَمِينِ لِصِدْقِ الشُّهُودِ، وَإِن ادَّعَى وَكِيلُهُ عَلَى الغَائِبِ فَلاَ يُمْكِنُ اليَمِينُ وَيُسَلَّمُ الحَقَّ، بَلْ لَوْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْه الحَاضِرُ لِوَكِيلِ المُدَّعِي: أَبْرَأَني مُوَكِّلُكَ الغَائِبُ لَمْ يَنْفَعْهُ بَلْ يُسَلِّمُ المَالَ ثُمَّ يُثْبِتُ الإِبْرَاء.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يعتبر في الدَعْوَى على الغائب ما يعتبر في الدعوى على الحاضر وزيادة، وهي أن يحلف مع البينة، واعلم أنَّه لو ألحق التحليف برُكْنِ الدعوى، وأقام البينة بركْنِ المدَّعي، فقيل: يعتبر التحليفُ في الدعْوَى على الغائب، وللمدعي على الغائب لا بُدَّ له من البينة على عكسِ ما في الكتاب، لجاز، وليس في هذا ترتيبٌ محقَّقٌ، ثم في التحليف ثلاثُ مسائل:
إحداها: في وقت التحليف وكيفيته، فحلف القاضي المدَّعي على الغائب بعْد قيام البينة وتعديلها بأنه ما أبراه عن الدين الذي يَدَّعِيه، ولا عن شيء منْه ولا اعتاض وَلاَ استوفَى، ولا أحال عليه، ولا أحد من جهته، بل هو ثابتٌ في ذمَّة المدَّعَى عليه، يلزمه توفيته، ويجوز أن يقتصر، فيحلفه على ثبوت المال في ذمته، ووجوب التسليم وإنما يحلف مع البينة؛ لأن المدَّعَى عليه، لو كان حاضرًا، لكان له أن يدعي شيئًا من الجهات المذكورة، فيحلفه، فينبغي للقاضي أن يحتاط له، وكذلك يحلف مع البينة، إِذا كانت الدعوى عَلَى صَبِيٍّ أو مجنونٍ أَوْ مَيِّتٍ، ليس له وارثٌ خاصٌّ، وإِن كان، فيحْلِف بمثله الوارث.
= جمع له فتاوى أخرى ثم ساق الذي رآه ولم يكن فيه شيء من الذي نقله عن الرافعي ولعل النسخ مختلفة وما نقل عن القفال فقهه ظاهر جلي.
قاله البكري.
الجزء: 12 - الصفحة: 512
ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب "ويحلفه القاضي" بالألف والزَّاي والواو؛ لأن أشْهَر الروايتَيْن عن أحمد أنه لا يحلفه، ويكتفي بالبينة.
وحكى القاضي ابن كج عن المزَنِيِّ مثله، وذكر الشيخ أبو عاصم أن أبا الحُسَيْنِ ابْنَ القطَّان روى عن أبِي الحُسَيْن الطرسوسي من أصحابنا أنَّ للشافعيِّ -رضي الله عنه- قولاً مثله، ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد؛ لأن البينة هاهنا كاملة، وفيه وجه أنه يشترط.
الثانية: هذا التحليف واجبٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، ويقال قولان:
أظهرهما: الوجوب.
والثاني: أنَّه يستحب لأرباب التدارك، إن كان هناك دافعٌ غير منحسم، والوجوب في الصبيِّ والمجنونِ والميِّتِ أَوْلَى لعَجْزِهم عن التدارك، لكن الخلاف مطَّرد، وكذلك حكاه أبو الحَسَنِ العبّادِيُّ وجماعة، وبنى على هذا الخلافِ ما لو أقام قَيِّمُ الطِّفْل البيِّنَةَ على قيم طفل، فإن قلْنا: يوجب التحليف، فينظر إلى أن يبلغ المدعي له، فيحلف، وإن قلنا: بالاستحباب، فيقضي بها 155 ونقل صاحب الكتاب القَطْع بالوجوب في
الجزء: 12 - الصفحة: 513
الدعْوَى على الصبيِّ والمجْنُون والميِّت، فحصَلَتْ طريقتان.
الثالثة: لو لم يَدَّعِ بنفسه ولكن ادَّعَى وكيله علَى الغائب، فلا يحلف، ويوفر الحق، إن كان المدعَى عليه هناك 156 قال: ولو كان المدعَى عليه حاضرًا، وقال للمدَّعِي بالوكالة بَعْد ما أقام البينة: أَبْرَأَنِي موكِّلُكَ الغائبُ، وأراد التأخير إِلى أن يحضر الموِّكل، فيحلف، لم يمكَّن منه، بل عليه تسليم الحقِّ، ثم يثبت الإِبراء من بعْدِ أن كانت له حجَّةٌ، ويقال: إِن المسألة وقعتْ بمرو، وتوقَّف فيها فقهاءُ الفريقَيْن، ثم أفتى القفَّال بما ذكرناه، ووجدت في تعليق الشيخ أبي حامد مثل هذا الجواب في "كتاب الوكالة" والسبب فيه أنا، لو وقَفْنَا الأمر إِلى أن يحضر الموكل لا تجر الأمر إِلى أن يتعذَّر استيفاء الحقوق بالوكلاء، وكذا لو ادعى قَيِّم الصبيِّ دَيْنًا للصبيِّ، فقال المدعَى عليه: إِنه أتلف علَيَّ مِنْ جنس ما يدَّعِيه ما هو قضاءٌ لدَيْنِه، لم ينفعه بل عليه أداء ما أثبته القيِّم، فإذا بلغ الصبيُّ حلَّفه، ولو أن المدعي عليه قال في مسألة الوكيل: أبرأني موكِّلك الغائبُ، فاحْلِفْ أنت أنك لا تعلم ذلك، قال الشيخ أبو حامد: عليه أن يحلف على نعَي العلْم، ومن الأصحاب من يخالفه فيه، ولا يحلف الوكيل، ولك أن تقُولَ: قضية ما ذكره الشيخ أن يُحْلِف القاضي وكيلَ المدَّعى الغائب على نفْي العلم بالإِبراء وسائر الأسباب المسقطة نيابةً عن المدعى عليه فيما يُنْكر منه، لو حضر كَمَا ناب عنه في تحليف مَنْ يدعي بنفسه.
فَرْعٌ: يجوز القضاء على الغائِبِ بشاهدٍ ويمينٍ، كما يجوز على الحاضِرِ، ويكفي يمين واحدةٌ أم لا بدّ من يمينين؛ أحدهما لتكميل الحجة، والأخرَى لنفي المُسْقِطات؟ فيه وجهان:
أشبههما: الثاني.
آخر: تعلَّقَ بإِنسانِ، وقالَ: أنت وكيلُ فلانٍ الغائب، ولي عليه كذا، وادعى عليك وأقيم البينة في وجهك، فإن علم أنه وكيلٌ، وأراد أَلاَّ يخاصم، فليعزل نفسه، وإن لم يعلم، فينبغي أن يقول؛ لا أعلم أنِّي وكيلٌ، ولا يقول لست بوكيل، فيكون مكذبًا لبينة عساها تقوم على الوكالة، وهل للمدَّعِي إِقامةُ البيَّنة على وكالة مَنْ تعلَّق به؟ فيه وجهان، ظاهر كلام أبي عاصم العبَّادِيِّ: نعم؛ لأن له فيها فائدةً، وهي أن يستغني عني ضم اليمين إِلى البينة، وأن يكون القضاء مجْمعًا عليه، والأظهر الجمع؛ لأن الوكالة حقُّه، فكيف تقام البيِّنة عليها قبل دعواه.
= ولم يعترف وقوله قدر دينه أي الذي ثبت بالبينة والشيخ البلقيني مع جلالة قدره جرى على ذلك.
قاله البكري.
الجزء: 12 - الصفحة: 514
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: إِنْهَاءِ الحُكْمِ إِلَى القَاضِي الآخَرِ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْهَدُ شَاهِدَانِ عَلَى تَفْصِيلِ حُكْمِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخُتُومٍ، والاعْتِمادُ عَلَى الشَّهادَةِ فَلَوْ شَهَدَ بِخِلاَفِ مَا فِي الكِتَابِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ القَاضي: أَشْهَدتَّكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الكِتابِ خَطِّي لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ: مَا فِي الكِتَابِ حُكْمِي فالأَظْهَرُ أنَّهُ لا يَكْفِي مَا لَمْ يُفَصِّلْ لَهُمَا مَا حَكَمَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: أَشْهَدَتُّكَ عَلَى مَا فِي القَبَالَةِ وَأَنَا عَالِمٌ فالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي حَتَّى إِذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ القَبَالَةَ أَوْ مَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إِقْرارِهِ جَازَ إِذِ الإِقْرارُ بَالمَجْهُولِ صَحِيحٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القاضي بعْدَ سَماَعِ الدعْوَى والبيِّنة على الغائب تارَةً يقتصر علَيْهِ، وينهي الحال إِلى قاضي بلَدِ الغائب؛ ليحكم ويستوْفِي 157 وتارة يحلف كما مر، ويحكم، وعلى التقدير الثاني، فقد يكون للغائب مالٌ حاضرٌ، يمكن توفير الحق منه، فيوفر، وقد لا يكون كذلك، فيسأل المدعي القاضي إِنهاء الحكم إِلى قاضي بلَدِ الغائب، فيجيبهِ إليه، وللإِنهاء طريقان:
أحدهما: أن يشهد على حكمه عدلَيْن يخرجانِ إِلى ذلك البلد، والأولى أن يكتب بذلك كتابًا أولاً ثم يشهد، أما الكتاب، فصورته: حضر عافَانا الله وإِياك فلانٌ، وادَّعَى على فلانٍ الغائب المقيم ببلدِكَ كذا وكذا، وأقام عليه شاهدَيْنِ، وهما فلانٌ وفلانٌ، وقد عُدِّلاَ عندي، وحَلَّفتُ المدَّعِيَ، وحكمت له بالمال، فسألني أن أكتب إِليك في ذلك، فأجبته إِليه، وأشهدتُّ عليه فلانًا وفلانًا ولا يشترط تسمية الشاهدَيْنِ على الحكم، ولا ذكر أصل الإِشهاد ولا النص عَلَى أسامي شهود الحق، بل يكفي أنَ يكتب: شَهِدَ عنْدِي شهودٌ عدولٌ، ويجوز أَلاَّ يصفهم بالعدالة، فيكون الحكم بشهادتهم تعديلاً لهم ذكره في "العدَّة" ويجوز ألا يتعرض لأصل شهادة شهودٍ، فيكتب: حكمت بكذا بحجَّة أوجبت الحكم؛ لأنه قد يحكم بشاهدٍ ويمينٍ، وقد يحكم بعلمه، إِذا جوَّزْنا القضاء بالعِلْم، وهذه حيلةٌ يدفع بها القاضي قَدْحَ أصحاب الرأي، إذا حكم بشاهدٍ ويمينٍ وفي فحوى كلام الأصحاب وجْهٌ مانع من إبهام الحجَّة؛ لما فيه من سدِّ باب الطعن والقدح على
الجزء: 12 - الصفحة: 515
الخَصْم، ويُستحبُّ للقاضي أن يختم الكتاب، ويدفع إلى الشاهدَيْنِ بنسخةٍ غَيْرِ مختومة ليطالعاها، ويتذكرا عند الحاجة، وأن يذكر في الكتاب نَقْش خاتمه الذي يريد الخَتْم به، وأن يثبت اسْمَ نفسه واسْم المكتوب إِليه في باطن الكتاب، وفي العنوان أيضًا، وعن أبي حنيفة أنه يشترط ختم الكتاب، وإِثبات الاسمين في الباطن، وأما الإشهاد، فإن أشهدهما عَلَى أنه حكم بكذا ولا كتاب شهدا به، وقبلت شهادتهما، وإِن أنشأ الحكم بَيْنَ يديهما، فلهما أن يشهدا، وإِن لم يشهدهما، وإِن كتب، ثم أشهد، فينبغي أن يقرأ الكتاب أو يقرأ بيْن يديْه علَيْهِما، ويقول لهما: اشْهدا علَيَّ بما فيه أو علَيَّ بحكمي المبيَّن فيه، وفي "الشامل": أنَّه لو اقتصَرَ عَلَى قوله بعد القراءة "هذا كتابِي إِلَى فلانٍ" أجزأ 158، وحكى القاضي ابن كج وجْهًا: أنه يكفي مجرَّد القراءة عليها، والأحوط أن ينظر الشاهدان في الكتاب وقْتَ القراءة عليهما، ولو لم يقرأ الكتاب عليهما، ولم يعلما ما فيه، وقال القاضي: أشهدتكما عَلَى أن هذا كتابي، وما فيه خطى، لم يكف، ولم يكن لهما أن يشهدا عَلَى حكمه، فإن الشيء، قد يكتب من غير قصد تحقيقه تحقيقه، وعن أبي حنيفة: أنه، إِذا وقع الكتاب إِليهما مختومًا، وقال: هذا كتابي، وكفى، ولو قال: أشهدكما، عَلَى أن ما فيه حُكْمِي أو على إنِّي قضيتُ بمضمونه، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يكفي ما لم يُفَصِّل لهما ما حَكَم به.
والثاني: وبه قال الإصطخريُّ: يكفي لإِمكان معرفة التفصيل بالرجوع إِليه، ويجري الخلاف فيما لو قَالَ المِقرُّ أشهدتك علىَ ما في هذه القبالةِ، وأنا عالم به، لكنَّ الصحيح عند صاحب الكتاب في الإِقرار أنَّه يكْفِي حتَّى لو سَلَّم القبالة إِلى الشاهد، وحفظها الشاهد، وأمن التحريف، جاز له أن يشهد على إِقراره، وفَرَّق بينهما بأنه مقر على نفسه، والإقرار بالمجهول صحيحٌ، وأما القاضي، فإنه مخبر عن نفسه بما يرجع ضرره إلَى الغَيْر، فالاحتياط فيه أَهَمُّ، والذي أجاب به الصَّيْمَرِيُّ في "مختصرٍ" جمعه في أحكام الشهادات: أنه لا يكفي ذلك في الإِقرار أيضًا، حتى يقرأه، ويحيط بما فيه، وذكر أنَّه مذهب الشافعيِّ، وأبي حنيفة -رحمهما الله- ويشبه أن يكُونَ هذا الخلافُ في أنَّ الشاهد، هَلْ يشْهدُ على أنَّه أقر بمضمون القَبَالَةِ، على التفصيل، وأما الشهادة على أنَّه أقرَّ بما في هذا الكتاب مبهمًا، فما ينبغي أن يكون فيه خلافٌ كسائر الأقارير المبهمة، وسواءٌ شهد هكذا أو هكذا، فإِنما يشهد، إِذا كان الكتابُ محفوظًا عنده، وأمن التصرّف فيه، ثم هاهنا مسألتان:
أحدهما: أن التعويل على شهادة الشهود، والمقصودُ من الكتاب التذكر، ومن
الجزء: 12 - الصفحة: 516
الختم الاحتياط وإِكرام المكتوب إِليه، فلو ضاع الكتاب أو انمحى أو انكسر الختم، وشهدا بمضمونه المضبوط عنْدهما، قبلت الشهادة، وقضى بها، فلو شهدا بخلاف ما في الكتاب عمل بشهادتهما، وعن أبي حنيفة: أن الشهادة لا تقبل إِلا على الكتاب، ولا يكفي الكتاب المجرد؛ لما سبق أنه لا اعتماد على الخطِّ، وعن مالك: أن المكتوب إِليه، إذا وثق بالخطِّ والختم قبله، وفي "المهذَّب" وجه مثله عن الإِصطخريِّ.
والثانية: لا بدّ من إِشهاد رجلَيْن عدلَيْن، فلا يقبل في الباب شهادةُ رجُلٍ وامرأتين، خلافًا لأبي حنيفة، وحكى القاضي ابن كج وجهًا للأصحاب مثله، إذا تعلَّقت الحكومة بمالٍ، وذكر أنه لو كان كتاب القاضي رؤية هلال رمضان، كفى شهادة واحدٍ على قَوْلنا: إِنه يثبت الهلال بشهادة واحد إجراء للكتاب مُجْرَى المكتوب فيه، وإِنه لو كتب في الزنا، وجوَّزنا كتاب القاضي إِلى القاضي في العقوبات، فيثبت بشهادة رجلَيْن أم لا بدّ من أربعةٍ؟ فيه وجهان كالقولَيْن من الإِقرار بالزِّنَا، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ لِلشَّاهِدِ عَلَى الحَكْمِ أنْ يَشْهَدَ عِنْدَ المَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنَّ لَمْ يَكْتُبِ (ح) القَاضِي فِي كِتَابِهِ أنَّهُ إِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، وَكَذَلِكَ يَشْهَدُ (ح) وإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ والمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، وَلْيَكُنْ عَدَالَةُ شُهُودِ الكِتَابِ وَخَتمُهُ ظَاهِرَةً عِنْدَ المَكْتُوب إِلَيْهِ، وَلاَ يَكْفِي تَعْدِيلُهُما فِي ذَلِكَ الكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ إِلَيْهِ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِما.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كتابُ القاضِي وحامِلِهِ، إِذا انتهيا إلَى قاضي البلد الآخر، فيحضر الخصم فإن أقر بالمدعي استوفاه، وإلا، شهد الشاهدان أنَّ هذا كتاب القاضي فلان وختمه، حَكَمَ فيه لفلانٍ بكذا عَلَى هذا، وقرأه علينا وأشهدنا به، ولو لم يقولوا: أشهدنا، جاز، وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، ولا يجوز ألا يتعرضا لحكمه، ويقتصر على ذكر الكتاب والختم، خلافًا لأبي حنيفة، ثم في "التهذيب" و"الرقم": أن القاضي إِنما نقض الختْمَ بعْد شهادة الشُّهود، وتعدليهم وذَكَر القاضي أبو سعد الهرويُّ أنه يفتح القاضي الكتابَ أوَّلاً، ثم يشهد الشُّهود، ويوافق هذا قوْلَ كثير من الأصحاب أن الشهود يقرؤون الكتاب، ثم يَشْهَدُونَ، لِيَقِفُوا عَلَى ما فيه وَيعْرِفوا أنه عَرَفَ ما فيه، وليس هذا خلافًا في الجواز، وكيف، وقد عَرَفْتَ أن الختم من أصْلِهِ لا اعتبار به، وكما يقبل الشهادة على ما لا ختم عليه يقبل على المفضوض الخَتْم، فضه القاضي أو غيره، وإِنَّما الكلام في الأدب والاحتياط.
ويحسن أن يقال: إن كان ما في الكتاب مضبوطًا لهم فالأوْلَى أَلاَّ يفض حتى يتم الشهادة والتعديل، وإلاَّ احتاجوا إلى مطالعة وتذكر، فيشهدون على الكتاب والختم، ثم يفض فيقرأ عليهم، ثم يشهدون عَلَى حكمه بما فيه، وقد ذكر ابن القاصِّ في أدب القاضي قريبًا من هذا، إذا عرف ذلك ففي الفصْل مسألتان:
الجزء: 12 - الصفحة: 517
إِحداهما: يجوز أن يكتب إلى قاضٍ معينٍ، ويجوز أن يطلق، فيكتب إِلى كلِّ من يصل إِليه من قضاة المسلمين، وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز الإِطلاق الكليُّ، وللقاضي أبي سعد الهرويِّ حكايةٌ مبنيةٌ عَلَى ذلك، قال: تحمَّلْتُ شهادةٌ مع الشيْخ أبي سَعْدٍ المتولِّي على كتاب حكمي من قاضي هذا إِلى مجلس القاضي الحُسَيْن، وكانت الشهادة على الخَتْم، والعنوان إِلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين، فرد القاضي الكتاب، وقال الشهادة على الختم دون مضمون الكَتاب غير مقبولة عنْد الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- والعُنْوَان من غير تعيْين المكتوب إلَيْه غيرُ جائزٍ عند أبي حنيفة، فلا أقبل كتابًا اجتمع الإمامان -رضي الله عنهما- عَلَى ردِّه، كما أن من احتجم ومسَّ ذكَرَه، وصلى لا تصح صلاته على المذهبين، وإذا كان الكتابُ إلى معيَّن، فشهد شاهدان بالحكم عنْد حاكم آخر، فإنه يقبل شهادتهما، ويمضيه، وإن لم يكتب إِليه، وإلى كلِّ من يصل إِلَيْه من القضاة؛ اعتمادًا على الشهادة، وعن أبي حنيفة، لا يقبل غير المعيَّن شهادتهما إِذا لم تكتب، وإلى كل من يصل إِليه، ويجري هذا الخلاف فيما إِذا مات الكاتب، وشهد الشاهدان عَلَى حكمه عند المكتوب إِليه أو مات المكتوب إليه، وشهد عند من قام مقامه، فعند أبي حنيفة لا يقبل شهادتهما، ولا يعمل بالكتاب، وعندنا يقبل شهادتهما، ويمضي الحكم، وأما إذا كان الكتابُ بالحكم المُبْرَم، فكما لو قامت البيِّنة على حكم القاضي بعْد موته، وأما إِذا كان مقبول الشهادة، فلأنه مشبه بالشهادة على الشهادة، وشهادة الفرع بعد موت الأصل مقبولةٌ، والعَزْل والجُنُون والعمَى والخَرَسُ كالمَوْت، ولو كتب القاضي إِلى خليفته، ثم مات القاضي أو عزل تعذر علَى الخليفةِ القبولُ والإمضاءُ، إِن قلنا: إِنه ينعزل بانعزال الأصل، ولو ارتد الكاتب أو فسق، ثم وصل الكتابُ إِلى المكتوب إِليه، فجواب ابن القاصِّ، وبه أخذ صاحبا "المهذَّب" و"التهذيب" وآخرون: أن الكتاب، إذا كان بالحكم المبرم أمضى، ولم يَرُدَّ؛ لأن الفِسْقَ الحادث لا يؤثر في الحكم السابق، وإن كان بسماع الشهادة، فلا يَقْبَل، ولا يحكم به، كما لو فسق الشاهد قَبْل أن يحكم بشهادته وأطلق القاضي ابن كج القَوْلَ بأنه لا يقبل كتابه، إِذا حدث الفسْقُ من غير فَرْق بين كتابٍ وكتابٍ، وفرق بينه وبين الموت بأن ظهور الفسق يشعر بالحنث، وقيام الفسق يوم الحكم، وهذا قضية إِيراد الشيخ أبي حامد وابن الصبَّاغ 159، والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 518
الثانية: شهود الكتاب والحكم، لا بُدَّ من ظهور عدالتهم عنْد المكتوب إِليه، وهل يثبت عدالتهم بتعديل الكاتب إيَّاهم؟ فيه وجهان:
عن القفَّال الشاشي: نعم، للحاجة.
والأصح: المنع؛ لأنه تعديل قبل أداء الشهادة، ولأنه كتعديل المدَّعِي شهوده، ولأن الكتاب إِنما يثبت بقولهم، ولو ثبتت عدالتهم بالكتاب لثبتت عدالتهم بقولهم، والشاهدُ لا يزكي نفْسَه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلْيُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ اسْمُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَاسْمُ أَبِيهَ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَإنْ ادَّعَى المَأْخُوذُ أَنَّ فِي البَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ وَأَظْهَرَهُ انْصَرَفَ القَضَاءُ عَنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ مُسَمَّى بِذَلِكَ الاسْمِ حَلَفَ وانْصَرَفَ عَنْهُ القَضَاءُ، وَإنْ نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي وَتَوَّجَهَ الحُكْمُ، فَإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى نَفْيِ الاسْمِ بَلْ عَلَى أنَّهُ لاَ يَلزَمُهُ شَيْءٌ لَمْ يُقْبَل، وَلَوْ قَصَّرَ القاضِي فَلَم يَكتُبْ إِلاَّ أَنِّي حَكَمْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدِ فالحُكْمُ بَاطِلٌ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ وَأنَّهُ المَعْنِيُّ بِالكِتَابَ وَلَكِنَّهُ أَنْكَرَ الحَقَّ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (و) بِالقَضَاءِ المُبْهَمِ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الكِتَابُ المُجَرَّدُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى الحُكْمِ فَلا أَثَرَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له والمحكوم عليه، وكنيتهما واسْم أبيهما وجدهما وحليتهما وصنعتهما وسكنهما وقبيلتهما؛ ليسهل التمييز، نعم، لو كان الرجلُ مشهورًا بعيد الصيت، وحصل الإعلام ببَعْض ما ذكرنا، اكتفى به، وإِذا أثبت الأوصاف، كما ذكرنا فحمل الكتاب إِلى المكتوب إِليه، والمقر الحاصل عنده في زعمه محكومًا عليه، نُظِرَ إِن شهد شهود الكتاب بالحكم على عينه أن القاضي الكاتب حكم عليه، طولب بالحَقِّ، وإِن لم يشهدوا عَلَى عينه، ولكن شهدوا على رجُلٍ موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فأنكر المحضران ما في الكتاب اسمه ونسبه، فالقول قوله مع يمينه، وعلى المدعي إِقامة البينة عَلَى أنه اسْمُه ونسبه، فإن لم تكن بَيِّنة، ونكل المحضر، حلف المدَّعِي، وتوجَّه عليه الحكم، وإن قال: لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف عَلَى أنه لا يلزمني تسليم شَيْءٍ، إِليه، فالمذكور في الكتاب، وهو اختيار الإِمام أنه لا يقبل منْه اليمين هكذا، وحكينا عن الصيدلانيِّ القبول، كما لو ادعى عليه فرض، فأنكر، وأراد أن يَحْلِف عَلَى أنَّه لا يلزمه شيْء، فإنه يقبل، ثم فرقا بين المسألتَيْنِ بأنَّ مجرَّد الدعْوَى، ليس بحجة عليه، وهاهنا قامت البينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك بوجه الحق عليه إن ثبت كونه مسمَّى بهذا الاسم، ولك أن تقول: حكينا في تنازع المتبايِعَيْنِ في قدم العيب وحدوثه أن البائع إِن
الجزء: 12 - الصفحة: 519
قال: إِنه لا يستحق الردَّ عليَّ فيحلف هكذا، وِإن قال: ما أقبضته إلا سلمًا، وأراد أن يحلف على أنَّه لا يستحق الردَّ عليه، لم يمكن عَلَى أظهر الوجهين، بل يلزمه التعرُّض لما أجاب به، وِإنما يفيد هذا الأصل في الدعاوى والبينات، إذا تذكَّرْت ذلك، فالمسألة هاهنا مصوَّرةٌ فيما إِذا أنكر كونه مسمَّى بذلك الاسم، وحينئذٍ، فالقول بأنَّه لا يكفيه الحلف عَلَى أنه لا يلزمه تسليم شيْء إِليه عَلَى هذا الوجه، كأنه ظاهر، إِنما يكفيه ذلك، إِذا كان جوابه في الابتداء، أنه لا يلزمه تسليم شيْء إِليه ونظيره هاهنا: أن يقول المحضر: لا يلزمني تسليم شيْء إِليه، وأراد الحلف عليه، فيشبه أن يمكن منه، وحينئذٍ، فلا فرق بين المسألتين، وإن قامت البينة عَلَى أنه اسمه ونسبه، فقال: نعم، لكني لست المحكُومَ عَلَيْه، فإن لم يوجدْ هناك من يشاركه في الاسم والصفاتِ المذكورةِ، لزمه الحكْمُ؛ لأن الظاهر أَنه المحكوم عليه، وِإن وجد إِما بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بَيِّنة، وأحضر الذي يشاركه، ويُسْأَل، فإن اعترف بالحق، طُولِبَ به، وخلص الأول، وإن أنكر، بعث ذلك الحاكمُ إلى الكاتب بما وقع من الإِشكال، حتى يحضر الشاهدَيْن، ويطلب منهما مزيدَ صفَةٍ يتميَّز بها المشهود عليه من غيره، فإِنْ ذكرا مزيدًا، كتب به ثانيًا، وإلا، وقف الأمر حتى ينكشف، ولو أقام المحضر بيِّنةً عَلَى موصوف بتلك الصفات، كان هناك، وقد مات، فإن مات بعد الحكم، فقد وقع الإِشكال، وإنْ مات قبله، فإِن لم يعاصِرْه المحكُومُ، فلا إِشكال، وِإن عاصره فوجهان:
أظهرهما: حصول الإشكال، وبه قال صاحب "التقريب" ووجِّه الثاني بأنه، لو كانت الشهادة على الميت، لتعرَّض الشهود لتعلق الحق بتركته ويذكر ورثته، لكن ربما لم يعرفوا موته، واستصحبوا، فهذا إِذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه ووصفه، كما قدَّمْنا أما إِذا اقتصر على قول حكَمْتُ عَلَى محمد أحمد مثَلاً، فالحكم باطلٌ؛ لأن المحكوم عليه مبهم، لم يتعيَّن بإشعار ولا وصف كامل، بخلاف ما إذا استقصى الوصف، ولم يقصر، وظهر اشتراكٌ واشتباهٌ على الندور حتى لو اعترف رجلٌ في بلدِ المكتوب إِلَيْهِ بأنه محمَّد بن أحمد، وأنه المعنيُّ بالكتاب، لم يلزمْهُ ذلك الحُكْمُ لبُطْلانه في نَفْسه، إِلا أن يقر بالحق، فيؤاخذ به، هذا ما نقله الإِمَامُ وصاحب الكتاب وغيرهما، وهو المتوجه إِلا أن في "آداب القاضي" لابْنِ القاصِّ وفي "إِيضاح" أبي عليِّ أنَّه إِذا ورد الكتاب أحضر القاضي المكتوب عليه، وقرأ عليه الكتاب، فإِن أقر أنه المكتوب عليه أخذه به، سواء كان قد رفع في نفسه أو لم يرفع، وذكر صناعته، أو لم يذكر، والله أعلم، ولا شك أنَّه لو شهد الشهود على الحُكْم، كما ينبغي إلا أنه أبهم في الكتاب اسْمَ المكتوب عليه تقبل الشهادةُ، ويعمل بمقتضاها، لِمَا سبق أن الاعتبار بشهادة الشهود لا بالكتابِ.
وقوله في الكتاب "وأما الكتاب المجرَّد من غير شهادةٍ على الحكم فلا أثَرَ لَهُ" هذا قد اندرج في الفصل السابق، ويجوز أن يعلم بالواو والميم؛ لما مَرّ والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 520
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شافَهَ القَاضِيَ الآخَرَ لَمْ يَكْفِ لأنَّ السَّامِعَ والمُسْمِعَ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ فَلا يَصِحُّ سَمَاعُهُ وَلا يَصِحُّ إِسْمَاعُهُ إِلاَّ إِذا جَوَّزْنَا قاضَيْينِ فِي بَلْدَةٍ واحِدَةٍ أَوْ تُنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وَلاَيَتَهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ، أمَّا إِذَا كَانَ المُسْمِعُ فِي مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ دُونَ السَّامِع فَرَجَعَ السَّامِعُ إِلَى مَحَلِّ وَلاَيَتِهِ وَحَكَمَ بِهِ صَحَّ إِنْ قُلْنا: إِنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لا فَالظَّاهِرُ أنَّه كَشَهَادَةٍ يَسْمَعُهَا فِي غَيْرِ وِلاَيَتِهِ فَلا يَصِحُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أن إنهاء الحكم إِلى قاضي البلد الآخر يحصل بطريقتين وقد فَرَغْنَا من بيان أحدهما، وهو الإِشهاد والمكاتبة، والثاني المشافَهَةُ، ويصوَّر من وجوه:
أحدها: أن يجتمع القاضي الَّذي حكم، وقاضي بلد الغائب في غَيْر البلدَيْن، فيخبره بحكمه.
والثاني: أن ينتقل الذي حكم إلى بلد الغائب، وأخبره، ففي الحالَتَيْن، لا يقبل قوله، ولا يمضي حكمه؛ لأن إخباره 160 في غير موضع ولايته كإخبار القاضي بعد العزل.
والثالث: لو حضر قاضي بلَدِ الغائب في بَلَدِ الذي حَكَم، فأخبره، فهل يمضيه، إِذا عاد إِلى محل ولايته ينبني عَلَى أن القاضي، هَلْ يقضي بعلْم نفسه، إِن قلنا: يقضي بعلمه فنعم وإلا فلا فعن بعضهم تجويزُه أيضًا، والأصحُّ، وبه قال الإِمام: أنه لا يجوز، كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير مَحَلِّ ولايته، كما لوَ قال ذلك القاضي: سمعتُ البينة عَلَى فلان بكذا، فإِنه لا يرتّب الحكم علَيْه، إِذا عاد إِلى محل ولايته.
والرابع: إذا كانا جميعًا في موضع الولاية بأن وقف الذي حكم في طرف ولايته، ونادى الذي حكم صاحبه أني حكمت بكذا، فعَلَى صاحبه إِمضاؤه؛ لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب، وأولى بأن يعتمد عليه، وكذا لو كان في البلدة قاضيان، وجوَّزنا، فقال أحدهما للآخر: حكمتُ بكذا، فإنه يُمْضِيه، وكذا إِذا قال القاضي لنائبه في البلد وبالعكس، ولو خرج القاضي إِلى قرية لَه نائبٌ فيها، فأخبر أحدهما الآخر عن حكمه، أمضاه الآخر؛ لأن القربة محلُّ ولايتهما جميعًا، ولو دخل النائب البَلَدَ، فقال القاضي: حكمت بكذا، لم يقبله، ولو قال له القاضي: حكمت بكذا 161 ففي إِمضائه إِياه، إذا عاد إِلى قريته الخلافُ في القضاء بالعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "لأنَّ السامع والمُسْمِعَ لا بُدَّ وأن يكون في غير محلِّ ولايته" أي: هكذا يتفق، ويكون حينئذٍ في غالب الأمر، وقد يوجد في النسخ لأن السامِعَ والمُسّمِعَ لا بُدَّ، وأنْ يكون في مَحَلِّ ولايته وله وجْهٌ أيْضًا، والمعنى أنَّ كل
الجزء: 12 - الصفحة: 521
واحدٍ منهما ينبغي أن يكون في محلِّ ولايته؛ ليمكن الاعتمادُ، وأنه غير حاصل عند المشافهة، فلا يصح السماع، والإِسماع.
وقوله "إِلا إِذا جوَّزْنا الاستثناء" يعود إلى قوله أولاً "لم يكف".
وقوله: "أما إِذا كان المُسْمِع في محلِّ ولايته دون السَّامع" إلى آخره، فهو أحد الطريقين الذين ذكرناهما أولاً، فقال: لأن السامع والمسمع إلى أن قال: "فلا يصح سماعُه ولا إِسماعه" والحاصلُ أنه حكم بأن سماع مَنْ ليس في محلِّ ولايته غير صحيحٍ أولاً، ثم أعاد الصورة على الأَثَرِ، وبناهما على الخلاف في أنَّ القاضي، هل يقضي بعلمه، وليس ذلك بمستحْسَنٍ، بل كان ينبغي أن يُفَصِّل فيقول: إسماعُ من ليس في محلِّ ولايته غير صحيح، وسماع من ليس في محلِّ ولايته على الخلاف في القضاء بالعِلْم.
فَرْعٌ: في "الوسيط": أنَّ القاضي، إِذا حكم بالحقِّ، وشافه به واليًا غيْرَ القاضي؛ ليستوفي، فله أن يستوفي في محلِّ ولاية القاضي، وكذا خارجه على الصحيح؛ لأن سماع الوالي مشافهةٌ كشهادةِ الشُّهود عنْدَ القاضي، قال: ولا يكاتب القاضي واليًا غير القاضي؛ لأنَّ الكتاب، إِنما يثبت بشَهَادة الشُّهود ومنصب سماع البيِّنة يختص بالقضاة، وليحملْ هذا على الوالِي الَّذي لا يَصْلُح للقضاء، والذي لم يفوض إلَيْه الإِمام نظر القضاة، وإن كان صالحًا، فأما الصالح الذي مكن من النَّظَر بنفسه ومِنْ تقليد مَنْ يراه، فإنه يجوز للقاضي مكاتبته، كما يجوز مكاتبة الإِمام الأعظم، نَصَّ عليه في "المختصر"، والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: هَذا كُلُّهُ إِذَا قَضَى عَلَى الغَائِبِ، أَمَّا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ البَيِّنَةِ وَكَتَبَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ حَتَّى يَقْضِيَ جَازَ مَهْمَا ذَكرَ اسْمَ شُهُودِ الوَاقِعَةِ، وَعَلَى المَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ عَدالَةِ الشُّهُودَ وَكأَنَّ الأوَّلَ نَابَ عَنْهُ فِي سَمَاعِ البَيِّنَةَ فَقَطْ فَعَلَيْهِ التَّعْدِيلُ والحُكْمُ، فَإنْ كَتَبَ الأَوَّلُ عَدَالَتَهُما وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ جَازَ أنْ يَعْتَمِدَهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ، ثُمَّ الخَصْمُ إِنِ ادَّعَى جَرْحًا فَلْيُظْهِرْهُ بِشَاهَدْينِ، وَيُمْهَلُ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ قَالَ: لا أتَمَكَّنُ مِنْ جَرْحِهِمْ إِلاَّ فِي بِلاَدِهِمْ فَلاَ يُمَكَّنُ مِنْهُ بَلْ يُسَلَّمُ المَالَ ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ الجَرْحُ اسْتَرَدَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بأن في أول الركن أن القاضي بعْدَ سماع البينة على الغائب قد يحكم عليه، وينهي الحال إِلى قاضي البلد الآخر، وقد يقتصر على السماع وينهي، أما القسم الأول، فقد تكلمنا فيه، والغَرَضُ الآن الكلامُ في الثَّانِي، ونقدم عليه فصْلاً فيما يمتاز به أحد القسمَيْنِ عن الثاني، وفي فروع تتعلَّق بالحكم، اعْلَم أنَّ صيغ الحكم مثْل أن يقول: حكمتُ عَلَى فلان لفلانٍ بكذا، أو ألزمته عَلَى ما ذكرنا في الأدب الخامس من الباب الثاني، فلو قال: ثبت عندي كذا بالبَيِّنَة العدالة أو صحَّ، فهَلْ هو حكْمٌ؟ فيه وجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 522
أحدهما: نعم؛ لأنه إِخبار عن حصول الشَّيْء وتحقيقه جزمًا.
وأصحهما: لا؛ لأنه قد يراد به قبول الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى، فأشبه ما إِذا قال: سمعتُ البينة وقبلتُها، واحتج في "العدَّة" لهذا الوجه بأن الحكم هو الإِلزام والثبوت ليس إِلزام، ويقرب من هذا اللَّفْظ ما اعتاد القضاة إِثباته، عَلَى ظهور الكتب الحكمية وهو: صح ورود هذا الكتاب عليَّ، فقبلته قَبول مثله، وألزمت العمل بموجَبِهِ، قال القاضي أبو سعد الهروي: سئِلْتُ عنه في الدار النظامية بأصبهان، هل هو حكم فقلت: يرجع إِلى الحاكم، فإن قال: أردت الحكم، فهو حكم، وإن تعذَّر الرجوع، فالاعتماد على عرف الحكام، إِن اعتقدوه حكمًا، فهو حكم قال: ثم استقراري، لَمَّا وليت قضاءَ هَمْدان عَلَى أنه ليس بحكم؛ لاحتمال أن المراد تصحيحُ الكتاب وإثبات الحجَّة، وهذا هو الصواب، ولا يجوز الحكْمُ على المدعَى عليه إِلاَّ بعد سؤال المدعِي في أصحِّ الوجهين، ذكره في "العدة" وفي "الجُرْجَانِيَّات" لأبي العباس الرويانيِّ حكايةُ وجهين في أنَّه هل يصح أن يلزم القاضي الميِّت بموجب ما أقر به في حياته، ولا بدّ في الحكم من تعيين ما يحكم به، ومن يحكم له، لكن القاضي قد يبتلى بظالم يتوقع منْه ما لا يجوز له، ولا يستغنى عن ملاينته، فرخص له في رفْعِه بما يخيل إِلَيْهِ أَنَّه أسعفه بما توقع.
مثالُه: أقام خارجٌ بينةٌ وداخلٌ بينةٌ، والقاضي يعرف فسق بينة الداخل، ولكنه ممن لا بُدَّ من ملاينته، وهو يطلب الحكم؛ بناءً على ترجيح بينة الداخل، فيكتب: حكمْتُ بما هو قضيةُ الشرْع في معارضة بيِّنة فلانٍ الداخلِ، وبينةِ فلانٍ الخارجِ، وقررت المحكوم به في يد المحكوم له وسلطته عليه، ومكنته من التصرُّف فيه، إِذا تقرَّر ذلك، فإذا لم يحكم القاضي، وأنهى ما جَرَى من الدعوى، وإقامة الحجة بالكتاب، سَمَّى ذلك "كتاب نقل الشهادة" و"كتاب التثبيت" أي تثبيت الحجة، ويجوز أن يراد بِهِ تثبيت المدعي بناءً عَلَى أن قوله "يثبت عندي كذا" ليس بحُكْمٍ، وينص على الحجَّة فيذكر أنه قامت عنده بيِّنة أو شاهد ويمين، أو نكل المدعى عليه، وحلف المدعي، وهذا الثالث إِنما يكون عند حضور المدعى عليه، وإنما ينص على الحجَّة؛ ليعرف المكتوب إِليه أنه بم يحكم، وقد لا يرى بعض ذلك حجة، وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه؛ ليقضي المكتوب إِلَيْه، قال في "العدة": لا يجوز وإن جوَّزنا القضاء بالعلْم؛ لأنه، إِذا لم يحكم به، فهو كالشاهد، والشهادة لا تتأدى بالكتابة، وفي "أمالي" السرخسِّي أنه يجوز، ويقضي المكتوب إِليه، إذا جوَّزنا القضاء بالعلم؛ لأن إِخباره عن علمه إِخبارٌ عن قيام الحجة، فليكن كإِخباره عن قيام البينة، وإذا كتب بسماع البينة، فليسم الشاهدَيْن، والأَوْلَى أن يبحث عن حالهما ويعدلهما؛ فإن أهل بلدهما أعرف بحالهما، فإن لم يفعل، فعلى المكتوب إِليه البحث والتعديل، وإذا عدل، فهل يجوز أن يترك اسم الشاهدَيْن لفظ صاحب الكتاب يُشْعِر بالمنع منه، وقد صرح في "الوسيط" وكذلك ذكره
الجزء: 12 - الصفحة: 523
الإِمام، والقياس التجويزُ، كما أنه إذا حكم، استغنى عن تسمية الشهود، وهذا هو المفهومُ من إِيراد صاحب "التهذيب" وغيره، ويجوز أن يقدر فيه خلافٌ بناءً عَلَى ما سيأتي أن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البَيِّنةِ نقلٌ للشهادة أو حكم بقيام البينة إن قلْنا: حكم، فلا حاجة إلى التسمية، وكفى قوله: قامت عندي بينةٌ عادلةٌ بكذا، وِإن قلنا: نقل، فلا بدّ من التسمية، كما أنه لا بدِ مِنْ أن يسمى شاهد الفرع شاهدَ الأصل، ويأخذ المكتوب إليه بتعديل الكاتب أم له البحث وإعادة "التعديل" لفظ الكتاب يشعر بالثاني؛ لأنه قال "جاز أن يعتمده إذا رأى ذلك والقياسُ أنه أخذ بذلك التعديل" 162، أما إذا جعلناه حكْمًا، فظاهرٌ، وأما إِذا جعلْنَاهُ نقلاً، فلأنَّ شاهد الفَرْع، إذا عدل شاهد الأصل، وهو صفة المزكِّين، يكفي تعديله على ظاهر المذْهَب عَلَى ما سيأتي، ولا حاجة في هذا القسم إلى تحليف المدَّعِي، والقول في إِشهاد القاضي، وفي أداء الشهود الشهادة عند المكتوب إِليه، وفي دعوى الخصم، إِن كان هناك من يشاركه في الاسم عَلَى ما مرَّ في القسم الأول، وِإذا عدل الكاتب وشهود الحق، ولكن جاء ببينة على جَرْحهم فتسمع وتقدم على التعديل، وإنْ استمهل، ليقيم بينة الجرح، أمهل ثلاثة أيَّامٍ، فإنَّها مدة يسيرة، لا يعظم ضَرَر المدَّعِي بتأخير الحكم فيها، وبالمدعى عليه حاجة إلى مثلها، لاستحضار البينة، هكذا ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وكذا لو قال: أبرأتني أو قضَيْت الحق، واستمهل؛ ليقيم البينة عليه، وقال: أمهلوني، حتى أذهب إلَى بلدهم وأجرحهم، فإني لا أتمكن من جرحهم إلاَّ هناك، أو قال: لي بينةٌ أخرى دافعةٌ هناك، لم يُجَب إِليه، بل يؤخذ الحقُّ منه، ثم إذا ثبت الجرح أو الدفع من وجْهٍ آخر، يسترد، قال في "الوسيط": ولا يخرج ذلك على ما إِذا كان الخصم حاضرًا، وظهر فسْقُ الشهود بَعْد الحكم، ففي الاسترداد ونقض الحكم، والحالة هذه، قولان، والفرقُ أنَّ هذا معذورٌ، والحاضر عند الشهود مقصِّرٌ، ولا فرق في ذلك بين كتاب الحكم وكتاب نقل الشهادة، وفي "العدة": أنه لو سأل المحكوم عليه إحلاف الخصْم عَلَى أنه لا عداوة بينه وبينهم، وقد حضر الخصم عند المكتوب إِليه إِجابة إِليه، ولو سأل إحلافه عَلَى عدالتهم، لم يجبه، وكفى تعديل الحاكمِ إِياهم، وأنه لو ادَّعَى قضاءَ الدَّيْن، وسأل إِحلافه أنه لم يستوفه، لم يحلف؛ لأنَّ القاضي الكاتب، قد أحلفه، وذكر صاحب "التهذيب" في مثله في دعْوى الإِبراء يحلفه عَلَى أنه لم يبرئه، فحصل في المسألة وجهان، والله أعلم.
وقوله في الكتاب فإن كتب الأول عدالتهما، وأشهد عليه التعرض للإِشهاد غير محتاج إليه في هذا الموضع؛ لأنه قد تبيَّن من قبل أن الاعتماد على الشهود دُون
الجزء: 12 - الصفحة: 524
الكتاب، وإذا عرفنا أصلاً فنحن أغنياء عن إعادته في إفراد المسائل ويقرب من ذلك لفظ الشاهدين في قوله "فليظهره بشاهدين" نعم يمكن أن يشار به إلى أنه لا بُدَّ من البينة، ولا سبيل إلَى تحليف الخصم عَلَى عدالتهم، كما بيَّنَّاه، والله أعْلَم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعُ: لَوْ كَانَ فِي البَلَدِ قَاضِيَانِ وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ فَقَالَ أَحَدُهِمَا لِلآخَرِ: سَمِعْتُ البَيِّنَةَ فَاَقْضِ فَجَوَازُ القَضَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَقْلٌ لِلشَّهَادَةِ أوْ حُكْمٌ فَإنْ قُلْنَا: إنَّهُ نَقْلٌ فَكَيْفَ يُقْبَلُ مَعَ حُضُورِ الأَصْلِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ حُكْمٌ وَلَوْ كَانَ نَقْلاً لَمَا اكْتَفَى بَقَوْلِ وَاحدٍ عِنْدَ الغَيْبَةِ لَكِنَّهُ حُكْمٌ بِقِيَامِ البَيِّنَةِ فَقَطْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أنَّ الحكم المُبْرَم ينهيه القاضِي إِلى القاضي تارةً بالكتاب والشهادة، وتارةً بالمشافهة كذلك سماع البينة يفرض فيه الطريقان، فلما تكلَّم لسماع البينة عقد هذا الفرعْ ليتكلَّم في المشافهة به، فإِذا نادَى قاضٍ من طرف ولايته قاضياً آخر في طرفِ ولايته أنِّي سمعتُ البينة بكذا أو جوَّزنا في بلد قاضيين، فقال أحدهما للآخر: هل للآخر أن يحكم بني الأِمام وصاحب الكتاب ذلك على أن سماع البينة وإنهاء الحال إلَى القاضِي الآخر نقل الشهادة الشهود، كنقل الفروعِ شهادة الأصول أو حكم بقيام البينة وفيه جوابان ووجه:
أولهما: بأنه، لو كان حكماً، لما افتقر إلى تسمية الشهود.
وثانيهما: بأنه لو كان نقلاً لما كفى ناقل واحدٍ، وقد اكتفينا بالقاضي المُنْهِي، فعلى الأول؛ لا يجوز للمقول له الحكم، كما لا يجوز الحكم بشهادة الفروع مَعَ حُضُور الأصُول، وعلى الآخر؛ يجوز كما في الحكم المبرم، وهذا أظهر عند الإِمام والمصنِّف، لكن عامة الأصحاب مَنَعُوا، وقالوا أيضاً: كتاب السماع، إِنَّما يقبل إِذا كانت المسافةُ بَيْن الكاتب وبين الذي بلغه الكتاب بَحَيْثُ يقبل في مثلها الشهادة على الشهادة، وهي مسافة القصر، وأما ما فوق مسافة العدوى على اختلاف سيأتي في موْضِعه، أما إِذ كانت المسافةُ دونَهَا، فلا يقبل، وهذا ما نصَّ عليه في "عيون المسائل" ويخالف الكتاب بالحكم المبرم حَيْثُ يقبل قربت المسافة أم بعدت، وفرقوا بأن الحكم هناك قد تم وليس بعده إِلا الاستيفاء، وسماعُ البينة بخلافه، فإنه إِذا لم تبعد المسافة ولم يعتبر إِحْضَار الشهود عند القاضي الآخر، ووجدتُ في نسختين مِنْ "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ عكس ما أورده الجمهور، وهو أن "كتاب السماع" يقبل مع قُرْب المسافة وبعدها، وكتاب الحُكْم لا يُقبل، إِلا إِذا بعدت المسافة، وهو غلط ناقل أو ناسخ، وليس وجهاً آخر، وإِذا قال الحاكم لخليفته: اسْمَعْ دعْوَى فلان وبينته، ولا تحكم حتى تعرفني، ففعل، هل للحاكم أن يحكم به، القياس أنه كإنهاء أحد القاضيَيْن
الجزء: 12 - الصفحة: 525
في البلد إِلى آخر؛ لإمكان حضور الشهود عنده، لكن الأشبه هاهنا أَنَّ لهُ الحُكْمَ؛ لأنه تجويز الاستخلاف للاستعانة بالخليفة، وذلك يقتضي الاعتداد بسماعه بخلاف سماع القاضي المستقل، وبهذا أجاب أبو العباس الرويانيُّ في "الجُرْجَانِيَّات" عَلَى تلَوُّم فيه.
وقوله في الكتاب: "فقال أحدهما للآخر: سمعتُ البينة فاقض كلمة "فاقض" ليست بشرط في صور المسائل، إذا جوزنا القضاء للمنقول إلَيْه، فيكتَفَى بقوله: "سمعت البينة"، لكن يستفاد من قوله: "فاقْضِ" تعديل الشهود، واستغناء المنقول إليه عن البحث.
وقوله: "لما اكتفى بواحد عند الغَيْب" يعني إِذا كان بينهما مسافةٌ، وكان لإِنهاء بالكتاب وقوله: "ولكن حكم بقيام البينة فقط" هذا اللفظ إنما يتوجه إذا سمع وعدل، فأما إذا اقتصر على السماع، فينبغي أن يقال: إنه حكم بالشهادة، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّكْنُ الرَّابعُ: المَحْكُومُ بِهِ: وَذَلِكَ لاَ يخْفَى فِي الدَّيْنِ وَالعَقَارِ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْرِيفُة بِالحَدِّ، أَمَّا العَبْدُ وَالفَرَسُ وَمَا يَتَمَيَّز بِعَلامَةٍ فَإِنْ كَانَ غَائِباً فَفِي الحُكْمِ عَلَى غَيْبَتِهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أنَّهُ يَجُوز التَّعْرِيفُ بِالحِلْيَةِ كَالمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي: أنَّهُ كَالكرْبَاسِ وَسَائِرِ الأَمْتِعَةِ فَيَتَعلَّقُ الحُكْمُ بِقيمَتِهِ، وَبَجِبُ ذِكْرُ القِيمَةِ، وَلاَ يَجِبُ ذِكُرُ الصِّفَاتِ، وَلاَ بَأْسَ لَوْ ذَكرَهَا فِي الكِتَابِ، أمَّا قيمَةُ العَقَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ لاَ يَجِبُ ذِكْرُ قِيمَتِهِ عَلَى الأَصَحِّ وَالثَّالِثُ: أنَّهُ يَسْمَعُ البَيِّنَةَ وَلاَ يَقْضِي بَلْ يَكْتُبُ بَالسَّمَاعِ إِلَى القَاضِي الآخَرِ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَيْنَ العَبْدِ الموْصُوفِ إِلَيْهِ لِيَحْمِلَهُ إِلَى بَلَدِ الشّهُودِ لِيُعَيِّنُوهُ بِالإِشَارَةِ، وَيَلْزَمُهُ كَفِيلٌ بِالبَدَنِ لِيَأْخُذَ العَبْدُ مِنْ صَاحِبِ اليَدِ، وَفِي وَجْهٍ لاَ يَكْفِي ذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ العَبْدَ وَيَضَمْنَ عَنْهُ الثَّمَنَ ضَامِنٌ، فَإنْ ثَبَتَ مَلْكُهُ فِيهِ بَانَ بُطْلاَنُ الشِّرَاءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ القِيمَةِ فِي الحَالِ لِلحَيْلُولَةِ ثُمَّ يَسْتَردُّ لَوْ ثَبَتَ مِلْكُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا الفصل الكلام في الحكم بالشيء الغائب بالغيبة؛ لأن القاضي يحتاج إلى مكاتبة قاضٍ آخَرَ؛ لغيبة المدعَى عليه تارةً، ولغَيْبَةِ المدَّعِي أُخْرَى، واعلم أن الحضور والغيبة، إنما يعتبران الأعْيَانَ، فأما إذا كانت الدعوى في نكاح أو طلاق أو رجعة أو إِثبات وكالة، فلا يوصف المدَّعِي بغيبة ولا حضور، وكذلك إذا كان المُدَّعَى دَيْناً، ومهما ادَّعَى عَيْناً، فإن كانت حاضرةً مشاراً إِليها، فيسلم إِلى المدَّعِي، إِذا تمت حجته، دمِان كانت غائبة، فينظر، أهي غائبةٌ عن البلد أم غائبة عن مجلس الحُكْم دون البلد.
الحالةُ الأولَى: إذا كانت غائبةً عن البلد، فهي إِما عين يؤمن فيها الاشتباه
الجزء: 12 - الصفحة: 526
والاختلاط؛ كالعقار والعبد والفَرَسِ المعروفين، وإما غيرها أما القسم الأول، فالقاضي يسمع البينة عليه، ويحكم ويكتب إِلى قاضي بلد ذلك المال، ليسلمه إِلى المدعي، ويعتمد في العقار عَلَى ذكر البقعة والسكة والحدود، وينبغي أن يتعرَّض لحدوده الأربعة، ولا يجوز الاقتصار عَلَى حدين أو ثلاثة كذلك ذكره ابنُ القاصِّ في أدب القاضي، ولا يجب التعرُّض للقيمة عَلَى أصح الوجهين؛ لحصول التمييز دونه.
وأما القسم الثاني كغير المعروف من العبيد والدوابِّ وغيرها، فهل تسمع البينة على عينها، وهي غائبة فيه قولان أحدهما: تسمع كما يسمع الخصم اعتماداً على الحِلْيَة والصفة؛ لأنه قد يحتاج إِلى إِثباته في الغيبة، فأشبه العقار.
والثاني المنع؛ لكثرة الاشتباه فيه والصفاتِ، والحلي تتشابه أيضاً، وبهذا قال أبو حنيفة والمزنيُّ -رحمهما الله- ورجح طائفةٌ من الأصحاب، منْهم أبو الفرج الزاز، والأول اختيار الكرابيسيِّ والإِصطخريِّ، ورجحه ابن القاصِّ، وأبو عليِّ الطبريُّ، وبه أجاب القَفَّال في "الفتاوى": وإذا قلنا به، فهل نحكم للمدعِي بما أقام البينةَ عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كما في العقار.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّ الحكم مع الجهالة، وخَطَر الاشتباه بعيدٌ، وإذا ترك الترتيب حصلَتْ ثلاثة أقوال لا يسمع البينة علَيْها، ولا يحكم.
تسمع ويحكم.
تسمع ولا يحكم، هذه طريقةُ عامَّةِ الأَصْحابِ، وطردوها في جميع المنقولات التي لا تعرف، وقال الإِمام وصاحب الكتاب: ما لا يؤمن فيه الاشتباه والاختلاط ضربان:
أحدهما: ما لا يمكن تعريفه وتمييزه بالصِّفَات.
والثاني: كالرقيق والدواب ومَا لاَ يمكن لكثرة أمثاله كالكرباس، وجعلا الضرب الأول عَلَى الأقوال الثلاثة، وقَطَعَا في الكرباس ونَحْوِه؛ بأنه لا ترتبط الدعْوَى والحكم بالعين.
التفريع: إن قلْنَا تسمع البيِّنة، فينبغي أن يبالغ المدعي في الوصف بما يمكن من الاستقصاء والتعرض للثبات والشامات، وبم يضبط بعد ذكر الجنس والنوع؟ حكى القاضي أبو سعد الهرويُّ وغيره فيه قولَيْن:
أحدهما: أنه يتعرَّض للأوصاف التي يعسر ذكرها في السلم.
والثاني: أنه يتعرَّض للقيمة، ويستغني بها عن ذكر الصفات، قالوا: والصحيح أن الرُّكْن في تعريفِ ذواتِ الأمثال ذكرُ الصفات، وذكرُ القيمةِ مستحبٌّ، وفي تعريف ذوات
الجزء: 12 - الصفحة: 527
القيم الركْنُ القيمة، وذكر الصفات مستحبٌّ وأما الإِمام وصاحب الكتاب، فإنهما لَمَّا ذكرا على طريقتهما أنَّ في الكرباس ونحوه لا يرتبط الدعْوَى بالعين، قَالاَ: لا بدّ من ذكر القيمة، فإِنها التي ترتبط الدعوى والبينةُ والحُكْم بها، فيدعي كرباساً قيمته عشرةُ دراهمَ مثلاً، وكذلك في العبد، إِذا لم تسمع البينة على عينه، هذا ما أراد بقوله في الكتاب "فيتعلق الحكم بقيمته" ويجب ذكر القيمة، ولو بحث عن قولهما، بأن الدعوى والحكم والبينة ترتبط بالقيمة دون العَيْن، لولَّد البحثُ إشكالاً صعباً؛ لأنَّ العين، إنْ تلفت، فالمطالبةُ بالمثل أو القيمة دعْوَى الدَّيْن، وليس ذلك مما نَحْنُ فيه في شيء، وما دامت العَيْنُ باقيةً، فالمدَّعِي لا يَسْتَحِقُّ القيمةَ، فكيف يطلبها، وكيف يحكم القاضي بها، وإن كان المراد أنَّه يدعي قدر القيمة من المال في يده، ويحكم له بذلك من غير تعيْينٍ، فهذا شيء لا عَهْدَ به، دمِان كان المرادُ أنه يعتمد في طلب العين والحكم بها، ذكر القيمة دون الصفات والحلي، فهذا ذهاب إِلى أنَّه يسمع الدعوى بالعَيْن، ويحكم بها، لكن اعتماداً على القيمة دون الصفة، وذلك لا يلائم نظم الكتاب وسياقه، والله أعلم، وذكرنا بناءً على طريقتهما أوصاف السلم، لا يكتفي بها في الدعوى بحَالٍ؛ لأنَّ المقصود هاهنا التعيين فيراعي ما كان أفصح 163 إليه والمسلم فيه دَينُ فيحترز فيه عن الاستقصاء المُؤَدَّي إلى عِزَّةِ الوجود ثم يكتب القاضي إلى قاضي بلد المال بما جرى عنده من مُجَرَّد قيام البينة، أو مع الحكم إِنْ جَوَّزنا الحكم المبرم، فإن أظهر الخصم هناك عبداً آخر بالاسم والصفات المذكورة في يده أو في يد غيره، وقد صار القضاء مُبهماً وانقطعت الطُلْبَةُ في الحال كما سبق بيانه في المحكوم عليه وإن لم يأتِ بمدفع فإن كان الكتاب كتاب حكم على قولنا بتجويزه فيحلف المدَّعِي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان ويسلم إليه كذلك ذكره ابن القاصِّ في "أدب القضاء" وإن كان كتاب سماع البينة فينتزع المكتوب إليه المال ويبعث به إلى بلد المكاتب ليشهد الشهود على عَينهِ وفي طريقه قولان أشهرهما وهو الذي أورده ابنُ الصبَّاغ وغيرهُ أنه يُسلمه إلى المدعي ويأخذ منه كفيلاً لَبَرَتِه وقأل أبو الحسن العبَّادي: يكفله قيمة المال فإن ذهب إلى القاضي الكاتب وشهد الشهود على عينه وَسُلِّم له كتب القاضي بذلك لِيَبْرَأَ الكفيل وإلا فعلى المدعي الرد ومُؤْنَتِهِ وتُختم العين عند تسليمها إليه بختم لازم حتى لو كان المُدَّعَى عبداً فتجعل في عنقه قَلاَدة ويختم عليها والمقصود من الختمِ ألا يبدل المأخوذ بما لا يستريب الشهود في أنه له وَأَخْذُ الكفيلِ خَتْمٌ والخَتْمُ ليس بختْمٍ كذلك حكى المتلقي عن أبي بكر الأرغِياني الإِمام وعلى هذا القول لو كانت المدعوة في جارية فقد أطلق في الإِبانة وجهين في أنه هل يَبعث المكتوب إليه بها إلى الكاتب ومنهم من
الجزء: 12 - الصفحة: 528
قال لا فَرْقَ بينها وبين العبد وقيل لا يسلمهِا إلى المدعي ولكن إلى أَمِينٍ في الرفقة وهذا حسن 164 ثم المفهوم من كلام الجمهور أنَّ الشُّهودَ إِنْ شَهِدوا على عينه عند القاضي الكاتب فيسلمها إلى المدعي.
وقد تم الحكم له، ثم تكتب لإبراء الوكيل على ما ذكرنا، في "الفروق" للشيخ أبي محمَّد: أنه يختم على رقبته ختماً ثانياً، ويكتب أني حكمتُ به لفلان، ويسلمه إِلى المكتوب إِليه، حتى يرده إِلى القاضي الثاني، فيقرأ الكتاب، ويطلق الكفيل، ويسلِّم العبد إِلى المدعي.
والقول الثاني: أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدَّعي، ويقبض الثمن، ويضعه عند عدل، ويكفله بالثمن، فإِن سلم للمدَّعي بشهادة الشهود عَلَى عينه عند القاضي الكاتب كتب برد الثمن أو براءة الكفيل وبأن بطلان البيع، وإلا، فالبيع صحيحٌ، ويسلم الثمن إِلى المدعى عليه، وهذا بيعٌ يتولاه القاضي للمصْلَحَة، كما يبيع الضوالَّ، وحكى الفوارنيُّ بدَلَ هذا القوْلِ أنه يُسلِّم إلَيْه المال، ويأخذ القيمة، فيدفعها إِلى المدعَى عليه، للحيلولة بينه وبيق ما يزعمه ملكَاً له، ثم هذه القيمةُ مستردَّةٌ، سواءٌ ثبت أنَّ المال للمدعِي أو لم يثبتْ، أما إِذا ثبت، فظاهرٌ، وأما إِذا لم يثبُتْ، فلأنَّا أخذناها للحيلولة، فإِذا ارتدَّ المال إِلى المدعَى عليه، فلا بدّ من ردِّ القيمة، وبعدُ، فلنتكلَّم في لفظ الكتاب قوله: "الركن الرابع: المحكوم به" لفظ المحكوم به، وِإن شمل الحاضِرَ والغائِبَ، وما لا يوصف بحضور ولا غيبة، كالدَّيْن وحدِّ القذف، لكن الغرض هاهنا الكلام في المحكوم به للغائب، فكذلك قال: لا يَخْفَى في الدَّيْن.
وقوله: "والعقار الذي يمكن تعريفه بالحدِّ" يعني: أنه، وإن كان ببلد آخر، يجوز الحكم به لتعيّنه وتميُّزه بالحدود.
وقوله "أما العبد والفرس وما يتميز بعلامة" قصد بقوله "وما يتميز بعلامة" تقييد الأقوال المذكورة ببَعْض المنقولات، وهي التي تتميز بالصفاتِ والعلاماتِ والأنساب دون التي تتشابه ولا تتميز بعلامةٍ واسمٍ ونسبٍ، عَلَى ما حكيناه عن نقله ونقل الإِمامُ.
وقوله "ففي الحكم عَلَى غيبته ثلاثة أقوال" الأقوال الثلاثة لا تجري في الحكم وحْده، وِإنما تحصل إِذا أخذنا سماع البينة، والحكم معاً، حتى يفرق بينهما في الثالث فإِذَنْ اللفظ يفتقر إِلَى إضمار.
وقوله: "والثاني: أنه كالكرباس وسائر الأمتعة" بني هذا على طريقته القاطعة؛ بأن
الجزء: 12 - الصفحة: 529
الكرباس ونحوه لا يسمع البينة عليه، ولا يحكم به، وهو غائبٌ، فجعله مقيساً عليه، لأحد الأقوال في العبد والفرس، ثم بين حينئذٍ أن الحكم يتعلق بالقيمة، فيجب ذكْرُها، وعاد إِلى العقار فبين أن العقار، وأن العبد والفرس على القَوْل الأوَّل لا يحتاج إلى ذكر قيمتها عَلَى أصحِّ الوجهين.
وقوله: "وفي وجه لا يكفي ذلك" التعبير عن هذا الخلاف بالقول أكثر منه بالوجْه.
وقوله: "ثم يسترد لو ثبت ملكه" عرفت أنها تسترد، وان لم يثبت الملك، إذا ارتفعت الحيلولة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أمَّا إِذَا كَانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاضِراً وَالعَبْدُ حَاضِرٌ وَلَمْ يَحْضُرْه المُدَّعَى عَلَيْهِ طُولبَ بِإِحْضَارِهِ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنْ عَرَفَ القَاضِي العَبْدَ حَكَمَ بِهِ دُونَ الإِحْضَارِ، وَإنْ أَنْكَرَ وُجُودَ مِثْلِ هَذَا العَبْدِ فِي يَدِهِ فَعَلَى المُدَّعِي بَيِّنةٌ عَلَى أنَّهُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَقَامَ أَوْ حَلَفَ بَعْدَ نُكُولٍ اسْتَفَادَ بِهِ حَبْسَهُ إِلَى أَنْ يحْضِرَهُ وَيَتَخَلَّدَ عَلَيْهِ الحَبْسُ فَلاَ يَتَخَلَّصَ إِلاَّ بِإحْضَارِهِ أَوْ دَعْوَى التَّلَفِ حَتَّى تُقْبَلَ مِنْهُ القِيمَةُ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى التَّلَفِ لِلضَّرُورَةِ كَيْلاَ يَتَخَلَّدَ الحَبْسُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ هَذَا العَبْدُ المَوْصُوفُ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بَطَلَ الدَّعْوَى فَسَبِيلُ المُدَّعِي إِذَا عَلِمَ أنَّهُ يَحْلِفُ أَنْ يُحَوِّلَ الدَّعْوَى إِلَى القِيمَةَ فَإنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الصِّفَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَدَّعِي عَبْداً قِيْمَتُهُ عَشَرَةٌ فَإمَّا أَنْ يَرُدَّ العَيْنَ أَوْ القِيمَةِ فَفِي صِحَّةِ الدَّعْوَى مَعَ التَّرَدُّدِ وَجْهَانِ، وَاصْطَلَحَ القُضَاةُ عَلَى قَبُولِهَا لِلحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كانت العين المدَّعاةُ غائبةً عن مجلس الحُكْم دون البلد، فإن كان الخصم حاضرًا، فيؤمر بإِحضارها؛ ليقيم البَيِّنَةَ على عينها، ولا تسمع البينة على الصفة، هذا هو الجواب في فتاوى القَفَّال؛ تشبيهاً بها إِذا كان المدَّعَى عليه حاضرًا في البلد، لا تسمع الشهادة، وهو غائب عن مجلس الحكم، واعلم أن في هذه الصورة المشبه بها خلافاً سيأتي من بَعْدُ، ويشبه أن يجيء ذلك الخلافُ هاهنا أيضاً، فإِن جاء انتظم أن يرتب، فيقال: إن لم تسمع البينة علَى العين الغائبة عَنِ البلد اعتماداً على الصفة، فَأوْلَى ألا تسمع، إذا كانت حاضرة ويؤمر بإِحضارها وان سمعناها هناك فهاهنا وجهان ثم إنما يؤمر بإحضار ما يمكن إِحضاره بتيسر، أما ما لا يمكن إِحضاره؛ كالعقار فيحدُّه المدعي، ويقيم البينة عليه بتلك الحدود، فإن قال الشهود: نعرف العقار بعينه، ولا نعرف الحدود، بعث القاضي من يسمع البينة على عينه أو حضر بنفسه، فإِن كان المشار إليه بالحدود المذكورة في الدعْوَى، حكم، وإلا لم يحكم، ولو كان العقار معروفاً لا يشتبه، فلا حاجة إِلى التحديد وأما ما يعسر إِحضاره، كالشيء الثقيل، وما أثبت في الأرض أو ركب في الجدار، وأورث قلعه ضرراً، فيصفه المدَّعِي، ويحضر
الجزء: 12 - الصفحة: 530
القاضي عنده، أو يبعث من يسمع الشهادة عَلَى عينه، وإن لم يكن وصفه حضر القاضي عنْده أو يبعث لسماع الدعوَى على عينه، وذكر صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" أن العبد المدعي، لو كان يعرفه القاضي، حكم به دون الإِحضار، وجعل هذه الصورة كالمستثناة عن صورة وجوب الإِحضار، وهذا إذا كان المراد منه العَبْدَ المعروف بَيْن الناس، فهو واضحٌ، كما ذكر في العقار المعروف بين الناس، وفي العبد المشهورِ الغائب عن البلَدِ، فأما الذي يختص القاضي بمعرفته، فإن كان عالماً يصدْقِ المدَّعِي، وحكمَ بناءً علَى علمه؛ تفريعاً عَلَى جواز القضاء بالعلْم، فهو مرتَّبٌ أيضاً، أما إِذا كان يحكم بالبينة فالبينة تقُومُ على الصفة، فإذا لم تسمع البينة علَى الصفة، وجَبَ أن يمتنع الحكم والله أعلم، وذكر في "الوسيط" أيضاً: أنه لا يلزم إِحضار الكرباس ونحوه؛ لأنه يتماثل، وإِن حضر، وهذا إِشعار بأن الكرباس الحاضر لا يُمْكِن توجيه الدعْوَى والبينة عَلَى عينه، ولا شك في بُعْد هذا الكلام، ومتى قلْنا، يلزم الإحضار، فذلك إِذا اعترف المدعَى عليه باشتمالِ يده عَلَى مثل تلْكَ العين، فإِن أنكر اشتمال يده على عينٍ بالصِّفة المذكورةِ فالقَوْلُ قولُهِ مع يمينه، فإِن حلف، كان للمدعي أن يدَّعي القيمة عليه، لاحتمال أنها هلكت، قاله صاحب "التهذيب" وغيره، وإِن نكل، حلف المدعي، أو أقام البينة، إِن أنكر، ويكلَّف إِحضاره، وحبس، ولا يطلق إِلاَّ بالإحضار أو بأن يدعي التَّلفَ، وتؤخذ منْه القيمةُ، وتقبل منه دعوى التلَف، وإن كان على خلافِ قوله الأول ضرورةَ أنه قد يكون صادقاً، ولو لم يقبل قولُهُ ليتخلد عليه الحبس، وفي كلام بعض الأصحاب: أنه لا يطلق إلا بإحضاره أو بأن يقيم بينته على التلف، وإذا لم يدر المستحق أن العين باقيةٌ ليطالبَ بها أو تالفة ليطالب بقيمتها وادَّعَى على التردُّد، وقال: غُصِب مني كذا، فإِن كان باقياً، فعليه ردُّه، دمِان كان تالفاً فقيمته ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تسمع هذه الدعوى؛ لأنها غير جازمة، بل يدعي العين، ويحلف عليها، ثم ينشئ دعوى القيمة، ويحلف علَيْها ويُحْكَى هذا عن القاضي الحُسَيْن.
وأولاهما: وعَلَيْه اصطلاح القضاة: أنها تُسْمَع؛ للحاجةِ، وعَلَى هذا، فيحلف على أنه لا يلزمه رد العين، ولا قيمتها، ويجري الوجهان فيما إِذا سلم ثوباً إِلى دلاَّل ليبيعه، فطالبه به، فجحد، فلم يدر صاحب الثوب أنه باعه ليطالبه بالقيمة أو هو باقٍ ليطالبه بالعين، فعلى الوجْهِ الأول: يدعي العين في دعوى، ويدَّعِي القيمة في أخرى والثمن في أخرى وعلى الثاني؛ يدعي عليه ردَّ الثوب أو ثمنه، إِن باع وأخذ ثمنه أو قيمته، ويحلف الخصم يميناً واحدةً؛ بأنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، وقد ذكر هذه الصورةَ في الكتاب في "الدعاوَى والبيِّنات" وجميع ما ذكرنا فيما إِذا كان الخَصْمُ حاضرًا، فإِن كان غائباً، والمال في البلد، كما وصفنا، فيحضر مجلس الحكم أيضاً، ويؤخذ ممن في يده ليشهد الشهود عَلَى عينه.
الجزء: 12 - الصفحة: 531
وقوله في الكتاب "طولب بإِحضاره بعد قيام الحجة على الصفة" هذا التقييد غيرُ مساعدٍ عليه، بل الحجة على الصفة، والحالةُ هذه، غير مسموعة، وإنما تسمع عَلَى عينه على ما في "فتاوى" القَفَّال، وقد صرَّح بعض من دَرَس على الإِمام بأنه يلزم المدَّعَى عليه الإِحضارُ قبل تمام البينة، كما يلزمه الحضور بنَفْسِه.
وقوله "وإن حلف أنه ليس في يده هَذَا العبدُ الموصوفُ" إِلى قوله: "فإِن ذلك يثبت بالشهادة على الصفة" قد يفهم منْه أن دعوى العين، إِذا لم تمش، بطَلَت دعواه بالكلية، فالجزم إِذا عرف أن المدعى علَيْه لا يبالي باليمين، ولم يكن له يمينه أن يدعي القيمة من الابتداء، لكنَّا بيَّنَّا أنَّه، إِذا انقطعت دعْوَى العَيْن، كان له أن يدَّعِيَ القيمة، ولا يسقط طلبه بالكلية، فليكنْ معنى الكلام أنَّه إذا لم يجد بينة، وعرف أن الخصم يحلف، فلا فائدة في دعْوَى اليمين 165 فليعرض عنْها، وليدع القيمة.
وقوله "فإن القيمة تثبت بالشهادة على الصفة" إِن كان المراد منْه أنه إِذا شهد الشهود على أنه غصب منه عبداً مثلاً بصفةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ثم فرض تلف العبد، يستحق المشهود له بتلك الشهادة قيمتَهُ عَلَى تلك الصفة 166، فهذا صحيحٌ، وقد حكاه صاحب "العدة" ولكن طلب القيمة من غير أنْ يعلم موته، فيه إِشكالٌ علَى ما مرَّ.
فَرْعٌ: لو كان الخصمُ حاضراً، والمدَّعِي ببلدة أخرَى، فقياس ما في الفصل السابق أنَّا، إِن قلْنا: تسمع البينة بالمال الغائب، فيحكم به القاضِي عليه، وِإن لم نجور إلا السماع فإِذا سمع البينة أمر بنقل المدعَي إلى مجلسه، ليشهد الشهودُ عَلَى عينه، كما يفعله القاضِي المكتوبُ إِلَيْه عند غَيْبَة الخَصْم والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ أَحْضَرَ العَبْدَ الغَائِبَ فَلَمْ يَثْبُتُ مِلْكُ المُدَّعِي فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ الإِحْضَارِ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ وَلاَ يُغْرَّمُ مَنْفَعَةَ العَبْدِ الَّتِى تَعَطَّلتْ كَمَا لاَ يُغَرَّمُ مَنْفَعَةَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ هَذَا لِلحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أَن المُدَّعِي، إِن كان في البلد يُكلَّف المدعَى عليه إِحضاره، وإن كان غائباً عن البلد يبعثه القاضي المكتوب إِليه على يدَى المدَّعِي، ولم يقل: إنه يكلف المدعي عليه الإحضار، كان الفرق بُعْد الشقة وكثرة المشقة كما يكلِّف الحضور هناك، ولا يكلف هاهنا، إذا عرف ذلك، فحيث يؤمر المُدَّعِي بالاِحضار، قال في التهذيب: إن ثبت أنه للمدعي فمؤنة الإِحضار عليه، وإلا، فعلى المدَّعِي مؤنة الإِحضار
الجزء: 12 - الصفحة: 532
والرد جميعاً، وحيث يبعثه القاضي المكتوب إِليه إِلى بلد الكاتب ولم يثبت أنه للمُدَّعِي، فعليه ردُّه إِلى موضعه بمؤناته، وتستقر عليه مؤنة الإِحضار إن تحملها من عنده، وإِن ثبت أنه له، فقياسُ ما حكَيْنا عن "التهذيب": أنه يرجع بمُؤنة الإحضار على المُدَّعَى عليه، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أنَّ القاضي ينفق على النَّقْل من بيت المال، فإِن لَمْ يكنْ في بيت المَالِ شيءٌ، استقرض، فإن ثبت كون المال للمدَّعَى عليه، رد الفرض لظهور تعدِّيه، وإلا، كلف المدعي ردّه، لظهور تعديه، وذكر أصحابُنَا العراقيُّون وصاحب "التهذيب" وغيرهم أنه، إِذا نقل المدَّعِي المالَ إلى بلد القاضي الكاتب، ولم يثبت كونه له يجب على المدعِي مع مؤْنَةِ الردِّ أجرةُ المثل لمدة الحيلولة، ولم يتعرَّضوا لذلك في مدة تعطل المنفعة، إذا أحضر المدعَى عليه، وهو في البلد، فأفهم سكوتُهُم عنْه أنَّهم سامحوا به في هذه الحالة، ولم يوجبوا الأجرة، وعلى هذا المفهومِ جَرَى في الكتاب، فقال: "ولا يلزم منفعة العبد التي تعطلت" وليحمل ما ذكره على إِحضار المدعَى عليه العبد الغائب عن مجلس الحكم دون البلد خاصَّةً؛ لأنه، لو أجرى على إِطلاقه، لكان ما ذكره مخالفاً لكلام الأصحاب في الغائب عن البلد، وسببُ احتمالِ تعطُّلِ المنفعةِ توقيرُ مجلس القاضي واقتضاءُ مصلحة الإيالة تركَ المضايقة في حُضُوره، وسَبَبُ الفَرْقِ بين الحالتين زيادةُ الضَّرَرِ هناك.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّكَنُ الخَامِسُ: المَحُكُومُ عَلَيْهِ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ غَائِباً فَوْقَ مسَافَةِ العَدْوَى، فَإِنْ كَانَ فِي البَلَدِ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ سَمَاعُ البَيِّنَةِ دُونَ حُضُورِهِ، وَإِنْ تَوَارَى أَوْ تَعَذَّرَ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ كَالغَائِبِ، وَمَهْمَا غَابَ إِلَى مَسَافَةِ العَدْوَى وَلَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِهِ حَاكِمٌ جَازَ لِلقَاضِي إِحْضَارُهُ وَلَكِنْ بَعْدَ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ، أَمَّا بِمُجرَّدِ الدَّعْوَى فَلاَ، وَإِنْ كَانَ لِلغَائِبِ مَالٌ فِي البَلَدِ وَجَبَ التَّوِفْيَةُ مِنْهُ، وَهَلْ يُطَالَبُ بِكَفِيلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الفصل يشير إلى ثلاثِ قَوَاعِدَ:
إحداها: الأصل ألاَّ يسمع القاضي البينة، ولا يحكم إِلا بحضرة الخصم، أمَّا أَلاَّ يسمع البينة؛ فَلَيَأْمَنَ من خطأ الشُّهود في المشهود عليه، وليَطْعَنَ فيه الخَصْمُ، إن وجد مطْعَناً، وليمتنعوا، إن كانوا كذبة؛ حياءً منه أو خوفاً، وأما ألا يحكم، فَلِيأْتِيَ بمدْفَعٍ، إِن وجده، إِلاَّ أَن هذا الأَصلَ قد يُتْرك لأَسبابٍ تقتضيه، وتفصيلها أنْ يقالَ: إِذا لم يكن الخصم حاضرًا في مجلس الحُكْم، فإما أن يكون في البلد أو لا يكون، إن كان في البلد، نُظِرَ؛ إِن كان ظاهراً يَتَأتَّى إِحضاره، فأصح الوجهَيْن، وقطَع به بعضُهم أنه لا يجوز سماع الدعْوَى والبينة عَلَيْه؛ لأن أمر القضاء مبنيٌّ على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر، ربما أَقر، فأغْنَى عن سماع البينة والنَّظَرِ فيها.
الجزء: 12 - الصفحة: 533
والثاني: الجواز؛ لأنه، إِما منكر، فهذا سماع بينة عَلَى المنكر، أو مقرٌّ، فيؤكد البينة إِقراره، وعلى هذا، فهل يحكم عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالغائب، لَمَّا سمع عليه البينة، حَكَم.
وأصحهما: المنع، بل يجب إِحضاره، ليأتِيَ بمطْعَنِ، إِن أمكنه، بخلاف الغائب عن البلد، فإن انتظاره يطُولُ، وأجرى الخلاف في الحاضر في مجلس الحُكْم، هل يسمع البينة عليه، ويحكم من غير سؤاله ومراجعته، والمنع هاهنا أظهر وأولَى، ولو كان يتعذَّر إِحضاره بان كان متوارياً أو متعذراً متغلباً فيجوز سماع الدعوى والبينة، والحكم عليه، وإلاَّ، اتخذ الناس التوارِيَ والامتناع ذريعةً إِلى إِبطال الحُقُوق، وعن القاضي الحُسَيْن، وجْهٌ آخر: أنه لا يجوز ولا يلحق الامتناع بالعَجْز، كما لا يلحق منع الثمن بالعَجْز في ثبوت حَقِّ الفسخ للبائع، د اِن لم يكن في البلد، نُظِر؛ إِن غاب إلَى مسافةٍ بعيدةٍ، جاز الحكم عليه، كما سبق، وإِن كانت قريبةً، فهو كالحاضر في البلد، وبم يضبط القرب والمُعْدُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ المسافة البعيدة هي الَّتِي تقْصَر فيها الصلاةُ، والقريبةُ ما دونها.
وأرجحهما: على ما ذكره صاحب الكتاب: أن المسافة التي يتمكَّن المنكر إِليها من الرُّجُوع إِلى مسكنه ليلاً قريبةٌ، وتُسمَّى، هذه مسافةَ العَدْوَى، فإِن زادتْ، فهي بعيدةٌ، وللقاضي أن يحكم على مَنْ غاب إذا عاد إليها؛ لأن في إِحضاره مفارقة الأَهْلِ بالليل.
وقوله في الكتاب "المحكوم عليه وشرطه أن يكون غائباً فوق مسافة العَدْوَى" المراد: المحكوم عليه الغائبُ؛ إِذ الغيبة ليستْ شرطاً في المحكوم علَيْه مطلقاً، بل الحكم على الحاضِرٍ أجودُ منْه على الغائب، لكن البابَ مِنْ أصله معقودٌ في القضاء على الغائِبِ، فأراد أن يبيّن أن الغَيْبَة المجوزة للقضاء أيةُ غيبةٍ هي.
ويجوز أن يُعْلَم قوله: "فإن كان في البلد فالصحيح" يجوز إِعلام لفظ "الصحيح" بالواو؛ لطريقة مَنْ قَطَع بالمنع، وقد حكاها القاضي ابن كج وغيره.
وقوله في المتواري والمتعذر، "الصحيح أنه يقضي عليه كالغائب" يمكن أن يستفاد من التشبيه والإِلحاق بالغائب؛ أنه يحلف المدَّعِي، كما يحلف المدعي على الغائب، وقد صرَّح به بعضُهم، وفي "العدة": أنه لا يحلف هاهنا لأن الخصم قادِرٌ على الحضور، ولو كان للمتمرِّد وكيلٌ نصبه بنفسه، فهل يتوقَّف التحليف على طلبه؟ فيه جوابان لأبي العباس الرويانيِّ؛ لأن الاحتياط، والحالة هذه، من وظيفة الوكيل، وكذا لو كان الغائبُ وكيلاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 534
الثانية: من أتَى القاضي مُسْتَعْدِياً عَلَى خصمه؛ ليحضره، فخصمه، إِما أن يكون في البلد أو خارجه:
الحالة الأولَى: إذا كان في البلد، وكان ظاهراً يمكنُ إِحضاره، وجب إِحضاره 167، وقال مالك: إِن كان من أهل المروءات، لم يُحْضِرْه، إِلا أن يعرف بينهم معاملةً؛ صيانةً له عن الابتذال، وعن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يحضر ذوي المروءات في داره لا في مجلس الحكم، والمذهب: أنه لا فرق، ثم الإحضار قد يكون بختم من طِينٍ رطبٍ أو غيره يدفعه إِلى المُدَّعِي؛ ليعرضه على الخصمَ وليكن مكتوباً علَيْه؛ أجِبِ القاضِيَ فَلاناً، وقد يكون بمحْضَرِ من الأعوان المرتَّبين على باب القاضي، ويكون مؤنته على الطالب، إِن لم يرزقوا من بيت المال، وإِن بعث بالخَتْم، فلم يجب بعث العون إِليه، وإذا ثبت عند القاضي امتناعه من غير عذر أو سوء أدب بكسر الختم ونحوه، واستعان على إِحضاره بأعوان السلطان، فإِذا حضر عَزَّره على ما يراه، ويكون مؤنة المُحْضِر، والحالةُ هذه، على المطلوب لامتناعه، وفي "الجرجانيات" وجه آخر: أنها على المدَّعِي أيضاً، فإِن استخْفَى، بعث من ينادى على باب دَارِه، أنَّه، إِن لم يحضُرْ إِلى ثلاثٍ، سمَّر باب داره أو ختم عليه، فإِن لم يحضر بعد الَثلاث، وسال المُدَّعِي التسميرَ أو الختم، أجابه إِليه، وينبغي أن يتقرَّر عنده؛ أن الدار دارُهُ، دماِذا عرف له موضع، قال ابن القاصِّ: يبعث القاضي نفَراً من النسوة والصبيان يهجمون عليه على هذا الترتيب، ويفتشونه، ومتى كان للمطلوب عُذْرٌ مانعٌ من الحُضُور، لم يكلِّفْه الحضور، بل يبعث إِليه من يحكم بينه وبين خصمه، أو يأمره بنَصْب وكيلِ التخاصم عنه، فإن دعت الحاجةُ إلَى تكليفه، بعث إِلَيْه من يحلفه، والعُذْر كالمرض وحَبْسِ الظالم والخَوْفِ منه، وفي كون المرأة المخدرة خلافٌ سيأتي.
الحالة الثانية: إذا كان خارجَ البلدِ فينظر، إن كان خارجاً عن محلِّ ولاية القاضي، لم يكن له أن يحضره، وإِن كان في محلِّ ولايته، فإن كان له في ذلك الموضع نائبٌ، لم يحضره، بل يسمع البينة، ويكتب إِليه، وحَكَى أَبو العباس الرويانيُّ وجهاً: أنه يلزم إِحضاره، إِذا طلب الخصم، وهذا قضية إِيراد صاحب "التهذيب" فيما أذا كان المطلوبُ عَلَى مسافة العدْوَى، وبه أجاب في "العدة" وفي أمالي أبي الفرج السرخسيِّ؛ يخير القاضي بيْنَ أن يحضر المطلوب، وبين أن يسمع البينة، ويكتب إلى نائبه، وإِن لم يكن هناك نائبٌ، فثلاثة أوجه:
الجزء: 12 - الصفحة: 535
أحدها: وبه أجاب أصحابنا العراقيون: أنه يحضره، قَرُبَتِ المسافةُ أمْ بعُدَتْ، نعم، له أن يبعث إلى بلدِ المطلوبِ مَنْ يحكم بينه وبين المستعْدِي.
والثاني: إِن كان على ما دُونَ مسافة القَصْر أحضره، فَإِنْ زادت، فلا.
والثالث: إِن كان على مسافَةِ العَدْوَى، أحضره، وإِن زادت، فلا، وهذا أظهر عنْد الإِمام، وهو الذي أورده في الكتاب، فقال "ومهما غاب إلى مسافة العَدْوَى" فقيد الحَكم بمسافَةِ العدْوَى وقوله: "ولم يكن في موضعه حاكم" يجوز إِعلامه بالواو؛ لما عرفْتَ أَنَّ في وجهٍ يحْضر، وإن كان هناك حاكمٌ، لماِن قلنا: إن كان هناك حاكمٌ، فكذلك لا يحضره، إذا كان هناك من يتوسَّط، ويصلح بينهما؛ بان يكتب إليه أن يتوسط، ويصلح، فإِن تعذَّر عليه، فحينئذ يحضره، وحيث قلْنا: يحضر الخارج عن البَلدِ، فقد ذكر الإِمام وصاحب الكتاب، أنه إنما يحضر، إذا أقام المدَّعِي بينةً عَلَى ما يدعيه، فإنه قد لا يكون له حجَّةٌ، ويتضرر الخَصْمُ بالإِحضار، وبه أجاب في "العدة" لكن قد لا يكون له حجة ويريد تحليفه، فلعله ينزجر، ولم يتعرض الأكثرون، لما ذكراه، ولكن قالُوا: يبحث القاضي عن دعواه وعن جهتها، فقد يريد مطالبته بما لا يعقده كالذمِّيِّ يريد إحضار المسلم للمطالبة بضمان الخمر التي أراقها عليه.
بخلاف الحاضر في البلد لا يحتاج في إِحضاره إِلَى تقديم البحث؛ لأنه ليس في الحُضُور هناك مؤْنَةٌ ومشَقَّةٌ شديدةٌ.
فَرْعٌ: لو كان الاستعداء على امرأةٍ خارجةٍ عن البلد، هل يحضرها 168، وهي عورة، وهل يُشْترط أن يكون الطريقُ آمناً، ومعها نسوةٌ ثقاتٌ، وهل على القاضي أنْ يبعث إِلَيْها محرماً لها؛ لتحضر معه، قال أبو العبَّاس الرويانيُّ: كل ذلك على وجهين:
الأصح: أنه يبعث إِلَيْها مَحْرماً أو نسوةً ثقاتٍ كما في الحَجِّ.
الثالثة: إِذا ثبت على الغائب دَيْنٌ، وله مال 169 حاضر، فعلى القاضي توفيةُ الدَّيْن
الجزء: 12 - الصفحة: 536
منه، إذا طلبه المدَّعي، وإِذا وفَّى، هل يطالب المدَّعِي بكفيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الغائب قد يكون لَهُ مَدْفَع، إذا حضر، فيحتاط له.
وأظهرهما: المنع؛ لأن الحكم قديمٌ في الحال، والأصلُ عَدَمُ الدفع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: فِي القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ فِي العُقُوبَاتِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي وَلاَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي عُقُوبةٍ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي القِصَاصِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الحُدُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَيَّنَّا أن القضاء على الغَائِب جائزٌ، وذلك في غير العقوبات، وأما العقوبات، فما كان حقاً لله تعالَى؛ كحد الزنا والشرب وقطع الطريق فقولان:
أحدهما: الجواز أيضاً، كما في الأموال، ويكتب القاضي إِلى قاضي بلدِ المشهودِ علَيْه؛ ليأخذه بالحَقِّ.
وأصحهما: المنعُ؛ لمعنيين:
أحدهما: أن الحدودَ يُسْعَى في دَرْئِهَا، ولا يُوسَّع بابها.
والثاني: أنَّ حقوقَ الله تعالَى، يبنَى على المساهلة؛ لاستغنائه، وحقوق العبادِ علَى المضايقة والتشْديد؛ لاحتياجهم، وأما حقُّ الآدميِّ؛ كالقصاص وحد القذف فالصَّحيح المنصوص الجوازُ، وفيه قول مخرَّجٌ من حدودِ الله تعالَى وقد يرتب، فيقال: إن جوَّزنا في حقِّ الله تعالَى، ففي حقِّ الآدميِّ أولَى، وإن منعنا هناك، فههنا قولان؛ بناءً على المعنيين، إِن قلنا؛ المنع هناك؛ لأن الحدود يسعى في درئها، وندفع بالشبهة، فكذلك هاهنا، وإِن قلنا: لأن حدود الله تعالَى مبنيةٌ على المساهلة، فهذا المعنى مفقودٌ هاهنا، فيجوز، وإِذا أخذت مطلق العقوبة، وتركت الترتيب، قلتَ: في القضاء على الغائب في العقوبات ثلاثة أقوال؛ ثالثها الفرْقُ، وكذلك أورد صاحب الكتاب في "باب الشهادة" والخلاف في الشهادة على الشهادة مع كتاب القاضي إِلى القاضي هاهنا، وأعاد ذكر كتاب القاضي إلى القاضي مع الشهادة على الشهادة في بابها، ولو اقتصر على ذِكْر كلِّ واحد منهما في موضعه أو عَلَى ذكرهما جميعاً في موضع، لكَفَى، ولا فرق في كتاب القاضي إِلى القاضي بين "كتاب الحكم" و"كتاب النقل" في كلام الجُمْهُور، وفي "الإبانة" للفورانيِّ: أن الخلاف في "كتاب النقل" فأما "كتاب الحكم" فإنه يقبل في حقِّ اللهَ تعالَى، وفي حقِّ الآدميِّ قولاً واحداً والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ عُزِلَ القَاضِي بَعْدَ سَمَاعِ البَيِّنَةِ ثُمَّ وُلِّيَ وَجَبَ الاسْتِعَادَةُ، وَلوْ خَرَجَ مِنْ وِلاَيَتِهِ ثُمَّ عَادَ فَفِي الاسْتِعَادَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا سمع القاضي بينته، فعُزِلَ، ثم وُلِّي، لم يحكم بالسماع الأول؛
الجزء: 12 - الصفحة: 537
لبطلانه بالعزل، بل يجب الاستعادة 170، ولو خرج من محلِّ ولايته، ثم عاد فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لعروض ما يمنع الحكم.
وأظهرهما: أن له أنْ يحكم به، ولا حاجةَ إِلَى الاستعادة؛ لأن ولايته باقيةٌ، وإنَّما فقد شرط نفوذ الحكم، ولهذا إِذا عاد، لم يحتج إِلَى توليةٍ جديدةٍ، وهذا الفرع لا اخْتِصَاص له بالقضاء علَى الغائب.
ولو سمع القاضي الشهادةَ عَلَى الغائِبِ وقدَّم الغائب قبل أن يحكم، لم تجب الاستعادة، ولكنه يخير به ويمكَّن من الجرح، ولو قدم الغائب بعد الحكْم، فهو على حجته في إِقامة البينة على القضاء والإِبراء، وفي القدح في الشهود، ولكن لا بدّ وأن يُؤَرِّخَ الجارح فسقه بيوم الشهادة؛ لأنه إِذا أطلق، أمْكَنَ حدوثه بعْدَ الحكم، وبلوغ الصبي بَعْدَ سماع البينة علَيْه أو بعد الحكم كقُدُوم الغائب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: المُخَدَّرَةُ لاَ تحْضُرُ مَجْلِسَ الحُكْمِ للِتَّحْلِيفَ بَلْ يَبعَثُ إلَيْهَا القَاضِي مَنْ يُحَلِّفُهَا، وَفِيهِ وَجهْ آخَرُ يُلْزِمُهَا الحُضُورَ، وَقِيلَ المُخَدَّرَةُ هِيَ الَّتي لاَ تَخْرُجُ أَصْلاً إِلاَّ لِلضَّرُورَة، وَقِيلَ: هِيَ الَّتي لاَ تَخْرُجُ إِلَى الحَمَّامِ وَإِلَى العَزَاءِ وَالزِّيَارَاتِ إلاَّ نَادِراً.
قَالَ الرَّافِعيُّ: المرأة المخدَّرة، هل تُكلَّف حضُورَ مجلِس الحكْمِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن القفَّال: نعم، كسائر الناس ولا اعتبار بالتخْدِير، ولهذا لو حضر يشهدون على امرأة، فقالوا: نشْهَدُ عَلَى عينها، ولا نعرف نسبها، فإن القاضي يأمرها بكَشْفِ الوجه، ومعلومٌ أن هذا أعظم علَيْها من مجرَّد الخروج وعلى هذا؛ لو حضر القاضي دارها؛ ليحكم بينها وبين خصمها أو بعث من يحكم، كان للخَصْم أن يمنع من دخول دارها، ويطلب إِخراجها.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: أنها لا تكلَّف الحضور؛ كالمريض، وسبيل القاضي في حقّها كما سبق في المريض، واستشهدوا لهذا الوجْهِ بقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة العَسِيفِ "واغْدُ يا أُنَيْس عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنَ اعْتَرَفَتْ، فَأرْجُمْهَا" 171 بعث إِليها، ولم يحضرها، وعلى هذا؛ قال في "الشامل": إِذا حضر دارها من بعثه القاضي، تكلَّمت من وراء الستر، إِن اعترف الخصم بأنها خصمه أو شهد اثنان من محارمها؛ أنها هي التي ادَّعَى علَيْها، وإلاَّ تلفَّقت بإزار، وخرجت من السِّتْرَ وَمِنَ المخدرة لا شك أن التي لا
الجزء: 12 - الصفحة: 538
تخرج أصلاً إلاَّ لضرورة فهي مخدَّرة، وأما التي لا تخرج إلاَّ نادراً لعزاءٍ أو زيارةٍ أو حمامٍ، هل هي مخدَّرةٌ؟ فيه وجهان:
أشبههما: ويحكى عن القاضي الحُسَيْن: نعم، ويكفي أنه لا تصير مبتذلة بكثرة الخروج للحاجَاتِ المتكرِّرة، كشراء الخبز والقطن وبيع الغزل ونحْوها، ومنْهم مَنْ لم يجعل الخروج إلى الحمام بالليل مبطلاً للتخدير.
وقوله في الكتاب "والمخدرة لا تحضر مجلس الحكم للتحليف" تخصيص التحليف بالذكْر كأنه لامتناع النيابة فيه، فأما ما عدا ذلك، فيقنع بالتوكيل فيه من المخدَّرة وغيرها.
وقوله "وقيل المخدرة هي التي لا تخرج أصلاً إِلاَّ لضرورة" هذا يَحْصُرُ التخديرَ فيه على هذا الوجه، وقوله بعده "وقيل: هي التي لا تخرج إِلَى العزاء والزياراتِ إلاَّ نادراً" لا يمكن حمله على الحصر؛ فإِنَّ التي يندر خروجُهَا إِذا كانت مخدَّرةً، فالتي لا تخرج أصلاً أولَى أَنْ تكونَ مخدَّرةً، وإِنما المقصود أنَّ التي يندر خروجها للعزاء والزيارات مخدَّرة أيضاً، ولو أكثرت الخروج لذلك، بَطَل التخدير كالمبتذلة بالخُرُوج للحاجات المتكرِّرة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: لَيْسَ لِلقَاضِي أَنْ يُزوِّجَ امْرَأَةً خَارِجَةً عَنْ مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ إلاَّ إِذَا دَخَلَتْ وِلاَيَتَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصرَّفَ فِي مَالٍ حَاضِرٍ لِيَتِيم غَائِبٍ عَنْ وِلاَيَتِه، لَكِنْ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الهَلاَكِ كَمَا يفْعَلُ فِي مَالِ كُلِّ غَائِبٍ فَهَل لَهُ نَصْبُ القَيِّمِ في ذَلِكَ المَالِ؟ فيهِ تَرَدُّدُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القاضي يزوج مَنْ لاَ وَلِيَّ لها في مَحَلِّ ولايته من البلديَّات والغربيات، ولا يزوج امرأة خارجةً عن محل ولايته، هاِن رضيت، ولا يكفي حضور الخاطب فإن الولاية عليها لا تتعلق بذلك الخَاطِبِ، بخلاف ما لو حكَم الحاضرُ على الغائب؛ لأن المدَّعِيَ حاضرٌ، والحكم يتعلَّق به، وبخلاف ما لو كان ليتيمٍ غائبٍ عن محلِّ ولايته مالٌ حاضرٌ، فإنه يتصرف فيه؛ لأنَّ الولاية عليه ترتبطُ بماله، ثم تصرفه في مال اليتيم الغائب يكون بالحفْظِ والتعهُّد، وإذا أشرف على الهلاك، أتَى بما يقتضيه الحال بشَرْط الغبطة اللائقة، وهذا سيله في مال كلِّ غائب أشرف على الهلاك، فلو كان حيواناً، وخيف عليه الهلاك يبيعه وإِن حصلت الصيانة بالإِجارة، اقتصر عليها، وهل له أن يتصرَّف في مال اليتيم الغائب للاستنماء، وأن ينصب قيِّماً كذلك؟ فيه وجهان:
عن القاضي الحُسَيْن: لا؛ أن نصب القيِّم يرتبط بالمالِ والمالكِ جميعاً، فلو جاز النصب لحضور المال، جاز لقاضي بلد اليتيم النصب لحضُورِ المالك، وحينئذٍ تتمانع تصرفاتهما، قال في "الوسيط": والأَوْلَى أن يلاحظ مكان اليتيم دون المال.
الجزء: 12 - الصفحة: 539
وقوله في الكتاب "لكن إِذا أشرف على الهلاك" أشار به إلى أنه إِنما يتصرف في مال اليتيمِ الغائبِ بالحفْظ والصيانة عن الهلاك، وهل يتصرَّف للتجارة وطلب الفائدة كما يتصرَّف في أموال اليتامى الحاضرين؟ فيه وجهان، كما في نصب القيم لهذا الغَرَضِ، ويجوز نصبه للحفْظِ والصيانة بلا خلاف 172، ويجوز للقاضي إقراضُ مالِ الغائبِ؛ ليقطع عنه غَرَرَ الغبية، ويخصه بذمَّة ملي، يحكى ذلك عن صاحب "التلخيص" وهو مَوافقٌ لما مر في "باب الحجر" أنَّ له أنْ يُقْرِضُ مال الصبي لكن ذكرنا هناك أَنَّ غير القاضي أباً كان أو غيره؛ لا يقرض مال الصبيِّ 173 إِلاَّ لضرورة نهب وغيره، وعن صاحب "التلخيص": أنه جوز للأبِ ما جوَّزه للقاضي، فهذا وجهٌ آخر، وأما ما لا يتعيَّن له مالك، وحصل اليأس عن معرفته، ذكر بعضهم أن له أن يبيعه، ويصرف ثمنه إِلَى المصالح، وأَنَّ له أنْ يحفظه 174، واعْلَمْ أنَّ الفرْعَ الثالث والرابع لا اختصاصَ لهُمَا بالبَابِ، كما ذكرنا في الفَرْع الثاني، وهذا آخرِ شرْحِ الباب، ويدخل فيه مسائلُ أُخَرُ نورد مَنْها ما الحاجةُ إِلَيْهِ أهمُّ، والله المُوَفِّق.
"كتاب قاضي أهل البَغْي" مقبولٌ ككتاب قاضي أهْل العدل، وعن القديم قولٌ أنَّه لا يقبل 175 كتاب أهل البغْي، وأطلق بعضهم؟ أنَّه لا يجوز للقاضي أنْ يكتب كتاباً في غير محلِّ ولايته، ويستمر على أصْل الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ما ذكره ابْنُ القاصِّ، وهو أنَّه لا يحكم، ولا يشهد في غيَر محَلِّ ولايته، فأما الكتاب، فلا بأس به، وإِذا حكم القاضي بينة رجل أقامها وكيلُ رجلٍ في وجهِ وكيلٍ آخر، ثم حضر المدعَى عليه، وقال: كنْت: عزلتُ وكيلِي قَبْل أن أقَمْتَ البينة في وجهه، لم ينفعه؛ لأن القضاء علَى الغائِبِ جائزٌ، ولو حضر المدعِي، وقال: كنتُ عزلْتُ وكيلي، وقلْنا: إِن الوكيل ينعزل قبل بَلوغ الخَبَر لم يصحَّ الحكم؛ لأن القضاء للغائب غير جائز، وشهود الكتاب الحكمي إِذا أرادوا التخلف في الطريق، نُظِر؛ إن كانوا يتخلفون في موضع فيه قاضٍ وشهود، فحامل الكتاب إِما أن يُشْهِد عَلَى كلِّ واحدٍ منْهم شاهدَيْن يحضران معَه، ويشهدان عند القاضي الذي يقْصِده، وإِما أن يعرض الكتاب عَلَى قاضي البلد الذي يتخلفون فيه؛ ليشهدوا به عنْده، فيضمنه، ويكتب به إِلى القاضي الذي يَقْصِده، وإِن
الجزء: 12 - الصفحة: 540
أرادوا التخلف حيْثُ لا قاضي ولا شهود، قال فى "التهذيب": ليس لهم ذلك، بَلْ عليهم الخروجُ إلَى موضع فيه قاضٍ وشهودٌ، فإن طلبوا أجرة الخروج، إِليه، فليس إلاَّ نفقتهم وكراء دوابِّهم بخلاف ما لو طلبوا أكثر من ذلك عند ابتداء الخروج من بلد القاضي الكاتب؛ حيث لا يكلَّفون الخروج والقناعة به؛ لأن هناك يمكن إِشهاد غيرهم، وهاهنا حامل الكتاب مضطر إِليهم، لماِذا لزم المكتوب إليه الخصم، وطالب أن يكتب له كتاباً بقبض الحقِّ، هل على القاضي إِجابته؟ فيه وجهان، قال الإصطخريُّ: نعم؛ كيلا يطالب به مرةٍ أخرَى، وبهذا أجاب أبو الفرج الزاز، وقال أكثرهم، لا؛ فإن الحاكم إِنما يطالب بإلزام ما حكم به وثبت عنده، ويكفي للاحتياط والاستيثاق إشهادُ المدعِي عَلَى قبْضِ الحقِّ، ولو طالبه بتسليم الكتاب الذي ثبت الحق به، لم يلزمْهُ دفْعُه، إِليه، وكذا من له كتاب بدَيْنٍ فاستوفاه، أو بعقار فباعه، لا يلزمه دفعُه إِلى المستوفَى منه، وإلَى المشتري؛ لأنه ملكه، ولأنه قد يظهر استحقاقٌ فيحتاج إليه.
والله أعلم.
البَابُ الرَّابِعُ فِي القِسْمَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ إِنْ كَانَتْ بِالإِجْبَارِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ العَدَدُ فِي القَاسِمِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالمُقوِّمُ يُشْتَرَطُ فِيهِ العَدَدُ، وَلَيْسَ لِلقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بالتَّقْوِيمِ بِبَصِيرَةِ نَفْسِهِ وَإِنْ قُلْنا: يَقْضِي بِعِلْمِهِ لأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْمِينِ وَيَحْكُمُ بِالعَدَالَةِ بِبَصِيرَةِ نَفْسهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحاجة داعيةٌ إلى تجويز القسمة 176 بَيَّنَةٌ وذلك؛ لأنه قد يتبرَّم الشركاء أو بعضهُم بالمشاركة، ويريدون الاستبداد بالتصرُّف، وفي كتاب الله تعالَى جدُّه ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] الآية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقَسِّم الغنائِمَ بين الغانمين، ثم القسمة قد يتولاَّها الشركاء بأنفسهم، وقد يتولاَّها غيرْهم، وهو إما منصوبُ الإِمام أو منصوبُهم، ويشترط في منصوب الإِمام الحريَّة، والعدالة 177،
الجزء: 12 - الصفحة: 541
والتكليف، والذكورة؛ لأنه ملتزمٌ؛ كالحاكم من حيثُ إن الحاكم ينْظُر في الحُجَّة، ويجتهد، ثم يلزم بالحكم والقاسم يجتهد مساحةً وتقديراً، ثم يلزم بالإِقراع، ويشترط أن يكونَ عالماً بالمساحة، والحساب، وحَكَى أبو الفرج الزاز وجهَيْنِ 178 في أنَّه، هل يشترط أن يحسن التقويم؛ لأن في أنواع القسمة ما يُحْتَاجُ إليه، ولا يُشْتَرَطُ في منصوب الشركاء العدالةُ والحريةُ، فإنه وكيل من جهتهم 179، كذلك أطلقوه، وينبغي أن يكون توكيلُ العَبْدِ في القِسْمة على الَخلاف في توكيله في البَيْع والشراء، ولو حكَّم الشركاءُ رجلاً يقسم بينهم، قال أصحابُنا العراقيون، هل هو على القولَيْن في التحكيم إن جوزناه فالذي حكموه كمنصوب القاضي، ومهما كان في سَهْم المصالح من بيت المال مالٌ يتفرَّع كمؤنة القاسمين، فعلى الإِمام أن ينصب بها في كل بلدٍ قاسماً، فإن لم يحصل الكفاية بواحدٍ، زاد بحسب الحاجة، وإن لم يكُنْ فيه مالٌ أو لم يتفرَّع لهذه الجهة، فقد ذكرنا في آدابِ اِلقاضِي أنه لا يعين حينئذٍ قساماً؛ لئلا يغالي في الأجرة، وأيضاً كيلا يغرَّه بعض الشركاء، فيحِيفَ، بل يدع الناس ليستأجروا من شاءوا، وإذا لم يكن في القسمة تقويم فيكفي قاسم واحد أم لا بُدَّ من اثنين؟ فيه قولان ووجِّهَا بأنَّ منصب القاسم منصب الحاكم أو منصب الشاهد، والأصحّ الأوَّلُ، ولم يُجِبِ المُعْظَم إلا به، وقطع به قاطعون، وإن كان فيها =القسمة وهذا قضية كلام جماعة حيث جعلوه خليفة القاضي.
وقال الجرجاني في الشافي؛ يفارق منصوب الحاكم الحاكم في أربعة أشاء أن الحاكم يجب أن يكون مجتهداً في أحكام الشرع كلها ولا يلزم في حق القاسم أكثر من أن يكون مجتهداً فيما إليه من أحكام القسمة.
والثاني: أن يكون القاسم عارفاً بالحساب بخلاف الحاكم أي على الصحيح.
والثالث: أن الحاكم يكون واحداً وذكر التفصيل السابق عن العراقيين في القسام.
والرابع: أن للحاكم أخذ الرزق من بيت المال دون الأجرة لأن عمله مجهول كالإِمام، وللقاسم أخذ الرزق من بيت المال وأخذ الأجرة منه لأن عمله معلوم فجاز أخذ الأجرة عليه أيضاً كبناء القناطر والمساجد واعتبر الماوردي والبغوي وغيرهما أن يكون قليل الطمع نزه النفس حتى لا يرتشي فيما يلي ويخون.
انتهى ما أردته من كلام الأذرعي.
الجزء: 12 - الصفحة: 542
تقويمٌ، فلا بدّ من العدد أن يشترط العدد في المقوِّم، ويجوز أن ينصب الإِمام قاسماً، ويجعَله حاكماً في التقوبم، فيعتمد في التقويم قول عَدْلَيْنِ، ويُقَسِّم بنفسه، وهل للقاضي أن يحكم ببصيرة نفسه في التقويم؟ حكَى في "الوسيط" فيه طريقين:
أحدَهما: أنه على القولين في أن القاضي، هَلْ يقضي بعلمه.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن التقويم تخمينٌ مجرَّدٌ، وللأولين أن يقولوا: إنه، وإن كان تخميناً، فلا يبْعُدُ أن يقام ظنُّه مقام الشهادة المبنية على الظنِّ، كما أُقِيمَ علْمُهُ مُقَامَ الشهادة المبنية على العلْم، وأيضاً قد مرَّ أن القاضي يعتمد في عدالة الشهود على بصيرة نفسه، ومعلوم أن المستَنَدَ فيه الظن، والطريق الثاني هو المذكور في الكتاب، والأول أشبه، وهو اختيار الإِمام، فيما أظن.
وقوله في الكتاب "وهي إن كانت بالإجبار فهل يُشْتَرَطُ العدد في القاسِمِ؟ فيه قولان" يجوز أن يعلم لفظ "القولين" بالواو؛ لقطع من قَطَع بالاكتفاء، بواحد، وتخصيصُ القولَيْنِ بقسمة الإِجبار لم يتعرَّض له في "الوسيط" بل أطلقهما إطلاقاً، وكذلك قول القاضي الرويانِّي، فيمكن أن يُقَالَ: أشار بهذا التقييد إلى أن الشركاء لو فوَّضُوا القسمة إلى واحدٍ بالتراضِي، جاز لا محالة؛ لأنه وكيل من قبلهم.
وقوله: "وليس للقاضي أن يقضي بالتقويم بصيرة نفسه" معلم بالواو، للطريق الآخر.
وقوله: "ويحكم بالعدالة ببصيرة نفسه" هذا قد سبق ذكره في موضعه، وكأنه أعاد لينبِّه عَلَى بُعْدِه عن الحكم بالتقويم ببصيرة نفسه على الطريقة الَّتِي ذكرناها، فإنه لا يقضي بالتقويم ببصيرة نفسه، وإن قلْنا: إنه يقضي بعلمه، وفي العدالة يقضي ببصيرة نفسه، وإن قلنا إنه لا يقضي بعلمه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأجْرَةُ القَسَّامِ الرُّؤوسي عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ أَوْ عَلَى عَدَدِ فِيهَ قَوْلاَنِ كَالشُّفْعَةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ قَطْعاً، وَإِذَا كَانَ القَسَّامُ يُقَسِّمُ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَتْفرَدَ بِاسْتِئْجَارِهِ فَيَجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا سَمَّى فِي الإِجَارَةِ، وَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الطِّفْلِ إِذَا طُولِبَ بِالقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غِبْطَةٌ لَكِنَّ القَيِّمِ لاَ يَطْلُبَ القِسْمَةَ إلاَّ عِنْدَ الغِبْطَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أن القاسم المنصوب من جهة الإِمام يدر رزقه علَيْه من بيْتِ المال 180، وفي شرح "مختصر الجُوَيْنيِّ" وجه عن أبي إسحاقَ: أنه لا يدر من بيت المال لأنه لا يحتاج إلى تفريغِ النفْسِ لهذا العمل، بخلاف القاضي، والمذهبُ المشهورُ هو
الجزء: 12 - الصفحة: 543
الأول، وإذا لم يكف مؤنته من بيت المال، فأجرته على الشُّرَكَاء، سواءٌ طلب جميعُهُمُ القسمةَ أو بَعْضُهم دون بعض، وعن أبي حنيفةَ الأجْرةُ على الطالب خاصَّةً، حَكَى القاضي ابن كج وجْهاً مثله عن ابن القَطَّان وغيره 181، والظاهر الأولُ، ثم يُنْظَر؛ إن استأجر الشركاء قاسماً وسمَّوْا له أجرةٌ، وأطلقوا، فتلك الأجرة تتوزَّع عَلَى قدر الحصص أو يكون على عدد الرؤوس؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين كما في الشفعة.
أصحُّهُمَا: وبه قال أحمد: أنها تتوزَّع على قدر الحصص؛ لأنها من مؤنات المِلْك، فأشبهت النفقة.
والثاني: على عدد الرؤوس 182، وبه قال أبو حنيفة، ويُحْكَى عن مالك أيضاً؛ لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعاً، وقد يكون الحسابُ في الجزء القليل أغمض، وأيضاً، فإن قلة النصب توجِبُ كثرة العمل؛ لأن القسمة تقَعُ بحسب أقل الأجزاء 183، وإن لم تجب على من قَلَّ نصيبه زيادةٌ، فلا أقل من التساوِي.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقول الأول بخلاف الشفعة؛ لأن أصل الشَّرِكَةِ سَبَبٌ للأخذ بالشفعة، وقد اشتركا في أصل الشُّفْعَة، وهاهنا الأجرةُ في مقابلة العَمَلِ، والعمل فيمن يزاد نصيبه أكثر بالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات، وعلَى هذا الخلاف ما إذا استأجروا القاسم استئجاراً فاسداً، فقسم أن أجرة المثل كيف توزَّع؟ وكذلك إذا أمروا قاسماً، فقسم، ولم يذكروا أجرةً، إذا حكمنا بوجوب أجرة المثل في مثل ذلك، ويَطَّرِدُ هذا الخلاف في قسمة الإِجبار، إذا أمر القاضي قاسماً، فقسم، ولو استأجروا قاسمًا وسمَّى كلُّ واحد منهم أجرةً، التزمها، على كلِّ واحدٍ منهم ما التزم، وانقطع النظر عن الحصص والرؤوس جميعاً، وهذا واضحٌ إن فرض اجتماعهم على الاستئجار بأن قالوا: استأجرناك، لتقسم بيننا كذا بدينارٍ على فلان ودينارَيْنِ عَلَى فلان، ووكَّلوا وكيلاً يعقد لَهُمْ، كذلك وإن فُرِضَتْ عقودٌ مترتبةٌ، فقد ذكروا فيه إشكالاً وهو أن الشركاء، إذا كانوا ثلاثةً، فعقد واحدٌ لإِفراز نصيبه، ثم الثاني كذلك، فعلى القسام إفراز
الجزء: 12 - الصفحة: 544
النصيبَيْن، فإذا أفرزهما تميَّز نصيب الثالث، فعقد الثالث إذن استئجارٌ على عمل مستحقٍّ على الأَجير، وأجاب القاضي الحُسَيْن بأن إفراز النصيبَيْنِ من غير عَمَلٍ في نصيب الثالث بالمساحة والتخطي فيه ممَّا لا يتأتى، فيقع استئجار الثالث على ذلك، ولم يرْتَضِ الإِمامُ هذه المفاوَضَةَ سُؤَالاً وجواباً؛ لأنهما جميعاً مبنيان عَلَى تجويز استقلال بعض الشركاء باستئجار القسام؛ لإِفراز نصيبه، ولا سبيل إِليه؛ لأن إفراز نصيبه لا يمكن إلاَّ بالتصرُّف في نصيب الآخرين؛ تردُّداً وتقديراً، ولا سبيل إليه إلاَّ برضَاهم، نعم يجوز أن ينفردَ واحدٌ منْهم برضا الباقِيَن، فيكون أصيلاً ووكيلاً، ولا حاجَةَ إِلَى عقد الباقين، وحينئذٍ، إن فصل ما على كلِّ واحد منهم بالتراضِي فذاك، وإن أطلق، عاد الخلاف في كيفية التوزيع، وإلَى هذا أشار في الكتاب بقوله: "وإذا كان القسَّام يقسم برضا الشركاء، فليس لواحدٍ أن ينفرد باستئجاره، يعني: إن كانت القسمةُ بالإِجبار أمْكَنَ أن يتصرف القسام في نصيب الممتنع بأمر القاضي، فأما إذا لم يكن إجبارٌ، فلا بدّ من اتفاق الجميع، وإذا اتَّفَقُوا، فعَلَى كلِّ واحدٍ ما سمَّى عليه، فإن أطلقوا، فعلى الخلاف.
هذه مسألة والمسالةُ الثانية من الفصل، إذا كان أحد الشريكَيْنِ طفلاً، نُظِرَ؛ إن كان في القسمة غِبْطةٌ له، فعلى الوليِّ طلب القسمة وبذل الحصة من الأجْرَةِ من مال الطفل، وإن لم يكنْ فيها غبْطَةٌ، فلا يطلبها، وإن طَلَبَها الشريك الآخَرُ، أُجِيبَ، إن قلنا: الأجرة على الطالب خاصَّةً فذاك، وإن قلْنا: على الكل، فهاهنا وجهان:
أحدهما: وبه أجاب في "العدة": أنها على الطالب أيضاً؛ لأن أخْذَ الأجْرَةِ من مالِ الطِّفْل، ولا غبطة، إجحافٌ لا يحتمله الصبيُّ.
وأصحُّهُمَا: أن حصة الصبيِّ تُؤْخَذُ من ماله؛ لأن الإِجابة إلى القسمة واجبةٌ، والأجرة من المؤنات التابعة لها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاعْلَمُ: أَنَّ الإِجْبَارَ إِنَّمَا يَجْرِي فِي قِسْمَةِ الإِفْرَازِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَابِلاً للْقِسْمَةِ إِلَى أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِبَةِ الصَّفَاتِ وَيَبْقَى الانْتِفَاعُ كَذَوَاتِ الأَمْثَالِ أَوْ كَالكِرْبَاسِ وَالأرْضِ وَكَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الأَرْضِ: أَنْ تُقَسَّمَ بِالأَجْزَاءِ بِحَسَبِ أَقَلِّ الأَجْزَاءِ، فَإِنْ كَانَ الأرْضُ بَيْنَ ثَلاَثةٍ لِوَاحِدٍ نِصْفُهَا وَلآخَرَ ثُلُثُهَا وَلآخَرَ سُدُسُهَا قُسِّمَ بِسِتَّةِ أجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ في المِسَاحَةِ وَيَكْتُبُ أَسَامِيَ المُلاَّكِ عَلَى ثَلاَثِ رِقَاعِ ويُدْرِجُهَا فِي بَنَادِقَ مُتَسَاوَبةِ يُخْرِجُهَا مَنْ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَيَقِفُ القَسَّامُ عَلَى طَرَفِ الأَرْضِ فَإذَا خَرَجَ مثَلاً اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ سُلِّمَ إِلَيْهِ الجُزْءُ الأَوَّلُ وَمَا يَلِيهِ إِلَى تَمَامِ النِّصْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ اسْمُ الآخَرِ كَذَلِكَ، أمَّا الطَّاحُونَةُ وَالحَمَّامُ وَمَا لاَ يَبْقَى مُنْتَفَعاً بِهِ لاَ يُجْبِرُ فِيهَا عَلَى القِسْمَةِ، وَلَوْ مَلَكَ مَنْ دَارِ عَشْراً لاَ يَصْلُحَ لِلْمَسْكَنِ لَوْ أَفْرَزَ فَطَلَبَ القِسْمَةَ فَلاَ يُجَابُ علَى الأَصَحِّ وَلَوْ طَلَبَ صَاحِبُهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 545
لَزَمَتْهُ الإِجَابَةُ عَلَى الأَطْهَر المَنْفَعَةُ بَعْدَ القِسْمَةِ إِنْ أُحْدِثَ مُسْتَوْقَدٌ وَبِئْرٌ فَفِي الإِجْبَارِ وَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسائل الباب مختلطة غير مهذبة الترتيب، فإن احتجنا كذلك إلى تقديم وتأخير، فلا تُنْكِرْهُ، واعلم أن العَيْنَ المشتَركةٍ، إِما أنْ يَعْظُمَ الضرَرُ في قسْمتها، أوْ لاَ يعظم.
الحالة الأولى: إذا عظم الضرر في القسمة، وطلب أحدُهُما القسْمةَ، وامتنع الآخرُ، فلا يجبر الممتنع وفي ضبط الضرر المانع في القسمة، ثلاثة أوجه أسلفناها في "باب الشفعة" فلا يكسر الجوهرُ النفيسُ، ولا يقطع الثَّوْبُ الرفيع، ولا يُقسَّم زَوْجَا الخُفِّ بِمَصْرَاعَا الباب، إن طلبه أحدُهُمَا، كان تراضَى الشركاء بالقسمة في مثل ذلك، والتمسوها من القاضي، فإن كانت المنفعةُ تَبْطُل بالكلية، لم يجبْهم، ويمنعَهُم من أن يقتسموا بأنفسهم أيضاً؛ لأنه سفه، كان كان لا تبطل المنفعة بالكلية؛ كالسيف يكسر، فلا يُجِيبُهُمْ أيضاً في أصح الوجهين، ولكن لا يمنعهم من أن يقتسموا بأنفسهم، وما تُبْطُلُ القسمةُ منفعَتَهُ المقصودة منه؛ كالطاحونة والحمام الصغيرَيْن 184، إذا امتنع أحد الشريكَيْن من قسمته، لا يجبر عليها في أظهر الوجوه المشار إلَيْها، وهو المذكور في الكتاب، وقال مالك: يُجْبَر، فإن كانا كبيرَيْنِ، وأمكن أن يَجْعَل الطاحونة طاحونتين، والحمَّام حمامَيْنِ، فيجبر الممتنع، فإن كان يحتاج إلَى إحداث مستوقد أو بئْرٍ، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجبر الممتنع؛ لتعطل المنفعة إلَى إحداث ما يحتاج إلَيْهِ.
وأشبههما: الإِجبارُ؛ ليتيسر التدارك 185 بأمر مرتَّب.
وإن تضرَّر أحد الشريكَيْن بالقسمة دون الآخر كدار بَيْنَ اثنين لأحَدِهِمَا عُشْرُها، وللآخر باقيها، ولو قسمت، لم يصلح العشر للمسكن، فإن طلب صاحبُ العُشْر القسمة، فوجهان:
أَحَدُهُما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يجبر الآخر ليتميَّز ملكه.
وأصحُّهُمَا: المنْعُ؛ لأنَّهُ مضيِّع لماله متعنِّت، كان طلب الآخر القسمة، فوجهان، نسبهما العباديُّ إلى ابْنِ سُرَيْجٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 546
أحدُهُما: أنه لا يُجْبَرُ صاحبُ العُشْرِ للضَّرَرِ الذي يلحقه.
وأصحُّهُمَا: الاِجبار؛ لأن الطالب ينتفع بالقسمة، وضرر صاحب العُشْرِ لا ينشأ من مجرَّد القسمة، بل سببه قلة نصيبه وقال ابنُ أبي لَيْلَى وأحمدُ يُبَاعُ العيْنُ ويقسَّم الثمن بينهما، لما فيه من الضرر؛ كالجوهرة المشتركة 186.
ولو كان نصْفُ الدَّارِ لواحدٍ، والنصفُ بيْنَ خمسة، فطلب صاحبُ النصف إفراز نصيبه، أُجِيبَ إلَيْه، والباقون، إنْ اختاروا القسمة قُسم، وإن لم يصلح العشر للمسكن؛ لأن في القسْمة فائدةً لبَعْضِ الشركاء، وإن استمروا على الشيوع، جاز، ثم لو طلب أحَدُهم القسْمَة بعْد ذلك، لم يجبر الآخرون؛ لأن هذه القسمة تضر الجَمِيع، ولو طلب الخمسة إفراز النصْفِ، ليكون بينهم شائعاً، أُجِيبوا إلَيه ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره.
وكذا لو كان بين عَشَرةٍ، وطلب خمسةٌ منْهم القسمة، ليكون النصف بينهم يُجَابُون.
الحالة الثانية: إذا لم يعْظُمْ ضررُ القِسْمة، فإما أن يقسم المشترك من غَيْر ردٍّ من أحد الشريكَيْن أو الشركاء أو يقسم بردِّ، فإِن قسم من غير ردِّ، فإِما أن يقسم باعتبار الأجزاء، ويُسمَّى "قسمة المشابهات" أو باعتبار القيمة وتُسَمَّى "قسمة التعديل" فهذه ثلاثةُ أنواعٍ:
الأول: قسمة المشابهات، وإنما يجري في الحبوب والأدهان والدراهم وسائر المثليات، وفي الدار المُتَّفِقَة الأبنية، والأرض المتشابهة الأجزاء، وما في معناها، فيعدل الأنْصِبَاء في المكيلات، والموزونات بالكيل والوزن والأرض المتشابهة الأجزاء تجَزَّأُ أجزاءً متساويةً بعدد الأنصباء، إن كانت متساويةً، كما إذا كانَتْ بين ثلاثةٍ أثلاثاً، فيجعل ثلاثة أجزاء متساويةً، ثم يُؤْخَذُ ثلاث رقاع متساويةٍ، ويُكْتَبُ عَلَى كل واحدةٍ اسْمُ شَرِيكٍ من الشُّرَكاء أو جُزْءٍ من الأجزاء، ويُميَّز بعضُها عن بعض بحدِّ أو جهةٍ أو غيرها، ويُدْرَجُ في بنادقَ متساويةٍ وزناً وشَكْلاً، إما من طين يُجفَّف أو من شمع، وتُجعلُ في حجر من لم يحضر الكتابة والإِدراج، فإن كان صبياً أو أعجمياً كان أولَى، ثم يُؤْمَرُ بإخراجِ رقعةٍ على الجزء الأوَّل، إن كُتِبَ في الرقاع أسماءُ الشركاء، فمن خرج اسمه يأخذه، ثم يُؤْمَرُ بإخراج رقعة على الجزء الذي يلي الأول، فَمَن خرج اسمُهُ في الآخرين، أخذه، وتعيَّن الثالث للثالث وإن كُتِبَ في الرقاع أسماءُ الأجزاء أُخْرِجت رقعةٌ باسم زَيْدٍ ثم أُخْرَى باسم عمرو وتعين الثالث للثالث، ويعيَّن من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوطٌ بنظر القسَّام، فيقف أولاً على أي طرفٍ شاءَ، ويُسمِّي أيَّ شريك شاء،
الجزء: 12 - الصفحة: 547
وإن كانت الأنصباء مختلفةً، كما إذا كان لزيْدٍ نِصْفٌ، ولعمرو ثلثٌ، ولثالثٍ سدسٌ فيجزئ القسام الأرض عَلَى أقل السهام، وهو سدس؛ لأنه ينادي به القليل والكثير، فيجعلها ستةَ أجزاءٍ، ثم نص الشافعيُّ -رضي الله عنه- أنه يثبِت أسماء الشركاء في رقاع، ويُخرج الرقاع على الأجزاء، وقال في العتق: يُكْتَبُ على رقعتين رقٌّ، وعلى رقعة حريةٌ، ويخرج على أسماء العبيد، ولم يقل: ويُكْتَبُ أسماء العبيد، وفيها طريقان للأصحاب: أحدهُما: أنها على قولَيْن بالنقل والتخريج، ففي قول: يُثبتُ أسماءَ الشركاء والعبيد، وفي الثاني: يثبت الأجزاءَ هاهنا، والرق والحرية هناك، وعامتهم فَرَقُوا، وقالوا: في العتق يسلك ما شاء من الطريقَيْن، وهاهنا لا يثبت الأجزاء على الرقاع؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء، فَرُبَّمَا يخرج لصاحب السُّدُس الجزء الثاني أو الخامِسُ، فيفرق ملك مَنْ له النصفُ والثلُثُ أيضاً، قال في "المهذَّب": لو جعلْنا ذلك، ربَّما خرج السهمُ الرابع لصاحب النصف، فيقول: آخذه وسهْمَيْنِ قبله، ويقول الآخران: بل خُذْهُ وسهمين بعْده، فيقضي إلى التنازع، وهذا الخلاف في الجواز أو الأولويَّة؟ وعبارةُ كثيرٍ من شيوخنا تُشْعِر بوضع الخلاف في الجوازِ، وذكر طائفةٌ منهم الإِمامُ وصاحِبُ الكتابِ -رحمهما الله- أنه في الأولويَّة، وهو الأولَى، وسنوضح ما يحصل به الاحتراز عن تفريق الملك، وأما ما ذكره في "المهذَّب" فيجوز أن يُقَالَ: لا يبالَى برأي الشركاء، بل يتبع نظر القسام، كما في الجزء المبتدأ به، واسم الشريك المبتدأ به، فإن أثبت أسماءَ الشركاءِ، فمن تأمل: يثبت أسماءهُمْ عَلَى ثلاثِ رقاعٍ، ويأمر بإخراج رقعةٍ على الجزء الأول، فإن خرج اسمُ صاحب السُّدُس، أخذه، وأخرجت رقعة على الجزء الثاني، فإن خرج اسم عمرو أخذه، وأخذ الجزءَ الثالث معه، وتعيَّنت الثالثة الباقية لزيد، كان خرج اسمُ زَيْدٍ، أخذ الثاني والثالث والرابع، وتعيَّن الآخران لعمرو وإان خرج أولاً اسم عمرو، أخذ الأول، والثاني، ثم تُخْرَجُ رقعة على الجزء الثالث، فإن خرج اسْمُ الثالث، أخذه، وتعيَّنت الثالثة الباقية لزيد، وإن خرج اسم زيدٍ، أخذ مع الرابع والخامس، وتعين السادسُ للثالِثِ، كان خرج أولاً اسم زيْدٍ، أخذ الأوَّل والثاني والثالث، ثم يخرج رقعة على الرابع، فإن خرج اسمُ الثالث، أخذه، وتعيَّن الآخران لعمرو، وإن خرج اسم عمرو، أخذ الرابع والخامس، وتعيَّن السادس للثالث، ومن قائلٍ: يثبت أسماءَهم في ستِّ رقاع، اسم زيد في ثلاث، واسم عمروٍ في اثنين، واسم الثالث في واحدة، ويخرج على ما ذكرنا، وليس في هذا إلا أن اسم زيد يكون أسْرع خروجاً، لكن سرعة الخروج لا توجب حَيْفاً؛ لأن السهامَ متساويةٌ، فالوجْهُ تجويزُ كلِّ واحد من الطريقَيْنِ، وإن أثبت الأجزاء في الرقاع، فلا بدّ من إثباتها من ست رقاع، وحينئذٍ فالتفريقُ المحذور لازم، وإنما يلزم إذا خرج أولاً اسمُ صاحب السُّدُس، وهو مستغنٍ عنه، بأن يبدأ باسم صاحبِ النِّصْف، فإن خرج الأول باسمه، فله الأول
الجزء: 12 - الصفحة: 548
والثاني والثالث، وإن خرج الثاني، فكذلك يُعْطَى مع الثاني ما قبله وما بعده، وإن خرج الثالث، ففي "شرح مختصر الجُوَيْنِّي": أنه يَتوقَّف فيه، ويخرج لصاحب الثلث، فإن خرج للأول، فله الأول، والثاني، ولصاحب النصف الثالث، واللذان بعده وكذا لو خرج الثاني، وإن خرج الخامس، فله الخامس والسادسُ، ثم أهمل الكلام هكذا، ولم يستوعب باقي الاحتمالات وكان يجوز أن يُقَالَ: إذا خرج لصاحبِ النصْفِ الثالث، فله الثالثُ واللذان قبله، وإن خرج الرابع، فله الرابع واللذان قبله، ويتعيَّن الأول لصاحب السُّدُس، وإن خرج الخامس، فله الخامس واللذان قبله، ويتعيَّن السادس لصاحب السدس، وإن خرج السادسُ، فله السادِسُ واللذان قبله، وإذا أخذ زيْدٌ حقَّهُ، يتعيَّن حق الآخرين، فيخرج رقعة أخرَى باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق عَلَى أنه يمكن أن يُقَالَ: يبدأ باسم صاحب السُّدس، فإن خرج باسم الجزء الأول دفع الأول إليه، وإن خرج السادس، دفع إليه السادس، ثم يخرج باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق، وإن خرج له الثالث، دفع إليه، وتعيَّن الأول والثاني لصاحب الثلث، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج له الرابعُ دفع إليه، وتعيَّن الخامس والسادس لصاحب الثلث والثلاثة الأولَى لصاحب النصف.
ويمكن أن يبدأ باسم صاحب الثلث، فإن خرج له الأول أو الثاني، دفع إليه الأول والثاني، وإن خرج الخامس أو السادس، دفع إليه الخامس والسادس، ثم يخرج باسم أحد الآخرين، وإن خرج الثالث، فله الثالث والثاني، وتعين الأول لصاحب السدس، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج الرابع، فله الرابع والخامس، وتعيَّن السادس لصاحب السدس، والثلاثة الأولَى لصاحب النصف.
ولك أن تَقْتَصِرَ عَلَى ثلاث رقاعٍ، وتكتبَ في إِحداها الأوَّلَ والثانِيَ والثالثَ والرابع، وفي الثانيةِ الثانِيَ والثالثَ والرابعَ والخامِسَ، وفي الثالثةِ الثالِثَ والرابعَ والخامِسَ والسادِسَ، ويخرجها على أسمائهم، فإن خرجت الأولَى أولاً لِزَيْدٍ صاحب النصف الثانية، أو الثالثة لعمرو صاحب الثلث، فلزيدٍ الأولُ والثانِي والثالثُ، ولعمرو، الرابعُ والخامسُ، وللآخَرِ السادسُ، وكذا الحكْمُ، لو خرجت الثالثةُ أولاً لعمرو، فإنه لا يمكن أن يُعْطَى الثالث والرابع؛ لأنه يتفرَّق ملك زيد، فيُعْطَى الرابع والخامس، وحينئذٍ، فيتعين السادس للثالث، والثلاثة الأولَى لزيد، وإن خرجت الأولَى لزيد، ثم الثانية أو الثالثة للثالث، فلزيدٍ الأولُ والثاني والثالث والرابع، ولعمرو الخامسُ والسادسُ، وإن خرجتِ الثانيةُ لزيدٍ أوَّلاً، فله الثاني والثالث والرابع، ويتعيَّن الأول والثالث والخامس والسادس لعمرو، وكذا لو خرجتِ الأولَى للثالث، ثم الثانية لعمرو؛ لأنه لا يمكن أن يُعطَى الثالث والرابع، وكذا لو خرجت الأولَى للثالث، والثانية لزيد، وإن خرجت الأولَى لعمرو، والثانية أو الثالثة لزيدٍ، فلعمروٍ الأولُ والثاني، ولزيدٍ الثالثُ
الجزء: 12 - الصفحة: 549
والرابع والخامسُ، ويتعيَّن السادسُ للثالثِ، وإن خرجتِ الأولَى، لعمرو، والثانية للثالث، فلعمرو الأولُ والثاني، والثالثُ للثالث، ولزيدٍ الثلاثةُ الأخيرة وإن خرجت الأُولَى للثالث، ثم الثانيةُ لعمرو، ثم الثالثة لزيدٍ، فللثالث الأولُ، ولعمرو الثانِي والثالثُ، ولزيدٍ الثلاثةُ الأخيرةُ، وضابط هذه الطريقة أن يُعْطَى مَنْ خرجت رقعةٌ باسمه قَدْرَ حقه، فيما فيها الأول، فالأول فإن تعذَّر، فهما بعد الأول للأقرب فالأقرب، والغرض قد يَحْصُلُ بإخراج رقعةٍ واحدةٍ، وقد يحتاج إلَى رقعتين، وهو الأغلب كما تفصل وكما يجوز القسمة بالرقاع المدرجة في البنادق، ويجوز بالأقلام والعِصِيِّ ونحوها، وإذا أثبت صورة القسمة، فمتى امتع أحد الشركاء من نوع القسمة الذي نحْنُ فيه، وهو قسمة المتشابهات، فيجبر عليها سواءٌ كانتِ الأنصباءُ متساويةً أو متفاوتةً، ونقل القاضي ابنُ كج عن أبي الحُسَيْن، عن ابن أبي هُرَيْرة أنه لا إجْبَارَ عنْد تفاوُتِ الأنصباء، لأنَّه لا يمْكِنُ أن يدفع إلَى صاحب السُّدُسِ الجزء الثاني ولا الجزء الخامس ولا إلى صاحب الثالث والرابع وإنما يَحْصُلُ الإجبار، إذا استوى الشركَاءُ في احتمال أخذ كل واحدٍ من الأجزاء، والمذهب الأوَّلُ.
وقوله في الكتاب "إن الإِجبار إنَّمَا يجري في قسمة الإفراز أراد بقسمة الإفراز هاهنا قسمة المتشابهات، وفي كونها إفرازاً أو بيعاً خلاف سيَأتِي من بعد، لكنَّ صاحبَ الكتاب رأَى الأصحَّ أنَّهَا إفرازٌ عَلَى ما نص عليه في "كتاب الرَّهْن" فسمَّاها "قسمة الإِفراز" لذلك.
وقوله: "ويبقى الانتفاع" أشار به إلى أن الإِجبار مشروطٌ ببقاء المنفعة بعد القسمة، ليخرج الطاحونة والحمَّام الصغرين عَلَى ما فَصله آخراً.
وقوله: "أو كالكرباس والأرض" يعني: الأرض المتشابهة الأجزاء.
وقوله: "بِحَسَبِ أقل الأجزاء" يعني أقل الأنصباء إذا كانت متفاوتةً.
وقوله: "وتُكْتَبُ أسامي المُلاَّك" يمكن إعلامه بالواو، لما مرَّ أن في طريقه يثبت الأجزاء في الرقاع، وكذا قوله "على ثلاث رقاع" لقول من قال: إنه يثبتها في ست رقاع، وكيفيَّةُ إدراج الرقاعِ وإخراجِها علَى الوجه المذكور لا يختصُّ بقسمة المتشابهات، بل هي في قسمة التعديل، إذا عُدِّلَتِ الأجزاءِ بالقيمة كذلك وقوله في مسألة الطاحونة والحمَّام "لا يجبر" معْلَمٌ بالميم والواو.
وقوله: "فلا يجاب" معلم بالحاء والميم، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذا ادَّعَى غَلَطاً فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ لَمْ يُسْمَعْ عَلَى قَسَّامِ القَاضِي دعْوَاهُ وَلاَ تَتَوجَّهُ اليَمِينُ، لَكِنْ إِنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أُعِيدَتِ القِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي وَقُلْنَا: إِنَّهُ بَيْعٌ وَجَرَى لَفْظُ مِلْكٍ فَلاَ يَنْفَعُهُ الغَلَطُ بَلْ هُوَ كَالغَبْنِ لاَ يُوجِبُ؛ النَّقْضَ، وَفِيهِ
الجزء: 12 - الصفحة: 550
وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُنْقَضُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ إِفْرَازِ فَتَوجَّهُ اليَمِينُ وَيُنْقَضُ عِنْدَ قيَامِ البيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قسم قَسَّام القاضي بالإِجبار، ثم ادَّعى أحد الشريكين غلَطاً أو حَيْفاً، نُظِرَ؛ إن لم يبيِّن ما يزعم به الحَيْف أو الغَلَط، ثم يُلتفتْ إِلَى قوله، وان بيَّنَه، لم يُمكَّن من تحليف القَسَّام، كما لا يُحلَّف القاضي عَلَى أنه لم يَظْلِم، والشاهِدُ عَلَى أنه لم يكْذِب، ولكن إذا لو أقام بينته، سُمِعَتْ ونُقِضَتِ القسمة، كما لو قامتِ البينةُ عَلَى ظلم القاضي، وكذب الشهود، وقال الشيخ أبو حامد وغيرُه: وطريقه أن يحضر قاسمَيْن حاذقَيْن؛ لينظرا ويمسحا؛ ليعرفا الحال ويشهدا، وألحق أبو الفرج السرخسيُّ بقيام البينة ما إذا عرف أنه يستحقُّ ألف ذراع، ومسح ما أخذه، فهذا هو تسعمائة ولو لم تقُمْ حجة، وأراد تحليف الشريك، مُكِّن منه، فإن نكَلَ، حلَف المدعي، ونقضت القسمة، ولو حلف بعض الشركاء، ونكل بعضُهم، فحلف المدعي، لنكول بعضهم، قال في "الوسيط" تنقض القسمة في حقِّ الناكلين دون الحالفين، ولا يطالب الشريك بإقامة البينة عَلَى أن القسمة الجارية عادلةٌ؛ اكتفاءً بأن الظاهر الصواب، وفي كتاب القاضي ابنِ كج: أن أبا الحُسَيْن ذكر أن ابْنَ أبي هريرةَ حَكَى قولاً أنَّ علَى الشريك البيِّنةَ عَلَى أنها عادلةٌ، وأنَّ مدعي الغلط لا يحتاج إلى البينة، وأن أبا إسحاقَ فصَّل؛ فقال: إن قال مدَّعى الغلط: إن القَسَّام الذي قسَّم لا يحسن القسمة ولا يعرف المساحة والحساب، فالأصل ما يقوله وعلى صاحب البينة، وإن قال: إنَّهُ سها، فعليه البينة، ولو اعترف القَسَّام بالغلط أو الحيْف، فإن صدقه الشركاء، نُقِضَتِ القسمةُ، وإلا، لم يُنْقَضْ، وعليه ردُّ الأجرة، قال فى "التهذيب": وهو كما لو قال القاضي: غلطت في الحكم أو تعمَّدت الحيف، فإن صدقه المحكومُ له، استرد المال، وإلا، لم يستردَّ، على القاضي الغرم، وأما إذا جرتِ القسمةُ بالتراضي، فإن نَصَبَا قَسَّاماً أو اقتسما بأنفسهما، ثم ادعَى على أحدهما غلطاً، فإن لم نعتبر الرضا بعد خروج القرعة، فالحكم كما إذا ادَّعى الغلط في قسمة الإِجبار، وان اعتبرناه وتراضيا بغد خروج القرعة، ففي الكتاب أنه مبنيٌّ على أن القسمة بيع أو إفراز حق؟ إن قلنا: إنَّهَا إفراز حق فالإِفراز لا يتحقَّق مع التفاوت، فتنقض القسمة، إن قامت على البينة، ويحلف الخصم، إن لم تقُمْ، وان قلنا: بيعٌ، فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنهما تراضَيَا لاعتقادهما أنَّها قسمة عَدْلٍ.
وأظهَرُهُمَا: أنه لا فائدة لهَذِهِ الدعْوَى، ولا أثر للغلط وإن تحقَّق كما لا أثر للعين في البيع والشراء، وهذا ما أجاب به أكثرهم؛ كأنهم اقتصروا على الجواب الأرجح.
وقوله في الكتاب "وجرى لفظ ملك" ظاهره يشعر باعتبار لفظ البيع أو التمليك، ويقرب منه عبارته في "الوسيط": "لكنا إذا جعلْنا القسْمة بيعاً لا يُشْتَرط لفْظُ البَيْعِ والتمليكِ" وذلك يرجع إلى ما حكينا من اعتبار الرضا بعد خروج القرْعة، ويتبين ما لكل واحدٍ من الشريكين والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 551
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ بَعْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ نُقِضَتْ إلاَّ إِذَا وَفَّوْا بِالدَّيْنِ، وَقيلَ: إنَّهُ يَتَبَيَّنُ البُطْلاَنَ بِكلِّ حَالٍ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ المَالِ شَائِعاً انْتَقَضَ فِي المُسْتَحَقِّ دُونَ البَاقِي، وَقِيْلَ يَنْتَقَضُ لِتفُرُقِ الصِّفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قسمت التركة بين الورثة، ثم ظهر دَيْنٌ، فإن جعلنا القسمة إفراز حق فهي صحيحة، ثم يباع الأنصباء في الدين، كان جعلناها بَيْعاً، فقد ذكرنا في "كتاب الرَّهْن" وجهين في بيع الوارث التركة قَبْلَ قضاء الدَّيْن، وبيَّنَّا أنه لو تصرف ولا دَيْنَ ظاهراً، ثم ظهر دين، فالأظهر صحَّة التصرف، ففي القسمة ذلك الوجهان، إن رجَّحنا البيع، فالقسمة الجارية صحيحةٌ، فإن وفوا الدَّيْن، استمرت، وإلا نُقِضَت، وبيعت التركة في الدَّيْن، كان لم تصحَّح، فالقسمة باطلةٌ، ولو جرت قسمة، ثم استحق بعض المقوم، فإما أن يُسْتَحَقَّ جزءٌ شائعٌ أو شيءٌ معيَّنٌ، إن استحق جزءٌ شائعٌ كالثلث، فتَبْطُل القسمة في المستحَقِّ، وفي الباقي طريقان، قال ابن أبي هريرة: إنَّه علَى الخلاف في تفريق الصفْقَة، ففي قول: يبطل فيه أيضاً، وفي قول: يصحٍ، ويثبت الخيار، وهذا ما أورده في الكتاب، وبه أخذ أكثرهم، وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولاً واحداً، إذ المقصود من القسمة تمييز الحقوق، وإذا ظهر الاستحقاق كانَ المستحقُّ شريكَ كل واحدٍ منهم فَلاَ يحصُلُ التمييز، وأيضاً، فقَدْ بَانَ أَنَّ المستحِقَّ شريكٌ وانفراد بعض الشركاء بالقسمةِ ممتنعٌ، وبهذا أجاب القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية" كان استُحِقَّ شيءٌ معين، نُظِرَ، إِن اخْتَصَّ المُسْتَحِقُّ بنصيب أحدهما أو كان المُسْتَحَقُّ من نصيب أحدهما أكثر، بَطَلَتِ القسمة؛ لأنَّ ما يبقى لكل واحدٍ لا يكونُ قدْرَ حقِّه بل يحتاجُ أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعُودُ الإشاعةُ، كان كان المُسْتحَقَّانِ متماثلَيْنِ، بَقِيَتِ القسمةُ في الباقي وفيه وجه آخر: أنَّهَا تبطُلُ لِمَعْنى التفريق، ولو ظهرتْ وصيَّة بعْد قسمة التركة، فَإنْ كانت مُرْسَلَةَ، فكما لو ظهر دَيْن في التركة، وإن كان بجزءٍ شائع أوْ معين، فعلَى ما ذكرنا، في الاستحقاق، واعلم أَنَّ ظهورَ الدَّيْنِ والاستحقاق لا يختص بقسمة المتشابهات وكذلك دَعْوَى الغلط على ما تبيَّن في الفصل السابق، ولو أورد هذه الصورةَ بعْدَ عَدَّ أنواع القسمة كُلِّهَا، لكان أحسن والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا قِسْمَةَ التَّعْدِيلِ: فَفِي الإجْبَارِ عَلَيْهَا وَجْهَانٍ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّفَ عَلَى ثَلاَثةَ بَنِينَ ثَلاَثةَ أعْبُدٍ مُتَسَاوِي القِيمَةِ أَوْ عَبْداً وَطَاحُونَةً وَحَمَّاماً أَوْ أَقْمِشَةً يُمْكِنُ تَعْدِيلُ سِهَامِهَا بِالقِيمَةِ، أَمَّا إِذَا خَلَّفَ قِطَعَ أَرْضٍ يَقْبَلُ قِسْمَةَ الإِفْرَازِ فَلاَ يُجْبَرُ فِيهَا عَلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ أَصْلاً، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَرَصَةٌ وَالثُّلُثُ بالمِسَاحَةِ نُصِّفُ بِالقِيمَةِ لِقُرْبَهِ مِنَ المَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَالدَّارُ المُخْتَلِفَة الأَبْنِيةِ مِنْ جَمْلَةِ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ، وَاللَّبِنَاتُ المُخْتَلِفَةُ القَوَالِبِ كَذَلِكَ، فَإِنْ تَسَاوَتَ القَوَالِبُ فَيُجْبَرُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 552
قَالَ الرَّافِعيُّ: النَّوعَ الثاني: قسمة التعديل والشيء الذي تُعَدَّلُ سهامهُ بالقيمةِ ينْقَسِمُ إلى ما يُعَدُّ شيئاً واحداً وإلَى ما يُعَدُّ شيْئين فَصَاعداً.
القِسمُ الأَوَّلُ: ما يُعَدُّ شيئاً واحداً؛ كالأرض التي تختلفُ قِيمَةُ أجزائها؛ لاختلافها في مدة الإِنبات وفي القُرْب من الماءَ والبعد منه أو في أنَّ بعضها يُسقَى من النهر، وبعضَها من النضح؛ فيكونُ ثلثُها لِجَوْدَتِهِ بِالقيمة مثْلَ ثلثها مثلاً فيُجْعَلُ هذا سهماً وهذا سَهْماً، إن كانتْ بينهما بِالسَّويَّةِ، فإِن اختلفتْ الأنصباءُ، كنصفٍ وثُلثٍ وسُدُسٍ؛ فيجعل ستة أسهم بالقيمة دون المساحة، وإِذَا طلب أحد الشريكَيْن القسْمَةَ، فهل يُجابُ إلَيْه، ويُجْبَرُ الممتنع؟ فيه قَوْلاَنِ:
أحَدُهُمَا: نعم؛ إلحاقاً للتَّساوِي في القيمة بِالتساوِي في الأجزاء.
والثاني: لا؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، وإذا قلْنا بالإجبار، فأجرة القسَّام توزَّع بحَسَب الشركة في الأصل أو بحسب المأخُوذِ قلَّةً وكثرةً؟ فيه وجهان:
أقريهما الثاني: لأنَّ العمَلَ في الكثير أكثر، واعلَمْ أن الخلاف في الإجبار كما أنه يجْرِي فيما إذا كان اختلاف الأجزاء لاخْتِلافِ الصفات يَجْرِي فيما إذا كان 187 الاختلاف لاختلاف، الجنس؛ كالبستان الذي بعْضُه نخيلٌ، وبعضُه كَرْمٌ، والدَّارُ المبنيُّ بعضُها بالآجُرِّ، وبعضُها بالخشب والطين، فإنَّ صاحبَ "التهذيب" رجَّح من القولَيْن منع الإِجبار؛ لكنّ أصحابنا العراقيين وغيرَهم رجَّحوا الإجبار، ولو لم يقل بذلك؛ لامتنع الإجبار في البُسْتان المشتمل على الأشْجَار المختلفة، وفي الدار المشتملة على الحِيطَان والأجذاع والأبواب، وهو شأن البساتين والدُّورِ غالباً، وينجرُّ ذلك إلى ألاَّ يثبت فيها الشُّفْعة؛ كالطَّاحونة والحمَّام، ومعلومٌ بعده وأنه يشبه أن يكونَ الخلافُ في الإجْبار مخصوصاً بما إذا لم يمكنُ قسمةُ الجيِّد وحْده، وقسْمةُ الرديءْ وحْده، وإن لم يكن الخلاف مخصوصاً به فان أمكن أن يُقَسَّم كلُّ واحد منْهما وحْده، فلا يُجْبر على قسمة التعديل، كما لو كانا شريكَيْن في أرضَيْن، يمكنُ قسْمةُ كلِّ واحدةٍ منهما بالأجزاء لا يَجْرِي الإِجبارُ على التعديل.
القسمُ الثاني: ما يُعدُّ شَيئَينِ فصاعِداً، ولنتكلمْ في العَقَار ثم في غيره.
أما العَقَارُ، فإذا اشتركا في دارَيْن 188 أو في حانوتَيْن مُتَسَاوِينَ، القيمَةِ، وطلب أحدُهُما القسمةَ بأنْ يجعل لهذا داراً، ولهذا داراً، لم يُجْبر صاحبُه، سواءٌ تجاوز
الجزء: 12 - الصفحة: 553
الحانوتان والدارُ أو تباعدَا؛ لشدَّة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية، فيلحقان بالجنسَيْن المختلفَيْن، وعن مالكٍ: أنه يُجْبَرُ عند المتجاوز، وعن أبي حنيفةَ: أنه يُجْبَرُ، إن كان إحدى الدارَينْ حجرةً للأخرَى، وفي "الرقْم" للعباديِّ وجْه: أنه يُجبر عمن غير فرْقٍ بين التجاوُر والتباعُد، ولو كانت بينهما دكاكِينُ صغارٌ متلاصقةٌ، لا يَحْتَمِلُ آحادُها القسمةَ، ويقَالُ لها العضايدُ، وطلب أحدهُما أن يقسم هل يجبر الممتنع فيه وجهان:
أحدُهما: لا، كالدُّور، وكما لو كانت متفرقة.
وأصحُّهُما: على ما ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره: نعم، للحاجة، فينزَّل منزلة الجدار المشتمل على البُيُوت والمساكن، هكذا صوَّر هذه الصورةَ أكْثَرُ ناقليها، وهو القديم، وصوَّر صاحبُ "المهذب" فيما إذا احْتَمَلَتْ كلُّ واحدة منْهما القسمةَ، وحَكَى وجهَيْن فيما إذا طلب أحدُهما قسمتها أعياناً، والآخرُ قسمة كلِّ واحدة منْهما، يُجاب الأول؛ إلحاقاً لها بالدَّار المشتملة على البيوت، والثاني؛ إلْحاقاً لَهَا بالدّوْرَ، وأما الأقرحة 189، إن كانَتْ متفرقة، فهي كالدُّور، كان كانت متجاورةً، ففي "الشامل"، أن أبا إسحاق نَزَّلها منزلة القراح الواحدِ المختلِف الأجْزاء وأنَّ غيره قال: إنما يكون القراح الواحدِ، إذا اتحد المشِّرْب والطريق، فإن تعذر، فهو كما لو تفرَّقت، وهذا أشبه بكلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وأما غَيْرُ العَقَار، فهذا اشتركا في عَبِيدٍ أو دواب أو أشجار أو ثياب، فإما أن يكون من نوعٍ واحدٍ أو لا يكون.
الحالةُ الأولَى: إذَا كانت من نوعٍ واحدٍ، وأمكن التسوية بين الشريكَيْن عدداً أو قيمة كعبدين متساوي القيمة بين اثنين، وكثلاث دوابَّ متساويةِ القيمةِ بين ثلاثة فظاهر المذهب: أنه يُجْبَرُ على صحة قسمتها أعياناً، ويُكْتَفى بالتساوِي في القيمة بخلافِ الدُّور، لشدَّة اختلاف الأغراض فِيها، وعن أبي عليٍّ بن خيران وابن أبي هريرة: أنها كالدُّور، وحَكَى ابنُ الصَّبَّاغ القَطْعَ في العبيد بجواز الإجْبار، كما جزَّأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- العبيدَ الستة الَّذين أعْتَقَهُمُ الأنصاريُّ -رضي الله عنه- في مرضِهِ ثلاثةَ أجزاءٍ 190، وخصَّ الخلافَ بغَيْر العبيد، وعن أبي حنيفة أنه لا إجْبَار في العبيد ولا في الخيل والإبل، وإنْ لم يمْكِنِ التسوية في العدَدِ؛ كثلاثة أعبد من اثْنَينِ علَى السواء؛ أحدُهم يساويَ الآخَرْين في القيمة، فإِن قلنا بالإِجبار عنْد إمكان التسوية، فهاهنا قولان: يُنْظَر في أحدهما إلَى
الجزء: 12 - الصفحة: 554
تعادل القيمة، وفي الثاني إلى اختلاف العَدَد وتفاوتِ الأغراض بذلك، وهذان القولان كالقولَيْن في الأرض المختلفة الأجزاء؛ لإِلحاقنا الأعيان المتماثلة بالأرْض المتشابهة الأجزاء، فإن كانت الشركةُ لا ترتفعُ إلاَّ عنْ بعْض الأعيانِ؛ كعبدَيْنِ بَيْن اثْنَيْنِ، قيمةُ أحدِهِما مائةٌ، وقيمةُ الآخرِ مائتان وطلب أحدهما القيمةَ؛ ليختصَّ مَنْ خرجت له قرعة الخَسيس بالخسيس 191، ويكون له مع ذلك رُبُعُ النفيس، فهذا يترتَّب على الصورة السابقة، فإنْ قلنا: لا إجبار هناك فهاهنا أولَى، وإنْ قلنا بالإجبار هناك فهاهنا وجهان أو قولان، والأصَحُّ المنْعُ؛ لأنَّ الشركةَ لا ترتفعُ بالكلِّيَّةِ.
الحالةُ الثانيةُ: إذا لم يكُنِ الأعيان من نَوْعٍ واحدٍ بل كانت أنواعاً من جنْسٍ واحدٍ؛ كالعبد التركِّي مع الهنديِّ، وثوب الإبريسَم مَعَ الكَتَّانِ أو كانَتْ أجناساً مختلفةً، كالعَبد والثوب والحنطة والشعير والدابَّة والدار، فَطلب أحدهما أن يُقسِّم أنواعاً وأجناساً، فلا يُجْبَرُ الآخر، وإنما يُقَسَّم كذلك، إذا تراضَيَا، ولو اختلفتِ الأنواعُ، وتعذَّر التمييز، كالتمر الجيد مع الرديء، فلا قسمة إلاَّ بالتراضي، هذا ما أورده الجمهور، وقَطعوا به وأجْرَى أبو الفرج السرخسيُّ عند اختلافِ النَّوْع الخلافَ في الإجْبار، وزاد الإمامُ وصاحبُ الكتاب فأجْرَيَاه عند اختلاف الجِنْس، والصحيحُ الأول.
ونعود الآن إلَى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
قوله: "وهي أن يحلف على ثلاثٍ بيْنِ ثلاثةِ أعبْدُ" لا يخفى أن هذا لَيْسَ تفسيراً لقسْمةِ التعديلِ، وإنما هو مذكورٌ عَلَى سبيل التمثيل.
وقوله: "أو عبَداً" أو طاحونة وحماماً ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو؛ لأنَّه عَدَّ هذه الصورةَ من قسمة التعديل مع اختلاف الجنْسِ فيها، والمشهورُ خلافُه، كما عرَفْتَ.
وقوله: "أما إذا خلف قطع أرض يقبل قسمة الإفراز فلا يُجبر فيها على قسمة التعديل" يمكن إعلامُهُ بالواو؛ لأن الفورانيَّ أشار فيه إلَى خلافٍ، وهو كما حكَيْناه عن رواية العبَّاديَّ في الدارَيْن.
وقوله: "وإن كان بين شريكين عَرَصَةٌ، والثُّلُثُ بالمساحةِ نُصِّفَ بالقيمة، لقُرْبهِ من الماء؛ فيُجْبَر، ولا يُنْظَر إلَى ذلك" أراد به أنه يجبر على هذه القسمة 192 ولا يُخُرَّج على الخلاف السابق، وهكذا ذكره في "الوسيط" لكنَّه غيرُ مسلَّم؛ بَلِ المفهوم من كلام الأصحاب تصريحاً وتلويحاً، أن هذه الصورة من قسمة التعديل.
وقوله: "والدار المختلفة الأبنية" مِنْ جُمْلة قسْمَة التعْدِيل اختلافُ الأبنية، إن كان
الجزء: 12 - الصفحة: 555
لاختلاف المبْنَى به، كالآجر مع اللَبن، فلا كَلاَم في أنَّ قِسْمَتَها من جمْلَةِ قِسْمةِ التَّعْدِيل، وإن كان لاختلاف هيئات البناء وأشكالها، وسعتها، وضيقها، فعَنْ بعْضِهِم أنَّ الجواب كذلك، قال الأِمام: إذا كَانَ في شَرْقيِّ الدار صفة وبيت، وكذلك في غرْبها وتأتيَّ تبعُّضُ العَرَصة، فقد اشْتمل كلُّ حصة عَلَى مِثْل ما اشتملَتْ عليه الأخْرَى، فيجوز أنْ يُقَالَ يجري الإِجبار عَلَى مثل هذه القسمة، ولا يختلفُ الأمر باختلافِ الجِهَةِ فاغتفر تماثلُ الحصتَيْن في الأبنية، ومنْهم من قطَع بالإِجْبار مع اختلاف أشْكَال الأبنيةِ وهيئاتها، والقياس الأول.
وقوله: "واللبنات المختلفة القوالب كذلك" يعني أنَّه إذا اختلفت القوالبُ تختلف الأغراضُ، فيجيء الإِجْبار على القسْمَة، وفيه الخلاف، أما إذا تساوَتْ، كانَتْ كالمتشابهات، فيُجْبَر فيه على القسمة.
فَرْعٌ: دارٌ بين اثْنَيْنْ، لها علُوٌّ وسفل، فطلب أحدُهُما قسمتها علواً وسفلاً، أجْبِر الآخر عنْد الإمكان، وإن طلب أَحدُهُما أنْ يُجْعَلَ العُلُّو لواحدٍ، والسفلُ لآخر، لم يُجْبَر عليه، هكذا أطلقوه، ووجَّهُوه بأن العُلَّو تابعٌ، والسَّفل متبوع، فلا يجوز أن يجعل أحد النصيبين تابعاً، والآخر متبوعاً، وبأن العُلوَّ مع السفل كدارَيْنه متلاصقتَيْن؛ لأن كل واحدٍ منْهما يَصْلُح أن يُتَّخذ مسكناً، ويجوز أن يُقَالَ: "إن لم تكن القسمة سفلاً وعلواً، يجعل السَّفَل لأحدهما، والعُلوّ للآخر من جمْلة قسْمة التعديل، وإنْ طلب أحدهما أن يقسم السَّفَل بينهما، ويترك العُلوّ على الإِشاعةِ، لم يُجْبَر الآخر عليه؛ لأنهما قد يقسمان العُلوَّ بعد ذلك، فيقَعُ ما فوق نَصِيبِ هذا من السَّفَل لذلك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أمَّا قِسْمَةُ الرَّدَّ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّفَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَقِيمَةُ الآخَرِ سِتُّمَائَةٍ فَلوْ رَدَّ آخِذُ النَّفِيسِ مَائَتَيْنِ اسْتَوَيَا وَلاَ إجْبَارَ عَلَى هَذَا أَصْلاً، وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالخَسِيسِ وَخُمْسِ النَّفِيسِ لِتَزُولَ الشَّرِكَةُ عَنْ أَحَدِ العَبْدَيْنِ اسْتَوَيَا وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لاَ يُجبَرُ عَلَيْهِ؛ لأنَّ أَصْلَ الشَّرِكَةِ قَائِمٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ كَقِسْمَةِ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثَّالِثُ قسمةُ الردِّ، وصورتُها أن يكون في أحدِ جانِبَي الأرضِ بئر أو شجر أو في الدارِ بيْتٌ لا يمكنُ قسمتُه، فتضبط قيمة ما اختص به ذلك الجانبُ، فتقسم الأرضُ والدارُ عَلَى أنه يَرُدَّ مَنْ يأخذُ الجانبَ الذي فيه البئرُ، أو الشجرُ، أو البيتُ، تلْك القيمةَ، وهذا لا إجبار عليه؛ لأنه دخَلَه ما لاَ شَرِكَةَ فيه، وكذلك لو كان بينهما عبدانِ بالسوية، وقيمةُ أحدهما ألْفٌ، وقيمةُ الآخَرِ ستُّمائةِ واقتسما عَلَى أن يردَّ آخذ النَّفِيس مِائتَيْنِ، استويا، هذَا هو المشْهُور، وفي "أمالي" أبي الفرج أن من أصحابنا من خَرَّج قولاً مأخوذاً من الخلاف فيما إذا كان بَيْنَهما عبدان، قيمةُ أحدهما ألْفٌ، وقيمةُ
الجزء: 12 - الصفحة: 556
الآخرِ ستُّمائةٍ، فطلب صاحب أحدهما القسْمَةَ، ليخلُصَ الخسيس 193 لأحدهما، وهذه الصورةُ هي التي ذكرَها صاحِبُ الكتاب في الأثر، وقد أدْرَجْناها في الفَصْل السَّابِق، وحاصِلُ ما فيها طريقانِ، كما في الكتاب:
أحدهما: القطْع بأنَّه لا إجْبَار.
وثانيهما: أنَّه على الخلافِ في قسْمة التَّعْديل، لكنَّ إطلاق القْولِ بالترْجِيح بعيدٌ؛ لأنه لا ردَّ في تلْكَ الصُّورة، ولا تصرُّف إلا في المشتَرَكِ بخلاف ما نَحْنُ فيه، ولو لَمْ يكن ردٌّ، ونزل ما فيه الفصْل على الإِشَاعَةِ، فالصورةُ كالصّورة، وكذلك قال بعضْ المتلقَّين عن الإِمام: لا يجري الإِجبارُ في قدْر الردِّ، والمثل في الباقي إلى المَنْع، فأشار إلَى تخصيصِ الخِلاَف بما وراء قدْرِ الرَّدِّ، وإذا حَصَل التَّراضِي عَلَى قسْمة الرَّدِّ، فيجوز أن يتَّفِقا عَلَى مَنْ يأخُذ النَّفِيس، ويَرُدُّ ويجوز أن يُحَكَّمَا القُرْعة، ليرُدَّ من خرج له النَّفِيسُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ قِسْمَةُ المتَشَابِهَاتِ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقَّ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ قِسْمَةَ التَّعْدِيلَ بَيْعٌ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ، ثُمَّ بَجِبُ الرِّضَا حَيْثُ لاَ يُجْبَرُ، وَيَكفِي قَوْلُهُ: رُضِيتُ بَعْدَ خُرُوجِ القُرْعَةِ، وَالرِّضَا قَبْلَهُ هَلْ يَكْفِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ قَوْلهِ رَضِيتُ مَا لَمْ يَقُلْ: رَضِيتُ بِالقِسْمَةِ أَوْ قَاسَمْتُ إِنْ قُلْنَا إنَّهُ بَيْعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل قاعدتان:
إحداهما: قسمة المتشابهات إفرازُ حقٍّ أو بيع؟ فيه قولان:
أحدُهما: وبه قال أحمد: أنها إفرازُ حقٍّ؛ لأنَّها لو كانَتْ بيعاً، لَمَا دخَلَها الإِجْبَار، وفي الإِجْبَارِ الاعتمادُ على القُرْعة، ومعنى قولِنا: "إفراز" أن القسمة تبيِّن أن ما خرج لكلِّ واحدٍ منْهما هو الذي ملَكَه.
والثاني: أنَّهَا بَيْع؛ لأنه ما مِنْ جزءٍ من المال إلاَّ، وكَانَ مشتركا بَيْنَهُما، فإذَا اقْتَسَمَا، فكأنَّهُ باعَ كُلُّ واحدٍ منْهما ما كان له في حصَّةِ صاحبه في بما في حصَّته، وما الأصحُّ من القولَينْ وما محلُّهما.
أمَّا الأصحُّ، فقدْ ذكر صاحبُ "التهذيب" وآخرون: أن الأصَحَّ كونُها بيعاً، واعتذر عن دخول الإِجْبَار فيها بالحاجَةِ الداعية إلَيْه، وذلك لا يُخْرِجُها عَنْ كونها بَيْعاً، كما أن الحاكِمَ يبِيعُ مال المدْيُون قهراً وإجباراً، وذكر صاحبُ الكتابِ في "باب الرهْن": أن
الجزء: 12 - الصفحة: 557
الأصحَّ جَعْلُها إفْرازاً ويوافِقُه جوابُ الأصحاب في مسائِلَ متفرِّقَة تتفرَّع على القولَيْن 194، وذكر في "العدة" أن الفتوَى عليه، وأما المحلُّ، ففيه طريقان:
أحدُهُما: أن القولَيْن فيما إذا جرَتْ هذه القسْمةُ بالإجبار، أما إذا جرتْ بالتراضِي، فهي بَيْعٌ لا محالة.
والثاني: أنَّهما مطَّرِدان، إن جرتْ بالتراضي أو بالإِجبار، أو حَكَى الطريقَيْن صاحبُ "التهذيب".
وقال: الأصحُّ الأولُ 195، واعلم أنَّ القَوْل بأنَّ القسمةَ بيْعٌ لا يُمْكِنُ إجراؤُه عَلَى إطلاقه؛ لأن النصْفَ الأيمن الذي يأخذُهُ زيْدٌ كما أنه لمْ يكنْ كلُّهُ لزيدٍ، حتى يُقَالَ: القسمة إفرازٌ، والنصفُ الأيسر لم يكن كلُّه له، حتَّى يُقَالَ: إنه باعَه من عمرو بل النصْفُ الذي أخَذَه، كان نصُفُه له، ونصْفُه لصاحِبه، فالقسمةُ إفرازٌ، فيما كان له فيه، وبَيْعٌ فيما كان لصاحِبِهِ، وأما قسْمَةُ التعْدِيلِ، ففيها طريقان:
أحدُهُمَا: طرْدُ القولَيْنِ، وهو قضيَّةُ إيرادِ صاحب "المهذب" وأبي الحَسَنُ العبَّادِّي أيضاً.
والثاني: القطْع بأنَّها بيْعٌ، وهو الأصحُّ عند صاحبِ الكتابِ، وحَكَى الصيدلانيُّ
الجزء: 12 - الصفحة: 558
الطريقَيْن عن القفَّال الثاني منهما حفْظاً، والأولُ عن كتابه ويُشْبه أن يكونا مبنيَّيْنَ عَلَى قسمة التعديل، هل يُجْبَرُ عليها، إن قلْنا: نعم، ففيها القولان، وإن قلنا: لا، فهي بيْعٌ، وخصَّص في "الوسيط" الطريقَيْن 196 بقولنا: إنَّ قسمة التعديل يُجْبَرُ عليها، وقال: إذا لم نَقُلْ بالإجبار، فهي بيع لا محالة، وأما قسْمةُ الردِّ، فهي بيع على المشهور، وقيل: هي بيعٌ فيَ القدْرِ الذي يقابل المردودَ، ويجيء فيما وراءه الخلافُ في قسمة التعديل.
التفريع: إنْ جعلْنا القِسْمةَ بيعًا، فاَقتسما شَيْئاً من أموالِ الرِّبَا، وجب التقابض في المجْلِس، ولم يجُزْ قسمة المَكِيلِ بالوزْن، والموزُونُ، بالمكيل، ولم يجُزْ قسمةُ الرُّطَبُ والعنب وما أثَّرت فيه النارُ فيه بتعقيدِ الأجزاء، وإنْ جعلْناها إفْرازاً، فالحكُم بخلافه ويجوز قسمة الجَصِّ، والنّورة بالكيل، والوزنِ، علَى القولَيْن، ولا تقسَّم الثمار على رؤوس الأشجار بالخَرْص، إن جعلْناها بيعاً كما لا تُباع خَرْصاً، كان قلْنا: إفرازٌ، فإن كانت ثمرةُ غيرِ النخل والكرم، جازَتِ القسمةُ خَرْصًا، كما يجُوزُ خَرْصُها للفقراء، وإنْ كانتْ بينهما، أرضٌ مزروعةٌ، فأراد قسمةَ الأرْض وحْدها، جاز، وإنْ طَلَبها أحدُهُما أُجْبِر الآخرُ، ويجيء، عَلَى قولنا: إن القسمة بيعٌ، وجهٌ مذكورٌ في البيع، وإن أراد قسمة الأرض وما فيها، لم يجز إن اشتد الحب أمَّا إذا جعلناها إفرازاً، وكذا لو كان بَذْراً، لم ينبت بعْدُ، وإن كان فصيلاً، فيجوز؛ لأنَّه معلومٌ مشاهدٌ، وإنْ أراد قسمةَ ما فيها وحْده، فكذلك الحكْمُ، إن لم يثبت بعْدُ، ولو اشتد الحبَّ، لم يجز، وإنْ كان فصيلاً فيجُوزُ وإن طلب أحدهما قسمة الأرض وما فيها أو قسْمَةَ ما فيها وحْده، وامتنع الآخر، والحالُ حالُ جوازِ القسمة بالتراضي، فالذي ذكره الشيخُ أبو حامد: أنه لا يُجْبرُ الآخر، وعلَى ذلك جرَى صاحبُ "المهذب" و"التهذيب" ولم يوجِّهوه بشيْء يُقْنِع.
ولو اقتسم الشريكانِ، ثم تقايلا، فإنْ جعلنا القسمة بيعًا، صحَّت الإِقالة، وعاد الشيوع، وإلا، فهِيَ لاغيةٌ.
وقسمة الملْكِ عن الوقف لا تجُوز، إن جعلناها بيعا وإن جعلناها إفرازاً، فيجوز، قال القاضي الرويانيّ: وهو الاختيار 197 وقسمةُ الوقف بين الموقوف عليهم، لا تجوزُ على القولَيْنِ لِمَا فيها من تغْيير شَرْط الواقف، وفيه وجه على قَوْل الإفراز؛ لأنه قدْ يشرف على البَوَار، ويريد بعضُهم العمارة، فيبقى غرضُ الواقِف في المعمور، وهذا الوجه حكاه القاضي ابن كج عَنْ أبي الحُسَيْن وحْده، وخصَّصه بقولنا إِن الملْكَ في
الجزء: 12 - الصفحة: 559
الوقْف للموقُوف عليه ثم قال إِن انقرض البَطْنُ الأول، وصار الوقفْ للثاني، انتقضت القسمة.
القاعدةُ الثانيةُ: قسمة الإجْبار لا يُعْتبر فيها الرضا، لا عند خروجِ القُرعْة ولا بعد خُروجها، ولو تراضَى الشركاء بقاسِم يَقْسِمُ بينهما، فهلْ يعتبر التراضِي بعْد خروج القرعة أم يكفي الرضا الأولُ؟ فيه قولان كالقولَيْن فيما إذا حكَّما رجلاً، فحكم بينهما والذي يميل إليه كلام المعتبرين: أنَّه يُعْتبر، وذَكروا أنه المنصُوص، وبه أجاب الشيخ أبو حامد فيما إذا اقْتَسَما، وفي قسْمة الردِّ لا بدّ من الرضَا بعْد خروج القُرْعةُ كما في الابتداء، وعن الإصطخرِّي وجْه: أنه يلزمُ بخُرُوج القُرْعة، وإذا اعتبرنا الرضا بعْد خروج القُرْعة، فصيغته أن يقولا: رَضينا بهذه القسمة، أو بما أخرجتْه القرعة، أو بما جَرَى، ولا يُشْتَرط لفظُ البيع وإن جعلْنا القسمة بيعاً، هذا هو الظاهرُ، وفيه وجهان آخران، بناءً على أن القسمة بيع.
أحدُهُما: أنه لا بدَّ من لفظ البَيْعِ أو التمليك.
والثاني: أنه لا يَكْفِي قولُهُما "رَضِينا بما جرى، أو بهذا" بل لا بدَّ من أن يتلفَّظ بالقسمة، بأن يقولا: "تقاسَمْنا أو رَضِينا بهذه القسْمة" ليؤدَّي معنى التمليك والتملك 198، وهذا الثاني هو الذي أورده بقوله في الكتاب ولا يكفي مجرَّدُ قوله: "رَضِيتُ" ما لم يُقْل: "رضيتُ بالقسمة" إلى آخره.
وقوله من قبل "ويكفي قوله: رَضِيتُ بعد خروج القُرْعَة" هو الوجه الظاهر وبينهما مسألةٌ متخلِّلة، وقد يقتضي ظاهرُ نَظْم الكتاب الاكتفاءَ بالرضا بَعْد خروج القُرْعة، والاستغناء به عن الرِّضَا قبله، وهذا الظاهرُ غيْرُ معمول به، بل حَيْثُ يجبُ الرضا، فلا بدَّ منه في الابتداء، والخلافُ في أنه، هل يعتبر في الانتهاءِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَرْعَانِ: الأَوَّلُ: القَنَاةُ وَالحَمَّامَ وَمَا لاَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ تَجْرِي فِيهَا المُهَايَأَةُ وَلَكِنْ لاَ يُجْبَرُ (و) عَلَيْهَا وَلاَ تَلْزَمُ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ فِي الحَالِ أَمْ يَصْبِرُ إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِي نَوْبَتَهُ ثُمَّ يَرْجَعِ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإن جَوَّرْنَا غُرِّمَ قِيمَةَ مَا استوفْاهُ، وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكاء وَأَصَرُّوا تَرَكْنَاهُم وَلَمْ نَبعْ عَلَيْهِمُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن الأعيان تُقَسَّم، فالمنافعُ تقسَّم، وطريقُ قسمتها المهايأَةُ مُيَاوَمَةً أو مُشَاهَرَةً، أو مُسَانَهَةً، فإن كانتِ العَيْنُ قابلةً للقِسْمة، فلا إجبار فيها على المهايأَة بها بحالٍ، وكذا لو طلَبَ أحدُهما أن يَزْرَع هذا بعْضَ الأرض، وهذا بعْضَها أو
الجزء: 12 - الصفحة: 560
يسكن هذا بعض الدار، وهذا بعضها من غير أن تُقَسّم الأرض، وامتنع الآخر فلا يُجْبَرُ الممتنع عليه، كان لم تكنِ العيْنُ قابلةً للقسمة كالقناة، والحمَّام، والعبد، والبهيمة، فإن اتفق الشريكانِ في منافَعَها على المهايأة، فذاك، وقد يتفقان على من البداية، وقد يتنازعانِ، فتَحْكُمُ القرعة، وإن طلبها أحدُهُما، وامتنع الآخر، فوجهان: أحدهُما، ويُحْكَى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه يجبر الممتنعُ كما في قسمة الأعيان، ولئلا يُعَطَّل الشريك على الشريك المال بحاجاً، وعَلَى هذا، فالحكْمُ فيمَنْ يبدأ به القُرْعة، ويجوز أن يكون الحكْمُ في قدرْ النَّوْبة كذلك.
وأصحُّهُما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يُجْبَرُ؛ لأن بالمهايأة، يُعَجَّل حقُّ أحدهما، ويتأخَّر حقَّ الآخر بخلافِ قسْمة الأعيان، وأيضاً فالاشتمال في الأصْل يقتضي الاشْتِرَاك في المنفعة، وانفراد أحدهما بالمَنْفعة مع الاشتراك في الأصْل، لا يكون إلاَّ عَلَى سبيل المعاوَضَةِ، والمعاوَضَاتُ بعيدةٌ عن الإِجبار، د إذا رضينا بالمهأياة ثم رجَعِ المبتدئ بالانتفاع قبل استيفاء توبته، مُكِّن، فإنْ مضتْ مدَّةٌ لمثلها أجرةٌ، غُرِّمَ نصْف أجْرَةِ المثل، وإن رجع بعد استيفاء نوبته، فوجهان، إن قلْنا: لا إجبار على المهايأة، فيُمَكَّن، ويُغَرَّم نصف الأجرة، وإن قلْنا بالإِجبار، فلا يُمَكَّن ويستوفي الآخر نوبته، وإنِ استوفى الأول نوبته، وامتنع الآخر من أن ينتفع ويستوفي نويته، فإن قلْنا بالإجبار، فهو مضيعٌ حقَّ نفسه، ولا أُجرَةَ له، وإنْ قلنا: لا إجبار، فله ذلك، ويأخذ من الَأول نصف أجرة المثل، وكذا لو انهدَمَتِ الدار أو ماتَ العبْدُ بعْد نوبة الأوَّلِ، فللآخر عليه نصْفُ أجرة المثل، وإذا لم نقُلْ بالإجبار وأصرَّا على النزاع في المهايأة، فهل يبيع القاضِي عليهما؛ قطعاً للنزاع؟ فيه وجهان:
أصحُّهُمَا: وهو المذكورُ في الكتاب: أنه لا يبيع؛ لأنَّهما كاملانِ مطْلقا التصرف، لا حقَّ لغيرهما عليهما، وعلَى هذا؛ فما الذي يَفْعَل؟ ذكر في "الوسيط" أنه يتركهما إلى أن يصْطَلِحَا، وهذا يُشْعِر بأنه لا يؤجّر عليهما والذي أورده القاضي ابنُ كج وصاحبُ "التهذيب"؛ أنه يؤخِّره ويوزِّع الأجرة عليهما ولو استأجر اثنان أرضاً، فطلب أحدُهما المهايأة، وامتنع الآخَرُ، وجب أن يعُودَ الخلاف في الإِجبار، وإن أراد قسمتها، ففي فتاوى القاضي الحُسَيْن: أنها جائزةٌ على قول ابْنِ سُرَيْجٍ، ثم إذا اقتسما، وَحَدَثَ بنصيب أحدُهُما عيْبٌ؛، فله الفسخ، قال: وينبغي أن يُقَالَ لشريكه: الفسخ أيضاً، ولو طلب أحدُهُمَا هذه القسمة، وامتغ الآخر، هل يُجْبَرُ، جعله على وجهَيْن، وإذا جرتِ المهايأةُ في العبْد المُشْترك بين المالكين أو في العَبْد الذي بعْضُه حرٌّ بينه وبين مالك الباقِي، فالأَكساب، العامَّة والمؤن العامة تدْخُل في المهايأة، وفي الأكساب النادرة كما يقبله بالهِبَة والوَصِيَّة، والمؤن النادرة كأجرة الطبيب والفَصَّاد والحَجَّام خلاف ذكرناه في غَيْر موضع، والأظْهَرُ دخولُها أيضاً، وينبغِي أنْ يدخُلَ في الكسوة إلَى قدْر النوبة حتَّى يبقى
الجزء: 12 - الصفحة: 561
عَلَى الاشتراك، إن جَرَتِ المهايأة مياومةً، ولا يجوزُ المهايأة في الحيوان اللَّبُون، ليحلب هذا يوماً، وهذا يوماً، وفي الشَّجَر المثمرة ليكون ثمرها لهذا عاماً، ولهذا عاماً؛ لما فيها من الزِّيَادة والنُّقْصان 199، وقوله في الكتاب "ولكن لا يُجْبَرُ علَيْها" إلَى أن قال: "إلا أن يَستوفِيَ نوبته ثم يرجع فيه وجهان" يقتضي إثبات وجهَيْن في الرُّجُوع بعد استيفاء النَّوْبَة مع الحُكْم بأنه لا إجبار في الابتداء، وهو محتملٌ حملاً له على وفاءٍ وتسويةٍ بَيْن الشريكَيْن الأشهر الاقتصار، علي بناء الوجْهَيْن، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ تَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ وَالْتَمَسُوا الْقِسْمَةَ مِنَ القَاضِي وَلاَ بَيِّنَة لَهُمْ عَلَى الْملْكِ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ وَيَكْتُبُ أَنَّهُ قُسِّمِ بِقَوْلهِمْ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ لا يَجِبُ (ح) بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جماعةٌ في أيديهم دار أو أرض تقدَّموا إلى القاضِى فطَلَبوا قسْمَتَها بينهم، فإِن أقاموا بيِّنةُ على أنَّها ملْكُهُمْ، أجابهم إلى القسمة، هذا هو المشهورُ والمَنْصُوصَ، واعترض ابنُ سُرَيْجٍ فقال: إنما تقامُ البينةُ، وتُسْمع على خصمٍ، ولا خصم هاهنا، وأجاب ابنُ أبِي هريرة بأنَّ القسمة تتَضمَّن الحُكْم لهم بالمِلْك، وقد يكون لهم خصْمٌ غائبٌ، فيسمع البينة؛ ليحكم لهم عليه، وإنْ لم يُقِيمُوا بينةً، فطريقان:
أظْهَرْهُما: أن المسألة على قولَيْن:
أحدُهُمَا: أنه لا يجيبهم إلى القِسْمة؛ لأنَّها قد تكُونُ في أيديهم بإجارةٍ وإعارةٍ، فإذا قسمها بينهم، لم يُؤْمَن أن يدعوا ملْكَها محتجِّين بقسمة القاضِي 200.
والثاني: يجيبهم، وبه قال أحمدُ اكتفاءً بدلالة اليَدِ على المِلْك، لكنْ يكتب في الذِّكْر، ويشهد أنَّه، إنَّما قسم بقولهم: لئلا يتمسَّكوا بقسمته.
الطريق الثاني: وبه قال أبو الطيِّب بن سلمة: القطْعُ بالقول الأول، وإذا أثبتنا القولَيْن، فما الأظهر منْهما، ذكر الإمامُ وصاحبُ الكتاب أنَّ الثاني أصحُّ، وإليه ميل ابنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 562
سقطت، وإن عُتِقَتْ أخذ بها.
وإن وَلَدَتْ بعدما عَجَزَتْ، ورُقَّتْ، فلا شَيْءَ لها، وكذا لو وَلَدَتْ بعدما عُتِقَتْ؛ لأن حين يقدر تقومه ليس بكَسْبِ مكاتبه.
وقوله في الكتاب: "أو بعد العتق" في بعض النسخ: "أو (1) بعد الموت السيد"؛ فإنها تعتق بِمَوْتِهِ من جهة أنها مُسْتَوْلَدَةٌ، ثم لا ترتفِع الكِتَابَةُ بِإيلاَدِهَا، بل هي مُسْتَوْلَدَةٌ ومُكَاتَبَةٌ.
فإن عَجَزَتْ ثم مات السَّيِّدُ، عتقت عن الاسْتِيلاَدِ، والأولاد الحَادِثُونَ بعد الاسْتِيلاَدِ بالنِّكَاحِ أو الزِّنَا يَتْبَعُونَهَا، والحَاصِلُونَ قبل الاستيلاد أَرِقاءُ للسيد.
فإن (2) مات السَّيِّدُ قبل عَجْزِهَا عُتِقَتْ.
قال في"التهذيب":ويتبعها أكْسَابُهَا، ويُعْتَقُ عن الكتابة أو الاستيلاد فيه وجهان:
أصحهما: عن الكتابة؛ كما لو أعتق السَّيِّدُ المُكَاتَبَ، أو أَبْرَأَهُ عن النجوم وعلى هذا: فالأولاد الحَادِثُونَ بعد الكِتَابَةِ، وقبل الاسْتِيلاَدِ؛ هل يَتْبَعُونَهَا؟ فيه الخلاف السابق.
والثاني: أنها تُعْتَقُ عن الاسْتِيلاَدِ؛ لانه آكَدُ.
وأجرى هذا الخلاف فيما إذا عَلَّقَ عِتْقَ المُكَاتَبِ بِصِفَةٍ، ووجدت [الصفة] (3) قبل أَدَاءِ النُّجُومِ، وفيما إذا تَقَدَّمَ الاسْتِيلاَدُ على الكتابة.
قال فى "التهذيب": وإذا اسْتَوْلَدَ، ثم كاتب، وأَدَّت النجوم، فالأَكْسَابُ الحَاصِلَةُ بعد الكتابة تَتْبَعُهَا، والحَاصِلَةُ قبل الكِتَابَةِ للسيد، والأولاد الحَاصِلُونَ بعد الاسْتيِلاَدِ يَتْبَعُونَهَا، وهذا مَبْنِيٌّ على أن الكتابة المُسْتَوْلَدَةِ جائزة، وفيه خِلاَفٌ قد تَقَدَّمَ.
"
فرعان
":
أحدهما: ليس للسَّيِّدِ وَطْءُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، أومكاتبته، فإن وَطئَهَا فلا حَدَّ عليه؛ للشُّبْهَةِ؛ فإنه يملك سيدها، ويلزمه المَهْرُ للمكاتب او المكاتبة، فإن أكْسَابَهَا لسَيِّدِهَا وَالمَهْرُ مِنْ أَكْسَابِهَا.
وإن أَوْلَدَهَا فَالوَلَدَ حُرٌّ نَسِيبٌ، وتصير الأَمَةُ مُسْتَوْلَدَةً له.
قال في "الشامل": ويجب عليه قِيمَتُهَا لسَيِّدِهَا؛ لأنها ملكه، ولا يجب عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنها وَضَعَتْهُ في مِلْكِهِ.
ويجي فيه الخِلاَفُ الذى 204 سبق.
والثانى: للسيد وَطْءُ بِنْتِ المُكَاتَبَةِ، إن لم يثبت حُكْمُ الكتابة في ولد المُكَاتَبَةِ،201202203
الجزء: 12 - الصفحة: 563
وإن أَثْبَتْنَاهُ، فليس له وطؤها، ولكن لا حَدَّ عليه، والمَهْرُ يُبْنَى علي الخلاف الذي سبق 205 في الكَسْبِ؛ إنه قلنا: إنه يُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ في الحال؛ فلا مَهْرَ عليه.
وإن قلنا: إنه لِلْأُمِّ فكذلك المَهْرُ، وإن قلنا بالتَّوَقُّفِ؛ فينفق منه علينا ويُوقَفُ البَاقِي، فإن عتقت بِعِتْقِ الأُمِّ، فهو لها؛ وإن عَجَزَتْ فهو للسَّيِّدِ.
وإن أَوْلَدَهَا صارت مُسْتَوْلَدَةً، والولد حُرٌّ نَسِيبٌ، ولا يجب عليه قيمة المُسْتَوْلَدَةِ لأمها؛ لأن الأُمَّ لا تملكها، وإنما يَثْبُتُ لها حَقُّ العِتْقِ بِعِتْقِ الأم، وقد تَأَكَّدَ ذلك بِالاسْتِيلاَدِ.
هكذا ذكر ابْنُ الصَّبَّاغِ، وقد سبق 206 في مِثْلِهَا قولان، في أنه: هل تجب القِيمَةُ للأُمِّ؟ فينبغي أن يكون هَاهُنَا كذلك.
قال في "التهذيب": ويبقى حُكْمُ الكِتَابَةِ فيها حتى تعتق بعتق الأم، ويكون الكَسْبُ لها إذا 207 جعلنا حَقَّ العيْنِ فيها لِلْأُمِّ.
فإن مات السَّيِّدُ، عتقت البِنْتُ بِمَوْتِهِ، وتؤخذ القِيمَةُ من تَرِكَتِهِ للأم، إذا جعلنا الحَقَّ لها، كما في القَتْل، وقِيمَةُ الوَلَدِ على ما ذكرنا في وَلَدِ المكاتب ويَتَعَلَّقُ بالفَضْلِ مسألة طويلة الذَّيْلِ، أفرد لها في "المختصر" بابًا صالحاً، وهي: القَوْلُ في الأَمَةِ المُشْتَرَكَةِ، إذا كَاتَبَهَا مَالِكَاهَا مَعاً، ثم وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، فحكم الحَدِّ، والتَّعْزِيرِ، وَلُزُومُ المَهْرِ على الوَاطِئِ، كما ذكرنا في المَالِكِ الواحد.
ثم إن لم يحل عليها نَجْمٌ، فلها المَهْرُ في الحال، وإن حَلَّ فإن كان مَعَهَا مِثْلُ المَهْرِ فيدفعه إلى الَّذِي لم يطأ، وفي المَهْرِ، ونَصِيبِ الواطئ من النَّجْم الذي حَلَّ الخِلاَفُ في التَّقَاصِّ.
وإن لم يكن مَعَهَا شَيْءٌ آخر, فنصف النَّجْمِ لِلْوَاطِئِ، مع المَهْرِ، على الخلاف في التَّقَاصِّ، والنِّصْفُ الآخر يُدْفَعُ إلى الذي لم يَطَأْ.
وإن عُتِقَتِ المُكَاتَبَةُ قبل أخذ المَهْر، وصَيْرُورَتِهِ قِصَاصاً، أَخَذَتْهُ.
وإن عجزت بعد أَخْذِهِ، فإن بَقِيَ فهو للسَّيِّدِ، وإن تَلِفَ، فقد تَلِفَ في 208 ملكهما.
وإن عَجَزَتْ قبل أَخْذِهِ؛ فإن كان في يَدِهَا بِقَدْرِ المَهْرِ، مال أخذه الذي لم يَطَأَهَا، وبَرئَتْ ذِمَّةُ الوَاطِئِ، وإن لم يَكُنْ معها شَيْءٌ، فللذي لم يَطَأْ أن يَأْخُذَ نِصْفَ المَهْر من الوَاطِئِ، لأنه وَطِئَ جَارِيَةً مشتركة بينهما، فإن أحْبَلَهَا نُظِرَ: إن ادَّعَى الاسْتِبْرَاءَ، وحَلَفَ عَلَيْهِ، وأتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشهر، فصاعداً من وقت الاسْتِبْرَاءِ لم يَلْحَقْهُ، وهو كولد المكاتبة من الزوج، أو الزِّنَا، وقد مَرَّ حُكْمُهُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 564
وإن لم يَدَّعِ الاستبراء وأَتَتْ بالوَلَد لما دُونَ سِتة أشهر، فالوَلَدُ مُلْحَقٌ به، ويَثْبُتُ الاسْتيِلاَدُ في نَصِيبِهِ من الأَمَةِ، مع بَقَاِء الكِتَابَةِ فيه، ثم هو: إما مُعْسِرٌ أو مُوسِرٌ.
إن كان مُعْسِراً، فلا يَسْرِى الاسْتِيلاَدُ إلى نَصِيبِ الشريك, وليس فيه إلاَّ الكِتَابَةُ به, فإن أَدَّت النجوم إليهما، عُتِقَتْ بالكِتَابَةِ, وبطل حُكْمُ الاسْتيِلاَدِ، وإن عَجَزَتْ وفَسَخَا الكتابة، فنصفها قِنٌّ، والنِّصْفُ الآخر على حُكْمِ الاستيلاد.
وإن مات الوَاطِئُ قبل الأَدَاءِ والفسخ، عُتِقَ نِصْفُهَا، وبقيت الكِتَابَةُ في النِّصْفِ الآخَرِ, فإن مات بعد الفَسْخِ، عُتِقَ النِّصْفُ، والباقى قِنٌّ، وفي الولد وجهان:
أحدهما: -وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ-: أنه يَنْعَقِدُ كله حُرّاً، لِشُبْهَةِ المِلْكِ؛ لأن الرِّقَّ لا يَتَبَعَّضُ ابْتِدَاءً.
والثانى: وبه قال أبو إسحاق-: نصفه حُرٌّ، ونصفه رَقِيقٌ؛ لأن أَحَدَ نِصْفَي الجَاريَةِ ليس له، ولو لم تكن كلها له لَكَانَ الوَلَدُ رَقِيقاً، فإذا لم يكن نِصْفُهَا له، كان بعضه 209 رَقِيقاً.
وفي "التهذيب": أن هذا أَصَحُّ.
وقد سبق للصورة نَظَائِرُ.
فإن قلنا: إنه يَنْعَقِدُ كله حُرّاً، وفَرَّعنا على أن وَلَدَ المكاتبة قِنٌّ للسيد؛ فَعَلَى الوَاطِئِ نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ للشَّرِيكِ الآخر، ويسقط قِسْطُهُ منها
وإن قلنا: يثبت فيه حُكْمُ الكِتَاَبَةِ، وجعلنا الحَقَّ فيه للسَّيِّد، فكذلك الجَوَابُ، وإن جعلنا الحَقَّ لِلْمُكَاتَبَةِ، فعليه جميع قِيمَةِ الوَلَدِ [لها] 210 تستعين بها في أَدَاءِ النُّجُومِ.
فإن عتقت قبل [أخذها] 211 أخذتها، وإن عَجَزَتْ قبل الأَخْذِ، أَخَذَ الشريك الآخر نِصْفَهَا، وسقط النِّصْفُ.
وإن قلنا: يَنْعِقُد نِصْفُهُ حُرّاً، ونصفه رَقِيقاً؛ فإن جَعَلْنَا وَلَدَ المُكَاتَبَةِ قِنّاً للسيد، فالنصف الرَّقِيقُ للشريك، ولا يَجِبُ شَيْءٌ من قِيمَةِ الولد على الوَطِئِ.
وإن أثبتنا حُكْمَ الكِتَابَةِ في وَلَدِ المُكَاتَبَةِ؛ فالنِّصْفُ الرَّقِيقُ يتكاتب عليها؛ إن عُتِقَتْ عُتِقَ، وإلاَّ رُقَّ للشريك الآخر.
وقيمة النصف الحُرِّ؛ هل تجب على الوَاطِئِ؟ يُبْنَى على أن الحَقَّ في وَلَدِ المكاتبة للسيد [أَوْ لَهَا] 212.
إن قلنا بالأول لم يجبْ، وإلاَّ وَجَبَ، ثم إن عُتِقَتْ، عُتِقَ الولد، وسُلِّمَ لها نِصْفُ القيمة، فتأخذه إن لم تَكُنْ أَخَذَتْ.
وإن عَجَزَتْ سَقَطَ عنه، فإن كان قد وَقَعَ اسْتَردَّهُ إن كان باقياً فإن كان مُوسِراً سَرَى
الجزء: 12 - الصفحة: 565
الاسْتِيلاَدُ إلى نَصِيبِ الشَّرِيك، وكان الولد كله حُرّاً، ومتى يَسْرِي؟ فيه طريقان:
قال الأكثرون: فيه قَوْلاَنِ، كما لو أَعْتَقَ أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ من المكاتب؛ ففي أَحَدِ القولين: يَسْرِي في الحال.
وفي الثَّانِي: عند العَجْزِ، وعن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وغيره: القَطْعُ بأنه يَسْرِي عند العَجْزِ، والفَرْقُ أن السِّرَايَةَ في الحال تَتَضَمَّنُ نَقْلَ المِلْكِ في المُكَاتَبِ، وفسخ الكتابة.
وإنما احتملنا 213 ذلك لِحُصُولِ العِتْقِ النَّاجِزِ، والاسْتِيلاَدُ [ولا ينجز العِتْقَ، فلا يحتمل رَفْعَ الكتابة به، ومن نَصَرَ القَوْلَ الأول قال: كما أن الإعْتَاقَ النَّاجِزَ أَقْوَى من الكتابة، فالاسْتِيلاَدُ] 214 أقوى وأَثْبَتُ فيها، فجاز أن يوقع به.
فإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في نَصِيبِ الشَّريكِ، ويبقى في نَصِيبِ الوَاطِئِ، ويثبت الاسْتِيلاَدُ في جميع الجَارِيَة، فعلى الواطئ للشريك نِصْفُ مَهْرِهَا، ونِصْفُ قيمتها.
وأما نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ فقد قال الإِمَامُ: هو كما لو اسْتَوْلَدَ أحد الشريكين الجَارِيَةَ القِنَّةَ، وانْعَقَدَ الوَلَدُ حُرّاً، وفي وجوب قِيمَتِهِ قولان؛ بِنَاء على أن العَلُوقَ على الحُرِّيَّةِ، وانْتِقَال الملك؛ هل يَفْتَرِقَانِ أم لا؟
وفي "التهذيب": أنا إن قلنا: إن السِّرَايَة تَحْصُلُ بنفس العَلُوقِ، فلا يجب.
وإن قلنا: يَحْصُلُ بِأَدَاءِ القِيمَةِ، فيجب، لتَقَدُّمِ العَلُوقِ على المِلْكِ، وعلى الوَاطِئِ أيضاً نِصْفُ المَهْرِ للمكاتبة؛ لِبَقَاءِ الكِتَابَةِ في نصيبه.
وهل يَجِبُ نِصْفُ قيمة الوَلَدِ؟
يُبْنَى على أن المِلْكَ في وَلَدِ المُكَاتَبَةِ لمن هو؟
ولو أَدَّتْ نصيب الوَاطِئِ من مَالِ الكِتَابَة، عتق نصيبه، وسَرَى إلى الباقي.
وإن عَجَزَتْ وفَسَخَ الكِتَابَةَ، بقيت مُسْتَوْلَدَةً مُحْصَنَةً.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ عند العَجْزِ؛ فإن أَدَّتِ النُّجُومَ، عُتِقَتْ عن الكتابة، وَوَلاَؤُهَا بينهما، ويبطل حُكْمُ الاسْتِيلاَدِ، ولها المَهْرُ علي الوَاطِئِ فتأخذه إن لم تأخذه ويجب نصف قيمة الولد لِلشَّريكِ.
إن قلنا: وَلَدُ المُكَاتَبَةِ قِنٌّ للسيد، أو قلنا: يثبت فيه حُكْمُ الكتابة، وحَقُّ المِلْكِ فيه للسيد.
وإن قلنا: الحَقُّ فيه للْمُكَاتَبَةِ؛ فيجب جَمِيعُ القِيمَة لها.
وإن لم تُؤَدِّ النُّجُومَ وعَجَزَتْ؛ فعلى الوَاطِئِ للشريك نِصْفُ مَهْرِهَا، ونصف
الجزء: 12 - الصفحة: 566
قيمتها، ونِصْفُ قيمة الولد.
تَمَامُ الكَلاَمِ فيما إذا وَطِءَ أَحدُ الشريكين.
وإن وَطئَاهَا جميعاً، نُظِرَ: إن لم يَحْصُلْ عَلُوقٌ، فحكم الحَدِّ والتَّعْزِيرِ كما سبق، ويجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما مَهْرٌ كَامِلٌ.
وإذا عَجَزَتْ وَرُقَّتْ بعد قَبْضِ [المهرين] 215 لم يُطَالِبْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بشيء، وَيَقْتَسِمَانِ المَهْرَيْنِ إن كانا بَاقِيَيْنِ.
وإن عَجَزَتْ قبل قبْضِهِمَا سَقَطَ عن كُلِّ وَاحِدٍ منهما نِصْفُ ما لَزِمَهُ، ويَجِيءُ في النِّصْفِ الآخر التَّقَاصُّ.
وقد يكون أَحَدُ المَهْرَيْنِ أَكْثَرَ من الآخر؛ إما لكونها بِكْراً عند وَطْءِ أحدهما، ثَيِّباً عند وَطْءِ الآخَرِ، أو لاختلاف حالها 216 في الصِّحَّةِ والمرض، وغيرهما من الأَحْوَالِ؛ فيأخذ مُسْتَحِقُّ الفَضْل الفَضْلَ.
وإن أَفْضَاهَا أحدهما؛ فعليه نِصْفُ القِيمَةِ للشريك، وإن افْتَضَّهَا فعليه نصف أرش الافْتِضَاضِ مع المَهْرِ.
وإن ادَّعَى كُلُّ واحد منهما على الآخَرِ أنه الذي أَفْضَى، أو افْتَضَّ، حلف كُلُّ واحد منهما للآخر، فإن حَلَفَا فَذَاكَ.
وإن حَلَفَ أحدهما، دون الآخر، قُضِيَ للحالف، وإن حَصَلَ عُلُوقٌ، فينظر: أَأَتَتْ بِوَلَدٍ واحد، أو أَتَتْ بِوَلَدٍ من كل واحد منهما.
الحالة الأولى: إذا أَتَتْ [بولد] 217 واحد؛ فينظر: إن ادَّعَيَا الاسْتِبْرَاءَ، وحَلَفَا عليه، لم يُلْحَقْ بواحد منهما، وهو كَوَلَدٍ تَأْتِي به المُكَاتَبَةُ من زَوْجٍ أو زناً.
وإن لم يَدَّعِيَا الاسْتِبْرَاءَ؛ فإما ألا يمكن أن يَكُونَ من [كل] 218 واحد منهما، وإما أن يمكن أن يَكُونَ من الأَوَّل؛ دون الثاني.
وأما أن يكون بالعَكْسِ، وإما أن يكون من كُلِّ وَاحِدٍ منهما.
فهذه أربعة أقسام:
الأول: إذا لم يُمْكِنْ أن يكون مِنْ وَاحِدٍ منهما؛ بأن وَلَدَتْهُ لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولما دُونَ ستة أشهر من وَطْء الثاني، أو لأكثر من أرْبَعِ سنين من وطء آخِرِهِمَا وَطْئاً، فهو كما لَوِ ادَّعَيَا الاسْتِبْرَاءَ
الجزء: 12 - الصفحة: 567
بسم الله الرحمن الرحيم