العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ النَّفقَاتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَأَسْبَابُهَا ثَلاَثَةٌ: النِّكَاحُ وَالقَرَابَةُ وَالمِلْك

ُ، السَّبَبُ الأَوَّلُ النِّكَاحُ،

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ.

البَابُ الأَوَّلُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا،

وَفِيهِ فَصْلاَن قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي وَاجِبَاتِ النفَقَةِ

وَهِيَ سِتَّةٌ: الوَاجِبُ الأَوَّلُ الطَّعَامُ وَهُوَ مُدُّ (ح م و) عَلَى المُعْسِرِ، وَمُدَّان (ح م و) عَلَى المُوسِرِ، وَمُدٌّ وَنِصْفٌ (ح م و) عَلَى المُتَوَسِّطِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الكِفَايَةُ (ح م ز)، وَلاَ يُعْتَبَرُ حَالُ المَرْأَةِ (ح) في مَنْصِبِهَا، وَالمُعْسِرُ هُوَ الَّذي لاَ شَيْءَ لَهُ وَهوَ المِسْكِينُ الَّذِي يَأْخُذُ سَهْمَ المَسَاكِينِ، وَالمُتَوَسِّطُ هُوَ الَّذي لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ لَرَجَعَ إلَى المَسْكَنَةِ، وَمَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ فِهُوَ مُوسِرٌ، وَالمُكَاتَبُ والعَبْدُ مُعْسِرَانِ، وَكَذَا من نِصْفُهُ (ز) حُرٌّ وَنصْفُهُ عَبْدٌ، أمَّا جِنْسُ الطَّعَامِ فَغَالِبُ قُوتِ البَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَا يَلِيقُ بِالزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لوجوب النفقة أسباب ثلاثة: مِلْك النِّكاح، ومِلْك اليَمِين،، وَقَرابة البعضية، والأول والثاني يوجبان النفقة للمملوك على المالك دون العكس؛ لاشتغال المَمْلوك وكَوْنِهِ مَحْبوساً برقِّه ليتفرَّغ لمالكه، فجبر ما لحقه من التَّعَب بالقيام بمؤنته.
والثالث: يوجب النفقة لكلِّ واحدٍ من الفريقَيْنِ على الآخر لشمول البعضية والشفقة، والأصل في السبب الأول للإجماع؛ فلا خلاف في وجوب نفقة الزوجَاتِ على الأزْوَاج في الجُمْلة، ثم احتج له من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] يقول:

الجزء: 10 - الصفحة: 3

إن خفتم أن لا تعدلوا بيْن النساء، فاقتصروا على واحدةٍ وعلى ما ملكت أيمانكم، فذلك أدنى أن لا تَكْثُر عيالكم، ولا تلزمكم المؤن الكثيرة؛ فدل على وجوب مؤنة العِيَال، وهاهنا كلامان: أحدهما: اعترضوا على تفسير الشافِعِيّ -رضي الله عنه- وقالوا: قوله: "أَلَّا تَعُولُوا" معناه ألا تَجُورُوا؛ لئلا تكثر عيالكم، يقال: عال إذا جار، وأعال إذا كَثُرَ عياله، وأجيب عنه بأن ما ذكره الشافعيُّ -رضي الله عنه- منقولٌ من جِهَة الأثر عن زيد بن أَسْلَمَ -رحمه الله- ومن جهة اللُّغَة عن الكسائيِّ -رحمه الله- وإن كان أعال في العيال أكثر.
والثاني: ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- هاهنا استحبابَ الاقْتصار على امرأة واحدة، وذلك لِعُسْر العدل والتسوية بينهن، والعَجْز عنه قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] وقال الماوردِيُّ: هذا إذا كان تكْفيه الواحدة، ومن لا يقنع بالواحدة لقوة شهوته، فالأَوْلَى به الزيادة؛ ليكون أغضَّ لطرفه.
ومِنَ السنة ما رُوِيَ أن هنْدَ امرأة أبي سفيان جاءت إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت يا رسول الله إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِينِي [من النفقة] مَا يكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا آخُذُ منْهُ سِرّاً، وَهُوَ لاَ يَعلَمُ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوف" 1 واستخرج الأصحاب من الخبر وراء وجوب نفقة الزوجة ووَلَدِها فوائِدَ: منْها: أنه يجوز للمرأة الخُرُوج من بيتها لتستفتي، وأنَّ صَوْتها لَيْسَ بعورة، وأنه يَجُوزُ لِمَنْ مُنِعَ حَقَّه أن يَشْكُو وَيتظلَّم، وأنه يجوز ذِكْر الغائب بما يسوءه عند الحاجة، فإنها وصَفَتْه بالشُّحِّ، وأنه يجوز لِمَنْ له حقٌّ على غيره، وهو ممتنع، أن يأْخُذ من ماله بغَيْر إذنه، وأنه لا فَرْق بين أن يكون من جنْس حقِّه أو من غير جنسه، وأنه يَجُوز للقاضِي أن يَقْضِي بعلْمِه على الغائب وأجيب عنْهما: بأنه أفتى ولم يَقْضِ، وأن الأم تكون قيِّمة الوَلَد، فإنه جوَّز لها الأَخْذ والإنفاق في حياة الأَبِ، فكذلك بعْد موته، وهذا وجه قد مر في موضعه، وصححه الجُوَيْنِيُّ في "المنهاج" وأفتى به القاضي الرُّويانيُّ، وظاهر المَذْهَب خلافُهُ، وإذا شهد ذلك، فلا بد في نفقة الزوجات من معرفة ما يجب، وأنَّه كيف تُوَفِّي وأنه متى يجب، ومَتَى يسْقُطُ، وأنه إذا عَجَزَ الزوْجُ عن الواجب، ما الذي تعمل؟ فضمن القول في هذه الأمور في ثلاثة أبواب: أحدها: في قَدْر الواجب وكيفيته.

الجزء: 10 - الصفحة: 4

والثاني: في الأحوال التي تسقط فيها النفقة.
والثالث: فيمن أعسر، وعجز عن توفية الواجب.
أما الباب الأول: ففيه فصلان: الفصل الأول: فيما يجب، وهو أنواع: أحدهما: الطعام؛ أما قدره، فيختلف باختلاف حال الزوج في اليسار والإعسار، ولا يُعْتَبَر فيه الكفاية، ولا يُنْظَر إلى حال المرأة في الزهادة والرغبة، ولا في منصبها وشرفها وتستوي المُسْلمة والذمية والحرة والأمة، واحتج الأصحاب -رحمهم الله- لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضُيِّق.
ثم قالوا: وجَدْنا الشرع قد قَدَّر في الكفارات فأكثر ما أوجب فيها للمسكين الواحد مُدَّيْنِ، وذلك في كفَّارة الأذى وأقل ما أوجب للواحد مد واحد، وذلك في كفارة اليمين والظهار والوقاع في نهار رمضان، فاعتبرنا النفقة بهما؛ لأن كل واحدٍ منْهما مالٌ يجِبُ بالشرع وَيَسْتَقِرُّ في الذمة، فأوجبنا على الموسر الأكْثَر، وعلى المُعْسِر الأقلَّ وجعَلْنا المتوسِّط بينهما، وألزمناه مدّاً ونصْفَ مُدٍّ، وقال الإِمام -رحمه الله- ومن نحا نحوه في توجيه المَذْهَبِ: إن نفقة الزوجات ليست على الكفاية كنفقة القريب لأنها تُسْتَحَقُّ في أيَّام مَرَضِها وشبعها، وإذا بَطَلَت الكفاية، حَسُن تقريبها من الكفارات، فالمُدُّ الواحد يَكْتَفِي به الزهيد، ويتبلَّغ به الرغيب والمدان قدر للمتوسِّعين.
والمعتبر مُدُّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وهو مائَةُ ودِرْهَم وَثَلاثةَ وَسَبْعُونَ دِرْهَمَاً وثلث درهم 2 والمدان ثلاث مائة درهمٍ وستة وأربعون درهماً والمد والنِّصفْ مائتا درهمٍ وستون درهماً.
هذا ظاهر المذهب، وما وُجِّه به، وثلثا درهم، ووراءه قولان: أحدهما: عن رواية الشيْخ أبي مُحَمَّد: أنه يعتبر فيه الكفايَةُ كما في نفقة القَرِيب، وقد يُحْتَجُّ له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَاَلَ لِهِنْدَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِاَلْمَعْرُوفِ" 3. والثاني: عن رواية صاحب "التقريب": أن الاعتماد في قَدْر النَّفَقة على فرض القَاضِي، وعليه أن يَجْتهد، وعند أبي حنيفة، ومالك: أن الاعتبارَ بحَال المرأة، ويختلف القَدْر برغبتها وزهادتها، ويقال: إن النَّظَر عند أبي حنيفة إلى شَرَفِها وضعتها، وعند أحمد: يُنْظَر إلى حال الزوجين جميعاً حتى يَجِبَ على المُوسِر للفقيرة نفقة متوسطة.
والأُمَ يُنْظَرُ في اليَسَار والإعسار والتوسُّط؟ فيه وجوه:

الجزء: 10 - الصفحة: 5

أحدها: أنَّ الرجوع فيها إلى العَادَة، وتختلف العَادَةُ باختلاف الأحوال والبلاد، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره.
والثاني: عن القاضي الحُسَيْن: أن الموسر مَنْ يزيد دخله على خرجه، والمُعْسِر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسِّط من يستوي دخله وخرجه، وهذا والأول ما أورده صاحب "التهذيب" والثالث عن "الحاوي": أن النَّظَر في هذه المراتب في باب النفقة إلى الكَسْب؛ فَمَنْ يَقْدِر على نفقة المُوسِرِين في حقِّ نَفْسِه وحق من في نفقته من كسبه، لا من أصْل ماله، فهو موسر، ومَنْ لا يَقْدِر على أن يُنْفِقَ مِنْ كسبه، فهو مُعْسِر، والمتوسِّط هو الذي يَقْدِر عَلَى أن ينفق من كسبه نفقةَ المتوسِّطين.
وأحْسَنُها، وهو الذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب: أن من لا يملك من المال شيئاً أصلاً، أو يملك من المال مالاً يُخْرِجه عن استحقاق سَهْم المساكِين، فهو مُعْسر، فإنْ مَلَك ما يُخْرِجه عن استحقاق سهم المساكِين؛ فإن كان لا يتأثَّر بتكليف المدين، فهو موسر، وإن كان يتأثر؛ بأن يرجع إلى حد المسكنة أو كُلِّف بدَيْنٍ، فهو متوسِّط، ولا بد في ذلك من النظر إلى الرُّخْص والغَلاَء.
والقُدْرة على الكَسْب الواسع لا يخرجه عن حدِّ الإعسار في النفقة، وإن كانت تخرجه عن استحقاق سهم المساكين 4. يُنْظَر في اليسار والإعسار إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت الذي يجب فيه تَسْلِيم النفقة، فإن كان مُوسِراً حينئذ، فعليه نفقة الموسرين لذلك اليوم، وإن أعسر في أثناء النهار.
وإن كان معسراً، لم يلزمْه إلاَّ نفقةُ المُعْسِرِين، وإن أيْسَرَ بعده، ذكَره في "التهذيب".
وإذا كان الزَّوْج عبداً، فلَيْس عليه إلا نَفَقَةُ المُعْسِرين، وكذلك المكاتَبُ، وإن كثر ماله؛ [لأنه غير أمِّ المِلْك، وفيمن بعْضُه حرٌّ وبعضه رقيقٌ وجهان: أصحُّهما: أنَّه ليْسَ عليه إلا نفقةَ المُعْسرين؛ لنقصان 5 حاله، وإن كثر ماله] ببعض الحر.

الجزء: 10 - الصفحة: 6

والثاني: وبه قال المزنيُّ: أن عليه ببعضة الحُرِّ نَفَقَةَ المُوسِرِين، إذا كثر ماله كما أنه يخرج صدقة الفِطْر ببعضة الحر بالقِسْط، فعلَى هذا، لو كان نصفُه حرّاً، ونصفه رقيقاً، فعليه مدٌّ ونصفٌ.
وأما جنس الطعام، فغالب قوت البلد من الحنْطَة أو الأَرز أو التَّمْر أو غيرها، حتى يجب الأَقِطُ في حقِّ أهل البوادي الَّذين يقتاتونه وذلك 6 لأن الله تعالى أوجب النفقة والكسوة بالمعروف، ومِنَ المَعْروف أن يطعمها ما يَطْعَمُ أهلُ البلد، وأيضاً، فالواجب في الفطرة والكفارة الجنس الغالب فاعتبرت النفقة بهما، وعن تخريج ابن سُرَيْجٍ -رحمه الله- وجهٌ: أنَّه لا يُنْظَر إلى الغالب، وإنَّما يُعْتَبَر بما يليق بحال الزوج إلحاقاً للجنس بالقَدْر، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو اختلف قُوتُ البلد، ولم يَكُنْ غالباً، وجب ما يليق بحال الزَّوْج.
وأمَّا لَفْظ الكتاب، فقوله: "وهو مد على المعسر" يجوز أن يُعْلَم بالحاء والميم والألف والواو؛ فإنه إذا اعتبرت الكفاية، أو اعتبر حال الزوجين جميعاً، لم يَتقدَّر الواجب، وأيضاً، فقد حَكَى القاضي ابن كج عن ابن خيران وغيره -رحمهم الله-: أن النفقة لا تتقدَّر بالمقادير المذْكُورة، ولكن يُتْبَع [فيه] عُرْف الناس في البلد، ويجوز أن تعاد العلاماتُ على لَفْظ المُدِّ، وعلى المد والنِّصْف وعلى قول: "ولا يُعْتَبَر الكفاية"، وكذا قوله: "من نصفه حر" مُعْلَمٌ بالواو والزَّاي.
وقوله: "فغالِبِ قوت البلد" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّانِي الأُدْمُ وَهُوَ مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيباً، وَرَطْلُ لَحْمٍ فِي الأُسْبُوعِ لِلْمُعْسِرِ، وَرَطْلاَنِ للِمُوسِرِ، وَقِيلَ: يُزَادُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ البِلاَدِ إِذَا كَانَتِ العَادَةُ تَقْتَضِيهِ، وَلَوْ تَبَرَّمَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأُدْمِ فَلَهَا السَّعْيُ فِي الإِبْدَالِ، وَلَهَا أنْ تَأْخُذُ الأُدْمَ وَإِنْ لَمْ تَأْكُلْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزوج للزوجة الإدام؛ لأنه مأمور بالمعاشرة بالمعروف، وليس من المعاشرة بالمعروف وتَكْليفها الصَّبْرَ عَلَى الخُبْز البَحْث، وجنسه غالب أُدْم البلَدَ من الزيت والشيرج والسمن والتَّمْر والخَلِّ والجُبْن وغيرها 7، ويختلف ذلك

الجزء: 10 - الصفحة: 7

باختلاف الفصول، وقد تغلب الفَوَاكِهُ في أوقاتها، فتجب وقد تَعَرَّض لذلك في "التتمة" والوجه المذكور في جنس القوت أنَّه يُنْظَر إلى عادة الزَّوْج دون الغالب يعود في الإدام أيضاً.
وأما ففي لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أو سَمْنٍ، ويقال: إنه أراد بها الأوقية قال الأصْحَاب: وإنما أمر بذلك على التَّقْرِيب، ولا يُتَقَدَّر الأُدْم بل هو إلى فرض القاضي واجتهاده، فيَنْظُر في جِنْس الأُدْم، ويُقَدِّر باجتهاده ما يحتاج إليه المُدْمِنُ الطَّعَامِ، فَيَفْرِضهُ على المَعْسِر، ويفرض على المُوسر ضعْفَه، وَيَفْرِضُ [على] المتوسِّط بينهما، ويجب عليه أن يطعمها اللحْمَ أيضاً، وفي كلام الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يُطْمِعَها في كل أُسْبُوع رطْلَ لَحْمٍ، وهو محمول على المُعْسِر وعلى المُوسِر رَطْلاَن، وعلى المتوسِّط رطْلٌ ونصْفٌ، واسْتُحِبَّ أن يكون الإعطاء يوم الجمعة، فإنه أَوْلَى بالتوسُّع فيه، [ثم] قال الأكثرون: إنما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-؛ على عادة أهل مِصْر؛ لعزة اللحْم عندهم يومئذ، فأما حيث يكثر اللحم، فيزاد على عادة أهْل تلْك البلدة، وفصل صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فقال: يجب في وقت الرُّخَص على المُوسِر في كل يوم رَطْلٌ وعلى المتوسِّط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المُعْسِر في كل أسبوع وفي وقت الغلاء يجب في أيامٍ مرةً على ما يراه الحاكم، وقال قائلون: وحكاه الشَّيْخ أبو محمَّد عن القَفَّال: أنه لا مزيد على ما ذَكَره الشافعيُّ -رضي الله عنه- في جميع البلاد، والحاجةُ تُقَدَّر به، وفيه كفاية لِمَنْ قنع، ويُشْبه أن يقال: لا يجب الأُدَمْ في اليوم الذي يعطيها اللَّحْم، ويكفي ذلك للإيدام، ولم يَتعرَّضوا له، وُيمْكِن أن يقال: إذا أوجبنا على الموسر اللحْمَ في كل يوم، يلزمه الإدامُ أيضاً، ليكون أحدهما غداء، والآخر عشاء على العَادَةِ، ولو تبرمت المرأة بالجنْس الواحِدِ من الأُدْمِ، فوجهان: أحدهما: أن على الزوج أن يُبْدِله؛ إذ لا ضرر عليه فيه، ولا مشقَّة.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يَلْزَمُه ذلك، وعلَيْها الإبْدَال إن شاءَتْ 8، وفي "أمالي أبي الفرج" -رحمه الله- أيضاً: أنها لو صرفت شيئاً من القوت إلى الأُدْم أو بالعكس أو أبدلت الجِنْس الذي أخَذَتْه من الأُدْم بجِنْس آخر، فلا بأس، وَلاَ اعتراض للزوج عليها، فإنها متعرِّضة في مِلْكها، وأنَّ من الأصحاب مَن جَوَّز له = بالشام.
قال القاضي الحسين: أو مصر فالزيت.
وإنما خص هذه الأدهان بذلك لأنها أصلح للبدن وأخف مؤنة فإنه لا يحتاج في التأدم بها إلى طبخ وكلفة.
وهذا كلام ابن الصباغ وظاهره حصر الأدم في الأدهان.

الجزء: 10 - الصفحة: 8

المَنْع من إبدال الأشرف بالأخس، وَلاَ يَسْقط حقُّها عن الأُدْم بأن لا تَأْكُلَهُ، وتقنع بالخبز كما لا يَسْقط حقُّها عن الطعام؛ بأن لا تأكل بعضه، وعلى الوجه المذكور في أن للزَّوْجِ أن يمنعها من إبدال الأشرف بالأخس له أن يمنعها من ترك التَّأَدُّم بطريق الأَوْلَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّالِثُ نَفَقَةُ الخَادِمَةِ لِمَنْ يَقْتَضِي مَنْصِبُهَا الخِدْمَةَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ شِرَاءُ خَادِمَةٍ وَتَمْلِيكُهَا، وَلَكِنْ يَجِبُ الإِخْدَامُ بِاسْتِئجَارِ حُرَّةٍ أَوِ اسْتِخدَامِ مَمْلُوكَةٍ أَو الإِنْفَاقِ عَلَى جَارِيتَهَا، وَلِلْخَادِمَةِ مُدٌّ عَلَى المُعْسِرِ، وَمَنٌّ عَلَى المُوسِرِ وَلاَ مَزِيدَ وَهُوَ قَدْرُ كِفَايَتَهَا فِي الغَالِب، وَفِي اسْتِحْقَاقِهَا الأُدْمَ وَجْهَانِ، وَلَوْ خَدَمَتْ بنَفْسِهَا فَلَيْسَ (و) لَهَا نَفَقَةَ الخَادِمَةِ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَتَوَلَّى الخِدْمَةَ فِيمَا لاَ يُسْتَحْيَى مِنْهُ لِيخَفِّفَ عَنْ نَفسِهِ بَعْضِ مُؤْنَةِ الخَادِمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إِبْدَالُ خَادِمَتِهَا المأَلُوفَةِ إِلاَّ بِرِيبَةٍ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ سَائِرَ خَدَمَتِهَا سِوَى الوَاحِدَةِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ سُكْنَاهُنَّ، بَلْ لَهُ مَنْعُ أَبوَيْهَا مِنَ الدُّخُولِ، وَمَنْعُهَا مِنَ الخُرُوجِ لِلزِّيَارَةِ، وَالرَّقِيقَةُ المَنْكُوحَةُ الَّتِي تَخْدُمُ لِجَمَالِهَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الخَادِمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النساء صِنفان: أحدهما: اللواتي لا يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُن في عادة البلد، بل يكون لهن من يَخْدُمُهُن، فإذا كانت الزوجةُ منْهُنَّ وَجَبَ على الزوج إخْدَامُها 9؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف، وهو مأمور بالمعاشرة، وأشار المزني -رحمه الله- إلى اختلاف قَوْلٍ في وجوب الإخْدَام، وعلى ذلك جرى جَارُونَ، وأثبتوا الخِلاَفَ فيه على ما حكاه أبو الفَرَجِ السرخسيُّ وغيره، والجمهور قطَعُوا بالوجوب، وحملوا النُّصوص المُشْعوة بخلافه على ما إذا لم تكن الزوجةُ من هذا الصِّنْف، ولا فَرْق في وجوب الإخدام بيْن أن يكون الزوج موسراً أو معسراً حرّاً أو مكاتباً أو عَبْداً، والاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها دون أن ترتفع بالانتقال إلى بَيْت زوجها، ويليق بحالها؛ بسبب الانتقال أن يكون لها خَادِمٌ، وكذلك هو في تعليقِ الشيْخِ أبي حامد، ولا يجب أكْثَرُ مِنْ خادِمٍ واحدٍ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لحصول الكفاية به، وقال مالك -رحمه الله-: إن كانت مِمَّنْ يخدم في بَيْت أبيها بخادِمَيْنِ أو أكثر، وجب إخدامها بذلك العدد ولا يلزمه تمليك جارية إياها،

الجزء: 10 - الصفحة: 9

بل الواجب إخدامها بحرة أو أمةٍ أو مستأجَرَةٍ أو ينْصِب مملوكة [له] تَخْدِمُهَا أو بالاتفاقِ على الَّتي حَمَلَتْها معها من حُرَّة أو أمة ولا يجوز أن يكون الخادِمُ إلا امرأة أو صبيّاً أو مَحْرَماً لها، وفي مملوكها والشَّيخ الهم اختلافٌ، وفي جواز كون الخادِمِ من أهل الذمَّة وجهان: عن أبي إسحاق -رحمه الله- جوازه؛ لأنهم أَذَلُّ نُفُوساً، وأسرع إلى الخدمة.
وعن غيره: المنع؛ لأن النفس قد تعافُهُم، وأيضاً، فلا يُؤْمَن عداوتهم الدِّينيَّة.
ثم في الفصل مسائل؛ إحداها: أن أخْدَمَها بحرة أو أمة مستأجرة، فليس عليه إلا الأُجْرة، وإن أخدمها بجاريةٍ، فنفقتها تجِبُ بحقِّ المِلْك، وإن كان يُخْدِمها بكفاية مؤنة خادمتها الحرة أو الأمةِ، فإذا موضع نفقة الخادمة، والقول في جنْس الطعام لهو في جنس طعام المخدومة.
وأما القَدْر، ففي "أمالي أبي الفرج": أن نفقة الخادم تقدَّر بِمُدٍّ، ولا تختلف باختلاف حال الزوج، والصحيح أنها تختلف، فعلى المُعْسِر مُدٌّ، وإن كان فيه تسوية بين الخادمة والمخدومة في حقِّه؛ لأن النفس لا تقوم بما دُون المُدِّ غَالِباً، وعلى الموسر مُدٌّ وثُلُثٌ، وفي المتوسِّط ثلاثَةُ أوجُهٍ: أصحُّهما: أن عليه مدّاً كالمعسر.
والثاني: أن عليه مدّاً وثلثاً كالموسر، حكاه في "البحر"، وغَلَّطَ قائله.
والثالث: قال أبو الفرج السرخسيُّ: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مدٌّ وسدُسٌ؛ لتفاوت المراتب في حقِّ الخادمة، كما تتفاوت في حق المخدومة ووجَّهوا التقدير في حق الموسر بالمد والثلث، بثلاثة طرق: أشهرها: أن للخادمة والمخدومة في النفقة حالَةَ كَمَالٍ، وحالة نُقْصَانٍ.
وهما في حالة النقصان يستويان، وفي حالة الكمال يُزَاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة، كما أن للأبوين في الميراث حالتا كمالٍ ونقصانٍ، وهما في حالة النُّقْصَان، وهو أن يكون للميِّت ابْن يستويان فيكون لكل واحدٍ منهما السُّدُسُ، وفي حالة الكمال، وهو إذا انفردا، يكون المال بينهما أثلاثاً، فيزاد للأم ثلث ما يزاد للأبِ.
ويُحْكَى هذا عن القفَّال الشاشيِّ -رحمه الله-.
والثاني: أن نفقة الخادمة على المتوسِّط ثُلُثَا نفقة المخْدُومة؛ لأنَّ نفقة المخدومة عليه مدٌّ ونصفٌ ونفقة الخادمة مدٌّ تفريعاً على الصحيح، فكذلك ينبغي أن تكون نفقة الخادمة على الموسر ثُلُثَيْ نفقة المخدومة علَيْه، وثُلُثَا المُدَّيْنِ مُدٌّ وثُلُثٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 10

والثالث: أن الموسِرَ زادت نعمةُ اللهِ عليه فيليق به الزيادةُ في الإنفاق، والنَّظَر إلى الثلث قريبٌ كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهُ تَعَالَى أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ" قال في "البسيط": وهذه المسالك بأصول أبي حنيفة أشبه منْها بأصولنا، لكن لمّا تطلبت الكفايةُ، اكتفوا بمثل هذه التفريعات، وفي "الوسيط" أن الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ذكر المُدَّ والثُّلُثَ على التقريب، وأن الصحيح يُنْظَر إلى كفايتها، وهذا القَدْر قَدْرُ كفايتها في الغالب، ويليق بالعادة في حق الخادمة.
وقوله في الكتاب: "وهو قدر كفايتها في الغالب" يشير إلى نْحوِ مِنْ هذا، وهو غير ملائم لما ساقه الأصحاب.
والثانية: هل تَسْتَحِقُّ الخادمة الأُدْمَ فيه وجهان: أحدهما: وُيحْكَى عن ابن أبي هريرة: لا، ويكتفي بما يَفْضُلُ من المخدومة.
وأصحُّهما: الاستحقاق كما في المخدومة، وذلك لأن العيش لا يتم دونه، وعلى هذا فجنسه جنس أُدْمُ المخدومة، وفي النوع وجهان: أحدهما: أنه يُسوَّى بينهما فيه، كما في الجنس.
وأصحُّهما: وينسب إلى النصِّ: أنَّه يُجْعَلَ جنس أدم المخْدُومة أجود للعادة، وطُردَ الوجهان في نوع الطعام أيضاً، وفي استحقاق الخادمة اللحْمَ وجْهان، وربما بُنيا على الوجْهَيْن في التسوية في الإدام، إن قلنا: إن إدامها مثل إدام المخدومة، فلها اللحم، وإلا فلا يَجِب، وأما قدر إدامِها، فيُجْعَل بحسب الطعام.
الثالثة: لو قالت: أنا أخْدُمُ نَفسِي، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادم، لم يلزمه ذلك؛ لأنها أسْقَطَتْ مربيتها, وله أن لا يَرْضَى بذلك؛ لأنَّها تصير متبذِّلةً، وأشار في "البسيط" و"الوسيط" إلى خلافٍ فيه، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو توافقا على ذَلِكَ، ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض 10 عن النفقة، ولو قال الزوج: أنا أخدُمُها، وأراد إسقاط مؤنة الخادمة، فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد: أن له ذلك؛ لأنَّ الخدمة حقٌّ عَليْهِ، فله أن يوفيه بنَفْسِه وبغيره، وعلى هذا، فالواجب إخدامها بأحد الطرق التي سَبَقَتْ، أو أن يَخْدُمَهَا بنفسه.

الجزء: 10 - الصفحة: 11

وأظهرهما: المنع؛ لأنها تستحي منْه وتتعيَّر به، وعن القَفَّال وغيره: أن له ذلك فيما لا يستحي منْه، كغسل الثوب واستيقاء الماء وكنس البيت وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها غصب الماء على يَدها، وحمله إلى المستحم ونحوهما، لأنها تحتشمه وتَسْتَحْيِي منْه، وهذا ما ذكره في الكتاب؛ حَيْث قال: "وللزوج أن يتولى الخِدْمَةَ فيما لا يُسْتَحْيَى مِنْه" وهو كوجه ثالثٍ فارقٍ، وفيه إشعار ظاهِرٌ بأن النوعين جميعاً من وظيفة الخادمة، وبُنيَ عليه أنَّه إذا تولَّى بنفسه ما لا يُسْتَحْيَى منه فقد تَحْمِل بعض أعمال الخادمة، فهل تَسْتَحِقُّ النفقة التامَّة؟ فيه وجهان؛ بناء على أن السَّيِّد إذا سلَّم الأمة المزوجة ليْلاً، واستخدمها نهاراً، هل تَسْتَحِقُّ تمام النفقة؟ وأنا إذا قلْنا: لا تَسْتحقُّ التمام، فيحتمل أن نشطر ويحتمل أن تُوزَّع على الأفعال، وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "ليخفف عن نفسه بعض مُؤْنَة الخادمة" لكن فيه كلامان: أحدهما: ذكر أبو الفرج الزاز أن الذي يَجِبُ على الزَّوْج كفايته في حق المخدومة الشريفة؛ الطَّبْخ والغَسْل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشُّرْب، وحمله إلى المستحم، والترفُّعُ عن ذلك مَحْضُ رعونةٍ، لا عبرة بها.
والثاني: في "التهذيب": أنا نَعْنِي بالخدمة في الباب ما يَئُولُ إلى حاجتها؛ كحمل الماء إلى المستحمِّ، وصبه على يَدِهَا وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما الطبخ والغَسْل والكنس، فلا يجب شَيْءٌ منْها على المرأة، ولا على خادمتها، بل هو على الزوْج، إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء، بغيره، فالكلامان متفقان على النوعَيْنِ جميعاً لا يتوظَّفان على الخادمة، حتى يُفْرَض توزيع النفقة، وتخفيف بعض المؤنة، والاعتماد من الكلامَيْن على ما في "التهذيب" 11 دون الأَوَّل ويُخَرَّج مِمَّا ذكَرْناه أن للزَّوْج أن يتولَّى ما لا يُسْتَحْيَى منه بلا خلاف، والخلافُ مخصوصٌ بما يُسْتَحْيَى منه.
الرابعة: لو تنازعا في تعيين الخادمة التي تخدمها من الخادمة التي يستأجرها الزوج لِخِدمتها أو الجارية التي يُخْدِمُها من جواريه فوجهان: أحدهما: أن المُتَّبَع اختيارها؛ لأنَّ الخِدْمةَ لها، وقد تكون التي عينتها أوفق لها وأسرع إلى الامتثال.
وأظهرهما: أن المتبع اختياره؛ لأن الواجب عليه يَكْفِيهَا الخدمة دون أن تكفي تلك المعيَّنة، وهذا كما أنه لا يجوز تطليقه توفير النفقة من طعام معيَّن، ولأنه قد تدخله ريبة وتهمة تختارها هذا في الابتداء.

الجزء: 10 - الصفحة: 12

فأما إذا توافقا على خادمة، وألْفَتْها أو كانت قد حملت خادمة مع نفسها، فأراد إبدالها, لم يجز؛ لأن قطْعَ النَّفْس عن المألوف شديدٌ، إلا إذا ظهرت ريبة أو خيانة، فله الإبدال.
ولو أرادت استخدام ثانية وثالثة من مالها، فللزوج أن لا يرضى بدخولهن داره، وكذا لو حَمَلَتْ مَعَها أكثر من واحدة، فله أن يَقْتَصِر على واحد؛، ويخرج الأخريات من داره، وهذَا كما أن له أن يكلِّفها إخراج مالها من داره، وأن يمنع أبوَيْها من الدخول عليها، وأن يُخْرِجَ ولدَهَا من غيره إذا استصحبته معها.
الخامسة: إذا كانت المنكوحةُ رقيقةً، لكنها ذاتُ جمالٍ تُخْدَمُ في العادة، فهل يجب إخْدامها فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ 12؛ للعادة.
وأظهرهما: واقتصر الأكثرون على إيراد [هـ]: المنع؛ لأنها ناقصةٌ بالرِّقِّ وحقُّها أن تَخْدُمَ دون أن تَسْتَخْدِم.
وقوله في الكتاب: "نَفَقَةُ الخَادِمَةِ" المراد منها مؤنة الإخدام، والنفقة في الحقيقة مخصوصةٌ ببعض الأحوال على ما تَبيَّن، واعلم بالواو؛ لقول من أثبت خلافاً في وجُوبِ الإخدام.
وقوله: "ومنعها من الخروج للزيارة" صحيح في نفسه، إلا أنَّه لا يلائم المقصود هاهنا، فإن المقصود أن الدار مِلْكُه، فله مَنْع الغَيْرِ مِنْ شغلها وسكانها، والمنع من الخروج ليس من هذه الجهة.
وقوله: "والرقيقة المنكوحة" هذا هو الصحيح، وقد يوجد في النسخ "والرقيقة المملوكة" وهو غَلَطٌ.
الصِّنْفُ الثاني: من النساء اللواتي يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُنَّ في العادة، فإذا كانت الزوجة منهن، نُظِرَ؛ إن احتاجت إلى الخدْمة؛ لِزَمَانَةٍ أو مرض، فعلَى الزوج إقامةُ مَنْ يَخْدِمُهَا ويُمَرِّضُها، وإذا لم تَحْصُل الكفاية بواحدة، فيزاد بحسب الحاجة، ولا فرق هاهنا بين أن تكون المنْكُوحة حُرَّةً أو أمةً، وهذا ما أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وأكثر الأصحاب في المَرَضِ.
ومنهم: من فصَّل أمر المَرَضِ، وقال: إن كان المرض دائماً، وجب الإخدام؛ لأن العذر الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة، وإن لم يكن دائماً، لم يجب كأسباب

الجزء: 10 - الصفحة: 13

المعالَجَة، وعلى هذا جرى المتلقون عن الإِمام -رحمهم الله- وإن لم يكن بها عذر محوج إلى الخِدْمة، فليس عليه الإخدام، ولو أرادت أن تتخذ خادمةً بما لها، فله منْعُها من دخول داره، قال في "التتمة": وعلى الزوج أن يَكْفِيَهَا حمل الطعام إلَيْهَا، وحمل الماء إلى المنزل، وما أشبه ذلك.
فَرْعٌ: المبتوتة الحامل، هل تَسْتَحق نفقة الخادمة؟ فيه وجهان، بناهما ابن المرزبان على أن النفقة للحمل أو للحامل؟ إن قُلْنَا بالأول، لم تجب، وإن قلنا بالثاني، وجَبَتْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الرَّابعُ الكُسْوَةُ وَهِيَ فِي الصَّيْفِ خِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَمُكعَّبُ، وَفِي الشِّتَاءِ يَزيدُ الجُبَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيَّنِ البَصْرَةِ لِلْمُوسِرِ أَعْنِي الكِرْبَاسَ، وَمِن غَلِيظِهِ للْمُعْسِرِ، وَمَا بَيْنَهُمَا لِلْمُتَوَسِّطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا الحَرِيرُ وَالكتَّانُ لَمْ يَلْزَم عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَإِنَّهُ رُعُونَةٌ، وَلاَ بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مِلْحَفَةٍ وَشِعَارٍ وَمُضَرَّبَةٍ وَثِيرَةٍ وَمِخَدَّةٍ وَلَبَدٍ تَحْتَهُ أَوْ حَصِيْرٍ، وَهَلْ لَهَا طَلَبُ زِلِّيَّةٍ تُفْرَشُ، نَهَاراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ آلَةِ الطَّبْخِ وَآلَةِ الشُّرْبِ مِنْ كُوزٍ وَجَرَّةٍ وَقِدْرٍ وَمِغْرَفَةٍ، وَيَكْفِي أنْ يَكُونَ مِنَ الخَزَفِ وَالحَجَرِ وَالخَشَبِ، وَكُسْوَةُ الخَادِمَةِ أَخْشَنُ جِنْساً، وَطَعَامُهَا مِثْلُ طَعَامِ المَخْدُومَةِ، وَفِي جِنْسِ إِدَامِهَا تَرَدُّدٌ، وَتَسْتَحِقُّ الخَادِمَةُ الخُفَّ دُونَ المَخْدُومَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزَّوْج كسوةُ زوجته على ما قال تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وُيرْوَى أنَّه سئل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن حقِّ الزوجة على الزَّوْج، فقال: "أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيتَ" 13 ولأن الكسوة كالقوت في أن البَدَن لا يقوم إلا بهما, ولا تقاس الكسوة هاهنا بالكُسْوة في الكفارة؛ لأن هناك يَكْفِي ما يقع عليه الاسم، وهاهنا لا يكْفي بالإجماع، ويجب على قَدْر كفاية المَرْأة، فيختلف بطُولها وقِصَرها وهُزَالها وسمنها، واختلاف البلاد في الحَرّ والبَرْدِ، ولا يختلف عدد الكُسوةِ، باختلاف يسار الزوج وإعْسَاره، لكنهما يُؤَثِّران في الجودة والرداءة [و] في كلام أبي الفرج وإبراهيم المروزي: أنهُ يُنْظر في الكسوة إلى حال الزوجَيْن جميعاً، فيجب عليه ما يُلْبس مثْلُه مثلَها في العادة، ثم لا بد من بيان عدد الكُسْوة وجنسها.
أما العَدَد، فيجب في الصيف قميصٌ وسراويلُ وخمارٌ، وما تلبسه في الرِّجْل من

الجزء: 10 - الصفحة: 14

مكعَّبٍ أو نعل وفي الشتاء يزاد جُبَّة محْشُوَّة تَدْفَع البرد، وقد يقام الإزار مقام السَّراويل، والفَرْو مقام الجُبَّة، إذا كانت العادة لُبْسَها، ذكره في "التتمة" وعن "المنهاج" للجوينيِّ: أن السراويل لا تَلْزَم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء، لدفع البرد، وفي "الحاوي" أن نساء أهل القُرَى إذا جرت عادتهن بأن لا يلبسن في أرجلهن شيئاً في البيوت لم يَلْزَم لأرجلهن شيء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك في الكتاب لفظ "السراويل" و"المكعب" بالواو، وأما الجنس فقد ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن الموسر يُعْطِيَ جميع ذلك من لَيِّن البصْرة، أو الكوفة أو وَسَطَ بغْدَاد 14، والمُعْسِر من غليظها، والمتوسِّط ما بينهما، وأراد المتَّخَذ من القطْن، فإن جَرَتْ عادة البلد بالكَتَّان، [أو الخَزِّ] أو الحَرِيرِ، فوجهان: أحدهما: ويُحْكَى عن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله-: أنه لا يلزم ذلك [بل له الاقتصار] على القطْن.
وأصحُّهما: اللزوم على عادة البلد.
ويفارق بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
قال الأصحاب: وإنما ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- ما ذَكَر على عادة ذَلِكَ الوَقْت 15. نَعَمْ، ولو كانتِ العادةُ لُبْسَ الثياب الرقيقة، كالقصب الذي لا يصلح ساتراً، ولا تصح فيه الصلاة، فلا يعطيها منه، ولكن من الصفيق الذي يَقْرُب منه في الجودة، كالدبيقي والكتَّان المرتفع.
فرع: قال أبو الفرج السرخسي: إذا لم تستغْنِ بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود، فيجب من الحَطَب أو الفَحْم بقدر الحاجة.
هذا هو الكلام في ملبوس البَدَن.
وأما ما يُفرَشَ، فعلى الزوج أن يُعْطِيها ما تفرشه على الأرض للقُعُود عليه، ويختلف ذلك باختلاف حالِ الزَّوْج.
قال في "التَّتمة": فعلى الغنيِّ الطنفسة في الشتاء ونِطْع في الصيف، [وعلى المتوسِّط زِلِّيَّةٌ، وعلى الفقير وحصير في الصيف، ولبد في الشتاء، ويُشْبه أن تكون الطنفسة والنِّطْع بعد بسط زِلِّيَّة أو حصير، فإن الطنفسة والنطع لا يُبْسَطَان وحْدهما 16، وهل عليه فراش لتنامَ علَيْهِ؟ فيه وجهان.

الجزء: 10 - الصفحة: 15

أحدهما: لا، وتنام على ما يَفْرشه نهاراً.
وأصحُّهما: نعم، على العادة 17 الغالبة، وعلى هذا، فيلزمه مُضَرَّبَة وَثيرَةٌ أو قطيفةٌ، ولم يذكروا خلافاً في أنه تجب مِخَدَّة ولِحَافٌ؛ لدفع البرد في الشتاء وفي البلاد الباردة أو كساءٌ هكذا قيد الأئمة -رحمهم الله- بالشتاء، وإن أطلق ذكْر الملحفة في الكتاب، ويكون كل ذلك لامرأة الموسر من المرتفع، ولامْرأة المعسر من النازل، ولامرأة المتوسِّط مما بينهما، وحكى صاحب الكتاب عن العراقِيِّين وجهَيْن في أنه هل يَجِبُ لها زِلِّيَّةٌ تفرش نهار أو ربما أفهم إيرادُه كَوْن الزِّلِّيَّة غير اللبد أو الحصير تحْت المُضَرَّبة، والمفهوم من كلام الجُمْهور أن المَفْرُوش على الأرض من الزِّلِّيَّة، إِما اللبد أو الحصير واحدٌ ليلاً ونهاراً، والذي يوجَدُ الخلافُ فيه من كتب العراقيِّين الفراشُ دون الزِّلِّيَّة، ويجوز أن يُعْلَم؛ لِمَا حكيناه لفْظ "المضربة" بالواو، أما "الشعار" الذي ذكره في هذه الجملة فالأكثرون سكتوا عنه، ويمكن أن يُخصِّص الشِّعَار بالصيف، كما يخصَّص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال: في الشتاء يجب الشِّعَار معِ اللِّحَاف، كما يجب القَمِيص مع الجُبَّة، والحُكم في جميع ذلك مبنيٌّ على العادة نوعاً وكيفيَّةً، حتى قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": لو كانوا لا يعتادون في الصَّيْف لنومهم غطاءً غير لباسهم، لم يلزمه شيْءٌ آخر، ثم في الفَصْل مسألتان: إحداهما: عَلَى الزوْج للزوْجَة: آلات الطبخ والأكل والشرب كالكوز والجرة والقدر والمغرفة والقَصْعَةَ ونحوها، ويكفي أن يكون من الخشب أو الحَجَر أو الخَزْف،] 18 وذكر الإِمام وغيره: أنَّه يُحْتَمَل ألا يُزَاد في الجنْس على ذلك، ويقال: إن الزيادات من رُعونَات الأنفس، ويحتمل أن يجب للشريفة الظروف النحاسية للعادةِ، واعلم أنه لا اختصاص لِهَذا النَّوع بفصل الكُسْوة، والأَوْلَى أن يجعل كحالة للطعام والإدام، أو يجعل جنساً برأسه.
= والزلية بكسر الزاي وتشديد اللام جمعها الزلالي.
قاله في التحرير تبعاً للجوهري وفي شرح الجمل لعبد الدايم القيرواني الصواب زِلّ وهو وجه مطرح غير مبطن وأصله بالفارسية زيلوهُ فعرب فقيل زل وهو مستعمل في العراق في دخول الحمام وفي الأسفار.
انتهى.
واللبد بكسر اللام وإسكان الباء، والنطع بكسر النون وفتح الطاء بوزن عنبَ في أفصح لغاته السبع.
والنطع بفتح الطاء وكسرها لغتان بساط من الأديم والجمع أنطاع ونطوع.

الجزء: 10 - الصفحة: 16

الثانية: يجب للخادمة الكُسْوةُ كالنفقة، فلا بُدَّ من القميص، وفي السراويل وجْهَانِ: أصحُّهما: عند صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيِّ: الوجوب.
والثاني: لا يجب؛ لأن المقصود من السراويل الزينةُ وكمال الستر، والخادمةُ لا تحتاج إلى الزينة، ولا إلى كمال السِّتْر، إذا كانت أمةً، فإنَّ ساقها ليست من العَوْرَة، وكلام أكثرهم إلى هذا أَمْيَلُ، وأطلَقَ مُطْلِقُون وجوبَ المقنعة وفي "التتمة": أنها تجب في الشتاء لدفع البَرْدِ، وفي الصيف: تجب إنْ كانت حرَّةً وإن كانَتْ أَمَةً فلا تجب، إِذا كانت عادة الإماء في البلد كَشْفَ 19 الرأس، وتجب في الشتاء جُبَّة أو فروة وَيجِب الخف للخادمة 20، ولا يجب للمخدومةِ؛ لأن الخادمة تحْتَاجُ إلى الخروج، والنُّقُلة في الحوائج، ويجب لها ما تَلْتَحِف به عند الخروج أيضاً، وأمَّا ما يُفْرَش وُينَام فيه، فقد قال المتولِّي: لا بد مِنْ شَيْء تَجلْسِ علَيْه كبارية في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء، ولا بد من مِخَدَّة وشَيْءٍ تَتَغَطَّى به في الليل من كساءٍ ونحوه، قال في "البحر": ولا يجب لها الفراشُ، بلِ يَكْتَفِي بالوسادة والكساء 21، ما يجب يجب مما يليق بالخادمة جنْساً ونوعاً، ويكون أخْشَنَ من كُسْوة المخدومة، وإن كان الطعام لا يختلفون وفي الإدام خلاف ذكرناه منْ قَبْل، وأورده صاحب الكتاب هاهنا، وقوله في الكتاب: "وكلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيِّنِ البَصْرة يعني الكرباس مذكور على التمثيل، يعني من لَيِّنْ البصرة أو الكوفة، أو ما في معناهما، والبَلَدَانِ مذكوران في لفْظِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- واسم "الكِرْبَاسِ" قد يختص بالنوع الغليظ الذي يختص بالخَادِمَة، ويستعمل مقابلة اللَّيِّن، وكذلك وقع في لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-.
وقوله قبل ذلك "خمار وقميص وسراويل" أراد بالخمار المقنعة، وقد يختص اسم "الخمار" بما يجعل فوق المقنعة؛ ولذلك ذكر بعضُهُمْ أنَّه يجب في الشتاء الخمارُ مع المقنعة، إذا وقعتِ الحاجة إلَيْه، وقياس مسائلِ البابِ أن تَجِبَ الزيادةُ على الجُبَّة الواحدةِ، حيث يشتد البرْدُ، ولا تكفي الواحدة 22. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الخَامِسُ آلَةُ التَّنْظِيفِ وَهُوَ المُشْطُ وَالدُّهْنُ، وَلاَ يَجِبُ

الجزء: 10 - الصفحة: 17

الكُحْلُ وَالطِّيبُ، وَيَجِبُ المرتك لِلضُّنَان، وَلِلْزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ تَعَاطِي الثَّومِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ مُؤْذِيَةٌ وَمِنْ تَنَاوُلِ السُّمِّ، وَهَلْ لَهُ المَنْعُ مِنَ الأَطْعِمَةِ المُمَرِّضَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ الدَّوَاءَ لِلمَرَضِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحِجَامَةِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحَمَّامِ إِلاَّ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ، وَالخَادِمَةُ لاَ تَسْتَحِقُّ آلَةَ التَّنْظِيفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وعلى الزوْج أن يعطي الزوجة ما تتنظف به وتزيل الأوْسَاخ الَّتي تؤذيها أو تُؤْذي بها؛ كالمُشْط والدُّهْن 23 وما تغسل به الرأْسَ من السِّدْر أو الخطمي أو الطِّين، على عادة البقعة، والرجوع في قَدْرها إلى العادة، ويجب من الدُّهْن ما يعتاد استعماله غالباً، كالزيت والشيرج وغيرهما، وإن كانوا يعتادون التطيب بالورد أو البنفسج، وجب المطيب وأبدى الإِمام وغيره احتمالاً في الدُّهْن، إذا قال الزوج: هو للتحمُّل والتزين، وأنا لا أريده، والمشهور الأوَّل، وما يُقْصَد للتلذُّذ والاستمتاع، كالكحل والخِضاب 24 فلا يجب على الزوج بل ذلك إلى اختياره، فإنْ شاء هَيَّأه لها وإذا هيا لها أسباب الخضاب، لزمها الاخْتضَاب، ومِنْ هذا القبيل الطِّيبُ، ولا يجب إلا ما يقصد به قطع السهولة، ويجب المرتك، وما في معناه لدَفْع الصُّنَان، إذا لم ينقطع بالماء والدّراب، وحكى فيه بعْضُ أصحاب الإِمام وجهاً آخر.
وأما قوله: "وللزوج منْعُها من تعاطِي الثُّومِ [وأكل] ما له رائحةٌ مؤذيةٌ" فهذا فيه قولان، ذكرناهما في أوَّل الجنْس الرابع مِنْ موانع النِّكاح، والأصحُّ ما ذكره في الكتاب وليُعْلَم للقول الآخر، وأما قوله: "ومن تناول السُّمِّ" فإذا لا خلاف فيه؛ فإنه إهلاك للنفس، وهو مُحرَّم، ولكلِّ واحدٍ أن يَمْنَعَ منه، وهل له المَنْعُ من تناول الأطعمة التي يخاف منْها حدُوث المَرَض؟ فيه وجهان؛ لأنَّه لا يتحقَّق، والأصحُّ على ما ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره أن له المَنْعَ.
ولا تستحق الزوجة الدواء للمرض، ولا أجرة الطبيب والفِصَاد والحجام والختان، بخلاف المُشْط والدُّهْن، ووُجِّه ذلك بأن الزوج بمثابة المُكْتَري والمرأة بمثابة المُكْرِي،

الجزء: 10 - الصفحة: 18

والدواء وما في معناه لحفظ البدن، ومؤناتُ حفْظِ الأصْلِ على المُكْرِي كعمارة الدار، والمُشْطُ والدُّهْنُ للتنظيف، ومؤنة التنظيف على المُكْتَري كغسل الدار وكنسها.
نعم، يلزمه الطعام والأُدمْ في أيام المرض، ولها صرف ما تأخذ إلى الدواء ونحوه، إن شاءت.
وأمَّا أجْرةُ الحَمَّام، فقد أشار بعْض أصحاب الإِمام إلى خِلاَفٍ في وجوبها، والذي أورده في الكتاب أنَّه لا يجب إلا إذا اشتد البَرْدُ وعَسُر الغسل إلا في الحَمَّام، والظاهر، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما: أن أجرة الحمَّام تَجِبُ إلا إذا كانت المرأة مِمَّن لا يعتادون دخُولَ الحمَّام؛ كأهل بعض الرساتيق، وإذا وجَبَت، فعند [صاحب] "الحاوي" -رحمه الله- أنها تَجِبُ في كلِّ شهر مَرَّةً، ولا يجب على الزوج 25 ثمن ماء الاغتسال، إذا احتيج إلى الشراء إن كانت تغتسل مِنَ الاحْتِلام، وكذا لو كانَتْ تغتسل من الحَيْض في أصح الوجهين، ويجب إن كانت تغتسل من الجماع أو من النفاس في أصحِّهما؛ لأنَّ الحاجة إليه جاءت مِنْ قَبلِهِ، ويُنْظَر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السَّبَب مِنْ جهته؛ كاللمس أو ليس من جهته.
ولا يجب عليه أن يُضَحِّيَ عن زوجته، نذَرَتِ التضحية أو لم تنذر، ولا يجب للخادمة آلات التنظيف لأنها لا تَتنظَّف له، بخلاف المخْدُومة، بل اللائق بحالِ الخادمة أن تكون شعثة؛ لئلا تمتد إليها الأعْيُنُ، لكن لو أكثر الوسخ، وتأذَّت مِنَ الهَوامِّ، فعليه أن يعطيها ما تترفَّه به، استدركه القفَّال، واستحسنُوه، وأطْلَق صاحب العِدَّة وجهَيْن؛ في أنه هل يعطي الخادمة المُشْط والدُّهْنَ ولهذا يجوز إعلام قوله في الكتاب: "والخادمة لا تستحق آله التنظيف" بالواو.
وفي وجوب تجهيز الزَّوْجة، إذا ماتَتْ وجهان مذكورانِ في الجنائز، ويَجْرِيَان في تجهيز الخادمة ورأى في "التتمة" وترتيبهما على الوجهَيْنِ في المخدومة؛ لأن عُلْقَةَ النكاح تَبْقَى بعْدَ الموت في التوارُث والغسل، فكذلك [في] التجهيز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ السَّادِسُ: السُّكْنَى وَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا دَاراً تَلِيقُ بِهَا إِمَّا بِعَارِيَّةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ مِلْكٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومما يجب على الزوج تهيئة المَسْكَن للزوجة؛ فإنه لا بد منْه، وقد سَبَق أن المُعتدَّة تستحقه؛ فالمنكوحة أَوْلَى، ويجب أن يُسْكِنَها الموْضِع الذي يليق بحالها في العادة، فالتي لا يليق بحالها [في العادة] الخَانُ، لا بد من إسكانها في دارٍ أو حُجْرةٍ، ويُنْظَر أيضاً إلى سَعَتها وضِيقِها، وذكر في الفرق بينه وبين القوت حيْثُ نَظَرْنا

الجزء: 10 - الصفحة: 19

فيه إلى جانب الزوج أن الواجب في القوت التمليكُ، فراعنا فيه جانبه، وفي المسكن المعتبر الإمتاع دون التمليك، وطُرِدَ هذا الافتراقُ فيما يجب فيه التمليك وما لا يجب.
وفي "التتمة" أنا إذا اعتبرنا المَسْكَن الذي يليق بها فيفاوت بين الغني والفقير كما في النفقة وهذا يتضمن النَّظَر إلى الجانبين معاً، ولا يُشْترط أن يكون المَسْكَن مِلْكاً له، بل يجوز إسكانها في المنزل المستعار والمستأجر بالاتفاق.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي كَيْفِيةِ الإِنْفَاقِ

أمَّا الطَّعَامُ فَيَجِبُ فِيهِ تَمْلِيكُ الحَبِّ وَمُؤنَةُ الطَّحْنِ وَالخَبْزِ وَإِصْلاحُ اللَّحْمِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يُكَلِّفَهَا الأَكْلَ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُ سَقَطَ نَفَقَتُهَا عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَيْنِ، وَيَجُوزُ أن تَعْتَاضَ الدَّرَاهِمَ عَنِ النَّفَقَةِ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَخَذَتِ الخُبْزَ فَهُوَ أَوْلَى بِالمَنْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبا، وَلَهَا طَلَبُ النَّفَقَةِ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا الصَّبْرُ إلى اللَّيْلِ، وَلَوْ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لا يُسْتَرَدُّ، وَلَوْ نَشَزَتْ يُسْتَرَدُّ، وَلَوْ سَلَّمَ إِلَيْهَا نَفَقَةَ أَيَّامٍ مَلَّكَتَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ ثُمَّ يُسْتَرَدُّ بِالنُّشُوزِ، وَهَلْ يُسْتَرَدُّ بِالمَوْتِ فِيهِ وَجْهَانِ، أمَّا الكسوَةُ فَيَكْفِي فِيهَا الإِمْتَاعُ دُونَ التَّمْلِيكِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَالمَسْكَنِ والأَثَاثِ، وَلَوْ سَلَّمَ إِلَيهَا كُسْوَةَ الصَّيْفِ فَتَلِفَتْ في يَدِهَا أَوْ أتْلِفَتْ فَعَلَيهِ الإِبْدَالُ إنْ قلْنَا إنَّهُ إِمْتَاعٌ وَلَكِنْ عَلَيْهَا قِيمَةُ المُتْلَفِ، وَإِنْ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّيْفِ يُسْتَرَدُّ إِنْ قُلْنَا: إنَّهُ إِمْتَاعٌ، وَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ فوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرْض الفصْل بيان كيفية الإنْفَاق وَتَوْفِيَةُ الواجبات المذكورة، وهي صِنْفان: أحدهما: ما ينتفع به باستهلاكه؛ كالطعام، وفيه مسائل: إحداها: يجب التمليك في الطعام، كما في الكفَّارة، وكذا حُكْم الادام، وما يُسْتَهْلك من آلة التنظيف، كالدهن والطِّيب 26، وإذا أخذت المرأة نفقتها فلها إبدال المأخوذِ، والتصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، لكن لو قترت على نفسها بما يَضُرُّ بها فله المنع، ونفقةُ الخادمة يجِب فيها التمليك أيضاً، وذكر صاحب الكتاب أن في تصوُّره عُسْراً؛ لأن الرقيقة لا تَمْلِك، والحرَّة المستأجرة بأُجْرة لا تستحق إلا الأجرة، وإنما يُتصوَّر ذلك في حرة وعُدَتْ بأن تَخْدُمِ بالنفقة، فتطالب كل يوم بالنفقة كالمرأة، وتستحق التمليك، وإن لم يكن ذلك عقْداً لازماً، وكان لها أن ترد النفقة إذا بَدَا لَهَا،

الجزء: 10 - الصفحة: 20

وهذا مأخوذ من الإِمام في غالب الظَّنِّ، ولك أن تقول: قد تَقدَّم أن موضع نفقةِ الخَادِمة ما إذا أخْدَمَها بخادمتها المملوكة أو الحُرَّة، غير المستأجرة فإن كانَتْ مملوكةً لها فيملكها نفقتها، كما يملكها نفقة نفْسها، وإن كانت حُرَّةً، فيجوز أنْ يقال: يُمَلِّكُها نفقتها، كما يَمْلِك الزوجةُ نفقَتَها، وتستحق المرأةُ المطالبة بذلك، لتَوفُّر حقُّ الخدمة، ويجوز أن يقال: يملك الزوجة؛ لتَدْفَعَهَا إلى الخادِمَة؛ وعلَى هذا، فلها أن تتصرَّف في المأخوذِ، وتكفي مؤنة الخادمة من مالها.
ولو أخَذَتِ الزوجةُ النفقةَ فَتَلِفَتْ في يدها أو سُرِقَتْ، لم تَلْزَمِ الزَّوْجَ مرةً أخرَى.
الثانية: الذي يجب تمليكه من الطَّعَام الحَبُّ، كما في الكفَّارات لا الخُبْز والدَّقِيق، فإنهما لا يَصْلُحان لكل ما يَصْلُح له الحَبُّ فلو طلبت غير الحَبِّ، لم تَلْزَمْه الإجابة، ولو بذل غيره من خُبْزٍ ودقيقٍ ودرهم وثوب، عوضاً، لم يلْزَمْها القَبُول، وهل عليه مع [الحَبِّ مؤنةُ] 27 الطَّحْنِ والخَبْزِ؟ فبحصول ما قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الذي أورده القاضي ابن كج: أنها لا تلزم كما في الكفارات.
والثاني: عن الحاوي: أن المرأة إن كانَتْ من أهل السواد الَّذين عادتهم الطَّحْن والخَبْز بأنفسهم، لم تجب المؤنة على الزَّوْج، وإن كانَتْ من غيرهم، وجَبَتْ.
وأظهرها، وهو الذي أورده في الكتاب: أنها تجب؛ لأنها في حبسه، فعليه أن يكفي مؤنتها بخلاف ما في الكفارات؛ وعلى هذا، فيلْزَم مؤْنة طَبْخ اللَّحْم، وما يُطْبَخُ به، ولو باعت الحَبَّ المأخوذ أو أكلته حَبّاً، ففي استحقاق مؤنة الإصلاح احتمالان للإمام: أحدهما: الاستحقاق؛ لأَنَّهُ بعض ما وَجَبَ عليه.
وثانيهما: المنْع؛ لِأَنها تجب تبعاً للحَبِّ؛ فلا تُفْرَد بالإيجاب وقد يؤيَّد ذلك بأنهم ذكَرُوا أن الزوج يُخيرُ بين أن يبذل المؤنة مع الحَبِّ، وبين أن يكفيها مؤنةُ الطَّحْنِ والخَبْزِ بنفسه، أو بأن يقيم لذلك مَنْ يتولاه، ولو مكناها من التصرُّف في المأخوذ وطلب المؤنة، بطلت خيرته.
وليس له أن يُكلِّفها الأكْل معَه لا مع التمليك ولا دونه؛ لأنها حينئذٍ لا تَتَمكَّن مِنَ التصرُّف فيه كما تريد، ولو كانت تأكُلُ معَهُ عَلَى العادة، ففي سقوط نفقتها وجهان: أقيسهما: وهو الذي ذكره الرُّويانيّ في "البحر": أنها لا تسقط، وإن جَرَيَا على ذلك سِنِينَ؛ لأنه لم يُؤَدِّ الواجب، وتَطوَّع بما ليس بواجب.
والثاني: تسقط؛ فإنه اللائق بالباب، وسماه أحسن الوجهَيْن؛ لجريان الناس عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 21

في الأعمال، واكتفاء الزوجات به، وقال في "الوسيط": لو طلبت المرأة النفَقَةَ للزمان الماضي، والصورة هذه، لا تُستنكر، و [بنى] بعضهم هذا الخلاف على الخلاف في المعاطاة، هل تَجْعَل بيعاً؟ وقال: إِن جعلْناه بيعاً برئت ذمته عن النفقة، إلا لم تبرأ، وعليها غرامةُ ما أَكَلَتْ، وليكُنْ هذا مُفَرَّعاً على جواز اعتياض الخُبْز عن النفقة؛ ليجعل ما جرى قائماً مقام الاشتراط، وفي جواز الاعتياض خلافٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى- ثم الوجهان فيما إذا كانت المرأة بالغةً أو صغيرةً، وكانت تأْكُلُ معَهُ بإذْنِ القَيِّم، فأما إذا لم يأْذَنِ القيِّم، فالزَّوْج متطوِّع، ولا تسقط [نفقتها] 28 بلا خلاف 29. ولو اعتاضت عن النفقة دراهم أو دنانير أو ثياباً ففي جوازه وجهان: وجه المنع: أنه طعام يَثْبُت في الذمة عوضاً، فلم يَجُزْ الاعتياض عنْه قبل القَبْض، كالمُسلَّم فيه، وأيضاً، فهو بَيْع طعام في الذمة فأشبه بيْع طعام الكفَّارة.
ووجه الجواز وهو اختيار أبي إسحاق، والأصحُّ 30 أنَّه طعام مستقِرُّ في الذمة لمعيَّن، فأشبه المعاوضة مع الطعام المغصوب المُتْلَف، وُيخرَّج عليه المُسلَّم، فيه، فإنه غير مستقر، وطعام الكفارةُ فإنه لا يستقر لمعيَّن، ولو اعتاضت عنْه الخُبْزَ أو الدقيقَ أو السَّوِيق، فوجهانِ أيضاً: ووُجِّهَ الجَوَاز بأنَّها تستحق الحَبَّ والإصلاح، فإذا أخذَتِ الطعام المصلح، فقد أخذت حقِّها لا عوضه، وأيضاً قد يَشُقُّ عليها تكلف الإصلاح والمعالجة، وعليه بَذَلُ المؤنة.

الجزء: 10 - الصفحة: 22

والمنع بما سبق، وأيضاً، فإن بَيْع الحِنْطة بالخبز والدقيق رِباً، ورتب في الكتاب لهذا المعنى الخلاف في اعتياض الخُبْز على الخلاف في اعتياض الدَّرَاهم، وجعَلَهُ أوْلَى بالمنع، وإلى ترجيح المنع ذهب أصحابنا العراقيُّون، وتابعهم القاضي الرُّويانيُّ وغيره، وأجاب صاحب "التهذيب" بالجواز، ولم يذكر فيه خلافاً مع حكايته الخلاف في اعتياض الدراهم والدنانير، والأوَّل أقوم.
ولا يجوز الاعتياضُ عن النفقة للزمان المستقبل، ولا أن تبيع النفقة [الحالة] من غير الزوج [قبل قبضها] بحال.
الثالثة: النفقة تستحق يوماً فيوماً، ولها المطالبة بها صَبِيحة كل يوم، إذا طلع الفجر، هكذا ذكره الأصحاب، وفي "المهذب": إذا طلعت الشمْسُ 31، ولا يلزمها الصبر إلى الليل؛ لأنها تحتاج إلى الطَّحْن والخَبْز، فلو لم تُسلَّم إلَيْها في أوَّل النَّهار، لم تنله عند الحاجة.
ولو ماتَتْ في أثناء النَّهار، أو طلَّقها, لم يكن له الاسترداد، ويكون المدفوع من تركتها لوجُوبه بأول النهار، ولو ماتت أو طَلَّقها في أثناء النهار، ولم يَدْفع إليها نفقة اليوم، كانت دَيْناً عليه، هذا هو ظاهر المذهب المشهور وفي كتاب القاضي ابن كج حكايته وجه: أن له الاسْتِرْدَادَ وإن نشزت في أثناء النهار، فله الاسترداد 32، وكأن ذلك لِمَنْعِها من النشوز، ولو سَلَّم إليها نفقة شَهْرٍ أو أيامٍ، فهل تَمْلِك الزيادة على نفقة اليوم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن سبب الاستحقاق غَيْرُ متَيَقَّن، فقد يموت أو تموت.
وأشبههما: وهو ظاهر ما قاله ابن الحدَّاد: أنها تملكها كالأجرة والزكوات المُعَجَّلة؛ وعلى هذا، فلو نشزت، ليسترد نفقة المدة الباقية، ولو ماتت [أو] طلقها، فوجهان؛ تفريعاً على ظاهر المذهب [في] نفقة اليوم الواحد: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يسترد؛ لأنها صلةٌ اتصل بها القبض.
وأصحُّهما: الاسترداد، وبه قال أحمد -رحمه الله- لأنه دفع عما يلْزَمه، ويستقرُّ عليه في المستقبل، فإذا تبيَّن خلافه، استرد كالزكاة المعجَّلة، وإذا قلْنا: لا تملك ما زاد على نفقة يوم واحد، فكلما دخل يوم، مَلَكَتْ مقدار نفقته ونفقة الخادمة في وقْتِ

الجزء: 10 - الصفحة: 23

وجوبِ التسليم، وفي استرداد المُسلَّم إليها كنفقة المخدومة بلا فرق.
القسم الثاني: من الواجبات: ما ينتفع به مع بقاء عَيْنِهِ، كالكُسْوة، وفي وجوب تمليكها وجهان: أحدهما: لا يجب، وبه قال ابن الحدَّاد؛ لأن عين الكسوة لا تُمْلَك في الانتفاع، فيُعْطَى امتاعاً لا تمليكاً كالمَسْكَن والخَادم.
ويقال: إنَّ هذا قضيَّة نصه في "الإملاء"، وهو اختيار القَفَّال.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "المهذب" والتهذيب والقاضي الرويانيُّ، ويُنْسَب إلى النص: أنَّه يجب لها كما في النفقة، والإدام، وكما في كُسْوة الكفَّارة، وليست الكُسْوة كالمَسْكَن، فإن الكُسْوة تُدْفَع إليها، والمسكن لا يدفع إليها وإنما يسكنها الزوج معَه، ويجري الخلاف في كُسْوة الخادمة وطرده صاحب "التهذيب" في كل ما يُنْتَفَعُ به مع بَقَاء عينه؛ كالفُرُشِ وظروف الطعام والشراب والمُشط من آلات التنظيف، وألحق صاحب الكتاب في "البسيط" الفُرُشَ والظروف بالمسكن، وأخرجهما عن حيز الخلاف، وهو قضية قوله هاهنا "كالمسكن والأثاث"، ويتفرَّع على الخلاف المذكور صُوَرٌ تَقدَّم عليها: أن الكسوة تُدْفَع إليها في كل ستة أشهر 33، ثم تُجدَّد كُسْوة الصيف للصيف، وكُسوة الشتاء للشتاء، وأمَّا ما يبقى سنة وأكثر؛ كالفرش والبُسُط والمشي، فإنما تُجدَّد في وقْت تجديدةً، وكذلك جُيَّة الخَزِّ والإِبْرِيسمَ، لا يجدد في كل شتوة، وعليه تطريتها على العادة.
وأمَّا الصور، فمنها: لو سلم إليها كُسْوة الصيف، فتَلِفَتْ في يدها قَبْل مُضِيِّ الصيفِ مِنْ غير تقْصِير، فعليها الإبدال، إنَّ قلنا: الواجب في الكُسْوة الإمتاع، وإن أوجبنا التمليك، لم يَلْزَمْه 34

الجزء: 10 - الصفحة: 24

البدل؛ لأنه قد وَفَّى ما عليه، فأشبه ما إذا مَلَّكها النفقة فتلفت في يَدِها، وذُكِر وجْه ضعيفٌ: أنه يلزمه البدل؛ لأن المقصود الكفاية.
فلو أتْلَفَتْ هي بنَفْسِها, لم يلزم الإبدال، إن قلْنا بالتمليك وإن قلنا بالامتاع، فعليها قيمة ما أتلفت، وعليه الإبدال، وأورد في "البسيط" احتمالاً فيه أَخْذاً من وجوب التجديد، إذا طَلَّق الأب بعْد الإعفاف، قال: ولكن هذا إنما يتَّجه في أنها، هل تُطَالِب قَبْل أن تَضْمَنَ القيمة؟ ولا يتَّجه في الأصْل، فإنها إذا ضَمِنَتْ ما أتْلَفَت، فكأنها لم تُتْلِف بخلاف الأب، ولو تَخرَّقَت الكُسْوة قبل مجِيْء وقْت التخرق؛ لكثرة تردُّدها فيها، وتحامُلِها عليها، فهو كما لو أتلَفَتْها.
ومنها: لو سلَّم إليها كُسوة الصَّيْف، فماتَتْ في أثنائه أو مات الزوج، أو طَلَّقها، [فيسترد]، إنْ قلنا: إِنَّ الواجب الإمتاع، وإن قلنا: الواجب التمليك، فلا يسترد، والصيف بالنسبة إلى كُسْوة الصيف، كاليوم بالنسبة إلى النفقة، هذا هو الظاهر.
وفيه وجْه: أنها تُسترد؛ لأنه أعطاها للمدة المستقبلة، فأشبه ما إذا أعطاها نفقَةَ أيَّامٍ، ويمكن تنزيل وجْه الاسترداد على الوجه القريب الذي ذكره القاضي ابن كج في نفقةَ اليوم الواحد مَعَ تسليم أن كُسْوة الصيف كنفقة اليوم.
ومنها: إذا لم يَكْسُها مدَّةً، صارت الكُسْوة دَيْناً عليه، إنَّ أوجبنا التمليك، وإن قلنا: إن الواجب الإمتاع، لم تَصِرْ دَيْناً.
ومنها: لا يجوز الاعتياض عن الكسوة على وجْه الإمتاع، كما لا يجوز للقريب أن يعتاض عن النفقة، وعلى وجه التمليك في جواز الاعتياض الخلافُ المذكور في الاعتياض النفقة، قاله في "التتمة".
ومنْها: لو أعطاها كُسْوة الصَّيْف، فمضى الصيف، وهي باقيةٌ لرفقها بها، فعليه كُسْوة الشتاء، إن قلنا بوجوب التمليك.
= يجب الكسوة كلها لنفقة اليوم أم ينضبط فيه احتمال، والقياس إيجاب الكل ولا يهول بأن يحصل ذلك بعد مضي لحظة من الفصل لأن ذلك جعل وقتاً للإنجاب لا فرق بين أن يمضي بعده كثير من الزمان أو قليل أو لم يمض شيء والقول بالتقسيط وإن كان يظهر في مبادئ الرأي إلا أنه يلزم عليه الفرق بينه وبين النفقة، والفرق بينه وبين ما إذا دفع، ثم حصل فراق وأيضاً فالتقسيط في النفقة لم يعهد إلا على وجه في الأمة والحرة لو سلمت نفسها ليلاً ونهارًا وأمَّا تقسيط الكسوة فليس بمنقول فيرجع بمقتضى ذلك إيجاب الكل والله أعلم.
وعليه لو نشزت في أثناء الفصل استرد وعلى التقسيط يسقط من النشوز لا قبله واطلاق الحاوي إليه يقتضي سقوط الكل في النفقة والكسوة فيدل لإيجاب الكل في مسألة الموت والطلاق.

الجزء: 10 - الصفحة: 25

وعلى الوجه الآخر: لا يلزمه إلا ما يزاد للشتاء، حتى يَبْلَى ما عندها.
ومنها: أن له أن يأخذ المدفوع إليها ويعطيها غيره على وجْه الإمتاع، ولا يجوز على وجْه التمليك إلا برضاها ما لو ألبسها ثياباً مستعارةً أو مستأجرة، لم يجُزْ على وجْه التمليك، ولَها أن لا تَرْضَى بها، ويجوز على وجْة الإمتاع، فلو تَلِفَ المستعارُ، فالضمان على الزوج.
ومنها: لا يَصِحُّ منْها بيْعُ المأخوذ على وجْه الإمتاع، ويصحُّ على وجْه التمليك كما في القوت والأَدْم؛ وعلى هذا، فعن أبي إسحاق: أن لها أن تلبس ما دون المأخوذ، كما في النفقَة، والظَّاهِر المنع؛ لما للزوج من غرض التزيُّن (1) والتجَمُّل، والله أعلم.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ:

البَابُ الثَّانِي فِي مُسْقِطَاتِ النَّفَقَةِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَتَجِبُ النَّفَقَةُ بِالعَقْدِ بِشَرْطِ عَدَمِ النُّشُوزِ، وَعَلَى قَوْلٍ تَجِبُ بِالتَّمْكِين، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَازَعَا فِي النُّشُوزِ فَعَلَيْهَا بَيِّنَةُ التَّمْكِينِ، وَعَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ النُّشُوزِ، وَتَسْتَحِقُّ الَّتِي لَمْ تُزَفَّ عَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً إِذْ لاَ نُشُوزَ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ عَلَى الثَّاني إِذْ لاَ تَمْكِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقدِّمة الباب أنَّ النفقة تَجِبُ بالعَقْدِ أو بالتمكين.
اعلم أن الشيْءَ قد يَثْبُت في الذِّمَّة ويتأخَّر وجوب تسليمه كالدَّيْن المؤجَّل، ولا خلاف في أن وقْت وجوبِ التَّسْليم في النفقة صبيحةُ كلِّ يوم، وفي الكُسْوة أول كُلُّ صيف وشتاء على ما مَرَّ، وذلك بعد حصول التمكين.
وأما وقْت ثبوتها في الذِّمَّة فلا شك أن للنفقة تعلُّقاً بالعقد والتمكين جميعاً، فإنها لا تجب قبل العقد، ولو نشزت بعد العقد، لم تُطَالِبْ بالنفقة، واختلف القول في أنها بم تَجِبُ؟ فالقديم أنها تجب بالعَقْد، كالمَهْر، ولا تجبُ بالتمكين؛ بدليل وجوبها للمريضة والرتقاء، لكن لو نَشَزَتْ، سقَطَتِ النفقة، فالعقد مُثْبِت، والنشوزُ مُسْقِطٌ، فإذا حصل التمكين، استقر الواجب يوماً فيوماً، كالأجرة المعجَّلة، إلا أن الأجرة يَجِبُ35

الجزء: 10 - الصفحة: 26

تسليمها بالعَقْد جملةً؛ للعلم بها، وجملةُ النفقة غَيْرُ معلومةٍ؛ لأن نهاية النكاح غيْر معلومة.
والجديد: أنَّها لا تجب بالعقد؛ لأن المهر يجب به، والعقد لا يوجب عوضَيْن مختلفين، ولأن النفقة مجهولة الجملة، والعَقْد لا يوجب مالاً مجهولاً وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يوماً فيوماً 36. وما حال القَوْلَيْن؟ قال أبو الفرج السرخسيُّ: هما مذكوران في "الإملاء".
وقال قائلون: هما مستخْرَجَان من معانِي كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- غير منصوص عليه، ويدل عليه شيئان: أحدهما: أن أبا نصر بْنَ الصَّبَّاغ في آخرين: ذكروا أن القديم مأخوذٌ من تجويزه في القديم ضمانَ نفقة المدة المستقبلة، فإن الشافعيَّ -رضي الله عنه- لا يُجَوِّز ضمان ما لِمِ يجب، لكن قد مر في "كتاب الضَّمان" نَقْلُ قول عن القديم: أنه يجوز ضمان ما لم يَجِبْ.
والثاني: عن صاحب "الحاوي"، ونقل اختلاف الأصحاب في تجويزه عن سبب النفقة، فالبغداديون علَّقوها بالتمكين، وجعلوا سبْق العقد شرطاً، فقالوا: تجب بالتمكين المستند إلى العَقْد، والبصريون قالوا: تجب بالعقد؛ بشرط التمكين، فَرَدَّ الأمر إلى كلام الأصحاب، وتصرُّفِهِم، ثم ذكر في الكتاب من فوائد القولَيْن صورَتيْن: إحداهما: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنَتَ وسلمت نفسي إليك [منْ] وقْت كذا، وأنكر ولا بينة، فإنْ قلْنا: إن النفقة تجب بالتمكين، فالقول قول الزوج، وعليها البيِّنة؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهو الأصح، وإن قلْنا؛ تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل استمرارُ ما وَجَبَ بالعَقْد، وهو يدَّعي السقوط، فعليه بيِّنة النشوز المُسْقِط.
هذا هو المشهور، وأشار الرُّويانيُّ إلى طريقةٍ قاطعةٍ بأن القول قوْلُ الزوج.
ولو تَوَافَقَا على تسليمها نَفْسَها، وقال الزوج: قد أدَّيت نفقة المُدَّة الماضية، وأنكرتِ الزوجة، فالقول قولُها، سواءٌ كان الزوج حاضراً عنْدها أو غائباً، وعن مالك -رحمه الله-: أنه إذا كان حاضراً عنْدها، فالقول قولُهُ؛ لأن معاشرتها إياه تَدُلُّ على أخذها النفقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 27

الثانية: إذا لم يطالبها الزَّوْج بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عَرَضَتْ نفسها علَيْه، وَمَضَتْ على ذلك مدَّة، فتجب نفقة تلك المدة، إن أوجبنا النفقة بالعَقْد لوجودِ المُوجِبِ وعَدَمِ المُسْقِط، وهو النشوز، وإن أوجبنا بالتمكين، لم تجب؛ إذْ لا تَمْكِينَ.
وقوله في الكتاب: "وتجب النفقة بالعَقْد بشرط عدم النشوز" ليس المرادُ أنَّ عدم النشوز شرطُ الوجوب، وإلا، لم يكن العَقْد موجباً بِمُجرَّده، ولم يَسْتَمِرَّ قَوْلُنَا في الصورة الأولى: "إن الأصل استمرار ما أوجب بالعقد"، وإنما المعنى أنها تَبْقَى بشرط عدم النشوز، فالعَقْد على هذا القول مُوجِبٌ، والنشوز مُسْقِط.
وقوله: "فعلى هذا، لو تنازعا في النشوز" كذلك ذَكَرهَا هنا، وفي "الوسيط"، ولفظ الأكثرين: "لو تنازعا في التمكين" كما ذكرنا، وكذلك هو في "البسيط"، ويُشْبِه أن يكون الذي ذَكَره هاهنا مَحْمُولاً عليه، فأما إذا توافَقَا على حُصُول التمكين، واختلفا في أنَّها هل نَشَزَتْ، وخَرَجَتْ عن طاعته؟ فينبغي أن يُقْطَع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز واستمرار الواجِب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج -رحمه الله- بَعْدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله.
وحكي مع ذلك وجهاً ضعيفاً: أن القول قولها؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة.
وقوله في الكتاب: "إذا كانت ساكتة" يجوز أن تقرأ بالتاء أي "سَاكِتَةً" عن العرض، وطلب الزفاف، ويجوز أن تقرأ "سَاكِنَةً" بالنون أي لم يكن منها امتناع وعصيان، قال الأصحاب: وإذا سلَّمت المرأةُ نفْسَها إلى الزوج، فعليه النفقة من وقْت التسليم، ولو بعَثَتْ إليه؛ أنِّي مسلِّمةٌ نفْسي إليك، فعليه النفقة من وقت ما بَلَغَه الخبر فإن كان غائباً، فترفع الأمر إلى الحاكم، وتُظْهِر له التسليم والطَّاعة، ليكتب إلى حاكم بلَدِ الزوج؛ ليحضره ويُعْلِمَه الحال، فإن شاء، سار إليها كما أعلمه، وتَسلَّمها، أو بعث وكيلاً فتسلمها، وجبت النفقة من وقْت التسليم 37، فإن لم يفعل، ومضى زمانُ، إمكان الرسول إليها فرض القاضي نفقتها في ماله وجُعلَ كالمتسلِّم لها؛ لأنَّ الامتناع 38 منْه.
قال في "التتمة": ولو لم يعرف موضعه، فالحاكم يَكْتُب إلى حكام البِلاد الذي تَتَوجَّه

الجزء: 10 - الصفحة: 28

إلَيْها القوافل من تلْك البلدة في العادة؛ ليُطْلَب، وينادى باسمه، فإن لَمْ يَظْهَر، فَرَضَ الحاكِمُ نفَقَتَها من مَالِهِ الحاضر وأخذ منْها كَفيلاً 39 بما يُصْرَف إلَيْها؛ لأنَّه لا يُؤْمَن أن تظهر وفاته أو طَلاَقُه، ومن الأصحاب من لم يتَعرَّض للرَّفْع إلى القاضي، ولا لكتابه، وقال: تجب النفقة من حين يصل الخبر إليه، ويمضي زمان إمكان القدوم عليها وهكذا أورده صاحب "التهذيب"، ولو لم تَعْرِضِ المرأةُ نفْسَها على الزوج الحاضر أو الغائب، ولا بَعَثَت إليه فلا نَفَقَةَ لها، وإن طالت المدة، إذا فرَّعْنا على أن النفقة تجب بالتمكين.
وغَيْبَةُ الزوْج بعد التسليم، لا تُؤَثِّر ما دامت مقيمة على طاعته وإن طالت المدة، [وهذا] كله فيما إذا كانت المرأة عاقلةً بالغةً، فأما المراهِقَةُ والمجنونة، فلا اعتبار بعَرْضِها وبذلها الطاعة، وإنَّما الاعتبار في حقِّهما بعرض الوَليِّ وبذله ولَو سلَّمت المراهِقَةُ نفْسَها، وتسلَّمها الزَّوْج، وَنَقَلَها إلى دَارِهِ، وجَبَت النفقَةُ وكذا لو سَلَّمت المرأة نفْسَها إلى الزَّوْج المراهِقِ بغير إذْن الوَليِّ وجبت النفقة بخلاف تسليم المبيع إلى المراهق؛ لأن المقصود هناك أن تصير اليد للمشتري، واليد في عقد المراهق للوَلِيِّ لا لَهُ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَوَانِعُ النَّفَقَةِ أَرْبَعَةٌ: المَانِعُ الأَوَّلُ: النُّشُوزُ وَمَنْعُ الوَطْءِ وَالاسْتِمْتَاعِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ بِغَيرِ إِذْنِهِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ فِي بَعْضِ اليَوْمِ يُسْقِطُ بَعْضَ النَّفَقَةَ عَلَى وَجْهٍ، وَجَمِيعَهَا عَلَى وَجْهٍ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِلرَّتْقَاءِ وَالمَرِيضَةِ وَالمَجْنُونَةِ فَإِنَّ هَذِهِ أَعْذَارٌ دَائِمَةٌ، وَتَسْقُطُ بِنُشُوزِ المَجْنُونَةِ، وَلَوْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ الزَّوْجِ بِإِذْنِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا فَقَوْلاَنِ، وَإذَا امْتَنَعَتْ عَنِ الزِّفَافِ بِغَيْرِ عُذْر فَنَاشِزَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةَ يَضُرُّ بِهَا الوَطْءُ فَمَعْذُورَةٌ، وَلاَ يؤْتَمَنُ الرَّجُلُ فِي قَوْلِهِ: لاَ أَطَؤُهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَ الوَطْءِ مُضِرّاً ثَبَتَ بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَهَلْ يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ نَشَزَتْ بِالخُرُوجِ عَنِ المَسْكَنِ فَنَابَ الزَّوْجُ فَعَادَتْ لَمْ تَعُدُ النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حَتَّى يَقْضِيَ القَاضِي بِطَاعَتِهَا أَوْ يَرْجِعَ الزَّوْجُ أَوْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ اِمْكَانِ الرُّجُوعِ، وَإذَا سَقَطَ نَفَقَتُهَا بِرِدَّتِهَا عَادَتْ بِمُجَرَّد إِسْلاَمِهَا دُونَ قَضَاءِ القَاضِي عَلَى أَفْقَهِ الطَّريقَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا نفقة للزوجة الناشز لأن النفقة وجَبَت لكَوْنها معطلة المنافع؛

الجزء: 10 - الصفحة: 29

بسبب الزَّوْج محبوسةً عنده ولهَذَا لو امتنع مِنَ الإنفاق، كان لها أن تمتنع من التمكين، فإذا نَشَزَتْ عليه، سقط ما يقابل التمكين، ولو نشزت في بَعْض النهار، فهل لها بعض النفقة؛ فيه وجْهَان يَقْرُبان من الخلاف، فيما إذا سَلَّم السيد الأَمَةَ لَيْلاً لا نهاراً: أحدهما: أنه لا شَيْءَ لها؛ فإن نفقة اليوم لا تتبعَّض؛ ألا ترى أنَّها تُسلَّم دفعةً واحدةً، ولا تفرق غداء وعشاء.
والثاني: أنَّها توزَّع بحَسَب زمان الطَّاعة والنشوز، واستثنى عن التوزيع هكذا ما إذا اْطاعت نهاراً ونشزت ليلاً أو بالعكس، وحكم بشطر النفقة، كما مر في مسألة الأَمَةُ، ولم يُنْظَر في الليل والنهار إلى الطُّول والقِصَر، وبالوجه الثاني أجاب أبو الفرج السرخسيُّ.
ومنهم: مَنْ رجَّح الأول، وهو أوفق لما سَبَق مِنْ مسألة الأَمةَ.
ونشوز المجنونة والمراهقة كنشوز العاقلة البالغة؛ لاستواء الفعلَيْن في التفويت على الزَّوْج.
ثم فيه مسائل: إحداها: الامتناعُ عن الوطءِ والاستمتاعِ وعن الزِّفَافِ من غير عذر نشوزٌ، فلو قالت: سَلِّم المَهْر لأسَلِّم نفسي، فإنْ جرى الدخول أو كان الصَّداق مُؤَجَّلاً، فهي ناشزة؛ إذ ليس لها حَبْس نفسَهَا، والحالة هذه، وإذا لم يجر دخولٌ، والصَّداق حَالٌّ، فلها النفقة من حينئذ.
هذا هو الأظْهَر، وفيه خلافٌ مذكورٌ في الصَّدَاق، والمُؤجَّل إذا حَلَّ كالحَالِّ أو كالمُؤَجَّل، فيه خلاف، وبالثاني أجاب في "التهذيب" لأن العَقْد لم يُثبِتْ هذا الجنس، ولو كانت مريضةً أو كان بها قرح يضرها الوطء، فهي معذورة في الامتناع عن الوطء وعليه النفقة إذا كانت عنده، وكذا لو كان الرجل عَبْلاً لا يحتمله، فإن أنكر القرح المَانِعَ من الوطء، فلها إثباته بقول النسوة، وتكفي امرأةٌ واحدةٌ سُلوكاً بها مَسْلَك الأخبار، أم لا بد من أربع نسوةٍ؛ لأنها شهادةٌ مُسْقِطَةٌ لحق الزوج؟ فيه وجهان: وبالأول، قال 40 أبو إسحاق، والأظهر: الثاني، وكذا لو أنكر الضَّررَ من جهة العبالة وكبر الآلة يُرْجَع فيه إلى النسوة، ولا بأس أن ينظرن إليها عند اجتماعهما؛ ليَشْهَدْنَ، وليس لها الامتناع من الزِّفَاف بعُذْر عبالة الزوج على ما مَرَّ في أول الصداق، ولكن لها الامتناع بعذر المرض، فإنَّه متوَقَّع الزوال.
فإن قال الزوج: لا أطؤها حتى تبرأ الألم، لم يؤتمن فيه.
هكذا أطلقه في الكتاب، وقد سبق هناك في الكتاب ما يَقْتَضي إعلامه بالواو.

الجزء: 10 - الصفحة: 30

ولو قالت المرأة، لا أُمَكِّنُ إلا في بَيْتِي أو في بيت كذا أو بلد كذا، فهي ناشزة؛ لأن التمكين التامَّ لم يُوجَدْ، وهكذا لو سَلَّم البائعُ المَبِيعَ، وشَرَط أن لا ينقله إلا إلى موضع كذا.
وهَرَبُ المرأة وخروجُها من بيت الزَّوْج والسفر بغير إذْنِهِ 41 نُشوزٌ أيضاً، ويستثنى عن الخروج ما إذا أشرف المنزل على الانهدام، أو كان المنزل لغَيْرِ الزوج، فأُزْعِجت.
ولو سافرت بإذنه، فإن كان الزوج معها، أو لم يكن، وكان السفر في حاجته؛ بأن بعثها لبَعْضِ أشغاله، وجبت النفقة، وإن كانت في حاجَتِها، فظاهر نصِّه -رضي الله عنه- هاهنا أنه تَجِبُ النفقة، وفي غير هذا الباب أنَّها لا تجب، وللأصحاب طريقان: أحدهما: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: القطع بعَدَمِ الوجوب؛ لخروجها عن قبضته، وإقبالها على شأنها، وحمل النص الأوَّل الدالُّ علىَ الوجوب على ما إذا كان الزوج مَعَها.
وأظهرهما: أن المسألة على قولَيْنِ: أحدهما، أنَّها تجِبُ؛ لأنها سافَرَتْ بإذنه، فصار كما لو سافرت في حاجَتِهِ.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفةَ وأحمد: المنع؛ لأنها غير ممكِّنة، وقد يبنيان على أن النفقة تَجِب بالعقد أو التَّمْكِين، إن قلْنا بالعقد بشرط عدم النشوز، وجَبَتْ؛ لأنه لا نُشُوز، وإن قلْنا بالتمكين، لم تَجِبْ؛ إذ لا تمكين.
الثانية: تجبُ النَّفَقَةُ للمريضة والمجنونة والرتقاء والمُضْناة الَّتي لا تَحْتَمِل الجماع، سواءٌ حدَثَتْ هذه الأحوالُ بَعْد ما سَلَّمَتْ نفسها، وما إذا سلَّمت كذلك؛ لأنَّ هذه الأعذار دائمةٌ وهي معذورةٌ فيها، وقد سلَّمت التسليمَ المُمَكِّن، وتَمَكَّنَ من الاستمتاعِ بها من بعض الوجوه، وكذا الحُكْم في أيام الحَيْض والنِّفاس، وألحق في "التهذيب" ما إذا غُصبت المرأة بما إذا هربت لا بما إذا مَرِضَتْ، وإن كانت معذورةً؛ لخروجها من قبضته فوات الاستمتاع بالكلِّيّة.
الثالثة: لو نَشَزَتِ المرأةُ، فغاب الزوج، فعادت إلى الطاعة، كما إذا خرجَتْ عن مَسْكَنِه بغير إذنه، ثم عادَتْ، وهو غائب، فهل يعود الاستحقاق للنفقة؟ فيه وجهان، وفي "التتمة" قولان:

الجزء: 10 - الصفحة: 31

أحدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّ الاستحقاق زالَ بِعَارِضٍ من الخروج، فإذا زال العارض، عاد الاستحقاق.
وأظهرهما 42: لأنها خرجَتْ عن قبضته، فلا بد من تسليم وتسلم مستأنفَيْنِ، وهما لا يَحْصُلان بمجرَّد عَوْدِها إلى مسكنه؛ فعلى هذا يرفع الأمر إلى القاضي؛ ليقضي بطاعتها، ويُخْبِر الزوج بذلك، فإذا عاد إليها أو بَعَثَ إليها وكيله، واستأنف تسليمها، عادَتِ النفقة، وإن مضى زمانُ إمكَانِ العَوْد، ولم تَعُدْ، ولا بَعَثَ وكيله، تعود النفقة، وهذا كما ذكرنا في ابتداء التسليم في غيبة الزوج، ولو عاد الزَّوْج إليها أو بَعَثَ وكيله، واستأنف التَّسْلِيم، حَصَل الاستغناء عن الرَّفْع إلى القاضي وحكمه، ولو ارتدَّتِ المرأة، وسقطت نفقتها على ما بَيَّنَّا في آخر باب "نكاح المشركات"، فغاب الزوج، وعادت في العدة إلى الإِسلام، وهو غائب، فتعود النفقة بمجرَّد الإِسلام، وإن فُرِضَ، فيه خلاف، والفرق أن نفقة المرتدة قد سقطت؛ لردتها، فإذا عادت إلى الإِسلام، ارتفع المُسْقِط، فعمل الموجب عمله، والناشِزَة سَقَطَتْ نفقتها؛ لخروجها عن يد الزوج وطاعته، فإنما تَعُود، إذا عادت إلى قَبْضَته، وذلك لا يَحْصُل في غيبته، ولو خرَجَتِ المرأة: في غيبة الزوْج إلى بيت أبيها؛ لزيارةٍ أو عيادةٍ، لا على وجه النشوز، لم تَسْقُط نفقتها، قاله في "التهذيب" 43. وقوله: "ولو خرجَت في حاجة الزوج" إلى قوله: "فقولان" يشمل من جهة اللفظ ما إذا كان الزَّوْج معها, وإذا لم يَكُنْ وقضيته إجراء القولين فيما إذا خَرَجَتْ في حاجة نَفْسِها، وإن كان الزَّوْج مَعَها، وكذلك رواه القاضي ابن كج عن أبي حَفْصِ ابْنِ الوَكِيلِ، والأكثرون قد فَصَّلوا كما سَبَقَ، وخصَّصوا القولَيْنِ بما إذا لم يكن الزَّوْج معها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانَعُ الثَّانِي: الصِّغَرُ وإذَا زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ بَالِغٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ إنْ قلنَا: تَجِبُ بِالعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنا: تَجِبُ بِالتَّمْكِين فَلاَ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَالِغَةً مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ جَانِبِهِ، وَقِيلَ: إنْ كانَتْ جَاهِلَةً بِصِغَرِهِ اسْتَحَقَّتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 32

وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ تَجِبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور: الأُولَى: إذا كانت المرأةُ صغيرةً، فسُلِّمَتْ إلى الزوجِ البالِغِ، أو عُرِضَتْ عليه، فقولان: أحدهما: أنَّها تستحِقُّ النفقة؛ لأنها محبوسةٌ عليه، وفوات الاستمتاع بسَبَبٍ هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.
وأصحُّهما: المنع، وهو المنصوص عليه في الأم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-؛ لأنَّه تعذر الاستمتاع بها؛ لمعنى فيها، فأشْبَهَت ما إذا نَشَزَتْ، وليست كالمريضة، فإن المرض يطرأ ويزول، ولا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات، ولا كالرتقاء؛ فإن الرتق مانعٌ دائمٌ، ولا يمكن إدامة الحَبْس عليها مع نفْي النفقة، وقد يبنى القولَيْن على أن النفقة تَجِبُ بالعَقدْ أو بالتمكين، فعَلَى الأَوَّل: تَجِبُ، وعلى الثاني: لا؛ وعلى هذا جرى في الكتاب.
الثانية: لو كانت المرأة بالغةً، والزوجُ صغيراً، فقولان في النفقة أيضاً: أحدهما: لا تجب؛ لأنه لا يستمتع بِهَا؛ بسبب هو معذورٌ فيه، فلا يُلْزَمُ غُرْماً.
وأصحُّهما: وهو المنصوص في "الأم": أنها تَجِبُ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا مَنْعَ من جهتها، والتعذُّر جاء من جهته، فصار كما لو سلَّمت نفسها إلى الزوج، فَهَرَبَ، وقد تَرتَّب القولان في هذه الصورة على القولَيْن في الأُولَى، ويقال: هي أَوْلَى بالوجوب، وكذلك فَعَل في الكتاب، وَيتولَّد من الترتيب طريقان.
أحدهما: طَرْدُ القولَيْن.
والثاني: القطع بالوجوب، وقد حَكَى القطْعَ هكذا القاضي ابن كج عن أبي إسحاق وغيره، ولك أن تقول: إنه قضية القولَيْنِ في أنه تَجِبُ النفقة بالعَقْد أو بالتمكين معاً، وفي الصورة طريقة ثالثة؛ وهي القَطْع بالوجوب، إذا كانَتِ المرأةُ جاهلة بصغره وتخصيص القولَيْن، بما إذا كانت عالمة، وعن أحمد -رحمه الله- في الصورة الثانية: [روايتان كالقولين] 44. الثالثة: إذا كانا معاً صغيرَيْنِ، ففي النفقة قولانِ أيضاً، وقد يترتبان على القولَيْن في الصورة الثانية، وهذه أوْلَى بعَدَم الوجوب؛ لوجود المانع من الطرفَيْنِ، واختصاصه بطرف الزَّوْج هناك، وهو الأصحُّ المنصوص، وقيام المانع فيها يكْفِي لِمَنْع النفقة، وعن القَفَّال: أنه جمع بين الصور الثلاث، وقال: هل يَمْنَعُ صِغَرُ الزوجَيْنِ النفَقَةَ؟ فيه ثلاثة أقوال:

الجزء: 10 - الصفحة: 33

أحدها: أن صغر كل واحد منهما يَمْنَعُ.
والثاني: لا يَمْنَعَ صِغَرُ كلِّ واحِدٍ منهما.
والثالث: يَمْنَعُ صِغَرُها, ولا يمنع صِغَرُه.
واعلم: أن التصوير فيما إذا سُلِّمت إلى الزوج، أو عرَضَتْ نفسها علَيْهِ، كما بيَّنَّا في الصورة الأُولَى، ما بيَّنه على أنه إذا لم يُوجَد تسليمٌ ولا عَرْضٌ، كان الحُكْم كما في حقِّ الكبيرة، وفي "البسيط" و"الوسيط" ما يقتضي خلافَهُ، والظاهِرُ الأَوَّل، وإذا كان الزوْجُ صغيراً، فيكون العَرْضُ على وَلِيِّه لا عليه، وليس المراد من الصِّغَر والبُلُوغ في الصور ما يتعلَّق به التكليف وعدمه، بل يُعْنَى بالصغير من يتأتى منه الجماع، ولا يَلْتَذُّ به وبالبالغ من يَتأَتَّى [منه]، ويدخل فيه المُرَاهِقُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الثَّالِثُ: الْعِبَادَاتُ: وَإذَا أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَقَد سَافَرَتْ فِي غَرَضِ نَفْسِهَا، وَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا قَبْلَ الخُرُوجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقُلْنَا: لَهُ تَحْلِيلُهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مُقِيمَةً عَلَى أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وإِنْ قُلْنَا: لاَ يُحَلِّلُهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ مِنْ وَقْتِ الإحْرَامِ، وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِصَوْم رَمَضَانَ، وَلَهُ مَنْعُهَا عَنْ نَوَافِلِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَفِي الرَّوَاتِبِ وَجْهَانِ، وَصَوْمُ عَاشَورَاءَ وَعَرَفَةَ كَالرَّوَاتِبِ لاَ كَصَوْمِ الاثْنَينِ وَالخَمِيسِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي مَنْعِهَا مِنَ الفَرْضِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَفِي البِدَارِ إِلَى القَضَاءِ الَّذِي هُوَ عَلَى التَّراخِي، وَلَوْ مَنَعَهَا مِنْ صَوْمِ نَذْرٍ بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يُحَلِّلْهَا فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ كَمَا فِي الإِحْرَام.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ العباداتِ ما يُفَوِّت الاشتغالُ به استمتاعَ الزَّوْج، فيسْقُط النفقة، وفي تفصيله مسائل: إحداها: إذا أحرمَتْ بحجٍّ أو عمرة، فلها حالتان: إحداهما: أن تُحْرِم بإذنه، فإذا أحرمت، فقد سافرت في غرض نفسها، فإنْ كان الزَّوْج معَها, لم تَسْقُط نفقتها، وإلا، فقولان قدَّمْنَاهما, ولا فرق بين أن تخرج بإذنه أو لا تخرج بإذنه [إذا كان الإحرام بإذنه] 45 فلا أثر لنهيه عن الخُرُوج، وعن القَفَّال: أنه إذا نهاها، فخَرَجَتْ، سقَطَتِ النفقة قطْعاً، وأما قبل الخروج، فوجهان: أحدهما: أنَّه لا نفقةَ لها؛ لفوات الاستمتاع.

الجزء: 10 - الصفحة: 34

وأظهرهما: وقطع به قاطعون: أنها تَجِب؛ لأنها في قَبْضَته، والفوات جاء من سَبَبِ مأذونِ فيه، ومَنْ قال بالأول، فلا بد من أن يَطْرُدَه فيما إذا خَرَج معها.
الحالة الثانية: إذا أحرمَتْ بغير إذنه، فيبنى عَلَى أنه هلْ للزوج تَحْليلها؟ وقد ذكرنا في الحَجِّ أن له أن يُحَلِّلها في حج التَّطَوُّع، وكذا في حَجِّ الفرض على أصح القولَيْن، فإن جوَّزْنا [له] التحليل، فلمْ يَحَلِّلها، فلها النفقة ما لم تخْرُجْ؛ لأنها تحْت يده، وهو قادِرٌ على التحْليل والاستمتاع، وإذا لم يَفْعَلْ، فهو المفوِّت على نفسه، وفيه وجْه: أنها لا تستحِقُّ؛ لأنها ناشزة بالإحرام، والناشزة لا تَسْتَحِقُّ النفَقَة، وإن قدر الزَّوْج على ردِّها إلى الطاعة قهْراً، والظاهر الأول، فإذا خرَجَتْ بغير إذْنه، فلا نفقة لها، فإن خَرَج معها، فعلَى ما تقدَّم، وإن أذن لها في الخروج، فليكن كما لو أنشأت سفَراً بإذنه، وإن قلْنا: ليس له التحليل، فهي ناشزةٌ من وقت الإحرام، مانعةٌ من الاستمتاع، وفيه وجه: أنَّ لها النفَقَةَ ما دَامَتْ مقيمةً؛ لأنها في قبضته، وقد خرج الأمر من يدها بعد الإحرام، بخلاف النُّشُوز الذي تَقْدِر على تركه، وشُبِّهَ ذلك بالخلاف فيما إذا رمى نفسه من شاهق، وتَعذَّر عليه القيام، هل يلزمه القضاء؟ وحكى وجه آخر أو قول مُطْلِقٌ: أن الإحرام لا يؤثِّر في النفقة؛ لأنها تَسْقُط، فرضاً عن نفسها.
الثانية: الصوم أنواعٌ منها صوْمُ رمضان، فلا تُمْنَعَ منه، ولا تَسْقُط به النفقة بحالٍ؛ لوجوبه [على الفور شرعاً] 46 وقد يُراوِدُها [الزوج]، إذا كان قد أفْطَرَ لمرض أو قَدِمَ من سفر [هـ] مُفْطِراً.
ومنها قضاءُ رمَضَان، فإن تعجَّل لتعديها بالإفطار في رمضان، فلا تُمْنَع منه، وفي النفقة وجهان: المذكور منهما في "التهذيب": أنها لا تسقط ورجَّحه غيره أيضاً.
وفي "التتمة": أنها تَسْقُط؛ لأن فوات حَقِّ الزوج جَاءَ مِن تَعدِّيها، وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا سَلَّم السيد الأمة إلى الزوْج ليلاً لا نهاراً، وإن فات الأداء بعذر وتضيق وقْت القضاء، بأن لم يَبْقَ من شعبان إلا قَدْرُ أيام القضاء، فهو كالأداء، وإن كان الوقْتُ واسعاً، فقد حَكَى صاحب الكتاب وغيره وجهَيْن في أنه: هل يجوز للزوْجِ منْعُها من المُبَادرة إليه؟ وجواب الأكثرين منهم جوازُ المَنْعِ وتنزيله منزلةَ صَوْم التطوُّع، وَيقْرُب من الوجهَيْن وجهان مرويَّان عن "الحاوي" في أنه هل يُمَكَّن من إلزامها الإفطار، إذا شَرَعَت إليه أو هما وذكر صاحبه أنهما مُخرَّجان من القولَيْنِ في جواز التحليل من الحج، وأنه إذا لم يتمكَّن منه، ففي سُقُوط النفقة وجهان: أحدهما: تَسْقُط، كما في الحج.

الجزء: 10 - الصفحة: 35

والثاني: لا؛ لقصر زمان الصوم وقدرته على الاستمتاع 47 بالليل.
ومِنْها صوم التطَوُّع، فإذا كان بإذن الزوج، لم يُؤَثِّر في النفقة، ولا ينبغي أن تشتغل به بغَيْر إذن 48 الزَّوْج، فإن شَرَعَتْ فيه، فله قَطْعُه، وأمرها بالإفطار، فإن أفطرْت، فالنفقةُ واجبةٌ، وإن أبت، سقَطَتِ النفقة في أصَحِّ الوجهَيْنِ؛ لامتناعها من التمكين وإعراضها عنه بما ليس بواجب عليها.
والثاني: لا تَسْقُط؛ لأنها في دارِهِ وقَبْضَتِهِ، ولها الخروج عما شَرَعَتْ فيه، متى شاءَت وحاصِلُ هذا الوجْه أنَّ صَومَ التطَوُّع لا يُؤَثِّر في النفقة، وفي العِدة وجه فارقٌ بيْن أن يدْعُوها إلى الأكل فتأبى، فلا تَسْقُط النفقة؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وبين أن يدعوها إلى الوطء، فتأبى فتسقُطُ النفقة لامتناعها مِنْ توفية حقه، وإذا قلْنا: بسقوط النفقة بإبائها، فعن "الحاوي" أن ذلك فيما إذا أمرها بالإفطار في صَدْر النهار، أما إذا أَنْفَقَ في آخره فلا تسقط ولفوت زمان التمكين ومشابهة تلْك البقية لزمان الأكل والطهارة، واستحسنه القاضي الرُّويانيُّ، والأكثرون سَكنُوا عن هذا التفْصِيل، ولو نكحها، وهي صائمة، ففي تعليق إبراهيم المروروذي: أنَّه لا يجبُرها على الإفطار، وأن في نفقتها وجهَيْن.
ومنْها: صوم النذر، فإن كان النذرُ مطلقاً، فللزوج منْعُها منه؛ لأنَّه لا يتضيَّق وقته وإن نذرت صوم أيام معينة، فيُنْظَر؛ إن نذَرَتْ قبل النكاحِ، لم يكن له 49 المنع لتعين الوقْت، وتقدَّم وجوبه على حقِّ الزوج، وإن نذرتْ بعده فإن أَذِنَ الزوْج، لم يكن له المنع، وإن لم يأذن، فله ذلك؛ لأنها بالنَّذْر منَعَتْ حقه السابق، وحيث قلْنا: له المنع، فلو شَرَعَتْ فيه وأبت أن تُفْطِر، فعلَى ما ذكرنا في صوم التَّطَوُّع.
ومنها: صوم الكفَّارة، وهو على التراخي، فللزوج المَنْع، وعن أقْضَى القضاة المَاوَرْدِيِّ: أنه إذا لم يمنعها حتى شرعت فيه، فهل له إجبارها على الخروج منه؟ فيه وجهان، وحيث قلنا بسقوط النفقة بالصوم، يسقط جميعها أو نصفها؛ للتمكن من الاستمتاع بالليل؟ فيه وجهان مذكوران في "التهذيب" 50.

الجزء: 10 - الصفحة: 36

الثالثة: فرائض الصلوات الخَمْس لا منع منْها ولا تتأثَّر النفقة بالقيام بها بحَالٍ وهل للزوج المنع من المبادرة إليها في أَول الوقْت؟ فيه وجهان: الأصح: عدَم المنع، ويحكى عن نص الشَّافعي -رحمه الله- لتجوز فضيلته أول الوقت، ويخالف الحج، حيث جوزنا له المنع من المبادرة إليه؛ لأن زمان الصلاة لا يمتد، ولأن الصلاة في أول الوقت مخصوصة بزيادةِ الفضيلة، والحج في السَّنَة التي تبادر إليها، كالحج في غيرهما في الفضيلة.
والتطَوُّعات المُطْلَقَة كصوم التطوُّع، وفي السنن الرواتِبِ وجهان: أصحُّهما: أنَّه ليس للزوج منْعُها؛ لتأكدها وتقررها بخلاف النوافل المُطْلقة، وله منعها من تطويلها، وصومُ يومِ عرفةَ وعاشوراءَ في الصيام كرواتب الصلاة، وصومُ يومِ الاثنين والخميس كالتطوُّعات المُطْلَقة، فله المنْع بلا خلاف، وله منْعُها من الخروج لصلاة العيدين والخسوفَيْن، وليس له المَنْعُ من فعلها في المنزل، وقضاءُ الصلواتِ والصلاةِ المنذورةِ كمثلهما في الصوم.
الرابعة: الاعتكاف والخروج له إلى المسجد، إن كان بإذنه، وهو معها, لم تَسْقُطِ النفقة، وإن لم يكن معها، فعلَى الخلاف المذكور للخروج في الحج، وفي كتاب القاضي ابن كج -رحمه الله- وجهٌ: أنه إن قصرت مدته، بأن لم يَزِدْ على يوم، لم يؤَثِّر، ولم يُجْعَلْ ذلك على الخلاف وإن لم يكن بإذْنِه، فإن كان عن تطوُّع أو نَذْراً مطلقاً في الذمةَ سَقَطَت نفقتها وإن كان عن نَذْرِ معيَّن من صوم نذر فإن تأخَّر عن النكاح، فكذلك الجواب، وإن تقدَّم عليه، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة به.
وقوله في الكتاب: "ولو منعها من صوم نذرٍ بعد النكاح" التقييد بما بعد النكاح يبين أنَّه لا مَنْع فيما نذرته قبل النكاح، وهذا الفَرْقُ فيما إذا نَذَرتْ أيَّاماً معينة على ما بيَّنَّا، فأما عند الإطلاق، فله المنع في الحالَتَيْن، هذا هو الظاهر المشهور، ونقل إبراهيم المروروذي فيه وجهَيْنِ، سواء نَذَرَتْ قبل النكاح أو بعده.
وقوله: "فإن لم يُحَلِّلْها، فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ، كما في الإحْرَام" يعني في الصوم المعيَّن المنذور بعد النكاح، وكذلك الحُكْم في صوم التطَوُّع، وفي "البسيط" وغيره: أن الوجهَيْنِ في الصَّوْم مُرَتَّبان على الوجهَيْن في الإحْرام، وأن صورة الصوم أَوْلَى بالاستحقاق؛ لأن الاستمتاع هاهنا جائزٌ من غير أن يُقَدِّم تحليلاً، ويكون الجِمَاع تحليلاً، وفي الإحرام لا بد، وأن يحلِّلها أولاً ثم يجامع.
فرع: قال في "التتمة": لو كانَتْ قد أجَّرتْ نفْسَها قبل النكاح إجارةَ عَيْنِ، لم يكن للزوج منْعُها من العَمَل، ولا تستحقُّ النفقةَ عليه، وعن "الحاوي": أن له الخيارَ إنْ كان

الجزء: 10 - الصفحة: 37

جاهلاً بالحال؛ لفوات الاستمتاع عليه بالنهار، وأنَّه لا يَسْقُطْ خِيَاره، بأن يرضى المستأجر بالاستمتاع نهاراً، فإنه متبرع بذلك، وقد يرجع فيه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الرَّابعُ: العِدَّةُ، وَالمُعْتَدَّةُ المُطَلَّقَةُ إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَهَا النَّفَقَةُ إلاَّ إِذَا أُحْبِلَتْ مِنَ الشُّبْهَةِ وَتَأخَّرَتْ عِدَّةُ الزَّوْج وَقُلْنَا: لاَ رَجْعَةَ لَهُ فِي الحَالِ فَلاَ نَفَقَةَ، وَإِنْ قلنَا: لَهُ الرَّجْعَةُ فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ وَقِيلَ بِعَكسِ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المعتدَّة الرجعيَّةُ تستحِقُّ النفقة والكُسْوة وسائر المؤنات؛ لِبَقَاءِ حبْس الزوج وسُلْطَته، ويستثنى من المؤنات آلةُ التنْظِيف، فإن الزوج مُمْتَنِعٌ عنها، ذكره في "البسيط" وغيره، ولا فَرْقَ بين أن تكون الرجعية حُرَّةً أو أمة، حائلاً أو حاملاً، ولا تسقط نفقتها إلا بما تسقط به نفقة الزوجات 51 وتستمر إلى انقضاء العدَّة بِوَضْع الحمل أو غيره، ولو ظَهَر [ت] بها أماراتُ الحمل بَعْد الطلاق، فعلى الزَّوْجِ الإنفاق علَيْها، وإذا أنْفَقَ، ثم بأن أنه لم يكن حَمْلٌ، فله استرداد ما دَفَعَ إليها بعْد انقضاء العِدَّة، وتُسْأَل عن قَدر الأقراء، فإن عَيَّنَت قدْرَها، صدَّقْناها باليمين، إن كَذَّبها الزوج، ولا يمين إن صدَّقَها، وإن قالتْ: لا أعلم متى انقضت عدتي، سألْنَاها عن عادة حَيْضها وطُهْرها، فإن ذَكَرَتْ عادةً مضبوطةً، بنينا الأمر على قَوْلِها، وإن قالت: عادتي مختلفة، أخذنا بأقلِّ عاداتها، ورجع الزَّوْج فيما زاد فإنه المستيقن، وهي لا تَدَّعي زيادةً عليه، وإن قالت: نسيت عادَتِي، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يرجع في نفقة ما زاد على نفقة ثلاثة أشهرٍ، ويأخذ بغالب العادات، وقال الشيخ أبو حامد: يُكتب الأمْرُ عَلَى أقلِّ ما يمكن انقضاء العدَّة فيه، وهذا ما أورده أبو الفَرَجِ السرخسيُّ، والخلاف قريب من الخلاف في مَرَدِّ المبتدأة، وإن انقطع الولد الذي أتت به عنه، بأن ولَدَتْ لأكثر من أربع سنين، إما مِنْ وقْت الطلاق أو مِنْ وقْتِ انقضاء العدة على اختلافٍ سَبَق، سئِلَتْ عن حال الولَدِ، فإن قالت: هذا الولد من زوج نكحته، أو من وطء شبهة، وقع بعد إنقضاء ثلاثة أقراءٍ، فعليها رَدُّ المأخوذ بعد الثلاث؛ لاعترافها بانقضاء العدة بها، وإن قالَتْ: وقع ذلك في أثناء الأقراء فقد انقطعت عدَّتها بوطء، الثاني وإحباله، فتعود بعد الوضع إلى ما بَقِيَ منْها، وعليه النفقة في البقيَّة، وأَما في مدَّة الحَمْل، فيبنى على أنه هل للزَّوْج الرجْعة فيها؟ وفيه وجهان قد سَبَقَ ذكرهما في "كتاب الرجعة" و"العِدة" وفي كيفية البناء طريقان:

الجزء: 10 - الصفحة: 38

أظهرهما: أنَّا إنْ قلنا: لا رجعة في الحال، فلا نفقة، وإن أثبتنا الرجعة، ففي النفقة وجْهان: وجه المنع: أنها صارت في حَبْس الغير.
والثاني: أنا إنْ قلنا: لا رجعة، ففي النفقة وجهانِ، وإن قلنا: له الرجعةُ، فعليه النفقة، والظاهر مِنْ ذلك الذي أجابَ به أكثرهم: أنه لا نفقة ولها [في مدة الحمل، فيَسْتَرْجِعُ ما أخذت لها, ولو قالت: واطأني الزوج، وأنكر، فهو المصدَّق بيمينه، وتُسْأَلُ] 52 عَنْ وقَتْ وطئه، فإن قالت بَعْد انقضاء الأقراء، رَدَّتْ ما زاد، وإن قالَتْ: عقيب الطلاق، فقد بأن أنَّها ما قضت عدته، فترد ما أَخَذَتْ، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء ولها النفقة فيها.
هكذا ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وإنما يستمر ذلك على قَوْلنا إن العدتَيْنِ المُخْتَلِفَتَي الجِنْسِ من شخصٍ واحدٍ لا تتداخلان.
فرْعٌ: لو ادعت الرجعيَّةَ تباعد الحَيْضُ وامتداد الظهر، فظاهر المذهب: أنَّها تُصدَّق في وجوب النفقة، كما تُصدَّق في بقاء العدة، وثبوتِ الرجعةِ، وتستمر النفقة إلى أن تعترف بمُضِيِّها، وعن بَعْضِ الأصحاب فيما حكاه القاضيان ابن كج وأبو الطيِّب: أنَّها لا تُصدَّق في النفقة، فإنه حقٌّ لها بخلاف العِدَّة والرجْعة، فهما عليها، وهذا ما توهمه المُزنيُّ من لفظ الشافعيُّ -رضي الله عنه- واعترض عليه.
فرْعٌ: لابن الحدَّاد: وضعَتِ امرأةٌ حَمْلاً وطلَّقَها، واختلف الزَّوْجَان، فقال الزوج: طلَّقْتكِ قبل الوضع، وانقضت عدتك بالوضع، فلا نفقة لك الآن، وقالت: بل طلَّقْتَنِي بعد الوضع، وطلبت النفقة، فعليها العدة مِنَ الوقت الذي يزعم أنَّه طَلَّقها فيه، ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاء النكاح إلى الوَقْت الذي يَقُولُه وبقاءُ العدَّة والنَّفَقَةِ، وليس له الرجعة؛ لأنها قد بانت بزعمه، ومَنْ أقرَّ بشَيْءٍ قُبِلَ فيما يَضُرُّه ولم يُقْبَل فيما يَضُرُّ غيره؛ ألا ترى أنه لو أَقَرَّ ببَيْعِ عبده، ممن يُعْتَقُ العَبْدُ عليه يُحْكَم عليه بِعِتْق العبد، ولم يُقْبَل قولُه في لزوم الثَّمَنَ على زعم أنه اشترى، ولو كان الزَّوْج قَدْ أصابها قَبْل الوضع في الوَقْت الذي زَعَمَ أنَّها مُطَلَّقة فيه، لم يلزمه مهْر المِثْل؛ لأنها تقول: إنَّما طَلَّقَنِي بعْد الولادة، فتكون الإصابة في النكاح، ولو اختلفا على العَكْس، فقال الزوج: طَلَّقْتُكِ بعد الولادة، وأنْتِ في العدةِ، والرجعةُ لي، وقالت: بل قَبْلَها، وقد انقضت عدَّتِي، فالقول قول الزوج في بقاءِ العدَّةِ وثُبُوتِ الرجْعةِ، ولا نفقة لها 53 في العِدَّة.

الجزء: 10 - الصفحة: 39

وقوله في الكتاب: "والمعتدة المُطَلَّقة إن كانت رجعيَّةً" لفظ المُطلَّقة مستغنًى عنه؛ فإن المُعتدَّةَ لا تكون رجعيَّةً إلا إذا كانَتْ مُطَلَّقة.
وقوله: "فلها النفقة، إذا إذا أُحْبلَتْ من الشبهة" لا شك أن المراد: فلها النفقة في العدَّة، لا على الدوام، وحينئذ، ففي ظاهر الاستثناء نَظَرٌ؛ لأنها إذا أُحْبلَتْ من الشبهة، وتأخَّرت عدة الزوْج، فلا تكون في عدة، حتى تَسْتَثْنَى من الحكم؛ بأنَّ لها النفقةَ في عدته.
وقوله: "وقيل بعكس ذلك" المراد منه الطريقة الثانية، وقد بيَّنَّاها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا البَائِنَةُ فَلَهَا السُّكْنَى وَلَيْسَ لَهَا النَّفَقَةَ (ح) إلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، وَالفَسْخُ كَالطَّلاَقِ إنْ حَصَلَ بِردَّتِهِ، وإِنِ اسْتَنَدَ إلى اخْتِيَارِهَا أَوْ إِلَى عَيْبِهَا سَقَطَ جَمِيعُ المَهْرِ وَسَقَطَتِ النَّفَقَةُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلحَمْلِ، وَفِرَاقُ اللِّعَانِ يُضَافُ إِلَيْهَا كَالفَسْخِ، أَوْ يُحَالُ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الوَلَدِ المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ فَلَهَا الرُّجُوعُ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وِلاَيَةَ الاسْتِقْرَاضِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ هِنْدَ، وَأَمَّا المُعْتَدَّةَ عَنْ شُبْهَة إِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَفْقَهِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ خَلِيَّةً عَنِ النِّكَاحِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الوَاطِئِ إِلاَّ إِذَا كانَتْ حَامِلاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى أَنَّ النَّفَقَة لِلحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، فَإِنْ قلنَا لِلحَمْلِ اعْتُبِرَ كِفَايَتُهُ وَلَمْ تَتَقَدَّرْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الوَضْعِ سَقَطَتْ إِذْ لاَ نَفَقَةَ لِلْقَرِيبِ بَعْدَ المَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِل فَهِيَ فِي التَّقْدِير كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَلاَ تَسْقُطُ بِالمَوْتِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ عُلْقَةَ الحَبْسِ دَائِمَةٌ وَكَأَنَّ الطَّلاَقَ أَوْجَبَهَا دَفْعَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: البائنة بالخُلْع أو بالطَّلاق الثلاثِ لا نَفَقَةَ لها, ولا كسوة إن كانت حائلاً وإن كانت حاملاً، فعلى الزوج النفقة والكُسْوة، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: تستحق النفقة كلَّها، حائلاً كانت أو حاملاً، لنا: ما روِيَ في خبر فاطمة بنت قَيْسٍ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "لا نَفَقَةَ لَكِ عَلَيْهِ" 54 وكانت مبتوتة حائلاً، والتقييد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] بعد الإطلاق من قَبْلُ في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ إشعار بأنَّ الحائل لا يُنْفَق عليهن، والنفقة الواجبة إذا كانت حاملاً للحَمْل أو للحَامِل فيه قولان: = وأنكرت حلف، وهو ما أورده الرافعي في كتاب القسم والنشوز حيث جعل ذلك أصلاً مقيساً عليه أي فيما إذا ادعت عليه الطلاق فإنه لا قسم لها كما لا نفقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 40

أحدهما: أنَّها للحَمْل، والحامل طريق وصول إليه، وربما يُنْسب هذا إلى القديم و"الإملاء"، ووُجِّه بأنها لا تجب لَوْلا الحَمْل، وتسقط إذا وضَعَت، وذلك يُشْعِر بأنها للحمل، وبأن الحمل يَسْتَحِقُّ النفقة والتربية بَعْد الانفصال، فكذلك قبله، بل هو قبل الانفصال أضْعَفُ، وأصحُّهما: أنها للحَامِلِ بسبب الحمل، ووُجِّه بأنها لو كانَتْ للحمل، لتقدرت بقَدْر كفايته، وبأنَّهَا تجب على المُوسِر والمُعْسِر، ولو كانت للحَمْل، لَمَا وجبت على المُعْسِر، وبأنها مختلفة القدر بيسار الزوج وإعساره، كما هو شأن نفقات الزَّوْجات، وبأن الولد بعْد الانفصال، إذا احتاج إلى حاضِنَةٍ، تجب النفقة للحاضنة، والحامل لا تَتَقاعَدُ عن الحاضنة، وهذا التوجيه الآخر ذكره الإِمام وغيره.
ثم الكلام في مسائل تَتَعلَّق أكثرها بهذَيْنِ القولَيْنِ.
إحداها: المعتدَّة عن فراق الفَسْخ، هل تستحق النفقة إذا كانت حاملاً؟ الذي حكاه الإمام وصاحب الكتاب: أنه، إن حَصَل الانفساخ بما لا مَدْخَل لها فيه، كرِدَّة الزوج فهو كالطلاق في استحقاق النفقة، كما أنه كالطلاق في تَشْطِير المَهْر، وإن كان لها فيه مَدْخَلٌ، كما إذا فسَخَتْ بخيار العتق أو بعَيْبٍ فيه أو فَسَخَ الزوج بعيب فيها؟ ففي النفقة قولان، والقولان عنْد أكثرهم مبنيَّان على أن النَّفقةَ للحَمْل أو للحَامِلِ؟ إن قلنا: للحمل، وجبت، وإلا، لم تجب، كما يسقط المهر بهذه الفسوخ قَبْل الدخول، ولم يرتَضِ الإمامُ هذا البِنَاء، وقال: إنَّما تُوجَبُ النفقةُ للحامل؛ لأنها كالحاضنة ومؤنة الحاضنة على الأب، ولا فَرْق في ذلك بين المُطلَّقة والمفسوخ نكاحُها، فلنوجه أحَدَ القولَيْنِ بالقياس على المُطَلَّقة.
والثاني: بأن القياس أن لا نَفَقَةَ بَعْد البينونة، والخروج عن مظنة الاستمتاع، وإنما خالفنا في المُطلَّقة؛ للنص، ووراء هذه الطريقة طريقتان، حكاهما الشيخ أبو عليٍّ.
إحداهما: طرد القولين في المعتدَّات عن جميع الفسوخ، بناءً على أنَّها للحمل أو للحامل؟ إن قلْنا للحامل، لم تجب؛ لأنها معتدَّةٌ لاَ عَنِ طلاق، فأشبهت المعتدَّة عن الشبهة، وهذا ما أورده صاحب "الشامل".
والثانية: وهي التي أوردها في "التهذيب" ونسبها الشيخ أبو عليٍّ إلى عامة الأصحاب؛ بأنه إن كان الفراق بسبب عارِضٍ، كالرضاع والرِّدَّة، فهو كالطلاق؛ لأنه قاطعٌ للنكاح، وإن استند إلى سبب قارِنُ العَقْد؛ كالعيب والغرور، ففيه قولان؛ لأن مثل ذلك يَرْفَعُ العقد من أصله، ولذلك لا يجب المَهْر، إذا لم يكن دُخُولٌ، وفي "التتمة" أن المفسوخ نكاحها تَسْتَحِقُّ النفقة، حيث قلْنا: إنها تستحق السكْنَى، وحيث قلنا: إنها لا تَسْتَحِقُّ السكْنَى، فتكون كالمعتدَّة عن وطء الشبهة، ففي نفقتها قولاَنِ، والكلام في السُّكْنَى قد تَقدَّم.

الجزء: 10 - الصفحة: 41

وأمَّا المفارقة باللعان، إذا كانت حاملاً، ولم ينف حمْلَها، فهل تستحقُّ النفقة، أما على الطريقة المذكورة في الكتاب [فقد اختلفوا:] 55 قال بعضُهم: اللعانِ مِنَ الفراق الذي لها مدْخَلٌ فيه؛ لأنها أحوجته إليه على ما يزعمه.
والأصح أنَّه كالطَّلاَقِ، وهي مُنْكِرةٌ لما يزعمه، فتستحق النفقة، وَتَجْري فيه الطريقتان الأخريان، ولا يَخْفَى على الطريقة المرجَّحة أن اللعان من قبيل العَوَارِضِ، والفراق به ليس مستنداً إلى حال العقد، وإن نفى حمْلها باللعان، لم تجب النفقة سواءٌ جِعلْنَاها للحَمْل أو للحَامِلِ؛ لأنه قد انقطع الحَمْل عنه، وصارت في حق الزَّوْج كالحائل، وحكى القاضي أبو الطيِّب وجهَيْن في أنها هل تستحق السُّكْنَى والحالةُ هذه، والأظْهَرُ الاستحقاقُ، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامِد.
ولو أبان امرأته بالطَّلاَقِ، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ، وقلْنا: له أن يلاعن لِنَفْيِهِ، فلاعن، سقَطَتِ النفقة، وعن القاضي أبي الطيِّب: أنا إن أثبتنا للملاعنة السكْنَى فههنا أَوْلَى لأنها معتدة عن الطلاق وإلا فيحمل على وجهين، وإذا لاعن عنها، وهي حامل، ونفى الحمل، ثم عاد وكذَّب نفسه، واستلحق الولد، طولب بنفقة ما مضى، نصَّ عليه واختلف الأصحاب: فعَنْ بعضهم: أن هذا الجواب على أن النفقة للحَامِلِ، أمَّا إذا جعلْنَاها للحَمْل، فلا مطالبة؛ لأن نفقة القريب تسقط بِمُضيِّ المدة، ولا تصير دَيْناً في الذمة.
وقال الأكثرون: تثبت المطالبة على القولَيْنِ؛ لأنها، وإن كانت للحَمْل، فهي مصروفةٌ إلى الحامل، وهي صاحبة حقٍّ فيها، فتصير دَيْناً، كنفقة الزوجة، ولو أكْذَبَ نفْسَه بعْد ما ولَدَتْ، وأرضعت الولَدَ، رجَعَت عليه بأجرة الرَّضَاع، نصَّ عليه في "الأم".
وحكى أبو عليٍّ -رحمه الله- وجْهاً أنها لا ترجع.
ولو أنفقت عليه مدَّة، ثم رجع، رجعَتْ عليه بما أنفقَت، في الظاهر، الوجْهُ الآخر، ووجْهُ المذهب الظاهر أنها أنفقت عليه وفيه على ظن أنه واجِبٌ عليها, لا على سبيل التبرُّع، فإذا بانَ خلافه، ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظَنَّ أن عليه دَيْناً، فقضاه، ثمَ تبيَّنَ خلافَهُ، يرجع به، بخلاف ما إذا تَبرَّع على غيره بمال، وبما إذا أنفق على أبيه على ظن إعساره، فبان يسَارُهُ، يرجع بما أنفق ولو تبرَّع عالماً بإيساره، لا يرجع.
المسألة الثانية: في وجوب نفقة المعتدَّة عن النكاح الفاسد، وعن وطء الشبهة، إذا كانت حاملاً وجهان، بناهما الجمهور على أن النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، وقالوا: إن

الجزء: 10 - الصفحة: 42

قلْنا: إنها للحمل، وجبت النفقة على الواطئ كما لزمه نفقته بعد الانفصال، وإن قلنا: للحامل، لم تجب، فإن النكاح الفاسِدَ، لا يوجب النفقة، فعدَّته أَوْلَى بأن لا توجب، والإمام ما رضي بهذا البناء، وقال إنَّما توجب النفقة للحامل من جِهَة قيامها بتربية الولَدِ، فنزلناها منزلة مؤنة الحاضنة، وهذا المعنى يَقْتَضِي الوجوب على الواطئ أيضاً، ولكن مأخذ الخلاف أن الوَلَد إذا كان مجْتَنْاً هل تجب مُؤنَتُه؟ فَعَلَى قولٍ: تجب كالمنفصل، وعلى قولٍ: لا؛ لأنَّ الولد جزء من الأمِّ, ما دام مُجْتَنّاً لا استقلال له، واعلم أن تنزيل نفقةِ الحامل منزلة مُؤْنَة الحاضنة بعد الانفصال، لا اتجاه له، وإن ردَّده الإِمام مراراً لأَنَّ الواجب هناك كفايةُ أمْرِ مَنْ يحضنه إمَّا تبرعاً، وإما بأُجْرة مِنْ غير تقْدِير، وهذه النفقةُ مقدَّرةٌ كنفقة الزوْجَاتِ.
هذا إذا كانت الموطوءة بالشبهة غير منكوحة، فإن كانت منكوحةً وحمَلَتْ من الوطء بالشبهة، فإن أوجبنا النفقة على الواطئ بالشبهة، سقطت عن الزوْج، ولم نَجمع بين نفقتين، وإن لم نوجبها على الواطئ، ففي سقوطها عن الزَّوْج وجهان: أَفْقَههما: السقوط؛ لفوات الاستمتاع عليه.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها معذُورةٌ فيه، وهذا ما أورده في "البسيط" واستحسن في "الوسيط" توسُّطاً، وهو أنها إن كانَتْ نائمةً: أو مكرهةً، فلها النفقة، وإن مكَنَتْ على ظَنِّ أنَّه زوجُها، فلا نفقة؛ لأنَّ الظن لا يؤثر في الغرامات 56. الثالثة: المعتدَّة عن الوفاة، لا نفقة لَهَا حائلاً كانت أو حاملاً أمَّا إذا كانت حائلاً؛ فلأن البائنة الحائلة لا نفقة لها على الزوج في حياته، فبعد الموت أَوْلَى، وأما إذا كانت حاملاً، فلأَنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، إن كانت للحَمْلِ، فنفقة الأقارب تَسْقط بالمَوْت وإن كانت للحامل فبسبب استحقاقها الحَمْل، فإذا كانت نفقته في نفْسِهِ بعد الانفصال، لا تجب بَعْد المَوْت 57، فكذلك النفقةُ الواجبة بسببه.
الرابعة: تَتَقَدَّر النفقة الواجبة كنفقة الزَّوْجة في صُلْب النكاح، أو تعتبر كِفَايَتُها ويزاد وينقص بحَسَب الحاجة؟ فيه طريقان نقلهما الإِمام ومَنْ تابَعَه.
أحدُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنا إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل؟ ففيه وجهان: وجه اعتبار الكفاية النظر للحَمْل؛ حتى لا يتأثر إذا لم يَكْفِها المقدور، وعَدَّه أقيس

الجزء: 10 - الصفحة: 43

الوجهين، وإن قلْنا: للحامل، فلا زيادة كما في صلب النكاح، والثاني أنا إذا قلْنا: إنها للحمْل فتعتبر الكفاية، وإن قلنا: للحامل، فوجهان احتياطاً للحَمْل، ولا بد للتفريعِ عَلَى كلِّ واحدٍ من القولَيْن مِنَ النَّظَرِ إلى معنى القَوْل الآخر، لتعلق الواجِب بالعمل والعامل جميعاً.
والذي أورده أكثرهم: أن هذه النفقة مُقَدَّرة كما في صُلب النكاح، ولا زيادةَ ولا نُقْصَان، وَقَدْ يرونه مُتَّفِقَاً عليه.
الخامسة: إذا مات الزوج قَبْل أن تضع الحَمْلَ، فإن قلنا: إن النفقة للحَمْل، سَقَطَت؛ لأنَّ نفقة القريب تَسقُط بالمَوْت، وإن قلْنا: إنها للحامل، فوجهان: عن ابن الحَدَّاد: أنها تسقط أيضاً لأنها كالحاضنة للولد، ولا تجب نفقة الحاضنة للولد بعد الموت.
وعن الشيخ أبي عليٍّ: أنها لا تَسْقط؛ لأنها لا تنتقل إلى عدة الوَفَاة بخلاف الرجعيَّة بل تعتدُّ عن الطلاق، والطلاق كأنَّه 58 يوجِبُ هذه النفقة دفْعَةً واحدةً فتكون كدَيْنٍ عليه؛ ولهذا يبقى لها حقُّ السكْنَى، ولا يجيءْ فيه القولان في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكْنَى، ورأَى صاحب الكتاب هذا أقْيَسَ، [وقال] كأن الشرع جعل عُلْقة الحَمْل كعُلْقة الرجْعة في إيجَابِ النفقة، وعُلْقة الحمل باقيةٌ، والأصحُّ عند الإِمام ما نُقِلَ عن ابن الحدَّاد وقال: النفقة تجب يوماً فيوماً، ولا تصير الجملة دَيْناً كما في صُلْب النكاح، وأمَّا لفظ الكتاب فقوله: "فلها السكْنَى" لا حاجة إلى ذكْره في هذا الموضع، وقد سَبَقَ ذكْره في باب السُكْنَى في العدة.
وقوله: "والفسخ كالطلاق إن حصل بردته" يجوز أن يُعْلَم بالواو، كسائر الطرق المذكورة.
وقوله: "سَقَطَ جمِيعُ المَهْر" مذكور في موضعه وليس إلى ذكره هاهنا كبير حاجة إلا أنه أشار، به إلى أنه كما يسقط المَهْر، تَسْقط النَّفَقَةُ.
وقوله: "لأن للزوجة ولاية الاستقراض" يشتمل على مسألة مقصودة، نَذْكرْها مع أخواتٍ لها في الباب الأول من "نفقات الأقارب"، ولْيُعْلَم بالواو؛ لما نبينه هناك، ووُجِّه وجْه الرجوع بما إذا أنفقت على الولَدِ المنْفِيِّ باللعان، أنه إذا كانَتْ متمكِّنة من الاستدانة، لم تُجْعَل متبرِّعة بالإنفاق ولا شك أنها إنما ترجع إذا قَصَدَتِ الرجوع، ولا ترجع إذا قصَدَتِ التبرُّع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ النَّفَقَةِ قَبْلَ الوَضْعِ بِنَفْسِ الحَمْلِ

الجزء: 10 - الصفحة: 44

لِظَاهِرِ الآيَةِ، فَإِنْ بَانَ أَنْ لاَ حَمْلَ اسْتَرَدَّ، وَإِنْ تَأخَّرَ وَظَهَرَ الحَمْلُ وَجَبَ التَّسْلِيمُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لِلْحَمْلِ فَإنَّهُ يُسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الرَّقِيقِ وَلاَ عَلَى الحُرِّ فِي المَوْلُودِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِلِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ولا يجب تسليمُ النفقة قَبْل أن يَظْهر الحَمْل سواءٌ جعَلْنَاها للحَمْلِ أو للحَامِلِ، وإذا ظَهَر، فيَجِبُ التسليم يوماً بيومِ أو تُؤَخَّر إلى أن تضع، فيُسلَّم الكلُّ دفعةً، واحدةً؟ فيه قولان: أحدهما: تُؤَخَّر؛ لأن البينونَة مُسْقِطة للنَّفقَةَ، والحَمْلُ غير مستيقَنٍ.
وقد يُظَنَّ، فيتبين خلاف المظنون، فلا يوجب التسليم إلا بيقين، وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيِّ أنه يعجل التسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، والقولان يبنيان على الخِلاَفِ المعرُوفِ في أن الحَمْل هل يُعْرف، والأصحُّ أنه يعرف، ولذلك نقول: لو خرجَتِ الجارية المشتراةَ حاملاً يَردُّها, ولا تُؤْخَذ الحامل في الزكاة، وتجب الخلفات في الدية وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَلاَ لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ" 59. التفريع: إن قلْنَا: يُؤخَّر التسليم، فلو قالت: وضعْتُ الحمل، وأنكر الزوجْ فعليها البيِّنةُ على الوضْع، وإن قلْنا: يعجل، وادعت ظهور الحَمْل، وأنكر، فكذلك، وتُقبل فيهما شهادة النساءِ, وذكر القاضي ابن كج أنَّ أبا الحُسَيْنِ حكَى عن بعض الأصحاب أنه لا يُعْتَمد قولُهُن، إلا بعد مضي ستة أشهر، وأن الجمهور لم يشْتَرِطوا ذلك، ولو كان ينفق على ظَنِّ الحملْ، ثم بأن أنه لا حَمْلَ، فإن أوجَبْنا التعجيل قبل الوضع، فله الاسترداد؛ لأنه سلَّم عن جهة الواجب، وقد تَبيَّن خلافُه، فأشبه ما إذا ظن أن عليه دَيْنَاً، فأداه، ثم بأن خلافُهُ، وما إذا أنْفَقَ على أبيه على ظَنِّ إعساره، وبان يساره، وعن القاضي الحُسَيْن أنه احتجَّ لذلك بما رُوِيَ أن أبَيَّ بن كعْب -رضي الله عنه- عَلَّمَ رَجُلاً القُرآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، فَأَهْدَى لَهُ قَوْساً، فقال له النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- "إنْ أَخَذْتَهَا، أَخَذْتَ قَوْساً مِنَ النَّارِ" 60 ويقال: إن ذلك الرجل ظَنَّ وجوب الأجرة عليه مِنْ غَيْر شرط، وكان يُعْطِي

الجزء: 10 - الصفحة: 45

القوس على ظَنِّ أنه يعطي عن الواجب عليه، فمنع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أخذه، وإن قلْنا: لا يجب التسليم قَبْل الوضْع، فإن أمر الحاكم به، فيسترد أيضاً، وإلا فإنْ لم يَذْكُر أن المدفوع نفقةٌ معجَّلةٌ، لم يسترد، وجُعِلَ متطوعاً، وإن ذَكَرَ أنه نفقة معجَّلَة، فإن شرط مع ذلك الرجُوعَ، رَجَعَ، وإلا فوجهان: أصحُّهما: أنه يرجع، وقد يُرتَّبان على الخلافِ في مثل هذه الصُّورة في تعجيل الزكاة، وهذه أوْلَى بالرجوع؛ لأنه تَبيَّن بالأجرة حُصُول الوجوب عند التسليم، وفي الزكاة بخلافه، وخرج القفَّال مما نحن فيه أن الدَّلاَّل إذا باع متَاعاً لرجل، فأعطاه المشتري شيئاً، وقال: وهَبْته منك، أو قال له الدلال وهبته منى، فقال: نَعَمْ، هل يحلُّ له قَبُوله وأخْذُه؟ قال: إن علم المشتري أنَّه لَيْس علَيْه أن يعطيه شيئاً، فله قَبُوله، وإن ظَنَّ أنه يجب عليه أن يعطيه، ويهب منه، فلا, وللمشتري الرجُوعُ فيه، وأجرة الدَّلاَّل على البائع الذي أمره بالبَيْع 61. فَرْعٌ: لو أنفق على التي نكَحَها نكاحاً فاسداً مدَّةً، ثم بان فسادُ النكاح، وفرق بينهما، قال الأصحاب لم يسترد ما أنفق بل يجعل ذلك في مقابلة استمتاعه بها وإتلافه منافعها فإن كانت حاملاً أوجبْنا النفقة بناء على أن النفقة للحَمْل، فعدم الاسترداد أظهر ثم في الفصْل صُوَرٌ تتعلَّق بالخلاف في أن النفقة للحَمْل أو للحامل.
إحداهما: لو لم يُنْفِق عليها، حتى وضَعَتِ الحمل، أو لم ينفق في بَعْض مدة = ابن الصامت، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه، قال: علمت أناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوساً، الحديث، ومغيرة مختلف فيه، واستنكر أحمد حديثه، وناقض الحاكم فصحح حديثه في المستدرك.
واتهمه به في موضع آخر، فقال: يقال إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، والأسود بن ثعلبة قال ابن المديني في كلامه على هذا الحديث: إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث، كذا قال مع أن له حديث آخر من روايته عن عبادة بن الصامت أيضاً، رواه أبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال، وثالث أخرجه الحاكم في النساء تطهير، ورابع أخرجه البزار في الفتن، كلاهما من حديث معاذ بن جبل، ولم ينفرد به عن عبادة، بل تابعه جنادة بن أبي أمية، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي، لكن قال البيهقي: اختلف فيه على عبادة، فقيل عنه عن الأسود بن ثعلبة، وقيل عنه عن جنادة، ورواه الدارمي بسند على شرط مسلم من حديث أبي الدرداء، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس، قال دحيم: حديث أبي الدرداء في هذا ليس له أصل.

الجزء: 10 - الصفحة: 46

الحَمْل، فإن قلْنا: لا يجب التعجيل، بل يُؤَخّر إلى الوضع، لم تسقط نفقة المدة الماشية، وإلاَّ، فلا يكون الايجابُ مفِيداً وإن أوجبْنا التعجيل، فمنهم مَنْ قال: يُبْنَى سقوط نفقة المدة الماضية على أن النفقة للحَمْل أو للحاملْ؟ إن قلْنا: للحامل، لا تسقط، وتصير دَيْناً في الذمة، كنفقة الزوجة، وإن قلْنا: للحمل، يسقط؛ لأن نفقة القَرِيب تَسْقط بمضيِّ الزمان، وهذا ما أورده المتولِّي وصاحب الكتاب، ومنْهم مَنْ قال: لا تسقط، وإن قلْنا: إنها للحَمْل؛ لأن المرأةَ مستحقةٌ لها، وانتفاعها بها أكبر من انتفاع الحمل، فكان كنفقة الزوجة؛ ولذلك قلنا بأنها تَتقدَّر، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
وقد حكى الطريقَيْنِ الشيخُ أبو عليٍّ وقال: ظاهر المذهب ما عليه الجمهور: أنها لا تسقط على القولَيْنِ، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "فإنه تسقط بمضي الزمان" بالواو.
[و] الثانية: نفقة البائنة الحَامِل، هل تجب على الزوج الرقيق قال الأصحاب: يُبْنَى ذلك على القولَيْن في أنَّ النفقة للحَمْل أو للحَامِل؟ إن قلْنا: للحمل، لم تجِبْ عليه؛ لأن الرقيق لا يلزمه مؤنة القريب ونفقته، وإن قلنا: للحامل، وجب، وكان شَغْل مائِهِ الرَّحمَ كرابطة الزَّوْجية.
الثالثة: لو كان الحمل رقيقاً لكون الأم رقيقةً، ففي وجوب النفقة على الزوْج حرّاً كان أو رقيقاً قولان: إن قلْنا: إن النفقة للحَمْل، لم تجب عليه، بل هي على المالك، وإن قلْنا: للحامل، وجبت، ومن فروع القولَيْن صور أخر: منها: ذكر القاضي ابن كج أنَّه إذا كان الحمْل موسراً، وقلْنا: إنَّ النفقة للحَمْل، وإنَّها تُؤَخَّر إلى الوَضْع، فإذا وضَعَتْ، سلمت النفقة من ماله إلى الأم، كما تنفق عليه من ماله في المستقبل، قال: ويُحْتمل عنْدِي أن يكون ذلك على الأب، وإن قلْنا: يجب التعجيل، فلا تُؤْخَذ من مال الحمل، كما لا يوجب فيه الزكاة والمؤنَات، ولكِنْ ينفق الأب عليها، فإذا وضَعَت، ففي رجوعه في مال الصبيِّ وجهان.
ومنها: قال ابن الحدَّاد: لو اختلف المبتوتة والزوج في وقْت الوضع، فقالت: وضعت اليوم وطالبته بنفقة شَهْرٍ قبله، وقال: بل وضعَتْ منذ شهر، فالقولُ قول المرأة، وعليه البينة؛ وذلك لأنَّ الأصْل عدم الولادة، واستمرار النفقة، ولأنها أعرف بالولادة، وهذا ظاهر على قوْلِنا: إن النفقة للحامل، أما إذا جعلْناها للحمل، فهو مبنيٌّ على أن هذه النفقة لا تسقُطُ بمضيِّ الزمان، إلا فلا يمكنها المطالبة بنفقة ما مضى، ولو كانت المبتوتة رقيقةً، وفرض هذا الاختلاف، فإن قلْنا: إن النفقةَ للحَمْل، فلا معنى لِهَذا الاختلافِ، ولا شَيْء عليه لا قَبْل الوضع ولا بعده، وإن قلْنا: للحامل، فالحُكْم كما في الحُرَّة، ولو وقع هذا الاختلاف بين الموطوءة بالشبهة أو المنكوحة نكاحاً فاسداً وبين

الجزء: 10 - الصفحة: 47

الواطئ، فإن أوجبْنا لها النفقةَ بناءً على أن النفقة للحَمْل، فالقَوْلُ قولُهَا مع اليمين، وإن لم نُوجِبْ، فلا معنى لهذا الاختلاف، لكن لو اختلفا عَلَى العكس؛ لنفقة الولد، فقالت: ولدت منذ شَهْرٍ، فعليك نفقة الوَلَدِ لمدة شهر، وقال: بل وضعْتِ أمس، فإذا يبنى على أن الأم إذا أنفقت على الوَلَدِ أو استدانت لنفقته، هل ترجع على الأب وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
ومنها: ذكر أبو سعيد المتولِّي أنَّها لو أبرأَتِ الزوْجَ عن النفقة، فإن قلْنا: إنها للحامل، سقَطَت، وإن قلْنا: للحمل، لم تسقط، ولها المطالبة بعْد الإبراء، ولك أن تقول: إن كان الإبراء عَنْ نفقة الزمان المستقبل، فقد مَرَّ حكمه، وإن كان عَمَّا مضى، فالنفقة مصروفة إليها على القولَيْن، وقد مر أن الظاهر أنها تَصِيرُ دينًا لها حتى تصرف إليها بعْد الوضع أيضاً، فينبغي أن يصحُّ إبراؤها على القولين.
وذكر أنه لو أعتق أم ولده، وهي حاملٌ منه، لزمت نفقتها، إنْ قلْنا: إن النفقة للحمل، ولا يلزم إنْ قلنا: إنها للحامل، وأنه لو مات وترك أباه وامرأته حُبْلَى، لها مطالبة الجَدِّ بالنفقة، إن قلْنا: إن النفقة للحمل، وإن قلْنا: إنها للحامل، فلا مطالبة، وقطع في "التهذيب" بأنها لا تطَالِبُ الجَدَّ؛ لأنها نفقة مصروفة إلى الزوْجة؛ فلا يجب على غير الزوج، ويقرب منه كلام الشيخ أبي عليٍّ.
ومنْها: لو نشزت المرأة، وهي حامل، حكى القاضي ابن كج تخريجَ سقُوطِ النفقة على أنها للحامل أو للحمل؟ والصحيح سقُوطها، والتردُّد في البائنة لا في الزوجة، والله أعلم.

البَابُ الثَّالِثُ فِي الإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ مُوجِبٌ (ح) لِلْفَسْخِ فِي أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ، وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ (الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي العَجْزِ) وَنَعْنِي بِهِ أَنْ يَعْجَزَ عَنِ القُوتِ بِالفَقْر، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِالمَنْعِ مَعَ الغِنَى فَقَدْ قِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ فَسْخَ لأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَالقَادِرُ بِالكَسْبِ كَالقَادِرِ بِالمَالِ، وَالعَجْزُ عَنِ الأُدْمِ لاَ يُؤَثِّرُ عَلَى الأَصَحِّ، وَفِي العَجْزِ عَنِ الكُسْوَةِ أَوِ المَسْكَنِ أَوْ نَفَقَةِ الخَادِمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يؤَثِّرُ العَجْزُ عَنِ المَهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ يُؤَثِّرُ العَجْزُ عَنْ نَفَقَةِ الزْمَانِ المَاضِي بَلْ ذَلِكَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌ فِي ذِمَّتِهِ فَرَضَهُ القَاضِي أَوْ لَمْ يَفْرِضْهُ (ح)، وَلَوْ قَدَرَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى ثُلُثِ المُدِّ فَلَهَا الفَسْخُ، وَإنْ قَدَرَ عَلَى النِّصْفِ فَوَجْهَانِ إِذْ فِي الخَبَزِ أَنَّ طَعَامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ البَابِ الكلامُ فيما إذا أعْسَرَ الزَّوْجُ، وعَجَز عن القيام بمؤنات

الجزء: 10 - الصفحة: 48

الزوْجَةِ الموظفات عليه والذي نصَّ عليه الشافعي -رضي الله عنه- في كتبه قديماً وحديثاً: أنه إذا أعْسَرَ بالنفقة، كانت المرأة بالخيار، إن شاءت، صَبَرَتْ وأنفقت من مالها، أو استقرضت ونفقتها في ذمته إلى أن يُوسِرَ، وإن شاءت، طلَبَتْ فسْخَ النكاح.
وقال في بعض الكتب بعد ذكر ذلك: وقد قيل: إنه لا خيار لها، واختلف الأصْحَابُ عَلَى طريقَيْن: أظهرهما: أن في المسألة، قولَيْنِ: أصحُّهما: أن لها خيارَ الفَسْخ، وبه قال مالك وأحمد؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنهما-: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: في الرجل لا يجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته: "يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" 62: ويروى مَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وسئل سعيد بن المُسيِّب -رضي الله عنه- عن رَجُلٍ لا يجد ما ينفق على أهْلِهِ قال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فقيل له: سُنَّةٌ؟ قال: نَعَمْ، سُنَّةٌ 63 " قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: الذي يشبه أن يكون قول ابن المسيِّب -رضي الله عنه- أنَّه سُنَّةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأيضاً فالعجز عن الوطء بالجبِّ والعُنَّة يُثْبِت حق الفسخ، فالعَجْز عن النفقة [أولى؛ لأنَّ الصَّبْر عن الاستمتاع أسْهَلُ من الصبر عن النفقة] وعبر عن ذلك بأن النفقة أمْرٌ مقصودٌ بكل نكاحٍ، فيَثْبُت الخِيَارُ بفَقْدِهِ، كالاستمتاع، وقَصَدَ بالقيد المذكور الاحترازَ عن الزيادة على نَفَقَةِ المُعْسِرين، وعن نفقة الخادمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنَّه لا فَسْخ لها؛ لأنَّ المُعْسِر مُنْظَرٌ، ولأنَّ الفَسْخ يُفوِّت حقه، وترك الفسخ يُؤَخِّر حقها، والتفويت أشَدُّ من التأخير، ولأنها نفقةٌ واجبةٌ، فلا يثبت بها حقُّ الفَسْخ، كالنفقة الماضية.
قال القاضِي الرُّويانيُّ: قال جَدِّي: وبهذا أفتى.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقَوْل الأوَّل، وحمْلُ الآخر على حكايته مذْهَب الغَيْر، وهذا أظهر عند القاضيين ابن كج والرويانيِّ، وإذا قلْنا بالأصحِّ، احتجنا إلى معرفةِ ما يثبت طلَبَ التفريق، ومعرفة حقيقة هذا التفريق، ووقته ومَنْ له طلبه، فجعل صاحب الكتاب الكلامَ في أربعة أطراف: أما الأول، ففيه مَسَائِلُ:

الجزء: 10 - الصفحة: 49

إحداها: المُثْبِت لِحَقِّ الفَسْخ العجزُ والإعسارُ، أما إذا امتنع عن تسليم النفقة، مع وِجْدَانها، ففيه وجهان: أحدهما: أن لها حقَّ الفسخ؛ لأنها لا تصل إلى حقِّها وتَتضرَّر، فيجعل الامتناع كالعجز.
وأظهرهُما: المَنْعُ؛ لأنها تَتَمكَّن من تَحْصِيل حقِّها بالسلطان؛ بأن يلزم بالحبس وغيره، وإن كان له مالٌ ظاهرٌ، أنفق السلطانُ منه، وليس ذلك موْضِعَ الخلاف، وكذا لو قَدَرَت المرأة على شيْءٍ من ماله 64، ولو غاب، وهو مُوسِرٌ في غيبته، ولا يوفيها حقَّها، جرى الوجهان، فعلى الأظهر: لا فسخ، وكان المؤثر، تعيّبه بخراب الذمة وهو من الموسرين، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بَلَدِهِ ليطالبه، إنْ كان موضعه معلوماً، وعلى الوجْهِ الآخر: يجوز الفسْخُ إذا تعذَّر تحْصيلُها, ولا تكلف أن تصبر وتتحمل الضرر، وهو اختيار القاضي الطبريِّ، وإليه مال ابن الصبَّاغ، وذكر القاضي الرُّوياني وابن أخته صاحب العُدَّة: أن المصْلَحَة الفتوى به، وإذا لم نُجَوِّزِ الفسخَ، والغائبُ موسرٌ، فلو لم نَعْلَمْ أنَّه موسر أو مُعْسِر، فكذلك الحُكْم؛ لأن السبب لم يَتَحقَّق، ومهْما ثبَتَ إعسار الغائِب عند حاكم بلَدِها، فيجوز الفسْخُ أو لا يَفْسَخ حتى يبعث إلَيْه، فإن لم يَحْضُرْ، ولم يبعث النفقةَ فحينئذ يَفْسَخ؟ ذُكِرَ فيه وجهان: أصحُّهما: الأول، وهو الذي أورده في "التتمة"، ولو كان الرجل حاضراً، وماله غائب، فإن كان على ما دون مسافة القَصْر فلا خيار، ويؤمر بتعجيل الإحضار، وإن كان على مسافة القصر فلها الخيار، ولا يلزمها الصبر، وقد يحتج بهذا لأحد الوجهَيْن، فيما إذا غابَ، وهو موسر في الغَيْبة، وفرق صاحب "التهذيب" بينهما بما لا يَقَع، فقال: إذا كان المال غائباً، فالعجز عن جهة الزوج، وإذا كان الزوج غائباً، وهو موسر، فقدْرَتُه حاصلةٌ، والتَّعذُّر مِنْ جهتها.
ولو كان له دَيْنٌ مُؤَجَّل على إنسانٍ، فلها الخيار، إلاَّ أنْ يَكُون الأجَلُ قريباً، وُيشْبه أن يضبط القرب بمدَّة إحضار المال الغائب إلى ما دون مسافة القَصْر 65، ولو كان حالاً، فإن كان على المُعْسِر، فلها الخيار، وإن كان على مُوسِر، حاضر، فلا خيار، وإن كان غائباً، فعن "الحاوي": أنَّه على وجْهَيْنِ، كما لو كان الزَّوْج غائباً، وهو موسر، ولو كان له على زوجته دَيْنٌ، فأمرها بالإنفاق منه، فإن كانتْ موسرة، فلا

الجزء: 10 - الصفحة: 50

خيار، وإن كانت معْسِرةً، فلها الخِيَار؛ لأنَّها لا تَصِلُ إلَى حقِّها من ماله، والمُعْسِر مُنْظَرٌ، وعلَى قياس هذه الصُّوَر، لو كان له عقار ونحْوهُ، لا يُرْغَب في شرائه، ينبغي أن يكون لها الخيارُ، ومَنْ عليه دُيُونٌ تسْتغرق مالَهُ، لا خيار لزوجته، حتى يُصْرَف ماله إلى الدُّيُون، ولو تَبرَّع متبرِّع بأداء النفقة عن المُعْسِر، لم يلزمُها القبول، ولها الخيار، كما لو كان له ديْنٌ على إنسانٍ، فَتَبَرَّع غيره بقضائه، لا يلزمُهُ قَبُولُه؛ وهذا لأنَّ فيه تحمُّل مِنَّةٍ من المتبرِّع، وحكَى القاضي ابن كج: أنه لا خيار لها والظاهر الأوَّل، ويجُوز أن يُوَجَّه الخلاف؛ بأن الفسخ لنُقْصان الزوج وتعيبه بخراب ذمته أو لتضرُّرها بتَعذُّر النفقة، كما وُجِّه بالمعنَيَيْنِ الخلاف فيما إذا كان الزوْجُ غائباً، وهو موسر وفي "التَّتمة": أنه لو كان بالنفقة ضامِن، ولم نُصحِّح ضمان النفقة فالضامن كالمتبرِّع، وإن صحَّحناه، فإن ضَمِن بإذْن الزوج، فلا خيار لها، والضامن في أداء النفقة ينزل منزلة الزوج، وإنْ ضَمِن بغير إذْنِهِ، فوجهان؛ لأنه كالمتبرِّع، لكن الحق ثابتٌ، والمطالبة متوجِّهة.
ولو أن المُوسِر كان لا يعطيها إلا نفقةَ المُعْسِر، فلا خيار لها؛ لأنَّهُ يكفي قواماً، والباقي يصير دَيْناً في ذمته.
الثانية: القُدْرة بالكسب كالقُدْرة بالمال، فلو كان يكسب كلَّ يومٍ قَدْر النفقة، فلا خيار؛ لأنَّ النفقة هكذا تجب، وليس علَيْه أن يَدَّخِر للمستقبل، ولو كان يَكْسِب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام، ثم لا يكْتَسِب يومَيْنِ أو ثلاثاً، ثم يكتسب في يوم ما يَكْفِي للأيام الماضية، فلا خيار؛ لأنه ليس بمعسر، ولا تشق الاستدانة؛ لما ينفق من التأخير السِيَر، وكذلك الحُكْم في النساج الذي ينسج في الأسبوع ثوباً تَفِي أجرته بنفقة الأسبوع، حكاه صاحب "الحاوي" عن أبي إسْحَاقَ، وأورده كذلك صاحب "المهذب" و"التهذيب" لكن ذكَرْنا في المال الغائِب على مسافة القَصْر: أن لها الخِيَارَ، وقد يمكن إحْضَاره فيما دون أسبوع، والوجه التَّسْوِية 66.

الجزء: 10 - الصفحة: 51

وإذا عَجَز العامل عن العمل لمرض، فلا فَسْخ، إن كان يُرْجَى زواله يومين أو ثلاثةً، وإن كان تَطُول مدته، فلها الخيار، وحكى في "التتمة" وجهَيْنِ فيما إذا كان يكسب في بعض الأسبوع ما يكفي لجميعه، فتعذَّر عليه العَمَل في بعض الأسابيع، لِعَارِضٍ، وقال: الصحيح ثبوتُ الخيار، وإذا لم يستعمل البَنَّاء والنَّجَّار أحد، وتعذَّرَت النفقةُ كذلك، فعن الماوَرْدِيِّ: أنَّه لا خيار، إن كان ذلك يَقَع نادراً، وإن كان يقع غالباً، فلها الخيار.
والقادِرُ عَلَى الكسب إذا لم يكْتَسِبْ، كالموسر الممتنع، إن أوجبنا عليه الاكتسابَ، لنفقة الزوجة، وفيه خلافٌ سنذكره.
الثانية: النفقة التي تُثْبت الفسْخَ بالعجز عَنْها نفقةُ المعسرين دون نفقة المتوسطين والموسرين، وهذا شخْصٌ قد عاد من حَدِّ اليسار إلى حَدِّ الإعسار، ولو قَدَرَ كلَّ يوم على دُونَ نصْفِ المُدِّ، فلها الفسخ؛ لأنه لا يَكْفِي، ولو قَدَرَ عَلَى النِّصْف، فوجهان: أصحُّهما: الجواز كذلك.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه يصلح بلاغاً، وقد ورد في الخبر أنَّ طعامَ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ 67 ويجْرِيان فيما لو كان يجد يوماً مدّاً، ويوماً نصْفَ مُدٍّ، وأجريا أيضاً فيما إذا كان يجد يوماً مدّاً، ويوماً لا يجد شيئاً، ولو كان يجد بالغداة ما يُغَديها، وبالعَشِيِّ ما يُعَشِّيها، فوجهان: أحدهما: أن لها الخِيَارَ؛ لأنَّ نفقة اليَوم لا تبعَّض، وأصحُّهما على ما قال في "التهذيب" 68: لا خيار لَهَا؛ لوصول وظيفة الَيوم إلَيْها، وهل يثبت الخيار بالإعسار [بالأُدْم] 69 فيه وجهان: أحدهما: نَعَم؛ لعسر الصبْر على الخُبْز البحت دائماً، وبه قال الداركيُّ، ورجَّحه الرويانيُّ.
والثاني: لا؛ لأنَّه تابعٌ، والنفس تقوم بدونه، وهذا أصحُّ عند الإمامين أبي حامد والقَفَّال وغيرهما -رحمهم الله- وتابَعَهُمُ الإِمام وصاحب الكتاب والفرَّاء -رحمهم الله- وعن "الحاوي" تَوَسُّطٌ وهو أن القُوتَ إنْ كان بحيث ينساغ للفقراء بلا أُدْم، فلا خيار لفقد الأُدْم، وإلاَّ، فيثبت الخيار.

الجزء: 10 - الصفحة: 52

ويثبت الخيار بالإعسار بالكُسْوة؛ لأنه لا بُدَّ منها, ولا تَبْقَى النفس بدُونها، وفيها وجْهٌ آخَرُ: لأنها ليست من ضرورات الخِلْفة، ويقال: إن من الناس صنْفاً لا يلبَسُون الثِّيَاب، والظاهر: الأول.
ومنهم مَنْ قطع به، وفي الإعْسَار بالمسكن وجهان: وجه المنع: أن النفس تَقُوم بدُونِه، فإنها لا تَعْدَمُ مسجداً أو موْضِعاً مباحاً، وبهذا قال الشيخ أبو حامِدٍ فيما حكاه عن الشيخ أبي عَلِيٍّ سماعاً، ورجَّحه صاحب "التهذيب"، والأصحُّ: ثبوت الخيار؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له من مسكن يأْوِيهِ من الحَرِّ والبَرْدِ يقيه، والحِوَالَةُ على المسجد كالحِوَالَة في النفقة على السؤال والْتِقَاطِ السنابل، وهذا أوجه، واختاره الشيخ أبو عليٍّ وابن الصبَّاغ والرُّويانيُّ، والإعسار بنفقة الخادمة لا يَثْبُت الخيار؛ على الظاهر المنصوص؛ لسهولة الصَبر عنْها، وأكثر الناس يقومون بأمرهم بلا خادم وذكر وجه: أنه يُثْبِت الخيار؛ لأنها نفقة مستحَقَّة بالنكاح، فأشبَهَتْ نفقة المخدومة.
الرابعة: في الإعسار بالمَهْر طرقٌ: أحدها: وبه قال أبو عليٍّ وابن أبي هُرَيرَةَ والطبريُّ وأبو حفْصٍ ابن الوَكِيلِ والقاضي أبو حامِدٍ: أنه إن كان قَبْل الدخول، ففي ثبوت الخيار به قولان: أحدهما: المنع؛ لأن النفْس تقوم بدون الصداق، فأشبه نفقة الخادمة.
والثاني: يثبت؛ لأنه عَجْزٌ عن تسليم العوضِ، والمُعَوَّضُ باقٍ بحاله، فأشبه ما إذا أفْلَسَ المشتري بالثمن، وإن كان بعد الدخول، فلا فسخ بلا خلاف؛ لأنه تلف المُعَوَّض، وصار العِوَض دَيْناً في ذمَّته، ولأن تسليمها يُشْعِر برضاها بذمته، وإذا مَنَعْنَاها مِنَ الامتناع بعد ما سَلَّمَت نفْسَها، فَلأَنَّ لا تُسلِّطَهَا على الفَسْخ كانَ أَوْلَى، وأظهرهما عند الشيخ أبي حامِدٍ والقاضي الرُّويانيِّ وغيرهما: أنه يَثْبُت الخيار قبل الدخول بلا خلاف، وفيما بعده قولان: أحدهما: لا يثبت؛ لما ذكرنا.
والثاني، ويحكى عن نَصِّه -رضي الله عنه- في "الإملاء" أنه يثبت؛ لأنَّ البُضْع لا يتْلَفُ حقيقةً بوطأةٍ واحدةٍ، وقد أشير إلى بناء القولَيْن على تردد في أن المقابل بالمهر الوطاة الأُولَى فيكون المُعوَّض تالِفاً، ويمتنع الفَسْخ أو في مقابلة جميع الوطآت، فيكون بعض المعوَّض تالفاً، فيشبه بقاء بعْض المبيع في يدِ المُفْلِس.
والثالث: طرد القولَيْنِ في الحالَيْنِ.
والرابع: القطْعُ بثبوته قبل الدخول، وبالنفي بعْده وبه قال أبو إسحاق.
والخامس: القطْع بأنه لا يثبت في الحالتين، وهو الأصحُّ عند الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله-؛ لأنه ليس في فوات المَهْر وتأخيره مثْلُ ضَرَرِ فوات النفقة، وليس هو على قياسِ الأعواض، حتى ينفسخ العَقْد بتَعذُّره، ورتَّب مُرتِّبون المَهْر عَلَى

الجزء: 10 - الصفحة: 53

النفقة، ثم اختلفوا، فقال قائلون: إن لم يثبت الخيار بالإعسار في النفقة، فالإعسار بالمَهْرِ أوْلَى، فإن أثبتناه فَفِي المَهر قوْلاَن، وعكس آخرون، فقَالُوا: إن أثبتا الخيار في النفقة، ففي المَهْرِ أوْلَى، وإلاَّ فقولان، والفرق على هذا أن النفقة في مقابَلَةِ التمْكِين والاستمتاع، فإذا أعسر بها، فحقها أن تقطع التمكين والطاعة؛ لأن الفسخ والمَهْر في مقابَلَةِ مِلْك البُضْع، فإذا أعْسَرَ به، كان لها أن تَقْطَع الملك، وتخرج من هذا الترتيب الثاني: طريقةٌ قاطعةٌ بثبوت الخيار بالإعسار وبالمهر، فإذا أخذت حاصل الطرق ورمت الاختصار، قلت: في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ ذكره في التهذيب.
أحدها: ثبوت الخيار قبل الدُّخُول أو بعده.
والثاني: المنع في الحالَيْنِ.
والثالثْ الفرق بين ما قَبْلَ الدُّخُول وَبَعْده، والأصَحُّ منها الأول عنْد صاحب "التهذيب" وغيره.
والرابعة: الفارق عند أكثرهم، ولا خيار للمفوضة بعَجْزه عن المَهْر؛ لأَنَّها لم تستَحِقَّ المَهْرَ بالعَقْد على الصحيح، ولكنْ لها المطالبة بالفرض، فإذا فرض، كان كالمُسمَّى في العَقْد.
الخامسة: إذا لم يَنفِقْ على زوجته مدَّةً، وعَجَز عن أدائها, لم يكن لها الفَسْخ بسبب ما مَضَى حتَّى لو لم تفسخ في اليوم الَّذِي يَجُوز لها الفسخ ثم وجد النفقة فيما بعده عن الأيام لم يكن لها الفسخ بنفقة الأمس وما قبله، وينزل ذلك منزلة دَيْنٍ آخَرَ لها عليه، وفي "التتمة" ذكر وجْه أنَّ الإعسار بنَفَقَةِ الزمان الماضي كالإعسار بالصَّدَاق بَعْد الدخول، والمَشْهُور الأوَّل، ثمَّ نفقَةُ الزَّمَانِ الماضِي لا تسقط، بل تَصِير دَيْناً في الذمة، إذا كانت مقيمةً على طاعته، سواء ترك الإنفاق متعدياً أو لعَجْزه وسواء قَضَى القاضي بنفقتها، وفَرَضَ، أوْ لَمْ يَفْرِض، وبه قال مالك وعند أبي حنيفة: لا تَصير دَيْناً إلا بِفَرْض القاضي وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالمذهبَيْن.
لنا: أن النفقة عِوَضٌ عن الطاعة والتمكين، فإذا بَذَلَتْ ما عليها، وَجَب أن ما يستقر لها, وليست كنفقة القريب؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ صيانة له على الهلاك، ونفقة الزوجة تجب عوضاً، ولذلك تجب على الموسر والمعسر بخلاف نفقة القريب، والإدَامُ ونفقةُ الخادِمَةِ يَثْبُتَان في الذمة كنفقة 70 الزوجة: وثبوت الكسوة في

الجزء: 10 - الصفحة: 54

الذِّمَّة ينبني على أن الواجب فيها التمليك أو الإمتاع، إن أوجبنا التَّمْليك، تثبت في الذمة، وإلا، لم تثبت كمؤنة السُّكْنَى وخُرِّجَ من النفقة في [مؤنة] السكنى أنها تثبت أيضاً وفي كتاب القاضي ابن كج: أن أبا الحُسَيْن حكَى عن القديم قولاً أن نفقة الخادِمِ لا تَصير دَيْناً، وهذا ما أورده في "التتمة" ويعود إلى لفظة الكتاب قوله: "وهو موجب للفسخ" مُعْلَم بالحاء، ويجوز أن يعلم قوله: "في أظهر القولين" بالواو؛ للطريقة القاطعة.
وقوله: "فإن تَعذَّر بالمنع مع الغِنَى، فقد قيل بطَرْدِ القولَيْن، وقيل: لا فَسْخَ" إطلاق الطريقين في سياق الكتاب غَيْرُ مُسْتَحْسَن؛ لأن قوله: "والنظر في أطراف" إلى آخرها مفرَّعٌ على أظهر القولَيْن، وهو ثبوت الفسخ بالإعسار؛ ألا تراه يقول في آخر الباب "وإن قلْنا: إن الإعسار لا يُوجِب الفَسْخَ أصلاً"، وإذا كان التفريعُ عليه لم يحسن التعرُّض فيه للقول الآخر.
بل الحسن الاقتصارُ على ذِكر الوجهَيْن أعني فيما إذا امْتَنَع مَعَ الغِنَى.
وقوله: "لأنه ظُلْمٌ" يعني أن العجز هو المحوج إلى الفسخ، فأما الظلم، فأما الظلم، فيدفعه السلطان وقوله: "وفي العجز عن الكسوة أو المسكن أو نفقة الخادم وجهان: يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهان" منه بالواو؛ لما حكينا من القطْع في نفقتها، وقوله: "ولا يؤَثِّر العَجْز عن المهر على الصحيح" الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" طريقان: أحدهما: القطْع بأنه لا خيار بالإعْسَار بالمَهْر.
والثاني: أن فيه قولَيْنِ كما في النفقة، ويشبه أن يريد بقوله: "على الصحيح" الأول من هذين الطريقين، والراجِحُ عند الأكثرين خلافُهُ، كما عرفته، وقوله: "ولا يؤثر العجز عن الزمان الماضي" ليعلم بالواو وقوله "أو لم يفرضه" بالحاء والألف؛ لما مَرَّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حَقِيقَةِ هَذَا الرَّفْعَ فَالرَّفْعُ بِالجَبِّ فَسْخٌ، وَبِالإِيلاَءِ طَلاَقٌ، وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإن قُلْنَا: طَلاَقٌ رَفَعَتَ الأَمْرَ إِلَى القَاضِي حَتَّى يَحْبِسَهُ لِيُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ أَبِى طَلَّقَ القَاضِي طَلاَقاً رَجْعِيّاً، فَإِنْ رَاجَعَ طَلَّقَ ثَانِياً وَثَالِثاً، وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ فلاَ بُدَّ مِنَ الرَّفْع لإِثْبَاتِ الإِعْسَارِ، ثُمَّ لَهَا الفَسْخُ إذَا أَقَامَتِ البَيِّنَةَ أَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الرَّفْعِ عِنْدَ عِلْمِهَا بِالعَجْزِ فَفِي الانْفِسَاخِ بَاطِناً تَرَدُّدٌ وَلاَ يَنْفَسِخُ ظَاهِراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبَتَ حقُّ التفريق [بسبب] الإعسار، فقد حكى أبو سعيدٍ المتولِّي وغيره [وجهين] أن لِلْمَرْأةِ أن تَتَولَّى الفَسْخَ بنَفْسِها، وأنَّ هذا الخيار يُشْبه خيار الردِّ بالعَيْب، والمشتري يستقل بالفسْخِ هناك، فكذلك المرأة هاهنا، والصحيح المشهور أنها لا تستقل به، بل لا بُدَّ من الرفْع إلى القاضي، كما في العُنَّة، فإنه في محل النَّظَر والاجتهاد، وعلى هذا، فما حقيقة هذه الفُرْقَة؟ فيه قولان: أحدُهما: وهو مُخرَّج: أنَّها فُرْقة طلاَقٍ، كما في "الإملاء" واستدل له أبو يعقوب

الجزء: 10 - الصفحة: 55

الأبيوردي بما روي أن عُمَر بْن الخطَّاب -رضي الله عنه- كَتَبَ إلَى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، وأمرهم أن يامروهم، إمَّا أن يُنْفِقُوا وإما أن يُطَلِّقوا، فإن طَلَّقوا، بَعَثوا بنفقة ما حَبَسُوا 71، فعلَى هذا، إذا ثبت الإعسار عند الحاكم، أمره أن يتحملى وينفق، فإن أبى، فيُطلِّق الحاكم بنَفْسه أو يَحْبِسْه لِيُطلِّق؟ فيه الخلافُ المذكورُ في الإيلاء، والظاهر أن القاضي يُطلِّق، وإذا طلق طلقَ طلقة رجعيةً، فإن راجَعَ، طلَّق ثانيةً وثالثةً.
وأصحُّهما: وهو المنصوصُ: أن هذه الفُرْقة فرقَةُ فَسْخٍ لا يَنْقُص بها عدد الطلاق، كالفسخ بالجَبِّ والعُنَّة، ويخالف الإيلاء لأنَّ المُولِي لا عيْب فيه، وإنما قَصَد الإضْرار بها، فمُنِع منه، وأمره بأن يفيء أو يطلِّق، والعجز عن الإنفاق عيب فالحق بالعجز عن الوطء فعلى هذا إذا [شكت الإعسار، تولَّى القاضي الفسْخَ بنفسه، أو أذن لها بالفَسْخ، ومنهم من قال: إنَّها تستقل بالفَسْخ بَعْد] 72 ثبوت الإعسار عنْده وإذا قُلْنا بظاهِر المَذْهَب، وهو أنه لا بُدَّ من رفْع الأمر إلى القَاضِي فلو لم يرفع وفَسَخَتْ بنَفْسها بعلْمِها بعَجْزه، لم ينفذ في الظاهر، وهل ينفذ باطناً، حتى إذا ثبت إعْسَاره متقدِّماً على الفَسْخ إما باعتراف الزوج أو البينة، يكتفي به، ويحتسب العدَّة منه؟ فيه تردُّد وَجْهٍ، قال في "البسيط": ولعل هذا فيما إذا قَدَرَتْ على الرفع إلى القاضي، فإن لم يكن في الصقع حاكمٌ ولا مُحَكَّمٌ، فالوجْه إثباتُ الاستقلال بالفَسْخ.
وقوله في الكتاب: "في حقيقة هذا الرفع" يعني رفْع النكاح بسبب الإعسار، وذكر صورتي الجب والإيلاء أوَّلاً ثم ذَكَرَ الخِلاَف إشارةً إلى أن هذَا الرَّفْع يلحق على رأْيٍ بهذا، وعلى رأي بهذا، وقد ذكر في "التتمة" أن الخلاف في أنه فسْخٌ أو طلاقٌ مبنيٌّ على القولَيْنِ فيَ أن القاضِيَ يُطَلِّق على المُولِي أو يَحْبِسه؛ ليطلِّق أو يفيء إن قلْنا: فيطلِّق هاهنا أيْضاً؛ لأنها لا تصل إلى حقها، وإن قلْنا بالثاني: فهاهنا لا يمكن الحَبْس؛ لأنه عاجزٌ، فلا يبقى للخلاص طريق إلا الفسخ، ولك أن تَقُولَ: العاجِزُ عن الإنفاق لا يجوز حَبْسه؛ لينفق، ولكن لا يَبْعُدُ أن يُحْبَس ليكلَّف الإنفاق أو يُطَلِّق عَلَى ما ذكر في الكتاب حتى يحسبه؛ لينفِقَ أو يطلِّق.
وقوله: "طلق القاضي طلاقاً رجعيّاً" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للقول الآخر في أن

الجزء: 10 - الصفحة: 56

القاضي لا يطلِّق على المُولِي، بل يحبسه، ليُطلِّق وقد ذكرهما جميعاً أبو الفرج السرخسي تفريعاً على أن هذه الفُرْقَةَ طَلاَقٌ.
وقوله: "وإن قلنا: فسْخٌ، فلا بُدَّ من الرفْع؛ لإثبات الاعسار" هذَا لا يَخْتَصُّ بقولنا: "إنه فَسْخٌ، بل الرفع وإثبات الإعسار لا بُدَّ منْه، سواء جعَلْنا هذه الفُرْقة فسخاً أو طلاقاً، لكن لَمَّا ذكر من بَعدُ أن لها أنْ تَفْسِخَ بعْد ما ثَبَت الإعْسَار، أشار إلى أن الرَّفْع على هذَا القَوْل؛ لإثبات الإعْسَار والطَّلاَقِ [أما الفَسْخ بعد ذلك، فهو بيدها، وأمَّا على قول الطلاق، فيرفع الأمْر لإثبات الإِعْسَار]؛ فإنها لا تُمَكَّنُ من التطليق.
وقوله: "ثم لَهَا الفَسْخُ، إذَا أَقَامَتِ الْبَيِّنَة أو أقرَّ الزوج" يشبه أن يكون جواباً على الوجْه الذي قِيل: إنها تستقل بالفَسْخَ بعد ثبوت الإعْسَار، وجْه يُشْعِر إيراد "البسيط" و"الوسيط"، والأشهر أن القاضِيَ يَفْسَخ أو يأذن لها في الفسخ على ما بَيَّنَّاه، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي وَقْتِ الفَسْخِ وَلَهَا المُطَالَبَةُ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِالنَّفَقَةِ، وَلَكِنَّ المُعْسِرَ هَلْ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ لِيَتَحَقَّقِ عَجْزُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا: لاَ يُمْهَلُ وَلَكِنْ لاَ يُفْسَخُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ آخِرِ النَّهَارِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِيَسْتَقِرَّ الحَقُّ، نَعَمْ لَوْ كَانَ يَعْتَادُ الإِتْيَانَ بِالطَّعَامِ لَيْلاً فَلَهَا الفَسْخُ، وَلَوْ قَالَ صَبِيحَةَ النَّهَارِ: أَنَا اليَوْمَ عَاجِزٌ فَيُحْتَمَل أَنْ يُقَالَ: لاَ يُفْسَخ فِي الحَالِ إِلَى انْقِضَاءِ اليَوْمِ وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ، وَهوَ الأَحْسَنُ، وَلَهَا الفَسخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ النَّفَقَةَ، فَإِنْ سَلَّمَ لِلرَّابعِ لَمْ يَكنْ لَهَا الفَسْخُ لِلمَاضِي، وَإِنْ سَلَّمَ لِلثَّالِثِ صَبِيحَةَ الثَّالِثِ وَعَادَ إلى العَجْزِ فِي الرَّابع يَسْتَأْنِفُ المُدَّةَ عَلَى وَجْهٍ، وَيبْنِى عَلَى المُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى وَجْهٍ فَيَصِيرُ يَوْمَاً آخَرَ، وإنْ رَضِيَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ فَلَهَا الفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ كَزَوْجَةِ المُوْلي لاَ كَزَوْجَةِ العِنِّينِ، وَقَوْلُهَا: "رَضِيتُ بِإِعْسَارِهِ أَبداً" وَعْدٌ لاَ يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تَقدَّم أن النفقة تَجِبُ صبيحةِ كلَّ يوم، وإنَّما تُسلَّمُ كلَّما طلع الفَجْر، فإذا عَجَز عن تسليمها، فينجز الفسخ أو تُمْهَل ثلاثة أيام فيه قولان: أحَدُهما: أنها لا تُمْهل؛ لأن السبب الإعسار، وقد حَصَل، ولأنه فَسخ؛ لتعذر الرسول إلى الغَرَض، فأشبه فسخ البيع بإفلاس المشتري بالثَّمَن، ويُنْسب هذا إلى القَدِيم.
وأصحُّهما: أنه تُمْهَل ثلاثة أيامٍ؛ ليتحقق عجزه، فإنَّ الإنسان قد يَتعسر عليه وجْه الإنفاق؛ لعوارض ثم نزول، وهذه مدَّةٌ قريبةٌ لا يَصْعُب تزجيتها باستقراض وغيره، وقيد بعْضُهم التصوير بما إذا اسْتَمْهَلَ الزوجُ، والظاهر أنه لا حاجَةَ إليه، والقولان كالقولين في أن المُولِيَ والمرتَدَّ يُمْهَلاَن هذه المدة، وفي المسألة طريقةٌ قاطعةٌ بالإمْهَال، وادعى

الجزء: 10 - الصفحة: 57

القاضي ابن كَجٍّ: أن جمهور الأصحاب عليها، والمشهور طريقةُ القولَيْنِ.
التفريعُ: إنْ قلنا: لا يمهل ثلاثاً، فمتى يفسخ؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ لها المبادرةَ إلَى الفَسْخ من أول النهار بعَجْزه عن توفية الواجب وقْت وجوبه وأقر بهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع؛ ليرتفع النهار، ويتردَّد ويكْتَسِب وكثير من الناس يَكْتَسِبون نفقة اليوم في اليوم، والتسليمُ في أوَّل النهار إنما يجب على الوَاجِد، وعلى هذا فقد ذكرت احتمالات: أحدهما أنها تؤَخِّر الفَسْخ إلى شَطْر النهار؛ فإنه لا يؤخر الأكل عنه غالباً.
والثاني: إلى آخره، وهو وقت إفطار الصائمين.
والثالث: إلى انْقِضَاءِ اليوم والليلة بعْده؛ لأن النفقة لها وبِمُضِيِّهما يستقر العجز عن الحَقِّ يتحقَّق بعد استقراره، وفي هذا التوجيه توقُّفٌ؛ لأن الاستقرار غير موقوف على مُضِيِّهِمَا؛ ألا تَرَى أنه لو سَلَّم النفقة، فماتَتْ في أثناء النهار، لا يسترد ورأَى صاحبِ الكتاب مع ذلك الاحتمال الثالث أوجه، وذكر في "الوسيط" أن حاصِلَهُ الإمهالُ يَوماً وليلةً واعْلَم أنه قد نَقَلَ عن "الإملاء" أنه يمهل المعسر بالنفقة يَوماً، وجعله أبو الفرج السرخسيُّ قولاً ثالثاً، والأكثرون امتنعوا منْه، وقالوا: المراد منه أنه لو أمْهَلَه يوماً، جَازَ؛ لأنه لا يزيد عليه.
ثم هذا إذا لم يتَّخِذْه عادةً، فأما إذا كان يعتاد الإتْيانَ بالطعام لَيْلاً، لم يحتمل وكان لها الفسخ؛ لأن فيه تكليفَ صِيَامِ الدَّهْر، وهو سياق، وليس ما يُحْتَمَل نادراً يُحْتَمَلُ، إذا تكرَّر ويَقْرُب منْ هذه الصورةِ ما ذكر في "العُدَّة" أنه لو لم يجد النفقة في أول النهار، وكان يجِدُها في آخِرِ النَّهَار، فلها حق الفسْخ في أصحُّ الوجهين، أو هي؟ وإذا قلْنا: لا فَسخ في أول النهار، فلو قال صبيحة اليوم: أنا عاجزٌ لاَ أتوقَّع شيئاً، فقد ذُكِرَ فيه احتمالان: أحدهما: أن لها الفَسْخَ في الحال؛ لتصريحه بالعَجْز وعدم التوقُّع.
وأقربهما: التأخير فقد يرزق الإنسان من حَيْثُ لا يحتسب، وأما إذا فرَّعنا على الأصحِّ، وقلنا: إنَّه يُمْهل ثلاثَةَ أيَّامٍ، ففيه مسائل: إحْدَاها: إذا مَضَتِ الأيام الثلاثة، فلها الفَسْخ صبيحة اليوم الرابع، إن لم يُسلِّم النفقة 73، وإن سلَّمها, لم يجُزِ الفسخ لما مضى وليس لها أن تَقُول: آخذ هذا عن نفقة

الجزء: 10 - الصفحة: 58

بعْض الأيَّام الثلاثة، وأفْسَخُ بعَجْزه اليوم؛ لأن الاعتبار في الأداء بقَصْد المؤدِّي، فلو توافقا على جعْلها عما مَضَى، فيمكن أن يقال: لها الفَسْخُ، ويمكن أن تُجْعَل القدرة عليها مُبْطِلةً للمُهْلَة، ولو مَضَى يومان بلا نفقة، ووجد نفقة اليوم الثالث، وسلَّمها، وعجز في اليوم الرابع، فيستأنف المُدَّةَ أو يَبْنِي؟ فيه وجهان: أحدهما: يَسْتَأْنِف؛ لأن العجْز الأوَّل قد زال، وأظهرهما البناء؛ لأنها تَتضرَّر بطول المدة للاستئناف، فعلَى هذا تصبر يوماً آخر، ليَنْضَمَّ إلى اليومَيْن، وتَفْسَخ في اليوم الذي يَلِيه ولو لم يَجِدْ نَفقَة يَوْم، ثم وَجَد في اليوم الثاني، ولم يجد في الثالث، ووجد في الرابع فينفق أيام العجز فإذا تمت مدَّة المهلة، كان لها الفسخ، ولو قضت ثلاثة أيَّام على العَجْز، ووجد نفقة اليوم الرابع، وعجز في الخامس، فالأظهر، وبه قال الداركيُّ: أن لها الفسْخَ، ويكتفي بالإمهال السابق، وذكر القاضي الرويانيُّ وجهاً أنه يُمْهَل مرة أخْرَى.
قال: وهذا إذا لم يتكرَّر، فإن تكرَّر، لم يُمْهل إمْهالاً بَعْد إمهال.
الثانية: يجوز لها في مدَّةَ الإمْهال أن تَخرج لتُحَصِّل النفقة بالكسب والتجارة، أو بالسُّؤَال، وليس له مَنْعُها، وإن قدَرَتْ على الإنفاق من مالها أو كانت تكتسب بما لا يُحْوجها إلى الخروج؛ كالغزل والخياطة، ففي هذه الحالة وجْه: أن له المنع، وذُكِرَ وجْهٌ مطلَقٌ أنه يُدَامُ حقُّ الحبس في المدة، والظاهر المنصوصُ 74 الأوَّل، فإن التمكين والطاعة عَلَيْهَا في مقابلة النفقة، فإذا لم يوف ما عليه، لم يستحق الحَجْر.
قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": عليها أن ترجع باللَّيْل إلى منزل الزوْج؛ لأنه وقْت الدعة، ولو أراد الاستمتاع بها, لَمْ يُمْنع، وقضيَّةُ التوجيه المذكور أن لها المَنْع، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" ولا كلام أنها إذا منعت نفسها منه لم تستحق النفقة لمدة الامتناع ولم يصر ذلك دينًا عليه.
الثالثة: إذا قلنا بالإمهال، فمضت المدة فرضيت المرأة بإعساره، والمقام معه، أو لم نقل بالإمْهال، فرضِيَتْ ثم بَدَا لها أن تفسخ، فتُمَكَّن منه؛ لأن النفقة يَوْماً فيوماً تجب والضرر يَتَجدَّد وقد تقدر له يساراً وسَعَةً، فالمال غادٍ ورائحٌ، ولا أثر لقَوْلها: رضيت بإعساره أبداً فإنه وَعْدٌ لا يلزم الوفاء به، وليس كما إذا أبرأته عن نفقة سَنَةٍ مثلاً، حيث يصح على رأْي؛ لأن فيه تصريحاً بالإسْقَاط، وهذا وعْدٌ بِتَرْك الفَسْخ، ولو نكحَتْه عالمةً بإعْسَاره ثم طلَبَتِ الفسخ، مكنت منه، أيضاً إذا عادت إلى طَلَبِ الفَسْخ بعْد الرضا،

الجزء: 10 - الصفحة: 59

فيتجدد الإمْهَال على قولنا: إنَّه يُمْهَل ولا يعتد بما 75 مضى، وفيه احتمال للإمام والقاضي الرويانيِّ، والظاهر الأول، بخلاف امرأة المُولِي، إذا رَضِيَتْ، ثم عادَتْ إلى المطالبة لا تستأنف مدة الإيلاء، وفرق بأن المدة هناك منْصوصٌ عليها غير موقوفةٍ على طلَبِها، وهاهنا مدَّةُ الإمهال يَقَع بعد طلبها، وإذا تَعلَّقت بطلبها، سَقَطَ أثرها برضاها، وإذا اختارَتِ المُقَام معه، لم يَلْزَمْها التمكين من الاستمتاع، وكان لها الخروج من المنزل، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وإذا لم تمنع نفسها [منه]، ثبت في ذمته ما يجب على المُعْسِر من الطعام والإدام وغيرهما، وخروجها بالنهار للاكتساب لا يوجب نقصاناً، فيما يثبت دَيْناً في ذمته، بخلاف ما إذا سَلَّمت الأمة ليلاً، ومَنَعَت نهاراً؛ لأنَّ المُحْوِج إلى الخروج المُنْقِص للاستمتاع هاهنا إعسارُه حُكِي هذا عن "الحاوي" وهذا في النفقة، أما إذا أعْسَرَ بالصَّداق، وتَرافَعَا إلى الحاكم، فَمَكَّنَها من الفسخ، فرضيت بإعساره، ثم بدا لها أن تفسخ، لم تُمَكَّن؛ لأنَّ الضَّرَر فيه لا يَتجدَّد، والحاصِلُ مَرْضِيٌّ به، هذا ما أطلقه الجمهور.
وعن أقْضَى القضاة: المَاوَرْدِيُّ: أن ذلك فيما إذا كانت المحاكمتان مَعاً قبل الدُّخُول أو بَعْدَه، فأما إذا كانتِ المحاكَمَةُ الأُولَى قبل الدخول، والأخرى بَعْدَه، فوجهان: وجْهُ تجويز الفَسْخ أن بالدخول يستقر ما لم يكن مستقراً قبله، فالإعسار به يجوز أن يُجَدِّد خياراً، ولو نكَحته وهي تَعْلَم إعساره بالصداق، فهل لها الفسخ؟ فيه وجْهان نقلهما القاضي الرويانيُّ 76. أشهرهما: المنع كما لو رضيت به في النِّكاح، ثم بدا لها بِخِلاَف النفقة، وليس لها الامتناع بعد الدخول إذا مكَّنَّاها من الفسخ، واختارت المُقَام معه، ولا بد في الإعسار بالصَّدَاق مِنَ المرافَعَة إلى القَاضِي كما في النفقةِ، والخيار فيه بعْد المرافعة على الفور، فلو أخَّرت الفَسْخ، سقَط، ولو علمت إعساره، وأمسكت عن المرافعة والمحاكمة، نُظِرَ؛ إن كان ذلك بَعد ما طالَبَتْهُ بالصَّداق، كان الإمساك عن المحاكمة والمرافعة رضاً بالإعسار، وسَقَطَ خيارها، وإن كان قبل المطالبة، لم يَسْقُط، وقد تُؤخِّر المطالبة على توقُّع اليسار، ذكر ذلك القاضي الرُّويانيُّ.

الجزء: 10 - الصفحة: 60

وقوله في الكتاب: "فيه قولان" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة القاطعة، وكذا قوله: "لا يُفْسَخ في أول النهار".
وقوله: "بل آخِر النهارِ، أو بَعْدَ انقضاءِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ" لا يخفى أنه ليس على التخيير، بل هو إشارةٌ إلى احتمالَيْن من الاحتمالات المَذْكُورة، وقوله: "فيحتمل أن يقال لا يفسخ في الحال إلى انقضاء اليوم" فيه تنبيه على الاحتمال الآخر، وإن لم يُصرِّح به، وقوله: "وإن رضيت بعْد انقضاء المدة، فلها الفسخ" يجوز أن يعلم بالواو؛ لما حكيناه عن الماوَرْدِيُّ.
وقوله: "كزوجة المُولِي لا كزوجة الْعنِّين" قد ذَكَرَ حُكْمَ العُنَّةِ في بابها، مع ذِكْر مخالفة الإيلاء لها، وذكَرَهُما مع حكم الرِّضَى بالإعْسَار في الإيلاء مرَّةً أخْرَى، وأعاد الصور الثلاث هاهنا مرَّةً ثالثةً، فكان من شرط الإيجاز أن يذكر كل صورة في بابها، أو يقتصر على إيرادها مجموعةً مرةً واحدةً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الفَسْخِ وَذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ طَلَبُ الفَسْخِ بَلِ الفَسْخُ كَالطَّلاَقِ لاَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَفِي سَيِّدِ الأمَةِ الصَّغِيرَةِ وَالمَجْنُونَةِ المُزَوَّجَةِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الأَمَةُ بَالِغَةً فَحَقُّ الفَسْخِ لَهَا، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الفَسْخُ عَلَى الأَصَحِّ لَكِنْ لاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَصْبِرَ الأمَةُ عَلَى الجُوعِ أَوْ تَفْسَخَ، وَالنَّفَقَةُ تَدْخُلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ لَهَا حَقُّ الوَثِيقَةِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهَا إِلاَّ ببَدَلٍ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْلَ الإِبْدَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ثبت حقُّ الفسخ بإعسار [الزوج] بالنفقة، تخيَّرت الزوجة بين أن تَفْسَخ وبين أن تَصْبِر على الإعسار، ولا اعتراض للوَلِيِّ عليها, وليس له الفَسْخ نيابةً عنها، كما لا ينوب في الطلاق، وذلك؛ لأن الأمر فيهما يتعلَّق بالطبع والشهوة، فلا يفوَّض إلى غير صاحب الحَقِّ، وهذه مقدمة تتدَرَّج منها إلى مسأَلَتَيْنِ: إحداهما: وَليُّ الصغيرة والمجنونة ليس لهما الفسْخُ بإعسار الزوج بالنفقة، وإن كانت المصلحة [تقتضيه، كما لا يُطلّق على الصغير والمجنون، وإن كانت المصلحة] 77 فيه، وينفق على الصغيرة والمجنونة مِنْ مالهما، فإن لم يكن لَهُما مالٌ، فنفقتهما على مَنْ عليه نفقتها, لو كانَتَا خَلِيَّتَيْن، وتصير نفقة الزوجة دَيْناً عليه يُطَالَبُ به إن أيسر، وكذلك لا يفسخ الوليُّ بالإعسار بالمهر، إن جعلْناه مثبتاً للخيار، وأشار في "التتمة" إلى أنه لا مصْلَحة لهما فيه؛ لأنه إن فسَخَ قبل للدخول، يسقط نصْفُ المهر، وإن فَسَخَ

الجزء: 10 - الصفحة: 61

بعده، فالمهر في ذمته، كما كان، وبطل رفق النفقة.
الثانية: إذا أعسر زوْج الأمة بالنفقة، ثَبَتَ لها حقُّ الفسخ، كما أنها تَفْسَخ بِجَبِّ الزوج وَعُنَّتِهِ، وهذا؛ لأنها صاحبةُ حقٍّ في تناول النفقة، فإن أرادَتِ الفَسخ، لم يكُنْ للسيِّد منْعُها، فإن ضمن النفقة، فهو كالأجنبي 78 يضمنها, وللإمام احتمالُ أن للسَّيد منْعَها؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وإن رَضِيَتْ، فهل للسيد الفَسْخ؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ؛ لأنَّ المِلْك في النفقة له، وضرر فواتها يعود إليه.
والثاني: لا؛ لأنها تستحق النفقة، فَهِيَ في الأصل لها، ثم يتلَقَّاها السيد؛ لأنها لا تَمْلِك، فيكون الفسخ إليها، كما أنه إذا أوصى للعَبْد أو وهب منه يكون القَبُول إليه, وإن كان يَحْصُل المِلْك للسيد، وعلى هذا لا يجب على السيد نفقتُها، بل يقول لها: افْسَخِي أو اصْبِرِي على الجوع، وهذه طريق يلجئها السيد بها إلى الفَسْخ، فإذا فسَخَتْ أنفق عليها، واستمتع بها أو زَوَّجها من غَيْره، وكَفَى نفسه مؤنتها، ويجري الوجهان في أن السيِّد، هل يفسخ إذا كانتِ الأمةُ صغيرةً أو مجنونة؟ وقد يرتبان على الوجهَيْن فيما إذا كانت مستقلَّةً، ويقال: هذه الصورةُ أوْلَى بجواز الفَسْخ؛ لأنَّ النفقة تلزمه، ولا يمكن الجاؤها إلَى الفسخ، فإنه لا اعتبار بقَوْلِها، وسع هذا الترتيب، فالأظْهَرُ عنْد أكثرِهِمْ: أنه لا فَسْخَ له، وجْه أجاب ابن الحدَّاد، ولم يورد صاحب "التهذيب" وجماعةٌ غَيْرُه، وأما إذا أعسر زوجها بالمَهْرِ، وأثبتنا به الخيار، فيكون الفَسْخ للسيد؛ لأنه محض حقه، لا تعلَّق للأمة به، ولا ضرر عليها في فواته، ولأنه في مقابلة البُضْع، فكان المِلْك فيه للسيد وشبه، ذلك بما إذا بَاعَ عبْدًا، وأفلس المشتري بالثمن، يكون حقُّ الفسخ للبائع لا للعبد، وأشار صاحب "التتمة" إلى وجْهٍ آخَر: أن السيد لا يَفْسَخ بالإعسار بالمَهْر، ولا وجه له، ثم هاهنا مسألة نشأَتْ من توجيه الخلافِ، في أن السيد هل يَفْسَخ؟ وهي النظر في حال النفقة، قال الإِمام، وحكاه صاحب الكتاب: هي متعلَّق حقِّ السيدِ والأمةِ جميعاً، أما السيد؛ فلأنها تدْخُل في ملكه؛ لأن الأمة لا تَمْلِك، لكنَّها بحُكْم النكاح مأذونةٌ في الأخذْ والقَبُول، وبحكم العرف في تَنَاوُل المأْخُوذ، وأمَّا الأَمَةُ، فلها أن تُطَالِب الزَّوْج، كما كانَتْ تُطَالِب السيِّدَ، وإذا أخَذَتْ، فلها أن تتعلَّق بالمأخوذ، ولا تسلمه إلى السيد، حتى تأخذ بَدَلَه وله الإبدال بحق الملك، والحاصل أن له حقَّ الملك، ولها حقُّ التوثُّق، كما أن نفقة زوجة العبد تتعلَّق باكتسابهِ، والملكُ فيها للسيد ويُبْنَى على هذا أنه لا يجوز للسَّيِّد الإبراء عن نفقتها ولا بيع المَأخوذ قبل تسليم البَدَل

الجزء: 10 - الصفحة: 62

إليها وفي "التتمة": ما يخالف بَعْض هذه الجملة، فإنه قال: حَقُّ الاستيفاء للسيِّد حتى لو صَرَفَ الزوْجُ النفقة إليها، بدون إذن السيد، لم يبرأ عن العهدة، ولهذا لو استوفَى النفقة، وأنفق عليها من ماله جاز، والأشبه الأوَّل، وذَكَرَ في "التهذيب": أنها لو أبرأت الزوج عن نفقةِ اليَوْم، جاز، وما صار من النفقة دَيْناً في الذمة، ليس لها الإبراء عنه كما في الصداق وقد تنازع قياس الملك في الإبراء عن نفقة اليوم إلا أن نفقة اليَوْم للحاجَةِ الناجزة وكأنا لا نثبت المِلْكَ للسيد إلا بَعد الأخْذِ، وقبله تمحض الحقِّ لها, ولذلك نقول: ليس له الفسْخُ على الأظهر، ولو اختلفتِ الأمة وزوجُها في تسليم نفقة اليوم أو نفقة أيام مستقبلة، فالقول قَوْلُها مع يمينها, ولا أثر لتصديق السيد الزوج ولو اختلفا في النفقة الماضية فقد حكَى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْن: أحدهما: أن السَّيِّدَ يكون شاهداً له، ولا يثبت المُدَّعَى بتصديقه.
وأصحُّهما: أنه يثبت للمُدَّعَى بتصديقه، والخصومة في النفقة الماضية للسيِّد لا لها كالصداق، وحقُّها فيما يتعلَّق بالمستقبل، وهذا ما أوردها في التتمة 79، وشبه بما إذا أقر السيِّدُ على عبده بأنه جَنَى خَطَأَ، وأنكر العبدُ، لا يُلْتَفَتُ إلى إنكاره، قال: ولو أقرَّت الأمة بالقَبْض، وأنكر السيد، فالمنصوص في كتاب "عِشْرة النساء" وذكره المزنيُّ -رحمه الله- في "الجامع الكبير": أن القول قولُها؛ لأنَّ القبض إليها، إمَّا بحُكْم النكاح، أو بتصريحه بالإذْن، وفيه صُوَرُ المسألة، وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعضهم أن القَوْلَ قَوْلُ السيِّدِ؛ لأن المِلْكَ له.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وإنْ قلْنَا: إِنَّ الإِعْسَارُ لاَ يُوجِبُ الفَسْخَ أصْلاً فالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الحَبْسِ في المَنْزِلِ، وَلَهَا مَنْعُة مِنَ الوَطْءِ إنْ لَمْ تَكُنْ قَد أَبْطَلَتْ حَقَّهَا بِالتَّمكِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميع ما ذكَرْنا مفرَّعٌ على أن الإعْسار بالنفقة يُثْبِتُ حقَّ الفسخ، أما إذا قلْنا: إنَّه لا يُثْبِتُه، فلها الخروج من المسكن؛ لطَلَب النفقة، إن كانَتْ تحتاج إلى الخروج لتحصيلها، وإن أمكن أن تُنْفِقَ من مالها، أو أن تكتسب بغَزْلٍ ونحوه في المسكن، فوجهان: أحدهما: أنَّها لا تخرج إلا بإذنه، لأنها قادرةٌ على توفية حقِّه وإن كان هو عاجزاً عن توفية حقِّها.

الجزء: 10 - الصفحة: 63

وأظهرهما: أن لها الخُرُوجَ، وليس له الحَبْس، إلا إذا كَفَى مؤنتها وقوله في الكتاب: "ولها منعه من الوطء إن لم تكن قد أبطلت حقها بالتمكين" هذا اللفظ إنما يَحْسُن موقعه حيث نقول: إن لها الامتناع لتقبض الصداق، فإذا مكنت مرةً، بطل حقُّها من الامتناع، وأراد أنَّ لها المَنْعَ، إن لم تكن قد مكَّنَتْ مِنْ قبل، وهذا لفْظُه في "الوَسِيط"، وأطلق مُطْلِقُون في جواز الامتناع لَهَا, ولم يشترطوا هذا الشَّرْط، ويجيء فيه ما حَكَيْنَاه عن القاضي الرُّويانيِّ في مدَّة الإمهال على القول الأصحِّ، والله أعلم.

فُرُوعٌ [من باب الإعسار وغيره]

إذا عجز عن نفقة أمِّ الوَلَدِ، فعن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه يُجْبَرُ على عتقها أو تزويجها، إنْ وُجِدَ راغبٌ فيها، وقال غيره: لا يُجْبَرُ عليه، كما لا يرفع ملك اليمين بالعَجْز عن الاستمتاع، ولكن يخليها لتكتسب، وتنفق على نَفْسِها 82. وقد سبق أن نفقة زوْجة العَبْد من أين تكون، وإذا لم يَكُنِ العَبْد مأذوناً له في التجارة، ولا كسوباً، فقد حكينا قولاً قديماً أنه يكون المَهْرُ على السيد، ويكون بالإذْن في النكاح ضامناً.
قال الشيخ الخضري وغيره: وذلك القول يجيء في النفقة بطريق الأَوْلَى، إذِ الحاجَةُ إليها أمَسُّ من الحاجة إلى المَهْر، فلو كان العَبْد ينفق من كَسْبه، فعجز لزمانة وغيرها فعلى القديم: لزوجته مطالبةُ السيِّد، وعلى الأظهر: إما أن تفسخ أو تصبر، وتصير نفقتها دَيْناً في ذمته.
وليس للزوج أن يَدْفَعَ ثَمَنَ الكُسْوة إلى الزوجة بل يجب تسليم الثياب، وعليه مؤنة الخياطة.
وإذا مَضَتْ مدَّةٌ، لم يُنْفِقْ فيها على زوجته، واختلفا فقَالَتِ المرأة: كُنْتَ مُوسراً في تلك المدة، وقال الزوج: كُنْتُ مُعْسِراً، فإن عرف له مالٌ، فالقول قَوْلُها؛ لأن الأصْل بقاؤه، وإلا، فالقول قوله؛ لأن الأصْل عدمه.
وضمان النفقة قد ذكرناه في باب الضمان.

الجزء: 10 - الصفحة: 64

السَّبَبُ الثَّانِي لِلنَّفَقَةِ القَرَابَةُ،

وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ فِي أَصْلِ النَّفَقَةِ

وَتَجِبُ بِقَرَابَةِ البَعْضِيَّةِ دُونَ المَحْرَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى المُوسِرِ، وَهُوَ الَّذِي فَضُلَ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ شَيْءٌ، وَيُبَاعُ عَبْدُهُ وَعَقَارُهُ (ح) فِيهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الكَسْبُ لِأَجْلِ نَفَقَةِ القَرِيبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ لِلَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَادِراً عَلَى الكَسْبِ اسْتَحَقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى قَوْلٍ، وَيسْتَحِقُّ الأَبُ وَالأُصُولُ دُونَ الفُرُوعِ عَلَى قَوْلٍ، أمَّا الطِّفْلُ الكَسُوبُ فَيَسْتَحِقُّ لاَ مَحَالَةَ إِذَا لَمْ يَكْتَسِبْ، فَإِنْ شَرَطَ العَجْزَ عَنِ الكَسْبِ فَهَلْ تُشْتَرَطُ الزَّمَانَةُ حَتَّى لاَ يَقْدِرَ عَلَى كَسْبٍ لاَ يَلِيقُ بِهِ أَيْضاً؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سَبَقَ أنَّ أحد أَسْبَابِ وجوب النفقةِ والقِيَام بالمُؤنِ القرابةُ، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] أوجب أجرة إرْضَاعِ الولد كغاية لمؤنته، ولقصَّة هنْد، حيث قال: " [خذي ما يكفيك] وولدك بالمعروف" 83 والكلام فيه بوبه صاحب الكتاب على ثلاثة أبواب: أحدها: في مناط هذه النفقة، وشرائط وجوبها وكيفيَّتها.
والثاني: في ترتيب الأَقَارب المُنْفِقِينَ وَالمُنْفَقِ عليهم.
والثالث: في حَضَانَةِ الصَّغِيرِ.
أما الأول: ففي الفصل مسائل: إحداها: أنَّها تجب بقرابة البعضية فتجب للولد على الوالد وبالعكس، أما للولد على الوالد فلقصَّة هنْد، وأما بالعكس، فبالقياس عليه يجامع البعضية وبل أَوْلى لأن حرمة الوالد أعْظَم، والولد بالتعهُّد والخدمة أحق وأليق، ويروى أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ من كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَكُلُوا من أَمْوَالِهِمْ" 84، وكما تجب نفقة

الجزء: 10 - الصفحة: 65

الولد على الوالد تجب نفقته على الوالدة في الجملة؛ لشمول معنى البعضية ورد الشهادة، والعتق بالمِلْك، وعنْد مالك: لا نفقة على الأُمِّ بحال، وأَغْرَبَ القاضي ابن كج، فنَقَلَ أن أبا الحُسَيْن حَكَى وجْهاً مثله، وكما تجب نفقة الأولاد، تجب نفقة الأحفاد، وعند مالك: لا نفقة على الجَدِّ بحال، وكما تجب نفقة الوالدين على الولد تجب عليه نفقة الأجداد والجدات خلافاً لمالك أيضاً، ولم يوجب نفقة الأم على الولد أيضاً، ويستوي في أصل الاستحقاق الذكَرُ والأنْثَى والوارثُ وغيْرُ الوارث، والقَرِيب من الأحفاد والأجداد والبعيد، ولا يُشْتَرَط اتفاق الدَّين 85، كما لا يُشْترط اتفاق ذلك في العتق بالملك، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْه أنه لا يجب على المُسْلِم نفقة الكافر، ولا يُلْحَق بالأصول والفروع سائرُ الأقارِبِ؛ كالأخ والأخت والعم والخال والخالة وأولادهم، ويختص وجوب النفقة بقرابة البعضية، وعنْد أبي حنيفة: تجب نفقة كل ذي رَحِمٍ محرم، لكنَّه شرط اتفاق الدين، فقال الأصحاب: ولو كانت هذه القرابة موجبةً للنفقة، شرط اتفاق الدين، كما في قرابة البعضية، وعن أحمد اعتبار العصوبة، ويُرْوَى عنه اعتبار الإرْثِ، حتى تجب على ابن العَمِّ نفقة ابنِ العمِّ، ولك أن تُعْلِم بعد الوقوف على هذه المذَاهِبِ قوله: "بقرابة البعضية" بالميم والألف والواو.
وقوله: "دون المَحْرَمِيَّةِ" بالحاء.
الثانية: لا تجب النفقةُ إلا على المُوسِر، وهو الذي يَفْضُل عن قوت يومه وليلته وقُوتِ عياله ما يصْرِفه إلى القريب 86، فإن لم يفْضُل شيْءٌ، فلا شيء عليه؛ لأنه ليس = وكلتاهما لا يعرفان، وزعم الحاكم في موضع آخر من مستدركه بعد أن أخرجه من طريق حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ: وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها، إن الشيخين أخرجاه باللفظ الأول، ووهم في ذلك وهماً لا ينفك عنه, لأنه قد استدركه فيما قيل، وقال أبو داود في هذه الزيادة وهي: إذا احتجتم إليها، إنها منكرة، ونقل عن ابن المبارك عن سفيان قال: حدثني به حماد ووهم فيه، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن لي مالاً وولداً ووالدي يريد أن يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم، أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الجارود.

الجزء: 10 - الصفحة: 66

من أهل المواساة، وهذه النفقة مشروعة على وجْه المواساة، وفي "التهذيب" وغيره وجْه أنَّه لا يُشْتَرَطَ يَسَارُ الوالد في نفقة الولد الصغير, لأنه من تتمة مؤنة الاستمتاع، كنفقة الزوجة، فعَلَى هذا يستقرض علَيْه، ويؤمر بقضائه إذا أيسر، والأظهر الأولُ، ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من العقار وغيره؛ لأن النفقة حقٌّ مَاليٌّ لا بَدَلَ له، فأشْبَه، الدّين، وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يباع العقار.
وكيف يباع العَقَار؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن: أحدهما: أنه يباع كل يوم جزءٌ بقدر الحاجة.
والثاني: أن ذلك يشق، فيستقرض عليه إلى أن يجمع ما يسهل بيع العقار له.
وإن لم يكن له مال، ولكنه كان كسوباً يمكنه أن يَكْتَسِب ما يَفْضُل عنْه، فهل يؤمر بالاكتساب لنفقة القريب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لا يُكلَّف الاكتسابَ لقضاء الدَّيْن.
وأصحُّهما: وهو الذي أورده أكثرهم، نعم؛ لأنَّه يلزمه إحياء نَفْسِه بالكسب فكذلك، إحياء بعْضه، وليست النفقة كالدين، فإن قدرها يسير، والدين لا ينضبط قدْرُه، وذكر في "التتمة" الخلافَ في أنه هل يجب الاكتساب لنفقة الوالد مع القطع بوجوبه لنفقة الوَلَدِ، وفرَّق بأن نفقة الوالد سبَبُها المواساة، فلا [يكلف] 87 أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فَسَبَبُ حصولها الاستمتاعُ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع وهي نفقة الزوجة، وهذا ذهاب إلى أنه يَجِبُ الاكتِسَاب لنفقة الزوجة، وهو الظاهر، لكن في كلام الإِمام وغيره: أن في وُجُوب الاكتساب لنفقتها وجهَيْنِ مرتَّبَيْن على وجُوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أوْلَى بالمَنع، لالتحاق نفقتها بالديون، وليُعْلَم قوله في الكتاب: "وإنما تجب على الموسر" بالواو؛ للوجه المذكور في أن اليسار لا يُشْترط لنفقة الولد، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ويباع عبده وعقاره" مع الحاء بالواو؛ لأنه قد سبق في الدَّيْن ذكْرُ خلاف في بيع المَسْكَن والخادم، وذلك الخلاف عائد في النفقة.
الثالثة: مَنْ لَهُ مالٌ يكفيه لنفقته، لم تجب نفقته على القريب مجنوناً كان أو = ويستعمله في وضوئه وأكله وشربه ما لا غناء لمثله عنه، فإن وقع له خلل في شيء من هذا كله فلا يكلف نفقة الابن ولا أب.
انتهى.
قال في القوت: وفسروا العيال بالزوجة، والظاهر أن أم الولد، وخادم الزوجة في حكمها، وجرى عليه في الخادم.

الجزء: 10 - الصفحة: 67

عاقلاً، صغيراً أو كبيراً، زمِناً أو صحيحَ البَدَنِ، ومن يكتسبْ ويغنيه كسبه، فكذلك، ومَن لا مال له ولا كَسْبَ، يُنْظَرُ في حاله؛ إن كان به نقصان حُكْماً؛ بأن كان صغيراً أو مجنوناً أو خِلْقةً؛ بأن كان زَمِناً، فيجب على القريب نفقته؛ لِعَجزِه عن [كفاية] 88 نفسه، وأَلْحَق صاحب "التهذيب" بالزَّمِن ما إذا عجز لمرض أو عمًى، فإذا بلغ الصغير [والمجنون] حَدّاً يمكن أن يَعْلَم حرفة أو يحمل على الاكتساب، فللوليِّ أن يَحْمِلَه عليه، وينفق عليه من كسبه، لكن لو هَرَبَ عن الحرفة، وترك الاكتساب في بعض الأيام، فعلى الأب الإنْفاقُ علَيْه وبمثله أُجِيبَ إذا كانَ لا يليق بحاله الحِرْفَة، فإن لم يكن به نقصان لا في الحْكْم، ولا في الخِلْقة، لكنه لا يكتسب، فإن كان الفرع بهذه المثابة، ففي وجوب نفقته على الأَصْل طريقان: أظهرهما: أن فيه قولَيْنِ: أحدهما: وبه قال أحمد: أنها تجب, لأنه يقبح أن يكلِّف قريبه الكسب مع اتساع ماله.
والثاني: المنع؛ لأنه قادر على الاكتساب، مستغْنٍ عن أن يحمل غيره كلّه، وهذا أصحُّ عند الأصحاب، [قال في "العدة"] 89: لكن الفتْوَى اليوم على الوجوب، والثاني: القطع بالقول الثاني، ولا فرق على القولين بين الابن والبنت.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تجب للابن، وتجب للبنت إلى أن تتزوَّج؛ لعَجْزها عن الاكتساب، ثم لا يعود استحقاقُ النفقة بالطلاق عنْد أبي حنيفة، وقال مالك: إن كان الطلاق قبل الدخول، عاد، وإن كان بَعْده، فلا، ومنع الأصحاب عجْزها، وقالوا: هي تَقْدِر على الاكتساب بالغَزْل والخدمة وغيرهما.
وإن كان الأصل بالمثابة المذكورة، ففي وجوب نَفَقَتِهِ على الفرع القولان ومال ها هنا جماعة إلى ترجيح الوجوب، قالوا: إن الوَلَد مأمورٌ بأن يصاحب والديه بالمعروف على ما قال تعالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وليس من الصحبة بالمعروف تكليفُهما الكَسْبَ على كِبَرِ السن، وامتنعوا من طَرْد طريقة القطْع في هذا الطرف؛ لِعِظَم حرمة الوالدين، ولذلك اختصا بسقوط القِصَاص، ووجب إعفاف الأب، وإذاَ جَمَعْتَ بين الطَّرَفَين، حصلَتْ ثلاثة أقوال: قولان مُطْلَقان، وقول مفصِّل بين الفروع والأصول.
هذه هي الطريقة المشهورة للأصحاب، ولم يفرِّقوا بين اكتساب واكتساب، ومنهم مَنْ وضع الخلاف أولاً في اشتراط العَجْز عن الكسب اللائق به، ثم قالوا: إن شَرَطَ ذلك، ففي اشتراط العجْز عن كل

الجزء: 10 - الصفحة: 68

كسبٍ [يليق به] بالزَّمانة وجْهان، ورأوا الأعدل والأقرب الاكتفاء بعَجْزه عما يليق به من الأكساب، وأوجبوا النفقة مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وسائر ما لا يليق به وهذا حَسَنٌ، وهذه الطريقةُ هي [الطريقة] التي أوردها في الكتاب.
وقوله: "استحق على قول" يجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لفرقه بين الأصول والفروع، بين الابن والبنت على ما ذَكَرنا.
وقوله: "ولم يستحق" بالألف، وقوله: "أما الطفل الكسوب فيستحق لا محالة إذا لم يكتسب" يعني أنه، وإن كان قادراً على الكسب، فإذا لم يكتسب، لم تَسْقط نَفَقَتُهُ؛ بخلاف البالغ المُكلَّف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ نَفَقَةُ القَرِيبِ عَلَى الكِفَايَةِ وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ مَا يُشْبعُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ بفَرْضِ القَاضِي، وَيَسْتَحِقُّ الأَبُ الإِعْفَافَ وَنَفَقَةَ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا مَنَعَ الأَبُ النَّفَقَةَ فِلْلأُمِّ الأَخْذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي اسْتِقْرَاضِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَفِي إِنْفَاقِهَا عَلَى الطِّفْلِ مِنْ مَالِهِ دُونَ إِذْنِ الأَبِ وَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَالقَرِيبُ إِذَا عَجَزَ عَنِ القَاضِي فَاسْتَقْرَضَ فَفِي لُزُومِ قَضَاءِ قَرْضِهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي الجَدِّ الحَاضِرِ إِذَا اسْتَقْرَضَ عَلَى الأَبِ الغَائِب.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ: إحداها: نفقة القريب لا تُقَدَّر بل هي على الكفَايةَ، وعن ابن خيران فيما حكى القاضي ابْنُ كج وغيره: إنها تَتقدَّر بما تَتقدَّر به نفقة الزوجة، والظاهر المشْهُور الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقْت ودفع حاجته الناجزة فيعتبر أصْل الحاجة وقدرها، حتى لو استغنى في بعض الأيام بضيافة وغيرها, لم تجب، ويعتبر حالُه في سنه وزهادته ورغبته فالرضيع، تكفي حاجته بمؤْنة الإرْضاع في الحولَيْن والفطيم والشيخ على ما يليق بِهِما, ولا يُشْتَرط انتهاء حال المنفَقِ علَيْه إلى حد الضَّرورة، ولا يكفي ما يسد الرَّمَق، بل يعطيه ما يستقل به، وَيتمكَّن معه من التردُّد والتصرُّف 90، ويجب الأُدْم

الجزء: 10 - الصفحة: 69

كما يجب القُوت، كي لا تختل القوى بالخبز البَحْت، وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام، وتجب الكسوة والسُّكْنَى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم أيضاً.
وتسقط نفقة القريب بمُضِيِّ الزمان، ولا يصير دَيْناً في الذمة، وإن تَعدَّى بالامتناع من الإنفاق، وفي نفقة الصغير وجْهٌ أنَّها تثبت في الذمَّة تبعاً لنفقة الزوجة، لاعتنائها به كاعتنائها بنفسها، والظاهر الأول؛ لأنها ليست عوضاً، وإنما هي معونة ومواساة، ولذلك قال الأئمة: لا يجب فيها التمليك، وإنما الواجب الإمتاع، ولو سلَّم نفقة القريب إليه، فتلفت في يده، فعليه الإبْدَال، وهذا لو أتلفه المُسَلَّم إليه بنفسه لكن يؤخذ منه الضمان، إذا أيسر، ويستثنى ما إذا فرض القاضي، وأذن في الاستقراض؛ لغيبة أو امتناع، فيصير ذلك دَيْناً في الذمة 91. الثانية: سَبَقَ في النكاح حكايةُ قولَيْن: في أنه هل يجب على الابن إعفافُ الأب، وإذا أوجبناه، فأحد الطُّرُق أن سبيلَهُ سبيلُ النفقة في مواضِعِ الوفاق، وهو المُعْسِر الزَّمِن، والخلاف وهو المُعْسِر الصحيح.
والثاني: أن النفقة أوْلَى بالوجوب.
والثالث: أن الإعفاف أوْلَى به، وإليه ذهب أبو إسحاق والإصطخريُّ، وأنه إذا أعفَّه بزوجة أو ملَّكَه جاريةً، لذمته نفقتها، والقيام بمؤناتها، وأعاد مسألة الإعفاف مقتصراً على الأصح، وهو وجوبه [للأب]، فإذا كانت للأب زوجةٌ، فعلَى الابن الإنفاق عليها، حيْث ينفق على الأب, لأنه إذا وجب عليه أن يُعِفَّه ابتداءً، فعليه أن ينفق على

الجزء: 10 - الصفحة: 70

زوجته استدامةً للنكاح، ولذلك، لو كانَت له أمُّ وَلَدٍ.
ولو كانت تحْته زوجتان أو أكثر لم تلزمه إلا نفقة زوجةٍ واحدةٍ، كما لا يعفه في الابتداء إلا بواحدةٍ، ويدفع تلْك النفقة إلى الأَبِ، وهو يوزعها عليهما، ويكون لكلِّ واحدةٍ منهما حقُّ الفَسْخِ، لعدَم وصولها إلى تَمام حقها، وإن فسخت واحدةً تحت النفقة للأخرى، وحكىَ الشيخ أبو عليٍّ وجهاً ضعيفاً.
أنه إذا كانَتْ تحته زوجتان أو أكثر، لم تَلْزَمْه النفقة؛ لأنَّ المستحِقَّ لا يتعيَّن، ولو كان للأب أولادٌ، ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاقُ عليهم من جِهَة أنَّ نفقتهم واجبةٌ على الأب، فيتحمل الابن عنه كنفقة الزوجة، والظاهر، وهو الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ: أنها لا تَجِبُ وفرق بينهما وبين نَفَقَة الزوجةِ من وجهَيْن: أحدهما: أنه إذا لم ينفق عليها، فسخَت النكاح، فيتضرر الأب.
والثاني: أن نفقتها تجب على الأب وإن كان معسراً، فيتحمل عنْه الابن، ونفقة الأولاد لا تجب على الأب، وهو مُعْسِرٌ، فلا معنى لتحمُّل الابن عنه وإذا كان الابن في نفقة أبيه، وله زوجة، فهل على الأب الإنْفَاق علَيْها؟ عن القاضي أبي حامِدٍ وغيره: أنه على وجْهَيْنِ، والأظهر: المَنْع؛ لأنه لا يجب على الأب إعفافُ الابْنِ، والذي أورده صاحب "المهذب": أنه يجب عليه الإنفاقُ عليها، وأنه يجب الإنفاق على زوجةِ كل قريب، وجَبَتْ نفقته؛ لأنه من تمام كفايته، وقد حكاه القاضي الرويانيُّ عنه واستغربه، وأما إذا كان لِلابْنِ أولادٌ، فعلى الأب الإنفاق عليهم بحُكْم الجدودة وإعسارِ الأبِ.
وكما يجب على الابن نفقةُ زوْجَةِ الأب 92، يجب عليه كُسْوَتُها.
قال في "التهذيب": لا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقْدَهما لا يُثْبِت الخيار، ولكن قياس ما ذكرنا أن الابْن يتحمَّل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره.
الثالثة: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الوَلَدِ الصغير أو كان غائباً، أذن القاضي لأُمِّه في الأخذ من ماله أو الاستقراض عليه، والإنفاق على الصغير بشرط أهليتهما لذلك، وهل تستقل بالأخْذِ من ماله؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند صاحب الكتاب وغيره: نعم؛ لقصة هند.
والثاني: لا؛ لأنها لا تلي التصرف في ماله، فلا تلي التصرُّف في مال أبيه، ومَنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 71

قال به، حمل ما ذكره -صلى الله عليه وسلم- لهنْد على أنه كان قضاء أو إذْناً لها, لا إفتاءً وحكْماً عامّاً 93 وفي استقلالها بالاستقراض عليه، إذا لم تجِدْ له مالاً وجهان بالترتيب، وهو أَوْلَى 94 بالمنع؛ لخروجه عن صورة الحديث ومخالفته القياسَ، ويُحْكَى عن القفَّال تجويزه، فإن أثبتنا لها الاستقلال أو لم يكن في البلد قاضٍ، وأشهدت، فعليه قضاءُ ما استقرضته، وإن لم تُشْهِدْ، فعلى وجهَيْن، وإن أنفقت على الطِّفْل المُوسِر من ماله من غير إذن الأب ولا القاضي، فوجهان وجعلت هذه الصورة أَوْلَى بالجواز؛ لأنها لا تتعدَّى مصْلَحة الطِّفْل، ولا تتصرف في مال غيره، ولو أنفقت عليه من مال نَفْسها على قَصْد الرجوع، وأشهدَتْ، رجَعَتْ، وإلا، فوجهان: وإذا امتنع القريبُ من نفقة القريب، فللمستحق أخذ الواجب من ماله إن وجد جنسه وفي غير جنسه خلافٌ مذكورٌ في موضعه، وإن كان غائباً ولا مالَ له هناك، راجع القاضي، لِيَسْتَقْرض عليه فإن لم يكن هناك قاضٍ، واستقرض بنفسه، فيُنْظَر، أَشْهَد أو لم يُشْهِد على ما ذَكَرْنَاه [في اقتراض الأم للطفل].
ولو كان الأبُ الذي عليه الإنفاق غائباً، والجد حاضرًا، فإن تَبرَّع بالإنفاق، فذاك، وإلا استقرض القاضي علَيْه، أو أذن للجَدِّ في الإنفاق؛ ليرجع على الأب، وفي "البحر" حكايته وجْهٍ أنه لا يرجع عليه، وإن استقل الجَدُّ بالاستقراض، فإن أمكنه مراجعةُ القَاضِي، فليس على الأب قضاؤه، وفيه شيْءٌ ضعيف هنا وإلا، فينظر في الإشهاد وعَدَمِهِ كما سبق، وهذه الصورة: تَقْرُب من مسألة هَرَب الجمال ونظائرها.
وإن وَجَبَتْ نفقة الأب أو الحد على الصغير أو المجنون، أخذها مِنْ ماله بحكم الولاية، ولهما أن يؤاجراه لما يطيقه من الأعمال، وَيأْخُذا من أجرته نفقةَ نَفْسِهما، والأم لا تأْخُذ إلا بإذن الحاكم، وكذا الابن إذا وجَبَتْ نفقته على الأب المجْنُون، فلو كان

الجزء: 10 - الصفحة: 72

يصلح لصنْعَة، فللحاكم أن يُوَلِّيَ ابنه إجازته، وأخذ نفقة نفسه من أجرته.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَى الأُمِّ أنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ اللِّبَأَ الَّذِي لاَ يَعِيشُ إلاَّ بِهِ، ثُمَّ لَهَا الأُجْرَةُ عَلَى الأَبِ، وَلاَ يَجِبُ (م) عَلَيْهَا الإِرْضَاعُ إلاَّ إِذَا فُقِدَ غَيْرُهَا، فَإِنْ رَغِبَتْ بِأُجْرَةٍ وَرَغِبَتْ أَجْنَبيَّةٌ مَجَّاناً وَجَبَ الأَجْرُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَراً لِلطِّفْلِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الإِرْضَاعِ لِحَقِّ الاِسْتِمْتَاعِ إِذَا وَجَدَ مُرْضِعَةً أُخْرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الأم أن ترضع ولدها اللبأ 95 لأنه لا يعيش إلا به هكذا اْطلقوه، والمراد الغالب أو أنه لا يقوى ولا تشتد بينته إلا به وإلا فنشاهد هل يعيش بلا لبأ ثم لها أن تأخذ الأجرة عليه إن كان لمثله أجرة، ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما أن مالك الطعام يلزمه بذلِ الطعام للمضطر ولكن بالبدل، وفيه وجه منقول عن الحاوي أنه لا أجرة لها لأنه حتى تعين عليها، والأب عاجز عنه فهو كما إذا أيسرت بالنفقة والأب معسر، ثم إذا لم يوجد بعد سقي اللبأ مرضعة أخرى وجب عليها الإرضاع إبقاء للولد، وكذلك لو لم يوجد إلا أجنبية فإن وجد غيرها وامتنعت من الإرضاع لم تجبر 96 عليه سواء كانت في نكاح الأب أو بائنة، وسواء كانت ممن يرضع مثلها الولد في العادة أو ممن لا يرضع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] وإذا امتنعت فقد حصل التعاسر، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد وعن مالك روايتان: إحداهما: أنه لا يلزمها الإرضاع.
وأشهرهما: أنه يلزمها الإرضاع إن كان مثلها يرضع الولد في العادة.
وإن رغبت الأم في الإرضاع فأما أن تكون في نكاح أب الرضيع أو مفارقة.
الحالة الأولى: إذا كانت في نكاحه فهل للزوج منعها؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو اختيار القاضي الطبري لا لأنها أشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها له اصلح وأوفق.
وأقواهما: وهو اختيار الشيخ أبي حامد له المنع لأنه يستحق الاستمتاع في

الجزء: 10 - الصفحة: 73

الأوقات المصروفة إلى الإرضاع فإذا ما أورده صاحب الكتاب والشيخ أبو إسحاق في المهذب، وقال: يكره 97 له المنع.
فإن قلنا: ليس له المنع أو توافقا عليه فإن كانت متبرعة فذاك، وهل تزاد نفقتها للإرضاع فيه وجهان.
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق والإصطخري نعم لأنها تحتاج في زمان الإرضاع إلى زيادة الغذاء ويجتهد الحاكم في تقدير الزيادة.
وأصحهما: المنع لأن قدر النفقة لا يختلف بحالة المرأة وحاجتها, ولذلك تستوي الزهيدة والرغيبة والأولى أن يقال هذه الزيادة تحتاج إليها لتربية الولد وعلى أبيه القيام بكفايته.
فإن طلبت أجرة بني على أن الزوج هل يجوز له أن يستأجر زوجته لإرضاع ولده وفيه وجهان قد ذكرناهما في الإجارة قال العراقيون: لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر يمنع استيفاء الحق كما إذا استأجر إنساناَ للخدمة شهراً لا يجوز أن يستأجره تلك المدة لخياطة ثوب أو عمل آخر، وربما طردوا ذلك فيما إذا استأجر زوجته للخدمة وغيرها، وبه قال أبو حنيفة، والأصح أنه يجوز استئجارها عليه، ويكون الاستئجار رضاً بترك الاستمتاع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجر فإن جوزنا استئجارها فليكن الحكم فيما إذا طلبت الأجرة كالحكم فيما إذا طلبت البائنة الإرضاع بالأجرة وسنذكره إن شاء الله تعالى وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها كما ذكره صاحب التهذيب وغيره ويشبه أن يجيء فيه الخلاف فيما إذا سافرت لغرض نفسها بإذنه، وإن قلنا لا يجوز الاستئجار، وأرضعت على طمع الأجرة ففي استحقاقها أجرة المثل وجهان، قال ابن خيران تستحق لأنها لم تبذل منفعتها مجاناً، وقال أكثرهم لا تستحق 98، ولو استحقت لجاز استئجارها.

الجزء: 10 - الصفحة: 74

الحالة الثانية: إذا كانت مفارقة، وتبرعت بالإرضاع لم يكن للأب المنع وانتزاع الولد منها، فإن طلبت أجرة نظر إن كانت أكبر من أجرة المثل لم يجب عليه الإجابة، وكان له استرضاع أجنبية بأجرة المثل، وإن طلبت أجرة المثل فهي أولى من سائر المراضع بأجرة المثل، وإن وجد أجنبية تتبرع أو ترضى بما دون أجرة المثل فطريقان أشهرهما وبه قال ابن الوكيل وابن سلمة وصاحب الإيضاح 99 أن في المسألة قولين: أحدهما: وهو اختيار المزني أنه لا ينزع الولد منها، ويجاب نظراً لها وللطفل، فإنها أشفق عليه ولبنها له أوفق، وأيضاً فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
وأصحهما: أن له الانتزاع ولا يلزمه بذل الزيادة كما لو طلبت أكثر من أجرة المثل، وهناك من يرضى بها.
والثاني: القطع بالقول الثاني، وبه قال: أبو إسحاق والإصطخري، وحكاه ابن كج عن ابن سريج وابن أبي هريرة أيضاً وعلى الصحيح لو اختلفا فقال الأب أجد متبرعة وأنكرت فهو المصدق بيمينه، ووجهه بأنها تدعي استحقاق الأجرة عليه، والأصل عدمه ولأنه يعسر إقامة البينة على ما يقوله، فيصدق بيمينه كما لو ادعت المطلقة ثلاثاً أنها نكحت غيره وأنه أصابها تصدق لعسر إقامة البينة على الإصابة.
وقوله في الكتاب في أنه يجب على الأم "إرضاع اللبأ" ثم لها الأجرة يجوز إعلامه بالواو للوجه الذي حكيناه، ويخرج أيضاً إذا كانت الأم زوجته على الوجه الذي قلنا إنه لا يجوز له استئجار زوجته.
وقوله: "على الأب" مفروض فيما إذا كان المولود معسراً وهو الغالب، فإن كان يملك مالاً فيؤدي الأجرة منه، ولا تلزم على الأب.
وقوله: "ولا يجب عليها الإرضاع" يجوز إعلامه بالميم.
وقوله: "فإن رغبت بأجرة ... " إلى آخره مطلق من جهة اللفظ لكنه أراد ما إذا لم تكن الأم في نكاحه على ما هو مبين في الوسيط والبسيط، ويجوز أن يعلم "القولين" بالواو للطريقة القاطعة.
وقوله: "بأجرة" يعني بأجرة المثل.
وقوله: "وللزوج منعها" معلم بالواو، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 10 - الصفحة: 75

البَابُ الثَّانِي فِي تَرْتِيبِ الأَقَارِبِ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ: الأَوَّلُ اجْتِمَاعُ الأَوْلاَدِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّقْدِيمَ بِالقُرْبِ، فَإِنْ تَسَاوَيا فَهَلْ يُقَدَّمُ الوَارِثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الإِرْثَ فَهَلْ تَتَفْاوَتُ بِتَفَاوُتِ مِقْدَارِ الإِرْثِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الباب الكلامُ فيما إذَا كان للمُحْتَاج أقاربُ، يَجِبُ على كُلِّ واحدٍ منهم نفقته لو انفرد، على مَنْ تكون نفقته عند الاجتماع؛ وفي أنه إذا اجتمع للشخص أقاربُ محتاجُون، كَيف ينفق عليهم؟ والأقاربُ في المقْصد الأوَّل، إما أن يَكُونُوا من الأصول أو من الفُرُوع أو منْهما جميعاً، فرتب الكلام في الباب على أربعة أَطْرَافٍ، والثلاثة الأول في أقسام المقصد الأول، والرابع في المقصد الثاني.
وقوله في ترجمة الطرف الأول: "اجتماع الأولاد" يعني الفروع الدين يلْزَمُهم النفقة للأصْل المُحْتَاج، وإذا اجتمعَ اثْنَانِ منهم، نُظِرَ؛ إن استويا في القرب والوراثة أو عَدَمِها، والذكورة والأنوثة، فالنفقة عليهما بِالسَّوِيَّة، سواءٌ استويا في اليَسَار أو تَفَاوَتَا، وسواء كانا قادرَيْنِ بالمال أو بالكسب أو أحدهما بالمال والآخَر بالكسب، فإن كان أحدهما غائباً، أخذ قسطه من ماله، فإن لم يكن، استقرض 100 عليه.
مثاله ابنان أو ابنتان، أو ابنا ابن أو بنتا ابن، وإن اختلفا في شيء من ذلك، ففيه طريقتان: إحداهما: النظر إلى القرب، فإن كان أحدهما أقْرَبَ، فالنفقة عليه؛ لأنه أوْلَى بالاعتبار، ولا فرق بين أن يكون الأقرب وارثاً أو غير وارث، ولا بين أن يكون ذكراً أو أنْثَى، فإن استويا في القُرْبِ، ففي التقديم بالإرْثِ وجهان: أحدهما: أن [النفقة] على الوارث؛ لقوَّة قرابته.
والثاني: أنه لا أثر للإرث؛ لأن القرابة [المجرَّدة] عن الإرث موجبة للنفقة، فالإرث غير مَرْعيٍّ في الباب.
فإن قدَّمْنا بالإرث، فلو استويا في أصل الإرث، فيستويان أو تتوزع النفقة بِحَسَب

الجزء: 10 - الصفحة: 76

الإرث؟ فيه وجهان 101: وجه الثاني: إشعار زيادَةِ الإرْثِ بزيادة قُوَّة القرابة.
والطريقة الثانية: أن النَّظَر أوَّلاً: إلى الإرث، فإن كان أحدهما وارثاً دون الآخر، فالنفقة على الوارث وإن كان غير الوارث أقرب، فإن تساويا [في الإرث، وأحدُهما أقرب، فالنفقة على الأقرب، فإن تساويا] 102 في القرب أيضاً، فالنفقة عليهما ثم تستوي أو يراعى قدْر الإرث؟ فيه الوجهان، وإذا تساويا في المنْظُور إلَيْه على اختلاف الطريقين، وأحدهما ذكر، والآخر أنثى، هل يختص الذكَّرَ بوجوب النفقة عليه؟ فيه وجهانِ: وجْهُ الاختصاص: أنه أقوى وأقْدَرُ على الكسب، وأيضاً، فإنه إذا اجتمع الأب والأمُّ، تكون النفقة على الأبِ دون الأم، هكذا قيده في "البسيط"، وجْه اعتبار الذكورة بما إذا استويا في سائر الأسْبَاب عن رواية الشَّيْخ أبي عليٍّ، وكأنه لذلك لم يجعلْه هاهنا طريقة قاطعةً تقابل الطريقتين السابقتين، بل جعَلَه وجهاً بين الطريقتين، ومنهم مَنْ حكاها طريقة يرأسها، فقال إن كان أحدهما ذكراً، فالنفقة عليه قريبًا كان أو بعيداً، وارثاً كان أو غَيْرَ وارثٍ، وإن كانا ذكَرَيْن أو أنْثَيَيْنِ، فالنفقة على المدلي بالذَّكَر، فإن استويا في الإدلاء فهي على الأقرب، والأظهر عند صاحب الكتاب والإمام وصاحب "التهذيب" وغيرهم الطريقة الأولى: دون اعتبار الإرْث والذُّكورة، واحتجُّوا بأن الإرث والذكورة لا يُشْتَرَطَانِ في وجوب النَّفقة، والمنفرد منهم تلزمه النفقة، وإن لم يكن حائزاً ولا وارثاً، ويدل على قوة القرب أن مَنِ اعتبر الإرْثَ والذكورة، قَطَع عند استوائِهِما في الإرْث والذكورة بالاعتماد على القرب، والمُعْتَبِرون للقُرْب تردَّدوا عند استوائهما في الدَّرَجة في أنَّه، هل يُعْتبر الإرث والذكورة؟ واختيار العراقيين يخالف اختيار هؤلاء في بعْض المَنَازِل، كما نبينه في الأمثلة.
أمثلة: ابن وبنْتٌ، النفقة عليهما بالسوية إن اعتبرنا القُرْب، وبه قال أبو حنيفة، وكذا على اعتبار الإرث، إن اكتفينا بأصْلِهِ، وإن اعتبرنا مقدار الإرْث فيكون عليهما أثلاثاً، وبه قال أحمد، وهي على الابن، إن اعتبرنا الذُّكُورة، وهذا ما اختاره العراقيون، وربما لم [يوردوا] غيره.

الجزء: 10 - الصفحة: 77

بنت وابن ابن، هي على البنْتِ، إنِ اعتبرنا القُربَ وبه قال أبو حنيفة، وعليهما بالسوية، إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن الابن إن اعتبرنا الذكورة، وهذا ما اختاره العِرَاقيُّون، وعن أحمد: أن النفقة عليهما أثلاثاً؛ لأن الذَّكَر والأنْثَى يرثان أثلاثاً، فينفقان كَذَلِكَ.
بنْتٌ وبنْتُ ابْنٍ، هي على البِنْتِ، إن اعتبرنا القرب، وعليهما إن اعتبرنا الإرث 103. [بنت وابن بنت هي على البنت إن اعتبرنا القرب أو الإرث وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكورة].
ابن ابن وابن بنت عليهما إن اكتفينا بالقرب وعلى الأول إن رجحنا الإرث بنت ابن، وابن بنت هي علي بنت الابن، إن اعتبرنا الإرْثَ، وعلى ابن البنت، إن اعتبرنا الذُّكُورة، وعليهما، إن اكتفينا بالاستواء في الدرجة 104 وتحكى الأوجه الثلاثة على الثاني [بنت بنت وبنت ابن ابن هي على الأولى إن اعتبرنا القرب وعلى الثانية إن اعتبرنا الإرث].
بنت ابن وبنت بنت، عليهما، إن اكتفينا بالاستواء في القُرْب وإن اكتفينا بالإرث، فعلى الثانية.
ابنٌ وولدٌ خُنْثَى، إن قلنا في اجتماع الابن والبنت: تكون النفقة عليهما كذلك ها هنا، وإن قلْنا: تكون على الابن، فوجهان: أحدهما: أن على الابْنِ نصْفَها؛ لأنه المستيقن، والنصف الآخر يستَقْرِضه الحاكِمَ فإنْ بان ذَكَراً، فالرجوع عليه، وإلا، فالرجوع على الابْنِ، وهذا كما أنه إذا كان أحَدُهما غائباً يُؤْخَذ النِّصْف مِنَ الحاضر، ويستقرض على الغائب.
وأظهَرُهما: أنَّه يُؤْخَذ الجميع مِنَ الابْنِ؛ لأنه بِصَدَد أن يكُونَ الكُلُّ عليه، فهو

الجزء: 10 - الصفحة: 78

أوْلَى بالمطالبة من غيره، فإن بأن الخنثى ذَكَرَاً، رجع عليه بالنصف.
بنتٌ وولَدٌ خنْثَى، إن قلْنا: لو اجتمع الابن والبنت، تكون النفقة عليهما، فكذلك هاهنا، وإن خصَّصْناها بالابن، فوجهان: أحدهما: الإنفاق على الخُنْثَى؛ لاحتمال كونه ذكراً فإن بانت أنوثَتُه، رَجَعَت على أختها بالنِّصْف.
[والثاني]: لا تُؤْخذ منه إلا النصف؛ لأنه المستيقن، ويُؤْخَذ من البنتِ النصْفُ، فإن بانت ذكورته، رجَعَتْ أخته 105 عليه بما أَنْفَقَتْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: أَنَّ الإِرْثَ مُقَدَّمٌ فَإنْ تَسَاوَيَا فَالأَقْرَبُ، فَإنْ تَسَاوَيَا وُزِّعَ عَلَيْهِمَا، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أنَّهُ يُقَدَّمُ بِالذُّكُورَةِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الابْنِ لاَ عَلَى البِنْتِ الطَّرَفُ الثَّانِي: اجْتِمَاعُ الأصُولِ فَالأَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الأُمِّ فِي الصِّغَرِ، وبَعْدَ البُلُوغِ وَجْهَانِ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا فَهَلْ يَتَفَاوَتَانِ بِمِقْدَارِ الإِرْثِ؟ وَجْهَانِ، أَمَّا الأَجْدَادُ وَالجَدَّاتُ فَالقَرِيبُ مُقَدَّمٌ عَلَى البَعِيدِ المُدْلي بِهِ، فَإنِ اخْتَلَفَتِ الجِهَةُ خُرِّجَ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ، وَطَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الوَلِيَّ أَوْلَى، فَإنِ اسْتَوَيَا فَالمُدْلِي بِالوَلِيِّ أَوْلَى، فَإنِ اسْتَوَيَا فَالأَقْرَبُ، وَطَرِيقَةٌ رَابِعْةٌ أَنَّ الذَّكرَ أَوْلَى، وَإِلاَّ فَالمُدْلِي بِالذَّكَرِ، وَإِلاَّ فَالأَقْرَبُ، وَقِيلَ: الذُّكُورَةُ وَالوِرَاَثَةُ تُجْبَرُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى فَيَتَسَاوَيَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع للمُحْتاج قريبانِ مِنْ أصوله، لو انفرد كلُّ واحد منهما، لَوَجَبَت النفقة عليه، نُظِرَ: إن اجتمع أبوه وأمه، فإن كان المحتاجُ صغِيراً، فالنفقةُ على الأب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] أوجب أجرة الإرْضَاع على الأبِ، ولقصَّة هنْد، وإن كان بالغاً، فوجهان: أصحُّهما: أن الجواب كذلك ويستصحب ما كان في الصِّغَر، وبه قال أبو حنيفة: والثاني، ويُنْسَب إلى القفَّال: أنَّها توزَّع عليهما؛ لاستوائهما في القُرْب والولادةِ، والايجابُ عليه قَبْل البلوغ كان من أثر الولاية على الصَّغِير؛ وعلى هذا، فيُسَوَّى بينهما، أو يُجْعَلُ بينهما أثلاثاً بحَسَب الإرْثِ؟ فيه وجهان، رجَّح منهما الثاني، وإن اجتمع واحدٌ من أباء الأب مع الأمِّ, فالظاهر تنزيله منزلة الأَبِ؛ لأنه يشاركه في الولاية والعصوبة، وقد يقع عليه اسم الأب، وفيه وجهان آخران: أحدهما: أن النفقة على الأم لقربها.

الجزء: 10 - الصفحة: 79

والثاني: يُوزِّع عليهما؛ لتعارض القرب والعصوبة، وإذا وزعت عليهما، فيسوى أو يثلَّث؟ فيه الوجهان، ويحكى التثليث عن أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- وإن اجتمع اثنان من الأجْدَاد والجدات، نُظِرَ؛ إن كان أحدهما يُدْلِي بالآخر، فالنفقة على القريب دُون البَعِيد، وإلا، ففيه طرق: أحدها: اعتبار القْرْبِ.
والثاني: اعتبار الإرث على ما ذَكَرْنا في طَرَف الفُرُوع.
والثالث: وهو اختيار المَسْعوديِّ: أن الاعتبار بولاية المَالِ، فإنها تُشعِر بتفويض التربية إلَيْه، وقد يحتج له أيضاً بأن النفقة عند اجتماع الأم والأب على الأَبِ، فإنْ لم يكُنْ لِوَاحِدٍ منهما ولايةٌ وأحدهما يُدْلِي بالوليِّ أو هو أقرب إدلاء بالولِيِّ، فالنفقة عليه، فإن استويا في الإدلاء به وجوداً وعدماً واعتبر فيه القرب والمراد في هذه الطريقة من الولاية الجهةُ التي تُفِيدها, لا نفْس الولاية التي قد يمنع منْها مانع مع قيام الجهة.
والرابع: أن الاعتبار بالذُّكورة، فالنفقة على الذكر فإن كانا ذكَرَيْن أو انثَيَيْن، فالنفقة على المُدْلِي بالذَّكَر، فإنِ اسْتَوَيَا، اعتبر 106 القرب.
والخامس: أنه يُعْتَبَر الإرث والذكورة معاً، فإن اختص أحدهما بالمعنيين، فالنفقة عليه، وإن وُجِدَا فيهما، أو لم يُوجَدَا أو وُجِدَ أحدهما في أحدهما، والثاني في الثاني، فيعتبر القرب، ويُجْبَر على هذه الطريقة فِقْدَان كلِّ واحدٍ من المعنيين بالآخر.
الأمثلة: اجتمع أبُ الأبِ وأبُ الأمِّ, إن اكتفينا بالقرب سوَّيْنا بينهما، وإن اعتبرنا الإرْثَ أو الولاية فالنفقة على أَبِ الأبِ.
أمُّ الأب وأمْ الأم، إن اعتبرنا القُرْبَ أو الإرْث، سوَّينا بينهما، وإن اعتبرنا الإدْلاء بالولي أو بالذَّكَر، فهي على أمِّ الأبِ أب الأم وأم الأب، إن اعتبرنا القرب، فهما سواءٌ، وإن اعتبرنا الإرث أو الإدلاء بالوليِّ، فهي على أم الأب، وعلى الطريقة الخامسة يُجْبَرُ فِقْدَانُ الإرث في أب الأم بالذكورة، وفِقْدانُ الذكورة في أم الأب بالوراثة، فيستويان، وخَرَّج بعضهم الخلافَ في اجتماع الجَدِّ والأمِّ على هذه الطرق، وقال: إن اعتبرنا القُرْب، فالنفقة على الأمِّ، وإن اعتبرنا الإرْثَ، فهي عليهما، وإن اعتبرنا الولاية

الجزء: 10 - الصفحة: 80

أو الذكورة، فعَلَيْهِ، إلا أنَّ ما رجَّح في الصورتين لا يلائم ما رجّح من الطرق، وهو اعتبار القرب.
وقوله في الكتاب: "وقيل: الذكورة والوراثة إلى آخره، هو الطريق الخامِسُ مختصراً، ولْيُحْمل قولُه تجبر إحداهما بالأخْرَى" على أنه يجبر فِقْدَانُ إحداهما بالأخْرَى، وإلا، فهما صفتا كمالٍ، ولا يجبِر الكمال بالكمال، وإنَّما يُجْبَر النقصان بالكمال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ الفُرُوعِ وَالأُصُولِ ابْنٌ وَأَبٌ قِيلَ: الأَبُ أَوْلَى لِلوِلاَيَةِ، وَقِيلَ: الابْنُ لِلْخِدْمَةِ، وَقِيلَ: يَتَسَاوَيَانِ، وَالأُمُّ كَالأَبِ، وَقِيلَ: الابْنُ أَوْلَى مِنْهُمَا قَطْعَاً، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي الجَدِّ وَالابْنِ أَعْنِي أَبَ الأَبِ، ثُمَّ تَعُودُ تِلْكَ الطُّرُقُ الخَمْسُ، وَإنَّمَا يَزِيدُ النظَرُ إِلَى وِلاَيَةِ التَّرْبِيَةِ وَإِلَى الخِدْمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع للمُحْتَاجِ واحدٌ من الأصول وواحدٌ من الفروع، قال الأئمة: تجيء فيه الطُّرُق، فيقدَّم الأقْرَب في طريق، والوارثُ في طريق، والوليُّ في طريق، والذَّكَر في طريق، ويُسوَّى بين الذكر والأنثى في طريق، وإذا وجبت النفقةُ على وارثين، فيجيء الخلافُ في أن التوزيع يَكُونُ بالسوية، أو بحسب الإرث، ويزيد هاهنا النظرُ إلى أن الإنفاق فيه معْنَى التربية، وَالتَّربيةُ بالأصُول أليقُ، ومعنى الخِدْمَةِ، والخِدْمَةُ بالفُروعِ أليقُ، وتفصيل هذه الجملة بِذِكْرِ صُوَرٍ: أبٌ وابْنٌ، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النَّفقَة عَلَى الأب استصحاباً لما كان في الصِّغَر، وأيْضاً، فنفقة الوَلَد على الأب منصوصٌ عليها في قصة هنْد وغيرها بخلاَفِ نفقةِ الأب عَلَى الولد، وأيضاً، فإنه مخصوص بالولاية، ويُحْكَى هذا عن اختيار أبي عبد الله الحُسَيْن.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التلخيص": أنها على الابْنِ؛ لأن عصوبته أقوى، ولأنه أولَى بالقيام بشأن أبيه، لِعِظَمِ حرمته.
وثالثها: أنها عليهما لاستوائهما في القُرْب، ولتعارض المعانِي، وعلى هذه الوجوه، ما إذا اجتمع أبٌ وبنْتٌ، ويتوجه الوجوب على الأب بأنه ذَكَرٌ أيضاً، وما إذا اجتمع جَدٌّ وابنُ ابنٍ.
وفي أمٍّ وبنْتٍ طريقانِ: أظهرهما: مَجِيْءِ الأوجه.

الجزء: 10 - الصفحة: 81

والثاني: القطْع بأنها على البنْت، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي حامد وغيره، وكأنهم اعتمدوا في الإيجاب على الأب معنى الولاية واستصحابِ مَا كَانَ في الصِّغَر والذكورة، وهذه المعانِي لا تُوجَدُ في الأم.
أمٌّ وابْنٌ، فيه طريقان: أحدهما: طَرْدُ الأوجه الثلاثة.
والثاني: القطْعُ بتقديم الابْنِ؛ لضعف الإناث، وبُعْدِ حالهن عن تَحمُّلِ المؤنات عن الغَيْرِ، ويجري الطريقان في جَدٍّ وابْنٍ، وفي أبٍ وابنِ ابنٍ أقوى 107. قال في "التهذيب": والأصحُّ أنه لا نفقة على الأصول ما دام يوجد واحدٌ من الفروع قريباً كان أو بعيداً، ذكراً كان أو أنْثَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِي ازْدِحَامِ الآخِذِينَ فَإِذَا لَمْ يَفضُلْ مِنْهُ إِلاَّ قُوتٌ وَاحِدٌ فَالزَّوْجَةُ أَوْلَى، وَفِي الأَبْعَاضِ تعُودُ الطُّرُقُ، وَلَكِنَّ الأُنُوثَةَ هَهُنَا تَرْجَحُ لِلآخِذِ -لِلأخْذِ حَيْثُ رَجَّحْنَا، ثُمَّ الذُّكُورَةُ فِي الالْتِزَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَهُنَا لاَ يُؤثِّرُ تَفَاوُتُ الإِرْثِ، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَوْا وُزِّعَ عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَانَ قَلِيلاً أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع على الشَّخْص الواحِدِ محتاجون، يلزمه نفَقَةُ كلِّ واحدٍ منهم، نُظِرَ إن وَفَّى مالُه أو كَسْبُه بنفقتهم، فعلَيْهِ نفقة الجميعِ القريب منْهم والبعيد، وإن لم يَفِ بالكل، ولم يكْفِ ما يفضل عنه إلا نفقة واحدٍ، فيُقدَّم نفقَةُ الزوجَةِ، على نفقة الأقارب؛ وذلك لأنها أثبت وأقْوَى؛ ألا ترى أنَّهَا لا تَسْقُطُ بغناها، [ولا بإعساره] ولا بِمُضِيِّ الزمان، وبأنها وجبت عِوَضاً، والنفقة على القَرِيبِ مواساةً والعِوَضُ أوْلَى بالرعاية مِنَ المواساة، واعترض الإِمام بأنها إذا كانت كذلك، كانت [كالديون] 108، ونفقة القريب من مال المُفْلِس، تُقَدَّم على الديون، وخَرَّج لذلك احتمالاً في المسألة، وأيَّده بما رُوِيَ أن رجلاً جاء إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَعِي دِينَارٌ، فَقَالَ: أَنْفقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَالَ: مَعِي آخَرُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك، قَالَ مَعِي آخَرُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ" 109 فقدَّم نفقةَ

الجزء: 10 - الصفحة: 82

الولَدِ على نفقة الأهْلِ، كما قدم نفقة النفس على نفقة الولد.
وروى صاحب "التتمة" وجهاً: أن نفقة الولَدِ الطِّفْلِ تُقدَّم على نفقة الزوجة، وأما الذِّيْن ينفق عليهم بالقرابة، فتعود فيهم الطُّرَق، فيُصْرف الفاضل إلى الأقرب، أو الوارث، أو الوليِّ، وفي الطريق الذي قلْنا: إنها تجب على الذَّكَر، يُصْرَف الفاضل ها هنا إلى الأنثى؛ لِعَجْزِها، وزيادَةِ ضعْفها، ويُسَوَّى في الطريق الآخر بين الذكر والأنثى، وإذا صُرِفَ إلى وارِثينَ، فَيُوزَّع بالسوِيَّة أو بِحَسَبِ الإرث، يَعُود فيه الوجهان، وعن الأكثرين: أنه لا يُنْظَر هاهنا إلى مقادير الإرْثِ، ونُورِدُ للتفصيل والتمثيل صوراً: ابنان أو ابنتان يُصْرَف الموجُودُ إليهما، فإن اختص أحدهما بمزيد عجز؛ بأن كان مريضاً أو رضيعاً، فهو أوْلَى قاله في "البَحْر".
ابن وبنت، فالصحيح أنَّهما كالابنين أو كالبنتين، وفيه وجهٌ أن البنْتَ أوْلَى؛ لِضَعْفها.
ابن بنت وبنت ابن، حكى الرويانيُّ أن بنت الابن أوْلَى؛ لضعفها، وعصوبة أبيها، ويثبه أن يُجْعَلاَ كالبنْتِ والابن.
أبٌ وَجَدٌّ أو ابنٌ وابنُ ابن، في وجْهٍ: هما سواءٌ؛ لتساويهما في القرابة، والأصحُّ: تقديم الأب والابن؛ لزيادة القُرْب، فإن كان الأبْعَدُ زَمِناً، ففي "التهذيب" أنه أوْلَى وذكر أنه لو اجتمع جدَّانِ في درَجَةٍ واحدة، وأحدهما وعصبة، كأبِ الأبِ معَ أبِ الأمِّ, فالعصبة أوْلَى، وأنه لو اختلفت الدرجة، واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب أوْلَى، وإن كان الأبعد عصبةً، تعَارِضُ القرْبَ والعصوبة، واستويا.
ابنٌ وأبٌ إن كان الابن صغيراً، فهو أوْلَى وإلا، فثلاثة أوجه.
أحدها: أن الابن أوْلَى أيضاً، كما في الصغير.
والثاني: الأبُ أَوْلَى؛ لعظم حرمته.
والثالث: أنهما سواءٌ، ويُحْكَى عن اختيار القفَّال، وتجري الأوجه في الابْنِ والأمِّ، وفي الأب والبنت، ويشبه أن تجيء طريقةٌ قاطعةٌ بتقديم الأب وتجري الأوجه في الجد وابن الابن.
أبٌ وأمٌّ، فيه ثلاثة أوجه: أصحهما: تقديم الأم؛ لزيادة عجزها, ولأنها انفردت بجملة إرضاعه وحضانته، فكان حقُّها آكَدَ، ويُرْوَى أن رجلاً أتَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَنْ أَبَرُّ فَقَالَ: أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: أَبَاكَ" 110.

الجزء: 10 - الصفحة: 83

والثاني: يُقدَّم الأب مكافأةً لاتفاقه علَيه في الصغر.
والثالث: التسوية بينهما؛ لاستوائهما في القرب.
جدٌّ وابنٌ، فيه طريقان أحدهما: طرْدُ الوجوه.
والثاني: القطْعُ بتقديم الابن، وعن "الجامع" للقاضي أبي حامد: أنه لو اجتمعت جدتانِ لإحداهما ولادتان، وللأخرى ولادةٌ واحدةٌ، فإن كانتا في دَرَجَةٍ واحدةٍ، [فذات] الوِلاَدتَيْنِ أوْلَى، وإن كانت هي أبْعَدَ، فالأُخْرَى أَوْلَى وأنه لو اجتمعت بنتٌ بنْتُ بنتٍ، أبوها ابْنُ ابنِ بنْتٍ مع بنتِ بنتِ بنتٍ، ليس أبوها من أولاده، فإن كانتا في دَرَجَةٍ واحدةٍ، فصاحبه القرابتين أولَى، وإن كانَتْ هي أبْعَدَ، فالأخْرَى أوْلَى، ومهما استوى اثنان، وُزِّعَ المقدور عليه بينهما، وإن كثروا بحيث لو وزَّعْنا، لا يسد قسْط كل واحد منهما مسداً، فالطريقُ الرجوعُ إلى القُرْعة، وكان يَجُوز أن لا يُصَار إلى التوزيع أصلاً؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم لا يكفيه ما يَخُصُّه؛ ولذلك قلْنا: لو قَدَر الزوجُ على نصْف المُدِّ، كان لها حقُّ الفسخ على الأظهر.
وقوله في الكتاب: "في ازدحام الآخذين" أشار بلفظ "الازدحام" إلى أن الكلام في الكتاب فيما إذا لم يتيسر له الإنفاق على جميعهم، وفَضَلَ عَنْه شيء وازدحموا عليه.
وقوله: "فالزوجة أوْلَى" يجوز أن يُعْلَمَ بالواو.
وقوله: "ترجح للأخذ" يجوز أن يُقْرَأَ الآخِذ على موافقة لفظ الآخذين، ويجوز أن يقرأ "الأخْذ"، وهو أوْلَى؛ لقوله في مقابلته: "الالتزام".
فُرُوعٌ: إذا أوجبنا النفقة على أقرب القرابَتَيْنِ، فمات أو أَعْسَرَ، وجَبَ على الأبْعَدِ، ثم إن أَيْسَرَ الأقرب بعْد ذلك، لم يرجع الأبْعَدُ عليه بما أنفق.
وفي "البحر": أنه لو كان له وَلَدَانِ، ولم يَقْدِر إلا على نفقة أحدهما, وله أب موسِرٌ، وجب على الأب نفقةُ الآخرِ فإنِ اتفقا على الإنفاق بالشَّرِكة، أو على أن يَخْتَصَّ كُلُّ واحدٍ بواحدٍ، فذاك، وإن اختلفا، عُمِلَ بقول مَنْ يدعو إلى الاشتراك.
وذكر أنه لو كان للأبوَيْنِ المحتاجَيْنِ ابنٌ، لا يَقْدِر إلا على نفقة أحَدِهما, وللابْنِ ابنٌ موسرٌ، فعلى ابْنِ الابْنِ باقي نفقتهما، فإن اتفقا على أن ينفق عليهما بالشركةَ أو عَلَى أن يختص كلُّ واحدٍ منهما بواحدٍ، فذاك، وإن اختلفا رجعنا إلى اختيار الأبوين، إن = حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة، ورواه أبو داود من طريق كليب بن منفعة عن جده نحوه، وعن المقدام بن معدي كرب سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب، أخرجه البيهقي بإسناد حسن.

الجزء: 10 - الصفحة: 84

استوت نفقتهما، وإن اختلفت، اختصَّ أكثرهما نفقة، بمن هو أكثر [هما] يساراً وجوابا الصورتين متفاوتان كما ترى والقياس أن يُسَوَّى بينهما بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابْنِ تفريعاً على الأصَحِّ، وهو تقديم الأمِّ على الأبِ، وإذا اختصَّتْ به، تعين الأبُ لإنفاق ابْنِ الابْنِ.
ولا يجب على العَبْد نفقةُ ولَدِهِ، ولكن، إن كانتِ الأم حرةً، فالولد حرٌّ، وعليها نفقته، وإن كانَتْ رقيقة: فهو رقيق أيضاً، والنفقة على المالك، وإن كان الوَلَدُ حُرّاً، والأبوان رقيقين، فنفقته في بيت المال، إلا أن يكون في فروعه مَنْ تلزمه نفقته، ولا يجب على المكاتَبِ أيضاً نفقةُ ولَدِهِ من زوجته، سواءٌ كانَتْ زوجته أمَةً أو حُرَّةً أو مكاتَبَةً، أمَّا إذا كانتْ حرَّةً، فِلأنَّ ولدها يكون حرّاً، والمكاتَبُ لا يُنْفِق على أقاربه الأحْرَارِ، ولأنه ليس من أهل المواساة، وأما إذا كانت أمةً، فلأَنَّ ولدَها يكون لِمَالِكِها، ونفقته عليه لِحَقِّ المِلْك، وأما إذا كانَتْ مكاتَبَةً، فوَلَدُها ملك للسيد، أو يتكاتب عليها حتَّى يَعْتِقَ بعتقها، وَيرِقَّ بِرِقِّها؟ فيه قولان، فإن قلْنا: إنه مِلْكٌ لسيدها، فنفقته عليه، وإن قلْنا: يتكاتب عليها، فنفقته على المكاتبة، أو على سَيِّدها؟ فيه قولان بِنَاءً على أنه لَوْ قبْل لمن تكون القيمة؟ وفيه قولان: أحدهما: للسَّيِّد، فعَلَى هذا تكون النفقة.
والثاني: أنها للمكاتَبَةِ، تستعين بها على أداء النُّجُوم، فعلَى هذا تنفق هي على الولَدِ مِنْ كسبها.
قال القاضي الرُّويانيُّ: هذا أصح ويتبيَّن بما ذكرنا: أن ولَدَ المكاتَبَةِ لا تجِبُ نفقته على أبيه بحال، حرّاً كان أو عبداً، أو مكاتباً، وكما لا يجب على المكاتَبِ أن يُنْفِق على وَلَدِه من زوجته الأمة أو المكاتَبَةِ، لا يجوز له عَجَزَ أن ينفق عليه؛ صَيانةً لحق السيد، فإن كانت الأمة أو المكاتَبَة لسَيِّده أيضاً، فيجوز أن يُنْفِقَ على الوَلَدِ، وإن لَمْ يجب، أما في ولَدِهِ من الأَمَة، فعلى الإطلاق، فإنه مِلْكٌ للسيِّد فإن عَجَزَ المكاتَبُ، فقد أنفق من مال السيد على ملكه، وإن رَقَّ، فقد أنفق من مال نفسه على مِلْكِ السيد، وأما في وَلَدِه من المكاتَبَة، فكذلك، إن جعلْناه مِلْكاً للسيد، وإن قلنا: يتكاتب علَيْها، فلا يجُوزُ له أن يُنْفِق عليه، لجواز أن تُعْتَق ويُعْتَق الولد، ويعجز المكاتَبُ، فيكون قد فَوَّت مال سيده؛ هكذا أطلقوه، ولا يصح القول بتجويز الإنفاق من ماله على ملكه بغَيْر إذنه، ولو استولد المكاتَبُ جارية نَفْسِهِ، فإنْ قلْنا: لا يجوز له ذلك، فيتكاتب الولد عليه، وينفق المكاتَبُ عليه من اكتسابه؛ لأنه لَوْ أُعْتِقَ، فقد أنفق من ماله على وَلَدِهِ، وإن رَقَّ الولدُ أيضاً، فيكون قد أنفق مال السيد على عبده.
وهل تجب نفقة المكاتَبِ على ولده الحُرِّ؟

الجزء: 10 - الصفحة: 85

عن "الحاوي": أنه يحتمل وجهَيْن: أحدهما: لا، لبقاء حكم الرَّقِّ عليه.
والثاني: نعم؛ لانقطاع نفقته عن السيِّد (1)، ومَن نصْفه حرُّ ونصفُه رقيقٌ، قال في "البسيط": الظاهر أنَّه يلزمه نفقة القريب؛ لأنها كالغرامات، وهل يلزمه نفقة تامَّة أو نصْف النفقة، فقد حكى القاضي ابن كجٍّ فيه وجهَيْنِ (2) وذكر وجهَيْنِ (3) أيضاً فيمن نصفه، حرٌّ ونصْفه رقيقٌ، هل يجب على قريبه الحرِّ نفقته بقدْر ما فيه من الحرية، والله أعلم.

البَابُ الثَّالِثُ فِي الحَضَانَةِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الحَاضِنَةِ فَنَقُولُ: الحَضَانَةُ وِلاَيَةٌ وَسَلْطَنَةٌ لَكِنَّهَا بِالإِنَاثِ أَلْيَقُ، وَالأُمُّ أَوْلَى مِنَ الأَبِ وإِنْ كَانَتِ المُؤْنَةُ عَلَى الأَبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً (ح) إِذَا كَانَ الوَلَدُ مُسْلِماً، وَعَاقِلَةً وَحُرَّةً إِذْ لاَ فَرَاغَ لِلرَّقِيقَةِ وَلاَ وِلاَيَةَ لَهَا وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، وَأَمِينَةً إِذ لاَ يُوثَقُ بِالفَاسِقَةِ، وَفَارِغَةً فَإِذَا نَكَحَتْ بَطَلَ حَقُّهَا إِلاَّ إِذَا نَكَحَتْ عَمَّ الطِّفْلِ أَوْ مَحَارِمَهُ، وَلاَ يُؤَثِّرُ رِضَا الزَّوْجِ، وَيَرْجِعُ حَقُّهَا إِنْ طُلِّقَتْ (م) وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا فَارِغَةٌ، وَفِيْهِ قَوْلٌ إِنْ كَانَتْ فِي مَسْكَنِ الزَّوْجِ فللزَّوْجِ أن لاَ يَرْضَى بِدُخُولِ الطِّفْلِ دَارَهُ، وَمَهْمَا امْتَنَعَ الأَوَّلُ أَوْ غَابَ انْتَقَلَ حَقُّ الحَضَانَةِ إِلَى البَعِيدِ (و) لاَ إِلَى السُّلْطَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحضانة القِيَامُ بحفظ من لا يميِّز، ولا يَسْتَقِلُّ بأمره، وتربيتُه بما يُصْلِحه، ووقايته عما يهلكه، فهي نوع ولايةٍ وسلطنةٍ، لكنها بالإناث أليقُ؛ لأنهن أشفقُ وأهْدَى إلى التربية، وأصبر على القيام بِهَا، وأشدُّ ملازمةً للأطفال، وقد روِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ امرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءٌ، وَثَدْيِيْ لَهُ سِقَاءً، وَحجْرِي لَهُ حَوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أن يَنْزَعَهُ مِنِّي،111112113

الجزء: 10 - الصفحة: 86

فَقَال النَبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْتِ أَحَقُّ به مَا لَمْ تَنْكِحِي" 114 ومؤنة الحضانة على الأب؛ لأنها من أسباب الكفاية كالنفقة، وفي "أمالي أبي الفرج" -رحمه الله- وجْهٌ: أنه ليسَ للأمِّ طلَبُ الأجرة بعْد الفطام 115، وأمَّا أجْرَةُ مدة الرضاع، فقد سبق الكلامُ فيها، وفي الباب فصلان: أحدهما: في صفات من تَحْضُنُ ويُحْضَن، والحضانة لا تخْتصُّ بالإناث، لكنَّهن الأصْلُ فيه؛ ولذلك أتت في ترجمة الفَصْل، فقال: "في صفات الحاضنة".
والثاني: في بيان المستحقِّين للحضَانَةِ وتربيتهم: أَما الفَصْلُ الأَوَّل: فقوله في الكتاب: "فالأم أَوْلَى من الأَب" معادٌ مِنْ بَعْدُ، وليس الغرض الآن الكلام في الترتيب، لكنِ الأُمُّ أَوْلَى الأقارب بالحضَانة، فَتَكلَّم في الصفات المعتبرة فيها، ويقاس بما يعتبر فيها ما يعتبر في غيرها، واعلم أن أبوَيِ الطفل، إن كانا مجتمعَيْنِ على النكاح، فيكون الطفل معهما، يقومان بكفايته الأبُ بالإنفاق، والأُمُّ بالحَضَانَةِ والتَّرْبية، وإنْ وَقَع بينهما فراقٌ بفسخ أو طلاق، فالحضانةُ للأُمِّ، إن رغبتْ فيها كما نطق به الخَبَر، لكنَّ استحقاقها بشروط: أحدها: أن تكون مُسْلِمَةٌ، إذا كان الولَدُ مُسلِماً، فالكافرةُ لا حَضَانَةَ لها على الولَدِ المُسْلم، بإسلام أبيه؛ لأنه لا حظ له في تربية الكافرة؛ لأنها تفتنه، وهو ينشأ على ما يألفه منها؛ ولأنه لا ولاية للكافر على المسلم، وعن أبي سعِيدِ الإصطخريِّ: أنه يثبت للكافرة حقُّ الحضانة، احتجاجاً بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "خَيَّرَ غُلاَماً بَيْنَ أَبيهِ المسْلِمِ وَأُمِّهِ المُشْرِكَةِ، فَمَالَ إلى الأُمِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ، اهدِهِ، فمال إلى الأب" 116، وعن

الجزء: 10 - الصفحة: 87

بعض الأصحاب فيما حُكَى عن القاضي الرويانيِّ: أن الأم الذمِّيَّةَ أحقُّ بالحضانة من الأب المسلم، إلى أن يبلغ المولودُ سَبْع سنين، ثم الأبُ بعد ذلك أوْلَى قال الأصحاب: والمذهبُ الأولُ، والخبَرُ منسوخٌ، أو محمُولٌ على أنه -صلى الله عليه وسلم- عَرَفَ أنه يُستجابُ دعاؤهُ، وأنه يختار الأب المسلم، وقصد بالتخيير استمالة قلْبِ الأم، وعلى المذهَبَيْنِ تكون الحضانة لأقاربه المسلمين على ما يقتضيه الترتيب، فإن لم يوجد حد، فحضانته على المسلمين، والمؤنةُ في ماله، فإن لم يكن له مالٌ، فعلَى أمه، إن كانت موسرةً، وإلا، فهو من معاويج المسلمين، ووَلَدُ الذِّمِّيِّينَ في الحضانة كولد المسلمين، فالأم أحق بها, ولو وصف صبيٌّ منهم الإسْلاَمَ، نُزعَ من أهل الذمة، ولم يمكنوا من كفالته 117 صحَّحْنا إسلامه أو لم نُصَحِّحه احتياطاً للإسلام، والطفل الكافر هل يثبت لقريبه المسلم حقُّ حضانته؟ قال في "التتمة": الصحيح 118 مِنَ المذهب ثبوتُهُ، وفيه نَظَرٌ له، فقد تصير تربية المسلِمِ سَبَباً لإسلامه، وفيه وجْهٌ آخَرُ بناءً عَلَى أن القريب الذي لَيسَ بوارث لا حضانة له.
قال: ويجري هذا الخلاف فيما إذا جُنَّ الذميُّ، وله قريبٌ مسلمٌ، هل يثبت له حقُّ الحضانة؟ والثاني: أن تكون عاقلةً، فالمجنونة لا حضانَةَ لها؛ لأن المجنون لا يتأتى منه الحفْظُ والتعهُّدُ، بل هو في نفسه محتاجٌ إلَى مَنْ يحضنه، ولا فَرْقَ بين أن يكون الجنونُ مطبقاً أو منقطعاً، إلا إذا كان لا يقع إلا نادراً، ولا تطول مدته، كيوم في سنين مثلاً، فلا يبطل الحقُّ، بل هو كمرض يطرأ 119 ويزول، والمرضُ الذي لا يرجَى زواله، كالسل والفالج، إن كان بحيث يُؤْلمه ويشغله الألم عن كفالته وقد بين أمْرِهِ، يسقط حقُّ الحضانة، وإن كانَ تأثِيرُه في تعسر الحركة والتصرُّف، فكذلك في حقِّ مَنْ يباشر الكفالة بنفسه دُونَ مَنْ يدبِّر الأمور ويباشرها غيره 120.

الجزء: 10 - الصفحة: 88

والثالث: أن تكون حرَّةً، فلا حضانة للرقيقة؛ لأن منفعتها للسَّيِّد، وهي مشغولة به، غير مُتَفرِّغَة للحَضَانة، ولأنها نوع ولاية واحتكامٍ بالحفظ والتربية، والرقيق لا ولاية له، وإن أذن السَّيِّد.
ثم يُنْظَرُ؛ إن كان الولَدُ حُرّاً فحضانته لِمَنْ له الحضانة بعْد الأم مِنَ الأب وغيره، وإن كان رقيقاً، فحضانته على السيِّد، وهل له نزعه مَن الأب وتسليمه إلى غيره؟ فيه وجهان بنَاءً عَلَى القولَيْنِ في جواز التفريق، ولو كانت الأمُّ حُرَّةً، والولدُ رقيقاً، كما لو سُبِيَ، الولد ثم أسْلَمَتِ الأمِّ أو قبلت: الذمة، فكذلك حضانته للسيد وفي الانتزاع منْها الخلافُ، والمدبرة والمُكَاتَبَةَ والمُعْتَقُ بعْضُها لا حَضَانَةَ لَهُنَّ كالقنة.
نعَمْ، وَلَدُ المكاتَبة، إذا قلنا: هو إنها تستعين به في الكتابة، فَيُسلَّم إليها؛ [لا] لأن لها ولايَةَ الحضانة، [لكن الحقَّ لها] 121 وولَد أُمِّ الوَلَدِ منَ الزَّوْج أو الزنا حُكْمه حكم الأم يُعْتَق بموت السيِّد، وحضانته للسيِّد مدةَ حياته، وهل لها حق الحضانة في وَلَدِها من السَّيِّد؟ فيه وجهان: الصحبح المشهور، وهُوَ الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: المنع؛ لنقصانها بالرِّقِّ، وعن الشيخ أبي حامِد: أن لها الحضانةَ إلى سَبْع سنين، ثم السيد أوْلَى بالولد بعْد السبع، قال القاضي الرويانيُّ: والمصلحة الفَتْوَى بما ذكره، وإن كان الصحيحُ الأوَّلَ، ولا حضانة لِمَنْ بعضها رقيقٌ أيضاً؛ لنقصانها, ولو كان نصْفُ الولد حرّاً، ونصفه رقيقاً، فنصف حضانته للسيد، ونصْفُها لمَنْ يلي حضانته من أقاربه الأحْرَارِ، فإن اتفقا على المهايأة، أو على استئجار من تحضنه، أو رضي أحدهما بالآخر، فذاك، وإن تمانَعَا، لم يضيع واستأجر الحاكم من تحضنه، وأوجب المؤنة على السيد وعلى من تقتضي الحال الإيجاب عليه.
والرابع: أن تكون أمينة، فلا حضانة 122 للفاسقة؛ لأن الفاسق لا يلي، ولأنها لا يُؤْمَنُ أن تخون في حفظه، ولأنه لا حَظَّ له في حضانتها؛ لأنه ينشأ على طريقتها.
= في الكفاية: إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل العثرات، فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظاً من مراقب لا يسهر ولا يغفل لأوشك أن يهلك، ومقتضى هذا أن العلماء يمنع فإن الملاحظة معه كما وصف لا يتأتى.
وقد يقال في ما قيل في الفالج إذا كان لا يلهي عن الحضانة بل يمنع الحركة.
انتهى.
وهو مصرح بجواز الاستنابة.

الجزء: 10 - الصفحة: 89

والخامس: أن تكون فارغةً خليَّةً، فلو نكحت أجنبيّاً، سقط حقُّها من الحضانة؛ لما سبق من الخبر، ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الأم أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ" ولأن النكاح يشْغَلُها، بحَقِّ الزوج، ويمنعها من الكفالة، ولا أثر لرضا الزوج، كما لا أثر لرضا السيد، [بحضانة الأمة] وقد يرجعان، فيشوش أحد المولود، ولو نكَحَتْ عمَّ الطفل، ففيه وجهان: أشهرهما: أنه لا يَبْطُل حقُّها؛ لأنَّ العمَّ أيضاً صاحبُ حقٍّ في الحضانة، وشفقته تحمله على رعاية الطِّفْل، فيتعاونان على كفالته، بخلاَف الأجنبيِّ، وهذا هو المذكور في الكتاب وفي "التتمة" وبه قال القَفَّال، ويقال: إن صاحب "التلخيص" خَرَّجَه من قول الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما إذا نَكَحت الجدَّةُ جدَّ الطفل: أنه لا يَبْطُل حقُّها من الحضانة 123، وكذا لو كانت [في نكاحه، يثبت لها حقُّ الحضانة، بخلاف ما لو كانت] 124 في نكاح أجنبيٍّ.
والثاني: أنه يَبْطُل حقُّهما؛ لإطلاق الخبر، وليس العمُّ كالجَدِّ؛ لأنَّ الجد ولي تام الشفقة، قائمٌ مقامَ الأبُ بخلاف العَمِّ.
وقوله في الكتاب: "عم الطفل أو محارمه" من محارمه عمُّ أبيه، وابْنُ أخيه، وابن أخته لكنْ لفظ "المحارم" إنَّمَا كان يحسن أن لو كان المحارمُ هم الملحقين بالعم، وليس كذلك، بل الخلافُ في الأمُّ والعمِّ مُطَّرِدٌ في نكاح الَّتِي لها الحضانة قريبًا للطِّفْل له حَقُّ في الحضانة، كما أنه إذا نَكَحَتْ أمه ابن عم الطفل، أو خالته، إذا صارت الحضانة لها أو عم الطفل أو عمته إذا صارت الحضانة لها خالة، هكذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، ثم إنَّما يبقى الحقُّ، إذا نكحت الجَدَّةُ جدَّ الطفل أو الأم عمه على أصح الوجهَيْن, إذا رضي الذي نكحته بحضانتها، فإن أبى، فله المنع، وعليها الامتناع ثم إذا اجتمعت هذه الشروطُ، فإنما تَثْبُت لها الحضانَةُ، إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلدٍ واحدٍ، فأما إذا سافر أحدهما، فسيأتي حكمه من بعد، وهل يُشْتَرَط؛ لاستحقاقها الحضانة، أن تُرْضِع الوَلَدَ إنْ كان رضيعاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ولها الحضانَةُ، وإن لم يكُنْ لها لَبَنْ أو امتنعت من الإرضاع، وعلى الأب أن يستأجر مرضعةً تُرْضِعه عنْد الأم.
والثاني: نعم؛ لعسر استئجار مرضعة تخلي بيتها وتنتقل إلى مَسْكَن الأمِّ؛ وعلَى

الجزء: 10 - الصفحة: 90

هذا، فلا تُمنَعُ الأم من زيارته 125، والأولُ أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وأجاب الأكثرون بالثاني، ونَسَبُوا الأَوَّلَ إلى مذْهَب أبي حنيفة، [ثم] في الفصل مسألتان، نذكرهما مع ما يناسبهما: إحداهما: لو أسلمت الكافرةُ أو أفاقتِ المجنونةُ أو عَتَقَتِ الأمة أو حَسُن حال الفاسِقَةِ، تثبت لها الحضانة؛ لارتفاع المانع، ولو طُلِّقت التي سَقَطَ حقُّها بالنكاح، عاد حقُّها خلافاً لمالك.
لنا القياس على الصورة المذكورة، ولا فرْقَ بين أن يكون الطَّلاق بائناً أو رجعيّاً؛ لحصُول الفراغ في الحالَتَيْنِ، هذا هو الظاهر المنصوص.
وقال أبو حنيفة والمزنيُّ لا يعودُ حقُّها بالطلاق الرجعيِّ، حتى تنقضي العدة، وعن ابن سُرَيْج: تخريج قول مثله لمضاهاة الرجعية المَنْكُوحة في الأحْكَام، واحتج له الشيخ أبو عليٍّ، بأن الرجعيَّة تستحق النفقة علَيْه، ولو كان لها أن تحصن ولدها منْ غَيْرِه وتُرْضِعَه، لسقطت نفقتها، كما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: في امرأة المفقود، إذا اعتدت بأمْرِ الحاكم، ونكَحَتْ ثم عاد الزوْج الأول، وقد ولدت من الثاني: أنه لا نفقةَ علَيْه في إرْضَاعِها وَلَدَ غيرِهِ، وعلى الأول: فإنما يعود حقُّها في [الحضانة] إذا كانت تعتد في بيْتِ الزوج، إذا رضي أن يَدْخُلَ الولد بيته، فإن لم يَرْضَ، لم يَكُنْ لها أن تُدْخِلَه بيته، وكذا في البائنة، وإذا رَضِيَ، لم يكن رضاه كالرِّضَا في صُلْب النكاح؛ لأن المنع هناك؛ لاستحقاقه الاستمتاع، واستهلاك منافعها فيه، والمنع هاهنا يَرْجع إلى المسْكَن، فإذا أذن كان كالمعير.
والثانية: إذا امتنعت الأمُّ من الحضانة، أو غابت، فهَلْ ينتقل حقُّ الحضانة إلى الجَدَّة؟ فيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 91

أصحُّهما: نعم، كما لو ماتت أو جُنَّت.
والثاني: وبه قال ابن الحدَّاد: لا؛ لأن أصليتها باقية، وإنما تركت حقها، بخلاف ما إذا ماتت أو جُنَّتْ، فصار كولاية التَّزْويج، إذا مات الأقرب أو جُنَّ، يُزَوَّج الأبعد، وإذا غاب أو عضل ينوب عنْه السلطان، [ولا يزوج الأبعد، وذكروا على هذا: أن الحضانة تَكُونُ للأب ونزلوه منزلة السلطان،] 126 وهو بعيد، وحق التشبيه بولاية النكاح أن تكُونَ الحضانة للسُّلْطان؛ ولذلك حكاه في "التتمة" عن ابن الحدَّاد.
والصحيح: [أنه] مهما امتنع الأقرب عن الحضانة، تكون الحضانة لِمَنْ يليه، لا للسلطان؛ لأنَّ الحضانة لحظ الطفل، فتفويضها إلى القريب الذي هو أشفق وأشدُّ اهتماماً به وأكْرَمُ إِعَالَة أَوْلَى، بخلاف ولاية النكاح؛ لأن الغائب يمكنه التَّزْوِيج في الغيبة، فإذا لم يفعل، ناب عنه السُّلْطَان، ولا يمْكنه الحضانة في الغَيْبَة، فصار كما إذا نَكَحَت مستحقة الحضانة لم يمكنها القيامُ بها، سَقَط حقُّها، وانتقل إلى مَنْ بعدها، والله أعلمُ.
وليُعْلَمُ قوله في الكتاب: "أن تَكُونَ الأُمُّ مُسْلِمَةً" بالواو وبالحاء؛ لأن عن أبي هريرة وغيره من الأصحاب أنَّ عند أبي حنيفة [لا] يبْطُل حق الحضانة بالكفر، وأعلم بالواو قوله: "إلا إذا نَكَحَتْ عمَّ الطفل أو مَحَارِمَه" واحتج في "التتمة" لبقاء حق الحضانة، إذا نكحت مستحقة الحضانة مَنْ له حقُّ [في] الحضانة، أو إذا كانت في نكاح مثله؛ لِمَا رُوِيَ أن عليّاً وجعفراً وزيْدَ بْنَ حارِثَة -رضي الله عنهم- تنازعوا في حضانة بنت حمزة -رضي الله عنه- بعْدما استشهد، فقال عليٌّ -كرم الله وجهه-: بِنْتُ عَمِّي وعندي بنت رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقال زَيْدٌ -رضي الله عنه-: بِنْتُ أَخِي، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ آخى بيْن زَيْدٍ وحمزةَ، وقال جعفرٌ -رضي الله عنه-: الحضانة لي في بِنْتُ عَمِّي وعنْدي خالتها 127، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخَالَةُ أُمٌّ وَسَلَّمَهَا إلى جَعْفَرٍ وجعل لها الحضانة، وهي ذات زوج 128. وقوله: "وإن كانت رجعية" مُعْلَم بالحاء والزاي.

الجزء: 10 - الصفحة: 92

وقوله: "إلى البعيد لا إلى السلطان" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (أَمَّا صِفَةُ المَحْضُونِ) فَهِيَ أَنْ لاَ يَسْتَقِلَّ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالمَعْتُوهِ، وَالبِكْرُ البَالِغَةُ عَلَيْهَا وِلاَيَةُ الإِسْكَانِ لِلأَبِ وَالجَدِّ، وَالثَّيِّبُ فَلاَ، إِلاَّ عِنْدَ تُهْمَةٍ فَيَثْبُتُ حَقُّ الإِسْكَانِ لِأَوْلِيَائِهَا أَعْنِي العَصَبَاتِ، ثُمَّ الأُمُّ أَوْلَى بِالصَّغِيرِ، أمَّا إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا (ح م)، فإنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سُلِّمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ اسْتُرِدَّ، وَيَسْتَوِي (ح) فِيهِ الغُلاَمُ وَالجَارِيَةُ، وَهَلْ يَجْرِي التَّخْييرُ بَيْنَ الأُمِّ وَمَنْ عَلَى حَاشِيةِ النَّسَبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الأَبِ وَالأُخْتِ وَالخَالَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأبَ لَمْ يَمْنَعِ الأُمَّ مِنَ الزِّيَارَةِ، وَإذَا اخْتَارَ الأُمَّ فَعَلَى الأَبَ مُرَاعَاتُهُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى المَكْتَبِ وَالحِرْفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: المحْصُون مَنْ لا يستقلُّ بمراعاة نفسه، ولا يهتدي إلى مصالِحِهِ، إما الصِغَرِ أو جنونٍ أو خَبَلٍ قلَّةِ تمييز أو فَقْده، ومهما بلغ الغلام رشيداً وَليَ أَمْرَ نفسه، واستغنى عمن تحْضُنُه، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، إن افترقا، ولكن الأَوْلَى أن لا يفارقهما ليخدمهما، ويصل إليهما بِرُّهُ، وإن بلغ عاقلاً غيْرَ رشيدٍ، فقد أطْلَقَ مُطْلِقُون: أنه كالصبيِّ لا يفارِقُ الأبوين وتُدَام حضانته، وقال القاضي ابن كج: إن لم يكنْ مُصْلِحاً لماله، ولم يُحْسِن تدبير نفسه، فالحكم كذلك، وأما إذا كان اختلال الرشيد لعدم الصلاح في الدين، فالمَذْهَب: أنه يسكن حيث يشاء، ولا يُجْبَر على أن يكون عند الأبوين أو أحدهما، وعن أبي الحُسَيْن: أنَّ بعْض الأصحاب قال: تُدَام حضانته إلى ارتفاع الحَجْر عنه، وهذا التفصيل حَسَنٌ وأما الأنثى إذا بَلَغَتْ، وكانت ذاتَ زَوْجٍ، فَتَكُون عند زوجِها، وإلا فإنْ كانت بِكْراً فتكون عند أبَوَيْهَا أو مع أحدهما، إن افترقا، وتختار مَنْ تشاء منهما، وهل تُجْبَر على ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ، وليس لها الاستقلال؛ لأنها في معرض الآفَاتِ، وإذا كان للأبِ والجدِّ إجبارُهَا على النكاح، وهو أعظم حَبْساً، فَلأَنْ يجوز لهما الحَبْسُ في البيت كان أَوْلَى.
والثاني: لا، ولها أن تَسْكُنَ حيث شاءت، ولكن تُكْرَه لها مفارقتهما؛ لما يخاف من الآفات، وهذا ما يوجد في كتب الأصحاب العراقيين، ورأَى الإمامُ وصاحبُ الكتابِ الأَوَّلَ 129 أظْهَرَ، وكذلك ذكر القاضي ابن كج: أنَّه ظاهر المذهب.

الجزء: 10 - الصفحة: 93

وقوله في الكتاب: "عليها ولاية الإسكان للأب والجد" يعني إسكانها عنْدهما وضمها إليهما، وقد أشار إلى تخصيص هذه الولاية بالأب والجد، كولاية الإجْبَار على النِّكَاح، وصرَّح به في "الوسيط" و"البسيط" لكن في "التهذيب": أن للأب أن يَضُمَّها إلى نَفْسِه إلى أن تُزَوَّج، وتُزَفَّ، وكذا الجَدُّ عند عدمه، وفي الأخ والعم وجْهان 130، وإن كانت ثيِّبَاً، فالأوْلَى أن تكون عند الأبوين أو أحدهما, ولا تجبر عليه باتفاق الأصحاب -رحمهم الله-؛ لأنها صاحبة اختيار، وممارسة وبعيدة عن الخديعة، وهذا إذا لم تكن تهمة، ولم تُزَنَّ بريبةٍ فإن كان هناك شيْءٌ من ذلك، فَلِلأَب والجَدِّ ومَنْ يَلِي مِنَ العَصَبَات تزويجُها منعها من الانفراد، ثم المَحْرَم منهم يضمها إلى نفسه، إن رأَى ذلك، وغير المَحْرَم يُسْكِنُها موضعاً يليق بها، ويلاحظها صيانةً لها، ودفْعاً للعار عن النَّسَب، وهذا كما أنَّهم يعترضون على النكاح، إذا فقدت الكفاءة، وعبر في الكتاب عن هذه الجملة بقوله: "فيثبت حقُّ الاسكان لأوليائها يعني، العصبات" وقَدْ يُفْهَم [من] هذا تخصيصُ هذه الولايةِ بالعَصَبَاتِ الدين [يعترضون] على النكاح؛ لفوات الكفاءة، ولكن ذكر في "التهذيب": أن في مَوْضِع التهمة يَضمُّها إلى نفسه أحدُ الأبوين، وأي الأولياء كانَ مِنْ جَدٍّ أو أخٍ أو عَمٍّ، فأثبت ذلك للأم، كما أثبته للعَصَبَاتِ، ولو فُرِضَتِ التهمة في حقِّ البكر، فهي أوْلَى بالاحتياط، فتمنع مِن الانفراد بلا خلافٍ، وحكي في "العُدَّة" عن الأصحاب: أنهم ذَكَروا في الأمرد إذا خِيفَ من انفراده فتنةٌ، وانقدحت تهمة: أنه يُمْنَعُ من مفارقة الأبوين 131. إذا ادَّعَى الوليُّ ريبةً، وأنكرتْ هي، فقد ذكروا احتمالَيْن: أحدهما: لا يقبل لأنَّ الحكم على العَاقِلَة الحرة؛ لمجرد الدعْوَى بعيدٌ.
والثاني: وهو الأقرب: أنه يُؤْخَذُ بقوله، ويحتاط بلا بينة، فإنَّ إسكانها في موضع البراءة أهون من الافتضاح، ولو أقام بينةً.
الثانية: إنَّما يحكم بأن الأم أَوْلَى بالحضانة من الأب في حَقِّ من لا تمييز له أصلاً، وهو الصغيرُ في مبدأ الأمر، والمَجْنُونُ، فأما إذا حصل للصغير التمييزُ، فيُخَيَّر بَيْن الأبوين عنْد افتراقهما، ويكون عند من اختار منهما؛ لما رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَيَّرَ غُلاَماً بَيْنَ أَبِيهِ وَأمِّهِ وَعَنْهُ -رضي الله عنه- أَنه اخْتَصَمَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي وَلَدِ [هِ] مِنْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالت المرأَةُ: يا رسول الله، إِنَّ ابْنِي

الجزء: 10 - الصفحة: 94

هَذَا قَدْ نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة وإِن أباه يُرِيدُ أن يأخُذَه منِّي، فقال الأب: أأحد يُحَاقُّني في ابني؟ فقال رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا غُلاَمُ، هَذِهِ أُمُّكَ، وَهَذَا أَبُوكَ، فَاتَّبعْ أيُّهُمَا شِئْتَ، فَاتَّبَعَ أُمَّهُ 132. وقولها: "نفعني وسقاني" أي بلغ حداً أنتفع به؛ بحَمْل ماءٍ أو متاعٍ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلاً وامراةً أَتَيَا أبا هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- يختصمان في ابْنٍ لهما فقال أبو هريرة: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِمَا شَهِدتُّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقْضِي بِهِ؛ يَا غُلاَمُ، هَذَا أبوك وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَاخْتَرْ أَيُّهُمَا شِئْتَ 133. وعن عمرو -رضي الله عنه- أنه خيَّر غلاماً بيْن أبوَيْهِ 134، ويستوي في التخيير الغلامُ والجاريةُ، كما يستويان في الانتساب، وقال أبو حنيفة ومالكٌ -رضي الله عنهما-: لا يُخيَّر، ثم عند أبي حنيفة: يكون الغلام مع الأمِّ حتى يستقلَّ؛ بأن يأكل ويلبس ويستنجي بنفسه، ثم يُسَلَّم إلى الأب، والجارية تَكُونُ مَعَها حتَّى تُزوَّج، أو تحيض، وعند مالكٍ -رحمه الله-: يكون الغلامُ مع الأم حتَّى يثغر ويُرْوَى حَتَّى يَبْلُغَ، وتكون الجارية مَعَهَا حتى تزوج، ويَدْخُلَ بها الزَّوْجُ.
وقال أحمد: يُخَيَّر الغلام، ولا تُخَيَّر الجارية، بل الأم أحقُّ بها.
وسِنُّ التمييز في الغالب سَبْعٌ أو ثمانٍ على التقريب، قال الأصحاب -رحمهم الله-: وقد يَتقدَّم التمييزُ على سَبْعٍ، وقد يتأخر عن ثمان، والحُكْمُ يُدَار على نَفْس التمييز، لا على سِنِّهِ، وإنَّما يُخيَّر بين الأبوَيْنِ، إذا اجتمع فيهما شرائطُ الحضانة؛ بأن يكونا مسلمَيْنِ حُرَّيْنِ عاقِلَيْنِ عَدْلَيْنِ مقيمَيْنِ في وطَنٍ واحدٍ، على ما سيأتي الكلامُ [فيه] في هذا الشرط -إن شاء الله- وأن تكون الأمُّ خليَّةً عن النِّكَاح، فإن اخْتَلَّ في أحدِهِما بعْضُ الشروط، فلا تخيير، والحضانة للآخر، فإن زال الخَلَل أنشئ التخيير، ولو وجدت الشرائط فيهما، واختصَّ أحدهما بزيادهّ في الدِّينِ أو المالِ أو محبة الوَلَدِ، ففيه وجهان عن "الحاوي":

الجزء: 10 - الصفحة: 95

أحدهما: أنه يرجح من اختص بتلك الزيادة، وأظهرهما التخيير ويجري التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب كالتخيير بين الأبويين وهل يجري التخيير بين الأم وبين من على حاشية النسب؛ كالأخ والعم تفريعاً على ثبوت الحضانة لهم، وهو الظاهر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل الأم أحق لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
وأظهرهما: نعم، ويَدل عليه ما رُوِيَ عن عِمَارةَ الجرمي -رضي الله عنه- قال: خَيَّرنِي عَلِيٌّ -كرم الله وجْهَه- بَيْنَ [أمي وعمي وأنا ابن سبع سِنِينَ أو ثمان، وفي ابن العم مثْلُ هذا الخلاف، ولكن في الولد الذكر، أما الأنثى، فلا تخير، بل تكون مع الأمِّ؛ لأنه ليس بمحرم، قاله في "التهذيب" ويجري الخلاف في التخْيير بيْن الأبِ وبين الأخْتِ والخالة، إذا قدَّمْناه عليهما قَبْل التمييز [على] ما سنبينه -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اختار أحَدَ الأبوَيْنِ ثم اختار الآخَرَ، حوَّلْناه إليه، فإن عاد، واختار الأوَّل، أعدناه إلى الأَول، وذلك لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، ولأن المتبع شهوته، وقد اشتهى المقام عنْد أحدهما في وقْت، وعند الآخر في وقت آخر [كما يشتهي طعماً في وقت، ويميل عنه في وقْت آخَر]، ولأنه قد يقصد مراقبةَ الجانبَيْنِ، فإن أكثر التردُّد بحيث غلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه، فيُجْعَل عند الأم، كما قبل وقت التمييز، وكذا لو بلغ، وهو على نقصانه وخَبَله، ويتعلَّق بالتخيير مسألتان أخريان: إحداهما: إذا اختار الأَبَ، وسُلِّم إليه، فإن كان ذكراً، لم يمنعه الأب من زيارة الأم، ولا يحوجها إلى الخروج لزيارته، وإنْ زارته، لم يمْنَعْها من الدخول 135 علَيْه وله منْع الأنثَى من زيارة الأمِّ, والأم إذا شاءت خَرَجَت إلَيْها للزيارة، فهي أولى بالخروج من البنت؛ لسنها وتجربتها، والزيارةُ تكون في الأيام مرةً على العادة لا في كلِّ يوم، وإذا دخَلَتْ، لم تُطِلِ المكث، وإذا مرض الولدُ ذكراً كان أو أنْثَى، فالأم أولَى بتمريضه؛ لأنها أشفق وأهدى إلَيْه، فأشبه الحضانة في مبدأ الصِّغَر، فإن رَضِيَ بأن تُمَرِّض في بيته، فذاك، وإلا، فينتقل الولَدُ إلى بَيْتِ الأمِّ, ويجب الاحتراز عن الخَلْوة، إذا كانَتْ تُمَرِّض في بيته، وكذا إذا زارَتِ الولَدَ، فإن لم يكُنْ هناك ثالثٌ، فيخرج حتى تدخل، وإذا مات، لم تمنع من الحضور للغسل والتجهيز، إلى أن يدفن وإذا مرضت الأم، لم يَمْنع الأبُ الولدَ مِن عيادتها ذكراً كان أو أُنْثَى، ولا يُمَرِّضُها.

الجزء: 10 - الصفحة: 96

قال الرويانيُّ: إلا إذا أحْسَنَتِ الأنثَى التمريض.
وإذا اختار الأمَّ فإن كان الولد ذكراً، فيأوي إليها ليلاً، ويكون نهاراً عند الأب يؤدبه ويعلِّمه أمور الدين والمعاش، وشملمه إلى المكتب والحرفة 136، والأنثَى تكون عند الأم ليلاً ونهاراً، والأب يَزُورُها على العادَةِ، ولا يطلب إحضارها عنده، وهكذا الحُكْم فيما إذا كان الوَلَدُ عند الأم قبل أن يبلغ سن التمييز.
وقوله في الكتاب: "فعلى الأب مراعاته بالتسليم إلى المكتب والحرفة" إشارة إلى أنه ليس للأب إهمالُهُ باختياره للأم بل عليه القيام بتأديبه وتعليمه، إما بنفسه أو بتحمل مؤناته، وكذا المجنون الذي لا يستقل الأمُّ بضبطه يجب على الأب رعايتُهُ، وإنما تُقدَّم الأم فيما يتأتى منها ويكون من شأنها 137. والثانية: لو خيَّرناه فاختارهما جميعاً، أُقْرعَ بينهما، وإن لم يختر واحداً منْهما، ففيه وجهان، حكاهما القاضي الرُّويانيّ -رحمه الله-.
أحدهما: أنه يُقْرَع بينهما؛ لأنه لا بد من كفالته إلى البلوغ، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وأشبههما: أن الأم أحقُّ بحضانته؛ لأنه لم يختر غيرها، وكانت الحضانة لهما، فيستصحب ما كان، وهذا ما أورده في "البسيط"، وذكر الرُّويانيُّ أيضاً أنَّه لو أسْلَمَ أحد الأبوين في وقْت التخيير، كفالته للآخر، كان الآخر أحقَّ به، ولا اعتراضَ للولَدِ، فإن عاد، وطَلَب الكفالة عُدْنا إلى التخْيير، [وأنه] لو تدافَعَ الأبوان كفالته وامْتَنَعَا منْها فإن كان بعْدهما من يستحقُّ الحضانة كالجَدِّ والجَدَّة، فيُخَيَّر بينهما، وإلا، فوجهان: أحدهما: أنه يُخَيَّر الولد، ويُجْبَرُ مَنِ اختاره على كفالته نَظَراً له.
والثاني: يُجْبَر عليها مَنْ تلزمه نفقته 138.

الجزء: 10 - الصفحة: 97

وإن [كان] على الوجْه الأوَّل، لو امتنعا من الحضانة قبل سن التخْيير، أقرع بينهما، ويُجْبَرَ مَنْ خرجت قرعته على حضانته، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا سَافَرَ الأَبُ سَفَرَ نُقْلَةٍ سَقَطَ حَقُّ الأُمِّ فَلَهُ أَخْذُ الصَّغِيرِ مِنْهَا، إلاَّ إِذَا رافَقَتْهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَبْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ، وَلاَ فِي التِّجَارَةِ وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ، وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ في النُّقْلَةِ إِلَى مَا دُونَ مَرْحَلَتَيْن؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا [في] أن الأم أوْلَى من الأب قَبْل أن يميز الولد، وأنه يُخَيَّر بينهما بعْد تمييزه، هو فيما إذا كان الأبوان مقيمَيْن في بلَدٍ واحدٍ، فأما إذا أراد أحدُهُما أن يُسافِر، [أو أرادا سفراً]، وكان يختلف بلَدُهُما، نُظِر؛ إن كان السفر لحاجةٍ؛ كحجٍّ [وغزوٍ] وتجارةٍ، فلا يسافر بالوَلَدِ؛ لِمَا في السفر من الخطر والضرر، بل يكون مع المقيم إلى أن يَعُود المسافر، ولا فَرْق بين أن تَطُول مدَّة السَّفَر أو تقصر، وعن الشيخ أبي محمَّدٍ وجْه: أن للأب أن يسافر به، إذا كان تَطُول مدَّة سَفَره 139، وإن كان السفَرُ سَفَر نُقْلةٍ، فيُنْظَر؛ إن كان ينتقل إلى مسافة القَصْر، فللأب أن ينتزعه من الأم، ويستصحبه مع نفسه، سواءٌ كان المنتقل الأب أو الأم أو ينتقل أحدهما إلى بَلَد، والآخر إلى بلدٍ آخر، والمعنى فيه الاحتياط لنسبه؛ فإن النَّسَبَ يتحفظ بالآباء دون الأمهات وإذا طالتِ المفارقةُ بيْنه وبين الولد، لم يُؤْمَن اندراس نسبه وخفاؤه، فيتضرَّر به الوالد، وأيضاً، فإن مصْلَحَة التأديب والتعليم وسهولة الإنفاق علَيْه والقيام بمؤناته، تقتضي ذلك.
نعْم، لو رافقته الأمُّ في الطريق والمقصد، دام حقُّها, ولو عاد مِنْ سَفَر النُّقلة إلى بلدها، عاد حقها، وإن كان الطريق الذي يَسْلكه مخُوفاً، والبلد الذي يقْصِده غَيْرَ مأمون؛ لغارة ونحوها, لم يكُنْ له انتزاع الوَلَدِ واستصحابُه، وساعَدَنا مالك وأحمد [على] أن للأب أنْ ينتزعَ الوَلَد وينقله، ولا فَرْق بين أن يكون قَدْ نَكَحَها في بلَدِها، أو في بلدِ الغربة، وعن أبي حنيفة: أنه إن [كان] نكَحَها في بَلَدِ الغربة، فكذلك، وإن نكحها في بَلَدِها، فالأُمُّ أحق به، ويُرْوَى عنه أنه إذا كانَتِ الأمُّ تنتقلُ، والأب مقيماً، فهو أحقُّ به، إلا إذا كانَتْ تنتقل من بلدة إلى قرية، وإن كان الانتقال إلى ما دون مسافةِ القَصْر، فوجهان: أحدهما: أنه لا يؤثر، ويكونان كالمقيمَيْنِ في محلتين من بلدة واحدة، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، والقاضي المَاوَرْدِيُّ، وهو الذي أورده في "التهذيب".

الجزء: 10 - الصفحة: 98

وأشبههما: وهو الأصح عند ابن الصبَّاغ والقاضي الرُّويانيُّ: أنه كالانتقال إلى مسافة القَصْر؛ لانقطاع مصلحة التعليم والتأديب وكأن الخلافَ مبنيٌّ على أن المرعيَّ في الانتقال إلى مسافة القصْر حفْظُ النَّسبَ، [أ] وأن يتأدَّب الولَدُ ويَتعلَّم، فَمَنْ قال بالأول، فارق بين الانتقالين، فإنَّ القوافل والأخبار فيما دُونَ مسافة القَصْر تتواصل، ولا يخشى اندراسُ النَّسَب ومن قال بالثاني مسو بين الانتقالين في فوات التأديب، ولو اختلفا، فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: بل تريد التجارة، فهو أعرف بنيته، فيُصدَّق، ولكن بيمين أو بغَيْر يمينٍ؟ فيه وجهان: أحدهما: بغير يمين.
ويحكى عن القفَّال.
وأصحُّهما: بيمين؛ لأنه يُبْطِلُ حقِّها من الحضانة، فإنْ نَكَلَ، حلفَتْ وأمسكت الولد، وسائر العصبات من المحارم، إذا لم يكن أبٌ كالجَدِّ، والأخُ والعمُّ بمثابة الأب في انتزاع الولد ونقْله، إذا أرادوا الانتقال احتياطاً للنسب، وكذا من ليس بمَحْرَمٍ كابن العم، إذا كان الوَلَدُ ذكراً، وأما الأنْثَى فلا تسلم إليه، قال في "التتمة": إذا لم تَبْلُغ حَدّاً يُشْتَهَى مثلُها، وفي "الشامل": أنه إن كانت له بنْتٌ ترافقه، فتُسلَّم إلى بنته، والمَحْرَم الذي لا عُصُوبة له، كالخالِ، والعمِّ لْلأُمً، ليس له نقْلُ الوَلَد، إذا كان ينتقل؛ لأنه لا حقَّ له في النسب.
وإنَّما يثبت حقُّ النقل للأب وغيره، إذا استجمع الصفاتِ المعتبرة في الحضانة، وذكر في "التتمة": أنه لو كان للوَلَدِ جَدٌّ مقيمٌ، فأراد الأب الانتقال، كان له أن ينقل الوَلَد، ولم تُمْنَع إقامةَ الحَدِّ منه، وكذا حكم الجَدِّ عنْد عَدَمِ الأب، ولا تمنعه منْه إقامةُ الأخ والعَمِّ، لكن، لو لم يكن أبٌ ولا جدٌّ، وأراد الأخ الانتقالَ، وهناك ابن أخ أو عم مقيمانِ فليس له انتزاع الوَلَدِ من الأم ونَقْلُه، وفُرَّقَ بأن كلَّ واحدٍ من الأب والجدِّ أصلٌ في النسب، فلا يعتني به كعنايتهما والحواشي يقرب بعضهم من بعض، فالمقيم منْهم يعتني بحِفْظِه والله أعلم.
فَرْعٌ: يشبه أن [يدام] (1) حق الأم إذا كان كل واحد من الأبوين يُسَافِرُ سَفَرَ حاجةٍ، واختلف بهما المَقْصد والطريق، ويجوز أن يقال: يكون مع الذي مقْصِدَه أقْرَبُ أو مُدَّةُ سَفَرِه أَقْصَرُ (2)، والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في اجْتِمَاعِ الحَوَاضِنِ

فَإِنْ تَدَافَعُوا، فَالحَضَانَةُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَة، وَإِنْ تَزَاحَمُوا، فَالنَّظَرُ في أَطْرَافٍ الأوَّلُ: فِي الكُسْوَةِ وَالجَدِيدُ أَنَّ الأُمَّ أَوْلَى،140141

الجزء: 10 - الصفحة: 99

ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا المُدْلِيَاتُ بِالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الأَبِ وَجَدَّاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثمَّ أُمُّ أَبِ الجَدِّ وَجَدَّاتُهُ كَمَا سَبَقَ، ثُمَّ الأَخَوَاتُ ثُمَّ الخَالاَتُ، ثُمَّ بَنَاتُ الإِخْوَةِ، ثُمَّ العَمَّاتُ، وَفِي القَدِيمِ قَدَّمَ الأَخَوَاتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى أُمَّهَاتِ الأَبِ لإدْلاَئِهِنَّ بِالأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: معظم الغرض الآن بيان ترتيب المستحقِّين للحضانَة، ومَنْ يستحقها من الأَقَارِبِ، ومن لا يستحقُّها، والكلام في الغرض الثاني مخْلوطٌ بالكلام [في] الأول، فنوردها كذلك، ونقول: مهما اجتمع اثنان فصَاعِداً مِنْ مستحقِّي الحضانةِ نُظِرَ؛ إن تراضَوْا بواحِدٍ فذاك، وإن تدافعوا، فقد أطْلَق في الكتاب أنَّها تَجِبُ على مَنْ عليه النفقة؛ لأن الحضانة من الكفاية، ولا شَكَّ أنه الصحيح، لكن يجوز إعْلامه بالواو؛ لما ذكرناه عن حكايته الرويانيِّ في أنه إذا امتنع الأبوان مِنَ الحضانة يُقْرعُ بينهما، ويُجْبَرُ عليها من خرجت قرعته، وإن طلبها كلُّ واحد منهم، وتزاحموا، وهم جميعاً بالصفات المشروطة في الحضانة، فهم إمَّا محضُ الإناثِ أو محْضُ الذكور أو مخْتَلِطون من الصنفين، فهذه ثلاثة أطراف: أحدها: الإنَاثُ المَحْضُ، فأولاهن الأمُّ؛ لقربها ووفور شفقها، ثم أُمَّهاتُها المُدْلِيَاتُ بالإناث؛ لأنهن يشاركِنْها في الإرث والولادة، ويُقدَّم منهن الأقربُ فالأقربُ، ويُقدَّمن عَلَى أمهات الأب والجَدِّ، وإن بَعُدْن، وقَربت أم الأب لاختصاصهن بالولادة المحقَّقة، وولادة [أم] الأَب والجد ظاهرةٌ، ولأنهن أقوى في الإرث لا يَسْقُطْن بالأب، بخلاف أمهات الأب، ثم بَعْد أمهات الأم قولان: الجديد: أنه تُقدَّم أمُّ الأب ثم أمهاتُها المُدْلِيات بالإناث، ثم أم [أب الأب، ثم أمهاتها المدْلِيَات بالإناث، ثم أمُّ أب] أب الجد، ثم أمهاتها كذلك، وتتقدَّم منهن الأقرب فالأقرب، وتتأخَّر عنهن الأخوات والخالات، وبهذا قال أبو حنيفة، ووُجِّه بأنهن جداتٌ وارثاتٌ، فيتقدمن على الأخت والخالة، كأمهات الأم وبأنهن أكثر شفقةً وأقْوَى قرابةً، ولذلك يعتقن على الوَلَدِ.
والقديم: أنه تقدَّم الأخوات والخالات، على هؤلاء الجدات، أما الأخوات؛ فلأنهن رَقَدْنَ مع المولود في رحِمٍ واحد [ة]، وصلب واحدٍ، وأما الخالات؛ فلما رُوِيَ في قصَّة بنْتِ حمزة -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: الخالة بمنزلة الأمِّ، ولأنهن يُدْلِينَ بالأم، وهؤلاء للجدات يُدْلِينَ بالأب، والأم تُقدَّم على الأب في الحضانة، فكذلك مَنْ يدلي بها على مَنْ يدلي به، والقولان متفقان على تقديم جنْس الأخوات على الخالات؛ لِقُرْب الأخوات، وعلى أن الخالاتِ يَتقدَّمْن علي بنات الأخوات وبنات

الجزء: 10 - الصفحة: 100

الأخوة والعمات؛ لأنهن يشاركونهن في المَحْرميَّة والدرجةِ وعدم الإرث، وتختصصن بالإدلاء بقرابة الأم الَّتي هي أقْوَى في الحضانة مِنْ قرابة الأب، ثم الحضانَةُ بَعْدَ الخالاتِ لبنات الأخوات وبنات الإِخوة يَتقدَّمن على العمات، كما يتقدَّم ابن الأخ في الميراث على العمِّ، كذلك رَتَّب الإمام وصاحب الكتاب وصاحب "التهذيب" وحكى الرويانيُّ هذا وجهاً لبعْضِ الأصحاب، وادَّعَى أن الصَّحِيح تقديم العمَّات علي بناتِ الأخَوَاتِ وبنات الإخوة، ثم حَكَى وجهين فيمن يُقدَّم بعد العمات.
أحدهما: أنه تُقدَّم بناتُ الأخواتِ والإخوة، ثم بنات سائر العصبات بعْد الإخوة، ثم بنات الخالات، ثم بنات العمات، ثم خالات الأم، ثم خالات الأب، ثم عماته.
[والثاني: تقدم بعد العمات خالات الأم ثم خالات الأب ثم عماته] ولا حضانةِ لعَمَّات الأم؛ لإدلائهن بِذَكرٍ غير وارث، ثم لخالات الجد، ثم لعماته، وهكذا، فإنْ فُقِدْنَ جميعاً، فالحضانةُ لبنات الأخوات والاخوة، وفي أيَّةِ رُتْبَة وقَعْن، فيتقدَّم بنات الأخوات علي بنات الإخوة، كما تُقدَّم الأخْتُ على الأخ، والَّذِي وَقَعَ في الترتيب من ذكر بنات الخالات والعمات [يتفرَّع على استحقاقهن الحضانة، وفي أصْلِ استحقاقِهِنَّ خلافٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: "ثم أم الأب وجداته" لا يخفى أن المراد ترتيبُ الجَدَّات على الأم، وأن مَعْنَى "ثم جداتُهُ" على ما ذكر في أمر المحضون، وكذلك الخلاف في قوله: "ثم أم الجد وجداته".
وقوله: "كما سبق" يمكن أن يجعل إشارة إلى اشتراط الإدلاء بالإناث إزالتهما جميعاً.
وقوله: "وفي القديم قَدَّم الأخوات" إلى آخره، فيه بيانٌ أن مخالفةَ القديمِ للجديدِ في تقديم الصِّنْفَينِ على أمهاتِ الأبِ، فلا خلاف في التَّرْتيب، قبلهن ولا بعدهن.
وقوله: "قدم الأخوات للأم" قد يُوهِمُ تخْصِيصَ الأخوات للأمِّ بالتقديم، وليس كذلك، بل في القديم يتقدمن، وإن كُنَّ من جهة الأب وحده، على أمهات الأب، فإذا وقع اللفظ هكذا، فليُحْمَلْ على أنهنَّ والخالات يتقدمن على القديم؛ لمعنى إدلائهن بالأم، وأما الاخواتُ للأب، فإنَّهنَّ، وإن تَقدَّمن على القديم، فليس ذلك لإدلائهن بالأم، ولو حذف لفظ الأمِّ, لم يَضُرَّ، وهو محذوف في "البسيط" وفي "الوسيط".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: لأَوَّلُ الأُخْتُ لِلأَبِ مُقَدَّمَةٌ (ح وز) عَلَى الأخْتِ لِلأُمِّ فِي الجَدِيدِ لِقُوَّتِهَا، وَفِي القَدِيمِ وَجْهٌ أَنَّ الأُخْتَ لأُمِّ أَوْلَى، وَالخَالَةُ لِلأَبِ هَلْ تُقَدَّمُ فِي الجَدِيدِ عَلَى الخَالَةِ لِلاُمِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّانِي: النَّصُّ أَنْ لاَ مَدْخَلَ لِكُلِّ جَدَّةٍ سَاقِطَةٍ فِي المِيرَاثِ وَهِيَ الَّتِي تُدْلِي بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ لَهُنَّ الحَضَانَةَ وَلَكِنَّهُنَّ

الجزء: 10 - الصفحة: 101

مُؤَخَّرَات عَنِ الكُلِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُنَّ مُقدَّمَاتٌ عَلَى الأَخَوَاتِ وَالخَالاَتِ.
الثَّالِثُ: الأُنْثَى الَّتِي لاَ مَحْرَميَّةَ لَهَا كَبِنْتِ الخَالَةِ وَبِنْتِ العَمَّةِ لاَ حَضَانَةَ لهُمَا عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهَا فَبَنَاتُ الخَالاَتِ مُقَدَّمَاتٌ عَلَى بَنَاتِ العَمَّاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: آخر الفروع أنَّ الأخت منْ الأبَويْنِ مقدَّمة على الأخت للأب، وعلى الأخت للأم؛ لزيادةِ قرابتهما، وهل تُقدَّم الأختُ للأبِ عَلَى الأختِ للأمِّ؟ الظاهرُ، وهو الحكاية عن نَصَّه -رضي الله عنه- في الجديد والقديم معاً: أنها تَتقدَّم لأنهما يستويان في الشَّفَقَةُ والقُرْب، واختصت هي بقوَّة الإرث، وبانها قَدْ تصير عصبة، فتترجَّح، وأيضاً أختان مِنْ أهل الحضانة فيتقدم أقواهما ميراثاً، على الأخرى، كالأخت مِنَ الأبوين مع الأخت مِنْ الأب، وبهذا قال أحمد، وقال المزنيُّ وابن سُرَيْجٍ يتقدم الأختُ منْ الأم على الأخت من الأب، وهو مذْهَب أبي حنيفة؛ لأن من تدْلِي بالأم تتقدم على منْ تدلي بالأب، كما تتقدَّم الجدة أمُّ الأمَّ على الجَدَّة أمِّ الأب، وحكى القاضي ابن كج: أن أبا إسحاق كان يَقُول به برهةً من الدهر، ثم رَجَع عنه، ورجح ابن سُرَيْج للمعنى الذي ذكره تقديم الخالة على الأخْتِ من الأب أيضاً، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، وذكر الأئمة بناءً على ظاهِرِ المذهَب أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- يُقَدِّم في الجديد بالولادة المحقَّقة ثم بالولادة الظَّاهرة، ثم بقُوَّة الإرث، وأراد بالولادة المحقَّقة بالأم وأمهاتها، وبالولاَدَةِ الظَّاهرةُ [آباء الأمهات] 142، وأشاروا بقوَّةِ الأَب إلى تقْديم الأخت على الخالة والأُخْتِ للأبِ على الأخْت للأُمِّ، وبقوة الإدلاء: إلىَ تقديم الخالة على العَمَّة.
وأما الخالة للأب مَعَ الخالة للأمِّ والعمَّة، فإن قُدِّمَتِ الأختُ للأمِّ على الأختِ للأبِ، فكذلك هاهنا، وإن قدمت الأخْتُ للأبِ، فهاهنا وجهان: أحدهما: أنها تَتقدَّم الخالة للأم والعمَّة للأم أيضاً؛ لأن التقديم هناك كان لِقوَّتها في الإرث، وهاهنا، لا إرث لواحدةٍ منهما، وأظهرهما تقديمُ التي هي للأبِ لقُوَّة الجهة، واستدلَلْنا هناك بالإرْثِ على قوة الحجة ولا يراعى غير الإرث.
وفي الخالة للأب وجْهٌ: أنَّها لاَ تستَحِقُّ الحضانةَ أصْلاً؛ لأنها تدْلِي باب أب الأم، فأشبهت أمُّ الأبِ.
وقوله في الكتاب: "الأخت للأب مقدَّمةٌ على الأخت للأم في الجديد" ويجوز أن يُعْلَم مع الحاء والزاي بالواو؛ لأنهنَّ خصصن في الذكر وجه تقديم الأخت بالقديم،

الجزء: 10 - الصفحة: 102

حيث قال: "وفي القديم وجْهٌ وذلك الوجه مطرد على الجديد والقديم، ويجوز أن يكون تخصيصه بالذِّكْر؛ لأنَّه على القديم أظْهَر وأشار بعْضُهم إلى أنَّه منْصُوصٌ عليه، وبجوز أن يُعْلَم قوله: "أولى" بالألف، وأن يُعْلَم قوله في الفصل السابق: "ثم الأخوات ثم الخالات" بالواو، لتقديم ابن سُرَيْجٍ الخالة على الأخْتِ للأب.
الفَرْعُ الثاني: النَّصُّ أنَّه لا مدْخَل في الحضانة لكل جَدَّة ساقطةٍ في الميراث، وهي التي تُدْلِي بذكَرِ بَيْن أنثيين؛ كأمِّ أب الأمِّ، وهو ظاهر المَذْهَب، ووُجْه بأنَّها تُدْلِي بمَنْ لا حَقَّ له في الحضانة بحالٍ، فأشَبَهَتِ الأجانب، وتخرج علَيْه أم الأم إذا كَانَتِ الأمُّ فاسقةً أو مزوَّجةً؛ لأن لها حقّاً في الحضانة [فى الجملة والتوجيه، مبني على أن أب الأم لا حق له في الحضانة بحال] 143، وفيه خلاف سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي الجدَّات الساقطات وجْهان آخران: أحدهما: أنَّ لهنَّ الحضانة؛ لقرابتهن، وشمول أحكام البعضية لهن؛ مِنْ رد الشهادة والعِتْق ولزوم النفقة، وغيرها؛ لكنهن يتأخَّرْن عن جميع المذكورات مِنْ قَبْلُ لضَعْفِهِنَّ.
والثاني، عن رواية الشيخ أبي عليٍّ: انَّهنَّ "يَسْتَحْقِقنَ" الحضانة، ويتقدمن على الأخوات والخالات؛ لأنهن أصول ويتأخَّرْنَ عن الجَدَّات الوارثات، وفي معنى الجَدَّة الساقِطَةِ كلُّ مَحْرم تُدْلي بذَكَر لا يرث، كبنت ابن البنت وبنت العم [للأم].
الفرع الثالث: الأُنْثَى التي لَيْسَتْ بمَحْرَم؛ كبنت الخالة وبنْتِ العمة وبنْتِ الخال وبنت العم، في استحقاقِهِنَّ الحضانَةَ وجْهان مذكورانِ في الكتاب: أحدهما: أنه لا تستَحِقُّها؛ لأن الحضانة تُحْوِج إلى معرفة بواطن الأمورِ، ويقع فيها الاختلاط التَّامُّ، فالأَوْلَى تخصيصها بالمحارم.
ووجه الثاني: شفقتهن بالقرابة، وهدايتهن بالأنوثة، والأول أظْهَرُ عنْد صاحب الكتاب، والأشْبَهُ بكلام غيره ترجِيحُ الثاني، وعليه ينطبق إيراد الفورانيَّ وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيَّ ويُفَرَّق بينهن وبيْن الجَدَّة الساقِطَةِ بأنَّها تُدْلِي بغير وارث بخلاف هؤلاء، وإذا قُلْنا بالوجه الثاني، فإذا كان المولود ذكراً، فإنما يكونُ لَهُنَّ حضانَتُه، إذا لم يبلغ حَدّاً يُشْتَهَى مثله، وتُقدَّم بنات الخالات عَلَى بنات الأخوال، وبنَاتُ الأعمام علي بنات العمات، وبناتُ الخُئُولَة علي بنات العمومة.
فِرْعَانِ: لبنت المجنون حضانَتُهُ، إذا لم يكن له أبوان، ذَكَره القاضِي ابن كج، وذكر الرويانيُّ أنه لو كان للمحضون زوجةٌ كبيرةٌ، وكان له استمتاعٌ بها، أو لَهَا استمتاعٌ

الجزء: 10 - الصفحة: 103

به، فهي أَوْلَى بكفالته منْ جميع الأقارب، وإن لم يُفْرض استمتاعٌ، فالأقارب أولَى، وكذا لو كان للمحضونة زوْجٌ كبيرٌ، وفرض استمتاع، فهُو أَوْلَى، وإلا، فالأقارب، فإن كان لها قرابَةٌ أيضاً، فهل يرجع بالزوجية؟ فيه وجهان 144، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ مَحْرَمٌ وَارِثٌ فَيَتَرتَّبُونَ تَرْتِيبِ العَصَبَاتِ فِي الوِلاَيَة إِلاَّ الأَخَ لِلْأُمَّ فَإنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنِ الأُصُولِ وَعَنْ إِخْوَةِ الأَبِ (و)، وَهَلْ يُؤَخَّرُ عَنِ العَمِّ لِلْوِلاَيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الثَّانِي وَارِثٌ لَيْسَ بِمَحْرَم كَابْنِ العَمِّ (و) لَهُ الحَضَانَةُ فِي الصَّغِيرِ وَفِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى دُونَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُشْتَهَى الثَّالِثُ: المَحْرَمُ الَّذِي لَيْسَ بِوارِثٍ كَالخَالِ وَأَبِ الأُمَّ وَالعَمِّ لِلأُمَّ وَابْنِ الأخُتِ فَهُمْ مُؤخَّرُونَ عَنِ الوَرَثَةِ، وَهَلْ لَهُمْ حَقٌّ عِنْدَ فَقْدِهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الرَّابعُ قَرِيبٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ وَلاَ وَارِثٍ كَابْنِ الخَالِ وَالخَالَةِ فَالصَّحِيحُ أَنْ لاَ حَقَّ لَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا الطَّرَفُ لبيان مَنْ يستحق الحضانة من المذكور، ومَنْ لا يستحقُّ، وأنه إذا اجتمع منْهُمْ مستحقُّون، كيف يرتبون، والذَّكر، إما أن يكون مَحْرماً، أو وارثاً ليس بمَحْرَمٍ، أو بالعكس، أوْ لاَ محرماً ولا وارثاً، فهذه أربعةُ أَقْسَامٍ: الأول: المَحْرَمُ الوارِثُ كالأَب والجَدِّ والأخِ وابْنِ الأخِ والعمِّ، فهؤلاء يثبت لهم الحضانة لوفور شفقتهم، وقوَّة قرابتهم بالإرْثِ والولايةِ والمَحْرمية، وفي "التهذيب" وغيره: حكايته وجْهٍ: أنه لا حضانة إلا للأب والجَدّ؛ لتكامل شفقتهما واعتنائهما بأمر الوَلَدِ، وإلاَّ، فالذكور بعيدون عن الحضانة وفي الأخ منْ الأم خاصَّةً وجْهٌ أنَّه حضانة له لأنه لا عصوبة له، ولا ولاية، وظاهر المذهب: الأَوَّلُ، ثم يُقَدَّم [منهن] الأب ثم الجَدُّ، وإنْ علا، ويَتقدَّم منْ الأجداد الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الحق بعْدهم للإخْوة، وَيتقدَّم منهم الأخ للأبوَيْنِ، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم 145. وعلى ما ذكره ابن سرَيْجٍ -رَحِمَهُ الله- يُقَدَّم الأخُ منْ الأمِّ في هذا القِسْم؛ لأنهم لا يرتبون.
ثم الحق بعدهم للعَمِّ منْ الأبوين ثم للعَمِّ مِنَ الأبِ، ثم لعَمِّ الأب، ثم لعمِّ الجَدِّ.
هذا هو الظَّاهِر.

الجزء: 10 - الصفحة: 104

وحكى القاضي الرويانيُّ وجهاً آخَرَ: أن الأعمام يتقدَّمون علي بني الإخْوة 146، وفي الأخ منْ الأمِّ وجْه: أنه يتأخَّر عن الأعمام؛ لاختصاص العَمِّ بالعصوبة والولادة، والظاهر تقديمه عليهم لاختصاصه بمزيد القُرْب والشفقة، وعلى ذلك يُبْنَى أمر الحضانة، بخلاف ولاية النكاح؛ فإنها منوطَةٌ بمن يدفع العار عن النسب، والوجهان فيمَنْ يُقدَّم ويُؤخَّر من الأخ للأم والعمِّ مذكوران في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "فَيَتَرَتَّبُونَ ترتيب العَصَبات" بالواو؛ لأن ترتيبهم مبنيٌّ على ثبوت الحضانة لجَمِيعِهِمْ، وقد ذكَرْنا وجْهاً: أنه لا حضانة إلا للأبِ والجَدِّ، وأيضاً، للوجه المرويُّ بتقديم الأعمام علي بني الإخوة، فإنهم على ذلك الوجْه لا يترتَّبون ترتيب العصبات، وقوله: "إلا الأخ للأم" ليس الغرض استثناء الأخ من العصبات؛ فإنه لا يَدْخُل فيهم، بل المعْنَى إلا أن الأخ من الأم يدْخُل فيهم، ولا مدخل له في ترتيب العصبات، ولفظ "الوسيط" يترتَّبون ترتيب العصبات في الولاية فإنهم باجمعهم أولياءُ يترتَّبون ترتيبهم في الولاية؛ إلا الأخ من الأم ثم ذكر حكمه وقوله "وعن إخوة الأب" مُعْلَم بالواو ولوجه ابن سُرَيْجٍ -رحمه الله-.
القسم الثاني: الوارِثُ الذي ليْسَ بمَحْرَم كابْنِ العَمِّ وابنه وابن عم الأب والجد، والوجه المذكورُ في غَيْر الأبِ والجَدِّ من المحارم الوارثين يجيْء فيهم بطريق الأوْلَى، والظاهر ثبوتُ الحَضَانَةِ، فإن كَان الولد ذكراً أو صغيرةً لا تُشْتَهى مِثْلُها سلمت إليه وأنْ بلَغَتْ حَدّاً يشتهى مثلُها لم تسلَّم إليه، ولكن له أن يطالب بتسليمها إلى امرأة ثِقَةٍ، وتُعْطى أجرتَهَا، فلو كانت له بنْتٌ، سُلِّمت إليه، وإذا أثبتنا الحضانَةَ لهؤلاء، ففي ثبوتها للمُعْتَقِ وجهان: أحدهما: تثبت؛ لأنَّ حقَّ الولاء يَلْحَق بالقرابة في الإرْث، وتحمل العَقْلَ وولاية النِّكَاح، فكذلك في الحضانة.
وأظهرهما: المنْعُ؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة؛ وعلى هذا، فلو كانَتْ له قرابةٌ، وهناك مَنْ هو أقرب منه، فهل يترجَّح لانضمام عصوبة الولاء إلى عصوبة القرابة فيه وجهان نقلهما القاضي الرويانيُّ.
ومثاله: عم أب مُعْتَق 147، وعمُّ [القسم] الثالث المَحْرَم، والذي ليس بوارث

الجزء: 10 - الصفحة: 105

كالخال وأبي الأم والعم [للأم] وابن الأخت وابن الأخ للأم، ففي استحقاقِهِمُ الحضانةَ وجهان: وجه الاستحقاق: أنَّ لهم قرابةً تدْعو إلى الشفقة والتربية، وأيضاً، فالخالة مُلْحَقَةٌ بالأم، فكذلك الخال مُلْحَقٌ بالأب، والأظهر المَنْع؛ لضَعْفِ القرابة؛ ألا ترى أنها تقاعدت عن إفادة الولاية والإرثِ وتحمل العَقْل، فكذلك تتقاعد عن إفادة هذا الحَقَّ، وإنما تثبت الحضانة للخالة؛ لانضمام الأنوثة إلى القرابة، ولها أثر في الحضانة على ما سبق، وإذا أثبتنا لهُمُ الحضانة، فيتأخرون عن المحارم الوارِثينَ، وعن [الوارثين] الذين لا محرميَّة لهم.
القسم الرابع: من ليس بمَحْرَمٍ ولا وارِثٍ من الأقارب؛ كابن الخال والخالة وابن العمة، لا حضانَةَ لهم، وفيه وجْهٌ ضعيف؛ لقيام أصل القرابة، والصحيح الأول، ومنهم مَنْ قَطَع به، وإذا أثبتنا الحَضَانَةَ لجميع المذكورين في الأقسام الأربعة تفريعاً على الأصحِّ في بعضهم، والأضْعَفِ في بعضهم، وتركنا التقْسيم قلنا: الأَوْلَى الأب، ثم أب الأب [وإن علائم] الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، قال في "التتمة": ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم الجَدُّ أب الأم وكلُّ جَدٍّ يدلي بذكر بين أُنْثَيَيْن يقدم الأقرب منهم فالأقرب، ثم الخال، ثم العم للأم، ثم ابن الخال ثم ابن العم للأم ثم المُعْتَق، ثم عصباته ومنهم مَنْ يقتضِي كلامُه بني العمِّ عن أعمام الأب والجَدِّ؛ لأن لهم محرمية مع الوراثة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ الذُّكورِ وَالإِنَاثِ، وَأَوْلاَهُمُ الأُمُّ وَأمَّهَاتَهُا المُدْلِيَاتُ منْ جِهَةِ الإِنَاثِ، ثُمَّ بعْدَهُنَّ الأَبُ أوْلَى مِنَ الجَدَّاتِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الأَخَوَاتِ لِلأبِ لأَنَّهنَّ فُرْوعُهُ، وَفِي تَقْدِيمِ الأُخْتِ لِلأُمِّ وَالخَالاَتِ عَلَى الأَبِ خِلاَفٌ، وَكُلُّ جَدَّةِ لَيْسَتْ فَاسِدَةً فَهِيَ أَوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى الحَوَاشِي إِذَا استَوَوا فِي القُرْبِ وَالإِرْثِ فَالأُنْثَى أَوْلَى مِنَ الذَّكَر، وَالأُخْتُ أَوْلَى مِنَ الأَخِ، وَالخَالَةُ مِنَ الخَالِ، وَالأُنْثَى البَعِيدَةُ هَلْ تُقَدَّمُ عَلَى الذَّكَرِ القَرِيب؟ وَجْهَانِ.
= أحدهما أخ لأم أو ابنا أبناء عم أحدهما ابنها أوابنا عم أحدهما الأبوين والآخر لأب لكنه يدلي بأخوة الأم وإذا كان الراجح بهذا الأكثرين تقديم الأخ للأم في الأولى وتقديم الابن في الثانية وتقديم الذي يدلي بأخوة الأم في الثالثة لزم أن يكون الأصح هنا التقديم وبأن الحضانة ترجح فيه بكثرة الأسباب، ولا يرد شيء منْ المسائل المذكورة على ما رجحه هنا لأن المعتق بعدت رتبته عن القريب الآخر فلم يترجح على الأصح.

الجزء: 10 - الصفحة: 106

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع الذكور والإناث من أهْل الحضانة، فإن كان فيهم أمٌّ فهي أوْلَى من الأب وغيره، على ما وَرَدَ في الخَبَر "أنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" 148 والمعنى فيه أنَّها تساوي الأب في القرب والشفقة وتختص بالولادة المحقَّقة ولصلاحية الحضانة بسبب الأنوثة، وأيضاً، فالأب لا يَسْتَغْنِي في الحضانة عن النِّساء، ولا يكاد يباشرها وهي تباشرها، ثم أمُّ الأمِّ، وإن علَتْ كالأم؛ لأنها تشاركها في الشفقة [والأنوثة] والولادة المحقَّقة، ولو نكَحَتِ الأمُّ، ورضِيَ أبُ المولود بأن يكون عنْدها، ورضِيَ زوْجُها أيضاً، فيسقط حقُّ الجدة أو يقال: لها الحضانة، ولا يتأثر حقُّها بتراضيهما؟ ذَكَرَ في "التهذيب" فيه وجهَيْن، وجَعَل أصحَّهما 149 أوَّلَهُما، وأما الجَدَّات من قِبَلِ الأب، إذا اجتمعْنَ مع الأب [قدم عليهن]؛ لأنهن يُدْلِينَ به، فيبعد أن يتقدَّمن عليه، هذا هو الصحيح المشهور، وفيه وجْهٌ، ويقال: قول: مخرج أنهن يتقدَّمْن عليه لولادتهنَّ وزيادة صلاحيتهن 150؛ للحضانة.
قوله في الكتاب: "على أصح القولين" يعني المنصوص، والمُخرَّج على أن أكثرهم سكَنُوا عن الخلاف في المسألة، وأجرى الخلاف مثبتوه في الأخْتِ من الأب، مع الأب وإن كانَتْ فَرْعاً له ومُدْلِيَةً به، [لصلاحيتها] وأما الأخت من الأبوين أو من الأم والخالة، فإن قلنا: بالقديم وقدَّمْناهُنَّ على أمهات الأب فكذلك يتقدَّمن على الأب، لا سيَّما إذا قدَّمْنا أمهات الأب على الأب، وإن قلنا بالجديد، وقدَّمنا أمهاتِ الأبِ على الأخْتِ والخالة، ففي الأخت المدْليَة بالأم والخالة مع الأب وجهان: أحدهما: أنهما يتقدَّمان عليه، وبه قال أبو حنيفة وابن سُرَيْجٍ وأبو إسحاق والإصْطَخْريُّ؛ لأنوثتهما وإدلائهما بالأم، فأشبها أمهاتِ الأُمِّ.
وأظهَرُهُمَا، وبه قال صاحب "الإفصاح": أن الأب يتَقدَّم عليهما؛ لقربه وولادته وعصوبته، وهو ظاهر رواية المزنيِّ، ونص رواية الربيع واختيار الأكثرين، وإذا قدَّمْناهُمَا على الأبِ، فلو اجتمعَتْ مع الأب أو الأخت للأم، والخالة أم الأب فوجهان: قال

الجزء: 10 - الصفحة: 107

الإصطخريُّ: تكون الحضانة للأب؛ لأن الأخْتَ تسقط بأم الأبِ، وهي تَسْقُطُ بالأب ويجوز أن يَسْقُطَ الشخْص، ثم لا يحصل له ما كَانَ يأخُذه المحجوب، كما أن الأخوين مع الأبوين يَرُدَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس، ولا يَحْصُل لهما ما حجَبَاها عنه، وقال أكثرهم: تكون الحضانة للأخْتِ من الأم؛ لأنها مقدَّمة على الأب على الوجْه الذي عليه يُفَرَّع وتسقط أم الأب بالأب، وإذا اجتمعَتِ الأختُ من الأب والأختُ من الأمِّ مع الأب وقلْنا بالظاهر، وهو تقديم [الأخت للأم على] الأخت من الأب، تكون الحضانةُ للأب أو الأخت من الأم؟ فيه هذان الوجهان، وإذا فرَّعنا على الصحيح، وهو تقديم الأب على الجدات من قبله، وعلى الظاهر في تقديمه على الأخوات للأم والخالات، فالمُقَدَّم بعد أمهات الأمِّ الأبُ ثم أمهاتُهُ المُدْلِيَاتُ بالإناث، ثم الجَدَّ أبو للأب، وفيه مع أمهاته ما ذكَرْنا في الأب مع أمهاته ثم أبو الجَدِّ وأمهاته كذلك، ويتقدَّمون جميعاً على الأقاربِ الواقِعِينَ على حواشي النَّسَب، وُيؤَدِّي بعضَ هذا المعْنَى قولُه في الكتاب: "وكلُّ جَدَّة ليْسَتْ فاسدةً، فهِيَ أوْلَى مِنْ كُلِّ ذَكَرٍ على حاشية النَّسَب".
وأما الجدات الساقطاتُ، فقد سبق الكلام في استحقاقهن وفي ترتيبهن، إن استحْقَقْنَ، وإذا لم يوجد أحد من مستحقي الحضانة من الأجداد والجدات فثلاثة أوْجُهٍ: أحدها: أن نساء القرابة، وإن بَعُدْنَ أوْلى بالحضانة من الذكور، وإن كانوا عصباتٍ؛ لأنهن أصلح للحضانة على ما تكرَّر، فعلى هذا تقدَّم الأخوات والعمات والخالات وبناتهن على الإخوة والأعمام وبنيهم.
والثاني: العصَبَاتُ أوْلَى منهن؛ لقُوَّةِ نسبهم وقيامهم بالتأديب والتعليم.
والثالث: وهو الأصحُّ؛ على ما ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه لا يترجَّح واحد من الفريقين على الآخر، ولكن يُقدَّم منهم الأقْربُ فالأقْربُ كما يُقدَّم في الإرث الأقربُ فالأقرب من العَصَبات، فإن استوى اثنان في القرب، قدَّمنا بالأنوثة، فعَلَى هذا الحَقِ بعْد الآباء والأمهات للإخوةُ والأخواتُ وتُقدَّم الأخوات على الإخوة، [ويقدم بعد الأخوات والإخوة] 151 بناتُ الأخواتِ ثُمَّ بنوا الأخوة، وتُقدَّم بنت الأخ على ابن الأخت؛ اعتباراً بمَنْ يحضن لا بمن يُدْلِي به فإن فقدوا جميعاً، فالحضانة لِمَنْ في درجة الأمِّ وهم الخئولة، ومن في درجة الأب، وهم العمومة، وتُقدَّم الخئولة على العمومة، والخالات على الأخوال، والعمات على الأعمام، فإن فقدوا، فالحضانة لأولادهم، وترتيب الأولاد وتقديم الإناث على المذكور كما في الأصول ثم يرتقي إلى مَنْ في درجة الجَدِّ والجَدَّة، وهم خئولة الأبوبن وعمومتها، فيُرَاعَى فيهم هذا الترتيب، وإذا استوى

الجزء: 10 - الصفحة: 108

اثنانِ مِنْ كل واحد كأخوين أو خالتين، وتنازعا، قَطَعْنا النزاعَ بالقرعة، وكان يجوز أن يُقدَّم بما يقدم به المتزاحمان على اللقيط، فإن لم يوجدُ أحد من نساء القرابة، ولا من العصبات، وهناك رجال من ذوي الأرحام، فحكمهم ما ذكَرْنا في الطرف 152 الثاني.
وقوله في الكتاب: "والأنثى البعيدة هلى تُقدَّم على الذَّكَر القريبِ؟ وجهان" يشير إلى الخلاف الذي نقَلْنا في الأقارب الواقِعِينَ على الحواشِي، فإن قلْنا بالتقديم بالأنوثة، قَدَّمناها على الذَّكَر القريب.
مثاله: ابن الأخ مع بنت بنت الأخ، وإن لم نُقدِّمها بالأنوثة، فيقدِّم الذكر القريب ترجيحاً بالعصوبة أو بالقرب.
فرُوعٌ: الأختُ مع الجدِّ، كهي مع الأب، قال المتولِّي: ويخالف الميراث، فإنه يقبل التبعيض، والحضانة لا تقبله.
ولو كان في أهْلِ الحضانة خَنْثَى [مُشْكِلٌ]، فهل يتقدَّم على الذكر في موضع لو كان أنثى لاحتمال الأنوثة، أو لا يتقدم، لعَدَم الحُكْم بها؟ فيه وجهان 153 وإذا أخبر عن

الجزء: 10 - الصفحة: 109

ذكورته أو أنوثته، عمل بقوله في سقُوط الحضانة، وهل يُعْمَل به في استحقاقها أم لا يعمل للتهمة؟ نقل القاضي الرويانيُّ فيه وجهين (1).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: السَّبَبُ الثَّالِثُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى مِلْكِ اليَمِينِ

وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِقَدْرِ الكِفَايَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالعَادَةِ، وَيُقْتَصَرُ فِي الكُسْوَةِ عَلَى الخَشِنِ، وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى سَتْرِ العَوْرَةِ، وَلاَ يَجِبُ تَفْضِيلُ النَّفِيسِ عَلَى الخَسِيسِ فِي جِنْسِ الكُسْوَةِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْضِيلُ السَّريَّةِ عَلَى الخَادِمَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَ الرَّقِيقَ مَعَهُ فِي الأَكْلِ أَوْ يُوَزِّعَ لَهُ لُقْمَةً، وَيَجِبُ ذَلِكَ فِي وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغْنَا بمعونة الله -تعالى- مِنَ القول في نفَقَةِ الزَّوجَات والأقارب، والسبَبُ الثالث لوجوب النفقة مِلْكُ اليَمِين، فيجب على السيد نفقة رقيقة قُوتاً وأُدْماً وكُسْوةً وسائر مؤناته، قنّاً كانَ أو مُدَبَّراً أوأمَّ وَلَدٍ، يستوي فيه الصغير والكبير والزَّمِنُ والأعمَى والسليم والمستأجر والمَرْهُون وغيره.
رُوِيَ عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لِلْمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ بِالْمَعرُوفِ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ 155 وَإِذَا كَانَ كَسُوبًا، فَكَسْبُهُ لِلسَّيِّدِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ كَسْبَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ" فإن لم يف والشركاء، فالباقي عليه وإن زاد فالزيادة له في الملك عليهم النفقة بحَسَب الملك، ولا تجب النفقة للمُكَاتَبِ على 156 السيد؛ لاستقلاله، ولذلك توجب نفقة عبده عليه.
ولا تتقدَّر نفقته كنفقة القريب، ولكن تُعتَبَرُ فيه الكفاية، وذكروا فيما تعتبر كفايته وجْهَيْنِ: أحدهما: تعتبر بما يَكْفي مثلَهُ في الغالب، ولا تُعْتبر حالُهُ في نفْسِهِ.
والثاني: تُعْتَبَر حاله في نَفْسه، ويُرَاعَى رغبته وزهادته، فإن لم يكفه ما يَكْفِي مثْلَه غالباً، فعلى السيد الزيادة، وهذا ما اختاره صاحب "الشامل" وهو المفهوم من إطلاق لفْظ الكتاب، وعن صاحب "الحاوي" أنه إن كان يُؤَثِّر فقد الزيادة في قُوَّتِهِ وبَدَنِهِ، لزمت على السيد، إلا فلا، وينبغي أن تجيْء هذه الوجوهُ قويُّها وضعيفُها في نفقة القريب.
وأما الجنْسُ، فيعْتَبَرُ غالبُ القوت الذي يَطْعَم منه المماليك في البلد؛ من الحنطة154

الجزء: 10 - الصفحة: 110

والشعير وغيرهما وكذا الأُدْمُ الغالب والكُسْوة الغالبة؛ من القُطْن والكَتَّان والصوف، ويراعى حال السيد في اليسار والإعسار، فيجب ما يليق بحاله مِنْ رفيع الجنس الغالب وخسيسه ولا يجوز الاقتصار في الكُسْوة على ستر العورة، وإن لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بِبردٍ، لأن ذلك يُعَدُّ تحقيراً وإذلالاً، ولو كان السيد يتنعم في الطَّعَام والإدَامِ والكُسْوة، فيستحب أن يدفع إلَيْه مثْلَهُ، ولا يجب بل يجوز الاقتصار على ما دونه، إذا كان هو الغالِبَ، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَلْيُطعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ" 157 حمله الشافعيُّ -رضي الله عنه- على الاستحباب، أو على أن الخطاب للعَرَب الذِينَ مطاعمهم وملابسهم متقاربة، أو على أنه جوابُ سائلٍ، علم حاله، فأجاب على ما اقتضاه الحال؛ وإن كان السيد يطعم ويلبس دون المعتاد غالباً، إما بُخْلاً أو رياضةً، فيلزمه رعايةُ الغالب للرفيق، أوْ لَهُ الاقتصار على ما اقْتَصَر عليه لنفسه؟ ذكر في "التهذيب" فيه وجْهَيْن، المشهور منهما الأول، وإذا كان له عبيدٌ، فالأَوْلَى التسوية بينهم في الطعام والكُسْوة 158، وفيه وجْه أنه يفضل ذاتَ الجَمَالِ والفراهة للعادة، وإذا وَلَّى رقيقه معالجة طَعَامِهِ، وجاءه به فينبغي أن يُجْلِسَه معه؛ ليتناول منه، فإن لم يفْعَلْ أو امتنع الرقيقُ منْه توقيراً للسيد، فينبغي أن يروغ له لقمة أو لقمَتيْنِ ويناوله، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ قد ولى حُرَّه ودخانه، فَلْيُقْعِدْهُ يَأْكُلُ مَعَهُ، وَإلاَّ فَلْيُنَاوِلهُ أُكْلَة من طعامه" 159، وَيُرْوَى أنه قال: "إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طعامه حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَة" 160 والأُكْلة بالضم: اللقمة وروغها: إذا رَوَّاها دسماً، وأشار الشَّافعي -رضي الله عنه- في ذلك إلى احتمالات ثلاثة: أحدها: أنه يجبَ التَّرْوِيغُ والمناوَلَةُ، فإن أجلسه معه، فهو أفضل.
وثانيها: أن الواجب أحدُهُمَا، لا بعينه وأصحُّهما: أنه لا يجب واحدٌ منهما، والأمر بهما على سبيل الاستحباب نَدْباً إلى التواضُع ومكارم الأخلاق، ومنْهم مَنْ نَفَى الخلاف في الوجُوبِ، وذكر قولَيْنَ في أن الإجلاس أفضل أم هما متساويان؟ والظاهر

الجزء: 10 - الصفحة: 111

الأول؛ ليتناول القدْر الذي يشتهيه، وهذا الاستحباب فيمن يعالج الطعامَ آكد، وأصل الاستحباب في مناولة الطعامِ اللذيذِ يَشْمَلُ المعالِجَ وغيره ورعاية هذا الخُلُق في حَقِّ الحاضرين أهم، وليكن ما يناوله من اللقمة كبيرة تَسُدُّ مسداً دون الصغيرة التي تهيج الشهوة، ولا تقضي النهمة، ونفقة الرقيق كنفقة القريب؛ في أنها لا تصير دَيْناً في الذمة وتسقط بِمُضِيِّ 161 الزمان، ولو دفع إليه الطعام، ثم أراد إبدالَهُ، ذكر القاضي الرويانيُّ: أنه ليس له ذلك عند الأكل ويجوز قبله، وعن الماوَرْدِيِّ أنه إن تضمَّن الإبدالُ تأخرَ الأكل، لم يجز.
وقوله في الكتاب: "ولا يجب تفضيل النفيس على الخسيس في جنس الكسوة" لفظ الوجوب لم يستعمله أكثر الأئمة في هذا الموضع في أولوية التَّسْويَة وكراهية التفضيل وعدَمِها ثم التفضيل لا يختص بالكُسْوة [بل] الطعام كالكسوة، وقوله: "على الأصح" يعني من ثلاثة أوجُهٍ تحْصُل إذا أخذ مطلق الرقيق.
وقوله:"وقِيلَ يجب تفضيل السرية على الخادمة" وهو الثالث الفارق بين التفضيل في العبيد والتفضيل في الجواري، وهذا هو الأصحُّ عند عامَّة الأصحاب، وهو المنصوص عليه، ولفظ التسوية يُشْعِر بتخصيص التفضيل بها، لكن لفْظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وعامَّة الأصحاب أن ذاتَ الجَمَال [والفراهة] تُفَضَّل، ولم يُفرِّقوا بين السرية وغيرها، بل صرَّح صاحب "التهذيب" بنَفْيِ الفرق.
وقوله:"ويستحب أن يُجْلِسَ الرقيقَ مَعَهُ" محمول على الرقيق الذي عالج الطعام، وإن أطلق إطلاقاً على ما هو مبيَّن في "الوسيط"، وكان يمكن حمله على الاستحباب الشامل إلا أنه ذَكِّرَ بعده الوجْه الذاهِب إلى الوجُوب والخلافَ، والاحتمالاتُ المذكورةُ في الوجوب مخصوصةٌ بالرقيقِ الذي عَالَجَ الطعام، ولا مجال لها في غيره.
وقوله: "ويجب ذلك" يمكن أن يريد به أحدهما، ويجوز أن يريد شيئاً من ذلك، والله عزَّ وجلَّ أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ إرْضَاعُ الوَلَدِ عَلَى المُسْتَوْلَدَةِ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا بِالتَّسْلِيمِ إلَى مُرْضِعَة أُخْرَى، وَلاَ تُكَلَّفُ أَنْ تُرْضِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لَهَا فِطَامُ وَلَدِهَا قَبْل الحَوْلَيْنِ، وَلاَ الزِّيَادَةُ عَلَى الحَوْلَيْنِ إلاَّ بِرِضَا السَّيِّدِ، وَأَمَّا الحُرَّةُ فَلَهَا حَقٌّ فِي الفِطَامِ فَلاَ فِطَامَ إلاَّ بِتَوَافُقِهِمَا، فَإنْ أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْن فَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 112

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتْ أمته أو أمُّ ولده منه فله أن يجبرها على إرضاعه؛ لأن لَبَنَهَا ومنافعها له، ولو أراد أن يُسَلِّم الولَدَ إلى غيرها، وأرادَتْ هي أن ترضعه، ففي "التتمة": حكاية وجهَيْن في أنه هل يتمكَّن منه؟ أحدُهما.
نَعَم؛ لأنها ملكه، وقد يريد استخدامها والاستمتاع بها.
وأظْهَرُهما، وهو المذكور في الكتاب: المنع لما فيه من التفريق بين الوالِدَة وولَدِها، نعَمْ له أن يضمه في أوقات الاستمتاع إلى غيرها، ولا يكلفها أن ترضع ولداً آخر مَعَ ولدها بأُجْرةٍ أو بغَيْر أُجرةٍ، إلا أن يفضل لبنها عن ريِّ ولَدِها إما لقِلَّة شُرْبه، أو لكثرة اللَّبَن، أو لاجتزائه بغير اللبن في أكثر الأوْقَات، ولوْ مَاتَ، ماتَ ولَدُها أو استغنى عن اللبن، فله ذلك، وله إجْبارها على الفِطَام قبل الحولَيْن، إذا اجتزأ الولد بغَيْر اللبن، وعلى الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يجتزئ بغيْرِ اللبن، إلاَّ إذا تضررت [به]، وليس لها الاستقلال بالفِطَامِ ولا الرضاع، وأما الحُرَّة، فهِيَ صاحبةُ حقٍّ في تربية الولَدِ، فليس لواحدٍ من الأبوين الاستقلالُ بالفِطَامِ قبْل تمام الحولَيْن، وعلى الأب الأجْرَةُ، إذا امتنعت منه الأُمُّ إما لها أو لغيرها، وذكر فيه احتمالٌ: إذا لم يَتضرَّر به الولد، وإن اتفقا عليه جاز إذا لم يَتضرَّر به الولد وبعد الحولين يجوز لكل واحدٍ منهما الفِطَامُ، إذا كان يجتزئ بالطعام، ويجوز أن في اد في الإرضاع بالإنفاق، ولو لم يكن وَلَدُ الأمة مِنَ السيد، بل مملوكًا له، وكان من زوْجٍ أو زناً، فحضانته على السيد، وحُكْمُ الإرضاعِ على ما ذكرنا، وإن كان حرّاً، فله طلب الأجرة على إرضاعه، ولا يلزمه التبرُّع كما لا يجب على الحُرَّة التبرُّع 162 بالإرضاع، ولو رَضِي بأن ترضعه مجاناً، لم يكن لها الامتناع.
وقوله في الكتاب: "فلا فطام إلا بتوافقهما" يعني قبل الحولَيْن كما قال عقيبة "فإن أَبَتِ الفِطَامَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ" أما بعد تمام الحولين، فلا حاجة إلى التوافُقِ، ولكلِّ واحدٍ منهما ذلك؛ على ما ذكرنا، كذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَتَعَيَّنُ مَا يُضْرَبُ عَلَى العَبْدِ مِنْ خَرَاجٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَلَيْهِ بَذْلُ المَجْهُودِ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ السَّيِّدُ إلاَّ مَا يُطِيقُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَى عَبْدِهِ بِيْعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْغَبْ فِي شِرَاِئهِ فَهُوَ مِنْ مَحَاوِيجِ المُسْلِمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:

الجزء: 10 - الصفحة: 113

إحداهما: تجوز المُخَارَجَة وهو ضرب خراجٍ معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم أو كل أسبوع ممَّا يكتسبه، وليس للعبد أن يَجْبُر السيِّد عليها، ولا للسيد إجبار العَبْدِ كعَقْدِ الكتابة، وعن القاضي أبي حامِدٍ تخريجُ قولٍ: أن للسيد إجبارَ العَبْدِ عليها، كما ينقل منافعه على كُرهٍ منه إلى غيره، والمذهب الأول، وإذا تراضيا، فليكن له كَسْبٌ دائمٌ [يفي] بذلك الخراج فاضلاً عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه، وإذا وَفَّى وزاد ما يكفيه، فالزيادة مبرة من السيد إلى عَبْدِه وتوسيع للنفقة عليه، وإن ضرب عليه خراجاً أكثر مما يليق بحاله، وألزمه أداءه، منعه السلطان منه.
روي أن عثمان -رضي الله عنه- قال: "لاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ؛ فَيَسْرِقَ، وَلاَ الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَتَكْتَسِبَ بفرجها" ويجبر النقصان في بعض الأيام بالزيادة في بعضها، ولا يخفى أن المُخَارَجَةَ لا تلزم وقوله في الكتاب: "ولا يتعين ما يضرب على العبد من خراج معيَّن" أي لا يلزم العَبْد ذلك، ولا يجبر عليه، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للتخريج المذْكُور.
ولا يجوز للسَّيِّد أن يُكلِّف رقيقَهُ من العمل إلا ما يطيقه، ولا يكلِّفه الأعمال الشاقة إلا في بعض الأوقات، ولا ما إذا [ما] قام به يوماً أو يومين، عَجَزَ وضَعُفَ شهراً أو شهرين، وإذا عمل بالنهار، أراحه بالليل، وكذا العكس، ويريحه في أيام الصيف في وقت القيلولة ويستعمله في الشتاء النهارَ مع طرفي الليل، ويتبع في جميع ذلك العادةَ الغالبة، وعلى العبد تَرْكُ الكسل، وبَذْل المجهود.
الثانية: إذا امتنع من الإنفاق على مملوكه، باعَ الحَاكِمُ مالَه في نفقته، وكيف يبيع؟ أيستدين عَليْه، فإذا اجتمع عليه شيْءٌ صالحٌ باعه فيه أو يبيع شيئاً فشيئاً؟ حكى القاضي الرويانيُّ فيه وجهَيْنِ 163، فإن لم يظْهَر له مالٌ، أمره بأن يبيعه أو يُؤَجِّره أو يعتقه، فإن لم يفعل، باعه الحاكمُ أو أجَّره، فإن لم يرغب فيه، أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ، فهو من محاويج المسلمين يقومون بكفايته 164، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيجِبُ عَلَفُ الدَّوَابِّ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عِمَارَةُ العَقَارِ وَالدَّارِ، وَيَجُوزُ غَصْبُ العَلَفِ وَالخَيْطِ لِجِرَاحِ الدَّابَّةِ عِنْدَ العَجْزِ، وَلاَ يَجُوزُ نَزْفُ لَبَنَهَا

الجزء: 10 - الصفحة: 114

بِحَيْثُ يَضُرُّ بِنِتَاجِهَا، وَإذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَجَبَ عَلَفُ السَّائِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ بيعَتْ عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ملك دابَّةَ لزمه علفها وسقْيُها؛ لحرمة الرُّوح، ويقوم مقام السَّقْي والعَلَفِ تخليتها؛ لترعى، وترد الماء، إن كانت مما يَرْعَى ويجتزئ به لخصيب الأرض، ولم يكن مانعُ ثلج وغيره، فإن أجدبت الأرض، وكانت لا تجتزئ بما ترعى، فعليه أن يُضِيفَ إلَيْه من العَلَف ما يكفيها، ويطرد ذلك في كل حيوانٍ محترمٍ، وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ مَسكَتْهَا حَتَّى مَاتت مِنَ الجُوعِ، فَلَم تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرضِ" 165 وخِشَاش الأَرْض هوامُّها بفتح الخاء وكسره، فإن امتنع المالك من ذلك أجْبَرَه السلطَانُ في المأكول على بيعها أو صيانتها عن الهلاك بالعلف أو التخلية أو ذبحها، وفي غير المأكول على البَيْع أو الصيانَة، فإن لم يفعل، ناب الحاكِمُ عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحالُ، وعن أبي الحُسَيْن: أنه لا يخليها لخَطَرِ الذئب وغيره، فإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، باع الدابَّةَ أو جزءاً منها، أو إكراهًا، فإن لم يرغب فيها لعَمًى أو زمانةٍ، أنفق عليها من بيْت المال، ولا تُضيع كالرقيق، وبهذا كلِّه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجبره السلطان على العَلَف ولا يبيع ماله فيه، ولكن يأمره به عَلَى سبيل الأمر بالمعروف.
ولا يكلف الدابَّة ما لا تطيقه من تثقيل العمل وإدامة السير وغيرهما، ويجوز غصب العَلَف لإبقاء الدابة، إذا لم يوجَدْ غيره، ولم يبعه المالك، وكذا غصب الخيط؛ لجراحتها، وذكر فيها وجه، والظاهر الأول، وهو كالعدول إلى التيمم، وسقْيها الماء ومسألة الخَيْط مذكورةٌ مرةً في "الغصب" ولا يجوز نزف لبن الدابة بحيث يضر بنتاجها، وإنما يحلب ما يفضل عن رِيِّ ولدها.
قال القاضي الرويانيُّ: ويعني بالري ما يقيه حتى لا يموت، وقد يتوقَّف في الاكتفاء بهذا، وذكر في "التتمة" أنه لا يجوز الحَلْب، إذا كان يضر بالبهيمة؛ لقلة العَلَف، وأنه يكره ترك الحلب إذا لم يكنِ في الحَلَب إضرارٌ بها؛ لما فيه من تضييع المال والإضرار بالبهيمة وأنَّ المستَحَبَّ ألاَّ يستقصى في الحَلْبِ، ويُبْقى في الضّرْع شيء، وأن يقُصَّ الحالبُ أظفاره، كيلا يؤذيها بالقرص.
وييقى للنحل شيئاً من العسل في الكوارة، فإن كان الاشتيار في الشتاء، وتعذر

الجزء: 10 - الصفحة: 115

الخروج، فينبغي أن يكون المتبقي لها أكثر، وإن قام شيء مقام العسل لغذائها، لم يتعين إبقاء العسل، وقد قيل: يشوي دجاجة، وتعلق بباب الكوارة،.
فتأكل منها.
وديدان القَزِّ تعيش بورق الفرصاد، فعلى مالِكِهَا تخليتها؛ لتأكل منها، فإن عز الورق، ولم يعتن المالك بها، بيع ماله في الورق؛ كي لا يهلك من غير فائدة.
نعم، إذا جاء الوقْت، جاز تجفيفها بالشمس، وإن كانت تَهْلَكُ لتحصيل 166 فائدتها، وأما ما لا روح فيه كالعقار والقنى والزرع والثمار، فلا يجب القيام بعمارتها، ولا يكره ترك زراعة الأرْضِ، لكن يكره ترك سقي الزَّرْع والأشجار عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، وفي "التتمة": أنه يكره أيضاً ترْك عمارة الدَّارِ إلى أن تخرب 167، ولا يكره عماراتُ الدُّورِ وسائر العقارات؛ للحاجة، والأَوْلَى ترك الزيادة، وربما قيل تَكْرَهُ الزيادة.
وقوله في الكتاب: "وإِنْ لم تجب عمارة العقار والدار" الدار داخلةٌ في العقار، ولو قال "كالدار" أو قدم الدار على العَقَار، لكان أحسن وقوله: "يجوز غَصْبُ العَلَف" أعلم بالواو.
وقوله: "وإذا أجدبت الأرض، وجب علف السائمة" وقد يشير إلى أن المراد مِنْ عَلَف الدواب في قوله أو لا تجب علف الدواب القيام بكفايتها بإسامتها أو تهيئة علفها من البيت، وَبَيَّنَ هاهنا أنَّه إذا تعذَّرت الإسامة، تعين العَلَف من البيت.
وقوله: "فإن لم يعلف بيعت عليه" لا اختصاص له بهذه الصورة؛ على ما بيَّنَّا [وبالله سبحانه التوفيق والإعانة، هذا آخر ربع النِّكَاح].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَمَّ رُبْعُ النِّكَاحِ يَتْلُوهُ رُبْعُ الجِرَاحِ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أجْمَعِينَ.

الجزء: 10 - الصفحة: 116

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل