العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ اللِّعَانِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 وَالنَّظرُ فِي القَذْفِ ثُمَّ اللِّعَانِ* وَفِي القَذْفِ بَابَان الأَوَّلُ فِي ألْفَاظِ القَذْفِ وَمُوجبِهَا* وَفيهِ فَصْلاَن (الأَوَّل فِي الألْفَاظِ) وَصرِيحُهَا أَنْ يَقُولَ: زنَيْتَ أَوْ يَا زَانِي* وَكَذَلِكَ لَفْظُ النِّيْكِ وإيلاجَ الحَشَفَةِ* وَالكِنَايَةُ كَقَوْلهِ لِلقُرَشِيِّ: يَا نَبَطِيُّ* فَإنْ أَرَادَ الزِّنَا فَهُوْ قَذْفٌ* وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَيْهِ اليَمِينُ* وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْلِفَ كَاذبًا عَلَى إخْفَاءِ نيَّتهِ* وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَلَهُ أَنْ لاَ يُقَرَّ بِالنِّيَّةِ حَتَّى لاَ يُؤْذِيَ المَقْذُوفَ* وَلَكِنَّ الحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى* وَلاَ يَبْعُدُ أنْ يَجِبَ الاعْتِرَاف لتوْفِيَةِ الحَدِّ* وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَابْنَ الحَلاَلِ وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ فَهُوَ تعْريضٌ (م) لَيْسَ بِكِنَايَةٍ وَلاَ صَرِيحٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اللعان مصْدرُ: لاَعَنَ يُلاَعِنُ، ويعبر عنه: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَت حجَّةً للمضْطَرِّ إلى قذف من لطخ فراشه، وألحق العار به، سميت لعانًا؛ لاشتمالها على

الجزء: 9 - الصفحة: 333

كلمة اللَّعْن، قال الإِمام -قدس الله رُوحَهُ-: وخُصَّت بهذه التَّسْمية؛ لأن اللَّعْن كلمةٌ عربيةٌ في مقام الحُجَج من الشهادات والأيمان، والشيْء يشتهر 2 بما يقع فيه من الغريب، وعلى ذلك جَرَى معْظَم مسميات 3 سور القرآن، ولم يُسَمِّ بما يسبق من الغَضب؛ لأنَّ لفْظ الغَضب يقع في جانب المرأة، وجانب الرجل أقوى، وأيضاً فلعانه يسبق لعانَهَا، وقد ينفك عن لعانها.
وقد ورد باللعان الكتابُ والسنّة، قال الله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ [بِاللَّهِ] 4[النور: 6] الآيات، وروى ابن عباس 5 -رضي الله عنهما-: "أن هلال بن أُمَيَّةَ قذَفَ امْرأته عنْد النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِشُرَيْكِ ابْن سَحْمَاء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "البَيِّنَة أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ" فقال: يا رَسُولَ الله، إِذَا رَأَى أَحَدٌ عَلى امْرَأَتِهِ رَجُلاً، ينْطَلِقُ يلْتَمِس البَيِّنَةَ، فَجَعَل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: البَيِّنَةُ حَدٌّ في ظَهْرِكَ فقال هلال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فنزل جبريل -عليه السلام- وأنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات، وروى سهل بن سعد الساعدي أن عُوَيْمِرَ العجلانيَّ قال: يا رسولَ الله: أَرَأَيتَ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَل؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قَد أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ، فَأْتِ بِهَا، فقال سَهْلٌ، فَتَلاعَنَّا في المسجد، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَذَكَرُوا أَنَّ الآيَاتِ وَرَدَتْ فِي قصَّة هلال 6. وقوله في القصة الثانية "أَنْزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ" حُمِلَ على أن المراد: أنَّهُ بَيِّن حكم الواقعة بما أنزل في حقِّ هلال، والحكم على الواحد حكْمٌ على الجماعة، واعلم أن اللعان سبقه القَذْف، ويحتاج في الباب إلى معرفة سورة القَذْف واللعان وأحكامهما، فيقع الكلام في قسْمَيْن: أحدهما: في القَذْف، والثاني: في اللعان، وهذا ما أراد بقوله: "والنظر في القَذْف ثم في اللعان"، والقذف ينقسم إلى: قَذْفِ الزوج زوجَتَه، وإلى غيره، والقِسْمان يشتركان في أحكام، ويفترقان في أحكام، فعَقَد فيه بابَيْن: أحدهما: في ألفاظ القذف وأحكامه العامَّة، والثاني: في قذف الأزواج خاصَّةً،

الجزء: 9 - الصفحة: 334

ومن أحكام هذا القذف اللعان، وذلك يُحْوِج إلى معرفة صورة اللعان، فاشتمل البابُ عَلَى فصل في أركان اللعان، واندرج في القِسْم الأول: بيان سورة اللعان ويُجرَّد القسْم الثاني لأحكام اللعان، وذلك هو الباب الذي ذكَره آخرًا، والأحْسَنُ أن يُبْدَلَ لفظ الباب الثالث بالقسم الثاني، وقوله في خلال الباب الثاني "الفصل الثالث: في فروع متفرقة" هكذا يوجد في النسخ، وهو بعيد عن انتظام [الكلام]؛ لأنه واقع بين الرُّكْن الثالث والرابع، وغرض الفصْل بيان الأركان، فلا مَعْنَى لايراد فصْلٍ آخَرَ بينهما، والوجه أن يُطْرَح لفْظ الفصْل الثالث، ويُقْتَصَر على فُروع متفرِّقة ويقال في أول الباب الثاني "وفيه فصلان" وبالجملة ففي ترتيب الباب ضبط في الكتاب، وقد وَقَع في "البسيط" و"الوسيط" مثله أو أعظم منْه، وطريق تحقيقه ما أتيْنا به.
أما الباب الأوَّل، ففيه فَصْلان: أحدهما: في ألفاظ القَذْف، والثاني: في موجبه: أما الأول، فاللفظ الذي يُقْصَد به القذف يَنْقسم إلى صَرِيح، وكناية، وتعريضٍ: أما الصريح: فهو لفظ الزنا؛ بأن يقول للرجل: زنَيْتَ أو يا زَانِي، وللمرأة زَنَيْتِ أو يا زانيَةُ، والنَّيْك، وإيلاج الحَشَفة، والذَّكَرِ صريحان أيضاً، لكن مع الوصْف بالتحريم 7، فإن مُطْلَقَها يقع على الحلال والحرام, والخلاف المذْكُور في "باب الإيلاء" في الجماع، وسائر الألفاظ هل هي صريحةٌ تَعُودُ هاهنا؟ فما كان صريحًا وانضم إلَيْه الوصف بالتحريم، كان قذفًا، ولو قال: علَوْت عَلَى رَجُلٍ حتى دخل ذكره في فَرْجك، فهو قاذفٌ، والرمْيُ بالإصابة في الدُّبُر بأن قال: "لاَطَكَ فلانٌ" قذف، سواء خوطب به الرَّجُلُ أو المرأة، وعن المزنيِّ: أنه قال في "المختصر الكبير" كالمنكر لذلك: لا أدري على ماذا أَقِيسُه، فقال الأصحاب: قِسْه على القُبُل بجامع أنه وطء يتعلَّق به الحدُّ، وأبو حنيفة لا يجْعلهُ قذفًا؛ بناء على أنه لا يتعلَّق به الحدُّ، [ولو قال يا لوطي، فهو كناية] 8 ولو قال: أتَيْتَ البهيمةَ، فهو قَذْفٌ إن جعلنا إتيان البهيمة زِنًا، وحكم القذف إنما يتعلَّق بالنسبة إلى الزِّنَا، أما النسبةُ إلى سائر الكبائر والإيذاءُ بسَائِر الوجوه فلا يتعلَّق به حدٌّ، وإنما الواجب فيه التعزير، وكذا لو قرطبه أو ديَّثه، وكذا لو

الجزء: 9 - الصفحة: 335

قال لامرأته: زنَيْتِ بفلانة، أو زَنَتْ بكِ أو أصابَتْكِ فلانةٌ، بنسبتِها إلَى السُّحَاق.
وأما الكتابة، فكقوله للقرشي: 9 يا نَبَطِيُّ وللرجل: يا فاجر ويا فاسق، ويا خبيثُ، وللمرأة: يا خبيثة، ويا شبقة وأنت تحبين الخَلْوة، وفلانة لا تردُّ يَدَ لامس، وما أشبه ذلك، فإن أراد النسبة إلى الزنا، فهو قذْف، وإلا فلَيْس بقَذْفٍ، وإذا أنكر الإرادة، صُدِّق بيمينه، وإذا عرضت اليمين عليه، فليس له أن يحلف كاذباً؛ دفعًا للحد أو تحرُّزاً من إتمام 10 الإيذاء ولو خلى، ولم يَحْلف، فالحكاية عن كلام الأصحاب -رحمهم الله-: أنه يجب عليه الإظْهار، ليستوفى منه [الحدّ، وتبرأ ذمته؛ كمن قتل إنساناً في خفية يجب عليه إظهاره ليُسْتَوْفَى منه القصاص، أو يُعْفَى عنه، وهذا قولٌ يوجب الحدَّ عليه فيما بينه وبيْن الله -تعالى-، وفيه احتمال آخر: أنه لا يجب الإظْهار؛ لأن إظهار التفْسير إتمامُ الإيذاء، فيبعد إيجابه، وعلى هذا، فلا يُحْكمُ بوجوب الحدِّ ما لم يوجد الإيذاء التامُّ، ونظم الكتاب يميل إلى ترجيح هذا الاحتمال، والأول أشْبَه، والله أعلم.
وأما قول الزوج لزوجته: لم أجِدْكِ عذْرَاءَ، فَلَيْسَ بصريح في القَذْف، وكذا قوله: وجدتُّ معك رجلاً، وحكي عن القديم: أنه صريحٌ، ولو قاله أجنبي لأجنبية، لم يكن صريحاً، بلا خلاف؛ لأنه قد يريد زوْجَها, ولو قال: زنَيْت مع فلانٍ، فهو صريح في حقِّ المخاطبة دون فلان.
وعن أبي حنيفة: أن صريح في حقِّ فلانٍ أيضاً.
وأما التعريض، فليس بقَذْف، وإن أراده، وذلك كقوله: يابْنَ الحَلاَلِ، وأما أنا، فلَسْتُ بزانٍ، وأمي ليست بزانية، وما أحسن اسْمَكِ في الجيران، وما أشبه ذلك؛ لأن النيَّة إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنويّ، وهاهنا لا دَلاَلة [له] 11 في اللفظ ولا احتمال، وما يتخيل، ويفهم منه، فمستنده قرائن الأحوال.
هذا هو الأصح، وفيه وجْهٌ: أنه كنايةٌ، فإذا انضمَّت إليه النيَّة كان قذْفًا؛ اعتمادًا على الفهم وحصول الإيذاء، وهذا ما أورده الشيخ أبو حامدٍ وجماعة، وعن مالك وأحمد -رحمهما الله- أنه صريح في حال الغَضَب، وربما أطلق النَّقْل عن مالك، فيجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "ليس بكناية" بالواو، وقوله "ولا صريح" بالميم والألف، والمثال المذكور في الكتاب للكناية وهو قوله للقرشي "يا نبطيُّ"، يكون قذفاً للأم إذا أراد أنها زَنَتْ، لا للمخاطب.

الجزء: 9 - الصفحة: 336

قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: (إِحْدَاهَا) لَوْ قَالَ لامْرَأةٍ: زَنَيْتُ بِكِ فَهذَا إِقْرَارٌ وَقَذْفٌ* فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكِ وَأرَادَتْ زِناً قَبْلَ النِّكَاحِ فَعَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ القَذْفِ وَسَقَطَ الحَدُّ عنِ الزَّوْجِ* وَإِنْ قَالَتْ: أَرَدتُّ نَفْيِ الزِّنَا لأَنِّي لَمْ يُجَامِعْني غَيْرُهُ فِي النِّكَاحِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا وَيَبْقَى حَدُّ القَذْفِ عَلَى الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مُفْتَتَح الفصّل كالقاعدة المؤسسة لألفاظ القَذْف، وعقَّبها بمسائل تتعلَّق بها، وتوضحها.
فمنها: إذا قال لامرأته أو لأجنبية: زنَيْتُ بكِ، فهذا إقرار منْه على نفسه بالزنا، وقذف لها، فعليه حدُّ الزنا والقَذْف، ويُقدَّم حدُّ القذف؛ لأنه حقُّ الآدميِّ، فإن رجع سقط حد الزنا دون القذف.
ولو قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: زنَيْتُ بكَ، فكذلك الحُكْم هي مُقِرَّة بزناها، وقاذفة له، هذا هو المشهور، ورأى الإِمام أن لا يُجْعل ذلك قذفًا صريحاً؛ لاحتمال أن يكون 12 المخاطَبُ مسْتَكْرهاً، وانتظام الكلام مع ذلك، وهذا متين، ويؤيِّده ما ذكَرْناه، ولو قال: زنَيْتِ مع فلان، كان ذلك قذفًا لها دون فلان.
فلو قال لامرأته: يا زانية، فقالت: زنَيْتُ بِكَ، أو بِكَ زنَيْتُ، فهو قاذف لها، وليستْ هي بمصرِّحة بالقذف؛ لأن الجواب متردِّد محتَمَلٌ، فإن أرادت حقيقة الزِّنا، وأنهما زَنَيا قبل النكاح، فهي مُقِرَّة على نفسها بالزنا، وقاذفة للزوج ويسْقُط عنه حدُّ القذف؛ لإقرارها, ولكن يُعزَّر للإيذاء كذلك حكاه الصيدلانيُّ عن القَفَّال، وإن أرادت أنها هي التي زنَتْ، وهو لم: يزنِ، كأنها تقول: زنَيْتُ به قبْل النكاح، وهو مجنونٌ أو نائمٌ أو وَطِئَنِي بالشُّبهة، وأنا أعرف صورة الحال، فيسقط عنه حدُّ القذف، ويثبت عليها حدُّ الزنا بإقرارها, ولا تكون قاذفةً، فإن كذبها الزوج، وقال: أردتِّ قذفي، فهي المصدَّقة بيمينها، فإن نكَلَتْ، فحلف، فله حدُّ القذف، ولو قالت: أردتُّ أني لم أزْنِ؛ لأني لم يجامعْني غيره، ولم يجامعني هو إلا في النِّكَاح، فإن كان ذلك زنا، فهو زانٍ أيضاً أو إن قالت: أردتُّ أني لم أزْنِ كما لم يَزْن هو، كما يقول الرجل لغيره: سَرَقْتَ، فيقول: سرَقْتُ معك، ويريد نَفْيَ السرقة عنه، وعن نَفْسِه، فتُصدَّق بيمينها, لاحتمال ما تقوله، وإذا حلَفَتْ، فلا حد عليها، وعلى الزوج حدُّ القذف، وإن نَكَلَت، حَلَف، واستحق حد القذف، ولو قالت المرأة لزوجها: يا زاني، فقال: زنَيْتُ بِكِ ففي جوابه مثل هذا التفصيل، ولو قال لأجنبية: يا زانِيَةُ، أو أنْتِ زانيةٌ، فقالت: زنَيْتُ بِكَ، فقد أطْلَق في "التهذيب": أن ذلك إقرار منها بالزنا، وقذْفٌ له، وقضيَّة ما ذكَرْنا من إرادة نفي الزنا عنه وعن نفسها، كما في مثال السرقة أن لا يفرق بين الزوجة والأجنبية.

الجزء: 9 - الصفحة: 337

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَلَيْسَتْ قَاذِفَةً لأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِف بِزِنَا نَفْسِهَا* وَإِنْ قَالَتْ: زنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَقَاذفَةٌ وَمُقِرَّةٌ* وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا* وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى مِنْ فُلاَنِ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: زَنَى فُلاَنٌ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنْهُ* أَوْ فِي النَّاسِ زُنَاةً وَأَنْتَ أَزْنَى مِنْهُمْ* فَإنْ كَانَ ثَبَتَ زِنَا فُلاَنٍ بِالبَيِّنَةِ وَالقَاذِفُ جَاهِلٌ بِهِ فَهُوَ غَيْرُ قَاذِفٍ* وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَهُوَ قَاذِفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: يا زانية، فقالت: أنْتَ أزْنَى مني، أو بل أنت أزْنَى مني، فلا تكون قاذفةً له إلا أن تُريدَ القَذْف؛ لاحتمال أن تريد أنه أهْدَى إلَى الزنا، وأحْرَص عليه منْها، فإن جَرَى ذلك بين الزوجَيْن، فيحتمل أن تريد: أنه لا يطأني غيرك، فإن كنْتُ زانيةً، فأنْتَ أزْنَى مني.
نعم، لو قالت: زنَيْتُ، وأنت أزنى مني، أو قالت ابتداءً: أنا زانيةٌ، وأنت أزْنَى مني، فهي قاذفة له، ومقرة بالزنا على نفسها، ويسقط حد القَذْف عن الرَّجُل، فإن خطر بالبال أن "كلمة المبالغة" تقتضي الاشتراك في الأَصْل وإثبات الزيادة، فليكن قولها "أنْتَ أزنَى مني" قذفًا وإن لم تَقل: زنيت، وقد اعتذروا عنه بوجهَيْن: أحدهما: أنَّ معْظَم الناس في محاوراتهم لا يحافظون على منْهَاج الاسْتِقَامة، وإنما يراعيه نفَرٌ يَسيرٌ هم الموفقون في كل عصر، فلا يمكن قصْر النَّظر على الموضع الأصليِّ، بل ينظر إلى معتاد المحاورات.
والثاني: أن ألفاظ المبالغة في مَعْرضِ الذمِّ والمشاتمة تُحْمَل على وَضْع اللسان، كما في قوله تعالى؛ حكايته عن يوسُفَ -عليه السلام- حيث قال لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: 77] ولو قالت ابتداءً: أَنْتَ أزْنَى مني، ففي كونه قذفًا وجهان، حكاهما القاضي ابن كج -رحمة الله عليه-، ويجوز أن يفرق بين الجواب والابتداء، كما سبق في قولها: زنَيْتُ بكَ، ولو قالت في الجواب: زَنَيْتُ وأنْتَ أزنَى مني، فتكون مقرةً بزناها، وقاذفةً له، ولو قال لغَيْره: أنتِ أزْنَى الناس أو أزنى من الناس أو يا أزنى النَّاس، لم يكن قاذفاً إلا أن يريده 13، وكذا لو قال [أنْتِ] 14 أزْنَى من فلان، خلافاً

الجزء: 9 - الصفحة: 338

لمالك فيما حكى القاضي ابن كج، وعن الداركي فيما روى أبو الفرج السرخسي: أنه يكون قذفًا لهما جميعاً؛ لأن ظاهر اللَّفْظ يقتضي اشتراكهما في أصل الزنا، واختصاص المخاطَبِ بمزيد، وهذا كالوجهَيْن فيما إذا قالت ابتداءً: أنت أزنى مِنِّي على ما سَبَق، والمشهور الأوَّل، ولو قال: زنى فلان، وأنتِ أزنَى منه، فهذا تصريح بقذفهما جميعاً، وعن أبي الحُسَيْن بن القطَّان، وأبي الطَّيِّب بن سلمة: أنه لا يكون قذفًا للمخاطَب، والظاهر الأول، وكذا لو قال: في الناس زناةٌ وأنْتِ أزْنَى منهم، أو قال: أنتِ أزنَى زناة الناس، قال في "البسيط": وقد يعتاض الفرق بينه وبين أن تقول: أنت أزنَى الناس؛ لأنَّا نعْلَم أن في الناس زناةً، ولعل السبب اتِّبَاعُ لفظه، ولشى في لفظه إثْبَات زناهم، ولفظ الناس يتناول الكُلَّ، ومعلوم أن الناس كلَّهم ليسوا زناة، حتى لو قال: الناس كلُّهم زناةٌ، وأنْتِ أزنى منهم، فقد قال الأئمة: لا يكونُ قذْفًا لعلمنا بكذبه، وبمثله أجابوا فيما إذا قال: أنتِ أزنَى من أهل بغداد إلا أن يُرِيدَ: أنتِ أزنَى من زناة أهل بغداد 15، ولو قال: أنتِ أزنَى من فلان، ولم يثبت في لفظه زنا فلان، ولكنه كان قد ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار، فإن كان القائل جاهلاً به، فهو غيْر قَاذِفٍ، ويقبل قوله إنِّي كنت جاهلاً مع يمينه، ويجيء فيه الوجْه المنقول عن الداركيِّ، وإن كان عالماً به، فهو قاذف لهما، فيحد للمخاطب، ويعزَّر لفلان؛ لأنه منْهُوك العِرْض، إذ ثبت زناه، ويجيء في كونه قاذفًا الوجْه المنسوب إلى ابن القطَّان، وابن سلمة، وفي تعليق الشيخ إبراهيم المروروزي وَجْهٌ على الجواب الظاهر في هذه الصور: أنه لو قال بالفارسية [بوروسى تزار فلانه] 16 لا يكون قاذفًا، ولو قال [فلانة روسيى ايست وتواروى روسيى ترى] 17 يكون قاذفًا لهما جميعاً، ولو قال [تورسى بدارهمه زمانى] 18 لا يكون قاذفًا، ولو قال:

الجزء: 9 - الصفحة: 339

[دُرزمان روسيا نندرتوازيشان روسى ترى] 19 يكون قاذفًا، والغرض من ذلك أن هَذا اللفظه في الفارسية صريحٌ في القَذْف، ولو قال لامرأته: يا زانية، فقالت: بل أنْت زانٍ، فكل واحد منهما قاذفٌ لصاحبه ويسقط حد القذف عنه باللعان ولا يسقط حَدّ القذْف عن المرأة إلا بإقرار الزوج أو بينته، وليست هذه الصورة كما إذا قالت: في الجواب: أنْتَ أزنى مني، فإن ذلك يستعمل لنَفْي الزنا، على ما سبق، ولو تقاذف شخْصَان، فعلى كلِّ واحد منهما الحدُّ لصاحبه، ولا يتقاصان الحدَّان؛ لأنَّ التقاص إنما يكون عند اتحاد الجنْس والقدر والصفة، ومواقع السباط وآلام الضربات متفاوتةٌ، وليعلم قوله في الكتاب "وكذلك لَوْ قال: أنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلاَنٍ" بالميم والواو، وقوله: "إِلاَّ أَنْ يَقُولَ" بالواو، وكذا قوله: "فهو غير قاذف" فهو قاذف؛ لِمَا تبيَّن، واطلاق لفظ "القاذف" في قوله: "والقاذف جاهل به" على سبيل التوسع؛ اعتمادًا على فَهْم المقصود منه، وإلا، فكيف يقال: القاذف غَيْرُ قاذف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَة) لَوْ قَالَ لِلرَّجُلِ: يَا زَانِيةُ فَهُوَ قَاذِفٌ* وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ يَا زَانِي* وَلَوْ قَالَ: زَنَأْتِ فِي الجَبَلِ وَأَرَادَ الرُّقِيَّ فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ* وَلَوْ قَالَ: زنَيْتِ فِي الجَبَلِ وَصَرَّحَ بِاليَاءِ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ الرُّقِيَّ وَترَكْتُ الهَمْزَ قبِلَ عَلَى وَجْهٍ* وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى وَجْهٍ* وَيفَرَّقُ عَلَى وَجْهٍ بِيْنَ الجَاهِلِ والبَصِيرِ بِاللُّغَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال للرجل: زنَيْتِ أو للمرأة: زَنيْتَ، فهو قاذف، واللَّحْن لا يمنع الفَهْم، ولا يرفع العار، ولو قال للرجل: يا زانِيَةُ فهو قاذف، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أنه إذا حَصَلَت الإشارة إلَى العَيْن، لم ينظر إلى علامة التذكير والتأنيث، كما لو قال لعبده: أنْتِ حُرَّة، ولأمته: أنْتَ حُرٌّ، وهذا المعنى الذي ذكَرْنا في "زنَيْتِ وزنيتَ"، ومِن الأصحاب مَنْ يقول: الهاء قد ترَاد للمبالغة، كقولهم: "رواية وعلاَّمة ونسَّابة" فيمكن تنزيل هذه الهاء على المبالغة، ولم يرتض الإِمام وآخرون ذلك، وقالوا: ليس هذا ممَّا يجري فيه القياس، ولا يصح أن يقال لِمَنْ يُكْثِر القتل "قاتله" أو "قتالة"، ولو قال للمرأة: يا زانِ أو يا زَانِي فهو قاذف أيضاً، وعن الداركي قال: سمعت أبا محمد الفارسِيَّ يحكي عن نصِّ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في الدعاوَي والبينات: أنه لا يكون قذفًا؛ [لأنه] ربما نسب ذلك إلى القديم، والمشْهُورُ الأوَّل.
قال الدراكيُّ: وطلبت ما نقله في المَوْضِع المُحَال علَيْه، فلم أجدْه، ثم حمل

الجزء: 9 - الصفحة: 340

الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- حَذْف الهاء على التَّرْخيم في النداء، كقوله في "مالك": يا مَالِ، وفي "حارث"؛ يا حَارِ، واعترض عليه بأن الترخيم يُحْذَف منه حرْفٌ واحد، فينبغي أن [ألاّ] تحذف سوى هاء التأنيث، وقول القائل: "يا زَانِ" فيه حذف حرفين، وبأن الترخيم يقع في أسماء الأعلام دون الأسماء المُشْتقَّة، وأجيب عن الأوَّل بأنَّ الرواية في حرملة يا زاني لا يا زان، وإلحاقُ "يَا زَانِ" بـ"يَا زَانِي" من تصرُّف المزنيِّ، وبأنه لا يزاد على حَذْف الحرف الواحد، إذا كان ما قبل الحرف الآخر صحيحاً، فأما حرف العلة، [فلا اعتبار به، وأيضاً،] 20 قالوا يَا صَاحِ، فرخموا، مع أن "الصاحب" اسم مشتقٌّ، وعن صاحب "التقريب" حكايةُ قَوْلٍ عن القديم: فيما إذا قال للرجل: يا زانية أيضاً أنه ليس بقَذْفٍ، فيجوز أن يُعْلَم، لذلك قوله في الكتاب "فهو قاذف" بالواو مع الحاء.
وقوله "وكذلك" بالواو.
ولو قال: "زَنَأْتِ في الجَبَلِ" بالهمز، لم يكن قذْفًا، إلا أن يريده؛ لأن الزناء في الجَبَل هو الصُّعُود فيه، فلو قال المقول له: أردت القذف، وأنكر، صُدِّق بيمينه، فإن نَكَل، حلف المقول له، واستحق حدَّ القذف، وجعل أبو حنيفة قوله "زَنَأْتِ في الجَبَل" قذفًا، وعن أحمد مثله، ولو قال: "زَنَأْتِ في البيت" فظاهر المذهب أنه قذْف؛ لأنه لا يُسْتَعمل بمعنى الصُّعود في البَيْت ونحوه 21، ولو قال: "زَنَأْتِ" واقتصر عليه أو قال: "يَا زَانِيء" بالهمز، ففيه وجوهٌ: أظهرهما، وبه قال القفَّال والقاضي أبو الطيِّب -رحمهما الله-: أنه ليس يقذف، إلا أن يريده؛ لأن ظاهره الصُّعُود.
والثاني: أنه قذْف، والياء قد تبدل همزةً، كقوله: "رَوَيْتُ وَرَوَأْتُ".
وعن الداركيِّ: أن أبا أحمد الجرجانيَّ نسبه إلى نصه في "الجامع الكبير".
والثالث: الفرق بين أن يُحْسن العربية، فلا يكون قذفًا منه، إلا أن يريده وبين أن لا يُحْسِنَها, ولا يضبط موضع الهمز وتركه، فيكون قاذفًا، ولو قال: "زنَيْتِ في الجبل"

الجزء: 9 - الصفحة: 341

وصرح بالياء، ففيه ثلاثة أوجه أيضاً، حكاها صاحب الكتاب والشيخ أبو الفرج السرخسيُّ وغيرهما.
أصحُّهما: أنه قذْفٌ.
والثاني: ليس بقذف إلا أن يريده؛ لاحتمال أنه أراد الصُّعُود، وسهل الهمزة ويروى هذا عن صاحب "التلخيص".
والثالث: الفرق بين الجاهل باللغة والبصير بها، فيجعل صريحاً من البصير، فلا يُقْبَل قوله "أردت الرُّقِيَّ وتركت الهمزة" ويقبل ذلك من الجاهل والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ) لَوْ قَالَ: زَنَى فَرْجُكِ فَهُوَ قَذْفٌ* وَلَوْ قَالَ: زَنَتْ عَيْنُكِ وَيدُكِ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من صريح القَذف: أن يقول: زَنَى فرْجُك أو ذَكَرُك أو قُبُلك أو دُبُرك؛ لأنه آلةُ ذَلِك العَمَل، وهذا المعنى، إن أضاف الزنا إلى جُمْلة الشخص، ولو قال لامرأته: زنَيْتُ في قُبُلك، كان قذفًا لها, ولو قال لرجل، لم يكن قذفًا إلا أن يريده؛ لأن زنا الرجل يكون من القُبُل لا فيه، ذَكَرهُ في "التهذيب" ولو قال: زنا يدك أو رِجْلك أو عينك، ففيه طريقان، المذكور منهما في الكتاب أن فيه وجهَيْن، وربما سميا قولين: أحدهما، وهو ظاهرٌ منقولِ المُزَنِيِّ، وبه قال مالك: أنه يكون قذفًا؛ لأنه أضاف الزنا إلى عُضْو من الجملة, فأشبه ما إذا أضاف إلى الفَرْج؛ ولأن ما تصحُّ إضافته إلى الفَرْج، تصح إضافته إلى اليد والرجل، كالطلاق، والظهار.
وأصحُّهما: أنه ليس بقَذْف، إلا أن يريده؛ لأن المَفْهوم من زنا هذه الأعضاء اللَّمْسُ والمشي والنظر، على ما قال -صلى الله عليه وسلم- 22: "العَيْنَانِ تَزْنيَانِ، وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ" وعلى هذا

الجزء: 9 - الصفحة: 342

والطريق الثاني، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، والأكثرون.
القطع بأنَّهُ ليس بصريح، وغلَّطوا المزنيَّ في النقل، ولو قال: زنا بدنك، فوجهان: أحدهما: أنه ليس بصريح في القذف؛ لاحتمال أنه أراد المماسة.
والأصحُّ 23، وبه قال أبو حنيفة: أنه صريح؛ لأنه أضاف الزنا إلى جملة الشخض، فأشبه ما إذا قال: زنَيْتِ 24 والله أعلم.
قاَلَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) لَوْ قَالَ لِوَلَدِهِ: لَسْتَ ابْنِي فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ إِلاَّ إِذَا نوَى* وَالأَجْنَبيُّ لَوْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ قَاذِفٌ لأَنَّهُ لاَ يُحْسَنُ مِنْهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ بِذَلِكَ* وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ* وَالأَقْيَسُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ* وَلَوْ قَالَ لِلوَلَدِ المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ: لَسْتَ مِنَ المُلاَعِنَ فَهُوَ قَاذِفٌ إنْ أَرَادَ تَصْدَيقَ الزَّوْجِ المُلاَعِنِ* فَإِنْ أَرَادَ النَّفْي الشَّرْعِيَّ فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ* وَلَوْ قَالَ لِلقُرَشِيِّ لَسْتَ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ أُمّهَاتِهِ زنَتْ فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ لأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ* وَنَعْني بِالقَذْفِ مُوجِبَ الحَدِّ* أَمَّا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ بِأَكْثَرِ هَذهِ الكَلِمَاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيهما صورتان: أحدهما: إذا قال لولده اللاحق به في الظَّاهر: لَسْت ابْنِي أو لَسْتَ مني، فالنص أنه ليس بقاذف لأمه إلا أن يريد القَذْف؟ ولو قال لأجنبي: لست ابن فلان، فالنص أنه قاذف، وفيهما طُرُقٌ: أصحهما: تقرير النصين، والفرق أن الأب يحتاج في تأديب الولد إلى مثْل هذا الكلام؛ زجْرًا له عما لا يليق بنسبه وقومه، فيحمل ذلك منه عَلَى التأديب، والأجنبيُّ بخلافه.

الجزء: 9 - الصفحة: 343

والثاني: نَقْل الجواب من كل صورة إلى الأُخْرى، وتخريجهما على قولَيْن: أحدهما: أنه صريح في القَذْف؛ لأنه الظَّاهر السابق [إلى الفَهْم منه] 25، والثاني وأقيسهما: أنه كناية في الصُّورتين؛ لأنَّه يحتمل غير القذف على ما سيأتي.
والثالث: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: القَطْع بأنه ليس بقَذْف في الصورتين، وحمل قوله "إنه قذف" على ما إذا أراده.
والرابع: ويحكى عن ابن الوكيل: القطع بأنه قَذْف في الصورتين، وتأويل ما ذَكَره في حقِّ الوالد، وإذا قلْنا بالأصح، فيما إذا قال: لسْتَ ابْنِي، فيُسْتَفْسر، والتفسير يفرض من وجوه: أحدها: أن يقول: أردتُّ أنه من زناً، فهو قاذف، ولا يَخْفَى حكمه.
والثاني: أن يقول: أردتُّ أنه لا يُشْبِهُني خَلْقًا أو خُلُقًا وطبعًا، فيُقْبل، ويحلف عليه إن كَذَّبَته المرأة، وقالت: أردتَّ القذف، فإن نَكَل، حلَفَتْ، واستحقَّت حدَّ القذف، وله أن يلاعن لإسقاط الحد، وفيه وجه: أنه لا يلاعن لإنكاره القذف، وسيأتي نظيره.
والثالث: [أن]: 26 يقول: أردت أنه من وطئ شُبْهة، فلا قَذْف، فإن قالت: أردتَّ القذف، حلف على ما ذكرنا، والولد لاحق به، إن لم يعيِّن الوطء بالشبهة، أو عيَّنه، فلم تصدِّقْه، ولم يَقْبَل الولد، وإن صُدق، وادَّعى الولد، أرى القائف، فإن ألحقه به، فذاك، وإلا، لَحِقَ الزوج، والكلامُ في جواز اللعانِ عنْد النسبة إلى الوطء بالشبهة يأتي في الركن الثالث من أركان اللعان، إن شاء الله تعالى.
والرابع: أن يقول: إنه 27 كان من زَوْجٍ قبلي، فلا يكون قاذفًا، سواءٌ عُرِف لها زوجٌ أو لم يُعْرف، قاله أبو الفرج السرخسي.
وأما الولد، فإن لم يعرف لها زوج قبله، يُقْبل قوله، ولَحِقه الوَلدُ، وإن عُرِف، فسنبين في كتاب العِدَّة إن شاء الله تعالى أن الوَلَد بمن يلحق، فإذا التحق به، فإنما ينتفي عنه باللعان، وكذلك ذكره صاحب "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما، وإذا لم يُعْرف وقت فراق الأول، ونكاح الثاني، فلا يلحق الولَدُ به؛ لأن الولادة عَلَى فراشه وحصول الإمكان لم يتحقَّق إلا أن يقيم بيَّنة على أنها ولَدَتْه في نكاحه لزمان الإمكان، وتقبل فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 344

شهادة النساء المتمحِّضات، فإن لم تكن بيَّنة، فلها تحليفه 28، فإن نَكَل، فعلى ما سنذكر في التفسير الخامس.
والخامس: أن يقول: إنَّها لم تلِدْه، بل هو مستعار أو لقيط، فلا قذف، والقول قوله مع يمينه في نفي الولادة، وعليها البينة، فإن لم يكن بيِّنة، فهل يُعْرض معها على القائف؟ فيه وجهان مذكوران في موضعهما؛ لأن الولادة محسوسةٌ يمكن إقامة البينة عليها؛ فلا يعتمد فيها على حسبان القائف، بخلاف جانب الرَّجُل، فإن قلنا: نعم، وألْحَقَه القائف بها، التحق بالزوج، واحتاج في النَّفيِ إلى اللعان، وإن قلْنا: لا يعرض عليه أو لم يلْحَقه بها أو أشكل علَيْه أو لم يكن قائفٌ، فيحلف الزوج؛ أنه لا يَعْلَم أنها ولدته، فإن حلف، انتفى عنه وفي لحوقه بالأم الوجهان المذكوران في "باب اللقيط"؛ في أن ذات الزوْج هل يلحقها الولد بالاستلحاق؛ وإن نكل الزوج، فالنص أنه تُرَدُّ اليمين عليها، ونص فيما إذا أتَت بولد لاكثر من أربع سنين؛ وادعت أن الزوج كان قَدْ رَاجَعها أو وطئها بالشبهة، وأن الولد منه، وأنْكَر الزوج، ونَكَل عن اليمين المعروضة عليه؛ أنه لا تُرَدُّ اليمين على المرأة، فمن الأصحاب من جَعَلَها على قولَيْن، نقلاً وتخريجًا، ومنهم مَنْ أخذ بالنصين، والفرق أن في صورة دعوى الاستلحاق الفراش قائم، فيتقوى به جانبها، وفي صورة دعوى المراجعة، ووطء الشُّبْهة الفراشُ مرتفع، فهي تدَّعِي شيئاً حادثًا، والأصل عدمه، فلم تُرَد اليمين عليها؛ لضعْف جانبها، والظاهر هاهنا الرد، وإن ثبت الخلاف، وإذا قلْنا بالرد، فإن حلَفَتْ، لحقه الولَدُ، وإن نكلت، فهل يوقف الأمْرُ، حتى يبلغ الصبيُّ ويحلف؟ فيه وجهان أو قولان؛ أخذا من الخلاف فيما لو أقر الراهن بأن العَبْد المرهون كان قد جنى قبل الرَّهْن، وقلنا: إن القول قولُ المرتهن، فأنكر، ولم يَحْلف، ونَكَل الراهن أَيْضًا، هل ترد اليمين على المجنيِّ علَيْه؟ وجهان: أحدهما: أنه يوقف حتى يبلغ، فيحلف؛ لأن الحَقَّ له.
والثاني: لا يوقف وليس له أن يَحْلِف؛ لأن يمين الرد لا تُرَدُّ، فإن قلنا يوقف، فحلف بعد البلوغ، لحق، وإن نكل، أو قلنا: لا يوقف، انتفى الولد عنه، وفي لحوقه بها الخلاف السابق.
الصورة الثانية: إذا قال للولد المنفيِّ باللعان: لسْتَ ابن فلان، يعني المُلاعِن، فهذا ليس بصريح في قَذْف أمه؛ لتردُّده، واحتماله، بل يُسْأل؛ فإن قال: أردتُّ تصديق

الجزء: 9 - الصفحة: 345

الملاعِنِ في نسبة أُمِّه إلى الزنا، فهو قاذف، وإن أراد أن الملاعن نفاه، أو أراد انتفاء نسبه شرعاً، أو أنه لا يشبِهُهُ خَلْقًا أو خُلُقاً، صُدِّق بيمينه، وإذا حلف عليه، فقد ذكر القفَّال أنه يُعزَّر عليه للإيذاء وتجديد ذكر الواقعة، وإن نكل، حلَفَت الأم؛ أنه أراد قذْفها، واستحقَّت 29 الحد، ولو أن النافي استلحقه، ثم قال له قائل: لسْتَ ابن فلان، فهو كما لو قاله لغير المنفي، والظاهر أنه قَذْف [صريح] على ما سَبَق، وقد يقال: إذا كان أحد التفاسير المقبولة أن المُلاَعِن نفاه، فالاستحاق بعْد النفي لا ينافي في صدْق القول بأنه نفاه؛ فلا يبعد أن لا يُجْعَل قذفًا صريحاً، ويقبل التفسير 30 به.
ولو قال القُرَشيِّ: لسْتَ من قريش، أو [قال لقريشي]: يا نبطيُّ أو لتركيِّ: يا هندي، أو بالعكس، وقال: أردتُّ أنه لا يشبه من يُنْسَب إليه في السّير والأخلاق أو الهنديُّ تركيُّ الدار أو اللسانِ، صُدِّق بيمينه، فإن ادعت أمُّ المَقُول له؛ أنه أراد القَذْف، ونَكَلْ القائل، فحَلَفت هي، وجَب الحدُّ أو التعزيرُ، وإذا أراد القذف فمطلقه محمول على أُمِّ المقول له، فإن قال: أردتُّ أن واحدةً من جداته زنَتْ، نُظِر؛ إنْ عيَّنها، فعلَيْه الحدُّ أو التعزير، وإن قال: أردتُّ جدَّة لا بعينها؛ إما في الجاهلية أو الإِسلام، فلا حد علَيْه، كما لو قال أحد أبَوَيْك زانٍ أو قال: في البلدة زناةٌ أو في السِّكَّة زانٍ، ولم يعيِّن، ولكن يُعزَّر للأذى، ولأُمِّ المقذوف تحليفه، إذ كذَّبته، وقالت: أردتَّنِي، هذا قضية ما أطلقه في الكتاب، وأورده الأئمة منهم صاحب "التهذيب" وفي "التجربة" للقاضي الرُّويانيِّ: أنه لو قال لعلويِّ: لسْتَ ابن عليِّ بن أبي طالب -عليه السلام- وقال: أردتُّ أنك لسْتَ من صُلْبه، بل بينك وبينه آباء، لا يُصَدَّق، بل القول قوْلُ من يتعلق به القَذْف: أنك أردتَّ قذْفي، فإن نَكَل، فيحلف القائل، ويعزر، وقضية هذا أن لا يُصدَّق القائل في قوله "أردتُّ جدَّةً من جدات المقول له" مهما نازعته أمه، بل تصدَّق هي؛ لأنَّ المُطلَق محمول عليها، والسابق إلى الفهم قذْفُهما، كما أن السابق إلى الفَهْم من قوله للعلوي: لست ابن علي -كرم الله وجهه- ما يقوله المقول له، فإن نكلت، فحينئذ يحلف القائل ويبرأ 31 والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 346

وأما قوله في الكتاب: "ونَعْنِي بِالقَذْفِ مُوجِبَ الحَدِّ، أَمَّا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ بَأَكْثرِ هَذِهِ الكَلِمات" فسنذكر المقصود منه على الأثر، إن شاء الله تعالى.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي مُوجِبِ القَذْفِ)

وَهُوَ التَّعْزِيرُ إلاَّ إِذَا قَذَفَ مُحْصَنًا فَمُوجِبُهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَهُوَ الحَدُّ* وَالمُحْصَنُ هوَ المُكَلَّفُ المُسْلِمُ الحُرُّ العَفِيفُ عَنِ الزِّنَا* وَيَسْقُطُ إِحْصَانُ الزِّنَا بِكُلِّ وَطْءٍ مُوجِبِ لِلْحَدِّ* أَمَّا الحَرَامُ الَّذِي لاَ يُوجِبُ الحَدَّ كَوَطْءِ المَمْلُوكَةِ المُحَرَّمَةِ بِالرَّضَاعِ أَوِ الجَارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ أَوْ جَارِيةِ الابْنِ أَوِ المَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ وَلِيِّ مِنَ الشِّفْعَوِي فَيَسْقُطُ الإِحْصَانُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ* أَمَّا الوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ وَالوَطْءُ فِي الصِّبَا لاَ يُسْقِطُ عَلَى الأَظهُرِ* وَأَمَّا وَطْءُ الحَائِضِ وَالْمحرِمِ وَالصَّائِمِ فَلاَ يَسْقِطِ* وَلاَ يَسْقُطُ بِالقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الوَطْءِ لِلزِّنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا بد من الإحصان في المقذوف؛ ليجب الحدُّ على القاذف، قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآيةُ فإن فُقِدَ الإحصان، فالواجب التعزير، ومقصود الفصل الكلامُ في الإحصان، وقد جرت العادَةُ بذكره هاهنا، وإن كان بابُ حَدِّ القذف أحقّ به.
وقوله "في موجب القذف؛ وهو التعزير إلا إذا قذف محصناً" فهو ذهابٌ إلى أن القذف بمطلقه يوجب التعزير، والذي يُوجب الحدَّ، فهو قذف المحصن خاصَّةً، ويمكن توجيهه بأن القذف هو الرمْيُ، يقال: قَذَفَ الحجارة أي رماها، وهذا المعنى شاملٌ لنسبة المحصن وغير المحصن إلى الزنا، بل لسائر أنْوَاع السَّبِّ والإيذاء، وكان السَّابُّ يرمي المسبوب بالكلمة المؤذية، والتعزيرُ هو التأديبُ، وذلك يشمل الحدَّ وما دونه، وإن اشْتهر في اصطلاح الفقه بما دون الحَدِّ، وإذا تناول لفْظُ القذف المُحْصَنَ وغيره، ولفظُ التعزيرِ الحدَّ وما دونه، انتظم أن يقال: القذف بمطلقه يوجب التعزيرَ، وقذفُ المُحصَنِ بخصوصة يوجب الحدَّ، وهو ثمانون جلدةً على ما سيأتي في بابه -إن شاء الله تعالى-، وما ذكره في آخر الفَصْل الأوَّل: "أنا نعني بالقذف موجب الحد" إلى آخره؛ فإنه لا ينافي قوْلَه "بأن مُوجِب القَذْف التعزير"، بل هذا يعرض لحقيقة الأمر، والمراد هنا بيان أنَّه عني بما أطلقه في صُوَر الفصْل أن هذا قذف، وهذا ليس بقذف الصريح الَّذي يتعلق به الحدُّ عند حصول شرطه، والتعزير قد يجب، وإن لم يكن اللفظ صريحًا؛ لما يتعلَّق به من الإيذاء، كما سبق فيما إذ قَالَ: لسْتَ ابن الملاعِنِ، وكذا الحكم في قوله: زنا عينك أو يدك، ونظائرهما.
إذا عرف ذلك فشرائط الإحصان أربعٌ: التكليفُ، وهو يعتمد العَقْل، والبلوغ، والحرية، والإِسلام والعفة عن الزنا فلو

الجزء: 9 - الصفحة: 347

قَذَف مجنونًا أو صبيًا أو عبداً أو كافراً، لم يُحدَّ، ويعزر للإيذاء، وتبطل العفة عن الزِّنا بكل وطء يوجب الحدَّ.
ومنه ما إذا وطئ جارية زوجتِهِ أو أَحَدِ أبويه، [أو محرماً له] 32 أو وطئ المرتَهِنُ الجاريةَ المرهونَة، وهو عالم بالتحريم، ويدخل فيه [الإتيان] 33 في غير المأتَي.
ثم روى صاحب "التهذيب": أنه يبطل حصانة الفاعل دون المفعول؛ لأن الإحْصَان لا يحصل بالتمكين 34 في الدبر، فكذلك لا تبطل به، ورأى أن تَبْطل حصانتهما جميعاً؛ لوجوب الحد عليهما 35 جميعاً، وأما الوطء الذي لا يوجب الحدَّ، وهو غير مسوَّغٍ، فللأصحاب -رحمهم الله- في ترتيب صُوَره وبيان أحكامها طرق أشهرها: أنه يُنْظَرُ؛ أَجَرَى ذلك في مِلْك نكاح أو مِلْك يمين، أو جرى بلا ملك؟ والقسم الأول على ضربَيْن: أحدهما: ما يحرم حرمة مؤيدة، كوطء المملوكة التي هي أخته أو أمه من الرضاع [أو أخته] 36 أو عمته من النَّسَب مع العلم بالتحريم، فإن قلنا: إنه يُوجِب الحدَّ، فتبطل الحصانة كالزنا، وإن قلنا لا يوجبه، فوجهان: أحدهما: لا يبطلها؛ لعدم التحاقها بالزنا.
والثاني: يبطلها؛ لدلالته على قلة مبالاته، بل غشيان المحارم أفْحَشُ من الزنا بالأجنبيات، وهذا أشبه، ونَظْم "التهذيب" يقتضي ترجيحَه، ولو أتى امرأته في غَيْر المأتي، ففي بطلان الحصانة مثْل هذيْن الوجهَيْن: والضرب الثاني: ما يحرم حرمة غير مؤبَّدةً، وهو نوعان: أحدهما: ما له حظٌّ من الدوامِ كوطء زوجته المعتدة عن الشبهة وأمته المعتدة أو المزوَّجة أو المرتدَّة أو المجُوسية أو أمَتِه في مدة الاستبراء، فيه وجهان: أحدهما: أنه تبطل الحصانة؛ لكونه حرامًا مؤكَّدًا.
وأظهرهما: المَنْع؛ لقيام الملك، وعدم تأبد الحرمة، وليس للوُقُوع في مثْله دلالةٌ ظاهرةٌ على قلة المبالاة بالزِّنا.

الجزء: 9 - الصفحة: 348

والثاني: ما حُرِّمَ بِعَارِضٍ سريع الزوال، فلا تبطل الحصانة لوطئ الزوجة أو المملوكة في الحيض أو النفاس أو الصَوم أو الإحرام أو الاعتكاف، وكوطئ المظاهَرِ [منها] 37 قبل التكفير.
ومنهم من جعله على الخِلاَف، واكتفى في سقوط الإحصان بحرمة الوطء وربما عُدَّت العِدَّة من شبهة، من هذا القبيل.
القسم الثاني: الوطء البخاري في غير الملك كالوطء بالشبهة ووطء جارية الابن، وفي النكاح الفاسد والنكاح بلا وليٍّ، ولا شهود 38، وفي الإحرام ونكاح المتعة والشغار ووطء المكاتبة، ووطْء الرجعية في العدة، ففي بطلان الحصانة بها وجهان: أحدهما: البطلان؛ لوقوعه في غير المِلْك كالزنا, ولأن الشبهة تسقط الحَدَّ عن الواطئ، فكذلك تسقط حدّ القذف عن القادف، ويُحْكَى هذا عن اختيار أبي إسحاق، وذكر القاضي الرُّويانيُّ أنه أقرب.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه وطْء يثبت به النسب، فلا يتعلَّق به الحد، فأشبه الوطء الحرام الواقع في المِلْك، وهذا أصح عند الشيخ 39 أبي حامِدٍ، وهو في وطء الشبهة أظهر، وقد رجَّحه فيه صاحب الكتاب، ووطء الجارية المشتركة بين الواطئ وغيره من هذا القبيل فيما حكى عن الداركيِّ، وأشار صاحب "الشامل" وجماعة إلى القَطْع بأنه كوطء المنكوحة في الحَيْض أو النفاس، واكتفوا بوقوع المِلْك في المحلِّ، ولم يشترطوا حصوله في جميع المحلِّ، هذا أحد الطرق.
والثاني: وعليه ينطبق إيراد الكتاب، إن وطئ المملوكة المحرَّمة بالرضاع والنسب، هل يَسْقط الحصانة؟ فيه وجهان وفي وطء الجارية المشتركة، وجارية الابن وجهان مرتَّبان، وأوْلَي بعدم الإسقاط للاختلاف في المحل، وفي الوطء بالشبهة وجهان مرتَّبان؛ لوقوعه طريقًا إلى الاسْتِحْلال بنقْلِ الملْكِ بالاستيلاد وفي وطء المنكوحة بغَيْر وليّ وشهودٍ وجْهان مرتَّبان، وأولى بعدم الإسقاط؛ لأنه غير موصوف بالتحريم، ووجْهُ تأثيره أنَّه يُشْعر بترك التحفُّظ والاحتياط، وقد يناط به ما يناط بالتعمُّد كحرمان الميراث بالقتل، هكذا

الجزء: 9 - الصفحة: 349

وجَّهه الإِمام -رحمه الله- وفي الوطء البخاري في الصبيِّ على صورة الزنا وجهان مرتَّبان، وهو أولى بأن لا يؤثر لعدم التكليف، وهو الأصح، وكذلك لا يؤثر الوطء الجاري في الجُنُون، حتى إذا بلغ الصبيُّ، وأفاق المجنون، فقذفهما قاذفٌ وجَبَ علَيْه الحدُّ.
والطريق الثالث: أن الحصانة لا تَبْطُل بالوطء الواقع في المِلْك، ولا بما يكون الواطئ معذورًا فيه كالوطء بالشبهة، وتبطل بالوطء الخالي عن المعنيين كوطء جارية الابن واحد الشريكين.
والرابع: أنه تبطل الحصانة بكل وطء حرام، ومنه الوطء في حال الحَيْض، ولا يبطل بما لا يحرم كالوطء بالشبهة؛ فإنه لا يوصف بالحرمة.
والخامس: أنَّ كلَّ وطء يتعلَّق به الحدُّ عند العلم بحاله يُسْقِط الحصانة كوطء الشبهة لا يوجب الحد، وكل وطء لا يتعلَّق به الحد عند العِلْم لا يسقطها كوَطَء جارية الابن، والجارية 40 المشتركة، وذكر في "التهذيب" أن الكافر إذا كان قريب العَهْد

الجزء: 9 - الصفحة: 350

بالإِسلام، فغصب امرأة، ووطئها على ظن الحِلِّ، لا تبطل حصانته، ويشبه أن يجيْء فيه الخلاف المذكور في وطء الشبهة.
ومقدِّماتُ الزنا كالقُبْلة واللمس وغيرهما لا تؤثِّر في الحصانة بحالٍ، وأبدى الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- فيه احتمالاً.
وقوله في الكتاب "على أحد الوجهين" يجوز إعلامه بالواو؛ لقطع من قطع في وطء الجارية المشتركة؛ بأنه لا يسقط الحصانة.
وقوله "من الشفْعويِّ" يشير إلى اعتبار اعتقاد التحريم، فأما الحنفيُّ، فإنه يعتقد الحِلَّ في النكاح بلا وليِّ، فلا يدل ذلك مِنْ حاله على قلَّة المبالاة والتجاسر على المحرَّمات، ويجوز أن يجري فيه الخلاف كما في شُرْب الحنفيِّ النبيذَ، وقوله "فلا يقسط" مُعْلَم بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَسْقُطُ بالزِّنَا الطَّارِئِ (ز) بَعْدَ القَذْفِ* وَلاَ يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ الطَّارِئَةِ* وَإِذَا سَقَطَ الإِحْصَانُ بِالزِّنَا مَرَّةً لَمْ يَعُدْ بِالعَدَالَةِ بَعْدَهُ* وَلَوْ عَجَزَ القَاذِفُ عَنِ البَيِّنَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ يَمِينَ المَقْذُوفِ عَلَى أنَّهُ لَمْ يَزْنِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاثة فروع 41: أحدها: إذا قذف عفيفاً في الظاهر، فرنى المقذوف قبْل أن يُحَدَّ القاذف، سقَطَت حصانَتُه، وسقط الحدُّ عن القَاذِف وقال أحمد والمزنيُّ: لا يسقط، وعن صاحب "التلخيص" أنه قول قديم للشافعيِّ -رضي الله عنه-، ووجْهُه أن المَعْنَى الطارئ بعْد وجوب الحدِّ لا يمنع من إقامته، كما لو ارتد المقْذُوف أو نَقَصَت قيمة المَسْروق، والمَذْهَب الأوَّل، واحتج الأصحاب -رحمهم الله- له بأن الإحصان طريقه غلبة الظن، دون اليقين، وظهورُ الزِّنَا يورث الرِّيبَة، ويخدش وجْه الظَّن، فأشبه ما إذا شَهِد شاهدان، ظاهرهما العدالةُ، ثم ظهر فسْقُهما قبل الحكم، ولو ارتد المقذوف قَبْل أن يُحَدَّ القاذف، لم تؤثر ردته في سقوط الحد، وقال أبو حنيقة: تؤثر فيه كالزنا الطارئ، وعن القاضي أبي الطيِّب تخريجُ وجْه مثله، وحكاه القاضي ابن كج عن ابن أبي هريرة، وفرقوا على ظاهر المَذْهب من وجوه: أحدها: أن الزنا يُكْتم ما أَمْكَن، وإذا ظَهَر، فالغالب سبق مثله؛ لأن الله تعالى كريمٌ؛ لا يَهْتك الستر أول مرة على ما قاله عمر -رضي الله عنه- لِزَانٍ قُدِّم ليقام عليه الحدُّ وادَّعَى أنه أول ما ابتلى به، والردَّة عقيدةٌ والعقائد لا تَخْفَى في الغالب، فإظْهَارها لا يدل على سَبْق الإخفاء.

الجزء: 9 - الصفحة: 351

والثاني: أن الزنا معْنًى يمنع ماضيه الحصانة، ويسقط حدّ القذف على ما سيأْتي، فجاز أن يبطل مستقبله الحَصَانة، ويسقط حد القذف، والكفر لا يُؤثِّر ماضيه، فكذلك مستقبله كالجنون.
والثالث: ذكَر الإِمام أن الركْن الأعظم في الإحْصَان العفَّة عن الزنا، فإن الغَرَض من حدِّ القذف صيانة العِرْض، فإذا زنى المقذوف انهتك عرضه، وتعذَّرت صيانته، وأما الإِسْلام، فيعتبر على سبيل الشُّروط والتتمات 42، فلا يُراعَى إلا في حال الجنابة، وإذا قلنا بالمَذْهب، فلو قذف زوجته، ثم زَنَتْ، سقط عنه الحَدُّ واللعان.
نَعَمْ، لو كان هناك ولدٌ، وأراد نفْيَه، فله اللعان.
فَرْعٌ: لو سرق المقْذُوف أو قَتَل قبِل أن يقام الحد على القاذف، لم يؤثِّر ذلك، ولم تبطل الحصانة، وفي كتاب القاضي ابن كج أن أبا الحُسَيْن حكى فيه وجهَيْن: الثاني: مَنْ زنى مرةً، سقَطَت حصانته، ولم يعد بالعفة والصلاح بعده، فلا يحد قاذفه، ولكن يُعزَّر للإيذاء، وهذا ظَاهِرٌ إن قيد القذْف بالزنى السابق، أو أطلق، فإنه صادق في أنه زنَى، فأما إذا قيد القذف بزنى متأخِّر، فقد استبعد سقُوطَ الحدِّ مستبعِدُون، ولم يقيموه مع ذلك وجهاً، وقالوا العِرْض إذا انخرم بالزنى، لم يزل الخَلَل بما يطرأ من العفَّة، وكذلك لو زَنَى كافر أو رقيق ثم أسلم ذاك، وعتق هذا، وصلحت سيرتهما، لا يحد قاذفهما بخلاف ما إذا جَرَتْ صورة الزنى في الصَّبِيِّ أو المجنون، قلنا: إنه يُحدُّ قاذفهما بعد البلوغ والإفاقة؛ لأن فعل الصبيِّ والمجنون ليس بزنى؛ لعدم التكليف.
الثالث: إذا قذف زوجته أو غيرها وعجز عن إقامة البينة على زنى المقذوف، وأراد أن يُحلِّفه على أنه لم يَزْنِ، ففي تمكُّنه منه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما، ونُسِب إلى نصه -رضي الله عنه- في "الإملاء": أنه لا يتمكَّن إذ لا عهد باليمين على نَفْي الكبائر، وأيضاً، فإن شُرَيْكَ ابْن السحماء الذي رُميَتْ به الملاعنة على عَهْد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ، فأنكر، فلم يُحلِّفه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والثاني: يتمكن، فلعله يُقرُّ، فيسقط الحد عن القاذف، وفي "التهذيب" و"التتمة" أن الأول أظهر، لكن الموافق لجواب الأكثرين الثَّاني، وقالوا: لا تسمع الدعوى بالزنى والتحليف على نفيه إلا في هذه المسألة 43.

الجزء: 9 - الصفحة: 352

ولنا إلى المسألة عودةٌ في الدعاوى والبينات بعْد عودة.
فرْعٌ: عن أبي إسحاق -رحمه الله-: أنه يجب على الحاكم البَحْث عن إحصان المقذوف؛ ليقيم الحدَّ على القاذف، كما يجب البحث عن عدالة الشهود؛ ليحكم بشهادَتِهم، وقال غيره: لا يجب، وهو الذي رجَّحوه، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أن البحْث عن الإحصان يؤدي إلى هَتْكِ الستر وإظهار الزنا المأمور بسَتْره، والبحْثُ عن العدالة بخلافه.
وأقواهما: أن القاذف عَصَى بالقذف، فغُلِّظَ الأمرُ عليه؛ بإقامة الحد بظاهر الإحصان، والمشهود عليه لم يصدر منه ما يقتضي التغْليظ عليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ مَاتَ المَقْذُوفُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الحَدِّ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ لَكِنْ يَخْتَصُّ بِالعَصَبَاتِ عَلَى وَجُهٍ* وبِالعَصَبَةِ الَّتِي تُزَوَّجُ دُونَ الابْنِ عَلَى وَجْهٍ* وَيَعُمُّ كل قَرِيبٍ بِالنَّسَبِ عَلَى وَجْهٍ* وَيُوَزَّعُ عَلَى فَرَائِضِ الله تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ* فَإِنْ عَفَا وَاحِدٌ سَقَطَ الجَمِيعُ عَلَى وَجْهٍوَبَقِيَ الجَمِيعُ عَلَى وَجْهٍ وَسَقَطَ حِصَّتُهُ عَلَى وَجْهٍ* وَوَلِيُّ المَجْنُونِ المَقْذُوفِ قَبْلَ الجُنُونِ لاَ يَسْتَوفِي حَدَّهُ إِلَى أَنْ يَمُوتَ* وَسَيِّدُ العَبْدِ لاَ يَسْتَوْفِي التَّعْزِيرَ الوَاجِبَ لِلعَبْدِ في حَيَاتِهِ* وَيَسْتَوفِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ* وَيَسْتَحِقُّ العَبْدُ عَلَى السَّيِّدِ التَّعْزِيرَ إِنْ قَذَفَهُ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أصل مسائل الفصْل: أن حدَّ القذْف حقُّ الآدميِّ أو المغلَّب فيه حقُّه، حتى يورث عنه، ويسقط بعفوه، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: هو حق الله تعالى، فلا يورث، ولا يسقط بالعفو، واحتج الأصحاب بأنه حق يتوقَّف استيفاؤه على مطالبة الآدميِّ [به،] 44 فكان حقاً له، كسائر حقوقه فيه، وأيضاً، فقد سلَّم أبو حنيفة؛ أنه لو قذف ميتاً، ثبت لورثته الحدُّ، وإنما = والبغوي والأمام والمتولي وقال: إنه ظاهر المذهب المنصوص في الإملاء وإن مقابله وجه مخرج.
وقال في الكافي: إنه المذهب لأن التحليف لطلب الإقرار وهو مأمور بالإنكار.
قال ابن الرفعة: وإيراد ابن داود يقتضي القطع به فإنه قال: هذا مما يسمع فيه البينة، ولا يحلف المدعى عليه، وهي من إفراد قاعدة أن ما ليس بغير الحق ولكن ينفع منه هل يسمع الدعوى فيه للتحليف أم لا؟ وقد ذكرهما في الدعاوى.
وأما دليلاً فلم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقائع اللعان وقال: "البينة وإلا حدٌّ في ظهرك".
فدل على أنه لا طريق ثالث وقد ذكر الرافعي أن لنا في المسألة عودة في الدعاوى بحد عوده، وكل موضع صحح فيه أنه يحلف فالمعتمد خلافه، وسواء كان المقذوف أجنبيًا أو زوجة.

الجزء: 9 - الصفحة: 353

يثبت ذلك بطريق التلقِّي؛ ألا ترى أنه يعتبر الإحصان في المقذوف لا في الوارث.
ولو قال لغيره: اقذفني، فقذفه، ففي وجوب الحدِّ وجهان: قال أكثرهم: لا يجب وفاء بكونه حقًّا للآدمي، كما لو قال: قاتلني، فقتله، لا يجب القِصَاص.
والثاني: يجب، وفُرِّق بأن القتل يباح في الجُمْلة، فيحتمل 45 أن يكون الذي أَمَر بقتل نفسه مُهْدَرًا بِزنًا أو غيره، والقَذْفُ لا يباح، وإن كان المقذوف زانياً، وكما يورث حدث القذف، يورث التعزير، إذا وجب بالقذفِ التعزيرُ.
إذا تقرَّر ذلك، فإحدى مسائل الفصْل فيمن يرث حد القذف، [وفيه] 46 أوجه: أصحهما، أنه يرثه جميعُ الورثة، كالأموال وحقوقها وكالقصاص.
والثاني، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج: أنه يرثه الجميعُ سوى الزوج والزوجة؛ لارتفاع النكاح بالموت وانقطاع واسطة التعيير.
والثالث، يختص برجال العصبة؛ لأنه لرفع عار يرجع إلى النسب، فاختص بهم كولاية التزويج، وعلى هذا ففي البنين وجهان: أحدهما: يستحقون، ويكونون في مرتبتهم القويَّة من العصبة.
والثاني: المنع، كما في ولاية التزويج؛ وعلى هذا فيستثنى البنون 47 عن رجال العَصَبة، وتصير الأوجه أربعةً على ما ذَكَرَ في الكتاب، واستحقاق الزوْج والزوجةِ في القذْف المنشأ بعد الموت يترتب على الاستحقاق إذا قذفه في حياته، إنَّ لم نُثْبِتْ لهما حقًّا، فهاهنا أَوْلَى، وإن أثبتنا، فهاهنا وجْهان، والفرق أن الوصلة 48 منقطعة هاهنا حالة القذف 49 ولو لم يكن للمقذوف وارث خاصٌّ، فهل يقيم السلطانُ الحدَّ؟ فيه قولان كما

الجزء: 9 - الصفحة: 354

في القصاص، وكذا لو قذف ميتاً لا وارث له، والأظهر أنه يقيمه.
الثانية: أحد الذين يَثْبت لهم حد القذف، إذا عفى عن حقه، وهو من أهل العفو، فيه ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يجُوز لمَنْ بَقِيَ استيفاء الجميع، وهذا الحَقُّ يثبتُ لهم ولكل واحد منهم، كولاية التزويج وحقِّ الشُّفعة.
والثاني: أنه يسقط جميعُه، كما لو عفا بعض المستحِقِّين عن القِصَاص، ومن نصر 50 الأول قال للقصاص بدل يعدل إليه ولا بَدَلَ لِحَقِّ القذف، فتسليطُ بعْضِهم على إبطال حقِّ الآخرين بالكليَّة بعيدٌ.
والثالث: أنه يَسْقُطُ نصيب العافي، ويستوفي الباقي؛ لأنه قابلٌ للتقسيط والتوزيع 51، بخلاف القصاص، وعلى هذا يسقط السَّوطُ الَّذي تقع فيه الشركة، ولا يتوزع.
وإذا قذف رجُلٌ مُورِّثه، فمات المقذوف، سقط عنه الحدُّ، إن كان حائزًا؛ الإرث لأنه ورث ما عليه، بخلاف ما إذا قطع يد مورثه، فمات من القطع؛ حيث لا يسقط القِصاص؛ لأن القتل يمنع الميراث، ولو قذف أباه، فمات الأب عن القاذف، وابن آخَرَ، فإن قلنا: إنه إذا عفا بعض المستحقين، كان للآخر استيفاء الجميع، فللابن الآخر استيفاءُ الحدِّ بتمامه، وإن قلْنا: سقط الكل، فكذلك هاهنا، وإن قلْنا: يسقط نصيب العافي وحْده، فللابن الآخر استيفاءُ نصيبه من الحد.
الثالثة: مَنْ قُذِفَ، وهو عاقل، فجُنَّ قبل استيفاء الحدِّ، لم يكن لوليه استيفاؤه، فإن المقصود التشفِّي والانتقام، وذلك يتعلَّق بنظر صاحب الحَقِّ واختياره، فلا بد من الصَّبْر إلى أن يفيق أو يموت، فينتقل الحق إلى ورثته، وكذا لو قُذِفَ المجنون أو الصغير, وجب التعزير، لم يكن لوليهما التعْزِيرُ، بل يجب الصَّبْر، وإذا قُذف العبد، ووجب التعزير، فالطَّلب والعقوبة والعفو إليه لا إلى السيد؛ لأن عرْضه له لا للسيد، حتى لو قذف السَّيِّدُ عَبْدَهُ، كان له رفْعُه إلى الحاكم؛ ليعزره، وهذا هو الظاهر، وفيه.

الجزء: 9 - الصفحة: 355

وجه: أنه ليس له طلبُ التَّعْزير، ولكن يقال له: لا تَعُدْ، فإن عاد، عَزِّرَ حينئذ، كما يُعزَّر المستخدِم له فوق ما يحتمله، ويليق بحاله، ولو مات العَبْد، وقد استحق تعزيرًا على غير السيد، فحاصل ما نقل ثلاثة أوجه: أصحها (1): على ما ذكر الشيخ أبو حامد والقاضي الرُّويانيُّ: أنه يستوفيه السيد؛ لأن التعزير عقوبة وجبت بالقذف، فلا يسقط بموت المقذوف، كالحد، قال الأصحاب: وليس ذلك على سبيل الإرث، ولكنه أخصُّ الناس به، فما ثَبَت له في حياته، يكون لسيده بعْد موته بحقِّ الملك كمال المكاتب.
والثاني: أنه يستوفيه أقاربه؛ لأن العار يَعُود إلى النسب، والسيد لا يتَغَيَّر به.
والثالث: أنه يَسْقط (2)، ويُنْسب هذا إلى القَفَّال؛ لأن الأقارب لا يرثونه والسيد لا يتغيَّر بقذفه، ومنهم من قال: إذا قلنا: لا يستوفيه السيد، هل يستوفيه السلطان؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه فيمن لا وارِثَ له، فيخرج من هذا وجْه رابعٌ؛ أنه يستوفيه السلطان، والله أعلم (3).

البَابُ الثَّانِي فِي قَذْفِ الأَزْوَاجِ خَاصَّةً*

وَفِيهِ فُصُولٌ قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأَوَّلْ فِيمَا يُبِيحُ القَذْفَ وَنَفْيِ النَّسَبِ) فَنَقُولُ: الزَّوجُ كَالأَجْنَبِيِّ فِي القَذْفِ إِلاَّ أنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ أَوَّلاً* وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ* وَلَهُ دَفْعُ العُقُوبَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ وَإِيجَابِ عُقُوبَةِ (ح) الزِّنَا عَلَى المَرْأَةِ* ثُمَّ لِلمَرْأَةِ الدَّفْعُ بِلِعَانِهَا* وَيُبَاحُ لِلزَّوْجِ القَذْفُ إِذَا اسْتَيقَنَ أَنَّهَا زَنَتْ فِي نِكَاحِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثمَّ وَلَدٌ لِلتَّشَفِّي* وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِأَنِ اسْتَفَاضَ بَيْنَ النَّاسِ أنَّهَا زَنَتْ بِفْلاَنٍ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَخْيَلَةٌ بِأنْ رَآهَا مَعَهُ فِي خَلْوَةٍ* ولاَ يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِفَاضَةِ* وَلاَ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَرَاهَا مَرَّةً فِي خَلْوَةٍ إِلاَّ أَنْ يَرَاهَا مَعَهُ تَحْتَ شِعَارٍ* أَوْ يَرَاهَا مَرَّاتٍ كَثِيرةً* أمَّا نَفْي الوَلَدِ بِاللِّعَانِ إِنَّمَا يُبَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى إِذَا تَيَقَّنَ أنَّه لَيْسَ منْهُ* وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ القَذْفُ وَاللِّعَانُ حَتَّى لاَ يُلْحَقَ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ* وَإِنَّمَا يِتِيِقَّنُ إِذَا لَمْ يَطَأَهَا أَوْ أتَتْ بِالوَلَدِ لأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنينٍ مِنْ وَقْتِ الوَطْءِ* أَوْ525354

الجزء: 9 - الصفحة: 356

لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ* أَوْ وَطِئَهَا وَعَزَلَ* فَإِنِ اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ الوَطْءِ بِحَيْضَةٍ وَرَأَى مَعَ ذَلِكَ مَخْيَلَةَ الزِّنَا جَازَ* وَإِنْ لَمْ يَرَ المَخْيَلَةَ لَمْ يَجُزْ عَلَى أظْهَرِ الوَجْهَيْنِ* وَلاَ يَجُوزُ النَّفْيُ بِمْجَرَّدِ مُشَابَهَةِ الوَلَدِ لِغَيْرِهِ في الخُلْقِ والقُبْحِ وَالحُسْنِ* فَإنْ كَانَ الأَبَوَانِ فِي غَايَةِ البَيَاضِ وَالوَلَدُ فِي غَايَةِ السَّوَادِ أَوْ بِالعَكْسِ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَخْيَلَةُ الزِّنَا جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الزوج كالأجنبي في ألْفَاظِ القَذْف وصرائحها وكناياتها، وفي أنه يلْزَمُه بقَذْفها الحَدُّ إن كانت الزوجة محصَنَةً، والتعزير إن لم تكن محصَنَةً إلا أن الزَّوْج يخْتَصُّ بأنَّه قد يباح له القَذْف، وقد يجب عليه، وبأن الأجنبيَّ لا يتخلَّص من الحد إلا ببينة تقوم على زنا المقذوف أو بإقرار المَقْذُوف، وللزوج طريقٌ ثالثٌ إلى الخلاف، وهو اللعان، وكما يندفع به حدُّ القذف عنه، يجب به حدُّ الزنا عليها, ولها أيضاً دفْعُه باللِّعان، والسبب في اختصاص الزوج به أنَّها، إذا لَطَّخَت فراش الزوج، اشْتَدَّ غيْظُه عليها، وعَظُمت عداوته، واحتاج إلى الانتقام والتبرؤ منها, ولا يكاد تساعده البينة والإقرار، فأبيح له القَذْف، وشُرعَ له طريق الخَلاَص.
وقوله في الكتاب: "وله دَفْعُ العُقُوبَةِ عَنْ نَفْسِهِ باللِّعانَ" إلى آخره، معادٌ مِن بَعْدُ، والغرض الآن بيانُ مفارقة الزوج للأجنبيِّ فيه، والمَعْنَى، ولأن له دفْع العقوبة عن نفسه، ومقصود الفصْل أن الزوج إذا تيقَّن أنها زنَتْ بأن رآها بعَيْنِهِ تزني، فيباح له القَذْف، وكذا لَوْ ظَنَّه ظَنًّا مؤكدًا؛ بأن أقرت 55 هي بالزنا، ووَقَع في قلبه صدْقُها أو سمعه ممَّن يشق به، قال القاضي ابن كج: والإمامُ سواءٌ كان من أهل الشهادة أم لم يَكُنْ أو استفاض بين الناس أنَّ فلانًا يَزْنِي فيها, ولم يخبر أحد عن عيان وانضمَّت إلى الاستفاضة مَخْيَلةُ الفَاحشة؛ بأن رأه معها 56 في خَلْوه، أو رآه يخرُج من عندها, ولا يباح القذف بمجرَّد الاستفاضة؛ فإنَّه قد يذْكره غَيْر ثقة، فيستفيض أو ينشره عَدُوُلَها، أَوْ لَهُ، أو مِنْ طمع فيها فخاب 57، ولا بمُجَرَّد أن يراها مع رجل في خَلْوة، أو يراه يَخْرج من عنْدها؛ لأنه ربَّما دَخَل لخوف أو سرقة أو طمع، وإنما يباح إذا اجتمع الأمران، وعن الداركيِّ: أنه يجُوز بمجرَّد الاستفاضة.
وعن ابن أبي هريرة: أنَّه يباحُ بمجرَّد المخيلة، حكى الوجهين الشيخُ أبو الفرج الزاز، والاكتفاء بالاستفاضة أشْهَرُ من الاكتفاء [بالمخيلة] 58، وقد أورد الخلاف فيها صاحب "المهذب" والظاهر المشهور الأول.

الجزء: 9 - الصفحة: 357

نَعَمْ، قال الإِمام: الذي أراه أنه لو رآها مَعَه مراتٍ كثيرةً في مَحَلِّ الريبة، كان ذلك كالاستفاضة مع الرُّؤْية مرةً، وكذا لو رآها معه تحْتَ شِعَارٍ على هيئة منْكَرة، وتابعه عليه صاحبُ الكتاب وغيره.
ثم ما لم يكن هناك ولَدٌ، فلا يجب على الزوج القَذْف، بل يجوز أن يستر عليها، ويفارقها بغَيْر طريق اللعان، ولو أمْسَكَها, لم يَحْرُم 59؛ لِمَا رُوِيَ أن رجلاً أتى رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- 60 وقال: لِيَ امْرَأَةٌ لاَ تَرُدُّ يَدَ لاَمِسٍ، قَالَ: طَلِّقْهَا، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: فَأمْسِكُهَا".
وإذا كان هناك ولَدٌ يتيقن أنه ليس منه، فيباح له نَفْيُه، بل يجب عليه النَّفْيُ؛ لأن ترك النفي يتضمَّن الاستلحاق، ولا يجوز له استلحاق مَنْ ليس منْه كما لا يجوز نفْيُ مَنْ هو منْه، وقد روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 61 قال "أيّام امرأة أدْخَلَت على قوْم مَن ليس منْهم، فليست مِنَ الله في شَيْءً"، فنص على المرأة، ومعلومٌ أنَّ الرَّجُل في معناها، قال الإِمام: وفي القَلْب من هذا شَيْء، ويجوز أن يقال: المُحَرَّم التصريح بالاستلحاق كذباً

الجزء: 9 - الصفحة: 358

دون السكوت عن النفي، وذلك لأن في اقتحام اللِّعانِ شُهرةً وفضيحةً يَصْعُب احتمالها على ذي المروءات، فيبعد إيجابه، وقد حكى القاضي الرُّويانيُّ عَدَمَ وجُوب النفي وجْهًا عن جماعة [من] 62 الأصحاب -رحمهم الله- ثم في "التهذيب" وغيره: أنَّه إن تيقَّن مع ذلك أنَّها زنَتْ، فيقذفها، وَيُلاَعِنُ، وإلاَّ فلا يقذفها؛ لجواز أن يكُون الوَلَد من زوج قبله أو من وطء شُبْهة، قال الأئمة: وإنَّما يحْصُل اليقينِ 63، إذا لم يطأْها أصلاً أو وطئها، وأتَتْ بالولد لأكثر من أربع سنين من وقْت الوطء أوْ لأقل من ستَّة أشهر، وإن وطئها، وأتت به لأكْثَرَ من ستة أشهر، ولأقل من أربع سنين، فإن لم يستبرئْها بحيضةٍ أو استبرأَها، وأتَتْ لِدُونِ ستة أشهر منْ وقْت الاستبراء، فلا يَحِلُّ له النفي ولا عبرة بديبة يجدُها في نَفْسه أو شبهة تُخَيِّلُ إليه فسادًا.
وقد روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 64 قال: "أَيُّهَا رَجُل جَحَدَ وَلَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوس الأَوَّلينَ والآخِرِينَ" وإن استبرأها، وأتت به، لأكثر من ستة أشهر، ففيه وجُوهٌ جمَعَها الإِمام -رحمه الله-.
أحدها: أنَّه يُبَاح لَهُ النفي؛ لأن الاستبراء أمارةٌ ظاهرةٌ على أن الوَلَد ليْس منْه؛ ولذلك ينتفي 65 به النسب في ملك اليمين.
والأَوْلَى أن لا يَنْفِيَهُ؛ لأن الحامل قد تَرَى الدَّمَ.
والثاني: إن رأى بعد الاستبراء مخْيَلَة الزنا الَّتي تسلطه على القذف أو يتيقَّن الزنا، جاز النَّفْي، بل وَجَب لأن الغالب على الظَّنِّ، والحالة هذه، أنه ليس منْه، وإن لم ير شيئاً، فلا يجوز.
والثالث: يجوز النفي، سواءٌ وُجِدَتْ مخيلة أو أمارة، أو لم تُوجَدْ، ولا يجب بحال الاحتمال؛ لمكان التردُّدِ، والاحتمال الأوَّلُ من هذه الوجوه هو المذكور في "التهذيب"، والراجح عند صاحب الكتاب -رحمه الله-؛ [الثاني] لأنه حَكَمَ بجواز النَّفْي، إذا رأى مخيلةً، ولم يتعرض لخلاف فيه، وحكم بأن الظاهر عدم الجواز، إذا لم يَرَها، وكلام أصحابنا العراقيين يوافقه 66 أو يَقْرُب منه.

الجزء: 9 - الصفحة: 359

ولو كان الزوج يطأ، ويعزل، فأتَتْ بولد، فالصحيح، وهو الجواب في "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه لا يجوز له النفْي بذلك؛ فإن الماء قد يَسْبق من غير أن يَحُسَّ به الواطئُ، وعدَّه صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" من الأسباب المجوزة للنفي، وحكِي عن مالك -رحمه الله- أنه لا عبرة به، والله أعلم.
والمجامعة فيما دون الفَرْج، هل تمنع جواز النفي؛ فيه وجْهَانِ: أحدهما: نعم؛ لأن الماء قد يَسْبِق إلى الفَرْج، وينعقد الولد.
وأظهرهما: لا, ولحوق 67 الولد من أحكام الجماع، فلا تتعلَّق بما دونه، وفي إتيانه في غير المأتَي 68 وجهان يقربان من هذَيْن الوجهين، وإن أتَتْ بولد لا يُشْبِهه، نُظِرَ؛ إن رَجَع الاختلاف إلى نُقْصان وكمال في الخِلْقة أو إلى الحُسْن والقبح ونحوهما فذلك لا يُورِث تُهْمةً، ولا يَجُوز النفي به بحَالٍ، وإن أتَتْ بولَدٍ أسودَ، والزوجان أبيضان، أو بالعكسْ، فإن لم ينضم إلَيْه مخيلة الزنا، لم يجز النفي به، روى أبو هريرة أن رجُلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، قال: هل لك من إِبِل؟ قال: نعم، قال: ما لونها؛ قال: حمر قال: هل فيها من أوْرَقُ؟ قال: نعم، قال: أنى أتاها ذلك قال: لعلَّه أن يكون نَزْعَهُ عِرْقٍ، قال: فلَعَلَّ هذا نزعةُ عرْقٍ، وإذا انضمَّت إليه مخيلة الزِّنَا، فوجهان، وكذا لو كان يتهمها برجُلٍ، أتت بولد على لَوْن ذلك الرجل: أحد الوجهين: أنه لا يجوز؛ لأن العِرْق نَزَّاع، وهذا أظهر عند القاضي أبي الطيب 69 والشيخ أبي حامد.
والثاني: يجوز لتأكد الظن بانضمام المخيلة إلى اختلاف اللون، وليس ذلك بأقل من انضمام المخيلة إلى الاستفاضة، وهذا أرْجَحُ 70 عند البندنيجي، والقاضي الرُّويانيِّ وغيرهما.
قوله في الكتاب: "أما نفي الولد باللعانِ إنما يباح بينه وبين الله تعالى" أشار بهذه اللفظة إلى أنَّه لو نَفَى الولد، ولاعَنَ، حكم بنفوذه في الظاهر، ولا يُكَلَّف 71 بيان = اللعان زنان، فإذا ولدت لدون ستة أشهر من زنا, ولأكثر من سنة من الاستبراء، تيقنا أنه ليس من ذلك الزنا، فيصير وجوده كعدمه، ولا يجوز النفي، وهذا أوضح.

الجزء: 9 - الصفحة: 360

السبب الذي بني عليه النَّفْي، لكن يجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى؛ رعايةً لِلأسباب المذكورة وبناء النفْيُ على ما يجوز البناء عليه.
وقوله ["بمجرد] 72 مشابهة الولد لغيره في الخلق والقبح" يجوز أن يُقْرَأَ الخَلْق بفتح الخاء، أي كمالاً ونقصاناً، ويجوز أن تقرأ بالضَّمِّ أي سوءا وحُسْنًا، وقوله "القبح" يريد أو الحسن، وقد يغني ذكْر أحد الضدين عن الآخر، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81].
وقوله "فإن كان الأبوان في غاية البياض، والولَدُ في غاية السَّواد" يشير بهذه اللفظة إلى ما ذَكَره الإِمام أن الاختلاف في الألوان المتقاربة لا يؤثر كالأدمة والسمرة، وكالشُّقْرة القريبة من البياض، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا نَكَحَ المَشْرِقيُّ مَغْرِبيَّةً وَأتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى اللِّعَانِ فَإِنَّهُ لاَ يَلْحَقُهُ (ح) إِذْ لاَ إمْكَانَ* وَلَوْ أتَتْ بِالوَلَدِ لِزَمَانِ الإمْكَانِ وَلَكِنْ رَآهَا تَزْنِي وَأَرَادَ اللِّعَانَ دُونَ نَفْيِ الوَلَدِ بِمْجَرَّدِ الانْتِقَامِ لَمْ يَجُزُ عَلَى المَشْهُورِ نَظَرًا للوَلَدِ حَتَّى لاَ تَطُولَ فِيهِ الألْسِنَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: لا يُلْحَق الولَدُ بالزوج، إذا لم يتحقَّق إمْكَان الوطء، كما إذا نَكَح امرأة، وطلَّقها في المجْلِس أو غاب عنْها غيبة بعيدة، لا يحتمل وصول أحدهما إلى الآخر، وأتَتْ بولدٍ لأكثر من أربع سنين منْ وقْت الغيبة أو جَرَى العقْد، والزوجان متباينان، وأحدهما بالمَشْرق، والآخر بالمغرب، وأتتْ بولَدٍ لستة أشْهُر من وقْت العَقْد، ولا حَاجَة في مثْل هذه الصُّور إلى اللِّعَان، وبه قال مالك وأحمد، -رحمهما الله- ولم يَشْتَرِط أبو حنيفة إمكان الوطء، وحكم باللحوق في هذه الصورة.
لنا القياس على ما إذا أتَتِ امْرأةُ الصغيرِ بولد، والجامع عدم إمكان الوطء.
الثانية: إذا أتت بولد يحتمل أن يكون من الزوج لكنه رآها تزني، واحتمل أن يكون من الزنا أيضاً، فلا يباح له نفي الولد، وهل له القذف واللعان من غير نفْي الولد؟ حكى الإِمام عن العراقيِّين والقاضي الحُسَيْن: أنه ليس له ذلك قال: والقياس جوازُهُ؛ لجواز القذف إذا تيقَّن الزنا ولا ولد؛ انتقامًا منها، وتعريضًا لها للحد، قال: وربما ضَمَّنْتُ أنهم ردُّوا الفكر إلى الولد، فأبْطَلوا نفْي القذف واللعان، وهم يعنون أنه لا يقذف ولا يلاعن لنَفْي الولد، ولكن غالب الظن منعهم من اللعان إذا وُجِدَ الوَلَد على ما

الجزء: 9 - الصفحة: 361

يقتضيه ظاهِرهُ، فحصل وجهان: والمشهور منهما أنه ليس له القَذْف واللعان، ووُجِّه بأن اللعان حُجَّة ضرورية، إنما يصار إليها للحاجة إلى قطْع النسب أو إلى قَطْع النكاح، حيث لا ولد؛ خوفاً من أن يحْدُث ولَدٌ على الفراش المُلطَّخ، ولم يُوجَدْ هاهنا حاجَةٌ [إلى] قطع النسب، ومحْذُور حدوث الولد على الفراش الملطَّخ، وقد وقع، فلا يصار إلى اللِّعان [فيه] وأيضاً فإن نسبتها إلى الزنا وإثباته عليها يُعَيِّر الولد به وتطلق الألسنة، ولا يحتمل ذلك؛ لغرض الانتقام، وللفراق طريق أسلم منه، وهو الطلاق، والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي أَرْكَانِ اللِّعَانِ)

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الثَّمَرَة وَالقَذْفُ وَالأَهْلُ وَاللَّفْظُ (الأَوَّلُ: الثَّمَرَةُ) وَهِيَ نَفْيُ النَّسَبِ وَقَطْعُ النِّكَاحِ وَدَفْعُ العُقُوبَةِ وَدَفْعُ عَارِ الكَذِبِ* وَيَجُوزُ اللِّعَانُ بِمُجَرَّدِ نَفْيِ النَّسَبِ* وَإِنْ سَقَطَتِ العُقُوبَةُ بِعَفْوِهَا* وَيَجُوزُ لِمُجَرَّدِ إِسْقِاطِ العُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ سَوَاءٌ كَانَ حدًّا أَوْ تَعْزِيرًا إِلاَّ تَعْزِيرَ (ح) التَّأْدِيبِ وَهُوَ أنْ يُؤْذِيَهَا بِالقَذْفِ بزِناً اعْتَرَفَتْ بِهِ أَوْ ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ فَإنَّهُ لاَ يُلاَعِنُ لِمْجَرَّدِ دَفْعِهِ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ لأَنَّهُ مُصَدَّقٌ فَلاَ مَعْنَى لِلعانِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد ذكَرْنا أنَّ اللعان يخْتَصُّ بقذف الزوج، ولا يخْفَى أن اللِّعان سَبَبًا يترتب عليه، وهو القَذْف، وأن للملاعن مقصوداً يبتغيه باللعان وهو ثمرته به، فهاهنا أربعة أمور؛ يُحْتَاجُ إلى معْرِفتها ومعرفة أحوالها، وهي: ثمرة اللعان، والقذف الذي هو سببه، والشخص الملاعِنُ، ولفظ اللعان، وتُوُسِّع في تسميتها أركان اللعان، وربما أراد أركان النَّظَر في اللعان، أما الثمرة، فإنه عَدَّها أربعة أمور: نَفْي النَّسَب، وقَطْع النكاح، ودَفْع عقوبة الكَذِب، ورَفْع عار الكذب في نسبتها إلى الزنا بتحقيقها باليمين، أو يمكن ردُّ هذَيْن الآخرين إلى شَيْءٍ واحدٍ، وهو دفْع المحذور الَّذي يلحقه بالقَذْف، وقد يُنَاقش في قوله الثَّمَرة، وهي نفْي النسب إلى آخر الأربعة، فإنه يقتضي الحَصْر، ويجوز أن يُعَدَّ من ثمراتِه تأبيدُ التَّحريم، وإثبات حد الزنا 73 عليها انتقامًا منها على ما يعرض له في أثناء الكلام، ولا يشترط لجواز اللِّعَان تعلُّق هذه الثمرات به، بل منْها ما يستقل بإفادة جوازه، ومنها خلافه أما نفي النسب، فهو المقصود الأصليُّ من شرْع اللِّعان، فإنَّه لا يثبت بالبينة، وإنْ كان يحْصُل بها دَفْعُ حدِّ القَذْف، وإتيان حد الزنا عليها، فيجوز

الجزء: 9 - الصفحة: 362

اللعان، لمجرد نفي النسب، وإن لم ينقطع به النكاح؛ بأن كان قد أبانها أو لم ينهض 74 دافعًا للعقوبة؛ بأن كانت قد عَفَتْ، أو أقام البينة على زناها.
وأما دفع القذْف، فيجوز اللعان لمجرَّد دَفْع الحد، وإن لم يتعلَّق به قطْع النكاح، ولم يكن هناك وَلَدٌ، وإن كان الواجِبُ التقرير، فالتعزير المشروع عند القَذْف على نوعين: تعزير تكذيب، وهو الذي يُشْرَع في حق الرَّامِي الكاذب ظاهرًا، فإنه 75 يكذب بما يَجْري عليه، وذلك إذا قَذَف زوجته الذمية [أو الرقيقة] 76 أو الصغيرة التي يُوطَأ مثلها.
وتعزير تأديب؛ وهو أن يكون كذبه معلومًا أو صدْقُه ظاهرًا، فيُعزَّر لا تكذيبًا له ولكن تأديبًا؛ لئلا يعود إلى السّبِّ والإيذاء؛ وذلك كقذف الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، وكما إذا قذفها بزنًا ثبت بالبينة أو اعترفت به، فإنه لا يُحَدُّ؛ لسقوط حصانتها ويُعزَّر؛ للإيذاء بتجديد ذكْر الفاحشة.
فأما النَّوع الأول من التعزير، فإنه يُسْتَوْفَى بطلبها، وله دفْعُه عن نفسه باللعان، وفيه وجهٌ ضعيفٌ، نقله الإِمام وغيره -رحمهم الله-.
وأما النوع الثاني، فلا يلاعن؛ لدفع التعزير فيما إذا قذفَ صغيرةً لا يوطأ مثلُها، وإن كَبِرَتْ، وطَلَبت؛ لأن التعزير هناك ليس من جِهَةِ أنه قَذْفٌ، فإنه أتى بالمحال، لا يُلْحِق بها عارًا، وإنما يعزَّر؛ منْعًا له من الإيذاء والسب، وزجرًا عن الخوض في الباطل، وفيه وجه ضعيفٌ، وفيما إذا قَذَفها، وقد ثبت زناها بالبينة أو الاعتراف، قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في رواية المزنيَّ -رحمه الله-: عُزِّر إن طلبت ذلك يعزر ولم يلتعن، وظاهره الحكم، بأنه لا لعان، وقال في رواية الربيع -رحمه الله-: إن طلبت ذلك إن لم يلتعن فجعل عدم الإلتعان شرط.
وذلك يُشْعِرُ بأنَّ له أن يلاعن، وفيها طرق للأصحاب: أشهرها، وبه قال ابن سلمة والداركي وابن القَطَّان: أن المسألة على قولَيْن: أحدهما: له أن يلاعن دَفْعًا للعقوبة، كما في تعزير التكذيب، وأيضًا، فلقطع النِّكَاح ودفعًا للعار.
وأصحهما: المنع؛ لأن اللعان؛ لإظهار الصدق وإثبات الزِّنا، والصدق ظاهر، والزنا ثابتٌ، فلا معنى للِّعَان، وأيضًا فإن التعزير هاهنا للسَّبِّ والإيذاء، فأشْبه قَذْف الصغيرة الَّتي لا يُوطَأُ مثْلُها.
وأظهرهما، وبه قال أبو إسحاق والقاضي أبو حامد: القطع بالقَوْل الثَّاني، وجعل

الجزء: 9 - الصفحة: 363

ما رواه الرَّبِيع من كسبه 77. والثالث: القطع بما رواه الربيع، وتأويل كلام المزنيِّ بجعل قوله "ولم يلتعن" معطوفًا على قوله "إن طلبت" لا على قوله "عُزِّرَ" كأنه قال: عُزِّر، إن طلَبَتِ التعزير، وامتنع هو عن اللعان.
والرابع: أنَّ ما رواه المزنيُّ محمولٌ على ما إذا قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل الزوجية، وأقام عليه البينة، ثم أعاد القذف بذلك الزنا، وما رواه الربيع محمولٌ على ما إذا قَذَفَها بزنا إضافةً إلى حالة الزوجية، وأقام عليه البينة ثم أعاد القذف بذلك الزنا، والفرق أنه إذا ابتدأ القذف بالزنا السابق على الزوجية لم يتمكَّن من إسْقَاط ما يجب بِهِ اللعان، فكذلك إذا أعاد القَذْف به، وإذا ابتدأ القذف بالزنا الواقع في الزوجية، تَمَكَّنَ من إسقاط ما يجب به باللعان، فكذلك، إذا أعاد القَذْف به، ثم ظاهر، لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الروايتين، حيث قال: "إِنّ طَلَبَتْ" يدل على أن التعزير الواجب في هذه الصورة إنما يستوفى بطَلَبِها، وحكى الإِمام وجْهًا أنَّه يستوفيه السلطان على سبيل السياسة؛ لما صدر منه من سوء الأدب، ولا يَتوقَّف على طلبها، كما أنه يُؤدِّب من يقول: الناس زناة، وإن لم يَطْلُبْ تأديبَه أحدٌ، والمذهب الأول؛ لأنها المقصودة بالإيذاء والمتضرِّرة بإشاعة الفاحشة، وإن ثبت أصْلها، قال الإِمام -قدس الله روحه-: وليس هذا مَوْضِعَ التردُّد، وإنما يليق التردُّد بما إذا أضاف الزنا إلى حالة لا تحتمل الوطء، كما إذا قال: زنَيْتِ، وأنْتِ بِنْتُ شَهْرٍ، فإن المحال لا يُتاذَّى منْه، وقوله في الكتاب "على أسَدِّ 78 الوجهين" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقين القاطعين، والمشهور عند مَنْ أثبت الخلاف التعبير عنه بالقَوْلين دون الوجْهَيْن.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَفَتْ عَنِ الحَدِّ وَلاَ نَسَبَ فَلاَ يَبْقَى غَرَضٌ إِلاَّ قَطْعَ النِّكَاحِ وَدَفْعَ عَارِ الكَذِبِ وَالانْتِقَامِ مِنْهَا* وَفِي جَوَازِ اللِّعَانِ لِمْجَرَّدِ هَذِهِ الأَغْرَاضِ وَجْهَانِ* فَإِنْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ وَمَا عَفَتْ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ* وَأَوْلَى بِالجَوَازِ* وَهَذَا خِلاَفٌ فِي أَنَّ طَلَبَهَا هَلْ يُشْتَرَطُ لِلِّعَانِ؟ * فَإِنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً فَأَوْلَى بِالجَوَازِ* وَمَهْمَا قَصَدَ نَفْيَ الوَلَدِ لَمْ

الجزء: 9 - الصفحة: 364

يَتَوَقَّفِ اللِّعَانُ عَلَى طَلَبِهَا قَطْعًا* إِنَّمَا ذَلِكَ في لِعَانٍ لِمْجَرَّدِ دَفْعِ العُقُوبَةِ* وَلَوْ قَالَ: زَنَى بِك مَمْسُوحٌ أَوْ هِيَ رَتْقَاءُ فَلاَ لِعَانَ لأَنَّهُ كَاذِبٌ قَطْعًا وَيُعَزَّرُ تَأْدِيبًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذَكَرْنا منْ قبْل أن حدَّ القذف يسْتَوْفى بطَلَب المقذوف، وذِكْرُنا الآن حَالَ التعزير في اعتبار الطَّلَب، وما يستوفى بطلب الشَّخْص من الحد والتعزير، فإنه يسقط بعفْوه وإسقاطه إذا كان من أهْل العَفْو، إذا عُرِفَ ذلك، فلو قَذَف زوجته [فعفت عن الحد]، ولا وَلَد هُنَاك، فهل له اللَّعان أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ؛ لغرض قطع النكاح والفرقة المؤبدة، ولدفع عار الكَذِبِ والانتقام منْها؛ بإيجاب حد الزنا عليها وإلْصَاق العار بها.
وأصحُّهما: لا؛ لأن اللعان حجَّة ضرورية إنما يستعمل لغرض مُهِّم، وهو قطع النسب ودرء الحد، وهذه الأغراض ضعيفة، وقطع النكاح وغَسْل العار عن نَفْسه مُتَيَسِّر بالطلاق، ويجْري الخلاف فيما إذا أَقَام بيِّنة على زنَاها أو صدقه، فاندفع الحدُّ ولا ولَدَ، فلو سَكَتَت، ولم تَطْلُبِ الحد، ولا عفت عنه، ففي جواز اللِّعان وجْهان مرتَّبان، وأوْلَى بالجواز؛ لأن الطلب متوقَّع؛ فيحتاج إلى دفعه.
ووجه المنْع؛ أنه لا نَسَب، والحد غير مطلوب، وإنما يُصَار إلى اللِّعان إذا أرهقته الضرورة إلَيْه، وذكر الإِمام -رحمه الله- أن وجْه الجواز أصحُّ في هذه الصورة، والجمهور على ترجيح المَنْع ويتولد من الخلاف المذْكُور خلافٌ في أن طَلَبَ المرأة للعُقُوبة، هل هو شرطٌ لجواز اللعان؟ ويجري الوجهان فيما إذا قَذَف زوجته الصغيرة أو المجنونة، فعلى وجْه؛ له اللعانُ؛ ليُسْقِط التعزير عن نفسه، ويقطع النكاح، وعلى الأظهر ينتظر بلوغ الصبية، وإضافة المجنونة وطلبهما التعزير، والوجهان في هذه الصورة إن رُتِّبَا على الوجهين في صورة السكوت كانَتْ هذه أَوْلَى بالمنع؛ لأنه لا يتوقَّع الطلب إلا بَعْد زوال المانع، وهناك يتوقَّع لحظة فلحظة، وإن رُتِّبَا عَلَى الوجهين في صورة العَفْو، كانَتْ هذه أوْلىَ بالجواز؛ الطَّلَب متوقَّع في الجُمْلَة، ولو قذف زوجته، ثم جُنَّتْ أو قَذَفها في جنونها بزنا إضافة إلى حال الإفاقة، فعَلَيه الحد، وهل يُلاَعِنُ إذا لم يَكُن ولدٌ، أو ينتظر إفاقتها وطلَبَها؟ فيه الوجهان، وإذا كان هناك ولدٌ، وأراد نَفْيَه باللعان، فله ذلك 79، ولا يُشْتَرط طَلَب العقوبة في شَيْء مِنَ الصور المذكورة.
وإذا قال: زَنَى بِكِ ممْسُوحٌ أو صبِيٌّ ابْنُ شَهْر أو قال للرَّتْقَاء، أو القَرْنَاء: زَنَيْتِ، فلا حد، ويُعزَّر للأذى، وكذا لو قال لممسوح: زنَيْتَ أو لبالغ زنيت، وأنْتَ في المهد،

الجزء: 9 - الصفحة: 365

لا يجب الحَدُّ، ولا لِعَان في مِثْله، فإنَّه كاذبٌ يقينًا، فكيف تُمَكِّنهُ من الحلف على أنَّه صادقٌ، ومنهم مَنْ حَكَى فيه وجهًا لدفع التعزير عن نَفْسه، وهو الوجه الذي تقدَّم ذِكْره، ولو قال لزوجته الكبيرة: زنَيْتِ وأنتِ صغيرةٌ، فسيأتي القول فيه -إن شاء الله تعالى-: في آخر الركن الثالث.
وقوله في الكتاب "فإن كانَتْ مجنونةً، فأَوْلَى بالجواز" يعني في صُورَة العَفْو والإسقاط، وقوله "وهما قصَد نفي الوَلَدِ" إلى مسألة الممسوح غير محتاج إلَيْه، بل مقصوده مفْهُومٌ مما سَبق، وذلك؛ لأنه قد بَيَّن من قبل أنه يجوز اللِّعان لنَفْي الولد، وإن سَقَطَت العقوبة، ومَنْ عرف أنه يُلاَعِن؛ لنفي الولد حيْث لا عقوبة، عرف أنه لا يتوقَّف اللعان على طلب استيفاء العقوبة.
والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: المُلاَعِنُ) وَلَهُ شَرْطَانِ: (أَحَدُهُمَا): أَهْلِيَّةُ اليَمِينِ فَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا (ح) أَوْ ذِمِّيَّاً (ح) * وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً وَلَكِنَّهَا إنْ لَمْ تَرْضَ بِحُكْمِنَا لاَ تُجْبَرُ عَلَى اللِّعَانِ إِذْ لَيْس عَلَيْهَا إِلاَّ حَدُّ الزِّنَا وَهُوَ لله تَعَالَى* نَعَمْ لَوْ رَضِيَتْ هِيَ وَامْتنَعَ الزَّوْجُ الذِّمِّيُّ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلاَنِ* لأَنَّ حَدَّ القَذْفِ ثَابِتٌ لَهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يعتبر في المُلاَعِن شرطان: أحدهما: أهليَّة اليمين، واعلم أن المَشْهُور من قَوْل أصحاب أبي حنيفة أن اللِّعَان شهادةٌ، ومن قول أصحابنا أن اللِّعَان يمين مؤكدةٌ بلَفْظ الشهادة، واحتجوا لكونه يمينًا بما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- 80 قال لهِلاَل بْن أُميَّةَ: "احْلِفْ بِاللهِ الَّذِي لاَ إلَه إلاَّ هُوَ إِنَّكَ لَصَادِقٌ" وأنه لمَّا أَتَتِ المرأة بالوَلَد على النَّعْت المكروه، قال 81: "لَولاَ الأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ"، وبأنه يَصِحُّ من الفاسق والأعمى، وشهادَتُهما غير مقبولة، وبأن اللِّعان يؤتى به في معرض الخصومة، ويُلاَعِنُ الملاعِنُ لنفسه، وشهادة الإنسان لنَفْسِه غير مقبولة، ومن الأصحاب مَنْ يقول: إنه يمين فيه شائبة الشهادات 82؛ ألا ترى أنَّه يُدْرَأ به

الجزء: 9 - الصفحة: 366

الحدُّ عن نفسه، فيثبت حدُّ الزنا عليه، كالبينة، وأنه إذا امْتَنَع من اللعان، ثم رَغِبَ فيه، يُمْكَّن منه كمن امتنع مِنْ إقامة البينة، ثم أراد إقامتها، والنَّاكِل عن اليمين لاَ يعُود إلَيْها بعد النكول 83 ولما كان اللعان يمينًا أو كان المُغلَّب فيها اليمين، أُلْحِق باليمين؛ وقيل: يعتبر فيه أهليَّة اليمين، وذلك بالتكليف؛ فلا يصح لعانُ الصبي 84 والمجنون، ولا يقتضي قذفهما اللِّعَانَ بعْد البلوغ والإفاقة.
نَعَمْ، يُعزر المميِّز على القَذْف، فإن لم يتَّفق تعزيره حتى بَلَغ، فعن القَفَّال أنَّه يسْقُط عنه التعزير؛ لأن تعزيره كان للزجر عن إساءة الأدب، وقد حَدَث زاجرٌ أقوى منه، وهو البلوغ وجَرَيان القَلَم عليه، ويصحُّ لعانُ الذميِّ والرقيق والمحدود في القَذْف، وكذا اللعان عن الزوجة الرقيقة 85 والذمية والمحدودة في القَذْف، وبه قال مالك، وعنْد أبي حنيفة: إذا كان أحَدُ الزوجَيْن بصفة من الصفات المذكورة، لم يجر بينهما اللِّعَان؛ بناءً على أن اللِّعان شهادةٌ، وأن لعان الرَّجُلِ يوجب اللعان عليها، دون الحَدِّ، فلا يلاعن الرجل، إذا كان بإحْدَى الصفات المذكورة؛ لأنه ليس من أهْل الشهادة، ولا يُلاَعِن إذا كانَتِ المرأة كَذلِك؛ لأنَّ فائدة لعانه إن تلاعن، وهي ليْست من أهل الشهادة، وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالمذهبَيْن، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- بعُمُوم آيات اللِّعَان، وبأن اللعان ليس سبيله سبيل الشهادات على ما تبيَّن، إذا تَقرَّر ذلك، فلو قَذَف زوجته الذمية، وترافع الزوجان، ولاَعَنَ الزوج، فنصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنَّهَا تُجْبَر على اللعان، ولا تحد، إن امتنعت من اللعان حتى ترضى بحكمنا، فإذا رَضِيَتْ = أحدهما: أنه شهادة محضة.
والثانى: أنه شهادة فيها شائبة اليمين، وحكى الأوجه في الكناية من الخلاف في وجوب الكفَّارة ومن صورة إبدال الشهادة بالحلف ونحوه بين عدم إيجاب الكفَّارة إما لأنها شهادة أو لأنها شهادة فيها شوب يمين، وتعين لفظ الشهادة إما لأنها شهادة أو لأنها شهادة فيها شوب وقد أعطاه الأصحاب في مواضع والمذهب الأول كما صرح به في باب الغسل عن الأصحاب، قال فى الخادم: ومسألة البغوي في استدخالها في حال الزوجة، فلو عكست الصورة بأن أخذت الماء وهو زوج ثم استدخلته بعد انقضاء عدتها، قال بعضهم: فيحتمل أن يقال تجب العدة لأن الماء محترم في أصله ويحتمل أن يقال لا عدة لأن غاية هذا المستدخل أن ينزل الآن منزل من هو منه لو كان الآن واطئًا بغير شبهة لم يجب عليها أن تعتد منه، فكذا هنا لا تجب العدة عليها باستدخال مني الزوج أن يوجد الإنزال واستدخالها معًا في حال الزوجية، فلو أنزل ثم نكحها ثم استدخلت ماءه فلا عدة ولا نسب.

الجزء: 9 - الصفحة: 367

حَكْمنا في حقِّها بما تَحْكُمُ به في حق المُسْلمة، وفيه طريقان؛ حكاهما الإِمام، والمشهور منهما تخريجُ المسألة على القَوْلَيْن في أن الذِّمِّيِّينَ إذا ترافَعَا إلى حاكمنا، هل يجبُ علَيْه الحكْمُ بينهما؟ وقد ذكرناهما في النكاح؛ إن قلْنا: يجبُ، فإذا لَم تلاعن، نقيم علَيْها الحَدَّ، رضيت أو لم ترْضَ، وإن قلنا: لا يَجِبُ، فإنما نَحُدُّها إذا رَضِيَتْ بحُكْمنا، والنص جوابٌ على هذا القول.
والطريق الثاني: القَطْع بأنها لا تُجْبَر، ولا يجْري عليها الحُكْم إلا إذا رَضِيَت؛ لأنه إذا لاَعَنَ الزَّوْج، انقطعت خصومته، معها وكان الباقي بعده حدّ الزنا، وهو 86 محض حقِّ الله تعالى، ونحن لا نَجْبُر أهل الذِّمَّة على حقوق الله تعالى، ولا يليق بها الإجْبَار؛ لأنها مبنيَّة على المسامحة، وعن القَفَّال؛ بناءً على انقطاع خصومة الزوج باللعان: أنه إذا كان التَّلاعُنُ بيْن المسلمين، فإذا لاَعَنَ الزوج، لم يتوقف عرض اللعان عليها على طَلَبه، بل يقوم به الحاكم، ويقول لها: إن لاعَنْت، سَلِمْتِ، وإلا، أقمت عليك الحدَّ، ويقرب من هذا الكلام أن الَّذِين جعلوا المسألة على القَولَيْن، ذَكرُوا أنه لا فرْق بين أن يكون الزوج الملاعن مسلمًا أو ذِمِّيَّاً، وإن قطَعْنا بوجوب الحُكْم فيما إذا كان أحد الخصمين مسلمًا، والآخر: ذِمِّيَّاً؛ لأن الزوج إذا لاَعَنَ، خَرَج عن أن يكون خَصْمًا لها وما بعد لعانه يتعلَّق بها على الخصوص، فتخرج الصورة عن أن تكُونَ خصومةَ مسلم وذِمِّيِّ، ولك أن تقول: توجيه طريقة القَطْع تنْسَاق إلى أن القولَيْن في أنَّه هل يجب الحكم بين أهل الذمة في حقوق العباد [فأما في حقوق الله تعالى فلا يجب] 87 قولاً واحدًا، وهذا لم يسبق ذكره في باب النكاح، لكن ذكرنا في نقل 88 القولين هناك ثلاثةَ طُرُقٍ: أحدها: أن القولَيْن في حقوق العباد، فإما في حقوق الله تعالى، فيجب الحُكْم لا محالة؛ كيلا 89 تضيع.
والثاني: أن القولَيْن في حقوق الله تعالى، فأما في حقوق العباد، فيجب لا محالة؛ لأنها مبنية على الضيق 90. والثالث: إجراء القولين في النوعين، وقد مر أنه أظهر؛ على ما قاله الشيخ أبو حامد، وعلى هذا، فيَلْزم مَجِيْء الخلاف في الإجبار 91، وإن كان الباقي محْضَ حقِّ الله تعالى، هذا في جانب الزوجة.

الجزء: 9 - الصفحة: 368

وأما في جانب الزَّوْج، فلو أن الذِّمِّيين ترَافَعَا بعْد القذف، ولم يرض الزَّوْج بحُكْمنا، وطلبته المرأة، فيُجْبر الزوج على اللِّعَان، ويُعَزَّر إن لم يُلاَعِن أو يتوقَّف ذلك على رضاه؟ فيه القولان في وجوب الحُكْم بين أهل الذمة، ولا يجيْء فيه الطريقة القاطعة؛ لأن اللعان في جانبه، ومطالَبَتُه بالتعزير تتعلَّق بحقوق الآدميين، ولو كان الزوج مسلمًا؛ فإن لاَعَنَ، فذاك، [إن لم يلاعن]، وطلبت المرأة: التعزير، استوفاه الحاكم جبرًا؛ بناءً على وجوب الحُكْم إذا كانت الخصومة بين مسلم وذميِّ والواجب على الذمي في قذف الذمية التعزير، إن كان هو مكافئًا لها، كما أن الواجب بِقَذْف الأمة التعزيرُ، وإن كان القاذف رَقِيقًا.
وقوله في الكتاب "لا تجبر على اللعان" قصَد به الجَوَابَ على الطريقة القاطعة، وخصص القولين في الإجبار بجانب الزوج، وليعلم بالواو؛ للطريقة الأخرى، ولا يخفى أن المعنىَّ مِنْ قوله "لا تجبر على اللعان" أنه لا يُحْكَم باللعان أو الحَدِّ عليها من غير رضاها، واللعان بعَيْنه لا إجبار عليه بحال.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الثَّانِي): الزَّوْجِيَّةُ فَلاَ لِعَانَ لِلأَجْنَبِيِّ* وَالطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ لاَ يَمْنَعُ اللِّعَانَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ* وَلَوِ ارْتَدَّ الزَّوْجُ فَلاَعَنَ وَعَادَ إِلَى الإِسْلاَمِ تَبَيَّنَ صَحَةُ اللِّعَانِ* وَلَوْ أَصَرَّ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ* وَلَو وَطِئَهَا في نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ قَذَفَهَا وَكَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الحَدُّ وَالنَّسَبُ* وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَأبُّدُ الحُرْمَةِ وَوُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الدَّفْعِ بِلِعَانِها؟ فيهِ وَجْهَانِ* فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فَلاَ يُلاَعِنُ كَالأَجْنَبِيِّ* فَإِنْ ظَنَّ صِحَّةَ النِّكَاحِ فَلاَعَنَ فَيَنْدَفِعُ الحَدُّ بِاللِّعَانِ الفَاسِدِ عَلَى وَجْهٍ لِسُقُوطِ الحَدِّ بِالشُّبْهَةِ* وَكَذَا يَسْقُطُ حَدُّ المُرْتَدِّ إِذَا لاَعَنَ وَأَصَرَّ عَلَى هَذَا الوَجْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكَرْنا أن اللِّعان حجَّةٌ، شُرِعَتْ للزوج من حيْث إنَّه قد يضطرُّ إلى القذف، ولا تُسَاعده البينة، فيحتاج إلى دَفْع الحد عن نفسه، وإلى الانتقام منها، وهذا المَعْنَى يقتضي اختصاصه بالنكاح فلا لعان للأجنبي، فإنه لا ضرورة له في القذف، ولو طَلَّق زوجته طلْقَةً رجْعيَّة بعد ما قذفَها أو قَذفَها، وهي في عِدَّة الرجعة، فله أن يُلاَعِن منْها، كما يجوز أن يطلِّقها، وأن يُولِيَ عنها ويُظَاهِر، ويصح لعانه في الحال، وتتربب عليه أحكامه من غَيْر توقُّف على الرجعة، بخلاف ما إذا ظاهر عنْها أو آلَى حيث يتوقَّف أمرها على الرجْعة؛ لأن حُكْم الإيلاء فيها بالمُضَارَّة، ولا مضارَّة مع حُرْمتها عليه، والكفارة في الظهار تتعَّلق بالعَوْد، وإنما يَحْصُل العود بالرجعة، وأما اللعان فمَدَارُه على الفراش ولحوق النسب، والرجعيَّةُ في ذلك كالمنكوحة، وفي التأخير حظْرُ الفوات بالموت، فلم يتوقَّف أمره على الرجعة، ثم في الفَصْل مسألتان:

الجزء: 9 - الصفحة: 369

إحداهما: لو ارتدَّ الزَّوْج بعْد الدخول، وقَذَفها، وعاد إلى الإِسْلام في مدَّة العِدَّة فالنكاح دائمٌ، وله اللِّعَانُ، وإن لاَعَن في الرِّدَّة ثم عاد إلى الإِسلام في مدة العدة، كان اللِّعان واقعًا في صُلْب النكاح، فيقع موقعه، كما لو طَلَّقها في الردة، ثم عاد إلى الإسْلام قبْل انقضاء العدَّة، والكُفْر لا يمنع نفوذ اللِّعان، ألاَ ترى أن الذميَّ يلاعن، وإن أصر حتى انقضت العدة تبين وقوعه في حال البينونة، فإن كان هناك ولدٌ ونفاه باللِّعان فهو نافذ، وإلا، فقد تبيَّن فسادُهُ، وفي اندفاع حَدِّ القذف به وجْهانِ، سيأتي ذكرهما في نظيرها.
والأصَحُّ، وبه أجاب ابن الحدَّاد: أنه لا يَنْدَفع، وعن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله- بناءُ هذا الخلاف على تردُّد ذُكِرَ؛ في أن الجارية في العِدَّة لتبديل الدين، سبيلها إذا تبيَّن ارتفاع النكاح سبيلُ الرجْعِيَّات أو سبيل العائنات، وقضية هذا البناء أن يقال: هل يتبين فساد اللعان، وترتد أحكامُه؟ فيه خلاف، ولا تقصر النظر على أنه، هل يندفع به الحَدُّ؟ قال الإِمام -قدس الله روحه-: قد أطلقوا له اللِّعان في حال الرِّدَّة مع إحتمال الإضرار، وكان يَجُوز أن يُوقَف أمر اللعان إلى أن يعود إلى الإِسلام أو يُصرَّ.
الثانية: إذا وطئ امرأةً في نكاح فَاسِدٍ أو بشبهة؛ بأن ظنَّها زوجته أو أمته، ثم قذفها، وأراد اللِّعان، فإن كان هناك ولد؛ فله اللعان، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنه نسبٌ لاحقٌ، لا بملك اليمين، فكان له نفْيُه باللِّعان، كما في النكاح الصحيح، وإذا لاَعَنَ؛ لنفي الولد، انقطع نسبه، ويسقط حد القذف تَبَعًا؛ لأن اللعان حُجَّةٌ يثْبُت بها الزِّنا، فكيف تقبل الحجة في نفي النَّسَب، وتوجب الحَدّ معه؟ وفي أمالي أبي الفرج السرخسي -رحمه الله- في نظر المسألة وجْه أنه لا يَسْقُط؛ لأن اللعان إنما يُؤَثِّر في إسْقَاط الحد، إذا لَطَّخَتْ فراشه، واحتاج إلى الدَّفْع عن نفسه والإنتقام منْها، فهي حجة ضرورية، ولم يوجدْها هنا تلْطيخُ فراشٍ، وكان يمكنه أن يقتصر على أن الوَلَد ليس مني، ولا يقذفها، والأول هو الصحيح والمذكور في الكتاب.
وهل يتعلَّق تَأَبُّد الحرمة بلعانها فيه وجهان، أحدها: لا، وبه قال ابن الحدَّاد -رحمه الله-؛ لأنه لعانٌ لا يؤثر في التحريم وقطع النكاح، فلا يؤثر في تأبيد الحرمة 92 الذي هو كالفرع والوصف له.
وأصحهما 93: نعم؛ لإطلاق الخَبَر، وهو ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- 94 قال: "المُتَلاَعِنَانِ

الجزء: 9 - الصفحة: 370

لًا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا" ولأن اللعان معنى لو وجد في صلب النكاح، أوجب التحريم المؤبَّد، فكذلك إذا وجد خارجه كالرَّضَاع، وهل يجب بلعانه حد الزنا عليها؟ فيه وجهان، وربما بين على أن المرأة هل تلاعن في معارضة لعانه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في النكاح الصحيح؛ فعلى هذا لعانه يقتضي حدَّ الزنا عليها.
وأصحهما: المنع؛ لأن لعانه لِنَفْي النسب، وذلك لا يَتعلَّق بها، فعلَى هذا لا يوجب لعانُه الحَدَّ عليها، وإلا فقد أرهقناها إلى مما لا محيص لها عنه، هذا إذا كان هناك ولَدٌ منفصل.
وهل الحمل كالوَلَد في جواز اللعان؟ فيه خلاف نذكره في الفَصْل التالي لهذا الفَصْل فيما إذا أبان زوْجَتَه، ثم قذفها، وصاحب الكتاب تعرَّض له في أحكام نَفْي الولد قريبًا من آخر اللعان، وإن لم يكن هناك ولَدٌ ولا حمل، فلا لعان، كما في قَذْف الأجنبيِّ، ولو قَذَف في نكاح يعتقد صحته، ولاَعَنَ على ذلك الاعتقاد، ثم بان فَسَاد النكاح، ولا ولَدَ، فيُقَضَى بإندفاع الحد أم لا؟ فيه وجهان، حكاهما الإِمام وقرَّبَهما من الخلاف المذكور فيما إذا لاَعَنَ في الرِّدَّة، وأصر.
أحدهما: نَعَمْ، ويكون اللعان الفاسِدُ درء الحد.
وأصحهما، وبه أجاب ابن الحدَّاد، وعليه جرى الشيخ أبو علي -رحمهما الله- لا لأنَّا تبيَّنَّا فساد النكاح، فيلغو، كما لو علمنا الحال الذي في الإبتداء، لا تمكنه من اللِّعان، وعلى هذا لا يتأبَّد التحريم، ولا يثبت شيْءٌ من أحكام اللعان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ قَذَفَهَا ثُمَّ أَبَانَهَا لاَعَنَ (ح) لِدَفْعِ النَّسَبِ إِنْ كَانَ وَلَدٌ وَإلاَّ فَيُلاَعِنُ لِدَفْعِ الحدِّ* وَإنْ عَفَتْ فَلاَ* وَإِنْ قَذَفَ بَعْدَ البَيْنُونَةِ لاَعَنَ (ح) إِنْ كَانَ وَلَدٌ وَإِلاَّ فَلاَ* وَإِنْ قَذَفَهَا فِي النِّكَاحِ بِزِناً قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يُلاَعِنْ (ح) إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ* وَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ لأنَّهُ قَصَّرَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور: أحدها: قذف زوجته، ثم أبانها له أن يلاعن لنَفْي الولد، إن كان هناك وَلَدٌ، ولإسقاط عقوبة القذف، إن لم يكن وَلَدٌ، إذا طالبت بالعقوبة؛ وهذا لأن القذف وُجِدَ في النكاح، وبه حاجة إلى إظهار الصِّدْق، وإلى الإنتقام منْها لتلطيخها فراشه، وإن = ومن حديث سهل بن سعد: ففرق بينهما، وقال: لا يجتمعان أبدًا، وأصله عند أبي داود بلفظ: مضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان، وفي الباب عن علي وعمر وابن مسعود في مصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.

الجزء: 9 - الصفحة: 371

عفَتْ، فلا يلاعن؛ لحصول الفراق وفوات سائر أغراض اللعان، وإن لم تَطْلُب، فكذلك، ويجيْء فيه الخلاف الذي سَبَقَ؛ لتوقُّع الطلب من بعد، وعند أبي حنيفة: لا لعان بعد الإبانة، واحتج الأصحاب بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية وهذا قد رمى زوجته، فإذا لاعن، وجب عليها الحدُّ، ولها إسقاطه باللعان، وفي تأبُّد الحرمة بلعانه الوجهان المذكوران في اللِّعان في النكاح الفاسد؛ لوقوعه خارج النكاح.
الثانية: لو ماتَتْ زوجته أو أبانها بخُلَع أو ثلاثِ طَلَقاتٍ أو فسخ أو كانت رجعية، فبانَتْ بانقضاء العِدَّة ثم قذفها إمَّا بزَنَا مُطْلَقٍ أو بزناً إضافةً إلى حالة النكاح، فيُنْظَر؛ إن كان هناك وَلَدٌ يلحقه على حُكْم النكاح السابق، فله اللعان؛ للحاجة إلى النفي، كما في صُلْب النكاح، وعن أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- خلافُهُ، ثم إذا لاَعَنَ، سَقَط عنه الحدُّ، قال في "التهذيب" ويجب عليها حدُّ الزنا إن أضاف الزنا إلى حالة النكاح، ولها إسقاطه باللعان؛ ولا يجب إن لم يُضِف 95، وهل يتأبد التحريم، وهل لها معارضته باللعان؟ فيه الخلاف السابق، والخلاف في المعارضة جَارٍ في كل لعانٍ بمُجرَّد نفْي الوَلَد كما لو أقام البيِّنة على الزِّنَا أو صدَّقَتْه، ولو كان هناك حمل، فهل له اللِّعان قبل الانفصال؟ روى المزنيُّ في "المختَصَرِ" أنَّ له ذلك، وفي "الجامع الكبير" أنه يؤَخِّره إلى الانفصال، وللأصحاب طريقان: أصحهما: أن فيه قولين: أحدهما: أنه لا يلاعن قَبْل الانفصال؛ لأن هذا اللِّعَان؛ لنَفْيِ الولد، فيَعْسُر 96 تحققه، وقد يكون الذي يجده ربحًا، وهذا أظهر عند الشيخ أبي حامد وجماعة.
والثاني: له ذلك، كما في صُلْب النكاح، وهذا أظهر عنْد أكثرهم، ومنهم صاحب "المهذب" و"التهذيب"، وربما بُنِيَ القولان على أن الحَمْل هل يُعْرَف؟ والثاني، وبه قال أبو إسحاق: القطْعُ بالمنع، وتأويل الرواية على تجويز اللِّعَان بعد البينونة، إذا كان ولَدٌ أو حمل في الجملة، لا كما يقوله أبو حنيفة، وأما اللعان في صُلْب النكاح؛ لنفي الحمل، فسيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى- فإنا جوزنا اللعان بَعْد البينونة؛ لنفي الحمل، فلاعن بتوهم الحمْل، ثم بان أن لا حَمْل، بان فساد اللعان، وإن لم يكُنْ ولَدٌ ولا حملٌ، فلا لعان؛ لأنه لا ضرورة إلى القَذْف بعد البينونة، وفي شَرْح الشيخ أبي عليٍّ -رحمه الله- أن له اللِّعَانَ، إذا كان قَدْ أضاف الزِّنَا إلى حالة النِّكَاح؛ لأنَّها لطَّخَت فراشَهُ بزعمه، فكان مضطرًا إلى القَذْف حينئذ.

الجزء: 9 - الصفحة: 372

الثالثة: قَذَف زوجته بزنا أضافه إلى ما قبل الزوجة، فإن لم يكُنْ هناك ولَدٌ، فليس له النَّفْيُ باللعان، ويُحَدُّ إذا لم يأْتِ بينة؛ لأنه لا حَاجَة [به] 97 إلى القَذْف بذلك الزِّنا، وبهذا قال مالك، وعن أبي حنيفة: له اللعان؛ اعتبارًا بحالة القَذْف، وعن أحمد روايتان، وإن كان هناك ولدٌ، فوجهان: أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: لا يلاعن؛ لأنه مُقَصِّر بذكر التاريخ، وكان من حقه أن يَقْذِف مطلقًا؛ وعلى هذا فله أن يُنْشئَ قذْفًا، ويلاعن لنفي النسب، فإن لم يَفْعل، فيحد، وهذا الوجه أرْجَح عند الشيخ أبي حامد وجماعة، -رحمهم الله-.
والثاني، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة، والطبريُّ: أن له اللعان، كما لو قذف مطلقًا، وقد برئ الولَدُ من ذلك الزِّنَا وهذا أصح عند القاضي أبي الطيِّب، وإلى ترجيحه مال الإِمام والقاضي الرُّويانىُّ وغيرهما؛ فعلى هذا يندفع الحد إذا لاَعَنَ، وهل عليها حدُّ الزنا؟ فيه وجهان؛ لأنها لم تُلَطِّخ فراشه، حتى يجب الحد عليها بلعانه انتقامًا، وهل لها معارضته باللعان؟ فيه الوجهان السابقان 98. قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) لَوْ لاَعَنَ ثُمَّ أَبَانَهَا وَقَذَفَهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ فَلاَ حَدَّ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَلاَ لِعَانَ* وَإنْ قذَفَهَا بِزَنْيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُلاَعِنْ وَحُدَّتْ لَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِسُقُوطِ حَصَانَتِهَا بتِلْكَ الزَّنْيَةِ بِمْوجِبِ لِعَانِهِ* وَإنْ لاَعَنَتْ وَجَبَ الحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ بَقيَتْ حَصَانَتُهَا بِلِعَانِهَا* وَإِنْ كَانَ القَذْفُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فإيجَابُ الحَدِّ أَوْلَى لأَنَّ أَثَرَ لِعَانِ الزَّوْجِ لاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَذَف زوجته، ولاعَنَ ثُمَّ قَذَف مرَّةً أخْرَى، فَلهَا حالتان: إحداهما: إذا لم تُلاَعن في مُعَارضة لعانه، وحُدَّت حد الزنا فالقذف.
الثاني: إما أن يَصْدُر من الزوج أيضًا أو من أجنبيٍّ إن قَذَفها الزوج، فيُنْظَر؛ إن قَذَفها بتلك الزنية أو أطْلَق، لم يلزمْ إلا التَّعْزير 99؛ لأنا قد صدَّقناه في تلك الزنية، وإنما يعزِّر؛ للسب والإيذاء، وإن قَذَفَها بزنية أخرى، فوجهان نقلهما صاحب الكتاب وغيره: أحدَهما: وجُوبُ الحَدِّ، كما لو لم يسْبقه لعان.
وأصحهما، وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا يجب إلا التعزير أيْضًا؛ لأن اللعان في حقِّ الزوج كالبينة، وليس لَهُ أن يُلاَعن؛ لدَفْع التعزير؛ لأنه قَذْف بعْد البينونة،

الجزء: 9 - الصفحة: 373

وإن قَذَفَها أجنبيٌّ، نُظِرَ؛ إن قذفها بزنية أخرى 100، فعليه الحد، وإن قذفها بالزنية الأولى 101، فوجهان: أحدهما: لا يجب الحدَّ؛ لأنه قَذْفٌ بزنا هي محدودة فيه، فأشبه ما إذا حدث بالبينة؛ ولأن اللعان من الزوج ونكولها من اللعان؛ إما أن يُجْعَل كالبينة، أو كإقرارها، [و] 102 على التقديرين، فما يَنْبَغِي أن يجب الحَدُّ.
وأصحهما، ويُحْكَى عن ابن سلمة: أنه يجب؛ لأن اللعان حجة تختص بالزوج، فيؤثر في سُقُوط الحصانة بالإضافة إلى الزوج خاصَّة، ونَسَب ناسِبُون، منْهُم الشيخ أبو حامدٍ، وصاحب "التهذيب"، -رحمهم الله- وجْه المنع إلى ابن سُرَيْج، والوجوب إلى أبي إسحاق -رحمهما الله- عكس القاضيان أبو الطيب والرُّويانيُّ وغيرهما النِّسْبة إلى الإمامين، والعكس أثبت، وحكى القاضي ابن كج: أن منْهم مَنْ خَرَّج ما إذا قذفها بغَيْر تلْك الزنية على الخلاف أيضاً.
الحالة الثالثة: إذا لاعَنَتْ في معارضة لِعَانِ الزوج، ثم قَذَفها مرةً أخْرَى، فإن قذف بتلك الزنية أو أطلق، ليس عليه إلا التعزير، وإن قذفها بزَنْيَةٍ أُخرَى، فطريقان: أشهرهما: أنَّ فيما عليه وجْهَيْن: أحدهما: ليس علَيْه إلا التعزير؛ لأن اللعان في حَقِّ الزوج كالبينة، فيسقط الحصانة في تلْك الزنية وغيرها.
والآخر: أن الواجِبَ الحَدُّ كما لو قذف أجنبية، واللعان إنما يُسْقِطُ الحَصَانة، إذا لم يعارضْه لعانها، فإذا عارَضَه، بَقِيَتْ الحصانة بحالها على أن اللعان حُجَّةٌ ضعيِفةٌ، فيختص أثرها بتلْك الزنية، كما يختص بالزوج، ومنْهم من يَحْكي بدل الوجهَيْن قولَيْن، وعن القَفَّال، -وذكر من أصحابه الشيخان أبو علي والصيدلاني- أن وجوب الحَدِّ هو قوله القديم.
والثاني: القَطْع بوجوب الحدَّ، ويُرْوَى ذلك عن ابن سُرَيْج -رحمهم الله- والمثبتون للخلاف مِنْهُم مَنْ رَجَّح 103 وجوب التعزير دون الحد، ومنهم القاضي أبو الطيب، وتابعهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّوَيانيُّ، ومنهم من رجَّح وجوب الحَدِّ، منهم الشيخ أبو عليٍّ وصاحب "التتمة" وهو الذي أورده ابن الصَّبَّاغ، وكأنه أقْرَبُ، والخلاف على ما ذكره المتولِّي مُطَّرِدٌ في القذف بزنا آخر متأخَّرٍ عن اللعان، وبزنًا آخَرَ

الجزء: 9 - الصفحة: 374

سابِقٍ علَيْه مُتقدِّم على النكاح أو غيرُ متَقَدِّم، ووجوب الحدَّ في الزنا المتقدِّم على اللعان أظهر؛ لمصادفته حال الحصانة، وسواء قُلْنا بالحد أو التعزير، فليس له إسقاطُه باللعان؛ لارتفاع النكاح بالأول، ولا لعان بالقَذْف بعد البينونة، إذا لم يَكُن ولَدٌ وإن قذفها أجنبي فعليه الحد، سواءٌ قَذَفَ بتلك الزنية أو بغيرها، وأَثَرُ اللِّعَان يختص بالزَّوْج كما تكَرَّر، وقيل: إن قَذفَها بتلْك الزنية، ففيه خلافٌ، والظاهر وجوب الحَدِّ، ولا فرق في الزوج والأجنبي بيْن أن يكون هناك وَلَدٌ نفاه باللعان وبين أن لا يكون، ولا إذا نفاه، بيْن أن يبقى أو يموت، وعند أبي حنيفة: إن كان هناك وَلَدٌ قد نفاه [وهو حَيٌّ،] 104 فلا حَدَّ على قاذِفها، وإن لم يَكُنْ ولدٌ أو لم يَنْفِهِ أو ماتَ، وجَب الحَدُّ على الأجنبي، إذا قذَفَها بغَيْرِ تلْك الزنية، واحتج الأصْحَاب بما رُوِي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 105 فَرَّق بين المتلاعنَيْن، وقضى بأن لا تُرْمَى ولا ولدها، فمَنْ رماها أو رَمَى ولدها، فعليه الحَدُّ، أطْلَقَ ولم يُفَرِّق، هذا كلُّه فيما إذا قذف زوجته، ولاَعَنَ ثم قذف، وأمَّا إذا قذفها ولم يُلاَعِنْ، فحُدَّ حَدَّ القذف، ثم قذفها بتلْك الزنية، لم يُحَدَّ؛ لأنه ظَهَر كذبه بالحَدِّ الأول، وُيعَزَّر تأديبًا؛ لما فيه من الإيذاء، وقد سبق أنه لًا يُلاَعن؛ لإسقاط مثل هذا التعزير على الظاهر، وإن قذفه بزنية أخرى، فيُعَزَّر أو يُحَدُّ؟ فيه وجهان، قال فى "التهذيب": أصحهما: الأول، وقال أبو الفرج الزاز: الأصحُّ الثاني؛ لأن كَذِبَه في القَذْف الأول لا يُوجِب الكَذِبَ في الثاني، فلا بُدَّ من الحدِ، لِدَفْعِ العار، وَهَلْ يُلاَعِنُ لإسقاط عقوبة الحَدِّ أو التعزير؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لاَ؛ لظهور كذبه بالحد، ولو قَذَفَها أجنبيٌّ، إما بذلك الزنا أو غيره قال أبو الفرج: يلزمه الحدَّ؛ لأن زناها لَمْ يَثْبُت بحال، فهو كما لو قَذَفها أجنبيٌّ، فحُدَّ ثم قذَفَها آخر.
وقوله في الكتاب "لو لاعن ثم أبانها وقَذَفَها بتلْك الزنية فلا حد، وعليه التعزير، ولا لِعَان" يشمل بإطلاقه مما إذا لاَعَنَتْ هي، ومما إذا لم تلاعن، وهو مُجْرى على إطلاقه؛ فلا فَرْق في تلك الزنية بيْن الحالَتَيْن، كما تبيَّن أنَّ الكَلاَم في القَذْف بزنية أخرى.
وقوله "وجب الحد على الصحيح" يمكن أن يريد مِنَ الطريقين، ويمكن أن يريد من الوَجْهَيْن؛ جوابًا على أشهر الطريقين، وعلى التقدير الثاني يجوز أن يُعْلَم بالواو.
وقوله "وإن كان القذف من أجنبي، فإيجابُ الحدَّ أَوْلَى" يشعر بإثبات الخلاف في صورة الخلاف في الزوج بالترتيب، وأكثرهم ساكتون عن ذكر الخلاف في الحالة الثَّانِيَة، والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 375

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةَ ثِمَّ نَكَحَهَا وَقَذَفَهَا وَلاعَنَ انْدَفَعَ الحَدُّ الثَّانِي أَمَّا الأَوَّلُ فَيُسْتَوْفَى وَلاَ يَنْدَرجُ تَحْتَ الحَدِّ السَّاقِطِ بِاللِّعَانِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ لأَنَّ قَوْلَ الإتِّحَادِ يَجْرِي عِنْدَ الاسْتِيفَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قذف زوجتَهُ أو أجنبيةً مرتَيْنِ فصاعدًا، وأراد زَنْيةً واحدةً، لم يلْزَمْه إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لأنه لم يَقْذِفْ إلا بفاحشةٍ واحدةٍ، إن حُدَّ مرة، أعاد، عُزِّرَ للثاني؛ لما فيه من الإيذاء، ولا يَحَدُّ لظهور كذبه؛ ويدل عليه قصة 106 أبي بَكْرة الثقفيُّ؛ فإنه كَرَّر قذف المغيرة -رضي الله عنه- فلم يُكَرَّر الحَدُّ عليه، وإن قَذَف بزنية أُخْرَى مثْل أن قَالَ: زنَيْتِ بفلان، ثم قال: زَنَيْتَ بآخر؟ فقولان: الجديد، واحد قولَي القديم: أنه لا يَجِبُ إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لأنهما قَذْفَانِ لشخص واحد، فيتداخل موجبهما، كما لو قذف مرتين بزَنْية واحدة؛ وهذا لأنَّ الحدَّ الواجب يُظْهِر الكذب، ويدفع العار.
والثاني مِنْ قولَي القديم: أنه يتعدَّد الحدُّ؛ لأنه حقُّ الآدميِّ، فلا يجري فيه التداخل، كالقصاص وسائر الحقوق، وهذا يُشْكَل بما إذا قَذَف ثانيًا بالزنا الأوَّل، ورأى القاضي ابن كج القَطْع بأنه لا يجب إلا [حدٌّ]، 107 واحدٌ، وعلى هذا القول، لو قَذَفُ وُحَّد ثم قذف ثانياً يحد ثانيًا؟، كما لو شرب الخَمْر، فحُدَّ ثم شربها، أو يعزر للثاني، ويكتفي بظهور كذبه بالحد الأول؟ فيه وجهان أو قولان، ذكر القاضي ابن كج أن المَذْهب منهما أنَّه لا يُحَدُّ ثانيًا، ولو قَذَف زوْجَته مَرَّتَيْن فصاعدًا بزناءين، ففي الاتحاد والتعدد 108 هذا الخلاف، فإن قلْنا بالاتحاد، كفى لعان واحد، وإن قلْنا بالتَّعدُّد، فوجهان: أحدهما: يتعدَّد اللعان بحسب تعدُّد الحَد، وأصحهما أنه يكفي لعانٌ واحدٌ؛ لأن اللعان يمين، وإذا كان الحَقَّان لواحد، كفت يمين واحدة عنْهما إلا أنه يقول في اللعان: أشْهَد باللهِ إني لَمِنَ الصادقين فيما رَمَيْتُهَا به من الزناءين، وإن سَمَّى، الزانيين ذكرهما في اللعان، ولو وقع به أحَدُ القذْفَيْن في حال الزوجية، والآخر خارجها، ففيه مسألتان: إحداهما، وهي مسألة الكتاب: إذا قَذَف أجنبيةً ثم نكحها قبل أن يُحَدَّ ثم قذفها، نُظِر؛ إن قذفها بالزنا الأَوَّل، لم يجبْ إلا حَدٌّ واحدٌ، ولم يكن له إسقاطُهُ باللعان، بل يحتاج إلى البيِّنة وإن قَذَفَها بزنا آخر، ففي اتحاد الحَدِّ وتعدُّده طريقان: أحدهما: أنه على القولَيْن فيما إذا قَذَف زوْجَتَه أو أجنبيةٌ بزنائين.

الجزء: 9 - الصفحة: 376

والثاني: القطع بالتعدُّد، والفرْقُ أن القذف في الزوجية، والقَذْف خارج الزوجية يختلفان في الحُكْم؛ فالثاني لا يسقط موجبه إلا بالبَيِّنَة، والأوَّل يسْقط مُوجِبه بالبينة واللعان فينزل ذلك منزلة حدين 109 مختلفين، ولا تداخل مع الاختلاف؛ ألا ترى أنه لو زَنَى، وهو بكر، ثم زنى، وهو مُحْصَنٌ، لا يتداخل الحدان، والطريق الثاني أصَحُّ عنْد القاضي أبي الطيِّب، وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومَنْ تابعه، ورجَّح مُرَجِّحون طريقة القولَيْن، وقالوا: موجب القذْفَيْن الحدُّ، وذلك لا اختلاف 110 فيه، وإنما الخلاف 111 في طريق الخَلاَص، وإيراد صاحب "التهذيب" يوافقه، فإن قلنا بالاتحاد، فإن لم يُلاَعِنْ، حُدَّ لهما حدًّا واحدًا، وإن لاَعَنَ للثاني، حُدَّ للأول، وإن حُدَّ للأول قبل أن يُلاَعِن، سَقَط اللعان للثاني إلا أن يكون هُنَاك ولَدٌ، فيُلاعن لنفيه، فإن لم يكُنْ، فعلى الخلاف في أنَّه هل يجوز اللعان؛ لمُجَرَّد غرَض قطْع النكاح وإلصاق العار بها؟ وقد سبق، وإن قُلْنا بالتعدد، فإن طالَبَت أوَّلاً للقذف الأوَّل، فأقام بيِّنة على زِنَاها، سَقَطَ عنه الحدان جميعًا؛ لأنه ثَبَت أنَّها غيْرُ مُحْصَنة، وإن لم يَقمْ حُدَّ، ثم إذا طالَبتْ للثاني، فإن أقام بيِّنة أو لاعن، سَقَط عنه الحدُّ الثاني، وإلا حدَّ ثانيًا، وإن طالَبَتْ أولاً للثاني، فإن أقام بينة، سَقَط الحدان، وإلا فَإِنْ لاعن، سقَط عنْه الحد الثاني دون الأول، وإن لم يلاعن، حُدَّ للثاني، ثم يحد للأول، دهان طالبت بهما جميعًا، حُدَّ للأول؛ لِسَبْقِ وجوبه، ثم للثَّاني إن لم يُلاَعن، وإن حُدَّ في القَذْف الأول، ثم قَذَفَها في النِّكَاح، ولم يلاعن، فيُحَدُّ ثانيًا [و] 112 قال ابن الحَدَّاد: لا يُحَدُّ للثاني، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا ما رضيه أحَدٌ من أصحابنا، وقالوا: يحد ثانيًا إذا لم يلتعن تفريعًا على قَوْل التعدد، وقالوا: لا فرق بين أن يقذف في النِّكاح بعْد أن يُحَدَّ للأول أو قبله، في أنَّه يُحَدُّ للثاني، إذا لم يلتعن.
نعم، إذا كان قبله، حُدَّ لكلِّ واحد منهما.
وقوله في الكتاب "اندفع الحد الثاني" إلى آخره المقصودُ منْه أن حدًّا واحدًا مستَوْفًى لا محالة سواءٌ قلنا بالتداخل أو لم نقل به؛ لأن اللعان لا يُؤَثِّر في موجب القذف الأول، وإنما يُؤَثِّر في الثاني، فالأول ثابتٌ مستقرٌّ، والتداخل إنما يُحْكَم به عنْد الاستيفاء، فيقال: يتداخل الواجبان 113، ويعودان إلى واحد، وأما السَّاقط، فلا يدخل منه 114 شَيْءٌ.
المسألة الثانية: قذف زوجته، وأبانها من غَيْر لعان، ثم قَذَفها بزنًا آخَرَ، فإن حُدَّ للأول، ثم نَكَحها، فهل يُحَدُّ للقذف الثاني؟ فيه قولان، كما لو قذف أجنبية وحُدَّ ثم

الجزء: 9 - الصفحة: 377

قذفها 115 ثانيًا، وأشار ابن الحدَّاد إلى أنه لا حَدَّ عليه، وغَلِطَ فيه، وإن لم تطالب بموجب ذلك القَذْف حتى أبانَها، فإن لاعن 116 للقذف الأول، فهل يُحَدُّ للثاني؟ فيه طريقان: أحدهما، وبه قال ابن سُرَيْج: نعم.
والثاني: أن فيه قولَيْن، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب فيما إذا قَذَف 117 زوجته ولاعن، فبانَتْ باللعان ثم قَذَفها بزنًا آخَرَ، وإن لم يَلْتَعِنْ فالواجب حَدٌّ أو حدَّان؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولَيْن، والثاني: القطع بأنه يلزمه حدان؛ لإختلاف القَذْفَيْن في الحكم، وبه قال ابن 118 الحدَّاد، والله أعلم.
فَرْعٌ: قذف زوجته، وهي بكر، فلم تطالبْه بموجب القَذْف، حتى فارَقَها، ونكَحَت غيره، وأصابَهَا الزوْج الثَّاني، فصارت محصَنَةً، وقذَفَها الثاني، ثم طالبتهما 119 فَلاَعَنَ كلُّ واحد منهما، وامتنعت هي عن اللِّعَان، فقد ثبت عليها بِلِعَانِ الأول زنَاها، وهي بكْرٌ وبلعان الثاني زناها، وهي محصنة، وفيما علَيْها وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمها إلا الرَّجْم؛ لأن مِنْ شأن الحَدِّ التداخُل.
والثاني، وبه قال ابن الحدَّاد: أنها تُجْلَد ثم تُرْجَم قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا ظاهرُ المَذْهَب؛ لأنهما حَدَّانِ مختلفان، وإنما يكون التداخُلُ عند الإتفاق، قال: وعلى هذا لو زنا العَبْد ثم عَتَق، فزَنَا قبل الإحصان، فقَدْ قِيلَ: عليه خمسون؛ لزناه في الرِّقِّ، ومائةٌ 120 لاختلاف الحدين، والأصح أنه يُجْلَدُ مائةً، ويدخل الأقل في أكثر؛ لأن الجنس واحدٌ، وإنما 121 الاختلاف في القدر 122، وعلى هذا فلو زنا، وهو حُرٌّ بكْرٌ، فجُلِدَ خمسين، وترك بعذر، فزنا مرة أخْرَى، يجلد مائة وتدخل الخمسون الباقية فيها، ولو قذف مُحْصَنًا وغير مُحْصَن بكلمة واحدة، وقلْنا: يتحد 123 الحدُّ، فيدخل التعزير في الحدِّ، ولمتوقف أن يتوقف هاهنا؛ لأن الحد والتعزير قد يختلفان 124 جنسًا ولو كانت في صورة الفَرْع بكرًا في القذْفَيْن، فالصحيح أنه يتَدَاخل الحَدَّان، فلا تُحَدُّ إلا حدًا

الجزء: 9 - الصفحة: 378

واحدًا، كما لو ثَبَت زنيان؛ أحدهما بالبينة، والآخر بالإقرار، أو كلاهما بالبينة، وثبوت الزنا باللعان ليس بأقوى من ثبوته بالبينة، وقال ابن الحدَّاد: يلزمهما حدَّان، ويجعلان كالجنسين المختلفين؛ لأن لعان كلَّ واحدٍ منهما حجَّةٌ في حقه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) لاَ يُنْفَى نَسَبُ مِلْكِ اليَمِينِ بِاللِّعَانِ عَلَى الصَّحِيحِ* فَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لاَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَلَهُ اللِّعَانُ* وَإِنِ احْتُمِلَ فَلاَ لِعَانَ* فَلَوِ ادَّعَى الوَطْءِ فِي المِلْكِ وَالإسْتِبْرَاءِ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُ مِلْكِ اليَمِينِ لِلاسْتِبْرَاءِ وَلاَ بِالنِّكَاحِ لانْقِطَاعِ ذَلِكَ الفِرَاشِ بِفِرَاشِ مِلْكِ اليَمِينِ* وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ النِّكَاحِ فَعَلَى هَذَا لَهُ النَّفْىُ بِاللِّعَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: المشهور أن النَّسَب الذي يُلْحَق بملك اليمين في الأمة الموطوءة والمستولدة لا يُنْفَى باللعان، وعن أحمد بن حنبل: أنه قال: ألا تعجَبُون من أبي عبد الله؛ يقول يُلاَعِن السيِّد عن أُمِّ ولده، وللأصحاب في المسألة طريقان: أحدهما: القطع بأنه لا يلاعن، بل اللعان من خواصِّ النكاح، كالطلاق والظهار، وهذا لأن اللعان حجَّة ضروريةٌ، ولا ضرورة إليه في ملْك اليمين؛ لإمكان النَّفْي، بدعوى الإستبراء، على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فيقتصر على مورد النَّصِّ، وهؤلاء القاطعون [فرقتان] 125 فرقةٌ أنْكَرت أنه أراد الشَّافِعيِّ -رضي الله عنه- ثم منْهم من حَمَل "أبا عبد الله" على مالك، ومنهم من حَمَله على سُفْيَان، قال القاضي الرُّويانيُّ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد روي عنه أنه قال: ألا تَعْجَبُون من الشافعيِّ -رضي الله عنه- وفرقة سلَّمت أنه أراد الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ثم منهم من حمله على ما إذَا كانت أمَة الغير زَوْجَتَه، وعن صاحب "التقريب" حَمْل اللعان على اليَمين إذا ادَّعَى الاستبراء، فعبر عن اليمين باللعان؛ إما لأن اللعان يمين أو لإشتراكهما في نفي الولد، وأظهرهما أن المَسْأَلة عَلَى قولَيْن: أحدهما: أنه يلاعن لنفي النَّسَب؛ لأنه نسب لاحق بالفراش، فكان كفراش النكاح، وهذا حكايةُ القَاضِي ابن كج عن ابن سُرَيْج.
وأصحهما: المَنْع؛ لما سبق.
وقوله في الكتاب "لا ينفي نسب ملك اليمين باللعان" فيه إشعار بأن الخلاف في

الجزء: 9 - الصفحة: 379

أنه هَلْ اللعان مخصوص بما إذا كان هناك ولد؟ فإن لم يكُن [ولد] 126، فلا لعان بلا خلاف، وهكذا رأيته لبعضهم، فيما أحسب، ومنهم مَنْ يُطْلِق الكلام إطلاقًا، ويجوز أن يُعْلَم قوله "على الصحيح" بالواو؛ للطريقة القاطعة، وإن كان الأمر على ما قيل في أحد التأويلات المذكورة، فيما رواه أحمد -رحمه الله-، فيَجُوز أن يُعْلَم قوله "لا بنفي" بالميم.
المسألة الثانية: القول في أن دَعْوَى الاستبراء في ملْك اليمين هل تَقْطَع النَّسَب؟ وفي أن الأمة متى تصير فراشًا لسَيِّدها حتى يَلْحَق به الولد الَّذي تَلِدُه؟ مبسوط في أكثر الكتب في هذا الموضع، وصاحب الكتاب -قدس الله روحه- أَخَّره إلى آخر الاستبراء، فنشرحه إذا انتهينا إليه؛ بتوفيق الله تعالى.
والذي عَجَّله هاهنا مبنيًا على هذا الأصْل، وعلى المسألة الأولى: أنه لو اشْتَرَى زوجته الأمة، فانفسخ النكاح، ثم أتَتْ بولد، نُظِرَ؛ إن أتتْ به لأقل من ستة أشهر من يوم الشراء، فهو لاَحِقٌ بُحْكم النكاح، وله نفيه باللعان، ويكون اللعان بعد الانفساخ كهو بعد البينونة إذا قذف زوجته ثُمَّ أبانها، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من يوم الشراء فإن لم يطأْها بَعْد الشراء أو وطئها، وأتت بولد لما دون ستة أشهر من يَوْم الوطء، نُظرَ؛ إن كان لأربع سنين فَمَا دونها من يوم الشراء، فكذلك الجواب، وإن كان لأكثر منْ أربع سنينَ، فهو منفيٌّ [عنه بغير لعان] وإن وَطِئها بَعْد الشراء وأتت به لستة أشهر فصاعدًا من يوم الوطء، ولما دون أربع سنين من يوم الشراء، فإن لم يَدَّع الاستبراء بعد الوطء، فالولد مُلْحَقٌ بملك اليمين، وهل له نَفْيُه باللعان فيه ما سبق في المَسْألة الأولى، وإن ادعى الاستبراء بَعْده، فإن أتَتْ به لأقلَّ من ستَّة أشهر منْ وقْت الاستبراء، فكذلك الجواب، ويلغو دعوى الاستبراء، للعِلم بكَوْن الولد حاصلاً يومئذ، وإن كان لستة أشهر فأكبر منْ وقت الاستبراء، فالأظهر أنه لا يُلْحَق الولد بحُكْم المِلْك، وهذا الخلاف مذكورٌ في آخر باب الاستبراء، وكما لا يَلْحَقُه بحُكْم الملك، لا يلحقه بالنكاح، وإن كان الاحتمال باقيًا؛ لأن فراش النكاح قد انقطع وحَدَث فراش بنسخه؛ فيزول حكم الأول، وهذا كما أنه إذا طُلِّقَت المرأة واعتدت ونكحت 127 زوجًا آخر، وأتت بولد لستة أشهُرٍ فصاعدًا من يوم النكاح الثاني، وَلِدُونِ أربع سنين مِنْ فراق الأول، يكون الولد للثاني، وإن احتمل أن يَكُونَ مِن الأوَّل، حتى كان مُلْحَقاً به، لو لم يحدث فراش.
الثاني، وحكى الشيخ أبو عليٍّ وجهًا أنه يلحقه بحُكْم النكاح، ولا ينتفي إلا باللعان؛ لقيام الإمكان وامتناع الإلحاق بالمِلْك، وقد يُعَبَّر عن هذه الأحوال والصور بأن

الجزء: 9 - الصفحة: 380

يقال: إن احْتُمِل كونه من النكاح دون الملك، فهو ملحق بالنكاح، وإن احْتُمِلَ مِنَ المِلْك دون النكاح، فهو مُلْحَق بالملك، كذا 128 لو احتمل منهما، وفيه ما رواه الشيخ، وإن لم يُحْتَمَل واحدٍ منهما، فلا إلحاق للإستبراء بعد الوطء، واللائق عند الإقرار بالوطء لفظ الإقرار، وبالإستبراء لفظ الدَّعْوَى، وسيتضح ذلك في آخر الاستبراء.
وقوله "لم يلحقْه نسَبُ مِلْك اليمين؛ للاستبراء" يجوز أن يعلم بالواو؛ للخلاف في أن الاستبراء، هل يكون نافيًا للنسب؟ ومهما وقع اللعان بعد الشراء، هل يُوجِبُ التَّحْرِيمَ المؤبَّد؟ فيه وجهان، كما ذكَرْنا فيما إذا وَقَع بعد البينونة؛ لأنَّها لم تكن زوجًة له حين لاَعَنَ، فإن قلْنا لا يُوجِبُه 129، فهي حلال له بملك اليمين، وإن قلنا: يوجبه، فهل تحل له بملْك اليَمِين؟ فيه خلاف مبنيٌّ على أنه لَوْ لاَعَنَ عن زوجته الأمة، ثم اشتراها، هل يجوز لَه وطؤها بمِلْك اليمين؟ وفيه طريقان: أحدهما: أن فيه وجهَيْن كالوجهين المذكورين فيما إذا طَلَّق زوجته الأَمَة [ثلاثًا]، 130 ثم اشتراها.
والثاني: القَطْع بالمنع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- 131: "المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا" والفرق من وجهين: أحدهما: أن الطلاق يَخْتَصُّ بالنكاح، فيختص تحريمه بالنكاح، واللِّعان لا يَخْتَصُّ بالنكاح، بل يَجْرِي بعد البينونة، وفي النكاح الفَاسِدِ فيثبت تحريمه في غير النكاح.
والثاني: أن تحريم الطَّلاق غير مؤبَّدٍ بل يزول بالزَّوْج، والإصَابَة، وتحريم اللعان مؤبَّد، فجَازَ أن يكون أوْسَعَ حالاً؛ لِغِلَظِهِ، وكونه أوْلَى بالاحتياط، والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: القَذْفُ) وَهُوَ نِسْبَتُهَا إِلَى وَطْءٍ حَرَامٍ* فَلَوْ نَسَبَهَا إلَى زِناً هِيَ مُسْتَكْرَهَةٌ عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ* وَلَوْ كَانَ وَطَءْ شُبْهَةٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِمَنْع اللِّعَانِ؛ لأَنَّ اللِّعَانَ فِي القُرْآنِ وَرَدَ مُرَتَّبًا عَلَى الرَّمْيِ بِالزِّنَا* وَإِنْ كَانَ الوَاطِئُ بِالشُّبْهَةِ مُعْترَفاً وَأَمْكَنَ إِلْحَاقُ الوَلَدِ بِهِ عُرِضَ عَلَى القَائِفِ وَلاَ لِعَانَ قَطْعًا* أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ الوَلَدُ مِنِّي فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِجَوَازِ اللِّعَانِ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الزِّنَا وَالشُّبْهَةَ* وَلاَ يُشْتَرَطُ (م) أَنْ يَقُولَ فِي القَذْفِ وَاللِّعَانِ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي* وَلاَ أنْ يَقولَ: اسْتَبْرَأْتُهَا بَعْدَ الوَطْءِ (م).

الجزء: 9 - الصفحة: 381

قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان 132: إحداهما: اللعان مَسْبُوق بقَذْفِ المَرْأة أو نفي الولد، ومهما نسبها إلى وطء حرام من جانبها، وجانب الرَّجُل، فقد قَذَفها، وإن نسبها إلى زِنًا هي مكرهة عليه أو نائمةً [في] 133 أو جاهلةٌ، فلا حَدَّ عليه، وفي التعزير وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه نَسَبَها إلى ما هي غير ملومة عليه، ولا مأثومة به.
وأصحُّهما: نعم؛ لأن فيه عارًا، وفي ذكره تذكُّرًا وإيحاشًا، فأشبه قَذْف المجنونة بل أولَى، فإن المجنونة، تُزْجَر عن الشَّيْء القبيح بالضرب ونحوه؛ لأنَّ لها نَوْع طلب وقصد والمكرهة بخلافه، وهل له أن يُلاَعن؟ فيه طريقان، أطلقهما كثيرون: أحدهما: [أن] 134 فيه قولين أو وجْهَيْن، فوجه 135 التجويز الحاجة إلى نفي الوَلَد؛ لئلا يَلْحَق به من ليس منه، والمَنْع بأن آية اللعان وَرَدَتْ في الرمي بالزِّنَا، وهناك يُحْتَاج إلى الانتقام من المرأة واشتهار 136 حالها.
والثاني: القطع بأنه يُلاَعِنُ.
ويُحْكَى هَذا عن أبي إسْحَاق وأبو علي بن أبي هريرة والطبري، ونقل القاضي ابن كج طريقةً بأنه لا يُلاَعِنُ عن ابن سُرَيْج، ويُشْبه أن يكُونَ الأظْهَرُ من الطريقَتَيْن فيما إذا كَانَ هناكَ وَلَدٌ القَطْعَ بأنَّه يلاعن لنفيه 137، وفيما إذا لم يكن وَلَدٌ إثباتَ الخِلاَفِ؛ [بناءً على الخلاف] 138 في أنَّه هل يَجِبُ به التعْزِير، إن وَجَب، وهو الأصحُّ؛ فله أن يلاعن لإسْقَاطه، وإلا لم يَجِبْ، وإيراد صاحب "التهذيب" يوافق ذلك، ولو عَيَّن الزاني بها، فقال: زنى بِكِ فلانٌ، وأنت مكرهةٌ أو قال: قَهَرَكِ فلانٌ فزنى بكِ، فعليه الحدُّ، وله إسْقَاطه باللعان، قال في "التهذيب": ويخالف هذا ما إذا قَذَف امرأته 139 وأجنبيةً بكلمة واحدة؛ حيث لا يتمكَّن من إسقاط حد الأجنبية باللعان؛ لأن فعْلها ينفك عن فعل الأجنبية، وفعْلها لا ينفك عن فعل الزاني 140 بها ولو قال لزوجته: وِطئْت بالشُّبْهة، فقد خرج وجُوب التعزير على الوجْهَيْن، فيما إذا نَسَبَها إلى زناً، وهي مُكْرَهَةٌ عليه، وبنى على الوجهين في أنه هلْ يُلاَعِن إذا لم يكن هناك وَلَدٌ؟ وإن كان هناك ولَدٌ، فمنهم من أطْلَقَ وجْهَيْن في جواز اللعان، وقال: أظهر الوجهين: أنَّ نسبة الوَلَد إلى الوطء بالشبهة، كنسبته إلى الزِّنَا، في جواز النفي باللِّعان إلا أنه إذا لم

الجزء: 9 - الصفحة: 382

يُلاَعِنْ لَحِقَه الوَلَد، ولم يُحَدَّ للقذف، وقال الأكثرون: إن لم يعيِّن الواطئ بالشبهة أو عيَّنه فلم يصدقه، فالولد ملحَقٌ بالنكاح، وله نفيه باللعان، وإن صدَّقه، وادَّعَى الولد، عُرِضَ على القَائِفِ، فإن ألحقه بذلك المعيَّن 141 فهو ولده، ولا حاجة إلى اللعان، وإلا فيَلْحَق بالزوج، وليس له نفْيُه باللَّعَان؛ لأنه كان له طريق آخر ينقطع به النَّسَب؛ وهو أن يلحقه القائف بذلك المُعَيَّن إذا عرض عليه، وإنَّمَا ينفي النَّسَب باللعان، إذا لم يَكُنْ للانتفاء 142 طريقٌ آخر؛ ولذلك قلنا: لا يُنْفَى ولد الأمة باللِّعَان؛ لأنَّه يمكن منه بطريق آخر، وهو دَعْوى الاستبراء، فحصلَتْ طريقتان، والأولى هي التي أوْرَدَها في الكتاب، والثَّانية أَوْلَى بالاعتماد فإن لم يكن قائف، تُرِك، حتى يَبْلغ الصبي، فينتسب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى ذلك المعيَّن، انقطع نسبه عن الزوج بلا لِعَانٍ، وإن انتسب إلى الزَّوْج، فله اللِّعان؛ لأنَّ نفْسَه بغير اللعان لا يُمْكِنُ، هكذا أورد صاحب "التهذيب" وغيره، ولك أن تقول: إن كان النظر إلى آخر الأمر ووقت انقطاع الطَّمَع عن انتفاء النسب بطريق آخر، فهذا المعنى حاصلٌ فيما إذا ألحقه القَائِف بالزوج، فليجز 143 اللعان، وإن كان النَّظَر إلى الابتداء، وتُوقِّع الانتفاء بطريق آخر، فهذا المعنى حاصلٌ فيما إذا توقفنا إلى بلوغه وانتسابه، فلْيَمْتَنِع اللعان إذا انتسب إلى الزوج، ولو قال: زنَيْتِ بفلان، وفلانٌ غَيْر زانٍ بكِ، بل كان يظُنُّكِ زوجَتَه، فهو قاذِفٌ لها، وله أن يلاعن لإسقاط الحَدِّ والولدُ المنسوبُ إلى ذلك الواطئ منسوبٌ إلى وطء الشبهة، فإن صدَّقه فلانٌ، عُرِضَ على القَائِفِ، كما ذكرنا ولو اقتصر على قوله "ليس هذا الولد منِّي" فعن صاحب "التقريب" حكاية تردُّد في أنه هل يلاعن؟ وهذه الصورة أوْلَى بجواز اللعان، إذا أُضيفَتْ إلى صورة الشبهة؛ لأنَّه كما يحتمل الجهة التي يثبت فيها النَّسَب يحتمل جهة الزِّنَا، والذي أجابه به المُعْظَم أنه لا يُلْتَفَت إلى ذلك، ويُلْحق الولد بالفراش، إلا أن يُسند 144 النَّفْيُ إلى سبب معيَّن، ويلاعن، ويجوز إعلام لفظ الوجهين من الكتاب في الصور الثلاث بالواو؛ للطُّرق القاطعة.
المسألة الثانية: لا يشترط لجواز اللعان أن يقول عند القذف: رأيتها تَزْنِي، بل لو قال زنَيْتِ أو يا زَانِيَةُ أو قال، وهي غائبة: فلانةٌ زانيةٌ، ولم يتعرَّض للرؤية، جاز اللعان، وكذلك لا يُشْتَرط أن يدعي أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة، وعن مالك -رحمه الله- أنه خالف في المسألتين.
لنا إطلاق آية اللِّعان، وأيضًا فاللعان حجَّةٌ يخرج بها عن موجب القذف المفيد، فكذلك عن مُوجِب القَذْف المُطلَق كالبينة، وذكر الأصحاب -رحمهم الله- أنه لو أقر

الجزء: 9 - الصفحة: 383

بوطْئها في الطُّهْر الذي قَذَفها بالزنا فيه، يجوز له أن يلاعن، وَينْفِي النسب، قال في "البسيط": ولعل هذا في الحُكمِ الظاهر، فأما بيْنَه وبيْن الله تعالى، فلا يَحِلُّ له النفْيُ مع تعارُضِ الاحتمال، ويجوز أن يعوَّل الزوْجُ فيه على أمْرٍ يختص بمعرفته كعَزْلٍ، أو قرينة حال.
والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في فُرُوعٍ مُتَفَرِّقَةٍ)

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ): إِذَا قَذَفَهَا بِأجْنَبِيِّ وَذَكَرَهُ في اللِّعَانِ فَلاَ حَدَّ لِلأَجْنَبِيِّ* وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ فَقَوْلاَنِ لأَنَّ اللِّعَانَ حُجَّةٌ عَلَى الجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً* وَمَنْ قَذَفَ عِنْدَ القَاضِي فَهَلْ عَلَى القَاضي إِخْبَارُ المَقْذُوفِ لِطَلَبِ حَدِّ القَذْفِ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفرع يحْوِي مسألتين: إحداهما: إذا قذف زوجته برجُل معيَّن، فالقول في أنَّ الواجب حدٌّ أو حدَّان؟ سيأتي في الفرع الثاني، ثم إن ذَكَر المرميَّ 145 به في اللعان؛ بأن قال: أشهد بالله إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فيما رَميْتُهَا به من الزنا بفُلانٍ، سَقَطَ حقُّه، كما يسقط حقُّها، سواء أو جنبًا، حدًّا أو حدَّيْن، حتى لو قذفها بجماعةٍ، وذكرهم، سقط حق الكل، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسقط الحدُّ للمرميِّ به، بل يُحَدُّ له بعد اللعان، وعند أبي حنيفة: لو حُدَّ له قبل اللعان، تَعذَّر اللعان؛ بناءً على أن المحدود في القَذْف لا يُلاَعنُ.
لنا أن اللعان حُجَّةٌ في ذلك الزنا في طَرَفِ المرأة، فكذلك في طَرَف الرجل؛ وهذا لأن الواقعة واحدة، وقد قامت فيها حجة مصدَّقة فتنتهض 146 شبهةً بارئةً للحد، وإن أغفل ذكْر المرميِّ به، ففي سُقُوط حقه قولان: أحدهما، ويروى عن "الإملاء" "وأحكام القرآن": أنه يسقط، وبه قال أحمد واختاره المزنيُّ؛ لأنه ظهر صدقه باللِّعَان، فيسقط حقُّه كما يسقط حقُّها، وقد يحتج له بأن الملاعن في عصر رسول 147 الله -صلى الله عليه وسلم- رَمَى زوجته بشريك ابْنِ السحماء، ولم يتعرض له في اللعان، ولم يُحَدَّ له، وأصحهما على ما ذَكَره القاضي الرُّويانىُّ، ويحكى عن "الأم": أنه لا يَسْقُط؛ لأنه لم يذْكُرْه في اللعان، وسقوط الحد يَفْتَقِر إلى تسْمِيَته في اللِّعان كما في حق الزوجة؛ وَعَلَى هذا فلو أراد إسْقاطه، فالطريق أن يعيد اللِّعَانَ ويذكره، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن القولَيْن مبنيان على أن حَقَّ الرجل يَثْبُت أصلاً أو تابعًا لقذف الزوجة، فإن قُلْنا: يثبت تابعًا، كفى ذكر المرأة: وسَقَط به حقُّ الرجل،

الجزء: 9 - الصفحة: 384

وإن جعلْناه أصلاً، فلا بد من تسميته، ويشهد للتبعية أنَّه يكْفي طلَبُها لِلِّعان، ولا يشترط موافقته، ولو امتنع الزوج من اللعان، ولا بيِّنة له، فَحُدَّ بطلبها، ثم جاء المرمي به يطلب الحد، فإن قُلْنا: الواجب حَدٌّ واحدٌ، فقد استوفى، وإن قلنا: حدان، اسْتُوفِيَ حَدٌّ آخَرُ، وله إسقاطه باللعان، ولو ابتدأ المرميّ به بطلب حقِّه، ولم تَطْلُبْ هي، فهل يلاعن له؟ حكى أبو الفرج السرخسيُّ فيه وجهَيْن، وقد يبنيان على أن حقَّه يثبت 148 أصلاً أو تابعًا، وإن عفا المرميُّ به عن حقِّه، فله المطالبة، وإن عَفَتْ هي، فكَذَلك للأجنبي المطالبة سواءٌ قلْنا: الواجب حدٌّ أو حدان؛ لأن الحدَّ لا يتبعَّض؛ ولذلك قلْنا: إن الأصحَّ أنه إذا عَفَا بعْضُ ورثة، المقذوف كان للآخرين استيفاءُ الحَدِّ بتمامه، وله أن يلاعن لإسقاطه، وعن ابن القطَّّان: أنا إذا قُلْنا: إنَّ حقَّه تابعٌ، فلا حَدَّ، ولا لعان، والظاهر الأول، وبمثله أجاب ابن الصَّبَّاغ؛ فيما لو لم يذكر المرميَّ به في اللعان، وقلْنا: إنَّه لا يَسْقُطُ حقُّه، فطالب بموجب القذف، وامتنع الزَّوْج من إعادة اللِّعان، قال: يُحَدُّ سواءٌ قلْنا: يجب حدٌّ واحد لهما أو حدَّان؛ لأنَّ الحدَّ لا يتبعَّض، ولا يجب باللعان حدُّ الزنا على الرَّجُل المرميِّ به بحال، وإذا لاعن لإسقاط حَدِّ المرمي به، قال في "التهذيب" قد قيل: إنه تتأبد الحرمة، وخلافه محتمل.
وقوله في الكتاب "لأن اللعان حجَّةٌ على الجملة، وإن كانت قاصرةً" يجوز أن يجعل إشارة إلى توجيه القولين، كأنه قال: في قول يسقط؛ لأن اللعان حجَّةٌ فيسقط حقُّهما جميعًا، كالبينة، وفي الثاني؛ لقُصور أثر اللعان على الزَّوْجة، ولذلك لا يلاعِنُ في قذف الأجنبيِّ، ويجوز أن يُجْعَل بتمامه علَّةً للسقوط والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قَذَف امرأته عنْد الحاكم بمعيَّن أو قذف أجنبيّ أجنبيًّا، والمقذوف غائبٌ، فهل يَبْعث إليه الحاكم ويُخْبره بالحال؟ نقل ناقلون أنَّه يبعث ويُخْبِره، ثم اقتصر بعْضُهم على الاستحباب، منْهم الشيخ أبو حَامِدٍ، وذكر أكثرهم: أنه يجب عليه ذلك، ونقل أبو الفرج السرخسي أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- نَصَّ عليه، وأنَّه نصَّ فيما إذا أقرَّ عنده مُقِرٌ لآخر بَديْنٍ لا يجب عليه إخبار المُقر له، وأن للأصحاب فيه ثلاثةُ طُرُقٍ: أحدها: تنزيل النصَّيْن على حالَيْن، إن كان الذي يتعلَّق به الحَقُّ حاضرًا عالمًا بالحال، فلا حاجة إلى إخباره في النوعين، وإن كان غائبًا أو عاقلاً عما جَرَى، وجَبَ إخْباره؛ يضيع حقُّه.
والثاني: الفَرْق بين الحَدِّ والمال، بأن الحد يستوفيه الإِمام، ويتعلَّق به، فيختبره

الجزء: 9 - الصفحة: 385

ليستوفي إن أراد، والمال لا يختص استيفاؤه بالإمام.
والثالث: جعْلُهما على قولَيْن بالنَّقْل والتخريج، ويُحْكَى طريقة الخلاف هذه عن رواية صاحب "التقريب" وهي التي أوردها في الكتاب، واحتج لقَوْلِنا أنه لا يُخْبِر المقذوف، بأن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ ينبه شُرَيْكَ ابْنَ السحماء ولم يخبره بالقَذْف.
ولقولنا إنه يخبر بقصة 149 العسيف، وذلك أن رجُلَيْن اختصما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أحدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي [في] 150 أنْ أَتَكَلَّمَ، [فقال: تكلمي 151] فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً 152 لِهَذَا، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ؛ فَاخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّحْمَ فَأفْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَألْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ؛ فَأخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لأَقْضَيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ [تَعَالَى]، أمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مَائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأسْلَمِيَّ أنْ امْرَأَةَ الآخَرِ قَالَ: إِنِ اعْتَرَفَتْ فِارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا".
قال العلماء: وإنَّما بعث أُنَيْسًا ليُخْبِرها بأن الرَّجُل الآخر قَذَفَها بابنه لا يتفحص عن زناها، وعن القَفَّال عن بَعْضهم: أنه كان قد شَهِد على إقرارها بالزِّنا أبو الزَّانِي و 153 مع آخر، فَبَعث إليها [أُنيْسًا] ليتثَّت؛ إن رجَعَتْ عن إقْرَارها، تركها، وإلاَّ أقام [عليها] 154 الحَدَّ، والظاهر في مسْأَلَةِ الإخبار أنه يخبره، وإن أثبت الخِلاَفَ، والَّذي قاله في "المختصر": وليس للإمام إذا رَمَى رجُلاً بزناً أن يبعث إلَيْه يسأله عن ذلك، ففي تنزيله وجُوهٌ: منها أن المراد أنَّه لا يُسْأَل؛ هل زنَيْتَ؟ ومنها أن المراد منه ما إذا لم يكن الرَّامِي مُعَيَّنًا، كما إذا قال رَجُلٌ: بين يَدَيِ الحاكم: إنَّ الناس يقولون: إنَّ فُلانًا قد زَنَى، لا يَبْعَث الحاكم إليه، ولا يَتفحَّص عن الحال، وكذا لا يتفحَّص إذا لم يكن المقذوف معيَّنًا، كما إذا قال "في هذه السكة أو في هذه المحلة زانٍ" أو رمى بحجر، فقال: من رَمَانِي، فَهُوَ زَانٍ، وهُو لا يَدْرِي مَنْ رماه، وعن أبي الطيَّب بن سلمة: أن المُراد ما إذا رماه بالزنا تَعْريضًا لا تصريحًا، وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق -رحمهما الله- أن المراد مَا إذَا كان كَذَلِكَ، ولاعن، سقط حَقُّ ذلك المعيَّن، إما بأن ذكره في اللعان أو قلنا: [إنه] 155 يسقط وإن

الجزء: 9 - الصفحة: 386

أطلق فلا 156 حاجة إلى إعلامه، والحالة هذه، وقال أبو إسحاق: لا يُخْبِره، وإن لم يُلاَعِن بَعْد؛ لأن الزوجة ستُطَالِب، ومُطَالَبَتُها مُغْنية عن مطالبته 157، ويخالف ما إذا قَذَف أجنبيًّا، وذكر أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لهذا السبب؛ لم يُخْبِر شُرَيْكًا بما جرى، وبعث أُنَيْسًا إلى المرأة، ويَجُوز أن يُعْلم قوله في الكتاب وجهان؛ لطريقة مَنْ نَفَى الخلاف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَذَفَ نِسْوَةً بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي تَعَدُّدِ اللِّعَانِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَعَدُّدِ الحَدِّ* وَاللِّعَانُ أَوْلَى بِأَنْ يَتَعَدَّدَ لأَنَّهُ حُجَّةٌ فَلاَ يَتَدَاخَلُ* وَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِهِ لَمْ يَتَّحِدْ بِرِضَاهُنَّ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ كَاليَمِينِ* وَإِنْ قُلْنَا: يَتَّحِدُ فَذَلِكَ حَيْثْ لاَ يُشْتَرَطُ طَلَبُهُنَّ أَوْ تَوَافُقُهُنَّ* فَإِنْ انْفَرَدَتْ وَاحِدَةٌ بِالطَّلَبِ لاَعَنَ عَنْهَا ثُمَّ اسْتَأنَفَ لِلبَاقِيَاتِ* وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ فَقَدْ قَذَفَهَا وَأُمَّهَا بِكلِمَتَيْنِ فَعَلَيْهِ حَدَّانِ* فَإِنْ قُلْنَا: يقَدَّمُ حَدُّ المَقْذُوفِ أَوَّلاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَهَهُنَا يُقَدَّمُ حَدُّ الأَمِّ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَلَى وَجْهٍ لأَنَّ حَدَّ البِنْتِ مُتَعَرِّضٌ لِلسُّقُوطِ بِاللِّعَانِ فَحَدُّ الأمِّ أَقْوَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قذف اثْنَيْن فصاعدًا، لم يَخْلُ إما أن يكون المقذوفُونَ أحَدَ الصِّنْفَين من الأجانب، والزوجات، وإما أن يتركَّبوا على 158 الصنفين.
القِسْم الأول: إذا كانوا أحَدَ الصِّنْفَيْن، فاما أن يكون قَذَفَهُم بكلمات أو بكلمة واحدة.
الحالة الأولى: إذا قَذَف كلِّ واحد منهم بكلمة، فعليه لكل واحدٍ حدٌّ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا يجب إلا حدٌّ واحدٌ بناءً على أن المُغَلَّب في حد القذف حقُّ الله تعالى، فيتداخل إذا تكرَّر موجبه، كما لو زنى مرارًا، ولو قذف امرأتَيْه بكلمتَيْن أو أرْبَعَ نسوةٍ، له، بأربع كلمات، فعليه أربعةُ حُدودٍ، وإذا أراد اللِّعان، أفْرَدَ كل واحدة بلعان، ويجعل اللعان عنْهن على ترتيب قَذْفِهن، كذا أطلق ويُشْبِه أن يكون المرادُ ما إذا طَلَبْن جميعًا أو حيْث لا يُشْتَرط طلب المرأة لِلِّعَانِ، ولو لاَعَنَ عنْهن لعانًا واحدًا، لم يُعْتَدَّ به عن الجميع، لكن إنْ سمَّاهن، احتسب به عن الَّتي سماها أوَّلاً، وإن أشار إليهن جميعًا، وجعلْنا الإشارة مُغُنِيةً عن الاسم على ما سيأْتِي، فلا يُعْتدُّ به عن واحد منْهن؛ لأنه ليس بعضهم بأوْلَى من البَعْض.

الجزء: 9 - الصفحة: 387

والثانية: إذا قذفهم بكلمة واحدة بأن قال: زَنَيْتُمْ أو أنْتُمْ زناةٌ، فقولان: الجديد أنه يجب لكلِّ واحد منهم حدٌّ؛ لأن حد القذف من الحُقُوق المقصودة للعِبَاد، فلا تتداخل كالديون، وأيضًا، فإنه أدْخَل العار علَيْهم، فأشبه ما إذا قذَفَهم بكلمات متعدِّدة.
والقديم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنه لا يجب إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لإتِّحاد اللفظ 159، وأيضًا، فإنها حدُودٌ من جنس واحد، فتتداخل، كحدود الزنا، وعلى هذا، فلو حضر واحدٌ وطلب الحدَّ، حُدَّ له، وسقط حَدُّ الباقين، ولو قال: يَابْنَ الزانيَيْنِ، فهو قذف لأَبَوَي المخاطب بكلمة واحدة، ففيه القولان، ولو قذف أربع نسوة [له] 160 بكلمةٍ واحدةً، فالحدُّ على الخلاف، وإن أراد اللِّعَان، فإن قلنا: يتعدَّد الحدُّ، تعدَّد اللعان، وإن قلنا: يتَّحِد الحدُّ ففي اللعان وجْهَان: أصحهما: أنه يتعدَّد أيضًا؛ لأن اللعان يمينٌ، والأيمان المتعلِّقة بحقوق جماعة 161 لا تتداخل؛ ألا ترى أنه إذا ادعى رجلان على رَجُل مَالاً فأنكر، يَحْلِفُ بكل واحدٍ منهما يميناً تامَّةً، والثاني، نسبه القاضي ابن كج إلى أبي إسحاق وابن القطان: أنه يَكْفى لِعانٌ واحدٌ جمعهن فيه بالاسم أو بالإشارة، إن إكتفينا بالإشارة؛ لأن هذه اليمينَ حجَّةٌ تثبت الحَدَّ، فأشبهت البينة، وكذا لو أقام شاهدًا على رجُل بحَقِّ وعلى آخر بحَقِّ آخر، يجوز أن يَحْلِف معه يمينًاواحدةً يذكر فيها الحَقَّيْن وإذا قلنا بالتعدَّد، فلو رَضِيْنَ بلعانٍ واحدٍ، لم ينفع، كما لو رضي المدعون بيمين واحدة إذا قلنا: ثم يلاعن عنهن على الترتيب الذي يوافقْنَ عليه، فإن تشاحن في البداية، أقرع بينهن، ولو قدَّم الحاكم واحدة منهن، قال الشافعيَّ -رضي الله عنه-: رجَوْتُ أن لاَ يأْثَم، ونقل القاضي أبو الطيِّب عن الأصحاب، أن ذلك فيما إذا لم يقصد تفضيل بعضهم على بَعْض، وتجنَّب الميل، وإن قلنا بالاتحاد، فذلك إذا توافَقْنَ على الطَّلَب أو لم يشْتَرط طَلَبُهن، أما إذا اشترط، وانفرد بعْضُهن بالطلب، فلاعن، ثم طَلَبت الباقيات، فيحتاج إلى اللعان، ويحصل التعدد، وإذا لاعَنَ عنهن، لزمهن الحدُّ، فمن لاعنت منْهن، سقط عنها الحدُّ، ومن أبَتْ حُدَّت، وإذا امتنع من اللعان، كفَاهُ حدٌّ واحدٌ على قَوْلنا باتحاد الحَدِّ، وجميع ما ذكرنا فيما إذا قذف اثنتين فصَاعِدًا بكلمة واحدة، ولم يعلِّق قذفهما بزنًا واحدٍ، فإن خلق كما إذا قال لأجنبية أو لزوجته: زنَيْتِ بفُلاَن، فطريقان: أظهرهما طرد القولين في تعدُّد الحد واتحاده.

الجزء: 9 - الصفحة: 388

والثاني: القطع بالاتحاد؛ لأنه لم يَرْمِهما إلا بفاحشة واحِدَةٍ 162. والقسم الثاني: إذا تركب المقذوفون من الصنفين؛ كما إذا قَذَف زوجته وأجنبيةً، فيُنْظَر؛ إن قذفهما بكلمتين، فعليه حدَّانِ، فإن لاعَنَ عن زوجته، سَقَط حدُّها وبقي حد الأجنبية، ولو قال لزوجته: يا زانية بنْتَ الزانية، أو قال: زنَيْتِ، وزَنَتْ أمُّك، فهذا قَذفٌ لها ولأمها بكلمتَيْن، وله إسقاط حَدِّ لزوجة بالبينة أو اللعان، وإسقاط حد أمها بالبينة وحْدِها وإذا طلبت واحدةٌ منهما أو وكيلُها حَدَّها ولا دافع، لم يخْفَ الحكم، ولو حَضَرَتَا معاً، وطَلَبَتَا، فهَلْ يراعى في استيفاء الحدَّيْن ترتيب فيه وجهان: أحدهما: لاَ، بل يقرع بينهما، كمن [أتلف] 163 أموالاً، ولزمه ضمانُها، لا يُنْظر فيه إلى التقديم والتأخير.
وأصحهما: نعم، كما لو قتل شخْصَيْن على التعاقب يقنَص بالأول، وعلى هذا فوجهان: [أحدهما يبدأ بحد البنت 164 لأن قذفها متقدم].
وأصحهما، وهو المنصوص: أنه يبدأ بالأم؛ لأن حقها أقوى، فإنَّ حدَّها لا يَسْقُط إلا بالبينة، وحدُّ البنت كما يسقط بالبينة، يسقط باللعان، وأقوى الحقين أوْلَى بالتقديم ولو قَذَف أجنبية وأُمِّها على الوجه المُصَوَّر 165 في الزوجة، سَقَط، وجه تقديم الأم، ويبقى وجهان: أظهرهما: تقديم البنت.
والثاني: القرعة ولو قذف أُمَّ زوجته [أوَّلاً ثم زوجته] 166، سقط وجه تقديم البنت ويبقى وجهان: أظهرهما: تقديم الأم.
والثاني: القرعة، وإن قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة بإن قال: زنَيْتُما أو أنْتُما زانيتان، ولم يلاعن الزوجة فطريقان 167: أظهرهما: تعدُّد الحد واتحاده، على القولين السابقين.

الجزء: 9 - الصفحة: 389

والثاني: القطع بالتعدُّد؛ لإختلاف القذفَيْن في الحُكْم؛ فإن أحدهما يَسْقُط حدُّه باللعان دون الآخر، فإن قلْنا بالإتحاد، فلو جاءت الأجنبية طالبةً للحد، فحد لها، سقط 168 الحد واللعان في حقِّ الزوجة إلا أن يكون هُنَاك وَلَدٌ، وأراد نَفْيه، وإن لاَعَنَ عن الزوجة، فيُحَدُّ للأجنبية، وإن عَفَتْ إحداهما، حُدَّ للأخرى، إذا طلبت على القَوْلَين جميعًا.
ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ومهما وَجَب حدان لواحد أو لاثنين وَأُقِيمَ أحدُهُما، أمْهِل إلى أن يبرأ جلْدُه ثم يقام الثاني، وقد يعود هذا في الحدود.
وقوله في الكتاب "لأنَّه حجَّةٌ، لا تتَداخَل" يعني به أن العقوبات هي التي يليق بها التداخل، واللعان من جملة الحُجَج المثبتة أو الدافعة، والتداخُلُ بَعِيدٌ عنها.
وقوله "فقد قذفها وأمها بكلمتين، فعليه حدَّان" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن بعضهم أبعد؛ فجعل قوله "يا زانية بنت الزانية" كما إذا قال: أنتِ وأمك زانيتان [حتى] 169 يكون على الخلاف في تعدّد الحدِّ واتحاده، وعدَّ ذلك من قَذْف الزوجة والأجنبية بكلمةٍ واحدةٍ، وعليه جرى صاحب "التتمة".
وقوله "فإن قلنا: يُقَدَّم حد المقذوف أوَّلاً" يريد به الخلاف في أن الحَدَّيْن إذا أثبَتَا يستوفيا على تَرْتيب القَذْف أم لا؟ فإن قلنا: نَعَم، ففي قوله "يا زانيةُ بنْتَ الزَّانِيَةِ" الوجهان في أنَّه يُقَدَّم حق الأم أم البنت؟ قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ): إِذَا ادَّعَتِ القَذْفَ فَأَنْكَرَ فَقَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى القَذْفِ فَلَهُ أنْ يُلاَعِنَ إِنْ أَظْهَرَ لإنْكَارِهِ تَأوِيلاً وإلاَّ فَوَجْهَانِ* فَإِنْ أَنْشَأَ قَذْفاً فلَهُ اللِّعَانُ وَانْدفَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الحَدُّ أَيْضًا إِلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: مَا قَذَفْتُ وَمَا زنَيْتُ فَإِنَّ قَذْفَهُ بَعْدَهُ ينَاقِضُ شَهَادَةَ البَرَاءَةِ إِلاَّ إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ احْتُمِلَ طَرَيَانُ الزِّنَا بَعْدَهَا* وَلَوِ امْتَنَعَا عَنِ اللِّعَانِ فَلَمَّا عُرِّضَا لِلْحَدِّ رَجَعَا إِلَيْهِ جَازَ كَمَا في البَيِّنَةِ* بِخَلاَفِ اليَمِينِ* وَلَوْ حُدَّ الرَّجُلُ فَأَرَادَ أنْ يُلاَعِنَ بَعْدَهُ مُكِّنَ مِنْهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ وَإِلاَّ فَلاَ فَائِدَةَ لِلِعَانِهِ فَلاَ يُمَكِّنُ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: ادعت المرأة على زَوْجها أنه قَذْفها، فله في الجَوَاب أحوالٌ: أحدها: إذا سكت، فأقامتْ عليه البينة، فله أن يُلاعَن، وليس السكوت إنكارًا للقذْف، ولا تكذيبًا لبينة في الحقيقة، ولكنه جُعل كالإنكار في قبول البينة، فإذا لاعن قال: أشهد بالله، إني لمن الصادقين فيما أثبتت على من رمى إياها بالزنا.

الجزء: 9 - الصفحة: 390

والثانية: إذا قال في الجواب: لا يلزمني الحَدُّ، فأقامت البينة على القَذْف، فله اللعان أيضًا، ويجوز أن يريد بقوله: "لا يلْزَمُنِي الحدُّ"؛ أني صدقت فيما قلْتُ، وسأحقِّقه باللعان فلا يكون عليَّ حدٌّ.
والثالثة: إذا أنكر القَذْف، فأقامت الشاهدين علَيْه، ثم أراد أن يُلاَعِن، فيُنْظَر؛ إن أوَّل الإنكار، وقال: لم أردْ أني ما رمَيْتُها بالزنا؛ وإنما أردتُّ أن هذا الرمي حقٌّ، وليس بقذفٍ باطلٍ، قُبِلَ ذلك [منه] 170 ومُكِّن من اللعان، وإن لم يتأَوَّل الإنكار، لكنه أنشأ في الحال قَذْفاً، فله أن يُلاَعن، فإذا لاَعَنَ، سَقَط عنه الحَدُّ، وإن كانت هي صادقةٌ في دَعْواها؛ لأنَّ مَنْ كرَّر قذف امرأته كَفَاه لعانٌ واحدٌ، وإن لم يَذْكر تأويلاً ولا أنشا قذفًا، ففي جواز اللعان وجْهان: وجه المَنْع: أنه يُنْكِر نسبتها إلى الزنا، فكيف يَشْهَد بالله إنه لمن الصادقين، فيما نسبها إليه؟ والثاني: يجوز؛ لأنه لم ينكر زناها، وإنما أنكر القَذْف، والقَذْف يُسْتعمل في القول الباطل، فيجوز أن يريد: إن قَوْلي صدْقٌ، وليس بقذفٍ باطلٍ، وإن لم يتلفظ 171 بالتأويل ولأن قوله مردود عليه بالبينة فصار فكأنه لم ينْكُرْه، وشبه ذلك بما إذا قال المُشْتَري في جواب من يدعي الاستحقاق: إنه مِلْكي، وكان ملكًا لفلان إلى أن اشتريته منه، ثم قامت البينة على الاستحقاق، وانتزع المال من يده وتمكن من الرجوع على البائع، وإن أقرَّ له بالمِلْك؛ لأن إقراره قد صار مردُودًا عليه بالبينة، وهذا ظاهر النَّصِّ في "المختصر" وبه أخذ أكثر الأصْحَاب، وربَّما نفى العراقيون الخلافَ فيه.
الرابعة: إذا لم يَقْتَصِر في الجوابِ على إنْكَار القذْف، ولكن قال: مَا قذَفْتُ وما زنَيْتِ، فيحد ولا لعان؛ لأنه شهد بعفَّتها وبراءتها، فكيف يُحقِّق زناها باللعان، وقوله الأول بكذبه، وليس له أن يقيم البينة على زِنَاها، والحالة هذه؛ لأنه كَذَّب الشهود بقوله "ما زَنَيْتِ" وشبه ذلك بما إذا أنكر المُودَع أصْل الإيداع، فأُقيمت البينة علَيْه، فادَّعى التلف أو الرد، لا تُسْمَع دعواه، وفي هذه الحالة، لو أنشأ قذفاً، فعن القاضي حسين إطلاقُ القول بجواز اللِّعان، والذي استقر عليه كَلامُ الإِمام، وتابعه صاحب الكتاب: أن ذلك محمولٌ على ما إذا مضى بعْد الدعوى والجواب زمانٌ يُمْكن تقدير الزنا فيه، وإلا، فيؤاخذ بإقراره ببراءتها ولا يُمَكَّن من اللعان، فإذا لاَعَنَ، فهل يسقط حدُّ القذف الَّذي قامت البيَّنة علَيْه، حكى الإِمام -رحمه الله- وغيره فيه خلافًا، وقضية لفظ الكتاب الجواب سقوطه؛ لأنه قال في إذا أنكر في الجواب القذف: "فإن أنشأ قذفًا آخر، فلَهُ

الجزء: 9 - الصفحة: 391

اللِّعان، واندفع عنه ذلك الحَدُّ أيضًا" ثم استثنى ما إذا قال: "ما قذَفْتُ، وما زَنَيْتِ"، أي فلا لِعَان، ولا يندفع عنه ذَلِك، ثُمَّ اسْتَثْنى من المستثنى ما إذا مضت مدة يُمْكن فيها حدوث الزنا، أي فَلَهُ اللعان، ويندفع ذلك الحدُّ، هذا قضية ظاهر النظم.
المسألة الثانية: إذا امتنع الزَّوْج عن اللعان، فعرض للحد أو استوفى بعْض الجلدات، ثم بَدَا له أن يُلاَعِن، مُكَّن منه، وإذا لاعَنَ، سَقَط عنْه ما بَقِيَ من الحَدِّ، كما لو بَدَا له أن يقيم البينة، وكذلك المرأة إن امتنعت من اللعان، ثم عادت إليه، مُكِّنَتْ، ويسقط عنْها ما بقي من الحد، قال الأصحاب: واللِّعان، وإن كان يمينًا عندنا، لكن أُلْحِقَ في هذا الحكم بالبينة، لمشابهته إياها من حيث إن الزَّوْج يأتي به من غير أن يُطْلَب منه كالبينة، ويؤثر لِعَانُه في إثبات الحَدِّ عليها، كالبينة، ولم يُلْحَق باليمين، حيث لا يجوز العَوْد إليها بعد النكول؛ لأن اليمين بعْد النكول] 172 تنتقل إلى جنبة المدعي [ففي تمكُّن المدَّعَى عليه من اليمين] 173 بعد الإنتقال إبطالُ حَقِّه، واللعان بالامتناع عنه لا يَنْتَقِل إلى جنبة الغير، ولو أُقيم عليه الحَدُّ بتمامه ثم أراد أن يُلاَعِن، فلا معنى له؛ لأنه قد ظَهَر كذبه بإقامة الحد عليه، قال القفَّال: إلا أن يكون هناك ولَدٌ، فله أن يلاعن 174 لنفيه، وهذا أورده مُورِدُون في مَعْرِض البيان لما أطلقه الأولون، ولم يجعلوا جواز اللِّعان عند قيام الولد مختلفًا فيه، وأثبت الإِمام الخلاَف؛ فقال: فعل القفَّال عن الأصْحَاب أنَّه لا يُلاَعِن، ووجَّهَه أن القَذْف سَقَط بإقامة الحد، وكان الزوج بعد الحد لَيْس قاذفًا، والقَذْف لا بد منه في نَفْي الولد، واختار 175 لنفسه أنه يُلاَعِنُ لغَرَض نفي النسب، ولا يَبْعد أن يقال: إن القَذْف يتأكَّد بالحد، وهو باللعان يُخْرِج نفسه عن أن يَكُون قاذفاً؛ وعلى هذا يجوز أن يُعُلَم قوله في الكتاب "مُكِّن منه" بالواو.
وأما إذا لم يكن هناك وَلَدٌ، فالذي أطلق أنه لا يلاعِنُ اقتصارًا مثله على الأصح، ويجيْء فيه الخلاف المذْكُور في أن ما سوى غرض دفع الحد، ونفي النسب هل يجوز له اللعان؛ ذَكَره في "التتمة".
والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّاِبعُ): إِذَا قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ فَيَجِبُ التَّعزِيرُ* فَإِنْ قَالَ: وَأَنْتِ مَجْنونَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ فَكَمِثْلِ إِنْ عَهِدَ لَهَا ذَلِكَ وَإِلاَّ فَالحَدُّ* وَقِيلَ: لاَ حَدَّ إِذَا لَمْ تُعْهَدْ تِلْكَ الحَالَةُ لأَنَّهُ جَاءَ بِمُحَالٍ.

الجزء: 9 - الصفحة: 392

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لزوجته: زنَيْتِ وأنتِ صغيرةٌ، فقد أطْلَق صاحب الكتاب أن علَيْه التعزير، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وفَصَّل الأكثرون، فقالوا: يراجع، ويؤمر ببيان حالة الصغر، فإن ذكر سنًا لا يحتمل الوطء، كما إذا قال: بنت ثلاث أو أربع، فهو ليس بقاذف، مدة للسبِّ والإيذاء، ولا لعان بمثله على ما مرَّ، وإن ذَكَر شيئًا يحتمله كما إذا قال: كانت بنت عَشْرٍ، فهو قاذفٌ، وعليه التعزيرُ، وله إسقاطه باللعان، ولو قال: زَنَيْتُ وأنْتِ مجنونةٌ أو مُشْرِكةٌ أو أمةٌ، فإن عُرِفَتْ لها هذه الأحْوَال أو ثبتَتْ بإقرار أو بينَة، فعليه التعزير، دُون الحَدِّ، وله اللعان؛ لإسقاطه، وإن عرف ولادتها على الإِسلام والحرية واستقامة عَقْلها، فالمشهور أنه يجب الحَدُّ للقذف الصريح، وتلْغَى الإضافة إلى تلك الحالة، وعن صاحب "التقريب" وجْه أنه لا حَدَّ؛ لأنه نسَبَها في تلْك الحالة إلى الزِّنَا، وإذا لم يكُنْ لها تلْك الحالة، فيكون ما أتى به لَغْوَاً من الكلام ومحالاً، فأشبه ما إذا قال: زنَيْتِ، وأنتِ رتْقَاءُ، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب الحد فيما إذا قال: وأنتِ مشركةٌ أو أمةٌ؛ لأنها مكلفة في الحالَتَيْن، ولا يجب في الحالتين، فيما إذا قال: وأنتِ صغيرةٌ أو مجنونةٌ.
وإن لم يَعْلَمْ حالها، واختلفا، ففيه قولان: أحدهما: أن الزوج هو المُصدَّق بيمينه: ولا حدَّ عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته؛ وعلى هذا، فَلَوْ نَكَلَ، فحلَفَت، حُدَّ.
والثاني: أن الزوجة هي المصدَّقة باليمين؛ [لأن الظاهر مَنْ في دار الإِسلام الحرية، والغالب سلامةُ العَقْل؛ وعلى هذا، فلو نكَلَت، فحَلَفت، فالواجب التعزير، ويشبه أن يكون هذا أرْجَحَ القولَيْن، وموافقة قوْله في الكتاب، وإلا، فالحد؛ فإنه حَكَم بوجوب الحد، إذ لم تُعْهَدْ تلك الحالَةُ ونظْم "التهذيب" يقتضيه أيضًا، ويجيْء القولان فيما إذا اختَلَفا؛ فقال الزوج: أنتِ أمَةٌ في الحال، وقالت: بَلْ حرَّةٌ ولا يجيئان فيما إذا قال: أنتِ مشركةٌ في الحال، وقالَتْ: بل مسلمة، فإنها إذا قالت: أنا مسلمةٌ، فيحكم بإسلامها 176، وإذا قالت المرأة: أردتَّ بقولك "زنَيْتِ، وأنْتِ صغيرةٌ" قذفي في الحال، ووصفي في الحال بالصغر، ولم تُردْ القذف بِزِناً في الصِّغَر، فعن الشيخ أبي حامد: أن القول قَوْلُها، وكذا لو قال: وأنتِ مجنونةٌ أو مشركةٌ، إذ أقرت بتلْك الحالة، وقالت:

الجزء: 9 - الصفحة: 393

أردتَّ القذف في الحال، واستبعده ابن الصَّباغ وغيره؛ لأن الواو في مثله للحال، والسابِقُ إلى الفَهْم تعليق الزنا بتلْك الحالة؛ ولذلك يقال: لو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخَلْتِ الدار، وأنتِ مسلمةٌ، يتعلَّق الطلاق بالدخول في حالة الإِسلام، ولو أطلق النسبة إلى الزنا، ثم قال: أردتُّ في الصغر أو في الكُفْر أو في الجنون والرق، فالمشهور أنه لا يُقْبَل منه ذلك؛ لأنه قذف في الحال ظاهرًا، وأنه موجبٌ لِلْحَدِّ، ولا فَرْق في ذلك بيْن أن تُعهَدِ لها تلْك الحالة أو لا تُعْهَد، فإن قال: هي تعلم أني أردت ذلك حلفت على نفي العلم، وحُدَّ، وفي أمالي أبي الفرج السرخسي: أنه يُقْبَل إذا عُهِدَت لها تلْك الحالة، ويجب التعزير، وإن لم تُعْهَد، فعلى قولين 177، والصورة شبيهةٌ بما إذا قال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ إن دخلَتِ الدار، وقد سَبَق القول فيها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ: اللَّفْظُ) وَالنَّظَرُ فِي أَصْلِهِ ثُمَّ في تَغْلِيظَاتِهِ وَسُنَنِهِ (أَمَّا اللَّفْظُ) فَأَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا* وَفِي الخَامِسَةِ أَنَّ لَعنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ* وَيَجِبُ إعَادَةُ ذِكْرِ الوَلَدِ فِي كُلِّ مَرَّةِ إِنْ كانَ ثَمَّ وَلَدٌ* وَالمَرْأَةُ تَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ* وَفِي الخَامِسَةِ أَنَّ غَضَب اللهِ عَلَيْهَا إَنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ* وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِعَادَةُ ذِكْرِ الوَلَدِ* وَلاَ يَقُومُ (ح) مُعْظَمُ الكَلِمَاتِ مَقَامَ الجَمِيعِ* وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَلاَ يُبْدَلُ بِالحَلِفِ* وَلاَ لَفْظُ الغَضَبِ بِاللِّعْنِ* وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي تَأْخِيرِ اللَّعْنِ* وَتَجِبُ المُوَالاة بَيْنَ الكَلِمَاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المقْصُود الآن القوْلُ في كيفية اللِّعَان، وهو مُدْرَج في ثلاثة فصول: أحدها: في ألفاظه الأصليَّة، والثاني: في التغليظات المشروعة فيها، والثالث: في سنتها.
أما الفصل الأول، فكلمات اللعان خَمْسٌ: وهي أن يقول الزوج أرْبَعَ مرَّاتٍ: أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رمَيت به زَوْجَتِي من الزنا، ويسميها، ويرفع في نَسَبِها قَدْرَ مَا يَحْصُل به التمييز، إن كانَتْ غائبةٌ عن البَلَد، أو لم تَكُنْ معه في المَسْجد؛ لحيض أو كُفْر وفي تعليق الشيخ أبي حَامِدٍ: أنه يَرْفَع في نسبها قَدْرَ ما تتميَّز عن سائر زوجاته، إن كان في نكاحه غَيْرها، وقد تشْعِر هذه اللفظة بالاستغناء بقوله "فيما رميتُ به

الجزء: 9 - الصفحة: 394

زوجتي" عن الاسم والنسب، إذا لم يكن تحته غَيْرُها، وإن كانت المرأة حاضرة عنده، وأشار إليها، وهل تحتاج مع الإشارة إلى التسمية؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، كما في سائر العقود، والحلول كالنكاح والطلاق.
والثاني: نَعَم؛ لأن اللعان مبنيٌّ على التغليظ والاحتياط 178؛ فيُؤكَّد الإشارة بالتسمية، وقد يقال على قضية هذا التوجيه: لا يُكْتَفَى في الحاضرة بالتَّسْمِيَةِ، ورَفْع النَّسَب، حتى تضم إليهما الإشَارَةُ، بل أَوْلَى؛ لأن الإعراض عن الإشَارَةِ، والعُدُولُ إلى التسمية في الحاضرة قد يجر لبسًا، فإذا لم يُكْتَفَ في حقِّها بالإشارة، فَأَوْلَى أن لا يكتفي بالتسمية، ثم يقول في الخامسة: أَنَّ لَعْنة اللهِ عليْه، إن كان من الكاذبين، فيما رماها به من الزنا وتعريفُها في الغيبة والحضور كما في المرات الأربع، وإذا كان هناك ولَدٌ ينفيه، يتعرض له في الكلمات الخمس، فيقول: "وأنَّ الولد الذي ولَدَتْه، أو هذا الولد، إن كان حاضرًا، من الزنا وليس مني"، فلو قال: "هو من زنا" واقتصر عليه، فوجهان، أجاب كثيرون: بأنه لا يَكْفِي، ولا ينتفي به الوَلَدُ؛ لأنه قد يعتقد الوطء بالشبهة أو وفي النكاح الفاسد زنًا.
وأصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": الاكتفاء به؛ حملاً لِلَّفظ على حقيقته، وإذا كان من زنا، لم يلتحق به، ولو اقتصر على أنه ليس مني فالمشهور أنه لا يكفي؛ لإحتمال أن يراد به عدم المشابهة خَلْقًا وخُلُقًا، وفيه وجه، ولو أغفل نَفْي الولد بَعْض الكلمات الخمس، إحتاج إلى إعادة اللعان لنفيه، ولا تحتاج المرأة إلى إعادة لعانها، بل يقع معْتَدًّا به، وحكى أبو الفرج السرخسي تخريج قَوْلٍ فيه.
وصورةُ لعانِ المرأة: أن تقول أربع مرات: أشهد باللهِ إِنَّه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وفي الخامسة أن غضب الله عليَّ إنْ كان من الصادقين، فيما رماني به، والقول في تعريفه غائبًا وحاضرًا، كما ذكرنا في جانب المرأة، ولا تحتاج إلى ذكر الولَد؛ لأن لعانها لا يُؤثِّر فيه، ولو تعرَّضت له لم يضُرَّ، [و] في "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانيِّ: أن القفَّال حكى وجهًا ضعيفاً: أنها تَذْكُر الولَدَ، فتقول: وهذا الولد ولده، ليستوي اللعان ويتقايلان، ثم الكلام في صور:

الجزء: 9 - الصفحة: 395

إحداها: لا يثبت شيْء من أحكام اللعان إلا إذا تمَّت الكلمات الخمْس، وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بالفرقة بأكثر كلمات اللعان، نَفَذ، وأقام أكثر مُقَام الجميع، وإن كان هو مُخْطئًا في الحكم، واحتج الأصحاب بأنَّ هذا الحُكْم غير جائز بالإجماع، فلا ينفذ كسائر الأحكام الباطلة.
الثانية: لو قال بَدَل كلمة الشهادة: أحلِفُ باللهِ أو أُقْسِم أو أولى إني لَمِنَ الصادقين، فوجهان: أحدهما: صحة اللعان؛ لأن اللعان يمينٌ، وهذه ألفاظ اليمين.
وأصحُّهما: المنع، وتعيين لفظ الشهادة، كما في أداء الشهادة؛ اتباعًا لما ورد به النص، وأجرى في "التهذيب" الوجهين فيما إذا قال: "بالله إني لمن الصادقين" من غير زيادة، وقطع صاحب "التتمة" بالمنع؛ لأن الشرع غلَّظ حكمه بالجمْع بين كلمتين، فلا يجوز الاقتصار على واحِدَة، ويجري الوجهان في إبدال لَفْظ اللعن بالإبعاد، ولفظ الغَضَب بالسَّخط، وفي إبدال اللعن بالغضب، والظاهرُ في الكل المَنْع، وأما إبدال الغَضَب باللَّعُن فمنهم من أجرى الخلاف فيه، وهو الذي أورده في الكتاب، ومنْهم من قطع بالمَنْع، وقال: الغضبُ أشدُّ وأبلغُ من اللعن؛ ولذلك خُصَّ جانب المرأة بلَفْظ الغَضَب؛ لأن جريمة الزنا منْها أقبح من جناية القذف منه؛ ولذلك تفارق الحدَّان، وبنوا على هذا: أن كل مغضوبٍ عليه ملعونٌ ولا ينعكس.
الثالثة: في وجوب تأخُّرِ لفظ الغضب واللعن عن الكلمات الأربع وجهان: في وجهٍ: لا يجب؛ لأن المعنى لا يختلف، والتغليظ يحصل تأخر اللفظان أو تقدما والأصح الوجوب؛ إتِّباعًا؛ ولأن المعنى إن كان من الكاذبين في الشهادات الأربع، فوجب تقدمهما ويقرب من هذين الوجْهَيْن وجهان ذكرا في أن المُوالاة بَيْن كلمات اللعان، هل تشترط؟ والأشبه الاشتراط حتَّى لو تخلَّل فصْلٌ طويلٌ منع الاعتداد، والمذكرر في "التهذيب": جواز التفريق، ويشترط في اللعان في حق الرجل والمرأة جميعًا أن يأمر الحاكم به، وَيُلَقَّنَ الكلماتِ، فيقول: قل: أشهد بالله، إني لمن الصادقين، إلى آخرها، فلو ابتدأ به، لم يعتبر لأن اللعان يمينٌ، واليمين لا يُعْتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلبنا معنى الشهادة، [فالشهادة] 179 تؤدي عند القاضي، ويشترط أن يُؤخَر لعان المرأة عن لعان الزوج؛ لأن لعانها لإسقاط الحد، وإنما يجب الحدُّ عليها بلعان الزوج، فلا حاجة بها إلى أن تَلْتَعِنَ قبله، وعن أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله-: أنه يجوز الابتداء بلعانها.
والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 396

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَصِحُّ لِعَانُ الأخْرَسِ (ح) وَقَذْفُهُ* وَعَلَيهِ أَنْ يَكتُبَ مَعَ الإِشَارَةِ لِيُتَبَيَّنَ لَفْظُ الْغَضَبِ وَاللِّعْنِ* أَوْ يُورِدَ عَلَيْهِ نَاطِقٌ فَيُشَيرُ بِالإجَابَةِ* فَإِنْ قَالَ بَعْدَ انْطِلاَقِ اللِّسَانِ: لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ* وَلَوِ اعْتُقِلَ لِسَانُ النَّاطِقِ قَبْلَ اللِّعَانِ وَكَانَ يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَلَى قُرْبٍ أمُهِلَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ* وَالعَاجِزُ عَنِ العَرَبِيَّةِ يَقُومُ في حَقِّهِ تَرْجَمَةُ اللِّعْنِ وَالغَضَبِ وَالشَّهَادَةِ مَقَامَهَا وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانَيْنِ يُعرِّفَانِ القَاضِيَ* وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَرْبَعَةٌ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إن لم يكن للأخرس إشارةٌ مفهومة 180 ولا كتابة، لم يصحَّ قَذْفُهُ ولا لِعَانُه، ولا سائر تصرفاته؛ لتعذُّر الوقوف على ما يريده، وإن كان له إشارةٌ أو كتابة، فيصحُّ قذْفُه ولعانه، وقال أبو حنيفة: لا يَصحَّان حتَّى قال: لو كانَتِ المَرْأة خرساءَ، لم يصحَّ لعان الرجل أيضًا؛ لأنه يُشْترط في اللعان أهليَّة الزوجيْنِ جميعًا، ويَجْرِي الْخِلاَف فيما إذا قَذَف وهُو ناطقٌ ثم خَرس، هل يلاعن؟ لنا: القياس على البَيْع والنِّكاح والطَّلاق وغيرها 181 بل أَوْلَى؛ لأن اللَّعَن مما تَدْعُو الضَّرورة إليه، وليس كالشهادة؛ حيث لا تُقْبل مِنَ الأخْرَس على أظهر الوجْهَيْن؛ لأن المُغلَّب في اللِّعَان معْنَى الأَيْمَان دون الشَّهادات على ما سَبَق، وأيضًا، فإن الشهادة يقوم بها الناطِقُون، فلا ضرورة إلَى أن يتحمَّلها الأخْرَس، واللِّعَان يختَصُّ بالأَزْوَاج، فإذا كان الزَّوْج أخْرَس، لم يكن بُدٌّ من تصحيحه منْه، ثم المفهوم منْ كَلاَم أكثرهم [و] في "الشَّامِل" وغيره تصريحٌ: أنه يَصحُّ منه اللِّعَان [بالإشارة وحدها وبالكتابة وحدها وذكر المتولي أنه إذا لاعن بالإشارة أشار بكلمة الشهادة أربع مرات ثم بكلمة اللعن]، وإن لاَعَنَ بالكتَابَة، فيكتب كلمة الشهادة، وكلمة اللَّعْن، ويشير إلى كَلِمَة الشَّهادة أربع مرات، [ولا يكف أن يكتب أربع مرات] وهذا الطريق الآخر 182 جَمْعٌ بين الإشارة والكتابة، وهو جائزٌ، لكن قضيَّة التصْحِيح بالكتابة المُجَرَّدة تكرير كناية كلمة الشَّهَادة 183. وأمَّا قوله في الكتاب "وعليه أن يَكْتُب مع الإشَارَة؛ ليتبين لفْظ الغَضَب واللَّعْن أو يورد عليه ناطقٌ، فيشير بالإجابة" واعلم أن الإمَام بعْد نقْل المَذْهَب في صحَّة لعان

الجزء: 9 - الصفحة: 397

الأخرس، قال: ويختلج إشْكَالٌ في الصَّدْر في تأدية كلمات اللِّعان سِيَمَا إذا عينا لفظ الشهادة؛ لأن الإشَارَات لا تُرْشِد إلى تفضيل الصِّيغ قال: والَّذي ينقدح في وجْه القياس أنَّ كلَّ مقصود لا يختصُّ بصيغة، فلا يمتنع 184 إقامة الإشَارَةِ مُقَام العبادة، وما يختصُّ بصيغةٍ مخصوصةٍ، فيغمض إعراب الإشَارَة عنها ولو كان في الأَصْحَاب من يَشْترط في الأخْرَس الكتابة، إن كان يُحْسنها أو يشترط 185 من ناطق أن يَنْطق بها، ويشير على الأخرس، فيقول: تشهد هكذا، فيقرره الأخرس بالإجابة كقُرُب بعض القرب، فأما الإشَارَة المجرَّدة، فلا أهتدي إلَى مجرَّد دلالتها عَلَى مخصُوصَة؛ هذا كلام الإمَام، فاء صاحِبُ الكتَاب، وقال: ما تمنَّى الإِمام أن يَكُون في الأَصْحاب مَنْ يقوم به، وحكَاه في "البسيط" عن بعض الأصحاب، وهو كالمُنْفَرد بالقَوْل [به] 186، ولم ينقل عن غيره 187 ولْيُعْلَم؛ لِمَا ذكَرْنا قوْلُه "وعليه أن يكتب مع الإشَارة" بالواو.
وإذا قذف ولاعن بالإشارة ثم عاد نطقه وقال: لم أرِدِ اللِّعان بإشارتي، قبل قوله فيما عليه، حتى يلحقه النَّسَب، ويلزمه الحَدُّ، ولا يُقْبل فيما له حتى لا ترتفع الفرقة، ولا التحريم المؤبَّد، وله أن يُلاَعِن في الحال، لإِسْقَاط الحَدِّ، وله اللِّعان لِنَفْي النَّسَب أيضًا، إذا لم يمض من الزمان ما يَسْقُط فيه حقُّ الَنَّفْي، ولو قال: لم أرد القَذْفَ أصْلاً، لم يُقْبَل قوله؛ لأن إشارته أثْبتَتْ حقًّا لغيره، وإن قَذَف لناطق، لم أعْتُقِل لسانه، وعجز عن الكلام؛ لمرض وغيره، نُظِر؛ إن كان لا يُرْجَى زوال ما به، فهو كالأَخْرَس، وإن كان يُرْجَى، فهل يُنْتَظَر زوالُه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ويُلاَعِن بالإشارة؛ لحصول العَجْز في الحال، وربَّما يموت، فيَلْحَقه نَسَبٌ ليْس منه.
وأشْبَهُهُما: أنه يُنْتَظِر زوالَهُ ولا يغير 188 الحكم بالعوارض الَّتي تَطْرَأ وَتزول، وعلى هذا، فكم يَنْتَظر؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ يَنْتَظِر وإن امتدَّت لمدة.
والثاني: أنَّه لا يزادُ الانْتِظَار عَلَى ثلاَثَة أيَّام؛ لما في التأْخِير منَ الإضْرار

الجزء: 9 - الصفحة: 398

بالمَقْذُوفة، وهذا أَحْسن، وذكر الإِمام أن الأئمة -رحمهم الله- صحَّحوه، وعليه جَرَى صاحب الكتاب، وعلى هذا، فالوَجْه أنْ يقال: إنْ كَانَ يتوقَّع زواله إلى ثلاثة أيَّام، فَينْتَظِر، وإلا، فلا يَنْتَظِر إصلاً.
الثانية: مَنْ لا يُحْسِن العربية أصلاً يلاعن بلسانه، ويراعي ترجمة الشهادة واللعن والغضب، وفيمن يُحْسِنها وجْهان: أحدَهُما: أنه لا يُلاَعن إلا بالعَرَبيَّة؛ لأنَّ الشرع وَرَدَ بها؛ فلا عدول عنها عند القُدْوة، كما في أركان الصَّلاة.
الثاني: يُلاَعن بأيِّ لسان شاء؛ لأنَّ اللِّعَان، إما أن يُغَلَّب فيه معنى الْيَمِين أو الشهادة، وهما باللغات 189 سواءٌ، وهذا أقوى وأظهر، وأجاب كثيرٌ من العراقيين بالأَوَّل، وإذا جرى اللِّعان بغَيْر العربية، فإن كان القاضِي يُحْسن تلْك اللغة، فلا حاجَةَ إلَى المترجم، وُيسْتَحَبُّ أن يحضره أربعة مِمَّنْ يُحْسنها، وإن لم يُحْسِنْها، فلا بُدَّ مِنْ مُتَرجُمَين، وُيكْتَفَى بهما في جانب المرأة؛ فإنها تلاعن لنَفْي الزنا لا لإثباته، وفي جانب الزَّوْج [طريقان أحدهما: أنه على قولين مبنيان على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أم يشترط أربعة؛ لأن لعان الزوج] قول يثبت به الزنا عليها، كما 190 أن الإقرار بالزنا قول يَثْبُتُ به الزنا.
والثاني، وُيرْوَى عن أبي إسحاق، وأبِي الطيِّب بن سلمة: القطع بالاكتفاء بشاهدَيْن؛ لأنه نقْلُ قوْل إلَى القاضي، فصار كسائر الأقْوَال، وهذا أصَحُّ فيما ذكر القاضي الرُّويانيُّ في جَمْع الجوامع، وإذا قيل بالنَّظَر 191 عنه الأُولَى، فالأصحُّ في مسألة الإقْرَار ثبوته برجُلَيْن.
وقوله في الكتاب "فيه خلاف" إن حُمِلَ على الطريقَيْن، فذاك، وإلاَّ فيَجُوز إعْلامه بالواو للطريقة القَاطِعَة.
وقوله، "ولكن لا بدَّ من ترجمانين" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأنَّ عند أبي حنيفة يَكْفِي مترجِمٌ واحدٌ، وسيأتي ذَلِكَ في أدَب القضاء، إن شاء الله تعالى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا التَّغْلِيظُ) فَهُوَ بالزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَالجَمْعِ (أَمَّا الزَّمَانُ) فَبِالتَّأْخِيرِ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ* وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبٌ حَاثٌّ فَيَوْمَ الجُمُعَةِ (وَأَمَّا المَكَانُ) فَأشْرَفُ مَوَاضِعِ البَلَدِ وَهُوَ مَقْصُورَةُ الجَامِعِ* وَفِي مَكَّةَ عِنْدَ المَقَامِ* وَفِي المَدِينَةِ بَيْنَ المِنْبَرِ وَالمَدْفَنِ* وَفِي

الجزء: 9 - الصفحة: 399

بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ* وَفِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الكَنِيسَةُ وَالبَيْعَةُوَفِي المَجوسِيِّ بَيْتُ النِّيرَانِ عَلَى وَجْهٍ وَأَمَّا بَيْتُ الأَصْنَامِ فَلاَ يَأْتِيهِ وَيُغَلَّظُ عَلَى الزِّنْدِيِقِ لِيَنَالَهُ شُؤْمُهُ* وَالحَائِضُ تُلاَعنُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ* وَالمُشْرِكُ الجُنُبُ وَالمُشْرِكَةُ يُلاَعِنَانِ فِي المَسْجِدِ (ح) وَلاَ يؤَاخِذُهُمَا الْقَاضِي بِتَعَبُّدِ الشَّرْعِ (وَأَمَّا الجَمْعُ) فَهُوَ أنْ يَحْضرَ جَمَاعَةٌ وَلاَ تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعَةٍ* وَلاَ يَصِحُّ اللِّعَانُ إِلاَّ فِي مَجْلِسِ الحَاكِم أَوْ في مَجْلِسِ المْحَكَّمِ عَلَى قَوْلٍ* ثُمَّ التَّغْلِيظُ بِالمَكَانِ فِي وُجُوبِهِ قَوْلاَنِ* وَفِي الزَّمَانِ وَالجَمْع طَرِيقَانِ* وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل الثَّانِي: في التغليظات المشْرُوعة في اللِّعان: فمِنْها التَّغليظ بالزَّمان، وذلك بالتأخير إلى ما بَعْد صلاة العصر، فإن اليمين الأئمة حينئذ أغْلَظُ عقوبةً، وفُسِّر قوله تعال ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ [المائدة: 106] الآية بصلاة العصر، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 192 قال: "ثَلاَثةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عذابٌ أَليمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ [مُسْلِمٍ] فَاقْتَطَعَهُ، وَرَجُلٌ حلَفَ [عَلَى يَمِين] 193 بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ" وإن لم يكُنْ طلبٌ حاثُّ، فلْيؤخر إلى يَوْم الجُمُعة، ذكره القَفَّال 194 وغيره، ووُجِّه بما اشتهر عن رَسُول الله 195 -صلى الله عليه وسلم-: "أنَّ في الجُمُعَةِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ" قال كَعْب الأحبار [-رضي الله عنه- عنه -]: "هي الساعة بعد العصر" واعْتُرِض عليه بأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُصَلْي" وَالصَّلاَةِ بَعْدَ صَلاَةِ اَلْعَصْرِ مَكْرُوهَة [فأجاب] بأن العَبْد في الصلاة ما دام يَنْتَظِر الصَّلاة.
ومنها التغليظ بالمَكَان بأن يجري اللعان في أشْرَف مواضع البَلَد، وذكر بمكة بين الركن والمقام، وقد يُقَال: بيْن البيت والمقام، وهما متقاربان، وفي "جَمْع الجَوَامِع" للقاضي الرُّويانيُّ عن القَفَّال: أنه يَحْلِف في الْحَجْر، وبالمدينة عند المِنْبَر، وقوله: "بين المِنْبر والمدفن" فيه كلام يَأْتي في الفَصْل بَعْد هذا، [الفصل] 196 وُيلاَعن [ببيت] 197

الجزء: 9 - الصفحة: 400

المَقْدِس في المَسْجد الأقصى عند 198 الصخرة، وفي سائر البلاد: في المسجد الجامع عنْد المِنْبر، وهو المقصورة.
ومنهم مَنْ لم يعتبر في سائر البلاد مَوْضع المنبر، ويلاعن الحاكم بين أهْل الذمة في المَوْضع الذي يُعَظِّمونه، وهو الكنيسة لليهود، والبَيْعة للنصارى، وهل يأتِي الحاكِم بيْتَ النار في لِعَان المَجُوس؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وبه قال القَفَّال؛ لأنه لم تكن له حرمةٌ وشرف قطٌّ، بخلاف البيعة والكنيسة؛ وعلى هذا، فيلا عن بينهما في المَسْجد أو في مجْلس الحُكْم؟ وأظهرهما: نَعَم؛ لأن المقصود تعظيمُ الوَاقِعة، وزَجْر الكاذب عن الكَذِب، واليمينُ في الموضِعِ الَّذي يعظِّمه الحالف أغلَظُ، ويجوز أن يراعَى اعتقادهم؛ لشبهة الكتاب، كما رُوعِي في قَبُول الجزية، ولا يأتي بيْتَ الأصنام في لِعَان الوثنيِّين؛ لأنه لا أصل له في الحُرْمة، واعتقادُهم غيْرُ مَرْعِيٍّ، بل يلاعن بينهم في مجْلس الحُكْم، وهذا إذا دخَلوا عليْنا بأمانٍ أو هُدْنةٍ، وإذا كان الزوْجُ مسلماً، والمرأة ذمِّيَّةً، لاعن الزوج في المَسْجد، وهي الموضع الذي تُعَظِّمه، فإن قالت: ألاعن في المَسْجد، ورضي به الزوج، جاز، وكذا يجوز أن يتلاعن الذِّمِّيَّان في المَسْجد إلا في المَسْجد الحرام 199. ومنْها التغليظُ بحُضور جماعة من أعيان البَلَد وصلحائه، فإنَّ ذلك أعْظَمُ للأمر، وقد حَضَر اللعانَ على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 200 ابنُ عبَّاس، وابنُ عُمَرَ وسَهْلُ بن سَعْدٍ -رضي الله عنهم- وهم من أحداث الصَّحابة -رضي الله عنهم-، فاسْتَدَلَّ به الشافعيُّ -رضي الله عنه- على أنَّه حَضَر جمْعٌ كثير؛ فإن العادة في الصِّغار ألا يحضروا وحْدَهم، وأقلُّ ما يتأدَّى به هذا التغليظُ أربعةُ نفرٍ؛ فإن الزنا يثْبُت بهذا العَدَد، فيحضرون لإثباته.
ومنها التغليظُ اللفظيُّ، وسيأتي في الدعاوى والبينات، إن شاء الله تعالى.

الجزء: 9 - الصفحة: 401

وهذه التغليظاتُ تجبُ أم تُسْتَحب؟ أما بالمكان ففيه قولان: أحدهما: أنه يَجِب؛ لأن اللعان في عَصْر رسُول لله -صلى الله عليه وسلم- كذلك جَرَى، فأشبه العدَدَ في لفظة الشهادة.
وأصحُّهما: الاستحبابُ كتغليظ اليمين بتعديد أسماء الله تعالى، وفي التغليظ بالزمان والجمع طريقان.
أحدهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بالاستحباب، وطريقة القولَيْن في الزمان أظْهَرُ، والقطع في الجَمْع أظهرُ، وعن ابن القاصِّ: القَطْع بالاستحباب في المكان أيضاً، فيجوز أن يُعْلَم قوله في التغليظ بالمكان "قولان" بالواو، وعند أبي حنيفة: لا تغليظ بالمكان، ولا الزمان، ولا الجَمْع، وربَّما يُحْتَاج إلى إعادة هذه الصُّورة في الدعاوى والبينات، ثم في الفَصْل صُوَرٌ تخلَّلَت في نظْم الكتاب المَسَائِلَ المذْكُورة.
إحداها: مَنْ لا يَنْتَحِل ديناً كالزنادقة، والدهرية، هل يُغَلَّظ على من يلاعن منهم بالوجوه المذكورة فيه وجهان: يوجه أحدهما 201 بأنه لا يعظم بقعة ولا زماناً فلا يؤثر التخصيص في زجره 202. والثاني: يُغَلَّظ عليه؛ لتناله عقوبة اليمين الفاجرة بصفَةِ التَّغْليظ، وشيْء منْها، وقد 203 وَرَد أنَّ اليمين الفاجرةَ تدَعُ الديار بَلاَقِعَ، وهذا كما أنه يُغَلَّظ عليه في أصْل

الجزء: 9 - الصفحة: 402

التحليف بالله -تعالى-، وإن كان لا يُعَظِّم اسم الله تعالى، ولا يَعْرِفه، والتغليظ أظْهَر عند صاحب الكتاب، وبه أجاب هاهنا، والَّذي ذكَره الأكثرون أنه لا يُغَلَّظ عليه بالمكان، ويُلاَعن في مجْلس الحُكْم، وهو المنصوص، وإذا لم يُغَلَّظ بالمكان، ففي الزمان والجَمْعِ أوْلَى، ويُخَالَف التغليظُ بأصل اليمين، فإن الأحكام المتعلِّقة باللِّعان موقوفة على ذلك 204، واستحسن أن يقال في التحليف: قل باللَّه الذي خَلَقك ورَزَقَك، فقد قيل: إن المعطِّل، وإن غلا في الإنكار بلسانه، فإذا رَجَع إلى نفسه وجَدَها مذعنة لخالق مُدَبِّر.
الثانية: الحائض تلاعن علي باب المَسْجد، ويخْرُج الحاكم إلَيْها أو يَبْعث نائباً والمشرك والمُشْركة يُمَكَّنان من المُكْث في المَسْجد واللِّعان فيه في حال الجنابة والحيض، ولا يؤخذان بتفاصيل الأحكام المتعلِّقة بحق الله -تعالى- هذا هو الظاهر، وفيه وجْه مذكور في آخر الباب الخَامِس من "كتاب الصلاة".
الثالثة: اللِّعان يحتاج إلى حضور الحاكم كما مَرَّ، ولو حَكَّمَ فيه الزوجان، فهل يقوم المُحَكَّم مَقَام الحاكم يُبْنَى على جواز التحْكيم في الأموال، إن لم يُجَوَّز في الأموال؛ فهاهنا أَوْلَى، وإن جوَّزناه في الأموال، فهاهنا وجْهان، والفَرْق أنه أمْرٌ خطَر، فاللائق تفويضُه إلى نَظَر القاضي ومنصبه، وأيضاً، فإنَّ الحقَّ فيه يتعلَّق بثالث، وهو الولد فلا يؤثِّر رضاهما في حقِّه، وجزم صاحب "التتمة" بأنه لا يَصحُّ اللعان بالحُكْم، إذا كان هناك ولدٌ إلا أن يكون بالغاً ويرضى 205 بحكمه، وذَكَر أيضاً أن العَبْد إذا قَذَف زوجته وطلبت [الحدّ، ففي تَوَلِّي السيد اللعان خلافٌ مبنيٌّ على أن السَّيِّد، هَلْ يستوفي] 206 الحد من العبد، ويسمع البينة أم لا؟ إن قلنا: نَعَم، تَولَّى اللعان.
وزَوْج الأَمَة إذا قَذَفَها ولاَعَن، هل يَتولَّى سيِّدُها لعانَها؟ فيه هذا الخِلاَف، وإذا عرفت ذلك، أَعْلَمْت قوله في الكتاب "وأما التغليظ فهو بالزمان، والمكان، والجمع" بالحاء، ويجوز إعلامه بالألف أيضاً؛ لأن عن أحمد مثْله، ولفظ "المَقْصُورة" بالواو، لأن في وجْه لا يختص بالمَقْصُورة.
= على أنه لم يسمع منه، وقال ناصح بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عنه، عن أبي هريرة، وأصح من ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير رواية، فذكره مرسلاً أو معضلاً، وروى عبد الرزاق أيضاً عن معمر أخبرني شيخ من بني تميم عن شيخ يقال له أبو سويد سمعت رسول الله يقول: إن اليمين الفاجرة تعقم الرحم، قال عمر: وسمعت غيره يذكر فيه: وتقل العدد، وتدع الديار بلاقع.

الجزء: 9 - الصفحة: 403

وقوله "عند المَقَام" كذلك؛ لما قيل: إنه يَحْلف في الحِجْر، وكذا قوله "ويغلَّظُ على الزنديقِ"، وقوله "يلاعنان في المسجد".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا السُّنَنُ) فَثَلاَثةٌ أَنْ يُخَوِّفَهُمَا القَاضِي بِاللَّهِ فَلَعَلَّهُمَا يَنْزَجِرَانِ* وَأَنْ يَكُونَ عَلَى المِنْبَرِ أَعْنِي القَاضِيَ عَلَى وَجْهٍ* وَالزَّوْجَ عَلَى وَجْهٍ* وَأَنْ يَأْتِيَهُ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ عِنْدَ الخَامِسَةِ فَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيِقُولَ لَهُ صَاحِبُ المَجْلِسِ: اتَّقِ اللَّه فَإنَّهَا مُوجِبَةٌ* وَالمَرْأَةُ تَأْتِيَهَا امْرَأَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَصْل الثالث: في سُنن اللِّعان: منها: أن يخوِّفهما القاضي بالله تعالى، وَيعظَهما، ويخبرَهُما أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، ويقرأَ عليهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا]﴾ الآيةُ، ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- 207 قال للمتلاعنَيْنِ: " حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا [مِنْ] تَائِب؟ " ومِنْهَا: ذكرنا أن بالمدينةِ يُلاَعن عنْد المنبر، وهو لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" وقال في موضع آخر: يلاعن علي المنبر، وروي القطان عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- 208 [فعن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم-] قال: "مَنْ حَلَفَ عند مِنْبَرِي عَلَى يَمِينٍ آثمة، وَلَوْ بِسِوَاكٍ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ".
وعن جابر -رضي الله عنه- أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- 209 قال: "مَنْ حَلَف عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ ثَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، واختلف الأصحاب في أن الملاعن هَلْ يَصْعَدُ المنبر؟ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أصحهما، على ما ذَكَر صاحب "التهذيب": لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لاَعَنَ بيْن العجلانيِّ وامرأته على المِنْبَر.
والثاني، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يَصْعَد؛ لأن الصعود لا يليق بحالهما؛

الجزء: 9 - الصفحة: 404

لأنهما فَاسِقَان أو أحدُهما؛ فَلاَ يستحقان الإكْرَام، والخَبَر محْمُول على أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان على المِنْبَر، وقَدْ تُحْمَلْ "على" "عند".
والثالث، وبه قال أبو إسحاق -رحمه الله-: إنْ كثر القَوْم، صَعِدَ ليراه النَّاس، وإلاَّ، لاعن عنْدَهُ، ولم يَصْعَد؛ لأنه لا حَاجَة إلَيْه وفي كتاب القاضي ابن كج طريقةٌ عن ابن أبي إسحاق قاطعةٌ بأنَّه يَصْعَد، وفي "التتمة": أنا إذا قلْنا إنَّه في المدينة يصعد 210 المنبر، فكذلك في سائر البلاد، وإن قلْنا: لا يصعد، فهل يُلاَعن عند المِنْبَر؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَم، كالمدينة والثاني: أنَّه لا اختصاص في ذلِكَ المَوْضِع، بخلاف تلْك البُقْعَة في المتكلِّمين، فهي على ما وَرَد في 211 الخَبَر "رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاض الْجَنَّةِ" وهذا هو الوجْه الَّذي حكَيْناه في الفَصْل السابق، وإذا وقَفْتَ على ما نقلناه، وتأَمَّلْتَ قوله في الكتاب في الفَصْل المتقدِّم، "والمدينة بيْن المنبر والمَدْفن" عرَفت أن هَذا لا يستمر على قَوْلنا: إنه يصْعد المِنْبر، أما إذا قُلْنا: إنه لا يَصْعد، يلاعن عنْده، فليكن ممَّا يلي المدفن، فيكون بينهما، ويمكن؛ لذلك إعْلاَمُ قوله:.
"بين المنبر والمدفن" بالواو.
وقوله هاهنا "وأن يكون على المنبر" قصد حكايته اللفظ المنقول في قصَّة العجلاني؛ وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- 212 لاَعَنَ بيْن العجلانيِّ وامرأته على المِنْبَر، وأشار إلى الوجْهَيْن لاختلاف الأصحاب في معْنَاه.
ومنها إذا فرغ من الكلمات الأربع، وانْتَهَى إلى كلمة اللَّعن، بالغ القَاضِي في تخْوِيفه وتحذيره وأمر رجُلاً أن يضع يَدَه على فيه، فلَعَلَّه ينْزَجر ويمتنع، وقال له الحاكم أو صاحب مجلسه: اتَّقِ اللَّهَ، فقولك "عَلَيَّ لَعُنَةُ اَللَّهِ" يوجب اللَّعنة، إن كُنْتَ كاذباً وتَضَعُ امرأةٌ [يَدَها] 213 على فم المرأة، إذا انتهت إلى كلمة الغضب، فإن أبَيَا إلا المضيَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 405

لقنهما الكلمة الخامسة، وَرَدَ النَّقْلُ بذلِكَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رواية ابْن عبَّاس -رضي الله عنه-.
ومنها أن يَتَلاَعَنَا عنْ قيام، فتكون المرأة جالسةً عند قيام الرجل، وإذا أرَادَتْ أن تلاعن، قَامَتْ، والغَرَض منه إشهار أمرهما، وأن يراهما النَّاس، ويُقَام الحدُّ على المرأة، وهِيَ جالسةٌ؛ حَذراً من التكشُّف، والله عز وجل أعلم بالصواب.

البَابُ الثَّالِثُ فِي جَوَامِعِ أحْكَامِ اللِّعَانِ وَنَفْيِ الوَلَدِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ:* الفِرَاقُ* وَتَأَبُّدُ الحُرْمَةِ* وَسُقُوطُ الحَدِّ عَنْهُ وَانْتِفَاءُ النَّسَبِ* وَوُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا* وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهَا سُقُوطُ الحَدِّ عَنْهَا فَقَطُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكَرْنا في أولَّ الكتاب أن الوجْه إبدال الباب الثالث بالقِسْم الثاني: وبيَّنَّا أن مقصوده القَوْل في أحكام اللِّعَان، وأحكام نَفْي الولد، واعلم أن كلام الفَصْل قد يولج أكثر 214 مسائل اللِّعَان مِنْ أَوَّل الكتَاب، والمذكور هاهنا كالضَّابط الجامع، ثم لا يَخْلو عن زيادات، والَّذي يفتتح به أحكام اللِّعَان أن الزَّوْج غيْرُ محْمُول على اللِّعَان بعْد القذف، بل إذا امتنع، حُدَّ كالأجنبيِّ إذا قَذَف، ولم يُقم البيِّنَة، لكنه مُكِّن من اللعان؛ للضرورة الداعية إلَيْه على ما تقرَّر، وكذا المرأة غَيْر محمولةٍ على اللعان بعد لعان الرجل، وعند أبي حنيفة: قذف الزوج لا يُوجِب الحَدَّ عليه، ولكنه يوجب اللعان، فإن امتنع، حُبِس حتى يلاعن، واللعان عقوبة هذا القذف دون الحَدِّ قال: وإذا لاَعَنَ، تحبس المرأة إلى أن تُلاَعن، ولا تحد، وكذلك قال أحمد: لا يجبُ علَيْها الحدُّ بلعانه، وعنْه في حبْسِها روايتان، ويتعلَّق بلعان الزَّوْج خمسة أحكام: أحدها: حصول الفِرَاق بيْن الزوجَيْن، واحتج له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 215 قال: "الْمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَداً" ولو لم تَحْصُل الفرقة، كان الاجتماع حاصلاً، وبأن اللعان يَنْفِي النَّسب، ولولا الفُرْقة، لكان الفراش باقياً، والولد للفراش، وهذه الفُرْقة تحصل ظاهراً وباطناً، سواءٌ كان الزوج صادقاً أو كانت هي صادقة [وحكى أبو الفرج 216 وجْهاً أنَّها لا تَحْصُل باطِناً، إذا كانت هي صادقة] 217 وهي فُرْقة فسخ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيث قال: هي فرقةُ طَلاَقٍ.
لنا: أنها تَحْصُل بغَيْر لفظٍ فأشْبَهَت الفرقة بالرضاع والرِّدة [و] قال أبو سعْدٍ

الجزء: 9 - الصفحة: 406

المتولِّي: وتظهر فائدة الخِلاَف فيما إذا عَلَّق طلاق امرأة أُخْرَى بوقُوع الطَّلاق على هَذِه، ولاَعَنَ عَنْ هَذِه.
والثاني: تَأَبُّد التحريم؛ للحديث، وقال أبو حنيفة: لا يتأبَّد التحريم بل لو كَذَّب نفسه، له أن يجدِّد نكاحها، ويروى مثلُه عن أحمد، -رحمه الله-.
والثالث: سُقُوط حَدِّ القذف عن الزوج، وأبو حنيفة يُخَالف فيه؛ لأنه لا يقول بوُجُوب الحد على الزوج حَتَّى يسقط.
والرابع: وُجُوب حدِّ الزنا عليها، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- على ما قدَّمناه.
والخامس: انْتِقَاءُ النَّسب إذا نُفِيَ الوَلَد في اللعان ومن الأصحاب مَنْ يرد أحكام اللعان إلى ثَلاَثةٍ، ويقول: الفرقة في الحال تدْخل في التحريم المُؤَبَّد، وانتفاء النَّسَب تختص بما إذا كان هناك وَلَدٌ ونفاه، فليس ذلك حُكْماً لمُطْلَق اللِّعان، ولا اختلاف في الحقيقة إنَّما هذا شَيْء يَتعلَّق بالضَّبْط والإيراد، ثم هَذه الأحكامُ تَثْبُت بمجرَّد لعان الزَّوْج، ولا يتوقَّف شيْء منها على لعانها، ولا علَى قضاء القاضي، ولا يتعلَّق من هذه الأحكام بإقامة البيِّنة على زناها إلا ربع حد القذف، وإثْبَات حدِّ الزِّنا علَيْها، ولذلك تقول: يجوز للزوج أن يلاعن مع التَّمكُّن من إقامة البينة؛ لأن فيه فوائِدَ لا تَحْصُل بإقامة البيِّنة ثم إذا أرادَتِ المرأة: إسْقاط حَدِّ الزنا عن نَفْسها، فلها اللعان، ولا يتعلَّق بلعانها إلا هَذا الحُكْم، ولو أقام البيِّنة علَى زناها، لم يمكنها دَفْع الحد باللِّعَان؛ لأن اللِّعان حجَّةٌ ضعيفةٌ لا تقاوم البيِّنة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب: "ويتعلق بلعانه خمسة أحكام" بالحاء، والميم، والألف.
أما بالحاء، فلأن عند أبي حنيفة إنَّما يثبت من الأحكام الخمسة في اللِّعان حُكْمان: حُصُول الفُرْقة، وانتفاء النَّسَب، ولا يتعلَّقان بلعان الزَّوْج وحْده، بل يتعلَّقان بلعان الزوجين جميعاً، أو بقضاء القاضي، حتى لو مات أحدُهما بعْدما تلاعنا، وقبل أن يقضي القَاضِي يرثُه الآخر، ولو طَلَّق، وقَع الطلاق، ولكن على القاضِي التَّفْريق بينهما بعْدما يَتَلاعَنَا، ولا يجوز تقريرُهُما علَى النكاح.
وأما بالميم: فلأن عند مالك -رحمه الله-: أحكامُ اللِّعان تَثَبَتْ بلعنهما جميعاً، لا بلعانه وحْده، ولم يعتبر قضاء القَاضِي، وهذا أشْهَر الرِّوَايَتَيْن عنْ أحمد والثانية: اعتبار قَضَاء القَاضِي أيضاً، ويجوز أن يُعْلم قوله "ويتعلَّق بلعانها سقوط الحد عنها" بالحاء، والألف؛ لما بيَّنَّا أنهما لا يقولان بوجوب الحد عليها بلعانه، حتى يقال بسقوطه بلعانها.

الجزء: 9 - الصفحة: 407

قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا حُكْمُ نَفْيِ الوَلَد فَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: (الأَولَى): أَنَّ اللعَانَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِنَ الزَّوْجِ* فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِمَّا لِقُصُورِ المُدَّةِ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ* أَوْ لِطُولِ المَسَافَةِ (ح) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ* أَوْ لِكَوْنِ الزَّوْجِ صَبِيّاً دُونَ عَشْرِ سِنِينَ* أَوْ لِكَوْنِهِ مَمْسُوحاً مَجْبُوبَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَيَيْنِ فَلاَ يَلْحَقُهُ* وَالبَاقِي الأُنْثَيَيْنِ يَلْحَقُةُ الوَلَدُ قَطْعاً* وَكَذَلِكَ الخَصِيُّ البَاقِي الذَّكَرِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِنَّما يُحْتاج إلى نَفْي الوَلَد باللِّعَان إذا لَحِقَه لوْلا اللِّعَان، وذلك عنْد قيام 218 الإمكان، أما إذا لم يُمْكن، فهو منفيٌّ بلا لعان، ولعَدَمِ الإمكان صُوَرٌ منها: أنْ تأتي بالوَلَد لستة أشهر؛ فما دونها منْ وقْت العقد.
ومنها أن تَطُول المسافة بيْنَهما، كالمَشْرقي مع المغربية إلى صُوَرٍ قد ذكرناها منْ قبل، ووراءها صورتان: إحداهما: في أقل زمان إمكان اللحوق من الصغير وجهان: أحدهما: يبتدئ من وقتْ استكماله عَشْر سنين، وإذا أتَتِ امْرأةُ الصبيِّ بولد لسِتَّة أشهر وساعة يفرض 219 فيها الوطء بعد تمام عشر سنين، لحقه، وإن أتت به لِمَا قَبْل ذلك، فهو مَنْفِيٌّ عنْه بلا لعان.
والثاني: أنه يبتدئ زمان الإمكان منْ أوَّل السنة العاشرة، حتى إذا أتَتْ بوَلَد لستة أشهر وساعة منْ أول العاشرة، كان لاحقاً به، وهذا أصحُّ علَى ما ذكَرَهُ الشيخ أبو حامدٍ، وأصحابُه وصاحبُ "التَّهْذيب" والقاضي الرُّويانيُّ -رحمهم الله- وظاهر النص في "المختصر" الأوَّل، ويوافِقُه قوله في الكتاب "أو يكون الزوج صبيَّا دون عشر سنين"، وهذان الوجهان كوجهين ذكرناهما في باب "الحجر" في أن وقْت إمكان الاحتلام وخُروح المنيِّ يدخل بأول السنة العاشرة أو بتمامها أو هما هما؟ وذكرنا هناك وجْهاً آخر: أنَّه يدْخُل بمضيِّ ستة أشهر منَ العَاشِرة، وعلى قِيَاس ذلك الوَجْه إذا ولَدَتْ لرأس العشر، لحقه 220، وحكى الإِمام وجهاً ضعيفاً: أنه يتصور الاحتلام بعْد مضيِّ ستة أشهر من السنة التاسعة، وأن على هذا الوجه: لَوْ أتت بالوَلَد كما طعن في العاشرة، يلحقه، وهذا لم يَجْرِ ذكره في "الحجر"، فحصل في ابتداء حَدِّ اللحوق أربعة أوجُه: عشر سنين وستة أشهر، عشر سنين، تسع سنين وستة أشهر، تسع سنين وإذا حكمنا بثبوت النسب؛ لحصول الإمكان، فلا نحكم بسبب ذلك بالبُلُوغ؛ لأن النَّسَب يثْبُت

الجزء: 9 - الصفحة: 408

بالاحتمال، والبلوغ لا يكْفِي فيه الاحتمال، لكن لو قال: أنا بالغ بالاحتلام، فله اللِّعَان، ولو قال: أنا صَبِيٌّ، لم يصِحَّ لعانه، فإن قال بَعْد ذلك: أنا بالغٌ، وأراد النفْيَ قُبل قوله، ومُكِّن من اللعان، فإن البلوغ لا يُعْرَف إلا منه، وربما حَدَث سببه، قال الإِمام: في كلام الأصْحَابِ ما يَدُلُّ على أنه لا يُقْبَل قوله "أنا بالغ" بعد ما قال: أنا صبيٌّ؛ للتهمة، ويقْرُب من هذا ما أورده صاحب "التتمة": وهو أنه إن لم يَتَّهِمْه الحاكم، حَكَم ببلوغه، ومَكَّنَه من اللعان، وإن اتُّهِم، ترك الأمر موقوفاً إلى أن يُتحقَّق بلوغه.
الثانية: مَنْ لم يَسْلَمْ ذَكَرُهُ وأنثياه، فإما أن يفقدهما جميعاً أو يَفْقِدَ الذَّكَر، دون الأنثيين، أو بالعَكْس.
الحالة الأولَى: إذا كان ممسوحاً فقد الذكر والأنثيين، فظاهر المَذْهب أنه لا يلْحَقُه الوَلَدُ، ولا يحتاج إلى اللِّعَان؛ لأنه لا يُنْزِل، ولم تَجْرِ العادة بأن يُخْلَق لمثله وَلَدٌ، وفيه قول يُحْكَى عن الإصطخريِّ: أنه يلْحَقُه؛ لأن مَعْدِن الماء الصُّلْب، وأنه ينفذ في ثقبه إلى الظَّاهِر، وهما باقيان، وذُكِرَ أن الصيدلانيَّ والقاضي الحُسَيْن أخذا بهذا الجَوَاب.
الثانية: إذا كان مجْبُوب الذَّكَر باقِيَ الأنثيين، فأتَتْ زوجته بولَد، لحقه لبقاء أوْعِيَة المنيِّ، وما فيها من القُوَّة المحيلة للدَّمِ، والذَّكَرُ آلةٌ توصِّلُ الماءَ إلى الرَّحِم بواسطةِ الإيلاج، وقد يُفْرَض وصول الماء بغَيْر إيلاج.
الثالثة: الخَصِيُّ الباقي الذَّكَر، هل يلحقه الولَدُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الوَلَد من المَاءِ، والخصيُّ لا ماء له.
وأظهرهما: نَعَمْ، لأن آلة الجِمَاعِ باقيةٌ، وقدْ يبالغ في الإيلاج، فيَلِد، وينزل ماء رقيقاً، وإدارة الحُكْم على الوطء، وهو السبب الظاهر، أولى من إدارته على الإنْزال الخفيِّ، وعن الفورانيِّ: أنه يراجع أهْل الخبرة، فإن قالوا: إنه لا يُولَدُ له، لم يلْحَقْه الولد، وإلا، لَحِقَه.
واعلم أنه نَصَّ في "المختصر" على أنه إذا كان الزَّوْج مجبوباً، يلحقه الولد إلا أن يَنْفِيَه باللَّعَان.
وفي رواية الربيع: أنه يُنْفَى عنه بلا لعان، واخْتَلَفوا في حال النَّصَّيْن، وفي المراد من المجبوب، فعن أبي إسحاق: حَمْل ما في "المختصر" على ما إذا كان مجبوب الذَّكَرِ باقي الأنثيين، وحَمل ما ذكره الربيع على الممسوح، وعن القاضي أبي حامدٍ: أن في الذكر ثقبتين: إحداهما: للمنيِّ، والأخرى: للبَوْل، فإن انسدَّت التي هي للمنيِّ، لم يُلْحَقِ الوَلَد، وهو المراد من رواية الرَّبيع، وإن لم تَنسَدَّ، لحق، وهو المراد ممَّا في "المختصر".
وقيل: إن بعْض الرواة صحَّف، لفْظَ الشافعيِّ -رضي الله عنه- إذا كان الزَّوْج مجنوناً، يلحقه الولد، ولا يُنْظَر إلى أنه لو كان عاقلاً، كأن يقبله أو ينفيه، فإن لاعن

الجزء: 9 - الصفحة: 409

بعد الإفاقة، انتفى حينئذ، ومنْهُم مَنْ جعلهما قولَيْنِ.
وقال: المراد صورةُ المَمْسوح، ويُمْكن الحَمْل على مقطوع الخِصْيَتَيْنِ السَّلِيمِ الذَّكَر، فقد ذكرنا الخِلاَف فيه.
ولا أثر لِجَبِّ بعْض الذَّكَر إذا كان الباقي قَدْر الحَشَفَة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): اللِّعَانُ عَنِ الحَمْلِ جَائِزٌ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ جَائِزٌ بِمْجَرَّدِ عْرَضِ القَطْعِ دُونَ الوَلَدِ* وَبَعْدَ البَيْنُونَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ مَأَخَذُهُمَا أَنَّ اليَقِينَ هَلْ يُشْتَرَطُ لِلِّعَانِ أَمْ يَجْوزُ بِالظَّنِّ لِخَطَر المَوْتِ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكَرْنا فيما إذا أبان زوْجَتَه ثم قَذَفها، وهناك حَمْل، فأراد أن يلاعن؛ لنَفْيه، طريقَيْن: في أنه هل يُمَكَّن من اللِّعَان؟ أصحُّهما: أن فيه قولَيْن: أظهرهما: أنَّ له ذلك.
والثاني: القَطْع بالمنع، ولْيُعْلَم؛ للطريقة الثانية قوله "وإن كان بعد البينونة، ففيه قولان" بالواو، وأما إذا لاَعَنَ النفي الحمْل في صلْب النكاح، فقد نُقِل فيه طريقان: أحدهما: طَرْد القولين؛ بناء على أن الحَمْل هل يُعْرف؟ وأصحهما: القَطْع بجوازه؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 221 لاعن بيْن هلال بن أمية وزوْجته وكانت حاملاً، ونفى هلال الحَمْل؛ ولأن اللِّعَان في صُلْب النكاح جائزٌ، وإن لم يكن له ولدٌ؛ لسائر الأغراض 222 والفوائد المتعلِّقة به؛ فَلأَنْ يجُوزَ عنْد توَقُّع الولد بظُهُور مخايل الحَمْل، كان أوْلَى، وعن أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: أنه لا يجوز اللِّعَان؟ لنفي الحَمْل، ثم في مذهب أبي حنيفة: أنه إذا كان قَدْ صَرَّح بالقذف، ولاَعَن عن الحَمْل، رُتِّبَ عليه حكْمُه إلا أنَّ الولَد يلْزمه، ولا يُمكن نفيه بعْد الانفصال؛ لأنها تَضَع الحَمْل بعد البينونة، ولا لعان عنْده بعْد البينونة.
وقوله في الكتاب: "لأنه جائِزٌ بمجرَّد غرض القطع دون الولد" يعني غرض قَطْع النكاح، وفي جواز اللعان لمجرَّد قطع النكاح خلافٌ قد مَرَّ، والظاهر منْعُه، فلْيُحْمَل ما ذَكَره على عرضُ القَطْع.
وسائر ثمرات اللعان في صُلْب النكاح، ولفظ التجريد يرجع 223 إلى التجريد عن نَفْي الولد.
وقوله "مأخذهما أن اليقين هل يشترط" إلى آخره معناه أنه يُوجَّه أحد القولَيْن بأن

الجزء: 9 - الصفحة: 410

الحَمْل لا يُتيقَّن، واللِّعَان حجَّة ضروريةٌ، فيشترط فيه يقين 224 الولد.
والثاني: بأنه مظنونٌ إن لم يكن متيقناً، وقد يموتُ الشَّخْص قبل الولادة، فيَبْقَى الولد مُلْحقاً به، فوَجَبَ تجويزه بالظَّنِّ.
فَرْعٌ: لو استَلْحَق الحَمْل، لزمه، ولم يكُنْ له نَفْسُه بعْد ذلك، خلافاً لأحمد، -رحمه الله-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) إِذَا أَتَتْ بتوءمين فَنَفَى أَحَدَهُما لَمْ يَنْتَفِ* وَإِنْ نَفَاهُمَا ثِمَّ اسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا لَحِقَهُ الثَّانِي لأَنَّهُ لاَ يَتَبَعَّضُ وَيُغَلَّبُ جَانِبُ الإِثْبَاتِ* وَلَوْ نَفَى الحَمْلَ فَأَتَتْ بِتَوْءَمَيْنِ انْتَفَيَا* وَلَهُ أَنْ يَنْفِيَ أَوْلاَداً عِدَّةً بلِعَانٍ وَاحِدٍ* وَبَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ المَنْفِيِّيْنِ أُخُوَّةُ الأَمِّ* وَلاَ تَثْبُثُ أُخُوَّةُ الأُمِّ* وَلاَ تَثْبُتُ أُخْوَّةُ الأَبِ عَلَى الصَّحِيحِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتْ زوجته توْءمين، فنَفَى أحدهما دون الثاني، لم يَنْتَفِ واحدٌ منهما، ولو نَفَاهُما، ثم اسْتَلْحَق أحدَهُما، لَحِق الثاني أيضاً؛ لأن الله تعالَى لم يُجْرِ العادة بأن يجتمع في الرَّحِم ولَدٌ من ماء رجُلٍ، وولَدٌ من ماء آخر، فلا يتبعَّض التوءمان لُحوقاً والانتفاءً؛ وإذا تعذَّر التبعيضُ، فيُغَلَّب جانب اللحوق؛ لأن الثُّبوت إلى النَّسَب أسرعُ من الانتفاء؛ ألا ترى أنَّه يلحق بثبوت النسب؛ بالإمكان ولا يُحْكَم بانتفائه؛ بالإمكان، النسب يثبت بالإقرار وبالسُّكوت المُشْعِر بالإقرارِ، والاقتضاءُ لا يحْصُل إلا بمجرِّد النفي، وإذا أتَتْ بولد، فنفاه بعْد الولادة باللِّعان، ثم أتَتْ بولدٍ آخر، فإما أن تَكُونَ المدةُ بين الولدَيْنِ دون ستَّة أشهر أو تكُونَ ستةَ أشْهُرٍ فصاعداً: الحالة الأولى: إذا كان [كُلٌّ] منهما أقَلَّ من ستة أشهر، فهما حمْل واحدٌ، فيُنْظَرُ؛ إن نَفَى الثانِيَ بلعان آخر، انتفى الثاني 225 أيضاً، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ حكايةُ وجهين: في أنه هل يَحْتاج [في] 226 اللعان الثاني ذكْرُ الولد الأوَّل؟ قال: والأصح عندي: أنه لا يحتاج، وهل تَحْتاج المرأة إلى إعَادة اللّعان، إذا كانت قد لاعَنَتْ بعد لعانه الأوَّل؟ قال الشيخ أو عليِّ -رحمه الله-: فيه وجهان كالوجهين فيما إذا أَغْفَل في اللِّعَان ذكْر الولد، وأعاد اللعان لنفيه بَعْد ما التعنت المَرْأة، هل تحتاج إلى إعادة اللعان؟ الأصحُّ المنع، وإن لم يَنْفِ الثاني، بل استحلقه أو سكت مع إمكان النفي، لحقاه جميعاً؛ لأنهما [حمل] 227 واحد، وإذا ثبت أحدهما، ثَبَت الآخر، وإذا لحقاه، والحالةُ هذه، فهل يلْزمه الحدُّ بقذفها؟ نُظِرَ؛ إن استلحق الثانِيَ صريحاً، لزمه كما لو كذب

الجزء: 9 - الصفحة: 411

نفسه، وإن سكت، فلَحِقه لم يلزمْه الحدُّ؛ لأن اللحوق حُكْم الشَّرْع، ولم يأت هو بما يناقض قوله الأول ولو قذفها ثم لاعن 228 عنها في البينونة، وأتت بولد آخر لأقلَّ من ستة أشْهُرٍ، فسواء اسْتَلْحق الثانِيَ صريحاً أو سكَتَ عَنْ نفْيِه، فلحقاه، يلزمه الحَدُّ والفرْقُ أن اللِّعَان بعْد البينونة لا يكون إلا لنَفْي النَّسَب، فإذا لحق النَّسب، لم يبق لِلَّعان حُكْم، فحُدَّ، وفي صلْب النكاح له أحكام وفوائد أُخَر، وتلك الأحكام لا ترتفع بلحوق النَّسَب، فلذلك لا يلزمه الحدُّ، حُكِيَ هذا عن القَفَّال واستحسنه القاضي الرُّويانيُّ، وقال: لم أره لغيره، وقد يقال: اللعان، وإن كان بعد البينونة يُؤَثِّر في تأبيد التحريم على أظْهَر الوجهَيْن، كما تَقدَّم، والتأبُّد لا يرتفع بلحوق النَّسب، فجاز أن يبقى أثر اللعان في سُقُوط الحدِّ أيضاً.
الثانية: إذا كان بينهما ستة أشهُر فصاعداً، فالثاني حَمْل آخر؛ لأن هَذه المدَّة مدَّة الحَمْل، فلو أمكن وقُوعُها بيْن ولدين مِنْ حَمْلِ واحدةٍ؛ لخرجَت عن أن تكون كلَّ مدة الحمل، ثم يُنْظر؛ إن نَفَى الثانِيَ باللعان، انتفى أيضاً، وإن استلْحَقَه أو سكَتَ عن نفيه، لَحِقه، وإن بانَتْ باللعان؛ لاحتمال أنه وطئها بَعْد وضع الأَوَّل فعلقت قبل اللعان، فتكون حاملاً حَالَ حُصُول البينونة، فأشبه ما إذا طَلَّق امرأته ثلاثاً، فأتت بوَلَدٍ لأقل من أرْبَع سنين منْ وقْت الطَّلاق يثبت نسبه؛ لاحْتمال كونها حاملاً يوم الطلاق، ولا، يلزم من لحوق الولد الثاني لُحُوقُ الأول؛ لأنهما حملان [فلا يلحقه الأول] بخلاف ما في الجملة الأَولَى، وما ذكَرْناه من لُحُوق الوَلَد الثاني، إذا لم يَنْفِه، هو الصحيح الذي أوْرَدَه الجُمْهور.
وقال الشيخ أبو إسْحَاق -رحمه الله- في "المهذَّب": إن أتتْ بوَلَدٍ، فنفاه باللِّعَان، ثم أَتَتْ بالولد الثاني لستة أشْهُر من ولادةِ الأوَّل، انتفى الثاني بغَيْر لعان؛ لأنها علقت به بعْد زوال الفراش، وهذا ليْس وجهاً آخر، بل الأشبه أنه سهْو، والتوجيه الذي ذكَرَه ممْنُوع، وجميع ما ذكَرْناه فيما إذا لاَعَن عن الولد المُنْفَصِل ثم أتَتْ بولد آخر، أما إذا لاعن عن الحَمْل، أما في النكاح أو بعد البينونة إذا جوَّزناه، فَوَلَدَتْ ولداً، ثم ولدت آخر، نُظِر؛ إن لم يكن بينهما ستة أشهر، فالثاني منفي أيضاً؛ لأنه لاَعَن عن الحَمْل، والحمْلُ اسم لجميع ما في البَطْن، فالإشارة إلى الحَمْل إشارةٌ إليهما جميعاً، وهو كما لو نَفَى بلعانٍ واحدٍ ولدَيْن أو أولاداً عدةً بعد الانفصال، وإن كان بينهما ستَّة أشهر، فصاعداً، فالأول منفيٌّ باللعان، وينتفي الثاني بلا لِعَان؛ لأن النكاح ارتفع باللعان، وانقضتِ العدة بوضع الولد الأول، وتحقق براءة الرحم، فيكون الثاني حادثاً بعد البينونة

الجزء: 9 - الصفحة: 412

وزوال الفراش، وليس هذا كما إذا بانَتْ زوجته بطلاق أو لعان وغيرهما، وانقضت عدَّتها بالإقراء، ثم أتت بولدٍ لما دون أربع سنين من وقْت البينونة، يلحقه الولد 229 إلا أن ينفيه باللعان؛ لأن هناك إنما يُحْكَم بانقضاء العدة ظاهراً، ومن الجائز أنها قد حاضت على الحَمْل، وكانت حاملاً يوم الإبانة 230 فألحقنا، الولد بالإمكان، وهاهنا نَقْطع ببراءة الرَّحِم بوضع الولد الأوَّل، فيكون الثاني حادثاً بعد البينونة، قال الشيخ أبو حامد -رحمه الله- وكذلك الحُكْم لو طلقها أو مات عنها، فانقضت عدَّتُها بوضح العمل، ثم أتَتْ بولدٍ لستة أشهر، فصاعدًا من يوم الوَضْع [لا] يلحقه الولد الثاني.
قال في "الشامل": ولا ينظر إلى احتمال حدوثه من وطء شبهة؛ لأن ذلك لا يَكْفِي لِلُّحوق، وإن كان محتملاً؛ لأنه بعد البينونة كسائر الأجَانِب، فلا بد من اعترافه بوطَء الشُّبْهة وادعائه الولد، وعن القفَّال: أنه إذ لم يُلاَعِن لنفْيِ الثاني، يلحقه الثاني، كما ذكرنا فيما إذا لاعن عن الولد المنفصل، ثم أتت بالثاني.
قال الرُّويانيُّ -رحمه الله-: وهذا غَلَطٌ، ولم يذكره غيره، وفي "المولَّدات" تفريعاً على ما عُهِدَ في الفصّل: أنه إذا أتتْ زوجته بولَدٍ، فنفاه باللعان، فإذا ألحق الثاني، لَحِق الأول، ولو كان بينهما ستة أشهر فأكثر 231، لحق الثاني دون الأول، ولو نَفَى الحمل، ومات، وولدت ولداً آخر، وبينهما أقل من ستة أشهر ينتفيان جميعاً؛ لأن العمل اسمٌ لجميع ما في البَطْن، وقد نفاه.
وأما قولُهُ "وبين التوءمين" إلى آخره، فإذا أتَتْ بولدَيْن من بطْنٍ واحدٍ، ونفاهما باللعان، فهما أخوان لأم أو أخوان لأب وأم.
فيه وجْهَان، قد أوردناهما في الفرائض: أصحهما: أنهما أخوان لأمِّ لا غير، وقد ذكر في الكتاب المسأَلَة هناك، واقتصر على ذكر الأصحِّ، بم هاهنا تعرَّض للخلاف، ولا يختص الجواب بالتوءمين [المنفيَّيْن] بل يجري في غير التوءمين المنفيين بلعانٍ واحدٍ أو بلعانَيْن، وولدا الزنا يتوارثان بأخُوِّة الأم، وحكَيْنا في الفرائض وجْهاً آخر، وقد ذكر القاضي أبو الطيِّب وغيره أن ذلك الوجْه اختيار الداركيِّ، وقد يُجْمع بين المنفيين باللعان وولدي الزنا، ويقال: في كيفية توارثهما ثلاثة أوجه: الثالث: الفرق بين المنفيين باللعان فيتوارثان بأخوة الأبوين، وبين ولدَيِ الزنا، فيتوارثان بأخوة الأم، والفرق أن المنفيِّ باللعان يعرض اللحوق بأن يكذب نفسه، وولدا الزنا بخلافه، يُحْكَى وجْه الفَرْق عن أبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطَّبَريِّ، -رحمهما الله-.

الجزء: 9 - الصفحة: 413

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا مَاتَ الوَلَدُ فَلَهُ اللِّعَانُ (ح) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلوَلَدِ وَلَدٌ حَيٌّ* وَلَوْ نَفَاهُ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَلْحَقَهُ قَبْلُ وَوَرِثَهُ* وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَى بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ اَسْتَلْحَقَ عَلَى الأَظْهَرِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز نفي الولد باللعان في حَيَاته، يجوز نفيه بعْد موته؛ لأنَّ نسبه لا ينْقَطِع بالموت بل يقال: مات ولد فلان، وهذا قبر 232 ابن فلان، ولأنه يحتاج إلى إسقاط مؤنة التجهيز والدفن، ولا فرق بين أن يخلف الميِّتَ وَلداً؛ بأن كان الرجُل غائباً، فكبر المولودَ، وتزوَّج، ووُلِدَ له، وبين أن لا يُخلِّف.
وعند أبي حنيفة: إن حلَّف ولداً، جاز نفْيُه باللعان، وإلا، فلا، ولو مات أحد التَّوْءَمَيْنِ قبل اللعان، فعندنا: له أن يلاعن وينفي الحي والميت جميعاً، وعنده: إذا مات أحدهما، استحكم نسبهما وبطل 233 النفي، ولو نفى ولداً باللعان، ثم مات فاستلحقه لحقه، وأخذ بالإرث ماله ودينه إن قُتِلَ، سواء خلَّف ولداً أو لم يُخلِّف، وذلك لأن النسب يُحْتَاط لثبوته، والظاهر: أنه لا يلزم نفسه الحدّ، ولا يلحق به غير ولده طمعاً في المال، وعنْد أبي حنيفة: إن خلَّف الميت ولداً، صح استلحاقه، وإلا، فلا، ولو نفاه بعد الموت، ثم عاد واستلحقه فيه وجهان: احدهما: لا يلحقه؛ لأنَّه إذا نفاه بعْد الموت، فقد أسقط الإرْث، ولا رجُوع إلَيه، بخلاف النفْي في الحياة.
وأصحُّهما: اللحوق؛ لأن النَّسَب يُحْتَاط لثبوته، وإذا ثبت النَّسَب، ثبت الإرث، وعلى هذا، فلو قُسِّمت تركته، اتبعت القسمة بالنقض، وقد سب طَرَفٌ من هذا في الفرائض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) حَقُّ نَفْيِ الوَلَدِ عَلَى الفَوْرِ وَيسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى قَوْلٍ* وَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بالاِسْتِلْحَاقِ عَلَى قَوْلٍ* وَيُمْهَلُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلٍ* فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ عَلَى الفَوْرِ فَلَوْ صَبَرَ عِنْدَ الحَمْلِ إِلَى انْفِصَالِ الوَلَدِ جَازَ* وَلَوْ قَالَ عَرَفْتُ الحَمْلَ وَلَكِنِ انْتَظَرْتُ الإِجْهَاضَ جَازَ عَلَي وَجهٍ* وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَسْمَعِ الوِلاَدَةَ إِلاَّ مِنْ فَاجِرٍ فَلَمْ أُصَدِّقْ عُزِّرَ* أَمَّا مِنْ عَدْلَيْنِ فَلاَ* وَمِنْ عَدلٍ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ* وَلَوْ قِيلَ لَهُ: مَتَّعَكَ اللَّهُ بِوَلَدِكَ فَقَالَ: آمِينَ فَهُوَ اسْتِلْحَاقٌ* وَإِنْ قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً أَوْ أَسْمَعَكَ اللَّهُ مَا يَسُرُّكَ فَلاَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أتت امرأتُه بولَدٍ، فأقر بنسبه، لم يكن له النفْيُ بعد ذلك؛ لأن

الجزء: 9 - الصفحة: 414

للمولود حقًّا في النَّسَب، فإذا أقر، فقد التزم تلك الحقوق، ومَنْ أقر بما يُوجب عليه حقًّا من حقوق الآدميين، لم يتمكن من الرجوع عنه، وقد رُويَ عن عُمَر -رضي الله عنه- 234 أنه قال: "إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ"، وإن لم يُقِرَّ بِنَسَبه، وَأَراد نَفْيَهُ فقولان: الجديد: أن حق النفي على الفور؛ لأنه خيارٌ ثَبَت لدفع ضرر متحقَّق، فإذا لم يتأبد، كان على الفور، كالرَّد بالعَيْب.
والثاني: أنه لا يُشْترط وقوعه على الفَوْر؛ لأن أمر النسب خطيرٌ، وقد ورد الوعيد في نفْي مَنْ هو منه، وفي استلحاق مَنْ ليس منه، وقد يَحْتاج فيه إلى نظر وتأمُّل، فوجب أن يكون له مهْلة فيه، وعلى هذا فقولان: أحدهما: أنه يمتد ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأنها مدة قريبة، وفيها مُهْلة النظر والتأمُّل، وقد قدَّر الشرْع بها مُدَداً.
والثاني: أن له النفي متى شاء، ولا يَسْقط إلا بالإسقاط، فهذه ثلاثة أقوال، وقد سبق في الشفعة وخيار العتق نظيرها.
وعن الشَّافعي -رضي الله عنه-: أنه قال في بَعْض كتبه: إذا عَلِمَ به، يعني بالولد، فله نفيه بعد يوم أو يومين، فعن ابن سلمة أن التقدير باليومين قولٌ آخرُ، ولم يثبته سائر الأصحاب قولاً آخر، وقالوا: المراد أو ثلاثاً إذا تقرَّر ذلك، فالفصْل يتضح بصُوَرٍ: إحداها: إذا قلْنا: إن النفي على الفَوْر، فلو أخَره بلا عذر، سقَطَ حقُّه، ولزمه الولد، وإن كان معذوراً بأن لم يجد الحاكم لغيبته أو تعذَّر الوصول إليه، أو بلغه الخبر، فأخَّر، حتى أصبح، أو حضرَتْه الصلاة، فقدَّمها 235، أو أحرز ماله أولاً أو كان جائعاً أو عارياً، فأكل أو لبس أولاً، أو كان محبوساً أو مريضاً أو مُمَرِّضاً، لم يبْطُل حقُّه، ولكن إن أمْكَنَه الإشهاد، فعليه أن يَشْهد أنَّه على النفي، فإن لم يفعل، بَطَل حقه، وذكر ابن الصبَّاغ وغيره أن المريض، إن قَدَر على أن يُنفِذ إلى الحاكم، ويستدعي منه أن يبعث إليه نائباً، ليلاعن عنْده، فلم يفعل، بَطَل حقه، وإن لم يَقْدر، فيشهد حينئذ، وليَطرِدْ

الجزء: 9 - الصفحة: 415

هذا في المحبوس ومن يَطُول 236 عذْره.
وقال الشيخ أبو حامد وجماعة: المريض ومن يلازمه غريمهُ أو يلازم غريمه؛ لخَوْفِه من ضياع ماله لو تركه يبعث إلى الحاكم، ويعلمه أنه على النفي، وإن لم يقدر على ذلك، يُشْهِد، ويمكن أن يجمع بينهما، فيقال: يبعث إلى القاضي، ويُطْلعه على ما هو عليه، ليبعث إليه نائباً أو ليكون عالماً بالحال إن أخر بعث النائب، فإن ذلك أقوى من الإشهاد، وأما الغائب، فإن كان في المَوْضِع الذي غاب إلَيْه قاضٍ فنفى الولد عنْده، فذاك، ففي أمالي وإن أراد تأخيره حتى يرجع أبي الفرج: المنع من ذلك، والذي ذكره صاحب "التهذيب" و"التتمة" جوازه؛ لأن له عذراً ظاهراً فيه، وهو الانتقام منها بإشهار أمرها في قومها وبَلَدِها، وحينئذ، فإن لم يمكنه المسير في الحال لخوف الطريق وغيره، فينبغي أن يُشْهد، وإن أمكنه، فليأخذ في السَّيْر ويشهد، فإن أخَّر السير، بَطَل حقه، أشهد أو لم يُشْهد، وإن أخَذَ في السير، ولم يُشْهد، فكذلك في أصحِّ الوجهَيْن 237، وإن لم يكن هناك قاضٍ، فالحكم كما لو كان، وأراد التأخير إلى بلده وجوَّزناه.
الثانية: الحَمْل، وإن جاز نفيه، يجوز أن يؤخِّر نفيه إلى الوضع، فإن المتوهم حملاً قد يكون رِيحاً، فينفش، فلو صبر إلى أن انفصل الولد، وقال: أخَّرت؛ ليتحقق الحال، فله النفي، وإن قال: عَرَفْت أنه ولد، ولكني أخَّرت طمعاً في أن تُجْهَض؛ فلا احتاج 238 إلى كشف الأمر ورفع الستر ففيه وجهان: أحدهما: أن له النفي؛ لأن الحَمْل لا يتيقن، فلا أثر لقوله: عرفه أنه ولد.
وأظهرهما، وهو المنصوص في "المختصر": أنه يبطل حقُّه؛ لتأخر النفي مع القدرة علَيْه ومعرفة الولد، فصار كما لو سكت عن نفْي الولد المنفصل طَمَعاً في أن يموت.
الثالثة: لو أخَّر النفي، وقال: أخَّرته؛ لأني لم أعْلَم أنها ولَدَت، فإن كان غائباً، قُبِلَ قوله بيمينه.
قال في "الشامل": إلا أن يستفيض وينتشر، وإن كان حاضراً، قُبل قوله في المدَّة التي يحْتَمِل أن يخفي الأمر، ولا يُقْبل في المدة التي لا تحتمل، ويختلف ذلك بين أن يكون في محلة أخرى أو في محلة المرأة وبين أن يكونا في دار واحدة أو دارين أو بيت

الجزء: 9 - الصفحة: 416

أو بيتين، ولو قال: أُخْبرت بالولادة، ولكن لم أصدِّق المخبَر، نُظِرَ؛ إن أَخْبَرَه فاسق أو صبيّ، صُدِّقَ بيمينه، وعُذِرَ، وإن أَخْبَرَه عدْلان، لم يُعْذَر؛ لأنهما مُصدَّقان شرعاً، وإن أخبره عدل واحد أو عبْدٌ ذكراً أو أنثى؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يُصدَّق، وُيعْذَر؛ لأنه أخبره مَنْ لا يثبت بشهادته الحق.
وأظهرهما، وهو المذكور في "التتمة": أنه لا يُصدَّق، ويسقط حقه؛ لأن روايته مقبولة 239، وهذا سبيله سبيل الإخبار، وقد ذكرنا في "الشفعة" نحو ذلك، ولو قال: عرفت الولادة، ولكن لم أعلم أن لي حَقَّ النفي، فإن كان فقيهاً، لم يُقْبل قوله، وإن كان حديثَ العَهْد بالإسلام أو ناشئاً في بادية بعيدَة، قُبِلَ، وإن كان من العَوَامِّ الناشئين في بلاد الإسلام، ففيه وجهان، كما سبق في خيار 240 العِتْق.
الرابعة: إذا هُنِّئ بالولد؛ فقيل له: متَّعَكَ الله بولدك أو جعَلَهُ لك ولداً صالحاً، أو هنئت فارساً؟ نُظِرَ؛ إن أجاب بما يتضمن الإقرار والاستلحاق؛ كقوله "آمين" أو "نعم" أو "استجاب الله دعاءك"، فليس له النفي بعْد ذلك، وإن أجاب بما لا يتضمَّن الإقرار؛ كقوله "جزاك الله خيراً"، أو "بارك عليك"، أو "أسمعك ما يسرك"، أو "رزقك مثله" لم يبْطُل حقه من النفي، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه لا يَتضمَّن الإقرار، والظاهر أنه قصد مكافأة الدعاء بالدعاء، والله أعلم.
فرُوعٌ وصور نختم بها اللعان، بمعونة الله تعالى: إحداها: إذا اختلف الزَّوْجَان بعد قَذْف الزوج إيَّاها، فقالت الزوجة: قَذَفنِي قبل النكاح، فعلَيْكَ الحد ولا لعان، وقال الرجل: بل بعد النكاح، فهو المُصدَّق بيمينه؛ لأنه القاذف، فهو أعلم بوقْت القَذْف؛ ولأنهما لو اختلفا في أصْل القَذْف، كان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في وقْته، ولو اختلفا بعْد حصول الفُرْقة بيْنَهما، فقالت: قذفَتني بعْد ارتفاع النكاح، وقال الزوج: قبل ارتفاع النكاح، فكذلك الجواب، ولو قال: قذفْتُكِ وأنتِ زوجتي، وقالت: ما نكَحْتَني قطُّ، فهي المُصدَّقة بيمينها، ولو قال: قَذَفْتُك وأنْتِ مشركة أو أمَةٌ، وقالت: قذَفْتِنِي وأنا مسْلِمةٌ حرةٌ فإن علم لها حالةُ كُفْر أَوْ

الجزء: 9 - الصفحة: 417

رِقِّ، صُدِّق بيمينه، ولم يلزمه إلا التعزير، وإن لم يُعْلَم لها حالة كُفْر أو رِقٍّ، فالقول قولُها مع يمينها في أصح القولين.
والثاني: أن القول قوله بيمينه 241، ولا يجيء هذا القول في الصورة السابقة، وهي قولها: ما نكحتني أصلاً؛ لأن الزوج إذا قال: قذفْتُكِ وأنتِ مشركةٌ أو أمةٌ، لم يكن مقراً بقذف يوجِبُ الحدَّ، وإذا قال: قذفتك وأنتِ زوجتي، كان مقرًّا بقذف يوجب الحد، لكنه يَدَّعِي ما يتوصَّل به إلى رفع الحد، وهي تنكره، ذكره الشيخ أبو عليٍّ، ولو قال: قَذَفْتُكِ، وأنتِ مجنونةٌ، فهو كما لو قال: وأنتِ أمةٌ، ولو قال: وأنتِ صغيرةٌ وأنْكَرَتْ فالمُصدَّق القاذف بيمينه، ولا يخْفَى أن هذه الصورة لا تختص بالزوجين، وأن الكلام فيما إذا كان كلُّ واحد من الكلامين في محَلِّ الاحتمال، ولو قال لمن قذفه من زوجة وغيرها قذفتك، وكنتُ مجنوناً يوم القذف، وأنكر المقذوف وقوعه في الجنون.
فطريقان: أحدهما: أنه إن عُرِف له جُنُون أو قامت عليه البينة، فقولان في أن المُصدَّق القاذف أو المقذوف؟ والقولان مبنيان عند بعضهم على القولَيْن فيما إذا قَدَّ ملفوفاً بنصفين، واختلف القادُّ ووارث الملفوف في أنه هل كان حيًّا حينئذ، وإن لم يثبت له جنون، فالمُصدَّق المقذوف؛ أخْذاً بأن الظاهر، والغالب السلامة.
والطريق الثاني: أنه، إن ثَبَت له جُنُون، فالمُصدَّق القاذف، وإن لم يَثْبُت فيُصدَّق أيضاً؛ لأن الأصْل براءة الذمة، أو يصدق المقذوف؛ لأن الأصل عدم الجنون؟ فيه قولان، ويخرج من الطريقين ثلاثةُ أقوال: تصديق القاذف مطلقاً، وتصديق المقذوف مطلقاً، والفرق بين أن يُعْهد له جنون؛ فيُصدَّق القاذف أوْ لاَ يُعْهد؛ فيُصدَّق المقذوف، وهو الأصحُّ، ولو قال: قذَفْتُكِ وأنا صبيٌّ، فالصبا كالجنون المعهود، ولو قال: جرى القذف على لساني، وأنا نائم، لم يُقْبَل؛ لبعده، ولو أقام القاذف بَيَّنةً على أن القَذْف كان في الصغر أو الجنون، والمقذوفُ بينةً على أن القَذْف في حالة الكمال، فإن كانت البَيِّنتَان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين [مختلفين] 242 أو إحداهما مطلقةً، والأخرى مؤرخةً، فلا تعَارُض، وهما قذْفَان، وعليه الحد؛ لِمَا وقع منهما في حالة الكمال، وإن كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتأريخ واحدٍ، فهما متعارضتان، وفي صورة التَّعارُضِ أقوالٌ معروفةٌ.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يجري هاهنا القسْمة، ولا الوقف، وحكى عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- قول القرعة، واستبعده، وقال: الوجه القطع بالتهاتر، وحينئذ، فالحكم كما لو لم تكن بيِّنة، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وحيث

الجزء: 9 - الصفحة: 418

صدَّقنا القاذف بيمينه، فلو نكل، وحلف المقذوف، وجَب الحدُّ على القاذف، ويجوز اللعان في الزوجة.
[الثالثة]: إذا صدَّقته المرأة في القذف، واعترفَتْ بالزنا بعْدَما لاَعَنَ الزوْج تأكد لعانه، وحَدُّ القذف مندفع عنْه، وحَدُّ الزنا واجبٌ عليها، فإن كانَتْ قد لاعَنَتْ، فعليها حدُّ الزنا؛ لاعترافها إلا أن ترجع عن الإقرار، وإن صدَّقته قبل لعانه أو في أثناء لعانه، سَقَط عنْه الحدُّ، ووجب عليها حد الزنا، والظاهر أنه لا يُلاعِن بعد ذلك، ولا يتم اللعان، إذا صدَّقته في أثنائه إلا أن يكون هناك ولَدٌ ينفيه، وعند أبي حنيفة: إذا صدقته لم يكن له اللعان، ولزمه الولد؛ لأنه لا يصح منها اللعان مع التصديق، ولا يلزمه الحَدُّ بالاعتراف مرة واحدة، وإذا سقط لعانها، سقط لعانه، وقال الشَّافعي -رضي الله عنه- كيف تَنْفِي ولد العفيفة، وتُلْزمه ولد الزانية المُقرَّة بالزنا.
[الرابعة]: إذا مات أحد الزوجين قَبْل أن يتم لعان الزوج، ورثه الآخر، ثم إن كان المَيِّت الزوْج، استقر نسب الولد، فليس للوارث نفيه، وإن كان الوارث يلحق بإقراره النسب بالمورث، فان الاستلحاق أقوى من النفي؛ ولذلك يجوز الاستلحاق بعد النفي، ولا يجوز العَكْس: وإن ماتَتْ هي، فيجوز له إتمام اللعان، إن كان هناك ولدٌ، وإن لم يكن هناك ولَدٌ، نُظِر؛ إن لم يكن لها وارث غير الزوج؛ بأن كان ابن عمر، وفرَّعنا على الأصح، وهو أن حدَّ القذف يثبت لجميع الورثة، قرب الحد فيرث ويسقط وكذا لو لم يرثها غير الزوج وأولاده منها لأن الولد لا يجوز له أن يستوفي حدَّ القذف من أبيه، وإذا سقط الحد، ولا ولد، فقد مَرَّ أنه لا يجوز اللعان لسائر الأغراض، ولو كان يرثها غيْر الزوج وأولاده، فما يرثه الزوج وأولاده يسقط، ويجيْء الخلاف فيما إذا سَقَط بعْض الحد بِعَفْوِ بعْض الورثة، إن قلنا: يسقط الكل، فكذلك هاهنا، كما لو ورث جميع الحد، وإن قلنا: للباقين المطالبةُ بجميع الحد أو بقِسْطِهم، وطلبوا، فله اللعان للدفع، وفي جواز اللعان قبل المطالبة الخلافُ السابق.
[الخامسة]: عبد قذف امرأته ثم عَتَقَ، فطالبته المرأة، فله اللعان، فان نكل حُدَّ حَدَّ العبيد؛ لأنه وجب عليه في الرق، فلا يتغيَّر الواجب بانتقاله إلى الحرِّيَّة، وكذا لو زنى العبْدُ، ثم عَتَقَ، لا يُحَدُّ إلا حَدَّ العبد، والذمي إذا قَذَفَ أو زنا، ثم نقض العهد، فَسُبِيَ، واسترق، حُدَّ حَدَّ الأحرار، ولو كانت الزوجة أمةً، فنَكَلَتْ عن اللعان، فليس عليها إلا التعزير، وإن لاعن حُدَّتْ حَدَّ الإماء، وإن عَتَقَتْ بعْد القذف، وإن قذف المسلم زوجته الذمية أو الصغيرة أو المجنونة، ثم طلبت الذمية أو طلبتا بعد البلوغ والإفاقة، فإن نَكَل، فعليه التعْزير، وإن لاَعَنَ، ونَكَلَت الذمية، فعليها حدُّ الزنا، وإن نكلت الأُخرَيان، فلا شيْء عليهما.

الجزء: 9 - الصفحة: 419

[السادسة]: وفي "التتمة": أن الملاعن، لَوْ قَتَل الذي نَفَاه، وقلنا: يلزمه القصاص، فاستلْحقه، بحُكْم بثبوت النَّسَبِ وسقوطِ القِصَاص، وأن الذمِّيَ إذا نَفَى ولداً، ثم أسْلَم، لم يتبعه المنْفِيُّ في الإسلام، ولو مات وقسم ميراثه [بين] أقاربه الكفار، ثم استلحقه الذمي الذي أسلم، ثبت نسبه وإسلامه، واسترد المال، وصرف إليه، وأن المنفي باللعان، إذا كان قد وُلِدَ على الفراش الصحيح، لو استلحقه غيره لم يصح كما لو استلحقه قبل أن ينفيه صاحب الفراش؛ لأنه، وإن نفاه، فحق الاستلحاق باقٍ له، فلا يجوز إبطاله علَيْه، ولو كان يْلحَقُه نسبه بالشبهة أو بالنكاح الفاسد، فنفاه، ثم جاء غَيْره، واستلحقه، لَحِقَه؛ لأنه لو نازعه فيه قبل النفي، تسمع دعواه.
[السابعة]: فيما جمع في فتاوى القَفَّال وغيره: أن سقوط حد القذف عن القاذف، وعدم حد الزنا على المقذوف لا يجتمعان إلا في مسألتين: إحداهما: إذا أقام القَاذِف بينة [على زنا المقذوفة، وأقامت هي بينة على] أنَّها عذراء.
والثانية: إذا أقام شاهِدَيْن على إقرار المقذوف بالزنا، وقلنا: الإقرار بالزنا لا يثبت بشاهدَيْن، ففي سقوط الحد عن القاذف وجْهان، والظاهر السُّقُوط، وكان المراد ما سوى صورة التلاعن، فإن الزوجَيْن إذا تلاَعَنَا، اندفع الحدان، ولو أقام البينة على إقرار المقذوف بالزنا، سقط عنْه الحد، رجع المقذوف عن الإقرار، سقَطَ عنْه حدُّ الزنا، ولا يُقْبل رجوعه في حقِّ القاذف، فلا يلزمه الحدُّ، وهذه مسألةْ أخرَى اجتمع فيها سُقُوط حدِّ القذف عن القاذف، وعدم الحد على المقذوف 243. أتت زوجته 244 بولد، وادَّعَت أنها ولَدَتْه على فراشه، وأنكر الزوج، فقَدْ سَبَق أن القول قولُه، وعليها البينة وأنه، إن نكل، فالظاهر أن اليمين تُرَدُّ عليها، وأنها، إن نكَلَتْ، فتنتهي الخصومة نهايتها، وينقطع النسب عنه، أو توقف الأمر إلى أن يبلغ الولد، فيحلف؟ فيه وجهان، ذكر الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- في السلسلة أن هذَيْن الوجهَيْن ينبنيان على الوجهَيْن، فيما إذا ادَّعَى السيد أنَّه جُنِي على العبْد المرهون جنايةً

الجزء: 9 - الصفحة: 420

تُوجب المَالَ، واستحْلَف الجاني، فنكل، ورُدَّت اليمين على الراهن، فنكل، تنتهي الخصومة نهايتها أو ترد على المرتهن لتعلُّق حقه بالعبد؟ وأن الوجهَيْن في هذه المسألة مبنيَّان على وجهَيْن فيما إذا أقرَّ الراهن بان العَبْد المرهون كان قد جَنَى قبل الرَّهْن، وادعاها المجنيُّ عليه، وأنكر المرتهن، فقلنا: إنه يُصدَّق بيمينه، فلم يحلف، وقلنا: ترد اليمين على الراهن، فنكل، فهل تُرَدُّ اليمين على المجنيِّ عليه، وأن الوجهَيْن في هذه المسألة ينبنيان على قولَيْن فيما إذا أوْصَى لأم ولده بعبد فقُبِل قبل قَسامه، ومات السيد قبل القَسَامة، ونكل وارثه عن اليمين، هل تُرَدُّ اليمين على أمِّ الولد؟ وأن القولين في هذه المسألة مبنيان على قولَيْن، في أنَّ مَنْ باع منْ إنْسَان، فأفْلس المشتري، وهي مطلعة، فاختار البائع عين ماله، وتأبرت النخلة، واختلف المتبايعان، فقال المشتري: أبرتها قبل أن فسخت العقد، فالثمرة لي، وقال البائع: بل فسخت قبل التأبير، والثمرة لي، فعرضنا اليمين على المشتري؛ ليُعْمَل بقوله، فنكل، هل ترد اليمين على الغُرَماء؟ وأن القولين في هذه المسألة ينبنيان على قولَيْن، فيما إذا مات، وعليه دين، وأقام الوارث شاهداً واحداً على دَيْن لمورثه على إنسان، ونَكَل عن اليمين مع الشاهد، هل تُرَدُّ اليمينُ على الغريم؟ وهذه سلسلة طَوَّلَها الشيخ، وقد يقال: بناء الوجهين على مسألة على قولَيْن، في أخرى معهود، فأما بناء قولَيْن في مسألة على قولَيْن في أخْرَى، ووجهين في مسألة على وجهَيُن في أخرى، فلا يكاد يترجَّح عَلَى عكسه، والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 421

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل