العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الطَّلاَقَ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي شَرْطَيْنِ، الأَوَّلُ فِي عُمُومِ حُكْمِهِ، وَفِيهِ خَمْسَة أبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ في السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ فِي بَيَانِ البِدْعيِّ): وَهُوَ الطَّلاَقُ المُحَرَّمُ إِيقَاعُهُ، وَلِتَحْرِيمِهِ سَبَبَانِ: (أَحَدُهُمَا): الحَيْضُ فِيمَنْ تَعْتَدُّ بِالحَيْضِ، وَطَلاَقُ الحَائِضِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِدْعِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ العِدَّةِ إِذْ بَقِيَّةُ الحَيْضِ لاَ تُحْتَسَبُ، وَلاَ بِدْعَةَ فِي طَلاَقِ غَيرِ المَمْسُوسَةِ وَلاَ سُنَّةَ.
قال الرَّافِعِيُّ: الآيات الواردة في الطلاق، والأخبارُ المرويَّة فيه غنيَّةٌ؛ لشهرتها عن إيراد التعداد، معتضدة بإجْمَاع أهل الملل أقوى اعتضاداً، وافتتح الشَّافعي -رضي الله1

الجزء: 8 - الصفحة: 479

عنه أبوابَ الطَّلاَق بقوله -تعالى-: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] لأنه تكلم أولاً في البدعي والسنِّيِّ من الطلاق، وهذه الآية أصل مرجوعٌ إليه في هذا الفصْل، على ما ستقف عليه، ويقال: طلَّقَ الرجلُ امرأته تطليقاً "وطَلُقَتْ هي تَطْلُقُ طَلاَقاً فهي طالِقٌ، وطالقَةٌ، وعن الأخفش أنه لا يقال طَلُقَنْ بالضَّمِّ، وفي "ديوان الأدب" أنه: لُغَة، ورَجُل مِطْلاَقٌ وطُلَقَةٌ: كثير الطلاق للنساء، وتفاوت 2 معنى الطلاق في قولهم: ناقةٌ طالِقٌ، أي مرسَلَة ترعى حيث تشاء، وُيطْلَقُ الظبْيُ أي من لا يلوي على شيء وأَطْلَقْتُ الأسيرَ أي خلَّيْته، والناقةَ من عقالها، فطلقت هي، والطليق الَّذي خُلِّيَ عن أسرة، حُبِسَ فلانٌ مطلقاً أي بغَيْر قيد، وبغَيْر طَلْق أي غير مقيَّد، وأطلق يده بالخير وطلقها، ورجل طَلْقُ اليدين أي سَمْحٌ، وفلان طلْق الوَجْه واللسانِ وطليقُهُما.
واعلم أن الطلاق "ينجز تارة، ويُعلق أخرى، والقسمان يشتركان في شروط وأحكام وتختص التعليقات بأحكام، ولا تكاد تنحصر صورها، وأوضاعها فجعل الكتاب على شَطْرين: أحدهما: في الأحكام العامة.
والثاني: في التعليقات خاصَّةً، وذكر منها فنوناً تحصل بها الدُّرية، وهذا التقسيم -وإن لم ينص عليه في هذا الموضع- فهو بيِّنٌ من قوله بعد الشطْر الثاني في التعليقات: ثُمَّ الطَّلاَقُ ينقسِمُ باعتبار إلى جَائِز ومحرَّم وباعتبار آخرَ إلى نَافِدٍ، ولاغٍ وباعتبار ثالثٍ: إلى واحِدٍ، وعَدَدٍ وباعتبارٍ رابع إلى ما يقع في لَفْظه استثناءً وإلى غيره، وباعتبار خامس إلى ما يعتريه الشكُّ وإلى غَيْره، والحاجة تمَسُّ إلى معرفة أحوال هذه الاعتبارات، وأحكامها فعقد الباب الأول؛ لبيان الجائز والمحرم منه.
والثاني: لبيان أركان الطَّلاَق التي هي مناط النافذ ليتبين من اللاغي.
والثالث: لما يعرض فيه من العدد.
والرابع: الاستثناء.
والخامس: الشك.
أما الباب الأول، فقد ترجمه ببدعة الطَّلاَق وسنته، ولم يزل العلماء قديماً وحديثاً يصفون الطلاق [بالبدْعَة والسنَّة] ويقولون: الطلاق ينفذ سنِّياً تارة وبدعيًّا أخرى، وفي معناهما اصطلاحان: أحدهما: أن السني هو الذي لا يَحْرُم إيقاعه والبدعي ما يحرم إيقاعه وعلى هذا فلا قسم سوى السني والبدعي.
والثاني: -وهو المشهور المستعمل- أن السُّنِّي طلاقُ المدخُولِ بها الَّتي ليست

الجزء: 8 - الصفحة: 480

هي بحامل ولا صغيرة ولا آيسة، والبدْعيُّ طلاقُ المَدْخُول بها في حَيْض أو نفاس أو في طهر جامَعها فيه، ولم يَبنْ حمْلُها، وقد يبهم، فقال: البدعي طلاق المحرم إيقاعه في حق الَّتي يصَوِّرُها التحريم؛ وعلى هذا الاصطلاح يستمر ما اشتهر في المذهب أن غير المَمْسُوسة لا بدْعَة في طلاقها ولا سنَّة، وكذا اللَّوَاتي يلتحقن بها؛ وعلى هذا فالطلاق ينقسم إلى سُنِّيٍّ وبدْعيٍّ، وإلى ما ليس بسنِّيِّ ولا بدعيِّ، ثم ذكر الأصحاب أن ما لا يحرم من الطلاق ينْقَسِم إلى: واجب، ومحْبُوب، ومكروه؛ أما الواجب: ففي حق المولى إذا مضَتِ المدَّة ويؤمر بان يفيء أو يطلّق، وعند الشقاق إذا رأى الحَكَمان التفريق، يجبُ التفريق.
وأما المَخبُوب فهو إذا كان يقصِّر في حقها؛ لبغض وغيره، وإذا لم تكن عفيفة، فخاف منها إفْسَاد الفراش.
وأما المكروه؛ فهو الطَّلاق عند الالتئام وسلامة الحال، رُويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَبْغَضُ المُبَاحَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاَقُ" 3. وأما المحرَّم من الطلاق، فلتحريمه سببان 4: أحدها: وقوعه في حال الحَيْض إذا كانت مَمْسوسة، وكانت ممن تعتد بالأقراء، قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي للوقت الَّذي يشرعن في العدة.
رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنَّه قَرَأَ "لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" 5 وتكلموا في أنَّه قراءة أو تفسير،

الجزء: 8 - الصفحة: 481

وقبْلُ الشيْء أوَّلُه ومقدَّمُه، ويقال: كان ذلك في قَبْل الشتاء أي أوَّلِه، ووقع السَّهْم بقبل الهَدَف، وطلَّق ابن عمر -رضي الله عنه- أمرأتَهُ، وهي حائضٌ؛ فسأل عمر -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ فَذَلِكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" 6 والمعنى فيه أن بقية الحَيْض لا يحتسب من العدة، فتطول عليها المدة والانتظار.
وقوله في الكتاب "الحَيْض فيمَنْ تَعْتَدْ بالأقراء" في بعض النسخ بالحيض، والمقصود واحدٌ يعني التي تحيضُ، تتعلَّق عدتها بالحَيْض والطُّهر، ولو لم يذكر هذه اللفظة أصْلاً لجاز؛ فإن الحيض لا يكون إلاَّ لمثل هذه المرأة وقوله: "وَلاَ بِدْعَةَ في طَلاَقِ غَيْرِ المَمْسُوسَةِ وَلاَ سُنَّةَ" وجهه ما قدَّمناه وفي بعض النسخ بدلَ وَلاَ سُنَّةَ والآيسة وهو صحيحٌ أيضاً وقَدْ ذكره 7 من بعْدُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجُوزُ خُلْعُهَا، فَقِيلَ: لأَنَّ ذَلِكَ تَطْوِيلٌ بِرِضَاهَا فَيَجُوزُ الطَّلاَقُ بِرِضَاهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ، وَلاَ يَجُوزُ اخْتِلاَعُ الأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِضَرْورَةِ الافْتِدَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ الطَّلاَقُ بِسُؤَالِهَا، وَيجُوزُ خُلْعُ الأَجْنَبِيِّ، وَكَذَلِكَ يُطَلَّقُ عَلَى المَوْلَى وَإِنْ كَانَ في الحَيْضِ لِلضَّرُورَةِ، وَمَنْ طَلَّقَ فِي حَالِ الحَيْضِ فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تحيضَ ثُمَّ تَطهْر ثُمَّ يُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ لِئَلاَّ يَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلاَقِ، وَتَرَدَّدُوا فِي أنَّهُ هَلْ يُسْتَحبُّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا؟ وَقِيلَ: يُرَاجِعُهَا حَتَّى تَطْهُرَ فَيُطَلِّقَ في الطُّهْرِ الأَوَّلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: الطلاق المحرَّم في حال الحَيْض، وهو الطلاق على غيْر مال، أما إذا = التفسير لا على وجه التلاوة، وقال ابن عبد البرّ: هي قراءة ابن عمر وابن عباس وغيرهما، لكنها شاذة، لكن لصحة إسنادها يحتج بها، وتكون مفسرة لمعنى القراءة المتواترة.

الجزء: 8 - الصفحة: 482

خالع الحائض، أو طلقها على مال، فهو غير مُحَرَّم، واحتج عليه بإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَطْلَقَ الإِذْنَ لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ في الخُلْعِ" 8 عَلى ما بَيَّنَّا في أول "كتاب الخُلْع" من غير بَحْثٍ واستفصال عن حال الزوجة، وليس الحَيْض بأمر نادر الوجود في حقِّ النساء، واختلفوا في المعنى المجوِّز للخُلْع على وجهين: أحدهما: أن المنع إنما كان محافظةً على جانِبِها، لتضررها بتطويل العدة، فإذا اختلعت بنفسها رضيت بتطويل الانتظار.
والثاني: أن بذل المال أشْعَر بقيام الضرورة، أو الحاجة الشديدة إلى الخلاص، وفي مثْل هذه لا يحْسُن الأمر بالتأخير ومراقبة الأوقات، وخرَّجوا على المعنيين صورتَيْن: إحداهما: إذا سألت الطلاق، ورضيَتْ به، من غير مال، فهل يكون بدعيًّا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لرضاها بتطويل العدة.
والثاني: نَعَم؛ لأن تلك الضرورة لم تتحقق، وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] ولا يفرِّق بين أن يكون هناك سؤالٌ أو لا يكون، وهذا أظْهَر، وهو المذكور في "التهذيب".
الثانية: في خُلْع الأجنبي في الحَيْض وجهان؛ لأنه لم يوجد رضاها بالتطويل، ووجدت الضرورة الداعية إلى بَذْل المال، والأظهر -وبه أجاب "القَفَّال"- وهو المذكور في "التتمة": أنَّه لا يجُوز؛ لأنَّه لم يوجد منها الرضا بالتطويل، ولم يوجد منْها بذل المال المُشْعِر بشدة حاجتها إلى الخلاص، وقضية الأظْهَر في الصورتين تعليلُ جواب خلعها، بمعنى ثالث وهو اقتداء صاحبة الواقعة نفسها بالمال لا مُطْلَق الاقتداء، والمولى إذا طولب بالطلاق، فطَلَّق في زمان الحيض ففي "النهاية" و"الوسيط" وغيرهما: أنَّه لا يكون طلاقه بدعيًّا؛ لأنها طالبة له، وراضية له وهو حقٌّ يؤديه عليه؛ لدفع ضرر، وكان يجوز أن يقال هو يدعي؛ لأنه بالإِيذاء والإِضرار أحْوَجَها إلى الطَّلَب، وهو غير ملجأ إلى الطلاق، بل هو يتمكن من أَن يفي إليها، والمطلوبُ أحد الأمرين من الفيئة أو الطلاق، فلا ضرورة له إلى الطلاق في الحَيْض، وأما الذي ذكَره في الكتاب فهُوَ الطلاق على المولى عند امتناعه ولا شَكَّ في أنه لا يكون بدعيًّا، وان وقع في الحيض، وفي "شرح مختصر الجويني" أن الطلاق إذا رآه الحكمان في صورة الشقاق لا يكون

الجزء: 8 - الصفحة: 483

بدعيًّا أيضاً، للحاجة إلى قطع ما بينهما من الشر 9 والفساد.
المسألة الثانية: إذا طلق في الحَيْض طلاقاً بدعَيًّا، استُحِبَّ له أن يراجعها؛ لما مر، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وقال مالك -رحمه الله-: يجب أن يراجعها، وإذا راجعها، فهل له أن يطلِّقها في الطهر التالي لتلك الحيضة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن إضرار التطويل قد ارتفع، ويستعقب الطلاقُ العدَّةَ المحسوبة، وقد روي في قضية ابن عمر -رضي الله عنهما- في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ".
وأظهرهما وهو المذكور في "التتمة": لا؛ لأنه إن وطئها بعْد ما طهرت، كان

الجزء: 8 - الصفحة: 484

الطلاق في ذلك الطهر أيضاً بدعيًّا، وإن لم يطأْها أشْبَهَ أن يكون المقصد من المراجعة مجَرَّدَ الطلاق، وكما يُنْهَى عن النكاح الذي يقصد به الطلاق، يُنْهى التي يَقْصد بها الطلاق، فليمسكْها إلى أن تحيض، وتَطْهُرَ مرَّة أخرى؛ ليتمكن من الاستمتاع في الطهر الأول، ويطلّق 10 في الطهر الثاني، وهذا ما أورده في الرواية المشْهُورة في القصَّة على ما قدَّمناها.
وهل يستحب أن يجامعها في ذلك الطهر على هذا الوجه؟ حُكِيَ فيه تردُّد الأصحاب -رحمهم الله- ليظهر مقصود الرجعة، والأظهر المنع، والاكتفاء بإمكان الاستمتاع، والوجهان في أنه هل يطلِّق بعد الطهر التالي لذلك الحيض؛ كأنَّهما في أنَّه هل يتأدَّى به الاستحباب بتمامه، فأمَّا أصل الإِباحة فما ينبغي أن يكون في حُصُوله خلاَفٌ، وكذا أصل الاستحباب؛ لأنه يندَفِعُ بذلك إضْرار التطويل 11 وليعلَّم قوله في الكتاب "فَيُسْتَحَبُّ أنْ يراجِعَهَا" 12 بالميم؛ لما ذكرنا من مذْهَب مالك -رحمه الله-، وذكر الإِمام أن المراجعة، وإن كانت مستحبة، فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن يقول: تَرْكُ المراجعةِ مكروهٌ 13. فرع: طلقها في الطُّهْرُ، ثم طلَّقها طلقةً ثانية، وقد حاضَتْ.
قال في "التتمة" يبنى على أنَّها، هل تستأنف العدة إن قلنا: نَعَمْ، فهو بدْعيٌّ؛ لأن الإِضرار قائم، وإن قلنا: لا يستانف، فوجهان: أحدهما: أنه بدعي لوقوعه في الحيض.
والثاني: المنع؛ لأن التحريم الإِضرار بالتطويل، ولا إضرار ويجري الوجهان فيما إذا طلقها في الحَيْض، ثم طلقها طلقةً أخْرَى في تلْك الحيضة أو في حيضة أخرى، هل تكون الثانية بدعية، وليُعْلمْ أن الطلاق في النِّفَاس بدعيٌّ، كالطلاق في الحيض؛ لأن المعنى المحرِّمَ شامل 14. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ بِدْعَةَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاَثِ وَلَكِنَّ الأَوْلَى التَّفْرِيقُ حَذَراً مِنَ

الجزء: 8 - الصفحة: 485

النَّدَمِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الحَيْضِ فَهُوَ بِدْعِيٌّ في وَجْهٍ لاقْتِرَانِهِ بِالحَيْضِ وَسُنِّيٌّ مِنْ وَجهٍ لاسْتْعْقَابِهِ الطُّهْر الْمَحْسُوبَ، وَكَذَلِكَ الخِلاَفُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ وَلَكِنْ بِالعَكْسِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ فِي الحَيْضِ لَكِنْ لَوْ دَخَلَتْ وَهِيَ طَاهِرَةٌ يُعَدُّ سُنِّيّاً، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضاً يُعَدُّ بِدْعِيّاً فَيُسْتَحَبُّ المُرَاجَعَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور: احدهما: لا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد، واحتج الأصحابُ بما روي أن عُويمراً العجلانيَّ لمَّا لاَعَنَ عنْد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلاَثاً" 15، ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: ولو كان حراماً لأَنْكرَ عليه، وإن لم يقع الطلاق في تلك الحالة لحصول الفرقة باللِّعَان، لئلا ليأتي بمثله والأولى أن يفرق الطلقات على الأَقْرَاء أو على الأشهر إن لم تكن من ذوات الأقراء، ليتمكن من الرجعة، أو تجديد النكاح إن لحقه ندم، فإن أراد أن يزيد من قرء على طَلْقَة، فرق على الأيام، وعن "شرح التلخيص" وغيره: حكايه وجهين: في أن التفريق، هل هو سُنَّةٌ مع الجزم بان الجَمْع ليس ببدعة؟.
والظاهر المنع ولك أن تقول: مسألة الجَمْع دخيلةٌ في هذا المَوْضِع، ولو أخَّرها إلى أن يفرغ من الكلام في سببي التحريم جميعاً، لكان أحسن.
الثانية: ولو قال: أنتِ طالقٌ مع آخر حيْضِك، أو مع آخر جُزء من أجزاء حيضك فوجهان: أحدهما: أنه يقع بدعياً لاقترانه بالحَيْض.
وأظهرهما أنَّه يقع سنيًّا؛ لاستعقابه الطهر المحسوبَ، والشروع في العدة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ مع آخر جزء من الطهر، ولم يطأْها في ذلك الطهر، فإن قلْنا: الانتقال من الطهر إلى الحيض قُرْء، فهو سنِّيٌّ؛ لمصادفته الطهْر والشروع في العدة عقبيه، وإن لم نجعلْه قرءً انعكس الوجهان السابقان، إن وقع بدعيًّا وهو الأصحُّ، ويُحْكَى عن نصه في "الأم" وعن ابن سُرَيْج: أنه يقع في الصورتين بدعيّاً، أخْذاً بالأغلظ، ولو قال في الصورتين: بدل "مع" في آخر جزء من كذا ففي "التتمة" القطْع بأنه إذا قال: في آخر جزء من الحيض يقعُ بدعيًا وإذا قال في آخر جزء من الطهر، يقع سنيًّا، وخصَّص الخلاف بما إذا كان المستعمل لفظ "مع" ولم يفرق الأكثرون بينهما؛

الجزء: 8 - الصفحة: 486

لأن الوقوع إذا حَصَل مقارناً للجزء الأخير، لم يفترق الحال بيْن أن يعبَّر عنه بهذا أو بهذا؛ وعلى هذا يستمر لفظ الكتاب، فإن المذكور في الصورة الأولى "مع"، وفي الثانية "في".
الثالثة: تعليق الطلاق بالدخول وسائر الصفات ليس ببدعي، وإن اتفق الحيض؛ لأنَّه لا إضرار فيه في الحال، ولكن ينظر إلى وقْت وقوع الطلاق، فإن وجَدَتِ الصِّفَة، وهي طاهرٌ، نفذ سُنِّيًّا، وإن وجدَتْ، وهي حائضٌ، نفذ بدعيًّا حتى يستحب له الرجعة، ويُمْكِن أن يقال: إذا تعلَّقَت الصفة باختياره، أثِمَ 16 بإيقاعه في حالة الحَيْض.
وعن "القَفَّال": أن نفْس التعليق بدْعةٌ؛ لأنه لا يدري الحال، وقت الوقوع فلتحت فلتحترز عما عساه يقع إضراراً ولا ضرورة 17 إلَيْه.
ولو قال لذات الأقراء: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار للسَّنَّة، أو إذا قدم فلان للسُّنَّة، أو قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنْتِ طالقِّ للسُّنَّة، فإن وجد الشرط وهي في حال السُّنَّة، طلِّقَت، وإن وجد، وهي في حال البدعة، لم تُطَلَّق، حتى ينتهي إلى حال السُّنَّة، فحينئذٍ تُطلَّق؛ لأن الطلاق متعلِّق بالأمرين، فلا بدّ من حصولهما، وكذا لو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ للبدعة، فإن دخلت الدَّار في حال البِدْعَة، طُلِّقَت، وإن دخلَتْ في حال السُّنَّة، لم تُطَلَّق، حتى تنتهي إلى حال البِدْعَة.
ولو قال لغير المَدْخُول بها أو غيرها من اللواتي لا ينقسم طلاقُهن إلى السني والبدعي: أنْتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، أو قدم فلان للسُّنَّة، ثم تغيَّر حالُها، فصارَتْ ممَّن ينقسم طلاقها إلى السُّنِّيِّ والبدعِّي، ثم وجد الشرط المعلَّق عليه، فإن وُجِدَ في حال السنة، وقع الطَّلاقُ، وإن وُجِدَ في حال البدعة، لم يقع الطلاق حتى يصير إلى حال السنّة؛ لأن الاعتبار بوقْت وجود الشَّرْط ووقوع الطلاق، لا بوقت التعليق، ولو وجد الشرط قبْل أن يتغير حالُها طُلِّقَتْ لأنَّه لا سنّة في طلاقها.
فرع: إذا علق الطلاق بما يتعلق باختيارها، وأتَتْ به مختارةً فيمكن أن يقال: هو كما إذا طلقها بسؤالها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي: إِمْكَانُ الحَمْلِ): وَالطَّلاَقُ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَوِ

الجزء: 8 - الصفحة: 487

اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ بدْعِيٌّ، فَإِنْ ظَهَرَ كَوْنُهَا حَامِلاً لَمْ يَكُنْ بِدْعِيّاً لأَنَّهُ طَلَّقَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي الحَيْضِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قِيلَ: لاَ يَحْرُمُ لأَنَّ بَقِيَّةَ الحَيْضِ تَدُلُّ عَلَى البرَاءَةِ، وَقِيلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ بِدْعَةَ في خُلْعِهَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لأَنَّ أَمَدَ الحَمْلِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِرِضَاهَا وَالعِدَّةُ حَقُّهَا فَيَجُوزُ أَنْ تَتَأَثَّر بِرِضَاهَا، وَالآيِسَةُ وَالصَّغِيرَة وَغَيْرُ المَمْسُوسَةِ وَالحَامِلُ بِيَقِينٍ لاَ بِدْعَةَ في طَلاَقِهِنَّ أَصْلاً.
قال الرَّافِعِيُّ: فرَّعنا عن الكلام في أحد سببي تحريم الطلاق.
والثاني: إذا جامَع امرأته في طُهْرها، وهي ممن تحبل، ولم يَظْهَرْ حَمْلُها، حَرُم أن يطلِّقها في ذلك الطهر؛ لما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصة ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: "ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسَّهَا؛ ولأنه ربما يندم على الطلاق لو ظهر الحَمْل، فإن الإِنسان قد يطلق الحامل وإذا ندم، فقد لا يتيسر التدارك، فيتضرر الوالد ويتبرأ من الوَلَد؛ ولأَنَّ عدتها لو كانت حاملاً تكون بوضع الحمل، ولو كانت حائلاً تكون بالأقْراء، وربما يلتبس الأمر وتبقى مرتابةً، فلا يتهيأ لها الزوج، واستدخالها ماءه كالوطئ؛ لاحتمال الحَمْل منْه، ولو أتاها على غيْر المأتي، ففيه تردُّد للشيخ أبي عليٍّ، والأصح: أنه يوجب تحريم الطلاق، كما يثبت به النسب، وتجب العدة، وإن ظَهَر بها الحَمْل لم يكن طلاقها بدعياً؛ لأنه إذا طلقها على علْم بالحال ووثوق بالولد، فقد وطَّن نفسه على الفراق مع حصُول الولد وبَعُدَ عروض الندم، ولو وطئها في الحيض، فطهرت ثم طلقها، فوجهان: أحدهما: أنه لا تحرم؛ لأن لبقية الحيض إشعاراً بالبراءة.
وأظهرهما: تحرم -به قال الشيخ أبو علي- وهو المذكور في "التتمة" لاحتمال العلوق في الحيض، وكون البقية مما دفعتْه الطبيعة أولاً وتهيأ للخروج، ولو خالع الممسوسة في الطهر الذي جامعها فيه أو طلقها على مال لم يكن بدعيّاً، كما ذكَرْنا في خُلْع الحائض ويدل عليه قصَّة ثَابتِ بْن قيس؛ فإنه أطلق الإِذن، ولم يستفصل مع أن الطهر والجماع غير بعيد، وأيضاً فأخذ المال يؤكد داعيَةَ الفراق، ويبعد احتمال الندم، وفيه وجه أن الخُلْع حرامٌ هاهنا، كالطلاق مجاناً، بخلاف الطلاق في الحيض؛ فإن المنع هاهنا لرعاية أمر الولد؛ فلا يؤثر رضاها فيه، والمنع هناك؛ لما فيه من تطْوِيلِ العدَّة، فإذا رضِيَتْ أثَّر في ارتفاع المنْع، ويستحب المراجعةُ بعد الطلاق هاهنا، كما ذكَرْنا في السبب الأول، ثم إنْ راجَعَها ووطئها في بقيَّة الطهر، ثم حاضَتْ وطهُرَت، فله أن يطلِّقَها، وإن لم يراجعْها حتَّى انقضى ذلك الطُّهْر أو لم يطأها فيه، فلا ينبغي أن يطلِّق في الطهر الثاني؛ لئلا تكون الرجعة للطلاق، وحكى الحناطي وجْهاً: أنه لا يستحب المراجعة هاهنا؛ ولا 18 يتأكد الاستحبابُ تأكُّده في طلاق الحائض؛ وإذا

الجزء: 8 - الصفحة: 488

عَرَفْتَ ما ذكَرْنا من السببين المحرِّمَين سهُل العلْم بأن الآيسة، والصغيرة؛ وغير الممسوسة، والتي ظهر حملها لا بدعة في طلاقهن أصْلاً؛ أما الآيسة والصغيرة؛ فلأن عدتهما بالأشهر فلا يُعتبر بها طول ولا قصر، وإذا لم يكن لهما حيْض، لم يكن حمل حتى يؤثر المعنى الثاني، [و] 19 أما غير المدخول بها فلا عدَّة عليها، ولا ولد لها، وأما التي ظهر حملها فعدَّتُها بوضْع الحَمْل، ولا تختلف المدَّة في حقِّها، ولا يعرض الندم بسبب الولد، على ما تبين ولا فَرْق بين أن ترى الدم، أو لا تراه ولا إذا رأته بين أن تجْعَلَه حيضاً أو لاتجعلَهُ حيْضاً.
وعن أبي إسحاق: أنها لو كانت ترى الدم، وجعلناه حيْضاً، فقال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، لا يقع عليها الطلاق، حتى تطهر، وعلى هذا: فللحامل حالُ بدعة، كما للحائل، والمشهور الأوَّل، وقد اشتهر في كلام الأصْحَاب أن الأرْبَع المذكوراتِ لا سنَّة في طلاقهن ولا بدعة، وذلك للعبارات السابقات في تفسير السني والبدْعِيِّ، وفي معناها ما ذكر أبو الحسن علي بْن أحمد بْن خيران في مختَصَر له مترجم بـ"اللطيف" أن السني طلاقُ المدخول بها في طُهْر لم يجامعها فيه، وليس هناك حيْضٌ ولا نِفَاس ولا حمل، والبدْعيُّ أن يطلِّقها، وهي حائض أو نفساء أو في طهر جامعها فيه، وربما أفهم كلامهم أنَّهم يعنون بقولهم: لا سُنَّة ولا بدْعَة في طلاقهن: أنه لا يجتمع في طلاقهن حالتا السنة والبدعة، حتى يكون مرة سُنِّيَّاً ومرة بدعيًّا، بل لا يكون طلاقهن إلاَّسنيّاً وعلى هذا يستمر تفيسر السني بالجائز والبدعي بالمحرم، ويغني ذلك عن التفاسير المقيّدة والمطلقة.
وقوله في الكتاب "السَّبَبُ الثَّانِي إِمْكَانُ الحَمْلِ" يبين أنه لا يعتبر خصوص الوَطْء، ولا كونه في الطهر، وإنما المعتبر أن يحدث ما يتوقع منه العمل، فيدخل فيه اسْتِدْخَال الماء، وكذا الوطء في الدبر على الأصَحِّ، كما مر، ولمتأمل أن يقول: لا يعتبر في السبب الأول أيضاً خصوصُ الوقوع في الحيض، وإنما المعتبر أن تطُولَ المدَّة، ولا يستعقب الطلاق كفر عين أوردهما صاحب "التتمة" وغيره.
أحدهما: إذا نكح حاملاً من الزنا، ووطئها وطلقها، فعن ابن الحدَّاد: أنه يكون الطلاق بدعيًّا؛ لأن العدة تقع بعد وضْع العمل، والنقاء من النفاس، ولا يشرع، عقيب الطلاق في العدة.
والثاني: إذا وُطِئَتِ المنكوحة بالشبهة، وحبلت منْه، وطلَّقها زوْجُها، وهي طاهر فالطلاق بدعيٌّ؛ لأنها لا تشرع عقيبه في العدة، وكذا لو لم تَحْبَل، وشرعت في عدة الشبهة فطلقها وقدمنا عدة الشبهة، وفيه وجه آخر: أن الطلاق لا يكون بدعيًّا؛ لأنه لم

الجزء: 8 - الصفحة: 489

يوجَدْ منْه إضرارٌ وتعطيلُ الزمان عليها، وإنما انصرف الزمان إلى حقٍّ واجبٍ عليها، ورد صاحب [التتمة] ترجيح هذَا الوَجْه فيما إذا لم تحْبَل، وترجيح الأول فيما إذا حَبِلَتْ؛ لأن زمان النفاس تعطل عليها، ولا يحسب عن واحدة من العدتين.
وقوله في الكتاب "والحامل بيقين" لفظ "اليقين" محمول على الظن الغالب، وكيف لا، وقد اشتهر الخِلاَفُ في أن الحَمْل هل يعلم، وليعلَّم بالواو ولما حكي عن أبي إسحاق.
فرْعٌ: وطلَّقَها في طهر لم يجامعها فيه، ثم راجَعَها، فله أن يطلِّقها، وعن حكايته القاضي الحسين وجْه بعيدٌ: أنه يكون بدعيّاً؛ لئلا تكون الرجعة للطلاق، وهذا سبب ثالث للتحريم على هذا الوجه (1). فرْعٌ: لا تنقسم الفسوخ إلى سنيَّة وبدعيَّة؛ لأنها مشروعة؛ لدفع مضارَّ نادرةٍ، ولا يليق بِها تكاليف مراقبة الأوقات (2).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْل الثَّانِي في التَّعْلِيقِ بِالسُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ):

وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُولَى):2021

الجزء: 8 - الصفحة: 490

إِذَا قَالَ لِلحَائِضِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلبِدْعةِ طُلِّقَتْ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: للِسُّنَّةِ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَطْهُرَ، وَلَوْ قَالَ للِطَّاهِرِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَإِنْ قَالَ: لِلبِدْعَةِ فَإِذَا جَامَعَهَا أَوْ حَاضَتْ طُلِّقَتْ، وَاللاَّمُ فِيمَا يُنْتَظَرُ لِلتَّأقِيتِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ، بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَاءِ فُلاَنٍ فَإنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ فَيَقَعُ فِي الحَالِ وَإنْ سَخِطَ فُلاَنٌ، فَلَوْ قَالَ: أردتُّ التَّأْقِيتَ يَدينُ بَاطِناً، وَهَل يُقْبَل ظَاهِراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ قَالَ لِصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَمْسوسَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ للِبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَكأَنَّ اللاَّمَ للِتَّعْلِيلِ وَسَقَطَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المُضَافُ إِلَى البِدْعَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا وَتَحِيضَ، وَإِنْ قَالَ: للِسُّنَّةِ يَقَعُ في الحَالِ؟ لأَنَّ السُّنَّةَ طَلاَقٌ لا تَحْرِيمَ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَرْجَمَ الفصل بالتعليق بالسنَّة والبدعة، والمشهور من معنى التعليق ما يقابل التخيير، ولا ينبغي أن يحملى اللفظ عَليْه؛ لأن مسائل الفصل لا تنحصر في التعليقات، بل هي مختلطة، ألا تَرَى أنه إذا قال: أنتِ طالقٌ للبدعة، وهي حائضٌ يقع الطلاق في الحَال؛ ولا يتوقَّف على شيْء وإنَّما المراد تعليق لفظ الطلاق بالسنة أو البدعة، واضافته إليهما، أو أحدهما، ويوضِّحه أن الترجمة في "الوسيط" إضافةُ الطلاق إلى السُّنَّة والبدْعَة تنجيزاً أو تعليقاً، ويشتمل الفصل على مسائل: منْها إذا قال للحائض أو النفساء: أنتِ طالقٌ للبدعة، وقع الطلاق في الحال، وإن قال: للسنة، لم يقَع الطلاق، حتى تطْهر، ولا يتوقَّف على الاغتسال.
وقال أبو حنيفة: إن كان الانقطاع لأَكْثَرِ الحيض، فكذلَكَ وإن كان لما دُونَه، فلا يقع، حتى تغتسل أو تتيمم؛ لفقد الماء، أو يمضي عليه وقت صلاة، ولو وَطِئَهَا في آخِرِ الحيْض، واستدام إلى انقطاع الدَّم لم يقَع الطلاق؛ لاقتران أول الطُّهر بالجماع، وكذا يكون الحكم إذا لم يستدم، إن فرَّعنا على الأظهر؛ وهو أنه إذا وطئ في الحيض ثم طلَّق في الطُّهر الذي يليه، يكُون الطلاَق بدعيّاً، ولو قال للطاهر أنتِ طالقٌ للسنة، فإن لم يجامعْها في ذلك الطهر، وقع في الحال وإن جامَعَها فيه، فلا يقع، حتى تحيض، ثم تطهير، ولو قال لها: أنتِ طالقٌ للبدْعَة، فإن كان قد جامعها في ذلك الطُّهْر، وقَع الطلاق في الحال، وإن لم يجامعها، فكما حاضت طُلِّقت، قال في "التتمة": ويحكم بوقوع الطلاق بظهور أول الدَّم، وإن انقطع قبْل أن يبلغ أقلَّ الحيض، بَانَ أنَّه لم يقَعْ، ويشبه أن يجيْء فيه الخلاف المذكور فيما إذا قال لها: إن حِضْتِ فأنت طالق، أنها تطلَّق برؤية الدم أو لا تطلق إلاَّ إذا مضى أقل الحيْض، ولو جامَعَها قبْل الحيض، فكما غَيَّبَ الحَشَفَة، وقع الطلاق، ووجَب عليه النزع، وإن نزع، وعاد، فهو كابتداء الوطء بعْد الطَّلاق، وإن استدام، ولم ينزع، فإن كان الطلاق رجعيًّا، فلا حد، وإن كان قد علق ثلاث طلقاتٍ،

الجزء: 8 - الصفحة: 491

فكذلك؛ لأن ابتداءه مبَاحٌ، وفيه وجْه: أنه يجِبُ إذا كان عالماً بالتحريم، وهل يجب المهر؟ حكمه حكم ما لو قال إن وطئْتُكِ، فأنت طالقٌ ثلاثاً، فغيب الحشفة، واستدام، وهذه الصورة قد ذكرناها في "الصوم"، وبيَّنا أن الأصحَّ أنه لا مَهْر؛ لأن مهر النكاح يتناول أوَّل هذا الوطء، فلا يجب به شَيْء آخر، وادعى صاحب "العُدَّة" أن ظاهر المذهب الوجُوبُ.
وقوله في الكتاب: "واللام فيما ينتظر للتأْقِيتِ" معناه: أن اللاَّم في قوله "للسُّنَّة" إذا لم يكن الحال حال السُّنة، وفي قوله: "للبِدْعة" إذا لم يكن الحال حال البدعة تحمل على التأقيت؛ لأنهما حالتان منتظرتان يتعاقبان على المرأة تعاقُبَ الأيام والليالي، وتتكرران بتكرر الأسابيع والشهور، فأشبه ما إذا قال: أنت طالِقٌ لرمضان، ومعناه ومفهومه: إذا جاء رمضانٌ فانتِ طالقٌّ، نعم إذا دخل حرف اللام على ما لا يُنْتَظَر مجيئه وذهابه، فهو للتعليل، وذلك مثل أن يقول أنتِ طالقٌ لفلان أو لرضاء فلان، فيقع في الحال رَضِيَ أم سَخِط 22، والمعنى فعلت هذا ليرضى، وعن ابن خيران أن فيما نقل الحناطي: أنه إنما يقع في الحال إذا نوى التعليل، أما إذا طلَّق ولم تكُنْ له نية، فإنما يقع إذا رضِيَ فلان، كما في قوله: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، والمشهور والمنصوص الأول، ونُزِّلَ ذلك منزلة قَوْل القائل: أنْت حُرٌّ، إن شاء الله لوجه الله، وحيث يُحْمَل على التعليل، فلو قال: أردتُّ التأقيت والتعليق، فيقبل في الباطن، ويدين، وهل يقبل في الظاهر؟ فيه وجْهَان، سيأتي نظائِرهما، والأصحُّ المَنْع ولو قال: أنْتِ طالقٌ برضا فلان، أو بِقُدومه، فهو تعليقٌ كقوله: إن رضي [فلان] 23 أو قدم، قاله صاحب "التهذيب" [وحيث] 24 حملنا قولَهُ للسُّنَّة أو للبدعة على الحال المنتظرة، فلو قال: أردتّ الإيقاع في الحال، وقَع؛ فإنَّه غير متهم فيما يُقِرُّ على نفسه، من تغليظ، وهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، وقال: أردتْ الإِيقاع في الحال، وسبَقَ لساني إلى ذكْر الدخول.
وقول القائل: أنتِ طالقٌ لا للسنة، كقوله: للبدْعَة، وقولُه: لا للبدعة، كقوله:

الجزء: 8 - الصفحة: 492

للسنة، وقولُه: أنتِ طالق [سنة] الطلاقِ، أو طلقةً سُنِّيَّة كقوله: أنتِ طالقٌ للسنّة، وقولُه: بدعة الطلاق أو طلقة بدعية: كقوله للبدعة.
ولو قال: إن كان يقع عَلَيْكِ في هذا الوقْت طلاق السنة فأنْتِ طالقٌ، فإن كانت في حال السُّنَّة طُلِّقت، وإلاَّ لم تُطَلَّق لا في الحال؛ ولا إذا سارت في حال السُّنة؛ لأن الشرط لم يحصُلْ، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ للسنة، إذا قدم فلان، وأنت طاهرٌ، إذا قدم وهي طاهر طلِّقَت للسنة، وإلا لم تُطلَّق لا في الحال ولا 25 إذا طَهُرت.
وجميع ما ذكَرْنا فيما إذا كان الخِطَاب مع امرأة يقع في طلاقها السنيُّ والبدعي، أما اللواتي لا ينقسم طلاقُهُن إلى سنِّيٍّ وبدْعِيٍّ، فإذا قال: لصغيرة ممسوسة أو لصغيرة أو كبيرة غير ممسوسة: أنْتِ طالقٌ للسنّة، وقع في الحال ووجه ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لَيْس في طلاقها سنَّةٌ ولا بدعة، والتقريب بعد ذلك من وجهين: أحدهما: أنه يَلْغُو ذكر الوصف بالسنة والبدعة، ويبقى أصل الطلاق.
والثاني: أنَّه إذا لَمْ يكن لها حالتا سنة ولا بدعة ينتظران، لتعاقبهما، كأن اللام للتعليل، وكأنَّه قال: طلقْتُكِ ليكون طلاقي سُنِّيّاً، وإنما يعمل "اللام" على التأقيت فيما يشبه الأوْقَات ذَهَاباً ومجيئاً، وعلى هذا فلو قال: أردتُّ التأقيت، فعلى ما ذكرنا في قَوْله: أنْتِ طالقٌ لرضا فلان.
والثاني: أن السنيَّ طلاقٌ لا تحريم فيه، وأنه كذلك، وهذا مبني على تفسير السني بالجائز، والأول مبني على غيره من التفاسير، ولو قال: أنْتِ طالقٌ للبدعة، فالظاهر أنَّها تُطَلَّق أيضاً؛ لعدم اعتوار الحالين، وعن حكايته الشيخ أبي علي وجْه: أنه تحْمَل اللام على التأقيت، ويُنْتَظَر حالة التحريم بأن تحيض الصغيرةُ، ويدخل بغَيْر الممسوسة، أو تحيض وفي "شرح مختصر" الجُوَيْنيِّ، و"الرقم" للعبادي: أن ابن القَطَّان روي عن أبي حفص بن الوكيل أن الطَّلاق لا يقع؛ لتعلُّقه بصفة لا توجد، فأشْبَه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن صعدت السماء، وهذا يَطَّرِدُ في قوله للسنّة، وقوله للبدعة وليعلَّم قوله في الكتاب "وَقَعَ في الحَالِ" [بالواو؛ لهذا الوَجْه فإن على هذا الوجه لا يقع في الحال ولا من بعْدُ، ويجوز أن يعاد على قولِه في الوجه الثاني "يقع في الحال"] وقوله "وَسَقط قوله" أي فيما يتعلَّق بالوصْف بالسنة والبدعة، وقوله "حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا" يعني غير الممسوسة.
وقوله: "وتَحِيض" أي الصغيرة، أو الوجهان المذكوران متفقان على وُقوع الطلاق

الجزء: 8 - الصفحة: 493

في الحال، إذا قال لها: أنْتِ طالقٌ للسنّة، وإن اختلف التوجيه، والخلاف فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ للبدعة.
ولو صرَّح بالوقت، فقال لها: أنتِ طالقٌ لوقْتِ السنّة أو لوقت البدعة، قال في "البسيط" [إن] لم ينوِ شيئاً، فالظاهر وقُوع الطَّلاق في الحال أيضاً، وإن قال: أردتُّ التأقيت المنتظَرَ، فيحتمل أن يقبل؛ لأن تصريحه بالوقت يكاد يلحقه بالمواقيت، ولا نقل 26 فيه.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ لا للسنّة ولا للبدعة، وقَعَ الطلاق في الحال، أما إذا لم تكُنْ متعرِّضة للسنّة والبدعة، فحَالُهَا ما عَبَّرَ عنْه، وأما إذا كانَتْ متعرِّضة لهما؛ فلأن الوصفَيْن لا ينتفيان 27 فيلغو ذلك، ويبقى أصل الطلاق، وكذا الحُكْم لو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً سنيةً بدعيةً؛ لأن الوصفين لا يجتمعان.
فَرْعٌ: لو قال لها في زمان البدْعَة: أنتِ طالقٌ طلاقاً سُنِّيَّاً، أو في زمان السنة أنتِ طالِقٌ طلاقاً بدعيًّا، ونوى الوقوع في الحال قال في "التتمة": لا يقع الطلاق؛ لأن النية إنما تعمل فيما يحتمله اللفظ، لا فيما يخالفه صريحاً وإذا تنافَيَا نُلْغِي النِّيَّةَ ونعمل باللفظ لأنَّه أقوى ولو قال: أنْتِ طالقٌ الآن طلاقاً سُنِّياً، والحال حال البدعة، يقع الطلاق في الحال، اعتباراً بالإِشَارة إلَى الوَقْت ويلغو اللفظ.
واللَّهُ أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): إِذَا قَالَ للطَّاهِرَة: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً بَعْضُهُنَّ للِسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلبِدْعَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّشْطِيرِ مُطْلَقُهُ فَيَقَعُ فِي الحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ لِتَكْمُلَ في الحَالِ طَلْقَتَيْنِ، وَقَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ لأَنَّ البَعْضَ مُجمَلٌ وَأَقَلُّهُ الوَاحِدُ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ:

الجزء: 8 - الصفحة: 494

أَرَدت فِي الحَالِ ثَلاَثةَ أَنْصَافٍ كَمُلَ الثَّلاَثُ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ وَاحِدَةً في الحَالِ وَثِنْتَيْنِ فِي الاسْتِقْبَالِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَقِيلَ: لاَ يُقْبَل لأَنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضاً بَعِيدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، وهي من ذوات الأقراء، فيُنْظَر إن أطْلَق، ولم يَنْو شيئاً فالنصُّ أنَّه يحمل على التشطير، فتكون حصَّة الحال طلقةً ونصْفَ طلقة، أو بعض الطلاق يُكَمّل، فيقع في الحال طلقتان، فإذا صارت إلى الحالة الأخْرى وقعتِ الطلقة الباقية، ووجْه ذلك بأن الشَّيْء إذا أُضِيف إلى جهتَيْن بلفظ البَعْض لزمت التسوية؛ ألا ترى أنَّه لو قال: هذه الدار بعضها لزَيْدٍ، وبعضها لعَمْرو يحمل إقراره على التشطير، إذا لم تكن له بينة، وذكر المزنيُّ: أنه يقع في الحال طلقةً، وتتأخر الطلقتان إلى الاستقبال؛ لأن لَفْظ البَعْض يقع على القليل والكثير، فالمستيقن وقُوع الواحدة، وجعَل الحناطي والإِمَام هذا وجْهاً في المَذْهَب، ولم يعدُّوه من تفردات المزنيِّ، ومن صار إلَيْه لا يكاد يُسَلِّم مسألة الإِقرار، ويقول يأنه مُجْمَل يرجع إليه فيه، ونقل الحناطي وجهاً ثالثاً: وهو أنه تقع الثلاث في الحال؛ حمْلاً على إيقاع بَعْض من كل طلقة في الحال، وإن قال: أردتُّ إيقاع بَعْضٍ مِنْ كل طلقة في الحال، وقَع الثَّلاَثُ في الحال، وإن قال: أردتُّ التشطير قُبل، ووقع في الحال طلقتان.
[وفي الاستقبال الطلقة الثالثة، وإن قال: أردتُّ في الحال طلقتان]، وفي الاستقبال طلقة قبل، وحكم بمقتضاه، وإن عكس وقال أردتُّ في الحال طلقة وفي الاستقبال طلقتين، فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يقبل؛ لأنَّهُ يُؤَخِّر طلقةً يقتضي الإِطْلاَقُ تعجيلَها، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ إن دخلتِ الدار.
وأصحُّهما -ويُحْكَى عن نصِّه، واختيار أبي إسحاق-: أنه يقبل، ويحكم بموجب قوله؛ لأن اسم البَعْض يقع على القليل والكثير من الأجزاء، وربَّما علل الوجْه الأول بأن تسمية الشيْء بعضاً من الثلاث بَعيد؛ لأن معظم الشَّيْء لا يكاد يُعَبَّر عنه بالبعض، هذا ما ذكره في الكتاب، لكنه موجود فيما إذا قال: أردت طلقتين في الحال، وواحدةً في الاستقبال إلاَّ أنه هناكَ هو مُقِرٌّ علي نفسه بالأغلظ، فلم يُتَّهم، وهذا الخلاف في القبول ظاهراً، ولا خلاف أنه يَدِينُ، قال في "التتمة" وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ندم على ما سبق منْه، وأراد أن يخالِعَها حتَّى تصير إلى الحالة الأخرى، وهي بائن فتخل اليمين، ثم يعود ويتزوجُها وقلْنا؛ الخُلْع طلاقٌ، فإن قلنا: الواقعُ في الحال طلقةٌ، أمكلنه ذلك، وإن قلنا: طلقتان، لم يمكن.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً بعضهن للسنّة، واقتصر عليْه وكانت في حالة السُّنَّة قال في "الشَّامِل" تجيْء على الوجه الأصحِّ وهو القبول، إذا قال أردتُّ طلقةً في الحال، وثنتين في الاستقبال أن لا يقع إلا طلقة، لأن البَعْض ليس عبارة عن النِّصْف، وإنما

الجزء: 8 - الصفحة: 495

حملناه على التشطير عنْد الإِطلاق؛ لأنَّه أضاف إلى الحالين جميعاً فسوينا بينهما، وها هنا لم نضف إلى الحالين.
ولو قال: أنتِ طالقٌ خمساً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، ولم ينْو شيئاً، فعلى الخلاف الذي سيأتي: أن الزيادة على المملوك من الطلاق، تنصرف إلى المملوك أم لا؟ ويتبع 28 اللفظ إن قلنا بالأول يقع في الحال طلقتان، وفي الثاني طلقةٌ تفريعاً على النص، وإن قلنا بالثاني، وهو الأصح تقع الثلاث أخْذاً بالتشطير وبالتكميل.
ولو قال لها أنتِ طالقٌ طلقتَيْنِ، طلقة للسنّة، وطلقة للبدعة [أو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً للسنَّة وطلقة للبدْعَة]، يقع طلقة في الحال، وأخرى في الاستقبال، ويخالف ما إذا قال: طلقة طلقة للسنّة والبدعة، حيث يقع في الحال طلقة، ولا يقع بَعْد ذلك شيء، لأن هنا لم يوقع إلاَّ طلقةً واحدةً، لكن وصفها بوصفين متناقضين فيلغو الوصفان ووقعت الموصوفة.
لو قال: طلقتين للسنّة والبدعة، فوجهان: أحدهما: تقع طلقة في الحال وأخرى في الاستقبال، صَرْفاً لكل صفة إلى طلقة وأصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": أنه تقع الطلقتان في الحال؛ لأن قوله للسنّة والبدعة وصف للطلقتين في الظَّاهر، والطلقتان متناقضتان فتساقطتا، وبقيت الطلقتان، وهذا كما أنه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً للسنَّة والبدْعة، تقع الثلاث في الحال، ولو قال للتي لا ينْقَسِم نكاحُها إلى السنيِّ والبدعيِّ: أنتِ طالق ثلاثاً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، يقع الثلاث في الحال، كما لو وصَف الكُلَّ بالسنّة أو البدعة.
ولو قال: طلقة للسُّنَّة، وطلقة للبدعة، وقَعَتَا في الحال.
وقوله في الكتاب: "إذا قال للطاهرة" للتمثيل لا للتخصيص بالطاهر، بل حكم الطاهر والحائض واحدٌ فيما ذكر، إنما المعتبر أن يكون لها حيْض وطُهْر.
وقوله: " أَرَدتُّ في الحَالِ ثلاثَة أنْصَافٍ" لا يختص الحكم بالأنصاف، بل لو قال: أردتُّ ثلاثَةَ أَثْلاَثٍ أو أرباعٍ، كان الحُكْم كذلك إنما المعتبر أن يريد بعضاً من كل طلقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقْ أَجْمَلَ الطَّلاَقِ وَأَفْضَلَهُ وَأَحْسَنَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: للِسُّنَّةِ فَلاَ يَقَعُ فِي حَالَةِ الحَيْضِ، وَلَوْ قَالَ: أَقْبَح الطَّلاَقِ وَأَسْمَجَهُ فَهُوَ كقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَة، وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً قَبِيحَةً حَسَنَةً أَوْ سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً فَيَلْغُو الوَصْفُ لِتَنَاقُضِهِ وَيَقَعُ أَصْلُ الطَّلاَقِ.

الجزء: 8 - الصفحة: 496

قال الرَّافِعِيُّ: إذا وصَف الطلاق بصفة من صفات المدح بان قال: أنتِ طالقٌ أجْمَلَ الطلاقِ أو أفضلَه [أو] 29 أعدله أو أحسنه أو كمله أو أتمه أو أجوده أو خيَر الطلاق أو أنت طالقٌ للطاعة، ولم ينو شيئاً، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ للسنّة، حتى لا يقَع، إن كان في حال البدعة حتَّى ينتهي إلى حال السنة، وإن نوى شيئاً نُظِرَ؛ إن نوى ما يقتَضِيه الإِطْلاق، فذاك ونيته مؤكّدة، وإن قال أردت طلاق البدعة قبل لأنه من حقها أحْسَن من جهة سوء خُلُقها أو عشرتها، فإن كانت في حال البدعة؛ لأنَّه غَلَّظ على نفسه 30، وإن كانت في حَال السنة لمْ يُقبل في الطاهر، ويدين، وقد يَجيْء خلاف في الظاهر، وإذا وصَف الطلاق بصفة من صفات الذمِّ، فقال: أنتِ طالقٌ أَقبح الطلاق أو أسمجه أو أفضحه أو أفظعه أو أردأه أو أفحشه أو أنتنه، أو أنت طالقٌ شَرَّ الطلاق وما أَشْبَه ذلك، فهو كقوله: أنتِ طالقٌ للبدعة، حتى لا يقع، وإن كانَت في حال السنة حتى تنتهي إلى حال البدعة، وإن قال: أردت قبح الطلاق من جهة حُسْن خلقها وعشرتها أو قال: أردتُّ أن أقبح أحوالها أن تَبِينَ مني، وَقَع في الحال؛ لأنه غَلَّظَ على نفسْه، وإن قال: أردتُّ أن طلاق مثل، هذه في حال السنّة أقبح، فقصدت بقولي "أقبح" أن تطلَّق في حال السنّة، لم يُقبل في الظاهر، ويدين.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ للحرج فهو كقوله أو طلاق الحرج للبدعة، ولو خاطب بهذه ألفاظ الَّتي لا سنّة في طلاقها، ولا بدعة، فهو كما لو قال لها: للسنّة أو للبدعة، وقد مَرَّ، ولو جمع بين صفتي المَدْح والذَّمِّ، فقال: أنْتِ طالقٌ طلقةً حسنةً قبيحةً أو جميلةً

الجزء: 8 - الصفحة: 497

فاحشةً أو سنّية بدعيةً أو للحرج والعدل والمخاطبة، من ذوات الأقراء، وقعت في الحال، كما ذَكّرنا في قوله: للسنّة و"البدعة" وحكُيَ في توجيهه اختلافٌ.
والأظهرَ -وهو المذكور في الكتاب-: أن وجهه أنه وصف الطلاق بصفَتيْن متضادَّتَيْن، فبلْغُو، ويبقى أصْل الطَّلاق، وعن أبي إسحاق، أن الطلاق إنما يقع؛ لأن إحدى الحالَتَيْن حاصلاً لا محالة، والصفة التي هي موجب تلك الحالة واقعةٌ موقعها، فيقع الطلاق موصوفاً بتلك الصفة، ويلغو الصفة الأخرى، ويجيْء أن يقال.: لو لم تكن المرأة متعرِّضة للسنّة والبدعة، فقضية التعليلٍ الأول وقوعُ الطلاق، وقضيةُ التعليلِ الثاني ألاَّ يَقَع، لأن واحدة من الحالتين غيْرُ حاصلة، وذكر الشيخ أبو الفرج في "الأمالي": أنَّه لو فسَّر كل صفة بمعنى فقال: أردتُّ كونَهَا حسنة من حيثُ الوقت، وقبيحة من حيث العَدَدُ، حتَّى تقع الثلاث أو بالعَكْس، فيقبل وإن تأخر الوقُوع؛ لأنُّ ضرر وقُوع العَدَد أكثر من فائدة تأخير الوقوع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَبَانَتْ فَلاَ تَلْحَقُ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي لَحِقَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ عَلَى قَوْلِ عَوْدِ الحِنْثِ، فَإِنْ جَدَّدَ النِّكَاحَ بَعْدَ الطُّهْرَينِ لَمْ يَقَعْ لانْحِلاَلِ اليَمِينِ بِالطُّهْريْنِ قَبْلَ التَّجْدِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا لَحِقَهَا الثَّلاَثُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْرَاءٍ وَقَد شَرعَتْ بالأوْلَى فِي العِدَّةِ، وَهَلْ تُسْتَأْنفُ العِدَّةُ لِلُحُوقِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً وَهِيَ تَحِيضُ، وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ فَيَقَعُ وَاحِدَةً فِي الطُّهْرِ الأَوَّلِ، وَهَلْ يَتَكَرَّرُ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ؟ لأَنَّ القُرْءَ مَا يَدُلُّ عَلَى البَرَاءَةِ وَلاَ دَلاَلَةَ مَعَ الحَمْلِ، وَإِن كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً فَفِي وُقُوع وَاحِدٍ فِي الحَالِ خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّ القُرْءَ طهْرٌ مُحْتَوشٌ بِدَمَيْنِ، أَمْ الانْتِقَالُ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ قُرْءٌ أَيْضاً.
قال الرَّافِعِيُّ: أورد الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- هذه المسألة في خلالَ مَسائِل السُّنة والبدعة، وإن لم يَعْظُمْ تعلقها بها، وصورَتُها أن يقول لزوجته: أنت طالقٌ ثلاثاً في كل قُرْء طلقةً، أو أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً، ولها أحوالٌ ثلاثٌ إحداها: أن تكونَ حائلاً من ذوات الأقراء، فإِمَّا أنْ تكونَ غيْر مدخولٍ بها، أو مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخولٍ بها، نُظِرَ إن كانت حائضاً، لم يقع الطَّلاق على المشهور، وهو المذكور في الكتاب لأن الأقراءَ عنْدنا الأطْهَارْ، وحكى أبو سعد المتولِّي، وغيره أن الشيخ أبا حامد قَال: يقع عليها في الحال طلقة لأنَّها غير مخاطبة بالعِدَّة، فحيضها كطُهْرها، وإن كانت طاهراً 31 وقَعَتْ في الحال طلقة، وتبين بها فلا

الجزء: 8 - الصفحة: 498

تلحقها الثانيةُ والثالثة، فإن جدَّد نكاحها قَبْل الطهر الثاني، ففي وقُوع الطلقة الثانية والثالثة قَوْلا عَوْدِ اليمين والحَنِث، وإن جدَّد النكاح بعْد الطهرين، لم يقَعْ شيء وإن قلْنا: بعود الحنث، لانحلال اليمين بمضي الطُّهْرين، بعد الطهر التي وقعت تلك الطلقة فيه، وإن كان بعْد الدُّخول وقَعَت في كل قرء طلقة، سواء جامَعَها فيه، أو لم يجامْعها وتكونُ الطلقة الواقعةُ سنّيةَ، إن لم يجامعْها، وبدعيةً إن جامَعَها، وتشرع في العدة بالطلْقة الأُولى، وهل يجب استئناف العدة، لِلُحوق الثانية والثالثة، فيه قولان معادان في كتاب "العدة" والأصحُّ: الوجوب.
والثانية: أن تكون حاملاً، فإن كانت لا تَرَى الدَّم على العمل، وقَعَت في الحال طلقة، قال في "التَتمة"، إذا لم تَحِض قطُّ، وبلغَتْ بالحمل مثَلاً، فيكون وقوع الطلاق على وجهَيْن أو قولَيْن، بناءً على أن القُرْء عبارة عن الطُّهْر بين الدمَيْن أو عن الانتقال من الطُّهْر إلى الدم، إن قلْنا بالأول، لم يقَعْ حتى تَضَع، وتطَّهُر من النفاس، وإن قلْنا بالثاني تَقَع؛ لأنَّهُ طُهْر ينتقل منه إلى دم النفاس، وهذا أظْهر، وإذا وقَعَت الطلقة، فإن راجعها قبْل الوضْع وقعت طلقةٌ أخرى إذا طَهُرت من النفاس، وعليها استئناف العدَّة، وطئها بعد المراجعة أو لم يطأْها، بخلاف ما إذا راجَع المطلَّقة، ثم طلَّقها قبل أن يطأها؛ حيْثُ يكفي البناءُ، ولا يجب الاستئناف، على قول؛ لأنَّ الطلقة الثانيةَ: هنَاكَ تقَع في زمان محْسُوب من العدة لولا الرجعة؛ لأن العدة تنقضي بالوَضْع، ونظير ما نحْن فيه ما إذا راجَعَها وأمْسَكَها حتى مضَى الباقي من الأَقْرَاء، ثم طلَّقها، وحينئذٍ يجِبُ الاستئناف بلا خِلاَف، وإن لم يراجعْها، فتنقضي عدَّتها بوَضْع الحَمْل، وتبين ولو جدد نكاحها قبل تمام الأقراء، فيعود قولاً عَوْد الحنثُ واليمين، وإن كانت ترى الدَّم على الحَمْل، فيُبْنَى على الخِلاَف أنَّه حَيْض أم لا، إن لم نجعلْه حَيْضاً فالحُكم كَمَا لو لم تر الدَّم، وتقع في الحال طلْقة، وحكى الحناطي وجْهاً: أنَّا وإن لم نجعلْه حيضاً، فلا يقع الطَّلاق إذا وافَق قوْلُه وقْت الدم حتَّى تطْهُر، فإن جعلْناه حيْضاً، فإن وافق قولُه وقتَ النقاء، وقعتْ في الحال طلقةٌ، وإن وافقت وقت الدم، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد [و] 32 صحَّحه العراقيون أنَّها تقَع أيضاً؛ لأن مدة الحمل لها إلى أن تضع كالقرء الواحد في الدلالة على البراءة والأشبَهُ وَهو الذي ذكره القاضي أبو الطيِّب والحناطي ورجِّحه صاحب "التتمة" وغيره -المَنْعُ إلى أن تطهر؛ لأن القرء الطُّهْر، وهي حائضٌ في ذلك الوقت، وإذا وقعت طلقة، إما في الطهر أو في الحيض، فهل يتكرَّر في الطُّهْر الثاني والثالث، فيه وجْهَانِ، حكاهما الإِمام وصاحب الكتاب.
أحدهما: نعم؛ لأنَّهُ طُهْر وقع بين دمين، كل واحدة منهما حيضة.

الجزء: 8 - الصفحة: 499

أصحهما: المَنْع؛ لأن القرء ما يَدُلُّ على البراءة، ويُعْتد به عن العدة، وهذا المعنى لا يتحقَّق مع الحَمْل، ومنهم من قَطَع بهذا الوجه الثاني والثالث إذا كانت صغيرةً لم تحِضْ قطٌّ، فيبنى حكم الطلاق على أن القرء طُهْر يحتوشه دَمَان، أو هو الانتقال من الطُّهْر إلى الحيض، وقد يُقَال: هو مجَّرَّد الانتقال، وفيه خِلافٌ يذكر في موضعه، فإن قلنا بالأول، فلا تُطَلَّق حتى تحيض، ثم تطْهُرَ، ولا يؤمر الزَّوْج باجتنابها في الحال، وإن قلنا بالثاني، فالذي أطلقه العراقيون وصاحب "التهذيب" وغيرهم -رحمهم الله- أنَّه: يقع عليها في الحال طلقة وفي "التتمة": أنهُ يؤْمَر الزَّوْج باجتنابها؛ لأن الظاهر أنها ترى الدَّمَ، فإن رأته، بان وقوع الطلاق، وإن ماتَتْ ولم تره، ماتَتْ على النكاح، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسيّ في "الأمالي" فقال إذا رأتِ الدَّمَ تَبَيَّنَ وقوع الطلاق يوم التلفظ، وإذا حكَمْنا بأنَّه وقعَتْ طلقةً، فلو لم تحِضْ، ولم يراجعْها الزوج، حتى مضت ثلاثةُ أشهر حَصَلَت البينونة، فإن نكَحَها بعْد ذلك ورأتِ الدَّم، فيعود الخلافُ في عَوْد اليمين والحَنِث، فإن رأت الدم قَبْل مضيِّ ثلاثة أشهر، تكرَّر الطلاق بتكرر الأطهار، وعن صاحب "التقريب" وجْه غريب: أن الأقراء في الصغيرة محمولةٌ على الأشهر؛ لأنَّها بدل الأقراء في حقِّها شرعاً، والآيسة التي انقطع حيْضُها، كالصغيرة، ففي وقوع الطلاق عليها الخلافُ، قال أبو الفرج إن قلْنا: إن القرء عبارةٌ عن الانتقال يقَع في الحال؛ لأنها في طُهْر انتقلت إلَيْه من الحيض، وإن قلنا: عبارةٌ عن طُهْر يحتوشه دمَان، فلا يقع، فإن حاضَت من بعْدُ على ندور تبيَّن الوقوع، والأظهر عند الأئمة في الصغيرة والآيسة الوقُوعُ.
ولو قال لزوجته: أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً للسنّة، فهُو كما لو لم يقل للسنّة في أكثر الأحكام والأحوال، نَعَم، ذات الأقراء إذا كانَتْ طاهراً، أو كان قد جامَعَها في ذلك الطُّهْر يتأخر وقُوع الطلاق إلى أن تحيض، ثم تطهر.
ولو قال: أنتِ طالقٌ في كل طُهْر طلقةً، وكانت حاملاً، لا ترى الدَّم أو كانت تراه ولا تجعله حيضاً تقَعُ في الحال طلقةٌ، سواءٌ كانت ترى الدَّم، في تلك الحالة أو كانَتْ لا تراه، ولا يتكرر بتكرر الانقطاعات، وإن كانت ترى الدم وجعلْناه حَيْضاً، فإن كانَتْ في حالة رُؤْية الدَّم، لم يقع حتى تطهر وإن كانت في حالة الطُّهْر وقع في الحال ويتكرَّر بتكرُّر الأطهار.
وقوله في الكتاب "وإن كانَتْ حاملاً وَهِيَ تَحِيضُ وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ" يريد "وهي ترى الدم"، وقد أبدل بذلك في بعض النسخ، وقوله "إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً" يريد التي لم تحض بالغةً كانت أو لم تكُنْ، والتي لا تحيض في مبدأ الأمر تكون صغيرةً غالباً، فيعبر عنها بالصغيرة.

الجزء: 8 - الصفحة: 500

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً لِلسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ التَّفْرِيقَ عَلَى الأَقْرَاءِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ لاَ سُنَّةَ عِنْدَنَا فِي التَّفْرِيقِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ فُسِّرَ بِالتَّفْرِيقِ فَهَلْ يَدِينُ فِيهِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُحْوِجُ إِلَى زِيَادَةِ تَفْسِيرٍ، أَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى التُّخْصِيصِ فَيَدِينُ، وَهَلْ يُقْبَلُ ظَاهِراً؟ فِيهِ خِلاَفٌ كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ ثُمَّ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَأَرَادَ البَعْضَ، أمَّا إِذَا ظَهَرَتْ قَرِينَةْ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا لَوْ عَنَى بِنيَّتِهِ نِكَاحَ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الحَاضِرَةَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ يَحُلُّ وَثَاقاً عنها فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتِ زَيداً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُّ شَهْراً يُقْبَلُ لأَنَّهُ كَتَخْصِيصِ عُمُومٍ، وَالحَاصِلُ أَنَّهُ يَدِينُ فِي كُلِّ احْتِمَالِ وَإنْ بَعُدَ وَإنَّمَا يُقْبَلُ فِي الظَّاهِرِ إِذَا ظَهَرَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ أَوْ شَهِدَ لَهُ قَرِيَنَة.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته أنتِ طالقٌ ثلاثاً للسُّنَّة ثم قال: نويت تفريق الثلاثِ على الأقراء، لم يُقْبَل قوله في الظَّاهر؛ لأن اللفظ يقتضي وُقُوع الكُلِّ في الحال، إن كانَت طاهراً، والوقوع كما طهرت إن كانت في الحال حائضاً، ولا سُنَّة في التفريق على ما تقدَّم، وليس في اللفظ إشْعَار بما يبديه.
قال في "التتمة": إلاَّ أنَّه إذا كان الرَّجُل ممَّن يعتقد تحريم الجمع في قرء واحد، فيُقْبَل قولُه في الظاهر؛ لأن تفسيره يستمر على اعتقاده، وحكى الحناطي وجْهاً مطلقاً: أنه يقبل [قوله] في الظاهر، والمنصُوص المشهور الأَوَّلُ، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، ولم يقُلْ: للسُّنَّة ثمَّ فسَّر بالتفريق على الأقراء، فكذلك لا يقبل في الظَّاهر؛ لأنَّه يؤخر ما يقتضي اللفظ تنجيزه، وفي الصورتين: هل يَدِينُ، ونَقْبَل قوله في البَاطِن فيه وجهان نقلهما الإِمام وغيره: أصحُّهما: وهو المنصوص أنه يَدِينُ 33؛ لأنَّه لو وصَل باللفظ ما يدعيه لانتظم.

الجزء: 8 - الصفحة: 501

والثاني: المَنْع؛ لأن اللفظ بمجرده لا يصْلُح لما يدعيه، ومجرَّد النية لا يعمل ومعنى التدين مع نفي القبولِ ظاهراً أن يقال للمرأة: أنْتِ بائنٌ بثلاث في ظاهر الحكم، وليس لَكِ مطاوعتُه إلاَّ إذا علمْتِ صدْقه، أو غلب على ظنِّكِ بقرينة أو أمارة، ويقال للرجل: لا نمكنك من تتبعها ولك أن تتبعها والطلب فيما بينك وبين الله -تعالى-، وتحِلُّ لك إذا راجَعْتَها، وهذا هو المراد بما بما يروى عن الشافعيَّ -رضي الله عنه- رحمه الله أنه قال: لَهُ الطَّلب، وعَليْهَا الهَرَبُ، وعلى هذا القياس حكم القبول ظاهراً وباطناً، فيما إذا قال للصغيرة: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، ثم قال: أردتُّ إذا حاضتِ وطهرة وفيما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إن دخَلتِ الدارَ أو إذا جاء رأس الشهر، وألحق صاحب الكتاب بهذه الصورة ما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، ثم قال أردت إن -شاء الله- وقال كلُّ ما يحوج إلى تقييد الملفوظ به بقَيْد زائد، فهو كذلك، وحَكَى القاضي الرُّوياني هذا الجواب عن القَفَّال، والمشهور في كتب كبار المَذْهَب: أنَّه لا يدين في قوله: أردت إن شاء الله، وَيدِينُ في قوله: أردتُّ عن وثاق أو إن دخلَتِ الدار أو إن شاء زيْدٌ، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وذكر القاضي الرُّويانيُّ أنه ظاهر المذهب، وفرقوا بين قوْلِه: أردتُّ "إن شاء الله" وبين سائِرِ الصور بأن التعليق بمشيئة الله برْفَع حُكم الطلاق جمْلة، فلا بدّ فيه من اللفظِ، والتعليقُ بالدخول لا يرفعه جُملةً، ولكنه تخصيص بحالٍ دون حال، وقولُه "من وثاق" تأويلٌ وصرف اللفظ من مَعْنًى إلى معنًى، فَكفَتْ فيه النية، وإن كانت ضعيفة، وشبهوا ذلك بأن النَّسخ لَمَّا كان رفعاً للحكم، لم يجُزْ إلا باللفظ والتخصيص يجوز بالقياس، كما يجوز باللفظ، وأما إذا أتى بلَفْظ عامٍّ وقال: أردتُّ بعض الأفراد الداخلة تحْتَه، فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في المختصَر ولو قالَتْ له طلِّقْنِي، فقال: كل امرأة لي طالِقٌ، طُلِّقَتِ امرأته الَّتي سألتْه إلا أن يكون عزلها بنيته، وظاهر هذا النص أنَّه إذا قال: نسَائِي طوالقُ أو كل امرأة لي طالق، وعزل بعضهن بالنِّيَّة، لا يقع عليها الطلاق، واختلف الأصحاب في ذلك على وجهَيْن، قال أكثرهم: يقع الطلاق ظاهراً، ولا يُقْبَل قوله في الحكم؛ لأن اللفظ عامٌّ متناول لجميعهن؛ فلا يتمكن من صَرْف مقتضاه بالنية، كما إذا قال: أنتِ طالقٌ، وقال: أردت إذا جاء رأس الشهر، وهؤلاء تكلموا في النصِّ من وجهين: أظهرهما: الحَمْل على أنها لا تطلَّقُ بينه وبين الله تعالى.
والثاني: قيل: إنَّ لفْظ النَّصِّ "إلاَّ أن يكونَ عزلها، في نيته" وهي الاستثناء الظاهر، ويُحْكَى هذا عن أبي علي الطبسي قال في "البسيط": وفي هذا نسبة الأصحاب إلى التصحيف، ثم في الحروف تفاوتٌ بعيداً، وقال أبو حفص بْنُ الوكيل: يُقْبَل قولُه في الظاهر؛ لأن استعمال العَامِّ في الخاص شائع مشهورٌ، والخلاف في القبول الظاهر يجري، سواءٌ كانت هناك قرينة تصدِّقه، كما إذا خاصَمتْه المرأة: وقالت: تزوجْتَ

الجزء: 8 - الصفحة: 502

عَلَيَّ، فقال في إنكاره: كل امرأة لي طالقٌ، ثم قال: أردتُّ غير المخاصمة، أو لم تكن هناكَ قرينةً.
والأظهر عند القفَّال والمعتبرين: أنَّه لا يُقْبلَ في الظاهر، إن لم تكن قرينة، ويقبل إن وُجِدَتْ قرينة، وهو اختيار القاضي الرُّوياني، ومن هؤلاء من حمل النصَّ على ما إذا وُجِدت القرينة، ونفى بعضُهم الخلاف فيما إذا لم تكُنْ قرينةٌ، وفي بعض التعاليق أن القاضي الحُسَيْن فرَّق بين أن يقول: كلُّ امرأة لي طالقٌ، ثم عزَلَ بعضهن بالنية، وبين أن يقول: نسائِي، وقال: إذا قال نسائِي طوالقُ، ثم قال: كنتُ عزلت ثلاثاً بالنية لم يُقْبَل؛ لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة ولو قال عزلت واحدة يُقْبَل، وذكر تفريعاً على هذا وجهين فيما لو عزل اثنين، وأُجري الخلاف في القَبُول الظاهر فيما إذا قال: إن أكلْتِ خبزاً أو تمراً، فأنتِ طالقٌ، ثم فسَّر بنوع خاصٍّ، وطردهما صاحب الكتاب وغيره فيما إذا كان يحل وثاقاً عنها، فقال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردت الإِطلاق عن الوثاق، وقال: الظاهر القَبُول، وفيما إذا لم توجَدِ القرينة أشَار في سائر كتبه إلى أنَّه لا يجيْء في التدبير الخلافُ المذكُورُ، فيما إذا قال: أردتُّ إن دخَلَتِ الدارَ، وفرق بأن قوله: أنتِ طالقٌ، وإن خصَّصه الشرْعُ برَفْع قيد النكاح، لكنه كالمُجْمَل المبهم من حيْث اللغةُ، ويحتمل أن يكون من الوَثَاق وغيره، فالتفسير بيان للمبهم، وأما التقييدات، فليس لمجرد اللفظ دلالةٌ عليها ولو قال: إن كلَّمْتِ زيداً، فأنت طالقٌ، ثم قال: أردتُّ التكليم شهراً، فيُقْبَل كذا حُكِيَ عن نص الشافعيِّ -رحمه الله-، والمراد على ما نَقَل في "البسيط" و"الوسيط" القبول الباطن، حتى لا يقع في الباطن، إذا كان التكلُّم بعد الشهر 34، وحاول ردَّه إلى تخصيص العموم، حتى يَدِينَ فيه بلا خلافٍ، فإن اللفظ كالعامِّ في الأزمان، فإذا قال أردتُّ شهراً، فكأنَّه خصص العام، وقد يقابَلُ هذا بمثْلِه، فيقال: اللفظ عامٌّ في الأحوال إلاَّ أنَّه خصَّصه بحال أحوال الدار.
وقوله في الكتاب وَكَذَا لَوْ قَالَ: "أَردتُّ إنْ شَاءَ اللَّه" ليعلَّم وما بيناه.
وقوله "كَمَا لَوْ عاتَبَتْهُ بِنِكَاحِ جَدِيدَةٍ، فقال" وفي بعض النسخ، "كما لو عني بنيته نكاح جديدة"، قال: وهما مقيدان.
وقوله: "والحَاصلُ أنَّه يَدِينُ في كل احْتِمَالِ وَإِنْ بَعْدَ .... " آخره إشارةٌ إلى ضَبْط ما يدين فيه، وما يُقْبَل في الظاهر من التفاسير وشَره ما حُكِيَ عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- لما يبديه الشخص، ويدَّعيه من النية مع ما أطلقه من اللفظ أرْبَعَ مراتب.
إحداها: أن يرفع ما صرَّح به اللفظ، كما إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثم قال: أردتُّ

الجزء: 8 - الصفحة: 503

طلاقاً لا يقع عليْكِ، أو قال لم أُرِدْ إيقاع الطلاقِ، فلا مبالاة بما يقوله لا في الظاهر، ولا في التدين الباطن.
والثانية: أن يكون ما يبديه مقيِّداً لما تلفظ به مطلقاً، كما إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثم قال: أردتُّ عند دخول الدار ومجيء الشهر، ولا يُقْبَل في مثل ذلك قولُه ظاهراً وفي التديين خِلاَفٌ.
والثالثة: أن يُرجِعَ ما يدعيه إلى تخصيص عموم، فهذا يدين فيه وفي القبول ظاهراً خلاف.
والرابعة: أن يكون اللفظ محتملاً للطلاق من غير شيوع وظهور فيه، وفي هذه الدَّرَجَة يقع الكنايات، ويعمل فيها بموجب النيَّة.
وقوله: إنما يقبل ظاهراً، أي المؤثر في القَبُول ظاهراً، وإن كان مختلفاً فيه، فامَّا ظهورُ احتمال اللَّفظْ لما يدَّعيه، كما ذكَرْنا من تبيين المُجْمَل، وتخصيص العام، وإما قرينةٌ لتنضم إلَيْه، كما بَيَّنَّا، وفي كلام الأئمة ضَبْطٌ آخَرُ قالوا: يُنْظَرُ في التفسير على خلاف ظاهر اللفظ، إن كان بحَيْث لو وصل باللفظ نطقاً، لَمَا انتظم، فإنَّه لا يُقْبَل في الظاهر، ولا يدين في الباطن، وإن كان بحَيْث لو وصل باللفظ، لانتظم وقُبِلَ في الحكم، فإذا نواه، لا يُقْبَل في الحكم ويَدِينُ فيما بينه وبين الله تعالى.
مثال الأول: ما إذا قال أردتُّ طلاقاً لا يقع علَيْك.
ومثال الثاني: ما إذا قال: أردتُّ عن وَثَاق، أو إن دخلَتِ الدَّارَ والذين رأوا القطْعَ بأنه لا يدينُ في قوله أردتُّ إن شاء الله استثنوا عن الضابط الاستثناء بالمشيئة، فقالوا: ما يُقْبَلُ في الظاهر، لو وصَلَه باللفظ يدين فيه إذا نَوَاه إلاَّ الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لو وصله باللفظ، قيل: ولو نَوَاه لا يدين فيه وذكروا وجهَيْن فيما إذا قال لامرأته: أنّت طالقٌ ثلاثاً، ثم قال: أردتُّ إلاَّ واحدةً هل يدين؟ فيه وجهان: فيما إذا قال: أربعكن طوالقُ: وقال: نَوَيْتْ بقلبي إلاَّ فلانةً، هل يدين؟ ففي وجْه يَدِينُ كما لو قال: نِسَائِي طوالقُ، وعزل بعضهن بالنية، وفي وجه لا يدين؛ لأن لفظة الثلاثة والأربعة نص في العدد المعلوم، واستعمالُهما في بعض العدد غيرُ مَعْهود، بخلاف استعمال اللفظ العَامِّ في الخاص، فإنه معْهُود، وهذا أصح على ما ذكره القاضي أبو الطيِّب، وابن الصَّبَّاغ، وغيرهما؛ قال القاضي: ولو قال: فلانة وفلانة وفلانة طوالق، ثُمَّ قال: كنت عزلْت فلانةً بالنِّيَّةْ لمْ يُقْبَل؛ لأن هذا رفْعٌ لِمَا نص عليه؛ ونَسْخٌ وليس بتخصيص عموم.
وهذه فروع أُخَرُ تدخل في الباب الأول.
لو قال: أنتِ طالقٌ كالثلج، أو كالنار، يقع الطلاق في الحال، ويلغو التشبيه

الجزء: 8 - الصفحة: 504

المذكور، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه إن قصَد التشبيه بالثلج في البياض، وبالنار في الإضاءة، والنُّور، وقَع في زمان السُّنَّة، وإن قصد التشبيه في الثلج بالبرودة، وبالنار في الحَر والإِحراق، وقع في زمان البِدْعَة.
الثاني قال ابن الحدَّاد: لو دخَل بامرأته، ثم قال لها: كُلَّما ولَدْتِ فأنت طالقٌ للسُّنَّة، فولدتْ ولداً، وبقي في بطنها آخر، وقَعَتْ بولادة الأول طلقة؛ لأنها حامِلٌ بعْد ما ولدته، فإن وُجِدَتْ وقَع، وإلا فلا يقع، حتَّى توجد، وهذا كما سَبَق أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ للسُّنة، إذا قدم فلان، يُنْظَر إذا قدم، إن كان الحالُ حَالَ السُّنَّة [وقع] وإلا، لم يقَعْ حتى نصير إلى حال السنة، وكأنَّه يخاطبُها عنْد حصول المعلَّق عليه بقوله: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، وإذا كان كذلك، فكأنه عنْد ولادة أحد الولدين خاطَبَها بقوله: أنتِ طالقٌ للسُّنة، وهي في هذه الحال حامِلٌ بآخر، وإذا قال للحامل: أنت طالقٌ للسُّنة، وقع الطلاق عليها في الحال، ثم إذا وَلَدت الثاني، انقضت عدَّتها، وهل يقَعُ عليها طلقة أخرى؛ لأنَّه يقارن حال انقضاء العدة، فيه خلاف يأتي في نظائره، والأشهر المَنْع، ولو ولَدَتْ ولداً، ولم يكن في بطْنِها آخرُ، فإنَّها تطلَّق إذا طَهرتْ من النفاس، ولو ولَدَتِ الولدين معاً، فإنما تطلَّق إذا طَهُرت من النفاس طلقتين؛ لأنَّها ولدت ولدين [معاً] فإنما تطلق إذا طهرت من النفاس، ولو ولدت معاً فإنما تطلق إذا طهرت من النفاس طلقتين؛ لأنها ولدت ولدين، وكلما يتقضى التكرار، ولو قال: كلما ولَدتِّ ولَدَيْن، فأنت: طالق للسُّنة، فولدَتْ ولدَيْن معاً، أو على التعاقب، وفي بطنها ثالثٌ طُلِّقَتْ، ولو ولدتْ ولداً، فطلقها ثم ولدت ولداً آخر، فإن كان رجعيًّا، وقَعت طلقة أخرى بولادة الثاني، راجَعَها أو لم يراجِع، هكذا ذَكَروه، ويشبه أن يقال: إن راجَعَها، فكذلك الحُكْم، وإن لم يراجعْها، فهذا طلاقٌ يقارن انقضاء العدَّة، وإن كان الطلاق بائناً، فنكحها ثم ولدت ولداً آخر ففي وقوع طلقة أخرى قَوْلاَن عَوْد الحنث واليمين الثَّالِثِ.
نكح حاملاً من الزنا، وقال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، فإن كان قد دَخَل بها، فلا يقع الطلاق حتَّى تضع الحَمل؛ وتطهر من النفاس؛ لأنها وإن كانَتْ حاملاً فليس الحَمْل منْه؛ ولا تنقضي [به] لعدَّة، فصار كما إذا حاضت الحائل في طُهْر جامعها فيه، وإن لم يكُنْ قد دخل بها، وقع الطلاق في الحال، كَمَا لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ للسنة، وهذا إذا كانَتْ لا ترى الدم، وإن كانَتْ تراه، فإن لم نجعلْه حيضاً، فالحُكْم كما لو لم تر الدم، وإن جعلْناه حيْضاً، وقال لها: أنتِ طالقٌ في حالة رؤية الدم، فإنما يقع الطلاق إذا طهرت، كالحائل إذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنة، وهي حائضٌ، ويخالف الحامل من الزوج؛ لأنَّه لا حُرْمة لحملها، وهذا الفرع لابْنِ الحدَّاد أيضاً -رحمه الله-.
الرابعة: قال لها: أنْتِ طالقٌ للسنّة أو للبدعة، لا تطلَّق، حتى تنتقل من الحالة

الجزء: 8 - الصفحة: 505

التي هي فيها إلى الحالة الأخرى؛ لأن اليقين حينئذٍ يحْصُل كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم أو غداً، لا تطلَّق إلا بمجيء الغد.
الخامسة: إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقة حسنة في دخول الدار، أو طلقة سنّية، قال إسماعيل البوشنجي: قضية المَذْهَب أن تطلَّق إذا دخلَتِ الدار، طُلِّقَتْ سنية، حتى لو كانت حائضاً لا تطلَّق ما لم تطْهُر، ولو كانت طَاهراً لم تجامع بني ذلك الطُّهْر، فتطلَّق في الحال؛ فإذا اتفق الجماع فيه لا تطلَّق إلى أن تحيض وتطْهُر.
ولو قال لَهَا وهي طاهر: أنتِ طالقٌ للسنَّة، واختلفا، فقال الزوج: كنتُ قد جامَعْتُكِ في هذا الطُّهر، فالطلاق غيْرُ واقع، وقالت: ما جامعتني والطلاقُ واقعٌ قال: إسماعيل البوشنجي المَذْهب أنَّ القَوْل قول الزوج؛ لأنهما اختلفا في بقاء النكاح، والأصل بقاؤه، وصار كما لو قالت: طَلَّقَنِي، وأنكر، وكما لو قال المولى أصبتك فانكَرْت، فإنما نجعل القول قَوْل الزوج، وكذا الَّذي ضربت عليه مدة العُنَّة إذا قال: أصبت في مدة العُنَّة أو بعدها والله أعلم.

البَابُ الثَّانِي في أَرْكَانِ الطَّلاَقِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ خَمْسَةٌ (الأَوَّلُ: المُطَلِّقُ): وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَنْفُذُ طَلاَقُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ (الرُّكْنُ الثَّانِي: اللَّفْظُ): وَفِيهِ ثَلاَثَةِ فصُولٍ: (الأَوَّلُ): أَن الصَّرِيحَ لَفْظُ الطَّلاَقِ وَكَذَا لَفْظُ السَّرَاحِ (ح) وَالفِرَاقِ (ح) وَقَوْلُهُ: طَلَّقْتُ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ صَرِيحٌ، وَكَذَا كُلُّ مُشْتَقٍّ مِنَ الطَّلاَقِ دُونَ المُشْتَقِّ مِنَ الإِطْلاَقِ كَقَوْلُهِ: أَطْلَقْتُ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ الطَّلاَقُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ: سَرَّحْتُكِ أَوْ فَارَفْتُكِ صَرِيحٌ، أَمَّا الاسْمُ كَالمُطَلَّقَةِ وَالمُسَرَّحَةِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَعْنى الطَّلاَقِ بِالفَارِسِيَّةِ عَلَى الأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُهُ (تُوهشته أي)، وَفِي قَوْلِهِ (دشت بازذاشتم) وَجْهَانِ، وَفِي قوْلِهِ (كسيل كردم وازتوجذاكشتم) وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَكُونَ صَرِيحاً، وَكُلُّ لَفْظٍ شَاعَ فِي العُرْفِ كَقَوْلِهِ: حَلاَلُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ هَلْ يَلْتَحِق بِالصَّرِيحِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا يخفى أن تصرف الطلاقُ مَتصرفاً، ولا بدّ من أهليته، ومحلاًّ يصادفه ولا بُدَّ من أن يكون بحيث يتوجَّه نحوه التصرُّف، وذلك لولاية المتصرف علَيْه، وأنَّه لا تحصل صورةُ هذا التصرُّف إلاَّ بلفظ أو ما يقُومَ مَقَامه، ولا بُدَّ من أن يصدُر ذلك عن قصْده، فهذه خمْسَةٌ المُطَلِّق، وما به التطليق وغيره، وقصْدُه إليه، وولايته على المحل، والحاجة تمَسُّ إلى معرفتها، ومعرفة ما يعتبر فيها، لقطع الطلاق وسمَّاها أركاناً؛ لأن بالتئامها يقع الطلاق.

الجزء: 8 - الصفحة: 506

الأول: المُطْلَق وشرطه التكليف 35، فلا يقع طلاق الصبيِّ والمجنون، تنجيزاً وتعليقاً، ولو قال المراهقُ: إذا بَلَغْتُ فأنت طالقٌ، ثم بلَغ، لم يقع الطلاق، وكذا المجنونُ، إذا قال: إن أفقْتُ، فأنتِ طالقٌ، ثم أفاق، لأنا لو أوقعنا الطلاق عند [البلوغُ والإِفاقة، لأوقعنا بقولهما السابق، وقولهما لا يصلح للإِيقاع في الحال، فكذلك لا يصَلح الاِيقاع عند الشَّرْط، وكذا لو قالا: أنتِ طالقٌ غدًا، فَجاء الغدُ، وقد بلغ الصبي، وأفاق 36 المجنونُ، ولا ينقض ما ذَكْرنا بأن يقال: الزَّوْج في وقْت حيْض المرأة، لا يملك طلاق السُّنَّة، ولو قال: أنْتِ طالقٌ للسُّنة ينعقد، ويقع إذا طَهُرت، لأن الذي يعتبره للسُّنة تعليق الطلاق بوقت، ووصف بصفة، فاحتجنا إلى الانتظار.
وأما قولُه: "الرُّكْن الثاني": إلى قوله: "وَجْهَان" التطليقُ إمَّا أن يكونَ بلَفْطٍ أو بغيره، وعلى التقديرين، فامَّا أن يصدر من الزوج نَفْسه، أو ممن فوَّضه إليه، والتفويض إمَّا أن يكون إلى الزوجة أو إلى غَيْرها إن كَان إلى غَيْرها فهُو توكيلٌ، وحكمه قَدْ تبين في "الوكالة" فبقي كلام الرَّكْن مشتملاً على ثلاثةِ فُصُول: فصْل في اللفظ الذي يقَعُ به الطَّلاَق، وفصْل في الأفعال الَّتِي تقُوم به، وفضل: في تفويض الطلاق إلى الزوجة، وما تختص به بهذا التفويض من الأحكام.
أمَّا الفصل الأول: فاللفظ ينقسم إلى: صَرِيحٍ: وهو الذي لا يتوقَّف وقوع الطلاق به على النية [كناية وهؤ ما توقف على نية] 37 أما الصريح؛ فلا خِلاَف أن لفْظ الطَّلاق

الجزء: 8 - الصفحة: 507

صريحٌ في معْناه؛ لاشتهاره فيه لغةً وشرعاً، والسَّرَاح والفِرَاق صريحان أيضاً؛ لورودهما في الشرع، وتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق؛ قال تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49] وقال تعالى: ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: 39] واحتج الأصحاب أيضاً بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فقيل أين الثالثة فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 38 [البقرة: 229] فسمَّى التسريحَ طلاقاً، وبأنه إزالة ملك، فلا ينحصر صريحُه في لفْظ واحدٍ قياساً على العِتْق.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: السَّرَاح والفِرَاق وليْسا بصريحين، ويُحْكَى هذا قولاً عن القديم، ونسبه أبو الحسن العَبَّادي إلى رواية أبي عبْد الرحمن القزاز السمرقندي -رحمه الله- ووجهه بان هذين اللفظين لم يشتهرا في الطَّلاق، ويستعملان فيه وفي غيره، = السؤال ذكره في المهمات فقال في الركن الثالث: القصد إلى الطلاق يشترط أن يكون قاصداً بحروف الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي القصد إلى حروف الطلاق من غير قصد معناه، فإن قيل كيف يجتمع هذا مع قولهم أن الصريح لا يحتاج إلى نية بخلاف الكتابة، قلنا: جمع بينهما بعض فضلاء العصريين بان الصريح يشترط فيه قصد اللفظ والمعنى، والكتابة يشترط أيضاً أن يكون الإِيقاع بذلك اللفظ ويؤيد هذا الجمع ما نقله عن إسماعيل البوشنجي أنه إنما يقع الطلاق بقوله أنت عليّ حرام، إذا نوى حقيقة الطلاق.
وقصد بهذا اللفظ وقد تقدم أنه لا بد أيضاً من العلم بمدلول اللفظ، ومقتضاه أنه لا يكفي قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق.
انتهى.
قال في الخادم: عدم اشتراط النية في الصريح مخصوص بغير الوكيل وبغير المكره، أما الوكيل في الطلاق فهل يشترط نية إيقاعه الطلاق عن موكله؟ له وجهان غير مرجحين، وينبغي أن يكونا فيما إذا كان للموكل زوجة وترجح الاشتراط لتردده بين زوجتين، فلا بد من مميز، أما إذا لم يكن له غيره ففي اشتراط النية نظر لتعين المحل القابل للطلاق من أهله، وأما المكره على الطلاق إذا قصد الإِيقاع وقع على الأصح.
فقد صارت نيته شرطاً في عمل الصريح.
قال الرافعي هناك أن صريح لفظ الطلاق عند الإِكراه كالكتابة عند الطواعية إن نوى وقع وإلا فلا.
وقال في الخادم أيضاً بعد ذلك قال في البحر نقلاً عن ابن القاص: كل كتابة ينوي فيها إلا واحدة وهي إذا قال أطلقت امرأتك أو امرأتك طالق، فقال نعم، وقع الطلاق في الحكم ولا يعتبر نية وفي قول تعتبر، وقال المزني في المنثور: يلزمه في الحكم، وهذا مما استخير الله تعالى فيه، والصحيح أن لا ينوي فيه في الحكم لأن جواب الصريح صريح ويكون تقديره نعم طلقت امرأتي، ولهذا لو قال لفلان: عليك ألف، فقال نعم، كان إقراراً، فالطلاق أولى بذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 508

فأشْبَه لفظ البائن والحرام، وتكلم الإِمام على ما قيل إن القرآن وَرَد بِهما؛ بأنه لم يرد مَوْرِدَ بَيَانِ اللفظ، وإنما هو مَسُوقٌ لغرض آخر، فهو كقَوْل القائل: حقّ الضيفِ أن يُكْرَم أو يُسَرَّح، لا يعني به، أنَّه يقال له: سَرَّحْتُك، ومعنى هذا المعنى حاصل في لفظ الطلاق أيضاً، إلاَّ أن يعَوَّل فيه على العُرْف اللغوي، وليعلَّم بما ذكرنا قوله في الكتاب "وَكَذَا لفظ السَّرَاحُ وَالفِرَاقُ" بالحاء والواو، ويجُوز أن يعلَّم بالميم أيضاً؛ لأن "صاحب الشامل" حكى عن أصحاب مالك -رحمهم الله-: أنهما ليسا بصريحين، ولكن لا يفتقر إلى النِّيَّة، كما في الكنايات الظاهرة على ما سيأتي، وهذا كلام من يفسر الصريح والكناية، بغير ما قدَّمناه من التفسير.
إذا تقرَّر ذلك فقوله: أنْتِ طالقٌ أو مطلَّقة أو يا طالقُ أو يا مطلقةُ صريحٌ، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن قوله يا طالق أو يا مطلقة ليس بصريح، وفي "شرح مختصر الجويني" وجه مثْله غريبٌ، والمشتق من الإِطلاق كقوله: أنتِ مطلقةٌ بإمكان الطاء أو يا مطلقةُ ليس بصريح، لعدم الاشتهار، وإن كان الإِطلاق والتطليق متقاربين كالإِكرام والتكريم، وفي "العُدَّة" حكايةُ وجه: أنَّه صريح وفي قوله أنْتِ طلاق أو الطلاق أو طلقة وجْهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- أنَّه صريحٌ، كقوله يا طالقُ.
وأصحُّهما وبه قال القَفَّال: أنه مصْدَر، والمصادر غيْر موضوعة للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسُّع.
ولو قال: أنْتِ نصْف طالق، فهو كناية أيضًا وذكر في "التهذيب" أن قولَهُ لك طلقة صريحٌ، وأن قوله: أنت نصْف طالق صريحٌ، كقوله نصفك طالقٌ، ونَقَل أبو الحسن العبَّادي خلافاً في قوله أنت طالقٌ نصْفَ طلقة، ويجوز أن يجيْء، هذا الخلاف في قوله: أتتِ نصْفُ طالق 39 وقوله: أنْتِ والطلاق، أو 40 أنت مطلقة كناية أي قرنت بينك وبينها، وإذا قلْنا بالظاهر في لفظي الفرَاق والسَّرَاح، فقوله: فارقْتُكِ وسرَّحْتُكِ صريحان، وفي الاسم منهما، وهو المفارقة والمسرحة وجْهان، سواءٌ الوَصْف بأن قال: أنْتِ مُسَرَّحة، أو مُفَارَقَة، والنداء بأن قال يا مسرَّحة أو يا مفارَقَة.
أصحُّهما: أنهما صريحان أيضاً؛ كالمطلقة.

الجزء: 8 - الصفحة: 509

والثاني: المَنْع، وهو الذي ذكَره القفَّال "شرح التلخيص"؛ لأن الوارد في القرآن منْهما الفِعْل دون الاسم، بخلاف الطلاق فقَدْ قال -تعالى-: ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 228]. ويجيْء في قوله: أنْتِ الفِرَاقُ وأنْتِ السَّرَاح ما ذكرْنا في قوله: أنْتِ الطَّلاَقُ من الوجهين.
ولو قال: عنيت بقولي: أنْتِ طالِق إطْلاقها من الوثاق، فقد مرَّ أنه لا يُقْبَل في الظاهر، ويدِين، وعن مالك أنَّه يُقْبَل في حال الرِّضا دون حال الغضب، ولو قال في لفظ الفِرَاق: عَنيت المفارقة: في المنزل، وفي لفظ التسريح إلى منزل أهلها، فكذلك يَدين، ولا يُقْبَل في الظاهر وكذا لو قال: أردتُّ خطاب غيرها، فسَبَق لسانِي إلَيْها.
ولو صرَّح بذلك فقال: أنْتِ طالقٌ من الوثاق أو سرَّحْتكِ إلى موضع كذا، أو فارقتك في المَنْزل خرج عن كونه صريحاً، وصار كناية قال في "التتمة": وهذا في ظاهر الحُكم، وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى، فإنَّما لا يقع الطلاق إذا كان على عزْم أن يأتي بهذه الزيادة، من أول كَلاَمِه، فأما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، ثم بدا له فوصَلَ به هذه الزيادة فالطلاق واقع به في الباطن، ولو لم يكن في عزمه في الابتداء، ثم عَرَض على هذه الزيادة في أثناء الكلام، فوجهان سيأتي نظيرهما في "الاستثناء" وغيره، وكذَلِكَ مَوْضِع التديين فيما إذا لم يتلفظ بالزيادة، وقال نَوَيتُها، إذا كان ناوياً من الابْتِدَاء دون ما أحدثت إلَيْه بعد تَمَام الكلام، وإن حَدَث في أثنائه فعَلَى الوجهيْن.
وقوله في الكتاب: "إنَّ الصريح لَفْظ الطلاقِ وكذا السَّراح والفِرَاق" وقد يظن أن قولَهُ: "وَكَذَا السَّرَاح والفِرَاقُ" معطوف على قوله: "أن الصَّرِيحَ لَفْظُ الطَّلاَقِ" لكن قولنا: "الصريح لفظ الطلاق" جملةٌ تفهم الحصر فإذا عطف عليها قولُه "وَكَذَا السَّرَاحُ والفِرَاقُ" كانت هذه جملةً حاضرةً أيضاً وحينئذٍ فتنافي كل واحدة صاحبتها فإذَن قوله: "السَّراح والفِرَاق" معطوف على قوله: "لَفْظ الطَّلاق" وحْدَه لا على قوله: "الصريحُ لَفْظُ الطَّلاَقِ" وكأنَّه قال: الصريحُ لفْظُ الطَّلاَق والسَّرَاحُ والفِرَاقُ، وهو ما اشتهر في كلام الأصحاب أن صرائح الطلاق ثلاثة وقضية هذا الحصر أن لا يكون الخُلْع صريحاً في الطلاق، وفيه خلاف قد يقدَّم 41، وألا يكون قوله: "حَلاَلُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ صريحاً" وفيه خلافٌ سيأتي.
وقوله "أنْتِ مطلقَةٌ" يجوز إعلامه بالحاء والواو؛ لما سبق، وقوله "دُون المُشْتَقِّ مِنَ الإِطْلاَقِ" بالواو، وقوله: "لَيْسَ بِصَرِيحٍ" بالحاء والميم، ما يجوز أن يُعاد على قوله "صريحان" الحاء والميم الموضوعان على قوْلِه، وكذا الفراقُ والسَّرَاح.

الجزء: 8 - الصفحة: 510

فرْعٌ: قَوْلُهُ: "أوقعْتُ عليْكِ طلاقي" صريحٌ، قاله القاضي الرُّوياني، وأمَّا قوله "معنى الطلاق" إلى قوله: "فيه وجْهان" فيه مسألتان: إحداهما: ذَكَر الأصحاب أن ترجمة قوْل القائل: أنتِ طالقٌ بالعجمية توهشته 42 وقال الإِمام وصاحب الكتاب: ترجمة قوله: (طلقتك دست ما راداشتيم) 43 فالمناسب لمَا قيل في ترجمة قوله: أنتِ طالقٌ: أن يقال ترجمته: (بهشتم مرا أو مرا بهشتم) 44 وكذا ذَكَره القاضي الرُّويَاني، ولم يشترطوا في الترجمة أن يقول (هشته أو بهشم أرزني 45) 46 كما لم يشترط في العربية أن يقول: من نكاحي أو من النكاح، ومعنى قوله: "سَرَّحْتُكِ" (كَسيل كردم مرا) 47 وقوله: "فَارَقْتُكِ هو (أزتوجد الشتم) 48. إذا عرف ذلك، ففي ترجمة لَفْظ الطَّلاَق بالعجمية وسائر اللغات وجهاً ولم يورد أكثرهم غيْره: أنَّها صريحةٌ؛ لكثرة استعمالها في معناها عنْد أهْل تلْك اللغات شهرة العربية عنْد أهلها.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى الإِصطخري: أنها ليْسَتْ صريحةً 49؛ لأن اللفظة العربية هي الواردة في القرآن والمتكررة على لسان جملة الشرع، ويكن أن يُقَال: إنها الشائعة في جميع اللغات، ولم يتعرَّضوا هاهنا للفرق بين أن يُقَدَّر على العربية أو يُقَدَّر كما فَعَلوا في النِّكَاح، وعن القاضي الحُسَيْن وجه فارق بين أن يقول (توهشته أي) 50 فيجعل صريحاً، بين أن يَقُول (دست ما ردا شتم) 51 فلا يكون صريحاً وأنكره الإِمام، وقال: لا يكُونُ هذا المعنى قوله: طَلَّقْتك، فليكنْ صريحاً كقوله "توحشته" أي الَّذي هو معنى: أنْتِ طالقٌ، ويشبه أن يُقَال إنَّه ليْس معنى قوله: طلقْتُكِ، كما أشرنا إلَيْه، وأن معناه وهو (وابهشيم) 52 صريحٌ، ثم في العُدَّة وجه: أن هذا إنما يكون صريحاً، إذا قال معه

الجزء: 8 - الصفحة: 511

(ارزني) 53، والظاهر أنَّه لا حاجة إليْه، ومن قال به، فليقل بمثله في توهشته، ولو قال توهشته، قال إسماعيل بن أبي القاسم البوشنجي: هو (وازآن قوْل القائل) 54 (توطلاق) قال: وقد نقل شيخي عن القاضي أنه كان يقول: قوله بَوطلاق لم يكن صريحاً بِمَرْوَ الرُّودْ، ثم صار صريحاً، ولك أن تقول قوله (توهشته أي وازان قول القائل توطالق وازآن قوله توطالق) 55 ثم الأصْل في (توطالق وتوطلاق توطالقي، وتوطلاقي) 56 فإن اطرد عرف قوم بحذف الياء وفهموا من "بوادنا" ما يفهمون من "بوداناي" كان ذلك صريحاً فيما بينهم، ثم يجيء في قوله: توطلاق وتوطلاقي الخلاف المذكور في قَوْلِه: أنْتِ الطلاق، وأما ترجمة السَّرَاح والْفِرَاق ففيهمما الوجهان المذكوران في ترجمة الطَّلاق، ولكن بالترتيب، وهي أوْلَى بالاَّ لا تجعل 57 صريحة؛ لأن ترجمتها بعيدةٌ عن الاستعمال في الطَّلاق.
قال الإِمام -رحمه الله- وهذا أظهر، وبه أجاب القاضي الروياني في "الحلية".
ولو قال: ببطلان (زن من) 58 فهو صريح، حكي ذلك عَنِ القفَّال وغيْره.
ولو قال لامرأته في حال الغَضَب: (يك طلاق وروطلاق) 59، وسكت، لا يقع الطلاق.
ولو قال: (يك طلاقٌ مراء) 60، أو قال (وراسه: طلاق) 61 يقع، ذَكَره القاضي الحُسَيْن في "الفتاوى"، وهو قريب من قوله: لك طلقةٌ، وقد نَقْلنا أنَّه صريحٌ.
وقال إسماعيل البوشنجي: لا أرى هذا طلاقاً واقعاً؛ لأنه لم يتضمْن إيقاعاً، وقول القائل: لك هذا الثوبُ، يحتمل الإخبار عن المِلْك، ويحتمل الهبة، وروي ما رآه عن محمد الماخُوني، والأول عن أبي المُظَفَّر السمعاني، وروي عن سعيد الأَسْتَرَابَاذِيِّ: أنه لا يقع، وإن نوى.
ولو قالت له امرأته: (دست از من بدار) 62 فقال: (بداشتم) 63، فقالت: (نه

الجزء: 8 - الصفحة: 512

طَلاَقٌ) 64 فقال: يشبه طلاق، وقال القاضي الحُسَيْن: يَقَع ثلاث طلقات؛ لأنَّ كلامه يترتَّب على كلامها.
ولو قال: (طلاق نها دم تورا) 65 فعن أبي العبَّاس الروياني: أنَّه يكون صريحاً في إيقاع الطَّلاق عليه، قال: وقيل: هو كما لو قال: وضعتُ عليِّكِ الطلاق، وفي كونه صريحاً وجهان والله أعلم.
وقوله في الكتاب "صريحٌ على الأصحِّ"، يجوز إعلامه بالحاء؛ لأنَّه روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أن قوله: (توهشته اى) 66 أي إنما يكون طلاقاً إذا نوى وفي تصريحه، بالأصح من الخلاف في قوله: توهشته (وإرسال الخلاف) بصراحة في قوله (دست ما رادا شتم) 67، ما يشير إلى قوله توهشته أي أولى بالصراحة، على ما حكَيْنا على القاضي -رحمه الله-.
المسألة الثانية: إذا اشتهر لفظة في الطلاق سوى الألفاظ الثلاثة الصريحة؛ كقول القائل: حلالُ اللهِ عليَّ حَرَامٌ، أو أنْتِ عليَّ حرامٌ أو الحلال أو الحل عليَّ حرام، فهل يلتحق بالصريح 68؟ فيه وجُوهٌ: أظهرها: وهو المذكور في "التهذيب" وعليه تنطبق فتاوى القَفَّال، والقاضي الحُسَيْن والمتأخرين، نعم؛ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم.
والثاني: لا، ورجَّحه صاحب "التتمة" ووُجِّه بان الصرائح تُؤْخَذ من ورود القرآن بها، وتكرُّرها على لِسَان حَمَلة الشريعة، وإلاَّ فلا فَرْق إذا نَظَرْنا إلى مُجَرَّد اللغة والاستعمال بيْن الفراق والبينونة.
والثالثُ: حكى الإِمام عن القَفَّال أنه إن نوى شيئاً آخر من طَعَام وغيره، فلا طَلاَق، وإذا ادَّعاه صُدِّق، وإن لم ينْو شيئاً آخر، فإن كان فقيهاً يَعْلَم أن الكناية لا تَعْمَل إلاَّ بالنية، لم يقعِ طلاق، وإن كان عامِّيًّا، سألْنَاه عما يفْهَم منه إذا سمعه من غيره، فإن قال: يسبق إلى فَهْمي منْه الطلاق، حمَلْنا قوْلَه على ما يفهمه من غيره، قال: وهذه قريبة متوسطة بين الصريح والكناية، ولم ينقل صاحب "التتمة" عن القَفَّال هذا الفصْل الآخر، بَلْ حكي عنْه: أنه إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا حكَمْنَا بوقوع الطلاق

الجزء: 8 - الصفحة: 513

للعُرْف 69؛ ألا ترى أن العادة إلاَّ يحلف بهذه اللفظة من لا زوجة له، وفي "فتاوى القاضي الحُسَيْن"، أنَّه لو كان تحته امرأتان، فقال حلال الله عليَّ حرامٌ، إن خِطْتُ في هذه الدار، فخاط يقع على كل واحدةٍ منْهما طلقة، ويوافقه ما ذكر الشيخ الحُسَيْن في فتاويه: أنَّه إذا قال: حلال الله عليّ حرام وَلَهُ أربع زوجات يطلقن جميعاً إلا أن يريد بعضَهُنَّ لكنْ ذكر بعد ذلك أنَّه لو قال: إن فَعَلْتُ كذا، فحلال الله عليَّ حرامٌ، وله امرأتان، ففَعَل ذلك الفعْل، تطلَّق واحدةٌ منهما؛ لأنه اليقين ويؤمر بالتعيين، قال: ويحتمل غيره، فحصل تردُّد 70. وعن القَفَّال أنه لو قال: (حلال جداى دركردن من حرام) 71 (كه فلان كانى بكنم) 72 لم يكن شيئاً إلاَّ أن يقول (مر كردن من حَرَام) 73 فقيل له: أليس لو قال (فلان رادركردن من هو كرادارم) 74 يكون إقْراراً فقال الإِقرار لا يُشْبه هذا، ويمكن أن يكون السَّبَب في ذلك أن صلة الحرمة عليَّ، فقال: حرم عليه كذا، وفي الإِقرار كما يقال لفلانٍ عليَّ كذا، يقال: له في ذمتي كذا.
فَرْعٌ: يقع في لسان أهل العُرْف (هرجه ير نان حلا لست يرمن حرام ولى حس بكنم) 75 ويُشْبه ألاَّ يجعل هذا، كقول القَائِل: حلالُ اللَّه عليَّ حرام؛ لأنَّه لا يشتهر في

الجزء: 8 - الصفحة: 514

الطلاق اشتهار تلْك اللفظة، وربما أتى بها من الزوجة، فإن اشتهر في بُقْعَة في الطلاق فلا فَرْقَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أما الكِنَايَة): فَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ مُحْتَمَل كَقَوْلِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَبَريَّةٌ وَبَائِنَةٌ وَبَتْلَةٌ وَاعْتَدِّي وَاسْتَبرِئِي رَحِمَكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ وَلاَ أَنْدَهُ سَرْبَكِ وَاعْزُبِي وَاذْهَبِي وَاخْرُجِي وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَخْفَى مِنْهُ قَوْلُهُ تَجَرَّعِي أَيْ: كَأْسَ الفِرَاقِ وَذُوقِي وَتَزَوَّدِي، أَمَّا قَوْلُهُ: اشْرَبِي فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَقَوْلُهُ: كُلِي أَبْعَدُ مِنْهُ، وَتَرَدَّدُوا في قَوْلِهِ: أَغْنَاكِ اللَّهُ، أَمَّا الَّذِي لاَ يُحْتَمَلُ كَقَوْلِهِ: اقْعُدِي وَاغْرُبِي.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: الكنايات، وكما يقع الطَّلاَق بالصريح، يقع بالكناية مع النية بالإجماع 76، وقد رُوِيَ أن رجُلاً على عهْد عمر -رضي الله عنه- قال لأمرته حَبْلُك على غَاربِكِ، فلقيه عمر -رضي الله عنه- فقال: أَنْشُدُك ربَّ هذا البيت: هل أردتَّ بقولك "حَبْلُكِ على غَارِبِكِ" الطَّلاقَ؟ فقال الرجل: أردتُّ الفراقَ، فقال: هو ما أردتَّ.
والكنايات على كثرتها وخروجها عن الحَصْر تنقسم إلى: جليَّة، هي التي يكثر اسْتعمالُها في القرآن، وتقوي دلالتها عليه، وإلى: خفية؛ وهي التي تنحط مرتبتها من الوجْهَيْن، أمَّا الجليَّة: ففي تعليق الشيخ أبي حامد؛ حصَرها في ستَّة ألفاظ، وهي؛ أنت خليَّة 77 وبريَّة، 78 وبَتَّة 79 وبتلة 80 وبائِن 81 وحرامٌ، وأضاف إليها أبو الفرج السرخسيُّ أربعةً أخرى، وهي؛ أنت حُرَّةٌ، وأنت واحدةٌ، واعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، وحَصَرها في هذه العشرة، وكلام الإِمام وصاحب الكتاب يقارِبُ الأوَّل، وعدُّ الحرام من الكنايات جواب على أنَّه لا يلتحق بالصرائح، أو فرض في البقاع الَّتي لم يشتهر اللفْظ فيها، والبَتْل: القَطْع، كالبَتِّ، وهما مصدران، وأما الخفيَّة كقوله: اعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، على طريقة الشيخ أبي حامد، أي طلقتك فاعتدِّي، وكقوله: الْحَقِي بأهْلِكِ 82،

الجزء: 8 - الصفحة: 515

وحبْلُكِ على عْارِبِكِ، والغارب ما تقدم من الظهر وارتفع من العُنِق، ويقال؛ هو أعلى السَّنَام، وهما متقاربان، أي خليت سبيلَكِ، وأصله في الناقة يُلْقَى خطامها على غَارِبِها؛ لترعى كيْف تشاء.
وقولُه لا أنده سَربك ونده الإِبل زجرها، والسّرب الإِبل وما يرعى من المال، أي فارقتُك، فلا أهتَمُّ بشأنك.
وقوله: اغْرُبِي واعزُبي، يقال: عَزَب عنِّي أي غاب يَعْزُب تباعد، وقوله: اخْرُجي، واذْهَبِي، وسَافِرِي، وتجنَّبي، وتجرَّدِي، وتقنَّعِي، وتستَّري، والْزَمِي الطَّريقَ، وبيني وأبْعدي، وودعيني، وَدعينِي، وبَرِئتْ منْكِ، ولا حاجة لي فِيكِ، وهو استعارةٌ وتجرعي، وذُوقِي أي مرارته، وتزوَّدي أي تعبّئي، استعدي للذَّهَاب واللحوق بأهلك، فقد طلَّقْتُك، وقد تنازع في "أن تزودي" لأنَّه أخفى ممَّا تقدَّم من الألفاظ، وفي قوله اشربي، وجهان عن أبي إسحاق، وُيرْوَى عن أبي حنيفة أنَّه ليس بكناية، ليُعد استعماله في الطلاق، وفي ابن القاصِّ، وهو الأظهر أنَّه كناية أي شراب الفراق، وُيرْوَى هنا 83 عن النَّصِّ، والأظْهَر أنَّ كلي في معناه، وعن الشيخ أبي محمَّد: القَطْع بأنه ليس بكناية، لأنه أبعَدُ عن الاستعمال في هذا السياق، وفي قوله: أغْنَاكِ اللهُ تَعَالى وجْهَان عن صاحب التلخيص؛ أنَّه كناية، لأَنَّ التفرُّق سبب الغناء، على ما قال -تعالى-: ﴿إِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] فيجوز أن يعبِّر بأحدهما عن الآخر، وأقربهما على ما ذكره الإِمام المَنْعُ، كما لو قال: بارَكَ اللهُ فِيكَ أو دعا بدعوة أخرى.
وفي قوله " قومي" وجْهَان أيْضاً: أصحُّهما: عند القاضي الرُّوياني وغيره، أنَّه لَيْس بكناية؛ لأنَّه لا يشعر بالمفارقة، والمذكور منْهما في "التهذيب" أنه كناية، كأنَّه يشير إلى الانتهاض، والانتفال.
وأمَّا الألفاظ التي لا دلالة لها على الطَّلاق، ولا تحتمله إلا على تأْويل متعسِّفٍ، فلا أثر لها؛ فلا يَقَع بها الطلاق، وإن نَوَى ذلك، كقوله: "بَارَكَ اللَّهِ فِيكِ، وأحْسَنَ اللهُ جزَاءَكِ" وما أحسن وجْهَكِ وَتَعَالَى، وأقْرْبُيِ واغزلي، واسقيني، وأطْعِميني، وَزوِّديني، وما أشبهها وعند صاحب "التهذيب" وصاحبَ الكتاب وغيرهما قوله: اقعدي، من هذا القبيل.
وذكر الروياني في "الحلية" أنه أصحُّ الوجهين، وحكى في "التجربة" 84 عن أبيه أنَّه كناية؛ لأنَّه قد يريد القعود عن خدمة الزوج؛ بسبب الفراق، وأيضاً فقَد يربد القعود للعِدَّة.
وقال القاضي أبو الطيِّب: قال الماسرجسي: في القلب من قوله: زوديني شُبْهةٌ؛

الجزء: 8 - الصفحة: 516

لأنَّه يجُوز، أن يكُون إشَارةٌ إلى الطَّلاق من حيثُ إن الزاد يطلب للفراق، وكذلك حكى الحناطي وجْهاً في قوله: "زَوِّديِني" "وَأحْسَنَ اللهُ جزاءك" وغيرهما: أنَّه إذا نوى، وَقَع الطلاق.
وعن مالك أن كل لفظة نوى بها الطلاق، وقَع الطلاق، وإن لم يكُنْ فيها مَعْنى الإِزالة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَقَوْلِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ وَمُعْتَقَةٌ كِنَايَةٌ فِي الطَّلاَقِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ كِنَايَةٌ في العِتَاقِ (ح)، أمَّا لَفْظُ الظِّهَارِ وَالطَّلاَقِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْتَمِلُ الآخَرَ وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ؛ لأَنَّ تَنْفِيذَهُ صَرِيحاً مُمْكِنٌ في مَوْضُوعِهِ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهَا: اعْتَدِّي وَنَوَى الطَّلاَقَ فَفِيهِ وَجْهَان؛ لأَنَّها غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْعِدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألتان: إحداهما: لو قال لامرأته أنتِ حرَّةٌ أو معتَقَةٌ، أو أعتقتُكِ، ونوى الطلاق، وقَعَ الطَّلاقُ، وكذلك لو قال لعبده، طلَّقْتُك، ونوى العِتْق، يُعْتق؛ لما بين الملكين من المناسبة والمشاركة يصلح كل واحد منهما كنايةً في الآخر وكما أن صريح كل واحد منهما كناية في الآخر، فكناياتهما مشتركة مؤثرة في العقدين جميعاً بالنية، نعم، لو قال لعبده اعْتَدَّ أو اسْتَبرىْء رَحِمَكَ، ونوى العِتْق، لم ينفَذْ؛ لأن الاعتداد واستبراءَ الرَّحِم مستحيلٌ في حقِّه، فلا يصلح كنايةً على المقصود.
ولو قال ذلك لأمته، ونوى العتق، أو لزوجته قبْل الدخول، ونوى الطلاقَ، فوجهان: أحدهما: أنه لا تصلح للكناية؛ لأنها غير متعرِّضة للعدة.
وأظهرهما: الصحَّة لان لهما محليَّة العدَّة، واستبراء الرحم في الجملة، وذلك كافٍ في صحة الكناية.
وقال أبو حنيفة: صرائحُ الطَّلاقِ، وكناياته لا يكون كنايةً في العتْق إلاَّ قوله: لا سُلْطَانَ لي عليْكِ، ولا مِلْك لي عليك؛ فإنَّه سلم نفوذ الطلاق والعتق جميعاً بهما.
ولنا القياس على ما سلَّمَه، والجامِعُ أنَّها ألفاظٌ تزيل مِلْك النكاح.
الثانية: الطلاق ليس بكناية في الظهار، ولا الظهار في الطلاق، وإن كان كلُّ واحد منهما محتملاً للآخر؛ لِمَا يشتركان فيه من إفادة التحريم؛ وذلك لأنَّه أمكن تنفيذ كل واحد منهما في موضوعه الَّذي هو أصل فيه، فلا يُعْدَل عنه إلى ما هو فرع ومستعارٌ فيه، ولا سبيل إلى الجَمْع بينهما؛ لأن المعنيين اللذين يصلُحُ اللفظ لهما الجَمْع بينهما كما في الأسماء المشتركة، بل تارَةً يستعمل لهذا، وتارَةً يُسْتَعْمل إلى ذلك، وإنما الَّذِي

الجزء: 8 - الصفحة: 517

يتتاول الآحاد، ويجمع بينهما هو اللفظ العَامُّ هذا في حقِّ المنكوحة أمَّا لو قال لأمته: أنْتِ عليَّ كظهْر أمِّي، ونوى العِتْق، فالظاهر أنه ينفَذُ العتق؛ لأنه لا نفاذ للظهار، [كما لا نفاذ للطلاق] وكُلُّ واحدٍ منها يصلح كنايةً عن العتق.
وفيه وجه آخر: أنَّه لا يصلُح كنايةً في العتق؛ لأَنَّه لا يزيل المِلْك، بخلاف لفظ الطلاق واعلم أن المسألة الثانية، وإن كانت مقصودة بالذِّكْر، فإِنما ذَكَرها في هذا الموضع، لانَّها قد تورد إشكالاً على قوْلنا إن الطلاقَ والعِتْق لكُلِّ واحدٍ منهما إشعارٌ بالآخر، فيصلُحُ كناية عنه والفرق ما تبيَّن.
وقوله في الكتاب "كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طالقٌ كنايةٌ في العِتَاق" يجوز إعلامه بالحاء مع الألف؛ لأن أحمد -رحمه الله- قال في إحدى الروايتين، بمثل قول أبي حنيفة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ -لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامُ، فَإِنْ نَوى الظِّهَارَ أَوِ الطَّلاَقَ كانَ كَمَا نَوَى، وَلَوْ نَوَى التَّحْرِيمَ حُرِّمَتْ وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، وَلَوْ أَطْلَقَ فَالأظْهَرُ أنَّهُ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَلْغُو لِتَعَارُضِ الاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ فِي مِلْكِ اليَمِينِ وَيَلْغُو في النِّكَاحِ مِنِ غَيْرِ نِيَّةٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذه المسألة كثُرَ فيها الخِلاَف بين الصحابة -رضي الله عنهم- فمَنْ بعْدَهم.
وصورَتُها: أن يقول لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ أو محرَّمة أو حرمتك، والحكم فيها على التفصيل عنْدنا، فإن نوى بقَوْله الطلاقَ، فهو طلاق؛ لأن الطلاق سبَبٌ تحريم به البراءة، فيَصِحُّ أن يكنى: بالحرام عنه، ثم هذا الطلاق يكون رجعيًّا، فإن نوى عدداً، فهو على ما نوى، كما في سائر الكنايات.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً: أنَّه لا يكونُ طلاقاً، إذا فرَّعنا على أنَّه صريح في اقتضاء الكفارة، على ما ستعرفه على الأثَرِ، وهذا وإن كان غريباً، ففيه وفاء بالأصل الذي سبق غيْرَ مرَّة أنَّ اللفظ الصريح إذا وجد نفاذاً في 85 موضوعه لا ينصرف إلى غيره بالنية، ويحْصُل به الاستغناء عن العدد المَذْكُور في أوَّل "الخُلْع" عند التزام هذه المسألة، وإن نَوَى الظِّهار، كان ظهاراً لأن الظِّهار إنما يقتضي التحرْيم إلى أن يكفِّر، فجاز أن يكنى عنه بالحرام، وإن نواهما، فلا يثبتان 86 جميعاً؛ لأن الطلاق يزيل النكاحَ، والظِّهارُ يستدعي بقاءه، ثم فيه أوجه: قال ابن الحدَّاد، وأكثر الأصحاب يخيِّر فما اختاره ثَبَت.
وقال بعْضُهم: يكُون طلاقاً؛ لأنه أقوى من حيث إنه يزيل المِلْك.

الجزء: 8 - الصفحة: 518

والثالث: ذَكَره في "التهذيب" أنَّه يكون ظِهَاراً؛ لأن الأصل بقاء النكاح، هذا إذا نواهما معاً، فإن نوى أحدهما قيل الآخر، فعن ابن الحدَّاد؛ أنَّه إن أراد الظِّهَار ثم أراد الطَّلاَق صحَّا جميعاً، وإن أراد الطَّلاق أولاً فإن كان بائناً، فلا معْنَى للظهار بعْده، وإن كان رجْعياً، وكان الظهار موقوفاً فإن راجعها فهُو صحيح والرجعة، عَوْد، وإلاَّ فهُوَ لَغْوٌ 87. قال الشيخ أبو علي: وهذا فاسدٌ عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان، فلا يفترق [في] الحكم بين أن يريدهما معاً أو يريد هذا ثم يريد هذا، وأيضاً، فإنه إذا نواهما على التعاقُبِ كانَتْ كل واحدة من النيتين مقارنةً لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلافٌ سيأتي.
قال: وموضع هذا النَّظَر والتفصيل ما إذا قال: أنتِ على حرامٌ كظهر أمي، يجمع بين اللفظين، وهذه الصورة بتفصيلها مذكورةٌ في الكتاب في "باب الظِّهار"، وإن نوى تحْريم عيْنِها أو فرْجِها أو وطْئها، [لم تحْرُمْ] 88 عليه؛ رُوِيَ أن رجُلاً أتى إلى ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- فقال: "إني جَعَلْتُ امْرأتِي عليَّ حَرَاماً" فقال: كذَبْتَ ليست عليْكَ بحرام، ثم تلا قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ 89 [التحريم: 1] يلزمه كفَّارة يمين؛ لأنه لو خاطَب أمَتَه بذلك، لزمَتْه الكفَّارة، وفيه نَزَلَ قَوْلُه تعالى، لمَّا حرَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- ماريَةَ على نَفْسِه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ [التحريم: 1] الآية إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وذلك أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- أَتَى مَنْزِلَ حَفْصَة -رضِيَ اللهُ عَنْها- وَلَمْ يِجدْهَا وَكَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ إلى بَيْتِ أَبِيْهَا -رَضي الله عَنْه- فَدَعَا أَمَتَه مارِيَة إِلَيْهِ فَأتَتْ حَفْصَة، وَعَرَفَتْ الحال فغضبت، وقالت: يا رسول اللهِ في بَيْتي، وفي يَوْمِي، وَعَلَى فِرَاشِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَسْتَرضِيْهَا: إِني أُسِرُّ إليكِ سِرًّا فاكتميه، هي عليَّ حَرَامٌ، ووردت الآيات 90.

الجزء: 8 - الصفحة: 519

وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1] أي قد أوجَبَ عليكم كفَّارة أيمانكم، فعُرفَ بالقصة وجوبُ الكفارة في تحريم الأَمة، وقاس الشافعيُّ -رضي الله عنه- تحْريم الزَّوْجة عليْه بأنه تحريمٌ من حين يحرمانه، ثم الكفَّارة المتعلقة بقَوْله للزوجة: أنْتِ عليَّ حرامٌ مع نيَّة التحريم، متى تلزم عن رواية صاحب " التقْريب" وأبي يعقوب الأبيوردي 91 وغيرهما وجه: أنَّما تلزم إذا أصابها، ويكون هذا اللفظ مع نيَّة التحريم بمثابة الحَلِف على تَرْك الإِصابة.
ولو حلف ألاَّ يصيبها فإنما يلزمه الكفَّارة إذا أصاب، وقد يتبادر إلى الفَهْم من قوله تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ جَعْلُ هذا اللفظ يميناً، وربما احْتُجَّ له بان الشافعيَّ -رحمه الله- قال في "الإِملاء" وإن نَوَى الإِصابة قُلْنا: "أَصبْت" وكَفِّر أشعر ذلك بتعليق الكفَّارة بالإِصابة؛ وعلى هذا الوجه، يصير موليا بقوله أنْتِ عليَّ حرامٌ؛ لوجوب الكفارة لو وطئها، ويكون بمثابة قوله: والله لا أطَؤُك، والصحيح أن الكفارة تلْزَم في الحال؛ لأن الله -تعالى- فَرَض الكفَّارة من غير شرْط الإِصابة، والكفارةُ الواجبَةُ مثْل كفارة اليمين، وليست هي كفَّارة اليمين، وكيف يجعل قولُه: أنْتِ عليَّ حرامٌ يميناً، ومعلومٌ أَن اليمين إِنَّما تنعقد بالله تعالى أو بصفة من صفاته، وقول الشَّافعي: أصب وكفِّرْ، أراد به أن يُبَيِّن أن الإِصابة لا تَحْرُم قبل التكفير، بخلاف الظِّهَار، وإذا قلْنَا بالصحيح فلو قال: أردتُّ بقولي: أنْتِ عليَّ حرامٌ الحَلِفَ على الامتناع من الوطء ففي قبوله وجْهان حكاهما الإِمام -رحمه الله-.
أحدهما: أنه يقبل ويثْبُت القسم؛ لأن موجب القَسَم عنْد الحَنِث يُضَاهي موجب التحريم.
وأَظهرهما: المَنْع؛ لأن اليمين إنما ينعقد بذِكْر اسم معظَّم، والتحريمُ ليس صريحاً فيه ولا كناية، وليس فيه إِلا ذكْر المُقْسَم عليه، وعلى الأَوَّل تردَّدوا في أن = لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} -إلى قوله- ﴿وَصَالِحْ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه، ويراجع أمته، ورواه الدارقطني من حديث عمر ولفظه: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، ثم ساقه بنحوه، وقال في آخره: فذكرته لعائشة فآلى أن لا يدخل عليهن شهراً، وأصل هذا الحديث رواه النسائي والحاكم وصححه، من حديث أنس قال: كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
وروى أبو داود في المراسيل عن قتادة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت حفصة، فدخلت فرأت معه فتاته، فقالت: في بيتي ويومي، فقال: اسكتي فوالله لا أقربها وهي عليّ حرام، وبمجموع هذه الطرق يتبين أن للقصة أصلاً، أحسب لا كما زعم القاضي عياض أن هذه القصة لم تأتِ من طريق صحيح، وغفل رحمه الله عن طريق النسائي التي سلفت فكفى بها صحة، والله الموفق.

الجزء: 8 - الصفحة: 520

التحريم هل يصير يميناً بالنيَّة في غير الزوجات والإِماء في المطاعم والملابس، أو يختص ذلك بالأَبضاع 92. وإن أطْلَقَ قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ ولم ينوِ شيئاً، ففيه قولان منسوبان إِلى "الإِملاء"؛ لأنه ذكَرَ هناك أن فيه كفارة يمينٍ، ثم قال: ولو قال قائل: إِنه لا شيء فيه كان مذْهباً.
وأصح القولَيْن: أنَّه تجب الكفَّارة وقوله: أنتِ عليَّ حرامٌ صريح في التزام الكفَّارة؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَرَّمَ مارية على نَفْسِه، فنَزَل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله﴾ [التحريم: 1] فأمر رسول الله -كل من حرم على نَفْسِه ما كان حلالاً له أن يُعْتِقَ رقَبَة، أو يطعم عَشَرة مساكين، أو يَكْسُوَهمْ.
والثاني: أنَّه لا شيء عليه، وهذا اللفظ كنايةٌ في الكفَّارة 93؛ لأنه لو إن صريحاً في التزام الكفَّارة، لكان لا يصير كنايةً في الطلاق والظهار؛ لِمَا مرَّ أن اللفظ إذا وَجَد نفاذاً في موضوعه لا ينْصَرف بالنية إلى غيره، والناصرون للقول الأول اعتذروا عن هذا الالتزام من وجهين: أحدهما: ما سبق في أول "كتاب الخُلْع".
والثَّاني: قال الشيخ أبو عليٍّ: الحرام وإن كان صريحاً في التزام الكفَّارة، فليس على طريق القَطْع؛ بل يَحْتَمِل الطَّلاق وغيره؛ لأنه مجْتَهَد فيه.
وذهب أبو بكر الصِّديق -رضي الله عنه- وعائشةُ -رضي الله عنها- إلى أنَّه يمين وكفَّارته كفارة يمين وعمر -رضي الله عنه- إلى أنه صريح في طلقة رجعيَّة، وعثمان -رضي الله عنه- إلى أنَّه ظهار، وعليٌّ -رضي الله عنه- إلى أنَّه صريح في الطلقات الثلاث وبه قال زيد، وأبو هريرة -رضي الله عنهما- وذهب ابن مَسْعُود -رضي الله عنه- إلى أنَّه ليس بيمين، وفيه كفارةُ يمينٍ، كما هو أصحُّ قولي الشَّافعي في الطلاق [و] 94 إنَّما يجعل الصريح في بابه على القَطْع كنايةً عن غيره؛ كالطلاق والظهار الصريحين في بابهما.
واعْلَمْ أن التفصيل الذي سقناه يستمرُّ فيمن قال: أنْت عليَّ حرامٌ في البلاد التي لم يشتهر فيها لفْظ الحرام في الطلاق، وفيمن قاله في البلاد الَّتي اشتهر فيها بالطلاق إذا فرَّعنا على أن الشيوع والاشتهار لا يلحقه بالصرائح، وأما إذا قُلْنا: إنه يصير صريحاً به،

الجزء: 8 - الصفحة: 521

فقضية ما في "التهذيب" أنَّه يتعيَّن الطلاق، ولا يفصل وملخص ما ذكره الإِمام على طُولِه أَنَّ ذلك لا يمنع صرْفه بالنية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنَّا وإن جعلْناه صريحاً في الكفارة عنْد الإِطلاق، يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق وأنَّه إذا أطلق، وفرَّعنا على أنَّه صريح في الكفَّارة، ينبني على أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فحسب، ومنه ومن ورود القرآن والشريعة به فإن قُلْنَا بالأوَّل، فلا يُفْرَض له ازدحام، ويتعين الحَمْل على ما هو أغْلَبُ في الاستعمال، وإن قُلْنا بالثاني، فيثبت الطلاق، لقوته أو يتدافعان ويتعارض؛ فيه رأيان.
ولو قال لأَمَتِه: أنْتِ عليَّ حرامٌ أو حرَّمْتُك، فإنْ نَوَى به العِتْق، فهُو عتْق، وإن نوى به الطَّلاق أو الظهار، فلا مَجَال له في الأَمة، فيلغو قال في "الشامل": وعنْدي أن نية الظِّهَار كَنيَّة التحريم؛ لأن معْنَى نيَّة الظهار أن ينوي أنها كظَهْر أمِّه في التحريم، وهذا نية التحريم بصفة مؤكدة، دمان نوى تحريم عيْنها لم تُحرم، وعليه كفَّارة يمين، كما ذَكْرنا في الزوجة، وإن أطْلَقَ ولم ينْو فطريقان: أصحهما: أنه على القولين المذكورين فيما إذا خاطب به زوجته.
والثاني: القَطْع بوجوب الكفَّارة؛ لأن [تحريم] الأمة هو الأصْل في ورود الآية، ويَحْصُلُ من الطريقين، إذا قيل: خاطب زوجته وأمته، بقوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ، ولم ينوِ شيئاً، ثلاثةُ أقوال أو ثلاثةُ أوجُهٍ، كما في الكتاب: أظهرها: الوجوب.
وثانيها: يلغو.
وثالثها: الفرق بين الزوجة والأَمَة.
ولو قال ذلك لأمته الَّتي هي أخْته، ونوى تحريم عَيْنها، أو لم ينوِ شيئاً، لم تلزمْه الكفارة؛ لأنَّه صَدَق في وصفها، وإنما أوجب الشرع الكفَّارة إذا خالف حُكْمه، ووصف الحلال بالحرمة ولو كانت الأمة معتدَّةَ أو مرتدَّة أو مزوجة أو مجوسيةً، أو كانت الزوجة معتدَّة عن الشبهة، أو محرمة، فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك لأنها محرمة عليه في الحال.
والثاني: تجب الكفارة؛ لأنَّها محَلُّ الاستباحة بخلاف الأخْتِ، وصار كما لو كانَتْ حائضاً أو نُفَساء أو صائمة.
وطرد الحناطيُّ الخلاف في هؤلاء.
والظاهر الأَوَّل، فإنَّها عوارض سريعةُ الزوال، ولو خاطب الرجعية به، لم يلزمْه شيْءٌ.
فرع: قال هذا الثوب، أو العبد، أو الطعام حرام عليّ لم يلزمه شيء، ولو قال: هذا الثوب أو العبد أو الطعام حرام فليس فيه كفارة، وليست الأَمْوال كالأَبضاع؛

الجزء: 8 - الصفحة: 522

لاختصاصها بالحظر والاحتياط ولأن تأثرها بالتحريم أشدُّ؛ ألا ترى أنه يؤثر فيها الظهار، ولا يؤثِّر في الأموال وعند أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: التحريم فيها يمين، وتتعلق به كفارة يمين، وكأنه حَلَف على أنَّه لا ينتفع بماله، فإذا انتفع، لَزِمَتْه الكفارة.
ولو قال: كُلُّ ما أملِكُ حرامٌ عليَّ، وله زوجاتٌ وإماء، ونوى التحريم فيهن، أو أطْلَقَ وجعلناه صريحاً، فيكفيه كفَّارةٌ واحدةٌ أو يجبُ لكلِّ واحدة كفارةٌ، فيه طريقان: أحدهما: -وبه قال أبو إسحاق- أنه على قولَيْن كما لو ظاهر عن نِسْوة بكلمة واحدة.
والثاني: القَطْع بكفارة واحدةٍ، كما لو حَلَف أن لا يكلِّم جماعة، فكلمهم، والأصح الاكتفاء بكفارة واحدة.
وحكى الصّيدلانيُّ وغيره وجْهاً أو قولاً آخر: أنَّه يجب للزوجات كفَّارة، وللإِماء كفَّارة.
وحكى الحناطي وجْهاً ضعيفاً: أنَّه يكفِّر للمال أيضاً، وربما جاء على ضعْفِه فيما إذا وصَف المال وحْدَهُ بالتحريم، ويجري القولان فيما إذا قال لأربع نسوة: أنْتُنَّ عليَّ حرامٌ.
ولو قال: لامرأته: أنْتِ عليَّ حرام، أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى التحريم، أو جعلناه صريحاً، فإن قالها في مجلسٍ واحدٍ، كفته كفارة واحدة، وإن اختلَف المجلسُ، وأراد التأكيد فكذلك الجواب وإن أراد الاستئناف، فعَلَيْه لكلِّ واحدة كفَّارة، وقيل: يكفي كفارةٌ واحدةٌ، وإن أطْلَق فعَلَى قولين كذلك، وشذ الحناطي.
وقوله في الكتاب "فإن نَوَى الطَّلاَقَ أو الظِّهَار كان كَمَا نَوى" يجوز إعلامه بالواو للوجه الغريب الَّذي حَكَيْنَاه: أنَّه لو نوى الطَّلاق، لم يكن طلاقاً، إذا فرَّعنا على أَنَّه صريحٌ في اقتضاء الكفَّارة، ويجوز إعلام الظهار بالميم؛ لأن عن مالك فيما رواه ابن الصباغ -رحمهما الله- أن قَوْله: أنْتِ عليَّ حرام صريحٌ في ثلاثِ طلقات، كما هو مذهبُ عليٍّ -كرم الله وجهه- وإِعْلام الطلاق بالألف؛ لأن عنْد أحمد -رحمه الله- هو ظهارٌ، كما هو مذهب عثمان -رضي الله عنه-، وقوله "ولو نَوَى التَّحْرِيمَ حُرِّمَتْ" وَكَذَلِكَ يوجد في أكثر النسخ، والصواب "لم تحرم" وكذلك نجد في النسخ الصحيحة، وذكر في "الوسيط" أنه إن نوى التحريم، كان يميناً، وهو أيضاً خلافُ ما قاله الأصحاب -رحمهم الله- على طبقاتهمْ؛ فإنهم قالوا: إنه ليس بيمين، ولكن فيه كفارة يمين.
وقوله: "لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ" أي كفارة يمين، وليعلَّمْ بالميم، والألف؛ لما عرَفْتَ من مذهبهما.
وقوله: "يُوجِبُ الكَفَّارةَ" بالحاء والميم؛ أما الميم؛ فلما تبين، وأما الحاء؛ فلأن

الجزء: 8 - الصفحة: 523

عند أبي حنيفة -رحمه الله- قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ يمينٌ، وهو بمثابة قول القائل: والله لا أطؤك حتى يكون إيلاءً في حق الزوجة، ويتعلق الكفَّارة فيه بالحنث، وإذا كان كذلك، لم يكن الإِطْلاَق موجباً للكفَّارة، ويجُوز أن يعلَّم قوله: "يلْغُو" بالحاء والميم أيضاً، وقوله "لتعارض" يَعْني احتمال الظِّهَار والطلاق وغيرهما، وقوله: "هُوَ صَرِيحٌ في الكَفَّارَة" وفي بعض النسخ "في التَّحْرِيم" أي في معنى التحريم الذي موجبه الكفارة، والأول أوضح.

فُرُوعٌ وفوائدُ: الأوَّل: لو قال: أنْت حَرَامٌ ولم يقل "عَلَيَّ".
قال في "التهذيب": هو كناية قولاً واحداً، ولو قال: أنْتِ عليَّ كالميتة، والدم، أو الخمر أو الخنزير، وقال: أردتُّ الطلاق أو الظهار، فهُو كما نوى، وإن قال أردتُّ التحريم، فعليه الكفارة، وإن أطْلَقَ فظاهرُ النصِّ: أنه كالحرام، عَلَى ذلك جَرَى الإِمامُ، ثم قال: يجوز ألا تَجْعل هذه الألفاظ صرائحَ، وتخصيص الحَرَام بكونه صريحاً؛ لورود القرآن [به] 95، والذي ذكَره على سَبِيل الاحْتمال، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
قال الحناطي: الخِلاَفُ عنْد الإِطلاق هاهنا مرتَّب على الإِطلاق، في لفظ الحرام، وهذا أَوْلَى بأن لا يُجْعَلَ صريحاً وحكي قولاً هاهنا أنَّه لا تجب الكفارة، وإن أراد التَّحْريم.
قال الشيخ أبو حامد: ولو قال: أردتُّ أنها حرامٌ عليَّ فإن جعلْناه صريحاً وجبت الكفارة، وإن جعلْناه كنايةً لم تَجِبْ؛ لأنّه لا يكون للكناية كناية، وتبعه على هذا جماعةٌ، لكن لا يكاد يتحقَّق هذا التصوير؛ لأنَّه ينوي باللفظ معنى لفظ آخر لا صورة اللفظ، وإذا كان المَنْوِيُّ المعنى، فلا فَرْق بين أن يقال: نَوَى التحريم وبين أن يقال: نوى: أَنْتِ عَلَيَّ حرامٌ، ولو قال: أردتُّ أنها كالميتة في النفرة والاستقذار، قُبِلَ: ولم يلزمه شيء، ذكَره أبو الفرج السرخسي.
الثاني: قال إسماعيل البوشنجي: إنما يقع الطَّلاق بقوله: أنتِ حرامٌ عليّ إذا نوى حقيقة الطَّلاق، وقصد إيقاعه بهذه اللفظة، أمَّا إذا لم يَنْوِ، كذلك لم يقع وإن اعتقد قوله: أنْتِ عليَّ حرَامٌ موقعاً، وظن أنه قد وقَع طلاقُه، وحُكِي عن بَعْض أصحاب أبي حنيفة أنَّه يقع إذا ظنَّه موقعاً، وإن لم ينوِ الإِيقاع، وأن الفقيه أبا الليث -رحمه الله- اختار ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 524

الثالث: قال الشيخ أبو نصر بن الصباغ: ينْبَغِي ألاَّ يفرق بيْن أن يقول: أردتُّ بقولي: "أنْتِ عليَّ حرامٌ" التَّحريم وبين أن يقول: لم أنْوِ شيئاً؛ لأن اللفظ صريحٌ في هذا المعنى، فلا مَعْنَى لاعتبار النية وظاهر هذا طريقه جازمة، بأن صورة الإِطلاق حكمها حُكْمُ ما لو قصدت التحريم.
الرابع: إذا قال متى قلت لامرأتي: أنْتِ عليَّ حرامٌ، فإني أريد به الطلاقَ، ثم قال لها بعد مدة: أنْتِ عليَّ حرامٌ، فعن أبي العباس الرُّوياني بأنَّه يحتمل وجهَيْن: أحدهما: الحَمْل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
والثاني: أنَّه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته قد تغيَّرت 96. واعلم أنه قد تكرَّر في كلام الأصحاب في المسألة أن قوله: "أنْتِ عليَّ حرامٌ" صريحٌ في الكفَّارة أو التزام الكفارة أو هو كناية، وفي الحقيقة ليس لزوم الكفارة أو التزامها معنى اللفظ؛ حتى يقال هو صريحٌ فيه أو كناية، وإنما هو حكم رتبه الشرع على التلفظ 97 بهذه اللفظة، واختَلَفوا في أن هذا الحُكْم، هل يتوقَّف حتى ينوي التحريم أو لا يتوقف؟ فتوسَّعُوا باطلاق لفظ الصريح والكناية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنِّيَةُ في الكِنَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ اللَّفْظِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ، فَلَوْ اقْتَرَنَ بِأَوَّلِ اللَّفْظِ دُونَ آخِرِهِ نَفَذَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِآخِرِهِ دُونَ أَوَّلِهِ فَوَجْهَان، وَالكنَايَةُ لاَ يَصِيرُ صَرِيحاً بِقَرِينَةِ الغَصْبِ وَاللَّجَاجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفي هذه النية أصْلاَنِ لا بدّ من معرفتهما في الكنايات.
أحدهما: أن الكنايات الظاهرة لا تعمل بنفسها، بل لا بُدَّ فيها من نية الطلاق.
وقال مالك -رحمه الله-: إن الكناياتِ الظاهِرَة لا تحْتَاج إلى النية، واحتج الأصحاب أنَّها كناياتٌ لم تقترن بها نية الطَّلاق، فأشبهت سائر الكنايات من غير نيَّة فالنيَّة أيضاً لا تعْمَل في الطَّلاق من غير لفظ صريح وعن مالك أن الطلاق يقع بمجرد القَصْد.
واحتج الأصحاب بأنَّ الطَّلاق حَلُّ عقْدٍ، فلا يحصل بمجرد النية، كالفسخ، والإِقالة إذا عرف ذلك فينبغي أن تقترن النية باللفظ، فلو تقدَّمت وتلفظ بلا نية أو فرغ منَ اللفظ ثُمَّ نوى لم يَقَع الطلاق، ولو اقترنت بأول اللَّفْظ وعزبت قبل تمامه بأن قصد إيقاع الطلاق عند قوله: أنْتِ، ولم يَنْوِ هذا القصد عند الانتهاء إلى طالقٍ، فوجهان: في وجه: لا يقع الطلاق؛ لأن ما قارنته النية غير مفيد.

الجزء: 8 - الصفحة: 525

والثاني: خالٍ عن النية.
وأظهرهما: -على ما ذكر الإِمام، وصاحب الكتاب-: الوقُوعُ؛ وإذا اقترن بأوَّله عُرِفَ قصده من اللفظ، فالتحق بالصريح، ولو اقترنت بآخر اللفظ، وخلا أوَّلُه عنْها، فوجهان أيضاً.
وجْه الوقوع: أنَّ وقت الوقوع حالة تَمَامِ اللفظ، وقد قارنتها النية.
ووجه الآخر: أنَّ صدْر اللفظ عَرِيٌّ عن الطلاق، والانعطافُ على ما مضى بعيدٌ، بخلاف استصْحَاب ما وُجِدَ، وسكت الإِمام عن الترجيح في هذَيْن الوجهين، وكذلك فعل صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" وذلك يُشْعِر بأنهما رأيا الأظهر 98 فيما إذا اقترنت النية بآخر اللفظ دون أوَّلِه البُطْلاَنَ، لكنَّ صاحب "التتمة" قرب الوجهين فيما إذا اقترنت بأوله دون آخره من الوجهين فيما إذا اقترن بآخره دون أوله من القولين، فيما إذا نوى المسافر الجَمْع في أثناء الصلاة، ولم يَنْو في أولها، وقضيَّة هذا التشبيه والتقريب أن يقال: إذا كان الوقوع فيما إذا اقترنت النية بأول التكبير دون آخره الانعقاد، والأظهر فيما إذا نوى الجَمْع في أثناء الصلاة صحَّة صلاة الجمع.
الثاني: الكنايات لا تلحق بالصَّرائح، لسؤال المرأة الطلاق، ولا بقرينة الغَضَب واللَّجَاج؛ لأنه قد يقْصِد خلاف ما تُشْعر به القرينة، واللفظ في نفسه محتملٌ.
وقال مالك -رَحمه الله-: تلتحق الكنايات بالصرائح بقرينة السؤال وقرينة الغضب.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- تفصيل طويلٌ في الكنايات؛ منْها ما ألحقه بالصرائح بالقرينتين جميعاً، ومنْها ما ألحقه بقرينة السؤال دون الغضب.
وقال أحمد -رحمه الله-: دَلاَلَةُ الحالِ في جميع الكنايات تقُوم مقام النية، ومهْما خاطَب الزَّوْج زوجته بلفظ من ألفاظ الكنايات، وقال: لم أَنْوِ الطلاق، فهو مصدَّقٌ بيمينه، فإن نَكَلَ، حَلَفَتِ المرأة، قُضِيَ بوقوع الطلاق، وربَّما كان قد أقرَّ بذلك ثم جَحَد فإن لو علمت النية لفظية بقرائن ومخائل، يجوز الحلف بمثلها.
هذا شرح ما اشتمل عليه الفَصْل الأول من الرُّكن ونعقبه بمسائل مستفادة تتعلق بالصرائح والكنايات المعقود لها الفَصْل؛ والله أعلم.

الجزء: 8 - الصفحة: 526

في "الزيادات" للشيخ أبي عاصم العبادي أنَّه إذا قال: بعْتُ منك طلاقَكِ، فقالت: اشتريْتُ، ولم يذكرُ عوضاً لا تحصُلِ الفرقة، إذا لم يكُن نيَّة، وقيل: تقع طلقةً بمهر المثل، وأَنَّه إذا قال: هذا بطلاق (برامنت دركردم) 99 فهو كناية.
وقال إسماعيل اليوشنجي: لا يَقَع؛ لأنَّه لم يقصد الطَّلاقُ إليها، ولا إلى جزء من أجزائها، ولو قال: هذا بطَلاق هو (بلى كردم) 100 ونوى الطلاق طُلِّقَتْ [ثلاث]، طلاقاً والمعنى: طلقت - طلقتك، ألفاً بمرة، وأنَّه إذا قال: لم يبق بيني وبينك شيء، ونوى الطلاق، لم تُطَلَّقْ، وفي هذا توقّف 101، وأنَّه إذا قال: برئت من نكاحِكِ، ونَوَى، طُلِّقَتْ، ولو قال: برِئْتُ من طلاقك.
لم تطلَّق، نوى أو لم ينوِ، ولو قال: بَرْئِتُ إليْك من طلاقك، قال إسماعيل، البوشنجي، يكون كناية، على تقدير تبرَّأْتُ منْك بواسطة إيقاع الطلاق علَيْك، ولو قال: أبرأتك أو عفوت عَنْك، فهو كناية؛ لأن اللَّفْظين يُشْعِرَان بالإِسقاط، وللزَّوْج حقُوقُ النِّكَاح، وتسقط عنها بالطلاق، وأنَّه لو قال طلقك الله، أو قَالَ لأمته: أعتقك اللهُ طُلِّقَتْ وَعَتَقَتْ، وهذا يُشْعر بأنهما صريحان ورأى البوشنجي إلْحاقهما بالكنايات، لأنَّهما يحتملانِ الدُّعاء والإِنشاء؛ وبتقدير العمل على الإِنشاء، فهو ليس بصريح في إيقاع الطلاق، بل المعنى: طلقتك بحكم الله تعالى، بوقوع طلاقك، وقَوْل مستحق الدَّيْن لمن عليْه الدين أبرأك الله كقوله لزوجته: طلَّقَكِ الله، وأنَّه لو قال: أنْتِ طال، وترك القاف، طلِّقَتْ حمْلاً على الترخيم، قال البوشنجي؛ لا ينبغي أن يقع الطَّلاق، وإن نوى.
نعم، إذا قال يا طال، ونوى، يَقَع؛ لأن الترخيم في العربية إنَّما بعهد في النداء، فأما في غَيْر النداء فلا يُعْهَد إلا نادراً في الشِّعْر، وأنَّه إذا قال: الطلاق لازمٌ لِي أو واجبٌ عليَّ، تطلَّق للعُرْف، ولو قال: فرضٌ عليَّ، لمْ تطلَّق؛ لأنه لم يجر 102 العُرْف فيه ورأى البوشنجي أن جميع هذه الألفاظ كنايةٌ؛ لأنَّه لو قال: طلاقُكِ عليَّ، واقتصر عليه، ونوى الوقوع، وقع، فوصفه بقوله "واجب" أو "فرض" يزيده تأكيداً وأيضاً فقد يَعْنِي بالوجوب السقوطَ وكأنه قال طلاقُكِ عليّ ساقط، وواقع، وهو معروف في الكنايات، وحكى صاحبُ "العُدَّة" الخُلاَف، فقال: لو قال: طلاقُك لازمٌ [لي] 103، فوجهان، قال أكثر الأصحاب: هو صريحٌ، وأنه لو قال (توم أخبرى باشى) 104، ونوى

الجزء: 8 - الصفحة: 527

الطَّلاَق لا يقع؛ لأنَّه كاذبٌ، وهذا الوجه للأصحاب ذكروه فيما إذا قال: لست بزوجةٍ لي، فرُبَّما علَّل ذلك بأنَّه صريحٌ في الإِقرار، فلا يصير إنشاءً بالنية، والأظهر أنَّهما كنايتان في إنْشَاء الطلاق، وكذا لو قال (توازان من هيج مني) 105، وذكر القفَّال أنَّه لو قال (يك طلاق ودو طلاق وسه طلاق) 106 (دوّميني معنى) 107 وطلقت فلاناً، ولو قال: (يك ورود بينه معنى آن) 108 نوى الطلاق، وقَع الثلاثُ، إن لم ينْوِ، لم يقَع شيْء، وفي "فتاويه" أنَّه لو قال: اذْهَبِي إلى بَيْت أبَوَيَّ ونوى الطلاق، إن نواه بقوله: اذْهَبِي، وَقَع، وإن نواه بمجموع اللفظين، لم يَقَع لأن قوله "إلى بيت أبَوَيَّ" لا يحتمل الفراق، بل هو لاستدراك مقتضى قَوْلِه: "اذْهَبِي"، وأنه لو قال لامرأته: أنْت طالقان أو طوالق، لم يقع عليها إلاَّ طلقةٌ واحدةٌ وإن قوله: (يومك طالق أزمن جداى) 109 صريحٌ وأنَّه لو قال: كل امرأة لِي طالقٌ إلاَّ عمرة ولا امرأة له سواها، يقع طلاقها، والاستثناء باطلٌ 110 لاستغراقه.

الجزء: 8 - الصفحة: 528

ولو قال: النِّسَاءُ طَوَالِقُ إلاَّ عَمْرَةَ ولا امرأة له سواها، لم تُطلَّق؛ لأنَّه لم يضفهن إلى نفسْه، بخلاف قوله: كلُّ امرأة لي، ولو كانت امرأته في نسْوة فقال: طلقْتُ هؤلاء إلاَّ هذه فيشير إلى زوجته، لم تُطلَّق؛ لأنه عينهن واستثناها وأنَّه لو قال لامرأته، يا بنتي، وقعَتِ الفرقة بينهما؛ لاحتمال السن، كما لو قاله لعبْده 111 أو أمته وأن زوجته لو كانت تُنْسَب إلى زوج أمها، فقال: بِنْتُ فلان طالقٌ لا يقع الطَّلاق عليها؛ لأنها ليست بنْتاً له حقيقةً، ولغَيْره فيه احتمال 112 للعُرْف، وأنَّه لو قال: نساءُ المُسْلِمِينَ طوالِقُ، لم تطلَّق امرأته، وعن غيره أنَّها تطلَّق، وبني الخلاف على أن المخاطَبَ هل يدخل تحْت الخطاب 113، وأنَّه لو قال: (من تومرارم) 114 وأراد به الطَّلاَق، وقع بخلاف، ما إذا قَال (مراز طلاق توبيرارم) 115 وأنَّه لو قَال (بخداى اسمان وزمين وسه طلاق تودركردن من كه كردرخانه بشوم) 116 ودخلها تلزمه الكفارة ولا يقع الطلاق؛ لأن الطَّلاق ليْس محلوفاً به وإنَّما الحَلفَاء بالله تعالى وبصفاته، وأنَّه لو قال: بانت مني امرأتي، أو حَرُمَتْ عليَّ لا يكون إقْراراً بالطَّلاق؛ لأنها من الكنايات، وأنه لو قال لها: أنْتِ بائنٌ، ثم قال بَعْد مدة أنت طالقٌ ثلاثاً وقال: أردتُّ بالبائن الطلاقَ، والثلاث غير واقعة؛ لمصادفتها حال البينونة، لم يُقْبَل؛ لأنه متَّهَم في هذا التفسير بعْد ما خاطَبَها بالثَّلاث، وأنه لو قال

الجزء: 8 - الصفحة: 529

لامرأته (يكِ طلاقٌ أزمن خريدي بصددرم فقالت خريدم) 117 لم يَكُنْ شيئاً إلا أن يقول الرجُل بَعْده: (توفروختم) 118 أو يقول في الابتداء (يك طلاق بصددرم نيوفرورختم) 119 (خريدي) 120 فيقول: (خريدم) 121 وأنه لو قال لامرأته (بطلاق توسركيد خودرم كه بافلان سخن نكويم) 122 لم ينعقد، ولم يقع الطلاق لو كلمة؛ لأن قول (بخداي هيني) 123 وإن لم يصل به قولُه: (سوكند خوردم) 124 حتى لو قال (بخداي كه يا فلان سخن نكَويم) 125 كان يميناً، وأما الطلاق فليس مما يحلف به، وإن قال: بطلاقك ألا أكلِّمَ فلاناً، لا يقع الطلاق، إذا كلَّمه [وأنه] 126 لأن الطلاق لا يحلف به لو قالت زوجته، واسمها فاطمة، طلقني فقال: طلقْتُ فاطمةَ، [ثم قال: أردتُّ فاطمةً] أخْرَى، لم يُقْبَل، ويقع الطلاق؛ لدلالة الحال، بخلاف ما إذا قال ابتداءً: طلقْتُ فاطمة، ثم قال: أردت امرأةً أخرى، وقد يشكل هذا بما مرَّ في أن السؤال السابق لا يلْحِق الكنايات بالصرائح 127، وفيما نقل

الجزء: 8 - الصفحة: 530

من معلقات القاضي شريح الرُّويَاني ممَّا حكاه عن جَدِّه أبي العباس الرُّوياني، وغيره أنَّه لو قال لزوجته أحللتُكِ، ونوى طلاقَها، هل يكون كنايةً؟ فيه وجهان 128، وأنه لو قال: أنتِ بائن وطالقٌ، رجع إلى نيته في بائن، ولا يجعل قوله وَطَالِقٌ تفسيراً له وأنه لو قال: (أنتِ طالقٌ سه تارة) قال جدِّي -رحمه الله- الظاهر منْه في غالب عادات النَّاس إرادةُ ثَلاَث طلقاتٍ، ويحتمل أن يرجع إلَيْه فيحمل اللفظ على ما أراده، وأنَّه لو كرَّر لفظاً من ألفاظ الكنايات، بان قال لها: اعْتَدِّي، اعتدي اعتدي، ونوى الطلاق، فإن نوى التأكيد وقعت طلقة وإن نوى بها الطَّلاق، وقَعَت بكل لفظة طلقة [وإن لم ينوِ فقولان] إن القَفَّال قَطَع بأن لو قال (طلاق دادم) 129 أو قال: طلقت، ونوى امرأته، لم يقَعِ الطلاق عَليْها؛ لأَنَّه لم يشر إليها ولا سمَّاها بلفظه، بخلاف ما لو قال: (مرا طلاق دادمْ) 130 فإنه إشارة، بخلاف ما لو قال (درخوش) 131 (وإطْلاق دادم) 132، فإنه تسمية، ولو قالت له طلقني، فقال: طلاق دادم أو قيل له: ما تصنع بهَذهِ المرأة طلقها، فقال: طلقت أو قال لامرأته: طلقي نفْسَكِ، فقالت: طلقْتُ، يقَعُ الطلاق؛ لأنَّه يترتب على ما سَبَق من الالتماس أو التفويض، فإنه لو قال لغَيْره: قَدْ مللت من امرأتي، فقال: (طلاق دهش) 133 فقال دادم 134 فقال القفال لا يقع الطَّلاق؛ لأنه لا يصلح عبارة عن الطلاق، إلاَّ أن يقول (طلاق دادامش) 135، ولا يبعد أن يقال بالترتيب عَلَى الأول؛ كما في الصورة السابقة وأجَاب بمثْل جوابِهِ فيما إذا قال: (رهاكنش) 136، فقال (رها كردش) 137 ولا يبْعد أن يجعل هذا اللَّفْظ تفْسيراً للسّراح، ويُحْكَى عن القَفَّال أنه لا يحصل للبراجم 138 صرائح فيستمر الجواب على اختياره، وأنَّه لو قال (بوارزنى) 139 (من يِكِ طلاق) 140 ولم تَرِدْ عليه قال القَفَّال: لا يقع الطلاق، وإن نوى كما لو قال: أنْتِ بطلقة لا يقع، ولو قال: (زن طلاق دادم) 141 فهو كناية إن أراد إيقاع الطلاق على زوْجَته وقع وإلا فلا؛ = عدوله من الإِشارة إلى العبارة يوهم أنه غير قاصد، وسيأتي مسألة ما لو قيل له يا زيد فقال امرأة زيد طالق، أنه لا يقع على الأظهر.

الجزء: 8 - الصفحة: 531

لأنَّه لم يقل (زن خويشتن) 142 وأنه لو كان تحت رجل امرأتان: إحداهما فاطمة بنْتُ محمَّد، والأخرى فاطمة [بنت] 143 رجُل سماه أبواه محمَّداً أيضاً، إلاَّ أنه اشتهر في الناس بالحُسَيْن، وبه يدعونه فقال الزوج زوجتي فاطمة بنت محمَّد طالق.
وقال أردت بنت الذي يدعونه الحسين، قال جدي: يُقْبَل قوله؛ لأن العبرة بالاسم الذي سمَّاه به أبواه دون سائر الناس، وقد يكون للرَّجُل اسمان وأكثر، وقيل: العبرة بالاسم الذي اشتهر به في الناس؛ لأنه أبلغُ في التعريف، وأنه لو قال: امرأتي هذه محرَّمة عليَّ، لا تحلُّ لي أبداً.
قال جدي لا تطلق؛ لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق وقد يظن التحريم المؤبَّد باليمين على إلاَّ يجامِعَها، وقيل: يُحْكَم عليه بالبينونة بمقتضى هذا اللفظ، وأنه إذا قيل لرجل اسمه زَيْد؛ يا زيْد، فقال: امرأة زيْدٍ طالقٌ، قال جدي: يقع الطلاق على امرأته، وقيل: لا يقع، حتى يريد نفسه؛ لجواز أن يريد زيْداً آخَرَ، وليجيء هذا الوجه فيما إذا قال: فاطمةُ طالقٌ، واسم زوجته فاطمةٌ، ويشبه أن يكون هذا هو الأظْهَرَ؛ ليكون قاصداً إيقاع الطلاق على زوجته، وأنَّه إذا قيل لرجُل: طلقْتَ امرأتَكَ، فقال: اعلمْ أن الأمر على ما تقوله، حكى جدي وجهيْنِ؛ في أنه هَلْ يكون هذا إقراراً بالطَّلاَق؟.
أصحُّهما: أنَّه لا يكون إقراراً؛ لأنه أمره بأن يعلم، ولم يحْصُل هذا العلم، وأنها 144 إذا كانت تدَّعي على زوجها أنه طلَّقها ثلاثاً، وهو منُكِرٌ، ثم قال لفقيه: اكتب لها ثلاثاً، قال جدي: يحتمل أن يُقَال: لا تكون كناية؛ لأن الكتابة فعل الكاتب، ولم يفوض الزوج الطلاق، حتَّى يقع ما صدر منه، ويحتمل أن يجْعَل كناية؛ ويكون التقدير اكتب ثلاثاً، فإني قد طلقتها ثلاثاً، وأنه لو قال: امرأتي الَّتي في هذا الدَّار طالقٌ، ولم تكن فيها، لا يقع الطلاقُ، وأنَّه لو قال (سه طلاق) 145 (توسه بارداذم) 146 أو قال: رددتُّ عليْكِ الطلقات الثلاثةَ، ونوى، وقَعَ الطلاق؛ لأنَّه استفادها من النِّكَاح الذي رضيت به، وأنه لو قال: أنتِ امرأتي، كانَتْ طالقاً أو قال (زن من هشته باد) 147 فلا طلاق؛ لأنه ثمن أو دعاء وأنَّه لو قال امرأته طالِقٌ، وعَنَى نفسه، قال جدي: يُحْتَمَل أن يقال: لا يقع الطَّلاَق؛ لأن هذه العبارة تصلُحُ 148 لنفسه، ويُحْتَمَل أن يقال: يقع؛ لأن الإِنسان قد يعبِّر بغيره عن نفسه، وأنَّه إذا قال لابنه قل لأمِّك: أنتِ طالقٌ، قال جَدِّي: إِن أَراد التوكيلَ، فإذا قال الابن لها

الجزء: 8 - الصفحة: 532

ذلك، وَقَع الطَّلاق ويحتمل أن يقال: تطلَّق، والابن سفير يُخْبِرها بالحال.
وإنه لو قال كل امرأة في السِّكَّة طالق، وهي في السِّكَّة، حكى جدي عن بعض الأصحاب: أنَّه لا يقع طلاقه، والصحيح أنه يَقَعُ، وأنَّه لو وكَّل رجلاً بالطلاق، فقال الوكيل: طلّقت من يقع الطلاق عليها بلفظي، هل تطلَّق المرأة الَّتي وكّل بطلاقها، فيه وجهان، ولو وكله بطلاق امرأته فطلَّقها، ولم يَنْوِ عند الطلاق أنه يوقع لموكله، ففي الوقوع وجهان، وفي الفتاوى للقاضي الحُسَيْن أنه لو قيل له: فعلْتَ كذا، فأنْكَر، فقيل له: إن كنْتَ فعلْتَ كذا فامْرأتُكَ طالقٌ، فقال: نعم، أو قيل له [زن توارزنى توهشته] 149 فقال (هشته) 150 لم يقع الطلاق؛ لأنَّه لم يوقعْه، وإنَّما أجازه، قال الشيخ الفرَّاء هذا استدعاء طلاقٍ منه، فليكن على القولَيْن فيما إذا قال لآخَرَ: طلقْتَ امرأتك، فقال: نعم، وفي "المستدرك" للإِمام إسماعيل البوشنجي: أنَّه لو قال لامرأته: وهَبْتُك لاِهْلِك، أو لأبيك، أو للأَزْواج، أو للأجانب، ونَوَى الطلاق، وَقَع الطلاق، كما لو قال: الْحَقِي بأهْلك، وأنَّه لو قال لامرأته: أنْتِ كذا، ونوى الطلاق، لا يُقْضَى بوقوع الطلاق، وكذا لو علَّق بصفة، فقال: إنْ لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ كذا، ونوى الطلاق؛ لأنه لا إشْعَار له بالفرقة؛ فأشْبَهَ ما إذا قال: إن لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ كما أضْمِرَ ونَوَى الطلاق، وأنه لو قال: أربَعُ طرق عليك مفتوحةٌ، فخُذِي أيَّها شِئْت، فهو كناية، كقوله: الْحَقِي بأهْلِكِ، وزوري أباكِ، وما أشبهها، ولو لم يقل: فَخُذي في أيها شئْتِ، قال إسماعيل: اعتاضت 151 عَلَيَّ جوابُها، فراجعْتُ بعض مشايخي، فأجاب بعض أئمة خراسان: بأنه كناية تشبه قوله: خلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وأجاب إمام العراقيين -يعني أبا بكر الشاشي-: بأنَّه ليس كناية وقوله: الطَّرِيقُ عليكِ مفتوحٌ، كقوله: أربَعُ طرقٍ مفتوحةٌ.
ولو قال: فتحْتُ طريقك، فلا ينْبَغِي أن يُفْرَق بينه وبين قوله: خَلَّيْتُ سبيلك، وقد سلّمة إمام العِرَاقِيِّين -رحمه الله-، وبه يظهر أن قوله: الطريقُ عليْكِ مفتوحٌ كنايةٌ أيضاً، كما لا فرْق في الصريح بين قوله: أطْلَقْتُكِ وبين قوله: أنتِ مطلَّقةٌ، وأنه لو قال لها: خُذي طلاقَكِ، فقالت: أخذْتُ، لم يقع الطلاق ما لمْ توجد نية الإِيقاع من الزوج، بقوله خُذِي أو من المرأة، إن حُمِلَ قوله على تفويض الطلاق إليها.
وفي "الإِقناع" لأقضى القضاة الماوَرْدِيِّ: أن قول الزوج: لعَلَّ اللهَ أن يسُوقَ إليك خيْراً من كنايات الطَّلاق، وكذا قوله: بَارَكَ اللَّهُ لَكِ، بخلاف قوله: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، وذكره غيره أيْضاً كأن قوله: بارك اللَّهُ فيكِ معناه: بارك الله لي فيك، وهو يُشْعِر برغبته

الجزء: 8 - الصفحة: 533

فيها والاستمتاع بها، فلا يصلح كناية عن الفِرَاق، وقوله: بَارَكَ الله لك، أي الفراق ونحوه وسئل صاحب الكتاب في "الفَتَاوَى" عما إذا كتب الشروط في إقرار رجل بالطلاق فقال له الشُّهُود: نَشْهَدُ عليْكَ بما في هذا الكتاب، فقال اشهدوا، هل يقع الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى؟ فأجاب لا بل لو قال: اشهدوا عَلَيَّ أنِّي طلْقتُها بالأمس، وهو كاذب، لم يقع فيما بينه وبين الله 152 تعالى.
وفي "التتمة": أنَّه لو قال لواحدة من نسائه: أنتِ طالقٌ مائةَ طلْقَةٍ، فقالت: تكفيني ثلاثٌ، فقال الباقي على صواحبك، لا يقَعُ عليهن الطلاق؛ لأنَّه لم يخاطبْهُنَّ بالطلاق، وإنما رد عليهن ما خاطَبَها به، وهو لغْوٌ في الزيادة على الثلاث، فلا نطلقهن بما هو لغُو، فإن نوى به الطلاق، كان طلاقاً؛ وترتب على قوله: أنتِ طالقٌ: والمعنى: أنْتِ طالقٌ بثلاث، وهن طوالق بالباقي، وأنَّه لو قال: كل امرأة أَتزوَّجها فهي طالق، وأنْتِ يا أم أولادي.
قال أبو عاصم العَبَّاديُّ: لا يقع الطلاق عليها؛ لأن الطلاق قبل النِّكَاح لغو، وقد ترتب طلاقها عليْه فيلْغُو، ويقْرُب من هذا ما ذكَره غيْره أنه لو قال لزوجته: نساء العالمين طوالق، وأنت يا فاطمة، لا يقع؛ لأنَّه عَطَفَ طلاقها عَلَى طلاق نسوة لا يقع طلاقهن 153، وأنَّه لو قيل له: فعلْتَ كذا فأنكر فقال له من يجاوره: الحِلُّ عليك حَرَامٌ، والنية نيتي أنك ما فعلت فقال: الحِلُّ عليَّ حرامٌ والنية نيتك أنِّي ما فعلته يلغْو قوْلِه: النية نيتك، ويكون الحكم كما لو تلفَّظ بهذه الكلمة ابتداءً، ولو قال له لمَّا أنكر: امرأتُكَ طالقٌ، إن كنت كاذباً فقال: طالق وقال: ما أردتُّ طلاق امرأتي، يُقْبَل؛ لأنَّه لم توجد إشارة إليها ولا تسمية لها، وإن لم يدع إرادة غيرها، حكم بوقوع الطلاق؛ لأن الظاهر ترتيب كلامه على كَلاَم ذلك القائل، ونقل الفقيه أبو الليث السمرقندي في "الفتاوى" عن بَعْض أصحابهم: أنَّه لو قال لامرأته [تومرار كارنيستي] 154 ونوى به الطلاق، لا يكون طلاقاً، ولا يبعد عده من 155 الكنايات، كما لو قال: لا حاجَةَ لي

الجزء: 8 - الصفحة: 534

فيكِ، وفي "فتاويه": أنَّه سئل بعْضُ أصحابهم عن رجُل سكران، فقال لامرأته أي صرح (كيله بماه ماندرويت باتومن طلاق داده سويت) 156 فقال: إن كان لَهَا قبْل هذا الزَّوْج زوج آخَرُ لم تقع عليها طلقة إلاَّ أن ينوي، وإن لم يكُنْ قبله زوْج، يقع الطلاق، نوى أو لم ينوِ، ويُشْبِه أن يقال لو قال: أردتُّ مخاطبتها بمصراع الأول، وكنت في المصراع الثاني؛ حَاكياً القول الشاعر، يُقْبَل، ولا يقع الطلاق، إلا شبه ألا يقع الطلاق إلاَّ إذا نوى؛ لوجهين: أحدهما: أن مقصود الشاعر طلاق زوج آخر، وإلاَّ فكيف تكون زوجةً له مفوضاً إليها أمر نيته ومطلقة منه، والغالِب أن التمثيل بالشعر يريد ما أراده الشَّاعر، وإذا قال الزوج: طلقَكِ زوْج آخَرُ لم يقع طلاقه، وإن لم يعرف لها زوج آخر.
والثاني: أن مقصود الشاعر طَلاَق عساه يوجد في المستقبل، كأنَّه تمنى أن يطلِّقها زوْجُها، وتصير زوجةً له، والخبر عن الطلاق في المستقبل ولا يوجب الوقوع 157 في الحال.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي الفِعْلِ): أَمَّا الإِشَارَةُ المُفْهِمَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الأَخْرَسِ فِي الطَّلاَقِ، وَالصَّرِيحُ مِنْهَا يَشْتَرِك في فَهْمِهِا الكَافَّةُ، وَالكِنَايَةُ مِنْها مَا يَفْطِنُ لِدَرْكِهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا القَادِرُ فَإِشَارَتُهُ لاَ يَكُونُ صَرِيحاً أَصْلاً، وَهَلْ يَكُونُ كِنَايَةً؟ فِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى كَتْبِهِ الطَّلاَقَ مِنَ القَادِرِ عَلَى النُّطْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تبيَّن الحُكْم في الأفعال الدالَّة على النطق، وكما أن الأقْوال تُفْهُم، وتدُلُّه على المعنى، فالإِشارة والكتابة من الأفْعَال يدُلاَّن أيضاً، والمقصود بيان حكمهما، أما الإِشارة فهي معتَبَرةٌ من الأخْرَس في وقوع الطلاق؛ لأنَّه كذلك يعبر ويدل على ما في ضميره، قال الإِمام: وتقوم إشارته مَقَام عبارة الناطق في جميع العقود والحلول والأقارير والدعاوى، نَعَمْ، في شهادته خلافٌ يأتي في موضعه.
وإذا أشار في الصلاة بالطلاق أو البيع أو غيرهما، صَحَّ العَقْد، ولم تبطل الصلاة على الصحيح، وفيه وجْه ثم منهم من أدار الحكم على إشارته المفهومة وحَكَم بوقوع الطلاق بها، نوى أو لم ينوِ، كذلك ذكَر صاحب "التهذيب"، وقسَّم آخرون منهم الإِمَام، وصاحب الكتاب إشارَتَه إلى صريحة تُغْنِي عن النية، وهي التي يَفْهَم منها الطلاقَ كُلُّ مَن وقَف عليهما، وإلى كناية تحتاج إلى النِّيَّة، وهي التي يفهم الطلاق منها

الجزء: 8 - الصفحة: 535

المخصوص بالفِطنة والذكاء، ظَنِّي أني سمعْتُ أو رأيت لبعضهم أن الكناية هي التي يختص بفَهْم الطلاق منها المخصوص بالفطنة والذكاء، ظَنِّي أني سمعْتُ أو رأيت لبعضهم أن الكناية هي التي يختص بفَهْم الطلاق منها مَنْ خالطه، واختبر أحواله وإشاراته، والصريح ما يفهم الخلطاء والأجانب، ولو بالغ في الإِشَارَة، ثُمَّ ادَّعَى أنَّه لم يُرد الطَّلاق، وأفهم هذه الدعوْى، قال الإِمام هو كما لو فسَّر اللفظة الشائعة في الطَّلاق بغير الطلاق, لأنَّ التحاق مثْل تلْك اللفظة بالصرائح سببه الشيوع والتفاهم، دون الوَضْع، كما أن الاعتماد في الإِشارة على الفَهْم.
ولا فَرْق في اعتبار إشارته بين أن يقدر على الكتابة أو لا يَقْدِر؛ لحصول الفَهْم كذلك، ذكره الإِمام، ويوافقه إطلاق الأكْثَرين، وفي "التتمة" أن إشارة الأخرس إنما تعتبر، إذا لم يقدر على كتابة مُفْهِمه وإن قَدَرَ عليها، فالكتابة هي المعتبرة؛ لأنَّها أضبط وأدل على المُرَاد، وينبغي أن يكتب مع ذلك إنِّي قصدتُّ الطلاَق.
ويقع الطلاق بكتابة الأخْرَس، كما يقع بإشارته، وعن الشيخ أبي محمَّد: أن الكتابة في حقِّه صريحةٌ، والصحيح أنَّها كناية أنَّها [وإن كانت] أضْبَط، وأدل على المراد، تحتمل امتحان القلم، ومحاكاة الخَطِّ ولا يشترط مع الكناية الإِشارة.
وحكى الحناطي وجْهَيْن؛ وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب مثْله، قال: إن قلْنا: لا يَقَع طلاقُ الناطق بالكتابة، حتى يقرأ ويتلفَّظ، فيحتاج الأخرس إلى الإِشارة؛ ليقوم مقام العبارة وإن قلنا: يقع بالكتابة مع النِّيَّة، فلا يحتاج إلى الإِشارة بالطلاق، ويكفي أن يفهما أنه نَوَى الطلاق.
وأمَّا القادر على النُّطْق، فإشارته ليْسَتْ بصريحة، وإن وُجِدَ منه ما نجعلُه صريحاً من الأخرس, لأن عدوله من العبارة إلى الإشارة يُوهِم أنه غيْر قاصد للطلاق، وهذا كما أن الكتابة كناية [في حق] الناطق، وإن جعلت من الصرائح في حقِّ الأخرس.
وهل يكون إشارته كناية؟ فيه وجهان: عن رواية صاحب "الأفصاح": أحدهما: نَعَمْ؛ لحصول الإِفْهَام بها، كالكتابة هذا عن صاحب "التلخيص" واختيار القَفَّال: وأظهرهما: لا؛ لأن الإِشارة لا تُقْصَد للاِفهام بها إلاَّ نادراً بخلاف الكتابة؛ فإنها حروف موضوعة للإفهام، كالعبارة، وحكى الشيخ أبو عليٍّ أن أبا زَيْدٍ أجاب بالوجْه الأول فيما إذا قالت المرأة: طلِّقْنِي، فأشار بيده أن اذهبي، واستبعده، ورتب المرتبون الوجهيْن على الخلاف الَّذي يأتي في أن كنايَةَ القَادر على النُّطْق، هَلْ هي، كناية فالإِشارة أَوْلَى بألاَّ تكون كنايةً؛ لاختلافها بالأحوال والأشخاص واختلاف الناس في فهمها، وهذا ما أورده في الكتاب.

الجزء: 8 - الصفحة: 536

فَرْعٌ: فقال لأحدهما: أنتِ طالقٌ، وهذه إشارةٌ إلى الأخرى، فتطلق الأُخْرى ويفتقر الوقوع إلى النية؟ فيه وجهان عن أبي العبَّاس الروياني.
ولو قال، وله امرأتان: امرأتي طالقٌ، وأشار إلى إحداهما ثم قال: أردتُّ الأخرى، فوجهان عنه: أحدهما: يقبل ولا تلزمه بالإِشارة.
والثاني: أنهما تُطَلَّقان، أمَّا المُشَار إليها؛ فلظاهر الإِشارة عنْد اللفظ، وأما الأخرى فلأنه قال: أردتُّها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَصْلاً لَكِنَّهَا كِنَايَةٌ عَلَى قَوْلٍ، وَلَغْوٌ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مِنَ الحَاضِرِ لَغْوُ وَمِنَ الغَائِبِ كِنَايَةٌ عَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلْعَادَةِ، وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِي العِتْقِ وَالإبْرَاءِ وَالعَفْوِ وَمَا لاَ يَحْتَاجُ إلَى القَبُولِ، أَمَّا البَيْعُ وَالمُعَاوَضَاتُ فَالخِلاَفُ فِيهِ مُرَتبٌ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يُعْتَبَرُ، وَالنِّكَاحُ مُرَتَّبٌ عَلَى البَيْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَبُّدِ وَلِعُسْرِ اطِّلاَعِ الشَّاهِدِ عَلَى النِّيَّةِ فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ، ثُمَّ إنْ جَوَّزْنَا فَيَكْتُبُ أَمَّا بَعْدُ فَقَد زَوَّجْتُ بِنْتِي مِنْكَ وَيُشْهدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ، وإذَا بَلَغَهُ فَيَقُولُ فِي الحَالِ: قَبِلْتُ أَوْ يَكْتُبُ عَلَى الفَوْرِ وَيشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَي الإِيجَابِ، فإِنْ أَشْهَدَ آخَرَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كتب القادر بطلاق زوجته، نُظِرَ؛ إن قرأ ما كتب، وتلفَّظ به، إما في حال الكتابة أو بَعْد ما فرغ منْها، وقع الطلاق، وإن لم يتلفظ به، فيُنْظَرُ إنْ لم يَنْوِ إيقاع الطَّلاق، لم يَقَع الطلاق.
وعن رواية الشيخ أبِي عليٍّ أنه يقع، وأن الكتابة صريحة كالعبارة، ويُرْوَى هذا عن مَذْهَب أحمد -رحمه الله- والصحيح الأوَّل ووجه ذلك أن الكتابة تحتمل النسخ، والحكاية وتحتمل تجربة القلم والمداد وتقويم الخط وغيرهما.
وإن نوى إيقاع الطلاق فقولان: أصحهما: أنَّه يقَع الطَّلاق، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والمُزَنِيُّ -رحمهم الله-؛ لأن الكتابة أحد الخطابَيْن كالكلام، والإِنسان يعبر عما في نفسه، بالكتابة، كما يعبر بالعبارة.
والثاني: لا يقع؛ لأنه فِعْل من القادر، فلا يصلح كناية عن الطَّلاق؛ كما لو سألته الطلاق فضربَها، وأخرجها من بَيْتِه، ونوى الطلاق، والقبول الأوَّل منْصوص في "المختصر" و"الأم"، ويُحْكَى الثاني عن "الإملاء"، ومنهم من خرَّجه من قوله في الرجعة حيث قال: إنَّها لا تحْصُل بالوطء، لأنَّه لمَّا لم يكن نكاح، ولا طلاق إلاَّ

الجزء: 8 - الصفحة: 537

بكلام، كذلك الرَّجْعَة، وعبَّر بعضهم بالخِلاَف من الوجهين لمكان التخريج، هذه هي الطريقة الظَّاهِرَة، ووراءها طريقان: إحداها: القطع بوقوع الطلاق.
والثانيةُ: عن أبي إسْحَاق؛ القَطْع بعَدَم الوقوع، حكاه الحناطي.
وإذا قلنا بطريق القولين، ففي موضعهما ثلاث طُرُق: أحدها: أن الخلاف في حقِّ الغائب، فأما الحاضر الخامس فكنايته لَغْوٌ؛ للعادة الغالبة بالمكاتبة في الغَيْبة، وفي الحُضُور لا حاجة إلى الكتاب.
والثاني: أن الخلاف في حقِّ الحاضر، أما الغائب فكتابته كنايةٌ لا محالَةَ، وأظهرهما طرد الخلاف فيهما؛ لأن الحاضر أيضاً قد يَكْتُبُ إلى الحاضر لئلا يطَّلع عليه سائر الحاضرين، أو لاستحيائه عن المُخَاطبة وغيرها، والغائب عن المجلس عن البَلَد سواء فيما نَحْن فيه، وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها المختصر ثلاثة أقوال أو أوجه.
الثالث: أن الكتابة كنايةٌ في حق الغائب دون الحاضر، كما ذكر في الكتاب.
وليعلَّم قولُه "لَيْسَ بِصَرِيح" بالألف والواو، وقوله: "لَغْو" بالحاء والميم والألف والزاي لأنَّ الكتابة عندهم جميعاً كنايةٌ، وكذا قوله "مِنَ الحَاضِرِ لَغْوٌ" والخلاف المذكور في أن الطَّلاق هل يقع بالكتابة جارٍ في سائر التصرُّفات التي لا تحتاج إلى القَبُول؛ كالإِعتاق، والإِبراء، والعفو عن القصاص وغيرها, ولا فَرْق، أمَّا ما يحتاج إلى القَبُول فينقسم إلى نِكَاح، وغيره، أما غيْر النكاح؛ كالبيع، والإِجارة، والهبة، ففي انعقادها بالكتابة خَلافٌ يترتَّب على الخلاف في الطلاق وما في معناه، إن لم نعتبر الكتابة هناك، فهاهنا أولى، وإن اعتبرناها، فهاهنا وجْهان؛ للخلاف في انعقاد هذِهِ التصرفات بالكناية وأيضاً فإن القَبُول شرطٌ فيها وإنه يتأخر عن الإيجاب، والأشبه الانعقاد، ومن قال به جعَل تَمَام الإِيجاب بورود الكتاب؛ حتى يشترط اتصال القَبُول به.
وفي وجه: لا يُشْتَرط ذلك، ويراعى التواصل اللائق بين الكتابين، وقد أشرْنا إلى ذلك كلِّه في أول "البَيْع" وحكينا عن بعض المسودات أن المشتري لو أجاب بالقَوْل، كان ذلك أقوى من أن يَكْتُبَ، وهذا ذكره الإِمام، وأما النِّكاح، فالخلاف فيه يترتَّب على الخلاف في البيع وسائر ما يفتقر إلى القبول من وجهين: أحدهما: اختصاص النِّكاح بمزيد الاحتياط والتضييق وكذلك 158 وقع الخلاف في انعقاده بالترجمة.

الجزء: 8 - الصفحة: 538

والثاني: أن الكتابة كناية، والكنايات تَعْمَل بالنية، والشهود لا يَطَّلِعُون على النيات، فإن قال بعد الكتابة: نَوَيْتُ، عند الكتابة، فهُمْ شُهود على إقراره بالعقد، لا على نَفس العَقْد، والأظهر في النكاح المَنْع، ومن جوَّزه اعتمد الحاجة للغيبة، وإذا قلنا بانعقاد البَيْع والنكاح بالكتابة، فذلك في حال الغَيْبة، فأما عند الحضور، فالخلافُ يترتَّب على ما سَبَق، ويجيْء من الترتيب طريقة قاطعة بالمَنْع، وبهذا أجاب القاضي أبو سَعْد الهَرَويُّ في النكاح على ما ذَكْرنا في بابه، وإليها ميل الإِمام، وحيْث حَكمنا بانعقاد النكاح، بالكتابة فيكتب: زوجْتُ بنتي منك، وَيشْهد الكِتَابَ عدْلان، فإذا بلَغَه، فيقبل لفظاً أو يكْتُب القبول، ويشهد القبول شاهدَا الإِيجاب، فإن شَهِد آخران فوجهان: أحدهما: الجواز، ويُحْتَمَل ذلك كما احتمل الفصل بين الشقين للحاجة، وأصحهما المنع؛ لأن واحداً منهما ما يحضر العقد بتمامه.
ويُشْتَرط أن يكون القَبُول لفظاً أو كناية على الفور، وفيه وجه ضعيف كما تقدَّم.
ولو كتب إلى إنسان: إني وكَّلْتُك ببيع كذا من مالي، أو بإعتاق عَبْدي، فإن قُلْنَا: الوَكَالَة لا تحْتَاج إلى القبول، فهو ككتبه الطَّلاق، وإن قلنا تحتاج إليه، فكالبيع ونحوه من العقود.
وقوله في الكتاب "فَيَكْتُب، أمَّا بَعْدُ" لا يخفى أن لفظة "أمَّا بَعْدُ" غير متعيّنة، وإنما أجراها على سبيل الرسائل.
وقوله "ويُشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ" فيه توسُّع أي وَيشْهَدُه شاهدان، وكذا قوله "ويُشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيِ الإِيجَابِ" فإن المرعى حضور الشهود لا غَيْر.
وقوله: في "الحَالِ" وقوله: "عَلَى الفَوْرِ" يجوز إعلامهما بالواو؛ لما عرفْتَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَتَبَ زَوْجَتِي طَالِقٌ وَقَرَأَ وَنَوَى وَقَعَ، وَإِنْ قَرَأَ وَقَالَ: قَصَدتُّ القِرَاءَةَ دَوْنَ الطَّلاَقِ قُبِلَ في الظَّاهِرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ يَدِينُ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى وَقَعَ فِي الحَالِ، وَإذَا قَالَ: إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ إِذَا قَرَأَتْ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ أُمِّيَّةً، وَإِنْ كَانَتْ قَارِئَةً فَقَرَأَ علَيْهَا غَيْرُهَا لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا بَلَغَكِ الكِتَابُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَلَغَهَا وَقَدَ انْمَحَى جَمِيعُ الأَسْطُر لَمْ يَقَعْ (و)، وَإِنْ لَمْ يَنْمَحِ إِلاَّ أَسْطُرُ الطَّلاَقِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يَنْمَحِ إِلاَّ الصَّدْرُ وَالتَّسْمِيَة دُونَ المَقَاصدِ فوَجْهَانِ مُرَتَّبَان، وَأَوْلَى بِأَنْ يَقَعَ، وَإِنْ انْمَحَى الجَمِيعُ إِلاَّ سَطْرُ الطَّلاَقِ فَأَوْلَى بِأَنْ يَقَعَ، وَإِنْ سَقَطَ الحَوَاشِي دُونَ المَكْتُوبِ وَقَعَ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كتب: زَوْجَتي طالقٌ، أو يا فلانةٌ أنْتِ طالقٌ أو كلُّ زوْجَةٍ لي

الجزء: 8 - الصفحة: 539

طالقٌ، وقرأ ما كتبه، ونوى، فقد قدَّمنا أنَّه يقع الطلاق، فلَوْ قال: لم أَنْوِ الطلاق، وإنما قصدتُّ قراءة ما كتبته، وحكاية ما فيه، ففي قَبُوله ظاهراً وجهان مشبهان بالوجهين فيما إذا حل الوثاق عنها، فقال: أنْتِ طالقٌ، وقد سبق ذكرهما 159، وإنَّما يَظْهَر فائدة كلامه هذا، إذا لم نجعل الكتابة صريحةً، أو أنكر اقتران نية الطلاق بالكتابة، أمَّا إذا جعلْنَاها صريحةً، وسلم اقتران النِّيَّة بها، فالطَّلاَق واقِعٌ، ولا معْنَى لقَوْلِهِ: قَصَدتُّ القراءة.
والثانية: إذا أوقعنا الطلاق بالكتابة فَيُنْظَرُ في الصِّيغَة المكتوبة؛ إن كَتَب: أما بَعْدُ، فأنْتِ طالقٌ، وقع الطلاق في الحال؛ وإن ضاع الكتاب قَبْل أن يصل إليها، وإن كتب إذا قرأْتِ كتابي، فأنْتِ طالقٌ، فلا يقع الطلاق في الحال، ولا 160 إذا بلغها الكتاب، بل عنْدِ القراءة، ثم إنَّ كانَتْ تُحسن القراءة فتُطَلَّق إذا قرأت، قال الإِمام: والمعتبر أن تَطَّلِعَ على ما فيه، ولم يختلف علمائنا -رضي الله عنهم- في أنَّها إذا طالعته وفَهِمَت ما فيه، يقَعُ الطلاق، وإن لم تتلفظ بشيْء وإن قرأ غيرها عليها فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطلاق [أيضاً] 161؛ لأنها عَرَفَتْ ما فيه، واطَّلَعَت عليه، وهو المقصود.
وأصحهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": المنع؛ لأنها أهْلٌ للقراءة ولم يقرأ، فأشبه ما إذا علّق على فعل آخر من أفعالها, وإن كانَتْ لا تُحْسِن القراءة؛ وقع الطلاق إذا قرأه عليها غيْرُها؛ لأن القراءة حقِّ الأُمِّيِّ محمولةٌ على الوقوف والاطِّلاع.
وفيه وجه ضعيف: أنه لا يقع، ومن ذَهَب إليه جعل تعليق الطلاق بقراءة الأُميّة، كالتعليق بالأمور الممتنعة، مثْل صعود السماء وغيْره، ولو كان الزوج لا يعرف أنَّها قارئة، أو أمِّيَّة فيَجُوز أن يقال: ينعقد التعليقُ على قراءتها بنفسها؛ نظراً إلى حقيقة اللَّفْظ، ويجوز أن يقال: ينعقد على الفَهْم والاطلاع؛ لأنَّه القَدْر المشترك، والأصل في الناس ألاَّ يحسنوا القراءة، والأول أقْرب، وإن كتب: إذا أتاك أو بَلَغَكِ أو وصل إليك كتابي، فأنْت طالقٌ، فلا يقع الطلاق قَبْل أن، يأتيها، فإن ضاع ولم يبْلُغها، [لم يقع] وانمحاء المكتوب كضياع الجرم حتى لو بلغها القرطاس وقد انمحى جميع ما كتب عليه بالوقوع في حاء وغيره وانمحى بحيث لا يمكن القراءة، [لم تطلق] وإن بقي أثر، وأمكنت القراءة فهُوَ كما لو وَصَل والمكتوب بحاله، وإن وصَل إليها بَعْض الكتاب دون بعض، فَحُزِمَ الكتابُ أربعة أقْسَامٍ: أحدهما: موضع الطلاق، فإن كان هو الضائع، أو انمحى المكْتُوب فيه، ووصل الباقي فوجهان:

الجزء: 8 - الصفحة: 540

أحدهما: يقع؛ لوصول الكتاب.
وأصحهما: وهو المذكور في "التَّهْذِيب" المَنْع؛ لأنه لم يبلع جميع الكتاب، ولا ما هو المقصود الأصلي منْه.
وفيه وجه ثالث: وهو أنَّه إذا قال: إذا جاءك كتابي هذا أو إذا جاءك الكتاب، لم يَقَع, لأنَّه لم يجئْها جميعُهُ وإن قال: إذا جاءك كتابي يقع، لأنَّه قد جاءها كتابه.
والثانى: موْضِع سائر مقاصد الكتاب، ومنْه ما يَعْتذِر به عن الطَّلاَق، وما يوبخها عليه من الأفْعَال الملجئة إلى الطلاق، فإذا كان الخَلَل فيه بالتخرق والانمحاء، وبقي موضع الطلاق وغيْره، ففيه الأوجه الثلاثة، وهذه الصورة أَوْلَى بالوقوع، وبه قال أبو إسحاق؛ لوصول الطَّلاَق إليها، وهو المقصود الأصلي من الكتاب، ويحسن أن يعتمد على الوجه الثالث في الصورتين جميعاً.
والثالث: موضع السوابق واللواحق التي ثبتت في المكاتبات خطًّا للأدب؛ كالتسمية، والصدر في أول الكتاب، والحمد، والصلاة في آخره، فإذا كان الخَلَل فيه، والمقاصد باقيةٌ، ففيه الخلاف، وهذه الصورة أَوْلَى بالوقوع، وهو الأظهر على ما ذكر الإِمام قال: وكنْت أُحِبُّ أن يفرق في هذه الصور الثلاث بيْن أن يَبْقَى مُعْظَم الكتاب أو يختل فإن للمعظم أثراً ظاهراً في بقاء الاسم وزواله 162. والرابع: الحواشي والبَيَاض في أول الكتاب وآخره، فظاهر المَذْهَب أنَّه لا عبرة بزوالها؛ لأن الكتاب، هو المكتوب وقد بَقِيَ كلُّه، فيقع الطلاق بوصوله، فلا يجيْء فيه الخلاف، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطَّيِّب عن الماسرجسي، ومنهم من أثبت فيه الخلاف، وقال: الحواشي والبياض من أجزاء الكتاب، ولذلك يَحْرُم على المُحْدِث مسهما من المُصْحَف، كما يحرم موضع الكتاب.
وقوله في الكتاب: "وَقَدِ انْمَحَى جَمِيعُ الأَسْطُرِ" يعني الانمحاء الكلِّيِّ؛ بحيث زال الأثر وتعذرت القراءة، ويجوز أن يعلَّم بالواو؛ لأنه رُوِيَ عن صاحب "التقريب" وجه: أنَّه يقع الطلاق إذ يقال أتاني كتاب فلان وقت المجيء، وقوله "وإن لم ينمح ينمح إلاَّ أسطر الطلاق" هو الصورة الأولَى من الصور الأربع، وقوله: "فإن لَمْ ينمح إلاَّ الصَّدْرُ والتَّسْمِيَةُ" هو الصورة الثالثة، ولم يتعرَّض في اللفظ للصورة الثانية وقوله "وإن انمحى الجميعُ إلا أسطر الطلاق" فأَوْلَى بأن يقع يعني من الصورة الأُولَى، وهو ما إذا لم تنمح

الجزء: 8 - الصفحة: 541

إلا أسطر الطلاق، لا من صور انمحاء الصَّدْر والتسمية، دون المقاصد.
وقوله: "وإن سَقَطَ الحَوَاشي" هو الصورة الرابعة، ليعلَّم قوله: "وَقَعَ" بالواو.
ولو كتب: إذا بَلَغَكِ طلاقي، فأنت طالقٌ، فإن بلَغَ موضع الطلاق، وقع بلا تفصيل ولا خلاف وإن بلغ ما عداه وبطل موضع الطلاق لم تطلق ولو كتب: إذا بلَغَكِ كتابي فأَنْتِ طالقٌ وكتب أيْضاً: إذا وَصَلَ إليْكِ طلاقي، فأنْتِ طالقٌ، فبلَغَها، وقعَتْ طلقتان؛ لوجوب الصفتين، وإذا كان التعليق بقراءتها الكتاب، فقرأت بعْضَه دون بعض، فعلى ما ذكَرْنا في وصول بعْضه دون بعض.
فروع: لو كتب كناية من كنايات الطَّلاق، ونوى، فهو كما لو كَتَبَ الصرائح، ولو أمر الزَّوْجِ أجنبيًّا، فكتب بالطلاق، ونوى الزَّوْج لم تطلَّق كما أو أَمَر أجْنبيًّا بأن يقول لزوجته: أنْتِ بائنٌ، ونوى الزوج، ولو قال: إذا بَلَغَكِ نِصفِ كتابي هذا، فأنْتِ طالقٌ، فبلغ الكتابُ كله، ففيه وجهان، وعن صاحب "التقريب": أحدهما: يَقَع؛ لاشتمال الكُلِّ على النصف.
والثاني: المنع؛ لأن النِّصْف في مثل هذا الموضع يراد به النِّصْف المفرد المميز 163، والكتابة على الكاغد والرّقّ، واللوح، وبالنقر في الخشب، والحجر سواءٌ في الحكم على ما بيَّنَّا في "البيع" وذكَرْنا أنَّه لا عِبْرة برسم الحُرُوف على الماء والهواء؛ لأنها لا تَثْبُتُ.
قال الإِمام: لا يَمْتَنع أن يلتحق هذا بالإِشارات؛ فإنها حركَاتٌ يُفْهَمُ منها شكْلُ الحروف، فتنزل منزلة الإِشارات المفهمة، ولكَ أن تقُولَ: الإِشَارة المُعْتَبَرَة هي الإِشارة إلى معْنَى الطلاق، وهو الإِبعاد والمفارقة لا إلى حروف الطلاق، وهذه إشارة إلى الحُرُوف، ونقل في "التتمة" عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه إن كتب على البياض: وقَعَ الطلاق، وإن كتب على حائِطٍ، وثَوْب، لم يَقَعْ، ولو قالت المرأة: أتاني كتاب الطلاق، وأنكر الزَّوْج أنَّه كتبه أو أنه نوى الطلاق، فالقول قوله، ولو شهد شُهُود على أنه خطه، لم يَثْبُت الطلاق، بل نحتاج مع ذلك إلى إثبات قراءته، أو نيته، وإنما يجوز للشُّهود أن يشهدوا على أنَّه خطّه وإذا شاهدوه وقْتَ الكتابة، وكان الخَطُّ محفوظاً عنْدهم؛ ليأمنوا التزوير، ولو كتب: أنتِ طالقٌ، ثم أشهد، وكَتَب: إذا بلَغَكِ كتابي، فإن احتاج إلى الإِشهاد 164، لم تُطلَّق؛ حتى يبلغها الكتاب، وإن لم يحتج إليه طُلِّقَت في الحال.
فَرْعٌ: حرك لسانه بكلمة الطلاق، ولم يرفع صوته بقَدْر ما يسمع، ففي "التتمة" أن الزجاجيَّ حكى فيه قولين:

الجزء: 8 - الصفحة: 542

أحدهما: وقوع الطلاق؛ لأنا نُوقِعُ الطلاق بالكتابة مع النية، فعِنْد اللفظ أَوْلَى 165. والثاني: المَنْع؛ لأنَّه ليس؛ بكلام ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يُسمِعَ نَفْسَهُ [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّفْوِيضِ): 166 وهُوَ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقي نَفْسَكِ فَإذَا قَالَتْ: طَلَّقْتُ وَقَعَ، وَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ تَوْكِيلٌ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: إنَّهُ تَمْلِيكٌ لَمْ يَجُزْ لَهَا تَأْخِيرُ التَّطْلِيقِ لأَنَّهُ كَالقَبُولِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَوْكِيلٌ فَفِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ وَجْهَانِ، وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا جَازَ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ التَّمْلِيكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجُوز للزَّوج تفْويض الطَّلاق إلى زوجته، قال الأصحاب: والأصل فيه أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَيَّر نسَاءه بيْن المقام معه وبيْن مفارقته 167، لمَّا نَزَل قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: 28] الآية والتي بعدها، وإذا فوض الطلاق إليها بأن قال: طلِّقِي نَفْسَك أو طلِّقي نفسك إن شئت، فهو تمليك للطَّلاق أو توكيل به، فيه قولان: أصحُّهما: وهو الجديدُ 168؛ أنه تمليك 169؛ لأنه يتعلق بغرضها وفائِدَتِها، وكأنَّه يقول: مَلَّكْتُك نفْسَك، فتملكها بالطلاق.
والثاني: ويُنْسَب إلى القديم، أنَّه توكيل كما لو فرض طلاقها إلى أجنبيِّ، وبه قال أبو حنيفة فيما رواه أبو الفرج السرخسي وغيره.
التَّفْرِيع: إن قلنا: إنَّه تمليكٌ، فتطليقها نفْسَها متضمن للقبول، ولا يجوز تأخيره،

الجزء: 8 - الصفحة: 543

لأن التمليك يَقْتَضي الجواب على الفَوْر، فلو أخَّرَت بقدْر ما ينقطع به القَبُول عن الإِيجاب، ثم طَلَّقَت، لم يقع الطلاق.
وعن ابن القاصِّ وغيره؛ أنَّه لا يضر التأخير ما دَامَا في المجْلِس؛ لأن الشَّافعي قال: ولا أعلم خلافاً أنَّهَا إن طَلَّقت نفسها قبل أن يتفرَّقا من المجْلِس أو يحدث قطعا لذلك أن الطَّلاق يقع عليها، وأبو إسحَاق والأكثرون حَمَلوا اللَّفْظ على مَجلِس التواجب، كما سبق نظيره في "الخُلْع" وعن اختيار ابن المُنْذِر أنَّه لا يلزم الفَوْر، ولا يختص بالمجلس، بل لها التطليق متى شاءت.
ولو قال: طَلِّقِي نَفْسَك بألْف، أو على ألْف إن شئت، وطَلَّقَت، وَقَع بائناً، وعليها الألْف، وهذا تمليك بالعِوَض، كالبيع وإذا لم يجر ذكْر العِوَض، فهو كالهبة، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يعتبر تطليقُها ما داما في المجْلس إلا أن يخوض في أمر آخر من كلام وغيره، وقال: ولو كانت عنْده قاعدةٌ، فقَامَتْ، كانت معرضة عن الطَّلاَق، وإن كانتُ قائمةً فقعدت، لم يكُنْ ذلك إعراضاً قال: وكذلك الحُكْم عنْده في قَبُول البيع، والهِبَة، والنِّكاح، وعن القَفَّال أنَّه لو قال لزوجته: طَلِّقِي نَفْسَك، فقالت: كيف يكُونُ تطليقي لنفسي، ثمَّ قالت: طَلَّقْتُ، وقَع الطلاق، ولم يكن هذا القدْر، [قاطعاً] 170 وهذا مبني على أن تَخَلُّل الكلام اليسير لا يضُرّ، وإن قلْنا: تفويض الطلاق إليها تَوْكيل 171، ففي اشتراط قَبُولها الخِلاف المذكور في اعتبار القبول في الوكالات ويجيْء الوجه الفارق بيْن لفْظ الأمْر بأن يقول طلِّقِي نَفْسَك، وبين صيغة العَقْد؛ بأن يقول وكَلْتُكِ بطلاق نفسك، وهَلْ يَجُوز تأخير التطليق على هذا القول: فيه وجهان: أصحهما: نعم، ولها أن تُطلَّق نفسها متى شاءت، كما في توكيل الأجنبيِّ، احْتُجَّ لذلك بأن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها- لمَّا أراد تخيير نسائه "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً فَلاَ تُبَادِرِينِي الجَوَابَ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ" 172. والثاني: عن القاضي الحُسَيْن أنه لا يجوز التأخير، وإن جعلْناه توكيلاً: لأنه يتضمَّن تمليكها نفسها بلفْظ مأتيٍّ به، وذلك يقتضي جواباً عاجلاً؛ ألا تَرَى أنه إذا قال أنْتِ طالقٌ إن شئْتِ، يعتبر الفور في المشيئة، وطَرَد القاضي ما ذَكَره فيما إذا صَرَّح بالتوكيل، فقال: وَكَّلْتُكِ؛ لتطلقي نفْسَك، وقال: إنَّه يشوبه شعبة مِنَ التْملِيك، وإن صرَّح بالتوكيل، قال الإِمام: وقد رَمَز المحققون إلى هَذا حيْث قالوا: إنْ جعلْنا

الجزء: 8 - الصفحة: 544

التفويض تَوْكيلاً، فذاك، وإن جعلْناه تمليكاً، فهل يتمكن الزوج من توكيلها، أم كل تفويض تمليكٌ؟ فيه خلاف.
والثاني: وهو الَّذِي أورده صاحبُ "التهذيب".
ولو قال: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْتِ، فلا يشترط التطليق على الفَوْر، ويجُوز للزَّوْج الرجوع قبْل أن تُطَلِّق نفْسَها، سواءٌ جعلْناه توكيلاً أَم تمليكاً، أمَّا إذا كَانَ تَوْكيلاً؛ فلأنه عقْد جائز في وضعه، وأمَّا إذا كان تَمْليكاً، فلأن التَّمْليكات يجُوز الرُّجُوع عنْها قَبْل القبول، وساعدنا أحمد -رحمه الله-، وعنْ أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- أنَّه لَيْس له الرجوع، وبه قال ابن خيران وإن قلنا: إنَّه تمليك، ووجِّه بأنه إذا قال لها: طَلِّقِي نَفْسَك، فكأنَّه قال إذا تلفَّظْت بتطليق نفْسك، فأنْتِ طالقٌ، ويقال بأن الشيخ أبا محمَّد كان يعبِّر عن هذا المَعْنَى بأنه تمليكٌ متضمِّن التعليق ويجُوز أن يُعلَّم؛ لِمَا نقلْنا قولُه "جاز" بالحاء والميم؛ وقولُه "لا يجوز" بالألف.
ولو قال لامرأته إذا جَاءَ رَأسُ الشَّهْر، فطَلِّقِي نفْسَكِ، ففي صِحَّته، قولان بناءً على أن التَّفْويض تمليك أو توكيل، إن قلْنا تمليكٌ، فهو لَغْو، وليس لها تطْليق نفْسِها، إذا جاء رأس الشَّهْر كما إذا قال: مَلكَّتك هذا العَبْد، إذا جاء رأْس الشهر، وإن قلْنا إنَّه توكيلٌ، فيجوز كَمَا لو وكَّل أجنبيًّا بتطليق زوجته بعْد شَهْر، وَعَلَى هذا، فلو قال: إذا جاء رأْس الشهر، فطَلِّقِي نفْسَك، أن ضمنت لي ألْفا، أو قال: طلِّقي نفْسَك، إن ضمنت لي ألْفاً بعْد شهر، فإذا طلقت نفسها على ألْف بعْد مضيِّ شهر، يقع، ويلزمها الألف، وذكر إسماعيل البوشنجي أنَّه إذا قال لأجنبي إذا جاء رأس الشهر، فأَمْر امرأتي بيدك، فإن كان قَصْده بذلك إطلاقَ الطَّلاق له بعْد مجيْء رأس الشَّهْر، فله التطْليقُ بعْده أيَّ وقْت شاء إلا أن يطْرَأَ حَجْر، وإن أراد تقييد الأمْر برأْس الشهر، فيتقيد الطَّلاق به، وليْس له أنْ يُطَلِّقها بعْد ذلك، ولو قال: إذا مَضَى هذا الشَّهْر، فأمرها بيَدِك، فمقتضاه إطْلاَق الإذْن بعْد مضيِّ الشَّهْر، فيطلقها متى شاء، ولو قال: أمرها بيدك إلى شَهْر أو شهراً، فلَه أن يُطلِّقَها إلَى شَهْر، وليس له الطلاق وراءه وهذه الأحكام في حَقِّ الزوجة كَهِيَ في حقِّ الأجنبي، إذا جعلْنا التفويض إليها توكيلاً.
ولو قال لها: طَلِّقي نفْسَكِ، فقالت: طلَّقْتُ نَفْسي أو أنا طالقٌ، إذا قَدِم زيْدٌ لم يَقَعِ الطَّلاَق عليها، إذا قَدِم؛ لأنَّه لا يُمَلِّكها التعليق، وكذا الحُكْم في حقِّ الأجنبيِّ وفيها وجه آخر حكاه الحناطي.
ولو قال لها: علقي طلاقك بكذا، ففعَلَتْ أو قاله الأجنبي، ففعل، لم يَصِحُّ، لأنَّ تعليق الطلاق يجري مَجْرى الأيمان، فلا يدخله التَّفْويض والنِّيَابَة، هذا هو الأظْهَر، وهو الجواب في "التهذيب" وعن أبي عاصم العَبَّادي وجْهان آخران:

الجزء: 8 - الصفحة: 545

أحدهما: أنَّه يجوز تفويض التعليق، كتفويض التنجيز.
والثاني: أنَّهُ يُنْظَر في الصِّفَة التي أمر بالتعليق بها، إن كانَتْ توجد لا مَحَالَة؛ كطلوع الشَّمْس، ومجيْء رأس الشهر، فيَجُوز؛ لأنَّ مثْل هذا التَّعْلِيق ليْس بيمين، وإن وإن قَدْ يوجد، وقد لا يُوجَد كدخول الدار، فهو يمين، وتفويض الإِعتاق إلى العبْد كتفويض الطلاق إلى المرأة في الأحكام المذكورة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: أَحَدُهَا): لَوْ قَالَ: أَبِينِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: أَبَنْتُ وَنَوَيَا وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ يَنوِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعُ (ح)، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسكِ فَقَالَتْ: أَبنْتُ وَنَوَتْ وَقَعَ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ لِمُخَالَفَةِ الكِنَايَةِ الصَّرِيحَ، وَقِيلَ: ذَلِكَ يَجْرِي في تَوْكِيلِ الأَجْنَبِيِّ أَيْضاً، وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ رَجْعِيَّةً، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَالقَوْلُ فِي نِيَّةِ الكتَابَةِ قَوْلُ النَّاوِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز التفويض بصريح الطَّلاق، ويُعْتَبَر من الزَّوْجة المفوض إليها باللفظ الصريح، كذلك يجوز التَّفْوِيض بالكنايات مع النية، وَيُعْتَبَر منها بالكناية مع النية، ولا يُشْتَرَطِ توَافُقُ اللَّفْظ من الجانبين، إلاَّ أن يقَيد التفويض، فإذا قال: أبيني نفسك أو بتى فقالت: أبَنتُ: أو بتت، وَنَويا، وقَع الطلاق، وإن لم يَنْوِيَا أو لم يَنْوِ أحدهما لم يَقَعْ، أما إذا لم يَنْوِ، فلأنه لم يفوِّض الطلاق، وأما إذا لم تنوِ؛ فلأنها ما امتثلت، وعن أبي حنيفة: أنَّه يكفي نية الزَّوْج، ولا حاجة إلى نيتها, ولو قال لها: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فقالت: أَبَنْتُ نفسي، أو أنا خليَّةٌ أو بريةٌ، وقع الطلاق، كما لو قال بع بلفظ التمليك يصِحُّ.
وعن ابن خيران؛ أنَّه لا يقع لاخْتِلاف اللفظَيْن، ورُوِيَ عن أبي عبيد بن حرْبوَيْه مثْله، وممَّن رواه ابن القَطَّان عن أبي محمَّد الفارسي عن ابن حرْبَوَيْه، وإذا قال طلِّقِي نَفْسَكِ، فقالَت للزوج: طلَّقْتُكَ، ونوَت تطليق نفْسِها، فهُو من صور هذا الخلاف، ويجري الخلاف في عكْسه، وهُو أن يفوِّض ببعض الكنايات، فيقول: أبيني نفْسَك أو فَوَّضْتُ إِلَيك أمْرَك أو ملكتك نفسَكِ، أو أمْرُكِ بيدك، وينوي، فتقول: طلَّقْت نفسي، وعن القاضي الحُسَيْن وغيره، أنَّ الخلاف يجري فيما إذا قال لأجنبيٍّ: طلِّق زوجتي، أبنتها، ونوى، أو قال: أبِنْ زوْجَتي، ونَوى، فقال الوكيل: طلَّقْتهَا, ولو قال لزوجته: أبيني نفْسَكِ، ونوى، فقالَتْ: أنا خليَّةٌ ونَوت، فاختلاف الصيغتين، هل يمنع وقُوع الطَّلاق تفريعاً عَلَى وجه الرجوع، وحَكَى الإمامُ فيه تردُّداً، قال: والأَوْجَهُ أنَّه لا يَمْنَع؛ لأن الاعتماد هاهنا على النية، واللفْظ غيْر مسَتقلٍّ من الجانبين بخلاف اختلاف الصَّريح، والكناية ولو قال: طلِّقي نفسك بصريح الطلاق أو بكناية الطَّلاق، فعَدَلت عن المأذون إلى غيْره، لم تُطَلَّق بلا خلاف.

الجزء: 8 - الصفحة: 546

ولو قال: طَلِّقِي نفْسَك، فقالت سَرَّحْت نفْسي، وقع الطلاق بلا خلاف؛ لاشتراكهما في الصرائح.
ويجُوز أن يُعلَّم قولُهُ في الكتاب، "ولَوْ قَالَ: طلِّقِي نَفْسَكِ فقَالَت: أبَنْتُ، ونَوَتْ وَقَع" بالحاء؛ لأنَّ الحكاية عَنْ أبي حنيفة -رحمه الله- إذا فوَّض بالصريح لم يقع الطلاق منْها بالكناية، بخلاف ما إذا فوَّض بالكناية، فطُلِّقَت بالصريح، وَوُجِّه ذلك أن الكنايات عنْده بوائن، فالعدول من الصريح إلى الكناية مخالفةٌ فيما يضره؛ لامتناع المراجعة، والرجوع من الكناية إلى الصريح مخالفةٌ فيما ينْفَعه.
ولو قال لزوجته اخْتَاري نفْسَك، ونوى تفويض الطلاق، فقالَتْ: اختَرْتُ نفسي أو اخترت ونوت وقعت طلقة، ولو قال اختاري ولم يقل نفسك ونوى تفويض الطلاق فقالت اخترت ففي "التهذيب" أنه لا يقع حتى تقول: اخترت نفسِي، وأَشْعَرَ كلامه بأنه لا يقع وإن نوت، وكان السَّبب فيه أن ليس في كلامه؛ ولا في كلام الزوج ما يُشْعِر بالفراق، بخلاف ما إذا قال: اخْتَاري نفْسَك، فإن له إشعاراً بالفراق، فانْصَرَف كلامها إلَيْه.
وقال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: إذا قالت: اخترت، ثم قالَتْ بَعْد ذلك: أردت اخْتَرْتُ نَفسِي، وكذَّبها الزوج، يُقْبَل قولُها، ويُقْتَضى بوقوع الطَّلاق خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- ولَوْ أنَّها قالت في الجواب: اخترتُ نَفْسيِ، ونَوَتْ، وقَعَت طلقة، كما لو أتيا كناية أخرى، وتكون رجعيَّةٌ إن كانت محَلّ الرجعة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- تكُون بائنةً؛ بنَاءً على أن الكنايات بوائن، ولْيعلَّم قولُه في الكتاب "طُلِّقَتْ رجعيَّة" بالحاء لذلك ويجوز أن يُعلَّم بالميم أيضاً, لأن عند مالك يقع ثلاَثُ طلقات، إن كانَت المرأة مدْخولاً بها، وإن لم يكن مدخولاً بها، يقَع ما نوت من واحِدَة إلى ثَلاَث، ولو قالَتِ: اخترت زَوْجي، أو اخترت النِّكَاح، لم يقَعْ شيْء، وإن قالَت: اخترت الأزواج، وقَعَتْ طلقة؛ لأنَّها لا تَصْلُح للأزواج إلا بمفارقته، وعن أبي إسحاق أنَّه لا يقَع شيْء؛ لأن الزوج من الأزواج؛ فصار كما إذا قالَت: اخترْتُك، وإن قالت: اخترت أبَوَيَّ، فوجهان منقولان في "التهذيب": أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأن اختيار الأبوَيْن لا يقتضي فراق الزواج.
وأظهرهما، وبه أجَابَ البوشنجي -رحمه الله- الوقوع لإِشعاره باللحوق بهما، والرجوع إلَيْهما، وصار كَمَا إذا قال الزوج: ألْحَقِي بأهْلك، ونوى، وقالَت اخترتُ أخي أو عَمِّي، فعلى هذا القياس، قال البوشنجي، ولَوْ كانَ قَدْ قال: اختاري نَفْسَك، فاختارت واحد من هؤلاء، ففِيهِ احتمالٌ، والأظهر أنَّه يقَع الطلاق أيضاً وقربه ممَّا إذا قال طَلِّقِي نفْسَكِ فقالت: طلقتك، ونَوَت يقع الطلاق، وإذا جَرَى التفويضُ بكناية من الكنايات، والتطليق فيها كذلك أو جرى أحدهما بالكناية، فتنازعا في النية، فالقول قول

الجزء: 8 - الصفحة: 547

النَّاوي، نفى أو أثبت، لأنَّه أعْرَفُ بما في ضميره، ولا يُمْكن إقامة البينة عليْه، وعن الإِصطخري -رحمه الله-: أنَّها إذا قالت: نَوَيْتُ، وقال الزوج: ما نَوَيْت، فالقول قَوْل الزوج؛ لأنَّ الأصْل بقاء النِّكَاح، والظاهر الأول، ولو اختلفا في أصْل التخيير، وأنْكَره الزَّوْج، [أو قال: خيرتك فلم تختاري في وقت الاختيار] فالقول قَوْله؛ لأن الأصْل عدَمُ المدَّعي، وبقاء النكاح، وإقامة البينة على المدَّعي مُمْكِنة.
ذكر القاضي ابن كج أنه لو جَعَل أمرها إلى وكيل، فقال لها الوكيل: أمْرُكِ بيدك، وقال نَوَيْتُ الطَّلاق، وصدَّقَتْه المرأة وكذَّبه الزوج، فالقَوْل قول الوكيل على المَذْهَب؛ لأن الزَّوْج قد ائتمنه، وفيه وجْه أن القوْل قول الزوج؛ لأن الأصْل بقَاءُ النِّكَاح، ولو تَوافَق الزوجان على تَكْذيبه، لم يُقْبَل قوْل الوكيل علَيْها، والقَوْل في اشتراط الفَوْر منها في التفْويض بالكنايات على ما ذَكْرنا في التفويض بالصريح، ووراءها ذكَرْنَا صُوَرٌ تتعلَّق بالتخيير.
ولو قال لزوجته: اختَارِي من ثلاثِ طلقات ما شئْتِ أو طلِّقي نفْسَك من ثلاثٍ ما شِئْت، فلها أن تُطلِّق نفْسها واحدةً أو اثنتين، ولا تملك إيقاع الثلاث لأن "مِنْ" للتبعيض.
ولو خير صبية، فاختَارَتْ، لم يقَع الطلاق، ولم يعتبر اختيارها.
وفي "التتمة" أنَّه لو قال لزوجته ثلاث مرات: اختاري، وقال: أردتُّ واحدةً، لم يقع إلا واحدة، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- وذكر إسماعيل البوشنجي؛ أنه إذا قَال لها: اختاري، ققالت: اخترتُ الأولى، والوسطى؛ فالقياس أنه تقع واحدة، وعن أبي حَنِيفة -رحمه الله- أنَّه يقع الثَّلاث.
وأنَّه لو قال: اختاري نفْسَكِ أو طلِّقي نفْسَك، فقالت: اخترت أو أطْلَق، فمطلقة، للاستقبال فلا يقع به شيء في الحال، وإن قال: أردتُّ الإِنشاء وقع 173. أنَّه لو خيَّرها، وهي لا تَشْعر، فاختارت نفسها، اتفاقاً فيخرج على ما لَوْ باع مَالَ أبيه على ظَنِّ أنَّه حَيٌّ، فإذا هو ميِّت، والطَّلاق أَوْلَى بالنفوذ.
وأنَّه إذا قال لغَيْره: أمرُ امرأتي بيد الله، وبيدك، روجع فيه، فإن قال: أردتُّ أنه لا يستقلُّ بالطلاق، قُبلَ قوله: ولم يكن له أن يطلِّق، وإن قال: أردتُّ أن الأمور كلِّها بيد الله -تعالى- والذي أثبته لي جعّلْتُه في يَدِك، قُبِلَ، واستقل ذلك الرَّجُل، ولو قَالَ: كل أَمْرٍ لي علَيْكِ قَدْ جعلته بيدك، فالَّذي عندي أن هذا لَيْس بتفويض، صريح وليْس لها أن تُطلِّق نفسها ثلاثاً ما لم يَنْوِ الثلاث، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- وأصْحَابه خلافُه،

الجزء: 8 - الصفحة: 548

وأنَّه لو قَال لها: اختاري اليَوْمَ وغداً وبعد غد، فالمضاف إلى الزَّمَان المستقبل ينبغي أن يَكُون على الخِلاَف في أن التفويضَ تمْلِيك أو توكيل، إن جعلْناه تمليكاً، لم يَحْتَمل التراخي فيه، كما في البيع، وإن جعلْنَاه توكيلاً، فهو كما لو وَكَّل إنْساناً بالبيع في اليوم والغد وبعد الغد، وعلى هَذَا، فَلَها الرَّدُّ في بعض الأيام دون بعض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَنَوى ثَلاَثاً فَقَالَتْ طَلَّقْتُ وَلَمْ تَنْوِ العَدَدَ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: يَقَعُ الثَّلاَثُ وإِنَّ نِيَّتَهُ تُغْنِي عَنْ نِيَّتها في العَدَدِ وَإِنْ لَمْ تُغْنِ في أَصْلِ الطَّلاَقِ، وَهَذَا يَظْهَرُ إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ وَلاَ يَتَّجِهُ إِذَا لَمْ يتَلَفَّظْ بِالثَلاَثِ (الثَّالِثُ): لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً فقالَتْ: طَلَّقْتُ وَاحِدَةً طُلَّقَتْ وَاحِدَةً, وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي وَاحِدَةً وَطَلَّقَتْ ثَلاَثاً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: طَلِّقِي نفْسَكِ، ونوى الثَّلاث، فقالت: طلقْتُ نَفْسي، ونوت [الثلاث] وقع الثلاث؛ لأنَّه يحتمل العدد كما سَيأْتِي، فإذا نَوَيَا وقَع، وإن لم تنوِ هي العدد فوجهان: أصحُّهما: أنَّه لا تقع إلاَّ واحدة؛ لأنَّ صرائح الطَّلاق كنايةٌ في العدد، كما أن البَيْنُونَة بالحرية كناية في أصْل الطلاق، ولو قال: أبيني نفْسَكِ، ونوى فقالت: أبَنْتُ، ولم تنوِ، لم يقع الطلاق، وكذلك لا يَقَع العدد.
والثاني: تقع الثلاث، وتغني نيته في العَدَد عن نيتها، وإن لم تُغْنِ في أصل الطلاق؛ لأن البِنَاء في أصْل العَدَد أقْرب من البناء في أصل الطَّلاق، وكأنه فوَّض إليها أصْل الطلاق، وتولى بنفسه قَصْد العدد، ولو قال: طلِّقِي نفْسَك ثلاثاً، فقالت: طلقْتُ نَفْسي، أو طلقْتُ، ولم تتلفظ بالعدد، ولا نَوَتْه، فعن القاضي الحُسَيْن؛ أنه يقع الثلاث؛ لأن قوله هاهنا جوابٌ لكلامه فهو كالمعاد في الجواب، وإذا لم يتلفَّظ بالثلاث، ونوى، لمْ يمكن أن يقدر عود المَنْوِيِّ في الجواب؛ لأنَّ التخاطُبَ يقَع باللَّفْظ لا بالنية، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
وقال الإِمام -رحمه الله-: وهذا الجَوَاب بتوجهه ينبي إن جعلْنا التفويض تمليكاً، وإن جعلناه توكيلاً، فتصرف الوكيل بفسخ غيْر مبنيٍّ على التوكيل، ولذلك لم يُشْتَرَطِ اتِّصَالُه، وإذا لمْ يكُن مبنيًّا علَيْه، فالوجه أن لا تقع الثلاث، نعم من شَرَط اتصال تصرف الوكيل على ما حكاه وجْهاً عن بعض الأصْحاب اتَّجَه عنده وقوع الثلاث، كما على قول التمليك، قال: ويجوز أن يقلب فيقال إن جعلْناه توكيلاً، لم يبن كلامُها على كلامه، ولم تقع الثلاث، وإن جعلْنَاه تمليكاً، فيحتمل أن يكون الحُكْم كما حكي عن القاضي -رحمه الله-، ويحتمل أن لا يبني كلامها؛ على كلامه لأنه قام في نَفْسِه، بخلاف

الجزء: 8 - الصفحة: 549

القَبُول الَّذي يترتَّب على الإِيجاب، ولا يستقلُّ بنَفْسه ولهذا لو قال: طَلِّقِي نفْسَك واحدةً، فقالت: طلَّقْتُ ثلاثاً تقع واحدة، ولو كان تطليقُها مع تفويضه كالقبول مع الإِيجاب لما وقع الطلاق أصلاً كما لا يصح البيع إذا قال: بِعْتُكَ هذا بألف، فقال 174 اشتريْتُ بأَلفَيْن، وهذه الاحتمالات ردَّدها، والظاهر ما سَبَق، وهو وقوع الثلاث.
وقوله في الكتاب "وَهَذَا يَظْهَرُ إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً" أي هذا هو الجواب الظاهر منه 175. ولو فوض الطلاق إلَيْها بكناية ونوى العَدَد، وطلّقت هي بالكناية، ونوت العدد، وقع ما نوياه، كما لو نويا العدد في الصريح.
ولو نوى أحدهما عدداً، ونوى الآخر عدداً آخر، وقع الأقَلُّ: فإنَّه المُتَّفَق علَيْه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لها اختاري، ونوى تفويض الثلاث إليها, لم يكُنْ لها إيقاع الثلاث بل لا توقع إلاَّ واحدة؛ لأن الخيار لا يدْخُل فيه العدد، كخيار العتق.
لنا: أنَّه كناية عن الطلاق، فأشْبَه سائر الكنايات.
ولو قال: طَلِّقِي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلَّقْتُ واحدةً أو اثنتين وقَع ما أوقعته، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك لا يقع شيْء.
لنا: أن الواحدة داخلة في الثَّلاث الَّتي فوَّض إليها إيقاعَها فوقعت بإيقاعها ثم إذا طلَّقَتْ نفسها واحدةً، وراجَعَها الزَّوج في الحال، قال صاحبُ "التهذيب" في فتاويه لها أن تُطَلِّق نفْسها ثانيةً وثالثةً؛ لأنَّه لا فَرْق بين أن تُطلِّق نفسها الثلاثَ دفعةً واحدةً، وبين أن تقول: طلَّقْتُ نفسي واحدة واحدة وواحدة، وإذا كان كذلك لم يقدح تخلل الرجعة بين الطلقتين ولو قال: طَلِّقِي نفْسَك واحدةً فقالت: طلَّقْت ثلاثاً أو اثنتين وقعَت الواحدة، وبه قال مالِكٌ؛ خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أن مَنْ يملك إيقاع طلْقَةٍ تقع تلْك الطلقة إذا طلَّق ثلاثاً؛ كالزوج إذا لم ينوِ إلاَّ طلقةٌ، فقال: أتتِ طالقٌ ثلاثاً، والحكم في الطرفين في توكيل الأجنبيِّ بالطلاق، كما ذكرنا 176. ولو قال: طلِّقِي نفْسَك ثلاثاً إن شئْتِ فطلقت واحدةً أو 177 قال: طلِّقِي نفسك

الجزء: 8 - الصفحة: 550

واحدة إن شئت فطلقت ثلاثاً وقعت واحدة كما لو لم يقل إن شئت ولو قدم ذكر المشيئة على العدد فقال طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً فطلقت واحدة أو طلقي نفسك إن شِئْتِ واحدةً، فطلقَتْ ثلاثاً، قال صاحب "التلخيص" وساعده الأصحاب: لا يقع شيْء، والفَرْق أنَّه إذا قدَّم المشيئة، صارَتْ مشيئة ذلك العدد شرطاً في أصْل الطلاق، وكان المَعْنى: طلِّقِي نفْسَك إن اخترت أن تُطَلِّقي نفسَكِ طلاقاً، فإذا اختارت غيْر الثلاث، لم يوجَدِ الشَّرْط، وإذا أخر المشيئة، كانَت المشيئة راجعةً إلى تفويض ذلك المَعْنَى، كأنه قال: فَوَّضْت الثلاث إلَيْك أن تُطلِّقي نفْسَك ثلاثاً، فإن شئْتِ فافْعَلِي ما فوضت، وذلك لا يَمْنَع نفوذ ذلك المُعيَّن، ولا نفوذ ما يدْخُل فِيهِ، هذا تمام الكلام في الرُّكْن الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي للِطَّلاَقِ: القَصْدُ): وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ اخْتِلالُهُ بِخَمْسَةِ أَسْبَابٍ: (الأَوَّلُ): سَبْقُ اللِّسَانِ فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الطَّلاَقِ لَمْ يَقَع طَلاَقهُ، وَلَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ طَالِقُ وَاسْمُ عَبدِه حُرٌّ فَقَالَ: يَا طَالِقُ وَيَا حُرّ لَمْ يعْتَقُ وَلَمْ تُطَلَّقُ إِنْ قَصَدَ النِّدَاءَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فوَجْهَانِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِنْشَاءِ، وَإذَا كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ طَارِقَ فَقَال: يَا طَالِقُ ثُمَّ قَالَ: الْتَفَتَ لِسَانِي قُبِلَ ذَلِكَ ظَاهِراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَصْد إلى الطَّلاق لا بُدَّ منه، وإلاَّ فهُو غَيْرُ مُزِيل ملك النكاح، فوَجَب ألاَّ يَزُول، والمراد به أن يكون قاصِداً لحروف الطَّلاق؛ بمعنى الطلاق، ولا يكفي القَصْد إلى حروف الطلاق من غير قَصْد معْناه.
وقوله "وإنما يُتَوَهَّم اختلاله بخمسة أسباب" المراد منْه أن غاية ما يُتَوَهَّم الاختلال به هذه الأسباب؛ لأن الاخْتلاَل بكل واحد منْها متوهَّم؛ فإنَّ منها ما هو متحقَّق يمْنَع وقوع الطَّلاق، ومنها ما يُتوهَّم الاختلال به، ليس كذلك كطلاق الهازل.
أحد الأسباب ألا يكُونَ قاصداً إلى اللَّفْظ أصلاً كالنائم تجري كلمة الطلاق على لسانِه، واحْتُجَّ له بما روِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَن المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ" 178. ولو استيقظ النائم، وقَدْ جَرَى لفْظ الطلاق على لسانه، فقال: أجزت ذلك الطلاق، أو أوقعته، فهو لَغْوٌ 179. وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه لو قال: أجزته، لم يجز، ولو قال أوقعته، وقَعَ.
ومَن سَبَق لسانه إلى كلمة الطلاق في محاورته، وكان يريد أن يتكلم بكلمة أخْرَى، لم يَقَع طلاقاً، ولكن لا تُقْبَل دعوى سَبْق اللسان منْه في الظاهر إِلاَّ إذا وُجِدَتْ

الجزء: 8 - الصفحة: 551

قرينة تدُلُّ عليه، فإذا قال طلِّقتك ثم قال: سبَق لساني إلَيْه، وكنت أريد أن أقول طلَبْتُكِ فعن نصِّ الشَّافعي -رحمه الله- أنَّه لا يسع امرأته أن تَقْبَل منْه ذلك، وحَكَى القاضي الرُّويانيُّ عن "صاحب الحاوي"، وغيره أنَّ هذا فيما إذا كانَ الزَّوْج متهماً فيه، أمَّا إذا علِمتْ صدْقَه، أو غَلَب على ظنها بأمارة، فلَهَا أن تقبل قوْلَه: ولا تخاصِمَه، وأن من سَمِعَ منه ذلك، إذا عَرَف الحال، يَجُوز له، أن يَقْبَل، ولا يَشْهَد علَيْه، قال: هذا هو الاختيار، وإن كانَتْ زوجته تسمى طالقاً، وعبده يسمى حرًّا، فقال: يا طالقٌ أو يا حُرُّ، وقصد النداء بالاسم، لم يقَع الطلاق، ولم يحْصُل العتق، وإن قَصَد الطلاق والعتق، حصلا، وإن أطْلَق ولم يَنْوِ شيئاً فعلى أيِّ المحملين يُحْمَل، فيه وجْهان.
أشبههما: الحمل على النِّداء، حتَّى لا يقع الطلاق إلا إذا نَوَى، وهذا هو المذْكُور في "التهذيب" وذكر الإِمام أن مأْخَذ الوجهين يقرب من مأخذ القوْلَين فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، وَلم ينْو تكراراً ولا تأكيداً أنَّه عَلاَمَ يُحْمل؟ والأظهر هناك أنَّه تقع طلقتان، وإذا كان اسم امرأته ما يقارب حروفُه حروف طالق، كالطالع، والطالب، والطارق، فقال: يا طالقٌ، ثم قال: أردت أن أقول: يا طارِقُ أو يا طالع، فالتتفَّ الحرف بلساني، قُبِل قوله في الظاهر؛ لقوة القرينة وظهورها، بخلاف ما إذا قَالَ لامرأته: أنتِ طالقٌ، وهو يحل وثاقاً عنها وقال: أردتُّ الإطلاق عن الوَثَاق حيْث ذَكْرنا خلافاً في قَبُوله ظاهراً، قال في "البسيط", لأن التلفُّظ بكلمَة الطَّلاق كالمستنكر في حالة النِّكَاح، ما إذا نطق بها بعْد قَبُول التأويل.
والمبرسم والمُغْمَى عليه كالنائم والحاكي لطلاق الغَيْر لا يقع طلاقه، وذلك مثْل أن يقول: قال فلان: زوْجَتي طالقٌ، وكذا الفقيه إذا كان تكرَّر لفظ الطلاق في تصويره وتدريسه وتكراره.
ومن صُوَر سبْق اللسان ما إذا طَهُرَت امرأته من الحَيْض أو ظنَّ طهارتها، فأراد أن يقول: أنْت الآن طاهرةٌ، فسبق لسانه؛ أنت الآن طالقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): الهَزْلُ وَلاَ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي مَنْعِ الطَّلاَقِ وَالعِتَاقِ، وَفِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ تَرَدُّدٌ، وَالمَشْهُورُ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِد مَعَ الهَزْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الهازل 180 بالطلاق يَقَع طلاقه، ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ، الطَّلاَقُ، والعِتَاقُ، والنِّكَاحُ 181، وُيرْوَى بدْل العتاق الرجعة.

الجزء: 8 - الصفحة: 552

وصورة الهَزْل: أن يلاعيها بالطَّلاق مثْل أن تقول في معْرض الدلال والاستهزاء: طَلَّقَني ثلاثاً فقال: طلقتك ثلاثاً، فيقع الطلاق، لأنَّه خاطبها بالطَّلاق عن قَصْد واختيار، وليس فيه إلا أنَّه غير راضٍ بحكم الطلاق ظانًّا أنَّه إذا كان مستهزئاً غير راضٍ بوقوع الطلاق لا يقع الطلاق، وهذا الظن خطأ ألا تَرَى أنَّه لو طلق بشرط الخيار لنَفْسه يقع الطلاق ويلغو الشرط، وإن لم يَرْض بالوقوع في الحَال، وكما يقع طلاق الهَازل في الظَّاهر، يقع في الباطن أيضاً، بخلاف ما إذا قال: أنْتِ: طالقٌ، ثم قال: أردتُّ عن وثاق، حيث يدين, لأن هناك صَرْف اللفظ عن ظاهره إلى تأويل يدعيه والهازل، لا يصرف اللفظ إلى معنى آخر، وهل ينعقد بالبيع، وسائر التصرُّفات مع الهزل فيه وجْهَان عن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله- وغيره وجْه الانعقاد: حُصُول الأهلية والمحلية، والصيغة، الصادرة عن قصْد واختيار، ووجه الآخر: أن ظاهر الحَدِيث يَقْتَضي اختصاص الْتحَاق الهازل بالجِدِّ بالتصرفات الثلاثة، وقد مرَّ ذكر الوجهَيْن في "كتاب البيع" وقربناهما من الخلاف فيما إذا بَاع قال أبيه على ظَنِّ أنَّه حيٌّ، فإذا هو ميت، ويُشْبه أن يكون الانعقاد أظْهر، والخلاف جار في النكاح؛ لأنَّه كالبيع وسائر التصرُّفات في أنَّه لا يكمل مبعضه ولا يؤيد موقّته، لكن الحرّ يقتضي التحاقه بالطَّلاق، والعتاق، ولفظ صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" له إضعار بترجيح عدَم الانعقاد، وقد يؤيد ذلك بما يختَصُّ به النِّكاح من وجوه الاحتياط.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: الجَهْلُ): فَإِذَا خَاطَبَ امْرَأَةٌ بِالطَّلاَقِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا زَوْجَةُ الغَيْرِ فَإذَا هِيَ زَوْجَتُهُ فَالمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقَعُ وَيَنْقَدِحُ أَنْ لاَ يَقَعَ، وَالأعْجَمِيُّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَفْهَمُهُ لَمْ يَقَعْ، وَإِذَا بَاعَ مَالاً عَلَى ظَنِّ أنَّهُ لأَبِيهِ فَإذَا هُوَ مَيِّتٌ فَفِي صِحَّتِهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خاطب امرأةً: بالطلاق على ظَنِّ أنَّها زوجة الغَيْر، وكانت في = ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت رفعه: لا يجوز اللعب في ثلاث: الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن، وهذا منقطع، وفي الباب عن أبي ذر رفعه: من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز، أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم عنه، وهو منقطع، وأخرج عن علي وعمر نحوه موقوفاً، وفي هذا رد على ابن العربي، وعلى النووي حيث أنكرا على الغزالي إيراد هذا اللفظ، ثم قال النووي: المعروف اللفظ الأول بالرجعة، يدل الطلاق، وقال أبو بكر بن العربي: لا يصح قوله: ويروى: بدل العتاق: الرجعة.
قلت: هذا هو المشهور فيه، وكذا رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والدارقطني، من حديث عطاء عن يوسف بن ماهك عن أنس هريرة باللفظ المذكور أولاً، وفيه بدل: العتاق، الرجعة، قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح، وأقره صاحب الإِلمام وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره، فهو على هذا حسن.

الجزء: 8 - الصفحة: 553

ظلمة أو حِجَاب وكانت زوْجَتَهُ، يقعَ الطلاق على النَّقْل المشهور، وللإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- فيه احتمالٌ, لأنَّه إذا لم يَعْرف الزوجة، لا يكون قاصداً لقطعها، فإذا لم يقْصِد الطلاق، وجب إلاَّ يَقَعَ، قال في "البسيط" وكان بعض المذكورين بالوعظ في زمانِنا يلتمسُ من أهْل المجْلِس مكرُمَةً مالية، فلم تنجع طَلِبَتُه، وطال انتظاره فقال: متضجراً قد طلَّقْتُكم ثلاثاً، وكانت زوجته منهم، وهو لا يدري، فأفتى الإِمام -رحمه الله- بوقوع الطلاق، قال: وفي القلْب منْه شيْءٌ، ولك أن تقول: ينبغي ألاَّ يقع الطلاق، فيما إذا خاطب زوجَتَه بالطلاق، وهو لا يَدْرِي أنَّها زوجته؛ لأن قوله: طلَّقْتكم جميعاً لفظ عام، واللفظ العام يَقْبَل الاستثناء باللفظ والنية؛ ألاَ تَرَى أنَّه لو حَلَف ألا يُسلِّم على زَيْد 182، فسلَّم على قوْم منهم زيد واستثناه بقَلْبِه أو بلفظه، لم يَحْنَث على ما سيأتي في الأيمان إن قدَّر الله -تعالى جَدُّه.

الجزء: 8 - الصفحة: 554

وإذا كان عنْده أن امرأته ليْسَت في القَوْم، كان مقصوده من اللفظ غيْرَها، فيكون مُطَلِّقاً لغيرها لا لها، كما أنه إذا استثنى زَيْداً بقلبه، وكان المقصود غيْرَه كان مسلماً على غَيْر زيْد.
ومن نظير هذه الصورة ما إذا نَسِيَ أنَّ له زوجةً، وطلَّقها، وكذلك لو قبل له أبوه في صِغَره أو وكيله في كبره نكاحَ امرأة، وهو لا يَدْرِي فقال: زَوْجَتي طالقٌ أو خاطب تلْك المرأة بالطلاق، فالمشهور وقوعُ الطَّلاق، وقد حكاه القاضي ابن كج عن نَصِّ الشَّافعي -رحمه الله- وهَذَا في الحُكْم الظاهر، وأمَّا في الباطن فقَدْ أطْلَق أبو العبَّاس الرُّويانيُّ في الوقوع باطناً وجهيْن، قال: ويُحْتَمل أن يُقْطع بالوقوع في صورة النِّسْيان، ويختص الخلاف بما إذا لم يَعْلَمْ أن له زوجة أصلاً كما يُفرَّق بيْن ما إذا صلَّى مع نجاسة نسيها، وبين ما إذا صلَّى مع نجاسة، لم يعْلَمْ بها أصلاً، وفي "التتمة" أنَّه يُبْنَى ذلك على أن الإِبراء عن الحُقُوق المجهولة، هل يصحُّ؟ إنْ قلْنا لا يصحُّ، لم يقع الطلاق بينه وبين الله -تعالى 183. ومن لُقِّنَ كلمة الطلاق بلُغة لا يعْرفُها كالعجميِّ يلقن لفظ الطلاق، فأتى بها، وهو لا يَعْرف معناها, لا يقع طلاقُه، كما لو لُقِّن كلمة الكُفْر، فتكلَّم بها وهو لا يَعْرِف معناها, لا يُحْكَم بكفره، قال أبو سعد المتولِّي: وهذا إذا لم يكُنْ له مع أهْل ذلك اللسان اختلاطٌ، فإن كان لم يُصَدَّق في الحكم، ويَدين فيما بيْنه وبين الله -تعالى- وإذا لم يقَع الطَّلاق، فلو قال العجمي: أردتُّ بهذه الكلمة معْناها بالعربية، ففي وقوع الطلاق وجْهان: أحدهما: ويُحْكَى عن أقْصَى القضاء الماوَرْدِّي: أنَّه يقع؛ لأنَّه قد نَوَى الطلاق.
وأصحُّهما: وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لا يقع؛ لأنَّه إذا لم يَعْرِف معنى الطلاق، لا يصحُّ قصْده، ولو قال: لم أعْلَمْ أن هذه الكلمة معناها قطْع النكاح، ولكن نَوَيْتُ بها الطلاق، وقصَدتُّ قطْع النكاح، لم يَقَع الطلاق، كما لو خاطبها بكلمة لا معنى لها، وقال: أردتُّ الطلاق.
واعْلَم أن مسألة تلقين العجميِّ مقصودةٌ بالذكر في نفْسها، واحتج بها في "الوسيط"، للاحتمال المذكور في صورة الجهل، واستشهد أيضاً بوجه سبق ذكره في "الغَصْب" فيما إذا قال الغاصب لمالك العَبْد: أعتق عبْدي هذا، فأعتقه المالِكُ جاهلاً بأنَّه عبْده، أنَّه لا يعتق.

الجزء: 8 - الصفحة: 555

وقوله "وإذا باع مالاً على ظَنِّ أنَّه لأبيه فإذا هو ميِّت، ففي صِحَّته خلافٌ" فهذه الصورة مذكورةٌ في البيع 184 وإنَّما أعادَهَا، هنا، لمشابهتها صورة الجهل في الطَّلاق، فالبائع في تلْك الصُّورة جاهلٌ بحال المَبِيع كالمطلِّق فيما نحْن فيه، وإذا كان الأظْهَر في البيع الصِّحَة على ما سبَق ذكْره، فالطلاق، أَوْلَى بالوقوع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ): الإِكْرَاهُ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صحَّةَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلاَّ إِسْلاَمَ الحَرْبِيِّ وَالمُرْتَدِّ، وَفِي إِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ تَرَدُّدُ (ح)، وَلاَ يَقَعُ طَلاَقُ المُكْرَهِ إلاَّ إِذَا ظَهَرَتْ دَلالَةُ اخْتِيَارِهِ (ح)، بِأَنْ خَالَفَ المُكْرِهَ بِأَنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثَلاَثاً، أَوْ عَلَى طَلاَقِ زَوْجَةٍ فَطَلَّقَ زَوْجَتَينْ، أَوْ عَلَى زَوْجَتَيْنِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى ثَلاَثٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى إِحْدَى زَوْجَتَيْنِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مُعَينَةً، أَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ العِلْمِ بِهَا وَالاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَمْ يُدْهَشْ بِالإِكْرَاهِ، أَوْ قَالَ المُكْرِهُ: قل: طَلَّقْتُهَا فَقَالَ: فَارَقتُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: التصرُّفَات القوليَّة: المحمول عليْها بالإِكراه بِغَيْر حقٍّ باطلةٌ لاغيةٌ، يستوي فيه الرِّدَّة والبيع وسائر المعاملات، والنكاح والطلاق والإِعتاق وغيرها، وما يُحْمَل عليه بحقٍّ فهو صحيح 185. وقَدْ يعبر عن هذا الغرض بعبارة أُخْرَى، فيقال: ما لا يلْزَمُه في حال الطواعية لا يَصِحُّ منْه إذا أتى به مكْرهاً، وما يلْزَمُ في حال الطواعية يصحُّ 186 مع الإِكراه عليه، ويخْرج من هنا أن إسْلام الحربيِّ المرتد صحيحٌ مع الإِكراه؛ لأنهما يكرهان، ويُحْمَلان عليْه، ولو لم يصحُّ، لَمَا كان لإِكراههما عليه معْنىً.
قال الإِمام: وفيه غموضٌ من جهة المعنى؛ لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عمَّا في الضمير منزلةَ الإِقرار، والظَّاهِر من 187 حال المحْمُول عليه بالسيف أنَّه كاَذبٌ وفي إسلام الذمي مكرهاً وجْهان: أحدهما: يصحُّ احتياطاً للإِسلام.

الجزء: 8 - الصفحة: 556

وأصحُّهما: المَنْع [لأنَّه] لا يجُوز إكراهه عليْه؛ بل هو مقرر على كُفْره بالجزية بخلاف الحربيِّ، والمولى بعد مضِّيِّ المدة إذا طلق مكرهاً، يقع طلاقه لأنَّه مكره عليْه بِحَقٍّ، هكذا ذكَرُوه.
وزاد في "التتمة" فقال: هذا في الطَّلْقة الواحِدَة، أمَّا إذا كرهه الإِمام على ثَلاَث طلقات، وتلفظ بها، فإن قلْنَا: إنَّه لا ينعزل بالفِسْق، تقع واحدةً، وتلغو الزيادة إن قلنا: يَنْعَزل، لم يقع شيء، كما لو أكْرَهَه غيْره، ولَك أن تَقُول: ليْس عَلَى المولى إكْراه يمنع مثله 188 الطلاق حتَّى يقال إنَّه لا يقع الطَّلاق؛ لأنَّه إكْراه بحقٍّ، وذلك لأنَّه لا يُؤْمر بالطَّلاق على التعيين، وإنَّما يُؤمر بالفيئة أو الطَّلاق، ومثل هذا الإِكراه لا يَمْنع وقوع الطَّلاق في حقه غير المولى ألا ترى أنَّه لو أكرهه على أن يطلق زوجته أو يعتق عبده فأتى بأحدهما ينفذ؟ ولو أكرهه على تطليق إحدى زوجتيه فطلَّق واحدةً معيَّنةً يقع الطَّلاق على ما سيأتي على الأثر، وأيضاً ففيما يَحْصُل به الإكْراه اختلافٌ يبين في الفَصْل التالي لهذا الفصل، فإن قلْنا: إِنه لا يَحْصُل إلاَّ [بالقتل] والقَطْع، فليس للقاضي حَمْل المولَى على الطَّلاق بهَذا الطريق؛ فلا يكون الحَاصِل إكراهاً، ولو قُدِّرَ أنه فَعَل ذلك، كان ظالماً، فليكن كإكْراه غيره، ولا يخرج الإِكْراه على الرضاع عن كونه محرماً، فإن الحُكْمَ يتعلَّق بوصول اللبن إلى الجَوْف، وفي امتناع القِصَاص بالإِكْراه على القتل والحَدِّ بالإِكراه على الزِّنَا قولان مذكوران في موضعهما.
وقال أبو حنيفة: ينْعَقِدُ بَيْع المكره، ولا يلزم، ويصحُّ نكاحه، وطلاقه، وإعتاقه.
واحتج الأصحاب للمَذْهَب بما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا طلاق في إغلاق" 189 وفسَّره علماء الغريب بالإِكراه وقال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
وروي أن رجلاً تدلى بحَبْل ليشتار عسلاً، فجاءته امرأته، وقالتْ: تُطَلِّقنِي ثَلاثاً، وإلاَّ قطعت الحبل، فطلَّقها ثلاثاً، ثم أتى عُمَرُ -رضي الله عنه- فقال: "ارْجِعْ إلَى أَهْلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا بِطَلاقٍ" 190 وبأنه قول لو صدَر منْه بالاختيار، بانَت زوجته، فإذا حمل عليه بإكراه باطل، وجب أن يلغو، كالردة، وبأنه قوْلٌ محمول عليه بغير حق؛ فلا يلزمه حُكْمه، كما لو أُكْرِه على الإِقْرار بالطَّلاق، وقد سلم أبو حنيفة أنَّه إذا أقرَّ بالطَّلاق

الجزء: 8 - الصفحة: 557

مكرهاً لم يُفَرِّق بيْنه وبين زوجته.
إذا تقرَّر ذلك ففي الفَصْل مسألتان: إحداهما: إنما يمنع وقوع الطلاق بالإكراه إذا لم يَظْهَر ما يدُلُّ على اختياره، أما إذا ظَهَر؛ بأن خَالَف المكره وأتى بغير ما حمَلَه عليه فيُحْكَمُ بوقوع الطلاق؛ لأن مخالفته له تُشْعِر باختياره فيما أتى به ولذلك صور.
منها: أن يكرهه على طلقة واحد، فطلَّق ثلاثاً، وفيه ما يُشْعر برغبته واتساع صور الطلاق.
ومنْها: وأكرهه على ثَلاَثِ طلقات، فطلَّق واحدةً، تقع الواحدة، وللإِمام احتمالُ فيه؛ لأنه قد يقصد دفْع مكروهه بإجابته إلى بعْض مطلوبه، ولا يقْصد إيقاع الوَاحِدة.
ومنْها: أكرهه على طلاق زوجةٍ، فطلَّق زوجتين، يُنْظَرُ إنْ قال: طلَّق زوجتكَ حفْصَةَ، فقال لها ولضرتها عمرة: طلَّقْتُكُمَا، طُلِّقَتَا؛ لأنَّه عَدَل عن الكلمة المكره عليها، وإن قال: طلَّقْتُ حفْصة وعمْرة أو وطَلَّقْت عمرةَ، أو حفصةُ طالقٌ، وعمرة طالقٌ، لم تطلَّقْ حفصة، وطُلِّقَتْ عمرة.
هكذا فَصَلَ صاحب "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما, ولم يَفْصل الإِمام بين العبارتين، وأطْلَق عن الأصحاب الحُكْمَ بوقوع الطَّلاق على الضرتَين، قاَل: وفيه احتمال ظاهرٌ؛ لأنَّه لا يبعد أن يكون مختاراً في طلاق الثانية.
ومنها: أكْرَهَه على طلاق زوجتين، فطلَّق واحدة، يقع، وأبْدَى فيه مثْل الاحتمال المذكور فيما إذا أكرهه على ثَلاَثِ طلقات، فطَلَّق واحدةً.
ومنها: أكرهه على طَلاَقِ إحدى زوجتيه، فطلَّق واحدةً بعينها، يقَع الطَّلاق؛ لأنَّه مختارٌ في تعيينها؛ لأنَّه لَمَّا عدَل عن الإِبهام إلى التعيين، فقد زاد على ما أكرهه عَلْيه لأنَّ الإِكراه على طلاق إحداهما لا على طلاق هذه، وطلاق هذه، وطلاق إحداهما مع زيادة، ألا ترى أنَّه لا ينْعَكِس وفي "التتمة" ذِكْر خلاف في هذه الصورة.
ومنْها: أكرهه على أن يطلِّق بكناية من الكناياتْ فأتَى باللَّفْظ الصريح أو بالعكس أو عدل من صريح إلى صريح، بأن قال قُلْ: طَلَّقْتُهَا فقال: فارقْتُها أو سرَّحْتها، يقع الطلاق.
ومنها: إذا أكرهه على تنجيز الطَّلاق، فعلَّق، أو على التعليق فنجَّز وقع على المأتي به حكمه.
والإِكراه على التعليق يمنع انعقاده، كما يمنع نفُوذَ التنجيز.
الثانية: إِن وَرَّى المكره بأن قال: أردتُّ بقولي "طلقت فاطمة" غير زوجتي، أو = وفي الباب عن ابن عباس، وعلي، وابن عمر، وابن الزبير، وغيرهم؛ قالوا: ليس على مكره طلاق.
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.

الجزء: 8 - الصفحة: 558

نوى الطلاق من الوثاق أو قال في نَفْسه: إنْ شاء الله، لم يَقَع الطلاق، وإذا ادَّعَى التورية: صُدِّق ظاهراً في كل ما كان يدين فيه عند الطواعية، وإن تَرَك التورية: نُظِرَ، إن كان غبياً لا يحسن التورية، لا يقع طلاقه أيضاً، وإن كان عالماً بها، وأصابته دهشة بالإِكراه، وسل السيف عليه، فكذلك وإن لم تصبه دهشة فوجهان: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب واختيار القَفَّال: أنَّه يقع طلاقه؛ لأن الاحتراز عن التورية، والحالةُ هذه، يُشْعِر بالاختيار.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانى -رحمهما الله- المنع؛ لأنه مجبر على اللَّفْظ، ولا نية له تُشْعِر بالاختيار.
ولو قَصَد المكره إيقاع الطلاق، ففي وجْه؛ لا يقع أيضاً؛ لأن الإِكراه أسقط أثر اللفظ، ومجرد النية لا تَعْمَل، والأصحُّ أنَّه يقَع لقَصْد، وتلفظه، ولا يبعد أن يختار ما هو مُكْرَه علَيْه في الظاهر، وعلى هذا، فصريح لفظ الطلاق عنْد الإِكراه كالكنايات عند الطواعية، إن نوى، وقع، وإلاَّ فلا.
وقوله في الكتاب: و 191 ذلك يَمْنَع صحَّة سائر التصرفات" لفظ "السائر" يطلق بمعنى "الجميع"؛ على ما ذكرناه في غيْر هذا المَوْضِع، والأشهر استعماله بمعْنَى الباقي، فإن حُمِلَ هاهنا على الجميع، فذاك، وإن حُمِلَ على الباقي، فالمُرَاد ما سِوَى الطَّلاق، أي كما يمنع الطلاق، يُمْنَع ما سواه من التصرفات.
وقوله: "أو على طلاق زوجة، فطلَّق زوجتين" ويجوز إعلامه بالواو؛ ولأنَّه أطْلَقَه إطلاقاً على ما حكَيْنَاه عن الإِمام، وفيه التفصيل الَّذي تقدَّم، وإن أقيم ما ذَكَره الإِمام من الاحتمالات وجْهاً؛ فيجوز أن يعلم بالواو.
وقوله: "أو على ثلاث فطلَّق واحدة" وقوله: "أو على زوجتين" فطلَّق واحدة، وينبغي أن يعلم 192 قوله: "أو ترك التورية" بالواو، ويعلم قوة ذلك الوجه فرعان: لو قال: طلق زوجتي وإلاَّ قتلتك، فطلَّق، وقَع الطَّلاق؛ لأنَّه أبلغ في الإِذن.
وفيه وجْه: أنَّه لا يقع؛ لأن الإِكراه يُسْقِط حُكْم اللفظ، فصار كما لو قال لمجنون: طَلِّقْها، فطلَّق.
الوكيل بالطلاق إذا أكره على الطلاق، قال أَبو العباس الرُّوياني: يُحْتَمَل أن يُقَال: يقع: لحصول اختيار المَالِك، ويُحْتَمَل أن لا يَقَع؛ لأنه المباشر، قال: وهذا أصح.

الجزء: 8 - الصفحة: 559

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَحَدُّ الإِكْرَاهِ أَنْ يَصِيرَ مُضْطَراً إِلَى الفِعْلِ شَاءَ أَمْ أَبَى كَالَّذِي يَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ فَيَتَخَطَّى النَّارَ وَالشَّوْكَ وَذَلِكَ لاَ يَحْصُلُ بِالتَّخْوِيفِ بِالحَبْسِ وَالجُوعِ وَأَمْثَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لاَ يُشْتَرَطُ سُقُوطُ الخِيَرَةِ وَالرَّوِيَّةِ بَلِ التَّخْوِيفُ بِالحَبْسِ وَالجُوعِ وَالضَّرْبِ وَمَا يَقْتَضِي العَقْلُ وَالحَزْمُ إِجَابَةَ المُكْرِهِ حَذَراً مِنْهُ فَهُوَ إِكْرَاهٌ يَدْفَعُ الطَّلاَقَ، وَكَذَلِكَ تَخْوِيفُ ذَوِي المُرُوءَةِ بِالصَّفْعِ فِي المَلأ وَالتَّخْوِيفُ بِقَتْلِ الوَلَدِ، نَعَمِ التَّخْوِيفُ بِإِتْلاَفِ المَالِ لاَ يُعَدُّ إِكْرَاهاً في القَتْلِ وَالطَّلاَقِ، وَيُعَدُّ إِكْرَاهاَ فِي إِتْلاَفِ المَالِ، وَالطَّرِيقَةُ الأُولَى أَضَمُّ للِنَّشرِ وَهَذِهِ أَوْسَعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا بُدَّ في حصُول الإِكراه كون المُكْرِهِ غالباً قادراً على تحقيق ما يهدِّده به؛ بولاية أو تغلُّب أو فَرْط هجوم، أو كون المُكْرَه مغلوباً عاجزاً عن الدَّفْع؛ بفرار أو مقاومة أو استعانة بالغير، ولا بدّ وأن يَغْلِب على ظنِّ المطلوب أو تيقن أنه لو امتنع مما يَطْلُبه منْه أوقع به المَكْرُوه.
وعن أحمد -رحمه الله- روايةٌ: أنَّه لا يَحْصُل الإِكراه بذلك حتَّى يتحقَّق شيئاً ممَّا يتوعَّده 193 به، ويقْرُب من هذا ما حكى عن الماسرجسي، قال: سمعتُ أبا إسحاق يقول: لا إكراه إلاَّ بأن ينال بالضرب، والصحيحُ المشهورُ الأوَّل، واختلفوا فيما يكون التخويف به إكراهاً، فحَكَى الحناطي، والإِمام وغيرهما وجهاً أنَّه القَتْل لا غيْرُ.
وعن أبي إسحاق أنَّه القتل وقطْع الطَّرَف، وفي معناه الضرب الذي يُخَاف منه الهلاك، وعن ابن أبي هريرة وكثير من الأصحاب: أنَّه يلحق به الضرب الشديد، والحَبْس وأخْذ المال وإتْلافُه، وبهذا قال أبو عليٍّ صاحب الإِفصاح، وزاد، فقال: لو توعَّده بنوع استخفاف، وكان الرَّجُل وجيهاً يَغُضُّ ذلك منه، فهو إكراه، قال هؤلاءُ والضرب والحَبْس والاستخفاف تختلف باختلاف طبقات الناس وأحوالهم.
والتخويفُ بالقتل والقَطْع وأخْذِ المال لا يَخْتَلِف.
وقال الماسرجسي: يختلف التخويفُ بِأخْذ المال أيضاً، فلا يكون تخويفُ المُوْسِر بأخْذ خمسة دراهم منْه إكراهاً، قال القاضي الروياني: وهذا هو الاختيار، فهذه ثلاثة أوجه تشتمل عليْها كتب قدماء الأصحاب من العراقيين وغيرهم -رحمهم الله-.

الجزء: 8 - الصفحة: 560

والثالث: أرجحها عند الشَّيْخ أبي حامد، وابن الصَّبَّاغ، وغيرهما ووراءها طُرقٌ: أحدها: أن الإِكراه إنَّما يَحْصُل إذا خوَّفه بما يسلب الاختيار، وكذا التخويف بالإِيلام العظيم.
قال الإِمام -رحمه الله-: لكن لو فوتح به يكاد يسلب الطاقة والاختيار، فيُحْتَمل أنَ يكون إكراهاً، وذكر احتمالين فيما لو خَوَّف الأخرق 194 بما حسبه مهلكاً، وسقط اختياره، هل يُجْعَل ذلك إكراهاً في حقه؛ لظَنِّه وَحُسْبَانِهِ، وقربهما من الخلاف فيما إذا رأوا سواداً فظنوه عَدُوّاً، فصلوا صلاة شدَّةِ الخوف، ثم بَانَ خلافُه قال في "البسيط": ولعل الوجُه ألاَّ يقع الطَّلاق، لأنَّه ساقطُ الاختيار، وإن كان ذلك بظَنٍّ فاسِدٍ.
والطريق الثاني: أنَّه لا يُشْترَطَ سقوطُ الاختيار، بل إذا أكرهه على فعْلٍ من الأفعال مما يُؤْثِر العاقل الإِقْدَام عليه حذراً ممَّا يهدِّده به، حَصَل الإِكراه، وهاتان الطريقتان هما المذكورتان في الكتاب، وعلى الطريقة الثانية لا بُدَّ من النظر فيما يطلبه منْه، وفيما يهدده به، فقد يكون الشيْء إكراهاً في مطلوب دون مطلوب، وفي شخص دون شخص؛ فإن كان المُكْرِه يطلب منْه الطلاقَ، فكما يَحْصُل الإِكراه بالتخويف بالقتل والقطع، يَحْصل بالتخويف بالحَبْس المؤبَّد أو الطويل، فإن الإِنسان يحتمل الطلاق، ولا يُؤثِرُه، وكذا تخويف ذوي المروءة بالصفعْ في الملأ، وتسويد الوجه، والطَّوْف به في الأسواق يكون إكراهاً، ومنهم من لا يجعله ولا التخويف بالحبس إكراهاً، وأَجْرَى مثْل هذا الخلاف في التخويف يقَتْل الوالد والولد، والظاهرُ أن الكُلَّ إكراهٌ، والتخويف بإتلاف المال لا يكون إكراهاً فيه على الأظهر عنْد مَنْ ذهَب إلى هذه الطريقة، وهو المذكور في الكتاب؛ لأن الإنسان يحتمله ولا يُطَلِّق، وإن كان المُكْرِه يطلب القَتْل فالتخويف بالحَبْس وقتل الولَد وإتلاف المال لا يكون إكراهاً، وإن كان يطلب إتلاف المال، فالتخويف بجميع لك يكون إكراهاً، وفيه وجه إن التخويف بإتلاف المال لا يكون إكراهاً في إِتلاف المال أيضاً.
والطريق الثالث: أن الإِكراه إنَّما يحْصُل بالتخويف بعقوبة تتَعلَّق ببدن المُكْرَه ولو حقَّقها، تعلَّق به القِصَاص، فيخرج عنه ما لا يتعلَّق بالبدن، كأخذ المال وقَتْل الولد والوالد، والأخ والزوجة، وكذا ما لا تتعلَّق به القِصَاص؛ كالضرب الخفيف

الجزء: 8 - الصفحة: 561

والحَبْس المؤبَّد إلاَّ أن يخوفه بالحَبْس في [قعر بئر] يغلْب منْه الموت، ويُحْكَى هذا الطريق عن اختيار القاضي الحُسَيْن.
والطريق الرابع: أنَّه يحْصُل الإِكراه بعقوبة شديدة تتعلَّق ببدنه، فيدخل فيه القتل والقطع، والضرب الشديد والتجويع والتعطيش والحبس المؤبد أو الطويل، ويخرج ما خرج عن الطريقة الثالثة، ويخرج عنه التخويف بالاستخفاف بإلقاء العمامة، والصفع في الملأ وما يخل بالجاه والمروءة، قال الذاهبون إلَيْه، وقد يختار أهل التقوى سُقُوط الجاه، ولا يبالون بمثْل ذلك، ويحيلون صعوبته عند أكثر النَّاس على الرعونة ورعاية الرسوم، والعادات، واستبعد الإِمام هذه الطريقة أن يكون التَّخْويف بالحَبْس إكراهاً، ولا يكون التخويف بقتل الولد إكراهاً.
والتخويف بالنفي عن البلد، فإن كان فيه تفريقٌ بينه وبين أهْله؛ فكالحبس الدائم، وإلاَّ فوجهان: أشبههما: أنَّه إكراه؛ لأن مفارقة الوطَن شديدةٌ؛ ولذلك شَرَع التغريب؛ عقوبةً للزاني، وجَعَل صاحبُ "التهذيب" التخويف باللواط، كالتخويف بإتْلاف المال وتسويد الوجه، وقال: لا يكون ذلك إكراهاً في القتل والقطْع، وهل يكون إكراهاً في الطَّلاق والعتاق وإتلاف المال فيه وجهان: وأمَّا ما يتعلَّق بالكتاب، فقَدْ عرَفْتَ أن المذكور فيه الطريقان الأوليان للأوجه الثلاثة ونظْم الكتاب يقتضي ترجيح الأوَّل منْهما، وقد صرَّح به الإِمام توجيهاً بأن الطريقة الثانية لا تَكَاد تنضبط، فإن الضَّرْب المخَوفُ به يختلف بقوة المُكْرَه وضعفه في احتمال الآلام، وقدر المال المخوف بإتلافه يختلف بطباع الأشخاص بَذْلاً وبُخْلاً، وما يُبْلِل الجاه يختلف باختلاف مراتب أصْحَاب الجاه والمروءة، ويجر ذلك إلى ضبط عظيم، وإلى هذا المعنى إشار في الكتاب بقوله: "والطريقة الأُوْلَى أضمُّ للنَّشَر وهذه أوْسَعُ" والنَّشَر بالتحريك المنتشر، يقال: رأيتُ القَوْمَ نَشَراً أي منتشرين.
وليعلم قوله "وكذلك تخويف ذوي المروءة بالصَّفْع في الملأ" بالواو؛ للخلاف الذي تقدَّم، وخُصِّص بذي المروءة؛ لأنَّه لا يكون إِكراهاً في حقِّ المتبذِّل الذي لا يبالي مثْله بمثله، وكذا لفْظ الطلاق من قوله: "التخويف بإتلاف المال لا يُعَدُّ إكراهاً في القَتْل والطلاق" والظاهر أنه إكراه فيه وكذا قوله "ويعد إكراهاً في إتلاف المال".
فروع: لا يَحْصُل الإِكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة، بأن يقول: لأَقْتُلَنَّكَ أو لأضربنك، غداً ولا بأن يقول؛ طَلِّق امرأتك، وإلاَّ قتلت نَفْسِي، أو كَفَرْتُ أو أفسْدَتُّ

الجزء: 8 - الصفحة: 562

صومي وصلاتي، ولا بأن يقول وَليُّ القِصَاصِ لِمَنْ عليه القِصَاص: طلِّق امرأتك، وإلا اقتصصْتُ منك.
فإذا أخذه السلطان الظالِمُ بسبَب غيْره وطالبه به فقال: لست من أوليائه، ولا أعرف موضعه أو بماله، فقال ليْس له عنْدِي شيْء، فلم يُخَلِّهِ حتى يحلف بالطلاق، فحلف كاذباً، يقع الطلاق، ذكَره القفَّال وغيره؛ لأنَّه لم يُكرِهْه على الطلاق، وإنما تَوَصَّل بالحلف إلى رفْع المطالبة، بخلاف ما إذا قال له اللصوص: لا نخليك حتى تحْلِفَ إلاَّ تَذْكُر ما جرى، فحَلَف، لا يقع الطلاق إذا ذَكَره, لأنهم أكرهوه على الحَلِف بالطلاق هاهُنَا.
لو تلفَّظ بالطلاق ثم قال: كنْتُ مُكْرَهاً، وأنكرتْ، لم يُصَدَّق إلا أن يكون مَحْبُوساً 195 أو تكون هناك قرينةٌ أخرى.
ولو قال: طلقتُ وأنا صبيٌّ أو نائم، قال أَبو العبَّاس الرويانيُّ: يُصدَّقُ بيمينه، قال: ولو طَلَّق في المرض، ثم قال كنْتُ مَغْشِياً عليَّ، لم يُقْبَلْ قولُه إلا ببينة تَقُومُ على أنَّه كان زائل العقل في ذلك 196 الوقت.

الجزء: 8 - الصفحة: 563

قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ): زَوَالُ العَقْلِ بِالجُنُونِ، وَشُرْبُ الدَّوَاءِ (و) المُجَنِّنِ يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفَاتِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَيَقَعُ طَلاَقُهُ فِي ظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَقِيلَ: قَوْلاَنِ فِي تَصَرُّفَانِهِ حَتَّى فِي أَفْعَالِهِ، وَقِيلَ: تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ، وَالقَوْلاَنِ في التَّصَرُّفَاتِ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ، وَحَدُّ السَّكْرَانِ أَنْ يُشْبِهَ المَجْنُونَ فِي الاخْتِلاَطِ، فَإِنْ سَقَطَ كَالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالنَّائِمَ فَلاَ يَنْفُذُ (ز) مَا تَلَفَّظَ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وما يُخِلُّ بقَصْد الطَّلاق اختلالُ عَقْل المطلِّق؛ أمَّا المَجْنُون فقَدْ تبيَّن في الركْن الأول أنَّه لا يقع طلاقه، وفي معناه المُغْمَى عليْه، وكلّ من زال عقْلُه بسبب هو غيْر متعدٍّ فيه، كما لو أوجر الخمر أو أُكْرِه على شربه، أو لم يَعْلَم أن المشروب من جنْس ما يُسْكِره، وعُدَّ من هذا القبيل ما إذا شَرِبَ دواء يزيل العَقْل على قصْد التداوي، ولك أن تَقُول في التداوي بالخمر خِلاَفٌ يُذْكَر في موضعه، فإذا 197 جَرَى ذلك الخِلاَف في الدَّواء المزيل للعَقْل، وقُدِّر اطراده في القليل والكثير، فالمَذْكور هاهُنَا جوابٌ على جواز التَّدَاوي، ويُمْكن أن يُقَدَّر تخْصيصُ الخلاف بالقَدْر الذي يُزيل العَقْل، وتصوير هذه الصورة بما إذا ظَنَّ أن القَدْر الَّذي تناوَلَه لا يزيل العَقْل، وكذلك صَوَّر بعضهم، وإن لم يجر ذلك الخلافُ في الدَّواءِ المُزِيل للعَقْل كان السَّبَب فيه أن الطَّبْع يدعو إلى شُرْب الخَمْر، فيحتاج فيه إلى المبالغةَ والزجر، بخلاف الأدوية.
وإذَا تعدَّى، فشَرِبَ الخَمْر، فسَكِر، فالمشهور المَنْصُوص في الكتاب أنَّه يقع الطَّلاق، وحَكى المزنيُّ في ظِهَار السَّكْران قولَيْن عن القديم، فاختلف الأصحاب: منهم من قَطَع بوقوع الطَّلاق، وقال: ما رواه المزنيُّ لا يُعْرَف للشافعي في شَيْءٍ مِنْ كُتُبه، وإليه ذهب الشيخ أبو حامد والأرجح، وبه قال الأكْثَرُون: أنَّ في وقوع الطَّلاق قولَيْن، كما رواه في الظهار: أحدهما: أنَّه لا يَقَع؛ لأنَّه لا يَفْهَم ولا يَعْقِل، وليس له قصْد، صحيح فأشبه المجنون، وبهذا قال المزنيُّ، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْجٍ وأبي طاهر الزيادي، وأبي سَهْل الصعلوكِّي، وابنه سهْل -رحمهم الله-.
= وجود التكليف، ولهذا جزم الماوردي هنا بالتصديق مع موافقته على المذكور في الإِيمان فقال: ولو اختلفا، فقالت: كنت أهلاً وقت الطلاق وإنما تجاننت وتغاشيت أو تغامضت وتناومت، فقال: بل كنت لذلك، صدق بيمينه.

الجزء: 8 - الصفحة: 564

وأصحُّهما: الوقوعُ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- لأنَّه عاصٍ بسبب الزوال، فيُجْعَل كأنه لم يَزُل، ويكون كالصَّاحي، وهذا كمَا أنَّه يجب قضاء الصلوات، ويُجْعَل زوال العَقْل؛ لكونه بالتَّعَدِّي كعدم الزوال.
وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالقولين، وعن مالك -رحمه الله- فيما روى صاحب "التهذيب" أنَّه لا يقع، ورَوَى العراقيون والمتولي أنَّه يقَع كما هو مذهب أبي حنيفة.
ولو شَرِب الدواء المجنِّنَ من غير تداوٍ وغرض صحيح، فزال عقْلُه ففيه طريقان: أظهرهما: وبه قال القاضي أبو حامد: أنَّه كالسكران؛ لتعديه.
والثاني: أنَّه كالمجنون والنائم؛ لأنَّ الطَّبْع لا يدعو إلَى تناوُله، وإنما صِرْنا إلى الوقوع في السَّكْران؛ تغليظاً للحاجة إلى الزَّجْر، ثمَّ هاهنا كلامان: أحدهما: في محل القولَيْن في صورة السَّكْران والمتعدي بشُرْب الدواء المُجنِّن، وفيه طرق: أحدها: أن القولَيْن في نفوذ أقواله كلِّها كالطَّلاق والعِتَاق والرِّدَّة والإِسلام والبَيْع والشراء، وغيرها، وأما أفعاله كالقَطْع والقَتْل وغيرهما، فهي كأفعال الصَّاحى بلا خلاف؛ لقوة الأفعال.
والثاني: حكى القاضي ابن كج عن أبي الطيِّب بْن سلمة أن القَوْلَيْنِ في الطلاق والعتاق والجنايات، ولا يصح بيْعه وشراؤه بلا خلاف؛ لأنَّه لا يَعْلَم ما يعقد عليْه، والعلْم شرْط في المعاملات.
والثالث: أن القولَيْن فيما له كالنِّكَاح، أمَّا ما عليه الطَّلاق والإِقرار والضمان، فهو ناقدٌ لا محالة تغليظاً عليه؛ وعلى هذا فلو كان التصرُّف له من وجه، وعليه من وجْه كالبيع والإِجارة، فيحكم بنفوذه، تغليباً لطرف التغليظ.
الرابع: وهو الأظهر على ما ذَكَر الحليمي وغيره أن القولَيْن جاريان في الأقوال والأفعال كلِّها، حتَّى لو قَتَل السكران، أو قَذَف أو زَنَا، ففي وجوب القصاص، والعقوبة علَيْه قولان، وعلى هذه الطَّريقة ينطبق ما يُقَال إن القول اخْتَلَف في أن السكران، كالصاحي أو المجنون.
والثَّاني: ذَكَروا في حد السكر عبارات؛ فعن الشافعيِّ -رضي الله عنه- أن السكران، هو الذي اختلط كلامه، المنظوم، وانكشف سرُّه المكتوم، وعن المُزَنِيِّ أن

الجزء: 8 - الصفحة: 565

السَّكْران: هو الذي لا يُفَرِّق بين الأرض والسماء، وبين أمه وامرأته.
وقيل 198 هو الَّذي يُفْصِح بما كان يَحْتَشِم منه.
وقِيل: هو الَّذي يتمايل في مَشْيه، وَيهْذي في كلامه.
وقيل: هو الَّذي لا يَعْلَم ما يقُول.
وعن ابن سُرَيْجٍ، وهو الأقرب: أن الرجوع فيه إلى العادة، فإذا انتهى إلى حَالَةٍ من التغير، يقع عليْه اسم السُّكْر، فهو موضع الكلام، ولم يرض الإِمام هذه العباراتِ، لكن قال: شَارِبُ الخَمْر تعتريه ثلاثة أحوال: إحداها: هزَّة ونشاط يأخذه إذا دبت الخمر فيه، ولم تستول علَيْه بعد، ولا يزُولُ العَقْل في هذه الحالة ربَّما يحتدُّ.
والثانية: نهاية السكْرِ، وهو: أن يصير طافِحاً، ويسقط كالمغشيِّ عليه، لا يتكلَّم، ولا يكاد يتحرَّك.
والثالثة: حالة متوسِّطة بينهما وهي أن تختلطَ أحوالُه فلا تنْتظم أقوالُه وأفعاله، ويبقى تمييز وفهم كلام، فهذه الحالة الثالثة سكر، وفي نُفوذ الطَّلاق فيها الخِلاَف الذي بيَّنَّاه، وأمَّا في الحالة الأُولَى فينفذ الطَّلاق لا محالة؛ لبقاء العَقْل، وانتظام القَصْد والكلام، أمَّا في الثانية: فالأظْهَرُ عنْد الإِمام وهو المذكُور في الكتاب؛ أنَّه لا ينفذ لأنَّه لا قَصْد له؛ كأنه جَرَى على لسانه لفْظ، فهُو كما يُقْرَض في حقِّ النائم، والمُغمَى عليْه، ومن الأصحاب من جعله علَى الخِلاَف المذْكُور لتعديه بالتسبب إلى هذه الحالة، وهذا أوفق لإِطلاق أكثرهم والله أعلم.
وقولُه في الكتاب "زوال العَقْل بالجنون وشرب الدواء المجنن يمبع نفوذ التصرفات" أراد به ما إذا تَناولَه تَدَاوياً، فأما إذا تعدَّى به، ولم يكُنْ له غرضٌ، فهو كالمتعدِّي بشرب الخمر على ما بيَّنا.
وقوله: "فيقع طلاقُهُ في ظاهر النصوص" يجوز إعلام قوله: "فيقع" بالميم والألف والزاي، وهذا اللَّفْظ في السياق الذي أتَى به يُشْعِر بطريقة القطْع بوقوع الطَّلاق.
وقوله: "وقيل قولان في تصرفاته" وأراد بهاهنا الأقوال؛ ألا ترَاه قال: "حتَّى في أفعاله" وأيضاً فقد قال "تَنْفُذُ أفْعَالُهُ، والقَوْلاَن في التَّصَرُّفات" وفي الاصطلاح المشهور لفظ التصرف يَدْخل فيه القول والفعل.

الجزء: 8 - الصفحة: 566

وقوله: "وقيل ينفذ ما عليه دُونَ مَاله" يُقَارب الطريقة الثالثة من الطُّرق المذكورة في مَحَلِّ القولين، ويخالفها أنَّه ليْس فيها تعرضّ للخلاف في واحد من النوعَيْن، بل ظاهره الجَزْم بنفوذ ما عليْه، وبعدم نفُوذ ماله، وكذلِكَ أوردها صاحب "التهذيب" -رحمه الله-.
وقوله أن يُشْبهَ المَجْنُونَ في الاختلاط في لفظ الاختلاط إشارة إلى اشتراط بقاء بَعْض الفهم والتمييز؛ ليخرج عنْه الَّذِي سَقَط كالمَغْشِيِّ عليه، على ما اختاره.
وقوله: "فلا يَنْفُذُ ما تلفظ به" معلَّم بالواو، ويجوز إعلام قوله: "أن يُشْبه المجنون" أيضاً للعبارات الأُخر، كقولهم أنَّه الَّذي لا يَعْلَمُ ما يقول ونحوه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ: المَحَلُّ): وَهِيَ المَرْأَةُ فَلَوْ أَضَافَ الطَّلاَقَ إلَى نِصْفهَا نَفَذَ، وَلَوْ أَضَافَ إلَى عُضوٍ مُعَيَّنٍ (ح) كَاليَدِ وَالرَّأْسِ وَالكَبِدَ وَالطّحَالِ نَفَذَ، وَإِنْ أَضَافَ إلَى فَضَلاَتِ بَدَنِهَا كَالرِّيقِ وَاللَّبَنِ وَالمَنِيِّ لَمْ يَنْفُذْ، وَكَذَلِكَ إلَى الجَنِينِ، وَالدَّمُ وَالشَّحْمُ كَالفَضَلاَتِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَضَافَ إلَى لَوْنها وَحُسْنِهَا وَصِفَاِتِهَا لَمْ يَنْفُذْ، وَالرُّوحُ وَالحَيَاةُ كَالأَجْزَاءِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَيَمِينُكِ طَالِقٌ فَقُطِعَتْ ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ طُلِّقَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ لِمَقْطُوعَةِ اليَمِين: يَمِينُكِ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: ذَكَرُكِ أَوْ لِحْيَتُكِ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ لِعَدَمِ المُضَافِ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبَق أن أحَد أرْكَانِ الطَّلاق المحلُّ الذي يصادفه ويتوجَّه نحْوه، وهو المرأة، فإن أضاف الطَّلاق إلى كلِّها، فقال: طلَّقْتُكِ أو أنْتِ مطلقة، فذاك، وفي معْنَاه إذا قال جسمك شَخْصُك أو جَسَدك أو جثَّتُك أو نَفْسُك أو ذَاتُك طالقٌ، ولو أضاف الطَّلاق إلى بعْضِها على الإِشاعة، وقع الطَّلاق أيضاً، سواءٌ أبهم فقال: جزءك أو بعضك طالقٌ أو نَصَّ على جزْء معلومٍ كالنِّصف، والربع؛ واحتجَّ لذلك بالإِجماع وبالقياس على العِتْق؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما إزالةُ ملْكٍ يحصل بالصَّريح والكناية، ذلك بأن الخَبَر ورد بأن من أعتق شِقصاً من عَبْد يعتق كلُّه، وبأن الرجل من أهْل الطلاق، فلا يمكن إلغاء قوْلِه، ولا يُمْكِن أن يقع الطَّلاق على بعْضها دون بعض؛ لأنَّ المَرْأة لا تتبعَّض في حكْم النِّكَاح، فلم يبْق إلاَّ أن يعمَّم حكمه.
ولو أضاف إلى عُضْو معيَّن، فيقع أيضاً سواءٌ كان عُضواً باطناً، كالكبد، والطّحال، والقلب، أو عضواً ظاهراً كاليد والرجل، سواء كان مما ينفصل في الحَيَاة؛

الجزء: 8 - الصفحة: 567

كالشعر والظُّفْر أو لا ينفصل، والإِصبع الزائدة كالأصلية.
وقال أبو حنيفة إذا أضاف الطلاق إلى عُضْو معيَّن لم يَقَع إلاَّ في خمسة أعضاء، وهي الرأس والوجْه، والرقبة والفَرْج، والظَّهْر، وعن أصحابه في الأعضاء الباطنة اختلافٌ.
وقال أحمد إن أضاف إلى ما لا ينفصل وقع، 199 وفي كتاب الحناطي حكايةُ قَوْلٍ في الشَّعر، كما أنَّه لا يبطل الوُضوء بلَمْسِه، ولا شكَّ في اطراده في السِّنِّ، والظفر 200 وأن أضاف إلى فضلان بدَنِها، كالرِّيق والعَرَق، والمَخَاط، والبَوْل، لم يقع الطلاق، لأنَّها ليْسَتْ أجزاء متصلة بها بحُكْم الخلقة، ولا يلحقها الحل والحرمة، وفيها وجْه ضعيفٌ رواه الحناطي، والإِمام وفي اللَّبَن والمَنِيِّ وجهان: أحدهما: الوقوع؛ لأن أصل كل واحدٍ منهما الدَّم، وسنذكر في الإِضافة إلى الدَّم أن الظاهر الوقوعُ، وأظهرهما، وهو المذكور في الكتاب المَنْع؛ لأنهما متهيئان للخُرُوج بالاستحالة، فأشبهتا الفضلات.
ولو قال: جَنِينُكِ طالقٌ، لم يقع الطلاق؛ لأنَّه شخص مستقلٌّ بنفسه، وليس بمحَلِّ للطلاق، وادعى الإِمام اتِّفَاق الأصحاب علَيْه، لكن أبا الفرج الزاز حكَى وجهاً بأنَّه يقع؛ لصورة الانفصال، وأبْعَدُ منْه وجهان ذكرهما الحناطي فيما إذا قال: الماء أو الطَّعَام الَّذي في جَوْفِك طالقٌ وفي الإضافة إلى الدم وجهَّان: في وجه لا يقَع الطَّلاق كما في الفَضَلات، والأصحُّ أنَّه يَقَع؛ لأنَّ به قوام البَدَن، وهو أشدُّ تملُّكاً في الشَّخْص، من اليد والرِّجْل، وحكَى الإِمام فيه طريقة قاطعة بالوقوع، وفي الشَّحم تردُّد للإِمام، وميله إلى أنَّه لا يقَع الطَّلاق، والأقربُ وقُوعُه؛ لأنَّه جزء من البدن، وبه قَوامُه؛ ولأن الشَّحْم كالسمن، ولو قال سمنك طالقٌ، لم يقَع الطلاق.
ولو أضاف الطَّلاَق إلى المَعَانِي القائمةِ بالذات، كالحُسْن والقُبْح والمَلاحَة والسَّمْع، والبَصَر والكَلاَم، والضَّحِك، والبُكَاء، والغم، والفرح، والحَرَكَة، والسُّكُون، لم يقَع الطَّلاَق، ونقل الحناطي في الحُسْن، والحركة والسُّكون، والسَّمْع، والبَصَر، والكَلاَم وجهَيْن: أحدهما: الوقوع.

الجزء: 8 - الصفحة: 568

والثاني: أنَّه لا يقَع، حتى يريده، وهذا شيْءٌ غريبٌ، ثم الوجه التسوية بَيْنَهُ وبين سائر الصفات، فلا يقع الطَّلاق إذا قال: ظلك أو طريقُكِ أو صُحْبَتُك طالقٌ، وكذا لو قال: نَفَسُكِ طالقٌ.
قال في "التتمة"؛ لأن النَّفَس أجزاء الهَوَاء يَدْخل الرِّئَة، ويخرج منها، وأنَّه ليس بجزء منْها, ولا صِفَة لها، وكذا لو قال: اسْمُكِ طالقٌ.
قال في "التتمة" إلاَّ أن يرِيد بالاسم وُجودَها وذاتها، فيقع.
ولو قال: رُوحُكِ طالقٌ وقع الطَّلاق، فإنَّه الأصْل، وقد يُعَبَّر به عن الجُمْلة، وبمثله أجاب مُعيبون فيما إذا قال: حياتُكِ طالقٌ، منهم الإِمام وصاحب الكتاب.
قال الإِمام: ولا يَتَخَبَّطَنَّ الفقيه في الرّوح والحياة، فيقع فيما لا يعنيه، يَعْنِي الخَوْض فيماَ ليْس من شأن الفقهاء.
وفي "التهذيب": أنَّه إذا قال: حياتُكِ طالقٌ يقع إن أراد الرُّوح، فيشترط الوقوع إرادة الروح إشعاراً، بأنه لو أراد المَعْنَى القائِمَ بالحَيِّ، لا يقع الطلاق، كما في سائر المعاني، وبهذا أجاب أبو الفَرَج الزازَ في الحياة، وحكى في الرُّوح خلافاً مبنياً على أن الرُّوح جسم أو عرض، ويُشبه أن يقال: الظَّاهر في الحياة أنَّه لا يقع، وفي الروح أنَّه يقع والله أعلم.
قال الإِمام: ولو أضَافَ الطَّلاق إلى الأخْلاَط المنسلكة في البَدَن؛ كالبلغم والمرتين، فهُوَ كَمَا لو أضاف إلى الفَضَلات دُون ما أضَاف إلى الدَّم.
ثم اختلف الأصحاب في أنَّه إذا أضاف الطَّلاق إلى جُزْء شائعٍ أو إلى عُضْو معيَّن، فحكَمْنا بوقوع الطَّلاق كيف نقدره وننزله، فمنهم من قال: يقع الطلاقُ على المُضَاف إلَيْه أولاً ثم يَسْرِي إلى باقي البَدَن، كما أنَّ العتْق يسري من بعْض العبْد إلى بعْض، ومنهم من قال: يُجْعَل الجزء أو العضو المعين عبارة عن الكُلِّ, لأنَّه لا يُفْرض حُصُول الطَّلاق في المضاف إليه وحده، حتى يُقَدَّر سراية إلى الباقي بخلاف العِتْق؛ فإنَّه قد يثبت في الجزء المشاع، ويقتصر عليه؛ ولأنَّه لو قال وأنْتِ طالقٌ نصْفَ طلقة يقع طلقة، ويُجْعَل النصف عبارةً عن الكُلِّ، ولا يمكن أن يقال: يقع النصْف، ثم يَسْري حُكْمُه، فكذلك هاهنا، وتَظهَر فائدةُ الخِلاَف في صور.
منها: لو قال: إن دخلْتِ الدار، فيمينك طالق، فقطعت يمينها ثم دخَلت الدار، إن قلْنا: يقع الطلاقُ على المضاف إليه، ثم يَسْري، لم يقع هاهنا؛ لأن المُضَاف إلَيْه لم يبق، وإن قلنا إنَّه عبارةٌ عن الكُلْ، ولو قال: لمن لا يمين لها، يمينُكِ طالقٌ، فطريقان:

الجزء: 8 - الصفحة: 569

أحدهما: التخريجُ على هذا الخِلاَف.
وأشبههما، وبه قال القاضي الحُسَيْن، والإمام القَطْع بأنَّه لا يقع؛ لأنَّه وإن جعل البَعْض عبارة، عن الكُلِّ، فلا بدّ من وجُود البَعْضَ المضاف إليه؛ لتنتظم الإِضافة فإذا لم يَكُن لغت الإِضافة، كما لو قَال لامرأته: ذَكَرُك أو لِحْيَتُكِ طالقٌ.
قال الإِمام: هذا يجِبُ أن يكون متفقاً عليْه.
ومنها: ذكر في "التتمة": أن القَوْل بعدم وقوع الطلاق فيما إذا قَال: حُسْنُك أو بَيَاضُك طالقٌ، مبني على أن الطلاق يقَعُ على المضاف إليه أولاً ثم يَسْري، لأنَّه لا يمكن وقُوع الطَّلاق على الصفات، أما إذا جَعَلْنا البعْضَ عبارةً عن الجملة، فكذلك نَجْعل الصفة عبارةً عن الموصوف 201. ومنها: لو قال لأمته: يدك أم ولدي أو قال للطفل الذي التقطه: يدك ابني، قال أبو سعد المتولِّي: إن جعلْنا البَعْض عبارةً عن الكُلِّ، كان ذلك إقراراً بالنسب أو الاستيلاد 202، وإن قلْنا بالسراية، فلا.
ويجْري الخلاف المَذْكور فيما إذا أضاف العِتْق إلى يد عبْده أو رأسه، ولو أضافه إلى جُزْء من عبْده شائع، قال الإِمام: المَذْهَبُ تقديرُ السراية؛ لأنَّ العتْق يمكن نزولُه في بعْض العبد على الإِشاعة، ووقوعه عليْه بخلاف الطَّلاق، ومنهم من جَعَله على الخلاف، وقال: نُزُول العتْق في بَعْض ملْك الشَّخْص غير متصور 203 أَيضاً، وإنَّما يُفْرَض

الجزء: 8 - الصفحة: 570

ذلك عنْد تعدُّد المالك، ويشبه [على] 204 أن يكون الأظْهَرُ من التنزيلين المذكورين حيث جَرَى الخلاف طريقُ السراية؛ لوجوه: أحدها: البنَاءُ الَّذي ذكرَه صاحب "التتمة" فيما إذا قال: حُسْنُك وبياضُك طالقٌ؛ فإنَّه قد مَرَّ أن الظاهر أنَّه لا يقع الطَّلاق، والمناسب له ترجيحُ مَعْنَى السراية.
والثاني: أنَّهم ذكروا أنَّه لو أشار إلى عضو مُبان منها، ووَصَفه بالطلاق، لا يقع الطلاق؛ لعَدَم الاتصال، وأنه لو فُصِلَتْ أذنها ثم ألصقت، والدم جارٌّ أو نُتفت شعرة، فانغرزت في موضع آخر، ونمت، وأضاف الطلاق إليها، ففي وقوعه وجهان: أشبههما، وهو المذكور في "التتمة" أنَّه لا يقع 205. ولو كان وُقُوع الطَّلاق بطريق التعبير بالبَعْض عن الكُلِّ، لَمَا اختلف الحال بعيْن المُبَان والمُتَّصِل.
والثالث: أن الوقوع لوْ كان بطريق التعبير بالبعض، لم تَخْلُ دلالةُ البعْض على الكُلِّ، إما أن تكُونَ صريحاً، أو كنايةً والأول بعيدٌ، وبتقدير أن يكون كذلك، وجَب أن يصح النِّكاح والبيع وسائر التصرفات، إذا أضيفتْ إلى بعض الأعضاء، وإن كَان كنايةً، وجبَ أن يُشْتَرط لوقوع الطلاق 206 النيةُ، واشتراطُ النِّيةِ فيما إذا قال: نصْفُكِ طالقٌ، أو يدك طالقٌ بعيد عما ساقه الأصْحاب، وقياسُ مَنْ قال بهذا التنزيل أن يصحُّ البيع ونحوه بإضافة الطَّلاق إلى الجملة التي الجزءُ المعيَّنُ بَعْضٌ منها، وكأنَّه يريد أن الجُزْء المعين لا يوصف بالطلاق، إلا إذا اتصفت الجملة به، = البلقيني يرجح عتق الكل في هذه الصورة، ثم قال.
الرابعة: إذا ملك نصف عبد ونصفه الآخر موقوف فأعتق صاحب النصف نصيبه، فإنه لا يسري إلى الوقف قطعاً، وفرقوا بين نصيب الشريك بأن نصيب الشريك يتصور إعتاقه بخلافه، وهذا الذي قاله في الخادم عجيب, فإن الكلام في مالك جميع العبد وهذه الصورة إنما هو مالك لنصفه خاصة وهذا لا يخفى ثم قال.
الخامسة: إذا باع السيد للعبد بعضه وقلنا إنه عقد بيع، فلا يسري عليه وهذه الصورة أيضاً لا ترد لأن العبد ملك نصف نفسه فعتق النصف الذي ملكه، فالسيد لم يعتقه، فليتأمل.

الجزء: 8 - الصفحة: 571

بشرط اتصاف الجزء بالطَّلاق اتصافَ الجُمْلة به، فوَصْفُ الجزء يتضمن وصْفَه الجملة، لكن فيه إشكالان: أحدهما: أنَّ فيه مصيراً إلى أنه إذا اتَّصفَتِ الجملة بالطالقية، يتَّصفُ كلُّ جزء منْها بالطالقية، ويتجه أن يمنع ذلك، ويقال: جملة المرأة هِيَ الموصوفة بأنَّها منْكوحةٌ أو مطلَّقة، وكلُّ جزء منْها لا يوصف بأنَّه منكوحٌ أو مطلَّقٌ.
والثاني: أن دلالته على وصْف الجملة بالطلاق على سَبيل التَّضمنُّ إما أن يقدَّر صريحاً أو كناية، ويلزم على التقديرين ما قدَّمناه، ويجوز أن يعلم؛ لمَا بيَّنا قولُه في الكتاب "لم يَنْقُذْ" في مسألة الفضلات، بالواو، وكذا قوله: "وكذلك الجنين"، وقوله "لم يَنْفُذْ" في اللون والحسن في الصفات.
وقوله: "كالأجزاء" وقوله "على الصحيح" في الصورة الأخيرة، يجوزُ أن يريد على الصَّحيح من الطريقين، وهو المذكور في "الوسيط" ويجوز أن يريد من الوجهَيْن؛ جواباً على طريقة إثباتِ الخِلاف والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ وَنَوَى وَقَعَ (ح)، وَلاَ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ إِضَافَةِ الطَّلاَقِ إِلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْن بَلْ يَكْفِي نِيَّةُ أَصْلِ الطَّلاَقِ، وَلَوْ قَالَ: أَسْتَبْرِئُ رَحِمِي مِنْكِ فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَقَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِه: أَنَا مِنْكِ حُرٌّ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ علَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: أنا مِنْكِ طالقٌ، ونوى إيقاع الطَّلاَق عَليْها، وقَع الطَّلاق، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله- ووجَّه المذْهَب بعْضُهم بأن النِّكاح يقوم بالزوجين جميعاً، ومن به قوام النِّكَاح يصحُّ منه إضافَةُ الطَّلاق إلَيْه من مالكه، كالزوجة، وهؤلاء ربَّما أطلقوا القَوْل بأن الزوج محَلُّ النكاح، كالزوجة، وأنَّه معقود عليه في حقِّها كما أنه معقودٌ عَلْيها في حقه وهذا غير مرضى عند الأكثرين؛ لأنَّه لو كان كذلك، لَمَا احْتَاج إلَى إضافة الطلاق إليه، كإضافة الطَّلاق إليها, ولأنَّها لا تستحقُّ مِنْ بَدَن زوجها ومنافعه شيئاً، وإنَّما المستحِقُّ الزوج، ووجَّه الإِمام المَذْهَب بطريقين: أحدهما: أن على الزَّوْج حَجْراً من جهتها، من حيث إنَّه لا ينكح أختها ولا أربعاً سواها، وأنَّه يلزمه صومها، فإذا أضاف الطلاق إلى نَفْسه، أمْكَن حمْل ذلك على خلل السَّبب المقتضِي لهَذا الحَجْر.
والثاني: أنَّ المرأة مقيَّدة، والزوج كالقَيْد عليه، والحَلُّ يضاف إلى القيد، كما

الجزء: 8 - الصفحة: 572

يضاف إلى المقيد، فيقال: حلَّ فلانٌ المقيَّد، وحل القيْد عنه، وإن لم ينوِ إيقاع الطلاق عليها، فوجهان: أحدهما: ويُحْكى عن أبي إسحاق واختيار القاضي الحُسَيْن أنَّه يقَع الطلاق، لأنَّه قدْ وُجِدَ لفْظ الطلاق، وقصده، والطلاق نقيضُ العقْد وحل له، فيَلْقِي، ولا يحتاج إلى التعرُّض للمحلِّ.
وأظهرها: وبه قال مُعْظَم الأصحاب: أنَّه لا بُدَّ من إضافته إليها؛ لأن محَلَّ الطلاق المرأة، دون الرجُل، واللفظ مضافٌ إليه، فلا بُدَّ من نية صارفة تجعل الإِضافة إليه إضافةً إليها؛ من حيْث إن بينهما سبباً منتظماً يصحُّ الكناية بأحدهما عن الآخر، وإذا قلْنا به، فمَهْما نوى إيقاع الطَّلاق عليها، كان ناوياً أصْل الطَّلاق، وإن قلْنا بالوجه الأول، فالَّذي يُشْعِر به ظاهر النَّصِّ في "المختصر"، وصرح به الإِمام وغيره: أنَّه لا بُدَّ من نية أصْل الطلاق؛ لأن اللفظ كنايةٌ من حيْث إنَّه مضافٌ إلى غيْر محلِّه، ولو جرد القصد إلى تطليق نَفْسه، ولم يقتصر على قصْد أصْل الطَّلاق، فقَد قال الإِمام: الوجْه عندنا: أنَّه لا يقع الطَّلاق، وإن لم يعتبر قصْد الإضافة إليها؛ لأنَّه خصَّصه بغير محلِّ الطَّلاق، فيمتنع الصَّرْف إلَيْه، ومنْهم منْ حَكَم بوقَوعه، ولو قال: أنا منْك بائنٌ، فلا بدَّ من نيَّة أصْل الطلاق، وفي نية الإِضافة إليها الوجْهان، وإذا نواها، وقَع، كما في قوله: أنا منْكِ طالقٌ، وساعدنا أبو حنيفة -رحمه الله- في لفْظ البينونة؛ وعلى هذا قِيَاسُ سائر الكنايات؛ بأن يقول: أنا منْكَ بَرِيءٌ أو خليٌّ، ولو قال: أَسْتبرئُ رَحِمِي منْكِ، ونوى تطليقها، ففيه وجْهان: أحدهما: يقع، والمعنى أستبرئ الرحِمَ الَّتي كانَتْ لي.
والثاني: المنع؛ لأن اللفظ غير منتظِمٍ في نفسه، والكناية شرطُها أن تحتمل معنيين فصاعداً، وهي في بعْض المعانِي أظْهَر، وهذا أصحُّ عند الإِمام وصاحب "التتمة" وهو المذكور في الكتاب ورجَّح صاحب "التهذيب" الأول.
ويجري الخلاف فيما إذا قال: أنا معتدٌّ منْك أو مستبرئٌ رحمي، ولم يقُلْ "منك" وساعد المتولِّي صاحب "التهذيب" هاهنا على ترجيح الوقُوع.
ولو قال السيِّد لعبْده: أنا منْكَ حُرٌّ أو أعتقت نفسي منك ونوى عتْق العبد، فوجهان: عن ابن أبي هريرة: أنَّه يعتق، والمعنى أنا حرٌّ من تعهُّدك والإنفاق عليْكَ والتزام مؤناتك، وأصحُّهما: المنْع، وفرَّقوا بينه وبيْن الطلاق بأنَّ الزوجية: تَشْمَل الجانبين، وكلُّ واحد منهما زوج الآخر؛ فيجوز الكناية بأحدهما عن الآخر، والرِّقُّ لا يشملهما على هَذَا النسق، بل أحدهما مالِكٌ والآخر مملوك، فلا يجوز الكناية بأحدهما عن الآخر.

الجزء: 8 - الصفحة: 573

ولو قال لزوجته: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فقالت: طلقتك وأنتَ طالقٌ، فهو كما لو قال الزوج لها: أنا منْكِ طالقٌ، وكذا إذا قال لعبده: أعْتِق نَفْسك، فقال: أعتقتك أو أنتَ حُرٌّ، فهو كقول السيِّد له: أنا منْكَ حُرٌّ والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الخَامِسُ): الوِلاَيَةُ عَلَى المَحَلِّ فَإذَا قَالَ لأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لَم يَقَعُ وَلَمْ يَنْقُصِ العَدَدُ، وَلَوْ قَالَ للِرَّجْعِيَّةِ وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ لِلْمُخْتَلِعَةِ لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ قَالَ لأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ (ح) إِذَا نَكَحَهَا، وَلَوْ قَالَ العَبْدُ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً ثُمَّ عتِقَ فَدَخَلَتِ الدَّارَ وَقَعَ الثَّلاَثُ عَلَى أَحَد الوَجْهَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكِ الثَّالِثَةَ عِنْدَ التَّعْلِيقِ لَكِنْ مَلَكَ النِّكَاحَ المُبِيحَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لأمَتِهِ: إِذَا وَلَدْتِّ فَوَلَدُكِ حُرٌّ لأَنَّهُ مَلَكَ الأَصْلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الولايةُ عَلى المَحَلِّ شَرْطٌ لوقوع الطلاق، فلو قال لأجنبية: أنْتِ طالِقٌ لم يَقَع الطَّلاق رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا طلاق إلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ وَلاَ عِتْقَ إلاَّ بَعْدَ مِلْكٍ".
ولو قَال للرجعيَّة: أنْتِ طالقٌ، وقَع، لبقاء الوَلاية والملك فيها، والمختلعة لا يلحقها الطَّلاق، سواءٌ طلَّقها في العدَّة أو بعدها، وسواء خاطَبَها بالصريح أو الكناية، وسواءٌ خاطَبَها خاصَّة أو عمَّم، فقال: نسائي طوالِقُ، وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله- وقال: أبو حنيفة -رحمه الله-: يقع ما دامت في العدة، إذا خاطبها بصريح الطَّلاق خاصَّة، ويُرْوَى عنه إلحَاقُ ثلاثة ألفاظ من الكنايات بالصريح، وهي قوله: "اعْتَدِّي، واسْتَبرِئِي رَحِمَكِ، وأنْتِ واحِدَةٌ".
واحتج الأصحاب بالقياس على ما سلَّمة، وبأنها ليست مزوجة، فلا يلحقها الطلاق، كما لو انضتْ عدتها والدليل على أنَّها لَيْسَتْ بزوجة أنَّها لا تدْخُل في قوله: "زوجاتي طوالق"، ولأنَّه لا يصحُّ ظِهَارها, ولا تلاعُنها, ولا يلزمها بالموت عدة، ولا يثْبُت لها ميراثٌ.
ولو علَّق طلاق أجنبية بنكاحها، فقال: إن نكحتك 207، فأنْتِ طالقٌ أو عمَّم فقال: كلُّ امرأة نكحتها، فهي طالقٌ، لا يقع الطلاق، إذا نكَح، هذا هو المشهور في المَذْهَب.
وفي "أمالي" أبي الفرج، وكتاب الحناطي وغيرهما: أن منْهم مَنْ أثبت في وُقُوعِ الطَّلاقِ قولَيْن؛ لأنَّهُ يُحْكَى عن "الاِملاء" أن الشافعيَّ -رحمه الله- حَكَى في المسأَلَة اختلافَ العُلَمَاء، ثُمَّ قال: وأَنَا متوقِّف فيها، ويقال: إنَّ الربيع قال له: فما

الجزء: 8 - الصفحة: 574

تَقُول أنْت؟ فقال: أنا متوقِّفٌ فيها، والقاطعون حَمَلُوا ذلك على أنَّه كان متوقِّفاً، ثم ظَهَر له ما نصَّ عليه في كتبه واشتهر عنْه، وعنْد أبي حنيفة يصح تعليق الطَّلاق بالنكاح، عمَّم أو خصَّص، وعند مالك: إنْ عمَّم، لم يصحُّ، وإن خصَّص بامرأة معيَّنة أو نساء محصُوراتٍ، كنساء قرية أو قبيلة، صحَّ، واحتج الأصحاب بما رُوِيَ عن عبْد الرحمن ابن عوف -رضي الله عنه- قال: "دَعَتْنِي أُمِّي إِلَى قَرِيبٍ لَهَا فَرَاوَدَنِي في المَهْرِ، فقلْتُ: إنْ نَكَحْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلاَثاً، فسألْتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "انْكَحْهَا؛ فَإنَّهُ لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاح" 208 وبأنه يمين بالطلاق قبْل النكاح، فيلغو، كالتعليق الَمُطْلَق؛ وهو أن يقولَ للأجنبية: إن دخلْتِ الدار، فأنْتِ طَالِق، ثم نكحها، ثم تدخل الدَّار، فإنَّه لا يقع الطلاق بالاتفاق وتعليق العتق بالمِلْك كتعليق الطَّلاق بالنكاح بلا فَرْق، وساعدنا أحمد -رحمه الله- في الطَّلاَق، وعنه في العتق روايتان.
قال الأصحاب: وليْس ما نحْن فيه كما إذا قال: إن شَفَى الله مريضي، فلله عليَّ تحريرُ رقبة، حيْث يلزمه النذر، وإن لم يَمْلِك رقَبة؛ لأنَّ ذلك التزامٌ في الذمَّة، حتى إذا مَلَك عبْداً لا يُعْتَق عليه، حتى يُنْشِئَ إعتاقاً، وهذا تصرف في مِلْك الغير، ولو عين عبد الغير، وقال: للهَ عَلَيَّ أن أعتق [هذا] 209 العبد، فهو لَغْو؛ لأنه تصرُّف في مِلْك الغير، ولا نَذْر فيما لا يملك ابن آدم، ولو قال الله عليَّ أن أعتق هذا العبد إن ملكته، ففيه وجهان؛ من حيث إنَّه التزام في الذمَّة، لكنه متعلق بِمِلْك الغَيْر؛ وأجرى الوجهان فيما إذا قال: إذا ملكْتُ عبْد فلان، فقد أوصيتُ به لفلان، وإذا أرسل الوصيَّة؛ وهو لا يملك شيئاً، صحَّت الوصيَّة؛ كالنذر، وحكى الشيخ أبو على وجهاً أنَّه لا يصحُّ 210. ولو علَّق العبْد الطَّلْقة الثالثة؛ إما مطلقاً بأن قال: "إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فأنْتِ طالقٌ

الجزء: 8 - الصفحة: 575

ثلاثاً، فعَتَقَ، ثم دخلَتِ الدَّار أو مقيداً بحالة ملك الثَّالثة بأن قال: إذا عَتَقْتِ، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه لا يصحُّ تعليق الثالثة؛ لأنه لا يملك تنجيزها، فلا يملك تعليقها، كالطلاق قبْل النكاح.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" يصحُّ ويحكم بموجبه، وإن لم يَمْلك الثالثة لكنَّه مَلَك أصْلَ النكاح، ومِلْك النكاح مفيد لِمِلْك الطَّلقات الثلاث بشرط الحرية، وشبه ذلك: بأن 211 الزَّوْج في حال البدعة لا يَمْلِك إيقاع الطَّلاق السنِّي، ويملك تعليقه، ويَجْري هذا الخلاف فيما إذا قَالَ لأمته: إذا ولدت فولدك حرٌّ، ففي وجْه: لا يصحُّ هذا التعليق؛ لعدم الملك فيه، وفي وجْه: يصحُّ لأنَّه مَلَك الأصل، فجاز أن يُقَامَ مقام 212 الفرع، كما أن مستحِقَّ الدار يتصرَّف في المنافع ويلغي استحقاق الأصْل؛ للتصرف في الفَرْع، وهذا الخلاف على ما ذَكَره الإِمام وغيْره فيما إذا كانَت حائلاً عنْد التعليق ثم حَمَلَت، فإن كانت حاملاً حينئذٍ، فتحصل الحريَّة.
وقوله في الكتاب "فإذا قال لأجنبية أنتِ طالقٌ لم يَقَعْ، ولم يَنْقُصِ العَدَد" إنما قال لم ينقص العدد بعد قوله: "لم يقع لأن عدم الوقُوع على الأجنبية، كالواضح الذي لا شبهة فيه، إذ رفع القيد؛ حيث لا قَيْد محال، وقد يُقَال: وقوع الطَّلاق حيث لا نكاحَ شيْءٌ [لا] يتوهم؛ فلا حاجة إلى ذكْره فبين بقوله: "ولم ينقص العدد" ما هو في معرض التوهُّم، وهو النفوذ في نقصان العَدَد، وإن لم يكن قيَّد، كما أن طلاق المختلعة يقع عند أبي حنيفة -رحمه الله- على معْنَى نقصان العدد، وإن كانت البينونة حاصلة.
وقوله: "لم يقع إذا نكحها" يجوز أن يعلم بالواو مع الحاء لما تقدم.
وكذا قوله: "لو قال لأمَتِه إذأولَدتِّ فوَلدُكِ حُرٌّ" يعني على أحد الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا فَدَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ (و) الطَّلاَقُ لانْحِلاَلِ اليَمِينِ بِالدُّخُولِ الأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ تَدْخُلْ حَتَّى نَكَحَهَا فَفِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ قَوْلاً عَوْدِ الحِنْثِ، وَلَوِ اسْتَوْفَى الثَّلاَثَ بِالتَّنْجِيزِ لَمْ يَعُدِ الحِنْثُ (و) فِي نِكَاحِ بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تبيَّن في الفصْل السابق: أن التعْليق إنَّما يصحُّ إذا وَقَعَ في حال

الجزء: 8 - الصفحة: 576

الولاية على المحلِّ، ومقصُود هذا الفَصْل أنَّه هل يُشْتَرَط دوام الولاية من وقْت التعليق إلى وقْت حُصُول الصفة 213 ومهما علَّق الطَّلاق بدُخُول الدَّار أو بصفة أخرى وأبانها إما بالطَّلاق قبْل الدخول، أو بالطَّلاق عَلَى عوض، أو بالطلقات الثلاث ووجدت الصفة في حال البينونة، ثم نكَحَها، فوُجِدَت ثانياً، لا يقع الطلاق؛ لأن اليمينَ تنْحَلُّ بذلك الدُّخُول، وكذا الحُكم لو ارتدَّ قبْل الدخول، ووُجِدَت الصفة، ثم أسْلَم، ونَكَحها [فوجدت الصفة ثانياً] وقال أبو سعيدٍ الإِصطخري: لا تنحلُّ اليمين، ويقع الطلاق بالدخول الثاني بعد النكاح؛ لأن قرينة الحَال تدُلُّ على أنَّه أراد الدخُول في النِّكَاح، فيصير كما لو قال: إن دخلْتِ الدار، وأنتِ زوجتي، فأنْتِ طالقٌ هكذا [أطلقوا] الحكاية عن الإِصطخري، والوجه ما نقله الحنَّاطي؛ وهو أن وقوع الطَّلاق عنْده يكُون على قَوْلَيْ عود الحنث، كما لم تُوجَد الصفة في حال البينونة، وظاهر المَذْهَب: أنه لا يقطع الطَّلاق على القولَيْن؛ لأن اليمين تتناول الدخلة الأُولَى، وقد حَصَلت، ولكن تعذَّر إيقاع الطلاق؛ لعَدَم الملك، فيحصل بها الانحلال، واليمينُ إذا تعلَّقت، لم يُعْتبر فيها المِلْك؛ ألا تَرى أنه لو قال: إن دخلْتُ الدارَ، فأنتِ طالقٌ، والدارُ في مِلْكه، فباعها ثم دَخَلها، وقع الطلاق، ولم يُجْعَل كما لو قال: إن دخَلْتِ هذه الدار، وهي في مِلْكِي، وبهذا الطريق يُدْفَع وقوع الطلقات الثلاث إذا علقها على فعْل، ولم يَجِدْ بداً منْه، ولم يَرد وقوع الطلاق، فيبينها ويأتي به، ثم يجدِّد النكاح، فلا يُؤَثِّر حصولُه من بعْد، ولنعلم؛ لمذهب الإِصطخري قولَه في الكتاب "لم يقع الطلاق" بالواو، وكذا بالميم والألف؛ لأن عندهما لا تنحَلُّ اليمين بما وُجِدَ في حال البينونة، وتعود الصِّفَة في النكاح إلا أن مالكاً إنَّما يقول بذلك إذا كانت الإِبانة بما دُون الثلاث، ويساعِدُنا فيما إذا أبانها بالثَّلاث، ووافقنا أبو حنيفة -رحمه الله- على انحلال اليَمِين بما وُجِدَ في حال البينونة وعدم وقوع الطلاق إلا أنَّ عنْده إذا كانت الإِبانة بالخُلْع فما دامَتْ في العدة يلْحَقُها الطلاق، لو وُجِدَت الصفة, لأن المختلعة يلحقها الطلاق لو وُجِدَت الصفة، لأن المختلعةَ عنْده يلحقها صريح الطلاق، وهذا إذا كان التَّعْليق بصيغة "إن" و"ما" لا يقتضي التِّكْرار، فأما إذا قال: كُلَّما دخَلْتِ الدار فأنتِ طالقٌ، وأبانها ودخلَتِ الدارَ، ثم نَكَحَها، ودخلَتْ فوقوع الطَّلاق عليها للدخول الثاني؛ على الخِلاَف في عود الحنث لا محالة، ولو لم تُوجَد الصفَة في حال البينونة وَوُجِدَتْ بعدما نكَحَها، فيُنْظَر؛ إن أبانها بما دون الثلاث، فنَصُّه في القديم أنَّه يقع الطلاق وتَعُود اليمين في النكاح الثاني، وجعله في الجديد على قولَيْن وإن أبانها بالثَّلاث، فنَصُّه في الجديد

الجزء: 8 - الصفحة: 577

أنَّه لا يقع الطَّلاق، ولا تعودُ اليمين، وجعَلَه في القديم على قولين؛ فيحْصُل من ذلك في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: وبه قال أحمد: أنَّه يقَع الطلاق، وتعود اليمين سواء أبانها بثلاث أو بما دونها؛ لأنَّ التعليق والصِّفَة وُجِدَا جميعاً في المِلك، وتخلل البينونة لا يُؤَثِّر لأنه ليس وقت الإِيقاع ولا وقت الوقوع.
والثاني: وبه قال: أبو حنيفة ومالك -رحمهم الله-: أنَّه إن أبانها بثلاث، لم تعد اليمين؛ لأنَّه استوفى ما علق من الطلاق، وهذه طلقات جديدةٌ وإن أبانها بما دون الثلاث، عَادَت ووقع الطَّلاقُ لأنَّه العائد البَاقِيَ، من الطَّلاق فتعود بصفتها، وكانت معلَّقة 214 بذلك الفِعْل المعلَّق عليه فتَعُود كذلك، وتدخُل في البينونة بما دون الثلاث، الخُلْع، والطَّلاق قبل الدُّخُول والرِّدَّة.
والثالِثُ: أنَّها لا تَعُود، ولا يقع الطَّلاق بحال، وبه قال المزنيُّ؛ لأنَّه تخلَّل بين التعليق والصِّفَة حالة 215 يمتنع وقوع الطلاق فيها 216 فرفع حكم اليمين، ولأنَّه تعليقٌ سبَق هذا النِّكَاح، فلا يُؤثِّر فيه بالطَّلاق، كما لو علَّق طلاقها قَبْل أن ينكحها.
واحتج المزنيُّ بأن قوله "إن دخلْتِ الدار، فأنْتِ طالقٌ" إما أن يكون النكاح الثاني مراداً به أو يكون المرادُ هو النكاحَ الأَوَّلَ، ولا يجُوز أن يكون الثاني مراداً؟ لأنَّه يكون تعليقَ طلاقِ قبْل النكاح؛ فيتعين الأول، وذلك النكاح قد ارتفع، وما الأظهر من هذه الأقوال؟ رجح الشيخ أبو حامد وطائفة الأوَّلَ منها، وإلَيْه ذهَب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي.
وقال آخرون: المذهَبُ القوْل الثاني الفارق، واختاره الإِمام وابن الصَّبَّاغ وغيرهما، والثالث الذي اختاره المزنيُّ، ويشبه أن يكون هذا أقوى توجيهاً.
وإن قلْنا به، فلو كانت الصفة المعلَّق عليها مما لا يمكن إيقاعه في حالة البينونة، كما إذا قَالَ: إن وطئتُكِ، فأنْتِ طالقٌ ثلاثاً، فيتخلص إذا أبانها ثم نكَحَها، ولا يقَع الطلاق بالوطء في النكاح الثاني، وبه أجاب القاضي الرُّويانيُّ، أنَّه إذا قال لامرأته إذا بِنْتِ منى، ونكحْتُكِ ودخلت الدار فأنْتِ طالقٌ [أو قال إن دخلت الدار بعدما بنت منى ونكحتك فأنت طالق] فالَّذي صحَّحه المعتبرون من الأصحاب منهم القفَّال: أنه لا يقع الطلاق، إذا دخلَتِ الدار بعْد البينونة والنكاح، ولا يخرج على

الجزء: 8 - الصفحة: 578

القولَيْن، وغلَّطوا من قال وبتخريجه على ذلك الخِلاَف وعلى هذا القياس فلو قال: إن دخلْتِ الدار قبْل أن أبينك، فأنْتِ طالقٌ وإن دخلْتِها بعْدما أبنتُكِ، ونكحتُكِ، فأنتِ طالقٌ، يبطل التعليق الثاني، ويصحُّ الأول، ولو كان الطلاق يقع في النكاح الثاني عند الإطلاق، لَمَا امتنع التصريحُ بما هو مُقْتضَى الإِطلاق، ولو عَلَّق طلاقها بصفة ثم طَلَّقها طَلْقةً رجعية، وراجَعَها ثُمَّ وُجِدَت الصفة، فلا خلاف في وقوع الطَّلاَق؛ لأنَّه ليس نكاحاً مجدّداً، ولم تحْدُث حالةٌ تمْنَع من الوقوع، ولو علَّق عتْق عبْده بصفة ثم أزال المِلْك عنه ببيع 217 غيره، ثم ملكه ثانياً، ثم وُجِدَت الصفة، ففي حُصُولِ العِتْق الخلاف في عَوْد اليمين، ثُمَّ من الأصحاب من قال إنه كالإِبانة بالثَّلاث, لأن العائد مِلْك جديد من كل وجه لا تعلُّق له بالأول؛ كالنكاح المجدّد بعد الطلقات الثلاث؛ فعلى هذا لا يُعْتَق في الجديد، وفي القديم قولان؛ منْهم من قال: هو كالإبانة بما دُون الثَّلاث، وهو المذكور في "التهذيب"؛ لأنه لم يتخلَّل بين التعليق، والصفة حالةٌ يمتنع فيها مِلْكه، كما لم تتخلَّل هناك حالةٌ يمتنع فيها ملْك النكاح، وإنما تكون كالإبانة بالثَّلاث إذا علَّق الذميُّ عتق عبده الذمي بصفةٍ ثم أعتقه، فنقض العَهْد، والتحَقَ بدَار الحَرْبْ ثمَّ سُبيَ واسترق، فمَلَكَه سيِّده الأول؛ لأنه تخلَّلت حالة يمتنع فيها المِلْك، وهي حالة الحرمة، وإذا قلْنا: إنَّه كالإِبانة بما دون الثلاث، فيعتق على القديم، وفي الجديد قولان: وقوله في الكتاب "ولو لم تدْخُل حتَّى نَكَحه" يعْني أبانها بما دون الثلاث، يُبَيِّنه قوله من بعد "ولو استوفى الثلاث بالتنجيز" وقولُه: "قَوْلاَ عَوْدِ الحنث في وقوع الطلاق في النكاح".
[الثاني] 218: يعبر عنه بالخلاف في عود الحنث، وبالخلاف في عود اليمين؛ لأن على قول لا يتناول اليمين النِّكَاحَ الثاني، ولا يحْصُل الحنث فيه وعلى قول يتناوله ويحصل الحنث فيه ويَجْري الخلاف في الإِيلاء والظِّهار، إذا وُجِدَا في نكاح هل يثبت حُكْمُهما في نكاح جديد؟.
وقولُه: "لم يعد الحنث في نكاح بعده" معلم بالواو والألف، ولم نَذْكُرِ اختلاف القولين هاهنا؛ لظهُور القول بمنع العَوْد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ طَلَّقَ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ فَبَانَتْ وَوَطِئَهَا زَوْجٌ آخَرُ ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الأَوَّلِ عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الطَّلاَقِ وَلَمْ يَنْهَدِمِ (ح) الطَّلاَقُ المَاضِي، وَإِنَّمَا يَنْهَدِمُ إِذَا نَكَحَتْ بَعْدَ الثَّلاَثِ زَوْجاً آخَرَ، وَالحُرُّ يَمْلِكُ ثَلاَثَ تَطلِيقَاتٍ عَلَى الحُرَّةِ وَالأَمَةِ (ح)، وَالعَبْدُ يَمْلِكُ

الجزء: 8 - الصفحة: 579

ثِنْتَيْنِ عَلَى الحُرَّةِ وَالأَمَةِ (ح)، فَلَوْ طَلَّقَ الذِّمِّيِّ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ الْتَحَقَ بِدَارِ الحَرْبِ وَاسْتُرِقَّ كَانَ (ح و) لَهُ نِكَاحُ المُطَلَّقَةِ، وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ طَرَأَ الرِّقُّ لَمْ يَمْلِكْ إِلاَّ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ طَلَّقَ فِي الرِّقِّ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ عُتِقَ لَمْ يَحِلَّ (و) لَهُ نِكَاحُهَا، وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عُتِقَ مَلَكَ طَلْقَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل يصرِّح بقاعدتين ويتضمَّن قاعدةً ثالثةً؛ إحدى الأولَيَيْنِ لا شَكَّ أنَّه إذا راجع المطلَّقة الرجعيَّة تعود إليه بما بقي من الطَّلاق وكذا التي فارقها بطلقة أو طلقتين، وبانت منْه قَبْل أن يَنْكح زوجاً آخر أو بعده، وقَبْل الإِصابة، فلو نَكَحها زوج آخر، ووطئها، ثم جدَّد الأول نكاحَها؛ فلذلك تعود إليه بما بقي من الطلاق، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تعود الطلقات الثَّلاث، وَيهْدِم الزوج الثاني ما وقع من الطَّلقات.
واحتج الأصْحَاب بما رُوِيَ عَن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّه سئل عمن طَلَّق امرأته طلقَتَيْنِ لم وانقضَتْ عدَّتها فتزوجت غيْره، وفارَقَها، ثُمَّ تزوجها الأول، فقال هِيَ عنده على ما بقي له من الطلاق 219، وبأن الطلقة والطلقتين لا يُؤثِّران في التحريم المُحْوج إلَى زوْج آخر، فالنكاح الثاني، والدُّخول فيه لا يهدمانها، كوطء السيدِ الأمةَ المطلَّقة، وأما إذا طلَّقها ثلاثاً فنَكحت زوجاً آخر، ودخل بها، ثُمَّ فارقها ونكَحَها الأول، فتعود إليه بثلاث طَلقَات؛ لأنَّ دخُول الزَّوْج الثاني أفاد حِلَّ النكاح، ولا يمكن بناءه على العَقْد الأول، فيَثْبُت نكَاح يستفتح بأحكامه.
والثانية: الحرُّ يملك ثلاثَ طلقات على الزَّوْجة الحرة والأَمة، والعبْدُ لا يملك إِلاَّ طلقتين على الحُرَّة والأمة.
وعنْد أبي حنيفة الاعتبارُ بالزَّوْجة فيملك العبْد على الحُرَّة ثلاثاً، ولا يملك الحر على الأَمة إلاَّ طلقتين.
لنا ما رُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الطَّلاَقُ بِالرِّجَالَ، والعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ" 220 أي العبرة وفي الطَّلاق بالرجال.

الجزء: 8 - الصفحة: 580

ورُوِيَ مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر -رضي الله عنه- "أن العبد يُطَلق تطليقتين" 221 وروى نفيعاً وكان عبداً سَأَل عثمان، وزيداً -رضي الله عنهما- وقال: "طَلَّقْتُ امْرَأَةٌ لِي حُرَّةً طَلْقَتَيْنِ، فقَالاَ: حَرُمَتْ عَلَيْكَ" 222. والمدبر والمكاتب ومَنْ بعْضُه رقيقٌ كالقنِّ.
الثالثة: كلُّ واحدٍ من الحُرِّ والعَبْد إذا أوقع ما يملك من الطَّلاق بتمامه، حرمت المطلقة عَليْه حتَّى تنكح زوجاً آخر، ويصيبها، وهذا أصل وقد مَرَّ شرحُه في قسْم الموانع من "كتاب النكاح".
إذا عَرَفْتَ هذه القواعد، فلَوْ طلَّق الذميُّ امرأته طلْقَةً ثُمَّ نقض العهْد، فسُبِيَ واسترق، ونكَح بإذن سيِّده تلْك المرأة المطلَّقة مَلَك عليها طلقةً واحدة؛ لأنَّه طلَّقها قبْل ذلك طلْقةً، ولم يستوفِ ما يملكه العبْد من الطلاق، فيملك الآن وهُو رقيقٌ ما بَقِيَ من عَدَد العبيد، ولو كان قدْ طلَّقها طلقتَيْن، ثم طرأ الرِّقُّ بأن نقَض العَهْدُ، فسُبِي واسترق، وأراد نِكَاحَ تلْك المرأة: قال ابن الحَدَّاد: له ذلك؛ لأنَّها لمْ تَحْرُم عليه بالطلقتين يومئذٍ فعروض الرِّق لا يَرفَعُ الحِلَّ الثابت، وحكى الشيخ أبو عليٍّ وجهاً: أنَّه ليْس له نكاحُها، لأنَّه الآن رقيقٌ، وقد طلَّق من قبْلُ طلقتين، ولا يحلُّ للرقيق من طلقها طلقتين، والظاهر: الأول، وإذا نكحها، كانت عنْده بطلقة.
ولو طلَّق العبد امرأته طلْقةً، ثم عَتَق، فراجَعَها أو جدَّد نكاحَها بعْدما بانَتْ منْه كانَتْ عنْده بطَلْقَتيْن؛ لأنَّه عتَقَ قبْل استيفاء عَدَد المماليك، ولو كَان قَدْ طلَّقها = أن علياً قال: البت بالنساء، يعني الطلاق والعدة، قلت لهمام: ما يرويه أحد غيرك، قال: ما أشك فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 581

اثنتين، ثم عَتَق لم يكُنْ له نكاحُها؛ لأنَّه حرٌّ في الحال، والظَّاهر الأوَّل، لأنَّها حَرُمَت عليه بالطلقتين في الرِّق، فلا ترتفع الحرة بعتق يَحْدُث بعْده، كما قلْنا: إن الذميِّ الحرَّ إذا طلَّق طلقتين، ثم استرق 223؛ لأنه يرتفع الحِلُّ بِعِتق يحْدُث بعده، وقد سبقت هذه الصورة، ونظائرها في "نكاح المشركات" وقولُه في الكتاب "فلو طَلَّق الذميُّ طلقتين، ثم التَحَقَ بدَار الحرب" وقدْ وقع في لفظ ابن الحَدَّاد، وتصويره مثْل ذلك.
قال الشيخ أبو عليٍّ: الالتحاق بدار الحَرْب ليْس شرطاً، بل إذا فَعَل ما ينقض به العَهْد، يجوز استرقاقه، سواء لحق بدار الحَرْب أو لم يَلْحَق، وليعلم بالحاء قوله: "ببقية الطلاق" وقوله: "والأمة" وقوله: بعد ذلك "على الحرة" بالواو.
وقوله: "كانَ له نِكَاحُ المطلَّقة" وقوله: "لم يحِلّ له نكاحها".
فرْعٌ: لابن الحدَّاد: طلَّق العبْد زوجتَه طلقتين، وأعتقه سيِّده، فإن سَبَق الطَّلاق العِتْق، حرمت عليه إلاَّ بمحلِّل، وإن سَبَق العتقُ الطلاَق، فله الرجعة بشرطها, وله تجْديدُ النِّكاح إذا بَانَتْ.
فإن أشْكَل السابقُ، واعترف الزوجان بالإِشكال، قال ابن الحدَّاد، وساعده أكثرهم: ليْس له رجْعَتُها, ولا أن يَنكِحَها إلاَّ بعْد زوج آخر؛ لأنَّ الرِّقَّ ووقوع الطلقتين معلومان، والأصل بقاء الرّق حين أوقعهما، "النهاية" وجْه آخر: أن لَهُ الرجْعة والنكاحَ من غيْر زوج آخر؛ لأنَّ الأصْل وألاّ تحريم.
ولو اختلف في السابِق، نُظِر؛ إن اتفقا على وقْت الطَّلاق، كيوم الجمعة مثلاً، وقال الزوج عتقت يوم الخميس وقالت: لا بَلْ يوم السبت، فالقَوْل قولها؛ لأنَّ الأصل دوامُ الرِّقِّ يوم الخميس، وإن اتفقا على وَقْت العتق، كيوم الجمعة، وقال الزوج: طُلِّقَتْ يوم السبت، وقالَتْ: بل يوم الخميس، فالقولُ قوله؛ لأنَّ الأصْل دوامُ النكاح يوم الخميس؛ لأنَّه الموقِّع للطلاق، فهُو أعرف بوقت الطلاق وإن لم يتَّفقا على وقْت أحدهما، وقال الزَّوج: طلقتك، بعْدما عَتَقْتُ، وقالت: بَلْ قبله، واقتصر عليْه، فالقَوْل قوْلُ الزوج أيضاً، لما ذكرنا أَنَّه أعْرف بوقت الطلاق.
فَرْعٌ: قد سَبَق في مسائل التحليل: أنَّه لو قالت المطلقة: نَكَحَنِي زوجٌ آخر، وأصابني وفارقني، وانقضتْ عِدَّتي، ولم يغْلِب عَلَى ظنِّه صدْقُها أن الأولى ألاَّ يَنْكِحَها، وهل يجب عليه البحث عن الحال عن أبي إسحاق أنَّه يُسْتَحَبُّ البحث.

الجزء: 8 - الصفحة: 582

وقال القاضي الرُّوياني: أنا أقول: يجِبُ البحث في هذا الزمان، وقد رأيتُ امرأةً ادَّعَت ذلك؛ لتَرْجِع إلى الزَّوْج الأول، وكان الزَّوْج الثاني يَحْلِف بالأيمان المغلَّظة على أنَّه ما أصابها، وتَبَيَّنَ كَذِبُها وصِدْقُه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالقَوْلُ الصَّحِيحُ الجَدِيدُ أَنَّ طَلاَقَ المَرِيضِ قَاطِعٌ (ح) لِلمِيرَاثِ كَطَلاَقِ الصَّحِيحِ فلاَ مَعْنَى لِتَطْوِيلِ التَّفْريعِ عَلَى القَوْلِ الضَعِيفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: طَلاَقُ المَرِيض في الوقوع كطلاق الصَّحِيحِ، ثُمَّ إن كان رجْعياً فيبقى التوارث بيْن الزوجين ما لم تُنْقَضِ العدَّة، حتى إذا مات أحدُهما، ورِثَه الآخر، وإذا انقضَتْ عدَّتُها، ثم مات أحدهما، لَمْ يرثه صاحبُه، وأما إذا طَلَّقَها في مرض موته طلاقاً بائناً ففي كونه قاطعاً للميراث قولان: القديمُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنَّه لا يكون قاطعاً؟ لأن قصْد الفرار من الميراث ظاهرٌ في هذا الطلاق، فيَحْسُن أن يُعَاقَب بنقيض قصْده، وكما لو قَتَل مورِّثه؛ استعجالاً لقْرب يَحْرم الميراث، وطَلَّق عبد الرَّحْمَن بن عوف -رضي الله عنه- امرأته الكلبية في مَرَض موته، فورثها عثمان -رضي الله عنه-.
وأصحُّهما: وهو الجديد واختيارُ 224 المزنيّ: أنَّه يقطع إرثها؛ لأن الميراث بالزَّوْجيَّة، وقد انقطعت الزوجيَّة، ولأنه لا يَرِثُ منها لو ماتَتْ قبْله بالاتفاق، كذلك لا تَرِثُ هي منْه، فإن قلنا بالجديد، انقطع الكلام، ولا تفريع، واقتصر في الكتاب على ما ذَكَره، وأعرض عن التفريع على القديم، وقال: لا معنى لتطويل التفريع على القَوْل الضعيف، ولو سلَكْنا هذا المسلك في مسائل القَوْلين والوجهين، لانحطَّت عنَّا مُؤَنٌ كثيرة وفاتتْنا لطائف كبيرة فتفرع على القديم كما [هو] دأْب الفِقْه.
ونقول إذا قلنا: إنَّها ترِث فإلى متى ترث؟ فيه أقوال: أحدها: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنَّها ترثُ إلى انقضَاء عدَّتِها، فإن ماتَ بَعْدَ انقضائها, لم ترثه؛ لأنَّه لم يبق شيْءٌ من أحكام النِّكاح، عنْد الموت.
والثاني: ترث إلى أن تنكح زوجاً آخر، فإن مات بعْده، لم ترِثْ، كأنها رضيت بفرقته، وأسقَطَتْ عُلْقَتَها، عنه.
والثالث: وبه قال مالك -رحمه الله-: ترثُ متَى مات، وإن كان بعْد ما

الجزء: 8 - الصفحة: 583

نكَحَتْ زوجاً آخر؛ لأن حقها ثَبَت في ماله، فلا يسقط نكاحُها، كالمهر، والنفقة.
وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالقولين الأَوَّلَيْن، ولو جَرَى ذلك قبْل الدخول، فعَلَى القَوْل الأول: لا تَرِث؛ لأنَّه لا عِدَّة، ويجري فيه القولان الآخران.
وإن أبان في مَرَضه أربَعَ نسوة، ونكح مكانهن أربعاً، ثم مات فلمن يكون الميراث؟! فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال مالك -رحمه الله-: للمطلَّقات؛ لتقدم حَقِّهن.
والثاني: للجديدات؛ لأنَّ لهنَّ حقيقةَ النكاح، بخلاف المطلَّقات.
وأظهرها: أنَّه للصنفين جميعاً.
قال الإِمام -قدَّس الله روحه-: ومنشأ التردُّد ما في توريث الزيادة على العَدَد الشرعي من الاستبعاد، أما لو أبان امرأةً، ونكح أخرى، فلا وجْه إلاَّ توريثهما, ولو أبان واحدة ونكح أربعاً أو بالعكس جَرَى الخلاف، وإنما ترث المبتوتة على القول القديم إذا طلقها لا بسؤالها، أمَّا إذا طلَّقها بسؤالها أو اختلاعها أو قال: أنتِ طالقٌ إن شئْتِ، فقالت: شِئْتُ، فلا ترثه، ولا يكون الزَّوْج فاراً، وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن أبي هريرة: إنها ترث وإن طلقها بسؤالها لأنَّ الطَّلاق، في قصة عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- كان بسؤالها، وبه قال مالك: وكذلك أحمد في إحدى الروايتين [ولو سألت الطَّلاق، ولم يجبْها في الحال، ثم طلَّقَها، فهو فارٌّ] وكذا لو سألت طلاقاً رجعياً، فطلقها ثلاثاً، كان فاراً، ولو علَّق طلاقها بصفة نُظِرَ؛ إن علَّق بمضي مدة أو بفعل نفْسِه أو بفعل أجنبيُّ، كان فارّاً، وفي التعليق بفِعْل الأجنبي وجْه أنه لا يكون فارًّا، وإن علَّق بفعلٍ من أفعالها نِظَر؛ إن لم يكُنْ لها منْه بُدٌّ، كالنوم، والقيام، والقعود والطهارة، والأكل، والشرب، والصوم، والصلاة المفروضين، فهو 225 فارٌّ، وإن كان لَهَا منه بُدٌّ، فهو فارٌّ، وإذا لم تعْلَم بالتعليق وإلا فلا، فهُو كالتعليق بفِعْل الأجنبي، وبكون فارًّا.
ولو علِمَتْ ثم نَسِيَت، ففيه احتمالان للإِمام -رحمه الله-، قال: والأشبه أنَّه فارٌّ.
وإن علَّق طلاقها في الصحة بصفة لا تُوجَدُ إلاَّ في المَرَض، كما إذا قال: إذا مَرِضْت مرض المَوْت، أو وقعت في النزع، فأنْتِ طالقٌ، فهُو طلاقُ فارٍّ، فإن احتمل

الجزء: 8 - الصفحة: 584

أن توجَد الصِّفة في الصِّحة والمرض، كما إذا قال: إذا جاء الغد أو قَدِمَ فلان، فأنْتِ طالقٌ، ثم جاء أو قَدِم، وهو مريض، فَفِيه قولان: أصحُّهما: أنَّه ليس فارّ، وإذا فسخ النِّكَاح لغيبها في المرض، لم يُجْعَل فاراً لأن ما فيها من النَّقْص هو الذي دَعَاه إلَيْه.
ولو لاعن عنْها، وكان القَذْف في حال الصِّحَّة، لم يكن فارًّا، وإن كان القذف في المَرَض أيضاً، فوجهان: أصحهما: أنَّه لا يكون فارًّا؛ لما يتعلق به من فرض نَفْي النَّسَب، وإسْقَاط الحد.
والثاني: قال أبو حنيفة واختاره القاضي ابن كج.
ولو طلق العبد امرأته، والحرُّ امرأته الأمة أو المسلم زوجته الذميَّة في المَرَض، ثم عَتَق العبد أو الأمة، أو أسلمت الذمية في العِدَّة، ثم مات الزوج، فلا إرث؛ لأنَّها لم تكُنْ وارثةً يَوْم الطَّلاق، فلا تهمة، وكذا لو أبانها في مرضه بعْدما ارتدَّ أو ارتدَّت، ثم جمَعَهُما الإِسْلام في العدَّة؛ لأنها لم تكُنْ وارثةً يومئذ، ولو ارتدَّت بعْد ما أبانها في المَرَضْ ثم عادَتْ إلى الإِسلام، فهو فارٌّ؛ لقيام التهمة.
ولو قال لزوجته الأمة: أنتِ طالقٌ غدًا فعَتَقَتْ قبْل الغد أو طلَّقها، وهُو لا يَعْلَم أنَّها عَتَقَتْ، فليس بفَارٍّ وكذا لو ارتدَّ في المرض قبل الدخول أو بعده، وأصر إلى انقضاء العدَّة، ثم عاد إلى الإِسْلام، ومات لم يكن فارًّا لأنَّه لا يقْصِد بتبديل الدِّين حرمان الزوجة عن الميراث، وفيه وجْه ضعيف، وقَدْ قيل بطَرْده فيما إذا ارتدت المرأة حتَّى تجعل فارَّة يرِثها الزوج.
ولو أبان المُسْلِمَة في المَرَض، فارتدَّتْ، وعادت إلى الإِسْلام في العدة، وَرِثَت؛ لأنَّها بصفة الوارثين يَوْم الطَّلاق، ويوْم المَوْت، وكذا لو عادَتْ بعْد انقضاء العدَّة، إن قلْنا: إن المبتوتة تَرِثُ بعد انقضاء العدَّة.
ولو طلَّق زوجته الأمة في المَرَض، وعتقت، واختلفا، فقالَت المرأة: طَلَّقَنِي بعْد العِتْق فلي الميراث، وقال الوارث: بل قبْله، فلا ميراث لك، فالقول قوْلُ الوارث مع يمينه؛ لأن الأصْل استمرار الرِّقِّ.
ولو أرضعتْ زوجها الصغير في مرض مَوْتها، فقَدْ قيل: تُجْعَل فارَّة عَن الميراث، ويرثها الزوج، وظاهر المذهب خلافُه، وشبّه هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا أعتق العَبْد، وتحته أمة لا خيار لَهُ على الظاهر، وإن كان يثبت لهَا الخيار إذا أعتقتْ تحْت عبد.

الجزء: 8 - الصفحة: 585

ولو أقرّ في المرض بأنَّه أبانها في الصحَّة، فلا يُجْعَل فارًّا، ويُصَدَّقُ فيما يقوله، وتحسب العدة من يومئذٍ، وفيه وجْه للتهمة، والأظْهر الأول، قال القاضي أبو الطيِّب -رحمه الله-: لأن المريض إذا أقرَّ بما فَعَلَه في صحَّته، كان كما لو فَعَلَه في الصحَّة؛ ألا ترى أنَّه لو أقر في مرضه أنَّه وهَبَ في الصحَّة أو قبض، كان من رأس المال، وقد يجيء الخلاف في هذه الصورة، كما حكَيْنا الخلاف فيما إذا أقَرَّ في مرض المَوْت أنه وهب من وارثه في الصحَّة إذ فرَّعنا على أنَّه لا يقبل إقراره للوارث.
فرْعٌ: طلَّق إحدى امرأتيه، ثم مَرِضَ مرَضَ المَوْت، فقال: عنيت هذه، قُبل قوله ولم ترث وإن كان قد أبْهم، فعيَّن في المرض واحدة، قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: يُخرَّج على أن التعيِين إيقاعُ الطلاق في المعيَّنة، أو بيان لمحل الطلاق الواقع، إن قلْنا بالثاني، لم تَرِث، وإن قلْنا الأول، فعلى قولَيْ توريث المبتوتة 226 والله أعلمٌ.
تم الجزء الثامن، ويليه الجزء التاسع وأوله: "في تعديد الطلاق"

الجزء: 8 - الصفحة: 586

العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإِمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشَّافعي المتوفي 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء التاسع يحتوي على الكتب التالية: تتمة الطلاق- الرجعة- الإيلاء- الظهار- الكفارات- اللعان- العدة- الرضاع دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

الجزء: 9 - الصفحة: 1

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
الطبعة الأولى 1417 هـ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت تلفون وفاكس: 264398 - 266135 - 602133 (9611) صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان

الجزء: 9 - الصفحة: 2

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

البَابُ الثَّالِثُ فِي تَعْدِيدِ الطَّلاَقِ،

وَفِيهِ فُصُولٌ قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأَوَّلُ فِي نِيَّةِ العَدَدِ): فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُكِ وَنَوَى عَدَداً نَفَذَ (ح) مَا نَوَاهُ، وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى الثَّلاَثَ لَمْ يَقَعِ العَدَدُ عَلَى أَصَحِّ الأَوْجُهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَاحدَةٌ وَنَوَى تَوْحُّدَهَا بِالبَيْنُونَةِ الكُبْرَى وَقَعَ الثَّلاَثُ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً وَلَكِنْ وَقَعَ قَولُهُ: ثَلاَثاً بَعْدَ مَوْتِهَا وَقَعَ الثَّلاَثُ فِي وَجْهٍ، لأَنَّ الثَّلاَثَ كَالتَّفْسِيرِ، وَوَقَعَتْ وَاحِدَةٌ في وَجْهٍ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ في وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العَدَد من الطَّلاق تارةً يقع، لنيَّة العَدَد في اللفظ الَّذي استعمله المطلِّق، وأخرى باللفظ المُشْعِر بالعدد، وإشعاره قدْ يَكُون لتكرير لفْظ الطلاق، وقد يكونُ لدلالته علَى العَدَد بالوضع، وقد يَكُون من جِهَة اصْطلاَح الحسَاب.
أمَّا ما يدُلُّ على العَدَد بالوضْع كقوله: أنت طالِقٌ ثنتَين أو ثلاثاً، فأمْره بين فلا نطول النَّظَر فيه.
بقيتْ ثلاثة فُصُول؛ وهي نية العَدَد، وتكريرُ لفْظ الطلاق، والطلاق بالحساب وهي فُصُول الباب.
أما الأوَّل: فإذا قال لامرأته: أنْتِ طالقٌ أو طلَّقتك، ونوى طلقتين أو ثلاثاً، يقَع ما نوى، وكذلك الحُكْم في الكنايات.
وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: لا يَقَع بقوله: أنْتِ طالقٌ إلا واحدة، وإن نَوَى العَدَد، وسلَّم أبو حنيفة أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ للسنة أو أنتِ الطَّلاقُ أو طَلِّقِي نفْسَك، ونوى الثلاث أنَّه يقع الثلاث، وأنَّه يَجُوز إرادة الثلاث بالكنايات، ولا يجُوز إرادة الثنتين.
واحتج الأصْحَاب بقياس ما لم يُسَلِّمه على ما سلَّمة، وبما رُوِيَ أن ركانة بْن عبْد يزيد أتَى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ ألْبَتَّة، ووالله، مَا أَرَدتُّ إِلاَّ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: واللهِ، ما أردتَّ إلا واحدةً؟ فقال: والله، ما أردتُّ إلا واحدةً؛ فردَّها عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فدَلَّ على أنه لو أراد ما زاد على واحدة، لوقع،

الجزء: 9 - الصفحة: 3

وأيضاً فإن الفِعْل والاسْم المشتقين من المصْدَر يُشْعِران به، ويدُلاَّن عليه، والمصْدَر يَصْلُح للواحد والجنْس، فكأنا محتملين للعدد، وإذا جَاء الاحْتمَال وانضمت النِّيَّة إلَيْه، وجَب أن يقَع.
ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بالنصب،، ونوى طلقتين أو ثلاثاً، ففيه وجوه: أحدها: أنه لا يقع إلاَّ واحدة؛ لأنَّ الملفوظ مناقضٌ للمنويِّ، والنية بمجرَّدها وسع اللفْظ الذي لا يحتمل لا تعمل، وهذا أصحُّ عنْد صاحب الكتاب.
والثاني: يقع ما نواه، ومعْنَى قوله: "واحدة" أنَّك تتوحدين منى بالعدد الَّذي أوقعته، ويُحْتمل أيضاً أن يُحْمل على طلْقة ملفقة من طلقتين أو ثلاثة، وحينئذٍ فيَقَع ذلك العدد، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وغيره.
والثالث: ويُحْكَى عن اختيار القفَّال: أنَّه [إن] بسط نيَّة الثلاث على جميع اللَّفْظ، لم يقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: أنتِ طالقٌ وقع الثلاث، ولُغِيَ ذكْر الواحدة بعْده، وُيبْنَى هذا الفرْق على الصحيح فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ، ولم يكن في عزْمه أن يقول: إنْ شاء الله، ثم لمَّا فرغ من اللفظ، بَدَا لَهُ أن يستثني، [فاستثنى] 227 يقع الطلاق، ولا نُعْمل الاستثناء، فإن جعلْناه عاملاً رافعاً 228 للطَّلاق، ولم ينوِ، فُرِّق بين الحالتين.
ولو قال: أردتُّ طلقة واحدةً ملفقة من أجزاء، ثلاث طلقات، وقع ثلاث طلقات، وارتفع الخلاَف، وحَكَى الإِمام -رحمه الله- وجهاً أيضاً لبعد هذا المعْنَى عن الفهم، وقصور اللفْظ عن احتماله والدلالة عليه، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةٌ بالرفع، فهذا إتباع الصفةِ الصفَةَ، وهو على ما ذَكَر في "النهاية" مبنيٌّ على ما إذا قال: أنتِ واحدةٌ بحذف الطلاق، ونوى الثلاث وفيه وجهان: أصحُّهما: وقوع ما نواه؛ حمْلاً للتوحيد على التوحيد، والتفرُّد عن الزوج بالعدد المنويِّ، ومعلوم أن المطلَّقة تارة تتوحد عن الزوْج بطلقة وأُخْرَى بأكْثَر منها.
والثاني: المَنْع؛ لأن السَّابق إلى الفَهْم من قوله: أنْتِ واحدةٌ: أنَّك طالقٌ واحدة، كما لو قال: أنْتِ الطلاق أي طالقٌ الطلاقَ، ولفظ الواحدة ينافي الثلاث ورأى الإِمام تخصيص هذا الوجه بما إذا نَوَى الثلاث عن غير [أن] يخطر له حَمْل الواحدة على الاحتمال المذكور، فإن خَطَر، فينبغي أن يُقْطَع بالوقوع.
وذكر في "التهذيب" أنه لو قال: أنتِ بائن باثنتين أو ثلاث، ونوى الطلاَقَ وقع الطلاق، ثم إنْ نوى طلقتين أو ثلاثاً، فذاك، وإن لم يَنْوِ شيئاً، وقَع الملفوظ؛ لأنَّ ما

الجزء: 9 - الصفحة: 4

أتَى به صريحٌ في العَدَد، كنايةٌ في الطلاق، فإذا نَوَى أصْل الطلاق، وقَع العَدَد المصرَّح به، وإن نوى واحدة فوجْهان: أحدهما: يقع ما تلفظ به من اثنتين أو ثلاث؛ للتصريح بالعدد.
والثاني: لا يقع إلاَّ واحدة؛ لأنه قد يُريد ثلاثَةً أثْلاَث طلقة، أو نصفي طلقة.
و [لو] أراد أن يقول لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً، فماتَتْ قبْل أن يتم قوله، "أنت طالقٌ" [لم] 229 يقع الطلاق وإن ماتَتْ بعْد تمامه، وقبْل أن يقولَ "ثلاثاً" ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ويُحْكَى عن اختيار المزنيِّ: أنه يقع الثلاث؛ لأنَّه كان قَاصِدًا للثلاث حين قال: أنتِ طالقٌ، وهذه اللفظة مع قصد الثلاث تقتضي وقُوع الثَّلاث وأيضاً فإنَّ قوله: "ثَلاثاً" معطوفا على قوله: "أنت طالقٌ مبين له، وكذلك لو قال لغَيْر المدخول بها": أنت طالقٌ ثلاثاً، يقع الثلاث، ولا يقال تبين بقوله أنتِ طالقٌ ولا يقع الثلاثُ، وقوله: أنتِ طالقٌ، وُجِدَ في حالة الحياة.
والثاني: يقَع طلقة واحدة [بقوله] 230 أنتِ طالقٌ؛ لوقوعه في حالة الحياة، ولا تقع الثلاث؛ لوقوع لفظ "الثلاث" بعد الموت، وخروجها عن محلِّية الطلاق، وهذا كما لو جُنَّ الرجُلُ بعْد قوله: "أنت طالقٌ" وقيْل قوله: "ثلاثاً" لا يقع الثلاث؛ لوقوع اللفظ بعْد خروجه عن أهلية الطلاق.
والثالث: وجْه قال أبو حنيفة: لا يقَع شَيْءٌ؛ لأن الكلام الواحِدَ لا يُفْصَل بعضه عن بعض، وقَدْ طرأ الموْت قبْل تمامه، فيلغو، ورجَّح صاحب "التهذيب" -رحمه الله- الوجْهَ الأول.
وقال إسماعيل البوشنجي: الذي تقتضيه الفَتْوى: أنْ يقال: إن نوى الثلاث بقوله: "أنت طالقٌ" وكان قصْده أن يحقق باللَّفْظ المنويَّ؛ وقع الثلاث، وإن لم يقْصِد، فلا تقع إلا واحدة، وهكذا قال أبي سعيد المتولِّي في التعبير عن الوجه الأول 231.

الجزء: 9 - الصفحة: 5

وردَّتها وإسلاَمُها إذا لم تكن مدْخولاً بها قبْل أن يقول "ثلاثاً" كموتها وكذا أخذ آخذٌ على فيه، ومنَعَه من أن يقول "ثلاثاً".
وعن أبي حنيفة، أنَّه يقع واحدة في الأخذ على الفَم، بخلاف ما قال في مَوْتها.
ولو قال: أنتِ طالقٌ على عَزْم الاقتصار عليه، فماتَتْ، فقال: ثلاثاً.
قال الإِمام: لا شَكَّ أن الثلاث لا تقع، وتقع الواحدة، ويجيء على الوجْه الَّذي يقول، فيما إذا بَدَا لَهُ أن يقولَ: "إن شاء الله" بعْد قوله: "أنَّه طالقٌ" أن الاستثناء يُعْمَل، ولا يقع الطلاق، أن يقال هاهنا: لا يقع شيْءٌ، وكما هو أحد الوجوه فيما إذا كان عَلَى عزم أن يقول "ثلاثاً" فماتت قبله، وقوله في الكتاب في المسألة الأخيرة "وقع الثلاث" وقوله: "ووَقَعت واحدة" يجوز إعلامهما بالحاء؛ لأن الحكاية عنْه كالوجه الثالث.
وقوله: "لأن الثلاث كالتَّفسير".
اختلفوا في قول القائل "أنتِ طالقٌ ثلاثاً" كيف سبيلُهُ قيل: إنَّه مفسَّر، وتفسيره وقوله "ثلاثاً" على التفسير.
وقال الإِمام -رحمه الله-: هذا جَهْل بالعربية، وباب التفسير و"التمييز" مشهور بين النُّحَاة، وليس هذا منْه، وإنَّما الثلاث نعْتُ مصْدَرٍ محذوفٍ، والمعنى: أنتِ طالقٌ طلاقاً ثلاثاً، وهو كقول القائل: "ضربتُ زيداً شديداً" أي ضرباً شديداً.
فُرُوع: لو قال: أتِ طالق ملء البيت أو البلد أو الدنيا أو السماء أو الأرض أو مثل الجبل العظيم أو أعظم من الجَبَل أو أكبر الطَّلاق أو أعظمه أو أشده أو أطْوَلَه أو أعْرَضَه أو طلقةً كبيرةً أو عظيمةً، لم يقع باللَّفْظ إلا طلقةٌ، وتكون تلك الطلقة رجعيَّةً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ كلَّ الطلاق أو أكْثَرَهُ، تقَع الثلاث، بخلاف قوله: "أكْبَرَ" ولو قال: أنتِ طالقٌ عَدد التُّراب.
قيل: يقع واحدة؛ لأنَّ التُّراب شيْءٌ، وهذا ما ذكره الإِمام.
وقال صاحب "التهذيب" عنْدي تقع الثلاث، كما لو قال: عَدَد زر التراب أو أنواعه، ولو قال: أنتِ طالقٌ وزْنَ درْهم أو درهمين أو ثلاثة أو أحد عشر درْهماً ولم ينوِ العَدَد، لا يقَع إلاَّ طلقة، ويلغو وصف الطلاق بالوزن.
= يقصد الإِيقاع بقوله: أنتِ طالقٌ، لكنه أراده بمجموع اللفظين، لم يقع شيء لأن الطلاق موقوف على آخره كما لو قال عن وثاق وإن دخلت الدار.
وقال الشيخ أبو محمد في الفروق: إذا ماتت بين قوله طالق ويين قوله ثلاثاً، فالمذهب الصحيح أنه لا يقع شيء إلا أن يقول: نويت ثلاثاً مع قولي أنتِ طالقٌ مقروناً ثم فسر العبارة بما كان في الضمير فيقع الثلاث إلى آخره ما ذكره وبالجملة، فما ذكره من أن الصواب ما قاله البوشنجي ظاهر جلي.

الجزء: 9 - الصفحة: 6

وعن أبي حنيفة، أنَّه إذا قال: نويت ثلاثة دراهمَ، يلزمه درْهمان؛ لأنَّه ليس للثلاثة سنحة في الغالب، إنما تُوزَنُ بسنحتين، وكذا لو قال: نويْتُ أحد عشر، ولو قال: يا مائة طالق أو أنت مائة طالق، نقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" أنه يقع ثلاث طلقات؛ لأنه في العُرْف، كقوله: أَنْتِ طالقٌ مائةً، وذكروا فيما لو قال: أنتِ كمائَةِ طالِقٍ وجْهَيْن 232؛ في أنه تقع طلقة واحدة أو ثلاث، ولو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً واحدةً ألْفَ مرَّة، ولم ينْوِ العدد، لا تقَع إلا طلقة؛ لأن ذكْر الواحدة يقَع؛ لخوف العدد ذكره في "التتمة".
ولو قال: "أنتِ طالقٌ إنْ لَمْ أو أنت طالقٌ إن" قال إسماعيل البوشنجي: يُنْظَرُ؛ إن قصَد به الاستثناء أو التعليق غيْر أنَّه لم يُتِمَّه، فلا أرى [أن] يقع طلاقه، وُيصَدَّق لو فسّر به للقرينة الشاهدة بصِدْقِه، وإن لم يقْصِد الاستثناء، ولا التعليق، يقع الطلاق؛ لأنَّه إن أتمَّ الاستثناء لم يعمل عمله ما لم تكن نيته مقرونة بأوَّل الكلام، فما ظنك بالكلام الأبتر قال: ويقْرُب من هذه المسألة فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً [فأطبق] على فيه قبْل أن يقول: "ثلاث".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّكْرَارِ): فإِذَا قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أنْتِ طَالِقٌ: أنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى التَّأْكِيدَ لَمْ يَقَع إِلاَّ وَاحِدَة، وَإِنْ نَوَى الثَّلاَثَ وَقَعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّأكِيدِ أَوِ التَّكْرِيرِ فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الثَانِيَةِ وَبِالثَّانِيةِ الإِيقَاعَ وَقَعَتْ ثنْتَانِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيْدَ الأُوْلَى لَمْ يَجُز لِتَخَلُّل الفَاصِلِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَقَصَدَ بِالثَّانِي تَأْكِيدَ الأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِتَخَلُّلِ الوَاوِ، وَلَوْ قَصَدَ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ لَمْ يَصِحَّ التَّأْكِيدُ أَصْلاً للتَّغَايُر، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ بَل طَالِقٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فَطَلَقَةً نَصَّ عَلَى وُقُوعِ اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لَمْ يَلْزِمْهُ إِلاَّ دِرهَمٌ وَاحِدٌ؛ لأَنَّ التِّكْرَارَ يَلِيقُ بالأَخْبَارِ دُونَ الإِنْشَاءِ، وَقِيلَ: قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ طَلقَةً بَلْ طَلْقَتَينِ وَقَعَ الثَّلاَثُ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ لَمْ يَلْزَمْ إلا دِرْهَمَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي المَدْخُولِ بِهَا، فَأمَّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِهَا فَتَبِينُ بِالأُولَى، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلقَةً مَعَ طَلقَةٍ أَوْ مَعَهَا طَلقَةٌ أَوْ تَحْتَ طَلْقَةٍ أَوْ فَوْقَ طَلقَةٍ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ بَعْدَ الدْخُولِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى

الجزء: 9 - الصفحة: 7

أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَقَعَتِ اثْنَتَانِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلقَةٌ وَقَعَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ، وَلاَ يَقَعُ شَيْءٌ عَلَى وَجْهٍ لاسْتِحَالَةِ طَلاَقِ مَوْصُوفٍ بالقَبْليَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفَصْل يشْتَمِل على صُوَرٍ من تَكْرار الطَّلاق.
منها: ما لا يَخْتَلِف حكْمُه بين أن تكُون المرأة: مَدْخولاً بها أو لَمْ تكن.
ومنها: ما يختَلِف فنذكرها، ونبين حكمهَا, ولا بأْس لو تغير نظْم الكتَاب في بعْضِها.
الصورةُ الأولَى: إذا قَالَ للمدخول بهَا: أنتِ طالقٌ، أنت طالقٌ، نُظِرَ؛ إن وقَع بينهما فصْل بأن ذكَرَهما في مجلسين، أو في مجْلِس واحد، وسكَت بينهما سكتة، فوْق سكتة التنفس ونحوه، وقعَتْ طلقتان، فلو قال أردتُّ التأكيد، وكرَّرت قولي الأوَّل، لم يُقْبل في الحُكْم، وُيدَيَّن فيما بينه بين الله تعالى، وفرَّقُوا بينه وبيْن ما إذا أقَرَّ في مجْلِس بألف ثم في مجْلس آخر بألْف، وقال: أردتُّ إعادة الأول، وليْس عليَّ إلا ألفٌ واحدٌ، حيْث يُقْبَل؛ لأن الإِقرار إخبَارٌ والمُخْبَر عنْه لا يتعدَّد بتعدُّد الخبر، والطلاقُ إيقاعٌ وإنشاء، فإذا تعدَّدت كلمة الإيقاع تعدَّد الواقع، وإن لم يقَعْ بينهما فصْلٌ نُظِرَ، إن قصَد التأكيد، قُبل، ولم يقع إلاَّ طلقةٌ واحدة؛ لأن التأكيد في الكَلاَم معْهُود في جميع اللُّغَات، والتَّكْرار أعلى درجَاتِ التأكيد، والدرجات على ما ذَكَر أهل العربية ثلاثٌ؛ تكرير اللفْظ وكثيراً، ما وقع ذلك في كلام النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-.
قال الإِمام -رحمه الله- ويبغي به شيئان: أحدهما: الاحتياط بإِيصَال الكَلاَم، إلى فَهْم السامع، إن فرض ذُهُول وغفلة.
والثاني: إيضاحُ القصْد إلى الكلام، والإِشعار بأن لسانه لم يَسْبِق إليه.
والدرجة الثانية التأكيد بلَفظ آخر، كقول القائل زيد نفْسُه.
والثالثة: التأكيد بألفاظٍ متغايرة، كقوله: رأيتُ القَوْل أجمعين أكْتَعينَ، وإذا كان التأكيد معهوداً، والتكرير أقوى درجاته، صحَّ التفسير؛ وإن قَصَد الاستئناف، وقعَتْ طلقتان، وإن أطْلَق ولم يقْصِد هذا ولا ذاك فقولان: أصحُّهما: وبه قال أبو حنيفة: ومالك -رحمهما الله-: أنَّه يُحْمَل على الاستئناف، فتَقَع طلقتان؛ لأنَّ كل واحدٍ من اللفظين مُوقِعٌ لطلقة لو انفرد، وإذا اجتمعا، اجتمع حكْمُهما.
والثاني: قاله -رضي الله عنه- في "الإِملاء" أنه لا يقع إلاَّ واحدة؛ لأن التَّأكيد مُحْتمل، فيُؤْخَذ باليقين.

الجزء: 9 - الصفحة: 8

ولو قال: أنت طالقٌ طالقٌ، فعن القاضي الحُسَيْن القطْع بأنه لا يقَع عنْد الإِطلاق إلاَّ طلقةٌ؛ بخلاف قوْلِهِ: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، وادَّعى أن مراده "كلمة أنت" يُشْعِر بالاستئناف؛ فلذلك حَكَمْنَا بوقوع طلْقتين في قوْلٍ، والجمهور على أنَّه لا فَرْق بيْن اللفظين، ولو كرَّر اللفظة ثلاثاً، وأراد بالأخريين تأكيد المرة الأولى، لم تَقَع إلاَّ واحدة 233، وإن أراد الاسْتِئْنَاف فتقع ثلاثُ طلقات، وإن أطلق، فعلى القَوْلَين؛ الأصح وقوع الثلاث.
ولو قال قصدتُّ بالثانية الاستئنافَ، وبالثالثة تأكيد الثانية، وقعَتْ طلقتان، وكذا لو قَصَد بالثانية التأكيدَ، وبالثالثة الاستئناف، وإن قَصَد بالثالثة تأْكِيدَ الأولى، فوجهان: أصحُّهما: أنَّه لا يُقْبَل، وتقع الثلاث؛ لتخَلُّل الفاصل، وهذا هو المذْكُور في الكتاب.
والثاني: يُقْبل ولا تقع إلاَّ طلقتان، والفاضل اليسير لا يقْدَح، وإن قصد بالثَّانية الاسئتناف، ولم يقصد بالثَّالثة شيئاً، أو بالثالثة الاستئْنَاف، ولم يقْصِد بالثانية شيئاً، جَرَى القولان في الطَّلقة المطلقة.
وفي "المجرَّد" للحناطي: أن قوله: أنْتِ مطلَّقة، أنتِ مسرَّحة، أنت مفارقَةٌ، كقوله: أنتِ طالقٌ أنت طالقٌ أنت طالقٌ، وحَكى فيه وجهاً آخر أن كُلَّ لفظةٍ طلقةٌ مستأنفة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، وطالقٌ، وقال قصدتُّ بالثاني تأكيد الأول، لم يُقْبَل في الظاهر لاخْتِصَاصِ الثاني بالواو المقتضية للعَطْف، ومُوجِب العَطْف التغاير، وأيضاً فعادة التأكيد بالتكرار رعاية المساواة بين اللفظين، ويجوز أن يقصد بالثالث تأكيد الثَّاني؛ لتساويهما، ويجوزُ أن يقْصِد به الاستئناف، وإن أطْلق، فعَلَى القولَيْن السابقين.
ولو قال: قصدتُّ بالثالث تأكيد الأول، لم يُقْبَل، كما لا يُقْبَل تأكيد الأول بالثاني، "بل" أولَى لتخلل الفاصل.
ولو قال: أنتِ طالقٌ، وأنتِ طالقٌ، فهو كقوله: أنتِ طالقٌ وطالقٌ؛ لزيادة الواو، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ بل طالقٌ أو قال: أنتِ طالقٌ ثم طالقٌ، ولو قال: أنت طالقٌ فطالق فطالقٌ أو قال: أنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ أو قال: أنتِ طالقٌ بل طالقٌ بل طالقٌ فالحُكْم كما لو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، لا يجوز أن يكون الثاني تأكيداً للأول، ويجُوز أن يكُونَ الثالث تأكيداً الثاني؛ لتساوي اللَّفْظين، ولو قال: أنت طالقٌ وطالقٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 9

فطالقٌ، أو طالقٌ ثم طالقٌ [بل طالق]، [أو أنت طالق فطالق ثم طالق] فلا مَجَال للتأكيد؛ لاختلاف الألْفَاظ.
ولو قال قبل الدخول: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالق أو أنت طالق وطالق وطالق أو أنت طالقٌ أنت طالق أنت طالق أو قال: أنتِ طالقٌ بل طالقٌ وطالقٌ، لا يقع إلا طلْقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّها تبين بالطلقة الواحدة، فلا يلْحَقُها ما بعدها، وعن صاحب "الإفصاح" حكايته وجه وابن أبي هريرة رواية قول قديم؛ أنه كما لو قَال ذلك للمدْخُول بهَا؛ لأن الكلام الواحد لا يفصل بعضه عن بعض؛ فأشبه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، لكن قوله ثلاثاً منعْطَف على الأول وبيانٌ له بخلاف هذه الألْفَاظ، وعنْد أحمد: إِذا أدخل الواو، فقال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ وطالقٌ، وقَع الثلاث، وإن لم يُدْخِل الواو لم يقع إلا واحدة، ولو قال للمدخول بها: إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، أو قال أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ إن دخلتِ الدار، وقَعَتْ ثلاثُ طلقات عنْد الدخول، وفي غير المدخول بها إنْ قَدَّمِ الشرط، فقال: إن دخلْتِ الدار فأنْتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، فوجهان: أحدهما: وبه قال: أبو حنيفة: لا تقع إلا واحدةٌ، كما لو قال في التنجيز: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، وطالقٌ، لا تقع إلا واحدةٌ، وأقرَّ بهما أنَّه تقع الثلاث؛ لأنَّها 234 جميعاً متعلقة بالدخول، واقعة عنْده بلا تقدُّم ولا تأخُّر وفي "التتمة" أنَّه يمْكِن بناء الوجهين على خلافٍ ذُكِر، في أن الواو للجَمْع أو الترتيب، وإن قدَّم الجزاء فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، إنْ دخلْتِ الدارَ، فطريقان: أحدهما: أنَّه على الوجهَيْن المذكورين.
والثاني: وهو الَّذي أورده في "التهذيب" القطْع بوقوع الثلاث؛ لأنها 235 جميعاً تعلَّقت بالدخول، وفيما إذا تقدم الشرط، أمْكَنَ أن يقال: إن المعلَّق بالدُّخْول الطلْقة الأولى وحدها، والأخريان معطُوفان أو مترتَّبان علَيْها, ولو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالقٌ، فإن قصَد التأكيد، لم يَقَعْ بالمدخول بها إلا طلقة، وإن قصَد الاستئناف، وقَع الثلاث، وإن أطْلَق، ففي "التتمة" أنَّه يُحْمَل على التأْكيد، إذا لم يَقَعْ فصْلٌ أو وقع، ولكن اتَّحَد المجْلس، وإن اختلف، فيُحْمَل على التأكيد، أو الاستئناف، وجهان، وإذا حمل على التأكيد فيقع عند الدخول طلقة أم يتعدد فيه وجهان 236، بناءً على ما حنث بِفِعْل واحد في يمينين تلزمه كفارة

الجزء: 9 - الصفحة: 10

واحدة وكفاراتان، ولم يفْصِل صاحب "التهذيب" هذا الفَصْل، ولكن قال: إذا أطلقَ، فقولان؛ بناءً على ما لَوْ حنث بفعْل واحد في أيمان تلزمه كفَّارة أو كفارات، ولو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنْتِ طالقٌ طلقةً وإن دخلْتِ الدار فأنْت طالقٌ، طلقتين، قال ابن الحدَّاد والأصحاب: طُلِّقت بالدخول ثلاثاً، سواءٌ كانَتْ مدخولاً بها أَو لم تكن؛ لأن الكُلَّ يقع دفعةً واحدة.
قال صاحب "التهذيب" وكذلك في الصور المتقدِّمة لا فرْق بيْن المدخول بها وغيرها؛ لأنَّ على تقدير التعدد، يقَع الكُلُّ في حال الدخُول، ولو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنْتِ طالقٌ ثم طالقٌ، لم يقَع بالدخول في غيْر المدخول بها إلا طلقة؛ لأنَّ ثُمَّ للتراخي.
قال المتولِّي: وكذا لو أخَّر الشرط، فقال: أنتِ طالقٌ ثم طالقٌ إنْ دخلْتِ الدَّارَ، وعنْد أبي حنيفة تقع في الحَال طلْقةٌ ولا يتصل باقي الكَلام به؛ لأنَّ "ثُمَّ" للتراخي.
وقوله في الكتاب "فيحمل على التأكيد أو على التكرار" أراد بالتكرار التجديد، والاستئناف، وقد تَجِدُ في كلام الأصحاب التَّكرار بمعنى التأكيد، وهو تفاوُتٌ يرْجِع إلى الاستعمال والاصْطلاح، واعلم أن هذَيْن القولين في صُورة الإطْلاق مذكوران في كتاب "الإِقرار"، وكان الغَرَض من ذكْر المسألة هناك أن ترتيبه عليها ما إذا قال: عليَّ درْهمٌ ودرهمٌ ودرهمٌ، فأعادها هنا؛ لِحَقِّ الباب، "وإن قصَد بالثالثة تأكيد الأولى، لم يجُزْ" معلم بالواو؛ للوجه المذْكُور مِنْ قَبْل.
وقوله: "وكذلك لو قَال: أنْتِ طالقٌ وطالقٌ بل طالِقٌ" يجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأنَّ أصْحابَنا العراقيِّين حَكَوا عن نصِّه في "الإِملاء" أنه لو قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ لا بل طالقٌ وقال: شكَكْتُ في الطلقة: الثانية، فاستدركت بقولي لا بل طالق، لأحقق إيقاع الثانية قُبل ولم تقع إلاَّ طلقتان، وحكاه الإِمام عن رواية صاحب "التقريب"، ونقل أنَّه قال: جَعَل الأصْحاب المسألة على قولَيْن: أحدهما: هذا، وهو بعيدٌ والثاني: وهو القياس، وظاهر نصه في المختصر وقُوعُ الثلاث، كما لو تغايَرَتِ الألفاظ من وجْه آخر، ثمَّ حَكَى عنه طريقَيْن في صورة الكتاب، وهي أن يقول: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ بل طالقٌ من غير كلمة لا أحدهما أنه على القولَيْن.
والثاني: القطع بوقوع، الثلاث.
قال الإِمام والمذْهَبُ وقُوعِ الثلاث، والذي يمكن توجيه النَّص المنقول به أن كلمة "بل" موضوعةٌ لاستدراك ما مَضَى، وذلك يقتضي المضادَّة والمخالفة، حتَّى يوجب النفي إن كان صدْرُ الكلام إثباتاً أو الإِثباتَ إنْ كان صدْرُ الكلام نفياً، والأمْر في قوله:

الجزء: 9 - الصفحة: 11

"أنْتِ طَالِقٌ بل طالق" ليس كذَلك، فلَّما لم تكُنْ على وضْعها وحقيقتها، ضُعِّفت، وصارت كالساقطة المطْرَحة، بخلاف سائر الألْفَاظ المتغايرة، فحَصَل في صورة الكتاب قول أو وجه أنَّه لا يقع إلاَّ طلقتَانِ، وأن الثالثة: تَصْلُح لتأكيد الثانية، وفي قوله بعْد هذه المسائل، "ولو قال قبْل الدُّخُول: أنْتِ طالقٌ، وطالقٌ وقَعَتْ واحدةٌ" معلم بالواو والألف؛ لِمَا حكَيْنا لما رَوَياه أبو عليّ بن أبي هريرة والطبري ومن مذهب أحمد -رحمه الله- إِلاَّ أنَّا صوَّرنا فيما إذا كرَّر اللفظ ثلاثاً وصوَّر في الكتاب فيما إذا كرَّر مرتين.
الصورة الثانية: لوْ قال: أنتِ طالقٌ طلقةً فطلقةً؛ أو قال: أنْتِ طالقٌ فطالقٌ، فظاهر المَذْهَب أنَّه تقع طلقتان، وإن لم يُرد العَطْف وفي قوله علَيَّ درْهمٌ فدرهم الظَّاهر أنَّه لا يلزمه إلاَّ درْهَم واحدٌ، وفرقوا بأن التَّكْرار للتأكيد يَلِيق بالإِخبار، أما الإِنشاء فهُو بَعِيد عنْه؛ لإمكان تنزيله على الاستئناف، والصورتان بتمامهما مذكورتان في "باب الإِقرار"؛ لأنَّه ذكرهما في الكتَابِ هُنَاك، إِلاَّ أن التصوير ثَمَّ فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ، وهاهنا فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقةً فطلقةً، فالحكم فيهما واحدٌ، وهناك ذكْر التخريج من الطَّلاَق في الإقرار وسكت عن التخريج من الإِقرار في الطلاق، وهاهنا أشَار إلى الطَّرفَيْن فقال: وقيَل: قولان بالنقل والتخريج فيهما.
ولو قال: أنت طالقٌ طلقةً بل طلقتَيْن، وقَع الثَّلاث.
ولو قال: عليَّ درْهمٌ بل درهمان، لم يَلْزَمْه إلاَّ درهمان، وفرقوا بأن الاستدراك قريبٌ في الإخبار، بَعِيد عن الإِنشاء، وبأنَّ التعدُّد في الطَّلاق أسْرَع منْه في الإِقرار؛ ألا ترى أنَّه لو تَلفظ بكَلِمَة الطلاق، ثم أعادها في مجْلِس آخَر، أو في ذلك المجْلِس بعْد حصُول الفَصْل، يتعدد 237 الطَّلاق، ولو أعاد الإقرار لم يتعدَّد المُقَرُّ به وصورة الإِقرار مذكورة في الكتاب في باب [الإِقرار] أيضاً بيَّنَّا هُنَاك أن الأصْحَاب لم يتصرفوا في الصورتين بالتخريج كَمَا فَعَلُوا في سائر الصُّور.
وقال: الإِمام -رحمه الله-تعالى في قوله: طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ نَظَرٌ، فإنه قد يبغي بذلك ضمُّ طلقة إلى طلقة قد أوقعها، فيَكُون الأول مُعَاداً في الثاني، كما في صورة الإِقرار، وهذه الصُّور في المدخول بها، أمَّا غير المدخول بها فتبين بقوله: أنت طالقٌ طلقة، فلا يؤثر قوله بعْد ذلك "فطلقة" وكذا في سائر الصور.
الثالثة: إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقة مع طلقة، أو طلقة معها طلقة، وقَعَت طلقتان، وكيف التقدير، أيقعان معاً أم على الترتيب؛ فيه وجهان:

الجزء: 9 - الصفحة: 12

أَظهرهُما: يقعان معاً؛ لأن المعية تقتضي الضم والمقارنة فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين، وعلى هذا فوقت وقوعهما تمام الكلام.
والثاني: يقعان على الترتيب، لترتيب اللفظين ويبنى على الوجْهَيْن فيما إذا قال ذلك لغير المدخول بها، فإنْ قلْنا بالأول، وقَعَ عليها طلقتان أيْضاً، وإن قُلْنا بالثاني، فلا يقع إلاَّ واحدة، كما لو قال أنت طالقٌ طلقةً: فطلقةً، ويُحْكَى، هذا عن المُزَنِيِّ في "المنثور".
ولو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةٌ تحت طلقة، أو تحتها طلقة، أو فوق طلقة، أو فوقها طلقة، فالَّذي ذكره الإِمام وصاحب الكتاب أن هذه الصِّلاَت تقْتَضي الجمع كالمعية، والجواب فيها كالجواب في "مع" وفي "التتمة" ما يقتضي الجزم بأنَّه لا يقع في غيْر المدخول بها إلاَّ طلقة؛ لأن وصْف الطَّلاق بالفوقية والتحتية مُحَال، فيلغو اللفظان، ويصير كما لو قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ أو أنتِ طالقٌ طلقة طلقة، وفي المدخول بها وجْه آخر أنَّه لا يَقَع إلاَّ طلقة، كما لا يلزم به في الإِقْرار إلاَّ درْهَم، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج، والحناطي.
ولو قال: لزوجته المَدْخُول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبْل طلقة، أو طلقةً بعدها طلقةٌ، فمضمون هذَيْن اللفظيْن إيقاع طلقة، وتعقيبها بأُخْرى، فيَقَعَان كذلك، ولو كانَتْ غير مدخول بها وقَعَت واحدةً، وحَصَلَت البينونة.
ولو قال، وهي مدخولٌ بها: أنْتِ طالقٌ طلقةً بعْد طلقة، أو قبلها طلقةٌ، فمضمون اللفظين إيقاعُ طلقة تسبقها طلقة، فيقَعَ عليها طلقتان متعاقبتان، وهذا هو الصَّحيح المشهور، وفي كتاب القاضي ابن كج -رحمه الله-: أنَّه لا يقَع إلا طَلْقة؛ لجواز أن يكُون المَعْنَى قبلها طلقْة مملوكةٌ أو ثابتة قال: وهذا عند الإِطلاق، ولو قال: أردتُّ ذلك، صدق بيمينه لا محالة، وإذا قلْنا بالصحيح، ففي كيفية تعاقبهما وجهان: أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه تقع أولاً الطلقة المنجزة الَّتي بَدَأ بها في اللفظ، ثم تعقبها الطلقة المضمّنة، ويلغو قوله: "قبلها" كما لو قال أنْتِ طالقٌ أمْسِ، يقع في الحال، ويلغو قوله: "أمس".
والثاني: أنَّه تقَع أولاً الطلقة المضمّنة بقوله "طلقة وقبلها طلقة" ويتلوها الطلقة المنجّزة؛ لأن المعنى يَقْتَضِي ذلك، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي الطيِّب -رحمه الله- وهو أرْجَع عنْد "صاحب الشامل"، وغيره، وليس المراد أن المضمّنة تتقدَّم على تمام اللَّفْظ بل يقعان بعد تمام اللفظ لكن تقع المضمنة أولاً، وتقع المنجَّزة في لحظ عقبها، ولو خاطب بإحدى اللفظين التي لم يَدْخُل بها، فإن قلْنا: تَقَع المنجّزة أولاً، ثم تَقَع أخرى، فهاهنا تَقَع واحدة، ولا يعقبها شيء، وإن قلنا: تقع المضمّنة أولاً فتقع واحدة أو لا يقع شيْء؟ فيه وجهان بناهما القاضي الحُسَيْن على الخلاف في مسألة دَوْر

الجزء: 9 - الصفحة: 13

الطَّلاق، إِن صَحَّحْنا الدَّوْر لم تقع هاهنا؛ لأن شَرْط وقوع واحدة وقوعُ أُخْرَى قبلها، ولو وقَعَت واحدة قبلها [لم تقع] إن أبطلْنا الدَّوْر أوقعْنا طلقة بقوله: "أنْتِ طالقٌ طلقة" وألغينا قوله "قبلها طلقة" ولم يرتض الإِمام -رحمه الله- هذا البناء، وقال: المعنى المانِعُ من الوقوع هاهنا أنَّه أوقَع طلْقَةً مسبوقة بطلْقَةٍ, ولا يُتَصَوَّر في غيْر المدخول بها وقوع طلقة مسبوقة بطلقة وإذا لم تقع طلقة مسبوقة بطلقة وجب ألاَّ يقع شيْء، إلاَّ إذا كان الواقع غيرها أوقعه، وهذا المعنى لا يختلف بيْن أن نصحِّح الدَّوْر، أو لا نصحِّحه، فليس الوجهان مبنين عَلَى تَصْحِيح الدور وإبطاله، ولكن وجْه المنع ما بيَّنَّا، ووجْه وقوع واحدة أن مقْصُوده توْزِيع الطلْقَتَين على زمانين لا أن تصير طلقةً وصفا لطلقة ولذلك يُحْكَم بوقوع طلقة فيما إذا قال لها: أنتِ طالقٌ طلقةً: قبْل طلقة، أو بعدها طلقة، ولا نقول: لا يقع شيْء؛ لأنَّه وصَف الطلقة المُوقَعَة باستعقاب أخرى، فإذا لم يَقَع أخرى، ولم يحصل الوصْف، وربما فرق بين الطرفين بأنه قال: أوَّل وَلَد تلدينه، فهُوَ حُرٌّ، فولدت ولداً، يُعْتَق، وإن لم تَلِدْ بعده، ولو قال: الثاني من أولادِكِ حُرٌّ، لم يكن بُد من أوَّل، وكيف ما قدر البناء والتوجيه؟! فالأصح عَلَى ما ذكَره الشيخ أبو عليٍّ وغيره أنه تقع طلقة، ووجَّهه بعْضهم بأن قوله: "أنتِ طالقٌ" إيقاع طلقة، فلا يرتفع بقوله: "قبلها طلقة"، وحكى الشيخ أبو عليٍّ.
رحمه الله.
وجْهاً آخر: أنَّه تقع طلْقَتَان، ويلغو قوله: "قبلها" ويصير كأنه قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، ولو قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقة، وبعدها طلقة، طُلِّقَت ثلاثاً.
ولو قال: طلقة قبلها وبعدها طلقة فكذلك؛ لأن الطلقة الواحِدَة تَتَوزَّع على ما قبلها وبعدها، فيُكَمِّل النقصان، وفي "شرح الشيخ أبي عليٍّ".
-رحمه الله- وجْه آخر: يقع طلقتان: إحداهما: المنجزة.
وأخرى: تقع بعدها ويلغو قوله: "قَبْلها" والظاهر الأوَّل.
ولو خاطَب غيْر المدخول بها بإحدى هاتَيْن اللفظتين، خرج ممَّا سَبَق وجْهان في أَنها تُطلَّق واحدة ولا تُطلَّق شيئاً، ومهما قال أردتُّ بقولي: "بعدها طلقة" أي سأطلقها طلقة من بعد، لم يُقْبَل في الظاهر ويُدَيَّن.
ولو قال: أردتُّ بقولي قبلها طلقة أن زوجاً آخر طلَّقها، أو طلقتها في نكاح آخر، فَعَلَى ما سيأتي فيما إذا قال: أنْت طالقٌ في الشَّهْر الماضي وفسر به.
وقوله في الكتاب "أنت طالقٌ طلقة قبل طلقة، أو قبلها طلقةٌ، وقَعَتْ اثْنِتَانِ بَعْد الدخول، وقَبْلَ الدخول، تَقَع واحدة على وجْه؛ ولا يقع شيْءٌ على وجْه" ظاهرٌ في جريان القولَيْن في قوله: "طلقة قبل طلقة" وقوله: "قبلها طلقة" لكن الوجهَيْن فيما إذا قال: "طلقة قبلها طلقة" أمَّا في قوله "طلقة قبل طلقة" يقع واحدة وجهاً واحداً؛ على ما تبيَّن في الشرح، فليضم في لفظ الكتاب ما نحتاج إِليه، ثم ليعلَّم قوله: "تقع واحدة"

الجزء: 9 - الصفحة: 14

وقوله: "لم يقع شيْء" كلاهما بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة إذ قال لغَيْر المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها [طلقة] أو طلقةً بعد طلقةٍ تقع طلقتان؛ لأنه أوقع واحدة وأقر بأخرى من قبل.
فُرُوعٌ: إذا قال لامرأته المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلها طلقة، أو طلقةً بعدها طلقة تَقَع طلقتان على الترتيب.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً، فالظاهر أنَّه تقع الثلاث عنْد فراغه من قوله ثلاثاً، وفيه وجْه أنَّه تبين بالفراغ من وقوع الثلاث بقوله: "أنتِ طالقٌ".
قال الإِمام: وهذا الخلاف مأخوذٌ من الخلاف فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ، وماتَتْ قبْل أن يقولَ: ثلاثاً، إن قلنا هُنَاك: لا يقع شيْء، فهاهنا تقع الثلاث بالفراغ من قوله: "ثلاثاً، وإن قلْنا هناك: يقع الثلاث 238، فتبين وقوع الثلاث بقوله: "أنت طالق" قال: وقياس من قال: إنَّه يقع طلقة [إذا أراد بقوله أنت طالق ثلاثاً فماتت قبل قوله: ثلاثاً] بقوله: "هي طالقٌ" أن تقع طلقةً بقوله: [أنت] طالق"، هاهنا، ويتم الثَّلاث بقوله: "ثلاثاً" لكنه ضعيفٌ؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، تقع الثلاث، وذلك يدُلُّ على أنَّها لا تَقَع مرتبة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ خمساً أو إحدى عشرة وقع الثلاثة مدخولاً بها أو لم تَكُنْ.
ولو قال: واحدة ومائة وهي غير مدخول بها لم يقع إلا واحدة.
ولو قال إحدى وعشرين، فيقع الثلاث كما لو قال: إحْدى عشرة، أو لا تقع إلا واحدة، كقوله واحدة ومائة فيه وجهان 239: بالأول قال: أبو حنيفة.
ولو قال: واحدة ونصفاً، لم تَقَع إلاَّ واحدة، ولغا النصف كما لو قال: واحدة وواحدة.
ولو قال: اثنتين إلاَّ نصفاً فلا فَرْق بيْن المدخول بها وغيرها، وفيه وجْهَان مذكوران في "باب الاستثناء".
ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بل ثنتين 240 أو ثلاثاً، فإن كانَتْ مدخولاً بها، وقع الثلاث، وأمَّا في غيْر المدخول بها، فلا تقع إلاَّ طلقة، وتبين بها، فيَلْغو قوله: "ثنتين أو

الجزء: 9 - الصفحة: 15

ثلاثاً".
ولو قال: أنتِ طالقٌ اثنتين بل واحدةً، فإن كانت مدخولاً بها وقع الثلاث، وإلاَّ لمَ تقع إلا اثنتان.
ولوْ قَال أنتِ طالقٌ واحدةً بل ثلاثاً إن دخَلْتِ الدار، فوجهان: قال ابن الحدَّاد، وهو الأصح، تقع واحدة بقوله: "أنت طَالِق" ويتعلق بدخول الدار، ورد الشرط إلى ما يليه خاصَّة، وهو قوله: "بل ثلاثاً" وقال غيره يتعلَّق الثلاث بالدخول، فيرجع الشرط إليهما جميعاً إلاَّ أن يقُول: أردتُّ تخصيص الشرط بقولي "ثلاثاً" وإن كانت امرأة غير مدخول بها، فعَلَى الوجه الأول تبين بالواحدة الواقعة في الحال؛ فإن نَكَحَها بعْد ذلك، ودخَلَت الدار، فقَدْ قيل: إنَّه على قولَيْ عَوْدِ الحَنِث، والصحيح أنَّه لا يقع الطلاق بحال، ولا يُخَرَّج على القولين؛ لأنها إذا باتت، كان التعليق بالدخول واقعاً في حال البينونة فيلغو، وعلى الوجْه الثاني يتعلَّق الطلقات الثلاث بالدُّخُول، فإذا دَخَلَتْ، فعلى الوجهين السابقين، فيما إذا قال لغَيْر المدخول بها: إنْ دخَلْتِ الدار، فأنْتِ طالقٌ وطالقٌ، فعلى أحد الوجهين لا يَقَع إلا واحدة، وعلى الأظْهَر: يقع الثلاث؛ لتعلُّقها جميعاً بالدُّخُول.
ولو قال لغير المدخول "بها: أنْتِ طالقٌ اثنتين بل ثلاثاً إن دخلْتِ الدار، فعلى قول ابْن الحَدَّاد يقع الطلقتان في الحال، ولا يصح تعليق الثالثة بالدخول؛ لحصول البينونة، وعلى الثاني تتعلق الثلاث بالدخول فإذا دخلَتْ، ففي وجْه تقع اثنتان، وفي الوجه الأَظهر: يَقع الثلاث.
ولو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً قبلها كل تطليقة، أو بعدها كل تطليقة، قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: قياس المَذْهَب أن يقال: إن كانَتْ مدخولاً بها تَقَع الثَّلاث مع ترتب بيْن الواحدة وباقي الثلاث ويجيء في كيفية الترتيب وفي قوله: "تطليقة قبلها كل تطليقة" وجهان: أحدهما: أنَّه يقع الواحدة المُوقَعَة في الحال، ويتبين وقوع الزيادة قبْلَها، وهو أشبه بظاهر اللفظ.
والثاني: أنَّه يتنجز ما بأجله قبل الواحدة، ثم تعقبه الواحدة، ولو لم يَكُنْ مدخولاً بها، إن قلْنا: تقع الواحدة ثم الزِّيَادة لم تَقَع إلا واحدة، وإن قلْنا بوقوع ما قبل الواحدة أولاً، وقَعَت الصورة في الدَّوْر (والله أعلم).
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الطَّلاَقِ بِالحِسَابِ): وَهُوَ ثَلاَثةُ أَقْسَامِ: (الأوَّلُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً في اثْنَتَيْنِ وَأَرَادَ الحِسَابَ كَانَ كَمَا نَوَى، وَإِنْ أَرَادَ الظَّرْفَ قُبِلَ وَلَمْ يَقَع مَا جَعَلَه ظَرْفاً، وَإِنْ أَرَادَ الجَمْعَ وَقَعَ وَكَانَ في مَعْنَى مَعَ، وَإِنْ أَطلَقَ وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يَفْهَمُ الحِسَابَ حُمِلَ عَلَى الظَّرْفِ، وَإنْ كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ الحِسَابَ وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ الآنَ

الجزء: 9 - الصفحة: 16

فَيُحْمَلُ عَلَى الظَّرْفِ أَوِ الحِسَابِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَالجَاهِلُ بِالحِسَاب إِذَا قَالَ: أَرَدتُّ مَا يُريدُهُ الحُسَّابُ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: طَلَّقْتُ مِثْلَ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ وَهُوَ لاَ يَدْرِي عَدَدَهُ لَمْ تؤَثِّرُ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَعَذُّرِ إِرَادَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول في الطلاق بالحساب ترْجَمَه الفَصْل: الطلاق بالحِسَاب وجعله على ثلاثة أقسام: أحدُها: في الألفاظ المسْتَعْمَل مثلُها في حِسَاب الضَّرْب.
والثاني: في تجزئة الطَّلاق وألفاظها.
والثالث: فيما إذا أشْرك بين نسوة في طلقة أو طلقات، وبيان ما يقتضيه التوزيع.
أمَّا الأول: فإذا قال: أنْتِ طالقٌ طلْقةً في طلقة، أو واحِدَةً في واحدةٍ، سُئِلَ عمّا أراد، فإن قال: أردتُّ طلقةً مع طَلْقَة قُبِلَ، ووقعَتْ طلقتان، وقد تُستَعْمل "في" بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38] أي مع أمم وإن قال: أردتُّ الظَّرْف، أو الحساب، أو لم أُرِدْ شيئاً لم يقَعْ إلاَّ طلقةً، هي قضيَّة الظرف والحساب.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً في طلقتين، أو واحدةً في اثنتين، وأراد مع اثنتين، وقَع الثَّلاث، وإن أراد الحساب، إن كان عالماً بمُوجِبِ اللَّفْظ في اصْطِلاحَ الحساب، وقَعَت طلقتان، وإن كان جاهلاً، وقال أردتُّ ما يريده الحُسَّاب، فوجهان، عن أبي بكر الصيرفي -رحمه الله- أنَّه "تقع طلقتان؛ أنه أراد ما يريدونه".
وقال أكثرهم: لا يقع إلاَّ طلقة؛ لأن ما لم يُعْلَم لا يصح إرادته، فإذا لم يَكُنْ عارفاً بما يريدونه [لم يكن قاصداً] للعدد، والوجهان كالوجهين فيما إذا أتى العجمي بلفظة الطلاق، وقال: أردتُّ بها ما يريده العربيُّ، وهو لا يَعْرِفُ معْناها، وأُجْري الخلاف فيما إذا قال: طلَّقْتُ امرأَتِي مثْلَ ما طلَّق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد وكذا يكُون الحُكْم لو نوى عدَدَ طلاقِ زَيْد، ولم يتلفَّظ، وإن أطْلَق، ولم ينوِ شيئاً، فإن لم يكُنْ ممَّن يعرف الحساب، لم تقَعْ إلا طلقة وإن كان ممَّن يعرف الحساب فقولان: أحدهما: أنَّه يحتمل على الحساب، وتقع طلقتان؛ لأنَّه الاستعمال المشْهُور في الأعْدَاد، والرَّجُل عارف به، وأظهرهما: أنَّه لا تقع إلا واحدة؛ لأن الأصْل الظَّرْف، والاستعمال واقعٌ فيه، وإذا اخْتَلَف الإطلاق، أخذ باليقين وهو طلقةٌ، وربَّما شبه القولان بالقولين فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، ومنْهم من لا يُطْلِق لفْظ القولين في المسألة وينسب التوحيد إلى النص، والتعديد إلى أبي إسحاق؛ وعن الشيخ أبي محمد وغيره رواية قولٍ ثَالِث: أنَّه يقع الثلاث؛ لتلفظه بها، ويجيء هذا القول فيمَنْ لا يعرف الحِسَاب، ولم ينوِ شيئاً، ويعلَّم قوله في الكتاب "وإنْ أرَادَ الحِسَابَ كَانَ كَمَا نَوَى" بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة -رحمه الله- لا يقع إلا طلقة، سواءٌ عَرَف الحساب أو

الجزء: 9 - الصفحة: 17

لم يَعْرِف، أراده أو لم يُرده، وقوله فيمَا إذَا "أَطْلَقَ وَهُوَ مِمَّنْ لاَ يَفْهَمُ الحِسَابَ حُمِلَ عَلَى الظَّرْفِ" بالواو؛ للقول المروي: أنَّه يقع الثلاث، ووقوع الثلاث ينفي الحمل على الظرف، وقوله: "فِي إطلاَقِ مَنْ يَفْهَمُ الحِسَابَ "قَوْلاَنِ" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن في "أمالي أبي الفرج" طريقة قاطعةٌ بأنَّه لا تقع إلا طلقة، كما يقتضيه مَعْنَى الظرف، ولو قال: أنْتِ طالقٌ واحدةً في ثلاث، فإن قَصَد معنى الحساب، وقَعَ الثَّلاث، إن كان عالماً به، وإلا فَعَلَى الوجهين، وإن لم يَقْصِد شيئاً، فعلى التفصيل والخلاف المذكورين، ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثنتين في اثنتين اثنين، فإن قصد الحِسَاب، وقَع الثلاث، وإن لم يقْصِد شيئاً فيقع طلقتان أو ثلاث، فيه الخِلاَف السَّابِق.
ولو قال أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقة في نصف طلقة، وقعت طلقة، وسواءٌ أراد الظَّرْف أو الحِسَاب أو المعية أو لم يقْصد شيئاً، ولو قال: واحدةٌ في نصْف، فكذلك إلا أن يريد المعيَّة فيقع طلقتان ولو قال واحدة وربعاً أو نصفاً في واحدة وربع وقع طلقتان إلا أن يريد المعية فتقع الثلاث.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ من واحدة إلى ثلاث فهل يقع الثلاث أم ثنتان أو واحدة، ويَدْخُل الطَّرْفان أو اثنتان، ويدخل الأول دون الثاني، أو واحدة ولا يدخل واحد من الطرفَيْن فيه ثلاثة أوجه، أمَّا بيَّنَّا في "الإِقْرار"، والأصَحُّ عند صاحب "التهذيب" -رحمه الله- الأَوّل.
ولو قال: ما بَيْن الواحدة والثلاث وقَعَت طلقة على الظاهر، ويجيْء فيه اختلاف سَبَق في نظيره من الإِقْرَار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّاني فِي التَّجْزِئَةِ): فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ رُبْعَ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَمُلَ، وَلَوْ قَالَ: ثَلاَثةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ أَرْبعَةَ أَثْلاَثِ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ، وَتَقَعُ ثِنْتَانِ عَلَى وَجْهٍ لِزِيَادَةِ الأَجْزَاءِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثِنْتَان، وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ وَرُبُعُ وَسُدُسُ طَلقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: ثُلُثُ طَلْقَةٍ وَرُبُعُ طَلْقَةٍ وَسُدُسُ طَلْقَةٍ فَهِيَ أَيْضاً طَلْقَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ ثَلاَثُ طَلَقَاتٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: كما أن محَلَّ الطلاق لا يبعَّض، ويكون ذكْر بعضه كذِكْر كلِّه في وقوع الطَّلاَق، كما إذا قال: بَعْضُك طالقٌ، فنفس الطَّلاَق لا يتَبَعِّض ويَكُون ذكْر بعْضِه كذكْر كلِّه؛ لقوته وغَلَبَتِه، سواءٌ أَبْهَمَ بأن قال: أنْتِ طالقٌ بعْض طلْقَةٍ أو جزءاً أو سهماً من طلقةٍ، أو 241 أعلم بأن قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقة، أو رُبُع طلقة، وذَكَر الإِمام -

الجزء: 9 - الصفحة: 18

رحمه الله- أن وُقُوع الطلاق علَى سبيل التعبير بالبعض عن الكل، ولا يُتَخَيَّل هاهنا السراية المذكورة فيما إذا قال: بعضُكِ طالقٌ، لكن لا يَظْهَر بينهما فرق محقَّق، وفي كلام الشيخِ أبي حامد وغيْره أنَّه يجوز أن يكون ذلك بطريق السراية، ويجوز أن يلغى قوله: نصْف طَلْقة، ويعمل قوله: أنْتِ طالقٌ، ثم فيه صور: إحداهما: لو زاد في الأجزاء، فقال: أنْتِ طالقٌ ثلاثَة أنْصَاف طلقة، أو أربعة أثلاث طلقة، ففيه وجْهَان: أحدهما: أنَّه لا يقَعُ إلا طلقةً؛ لأن الأجزاء المذكورة مضَافَةٌ إلى طلقة، والواحد لا يشتمل على تلْك الأجزاء فتلغو الزيادة، وَيصِير كأنَّه أنْتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة، أو ثلاثة أنصاف طلقة، ويلغو الآخر [والأظهر وقوع طلقتين] ويصير كما لو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً ونصْفَ طلقةٍ أو طلقةً وثلث طلقة، وعلى هذَا القياس قولُه: خمْسَة أرباع طلقة أو نصف وثلثي طلقة 242. وحكى الحناطي وجْهاً ثالثاً: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصْف من طلقة، ولو قال: لفلان عَلَيَّ ثلاثة أنصاف درهْمٍ، فعلى الوجْه الأول: لا يلزمه إلا درْهَمٌ، وعلى [الثاني] يلزمه دِرْهَمٌ ونصف.
الثانية: إذا قال: أنْتِ طالقٌ نصفي طلقة لم يَقَع إلا طلقة إلا أن يريد نصفاً من طلقة، ونصفاً من أخرى، وكذا لَوْ قال: ثلثي طَلْقة أو ربعي طلقة، وأشَارَ في الوسيط إلى خِلاَفٍ في هذه الصورة، فقال: الصحيح أنه تقع واحدة، والكتب ساكتة عن حكايته الخلاف، لكنَّه جَارٍ على قياس الوَجْه الَّذي نقَلَه الحناطي 243؛ فإنَّه إذا حمل قوله: "ثَلاثَة أَنْصَافِ طَلْقَةٍ" على أنَّ كلَّ نصْف من طلقة، فكذلك قوله: نصفي طلقة، ولو قال أنْتِ طالقٌ نصْفَ طلقتين، ففيه وجْهان: أحدهما: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: أنَّه يقع طلقتان؛ لأنَّه أضاف النِّصْف إلى الطلقتين، فقضيته النصْف من هذه، والنصف من هذه، ألا تَرَى أنَّه لو قال: لفلان نصْفُ هذَيْن العبدين، كان إقراراً بالنِّصْف من كل واحد منْهما، وعلى هذا فلو قال: أردتُّ طلقةً واحدة يدَيَّن، وهل يقبل ظاهراً؟ وفيه وجهان: ووجه المَنْع القياس على ما لو قال المُقِرُّ بنصف العبدين: أردتُّ به هذا العبد، بأنه لا يُقْبَل.
وأصحُّهما: أنه لا تقع إلا طلقة؛ لأنَّ نصْف الطلقتين طلْقَةٌ، وحمل اللفظ عليه

الجزء: 9 - الصفحة: 19

صحيحٌ ظاهراً فلا توقع الزيادة على طَلْقَة من غير يقين، ولا ظُهُور.
قال الإِمام -رحمه الله-: وليس كمسألة العبْدَيْن، فإنهما شخْصَان ماثلان لا يتماثلان فإضافة النصْف إليهما إضافةٌ إلى كلِّ واحدٍ منهما، والطَّلْقَتَان يضاهيان العَدَدَ المَحْض، والنِّصْف إذا أُضِيفَ إلى اثنين يَتوَجَّه حمْلُه على واحد.
ولو قال: على نصْف درهمين، قال الشيخ أبو علي -رحمه الله-: لا يلزمه 244 بإجْمَاع الأصحاب -رحمهم الله- إلا درْهَمٌ واحدٌ؛ لأنَّا إن أخذنا نصفاً من درهم، ونصفاً من درهم، فلا يلزم إلا درهمٌ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ بل طلقتين، فعلى الوجه الأول تقع طلقتان، وعلى الثاني طلقةٌ، ولو قال: ثلث درهمين، فالواجِبُ ثلثا درهمٍ بلا خلاف.
ولو قال: نصفي طلقتين، أو ثلثي طلقتين، يقع طلقتان، وحَكَى الشيخ أبو الفرج خلافاً للأصحاب في كيفية وقوعهما، فعن بعْضِهِمْ أَنَّ نصْف الطلقتين طلقةٌ، فنصفاه طلقتان، قال: ومن قال بهذا قال: يقع في قوله: "أنْتِ طالقٌ نِصْفَ طلقتين" طلقةٌ، وعن بعضهم: أن كل نصف من طلقة يكملان، ومن قال بهذا جَعَل إضافة النصْف إلى الطَّلْقَتَيْن؛ كإضافة النصفين إليهما، وأوقع هُنَاك طلقتين.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثةَ أنْصَاف طلقتين، فوجهان: أحدهما: تقع طلقتان؛ لأنَّ الطلقتين تَشْتَمِلاَن عَلَى ثلاثةِ أنْصَاف، فكأنَّه قال: طلقةً ونصفاً من طلقتين، فيُكَمل؛ ولأن الطلقتين كالشَّيْء الواحد، والواحد لا يكون له إلا نصْفَان، فَيَلْغُو الزيادة، ويصير كأنَّه قال: أنْتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة ونصفَيْ طلقة، أو 245 أنت طالقٌ طلقتَيْنِ.
والثاني: يقع ثلاثُ طلقات؛ لأنَّ نصْف الطلقتين واحدٌ، فنصفاه طلقتان، فثلاثة أنصافهما ثلاث طلقات، ولأن نصْفَيْ طلقتين طلقتان، فثلاثة أنصافهما تكون ثلاثَ طَلَقَات، واختار الوجْهَ الأوَّلَ جماعةٌ وإلى الثاني ذَهَب ابْن الحدَّاد.
قال الشيخ أبو علي: وعليْه أكْثَر الأصْحَاب.
ولو قال على ثلاثة أنْصَاف درهَمَيْن ففيما يلزمه الوجْهَان.
ولو قال: ثلاثة أنصاف الطلاق، ففي "التتمة" أنَّه يقع ثلاث طلقات، وينصرف اللَّفْظ بالألف والكلام إلى الجنْس، ونقل الحناطي وجْهَيْن في أنَّه تقع واحدة أو ثلاث، كما لو قال: ثلاثة أنصاف طلقة.

الجزء: 9 - الصفحة: 20

الثالثة: لو قال: أنْتِ طالقٌ نصْفَ وثلث طلقة أو ثلث وربع، وسدس طلقة، لم تقعْ إلا طلقة؛ لأنهما جميعاً أجزاء واحد، ولو كَرَّرَ لفظ الطلقة؛ فقال: ثلث طلقة وربع طلقة، وسدس طلقة، فوجهان أطلقهما صاحبُ الكِتَابِ -رحمه الله-: أحدهما: أنَّه لا تقع إلا طلقة؛ لأن لفظة الطلقة، وإن كُرِّرَتْ، فهي مُحْتَمِلة للتأكيد والأجزاء، وإن كانت متغايرةً، فهي مضافةٌ والمضافُ تَبَع للمضاف إليه، وأصحُّهما، وهو الذي أورده من أورد المسألة: أنَّه يقع ثلاث طلقاتٍ؛ لأنَّه أضاف كل جُزْء إلى طلقة، وعطف البعض على البَعْض، فاقتضى ذَلِك تغاير الطلقات، فقَدْ سبق أن الصلات المتغايرة إذا دَخَلَت في الطَّلَقَات مَنَعَت من التأكيد، فكذلك الأجزاء المتغايرة، ولو لَمْ يُدْخِل الواو فيهما فقال: أنْتِ طالقٌ ثلث طَلْقَةٍ، ربع طلقة، سدس طلقة، لم تَقَع إلا طلقةً، وفرقوا بأنَّه إذا لم يُدْخِل الواو، كان الكل بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ، وإذا أدخلها فلِكُلِّ واحدة حكْمها، فيقع بقوله: ثلث طلقةٍ طلقةٌ، وأخرى بقوله: وربع طلقة، ولهذا لو قال: أنْتِ طالقٌ طالقٌ لم تقَعْ إلا واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، وقعَتْ طلقتان، ولو زادت الأجزاء [ولم يدخل الواو] فقال: أنْتِ طالقٌ نصْف طلقة، ثلث طلقة، وربع طلقة، ففي أمالي أبي الفَرَج -رحمه الله- أنَّه على الوجهَيْن فيما إذا قال: ثلاثة أنْصَافِ طلقة، ولو لم تتغاير الأجزاء وتكررت الواو، فقال: أنتِ طالقٌ نصْف طلقة، ونصف طلقة، ونصف طلقة، وقعت طلقتان، ويرجع في الطلقة الثالثة؛ لقصد التأكيد أم التجديد؟ كما لو قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، ولو قال: أنتِ نصْف طلقة أو ثلث طلقة، كان كقوله أنْتِ طلقة، أو أنت الطلاق، ولو قال: أنتِ طَالِقٌ نصْفَ ثلث سدس، ولم يقل: طلقة، وقَعَت طلقة بقوله: أنْتِ طالِقٌ.
وقوله في الكتاب: "ولو قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ أو نِصْفَي طَلْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَقِيلَ يَقَعُ ثِنْتَانِ" وذكر بعض الشارحين أن الوجهَيْن فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ طلقتين، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ نصْفَيْ طلقة، لا خلاف أنه لا تقع إلا طلقةٌ واحدةٌ، فربَّما حل النظم، فأفرد الصورة بالذكر، وأخرجهما عن جنْس الوجهَيْن، وكذلك لما ذكرنا أن الأئمة -رحمهم الله- لم ينقلوا خلافاً فيها, لكنه أطْلَق الخلاف هاهنا وفي "الوسيط" أمكن تنزيل وجْهٍ على قياس المنقول، فيما إذا قَال: أنْتِ طالقٌ ثلاثَةَ أنْصَاف طلقة، لم يبعد تركه بحاله، ولفظ الكتاب في قوله أنْتِ طالقٌ، ثلث طلقة، وربع طلقة، وسدس طلقة، يقتضي ترجيح الوجه الذَّاهب إلى وقوع طلقة، والظاهرُ المَشْهُور وقوع ثلاث طلقات، على أن الإِمام لم ينقُلْ وجه الاقتصار على طَلْقَة على ما أطْلَقَه صاحبُ الكِتَاب، ولكن قال: مِنْ أصحابنا من قال: إذا نوى صَرْفَ هذه الأجزاء إلى

الجزء: 9 - الصفحة: 21

طَلْقةٍ واحدةٍ قُبِلَ ذَلِك [منه] 246، وإن تعدَّدت الألفاظ، فخصص التنزيل علَيْه بما إذا فسر كلامه به [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّالِثُ فِي الاشْتِرَاكِ): فَإِذَا قَالَ لأَرْبَع نِسْوَةٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ طَلْقَةً طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ: ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعاً، فَإِنْ أَوْقَعَ خَمْسَ طَلَقَاتٍ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ أَوْقَعَ تِسْعَ طَلَقَاتٍ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلاَثاً، وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً فَطَلْقَةٌ للاشْتِرَاكِ، فَإِنْ خَصَّصَ بِوَاحِدَةٍ فَنِيَّتُهُ لاَ تقْبَلُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ أَرْبَعَ طَلَقَاتٍ ثُمَّ خَصَّصَ بِوَاحِدَةٍ حَتَّى يَتَعَطَّلَ الرَّابِعَةُ لَمْ يُقْبَلُ عَلَى وَجْهٍ، وإنْ قُبِلَ التَّخْصِيصُ فِي الثَّلاَثِ، وَلَوْ قَالَ لِثَلاَثٍ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ طَلْقَةً وَقَالَ لِلرَّابِعَةِ: أَشْرَكْتُكِ مَعَهُنَّ وَنَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَتْ عَلَى الرَّابِعَةَ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَلَى نِصْفِ الثَّلاَثِ وَهِيَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس الفصْل قسماً برأسه في الحقيقة وإن أفرد بالذِّكْر، ولكن صورةٌ من لواحق التجزئة والتبعيض، والفقه مسألتان: إحداهما: قال لنسائه، وهن أربع: أوقعت عليكُنَّ طلقةً، فتقع على كل واحدةٍ منهن طلقة؛ لأنَّه يَخُصُّ كل واحدة بربع طلقة، وبعض الطلاق يُكَمّل، ولو قال طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فكذلك يقع على كل واحدة طلقة فقط إلا أن يريد توزيع كل طلقة عليهن فيقع في طلقتين على كل واحدة طلقتان، وفي ثلاث ثلاث وفي أربع 247 كذلك، وعنْد الإِطلاق لا يعمل اللفظ على هذا التقدير؛ لبعده عن الفَهْم؛ ألا ترى أنَّه إذا قال: أُقَسِّم هذين الدرهمين على هؤلاء الأربعة، "لم يُفْهَم منْه الأمر بقسمه كل درهْم عليهم، ولو قال: أوقعتُ عليكن خمْسَ طلقاتٍ طُلِّقت كلُّ واحدة منهن طلقتين، إلا أن يريد التوزيع وكذلك في السِّتِّ والسبع والثماني، فإن أوقع تسعاً طُلِّقَت كلُّ واحدة منْهن ثلاثاً، ولو قال: أوقَعْتُ بينكنَّ طلقة، فهو كقوله: أوقعتُ عليكن طلقةً، فيقع على كل واحدة طلقة، فإن قال: أردتُّ بعضَهُنَّ دون بعض، فَيُدَيَّن وهل يُقْبَل ظاهراً؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو الذي أورده جماعة أنَّه لا يُقْبَل؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي الشركة، لقوله عليكن، والثاني: يُقْبَل؛ لأنَّه إذا كانَت الطلقة فيهن كان الطَّلاَق بينهن؛ ولأن مِثْل هذا اللفظ يطلق للحَصْر في الجملة، كما يقول: من يتهم واحداً من الجمع بالسرقة،

الجزء: 9 - الصفحة: 22

السرقة بين هؤلاء، يريد الحَصْر فيهم، ولا يريد التشريك بينهم، والوجهان على ما في "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما مخصوصان بما إذا قال: أوقعتُ بينكن، أمَّا في قوله: "عليكن" وقال: يُقْبَل هذا التفسير، ويعمم الطلاق، واعْلَمْ أنا ذكَرْنا فيما إذا قال: كلُّ امرأة لي طالقٌ أو نسائي طوالقُ وجْهاً عن ابْنِ الوكيل، وغيره: أنه لو قال: أردتُّ بعضهن، يُقْبَلُ، وذلك الخلاف يَجْري لا محالَة في قوله: أوقَعْتُ عليكن طلقةً، فكان المراد هاهنا أنَّا إذا أجبنا بظاهر اللَّفْظ، وقُلْنا: لا يُقْبَل التخصيص في قوله: نسائي طَوَالِقُ، وفي قوله: أوقعْتُ عليكنَّ طلقةً، ففي قوله: أوقَعْت بينكنَّ هذان الوجهان، وإذا قلنا: لا يُقْبَل فذلك فيما إذا أخرج بعضهن عن الطلاق، أمَّا إذا فضل بعضَهُن على بعض مثل أن يقول: أوقعْتُ بينكنَّ ثلاث طلقات، ثم قال: أردتُّ إيقاع طلقتين على هذه وقَسَّمْت الأخرى على الباقيات، فوجهان: أظْهرهما: أنَّه يُقْبَل، وبه قال الشيخ أبو علي -رحمه الله- ونسبه القاضي ابن كج -رحمه الله- إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- لأنَّه لم يخرج واحدة عن الطلاق، والعَدَد المذكور يكون بينَهُنَّ، وإن تفاوتن في القدر الذي يلحقُهُنَّ، وهذا كَمَا أنَّه يصحُّ أن يُقَال: هذه الدار بَيْن فلان، وفلان، وإن تفاوتا في القَدْر والمستحَقِّ.
والثاني: عن رواية أبي الحُسَيْن بن القَطَّان: أنَّه لا يُقْبَل، ويجب استواؤهن، وإن قلْنا: يُقْبلَ، فذلك فيما إذا لم يتعطل شيْء من الطَّلاَق، وإن تعطَّل كما إذا قال: أوقعتُ بينكُنَّ أربع طلقات، ثم خصَّصهما جميعاً بواحدة منهن، فوجهان: أحدهما: يُقْبَل أيضاً لأنا نفرِّع على قوْل التخصيص، وإذا قلنا: التخصيص فهَذَا من موجباته، ولواحقه ولكنه قال: لواحدة: أنْتِ طالقٌ أربعاً.
وأقربهما المَنْع؛ لأنَّه خَاطَب بعَدَد من الطلاق مَنْ يَقْبَل ذلك العدد، فيبعد تعطيلُه، وإحباطُهُ، وحيث قلنا: لا يُقْبَل، فذلك في النفي عن مَنْ يُنْفَى عنها، وأمَّا في الإِثبات في حق من يثبت، فيؤاخذ بموجب إقراره حتَّى إذا أوقع بين أرْبَعٍ طلقات، ثم قال: أردتُّ أن تقع على هذه طلقتان، وعلى هذه طلقتان، وتبقى الأخريان على النكاح، فَيَلْحَقُ كلَّ واحدة من الأولتَيْنِ طلقتان، والخلاف في الأخيرتين، فإن لم يُقْبَلْ ما يقوله، وقع على كل واحدة منْهما طلقةٌ وفيما إذا خصَّص الأربع بواحدة، وقلنا بعدم القبول، فيَقَع على الَّتِي طلقها ثلاثاً بإقراره، وعلى الأخريين طلقتان، وإذا قال: أوقعتُ بينَكُنَّ خمْسَ طلقات، لبعضكن أكثر مما لبعض، فلا يجيْء الخِلاَف في أنَّه يُصَدَّق ويفضل بعضهن، ويجيْء في تصديقه في إخراج بَعْضِهِنَّ.
ولو قال: أوقعتْ عليكُنَّ نصْفَ طلقة: أو ثلثها، وَقَعَ على كل واحدة طلقة، ولو قال: أوقعتُ بينكن خُمْسَ طلقة، وسدس طلقة، وثلث طلغة، فيبنى على الخلاف، السابق فيما إذا خَاطَبَ به واحدةً، فإن قلْنا: لا يَقَعُ به إلا طلقة واحدة، فكذلك هاهنا

الجزء: 9 - الصفحة: 23

فتطلق كل واحدةٍ واحدةً، وإن قلْنَا بالصحيح، وهُوَ وقوع الثلاث، فهاهنا يقع [على] 248 كل واحدةٍ ثلاثُ طلقات؛ لأن تغاير الأجزاء، وعطْفَ بعضها على بَعْض يشعر بقِسْمة كل جزء بينهن.
قال الإِمام -رحمه الله- ويُحْتَمَل أن يجعل كما لو قال: أوقعتُ بينكن ثلاثَ طلقات، والقسمة المستوية في ذلك لا توجب إلا طلْقَةً، ولو قال: أوقعتُ بينَكُنَّ طلقةً وطلقةً وطلقةً، فيجوز أن يقال: هو كما لو قال: ثلاثَ طلقات، فتطلق كل واحدة طلقةً ويجوز أن يُقَالَ تُطَلَّق كلَّ واحدة ثلاثَ طلقات؛ لأن التفصيل يشعر بقسمه كل طلقة عليهن.
المسألة الثانية: إذا طَلَّقَ إحْدَى امرأتيه، ثم قال للثانية أشركْتُكَ مَعَها، أو جعلتك شريكَتَها أو أنت كهي، أو مثْلُها، ونوى طلاقها، طُلِّقَت، إلا لم تُطَلَّق، وكذا لو طَلَّق رجُلٌ امرأته، فقال آخر لامرأته: أشركتُكِ مَعَها، أو أنت كهي، ونوى، ولو كانَتْ تحته أرْبَعٌ فقال لثلاث منهن: أوقعْتُ عليكنَّ أو بينكن طلقةً، فطلقن واحدةً واحدةً، ثم قال: للرابعة: أشركتُك معَهُنَّ، ونوى الطلاق، فيُنْظَر؛ وإن أراد طلقة واحدةً تكون كواحدة منهن، طُلِّقَتْ واحدةً، وإن أراد أن تُشارِكَ كل واحدة منهن في طلقتها طُلِّقت ثلاثاً، فإن أطْلَق اللفظ، ونوى الطلاق، ولم ينْوِ واحدة ولا عدداً، ففيه وجهان: أظهرهما: وبه قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: تُطلَّق واحدة؛ لأن جعْلَها كإحداهن أسبق إلى الفهْم، وأظهر من تقدير توزيع كلِّ طلقة، والثاني عن القَفَّال: أنها تُطَلَّق طلقتين؛ لأنه جعل الواحدة شريكة الثلاث وفي مقابلتهن، وقضيَّة الاشتراك أن يصير ما لحقهن مقسوماً بينهن وقد لحقهن ثلاث طلقات، فيلحقها نصْف الطلاق، وهي واحدةٌ ونصف، فيكمل طلقتين.
ولو قيل بناءً على هذا التوجيه [يلحقها] 249 ثلاث طلقات، ليكون لها مثْل ما لَهُنَّ إذا صارت شريكتهن، لم يكن بأبعد منه، وعلى قياس المسألة، طَلَّقَ اثنتين، ثم قال للأخريين: أشرْكتُكُمَا معَهما، ونوى الطلاق، فإن أراد أن تكون كل واحدة منْهُنَّ كواحدةٌ من الأوليين، طُلِّقت كلُّ واحدة منهن طلقةً، وإن أراد أن تكون كلُّ واحدة كالأوليين معاً في الطلاق أو أن تشارك كل واحدة منهما كل واحدة من الأوليين في طلقتيهما طُلِّقَتا طلقتين طلقتين، وإن أَطْلقَ فتطَلَّق كلُّ واحدة طلقةً، على قياس ما قاله الشيخ أبو عليٍّ، وكذلك هو قياس المنقول عن القَفَّال؛ لأنَّه يجعل الأخريين شريكين في ما للأوليين فيقسم بينهما، وبين الأخريين، والذي لحقهما طلقتان، فيلحق الأخريين نصفها، وهو طلقة، فنُقَسَّم بينهما وتُكَمل.
فَرْعٌ: لو طَلَّق إحْدَى امرأتَيْه ثَلاَثاً، ثُمَّ قال للأخرى: أشركْتُكِ مَعَها، ولم يَنْوِ العدد، حكى إسماعيل البوشنجي أن المسألة جَرَت بين يدي أبي بكر الشاش -رحمه الله

الجزء: 9 - الصفحة: 24

  • بمدينة السَّلاَم فأجاب أنَّها تُطلَّق واحدةً، وتَوَقَّف البوشنجي فيه، وقال: قد أوقَعَ على الأُولَى (1) ثلاثاً، والتشريك يقتضي أن يكُونَ لها مثل ذلك، وهذا التردُّد قريب من التردُّد فيما إذا طلق ثلاثاً، وقال للرابعة: أشركْتُكِ مَعَهُنَّ ولم يَنْوِ العَدَد.

البَابُ الرَّابعُ فِي الاسْتِثْنَاءِ

251 قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَشَرْطُ الاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً، وَالظَّاهِرُ: أنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مُقْتَرِناً بِاللَّفْظِ فَلَوْ بَدَا لَهُ عَقِيبَ اللَّفْظِ الاسْتِثْنَاءُ لَمْ يَجُزْ، وَشَرْطُهُ أَنْ لاَ يَكُونَ مُسْتَغْرِقاً، وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ في المُسْتَغْرِقِ): وَفِيهِ مَسَائِل: (الأُولَى): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ ثَلاَثاً إِلاَّ ثَلاَثاً وَقَعَ الثَّلاَثُ لِبُطْلاَنِ الاسْتِثْنَاءِ، وَلَوْ قَالَ: ثَلاَثاً إِلاَّ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً فَفِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ يُجْمَعُ مَا فَرَّقَهُ وَيَجْعَلُ مُسْتَغْرِقاً، وَفِي الثَّانِي يُخَصَّصُ البُطْلاَنِ بِالوَاحِدَةِ إِذْ بِهَا يَقَعُ الاسْتِغْرَاقُ، وَعَلَى هَذا الخِلاَفِ يُبْتَنَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً فَإنَّهُ إنْ جُمِعَ المُسْتَثْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقاً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَ الثَّلاَثُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.250

الجزء: 9 - الصفحة: 25

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الاستثناء في الكلام معْهُود، وفي القرآن والسنة، موجودٌ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً، وقع ثنتان؛ لأن قوله ثلاثةٌ إلا واحدة، عبارة عما يعبّر عنْه بلفْظ الاثنتين، وإذا قال: ثلاثاً إلا اثنتين، وقَعَت واحدة، وُيشْتَرَط في الاستثناء شيْئَان: أحدهما: أن يكون مُتَّصِلاً باللفظ، فلو انفصل، لم يؤثِّر الاستثناء، وسكتة التنفس والعي، لا تمنع الاتصال.
قال الإِمام -رحمه الله-: والاتصال المعتبَرُ هاهنا أبلغُ ممَّا يرعى بين الإِيجاب والقَبُول 252، فإن الإِيجاب والقبول صادران من شخصَيْن، والمقصود ألا يتخلَّلهما ما يشعر بإعراضه عن الجواب، والاستثناء والمستثنى منْه صادران من شَخْص واحد، وقد يحتمل بين كلام شخصين ما لا يحتمل بين أبعاض كلامِ الوَاحِد، ولذلك لا ينقطع الاتصال بيْن الإِيجاب والقَبُول بالكلام اليسير على الأصح، وفي الاستثناء يقطع، هذا هو الظَّاهر، وحَكَى القاضي ابن كج -رحمه الله- وجْهاً آخر أنَّ الكلام اليسير الأجنبيَّ بين المستثنى والمستثنى منْه لا يَقْدَح في الاستثناء، ثم هلْ يشْتَرَط مع اتصال اللَّفْظ أن يكُونَ قصد الاستثناء مقْروناً بأول الكلام فيه وجهان: أحدهما: لا، لو بَدَا لَهُ الاستثناء بعْد تمام المستثنى منْه، فاستثنى، حكم بموجبه، وعن الشَّيْخ أبي محمَّد نسبة هذا الوجْه إلى الأستاذ أبي إسحاق -رحمه الله- وأصحُّهما، وادعى أبو بكر الفارسيُّ الإِجماع علَيْه: أنَّه لا يُعْمَل 253 بالاستثناء، ويقع الطلاق؛ لأن الاستثناء بعْد الفصل مُنْشَأٌ بعد لحوق الطلاق، فيلغو.
وما ذكرنا من الاتصال لفظاً، واقتران القصْد بأول الكلام حكْمُه في الاستثناء بـ"إِلاَّ" وأخواتها وفي التعليق بمشيئة الله تعالى، وفي سائر التعاليق واحد.
والثاني: ألاَّ يكون مستغرقاً؛ ليبقى شيْء من المستثنى منْهُ 254 وإلا فهُو رفْع الطلاق

الجزء: 9 - الصفحة: 26

ونازلاً منزلة قوله: "أنْت طالقٌ طلاقاً لا يَقَعُ عليْك".
قال: "وفيه فصْلان" إلى قوله: "على أصح الوجهين" كما أن إخْرَاج بعْض ما يتناوله الكلام بكلمة "إلا" وما في معناها يُسَمَّى استثناء، فتعليق الطلاق والعتاق وغيرهما بمشيئة الله تعالى يُسمَّى استثناءً، فلما كان الباب مُتَرْجماً بالاستثناء، ووقع اللفظ على النوعَيْن، فيه عقد فصلين: أحدهما: في الاستثناء بـ"إلا" ونحوها.
والثاني: في التعليق بمشيئة الله تعالى، وأما التعليق بمشيئة النَّاس، فقد أَفْرَد له فصْلاً في قِسْم التعليقات.
قال الإِمام: ولا يبعد عن اللُّغَة تسمية كلِّ تعليق استثناءً لأن قول القائل "أنْتِ طالقٌ" يقتضي وقوع الطلاق من غير تقييد يقصد، فإذا علَّقه بشَرْط، ثناه عن مقتضى إطلاقه، كما أن قوله: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طلقةً يثنى اللفظة عن مقتضاها، إلا أنَّه اشتهر في عُرْف أهل الشريعة تسمية للتعليق بمشيئة الله تعالى خاصَّة، أمَّا الفَصْل الأول فأهمُّ ما يقع فيه بيانُ ما يكون مستغرقاً من الاستثناء، وما لا يكون فلذلك تَرْجَم المستغرق، وإن كان يشْتَمِل على ما لا يتعلق بالاستغراق كالحُكم في قوله: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصفاً، وفيه صور: إحداها: إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً، فالاستغراق فيه ظاهر، والاستثناء باطلٌ.
ولو عطَفَ بعْض العَدَد على بعض، إما في المستثنى منْه، أو في المستثنى، أو فيهما، فوجهَانِ؛ في أنَّه هل يجْمع بينهما: أحدهما: يجْمع؛ لأنَّه لو قال: عليَّ درْهَم ودرهم، يلزمه درهمان، كما لو قال: عليَّ درهمان.
وأصحهما: المَنْع، وجْه أجاب ابن الحَدَّاد؛ لأن الجملتين المعطوفتين يفردان الحكم، وإن كان "الواو" للجمع؛ ألا تَرَى أنَّه لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، لا يقع إلا واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، فإذا عُرِف ذلك، فلو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين وواحدةً أو إلاَّ اثنتين وإلا واحدة، فعلى الوجْه الأوَّل يجمع بينهما فيكون الاستثناء مستغرقاً ويقع الثلاث، وعلى الثاني تخْصيص البُطْلاَن بالواحدة التي بها يقع الاستغراق، فيقع طلقة، ولو قال: ثلاثاً إلا واحدةً، واثنتين فعلى الأول: يقع الثلاث، وعلى الثاني: تخصيص البطلان بالثنتين، ويصحح استثناء الواحدة، فتقع طلقتان.
= بصفة صيغتها التردد إذ المشيئة غيب لا يطلع عليها فلم يكن مبني الكلام التناقض وحكمنا بانتفاء الطلاق لأمر اقتضاه الشرع لا لإِخلال الكلام في نفسه.

الجزء: 9 - الصفحة: 27

ولو قال: أنتِ طالقٌ طلقتَيْن وواحدةً إلا واحدةً فعلى الوجه الأوَّل يَجْمَع بينهما، فتكون الواحدة مستثناة عن الثلاث، فتقع طلقتان، وعلى الثاني: لا يَجْمَع، وتكون الواحدة مستثناةً عن الواحد، فيقع الثلاث، وحكى الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- طريقةً قاطعةً بِرَدِّ الاستثناء إلى الواحدة، وإيقاع الثلاث بخلاف ثلاثاً إلاَّ اثنتين وواحدةً فرْقاً بأن ضم أحد الاستثنائين إلى الآخر هناك يوقع الثلاث، وفيه تغليظٌ عليه، واحتياط الضمِّ ها هنا تخفيفٌ وترك الاحتياط، فلا يصار إلَيْه.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ واحدةً واثنتين إلا واحدةً، صَحَّ الاستثناء على الوجهَيْن، ولو قال: ثلاثاً إلا واحدةً واحدةً واحدةً، فعلى الوجْهِ الأوَّل: يقع الثلاث، فكأنَّه استثنى الثلاث من الثلاث، ويُحكَى هذا عن أبي حنيفة -رحمه الله- وعلى الثاني: يصحُّ استثناء اثنتين، ولا يصحُّ استثناء الثالثة، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا واحدةً، أو قال: طلقةً وطلقةً وطلقةً إلا طلقةً، فعلى الأول: تقع طلقتين، كما لو قال: ثلاثاً إلا واحدةً، وعلى الثَّاني، يقع الثلاث، وكان استثناء الواحِدَة من الواحدة، ولو قال: واحدة، وواحدة، وواحدة إلا واحدة، وواحدة، وواحدة، وقَع الثلاث على الوجهين معاً لأنَّه إن جُمَعَ، فهو استثناء ثلاثة من ثلاث وإنْ لم يجْمَع فهو استثناء كُلِّ واحدةٍ من واحدةٍ ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بل واحدةً ثم واحدةً إلا واحدة، فلا جَمع؛ لتغاير الألْفَاظ، والاستثناءُ باطلٌ، ونقل الحناطي وجهاً آخر يصحُّ الاستثناء، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً وواحدةً.
قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: لا يَختَلِف الأصحابُ أنَّه يجمع بينهما، ويصحان، ولا يقع إلا ما يبقى بعد الاستثنائين، وهو طَلْقةٌ، ونقل القاضي ابن كج -رحمه الله- فيه وجهَيْن: أحدهما: هذا.
والثاني: أنَّه يقع الثلاث، ويجعل قوله "وواحدة" عطفاً على قوله: "إلاَّ واحِدَةً" 255 وثلاثٌ إلاَّ واحدة اثنتان؛ فكأنه قال: اثنتين وواحدة 256. وقوله في الكتاب "وَعَلَى هَذَا الخِلاَفِ يبتنى قولُه: أنْتِ طالقٌ طلقتين وواحدةً إلا واحدةً" يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة التي حكاها الشيخ أبو عليٍّ عَلَى أن هذه الصورة لا تبنى على ذلك الخلاف، ويقطع فيها بوقوع الثلاث.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): الاسْتْثَنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَمِنَ الأِثْبَاتِ نَفْيٌ، فَلَوْ قَالَ: أنْتِ

الجزء: 9 - الصفحة: 28

طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ ثِنْتيْنِ إلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَ ثِنْتَانِ مَعْنَاهُ إِلاَّ ثِنْتَيْنِ لاَ تَقَعُ إِلاَّ وَاحِدَةٌ مِنَ الثِّنْتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِلاَّ ثَلاَثاً إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ ثِنْتَانِ لأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنِ الاسْتِغْرَاقِ بِقَوْلِهِ إِلاَّ وَاحِدَةً، وَقِيلَ: يَقَعُ الثَّلاَثُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بيَّنَّا في الإِقرار أن الاستثناء من الإِثبات نفي، ومن النفي إثبات فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، وقعت طلقتان، والمعنى ثلاثاً يقعْنَ إلا ثنتين لا يقعان إلا واحدةً تَقَعُ مِن الثِّنْتَيْن، فتنضم هي إلى الباقية من الثَّلاث، ويقعان، وأبْدَى الحناطي وجْهاً آخر على سبيل الاحتمال: أن الاسثتناء الثاني ينصرف إلَى أول اللفظ أيْضاً، وعلى هذا فيكون الحُكْم كما لو قال: إلا اثنتين وواحدة، ولو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدةً، ففيه ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أنَّه تقع ثنتان؛ لأنَّ الاستثناء الأوَّل فاسِدٌ؛ لاستغراقه، فينصرف الاستثناء الثَّانِي إلى أوَّل الكلام، ويصير كأنَّه قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثةً إلا واحدةً.
والثاني: وهو اختيار القاضي ابن كج -رحمه الله-: أنَّه تقع واحدة؛ لأنَّه لما عَقَّب الاستثناء بالاستثناء، خَرَج الأول عن أن يَكُونَ مستغرقاً، وكان ذلك استثناء ثلاث إلا واحدة من ثلاث، وثلاث إلا واحدة ثنتان، فكأنَّه قال: ثلاثاً إلا اثنتين.
والثالث 257: ويُحْكَى عن أبي عليٍّ الطُبَرِيِّ -رحمه الله-: أنَّه تقع الثلاث؛ لأن الاستثناء الأَوَّل مستغرق لاَغٍ، والثاني مرتَّب على ما هو لغْوٌ، فيلغو أيضاً ونظْمُ الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأوَّل، لكن الأصحَّ على ما ذكَره الإِمام، وصاحب الكتاب -رحمهما الله- الوَجْهُ الثاني، ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاَثاً إلا اثنتين، فعلى الوجه الأوَّل تقع طلقة واحدةً، وعلى الثاني اثنتان، وعلى الثالث الثلاث، حكاه في "الشامل" عن ابن أبي هريرة ولو قال: ثلاثاً إلاَّ اثنتين إلا اثنتين، يقع واحدةً ويلغو الاستثناء الثاني، وحكى الحناطي فيما لو قال: ثلاثاً إلا واحدةً إلا واحدةً وجهَيْن: أحدهما: وقوع الثلاث.
والثاني: وقوع اثنتين، وفيما لو قال: اثنتين إلا واحدةً إلا واحدة وجْهَيْن: أحدهما: وقوع ثنتين.
والثاني: وقوع واحدة، كأن الأول يوجَّه بأن المعنى إلا واحدةً لا يقع إلا واحدة تقع، فتنضم إلى ما بقي من صدْر الكلام.
والثاني: بأن الاستثناء الثاني باطل؛ لاستغراقه، فيبقى الاستثناء الأول، وحَكَى فيما لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدةً وجهَيْنِ:

الجزء: 9 - الصفحة: 29

أحدهما: وقوع ثنتين.
والثاني: وقوع واحدة، قال: ويُحْتَمَل أن يقع الثلاثُ، وقد يوجه الأول بأن الاستثناء الأوَّل باطلٌ؛ لاستغراقه، فيَلْغُو ويبقى قوله "ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة" والثاني أن المعنى إلا ثلاثاً لا يقع إلا اثنتين يقعان إلا واحدةً لا تقع، فتبقى واحدةٌ واقعةً، وأيضاً فإن المستثنى من الثلاث ثانياً اثنتان إلا واحدة، واثنتان إلا واحدة واحدة، فيبقى منْها اثنتان فيهما المستثنيان عن الثلاثة المذكورة، ولا يبقى إلا واحدة، والثالث بأن الاستثناء الأوَّل باطلٌ، لاستغراقه، وكذا ما بعده لترتبه على البَاطِل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْساً إلا ثَلاَثاً وَقَعَ ثِنْتَانِ، وَقيلَ الزِّيَادَةُ تَلْغُو فَيَبْقَى الاسْتِثْنَاءُ مُسْتَغْرِقاً، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعاً إلا اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى الأَوْلِ تَقَعُ اثْنَتَانِ، وَلَوْ قَالَ أنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إلاَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَقَعَ الثَّلاَثُ لأَنَّهُ أَبْقَى النِّصْفَ فَيَكْمُلُ، وَقِيلَ: اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ كَاسْتِثنَاءِ الوَاحِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أدرج في هذه الصورة مسألتين: إحداهما: إذا زاد المُطْلَق على العدد الشرعيِّ من الطَّلاق، واستثنى، فالاستثناءُ يَنْصَرِف إلى العَدَد المذكور، أو إلى المَمْلُوك من الطلاق فيه وجهان: أصحُّهما: وبه قال: أبي الحدَّاد، وابن القاص أيضاً: أنَّه ينصرف إلى المذكور؛ لأن الاستثناء لفظيٌّ، فيُتَّبَع فيه موجبُ اللَّفْظ، ولا فَرْق في اللغة بين اثنين وبين خمسة إلا ثلاثة.
[والثاني]: ويحكى عن أبوي علي بن أبي هريرة والطَّبَريِّ -رحمهما الله- أنَّه ينصرف إلى المملوك؛ لأنَّ الزيادة لغو لا سبيل إلى إيقاعها؛ فلا عبْرة بِذِكْرها، فإذا قال: أنْتِ طالقٌ خمْساً إلا ثلاثاً، وقَعَتْ ثنتان على الوجْه الأول، وثلاث على الثاني، ولو قال: خمْساً إلا اثنتين، وقَعَت ثلاثٌ على الوجه الأول، وواحدٌ على الثاني، ولو قال: أنْتِ طالقٌ أربعاً إلا اثنتين، وقَعَت ثنتان على الأوَّل، وواحدةٌ على الثاني، ولو قال: أربعاً إلا واحدة، وقَعَت ثلاثٌ على الأوَّل ثنتان على الثاني ولو قال: أربعاً إلا ثلاثاً، وقَعَتْ على الأول واحدة، وثلاثاً على الثاني، ولو قال: ستاً أو سبعاً أو عدداً فوق ذلك إلا ثلاثاً وَقع الثلاث على الوجهَيْن، أما على الأول فلبقاء الثلاث من المستثنى منْه، وأما على الثاني؛ فلأنَّه كما لو قال: ثلاثاً إلاَّ ثلاثاً.
ولو قال: ستاً إلاَّ أربعاً، فعلى الأول: يقع طلقتان، ويُحْكَى ذلك في هذه الصورة عن نَصِّه في البُوَيْطِيِّ، وعلى الثاني يقع ثلاث؛ لأنَّ المعنى: أربعاً تقع إلا ثلاثاً لا تقع، إلا اثنتين يقعان، فتنضمان إلى الواحدة الباقية من الأربَعِ، وعلى الثاني: هُوَ كما لو قال: ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين، وقد سَبَق حكمه.

الجزء: 9 - الصفحة: 30

ولو قال: خمْساً إلاَّ اثنتين إلا واحدةً، فعلى الأول تَقَع الثلاث، وعلى الثاني تقع ثنتان، [كما] 258 لو قال ثلاثاً إلا اثنتين إلاَّ واحدةً.
ولو قال: ثلاثاً وثلاثاً إلاَّ أربعاً، فإنْ جمعنا بين الجُمَل المعطوفة، واعتبرنا الزِّيَادة على العَدَد الشَّرْعِيِّ، فهو كما لو قال: ستّاً إلا أربعاً [و] 259 إلا طُلِّقَتْ ثلاثاً.
فَرْعٌ: لو قال: أنْتِ بائنٌ إلا بائناً، ونوى بقوله: أنت بائنٌ الثَّلاثَ.
قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله- يبنى هذا على ما لو قَالَ: أنْتِ واحدةٌ، ونوى الثَّلاثَ، تقع الثلاث؛ اعتباراً بالمنوي، أولاً يقع إلا واحدة، اعتباراً باللفظ إن غلَّبنا اللفظ، فإذا الاستثناء لاَغٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا واحدةٌ، وإن غلَّبنا المنويَّ صح الاستثناء، ووقَعَتْ طلقتان، كما لو تلفَّظ بالثلاث، واستثنى واحدة، وهذا ما رجَّحه، ونَصَره 260، وفي معشى هذه الصورة ما إذا قال: أنت بائن إلا طالقاً، ونوى بقوله: "أنتِ بائنٌ" الثلاثَ، وما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلاَّ طالقاً، ونوى قوله: "أنْتِ طالقٌ الثلاثَ، ويظهر مِنَ الفرع أنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طالقاً، يصحُّ الاستثناء، وكقوله: "إلا طلقةً" وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، وطالقٌ، وطالقٌ، إلا طالقاً، ونوى تَكْرار الجُمَل المعطوفة، وفيه احتمال آخر.
ولو قدم الاستثناء على المستثنى منْه، فقال: أنتِ إلا واحدةً طالقٌ [ثلاثاً]، حكى صاحب "المهذب" عنْ بعض الأصحاب أنَّه لا يصحُّ الاستثناء وتقع الثلاث؛ لأن الاستثناء لاستدراك ما تقدَّم من الكَلاَم قال: ويُحْتَمَل عنْدي أنَّه يصحَّ ولا تقع إلا طلقتان 261، واستشهد بقول الفَرَزْدَق يمدح عبد الملك بن هشام بن عبد المَلِك.
وَمَا مِثْلُهُ في النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكاً ... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِنُهْ 262

الجزء: 9 - الصفحة: 31

الملك أبو الممدوح.
الثانية: قدْ مرَّ أن إيقاع بَعْضِ طلقة كإيقاع كلِّها.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصْفَ طلقة، فوجهان، حكاهما الشيخ أبو علي وغيره.
أصحُّهما: أنَّه تقع الثلاث؛ لأنَّه أبْقَى نصْف طلقة، فتُكَمَّل.
والثاني: أن استثناء النصْف كاستئناء الكُلِّ، كما أن إيقاع النصْف، كإيقاع الكُلِّ، فتقع طلقتان، والظاهر الأوَّل، والتكميل إنَّما يكُونُ في طرق الإِيقاع؛ تغليباً للتحريم.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا طلقةٌ ونصْفاً، فَعَلَى الأصح: تقَعُ طلقتان، وعلى الثاني: طلقة، ولو قال: طلقتين إلا نصْفَ طلقة، فعلى الأول: الأصَحُّ تقع طلقتان، وعلى الثاني طلقة، ولو قال: طلقة إلا نصْفَ طلقة، وقَعَت طلقةٌ بلا خلاف.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين ونصفاً، فإن جعلْنا استثناء النصْف كاستثناء الكُلِّ، فَهُوَ كما لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلاَّ اثنتين وواحدةً، وإن قلْنا بالأصحِّ، ففيه احتمالان للإِمام -رحمه الله-: أحدهما: يبطل ذكر النصف، ويبقى قولُه: "أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين".
والثاني: أنَّه يجعل ذكر النصف كذكر الكُلِّ؛ لأنَّه يؤثر في الإِيقاع إذا جمعْنا بيْن المستثنين المعطوف أحدهما على الآخر.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين إلا نصف طلقةٍ، قال الإِمام: يَصِحُّ الاستثناءُ الثاني؛ فإنَّه يؤثر في الإيقاع لأن الاستثناء من النَّفْي إثباتٌ، ولو قَالَ: أنتِ طالقٌ واحدةً ونصْفاً إلا واحدة، ذكرَ الحناطي -رحمه الله- نَقلاً أنه تقع طلقة، واحتمالاً، أنَّه تقع طلقتان 263، والوجهان مبنيان على أن الاستثناء ينْصَرِف إلى المذكورين جميعاً أو إلى الثاني، وعلى التقدير الثاني يكون الاستثناء مستغرقاً، فيبطل، ويقع طلقتان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ): فَإذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ لأَنَّهُ لاَ يَدْرِي أنَّهُ شَاءَ الله تَعَالَى أَمْ لاَ، وَكَذَلِكَ في العِتْقِ (م)، وَنَصَّ عَلَى أنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللهُ لاَ يَكُونُ مُظَاهِراً، وَقَدْ قِيلَ بِطَرْدِ هَذَا القَوْلِ فِي = "أبوه" للممدوح، ففصل بين "أبو أمّه"، وهو مبتدأ، و"أبوه" وهو خبره، بأجنبيّ، وهو قوله "حيّ"، كما فصل بين "حيّ"، ونعته، وهو قوله "يقاربه" بأجنبي، وهو "أبوه"، وقدَّم المستثنى على المستنثى منه.

الجزء: 9 - الصفحة: 32

سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَوْ قَالَ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللهُ يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ لأَنَّ الاسْمَ لاَ يَحْتَمِلُ الاسْتِثْنَاءَ، وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِنْ شَاءَ الله وَقَعَتْ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ يَا طَالِقُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَيكُونُ قَوْلُهُ يَا طَالِقُ وَصْفاً بِالثَّلاَثِ فَيَرْجعْ الاسْتِثْنَاءُ إِلَى الثَّلاَثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: أنْتِ طالقٌ إن شاء الله، نُظِرَ، إِن سَبَقت الكلمة إلى لسانه، بتعوده لها، كما هو الأدب أو قصد التبرك بذكر الله تعالى، وأراد الإِشَارة إلى أن الأمور كلَّها بمشيئة الله، ولم يقْصِد تعليقاً محقَّقاً لم يؤثر ذلك، ووقع الطلاق وإن قَصَد التعليق حقيقة لم يقع الطلاق، نصَّ عليه في "المختصر" وغيره، وعن رواية صاحبة "التقريب" والشيخ أبي عليٍّ -رحمهما الله- قول آخر: أنَّه يقع الطلاق، ولا يُؤَثِّر الاستثناء، وأخذ بعضُهم هذا القَوْل من نصٍّ رُوِيَ في الظِّهَار: أنَّه لو قال: أنْتِ عَلَيَّ كظَهْر أمِّي إن شاء الله، يكون مظاهراً، ويلْغُو الاستثناء ووجه القول: بأن الاستثناء يَرْفَع الطلاق أصْلاً ورأساً فأَشْبَه الاستثناء المستغرق، وما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، فإنَّ الكلام في الصورتين متناقض غيْر منتظم، وهاهنا التَّعْلِيق منتظم، والصفة المعلَّق عليها قدْ تُعْلَم، وقد تُجْهل، وإذا جُهِلَت لم يُحْكَم بنزول الطلاق، وفَرَّق بعضهم بين الطلاق والظهار بأن الطَّلاق إخبارٌ، والإِخبارُ عن الواقع لا يتعلَّق بالصفات، بخلاف الإِنشاء، وهذا القائِلُ ذَهَب إلى أنَّه لو قال: لِفُلاَنٍ عليَّ عشرة إن شاء الله، يلزمه العشرة، ولا يُعْمَل الاستثناء، وظاهر 264 المَذْهَب، وإن سلم قول في المسألة أنَّه لا يقع الطلاق عند الاستثناء، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُتيَاهُ" 265 وجهوه بشيئين: أحدهما: إن المشيئة المعلَّق عليها عَيْبٌ عنا، فإذا لم يُعْلَم حصول الوَصْف المعلَّق عليه، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق.
والثاني: إن قوله: "إن شاء الله" يقتضي حصول المشيئة وحدوثها بعد التعليق، كما لو قال: "إن شاء زيد أو دخل الدار" فإن اللَّفْظ يقع على مشيئة، ودخول يحدثان من بعد، ومشيئةُ اللهِ تعالى قديمةٌ لا يُتَصَوَّر حدوثها، وعن الحليمي: أنَّه اختار التوجيه

الجزء: 9 - الصفحة: 33

الثاني، واعترض على الأول بأن قضيته أن يَقَع ثلاثُ طلقات، فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن شاء الله، ثم قال: أنتِ طالقٌ، فإنا عَرَفْنَا مشيئة الله تعالى، حيْث وقَع الطلاق، كذا حكاه أبو الحسن العَبَّادِيِّ، ولك أن تقول: إنما يَلْزم ذلك، وأن لو كان المعنى "إن شاءَ الله أن تطلقي" أما إذا كان المعنى: إنْ شَاء الله أن تُطَلَّقِي ثلاثاً، فلا يلزم، والظاهر: الثاني؛ لانصراف اللفظ إلى جملة المذكور، ثم مشيئة الله تعالى، وإن كانَتْ قديمة، لكنَّها تتعلَّق بالحادثان، ويصير الحادث عنْد حدوثه مراداً، فقدله: "إن شَاءَ الله تعليق بذلك التعليق المتجدد، ولا فرق بين أن يقول: أنتِ طالق وبيْن أن يقول إن شاء الله فأنتِ طالقٌ وأَلْحَق بهما في "الشامل" ما إذا قال: إن شاء الله، أنتِ طالِقٌ، وذكر الحناطي في هذه اللفظة وجْهاً آخر، ولو قال: أنتِ طالقٌ متى شاء الله، فهو كقوله: إن شاء الله، وكذا يَمْنَع الاستثناء انعقاد التعليق، مثْل أن يقول: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، وان شاء الله، أو إذا شاء الله، وَيمْنَع العتق إذا قال: أنتَ حرٌّ، إن شاء الله، وانعقادَ اليمين والنَّذْر، وصحة العَفْو عن القِصَاص، والبَيْع، وسائر التصرُّفات.
وقال أحمد: الاستثناء يُؤَثِّر في الطلاق؛ ولا يؤثر في العِتْق؛ لأن العتق محبوب، والطلاق مكروه، فكأنه يشاء العتق دون الطلاق، وروى الإِمام -رحمه الله- وجماعة عن مالك -رحمه الله- مثله، والأثبت عنْه أنَّه لا يؤثِّر الاستثناء في العِتْق، ولا في الطلاق، وإنَّمَا يُؤثِّر في اليمين بالله تعالى، ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا شاء الله أو أن شاء الله بفتح الهمزة، ويقع الطلاق في الحال؛ لأنَّه تعليق، وهذا لو قال: إذا شاء زَيْدٌ أو إنْ شاء، ونقل الحناطي في "إن شاء الله" وجْهاً ثانياً أنَّه لا يقع الطلاق، وثالثاً: أنَّه يُفرَّق بيْن الخبير والجاهل باللغة وهذا ما اختاره القاضي الرُّويانيّ -رحمه الله- ولو قال: أنتِ طالقٌ ما شاء الله، ففي "التتمة" وغيره أنَّه يقع الطلاق، ولا يقع أكثر من واحدة 266؛ لأنا لا نَدْري هلْ شَاء أكْثَرَ من ذلك، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثَلاَثاً، وثلاثاً إن شاء الله أو ثلاثاً وواحدةً إن شاء الله أو واحدةً وثلاثاً إن شاء الله، قال ابن الصَّبَّاغ -رحمه الله- الَّذي يقتضيه المَذْهَب أنَّه لا يقع شيْء، وتابعه المتولي [والوجه بناؤه على الخلاف السابق أن والاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما أم إلى الأخيرة فقط وكذا ذكره الإِمام] وقد ذَكَرنا

الجزء: 9 - الصفحة: 34

أن الظاهر الانصراف إلى الأخيرة وحْدَها، ويوافق هذا البناء ما ذكر في "التهذيب" أنه لو قال: حفْصَة وعمرة طالقتان، وإن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها أو إليهما جميعاً؟ والأصحُّ الأول 267. ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً واثنتين إن شاء الله، ففي "النهاية" تخريجه على الوجهَيْن إن جمَعْنا المُفَرَّق، لم يقع شيْء، وإن لم يُفَرَّق، وقعَتْ واحدة، وعن رواية الشيخ أبي محمد عن القَفَّال أنه لو قال: أنتِ طالقٌ واحدة ثلاثاً إن شاء الله، من غير واو، لم يقع شيْء؛ فإن الواحدة المقدَّمة عائدةٌ في الثلاث، والاستثناء راجِعٌ إلى جميع الكلام، [ولو] 268 قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ثلاثاً، إن شاء الله، فكذلك الجواب، وفي معناه ما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ إن شاء الله، وقصد التأكيد.
ولو قال: يا طالقُ، إن شاء الله، ففيه وجهان: أظهرهما: أنه يقَع الطَّلاق ويلغو الاستثناء؛ لأن الاستثناء إنَّما يُعَاد، ويعمل في الأفعال دون الأسماء؛ ألا تَرَى أنَّه لا ينتظم أن يقال: يا أَسْوَد، إن شاء الله، لكن قضية هذا القَدْر من التوجيه أنه يختصَّ الاستثناء بقوله: طلقُتكِ، ولا يدخل في قوله: "أنْتِ طالقٌ وقد يتخيل فرْق بينهما، ويقال يا كذا، يقتضي حصول ذلك الاسم أو الصفة حال النداء ولا يقال للحاصل: إن شاء الله.
وقوله: "أنْت كذا" قد يُسْتَعْمَل عند القرب منْه، فيدفع حصوله، كما يقال للقريب من الرسول: أنْتِ وَاصِلٌ، والمريض المتوقع شفاؤه على القرب: إنَّه صحيحٌ، وحينئذٍ فينظم الاستثناء.
والوجه الثاني، وإليه ميل الإِمام -رحمه الله-: أنَّه لا يقع؛ لأنَّه إنشاء في المعنى، كقوله: "طلقْتُكِ، وأنت طالقٌ"، ولو قال: يا طالقٌ، أنت طالقٌ ثلاثاً إن شاء الله، وقعَت طلقة بقوله: يا طالقُ، ولم يقع شيْء بقوله: "أنْتِ طالقٌ ثلاثاً" للاستثثاء.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً يا طالقٌ إن شاء الله، فالمذكور في الكتاب، هو الذي حكاه الإِمام عن القاضي والأصحاب؛ تَفْريعاً عَلَى أن النداء: لا يدخله الاستثناء أنه لا يقع عليها شيْء أما بقوله: أنت طالقٌ ثلاثاً؛ فلأن الاستثناء مُنْصَرِف إلَيْه لامتناع انصرافَهُ

الجزء: 9 - الصفحة: 35

إلى قوله: يا طالقُ، وتخلُّل هذه الكلمة يَقْدَحُ؛ لأنه ليس أجنبيًّا عن هذه المخاطبة، فأشبه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، يا حفصة إن شاء الله، وأما بقوله: طالقُ فلأن؛ وصْفَها بالطالقية، والصيغة هذه، تشعر بأنه بناه على الطلقات الَّتي أوقعها، فإذا لغت بسبب الاستثناء، لغى الوصف المبنيُّ عليها، ووراء هذا وجْهَان: أحدهما: وهو المذكور في "التتمة" أنَّه تقع طلقة واحدة بقوله: يا طالقُ، كما في الصورة السابقة.
والثاني: أنَّه تقع الثلاث، ووجهه الإِمام -رحمه الله- بطريقتين: أحدهما: البناء على أن النداء يدخله الاستثناء، فإن الاستثناء حينئذٍ يتعلَّق بقوله: يا طالقٌ، ومنصرف عن قوله: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، فيقع.
والثاني: أنَّ قوله "طالقٌ" يَقْدَح في اتصال الاستثناء بأوَّل الكلام؛ لأنه فضلة، فيستغنى عنْها بخلاف قوله: "يا حفصة" فإنه جار على الاستقامة وحسن النظم، ولتعلَّم لهذين الوجهين قولُه في الكتاب "لم يَقَعْ شَيْء" بالواو، ويشبه أن يكون الأظهر الوجْه الذاهب إِلى وقوع طلقة واحدة فإن قوله: "يا طالق" كلام مستقل بنفسه؛ فينبغي أن يترتَّب حكمه عليْه تقدَّم أو تأخَّر؛ ويؤيده أنَّه ذكر صاحب "التهذيب" وغيْره أنه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً يا زانية إن شاء الله، يَرْجِع الاستثناء إلى الطلاق، ويجب الحدُّ بقوله: "يا زانية"، فكما ترتَّب موجب قوله: "يا زانية" عليه كذلك يترتب موجب قوله: "يا طالق" 269. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأ اللهُ أَوْ إِلاَّ أنْ يَشَاءَ اللهُ لَمْ يَقَعْ لِلجَهْلِ بِالمشِيئَةِ، وَلأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ الوُقُوعُ عَلَى خِلاَفِ المَشِيئَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَصَفَهُ بِمُحَالٍ فَيَلْغُو وَيَقَعُ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أنْ يَدْخُلَ زَيْدٌ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَتَبَيَّنَ وُقُوعُهُ أَوَّلاً، فَلَوْ شَكَّ في دُخُولِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ يَقَعُ؛ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ صَارَ مَشْكُوكاً فِيهِ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ؛ لأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ وَصَارَ مَشْكُوكاً فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بين الحكم فيما إذا علّق الطلاق بمشيئة الله تعالى، فأمَّا إذا علَّقه بعدم المشيئة، فقال: أنتِ طالقٌ إن لم يشأ الله، لم يقع الطلاق؛ لأنَّ عَدَم المشيئة غير معلوم، كما أن المشيئة غيْر معلومة؛ ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محالٌ، فأشْبَه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن صعدت السماء وإن اجتمع السواد والبياض لا يقع الطلاق، وعن صاحب "التخليص" أنَّه يقع؛ لأنه رَبَط الوقوع بما يضاده؛ لأن الوقوع بِخلاَفِ مشيئة الله تعالى محالٌ، فكان كما إذا قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، وكذا الحُكْم

الجزء: 9 - الصفحة: 36

لو قال: أنتِ طالقٌ إن لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله، وقرب الخلاف في المسألة من الخلاف في مسألة دَوْر الطلاق؛ من جِهَة أنه لو وقع الطلاق، لكان بمشيئة الله، ولو شاء الله وقوعه لما وقع؛ لأن التعليق بعدم المشيئة، وقد يعكس فيقال: إذا لم يقع لم يشأ اللهُ وقوعه، وإذا لم يشأ حَصَلَت الصفة، فيجب أن يَقَع، لكن لو وَقَع، لَمَا وقع لِمَا تبين فإذن الشرط والجزاء متضادَّان لا يجتمعان، كما أنَّ في مسألة الدَّوْر، وقوع طلقة في الحال، وثلاث قبلها يتضادَّان، فاختلفوا فيه، كما في مسألة الدَّوْر، منْهم من ألغى اللفظ من أصله، ومنهم من ألْغَى ما يجيْء منه التضادُّ والدَّوْر، وليس هذا كالتعليق باجتماع السواد والبياض؛ فإن التضَادَّ هناك بين السواد والبياض، لا بين الشرط والجزاء، وأمَّا التعليق بالصُّعُود فسيأتي الكلام فيه، ثم الصعود مُمْكن في نفسه، والوقوع بخلاف المشيئة غيْر ممكنٍ، ولو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، فعن القفَّال أنَّه حكى عن النَّصِّ أنه لا يقع، واختاره؛ لأن هذه الصيغة أيضاً [إنما] تعليق لعَدَمِ المشيئة لأنها تُوجِبُ حَصْر الوقوع في حال عدم المشيئة، وعن ابن سُرَيْج -رحمه الله- أنَّه يقع الطلاق؛ لأنه أوقعه وجعل الخلاف المخرج عنْه المشيئة، وأنها غيْر معلومة، فلا يحصل الخلاص، وصار كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء زيد ولمْ تعلم مشيئة، فإنه يقع الطَّلاَق، وهذا ما أورده العراقيون، ورجَّحه صاحب "التهذيب" -رحمه الله-.
والأَقوى الأَوَّل وهو الذي صحَّحه الإِمام وغيْره وعليْه جَرَى صاحب الكتاب؛ فسوى بين الصيغتين، والراجح في الصيغة الأولى باتفاق الأصحاب عَدَم الوقوع.
وأما إذا قال: أنْتِ طالقٌ إن لم يشأْ زَيْدٌ، فاعْلَمْ أن تعليق الطَّلاَق بعدم مشيئة الغَيْر ودخولِهِ، وسائرِ أفعاله واحدٌ والحكم فيه أنه إن وُجِدَ منْه الدُّخُول أو المشيئة أو سائر الأفعال المعلَّق عليها في مدة عمره، لم يقع الطلاق، وإن لم يُوجَدْ، حتى مات، وقع الطلاق، إنَّما يقع قبيل الموت، ولا يستند إلى وَقْت التعليق؛ لأن العَدَم المعلَّق عليه حينئذٍ يتحقق، وقد يعرض قبيل الموت ما يمنع حصول ذلك الفِعْل، وتحقُّق اليأس، فيتبين وقوع الطلاق من وقْت حصول اليأس، وكذلك ما إذا علّق على عدم مشيئة تجيء أو غَبِيَ غباوة متَّصِلَةً بالموت، فإنما يحقق عدَم المشيئة من وقْت حدوث العلة المخِلَّة بالمشيئة المعتبرة، وإن مات، وشككنا في أنَّه هل وُجِدَ منْه الصفة المعلَّق عليها فوجهان: أحدهما: أنه يقع الطلاق؛ لأن الطلاق معلَّق بعدم الدخول، وإذا شككنا في الدخول، فالأصْل العَدَم.
الثاني؛ لا يقع؛ لأنا إذا شككنا في الوصْف المعلَّق عليه، فلا يُرْفَع الطَّلاق بالشك، ويُسْتَصْحب أصل النكاح، والوجهان جاريان سواءٌ كانت الصيغة أنْتِ طالقٌ إن لم يدخل زَيْدٌ الدار أو كانت الصيغة "أنْتِ طالقٌ إلاَّ أن يدخُلَ زيْدٌ الدارَ" والوقوع في

الجزء: 9 - الصفحة: 37

الصورة الثانية أظْهَرُ منه في الصورة الأولى؛ لأن التعليق إيقَاعٌ عنْد الشرط والاستثناء، كأنه استدراكٌ بعد الإيقاع، وقد شَكَكْنا في حصُول حالة الاستدراك، فلو قال: أنتِ طالقٌ اليوم إلا أن يشأ زيْدٌ أو يدخل الدار، فاليوم هاهنا بمثابة العمر ثَمَّ.
واعْلَم أن الأكثرين أجابوا بوقُوع الطَّلاق فيما إذا مَات، وشَكْكنا في حصول الفعل المعلَّق عليه، واحتج به من قال بالوُقُوع فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، وقَالَ: ومشيئةُ الله مبهمةٌ كمشيئة زيْدٍ هاهنا، وكما يقع الطلاق فيما إذا قال: "إلا أنْ يَشَاءَ زَيْدٌ" وأشكل الحال، يقع الطلاق فيما إذا قال "إلا أن يَشَاءَ الله".
والذين لم يقولوا بالوقوع هناك منهم من فَرَّق أن المشيئة صفة طارئة على زَيْدٍ، والأصل عدمها ومشيئة الله قديمةٌ لا مَجَال فيها لهذا الأصْل، وهذا ضعيف؛ لما مرَّ أن الكلام في تعليق المشيئة لا في نفسها وأما الإِمام -رحمه الله-: فإنه اختار في هذه الصُّورة عَدَم الوقوع، كما في قوله: "إلا أن يَشَاءَ اللهُ" وكفى نفسه مؤنة الفَرْق، وهو أوجه 270 وأقوى في المَعْنَى، ويجوز أن يُعَلَّم قوله في الكتاب "فيلغو، ويَقَع" يجوز أن يعلَّم بالحاء؛ لأنه حكي أن الكرخي رَوَى عن أبي حنيفة -رحمه الله-، الوقوع كما حَكَاه القفَّال عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنْه -. ولْيُعْلَمْ أن قول القائل: "أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء الله، أو إلا أن يشاء زيْدٌ" معناه إلا أن يشاء وقوع الطلاق، كما أن قوله: "أنتِ طالقٌ إن شاء الله" معناه إن شاء وقوع الطلاق وحينئذٍ فالطلاق معلَّق بعَدَم مشيئة الطَّلاق لا بمشيئة عدم الطلاق، وعدم مشيئة الطلاق تحصل، بأن يشاء عدم الطلاق وبأن لا يشاء شيئاً أصلاً أما بعدها بلغها خبر التعليق، أو من غير أن يبلغها الخَبَر، فعلى التقديرين؛ يقَع الطلاق، وإنَّما لا يَقَع إذا شاء زيْدٌ أن يقع، وذكر بعضُهم أن معناه "أنْتِ طالقٌ إلا يشاء زيْدٌ أن لا تُطَلَّقِي" وعلى هذا، فلو شاء أن تطلق تطلق، وكذلك ذكره في "التهذيب" والصحيح 271 الأوَّل إلا أن يقول المعلِّق: أردتُّ الثاني.

الجزء: 9 - الصفحة: 38

البَابُ الخَامِسُ فِي الشَّكِّ فِي الطَّلاَقِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَالأَصْلُ عَدَمُ الطَّلاَقِ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ كَانَ هَذَا غُرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غرَاباً فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَأَشْكَلَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى واحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَتُهُ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ إنْ كَانَ غُرَاباً فَزَيْنَبُ طَالِقٌ وَإِلاَّ فَغَمْرَةُ فَعَلَيْهِ أن يَمْتَنِعَ عَنْهُمَا، وَلَوْ جَرَى مِنْ شَخْصَيْنِ فِي عَبْدَيْنِ تَصَرَّفَا فِيهِمَا، فَلَوِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا العَبْدَ الآخَرَ صَارَ مَحْجُوراً فِيهِمَا، وَقِيلَ يَتَعَيَّنْ للِحَجْرِ المُشْتَرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شكَّ الرجُل في طلاق امرأته، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق؛ لأن الأصْل عَدَمُه وبقاء النكاح، وهذا كما أنَّه يَسْتَصْحِب أصْل التحريم عنْد الشكِّ في النِّكَاح, وأصْلَ الطهارة عنْد الشك في الحَدَث، وبالعكس قال الإِمام -رحمه الله- وهذا إذا انحسم باب الاجتهاد، وطرأ الشك يؤيد أحَدَ طرفي الشَّك باليقين السابق، ويستصحب ما كان، فأما إذا أمكن الاجتهاد؛ كمسائل الاختلاف نحو اختلاف العُلَمَاء في بَقَاء النِّكاح وعدمه مثلاً، فإنا لا نقول: تردُّدُنا في بقاء النكاح يستصحب الأصْل الذي كان، بل الطريق فيها الاجتهاد والاعتماد على الدلائلِ، والشكُّ في الطَّلاق قد يتفق في صورة التنجيز، وقدْ ينشأ في صُورة التعليق من الشك في حصول الصفة الملعَّق عليها، كما إذا قال: إنْ كان هذا الطائر غرابًا فزوجتي طالقٌ، وشَكَّ في أنه هل كان غراباً أو قال: إنْ كان غُرَاباً فزينبُ طالقٌ، وإن كان حَمَاماً، فعَمْرة طالقٌ، وتردَّد في أنه كان غراباً أو حماماً أو جِنْساً آخر، ولو شَكَّ في عَدَدِ الطَّلاق، فيأخذ بالأقَلِّ، = بكل الأشياء إما بوجودها أو عدمها، فعند التحقيق الطلاق معلق في حقه تعالى بمشيئة العدم وفي حق غيره بالقدر الأعم وهو عدم مشبه الطلاق، وأما عجز الكلام وهو المستثنى فالقصد معلق رفع الطَّلاق بمشيئة الطلاق وحيئنذٍ بأن نظر في صدر الكلام.
قلت: علق الوقوع على مشيئة الله لعدم فيكون كقوله إنَّ لم يشأ الله وعلى عدم مشيئة الطَّلاق وعلى هذا فيظهر عدم الوقوع في التعليق بمشيئة الله تعالى وضده في التعليق بمشيئة زيد على ما صححوه وإن نظرت إلى آخر الكلام فيكون الدفع على مشيئة الطلاق فينبغي أن يقع في حق زيد؛ لأنه أوقع الطلاق، وعلق رفعه على ما لم يعلم وجوده فيستمر حكم الإِيقاع، وفي مشيئة الله تعالى أولى بالوقوع؛ لأنه علق الرفع على محال إذ يستحيل وقفه مع مشيئة وقوعه ويظهر بهذا فساد الفرق المذكور، هذا كله على أحد الوجهين وهو أن المعنى إلا أن يشاء الطلاق، وإما على الوجه الصائر إلى أن يشاء عدم الطلاق، فإن روعي معنى التعليق كما في التقدير الأول ونظر إلى صدر الكلام، كان وقوعه معلقاً بمشيئة وقوعه في حقه تعالى، وبعدم مشيئة عدم الطلاق في حق زيد، وحيتنئذٍ فينبغي ألا يقع في الأول، ويجيء في الثاني الخلاف.
انتهى ما أردت منه ولو لم أرَ هذا التحقيق لغيره في الشك في الطلاق.

الجزء: 9 - الصفحة: 39

ويستصحب الأصْل في الزيادة، كما يستصحب عنْد الشك في الطلاق.
وقال مالك -رحمه الله-: إذا شَكَّ في عددِ الطَّلاق بعْد ما تحقَّق أصْلَه، يأخذ بالأكثر كما إذا تحقَّق النجاسة في ثوبة، ولم يَعْرِفْ قدْرها، أخذ بالأكثر؛ ويغسل جميع الثوب، وأجاب الأصْحَاب -رحمهم الله- بأنَّ هناك ليس للنجاسة قدْرٌ معلومٌ حتى يستصحب أصْل العدم فيما عداه، وقد يتيقن التحريم، فوجب استصحابه إلى أن يتيقن الطهارة، وهاهنا قَدْر الطلاق من واحدة أو اثنتين مَعْلُومٌ، فيستصحب أصل العدم فيما عداه، ووزان النجاسة من مسألتنا أن يتحقَّقها في طَرَف من الثوب، ويشُكَّ في إصابتها طرفاً آخر، وحينئذٍ فلا يجبُ غَسْل الموضع المشكُوك فيه، والوَرَعُ في صورة الشَّكِّ الأخذُ بالاحتياط، فإذا كان الشكُّ في أصل الطلاق فيراجعها؛ ليكون على يقين من الحِلِّ، وإن طاب نفساً بالإِعراض عنها طلَّقَها ليحصل الحل لغيره يقيناً، وإن شكَّ في ثلاث طلقات، فإن كان الشكُّ في أنه وَقَع ثلاثٌ أو ثنتان، لم يَنْكِحْها حتَّى تنكح زوجاً غيْره، وإن شك في أنَّه وَقَعَ الثلاث أو لم يَقْع شيء طلقها ثلاثاً؛ لتَحِلَّ لغيره يقيناً.
ولو كانت تحته امرأتان؛ زينب وعمرة، فقال: إنْ كان هذا الطائِرُ غراباً، فزينبُ طالقٌ، وإلا فعمرة، وأشْكَل الحال، فيقع الطلاق على واحدةٍ منهما؛ لحصول إحدى الصفتين، وعليه الامتناع منهما إلى أن يتبين الحال، وعليه البَحْث والبيان، ولو تنازع اثنان في الطائر، فقال أحدهما: إن كان غراباً فامْرأتي طالقٌ، وقال الآخر: إن لم يَكُنْ غراباً، فامرأتي طالقٌ، لم يحكم بطلاق واحدة منهما، بخلاف ما إذا اتَّحَد الشخص، وتعدَّدت المنكوحة؛ قال الإِمام -رحمه الله-؛ لأن الشخص الواحد يمكن حمله على مقتضى الالتباس، وربط [بعض] 272 أمره ببعض، والرجلان يمتنع الجَمْع بينهما في توجيه الخطاب، ومعلوم أن أحدهما لو انفرد بما قال لَمْ يُحْكَم بوقوع طلاقه، فيستحيل أن يتغيَّر حكمه بمقالةٍ تصْدُر من غيره، وهذا كما أنَّا إذا سَمِعْنا صَوْتاً حَدَث بيْن اثنين، ثم قام كلُّ واحد منهما إِلى الصَّلاة لم يكُنْ للآخر أن يعرض عليه، ولو أن الواحد صلَّى صلاتين تيقَّن الحَدَث في أحدهما التبست عليه يؤمر بقضاء الصلاتين، فعُلِمَ أنه إذا كان الشَّخْص واحداً، لم يمتنع توجيه الخِطَاب عليْه بمؤاخذة تتعلق بواقعتين، ولو جَرَى التعليق من اثنين كما ذَكْرنا في العِتَاق، فقال أحدهما: إن كان غُرَاباً فعبدي حُرٌّ، وقال: الآخر: إن لم يكن غُراباً فعبْدي حرٌّ، فكذلك لكل واحد منهما إمْسَاك عبْده، والتصرف فيه، لكن إذا مَلَك أحدُهما عبْدَ الآخر بشراء أو غيره، واجتمع العبدان عنْده، فيُمْنَع من التصرف فيهما لكن يؤمر بتعيين العِتْق في أحدهما؛ لأنَّه قد اتَّحَد المخاطب الآن، فأشْبَه

الجزء: 9 - الصفحة: 40

ما إذا كانا في ملكه عنْدَ التعليقين، وعليه أن يتفحَّص عن سبيل البَيَان، وعن صاحب "التقريب" وجْهٌ آخر: أنَّه يتعيَّن للحَجْر العبْدُ المشتري فلا ينصرف فيه إلى أن يتبين ولا يمنع من 273 التصرف في الأول؛ لأنَّه كان يتصرَّف، فلا ينْقَطِع تصرُّفه بما طرأ، ولو باع الأول ثم اشترى الثاني، قال في "البسيط": لم أره مسطُوراً، والقياس أن ينفذ تصرفه فيه؛ لأن بيع الأول كواقعة قد انقضت، وتصرفه في الثاني واقعةٌ أخرى؛ فهو كما لو صلَّى إلى جهتين باجتهادَيْن 274. وهذا فيما إِذا لم يَصْدُر منْه غير التعليق السابق، فإن كان قَدْ قال للآخر: حنث في يمينك، فقال: ما حنثتُ أنا في يميني، ثم مَلَك عبْده، فيُحْكَم عليه بعتقه؛ لأنَّه قد أَقَرَّ بديته، ومن أقر بحرية عبْدٍ لغيره، ثُمَّ اشتراه، حكم 275 عليه بعتقه؛ مؤاخذةً له ولا رجوع له بالثمن، إذا كان قد اشتراه؛ لأنَّه عتق لإقراره، والبائع يُكذِّبه، ولو صدر التعليقان من الشريكين في عبد واحد يأتي حكمه في كتاب "العتقَ"؛ إن شاء الله تعالى، فالصورة مذكورة هُنَاك.
فرع: قال إسماعيل البوشنجي: لو قال: أنْتِ طالقٌ بعَدَدِ كلِّ شعْرة على جسد إبليس، فقياس مذهبنا أنَّه لا يقع شيْء؛ لأنا لا ندري هل على جسده شَعرٌ أمْ لا؟ والأصل العَدَمُ، وعن صاحب بعْض أصحاب أبي حنيفة أنَّه تقع طلقة 276.

الجزء: 9 - الصفحة: 41

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا وَنَسِيَ فَعَلَيْهِ التَّوَقْفُ إِلى التَّذَكُّرِ، وَلَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَخَاطَبَ زَوْجَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُّ الأَجْنَبِيَّةَ قُبِلَ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الغَرَض في الفَصْل السابق القَوْلَ في الشَّكِّ في أصْل الطَّلاق، وعدده إمَّا من شخصٍ واحد أو شخصين، والغرَضُ الآن القَوْلُ في الشَّكِّ في محَلِّ الطلاق، وقد يشتمل الفصْل على مسألتين: إحداهما: إذا طلَّق الرجُل إحدى امرأتيه بعينها، ونسي المطلقة، فعليه، أن يتوقَّف عنْهما, ولا يغشى واحدةً منهما إلى أن يتذكَّر، وهذا قد يتَّفِق فيما إذا خاطَبَ معيَّنة بالطَّلاَق، ثم نَسِيَ، وقد يفرض فيما إذا قال: إحداكما طالقٌ، ونوى معيَّنةً ثم نَسِيَ المنوية، قال الإِمام وغيره: ولا مطالبة بالبيان، والحالة هذه، إن صدَّقناه في النِّسْيان، وإن كذَّبناه، وبادَرَتْ واحدةٌ وقالت: أَنَا المطلَّقة، لم يقنع 277 منه في الجواب بأنْ يَقُول: نَسِيتُ، أو لا أدري، وإن كان ما يقوله محتملاً، ولكِنْ يُطَالَب بيمين جازمة عَلَى أنَّه لم يطلِّقْها، فإن نَكَل، حَلَفت، وقضى باليمين المردودة.
الثانية: إذا حضَرَتْ زوجةٌ وأجنبية، فقال: إحداكما طالقٌ، ثم قال: عنيت الأجنبية، فهل يُقْبَل فيه وجهان، حكاهما الإِمام: وأصحهما: وهو الذي أوردهَ أكثر الأصحاب، وحكى عن نصه -رضي الله عنه- في "الإمْلاء" أنَّه يُقْبَل قوله بيمينه؛ لأن الكلمة متردِّدة بينهما، محتملة لهذه ولهذه، فإذا قال: عنيتها، صار كما لو قال للأجنبية: أنتِ طالقٌ.
والثاني: لا يُقْبَل، وتطلَّق زوجته، لأنَّه أرْسَل الطَّلاق بين محله، وغير محله فينصرف إلى محلِّه؛ لقوته وسرعة نفوذه، وهذا كما أنَّه لو أوْصَى بطبل من طبوله، وله طبل حَرْبٍ، وطبْل لَهْوٍ تنزل الوصية على طَبْل الحَرْب تصحيحاً لها، والطَّلاق أقوى وأولى بالنفوذ من الوصية، ولو قالت زوجته، وهما حاضرتان: طلِّقْنِي، فقال: طَلَّقْتُكِ، ثم قال: عَنَيْت الأجنبية، لم يُقْبَل، ذَكَره في "التَّهْذيب"، وأمَتُه مع زوجته كالأجنبية مع الزوجة.
= قال صاحب الخادم: وبه أجاب العبادي في الزيادات وصاحب الكافي وهو الصواب ويؤيده نص الشَّافعي على أنه لو قال لها أنتِ طالقٌ كألف أنه يقع واحدة، حكاه ابن بشري في شرح المختصر ولم يقف صاحب المهمات فيها على نقل لكن قال إن ما رجحه النووي هو الصواب؛ فقد جزم الرافعي بأنه لو قال أنتِ طالقٌ وزن درهم ونحوه أنه يقع، ومسألتنا أولى لأن ربط الطلاق بالعدد ممكن بخلاف الوزن ولم يظهر لي وجه الأولوية، بل مسألة الوزن ممكنة محققة بخلاف الشعر فإنا لا يتحقق وجوده.

الجزء: 9 - الصفحة: 42

ولو كان معَها رَجُلٌ أو دابَّةٌ فقال: عنَيْت الرجُلَ أو الدابَّة، لم يُقْبَل؛ لأنَّه ليس لهما محلية الطَّلاق، ولو كانَتْ زوجته تُسَمَّى بزينب، فقال: زينب طالقٌ، ثم قال: أردتُّ جارتي زينب لا زوجتي، فالمشهور أنَّه لا يُقْبَل، وتُطلَّق زوجته ظاهراً، لكن يدين، وفرقوا بيْن هذه الصورة والصورة السابقة؛ بأن قوله: "إحداكما" يتناولهما تناولاً واحداً، ولم يوجد منْه تصريحٌ باسم زوجته، ولا وصْف لها ولا إشارة بالطلاق، وهاهنا صَرَّح باسم زوجته، والظاهر أنَّه تُطلَّق من الزيانب زَوْجَتُه لا غيرها، وعن حكايته الشَّيْخ أبي عاصم واختيار القاضي أبي الطيِّب وغيرهما: أنَّه يُصَدَّق بيمينه، كما في الصورة السابقة؛ لأن التسمية محْتَمَلَة، والأصْل بقاء النكاح، وفرق إِسماعيل البوشنجي، فقال: إنْ قال: زينب طالقٌ، ثم قال: أردتُّ الأجنبية يُقْبَل، وإن قال: طلَّقْتُ زينبَ، وقال: أردتُّ الأجنبية لا يقبل؛ لأن هذا إنشاءٌ للطلاق، والإِنسان إنما يُطَلِّق امرأة نفسه دون الأجنبية وقوله: "أنتِ طالقٌ" إخبارٌ محتملٌ، ولا قوة لهذا الفرق؛ فإن قوله: "أنْتِ طالقٌ" محمولٌ على الإِنْشَاء أيضاً.
وقوله: "طلَّقْتُك" محتملٌ للإِخبار أيضاً، ثم قضيَّته أن يفرق في الصورة الأُولى بين أن يقول: إحداكما طالقٌ 278، يقول: طلَّقْتُ، أو يقول: طَلَّقْتُ إحداكما، وفيما حكَيْنَا عن "التهذيب" أنَّه لو قالت الزوجة: طَلَّقْنِي، فقال: طَلَّقْتُك، وقال: أردتُّ الأجنبية، لا يُقْبَل ما يُشْعِر بأنَّه لو لم يسبق التماس الزوجة، يُقْبَل، وحينئذٍ فيرتفع الفَرْق بين قوله: "طَلَّقْتُك" وأنْتِ طَالِقٌ" ولو كان قد نَكَح امرأة نكاحاً صحيحاً، وأجْرى نكاحاً فاسداً، فقال لهما: إحداكما طالقٌ، وقال: أردتُّ الفاسِدَ نكاحُهَا، فيمكن أن يرتب، ويقال: إن قبِلْنَا التفسير بالأجنبية، فهذه أَوْلَى، وإلا فوجهان؛ لأنها لا تُطَلَّق، لكن لها تعلُّق لا يوجد مثله للأجنبية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَاطَبَ بِهِ زَوْجَتَيْهِ لَزِمَهُ التَّعْيِينُ عَلَى الفَوْرِ وَعَصَى بالتَّأْخِيرِ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا إِلَى البَيَانِ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي وَقْتُ احْتِسَابِ العِدَّةِ، وَلَوْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا وَقُلْنَا: يَقَعُ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ كَانَ تَعْيبناً، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْيينِ لَمْ يُؤَثِّرِ الوَطْءُ، ولَوْ مَاتَتَا لَمْ تَسْقُطِ المُطَالَبَةُ بِالتَّعْيينِ لأَجْلِ المِيرَاثِ وَلَكِنْ إِنْ قُلْنَا: يَقَعُ بِالتَّعْيينِ فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قبلَ المَوْتِ عَلَى هَذا الوَجْهِ أَوْ عِنْدَ الإِبْهَامِ للِضَّرُورَةِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ كَانَ إِقْرَاراً بِهِمَا، وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ تَعَيَّنَتِ الأُولَى، وَلَوْ قَالَتْ فِي مَسْئَلَةِ الغُرَابِ: كَانَ غُرَاباً وَأنَا طَالِقٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى البَتِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُن غُرَاباً أَوْ يَنْكُلَ، وَلاَ يَكْفِيهِ اليَمِينُ لاَ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ وَلاَ عَلَى النِّسْيَانِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 43

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لزوجتَيْهِ: إحداكما طالقٌ، فأما أن يَقْصِدَ واحدةً بعينها، وإما أن يُرْسِلَ اللفظ، ولا ينوي معيَّنة.
إن قَصَد واحدة بعينها فهِيَ المطلقة، واللفظ الصالِحُ لهما إذا انضمت إلَيْه النية الصادرة المعينة، كان مقتضاها وقوع الطلاق على ما هو سَبِيلُ الكنايات، ويحتاج، والحالة هذه، إلى تبيين الزوج؛ لتعرف المطلَّقة.
وإن أرسل اللفظ ولم يَقْصِد معيَّنة، وقَع الطلاق على واحدة منْهما، ويرجع إلى الزوج في تعينها، والقسمان يشتركان في أحكام، ويفترقان في أحكام، والنَّظَر في النوعَيْن يتعلَّق بحالة الحياة وبما إذا طرأ المَوْت، ونُورِد في هذا الفَصْل ما يتعلَّق بحال الحياة، وفي الذي يليه ما يتعلَّق بحال حدوث الموْت.
أمَّا الأول ففيه مسائل: الأولى يُؤْمَر الزوج بالتبيين إذا نوى واحدة بعينها، وبالتعيين إذا لم يَنْوِ؛ ليرتفع جنسه عمَّن زال ملْكه عنْه، ويُمْنَع من قربانهما إلى أن يبين أو يعين، وذلك بالحيلولة بينه وبينهما؛ لأن المحْظُور اختلط بالمُبَاح، فيمنع من الكُلِّ، كما لو اختلطت أُخْتُه من الرضاع بأجنبية، مُنِعَ من نكاحهما جميعاً، ويلزمه التعيين أو التبيين على الفور فلو أخَّر عصى، وهذا فيما إذا أَرْسَلَ اللفظ، ولم ينْوِ واحدة، وشُبِّه بما إذا أسلم وتحْته أكثر من العَدَد الشرعيِّ حيث يُؤْمَر باختيار أربع، وإذا وجب البِدَار، والحالة هذه، مع أنه يحتاج إلى ضَرْب من النَّظر والتروي، فَلأَنْ يجِبَ فيما إذا قَصَد واحدة بعينها, ولا حاجةَ إلى النظر والتروي، أوْلَى، فإن امتنع حُبِسَ وعُزِّرَ، ولا يقنع منْه بقوله: "نسيتُ المعيَّنة" وإذا بين في الحالة الأولى، فللأخرى أن تَدَّعِي عليه، أنَّك عنيتني وتُحَلِّفَه، فإن نَكَل، حَلَفَت وطلقتا وإذا عيَّن في الحالة الثانية، فلا دَعْوى؛ لأنَّه اختيار ينشئه، وكأنه طلَّق واحدة؛ ابتداء، وهذا كلُّه في الطلاق البائن، ولو أبهم طلقة رجعيَّة بينهما، فهل يلزمُه أن يبيِّن أو يعيِّن، حكى الإِمام فيه وجهَيْن: أحدهما: المنع؛ لأن الرجعية زوجة.
والثاني: يلزمه لحصول التحريم، قال: والأصح الأول، ويجوز أن يعلَّم قوله في الكتاب "لزمه التعيين بالميم؛ لأن عن مالك أن في صورة الإِبهام والإِرسال يُطَلَّقَان معاً، وبالألف؛ لأن عند أحمد يُعيِّن المطلقة بالقرعة.
الثانية: يلزمه الانْفَاق عليهما إلى البيان أو التعيين، وإذا بَيَّن أو عيَّن، فلا يسترد المصروف إلى المطلقة لأنها محبوسة عنْده حبْس الزَّوْجَات.
الثالثة: وقوع الطلاق فيما إذا نَوَى طلاق واحدة بعينها، يحصل بقوله إحداكما

الجزء: 9 - الصفحة: 44

طالقٌ وتحسب عدة التي بين الطلاق فيها من وقْت اللفظ، وخرج قول أنَّها تُحْتَسَب من حين البيان، وبُنِيَ القولان على القولين في أن المستفرشة بالنكاح عِدَّتُها من آخر وطئة أو من وقْت التفريق بينهما، ووجْه الشبه أن الأمر ملتبس هاهنا إلى البيان، كما أنَّه ملتبِسٌ هناك إلى التفريق، قال الإِمام: وهذا غير سديدٍ، والصورتان مفترقتان؛ لأن غِشْيَان الواطئ بالشُّبْهة ومخالطته إياها ينافي صورة الانعزال الَّتي أُمِرَتْ بها المعتدَّة، وهاهنا الحيلولة ناجزةٌ إلى أن يوجد البيان.
وأمَّا إذا عيَّن، ولم يكن نوى من الابتداء معيَّنةً، فيقع من وقت التلفظ بقوله: "إحداكما طالق" أو من وقت التعيين؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه يقع من وقت التلفظ، لأنَّه جزم بالطلاق، ونجَّزه، فلا يجوز تأخيره إلا أن محلَّه غيْر متعين، فيؤمر بالتعيين؛ ولأن التعيين يبين التي اختارها للنِّكاح، فيكون اندفاع نكَاح الأخرى باللفظ السابق، كما أن التعيين فيما إذا أسْلَم على أكثر من أربع لما تبين به مَنْ يختارها للنكاح كان اندفاع نكاح الأخريات بالإِسلام السابق.
والثاني: من وقت التعيين لأن الطلاق وقت التعيين؛ لأن الطلاق لا يَنْزِلُ إلاَّ في مَحَلٍّ معين، وربما عبر عن هذا الخلاف بأن التعيين تباع موقع وإيقاع، وقد يعبر عنْه بأن إرسال اللفظ المُبْهِمِ إيقاعُ طلاق، أو التزامُ طلاق في الذِّمَّة.
وعن القاضي الحُسَيْن؛ يُشْبِه بها الخلاف في أن القِسْمَة بيع أو إفراز حتى من حيْث إنَّا إذا جعلناها إفرازاً قلنا: إنه يبين بالآخرة ما كان حقًّا لكل واحد منهما، ويضاهي قولنا: إن المطلقة كانَتْ هذه المعينة، وإذا جعلناها بيعاً قلنا: إن من خَرَج له الجانب الشرقيُّ، باع حصته من الغربي بحصة صاحبه من الجانب الشرقي، وكان ذلك الحصار من قِبَل شائعين في القسمين فبالقسمة ثبت اختصاص كُلِّ واحد منْهما بما خَرَج له، ويضاهيه المصير إلى وقُوع الطَّلاق بالتعيين من غيْر إسنادٍ إلى اللفظ، واضطربوا في الرَّاجِح من الوجهين، فرَجَّح مرجِّحُون الوقوع عنْد التعيين، منْهم الشيخ أبو علي، وقال: ظاهر المذهب أن التعيين إيقاع الطَّلاق؛ لأنَّه وإن أرْسَل الطلاق، فلا يَقَع على واحدة منهما، حتى يُعَيِّن، فإذا عيَّن وَقَع، وكان ذلك بمنزلة قوله: من دخل منْكما الدار فهي طالقٌ، فإذا دخلَتْ إحداهما طُلِّقَتْ عنْد الدخول بالقول السابق.
وذهب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيِّب والروياني وآخرون إلى ترجيح الوُقُوع عند التلفظ، وقالوا: لولا وقوع الطَّلاق، لَمَا مُنِعَ منهما 279، واستبعدوا التحريم قبْل وقوع الطلاق، والنَّفْسُ إِلى قَبُول هذا أَسْرَعُ، والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 45

وعلى هذا الخلاف يبنى وَقْت احتساب العدة، فإِن قلْنا بالوقوع عنْد التعيين، فمنه وتُحْسَبَ العدة، قال في "الشامل" وهو مذهب أبي حنيفة وأَصحابه، وبهذا الوجه قال ابن أَبي هريرة، وهو عنْد بعضهم مصير منه: إلى أَن الطلاق يَقَع عنْد التعبير.
وقال الشيخ أبو حامد: إن الوُقُوع عنْده باللفظ لكنْ يجوز أن تجب العدَّة بالطَّلاق، ثم يتأخر الاحتساب عنْه، كما أن العدَّة في النكاح الفاسِدِ تجب بالوطء وتحتسب من وقت التفريق، وإن قلنا: إنه يقع من وقْت اللفظ، فعلى الخلاف المذكور فيما إذا نَوَى عنْد ابتداء اللفظ واحدةً معيَّنةً، فيكون الظاهر احتسابَ العِدَّة من يومئذٍ، وبه قال أبو إسحاق -رحمه الله- والاحتساب من وقْت التعيين أرجَحُ عنْد أكثرهم، كيف قُدِّر البناء، وهذا كله في حياة الزوجين، وسنذكر أنهما إذا ماتتا أو إحداهما، تبقى المطالبة بالتعيين؛ ليتبين حكم الميراث وحينَئِذٍ، فإن أوقعْنا الطلاق باللفظ فذَاك، وإن أوقعنا بالتعيين، فلا سَبِيلَ إلى إيقاع الطَّلاق بَعْد الموت، ولا بُدَّ من إسناد بالضرورة، وإلى ماذا يستند، فيه وجهان: أحدهما: أنه يستند، والحالة هذه، إلى وَقْت اللفظ، ويرتفع الخلاَف إذا وَقَع التعيين بعد الموت.
والثَّاني: إلى ما قبل الموت فيقع الطلاق حينئذٍ؛ لأَن عمرها كان وقْت التعيين فإذا انصرم، أسندنا الطلاق إلى آخر، حالة من حالات إمكان التعيين، وهو كحكمنا فيما إذا تلف المبيع قبْل القبض بارتداده إلى مِلْك البائع قبل التلف، ورجَّح صاحب الكتاب هذا الوَجْه، قال.: "على الأوجه يعني من هذَيْن الوجهَيْن، وجعل في "النهاية" الأصحَّ الوجه المقابل له، وقوله: أو "عند الإِبهام" وهو الوجه الآخر، وإن أراد بالإِبهام إرسال اللفظ المبهم أولاً، وفي بعض النسخ "على هذا الوجه أو عند الإبهام للضرورة" فيه خلافٌ وهو صحيح أيضاً.
الرابعة: لو وَطِئَ إحداهما، نُظِر؛ إن كان نوى واحدةً بعينها، فهي المطلَّقة، وقد تعينت هي بالنية المقترنة باللفظ والوطء لا يكون بياناً لذلك التعيين، وتبقى المطالبة بالبيان، فإن بين الطلاق في الموطوءة، فعَلَيْه الحَدُّ إن كان الطَّلاق بائناً، وعليه المَهْر؛ لجهلها بأنها المطلَّقة، وإن بيَّن في غير الموطوءة، قُبِلَ، فلو ادعت الموطوءة أنَّه أرادها حُلِّفَ، فإن نَكَل، وحَلَفَتْ، حُكِمَ بطلاقها، وعليه المَهْر، ولا حَدَّ للشبهة؛ فإن الطلاق ثَبَت بظاهر اليمين، وإن لم ينوِ واحدةً بعينها، فهل يكون الوطء تعييناً؟ فيه وجهان، ويقال قولان: أحدهما: أن الوطء يعيِّن الأخرى للطلاق؛ لأنَّ الظاهر أنَّه إنَّما يطأ مَنْ تحلُّ له، وصار كوطْء الجارية المبيعة في زمان الخيار، فإنَّه يكون فسْخاً أو إجازة وبهذا قال أبو

الجزء: 9 - الصفحة: 46

حنيفة والمُزَنِيُّ، وأبو إسحاق، حكاه القاضي أبو الطيِّب عن أبي الحَسَنُ الماسرجسي سماعاً ورجَّحه القاضي ابن كج.
والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: أنَّه لا يكونَ تَعْييناً، كما لا يكون بياناً؛ لأن ملك النكاح لا يَحْصُل بالفعْل ابتداءً فجاز 280 أن يتدارك بالفعل ولذلك لا تحصل الرجعة بالوطء ونخالف وطء الجارية المبيعة بشرط الخيار وإن ملك اليمين فيحصل بالفعل ابتداء فجاز أن يتدارك بالفعل وفي "الشَّامِل" و"التتمة" 281 أن هذا ظاهرُ المَذْهَبِ، والخِلاف مبنى عند بعْضِهم على أن الطَّلاق يقَع عنْد اللفظ أو عند التَّعْيين إن قلْنا عند اللفظ فالوطء تعين وإن قلنا عند التعيين، فالفعل لا يصلح موقعاً، وهذا ما أورده في الكتاب، وإذا جعلْنا الوطء تعيينًا فهل تكون سائر الاستمتاعات تعييناً؟! فيه وجهان بناءً على الخلاف في أن المباشرة فيما دون الفرج هل تحرم الربيبة فإن جعلنا الوطئ تعييناً للطلاق في الأُخْرَى، فلا مَهْر للموطوءة وإلا فتطالب بالتعيين، فإن عيَّن الطلاق في الموطوءة، وجَب المَهْر، إن قُلْنا بوقوع الطَّلاق عنْد اللفظ، وإن قلْنا بالوقوع عنْد التعيين، حَكَى الفوراني أنَّه لا يجب المهر، وذكر فيه احتمالاً آخر؛ أخذاً من وجوب المَهْر في وطء الرجعية.
فَرْعٌ: ذَكَر صاحب "الشامل" وغيره تفريعاً على أن الوطء تعيين أن الزوج لا يمنع من وطء أيتهما شاء، وإنما يمنع الوطء فيهما إذا لم يجعل الوطء تعييناً ولما أطلق الأكثرون المَنْع منهما جميعاً أشْعَر ذلك بأن الظاهر عنْدَهُم أنَّه ليْس بتعيين.
الخامسة: في صُورة ألفاظ البيان والتعيين إذا كان قد نَوَى واحدةً بعينها، فيحصل البيان بأن يَقُول مشيراً إلى واحدة: المطلقةُ هذه.
ولو قال: الزوجة هذه، تبيَّن الطلاق في الأخرى، وكذا لو قال: لم أُطَلِّقْ هذه، ولو قال: أردت هذه بل هذه، حُكِمَ بطلاقهما جميعاً؛ لأنَّه أقر بطلاق المشار إلَيْها أولاً، ثم رجع، مستدركاً، وأقر بطلاق الثانية فلا يقبل الرجوع عن الإقرار الأول، ويؤاخذ بالثاني كما لو قال: لفلان عليَّ درهمٌ بل دينارٌ.
ولو قال: أردتُّ هذه وهذه، فكذلك الجواب فإنَّه أقر أنَّه طَلَّقهما، وكذا لو حَذَف الواو، فقال: هذه هذه، وأشار بكل لفظة إلى واحدة، أو قال: هذه مع هذه، قال

الجزء: 9 - الصفحة: 47

الإِمام وهذا فيما يتعلَّق بظاهر الحُكْم، فأما بينَه وبيْن الله تعالى، فالمطلقة هي التي نواها لا غير، حتَّى لو قال: إحداكما طالقٌ ونواهما جميعاً قال: الوجْه عنْدنا أنهما لا يطلقان، ولا يجيْء فيه التردُّد المذْكُور فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً، ونوى ثلاثةً؛ لأنَّ حمل إحدى المرأتين عليهما جميعاً لا وجْه له، وهناك يَتطرَّق إلى الكلام تأويلٌ بيناه.
ولو قال: أردتُّ هذه ثم هذه، فالمذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنَّه تُطلَّق الأُولَى دون الثانية، ويمثله أجابا فيما إذا قال: أردتُّ هذه فهذه، وعلل ذلك بأن قضيَّة الحرفين الترتيب والتعقيب، فقد أثبت في الثانية طلاقاً على موجب الترتيب، وهو لم يُطلِّقْ إلا واحدةً، وهذا حكاه الإِمام عن القاضي الحُسَيْن -رحمهما الله-، واعترض بأنَّه كيف ما قَدَّر موجب الكلام، ففي قوله: "أردتُّ هذه ثم هذه" اعترافٌ بالطلاق فيهما، فليكن الحكم كما في قوله: أردتُّ هذه وهذه، والحق هو الاعتراض 282. ولو قال: أردتُّ هذه بعْد هذه، فقياس الأَوَّل أن تطلَّق المشار إليها بائناً وحدها، ولو قال هذه قبل هذه أو بعدها هذه فقياس الأول أن تطلق المشار إليها أولاً وحدها، وقياس الاعتراض الحُكْمُ بطلاقهما في الصورتين.
ولو قال: أردتُّ هذه أو هذه، واستمر الإِشكال والمطالبة بالبيان، ولو كانَتْ تحْته أربعٌ، فقال: إحداكن طالقٌ، ونوى واحدةً بعينها، ثم قال: أردتُّ هذه بل هذه بل هذه بل هذه طُلِّقْن جميعاً، وكذا لو عطف بحرف الواو، ولو عطف بـ"ثمَّ" أو بـ"الفاء" عاد المنقول عن القاضي، والاعتراض.
ولو قال، وهنَّ ثلاثٌ؛ أردتُّ أو طلقتُ هذه بل هذه أو هذه، طُلِّقَت الأولى وإحدى الأخريين، ويؤمر بالبيان، وإن قال: هذه أو هذه بل هذه طُلِّقَت الأخيرة، وإحدى الأولين يؤمر بالبيان، ولو قال: هذه، وهذه، أو هذه فيُنْظَرُ إن فصل الثالثة عن الأوليين بوقفة، أو بنغمة أو أداء فالطلاق متردِّد بين الأوليين وبين الثالثة وحدها، وعليه البيان فإن بين، في الثالثة طُلِّقَت وحْدها، وإن بين في الأوليين أو إحداهما، طُلِّقَتَا؛ لأنَّه جَمَع بينهما بالواو العاطفة، فلا يفترقان، وإن فَصَل الثانية عن الأُولَى تَردَّد الطلاق بيْن الأُوَلى، وإحدى الأخريين، فإن بين في الأولى، طُلِّقت وحدها، وإن بَيَّن في الأخريين أو إحداهما طُلِّقَتا جميعاً، وإن سرد 283 الكلام سَرْداً ولم يفصل احتمل كون الثالثة مفصولة عنهما، واحتمل كونها مضمومة إلى الثانية مفصولة عن الأولى فيسأل ويعمل بما

الجزء: 9 - الصفحة: 48

أظهر إرادته 284. ولو قال هذه أو هذه وهذه فإن فصل الثالثة عن الأوليين تردد الطلاق بين إحدى الأوليين والأخرى مطلقة وحدها وإن فصل الأخريين عن الأولى فالتردد بين الأولى وحدها وبين الأخريين معاً وإن سرد الكلام ولم يفصل، فهما مُحْتَملان.
ولو قال، وهن أربع، وقد طلق واحدة: أردتُّ هذه أو هذه لا بل هذه وهذه طلقت الأخريان وإحدى الأوليين ولو قال هذه وهذه بل هذه أو هذه، طُلِّقت إحدى الأخريين، والأوليان، ولو قال هذه وهذه وهذه أو هذه، فإن فَصَل الآخرة عن الثلاث يَتردَّد الطَّلاق بيْن الثلاث الأوليات وبين الرابعة، وإن فصَل الثالثة عفا قبلها طُلِّقَت الأوليان وإحدى الأخريين، وإن فَصَل الثانية عن الأُولَى، فينبغي أن يُقَال: تُطَلَّق الأولى، ويتردد الطلاق بين الثانية والثالثة معاً، وبيْن الرابعة وحْدها، فعليه البيان، وإن سرد الكلام سرداً قال: في ""التهذيب" يُطَلَّق الثلاث أو الرابعة، وُيؤْمَر بالبيان، فإن بيَّن في الثلاث أو في بعضهن طُلِّقْن جميعاً، وإن بين في الرابعة طُلِّقت وحْدها، والوجه أن يُقَالَ: صورة السرد تحتمل الاحتمالات الثلاثة، فيراجع، ويحكم بمُوجب ما يبينه على ما سَبَق نظيره، ولو قال: هذه وهذه أو هذه وهذه، فقَدْ يفرض فصْل الأُوَلى عن الثلاث

الجزء: 9 - الصفحة: 49

الآخرة، وضم بعْضها إلى بعْض، فتُطَلَّق الأولى، ويتردد بيْن الثانية وحْدها، وبين الأخريين معاً، وقد يفرض الفَصْل بين الأوليين والأخريين، والضَّم فيهما، فتطلق الأوليان والأخريان، [وقد يفرض فصل] الرابعة عما قبلها، فتطلَّق الرابعة، ويتردَّد الطلاق بين الثالثة وحْدها وبين الأوليين معاً، وإذا قال لواحدة أن المطلقة هذه، ثم قال لا أدري، أهي هذه أو واحدةٌ من الباقيات، فتلْك الواحدة، مطلَّقة بكل حال، وتوقف الباقيات، فإن قال بعْد ذلك: تَحقَّقْتُ أن المطلقة الأُولَى، قُبِل، ولم يُطَلَّق غيرها، وإن عيَّن أخْرى، حُكِم بطلاقها, ولم يُقْبَل رجوعه عن الإقرار الأول، واعلم أن الوقفة التي جعلناها فاصلةً بين اللفظين مع إعمال اللفظين هي الوَقفة اليسيرة، فأمَّا إذا طالَقْ فَقَطَعَت ونظم الكلام كما إذا قال: أردتُّ هذه، ثم قال بعد طول المدة أو هذه وهذه، فهذا الكلام الثاني لغو لا يستقل بالإفادة، وهذا كلُّه فيما إذا نوى عند اللَّفْظ المبهم واحدةً بعينها، أما إذا أرْسَلَه إرسالاً، ولم ينوِ شيئاً، فلما طولب بالتعيين، قال مشيراً إلى واحدة: هذه المطلقة تعيَّنت ويلغو ذكْر غيرها، سواء عطف الثانية عليها "الواو" أو "الفاء" أو "ثُمَّ"، وكذا لو قال: وهذه بَلْ هذه؛ لأن التعيين هاهنا ليْس إخباراً عن ما سَبَق، وإنَّما هو إنشاءُ اختيار، وليس له إلا اختيار واحدةٍ، فيلغو اختيار ما بعدها ولا فَرْق في ذلك بين أن نوقع الطلاق عنْد التعيين، وأسنده إلى وقت إطلاق اللفظ المبهم؛ لأنا، وإن أسندناه، فلا نجعل التعيين اختياراً، وإنما هو إنشاء تتمة، اللفظ، ويخالف الحالة الأولى؛ فإنه يُخْبِرُ هناك عن أمر سابق، ويجوز أن يكون صادقاً في الخبر الثاني دون الأول، فإذا اجتمع الإِقراران، لم يَكُنْ بُدٌّ من المؤاخذة بهما.
السادسة: قد سَبَق أنه إذا قال لزوجَتِه: إن كان هذا الطائر غُرَاباً، فأنْتِ طالقٌ، وأشْكَل الحال، لا يُحْكم بوقوع الطلاق، وأنه لو قال: إنْ كان غراباً، فزينب طالقٌ، وإن كان حماماً فعَمْرةُ، لا يحكم بطلاق واحدة منهما، فلو ادَّعَتِ التي عَلَّق طلاقها بكونه غراباً أنَّها مطلقة، فعليه أن يَحْلِفَ جزماً على نَفْي الطلاق، كما إذا طَلَّق واحدة، ونَسِيَ عيْنَها، وقالت إحداهما: أنا المطلَّقة وقد ذكرناه، وإن قالت كان غراباً فأنا طالقٌ، فعليه أن يَحْلِفَ على البَتِّ أنَّه لم يكن غراباً ولا يكفي أن يقول: لا أعلم كوْنَه غراباً، أو نسيت الحال، ذكره الإِمام، وفَرَّق بينه وبين ما إذا علَّق طلاقها على دخُولِها أو دُخُول غيرها، وأنْكَر حصوله، حيث يكون الحَلِف على نفْي العِلْم بالدخول بأن الدُّخُول هُنَاكَ فِعْل الغير، والحلف على نفْي فعْل الغير يكون على العِلْم، ونفْيُ الغرابية ليس كذلك، بل هو نَفْيُ صفة في الغير ونَفْيُ الصفة كثبوتها في إمكان الاطلاع، وإذا كان الشَّيْء ممَّا يُطَّلَع عليْه في الجملة لم تُغَيَّر القاعدة بأن يفرض بعد رؤيته؛ بأن كان الطيران في الليلة المظلمة، والرجل في كن، لم يَكُن الأمر في مظنة البَحْث والمراجعة.
قال في "البسيط" وفي القلب منه الفَرْق بين نفي الغرابية ونفي الدخول شيء

الجزء: 9 - الصفحة: 50

فليتأمل ويشبه أن يقال إنما يلزمه الحلف على نَفي الغرابية إذا تَعرَّض في الجواب لذلك أما إذا اقتصر على قوله لست، بمطلقة فينبغي أن يكتفي منه بذلك كما ذكَرْنا في جواب البَائِع إذا ادَّعى المشتري العَيْبَ القديم، وأراد الرد، وسيأتي نظائره في مواضعها.
وقوله في الكتاب "ولو خاطب بِه زوجتيه" هذا القدر من التصوير يشتمل على ما إذا نَوَى واحدةً بعينها، وما إذا لم ينوِ واحدةً، وأرسل اللفظ، والمسائل التي ذكَرَها فيها ما يَشْمَل الحالَيْن، ومنها ما يختص بإحداهما، فقوله "لزمه التعيين" يصحُّ إطلاقه في الصورتين، وإن كان اللَّفْظ بصورة الإِرسال أحقُّ؛ لأن التعيين بيانٌ رافع للإبهام والبيان فيما إذا نوى واحدةً معيَّنةً تعيين لواحد من محتمل اللفظ، وكذلك أطْلَقَ في الكتاب التعيين تارةً والبيان أخرى فقال: "لزمه التعيين" ثم قال: "وعليه نفقتهما إلى البيان"، وأما قوله: "ويقع الطَّلاق باللفظ بالتعيين" فهذه المسألة تختص بحالة الإِرسال، وقوله "كان تعييناً" يجوز إعلامه بالألف؛ لِمَا مَرَّ أن عند أحمد -رحمه الله- التعيين بالقرعة فلا يكون الوطء تعييناً، ولا القول.
وقوله: "لم يُؤَثِّر الوطء" معلَّم بالحاءِ؛ لِمَا ذكرنا، وقوله: "ولو ماتتا، لم تَسْقُط المطالبة بالتعيين ... " إلى آخره أَخَّرْنا إشباع القول في حالة المَوْت إلَى الفَصْل الثَّاني لهذا؛ لأن الغَرَض الآن الكَلاَم في وقْت الطلاق حالَةَ المَوْت، وليعلَّم قوله "تسقط" بالحاء والواو؛ لما سيأتي وقوله: "أردتُّ هذه وهذه" يعني فيما إذا أرسل اللفظ ولم ينوِ معينة.
وقوله "ولو قالت في مسألة الغراب" في الكتاب ما إذا قال الرجل: إن كان غراباً، فامرأتي طالقٌ، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالقٌ، فأيضاً، أمَّا إذا قال: إنْ كَانَ غراباً، فزينبُ طالقٌ، وإلا فعمرةُ، والتداعي المذكورُ يُمْكِن فرضه في هاتين الصورتين، ويمكن فرضه فيما إذا لم يُوجَد إلاَّ تعليقٌ واحدةٌ من شَخْص واحد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَمَاتَتَا فَهَلْ لِلوَارِثِ التَّعْيِينُ لأَجْلِ المِيرَاثِ؟ فِبهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ الزَّوْجُ هَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ إِنْشْاءُ التَّعْيينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طَرَأَ المَوْت قبْل البيان أو التعيين، فله حالتان: إحداهما: أن تموت الزوجتان أو إحداهما، ويبقى الزَّوْجُ، فتبقى المطالَبَةُ بحالها بالبيان، أو التعيين، لتبين حال الميراث.
وقال أبو حنيفة: إذا ماتَت سقَطَت المطالَبَةُ بالتعيين؛ بناءً على أن الطَّلاَق يقَعْ عند التعيين، ويستحيل الوقوع 285 بعْد الموت، وإذا ماتَتْ إحداهما، قال؛ يتعين الطلاق في

الجزء: 9 - الصفحة: 51

الأخرى، إلى مَذْهَبِه مال الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- وأقيم ذلك وجهاً، والمَذْهَب المشْهُور الأول، ويوقف له من تركة كلِّ واحدة منهما، أو من تركة الميتة منهما ميراث زَوْج إلى أن يبين أو يعين، فإذا بُيِّن أو عُيِّن، لم يرث من المطلَّقة، إذا كان الطلاق بائناً، سواء قلْنا بوقوع الطلاق عنْد اللَّفْظ أو التعيين، قال صاحب "التتمة" وغيره؛ لأن الإِيقاع سَابِقٌ، وإن كان الوقوع حينئذٍ، وأما الأخرى فيرث منها، ثم إن كان قد نَوَى معينة وبين فقال وَرَثَةُ الأخْرى: هي التي أَرتها للطلاق، ولا وارث لكَ، فلهم تَحْلِيفُه، فإن حَلَف فذاك، وإن نكل حَلَفُوا، وحرم ميراثُها أيضاً باليمين المردودة، وإن لم يَنْوِ معيَّنة، وعَيَّن فلا يتوجه عليه لورثة الأخرى دعوى؛ لأن التعيين يتعلَّق بشهوته واختياره.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنَّه لمَّا صار إلى انحتام التعيين بموتهما, وَرِثَ الزوْج منْهما جميعاً، لكن قال: يرث من كل واحدةٍ منهما نصْفَ ميراث زَوْج، والشيخ أبو محمَّد في التفريع على ما مال إليه كَمَّلَ له الإِرث منهما.
فرْعٌ: قال القاضي ابن كج: إذا حَلَّفَهُ وَرَثَةُ التي عيَّنها للنِّكَاح وأخذوا جميع المهر، إن كان بَعْد الدخول، وإن كان قبله، أخذوا نصفه، وفي النِّصْف الثاني وجهان: وجه يأخذونه أيضاً إمضاء للحكم على موجب تصديقه، ووجْه المَنْع أنَّها مطلَّقة قبْل الدخول بقولهم، ولو كذَّبه ورثة الَّتي عيَّنها للطلاق، وغرضهم استقرار جميع المهر، إذا كان قبل الدُّخُول، فلَهُمْ تحليفه، وهم مقرون له بإرْث لا يدعيه.
الحالة الثانية: إذا مات الزَّوْج قبْل البيان أو 286 التعيين، ففي قيام الوارث مقامه طريقان: أشهرهما: [أن] فيه قولان: أحدهما: أنَّه يقوم مقامه، كما يَخْلُفُه في سائر الحقوق، كالرد بالعيب، وحق الشفعة وغيرهما، وكما يقوم مقامه في الاستلحاق النسب.
والثاني: المَنْع؛ لأن حقوق النِّكَاح لا يُورث، ولأنَّه إسقاط وارث، فلا يتمكن 287 الوارث منْه، كنفي النسب باللِّعَان، وفي مَحَلِّ القولَيْن طرُقٌ: أحدها: أن الخلاف فيما إذا كان قَدْ نَوَى واحدة بعينها، أمَّا إذا أرْسَل اللَّفْظ، ولم ينوِ معيَّنة، فليس للوارث التعيين بلا خلاف.
والثاني: أنَّ له البَيَانَ بلا خلاف، والقولان في التعيين وقيل لا يقوم في التعيين والقولان في البيان والفرق على الطريقتين أن البيان إخبارٌ، وقد تعرف إرادة المُوَرِّث،

الجزء: 9 - الصفحة: 52

ويطلع عليها بخبر أو قرينة، والتعيين اختيار يَصْدُر عن شهوة، فلا يحْلُفُه الوارث فيه، كما لو أسْلَم الكافر على أكْثَرَ من أرْبَع، ومات قبْل الاختيار.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق أنه يطَّرد الخلاَف في البَيَان والتعيين معاً.
والطريق الثاني في الأصل، وبه قال القَفَّال: أنه إن مات والزوجتان حيتان، فنقطع بأنَّه لا يقُوم الوارث مَقَامه في البيان ولا في التعيين؛ لأنَّه لا غَرَضَ له في ذلك، فإن الحال لا يختلف بين أن يُخَلِّف زوجة أو أكثر، وإن ماتَتْ إحداهما، ثم مات الزوج، ثم الأخرى، وعَيَّن الوارث الأُولَى للطَّلاق، فنقطع بقبول قوله؛ لأنه يَضُرُّ بنفسه؛ من جهة أنَّه يحرم مورثه عن ميراث الأُولَى، ويشرك الثانية في تركه مورثه، وإن عيَّن الأولى للنكاح، والثانية للطلاق، أو مات الزوج بعدما ماتَتَا، ففيه القولان، ثم يَعُود التَّرْتِيب المَذْكُور في البيان والتعيين وذَكَر الشيخ أبو حامد أنَّه إنَّما يوجد القولان منصوصَيْن فيما إذا توسَّط موْت الزوج موتيهما، وعيَّن الوارث الآخرة للطلاق، ومنهما أُخِذَ الخلاف في سائر الصُّوَر، ولذلك عَبَّر معبِّرون عن الخلاف بالوجهين والأظهر حيْث اتفقت الطريقتان على إثبات الخلاف، فيقوم الوارث مقام الموروث، وحيث اختلف المَنْع 288. التفريع: إذا لم يقمِ الوارث مقام الموروث، أو قلنا يقوم فقال الوارث: لا أعْلَمُ، فإن مات الزَّوْج قبلهما، فيُوقَفُ ميراث زوجه بينهما حتى يصطلحا، أو يصطلح ورثتهما بَعْد موتهما، وإن ماتتا قبْل موت الزَّوْج، فيُوقَفُ من تركتهما ميراثُ زَوْج، وإن توسط موته موْتَهُما، وُقِفَ من تركة الأولى ميراثُ زوج؛ ومن تركة زوج؛ ميراث زوجة حتَّى يحصل الاصطلاح، وإن قلنا: يقوم مقامه، فإن مات الزَّوْج قبلهما فتعْيينُ الوارث لتعيينه، وقد بيَّنا حُكْمه، وإن ماتت الزوجتان ثم مَاتَ الزَّوْج، فإذا بيَّن الوارث إحداهما، فلورثة الأخرى تَحْلِيفُه أنه لا يَعْلَم أن مورِّثَه طلَّق مورثتهم، وإن توسَّط موْتُه موتيهما وبيّن الوارث الطَّلاقَ في الأولى، وجرينا على قوله، لم نُحلِّفْه؛ لأنه يُقِرُّ على نفسه وَيَضُرُّ بِهَا 289، وإن بين الطلاق في المتأخرة، فلوارثِ الأُولَى تحليفُه؛ لأنَّه يروم الشركة في تركتها، فيحلف أنَّه لا يعْلَم أن مورثه طلَّقها, ولوارث الثانية تحليفُه؛ لأنَّه يروم حرمانه من ميراث الزَّوْج فيحلف على البَتِّ أن مورثه طلَّقها؛ لأن يمين الإِثبات تكون على البَتِّ.
وقوله في الكتاب "وإذا ماتَ الزَّوْجُ وماتَتَا" كلمة و"ماتتا" لا حاجة إليها، إذا قلْنا

الجزء: 9 - الصفحة: 53

بالطريق الأشْهَر، وإذا وقعت فليحمل على أن المعنى: "وقَدْ مَاتَتَا" إشارةً إلى أنَّه إذا مات بعد موتهما فهو موضِعُ الخِلاَف في أن الوارث هلْ يَقُوم مقام المورِّث باتفاق الطريقتين؟ أمَّا إذا كانتا حيتين، فلا يجيء الخلاف على الطريق الثاني.
فرْعٌ: شَهِدَ شاهدان مِنْ ورثة الزَّوْج أَنَّ المطلَّقة منهما فُلانَةٌ فتقبل شهادتهما إذا مات الزوج قبلهما؛ لأنه لا تهمه، ولا تقبل إن ماتتا قبْلَه لجرهما نقل 290 الميراث بشهادتهما، وإن توسَّط موت الزوج موتهما، فإن شهدا بطَلاَق التي ماتَتْ قبله، قُبِلَتْ؛ لأن هذه الشَّهَادة تُضِرُّ بهما من وجْهَيْن: أحدهما: حرمان الزوج من ميراث الأُولَى.
والثاني: شركة الأُخْرَى في إرثه، وإن شهدا بطلاق التي ماتت بعده [لا تقبل] لجرهما النفع بشهادتهما بعكس الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ولو قال: إن كَانَ هَذَا غُرَاباً فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِلاَّ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ البَيَانِ فَفِي وَجْهٍ يُعَيِّنُ الوَارِثُ، وَفِي وَجْهٍ نَقْرَعُ بَيْنَهُمَا لأَنَّ القُرْعَةَ تُعْمَلُ فِي العِتِقْ، فَإنْ خَرَجَ عَلَى العَبْدِ عَتَقَ، وإنْ خَرَجَتْ عَلَى المَرأَةِ لَمْ تُطَلَّقْ إِذْ لاَ أَثَرَ لِلقُرْعَةِ فِي الطَّلاَقِ، وَهَلْ يَرِقُّ العَبْدُ فِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه البقيَّة فيما إذا كان الإبْهَام بين الطَّلاق والعِتْق، فإن قال: إنْ كان هذا الطَّائِر غراباً، فعَبْدي حُرٌّ، وإن لم يكنَ فزوجتي طالقٌ، أو 291 دخل جماعة في ظلمة، فقال: إنَّ كان أوَّلَ من دَخَل زيْدٌ، فعَبْدي حرٌّ، وإلا فزوجتي طالقٌ، وأشكل الحال، وفيه مسألتان: إحداهما: ذكر القاضي ابن كج أن أبا الحُسَيْن حَكَى وجْهاً، أنَّه يُقْرَع بين العبد والمرأة، كما سنذكر فيما إذا مَاتَ الحالف وعلى هذا فلو فَرَعْنا فخرجت القُرْعةُ على العبْد، ثم قال: تبينت أن الحنث كان في الطلاق، لم ينقص حُكْم القرعة، وحكَمْنا بوقوع الطلاق، والصحيح أنه لا قُرْعَة ما دام الحالف حياً؛ لأنَّ البيان متوقَّع منْه، وقد يُطْلِعُه الفحْص على كيفية الحال بعد الشَّك والتردد، ولكن يُمْنَع من الاستمتاع بالمرأة، ومن استخدام العَبْد والتصرُّف فيه؛ لتيقن التحريم في أحدهما، وعليه نفقة المرأة إلى البيان، وكذلك نفقة العَبْد في أصحِّ الوجهين.
والثاني: أنَّه يؤجره الحاكم، وينفق عليه من أجرته، فإن فَضَل شيْء منها حَفِظَه إلى أن يتبيَّن الحال، وإذا تبيَّن، وقال؛ حنثت في يمين المرأة، طُلِّقَتْ، ثم إن صدَّقه

الجزء: 9 - الصفحة: 54

العَبْد، فذاك، ولا يمين عليه، وحكى الحناطي وجهاً أنه يحلفَ؛ لِمَا فيه من حَقِّ الله تعالى، وإن كَذَّبه، وادعى العِتْقُ صدِّق السيد بيمينه، فإن نَكَل، حَلَف، وحُكِمَ باليمين المردودة، وإن قال حنثت في يمين العبد، عَتَقَ العبد، ثم إن صَدَّقته المرأة، فلا يمين عليه، وفيه الوجْه المذكور، وإن كَذَّبته حَلَف، فإن نكل حلَفَت، وحكم بطلاقها أيْضاً وقوله: "لم أحنث في يمين العَبْد" في جواب دَعْواه وغير جواب دَعْواه، كقوله: حنثت في يمين المرأة؛ وكذا قوله: "لم أحْنَثْ في يمين المرأة، وقوله حنثت في يمين العَبْد".
ولو قال: لم أعلم في أيِّهما حنثت، ففي "الشامل" وغيره، أنَّهما إن صدَّقَاه بقي 292 الأمْر موقوفاً كما سَبَق، وإنْ كذَّباه، حلف على نفي العِلْم، فإن حلف، فالأمر موقوفٌ، وإِن نَكَل، حَلَف المُدَّعِي منهما، وقُضِيَ به بما يدعيه، ولو ادعى أحدهما الحَنِث في يمينه، فقال في الجواب: لا أدري، لم يكُنْ هذا إقراراً بالحَنِث في حَقِّ الآخر، فإن عُرِض عليه اليمين، وحلف على [نفي] ما يَدَّعي، فهو مقر بالحنث في حق الآخر، ولو كان قَدْ علَّق طلاق نسوة، وادَّعَيْن الحَنِث عليه، فإن نَكَل، فحلف بعضهن دون بعض، حُكِمَ بطلاق من حلَفَتْ دوَّنْ لم تحلف، ولو ادَّعَت واحدة، ونَكَل عن اليمين، فحلَفَتْ، حُكِم بطلاقها, وله أن يحلف إذا ادَّعَت الأخرى ولا يُجعَل نكوله في حقِّ واحدة نكولاً في حقِّ الأخرى، واعْلَمْ أن ما سَبَقَ ذكْره من الأمر بالبيان أو التعيين والحبس والتعزير عنْد الامتناع، قد أشاروا إلى مثْله هاهنا، لكن إذا قُلْنَا إنه إذا قال: لا أَدْرِي يحلف عليه وقنع منه بذلك، فيكون والتضييق إلى أن يبيِّن أو يقول: لا أدري، ويحلف علَيْه، وهكذا ينْبَغِي أن يكون في الحكم الطلاق بين الزوجتين، والله أَعلْم.
الثانية: إذا 293 مات الزَّوْج قَبْل البيان، فهل يقُوم الوارث مَقَامه، فيه طريقان: أحدهما: أنَّه على الخلاف في الطلاق المبهم بين الزوجين.
والثاني: القَطْع بالمَنْع، لظهور تُهْمة الوارث؛ بأن يزعم الحَنِث في الطلاق، فيسقط زحمة المرأة في التركة ويستبقي الملك في العبد، وبأن للقرعة مدخلاً في العتق، فكان تحكيمها أَوْلَى من الرجوع إلى الوارث، وقضية هذا التوجيه تحكيم القرعة عنْد إبهام العِتْق بيْن الرقيقين والذي نَصَّ الفحول على ترجيحه أنَّه لا يقوم الوارث مَقَام المُوَرِّث في البيان وإن أثبتنا الخِلاَف، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ تخصيصُ الخلاف بما إذا عيَّن الوارث الحَنِث في يمين المرأة، أما إذا عَكَس، فيقطع بالجواز على موجب قوله؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسه وَيضرُّ بِهَا بتشريك المرأة في التركة وإخراج العبد عن التركة، وهذا حسن موافق تقدَّم في الطلاق المبهم.

الجزء: 9 - الصفحة: 55

وإذا لم يُعْتَبَر بيان الوارث أو اعتبرناه، وقال: لا أعْلَم لي بالحال فيقرع بين المرأة والعبد، فلعلها تخرج على العبد، فإنها مأمورة في العِتْق، وإن لم تُؤَثِّر في الطلاق، كما يصغي إلى شَهَادة رجُل وامرأتين في السرقة لتأثيرها في الضَّمَان، وإن لم تُؤَثِّر في القطع، وإن خرجَتْ على العبد عَتَق، ويكون العِتْق من الثلث، إن كان الحَلِف في مَرَض المَوْت، وترث المرأة إلاَّ إذا كانت وادعت الحَنِث في يمينها، والطلاق بائن، وإن خرجت على المرأة لم تُطَلَّق لكن الورع أن تَدَع الميراث، وهل يَرِقُّ العبد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت القرْعة، يَرِقُّ إذا خرجت على عديله؛ وعلى هذا يزول الإِشكال، ويتصرف الوارث في العبد كيْف شاء، وأصحُّهما المَنْع؛ لأنَّ القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه، فيبعد تأثيرها في غيره، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أن القُرْعة تُعَاد إلى أن تَخْرُجَ عليه قَال الإِمام: وعنْدي؛ يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء، ومن قال به فلْيقطع بِعِتق العَبْد، وليترك تضييع الزمان في إخراج القُرْعَة، وهذا قوي قويم، لكن الحنّاطي حكى الوجْه عن أبي علي بن أبي هريرة، وهو زعيم عظيم الفقهاء لا يتأتى إخراجه عن أحزابهم.
وأصحهما: أن الإشكال يَبْقَى بحاله ويوقف عنْهما جميعاً في الابتداء، والحاصل أنَّا كنَّا نبغي من القُرْعةَ بياناً، فلم نظفر به، وإن قلنا: إن الوارث تقوم مقامه، رجَعْنا إلَيْه، فإن عيَّن الحنث في يمين العَبْد عتق، وورثت المرأة، وإن عكس، فللمرأة تحليفه، ويكون حلفه على البت، وللعبد أن يَدَّعِيَ العتق، ويحلفه، ويكون حلفه على أنَّه لا يَعْلَم أن مورثه حَنَث في يمينه، ونقل الحناطي وجْهاً عن ابن سُرَيْج: أنَّه إذا لم يبين الورثة، يوقف إلى أن يموتوا، ويخلفهم آخرون، وهكذا إلى أن يحصل له بيان، والظاهر ما بيَّنَّا، وهو الإِقْرَاع إذا لم يبينوا ونقل وجهاً أن الحالف إذا لم يبين حكم عليه بالعتق والطلاق معاً وإذا لم يبين إلى أن مات أو جن أقر بالبيان، وضُيِّق عليه، وكيف ما قُدِّرَ فهو ضعيف، والله أعلم.
وهذا تمام الكلام في الشطر الأول من الكتاب ونختمه بصور هي من شرائط هذا الشَّطْر، وربَّما يقع فيها ما تَسْهُل معرفته من أصولها أو أخواتها الَّتِي تقدَّمت، لكنَّا أوردْناها إذْ وجدْنَاها مسطُورةً، فلا تخلو في الأغلب عن زوائد وفوائِدَ: فيما جمع من "فتاوى القفَّال" وغيره أنَّه لو قال: طلقْتُ، ولم يزد، لا يقع الطلاق، وإن نوى لأنَّه لم يَجْرِ للمرأة ذكرٌ، ولا دلالة، فهو كما [لو] 294 قال: "امرأتي" ونوى الطلاق، وأنه لو قال

الجزء: 9 - الصفحة: 56

[يتوارزني من يك] 295 ولم يزد عليه، لا يقع الطلاق، وإن نَوَى، ولو قال [اكريتوزن منى بهزار طلاق] 296 ولمْ يقل (هشته اى) 297 فإن كان في غرضه أن يقول (هشته اى) 298 (شم ندم)؛ فسكت أو أسكته غيره لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق يقع بتمام اللفظ ولم يتم، وإن أراد الإِيقاع بقوله (هزار طلاق) 299 وقع وصلح للكتابة.
وأنه لو قال: طلقتك واحدة أو ثنتين، على سبيل الإنْشَاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين، كما لو قَالَ: أعتقت هذه أو هذَيْن، وأنَّه لو قال لوليِّ امرأته: زَوِّجْها، كان إقراره بالفراق، ولو قال: لها: انْكِحي، لم يكن إقراراً لأنها لا تَقْدِر على أن تنْكِح، لكن السابق إلى الفَهْم من ذلك ما هو المفهوم من قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وأنه لو قال لامرأته وزمرته (هرجائي كي خواهى، رويم) 300 لم يدر أنوى الطلاق أم لا؟ وإن نواه، أَنَوَى واحدةً أو أكثر؟ فالاحتياط أن يراجعها، إن لم تنقض مدة العدة، وتجدِّدُها إن انقضت، والاحتياط التمام أن يطلقها طلقة ولا ينكحها حتى تَنْكِح زوجاً غيْره، وأنَّه إذا قالت له زوجته: تزوجت عائشة بنت عبد الله، فقال: إن تزوجْتُ عائشةَ بنْت عبد الله، فهي طالقٌ، ثم قال: أردتُّ غيرها, لم يُصَدَّق، كما لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالقٌ، وقال: أردتُّ الأجنبيَّة، وقد سَبَق ما في الصورتين من الخلاف، وفي "فتاوى الشيخ الحُسَيْن الفرَّاء" أنه إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالقٌ، ثم قال ما عينت واحدة بقلبي، يحكم بوقوع الطلاق، وإنَّما يتصرف الطَّلاَق عن الزوْجة، إذا قال: أردتُّ الأجنبية، حُكيَ عن أبي العبَّاس الرُّويانيِّ روايةُ وجهَيْن فيمن له امرأتان، فقال: امرأتي طالقٌ مشيراً إلى واحدة منْهما، وقال: أردتُّ الأخرى.
أحد الوجهين أنَّه يُقْبَل، ويقع الطلاق على الأخرى، ولا تلزمه الإِشارة شيئاً.
والثاني: يحكم بوقوع الطلاق عليهما على المشار إليها بظاهر الإِشارة، وعلى الأخرى 301 بقوله: "أردتها".
وفيه أنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ كألف، يُرْجَع إلى نيته، فإن نوى اثنين أو ثلاثاً، فهو

الجزء: 9 - الصفحة: 57

ما أراد، وإن لم يَنْو شيئاً فواحدة وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، حتى تتم ثلاثٌ، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه تقع ثلاثاً، وبه قال: أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: يُرْجَع إليه، فإن لم ينوِ شيئاً، فتقع واحدة، ويقرب منْه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ حتى أكمل ثلاثاً أو أوقع عليك ثلاثاً، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ألواناً من الطَّلاق، فيُرْجع إلى نيته، فإن لم يَنْوِ شيئاً، وقَعَت واحدة، وأنَّه لو قال: يا مطلَّقة، أنت طالقٌ، وكان قد طلَّقها قَبْل ذلك، فقال أردتُّ تلْكَ الطلقة، يُقْبَل قوله، أو يقع طلقة أخْرى؟ فيه وجهان، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً أوْ لا بإسكان الواو لا يقع شيْءٌ؟ قال في "التتمة" هو كما لو قال "هل أنت طالقٌ ولو قال أوْ لا أنتِ طالقٌ، بتشديد الواو، وهو يعرف العربية، يقع الطلاق، والمعنى أنْتِ أوَّلٌ في الطلاق، وذكر إسماعيل البوشنجي أنَّه لو قال لإِحْدى نسائه: أنْتِ طالقٌ، وفلانة أو فلانة، فإن أراد ضمَّ الثانية إلى الأُولى فهما حزب والثالثة: حزب والطلاق مردّد بين الأوليين والثالثة، فإن عين الثَّالثَة: طُلِّقت وحدها، وإن عيَّن الأوليين أو إحداهما طُلِّقَتَا، وإن ضَمَّ الثانية إلى الثالثة، وجعلهما حزباً، والأولى حزباً طلقت الأُولَى وإحدى الأخريين، والتعيين إليه، وهذا الضم والتخريب يعرف من قرينة الوقْفة والنغمة على ما ذَكرْنا في صيغ التعيين، فإن لم تُوجَدْ قرينةٌ قال: الذي أراه أن يفصل إن كان الرجُل عرافاً بالعربية، فقضية الواو العاطفة الجَمْع بيْن الأولى والثانية في الحُكْم، فيجعلان حزباً واحداً، والثَّالثة حزباً، وإن لم يكن عارفاً بها فتُطَلَّق الأُولَى بيقين ويخيّر بين الأخريين، للشَّكِّ، وأنه إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصفاً، يراجع، ولو قال عنيت إلا نصفَها، تقع طلقتان، وإن قال إلا نصْفَ طلقة طُلِّقت ثلاثاً، ويجيْء الوجه الذاهب إلى أن استثناء النِّصْف كاستثناء الكُلِّ، وإن قال: طَلَّقْت ولم أنْوِ شيئاً، حمل على استثناء النِّصْف من الجميع، وأنه لو قالت له امرأته: طلِّقني وطلِّقني وطلِّقني، فقال: طلَّقتك أو قد طلَّقْتك، إن نوى الثلاث، تقع الثلاث، وإن نوى واحدةً وقعَتْ واحدة، وإن لم ينوي شيئاً فالقياس أن تقع واحدة، وكذا لو قالت طلِّقني طلِّقني طلِّقني، فقال: طلَّقْتك أو قد طلَّقتك أو قَالَتْ: طلِّقْني ثلاثاً، فقال أنتِ طالقٌ أو طلقتك أو قد طلقتك، وأنَّه لو طلقها طلقة رجعيَّة، ثم قال: جعلتها ثلاثاً، فهو لغْوٌ لا يقع به الثلاث؛ لأنَّه تصرُّف في طلاق قد قضى ونفذ.
وقال: أبو حنيفة يقع الثلاث، وأنَّه لو قال: لنسائه الأرْبَع، وقد جلَسْن صفاً: الوُسْطَى منكن طالقٌ، فعن أصحاب أبي حنيفة أنَّه لا يقع الطَّلاق على واحدة منْهن، لأنَّه ليس للأربع وسْطَى قال فيه وجهان، ولم يزد على هذا، والمفهوم مما أجْراه في المسألة أنَّ أحد الوجهين يوافق مذهبهم.

الجزء: 9 - الصفحة: 58

والثاني: أنَّه يقع الطلاق على الوسطيين؛ لأنَّ الاتحاد ليس بشرط في وقوع اسم الأوسط والوسطى (1)، وأنه لو قال لامرأتيه، المدخول بهما: أنتما طالقتان، ثم قال قبل أن يراجعهما إحداكما طالقٌ ثلاثاً، ولم يَنْوِ معيَّنة أو قال: أنْتِ يا طالق يا فلانة ثلاثاً أو أنت طالق يا فلانة ثلاثاً، ثم انقضت عدَّة إحداهما، لم تتعيَّن الأخرى؛ لوقوع الطلاق عليهما خلافاً لمحمد بن الحَسَن، بل يبقى الإبهام، فإن عيَّن في التي بَقِيَت عدتها، فذاك وإن عيَّن في الثانية، فيُبْنَى على أن التّعْيينَ بيان الواقع أو هو إيقاع؟ إن قلْنَا بالأول صَحَّ، وإن قلنا بالثاني فلا لأن الثانية لا تَقْبَلُ الإِيقاع، قال [و] (2) الأوَّل أشبَه بالمَذْهب، وإذا انْقَضَت عدَّتها, لم يجز التزويج بواحدة منهما قبْل التعيين إلاَّ إذا نَكَحَت زوجاً آخَر، وذكر البوشنجي -رحمه الله- أنَّه لو قال لامرأته: أنْتِ طالقٌ عن هذا العَمَل لا ينبغي أن يقضي بوقوع الطلاق عليها لا ظاهراً ولا باطناً؛ لأن التطليق (3) تخليص، وإنما خَلَّصَها عن العمل لا عن قيد النكاح، وإنما ينصرف عنْد الإطلاق إلى قيد النكاح؛ للعرف الشائع، وحَكَى فيما إذا قال لعبده (ازاد كردم ويرا) (4) أمرين، هَلْ يعتق؟ اختلافَ جواب عن مشايخه الَّذين لقيهم -رحمهم الله- وإيانا.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الشَّطْرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في التَّعْلِيقَاتِ،

وَفِيهِ فُصُولٌ وَفُرُوع

ٌ: (الفَصْلُ الأوَّلُ في التَّعْلِيقِ بِالأَوْقَاتِ):

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ طُلِّقَتْ عِنْدَ اسْتِهْلاَلِ الهِلاَلِ، وَلَوْ قَالَ: فِي يَوْم السَّبْتِ فَعِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَلَوْ قَالَ: آخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ النِّصْفِ الأخِيرِ، وَلَوْ قَالَ: أَوَّلَ آخِر الشَّهْرِ فَهُوَ أَوَّلُ اليَوْمِ الأَخِيرِ، وَقِيلَ: أَوَّل النِّصْفِ الآخِرِ، وَلَوْ قَالَ: آخِر الأَوَّلِ فَهُوَ آخِرُ اليَوْمِ الأوَّلِ، وَقِيلَ: آخِرَ اللَّيْلَةِ الأُولَى، وَقِيلَ: آخِرَ النِّصْفِ الأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ: فِي سَلْخِ الشَّهْرِ فَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: أَوَّلَ اليَوْمِ الأَخِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تبيَّن في أوَّل الطَّلاَق أن غَرَض هَذا الشَطْرِ الكَلاَمُ في تعليق الطَّلاَق بالشروط، وهو جائِزٌ، واستأنسوا له بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 306 وقاسُوه على العِتْق؛ فإن الشرع ورد بالتدبير، وهو تعليق العتق بالموت،302303304305

الجزء: 9 - الصفحة: 59

والطلاق والعتق يتقاربان في كَثِير من الأحكام قالُوا: والمعنى فيه أن المرأة قدْ تخالف الرَّجُل في بَعْض مقاصده، فتفعل ما يَكْرَهُه، وتمتنع عن ما يرغب فيه، ويَكْرَه الرَّجُلُ طلاقَهَا، من حيْث إنَّه أبْغَضُ المباحات، ومن حيْثُ إنَّه يرجو موافقتها، فيحتاج إلى تعْليق الطَّلاق بفعل ما يكْرَهُه، أو ترك ما يريده، فإمَّا أن تمتنع ولا تفعل، فيحصل غَرَضُه، أو تخالف، فتكون هي المختارة للطلاق، وإذا علَّق الطَّلاق بشرط، لم يجُزْ له الرجوع عنه كما لو عَقَد اليمين على فعْل، ولا فَرْق في جواز التَّعليق أن يكُون الشَّرْط معلومَ الحُصُول، أو موهومَ الحْصُول، ولا يقع الطلاق في النوعين إلا بوجوده، وعن مالك أنَّه إذا علَّق بصفة يتحقق وجودها كمجيء الشَّهْر، وطلوع الشمس يقَع الطَّلاق في الحال.
ولا يحْرُم الوطء قبْل وجُود الشَّرط، ووقوع الطلاق، وعن مالك -رحمه الله- أنَّه قال: إذا قال: إنْ لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ طالقٌ يمتنع من الوطء إلى أن يفْعَلَه؛ لأن الحَنِثَ يَحْصُل بترك الفِعْل، والأصْل في الفعل العَدَمُ، ولو علَّق طلاقها بصفة، ثم قال: عَجَّلت تلْكَ الطلقة المعلقة، لم تتعجل، لتعلُّقها بذلك الوقت المستقبل، كما لو نَذَر صوم يوم معين، وكَمَا أن الجُعْل في الجعالة لَمَّا تعلق استحقاقه بالعَمَل، لم يتعجَّل بتعجيل، المالك وفيه وجْه آخر عن رواية الشَّيْخ أبي عليٍّ وغيره، وإذا قلنا بالظاهر فلو طلق وقال: عجلت لك الطَّلاق، راجَعْنَاه فإن قال: أردتُّ تلك الصفة، صدَّقاناه بيمينه، ولم يتعجَّل شيْء، وإن أراد طلاقاً مبتدأً وقعت طلقة في الحال ولو عقب لفظ الطلاق بحَرْفِ الشرط، فقال: أنْتِ طالقٌ، إنْ، فمنعه غيْره من الكلام؛ بأنْ وضَعَ يده عَلى فيه، ثم قال: أردتُّ أن أعلِّق بصفة كذا، صُدِّق بيمينه، لدَلالَة حرف الشرط على ما يَدَّعيه، وإنما حَلَّفْناه؛ لجواز أن يَكُونَ قَصْده التعليق على شيء حاصل مثْل أن يقول: إن كُنْتُ قد فعَلْتُ كذا، وكان قدْ فَعَل، ولو قطَع الكلام مختاراً حُكِمَ بوقوع الطلاق؛ لأن ظاهر الحَال أنَّه نَدِمَ على التعليق إن قَصَده وعَدَل إلى التنجيز، ولو ذَكَر حرْف الجزاء، ولم يذْكُر شرطاً بأن قال: فأنْتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ ذكْر صفة، فسَبَق لساني إلى الجزاء، فعن القاضي كحُسَيْن؛ أنَّه لا يُقْبَل قوله في الظاهر؛ لأنَّه متهم قد خاطبها بصريح الطلاق، وحَرْف الفاء يحتمل غير الشَّرْط، وربما كان في عزْمه أن يقول: أمَّا بعدُ، فأنتِ طالقٌ، ولو قال: إن دخلت الدَّار أنت طالق، وحذف، حرف الجزاء، فقد أطْلَق في "التهذيب" وغيْره أنَّه يحمل على التَّعْليق.
وقال إسماعيل البوشنجي: يراجع، فإن قال: أردتُّ التنجيز، آخذناه به، وإن قال: أردتُّ التعليق، أو تعذرت المراجعة حُمِل على التعليق، ولو قال: إن دخلْت الدار، وأنت طالقٌ بالواو قال صاحب "التهذيب" -رحمه الله- إن قال: أردتُّ التعليق، فأقمت الواو مُقَام الفاء، قُبِلَ قوله.

الجزء: 9 - الصفحة: 60

ولو قال: أردتُّ جَعْل الدخول وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق قبل، وإن قال: قَصَدتُّ التنجيز، تنجز الطلاق، قال البوشنجي -رحمه الله- إن قال لم أقصد شيئاً قضي بوقوع الطلاق في الحال، وألغى حرف العطف؛ كما لو قال لامرأته ابتداءً: وأنت طالقٌ، ولو قال أنت طالقٌ وإن دخلت الدار طلقت في الحال، دخلت الدار أو لم تدخل، وكذا لو قال وإن دخلت الدار أنت طالقٌ ولم يذكر الواو في "أنت طالق".
ولو علق الطلاق بشرط ثم قال: أردت إيقاع الطلاق في الحال فسبق لساني إلى الشرط؛ فإذا تغليظ منه على نفسه فيؤاخذ بموجبه، وقد ذكرنا من قبل معرض الاستشهاد.
إذا، عرفت ذلك فإن صاحب الكتاب أودع هذا الشطر فصولاً هي قواعد ممهدةٌ وفروعاً هي توابع مبددة فهما قسمان: أولهما: الفُصُول، وهي ستة: الأول: في التعليق بالأوقات، فإذا قال أنتِ طالقٌ في شَهْر كذا، طُلِّقت عنْد استهلال الهلال، لأنَّ اسم رمضان مثلاً متحقِّق عند مجيْء أول جزء منه، وإذا تحققت الصفة الَّتي هي متعلَّق الطلاق، وقع الطلاق، ولم يعتبر دوامها وانتهاؤها؛ ألا تَرَى أنَّه إذا علَّق الطلاق بدخول الدار، فحَصَل في أوَّلِها، وقَع الطَّلاق، ولم يعتبر بوسْطها والوصول إلى صدْرها، قال الإِمام -رحمه الله- وقد يظن أن الشهر لَمَّا جُعِل ظرفاً للطلاق، فيشترط لوقوع الطلاق سَبْق زمان من ذلك الشَّهر، لكنه وَهِمَ، وليس المعنيُّ بالظَّرْف من الزمان إلا زمان ينطبق عليه الفِعْل، ولم يذكروا هاهنا خلافاً؛ أخذاً مما سَبَق في السَّلَم مع اتجاه التسوية، ولو قال: أنتِ طالقٌ في غُرَّة شهر كذا، أو أوله أو في رأس الشهر، أو ابتدائه أو دخوله أو استقباله أو إذا جاء شهْر كذا، تُطلَّق عنْد أوَّل جزْء من الشهر، ولو رأى الهلال قبْل غروب الشمس، لم يقع الطَّلاق حتَّى تغرب الشَّمس؛ لأن أول الشَّهْر حينئذ يحْصُل، ولو قال: في نهار شهْر كذا أو في أول يَوْم منْه، وقَع عنْد طُلُوع الفَجْر في اليوم الأوَّل لا عنْد الاستهلال.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ في يَوْم كذا، وقع عند طلوع فجْر ذلك اليَوْم، وعنْد أبي حنيفة عند انتهاء ذلِكَ اليَوْم بغروب الشمس، كما أن الصَّلاة عنْده تجب بآخر الوقت، وحكى الحناطي قولاً مثْل مذهبه، وطرَده في الشَّهر أيضاً، وعلى هذا قياسُ ما لَوْ قال: في وقْت الظهر أو العَصْر، ولو قال: أردتُّ بقولي في شَهْر كذا، أو يَوْم كذا وسْط الشهر، أو اليوم أو آخرهما، لم يُقْبَل في الظاهر ويدين، هذا هو المَشْهُور، وفي كتاب القاضي ابن كج وغيره وجْه: أنَّه يُقْبَل في الظاهر، ولو قال: أردت بقولي "في غُرَّة شهر كذا" اليَوْمَ الثاني أو الثالث، فكذلك الحُكْم؛ لأن اسْم الغُرَّة، يقع على الثلاث، أما لو قال: أردتُّ به المنتصف لم يُدَيَّن، وكذا لو قال: في رأْس الشَّهر، ثم قال: أردتُّ السادسَ عَشَرَ.

الجزء: 9 - الصفحة: 61

ولو قال: في رَمَضَان: أنْتِ طالقٌ في رمضان، وقع في الحال، ولو قال: في أول رمضان أو إذا جاء رمضان، وقع في أول رمضان القَابل.
وقوله في الكتاب "فعند طلوع الفجر" ليعلم بالحاء والواو، وكذا قوله: "عند استهلال الهلال" بالواو وأُعْلِمَ بالحاء أيضاً؛ لأنَّهُ حُكِي عن أبي حنيفة في الشَّهْر مثْل ما رُوِيَ عنه في اليوم، والله أعلم، الكلام في صورتين: إحداهما: لو قال: أنتِ طالقٌ في آخر شَهْر كذا، فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطلاق في آخر جُزْء من الشَّهْر، فإنَّه الآخر المطلق، وهو المفهوم من اللفظ.
والثاني: يقع في أول جُزْء من لَيْلة السَّادس عشر؛ لأن النصف الثاني كلَّه في آخر الشَّهْر، فيقع الطلاق في أوَّله، كما وقع في أول الشهر إذا قال: أنتِ طالقٌ في شهْر كذا وفي "التهذيب" وجْه ثالث؛ وهو أنَّه يقَعُ في أول اليوم الأخير؛ حمْلاً للآخر على اليوم الآخر، وإيراده يقتضي ترجيحَهُ، وعلى هذا القياس، لو قال: أنتِ طالقٌ في آخِرَ السَّنة، فعلى الوجه الأوَّل تطلَّق آخر جزء من السنة، وعلى الثاني: أَوَّلَ الشهْر السابع، ولو قال: أنتِ طالقٌ في آخر طهر له تطلق في آخر جزء من الطُّهْر، وعلى الثاني: في أول النصْف الثاني منْه، ولو قال: أنتِ طالقٌ في أول آخر الشهر، فوجهان، وقال أكثرهم: يقع في أول اليوم الأخير، وعن ابن سُرَيْج: في أول النصْف الآخر، وهو أول جُزْء من ليلة السَّادس عشر، وحَكَى القاضي ابن كج عن أبي بكر الصيرفي -رحمه الله- أو غيره: أنَّه يقَعُ في أول [اليوم] السَّادِسَ عَشَر؛ لأنَّه أول يوم من النِّصْف الآخر، ولو قال: أنْتِ طالقٌ في آخر أول الشهر، فوجهان، قال أكثرهم، يقع الطَّلاق عنْد غروب الشمس في اليوم الأول، وعن ابن سُرَيْج: يقع في آخر النِّصْف الأول، وهو عنْد غروب اليَوْم الخامسَ عَشَرَ، وفيه وجْه ثالث: أنَّه يقع عنْد آخر الليلة الأولى، ولا يُعْتَبَر مُضِيُّ اليوم، وهذا ما ذَكَره صاحبُ "التتمة" بدلاً عن الوجْه الأوَّل، فقال: لو قال: "أنتِ طالقٌ آخِرَ أوَّل آخر الشهر، فمَنْ جعَل آخر الشهر اليومَ الأخير، قال: يقع الطلاق عنْد غروب الشمس في اليوم الأخير؛ لأنَّ ذلك اليَوْم هو آخر الشهر، وأوَّلُه طلوع الفجر، وآخر أوله غروب الشمس، ومَن حَمَل الآخر على النِّصْف الثاني، فأوَّلُه ليلة السادس عشر، فيقع الطلاق في آخر جُزْء من هذه الليلة، ولو قال: أنتِ طالقٌ أوَّلَ آخر الشهْر، قاله: يقع الطلاق عنْد استهلال الهلال على الوجهين؛ لأنا إن جعلْنا الأول الليلة الأولى، فآخِرُها عنْد طلوع الفجر، وأوَّل هذه الآخرة عنْد الاستهلال، وإن جعلْنا الأول النِّصْف الأول، فآخره غروب الشَّمْس اليوم الخامس عشر، وأول هذا الآخر الاستهلاك.
الثانية: إذا قال: أنتِ طالقٌ في سَلْخ الشهر، ففيه وجوهٌ:

الجزء: 9 - الصفحة: 62

أحدها: أنَّه يقَعُ في آخر جُزْء من الشهر؛ لأن الانسلاخ يَحْصُل به، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد -رحمه الله- وإيراد الكتاب يَقْتضي ترجيحه.
والثاني: وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنَّه يقع في أول اليوم الآخر من الشهر، فإن السلخ المُطْلَق، يقَعُ عليه، فيتعلَّق الطَّلاق بأوله، وعن رواية صاحب "التقريب" وجْهٌ أنَّه يقَع بمضيِّ أول جزء من الشهْر؛ فإنه يأخذ في الانسلاخ من حينئذٍ، قال الإِمام: اسْم السَّلْخ يقَع على الثلاثة الأخيرة من الشهر، كما تقع الغرة على الثلاثة الأُوَل، فيُحْتَمَل أن يقع في أول جزء من الأيَّام الثلاثة 307. فرْعٌ: عن "التتمة" لو قال، أنتِ طالقٌ، عنْد انتصاف الشهر، يقع الطلاق عنْد غروب شمْس اليوم الخامس عشر، وإن كان الشَّهْر ناقصاً؛ لأنه المفهومُ من إطلاق النصْف، ولك أن تقول: يُحْتَمَل أن يقَع في أول الخامس عشر؛ لأنَّه يُسَمَّى النصف والمنتصف، فيتعلق الطَّلاق بأوله؛ ويوضِّحه أن ليلة [البراءة] تسمى ليلة النصف من شعبان.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ نصْف النصف الأول من الشهر، يَقع الطَّلاق عنْد طلوع فجْر اليوم الثامن لأن نصف النصف سبع ليالي، ونصف وسبعة أيام ونصف والليل سابقٌ على النهار، فيُقَابَل نصف ليلة بنصف يوم، ويُجْعَل ثمان ليال وسبعة أيام نصفاً وسبع أيام نصفاً، وسبع ليال وثمانية أيام نصفاً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ يوم كذا، طُلِّقَت عنْد الزوال؛ فإنَّه المفهوم من لَفْظ النصْف، وإن كان اليوم يُحْسَب من طلوع الفَجْر شَرعاً، ويكون نصفه الأول أطول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: بِاللَّيلِ إِذَا مَضَى يَوْمٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتُطَلَّقُ آخِرَ الغَدِ، وَلَوْ قَالَ بِالنَّهَارِ فَإِذَا عَادَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَعِنْدَ أَوَّلِ هِلاَلِ المُحَرَّمِ وَإنْ كَانَ قَرِيباً، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَإِلَى مُضِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً، وَالشَّهْرُ الأوَّلُ المُنْكَسِرُ يُكَمَّلُ ثَلاَثينَ يَوْماً مِنَ الآخِرِ يُحْتَسَبُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً بِاْلأَهِلَّةِ بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو قال: إذا مَضَى يَوْمٌ فأنْتِ طالقٌ، نُظِرَ؛ إن قاله باللَّيْل، فتُطَلَّق عنْد غروب الشمس من الغدِ، فحينئذٍ يتحقَّق مضي يوم، وإن قاله بالنهار، طُلِّقَتْ، إذا جاء مِثْلُ ذلك الوقت من اليَوْم الثاني، هكذا أطلقوه، ولكن فيه تلفيق اليوم من البعضين [المفترقين]، فقد سَبَق في "الاعتكاف" أنَّه لو نذر أن يعتكف يوماً، لم يَجُزْ تفريق السَّاعَات في أصَحِّ الوجهين.
ولو فرض انطباق التعليق على أول نَهَارٍ، طُلِّقَت عنْد غروب الشمس ولو قال:

الجزء: 9 - الصفحة: 63

أنت طالقٌ إذا مضى اليَوْم، بالأَلِف والَّلام"، فإن قاله نهاراً [طلقت عنْد غروب شمسه] وإن لم يبق من الغروب إلا قَدْر يسير؛ لأنه عرف بالألِف واللام، فيَنْصَرِف إلى اليَوْم الَّذي هو فيه، بخلاف ما إذا نَكَر، فإنَّه يقتضي يوماً كاملاً، ولو قال ذلك بالليل كان لَغْواً؛ لأنه لا نَهَار، حتَّى يُحْمَل على المعهود، ولا يمكن العمل على الجِنْس، قال في "التتمة".
ولو قال: أنْتِ طالقٌ اليَوْمَ، طُلِّقَت، وفي الحال، إن قاله نهاراً، وإن قاله ليلاً فكذلك، ويلغو قوله اليوم؛ لأنَّه لم يعلق، وإنما أوقع وسَمَّى الوقت بغير اسْمٍ، ولو قال: أنْتِ طالقٌ الشهر أو السنة، وقَعَ في الحال.
ولو قال: إذا مَضَى شهْرٌ، فأنتِ طالقٌ، فلا يقع حتَّى يمضي شهرٌ كاملٌ، فإن اتَّفَقَ في ابتداء هلال الشَّهْر وقع الطلاق، إذا مضى كاملاً أو ناقصاً، إلا فإن قاله بالليل، اعْتُبِرَ مُضِيُّ ثلاثين يوماً ومن ليلة الحادي والثلاثين تقدر ما سَبَق من تلْك الليلة على النقلين، وإن قاله 308 بالنَّهَار، فيُكَمَّل بعْد التعليق من اليوم الحادي والثلاثين، ولو قال: إذا مضى الشهر طلقت، إذا انقضى الشَّهر الهلالي، وكذلك لو قال: إذا مَضَتِ السنة، كان التعليق ببقية السنة العربية، فيقع الطَّلاَق عنْد استهلال المحرم، وإن كَانَ قريبًا, ولو قال: إذا مَضَت سنة، بالتنكير لم يقَعْ، حتى يمضي اثنا عَشَر شَهْراً، ثم إن لم ينكسر الشهر، الأول، وَقَع الطلاق بمعنى اثني عشر شهراً بالأهلة فرِضَتْ كاملةً أو ناقصةً، وأشار، الإِمام -رحمه الله- إلى أن تصور عدم الانكسار عَسِيرٌ، لكن يظهر قرينته فيما إذا قال: إذا مضَتْ من أول رمضان سَنَةٌ، فأنتِ طالقٌ، وإن انكسر الشهْر الأول عد ما بقي إلى الاستهلال، واحْتسِبَ بعْده أحَدَ عَشَرَ شهْراً بالأهلة، ويُكمل الباقي من شهْر التعليق ثلاثين وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إذا انكسر شَهْرٌ، انكسر الكُلُّ، واعتبر الجميع بالعدد، وللأصحاب وجْه مثله، وقد ذَكرنا ذلك في "السَّلَم"، ولو شك فيما كان قد بَقِيَ من شهْر التعليق بَعْد ما انقضى أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً لم يقع الطلاق إلا باليقين، وذكر الحناطي وجهَيْن 309 في حل الوطء حال التردُّد.
ولو قال: أردتّ بالسنة السنة الفارسية أو الرومية دِينَ، ولم يُقْبَل، في الظاهر؛ لأنها تطوَّلت، فهو يريد تأخير الطَّلاق، ونقل الحناطي وجْهاً آخر أنَّهُ يُقْبَل، وهو الذي أورده القاضي ابن كج؛ لعموم العرف به، والمشهور الأوَّل 310. ولو قال: أردتُّ بقولي: "السنة" سنةً كامةً دِينَ ولم يُقْبَل في الحكم.
ولو قال: أردتُّ بقولي: "سنة" بقية السنة، فقد غَلَّظَ على نفسه.

الجزء: 9 - الصفحة: 64

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِالأَمْسِ لَمْ يُسْتَنَدْ إلَى الأَمْسِ وَيَقَعُ في الحَالِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ الآنَ طَلاَقاً يَنْعَكِسُ حُكْمُهُ إلَى المَاضِي نَفَذَ فِي الحَالِ وَلَمْ يَنْعَكِسْ، وَقِيلَ: يَلْغُو لأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمُحَالٍ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إنْ طِرْتُ أَوْ صَعِدْتُّ إلَى السَّمَاءِ أَوْ أَحْيَيتُ مَيِّتاً، وَقِيلَ في التَّعْلِيقِ بِالصُّعُودِ وَالإِحْيَاءِ إنَّهُ أَيْضاً يَقَعُ، وَقِيلَ في الإِحْيَاءِ يَقَعُ دُونَ الصُّعُودِ فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلاَنٍ بِشَهْرِ أَوْ قَبْلَ قُدُومِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قَدِمَ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ: طَالِقٌ أَمْسٍ غَداً أَوْ غَداً أَمْسِ وَقَعَ اليَوْمَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّهْرِ المَاضِي ثُمَّ قَالَ: أَردتُّ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أَوْقَعْتُهَا بِالأَمْسِ قُبِلَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدتُّ أَنَّ زَوْجاً آخَرَ طَلَّقَهَا أَوْ طَلَّقْتُهَا وَأَبَنْتُهَا ثُمَّ جَدَّدتْ النِّكَاحَ لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور نوردها كما ينبغي، ولا نحافظ على ترتيب الكِتَاب: إحداهما: إذا علَّق الطَّلاق بصفة مستحيلةٍ عُرفاً؛ كما إذا قال إن طِرْت أو صَعِدت السماء، فأنتِ طالقٌ، أو عَقْلاً؛ كما إذا قال: إنْ أحييت مَيِّتاً، ففي "النهاية" أن حاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنَّه لم ينجّزه حتَّى ينجّز، ولكن علَّقه، ولم توجَد الصفة المعلَّق عليها، وقد يكون الغرضُ من التعليق بِغَيْر المُمْكِن أن يمتنع وقوع الطلاق حسب امتناع المعلَّق عليه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
الثاني: أنَّه وَقَعَ في الحال، ويلغو، التعليق بالمحال؛ لأن التعليقَ أيضاً يثْبُت إذا كان المعلَّق عليه مما يرتقب حصولُه، فإذا لم يكُنْ، كذلك بَطَل التعليق، وبَقِيَ التطليقُ من غَيْر تعليق؛ ولهذا نَقُول إذا قال: لغَيْرِ المدخول بها: أنتِ طالقٌ للسَّنة يلْغُو الوصْف، ويقَعُ الطَّلاق.
والثالث: يُفْرَق بين الطيران والصُّعُود، وبين الإِحياء، فلا يقع فيهما ويقع الإِحياء، والفرق أن الاستحالة فيهما عرفيَّة، وهما ممكنان في العَقْل، وفي قدرة الله تعالى الإِقدار عليهما وقد أُسْرِيَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورُفِعَ عيسَى -عليه السلام-، وأُعطِيَ جعفرٌ -رضي الله عنه- جناحَيْن يطير بهما، وأمَّا الإِحياء فلا يَقْدِرُ علَيْه إلا الله تعالى، والتعليقُ بما لا إمكان له مستنكرٌ، فيُلْغَى، واتفق الناقلون في التعليق بالمستحيل عرفاً؛ كالطيران والصعود، وحَمْل الجبل الثقيل، ونحوها أن الأظهر عَدَم الوقوع وهو المنصوص، وكذا حال الخلاف عنْد الإِمام وجماعة في التعليق المستحيل عقلاً، كإحياء المَيِّت، والجمع بين السواد والبَيَاض.

الجزء: 9 - الصفحة: 65

وقال صاحب "التتمة" -رحمه الله- "المَذْهَبُ أن يُلْغَى التعليق به، ويقع الطَّلاق في الحال، وأُلْحِق به التعليق بالمستحيل شرعاً، كما لو قال: إنْ نُسِخَ وجوبُ المكتوبات الخمس أو صَوْمِ رمضان، فأنْتِ طالقٌ، ولا يَخْفى أن المراد من إحياء الميِّت الذي أطلقْناه حقيقته فأما إذا علَّق بالإِحياء بالمعنى المراد في قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيُلْحَق ذلك بالطيران، وصعود السماء.
الثانية: إذا قال: أنْتِ طَالِقٌ أمْسِ أو الشهر الماضي أو في الشهر الماضي، فله أحوال: إحداها: أن يقول: أردتُّ أن يقع في الحال طلاقٌ يستند إلى أمس أو الشهر الماضي، فلا شك أنَّه لا يُسْنَد، وهل يَقَع في الحال؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": نعم؛ لأنَّه أوقع الطَّلاق في الحال، وقَصَد إثبات حُكْم من قَبْل أيضاً، فيثبت ما يمكن ثبوتُه، ويلغو ما لا يمكن.
والثاني: ونسبه أبو الفرج الزاز إلى أبي إسحاق، أنَّه لا يقع؛ لأنَّه إنَّمَا أوقع طلاقاً مستقلاًّ أمَّا إذا لم يمكن إسناده، وجَب ألاّ يقع.
الثانية: أن يقول: لم أوقع في الحال طلاقاً، ولكن أردتُّ إيقاعه في الزمان الماضي، فالنصُّ أنه يقع في الحال، وحَكَى الربيعُ قولاً: أنَّه لا يَقَع، كما لو قال: إنْ طِرْت أو صعدت السماء، فأنت طالقٌ؛ فإنَّه نصَّ على أنَّه لا يقَعُ، واختلف الأصحاب، فعن ابن خيْران أنَّ الصورتَيْن على قولَيْن بالنقل والتخريج، وجْه الوقُوع أنَّه خاطَبها بالطلاق وربَطه بشيْءٍ ممتنعٍ، فيلغو الرَّبْط، ويقع الطلاق، كما لو قال: أنتِ طالقٌ للبدعة ولا بدعة في طلاقها، ووجْه المنع أنَّه أوْقَع الطَّلاق في الزمان السابق أو بشرط، وهو ممتنِعٌ، فإذا امتنع وقُوع ما أوقَعَه، لا يَقَع ما لم يُوقِعْه، والوجه الذاهب إلى وقوع الطلاق في التعليق بالصعود ونحْوه على ما تقدَّم مأخوذ من هذا التصرُّف، والأكثرون لم يثبتوا ما حَكَاه الرَّبيع قَوْلاً، وقَطَعوا بوقوع الطَّلاق هاهنا، ووجهوه 311 "بأنه أرسل الطلاق وأراد رفعه بالإِضافة إلى ما مضى، فكان كما لو قال؛ أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع علَيْكِ، وهناك لم يرسل الطَّلاق، وإنَّما علقه ولمْ يُوجَد المعلَّق علَيْه، وأيضاً فإن الطيران والصُّعود ممكنان في نفسهما وإيقاع الطلاق في رمضان مضى وتصرم بحال.
الثالثة: إذا أراد بهذا الكلام إيقاع الطَّلاق لا في الحال ولا فيما مَضَى، وإنما أردت أني طلّقتها في الشَّهْر الماضي في هذا النِّكَاح، وهي في عدَّة الرجعية، أو بائن

الجزء: 9 - الصفحة: 66

الآن فَيُصدَّق بيمينه، وتكُونُ عِدَّتُها من الوَقْت الَّذي ذَكَره إن صدقته، ويبقى النظر في أنه كان يخالطُها أو لم يخالطها وإن كذَّبته، فالعِدَّة من وقت الأِقرار، وعن القاضي الحُسَيْن: أنَّها إن صدقت، قُبلَ، وإلا فالقَوْل قولها في أنه إنشاءُ الطَّلاق، وحينئذٍ فيُحْكَم علَيْه بطلاقين.
أحدهما: هذا الذي أنشأه.
والثاني: ما أقرَّ به.
ولو قال: أردتُّ أني طلقتُها في الشهر الماضي، وبانت منى، ثم جدَّدتُ النكاحَ أو أن زوجاً آخر طلقها في نكاح سابق، وبانت، فنكحتها، قال الأصحاب: يُنْظر؛ إن عرف نكاح سابق وطلاقه فيه أو أقام 312 على ذلك بيِّنةً، وصدّقته في إرادته، فذاك، وإن كَذَّبَتْه، وقالت لم تُردْ ذلك، وإنما أردتَّ إنشاء طلاق الآن، فيحلف، قالوا: ويخالف هذا ما إذا قال: طلَّقْتُها في هذا النكاح حيْثُ يُصَدَّق، ولا نطالب بالبينة؛ لأنَّه معْتَرِفٌ هناك بطَلاق في هذا النكاح، وهاهنا يريد صرْف الطلاق عن هذا النكاح، وإن لَمْ يُعْرف نكاح سابق، وطلاق في ذلك النكاح، وكان محتملاً، فينبغي أن يُقْبَل التفسير به، وإن لم تقم بيِّنة، وإلاّ يقع الطلاق، وإن كان كاذباً؛ ألا تَرى أنَّه لو ابتدأ، فقال: طَلَّقَكِ في الشهْر الماضي زوجٌ غيْرِي، لا يُحْكَم بوقوع طلاقه، وإن كذب.
الرابعة: لو قال: لم أُرِدْ عند الطلاق شيئاً أو مات، ولم يُفسِّر أو جُنَّ أو خرس، وهو عاجز عن التفهيم بالإِشارة، فالمشهور أنَّه يقع الطَّلاق في الحال، قال الإِمام -رحمه الله- وسببُه أن قوله: "أنْتِ طالق" صريح في تنجيز الطلاق، وقوله "في الشهر الماضي" ملتبس متردِّد بين محامل، فإذا لم يَقْصِد به شيئاً، لُغيَ، وعمل اللفظ المستقل، وحاصله أنَّا نحْكُم بوقوع الطلاق إلا إذا فُسِّر بشيء من التفاسير المذكورة، فيكون الحُكْم عَلَى ما بيّنا، وحكى [الحناطي] 313 وجْهاً آخر: أنَّا لا نحكم بوقوع الطَّلاق، إذا لم نَقِفْ على تفسير، ولو قال: أنتِ طالقٌ للشَّهْر الماضي، ففي "المُجَرد" للقاضي أبي الطيِّب: أنَّا نحكم بوقوع الطلاق في الحال قولاً واحداً، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن شاء فلانٌ، لكن الكلام في مثْل ذلك يُسْتَعْمل للتاريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة، فيما إذا قال في الشهر الماضي، والله أعلم.
الصورة الثالثة: قال: إذا مات فلانٌ أو قَدِمَ فلانٌ، فأنتِ طالقٌ قبْله بشهر أو قال: أنتِ طالقٌ قبل أن أضرِبَك بشهْر نُظِرَ إن مات فلان أَو قَدِم فلان أو ضَرَبَها قبْل مُضيِّ شهر من وقْت التعليق، لم يَقَع الطَّلاق سابقاً؛ لأن وقوع الطَّلاق لا يَسْبِق اللفظ الموقع، وأمَّا في الحال ففي "المهذب" حكايته وجْه: أنَّه على الخلاف المذكور في الصُّورة

الجزء: 9 - الصفحة: 67

السابقة، وهي ما إذا قال: أنْتِ طالقٌ للشهر الماضي، والصحيح المعروف أنَّه لا يقع قولاً واحداً، والفرق أن القُدُوم يمكن أن يتأخَّر عن شهْر، ويمكن أن يتقدَّم، والطلاق في الحقيقة معلَّق بزمان يكون بينه وبين القُدُوم شهْرٌ، فوجب اعتبار الصفة، وهناك لا تعليق، وإيقاع الطلاق في الزمان الماضي مُحالٌ، فلُغِيَ، وإذا لم يَقَع الطلاق، فتنحل اليمين، حتى لو ضربها بعْد ذلك، وقد مَضَ شهْرٌ، أو أكثر، لم يَقَع الطلاق.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولو قال قائِلٌ: الضرْب المعقود علَيْه ضرْبٌ يقع الطلاق قَبْله بشهر، فلا تنحل اليمين بالضَّرب الأول؛ لما كان بعيداً تخريجاً، على أن المعلَّق عليه إذا وُجِدَ في حال البينونة، لا ينحَلُّ اليمين على ما سبقَتْ حكايته عن الإِصطخري، وإن وُجِدَ الموت أو القُدُوم أو الضرب بَعْد مضيِّ شهر من وقت التعليق، تَبيَّن وقوع الطلاق قبْله بشَهْر، وبحسب العدَّة من يومئذٍ، ولو ماتت وبينها وبيْن القدوم دون شَهْر، لا يرث الزوج منْها، وعن أبي حنيفة أنه يقع الطَّلاق في صورة القدوم، والضرب في الحال، وسَلَّم في صورة الموت الوقوع قبله بشَهْر، ولو خالَعَها قبل قدوم فلان أو موته، فإن كان بين الخُلْع وبين قدوم فلان أو موته أكْثَرُ من شهْر وقَع الخُلْع صحيحاً، ولم يقع الطلاق المعلَّق، وإن كَان بينهما دُون شَهْر، والطلاق المعلَّق ثلاثٌ، فالخُلْع فاسِدٌ، والمال مردود، ولو علَّق عتق عبده كذلك، ثم باعه، وبَيْن البَيْع وموت فلانٍ أو قُدومه أكثر من شَهْر، صحَّ البيع ولم يحصل العتق.
الرابعة: إذا قال: أنت طالقٌ غداً أمْسِ، أو أمْسِ غَد، على الإضافة وقع الطلاق في اليوم لأنه عند أمس وأمس غد ولو قال: أمسِ وغداً أو غداً أمس، لا على الإِضافة، طُلِّقَتْ إذا طلع الفجْر من الغد، ويلغو ذكر الأمس، هكذا أطلقه في "التهذيب" ونقل الإِمام مثْلَه فيما لو قال: أنتِ طالقٌ أمس غداً، وأبدى فيه توقُّفاً؛ لأن قوله أنتِ طالقٌ أمسِ، كقوله أنتِ طالقٌ الشهر الماضي، ولو أطلق هذا اللفظ لتنجز الطَّلاق في الحال، فذِكْر الغَد معه لا يغيِّر هذا المعنى، ولا يقتضي تأخير الطَّلاق، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم غداً وقَعَتْ في الحال طلقةٌ، ولا يقع الغد أخرى؛ لأنها إذا طُلِّقت اليوم، كانَت طالقاً غداً أيضاً ويُحْتمل أنه لم يُرد إلا ذلك، فلو قال: أردتُّ اليوم [طلقةً] 314 وغداً طلقةً، طُلِّقَت كذلك، إذا لم تبين 315 بالأولى، وإن قال: أردتُّ إيقاع نصْف طلقة اليوم، ونصف طلقة غداً، فكذلك تطلق طلقتين، وإن قال: أردتُّ أن تقع نصْف طلقة اليوم، ونصْفها الآخر غداً، ففي وجه تُطلَّق طلقتين أَيْضاً والأشْبَه أن لا تقع إلا واحدةً لأن النِّصْف الَّذي أخره قدْ تعجل، وهذا ما أورده في "التتمة" وحكى فيما لو قال: أنتِ طالقٌ غداً اليوم، وجهان:

الجزء: 9 - الصفحة: 68

أحدهما: أنَّه لا يقع في الحال شَيْءٌ، ويقع طلقة غداً؛ لأن الطلقة تعلَّقت بالغد، وقوله "اليوم" بعد ذلك كتعجيل الطلاق المعلَّق، وقد مر أنه لا تتعجل، وبهذا قال أبو حنيفة والقاضي أبو حامد، وذكر الشيخ أبو عاصم أنه الصحيح.
والثاني: أن الحكم فيه كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليَوْمَ وغداً وهو المذكور في "التهذيب"، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً وبعد غدٍ، تقع في الحال طلقةٌ، والمطلَّقة في وقْت مطلَّقةٌ فيما بعْده، فلا يقع شيْء آخر، كذلك حكاه صاحب "التتمة" ويقربُ من الصورة ما إذا قال: أنتِ طالقٌ اليوم، وإذا جاء الغد، قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: يراجَعُ إن قال: عنيْتُ طلقةً، تقع اليوم وتبقى مطلقة بعد هذا، لم يقع إلا واحدة، وإن قال: أردتُّ طلقةً اليوم، وطلقة غداً، أوقعناه 316 كذلك وإن كانت مدخولاً بها، وإن لم يكُنْ له نيَّة لا يقضي بالتعدُّد، كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً، ولو قال: اليوم، ورأس الشهر، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً، ولو قال: اليوم، ورأس الشهر، فهو كما لو قال: اليوم وغداً.
وقال المتولِّي: ولو قال: أنتِ طالقٌ اليومَ، وفي الغدِ وفيما بعْد الغد، يقع في كل يَوْمٍ طلقةٌ؛ لأن الاختلاف في الظرف يوجب التعدد من المظروف وبمثله حَكَم فيما إذا قَل: في الليل وفي النهار، وليس التوجيه بواضح، ويجوز أن يختلف الظرف، ويتَّحد المظروف، ولو قال أنتِ طالقٌ بالليل والنهار، لم تطلَّق إلا واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم أو غداً؛ فوجهان عن رواية الشيخ أبي عاصم: أصحُّهما: أنَّها تُطلَّق غداً؛ لأنَّه اليقين، وهذا ما ذكرناه من قبْلُ مستشهدين بالمسألة.
والثاني: يقع في الحال؛ تغليباً للإِيقاع ويوافق الوجه الأول ما ذكَره الشيخ البوشنجي أنه لو قال: أنتِ طالقٌ غداً أو بعْد غد أو إذا جاء الغَدُ أو بعد غد، لا يُقْضَى بوقوع الطلاق في الغد، قال: وعليه استقر رأْيُ أبي بكر الشاشي وابن عقيل ببغداد -رحمهما الله-.
ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم إذا جاء الغد، فعَنِ ابْنِ سريج وصاحب "التقريب": أنَّه لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأنه علَّقه بمجيْء الغد، فلا تُطلَّق قبْله، وإذا جاء الغد مَضَى اليوم الذي جعَلَه محلاًّ للإِيقاع.
والثاني: أنَّه إذا جاء الغد، وقع الطَّلاق مستنداً إلى اليوم، ويكون كما لو قال: إذا قِدَم زيْد، فأنتِ طالقٌ [اليوم] قبل ما إذا جاء الغَدُ مستحيل فيلغو ما ينشأ منْه الاستحالة.
وأمَّا لَفْظ الكتاب، فقوله: "ولو قال: أنْتِ طالقٌ أمْسِ لم يستند إلى الأمس" المراد منْه ما إذا قَصَد إيقاع الطلاق بالأمس.

الجزء: 9 - الصفحة: 69

وقوله: "ولو قال طلقتك الآن طلاقاً" ينعكس حُكْمُه إلى الماضِي المراد منْه إذا قَصَد الإِيقاع في الحال على أن ينعطف، وينعكس على ما مَضَى، وذلك بين في "الوسيط".
وقوله: "وقيل يلغو لأنَّه وصَفَه بمحال" أراد به ما حكي عن الربيع -رحمه الله- الخِلاَفُ حاصلٌ في الصورَتَيْنِ جميعاً إلا أن الإِمام وصاحب الكِتَاب -رحمهما الله- نقَلاَ كلام الرَّبيع فيما إذا أوقع في الحال على أن يَعْطِف على ما مَضَى، والذي تطابقت علَيْه كتب الأكثرين، منْهم ابن الصَّبَّاغ، وصاحِب "التهذيب" نقل كلامه فيما إذا لم يَقْصد الإيقاع في الحال، وإنما قصده في الماضي على ما سَبَق، وقوله آخراً ولو قال "أنتِ طَالقٌ في الشهر الماضي إلى آخره" كان الأحْسَنُ أن يذكره مع مسألة الأمس المذكورة أوَّلاً؛ لأن الحُكْم فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ أمس، وأنتِ طالقٌ في الشهر الماضي واحدٌ، وقوله: "أردتُّ طلقةً رجعيَّةً" حالةً من أحوال المسألة، والأَوْلَى أن يذكر الأحوال مجموعةً، ويجوز إعلام قوله: "قُبل في التعليق بالصعود" والإحياء إنه أيضاً، يقع الطلاق" بالواو؛ لأن في "المهذَّب" وغيره نقل طريقةً قاطعةً بأنه لا يقع الطلاق في التَّعْليق بالصعود، وقوله "تبيَّن وقوع الطلاق قبله بشهر" معلم بالحاء؛ لِمَا حكيناه في صورة القُدُوم.
وقوله: "لم يُقْبَل إلا ببَيِّنة يعني بينةً تقوم على نكاح سابق في طَلاَق فيه، ثم لا يكفي القَبُول بذلك البينة، بل يحلف إذا ادَّعَتْ أنَّه أراد الإِنشاء لا ذلك الطلاق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي الحَالِ وَالثَّانِيَةَ أَوَّلَ المُحَرَّم إِنْ أَرَادَ السِّنِينَ العَرَبِيَّةَ وَإِلاَّ فَإِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلْقَةً طُلِّقَتْ فِي الحَالِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَالثَانِيَةَ صَبِيحَةَ الغَدِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدتُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ طَلْقَةْ يَوْمٌ فَيُدَيَّنُ، وَهَلْ يُقْبَلُ ظَاهِراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَالَ لامرأته المدخول بها: أنت طالقٌ ثلاثاً في كلِّ سنة، طلقة تعلَّقت الطلقات الثلاثة بالسنين المتَّصلةِ بالتَّعليق، كما يتعلَّق قوله: أجَّرْتُكَ هذه الدار سنةً، بالسنة المتصلة 317 بالعَقْد، وكذا قولُه: واللهِ، لا أُكَلِّمك سنةً، وإذا تعلَّق بها، وقَع في الحال طلقة، ثم إنْ أراد السِّنين العربية، وقَعَت أخْرى عنْد استقبال المُحَرَّم، وأخرى أوَّلَ المُحَرَّم الذي يليه، وإن أراد أن يَكُون بين كل طلقتين سنَةٌ فيقع الثانية عند انقضاء سنَةٍ كاملةٍ من وقْت التعليق، والثالثة عنْد إنقضاء سنة أخرى، وهذا في الحالتين مفروضٌ فيما إذا امتدت العدَّة أو راجَعَها فلو بانت وجدَّد النكاح، ومدَّةُ اليمين باقيةٌ، ففي وقوع

الجزء: 9 - الصفحة: 70

الطَّلاق قَوْلاَ عَوْدِ الحَنِثِ، فإن قُلْنا: يعود، وكان التجديد في خلال السنة، يقَعُ الطَّلاَق، في الحال وإن كان الوقوع في أول السنة لولا البينونة، ولا نقول: إذا مضى أول السنة، فقَدْ فات وقْتُ الوقوع؛ لأنَّ جميع السنة وقت، وإنما وقَع الطلاق في أوَّلها عنْد الإِمكان؛ اتباعاً للرسم، فإذا تعذَّر الوقوع في الأوَّل، تام ما بعْده مَقَامه، وشبه ذلك بأنا توجب الصلاة بأول الوقت، ونوجبها على المَعْذُور إذا زال عُذْره في أثناء الوقت؛ إقامةً لآخر الوقت مُقَام أوَّلِه، فإن أطلق اللفظ فيُنَزَّل على السنين العربية، أو على الاحتمال الثاني فيه وجهان: أشبههما: الثاني وهو الموافق للفظ الكتاب، وإلاَّ فوجهان إن لم يرد شيئاً أصلاً.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً في ثلاثة أيام، أو في كل يوم طلقة، نُظِرَ، إن قاله بالنَّهار، وقعت في الحال طلقةٌ، وبطلوع الفجر في اليوم الثاني أخرى، [وبطلوعه في الثالث أخرى] فلو قال: أردتُّ أن يكون بين كل تطليقتين يومٌ، فَيُدَيَّن، وهل يُقْبَل ظاهراً؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَم، كالسنّة.
والثاني: لا؛ لأنَّ اليوم عبارةٌ عن، هذا الزمان المَحْصُور، لا يدخل بعضه في بعض بخلاف 318 الستة الوجهان ينطبقان على الوجهين في أن من نَذَر اعْتِكَاف يوم هل يجُوز له أن يعتكف ساعاتٍ متفرِّقةً بقَدْر ويوم وقياس ما أجابوا به فيما إذا قال: إذا مَضَى يوم، فأنْتِ طالقٌ أن يقبل، وإن قال: ذلك بالليل، وقعت ثلاث طلقات عند طلوع الفجر في الأيام الثلاثة التالية للتعليق، هذا تمام ما في الكتاب، ويتعلق به كما يتعلق بالأوقات ممَّا يَدْخُل في هذه الترجمة هذه المسائل، لو قال: أنْتِ طالقٌ اليَوْمَ، إن لم أطلِّقْك اليوم، فمضى اليَوْم، ولم يطلِّقْها، فعن ابن سُرَيْج: أنَّه لا يقع الطَّلاق؛ لأنه لم يتحقَّق ما جعَلَه شرطاً للطلاق إلا بمُضِيِّ اليوم، فإذا مَضَى اليوم لم يبق وقت للوقوع، فلا يقع.
وقال الشيخُ أبو حامد -رحمه الله- يَقَع في آخر لحظة من اليَوْم؛ لأنَّ الشَّرْط عدم التطليق 319 في اليوم، والتطليق يقع في اليوم إذا بقي زمان يحتمله، فإذا لم يبق من الزَّمَان ما يتَّسِع للتطليق بعد تحقُّق الشرط، حينئذ فيقع الطلاق 320، والوقوعُ حكْمُ الشرع، فلا يستدعي زماناً يستدعيه، والشرط والجزاء لا يُتَصَوَّر اجتماعهما، ومِثلُ هذا التعليق فَاسِدٌ، كما سيأتي في مسائل الدَّوْر، وفي "فتاوى القَفَّال" -رحمه الله- أنَّه لو

الجزء: 9 - الصفحة: 71

قال: أنتِ طالقٌ في أفْضل الأوقات، طُلِّقَتْ في ليلة القَدْر.
ولو قال: أفضل الأيام، طُلِّقَت يَوْمَ عرفة.
وفي وجه يوم الجمعة عنْد الغروب 321. ولو قال: أنت طالقٌ بيْن الليل والنهار، لا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تغْرُب الشمس 322. وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ قبْل موتي يقَعُ الطَّلاق في الحال، ولو قال: قُبَل موتي -بضم القاف أو قُبَيل موتي، لا يقع إلا في آخر جُزْء من حياته، ولو قال: بَعْد قبل موتي يقع في الحال؛ لأنَّه بعد قبل الموت، ويُحْتَمَل ألاَّ يَقَع؛ لأن جميع عمره قبْل الموت.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ قبل أن أضربك أو تدخلي الدَّار أو ما لا يتحقَّق وجوده.
قال إسماعيل البوشنجي، هذا يحتمل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه يقع الطَّلاَق في الحال، كما لو قال: قَبْل موتي أو مَوْت فلان، وأصحُّهما: أنَّه لا يقَعُ حتَّى يوجد ذلك الفِعْل، فحينئذٍ يَقَع مستندًا إلى أوَّل اللَّفْظ؛ وهذا لأن قولنا هذا قبْل هذا، يستدعي وجودهما، وربَّما لا يكون لذلك الفعْل وجودٌ، ولو قال: أنْتِ طالقٌ تطليقاً قبْلها يوم الأضحى، فيراجع إن أراد الأضحى الذي بين يديه فلا تُطَلَّق حتَّى يجيْء ذلك اليوم، وينقرض ليكون قبل التطليقة، وإن أراد الذي مضى، فيقع الطلاق في الحال، كما لو قَال: يَوْم السبت أنْتِ طالقٌ تطليقةً قبلها يوم الجمعة 323، ولو قال: أنتِ طالقٌ قبْل مَوْت فُلاَن، وفلان بشَهْر، فإن مات أحدهما قبْل الشهر لم يقَعِ الطلاق، وإنْ مات أحدُهُمَا بعْد مُضِيِّ شَهْر فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطَّلاق قبْل موته بشهْر، وإذا أُوْقِع قبل موته بشَهْر، كان واقعاً قبل موت آخرهما موتاً بأكثر من شَهْر وفي أكثر من شهْر فيكون واقعاً قبْل موتهما بشهر.
الثاني: لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأن الصفة المذكورة لا تَتحقَّق،؛ لأنَّه إذا وقع الطلاق قبل موت الأول بشهر، يكُون قبْل موت الآخر بأكثر من شهْر، فحينئذٍ فلا يقال في مطرد العرف إنَّه قَبْله بشَهْر، إنَّما يُطْلَقُ ذلك إذا انحصر السَّبْق في مقدار شهْر، بلا زيادةٍ ولا نُقْصَانٍ، وهذا الثاني خرجه البوشنجي -رحمه الله-، ونظير المسألة ما إذا

الجزء: 9 - الصفحة: 72

قال: أنتِ طالقٌ قبْل عيدي الفطْر، والأضحى بشَهْر، فعلى الوجْه الأول: تُطلَّق أول رمضان، وعلى الثاني: لا تُطلَّق 324، وفي فتاوى القاضي الحُسَيْن -رحمه الله-: أنه لو قال: أنتِ طالقٌ قبل ما بعده رمضان، وأراد المشهور، طُلِّقت في آخر جزء من اليَوْم من رَجَب، وإن أراد اليوم بليلته، ففي آخر جُزْء من أجزاء اليوم التاسع والعشرين من شعبان، وإن أراد، مجرَّد اليوم فقبيل فجر يوم الثلاثين من شعبان، وإن قال: بعْد ما قبله رمضان، وأراد الشهور، يقع عند استهلال ذي الحجة، وأن أراد الأيام، ففي اليوم الثاني من شوَّال، وحكى أبو العباس الرُّويانيُّ -رحمه الله- وجهَيْن، فيما لو قال أنتِ طالقٌ كلَّ يوم: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنَّها تُطلَّق كلَّ يوم طلقة، حتى يكمل الثلاث.
والثاني: لا تطلَّق إلا واحدة، والمعنى: أنْتِ طالقٌ أبداً 325، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ يوماً ويوماً لا, ولم ينوِ شيئاً، وقعت واحدة، وقال: إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: المفهوم من مُطْلَق اللفظ، وقوعُ ثلاث طلقات، يقع آخرها في اليوم الخامس، فإن قال: عنيت طلقةً يثبُتُ حكمها في يوْم دون يوم، أو تقع في يوم دون يوم، قُبلَ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إلى شَهْر، ففي "التتمة" وغيره أنَّه يقع الطلاق بعْد مضيِّ شهر، ويتأبد إلا أن يريد تنجيز الطلاق، وتأقيته، فيقع في الحال ويتأبد، واحْتُجَّ [له] 326 بما رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّه سئل عن رجُلٍ قال لامرأته أنتِ طالقٌ إلى سنة، فقال: هي امرأته [سنة]، وبأن هذه اللفظة، كما تحتمل تأجيل الواقع, تحتمل تأجيل الإِيقاع؛ ألا ترى أن القائل يقول إني مسافرٌ إلى شهرين 327، يريد بعْد شهر، وإذا ثَبَت الاحتمالان، وجَب الأخذ باليقين وذكر البوشنجي وجهاً آخر احتمالاً: أنَّه يقع 328 في الحال؛ لأنَّه نجز، وأقَّت كما لو قال إن 329 بعتُك بكذا إلى شَهْر، وذكر أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ غداً، أو عبدي حرٌّ بعد غد، يؤمر بالتعيين، وإذا عيَّن الطَّلاق أو العتق تعيَّن في اليوم الذي ذكَره فيه، وأنه لو قال: طالقٌ أمس، وقد تزوَّجها اليوم، كان الحكم كما لو تزوَّجها قبْل الأمس؛ لأن الطلاق لا ينعطف على الماضِي، فلا فَرْق بين أن تكون منكوحَتَه في الماضي أو لا تكون، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً لا تقع عليْك إلاَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 73

غداً، أوقعت طلقة بعد مَجِيء الغد [كما لو قال أنتِ طالقٌ الساعة إذا دخلت الدار كان كما لو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً تقع عليك غداً، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ الساعة، إذا دخلْتِ الدار، كما كان لو قال: أنتِ طالقٌ اليومَ، إذا جاء الغَدُ، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وإن جاء رأس الشهْر، يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم]، وإن دخلْتِ الدار.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّعْلِيقِ بالتَّطْلِيقِ وَنَفْيهِ):

فَإِذَا قَالَ: إنْ طَلَّقْتُكِ أَوْ إِذَا أَوْ مَهْمَا أَوْ مَتَى مَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإذَا طَلَّقَهَا طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَطَلْقَةً قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لأَنَّ المُعَلِّقَ يُصَادِفُ حَالَ البَيْنُونَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَالَعَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّ الجَزَاءَ يَتَأَخَّرُ عنِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِلمُضَادَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ترجمة الفَصْل التعليق بالتطليق ونفَيْهِ، لكن المسائل الواقعة فيه تنقسم إلى ما يختص بهذا التعليق إلى ما يَشْمَل سائر التعليقات، فلا يختص به على ما نبينه، وأول ما نفتح به الفَصْل بيانُ أدوات التعليق؛ لأنَّه ذكَر عدداً منها في أوَّله، قال الأصحاب: الألفاظ التي يتعلَّق بها الطلاق بالشروط والصفات "من"، "وإن" "وإذا" "ومتى" "ومتى ما" "ومهما" "وكلما" "وأي" 330 مثْلَ أن يقول: من دخلَتِ الدار من نسائي، فهي طالقٌ أو يقول: إن دخلْتِ الدَّار أو 331 "إذا" دخلت أو "متى" أو متى ما أو مهما أو كلما أو "أيَّ" وقت أو زمانٍ، دخلْت الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ ثم إن كان التعليق بإثبات فعل، لم يقتضِ شيْء منها الفَوْر، ولم يُشْترط وقوع المعلق عليه في المجلس، إلا إذا كان التعليق بتَحْصيل مالٍ، بأن يقول: إن ضمنت لي ألفاً أو 332 إذا أعطيتني ألفاً، فإنَّه يُشْتَرط الفور في الإِعطاء والضمان في بعض الصيغ المذكورة على ما تقرَّر في "الخُلْع"، وإلاَّ إذا علَّق الطلاق بمشيئتها، فيعتبر الفَوْر في المشيئة على ما سَبَق وسيعود، ولا يقتضي شيْء، من هذه الصيغ تعديد الطَّلاق بتكَرُّر الفعل، بل إذا وُجِد الفعل المعلَّق عليه مرَّةً تنحل اليمين، ولا يؤثر وجوده، مرة ثانية وثالثة إلا كلمة "كلما"؛ فإنها تقتضي التكرار بالوضع والاستعمال، وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً غريباً أن "متى" ومتى ما

الجزء: 9 - الصفحة: 74

مما تقتضيان التكرار مثْل "كلما"، ووجهاً آخر أن متى ما تقتضيه دون "متى"، إذا عُرِف ذلك، فلو قال "إنْ طلقتُكِ" أو إذا أو متى ما طلقتك، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، نُظِرَ؛ إن كانت مدخولاً بها، وقَعَت طلقتان إحداهما المنجزة، والأخرى المعلَّقة بالتطليق، ولا فرق بين أن تُطلَّق بالتصريح، أو بالكناية مع النية، ولو طَلَّقها طلقتين وقَعَت طلقتان بالتنجيز وثالثة بالتعليق، فلو قال: لم أْرِد التعليق، وإنما أردتُّ أني إذا طلقتها تكُون مطلَّقة لتلك الطلقة، لم يُقْبَل في الظاهر، ويدين، ولو وَكَّل وكيلاً، فَطلَّقها، وقَع المنجَّز دون المعلَّق؛ لأنَّه علَّق بتطليقه، وينتظم أن يقال: إنه ما طلَّقها وإنما طلقها وكيله، وإن لم يكن مدخولاً بها، وقع ما نجَّزه، وحصَلَت البينونة، فلا يقع شيْء آخر، وتنحل اليمين بما نجز حتى لو نكحها، بعْد ذلك، وطلَّقها لا يجيء الخلاف في عود الحنث، ولو خَلَعها، وهي مدخولٌ بها أو غير مدخول بها، فكذلك لا يقع الطلاق المعلَّق لحصول البينونة بالخُلْع، ثم إن جعلْنا الخُلْع طلاقاً انحلت اليمين، وإن جعلْناه فسخاً، لم تنحل، وقوله في الكتاب وليس ذلك لأن الجزاء يتأخر عن الشرط، ولكن ذلك للمضادَّة أراد به أن من الأصْحَاب مَنْ ذهب إلى أن الطَّلْقة المعلَّقة إنما لم تقع؛ لأن المعلَّقة تتأخَّر عن المنجَّزة، وتترتب عليها, ولا تقع في غير المدخول بها طلقة بعْد طلقة، واحتجوا للترتيب بأن "الفاء" للترتيب والتعقيب، وبالفاء يوصل الطلاق بالشرط، فيقال: إن دخَلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، وبأن الجزاء يتأخر عن الشرط؛ ألا ترى أن قوْل القائل: إن جئتني، أكرمتُك، وأنه لو قال في مرض موتة: إن عتقت غانماً، فسالمٌ حرٌّ، ثم أعتق غانماً، والثلث لا يفي إلا بأحدهما، فيعتق غانم، ولا يُقْرَع بينهما, ولولا تقدُّم الشرط، لأُقْرع بينهما، كما لو قال: أعتقتكما، والَّذي ارتضاه الإِمام -رحمه الله- ونسب إلى المحقِّقين أن المعلَّق بالصفة يقع مع وجود الصفة، فإن الشرط علَّة وضعية، والطلاق معلولها فيتقاربان في الوجود، كالعلة الحقيقة مع معلولها، وإنما التقدُّم والتأخُّر فيها، وأجابوا عن حرف الفاء بأن قول 333 القائل: أنتِ طالقٌ، إن دخلْتِ الدارَ, كقوله إن دخلتِ الدارَ، فأنتِ طالقٌ، ولا فاء، وعن الاستشهاد بقوله: إنْ جئتَنِي, أكرمتك، بأن الإِكرام، فعْل منشأ ولا يتصور إنشاؤه إلاَّ متأخراً عن المجيْء، فيلزم الترتيب ضرورةً وقوعُ الطلاق حكْمٌ شرعي لا يفتقر إلى زمان محْسُوس، فسبيله سبيل العلة مع المعلول، وعن مسألة غانم وسالم بأن عِتْق سالم مشروعٌ بعتق غانم، فلو أقرعنا أمْكَن أن تخرج القرعة على سَالِم فيمكن إعتاقه بدون الشرط، وعتْق غانم ليس بمشروط قال هؤلاء: وإنما لم تقع الطلقة الثانية؛ لأن قوله: إن طلقتُكِ، فأنتِ طالقٌ، معناه إذا صرْتِ مطلَّقة، وكما صارت 334 مطلَّقة، صارت بائناً، والبينونة تنافي وتُضَادُّ وقوع طلقة أخرى،

الجزء: 9 - الصفحة: 75

سواء فيه ابتداؤها ودوامها, وليس كما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، فإن البينونة هناك معلولُ الطلقتين، وليست إحداهما مميّزة عن الأخرى، والمنجز هنا يَنْفَصل عن المعلَّق؛ ولذلك قلنا: لو قال: أنتِ طالقٌ طلقةٌ معها طلقة لم تُطلَّق إلا واحدةً على أحَد الوجهين؛ لأنه حصَل وقوع انفصال، وهذا مجازاة على المذْهَب المشهور، وهو أنَّه لا يقع إلا طلقة واحدة، وفي "المجرَّد" للحناطي -رحمه الله- وجْه غريب أنَّه يقع في غيْر المدخول بها، وفي الخلع طلقتان أيضاً، فيجوز أن يعلم؛ لذلك قولُه "وطلقة [قبل] 335 الدخول" بالواو، وكذا قولُه "وكذلك إذا خالَعَها" ويمكن أن يعلم قولُه: "وليس ذلك، لأن الجزاء يتأخر عن الشرط" لِمَا ذكرنا أن بعضهم علَّل به.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ علَّقَ طَلاقَهَا علَى صِفَةٍ وَوُجِدَتْ فَهُوَ تَطْلِيقٌ وَمُجَرَّدُ الصِّفَةِ لَيْسَ إِيقَاعاً وَهُوَ وُقُوعٌ، وَمُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ وَلاَ وُقُوعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن تنجيز الطلاق تطليقٌ يقع به الطلقة المعلَّقة بالتطليق، إذا كانت المرأة مدخولاً بها، فكذلك تعليق الطلاق مَعَ وجود الصفَة تطليقٌ، حتى لو قال: إن طلقتك، فأنت طالقٌ، ثم قال: بعْد ذلك: إن دخْلتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ودخلَتْ، فتطلَّق طلقة بالدخول، وطلق بوجود المعلق، وهو التعليق بالدخول مع الدخول، وكما أن التعليق بالصفة مع الصِّفة تطليقٌ، فهو مع الصفة إيقاع للطلاق أيضاً حتى لو قال: إن أوقعْتُ عليك الطلاق، فأنتِ طالقٌ، ثم إن قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ودخلَتْ، تقع طلقتان، وفي تعليق الشيخ أبي حامد -رحمه الله- أنه لا يقع إلاَّ طلقة، ولا تقع الطلقة المعلقة بالإِيقاع، وهذا الوجه قد حكاه صاحب "التهذيب"، "والمهذَّب" وادَّعى الذاهب إليه أن لفظ الإِيقاع يقَع على طلاق يباشره، بخلاف لفْظ التطليق، والصحيحُ أنَّه لا فَرْق، ومجرَّد الصفة المعلَّق بها ليْسَت بتطليق ولا بإيقاع للطلاق، لكنه وقوع، فلو كان قد قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إن طلقتُكَ، فأنتِ طالقٌ، أو إذا أوقعْتُ عليك الطلاق، فأنتِ طالقٌ، ثم دخلَتِ الدار، لا يقع الطلاق المعلَّق بالتطليق، أو الإِيقاع، وإنَّما تقع طلقة واحدة بالدخول، ولو كان قد قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالَقٌ، ثم قال: إن وقَع عليْك طلاقي، فأنت طالقٌ، ثم دخلَتِ الدار، تقع طلقتان، إحداهما للدخول، والأخرى لحُصُول الوقوع، كما لو نجَّز الطلاق أو تأَخَّر التعليق بدخول الدار عن التعليق بوُقوع الطَّلاق، ويكون بتطليق الوكيل كتطليقه؛ لأن الواقع طلاقُه، وإن باشره الوكيل هذا هو الصحيح، وفي "المهذب" ذكْر وجه آخر: أنَّه لا يقع بطلاق الوكيل الطَّلْقة المعلَّقة بالصفة، كما لو كان التعليق

الجزء: 9 - الصفحة: 76

بالتطليق، وأما مجرد التعليق، فليس بتطليق ولا إيقاع ولا وقوع حتى لو قال: إن طلقتُكِ وأوقعْتُ عليْكِ الطلاق، أو وقع عليْك طلاقي، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، لم يقَعْ بهذا التعليق شيْءٌ] ولو قال: كُلَّما وقَع عليْك طلاقي، فأنت طالقٌ ثم طلَّقها، يقع عليها ثلاثُ طلقات؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، فتقع ثانية بوقوع الأولى، وثالثة بوقوع الثانية.
ولو قال: كُلَّما طلقتُك، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، تقع الطلقة المنجزة، وتقع طلقة أخرى؛ لحصول التعليق، وحكى القاضي ابن كج عن القاضي أبي حامِدٍ -رحمه الله- وغيره: أنَّه تقع طلقة ثالثة؛ لأن الثانية الواقعة بوجُود التطليق هو الموقع لها بالتعليق السابق، فكأنه طلَّق مرَّة أخرى، وجعل الحناطي هذا قولاً، ونسَبَه إلى كتاب البويطيِّ، والأصح الاقتصار على طلقتين، ومن أوقع ثلاثاً، يلزمه أن يَجْعَلُ مُجرَّد الصفة بعْد التعليق تطليقاً وإيقاعاً، وإذا قلْنا بالأصح، فلا تنحل اليمين؛ لاقتضاء اللفظِ التكرارَ.
قال في "التهذيب": ولكن لا يظهر له فائدة هاهنا؛ لأنه إذا طلقها مرةً أخرى، كان بالطلقة المنجزَّة مستوفياً للثلاث، ولا تعود اليمين بعد استيفاء الثلاث على المَذْهب، ولو قال: كلما طلقتك فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إذا أوقعت عليكِ طلاقِي، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، طُلِّقت ثلاثاً؛ واحدة منها منجَّزة، واثنتان بالتعليق.
فرُوعٌ: قال: لامرأته: إن أعتقت عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم قال للعبد: إن دخلْت الدار، فأنتَ حرٌّ، فدخل، عتق، وطُلِّقت المرأة؛ لأن تعليق العتْق بالدخول مع الدخول إعتاق، كما أنه تطليق، ولو قدَّم تعليق العتْق، فقال له: إن دخلْتَ الدار، فأنْتَ حرٌّ، ثم قال لامرأته: إن أعتقْت عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم دخل العبد الدار، عَتَق، ولم تُطلَّق المرأة؛ لأن الَّذي وُجِد بعْد تعليق طلاقها مجرَّد صفة الدخول، وأنه ليس لإعتاق، كما أنه ليس بتطليق، ولو قدَّم تعليق العتق لكن كان صيغة تعليق الطلاق إذا عتق عبدي أو وَقَع العتق على عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم دخل عتق، وطُلِّقَت، لحصول العِتْق بعْد تعليق الطَّلاق.
ولو كانَت تحته امرأتان حفْصة وعمرة، فقال لحفصة: إن طَلَّقتُ عمرة، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لعمرة: إن دخلتِ الدَّار، فأنت طالقٌ، ودخلَت، طُلِّقت عمرة بالدخول، وحفصة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق عُمرة، فقد وُجدَ تطليق عمرة بتعليق طلاقها بالدخول مع الدخول.
ولو قال أولاً لعمرة: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لحفصة إن طَلَّقْتُ عمرة، فأنتِ طالِقٌ، ثم دخلَت عمرة الدار، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق حفصة؛ لأنه لم يوجَدْ بعْد تعليق طلاق حفصة إلا مجرَّدُ الدخول، ومجردُ الصفة ليس بتطليق.
ولو كان صيغة تعليق حفصة؛ مَتَى وقَع طلاقِي على عمْرَةَ، فأنتِ طالقٌ، وعلَّق

الجزء: 9 - الصفحة: 77

طلاق عمرة بدخول الدار قبْل تعليق حفصة أو بعده، ودخلَت عمرة بعْده الدار، طُلِّقَت كلُّ واحدة منهما؛ لوقوع طلاقه على عمرة على التقديرين.
ولو قال لحفصة: إن طَلَّقت عمْرة، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لعمرة: إن طَلَّقْت حفْصة، فأنتِ طالقٌ، ثم طَلَّق حفْصة، طُلِّقت حفْصة طَلْقَةً منجَّزة، وتطلَّق عمْرة طلْقةً لأنَّه علَّق طلاقها بتطليق حفْصة، وإذا وقَع الطلاق على عمْرة، طُلِّقت حفْصة طلقةً أُخرى؛ لأن تعليق طلاق عمْرة بطلاق حفْصة يتأخَّر عن تعليق طلاق حفصة، فيكون تعليق طلاق عمرة بطلاق حفْصة وتطليقها مُطَلِّقاً عمرة؛ لما مرَّ أن الصفة مع 336 التعليق تطليق، وحينئذٍ فيكون حانثاً في تعليق طلاقِ حفْصة، فيقع عليها طلْقة أخرى سوى المنجَّزة.
وقال ابن الحدَّاد في "المولدات": لا تقع على حفْصة أيضاً إلا طلقة، وغلَّطَهُ الشارحون فيه، والعجب أنَّه أبْدَى العَذَق من نفسه في جَواب هذِه الصورة، وعرض بالبناء عليها، وهو كما أبْدَى وقوفه إلاَّ أن العُجْبَ أخَذَ برِجْلِه، فزل.
ولو أنَّه طلَّق عمرة بدَلاً عن حفصة، والتعليقات كما صورنا، طُلِّقت عمرة طلْقة منجَّزة، وطلقت حفصة؛ لأنَّ طلاقها معلَّق بتطليق عمْرة، وقد طَلَّقها ولا يعود من وقوع الطلاق عليها طلقة أخرى على عمرة لأن تعليق طَلاَق حفْصة سابقٌ، ولم تُطلَّق حفْصَة بعد تعليق طلاق عمرة منجزًا ولا أحدث تعليق طلاقها، وإنما الَّذي أحْدَث مجرَّد الصفة التي علَّق عليها طلاق حفْصة، ومجرَّد الصفة ليس بتطليق على ما تقدَّم، ولو كان تعليقُ الطَّلاقَيْن بصيغة "إذا" أو "متى" أو "مهما" فكذلك الجواب، وكذا لو كان بصيغة "كلَّما" وإن كانَتْ تقتضي التَّكرار؛ لأن التَّطْليق لم يتكرر كما تقرَّر ولو قال لحفصة: إن وقَع طلاقي على عمرة، فأنتِ طالقٌ، وقال لعمرة: إن وقَع طلاقي على حفْصِة، فأنتِ طالقٌ، ثم طلَّق واحدة منهما، طُلِّقت هي طلقةً منجَّزةً، ويقع على صاحبتها طلقة بحكم الصفة، ثم يَعُود إلى المنجَّز طلاقها طلقة أخرى؛ لحصول صفة الوقوع على صاحبتها، ولو علَّق هكذا بصيغة "كلما" ثم طلَّق واحدة منْهما، طُلِّقت كل واحدة منهما ثلاثاً، ولو قال لحفصة: إذا طلقتك، فعمرة طالقٌ، ثم قال لعمرة: إذا طلقتك، فحفصة طالقٌ، فقد علَّق في هذه الصورة بطلاق المخاطبة طلاق صاحبتها، وفي الصورة السابقة علَّق طلاق المخاطبة بطلاق صاحبتها، والحكم أنَّه إن طَلَّق بعْد ذلك حفْصة طُلِّقَت بالتنجيز طلْقَةً، وطُلِّقت عمْرة بالصفة، وهو طلاقُ حَفْصة، ولم تعُدْ طلقة أخرى إلى حفصة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق عمرة، ولم تُطلَّق عمرة بعْدما علَّق طلاق حفصة تنجيزاً ولا أحدث تعليقاً، وإنما الذي وُجِدَ الصفةُ الَّتي علَّق بها طلاقَ عمرة، ولو طلَّق عمرة أولاً،

الجزء: 9 - الصفحة: 78

طُلِّقت، وهي طلقة منجزة، وطلقت حفصة بالصفة، وعاد إلى عمرة طلقة أخرى؛ لأنَّه علَّق طلاق حفْصة، بعْد تعليق طلاقها، ووجدت الصفة، وذلك تطليق لحفصة.
ولو قال، وله أربع نسوة: كلَّما طلَّقْتُ واحدةً مِنْكن، والأخريات طوالقُ، فإذا طلق واحدة منْهن، طُلِّقت هي بالتنجيز، والأخريات بحصول الصفة، فإن طَلَّق ثانية، وقَعَت على كل واحدة طلقة أخرى، فإن طلَّق ثالثة؛ ثَمَّ على كل واحدة ثلاث، ولو قال: كلَّما طلقتُ واحدةً منكن، فأنتن طوالقُ، ثم طلق واحدة، تُطلَّق هي طلقتين؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليقها، وتُطلَّق كل واحدة من الأخريات طلقة، فإن طلق ثانية، ثَمَّ عليها وعلى الأولى ثلاثُ طلقات، والثالثة والرابعة طلقتا طلقتين طلقتين، فإن طلق الثالثة ثم على الكل ثلاثٌ.
ولو قال: وله ثلاث نسوة، ونكحهن على الترتيب: إن طَلَّقتُ الأولى، فالثانية طالقٌ، وإن طلقتُ الثانية، فالثالثة طالقٌ، وإن طلقت الثالثة، فالأولى طالقٌ، فإن طلق الأولى، طُلِّقت هي بالتنجيز، والثانية بالصفة، ولم تُطلَّق الثالثة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق الثانية، ولم تُطلَّق بعْد تعليق طلاقها الثانية تنجيزاً، ولا أحدث لها تعليقاً، وإن طَلَّق الثانية، طُلِّقت بالتنجيز، والثالثة بالصفة، ولم تُطلَّق الأولى لِمِثْل ما ذَكَرْنا، وإن طلَّق الثالثة، طُلِّقت بالتنجيز، والأولى بالصفة، وطلقت الثانية أيضاً؛ لأنه بعْد تعليق طلاق الثانية، على طلاق الأولى بطلاق الثالثة، وطلاق الثالثة، والتعليق مع الصفة تطليقٌ، فيكون مطلقاً للأولى، ولو طَلَّق واحدةً منْهن بعينها، ومات قبْل البيان، فإن كان الطلاق قاطعاً للميراث، إما, لأنه طلق ثلاثاً أو لكونه، قبل الدخول، فليس للثانية المخاصمةُ في الميراث؛ لأنها مطلَّقة على كلِّ تقدير على ما تبين، وللأولى والثانية المخاصمةُ؛ [في الميراث] 337؛ لأن احتمال عدم الطلاق قائم في حقِّ كل واحدة، فيتوقَّف الأمر إلى الاصطلاح؛ وهذه الفروع عسرة التصوير، لما فيها من التعقيد، وإذا تَمَّ تصورها, لم يكن فيها إشكال من جهة المعنى، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ وَلَهُ أَرْبَع نِسْوَةٍ: إِذَا طَلَّقْتُ وَاحِدَةً فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ وَإِنْ طَلَّقْتُ اثْنَتَيْنِ فَعَبْدَانِ وإنْ طَلَّقْتُ ثَلاَثاً فَثَلاثَةُ أَعْبُدٍ وَإِنْ طَلَّقْتُ أَرْبَعاً فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ ثُمَّ طَلَّقَ الأَرْبَعَ عَتَقَ عَشَرَةُ أَعْبُدٍ لأَنَّهُ حَنِثَ فِي الأَيْمَانِ الأَرْبَعَةِ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا بَدَّلَ إِنْ عَتَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْداً لأَنَّ فِي الأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةَ آحَادٍ وَاثْنَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلاثَةً مَرَّةً وَأَرْبَعَةً مَرَّةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من له أربعُ نسْوة وعبيد، فقال: إن طلقْتُ واحدةً من نسائي، فعبد

الجزء: 9 - الصفحة: 79

من عبيدي حُرٌّ، وإن طلقت اثنتين، فعبدان حرَّان، وإن طلقتُ ثلاثة، فثلاثة أحرار، وإن طلقت أربعة، فأربعةُ أعبد أحرارٌ، ثم طلَّقهن معاً، أو على الترتيب، عَتَق عشَرةُ أعبدٍ، لأنه طلَّق واحدةً، واثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، وهذه الأعداد إذا جمعت بلغت عَشَرة، وكذلك الحُكْم لو علَّق بـ"إذا" أو "متى" أو "مهما" أو "ما" لا يقتضي التكرار، أما إذا علَّق هذه التعليقات بكلمة "كلما" ثم طلقهن معاً أو على الترتيب، فظاهر المذهب، وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يعتق خمسة عشر عبداً؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، وإذا طلَّق واحدة، حَصَلَت [صفة وهي تطليق واحدةٍ طلاق واحدة فيعتق عبد، وإذا طلَّق أخرى، حصلتْ صفتان طلاق واحدة مرة أخرى، وطلاق ثلاث، فيعتق أربعة أعبد، فإذا طلَّق الرابعة، حصَلَت ثلاث صفات، طلاق واحدة مرةً أخرى، وطلاق اثنتين غيْر الأوليين، وطلاق أربع 338 فيعتق سبْعة، والمجموع خمسة عشر، ووراء هذه وجُوهٌ: أحدها: عن ابن القطَّان: أنه يعتق عشرة، والثاني: أنه يعتق سبعة عشر عبداً؛ لأن في طَلاَق الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفةً أخرى، وهي طلاق اثنتين بعْد الأولى فيعتق عبدان آخران.
والثالث: يعتق عشرون عبداً؛ سبعة عشر؛ لِمَا ذكرنا، وثلاثة؛ لأن في طلاق الرابعة صفةً أخرى وراء الصفات الثلاث، وهو طلاق ثلاثٍ بعْد الأولى، قال في "الشامل" وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وهذه الوجوه ضعيفة باتفاق الأئمة، أمَّا الأول، فلأنه إسقاطٌ لمقتضي "كلما"، وأما الآخران فلأن الثانية معدودة مع التي قَبْلها في يمين الاثنين، والثالثة معدودة على اللتين قبلها 339 في يمين الثلاث، فلا يعدان مع مَنْ بعدهما من اليمينين، فإن ما عد في عدد مرَّة، لا يُعَدُّ فيه مرة أخرى، واستشهد على ذلك بأنَّه لو قال كلَّما أكلْت نصْفُ رمَّانة، فعبد من عبيدي حُرٌّ، ثم أكل رمانةً، يعتق عبدان؛ لأن أكْلَ نصفي رمانة، لا يقال: يعتق ثلاثة أعبد؛ لأن الربع الثاني مع الثالث نصْف رمانة؛ لأن الربع الثاني عُدَّ مرة مع الأول، فلا يُعد مرة أخرى، وبأنه لو قال: كلما دخلْتُ الدار، فأنتِ طالقٌ، فدخلت [الدار] 340 مرة، وطُلِّقت، ثم دخلت مرة أخرى، تُطلَّق طلقة ثانية، ولا يقال: تُطلَّق طلقتين؛ طلقة بهذه الدخلة، وأخرى بالدخلة الأولى؛ لأن الأولى قد حسبت مرة، فلا تُحْسَب مرَّة أخرى، والشيخ أبو حامد، والإِمام، وجماعة نَفَوْا وجه العشرين، وألزموا مَنْ قال بسبعة عشر أن يقول يعتق العشرين، ترتيباً لما صاروا إلَيْه، ووجه إعتاق سبعة عشر أَوْلَى بالنفي؛ لأن مَنْ لم يقل به، لم يَقْل، ومَنْ قال به يلزمه إلاَّ يقتصر علَيْه، ويقول بالعشرين، وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب وجْه

الجزء: 9 - الصفحة: 80

آخر أنَّه يعتق ثلاثة عَشَر عَبْداً، وأخذ بتطليق واحدة، وثلاثة بتطليق الثانية، وأربعة، بتطليق الثالثة، وخمسة بتطليق الرابعة، لم يكرّر هذا القائل بالرابعة يمين التبيين، واعلم أن العبيد المحكُوم بعتقهم في المسألة مبهمون والرجوع في التعيين إليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عَدَمَ الطَّلاَقِ لِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قُبَيْلَ المَوْتِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا عَلَى الفَوْرِ، وَقِيلَ فِي لُزُومِ الفَوْر قَوْلاَنِ في الْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكلَّمنا في التعليق بالتطليق والغرض الآن فيما إذا علَّق بنفي التطليق، وفي معناه التعليق بنفي الدُّخُول، والضرب، وسائر الأفعال، فإذا قال: إن لم أطلقْك، فأنتِ طالقٌ لم يقع الطلاق، وإنما يقع إذا حصَل اليأس عن الطلاق، ولو قال: إذا لم أطلِّقك، فأنْتِ طالقٌ فإذا مضى زمان يمكنه أن يطلِّق فيه، فلم يطلِّق، طُلِّقت، هذا هو المنصوص في اللفظين، وللأصحاب -رحمهم الله- فيه طريقان: أحدهما: التسوية بين اللفظين؛ لاستعمال كل واحد منهما لمعنى الآخر، والتصرف في النصين بالنقل والتخريج: إحداهما: أنَّه لا يقع الطَّلاق فيهما بمُضِيِّ زمان يمكن فيه التطليقُ من غَيْر تطليق، وإنما يقع عنْد اليأس، كما أن في طرف الإِثبات، لا يختص التعليق بالزمان الأول، وبهذا قال، أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله-.
والثاني: يقع: إذا مَضَى زمان يمكن فيه التطليق من غير تطليق؛ لأنَّه أول وقت تحقق فيه عَدَم التطليق، والطلاق يقع بأول حُصُول الصفة.
وأصحُّهما: الأخذ بالمنصوص في الطرفين، والفرق أن حَرْف "إن" يدل على أن مجرد الاشتراط لا إشعار له بالزمان، "وإذا" ظرف زمان نازل منزلة "متى" في الدلالة على الأوقات؛ ألا ترى أن القائل إذا قال لك: متى ألقاك استقام لك أن تقول في الجواب: إذا شِئْت، وقَع موقع قولك "مَتَى شِئْت"، ولا يستقيم أن تَقُول، إن شِئْت، وإذا كان كذلك، فقوله: "إن لم أطلقْكِ" معناه: إن فاتني طلاقُكِ، ومدةُ إمكان الطلاق فسيحة، فينتظر الفوات، ومدة ذلك إذا مَضَى زمان يسع التطليق، فلم تطلق، فإذا مَضَى زمانٌ هذا حالُهُ، وجب أن يقع الطَّلاق.
ولو قال: متى لم أطلقك، أو "مهما" أو "أيّ" حِينِ أو وقْتٍ أو كُلَّمَا لم أفعل أو تفعلي كذا، فإذا مَضَى زمان يتسع ذلك الفعل، فلم يَحْصُل، وقَع الطَّلاق، كما في "إذا" على الصحيح، وأشار الحناطي إلى طَرْد الخلاف فيها، وعبَّر الأئمة عن الغرض جواباً على الصحيح، بأن أدوات التعليق كلَّها تقتضي الفور في طرف النفي إلا حَرْف "إن"

الجزء: 9 - الصفحة: 81

فإنها للتراخي، ولك أن تقول: مقصود اللفظ معلومٌ، لكن في إطلاق لفظَي الفور والتراخي هاهنا نَوْعُ توسُّع؛ لأنهما إنما يستعملان في الأفْعَال الَّتي لها أوقات متوسعة، والنظر في التعليقات إلى حُصُول الصفة الَّتي ارتبط بها الطَّلاق، ويستوي في ذلك طرف النفي والإِثبات، وكلمة "إن" حرف شرط يتعلَّق بمعلق الفعل من غير دلالة على الزمان، ففي طرف الإِثبات إذا حَصَل الفعل في أي وقت كان، وقَع الطلاق، وفي طرف النفي يعسر انتفاؤه، والانتفاء المطلَقُ بالانتفاء في الأزمان؛ ألا ترى أنَّه لو حلف أن يكلمه، بَرَّ، إذا كَلَّمَهُ مرةً في عمره، ولو حلَف ألاَّ يكَلِّمه، فإنما يبر إذا امتنع عنه في جميع العمر، أمَّا "إذا"، "ومتى"، "وأي"، "وحين" وما يدل على الزمان، فحاصلها أنه يقول في طرف الإِثبات: أيَّ وقت فعَلْتُ كذا، فأنتِ طالقٌ، فأي وقت فعل، يقع الطلاق، سواءٌ فيه الزمان الأول، وغيره، ويقول في طرف النفي؛ أيِّ وقْت لم أفْعَل كذا، فأنتِ طالقٌ، إذا مضى زمان لم يفْعَلْه، حصلت الصفة، فتعلق 341 بها الطلاق، فلا فرق إذن بين طرفي النفي والإِثبات، إلاَّ في كيفيَّة حصول الصفة.
ولو علَّق النفي بكلمة "إن" وقيده بزمان فقال: إن لم أطلقْكِ اليوم، فأنتِ طالقٌ، فإذا مضى اليوم، ولم يُطلِّق نحكم تفريعاً على الصحيح بوقوع الطلاق قبيل غروب الشمس؛ لحصول اليأس حينئذٍ، ولو قال: إن تركْتُ طلاقك، فأنتِ طالقٌ، فإذا مضى زمانٌ يمكنه أن يُطلِّق، فلم يُطلِّق، طُلِّقَتْ بخلاف طرف النفي، وإن طَلَّقها في الحال واحدةً، ثم سكت لا تقع أخرى؛ لأنَّه لم يترك طلاقها، قال في "التهذيب" ويمثله لو قال: إن سكت عن طلاقك، فأنتِ طالقٌ، فلم يطلقها في الحال طُلِّقت لحصول الصفة، وإن طَلَّقها في الحال، ثم سكت طُلِّقت أخرى بالسكوت، ولا تُطلَّق بعْد ذلك لانحلال اليمين 342. ولو قال: كُلَّما سكت عن طلاقك أو كلما لم أطلقْكِ، فأنت طالقٌ، ومضى ثلاثة

الجزء: 9 - الصفحة: 82

أوقات تسع ثلاث طلقات بلا تطليق، وقعَتْ عليها ثلاثُ طلقات، وهذه الصورُ في المدخول بها، أما غير المدخول بها، فإذا قال لها: كلَّما لم أطلقْكِ، فأنت طالقٌ، ومضَت لحظة، لم يُطلِّقها فيها فَتْطلَّق وتَبِين، ولاَ تُطلَّق الثانية والثالثة، فلو جدَّد نكاحها، وقضينا بعود اليمين، فإذا مضت لحظة، طُلِّقت طلقة أخرى، ولو قال للمدخول بها عقيب هذا التعليق بـ"كلما" طلقتُكِ على ألْفٍ، فقبلت بانت منْه، ولم تُطلَّق الثانية والثالثة، فإن جدَّد نكاحها، عاد قولا عوْد اليمين، ذَكَره في "التهذيب".
قَالَ الغَزَالِيُّ: يَحْصُلُ اليَأْسُ بِجُنُونٍ مُتَّصِلٍ بِالمَوْتِ وَلَكِنَّ تَوَهُّمَ الإِفَاقَةِ يَمْنَعُ الطَّلاَقَ فَإِذَا مَاتَ مَجْنُوناً تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قُبَيْلَ الجُنُونِ، وَلَوِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ تَجْدِيدِ نِكَاحٍ وَطَلاَقٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قَبْلَ الانْفِسَاخِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا فَيُؤَدِّي تَقَدُّمُهُ عَلَى الانْفِسَاخِ إِلَى الدُّورِ، وَإنْ جَدَّدَ النِّكَاحَ بَعْدَ الفَسْخِ وَطَلَّقَهَا فَقَدْ حَصَلَ البرُ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا وَجَوَّزْنَا عَوْدَ الحِنْثِ طُلِّقَتْ في النِّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ المَوْتِ، وَإِنْ لَمْ نَرَ عَوْدَ الحِنْثِ وَجَبَ إِسْنَادُ الطَّلاَقِ إِلَى مَا قَبْلَ الفَسْخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ الخلاف في أنه إذا علَّق الطَّلاق بنفي فعْل إما بـ"إِنْ" بـ"إذا" يقع الطلاق بأول زمان يمضي خالياً عن ذلك الفعل، وإنما يقع بفواته واليأس عنْه والغرض التفريع على ذلك الخلاف، فإذا قال: إذا لم أطلقْكِ أو إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ، قلنا: يقع الطلاق إذا مضى زمانٌ, يتسع للتطليق من غَيْر تطليق، فلو أنَّه أكره على الامتناع من التطليق، أو أمسك رجُلٌ على فيه، قال الحناطي -رحمه الله-: يخرج على الخلاف في حنث الناسي والمكره، وإن قلْنا بالصحيح، وفرَّقنا بين "إن" "وإذا"، فلو قال المعلق: أردتُّ بـ"إذا ما يراد بـ"إِنْ"، فيدين، وفي القبول ظاهراً وجهان عن صاحب التقريب" -رحمه الله-، والأشْبَه القَبُول، فقد يقام كل واحد منهما مقام الآخر، وحيث قلْنا: لا يقع الطلاق حتَّى يتحقَّق الفوات واليأس عن التطليق، فلذلك طرق إذا وقَفْتَ عليها عرفْتَ أن قوله في الكتاب "فإنما تبين عدم الطلاق لموت أحدهما" ليْس للحَصْر؛ لأن الموت أظهر الأسباب، وهو واقع لا محالة، فبادر إلى ذكْره؛ لأنه أغلب الطريق الأول، إذا مات أحد الزوجين وَلم يطلِّقها تبين فوات التطليق، فيُحْكَم بوقوع الطلاق قبيل الموت.
قال الإِمام: ولم يَصِرْ أحدٌ من الأصحاب إلى أنه إذا تبيَّن اليأس، يسند الطلاق إلى وقْت اللفظ، وهو محتمل كما إذا 343 مضت عليه سنون، وهو مستطيع للحج،

الجزء: 9 - الصفحة: 83

وقلنا: إنَّه يموت عاصياً، ففي الأصحاب من يبسط المعصية على أول وقْت الاستطاعة، ومنهم من يخصها بالسنة الأخيرة.
قال صاحب الكتاب في "البسيط" إنما لم يصيروا إلَيْه؛ لأن قوله: "إن لم أفعل كذا، فأنت طالقٌ، يحتمل أن يراد به إيقاع [الطلاق في الحال إن لم يتحقق الفعل في العمر، وقد يراد به الإِيقاع إذا حصل إخلاء العُمر عنه، والأصل أن لا طلاق، فأخذ باليقين.
الطريق الثاني: إذا جُنَّ الزوج، لم يوجب ذلك بأساً؛ لأنَّ الإفاقة والتطليق بعده يمكن، فإذا اتصل بالموت تبينا حصول اليأس من وقت الجنون، فتَطلَّق قبيل الجنون، قال في "البسيط" وفي الإسناد إلى ما قَبل الجنون إشكالٌ، [و] 344 كان يجوز أن يقال: يقع قبيل الموت أيضاً، ولا يستند الطلاق إذا لم تحْصُل الإِفاقة المتوقعة إلى ما قَبْل زمان التوقف، كما لم يستند إذا لم يَحْصُل التطليق المتوقع إلى أوَّل زمان التوقف.
الثالثة: إذا فسخ النكاح بسبب، أو انفسخ بردة وغيرها، فلا يَحْصُل اليأس؛ لأنَّ من الجائز أن يجدد نكاحها، وينشئ فيه طلاقاً، وحينئذٍ فلا يكون لمعلق به، وهو فوات التطليق حاصلاً، ولا يختص ما به البِرُّ والحنث بحال النكاح؛ ولذلك نقول: تنحلُّ اليمين بوجود الصفة في حال البينونة، فإذا ماتا أو أحدهما, ولم يوجد تجديدٌ وتطليق، فقد تحقق الفوات، ولا يمكن القوْلُ بوقوع الطلاق هاهنا قبيل الموت فيتعين الإِسناد إلى ما قبل الانفساخ 345 كما أسندنا إلى ما قبل الجُنُون كذلك، ذكره الإِمام على تلوم وتردُّد فيه، وتابعه المصنِّف وغيره على ما ذكَره.
قالوا: وإنما يتأتى، فرْض ذلك في الطَّلاق الرجعيِّ؛ ليمكن اجتماعه مع حصول الانفساخ، فأما إذا كان الطلاق بائناً؛ لكونه قبْل الدخول أو الطلاق الثالث، فلا يمكن إيقاعه قبل الانفساخ لما فيه من الدَّورْ؛ فإنه لو وقع لَمَا حَصَل الانفساخ، ولو لم يَحْصُل الانفساخ، لم يَحْصُل الْيَأْس، وإذا لم يحصل اليأس، لم يقع الطلاق، فيلزم من وقوعه عَدَم وقوعه، وهذا من قبيل الدَّوْر الحكمي، ولو جدَّد نكاحها بعْد الانفساخ، فإن طلقها في النكاح الثاني، لم يَفْتِ التطليق، بل وقع الطلاق، وإن لم يطلقْها حتَّى مات أحدهما في النكاح المجدَّد، فيبنى على قولي عود الحنث، إن قلْنا بعود الحنث، طُلِّقَت في النكاح الثاني قبيل الموت، وبنينا على النكاح، وإن قُلْنا لا يعود الحنث، فلا يمكن إيقاع الطلاق قُبَيْل الموت، كما لو كان الموت في حالة البينونة، فيُسْتند إلى ما قبل

الجزء: 9 - الصفحة: 84

الانفساخ، كما سبق، واعلم أن هذه الطرق الثلاثة فيما إذا كان التعليق بنفي التطليق أما إذا علَّق بنفي الضَّرْب وسائر الأفعال، فالجنون لا يوجب اليأس، وإن اتصل به الموت.
قال في "الوسيط"؛ لأن ضَرْب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب العاقل على الصحيح، ولو أبانها، ودامت البينونة إلى المَوْت، ولم يتفق الضربُ، فلا يقع الطلاق، ولا يُحْكَم بالوقوع قبل البينونة بخلاف ما في قوله: "إن لم أطلقك"؛ لأن الضرب بعد البينونة ممْكِنٌ، والطلاق بعد البينونة، غيْر ممكن [و] 346 إذا كان التعليق بنفي الضرب ونحوه من الأفعال، فعُروض الطلاق كعروض الفسخ والانفساخ، لكن ينبغي أن ينفي من الطلاق عدَدٌ يمكن فرْضُه مستنداً إلى ما قبل الطلاق، فأما في التعليق بنفي التطليق، فإنما تفرض البينونة بالانفساخ؛ لأنَّه لو طلقها بطَلَت الصفة المعلَّق عليها، ويمكن أن تفرض في طلاق الوكيل، فإنَّ ذلك لا يفوت الصفة.
وقوله في الكتاب "قبل تجديد نكاح وطلاق" أي في النكاح المجدَّد.
وقوله: "فإن لم يكن الطلاق رجعيًّا فيؤدي تقدمه على الانفساخ إلى الدور" أي فلا يقع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقُكِ أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا للِتَّعْلِيلِ فَيَقَعُ فِي الحَالِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ اللُّغَةَ فَهُوَ تَعْلِيقٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذي هو حرف شرط "إن" بِكَسْر الهمزة، فإن فتحها فهو للتعليل لا للتعليق، وقول القائل "إنْ كَانَ كَذَا" أي لأَنْ كَانَ وحذف اللام، وقال تعالى جَدُّه: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14] فإن قال: أنتِ طالقٌ، أن لم أطلقْكِ، وقع في الحال؛ لأنَّه أوقعه وعلَّله بأنه لم يطلِّقْها، وإذا أوقع الطلاقَ، وقع، ولا يُنْظَر إلى ما علَّل به، ثمَّ الذي أورده صاحب الكتاب والإِمام وصاحب "التهذيب" وحكي عن الشيخ أبي حامد أن هذا في حقِّ من يعرف اللغة، ويَفْصل بيْن "أن" "وإنَّ"، فأمَّا إذا لم يميِّز بينهما، فالظاهر أنَّه يقْصِد التعليق، فتكون للتعليق، وقال القاضي أبو الطيِّب؛ يُحْكَم بوقوع الطلاق في الحَال، إلا أن يكونَ الرَّجُل ممَّن لا يعرف اللغَة، ولا يميز فقال: قصدتُّ التعليق، فيصدَّق، وهذا أشبه، إلى ترجيحه ذهب ابن الصبَّاغ وهو المذكور في "التتمة" 347، وعلى هذا القياس طرف الاِثبات، فإذا قال: أنتِ طالقٌ، أن دخلْتِ الدار،

الجزء: 9 - الصفحة: 85

أو أن دخلْتِ الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ، يقع الطلاق في الحال، وإن لم تدْخل، ولو قال: أنتِ طالقٌ أنْ طلَّقْتك، يُحْكَم بوقوع طلقتين؛ واحدةٍ بإقراره، وواحدةٍ بإيقاعه في الحال؛ وذلك لأن المعنى؛ أنْتِ طالقٌ؛ لأني طلقتك، ولو قال: أنتِ طالقٌ، إذ دخلْتِ الدار، فيقع الطلاق في الحال، فإن معناها: لدخولك الدار، بخلاف صيغة "إذا" فإن لم يميز الرجُل بَيْن "إذْ" و"إذا" فيُمْكِن أن يكون الحُكْم كما لو لم يميز بيْن "إن" و"أن" والله أعلم.
فروع: لو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ طالقاً، فعن الشيخ أبي عاصم أنه لا يقع في الحال شيْء، لكن إذا طلقها تقع عليها طلقتان، فيكون التقدير: إذا صرْتِ مطلَّقة، فأنتِ طالقٌ، وليكن هذا في المَدْخُول بها, ولو قال أنتِ طالقٌ دخلْتِ الدار طالقاً، فإن طلَّقها قبل الدخول، فدخلت طالقاً، وقعت الطلقة المعلَّقة إذا لم تحْصل البينونة بذلك الطلاق، وإن دخلَتْ غيْر طالقٌ، لم تقع تلْك الطلقة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالق إن دخلَت الدار طالقاً، فإذا التعليق طلقتين بدخولها الدار طالقاً، فإن دخلت طالقاً، وقعت الطلقتان.
ولو قال: أنتِ، إن دخلت الدار، طالقاً (1)، واقتصر عليه، قال في "التهذيب" إن قال نَصَبْتُ على الحَال، ولم أتم الكلام، قُبِلَ، ولم يقع شيْءٌ، وإن أراد ما يراد عنْد الرفع ولَحَنَ، وقع الطلاق إذا دخلَتِ الدار.
وذكر إسماعيل البوشنجي؛ أنه لو قال: أنتِ طالقٌ حين؛ لا أطلقك، أو حيث لا أطلقُكِ، ولم يطلقها عقيبه، وقع الطلاق في الحال على قياس قولنا، وكذا لو قال: حين لم أطلقْك أو حيث لم أطلقْك، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، ما لم أطلقْك، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إن لم أضربْك، وإن لم أضربْك، فأنتِ طالقٌ، وقال: عنَيْتُ به وقتاً معيناً، سواءٌ عيَّن الساعة أو وقتاً آخر قريبًا أو بعيداً، وهكذا يكون الحكم في التعليق يبقى الطلاق وسائر الأفعال.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّعْلِيقِ بِالحَمْلِ وَالوِلاَدَةِ):

وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُولَى): إِذَا قَالَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ فِي الحَالِ للِشَّكِّ لَكِنْ إِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ، وَإِنْ كَانَ لأَكْثَرَ من أَرْبَعِ سِنِينَ فلاَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فقَوْلاَنِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ الوَطْءَ لاَ يَحْرُمُ في الحَالِ كَمَسْأَلَةِ الغُرَابِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَحْرُمُ إِلَى أَنْ يَسْتَبرِئَهَا بِقُرْءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَبِثَلاثَةِ أَقْرَاءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَبِالأَشْهُرِ في حَقِّ الصِّبِيَّةِ348

الجزء: 9 - الصفحة: 86

المُرَاهِقَةِ، وَفِي حَقِّ الآيِسَةِ هَلْ يُكتَفَى بِالإِيَاسِ دَلاَلَةً فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: إن كنتِ حاملاً، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ؛ إن كان الحَمْل ظاهراً، بها، وقع الطلاق في الحَال، وإلا، وهو المقصود من لفظ الكتاب، يُحْكَم بوقوع الطَّلاق في الحال مع الشَّك والتردُّد، ثم يُنْظر إن أتَتْ بولد لأقَلِّ من ستة أشْهُر من وقْت التعليق، تبين وقوع الطلاق، وكونها حاملاً حينئذٍ، وإن أتتْ به لأكثر من أربع سنين، تحقَّقْنا أنَّها ما كانتْ حاملاً، وأن الطلاق لم يقع وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر ولأربع سنين فما دونها، نُظِرَ؛ إن كان الزوج يطأها، وكان بين الوطء والوضع ستة أشهر فأكثر، لا يقع الطلاق؛ لأن الأصْل بقاءُ النكاح واحتمال حدوثه من الوطء ظاهراً، وهو الأظهر، وإن لم يطأها بعد التعليق، أو كان بين الوطء والوضع دون ستة أشهر، فقولان أو وجهان: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأن أصْل بقاء النكاح والاحتمال غيْر منقطع.
وأظهرهما: الوقوع؛ لتيقن الحمل في الظاهر؛ ولذلك حكَمْنا بثبوت النَّسَب.
وإذا لم يكن الحمل ظاهراً عند التعليق، فينبغي أن يفرَّق بيْن الزوجين إلى أن يستبرئها, وليمتنع الزوج عن وطْئها، وهل التفريق واجبٌ والاستمتاع حرامٌ أم لا فيه وجهان: أحدهما: نعم، تغليباً للتحريم في محَلِّ التردد، وهذا ما يوجد للشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيِّب وجماعة.
وأظهرهما لا, ولكنهما مستحبان؛ لأن الحَمْل عارض، والأصل عدمه، وأيضاً فإن الأصل بقاء النكاح، والمحرم مشكوك فيه، فأشبه ما إذا قال: إنْ كان هذا الطائرُ غراباً، فامرأتي طالقٌ، ولم يعلم الحال، ويحكى هذا عن نصِّه في "الإِملاء"، وجْه أجاب الحناطي، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي إسحاق وغيره، وبم يكون الاستبراء؟ فيه وجْهان: أظهرهما: بقرء واحد؛ لأن المقصود قيام ما يدل على البراءة، وفي القرء الواحد دلالةٌ [على] البراءة، وبهذا اكتفى في "الإِملاء".
والثاني: بثلاثة أقراء؛ لأنَّه تربُّصٌ في حق حُرَّة منكوحة، فيكون بالأقراء كالعدة، وعلى هذا فالأقراء الأطهار، وإن قلنْا: إنه بقرء واحد، فالظاهر أنه حيض، وفيه وجه آخر أنَّه طهر؛ تفريعاً على ما يأتي في الاستبراء، ولو جرى هذا التعليق في مراهِقَة لم تَحِضْ بعْدُ، وأمكن أن تكون حاملاً، فيشبه أن يقال: إن قلْنا الاستبراء بثلاثة أقراء، فالاستبراء بثلاثة أشهر في حقِّها، وإن قلنا: بقرء واحد، فاستبراؤها بشهْر واحد، أو

الجزء: 9 - الصفحة: 87

بأشهر فيه خلاف، كما في استبراء الرقيقة؛ والأظهر من الخِلاَف هناك أنها تستبرئ بشَهْر بدلاً عن قُرْء، والذي أورده في "التهذيب" هاهنا حكايته عن القفَّال: أنه ينظر مجيْء ثلاثة أشهر حرَّة كانت أو أمة؛ لأن الحَمْل لا يَظْهَر في أقل من هذه المدة، وفي حق الآيسة، هل يعتبر مضيُّ المدة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في العدة، وأشبههما أنَّه يكتفى بدلالة سن اليأس؛ لأن المقصود ظهورُ الحَال، وهذا الخلاف قريبٌ من الخلاف فيما إذا استبرأ منكوحةً قبْل التعليق ثمَّ علَّق الطلاق، كما ذكرنا: فيه وجهان: أحدهما: ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يكتفى به؛ لأنه استبراء تقدَّم سببه، فلا يغني كما إذا مضَتْ مدة العدة قبْل الطلاق أو الاستبراء قبْل حصول الملك في الرقيقة وأصحُّهما عنْد صاحب "التهذيب" وغيره، وبه قال ابنُ أبِي هريرة: أنَّه يُكْتَفَى به، بخلاف العدة، فإن الطلاق سبَبٌ يوجبها، وانتقال الملك سبب يوجب الاستبراء؛ فلا يعتد بما تقدَّم على وقت الوجوب، وهاهنا الاستبراء ليس بواجب في نفسه، وإنَّما علَّق الطلاق بصفة، والمقصود معرفة أنَّ الصفة حاصلة أو غير حاصلة، ولا يختلف طريق المعرفة بين أن يتقدَّم أو يتأخر، وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب أن أبا إسحاق ذهَب إلى الوجه الثاني، وهو خلاف المشهور عنْه، وإذا جرى الاستبراء، لم يَمْنَع من الوطء بعده، ثم إن ولدَتْ بَعد ما وطئ، واقتضى الحال وقوع الطلاق على مما بيَّناه، أوقَعْنَا الطلاق، و 349 كان ذلك الوطءُ وطءَ شبهة، يجب به المَهْر، ولا يجب الحد.
ولو قال: إن أحبَلْتُك، فأنتِ طالقٌ، وكانت حاملاً في الحال، لم تُطلَّق، بل يقتضي ذلك حمْلاً حادثاً، قاله في "التهذيب"، فإن وضعت أول كانت حائلاً، فلا يمنع من الوطء، فإن وطئها مرةً، مُنِع حتى تحيض.
وقوله في الكتاب "بالأشهر في حق الصبية المراهقة" يمكن أن يجعل معلقاً بما قبله، وهو قوله "وبثلاثة أقراء على وجه" فلا يحتاج إلى إعلامه بالواو، ويمكن أن يجعل مستقلاًّ بنفسه، فيحتاج إلى الإعلام بالواو، للوجه الذاهب إلى أن يستبرئها بشَهْر، ولو لم يذْكر لفظ الصبية، واقتصر عَلى المراهقة كان جائزاً.
فرْعٌ: عن نصه -رضي الله عنه- في "الإِملاء" [أنه لو قال لامرأته: إن كنت حاملاً فأنتِ طالقٌ على مائة دينار وهي حامل في غالب الظن طلقت] إذا أعطته زوجته مائة

الجزء: 9 - الصفحة: 88

دينارٍ، وله عليها مهْرُ المثل، لفساد المسمى ووجه فساد المُسمَّى بأن الحَمْل مجْهولٌ لا يمكن التوصل إلَيْهِ في الحال، فأشبه ما لو جعله عوضاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ حَائِلاً فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ وَلَكِنْ عَلَى العَكْسِ فَحَيْثُ يَقَعُ في الحَمْل لاَ يَقَعُ هَهُنَا، وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى فِي الحِيَالِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الحِيَالُ، وَلَوْ انْقَضَتِ الأَقْرَاءُ وَقَعَ الطَّلاَقُ لِظُهُورِ الحِيَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لاَ يَقَعَ لأَنَّهُ لاَ يُوجِبُ اليَقِينَ وَالصِّفَةُ لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِيفَائِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: إن كنت حائلاً، أو قال: إن لم تكوني حائلاً، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ، إن علم أنَّها حائل بأن كانَتْ في سن لا يحتمل الحَمْل، يقع الطلاق في الحال، وإلا فلا نحكم في الحال بالوقوع؛ للتردُّد، ولكن يُنْظَر إن أتتْ بولَدٍ لأَقلَّ من ستة أشهر من وقْت التعليق تبين أنها كانَتْ حاملاً، ولم يقع الطلاق، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين، تحقَّقنا أنها كانت حائلاً حيئنذٍ، وأن الطلاق قد وَقَع، وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر ولأربع سنين، فما دونها، فإن وطئها الزوج إمَّا بأن استبرأها، وحكَمْنا بوقوع الطلاق، كما سيأتي ثم راجَعَها، ووطئها، أو من غَيْر استبراء، وكان من بين الوطء والوضع ستة أشهر، فأكثر، ففي وقوع الطلاق وجْهان: أظهرهما: الوقوع؛ لأن الظاهر حبالها حينئذٍ وحدوث الولد من هذا الوطء، وإن جرى الاستبراء تأكَّد احتمال الحدوث منه وقَوِيَ.
والثاني: لا يقع؛ لاحتمال وجود الولد عنْد التعليق، والأصل بقاءُ النكاح، وُيرْوَى هذا عن أبي [علي] 350 الطَبَريِّ، وحكاه في "المهذب" عن [ابن] 351 أبي هريرة، والأثبت عنْه الوجه الأوَّل، وكذلك نقَلَه القاضي أبو الطيِّب، وإن لم يطأْها، أو كان بَيْن الوطء والوضْع دون ستة أشْهُر تبيَّن كونها حاملاً وقْت التعليق، فلا يقع الطَّلاق، وفي تحريم الوطء إلى أن يستبرئها وجْهَان عن القَفَّال: أنَّه لا يحرم، ولكن الامتناع مستحبٌّ، وذلك لأن الأصل بقاءُ النِّكاح، والطلاق المحرم مشكوكٌ فيه، وأصحهما التحريم؛ لأن الأصْل والغالب في النساء الحبال، والظاهر وقوع الطلاق، والقول فيما به الاستبراء، وفي أن الاستبراء السابقَ على التعليق، هل يكتفي به على ما مَرَّ في المسألة الأُولَى وفي "المهذَّب" طريقةٌ قاطعة؛ أن الاستبراء هاهنا بثلاثة أقراء، كأن الفَرْق أن أثر الاستبراء هاهنا وقوعُ الطلاق فيُحْتَاط له، وهناك أثره نفْيُ الطلاق، وإذا استبرأها حكَمْنا بوقوع الطلاق؛ بناءً على ظاهر الحال فإن كان الاستبراء بثلاثَة أقراء، فقد انقضت العدةُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 89

وإن كان بقرء أتمَّت العدَّة فإن ظَهَر بَعْد الاستبراء حَمْل ووضْع، فعلى ما قدَّمنا، وأبدى الإِمام وشيخه احتمالاً آخر؛ وهو أنَّه لا يقع الطلاق بمضيِّ مدة الاستبراء؛ لأنه لا يفيد إلا الظنَّ والصفات المعلق عليها يعتبر فيها اليقينُ؛ ألا ترى أنه لا يفرق بين أن يقول: إن قدم زيدٌ، فأنت طالقٌ، وبين أن يقول إن استيقنت قدوم زيد، ولو قال: إن استيقنْتُ براءة رحمك، فأنت طالقٌ، لا يُطلَّق بمضيِّ مدة الاستبراء، فكذلك إذا أطلق، وقوله في الكتاب "فحكمه ما سبَقَ" يعني على قياس ما سبَق وقوله: "التحريم أولى" يعني تحريم الوطء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً بِذَكَرٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً بأُنْثَى فَطَلَقْتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَراً وَأُنْثَى وَقَعَتْ ثَلاَثاً، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ حَمْلُكِ كَذَا وَكَذَا لَمْ تُطَلَّقْ لأَنَّهُ يَخُصُّ الجِنْسَ، وإنْ أتَتْ بِذَكَرَيْنِ قِيلَ: طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَقِيلَ: لا لأَنَّ التَّنْكِيرَ للِتَّوْحِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التعليقُ بكونها حاملاً بحمْلٍ خاصٍّ يشتمل على التعليق بكونها حاملاً، وقد مرَّ في المسألة الأُولَى أنه إذا علَّق الطلاق بالحَمْل متى يحكم بوقوع الطلاق ومتى لا يحكم، وكلُّ ذلك عائدٌ هاهنا، والمقصود الآن النَّظَر في ألفاظ التعليق يحمل خاصٍّ، وما هو موجب تِلْك الألْفَاظ، فإذا قال: إنْ كنتِ حاملاً بذكرٍ أو كان في بطْنِك ذكَرٌ، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن كنْتِ حاملاً بأنثى، أو كان في بطنك أنثى، فأنتِ طالقٌ طلقتين، فإن ولدَتْ ذكراً تبين وقوعُ الطَّلاَق، وإن ولدَتْ أنثى، تَبَيَّن وقوع طلقتين، وإن ولدَتْ خنثى، لم تُحْكَم إلاَّ بطلقة؛ لأنها المتيقنة، والأخرى موقوفة إلى أن يتبين حال الخنثى، وإن ولدت ذكراً وأنثى تبيَّن وقوع ثلاث طلقات، لحصول الصفتين، وتنقضي العدة في جميع هذه الصور بالولادة ويكون الوقوع عنْد اللفظ، ولو قال: إن كان حَمْلُكِ أو كان ما في بطْنِك ذكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةً إن كان حملك أنثى أو كان ما في بطنك أنثى فأنتِ طالقٌ طلقتين فإن ولدَت ذكراً لا غير أو أنثى لا غَيْر، لم يَخْفَ الحكم، وإن ولدَتْ ذكراً وأنثى، لم يقَعْ شيْء؛ لأن قضية اللفظ كوْن جميع ما في البطن ذكراً أو أنثَى، وجميع ما في البطن ليس بذكره ولا أنثى، ولو ولدَت ذكرين أو أنثيين، فوجهان: أشهرهما: وبه أجاب الحناطي، ويحكى عن القاضي الحُسَيْن: أنه يقع؛ لأن المفهوم من اللفظ ما في البطْن من جنس الذَّكَر والأنثى.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد، وميل الإِمام أنه لا يَقعُ، كما لو أنْت بذكَر وأنثى؛ لأن قضية التنكير التوحيدُ، وهذا عند إطلاقَ اللفْظ أمَّا إذا قال: أردتُّ الحَصْر في الجنْس، قُبِلَ وحُكِم بوقوع الطَّلاق لا محالة، ولو ولدَتْ ذكراً وخنثى أو أنثى وخنثى، فعلى الوجْه الثاني؛ لا يقع الطلاق، وعلى الأول؛ إن بَانَ الخنثى المولود مع

الجزء: 9 - الصفحة: 90

الذكر ذكراً، تقع طلقة، وإن بَانَ أنثى، لم يَقْع شيْء، وإن بَانَ الخنثى المولود مع الأنثى ذكَراً، لم يقع شيْء، وإن بَانَ أنثى، وقعت طلقتان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): لَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدَتِّ وَلَداً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ طُلِّقَتْ بِالأَوَّلِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي، فَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدتِّ وَلَداً لَمْ تُطَلَّقْ بِالثَّانِي في القَوْلِ الجَدِيدِ، لأَنَّهُ طَلاَقٌ قَارَنَ انْقِضَاءَ العِدَّةِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِّ وَلَداً فَطَلْقَةً وَإِنْ كَانَ ذَكَراً فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلاَماً طُلِّقَتْ ثَلاَثاً لِلحِنْثِ في اليَمِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: إن ولدتِّ أو إذا ولدتِّ، فأنت طالقٌ، وقَع الطلاق، إذا أنْت بولدٍ حيٍّ، أو ميِّتٍ ذكراً أو أنثى، وإنما يقع إذا انفصل الولد بتمامه، قال القاضي ابن كج: ولو أسْقَطَتْ ما بأن فيه خلق الآدميِّ، وتصير الأمة مستولدةً، طُلِّقَتْ، وإن لم يبن فيه خَلْق الآدمي، لم تُطلَّق، وفي المسألة صورتان: إحداهما: إذا قال: إن ولدتِّ ولداً، فأنت طالقٌ، فأنْت بولدين على التعاقب، طُلِّقَتْ بالأول، ثم إن كانا في بَطْنٍ واحدٍ، بأن كان بينهما أقَلُّ من ستة أشهر، فتنقضي عدتها بالثاني، ولا يتكرَّر الطلاق، وإن كانا من بطَنيْن، فانقضاء العدة بالثاني يُبْنَى على لحوقه بالزوج، وهو لاحِقٌ إذا أتَتْ به لأقل من أربع سنين، وتحسب هذه المدَّة مِنْ وقْت الطلاق، أو منْ وقْت انقضاء العدَّة فيه قولان يُذْكران في العدَّة، وإذا ألحق انقضت به العدَّةِ 352. ولو قال: كلَّمَا ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، فإذا يقتضي التَّكْرَار، فإن أتَتْ بالأولاد من بَطْن واحدٍ، نُظِرَ؛ إن كانوا أربعةً، وانفصلوا على التعاقب، فتطلَّق ثلاثاً بولادة ثلاثة، وتنقضي عدتها بالرابع، ولا إشكال، وإن كانوا ثلاثةً، فتُطلَّق بالأولين طلقتين، وتنقضي عدتها بالثالث، ولا تطلَّق بولادته الطلقة الثالثة، هذا هو النص المشهور ونقل ابن خيران وغيره عن "الإِملاء" قولاً: أنه تقع لولادة الثالث طلقة ثالثة، وتعتد بعْد ذلك بالأقراء، أما النَّصُّ المشهور، فتوجيهه أن المرأة في عدة الطلقتين الأوليين، وقتُ انفصالِ الثالث هو وقْت انقضاءِ العدَّة، وبراءة [الرحم] 353، ولو وقع الطلاق، لوقع في تلْك الحَالَةِ لِمَا ذكَرْنا أن الطلاق المعلَّق بالولادة يقع عنْد الانفصال، ولا يجوز أن يقع

الجزء: 9 - الصفحة: 91

الطلاق في حال انقضاء العدَّة، وحصول البينونة، ولهذا لو قال: أنتِ طالقٌ مع موتي لَمْ يِقع الطلاق إذا مات؛ لأنه وقْتُ انتهاء النكاح، ولو قال: إذا طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ، وهي غَيْر مدخول بها, لم تقَعْ طلقة أخرى، لمصادفتها حال البينونة وأمَّا ما نُقِلَ عن "الإِملاء" ففيه طريقان: أحدهما: تسليمه قولاً آخر في المسألة، والقائلون به وجَّهوه بطريقين: أحدهما: أن هذا الطلاق لا يتأخَّر عن العدَّة، وإنَّما يقارن آخرها وإذا كان وقْت الوقوع وانقضاء العدة واحداً، كفى 354 ذلك وحُكِمَ بالوقوع تغليباً للطلاق المبنيَّ على سُرْعَة النفوذ، هكذا وجَّهه أبو يعقُوب الأبيورديُّ -رحمه الله- تعالَى جَدُّهُ وهؤلاء قالوا: -لو قال للرجعية: أنتِ طالقٌ مع انقضاء عدتك، ففي وقوع الطلاق قولان، بخلاف ما لو قال: بعْد انقضاءِ عدَّتك، وربما استشهد بما إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً مَعَها طلقةٌ فإنا 355 نحكُم بوقوع طلقتين على وجْه، بخلاف ما إذا قال: طلقةً بعد طلقةٍ، وعن الخضري وغيره تخريجُ قول فيما إذا قال: "مع" موتي، أنها تطلق في آخر جزء من أجزاء الحياة.
والثاني: عن الخضري والقفَّال؛ بناء القولين على القولَيْن في أن الرجعية إذا طُلِّقَت هل تستأنف العدَّة أم لا؟ إن قلنا: لا، لم تطلَّق [هنا ولم يلزم العدَّة] وإن قلْنا: نعم، فكما وقَعَ الطلاق، ارتفعت العدَّة، ولزمت عدة أخرى هنَاك فكذلك هاهنا؛ وعلى هذا حكى الإِمام عن القفَّال، أنَّه لا يقضي بأن الطلاق يقع وهي في بقية من العدَّة الماضية، ولا بأنَّه يقع في مستفتح العدَّة المستقبلة، ولكن يَقَع على مُنْفَصِل الانقطاع والاستقبال، فهو كما لو قال لامرأته: أنت طالقٌ بين الليل والنهار، يقع لا في جزء من النهار، ولا في جزء من الليل، ثم تكلم عليه فقال: لا معنى للمنفصل 356، وليس بين انقضاء العدة الأولَى، واستفتاح الثانية لو قدرناها زمان، والحكم بوقوع الطلاق لا في زمان محالٌ، وذكَرَ قوله [بين] 357 الليل والنهار" أنَّه، يقع الطلاق في آخر جزْء من النهار؛ لتكون متصفة بالطلاق في منقطع النهار، ومبتدأ الليل، وأما الشَّيْخ أبو عليٍّ، فإنَّه ذكر في "التقريب" [وجه] المسألة المستشهد بها على وجْه آخرَ، فقال: إذا اتَّصَل أول العِدَّة الثانية بآخر العدة الأولى، كان الطَّلاق في العدَّة، وهو كقول القائل: أنتِ طالقٌ بين الليل والنهار، تطلق إذا جاء أول الليل، ولا يقال: وقع لا في الليل ولا في النهار؛ لأنَّ طرف أحدهما متصل بطرف الآخر، وليس بينهما زمان، والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 92

والطريق الثاني: وهو الأصحُّ عنْد المعتبرين: القطع بالمشهور، والامتناع من إثبات ما حكي عن الإِملاء قولاً آخر، وأوَّلُوه من وجهين 358: أحدهما: حمْله على ما إذا ولدتْهُمْ دفعة واحدة، بأن كانوا في مَشيمَةٍ، وفي هذه الحالة يقع بكُلِّ واحدٍ طلقة، وتعتد بالأقراء؛ لأنها ليستْ حاملاً وقْت وقوع الطلاق.
والثاني: الحَمْل على ما إذا كان الحَمْل من الزنا، وأصابها الزوج، فيقع بكُلِّ واحدٍ طلقة، تنقضي 359 العدَّة بولادتهم، ولو أتَتْ بولدين على التَّعَاقُب من بَطْنٍ واحدةٍ، والتعليق بصيغة "كلما" فتنقضي عدتها بالثاني، ولا يقع شيْء أو تقع طلقة أخرى، فيه مثْلُ هذا الكلام، وهذا الصورة هي المذكورة في الكتاب، ويجوز أن يُعلم قوله: "في القول الجديد" بالواو؛ للطريقة القاطعة، وكذا قوله: "وكذا لو قال: أنت طالقٌ مع انقضاء العدَّة" وأمَّا تسميته جديداً، فليس على معنى أن الذي يقابله قديمٌ، فإن مقابله منقول عن "الإِملاء"، وهو محسوب من الجديد، ولكن قد يُذْكَر الجديد، ويراد به الأم خاصَّةً، فهو المحمل هاهنا، فإن القول الصحيح منْصوصٌ عليه في "الأم" وعامة الكتب.
الثانية: قال: إن ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ طلقة 360 تُطَلَّق ثلاثاً لوجود الصفتين، ولو قال: إن ولدت ذَكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن ولدتِّ أنثى، فأنتِ طالقٌ طلقتين، فولدَتْ ذكراً، طُلِّقت واحدةً، وشرعت في العدَّة بالأقراء، لوقوع الطلاق بالولادة، وإن ولدَتْ أنثى، طُلِّقَت طلقتين، واعتدَّتْ بالأقراء، وإن ولَدَتْ ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدتهما معاً، طُلِّقت ثلاثاً؛ لأن الصفتين وُجِدَتا معاً، وهي زوجةٌ، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت ذكراً أولاً ثم الأنثى، طُلِّقت واحدةً بولادة الذكر، لا تقع شيء بولادة الأنثى، على الصحيح، وتنقضي بها العدَّة على ما نُقِلَ عن "الإِملاء" تطلق بولادة الأنثى طلقتين أخريين، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت الأنثى أولاً طُلِّقَتَ طلقتين، وهل يقع شيْء بولادة الذَّكَر فيه الخلاف، وإن أشكل الحال، فلم يُدْرَ أولدتهُما معاً أو أحدهما قبْل الآخر؟ أو عُرِفَ الترتيبُ ولم يُعْرف المتقدم منْهما؟ فعلى الصحيح: يؤخذ باليقين، وهو وقوع طلقةٍ والورع تركها عنْد احتمال المعيَّة إلى أن تنكح زوجاً غيره، وعلى ما نقل عن "الإِملاء" تطلَّق ثلاثاً كيف ما قدر وتعتد بالأقراء، وإن ولدَتْ ذكرين وأنثى، نُظِرَ؛ إن ولدتهم معاً، طُلِّقَت ثلاثاً، وإن ولدَتِ الذكرين معاً أو على الترتيب ثُمَّ ولدت الأنثى، طُلِّقت، بولادة الذكرين، أو باولهما طلقة وتنقضي العدة بولادة الأنثى على الصحيح،

الجزء: 9 - الصفحة: 93

ولا يقع بها شيْء آخر، وإن ولدَت الأنثى، ثم الذكرين 361 على الترتيب، طُلِّقت بولادة الأنثى طلقتين وبالذكر الأول طلقةً أخرَى، وتنقضي العدة بولادة الثاني، وإن ولدَتْها ثم الذكرين معاً، طُلِّقت بها طلقتين، وتنقضي 362 العدة بوضع الذكرين، ولا يقع شيْء آخر على الصحيح، ولو ولدَتْ ذكراً ثم أنثى، ثم ذكراً، وقعت طلقة، ثم طلقتان، وتنقضي العدة بالذَّكَر الثاني.
ولو قال: إن كنتِ حامِلاً بذكر، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن ولدتْ أُنْثَى، فأنْتِ طالقٌ طلقتين، فإن ولدت ذكراً، تبيَّن وقوع طلقة عنْد اللَّفْظ بالشَّرْط الذي تقدَّم، وانقضت العدَّة بالولادة، وإن ولدَتْ أنثى، وقع بالولادة طلقتان، وتعتد بالأقراء، وإن ولدت ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدَت الأنثى أولاً، وقَعَت بولادتها طلقتان، [و] بولادته، تبيَّن وقوع طلقة أولاً؛ لكونها كانت حاملاً بذكر، وتنقضي عدتها عن الثلاث بولادة الذكر، وإن ولدَتِ الذكر أولاً، تبيَّن وقوع طلقة، وتنقضي العدَّة بولادة الأنثى، ولا يقع شيْء آخر على الصحيح، وإن ولدتهما معاً، فكذلك تبيَّن وقُوع طلقة، ولا 363 تقع بالولادة شيْء على الصحيح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ حَوَامِلَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ فَوَلَدْنَ عَلَى تَعَاقُبٍ وَتَقَارُبٍ طُلِّقَتِ الأوُلَى وَالرَّابِعَةُ ثَلاَثاً وَطُلِّقَتِ الثَّانِيَةُ وَاحِدَةً وَطُلِّقَتِ الثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ فَيُلْتَفَتُ إِلَى عَدَدِ صاحِبَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَإِلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوِلاَدَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَال لأربع نسوة حوامل: كلَّما ولدتْ واحدةً منكن، فصواحباتها طوالقُ، فَوَلَدْنَ جميعاً، فيُنْظَر في كيفية ولادتهن، ولَها أحوال: إحداها: إذا وَلَدْنَ معاً، فتطلق كل واحدة منْهنَّ ثلاث طَلَقاتٍ؛ لأن لها ثلاثَ صواحبَ، ويقع عليها بولادة كل واحدة منهنَّ طلقةٌ، ويعتددْنَ جميعاً بالأقراء الثانية، وهي المذكورة في الكتاب: إذا وَلَدْنَ على التعاقب، ففيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه أجاب ابن الحدَّاد: أنه إذا ولَدَتِ الأولى، طُلِّقَتْ كلُّ واحدة من الأخريات طلقةً ولا يقع عليها شيْء؛ لأنَّ المعلَّق بولادة كلِّ واحدة منْهُنَّ طلاق الأخريات، فإذا ولدَت الثانية، انقضت عدَّتُها، وبانت، وَيقَع عَلَى الأولى بولادتها طلقةٌ، وعلى كلِّ واحدةٍ من الأخريَيْن طلقةٌ أخْرَى، إن بقيتا في العدَّة، فإذا ولدَتِ الثالثة، انقضت عدَّتها عن طلقتين، ووقَعَتْ على الأولى طلقةٌ أخْرَى

الجزء: 9 - الصفحة: 94

إن بَقِيَتْ في العدَّة، وعلى الرابعة طلقة ثالثة، فإذا ولدَتِ الرابعة، انقضت عدتها عن الطلقات الثلاث، ووقَعَتْ طلقة ثالثة على الأُولَى وعدة الأولى تكون بالأقراء وفي استئنافها العدَّة لوقوع الطلقة الثانية والثالثة من الخلاف ما في طَلاَق الرجعية، وقوله في الكتاب "على تعاقب وتقارب" أشار بلفظ "التقارب" إلى بقاء المطلَّقة في العدة إلى ولادة التي تلد بعْدَها.
والثانية: وبه أجاب ابن القاصِّ في "التلخيص"، واختاره القاضي أبو الطيِّب: أن الأُوَلى لا تطلَّق أصْلاً، وتطلق كلُّ واحدة من الأخريات طلقةً، وتنقضي بولادتهن، عدتهن ووجْهُه أن الثلاث وقْتُ ولادة الأُولَى صواحبها لأنَّهن جميعاً زوجاتُه، فيطلقن طلقةً طلقةً؛ وإذا طُلِّقْنَ خرجْنَ عن كونهن صواحبَ الأُولَى، وكون الأولى صاحبةً لهن، فلا يؤثر بعْد ذلك ولادتُهُنَّ في حقِّها وولادة بعضهن في حقِّ بعضٍ، ومن قال بالأول قال إنَّهُنَّ ما دُمن في عدَّة الرجعية، لا يخرجن عن كونهن زوجاتٍ له، وكون بعضهن صواحبه البواقي، ولذلك 364 ولو حلَف بطلاق نسائه، دخلت الرجعية فيه.
الثالثة: إذا وَلدَتِ اثنتان معاً، ثم اثنتان معاً، فعلى جواب ابن الحدَّاد، تُطلَّق كل واحدة من الأوليين بولادة الأخرى طَلْقةً، وكل واحدة من الأخريين بولادة الأوليين طلقتين، وإذا ولدَتِ الأخريان وقَعَتْ على كلِّ واحدةٍ من الأوليين طلقتان أخريانِ، ولا يقع على الأخريَيْن شيْء آخر وتنقضي عدتها بولادتهما على الصحيح، وعلى ما نَقَل عن "الإِملاء" تقع على كل واحدة منْهما طلقة أخرى، وتعتدان 365 بالأقراء، وعلى جواب ابن القاصِّ، لا تُطلَّق كل واحدة من الأوليين سوى طلقةٍ، وعلى كلِّ واحدة من الأخريين سوى طلقتين؛ لخروجهن بما وقع عن الصاحبية، وتنقضي عدة الأخريين بالولادة، والأوليان يعتدان بالأقراء على الوجهين: الرابعة: [وَلَدَتْ] 366 ثلاثٌ منْهن معاً، ثم ولدتِ الرابعة، وقَعَتْ على الرابعة ثلاث طلقات، بلا خلاف، تُطلَّق كل واحدة من الثلاث على جواب ابن الحدَّاد ثلاثاً طلقتان بولادة اللتين ولدتا معها، وثالثة بولادة الرابعة، إن بقين في العدة، وعلى جواب ابن القاص، لا تُطلَّق كلَّ واحدة منهن إلا طلقتين، ولو كان الأمر بالعَكْس، ولدَتْ واحدة [منهن] 367 ثم ثلاث معاً، فعلى جواب ابن الحدَّاد تُطلَّق كل واحدة من الثلاث طلقةً بولادة الأولى، ثم تنقضي عدتهن بولادتهن، فلا يقع عليهن شيْءٌ آخَرُ على الصحيح، وعلى ما نقل عن "الإِملاء" يقع [على] 368 كل واحدة طلقتان أخريان ويعتددن بالأقراء،

الجزء: 9 - الصفحة: 95

الأولى تطلق بولادتهم ثلاثاً وعلى جواب ابن القاصِّ يقع على الأولى شيْءٌ، ولا يقع على كلِّ واحدة من الثَّلاث إلاّ طلقة.
الخامسة: ولدت اثنتان على الترتيب، ثم ثنتان معاً، يقع على الأولى ثلاث بولادتهن وعلى كل واحدةٍ من الأخريات طلقةٌ بولادتها فإذا ولدت الثانية، انقضت عدتها، ووقعت على كل واحدةٍ من الأخريات طلقةٌ أخرى بولادتها، وتنقضي عدَّة الأخريين بولادتهن، ولا يَقَع على كلِّ واحدة منهما شيْء آخر بولادة صاحبتها على الصحيح، وهذا قياس ابن الحدَّاد، وعلى جواب ابْن القاصِّ؛ لا يقع على الأُولَى شيْءٌ ولا على كل واحدة من الأخريات إلاَّ طلقة، ولو ولدت ثنتان معاً، ثم ثنتان على الترتيب، فعلى قياس ابن الحدَّاد؛ يقع على كل واحدة من الأوليين بولادتهما طلقة، وعلى كل واحدة من الأخريين طلقتان، فإذا ولدت الثالثة انقضتْ عدتها، ووقعت على كل واحدة من الأوليين طلقةٌ أخْرَى إن بقيتا في العدَّة ووقَعَتْ على الرابعة طلقةٌ ثالثة، فإذا ولدت، انقضت عدتها، ووقعَتْ على كل واحدة من الأوليين طلقةٌ، إن بقيتا في العدة، وعلى قياس ابن القَاصِّ؛ لا تطلَّق كل واحدة من الأوليين إلا طلقة، ولا كل واحدةِ من الأخريين إلاَّ طلقتين.
ثم قال ابن الحدَّاد: ولو خاطب الأربع بما وصفنا، ثم طلَّق كل واحدة منهن طلقة ثم ولدْتَ على الترتيب فالأولى مطلقة بالتنجيز، وتنقضي عدتها بولادتها، [ويقع على الثانية بولادة الأولى طلقة وهي مطلقة بالتنجيز وتنقضي عدتها عن طلقتين بولادتها] وتُطَلَّق كل واحدة من الثالثة والرابعة ثلاثاً؛ واحدة بالتنجيز، واثنين بولادة الأولى والثانية، وعلى قياس ابن القاصِّ؛ لا يقع عليهن إلا الطلقتان المنجَّزة.
ولو قال للأربع: كلَّما ولدَتْ [واحدة] منكن، فأنتن طوالقُ، فالمعلَّق هاهنا بولادة كل واحدة منهن طلاَقُ الوَالِدة وغيرها فإن ولدْنَ معاً، طُلِّقْنَ ثلاثاً ثلاثاً، وإن ولدْنَ على التعاقب، طُلِّقَت الأولى ثلاثاً طلقةً بولادة نفْسِها وأخرى بولادة الثانية وأخرى بولادة الثالثة، إن بقيت في العدة، وتعتد بالأقراء، وتطلَّق الثانية بولادة الأولى، ولا تطلَّق طلقة بولادة نفسها على الصحيح، وتنقضي عدتها، وعلى ما نقل في "الإِملاء" تطلق طلقة أخرى، وتعتد بالأقراء، والثالثة، تطلَّق بولادة الأولى والثانية، وهل تَطلَّق بولادة نفْسها طلقةً ثالثة، فيه الخلاف، والرابعة تطلَّب بولادة الأوليات ثلاثاً، وتنقضي عدتها بولادتها, ولا يقع بولادتها شَيْءٌ على الأوليات، إذا قلنا بالصحيح لبينونتهن.
ولو قال للأربع كُلَّما ولدَتِ اثنتان منكن، فالأخريات طالقان، فولدْنَ على الترتيب فلا تطلَّق واحدة منهن بولادة الأولى؛ لأنَّه علَّق بولادة اثنتين فإذا ولدت الثانية، حَصَلت الصفة، فتطلَّق الثالثة والرابعة طلقةً طلقةً، ولا يقع على الأوليَيْن شيْء؛ لأن المعلَّق

الجزء: 9 - الصفحة: 96

بولادة اثنتين منْ طَلاَق الأخريين، فإذا ولدت الثالثة، فوجهان سَبَق نظيرهما في مسألة تعْلِيق عتْق العبد بِطَلاق الزوجات: أصحهما: أن الثالثة لا تضمُّ إلى الثانية، ولا تطلَّق بها واحدة منهن إلى أن تَلِد الرابعة، فإذا ولدَتْ، فعلى قياس ابن الحَدَّاد، طُلِّقت الأوليان طلقةً طلقةً، ويعتدان بالأقراء، والأخريان تنقضي عدتهما بالولادة، وعلى قياس ابن القاصِّ؛ لا تُطلَّق الأوليان بولادة الأخريين.
والوجه الثاني: أن الثالثة تضمُّ إلى الثانية وتُطلَّق بولادتهما الأولى طلقةً، والرابعة طلقةً ثانية، ثم إذا ولدَت الرابعة طُلِّقت الثانية، وطُلِّقت الأولى طلقةً ثانية.
ولو كانت تحته امرأتان، فقال: كلما ولدَتْ واحدة منكما، فأنتما طالقان، فولدتا على الترتيب، فيقع بولادة الأولى عليها طلقةٌ، وعلى الأخرى طلقةٌ، وإذا ولدتِ الثانيةُ، وقعَتْ على الأولى طلقةٌ أخرى إن بقيت في العدَّة، وتنقضي عدَّة الثانية، ولا يقع عليها شيْء آخر على الصحيح، ولو ولدت زينب منهما يوم الخميس ولداً، وولدت عمرة يوم الجمعة ولداً، ثم زينب يوم السَّبْت ولداً، وعَمْرة يوم الأحد ولداً، فأتَتْ كل واحدة منهن بولدين، فيقع بولادة يوم الخميس، وولادة يوم الجمعة على كل واحدة طلقتان، وتنقضي عدَّة زينب بولادتها يوم السبت، ولا يقع عليها شيْء آخر على الصَّحِيح، ويقع على عمْرة طلقة ثالثة، وتَنْقضي عدتها يَوْم الأحد عن ثلاث، ولو قال لها كلَّما ولدتُّما، فأنتما طالقان، فولدَتْ إحداهما ثلاثة أولاد من بَطْنٍ واحدٍ، ثم الثانية كذلك لم تُطلَّق واحدة منهما بولادة الأولى أو ولادتها؛ لأن التعليق بولادتهما جميعاً، فإذا ولدَت الثانية الوَلَدَ الأوَّل [وقعت] 369 على كلِّ واحدة منهما طلقة، وإذا ولدت الثاني، وقعتْ على كل واحدة طلقةٌ أخرى، وإذا ولدَتِ الثالثة، وقعت على الأولى طلقة ثالثة ولا يقع على الثانية شيْء وتنقضي عدتها عن طلقتين على الصحيح، ويعود ما نقل عن "الإِملاء" ولو ولدت إحداهما ولداً، ثم الأخرى وَلَداً، ثم الأولى ولداً، وهكذا إلى أن ولدَتْ كل واحدة ثلاثاً من بطن واحد، فبولادة الثانية الولدَ الأَوَّلَ يقع على كل واحدةٍ طلقةٌ وبولادتها الثاني يقع على كل واحدة طلقة أخرى، ثم إذا ولدَتِ الأولى الوَلَدَ الثالثة، انقضَتْ عدتها، وإذا ولدَتِ الثانية الوَلَدَ الثالث، هل يَقَع عليها طلقةٌ أخرى؟ فيه الصحيح، وخلاف الإملاء، ولو ولدَت إحداهما 370 ولداً، ثم الثانية ثلاثةً على الترتيب، ثم الأُولَى ولدين اَخريَن، فبولادة الثانية الولدَ الأوَّل يقع على كلِّ واحدة طلْقةٌ، ولا تقع بولادتها الولَدُ الثاني والثالث شيءٌ وتنقضي بالثالث عدَّتها، ثم إذا ولدَتِ الأُولَى الولَدَ

الجزء: 9 - الصفحة: 97

الثَّانِي انضمَّت ولادتها إلى ولادة الثانية الوَلَد الثاني، فيقع على الأولى طلْقَة ثانيةٌ، وإذا ولدَت الثالث، انقضت عدَّتُها ولا يقع عليها شيْء آخرُ على الصحيح، وعلى ما ما نقل عن الإِملاء ينضمُّ هذه الولادة إلى ولادة الثانية الولد الثالث فيقع عليها طلقة ثالثة.
فُرُوعٌ: قد سَبَق أن الطَّلاق المعلَّق بالولادة إنَّمَا يقع إذا انفصل الولَدُ بتمامه، فلو خَرَج بعْضُه، ومات الزوج أو المرأة، لم يقَع الطلاق، وورث الثاني منْهما من الماضي.
ولو قال لامرأته: إن ولدتِّ فعبدي حر، فخرج بعض الولد، وباع العبْدَ حينئذٍ، وتفرقا عن المجلس، أو تخايرا ثم ولدت لم يعتق العبد، ولو انفصل الولد قَبْل التفرُّق والتخاير عتق العبد؛ لأنه له أن يعتق في زمان الخيار.
الثَّاني: في فتاوى القَفَّال أنَّه إذا قال لامرأته: إن كنتِ حاملاً، فأنتِ طالقٌ، فقالت: أنا حاملٌ، فإن صدَّقَها الزَّوْج، حُكِم بوقوع الطلاق في الحال، وإن كذبها لم يقَعْ حتَّى تلد، فإن لمسها النساء فقالت أربع منهن فصاعداً: إنها حاملٌ لم تُطلَّق؛ لأن الطلاق لا يَقَع بقَوْل النِّسْوة، وسيذكر في "كتاب الشهادات".
ولو علَّق الطلاق بالولادة، فشَهِدت أربع نسوة بالولادة، لم يقع الطلاق، وإن ثَبَت النَّسَب والميراث؛ لأنهما من توابع الولادة، وضروراتها بخلاف الطَّلاق.
والثالث: لو قال: إن كان أوَّل ولَدٍ تلدينه من هذا الحَمْل ذكراً، فأنتِ طالقٌ، فولدت ذكراً، ولم يكن غيْره قال الشيخ أبو عليٍّ لا يختلف أصحابنا أنَّه يقع الطلاق، وليس من شرط كوْنِه أولاً أن تَلِدَ بعْده آخَرَ، وإنما الشرط أن لا يتقدَّم علَيْه غيره، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه لا يقع شيْءٌ، والأول يقتضي آخراً، كما أن الآخر يقتضي أولاً 371 ولو قال: إن كان أول ولَدٍ تلدينه ذكراً، فانتِ طالقٌ واحدة، وإن كان أنثى، فأنتِ طالقٌ

الجزء: 9 - الصفحة: 98

ثلاثاً، فولدت ذكراً وأنثى، نُظِرَ، إن ولدت الذَّكَر أولاً، طُلِّقت واحدةً، وانقضت عدتها بولادة الأنثى، [وإن ولدت الأنثى] 372 أولاً، طُلِّقَت ثلاثاً، وانقضت عدتها بولادة الذَّكَر، وإن ولدتهما معاً لم يقعْ شْيء؛ لأنَّه لا يوصَفُ واحدٌ منهما بأوليته؛ ولهذا لو أخرج رجُلٌ ديناراً للمتسابقَيْنِ، وقال: من جاء منكما أَوَّلاً فهُو له، [فجاءا] معاً لم يستحقَّا شيئاً.
قال الشيخ أبو عليٍّ: ويُحْتَمَل أن تُطلَّق ثلاثاً؛ لأنَّهما إذا ولدتْهما معاً، فكل واحدٍ منهما موصوفٌ بأنه أول ولد ولدَتْه، إذا لم تَلِدْ قبْله غيْره؛ ولأنَّه لو قال: [أول من رَدَّ آبقِي]، فله درْهَمٌ فردّهُ اثنان استحقا الدِّرْهم، وقال وعرَضْتُهُ على الشَّيْخ، يعني القفَّال، فلم يستبْعِده، ولو لم يعلم أنها ولدتْهما معاً، أو ولدت أحدهما قبْل الآخر، لم تحكم بوقوع الطلاق؛ لاحتمال أنَّها ولدتْهما معا، ولو كان كذلك، لم يقع شيْءٌ على الظاهر، فلا يوقع بالشك، ولو علم الترتيب، ولم يعلم السابق أخذْنا باليقين، وهو وقوع طلقةٍ واحدةٍ، ولو قال: إنْ كان أوَّل ولدٍ تلدينه ذكراً، فأنتِ طالقٌ، وإن كان أنثْى فضرتك طالقٌ، فولدتْهما على الترتيب، ولم يُعْلَم السابقُ، فقد وقع الطلاق على إحداهما، فيوقف عنها ويؤخذ بنفقتهما حتَّى تبين المطلقة منهما, ولو قال: إن كان أوَّلُ ولد تلدينه ذكراً، فأنت طالق]، وإن كان أنثى فعبْدي حرٌّ، فولدتهما على الترتيب، ولم يُعْلَم السابق.
قال الشيخ أبو عليٍّ: يُقْرَع بيْن المرأة والعَبْد، فإن خرجت على العَبْد، عَتَق، وإن خرجَتْ على المرأة لم تطلَّق.
قَالَ الغَزَالِىُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ في التَّعْلِيقِ بِالحَيْضِ): فَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ بِتَمَامِ الحَيْضَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، طُلِّقَتْ إِذَا مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الحَيْضِ لَكِنْ بِطَرِيقِ التَّبَيُّنِ، وَقِيْلَ: تُطَلَّقُ بِأَوَّلِ الحَيْضِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَوْ قَالَ لِلْحَائِضِ: إِنْ حِضْتِ فَلاَ تُطَلَّقُ إِلاَّ بِحَيْضَةٍ مُسْتَأنفَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته إذا حضت حيضة، أو إن حِضْتِ، حيضة فأنتِ طالقٌ، لم تطلق 373 حتَّى تحيض، ثم تطهر، وحينئذٍ, فيقع سُنيّا, ولو قال: إن حِضْتِ، فأنتِ طالقٌ ولم يَزِدْ عليه، فلا يعتبر بتمام الحيْضَة، ومتى يحكَم بوقوع الطلاق؛ فيه وجْهَان: أحدهما: أنا لا نَحْكُم بوقوع الطلاق بأول ظهور الدم؛ لأنَّه قد يكُون دم فَسَادٍ، فإذا بلَغَ حد أقل الحَيْض، تبيَّن وقوع الطلاق منْ أول الظهور.
والثاني: أنه يحكم بالوقوع [إذا] 374 ظهر الدم؛ لأن الظاهر أنه حيض؛ ألاَ ترى

الجزء: 9 - الصفحة: 99

أنها تُؤْمَر بتَرْك الصوم والصلاة، ثم إن انقطع قبْل أن تَبْلُغ أول الحيْض، ولم يعد إلى خمسة عشر، فتبين أن الطلاق لم يَقَع، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيح الوَجْه الأول، وإلى ترجيحه ذَهَب الإِمام، وقال تفريعاً علَيْه إذا رأت الدم، فهل يجب التحرُّز عن الاستمتاع بها؛ ناجزاً؟ هذا بمثابة ما لو قال: إن لم تكوني حاملاً، فأنتِ طالقٌ، وقد مر حكمه، والأظهر في المذهب الوجْهُ الثاني، ولم يورد الجمهورُ سواه وإذا قال: إن طهرت أو إذا طهرت فأنْتِ طالقٌ، طُلِّقَت في أول الطهر، ولو قال: إذا طَهُرْتِ طهراً واحداً، قال الحناطي: تُطلَّق إذا انقضى الطُّهْر، ودخلت في الدم، وحكى وجهاً آخر أنَّها تطلَّق إذا مضى جزءٌ منه، ثم قوله: "إن حضت" أو "إذا حضت" يقتضي التعليق بالحيضة المستقبلة، حتى لو كانت حائضاً في الحال، لا يقع الطلاق حتَّى يَطْهُر ثم تحيض، ولو قال، والثمار مدركة: إذا أدركتِ الثمار، فأنتِ طالقٌ، فهذا تعليق بالإدراك المستأنف في العام المقبل وعلى هذا قياسُ سائِرِ الأوصافِ إلاَّ أنَّه سيأتي في باب الأيمان، إن قَدَّر الله -تعالى جَدُّه- أن استدامة اللُّبْس والركوب لبس وركوبٌ، فليكن الحُكْم كذلك في الطلاق.
وفي "الشامل" و"التتمة" وجه آخر أنه: إذا استمر بها الدَّمُ بعد التعليق ساعةً، يقع الطلاق، ويكون دوام الحيض حيضاً.
ولو قال: كلَّما حِضْتِ، فأنتِ طالقٌ، طلِّقَتْ ثلاثاً في أول ثلاث حِيَض مستقبلة، وتكون الطلقات بدعيَّةً، ولو قال: كلَّما حِضْتِ حيضة، فأنتِ طالقٌ، طلِّقَتْ ثلاثاً في انتهاء ثلاث حيض مستقبلة، ويكون الطلقات سُنّيِّةٌ.
ولو قال: إِن حضْتِ حيضةً، فأنت طالقٌ، ثم إن حضْتِ حيضتين، فأنتِ طالقٌ، فإذا حاضت حيضَةً وقعت طلقة، فإذا حاضت أخرى، تحقَّقَت الصفة الثانية، فتقع طلقة أخرى؛ لأن كلمة "ثم" تُشْعِر بالتعليق بحيضتين غير الأولى.
ولو قال: كلما حِضتِ حيضةً، فأنت طالقٌ، وكلما حِضْتِ حيضتين، فأنتِ طالقٌ، فإذا حاضت حيضةً طُلِّقت، وإذا حاضت حيضةً أخرى، طُلِّقت طلقةً ثانية، لاْنها حاضت حيضةً مرَّة أخرى، و"كلما" تقتضي التكرار، وطلقة ثالثة؛ لأنَّها حاضت حيضتين.
فرع: قال لامرأتيه إن حضتما حيضةً، فأنتما طالقان، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لغو، يُطلَّقان، وإن حاضتا، لأنَّهما إذا حاضتا، حصَلَت حيضتان ويستحيل أن تحيضا بحيضة واحدة.
وأظهرهما: أنَّه لا يلغو، ثم اختلف الناقلون، فقال الإِمام: يُحْتمل أن يُرَاد به؛ إذا حاضَتْ كل واحدة منهما حيضةً، إذ هو السابق إلى الفَهْم منْ مثل هذا اللفظ، فيُنَزَّل عليه، تصحيحاً للكلام الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وصاحب,"التهذيب" "والمهذَّب" أنَّه

الجزء: 9 - الصفحة: 100

يلغى قولُه "حيْضة"، ويُسْتَعمل قوله: "إن حضتها"، وقضية التنزيل الأول وقوع الطلاق عند تمام الحيضتين، وقضية الثاني: الوقوع إذا ابتدأ الحيْض بهما، ويجري الخلاف فيما إذا قال لامرأتيه: إن ولدتما ولداً، فأنتما طالقان، فعَنْ صاحب "التلخيص" أنَّه يَلْغو، ولا يقع الطلاق بحال، وعن غيره أنَّه كما لو قال: إذا ولدتُّما، ويُحْمل قوله "ولداً" على ذكْر الجنس.
قال أبو عبد الله الحناطي: فأمَّا إذا قال: إذا ولدتُّما ولداً واحداً، فأنتما طالقان، فإنه محالٌ ولا يقع الطلاق، وعلى الوجْه الَّذي يقول؛ إذا علَّق بالمحال، يقع في الحال، يقع هاهنا أيضاً ولدتا أو لم تلدَا.
قَالَ الغَزَالِىُّ: فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينها في حَيْضِهَا وَفِي إِضْمَارِهَا البَعْضَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ بَاطِنٌ لاَ فِي دُخُولِهَا، وَفِي سَائِر أَفْعَالِهَا، وَفِي زنَاهَا وَوِلاَدَتِهَا خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ لَمْ يُقْبَلْ يَمِينُهَا في حَقّ الضَّرَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إِنْ حِضْتُمَا جَمِيعاً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ وَصَدَّقَ إِحْدِاهُمَا دُونَ الأُخْرَى طُلِّقَتِ المُكَذَّبَةُ دُونَ المُصَدَّقَةِ لأَنَّ المُكَذَّبَةُ ثَبَتَ حَيْضُ ضَرتِّها في حَقِّهَا بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ وَحَيْضِهَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا وَأَمَّا المُصَدَّقَةَ فَلَمْ يَثْبُتْ حَيضُ ضَرَّتِهَا مَعَ تَكْذِيبِ الزَّوْجِ في حَقِّهَا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لأرْبَعٍ ثُمَّ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ فَقَطْ لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ، وإِنْ صَدَّقَ ثَلاَثاً طُلِّقَتِ المُكَذَّبَةُ.
قَالَ الرَّافِعِىُّ: إذا علَّق طلاقها بحيضها، فقالت: حِضْتُ، وأنكر الزوج، صُدِّقت بيمينها؛ لأنها أعرف، بحيضها، ويتعذَّر إقامة البينة عليه، فإن الدَّم، وإن شُوهِد لا يُعْرَف أنَّه حيْضٌ بل يجوز أن يكون استحاضة، وكذلك الحُكْم فيما لا يُعْرف إلاَّ من جهتها، كما إذا قال: إن أضمرْتِ بُغْضِي، فأنْتِ طالقٌ، فقالت: أضمرته تُصدَّق بيمينها [ويحكم بوقوع الطلاق، ولو علق بزناها، فوجهان: أحدهما: تصدق فيه] لأنه أمر خفيٌّ لا يُطَّلع عليه إلا على نُدُور، فأشبه الحَيْض، وهذا ما رجَّحه في "الوسيط".
والأصحُّ على ما ذكر الإِمام وآخرون المَنْع، كالدخول وسائر الأفعال إذا علَّق بها؛ لأن معرفته والاطلاع عليه ممكَنٌ، فيستدام النكاح إلى أن تَقُوم علَيْه حجَّةٌ، وطرد الخلاف في الأفعال الخفية التي لا يكاد يُطَّلع عليها، وإذا علق الطلاق بالولادة، فقالت: ولدتُّ، وأنكر الزوج، وقال: ما ولدَتْ، وهذا الولد مستعارٌ، ففيه وجهان مشهوران: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي حامد القاضي: أنها تُصدَّق بيمينها كما في الحَيْض، وهذا؛ لأنها مؤمنة في رحمها حيْضاً وطهراً ووضع حمل؛ ألا ترى أنها تُصدَّق في انقضاء العدَّة بالأقراء، ووضع العمل جميعاً، وبهذا قال

الجزء: 9 - الصفحة: 101

ابن الحدَّاد، وأصحهما المنع، ويطالب بالبينة كما في سائر الصفات، بخلاف الحيض، فإن إقامة البينة عليْه متعذِّر.
قال الإِمام: ووراءها من الأسباب الظاهرة، والأسباب الخفية أن يصدقوها في الخفيِّ دون الظاهر والمودع يصدق في دعوى التَّلَف بالسبب الظاهر والخفي، والفرق أن المودع قد ائتمنه المالك في ماله فيكلف تصديقُه، والزوج لم يصدِّقْها ولم يأتمنها في خفيٍّ ولا جليٍّ، لكن قد سبَق في "الوديعة" أنَّه إذا ادَّعَى التَّلَف بسبب ظاهر، لا يُصدَّق في السبب بل يحتاج إلى إقامة البينة عليه، ثم يُصدَّق في التلف، ولو علق طلاق امرأة بِحَيْض أخرى؛ بأن قال: إن حِضْتِ، فضرتك طالقٌ، فقالت: حِضْتُ، وأنكر الزوج، فالقول قولُه مع يمينه، ولا تصدَّق هي في حق الضرة؛ لأنه لا سبيل إلى قبول قولها من غيْر يمين، ولو حلَّفناها، كان التحليف لغيرها؛ فإنه لا تعلُّق للخصومة بها، والحُكْم للإِنسان يحلف غيره محالٌ فجرينا على الأصْل وصدَّقنا المنكر، ولو قال: إذا حضْتِ، فأَنتِ وضرتك طالقان، فقالت حضْتُ، فنصدقها بيمينها، ونحكم بوقوع الطلاق، ولا نوقع على الضَّرَّة لأن الأيمان لا تدخلها النِّيَابة، واليمين يؤثِّر في حق الحالف دون غيْره وذلك لو مات وخلف اثنين، فادَّعَى أحدهما دَيْناً، وأقام عليه شاهداً، وحلف معه، لا يثْبُت إلاَّ حصته وعن صاحب "التقريب" أن الطلاقين متعلقان بحيضها، فإذا صدَّقْناها بيمينها، وقع الطلاق على الضَّرَّة، ولو قال لامرأتيه: إذا حضتما، فأنتما طالقان، فطلاق كُلِّ واحدة منْهما معلَّق بحيضهما جميعاً، فإذا حاضتا معاً أو على الترتيب طُلِّقَتا، فإن كذبهما، فهو المصدَّق بيمينه، فإذا حلف، لم تطلَّق واحدة منهما، وإن صدَّق إحداهما، وكذَّب الأخرى، طُلِّقت المكذَّبَةُ، إذا حلفت على حيضها، ولم تُطلَّق المصدَّقة؛ لأن المكذبة ثبت حيض ضرتها بتصديق الزوج، وقولُها مع يمينها في حيض نفسها كافٍ، وأما المصدَّقة فإن حيض ضرتها لم يثبت في حقَّها، فلم تُطلَّق، ويجيْء على ما نقل عن صاحب "التقريب" أن يقال: ثَبَت حيْض ضرتها بحلفها، فإذا ثبت في حقِّها، ثبت في حقِّ المصدقة أيضاً، فَتُطلَّقان جميعاً، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُه في الكتاب "دون المصدَّق" بالواو.
ولو قال لحفْصَة: إن حِضْتِ، فعمرةُ طالِقٌ، وقال لعمرة: إن حِضْتِ، فحفصة طالقٌ، فقالتا: حضنا، فإن صَدَّقَهما طُلِّقتا، وإن كذبهما، لم تطلقا، وإن صَدَّق إحداهما طُلِّقت المكذبة دون المصدقة.
ولو كانت تحته ثلاثُ نسوة، فقال: إذا حضتن، فانتُنَّ طوالقُ، فقد علق طلاق كل واحدة منْهن بحيض الثلاث، فإذا قُلْن: حضْنَا، وصدَّقَهن، طُلِّقَن، وإن كذَّبَهن، لم تُطِلَّق واحدةٌ منهن، وإن صَدَّق واحدة، وكذَّب اثنتين، فكذلك؛ لأن المصدَّقة لم يَثْبُت

الجزء: 9 - الصفحة: 102

في حقِّها إلا حيضها، وأما المُكذَّبتان، فحيض المصدَّقة ثابتٌ حقها وحيْضُ كلِّ واحدةٍ منْهما يكْفِي فيه قولُها، لكن حيض المكذَّبة الأخرى، لم يثبت في حقِّها، فلم يجتمعْ في حق واحدة منْهن حيضُ الثَّلاث، وإن صَدَّق اثنتين، وكذَّب واحدةً، طُلِّقَت المكذَّبة؛ لأن حيضا يكفي فيه قولُها، وحيض صاحبتها ثبت بتصديق الزوج، ولا تُطلَّق المصدَّقتان؛ لأن حيض المكذَّبة لم يثبت في حقِّهما.
ولو قال لأربع: إن حضتن، فأنتن طوالقُ، فطلاقُ كلِّ واحدة معلَّقٌ بحيض الأربع، فإذا حِضْن، [أو قلن حضن وصدقهن] طُلِّقْن، فلو قلْن: حِضنا، فكذَّبَهُن، أو كذَّب اثنتين أو ثلاثاً، وحلف، لم تُطلَّق واحدةٌ منْهن، وإن كَذَّب واحدةٌ منْهن، وصدَّق ثلاثاً طُلِّقت المكذَّبة؛ لأن حيض الثلاث ثبت بتصديقه وقولها بيمينها كافٍ في حق نفسها ولا يقع على المصدَّقات شيْءٌ؛ لأن قول المكذَّبة غير مقبول في حقِّهن، وعلى قياس ما نقل عن صاحب "التقريب" يقع عليهن أيضاً بيمين المكذَّبة وكذلك يقع على المصدَّقتين في صورة الثلاث.
ولو قال للأربع: كلما حاضَتْ واحدةٌ منْكن، فأنتُنَّ طوالقُ، فإذا حِضْن أو ثلاث منهن طُلِّقن ثلاثاً ثلاثاً؛ لأن "كلَّما" للتكرار، وإذا قلْن: حضْنا، فكذَّبهن، وحلفت، وقعت [على] 375 كل واحدة منهن طلقةٌ لأن يمين كل واحدة تكفي مثبتاً لحيض نفسها، ولو صَدَّق واحدة منهن، وكذَّب ثلاثاً، وقع على المصدَّقة طلقةٌ بقولها، ووقَع على كل واحدة من المكذَّبات طلقتان؛ طلقةٌ بثبوت حيْضها بقولها، وطلقةٌ بحيض التي صدَّقها الزوج، ولو صدَّق اثنتين، وكذَّب اثنتين، وقَع على كل واحدةٍ من المصدقتين طلقتان، وعلى كلِّ واحدة من المكذبتين ثلاثُ طلَقَات [ولو صدق ثلاثاً طلق الجميع ثلاثاً ثلاثاً].
ولو قال: كلَّما حاضَتْ واحِدةٌ منْكن، فصواحبتها طوالقُ، وقلن: حضْتا، فإن صدَّقَهن، طُلِّقن ثلاثاً ثلاثاً، وإن كذَّبهن، لم يقَعْ شيْءٌ، وإن صدَّق واحدةٌ منهن، لم يقَعْ عليها هي؛ لأنه لم يثبت في حقِّها حيض واحدةٍ من صواحبها ويقع على كُلِّ مكذبة طلقةٌ؛ لثبوت حيْض واحدةٍ بالتصديق، وإن صَدَّق اثنتين وقَعَ على كلِّ مصدَّقة طلقةٌ لأن لها صاحبةً واحدةً، وعلى كل مكذَّبة طلقتان؛ لأنَّ لها صاحبتين، وإن صدَّق ثلاثاً، طُلِّقت كل مصدَّقة طلقتين، والمكذب ثلاثاً؛ لأن لها ثلاثَ صواحب، إذا صدَّقنا المرأة في الولادة عنْد التعليق بالولادة، فإنما تُصدَّق فيما يتعلق بها؛ ولا يقبل قولُها في حق غيرها، كما ذكرنا في الحَيْض، حتى لو قال: إذا ولدتِّ، فأنتِ طالقٌ، وعبْدي حرٌّ، فقالت: ولدتُّ، وحلَفَتْ طُلِّقَت، ولم يُعْتَقِ العبد، ولو قال لأمته: إذا ولدتِّ، فأنتِ

الجزء: 9 - الصفحة: 103

حرَّةٌ، وامرأتي طالقٌ، فقالت: ولدتُ، عَتَقَتْ هِيَ، ولم تُطلَّق المرأة، ولو قال لها: إذا وَلَدتِّ، فامرأتي طالقٌ، وولدك حرٌّ، وكانت حاملاً بولد مملوك، لم تُطلَّق المرأة، ولم يُعْتق العبْد بقولها ولدت؛ لأن كل واحدٍ منهما تتعلقَّ بحق الغير.
ذكر القفَّال تفريعاً على أنَّه لا يُقبل قولها "زنَيْتُ" إذا علِّق الطلاق بزناها، وبه أجاب أنَّه ليس لها تحليفه على أنَّه لا يَعْلَم أنها زَنَتْ، ولكن إذا ادَّعتْ حُصُول الفراق بينهما فيحلف على أنَّه لم تقع الفرقة، ولا يَعْلَم أنها زنَتْ، وكذا في التعليق بالدخول وسائر الأفعال.
وإذا قال لامرأته إن رأيتِ الدم، فانتِ طالقٌ، فعن أبي العباس الرُّويانيِّ وجهان: الظاهر منهما: أنَّه يُحْمَل على دم الحيْض؛ لأنه المراد في العادة.
والثاني: بأنَّه يحمل على كل دم؛ رعايةً لحقيقة اللفْظ، وإذا قلنا بالأول، فلا يُعْتبر رؤيتها حقيقة، بل المعتبر العِلْم، كما في التعليق برؤية الهلال.
وذكر إسماعيل البوشنجي: أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً في كل حيض طلقةً، وهي حائضٌ في الحال، فالذي يقتضيه ظاهر اللفْظ أنَّه يقع طلقة في الحال، وطلقةً في أول الحيض الثانية أخرى في أول الثالثة، وأنه لو قال: إذا حضْتِ نصْف حيضة، فأنْتِ طالقٌ، وعادتها ستَّة أيَّام مثَلاً، فإذا مضَى ثلاثة أيام، يقضي 376 بوقوع الطلاق على ما يقتضيه ظاهِرُ اللفْظ.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ قبل أن تَحِيضِي حيضةً بشَهْر فرأت الدم بعْد شهْر على عادِتها المستمرة، تطلق في الحال أو بعْد مضيِّ يوم وليلة، يخرج على قولَىْ تقابل الأَصْل والظاهر، وهذا هو الخلاف الَّذي أسلفناه في أنَّه إذا قال: إذا حِضْتِ فأنت طالقٌ، يحكم بوقوع الطلاق بأول رؤْيَة الدم [أو] 377 لا يُحْكَم به حتَّى يمضي يوْم وليلة، والمستفاد منه تخريجُه على الأصْل المذكور.
وذكر الإِمام إشكالاً على القَوْل بوقوع الطلاق فيما إذا علَّق طلاق امرأته علَى حَيْضها، أو حيض غيرها فقالَتْ: حضْتُ وصدَّقها، وقال: بم يَعْرِف الزوج صدْقَها، وكيف يُحْكَم بوقوع الطَّلاق بقوله صَدَقَتْ، وليس ذلك إقراراً بوقوع الطلاق حتَّى يؤاخذ به، ونهاية الأمر أنَّه قد يَغْلب على ظنه صدقها بقرائن ومخايل تدل عليْه، ومعلوم أنَّه لو قال: سمعْتُها تقول: حضْتُ، وأنا أُجَوِّز صدْقَها، وكذبِهَا، وغالب ظَنِّي صدْقُها، لا يُحْكَم بوقوع الطلاق، فليكن كذلك إذا أطلق التصديق، لأنَّه لا مستَنَد له إلا ذلك،

الجزء: 9 - الصفحة: 104

وسمعت بعْض أكابر العراق يَحْكِي عن القاضي أبي الطيِّب عن الشيخ أبي حامد تردُّداً في وقوع الطلاق؛ لمكان هذا الإِشكال، هكذا أسنده قال: وليس ذلك كما إذا علَّق طلاقَها بحيضها، فقالت: حضْتُ وكذبها، فَحَلَفَتْ، فإن اليمين حُجَّة شرعية يجوز بناء الحكْم عليها، وسبيل الجواب على ما أطبق علَيْه الأصحاب؛ أن الإقرار حجَّةٌ شرعيةٌ، كاليمينِ واليمينُ قد يستند إلى قرائن تفيد الظنَّ القويَّ، كما تحلف الَمرأة على نية الرَّجُل في كنايات الطَّلاق، فلذلك لا يَبْعد أن يستند الإِقرار إليها، فيحكم به والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ):

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ فِي الحَالِ: شِئْتُ: طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تُطَلَّق، وَلَوْ قَالَ لأجْنَبِىٍّ: إِنْ شِئْتَ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَفِي وُجُوب الفَوْرِ خِلاَفٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ زَوْجَتِهِ الغَائِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أبُوكِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الفَوْرُ في مَشِيئَةِ أَبِيهَا؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُطَلَّقْ إِذ المَشِيئَةُ لاَ تُعَلَّقْ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً إلاَّ أَنْ يَشَاءَ أَبُوكِ وَاحِدَةً فَشَاءَ أَبُوهَا وَاحِدَةً لَمْ تُطَلَّقْ أَصْلاً، وَقِيلَ: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَتْ: شِئْتُ وَهِيَ كَارِهَةٌ بَاطِناً طُلِّقَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَتِ الصَّبِيَّةُ شِئْتُ فَوَجْهَانِ، وَلاَ نَظَرَ لِقَبُولِ المَجْنُونَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تعليق الطلاق بمشيئة الله -تعالى جَدُّهُ- قد سَبَق حُكْمُه، وأمَّا إذا علَّق بمشيئة غيْره، فيُنْظَر؛ إن علَّق بمشيئة الزوجة على وجْه المخاطبة، فقال: أنتِ طالقٌ، إن شئْتِ، فيُشْتَرط مشيئتها في مجلس التواجب على ما سَبَق ذكْرُه في "الخُلْع"، فلو أخَّرَت، لم يَقَع، وهو موجه بمعنيين: أحدهما: أن هذا التعليق استدعاءُ رغبةٍ وجوابٍ منها، فينزل منزلة القَبُول في العقود.
والثاني: أنه يتضمَّن تخييرها وتمليكها البُضْعَ، فكان كما لو قال: طلِّقي نفْسَكِ، ونقلنا في "الخلع" قولاً غريباً أنها متى شاءت، طُلِّقت، ولا يُشْترط الفور، فيجوز أن يُعْلَم بذلك قولُه "وإن قالَتْ بعد ذلك، لم تطلَّقْ" بالواو، ويُبْنَى على المعنيين ما لو قال لأجنبىٍّ: إن شئت، فزوجتي طالقٌ، إن علَّلنا اشتراط الفَوْر هناك؛ بأنه خطاب واستدعاء جواب، فكذلك يُشْتَرط هاهنا، وإن علَّلنا بمعنى التمليك، فلا, لأنه لا تمليكَ هاهنا، فأشبه التعليق بدخوله الدار أو بصفة أخرى، وهذا أظْهَر فيما ذكَره جماعة، ورأى صاحب "التتمة" الوجْه الأول، ولو علَّق الطلاق بمشيئة زوجته، لا على وجْه خطاب، بأن قال: زوْجَتِي طالقٌ، إن شاءت، فإنْ عللنا بأنه خِطَاب واستدعاء جوابٍ، فلا خطاب هاهنا، فلا يشترط الفَوْر، وإن عللنا بمعنى التمليك، يُشْترط، وعلى هذا فلو كانت المرأة حاضرةً، فينبغي أن تقول في الحالِ: شئْتُ: ليقع الطلاق، وإن كانت غائبةً،

الجزء: 9 - الصفحة: 105

فتبادر إليْه إذا بلغها الخبر ومال الإِمام -قدَّس الله روحه- إلى أن الفَوْر لا يُشْترط في هذه الصورة أيضاً, وقال: الصيغة بعيدةٌ عن قصْد التمليك إذا لم يكُنْ على وجْه الخطاب، ويشبه تمكنها من الفراق بما إذا قال: إن دخلْتِ الدَّار، فأنتِ طالقٌ، فإنه يتضمن تمليكها التسبب إلى الطلاق، ولا يُشْترط الفور في الدخول بالاتفاق، وإذا كان الأظْهر في الصورتين أنَّه لا يشترط الفوْرُ، حَسُن أن يعلَّل اشتراط الفور فيما إذا علَّق الطلاق بمشيئة الزوجة على وجْه الخطاب بمجموع المعنيين، ولو قال: امرأتي طالقٌ إن شاء زيْدٌ، فليس هاهنا خطاب، ولا تمليك، فسبيلُه سبيلُ سائِر التعليقات بلا خلاف، ولو علَّق الطلاق بمشيئتها ومشيئة غيرها، كما إذا قال: إن شئت وشاء وأبُوكِ، فأنتِ طالقٌ، أو إن شئت، وشاء فلانٌ، فلا بد من مشيئتهما؛ ليقع الطلاق، ويُشْتَرط الفور في مشيئتها، وفي مشيئة الأب أو الأجنبي وجهان: أحدهما: وبه قال القاضي الحُسَيْن: أنَّه يشترط الفَوْر فيها لأنه قرن مشيئته بمشيئتها، فيكتسب مشيئته مشيئتها اشتراط التعجيل.
وأصحُّهما: المَنْعُ، ويجري على مشيئة شرطها, لو انفردت، وهذا كما أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن شئت ودخلت الدَّار يؤثر على كلُّ واحد من الوصفَيْن حُكْمَه لو انفرد.
ولو علَّق الطلاق بمشيئتها أو مشيئة غيرها، فقال المعلِّق، بمشيئة الزوج شئت إن شئْت أو إن شاء فلانٌ، لم يقع الطلاق، وإن قال الزوج [أو قال فلان] شئْتُ؛ لأنه علَّق الطلاق بمشيئة مجْزوم بها، وتعليق المشيئة ليس خبراً عن مشيئة محقَّقة، والمشيئةُ المحقَّقةُ لا تُعلَّق، وكذا لو قال: شئْت غدًا، إذا علَّق الطلاق بمشيئتها، فقالت: شئْتُ، وهي كارهةٌ بقلبها وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع باطناً باختلاف فيه القفَّال وأبو يعقوب الأبيوردي وتناظرا، فقال أبو يعقوب: لا يقع كما لو علَّق بحيضها فقالت: حِضْتُ وهي كاذبةٌ، وإلى هذا مال القاضي الحُسَيْن، وقال القَفَّال؛ يقع، وذكر صاحب "التهذيب" أنَّه المذْهَب؛ لأن التعليق في الحقيقة بلفظ المشيئة 378؛ لا بما في الباطن؛ ألا ترى أنَّه لو علَّق بمشيئة الأجنبي، فقال: شئْتُ، صُدِّق، ولو كان التعليق بما في الباطن، لَمَا صُدِّق، كما إذا علَّق طلاق ضرتها بحيضها، لا تُصدَّق في حق الضُّرَّة.
ويخالف ما إذا علَّق بحيضها، فقالت: حِضْتُ، وهي كاذبة, لأن دم الحيض محسوسٌ مشاهدٌ، وإنما اعتمدنا قوْلَها فيه؛ لأنها مؤتمنة والمشيئة تحس ولا تُعْرَف إلا من جهتها، وكان التعليق بقولها "شئت" ويجري الخلاف فيما إذا عَلَّق بمشيئة زيد، فقال زيْد: شئْتُ، وهو كارهٌ بقلبه، ولو وُجِدَت الإِرادة دون اللَّفْظ، فعلى ما قال القَفَّال: لا يقع الطلاق،

الجزء: 9 - الصفحة: 106

وعلى ما قال الأبيوردي فيه تردُّد؛ لأن كلامه يستدعى جواباً على العادة، وارادةُ القَلْب لا تكفي جواباً للخطاب.
ولو علَّق الطلاق بمشيئتها، وهي صبيَّة أو بمشيئة صبيٍّ أجنبىٍّ فقال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، فوجهان: أظهرهما: عنْد أبي سعد المتولِّي، وهو الذي أورده أبو الفَرَج السرخسي، وذكر الإِمام أن ميل الأكثرين إلَيْه: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنه لا اعتبار بمشيئة الصبيِّ في التَصرفات؛ ولأنه لو قال: طلِّقِي نفْسَك، فطلقت، لم يقع فكذلك إذا عَلَّق بمشيئتها.
والثاني: يقع، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، إن قلت شئت، ولأن مشيئة الصبيِّ معتبرة في اختيار الأبوَيْن، وقد يُؤَكّد بالوجْه الأول ما قاله الأبيوردي، وهذا الخلاف في الصبي المميِّز، وأما إذا علَّق بمشيئتها، وهي صغيرة غير مميِّزة أو مجنونة أو بمشيئة غيرها، وهو بهذه الحالة، فقالَتْ أو قال: شِئْتُ، فلا يقع الطلاق بلا خلاف، ووجَّه بأنَّا، وان اعتمدْنا اللفْظ، فلا بدَّ من صدوره ممن يُتصوَّر أن يكون لفظه إعراباَ عن مشيئة قلبية وليس للمجنون قصْدٌ وَإعرابٌ صحيحٌ ولو قال المعلَّق بمشيئته شئْتُ، وهو سكران، فيخرَّج على أن السَّكْران كالمجنون أو كالصاحي، ولو علَّق بمشيئة أخْرس، فقال بالإِشارة: شِئْتُ وقَع الطلاق، ولو كان ناطقاً، فَخَرَس، ثم أشار بالمشيئة، فوجهان: أصحهما: وقوع الطلاق إقامةٌ لإِشارته مَقام النُّطْق على المعهود في حقه.
والثاني: المَنْع؛ لأن التعليق حينئذٍ وقع بقوله "شئْتُ" ولم يبق له قَوْل، وينسب هذا إلى ظاهر النص، واختيار الشيخ أبي حامد.
ولو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إذا شئْتِ، فهو كما لو قال: إن شِئْتِ، ولو قال: متى شئْتِ، تقدَّم في الخُلْع أنَّه لا يُشْترط المشيئة في الحال، ويقع الطلاق متى شاء.
وإذا علَّق الطلاق بمشيئتها؛ ثم أراد أن يرْجِع قبْل أن تقول، شئت، لم يتمكن لأنه تعليقٌ في الظاهر، وإن تضمن تمليكاً، وهذا كما لو قال: إن أعطيتني ألفاً، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: رجَعْتُ يُؤَثِّر الرجوعُ، وإن كان ذلك معاوضةً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا أن يشاء أبوكِ أو فلان واحدةً، فشاء واحدةً، فوجهان: [أصحهما]: أنَّه لا يقع شَيْءٌ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يدخل أبوكِ الدارَ، فدخل، وعلى هذا، فلوْ شاء اثنتين أو ثلاثاً، لم يقع شيء أيضاً؛ لأنه شاء واحدةً وزيادةً.
والثاني: أنَّه إذا شاء واحدةً، يقع واحدةً؛ لأن المفهوم منْه إلا أن يشاء أبوكِ واحدةً فتطلقي واحدةً لا ثلاثاً، وفى "التتمة" نقل وجْه ثالث وهو أنها تُطلَّق طلقتين،

الجزء: 9 - الصفحة: 107

وتقدير الكلام أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا أن يشاء أبْوك ألاَّ يقع واحدة منها، فلا تقع تلك الواحدة، ثم الوجهان المعروفان عنْد الإِطلاق، فأما إذا قال: أردتُّ المَعْنَى.
الثاني: فلا شَكَّ في أنَّه يُقْبَل، وتقع طلقةً، ولو قال: أردتُّ المعنى الأوَّل، وفرَّعنا على الوْجه الثاني، فهل يُقْبل حتَّى لا يَقع شيْء فيه وجهان: أظهرهما: نعم، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا أن يشاء أبُوكِ أو تشائي ثلاثاً، فإن شاء أو شاءت [ثلاثاً لم يقع شيء تفريعاً على الأصح وإن لم يشأ شيئاً أو شاءت واحدةً أو اثنتين وقَعَتْ واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن شئْتِ، فقالتْ: شئْتُ واحدةً: أو اثنتين، لم يقَع شيْءٌ، ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إن شئْتِ، فقالت: شئْت اثنتين أو ثلاثاً، وقعت الواحدة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ لولا أبوكِ، لم يقع الطلاق، والمعنى: لولا أبُوكِ لَطَلَّقْتك، وفِيهِ وجْه آخر مذكورٌ في "التتمة" ولو قال: أنتِ طالقٌ، لولا أبوكِ لَطَلَّقْتُك، فالمنقول أنَّه لا يَقَع الطَّلاق, لأنه لم يُطلِّق، وإنما أخبر أنَّه لولا حرمة أبيها لطَلَّقها، وأكد هذا الخبر بالحَلِف بطلاقها، كما نقول: والله، لولا أبوكِ لَطَلَّقْتك، قال المتولي: وإنما لا يقع الطلاق، إذا كان صادقاً في خَبَره، أما إذا كان كاذباً، فيقع الطلاق في الباطن، ولو أقرَّ أنَّه كان كاذباً، حكم بالوقوع في الظاهر أيضاً.
ولو قال أنتِ طالقٌ إن شاءَتِ الملائكة، لم يَقَع الطلاق, لأن لهم مشيئةً، وحصولُها غير معلوم؛ فصار كما لو قال: إن شاء الله، ولو قال: إنْ شاء الحمار قالوا: هو كما لو قال: إن طِرْتِ أو صَعِدتِّ السماء، ولو قال: أنْتِ طالقٌ إن شئْتُ أنا، فهو تعليق، فمتى شاء، وقع الطلاق.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن أشاء أو يبدو لي، قال في "التهذيب" يقع في الحال 379؛ لأنَّه ليس بتعليقٍ بل أوقع الطلاق، وأراد رفْعَه، إذا بدا له، ويمكن أن يُقَال: هو كما لو قال: إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يشاء الله، وذكر أنَّه لو قال لها أحبي الطلاق أو أهوي أو أريدي أو أرضي، وأراد تمليكها الطَّلاق، فهو كقوله "شَائِي" أو "اختاري" فإذا رضيَتْ أو أحبَّتْ أو أَرَادَتْ، يقع الطلاق، هذا لفظه، وقال إسماعيل البوشنجي: إذا قال: شائي الطلاق، ونوى وقوع الطلاق بمشيئتها، فقالت: شئْتُ، لا يقع الطلاق، وكذا لو قال: أحِبِّى أو أريدي؛ لأنَّه استدعى منْها مشيئةَ الطلاق، ولم يُطلِّقْها, ولا علَّق طلاقها, ولا فوض إلَيْها تطليقَ نَفْسِها, ولو قُدِّر تفويضٌ فقولها "شئْتُ" ليس بتطليق، وهذا أقوى، ولو قال: إذا "رضَيْتِ" أو"أحببتِ" أو"أردتِ"

الجزء: 9 - الصفحة: 108

[الطلاق فأنتِ طالقٌ فقالت رضيت أو أحببت أو أردت وقع الطلاق، ولو قالت الصورة هَذِه "شِئْت" قال البوشنجي: لا ينبغي أن يقضي بوقوع الطلاق، وكذا لو قال: إن شِئْتِ فقالت: أحببت أو هَوِيتُ؛ لأن كلَّ واحد من لَفْظَي المشيئة والمحبة يقتضي ما لا يقتضيه الآخَرُ؛ ألا ترى أنَّه يقال الإنسان يشاء دخولَ الدار، ولا يقال: يُحِبُّه، ويحبُّ ولده، ولا يسوَّغ لفْظُ المشيئة فيه.
وذكر أنَّه لو قال: لامرأتيه إن شئتما، فأنتما طالقان، فشاءت كلُّ واحدة منهما طلاق نفْسها، دونَ ضرَّتها، فالقياس وقوعُ الطَّلاق من جهة أن المُبْتَدر إلى الفهْم منْه تعليقُ طلاق كل واحدة منهما بمشيئتها طلاقَ نفسها لا غير؛ لأن الظَّاهر أن الإنسان يُعلِّق طلاق امرأته، على مشيئتها لا على مشيئةِ الضرة، وفي "التتمة" ما يتنازع في ذلك، ويقتضي تعليق طلاقِ كل واحدة منهما بالمشيئتين.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يَرَى فلان غيْر ذلك، أو إلا أن يشاء أو يريد غَيْر ذلك أو إلا أن يبدو لفلانٍ غَيْر ذلك، فلا يقع الطلاق في الحال، بل يُوقَف الأمر على ما يَبْدو من فلان، ولا يختص ما يَبْدو منْه بالمجلس، وإذا مات فلانٌ، وفات ما جَعَله مانعاً من وقوع الطلاق تبيَّن وقوع الطلاق قُبَيْل موْتِه.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن لم يشأ فلان، فقال فلان، لم أشأْ، يقع الطلاق، وكذا لو قال إن لم يَشَأْ فلان: طلاقك اليوم، فقال فلان: في اليوم لا أشأ، يقع الطلاقُ، لكن قياس التعليق ينفي الدخولَ، وسائرُ الأفعالِ أن يقال: إنَّه، وإن لم يَشَأْ، في الحال، فقد يشاء من بعد، فلا يقع الطلاق، إلا إذا حَصَل اليأس، وفاتت المشيئة، وفي صورة التقييد باليوم، لا يقع إلا إذا مضى اليوم خالياً عن المشيئة، ويجوز أن يوجَّه ما ذَكَره بان قوْلَه "أنْتِ طالقٌ إن لم يشأْ فلانٌ" محْمولٌ على التعليق بتلفُّظه، بعَدَم المشيئة كما حمل قوله: أنْتِ طالقٌ على التعليق بتلفظه بالمشيئة، وإذا كان كذلك، فإذا قال: لم أشأْ, يتحقَّق الوصْفُ بوقوع الطلاق، وأنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ، إن شئْتِ أو أبيتِ فقضيَّة اللفْظ وقُوع الطَّلاق بأحد الأمرين، إما المشيئة أو الإِباء، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قمت أو قعَدتِّ، ولو قال: أنتِ طالقٌ شِئْتِ أو أَبَيْتِ وقَع الطَّلاق في الحال، ولا تعليق هاهنا، وفي "التهذيب" أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ كيْف شئت، فعن أبي حنيفة؛ أنَّه يقع 380 الطَّلاق شاءت أو لم يشأ وبه قال أبو زيد والقفَّال، وعن أبي يوسف ومحمَّد؛ أنَّه لا يقَع حتَّى توجد مشيئة في المجلس، إما مشيئة أن تطلَّق أو مشيئة أن لا تطلَّق، وهو اختيار الشيخ أبي عليٍّ، وقال صاحب "التهذيب" وكذا الحكم لو قال: أنتِ طالقٌ على أىِّ وجه

الجزء: 9 - الصفحة: 109

شِئْتِ، وقوله في الكتاب "إذا المشيئةُ لا تعلَّقُ" يمكن تنزيله على ما سبق أن المشيئة المعلَّق بها هي المشيئةُ المجزوم بها، ومثل هذه المشيئة لا مدْخَل للتعليق فيها، ويجوز أن يُعْلَم قولُه: "لم تُطَلَّق" بالواو؛ لأن أبا عبد الله الحناطي حكَى وجهاً غريباً؛ أنَّه يصحُّ تعليق المشيئة، ويقع الطلاق إذا قال الزوج: شِئْتِ، وقوله: "طُلِّقَتْ على أحد الوجْهَيْنِ" يعني في الباطن، وأما في الظاهر، فلا خلاف في وقوع الطلاق.

قَال الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ السَّادِسُ في مَسَائِلِ الدَّورْ):

فَإِذَا قَالَ: إن طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاَثاً انْحَسَمَ بَابُ الطَّلاَقِ عَلَى الوَجْهَيْنِ، وَقِيْلَ: إِذَا نَجَّزَ وَاحِدَةً وَقَعَتْ تِلْكَ الوَاحِدَةُ، وَقِيلَ يَقَعُ الثَّلاَثُ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَمِنَ الدَّوْرِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ آلَيْتُ أَوْ ظَاهَرْتُ أَوْ رَاجَعْتُ أَوْ فَسَخْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ، وَإِذَا قَالَ: إِنْ وَطِئْتُ وَطئاً مُبَاحاً فَأَنَتْ طَالِقٌ قَبْلَهُ فَوَطَئَ فَلاَ خِلاَفَ أنَّهَا لاَ تُطَلَّقُ قَبْلَهُ، وَمِنَ الدَّوْرِ أنْ يَقُولَ: إِنْ طَلَّقْتُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً فَأنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلاَثاً.
قَالَ الرَّافِعِي: إذا قال لامرأته: إذا طلَّقْتُك أو"إن طلقتك" أو "مهما" أو "متى" فأنْتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم طلقها ففيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه لا يقع عليها الطلاق؛ لأنَّه لو وقَع لوقع ثلاثٌ قبْله، ولو وقَع ثلاثٌ قبله، لمَا وقع هذا الواحد، وإذا لم يقَعْ هذا الواحد 381، لم يقع ما قبله؛ لأنه مشروط

الجزء: 9 - الصفحة: 110

به؛ فيلزم مِنْ وقوعه عدَمْ وقوعه، ودار على نفسه، وبهذا السبب يُسَمَّى هذا اليمينُ الدائرة، تُسَمَّى المسألة مسألة الدَّوْر، وهذا كما إذا ابَاع العَبْد من زوجته الحُرَّة قبل الدخول بصداقها الَّذي ضمنه السيد، فإن الشافعيَّ -رضي الله عنه- حَكَم ببطلان البَيْع؛ لأنه لو صَحَّ لَمَلَكَتْهُ، ولو مَلَكَتْه، لانفسخ النكاح، وإذا انفسخ، سقط الصَّدَاق، وإذا سَقَط الصَّدَاق، بطل البَيْع؛ لأنه العوض.
الثاني: أنَّه يقع الطَّلاَق المنجز، ولا يقع المعلَّق؛ لأنه إن وقَع المعلَّق، لمنع وقوع المنجز، وإذا لم يقع المنجَّز، بطل شرط المعلَّق، واستحال وقوع المعلَّق، أمَّا المنجَّز فلا استحالة في إيقاعه، فيقَعُ, وقد يتخلَّف الجزاء عن الشرط بأسباب، وشبه هذا بما إذا أقرَّ الأخ بابن للميت، ثبت النَّسَب دون الميراث، ولأن الجَمْع بيْن المعلَّق والمنجز ممتَنِعٌ، ووقوع أحدهما غيْر ممتنع، والمنجز أولَى بأن يقع؛ لأنه أقْوَى من حيث إن المعلَّق يفتقر إلى المنجز، ولا ينعكس، ولأنه جعل الجزاء سابقاً على الشرط، حيث قال: فأنْتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً، والجزاء لا يتقدَّم على الشرط، فيلغو التعليق، ولأن الطلاق تصرُّف شرعيٌّ، والزوج أهْلٌ له وهي محلٌّ، فيبعد أن ينسد عليه باب هذا التصرف.
الثالث: أنَّه يقع ثلاث طلقات، وله تنزيلان أظهرهما أنَّه تقع الطلقة المنجَّزَة، وطلقتان من الثلاث المعلَّقة؛ لأنه إذا وقعَتِ المنجز حصل شرط وقوع الثلاث إلاَّ أن الطَّلاق لا يزيد على ثلاث، فيقع من المعلَّق تمام الثلاث، ويُجْعَل كما لو قال: إن طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ويُطَّرَح قوله: "قبله" فإن الاستحالة تجيء منه.
والثاني: أنَّه يقع الثلاث المعلَّقة، ولا تقع المنجزة، ويُجْعَل كأنه قال: متى تَلفَّظْتُ بأنَّك طالقٌ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، قال الإِمام: وهذا رديْء لا خروج له إلا على قوْل مَنْ يحمل اللفظ المُطْلَق على الصحيح، والفاسد جميعاً، والوجهان الأولان يجريان في المدخول بها وغير الدخول بها [وأما الثالث فمختص بالمدخول بها فإن غير المدخول بها] لا يتعاقب عليها طلاقان؛ فلذلك قال في الكتاب بعد ذكْر الوجهَيْن المطردين "وقيل يقع الثلاث، إن كان بعد الدخول".
= فيما فرضه هو ليس لكون الطلاق معلقاً بالنقيضين بل لأجل التعليق بالعدم حتى لو تجرد التعليق بالعدم فقال إن طلقتك فلم يقع فأنتِ طالقٌ ثلاثاً وقع الثلاث.
وأما ما ذكره في المهمات من الوجهين فأولهما أخذه من قول الرافعي في مسألة الدور ثم ينبغي أن لا يقع طلاق الوكيل لأنه إذا لم ينفذ منه الطلاق لا ينفذ من وكيله ثم هو منقوض بالعبد فإنه يملك تعليق الثالثة ولا يملك تنجيزها.
وأما الثاني فحاصله تصوير مسألة الوكالة والمسألة السريحية ثم فيه اعتقاد أنَّه يقع الطلإق بمجرد التعليق من غير إحداث إيقاع وهو غلط.

الجزء: 9 - الصفحة: 111

ويجري الوجهان فيما لو قال لرقيقه: إن أعتقتك، فأنْتَ حُرٌّ قبله، ثم أعتقه، فعلى الأوَّل لا يعتق، وعلى الثاني يعتق، ويبطل التعليقُ.
ولو قال إذا طَلَّقْتك، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً قبله بيوم، وأمهل يوماً ثم طلَّقها، ففيه الخلاف أو في هذه الصورة صور ابن الحدَّاد الدَّوْر، ولو طلَّق قبل تمام يَوْم مِنْ وقْت التعليق، فلا خلاف في أنَّه يَقَع، ولا يقع المعلَّق؛ لأن الطَّلاق لا يسبق وقوعه اللَّفْظ، كما سَبَق فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ قبْل موتي بشهر؛ وعلى هذا لو قال: متى طالقتُكِ، فأنتِ طالقٌ قبله بشهرين، أو ببينة، فإن طلَّقها قبْل مضيِّ تلْك المدة، وقع ما أوقَعَه، ولم يقع المعلَّق، وإن مضَتْ تلك المدَّة، فعلى الوجه الأول؛ إن كانت غيْرَ مدخول بها, لم يقعْ شيْءٌ؛ لأنَّه لو وقع قبل المنجزة شيْءٌ، لَمَا وقعت المنجزة، وإن كانت مدخولاً، فإن كانَتْ عدتها منقضيةً في تلك المدة، لو أوقعْنا طلقةً مِن الوقْت الَّذي ذَكَر، فكذلك، وإن لم تَكُنْ منقضية، وقعَتْ عليها طلقتان.
وعلى الوجْه الثاني؛ إن لم يكنْ مدخولاً بها، يقع ما نجزه، وإن كانتْ مدخولاً بها، وكانت عدتها منقضية في تلْك المدة، فكذلك، وإن لم تكُنْ منقضية، وقعَتْ طلقتان.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ اليوم، ثلاثاً إن طلقتك غدًا، واحدةً ثُمَّ طلَّقها من الغدِ واحدةً، ففيه الخلاَف، وفي هذه الصورة صور صاحِب "التلخيص"، الدَّوْر وإذا كان التعليق بالتطليق، كما صوَّرناه في هذه الصُّوَر، فلو كان قد عَلَّق طلاقها بدخول الدار ونحوه، قَبلَ التعليق بالتطليق، ثم دخلت الدار، يقع الطلاق المعلَّق بالدخول بلا خلاف؛ لأنَّه ليس بتطليق، وكذا لو وكَّل وكيلاً، طلَّقها؛ لأنه لم يطلِّقها الزوج إنما، وقع عليها طلاقُه، أما إذا قال: إنْ وقع عليْكِ طلاقي، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، فلا يفترق الحُكْم بيْن أن يطلِّق بنفسه، أو يطلِّق وكيلُه، هكذا ذكر الإِمام وصاحب "التتمة"، وسمِعْت بعضهم في المباحثة يقول: ينبغي أن لا يَقَعَ طلاق الَوكيل على الوَجْه الأول، سواءٌ قال: مهما طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ، قبله ثلاثاً، أو قال: مهما وقَع علَيْك طلاقي؛ لأنه إذا لم ينفُذْ منْه الطلاق، لا ينفذ من وكيله، وكذلك لا يزوِّج وكيل المولى في إحرامه.
ولو كان قَدْ علَّق طلاقها بدخول الدَّار، ثم قال: متى وقع عليك طلاقي، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، أو قال: إن حنثتُ في يميني، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً ثم دخل الدار، فهل يَقَعَ الطلاق المعلَّق بالدخول.
إذا فرعنا على الوجْه الأول، فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه قد إنعقدَتْ يمين قبْل اليمين الدائرة، فلا يملك رفعها وحلها باليمين الدائرة.

الجزء: 9 - الصفحة: 112

وأظهرهما: وبه قال القاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيُّ: "لا"، لما ذكرنا من معْنَى الدَّوْر، ويجوز أن ينعقد اليمين، ثم يحلها ويسقطها؛ ألا ترى أنَّه لو قال إذا جاء رأسُ الشَّهْر، فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، كان تعليقاً منعقداً، ثم إنه يمْلِك إسقاطه بأن يقول: أنتِ طالقٌ قبْل انقضاء الشهر بيوم، وعلى هذا الوجه، هذا الطريق أسْهَلُ في دفع الطلقات الثلاث من الخُلْع، وإيقاع الصفة في حال البينونة، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل أن أطلقك واحدةً، ثم طلقها واحدة فعلى الوجْه الأول، لا يقع شيْء، وكذا لو طلق ثلاثاً، أو اثنتين؛ لاشتمال العَدَد على الواحدة وإذا مات أحدهما، يُحْكَم بوقوع الطلاق قبل الموت، كما لو قال: إنْ لم أطلقْكِ، فأنتِ طالقٌ قاله في "التتمة".
وعلى الوجه الثاني: يقع المنجَز، ولو قال: إذا طلقتُكِ ثلاثاً، فأنتِ طالقٌ قبلها طلقة، فطلَّقها ثلاثاً؛ فعلى الوجه الأول لا يقع شيْءٌ: وعلى الثاني؛ تقع الثلاث، ولو طلَّقها واحدةً أو اثنتين يقع المنجز بلا خلاف، ولو قال: إذا طلَّقتك، فأنتِ طالقٌ قبله 382 طلقتين، وهي غير مدخول بها فطلَّقها لم يقع على الأوَّل شيْءٌ.
وعلى الثاني يقع ما نجزه وإن كانتْ مدخولاً بها، وقعَتْ طلقتان.
ولو قال: إن آليتُ عنْك أو ظاهرْتُ، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً، فإذا آلى أو ظاهر، لم يقع الثلاث قبله، وإلا فتكون مبتوتةً، ويلغو الإيلاء والظِّهار، ويمكن أن يقال؛ تفريعاً على أن ألْفَاظ العُقُود تَقَعُ على الصحيح منْها والفَاسِدْ يقع على الثلاث قبْل الإيلاء والظهار، وان كانا فاسِدَيْن وإن لم يقع الثلاث منْهما، ففي صحَّة الإيلاء والظهار والوجْهَان إن صحَّحنا الدَّوْر لم يصحَّا, [وإن أوقعنا] الطلاق المنجَّز، صحَّا، وكذا الحكم لو قال: إن لاَعَنْتُ عنكِ أو حلَفْتُ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً أو قال للرجعية إن راجَعْتُك، فأنتِ طالقٌ قبله طلقتين أو ثلاثاً ولو قال: إن فسخت [النكاح] 383 بعيبك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، [وإذا] 384 وجدَ منْه التصرُّف المعلَّق علَيْه، ففي نفوذه الوجْهَان، ذكَرَه الشيخ أبو عليٍّ والقاضي الحُسَيْن والأئمة.
ولو قال إن فسختُ النكاح بعيبي أو بعيبك، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً أو قال: إن استحققت الفساخ بذلك أو بالإعسار بالنفقة أو إن استقر مهرك بالوطء، أو استحققت الطلاق في الإِيلاء، فأنتِ طالقٌ قبْله ثلاثاً [ثم] 385 فسخت أو وجدت الأسباب المثبتة لهذه الاستحقاقات، فينفذ الفَسْخ ويثب الاستحقاقُ، ولا تقول بإلغائها وإبطالها، للتعليق الدائر، وإن قُلْنَا على الوجْه بإلغاء الطلاق المنجَّز للتعليق الدائر، والفرق أن هذه

الجزء: 9 - الصفحة: 113

فُسُوخ وحقوقٌ تثبت عليه قهراً ولا تتعلق بمباشرته واختياره، فلا يصلُحُ تصرُّفُه دافعاً لها ومبطلاً لِحَقِّ الغير، والطلاق يتعلق بمباشرته واختياره، فجاز أن يندفع بالتعليق الَّذي يتعلَّق باختياره، وأيضاً فليس من ضرورة النِّكاح أن ينفُذَ فيه الطلاق، ومن ضرورة أسباب الأحكام المذكورة ثبوت هذه الأحكام، كذلك ذكَر الجَوابَ في هذه الصُّور صاحبُ الكتاب في "غاية الفور" وتابعه غَيْرهُ ومشهُور أنَّه لو قال: إن انفسخ نكاحُكِ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم ارتد أو اشتراها، ينفسخ النكاح، ولا يقع الطلاق، ولا نقول بامتناع الانفساخ؛ للتعليق الدائر، وإن قلنا بامتناع الطلاق للتعليق الدائر لوجهين: أحدهما: أن الانفساخ حكم قهريٌّ لا اختيار له فيه، والطلاق 386 يتعلَّق باختياره، والاستحالة جاءت من اليمين الدائرة المتعلقة باختياره، وتسليطُ اختياره علَى دَفْعِ ما ثبت باختياره أهونُ من تسليط اختياره عَلَى دَفْع ما ثبت قهراً بِحُكْمِ الشرع.
والثاني: [أن] 387 في الانفساخ عند الرِّدَّة والشراء حقُّ الشَّرع كما [أن] 388 في الانفساخ عند فسخ المرأة: يجب الزَّوْج وسائر عيوبه حقّ المرأة وما يصْدُر منْه لا يصلُح أن ينهض مبطلاً لحق الغير، وإن جاز أن يكون مبطلاً لحقه، ذكر الوجهين هكذا في غاية الغَوْر، وقال: الَّذي نراه: أنَّه إذا قال إن آليتُ عِنكِ، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم آلى، يصح إيلاؤه، وكذا في اللِّعَان، وإن قلنا بأن التعليق الدائر يَمْنَع وقوع الطلاق وصحة الظهار، والفَرْق أن الإيلاء: يمين على الامتناع من الوطء، وذلك ينعقد في حقّ الأجنبية، واللعانُ يمين على نفْي النسب، وقد يُؤْتَى به في الموطوءة بالشبهة، وبعد الطلقات الثلاث لنفي النسب، فهما مستقلان منعقدان، وإن لم يكُنْ نكاح، لكن إذا صادف الإِيلاء النِّكَاح [أثبت المطالبة بالغي أو الطلاق، وإذا صادف اللعان النكاح وجب التفرقة بينهما كالشراء المستقل بالانعقاد، وإن لم يكن نكاح فكما إذا اشترى زوْجَتَه تحكم بصحته وإفادته المِلْكَ، ولا نحكم بوقوع الطلاق، كذلك الإِيلاء واللعان ينبغي أن ينعقد إنعقادَهُما في حق الأجنبية، ثم إذا تعرَّض لوجوب الكفارة لوَ وطئها، سلَّطَها ذلك على المطالبة، بالفيئة أو الطلاق، كما تسلطها عنته عَلى الفَسْخ، وإذا انعقد اللعان، ترتبت الفرقة عليه ترتبها على الشراء، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الكتاب "إن آليْتُ" بالواو؛ لأنه أراد بقوله: "ومِنَ الدَّوْرِ أن يقول إن آلَيْت" إلى آخر أن نفوذ هذه التصرفات على الخلاف في نفوذ الطَّلاق، وعلى ما اختاره ينفُذ الإِيلاء بلا خلاف، كما ينفذ الانفساخ، وفسخها بعنته.

الجزء: 9 - الصفحة: 114

ولو قال: إن وطِئْتُك وطْئاً مباحاً، فأنتِ طالقٌ قبله، ثم وطئها لم تُطلَّق قبله؛ لأنها لو طُلِّقت، لخرج الوطء عن كونه مباحاً، ولا فرق بين أن يذكر الثلاث في هذه الصورة أو لا يذكر، قال الإِمام وغيره ولا يجيْء في هذه الصورة خلافٌ؛ لأن موضع الخلاف ما إذا انحسَمَ بتصحيح اليمين الدائرة بابُ الطلاق أو غيره من التصرفات الشرعية، وها هنا لا ينحسم باب الطلاق، ولو قال إن طلقتُكِ طلقةً رجعيَّةَ، فأنتِ طالقٌ قبلها ثلاثاً، أو اثنتين وطلقها 389 واحدةً، ففيه الخلاف؛ لأنَّه وقع قبلها ثلاث أو اثنتان لما كانت رجعية، ولو طلقها ثلاثاً أو خالَعَها أو كانت غيْرَ مَدْخُول بها، فطلقها واحدةً أو اثنتين، وقَع ما أوقع؛ لأنه إنما علَّق الثلاث بالطلقة الرجعية، وفي هذه الصورة ما أوقعه ليس برجعيٍّ، ولو قال إن طلقت طلقة رجعيَّةً، فأنت طالقٌ قبلها واحدةً، فطلقها واحدة، وهي مدخولٌ بها، فلا دَوْر، وتُطلَّق طلقتين، ولو قال للمدخول بها: متى طلقتك طلاقاً رجعيّاً فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ولم يقِل "قبله" ثم طلَّقها، فعن ابن سُرَيْجٍ أنَّه قال الذي كتابه "الغُنية" لا يقع المنجز ولا المعلَّق؛ لأنه لو وقع المنجز، لوقع الثلاث، وإذا وقع الثلاث لم تُثبت، فلا يكون الطلاق رجعيّاً، وإذا لم يكن الطلاق رجعيًّا، وجب أن لا يقع الثلاث، قال الشيخ: أبو عليٍّ، هذا غَلَطٌ من ناسخ أو ناقِلٍ، وابن سُرَيْج أجلُّ من أن يقول ذلك، بَلْ يقع الثلاث، ولا دوْر؛ لأنه إذا طلق واحدةً، كانت رجعيةً، ثم يترتب عليها طلقتان، فتقع الرجعة.
نعم، لو قال: إذا طلقتك طلقةً رجعيةً فأنتِ طالقٌ معها ثلاثاً، فإذا طلَّقها، خُرِّج ذلك على وجهَيْن، بناءً على الوجهين فيما إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً معها طلقةٌ، تقع طلقتان أو طلقة، إن قلنا: يقع طلقتان معاً، فما هنا لا يقع شيْء على تصحيح الدَّوْر؛ لأن المعلَّق إذا وقع مع الواحدة لا يكون الواحدة رجعيَّة وإن قلْنا: لا يقع هناك إلا واحدة، فهاهنا تقع الثلاث، كما لو لم يقُلْ معها؛ لأنَّه لا حالة تَعْرِض فيها الرجعة، بل كما: يقع الواحدة تقع الثلاث، وقوع الثلاث يَمْنَع كون الواحدة رجعيةً، فِإن قلْتَ: قد عَرَفْتُ جميع ذلك، فما الأظهر من الخلاف في مسألة الدَّوْر؟ والفتوى وُقُوع الطلاق، أو انحسام البَاب، فاعْلَمْ أن الأصحاب متحزِّبون فيه، واختيارهم مختلفٌ، فالمشهور عن ابن سُرَيْج؛ أنَّه لا يقع الطلاق، وبه اشتهرت المسألة بـ"السُّرَجِيَّةِ" وإليه ذهب أبو بَكْرِ بْنُ الحدَّادِ، وأيضاً القفَّالان، والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيِّب، واختاره الشيخ أبو عليٍّ وأبو إسحاق الشيرازيُّ، وعن المزنيِّ، وبه أجاب في "المنثور" ورأيْتُ في بعض المعلَّقات أن صاحب الإِفْسَاح حكَاه عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- وذَكَر أنَّه مذهب زيْدِ بْنِ ثابِتٍ -رضيَ الله عنه- وذهب أبو عبد الله

الجزء: 9 - الصفحة: 115

الختني إلى الوجه الثالث، وهو وقُوع الثلاث إذا نجّز واحدة، وحكاه في "التهذيب" عن أبي بكر الإِسماعيلي.
وأما الوجه الثاني، وهو وقوع المنجز في قول صاحب "التلخيص"، والشيخ أبي زَيْدٍ، ومذهب أبي حنيفة واختاره ابن الصباغ، وصاحب "التتمة" والشريف ناصر العمري -رحمهم الله- وإيانا، وحكاه القاضي أبو الطيِّب عن ابن سُرَيْج في زيادات الطلاق، ولصاحب الكتاب قَدَّس الله رُوحَهَ في المسألة تصنيفان مطوَّلٌ في صحيح الدَّوْرِ، وسماه "غاية الغَورْ في دَرايَةِ الدَّوْر ومختصرٌ في إبطاله وسماه "الغَوْر في الدَّوْر" رجع فيه عن التصحيح، واعتذر عما سَبَق منْه، ويشبه أن تكون الفتْوَى به أولَى، وذكر القاضي الرّويانيُّ بعد اختيار التصحيح؛ أنَّه لا وجه لتعليم العوامِّ المسألة، لفساد الزمان 390 ومما احتجوا به للبطلان وجْهَان مشبهان 391 من أصْل واحد: أحدهما: قال صاحب الكتاب: لفظ الدَّوْر يشتمل على المُحَال، فوجب إلغاؤه، ووجْه اشتماله على المحال قولُه "إن طلَّقتك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً" تعليقُ " ثلاث" موصوف بقبلية رابعٍ، وقوله: لغير المدخول بها، إن طلقتك، فأنتِ طالقٌ قبله" تعليقُ طلاقٍ موصوفٍ بقبلّيةِ طلاقٍ آخَرَ، ووقوعُ ثلاثٍ موصوفةٍ بقبلية رابع محالٌ، وكذا وقوعُ الطلاقِ موصوفٌ بالتقدم على طلاق آخر في حقّ غيْر المدخول بها، وإذا كان كذلك وجَب أن يبطل تعليقه، كما يبطل، تنجيزه، فإنه لو قال لغَيْر المدْخُول بها: أنتِ طالقٌ طلقةٌ قبل طلقة، لا يعتبر كلامُه، ولا تقع طلقتان كما ذكروا، والكلام في أنَّه يلْغُو بالكلية، أو يلغو القَدْر الذي يجيْء، منه الاستحالة، وهو قوله قبل طلقة كذلك، هاهنا لا ينْبَغِي أن يصحَّح التعليق، ويرد الكلام إلى أنَّه يلغو مطلقاً، فيقع المنجَّز أو يحذف قولة: "قبله"، حتَّى يقع المنجز وتتمة الثلاث من المعلَّق.
والثاني: قال الشيخ الإِمام أبو الفتح العِجْلِيُّ؛ تصحيح الدَّوْر يلزم منه المُحَال فلا يصار إليه ووجْهه أن يلزم منْه تملك أربع طلقات؛ لأن قوله: "إن طلقتك" إما أن يريد به التلفظ بالطَّلاق أو الطلاق المعتبر؛ إن أراد الأول لم تكُن ذلك صورة الدَّوْر، فإنه لو قال: مهْما تلَفَّظْت بلفظ الطَّلاق، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم تلفظ، يقع الثلاث لا محالة، فتعين 392 أن يكون المرادُ الطَّلاقَ المعتبر، وإنما معتبر إذا كان الشَّخْص مالكاً له والثلاث المعلَّقة غير تلك الواحدة، فإن الشَّرْط غير الجزاء، ولا بدّ وأن يكون مملوكاً، ليصحَّ التعليق؛ ألا ترى أنَّه لا يصحُّ تعليق طلاق امرأةٍ سينكحها؛ لأنه لا يَمْلِك طلاقَها،

الجزء: 9 - الصفحة: 116

فظَهَر أنَّه يلزم من تصحيح هذا التعْلِيق تمْليك أربع طلقات، وهو مُحَال فيلغو.
فُرُوعٌ: إذا صحَّحنا الدَّوْر، فلو قال: مهما وقع طلاقٍ على حفصة، فعمرة طالقٌ قبله ثلاثاً، ومهما وقع طلاقي على عمرة، فحفصة طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم طلَّق واحدة منهما، لم تطلَّق ولا صاحبتُها؛ لأنها لو طُلِّقَت، لطُلِّقت الاْخرى قبلها ثلاثاً، ولو طُلِّقَت الأخرى قبلها ثلاثاً، لطُلِّقت هذه قبلها ثلاثاً، ولو كان كذلك، لَمَا وقعت هذه الطلقة، لكن لو ماتت 393 عمرة ثم طُلِّقت حفصة طُلِّقت؛ لأنه لا يلزم والحالَةُ هذه مَن إثبات الطَّلاق نفيه 394 ولو قال رَجُل لآخر: مهما وقَع طلاقك على زوْجتك، فزوجتي طالقٌ قبله ثلاثاً، وقال المقُولُ له للقائِلِ مثل ذلك، لم يقع طلاق واحد منهما على زوجته، ما دامت زوجة الآخر في نكاحه، ولو قال لامرأته: متى دخلْت الدار، وأنتِ زوجتي، فعَبْدِي قبله حُرٌّ، وقال لعبده متى دخَلْتَ الدار، وأنتَ عَبْدِي، فزوجتي طالقٌ ثلاثاً قبله، ثم دَخَلا الدَّار معاً، لم يُعْتَق العبد، ولم تُطَلَّق المرأة؛ لأنه لو حصل العتْق والطلاق، لحصلا معاً قبل الدخول، ولو كان كذلك، لم يكُن العبد عبْدَه وقْت دخوله، ولا المرأة زوجته فلا 395 تكون الصفة المعلَّق عليها حاصلةً، قال الإِمام وأبو زيد: لا تَخَالُفَ في هذه الصُّورة لأنَّه ليس فيها 396 سدُّ باب التصرف، فلو دخلت الدار أولاً ثم العبد عتق العبْدُ لأنها دخَلَت وهي زوجته، ولم تُطلَّق هي؛ لأنه حين دَخَل، لم يكن عبْداً له، فلم تحْصُل الصفة المعلَّق عليها الطلاق، ولو دخل العبد أولاً، ثم دخلَتِ المرأة، طُلِّقَت المرأة، ولَمْ يُعْتَق العبد، ولو قال لها: مَتَى دخلْتِ الدار، وأنتِ زوجَتِي، فعبْدِي حُرٌّ، وقال للعبد: متى دخلتها، وأنت عبْدِي، فزوجتي طالقٌ، ولم يقل في الطرفين "قبله"، فدخلا معاً، عتق العبد، وطُلِّقت المرأة؛ لأن كل واحدٍ منهما عنْد الدخول بالصفة المشروطة، ولو دخلَتِ المرأة أولاً، ثم العبد أو بالعكس، فالحُكْم كما في الصورة السابقة لا تختلف.
في تصويرات ابن الحدَّاد، إذا قال لامرأته: متى أعتقت جارِيَتِي هذه، وأنت زوْجَتِي، فهي حُرَّة، ثم قال مَتَى أعتقتها، فأنتِ طالقٌ قبل عتقك إيَّاها بثلاثةَ أيام، ثم أعتقها قبْل مضيِّ ثلاثة أيام، فتعتق الجارية؛ لأنه أعتقها، وهي زوجةٌ له، ولا تُطلَّق المرأة؛ لأنه أوقع الطَّلاق قبْل العتق بثلاثة أيام، ولو أوقعنا الطَّلاق قبْل العِتْق بثلاثة أيام، لقدمناه على اللفظ، وذلك مما لا سبيل إلَيْه، وإن أمهلْت ثلاثة أيام، ثم أعتقها ,لم تعتق؛ لأنه إنما أَذَن لها في العِتْق بشرط، أن تكون زوجةً له، وبهذا الشرط علق 397 العِتْق [قد] 398

الجزء: 9 - الصفحة: 117

وعلق الطَّلاَق بثلاثة أيام قبْل العتق، فلو نفذ العتْق، لوقع الطلاق قبْلَه بثلاثةِ أيَّام، ولو كان كذلك لم تكُنْ زوجةً، وإذا لم يحْصُل العِتْق لا يقع الطلاق أيضاً، لأنَّه معلَّق به والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّانِي في فُرُوعِ التَّعْلِيقَاتِ): فَنَذْكُرُهَا أَرْسَالاً، وَجُمْلَةُ نَظَرِنَا في تَحْقِيقِ الصِّفَاتِ إِذَا عُلِّقَ عَلَيْهَا، فَلْنَذْكُرِ الصِّفَاتِ حَتَّى لاَ نُطَوِّلَ فَنَقُولُ، تَعْلِيقُ الطَّلاَقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْسَ حَلِفاً سَوَاءٌ كَانَ بِصِيغَةِ إِنْ أَوْ إِذَا، وَبالأَفْعَالِ حَلِفٌ بِالصِّيغَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ أن الكلام في التَّعْليقات قسمان فصول، وقد انصرمت وفروع وهي التي نشرعُ فيها الآن، ولمّا كان مُعْظَم الغَرَض فيها البَحْثَ عن الصفات المعلَّق عليها، وأنها بم تحصل كقولنا: إن الحَلِفَ بالطلاق، بم يحصل، وأن البشارة ما هي؟ أثراً للإِيجاز، فلم يتكرَّر لفظِ التعليق بالحَلِف بالبشارة وغيرها، وتكلَّم في الصفات، وهذا مَعْنَى قوله: "وجملَةُ نَظَرِنا .. " إلى آخره.
وقوله: "أَرْسَالاً" أي متتابعةً، نوعاً بَعْد نَوْع، يقال: جاءت الخيل أرسالاً أو قطيعاً واحدها رسل وهو القطيع من الإِبل والغَنَم وغيرهما من الفروع.
وقال ابن سُرَيْج، وتابَعَه مُعْظَم الأصحاب: الحَلِفُ ما يتعلَّق به منع من الفِعْل أو حَثّ عَلَيْه أو تحقيق خبر وجلب تصديق، فإذا قال إن حلَفْت بطلاقك، فأنْتِ طالقٌ، ثم قال لها: إذا طلَعَتِ الشمس، أو جاء رأس الشَّهْر، فأنتِ طالقٌ، لم يقَع الطلاق المعلَّق بالحَلِف بالطلاق؛ لأنَّه ليس في هذا التعليق مَنْع، ولا حَثَّ، ولا غَرَض تحقيق، وكذا لو قال إذا حِضْتِ أو ظَهُرْتِ أو إذا شئت فأنتِ طالقٌ، ولو قال: 399 بعد التعليق بالحلف، إن ضَرَبْتُك، أو 400 إن كَلَّمْتِ فُلاناً أو إن خرجْتِ مِنَ الدَّار أو إن لم تَخْرُجي، أو إن لم تفعلي 401 كذا، أو لم يكُنْ هذا كَما قُلْت، فأنتِ طالقٌ، وقع في الحال الطلاق المعلّق بالحلف، فإن هذا حلفٌ ثم إذا وُجِدَ الضَّرْب أو غيره ممَّا علَّق عليه، وقَعَت طلقة أخرى، إن بقيت في العِدَّة، ولو قال: إن قدم فلان، فأنت طالقٌ، وقَصَد منعه، وهو ممن تخلفه، فهُوَ كقوله: إن دخَلْتِ الدار، وكذا لو قال الزوج: طلعَتِ الشمسُ فكَذَّبَتْهُ المَرْأة، فقال: إن لم تَطلعْ؛ فأنت طالقٌ؛ لأن غرضه هاهنا التَّحْقيق، وحملُها على التصديق، فهُو حَلِفٌ، وإن قَصَد بقوله: "إن قدم فلانٌ" التأقيت أو كان فلان ممن لا يمتنع تحلفه كالسلطان، أو قال: إذا قدم الحجيج، فأنْتِ طالقٌ، فهذا ليس بحَلِفٍ وما جعلْنا التعليق [به] 402 حلفاً، فلا فَرْق فيه بيْن أن يعلق بصيغة "إن" أو صيغة "إذا"، اعتباراً بأنَّه موضع المنع، والحَثّ، والتصديق، وفيه وجْه أنَّه إذا علَّق بصيغة "إذا" لم

الجزء: 9 - الصفحة: 118

يكن حلفاً بل كان محض تأقيت، فإن "إذا" ظرفُ زَمَانٍ، وما لم يجعل التعليق به حلفاً 403، كطلوع الشمس وقدوم الحجيج، فلا فَرْق فيه بين التعليق بصيغة "إذا" وبصيغة "إن" وفيه وْجه أنَّه إذا علَّق بصيغة "إن" كان حلفاً؛ لأنه صَرَفه عن التأقيت بالعدول عن كلمة التأقيت، وهي إذا والظاهر التسوية، وقال أبو حنيفة، وأحمد: التعليقُ بالطُّلوع ونحوه حَلِفٌ؛ كالتعليق بالدخول ونحوه إلا في قوله: إذا حِضْتِ، وإذا طَهُرْتِ إذا شئت فأنْتِ طالقٌ، وحكى الفورانيُّ وجهاً من غير استثناء، فليعلَّم لذلك قوله في الكتاب "ليس حَلِفاً" بالحاء، والألف، والواو، وقوله: "بصيغة إن" بالواو وكذا قوله: "بالصيغتين" 404. ولو قال: إن أقسمتُ بطلاقك، أو إن عقَدتُّ يميني بطلاقك، فأنْتِ طالقٌ، فهو كقوله: إن حلفت بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، وإن قال إن لم أحلف بطلاقك أو إذا لم أحلِفْ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، فالحُكْم كما سَبَق في التعليق في طَرَف الإثبات والعبارة المشهورة على الجواب الظَّاهر انَّ [إنْ] لا تقتضي الفَوْر والبِدار إلى الحَلِف، و"إذا" تقتضيه، فلو قال إذا لم أحلف بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد ذلك مرَّة ثانية وثالثة، نُظِرَ؛ إن فَصَل بيْن المرات بقدر وما يمكن فيه الحلف بطلاقها، وسكت فيه، ولم يحلف عقب المرة الثالثة، وقعت الطَّلقات الثلاثة، وإن وصل بيْن الكلمات لمْ يَقَع بالأولى والثانية شيْءٌ ويقع بالثالثة طلقةٌ، وإذا لم يَحْلِف بعْدها بطلاقها ,ولو قال: كلما لم أحْلِفْ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ومضى من الزمان ما يمكنه أن يحْلِفَ فيه، فلم يَحْلِفْ، وقعت طلقة، فإذا مَضَى مثْل ذلك، ولم يَحْلِف وقعَتْ ثانية، وكذلك الثالثة، ولو قال: إن حَلَفْتُ بطلاقك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد هذا القول مرة ثانية وثالثة ورابعة، فإن كانَتِ المرأة: مدخولاً بها وقعت بالمرة الثانية طلقةٌ؛ لأنه حَلَف بطلاقها، وتحل اليمين الأولى، ثم تَقَع بالثالثة طلقة بحكم اليمين الثانية وتحل الثانية، وتقع بالرابعة طلقةٌ، بحكم اليمين الثالثة، وتنحل هي، وتكون الرابعة يميناً مُنْعَقِدةً حتَّى يقع بها الطلاق، وإذا حَلَف بطلاقها في نكاح آخَرَ، إن قلْنَا يعود الحنث بعد الطَّلقات الثلاث، وإن لم يكُنْ مدخولاً بها، فتقع طلقة بالمرة الثانية وتبين وتنحل الأولى والثانية يمين منعقدة، وفي ظهور أثرها في النِّكَاح المجدّد الخلافُ في عَوْد الحَنِث، والثالثة والرابعة واقعان في حال البينونة لا ينعقدان، ولا ينحل بهما شيْء ومثله لو قال: لغَيْر المدخول بها: إن كَلَّمْتُك، فأنْتِ طالقٌ، وأعاد ذلك مراراً، فتقع طلقة بالمرة الثانية، وهي يمين منعقد، وتنْحَلُّ بالثالثة؛ لأن التعليق هاهنا بالكلام، والكلام قد يَقَع في حال البينونة وهناك التعليق بالحَلِف بالطلاق، والحَلِف بالطَّلاق لا يتحقَّق في حال البينونة.

الجزء: 9 - الصفحة: 119

وقال أبو حنيفة في مسألة الكلام لا تنعقد اليمين الثانية؛ لأنها تَبينُ بقوله: "إن كَلَّمْتُك" فيقع قوله: "فأنتِ طالقٌ" في حال البينونة وتلغو الثالثة والرابعة، وبهذا قال سَهْل الصعلوكي، ووجَّه الأول بأن قوله "إن كلمتك فأنتِ طالقٌ" كلامٌ واحدٌ؛ فلا يُفْصَل بعضُه من بعض.
ولو قال لامرأتيه: إذا حَلَفْتُ بطلاقكما، فأنتما طالقان، وأعاد هذا القَوْل مراراً، فإنْ كان قدْ دخل بهما، طُلِّقَتا ثلاثاً ثلاثاً، وان لم يدْخُل بواحدة منهما، طُلِّقَتا طلقةً طلقةً وبانتا وفي عوْدِ الحَنثِ باليمين الثانية الخلافُ، وان كانت إحداهما مدخولاً بها دون الأُخْرَى فبالمرة الثانية تُطلَّقان جميعاً، وتبين غير المدخول بها، وبالمرة الثالثة لا تُطلَّق واحدة منهما، أما الَّتي بانت فظاهر، وأما الأخرى؛ فلأن شَرْط طلاقها الحَلِفُ بطلاقهما جميعاً، والثانية لا يصحُّ الحلف بطلاقها، فإن نَكَح التي بانت، وحلف بطلاقها وحْدها، طُلِّقت المدخول بها إن راجعها، أو كانَتْ في عدة الرجعة، لأنَّه حَصَل الشرْط، وهو الحَلِف بطلاقها، وهل تُطلَّق هذه الَّتِي جدد نكاحها؟ فيه الخلاف في عَوْد الحَنِث.
ولو قال لامرأتيه: إذا حلفْتُ بطلاقكما، فعَمرَةٌ منْكما طالقٌ، وأعاد ذلك مراراً، لم تطلَّق عمرة؛ لأن طلاقها معلَّق بالحَلِف بطلاقهما، وهذا حلف بطلاقها وحْدها، وكذا لو قال بعْد التعليق الأول: إن دخلتما الدَّار فعَمْرة طالقٌ، فإنما تطلَّق عمرة، إذا حلف بطلاقهما مَعاً؛ إما في يمين واحدةٍ أو في يمينين، وذلك مثْل أن يقْول بعد التعليق الأوَّل: إن دخلْتما الدَّار فأنتما طالقتان أو يعيد التعليق الأول، ويقول للأخرى: إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ.
ولو قال: إِن حلَفْتُ بطلاقكما فإحداكما، طالق، وأعاد ذلك مراراً، لم تطلَّق واحدة منهما، فإن قال بعْد ذلك: إن حلَفْتُ طلاقها فأنتما طالقتان، طُلِّقت بإحداهما بموجب التعليق الأول، وعليه البيان، ولو قال: إن حلَفْتُ بطلاق إحداكما، فأنتما طالقتان، وأعاد مرَّة ثانية، طُلِّقتا جميعاً؛ لأن طلاقهما هاهنا معلَّق بالحلف بطلاق إحداهما ,ولو قال: أيما امرأة لم أحْلِف بطلاقها منْكما، فصاحبتها طالقٌ، قال صاحب "التلخيص" إذا سكت ساعةً يمكنه أن يحلف فيها بطلاقهما طلقتا، قال الشيخ أبو عليٍّ: قد عرضْتُ المسألة على القفَّال، وشارحي "التلخيص" فصوَّبوه، والقياس أن هذه الصيغة لا يَقْتَضِي الفَوْر، وأنه لا يقع الطَّلاق على واحدة منهما بالسكوت إلى أن يتحقَّق اليأس عن الحَلِف بموته، أو موتهما؛ لأنَّ قوله "أيّما امرأة" لَيْس فيه تعرّض للوقت، بخلاف ما إذا قال: "أي" وقت أو"متى" لم أَحْلِفْ" وتابعه الإِمام وغيره على ما ذَكَره واستبعدوا جوابَ صاحب "التلخيص" 405 والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 120

ولا يخفى بعْد الوقوف على الشَّرْح أنَّ قوله في الكتاب "وبالأفعال حَلِفٌ بالصيغتين" ليس المراد منْه جميعَ الأفعال؛ لما تبيَّن أن قدوم السلطات ونحوه، كطلوع الشمس ومجيْء الشهر والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَبأَكْلِ رُمَّانَةٍ يَحْنَثُ فِي التَّعْلِيقِ بِهَا وَبِنِصْفِ رُمَّانَةٍ، وَالبِشَارَةُ هِيَ الخَبَرُ (ح) الأَوَّلُ، وَالكَذِبُ خَبَرٌ كَالصِّدْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور: إحداها: لو قال: إن أكلْتِ رمَّانةً، فأنتِ طالقٌ، وإن أكلْتِ نِصْفَ رمَّانة، فأنْتِ طالقٌ، فأكلَتْ رمانة، طُلِّقَت طلقتين، لحصول الصفتين، فإنها إذا أكلَتْها، فقَدْ أكلت رمَّانة، وأكلت نصْف رمَّانة، ولو كان التعليقان بصيغةِ "كلما" [بأن يقول كلما أكَلْتِ رمَّانةً] طُلِّقَت ثلاثاً؛ لأنها أكلت رمانةً، وأكلت نصْف رمانة مرتين.
وقوله في الكتاب: "وبِأَكلِ رمَّانةِ يَحْنَث في التَّعليقِ بهَا، وبِنِصْفِ رمَّانَةٍ" أي بأكلها وبأكل نصف رمانة.
الثانية: تحْته امرأتان وأكثر، فقَال: من بشرتني منكما أو منكن بكذا، فهي طالقٌ، فبشَّرتْه واحدةٌ بعْد واحدةٍ، طُلِّقَت الأولى دون الثانية؛ لأن اسم البِشَارة يقَع على الخَبَر 406 الأوَّل، ولو أنَّه شاهد الحال قبْل أن يخبر، فأتت البشارة، ولو بشَّره أجنبيٌّ، ثم ذكَرَتْ له واحدةٌ منهما لم تُطلَّق، وفي "الإِبانة" للفوراني وجْه آخر؛ أن البشارة لا تختص بالخَبَر الأوَّل، وأن الحُكْم فيه كما سنَذْكُر فيما إذا قَال: منْ أخْبَرَنِي منْكما بكذا، ولو بَشَّرتْه امرأتان معاً، فالمنقول أمنهما تُطلَّقان، وقد يفهم من قوله: "مَنْ بشَّرني منْكما" استقلال الواحدة بالبشارة، وكذلك يَصْدُق أن يقال: ما بشَّرَتْه حفصة ولا عمرة، وإنما بشَّرته زينب، ولو قال: مَنْ أكَل منكما هذا الرغيف، فأكَلَتَاه، لَمْ يُطلَّقا 407، = ذكر صاحب التلخيص ما نصه قال الشيخ -يعني القفال- هذا غلط لا يخرج على أصل الشَّافعي.
والجواب فيها على أصل الشَّافعي أنَّه إذا مات ولم يحلف بطلاقها، طلقت قبيل الموت طلقة.

الجزء: 9 - الصفحة: 121

ويُشْترط في البشارة الصِّدْق، ولا يسمى الخبر الكاذب بشارةً، فلو قالَتْ واحدة: كان كذا، وهي كاذبةٌ [ثم] 408 ذكرته الثانية، وهي صادقة، تُطَلَّق الثانية دون الأولى، والبشارة تحْصُل بالكتابة، كما تحْصُل بالقَوْل، ولو أرْسَلَتْ رسولاً، لم تُطلَّق؛ لأن المبشر هو الرسول قاله فيه "التهذيب".
الثالثة: لو قال: من أخبرني منْكما بكذا، فهي طالقٌ، فلفظ الخبر يقَع على الصِّدْق والكذب معاً، ولا يختص بالخبر الأوَّل، فإذا أخبرناه صادِقَتَيْن أو كاذبَتَيْن على الجميع أو على الترتيب، طُلِّقَتَا جميعاً، ولا فَرْق بين أن يقول: من أخبرني منْكما بقدوم زيدٍ وبين أن يقُولَ: من أخبرني منْكما أن زيْداً قدم أو بأن زيداً قدم، وفيما إذا قال مَنْ أخبرني بقدوم زيْد وجْهٌ آخر؛ أنَّه لا يقع الطلاق، إذا أخْبَرْته كاذبةً، وهو الذي أورده الفورانيُّ، ووجَّهه في "التتمة" بأن الباء للإلصاق، وذلك يقتضي حُصُول القدوم، وصيرورته شرطاً في الإِخبار، كما لَوْ قال: مَنْ أخبرني عَنْ كذا بالعربية، يُشْتَرط العربية في الخبر، وهَذَا يقتضي أن يكون قوله: "من أخبرني بأن زيداً قدم" كقوله "بقدوم زيد" لوجود حَرْف الإِلصاق، لكنَّ الفوراني فَرَّقَ بيْن أن يقول "بقدوم زيد" لوجود حرْف الإِلصاق وبيْن أن يقول: "بأن زيداً قدم" مع وجود حرف الباء فيهما، قال صاحب الكتاب في "البسيط": كأنَّه يتخيَّل أن قوله: "من أخبرني بأن زيْداً قدم" معناه من قال: إنَّه قدم، والظاهر الأول والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا قَالَ: يَا عَمْرَةُ فَأَجَابَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: حَسِبْتُ عَمْرَةَ طُلِّقَتْ حَفْصَةُ ظَاهِراً وَفِي عَمْرَةَ تَرَدُّدٌ إِذْ لَمْ يَجْرِ مَعَها إلاَّ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْته امرأتان عَمْرة وحَفْصة، فقال: يا عمرة، فأجابته حفْصة، فقال: أنتِ طالقٌ، فَيُرَاجَع ويُسْأل عن قَصْده، فإن قال: حَسِبْت أن المجيبة عمْرة، وعندي [أنها] 409 التي أوَجِّهُها بالطلاق، لم تطلَّقْ عمرة؛ لأنه ناداها, ولم يخاطبْها بالطلاق وإنَّما ظَنَّ أنَّهُ يخاطِبها بالطَّلاق، وظَنَّ الخطاب بالطلاق لا يوجب وقوع الطلاق؛ ألا تَرَى أنَّه لو قال لواحدة من نسائه: أنت طالقٌ، وهو يظُنَّ أن المخاطبة غيرها، يقع الطلاق على المخاطبة دون المظنونة، ولو قال للأجنبية: أنت طالقٌ، وهو يظُنَّ أنها زوجته، لا يقع الطلاق على زوجته، وأمَّا حفْصة المواجهة بالطَّلاق، ففيها وجهان: أصحهما: أنْها تُطلَّق؛ لأنه خاطبها بالطلاق وهي زوجته.
والثاني: لا تُطلَّق، لأنَّه لم يَقْصِدْها، وإن واجهها في بعض الطرق ما يشير إلى أن

الجزء: 9 - الصفحة: 122

هذا الخلاف في الوقوع باطناً وأنه لا خِلاَف في أنَّها تُطلَّق ظاهراً، هذا هو الترتيب المشهور، وهو الَّذي ذكره ابن الحدَّاد وقال الإِمام لو قيل تُطلَّق حفْصة ظاهراً بلا خلاف، وفي عمرة وجهان؛ لأنَّها المقصود بالطلاق، لكان محتملاً، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، وترك الطريقة المشهورة، ويجوز أن يعلَّم قوله: "طُلِّقَت حفصة" بالواو، وكذا لفظ التردُّد في قوله: "وفي عَمْرَةَ تَردُّد"؛ لأنها لا تطلَّق جزماً على المشهور، وقوله: "ويُحْتَمَل أن يقَعَ عليها أيْضاً" حشْو؛ فإن التردُّد يعرف بالاحتمال، فلو قال: علمت أن التي أجابتني حفْصة دون عمرة الَّتي نادْيتُها، وهذه الحالة غير مذكورةٍ في الكتاب، فيُسْأَل عن التي قَصَدها بالطَّلاق، فإن قال قصدتُّ طلاق حفْصة المواجهة، دون عمرة الَّتي ناديتها، قُبِل قولُه، لاحتماله، وطلقت فطُلِّقَتْ حفصة دون عمرة؛ لأنه ربَّما ناداها لشُغْل آخر، فلما أجابتْه حفصة شغَلَهُ طلاقها عن جَوَاب عمْرة، وبتقدير أن يكون نداؤها للطَّلاق، فقد يَبْدُو له ألاَّ يطلِّقَها ويُطلِّق حفْصَة.
ولو قال: قصَدتُّ طلاق عمْرة دون حفصة المجيبةِ فتُطلَّق عمرة ظاهراً وباطناً؛ لأنَّه سمَّاها في النِّداء وأقر بأنه خاطبها، وأوقع الطلاق عليها، وتطلَّق حفْصَة في الظَّاهر أيضاً؛ لأنَّه واجهها بالطَّلاق، ولا يُقْبل قوله في دَفْعه عنْها ظاهراً، ولكن بُدَيَّن، وعن الشيخ أبي حامد وغيره وجْه آخر: أن حفْصَة لا تُطلَّق؛ لأن عنده الَّتي يخاطبها عمرة، ورأى الإِمام في هذه الحالة تفصيلاً فقال: إن جَرَى الزوج في كلامه، فَبَانَ بالأداء والإِيراد، أنَّه مسترسل في الكلام، وغير منتظر جواباً، ثم قال: أردتُّ عمرة، فلا تُطلَّق إلا عمْرة، وإن بأن بالأداء انتظارُهُ الجواب، فاتَّصل جواب حفْصة وربْط به قوله: أنتِ طالقٌ، فتُطلَّق حفْصة، ولا يظهر طلاق عمْرة، والحالة هذه، لكن إذا قال أردتها: يؤاخذ بقوله وتأثير الأداء والنغمة قد سَبَق نظيره، ولو كان النِّداء والجوابُ كما سَبَق، وقال بعد جواب حفصة: زينبُ طالِقٌ لامرأةٍ له ثالثةٍ، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق عمْرة ولا حفصة، ولو قال: أنتِ وزينب طالقان، فتطلَّق زينب لا محالة، ثم يُرَاجع، فإن قال: ظننتُ أن المجيبة عمْرة، لم تُطلَّق هي، وتُطلَّق حفْصة في أصحَّ الوجهين، وإن قال عَرَفْت أن المجيبة حفْصة، وقصَدت طلاقها، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق عمرة، ولو قال: قصدتُّ طلاق عمرة، طُلِّقَت عمرة ظاهراً وباطناً، وحفصة ظاهراً، على الجواب الظاهر، واعْلَم أن المسألة ليست من التعليقات في شيْء [لكن التزام ترتيب الكتاب اقتضى جعلها ههنا].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَالَ العَبْدُ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ مَاتَ سَيِّدِي فَأنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَقَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ تُحَرَّمْ بِالطَّلْقَتَيْنِ لِمُقَارَنَةِ العِتْقِ، وَقِيلَ: تُحَرَّمُ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلاَقَ زَوْجَتِهِ المَمْلُوكَةِ لأَبِيهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَنْفُذ لأَنَّهُ وَقتُ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالمِلْكِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَنْفُذُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 123

قَالَ الرَّافِعِيُّ.: فيه مسألتان؛ بينهما بعض التقارب، وكلتاهما من فروع ابن الحدَّاد: إحداهما: إذا قال العَبْد لزوجته إذا مات سيدي، فأنتِ طالقٌ طلقتين، وقال السيِّد لعبده: إذا متُّ، فأنتَ حرٌّ، فوقوع الطلقتين وعتْق العبد يتعلقَّان جميعاً بموت السيد، فإذا مات لم يحل، إما أن يحتمل الثلُثَ العبْدُ أو لم يحتملْه، إن لم يحتمله، فيُرَقُّ ما زاد على الثلث، ومَنْ بعْضه رقيقٌ كالقنِّ في عدد الطلقات، فإذا وقعت الطلقتان، لم تثبت له رجعة، ولم يكن له أن ينكحها حتَّى تنكح زوجاً غيره، وإن احتمله الثلث عتق العبد، وهل تحرَّم عليه فيه وجهان: أظهرهما: وهو جواب ابن الحدَّاد: أنها لا تحرم عليه، بل له الرَّجْعة وتجديد النكاح قبْل أن تنكح زوجاً غيْره؛ لأن العِتْق والطلاق وقعا معاً، ولم يكن رقيقاً بعْد وقوع الطلاق، حتَّى يحكم بالتحريم.
والثاني: أنها لا تحل 410 له إلاَّ بعْد زوج آخر؛ لأن العتق لم يتقدَّم وقوع الطلاق، فصار كما لو طلَّقها اثنتين، ثم عتق، ومن نصر الأول قال: العتق كما لم يتقدَّم، لم يتأخر أيضاً، وإذا وقع العِتْق والطلاق معاً، جاز أن يُغلَّب حكم الحرية، ألا تَرَى أنَّه لو أوصى لأم ولده أو لمدبره، والثلث يحتمله تصح الوصية؛ لأن العِتْق، واستحقاق الوصية متقاربان 411، فجعل كما لو تقدَّم العتق، ولا تختص المسألة بالتعليق بمَوْت السيِّد بل يَجْري الخلاف في كل صورة تعلَّق عتق العبد ووقوع طلقتين على زوجته بصفة واحدة، كما لو قال العبد: إذا جاء الغد فأنتِ طالق طلقتين وقال السيد: إذا جاء الغَدُ، فأنتَ حر ولو قال العبد لزوجته إذا عتقت فأنتِ طالقٌ طلقتين وقال السيد إذا جاء الغد فأنتِ طالقٌ إذا جاء الغدُ، فأنتِ طالقٌ طلقتين حر قال الشيخ أبو عليٍّ: إذا جاء الغدُ، عَتَقَ العبْد، وإذا أعتق طُلِّقَت زوجته وطلقتين، ولا تحرَّم عليه بحال؛ لأن العتْق تقدَّم وقوع الطلاق، ولو علَّق السيد، عَتَق العبد بموته، وعلق العبد الطلقتين بآخر جزء من أجزاء حياة السيِّد، انقطعت الرجعة لا محالة لأن الطَّلاق صادف حالة الرِّقِّ.
الثانية: من له نكاح الأمة، إذا نَكَح أمة مُورِّثه، كأبيه وأخيه وعمه، ثم قال لزوجته إذا ماتَ سيِّدُك، فأنتِ طالقٌ، فمات السيد والزوج يرثه، ففي وقوع الطلاق وجهان: أظهرهما: وهو جواب ابن الحَدَّاد: أنَّه لا يقع الطلاق، وذكر في "المهذب" أن ابن سُرَيْج قال به، ووجَّهه الشيخ أبو علي بمعنيين.
أحدهما: أن الطلاق قطَع النكاح فيستدعي قيام النكاح؛ ليصادفه الطلاق إذا مات

الجزء: 9 - الصفحة: 124

السيد، والزوج وارث تدخل في ملكه كلّها أو بعضها، وينفسخ النكاح، فوَقْت وقوع الطَّلاق وقْتُ حُصُول الملك وانفساخ النكاح، وإذا كان كذلك لا يقَع الطَّلاق، كما لو قال: أنتِ طالقٌ مع موتي، لا يقع الطلاق؛ لأنَّه وقْت زوال النكاح.
والثاني: أنه اجتمع المقتضي للانفساخ ووقوع الطلاق في حالة واحدةً؛ والجمعُ بينهما ممتنع فيُقَدَّم أقواهما، والانفساخ أقوى، [لأن الطلاق حكم يتعلَّق باختيار العبد وانشائه تصرفاً بوقعة، الأولى أقوى] ألا ترى أن حج من لم يحجَّ يقع عن 412 حَجَّة الإِسلام، لا عن النذر والتَّطَوُّع؛ لأن الوقوع عن حجَّة الإِسْلام تتعلَّق بالشرع، ووقوعه عن التَطوع والنذر يتعلَّق بإيقاعه عنْهما، وإذا اشترى قريبة، ونوى عِتْقَه عن الكفارة [لم يقع عن الكفارة] 413 لأن عتقه بالقرابة حكم قَهْرِيٌّ والعتق عن الكفارة يتعلَّق بإيقاعه واختياره.
والوجه الثاني: وبه قال الشيخ أبو حامد: أنَّه يقع الطَّلاق، ولا ينفُذ الانفساخ؛ لأن الموت يوجب ثبوت المِلْك للوارث، ثم المِلْكُ يوجب الانفساخ، فالانفساخ يترتب على ما يترتَّب على الموت، والطلاقُ يتَرتَب على الموتِ؛ فكان الطلاق سابقاً بمرتبة وأشير إلى انتزاع الوجهَيْن من القولَيْنِ المنقولَيْنِ فيما إذا قال: كلَّما ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، فولدَتْ ولداً بعْد ولدٍ، فعلى الأصح؛ لا يقع الطلاق؛ لمقارنة وقْته وقْت انفساخ النِّكاح، كما لا يقع هناك بالولد الثاني؛ لمقارنته 414 انقضاء العِدَّة، وعلى الثاني؛ يقع ويكتفي بمصادفته طرف النكاح كما يكتفي هناك بمصادفة طَرَف العِدَّة، وهذا إذا لم يكن على السيد دَيْن أو لم يكن ما 415 عليه من الدين مستغرقاً, وإن كان عليْه دَيْن مستغرقٌ، فكذلك الجواب على الصحيح؛ لأن الدَّيْن لا يمنع انتقال المِلْك إلى الورثة، وعلى الوجْه الذي يقول إنه يَمْنَع من [انتقال الملك إلى الوارث] ينفذ الطَّلاق، فإنْ أدى الورثة الدَّيْن من عندهم، بَانَ انتقال المِلْك إليهم، وعاد الخلاف في نُفُوذ الطلاق، ولو علَّق الزوج الطلاق كما ذكرنا [و] 416 قال السيد: إذا متُّ، فأنتِ حرَّةٌ، فإن كانت تخرج من الثلث، عتقت ونفذ الطلاق، وإلا عاد الخلاف في نُفُوذ الطَّلاق؛ لأن ما زاد على الثُّلُث يرثه الزوج أو بعضه، فإن أجاز 417 الزَّوْج، عتقها وكان جائز للإرث أو أجار سائر الورثة معه، إن لم يكن جائزاً، فيخرج على [أن] 418 إجازة الورثة تنفيذٌ أو ابتداء تصرُّف منهم؛ إن جعلْناه تنفيذاً، وقع الطلاق؛ لأنها لم تدْخُل في مِلْك الورثة، وان جعلْناه ابتداء تصرُّف منهم، فقد دخلَتْ هي في ملكهم، فيكون وقوع الطلاق على الخلاف، ولو

الجزء: 9 - الصفحة: 125

كاتبها السيد، ومات، قال الشيخ أبو عليٍّ: في وقوع الطلاق الخِلاف؛ لأن المكاتبة تورث، ولهذا تقول: لو مات وابنته تحْت مكاتبة، ينفسخ النكاح؛ لأنها ورثة بعْض الزوج، ولو لم يكن الزوج وارثاً لسبب من الأسباب، وقَعَ الطلاق، ولا انفساخ.
قوله في الكتاب "لم تُحرَّم بالطلقتين يعني الحرمة المحوجة إلى زوج آخر، بل له الرجْعة وتجديد النِّكَاح، وأما أصْل الحرمة، فلا شكَّ في حصوله، وقوله لمقارنة أي لمقارنة وقوع الطلاق، وقوله: "لأنَّه وقْت انفساخ النكاح بالملك" يعني وقْتَ وقوع الطلاق، وهو أول وقْت الانفساخ، ولا يقَع الطلاق مع الانفساخ، وهذا كما سبَق أنَّه لو قال لغير المدخول بها: إذا طَلَّقْتُك، فأنْتِ طالقٌ، فطلقها, لا تقع الطلقة المعلَّقة, لأن وقْت وقوعها هو أوَّل حال البينونة.
فرْع: قال الحرُّ لزوجته الأمة: إن اشتريتك، فأنتِ طالقٌ، وقال سيدها: إن بعتك، فأنتِ حرةٌ، ثم باعها من زوجها، فتعتق الجارية في الحال؛ لأن الوقت وقتُ خيار المجلس، فإن قلنا إن المِلْك في زمانِ الخيار للبائع أو قلنا: إنه موقوف، فالجاربة مِلْكه، وقد وُجِدَتِ الصفة المعلَّق عليها العِتْق، فتعتق، وإن قلْنا: إن المِلْك للمشتري فللبائع الفَسْخ والإِعتاق فسخٌ منْه؛ فتعود الجارية بالإِعتاق إلى ملكه، وتعتق، وأمَّا الطلاق، فقد أطلق ابن الحدَّاد أنَّه يقع، قال الأئمة: هو جوابٌ عَلَى أن المِلْك في زمان الخيار للبائع، فإنَّ النكاح على هذا القول باقٍ بحاله، وقد وُجِدَ شرْط الطلاق، فيقع، وهكذا يكون الحُكْم على قوْلنا: إنه موقوف؛ لأنه لم يتمَّ البيع بينهما, ولم يَمْلِكْها الزوج، فأما على قولنا: إنه للمشتري، فلا يقع الطلاق على الأصحِّ؛ لمصادفته حُصُول الملك، ووقوع الانفساخ على ما ذكَرْنا في المسألة السابقة، ويجيْء فيه الوجْه الأخير، ولو قال: إنْ ما ملكتك، فأنتِ طالقٌ، بدل "إن اشتريتك" لم يجئ فيه إلا هذا الخلاف الأخير.
وإذا اشترى زوجته الأمة، وطلَّقها في مجْلس العَقْد، فإن قلنا إن الملْك في زمان الخيار للبائع، فيقع الطلاق؛ لأنها منكوحة، كما كانت، ولم يملكها بعْدُ وإن قلنا: إن المِلْك له، لم يقع الطلاق؛ لانفساخ النكاح، كما سبق ولو فسخ البَيْع بحكم الخيار، لا تكون زوجةً له على هذا القَوْل، وعلى قول التوقُّف إن تمَّ العقد تَبيَّن أنَّه لا طلاق، وإن لم يتم تبيَّن نفوذه وهو كما إذا طلَّق امرأته المرتدة بعْد الدخول يكون الطلاق موقوفاً إلى أن يرجع إلى الإِسلام، أو يصر قال الشيخ أبو عليٍّ: ومهما وَقَع الطلاق، ثم تم البيع بينهما، فإن كان الطلاق رجعياً، فله الوطء بِمِلْك اليمين، ولا يلزم الانتظار إلى انقضاء العدَّة؛ لأن العدَّة منْه كما أن له أن ينكح المختلعة في العدَّة، وإن طلقها ثلاثاً، فهل له وطؤها بملك اليمين؟ فيه وجهان؛ الأصح المنع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدمُ فلاَنٌ فَقَدِمَ نِصْفَ النَّهَارِ طُلِّقَتْ فِي

الجزء: 9 - الصفحة: 126

الحَالِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَبَيَّنَ الوُقُوعُ أَوَّلَ النَّهَارِ عَلَى وَجْهٍ.
وَلَوْ قَدِمَ لَيْلاً لَمْ تُطَلَّقْ أَصْلاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: أنْتِ طالقٌ يوْمَ يَقْدَمُ فلان، فإن قَدِم في أثناء النَّهار، فلا شكَّ في وقوع الطلاق؛ لحصول الوصف المعلَّق علَيْه، لكن يقع في الحال أو يتبين وقوعه في أول النهار، فيه وجهان: أقواها: وبه أجاب ابن الحَدَّاد: أنَّه يتبين وقوعُه من وقْتِ طُلوع فجر ذلك اليوم؛ لأن الطلاق معلق باليوم الَّذي يوجد فيه القُدُوم، وإذا وُجِدَ القُدوم، فهو ذلك اليوم، فأشبه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ يوم الجمعة تطلق 419 بطلوع الفجر يوم الجمعة.
والثاني: ونسب إلى ابن سُرَيْج: أنها تطلَّق عَقِيب القُدُوم؛ لأن الطلاق معلَّق باليوم والقدوم، فلا يقع قبْل القدوم كما لا يقع قبْل مجيْء اليوم، والوجهان كالقولين فيما إذا نَذَر صوْم اليوم الَّذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ، فقَدِم في خلال اليوم، هل ينعقد النَّذْر فيلزم به صوْم يوم أو هما مأخوذان من هَذْين القولين؟ وهما مذكوران في "كتاب النَّذْر" لو ماتَت المرأة، ثُمَّ قَدِمَ فلان في ذلك اليوم، فعلى الوجه الأول: باتت مطلقة، ولا ميراث للزوج منها، إذا كان الطلاق بائناً، وكذلك لو مات الزوج بعْد طلوع الفجر ذلك اليوم، ثم قدِم فلان، لا ترث هي منه، وعلى الوجه الثاني؛ يثبت الإِرْث، ولو خالعها في أول النهار، ثم قَدِم فلان، فعلى الوجه الأول؛ الخُلْع باطلٌ إن كان الطلاق بائناً، وإن كان رجعياً، فهو على الخلاف في خُلْع الرجعية، وعلى الثاني الخُلْع صحيحٌ، ولا يقع الطلاق بالقُدُوم، ولو كانت ظاهراً في أول النَّهار، فحاضَتْ، ثم قدِم فلان، فعلى الوجْه الأول؛ يحسب بقية ذلك الظُّهْر قرءاً وعلى الثاني بخلافه، ويجري الخلاف فيما إذا قال: عبْدي حرٌّ يوْم يَقْدَمُ فيه فلان، فباعه في ذلك اليوم، وقَدِم آخَرِهُ، هل يصحُّ البيع وهذه الصورة مذكورة في الكتاب في النُّذُور، ولو قَدِم فلان ليْلاً، فوجهان: أصحُّهما: وهو الذي أورده أكثرهم: أنَّه لا يقَعُ الطَّلاق؛ لأن الشرط لم يحْصُل.
والثاني: يقع، ويُحْمَل اليوم في مثل ذلك على الوقت والزمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] أراد وقت القتال، ومن قال بالأول، قال: اللفظ لحقيقته، فإن فُسِّرَ بالوقت ألزم حكمه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ طُلِّقَتْ ثَلاَثاً، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ كَلَّمْتِ زَيْداً إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَعْنَاهُ تَعْلِيقُ التَّعْلِيقِ فَإِذَا كَلَّمَتْ زَيْداً أَوَّلاً

الجزء: 9 - الصفحة: 127

تَعَلَّقَ طَلاقُهَا بِالدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ إِلاَّ فُلانَةَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الاسْتِثْنَاءُ عِنْدَ القَاضِي حُسَيْنٍ رَحِمَهُ الله، كَمَا لَوْ قَالَ: هَؤُلاَءِ الأَعْبُدُ الأرْبَعَةُ لِفُلاَنٍ إِلاَّ هَذَا الوَاحِدَ لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ في المُعَيَّنِ لاَ يُعْتَادُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائلَ: إحداها 420: لو قال: أَنْتِ طالقٌ، هكذا، وأشار بإصبع واحد، لم يَقع إلا [طلقة] 421 واحدةً، وإن أشار بإصبعين، طُلِّقَت طلقتين، وإن أشار بثلاثٍ، طُلِّقَت ثلاثاً، قاله ابن سُرَيْج، وقال الإِمام: هذا إذا أشار إشارة مفهمة للطلقتين، أو الثلاث، بأن انضمت إليه قرينة النَّظَر للأصابع أو تحريكها وترديدها وما أشبه ذلك، وإلا فقَدْ يعتاد الإنسان الإشارة بإصبعه في الكلام، فلا يظهر الحُكْم بوقوع العدد إلاَّ بالقرينة، ولو حَصَلت الإِشارة المعتبرة، وقال: أردتُّ الإشارة إلى الإصبعين المقبوضتين صدق بيمينه؛ للاحتمال، ولو قال: أردتُّ وحدة، قال في "التهذيب" لا يُقْبَل، والإِشارة صريحة في العدد، ثم حكي عن صاحب "التقريب" أنَّه يُقْبَل، وأن الإشارة كناية فيه، ولو قال: أنتِ طالقٌ أشار بالأصابع، ولم يقل: هكذا لم يُحْكم بوقوع العدد إلا بالنية إن دخلت الدار، وحكمت زيداً، فأنتَ الثانية: إذا قال إن دخلت الدار، أو كلَّمْت زيداً، فأنتِ طالقٌ، يقع الطلاق بأيَّة واحدة من الصفتين، وُجِدت، ثم تنحل اليمين، فلا يقع بالأخرى شيء، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخلت الدار أو كلمت زيداً، فقدم الجزاء، ولو قال: إن دخلْتِ الدَّار و 422 إن كلمْتِ زيداَ، فأنتِ طالقٌ، أو قال: أنتِ طالقٌ، إنْ دخلْتِ الدار وإن كلَّمْت زيداً، فقد كرَّر حرف الشرط، وذلك يوجب تَكْرار الجزاء، فيقع الطلاق بأية واحدة من الصفتين وُجِدت، وإذا وجدتا جميعاً، وقعت طلقتان، ومِنْ هذا القبيل ما إذا قال: إن دخلْتِ هذه الدار، وان دخلت الدار الأخرى، فأنتِ طالقٌ.
قال ابن الصَّبَّاغ وفي معناه ما إذا قال: إن دخلْتِ هذه الدار، فأنتِ طالقٌ، وإن دخلْتِ الدار الأخرى أن الجواب عائد في الدخول الثاني، ولو قال: إن دخلْتِ الدار وكلمتِ زيْداً، فأنتِ طالقٌ، فلا بدّ من وجودهما؛ لوقوع الطلاق، ولا يقع بهما إلا طلقة، ولا فَرْق بين أن يتقدَّم الكلام أو يتأخَّر، وفي "التتمة" ما يقتضي إثبات خِلاَف فيه، لأنَّه قال: من جَعَل الواو للترتيب، فلا بدّ عنْده مِنْ أن يتقدَّم الدخول على الكلام، ومن الأصحاب من جَعَل الواو للترتيب، ولو قال: إن دخلْتِ الدارَ، فكلمْتِ زيْداً، أو

الجزء: 9 - الصفحة: 128

قال: إن دخلْتِ ثم كلَّمْتِ، فلا بدّ منهما، وُيشْترط فَتقَدُّم الدخول على الكلام، ولو قال: إن دخلْتِ الدار، إن كلمت زيداً، فأنتِ طالقٌ، أو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخلت [الدار] 423 إن كلَّمْتِ، فلا بُدَّ منهما، ويشترط تقدم المذكور آخراً، وهو الكلام على المذْكور أولاً، وهو الدخول؛ لأنه جعل الكلام شرطاً لتعليق الطلاق بالدخول، ويُسمَّى ذلك اعتراض الشرط على الشَّرط، والتعليق يَقْبَل التعليق، كما أن التنجيز يَقْبَلُه، ألا ترى أنَّه لو قال لعبده: إن دخلْتَ الدار، فأنتَ مدبر، كان ذلك تعليقاً للتدبير بالدخول، والتدبير تعليق العتق، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] المعنى إن كان الله يريد أن يغويكم، فلا ينفعكم نصحي، إن أردت أن أنصح لكم، ومال الإِمام إلى أنَّه لا يشترط الترتيب ويتعلق الطلاق بحصولهما، كيف اتَّفق، وقال: إنه ذكر صفتين من غير عاطف، فلا معنى لاعتبار الترتيب، والظاهر الَّذي ذكره الجُمْهور الأول، وقالوا: لو كَلَّمَته، ثم دخلت، طُلَّقت، وإن دخلت، ثم كلَّمَتْه، لم تُطلَّق، وفي "التتمة" أن تنحل اليمين حتى لو كلمته، ودخلَتْ بعد ذلك، لم تطلَّق؛ لأن اليمين تنعقد على المَرَّة الأولى، ولا فَرْق بين أن تكون صيغة الشرْط في الصفتين [إن] أو غيْرَهَا, ولا بيْن أن تتحد 424 فيهما 425 الصيغة، أو تختلف، حتَّى لو قال: أنتِ طالقٌ إذا دخلْتِ إن كلَّمْتِ، أو قال: إن دخلْتِ إذا كلَّمْتِ، وبالعكس، أو قال متى كلَّمْتِ كان الجواب كذلك، ولو قال: إنْ أعطَيْتُكِ إن وعدتُّكِ إن سألتِنِي، فأنتِ طالقٌ، فيُشْترط أن يوجد السؤال منها، ثم الوعد منه، ثم العطية، والمعنى: إن سألتني، فوعدتك، فأعطيتك، فأنتِ طالقٌ، وذكر صاحب "المهذب" أنه لو قال: إن سألتِنِي إن أعطيتُكِ، إن وعدتك، فأنتِ طالقٌ، فيُشْتَرَط أن يوجَد السؤال، ثم الوَعْد ثم العطية، لكن قضية ما تمهَّد أن يشترط وجُود الوَعْد، ثم العطية، ثم السؤال، والمَعْنَى إن سألتِنِي، وأعطيتك، إن وعدتك، فأنتِ طالقٌ، وكأنه صوَّر رجوع الكل إلى مطلوب واحد، ولم ير للموعد معنى بعد العطية، ولا للسؤال معنى بعْد الوعد والعطية، فأوَّلَه على ما ذكره، فهَذا بيان الاحتمال الَّذي مال إليْه الإِمام، والظاهر الذي عليه الاعتماد ممَّن جرى على هذا الظاهر، وأورده أبو عبد الله القطَّان، ذكره في المطارحان، ووراءهما شيْء ثالث غريبٌ، وهو أنَّه يُشْتَرط وجُود المذكور أولاً، وهو الدخول في المثال المذكور، حتَّى لو كلَّمَتْ زيْداً ثم دخلت الدار، لم يقع الطلاق، كذلك رأيت الجواب فيما جُمِع في فتاوى القَفَّال، وجعله بمثابة قوله: "إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، إنْ كلَّمْت زيداً" وأما لفظ الكتاب فإنه صَوّر المسألة فيما إذا

الجزء: 9 - الصفحة: 129

قدَّم شرط الكلام، فقال: "إن كلَّمتِ زيداً، إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ"، على خلاف التصوير الذي ذكرناه، ومعلوم أن الجواب في مثْل ذلك يختلف باختلاف التصوير، فعلى المشهور يُشْترط هاهنا تقدُّم الدخول، فإذا دخلَتْ تعلَّق طلاقها بالكلام، والذي ذكر في الكتاب أنها إذا 426 كلمت أولاً، تعلَّق طلاقها بالدخول ينطبق على ما حَكَيْنا عن فتاوى القفَّال، لكنه لم يُرِد ذلك؛ لأنه صَوَّر في "البسيط" فيما إذا قال: إن دخلْتِ الدار، إن كلَّمْتِ زيداً، فأنتِ طالقٌ، وأجاب بالجواب المشهور، فالذي اتَّفَق هاهنا محمولٌ على سبْق القلم، فإما أن يعتبر قوله: "إن كلمتِ إنْ دخلْتِ" بالتقديم والتأخير، ويُتْرك الجواب بحاله وإما أن يُجْعَل الجواب إذا دخلْتِ ولا يعلَّق طلاقها بالكلام، ويُتْرَك التصوير بحاله.
فروع: لو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، إن كلَّمتِ زيداً، فهذا يحتمل أن يراد به أنها إذا دخلَتِ الدار، تَعلَّق طلاقها [بالكلام وقد يراد به أنها إذا كلمته تعلق طلاقها] بالدخول، فيراجع ويحكم بموجب تفسيره.
ولو قال: إنْ كلَّمتِ زيداً وعمراُ أو بكراً مع عمرو، فأنتِ طالقٌ، فإنما يقع الطلاق، إذا كلَّمَتْ زيداً وعمراً، وأظْهَرُ الوجهيْن أنَّه يُشْترط كوْن بكر مع عمْروٍ وقْت الكلام معه، كما لو قال: إن كلَّمتِ فلاناً، وهو راكب.
قال: أبو سعْد المتولِّي، وفي كلام البغداديين إذا أراد أحدُهم أن يعلِّق طلاق امرأته بالدخول، يقول: أنتِ طالقٌ، لا دخَلْت الدار، كما يقول الحالف: والله، لا دخلْتُ الدار، والمعنى: إن دخلْت الدار، فأنتِ طالقٌ، وعلى هذه العادة.
قال ابن الصبَّاغ: إذا قال: أنتِ طالقٌ، لا كلَّمت زيداً وعمراً وبكراً، فإن كَلَّمَتْهم، طُلِّقَت، وإن كلَّمت بعضَهُم، لم تُطلَّق، ولو قال لا كلَّمت زيداً ولا عمراً ولا بكراً، فأيَّهم كلَّمتْه، طُلِّقت.
ذكر ابن سريج أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن كلمتِ زيداً حتى يدخل عمرو الدار أو إلى أن يدخل، فالغاية تتعلق بالشرط، لا بنفس الطلاق، والمعنى إن كلَّمتِ زيداً قبْل دخول عمرو، فأنتِ طالقٌ، فإنما تُطلَّق إذا كلمته قبل قدومه.
المسألة الثالثة: إذا قال لأربع نسوة تحته: أربعكن طوالقُ إلاَّ فلانة، أو إلا واحدة على الإِبهام.
فعن القاضي الحُسَيْن، وهو المذكور في التتمة: أنَّه لا يصحُّ هذا الاستثناء، ويطلَّقْن جميعاً، ووجهه بسببين.

الجزء: 9 - الصفحة: 130

أحدهما: قال في "التتمة" لأن الأربعة ليست صيغة عموم، وإنما هي اسم خاصٌّ لعدد خاص، فقوله: "إلا فلانة" رَفَع للطلاق عَنْها بعد التنصيص عليها، فكان كما لو قال: أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع عليْكِ، وقضية هذا الوجه ألا يصحُّ الاستثناء عن الأعداد في الإِقرار في الطلاق أصلاً؛ لأنها جميعاً أسماء خاصة لتلك الأعداد ومعلوم أنَّه ليس كذلك.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن الاستثناء من المعيَّن يعتاد، وإنما المعهود الاستثناء من الطَّلقات، وقد يقوي ذلك بأن للإشارة أثراً ظاهراً في تثبيت الكلام، وتقريره، وهذا يضعف وبأن الإِمام حَكَى عن القَاضي أنَّه لو قال: أربعُكُنَّ إلا فلانة طوالقُ، يصحُّ الاستثناء، وادعى أن هذا معهودٌ، وذلك غير معهود [وهذا كلام كما تراه وقد حكينا في الإقرار أن الاستثناء صحيح من المعينات على الصحيح] ويساوي في الوجهين الإِقْرار والطلاق.
وقوله في الكتاب "كما لو قال: هؤلاء الأعبد الأربعة لفلان إلا هذا الواحد لم يصحَّ" ظاهره يُشْعر باتخاذه أصلاً مفروعاً عنه، وليس كذلك، ولم يذْكره الإِمام هكذا، لكن قال: لعلَّ القاضي يقول بأنه لمْ يصحَّ هذا الاستثناء، وبالظاهر أجاب في "باب الإِقْرار" على ما قدَّمناه، ويجوز أن يعلم قوله: "لم يصح" بالواو.
فرْعٌ: لو قال: أنتِ، هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، ففي "فتاوى القفَّال"، أنَّه إن نوى بقَلْبه الطَّلاق، طُلِّقَت ثلاثاً، والإشارة صريحة في العدد، وإن لم ينوِ أصل الطلاق لم يقع شيْء، كما لو قال: [أنتِ] 427 ثلاثاً، ولم ينوِ بقلبه الطَّلاق، وقال غيره: يُحْتمل أن لا يُجْعَل هذا كناية؛ لأن اللفظ لا يُشْعر بالطلاق 428 بحال والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ اسْتِخْبَاراً؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ إِقْرَاراً، وَإنْ كَانَ لالْتِمَاسِ الإِنْشَاءِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَوْلٍ، وَكِنَايَةٌ في قَوْلٍ، وَلَوْ قَالَت: (مرا طلاق ده) فَقَالَ: (دا زم) فَيَصِيرُ الخِطَابُ معْتَاداً فِيهِ وَيكُونُ صَرِيحاً عَلَى وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ الدَّلاَّلُ لِبَائِعِ المَتَاعِ: بِعْتُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا خِطَاباً مَعَ المُشْتَرِي، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ زَوْجَةٌ؟ فَقَالَ: لاَ فَهُوَ صَرِيحٌ في الإِقْرَارِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قيل له على سبيل الاستخبار: أطلقْتَ زوْجتَك أو 429 فارقتها، أو

الجزء: 9 - الصفحة: 131

زوجتك طالقٌ، فقال: نعم كان ذلك إقراراً منْه بالطلاق، فإن 430 كان كاذباً، فهي زوجته في الباطن، ولو قال: أردتُّ الإِقرار بطلاقٍ سابقٍ، وقد راجعْتُها، صُدِّق، وإن قال: أبنتها، وجدَّدتُّ النكاح، فعلى ما ذكَرْنا فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ أمسِ، أو في الشَّهْر الماضي، وفسَّره، بذلك، ولو قيل له ذلك على سبيل التماس الإِنشاء فإن قال في الجواب: نَعَم، طُلِّقَت، ولا إشكال في وقوع الطلاق، وإن اقتصر على قوله "نعم"، فقولان: أحدهما: أنَّه كنايةٌ لا يقع الطلاق به إلا بالنِّيَّة؛ لأنه لم يلْفِظْ بالطلاق، وما في معناه.
والثاني: ويُحْكَى عن الإِمْلاء واختيار المزني: أنَّه صريح؛ لأن السُّؤال يَعُود في الجواب، وقد جَرَى اللفظ الصريح في السؤال، فكأنَّه قال نعم، طَلَّقْت، ولهذا كَانَ صريحاً في الإِقرار حتَّى لو قال القاضي للمُدَّعَى عليه: أعَلَيْك المالُ الَّذي يدعيه، فقال: نعم، كان مقرًّا، قال الأئمة: والقولان مبنيان على أنَّه إذا قال الوليُّ: زوجتُكَ ابنتي، فقال: قبِلْتُ، ولم يقُلْ نكاحَهَا، هل يصحُّ النكاح، وقضية هذا البناء ترجيحُ قول الكناية، لكنَّ ابن الصباغ والقاضي الرُّويانِيّ رجحا كونه صريحاً، ومنهم من لا يذكر غيره، وفي كلام بعْض النقلة، إثبات الخلاف على الإِطْلاَق من غير فَرْق بين قصْد الاستخبار والتماس الإِنْشَاء، حتَّى لا يكون قوله "نعم" في صورة الاستخبار صريحاً في الإِقرارِ على قولٍ، فيجوز أن يعلَّم لذلك قولُه:"كَانَ إقْرَاراً" بالواو، والظاهر التفصيل كما بيَّنَّاه، ولو قيل له: ألَكَ زوجَة؟ فقال: لا فعن "الإِملاء": أنَّه لا يقع به الطلاق، وإن نوى، وإنَّما هو كذِبٌ محضٌ، وهذا ما أورده كثير من الأصحاب، ولم يجْعلوه إنشاءً، ولا بأْس لو فرَّق بين أن يكون السائل مستخبراً أو ملتمساً إنشاءَ الطلاقِ، كما في الصورة السابقة؛ لأنا ذكرنا في كنايات الطلاق أنَّه لو قال مبتدئاً: لسْتِ بزوجةٍ لي، كان كناية على الظاهر، وذَكَرَوا وجهَيْن، في أنَّه صريحٌ في الإِقرار أو كناية.
أحدهما: وبه قال القاضي الحُسَيْن: أنَّه صريحٌ، كما لو ادعت أنَّك نكحتني فأنْكَر، يحكم بأنه لا نكاح بينهما, ولو رَجَع، وادَّعى الزوجية، لم يُقْبَل، وأشبههما أنَّه كناية 431 فيه؛ لجواز أن يريد نَفْيَ فائدة الزوجات؛ لما بينهما من سوء العشرة، وهذا ما أورده في "التَّهْذيب" قال: ولها تحليفُه أنَّه لم يُرِدْ طلاقها.

الجزء: 9 - الصفحة: 132

ولو قال قائلٌ مشيراً إليها، هذه زوجتُكَ فقال: لا، فهذا أظهر في كونه إقْراراً بالطلاق، ولو قال (مر اطلاق ده) 432 فقال الزوج: (دا دم) 433 فهو صريح في إيقاع الطلاق أو كناية؟ فيه مثل هذَيْن الوجهين، قال القاضي: هو صريحٌ يعود الخطاب في الجواب، ونَظْم الكتاب يقتضي ترجيحه.
وقال غيره: هو كناية، وهو الأشبه وعن طريقة القاضي أنَّه لو قيل له: (طلاق زن داده اى) 434 فقال: (دادم) 435، فهُوَ إقرار بالطلاق، ولو قال: (دادم) 436، لم يقع به الطلاق، وفي "فتاوى القَفَّال": أنَّه لو قيل له (زن طلاق دادى) 437 فقال: (داده) 438 فهو إقرارٌ بالطلاق، وليكن هذا فيما إذا كان القائل مستخبراً، فإن قول القائل بالعجمية (زن إطلاق دادى) 439، يصلح للاستخبار ولالتماس الإِنشاء، فأما قوله (زن طلاق داده اى) 440 فهو صريح في الاستخبار.
ولو قيل له: (زن طلاق) 441 فقال: نَعَمْ أو قيل: (زن دادى) 442 فقال: (دادم) 443 لم يكن ذلك إيقاعاً، قاله القفَّال، وأورد صاحب الكتاب في خلاَل هذه الصورة صورةً هي من جنْسها، وإن لم تتعلَّق بالطلاق؛ اقتداءً بالإِمام، والصورة ما إذا قال الدلال لبائع المتاع: بعْت هذا من فلان بكذا؟ فقال: نعم، قال الإِمام وصاحب الكتاب: إنه جواب للدَّلاَّل، وليس هذا خطاباً مع المشتري، ويمثله أجابا فيما إذا قال: بعْت، ولم يذكر الثمن، ولم يأتِ بما يصلُح أن يجعل ابتداءَ خطاب مع المشتري، والحاصل بأنهما قالا إنه لا ينقعد البَيْعُ بذَلِك، وإن قَبِلَ المشتري، ونحن قد حَكَيْنا في صيغ البَيْع وجهَيْن في انعقاد البيع، سواءٌ قال: نعم أو قال: بعْت، وقبل المشتري، وحكينا في مثل ذلك وجهَيْن في النكاح، وبيَّنَّا أن الأظهر عند الأئمة فيهما الانعقاد، ولو فرق بين البيع و [بين] النكاح، فجعل الأظهر في النكاح المنْعَ؛ لأنَّه لم يُصرِّح بأنَّه زوج منها كان ذلك مناسباً، لما قيل فيما إذا قال: زُوِّجْتُها منك، فقال: قَبِلْتُ، ولم يقل نكاحَها، ويجوز أن يعلَّم؛ لما ذكرنا قولُه "لم يكن هذا خطاباً مع المشتري" بالواو.
فَرْعٌ: إذا قيل له أطلقق زوجْتَك؟ فقال: قد كان بَعْض ذلك، لم يجعل ذلك إقراراً بالطلاق، لأنَّه ربما جرت بينهما مخاصَمَةٌ، وملاحَّة، وسؤال طلاق من جهتها، أو

الجزء: 9 - الصفحة: 133

وعده بالطلاق من جهته، أو تعليق طلاق، ومثل ذلك يصحّح مثل هذا اللفظ، فإن فسّر بشيْء من ذلك، قبل وأن كان السُّؤَال [كان] 444 عن ثلاث، ففسر بواحده وإن كان عن أو اثنتين، قُبِل، وإن لم يُفَسر بشيْء قال في "التتمة": إن السؤال عن ثلاث لزمه الطلاق [وإن كان عن واحدة] واحدة لم يلزمه شيء؛ لأن الطلقة الواحدة، لا بَعْض لها، والأصل أنْ لا طلاقَ فِي وَاحِدٍ من الطرفين نظر 445 لا يخفى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَلَّقَ طَلاَقهَا بِتَمْييزِ النَّوَاةِ الَّتِي أَكَلَتْهَا عَمَّا أَكَلَهُ فَبَدَّدَتْ برَّتْ إِذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّتُهُ التَّفْرِيقَ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلاقَهَا عَلَى ابْتِلاَعِ تَمْرَةٍ فِيهَا وَعَلَى القَذْفِ وَالإمْسَاكِ بَرَّتْ بِأَكْلِ النِّصْفِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِالنُّزُولِ مِنَ السُّلَّمِ وَبِالصُّعُودِ وَالوْقُوفِ تَخَلَّصَتْ بِالطَّفْرَةِ وَبِالحَمْلِ وَالانْتِقَالِ إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ، وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةٍ أَوْ رَغِيفٍ تَخَلَّصَتْ بِتَرْكِ حَبَّةِ مِنَ الرُّمَانَةِ وَفُتَاتٍ مِنَ الرَّغِيفِ، وَمَهْمَا كَانَ لِلَفْظِهِ مَفْهُومٌ في العُرْفِ وَوَضْعٌ في اللِّسَانِ فَعَلَى أَيُّهِمَا يُحْمَلُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يُضْبَطُ بَلْ تَارَةً يُرَجَّحُ العُرْفُ وَتَارَةً اللُّغَةُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ دَرَجَاتِ العُرْفِ وَظُهُورِ اللَّفْظِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه صورة يتلطف فيها للتحرز من الحَنِث بضرب من الحيلة، وهي أربع إحداها إذا أكَل الزوجان تَمْراً أو مشمشاً وخَلَطا النَّوَى، ثم قال إن لم تميزي نوى ما أكَلْتِ عنْ نَوَى ما أكلْتُ، فأنْتِ طالقٌ، أو خلَطَتْ دراهمها بدراهمه، فقال: إن لم تتميزي دراهمَك عن دراهمي، فأنتِ طالقٌ قال الأصحاب: يَحْصُل الخَلاَصُ عن الحَنِث بأن تبددها؛ بحَيْث لا يلتقي منْها اثنان؛ فإنها إذا فعَلَتْ ذلك، فقد ميَّزت، نعم، لو أراد التمييز الَّذي يحْصل به التنصيص والتعيين لم يَحْصُل الخلاص بذلك، قال الإِمام: هذا اللَّفظ عنْد الإطْلاق يتبادر إلى الفَهْم منْه التعريف والتعيين، فكان ينبغي أن يُحْمَل اللفظ عليه، فإن أرَاد مُقْتَضَى الوَضْع في اللغة، فيبقى تردُّدٌ في أنَّه هل، يزال الظاهر للإطلاق والأشبه أنَّه يزال، فيمكن أن يعلَّم لهذا قوله في الكتاب "وإذا لَمْ يكن نيته التفريق"؛ لأنَّ على ما ذَكَره الإمَام لا يَحْصُل البرُّ بذلك، إذا لم ينوِ التعريف، وإنما تحصل البينونة إذا نَوَى معْنى اللفظَ بالوَضْع، وهو الفَصْل والتفريق.
قال في "الوسيط" كأن الأصحاب اكْتَفَوْا بوضْع اللغة، إذا لم تكن نية، وقوله في الكتاب "ولو عَلَّق طلاقَها بتمييز النواة التي أكلتها" أي نواة التمر أو التمرة الَّتي أكلتها،

الجزء: 9 - الصفحة: 134

ثم المراد بعد من التمييز، فإن التصوير فيما إذا قال: لم تُمَيِّزِي، على ما بيَّنَّاه.
الثانية: في فمها تمرةٌ، فقال لها الزوج: إن ابتلعتهَا، فأنتِ طالقٌ، وإن قَذَفْتِها، فأنتِ طالقٌ، وإن أمسكْتِها، فأنْتِ طالقٌ، فيحصل الخلاص عن الحنث فيها جميعاً؛ بأن تأكل نصْفها، وتقذِف النصْف، وهذا إذا وقع التعليق بالإمْساك آخرًا، وكما تَمَّت التعاليق، يحْصُل أكْل النصف، فأما إذا وقَع مُكْث، فقد حصَل الإمساك، ولو علَّق بالإمساك أولاً، وأكلت النصْف بعد تمام الأيمان، كان حانثًا في يمين الإمساك، ولو قَالَ: إن أكلْتها، فانتِ طالقٌ، وإن لم تأكليها، فأنْتِ طالقٌ، فلا تتخلَّص بَأكْل النصْف بل يَقَع الطَّلاق المعلَّق على عَدَم الأكل، وإذا علَّق الطَّلاَق بالأكْل، ففي الحَنِث بالابتلاع وَجْهان أوردهما: صاحب "التتمة".
والأظهر المنع؛ لأنه يصحُّ أن يقال ابتلع وما أكل.
الثالثة: كانَتْ تصْعَد سُلَّمًا فقال لها: إن نزلْتِ، فانتِ طالقٌ، وإن صعدتِّ، فانتِ طالقٌ، وإن وقفْتِ فأنتِ طالقٌ، فيحصل الخلاص بالطفرة إن أمكنتها، وبأن تحمل، فيصعد بها، أو ينزل، وينبغي أن يكون الحَمْل بغير أمْرها وبأن تضجع السُّلَّم على الأرض، وهي علَيْه، فتقوم من موضعها، وبأن يكون تحْتَهُ سُلَّم آخَرُ، فينتقل إلَيْه، وإن مَضَى في نَصْب سُلَّم آخر زمان، فيحنث في يمين الوقوف.
الرابعة: قال: إنْ أكلْتِ هذه الرمَّانة وإن أكلْتِ رمَّانة، فانتِ طالقٌ، فأكلَتْها إلا حبَّةً، لم يحنث.
قال الإِمام: وقد يقول القائل في العُرْف: أكلت رمَّانةً، وإن فاتَتْه حبَّة، لكنْ من قال: إنَّه لم يأكل الرمانة لا يُعَدُّ حائرًا على ظاهر الكلام، فإذن العُرْف متردد، والوضع يقتضي ألا تطلَّق، فلا وجْه للحُكْم بوقُوع الطَّلاق.
ولو قال: إنْ أكلْتِ هذا الرغيف، فأكَلَتْه إلا فُتَاتًا، فعَن القاضي: أنَّها لا تُطلَّق كما في حبة الرمان، وفصَّل الإِمام؛ فقال: إن بقيت قطعة تُحَسُّ، ويحصل لها مَوْقِع، فهي كالحَبَّة من الرمان، وربَّما ضُبِطَ ذلك بأن يسمى قطعة خبز وأما ما يَدِقُّ مُدْرَكُهُ، فلا يَظْهَر به أثر في بِرٍّ ولا حنث.
قال: وهذا مقْطُوع به عنْدي في حُكْم العُرْف، والوجه تنزيل المُطْلَق على هذا التفصيل، والله أعلم.
وهذه صورة أخرى من هذا الطور 446: لو قال: إنْ لَمْ تخبريني بعَدَد حبَّات هذه

الجزء: 9 - الصفحة: 135

الرمانة قبْل كَسْرها، فانتِ طالقٌ أو قال: إنْ لم تخبريني بعَدَد ما في هذه البيْت من الجوز اليَوْم، فأنْتِ طالقٌ، أو قال: إن لم تذكري لِي ذَلِكَ، وقد يضيق الوقْتُ، ولا يتأتى الوقُوف علَيْه، قال الأصحاب: يَحْصُل الخَلاَص بأن تبتدئ من عددٍ تستيقن أن الحَبَّات أو الجوز في البيت، لا ينقص عنه، وتذكر الأعداد بعدها على الولاء؛ بأن تقول: مائة مائة وواحد مائة واثنان، وهكذا إلى أن تنتهي إلى العدد الَّذي تستيقن أنَّه لا يزيد علَيْه، فتكون مخبرة عن ذلك العدد وذاكرةً له، وهذا إذا لم يَقْصِد التعيين والتعريف، وإلا فلا يحصل البِرُّ، كما ذَكْرنا في الصورة الأولى، [وتكلم الإِمام] 447 ها هنا بِمِثْل كلامه هناك؛ لأن المتبادر إلى الفَهْم مِنْ مثله التعريف والتعيين، وفي مَعْنَى هذه الصورة ما إذا أَكَل تَمْرًا، ثم قال: إنْ لم تخبريني بعَدَد ما أكلْتِ فانْتِ طالق، وكما إذا اتَّهَمَها بِسَرِقة، فقال: إن لم تَصْدُقِيني في حال هذه السرقة، فأنتِ طالقٌ، فقالت: سرقْتُ وما سَرَقَتْ قالوا: إنه لا يحنث؛ لأنَّها صادقة في أحد الخَبَريْن.
ولو كان الزوجان جالسَيْن، فوقع حَجَرٌ من السطح فقال: إن لم تخبريني بأن هذا الحَجَر مَنْ رماه، فأنْتِ طالقٌ، ففي "فتاوى القاضي الحُسَيْن": أنَّها إن قالت: رماه مخلوقٌ، لم يقع الطلاق، ويجيْء، فيه كلام الإِمام للعرف، وإن قالتْ: رماه آدميٌّ، وقع لجَوَاز أنه رمَاه كَلْب أو الرِّيح، فقَدْ وجد سببَ الحَنِث، وشككنا في المانع، وشبهه بما إذا قال: أنتِ طالقٌ إلا أن يشاء زَيْد اليوم 448 فمضى اليوم، ولم يَعْلَم مشيئته، فإنا نَحْكُم بوقوع الطلاق على اختلاف فيه.
ولو قال: من لم تُخْبِرْني بعدد ركعات الصلوات المفروضة في اليوم والليلة منْكن، فهي طالق، قال لثلاث نسوة، فقالت واحدةٌ سَبْعَ عَشْرَةَ، وثانية: خمْسَ عَشْرَةَ، وثالثة: إِحْدَى عَشْرَةً، لم تُطلَّقْ واحدةٌ منهن؛ الأول في غالب الأحوال، والثاني يوم الجمعة، والثالث في حقِّ المسافر، كذلك أورده صاحب "التتمة" ونقله القاضي الحُسَيْن أيضاً، ونقل أنه لو قال لزوجته [أكرمن فرد اهمه ديناراد ركار توبهم توهسته اى) 449 فالطريق أن يضع المُصْحَف في حجرها؛ لأن ما في الدنيا موجود فيه على ما قال تعالى جدُّهُ: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] وفيه توقُّفٌ.
وأنَّه لو قال: كلُّ كلمة كلَّمْتِنِي بها إن لم أقل مثلها، فأنْتِ طالقٌ، فقالت المرأة أنتَ طالقٌ ثلاثاً، فينبغي أن يقول: أنتِ تقولين أنْتَ طالقٌ ثلاثاً أو يقول: أنتِ طالقٌ ثلاثاً عن وثاق، وإذا قالت الزوجة: إذا قُلْت لك: طَلِّقْني ما تقول؟ فقال: أقول: طلَّقْتُكِ، لا

الجزء: 9 - الصفحة: 136

يقع الطلاق؛ لأنَّه يُخْبِر عما يَفْعَل في المستقبل.
ولو كان في يدها كوز مَاءٍ، فقال: إن قلبت هذا الماء، فأنتِ طالقٌ، وإن تركتيه فانتِ طالقٌ، وإن شربتيه أو غيرك، فأنتِ طالقٌ، فيَحْصُل الخلاص؛ بأن تضع فيه خرقة فتبلها به.
ولو كانت في ماء جار، فقال لها: إن مَكَثت فيه، فأنتِ طالقٌ وإن خرجت منْه، فأنتِ طالقٌ، قال الأصحاب لا تُطْلَق مكثت أو خرجت؛ لأن ذلك الماء قد فارقها، بجريانه ويجيء فيه ما ذكره الإِمام للعُرف، وإن كان الماء راكداً، فالطريق أن يحملها إنسانٌ في الحال، ولو قال إن لَم تَعُدِّي الجوز الَّذي في هذا البَيْت اليوم، فأنْتِ طالقٌ، فقد حَكَى الإِمام في طريق البِرِّ وجهَيْن: أحدهما: أنها تأخذ من عدد تستيقنه وتزيد علَيْه واحداً بعْد واحد، حتى تنتهي إلى العدد الذي تستيقن أنه لا يزيد عليه، كما ذكرنا فيما إذا قال: إن لم تخبريني عن عدده.
والثاني: يلزم أن تبتدئ من الواحد وتزيد حتَّى تنتهي إلى الاستيقان، قال: واكتفوا على الوجهَيْن بذكْر اللسان، ولم يعتبروا تولي العد، ولست أرى الأمر كذلك، فإنَّ من جَلَس بعيدًا عن البيت الذي فيه، الجوز، وأخذ يذكر الأعْداد، لا يُسَمَّى عادًّا، نعم، لو كان يرمق الواحد بعد الواحد، ويضبط، فهذا يُقَام مقام الفعل باليد ويعد عدًّا، وأما قوله في الكتاب "ومهْمَا كان لفظه مفْهُوم في العرف، ووضع في اللسان فعلى أيِّهما يُحْمَل؟ [فيه تردد] " 450 فهو إشارة إلى أصل، نبني هذه الصور وأجناسه عليه، والمقصودُ أنَّه لا بُدَّ من النظر في مثْل هذه التعليقات في وضع اللسان، وفيما يَتَبَادَرُ إلى الفهْم معَها في العُرْف الغالب، فإن تطابَقَ الوَضْع والعرف، فذاك، وإن اختلَفَا، وكان المَفْهُوم في العُرْف منْه شيئاً، وحقيقة الوضع شيئاً آخر، فالاعتبار للوضع أو العرف؟ فيه طريقان، كلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، واستحب الإِمام اتباع العُرْف، وساعده صاحب الكتاب، وذكَرَ كما ذكَرْنا في قوله إن لم تميزي نوى ما أكلتُ عن نوى ما أكلْتِ فإن حقيقته بالوَضْع الفعْلُ وَالتَّفريق، والمفهومُ منْه في العرفِ الغالبِ التعيينُ، وردَّد مثْل ذلك في صُوَر أخرى، ثم بَيِّن بقوله: "والتحقيق أن ذلك لا يضبط" أنه لا يمكن ترجيح أحَدِ الجانبين، وإدارة الحُكْم عليه على الاطراد والإطلاق، ولكن تختلف الحال فيه باختلاف العُرْف اطرادًا أو اضطراباً، ويكفيه دلالةُ اللَّفْظ على المَعْنَى قوةً وضعفًا؛ فقد يقوى العرف، ويترجَّح، فيقتضي هجران الوَضْع، وقد يضطرب، فيُؤْخَذ بمقتضى الوضع، وعلى الناظر التأمل والاجتهاد فيما يستقبله، والله 451 الموفق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتْ: يا خَسِيسُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ قَصَدَ

الجزء: 9 - الصفحة: 137

المُكَافَأَةَ طُلِّقَتْ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَلاَ تُطَلَّقُ إِلاَّ بِوُجُودِ الخِسَّةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالعُرْفُ يَقْضِي بِأَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى المُكَافَاَةِ فَقَدْ تَرَدَّدَ اللَّفْظُ وَالصِّيغَةُ للِتَّعْلِيقِ وَهُوَ أَوْلَى هَهُنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه الصورة مثَالٌ لتعلُّقات 452 تجري في المخاصمة والمشاتمة بَيْن الزوجين، وموضعهما في الأغلب إذا واجَهَتِ المرأة زَوْجَها بمكروه، وأسمعته قبيحاً فيقول الزوج على سبيل المكافأة: إن كُنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، يريد أن يَغِيظَها بالطلاق، كما غاظَتْه بالشَّتْم وإسماع المكروه، وكأنَّه يقول: تزعمين أنِّي كذا، فأنتِ طالقٌ إذنْ فإذا قالت له: يا خسيسُ، فقال: إن كنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ، إن أراد المكافأة، كما أوضحناها، طُلِّقَت، سواء كان خسيسًا أو لم يكْن، وإن قصد التعليق، لم تُطلَّق إلا بوجود الخسَّة كما هو سبيل التعليقات قال أبو الحسن العبَّادي: الخسيسُ مَنْ بَاع دينه بدُنْياه وأخس الأخساء من باع دينه بدنيا غيْره، ويشبه أن يقال: الخسيس في العرف، من يتعاطى ما لا يليق بحاله؛ لشدة البُخْل، فإن وقَعَت الصفة المذكورة في مَحَلِّ الإِشكال، وكثيراً ما يَتَّفِق ذلك في أنواع الشتم والإيذاء، فالأصل أن لا طَلاَق، وإن أطلق اللَّفْظ، ولم يَقْصِدْ المكافأة، ولا حقيقة التعليق، جريْنا عَلَى حقيقة اللفْظ، وهي التعليق، فإن عم العرف بالمكافأة كان على الخلاف الَّذي سبَق في أنه يراعي وضع اللَّفْظ أو العرف، والأصح، وهو المذكور في "التتمة" أنَّه يراعي اللَّفْظ ولا يكاد يطّرد عرف في مثْل ذلك، وجواب القاضي الحُسين يوافِقُ الوجْه الآخر، فإنه قال في فتاويه: لو قالت المرأة لزوجها (مراز تويسك دارد) 453 فهي طالق، فظاهره المكافأة، فيقع الطلاق، فإن ادَّعَى أنه أراد التعليق، صُدِّق بيمينه، فإذا حلف، فقالت المرأة بعد ذلك (ازتويسك مى دارم) 454 صُدِّقت، ووقع الطلاق، قال: ولو سكتَتْ، واختلعت، ثم قالت: كُنْتُ مستنكفة منْك، فالطلاق واقع، والخُلْع باطل، لم يُقْبل قولها؛ لأنَّها تسقط بدْل الخُلْع عن نفسها, ولو قالت يا سفيهُ، فقال إن كنُتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ فإن قَصَد المكافأة، طُلِّقت في الحال، وإن قَصَد التعليق، طُلِّقت، إن كان سفيهًا، وإن أطْلَق، فعلى الخلاف، ويمكن أن يُحْمَل السفه، على ما يوجب الحَجْر، وعلى هذا نظائرُ ما يقع به الشتْم والإِيذاء وتكلموا في كلمات يدخل بعضها في حد الإِفحْاش ففي "التتمة" أن القوَّاد مَنْ يحمل الرجال إلى أهِلْه، ويخلى بينهم وبيْن الأهل، وُيشْبه أن لا يختص هذا الاسْم بالأهل بل هو الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام 455، وأن القرطبان

الجزء: 9 - الصفحة: 138

الذي يعرف من يَزْنِي بزوجته، ويسكت عليه 456، وأن القليل الحمية الذي لا يَغَار على أهله، 457 ومحارمه، وأن القلاش الذواق الذي يُرى أنه يشتري الطعام ليتذوق منه، وهو لا يريد الشِّرَاء وأن الديوث من لا يمانع الناس من الدخول على زوجته، وفي "الرقم" للعبَّادي أنَّه الذي يشتري جاريةً تغني للنَّاس، وأن البخيل هو الذي لا يُؤَدِّي الزكاة، ولا يقري الضيف فيما قيل، وأنه لو قيل له: يا زوج القُحْبَة، فقال: إن كانَتِ امرأتي بهذه الصفة، فهي طالقٌ، فإن قَصَد التخليص من عارها، وقَع الطلاق، كما لو قَصَد المكافأة، وإلا فهُو تعليق، فيُنْظَر، هل هي بالصفة المذكورة 458، وأنه لو قال لها في الخصومة أيْش تكونين أنْتِ؟ فقالت: وأَيْشٍ تكون أَنْتَ؟ فقال: إن لم أكنْ أنا منْك بسبيل، فأنْتِ طالقٌ، ذكر القاضي الحُسَيْن أنه إنْ قَصَد به التعليق، لا يقَع الطلاق؛ لأنها زوجته، فهو منْها بسبيل، وإن قَصَد المغايظة والمكافأة يقع، والمقصود إيقاع الفرقة وقطْع ما بينهما من السَّبَب، وأنَّها لو قالت لزوجها: أنْتَ من أهل النَّار، فقال: إن كُنْتُ من أهل النار، فأنْتِ طالقٌ، فلا يحكم بوقوع الطلاق، إن كان الزوْج مسلماً؛ لأنه من أهل الجنَّة في الظاهر، وإن كان كافراً، حكم بوقوع الطلاق، فإن أسلم بعد ذلك بان أنه لم يَقَع، ولو قالَتْ: يا سَفِلَة، فقال: إن كنْتُ كذلك، فأنتِ طالقٌ، فلأصحاب أبي حنيفة اختلافٌ شديدٌ في تفسيرِ هذه اللفظة.
قال إسماعيل البوشنجي: والأولى أن يُقَال: هو الَّذي يتعاطى الأفعال الدنيئة، ويتعودها, ولا يقع هذا الاسم على الإِنسان بأن يَتَّفِق منه نادرًا؛ كاسم الكريم السيد في نقيضه، ولا يخفى أن النَّظَر في تحقيق هذه الأوصاف إنَّما يُحْتَاج إليه عند حمْل اللَّفْظ على التعليق، فأما إذا كان محمولاً على المكافأة، فيقع الطلاق في الحَال، ولا يحتاج إلى هذا النَّظَر، والكَوْسَج من قل شَعْر وجْهه مع انحساره عن عارضيه.
وعن أبي حنيفة أنَّه الذي عدد أسنانه ثمانية وعشْرون.
وذكر أبو العباس الرُّوياني أن الأحمْقَ من نقَصَتْ مرتبة أموره وأحواله عن مراتب

الجزء: 9 - الصفحة: 139

أمثاله نقصانًا متباينًا بلا مرض ولا سبب 459، وأن الغوغاء: الذي يخالط المفسرين والمنحرفين يخاصم الناس ولا تقية فيه.
ولو قال: إن خرجتِ إِلاَّ بإِذني، فانتِ طالق، فقالت: أَنتَ أعظم سجن، فقال إن لم أكن عظيمًا، فأنتِ طالقٌ.
قال إسماعيل البوشنجي: لا يجُوزُ فيه على قياس المَذْهب إلاَّ أحد قولين، إما أن يراعي الصفة، وإما أن يقْضِيَ بوقوع الطلاق في الحال، حمْلاً على طريقة المكافأة، ولو قالَتْ: يا جهودروي فقال: إن كنت كذلك، فأنْتِ طالقٌ، وقصد التعليق، قال الإِمام: وقع ذلك في الفتاوى، وأكثروا في التعبير، عن هذه الصفة، فقيل هي صُفْرة الوجه، وقبل الذلةُ والخساسة، وكان جوابنا فيه أن المُسْلِم لا يكون على هذا النعت، فلا يَقَع الطلاق، قال في "الوسيط": وفيه نظر؛ لأن الحال يتصور وصفًا في المُسْلِم حتَّى يُصَدَّق في تارةُ، ويكذَّب أخرى، وذكر أنه وقع في الفتاوى أن رجلاً قال لزوج ابنته في مخاصمتها: لم تحرك لحيتك، فقد رأيت مثل هذه اللِّحْية كثيراً؟ فقال: إن كنت رأيت مثل هذه اللحية كثيراً، فابنتك طالقٌ، قال وليس المراد المماثلة في الشَّكْل، والصورة وعدد الشعرات، وإنما يُكْنَى باللحية في مثل هذا الموضع عن الرجولية والفتوة ونحوهما، فإن حُمِلَ اللفظ على المكافأة، وقَع الطلاق، وإلا فلا يقع؛ لكثرة الأمثال، وفي "التَّتِمة" أنَّه إذا نُسب إلى فعْل سيئ كالزنا، واللواط، فقال: مَنْ فعْلُه مثْلُ هذا فامرأته طالق، وكان ذلك فعْلَه لم يُحْكَمْ بوقوع الطلاق؛ لأنه لم يوقع الطلاق، إنما غرضه ذَمُّ من يفعل ذلك، وكأنَّه يقول: لا يستحسن إمساك امرأة مجرمة في بيته لا يفعل مثل هذا الفِعْل.
ولو قال لامرأته زنيت أَوَ سَرَقْتِ كذا؟ فقالت: لم أفعْلْ، فقال: إنْ كنت زنيت أو سرقت فأنتِ طالقٌ، يحكم بوقوع الطلاق في الحال، لإقراره السابق والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِلأَمْرِ ثُمَّ قَالَ: لاَ تُكَلِّمِي زَيْداً فَكَلَّمَتْ لَمْ تُطَلَّقْ لأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِلَنَّهْيِ، وَهَذَا يُنَازعُ فِيهِ العُرْفُ، وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى النَّهْي فَقَالَ: قُوْمِي فَقَعَدَتْ قِيلَ: إِنَّهَا طُلِّقَتْ لأَنَّ الأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ طُلِّقَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي العَصْرِ وَالحُقُبِ وَهوَ بَعِيدُ،

الجزء: 9 - الصفحة: 140

وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى الضَّرْبِ لَمْ يَحْنَثْ بِالضَّرْبِ مَيِّتًا، وَالمَسُّ بَعْدَ المَوْتِ مَسٌّ، وَلَمْسُ الشَّعَرِ وَالظُّفُرِ لاَ يُحْنِثُ، وَالقُدُومُ بِالمَيِّتِ لَيْسَ بِقُدُومٍ، وَقَذْفُ المَيِّتِ قَذْفٌ، وَرُؤْيَةِ المَيِّتِ رُؤْيَةٌ، وَالرُّؤْيَةُ فِي المَاءِ الصَّافِي رُؤْيَةٌ، وَفِي المِرْآةِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَرُؤْيَةُ غَيْرِهَا الهِلاَلِ كَرُؤْيَتِهَا، وَالهَمْسُ بِالكَلاَمِ بِحَيْثُ لاَ يُسْمَعُ لَيْسَ بِكَلاَمٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى مَسَافةٍ لاَ تُسْمَعُ، فَإنْ حَمَلَ الرِّيحُ الصَّوْتَ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ مَنَعَ الذُّهُولُ أَوِ اللَّغَطُ السَّمَاعَ فَهُوَ كَلاَمٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا علق الطلاق على مخالفة الأمر والنهي [فلو قال: إن خالفت نهيي فأنتِ طالقٌ، ثم قال: قومي، فقعدت، وقع؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، وهذا فاسد؛ إذ ليس الأمر نهياً عن ضده فيما يختاره، وإن كان، فاليمين لا ينبي عليه، بل على اللغة أو العرف، لكن في المسألة الأولى نظر بسبب العرف 460 ولو قال: أنتِ

الجزء: 9 - الصفحة: 141

طالقٌ إلى حين أو زمان، أو بعد حين طلقت بمعنى لحظة، ولو قال: إذا مضى حقب أو عصر فأنتِ طالقٌ، قال الأصحاب: يقع بمعنى لحظة، وقال الإِمام وصاحب الكتاب هذا مشكل؛ لأن اسم الدهر والعصر والحقب لا يقع إلاَّ على الزمان الطويل، قال الإِمام والعصر هو الذي يحوي أممًا، فإذا انقرضوا انقرض العصر ومن قول الناس انقرض عصر الصحابة، ومن قول الأصوليين هل يشترط في انعقاد الإجماع انقراض العصر، وهذا بين في معنى العصر، وليس ينقدح في الذهن يعني إذا أطلق وقرن بالمعنى إلاَّ العمل على العصر، ولست واثقًا بهذا لكن استبعاد وقوع الطلاق بمعنى الزمان اللطيف والتعليق بالعصر والدهر والحقب حق، ويؤيده أن أهل اللغة أوردوا أن الحقب بسكون القاف ثمانون سنة، وربما زادوا على الثمانين، والحقب بضمتين: الدهر، والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وفسر أهل اللغة الحقب بسكون القاف بثمانين سنة، وليس في كتب الفقه ما يخالفه وإذا علَّق الطلاق بالضرب، طُلِّقت إذا حصل الضرب بالسوط أو الوكز أو اللكز، ولا يشترط إلاَّ تكون حائل، والأشْهَر أنَّه يعبر أن يكون فيه إيلام، ومنهم من لم يشترط الإيلام، واكتفى بالصَّدْمة لأنَّه قد يضرب مجتمع اللَّحْم من الإِنسان بجميع الكَفِّ فيلتذ به التذاذ المَغْمور، وهو ضَرْب، وليس بإيلام وإلى هذا قال الإِمام أنَّ الإِيلاَم وحْده لا يكْفِي؛ فإنه لو وضع حَجَرًا ثقيلاً عليه انصدم حتى تحْته، لم يكن ذلك ضربًا، وإن حصل الإِيلام، وإن الصدمة المجردة لا تكفي فإنَّه لو ضَرَب أنملة على إنْسَان، لا يقال: إنه ضربه، وكان المعتبر في إطلاق اسْم الضَّرب الصدم بما يُؤْلم أو يتوقع منه إيلام، ويدل عليه اتفاق الأصحاب على أنَّه لا يقع الطلاق، إذا كان المَضْروب مَيِّتًا؛ لأنه ليس في مظنة الإيلام، وأثبت القاضي الرُّوياني فيه خلافاً، فقال بعد ذكر المسألة وحُكْمها وَغَلَطِ من قال غيره، والعض، وقطْع الشّعر، لا يسمى ضربًا، فلا يقع به الطلاق المعلَّق بالضرب، قاله ابن سُرَيْج، وعن المُزَنِّي توقُّفٌ في العض؛ لحصول الصدمة والإِيلام، فكأنه ضَرْبٌ بالسن.
الثانية: لو علق بالمس، وقع الطلاق إذا مسَّت شيئاً من بدنه حيًّا، كان أو ميتاً، ولا يُشْتَرَط ألاَّ يكون وراءه حائلٌ ولا يقع بمَسِّ الشعر والظُّفُر، قال الإِمام: الوجْه القطع وإن ذكرنا تردُّداً في أن الطهارة هل تنتقض بمسها من إنسان إن لمسه؟ وليس هذا بالبين، والأشبه مَجِيْء التردُّد فيه.
الثالثة: إذا علَّق بقدوم زيد، طلِّقَتْ إذا قَدِم راكبًا أو ماشياً، وإن قدِم به ميتاً لم يقع فإنه لم يَقْدَم، وإن حُمِل وقَدِم به، نُظِرَ؛ إن كان بأمره واختياره، فهو كما لو قَدِم راكبًا، وإن لم يكن بأمره، لم يقَعْ، سواءٌ كان زَمِنًا أو صحيح البدن، هذا هو الظاهر، ويأتي فيه خلاَفٌ لأن صاحب "المهذب" وغيره نقلوا طريقاً فيما إذا حلف أن يدخل الدار، فحمل بغَيْر إذنه واختياره وأُدْخِل؛ أنه على القولَيْن فيما إذا أُكْرِه حتَّى دَخَل

الجزء: 9 - الصفحة: 142

بنفسه، ووجهوه 461 بأنا سوَّينا في حال الاختيار بيْن دخوله بنَفْسه، ودخوله محمولاً، فكذلك يستوي في حال عدم الاختيار بيْن دخوله بنفسه ودخوله محمولاً.
الرابعة: إذا علَّق الطلاق بقذف زيْد، وقع الطلاق بقذفه حيًّا كان أو ميتاً؛ لأن قذف الميت كقذف الحيِّ في الحكم، ووقوع اللفظ عليه ولو قال: إن قذفت فلانًا في المسجد فأنتِ طالقٌ، فالمعتبر كون القاذف بالمسجد، بخلاف ما لو قال: إن قتلت فلانًا من المسجد فأنتِ طالقٌ، كان يعتبر المقتول في المسجد.
والفرق أن قرينة الحال تشعر بأن المقصود الامتناع مما يهتك حرمة المسجد، وهتك الحرمة يكون القذف والقتل في المسجد يحصل إذا كان القاذف فيه، والقتل من المسجد إنما يحصل إذا كان المقتول فيه، فلو قال المعلِّق: أردت في القَذْف كَوْن المقذوف في المسجد، وفي القَتْل كَوْنَ القاتل في المسجد، فهل يُقْبل ظاهراً.
وحكى الإِمام فيه تردُّدًا، والظاهر القبول، لصلاحية اللفظ للمعنيين، وإذا كان الفَرْق عنْد ذكْر المسجد مأخوذًا من قرينة الحال، فلو قال: إن قَذَفْت في الدار، وقتلت وجب الحال وُيرَاجَع المعلِّق.
الخامسة: إذا قال: إن رأَيت فلانًا، فأنْتِ طالقٌ، فرأتْه حيًّا أو ميتاً، مستيقظًا أو نائمًا، وقع الطلاق، ولا بأْس يكون المرئي أو الرائي مجنونًا أو سكرانًا ويكْفِي رؤية شيْء من بدنه، وإن قلَّ.
وفي وجْه المعتبر رؤية الوجْه، وإن كان كله ملفوفًا في الثوب، لم تُطلَّق، ولو رأتْه في المنام، لا تُطلَّق؛ فإنَّه لا يقع اسم الرؤية المُطلقَة، عليْه، وإن كان في ماءٍ صافٍ لا يمنع الرؤية، فَرَأَتْهُ فيه، فعن القاضي الحُسَيْن: أنه لا يقع الطلاق، والصحيح الوقوع، والماء اللطيف بَيْن الرائي والمرئي كأجزاء الهواء بينهما, ولهذا لا تصحُّ صلاة الواقف في هذا الماء ويكونُ حكمه حُكْمَ العارين، ولو رأَتْه من وراء زُجَاج شفَّافٍ، فهو كما لو كان في الماء، فرأته ولو نظرت في المرآة أو في الماء فرأتْه؟ قال الإِمام هذا فيه احتمال؛ لأنه، إن حصَلَت الرؤية في الحقيقة، لكنه يصحُّ في العرف أن يقال: ما رآه، وإنما رأى مثاله أو خياله، والظاهر أنَّه لا يقَعُ الطلاق، وبه أجاب صاحب "التهذيب" في المرآة والمتولِّي في المرآة والماء جميعاً، ولو كانت المرأة عمياء، فقال: إن رأيت فلاناً، فأنتِ طالقٌ، ففي "النهاية" أن المذهب أن الطلاق معلَّق بمستحيلٍ، فلا يقع، وفيه وجْه أنَّه يحمل 462 على حضورها عنْده، واجتماعهما في مجْلس واحد؛ لأن الأعمى يقول رأيتُ اليَوْم فلانًا، ويريد الحضور عنْده.

الجزء: 9 - الصفحة: 143

وقوله في الكتاب "والرؤية في المَاءِ الصَّافِي رؤيةٌ" يريد به ما إذا كان المرئيُّ في الماء الصافي، فأما النَّظَر في الماء، ورؤية الشخْص فيه كالنظر في المرآة، ولا فَرْق بينهما, وليعلَّم قوله: "في الماء الصافي رؤية" بالواو لما حكينا عن القاضي، لو علَّق الطلاق برؤيتها الهلال أو برؤية نفْسِه فهو محمول على العِلْم، فرؤية غيْر المعلَّق برؤيته كرؤيته، وعلى ذلك حُمِلَ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" ويقال: رأينا 463 الهلال ببلد كذا، ويراد رؤية بعْض أهل البلد، وتمام العدد كرؤية الهلال، حتى يقع به الطلاق، وإن لم ير الهلال لحائل، حُكِيَ ذلك عن أبي إسحاق، ولو قال المعلِّق أردتُّ بقولي: "إن رأيْتِ أو رأيْتِ" المعاينة قُبلَ قوله في الباطن، وفي الظاهر وجْهان: أشبههما القَبُول أيضاً، والمذكور في "التهذيب" أنه لو كان المعلّق برؤيته أعمى، لمْ يُقْبل التفسير بالمعاينة في الظاهر، ويجيْء على قياس ما ذكرنا فيما إذا قال للعمياء، إنْ رأيْتِ، فلاناً فأنتِ طالقٌ، أن يسوي بين الأعمى والبصير، في قَبُول التفسير بالمعاينة، وبالقبول أجاب الحَنَّاطِيُّ، وحَكَى فيما إذا أطلقَ فلم يُرِدْ شيئاً قوليْن في أنَّه هلْ يَقَعُ الطلاق برؤية الغَيْر وجميع ما ذكَرْنا فيما إذا جرى التعليق برؤية الهلال بالعربية، أمَّا إذا جَرَى بالعجمية، فعن القفَّال: أنَّه يُحْمَل على المعاينة دون العلْم، سواءٌ فيه البصير والأعمَى، وادعى أن العُرْف المذكور لم يُثْبت إلا في العربية، ومَنَع الإِمامُ الفَرْق فيه بين اللغتين.
وفي "التهذيب" وَجْهٌ أنه يحمل في حق الأعمَى على العلم، وإذا أطْلَق التعليق برؤية الهلال، حُمِلَ على أوَّل شَهْر تستقبله حتَّى إذا لم تر في الشهر الأول، ترتفع اليمين، قاله في "التهذيب"، وهذا يخالف القَوْلَ بوقوع الطَّلاَقِ بتمام العدد على ما مَرَّ، ويمكن أن يُحْمَل ذلك على ما إذا صَرَّح بالمعاينة، أو فسر بها، وقبلناه.
قال: والرؤية في اللَّيْلة الثانية والثالثة كهي في الأولى، ولا أثَرَ للرؤْية في الليلة الرابعة، فإنه لا يُسَمَّى هلالاً ثلاث وفي "المُهَذَّب" أنَّه لو لَمْ يرَ حتَّى صار قَمَرًا، لمْ تُطَلَّق بالرؤية بعْده، وحكى وجهين في أنه بم يصير قَمَرًا.
أحدهما: باستدارته.
والثاني: بأن يُبهر ضوءه 464. ويعتبر أن تكون الرؤية بعد غُرُوب الشمس، ولا أثر للرؤية، قبله، وقوله في الكتاب "ورؤية غيرها الهلال كرؤيتها" يعني إذا كان التعليق برؤيتها، ويجوز أن يعلَّم

الجزء: 9 - الصفحة: 144

بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أنَّه يُعْتَبَر رؤية المعلق برؤيته خاصَّة.
السَّادِسَة: قال: إن كَلَّمْتِ فلانًا، فأنْتِ طالقٌ، فكلمته، وهو سكران أو 465 مجنونٌ، يقع الطلاق، والشَّرط؛ على ما بيناه وفي "الشامل" يشترط أن يكون السكران؛ بحيث يَسْمَع ويكلم، وإلا فهُو كالنائم، ولو كلَّمتْه، وهو نائم، أو مغمى عليه، لم يقَع الطَّلاق، وكذا لو هذت في نومها، أو إغمائها, ولو كلَّمَتْه، وَهي مجنونة، أطْلَق ابن الصَّبَّاغ القول أنه لا يقَع الطَّلاق، وعن القاضي الحُسَيْن: أنَّه يقع، والظاهر تخريجه على الخلاف في حنث الناسي، والمكره، فإن قصد الجنون أضعف من قصد المكره، وسكرها حتى تكلمه لا يؤثر على الأصح إلاَّ إذا انتهت إلى السُّكْر الطافح، ولو خفَضَتْ صوتها بحيث لا يُسْمَع، وهو الهمس بالكلام، لم يقع الطلاق، وإن وقَع في سمْعِه شيْء اتفاقاً، وفهم 466 المقصود لأنه لا يقال: إنها كلَّمَتْه، وكذا الحكم لو كلَّمَتْه من مسافة بعيدة لا يُسْمَع الصوت منها, ولو اختطف الريح كلامها، وحمَلَه، وأوقعه في السَّمْع، فقد أشار الإِمام إلى تردُّد فيه، ولا ظاهر أنَّه لا يقع الطلاق، وإن كانت المسافة بحيْث يسمع منها الصوت، وقع الطلاق، إن لم يَسْمَع المكلم؛ لذهول أو شغل، فإن لم يسمع لعارض أو لغط أو ريح أو لما به من الصَّمم، فوجهان: أحدهما: وهو الَّذي أورده الإِمام، وصاحب الكتاب في اللغط، وبه أجاب القاضي الروياني أنه يقع الطلاق؛ لأنها كلَّمَتْه وعَدَم السماع إنما كان لعارض، فأشبه ما إذا كان للذُّهُول.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" أنَّه لا يقع الطلاق حتَّى يرتفع الصوت بقَدْر ما يسمع في مثل تلْك المسافة مع ذلك العَارِض، فحينئذٍ يَقَع، وإن لم يسمع وذلك؛ لأن الاعتبار بما يَكُون تكليمًا مع مَثْله، ولهذا يختلف حُكْم القريب والبعيد، ورأى الإِمام القَطْع بالوُقُوع إذا كان اللغط بحَيْث لو فُرضَ معه الإِصْغَاء، لأَمْكن السماع، وكذا في تَكلُّم الأصم إذا كان وجهه إليه، وعَلِمَ أنَّه يكلمه 467، وقطع الحنَاطي بعَدَم الوقوع إذا كان الصَّمَم بحيث يَمْنَع السماع أصلاً، ويحكى قولين فيما إذا قال: إن كلَّمْتِ نائماً أو غائبًا عن البلد، هل يقع الطلاق في الحال بناء على الخلاف في التعليق بالمستحيلات، يحتمل أن يقال: لا يقع الطلاق حتى تخاطبه مخاطبة المكلّمين وبنحو منه، أجاب القاضي أبو الطيِّب فيما إذا قال: إن كلَّمْتِ ميتاً أو جمادًا، فأنتِ طالقٌ والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 145

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ فِعْلٍ عُلِّقَ بِهِ فَإِذَا حَصَلَ مِنَ المُكْرَهِ أَوِ النَّاسِي فَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قَصَدَ مَنْعَهَا عَنِ المُخَالَفَةِ فَنَسِيَتْ لَمْ تُطَلَّقْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا علَّق الطلاق بفِعْل إنسان، فوجد ذلك الفعْل منْه، وهو مُكْرَةٌ أو ناسٍ للتعليق أو جاهِلٌ به، فعن القفَّال أنه لا أثَر لوُقُوع الفعْل في هذه الأحوال، ولا يخْرج وقُوع الطَّلاق على الخلاف في حصول الحنث إذا حلَف أن لا يدخل الدار، فدَخَل مكرهًا أو ناسيًا، وفَرقَ بأن التعويل في اليمين على تعْظيم اسم الله 468 تعالى، والحنث في هتْك حُرْمَته، وهذه الأحوال تَمْنَع حصول الهتْك، والتعويل في تعليق الطلاق على حُصُول الصفات المعلَّق عليها، وهي حاصلةٌ، وإن فُرِضَتْ هذه الأحوال فظاهرُ المَذْهب أنَّ لذلك الخلافِ مجالاً هاهنا أيضاً، فقد يقصَد بتعليق الطَّلاق الحنث، والمَنْع كما في اليمين، وعلى هذا؛ فيُنْظَرُ؛ إن علَّق الطلاق بفِعْل نفْسِه ففعله مكرهاً أو ناسيًا، ففي وقوع الطلاق قولان؛ وجه الوقوع: وجودُ الفعْل المعلَّق به، ووجه المنْع: أن الإِكراه والنسيان مرفوعان عن الأمة، فكأنه لم يوجَدِ الفعل؛ ولهذا قلنا: إنَّه لا يقع طلاق المكْرَه، وقد ذكَر صاحب "المهذب" والقاضي الرُّويانيُّ وغيرهما: أن الأظهر في الأيمان أنَّه لا يَحْصُل الحنث بفعل الناسي والمكره، ويشبه أن يكون الحال 469 في الطَّلاق 470 مثْله، وإن علَّق الطلاق بفعْل المرأة أو بفعْل أجنبي، فإنْ لم يكن المتعلَّق بفعله شعورٌ بالتعليق، ولم يقْصِد الزوج إعلامه أو كان المعلَّق بفعله ممَّن لا يبالي بتعليقه، كما لو علَّق بقدوم الحجج أو السلطان، وقَع الطلاق، إذا وُجِدَ ذلك لفعل، وإن كان مع الإكراه والنِّسْيان، لأنَّه ليس في التعليق، والحالَةُ هذه، غرَضُ حَثٍّ ومنع، وإنما الطَّلاق مَعلَّق بصورة ذلك الفِعْل، ومنْهم من أَجْرَى القولَيْن في صورة الإِكراه؛ لأن الإِكراه يُضْعِف الاختيار، وكأن الموجود فعْل المكره، وإن كان المعلَّق بفعله شاعراً بالتَعليق وكان 471 مِمَّن لا يبالي بتعليقه، فيَجْري في صورتي النسيان والإِكراه الخلافُ، ولْيُعْتَبَر معَ ذلك قَصْده الحث والمَنْع، وكذلك فَعَل ابن الصبَّاغ والإِمام؛ فإنَّه قد يَقْصِد التعليق بصورة الفِعْل، وإن كان الشخص ممَّن يبالي بتعليقه، ويلائمه ما ذَكَر صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" أنه لو قَصَد منْعَها من المخالفة، فنَسِيَتْ لم تُطلَّق؛ لأنَّه لم تتحقَّق مخالفة لكنَّه نفى في "الوسيط" الخلاف، وُيشبه أن يُرَاعَى معْنى

الجزء: 9 - الصفحة: 146

التعليق، ويُطْرَد الخلاف 472 ولو علَّق الطلاق بدخول الطفل والبهيمة والسّنّوْر، ووُجِد الدخول، حَصَل الحنث، قال الحناطي: ويُحْتمل أن لا يحْصُل إن حَصَل الدخول كرهًا، فلا حَنِث، قال: ويُحْتمل أن يحْصُل الحنث؛ لأنَّه ليْس لهُمْ قصد واختيار صحيح [فلا أثر لإِكراههم] 473 قوله في الكتاب: ففيه قولان يجوز إعلامه بالواو لِمَا حكينا عن القَفَّال، وأيضاً فإنَّه مطْلَقٌ، وذكرنا أنه لو كان المعلَّق بفعله ممن لا يبالي بالتعليق، لم يُؤثِّر الإِكراه في أحد الطريقين، وهو الأظهر ولا أثر للنسيان في هذه الصورة، بلا خلاف والله أعلم.
وإذْ وفق الله تعالى لشرح [هذا] 474 فنعقبه بمسائل وصُوَر مبددة: إذا قال لأربع نسوةٍ تحته: إن لم أطأْ واحدةً منْكُنَّ اليوم، فصواحبها طوالقٌ، فإن وطئَ واحدةً منْهُنَّ في ذلك اليوم، انحلَّت اليمين، وإن لم يطأْ واحدةً، وقعَتْ على كلِّ واحدةٍ منهن طلقةٌ، ولو قال: أيَّتُكُنَّ لم أطأها اليوم، فالأُخرياتُ طوالقُ، ومضى اليوم، ولم يطأْ واحدةً، طُلِّقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأن لها ثلاث صواحِبَ لَمْ يطأْها, ولو وَطِئَ واحدةً، طُلِّقت هي ثلاثاً، [لأن لها ثلاث صواحب لم يطأهن] وكل واحدة من الأخريات طُلْقْنَ؛ لأن لكل واحدة منهن صاحبتَيْن لم يطأْهُمَا, ولو وطئ اثنتين طُلِّقَت كلُّ واحدة منْهما طلقتين، وكل واحدة من الأخريين طلقةً، ولو وطئ ثلاثاً، طُلِّقت كل واحدة منْهن طلقةً، ولم تُطلَّق الرابعة؛ لأنَّه لَيْس لها صاحبة غيْر موطوءه، ولو قال: أيتكن لم أطأها، فالأخريات طوالق، ولم يقيِّد بِوَقْت، فجميع العمر وقْتٌ له، فإن مات أو مُتْن قبل الوطء، طُلِّقت كل واحدة ثلاثًا قبيل الموت، وإن ماتَتْ واحدة قبل الوطء، والزوج حيٌّ، لم يُحْكَم بوقوع الطلاق على الميتة؛ لأنه قد يطأ الباقيات، ويقع كل واحدة من الباقيات طلقة، ولو ماتت ثانية قبل الوطء: تبيَّن وقوع طلقة على الأولى قبل موتها، وطُلِّقت كل واحدة من الباقيتين طلقةً أخرى، وإن بقيتا في العدة، فإن ماتَتْ ثالثة قبْل الوطء، تبيَّن وقوع طلقتين على الأوليين قبل موتهما، وطُلِّقَت الباقية طلقةً ثالثة، فإن ماتَت الرابعة قبيل الوطء تبينَّ وقوع الثلاث على الجميع.
ولو قال: أنتِ طالقٌ عشْرًا، فقالت تكفيني ثلاث، فقال: الباقِي لضرَّتِكِ، لا يقَعَ على الضَّرَّة شيءٌ؛ لأن الزيادة على الثلاث لغْوٌ، ولو قالت تكفيني واحدةٌ فقال: الباقي

الجزء: 9 - الصفحة: 147

لِضَرَّتِك، يقع عليها ثَلاَثٌ، وعلى الضَّرَّة طلقتان، إذا نوى، قاله في "التهذيب".
قال: إن سرقْتِ منِّي شيئاً فأنتِ طالقٌ، فدفع إليها كيسًا فأخذت منْه شيئاً، لا تطلَّق؛ لأنه يُسمَّى خيانةً: لا سرقةً، والعُرْف قد تنازع في ذلك.
قال لامرأته: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، ثم أعاد مرَّة أخرى، طُلِّقَت؛ لأنَّه قد كلَّمها وبالإِعادة، ولو قال: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، فأعلمي ذلك، طُلِّقَتْ بقوله فاعلمي ذلك وقيل: إنَّه إذا كان موصولاً بالكلام الأول، لم يُؤَثِّر؛ فإنه من تتمته، ولو قال: إن كلَّمْتُك، فأنتِ طالقٌ، إن دخلْتِ الدارَ، فأنتِ طالقٌ، فالتعليق الثاني كلامٌ معها، فتطلَّق، وإن قال: إن برأتُكِ بالكلام، فأنتِ طالقٌ، وقالت: إن برأتُكَ بالكلامِ فعَبْدي حرٌّ، ثم كلمها ثم كلمته، لم تُطَلَّق هي، ولم يُعْتَق العبد؛ لأن يمينه انحلَّت بتعليقها، ويمينها انحلت بكلامه أوَّلاً، ولو قال لغيره إن برأتك بالسَّلام، فعَبْدي حرٌّ، وقال ذلك الغير: إن برأتك بالسَّلام، فعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ سَلَّمَ كُلُّ واحد منهما على الآخر دفعة واحدةً قال في "النهاية: لا يُعْتَقُ عبْدُ واحد منْهما؛ لأنَّه لم توجَد البداية بالسلام منْ واحد منهما وتنحل اليمين فإذا سلَّم بعد ذلك أحدهما على الآخر لم يعتق واحد من عبديهما لأنه ليس مبتدئًا.
قال المَدْيون لرب الدين: إن أَخَذْتَ ما لك عليَّ، فامرأتي طالقٌ، فأخذه مختارًا، طُلِّقت امرأة المديون، سواءٌ كان مختارًا في الإعطاء أو مكرهًا، وسواء أعْطَى بنفسه أو بوكيله، أو استلبه ربُّ الدَّيْن.
وَبِمِثْلِهِ أجاب صاحب "التهذيب" فيما إذا أخذه السلطان، فدفعه إلَيْه، وفي كتب العراقيين أنَّه لا يقع الطَّلاق إذا أخذه السلطان، ودَفَعه إليه؛ لأنه تبرأ ذمَّة المديون إذا أخَذَه السُّلْطَان، ويصير المأخوذ مِلْكًا له، وإذا كان كذلك، فلا يَبْقَى له حقٌّ عليه، حتى يقال: أخَذَ حقَّه عليه، ولو قضَى عَنْه أجنبيٌّ قال الداركي: لا يقع الطلاق؛ لأنَّه بدل حقّ المستحقِّ، لا حقّه، ولو قال: إن أخذْتَ حقَّكَ منِّي، فهي طالقٌ، لم تطلَّق بإعطاء وكيله ولا بإعطاء السلطان من ماله، فإن أكرهه السُّلْطَان، حتى أعْطَى بنفسه، فعلى القولين في فِعْل المكره، ولو قال: إن أعْطَيْتُكَ حقَّكَ، فأعطاه باختياره، حنث، سواءٌ كان الآخَرُ مختارًا في الأخذ أو لم يكن، ولا يحنث بإعطاء الوكيل والسلطان.
قال: أنتِ طالقٌ مريضة بالنصب لا يقع الطلاق إلا إذا مَرِضَتْ؛ لأن الحال كالظَّرْف للفعل ولو قال: أنتِ طالقٌ مريضة بالرفع فقد قِيلَ، يقع الطلاق في الحال، وقوله: "مريضةٌ" وصف لها واختار ابن الصَّبَّاغ الحمل على الحال أيضاً؛ لأنه لَحْنٌ في الإِعراب 475.

الجزء: 9 - الصفحة: 148

قال لامرأتيه إن دخلتما هاتَيْن الدارين، فانتما طالقتان، فدخلَت كل واحدة منهما إحْدى الدارين، فوجهان: أحدهما: يُطَلَّقان، لدخولهما الدارين.
والثاني: لا؛ لأن قضيَّته دخول كل واحدة منهما الدارين، ألاَ ترى أنه لو قال لواحدة إن دخلْتِ الدارَيْن اعتبر أن تدخلهما.
ولو قال: إنْ أكلتُما هذين الرغيفين، فأكَلَتْ كلُّ واحدة رغيفًا وقالوا: يقع الطلاق؛ لأنَّه للمساغ فيه للاحتمال 476 الثاني.
ولو قالت أنت تملك أكثر من مائة قال: إن 477 ملكْتُ أكْثَرَ منْ مائةٍ، فأنتِ طالقٌ، وكان يملك خمسين، روجعَ، فإن قال: أردتُّ أني لا أملك الزيادة على مائة، لم يَقَع الطلاق، وإن قال: أردتُّ أَنِّي أملكُ مائةً بلا زيادة، وقَع، وإن أطلق فعلى يُحْمَلُ؟ فيه وجهان 478. = الإعراب، ثم قال: إذا قلنا بالفرق بين الرفع والنصب.
فقال الماوردي: هذا فيمن يعرف العربية، فأما من لا يعرفها ولا يفرق بين الرفع والنصب ففيه وجهان: أحدهما: أن الحكم كذلك لأن الحكم معلق باللفظ فلا فرق بين أن يعرفه أو يجهله كصريح الطلاق وكنايته.
والثاني: أن الرفع والنصب متساويان في وقوع الطلاق لأن الأعراب دليل على المقاصد والأغراض، فإذا جهلت عدمت وبقي منفردًا، قال: وسكت عن حالة ثالثة وهي إن توقف بالسكون فلا يرفع ولا ينصب، وقد تعرض له الماوردي فقال: يسأل عن مراده، فإن أراد أحدهما حمل عليه، وإلا حمل على الخبر دون الشرط ويقع الطلاق لأن الشرط لا يثبت إلا بالقصد، وذكر الرافعي قبيل الطرف الثالث في التعليق بالحمل أنه إذا قال إن دخلت الدار فطالقًا واقتصر عليه.
قال البغوي إن قال نصبته على الحال ولم أتم الكلام قبل سنة ولم يقع شيء، وإن أراد ما يراد عند الرفع ولحن وقع الطلاق إذا دخلت.

الجزء: 9 - الصفحة: 149

ولو قال: إن كنْتُ أملك إلا مائةٌ، وكان يملك خمسين، فمِنْهم مَنْ طَرَد الوجهين 479، ومنهم من قطع بالوقوع.
إذا قال: إن خرجْتِ إلا بإذني، فأنتِ طالقٌ، فالصورة بفروعها تأتي في الأيمان إن يسر الله -تعالى-؛ لأن لها ذكراً في الكتاب هناك، ولو قال: إن خرجْتِ إلى غيْر الحَمَّام بغير إذني، فأنتِ طالقٌ، فخرجَتْ إلى الحمام، ثم قَضَتْ حاجةً أخرى، لم تُطلَّق، وإن خرجَتْ لحاجة أخْرَى، ثم عدَلَتْ إلى الحمام، طُلِّقَت، وإن خَرَجَتْ للحمام وغَيْره؛ ففَي وجْهٍ تُطَلِّق، كما لو قال: إنْ كلمْتِ زيْدًا وعمرًا، وفي وجْه لا تُطَلَّق؛ لأن المفهوم من قوله: "إن خرجت إلى غير الحمام" المقصود أجنبيٌّ عن الحمام، وهاهنا الحمَّام مقصُودٌ بالخروج 480. ولا يقع الطلاق في النكاح الفاسد، وعن مالك وأحمد: أنَّه يقع في النكاح المُخْتَلَف [منه] 481. وفي فتاوى القَفَّال: أنه لو قال: وَقَدْ خرجَتْ زوجته إلى دار أبيها: إن ردَدتُّها إلى دَارِي [أو رَدَّها] 482 أحدٌ، فهي طالقٌ، فاكترت بهيمة وعادت إلى داره مع المكاري، لم يَقَع الطلاق؛ لأن المكاري ما رَدَّها، وإنما صَحِبَها في الطريق، ولو عادَتْ ثُمَّ خرجَتْ، فردَّها الزوج، لم تُطَلَّق؛ لأنه ليس في اللفظ ما يقتضي التَّكرار، وأنه لو قال: (حلال =ولم أرَ من تكلم على توجيه هذا الفرع غير القرافي من المالكية في كتابه الاستغناء وقال إنه في غاية الغموض والمدرك فيه أن مقتضى لفظ الحالف إن كان في يدي دراهم أكثر من ثلاثة دراهم مضافة للدراهم التي في يدي والأكثر من ثلاثة دراهم هي أربعة فأكثر، فإذا أضيف أربعة لثلاثة في يده وكانت سبعة فلا يحنث بأقل من سبعة أما الستة فلا يحنث بها لأنه حينئذٍ يكون في كفه دراهم ليست أكثر من ثلاثة أخرى في يده بل مثلها لأن ثلاثة مثل ثلاثة فجعل وصف الكثرة صفة لما راد على الدراهم التي في يده متى لم توجد هذه الصفة لا يحنث بالأربعة ولا بالخمسة ولا بالستة بل بالسبعة فأكثر، وفي كلامه حذف أي إن كان في يدي دراهم أكثر من ثلاثة دراهم في يدي فعبدي حر فقولنا في يدي في آخر الكلام لا بدّ منه في تقدير هذه المسألة، ثم قال وهو مشكل لأن الأصل عدم الحذف وهو قولنا في يدي وأيضاً فجعله الكثرة صفة لما زاد على دراهم آخر خلاف الظاهر إذ الكثرة صفة لجميع ما في يده وأن معنى الكلام وإن كان جميع ما في يدي أكثر من ثلاثة دراهم فعبدي حر، فهذا وجد في يده أربعة، حنث.
غير أنه قد فهم من المسائل قرينة دلت على ما أفتاه به ولم يصل إلينا ففي ظاهر اللفظ مشكلاً.
انتهى.

الجزء: 9 - الصفحة: 150

خد اى من حرام) 483 بمعنى طلاق (اكَرآن جامه كه توكنى دربو شم) 484 فلبس ثوباً غزلَتْه في السَّنة الماضية، لم تطلَّق؛ لأن اللفظ للمستقبل، ولا يختص الحنث بما غزلته وخاطته لأنَّه يقال (فلانرن بنو هزار جامه كرد) 485 وإن كانتْ قد اشترته، ويقول الرجل (من فلان را جامه كردم) 486 وإن لم يكُنْ منْه غَزْلٌ.
وأنه لو قال: المرأة التي تدْخُل الدار من نسائي طالقٌ، فما لم تدخل واحدةٌ [الدار]، لا يقع الطلاق، ولو أشار إلى واحِدَة بعَيْنها، وقال: هذه الَّتي تدخل الدار طالقٌ، طُلِّقت في الحال، دخلت أو لم تدخُلْ، وأنَّه لو قال: (حلال برمن حرام اكَراز خانه بيرون سوى) 487 (واكَراز مال من كسى واجيزى وهي) 488 (واكَر يخانه ماذن ئو) 489 طُلِّقَتْ بأية صفة من هذه الصفات، وجدت.
ولو قال: (اكَراز خانه بيرون شوى وكسى جيزى وهى) 490 لَمْ تُطَلَّق إلاَّ بهما، وأنَّه لو قال (حلال برمن حرام واكَر خواهر توفردادر خانه من بأشد) 491 فلَمَّا أصبحت الأخْتُ، جَمَعَتْ أمْتِعَتَها وخَرَجَتْ، إنْ خرجَتْ قبْل الفجْر، لم تطلَّق، وإن خرجَتْ بعْده، فالظاهر وقُوعه؛ لأنَّه يقتضي جميعَ نَهَار الغد 492 هذا لفظه، وهو بعَدَمِ الوقوع أشدُّ إشعاراً، وأنه إذا كان يَخْرُج من بيته، فقالت المرأة: ألا 493 تريد الخروج إلى السُّوق اليوم، فقال: أريده، فكذَّبته، فقال (حلال خداى يرمن حرام اكَرمن من بيازا رشوم امروز) 494 فإن راعَيْنا المعنى، فالتقديرُ: حلال اللهِ عليَّ حرامٌ، إن لم أخرجْ إلى السُّوق اليَوْم، وإن راعَيْنَا اللفْظَ، وإن قدمنا المُؤَخَّر، فكأنه قال (كه من بازار شوم حلال خداى برمن حرام) 495 أي إذا خرجْتُ إلى السوق، فحلال الله عليَّ حرامٌ، وإن لم يقدَّم المؤخر، فقضيته أن يقع في الحال، ويلغو قوله (كه من بازا

الجزء: 9 - الصفحة: 151

رشوم) 496 فقال الشَّيْخ القفَّال في هذا كالمتحيِّر، وأن الأقرب الاعتماد على المَعْنَى، وأنه لو قال (اكَرمن ارزشت ازبافت شود رتوشمر توبه طلاق هشته) 497 حنث إذا لبس من غزلها، وإن لم تَنسُجْه، ومن نسجها [فلبس ثوباً]، وإن لم تَغْزله، فلو قال (اكَرمن ارزشت وبافت تودر بوشم) 498 فلو لَبِسَ ثوباً نسجًا من غزلها, ولم تنسجه، لم يحنث، ولأنَّ الطلاق معلَّق بالصفتين؛ الغزل والنسج، ولو لبس ثوباً نُسِجَ من غزلها، وآخر نسجته هي حَنَث، لاجتماع الصفتين في الثوبين.
ولو ادَّعَت امرأة على رجُل أنَّه نكَحَها، وأنكر فَمنَ الأصحاب مَنْ قال: لا يَحِلُّ لها أن تنكح غيْره وهو الظاهر، ولا يجعل إنكاره إطلاقًا، بخلاف ما إذا قال: نكَحْتُها، وأنَا واجد للطَّوْل، فيجعل ذلك فرقةً بطلقة؛ لأن هناك أقر بالنكاح وادعى ما يُمْنَع صحته، وهاهنا لم يَقر أصلاً وقِيل: يتلطَّف الحاكم به حتَّى يقُول: إن كنت نكحتَها، فقد طلَّقْتَها، وأنَّه لو قال: حلالُ اللهِ عليَّ حرامٌ، لا أدخل هذه الدار كان ذلك تعليقاً، وإن لم [يكن] فيه أداة تعليق، وأنَّه لو قال: حلفْتُ بطلاقك إلاَّ تَخْرُجِي من الدَّار، ثم قال: ما حَلَفْتُ، وإنما قَصَدتُ تفريغها, لا يُقْبَل في الحكْم ويدين، أنها لو قالت لزوجها: اجعل أمر طلاقي بيَدي، فقال: إن خرجْتِ من هذه القرية، أجْعَلْ أمْر طلاقك إلَيْك، فقالت: أخْرُجُ، فقال: جعلْتُ أمرك بيدك، فقالت: طَلَّقْت نفسي، فإن ادعى الزوج أنه أراد بعْد خروجها من القرية، صُدِّقَ، وإلا وقَع الطلاق في الحال، وأنَّه لو قال: إن أبرأْتِنِي عن الدَّيْن الذي لك عليَّ، فأنْتِ طالقٌ، فابرأَتْه، يقَع الطلاق بائنًا، ولو قال: إن أبرأت فلانًا، فابرأتهُ، يقع الطَّلاقُ رجعيّاً، [و] أنَّه لو قال لأم امرأته: بنتُك طالقٌ، ثم قال: أردتُّ البنت الَّتِي ليست بزوجة لي صدق وأنه لو قال إذا فعلت ما ليس لله فيه رضا، فأنتِ طالقٌ، فتركت صومًا أو صلاة فينبغي ألاَّ يقع الطلاق؛ لأنَّه تَرْك، ولَيْس بفِعْلٍ، ولو سرقت أو زَنَتْ يقَعَ 499. عن الشيخ أبي العاصِم العَبَّادِيِّ أنه لو قال: أنْتِ طالقٌ يا طالق لا طلقتك تقع طلقتان وأنه لو قال لزوجته: إن وَطِئْتُ أمتي بغَيْر إذْنِك، فأنتِ طالقٌ، ثم استأذنها،

الجزء: 9 - الصفحة: 152

فقالت: طَأْهَا في عينها لا يكون هَذَا إذنًا، وسئل عمَّن له أمة، وتحته امرأة، فدعا الأمة إلى فِرَاشِه، فحضرت الحرَّةُ فوطِئَها، ثم قال: وهو يظنُّ أنها الأمة: إن لم تَكُونِي أحْلَى من الحرَّة، فهِيَ طالقٌ، فقال: أفتى أبو حامد المروزي تطلق لأنَّها هي الحرَّة: فلا تكون أحْلَى من الحرة، وحكى أبو العبَّاس الرُّوياني وجْهًا أنَّها لا تُطلَّق؛ لأن عنده أنه يخاطب غيْرها قال: وهو الأظهر، وبه أفتى أبو عبد الله الحنّاطي.
وسئل القاضي الحسين، عمن حلف بالطلاق أنه يقرأ عشْرًا من أول سورة البقرة بلا زيادة وأن يقف، وللقراء اختلافٌ في رأس العشْرة، فقال تدور المسألة على اعتقاد المفتي، فما أدى إليه اجتهاده أَخَذَ المستفتي به، وعن امرأة صعِدَتْ بالمفتاح فقال الزوج: إن لم تُلْقِي المفتَاحَ من السطح، فأنتِ طالقٌ، فلم تلقه، ونَزَلَت فقال: لا يقع الطلاقُ، ويُحْمَل قوله: "إن لم تُلْقهِ" على التأبيد، كما قال أصحابنا: فيمن دخل عليه صديقه، فقال تغد معي، فامتنع، فقال: إن لم تَتَغَدَّ معي، فامرأتي طالقٌ، فلم يفْعَل، لا يقع الطلاق، ولو تغَدَّى بعْد ذلك يوماً من الدهر انحلت اليمين، نعم لو نوى الحال فامتنع، وقع الطلاق، ورأى صاحب "التهذيب" حمْل المُطْلَق على الحال، [للعادة] 500، وهو المَحْكِي عن أبي حنيفة -رحمه الله- وفي فتاوى القاضي الحسين: أنه لو كانت له دجاجات تُفْسِد الثياب، فقال: إن لم تبيعي هذه الدجاجات، فأنتِ طالقٌ، فرمت واحدةً منْها، وقتلتها، وقع الطلاق؛ لتعذر البيع، وإن جرحتها ثم باعتها، فإن كانت، بحيث لو ذُبِحَتْ لم تَحِلَّ، لم يصح البيع، ووقع الطلاق، وإن كان بحيث لو ذبحت حلَّت، أصح، 501 البيْع، وانحلت اليمين، وأنَّه لو قال: إن قرأْتُ سورةَ البَقَرة في صلاة الصبح، فأنتِ طالقٌ، فقرأها، ثم فسدتْ صلاتُه في الركعة الثانية، لم يقع الطَّلاق على ظاهر المذهب؛ لأن الصلاة عبادةٌ واحدةٌ، ففساد آخرها فسادُ أولها، وأنَّه لو قال لامرأته: مهما قَبَّلْتُكِ فضَرَّتك طالقٌ فقَبَّلَها بعْد موتها لم تطلَّق الضرة، ولو قال لأمّه: مهما قَبَّلْتُكِ، فامرأتي طالقٌ، فقَبَّلَها بعْد موتها، طُلِّقت امرأته، والفرق أن قُبْلةَ المرأة قبلةُ شَهْوة، ولا شهوة بعْد الموت، وقُبْلَة الأم قبلة كرامة، فتستوي فيْه حالة الحياة والموت، وأنَّه لو قال: (اكَرابن دستار كه توكرده اى در سر يندم يادركه خداى من آيز تو هشته، اى) 502 فباعته، ودفعت الثمن إليه، فصَرَّفه في حوائجه، لم يقع الطلاق لأن عيْن المنديل لم تدخله في (كد خدا يته) 503 ولو ابتزرنه أو تفحص لحنث وأنه لو قال: (حلال

الجزء: 9 - الصفحة: 153

خداى بر مني حرام كه درنكاح من نباش) 504 يقع في الحال؛ لأنها في نكاحه، ولو قال: (اكَرتودا دارم توهشته اى) 505 فعن القفَّال: أنَّه كنايةٌ، فإن أراد الإِمساكَ في الزوجية، فإذا مَضَى عقيب اللفظ زمانٌ يمكن أن يُطَلِّقَ فيه، فلم يُطَلِّق، وقَع الطلاق، فإن طلَّق وثم راجع، كان ممْسكاً بالرجعة 506، وإن نوى الإِمساك باليد، أو في الدار، قُبِلَ منها، فإن أخرجها من الدار، ثم ردَّها، وقع الطلاق بالرد، وإن فسرناها بالاتفاق عليها، ففي القَبُول وجهان، عن أبي العبَّاس الروياني وأنه لو قال: إن غَسَلْتِ ثوبي فأنتِ طالقٌ، فغسلته أجنبية ثم غَمَسَتْه المحلوف بطلاقها في الماء تنظيفًا له، لا يَحْنَث، لأن العُرْف في مثْل ذلك يغلب، والمراد في العرف الغسل بالصابون والأشنان، وإزالة الدَّرَن، وسئل عنْه غيْرُه فقال: إن أراد الغسل من الدَّرَن، لم يحْنَث، وإن أراد التنظيف، حَنَث، قيل: فإن أطلق قال: لا أجيب فيه 507 وفي فتاوى الشَّيْخ الفَرَّاء أنَّه لو طلَّق امرأته ثلاثاً ثم قال كنْتُ حرَّمتها على نفْسي قبل هذا، فلم يقع الثلاث، لم يُقْبَل قولُه، وأنه لو قال: إن ابتلعت شيئاً، فأنْتِ طالقٌ، فابتلعت ريقَها، حنث، فإن قال، عنيْتُ غير الريق صُدِّقَ في الحكم، ولو قال إن ابتلعت الريق، فأنتِ طالقٌ، حَنَث، إذا ابتلعَتْ ريقَ نَفْسها أو ريق غيرها فإن قال: عنَيْتُ ريقك خاصَّة، قبل في الحُكْم: وإن قال: عنيْتُ ريق غيرك خاصَّةً، لم تقبل في الحُكْم، ودين، وأنَّه لو قال: إن ضربتُكِ، فأنتِ طالقٌ، فقصَّد، ضرب غيرها، فأصابها, لم يُقْبَل؛ لأن الضَّرْب يقينٌ، يُحْتَمَل أن يقبل؛ لأنَّ الأصْل بقاءُ النِّكاح، وأنَّه لو نادى أُمَّه، فأجابتْه، فلم يسمع فقال: إن لم تُجِبْني أمي، فامرأتي طالقٌ، فإن رفعَتِ الأم صوْتَها في الجواب؛ بحيث يسمع في تلْك المسافة، لم

الجزء: 9 - الصفحة: 154

يحْنَثْ، وإلا حنث، وأنه لو قال: إن دخلْت على فلان داره، فامرأتي طالقٌ، فجاء فلانٌ وأخذه بيده، فأدخله الدار، فإن دخلا الدار معاً، لم يحْنَث، وإن دخل فلان أوَّلاً، حنَث، وأنَّه لو حلف لا يخرج عن البلد حتَّى يقْضِيَ دين فلانٌ بالعمل، فعَمِل له ببعض دَيْنِه، وقضى الباقي من موضع آخر، ثم خَرَج، حَنَث، فإن قال: أردتُّ أني لا أخْرُج حتى أَخْرُج من دينه، وأقضي حقَّه قُبِلَ قوْله في الحُكْم 508. وعن أبي العبَّاس الرُّويانيِّ أنَّه إذا طلَّق امرأته، فقيل له (طلَّقتها ثَمَّ) قال: طلقة واحدةً، قُبِلَ قولهُ؛ لأن قوله طلقتها صالح للابتداء غيْر متعين الجواب، وأنه إذا قال: إن سرقْتِ ذهباً، فأنتِ طالقٌ فسرقت ذهباً مغشوشًا، فالمذْهَب وقوعُ الطَّلاق 509، وفيه وجْه.
وأنَّه لو قال: إن أجبتني عن خِطَابِي، فأنْتِ طالقٌ، ثم خاطبها فقرأت آية تتضمن جوابه، فإن قالت: قصدت بقراءتها جوابه طلقت، وإن قالت قصدت قراءة القرآن دون الجواب، لم يقع، أو إن لم تبيَّن الحال، فالأصْل أن 510 لا طلاق، وأنَّه لو قال: إن لم تستوفي حقَّك من تركة أبيك تامًّا، فأنتِ طالقٌ، وكان إخوتها قد أتلفوا بعض التركة، فلا بدّ وأن تستوفي حِصَّتها من الباقي وضمان حصتها من التالف ولا يكفي الإبراء لأن الطَّلاقَ معلَّق بالاستيفاء إلا أن الطَّلاق إنَّمَا يقع عنْد اليأس، من الاستفتاء، وأنَّه لو قال (حلال خدائى برمن حرام معْنى طلاق اكَر من ريس تودر بوشم) 511 والتحف بملاءة من غَزْلها، فعن القفَّال: أنه لا يحْنَث؛ لأنه لا يُسمَّى ذلك بالفارسية (دربو شيدون) 512. ولو جرى التعليق بالعربية: يحنث لأنَّه لا يسمى لُبْسًا، قال: وعنْدي أنه لا فَرْق بين اللغتين، ولكن يُنْظَر إن اضطجع، فأُلْقَتِ الملاءة علَيْه، فهذا ليس بلُبْس، وإن كان بعْضُه تحته، وبعضه فوقه، فهذا يُحْتَمَل أن يُجْعَل لبسًا لارتداء، وعن القفَّال: أن قوله (ازرشته تودر نبوشم) 513، تناول المغزول، وقُبِلَ اليمين، وقولُه (انج توديسي) 514 يتناوَل

الجزء: 9 - الصفحة: 155

المغزول بعدها، وقول (ازريس تو) 515 يتناولهما جميعاً.
وأنه لو أشار إلى ذَهَب، وحَلَف بالطلاق أَنه الَّذي أخذه من فلان، وشَهِد شاهدان أنّه ليْس ذلك الذهب، وأنه حانِثٌ، فظاهر المَذْهَب وقوعُ الطَّلاق، وإن كانت هذه شهادةً على النفي؛ لأنه نَفْيٌ يحيط العِلْم 516 به وأن الشاهد رُبَّما رأى ذلك المذهب، وعلم أنه غير المحلوف علَيْه.
وفيه وجْه: أنه لا تُقْبَل هذه الشهادة، ولا يقع الطلاق، وأنه لو حَلَف بالطلاق أنه لا يَفْعَل كذا، فشَهِد شاهدانِ عنْده إنه فعَلَه، وتُيُقِّنَ صدقهما، أو غلب على ظنه صدْقهما، لَزِمَه أن يأخُذ بالطَّلاق 517، وأنه لو غَلَّق الباب على أرْبعَ نِسوة له فتحت إحداهن الباب، فقال: من فتحَت الباب منْكُنَّ، فهي طالق، فقالت كلُّ واحدة: أنا فتحْتُ لم يُقْبَلْ قولهن؛ لإمَكان إقامة البيِّنة عليْه، قال: فإن اعترف الزوْج أنَّه لا يَعْرِف أيتهن فتحَتْ، لم يكن له التعيين في كلِّ واحدة منْهُنَّ، وإنما يُرْجَع إلى تعينه، إذا كان الطَّلاق مبهماً 518 ولو حلف بالطَّلاق أنَّه أنفذ فلاناً إلى بَيْت فلان، وعلم أن المبْعوث، لم يَمْض إليه، ففي وجهٍ: يقع الطلاق؛ لأن اللفْظ يقتضي حصولَه هُنَاك، والصحيح المَنْع؛ لأنه يصْدُق أن يقال: أنفذه، فلم يمتثل، وأنَّه لو قال لها: إن لم تطيعيني 519، فأنتِ طالقٌ، فقالت: لا أطيعُكَ، ففي وجه: يقَعُ الطلاف بقولها "لاَ أُطِيعُكَ"، والأصحُّ؛ أنه لا يقَع حتَّى يأمرها بشيْءٍ، فتمتنع أو ينهاها عن شيْء فتفعله، وأنه لو قال: امرأتي طالقٌ إن دخلت دارها, ولا دار لها وقْت اليمين، ثم مَلَكَت دارًا، فدخلَها، حصَل الحنث، وأنَّه لو قال إن لم تَكُوني الليلة في داري، فأنتِ طالقٌ، ولا دار له، ففي وقوع

الجزء: 9 - الصفحة: 156

الطلاق وْجهان مبنيان تارة على التعليق بالمستحيل، وأُخرى على الحنث، هل يحْصُل بفْعِل المكره.
وأنه لو قال: امرأتِي هذه تَحْرُم عليّ لا تَحِلُّ لي أبداً، فلا طلاق؛ لأنه قد يظن أنها تحرم عليْه باليمين على أن لا يُجَامِعَها، واللفظ ليْس صريحاً في الطلاق، وقيل: يُحْكم بالبينونة بهذا اللفظ، وأنه لو قال: لِمن يُسمَّى زيْداً: يا زيدُ، فقال: امرأةُ زيْدٍ طالقٌ، طُلِّقَت امرأته، وقيل: لا تُطلَّق إلا أن يريد نفسه، وأنه لو قال: إن أجبتِ كلامي، فأنْتِ طالقٌ، ثم خاطب الزوج غيْرَها، فأَجَابَتْ هي، فظاهر المذهب أنها لا تُطلَّق؛ لأنَّه إنما يُسمَّى جواباً إذا كانَتْ هي المخاطبة، وأنه لو حلَف أن لا تَخْرُج من الدار إلا بإذنه، فأخرجها هو، هل يكون الإخراجُ إذْناً؟ فيه وجهان، القياس المَنْع، وأنه لو عُزل القاضِي فقال: امرأة القاضي طالقٌ [هل] 520، يَقَع طلاقه، فيه وجْهَان، وأنه لو قيل لَهُ: طَلَّقْت امرأتك، فقال: أَعْلَمُ أَن الأمْرَ على ما تقول، هل يكون هذا إقرارًا بالطَّلاق؟ فيه وجْهَان؛ الأصح المنع، وأنه لو دَخَل موضعًا فيه جماعةٌ، فخرج، وقد لَبس خُفَّ غيره غلطاً، فقالت له زوجته: قد استبدلْتَ خُفَّكَ، ولبستَ خفَّ غيرك؛ فأنكر، وحَلَف بالطلاق أنَّه لم يفْعَل ذلك، فإن كان خَرَج بعْدما خرج القَوْم، ولم يبق هناك إلا ما لبسه لم يقع طلاقُه؛ لأنه لم يستبْدِلْ إنما استبدل الَّذين خرجوا قبْلَه، وإن بقي هناك غيره، وقع الطلاق 521. وأنه لو رأى امرأته تنحت خشبة، فقال: إن عُدتِّ إلى مثْل هذا الفِعْل، فأنتِ طالقٌ، فنحتت خشبةً من شجرة أخْرَى ففي وقوع الطلاق وجهان؛ لأن النحت مثْل النَّحْت، لكن المنحوت ليس مثل المنحوت 522، وأنه لو قال: إن لم تخْرجي الليلة من هذه الدَّار، فأنتِ طالقٌ، فخالَعَ مع أجنبي من الليل وجدَّد النكاح، ولم تخرج، لا يقع الطلاق؛ لأن الليل كلَّه محلُّ اليمين، ولم يمضِ كل الليلة، وهي زوجة له حَتَّى يقع الطلاق، وأنَّه لو حَلَف أن لا يخرج من البلد إلاَّ مَعَ امرأته، فخرجا لكنه تقدَّم عليها بخطوات، ففي وجْه: لا يحنث للعُرْف، وفي آخر يحنث.
وإنَّما يحْصُل البرُّ أن يخرجا

الجزء: 9 - الصفحة: 157

معاً من غيْر تقدُّم، وأنه لو قال: إن خرجْتِ من هذه الكُوَّة، فأنتِ طالقٌ، فوسع موضع الكُوَّة حتَّى صار باباً فخرج منْه، يُحْتمل أن يقال: إن خرجَتْ من موضع الكُوَّة، حنَث، وإلاَّ فلا، ويُحْتَمَل أن يُقَال: إن كان بحيث يسمَّى كوة، يقع الطلاق، وإلاَّ فلا، وأنه لو حَلَف إلاَّ يضربها إلا بالواجب فشتمته فضربها بالخشب، يحنث؛ لأن الشَّتْم لا يوجب الضَّرب بالخشب، وإنما المستحق به مطلق التعزير، وقيل بخلافه 523، وأنه لو قال لزوجته إن علمتي من أختي شيئاً، فلم تقوليه لي فأنتِ طالقٌ، فينصرف ذلك إلى ما يوجب ريبة ويوهم فاحشة دون ما لا يقُصْدَ العِلْم به؛ كالأكل والشرب ثم لا يَخْفَى أَنَّه لا يعتبر أن تقوله على الفَوْر، وأنها لو سَرَقت من زوْجها دِينارًا، فحلف بالطلاق أن تردَّه عليْه، وهي قد أنفقته لا يقَع الطلاق، حتَّى يحْصُل اليأس عن الرد بالمَوْت، فإن تَلَف الدينار، وهما حيَّان، فوقوع الطلاق على الخلاف في الحنث بفعل المُكْرُه 524، وأنه لو سمع لفْظ الطلاق من رجل وتحقَّق أنَّه سَبَق لسانه إليْه، لم يكن له أن يَشْهَد على مُطْلَق الطلاق، وأنَّه لو قال: إن رأيت الدَّم، فأنتِ طالقٌ، فالظاهر حمْلُه على دم الحيض.
وقيل: يحمل على كلِّ دم؟ وأنَّه لو قال: إن دخلْتِ هذه الدَّار، فأنتِ طالقٌ وأشار إلى بُقْعة من الدار فدخلَتْ غيْر تلك البقعة من الدار، ففي وقوع الطلاق وجهان 525. وأنه لو قال: إن كانَتِ أَمَتِي في الحمام، فامرأتي طالقٌ وكانتا عنْد التعليقَيْن كما ذكر، عتقت الأمة، ولم تُطلَّق المرأة؛ لأنَّ الأمة عتقت، عنْد تمام التعليق الأول، وخرجَتْ عن أن تكون أمته، فلم يَحْصُل شَرْط الطلاق، ولو قَدَّم ذكْر الأمة، فقال: إن كانَتْ أمتي في المأتم، فامرأتي طالق، وان كانت امرأتي في الحَمَّام، فامتي حُرَّة وكانَتَا كما ذَكَر، طُلِّقَت المرأة، ثم إن كانت رجعيَّة، عتقت الأمة أيضاً، وإلا فلا, ولو قال: إنْ كانَتْ هذه في المأتم، وهذه في الحمَّام، فهذه حُرَّة، وهذه طالقٌ، فكانتا كما ذَكَر، حَصَل العتق والطلاق، وأنه لو قيل له: طَلَّقت زوجتك، فقال: طلَّقتُ، فقد قيل: هو كما لو قَال: نَعَمْ، وفي كونه صريحاً في الإِقرار أو كنايةً خلافٌ قدَّمْناه.
وقيل: إنه ليْس بصريح لا محالةَ لأن:"نَعَمْ" متعين للجواب.
وقوله "طلَّقْتُ" مستقلٌّ بنفسه، فكأنه قال، ابتداءً.
طلَّقْتُ، واقتصر علَيْه، [وقد سبق أنه لو اقتصر عليه فلا طلاق] وأنه لو طَرَح العصير في الدَّنّ، وأحكم رأسه، ثم حَلَف بالطَّلاق أنه استحال خَمْرًا، ولم يفتح رأسه إلى مُدَّة، ولما فَتَح، قد صار خَلاًّ،

الجزء: 9 - الصفحة: 158

ففيه وجهان: أحدهما: أنه إن كان ظاهر الحالِ صيرورته خمْرًا، وقْت ما حَلَف، يُحْكَمْ بوقوع الطلاق، وإلاَّ فلا.
والثاني: لا يُحْكَم بالوقوع؛ لأنَّ الأصْل عَدَم الاستحالة والطلاق، وأنَّه لو قال: إن كان هذا مِلْكي، فأنْتِ طالقٌ، ثم وكَّل إنساناً، ببيعه هل يكُون ذلك إقْرارًا بأنه مِلْكُه، فيه وجهان، وكذا لو تقدَّم التوكيل على التعليق 526، وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبْل أن أُطَلِّقك فعلى وجْه: يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: قبْل موتي، على آخر: لا يقع؛ لأنَّه لا حالَةَ بعْد هذا الحَلِف تكون هي قبْل الطلاق، وأنه لو كانَتْ بين يدَيْه تُفَّاحَتَان، فقال لزوجته: إن لم تأكُلي هذه التفاحة اليوم، فأنتِ طالقٌ، ولأمته إن لم تأكلي الأخرى اليوم، فأنتِ حرة واشتبهت تفاحة الطلاق بتفاحة العتق، فعن بَعْض الأصحاب أن الوَجْه أن تأكل كُلُّ واحدة منهما تفَّاحَةً، فلا يقع الطلاق ولا العتق؛ لأن الأصْل بقاء النِّكاح والملك، والزوال غير 527 معلوم وعن آخرين أن الوجْه أن تأكل كلُّ واحدة منهما ما يَغْلِب على ظنها أن يمينه معقود علَيْه، ويجتهد الزَّوْج معهما, ولو خَالَع زوجَتَه ذلك اليوم، وباع الأمة ثم جدَّد النكاح والشراء، تخلص، وقيل يبيع الأمة من المرأة في ذلك اليوم، وتأْكل المَرْأة التفاحتَيْن، وأنَّه لو قال لامرأتيه كما كلَّمْتُ رجلاً، فأنتما طالقان، ثم قال للرجلين أخرجا إلى السُّوق، طُلِّقت المرأتان، ولو قال لامرأته: كلَّما كَلَّمْتُ رجلاً، فأنتِ طالقٌ، فكلَّمَتْ رجلين بكلمة، وقَعَتْ طلقتان على المذهب، وقيل واحدة.
وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ، إن تزوجْت النساء أو اشتريت العبيد، لم يحْنَث إلا إذا تزوَّج ثلاث نسوة، أو اشترى ثلاثة عبيد، وأنَّه لو حَلَف لا يخرج من الدَّار فرقي غصْناً من شجرة في الدار، والغُصْن خارج هل يحنث؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، أنه ولو قال: إنْ لم تصومي غدًا، فأنتِ طالقٌ فحاضت، فوقوع الطلاق على الخلاَف في حنث المكروه، وأنَّه لو قال لنسائِه الأربع: منْ حَمَلَتْ مِنْكُنَّ هذه الخشبة، فهي طالقٌ، فحَمَلها ثلاثٌ منْهنَّ، فإنْ كانَتِ الخشبة ثقيلةً لا تستقلّ بحملها واحدةٌ طُلِّقْن، وإن استقلَّتْ بها الواحدة، لم تُطلَّق واحدة منْهن، وقيل: يُطلَّقن، وأنه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً، إن لم أطأْكِ الليلة فوجدها حائضاً أو مُحْرِمَة، فعن المزنيِّ أنه

الجزء: 9 - الصفحة: 159

حَكى في العقارب عن مالك أنَّه لا حَنثَ علَيْه، وأن الشافعيَّ والنعمان ساعَدَاه، واعترض بأنَّه ليْس التحليل والتحريم من الأيمان في شَيْء، ومن حلف أن يعصي الله، فلم يعصه، حَنَث، وإن عَصَى بر، وقد قيل: إن المذهب ما قاله المزنيُّ، وهو اختيار القَفَّال.
وقيل: هو على الخلاف من فَوَات البِرِّ بالإِكراه، وأنَّه لو قال: إن لم أُشْبِعْك من الجِمَاع الليلةَ، فأنتِ طالقٌ، فقد قيل: يبر إذا جامعها 528، وأقرت بأنها أنْزَلَتْ.
وقيل: ويعتبر مع ذلك أن تقول: لا أريدُ الجَمَاع ثانياً، فإن كانت لا تُنْزِل، فيجامعها إلى أن تَسْكُنَ لذَّتُها، فإن لم تَشْتِه الجماع، فيُحْتَمَل أن يبنى على تعليق الطلاق بصفة مستحيلة، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ الطلقة الرابعة، هل تُطلَّق، فيه وجهان يقربان من الخِلاَف في التعليق بالمحال وأن الوكيل بالطلاق إذا طَلَّق زوجة موكِّله، هل يحتاج إلى أن يَنْوِي إيقاع الطلاق عَنه فيه وجهان الأقرب، أنَّه لا يحتاج.
وأنه لو قال: إن بتّ عنْدك الليلة، فأنتِ طالقٌ، فبات في مسكنها، وهي غائبةٌ، لم تُطَلَّق؛ لأن البيت عنْدها يفتقد إلى حُضُورها، وأنَّه لو طار طائرٌ، فقال: إن لم أصْطَدْ هذا الطائر اليوم، فأنتِ طالقٌ ثم اصطاد طائرًا، وادَّعَى أنَّه ذلك الطائرُ يُقْبَل قولُه؛ لأنَّه محتمل، والأصْل بقاء النِّكَاح، ولا ظاهر يخالفه، فإن قال الخالف: لا أعرِفُ الحال واحتمل الأمرين، فيجوز أن يقال بوقوع الطلاق؛ لأنَّ الأصْل أنَّه لم يَصْطَد ذلك الطير، ويجوز أن يُقَال بخلافه 529؛ لأن الأصْل بَقَاء النِّكَاح.
في المسائل المشتركة من تخريج إسماعيل البوشنجي؛ أن أبا حنيفة سُئِل عن رجُل قال: إذا بلَغ ولَدي الختان، فلم أخْتِنْه، فامرأتي طالقٌ، قال والَّذي أراه أنَّه إذا بلغ حدًا يحتمل الختان، فلم يختنه، يحنث، لأنَّه لم يُرِدْ توقيته في وقته، فيتقيد بوقْت الإِمكان، كما لو قال: إذا بَلَغ ولدي التعلم 530، فلم أعلمه، يتقيد بوقت إمكان التعلم 531، وأنه لو قال إن ساكَنتْ فُلانًا شهر رمضان، فالحنث يتعلق بالمساكنة معه في جميع الشَّهْر، ولا يحنث بالمساكنة ساعةً، وبه أجاب إمام العراقيين لمَّا راجَعْتُه يعني أبا بكر الشاشيَّ، وعن محمد بن يحيى أنَّه يحنث بالمساكنة ساعةً من الشهر، كما لو حلَف لا يكلِّمُه شهْر رمضان، يحْنَث بالتكليم مرَّة، وأنه لو قال امرأته طالقٌ إن أفطر بالكُوفة، وكان يوْم الفِطْر بالكوفة، لكنه لم يأْكُل في يومه، ولم يشرْب، فقياس قوْلِنا أنَّه لا

الجزء: 9 - الصفحة: 160

يحنث؛ لأن الإِفْطَار عبَارَةٌ عن تناول المأكول والمشروب، وأنَّه مُمْسِك عنْه، ولو حَلَف لا يعيد بالكوفة، فأقام بها يوم العيد، ولم يخْرج إلى العيد، يحنث، ويحتمل ألاَّ يحنث أيضاً، وأنه لو قال: إن أكلْتُ اليوم إلاَّ رغيفًا، فهي طالقٌ، فأكل رغيفاً، ثم فاكهةً حنث، وإن قال إن أكلْتُ أكثر من رغيف، فأكل خُبْزًا بأدم، فكذلك الجواب، وأنه لو قال: إن أدركتُ 532 الظهر مع الإِمام، فهي طالقٌ فأدركه فيما بَعْد الركعة الأولى، لم يَقَع الطلاق في قياس مذْهَبِنا؛ لأن الظهر عبارةٌ عن الركعات الأربَع، وهو لم يُدْرِكْها 533، إنَّما أدرك بعضها، وأنَّه لو قال لعبدَيْه إن ضربتُكُما إلاَّ يوماً، فامرأتي طالقٌ، هذا الكلام يحتمل معنيين: أحدهما: اعتبار الضربين في يوْم واحد، فكأنه قال: إن ضربْت كلَّ واحد منْكما إلا في يوم أضرب الآخر فيه، فعلى هذا يحنث بضرب أحدهما في يوم، وضرب الآخَر في يوم آخر.
والثاني: أن يريد الامتناع عن ضَرْب كلِّ واحد منْهما إلاَّ في يَوْم واحد من غيْر أن يعتبر اجتماع الضربين في يوم، وعلى هذا لو ضَرَب أحدهما في يوم الآخر، والآخر في يوم آخر، لا يحنث، وإذا أطلق الكَلام إطلاقًا، فالمَحْمَل الثاني أَوْلَى أن يُجْعل محملاً، وأنه لو طَلَّق نسوته طلقة رجعية ثم قال كل امرأة أراجعها فهي طالق كلَّما كلمتُ فلاناً، فراجع امرأة، ثم كلَّم فلاناً، ثم راجع أخْرَى طلقت الأولَى دون الثانية؛ لأنَّ شَرْط الحَنِث المراجعة قبْل الكلام، ولم توجد، فإن كلَّمه مرَّةً أخرى، طُلِّقَتِ الثانية أيضاً، وأنه لو قال: آخر امرأة أراجعها، فهِيَ طالقٌ، ثم راجع نسوة، ومات، يقع الطلاق على آخِرِ امرأة راجَعَها بطريق التبين، حتى لو انقضت العدة من ذلك الوَقْت، لم تورث، ولو دَخَل بها، فعلَيْه مَهْر مثلها، وأنه لو علَّق الطلاق بنكاح امرأة، فهو محمُولٌ على العَقْد

الجزء: 9 - الصفحة: 161

دون الوطء إلا إذا نوى، وأنَّه إذا تخاصَمَ الزَّوْجَان في المراودة، فقال: إن لم تجيء السَّاعَة إلى الفراش، فأنْتِ طالقٌ ثم طالب الخصومة، حتى مضَتِ السَّاعة ثم ذهبت إلى الفراش، فالقياس أنَّها تُطلَّق وأنَّه لو قال: إن كلَّمت بني آدم، فالقياس أنه لا يَحْنث بكلام الواحد والاثنين، إلاَّ إذا أعطيناهما حكْم الجَمْع، وأنَّه لو قال: إن دخلْتُ الدارَ، فعبدي حرٌّ أو كلمتُ فلانًا، فامرأتي طالق، فيراجع؛ ليتبين أي اليمين، فما أراده منها تَقرَّر، وأنه لو قال لامرأته: أنْتِ طالق في الدار، فمُطلَق هذا يقتضي وقوع الطلاق، إذا دخَلَتْ هي الدار، وأنَّه لو قال: إن ملكتما عبداً، فامرأته طالقٌ فشرط الحَنث على ما يَقْتَضِيه القياس إن تملَّكاه معاً حتى 534 لو مَلَك أحدهما عبْداً ثم باعه من صاحبه، لا يَحْنَث، ولو قال: إذا لبْستُ قميصين، فأنتِ طالقٌ، فاغتسل فلبسهما على التوالي، حنث على قياس المَذْهب، وأنَّه لو قال: إن اغتسلْتُ في هذه الليلة، وامرأته طالقٌ، فاغتسل من غيْر جنابة، وقال: قصدتُّ به الاغتسال من الجنابة، فالقياس أنَّه يُدين، ولا يُقْبَل في الظاهر، أنَّه لو حَلَف في جَنح اللَّيْل بالطلاق إن لم يكلم فلانًا يوماً، ولا نية له، فعليه أن يمتنع من الكَلاَم في اليوم الَّذي يليه؛ ولا بأس أن يُكَلِّمه في بقيَّة الليل، وأنه لو قال لزوجته: (اكَر توبا كسى حرام كنى) 535 فأنْتِ طالقٌ، فطلقها طلْقَةً [رجعيَّةً] 536 وجامعها في عدَّتها، يُمْكن أن يتبين وقوع الطَّلاق على أن المُخَاطب هل ينْدَرج تحت الخطاب ويُحْتَمَل أن يقال؛ لا يَقَع؛ لأن غَرَض المعلِّق منعها عن الغير؛ لما يلْحَقُه بذلك من الغضاضة والمعرَّة، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إن دخَلْت الدار ثنتين أو ثلاثاً أو عشْرًا، فهو مُجْمَل، وإن قال: أردتُّ أنَّها تُطلَّق واحدةً إن دخلتِ الدار مرتَيْن أو ثلاثاً، يُصدَّق، فإذا اتُّهَم، حَلَف، وإن أراد وقوع الطلاق بالعَدَد المذكور، تقع الثلاث وتلغو الزيادة، وأنه لو قال: إن خرجْتِ من الدار، فأنتِ طالقٌ، وللدار بستان بابه مفتوح إليها فيها، ثم خرجت إلى البستان، فالذي يقتضيه قياس المَذْهب أنَّه إن كان بحيث يُعَدُّ من جملة الدَّار ومرافقها, لا 537 يحنث، وإلا فيحنث، وأنَّه لو قال لأبوَيْهِ: إن تزوجْتُ ما دمتما حيين، فامرأتي هذه طالقٌ، فمات أحدهما، فتَزَوَّج، لا ينبغي أن تُطلَّق امرأته، وإن المنويَّ إذا لم يكُنْ له لفْظ مُشْعِرٌ به، لا يعمل، كما لو حَلَف ألاَّ يَشْرب لفلان ماءً، فأكل مِنْ ماله، لا يحنث وإن نوى، وأنه لو حَلَف لا يطعنه بنصل هذا الرمح، أو نصْل هذا السَّهم، فنَزَع الزُّج، وأدخل فيه زُجًّا آخر، فطعنه به، يحْنَث، وأنَّه لو قال: إن

الجزء: 9 - الصفحة: 162

شَتَمْتِنِي، ولعَنْتِنِي، فأنتِ طالقٌ، فلعنَتْه، لا يقع الطلاق؛ لتعلُّقه بهما، وأنها إذا خرجَتْ للضيافة إلى قرية، فقال: إن مَكَثْتِ هناك أكْثَرَ من ثلاثة أيام، فأنتِ طالقٌ، فخرجَتْ من تلك القرية؛ لثلاثة أيَّام أو أقلَّ ثم رجَعَتْ إليها، فلا ينبغي أن يحنث، وأنه لو قال في نصف الليل: إن بتُّ مع فلان، فأنتِ طالقٌ، فباتَ معه بقيَّة الليل، حنث على ما يقتضيه القياس، ولا يشترط أن يبيت في جميع الليل، ولا أكثره، [وأنه] 538 لو حَلَف أنه لا يَعْرف فلاناً، وقد عرفه بوجهه، فطالَتْ صحبته، معه إلاَّ أنه لم يعلَمِ اسمه، يحنَثُ في قياس المذهب، وبه قال سعد الأَسْترَاباذِيُّ، وأنه إذا قال: آخرُ امرأة أراجعها، فهي طالقٌ، فراجع حفْصة، ثم عمرة، ثم طلق حفصة، ثم راجعها، فالَّذِي أراه أنَّها تُطلَّق، لأنها صارت بالآخرة آخرًا، بعْد ما كانَت أوَّلاً، وأنه لو قال: إن نِمْتُ على ثوبك، فأنْتِ طالقٌ، فوضع رأْسَه على مرقعة لها, لا تُطلَّق، كما لو وَضَع عليها يَدَه أو رجْلَه، وأنَّه لو حلف أن لا يَأْكُل مِنْ مال فُلاَنٍ، فنثر مأكولاً فالتقطه، وأكَلَه، حَنَث، وكذا لو تناهد فأكل، من طعامه 539، وأنَّه لو قال: (اكَربخانه درشوى هشته اى) 540 فإطلاقه محمول على دخول البيت دون مُجَرَّد الذهاب إلى البَلَد، وأنَّه لو حَلَف بالطَّلاق ألاَّ يكلم أحداً أبداً إلاَّ فلانًا وفلانًا، إلاَّ هذا وهذا، فكلمهما جميعاً، ولو قال: إن دخلْت دار فُلان، ما دام فيها، فأنتِ طالقٌ، فتحوَّل فلانٌ عنْها ثُمَّ عاد إلَيْها فدخلتها لا يقضي بوقوع الطَّلاق؛ لأن إدامة المقام الذي انعقد عليها اليمينُ قد انقطعَتْ، وهذا عَوْد جديد وإدامة إقامة مستأنفة، وأنه لو قَال: إن قتلته يوْم الجمعة، فهي طالقٌ، فضربه يوم الخميس، ومات يوم الجمعة، بسبب ذلك الضرب لم يَقَع الطلاق؛ لأنَّ القتْل عبارة عن الفعل المفوِّت للروح، وأنه لم يُوجَد يوم الجمعة، وأنَّه لو قال: إن أغضبتك، فأنتِ طالقٌ، فضرب صبيانها، فغضبت، يقَع الطلاق، وإن ضربَه لسوء أدب، وأنَّه لو حَلَف ألاّ يصوم زمانًا، فالقياس أنه يحنث بصوم ساعة من يَوْم، إذا قُلْنا فيمن حلف ألاَّ يصوم، أنه يحنث بالشروع فيه، ولو حَلَف أن يصوم الأيام، فإما أن يُحْمَل على أيام العمر، أو على صَوْم ثلاثة أيَّام، وهو الأَوْلَى، ولو حَلَف أن يصوم أزمنة، بر بصوم يوم؛ لاشتماله على أزمنة، وأنه لو قال: إن كان الله يُعَذِّب الموحِّدين، فهي طالقٌ، يقَع

الجزء: 9 - الصفحة: 163

الطلاق؛ لأنه صَحَّ في الأخبار تعذيبُ بَعْض المسلمين على جرائمهم، 541 وأنه لو قال (اكَرر شته توبرتن من ايز) 542 فأنتِ طالقٌ، فظاهر اللفظ يقتضي وقُوع الطلاق، إذا لبسه أو ألقاه على نَفْسه، وأنه لو اتهمْته امرأته بالغلمان، فحَلَف ألا يأتي حرامًا، ثم قَبَّلَ غلامًا أو لَمَسه، يحنث؛ لعموم اللفظ، بخلاف ما لو قالت: فعلْتَ كذا حرامًا، فقال: إن فعلْتُ حرامًا، فأنتِ طلقٌ؛ لأن هاهنا ترتب كلامه على كلامها، وهناك اختلف اللفظ، فحمل كلامه على الابتداء، فكأنها اتهمته بنَوْع من الحرام، فنفي عن نَفْسه جنْسَ الحرام، وأنه لو قال: لامرأته: أنتِ طالقٌ إن خرجْتِ من الدار، ثم قال: ولا تخرجين من الصفة أيضاً، فخرجت من الصف، لم يقع الطلاق؛ لأن قوله: "ولا تخرجين من الصفة" كلام مبتدأ ليس فيه صيغة تعليق، ولا هو متطرِّف على ما سَبَق، وعن البُوَيْطِيِّ: أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ في مكة أو بمكة أو في البَحر، طُلِّقت في الحال 543، إلاَّ أن يريد إذا حَصَلَتْ هناك، وكذا لو قال: في الظل، وهما في الشمس، بخلاف ما إذا كان الشيء منتظرًا غيْر حاصل، كما إذا قال في الشتاء، وهما في الصيف، لا يَقَع حتَّى يجيْء الشتاء.
في الزيادات لأبي العاصم العبَّادي: أنه لو قال: إن أكلْتُ من القِدْر الَّذي تطبخه، فهي طالق، فوضعت القدر على الكانون،، وأوقد غيرُها, لم يحنث، وكذا لو سجر التنور غيرُها، ووضعَتِ القدر فيه، وأنه لو قال: إن كان في بيتي نارٌ، فأنتِ طالقٌ، وفيه سراجٌ، حنث، وأنه إذا قال (اكَريخانه من يناي بشام) 544 فهي طالقٌ، فالبر بأن يحضرْ 545 هناك، ويأكل، وأنه لو حَلَف ألا يأكل من مال ختنه، فدفع إلَيْه الدقيق ليخبزه له فخبزه، بخمير من عنْده، لم يحنث؛ لأنه مستهلِكٌ، وأنَّه إذا قالت امرأة لزوجها: لا طاقة لي

الجزء: 9 - الصفحة: 164

معَك على الجُوع، فقال الزوج: إنْ كنتِ جائعةً يوماً في بيتي، فأنتِ طالقٌ، ما نوى المجازاة يُعْتَبر حقيقةُ الصفة، ولا تُطلَّق بالجوع في أيام الصوم، وأنه لو قال: إن دخلْت دارَكِ، فأنتِ طالقٌ، فباعت دارَها، ودخلتها، ففيه وجهان: اظهرهما: أنه لا يقع الطَّلاق.
قال إن لم تكوني أحْسَن من القمر أو إن لم يَكُن وجْهُك أحْسَنَ من القمر، فأنتِ طالقٌ، فعن القاضي أبي عليٍّ الزجَّاجِيِّ، والقفَّال، وغيرهما: أنه لا يقع الطلاق، واستشهدوا علَيْه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] 546 ولو قال: أضوء من القمر، فلا أعلم كلامه.
في فتاوى أبي عبد الله الحناطي: أنه لو قال لامرأته: إن قصدتك بالجِمَاع، فأنتِ طالقٌ، فقصدته المرأة، فجامعها, لا يقع الطلاق، ولو كان قَدْ قال: قصدتُّ جماعك في الصورة هذه، يقع الطلاق.
نقل أبو العباس الرُّويانيُّ أن رجلا ببلخ قالت لَهُ امرأته: [اصنع] 547 لي ثيابًا ليكن لك فيه أجرٌ، فقال الرجل: إن كان لي فيه أجْرٌ فأنْتِ طالقٌ، فقالت المرأة: قد استفتيت في ذلك إبراهيم بن يوسف العَالِمَ 548، فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف عالماً، فأنتِ طالقٌ، فاستفتي إبراهيم بن يوسف، فقال: لا يحنث في اليمين الأُولَى, لأنه مباحٌ، والمباح لا أجْرَ فيه، ويحنث في الثانية لأن الناس يسمونني عالماً.
وقيل: يحنث في الأولى أيضاً لأن الإنسان يؤجر في مثل ذلك إذا قصد البر وإدخال السرور على الغير، وقد حكى الوجهَيْن القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة" وقال: الصحيح الثاني 549. قال شافعيٌّ: إن لم يكن الشَّافعيُّ أفْضَلَ من أبي حنيفة، فامرأتي طالقٌ، وقال حنفيٌّ: إن لم يكن أبو حنيفةَ أفْضَلَ، فامرأتي طالقٌ، لا يقع طلاق على واحدٍ منهما، وشبهوه بمسألة الغُرَاب.
وعن القفَّال: لا يجيب عن هذه المسألة، وفي مجموع الشيخ إبراهيم المروزي أنه

الجزء: 9 - الصفحة: 165

لو قال السُّنِّيُّ: إن لم يكن الخَيُر والشَّرُّ من الله تعالى، فامرأتي طالق، وقال المعتزليُّ: إن كان من الله، فامرأتي طالقٌ، أو قال السُّنِّيُّ: إن لم يكُنْ أبو بكر أفْضَل من عليٍّ -رضي الله عنهما- فامرأتي طالقٌ، وقال رافضي: إن لم يكُنْ عليٌّ أفْضَلَ من أبي بكر، فامرأتي طالقٌ يقع طلاق المعتزليِّ والرافضيِّ، وأنه لو قال: أفرغي عن هذا البيت من قماشك، فإن دخلتُ وجدت فيها شيئاً من قماشك، ولم أكسره على رأْسِك، فأنتِ طالقٌ، فدخل البيت [و] 550 وجد فيه هاوُنًا لها فَمِنَ الأصحاب من قال: لا يقَع الطَّلاقِ، للاستحالة، ومنْهم من قال: يقع عند اليأس قبيل موتها أو موته، وأنه لو تَخَاصَم الزوجان، فخرجت الزوجة مكشوفة الوجه، فعدا خلْفَها، وقال: كل امرأة: لي خرجَتْ من الدار مكشوفةً؛ ليقع بصر الأجانب علَيْها، فهي طالقٌ، فسمعت قوله، فرجعَتْ ولم يبصرها أجنبي، يقع الطلاق.
ولو قال: كلُّ امرأة لي خرجت مكشوفة، ويقع بصر الأجانب علَيْها، فهي طالقٌ، فخرجت ولم يقَعْ بَصَر الغَيْر عليْها, لا يقع الطلاق، والفرق أن الطَّلاق في الصُّورة الثانية: مُعلَّق على صفتين، ولم توجد إحداهما، وفي الأولى على صفة واحدة، وقد وجدت 551. وسئل بعْضُهم عن الحَنْبلي يقول: إن لم يَكُن الله على العرش، فامرأتي طالقٌ، والأشعريُّ يقول: إن كان على العَرْش فامرأتي طالقٌ فقال: إن أرادَ الحنبليُّ المعنى الَّذي ورد به والقرآن لم تُطلَّق امرأته، وهذا بابُ متَّسع وفيما أوردناه مَقْنَع، وفوق المقنع.
وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.

الجزء: 9 - الصفحة: 166

(كِتَابُ الرَّجْعَةِ 552 * وَفِيهِ فصْلاَن)

(الأَوَّلُ في أَرْكَانِهَا) وهي أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: المُوجبُ لَهَا وَهُوَ كُلُّ طَلاَقٍ يَسْتَعْقِبُ عِدَّةً

الجزء: 9 - الصفحة: 167

وَلاَ عِوَضَ فِيهِ وَلَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الطَّلاَقِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قال أهل اللغة يقال: لفلان على امرأته رَجْعَةٌ ورُجْعَة، أفصحُ، وهي المرَّة من المرجع والرجوع 553، وفلان يقول بالرَّجْعَةِ: أي بالرُّجوعِ إلى الدُّنْيا، وهل جاء رجعة كتابِكَ؟ أي جوابه، والراجعة: الناقة الَّتي يشتريها الرجُل 554 بثمن ناقة كانت له فباعها، ويقال: باعَ إِبِلَهُ، فارْتَجَع منها رِجْعةً صالحةً، -بالكسر- ويقال: رَجَعَهُ يَرْجعه رجعًا ورَجَع رجوعًا، وهذا لازمٌ، وذلك متعدٍّ.
والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وقولُه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وقوْلُه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] والرد والإمساك مفسَّران بالرَّجعة، وقوله ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن انقضاء = ما لم تعلم علَّته كانت الدّاعية إلى الكلام عن حكمة التشريع ألزم والبسط فيها أحكم؛ لتكون الحُجَّةُ واضحة والحجة ناصحة.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
وأما حكمة التشريع التي يمكن أن تتعرف العقول، وتصل إليها المدارك في شرع الله الرجعة بعد وقوع الطّلاق هي أن الزَّوْجَ الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض، ربَّما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلَّقته آصرة من المودة والإيلاف، فقد أَفْضَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وكانت لباسًا له، كما كان لباسًا لها، وربَّما احتمل العلوق، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات.
ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربوا في غير أحضان الآباء والأمهات معاً تكلألهم أعينهم، ويحوطهم الحفظ من السقوط في حماءة التّشرد، لا شك يكونون شَرًّا مُسْتَطِيرًا ونواة سيئة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإننا لا ننكر أن الأم من الضّعف، وعدم القدرة على صِيَانَةِ الولد خارج المنزل، فالله عالم به، وربما دفعها فرط الشّفقة عليه، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئة، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة، وما نتيجة هذا التَّفريط.
وكثيرًا مِنْهُنَّ جاهلات لا يعرف من أمور الحياة وشؤون تربية الأبناء إلاّ كونهن آلة تقوم بتنظيف المسكن، وإنضاج الطعام، وغسل الملابس، ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعاً، وتقدم إليه كسر الخبز والطّعام بعد فطامه وفي يفاعه.
وأيضاً قد يتزوج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح، وهنا الطّامة تَطُمُّ على الأبناء.
فالأم منصرفة عن ابنها إلى الزوج الجديد، والأب لاهي بزوجته، وربما كانت الزوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصغار، من أجل ذلك كلّه شَاءَ رَبّكَ الحَكِيمُ أن لا يهمل أمر هؤلاء الصغار، وأن لا تندثر آصرة المحبة والايلاف بين الزوجين، وشاء ألا يندم الزّوج على ما فرْط منه، فشرع الرجعة وملكها الزوج؛ حتى لا يطول ندمه، ولا تطول محنة الأبناء.
وأيضًا قد تكون الزوجة لا عائل لها, وليس ثمة من يرغب في نكاحها، فكان بالرجعة مجال؛ لدرء ما عساه أن يقع؛ ولدفع الفاقة عن البائسات.

الجزء: 9 - الصفحة: 168

العدَّة، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة طلاق ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- "مُره فَليُرَاجِعْهَا".
ومقصود الكتاب مرتَّب في فصْلَيْن: أحدهما: في أركان الرَّجعة.
والثاني: في أحكام الرجعة والرجعية.
أما الأول، فقد جَمَع فيه بين ما يلتئم منْه نفْس الرجعة، وبين ما يثبت ولاية الرَّجعة، فقال الأول: الموجب لها، يعني الحالة المثبتة لولاية الرجعة، والمطلقات قسمان: أحددهما: المطلَّقة الَّتي لم يستوف زوْجُها العدد المملوك من طلاقها، وهي نوعانِ: بائنةٌ، ورجعيَّةٌ، فالبائنة: المطلَّقة قبل الدخول، والمطلَّقة على عوض، فلا تحل للزوج إلاَّ بنكاحٍ جديدٍ، والرجعيَّة، المطلَّقة بعد الدخول بلا عِوَض.
والثاني: مطلَّقة اسْتُوفِيَ عدد طلاقها، فلا سبيل إلى رجعتها، وَيفْتَقر تجديد نكاحها إلى المحلِّل، وإذا اقتصرْتَ، قلْتَ الرجعيةُ: هي المطلَّقة بعد الدخول بلا عوض ولا استيفاء عدد، وقد تبيَّن في الكتاب اعتبارُ الأمور الثلاثة، وعبر عن كون الطلاق بعد الدخول بقوله: "يستعقب عدة".
وإذ عرفت ما ذكرناه وتذكَّرْت ما مر أنَّ الحُرَّ يملك ثلاث طَلَقات، وأن العبد لا يملك إلاَّ طلقتين، عَرَفْت أن الحرَّ يملك رجعتين، سواءٌ كانت الزوجة حُرةً أو أمة، وأن العَبْد لا يَمْلِك إلاَّ رجعةً واحدةً، سواء كانت الزوجة حرةً أو أمةً.
وعند أبي حنيفة؛ الاعتبار بالمرأة كما قال في الطلاق، فتراجع الحرَّةُ مرتين، والأمة مرةً.
ولا فرق في ثبوت الرجعة بيْن أن يكون الطلاق بالصرائح أو الكنايات.
وعند أبي حنيفة؛ الصرائح تُعْقب الرجعة، والكنايات بوائن إلاَّ قوله " [اعتدي] 555 واستبرئي رَحِمَكِ، وأنت واحدةٌ" وقاس الأصحابُ ما خالف فيه على ما وافَقَ عَلَيْه.
ولو طَلَّق امرأته باللفظ الصريح، ثم قال: أسقطْتُ حقَّ الرجعة، أو 556 طلقتها بشَرْط أن لا رجعة علَيْها, لم تَسْقُط الرجعة [كما لا يسقط الولاء بالعتق بالشرط، وقال أبو حنيفة: تسقط الرجعة] 557، ولا مدْخَل للرجعة في الفُسُوخ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): المُرْتَجِعُ وهو كل من له أهلية النكاح (الثالث: الصيغة)

الجزء: 9 - الصفحة: 169

وصريحها قوله: رجعت* وَرَاجَعْتُ* وَارْتَجَعتُ* وَقَوْلُهُ: رَدَدتُّهَا إِلَى النِّكَاحَ فِيهِ خِلاَفٌ* وَكَذَلِكَ لَفْظُ الإِمْسَاكِ* وَالتَّزْوِيجُ صَرِيحٌ عَلَى وَجْهٍ وَكِنَايَةٌ عَلَى وَجْهٍ* وَلَغْوٌ عَلَى وَجْهٍ* وَالأَظْهَرُ أَنَّ صرَائِحَهُ مَحْصُورَةٌ* وَقَوْلُهُ: أَعَدتُّ الحِلَّ وَرَفعْتُ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ* وَالأَصَحُّ أَنَّ الكِنَايَةَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا لأَنَّ الصَّحِيحَ الجَدِيدَ أَنَّ الإِشْهَادَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا* وَالتَّعْلِيقُ لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ* وَلاَ تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالوَطْءِ (ح) وَسائِرِ الأَفْعَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرُّكْن الثاني: الزَّوْج المرتَجِع، ويُعْتبر فيه أهلية النكاح، والاستحلال، فلا بدَّ فيه من العَقْل والبلوغ، وليس للمرتد الرجْعة، كما ليس له ابتداء النِّكاح [وسيأتي ذلك، وينبغي أن يجوز للولي الرَّجْعة؛ حيث يجوز له ابتداء النكاح] 558 لكن إذا جوَّزْنا التوكيل بالرَّجْعة، وهو الأظهر، والخِلاَف فيه مذْكورٌ في "الوكالة" وإنما يُفْرَض ذلك في المجنون، بأن يُطَلِّق زوجته، ثم يُجَنّ ولا يتصور في حق الصبيِّ.
الثالث: الصيغة، وفيها مسائل: [إحداها]: تحصل الرجعة بقوله: رَجَعْتُكِ، وراجَعْتك، وارتَجَعْتُك، وهذه الألفاظ صريحةٌ 559؛ لشرعها، وورودِ الأخبارِ والآثارِ بها،

الجزء: 9 - الصفحة: 170

ويُستحبُّ أن يضيف إلى النكاح أو الزوجية أو إلى نفسه فيقول: راجعتُك إلى نكاحي أو زوجينني أو إليَّ، ولا يُشترط [ذلك ولا بد من إضافة هذه الألفاظ إلى مظهر أو = فلو قال: أنت مراجِعة بكسر الجيم، أو أنا مراجع بفتح الجيم، كان لغوًا.
قال "الشهاب عميرة": وينبغي أن تكون المصادر كلُّها كفايات، كنظيره في الطلاق.
اهـ. وقال "ابن حجر": إن من الكنايات: أنت رجعة، كأنت طلاق اهـ. ولا يخفى على المُتأمِّل أن قول عميرة إذا أضيف وانضم إلى كلام "ابن حجر"، كان معنى قوله: كلها كنايات أي: إذا وقعت أخبارًا، وتكون الكلمة فيها بالنسبة إلى مصادر جميع الصيغ، لا إلى مواقع استعمالها؛ لأنها إن لم تقع أخبارًا كانت صريحة، كما هو مدون ومعروف في كتب الفقه، والله أعلم.
ويسنُّ للمراجع أن يزيد لفظ إِليَّ أو إلَى نِكَاحِي في غير صيغة الرد؛ لأنها كما سبق يجب فيها ذلك، فإن أسقطها مع الردّ؛ كانت كناية إن صحبتها النية حصلت الرجعة وإلا فهي لغو وإنما كانت الزِّيادة المذكورة شرطاً في صراحة لفظ الرد؛ لإبهام اللَّفظ الخالي عن هذه الزيادة لمعنى المقابل للقبرل، أو الرد إلى الأبوين، بسبب الفراق، ومن هذا البيان المذكور في صراحة لفظ الردّ، ظهر أن اشتراط الإضافة فيه محله، مما لم يكن كفاية، فإن كان كفاية كانت بردّ قامت النية مقام الإضافة.
فرع قال في الروض وشرح: لو قال راجعتها؛ للضرب؛ أو للإكرام لا يضر في صحة الرجحة إلا أن قصد الضرب والإكرام باللفظ دون الرجعة، فإنه حينئذ يضرّ وتحصل الرَّجعة، إذا قصدهما معاً أو أطلق، وإذا راجعت زوجتي؛ للضرب مثلاً يسأل احتياطًا؛ لأنه قد يبين ما لا تحصل به الرجعة، فإن مات قبل السؤال حصلت الرجعة؛ لأن اللفظ صريح.
وألفاظ الرجعة الكناية هي: مشتق تَزْويج ونكاح؛ والتزويج والإنكاح، ونحو ذلك، كاخترتك ورفعت تحريمك، وأعدت حلك؛ لاحتماله الرجعة وغيرها؛ وإن تزوجتك ونكحتك صريحان في ابتداء النكاح، فلا يكونان صريحين في الرَّجْعَةِ؛ لأن اللفظ الصريح في بابه لا يكون صريحًا في غيره بل كِنَايةً إذا لم يجد نفاذًا في موضوعه، فرح من الكناية ما لو جرى عقد بإيجاب وقبول بدل الرجحة، ثم إننا نعود بك إلى شرح وإيضاح مما بقي من شروط الصيغة، فنذكر أنها يشترط لها التنجيز، فلو علق بالمشيئة منها فشاءت فورًا لم تحصل الرجعة، وبالأولى مشيئة غيرها.
وقد قلنا: يشترط فيها عدم التأقيت: قال العلامة "الشبراملسي": وهذا يشتمل ما لو قال: راجعتك بقية عمرك.
أي: لا تصح الرجعة، وقد يقال بصحتها؛ لأن ذلك معاه: أنه راجعها بقية حياتها.
وتصح الرّجحة بغير العربية، ولدفع القدرة عليها، وتكون ترجمة الصريح صريحة وترجمة الكناية كناية، وقيل: لا تصح الترجمة مطلقاً، وهاهنا قول وسط بين المنع والإجازة، وهو أنه إن كان قادراً على العربية لم تصح منه الرجعة بغيرها، وإن لم يكن قادراً على العربية صحَّت منه الرجحة بالترجمة؛ لأنها المُمْكِنة في حقِّه.
وقلنا: إن الرجعة لا تحصل بغير اللَّفظ صريحًا أو كنايةً، وعلى ذلك لا تصح بفعل غير كناية مع نية، ولو من قادر على النُّطق أو إشارة من أخرس مفهمة.
فلا تحصل بوطء، ولا بمقدماته، وإن نوى بذلك الرجحة؛ لعدم دلالة ذلك الفعل عليها، كما لا يحصل النّكاحُ بشئ منها، وأيضاً الوطء قد حرم بالطلاق، ويوجب العدة، فكيف يقطعها؟ ومقصود الرجعة حل الوطء.
فكيف يعقل إباحة نفسه بنفسه؟!

الجزء: 9 - الصفحة: 171

مضمر، كقوله: راجعت فلانة، أو راجعتك، فأما مجرد راجعت وارتجعتُ, فلا ينفع] ولو قال: راجعْتُك للمحبة أو الإهانة أو الأَذَى وقال: أردتُّ أنِّي راجعْتُكِ؛ لمحبتي إياك، أو لأهينك، أو أوذيك، قُبِلَ، وحصلت الرجعة، وإن قال: رجَعْتك إلى المحبَّة أو الإهانة أو الإيذاء أو إني كُنْت أحبك أو أهينك قبلَ النكاح، فرددتُّكِ إلى تلك الحالة، قُبِلَ، ولم تحصل الرجعة، وإن تَعذَّر الرجوع إليه؛ بأن مات أو كان قَدْ أطلق 560 فالرجعة حاصلةٌ؛ لأن اللفظ صريحٌ، وقوله للمحبة أو الإهانة الظاهرُ منْه المعنى الأوَّلُ وأشيرَ فيه إلى احتمالٍ آخَرَ، ومنع كونُه صريحاً مع هذه الزيادات، وفي لفْظ الرد وْجهان: أصحُّهما: أنه صريح، لورود القرآن والسُّنَّة به قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَكَانَةُ، ارْدُدْهَا" 561. والثاني: المنع؛ لأنه لم يشتهر، ولم يتكرَّر؛ بخلاف لفظ الرَّجعة، وإذا جعلْناه صريحاً، فهل يُشْتَرط أن يقول: رددتها إليَّ أو إلى نكاحِي؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما في لفظ الرجعة.
وأظهرهما: الاشتراط؛ لأن الرجعة مشهورةٌ في معناها، والرد المطلق بالمعنى المقابل للقبول 562 أشدُّ إشعارًا وقد يُفْهَم منه الرَّدُّ إلى الأبوين بسَبَب الفِرَاق.
ولو قال: أمسكْتُكِ، ففيه وجهان، كما ذكرنا في الرَّدِّ.
وقال القفَّال: وآخرون: قولان.
أحدهما: أنه ليس بصريحٍ؛ لأنه يحتمل الإمساك في البيت وباليد، وإلى ترجيحه، ذَهَب الشيخ أبو حامد، والقاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيُّ وغيرهم.
والثاني: أنه صريح؛ لورود القرآن به غَيْرَ مرة، ويُحْكَى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة والأصطخري 563 وابن القاصِّ.
وفي؛ "التهذيب": أنه الأصح، وإذا قلّنا: إنه صريحٌ فيشبه أن يجيْء في اشتراط الإضافة الخلافُ المذكورُ في لفظ الرَّدِّ، والذي أورده في "التهذيب" أنه يُسْتَحَبَّ أن يقول: أمسكتك على زوجتي، مع حكايته الخلاف في الاشتراط هناك، وإن قلنا: إنَّه ليس بصريح، فهل هو كنايةٌ فيه وجهان، نقلهما الإِمام: أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو عليّ والقاضي الحُسَيْن 564.

الجزء: 9 - الصفحة: 172

والثاني: المنع؛ لأن الإمساك باستدراك ما أصابه حَلَلٌ، وإنما يُشْعر بالاستدامة والاستصحاب، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37] ولو قال: تزوجتك أو نكحتك، فوجهان: أحدهما: أنهما صريحان في الرجعة لأنهما صالحان لابتداء العَقْد والحلِّ، فَلأَن يَصلُحَا للتدارك وتقويمِ المتزلزل 565 أوْلَى.
وأصحهما: على ما ذكره في "التهذيب": المنْعِ؛ لأنهما غير مستعملَيْنِ في الرجْعة، ولأن ما كان صريحًا في شيْء لا يكون صريحًا في غيره، كالطلاق والظهار، فهما صريحان في ابتداء العقد وعلى هذا، فوجهان: أحدهما: أنهما كنايتان، ويُحْكَى ذلك عن القاضي، ووجْه المنع أنه لا إشْعار فيهما بالتدارك وإعادة الحل، وهذا في قول الزوْج "نكحتك أو تزوجتك" وحده، ويجري الخلاف فيما لو إذا جرى العقْد على صورة الإيجاب والقبول.
قال القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة": لو عقد على الرجعية نكاحًا جديدًا، قال بعض أصحابنا 566: يحلُّ؛ لأن العقد آكَدُ في الإباحة.
وقال ابن أبي أحمد: لا يحل، قال: والأول أظهَر 567. والصحيحُ صحَّةُ الرجعة بغير العربية من اللغات، وهو الذي أورده الأستاذ أبو منصور البغدادي، وقال: ترجمة اللفظ بالفارسية (ترابزنى باخويشتن كرفتم) 568 أو (ترابازنى خويشتن أوردم) 569، ولك أن تقول: هذا الثاني أولى، والأول يستعمل وحده، لكن اللفظة قد اشتهرت في العربية، وترجَمَتُهَا بالفارسية وحْدها لم يَشْتَهِر، فكذلك اعتبر التعريض لمعنى النكاح بالفارسيَّة، وحكى القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن طريقةٌ أنه إن أحسن العربية، لم تَصحَّ رجعته بالفارسية، وإن لم يحسنها، فعلى وجهَيْن، وعن أبي حامد طريقةٌ أخرى: إن أحسنها، فعلى وجهَيْن، وإن لم يحسْنها صحَّت بالفارسية، بلا خلاف.
وقوله في الكتاب "وصريحُها قولُه رَجَعْتُ" و"رَاجَعْتُ" و"ارتَجَعْتُ" يعني إذا اتَّصَلتْ بمُظْهَر أو مُضْمَر، بأن يقول: راجعْتُ فلانة أو راجعتُكِ، فإما بمجرَّدها، فلا يخفى أنَّه لا يُغْنِي، وقوله "رددتُّها إلى النكاح" ففيه خلافٌ صريحٌ في إثبات الخلاف،

الجزء: 9 - الصفحة: 173

مع قوله [إلى النكاح، والذي ذكَره القفَّال في "شَرْح التلخيص" قوله:] 570 "رددتها إلى النكاح" صريح بلا خلاف، وكذلك أورد الإِمام في قوله: "رددتها إليَّ" وخصص الخلاف بما إذا اقْتصرَ على قوله: "رددتها" ولكن نقل القاضي ابن كج أنَّ القاضي أبا حامِدٍ حَكَى في كتابه قولاً عن الربيع أن قوله "رددتُّها إليَّ" ليس بصريح، فيَجُوز أن يُعْلَم لطريقة القطع فيه خلاف بالواو، على أن إيراد جماعة من الأصْحَاب يُفْهم القطع بأن لفْظ الرد صريحٌ، وإن لم يقل "إِليَّ" أو "إلى نكاحي".
وقوله: "والتزويج صريح على وجْه آخَرَ" يجوز أن يُجْعَل مبتدأ، فلا يكون في اللفظ حكاية الوجوه الثلاثة في لفظ الإِمْسَاك، ويجوز أن يُجْعَل متعلقاً بقوله: "وكذلك لفظ الإمساك" فيكون اللفظ متعرِّضًا لذِكْر الوجوه الثلاثة، وهي جاريةٌ في اللفظَيْن على ما بيَّنَّا، فأما لفْظُ الردِّ، فلم يُنْقَل فيه وجْه اللغو، والخلاف في لفظ الإمساك وقد تعرَّض مرةً في أول "الخُلْع" لكن على سبيل الاستشهاد.
المسألة الثانية: ذكَروا وجهَيْن في أن صرائح 571 الرجعة هل تَنْحصِر أو كل لفظ يؤدي معناه، فهو صريح مثْل قوله: رفَعتُ التحريم، وأعدتُّ الحِلَّ، ونحوهما.
أظهرهما: الانحصار؛ لأن صرائح الطلاق محصورةٌ حتى لو قال: قطَعْتُ النكاح، أو رَفَعْتُه، أو استأصلْتُه، كان ذلك كنايةً، وإذا كانت صرائحُ الطلاق محصورةً، مع أنه إزالةُ مِلْكٍ وحِلٍّ، فلأن تكون صرائحُ الرَّجْعةِ محصورةً، مع أنها اجتلابُ حِلٍّ، كان أَوْلَى.
والثاني: أنها غير محصورة؛ لأن حكم الرَّجعة يُبْنَى عنْه لفظها فيقوم مقامه ما يؤدي معناه، بخلاف الطلاق؛ فإنه يشتمل على أحكام غريبةٍ لا يحيط بها أهْلُ اللغة، فتُؤْخَذ صرائحها من الشَّرْع.
الثالثة: في صحَّة الرجعة بالكنايات وجهان بُنِيَا على الخِلاَف في أنَّ الإشْهَاد، هل هو من شروط الرَّجْعة فيه قولان: أحدهما: نعم، وبه قال مالك إنه شَرْطٌ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة: أنه ليس بشَرْط؛ لأن الرَّجعة في حُكْم استدامة النكاح السابق؛ ولذلك لا يحتاج إلى الوليِّ ورضا المرأة، وَرُوِيَ أن عمران بْنِ الحُصَيْن -رضي الله عنه- سُئِلَ عَمَّن راجع امرأته، ولم يُشْهِد، فقال: راجع من غير سنة،

الجزء: 9 - الصفحة: 174

فليُشْهِد 572؛ لأنه لو كان الإشْهاد شَرْطًا، لَمَا كان للإشهاد على ما سَبَق معنى، وإنما يُستَحَبُّ الإشهادُ على الإقرار بالرجعة؛ لأنهما قد يتنازعان، فلا يُصدَّق على ما سيأتي، والآية محمولةٌ على الاستحباب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وعن أحمد روايتان كالقَوْلَيْنِ، فإن قلْنا: لا يُشْتَرط الإشهاد، ويستقل الزوج بالرجُعة، فتصحُّ بالكناية، وإن قلْنَا باشتراطه، فالشُّهود لا يَطَّلِعون على النية، فلا تصحُّ الرجْعة بالكناية كالنكاح، وهذا الوجه هو الذي أورده القاضي ابن كج وقوله: "إنه الصحيح" أشار به إلى أنَّ الخِلاَف في صحَّتها بالكناية مبنيٌّ على الخلاف في اشتراط الإشهاد، وتسميته جديداً يُشْعِر بأن مقابله قديمٌ، وكذلك ذَكَر جماعة منْهم الإِمام، وقالوا: اشتراطُ الإشهادِ قوله القديم، لكن لا يثبت، وهو الَّذي ذكَره أصحابُنا العراقيون: أن قوله في القديم "والأم" عدم الاشتراط، ونسبوا قول الاشتراط إلى "الإملاء" وإذا صحَّحنا الرجْعة بالكنايات، فتصحُّ بالكناية، وإن قَدَرَ على النطق، وذكر القاضي الحُسَيْن أَنا إذا شَرَطْنا الإشهاد، نَزَّلْنا الرجعة منزلة ابتداء النكاح، فلا يمتنع ألاَّ تصح الرجْعة من العبد، إلاَّ بإذن السيد، وقد أقام في "التتمة" هذا الذي جكاه وجْهًا، قال الإِمام: وهذا في نهاية البُعْد، ولو كان كذلك، لكان رضا المرأة أوْلَى بالاشتراط، وليس اشتراط الإشهاد لكون الرَّجْعَة بمثابة ابتداء النكاح، وإنما معتمد ذلك القَوْلِ ظاهرُ الآية.
الرابعة: الرجعة لا تَقْبَل التعليق، كالنكاح والبيع وسائر العقود، فلو قال: إذا طلقْتُك، فقد راجَعْتُك، ثم طَلَّقها, لم تحْصُل الرجعة، ولو قال: راجَعْتُك إن شِئْتِ فقالت: شِئْتُ، فكذلك، بخلاف ما لو قال إذا شِئْتِ أو أنْ شِئْتِ 573، -بفتح الهمزة- صح فإنَّ ذلك تعليلٌ.
ولو طلَّق إحدى امرأتيه على الإبهام؛ ثم قال: راجَعْتُ المطلَّقة، فهل تحْصُل الرجْعة؟ فيه وجهان: أظْهَرُهما: المَنْع، وليست الرجْعَة في احتمال الإبهام، كالطلاق كما أنها ليْسَتْ في احتمال التعليق، كالطلاق، وأما تعليقُ الطَّلاَق بالرجْعة، فهو صحيح، حتى لو قال للرجعية؛ مهما راجعتك 574، فأنتِ طالقٌ أو قال للتي هي في صلب النكاح؛ إذا طَلَّقْتُكِ

الجزء: 9 - الصفحة: 175

وراجَعْتك، فأنتِ طالقٌ، تُطَلَّق عنْد حصول الشرط، وعن رواية القاضي الحُسَيْن وجْه: أنَّ هذا التعليق لاغ؛ لأن مقصودَ الرَّجْعة يحل؛ فلا يجوز تعليقُ نقيضه به، وفي "التتمة" وجه: أن الرجْعة لا تصحُّ؛ لأن مقتضى الرجْعة أن تَعُود إلى صُلْب النِّكَاح، وهذه الرجْعة قد قارنها ما يمنع ثبوت مقتضاها، والظاهِر الأوَّل، وعليه بناء فروع تقدَّمتْ في "الطَّلاَق".
الخامِسُ: لا تحْصُلُ الرجعة بالوطْء والتقبيل وسائر الأفعال 575. [وقال أبو حنيفة: تحصُل بالوطْء والتقبيل واللمس] والنظر إلى الفَرْج 576 بشهوة.
وعن أحمد مثْلُه.
وقال مالك: إن نوى الرجعة، حَصَلت، وإلاَّ لم تَحْصُل، واحتج الأصحاب: بأنه قادرٌ على القَوْل، فلا تحْصُل له الرجْعة بالفعل، كما لو أشار بالرجْعة، والله أعلم.
قال الغزالِيُّ: (الرَّابعُ الُحِلُّ) وَهِيَ المُعْتَدَّةُ القَابِلَةُ لِلحلِّ* فَلَو ارْتَدَّتْ فَرَاجَعَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الإِسْلاَمِ لَزِمَ اسْتِئْنَافُ الرَّجْعَةِ* وَإِذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ فَلاَ رَجْعَةَ* وَإِنْ أَوْجَبْنَا العِدَّةَ بِالاِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى أَوْ بِالْخلوَةِ ثَبَتَتِ الرَّجْعَةُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الرُّكن الرَّابع مَحَلُّ الرجْعَة، وهي المرأة، ولا يُشْتَرط في الرجْعَة رضاها، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وكذلك لا يُشْتَرَط رضا سيِّد الأَمَة، ويُسْتَحَبُّ الإعلام، ويُشْتَرَط في المرأة؛ لصحة الرجْعة، وصفان: بقاؤها في العدة، وكونها قابلةً للحِلِّ أي في محل الاستحلال، أما الثاني، فلو ارتدَّ الزوجان أو أحدهما في عدة الرجعة، لم تَصحَّ رجعتها في حال الردة، وإذا اجتمعا على الإسْلام قبل انقضاء مدة العدة، فلا بد من الاستئناف، نصَّ عليه، وبه أخذ الأصحاب.
وقال المُزَنيُّ: تكون الرجعة موقوفة، إن اجتمعا على الإِسلام في العدة، تبيَّن صحتها.
قال الإِمام: وهذا له وجْهٌ، ولكن لم أَرَ أحداً من الأصحاب يجعله قولاً مخرجًا، ووجَّهوا النص: بأن المَقْصود من الرجْعة الاستباحة، وهذه الرجعة لا تفيد الإباحة، فإنَّه لا يجوز الاستمتاع بها, ولا الخلوة معها، ما دامت مرتدة، وبأنها جارية إلى البينونة، وانقطاع ملك النكاح، والرجعة لا تلائِمُ حالها، وتُخَالف الطلاق في حال الردة، حيث يكون موقوفاً؛ لأنَّ الطلاقُ محرَّمٌ كالردة، فيتناسبان، وليست الردة كالحيض، والنفاس، والإحرام إذا لم يُجْعل الإحْرام مانعًا من الرجعة؛ لأن هذه أسبابٌ عارضة، ولا أثر لها

الجزء: 9 - الصفحة: 176

في زوال النِّكاح، وعلى النص، لو ارتد الزوجان أو أحدهما بعْد الدخول، ثم طَلَّقها في مدة العدة، فراجَعَها، فالطلاق موقوف، إن جمعهما الإِسلام في العدة تبينا نفوذه والرجعة 577 لاغية، ولو كان الزوجان ذِمِّيَّيْنِ، فأسلمت المرأة، فراجعها، وهو متَخَلِّف، لم يصحَّ حتى لو أسلم في مدة العدة، احتاج إلى الاستئناف، وأما بقاؤها في العدَّة، فلا بد منْه، ولا سبيل إلى الرَّجعة بعد انقضاء العدة، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] ولو كان حقُّ الرجعة باقياً، لما كان يُبَاح لهُنَّ النكاح، وإذا أوجبنا العدة بالإتيان في غير المأتي، وهو الأظهر، فتثبت الرجعة في تلْك العدة.
وفيه وجه آخر، وقد ذكَرْنا الخلافَيْن في "القِسْم الخامس من كتاب "النكاح "", وإذا قلنا: إن الخلوة توجب العدَّة، ففي ثبوت الرَّجعة وجهان ذكرناهما في "كتاب الصداق"، والظاهر ثبوتُها، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "ثبتت الرجعة" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا تثبت الرجعة في عدة الخلوة، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ العِدَّةِ بِوَضْعِ الحَمْل مَيِّتًا أَوْ حَيًّا نَاقِصاً أَوْ كَامِلاً صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ* وإِذَا ظَهَرَتِ الصُّورَةُ الأَولَى انْقَضَتِ العِدَّةُ بِوَضْعِهَا* وَفِي المُضْغَةِ قَوْلاَنِ* وَيُقْبَلُ دَعْوَاهَا مَعَ الإِمْكَانِ* وَإمْكَانُ الوَلَدِ الكَامِلِ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ إِمْكَانِ الوَطْءِ* وَإمْكَانُ الصُّورَةِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا* وإمْكَانُ اللَّحْمِ إِلَى ثَمَانِينَ يَوْمًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيأتِي في "كتاب العدَّة" -إن شاء الله تعالى- أن عدَّة الطلاق ثلاثَةُ أنواع: وضْع الحَمْل، والأقراء، والأشهر، أما المعتدَّة بالأشهر، فإذا -ادعت انقضاءَ العِدَّة، وأنكر الزوج، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن هذا الاختلافَ راجعٌ في الحقيقة إلى وقْت الطلاق، ولو اختلفا في أصْل الطلاق، كان القول فيه قَوْلَ الزوج، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
ولو قال: طلقْتكِ في رمضان، فقالتْ: بل في شوال، فقد غلَّظت على نفسها، فتوآخذ بقولها، وأما المعتدة بوَضْع الحمل، فلا كلام في أن العدَّة تنقضي بوضْع الحمل التامِّ المدَّةِ، سواء كان حياً أو ميتاً كامل الأعضاء أو ناقصها، وكذا بإسقاط السقط إذا ظَهَرت فيه صورة الآدميين، وإن أسقطت مُضْغَةً لم تَظْهر فيها صورةٌ، ففيها قولان، وموضع وبسط الكلام في ذلك "كتابُ العِدَّة" [ومسهما] ادَّعت وضْع الحَمْل أو إسقاطَ

الجزء: 9 - الصفحة: 177

السقط أو إلقاءَ المُضْغة على قولنا بانقضاء العدة به، فيُقْبَل قولها مع يمينها؛ لأن النساء مؤتمنات في أرحامهن قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] ولولا أن قولهن مقبول، لم يُؤْتَمَن بالكتمان؛ لأنه لا اعتبار بكتمانهن حينئذ، وشبه ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] والمعنى فيه: أن إقامة البيِّنة على الولادة تعسُر، وقد يَتعذَّر، هذا ظاهر المذهب.
وقال أبو إسحاق المروزيُّ: تُطَالَب بالبيِّنة إذا ادَّعت وضْع الولد الكامل؛ لأنها مدعية، والغالب أن القوابل يشهَدْنَ الولادة.
وعن الشيخ أبي محمَّد وجْهٌ في السَّقْط مثله؛ لأن ما نالَها من العُسْر يمكنها من الإشهاد، وفيما إذا ادَّعَتْ وضْع وَلدٍ ميِّت [و] 578 لم تظهره وجْه: أنها لا تُصدَّق، والمشهور الأول.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وإنما تُصدَّق فيما يَرْجِع إلى انقضاء العِدَّة، فأما فيما يَرْجِع إلى النَّسَب والاستيلاد، إذا ادَّعت الأَمةُ الولادةَ، فلا بُدَّ من البينة، وإنما تُصدَّق فيما يَرْجع إلى انقضاء العدة بشرطَيْن: أحدهما: أن تكون ممن يحيض؛ لأن من لا تحيض 579 لا تحبل.
والثاني: أن تدعي الوضْع لمدة الإمكان، ويختلف الإمكان بحَسَب دعواها، فإن ادعت ولادة ولد تامٍّ، فأقلُّ مدة تُصدَّق فيها ستة أشهر ولحظتان من يوم النكاح؛ لحظة لإمكان الوطء، ولحظةٌ للولادة، فإن ادَّعَت لمدة أقل من ذلك، لم تُصدَّق، وكان للزوج أن يراجِعَها، واحتج لتقدير مدَّة الحَمْل بستة أشهر بما رُوِيَ أنه أُتِيَ عُثْمَان -رضي الله عنه- بامرأة وَلَدَتْ لستة أشهر، فشاور القَوْمَ في رجْمِها فقال ابن عبَّاس -رضي الله عنهما-: أَنْزَل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، وأنزل ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، وإذا كان الحَمْل والفصال ثلاثين شهراً، والفِصَال عامين، كان العمل ستة أشهر 580، وحكى القتيبي 581 وغيره أن عبد الملك بْنَ مروان وُلِدَ

الجزء: 9 - الصفحة: 178

لستة أشهر، فإِن ادَّعَت إسقاطَ سَقْطٍ ظهرت فيه الصُّورة، فأقلُّ مدَّةِ الإمكان مائَةٌ وعشرون يوماً، وهي أربعة أشهر ولحظتان من يوم النكاح، قال -صلى الله عليه وسلم- "يُخْلَقُ أَحَدُكُمْ في بَطْن أُمِّهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَةً، وَأَرْبَعُونَ عَلَقَةً وَأَربَعُونَ يَوْمًا مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" 582 وإن ادعت إلقاء مُضْغة لا صورةَ لها، فأقلُّ مدة الإمكان ثمانون يَوْمًا ولحظتان من يوم النكاح، ولا يخفى أن هذا الكلام في المضغة مُفَرَّع على قولنا بأن العدَّة تنقضي بها, ولا يُطالَبُ بإظْهَار الولَدِ والسقْطِ بحال.
وقوله في الكتاب "صُدِّقَتْ بيمينها على أظهر الوجهين" الوجه المقابل له أنها تُصدَّق باليمين، ولكن تُطالَبُ بالبيِّنة، وذلك ما حكَيْنَاه في الوَلَد الكامل عن أبي إسحاق، وفي السَّقْط عن الشيخ أبي محمَّد، وفي المَيْتَة عن بَعْض الأصحاب.
وفي "التتمة" وجْه شامل أنها تُطالَبُ في دَعْوَى الولادة بالبينة.
وقوله: "من وقت إمكان الوطء" تبين أنه لاَ بُدَّ من زيادةٍ على ستة أشهر يفرض فيها الوطْء، ولم يَتعرَّض للحظة الِولادة للظهور، ولفظ إمكان الوَطْء قد يُشِير إلى 583 شيء آخر؛ وهو اعتبار كَوْن الزوجَيْن بحيث يُفْرَض وصول أحدهما إلى الآخر [لا] 584 كالمشرقي مع المغربية.
وقوله: "إلى مائة وعشرين يوماً" أي من وقت الإمكان.
وقوله: "وإمْكَانُ اللحم" أراد به المُضْغَة بلا صورة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ إِذَا طُلِّقَتْ فِي الطُّهْرِ اثْنَانِ وَثَلاثُونَ يَوْمًا (ح) وَلَحْظَتَانِ* وَإِنْ طُلِّقَتْ في الحَيْضِ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ* وَفِي المُبْتَدَأَة كَذَلِكَ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ القُرْءَ هُوَ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِحَيْضٍ فَلاَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثةِ أَطْهَارٍ وَثُلُثِ حَيْضٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ* وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا في مُدَّةِ الإِمْكَانِ عَلَى خِلاَفِ عَادَتِهَا عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المعتدَّة بالأقراء، إن طُلِّقت في الطُّهْر، حُسِب باقي الطهر قرءًا، وإن طُلِّقت في الحيض، فلا بد من مُضِيِّ ثلاثة أطهار كاملةٍ على ما سيأتي بيانه في "العدة"، فأقلُّ مدَّةٍ يمكن انقضاء العدَّةِ منه، إذا طُلِّقت في الطُّهر، اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، وذلك بأن يكون الباقي من الطُّهْر الذي طُلِّقَت فيه لحظةً، ثم تحيض يوماً وليلةً، فتطهر يوماً [ثم تحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر] ثم تطعن في الدم، هذا هو الظاهر المشهور، ولا بد فيه من معرفة أمور:

الجزء: 9 - الصفحة: 179

أحدها: قال الإِمام وغيره: إن قُلْنا: إن القرء الانتقالَ من الطُّهْر إلى الحيض، لم يُعْتبر اللحظة الأولى، حتى لو صادف الطلاقُ آخرَ جُزْءٍ من أجزاء الطُّهْر، احْتُسِبَ ذلك الانتقال قرءًا، وإنما يَظْهر تصوير ذلك فيما إذا كان الطلاق معلَّقًا بآخر جزءٍ من أجزاء الطهر.
والثاني: فيما جمعه الشيخ إبراهيم المَرْوَزِيُّ وغيره حكايته نَصّ عن البويطيِّ أنه لا يحكم بانقضاء العدة بالطعن في الدم آخراً، بل لا بدَّ من مضيِّ يوم وليلة، حتى يُحْكَم بانقضاء العدة، وهذا كالخلاف الذي سَبَق في أن الطلاق المعلَّق بالحيض، هل يُحْكَم بوقوعه بمجرَّد ظهور الدم.
والثالث: لحْظَة الطعن في الدم آخراً، ليست من نفس العدة، وإنما هي لاستيقان 585 انقضاء القرء الثالث، هكذا قاله القفَّال وغيره، ولذلك يرى بعضُهم يقول أقل مدة الإمْكَان اثنان وثلاثون يوماً ولحظةً، ويشير إلى إخراج اللحظةِ الأخيرةِ عن الاعتبار، وفي "الرقم" كشرح "مختصر الجويني" وجه آخر؛ أن لحظة الطَّعْن في الدم من نفس العدَّة، وكأنه مبنيٌّ على أن القرء الانتقال من الطُّهر إلى الحيض، فيكون الحُصُول في الحيض من العدة، ونقل المروزيُّ تفريعًا على النصِّ المنقول عن البويطي وجْهَيْنِ في أنه هل يجعل اليوم والليلة من صُلْب العدة؟ قال: وتظهر فائدتهما في ثُبوت الرَّجْعة في تلْك المدة، وإذا جَعَلْنا اليوم والليلة من صُلْب العدة، زادت مدة الإمكان على المدة المذكورة.
والرابع: تقدير الأقل بالمدة المذكورة، يتفرَّع على أنَّ أقلَّ الحيض يوم وليلة، فإن جعلْناه يومًا، نقص عن المدَّة المذكورة، هذا في طهر غير المبتدأة، فأما إذا طُلِّقت المرأة قبْل أن تحيض ثم ظهر حيضها، فيبنى أمرها على أن القرء طُهْر مُحْتَوَشٌ بدمَيْن أو لا يشترط فيه الاحتواش، فإن لم يُشْترط، فحكمها في مدَّة الإمكان حُكْم غيرها، وإن قلْنا: إن القرء الطُّهْر المحتَوَش بدمين، فأقلُّ مدة الإمكان في حقِّها ثمانية وأربعون يوماً ولحظةٌ، وذلك بأن تُطلَّق في آخر جزء من طُهْرها وتحيض يوماً وليلةً، ثم تطهر خمسةَ عشر يوماً، وتحيض يوماً وليلةً، وتطْهُر خمسة عشر، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسةَ عَشَرَ يوماً، وتطعن في الحيض، وذلك ثلاث 586 حيض، وثلاثة أطهار وإن طُلِّقَتْ في الحيض، فأقل مُدَّة الإمكان سبعة وأربعون يومًا ولحظةٌ، وذلك بأن يُقدَّر وقوع الطلاق في آخر جزء من الحيض، ويظهر تصويره فيما إذا عَلَّق الطلاق بآخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر، وتحيض يوماً وليلةً، وتطهر خمسة عشر، وتطعن في الدم، ولحظةُ الطَّعْنِ فيها ما ذكرنا فيما إذا طُلِّقت في الطهر، ولا تحتاج هاهنا إلى تقدير لحْظة في الأول، بخلاف ما إذا كان الطلاق في

الجزء: 9 - الصفحة: 180

الطُّهْر، فإن اللحظة تُحْسَب قرءًا هذا حُكْم الحُرَّة.
وأما الأَمَة، فإن طُلِّقت في الطهر، فأقل مدة الإمكان في حَقِّها ستة عشر يوماً ولحظتان، وإن طُلِّقت، ولم تَحِضْ قطُّ، ثم ظهر بها الدم بعد الطلاق، وقلْنا: القرء الطهر المُحْتَوَشُ بدمَيْن، فأقل مدة الإمكان في حقِّها اثنان وثلاثون يوماً ولحظةٌ، وإن طُلِّقت في الحيض، فالأقل أحد وثلاثون يوماً ولحظةٌ.
إذا تَقرَّر ذلك، فإن لم يكن للمطلقة عادةٌ في الحيضِ والطُّهْر مستقيمةٌ -وتَدْخُل في هذه الحالة الَّتي لم يحضْ قطُّ، ثم بدأ حيضها، والتي له عاداتٌ مضطربةٌ، أو كانت لها عاداتٌ مستقيمةٌ دائرةٌ على الأقل حيضًا وطهرًا، فيُقْبَل قولها إذا ادَّعَت انقضاء الأقراء في زمان الإمكان، مع يمينه كذا، فإن نكلت، حلف الزوج، وكان له الرجعة، وإن كانت لها [عادة] 587 دائرةٌ مستقيمة على ما فَوْق الأقل، فتُصدَّق في انقضاء العِدَّة على وَفْق العادة، وإن ادعت الانقضاء بما دونَها، فوجهان: أصحُّهما: عند الأكثرين أنَّها تُصدَّق باليمين أيضاً؛ لأن العادة قد تَتغيَّر.
والثاني: المَنْع؛ للتهمة، وعن الشيخ أبي محمَّد: -رحمه الله- أنه المذْهب.
قال القاضي الرُّويانيُّ؛ وهو الاختيار في هذا الزمان، وإذا قالت لنا امرأة: انقضت عدتي، فالواجب أن تسألها عن حالها، كيف الطُّهْر؟ وكيف الحيض؟ ونُحلِّفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد، [هنا] 588 لفظه.
وإذا ادعت المرأة انقضاء العدة لِمَا دون زمان الإمكان، وردَدْنا قولها، فجاء زمان الإمكان، نُظِرَ؛ إن كَذَّبَت نفسها، أو قالت: غَلِطْت، وابتدأت دعوى الانقضاء صُدِّقت بيمينها، وإن أصرَّت على الدعوى الأُولَى، فهل نصدِّقها الآنَ؟ فيه وجهان: أصحهما: نَعَمْ، وإصرارها على ما سبق 589 يتضمن دعوى الانقضاء الآن، والزمانُ زمانُ الإمكان، وشُبِّه هذا الخلافُ بالخلاف فيما إذا ادعى المَخْرُوصُ عليه في الزكاةِ غَلَطاً متفاحشًا، ورددنا قوله في القَدْر الفاحش، هل نقبله في القَدْر الذي يقع مثله في الخرص.
وقوله في الكتاب "وإمكان انقضاء الأقراء ... " إلى آخره، ولا يخفى مما ذكرناه أن المراد الحُرَّة، وإن كان اللفظ مطلقاً، وليُعْلَم قوله: "باثنين وثلاثين يوماً ولحظتين" وكذا قوله "بسبعة وأربعين يوماً ولحظة" لأن عند أبي حنيفة: القُرْءُ الحَيْضُ، وأقل الحيض عنده ثلاثةُ أيامٍ، فتختلف مدة الإمكان، ثم المعتبر عنْده أقلُّ الطهر، وأكثر

الجزء: 9 - الصفحة: 181

الحيض، فإن طُلِّقتْ في الطُّهْر، فلا تُصدَّق إلاَّ بعد ستين يومًا ولحظةٍ بقدر كَأَنَّ الطلاق وقع في آخر جزء من الطُّهْر، ويعتبر ثلاث حيضٍ عشرة أيامٍ وطهران، كلُّ واحد منهما خمْسَةَ عَشَرَ يوماً، والطَّعْنُ في الطهر الثالث، وإن طُلِّقتْ في الحيض، فلا تُصدَّق إلاَّ بعد خمسة وسبعين يوماً [ولحظةٍ] 590 بقدرٍ كأنَّ الطلاق وقع في آخر جزء من الحيض، ويعتبر مضيّ ثلاثة أطهار، كلُّ واحد خمسةَ عَشَرَ، وثلاث حيض، كلُّ واحد عشرة أيام، والطعن في الطهر الرابع؛ ليتبين تمام القرء.
وقوله: "وفي المبتدأة كذلك" يعني التي طُلِّقتْ قبل أن يبتدئ حيْضَها، ثم ظهر الحيض، وتسميتها مبتدأةً على مَعْنى أن دمه يَظْهَر مبتَدَأً بها.
فرع: قال لامرأته: إذا ولَدْتِ، فأنتِ طالقٌ، فطُلِّقت بالولادة، فأقلُّ زمان يمكن فيه انقضاء أقرائها يُبْنَى على أن الدم الذي تَرَاهُ المرأة في الستين، هل يُجْعل حيضاً أم لا؟ وفيه خلاف مذكور في "الحَيْض"، إن جعلْناه حَيْضًا، وهو الأظهر، فأقل مدة تَصْدُق في انقضاء الأقراء فيها سبعةٌ وأربعون يومًا ولحظةٌ؛ كما لو طُلِّقت في 591 خلال الحيض، فتقدَّر كأنها وَلَدَت، ولم ترَ الدمَ، ويعتبر مضيُّ ثلاثة أطهار، وثلاث حيض، والطَّعْن في الحيضة الثالثة، وإن لم نجلْعه حيضاً، فلا تُصَدَّقُ فيما دون اثنين وتسعين يومًا ولحظةٍ، ستون منها مدةُ النِّفَاس، ويُحْسَبُ ذلك قرءاً، وبعدها 592 مدة حيضتين وطهرين، واللحظة للطَّعْن في الحيضة الثالثة، هكذا ذكره في "التهذيب" ولم يعتد صاحب "التتمة" بالنفاس قرءاً، واعتبر مُضِيَّ مائة وسبعة أيام ولحظة، -وهي مدة النفاس- مدةَ ثلاثةِ أطهارٍ وحيضتَيْن، واللحظةُ للطَّعْن.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا وَطِئَهَا بَعْدَ قُرْءَيْنِ اسْتَأنَفَتْ ثَلاَثةَ أَقْرَاءٍ* وَلاَ رَجْعَةَ إِلاَّ فِي الأَوَّلِ مِنْهَا* فَإنْ أَحْبَلَهَا فَوَضَعَتْ رَجَعَتْ إِلَى بَقِيَّةِ الأَقْرَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَفِيهَا الرَّجْعَةُ* وَهَلْ تَثْبُتُ في مُدَّةِ الحَمْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 182

قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفَصْل بيان أن الرَّجْعة تختص بعدَّة الطلاق، وإن فرض فيها وطء، وطالت بسببه العدة، فإذا وطء الزوج الرَّجعية في العدة، فعليها أن تستأنف ثلاثة إقراء من وقت الوطء، ويدخل فيها ما بقي من عدة الطلاق، فإن العدتين من شخص واحد يتداخلان، ولا يثبت الرجعة إلاَّ في الباقي من عدة الطلاق، وإن وقَع الوطء بعد قَرءَيْن، فإنما تثْبُت الرَّجعة في القرء الأول من الثلاثة المستأنفة، وهو الثالث من عدَّة الطلاق إن كان بعد قرء، فله الرجعة في القرءين الأولين من الثلاثة، ويجوز له تجديدُ النِّكاح فيما زاد بسبب الوطء، ولا يجوز لغيره، ولو أحبلها بالوطء وجهان: أحدهما: تدخل، وبوضع الحمل تخرج عن العدتين؛ لأن المقصود الأصليَّ براءة الرَّحِم، وهما عدتان من شخص واحد، فيتداخلان، والباقي لا تدْخُل؛ لأنهما عدتان مختلفا الجنس، ولا تداخُلَ مع اختلاف الجنس، والأول أشبه، وبه أجاب بعض المتأخرين.
التفريع: إن قلنا بدخول الباقي في عِدَّة الوطء، فهل له الرَّجْعة في مدة الحَمْل، فيه وجهان مذكوران في "التهذيب": أحدهما: لا؛ لأنه عدة الوطْء، وعدة الطلاق، كأنها إنقطعت بالوطء، وسقطت.
وأظهرهما: نعم، لوقعها عن الجهتين، كالباقي من الأقراء عنْد التداخل إلاَّ أن ذَلِك يَتبعَّض، ومدَّة الحَمْل لا تَتبعَّض، وإن قلنا: لا تداخل، فقد انقطعت عدة الطلاق، فإذا وَضَعت، رجَعَت إلى بقية الأقراء، وللزوج الرجعة في البقية التي تعود إليها بعد الوضع، وفي ثبوتها قبل الوضع وجْهَان: أحدهما: لا تثبت؛ لأنها في عدة وطْء الشبهة.
وأصحهما: على ما ذكره في "التتمة" الثبوت؛ لبقاء عدَّة الطلاق عليها، وثبوت الرجعة فيها، ومن البعيد أن تكون المرأةُ بَائنةً، ثم تثير رجعيَّةً، ولأنه إذا رجَعَها، يُسْقِط العدة، والعدة التي لا تبقى بعد المراجعة لا تمنع من المراجعة.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في أَحْكَامِ الرَّجْعِيَّةِ)

وَهِي مُحَرَّمَةُ (ح) الوَطْءِ وَلَكِنْ لاَ حَدَّ في وَطْئِهَا* وَبَجِبُ المَهْرُ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا* وَإِنْ رَاجَعَهَا فَالنَّصُّ أنَّهُ يَجِبُ* وَالنَّصُّ في الْمُرْتَدَّةِ إِذَا وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الإِسْلاَمِ أنْ لاَ مَهْرَ* وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ* وَيَصِحُّ مُخَالَعَتُهَا عَلَى الجَدِيدِ* وَلاَ خِلاف فِي صِحَّةِ الإِيلاَءِ وَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلاَقِ وَجَرَيانِ التَّوَارُثَ وَلُزُومِ النَّفَقَةِ* وَلَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ انْدَرَجَتْ تَحْتَهُ عَلَى الأَصَحِّ* وَإِنِ اشْتَرَاهَا وَهِيَ رَقِيقَةٌ فَعَلَيْهِ الاَسْتِبْرَاءُ؛ لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 183

القول في أحكام الرجعية والرجعة

قال الرافعي: فيه صورٌ: الأولى: الرجْعيَّة محرَّمة الوَطْء، وبه قال مالك؛ خلافاً لأبي حنيفة، وعند أحمد -رحمه الله- روايتان.
واحتج الأصحاب بأنها معتدَّةٌ، فيحرم وطؤها كالمبتوتة، وبأنَّها طلْقة واقعةٌ، فأشبه ما إذا قال: أنتِ بائنٌ ونوى، وبأنَّها جاريةٌ إلى البينونة بعْد زَوَال العقدْ أو اضطرابه، فيَحْرُم على الزَّوْج، كما إذا أسْلم أحد الزوجين الوثنيين بعد الدخول، فإنه لا يحلُّ للزَّوْج وطؤُها في مدة العِدَّة، وكما يحرم الوطء يحرم سائر الاستمتاعات كاللَّمْسِ والنظر بالشهوة.
الثانية: إذا وطَئَها، فلا حد عليه، وإن كان عالماً بالتحريم؛ لاختلاف العلماء في حله.
وفيه وجهٌ ضعيفٌ، قيل: إنه مأخوذٌ من القول القديم في وجوب الحَدِّ إذا وطئ مملوكته المحرَّمة عليه بالرضاع، أو بكونها منكوحة الغَيْر، ولا يجب التعزير أيضاً، إن كان معتقدًا للحل أو جاهلاً بالتحريم، وإلاَّ وَجَب.
الثالثة: إذا وطئها, ولم يراجعها، فعليه مَهْر المثل، ووجَّه ذلك بأنها في تحريم الوطء كالبائنة، فكذلك في المَهْر، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد -رحمه الله- توجيه: بأنه إذا لم يراجِعْها حتى انقضت العِدَّة، -بان أنها 593 - بانت بالطلاق، واعترض عليه ابن الصَّبَّاغ بأنه لو طَلَّق الرجعية، وقع، ولو بَانَ بانقضاء العدَّة من غير رجْعة بينونتها من وقت الطلاق؛ لَبَانَ عدم وقوع الطلاق، كما لو أسلم أحد الزوجين بَعْد الدخول، وطلقها من مدة العدَّة، ومضت، ولَمْ يُسْلِم المتخلِّف، فإنه تَبيَّن أن الطلاق لم يَقَع، وإن راجَعَها بَعْد الوطء، فالنصُّ وجوب المَهْر أيْضاً، والنص فيما إذا ارتدت المرأة بعد الدخول، فوطئها الزوج في مدة العدة، وعادت إلى الإِسلام: أنه لا مَهْر، وكذا لو أسلم أحد الزوجين المجوسيين أو الوثنيين، ووطئها، ثم أسْلَم المتخلِّف قبل انقضاء العدة، وللأصحاب طريقان: أحدهما، وبه قال الإصطخريُّ: أنَّ المسألة على قولين بالنقل والتخريج: أحدهما: وجوب المهر؛ لوقوع الوطْء في حال ظهور الخَلَل، وحصول الحيلولة بينهما.
والثاني: المنع؛ لارتفاع الخَلَل آخرًا، وعَوْدها إلى صُلْب النكاح، وحكى القاضي

الجزء: 9 - الصفحة: 184

ابن كج أن أبا الحُسَيْن قال: وجدت القولين منصوصين.
والطريق الثاني: القَطْع بظاهر النصين، والفرق أن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعية، بل يبقى نقصان العَدَد، فيكون 594 ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمثابة عقْدَيْن مختلفين، وأَثَر الرِّدَّة وتبديلِ الدِّين يرتفع بالاجتماع في الإِسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، والظاهر [الأول] 595 هاهنا وجوب المهر، وفي تبديل الدِّين المنع، وإن ثَبَت الخلاف.
الرابعة: في صحة مخالعة الرجعية قولان مذكوران في الأصل والشرح في "كتاب الخُلْع"، والجديد الصِّحَّة، ويصح الإِيلاء عنها، والظهار واللعان، ويلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما، وهي في العدة، ورِثه الآخر، وتجب نفقتها في العدَّة، كما في صُلْب النكاح، وهذه الأحكام في أبوابها.
ولو أرسل الطلاق على زوجاته، فقال: نسائي أو زوجاتي طوالقُ، وقد طَلَّق واحدة طلقةً رجعيةً، هل تُطلَّق [منه] 596؟ فيه وجهان، ويقال قولان: منصوص ومخرج: أصحهما، وهو المنسوب إلى النص، وبه قطع الشيخ أبو محمَّد: أنها تُطلَّق، وهي زوجَةٌ بدليل الأحكام المذكورة.
والثاني: المنعُ؛ لاضطراب العَقْد في حقها، وقد قيل: أخذه من الخلاف فيما إذا قال: عَبِيدِي أحرار، هل يَدْخُل المكاتبون؛ فيه قال الإِمام: وقد يفرق بأن الكتابة توقِعُ حيلولةٌ لازمةٌ من جهة السَّيِّد، والطلاق الرجعيُّ بخلافه.
الخامسة: سنذْكُر وجهَيْن في وجُوب الاستبراء إذا اشترى زوجته الرقيقة في "باب الاستبراء"، والأظهر أنه لا يجب؛ لأنها كانت حلالاً له، وإنما نقلها من سبب حل، فلا معنى للاستبراء، ولو طلق زوجته الرقيقة طلقةً رجعيةً ثم اشتراها، وجَب الاستبراء؛ لأنها كانت محرَّمةً علَيْه بالطلاقِ، وإحداثُ المِلْكِ لا يكون كالرَّجعة؛ لأن ملك اليمين يقطع النكاح ويضاده، فلا يَصلُح استدراكاً لما وقع فيه من الخلل، وبم يستبرئها؟ ملخص ما ذكره الإِمام أنه إن بَقِيَتْ من العدة حيضةٌ كاملةٌ وقع الاكتفاء بها، وإن بقيَتْ بقيةٌ من الطُّهْر، فمن الأصحاب من يكتفي بها، ومنهم من يشترط حيضة كاملة، وهو القياس، وهذا إذا قلْنا: إن الاستبراء بالحَيْض، وهو الصحيح، فإن قلنا: إن الاستبراء بالطهر، وقلنا [إن] 597 الطهر كافٍ للاستبراء، حَصَل الغرض بها.

الجزء: 9 - الصفحة: 185

واعلم أن الأصْحَاب لَمَّا نَظَروا في الأحكام المجموعة في هذا الفصل، وَجَدوا لها دلالاتٍ متعارضةً، فأنْشَؤوا منْها أقوالاً ثلاثة في أن الطلاق الرجعيَّ هل يَقْطع النكاح، ويزيل الملْك أم لا: أحدها: نعم، ويدل عليه تحريم الوطْء، ونصه على وجوب المهر، وإن راجع، وأنه لا يصحُّ مخالعتها في قول، وأنه يجب الإشهاد في قول، فإن ذلك تنزيل له منزلة الابتداء.
والثاني: أنه لا يزيل الملك، ويدل عليه أنه لا يجِبُ الحد بوطئها، وأنه لا يجب الإشْهَاد على قول، فإنه يصح الخلْع على قول وأنه يقع الطلاق، ويصح الظهار واللعان والإيلاء، ويثبت الميرَاث، واشتهر عن لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أن الرجعيَّة زوْجَةٌ في خمس آي من [كتاب الله تعالى]، وأراد الآياتِ المشتملة على هذه الأحكام.
والثالث: أنه موقوف، إن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فَتَبين زوال الملك بالطلاق، وإن راجَعَها، تبيَّن أن المِلْك لم يَزُل، وأخذ ذلك من قَوْل من قال من الأصحاب: إن المَهْر موقوفٌ، إن لم يراجعْها، وإن راجَع، لم يحلف، وشبَّهوا هذه الأقوال بالأقوال في المِلْك في زمان الخيار، واختلف اختيار صاحب الكتاب وشيخه الإِمام، فاختار الإِمام القولَ الذَّاهب إلى بقاء الزوجية والملك، واعتذر عن تحريم الوطء بأن الطلاق يَجُربِهَا إلى البينونة والتحرم سبب يَثْبُت بعوارضَ تطرأ مع تمام المِلْك؛ للاحتياط، فأَوْلَى أن يَثْبُت عند ظهور الخلل والاضطراب، وعن وجوب المَهْر، بأنه ممنوعٌ من الوطْء؛ لخلل [فيه] 598 واضطراب وقَع في العَقْد، فإذا وَطئَ، ولم يجعل ذلك ردًا وإصلاحًا للشعث، كان كوطْء شبهة يتفق، قال: وأما إفساد المخالعة، فليس ذلك لزوال الملك، ولو كان لزواله، لَمَا لَحِقها الطلاق بغير عِوَض أيضاً، وأما وجوب الإشهاد، فمستنده ظاهرُ الآية على ما تَقدَّم، واختار صاحب الكتاب في "الوسيط" القَوْلَ بزوال الملك، واعتذر عن عَدَم وجوب الحَدِّ بأن سلطنة الرد قائمةٌ فتنهض شبهة، وعن عدم وجوب الإشهاد بأنه في الرَّجعة مستغنٍ عن رضا المرأة، وعن الولي، وكما لا يلتحق بالرجعة بالنكاح فيها, لا يلتحق بالنكاح في اعتبار الشهود، وصحة الخلع؛ لدفع سلطته وولايته، وكفت بذلك السلطنة لوقوع الطلاق؛ لفائدة تنقيص عدد، وكذلك لصحة الإيلاء والظهار وثبوت الميراث، وأنتَ إذا نَظَرْتَ في المسائل، وفيما هو الأظهر من الصور المختَلَف فيها, لم تُطْلِق القول بترجيح زوال الملك ولا بقائه.
وقوله في الكتاب "وهي محرمة الوطء" مُعْلَم بالحاء والألف، وقوله: "ولكن لا

الجزء: 9 - الصفحة: 186

حدّ" بالواو، وقوله: "وقيل فيه قولان بالنقل والتخريج" بعد رواية نصين يفهم الطريقة الأخرى المقررة للنصين، وإن لم يصرح بهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ ادَّعَى أنَّهُ رَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ فَأنْكرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الرَّجْعَةِ* وَقِيلَ: هُوَ المُصَدَّقُ إِذِ الأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحُ* وَلَوْ قَالَ: رَاجَعْتُكِ الآنَ فَقَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي بِالأَمْسِ وَأَنْكَرَ أَوْ قَالَت: انْقَضَتْ عِدَّتِي فَقَالَ: رَاجَعْتُكِ بَالأَمْسِ فَأنْكَرَت فَالخِلاَفُ جَارِ* وَالأَظْهَرُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهَا: لأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الإِشْهَادِ وَلأَجْلِ هَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الإِشْهَادُ وَهِيَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى مَا فِي رَحِمهَا وَلَوْ قَالَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدّةِ: رَاجَعْتُكِ بِالأَمْسِ فَأنْكَرَت فَالصَّحِيحُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الإِنْشَاءِ* فَإِنْ صَدَّقْنَاهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّ إِقْرَارَهُ لاَ يُجْعَلُ إِنْشَاءً بَلْ عَلَيْهِ الإِنْشَاءُ إنْ أَرَادَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا ادَّعَى الرجْعَة في العِدَّة، وأنْكَرَت المرأة، لم يَخْلُ اما أن يقع هذا الاختلاف قبل أن تَنْكح زوجًا آخر أو بعده.
القسْم الأوَّل: أن يقع قبل أن ينكح زوجًا آخر، فإمَا أن تكون العدة منقضية أو باقيةً.
الحالة الأولى: إذا كان العدَّة منقضيةً، وادَّعَى الزوج سَبْق الرجعة، وادَّعَتْ هي سبْقَ انقضاء العدة، فلهذا الاختلاف صور: إحداها: أن يتفقا على وقْت انقضاء العدَّة؛ كيوم الجمعة، وقال الزوج: راجَعْت يوم الخميس، وقالت: بل راجعت يوم السبت، فالقول قولها مع يمينها؛ لأن وقْت انقضاء العدَّة متفق عليه، والاختلاف في أنه؛ هل راجع قبله أم لا؟ والأصل أنه راجع، ووُجِّه أيضاً بأن الزوج يدعي [بعدم] انقطاع سلطنته وأنه راجَعَ قبله، فأشْبَه ما إذا ادَّعَى الوكيل بعْد العزل أنه باع قبل العزل، لا يُصدَّق، ويطالب بالببنة، هذا هو الظاهر، وبه أجاب أصحاب القفَّال وغيرهم، وعليه جرى صاحِب "التهذيب" و"التتمة".
قال في "التتمة"، ويحلف هي أنها لا تَعْلَم أنَّه راجَع يَوْم الخَمِيس فإن الحلف على نَفْي فعل الغَيْر، هكذا يكون، وحكى الإِمام وصاحِب الكتاب في غيْر هذا الكتاب وراء الظاهر وجهَيْن آخرين، في الصورة المذكورة: أحدهما: أن القَوْل قول الزوج مع يمينه؛ لأن الرجْعَة تتعلَّق به، وهو أعلم بحال نفسه، ولأنه يستقي النكاح، فتُصدَّق كما لو ادَّعَى الإصابة في مدَّة العِدَّة.
والثاني: أنها لو قالَت: انقضَتْ عدتي يوم الجمعة، وساعدها الزوج، وقال: راجَعْتُ يوم الخميس، فهي المُصدَّقة؛ لأن قولها في انقضاء العدَّة مقبولٌ، وإذا حكمنا بانقضاء العدة، لم يُلتَفَت إلى دعوى الرجْعة بعْد ذلك، وإن قال الزوج أولاً: راجَعْتُك

الجزء: 9 - الصفحة: 187

يوم الخميس، فهو يُصدَّق لاستقلاله بالرَّجْعة، [والرجعة] تَقْطَع العدة، وإن كان انتهاء الأقراء يوم الجمعة، وإذا صحَّحنا الرجعة منْه، لم نلتفت 599 إلى قوْلها: إنك راجَعْتَ يوم السبت، قال: فإن تساوق كلاماهما، سقط هذا الوجه، وبقي الوجهان الأولان.
الصورة الثانية: أن يتفقا على وقْت الرَّجعة؛ كيوم الجمعة، وقالت: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال الزوج: بل يوم السبت، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن وقْت الرجعة متَّفَقٌ عليْه، والأصل أن العدَّة لم تنقض قبله، وحكى الإِمام وجهَيْن آخرين: أحدهما: أن القول قول المرأة مع يمينها؛ لأنها مصدَّقةٌ في دعوى انقضاء العدَّة، وقد ادعت أنها انقضت قبل أن يُرَاجِع.
والثاني: أن المصدَّق السابق إلى الدَّعوى، فإن قال الزوج أولاً: راجَعْتُك يوم الجمعة، فقالت: نعم، لكن انقضت عدتي يوم الخميس، فهو المصدَّق، وإن قالت أولاً: انقضَتْ عدتي يوم الخميس، فقال: بل انقضت يوم السبت، ووقعت الرجعة في يوم الجمعة، فهي المُصدَّقة.
الصورة الثالثة: ألاَّ يتَّفِقَا على وقت أحدهما بل يقتصر الزوج على أن الرجعة سابقةٌ، والزوجة على أن انقضاء العدة سابقٌ، فالنص أن القول قوْلُ الزوجة، والنص فيما إذا أسلمت المرأة بعد الدخول، ثم أسلم الزوج، واختلفا، فقال الزوج: أسلَمْتُ قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل انقضت عدتي قبل إسلامك أن القول قَوْلُ الزوج، وذكرنا في آخر "نكاح المُشْركات" طريقين: أحدهما: أن المسألتَيْن على قولَيْن، وكلام الإِمام يوافق هذه الطريقة، وأنه حَكَى فيها وجهَيْن عن رواية الشيخ أبي مُحمَّد: أحدهما: أن القول قول الزوج استبقاءً للنكاح، ولأن الأصل بقاء الرجعة.
والثاني: أن القول قولها؛ لأنها تخْبِر عما لا مُطَّلِع عليه إلاَّ من جهتها، فلا بد من ائتمانها وتصديقها فيه، والزوج يخبر عن الرجْعة، ولا ضرورة إلى تصديقه؛ لتمكنه 600 من الإشهاد على الرجعة.
والطريق الثاني، وهو الأصح: أن النصين منزَّلان على حالين، وذكرنا أن المَحْكيَّ عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق، والمرضيَّ عنْد الشيخ أبي حامد وأصحابه، وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" وغيره -رحمهم الله-: أن النظر إلى السَّبْقِ، والسبقُ المصدَّقُ، فإن قالت هي أولاً: انقضت عدتي، ثم قال الزوج: كنت راجَعْتُكِ قبل انقضاء العدَّة،

الجزء: 9 - الصفحة: 188

فهي المصدَّقة بيمينها، وإن قال الزوج أولاً: راجعتك قبل انقضاء عدتك، ثم قالت: بل بعْد انقضاء عدتي، فعن القفَّال، وبه أخذ "التهذيب" و"التتمة".
أنه يُنْظَر؛ إن تراخى قولها عن قوله، فالمصدَّق الزوج، ويُجْعل كأن عدتها قد انقضت قبيل كلامها، وإن اتصل قولها بقوله، فهي المصدَّقة بيمينها؛ لأن الرَّجعة قولية، فيجعل قوله "راجعتك" كإنشاء الرجعة في الحال، وانقضاء المدة، وليس بشَيْءٍ حَوليِّ، فقولها انقضت عدتي إخبارٌ عن أمر كان من قبل، فكأن قوله: "راجعتك" صادف انقضاء العدة، فلا يصح، وإذا اعتبرنا السبق إلى الدعوى، فلو وقَع كلام الزوجين معاً، فعن ابن سُرَيْج، وهو الجواب في "التهذيب" وغيره: أن القول قولها، وكأنَّ الرجعة صادفت انقضاء العدة، أو تأخرت عنه وَيجِيْء على قياس ما ذكره الإِمام، وفيما سَبَق وجْه: أن القَوْل قولُه.
وفي "الشامل" أن القاضي أبا الطيِّبِ روى وجْهاً أنه يُقْرَعُ بينهما، وَيُقَدِّمُ قولُ من خَرَجَتْ قرعته، وفي المسألة طريقة أخرى، ويقال إن صاحب "الإفصاح" اختارها، وهي أنه 601 يُسأل الرجُل عن وقت الرَّجعة [فإذا بَيِّن، فإن صدقته المرأة فقد توافقا على وقْت الرجْعة،] 602 وإن كذَّبَتْه، صُدِّق بيمينه، وتُسْأل المرأة عن وقت انقضاء العدة، فإذا بَيَّنَتْه، فإن صدَّقها، فقد توافقا على وقت انقضاء العدة، وإلا فتُصدَّق بيمينها، ثم يُنْظَر في وقت الرجعة، ووقت انقضاء العدة، ويُجْعل الحكم للسابق منْهما، ويخرج من هذه الطرق عنْد الاختصار وجوه أو أقوال: أحدها: تصديق الزوج [في انقضاء العدة] 603. [والثاني: تصديق الزوجة في انقضاء العدة]، ويُرْوَى الأوجُهُ عن ابن أبي هريرة، وكذلك ذَكَرها الشيخ أبو حاتم القزوينيُّ ثم في "النهاية" عن صاحب "التقريب"، أن ما صوَّرناه من الاتفاق على وقْت انقضاء العدة، والاختلاف في الرجْعة فيما إذا اتفقا على أصل الرجعة، واختلفا في التقدُّم والتأخر، فأما إذا أنكرت أصل الرجعة، وقالت: إنه لم يتلَفَّظ بها، فالقول قول المرأة بلا خلاف.
قال الإِمام: وهذا خطأ صريح، فإن قولَها "أنه راجع بعد انقضاء العدة" اعترافٌ بصيغة الرجعة لا بحقيقتها، فلا فرق.
ولو قال الزوجان: نعلم حصول الأمرين، الرجعة وانقضاء العدة على الترتيب، ولا ندري أن السابق ماذا؟ فالأصل بقاء العدَّة، وولاية الرجعة.
الحالة الثانية: إذا كانت العدة باقيةً، واختلفا في الرجْعة، فالقول قول الزوج؛ لأنه

الجزء: 9 - الصفحة: 189

ادَّعَى الرجعة في وقْت يقدر على إنشائها، فيُقْبل إقراره بها كالوكيل إذا قال: بعْتُ قبل العزل، وعن صاحب "التقريب" وجه أن القول قوْلُها؛ لأن الأصْل عدَمُ الرجْعَة، وبقاء أثر الطلاق، فإن أراد الرَّجْعة، فعلَيْه إنشاؤها، وإذا قَبِلْنا قولَه، فقد أطْلَق جماعةٌ منهم صاحب "الكتاب" 604 أن إقراره ودعواه يُجْعل إنشاءً, وحَكَى ذلك عن القفَّال، وذكر الشيخ أبو محمَّد أن من قال به يَجْعَل الإقرار بالطلاق إنشاءً أيضاً.
قال الإِمام: وهذا لا وجْه له؛ فإن الإقرار والإنشاء يتنافيان، فذلك إخبار عن ماضٍ، وهذا إحداث في الحال، وذلك يَدْخُله الصِّدق، والكَذِب، وهذا بخلافه، ونختم القسم بكلامين: أحدهما: فيما يَتعلَّق بلفظ الكتاب.
قوله: وَإِنْ ادَّعى أنه رَاجَع قبل انقضاء العدة، فأنكرت، الأقرب أنه أراد بهذه هذه الصورة ما إذا اختلفا في التقدُّم والتأخر من غَيْر أن يتفقا على وقْت أحدهما، وأراد بقوله: "ولو قال راجعتك الآن"، فقالت: "انقضت عدتي بالأمس" ما إذا اتفقا على وقت الرجعة، واختلفا في وقت انقضاء العدة؛ وبقوله 605: "أو قالت" انقضت عدتي، فقال: "راجعتك بالأمس" ما 606 إذا اتفقا على وقت انقضاء العدَّة، واختلفا في وقت الرجعة، والخلاف في أن القول قولُه أو قولها شامل للصور جميعاً على ما قدَّمنا، لكنه قال: والأظهر أنَّ القول قولُها، وسيأتي الكلام يَقْتَضِي ترجيحَ هذا الوَجْه في الصور كلِّها، وهو غير مساعد عليه فيما إذا اتفقا على وقت الرجْعة، واختلفا في وقْت انقضاء العدَّة بل الظاهر أن القول قولُه، وكذا إذا لم يتفقا 607 على وقت واحد منهما، والظاهر تصديقُ مَنْ يسبق إلى الدَّعْوَى، ولم يَتعرَّض له في الكتاب.
والثاني: نقل المزنيُّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه لو قال: راجعْتُكِ اليوم، فقالت المرأة: انقضت عدتي قبل رجعتك، تُصدَّق المرأة، واعتُرِض بأنه لم يوجَدْ من واحد منهما دعوى 608 [انقضاء العدة، حتى حصلت المراجعة باتفاقهما، فينبغي أن يُصدَّق] الرجُلُ، وحمل الأصحاب -رحمهم الله- النص على ما إذا اتَّصَل كلامها بكلامه، وقالوا: قولُه "راجَعْت" إنشاء، وقولها: "انقضت عدتي" إخبارٌ، فيكون الانقضاء سابقاً على قولها، وقد سَبَق ما يقرب من هذا أو هو هو.
القسم الثاني، ولم يذكره في الكتاب: أن يقع الاختلاف بعْد ما نَكَحت زوجًا

الجزء: 9 - الصفحة: 190

آخر، فإذا نكحت بعْد مضي العدة زوجًا لعلَّه زوجها الأول، وادعى الرجْعة وعذرها في النكاح، لجهلها بالرجعة أو نسبه إلى الخيانة والتلبيس، نُظر إن أقام عليها بيِّنة، فهي زوجة الأول، سواءٌ دخل بها الثاني أو لم يَدْخُل.
وعن مالك: أنه إنْ دخل بها، فهي زوجة الثاني، وإن لم يدْخُلْ بها، فعنه روايتان في أنَّها للأول أو الثاني، ويجب لها مَهْر المثل على الثاني، إن دَخَل بها، وإن لم تكن بيِّنة، وأراد التحليف، فتسمع دعواه على الزوجة 609، ويجيْء فيه خلافٌ؛ بناء على أن إقرار المرأة بالنكاح غَيْر مقبول، والظاهر القَبُول، وهل تسمع الدعوى على الزوج الثاني، فيه وجْهَان: أحدهما: لا؛ لأن الزوجة ليست في يده، وهذا ما ذكره الإِمام أنه المَذْهب.
والثاني: تُسْمَع؛ لأنها في حباله وعلى فراشه، وبه أجاب المحامليُّ وغيره من العراقيين فإن قلنا: لا تسمع الدعوى عليه، فتتعين هي للدعوى، وإذا ادعى عليها، فإنْ أقرت به بالرجعة، لم يُقْبَل إقرارها على الثاني، بخلاف ما إذا ادعى امرأة في حبالة رَجُل أنها زوجته 610، فقالت: كنت زوجةً لَك، فطلقْتَني، حيث يكون ذلك إقرارًا له، وتجعل زوجةً له، والقول قوله في أنه لم يُطَلِّقْها 611؛ لأن هناك لم يَحْصُل الاتفاق على الطلاق، وهاهنا حَصَل، والأصل عدم الرجعة، وتغرم المرأة للأول مَهْر مثلها؛ لأنها فَوَّتَت البُضْع عليه بالنكاح الثاني.
وقال أبو إسحاق: لا غُرم عليها، كما لو قَتَلَت نفْسها أو ارتدت، وهذا هو خلاف الغُرْم بالحيلولة، وإن أنْكَرت، فهل تحلف؟ فيه اختلافٌ؛ بناء على أنها لو أقرت هل تَغْرم إن قلنا: لا، فإقرارها بالرجعة غير مقبول، وهو غير مؤثر في الغرم، فلا معنى للتحليف، ومقصود التحليف الحَمْل على الإقرار، والظاهر التحليف، فإن حلفت،

الجزء: 9 - الصفحة: 191

سقطت دعوى الزوج، وإن نكلت، حلف، وغرمها مَهْر المثل، ولا نحكم بطلان نكاح الثاني، وإن جعَلْنا اليمين المردودة كالبينة؛ لأنها وإن جُعِلت كالبينة، فإنما تكون كالبينة في حق المتداعيين خاصَّةً، وفي "النهاية" نقل وجه ضعيف: أنه يحكم ببطلان النكاح 612، إذا قلْنا: إنها كالبينة، وإن قلْنا: إن الدعوى على الزوج الثاني مسموعةٌ، فيُنْظر؛ إن بدأ بالدعوى على الزوجة، فالحكم على ما بيَّنَّا، لكن إذا انقطعت الخصومة بينهما، بَقِيَتْ دعواه على الثاني وإن بدأ بالدعوى على الثاني، فإن أنكر، صُدِّق بيمينه؛ لأن العدة قد انقضت، والنكاح وقع صحيحاً في الظاهر، والأصل عدم الرجعة، وإن نَكَلَ، رُدَّت اليمين على المدعي، فإن حلف، حكم بارتفاع نكاح الثاني، ولا تصير المرأة للأول بيمينه، ثم إن قلْنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها وبين الثاني نكاح، فلا شَيْءَ لها على الثاني إلاَّ مهر المثل، إن دخل بها، وإن قلْنا: إنها كالإقرار، فإقراره عليها غَيْر مقبول 613، فلها كمال المُسمَّى، إن كان بعد الدخول، ونصْفه، إن كان قَبْله.
قال في "التهذيب" والصحيح عندي أنها إن جُعلَت كالبينة، لا تؤثر في سقوط حقِّها عن المسمَّى، بل يختص أثر اليمين المردودة بالمتداعيين، فإذا انقطعت الخصومة بينهما، فله الدعوى على المرأة، ثم يُنْظَر؛ إن بقي النكاح الثاني، بأن حلف، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا بدأ بها، وإن لم يبق بأن أقر الثاني للأول بالرجعة، أو نَكَل، فحلف الأول، فإن أقرت المرأة، سُلِّمت إليه، وإلا فهي المُصدَّقة باليمين، فإن نَكَلت، وحَلَف المدعي، سُلِّمت إليه، ولها على الثاني مَهْر المثل، إن جَرَى دخول، وإلاَّ، فلا شَيْء عليه، كما لو أقرت بالرجعة، وكل موضع قلنا: لا تُسلَّم المرأة إلى الأول، لحق الثاني، وذلك عنْد إقرارها، أو نكولها، ويمين الأول، فإذا زال حق الثاني بموت وغيره، سُلِّمت إلى الأول، كما لو أقر بحرية عبْد في يد غيره، ثم اشتراه، يحكم عليه بحريته.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا أَنْكَرَتِ الرَّجْعَةَ ثُمَّ رُجِعَتْ صُدِّقَتْ وَإِنْ كَانَ في إِنْكَارِهَا إِقْرارٌ بِالتَّحْرِيمِ؛ لأنَّهَا جَحَدَتْ حَقَّ الزَّوْج ثُمَّ أَقَرَّتْ فَيَتَرَجَّحْ جَانِبُه* وَلَوْ أَقَرَّتْ بِتَحْرِيمِ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ* وَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ يُقْبَلُ لِحَقِّ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكرت المرأة الرجعة، واقتضى الحال تصديقها، ثم رجَعَت، صُدِّقت في الرجوع، وقُبِلَ إقرارها، نصَّ عليه، ورأى الأصحاب فيه إشكالاً؛ لأن قضية قولها الأول تحريمُها عليه، وقضية الإقرار بالتحريم ألا يُقْبَل منها نقيضه، كما لو أقَرَّت

الجزء: 9 - الصفحة: 192

أنها بنْت فلان من النَّسَب أو الرضاع، ثم رجَعَت، وكَذَّبت نفسها, لا يُقْبل رجوعها، وتَكلَّموا في الفَرْق من وجوه: أحدها: أن حرمة الرضاع مؤكَّدة مؤبَّدة، بخلاف حرمة البينونة بانقضاء العدة.
والثاني: أن الرضاع يَتعلَّق بها، فإقرارها به يَصْدُر عن علم وتحقُّق، والرجْعةُ قد تجري في غيبة، وهي لا تَشْعُر فلا يبعد أن تنكر، ثم تَعْرف، وتَعْتَرِف.
قال الإِمام: ولا خير في هذين القولين؛ أما الأول، فهو بيان التفاوت في كيفية الحرمة، وأصل الحرمة حاصِلٌ شامل للصورتين، وأما الثاني، فالرَّضَاع يجري في الصغر، فلا يَشْعُر به المرتَضِع.
والثالث: أن الإقرار بأخوة النسب والرضاع تستند إلى أمر ثبوتي، وإنكار الرجعة، وإن صُدِّقت، فيه نفي شيء، والثبوت أقرب إلى العِلْم والإحاطة من النفي؛ ولذلك كان الحَلف في طرف الثبوت على البَتِّ، وفي النفي على العلْم، وإذا كان كذلك كان الرجوع في طرف الإثبات رجوعًا عن المحقَّق المعلوم، فلا تقبل، ولذلك نقول: لو ادَّعتِ الطلاق على الزوج، فأنْكَر، ونكل، فحلفت، ثم رُجِعَت، وكَذَّبت نفسها, لا يُقْبل رجوعها؛ لاستناد قولها إلى الإثبات، وأما في طرف النفي، فكأنه لم يَعْلَم، ثم عَلِم، نَعَمْ، لو قال: ما أتلف فلان مالي، ثم رَجَع، وادَّعَى أنه أتلف، لا يُقْبَل؛ لأن قوله: "ما أتلف" تضمَّن الإقرار على نفْسه ببراءته.
والرابع: أن الرجل ادَّعَى حقّاً، فأنكرته، ثم عادت إلى الاعتراف به، فإذا توافقا على ثبوت حقه، لم يجز إبطاله، كما لو ادَّعى أنها زوجته، فأنْكَرَت، ثم أقرت أو ادَّعى على إنسان قصاصًا، فأنكر، ثم أقر بخلاف قولها: فُلان أخِي، ولو زُوِّجت المرأةُ، وهي ممن يُحْتَاج إلى رضاها، فقالت: لم أرْضَ بعقد النكاح، ثم رجَعَت، وقالت: رَضِيتُ، وكنتُ نسيته، وجهان: أحدهما: أنه يقبل رجوعها؛ لأن قولها الأول راجِعٌ إلى النفي، وأيضاً، فإنها أنكرت حق الزَّوْج، وعادَتْ إلى التصديق، فيُقْبل؛ لِحَقِّه.
والثاني: المنع؛ لأن النفي إذا كان تَعلَّق بها كالإثبات؛ ألا ترى أن الإنسان يحلف على نفي فعله على البَتِّ، كما يحلف على الإثبات على البت، وقد ذكرنا أن الإقرار بالأمر الثبوتي يبعد الرجوع عنه، وعلى هذا فلا يحل له إلاَّ بعقد جديد، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطَّيِّب -رحمه الله- عن النص، والأول أظْهَر عنْد صاحب الكتاب -رحمه الله- والله أعلم بالصواب.
فروع: إذا طلَّقها طلقةً أو طلقتين، واختلفا في الإصابة، فقال الزوج: طلقتها بعد

الجزء: 9 - الصفحة: 193

الدخول، ولي الرجعة، وأنكرت هي، فالقول قولها مع يمينها؛ فإن الأصل عدم الدخول فإذا حلفت، فلا رجعة له، ولا سكنى ولا نفقة لها, ولا عدة عليها, ولها أن تنكح في الحال، وليس له أن ينكح أختها, ولا أربعاً سواها، حتى ينقضي زمان يمكن انقضاء العدة فيه، وهو مُقِرٌّ لها بكمال المَهْر، وهي لا تدَّعِي إلا النصف، فإن كانت قد قَبَضَت المهر، فليس له مطالبتها بشَيْء، وإن لم يُقبضه، فليس لها إلاَّ أخذ النصف، فإذا أخذته، ثم عادت، واعترف بالدخول، فهَلْ لها أخْذ النِّصْف الآخر أم لا بد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ نقل إبراهيم المروزي فيه وجهَيْن، وفي شرح "المفتاح" للأستاذ أبي منصور البغدادي: أنها إذا كانت قَبَضت المَهْر، وهو عَيْن، وامتنع الزَّوج من قَبُول النِّصْف أو يبرئها منه.
ولو كنت العين المصدَّقة في يده، وامتنعت من أخذ الكُل، فيأخذه الحاكم، وإن كان دَيْنًا في ذمته، فيقول لها: إما أن تقبليه أو تبرئيه عنه.
ولو انعكس الخلاف، وادَّعت المرأة الدخول، وأنكر الزوج، فالقول قوله، فإذا حلف، فلا رجعة ولا سكنى ولا نفقة، وعليها العدة، ولو عادت، وكذَّبتْ نفْسَها, لم تَسْقط العدة، ولا فرق بين أن يكون الاختلاف في الدخول قبل جريان الخلوة، أو بعدها على الصحيح، وحكينا في آخر فصل العُنة قولاً أن يُرجَّح جانبُ مَنْ يدعي الدخول ويُجْعَل القول قوله مع يمينه، وفي "التتمة" أنه لو طلق زوجته الأمة، واختلفا في الرَّجعة، فحيث قلنا: إن القول قول الزوج إذا كانت المطلقة حُرةً، فكذلك هاهنا، وحيث قلنا: إن القول قول الزوجة هاهنا فالقول قول السيد؛ لأن نكاح الأمة حقُّه.
وعن أبي حنيفة ومالك: أن القول قولُ الأمة، وبمثله أجاب صاحب "التهذيب" وقال: لا أثر لقول السَّيِّد، وعن نصه -رضي الله عنه- في "الأم" أنه لو قال: أخبرتني بانقضاء العدة ثم إنه راجَعَها مكذِّبًا لها، فقالت بعد ذلك: ما كانَتْ عدتي منقضيةً، وكذَّبت نفْسَها، فالرجعة صحيحة؛ لأنه لم 614 يُقِرَّ بانقضاء العدة [وإنما أخبر عنها، والله أعلم 615].

الجزء: 9 - الصفحة: 194

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل