كِتَابُ الكَفَّارَاتِ
وَهِيَ ثَلاَثُ خِصَال
ٍ: (الأُولَى: العِتْقُ)
وَلاَ يُجْزِئُ في الظِّهَارِ إلاَّ رَقَبَةٌ مِؤْمِنَةٌ (ح) سَلِيمَةٌ كَامِلَةُ الرِّقِّ خَالِيةٌ عَنْ شَوْبِ العِوَضِ* وَتَجِبُ النِّيَّةُ في الكَفَّارَةِ* وَلاَ يَجِبُ (ح) تَعْيِينُ الجِهَاتِ* وَيصِحُّ الإعْتَاقُ (ح) وَالإِطْعَامُ مِنَ الذِّمِّيِّ بِغَيْرِ نِيَّةِ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الغَرَامَاتِ* وَلاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ لأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ* وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ الجِهَةِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الكَفَّارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكفَّارة 1 الاسم من التكفير، وتكفير اليمين فعْل ما يجب بالحِنْث
الجزء: 9 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = للخلاف فيه إن وجد، وإنما الخلاف الذي وجد بينهم وله ثمرته هو: هل الحدود كفارات لما أقيمت فيه من الذنوب؟ فمن أقيم عليه الحد في معصية شرع فيها الحد لم يعذب عليها في الآخرة -أو ليست كفارات لها؟ فيعذب في الدنيا عليها ولا يغنيه ذلك عن عذاب الآخرة.
مذاهب العلماء:
ذهب الجمهور من العلماء.
ومنهم الشافعية والظاهرية إلى أن عذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة.
وذهب آخرون إلى أنه لا يسقطه إلا إذا انضم إليه توبة خالصة، وبه جزم بعض التابعين، وعليه الحنفية والمعتزلة، وبعض المفسرين كالبغوي.
وتوقف آخرون فقالوا لا ندري أعذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة أم غير مسقط له.
استدل الفريق الأول بما روي عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا بهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفي منكم فأجره على الله.
ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم يستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه.
فبايعناه على ذلك.
وجه الدلالة من هذا الحديث:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر فيما ذكر من المعاصي الزنا والسرقة وهما من الذنوب التي شرع فيها حد معلوم في الدنيا وأخبر أن من ارتكب ذنبًا من الذنوب التي ذكرها في الحديث وعوقب عليها في الدنيا كان العقاب كفارة لذنبه وهذا صريح في أن عذاب الدنيا مسقط لعذاب الآخرة مطلقًا تاب أو لم يتب.
لأن الحديث لا ذكر للتوبة فيه ويؤيد هذا ما روي عن علي -كرم الله وجهه- من حديث المبايعة وفيه من أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوية على عبده في الآخرة.
واستدل الفريق الثاني بما ورد من الآيات القرآنية مشتملاً على الوعيد بالعذاب الأخروي على ارتكاب تلك المعاصي.
مثل قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ووجه الدلالة من هذه الآيات: ظاهر فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجب في تلك المعاصي حدودًا مقدرة في الدنيا ومع ذلك فقد أخبر بأن فاعلها سيعاقب في الآخرة ما لم يتب توبة خالصة.
بل إن بعض الآيات يفيد أنه معذب سواء تاب أم لم يتب مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ...﴾ الآية.
ولكن هذا الظاهر غير معمول به عند جمهور العلماء لأن التوية من الذنب نافعة لقوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ =
الجزء: 9 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
وأما أصحاب الرأي الثالث فقد استندوا فيما ذهبوا إليه إلى أن الأدلة في هذا الباب متعارضة ولم يوجد ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، فوجب التوقف، وحجتهم في ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما أدري أتبع كان لعينًا أم لا وما أدري ذو القرنين كان نبياً أم لا وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا" وهو حديث صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يعلم أن الحدود كفارات لأهلها أم لا.
فغيره -صلى الله عليه وسلم- أولى في هذا الباب بعدم العلم، فيجب عليه عدم الحكم بشيء معين وأن يتوتف.
ونحن إذا نظرنا إلى أن حديث عبادة بن الصامت لم ينفرد بسماعه من الوسول -صلى الله عليه وسلم- بل تابعه عليه كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كابن عمر، وعلي وابن مسعود، والحسن بن علي، وعائشة، وأن هؤلاء جميعاً قد أخبروا بما يفيد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أقيم عليه حد في الدنيا فهو كفارة له" وذلك يقضي بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد علم عن ربه عَزَّ وَجَلَّ أن الحدود كفارات لذنوبها وعلمه بذلك لا يتنافى مع قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة: "ما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا" لإمكان الجمع بينهما يحمل حديث أبي هريرة على أنه متقدم على حديث عبادة.
وأما قول القاضي عياض ومن تبعه أن حديث عبادة متقدم على حديث أبي هريرة لأن إسلام أبي هريرة -رضي الله عنه- كان بعد الهجرة بسبع سنين، والمبايعة المذكورة كانت ليلة العقبة بمنى قبل الهجرة "فغير مسلم" لأن حديث أبي هريرة لم يصرح فيه بالسماع من الرسول -صلى الله عليه وسلم- مباشرة فيحتمل أن يكون أبو هريرة قد سمعه عمن سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- في مبدأ التشريع قبل أن يحصل له العلم بذلك ويخبر به.
وكون هذه المبايعة كانت ليلة العقبة بمنى غير صحيح لما ذكر في البخاري في كتاب الحدود أن تلك المبايعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- كانت بعد فتح مكة، وبعد أن نزلت آية الممتحنة التي وردت في مبايعة النساء بعد الحديبية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قرأ الآية بتمامها في تلك المبايعة وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: "قرأ علينا آية النساء" وعند مسلم من طريق معمر عن الزهريّ قال: "فتلى علينا آية النساء قال: "ألا يشركن ... " الآية" وعند الطبراني من هذا الحديث قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما بايع عليه النساء يوم الفتح" فهذه الرواية أوضح دليل على أن هذه المبايعة كانت بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة، فكذلك هذا يدل على أن الجمع المتقدم صحيح، وأن الحدود كفارات وبذلك يضعف استناد الواقفين إلى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وإذا نظرنا إلى أن أكثر الآيات القرآنية المفيدة للوعيد بالعذاب الأخروي على تلك الجرائم التي شرعت فيها الحدود قد أعقب هذا الوعيد بالتوبة، وأن الآيات التي لا ذكر للتوبة فيها ينبغي أن تقيد بها دفعاً للتعارض بين الأدلة، وحملاً للمطلق على المقيد وأن حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وإن لم تذكر فيه التوبة صراحة إلا أن ذلك لا يقتضي عمد اعتبارها في محو الذنب؛ لأن المؤمن شأنه التوبة عند حصول المعصية والندم عليها بعد حصولها, ولذلك تركها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأن المعتبر شأنًا كالمذكور لفظاً.
=
الجزء: 9 - الصفحة: 287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .2 = إذا نظرنا إلى كل ما تقدم رأينا أن الجمع بين الأدلة ممكن على هذا الوجه المتقدم، وبذلك يزول التعارض بينها ويترجح القول بأن الحدود كفارات لذنوبها إذا انضم إليها توبة.
و"هل الكفارات زواجر أو جوابر" قبل الكلام على ذلك يجب علينا أن نعرف ما هي الزواجر وما هي الجوابر حتى يمكننا أن نلحقها بهما أو بأحدهما فنقول: الزواجر: جمع زاجر وهو ما شرع لدرء المفاسد والغالب فيه أن يكون لعصيان من المكلفين، وقد يكون لا إثم فيه كزجر الصبيان، فإن الغرض من ذلك تأديبهم ودرء مفاسدهم واستصلاحهم ولا إثم عليهم لأنه مرفوع عنهم لحديث "رفع القلم عن ثلاث وعدَّ منها الصبي".
والجوابر: جمع جابر وهو ما شرع لاستدراك ما فات من المصالح وليس بلازم فيمن يتوجه إليه الجبر أن يكون آثمًا، فان الجبر يشرع مع العمد والخطأ والعلم والجهل والذكر والنسيان والصبا والجنون.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن بعض الكفارات جوابر ككفارة الخلق، وإنما الخلاف بينهم في بعض آخر مثل كفارة الظهار والحنث في اليمين وإفساد الصوم في رمضان عمداً.
فمنهم من قال إنها زواجر ولا بد معها من التوبة، كالحدود وهم أصحاب الرأي ومن وافقهم، لأن فيها تعذيبًا للبدن بالصوم، وانتزاعًا للمال من يده، وهو شقيق الروح تحرص النفس عليه كما تحرص على الروح وذلك يترك في النفس أثراً يمنعها عن معاودة المعصية مرة أخرى ويجعل الغير حريصًا على ألا يقع في تلك المعصية.
والجمهور ومنهم الشافعية في الراجح من مذهبهم على أنها جوابر لأنها لا تخرج عن الصوم والإطعام وعتق الرقبة وهذه كلها عبادات لا بد فيها من النية، والتقرب إلى الله تعالى بها لا يعتبر زاجرًا، والفرق بينها وبين الحدود واضح فإن الحدود أفعال تقع من الغير على المذنب فليست فعلاً له، والشأن فيها أن تكون ظاهرة للناس شائعة بينهم، وذلك مما يجعل الزجر فيها محققاً.
ونحن لا نرى إلا أنها زاجرة جابرة، أما كونها زاجرة فلقوله تعالى في كفارة قتل الصيد ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ فإن إذاقة وبال الأمر دليل واضح على أن هذه الكفارة إنما شرعت للزجر، وقوله جل شأنه في كفارة الظهار ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ دليل على ما ذكر أيضاً، وخصوصاً إتيانه تعالى بالفعل الدال على الرقبة بالإيمان, كما قيدها به في كفارة القتل، فكان ذلك منشأ لاختلاف الفقهاء في أن وصف الإيمان معتبر في عتق الرقبة، أو غير معتبر فيها، وقد تقدم ذلك مفصلاً في كفارة اليمين.
كما تقدم ما يتعلق بهذا النوع، فلا نعيده دفعاً للتكرار غير أن تحرير الرقبة في الظهار يختص بأمر زائد، وهو أن يكون قبل أن يتماس المظاهران، فإن حصل تماس، وكفر أجزأه ذلك وأثم فعدم الْمَسِّ شرط لنفي الإثم لا لعدم الإجزاء، وسقوط الكفارة لما ثبت بالسنة الصحيحة.
أخرج أبو داود، والترمذي، وغيرهما أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته فَوَقعَ عليها قبل أن يكفر فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ " فَقَالَ رَأَيتُ خلْخَالَهَا في ضَوْءِ الْقَمَرِ.
قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فَاعْتَزِلَهَا، حَتَّى تُكفر"، فحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوجوب الكفارة على من وطئ قبل أن يكفر.
صيام شهرين متتابعين:
الجزء: 9 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
ما يقطع التتابع:
التتابع في صوم هذه الكفارة قدر متفق عليه بين العلماء، والاختلاف بينهم إنما هو فيما يقطع التتابع، وقد بينا ذلك في كفارة القتل، وأوضحنا مذاهب الفقهاء فيه فلا نعيده.
غير أن التتابع في صوم كفارة الظهار له حكم يختص به وهو أنه: هل يقطع بوطء المظاهر منها ليلاً أو لا ينقطع خلاف بين الفقهاء.
فذهبت الشافعية، وأبو يوسف من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية إلى أن الوطء ليلاً مطلقاً عمداً، أو نسيانًا لا يقطع التتابع، كما أن الوطء نهاراً نسيانًا لا يقطعه، وحجتهم في ذلك أن وطء المظاهر منها ليلاً مطلقاً لا يفسد الصوم، فلا يكون قاطعاً للتتابع، كما لو وطئ غير المظاهر منها ليلاً أو نهاراً ناسيًا.
وذهب الإِمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والإمام مالك، والأمام أحمد في مشهور مذهبه إلى أن ذلك يقطعه، ويوجب على المكفر أن يَسْتَأْنِفَ صوم الشهرين من جديد.
ووجهتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وهي تدل على أن يكون الصوم قبل التماس، وهذا يقضي بوجوب خلده عنه، والوطء ليلاً أو نهاراً مُنِافٍ لهذا الشرط، وموجب لانعدامه، فينعدم المشروط لانعدام شرطه، وذلك موجب لاستئناف الصوم من جديد، ولا معنى لانقطاع التتابع إلا هذا.
وبالنظر في جهة كل نجد أنَّ الرأي الراجح هو رأي من يقول بأن الوطء ليلاً يقطع التتابع؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قد جعل الظهار مُنْكَرًا من القول وزورًا، والمظاهر قد تجرأ بالأقدام على فعل بيَّن الله له حرمته، والكفارة إنما قصد بها زجر المظاهر وردعه، حتى لا يعود إلى فعل هذا المنكر، فالتشديد عليه مما يحقق مقصود الشارع من شرع الكفارة، وأما قياس وطء المظاهر منها على غيرها فقياس في مقابل النص, فيكون فاسد الاعتبار.
إطعام ستين مسكيناً:
النوع الثالث من أنواع الكفارة الظهار: إطعام ستين مسكيناً، ولا ينتقل المظاهر إلى هذا النوع إلا بعد عجزه عن صيام شهرين متتابعين لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والناظر في الآية الكريمة يجد أن الله -تعالى- ذكر بجانب تحرير الرقبة، والصيام للشهرين قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ولم يذكر ذلك بجانب إطعام الستين مسكيناً، فهل ذلك؛ لأن إطعام الستين مسكيناً لا يشترط فيه أن يقع قبل التماس، أم ذلك؛ لأنه سبحانه -وتعالى- اكتفى بذكره في النوعين الأولين عن ذكره في النوع الثالث، فيكون عدم التماس شرطاً في الجميع؟
ولما كان كل من الاحتمالين قائماً اختلف العلماء في أن عدم الوطء شرط في الإطعام، كما هو شرط في النوعين السابقين، أو ليس شرطاً فيه.
ذهب الجمهور من العلماء، ومنهم أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد إلى عدم اشتراط التماس في الإطعام، وهو قول ابن الماجشون من المالكية، فلو وطئ أثناء الإطعام من ظاهر منها لم يستأنف الإطعام.
ووجهتهم في ذلك أن الله -تعالى- إنما شرط عدم التماس في العتق والصيام، ولم يشرطه في =
الجزء: 9 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = غيره، فاشتراطه في الإطعام قَولٌ بلا دليل.
وذهب الإِمام مالك إلى اشتراط الإطعام قبل التماس، ووجهته في ذلك أن الله -تعالى- عطف الإطعام على الصيام، والتحرير المقيدين بالقيد المذكور، وذلك مشعر بمشاركته لها في قيدهما؛ لأن العطف يقتضي الشريك، وكونه لم يذكر صراحة لا يدل على عدم اشتراطه؛ لأن المحذوف لقرنية تدل عليه يعتبر كأنه مذكور.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن قول الجمهور هو الراجح؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لو أراد جعله شرطاً في الإطعام لصرح به فيه كما صرح به في غيره، ولو كان الحذف لقرنية كافيًا هاهنا لحذف من النوع الثاني كذلك اكتفاء به في النوع الأول، فذكره سبحانه لهذا القيد في النوعين الأولين بخصوصهما شعر بعدم اشتراطه في غيرهما؛ ولأن الشأن في الإطعام، أن يكون دفعة واحدة.
مقدار ما يعطاه المسكين الواحد من هؤلاء الستين:
اختلف الفقهاء في مقدار ما يأخذه المسكين الواحد من الطعام.
فمنهم من قال: يعطى مُدًّا من أي نَوع كان بُرًّا، أو شعيراً، أو تمراً، أو زبيبًا كالشفعي، ومالك.
ومنهم من قال: يعطى مُدًّا من البُرِّ، ومدَّين من غيره كالحنابلة.
ومنهم من قال: يعطى مدَّين من البر، وأربعة أمداد من غيره كالحنفية.
ومنهم من قال: إن ذلك موكول إلى الْعُرْفِ، والسبب في هذا الاختلاف أن الآية لم تبين مقدار ما يعطاه كل مسكين، والسنة مختلفة في ذلك، فأخذ كُلّ إمام بما ثبت عنده، وترك غيره.
وقد ذكرنا ذلك مفصلاً في كفارة اليمين، وبالجملة فإن الكلام على الإطعام هاهنا لا يختلف عن الكلام عليه في كفارة اليمين إلا في عدد المساكين، فإنهم في اليمين عشرة، وفي الظِّهَارِ سِتُّونَ بِالنَّصِّ في الآيتين.
واتفقت كلمة الفقهاء على اعتبار البلوغ والعقل شرطين في وجوب الكفاوة على المظاهر لأن سببي يعتمد القول وعبارة الصبي والمجنون لغو فلا تكون موجبة لها.
ولكنهم اختلفوا في أمور منها:
كون المظاهر مسلماً.
ذهبت الحنفية والمالكية إلى أن الإِسلام شرط في إيجاب الكفارة على المظاهر.
ووجهتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية فلفظ منكم خاص بالمسلمين فلا يصح الظهار من الكافر.
ولأن الكفارة عباده تفتقر إلى النية وهو ليس من أهلها.
وذهبت الشافعية والحنابلة إلى أن الإسلام ليس شرطاً في إيجاب الكفارة على المظاهر.
ووجهتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآيات فإن اسم الموصول من صيغ العموم يتناول المسلم والكافر ولأنه قول يختص به النكاح، فيصح من كل زوج مكلف كالطلاق، وقد تقدم الكلام على هذا الشرط في كفارة اليمين وما هو الراجح في ذلك من أن هذا يعتبر القول وهو من أهله، ولأن الكفارة زاجرة في حقه كون الظاهر منها زوجة:
ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة إلى اشتراط كون المظاهر منها زوجة فلا يصح من الأمة، ولا =
الجزء: 9 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تجب به كفارة على السيد غير أن الحنابلة يقولون تجب فيه كفارة يمين لأنّه يشبه قوله لها "أنت علي حرام".
وذهبت المالكية والظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك فأوجبوها على السيد بظهاره من أمته وهو رأي سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والزهري والثوري، وقتادة.
استدل أصحاب الرأي الأول بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ...﴾ الآية.
ووجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى أضاف النساء إلى المظاهرين وهي ظاهرة في الأزواج فاختص الظهار بهم دون غيرهم.
يقوى ذلك أن الظهار في الإسلام جاء ناسخًا لما كانت عليه الجاهلية من اعتباره طلاقًا مؤبدًا، وهم إنما كانوا يعرفون الظهار في الزوجات دون الارقاء فوجب بقاء المحل كما كان في الجاهلية والنسخ يرجع إلى الحكم لا إلى المحل.
واستدل أصحاب الرأي الثاني بالآية نفسها قائلين إن الله تعالى أضاف النساء إلى المظاهرين، ولفظ النساء عام يتناول الزوجات والاماء والعام يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصصه.
ولم يوجد المخصص.
فكان الظهار معتبرًا في الأرقاء كالزوجات ونحن إذا نظرنا إلى أن السيد بظهاره من أمته الموطوءة له قد تجرأ على الله فحرم ما جعله حلالاً له وأن الأمة لا فرق بينها وبين الزوجة إلا من جهة أن الزوجة حل وطؤها بعقد النكاح وتلك حل وطؤها بملك اليمين، وأن ذلك لا يعتبر فارقًا مؤثرًا في أن القول يعمل عمله في الزوجة دون الأمة.
إذا نظرنا في كل ذلك كان القول باعتبار الظهار من السيد في أمته موجبًا للكفارة أرجح من مقابله ليكون الأدب من الله عاماً لجميع المكلفين من غير فرق كون المشبه بها في الظهار خصوص الأم: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن خصوص الأم ليس شرطاً في إيجاب الكفارة غير أن بعضهم يقول يكفي في تحقق الظهار كون المشبه بها مؤبدة التحريم على المظاهر كالشافعية والحنفية والمالكية.
والبعض الآخر يقول يكفي في تحققه كون المشبه به مما يحرم على المظاهر الاستمتاع به, ولو لم تكن الحرمة مؤبدة، يستوي في ذلك المذكور والإناث كالحنابلة.
وذهبت الظاهرية إلى اشتراط كون المشبه بها في الظهار خصوص الأم.
فلا ينعقد الظهار عندهم بتشبيه الزوجة بالأخت أو العمة أو الخالة مثلاً، ولا تجب الكفارة بذلك.
استدل الجمهور بأن غير الأم من كل مؤبدة التحريم كالأم في تأبيد الحرمة، فيجب اعتبار التشبيه به كالأم، والقياس حجة شرعية قام الدليل على اعتبارها فلا عبرة بإنكار الظاهرية لها لأن ذلك منهم مكابرة.
واستدل الظاهرية بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾.
ووجه الدلالة من الآيتين أن الله تعالى إنما تعرض لذكر الأم ولم يتعرض لغيرها فكان ذلك دليلاً على أن خصوص الأم هي المعتبرة في الظهار ولا يصح قياس غيرها عليها وإن القياس لا ينتج إلا ظناً، والظن منهي عن اتباعه فهو غير معتبر في الأحكام.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن رأي الجمهور هو الراجح لقوة مدركة، وكون المولى سبحانه =
الجزء: 9 - الصفحة: 291
فيها، والتكْفِير عن الظِّهَار فعْل ما يجب بالعَوْد فيه، وقد ورَدَ في القُرْآن لفْظ الكفارة كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89].
وتنقسم الكفارات إلى ما لا مدخل للإعتاق فيها؛ كالواجبات في محظورات الإحرام، وقد تقدَّم القول فيها، وإلى مَا يدْخُل الإِعْتَاق في خِصَالها.
وهذا القسْم نَوعَانِ:
أحدهما: الكفارات التي تترتَّب خصالها؛ ككفارة الظِّهار 3 والجِمَاع في نَهَار رمضان.
الثاني: الكفَّارة التي يَتخيَّر الشَّخْص في خِصَالِها، وهي كفارة اليمين والكتاب وإن كان مُتَرْجماً بمُطْلَق الكفَّارات، لكن المقْصِد منْه الكلام في القسم الثاني، ومُعْظَم المقصود كفَّارة الظهار، ثم يدخل فيه شيْء من حُكْم سائر الكفارات سِيَمَا الأحْكَامُ المشتركة 4، وقد سَبَقَ في "كتاب الصوم" طرَفٌ ممَّا يتعلَّق بكفَّارة الجماع، ويأتي في كفارة القتل ما يتعلَّق بها، وفي "باب الأيمان" ما يختَصُّ بكفارة اليمين، إن شاء الله تعالى -وخصال القسم الثاني: الإعْتَاقُ، والصِّيَامُ، والإِطْعَام، وتشترك هذه الثلاثةُ في أحْكَامٍ، وتفترق في أحكام على ما سَيتَّضح في الباب.
وفقه الفصل ثَلاثُ جُمَلٍ:
إحداها: تجب النِّيَّة في الكفارات؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-[إنما] 5 "الأعْمَالُ بِالنِّيَّات" ولأن الكفَّارات حقٌّ ماليٌّ وجب تطهيرًا، وتكفي نيَّة الكفارة، ولا يحتاج إلى التقييد = وتعالى نص على الأم ولم ينص على غيرها لا يقضي باعتبار خصوص الأم شرطاً لإيجاب الكفارة عى المظاهر لأن اختصاصها بالذكر له فائدة أخرى خلاف قصر الحكم عليها وهو أن الغالب عند الجاهلية هو ما نص عليه القرآن.
وشرط اعتبار المفهوم المخالف ألاَّ تظهر له فائدة أخرى سوى نفي الحكم عن غير المذكور.
الجزء: 9 - الصفحة: 292
بالوجوب؛ لأن الكفَّارة لا تَكُونُ إلاَّ واجبةً، أورده صاحب "الشامل" وغيره 6، ولا تكفي نية العتق الواجب من غير التعرُّض للكفارة؛ لأن العِتْق قد يَجِب بالنذر.
نَعَمْ، لو نَوَى العتق الواجب بالظهار أو القَتْل، كفى، ويَجِب أن تَكُون النية مقارنةً للإعتاق والإطعام، وأمَّا الصَّومْ، فينوي من الليل، كما سيأتي، وفي وجْهٍ: يجوز تقديمُهَا على الإعْتَاقِ والإطعام، كما ذكَرْنا نظيره في الزكاة والظَّاهِر الأوَّل، وإذا علَّق العتْق عن الكفَّارة بشَرْطٍ، فلا يجوز أن تكون النية متأخِّرةً عن التعليق، بل يجب أن تكون مقارنةً للتعليق، إن اعتبرنا المقارنة [في التنجيز]، ويجُوز أن تَكُون متقدِّمةً عليه على الوجه الآخَرِ، هكذا قال -رحمه الله- في "التهذيب".
ولا يجب في النِّيَّة تعْيِين الكفارة، كما لا يجب في زكاة المال تعيين المال المزكَّى، حتى لو كان عليْه كفَّارة الظهار والقتل، فاعتق عبدَيْن بنيَّة الكفارة، أجزأه عنهما, ولو اجتمعت عليه كفارات، فاعتق رقبةً بنيَّة الكفارة، وقع محسوبة عن واحدة منها, ولا فَرْق بين أن يتَّفق الجنْس؛ ككفارتي ظهار أو يختلف؛ ككَفَّارة الظهار والقتل، وكذا الحُكْم في الصَّوْم والإطعام.
وقال أبو حنيفة: إن اختلف الجنْس، كالظِّهَار والقتل، فلا بد من التعيين.
لنا أنَّه لا يجِب التعيين عند الاتحاد، فكذلك عنْد التعدُّد، وأنَّه لا يجِبُ التعيين عنْد اتحاد الجنْس، فكذلك عند إلاختلاف، ولو كانَتْ علَيْه كفَّارةٌ، ونَسِيَ سببها، فاعتق، ونَوَى ما عليه، جاز، ولو كانت عليه ثلاثُ كفارات، فاعتق رقبةً عن واحدة، ثم أعْسَر، فصام شهرَيْن عن واحدة، ثم عجز، فأطعم عن الثالثة، ولم يعيِّن شيئاً، يجزئه، وفرق بيْن نية الصلاة والصوم؛ حيث يعتبر فيه التعيين؛ بأن الأمر في العبادات البدنية أضْيَقُ؛ ولذلك لا يجري فيه التوكيل بخلاف العبادات المالية، وبأن العِبَادَاتِ الماليَّةَ نازعةٌ إلى الغرامات، فاكتفى فيها بأصْل النية، وبأن العباداتِ البدنيَّةَ مراتبُ
الجزء: 9 - الصفحة: 293
متفاوتةٌ، وما يتعلَّق بها من النَّصبِ والتَّعَب يختلف مَوْقِعُه ووجوهه، فالمشقَّة في صلاة الصُّبْح من وجه، وفي صلاة الظهر من وجه آخر؛ لاختلاف الوَقْت وأعداد الركعات، والعِتْق في الظهار والقَتْل واحدٌ لا اختلاف فيه، فلم يحتج إلى التعيين، ولو كانَتْ عليْه كفَّارة ظهار، فنوى كفارة القتل عمدًا أو خطأً، لم يُجْزِئه عن كفارة 7 الظهار؛ لأنه نوى غَيْر ما عليه، فلا ينصرف إلى ما عليه، ونظيره ما إذا نَوَى عنْد إخراج الزكاة مالاً معيَّنًا، فكان تالفاً، لا ينصرف إلى غيْره، وكذا لو نَوَى [الاقتداء بمعيَّن، وكان الحاضر غيره لا ينصرف الاقتداء*] 8 إليه، ولو كان علَيْه كفَّارتان، وأعتق عبدًا بنيَّة الكفارة المُطْلَقة، ثم صرَفَه إلى واحدة معينةٍ، تعيَّن العَتْق لها, ولم يتمكن من صرْفه إلى الأخرى، كما لو عيَّن في الابتداء.
الثانية: الذميُّ إذا ظاهر يُكَفِّر بالإعتاق أو الإطعام؛ لأن له أن يعتق ويطعم في غير الكفارة، فكذلك في الكفَّارة، ولا يُكَفِّر بالصيام، كما لا يصوم عن غير الكفارة، والمعنى فيه [أن] 9 العبادة البدنية لا تصِحُّ من الكافر، وما يتعلَّق بالمال يُرَاعَى فيه جانِبُ المدفوع إليه، وإن لم يصحَّ من الكافر نيَّة التقرب فيه، فهذا معنى قوله: "تغليباً لجهة الغرامات"، ولو ارتد من لزمته الكفارة لم يَصِحّ منْه التكفير بالصوم، وهل يُكَفِّر بالإعتاق [أو الإطعام] 10 عند العَجْز عن الإعتاق والصِّيَام؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنَّه على الخلاَف في ملْك المرتدِّ، إن قلْنا: يزُولُ مِلْكُه، لم يُكَفِّر، وإن قلْنا ببقائه كَفَّر، وإن وَقَفْنَاه، فإن عاد إلى الإِسلام، تبيَّن وقُوعُه عن الكفارة، وإن مات أو قتل على الردَّة، فلا.
والثاني: القطع بإجزائه؛ لأنه مستحقٌّ عليه قبْل الردة؛ فكان كالديون على أن في الدُّيُون وجْهًا عن الإصطخري، حكاه صاحب "التقريب" أنها لا تُقْضَى على قَوْل زوال المِلْك، ويجعل كأن أمواله تلفت، والمَذْهَب خلافه، وكذا الظاهر أنَّهُ يُكَفِّر، وإن ثبت الخلاف، وإذا كَفَّر في الردَّة، ثم عاد إلى الإِسلام، حل له الوطء، وعن صاحب "التقريب" حكايته وجْه في الكفارة المخيرة أنه لا يخرج من ماله إلا أدْنَى الدرَجَات.
الجزء: 9 - الصفحة: 294
الثالثة: يُعْتَبَر فيٍ الرقَبَة؛ ليجزئ إعتاقها عن الكفَّارة، أربَعَةُ قُيُودٍ: الإيمان, والسَّلاَمة، وكمال الرِّقِّ، والخُلُوُّ عن العِوَض، وهذا ما ضَبَطه بقَوْله: "ولا يجزئ في الظِّهَّارِ" إلى آخره، والكلام في هذه القُيُود يأْتي على الأثر في فُصُول، ولو قَدَّم صاحب الكتاب القوْل في النية، ثم اشتغل بذِكْر الضابط، وشَرْحِ قيُودِه، لكان أحْسَنَ، ويجوز أن يُعْلَمَ قيْد "الإيمان" بالحاء؛ لما سنذكره.
وقوله: "ولا يجب تعْيين الجِهَات" بالحاء؛ لأنه يعتبر التعيين عند اختلاف الجنْس.
وقوله: "يصح الإعتاقُ والإطْعَامُ من الذِّمِّيِّ بغير نية" التَّقَرُّب وأما نية التمييز، فيشبه أن تعتبر كما في قَضَاء الديون.
وقوله: "تغليبًا لجهة الغرامات" أشار به إلى ما ذَكَره الإِمام -رحمه الله- أن الكفَّارة فيها معْنَى العبادات؛ لما يتعلق بها من الإرفاق في سد 11 الحاجات، وفيها معْنَى المؤاخذات والعقوبات، وغرضها الأظْهَر الإرفاق، وما يناط بسببين يستَقِلُّ بالأظهر منهما؛ [كالحد] 12؛ فإنه مُمَحِّضٌ، وزاجرٌ، ويجب على الكافر زجْرًا، وإن لم يكن مُمَحِّطًا، ويخالف الزكاة؛ فإنها وظيفةٌ لمحاويج المسلمين على أغنيائهم، والكافر لم يلْتَزِم ما سِوَى الجِزْية، فلا يَحْسُن أن يحملَ كَلَّ المسلمين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ نَعْنِي بِالسَّلِيمَةِ السَّلاَمَةَ عَنِ العُيُوبِ القَادِحَةِ في المَالِيَّةِ بَلْ مَا يُؤَثِّرُ فِي العَجْزِ عَنِ العَمَلِ تَأْثِيرًا ظَاهِرًا* فَلاَ يُجْزِئُ الزَّمِنُ وَالأَقْطَعُ (ح) وَالأَعْمَى وَالمَجْنُونُ وَالهَرِمُ (و) العَاجِزُ وَالمَرِيضُ الَّذِي لاَ يُرْجَى زَوَالَهُ* فَإنْ زَالَ هَلْ يَتَبَيَّنُ وُقُوعُهُ مَوْقِعَهُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ* وَيُجْزئُ الأَقْرَعُ وَالأَعْرَجُ وَالأَعْوَرُ وَالأَصَمُّ وَالأَخْرَسُ (ح) الَّذِي يَفْهَمُ الإِشَارَةَ* وَمَقْطُوعُ أَصَابِعِ الرِّجْلِ (ح) * وَمَقْطُوعُ أُنْمُلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ اليَدِ لاَ مِنَ الإبْهَامِ* وَمَقْطُوعُ الخِنْصَرِ أَوِ البِنْصَرِ* دُونَ مَقْطُوعِهِمَا جَمِيعًا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ* وَدُونَ مقْطُوعِ الإِبْهَامِ وَالوْسُطَى أَوِ المُسَبِّحَةِ* وَيُجُزِئُ المَرِيضُ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ* فَإِنْ مَاتَ فَفِي لُزُومِ الإِعَادَةِ خِلاَفٌ* وَيُجْزِئُ الصَّغِيرُ* وَلاَ يُجْزِئُ الجَنينُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الأول من القيود المُعْتَبَرَة في الرَّقَبة الإيمان؛ فلا يجوز إعتاق الكافرة في شَيْء من الكفارات، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز إلا في كفَّارة القتْل؛ لأن الله تعالى قال فيها: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
لنا قياس غير كفَّارة القَتْل علَيْها، وحمل الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- المُطْلَق على
الجزء: 9 - الصفحة: 295
المُقَيَّد، وشبهوه بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فإنه محمول على المُقَيَّد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ويجوز إعتاق الصغير, إذا كان أحد أبويه مسلمًا أصليًا أو أسْلَمَ قبْل انعقاده، ولا يجوز إذا كان أبواه كافرَيْن؛ لأنه محكوم بكُفْره، ولو أسْلَمَ بنفسه، لا يصحِ على ما بيَّنَّا في "اللقيط" وحكَيْنا أن الإصطخري صحَّح إسْلام المميِّز، وأن بعْضَهم وقَفَه، وقال: إنْ بلَغَ، وثَبَتَ، بَانَ صحة إسلامه، وإلاَّ بَانَ فسادُهُ، فعَلَى ما ذكره الإصطخريُّ؛ يجوز إعتاقه عن الكفارة، إذا كان مملوكًا له، وعلى وجه الوَقْف، إن بلغ وثَبَت، ففي إجزائه وْجهان:
المَنْعُ لنقصان حاله في الدين؛ ولذلك لو أعْرَبَ بالكفر، لا يُجْعَل مرتدًا، ولو أسلم أحد أبويه، وهو صغيرٌ أو حمل في البطن، فنَحْكم بإسلامه على ما مَرَّ في "اللقيط"، ويجزئ إعتاقه عن الكفارة، إن كان عبْدًا إذا مات في الصِّغَر، وكذا إذا مات بَعْد البلوغ، وقَبْل مضيِّ مدَّة يُمْكن فيها الإعراب، وإن أعرب بالكُفْر بعْد البلوغ، فأصَحُّ القولين أنَّه مرتدٌّ، والثاني: أنه كافِرٌ أصليٌّ، وقد ذكرناهما هناك، وبيَّنَّا حُكْم الكفارة على القولَيْن، وفي التهذيب: أن القَوْلين فيما إذا كان إسْلام أحد الأبوين بعْد انفصال الولد، أما إذا أسْلم أحدُهما، وهُو جنين، ثم بَلَغ، وأعرب بالكفر، فقد حَكَى فيه طريقين:
أصحُّهما: أن الحكم كما لو أسلم بعد انفصال الولد.
والثاني: أنه كما لو أسلم قبل البُلُوغ، ونَقَلْنا هناك هذا التردد عن كلام الإِمام - رحمه الله-، على سبيل الاحتمال، وبهذا يُقَاس إعتاق من حُكِم بإسلامه بتبعيَّة السابي على ما بيناه في "اللقيط"، وفي "التهذيب": أنه لو سَبَى الصغير سابٍ، وسَبَى أبويه غيرُه، فإن كانا في عسكر واحد، لم يُحْكَم بإسلامه، بل هو تبع لأبويه، وإن كانا في عسكرين كان تبعاً 13 للسابي، وأنَّ حُكْمَ المجنون في تبعيَّة الوالدَيْن والدار، حُكْمُ الصبيّ، وإذا أفاق، وأعرب بالكفر، فهو مرتد أو كافر أصليٌّ؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا بَلَغ الصبي، وأعرب بالكفر وأنه هل يجب التلفُّظ بكلمة الإِسلام بعد البلوغ والإفاقة؟ إن قلنا: لو أعرب بالكفْر، جُعِل مرتدًا، فلا يجب؛ لأنه محكوم بإسلامه، وإن قلنا لا يجعل مرتدًّا، فيجب، حتى لو مات قبل الإعراب، مات كافراً، ثم هاهنا مسألتان:
إحداهما: يصح إسلام الكافر بجميع اللغات، ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وينبغي أن يَعْرِف معنى الكلمة، فلو لُقِّنَ العجميُّ الكلمة بالعربية، فتلفَّظ بها، وهو لا يعرف معناها, لم يُحْكَم بإسلامه، وإذا وصف العبد الإسْلام بلُغَته، والسيد لا يعرف
الجزء: 9 - الصفحة: 296
لُغَتَه، فلا بُدَّ ممَّن يترجم له؛ ليعتقه عن الكفارة 14، ويصحّ إسلام الأخرس بالإشارة المفهمة، كما تصح عقوده بالإشارة، وفيه وجه: أنه إنما يُحْكم بإسلامه إذا صلَّى بعد الإشارة، [لأن الإشارة] 15 غير مصرِّحة بالغرض، فيؤكَّد بالصلاة، وهذا ظاهر النصَّ المحكيِّ عن "الأم "، والمَذْهَب الأول، ومنهم من حَمَل اشتراط الصَّلاة على ما إذا لم تَكُن الإشارة مفْهِمَةً، ويدل على 16 الاكتفاء بالإشارة ما رُوِيَ أن رجُلاً جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَعَهُ جاريةٌ أعجميةٌ أو خرساءُ، فقال: يا رسول الله، عليَّ عتْق رقبة، فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لَهَا النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أيْنَ اللهُ؟ فَأشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَنْ أَنَا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ 17 -صلى الله عليه وسلم- فقال لَهُ: أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" قال
الجزء: 9 - الصفحة: 297
صاحب "التتمة": وإنما جعلت الإشارة إلى السَّماء دليلاً على إيمانها؛ لأنهم كانوا عَبَدة الأصنام، فأفهمت الإشارة البراءة منْها.
الثانية: ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر" في هذا الباب أن الإسْلاَم أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويبرأ من كُلِّ دينٍ يخالف دين الإِسلام، واقتصر في مواضع على الكلمتين، ولم يشترط البراءة، فقال الجمهور: ليس في ذلك اختلافٌ، ولكن يُنْظَرُ، إن كان الكافرُ مِمَّن يعترف بأصْل رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- كقَوْمٍ من اليهود يقولون: إنه رسولٌ مبعوثٌ إلى العَرَب خاصَّة، فلا بد من هذه الزيادة في حقِّه، وذكر أن في أهل الكتاب مَنْ يقول: إن محمداً نبيٌّ يبعث من بعد، وإن كان ممن يُنْكر أصْل الرسالة، كالوثنيِّ، فيكفي لإسلامه الكلمتان.
قال الشيخ أبو حامد: وقد رأيْتُ هذا التفصيل منصوصًا عليه في كتاب قتال المشركين، ونقل الإِمام اختلافاً للأصحاب في أنه هل يُشْتَرط مع الكلمتين البراءةُ عنْ كلِّ دين يخالف دين الإِسلام، قال: والأصحُّ أنها 18 لا تُشْترط، والظَّاهر المشهور أنَّ الكلمتين لا بُدَّ منهما، وأن الإِسلام لا يَحْصُل إلا بهما، وحَكَى الإِمام مع ذلك طريقةً أخْرَى منسوبةً إلى المحقِّقين، وهي أن مَنْ أتى من الشهادتين بكلمة تُخَالِفُ معتقده، يحكم بإسلامه، وإن أتى منهما بما يوافقه، لا يُحْكم، حتى أن الثنويَّ إذا وَحَّدَ، حكم بإسلامه، والمُعَطِّل إذا قال: لا إله إلا الله، جُعِل مسلماً، ويعرض عليه شهادة الرسالة، فإن أنْكَر كانَ مرتدًّا، واليهودي إذا قال: محمَّد رسول الله، حُكِم بإسلامه، وحكي على هذه الطريقة خلافٌ في أنَّ اليهوديَّ أو النصرانيَّ إذا اعترف بصلاة توافق ملَّتنا أو حُكْمٍ = -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن علي رقبة، وعندي جارية سوداء أعجمية، فذكر الحديث، وهو عند أحمد من حديث أبي هريرة نحوه.
الجزء: 9 - الصفحة: 298
يختص بشريعتنا، هل يكون ذلك إسلامًا؟ وقال ميل معظم المحققين إلى كونه إسلاماً، وعن القاضي حُسَيْن أنه قال في ضبْطه: كُلُّ ما يَكْفره المُسْلم بِجَحْدِهِ، يصير الكافر المخالف له مسلماً بِعَقْدِهِ، ثم إن كَذَّب غير ما صُدِّقَ به، كان مرتدًّا، والظاهر من المذهب 19 ما سَبَق.
واستحب الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن يُمْتَحَن الكافر عنْد إسلامه؛ بالإقرار بالبَعْث بَعْد الموت.
القيد الثاني: السلامة عن العُيْوب، وليس النظر هاهنا إلى العُيُوب التي يثْبُت بها الرَّدُّ، وتعتبر السلامة عنْها في غرة الجنين، وإنما المُؤَثِّر العيوب الَّتي تُخِلُّ بالعمل والاكتساب، وتضر به ضررًا بيِّنًا، وذلك لأنَّ المَقْصود هناك المالية، فيؤثر ما ينقصها 20، والمقصود من العتق تكميل حاله؛ ليتفرغ للعبادات، والوظائف المخصوصة بالأحرار، وإنما يحصل هذا الغَرَض، إذا استقل وقام بكفايته، أما إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يتفرَّغْ، وصار كَلاًّ على نفسه أو غيره، وهذا أصْلُ الفَصْل، وعليه تنبني صورة أخرى وضْعًا، فلا يجزئُ الزَّمِنُ لعَجْزه، ولا يلحق به نِضْوة الخلق الَّذي يقدر على العَمَل، ولا يجزئ مقطوع اليدين أو إحداهما, ولا مقطوع الرِّجْلين أو إحداهما, ولا المجنون إن كان جنونه مطبقًا، وإن كان منقطعًا، فكذلك، إن كان زمان جنونه أكثر، ويجزئ إن كان زمان الإفاقة أكثر، وإن تساويا فوجهان، حكاهما القاضي ابن كج وغيره، وعن الداركيّ المنع.
والأظهر 21 الجواز [ويجزئ الأحمق، وفُسِّر بأنه الذي يضع الشيء في
الجزء: 9 - الصفحة: 299
غير موضعه، مع العلم بقبحه، والمجنون لا يعلمه] 22 ويجزئ الشيخ الكبير عن الكفارة إلا أن يَكُون عاجزًا عن العمل والكسب، وفي التجربة للقاضي الرويانيِّ أن الأصحاب جوَّزوا إعتاق الشيخ الكبير عن الكفارة، وأن القَفَّال منَعَه، إذا كان عاجزاً عن العمل، وهو الأصح، وفي هذا إثبات خلاف في مُطْلَق الشيخ، فيجوز أن يُعْلَم قوله: "والهرم [و] العاجز" بالواو؛ لذلك، ولا يجزئ المريض الَّذي لا يُرْجَى زوال مرضه [مثل صاحب السُّلِّ,.
فإنَّه كالزَّمِنِ، وإن كان يُرْجَى زواله، فيجوز، وإن أعْتق الذي لا يُرْجَى زوال مَرَضِه،] 23 فاتفق أنه زال، فهل يتبين وقوعه الموقع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم ينو كفَّارة صحيحة، وإنما هو كالمتلاعب.
وأظهرهما، عنْد الإِمام: نعم؛ لأن المنع كان بناءً على ظَنٍّ قد تبين خلافُهُ، وإن أعتق الذي يُرْجَى زوال مرضه، فمات ولم يزل، فوجهان:
أصحُّهما: أنه لا تجب إعادة الكفَّارة؛ لقيام الرضا عند الإعتاق، واتصال الموت [به] 24 مُحْتَمَل أن يكون لهجوم علة أخرى، والعبد الذي وَجَب عليه القَتْل -عن القَفَّال - أنه إن أعتقه قبل أن يُقَدَّم للقتل، أجزأه، وإن أعتقه بعد التقديم، لم يُجْزئْه؛ كمريض لا يُرْجى [برؤه] 25، [ويجزئ] 26 الأقرع والأعرج إلا أن يكون العَرَجِ شديداً يمنع متابعة المَشْي، والأشَلُّ كالأقطع، ويجزئ الأعور، وفَرْق بين ما نَحْن فيه وبَيْن الأضحية؛ بأنَ العَيْن مقصودةٌ بالأكل، وبأن العَوَر ينْقص قوة الرعْي، ويورث الهزال، ويجزئ الأصَمُّ؛ لأن الصَّمَم لا يَمْنع العمل والاكتساب، وحُكيَ فيه قولٌ آخر، ومنهم من لم يُثْبِت الخلاف، وحَمَل ما نقل على ما إذا كان بحَيْث لا يسمع مع المبالغة في رَفْع الصوت، وهذا يُشْعِر بالجزم بالمنع في هذه الحالة، ويجزئ الأخرس الذي 27 يَفْهم الإشَارَةَ، وعن القديم: المنْعُ، وفيهما طريقان:
أحدهما: [أن] 28 المسألة على قولَيْن: وجه المنع؛ أنه تعثر مناطقته، ويجر ذلك إلى الخلل في العمل والاكتساب.
وأشهرهما: حَمْل النصين على حالَيْن، ثم منهم من حَمَل الأجزاء على ما إذا فَهِم الإشارة، والمَنْعَ على ما إذا لم يَفْهَم، ومنهم من حمل المَنْع على ما إذا انضم إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 300
الخرس الصَّمَمُ والإجزاء على ما إذا تجرَّد، وحكى القاضي ابن كج عن أبي حَفْصِ بْنِ الوَكِيلِ: القَطْعَ، بالمنع، إذا اجتمعا، وقولين فيما إذا تجرَّد الخرس، فهذه طريقة ثالثة، ويجوز مقطوع الأذنين، والأَخْشَم، [ومقطوع الأنف] [ومقطوع أصابع الرِّجْلين، وعن أبي هريرة؛ أن الحكم في أصابع الرِّجْلين] 29 كهو في أصابع الَيَديْن؛ لأن قَطْعها يُؤَثِّر في المَشْي والتردُّد، ولا يجزئ 30 مقطوع أصابع اليد؛ لأن البطش والعمل لا يحصل، وإن كان مقطوع [بعضها، نُظِرَ؛ إن كان مقطوع] 31 الإبهام أو السبابة أو الوسطى، لم يَجُز إعتاقه، سواء كان القَطْع من إحْدى اليَدَيْنِ أو منهما؛ لأن معْظَم العمل يتعلَّق بهذه الثلاث، وإن كان مقطوع الخِنْصِر أو البِنْصِر، فيجوز، وإن كان مقطوعهما جميعاً، فإن كانتا مقطوعَتَيْن من يد واحدة، لم يَجُزْ؛ لأن العمل بالثلاث يحتاج إلى الاستعانة بإحداهما، وإن كانت الخِنْصِرَ مقطوعةً عن يد، والبنْصَر مقطوعةً عن أخرى، فلا بَأْس، وإن كان القطع في شَيْء من الأنامل، فقطع أنملتين 32 من أصبع واحدة كفقد 33 ذلك الإِصبع؛ فلا يضر ذلك في الخِنْصِر والبنْصِر، ويمنع الإجزاء في غيرهما، وقطْع أنملة واحدة يَمْنَعُ الإجزاء في الإبهام؛ لأنهما أُنْمُلَتَان، فتختل منفعتها إذا فُقِدَت إحداهما، وفي غير الإبهام لا يُؤَثِّر حتى لو كان مقْطوع الأنامل العُلْيَا من الأصابع الأربع، أجزأه إعتاقه، وتردَّد الإِمام -رحمه الله- في هذه الصورة، ويُجزئُ الأبرص والمجذوم ومفقود الأسنان وضعيف البطش والخَصِيُّ، والمجبوب، والأَمةُ الرَّتْقَاء، والقَرْنَاء، وولد الزنا، ويجزئ الصغير, ولا يجزئ الجنين، وإن انفصل لِمَا دون ستة أشهر مِن وَقْت الإعتاق؛ لأنه لا يُعْطَى حُكْمَ الأحياء، ولذلك لا تجب فطرته، وحكي وجه: أنه إن انفصل كذلك تبيَّن الإجزاء.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولا شك أنا لا نَحْكُمُ ببراءة الذمة في الحال، ولا نُسَلِّط المظاهر على الوطء.
وعن أبي حنيفة فيما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: أن كل عيب يُفَوِّت جنْسًا من المنفعة، يمنع الإجزاء، وإن لم يَمْنع الجنس، فلا؛ حتى لا يُجْزئ إعتاق مقطوع الأذنين، ومقطوع الأنف، ومقطوع اليدين، والأصم، والأخرس، ويجزئ إعتاق مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين، وأُعْلِمَ لذلك من لفظ الكتاب "الأقطع" و"الأصم والأخرس" بالحاء، ولُيُعْلَم "الأخرس" بالميم أيضاً، والحكاية عن مالك أنه لا يُجْزئ، وليُعْلم "الأصم والأخرس" "ومقطوع أصابع الرجل" بالواو، وكذا قوله: "ولا يجزي الجنين"؛ لمَا تَبَيَّن.
الجزء: 9 - الصفحة: 301
قاَلَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا) كَمَالُ الرِّقِّ فَاحْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ المُسْتَوْلَدَةِ وَالمكَاتبَةِ (ح) كتَابَةً صَحِيحَةً فَإِنَّهُمَا لاَ يُجْزِئَانِ* وَالمُكَاتَبَة كِتَابَةً فَاسِدَةً تُجْزِئُ (و) * وَعِتْقُ المَرْهُونِ وَالجَانِي يُجْزِئُ إن نَفَّذْنَاهُ* وَيُجْزِئُ نِصْفَانِ مِنْ عَبدٍ وَاحِدٍ في دَفْعَتَيْنِ* وَهَلْ يُجْزِئُ نِصْفَا عَبْدَيْنِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ* وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ عَنْ كَفَّارَتَيْنِ وَقَالَ: عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ أَجْزَأَهُ* وَلَوْ أَعْتَقَ المُوسِرُ نِصْفًا مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وَنَوَى صَرْفَ الكُلِّ إِلَىَ الكَفَّارَةِ انْصَرِفَ إِنْ قُلْنَا: يَتَنَجَّزُ العِتْقُ* وَإِنْ قُلْنَا بالتَّوَقُّفِ إِلَى الأَدَاءِ وَنَوى عَنْدَ الأَدَاءِ النِّصْفَ الأَخِيرَ أَجْزَأَهُ* وَإِنْ نَوَى النِّصْفَيْنِ عِنْدَ اللَّفْظِ دُونَ الأَدَاءِ لَمْ يُجْزِهِ على أَحَدِ الوَجْهَيْنِ* وَالعَبْدُ الغَائِبُ المُنْقَطِعُ الخَبَرُ لاَ يْجُزِئُ عَلَى القَوْلِ المَنْصُوصِ وَإِنْ وَجَبَ إِخْرَاجُ الفِطْرَةِ عَنْهُ* وَفِيهِمَا قَوْلٌ مخَرَّجْ* وَالعَبْدُ المَغْصُوبُ يُجْزئُ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الثالث: كَمَال الرِّقِّ، وفيه مسائل:
إحداها: لا يجزئ إعتاق المستولَدَة عن الكفَّارة؛ لأنها مستحقة العتاقة بجهة الاستيلاد، وكذلك إعتاق المكاتب سواءٌ أدَّى شيئاً من النجوم أو لم يُؤَدِّه.
قال مالك وأبو حنيفة: يجزئُ إعتاقه، إذا لم يُؤَدِّ شيئاً من النجوم، وبه قال أحمد في رواية, ووافَقَنا في رواية, واختلف الأصحاب -رحمهم الله- في تعليل المَذْهب، فمنهم من علَّل بأن المكاتب ناقصُ الرق كالمستولدة، وربَّما قيل: إن إعتاقَهُ ناقصٌ؛ لأنه ليس مَحْض إعتاق، بل هو مشوب بالإبراء، ولو كان إعتاقًا محضًا، لحَصَلَ العتق، وبقيت الذِّمَّة مشغولةً بالعوض، ومنهم من عَلَّل بأن العِتْق يَقَع عن جهة الكتابة؛ لكونه مستحقًّا بها، فلا يقع عن جهة أخرى، وإن كان مُكَاتَبًا كتابةً فاسدةً، فأعتقه، قال الإِمام: هذا مرتَّب على أن السيد إذا أعتقه، هل يستتبع الأولاد والاكساب؟ فيه خلاف يُذْكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-، فإن قلْنا: لا يُسْتَتْبَع، فإعتاقه فسخ الكتابة، فيجزئ؛ عِن الكفاَرة، وإن قلْنا بالاستتباع، ففي إجزائه وجْهان، مبنيان على أن المنع في البكتابة الصحيحة لماذا؟ إن علَّلنا بنقصان الرِّقِّ أو العتق، أجزأ عن الكفارة؛ لأن الرِّقِّ كاملٌ هاهنا، والعتق 34 لا يتضمن الإبراء عن شيْء واجب، وإن علَّلنا بوقوعه عن جهة الكتابة، فلا يجزئ، والظاهر الإِجزاء، وهو المذْكُور في الكتاب، ولو قال للمكاتَب: إذا عجَزْتَ عن النجوم، فأنتَ حُرٌّ عن كفارتي، فعجز، عَتَقَ، ولم يجزئ عن الكفارة؛
الجزء: 9 - الصفحة: 302
لأنه حين عَلَّق، لم يكن بحَيْث يجزئ عن الكفَّارة، وكذا لو قال لعبده الكافر: إذا أسلَمْتَ، فأنت حرٌّ عن كفارتي، فأسلم أو قال لجنين البطن: إن خَرَجَ سليماً، فهو حرٌّ عن كفارتي، فخرج سليمًا، ويُحْتمل أن يقال: إذا لم يَقَعْ عن الكفَّارة، لم يُعْتَق على ما مَرَّ نظيره في الإيلاء، ولو علَّق العتق عن الكفَّارة بدخول الدار، ثم كاتب العبد، ثم دَخَل الدار، ففي إجزائه عن الكفار وجْهانِ:
في وجه يجزئ؛ اعتبارًا بوقت التعليق، وفي وجْه: لا يُجْزئ؛ لأنه يستحقُّ العتق عن الكتاب وقْت حصول العتق، قال في "التتمة": هذا الخلاف مبنيُّ على الخلاف فيما إذا عَلَّق عتق العبد بصفة توجد في الصِّحَّة، وقد توجد في المرض، فوجدت في الصحَّة، يعتبر العتق من الثلث أو من رأس المال؟
ولو اشترى من يعتق عليه، ونوى كَوْن العِتْق عن الكفَّارة، لم يجزئه وعن الأودنيِّ: أنه يُجْزئ، والمذهب الأول، وكذا لو وهب منْه فقبل، [أو أوصى له به فقبل] وقلنا: تملك الوصية بالقبول، ونوى العِتْق عن الكفَّارة، وكذا لوْ وَرِثَهُ، ونوى أو ملك المكاتَب من يعتق على سيِّده، ثم عجزه السيد، ونوى عتْقَ قريبه عن الكفَّارة، وذلك لأنَّ العتْق مستحقٌّ بجهة القرابة، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجزئ في الشراء والاتهاب، ولا يجزئ في الإرث، وعن أصحابه اختلافٌ في صورة تعجيز المكاتَب.
ولو اشترى عبْداً بشرط العتق، فقدْ مَرَّ في "البَيْع" إن أَصَحَّ القولَيْن صحَّةُ البيع؛ فإن الأظهر أنه لا يجزئ إعتاقه عن الكفَّارة، وذكر القاضي ابن كج تفريعًا على صحَّة البيع وجهَيْن فيما إذا باع بشرط العتق وتعليقه عتقه بصفة وقال: الأصح أنه لا يَصِحُّ، ووجهين فيما إذا اشْتَرَى جاريةً حاملاً بشرط العتق، فولَدَتْ، ثم أعتقها هو، يتبعها الولد، وأنه لو بَاعَ عبْدًا بشَرْط أن يبيعه المشتري، فشَرَطَ العتْق، فالصحيح بُطْلان البَيْع، وعن أبي الحُسَيْن تخريجُهُ على وجهين، وإعتاق العَبْد المرهون عن الكفَّارة يُبنى على الخلاف في نُفُوذ إعتاقه، وقد ذكَرْناه في الرَّهْن، فإن نَفَّذْناه أجزأ عن الكفَّارة، إذا نواها، وكذا إذا لم ينفذ في الحال ونفَّذناه بعد الانفكاك باللفظ السابق، ويكون كما لو عَلَّقَ عِتْقَ عبده عن الكفَّارة بشَرْط، وإعتاقُ الجاني عن الكفَّارة ينبني على الخلاف في نُفُوذ إعتاقه، وقد ذكَرْناه في البَيْع، وحكَى القاضي ابن كج أنَّ من الأصحاب -رحمهم الله- مَنْ لم يجوِّز إعتاق المرهون والجاني عن الكفَّارة، وإن قلْنا بنفوذ العِتْق؛ لتعلق حق الغير بهما ونُقْصان التصرفات، وهو ضعيفٌ، فإن الإِعتاق إذا نَفَّذناه، يتَضمَّن رفْع تَعلُّق [الغير] 35 وُيرَدُّ حقه إلى الفداء، وليس كذلك إعْتاق المُكَاتَب؛ فإنه يقَعُ على حُكْم
الجزء: 9 - الصفحة: 303
الكتابة والعبد المُوصَى بمنفعته، وقد ذكَرْنا في الوصية أن أصحَّ 36 الوجهين أنَّه لا يجوز أن يُعْتِقه الوارِثُ عن كفَّارته، وهو الذي أوْرَدَه صاحبُ "التَّتمَّة" وذكر أنه لو أعْتَقَ عن كفارته العَبْد المستأجر، فإن قلْنا: إنه يرجع على السيد بأجرة ومنافعه، فيجزئه، وإن قلْنا: لا يرجع، فلا يجزئه؛ لنقصان العِتْق بما سُلِّمَ له من عوض منفعته 37 بعْد العتق.
ويجزئ إعتاق المُدبر عن الكفَّارة، وكذا إعتاق العبد المُعَلَّق عتقه بصفة كمضي مدة وغيره، ولو أراد بعْد التعليق أن يَجْعَل العتْق المعلَّق عند حصوله عن الكفَّارة، لم يجزئه، وذلك مثْل أن يقول: إنْ دخلْتَ الدَّارَ، فأنْتَ حُرٌّ، ثم قال بعد ذلك: إن دخلْتَهَا، فأنتَ حُرٌّ عن كفارتي، فيُعْتَق عند الدخول، ولا يجزئ عن الكفَّارة؛ لأنه صار مستحقًّا بالتعليق الأول.
ولو أعتق جاريةً حاملاً عن الكفَّارة أجزأه وعَتَق العمل تبعاً، ولو استثنى الحَمْلَ، لم يصح الاستثناء، وحصل العِتْق، كَمَا لَوِ استثنى عُضْوًا من العبد، وهل يُجْزئ، والصورةُ هذه، إعتاقُها عن الكَفَّارة؟ قال في "التتمة": المشهور في المذهب الإجزاء، وإذا لم يُمْنَع الاستثناءُ بعَوْد العتق، لم يُمْنَع سقوط الفرض، وفيه قول آخر: أنه لا يجزِئُه؛ لأنَّ الإجزاء عن الكَفَّارة غير مبنيٍّ على التغْلِيب، فالاستثناء يبطله، كما يُبْطل البَيْع والهبة، وإنما لم يتأَثَّر العِتْق به؛ لأنه مبنيٌّ على التغليب.
المسألة الثانية: لو كان يملك نصْف عبْدٍ، فأعتقه عن الكفَّارة، وهو معسر ثم مَلَك الباقي، فأعتقه عن تلْك الكفَّارة، أجزأه، وإن وَقَع العِتْق في دفعتين، كما لو أطعم في أوقات مختلفة، ولو لم يَنْو الكفَّارة عند إعتاق الباقي، لم يجزئه، ولم تبرأ ذمته عن الكفَّارة، وفيه وجْه حكاه الفوراني؛ إلحاقاً بما إذا فَرَّق الوضوء، وجوَّزناه، فإنه لا يَجِبُ تجديد النية، ولو ملك نصفًا من عبْد، ونصفًا من آخر فاعتق النصفين عن الكفَّارة، وهو مُعْسِر، فهل يجزئه؟ فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 9 - الصفحة: 304
أحدها: لا، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وحكا الموفَّق بن طَاهِرٍ عن ابن سُرَيْجٍ وابن خيران، ووُجَّه بأنه مأمور بإعتاق رقبة، ولا يقال، والحالة هذه: إنَّه أعتق رقبةً، وبأن وضْعَ الوظيفةِ الواحدةِ من الطَّعَام في شخصَيْن لا يَجُوز، [فكذلك وضْع العِتْق في شخصَيْن، وبأنه لا يجزئ] في الأضحية شِقْصَان، فكذلك هاهنا.
والثاني: نَعَم؛ تنزيلاً للأشقاص منزلة الأشخاص، ولذلك إذا شارك ذِمِّيًّا في ثمانين شاةً بالسوية، يلزمه ما يلزمه لو ملك أربعين شاةً، ولو ملك نصفاً من عبْدٍ ونصفاً من آخر، يلزمه صاعٌ في الفِطْر، كما لو مَلَك عبداً.
وأظهرهما، على ما ذكر الموفَّق [بن طاهر] 38 وغيره: أنه يجزئه، إن كان باقي العَبْدَيْن حُرًّا وإلا فلا 39 يَجُوز، والفَرْق أنه إذا كان الباقي حُرًّا، أفاد الإعتاقُ الاستقلالَ والتَّخْليص من الرِّقِّ، وهو المقصود من الإعتاق، ويَجْري الخلاف في ثلث أحدهما وثُلُثَي الآخر ونظائرهما, ولو كان عليه كَفَّارتان عن ظهارين أو عن ظهار وقتل، فأعتق 40 عبْدَيْن عن كل واحدة منهما نِصْفًا من هذا، ونصفًا من هذا، فالحكاية عن نَصَّ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أنه يجزئه، وذكر الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- في "البسيط": أن منهم من أثْبَتَ خلافاً، والظاهر الإجزاء، وتخليص كلِّ واحدة من الرقبتين حاصلٌ في هذه الصورة، وحكى اختلاف في كيفية وقوع العتقين:
فأحد الوجهين، وُيرْوَى عن أبي إسحاق: أنه يعتق نصْفُ كلِّ واحدٍ منهما عن كفَّارة كما أوقعه.
والثاني، وُيرْوَى عن ابن سرَيْجِ وابن خيران: أنه يقع عبْدٌ عن هذه الكفَّارة، وعَبْدٌ عن هذه، ويلغو تَعَرُّضُه للنصف من هذا، والنصف من ذاك، وبَنَى بَانُونَ الخِلافَ في الصورة السابقة على هَذَا الاختلاف، فعَلَئ ما حكي عن أبي إسحاق؛ يجزئ إعتاقه 41 النصفين، وعلى الثاني؛ لا يجزئ، ويجري الخلاف فيما لو أعتق رقَبةً واحدةً عن كفارتين، فعَلَى وجْه؛ يعتد به، وعليه إتمام كل واحدة من عَبْدٍ عن كفارة أو يعتق عن
الجزء: 9 - الصفحة: 305
كل واحدة نصْفاً من هذا، ونصفاً من هذا، قال الإِمام: ولا حاجة إلى هذا التقدير والتصوير، وظاهرِ إعْتَاقِ العَبْدَيْنِ عن الكفارتين صرف عتق كامل إلى كل كفارة.
وإذا أعتق الموسر نصيبه من العَبْد المشترك، سَرَى إلى نصيب صاحبه، وتحصل السراية بنفْس اللفظ أو عنْد أداء القيمة أو يتوقَّف، فإذا 42 أدَّى، تبيَّن حصول العتق من وقت اللفظ، فيه ثلاثة أقوال، ولو أعتق جميع العبد المشترك، فمَتَى يعتق نصيب الشريك؟ فيه الأقوال، [الثلاثة] 43 فإن قلْنا يُعْتق بنفس اللفظ، فكيف يقدر أنقول: يُعتق الجميع دفعةً أو نقول: يُعتق نصيبه، ثم يَسْرِي إلى نصيب الشريك؟ فيه وجهان، وكل ذلك يأتي في الشرح في موضعه -إن يسر الله تعالى- وحظ الكفَّارة أن إعتاق العبد المُشْترك عن الكفَّارة جائزٌ.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئُ إعْتَاق العبد المُشْتَرَك عن الكفَّارة لا للموسر ولا للمُعْسِر؛ لأنه إذا أعتق نصيبه، صار عِتق الثاني مستحقًّا، فلا يجزئ، كإعتاق أمِّ الولد، وفَرَّق الأصحاب بأن سَبَب اسْتحقاق العتق في الباقي إعتاق نصيبه، وقَدِ اقترن به نيَّة الكفَّارة، والعِتْقُ في الباقي 44 يُتْبَع [العتق] 45 في نصيبه كما يتْبَعهُ في أصل العِتْق، وجاز [له] 46 أن يتبعه في الوقوع عن الكفَّارة، وهناك لم تقترن النيَّة بسبب العِتْق، وليس نفوذ العتق في المستولدة على سبيل التبعية، ولا فرق في الإجزاء بيْن أن يُوجِّه العتق على جميع العَبْد، وبين أن يوجهه على نصيبه؛ لحصول العِتْق بالسراية في الحالَتَيْن، وعن القفَّال تخريجُ 47 وجُهِ أنه لا يجزئ عن جميع الكفَّارة، إذا وَجَّه العتْق على نصيبه؛ لأنه مأمور بإعتاق رقَبَةً، ويحْسُن أن يقال، والصورة هذه، بأنه أعتق جميع العَبْد، وإنما أعتق نَصِيبَه، وَعَتَقَ الباقي عليه بِحُكْم الشرع، وشبه ذلك بوَجْهٍ مذكورٍ فيما إذا نَوَى استباحة صلاةٍ بعينها: أنه يُبَاح لَه تلك الصلاة دون غيرها، والظَّاهِر الأوَّل، ثم يُنْظَر، إن أعتق نصيبه، ونوى عِتق الجميع عن الكفَّارة، أجزأه عنها، إن قلْنا بالسراية عند اللفظ أو قلنا بالتَّوقُّف، وان قلْنا بأن العتق إنما يحصل عند أداء القيمة، فهل تكفي هذه النيَّة لنصيب
الجزء: 9 - الصفحة: 306
الشريك فيه أم يحتاج إلى تجْديد النيَّة عند الأداء؟ وجهان:
أصحُّهما: أنها تكْفي؛ لأن النية اقترنت بالعتق، إلا أن العتْقَ حَصَل على ترتُّب وتدرُّج.
والثاني: أنه لا بُدَّ من التجديد؛ لتقترن النية بعتق نصيب الشريك كما اقترنت بعتق نصيبه، ولو نوى في الحال صَرْف العِتْق في نصيبه إلى الكفَّارة، ونوى عند أداء القيمة صَرْفَ العتق في نصيب الشريك إلَيْها، أجزأه اقتران النية بحالة حصول العتق، وعن أبي حامد وجْه أنه لا بُدَّ، وأن ينوي الكُلَّ في الابتداء؛ لأن سبب حصول العِتْق في الكل لفظه، وهو السبب الأول، فينبغي أن تُقَارِنَه كما لو عَلَّق العتق بدخول الدَّار، يشترط في الإجزاء نية الكفَّارة عند التعليق، لا يَكْفِي مقارنتها للدخول، والأظْهَر والمَذْكُور في الكتاب الأول، وذَكَر الأئمة جواباً عن الأظْهَر في هذه الصورة والتي قَبْلها بناءً على أن العِتْق في نصيب الشريك يَحْصُل عند أداء القيمة؛ أنَّه يتخيَّر في نصيب الشريك بيْن أن يُقدِّم النية [عند اللفظ] أو يؤخرها إلى الأداء، وهذا كله فيما إذا نَوَى عتْق الجميع عن الكفَّارة، وإن وجَّه العِتْق على نصيبه، أما إذا وجَّهه على نصيبه، ونوى صَرْف العتق فيه إلى الكفَّارة، [ولم ينو الباقي] لم ينصرف الباقي إلَيْها، وإن حكَمْنا بعتقه في الحال، وَيجْرِي في وقوع نَصِيبه عن الكفَّارة الخلاف الَّذي سَبَق في أن إعتاق بَعْض الرقبة، هل يُجْزئ؟ وفي "الشامل" وغيره ذكْرُ وجْه أن الباقي ينصرف إلى الكفَّارة، ويتبع نصيبه في الوقوع عن الكفَّارة، كما تبعه في أصْل العِتْق، ولو أعتق الجميع بِنِيَّة الكفَّارة، وقلنا بحصول العِتْق بنفس اللفظ أو بالتوقُّف، أجزأه، وإن قلْنا بحُصُوله عند أداء القِيمَة، ففي "التهذيب" القَطْعُ بالإجزاء، وأنه لا يحتاج إلى تَجْدِيد النية عنْد الأداء، ويُشْبِه أن يَعُود فيه الوجهان المذكوران فيما إذا وَجَّه العتق على نَصِيبه، ولا يخفى مواضع الحاجة إلى الإعْلاَم.
المسألة الثالثة: العَبْد الغائب، إن عَلِمَ حياته، وتواصل خيره، أجزأه عن الكفَّارة، وإن انقطع خبره، فالنَّصُّ أنه لا يجزئ عن الكفَّارة، والنص أنه تجبُ فطرته وكلام الأصْحَاب في النصين وتصرفهم قد ذكَرْناه في باب الفِطْرة، والأظهر عدم الأجزاء، كما نَصَّ عليه، ولو أعتقه عن الكَفَّارة، ثم تواصَلَتْ أخبار حياته، تبيَّنا وقوع العتق موقعه فيما سبق.
ويجوز إعلام قوله "وفيهما قول مخرج" بالواو.
والعبد المغصوب يجزئ عن الكفَّارة إذا علم حياته لكمال رقه، وفيه وَجْه لنقصان التصرُّف؛ ولأن الغضب يمنعه من الاستقلال، وهذا ما أورده الشيخ أبو حَامِدٍ وابن الصَّبَّاغ، والظاهر الأول، وهو المَذْكُور في الكِتَابِ، والآبِقُ كالمَغْصُوب 48، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 307
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا) قَوْلُنَا: خَالٍ عَنْ شَوَائِبِ العِوَضِ أَرَدْنَا بِهِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَلَى أنْ يَرُدَّ دِينَارًا عَتَقَ عَنِ الكَفَّارَةِ* وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتكَ وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ فَأعْتَقَ لَمْ يَنْصَرِف إِلَى الكَفَّارَةِ وَعَتَقَ* وَهَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الأَلْفَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الرابع: كوْنُ الإعتاق خالياً عن شوب العِوَض، فلو أعتق عبْدَهُ عن كفَّارة على أن يَرُدَّ ديناراً [عليه] 49 ديناراً أو عَشَرةً، لم يجزئه عن الكفَّارة؛ لأنه لم يُجَرِّد النية لها، بل قَصَد العوض مع الكفَّارة، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن أبا الحُسَيْن حكى وجْهاً أنه يُجْزِئه؛ لأن العتق حاصلٌ، والعوض ساقِطٌ، فأشبه [ما] 50 إذا قيل له: صَلِّ الظهر لنَفْسِك، ولك كذا، فصلَّى، تُجْزئُه صلاته 51، وإن شرط عوضاً عن غير العبد، فإن قال الإنسان: أعتقت هذا العَبْد عن كفَّارتي بألف [عليْكَ] 52، فقبل، أو قال له إنسان: أعتقْهُ عن كفَّارتك، وعليَّ كذا، ففَعَل [لم يجزئه عن الكفَّارة] ولا فَرْق بيْن أن يُقَدِّم في الجواب ذِكْرَ الكَفَّارة؛ بأن يَقُول: أعتقته عن كفارتي على ألْفٍ عليك، وبَيْن أن يُقَدِّم ذِكْر العِوَض؛ بأن يقول أعتقته عَلَى أنَّ لي عليك ألفاً عن كفارتي.
وعن أبي إسحاق وجْهٌ: إذا قدَّم ذكْر الكفَّارة أجْزأه، وسَقَط العِوَض، وقَرَّب هذا الوجه مما قيل إنه لو سمع المُتَيَمِّم قائلاً يقول: عندي ماءٌ أودعنيه فلانٌ، بَطَل تيمُّمه، ولو قال: أوْدَعَني فلانٌ ماءٌ، لا يبطل، والظاهر الأَوَّل، ولا فَرْق بين أن يقول في الجواب أعْتَقتْه عن كفارتي [على أن لي عليك كذا، وبين أن يقول: أعتقته عن كفارتي]، 53 فإنه مبنيٌّ على الخطاب والالتماس، وهل يستحق العِوَضَ على الملتمس؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما, ولا يختصَّان بما إذا قال: أعْتَقْتُه عن كفَّارتك، بل يجريان = وأما المغصوب، فأكثر العراقيين، على أنه لا يجزئ قطعاً، لعدم استقلاله كالزمن، وجمهور الخراسانيين على الإجزاء لتمام الملك والمنفعة، وفيه وجه ثالث قاله صاحب "الحاوي": إن قدر العبد على الخلاص من غاصبه يهرب إلى سيده، أجزأه عن الكفَّارة لقدرته على منافع نفسه، وإن لم يقدر على الخلاص فالإجزاء موقوف، وإن لم يكن عتقه موقوفاً كالغائب إذا علمت حياته بعد موته، وهذا الذي قاله قوي جداً، وحيث صححنا عتق الغائب، والآبق، والمغصوب، أجزأه عن الكفَّارة، سواء علم العبد بالعتق أم لا؛ لأن علمه ليس بشرط في نفوذ العتق فكذا في الإجزاء، ذكره صاحب الحاوي.
الجزء: 9 - الصفحة: 308
فيما إذا التمس منْه أن يعتق عبْده عن نَفْسه بعوض مطلقاً، فإن قلنا: لا يستحق العوض عليه، وَقَع العِتْق عن المعتق، وله الولاء، وإن قُلْنا: يستحقه، فالعتق يقع عنه أو يقع لبَاذِلِ العِوَض؟ فيه وجهان عن رواية صاحب "التقريب" والشيخ أبي محمَّد: أنه يقع عن باذل العوض، وإلا، فلا مَعْنَى لوجوب العوض عليه، [و] هذا ما أوْرَدَه، أصحابُنا العراقيُّون، وأصحُّهما أنه يَقَع عن المعتق؛ لأنه لم يُعْتِقْه عن باذل العِوَض، ولا هو استدعاه لنَفْسِه، وهذا ما أورده صاحِبُ "التهذيب" و"التتمة"، ولو قال المعتق: أَرُدُّ العِوَضَ ليكُونَ العتق مجزئاً عن كفارتي، لم ينقلب مجزئاً.
نعم، لو قال في الابتداء عقيب الالتماس: أعتقته عن كفَّارتي، لا على الألْف، كان ردًّا لكلامه، وأجزأه عن الكفَّارة، وإذا قلْنا: إنه لا يستحقُّ العوض على الملتمس، فيشبه أن يَجِيء في الإجزاء عن الكفَّارة الوجْهُ المنسوب إلى رواية أبي الحُسَيْن فيما إذا شَرَط العوض على العَبْد، ويمكن أن يُخَرَّج من وجوب العوض على غَيْر العَبْد وجْه في وجوبه على العَبْد، ولم يذْكُروه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاِلْتِمَاسِ العِتْقِ صُوَرٌ* فَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَكَ عَلَى أَلْفٍ فَأعْتَقَ اسْتَحَقَّ الألْفَ وَهُوَ فَدَاءٌ* وَهَلْ يَسْتَحِقُّ فِي العَبْدِ القِنِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَأعْتَقَ عَنْهُ نَفَذَ عَنه المَالِكَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ العِوَضَ (و) * وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي مَجَّاناً فَأعْتَقَ نَفَذَ (ح) وَلاَ عِوَضَ* وَلَوْ شَرَطَ عِوَضاً اسْتَحَقَّ* وَلَوْ أَطْلَقَ فَهَلْ يَقْتَضِي العِوَضَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ الغَدُ فَأعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِأَلْفٍ فَأعْتَقَ في الغَدِ نَفَذَ وَاسْتَحَقَّ* وَإِنْ قَالَ: عَبْدِي عَنْكَ حُرٌّ بِألْفٍ إِذَا جَاءَ الغَدُ فَقَالَ: قَبِلْتُ فَهَذَا كَتَعْلِيقِ الخُلْعِ وَقَدْ سَبَقَ* وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى خَمْرٍ أَوْ مَغْصُوب نَفَذَ وَرَجَعَ إِلَى قِيمَةِ المِثْلِ وَلَمْ يَضُرَّ فَسَادُ العِوَضِ كَمَا في الخُلْعِ لأَنَّ العِتْقَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى مِلْكِ المُسْتَدْعِي فَهُوَ مِلْكٌ ضِمْنِيٌّ لاَ يَسْتَدْعِي الشَّرَائِطَ* وَكَذَلِكَ لاَ يُسْتَدْعَى القَبْضُ فِي الإعْتَاقِ عَنْهُ مَجَّانًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جرت العادة بذِكْر صور التماس العِتْق من المالك هاهنا، واعْلَمْ أولاً أن العِتْق على مالٍ كالطلاق على مال، فهُوَ من جانب المَالِك معاوضةٌ، فيها مشابَهَةُ التَّعْليق، ومِنْ جانب المستدعي معاوضةٌ نازعةٌ إلى الجعالة على ما تبيَّن 54 في كتاب الخُلْع، ثُمَّ في الفصْل صُوَرٌ.
الجزء: 9 - الصفحة: 309
إحداها: إذا قال: أعتق مستولدتك على ألْف، فاعتق، [نفذ العتق،] 55 وثبت العوض، وكان ذلك افتداءً من المستدعي نازلاً منزلةَ اختلاع الأجنبي 56، ولو قال: أعْتِقْها عنِّي على كذا أو وَعليَّ كذا، فقال: أعتقها عنك، نفذ العتق، ولُغِيَ قولُه "عَنِّي"، وقول المعتق "عنك" فإن المستولدة لا تنتقل من شخْص [إلى شخص] 57 وقد احتج بهذه المسألة على أنه إذا وصَفَ العِتْق أو الطلاق بمحال، ينفذ العتق والطَّلاق، ويلْغو الوصف، كما ألغي "عنك" من قوله "أعتقت عنك"، ثم الظاهر، وهو المذكور في الكتاب أنه لا يستحقُّ عوضاً؛ لأنه التزم العِوَض على أن يَكُون العِتْق عنه، وهو ممتنع، وفيه وجْه أنَّه يلغي قوله "عنِّي" ويجعل باقي الكلام افتداءً، فيثبت العوض، ولو قال: طَلِّق زوجك عنِّي على ألْفٍ، فقد قال الإِمام: الوجْه إثبات العِوَض، وألغي قوله "عني" أو حمله على الصرف إلى استدعائه، كأنه قال: طَلِّقها لاستدعائي، وقد يُتَخَيَّل في المستولدة الانتقال إلَيْه إلى أن يعرف امتناعه.
الثانية: إذا قال: أعتق عبدك عن نَفْسِكَ، ولك عليَّ كذا، أو وعلى كذا، فأجاب، فهل يستحقُّ العوض؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو قال: أعتق مستولدتك أو طَلِّق زوجتك على كذا.
والثاني، وبه قال أبو حنيفة، واختاره الخضري -رحمهما الله-: أنه لا يستحقُّ، بخلاف استدعاءِ عتْق المستولدة والطلاق؛ لأن ذلك إنما جُوِّز على سبيل الافتداء ضَرُورَة أنه لا يُمْكِن انتقال المِلْك فيهما، وهاهنا يُمْكن تملكه 58 بالشِّرَاء وغيره، وتخليصه، ولو قال: أعْتِقْه عنِّي، ففعل، نُظِر؛ إن قال: مَجَّانًا، فلا شَيْء على المُسْتَدْعي، وإن ذكر عوضاً، لزمه العوض، وإن أطْلَق، فهل يستحق عليه قيمة العَبْد؟ فيه وجهان، عن رواية صاحب "التقريب" وغيره؛ بناء على الخلاف فيما إذا قال لغَيْره: اقض دَيْنِي، ولم يشترط الرجوع، وخصص الإِمام وأبو الفرج السرخسي إذا البناء بما إذا قال: أعْتِقْه عن كفَّارتي؛ فإن العتق حقٌّ ثابث عليه كالدَّيْن، فأما إذا قال: أعتقه عنِّي، ولا عتق عليه أو لم يَقْصِدْ وقوعه عنه، فقد أطلق أبو الفرج أنه لا شَيْء عليه،
الجزء: 9 - الصفحة: 310
ورأى الإِمام -قدس الله روحه- تخريجه على أن الهِبَة هل تقتضي العوض؟
ثم العتق سواءٌ نفى العوض أو أثبته 59، يقع عن المستدعي، وعند أبي حنيفة والمزنيِّ إذ قال: أعتقه عني مجَّانًا، ففَعَل، لا يقع العتق عن المستدعي؛ لأنه إذا نفى المال، كان الحَاصِل هبةً ونيابةً [عن] 60 المستدعي في الإعتاق عنه، واعتاق الموهوب قبل القبض لا يجْوز، وإذا سَمَّى المال، كان الحاصِلُ بيعًا ونيابة في الإعتاق، وإعتاق المَبِيع قبل القبْض جائز.
وعن أحمد روايتان، كالمذهبين.
واحتج الأصحاب بأنه أعتق عنْه بأمره، فيَقَع عنْه، كما لو سَمَّى العوض، وقالُوا: المُعْتق بعِوَض، جُعِل كالمبيع المقبوض حَتَّى استقر عِوَضُه، فكذلك يُجْعَل عند عدم العوض، كالموهوب المقبوض، ويجعل القبض مندرجًا تحْت العتق لقوته، وذَكَرُوا بناءً على هذا أن إعتاق الموهوب قبل القبْض بإذن الواهب جائزٌ، وإذا قال: أعتقه عن كفَّارتي أو عَنِّي، ونوى الكفَّارة، فأجابه أجزأه عن كفارته، ولو قال: أعْتِق عبدك، ولك عليَّ كذا, ولم يَقُلْ "عن نفسك" ولا "عني" فوجهان:
أحدهما: أنه كما لو قال: أعتِقْهُ عنِّي لقرينة الاستدعاء والتزام العوض.
وأشبههما، وهو المذكور في "التهذيب": أنه كما لو قال: أعتقه عن نَفْسك، ولو قال: أعْتِقْ عبدك عني وعليَّ كذا بشرط أن يكون الولاء لَكَ، قال في "التتمة" في باب الخُلْع: المذهب المشهور أنَّ هذا الشَّرْط يفسد، ويقع العتق عن المستدعي، وعليه القيمة، وفيه وجْه: أن العتق يقع عن المالك، ويكون الولاء له، وعن القَفَّال أنه لو قال: أعتق عبدك عني على ألْفٍ، والعَبْد مستأجرٌ أو مغصوبٌ، [فأعتق]، جاز، ولا يضر كونه مغصوبًا، وإن كان المعتق عنه ممَّن لا يَقْدِر على الانتزاع، ولا يخرج في المستأجر على الخِلاَف في بَيْع المستأجر؛ لأن البيع يَحْصُل في ضمن الإعتاق، ولا يعتبر في الضِّمْنيَّات ما يعتبر في المقاصد، وأنه لو قال: أعتْق عبدك عن ابني الصغير, ففعل، جاز، وكان اكتساب ولاء له من غَيْر ضرر [يلحقه،] 61 وليس كما لو كان له رقيقٌ، فأراد الأب أن يُعْتِقه، وأنَّه لو وَهَب عَبْداً له من إنسان، فقَبِله الموهوب منه، ثم قال للواهب 62: أعتقه عن ابني، وهو صغيرٌ، فأعتقه، جاز، وكأنه أمره بتسليمه إلى ابنه، وناب عنه في الإعْتَاق للابن، واعْلَمْ أن العتْق في صورة الاستدعاء إنَّما يقَع عن المستدعي، والعوض إنما يجب عليه، إذا اتَّصل الجَوَاب بالخطاب، فأما إذا طال
الجزء: 9 - الصفحة: 311
الفَصْل، فالعتق يقع عن المالك، ولا شَيْء على المستدعي.
الثالثة: لو قال: إذا جاء الغد، فأعْتِق عبدك عني بألف، فصبر حتى جاء الغد، فأعْتَقَه عنه، فعن حكاية صاحب "التقريب" عن الأصحاب: أنه ينفذ العتْق عنه، ويثبت المُسَمَّى عليه، وأنه لو قال المالك لغيره: عبدي عنْكِ حرٌّ بألْف، إذا جاء الغَدُ، فقال المخاطَبُ: قَبِلْتُ، فهو كتعليق الخُلْع، وصورته أن يقول: طَلَّقتك على ألْفٍ إذا جاء الغد، فقالت للمخاطب: قَبِلْتُ، وقد سَبَقَ ذكْر وجهَيْن في وقُوع الطلاق عند مجيء الغد، أظهرهما الوقوع، ووجهين إذا وقع في أن الواجب مهْر المِثْل أو المسمى، أقربهما: الثاني؛ فلذلك يجيء الخلاف هاهنا في وقُوع العِتْق عن المخاطَبِ، وإذا وقع، فالخلاف في صحَّة المسمَّى وفساده، وذَكَروا في الفَرْق بين الصورتين أَنَّ في الصُّورة الأولى، وهي قوله: إذا جاء الغد، فاعتق عبْدك عني بكذا، فاعتق في الغد، لم يُوجَدْ تعليق في العِتْق.
وفي الصورة الثانية: العِتْق باطلٌ [معلَّق] 63 بمجيء الغد، فأُلْحق بتعليق الخُلْع، لكن قوله: أعتق عبدك عني بكذا، إذا جاء الغَدُ، كقول المرأة: طلِّقني غداً، ولك عليَّ كذا، أو عَلَى كذا، وقد ذكَرْنا هناك خلافاً في أنَّه إذا طلَّق في الغد أو قبله تستحق المسمى أو مهر المثل فليجِيء الخلاف هاهنا أيضاً في ثبوت المسمَّى، إذا أعْتَقَ في الغد، ولذلك تردَّد صاحب "التقريب" فيما حكاه عن الأصحاب، واستصوب الإِمام وغيره التردُّد، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله "نفذ واستحق" المسمى بالواو، ولو قال: أعْتِقْ عبدك عنِّي على خمر أو مغصوب، نفذ العتق عن المستدعي، ولزمته 64 قيمة العبد كما في الخُلْع 65، وقوله في الكتاب "لأن العِتْق وإن رتب على ملك المستدعي" إلى آخره، فهُوَ 66 إشارةٌ إلى إشْكَال يَعْرِض في إلحاق العِتْق عن الغير بالخُلْع، وإلى الجواب عنه، أما الإشكال، فهو أن يُقَال: ليس في الخُلْع اختلافُ مِلْك، وإنما هو إسقاط حقٍّ يستقل به الزوج، والعتق [عن] 67 المستدعَى يتضمَّن نقل الملك، فوجب ألاَّ
الجزء: 9 - الصفحة: 312
يحتمل جِهَات الفَسَاد من التعليق، وفساد العوض وغيرهما، كما في سائر التمليكات، فَإِذَنْ لا يتجه إلحاق الإعتاق عن الغير بالخُلْع، وإنما المتجه أن يُلْحَق به إعتاقه عن نَفْسه، وأما الجواب، فهو أن المِلْك الحاصل للمستدعي يَحْصُل في ضمن الإعتاق عنه، فكأن قوة الإعتاق تُوجِب تضمينه وتقديره، والملك الضمني لا تعتبر فيه الشرائط الَّتي تعتبر في التصرُّفات الأصلية؛ ولذلك لا يُعْتبر القبض في الإعتاق عن الغير باستدعائه مَجَّانًا، وإن كان ذلك يتضمَّن الهبة، والهبة تفتقر إلى القبض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَحْصلُ المِلْكُ عَقِيبَ لَفْظِ الإِعْتَاقِ وَالعِتْقِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ عَلَى أَظْهَرَ الوُجُوهِ وَقِيلَ: يَحْصُلُ المِلْكُ قَبْلَ الفَرَاغِ مِنْ لَفْظِ الإِعْتَاقِ وَهوَ بَعِيدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذ لا خلاف في أن العَبْدَ المُعْتَق عن الغير باستدعائه يَدْخُل في مِلْك المُعْتق عنه، فلا عِتْق فيما لا يَمْلكه ابْن آدَمَ، ومتى يدخل في ملكه، وكيف التقدير؟ قال الأصحاب: هذا فيه إشكالٌ؛ لأنه لا يُمْكن القول بتأخير الملك عن العتق، ولا بتقديم المِلْك على التلفظ بالإعتاق؛ لما فيه من تَقْديم ما يوجبه اللفظ على اللفظ، ولا يَحْصُل المِلْك والعِتْق معاً، فإنَّه جَمْع بين النقيضين، وذكروا فيه وجوهًا: أحدها: أنَّه يحْصُل الملْك للمستدعي بالاستدعاء، ويعتق عليه إذا تلفَّظ المالك بالإعتاق.
والثاني: أنه يحْصُل الملْك؛ بشروعه في لفْظ الإعتاق، ويعتق إذا تم اللفظ.
والثالث: يحْصُل الملْك والعتق معاً عند تمام الإعتاق ويُحْكَى هذا عن أبي إسحاق.
وأظهرها: أن العتق يترتَّب على المِلْك في لحظة لطيفة، وأن حصول الملك لا يتقدَّم على آخر لفظ الإعتاق، ثم قال الشيخ أبو حامد: وأكثر الَّذين اختاروا هذا الوَجْه أن المِلْك يَحْصل عقيب الفراغ من لَفْظ الإعتاق على الاتصال، وعن الشيخ أبي محمَّد، وربما نُسب إلى القَفَّال أن المِلْك يحْصُل مع آخر جزء من أجزاء اللَّفْظ، وليس في هذا الوجْه الأخير سوى أنه يتأخَّر العِتْق عن الإعتاق بقدر ما يتوسَّطهما المِلْك.
قال الإِمام: وسَبَب تأخِيره أنَّه إعتاقٌ عن الغير، ومعنى الإعتاق عن الغَيْر نَقْل الملك إليه، وإيقاع العِتْق بعده، وقد يتأخَّر العِتْق عن الإعتاق بأسْباب؛ ألا ترى [أنَّه] 68 لو قال: أعتقت عبدي عنك بكذا، لا يعتق إلا أن يُوجَد القبول، ثم رد الإِمام اختلاف عبارة الشيخَيْن إلى خِلاَف الأصحاب في أن حُكْم الطَّلاَق والعتاق وسائر الألفاظ، يثبت مع آخر جزء من اللفظ أم بَعْد تمام أجزائه على الاتِّصَال؟ فعبارة الشيخ أبي محمَّد تنطبق
الجزء: 9 - الصفحة: 313
على الوجْه الأوَّل وعبارة الشيخ أبي حامد تُوَافِق الثاني (1)، وقوله في الكتاب "وقيل يَحْصُل المِلْك قبْل الفراغ من لَفْظ الإعتاق" هذا القدر يشمل الوجه الأول والثاني، فيجوز أن يريد أحدهما، ويجوز أن يريد المُشْتَرَك بينهما، واستبعد ذلك؛ لِمَا فيه من تقديم المسبب على السَّبَب.
فَرْعٌ: ولو قال: أعْتِقْ عبدك عنِّي على كذا، فأجابه ثم ظَهَر بالعبد عَيْب، فلا مرد للعتق، بل يرجع المستدعى علَيْه بأرْشِ العَيْب، ثم إن كان العَيْب بحَيْث يمنع الإجزاء عن الكفَّارة، لم تسقط عنه الكفَّارة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَصْلَة
ُ الثَّانِيَةُ: الصِّيَامُ)
وَيَجُوزُ العُدُولُ إِلَيْهِ لِمَنْ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ العِتْقُ* فَإِنْ مَلَكَ عَبْدًا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى خِدْمَتِهِ لِمَرَضِهِ أَوْ لِمَنْصِبِهِ (ح) الَّذِي يَأْبَى مُبَاشَرَةَ الأَعْمَالِ فَلَهُ (ح) الصَّوْمُ* وَكذَلِكَ لَوْ مَلِكَ دَارًا إلاَّ أنْ يَكُونَ فِي اتِّسَاعِ خُطَّتِهَا زِيَادَةٌ يُسْتَغْنى عَنِهَا* وَلَوْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ نَفِيسَةٌ أَوْ عَبْدٌ نَفِيسٌ أَلِفَ خِدْمَتَهُ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ البَيْعُ (ح) * وَعَلَى هَذَا لاَ يَبْعُدُ أَنْ لاَ يُكَلَّفَ بَيْعَ رَأْسِ مَالِهِ وَضَيْعَتِهِ الَّتِي تُلْحِقُهُ بالْمُسْكِينِ الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ* وَالمَالُ الغَائِبُ لاَ يُجَوِّزُ العُدُولَ إِلَى الصَّوْمِ؛ لأَنَّ الكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي* وَيُمْكِنُ أَدَاؤُه بَعْدَ المَوْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كفارة الظِّهار -كما نَصَّ عليه القرآن- مرتَّبة؛ قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 3، 4] الآية، فإن كان في مِلْكه عبْدٌ فاضلٌ عن حَاجته، الإعتاق، فإن احتاج إلى خدمته؛ لمرضه أو كبره أو زمانته أو ضخامته المانعة من خدْمة نفسه، فهو كالمعدوم، كما أن [المَاءَ] 70 المحتاج إلَيْه للعَطَش كالمعدوم في جواز التيَمُّم، وكذا الحُكْم، لو كان من69
الجزء: 9 - الصفحة: 314
أهْل المروءات، ومنْصِبه يأبى أن يخدم نفسه، ويباشر له الأعمال الَّتي تُسْتَخْدَم فيها المماليك، فلا يُكَلَّفُ صَرْفَهُ إلى الكفَّارة، وإنْ كَانَ من أَوسَاطِ النَّاس، فوجهان:
أصحُّهما: أنه يلزمه الإعتاق؛ لأنه لا يلْحَقُه ضرر شديدٌ، وإنما يفوته نوع رفاهية، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا كان في مِلْكه عبْدٌ يلزمه الإعتاق، وإن كان محتاجاً إلَيْه، ويمكن أن يُخَرَّج فيه وجْه على أصلنا؛ أخذاً من الخلاف في أن العَبْد والمسكِن، هل يباعان في الحج؟ وقد ذكرناه 71 هناك، ولو لم يكن في مِلْكه عَبْدٌ، ووجد ثمنه، لزمه تحصيله والإعتاق، ويشترط أن يكون فاضلاً عن حاجته؛ لنفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم، وعن المَسْكن وما لاَ بُدَّ منه من الأثاث، ولم يُقدِّروا للنفقة والكسوة مُدَّةً، ويجوز أن تعتبر كفاية العُمْر، ويجوز أن يعتبر سَنَة؛ لأن المؤمنات تتكرَّر فيها، ويجدد الإعداد لها، وقد يؤيِّده أن صاحب "التهذيب" قال: يُتْرَك له ثَوْب الشتاء وثوب الصيف 72، ويخالف المفلس؛ حيْثُ لا يترك له إلا دست ثوب لا المسكن ولا الخادم؛ لما سَبَق في "التفليس"، وعند مالك ثمن العَبْد يُصْرف في الإعتاق، وإن كان محتاجاً إلى الثمن، ولو مَلَك دارًا واسعةً يفضل بعْضها عن حاجته، وأمْكَن بيْعُ الفاضل، لَزِمه البيع وتحصيل رَقَبةٍ يُعْتقها, ولو مَلَك داراً نفيسة؛ يجد بثمنها مسكناً يكفيه، ويفضل ثمن [عبد] 73 أو كان له عبْد نفيس يَجِدُ بثمنه عبْدًا يخدمه، وآخر يُعْتِقه، لَزِمَه البيع والإعتاق، [إن] 74 لم يكونا مألوفَيْن، وإن كانا مألوفين، فوجهان:
أظهرهما: المنع، وجواز العدول إلى الصَّوم؛ لعُسْر مفارقة المألوف.
والثاني، هو الذي أورده ابن الصَّبَّاغ: أنه يلزمه البَيْع والإعتاق، كما لو كان له ثَوْب نفيس يجد بثمنه ثوباً يليق به وعبْدًا يُعْتقه، وحكى صاحب "التتمة" وغيره طَرْدَ الخلاف [في] 75 الثوب، والجوابُ المَشْهور في الحَجِّ: أنه يلزمه البَيْع للحج، والحالة
الجزء: 9 - الصفحة: 315
هذه وكأن الفَرْق أن الحَجَّ لا بَدَلَ له والإعتاق له بَدَلٌ يُعْدَل إليه.
ولو كانت له صنيعه أو رأس مال يَتَّجِر فيه، وكان يحْصُل منهما كفايته بلا مزيد، ولو باعهما لتحصيل عبد، لارْتَدَّ إلى حدِّ المساكين، لم يُكلَّف ذلك؛ لأن المصير إلى حالة المسكنة أشدُّ من مفارقة الدار والعبد المألوفين، هذا ما أطلقه أكثرهم.
وقوله في الكتاب "فالظاهر أنه لا يَلْزمه البيعُ، وعلى هذا لا يبعد أن لا يُكَلَّف بَيْع رأس ماله وضيعته" يُشْعِر بإثبات الخلاف فيه، وهو صحيحٌ؛ فإنا ذَكَرْنا في الحج وجهَيْن؛ في أنه هل يلزم بيعهما وصرفهما إلى الحَجِّ، وفي "تعليقة إبراهيم المروزي" ترتيب ما [نحن فيه] 76 على الحجِّ؛ إن قلْنا لا تباع في الحج فهاهنا أَوْلَى، وإن قلنا: تباع هناك، فهاهنا وجْهَين، والفرق أن الكفَّارة لها بَدَلٌ، وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب -رحمه الله- ذكر وجهَيْن في أن من مَلَك بضاعةً، لا يكفيه ما يحْصُل منها، وتحل له الزكاة، هل يلزمه الإعتاق أم يجوز له العُدُول إلى الصيام، وإذا جاء 77 الخلاف في المسكين، ففي الذي يخاف المَسْكَنة أوْلَى.
ولو كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة، فلا يجوز العُدُول إلى الصَّوْم في كفارة القتل واليمين والجماع في نهار رمضان، بل يصير إلى أن يَصِلَ إلى المال أو يجد الرقبة؛ لأن الكفَّارة على التراخِي، وبتقدير أن يَمُوتَ لا يَفُوتُ، بل يُؤدَّى من تركته، ويخالف ما إذا لم يَكُنْ عنده ثَمَنُ الماء، حيث يتيمَّم؛ لأن وقْت أداء الصَّلاة مضيِّقٌ، فإن كان [ما] 78 يؤدِّيه بالتيمُّم القضاء الذي هو على التراخي، فلأنه لا يمكن تداركه بعد الموت، وفي كفارة الظِّهار وجهان: الموافق منهما لإطلاق الكتاب أنه لا يجوز العُدُول إلى الصوم أيضاً، وسياق "التتمة" يُشْعر بترجيحه.
والثاني: يجُوز؛ لتضرُّره بفوات الاستمتاع.
ولو كانت الرقبة تُبَاع بثَمَن غَالٍ لم يلزمه الشراء كما إذا بِيعَ المَاء بثَمَن بأكثر من ثمن المثل 79. قال صاحب "التهذيب": يلزمه أن يشْتَرِي بثمن غالٍ 80، إذا قدَرَ عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 316
ولو كانت [تباع] نسيئةً، وله مال غائبٌ، فعلى ما ذكَرْناه في شراء الماء في التّيمم ولو وهب منه عبداً أو ثمن عبد، لا يَلْزمه القَبُول للمنة، ويُسْتحب أن 81 يَقْبل، وُيعْتِق.
وقوله في الكتاب "ويجوز العَدُول إليه لِمَنْ يتعسَّر علَيْه العتق" فيه إشارةٌ إلى أنه لا يُشْترط العَجْز عن العتق وتعذُّره، ولكن يبنى الحُكْم على العُسْر والمشقة.
قال الإِمام: قد اتفق الأصْحَاب على ضَرْب توسّع في الباب، وإن كان قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ [مُتَتَابِعَيْنِ]﴾ [المجادلة: 4] يُشْعر ظاهره بالتَّضْييق، حتَّى لا يجوز العدول عن الرقبة إذا كان للوِجْدان وجْه.
وقوله "فله الصَّوم" مُعْلَم بالحاء والميم، ويجوز أن تعاد العلامتان على قوله "لا يلزمه البيع"، وقوله "لا يكلف بيع رأس ماله وضيعته الذي يلحقه بالمِسْكين" يعني البيع الذي يلحقه، وفي بعضه "التي تلحقه بالمسكين" ردا إلى الضَّيْعة، وحينئذ، فالبيع معاد، التقدير "وضَيْعَتَهُ الَّتي يُلْحِقُه بَيْعُها بالمِسْكين".
وقوله "الذي يأخذ الصدقة" ضَرْبُ إيضاح، وفي لفظ "المِسْكِين" ما يغني عنه.
فرْعٌ: ذكر القاضي ابن كج بَعْد ما ذَكَر حُكْم المسكن والعبد المحتاج إليهما في الحج والكفارة وجهَيْن؛ في أنه هل يجوز لمن يَمْلِك العَبْد والمسكن نكاحُ الأمة أم يبيعهما، وَيصْرِف الثمن إلى طَوْلِ الحُرَّة، ووجهَيْن في أنهما هل يباعان [عليه كما إذا أعتق شركاء] له في عَبْد، وإن 82 أبا الحُسَيْن قال: لا يجب على العُرْيَان بيْعُهما، قال: وعندي يجب [عليه] 83 ذلك، والذي قاله غَلَطٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالاعْتِبَارُ فِي اليَسَارِ وَالإعْسَارِ بِوَقْتِ الوُجُوبِ عَلَى قَوْلٍ* وَبِوَقْتِ الأَدَاءِ عَلىَ قَوْلٍ* وَيُعْتَبَر أَغْلَظُ الحَالَيْنِ عَلَى قَوْلٍ* وإذَا اعْتَبَرنَا وَقْتَ الوُجُوبِ فَأيْسَرَ = المسألة ومسألة ما إذا لم يجد حرة ترضى إلا بأكثر من مهر المثل فعن القفال والطبري والبغوي أنه لا يجوز له نكاح الأمة ولا التكفير بالصوم بل ينكح الحرة ويلزمه التكفير بالعتق، وبالجملة فقد يظهر من كلامهم تفاوت بين البابين فإنهم نقلوا في مسألة الحرة جواز نكاح الأمة مطلقةً إلا عن المتولي وعن الإِمام فيها تفصيل، وذكر صاحب الكافي أنه لو وجد الرقبة بأكثر من ثمن المثل، وكان ثمنها خارجاً عن أوساط الرقاب لا يلزمه الشراء.
انتهى.
وينبغي أن يحمل كلام البغوي على هذه الصورة الثانية وهو أنه لا يلزمه شراء رقبة ثمينة وإن كان ثمن مثلها وهو واجدٌ له لما فيه من الإجحاف كجارية حسناء تباع بألوف.
الثاني: ليس المراد أن وجودها بالثمن الغالي يبيح الصوم بل عليه الصبر إلى وجودها بثمن المثل.
صرح به الماوردي في كتاب التيمم واقتضاه كلام غيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 317
بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ العِتْقُ (وح) * وَلَوْ تَكَلَّفَ المُعْسِرُ الإعْتَاقَ جَازَ عَلَى قَوْلٍ* وَالعَبْدُ إِذَا عَتَقَ فَأيْسَرَ قَبْلَ الصَّوْمِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإعْتَاقُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهيْنِ* وَالعَبْدُ لاَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ عَلَى الجَدِيدِ* فَلاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الإعْتَاقِ وَالإِطْعَامُ* وَلاَ يَصُومُ العَبْدُ إِلاَّ برِضَا السَّيِّدِ إِلاَّ إِذَا كانَ قَدْ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِهِ* وَإِنْ حَلَفَ بِإذْنِهِ وَحَنَثَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِالصَّوْمِ* وَإِنْ كَانَ بِالعَكْسِ فَوَجْهَانِ* وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ فَهُوَ كَالأَحْرَارِ (ح).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: تبينَّ أن المُوسِر المتمكِّن من الإعتاق يُعْتِق، ومن يتعسّر عليه الإعتاق، يُكَفِّر بالصوم؛ إذ الاعتبار بحالة الوجُوب؛ لأن الكفَّارة نَوْعُ تَطَهُّرِ يختلف حاله بالرِّق والحرية، فيُنْظَر فيه إلى حالة الُوجُوب كالحَدِّ، وأنه لو زَنَا، وهو رقيق، ثم عَتَقَ أو بِكْرٌ ثم صار محْصنًا يقام علَيْه الأرِقَّاء والأبكار.
والأصح، وبه قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله-: أن الاعتبار بحَالَةِ الأداء؛ لأنَّ خصَالَ الكفَّارة عباداتٌ، فيراعى فيها حالة الأداء، كما في الوُضُوء، والتيمم، فإن النظر في القُدْرة على استعمال الماء والعَجْز عنه إلى حالة الأداء، وكما في الصلاة، فإن النَّظَر في القُدْرة على القيام والعَجْز عنه إلى حالة الأداء، حتَّى لو عَجَز عن القيام عِنْد الوجوب، وقدر عند الأداء، يُصَلِّي صلاة القادرين، ولو انعكس الحالُ، انعكس الحُكْم، وعبَّر مُعَبِّرون عن الغَرَض بأن القولَيْن مبنيان على أن المُغَلَّب في الكفَّارة شوائبُ العُقُوبات أو شوائب العبادات؟ إن قلْنا بالأول، اعتبرنا حالَة الوجوب، وإن قلنا بالثاني، فحالة الأداء.
والثالث المُخَرَّج: أنه يعتبر الحالة الَّتي هي أغْلَظُ؛ لأنه حقٌّ يجب في الذمَّة بوجود المال، فيراعى أغلظ الأحوال، كالحَجِّ؛ فإنه يجب متى تحقَّق اليسار، وهاهنا كلامان:
أحدُهما: قال الإِمام -رحمة الله عليه-: إذا قلْنا: إن الاعتبار بحالَةِ الأداء، ففي التعبير عن الواجب قبْل الأداء غموض، ولا يتجه إلاَّ أن يقال: الواجب أصْلُ الكفَّارة، ولا تُوصَف خصلة على التعيين بالوجوب، كما يقول بوجوب كفارة اليمين على المُوسِر من غير تعيين خَصْلة أو يقال: يجب ما يقتضيه حالُ الوُجُوب، ثم إذا تَبدَّل الحال، تَبدَّل الواجب، كما أنه يَجب عَلَى القَادر صلاة القادرين، ثم إذا عَجَز تبدَّلت صفةُ الصَّلاة.
والثاني: اختلفوا في التعبير عن القول المخرَّج، فقال بعضهم: يعتبر الأغلظ منْ حَالَتَي الوجوب والأداء، وربما أشعر كلاَمُهم بقَطْع النَّظَر عن الحالات المتقلّلة بينهما، بل صرَّح الإِمام -رحمه الله- بأنه لو كان مُعْسِرًا في الحالتين، وتخلَّلت بينهما حالةُ يَسَارٍ، لم تعتبر تلك الحالة، وأشار إلى اتفاق الأصحاب -رحمهم الله-، وقال: السَّبب
الجزء: 9 - الصفحة: 318
فيه أن الوُجُوب مضاف إلى الوقْت، والمعنى الذي هو مَنَاطُ الكفَّارة، ووقت الأداء منتظر، فلا يتبدَّل الوجوب من غَيْر تقدير الأداء.
وقال الأكثرون، منهم القاضي أبو الطيِّب وصاحب "التهذيب": يُعْتَبَر أغْلظُ حالة من وقْت الوجوب إلى الأداء، حتى لو كان معسراً من وقت الوجوب إلى الأداء وأيسر في وقْت ما كان واجِبُهُ الإعتاقَ؛ أخْذاً بالاحتياط.
ولنَعُدْ إلى التفريع؛ إنْ قلْنا: الاعتبار بحالة الوجوب، فلو كان موسرًا يوم الوجوب، ففرضه الإعتاق، وإن أعسر من بَعْدُ، واستحب الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن يصوم ليكون آتياً ببعض أنواع الكفَّارة إن اخترمته المنية وإن كان معسراً يومئذ ففرضه الصيام، ولا يلزمه الإعتاق، وإن أيسر من بعْدُ، [إذا أعسر قبل التكفير] لكنه يجزئه؛ لأن الإعتاق واقعٌ في الرتبة العُلْيَا، فإذا أجزأه الأدْنَى، فَلأَنْ يُجْزِئَهُ الأعْلَى، كان أولى، وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حَكَى وجهاً أنه لا يجزئه إلاَّ الصَّوم؛ لتعينه في ذمته 84، وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فإن كان موسرًا يومئذ، ففرضه الإعتاق، وإن كان معسرا من قَبْلُ، وإن كان معسرًا، ففرضه الصوم، وإن اعتبرنا الأغلظ، فإن كان موسرًا عند الوجوب أو الأداء، فعليه الإعتاق، وإن كان مُعْسرًا في الحالتين 85، وأيسر بينهما، فعلى القولَيْن الأوَّلَيْن، فَرْضُهُ الصَّوْم، ولو أعتق، كان أحبَّ، وكذا الحُكْم على القول الثالث في رواية بعضْهم، وعَلَى ما ذكره الأكثرون: الفَرْض الإعتاق، وإذا كان موسرًا في حالَتَي الوجوب والأداء، وكان معسرًا بينهما، ففرضه الإعتاق على جَمِيع الأقوال، ولو تكلَّف المعْسِرُ الإعتاقَ باستقراض وغَيْره، أجزأه؛ لأنه رَقَى إلى الرتبة العُلْيا، وعن رواية صاحب "التقريب" وجْه أنه لا يجزئه، وقَدْ سبَقَ نظيره، وهذا بعيدٌ عند الأئمة -رحمهم الله-، وقالوا: لو أعتق العَبْد بعْد وجوب الكفَّارة عليه، وأيسر قبل التكفير، هل يجزئه الإعتاق؟ فيه وجهان قريبان، ويقال قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَكُنْ أهلاً للإعتاق يوم وجوب الكفَّارة؛ بناءً على أن العَبْد لا يَمْلِك.
وأصحهما: نعم، وهو المذكور في "التتمة"؛ لأن الإعتاق في الرتبة 86 العليا، وهذا إذا اعتبرنا حالَةَ الوجوب، أما إذا اعتبرنا حالة الأداء، فهل يلْزَمُه الإعتاق؛ فيه وجهان، أو قولان:
أظهرهما، وبه أجاب إبراهيم المروزيّ وصاحب "التهذيب": -رحمهما الله- نَعَم، كما لو كان معسرًا حينئذ، فأيْسَرَ.
الجزء: 9 - الصفحة: 319
والثاني، وهو الجواب في "الشامل": أنه لا يَلْزم؛ لأنه لم يكُنْ من أهل الإعتاق يوْمَئِذٍ.
ولو شرع 87 المعسر في الصوم، ثم أيسر، كان له المُضِيُّ في الصيام، ولم يلزمْه الإعتاق، ولو أعتق، كان أحَبَّ، ووقع ما مَضَى من الصوم تَطَوُّعاً، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه الانتقال إلى العِتْق، وعن رواية الشيخ أبي محمَّد مثله.
واحتج الأصحاب للمَذْهب بأنَّه قَدَر على المبدل بعْد الشروع في صوم البَدَل، فلا يَلْزَمه الرُّجُوع إلى المُبْدل، كما لو وجد الهَدْي بعْد الشروع في صوم السبْعة، ولو أيْسَر بعْد ما فَرَغَ من الصوم، لا يلزمه الرجوع إلى العِتْق بلا خلاف، ولو كان وقْتَ الوُجُوبِ عاجزًا عن الإعتاق والصوم، فأيسر قبل التكفير، فإن اعتبرنا حالَةَ الوجُوب، ففَرْضُهُ الإطعام، وإن قلنا بأحد القولين الآخرين، فعليه الإعتاق.
وقوله في الكتاب "والاعتبار في اليَسَار والإعْسَار بوقت الوجوب" فيعلم بالحاء والميم وقولها "وبوقت الأداء" بالألف، ويجوز أن يُعْلم القول الثالث بها 88 جميعاً.
وقوله "وإذا اعتبرنا وقْت الوجوب" هكذا أجده في النسخ، والحكم المعلَّق به صحيحٌ في نفسه، لكنه أوْضَحُ من أن يحتاج إلى ذِكْره، ولو كان مكانه، "وإذا اعتبرنا وقْت الأداء" كان أقوم، وليعلم أن حالة الأداء، إنَّما تُعْتبر إذا أيْسَر قبْل الخَوْض في الصوم، وأنه لا أثر له بعْد الخوض، وهكذا هو في "النهاية" و"الوسيط" على أن جواز المضيِّ في الصوم، وعدم وجوب الانتقال إلى العِتْق، لا يختص ببَعْض الأقوال 89، بل هو جارٍ على الأقوال عنْدنا؛ فلا حاجَةَ إلى تخصيص التفريع ببَعْضِها وكذلك لو أطعم بعض المساكين، ثم قَدَرَ عَلَى الصوم، لا يَلْزَمُه العُدُول إلى الصَّوْم.
المسألة الثانية: العَبْد لا يملك بتمليك غيْر السيد، وهل يملك بتمليك السيد؟ فيه قولان، سبق ذكرهما، والجديد 90 المنع، وإذا لم يَمْلِك، فلا يُتصوَّر منه التكفير بالإعتاق والإطعام، وإن قلنا: إنه يَمْلك [بتمليك] 91 السيد، فلو مَلَّكه طعاماً لِيُكَفِّر به أو كسوة، لِيُكَفِّر بها في كفَّارة اليمين، جاز، وعليه التكفير بما ملَّكه وإن ملّكه عبداً؛ ليعتقه، لم يجز؛ لأن العِتْق يَسْتَعْقب الولاء، ولا يمكن إثبات الولاء للعبد، هذا هو
الجزء: 9 - الصفحة: 320
الظاهر المشهور، وعن صاحب "التقريب" أنه يصحُّ إعتاقه، ويثبت له لولاء، وعن القَفَّال تخريجُ قول إن إعتاقه يُجْزئ عن كفارته، والولاء موقوفٌ إن عَتَقَ، فهو له، وإن دام رقه، فلسيده، وأما تكفيره بالصَّوْم، فإن جرى ما تتعلَّق به الكفَّارة بغَيْر إذن السيد كما إذا حَلَف وحَنِث بغَيْر إذنه، فلا يَصُوم إلا بإذْنه، ولو تبرَّع دُون إذْنِه، كان له تحليله، كما لو أحرم بالحج بغير إذنه، وقال أحمد -رحمه الله-: ليس له تحليله، وإن جرى بالإذْن كما إذا حَلَف وحنِثَ بإذنه، فيصوم، ولا يحتاج إلى إذْن السيد، وإن حَلَفَ بإذنه وَحنِثَ بغَيْر إذنه، فوجهان:
أحدهما: أنَّ له أنْ يصوم بغَيْر إذنه؛ لأن الإذْن في الحَلِف إذْنٌ فيما يتعلَّق به، ويترتَّب عليه، كما أنَّ الإذْن في النكاح إذْنٌ فيما يتعلَّق به من اكتساب المَهْر والنفقة، وهذا ما رجَّحه في "التهذيب".
وأصحُّهما عند الأكثرين، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يستقل بالصَّوْم؛ لأن لزوم الكفَّارة لا يلازم اليمين، [بل اليمين] 92 مانعةٌ من الحِنْث، فالإذن فيها لا يكون إذناً في التكفير، وإن حَلَف بغير إذنه وحَنِثَ بإذنه، ففيه طريقان:
أحدهما، وهو الذي أورده في الكتاب: أن فيه وَجْهَيْن:
أحدهما: أنه لا يَصُوم إلا بإذنه؛ لأن الحَلِفَ هو السبب الأول، ولم يأْذن السيد فيه، وإنما العَبْد ورَّطَ نفْسه فيه.
والثاني: له أن يصُوم بغَيْر إذن السيد؛ لأن الحنث يستعقب الكفَّارة، فالإذن فيه إذنٌ في التكفير، كما أن الإذن في الإحرام بالحَجِّ يكون إذنًا في الأفعال.
والطريق الثاني: القطع بالوجه الثَّاني، وهو الأظهر على طريقة إثْبات الخِلاَف وحيث قلنا: يَصُومُ بغير إذن السيد، فلا يختلف الحَالُ بَيْن أن يكون النهار طويلاً أو قصيراً، شديدَ الحَرِّ أو غيره، وإذا قلْنا: لا بُدَّ من الإذْن، فذلك في الصوم الذي يورث ضَعْفًا من شدة الحر، وطول النهار، فإن لم يكُنْ كذلك، فهل يحتاج إلى الإذْن؟ فيه خلاف نذكره -إن شاء الله تعالى- في باب الأيمان، والظاهرُ، وبه أجاب هناك: أنه ليْس له المنع، والمُراد ممَّا أطْلَقَه هاهنا ما إذا أوْرَثَ الصَّومُ ضُعْفًا، قال الأئمة: وإنما اعتبر إذْن السيد، وإن كان الصوم واجباً؛ لأن صَوْم الكفَّارة على التَّرَاخِي، وحقُّ السيد على الفَوْر بخلاف صَوْم رمضان، هذا ما يتعلَّق بكفَّارة اليمين، قال في "الوسيط": ومنْعُه من صوم الظهار غَيْر مُمْكِنٍ؛ لِمَا فيه من الإضرار بالعَبْد باستمرار التحريم 93.
الجزء: 9 - الصفحة: 321
ومَنْ بَعْضه حُرٌّ وبعْضُه رقيقٌ كالحرِّ في التكفير بالمال، على ظاهر المَذْهب، والمسألة معتادةٌ في كتاب الأَيْمان، ونَذْكرها هناك مع زيادات فيما يتعلَّق بكفارة العَبْد، إنْ وفَّق الله تعالى.
وقوله في الكتاب "والعبد لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ على الجديد" هذا وقد ذكره في باب معاملة العبيد، والغَرَض من إعادته هاهنا بيانُ أنَّه لا يُتصوَّر منه الإعتاق والإطعام؛ تفريعًا عليه، ويجوز أن يُعْلَم بالميم والألف؛ لِمَا سبَقَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا حُكْمُ الصَّوْمِ فَهُوَ أنَّهُ تَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الكَفَّارَةِ بِاللَّيْلِ* وَلاَ يَجِبُ (ح) تَعْيِينُ جِهَةِ الكَفَّارَةِ* وَهَلْ تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ* وَإِذَا مَاتَ لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ عَلَى الجَدِيدِ* وَيَصُومُ شَهْرَيْنِ بِالأَهُلَّةِ* فَإِنِ انْكَسَرَ الشَّهْرُ الأَوَّلُ صَامَ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ بِالهِلاَلِ (ح) وَتَمَّمَ المُنْكَسِرَ ثَلاَثِينَ* وَلاَ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِوَطْءِ المُظَاهِرِ لَيْلاً وَلَكِنْ يَمْضِي* ويَنْقَطِعُ بِإفْسَادِهِ يَوْمًا وَلَوْ كَانَ الَيوْمَ الأَخِيرَ فَيَجِبُ الاسْتِئْنَافُ* وَالحَيْضُ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ* وَفِي المَرَضِ قَوْلاَنِ* وَفِي السَّفَرِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلى بِأنْ يَقْطَعَ* وَنِسْيَانُ النِّيَّةِ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ* وَلَوْ أَفْطَرَتْ عَلَى عَزْمِ أَنْ تَسْتَأْنِفَ بَعْدَ زَوَالِ الحَيْضِ الَّذِي لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فَالظَّاهِرُ أنَّهَا لاَ تَعْصَى بِإسْقَاطِ وَصْفِ الفَرِيضَةِ مِنَ الصَّوْمِ السَّابِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غَرضَ الفَصْل بيانُ حُكْم الصوم، إذا كَفَّر به، وفيه مسائل:
أحدُها: يجب أن ينوي صَوْم الكفَّارة من الليل؛ كصوم رمضان، ولا بُدَّ لصوم كلِّ يوم من نية، وعن مالك: يكفي نيَّة صوم الشهر في الليلة الأُولَى، ولا بد، وأن ينوي كَونَه عن الكفَّارة، ولا يجب تعْيِينُ الجهة، وهذا قد سبَقَ ذكْره في أوَّل الكتاب، ولا فَرْق فيه بين الصَّوْم وغيره من الخِصَال، وفي اشتراط نية التتابع وجهان:
أحدهما: الاشتراط؛ ليكون متعرِّضًا لخاصَّة هذا الصوم، وشبه أيضاً بالجَمْع بين الصلاتين؛ لما فيه من ضَمَّ بعض العبادات إلى بَعْض.
وأصحُّهما: المَنْع؛ لأن التتابعَ هيئة مشروطة في هذه العبادة، ولا يجبُ في العبادات التعرُّض للهيئات والشرائط وتخصيصها بالنية، وإذا قِيلَ بالأول، فيَكْفِى بنية التتابع بني الليلة الأولى؛ لحصول التمييز أم يجب التعرض له في كل ليلة كسائر مَا يَجِبُ التعرُّض له في النية؟ فيه وجهان.
وإذا مَاتَ، وفي ذِمَّته صوْم كفارة، فهَلْ يصوم الوَلِيُّ عنْه؟ فيه قولان: الجديد المَنْع، وقد سَبَق ذكرهما في كتاب الصوم، وأعادهما في الوصيَّة، وهذه مرةٌ ثالثةٌ.
الجزء: 9 - الصفحة: 322
وفي "التجْربة" 94 للقاضي الرُّويانيُّ: أنه لو نَوَى الصَّوْم باللَّيْل قَبْل طَلَب الرقبة، ثم طلبها بالليل فلم يَجِدْها, لم يُجْزِئه صومه إلا أن يُجَدِّد النية بعْد الفِقْدَان؛ لأن تلْك النيَّة تقدَّمت على وقْت جواز الصوم.
الثانية: إذا ابتدأ بالصَّوْم لأول شَهْر هلاليٍّ، صام شهرين بالأهلة على ما يَتَّفِق لهما 95 منْ كمالٍ أو نقصانٍ، وإذا ابتدأ به في خِلاَل الشَّهْر، وهو المراد من قوله "فإن انكسر الشَّهْر" فيصوم ما بَقِيَ من الشهر، ويصوم الذي بعده بالهلال، ثُمَّ يكَمِّل الباقي بالعدد؛ مثاله: مَضَى مِنَ المُحرَّم عشرة أيام، يصوم الباقي منْه، ويصوم صَفَرًا بِالهلال، ويصوم عَشَرة أيَّام من ربيع إن كان المُحرَّم كاملاً، وأحَدَ عَشَر إن كان ناقصاً.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا انْكَسَر شَهْر بطل اعتبار الأهِلَّة، وصار المرعيُّ العَدَدَ، قال الإِمام: وقد مال إليه بعض الأصحاب، ونظير المسألة قد مَرَّ في السَّلَمِ والطلاق وغيرهما، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب "صام أحد الشهرين بالهلال" مع الحاء بالواو.
الثالثة: يجب التتابع في صوم الشهرَيْن بنص القرآن، ولو وطئ المظاهَرَ عنها ليلاً قبل تمام الشهرين، عَصَى بتقديم 96 الوطء على تمام التكفير، ولكن لا يَنْقَطع به التتابع، ولا يجب استئناف الشهْرَيْن، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، واحتج الشَّافعيُّ -رحمه الله - رضي الله عنه- بأنَّا لو أوجَبْنا الاستئناف، لوقع صَوْم الشهرين بعد التَّمَاسِّ، ولو لم نوجبه، كان بعض الشهرين قبل التَّمَاسِّ، وهذا أقرب إلى ما هو مأمُورٌ به من الأول، واحتج الأصحاب بأنه جِمَاع لا يؤثر في الصَّوْم، فلا يقْطَع التتابع، كالأكل بالليل، وجماع غَيْر المُظَاهَر عنها، وإذا فَسَدَ صوْم يومٍ، انقطع التتابع وإن فُرضَ ذلك في اليوم الأخير، ووجب استئناف الشهرَيْن وما مضى يحكم بفساده أو يَنْقَلِبُ نفلاً؟ فيه القولان المذكوران فيما إذا نَوَى الظُّهْر قبل الزوال ونظائره، والحيض لا يقطع التتابع في صوم المرأة عن كفَّارة القتل، والوِقَاع في نهار
الجزء: 9 - الصفحة: 323
رمضان، إن ألزمت 97 كفرة الوقاع بل تبنى إذا طَهُرت؛ لأن ذات الأقراء لا تخلو عن الحَيْض في الشهرين غالباً، والتأخير إلى سِنِّ اليأس مُخَطِّر، والنِّفَاس ملْحق بالحَيْض كما في سَائِرِ الأحْكَام كذلك، حكاه صاحب "التهذيب" وغيره، ونقل أبو الفَرج السرخسيُّ وجْهًا آخر أنه يقطع التتابع؛ لنُدْرته، وإذا أفْطَرَ المُكفِّر تعذر المرض، فهل ينقطع به التتابع؟ فيه قولان:
أصحُّهما، وهو الجديد: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ المرض لا ينافي الصَّوم، وإنما خرج عن الصوم بِفِعْله بخلاف الحيض.
والثاني، وبه قال مالك وأحمد، واختاره المزنيُّ: أنه لا ينقطع؛ لأنه أفْطَرَ لما لا يتعلَّق بالاختيار، فيعذر كالحائض، وإذا بطل الصوم بالاغماء، فمنهم من جَعَله كالإفطار بالمرض، ومنهم من ألحقه بالجُنُون، وهو الأشبه، وفي الجنون طريقان:
أحدهما: طرد القولين فيه.
والثاني: القطع بأنه لا يَقْطَع التتابع؛ لعدم الاختيار، ولمنافاته الصوم، كالحيض، قاله في "التتمة"، وهو الصحيح، ولو أفطر بعُذْر السَّفر، فطريقان: أنه على القولين في المرض، وثانيهما القَطْع بانقطاع التتابع؛ لأن السفر يتعلَّق باختياره وانشائه، وقوله في الكتاب: "وفي السَّفَرٍ قوْلاَنِ مرتَّبان" إلى آخره، يُشِير إلى الطريقين 98، ولو أفطرت الحامل أو المُرْضِع، خَوْفًا على الولد، ففي طريقٍ: هو إفطارٌ بعُذْر؛ فيكون على القولين في المَرَض، وفي طريق: ينقطع التتابع لا محالة؛ لأنهما يفطران لغيرهما، بخلاف المريض؛ ولهذا فارقتا المريض في لزوم الفدْية في رمضان.
ونسيان النية في بعض الليالي بقَطْع التتابع؛ كترك النية عمداً، ولا يجعل النسيان عُذْراً في ترك المأمورات 99، قال الإِمام ولذلك مَنْ نَسِيَ النِّيَّة في رمَضَان، لزمه 100 إمساك بقيَّة اليوم على الأصح كما لو تعمَّد الترك.
الجزء: 9 - الصفحة: 324
وإذا أكْرِهَ على الأكْل، فأكل، وقلنا: يبطل 101، صومه، انقطع التتابع؛ لأنه سببٌ نادرٌ، هذا هو المشهور في الصورتَيْن، وجعَلَهُما القاضي ابن كج على الخِلاَف في المرض، وذكر أنه لو استنشق فوصل الماء إلى دماغه، وقلنا ببطلان صومه، فانقطاع التتابع 102 على الخلاف.
ولو ابتدأ بصَوْم الشهرين في وقْت يدخل عليه رمضان قَبْلَ تَمَامِ الشهْرَيْن أو يدخل يوم النَّحْر لم يُعْتَدُّ بصومه عن الكفَّارة؛ لإنشائه في وقْت يَتعذَّر فيه الوفاء بالتتابع، قال الإِمام: ويَعود القولان في أنَّه هل ينعقد نفْلاً؟ فهذا مضى رمضان ويوم العيد، اعْتُدَّ بما بَعْد ذلك, وكذا إذا مَضَى يوم النحر وأيام التشريق [إلا إذا قلْنا: إنَّ أيَّام التشْريق] تقْبَل الصوم الَّذي له سَبَبٌ تفريعًا على أن للمتمتِّع أن يصومها؛ فيكون الاعتداد من أول أيام التشريق، ولا يجوز أن يصوم رمضانَ عن الكفَّارة؛ لأن زمانَ رَمَضان متعيِّنٌ لغيرها، وإذا [نوى الصيام] عن الكفَّارة، لم يُجْزه عن رمضان؛ لأنه لم يَنْوه، ولو نواهما، لم يُجْزِه عنْهما، وحكى القاضِي أبو الطيِّب في "المُجَرَّد" عن أبي عُبَيْد بن حربويه إجزاءه عنْهما، وغلَّطه فيه، وفي كتاب القاضي ابن كج أنَّ الأسير إذا صام عن الكفَّارة بالاجتهاد، فغلط فجاء رمضان أو يومُ النَّحْر قبل تمام الشهرين، فانقَطَاعُ التتابع على الخلاف في الإفطار بالمرض.
وإذا أوجَبْنا التتابع في كفَّارة اليمين، فحاضَتْ في خلال الأيَّام الثلاثة، فقد قيل: هو كالإفطار بالمرض في الشَّهْرين، بخلاف الحيض في الشهْرَيْن؛ لأن الغالب اشتمالهما على الحيض، ويُشْبِه أن يكون فيه طريقةٌ قاطعةٌ بانقطاع التتابع؛ لأن إيقاع الثلاثة في الوقْت الَّذي لا يطرأ الحَيْض فيه مُتَيَسِّر.
وإذا شَرَع في صوم الشهرَيْن، ثم بَدَا له أن لا يُتِمَّ، ويستأنف بعد ذلك، فقد ذكروا في جوازه احتمالين:
أحدهما: يجوز، كما يجوز تأخيره في الابتداء، وليس في الامتناع من الإتمام إبطالُ عبادةٍ، فإنَّ صوْمُ كلِّ يَوْمٍ عبادةٌ مستقلةٌ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه تبطل صفَةُ الفرضية، والوقوع عن الكفَّارة فيما مَضَى،
الجزء: 9 - الصفحة: 325
ولو عرض ما لا يبطل التتابع في خلال الشهرين؛ كالحيض وأرادَتِ الحائض ترْك الصوم بعد زوال الحيض، واستئْنَافَ الشهرين بَعْد ذلك، ففيه الاحتمالان، وهذه الصورة هي التي ذَكَرها في الكتاب، وفي "الوسيط" والحُكْم فيها وفي التَّرْك من غير أن يعرض عُذْرٌ واحدٌ، ولو عَمَّمَ وقال: الحائض في صوم الشهرين لو تركَتْه من غير عذر على عَزْم أن تبتدئ شهرَيْنِ بعْده، هل له ذلك؟ فيه خلافٌ لجاز أو كان أولى، وكذلك أورد الإِمام، وصاحب الكتاب في "البسيط" ثُمَّ في المسألة كلمتان:
إحداهما: صوَّر الإِمام فيما إذا لم ينو صوْمَ الغَدِ، وقال: الإفطار في اليوم الذي شَرَع فيه، يبعد التسليط عليه؛ لِمَا فيه من إبطال العِبَادة، وصاحب الكتاب أطْلَقَ لفْظ الإفطار فقال: "ولو أفطَرَتْ على عَزْمِ أن تستأنف"، فيمكن أن يترك، ويُحْمل على ما قاله الإِمام، ويجوز أن يقال: إذا كان تَرْكَ الصوم يبطل صفة الفرضية عَمَّا سبق، ويجعله نفْلاً، فكذلك الإفطار في خِلاَل اليوم يجعله نفلاً، والنَّفْل يجوز الخروج منه.
وقوله "بَعْد زوال الحيض" متعلِّق بقوله "أفطرت"، وفي بعض النسخ "بعد زوال العذر" وهما قريبان.
والثانية: الأظْهَرُ من الاحتمالين عند صاحب الكتاب جوازُ الترك واستئناف الشهرين، وقال القاضي الرُّويانيُّ: والذي يقتضيه قياس المذهب أنَّه لا يجوز؛ لأن صوم الشهرين عبادةٌ واحدةٌ كصوم يَوْمٍ واحدٍ، فيكون قطعه كقطع فريضة شَرَع فيها، وأنه غير جائز، وهذا حسن والله أعلم -بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَصْلَة
ُ الثَّالِثَةُ: الإِطْعَامُ)
وَهوَ سِتُّونَ مُدًّا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالقَتْلِ وَالوِقَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَدَلاً عَنْ صَوْمِ سِتِّينَ يَوْمًا* وَيُصْرَفُ إِلَى سَتِّينَ مَسْكِينًا* وَلاَ يَكْفِي الصَّرْفُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا* وَجِنسُهُ كجِنسِ زَكَاةَ الفِطرِ * وَيجِبُ فِيهِ التملِيكُ، وَلاَ يجزِئُ التغذِيَةُ (ح) وَالتعشِيَةُ * وَلاَ يُعْدَل إِلَيْهِ إِلاَّ بِعُذْرِ الهَرَمِ أَوِ المَرَضِ الَّذِي يَدُومُ شَهْرَيْنِ* وَأَمَّا الشَبَقُ (و) فَلاَ يُرَخِّصُ في تَرْكِ الصَّوْمِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] والكلام في هذه الخصلة يقع في فُصُول:
أحدها: في قَدْر الطعام، وهو في كفارة الظهار والوقاع في نهار رمضان وكذا في كفارة القتل إن أوجبنا فيه الإطْعام ستُّون مدًا لستين مسكيناً بدلاً عن صوم ستين يوماً، والاعتبار بمُدِّ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رطل وثُلُثٌ، [بالبغدادي] وذلك رُبُعُ صَاعٍ، فالصاع أربعة أمدادٍ على ما سَبَق، ولا يختلف [ذلك باختلاف] 103 جنس المُخْرَج، وقد قَدَّمنا أن
الجزء: 9 - الصفحة: 326
عنْد أبي حنيفة المُدُّ رطلان، والصاع ثمانية أرطالٍ؛ أربعة أمناء وأمداد ووظيفة كلِّ مسكين إن أخرج البُرَّ نصْفُ صَاعٍ مُدَّان، ومن التمر والشَّعير صاعٌ أربعةُ أمْدَادٍ، وعنه في الزبيب روايتان، وقال مالك: الاعتبار في كفَّارة الظِّهار بِمُدِّ هشام بن عبد الملك بن مروان، وهو أزيد من مُدِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قِيلَ: هو مدَّانِ بِمُدِّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل: هو مدٌّ ونصْفٌ، وقيل: مد وثُلُثٌ، وساعَدَنا في غير كفارة الظهار، وقال أحمد: لكلِّ مسكينٍ منَ البُرِّ مُدٌّ، ومن الشعير والتمْرِ مُدَّان، واحتج أصحابنا بِمَا رُوِيَ في حديث الأعرابيِّ الذي جامَعَ في نهار رمَضَان أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فِيهِ خمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَال: خُذْ هَذَا، وَأَطْعِمْ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، وهذا المبلغ إذا قُسِّمَ على ستين، كان لكلِّ واحدٍ منْهم مُدٌّ لا صَاعٌ، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "وهو ستون مداً" بالحاء؛ لأن الواجب عنده من البر مائةٌ وعشْرُون مُدًّا، ومن غيره سِتُّونَ صَاعًا، وبالألف؛ لأن عنده الواجب من غير البُرِّ مائةٌ وعِشْرون مُدًّا, ولاَ ينبغي أن يُعْلَم بالميم، فإنه لم يخالف في عدد المد، وإنما الخلاف في قَدْر المد، وأعلم قوله "والقتل" بالواو؛ لخلافٍ سيأتي في كفَّارة القتل في أن الإطْعَام هل له مدخل فيها؛ وأعلم أنَّ في قَدْر الكفَّارة والفَطْرة 104 ونحوهما نَوْعُ إشكالٍ؛ وذلك لأن الصيدلانيَّ وغَيْره [من الأئمة] 105 ذكروا في أن الاعتبار في ذلك بالكيل دُون الوَزْن، وأرادوا به أن المِقْدار الذي يَحْويه الصَّاع يَخْتلف وزْنُه باختلاف جنْس المَكِيلِ 106 ثِقلاً وخفةً، فالبر أثْقَلُ من الشعير، وأنواع البُرِّ أيضاً قد تختلف أوزانِّهَا، فالواجب الَّذي يحويه المكْيل بالغًا وزنه ما بلغ، وذكر بعضهم أن الذي قيل في وزن الصالح على ما قدَّمنا في زكاة الفطر، كأنّه اعتبر فيه البُرَّ أو التمر، وقضية هذا الكلام أن يجزئ من الشعير ما هو دُونَ ذلك المِقدار في الوزن، إذا كان يَمْلأُ الصَّاع، لكن اشتهر عن أبي [عُبَيْد] القاسم بن سَلاَّم [ثم] عن ابن سُرَيْج أن دِرْهم الشَّرِيعَة خمسون حَبَّةً وخُمْسَا حَبَّةٍ ويُسَمَّى ذلك درْهَمَ الكيل؛ لأن الرَّطْل الشرعيَّ منه يُرَكَّب، ويركب من الرَّطْلِ المُدُّ، ومن المد الصَّاعُ، وذكر الفقيه أبو محمَّدٍ عبْدُ الحَقِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ بْنِ عطيَّةَ أنَّ الحَبَّة التي يتركَّب منها الدرْهَم هي حبَّة الشعير المتوسِّطة الَّتي لم تُقَشَّر، وقُطِعَ من طرفَيْها ما امْتَدَّ، وقضيَّة هذا أن يحوي الصالح هذا المقدار من الشعير، وحينئذ، فإن اعتبر الوزن، لَمْ يملأ البر بهذا الوَزْنِ الصَّاعَ، ولم ينتظم القول بأن الوَاجِبَ ما يحويه المِكْيَال، وإن اعتبر الكيل، كان ما يجزئ من البُرِّ أكثر مما يجزئ من الشعير 107 بالوزن والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 327
الفصل الثاني: في المصروف إليه، وهو ستون مسكيناً، ولا يجزئ الصرْفُ إلى واحِدٍ في ستِّين يوماً، ولا يجْزئ الصَّرْف إلَيْه دفْعةً واحدةً، واختلف الرُّويانيُّ في الصَّرْف في يوم واحدٍ لستِّين دفْعَةً، واحتج الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- بأن قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] يشتمل على وَصْف، وهو المَسْكَنَة، وعلى عَدَدٍ وهوَ السِّتُّون، فكما لا يجوز الإخلال بالوصف، لا يجوز الإخلال بالعَدَد، كما أن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فيه تعرُّضٌ لوصفٍ وعَدَدٍ وكما لا يجوز الإخلال بالوصف، لا يجوز الإخلال بالعَدَد، حتى لا تَكُونَ شَهادةٌ واحدةٌ كشهادةِ اثنين.
ولو جمع ستين مسكيناً، ووَضَع بيْن أيديهم سِتِّين مُدّاً، وقال: مَلَّكْتُكم هذا، وأطْلَق أو قال بالسَّويَّة، فقَبِلُوه، جاز وقال الإصْطخريُّ: لا يجوز 108؛ لأن علَيْهم مُؤْنَةَ القِسْمَة، فأشبه ما لو دفع إليهم سنابل، والمذهب الأول، وهذه المؤنة خفيفة، ولو قال: خذوا، ونوى الكفَّارة، فإن أخذوا بالسوية، أجزاه، وإن أخذوا على التفاوت، لم يجزئه إلا واحدٌ، لأنَّا بَتَيَقَّنُ أن أحدَهُمْ أخَذَ مُدّاً، فإن تُيُقَّنَ أن عَشَرة أو عشرين منْهم قَدْ أخَذَ كلُّ واحد منهم مُدّاً، أجزأه ذلك القَدْر، وتدارك الباقي، ولو صَرَف الستين إلى ثَلاَثِين مسْكيناً أجْزأه منها ثَلاثُونَ مُدّاً، ويصرف إلى ثلاثين غَيْرهم ثلاثين مدّاً، ويستَرِدُّ الأمداد الزائِدَة من الأوَّلِينَ إن شَرَط كَوْنه كفَّارةً، وإلا لم يسترد، ولو صرف ستين مدًا إلى مائةٍ وعشرين، أجزأه من ذلك ثَلاثونُ مُدًّا، ويصرف ثلاثين مُدًّا إلى ستين منْهم يختارهم، فالاسترداد من الباقين على التفصيل المَذْكُور، ويجوز صَرْف الكفَّارة إلى الفقراء؛ فإنهم أشَدُّ حالاً من المَسَاكِين، ولا يجُوزُ صَرْف الكفَّارة إلى الكفار خِلافًا لأبي حنيفة في أهل الذِّمَّة، ولا إلى "الهاشِمِية" كالزكاة، ذكره صَاحِبُ "التهذيب" في فتاويه، ولا إلى من تَلْزَمُه نفقته؛ كالزَّوجة والْقَرِيب، ولا إلَى عبْد ولا مكاتَبٍ، خلافًا لأبي حنيفة في المُكَاتَب، ولو صرف إلى عبد بإذْن سيده، والسيِّد بصفةِ الاستحقاق، جاز؛ فإنه صَرْف إلى السَّيِّد وبغَيْر إذنه، يبنى على قَبُوله الوصية بغيْر إذن السَّيِّد، ويجوز أن يصرف [نصيب] 109 المجْنون إلى الولي، ولا يجوز أن يَنُقص المَصْروف إلى الصغير 110 عن المُدِّ، وإن كان يكْفيه اليسير، وعن الداركي: أن أبا إسحاق ذَكَر وجهاً: أنه إن كان الصَّغيرُ رضيعًا، لم يصح الصَّرْف له؛ لأن طعامه اللَّبَن دون الحَبِّ.
وحكى القاضي ابن كج فيما لو دَفَعه إلى الصَّغير، فبلَّغه الصغير وَلِيَّهُ 111.
الفصل الثالث: في جنْسِهِ، وجنْسُ الطعام المُخْرَج في الكفَّارة جنْس الفطرة، وفي
الجزء: 9 - الصفحة: 328
الأرز وجْه، نقله السرخسي: أنه لا يجزئ، وحكى القاضي ابن كج وجهاً: أنه لا يجزئ، إذا نحيت 112 عنه القِشْرة العليا؛ لأن ادخاره فيها، والظاهر الآخر.
ثم إن كان في القشْرة العليا، فيُخْرِج قَدْرَ ما يَعْلَم اشتماله على مُدٍّ من الحب، ولم يَجْرِ في الفطرة ذِكْرُ هذا الخلاف مع الأرز، وجرى ذكْر قول في العَدَس والحُمُّص، ويُشْبه أن يجيْء في كل بابٍ ما نقل في الآخر، وفي الأقط الخلافُ المَذْكور هناك، فإن قلنا بإجزائه، فيخص أهل البادية أم يعم الحَاضِر والبادي؟ وذكر القاضي ابن كج فيه وجهَيْن، وفي اللحم واللبن خلافٌ مرتَّبٌ على الأَقِطِ، وأولى بالمنع؛ لأنه لا يُدَّخَر، ثم يتعيَّن على المُكَفِّر من الأجناس المجزئة غالبُ قوت البلد 113، فإن كان الغَالِبُ ما لا يجزئ؛ كاللَّحم، إذا قلنا: إنه لا يُجْزئ، فيخرج من القوت الغالب في أقرب البلاد إلَيْه، وقال أبو عبيد بن حربويه -رحمه الله-: عليه الاعتبار بغالب قُوته على الخُصُوص، كما قاله في الفطرة، وقد ذكرنا في الفطرة وجهاً أو قولاً: أنَّه يَتَخيَّر بين الأجناس المجزئة، وهو جارٍ هاهنا؛ ألا تراهم يقولون: إذا تعيَّن قوتٌ، جاز إخْراج ما هو أعْلَى منه، وفي الأدنى خلافٌ، ويجوز الأدنى يختبر، ولا يجزئ الدقيق ولا السويق ولا الخبز، خلافاً لأبي حنيفة.
وعن أبي القاسم الأنماطيِّ: تجويز الدقيق كما قاله في الفِطْرة، وحكى القاضي أبو الطيِّب عنْه التجويز في السويق أيضاً، ونقل القاضي الرُّويانيُّ عنه إجزاء الخبز أيضاً، وروي مثل ذلك عن ابن أبي هريرة والصَّيْمَرِي واختاره لنفسه، وعن ابن خَيْران: أنه يجوز أن يُعطَى كل مسكين رطْلَيْ خُبز، وقليلَ أدَمٍ, والظاهر ما سبق ولا تُجْزئ الدراهم والدنانير؛ بدلاً، خلافاً لأبي حنيفة.
والرابع: طريق الصَّرْف إلى المستحقِّين، وهو التمليك والتسليط التام، فلا يكفي التغذية والتعشية، كما في الزكاة، وعند أبي حنيفة: تجزئ التغْذية والتعشية، قال في "التتمة": وإنما يظهر الخِلاَف في التَّمْر؛ فإن الخبز يجزئ عندنا بحالته 114 كما يجوز العُدُول من الصيام إلى الإطعام، فإذا عَجَز عن الصوم لِهَرَمٍ أو مرض، كان له العدول إلى الإطعام، وبمثله أجابوا فيما إذا لم يَعْجَز، ولكن كان يلْحَقُه من الصوم مشقةٌ شديدةٌ أو كان يَخَاف زيادةً في المرض، ثم لم يعتبر الإِمام وصاحب الكتاب في المَرَض أن لا يُرْجَى زواله، بل قالا 115: لو كان يدوم شهْرَيْن في غالب الظنِّ المستفاد من اطراد العادة
الجزء: 9 - الصفحة: 329
في مثْله أو [من] 116 مراجعة الأطباء، فله أن يَعْدِل إلى الإطعام، ولا ينتظر زواله؛ ليصوم بخلاف ما إذا كان مالُه غائبًا؛ حيث لا يجوز له الصيام، بل ينتظر وصول 117 المال؛ ليعتق، والفرق أن الله -تعالى- قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ولا يقال لمن يملك مالاً جمًّا غائبًا عنه: إنه غير واحد للرَّقبَة، وقال في الصيام: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ويقال للعاجز بالمرض الناجز: إنه غير مستطيع للصوم، وأيضاً، فوُصول المال يتعلَّق باختياره، والاختيار في مقدِّمات الشيْء، والسبب إليه، كالاختيار في نفسه، وزوالُ المرض لا يتعلَّق بالاختيار، وقضية كلام الأكثرين 118: أنه لا يَجُوز الإطعام بمثْل هذا المرض، بل يعتبر في المرض أن يكون بحَيْث لا يُرْجَى زواله، وصرح صاحب "التتمة" بتشبيه المَرَض عنْد رجاء الزوال بالمال الغائب، حتى لا يعدل بسببه إلى الإطعام في غير كفَّارة الظهار، وحتى يجيءْ في كفارة الظهار الخلافُ المذكور فيها في المال الغائب، فلْيُعْلَمْ؛ لذلك قوله في الكتاب "يدوم شهرين" بالواو.
فإن جوَّزنا العدول إلى الإطعام مع رجاء الزوال، فأطعم ثم زال، لم يلزمه العَوْد إلى الصيام، وإن اعتبر ألاَّ يكون المرض مَرْجُوَّ الزوال، فلو كانْ كذلك، ثم اتفق الزوال نادرًا، فيشبه أن يُلْحَق بما إذا أعتق عبْداً لا يرجى زوالُ مَرَضه، واتفق الزوال 119.
ولا يلحق السفر فيما نحن فيه بالمرض على الظاهر؛ لأنَّ المسافر مُسْتَطيع
الجزء: 9 - الصفحة: 330
للصوم، وفي "النهاية" عن القاضي الحسين وغيره: أنَّ السَّفَر الذي يُجَوِّز الإفطار في رمضان، يُجَوِّز العدول إلى الإطعام.
وفي جواز العدول إلى بدل الاطعام؛ لعذر الشَّبَق وغلبة الشهوة وجْهان، وقد مرَّت المسألة مرَّةٌ في كتاب الصيام، والأظهر عند الإِمام وصاحب الكتاب: لا يَجُوز، والأكثرون مالوا إلى التَّجْويز، وبه أجاب أبو إسحاق فيما روى الداركيُّ، ولم يورد القاضي حُسَيْن غيره، قالوا: ويخالف هذا صوم رمضان، حيث لا يُتْرَك بهذا العذر؛ لأنه لا بَدَل 120 له، ولصوم الكفَّارة بَدَلٌ، وهذه صورة تدْخُل في باب العاجز عن جميع خصال الكفَّارة، هل تستقر الكفَّارة في ذمته؟ فيهِ خلافٌ ذكرناه في كتَاب الصَّوْم، والظاهر الاستقرار، وقد بُنِيَ الخِلاف على أن الاعتبار في الكفَّارة بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ إن اعتبرنا حالَ الُوجُوب، لم يستقر عليه شيْء، وكان للمظاهر أن يطأ، ويستحب أن يأتي بما يَقْدِرُ عليه، وإن اعتبرنا حال الأداء، لزومه أن يأتي بما يَقْدِر عليه من الخِصَال، ولا يطأ المظاهر حتَّى 121 يكفر، ومن لا يجد إلا بعض رقبة كمن لا يجد شيئاً، فيصوم، فإن لم يقدر، والحالة هذه، على الصيام والإطعام، فعن أبي الحُسَيْن بن القطان تخريجُ أوجه فيه:
أحدها: أنه يُخْرِج المقْدُور عليه، ولا شيْءَ عليه غيره.
والثاني: يخرجه، وباقي الكفَّارة في ذمَّته.
والثالث: لا يُخْرِجه أيضاً ولا يجوز تفريق الكفَّارة الواحدة، بأن يعتق نصْف عبد ويصوم شهراً أو يصوم شهراً، ويطعم 122 ثلاثين.
ويجوز 123 أن يصرف إلى مسْكين واحدٍ مُدَّيْن عن كفارتَيْن، ولو دفع مدّاً إلى مسكين، ثم اشتراه منْه ودفَعَه إلَى آخر، ولم يزل يفعل ذلك إلى استيعاب السِّتِّين أجزأَ،
الجزء: 9 - الصفحة: 331
لكنه مكروه.
ولو وطئ المظاهِرُ المظاهَرَ عنها في خلال الإطعام، لم يجب الاستئناف، كما لو وطئ في خلال الصيام ليلاً.
ولو أطعم بعض المساكين، ثم قَدَر على الصَّوم، لم يلزمه الصوم، كما لو شَرَع في الصوم، ثم قَدَر على الإعتاق، لا يعود إلى الإعتاق.
وفي تجربة القاضي الرُّويانيُّ: أنه لو دفع الطعام إلى الإِمام، فتلف في يده قبل التفريق على المساكين، فظاهر المذهب أن الفَرْض لا يسقط عن المُكفِّر بخلاف الزكاة؛ لأن الإِمام لاَ يد له في الكفَّارة.
وفي فتاوى صاحب "التهذيب": أنه لو قال لغيره: أعْتِقْ عندك عنِّي على كذا، فقال: أعتقته عنك مجانًا كان كما لو ابتدأ به، فيقع العتْق عن المُعْتِقِ دون المُسْتَدْعِي.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 332