كِتَابُ القِرَاضِ
البابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِ صِحَّتِهِ
قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ وَهِيَ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ -رَأْسُ المالِ وَشَرائِطُهُ أَرْبَعَةٌ: وهيَ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا مُعَيَّنًا معْلُومًا مُسَلَّمًا، احْتَرَزْنَا بِالنَّقْدِ عَنِ العُروضِ والنُّقْرَةِ التي ليَسْتَ مَضْروُبَةً فَإِنَّ ما يَخْتَلِفُ قِيَمتُهُ إِذَا جُعِلَ رَأْسَ المَالِ فَإِذَا رُدَّ بالأُجْرَةِ إِلَيْهِ لِيَتَمَيَّزَ الرِّبْحُ فَرُبَّمَا ارْتَفَعَ قِيمَتُهُ فَيَسْتَغْرقُ رَأْسُ المَالِ جَمِيعَ الرِّبْحِ، أَوْ نَقَصَ فَيَصِيرُ بَعْضُ رَأْسِ المَالِ رِبْحًا، وَلا يَجُوزُ (و) عَلَى الفُلُوسِ وَلا عَلَى الدَّرَاهِمِ (ح و) المَغْشُوشَةِ.
قال الرافعي: العَقْدُ المعقود له الباب هو أن يدفع مالًا إلى غيره ليتَّجر فيه على أن يكون الربح بينهما، ويسمَّى ذلك قِرَاضًا ومُقَارَضَة، وقد يسمى مُضارَبَة 1، وأشهر اللفظين القِرَاض عند الحجازيين والمُضَاربة عند العراقيين، واشتقاق القِرَاض من قولهم: قرض الفَأْرُ الثوب أي: قطعه ومنه المِقْراض؛ لأنه يقطع به، وسمى قِرَاضا إما لأن المالك اقتطع قطعة من ماله فدفعها إلى العامل، أو لأنه اقتطع له قطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المُقَارضة، وهي المساواة والمُوازنة سمي به لتساويهما في
الجزء: 6 - الصفحة: 3
قوام العقد بهما، فمن هذا المال، ومن هذا العمل لتساويهما في استحقاق الربح.
وأما المُضَاربة، فإنه تقع على هذا العقد؛ لأن كل واحد منهما يضرب في الربح بسهم، أو لما فيه من الضرب بالمال، والتقليب، ويقال للمالك من اللفظة الأولى: مقارض، وللعامل، ومُقَارض، ومن اللفظة الثانية يقال للعامل مضارب؛ لأنه الذي يضرب بالمال، ولم يشتقوا للمالك منها اسمًا.
واحتج الأصحاب للقراض بإجماع الصحابة، ذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "اختلاف العراقيين" أن أَبَا حَنِيْفَةَ روى عن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ الأَنْصَارِيِّ عن أبيه عن جده أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب رضي الله عنه أعطى مال يتيم مضاربة فكان يعمل به في "العِرَاقِ" 2. وروي أنَّ عَبْدَ اللهِ وعُبَيْدَ الله ابْنَي عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب لقيا أَبا مُوسَى بـ"البصرة" عند مصرفهما من غزوة "نَهاوند" 3 فتسلَّفا منه مالًا وابتاعا به متاعًا، وقدما "المدينة"، فباعا وربحا فيه، فأراد عُمَرُ -رضي الله عنه- أخذَ رأس المال، والربح كله فقالا: لو تلف كان ضمانه علينا، فكيف لا يكون ربحه لنا؟
فقال رجل لأمير المؤمنين: لو جعلته قِراضًا، فقال: قد جعلته، وأخذ منهما
الجزء: 6 - الصفحة: 4
نصف الربح 4. يقال: إن ذلك الرجل هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ 5 رضي الله عنه.
وأظهر ما ذكره الأصحاب في محلّ القضية وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ أن ما جرى كان قرضًا صحيحًا، وكان الربح ورأس المال لهما، لكن عُمَرَ -رضي الله عنه- استنزلهما عن بعض الربح خِيْفةَ أن يكون قصد أبُو مُوسى إرفاقهما، لا رعاية مصلحة بيت المال.
ولذلك قال في بعض الروايات: أو أسلف كل الجيش، كما أسلفكما؟ وعن العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَعْقُوبَ عن أبيه أنَّ عُثْمَان بن عفان -رضي الله عنه- أعطاه مالاً مقارضة 6 وأيضًا: عن عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودِ وابن عباس وجَابِرِ وحَكِيم بْنِ حِزامٍ -رضي الله عنهم- تجويز المُضَارَبَة 7 وأيضًا فإن السُّنَّة الظَّاهرة وردت في المُسَاقَاة.
الجزء: 6 - الصفحة: 5
وإنما جوزت المُسَاقاة للحاجة من حيث إن مالك النخيل قد لا يحسن تعهدها، ولا يتفرغ له، ومن يحسن العمل قد لا يملك ما يعمل فيه، وهذا المعنى موجود في الِقَراض.
ثم كلام الكتاب مندرج في ثلاثة أبواب:
أحدها: فيما يعتبر لصحّة هذا العقد، وما يعتبر تارة يعتبر في رأس المال، وتارة في العمل، وأخرى في صفة العقد، وأخرى في العاقدين، فسمى هذه الأمور أركانًا، وبَيَّنَ ما يشترط في كل واحد منها.
والثاني: في إحكامه إذا صح.
والثالث: فيما إذا انفسخ العقد بفسخٍ وغيره ما حكمه؟ وفيما إذا اختلفا في كيفية جريان العقد بينهما كيف يفصل الأمر؟
أما الباب الأول: فالركن الأول منه رأس المال، وله شروط:
أحدها: أن يكون نقدًا، وهو الدراهم والدنانير المضروبة، وفيه معنيان:
أحدهما: أن القراض معاملة تشتمل على إغرار، إذ العمل غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوزت للحاجة، فتختص بما تسهل التجارة عليه، وتروج بكل حال 8. وأشهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن النقدين ثمنًا لا يختلفان بالأزمنة والأمكنة إلاَّ قليلًا ولا يقومان بغيرهما، والعروض تختلف قيمتها، فلو جعل شيء منها رأس المال لزم أحد الأمرين.
أما أخذ المالك جميع الربح، أو أخذ العامل بعض رأس المال، ووضع القراض على أن يشتركا في الربح، وينفرد المالك برأس المال، ووجه لزوم أحد الأمرين: أنهما إذا جعلا رأس المال ثوبًا، فإما أن يشترطا رد ثوب بتلك الصفات أو رد قيمته.
= لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن عقبة عن يونس بن أرقم عن الجارود عنه، وأما جابر: فرواه البيهقي بلفظ أنه سئل عن ذلك، فقال: لا بأس بذلك، وفي إسناده ابن لهيعة، وأما حكيم بن حزام: فرواه البيهقي بسند قوي أنه كان يدفع المال مضاربة إلى أجل، ويشترط عليه أن لا يمر به بطن واد ولا يبتاع به حيوانًا، ولا يحمله في بحر، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد ضمن ذلك المال (فائدة) قال ابن حزم في مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب أو السنة حاشي القراض فما وجدنا له أصلًا فيهما البتة، ولكنة إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع به أنه كان في عصره -صلى الله عليه وسلم-، فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز.
(ينظر التلخيص 3/ 58)
الجزء: 6 - الصفحة: 6
إن شَرَطَا الأول، فربما كان قيمة الثوب في الحال درهمًا، ويبيعه، ويتصرف فيه حتى يبلغ المال عشرة، ثم ترفع قيمة الثياب، فلا يوجد مثل ذلك الثوب إلاَّ بعشرة فيحتاج العامل إلى صرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال، فيذهب الربح في رأس المال، وربما كانت قيمته عشرة فباعه ولم يربح شيئًا ثم صار يؤخذ مثله بشيء يسير فيشتريه، ويطلب قسيمة الباقي، فحينئذ يفوز العامل ببعض رأس المال.
وإن شَرَطَا ردّ القيمة، فإما أن يشترطا قيمة حال المفاصلة، أو قيمة حال الدفع.
والأول غير جائز؛ لأنها مجهولة، وقد تكون قيمته في الحال درهمًا، وعند المفاصلة 9 عشرة، فيلزم المحذور الأول.
والثاني: غير جائز؛ لأنه قد تكون قيمته في الحال عشرة، وتعود عند المفاصلة إلى درهم، فيلزم المحذور الثاني، وفي النفس حسيكة من هذا الكلام؛ لأنّ لزوم أحد الأمرين مبني على أنَّ رأس المال قيمة يوم العقد، أو يوم المفاصلة، وبتقدير جواز القراض على العرض يجوز أن يكون رأس المال ذلك العرض بصفاته من غير نظر إلى القيمة، كما أنه المستحق في السَّلَم، وحينئذ إن ارتفعت القيمة، فهو كخسران حصل في أموال القراض، وإن انخفضت فهو كزيادة قيمة فيها.
وعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ أنه كان يعوّل في اختصاص القِرَاض بالنقدين على الإجماع، ولا يبعد أن يكون العدول إليه لهذا الإشكال، ويترتب على اعتبار النقدية امتناع القراض على الحُلِيِّ والتّبْر، وكل ما ليس بمضروب؛ لأنها مختلفة القيمة كالعروض، وكذلك لا يجوز القِرَاضُ على الفلوس 10، ولا الدراهم والدنانير المغشوشة 11؛ لأنها نقد وعرض.
وحكى الإمام وجهًا أنه يجوز القراض على المغشوش اعتبارًا برواجه وادعاء الوفاق على امتناع القِرَاض في الفلوس، لكن صاحب "التتمة" ذكر فيها أيضًا الخلاف.
وعن أَبي حَنِيْفَةَ يجوز القراض في المغشوش إذا لم يكن الغش أكثر.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزنَا بالمَعْلُومَ عَنِ القِرَاضِ عَلَى صُرَّةِ دَرَاهِمَ، فَإِنَّ جَهْلَ رَأْسِ المَالِ يُؤَدِّي إِلَى جَهْلِ الرَّبْحِ، وَاحْتَرَزْنَا بالمُعَيَّنِ عَنِ القِراضِ عَلَى دَيْنِ في الذِّمَّةِ، وَلَوْ عَيَّنَ وَأَبْهَمَ فَقَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَحَدَ هَذَيْنِ الألْفَيْنِ والآخَرُ عِنْدَكَ وَدِيعَةً وَهُمَا في كِيسَيْنِ
الجزء: 6 - الصفحة: 7
مُتَمَيِّزَين فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَ النَّقْدُ وَدَيعَةً أَوْ رَهْنًا فِي يَدِهِ أَو غَصْبًا وَقَارَضَهُ عَلَيْهِ صَحَّ، وَفِي انْقِطَاعِ ضَمَانِ الغَصْبِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الشَّرط الثاني: أن يكون معلومًا 12، فلو قارض على كفين من الدراهم، أو صُرَّة مجهولة القدر لم يجز؛ لأنه إذا كان رأس المال مجهولًا، كان الربح مجهولًا، ويخالف رأس مال السَّلم، حيث يجوز أن يكون مجهول القدر على أحد القولين؛ لأن السلم لا يعقد ليفسخ، والقراض يعقد ليفسخ، ويميز بين رأس المال والربح.
وفي "الشامل" وغيره أن عند أَبِي حَنِيْفَةَ يجوز أن يكون رأس المال مجهول القدر، وإذا تنازعنا فيه عند المفاصلة، فالمصدق العامل، وعلى هذا فليكن قوله: "معلوما" في الفصل السابق معلّما بالحاء.
ولو دفع إليه ثوبًا، وقال: بعه، وإذا قبضت ثمنه، فقد قارضتك عليه لم يجز؛ لأنه مجهول، ولما فيه من تعليق القرض.
قال أبو حنيفة: يصح.
الشرط الثالث: أن يكون معينًا فلو قارض على دراهم غير معينة، ثم أحضرها في المجلس وعينها، حكى الإمام عن القَاضِي، وقطع به أنه يجوز، كما في الصرف ورأس مال السَّلم.
والذي أورده صاحب "التهذيب" المنع 13.
ولو كان له دَيْن في ذمة إنسان فقال لغيره: قارضتك على دَيْني على فلان، فأقبضه، واتجر فيه لم يجر؛ لأنا لم نجوز القِرَاض على العرض لعسر التجارة والتصرف فيها، ومعلوم أن التصرف في الدَّين أكثر عسرًا فكان بالمنع الأولى.
ووجهه الإمام بأن ما في الذِّمة لا بد من تحصيله أوّلًا، وسنذكر أنه لا يجوز في القراض ضم عمل إلى التجارة، ولكن مثل هذا العمل يجوز أن يُعَدَّ من توابع التجارة، فلا يمتنع ضمه إلى عمل القراض، يؤيده قولهم: إنه لو كان له عند زيد دراهم وديعة، فقال لعمرو: قارضتك عليها، فخذها وتصرف فيها يجوز، ولو أن صاحب الدَّين قال: قارضتك عليه لتقبض، وتتصرف، أو اقبضه فإذا قبضته فقد قارضتك عليه لم يصح أيضًا، وإذا قبض العامل، وتصرّف فيه لم يستحق الربح المشروط، بل الجميع للمالك، وللعامل أجره مثل التصرف، إن كان قد قال: إذا قبضت فقد قارضتك، وإن قال:
الجزء: 6 - الصفحة: 8
قرضتك عليه لتقبض وتتصرف، استحق مثل أجرة التقارض، والقبض أيضًا.
ولو قال للمديون: قارضتك على الدَّين الذي عليك لم يصح القراض أيضًا؛ لأنه إذا لم يصحّ والدَّين على الغير، فلأن لا يصح والدَّين عليه كان أولى؛ لأن المأمور لو استوفى ما على غيره ملكه وصح القبض، وما على المأمور لا يصير للمالك بعزله من ماله، وقبضه للأمر، بل لو قال: اعزل قدر حقي من مالك، فعزله، ثم قال: قارضتك عليه لم يصح؛ لأنه لم يملكه.
وإذا تصرف المأمور فيما عزله نظر إن اشترى بعينه للقراض، فهو كالفُضُولِيِّ يشتري لغيره بعين ماله، وإن اشترى في الذمة، ونقد ما عزله ففيه وجهان.
أحدهما: أنه للمالك؛ لأنه اشترى له بإذنه.
والثاني: أنه للعامل؛ لأنه إنما أذن في الشراء بمال القراض، إما بعينه، أو في الذمة لينقده فيه، وإذا لم يملكه، فلا قراض، وهذا أظهر عند الشيخ أبي حَامِدٍ 14.
وفي "التهذيب" أن الأصح الأول بحيث كان المال المعزول للمالك، فالربح ورأس المال له لفساد القراض، وعليه الأجرة للعامل.
ولو دفع إليه كيسين في كل واحد منها ألف، وقال: قارضتك على أحدهما، فوجهان:
أحدهما: الصحة لتساويهما.
وأصحهما: المنع لعدم التعيين 15، كما لو قال: قارضتك طى هذه الدراهم، أو على هذه الدنانير، وكما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين، ولو كانت دراهمه في يد غيره وديعة، فقارضه عليها صَحَّ، ولو كانت غصبًا لم يصح في وجه؛ لأنه مضمون والقرض عقد أمانة.
الأصح 16 الصحة، كما إذا رهن من الغاصب.
وعلى هذا لا يبرأ من ضمان الغَصْبِ، كما في الرَّهْن وعند أبي حنيفة ومالك -رضي الله عنهما- إنه يبرأ.
قال الغزالي: وَأَرَدْنا بالمُسَلَّم أَنْ يكَوُنَ في يَدِ المُعَامِلِ، فَلَوْ شَرَطَ المالِكُ أَنْ يَكُونَ فيِ يَدِهِ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يدٌ أَوْ يُرَاجِعَ فيِ التَّصَرُّفِ أَوْ يُرَاجِعُ مُشُرْفَهُ فَسَدَ القِراضُ؛ لأَنَّهُ
الجزء: 6 - الصفحة: 9
تَضيَيقٌ للتجارَةِ، وَلَوْ شَرَطَ أنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلاَمُ المالِكِ جاَزَ عَلىَ النَّصِّ.
قال الرافعي: الشراط الرابع: أن يكون رأس المال مسلّمًا إلى العامل 17، ويستقل باليد عليه، والتصرف فيه، ولو شرط المالك أن يكون الكيس في يده ليوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئًا، أو شرط أن يراجعه العامل في التصرفات، أو يراجع مشرفًا نصّبه فسد القراض؛ لأنه قد لا يجده عند الحاجة، أو لا يساعده على رأيه فيفوت عليه التصرف الرابح، فالقراض موضوع توسعًا لطريق التجارة، ولهذا الغرض احتمل فيه ضرب من الجَهَالة فَيُصَانُ عما يخل به، ولو شرط أن يعمل معه المالك بنفسه فسد أيضًا؛ لأن انقسام التصرف يُفْضِي إلى انقسام اليد ويبطل الاستقلال.
وفي "الرقم" لأبي الحسن العَبَّادِيِّ أن أبا يحيى البَلِحْيّ جوزِ ذلك على طريق المعاونة والتبعية، والمذهب الأول، ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك فوجهان، ويقال: قولان.
أحدهما: أنه لا يصح أيضًا، كما لو شرط أن يعمل بنفسه؛ لأن يد عبده يده.
والثاني: وبه قال ابْنُ سُرَيجٍ وأبُو إِسْحاقَ والأكثرون: أنه يجوز؛ لأن العبد مال يدخل تحت اليد، ولمالكه إعارته وإجارته، فإذا دفعه إلى العامل، فقد جعله معينًا وخادمًا للعامل، فوقع تصرفه للعامل تبعًا لتصرفه، بخلاف ما إذا شرط المالك أن يعمل بنفسه، فإنه لا وجه لجعله تابعًا، وموضوع الخلاف ما إذا لم يصرح بحَجْرِ العامل.
فأما إذا قال: على أن يعمل معك غلامي، ولا يتصرف دونه، أو يكون بعض المال في يده، فسد لا محالة، ولا شرط في المُضَاربة أن يعطية بهيمة يحمل عليها، ففي "التتمة" أنه على الخلاف في مسألة الغلام.
ومنهم من قال: قضية كلامه، القطع بالجواز، ولو لَمْ يشترط عمل الغلام معه، ولكن شرط أن يكون ثلثي الربح له، والثلث لغلامه، والثلث للعامل جاز، وحاصله اشتراط ثلثى الربح لنفسه نص عليه في "المختصر" حيث قال: فان قارضه، وجعل معه رَبّ المال غلامه، وشرط أن الربح بينه، وبين العامل، والغلام أثلاثًا فهو جائز، وكان لرب المال الثلثان.
واعلم أن من لم يجوز شرط عمل الغُلاَم قال: المراد من هذا النص أن يجعل مع العامل في قسمة الربح لا في العمل، ومن جوزه عمل بإطلاقه، وقال: لا فرق بين شرط عمله، وبين تركه، وهذا ما ينزل عليه قوله في الكتاب: "جار على النص"، ولو شرط ثلث الربح لحُرٍّ، فسيأتي في الركن الثالث.
الجزء: 6 - الصفحة: 10
فرع
:
قال في "التتمة": ولو كان بينه وبين غيره دراهم مشتركة، فقال لشريكه: قارضتك على نصيبي منها صح إذ ليس فيه إلاَّ الإشاعة، فإنها لا تمنع صحة التصرفات قال: وعلى هذا لو خلط ألفين بألف لغيره، ثم قال صاحب الألفين للآخر: قارضتك على أحدهما، وشاركتك في الآخر، فقبل جاز، وانفرد العامل بالتصرف في ألف القراض، ويشتركان في التصرف في باقي المال، ولا يخرج عقدين على الخلاف في الصَّفقة الواحدة تجمع مختلفين؛ لأنهما جميعًا يرجعان إلى التوكيل بالتصرف، ولا يجوز أن يجعل رأس مال القِراض سُكْنَى دار، فإن العروض إذا لم تجعل رأس مال، فالمنافع أولى، وهذا يمكن فهمه من الضبط المذكور في الكتاب.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّاني العَمَلُ وَهُوَ عِوَضُ الرِّبُحِ، وَشُرُوطُهُ ثَلاَثةٌ: وهِيَ أَنْ يَكُونَ تِجَارَةً غير مُضَيَّقَةِ بِالتَّعْيينِ وَالتَّأقْيِتِ، احْتَرَزْنَا بِالتِّجَارَةِ عَنِ الطَّبْخِ والخُبْزِ والحِرْفَةِ، فإنَّ عَقْدَ الِقَراضِ عَلَى الحِنْطَةِ لَيْربَحَ بِذَلِكَ فَاسدٌ.
أَمَّا النَّقْلُ والَكَيْلُ والوَزْنُ وَلَوَاحِقُ التِّجَارَةِ تَبعٌ لِلتِّجارةِ، والتِّجَارَةِ، هِىَ الاسْتِربَاحُ بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لا بِالحِرْفَةِ والصَّنْعَةِ.
قال الرافعي: لمَّا تكلَّم في رأس المال وشرائطه أَخذ يتكلَّم فيما يقابله بين من طرف العامل، وهو العمل، ويشترط فيه أمور:
أحدها: كونه تجارة، ويتعلق بهذا القيد صور:
منها: لو قارضه على أن يشتري الحِنْطَةُ فيطحنها، وبخبزها والطعام ليطبخه ويبيع، والربح بينهما، فهو فاسد، وتوجيهه الملتئم من كلام الأَصْحَاب أن الطبخ والخبز ونحوهما أعمال مضبوطةٌ يمكن الاستئجار عليها، وما يمكن الاستئجار عليه، فيستغنى عن القِرَاض إنما القراض لما لا يجوز الاستئجار عليه، وهو التجارة التي لا ينضبط قدرها، وتمس الحاجة إلى العقد عليها، فيحتمل فيه للضرورة جهالة العوضين، وعلى هذا القياس ما إذا اشترط عليه أن يشتري الغزل، فينسجه، أو الثوب فيقصره، أو يصبغه.
ولو اشترى العامل الحِنْطَة، وطحنها من غير شرط، فعن القاضِي الحُسَيْنِ في آخرين أنه يخرج الدقيق عن كونه مال قراض، ولو لم يكن في يده غيره ينفسخ القراض؛ لأن الربح حينئذ لا يحال على البيع والشراء فقط، بل على التعبير الحاصل في مال القراض بفعله، وغير التجارة لا يقابل بالربح المجهول، وعلى هذا فلو أمر المالك العامل أن يطحن حِنْطَة مال القراض كان فاسخًا للعقد.
والأظهر وإليه ميل الإمام، وهو المذكور في "التهذيب" أن القِرَاض بحاله، ويلتحق ذلك بما إذا زاد عبد القراض بكبر أو سمن، أو بتعلُّم صنعة، فإنه لا يخرج عن كونه مال القراض، ولكن العامل إذا استقلّ
الجزء: 6 - الصفحة: 11
بالطحن صار ضامنًا، وعليه الغرم إن فرض نقص في الدقيق، فإن باعه لم يكن الثمن مضمونًا عليه؛ لأنه لم تبعد فيه، ولا يستحق العامل بهذه الصناعات أجرة على المالك، ولو استأجر عليه أجيرًا، فأجرته عليه، والربح بينه وبين المالك كما شرطا.
ومنها: لو قارضه على دراهم على أن يشتري بها نخيلًا، أو دواب، أو مستغلات، ويمسك زمامها رقابها لثمارها، أو نتاجها أو غلاتها، أو تكون الفوائد بينهما، فهو فاسد؛ لأنه ليس استرباحًا بطريق التجارة، والتجارة هي التصرف بالبيع والشراء، وهذه الفوائد تحصل من عين مال لا من تصرفه.
ومنها: لو شرط عليه أن يشتري شبكة الصيد ويصطاد بها، وليكون الصيد بينهما، فهو فاسد، ويكون الصيد للصائد، وعليه أجرة الشبكة.
وقوله في الكتاب: "العمل وهو عوض الربح" كان المراد فيه أن قضية ملك المالك رأس المال وملكه الربح، فالقدر المشروط للعامل إنما ملكه عوضًا عن عمله للمالك، وربما يقال: رأس المال والعمل عوضان متقابلان، ونعني به أن رأس المال من المالك، والعمل من العامل يتقابلان، والربح يحصل من معاونتهما.
وقوله: "فإنْ عقد القِرَاض على الحنطة ليربح بذلك فهو فاسد" أي الطحن والخبر، وفي الصورة التي صورها للفساد سبب آخر، وهو كون رأس المال عوضًا، وإنما الصورة التي تختصُّ بما نحن فيه أن يقارضه على دراهم على أن يشتري بها الحنطة، ويطحن وبخبز على ما سبق.
وقوله: "أما النقل والوزن ولواحق التجارة بيع للتجارة".
معناه: أن هذه الأعمال وإن كان العامل يأتي بها على ما سنبين في الباب الثاني ما على العامل فليس ذلك كالطَّحْن والخبر، فإنها من توابع التجارة ولو احقها التي انبنى العقد لها.
قال الغزالي: ثُمَّ لَوْ عَيْنَ الخَزَّ الأَدْكَنَ أَوِ الخَيْلَ الأَبْلَقَ لِلتِّجَارَةَ عَلَيْه، أَوْ عَيَّن شَخْصًا لِلمُعَامَلَةِ مَعَهُ فَهَوُ فَاسِدٌ (ح و) لأَنَّه تضَيِيقٌ وَلَوْ عَيَّنَ جِنْسَ الخَزِّ أَوِ البَزِّ جَازَ لأنَّهُ مُعْتادٌ.
قال الرافعي: الأمر الثاني: ألاَّ يكون مضيقًا عليه بالتعيين 18، فلو عين نوعًا
الجزء: 6 - الصفحة: 12
للاتجار فيه، نظر إن كان مما يندر وجوده كاليَاقُوتِ الأحمر، والخَزّ الأَدْكَن، والخيل البُلْق (1)، والصيد حيث يوجد نادرًا فسد القراض، فإن هذا تضييق يخل بقصوده، وإن لم يكن نادر الوجود، نظر إن كان يدوم شتاء وصيفًا، كالحبوب والحيوان والخَزّ والبَزّ، صح القراض، وإن لم يدم كالثمار الرطبة، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز، كما إذا قارضه مدة، ومنعه من التصرف بعدها، نعم لو قال: تصرف فيه، فإذا انقطع، فتصرف في كذا جاز.
وأصحهما: وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ: أنه يجوز؛ لأنه لا يمنع التجارة في تلك المدة، ويخالف ما إذا قارضه مدة؛ لأنها قد تنقضي قبل أن يبيع ما عنده من العروض، وهذا النوع سهل التصرف فيه ما دام موجودًا، وإذا انقطع لم يَبْقَ عنده شيء ولو قال: لا تشتر إلاَّ هذه السلعة، أو إلاَّ هذا العبد، فسد القراض، بخلاف ما إذا قال: لا تشتر هذه السلعة وهذا العبد؛ لأن فيما سواهما مجالًا واسعًا، وكذا لو شرط ألا يبيع إلاَّ من فلان ولا يشتري إلاَّ منه لم يجز، ولو قال: لا تبع من فلان ولا تشتري منه جاز.
وفي بعض شروح "المفتاح" أنه لا يجوز كما لو قال: لاتبع إلاَّ منه والمذهب الأول وبقولنا قال مالك.
وقال أبو حَنِيْفَةَ وأَحْمَدُ: يجوز أن يعين سلعة للشراء، وشخصًا للمعاملة معه، كما في الوِكالَةِ.
وعن القاضي أَبي الطَّيِّبِ أن المَاسَرجسي (2) قال: إذا كان الشخص المعين بياعًا لا ينقطع عنده المتاع الذي يَتَّجِرُ على (3) نوعه غالبًا جاز تعيينه.
فرع
: في اشتراط تعيين نوع يتصرف فيه مثل الخلاف المذكور في الوِكَالةِ 22، والظاهر وهو الذي أورده في "النهاية" أنه لا يشترط؛ لأنّ الوكالة نيابة مِحْضَة، والحاجة تمس192021
الجزء: 6 - الصفحة: 13
إليها في الأشغال الخاصة، والقراض معاملة يتعلّق بها غرض كل واحد من المتعاقدين، فمهما كان العامل أبسط يدًا كان أفضى إلى مقصودها.
فرع
:
إذا جرى تعيين صحيح لم يكن للعامل مجاوزته، كما في سائر التصرفات المستفادة من الإذن، فالإذن في البَزّ يتناول ما يلبس من المنسوج من الإبريسم والقطن والكتان والصوف دون الفرش والبسط.
وفي الأكسية وجهان؛ لأنها ملبوسة، لكن بائعها لا يسمى بَزَّازًا 23.
قال الغزالي: وَلَوْ ضُيِّقَ بِالتَّأقيِتِ إِلَى سَنَةٍ مَثَلًا وَمُنِعَ مِنَ البَيْعِ بَعْدَهَا فَهُوَ فَاسِدٌ فإنَّهُ قَدْ لا يَجِدُ زُبُونًا قَبْلَهَا، وإِنْ قُيِّدَ الشِّرَاءُ وَقَالَ: لا تَشْتَرِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَكَ البَيْعُ فَوَجْهَانِ، إِذ المَنْعُ عَنِ الشِّرَاءِ مَقْدُورٌ لَهُ في كُلِّ وَقْتِ فأَمْكَنَ شَرْطُهُ، فَإِنْ قَالَ: قَارَضْتُكَ سَنَةَ مُطْلقًا فَعَلَى أَيِّ القِسْمَيْنِ يَنْزِلُ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الأمر الثالث: ألاَّ يضّيق بالتأقيت.
واعلم أولًا أن القراض لا يعتبر فيه بيان المدة، بخلاف المُسَاقاة؛ لأن المقصود من المُسَاقاة ينضبط بالمدة، فإن للثمر وقتًا معلومًا، والمقصود من القِرَاض ليس له مدَّة مضبوطه، فلم يشترط فيه التأقيت، ولو أَقَّت وقال: قارضتك سنة، فينظر إن منعه من التصرف بعدها مطلقًا، أو من البيع فهو فاسد؛ لأنّ يخل بمقصود العقد، ويخالف مقتضاه.
أما الأول: فلأنه قد لا يجد راغبًا في المدة، فلا تحصل التجارة والربح.
وأما الثاني: فلأنه قد يكون عنده عروض عند انقضاء السنة وقضية القراض أن ينص العامل ما في يده لآخر الأمر ليتميز رأس المال من الربح.
وإن قال: عَلَيَّ ألا أشترى بعد السنة، ولك البيع فوجهان.
أحدهما: المنع؛ لأن ما وضعه على الإطلاق من العقود لا يجوز فيه التأقيت، وهذا الوجه ذكر الإمام أن العراقيين نسبوه إلى أبي الطَّيبِ ابْنِ سَلَمَةَ، ولا يكاد يوجد ذلك في كتبهم، نعم يقولون: إن أبا الطيب النساوي حكاه عن إبي إِسْحَاقَ فيما علق من الزيادات على الشرح، فكأنه اشتبه عليه أبو الطيب بأبي الطيب.
وأصحهما: الجواز؛ لأنّ المالك يتمكّن من منعه من الشراء مهما شاء، فجاز أن يتعرض له في العقد،
الجزء: 6 - الصفحة: 14
بخلاف المنع من البيع، ولو اقتصر على قوله: قارضتك سنة، فوجهان:
أصحهما: المنع، لأن قضية انتهاء القراض امتناع التصرف بالكلية، ولأن ما يجوز أن فيه الإطلاق من العقود لا يجوز فيه التأقيت، كالبيع والنكاح.
والثاني: يجوز، ويحمل على المنع من الشراء باستدامة العقد.
ولو قال: قارضتك سنة على ألاَّ أملك الفسخ قبل انقضائها، فهو فاسد، ولا يجوز أن يعلّق القراض فيقول: إذا جاء رأس الشهر، فقد قارضتك كما لا يجوز تعليق البيع ونحوه.
ولو قال: قارضتك الآن ولكن لا تتصرف حتى يجيء رأس الشهر، ففي وجه يجوز كالوِكالَةِ.
والأصح: يمنع كما لو قال: بعتك بشرط ألا تملك إلاَّ بعد شهر.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: الرِّبْحُ وَشَرَائِطُهُ أَرْبَعٌ: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالعَاقِدَينِ مُشْتَركًا مَعْلُومًا بِالجُزْئيِة لا بالتَّقْدِيِر، وَعَنَيْنَا بالخُصُوصِ أَنَّهُ لَو أُضِيِفَ جُزْءٌ مِنَ الَرِّبْحِ إِلى ثَالِثٍ لَمْ يَجُزْ، وَبِاَلاشِتْراكِ أَنَّهُ لَوْ شُرِط الكُلُّ لِلْعَامِلِ أَوْ لِلمَالِكِ فَهُوَ فَاسِدٌ (م)، وَبِكَوْنِهِ مَعْلُومًا احْتَرَزْنَا ناعَمًا إِذَا قَالَ: لَك مِنَ الرِّبْحِ مَا شَرَطَهُ لِفُلاَنٌ فَإنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ الرِّبْحِ بَيْنَنا وَلَمْ يَقُلْ: نِصْفَيْنِ فالأَظْهَرُ: (و) التَّنْزِيِلُ عَلىَ التَّنْصِيفَ لِيَصِحَّ، واحْتَرزْنَا بِالُجْزئِيَّةِ عَمَّا إِذا قالَ: لَكَ مِنَ الرِّبْح مِائَةٌ أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ لي دِرْهِم والبَاقيِ بَيْنَنا فَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ إِذْ رُبَّمَا لا يَكُونُ الرِّبْحُ إلاَّ ذَلِكَ المِقْدَارِ.
قال الرافعي: في الربح شروط:
أحدها: أن يكون مخصوصًا بالمتعاقدين، فلو شرط بعضه لثالث، فقال: على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لي، وثلثه لزوجتي، أو لأمي أو لابني أو لأختي أو لأجنبي لم يصح القراض؛ لأنه ليس بعامل، ولا مالك للمال، إلاَّ أن يشترط عليه العمل معه، فيكون قراضًا مع رجلين.
ولو كان المشروط له عبدًا، لمالك أو العامل، كان ذلك مضمونًا للمالك، أو العامل على ما تقدم.
ولو قال: نصف الربح لك، ونصفه لي، ومن نصيبي نصفه لزوجتي صح القراض، وهذا وعد منه لزوجته.
ولو قال للعامل: لك كذا على أن تعطي ابنك أو امراتك نصفه، فعن القاضي أَبي حَامدٍ إن ذكره شرطًا فسد القراض، وإلا لم يفسد.
الثاني: أن يكون مشتركًا بينهما، فلو قال: قارضتك على أن يكون جميع الربح لك، ففي حكمه وجهان:
أصحهما: أنه قراض فاسد رعاية للفظ.
الجزء: 6 - الصفحة: 15
والثاني: أنه قراض صحيح رعاية للمعنى، ويروى هذا عن أبي حَنيْفَةَ، ولا يجيء الوجه الثاني في مثله من المُسَاقَاةِ لتعذُّر القراض.
ولو قال: قارضتك على أن الربح كله لي، فهو قراض فاسد، أو إِيضاع 24؟ فيه وجهان.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه يصح القِرَاض في الصورتين، ويجعل كأن الآخر وهب نصيبه من المشروط له.
ولو قال: أبضعتك على أن نصف الربح لك، فهو إبضاع، أو قراض؟ فيه الوجهان.
ولو قال: خذ هذه الدراهم، فتصرف فيها، والربح كله لك، فهو قرض صحيح عند ابْنِ سُرَيْجٍ والأكثرين، بخلاف ما لو قال: قارضتك على أن الربح كله لك؛ لأن اللفظ يصرح بعقد آخر.
وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: لا فرق بين الصورتين.
وعن القاضي الحُسَيْنِ أن الربح والخسران للمالك، وللعامل أجرة المثل، ولا يكون قرضًا؛ لأنه لم يملكه ولو قال: تصرف فيها والربح كله لي، فهو إبضاع.
الثالث: أن يكون معلومًا، فلو قال: قارضتك على أن لك في الربح شركة أو شِرْكًا أو نصيبًا فسد.
ولو قال: لك مثل ما شرطه فلان لفلان، فإن كانا عالمين بالمشروط لفلان صح، وإن جهلاه أو أحدهما فسد.
ولو قال: على أن الربح بيننا، ولم يقل: نصفين فوجهان:
أحدهما: الفساد؛ لأنه لم يبين ما لكل واحد منهما فأشبه ما إذا اشترط أن يكون الربح بينهما أثلاثًا، ولم يبين من له الثلثان، ومن له الثلث.
وأظهرهما: على ما ذكره في الكتاب، وبه أجاب الشيخ أبُو حَامِدٍ، وحكاه عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يصح، وينزل على النصف، كما لو قال: هذه الدراهم بيني وبين فلان يكون إقرارًا بالنصف.
ولو قال: على أن ثلث الربح لك، وما بقي فثلثه لي، وثلثاه لك صح، وحاصله اشتراط سبعة أتساع الربح للعامل والحساب من عدد لثلثه ثلث وأقله تسعة، وهذا إذا علما عند العقد أن المشروط للعامل بهذه اللفظة كم هو؟ فإن جهلاه أو أحدهما فوجهان: أحدهما: عن صاحب "التقريب" والذي أورده صاحب "الشامل" منهما الصِّحة لسهولة معرفة ما تضمنه اللفظ.
ويجري الخلاف فيما إذا قال: على أن لك من الربح سدس ربع العشر، وهما لا يعرفان قدره عند العقد، أو أحدهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 16
والرابع: أن يكون العلم به من حيث الجزئية، لا من حيث التقدير، فلو قال: لك من الربح، أو لي منه درهم أو مائة، والباقي بيننا بالسَّويَّه فسد القراض؛ لأنه ربما لا ربح إلاَّ ذلك القدر، فيلزم اختصاص أحدهما بكل الربح، وكذا لو قال: لك نصف الربح سوى درهم، وكذا لو شرط أن يوليه سلعة كذا إذا اشتراها برأس المال؛ لأنه ربما لا يربح إلاَّ عليها، وكذا لو شرط أنه يلبس الثوب الذي يشتريه، ويركب الدابة التي يشتريها؛ لأن القراض جوز على العمل المجهول بالعوض المجهول للحاجة، ولا حاجة إلى ضم ما ليس من الربح إليه، ولأنه ربما ينقص بالاستعمال، ويتعذر عليه التصرف فيه.
ولو شَرَطَا اختصاص لو أحدهما بربح صنف من المال، فسد أيضًا لأنه ربما لا يحصل الربح إلاَّ فيه وكذا لو شرط أحد الألفين لهذا، وربح الألف الثاني لهذا، وشرط أن يكون الألفان متميزين، ولو دفعهما إليه، ولا تمييز وقال: ربح أحد الألفين لي، وربح الآخر لك، فعن بعض الأصحاب أنه يصح، ولا فرق بينه وبين أن يقول: نصف ربح الألفين لك.
والأظهر، ويحكي عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه فاسد؛ لأنه خصصه بربح بعض المال، فأشبه ما إذا كان الألفان متميزين، وما إذا دفع إليه ألفًا على أن يكون له ربحها ليتصرف له في ألف آخر.
قال الغزالي: الرَّابُعِ: الصِّيغَةُ وَهِيَ أنْ يَقُولَ قَارَضْتُكَ أَوِ ضَارَبْتُكَ أَوْ عَامَلْتُكَ عَلَى أَنّ الرِّبْحِ بَيْنَنا نِصْفَيْنِ فَيَقُولُ: قَبِلْتُ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِي وَسَكَتَ عَنِ العَامِلِ فَسَدَ (و)، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لَكَ وَسَكَتَ عَنْ جَانِبِ نَفْسِهِ جَازَ.
قال الرافعي: القِراضُ والمُضَارَبَة والمُعَامَلَة ألفاظ مستعملة في هذا العقد، وإذا قال: قارضتك، أو ضاربتك، أو عاملتك على أن الربح بيننا كذا كان إيجابًا صحيحًا، ويشترط فيه القبول على التواصل المعتبر في سائر العقود.
ولو قال: خذ هذه الدراهم، واتَّجِرْ عليها على أن الربح بيننا كذا.
ففي "التهذيب" أنه يكون قِراضًا، ولا يفتقر إلى القبول، وهذا حكاه الإمام عن القاضي الحُسَيْنِ ثم قال: وقطع شيخي والطبقة العظمى من نقلة المذهب أنه لا بد من القبول بخلاف الجُعالَةِ والوكالة فإن القراض، عقد مُعَاوَضَة يختص بمعين، فلا يشبه الوكالة التي هي إذن مجرد، والجعالة التي يتهم فيها العامل، فإن قال: قارضتك على أن نصف الربح لي، وسكت عن جانب العامل فوجهان:
أحدهما: أنه يصح، ويكون النصف الآخر للعامل؛ لأنه الذي يسبق إلى الفهم منه، ولهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ.
الجزء: 6 - الصفحة: 17
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه قال المُزَنِيُّ أنه لا يصح؛ لأن الربح فائدة رأس المال، فيكون للمالك إلاَّ إذا نسب منه شئ إلى العامل، ولم ينسب إليه شيء.
ولو قال: على أن نصف الربح لك، وسكت عن جانب نفسه، فالصحيح الجواز، وما لا ينسب إلى العامل يكون للمالك بحكم الأصل بخلاف الصورة السابقة.
وفي "النهاية" ذكر وجه ضعيف: أنه لا يصح حتى تجري الإضافة في الجزءين إلى الجانبين.
وإذا قلنا بالصحيح فلو قال: على أن لك النصف ولي السدس، وسكت عن الباقي صح، وكان الربح بينهما نصفين، كما لو سكت عن ذكر جميع النصف.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الخَامِسُ والسَّادِسُ: وَالعَاقِدَانِ وَلاَ يُشْتَرَط فِيِهَما إِلاَّ مَا يُشْتَرَطُ في الوِكَيلِ وَالمُوَكَّل، نَعَمْ لَوْ قارَضَ العَامِلُ غَيْرَهُ بِمِقْدَارِ مَا شَرَطَ لَهُ بإِذْنِ المالِكِ فَفِيهِ وَجْهَانِ لأنَّ وَضْعَ القِرَاضِ أَنْ يَدُوَرَ بَيْنَ عَامِلٍ وَمالِكٍ.
قال الرافعي: صاحب الكتاب رحمة الله قد يعد العاقدين ركنين، كما فعل هاهنا، وفي الوِكَالَةِ، وقد يعد العاقد مطلقًا رُكْنًا واحدًا، كما فعل "البيع" و"الرَّهْن"، والفرض الأصلي لا يختلف، لكنه لو استمر على طريقة واحدة كان أحسن.
وفقه الفصل أن القِراضَ توكيل وتوكّل 25 في شيء خاص وهو التجارة، فيعتبر [في العامل والمالك ما يعتبر في الوكيل والموكل، فكما يجوز لولي الطفل التوكيل في أجور الطِّفل، كذلك يجوز لولي 26] الطفل والمجنون أن يقارض على مالها، يستوي فيه الأب والجد ووصيهما، والحاكم وأمينه، وهل يجوز لعامل القراض أن يقارض غيره.
أما بإذن المالك، فقد ذكره هاهنا، وأعاده مرة أخرى في الباب الثاني مع القسم الآخر، وهو أن يقارض بغير إذن المالك، ونحن نشرح المسألة بقسميهاهناك إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ المَالِكُ مَرِيضًا وَشَرَطَ ما يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ المِثْلِ لِلعْامِلِ لَمْ يُحْسَبْ مِن الثُّلث لأنَّ التَّفْوِيَت هُوَ المُقَيَّدُ بِالثُّلثُ وَالرِّبْحُ غَيْرُ حَاصِلٍ، وَفِي نَظِيرِهِ مِنَ المسَاقَاةِ خِلاَفٌ (و)، لأِنَّ النَّخِيلَ قَدْ تُمّر بِنَفْسِهِ فَهُوَ كَالحَاصِلِ، وَلوْ تَعَدَّدَ العَامِلُ واتَحَّدَ المالِكُ أَوْ بِالعَكْسِ فَلا حَرَجَ.
الجزء: 6 - الصفحة: 18
قال الرافعي: فيه مسألتان:
إحداهما: لو قارض في مرض موته صح، وإذا ربح العامل سلم له الجزء المشروط، وإن زاد على أجرة مثل عمله، ولا يحسب من الثلث؛ لأن المحسوب من الثلث ما يفوته من ماله، والربح ليس حاصل حتى يفوته، وإنما هو شيء يتوقع حصوله، فإذا حصل حصل بتصرفات العامل وكسبه.
ولو ساقاه في مرض الموت، وزاد الحاصل على أجرة المثل فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحتسب من الثلث أيضًا؛ لأنه لم يكن حينئذ ثمرة، وحصولها منسوب إلى عمل العامل وتعهده.
وأشبههما: احتساب الزيادة من الثلث؛ لأن للثمار وقتًا معلومًا ينتظر، وهي قد تحصل من عَيْنِ النخيل من غير عمل، فكانت كالشَّيء الحاصل، بخلاف الأرباح الثانية يجوز أن يقارض الواحد اثنين والعكس، ثم إذا قارض الواحد اثنين، وشرط لهما نصف الربح بالسوية جاز، ولو شرط لأحدهما ثلث الربح 27، وللآخر ربعه، فإن أبهم لم يجز، وإن عين الثلث لهذا، والربع لهذا جاز؛ لأن عقد الواحد مع اثنين كعقدين.
وقال مَالِكٌ: لا يجوز لاشتراكهما في العمل.
وقال الإمام: وإنما يجوز أن يقارض اثنين إِذا ثبت لكل واحد منهما الاستقلال، فإن شرط على كل واحد منهما مراجعة الآخر لم يجز.
وما أرى أن الأصحاب يساعدونه عليه 28، وإذا قارض اثنان واحدًا، فليبينا نصيب العامل من الربح، ويكون الباقي بينهما على قدر ماليهما 29 ولو قالا: لك من نصيب أحدنا من الربح الثلث، ومن نصيب الآخر الربع، فإن أبهما لم يجز، وإن عينا وهو عالم بقدر كل واحد منهما جاز، إلاَّ أن يشترطا كون الباقي بين المالكين على غير ما تقتضيه نسبة المالين كافية من شرط الربح لمن ليس بمالك، ولا عامل.
وعن أبي حنيفة تجويز هذا الشرط.
قال الغزلي: وَمَهْمَا فَسَدَ القِرَاضُ بِفَوَاتِ شَرطٍ نَفّذَ التَّصَرُّفَاتِ وَسلَّمَ كُلِّ الربِّح
الجزء: 6 - الصفحة: 19
للِمَالِكِ، وَللعَامِلِ أُجْرَةُ مثْلِهِ إِلاَّ إذَا فَسدَ بأَنْ شَرَطَ كُلِّ الرِّبْحِ للمَالِكِ فَفِيِ اسْتِحْقَاقِهِ الأُجْرَةَ وَجْهَانِ؛ لأنَّهُ لَمْ يَطْمعَ في شَيْءٍ أَصْلًا.
قال الرافعي: لما قضى حق القول في الأمور المعتبرة في القراض بَيَّن حكمه إذا فسد يتخلف بعض الشروط، وله ثلاثة أحكام.
أحدها: نفوذ تصرفاته نفوذها لو كان القراض صحيحًا؛ لأنه يتصرف بالإذن، والإذن موجود، وهذا كما أن تصرف الوكيل نافذ مع فساد الوكالة، وليس كما إذا أفسد البيع لا ينفذ تصرف المشتري؛ لأن المشتري إنما يتصرف بالملك، ولا ملك في البيع الفاسد (1).
والثاني: سلامة الربح كله للملك بتمامه للمالك؛ لأنه فائدة ماله، وإنما يستحق العامل بعضه بالشراط بالعقد الصحيح.
والثالث: استحقاق العامل أجرة مثل عمله، سواء كان في المال ربح، أو لم يكن، لأنه عمل طبعًا في المسمى، فإذا لم يسلم إليه وجب أن يرد عمله عليه وإن متعذر، فتجب قيمته، كما إذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا، وقبضه فتلف تلزمه قيمته.
وعن مالك أنه إن لم يحصل منه ربح، فلا شئ له، وإن حصل له، فله ما يقارض به مثله في محل ذلك المال، وهذه الأحكام مطردة في صورة الفساد، نعم لو قال: قارضتك على أن جميع الربح لي، و
فرع
نا على أنه قِرَاضٌ فاسد لا إبضاع، ففي استحقاق العامل أجرة المثل وجهان.
أحدهما: يستحق كما سائر أسباب الفساد 31.
وأصحهما: قال المزني المنع؛ لأنه عمل مجانًا غير طامع في شئ.
فرع:
قال المزني في "المختصر" لو دفع إليه ألف درهم، وقال: اشتر بها هرويًّا أو مرويًّا بالنصف، فهو فاسد، واختلفوا في تعليله.
فالأصح: وفي وهو سياق الكلام ما يقتضيه أن الفساد باعتبار أنه تعرض للشراء دون البيع، وهذا جواب على أصح الوجهين أن التعرض للشراء لا يغني عن التعرّض للبيع، بل لا بد من لفظ المُضَاربة ونحوها ليتناول البيع والشراء، أو من التصريح30
الجزء: 6 - الصفحة: 20
بالشراء والبيع جميعًا، وإذا اقتصر على الشراء، فللمدفوع إليه الاقتصار على الشراء، دون البيع، والربح كله للمالك، والخسران عليه.
وفيه وجه: أن التعرض للشراء كافٍ، وهو ينبه على البيع بعده، وفيما إذا أتى بلفظ المُضَاربة والقراض أيضًا حكايته وجه ضعيف في "النهاية" أنه كما لو قال: اشتر، ولم يتعرض للبيع.
وقيل: سبب الفساد في تصوير المزني أنه قال بالنصف، ولم يبين لمن النصف هو؟ فيحتمل أنه أراد شرطه لنفسه، وحينئذ يكون نصيب العامل مسكوتًا عنه، فيفسد العقد.
واعترض ابْنُ سُرَيْجٍ على هذا بأن الشرط ينصرف إلى العامل؛ لأن المالك يستحق بالمال لا بالشرط.
وعن ابْنِ أَبي هُرَيْرَةَ أن سبب الفساد أنه تردَّد بين النوعين، ولم يعين واحدًا، ولا أطلق التصرف في أجناس الأمتعة.
واعترض القاضي الحُسَيْنِ عليه أنه لو عَيْن أحدهما لحكمنا بالصِّحة، فإذا ذكرهما على الترديد فقد زاد العامل بسطةً وتخييرًا نينبغي أن يصح بطريق الأولى (1).
وقيل: سببه أن القراض إنما يصح إذا أطلق له التصرف في الأمتعة، أو عين جنسًا يعم وجوده، والهروِيّ والمروِيّ ليسا كذلك، وهذا القائل كأن يفرض في بلد لا يعمَّان به.
وقال الإمام: يجوز أن يكون سبب الفساد أنه أرسل ذكر النصف، ولم يقل بالنصف من الربح.
قال الغزالي:
البَابُ الثَّانيِ في حُكْمِ القِرَاضِ الصَّحِيحِ
وَلَهُ خَمْسَةُ أَحْكَام: الحُكْمُ الأَوَّلُ -أنَّ العَامِلَ كَالوكيلِ في تَقْيِيدِ تَصَرُّفِهِ بِالغِبْطَةِ، فَلا يَتَصَرَّفُ بالغَبْنِ وَلا بِالنَّسِيئَةِ بَيْعًا وَلاَ شِرَاءً إِلاَّ بِالإِذنِ، وَيَبَيعُ بِالعَرْضِ فَإنَّهُ عَيْنُ التِّجَارَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرَّدُ بِالعَيْبِ، فَإنْ تَنَازَعا فَقالَ العَامِلُ: يَرُدُّ وَامْتَنَعَ رَبُّ المَالِ أَوْ بِالعَكْسِ فَيُقَدَّمُ جَابِبُ الغِبْطَةِ وَلا يُعَامِلُ العَامِلُ المَالِكَ، وَلاَ يَشْتَري بِمَالِ القِرَاضِ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَإِنِ اشْتَرَى لَمْ يَقَعْ لِلقْراضِ، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ.
قال الرافعي: من أحكام القراض تقييد تصرف العامل بالغِبْطَة، كتصرف الوكيل ثم الغِبْطَة والمصلحة قد تقتضي التسوية بينهما، وقد تقتضي الفرق، وبيع العامل وشراؤه بالغَبْنِ كبيع الوكيل 33 بلا فرق، ولا يبيع نسيئة بدون الإذن، ولا يشتري أيضًا؛ لأنه ربما32
الجزء: 6 - الصفحة: 21
يهلك رأس المال فتبقى العهدة متعلقة به، فإن أذن في البيع نسيئة، ففعل وجب عليه الإشهاد 34، ويضمن لو تركه، ولا حاجة إليه في البيع حالًا؛ لأنه يحبس المبيع إلى استيفاء الثمن، ولو سلمه قبل استيفاء الثمن، ضمن كالوكيل، فإن كان مأذونًا في التسليم قبل قبض الثمن سلمه، ولم يلزمه الإشهاد؛ لأن العادة ما جرت بالإشهاد في البيع الحالِّ 35، ويجوز للعامل أن يبيع بالعرض، بخلاف الوكيل لأن المقصود من القراض الاسترباح بالعرض طريق فيه، وكذلك له شراء المعيب إذا رأى فيه ربحًا بخلاف الوكيل، فإن اشتراه بقدر قيمته قال في "التتمة": فيه وجهان؛ لأن الرغبات في المعيبِّ 36 تقل.
وإن اشترى شيئًا على ظنِّ السَّلامة، فَبَانَ معيبًا فله أن ينفرد بردّه، وإن كانت الغِبْطَة فيه، ولا يمنعه منه رضا المالك بخلاف الوكيل؛ لأن العامل صاحب حق في المال، وإن كانت الغِبْطَة في إمساكه، ففي "النهاية" وجهان في تمكّنه من الرد.
وأظهرهما: المنع لاخلاله بمقصود العقد، وحيث ثبت الرد للعامل ثبت للمالك بطريق الأولى، ثم الذي حكاه الإمام أن العامل يرد على البائع، وينقص البيع.
وأما المالك فينظر إن كان الشراء بِعَيْنِ مال القراض فكمثل، وإن اشترى العامل في الذِّمَّة، فيصرفه المالك عن مال القراض وفي إنصرافه إلى العامل ما سبق في إصراف العقد إلى الوكيل إذا لم يقع الموكل، ولو تنازع المالك والعامل في الرد، وتركه فعل، فيه الحظ 37. ولا يجوز للمالك معاملة العامل بأن يشتري من مال القِرَاض شيئًا؛ لأنه ملكة كما أن السيد لا يعامل المأذون.
ولا يجوز أن يشتري بمال القراض أَكثر من رأس المال؛ لأن المالك لم يرض بأن يشغل العامل ذمته إلاَّ به فلو فعل لم يقع ما زاد عن جهة القِرَاض 38 حتى لو دفع إليه مائة قراضًا فاشترى عَبْدًا بمائة، ثم آخر بمائة للقراض = يجوز بيع مال المحجور عليه بغين وإن قل جدًا، ثم قال -أعني الأذرعي- ويمكن حمله على مال القنية لا التجارة إذا كانت المصلحة في بيعه كذلك لكساده أو استبدال ما فيه ربح أو خشية فساده.
الجزء: 6 - الصفحة: 22
أيضًا لم يقع الثَّاني للقراض، ولكن ينظر إن اشتراه بعين المائة، فالشراء باطل سواء اشترى الأول بعين المائة، أو في الذمة.
أما إذا اشترى بعين المائة فلصيرورتها ملكًا للبائع الأول.
وأما إذا اشترى في الذمة، فلصيرورتها مستحقّة الصرف إلى العقد الأول، وإن اشترى العبد الثاني في الذمة لم يبطل، ولكن ينصرف إلى العامل حيث ينصرف شراء الوكيل المخالف إليه، وإذا انصرف العبد الثاني إلى العامل فإن صرف مائة القراض إلى ثمنه، فقد تعدَّى، ودخلت المائة في ضمانه، لكن العبد يبقى أمانه في يده؛ لأنه لم يتعدَّ فيه، فإذا تلفت المائة نظر إن كان الشراء الأول بعينها انفسخ، وإن وكان في الذمة لم ينفسخ، ويثبت للمالك على العامل، مائة والعبد الأول للمالك، وعليه لبائعة مائة فإن أداها العامل بإذن المالك، وشرط له 39 الرجوع ثبتت له مائة على المالك، ووقع الكلام في التَّقاصّ، وإن أدى بغير إذنه برئ المالك عن حق بائع العبد ويبقى حقه على العامل، ويجوز أن يعلّم قوله من لفظ الكتاب: "فلا يتصرف بالغَبْن ولا بالنَّسيئة -بالحاء- لأن أبا حنيفة يخالف فيه كما ذكرنا في الوكالة.
قال الغزالي: ولَوِ اشْتَريَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى المالِكِ لَمْ يَقَع عَنِ المَالِك فإنَّهُ نَقَيِضُ التِّجارَةِ، وَلَو اشْتَرَى زَوْجَةَ المَالِكِ فَوَجْهَانِ، والوَكيِلُ بِشِراءِ عَبْدٍ مُطْلَقٍ إِنِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى المُوَكَّلَ فِيهِ وَجْهَانِ، والعَبْدُ المأَذُونُ إِنْ قِيلَ لَهُ: اشْتَرِ عَبْدًا فَهُوَ كَالوَكِيِل، وَإِنْ قِيلَ لَهُ: اتَّجِر فَهُوَ كَالعَامِلِ، وَإِنْ اشْتَرَى العَامِلُ قَرِيبَ نَفْسِهِ وَلاَ رِبْحَ فِي المالِ صَحَّ، وَإِنِ ارْتَفَعَتِ الأَسْوَاقُ وَظَهَرَ رِبْحٌ وَقُلْنَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ عَتَقَ حِصَّتَهُ (و) وَلَمْ يَسْرِ إِذْ لاَ اخْتِيَارَ فِي ارْتفَاعِ السُّوقِ، وَإِنْ كَانَ فِي المَالِ رِبْحٌ وَقُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ صَحَّ وَلَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ لأنَّهُ مُخَالِفٌ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنْ صَحَّ عَتَقَ (و) حِصَّتَهُ وَسَرَى إِلَى نَصِيبِ المَالِكِ لأِنَّ المُشْتَرِي مُخْتَارٌ وَغُرِّمَ لَهُ حِصَّتَهُ.
قال الرافعي: مضمون الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا اشترى العامل مَنْ يعتق على المالك، فإما أن يشتريه بإذن المالك، أو بغير إذنه.
أما الحالة الأولى فيصح الشراء، ثم إن لم يكن في المال ربح عتق عن المالك، وارتفع القراض إن اشتراه بجميع مال القراض، وخيار رأس المال الباقي إن اشتراه
الجزء: 6 - الصفحة: 23
ببعضه، وإن كان في المال ربح ينبني على أن العامل متى يملك نصيبه من الربح؟
وإن قلنا: يملك بالقسمة عتق أيضًا، وغرم المالك نصيبه من الربح، وكأنه استرد طائفة من المال بعد ظهور الربح، وأتلفه.
وإن قلنا: إنه يملك بالظُّهور عتق منه حصّة رأس المال، ونصيب المالك من الربح، ويسري إلى الباقي إن كان موسرًا، أو يغرمه وإن كان معسرًا بقي رقيقًا.
وفيه وجه: أنه إذا كان في المال ربح، وقد اشتراه ببعض مال القراض، نظر إن اشتراه بِقَدْرِ رأس المال عتق، وكان المالك استرد رأس المال، والباقي ربح يتقاسمانه على قضية الشرط، وإن اشتراه بأقل من رأس المال، فهو محسوب من رأس المال، وإن اشتراه بأكثر حسب قدر رأس المال من رأس المال، والزيادة من حصة المالك، وما أمكن، والظاهر الأول وهو وقوعه سائغًا على ما سنذكره في استرداد طائفة من المال بعد الربح، والحكم فيما إذا أعتق المالك عبدًا من مال القراض كالحكم في شراء العالم من يعتق عليه بإذنه.
الحالة الثانية: أن يشتريه بغير إذن المالك، وهي التي قصدها صاحب الكتاب، فلا يقع الشراء عن المالك بحال؛ لأن مقصود العقد تحصيل الربح، وفي شراء من يعتق عليه تفويت رأس المال أيضًا، لكن ينظر إن اشتراه بعين مال القراض بطل من أصله، وإن اشتراه في الذمة وقع عن العامل، ولزمه الثمن من ماله، فإن أدَّاهُ من مال القراض ضمن.
ولو اشترى العامل زوجة المالك، أو زوج المالكة بغير إذنها فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة أنه يصح؛ لأنه اشترى له ما يتوقع فيه الربح، ولا يتلف رأس المال.
وأظهرهما: ويحكى عن نصه في "الاملاء": المنع؛ لأنه لو ثبت الملك لانفسخ النكاح، وتضرر به، والظاهر أنه لا يقصده بالإذن، وإنما يقصد مال فيه حظ، فعلى هذا الحكم كما لو اشترى من يعتق على المالك بغير إذنه.
وإذا وَكَّل وكيلًا بشواء عبد، فاشترى من يعتق على الموكل، ففي وقوعه عن الموكل وجهان نقلهما الإمام:
أحدهما: المنع؛ لأن الظاهر أنه يطلب عبد تجارة أو عبد قنية، وبشراء من يعتق عليه لا يحمل واحدًا من الوصفين.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الجمهور: الوقوع له لأن اللفظ [شامل وقد يرضى بعيد] 40 إن بقي له انتفع به، وإن أعتق عليه ناله ثوابه، وإنما أخرجناه عن التناول
الجزء: 6 - الصفحة: 24
بالقِرَاض لقرينة غرض التجارة.
فإن قلنا بالأول بطل الشراء إن اشتراه بعينه، وإلاَّ وقع عن الوكيل، والعبد المأذن له في التجارة إن اشترى من يعتق على سيده بإذن السيد صح، وعتق عليه إن لم يركبه دَيْن، وإن ركبه الديون ففي العتق قولان؛ لأن ما في يده كالمرهون بالديون.
وإن اشترى بغير إذنه، فقولان منصوصان:
أحدهما: أنه يصح ويعتق عليه؛ لأن العبد لا يمكنه الشراء لنفسه، وإنما يشتري لسيده، فإذا أطلق الإذن انصرف ما يشتريه إليه مقيداً كان أو غير مقيد، والعامل يمكنه الشراء، لنفسه، كما يمكنه الشراء للمالك، فما لا يقع مقصوداً بالإذن ظاهراً ينصرف إلى العامل.
وأصحهما، وهو اختيار المُزَنِيِّ أنه لا يصح كما في حق العامل؛ لأن السيد إنما أذن في التجارة، وهذا ليس من التجارة في شيء، ورأى الإمام القطع بهذا القول فيما إذا كان الإذن في التجارة، ورد الخلاف إلى ما إذا قال: تصرف في هذا المال، أو اشتر عبداً، وعلى هذا جرى صاحب الكتاب حيث قال: "إن قيل له: اشتر عبداً فهو كالوكيل وإن قيل: اتَّجِرْ فهو كالعامل"، أي هو كالوكيل في أن الخلاف يجد مجالاً ومضطرباً، ولا يمكن حمله على أن الخلاف، كالخلاف فإن الخلاف في المأذون قولان مشهوران، وفي الوكيل إن ثبت وجهان.
وقوله: "فهو كالعامل" يجوز إعلامه -بالواو- لأن الأكثرين أثبتوا القولين مع تصويرهم في الإذن في التجارة، وكذلك حكاه المزني عن نَصِّه في "المختصر"، ويجوز إعلامه -بالحاء- أيضاً لأن المحكى عن أبي حنيفة أنه إن لم يدفع السيد إليه، وإنما أذن له في التجارة صح الشراء، وعتق على السيد وإن دفع إليه مالاً فهو كالعامل، ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يركبه دين، فإن ركبه، وقد اشتراه بغير إذن السيد، ترتب الخلاف على الخلاف فيما إذا لم يركبه، وعدم الصحه هاهنا أولى، وإن صح ففي نفوذ العتق الخلاف السابق.
المسألة الثانية: إذا اشترى العامل من يعتق عليه، نظر إن لم يكن في المال ربح صح الشراء، ولم يعتق عليه كالوكيل يشتري قريب نفسه لموكله، ثم إن ارتفعت الأسواق، وظهر ربح بني على القولين في أن العامل متى يملك الربح؟
إن قلنا: يملكه بالقسمة لم يعتق بشئ منه.
وإن قلنا بالظهور فأظهر الوجهين، وهو المذكور في الكتاب أنه يعتق عليه قدر حصته من الربح؛ لأنه ملك بعض أبيه.
والثاني: لا يعتق؛ لأن الملك فيه غير تام من حيث إنه وِقَاية لرأس المال مُعَدًّا لهذا الغرض إلى انفصال الأمر بينهما بالمُقَاسمة.
الجزء: 6 - الصفحة: 25
فإن قلنا بالأول، ففي السرابة إن كان موسراً وتقويم الباقي عليه وجهان.
أحدهما: وبه أجاب الأكثرون: أنها تثبت كما لو اشتراه، فيه ربح، وقلنا: إنه يملك بالظهور.
والثاني: المنع، وهو الذي أورده في الكتاب؛ لأن العتق -والحالة هذه- يحصل في الدوام بسبب هو فيه غير مختار ومثل ذلك لا يتعلق به الشراء، ألا ترى أنه لو ورث بعض قريبه عتق عليه، ولم يشتر.
ومن قال بالأول أجاب بأنه لا اختيار في الإرث أصلاً وهاهنا الشراء أولاً، والإمساك ثانياً إلى ارتفاع الأسواق اختياران، وإن كان في المال ربح، سواء كان حاصلاً في الشراء، أو حصل بنفس الشراء مثل أن كان رأس المال مائة، فاشترى بها أباه، وهو يساوي مائتين.
فإن قلنا: إنه يملك الربح بالقسمة دون الظهور صَحَّ الشراء، ولم يعتق.
وإن قلنا: يملك بالظهور، ففي صحة الشراء في قدر حِصَّته من الربح وجهان:
أظهرهما: الصِّحة لأنه مطلق التصرف في ملكه.
والثاني: المنع؛ لأنه لو صح فإما أن يحكم بعتقه، وهو يخالف غرض الاسترباح الذي هو مقصود التجارة، أو لا يحكم فيختلف العتق عن ملك القريب.
فإن قلنا بالمنع، ففي الصحة في نصيب المالك قولا تفريق الصفقة، وإن قلنا بالصحة ففي عتقه عليه الوجهان السابقان.
وإن قلنا: يعتق فإن كان موسرًا سَرَى العتق إلى الباقي، ولزمه الغُرْم؛ لأنه مختار في الشراء، وإلاَّ بقي رقيقاً هذا كله فيما إذا اشترى العامل قريب نفسه بعين مال القراض.
أما إذا اشتراه في الذمة للقراض فحيث صحَّحنا الشراء بعين مال القراض أوقعناه هاهنا عن القراض، وحيث لم نصحح أوقعناه هاهنا عن العامل، وعتق عليه.
وعن صاحب "التقريب" قول: أنه أطلق الشراء، ولم يصرفه إلى القراض لفظاً، ثم قال: كنت نويته.
وقلنا إنه إذا وقع القِرَاض لم يعتق منه شيء لا يقبل قوله: لأن الذي جرى عقد عتاقه، فلا يمكن من رفعها.
فرع
: ليس لعامل القراض أن يكاتب عبد القراض بغير إذن المالك، فإن كاتباه معاً جاز، وعتق بالأداء، ثم إن لم يكن في المال ربح فولاؤه للمالك، ولا ينفسخ القِرَاض بما جرى من الكتابة في أظهر الوجهين، بل ينسحب على النجوم، وإن كان فيه ربح فالولاء بينهما على حسب الشرط، وما يزيد النجوم على الثمن من القيمة ربح.
الجزء: 6 - الصفحة: 26
قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّاني -لَيْسَ لِعامِلِ القِرَاضِ أنْ يُقَارِض عَامِلاً آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنَ المَالِكِ، وَفيِ صحَّتِهِ بِالإِذْنِ خِلاَفٌ (و) فَإِنْ فَعَلَ بِغَيْرِ الإذْنِ وَكَثُرَتِ التَّصَرُّفَاتُ وَالرِّبْحُ [فَعَلى الجَدِيدِ الرَّبْحُ كُلُّهُ لِلعَامِلِ الأَوَّلِ وَلاَ شَيْء للمَالِكِ]، وَلْلعَامِلِ الثَّاني أَجْرُ مِثْلهِ عِلىَ العَامِلِ الأَوَّلِ إِذِ الرَّبْحُ عَليَ الجَديِدِ لِلغَاصِبِ، وَالعَامِلُ الأَوَّلُ هُوَ الغَاصِبُ الَّذيِ عُقِدَ العَقْدُ لَهُ، وَقِيلَ: كُلُّهُ لِلْعَامِلِ الثاني فإنه الغَاصِبُ، وَعَلَى القَديمِ يُتَّبعَ مُوُجَبُ الشَّرْطِ لِلْمَصْلَحَةِ وَعُسْرِ إِبْطَالِ التصَّرُّفاَتِ وَللمْالِكِ نِصْفُ (و) الرِّبْحِ وَالنِّصْفُ الآخَرُ بَيْنَ العَامِليْنِ نِصُفَيْن (و) كَمَا شَرَطَا، وَهَلْ يَرْجِعُ العَامِلُ الثَّانيِ بِنِصْفِ أُجْرَةِ مِثْلِه لأنَّه كَانَ طَمِعَ في كُلِّ النِّصْفِ مِنَ الرَّبْحِ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا قارض العامل غيره 41 لم يَخْلُ إما أن يقارضه بإذن المالك، أو بغير إذنه.
أما الحالة الأولى فتتصور على وجهين.
أحدهما: أن ينسلخ العامل من الدَّين، وينتهض وكيلاً في القراض مع الثاني، كأن المالك سلم إليه المال، وإذن له في أن يقارض غيره إن بدا له، فهذا صحيح كما لو قارضه المالك بنفسه 42، ولا يجوز أن يشترط الأول لنفسه شيئاً من الربح، ولو فعل فسد القراض، وللثاني أجرة المثل على المالك لما مَرَّ إن شرط الربح لغير المالك، والعامل ممتنع.
والثاني: أن يأذن له في أن يعامل غيره ليكون ذلك الغير شريكاً له في العمل، والربح المشروط له على ما يراه، حكى 43 الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: الجواز كما لو قارض المالك شخصين في الابتداء.
وأشبههما: المنع لأنَّا لو جوزنا ذلك لكان الثاني فرعاً للأول منصوباً من جهته، والقراض معاملة تضيق محال القياس فيها، فلا يعدل بها عن موضوعها، وهو أن يكون أحد المتعاقدين مالكاً لا عمل له، والثاني: عاملاً لا ملك له، وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله في الباب الأول حين ذكر هذه المسألة.
"لأن موضع القراض أن يدور بين مالك وعامل".
وليكن لفظ الكتاب هنالك معلّماً بالواو.
الجزء: 6 - الصفحة: 27
نعم لو قارض العامل غيره بمقدار مما شرط له، أما إذا قارض بمقدار ما شرط له كان ذلك على 44 التصوير الأول، وهو جائز بلا خلاف.
الحالة الثانية: أن يقارض العامل بغير إذن المالك فهو فاسد 45؛ لأن المالك لم يأذن فيه، ولا ائتمن على غيره ويجيء فيه القول المذكور في أن تصرفات الفُضُوليّ تنعقد موقوفة على الإجازة.
وإذا قلنا بالمذهب فلو أن الثاني تصرّف في المال وربح، فهذا ينبني على أن الغاصب إذا اتَّجر في المال.
مغصوب ما حكم تصرفه؟ ولمن الربح الحاصل؟.
وأما إذا تَصرَّفَ في عين المَغْصُوب، فتصُّرف 46 الفضولي.
فأما إذا باع سلماً، أو اشترى في الذمة، وسلم المغصوب فيما [التزمه وربح فعلى الجديد: الربح للغاصب؛ لأن التصرف صحيح، والتسليم فاسد]، فيضمن المال الذي سلمه، ويسلم له الربح، وهذا قياس ظاهر.
وعلى القديم: هو للمالك توجيهاً بحديث عُرْوَةَ البَارِقيِّ، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ رأس المال والربح، وبأنا لو جعلناه للغاصب لا تخذه الناس ذَرِيْعَةً إلى الغصب، والخيانة في الودائع، والبضاعات، وأن تصرفات الغاصب قد تكثر، فيتعسر بيع الأمتعة التي تداولتها الأيدي المختلفة، أو يتعذر، وفي هذا القول مباحثات:
أحداها: الجَزْم على هذا القول بإن الربح للمالك، أو نوقفه على إجازته واختياره؟
قيل بالوقف على الإجازة، وبني هذا القول على قول الوَقْف في بيع الفُضُولي، وإنما لم يتعرض الشافعي -رضي الله عنه- للفسخ والإجازة؛ لأن الغالب أنه يجيز إذا رأى الربح، فعلى هذا إذا رده يرتد، سواء اشترى في الذمة، أو بعين المغصوب.
وقال الأكثرون: إنه مجزوم به، ومبني على المصلحة، وكيف يستقيم توقيف شراء الغاصب لنفسه على إجازة غيره؟ وإنما يجري قول الوقف إذا تصرف في عين مال الغير أوْ له.
الثانية: إذا كان في المال ربح، وكثرت التصرفات، وعسر تتبعها فهو موضع القول القديم، أما إذا قَلَّت، وسهل التتبع ولا ربح، فلا مجال له.
الجزء: 6 - الصفحة: 28
قال الإمام وحكى وجهين فيما إذا سمهل التتبع، وهناك ربح أو عسر ولا ربح.
الثالثة: لو اشترى في ذمته، ولم يخطر له أن يؤدي الثمن من الدراهم المغصوبة، ثم سَنَحَ له ذلك.
قال الإمام ينبغي ألا يجيء فيه القول القديم أن صدقه صاحب الدراهم.
واعلم أن المسألة قد تلقب بمسألة البضاعة، وقد ذكرناها، والاختلاف فيها مر على الاختصار مرة في أول البيع وأخرى في الغَصْب.
إذا تقرر ذلك فعلى الجديد ينظر إن اشترى بعين مال القراض، فهو باطل، وإن اشترى في الذمة، فأحد الوجهين: أن كل الربح للعامل الثاني؛ لأنه المتصرف كالغاصب في صورة الغَصْب.
وأصحهما: وبه أجاب المُزَنِيُّ: أن كله للأول؛ لأن الثاني تصرف للأول بإذنه، فكان كالوكيل من جهته، وعليه للثاني أجرة عليه ويحكى هذا عن أَبِي حَنِيْفَةَ.
وإن قلنا بالقديم، ففيما يستحقُّه المالك من الربح وجهان:
أحدهما: ولم أره إلاَّ في كتاب أبِي الفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ: أن كله للمالك، كما في الغَصْب طرداً لقياس هذا القول، وعلى هذا فللعامل الثاني أجرة مثله، وعلى مَنْ تجب؟
حكى فيه وجهان:
أحدهما: أنها على العامل الأول؛ لأنه استعمله وغيره.
والثاني: على المالك؛ لأن نفع عمله عاد إليه.
وأصحهما: وبه أجاب المزني: أن له نصف الربح، لأنه رضي به، بخلاف صورة الغَصْب، فإنه لم يوجد منه رضا به، فصرفنا الكل إليه قطعاً لطمع الغُصَّاب والخائنين، وعلى هذا ففي النصف الثاني وجوه:
أحدها: وهو اختبار ابْنِ الصَّبَّاغِ: أن كله للعامل الأول؛ لأن المالك إنما شرط له، وعقده معِ الثاني فاسد، فلا يتبع شرطه، وعلى هذا فللثاني أُجْرة مثل عمله على الأولِ؛ لأنه غَرَّهُ.
والثاني: أن كله للثاني؛ لأنه العامل، أما الأول فليس له عمل ولا ملك، فلا يصرف إليه شيء من الربح.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب: أنه يكون بين العاملين بالسَّوية وبه أجاب المزني، ووجهه أن تتبع التصرفات عسير، والمصلحة اتباع الشرط، إلا أنه تعذَّر الوفاء به في النصف الذي أخذه المالك، فكأنه تلف، وانحصر الربح في الباقي، وعلى هذا فهل يرجع العامل الثاني بنصف أجرة المثل؟
الجزء: 6 - الصفحة: 29
فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه كان قد طمع في نصف الربح بتمامه، ولم يسلم له إلاَّ نصف النصف.
وأشبههما، وبه قال المزني، وأبو إسحاق: لا؛ لأن الشرط محمول على ما يحصل لهما من الربح، والذي حصل هو الربح، والوجهان فيما إذا كان العامل الأول قد قال: على أن ربح هذا المال بيننا، أو على أن لك نصفه.
أما إذا كانت الصيغة على أن ما يرزقنا الله -تعالى- من الربح فبيننا.
قطع الأكثرون بأنه لا يرجع؛ لأن النصف هو الذي رُزِقَاهُ.
وعن الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ إجراء الوجهين؛ لأن المفهوم تشطر جميع الربح، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه إذا جرى القراضان على المناصفة، فإن كانا أو أحدهما على نسبة أخرى، فعلى ما تشارطا، وهذا كله فيما إذا تصرف الثاني وربح.
أما إذا هلك المال في يده، فإن كان عالماً بالحال، فهو غاصب أيضاً، وإن كان يظن العامل مالكاً، فترتب يده على يد الأول كترتب يد المودع على يد الغاصب؛ لأنه يد أمانة.
وفي طريق هو كالمُتَّهب من الغاصب لعود النفع إليه، وقد بينا الحكم فيهما ضماناً وقراراً من قبل.
وقوله في الكتاب: "وكثرت التصرفات والربح" يشعر باعتيار الأمرين لمجيء الخلاف، وفيه من التردد ما ذكرناه، ثم ليس المراد: وكثر الربح، بل المعنى: وحصل الربح، ومما أشبهه؛ لأن الكثرة في الربح غير معتبرة بالاتفاق.
وقوله: "والعامل الأول هو الغاصب" أي هو الجائز الذي يقع التصرف في المال له، كما يقع في الغَصْب للغاصب.
وقوله: وقيل: "كله للعامل الثاني فإنه الغاصب" ليس محمولاً على ما ذكر ما ذكرناه في حق الأول، لكن المعنى به أنه الشبيه بالغاصب من حيث إنه المتصرف في المال بيعاً وشراءً وأخذاً وإعطاءً.
وقوله: "وللمالك نصف الربح".
وقوله: "بين العاملين" معلَّم -بالواو- لما عرفته.
قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّالِثُ -لَيْسَ للعَامِلِ أَنْ يُسَافِرَ (ح م و) بِمَالِ القِراضِ إلاَّ بِالإِذْنِ فَإنَّهُ خَطَرٌ فإن فَعَلَ نَفَذَتْ تَصَرُّفَاتُهُ وَاسْتَحَقَّ الرِّبْحُ وَلَكِنَّهُ ضَامِنٌ بِعُدْوَانِهِ، وإِذَا سَافَرَ بِالإِذْنِ فأُجْرَةُ النَّقْلِ عَلَى مَالِ القِرَاضِ كَمَا أَنَّ نَفَقَةَ الوَزْنِ وَالكَيْلِ وَالحَمْلِ الثَّقِيلِ في الحَضَرِ أَيضاً عَلَى القِرَاضِ، وَلَيْسَ علَى العَامِلِ إلاَّ التِّجَارَةُ وَالنَّشْرُ وَالطَّيُّ وَنَقْلُ الشَّيْءِ الخَفِيفِ، فَإنْ تَعَاطَى شَيْئًا مِمَّا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ عَلَى ما عليه فَعَلَيْهِ
الجزء: 6 - الصفحة: 30
الأُجْرَةُ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ (م) في الحَضَرِ، وَنَصَّ في السَّفَرِ أَنَّ لَهُ نَفَقَتَهُ بِالمعرُوفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَزَّلَهُ عَلَى نَفَقَةِ النَّقْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَوَجْهُ الفَرْقِ بَيْنَ الحَضَرِ وَالسَّفَر أَنَّهُ مُتَجَرِّدُ فِي السَّفَرِ لِلشُّغْلِ، فَعَلَى هَذَا لَو اسْتَصْحَبَ مَعَ ذَلكَ مَالَ نَفْسِهِ وَزَّع النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَدْ قِيلَ القَوْلاَنِ في القَدْرِ الَّذيِ يَزِيِدُ في النَّفَقَةِ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ فِي الأَصْلِ.
قال الرافعي: كلام الفصْل على التفات بعضه بالبعض يشتمل على ثلاثة مقاصد:
أحدها: أنه ليس للعامل أن يسافر بمال القراض بغير إذن المالك 47.
وعن أبي حنيفة، ومالك أن له ذلك عند أَمْن الطريق.
وفي تعليق الشيخ أبي حامد نقل قول مثله عن البْوَيْطِيِّ.
لنا: أن فيه [خطراً] وتعريضاً للهلاك، فلا ينبغي أن يستقل به فلو خالف ضمن المال، ثم ينظر إن كان المتاع بالبلد التي سافر إليها أكثر قيمة، أو تساوت القيمتان صح البيع، واستحق الربح لمكان الإذن، وإن كان أقل قيمة لم يصح البيع بتلك القيمة، إلاَّ أن يكون النقصان بقدر ما يَتَغَابن به، وإذا صححنا البيع، فالثمن الذي يأخذه يكون مضموناً عليه أيضاً، بخلاف ما إذا تعدى الوكيل بالبيع في المال ثم باع، وقبض الثمن لا يكون مضموناً عليه؛ لأن العدوان لم يوجد في الثمن، وهاهنا سبب العدوان السفر، ومزايلة 48 مكان المال، وإنه شامل، ولا تعود الأمانة بالعود من السفر، وإذا سافر بالإذن فلا عدوان، ولا ضمان.
قال في التتمة وبيع المال في البلد المنقول إليه بمثل ما كان يبيعه في المنقول عنه، وبأكثر منه، وأما بما دونه فإن ظهر فيه غرض بأن كانت مؤنة الرد أكثر من قدر النقصان، أو أمكن صرف الثمن إلى متاع يتوقع فيه الربح، فله البيع أيضاً، وإلاَّ لم يجز؛ لأنه محض تخسير 49.
الجزء: 6 - الصفحة: 31
الثاني: على العامل أن يتولى ما جرت العادة به من نَشْر الثياب وطَيِّها وذَرْعها وإدراجها السفط، وإخراجها، ووزن ما يخف كالذهب والمسك والعود، وقبض الثمن، وحمله، وحفظ المتاع على باب الحانوت، وفي السفر بالنوم عليه ونحوه، وليس عليه وزن الأمتعة الثقيلة، وحملها، ونقل المتاع من الختان إلى الحانوت، والنداء عليه، وما يجب عليه أن يتولاه لو استأجر عليه لزمه الأجرة في ماله، وما لا يجب أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القَراضِ، لأنه من تتمة التجارة، ومصالحها، فإن تولاه بنفسه لم يكن له أخذ الأجرة، بل هو متبرع، ومريد كسباً بالاسترباح.
الثالث: القول في المؤنات، ولا يجوز للعامل أن ينفق في الحضر من مال القراض على نفسه، أو يواسي منه بشيء.
وعن مالك -رضي الله عنه- أن له أن ينفق منه على العادة كالغذاء، ودفع الكسرة إلى السقاء، وأجرة الكَيَّال والوزان والحمال في مال القراض، وكذا أجرة النقل إذا سافر بالإذن، وأجرة الحارس والرَّصْدي.
ونص في المختصر أن له النفقة بالمعروف.
وقال في البويطي: لا نفقة له وللأصحاب طريقان:
أحدها: أنهما قولان:
أظهرهما: أنه لا نفقة كما في الحضر، وهذا لأنه ربما لا يحصل إلاَّ ذلك القدر، فيختل مقصود العقد.
والثاني: تجب، وبه قال مالك، بخلاف ما إذا كان في الحضر؛ لأنه في السفر سلم نفسه وجردها لهذا الشغل، فأشبه الزوجة تستحق النفقة إذا سلمت نفسها، ولا تستحق إذا لم تسلم.
والثاني: القطع بالمنع، وحمل ما نقله المزني على أجرة النقل.
ومنهم من قطع بالوجوب، وحمل ما في البُوَيْطيِّ على المؤن النادرة كأجرة الحَجَّام والطبيب، وإذا أثبتنا القولين فهما في كل ما يحتاج إليه من الطعام والكسوة والإدام تشبيهاً بما إذا سلمت الزوجة نفسها، أو فيما يزيد بسبب السفر كالخُفّ والإداوة، وما أشبهما؛ لأنه لو كان في الحضر لم يستحق شيئاً فيه وجهان.
أصحهما: الثاني، وبه قال مَالِكٌ فيما رواه ابْنُ الصَّبَّاغِ، وأبو سعيد المتولي، ثم تفرع على القول بالوجوب فروع:
منها: لو استصحب مال نفسه مع مال القراض وزعت النفقة على قدر المالين.
الجزء: 6 - الصفحة: 32
قال الإمام: ويجوز أن ينظر إلى مقدار العمل على المالين، ويوزع على أجرة مثلهما.
وفي "آمالي" أبِي الفَرَجِ السَّرْخَسيِّ أنها إنما توزع إذا كان ماله قدراً يقصد السفر له 50، وإن كان لا يقصد، فهو كما لو لم يكن معه غير مال القِرَاض.
ومنها: لو رجع العامل، وبقي معه فصل زاد أو آلات أعدها للسفر كالمطهرة ونحوها، هل عليه ردها إلى مال القراض؟ فيه وجهان عن الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ:
وأظهرهما: نعم.
ومنها: لو استرد المالك المال منه في الطريق، أو في البلد الذي 51 سافر إليها لم يستحق نفقة الرجوع على أظهر الوجهين، كما لو خالع زوجته في السفر.
ومنها: يشترط عليه إلاَّ يسرف، بل يأخذ بالمعروف، وما يأخذ يحسب من الربح، فإن لم يكن ربح فهو خسران لحق المال ومهما أقام في طريقه فوق مدة المسافرين في بلد، لم يأخذ لتلك المدة.
ومنها: لو شرط نفقة السفر في ابتداء القراض، فهو زيادة تأكيد إذا قلنا بالوجوب.
أما إذا لم تقل به، فأظهر الوجهين أنه يفسد العقد، كما لو شرط نفقة الحضر.
والثاني: لا يفسد؛ لأنه من مصالح العقد من حيث إنه يدعوه إلى السفر، وهو مظنة الربح غالباً، وعلى هذا فهل يشترط تقديره؟
فيه وجهان:
وعن رواية المزني في "الجامع الكبير" أنه لا بد من شرط النفقة للعقد مقدرة، لكن الأصحاب لم يثبتوها.
وقوله: في الكتاب "ونفقته على نفسه في الحضر ونص في السفر أن له نفقته بالمعروف .... " إلى آخره يقتضي ظاهره أخذ المنع في أحد القولين من أنه لا نفقة في الحضر لا على سبيل التخريج؛ لأنه لم يحكي عن النص سواء الوجوب، وليس كذلك بل القولان عند من أثبتهما منصوصان، هذا في رواية المزني، وهذا رواية البويطي.
قال الغزالي: الحُكْمُ الرَّابعُ اخْتَلَفَ القَوْلُ في أنَّهُ هَلْ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بمُجَرَّدِ (م ز) الظُّهُورِ أَمْ يَقِفُ عَلَى المُقَاسَمَةِ، فَإنْ قُلْنَا: يملك بِمُجَردِ الظُّهُورِ فَهُوَ مِلْكٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بَلْ
الجزء: 6 - الصفحة: 33
هُوَ وقَايَةْ لِرَأْسِ المَالِ عَنِ الخُسْرَانِ، وَإِنْ وَقَعَ خُسْرَانٌ انْحَصَرَ في الرِّبْحِ، وَلاَ يَسْتَقرُّ إلاَّ بِالقِسْمَةِ، وَهَلْ يَسْتَقَرُّ بِالتَّنْضِيضِ وَالفَسْخِ قَبْلَ القِسْمَة؟ فِي وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ (ح) فَلَهُ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ حَتَى لَوْ مَاتَ يُورَثُ عَنْه، وَلَوْ أَتْلَفَ المَالِك المَالَ غُرِّمُ حِصَّتهُ، وَكَذَا الأَجْنَبيُّ فَإِنَّ الإِتْلافَ كَالقِسْمَةِ، وَلَوْ كَانَ في المَالِ جَارَيةٌ لَمْ يَجُزْ لِلمَالِكِ وَطْؤُهَا لِحَقِّهِ.
قال الرافعي: متى يملك العامل من الربح الحصة المشروطة له من الربح.
أحد قولي الشَّافعي: أنه يملكها بالظهور، كما يملك عامل المُسَاقاة نصيبه من الثمار بالظهور، ولأن سبب الاستحقاق الشرط الصحيح، فإِذا حصل الربح، فليثبت موجب الشرط، ولأنه سبيل من مطالبة المالك بأن يقتسما الربح، ولولا أنه مالك لما كان كذلك.
والثاني: لا يملك إلاَّ بالقسمة؛ لأنه لو ملك بالظهور لكان شريكاً في المال، ولو كان شريكاً لكان النقصان الحادث بعد ذلك شائعاً في المال، فلما انحصر في الربح دَلَّ على عدم الملك.
وأيضاً فإن القراض معاملة جائزة، والعمل فيها غير مضبوط، فوجب ألاَّ يستحق العوض فيها إلاَّ بتمام العمل، كما في الجعالة.
وأصح القولين الأول عند الشيخ أبي حامد وطائفة.
والثاني: عند الأكثرين منهم المسعودي، والقاضي الروياني، وصاحب "التهذيب"، وقد ذكرنا ذلك في "الزكاة" وبينا أن أبا حنيفة قال بالأول، والمزني قال بالثاني، وهو مذهب مَالِكٍ أيضاً.
التفريع
:
إن قلنا: إنه يملك بالظهور، فليس ملكاً مستقرّاً، بل لا يتسلط العامل عليه، ولا يملك التصرف فيه؛ لأن الربح وقاية لرأس المال عن الخسران ما دامت المعاملة باقية حتى لو اتفق خسران كان محسوباً من الربح دون رأس المال ما أمكن، وكذلك نقول: إذا طلب أحد المتعاقدين قسمة الربح قبل فسخ القِرَاض لا يجبر الآخر عليه.
أما إذا طلب المالك فلأن العامل يقول: لا آمن الخسران، فنحتاج إلى رد ما اقتسمنا.
وأما إذا طلب العامل، فلان المالك يقول: الربح وقاية مالي، فلا أدفع إليك شيئاً حتى تسلم لي رأس المال، فإذا ارتفع القراض، والمال نَاضّ، واقتسما حصل الاستقرار، وهو نهاية الأمر، وكذلك لو كان قدر رأس المال نَاضاً، وأخده المالك، واقتسما الباقي، وهل يحصل الاستقرار بارتفاع العقد، ونضوض المال من غير قسمة فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن القسمة الباقية من تتمة عمل العامل.
وأصحهما: الاستقرار لارتفاع العقد، والوثوق بحصول رأس المال، وإن كان
الجزء: 6 - الصفحة: 34
المال عروضاً، فينبني على خلاف سيأتي في أن العامل، هل يجبر على البيع والتنضيض؟ إن قلنا: نعم، فظاهر المذهب أنه لا استقرار؛ لأن العمل لم يتم.
وإن قلنا: لا فوجهان كما لو كان المال ناضّاً، ولو اقتسما الربح بالتراضي قبل فسخ العقد لم يحصل الإستقرار، بل لو حصل خُسْران بعده كان على العامل جَبْره بما أخذ، وبهذا يتبين أن قوله في الكتاب: "ولا يستقر إلاَّ بالقسمة" غير معمول بظاهره فيما يرجع الاكتفاء بالقسمة.
وإن قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بالقسمة، فله فيه حق مؤكد حتى يورث عنه إذا مات، لأنه كان لم يثبت الملك له، فقد ثبت له حق التملك، ويقدم على الغرماء لتعلق حقه بالعين، وله أن يمتنع عن العمل بعد ظهور الريح، ويسعى في التنضيض ليأخذ منه حقه، ولو أتلف المالك المال غرم حصّة العامل، وإن كان الإتلاف بمثابة الاسترداد ولو استرد الكل غرم حصة العامل، فكذلك إذا أتلف.
وأما قوله: "وكذا الأجنبي فإن الاتلاف كالقسمة".
وأعلم أن الأجنبي إذا أتلف مال القراض ضمن بدله، وبقي القراض في بدله، كما كان، هذا ما ذكره الأصحاب في حكم المسألة، وفي نظم الكتاب خلافان.
أحدهما: أن الغرض في هذا المقام التفريع على أن العامل إنما يملك حصّته بالقسمة، وعلى هذا القول يكون كل الربح قبل القِسْمة للمالك، وحينئذ يستحسن الكلام في أنه لو أتلف المالك المال غرم حصّة العامل لتعرف تأكيد حقه، وإن لم يكن مالكاً لكن لا يستحسن ذكر إتلاف الأجنبي؛ لأنه لا يمكن أن يقال أنه يغرم حصة العامل، إذْ لا امتياز لها لبقاء القراض بحاله ولا اختصاص الغرم بها، بل يغرم كل المال، وأصل الغرم لا دلالة له على حق العامل.
والثاني: أن قوله: "فإن الإتلاف كالقسمة" لا ينصرف إلى مسألة الأجنبي؛ لأن القراض إذا بقي في البدل لم يكن الإتلاف مفيداً للقسمة، بل هو مصروف إلى ما قبلها، وهو إتلاف المالك، وأنما كان كالقسمة؛ لأنه أتلف ملكه وملك غيره أو حق غيره، ولا يمكن تغريمه ملك نفسه، ولا تعطيل حق الغير، فيغرم حق الغير، وذلك يتضمن مقصود القسمة، وهو التمييز.
ولو كان في المال جارية لم يجز للمالك وطؤها إن كان في المال ربح لملك العامل، أو حقه، كان لم يكن ربح فكذلك الجواب، ووجهوه بأن انتفاء الربح في المتقومات غَيْرُ معلوم، وإنما يستقر الحال بالتَّنْضيض، واستبعد الأمام التحريم إذا تيقَّن عدم الربح.
قال: ويمكن تخريجه على أن العامل لو طلب بيعها، وأباه المالك هل له ذلك؟
فيه خلاف سيأتي، فإن اسغناه فقد أثبتنا له علقة فيها، فيحرم الوطء بها.
الجزء: 6 - الصفحة: 35
وإذا قلنا بالتحريم ووطئ، فللشيخ أبي محمد تردد في أنه هل يكون ذلك فسخاً للقراض؟ والأظهر المنع، ولا يلزم الحَدّ، وحكم المهر سنذكره، ولو وطئها العامل، فعليه الحد إن لم يكن ربح إن وكان عالمًا 52 وإِلا فَلاَ حَدَّ، ويؤخذ منه جميع المهر، ويجعل في مال القراض؛ لأنه ربما يقع خسران يحتاج إلى الجبر، ولو استولدها لم تصر أم ولد.
وإن قلنا: إنه لا يملك بالظهور.
وإن قلنا: يملك ثبت الاستيلاد في نصيبه، ويقوَّم عليه الباقي إن كان موسراً.
ولا يجوز للمالك تزويج جارية القراضِ؛ لأن القراض لا يرتفع بالتزويج، وإنه ينقص قيمتها فيتضرر العامل به.
قال الغزالي: الحُكْمُ الخَامِسُ الزِّيَادَةُ العَيْنِيَّةِ كَالثَّمَرَةِ وِالنِّتَاجُ مَحْسُوبٌ مِنَ الرِّبْحِ وَهُوَ مالُ القِراضِ، وَكَذَا بَدَلُ مَنَافعِ الدَّوَابِّ وَمهْرِ وَطْءِ الجَوَارِي حَتَّى لَوْ وَطِئ السَّيِّدَ كَانَ مُسْتَرِدَاً بِمِقِدْارِ العُقْرِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَمَا يَحْصُلُ بِانْخِفَاضِ السُّوقِ أَوْ طَرَيَانِ عَيْبٍ وَمَرَضٍ فَهُوَ خُسْرَانٌ يَجِبُ جَبْرُهُ بِالرِّبْحِ، وَمَا يَقَعُ بِاحِتْراقٍ وَسَرَقةِ به عَيْنٍ فَوَجْهَانِ: أصحُّهمَا أَنَّهُ مِنَ الخُسْرَانِ كَمَا أَنَّ زِيَادَةَ العَيْنِ مِنَ الرِّبْحِ، وَلَوْ سَلمَ إِلَيْهِ أَلفَيْنِ فَتَلفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيِ شَيْئاً به أَوْ بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ كمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَثَلاً وَلَكِنْ قَبْلَ البَيْعِ فَرَأْسُ المَالِ أَلْفٌ أَوْ أَلْفَانِ فِيهِ وَجْهَان وَهُوَ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الخُسْرَانِ وَهُوَ وَاقِعٌ قَبْلَ الخَوْضِ في التَّصَرُفَاتِ؟
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما يقع في مال القراض زيادة أو نقصان.
أما الزيادة فثمرة الشجرة المشتراة للقراض، ونَتِاج البهيمة، وكسب الرقيق، وولد الجارية، ومهرها إذا وطئت بالشبهة 53 أطلق صاحب الكتاب، والإمام القول بأنها من مال القراض؛ لأنها من فوائده، وكذا بدل منافع الدواب، والأراضي، وذلك قد يجب بتعدي المتعدي باستعمالها، وقد يجب بإجارة تصدر من العامل، فإن له الإجارة إذا رأى فيها المصلحة.
وفصّل في "التتمة" فقال: إن كان في المال ربح، وملَّكنا العامل حصته بالظهور، فالجواب كذلك، وإن لم يكن ربح، أو لم نملكه، فمن الأصحاب من عدها من مال القراض كالزيادات المتصلة.
وقال عامتهم: يفوز بها المالك؛ لأنها ليست من فوائد
الجزء: 6 - الصفحة: 36
التجارة، ويشبه أن يكون هذا أولى، فإن جعلناها مال القراض، قال هاهنا، وفي "الوسيط": هي بجبر من الربح، وهو قضية ما في "التهذيب".
وأورد بعض أصحاب الإمام أنها لا تعد من الربح خاصة، ولا من راس المال، بل هي شائعة.
وقوله في الكتاب: وهو"مال القراض" بعد قوله: "محسوبة من الربح" يستغني عنه، نعم لو قدم وأخر، فقال: إنها مال القراض، وهي محسوبة من الربح كان حسناً.
وكذلك لفظ "الوسيط" وإن وطئها المالك قال المصنف وغيره إنه يكون مستردّاً مقدار العُقْرِ، حتى يستقر نصيب العامل -منه.
في "التهذيب" أنه إن كان في المال ربح، وملكناه بالظهور وجب نصيب العامل من الربح، وإلاَّ لم يجب شيء فليعلم كذلك.
وقوله في الكتاب "كان مستردّاً مقدار العُقرِ" -بالواو- واستيلاد المالك جارية القراض كإعتاقها، وإِذا أوجبنا المهر بالوطء الخالي عن الإحبال، فالظاهر الجمع بينه وبين القيمة.
وأما النقصان فما يحصل بانخفاض السوق فهو خسران مجبور بالربح، وكذا النقصان بالتعييب، والمرض الحادث، والنقصان العيني، وهو تلف البعض ينظر إن حصل بعد التصرف في المال بيعاً وشراء، فالأكثرون ذكروا أن الاحتراق وغيره من الآفات السماوية خسران مجبور بالربح أيضاً، وفي التلف بالسرقة والغصب وجهان، والفرق أن في الضمان الواجب ما يجبره، فلا حاجة إلى جبره بمال القراض.
وَسَوَّى المصنف وطائفة بين الهلاك بالآفة السماوية وغيرها، فحكوا الوجهين في النوعين.
ووجه المنع أنه نقصان لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته، بخلاف النقصان الحاصل بانخفاض السوق، وليس هو بناشئ من نفي المال الذي اشتراه العامل، بخلاف المرض والعيب، فلا يجب على العامل جبره، وكيفما كان فالأصح أنه مجبور بالربح، وإن حصل النقصان قبل التصرف فيه بيعاً وشراء، كما إذا دفع إليه ألفي درهم قراضاً، فتلف ألف قبل أن يتصرف، فيه وجهان:
أحدهما: أنه خسران أيضاً مجبور بالربح الحاصل بعده؛ لأنه بقبض العامل صار مال القِرَاض، وعلى هذا فرأس المال الفان كما كان، ويقال: هذا هو منقول المُزَنْيِّ عن الجامع الكبير.
وأظهرهما: أنه يتلف من رأس المال، ويكون رأس المال الألف الباقي؛ لأن العقد لم يتأكد بالعمل، ولو اشترى بألفين عبدين أو ثوبين، فتلف أحدهما.
فإن قلنا: لو تلف أحد الألفين قبل التصرف جبرناه بالربح، فهاهنا أولى.
وإن قلنا: يتلف من رأس المال فوجهان:
الجزء: 6 - الصفحة: 37
أحدهما: أن الجبراب كذلك؛ لأن العبدين بدل الألفين، ولا عبرة بمجرد الشراء، فإنه تهيئة محل التصرف، والركن الأعظم في التجارة البيع، إذ به يظهر الربح.
وأظهرهما: أنه يتلف من الربح، ويجب جبره؛ لأنه تصرف في رأس المال، ولا يأخذ شيئاً بالربح حتى يرد ما تصرف فيه إلى المالك، هذا إذا تلف بعض المال.
أما أذا تلف كله بآفة سماوية قبل التصرف، أو بعده ارتفع القراض، وكذا لو أتلفه المالك كما تقدم، ولو أتلفه أجنبي أخذ بدله، وبقى القراض فيه على ما مر، وكذا لو أتلف بعضه، وأخذ بدله استمر القراض وما ذكرنا من الخلاف في أنه هل يجبر بالربح؟ مفروض فيما إذا تعذر أخذ البدل من المتلف، ولو أتلف العامل المال، قال الإمام: يرتفع القراض؛ لأنه كان وجب بدله عليه، فإنه لا يدخل في ملك المالك إلاَّ بقبض منه، وحينئذ يحتاج إلى استئناف القراض، ولك أن تقول: ذكروا وجهين في أن مال القراض إذا غصب، أو تلف من الخصم فيه وجهان:
أظهرهما: أن الخصم المالك إن لم يكن في المال ربح، وهما جميعاً إن كان فيه ربح.
والثاني: أن للعامل المخاصمة بكل حال حفظاً للمال، ويشبه أن يكون الجواب المذكور في إتلاف الأجنبي مفرعاً على أن العامل خصم، وبتقدير أن يقال: إنه وإن لم يكن خصماً، لكن إذا خاصم المالك، وأخذ عاد العامل إلى التصرف فيه بحكم القراض لزمه مثله فيما إذا كان العامل هو المتلف.
وإن قتل عبد القراض قاتل، وفي المال ربح لم ينفرد أحدهما بالقصاص، بل الحق لهما إن تراضيا على العفو على مال، أو على الاستيفاء جاز، وإن عفا أحدهما سقط القصاص، ووجبت القيمة، هكذا ذكروه، وهو ظاهر على قولنا: إنه يملك الربح بالظهور، وغير ظاهر على القول الآخر، وإن لم يكن فيه ربح فللمالك القصاص، والعفو على غير مال، وكذا لو كانت الجناية موجبه للمال، فله العفو عنه، ويرتفع القِرَاض، وإن أخذ المال، أو صالح عن القِصاص على مال، بَقِيَ القراض فيه.
وقوله في الكتاب: "كما أن زيادة العَيْن من الربح" ينبني على ما ذكره وفي الزيادات أنها محسوبة من الربح، وفيه من الخلاف ما مر.
وقوله: "وهو تردد في أنه هل يجعل ذلك من الخسران ... " إلى آخره، هذا اللفظ يتناول الصورة الأولى، وهي تلف أحد الألفين فقبل أن يشتري بهما شيئاً.
فأما الصورة الثانية فالتوجيه فيها ما قدمناه أن الاعتبار بالبيع دون الشراء، إذ ظهور الربح وصيرورة العرض نقداً يتعلّق بالبيع.
الجزء: 6 - الصفحة: 38
فرع
:
مال القراض ألف درهم، واشترى بعينه ثوباً أو عبداً فتلف قبل التسليم بطل الشراء، وارتفع وإن اشترى في الذمة.
قال في البُوَيْطِيِّ: يرتفع القراض، ويكون الشراء للعامل، فمن الأصحاب من قال: هذا إذا كان التلف قبل الشِّراء فإن القراض والحالة هذه غير باقٍ عند الشراء (1)، فينصرف الشراء إلى العامل.
أما إذا تلف بعد الشراء فالمشتري (2) للمالك فإذا تلف الألف المعدُّ للثمن أبدله بألف آخر.
وقال ابن سريج: يقع الشراء عن العامل سواء تلف الألف قبل الشراء، أو بعده، وعليه الثمن، ويرتفع القراض؛ لأن إذنه ينصرف إلى التصرف في ذلك الألف (3)، تعلّق التصرف في ذلك بعينة أم لا؟ فإن قلنا بالأول فرأس المال ألف أو الفان؟ فيه وجهان، يحكي الثاني منهما عن أبي حنيفه.
فان قلنا بالأول فهو الألف الأول، أو الثاني؟
فيه وجهان (4)، تظهر فائدتهما عند اختلاف الألفين في صفة الصِّحة وغيرها.
وعن مالك أن المالك بالخيار بين أن يدفع ألفاً آخر، ويكون هو رأس المال دون الأول وبين ألا يدفع، فيكون الشراء للعامل، ويمكن أن يجعل هذا وجهاً للأصحاب تخريجاً من وجه ذكرناه في "باب، مداينة العبيد مما إذا سلم إلى عبده ألفاً ليتجر فيها، فاشترى في الذمة ليصرفه إلى الثمن، فتلف أنه يتخير السيد بين أن يدفع إليه ألفاً آخر فيمضي العقد، أو لا يدفع، فيفسخ البائع العقد، إلاَّ أن هاهنا يمكن تصرفه العقد إلى المباشر إذا لم يخرج المعقود له ألفاً آخر، وهناك لا يمكن، فيصار إلى الفسخ، وهذا الفرع قد ذكرنا طرفاً منه هناك للحاجة إليه والله اعلم.
البَابُ الثَّالِثُ، في التَّفاسُخِ وَالتَّنَازُعِ
قال الغزالي: وَالقِرَاضُ جَائِزٌ ينفَسْخُ بفَسْخِ أَحَدهِمَا، وَبِالمَوْتِ، وَبِالجُنُونِ،54555657
الجزء: 6 - الصفحة: 39
كَالوكَالَةِ فَإنِ انْفَسَخَ وَالمَالُ ناضٍ لَمْ يُخْفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ عُروُضاً فَعَلَى العامل بَيْعُهُ إِنْ كَانَ فِيهِ رَبْحٌ لِيَظْهَر نَصِيِبُهُ، وإِنْ لِمْ يَكُنْ رِبْحٌ فَوَجْهَانِ، مَأْخَذُ الوُجُوبَ أنَّهُ فِي عُهْدَتِهِ أَنْ يَرُدَّ كَمَا أَخَذَ، فَإنْ لَمْ يَكُن رِبْحُ وَرَضِيَ المَالِكُ بِهِ وَقَالَ العَامِلُ: أَبِيعُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلاَّ إِذَا وَجَدَ زُبُوناً يَسْتَفيد بِهِ الرِّبْحَ، وَمَهْمَا بَاعَ العَامِلُ قَدْرَ رَأْسِ المَالِ وَجَعَلَهُ نَقْداً فالبَاقِي مُشْتَركٌ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ، وَإِنْ رَدَّ إِلىَ نَقْدٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ المَالِ لَزِمَهُ الرَّدُّ إِلىَ جِنْسِهِ
قال الرفعي: الباب يتضمن فصلين:
أحدهما: في فسخ القراض وفروعه، والقراض جائز كالوكالة والشركة، بل هو عينهما، فإنه وكالة في الابتداء، وقد تصير شركة في الانتهاء، فلكل واحد من المتعاقدين فسخه، والخروج منه متى شاء، ولا يحتاج فيه إلى حضور الآخر ورضاه.
وعن أبي حنيفة: اعتبار والحضور كما ذكره في "خيار الشرط" وإذا مات أحدهما أو جُنَّ، أو أغمي عليه انفسخ العقد، ثم إذا فسخا أو أحدهما لم يكن للعامل أن يشتري بعده، ثم ينظر إن كان المال دَيْناً، فعلى العامل التقاضي والاستيفاء، خلافاً لأبي حنيفة، حيث فرق بين أن يكون في المال ربح، فيَلَزمه الاستيقاء أو لا يكون فلا يلزمه.
واحتج الأصحاب بأن الدَّين ملك ناقص، وقد أخذ منه ملكًا كاملاً، فليرد كما أخذ، كان لم يكن ديناً، نظر إن كان نقداً من جنس رأس المال، ولا ربح أخذه المالك، وإن كان فيه ربح اقتسماه بحسب الشرط، فإن كان الحاصل في بده مكسرة، ورأس المال صحاح، نظر إن وجد من يبدلها بالصِّحاح وزناً بوزن أبدلها، وإلاَّ باعها بغير جنسها من النَّقْد، واشترى بها الصحاح، ويجوز أن يبيعها بعرض، ويشتري به الصحاح في أصح الوجهين.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه قد يتعوق عليه بيع العرض، فإن كان المال نقداً من غير حسن رأس المال، أو عرضاً، فله حالتان:
إحداهما: أن يكون فيه ربح، فعلى العامل بيعه إن طلبه المالك، وله بيعه، وإن أباه المالك، وليس للعامل تأخير البيع إلى توسُّم رواج المتاع؛ لأن حق المالك يعجل، خلافاً لِمَالِكِ.
ولو قال للمالك: تركت حقي لك، ولا تكلفني البيع، هل عليه فيه الإجابة؟ فيه وجهان:
وأقربهما: المنع ليرد المال كما أخذ، فإن التنضيض مشقة ومؤنة، ثم اختلفوا في مأخذ الوجهين، وكيفية خروجهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 40
فمن بان لهما على الخلاف في أنه متى يملك الربح؟
إن قلنا بالظهور لم يلزم المالك قبول ملكه، ولم يسقط به طلب البيع.
وإن قلنا بالقسمة فيجاب؛ لأنه لم يبق له توقع فائدة، فلا معنى لتكليفه تحمل مشقة.
ومن مفرع لهما أولاً على أن حق العامل هل يسقط بالترك والاسقاط؟ وهو مبني على أن 58. الربح متى يملك؟ إن قلنا بالظهور لم يسقط كسائر المملوكات.
وإن قلنا بالقسمة سقط على أصح الوجهين، فإنه ملك إن تملك، فكان له العفو والإسقاط كالشفعة.
فإن قلنا: لا يسقط حقه بالترك لم يسقط بتركه المطالبة بالبيع.
وإن قلنا: يسقط ففيه خلاف سنذكره في أنه هل يكلف البيع إذا لم يكن في المال ربح؟ ولو قال المالك: لا تبع وتقتسم العروض بتقويم عدلين، أو قال: أعطيك نصيبك من الربح ناضّاً، ففي تمكن العامل من البيع وجهان، بناهما قوم من الأصحاب على أن الربح متى يملك؟
إن قلنا بالظهور فله البيع؛ لأنه قد يجد زبوناً يشتريه بأكثر من قيمته.
وإن قلنا بالقسمة فلا، لوصوله إلى حقه بما يقوله المالك.
وقطع الشيخ أبو حامد وغيره بالوجه الثاني.
وقالوا: إذا غرس المستعير في أرض العارية كان للمعير أن يتملكه عليه بالقيمة؛ لأن الضرر يندفع عنه بأخذ القيمة فهاهنا أولى، وحيث لزمه البيع، قال الإمام: الذي قطع به المحققون أن ما يلزمه بيعه وتنضيضه قدر رأس المال.
أما الزائد عليه، فحكمه حكم عرض آخر يشترك فيه اثنان لا يكلف واحد منهما بيعه، ثم ما يبيعه بطلب المالك، أو دونه 59 يبيعه بنقد البلد إن كان من جنس رأس المال، وإن كان من غير جنسه باعه بما يرى المصلحة فيه من نقد البلد، ورأس المال، فإن باعه بنقد البلد حصل به رأس المال.
الثانية: إذا لم يكن في المال ربح هل للمالك تكليفه البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن غرض البيع أن يظهر الربح ليصل العامل إلى حقه منه، فإن لم يكن ربح، وارتفع العقد لم يحسن تكليفه بيعاً بلا فائدة.
وأظهرهما: نعم وبه قال الشَّيْخِان أبو محمَّد، وأبو علي، والقاضي حسين؛ لأنه في عهده أن يرد المال كما أخذ، وإلاَّ لزم المالك في رده إلى ما كان كلفة ومؤنة، وهل
الجزء: 6 - الصفحة: 41
للعامل بيعها إذا رضي المالك بإمساكها؟ حكى الإمام فيه وجهين.
وجه المنع: أنه كفاه شغلاً بلا فائدة.
ووجه الآخر: أنه قد يجد زبوناً يشتريه بزيادة، وهذا ما ذكره عامة الأصحاب، وقالوا: له أن يبيع إذا توقع ربحاً بأن ظفر بسوق أو راغب.
ورأى الإمام تفصيلاً فيه، وهو أنه ليس له البيع بما يساويه بعد الفسخ جزماً، وبيعه بأكثر مما يساويه عند الظفر بزبون محتمل؛ لأنه ليس ربحاً في الحقيقة (1)، وإنما هو رزق مساق إلى مالك العروض.
وإذا قلنا: ليس للعامل البيع إذا أراد المالك إمساك العروض، واتفقا على أخذ المالك العروض، ثم ظهر ربح بارتفاع السوق، فهل للعامل نصيب فيه لحصوله بكسبه أم لا لظهوره بعد الفسخ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني:
وقوله في الكتاب: "وإن رد إلى نقد لا من جنس رأس المال لزمه الرد إلى جنسه" غير خافٍ مما أدرجناه في أثناء الكلام ثم إنه يشمل ما إذا كان عند الفسخ نقداً من غير جنس رأس المال، وكان الرد إليه قبل انفسخ وما إذا باعه بعد الفسخ.
فرع
:
كما يرتفع القراض بقول المالك: فسخته يرفع بقوله للعامل: لا تتصرف بعد هذا، وباسترجاع المال منه، ولو باع المالك ما اشتراه العامل بالقراض، فينعزل العامل كما لو باع الموكل ما وكل ببيعه ينعزل الوكيل أو لا ينعزل، ويكون ذلك إعانة له فيه وجهان:
أشبههما: الثاني، ولو حبس العامل، ومنعه من الصرف، أو قال: لا قراض بيننا، ففي انعزاله وجهان.
أشهرهما أنه لا ينعزل أيضاً ذكرهما أبو العباس الروياني في "الجرجانيات".
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ المَالِكُ فَلِوَارِثهِ مُطَالَبَة العَامِلِ بِالتَّنْضِيضِ، وَلَهُ أنْ يُجَدِّدَ العَقْدَ مَعَهُ إِنْ كَانَ المَالُ نَقْدَاً، وَإِنْ كَانَ في المَالِ رِبْحٌ أَخَذَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ ربْحِهِ عِنْدَ القِسْمَةِ، وَالبَاقِي يُتَّبَعُ فِيهِ مُوجَبُ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضاً نَفِي جَوَازِ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الجَوَازِ أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ رَأْسُ المَالِ وَجِنْسُهُ مِنْ قَبْلُ فَلَمْ يُوجَدْ عِلَّةُ أشْتِرَاطِ60
الجزء: 6 - الصفحة: 42
النَّقْدِيَّةِ هَهُنَا، وَإِنْ مَاتَ العَامِلُ لَمْ يَجُزْ تَقْرِيُر وَارِثهِ عَلَى العَرْضِ فَإنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونَ كَلاًّ عَلَيْهِ، نَعَمْ إِنْ كَانَ نَقْداً فَهَلْ يَنْعَقِدُ القِرَاضُ مَعَهُ بِلَفْظِ التَّقْرِيرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن القراض ينفسخ بالموت، وإذا مات المالك، والمال ناض لا ربح فيه أخذه الوارث، وإن كان فيه ربح أقتسماه، وإن كان عرضاً، فالمطالبة بالبيع والتنضيض كما في حالة حصول الفسخ في حياتهما، وللعامل البيع هاهنا، حيث كان له البيع هناك، ولا يحتاج إلى إذن الوارث اكتفاء بإذن من تلقى الوارث المالك عنه، بخلاف ما إذا مات العامل حيث لا يتمكن وارثه من البيع دون إذن المالك، فإنه يرض بتصرفه.
وفي "التتمة" وجه أن العامل أيضاً لا يبيع إلاَّ بإذن وارث المالك، والمشهور الأول، ويجري الخلاف في استيفائه الديون بغير إذن الوارث، ولو أراو الاستمرار على العقد، فإن كان المال ناضّاً فلهما ذلك بأن يستأنفا عقداً بشرطه، ولا بأس بوقوعه قبل القسمة لجواز القراض على المشاع، وكذلك يجوز القراض الشريك بشرط ألاَّ يشاركه في اليد، ويكون للعامل ربح نصيبه، ويتضاربان في الربح نصيب الآخر، وهل ينعقد بلفظ الترك والتقرير بأن يقول الوارث أو القائم بأمره: تركتك أو أقررتك على ما كنت عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: لا؛ لأن العقد السابق قد ارتفع، وهذا ابتداء عقد، فلا بد من إذن صالح للابتداء، والتقرير يشعر بالاستدامة.
وأظهرهما: عند الإمام نعم لفهم المعنى، وقد يستعمل التقرير لإنشاء عقد على موجب العقد السابق، وليكن الوجهان مفرعان على أن هذه العقود لا تنعقد بالكنايات فإن قلنا ينعقد فينبغي أن يجزم بالوجه الثاني، وإن كان المال عروضاً، ففي جواز تقريره على القراض وجهان:
عن أبي إسحاق أنه جائز؛ لأنه استصحاب قراض، فيظهر في حنس رأس المال وقدره فيجريان على موجبه، ولا يلزم مصير رأس المال ربحاً ولا ذهاب بعض الربح في رأس المال.
والأظهر المنع لأن القراض الأول قد ارتفع، فلو وجد قراض آخر لكان قراضاً مستأنفاً، وحينئذ يمتنع إيراده على العروض، والأول ظاهر لفظه في "المختصر" لكن القائلين بالثاني حملوه على ما إذا كان المال ناضاً أو استأنفاً عقداً.
وألاشبه: أن يختص الوجهان بلفظ الترك والتقرير، ولا يتسامح باستعمال الألفاظ التي تستعمل في الابتداء.
الجزء: 6 - الصفحة: 43
ثم حكى الإمام فيما إذا فسخ القراض في الحياة طريقة طاردة للوجهين، وأخرى قاطعة بالمنع وهو الأشهر، وعليها بضعف وجه جواز التقرير بعد الموت، وهذا إذا مات المالك، وإن مات العامل، واحتيج إلى البيع والتنضيض، فإن أذن المالك لوارث العامل فيه فذاك، وإلاَّ تولاه منصوب من جهة الحاكم، ولا يجوز تقرير وارثه على القراض إن كان المال عرضاً ولا يخرج على الوجهين المذكورين في موت المالك، وفرقوا بينهما بوجهين:
أحدهما: أن ركن القراض من جانب العامل عمله، وقد فات بفواته، ومن جانب المالك المال، وهو باقٍ بعينه انتقل إلى الوارث.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن العامل هو الذي اشترى العروض، والظاهر أنه لا يشتري إلاَّ ما يسهل عليه بيعه وترويجه، وهذا المعنى لا يؤثر فيه موت المالك، وإذا مات العامل فربما كانت العروض كلاًّ على وارثه، لأنه يشترها، ولم يخترها، وإن كان المال ناضّاً فلهما الاستمرار بعقد منشأ، وفي لفظ التقرير الوجهان السابقان، وهما كالوجهين في أن الوصية بالزائد على الثلث إذا جعلناها ابتداء عطية، هل تنتفض بلفظ الإجازة، ويجريان أيضاً فيما إذا انفسخ البيع الجاري بينهما، ثم أرادا إعادته، فقال البائع قررتك على موجب العقد الأول وقبل صاحبه، وفي مثله من النكاح لا يعتبر ذلك، وللإمام احتمال فيه لجريان لفظ النكاح مع التقرير.
وقوله في الكتاب: "فإن كان في المال ربح أخذ بقدر حصته من ربحه عند القسمة، والباقي يتبع موجب الشرط".
مثاله: إذا كان رأس المال المورث مائة، وربح عليه مائتين، وجدد الوارث العقد على النصف كما كان من غير أن يقتسما، فرأس مال 61 للوارث مائتان من الثلاثمائة، والمائة الباقية للعامل، فعند القسمة يأخذها بقسطها من الربح، ويأخذ الوارث رأس المال مائتين، ويقتسمان ما بقي 62.
وقوله: "ولم يوجد علة اشتراط النقدية هاهنا" أي لا يعتبر في التقرير كونه نقداً لخلاف ما في الابتداء لما مر.
وقوله: "وهل ينعقد القراض معه بلفظ التقرير؟ فيه وجهان" أشار به إلى أن تجديد العقد جائز لا محالة، كما إذا مات المالك والمال نقداً،
الجزء: 6 - الصفحة: 44
وإنما الخلاف في الصورتين في الانعقاد بلفظ التقرير.
فأما إذا كان المال عرضاً في صورة موت المالك، فالخلاف هناك في أصل التقرير، فلذلك قال في جواز التقرير: عليه وجهان.
قال الغزالي: وَمَهْمَا كَانَ اسْتَرَدَّ المَالِكُ طَائِفَةً مِنَ المَالِ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ فِي المَالِ رِبْحٌ فَهُوَ شَائِعٌ يَسَتْقَرُّ مِلْكُ العَامِلِ عَلَى مَا يَخُصُّهُ مِنْ ذَلِكَ القَدْرِ فَلاَ يَسْقُطُ بِالنُّقْصَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خُسْرَان لَمْ يَجِبْ عَلَى العَامِلِ جَبْرُ مَا يَخُصُّ المُسْتَرِدَّ مِنَ الخُسْرَانِ.
قال الرافعي: استرداد المالك طائفة من المال إن كان قبل ظهور الربح والخسران رجع رأس المال إلى القدر الباقي، وإن كان بعد ظهور الربح في المال فالمسترد شائع ربحاً وخسراناً على النسبة الحاصلة بين جملتي الربح، وبين رأس المال، ويستقر ملك العامل على ما يخصه بحسب الشرط مما هو ربح فيه، فلا يسقط بالنقصان الحادث، وإن كان الاسترداد بعد ظهور الخسران، إِن كان الخسران موزعاً على المسترد والباقي، فلا يلزم جبر حِصَّة المسترد من الخسران، كما أنه لورد الكل بعد الخسران لم يلزمه شيء، ويصير رأس المال الباقي بعد المسترد، وحصته من الخسران.
ومثال الاسترداد بعد الربح رأس المال مائة ربح عليها عشرين، ثم استراد المالك عشرين، والربح سدس المال يكون المأخوذ سدسه ربحاً، وهو ثلاثة دراهم وثلث، ويستقر ملك العامل على نصفه إذا 63 كان الشرط المناصفة، وهو درهم وثلثا درهم، حتى لو انخفضت السوق، وعاد ما في يده إلى ثمانين لم يكن للمالك أن يأخذ الكل، ويقول: كان رأس المال مائة، وقد أخذت عشرين أضم إليها هذه ثمانين لتتم لي المائة، بل يأخذ العامل من الثمانين درهماً وثلثي درهم، ويرد الباقي وهو ثمانية وسبعون درهماً وثلث درهم.
ومثال الاسترداد بعد الخسران رأس المال مائة وخسر عشرين، ثم استرد العشرين، فالخسران يوزع على المسترد، والباقي يكون حصة المسترد خمسة لا يلزمه جبرها حتى لو ربح بعد ذلك، فبلغ المال ثمانين لم يكن للمالك أخذ الكل، بل يكون رأس المال خمسة وسبعين 64، والخمسة الزائدة تقسم بينهما نصفين، فيجعل للمالك من الثمانين سبعة وسبعين ونصف درهم.
الجزء: 6 - الصفحة: 45
قال الغزالي: وَإِنْ قَالَ العَامِلُ: تَلِفَ المَالُ أوْ رَدَدَتُّ (و) أَوْ مَا رَبِحْتُ أَوْ خَسِرْتُ بَعْدَ الرِّبْحِ أَوْ هَذَا العَبْدُ اشْتَرَيتُهُ لِلقِرَاضِ أَوْ لِنَفْسيِ أَوْ مَا نَهَيْتَنِيِ عَنْ شِرَائِهِ وَخَالَفَهُ المَالِكُ فُالقَوْلُ قَوْلُ العَامِل، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا شَرَطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ فَيَتَحَالفَانِ وَيرْجِعُ إلىَ أَجْر المِثْلِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ فَالقَوْلُ قَوْلُ العَامِلِ إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ القَبْضِ.
قال الرفعي: الفصل الثاني من الباب في التنازع، فيه وجوه:
منها: أن يدعي العامل تلف المال في يده، فهو مصدق بيمينه كالمودع، نعم إذا ذكر سبب التلف، ففيه تفصيل نؤخره إلى "كتاب الوديعة" إن شاء الله تعالى؛ لأن صاحب الكتاب أورد طرفاً منه هنالك.
ومنها: إذا اختلف في رد المال، ففيه وجهان ذكرناهما في "باب الرَّهْن".
وأظهرهما: ما أجاب به الكتاب، وهو تصديق العامل.
وأعلم قوله: "أوْ رَددَتُّ" -بالواو- إشارة إلى ذلك الخلاف.
ومنها: إذا قال العامل: ما ربحت أو قال: لم أربح إلاَّ ألفاً، وقال المالك: بل ألفين صدق العامل بيمينه، ولو قال: ربحت كذا، ثم قال غلطت في الحساب إنما الربح كذا، أو تبينت أن لا ربح أو قال كذبت فيما قُلتْ خوفاً من انتزاع المال من يدي لم يقبل رجوعه؛ لأنه أقر بحق لغيره فأشبه سائر الأقارير.
وعن مالك أنه إن كان بين يديه موسم يتوقع فيه ربح يقبل قوله: كذبت ليترك المال في يدي لأربح في الموسم، ولو قال: خسرت بعد الربح الذى أخبرت عنه قُبِلَ.
قال في "التتمة": وذلك عند الاحتمال بأن عرض للأسواق كساد، فإن لم يحتمل لم يقبل، ولو ادعى الخسارة عند الاحتمال، أو التلف بعد قوله: كنت كاذباً فيما قلت، ورددنا قوله قُبِلَ أيضاً، ولا نبطل أمانته بذلك القول السابق، هكذا قال الأصحاب، ونسبه القاضي الروياني في "التجربة" إلى نصه.
ومنها: قال العامل: اشتريت هذا العبد للقراض، وقال المالك: بل لنفسك، وإنما يقع هذا الاختلاف عند ظهور خسران فيه غالباً، أو قال العامل: اشتريته لنفسي، وقال المالك: بل للقراض، فالقول قول العامل؛ لأنه أعرف بقصده ونيته، ولأنه في يده، وإذا ادعى أنه ملكه صدق.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ أن في الصورة الأولى قولاً آخر أن القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم وقوعه للقارض كمأخذ القولين فيما إذا قال الوكيل: بعث ما أمرتني ببيعه أو
الجزء: 6 - الصفحة: 46
اشتريت ما أمرتني بشرائه، فقال الوكيل 65: لم تفعل، والظاهر الأول.
قال في "المهذب" فلو أقام المالك بينة أنه اشتراه بمال القراض، يعني في الصورة الثانية، ففي الحكم بها وجهان:
وجه المنع أنه قد يشتري لنفسه بمال القراض متعدياً، فيبطل البيع، ولا يكون للقراض.
ومنها: قال المالك: كنت نهيتك عن شراء هذا العبد، فقال العامل: لم تنهتي، فالقول قول العامل؛ لأن الأصل عدم النهي؛ لأنه لو كان كما يزعمه المالك لكان خائناً، والأصل عدم الخيانة.
ومنها: قال العامل: شرطت لي نصف الربح، وقال المالك: بل ثلثه فيتحالفان، لأنهما اختلفا في عوض العقد، فأشبه اختلاف المتابعين في الثمن وإذا تحالفا فصح العقد، واختص الربح والخسران بالمالك، وللعامل أجر تمثل عمله.
وفيه وجه: أنها إن كانت أكثر من نصف الربح، فليس له إلاَّ قدر النصف؛ لأنه لا يدعي أكثر منه 66. ومنها: لو اختلفا في قدر رأس المال، فقال المالك دفعت إليك ألفين، وقال العامل: بل ألفاً فالقول قول العامل إن لم يكون في المال ربح؛ لأن الأصل عدم دفع الزيادة، وإن كان في المال ربح، فكذلك على الأصح.
وفيه وجه أنهما يتحالفان؛ لأن قدر الربح يتفاوت به، فأشبه الاختلاف في القدر المشروط من الربح.
ومن قال بالأول قال: الاختلاف في القدر المشروط من الربح اختلاف في كيفية العقد، والاختلاف هاهنا اختلاف في البعض 67، فيصدق فيه الباقي 68 كما إذا 69 اختلف المتبايعان في قبض الثمن، فإن المصدق البائع، ولو قارض رجلين على مال بشرط أن يكون نصف الربح، له والباقي بينهما بالسوية فربحا، ثم قال الماللث: دفعت إليكما ألفين، وصدقه أحدهما، وقال الآخر: بل ألفاً لزم المقر ما أقر به، وحلف المنكر، وقضى له بموجب قول، فلو كان الحاصل 70 ألفين، أخذ المنكر ربع الألف الزائد على ما أقر به، والباقي يأخذه المالك، ولو كان الحاصل ثلاثة الآلف، فزعم المنكر أن الربح منها ألفان، وأنه يستحق منها خمسمائة، فلتسلم إليه، ويأخذ المالك من الباقي ألفين من
الجزء: 6 - الصفحة: 47
رأس المال لاتفاق المالك والمقر عليه يبقى خمسمائة يتقاسمانها أثلاثاً لاتفاقهم على أن ما يأخذه المالك، مِثلاً ما يأخذه كل واحد من العاملين وما أخذه المنكر كالتالف منهما.
ولو قال المالك: كان رأس المال دنانير، وقال العامل: بل دراهم، فالمصدق العامل أيضاً.
ولو اختلفا في أصل القراض، فقال المالك: دفعت المال إليك لتشتري لي وكالة، وقال مَنْ في يدهِ بل قارضتني فالمصدق المالك، فإذا حلف أخذ المال وربحه، ولا شيء عليه للآخر 71. وهذا فروع مبددة نختم بها الباب.
ليس للعامل التصرف في الخمر شراءً وبيعاً، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان العامل ذِمِّيِّاً، فلو خالف واشترى خمراً، أو خنزيراً، أو أم ولد، ودفع المال في ثمنه عن علم، فهو ضامن، وإن كان جاهلاً، فكذلك على الأشهر 72 لأن حكم الضمان لا يختلف بالعلم والجهل، وقال القفال يضمن الخمر دون أم الولد إذ ليس لها أمارة تعرف به.
وفي "التهذيب" وجه غريب أنه لا يضمن فيها.
وأبعد منه وجه نقله في "الشامل" أنه لا يضمن حالة العلم أيضاً؛ لأنه ضمن 73 الفضل بخسرانه 74، ولو قارضه على أن ينقل المال إلى موضع كذا، ويشتري من أمتعته، ثم يبيعهاهناك أو يردها إلى موضع القراض.
قال الإمام: ذهب الأكثرون إلى فساد القراض؛ لأن نقل المال من قُطْر إلى قطر عمل زائد على التِّجَارة، فأشبه شرط الطحن والخبز، ويخالف ما إذا أذن له في السفر، فإن الغرض منه رفع الحرج.
وعن الأستاذ أَبِي إِسْحَاق وطائفة من المحققين إن شرطا المسافرة لا يضر، فإنها الركن الأعظم في الأموال والبضائع الخطيرة.
ولو قال: خذ هذه الدراهم قراضاً، وصارف بها مع الصَّيَارفة، ففي صحة مصارفته مع غيرهم وجهان:
وجه الصحة أن المقصود من مثله أن يكون تصرفه صرفاً لا قوام بأعيانهم.
الجزء: 6 - الصفحة: 48
ولو خلط العامل مال القراض بمال صار ضامناً، وكذ الو قارضه رجلان هذا على مال، وهذا على مال، فخلط أحدهما بالآخر، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين، فخلط خلافاً لأبي حنيفة في الصورة الأخيرة، ولو جرى ذلك بإذن المالك بأن دفع إليه قراضاً، ثم دفع إليه ألفاً آخر، وقال: ضمه إلى الأول، فإن لم يتصرف بعد في الأول جاز، وكأنه دفعهما إليه دفعة واحدة، وإن تصرف في الأول لم يجز القراض في الثاني، ولا الخلط؛ لأن حكم الأول قد استقر بالتصرف ربحاً وخسراناً، وربح كل مال وخسرانه يختص به.
ولو دفع إليه ألفاً قراضاً وقال: ضم إليها ألفاً من عندك على أن يكون ثلث ربحها لك، وثلثاه لي أو بالعكس كان قراضاً فاسدًا لما فيه من شرط التفاوت في الربح مع التساوي 75 في المال، ولا نظر إلى العمل بعد حصول الشركة في المال.
ولو دفع إليه زيد ألفاً قراضاً، وعمرو كذلك، فاشترى لكل واحد منهما بألف عبداً ثم أشتبها عليه، ففيه قولان عن رواية حرملة.
أحدهما: أن شراء العبدين ينقلب إليه، ويغرم لها لتفريطه، حيث لم يفردهما حتى تولد الاشتباه، ثم المغروم عند الأكثرين الألفان.
وقال بعضهم: يغرم قيمة العبدين، وقد تزيد على الألفين.
والقول الثاني: أن يباع العبدان، ويقسم الثمن بينهما، وإن حصل ربح فهو بينهم على حسب الشرط، فإن اتفق خسران قالوا: يلزمه الضمان لتقصيره، فاستدرك المتأخرون فقالوا: إن كان الخسران لانخفاض السوق لا يضمن؛ لأن غايته أن يجعل كالغاصب والغاصب لا يضمن نقصان السوق.
قال إمام الحرمين: والقياس مذهب ثالث وراء القولين، وهو أن يبقى العبدان لهما على الإشكال إلى أن يصطلحاً 76.
الجزء: 6 - الصفحة: 49