العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِ

الأَوَّلُ، فِي شَرَائِطِهِ

قال الغزالي: وَالمُتَّفَقُ عَلَيهِ مِنْهَا خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: تَسْلِيمُ رَأْسِ المَالِ فِي المَجْلِسِ جَبْراً لِلغَرَرِ فِي الجَانِبِ الآخَرِ، وَلَوْ كانَ فِي الذِّمَّةِ فَعَيَّنَ فِي المَجْلِسِ فَهُوَ كالتَّعْيِينِ في العَقْدِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّرْفِ، وَفي مِثْلِ ذَلِكَ فِي بَيْعَ الطَّعَامِ خِلاَفٌ، وَمَهْمَا فُسِخَ السَّلَمُ اسْتُرِدَّ عَيْنُ رَأْسِ المَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عُيّنَ بَعْدَ العَقْدِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية.
2 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ السَّلَم 3. وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَرُبَّمَا قَالَ: وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومِ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" 4. وجمع في هذا الكتاب بين السَّلَم والقَرْض لتقاربهما واشتراكهما لفظًا ومعنى.
أما اللفظ فلأن كل واحد منهما يسمى سَلَفا.
وأما المعنى فلأن كل واحد منهما إثبات مال في الذِّمَّة مبذول في الحال.1

الجزء: 4 - الصفحة: 390

وذكروا في تفسير السَّلَم عبارات متقاربة: منها: أنه عقد على موصوف في الذِّمَّة ببدل يعطى عاجلاً.
ومنها: أنه اسلاف عوض حاضر في عوض موصوف في الذِّمَّة.
ومنها: أنه تسليم عَاجِل في عوض لا يجب تعجيله.
واعلم أن السَّلَم بيع على ما مر، وقد سبق القَوْل فيما يعتبر لصِحّة البيع.
والسَّلَم يختّصُ بأمور، عقد الباب الأول لبيانها، وإنما قال: والمتفق عليه منها خمسة، لأن معظم الأئمة جعلوا شرائط السَّلَم سبعاً، وضمّوا إلى الخمس العِلْم بقدر رأس المال، وبيان موضع التسليم، وفيهما اختلاف قول كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد أدرجهما حُجّة الإسلام في أثناء الكلام لكن لم يفردهما بالتَّرْجمة، وقد تعمد أكثر من السَّبع، وحقيقة الأمر في مثل ذلك لا تختلف.
الشَّرْط الأول: تسليم رأس المَالِ في مَجْلس العقد 5، واحتج لاشتراطه بأن المُسَلّم فيه دَيْن في الذِّمة، فلو أخَّر تسليم رأس المال عن المجلس لكان ذلك في معنى بيع الكَالِي بالكَالِي 6؛ لأن تأخير التسليم نازل منزِلة الدَّيْنيّة في الصَّرف وغيره.
وقوله في الكتاب: (جبراً للغَرر في الجانب الآخر) أراد به أن الغَرَر في المُسَلم فيه احتمل للحاجة، فجبر ذلك بتأكيد العِوَض الثاني بالتعجيل كيلا يعظم الغَرَر في الطرفين.
إذا تقرر ذلك فلو تفرقا قبل قبض رأس المال بطل العقد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: إن تأخر التَّسليم مدة يسيرة كاليوم واليومين لم يضر، وإن تأخَّر مدة طويلة بطل العقد، ولو تَفَرَّقا قبل تَسْليم بعضه بطل العَقْد فيما لم يقبض، وسقط بقسطه من المُسَلّم فيه، والحكم في المقبوض كما لو اشترى شَيْئَين فتلف أحدهما قبل القبض 7. ويجوز أن يجعل رأس المال مَنْفَعة عبد أو دار مدة معلومة وتسليمها بِتَسْليم العَيْن.
ولا يشترط تَعْيين رأس المال عند العقد.
ولو قال: أسلمت إليك ديناراً في ذمتي في كذا ثم عَيّن وسَلَّم في المجلس جاز،

الجزء: 4 - الصفحة: 391

وكذلك في الصَّرْف، ولو باع ديناراَ بدينار أو بدراهم في الذمة ثم عين وسلم في المجلس جاز.
ولو باع طعاماً بطعام في الذمة ثم عين وسلم في المجلس فوجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الوصف فيه يطول بخلاف الصَّرْف، فإِنَّ الأمر في النُّقُود أهون؛ ولهذا يكفي فيها الإطلاق ولا يكفي في العروض.
والثاني: الجواز، ويصفه كما يصف السلم فيه، والأشبه بكلام الشيخ أبي علي والأئمة أن هذا أظهر، وظَنِّي أنه تقدم ذكر هذا الخلاف أو نظيره، ولو قبض رأس المال ثم أوْدَعه المُسلم إليه قبل التفرق جاز.
ولو رده عليه بِدَيْن كان له عليه.
قال أبو العباس الرُّوِيانيُّ: لا يصح؛ لأنه تصرف منه قبل انْبِرام مِلْكِه عليه، فإذا تفرقا، فمن بعض الأصحاب أنه يصح السَّلَم بحصول القبض، وانْبِرَام المِلْك ويستأنف إقباضه للدَّين، ولو كان له في ذِمَّة الغَيْرِ دَرَاهم فقال: أسلمت إليك الدراهم الَّتِي في ذمتك في كذا، نظر إن شرط الأجل فيه فهو باطل؛ لأنه بيع الدَّين بالدَّيْن، وإن كان حالاَ ولم يسلم المسلم فيه قبل التفرق فكمثل، وإن أحضره وسلمه فوجهان: أحدهما: يصح، كما لو صالح من تلك الدراهم على دنانير وسلّمها في المجلس.
وأظهرهما: المنع؛ لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط وإن كان السلم حالاً فلو وجد لكان متبرعاً به، وأحكام البيع لا تُبْنَى على التَّبرعات، أَلاَ تَرَى أنه لو باع طعاماً بطعام إلى أجل ثم تبرعا بالإحضار لم يجز.
وأطلق صاحب "التتمة" الوجهين في أن تسليم المُسَلم فيه في المجلس وهو حال هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأظهر: المنع.
ولا يجوز أن يحيل المسلم برأس المال على غيره، وإن قبضه المسلم إليه من المحال عليه في المجالس؛ لأن بالحِوَالَة يتحوَّل الحق إلى ذمة المُحَال عليه، فهو يؤديه من جهة نفسه لا من جهة المُسَلم ولو قبضه المُسَلم وسلمه إلى المسلم إليه جاز، ولو قال للمحال عليه: سلّمته إليه، ففعل لم يَكْفِ لصحة المسلم؛ لأن الإنسان في إزالة ملكه لا يصير وَكِيلاً للغير، لكن يجعل المسلم إليه وكيلاً عن المسلم في قبض ذلك، ثم السَّلَم يقتضي قبضاً ولا يمكنه أن يقبض من نفسه، ولو أحال المسلم إليه برأْس المال الَّذِي على المسلم فتفرقا قبل التسليم فالعقد باطل، وإن جعلنا بالحِوَالة قبضاً؛ لأن المعتبر في السَّلَم القبض الحقيقي، ولو أحضر رأس المال، فقال المسلم إليه: سلمه إليه ففعل صح، ويكون المحتال

الجزء: 4 - الصفحة: 392

وكيلاً عن المسلم إليه في القبض 8. ولو كان رَأَسُ المَالِ دراهم في الذِّمَّة فصالح عنها على مال لم يصح، وإنْ قبض ما صالح عليه، ولو كان عبداً فأعتقه المسلم إليه قبل القبض لم يصح، إن لم نصحّح إعتاق المُشْتري قبل القبض، وإن صححناه فوجهان: وجه الفرق: أنه لو نفذ لصار قابضاً من طريق الحكم، وأنه غير كافِ في السَّلَم بدليل الحِوَالة، فعلى 9 هذا إن تفرقا قبل قَبْضه بطل العَقْد، وإن تَفَرَّقا بعده صَحَّ، وفي نفوذ العِتْق وجهان.
ومتى فسخ السَّلَم بسبب يقتضيه 10 وكأن رأس المال معيناً في ابتداء العَقْد وهو باق رجع المسلم إليه، وإن كان تَالِفَاً رجع إلى بَدَله، وهو المِثْل أو القِيمَة، وإن كان رأس المال موصوفاً في الذمة، ثم عجل في المجلس وهو باقٍ فهل له المُطَالبة بعينه أم للمسلم إليه الإتيان ببدله؟ فيه وجهان: الوجه الثَّاني: أن العقد لم يتناول ملك العَيْن ووجه الأول وهو الأصح: أن المُعَيَّن في المجلس كالمُعَيَّن في العقد.
فرع: وإذا وجدنا رأس المال في يد المسلم إليه واختلفا، فقال المسلم: أقبضتكه بعد التَّفرق، وقال المسلم إليه: بل قبله وأقام كل واحد منها بَيّنة على ما قاله، فَبَيّنة المُسَلم إليه أَوْلى؛ لأنها نافلة، يحكى ذلك عن ابن سُرَيجٍ.
قال الغزالي: وَأصَحُّ القَوْلَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ المزَنِيِّ أَنَّ رَأَسَ المَالِ إِذَا كَانَ جُزَافَاً غَيْرَ مُقَدَّرٍ جَازَ العَقْدُ (ح) كَمَّا يَجُوزُ فِي البَيْعِ وَكمَا يَجُوزُ مَعَ الجَهْلِ بِقِيمَتِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عرفت أن رأس المال يجوز أن يكون في الذِّمة ثم يسلم في المجلس، ويجوز أنْ يكون مُعَيَّناً في العقد، فعلى التَّقْدير الأول لا بُدَّ من معرفة قدره وذكر صفاته إذا كان عوضاً وعلى التقدير الثَّاني هل تكفي معاينته؟ فيه قولان: أحدهما: لا، بل لا بد من بيان صِفَاته ومعرفة مقداره بالكَيْلِ في المَكِيلات، والوَزْن في المَوْزُونات، والزَّرع في المزروعات؛ لأنه أحد العوضين في السلم، فلا يجوز أن يكون جُزَافًا كالعِرَض الثاني، وأيضاً فإن السَّلَم لا يتم في الحال، وإنما هو

الجزء: 4 - الصفحة: 393

عقد منتظر تمامه بتسليم المسلم فيه، وربما ينقطع ويكون رأس المال تالفاً، فلا يدري إلى ماذا يقع الرجوع، وبهذا القول قال مالك وأحمد، واختاره أبو إسحاق.
وأصحهما وبه قال المزني: أن المُعَايَنَة كافية كما في البيع واحتمال الفَسْخِ ثابت في البيع كما في السَّلَم، هذا في المِثْلِيّات.
ولو كان رأس المال متقوماً وضبطت صفاته بالمُعَايَنَة، ففي اشتراط معرفة قيمته طريقان، منهم مَنْ طرد القولين.
والأكثرون قطعوا بصحّة السَّلَم، ولا فرق على القولين بين السَّلم الحال والمؤجل.
ومنهم من خصص القولين بالسَّلَم المُؤَجّل، وقطع في الحال بأن المُعَاينة كافية كما في البيع، ثم موضع القولين ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة.
أما إذا علما ثم تفرقا، فلا خلاف في الصِّحَّة، وبنى كثير من الأصحاب على هذين القولين أنه هَلْ يجوز أَنْ يجعل رأس مال السَّلَم ما لا يجوز السلم فيه؟ إن قلنا بالأصح فيجوز، وإلاَّ فلا.
قال الإمام: وليس ذلك على هذا الإطلاق، بل الدُّرَّة الثَّمِينة إذا عرفا قيمتها، وبالغا في وَصْفِها، وجب أن يجوز جعلها رأس مال؛ لأن منع السَّلَم فيها من الإعزار في الوصف يشبه عَزَّة الوجود، ولا معنى لاشتراط عموم الوُجُود في رأس المال، وإذا جَوَّزْنا السَّلَم ورأس المال جُزَافٌ ثم اتفق الفسخ وتنازعا في قدره فالقول قول المُسَلّم إليه لأنه غارم 11 وقوله في الكتاب: (وأصح القولين) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن السلم إما حال أو مؤجل.
أما الحال ففيه طريقة قاطعة بالصِّحَّة، وأما المؤجل ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ طريقة قاطعة بالمنع.
وقوله: (جاز العقد) مُعَلّم بالميم والأَلف، ويجوز إعلامه بالحاء أيضاً؛ لأن عنده إنْ كان رأس المال مَكِيْلاً أو موزوناً وجب ضبط صفاته، وإن كان مذروعاً أو مَعْدُوداً فلا يجب.
قوله: (وكما يجوز مع الجَهْل بقيمته) جواب على طريقة الأكثرين.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ المُسَلَّمُ فِيهِ دَيْناً، فَلاَ يَنْعَقِدُ فِي عَيْن؛ لأَنَّ لَفْظَ السَّلَم لِلدَّيْنِ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ بَيْعاً؟ فيه قَوْلاَن، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِعْتُ بِلاَ ثَمَنٍ هَلْ يَنْعَقِدُ هِبَةَ؟ وَالأَصَحُّ الإِبْطَالُ لِتَهَافُتِ اللَّفْظِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ انْعَقَدَ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ سَلَمًا لِيَجِبَ تَسْلِيمُ رأَسِ المَالِ فِي المَجْلِس؟ فَعلَى وَجْهَيْنِ، مَنْشَؤْهُمَا تَقَابُلُ النَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ وَالمَعْنَى.

الجزء: 4 - الصفحة: 394

قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في المسلم فيه أن يكون دَيْناً؟ لأن لفظ السَّلَف والسَّلَم موضوع لِلدَّيْن 12، ولو استعمل لفظ السَّلَم في العَيْن فقال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد فليس ما جاء به سَلَما 13، وفي انعقاده بيعاً قولان: أحدهما: ينعقد نظراً إلى المعنى.
وأظهرهما: لا؛ لاختلال اللَّفظ، ولو قال: بعت هذا بلا ثمن أو على أن لا ثمن لي عليك فقال: اشتريت وقبضه، هل يكون هبة؟ فيه مثل هذين القولين عن رواية القاضي.
وهل يكون المقبوض مضموناً على القابض؟ فيه وجهان، ولو قال: بعت هذا ولم يتعرض للثمن أصلاً لم يكن ذلك تمليكاً والمقبوض مضمون، ومنهم من طرد فيه الوَجْهَيْن، ولو أسلم بلفظ الشِّرَاء فقال: اشتريت منك ثوباً أو طعاماً صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعته منك انعقد؛ لأن كل سلم بيع، فإذا استعمل لفظ البيع فيه فقد استعمله في موضعه، بخلاف اسْتِعْمَال لفظ السَّلَم في البيع، إِذ لَيْس كل بيع بسَلم، وإذا انعقد فهو سَلَم اعتباراَ بالمعنى، أو بيع اعتباراً باللفظ، فيه وجهان: الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أن الاعتبار باللَّفظ، فعلى هذا لا يجب تسليم الدراهم في المجلس.
ويثبت فيه خيار الشَّرط، وهل يجوز الاعتياض عن الثوب؟ فيه قولان كما في الثمن.
ومنهم من قطع بالمنع؛ لأنه مَقْصُود الجِنْس كالمَبِيع، وفي الأثمان الغالب قصد المَالِيّة لا قصد الجِنْس.
وإن قلنا: الاعتبار بالمعنى 14 وهو الصحيح عند ابن الصَّبَّاغ، فهو سَلَم حتى يجب

الجزء: 4 - الصفحة: 395

َتسليم الدَّراهم في المَجْلِس، ولا يثبت فيه خِيَار الشَّرْط، ولا يجوز الاعْتِياض عن الثوب، ولو قال: اشتريت ثوباً صفته كذا في ذمتك بعشرة دراهم في ذمتي، فإن جعلناه سلما وجب تَعْيين الدراهم وتسليمها في المجلس، وإن جعلناه بيعاً لم يجب 15. قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) فِي المُسْلَمِ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلاً، وَيَصِحُّ سَلَمُ الحَالِّ (ح م) وَلَكِنْ يُصَرِّحُ بِالحُلُولِ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الأجَلِ لاقْتِضَاءِ العَادةِ الأَجَلَ، فَإِنْ أَطْلَقَ ثُمَّ ذَكَرَ الأَجَلَ قَبْلَ التَّفرُّقِ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السَّلَم الحَال صحيح خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
لنا أن في الأجل ضرب من الغَرَر؛ لأنه رُبَّما يقدر في الحال، ويعجز عند المحل، فإذا جاز مؤجلاً فهو حالاً أجوز، وعن الغرر أبعد، إذا عرف ذلك فلو صرح بالحُلُول أو التَّأْجيل فذاك، وإن أطلق فوجهان، وقيل: قولان: أحدهما: أن العقد يبطل؛ لأن مطلق العقود يجمل على المعتاد، والمعتاد في السَّلَم التأجيل، وإذا كان كذلك فيفسد، ويكون كما لو ذكر أجلاً مجهولاً.
والثَّاني: يَصحّ ويكون حالاً كالثَّمَن في البَيْعِ المطلق وَبالوجه الأول أجاب صاحب الكِتَاب، لكن الأصح عند الجمهور هو الثَّاني، وبه قال في "الوسيط"، وفي بعض نُسَخ الكتاب بدل قوله: "فهو مجهول على النص" فهو محمول على الأجل، وهما متقاربان في الغرض، وأما النَّص فيمكن تنزيله على ما حكي عن الشَّافِعَي -رضي الله عنه- أنه قال: ويذكره حالاً أو مؤجلاً فاعتبر ذكر الحُلُول كالتَّأْجيل، ولو أطلقا العَقْد ثم ألْحَقَا به أَجلاً في مَجْلس العقد، فالنص لُحُوقه وهو المذهب، ويجيء فيه الخلاف الذي تَقَدَّم في سائر الإِلْحاقات، ولو صرَّحَا بالتَّأْجيل في مَتْن العقد، ثم أسقطاه في المَجْلِس سقط، وصار العقد حالاً، ذكره المسعودي وغيره.
واعلم أن في نصه على لحوق الأجل الملحق في المجلس دليلاً ظاهراً على صحة العقد عند الإطلاق، وإلاَّ فالعقد الفاسد كيف ينقلب صحيحاً وكيف يعتبر مجلسه؟ وهذا أصل بني عليه مسألة وهي: أن الشرط الفَاسِد للعقد إذا حذفاه في المجلس هل ينحذف وينقلب العقد صحيحاً أم لا؟ = إن جعلناه سلماً فلا إشكال في وجوب تعيين الدراهم وتسليمها في المجلس وإن جعلناه بيعاً لم يجب التسليم.
وأما التعيين فمقتض كلام الرافعي أنه لا يجب وليس كذلك بل لا بد منه، ولا يؤدي إلى بيع الدين بالدين وهو باطل بالإجماع وقد نبه عليه هنا، وصرح به المحاملي والفارقي.

الجزء: 4 - الصفحة: 396

ظاهر المذهب أنه لا ينحذف ولا ينقلب العقد صحيحاً، وقد ذكرناه من قَبل.
وعن صاحب "التقريب" وجهاً: أنهما لو حذفا الأجل المجهول في المجلس انحذف وصار العقد صحيحاً، واختلفوا في جريان هذا الوجه في سائر المُفْسدات كالخيار والرهن الفاسدين وغيرهما، فمنهم من أجراه.
قال الإمام: والأصح: تخصيصه بالأجل؛ لأن بين الأجل والمَجْلس مناسبة لا توجد في سَائِرِ الأمور، وفي أنَّ البائع لا يَمْلك مطالبة المُشْتري بالثمن في المجلس، كما لا يملكها في مُدَّة الأجل، فلم يبعد إصلاح الأجل في المجلس، واختلفوا أيضاً في أن زمان الخِيَار المَشْروط هل يلحق بالمجلس في حذف الأجل المجهول تفريعاً على هذا الوجه؟ والأظهر: أنه لا يلحق به.
قال الغزالي: ثُمَّ لاَ يَجُوزُ تَأَقِيتُ الأَجَلِ بِالحَصَادِ وَالدِّيَاسِ (م) وَمَا يُخْتَلَفُ وَقْتُهُ، وَيَجُوزُ (وح) بِالنَّيْرُوزِ وَالمَهْرَجَانِ، وَكَذَا بِفصْحِ (و) النَّصَارَى وَفِطْر اليَهُودِ (و) إِنْ كَانَ يَعْلَمُ دُونَ مُرَاجَعَتِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: إِلَى نَفَرِ الحَجِيجِ، أَوْ إِلَى جُمَادَى وَجْهَانِ: وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَالتَّنْزِيلُ عَلَى الأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَى ثَلاَثةِ أَشْهُر احْتَسَبَ بِالأَهِلَّةِ (ح) إِلاَّ شَهْراً وَاحِداً انْكَسَرَ فِي الابْتِدَاءِ فَيُكْمَلُ ثَلاَثينَ، وَلَوْ قَالَ: إِلَى الجُمْعَةِ أَوْ رَمَضَانَ جَلَّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَو قَالَ: فِي الجُمُعَةِ أَوْ في رَمَضَانَ فَهُوَ مَجْهُولٌ لأَنَّهُ جَعَلَهُ ظَرْفاً، وَلَوْ قَالَ: إِلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ إِلَى آخِرِه فَالمَشْهُورُ البُطْلاَنُ لأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّصْفِ الأَوَّلِ وَالنِّصْفِ الأَخِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل: أنهما إذا ذكرا أجلاً في السَّلَم وجب أنْ يكون معلوماً.
قال: "إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" وفيه صور: إحداها: لا يجوز تَأْقيته بما يختلف وقته كالحَصَاد والدِّياس 16 وقدوم الحاج، خلافاً لمالك.
لنا أن ذلك يتقدم تَارَةً ويتأخَّر أخرى، فأشبه مجيء المطر.
ولو قال: إلى العطاء لم يَجُز إن أراد وصوله، وإن أَرَادَ وقت خروجهن وقد عَيّن

الجزء: 4 - الصفحة: 397

السلطان له وقتاً جاز بخلاف ما إذا قال: إلى وقت الحصاد، إذ ليس له وقت مُعَيّنْ.
ولو قال إلى الصَّيف أو إلى الشتاء لم يجز، إلاَّ أن يريد الوقت، ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (وما يختلف وقته) بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم ابن كَجٍّ ذكر أن ابن خُزَيْمَةَ يجوز التَّأْقِيت بالميسرة.
لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيِّ شَيْئاً إِلَى الْمَيْسَرَةِ" 17. الثانية: التَّأْقِيت بشهور الفُرْس والرُّوم جائز كالتَّأَقِيتِ بشهور العَرَب؛ لأنها معلومة 18 مضبوطة، وكذا التَّأْقِيت بالنَّيْرُوز 19 والمِهْرَجَان 20؛ لأنهما يومان معلومان كالعِيد وعرفة وعاشوراء.
وفي "النهاية" نقل وجه: أنه لا يجوز التأقيت بهما، ووجهه الإمام بأن النَّيْرُوزَ والمِهْرَجَانَ يطلقان على الوقتين الذين تنتهي الشَّمْس فيهما إلى أوائل بُرْجَي الحَمَل والمِيْزَان، وقد يَتَّفق ذلك لَيْلاً ثم ينجس مَسِيْرُ الشَّمْس كل سنة بمقدار رُبْع يوم وليلة، ولو وقتا بفُصْح النَّصَارى، نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه لا يجوز، فأخذ بعض الأصحاب بإطلاقه اجتناباً عن التأقيت بمواقيت الكفار، وعامتهم فَصَلُوا فقالوا: إِنِ اختص بمعرفة وقته الكفار فالجواب ما ذكره، لأنه لا اعتماد على قولهم، وإن عرفه المسلمون أيضاً جاز كالنَّيْرُوز والمِهْرَجَان، ثم اعتبر معتبرون فيهما جميعاً معرفة المُتَعَاقدين، والأكثرون اكتفوا بمعرفة الناس، وسواء اعتبر معرفتهما أم لا، فلو عرفا كفى، وفيه وجه: أنه لا بد من معرفة عدلين من المُسْلِمِين سواهما؛ لأنهما قد يختلفان، فلا بد من مَرْجِع، وفي معنى الفُصْحِ 21 سائر أعياد أهل المِلَل، كفِطْر اليَهُود ونحوه.

الجزء: 4 - الصفحة: 398

الثَّالثة: لو وقتا بنَفْرِ الحَجِيج 22 وقيَّدوا بالأول أو الثاني جاز، وإن أطلقا فوجهان: أحدهما: أن الأجل فاسد؛ لتردد المحل بين النَّفرين.
وأصحهما، ويحكى عن نصه: أنه صحيح، ويحمل على النَّفْر الأول؛ لتحقق الاسْم به، وعلى هذا الخِلاَف التَّوقيت بشهر ربيع أو جُمَادى أو بالعِيد.
ولا يحتاج إلى تَعْيين السنة إذا حملنا المذكور على الأول، وحكي عن "الحاوي" أن التوقيت بالنَّفْر الأول أو الثاني لأهل مَكَّة جائز؛ لأنه معروف عندهم ولغيرهم وَجْهَان، وأنّ في التَّوْقيت بيوم القرِّ لأهل مَكَّةَ وجهين أيْضاً؛ لأنه لا يعرفه إِلا خواصهم، وهذا غير فقيه؛ لأنا إن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلاَّ فهي مشهورة في كل ناحية عند الفُقَهَاء وغيرهم 23. الرَّابعة: لو أجَّلا إلى سنة أو سنين فمطلقه محمول على السِّنِين الهِلاَلِيّة، فإنْ قَيَّدا بالفَارِسِيّة أو الرُّومِيّة أو الشَّمْسِيّة تقيد بالمذكور.
ولو قال بالعدد فهي ثلاثمائة وستون يوماً، وكذا مطلق الأَشْهر محمول على المشهور الهِلاَلية، ثم ينظر إنْ جرى العقد في أول الشهر اعتبر الجميع بالأَهِلّة تامة كانت أو ناقصة، وإن جرى بعد مُضِيّ بعض الشَّهر عد الباقي منه بالأيام واعتبرت الشُّهور بعده بالأَهِلَّة ثم يتم المُنْكَسِر بالعدد ثَلاَثِين، وأَنَّمَا كان كذلك لأن الشَّهر الشَّرْعي هو ما بين الهِلاَلَيْن؛ إلاَّ أنَّ فِي الشَّهْر المنكسر لا بد من الرُّجُوع إِلَى العدد كيلا يتأخّر ابتداء الأجل عن العَقْد، وفيه وجه: أنه إذا انْكَسَر الجميع، فيعتبر الكُل بالعدد، ويحكى هذا عن أبي حنيفة، والمَذْهب الأول.
وضرب الإمام مثلاً للتّأجيل بثلاثة أَشْهر مع فرض الانْكِسَار فقال: عقدا وقد بقي من صفر، ونقص الرَّبيعان وجُمَادى، فيحسب الرَّبِيعَان بالأَهِلّة ويضم جُمَادى إلى اللَّحظة الباقية من صفر، ويكملان بيوم من جُمَادى الآخرة سوى لَحْظَة، ثم قال: كنت أودُّ في هذه الصُّورة أنْ يكتفي بالأشهر الثّلاثة، فإنها جَرَتْ عَرِبية كَوَامل، وما تمناه هو الذي نقله أبو سعد المُتَوِلِّي وغيره، وقطعوا بحلول الأجَل بانْسِلاخ جُمَادى في الصُّورة = لفظ عربي.
والفطير عيد اليهود ليس عربياً، وقد طرد صاحب الحاوي الوجه في الفصح في شهور الفرس وشهور الروم.

الجزء: 4 - الصفحة: 399

المذكورة، وأن العدد أَنَّما يُرَاعى فيما إذا جرى العقد في غير اليوم الأخير وهو الصواب، والله أعلم.
الخامسة: لو قال: إلى الجُمُعَة أو إلى رَمَضَان حلّ بأول جزء منه؛ لتحقق الاسم به، وربما يقال انتهاء يوم الجمعة، وانتهاء شَعْبان والمقصود واحد، ولو قال: محله في الجمعة أوْ فِي رمضان فوجهان عن ابن أبي هريرة: أنه يجوز، ويحمل على الأول، كما لو قال: أنت طالق في يوم كذا.
وأصحهما: المنع؛ لأنه جعل اليَوْم أوِ الشهر ظرفاً، فكأنه قال: محله وقت من أَوْقَات يوم كذا 24، وفرقوا بَيْنَه وبَينَ الطَّلاَق، بأن الطلاق يجوز تَعْلِيقُه بالمَجَاهِيل والأَغْرَار، بخلاف السَّلم.
قال ابن الصَّبَّاغ نعم، لكن لو كان هذا من ذلك القَبِيْل لوقع في الجزء الأخير دون الأوَّل وهذا أحسن، والفَرْق مُشْكل.
ولو قال: إِلَى أول شهر كذا أو أخره، فعن عامة الأصحاب: بُطْلاَنه؛ لأن اسم الأول يقع على جميع النصف فلا بد من البَيَن، وإلاَّ فهو مجهول.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": وجب أنْ يصحّ ويحمل على الجزء الأول من كل نصف على قياس مسألة النَّفر، وأيضاً فإنه إذا أجل إلى يوم حمل على أوله وإن كان اسم اليوم عبارة عن جميع الأجزاء، وأيضاً فإن الأمر في الطَّلاَق على ما ذكراه، وأيضاً فإنه لو قال: إلى شهر كذا حمل على أول جزء منه.
وقوله: إلى أول شَهْر كذا أقرب إِلَى هذا المَعْنَى ممّا إذا أطلق ذكر الشهر قال الإمام: وقد يحمل النصف الأول على الجزء الأول، والآخر على الجزء الآخر، وسينتهي إلى وجه كما أشار إليه في "الطلاق".
فرع: لَوْ أسلم في جِنْس واحد إلى أَجلين أو آجال دفعة واحدة كما لو أسلم في وَقْر حِنْطَة يسلمه بِنَجْمين، أو أسلم في جِنْسَين إلى أجل كما لو أسلم في حِنْطَة وشعير إلى شهر، ففي الصورتين قولان: أحدهما: البطلان؛ لأنه ربما يتعذَّر تسليم بعض النُّجُوم أو بعض الأَجْنَاس، فيرتفع العقد فيه، ويتعدّى إِلَى البَاقي فيصير التَّنْجيم شَرْطاً متضمناً رفع العقد.

الجزء: 4 - الصفحة: 400

وأصحهما: الصحة، كما لو باع بثمن منجم أو بجنسين، والخلاف ناظر إلى أن الصَّفْقة هل تفرق؟ واعلم أن الكلام في أن التَّأْجيل ليس بشرط في السَّلَم، وفي أَنَّ شرط الأجل ماذا؟ لا اختصاص له بهذا الموضع، وربما كان ذكره بعد الفراغ من الشروط كلها أليق والله أعلم.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ المُسْلَمُ فِيهِ مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي مُنْقَطَعِ لَدَى المَحَلِّ، وَلاَ يَضُرُّ الانْقِطَاعُ قَبْلَهُ (ح) وَلاَ بَعْدَهُ، وَلاَ يَكْفِي الوَجُودُ فِي قُطْرٍ آخَرَ لاَ يَعْتَاد نَقْلَهُ إِلَيْهِ فِي غَرَضِ المعَامَلَةِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي وَقْتِ البَاكُورَةِ فِي قَدْرٍ كَثِيير يَعْسُرُ تَحْصِيلُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ طَرَأَ الانْقِطَاعُ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّلَمِ فَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّهُ لاَ يَنْفَسخُ، بَلْ لَهُ الخِيَارُ كَمَا فِي إبَاقِ العَبْدِ المَبِيعِ، وَلَوْ تَبَيَّنَ العَجْزُ قَبلَ المَحَلِّ فَفِي تَنْجِيزِ الخِيَارِ أَوْ تَأَخُّرِهِ إِلَى المَحلِّ قَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذا الشَّرْط ليس من خَوَاص السَّلَم بل يعم كل بيع على ما مر، وإنما تُعْتَبر القُدْرَة على التسليم عند وجوب التسليم، وذلك في البيع والسَّلَم، الحال في الحال وفي السَّلَم المؤجل عند المحل 25 فلو أسلم في منقطع لدى المحل كما لو جعل محل الرُّطب الشتاء لم يصح، وكذا لو أسلم فيما يندر وجوده كَلَحْم الصَّيْد، حيث يعز فيه الصَّيْد، وإن كان يَغْلب على الظَّن وجوده، لكن لا يتوصل إلى تحصيله إلاَّ بمشقة عظيمة كالقدر الكثير من البَاكُوْرَة، ففيه وجهان: أقربهما إلى كلام الأكثرين: البطلان؛ لأنه عقد غرر، فلا يتحمل فيه مُعَاناة المَشَاق العظيمة.
وأقيسمهما عند الإمام: الصِّحة؛ لأن التحصيل ممكن، وقد التزمه المُسَلّم إليه، ولو أسلم في شيء ببلد لا يُوجَد مثله فيه ويوجد في غيره.
قال في "النهاية": إن كان قريباً منه صح، وإن كان بعيداً لم يصح، قال: ولا تعتبر مَسَافَة القصر هاهنا، وإنما التَّقْريب فيه أَنْ يقال: إن كان يعتاد نقله إليه في غوض المُعَامَلَة لا في معرض لا للتحف والمُصَادَرَات صَحَّ السَّلم، وإلاَّ فلا، ويجيء في آخر الفصل ما ينازع في الإعراض عن مسافة القصر.
ولو كان المسلم فيه عام الوجود عند المحل فلا بأس بانقطاعه قبله أو بعده.

الجزء: 4 - الصفحة: 401

وعند أبي حنيفة: يشترط عموم الوجود من وقت العَقْد إلى المحل.
واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بالحديث المذكور في أول الباب، (وهو أنهم كانوا يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَار السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ) والثمار لا تبقى هذه المدة بل تنقطع، وإذا أْسلم فيما يعم وجوده، ثم انقطع عند المحل لِجَائِحَة فقولان: أحدهما: أنه يَنْفَسِخ العقد، كما لو تلف البَيْع قبل القَبْض.
وأصحهما وبه قال أَبُو حنيفة: لا يَنْفَسِخ؛ لأن المسلم فيه يتعلّق بالذِّمَّة، فأشبه ما إذا أفلس المُشْتَري بالثمن، لا ينفسخ العَقْد ولكن للبائع الخيار، ولأن هذا العقد ورد على مَقْدُور في الظاهر، فعروض الانقطاع كإباق العبد المبيع، وذلك لا يقتضي إلاَّ الخِيَار، فكذلك هاهنا المسلم يتخيَّر بين أنْ يفسخ العقد، أو يصبر إلى وجود المُسَلم فيه.
ولا فرق في جَرَيَان القولين بين ألا يوجد المسلم فيه عند المحل أصلاً، وبين أَنْ يكون مَوْجُوداً، فَيُسَوِّف المسلم إليه حتى ينقطع.
وعن بعض الأصحاب أن القولين في الحَالَة الأولى.
أما في الثَّانية: فلا يَنْفَسِخ العقد بحَال لوجود المُسَلم فيه، وحصول القدرة، فإن أجاز ثم بَدَالَهُ مُكِّن من الفسخ كزوجة المولى إذا رضيت بالمَقَام، ثم ندمت 26. ووجهه الإمام بأن هذه الإجازة إنظار والإنظار تأجيل، والأجل لا يلحق العقد بعد لزومه، وقد يتوقف النَّاظِرُ في كونها إنْظَاراً، ويميل إلى أنها إسقاط حق ورضا بما عرض، كإجازة زوجة العِنِّيْنِ، ويجوز أن يقدر فيه وجهان؛ لأن الإمام حكى وجهين في أنه لو صرح بإسقاط حق الفسخ هل يسقط؟ قال: والصحيح أنه لا يسقط.
ولو قال المسلم إليه للمسلم: لا تصبر وَخُذْ رأس مالك، فللمسلم أنْ لا يجيبه.
وفيه وجه.
ولو حل الأجل بموت المسلم إليه في أثناء المدة والمسلم فيه منقطع جرى القولان، ذكره في "التتمة"، قال: وكذا لو كان موجوداً عند المحل وتأخَّر التَّسْليم لغيبة أحَدِ المُتَعَاقدين، ثم حضر والمُسَلم فيه منقطع، ولو انقطع بعض المُسَلّم فيه فقد ذكرنا حكمه في "تفريق الصَّفْقة"، ولو أسلم في شيء عام الوجود عند المحل ثم عرضت آفة علم بها انقطاع الجِنْس لدى المَحل، فيتنجّز حكم الانقطاع في الحال، أو يتأخر إلى المحل، فيه وجهان: أحدهما: يَتَنَجَّز حتى يَنْفَسخ العقد على قول، ويثبت الخِيَار على الثَّاني لتحقق العَجْز في الحال.

الجزء: 4 - الصفحة: 402

وأظهرهما: لا؛ لأنه لم يَجِئْ وقت وجوب التسليم، وهذا الخلاف مأخوذ من الخِلاَف فيما إذا حلف ليأكلن هذا الطَّعَام غدا، فتلف قبل الغَدِ أنه يَحْنَث في الحال أو يتأخَّر الحنث إلى الغد؟ قوله في الكتاب: "ففي تَنْجِيزِ الخِيَار أو تأخيره" تفريع على أن الثابت بالانقطاع الخيار دون الانْفِسَاخ، وعلى القول الآخر يَتَنَجز الانِفْسَاخ، واللَّفظ العام ما سبق، وإطلاقه القولين في المَسْأَلَة اتباع للإمام، والوجه الحمل على القولين المخرجين، وحينئذٍ لا يبقى بينهما وبين الوجهين كثير فرق.
فإن قيل: فيم يحصل الانقطاع؟ قيل: إن لم يوجد المسلم فيه أصلاً، بأنْ كان ذلك الشيء يَنْشَأ في تلك البلدة، وقد اْصابته جَائِحَة مستأصلة، فهذا انقطاع حقيقي، وفي معناه ما لو كان يُوجد في غير تلك البلدة، ولكن لو نقل إليها لفسد، وما إذا لم يوجد إلاَّ عند قوم مَحْصُورين، وامتنعوا من بيعه، ولو كانوا يبيعونه بثمن غَالٍ وجب تحصيله ولم يكن ذلك انقطاعاً، وإنْ أمْكَنَ نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله إن كان في حَدّ القرب، وبم يضبط؟ أما صاحب "التهذيب" في آخرين فإنهم نقلوا وجهين: أقربهما: أنه يجب نقله مما دون مَسَافَة القصر.
والثاني: من مَسَافة لو خرج إليها بُكْرَة أمكنه الرجوع إلى أهله لَيْلاً.
وأما الإمام فإنه جرى على الإعْراض عن مسافة القَصْر، وقال: إن أمْكَن النَّقْل عسر، فالأصح: أنَّ السَّلم لا ينفسخَ قطعاً، ومنهم من طرد فيه القولين.
قال الغزالي: وَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَكَانِ التَّسْلِيمِ، بَلْ يَنْزِلُ المُطْلَقُ عَلَى مَكانِ العَقْدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السَّلَم إما مؤجل أو حال: أما المُؤَجَّل فقد حكي عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- اختلاف في أنه، هل يجب تعيين مكان التسليم؟ وانقسم الأصحاب إلى نُفَاةٍ للخلاف ومُثْبِتِين.
أما النُفَاة: فعن أبي إسحاق المَرُوزِيّ: أنه إن جرى العقد في موضع يصلح للتسليم فلا حاجة إلى التَّعيين، وإنْ جرى في مَوْضِعٍ غير صالح فلا بد من التعيين، وحمل النصين على الحالين.
وعن ابْنِ القَاصِ: أنَّ المسلم فيه إن كان لحمله مُؤنَة، وجب التَّعيين، وإلاَّ فلا، وحمل النصين على الحالين، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو اختيار القاضي أبي الطَّيب فهذان طريقان.

الجزء: 4 - الصفحة: 403

وأما المُثْبِتُون فلهم طرق: أحدها وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي أبو حامد: أنَّ المسألة على قولين مطلقاً.
والثَّاني: أنه إنْ لَمْ يَكُنْ الموضع صالحاً وجب التَّعيين لا محالة، وإنْ كان صالحاً فقولان.
والثالث: إنْ لم يكن لحمله مُؤَنة فلا حاجة إلَى التَّعيين، وإن كان له مُؤنة فقولان.
وهذا أصح عند الإمام.
ويروى عن اختيار القَفَّال: ووجه اشتراط التعيين أن الأغراض تتفاوت بتفاوت الأمكنة، فلا بد من التعيين قَطْعاً للنزاع، كما لو باع بِدَرَاهِمَ وفي البلد نقود مختلفة، ووجه عدم الاشتراط وبه قال أحمد: القِيَاس على البيع، فإنه لا حاجة فيه إلى تَعْيين مكان التسليم، ووجه الفرق بين الموضع الصالح وغير الصالح اطِّراد العُرْف بالتَّسْليم في الموضع الصالح، واختلاف الأَغْرَاض في غيره، ووجه الفرق بين مَا لحملهَ مُؤنَة وغيره قريب من ذلك.
والفتوى من هذا كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحاً، أوْ كان لِحَمْله مُؤنَة، وعدم الاشْتِرَاط فِي غَيْرها تبيّن الحَالتين، ومتى شرطنا التَّعْيين فلو لم يعيّن فسد العقد، وإن لم نشرطه فإن عين تعيّن.
وعن أحمد رواية: أنَّ هذا الشرط يفسد السَّلَم، وإن لم يعيّن حمل على مكان العقد.
وفي "التتمة": أنه إذا لم يكن لحمله مُؤنَة سلمه في أي موضع صالح شاء، وذكر وجهاً فيما إذا لم يصلح المَوْضع لِلتَّسْلِيم: أنه يحمل على أقرب موضع صالح، ولو عين موضعاً لتسليم، ففيه ثلاثة أوجه ذكرها القاضي ابن كَجٍّ: أحدها: أنه يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا، وللمسلم الخِيَار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح.
وأما السَّلم الحال فلا حاجة فيه إلى تَعْيِين مكان التَّسْليم كالبيع، ويتعيّن مكان العقد، لكن لو عينا موضعًا آخر جاز بخلاف البيع؛ لأن السَّلَم يقبل التَّأْجيل، فيقبل شَرْطاً يتضمن تأخير التسليم بالإحصار، والأعيان لا تحتمل التَّأجيل، فلا تحتمل شرطاً يتضمن تَأْخِيرِ التَّسْليم، وحكم الثمن في الذِّمة حكم المسلم فيه، وإن كان معيناً فهو كالمبيع قال في "التهذيب": ولا نعني بمكان العَقْد ذلك الموضع بعينه، بل تلك المحلة والله أعلم 27.

الجزء: 4 - الصفحة: 404

قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابعُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ المِقْدَارِا "بِالوَزْنِ أَوِ الكَيْلِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-": مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْل مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَلاَ يَكْفِي العَدُّ فِي المَعْدُودَاتِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْر الوَزْنِ فِي البطِّيخِ وَالبَيْضِ، وَالبَاذِنْجَانِ، وَالرُّمَّانِ، وَكذَا الجَوْزُ، وَاللَّوْزُ إِنْ عُرِفَ نَوْعٌ لاَ يَتَفَاوَتُ فِي القُشُورِ غَالِباً، وَيُجْمَع في اللَّبَنِ بَيْنَ العَدِّ وَالوَزْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يشترط أنْ يكون المسلم فيه معلوم القدر للخبر 28، والإعلام تارة تكون بالكيل، وأخرى بالوَزْن أو العَدَد أو النَّوع.
وقوله في الحديث: "في كيل معلوم ووزن معلوم" ينبغي أن يعرف فيه شيئان: أحدهما: أنه ليس أمراً بالجمع بين الكَيْل والوزن، بل الجمع قد يكون مُبْطلاً، كما لو أسلم في ثَوْبٍ ووصفه وقال: وزنه كذا أو أسلم في مائة صَاع حِنْطة على أن يكون وزنها كذا، لا يصح لأنه يورث عزة الوجود.
قال الشيخ أبو حامد: لكن لو ذكر وزن الخشب مع الصِّفات المشروطة جاز؛ لأنه لو كان زائداً أمكن نَحْتُه حتى يعود إلى القَدْرِ المَشْرُوط.
إذا تقرَّر ذلك فالمُرَادُ من الخبر الأمر بالكَيْلِ في المَكِيلات، والوَزْن في الموزونات.
الثَّاني: هذا الأمر ورد على العَادَة الغَالِبَة في النَّوْعين لا لِلتَّعْيِين، فيجوز ذكر الوزن في المَكِيْلات، والكَيْل في الموزونات، الَّتي يتَأتَّى فيها الكَيْل بخلاف الرَّبَوِيَّات؛ لأن المقصود هاهنا معرفة المِقْدَار، وكل واحد منهما مَعْرُوف، وثم نص الشَّارع على طريق المماثلة فوجب الاتِّباع.
وعن أبي الحسين ابن القَطَّان: أن بعض الأَصْحَاب منع من السَّلَم كَيْلاً في الموزونات والمَشْهور الأول، لكن إمام الحَرَمَيْن حمل ما أطلقه الأصحاب على ما يعتاد الكَيْل في مثله ضابطاً.
أما لو أسلم في فُتَات المِسْك والعَنْبَرِ ونحوهما كيلاً لم يصح؛ لأن للقدر اليَسِير منه مالية كبيرة، والكَيْل لا يعد ضابطاً فيه.
ثم في الفصل صورتان: إحداهما: السَّلَم في البَطِّيخ والقِثَّاء والرُّمّان والسَّفَرْجَل، والبَاذِنْجَان والبَيْض جائز، والمعتبر فيها الوَزْن دون الكيل؛ لأنها تَتَجَافَى في المِكْيَال، ودون العدد لكثرة

الجزء: 4 - الصفحة: 405

التفاوت فيه، والناس يكتفون بالعدد تعويلاً على العِيَان وتسامحاً، وكذا لا يجوز السَّلَم في الجَوْز واللَّوْز عدداً ويجوز وزناً، وفي الكيل وجهان نقلهما صاحب "البيان" المذكور: منهما في "الشامل": الجواز، وكذا في الفُسْتُقِ والبندق 29. واستدرك الإمام فقال: قشور الجَوْز واللَّوْز أيضاً، وليحمل ما أطلقه الأصْحَاب على النَّوع الَّذي لا تختلف قشوره في الغالب.
وعن أبي حنيفة: أنه يجوز السَّلَم عددًا في البَيْض والجَوْز، ولا يجوز السَّلَم في البُقُول جَزْمًا لاختلافهما، وإنما السلم فيها بالوزن، ولا يجوز السّلم في البَطّيخة الواحدة، والسَّفَرْجَلَة الواحدة، ولا في عدد منها؛ لأنه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها، وذلك يورث عِزّة الوجود.
وقوله في الكتاب: (ولا يكفي العد في المعدودات) يجوز إعلامه بالحاء لما حكيناه عنه، ثم هو غير مجري على إطلاقه؛ لأن التَّقْدير في الحَيَوَانَات إنما يكون بالعَدِّ دون الوزن والكيل.
وقوله: (بل لا بد من ذكر الوزن) بعد قوله: (ولا يكفي العد) قد يوهم الحاجة إلى ذكر الوَزْن مع العد وليس كذلك، بل هو مفسد كما سبق.
والمراد: أن المعتبر الوزن، ولا نظر إلى العد.
الثانية: يجمع في اللَّبَن بين العَدِّ والوَزْن، فيقول: كذا لَبَنَة كل واحدة كذا؛ لأنها تضرب عن اختيار، فالجمع فيها بين العَدِّ والوَزْن لا يورث عزة، ثم الأمر فيها على التَّقرِيب دون التَّحْديد 30. قال الغزالي: وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالاً لاَ يُعْتَادُ كَالكُوْزِ فَسَدَ العَقْدُ، وَإِنْ كَانَ يُعْتَادُ فَسَدَ الشَّرْطُ وَصَحَّ العَقْدُ عَلَى الأَصَحِّ لأَنَّهُ لَغُوٌ، وَلَوْ أسْلَم فِي ثَمرَةِ بُسْتَانِ بعيْنهِ بَطُلَ لأَنَّهُ يُنَافِي الدّينيّة، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَاحِيَةٍ كَمَعْقَلَي البَصْرَةِ جَازَ إِذ الغَرَضُ مِنْهُ الوَصْفُ.

الجزء: 4 - الصفحة: 406

قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو عيّن للكيل مَا لاَ يَعْتَاد الكَيْل به كالكُوز 31 فسد السلم؛ لأن مِلْئَه مجهول القدر؛ ولأن فيه غَرَر لا حاجة إلى احْتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل، وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكُوز من هذه الصُّبْرَة فوجهان بناء على المعنيين.
والأصح: الصِّحَّة اعتماداً على المعنى الثاني.
ولو عَيَّن في البيع أو السَّلَم مكيالاً معتاداً، فهل يفسد العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتعرضه للتلف.
وأصحُّهما: لا، ويُلْغَى الشرط كسائر الشُّروط التي لا غرض فيها.
والسَّلم الحال كالمُؤَجَّل، أو كالبَيْع فيه وَجْهان: جواب الشيخ أبي حامد منهما: أنه كالمؤجل؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال: لو أصدقها 32 مِلْءِ هذه الجَرَّة خلاًّ لم يصح، لأنها قد تَنْكسر فلا يمكن التسليم، كذلك هاهنا.
ولو قال: أسلمت إليك في ثوب كهذا الثوب أو في مائة صَاعٍ من الحِنْطَة لهذه الحِنْطة، فقد قال العراقيون: لا يصح إِذْ ربما يتلف ذلك المحضر كماَ في مسألة الكُوز.
وفي "التهذيب": أنه يصح ويقوم مقام الوَصْف.
ولو أسلم في ثَوْب ووصفه ثم أسلم في ثَوب آخر بتلك الصِّفة إنْ كانا ذاكرين لتلك الأوصاف.
الثَّانية: لو أسلم في حِنطَة ضَيْعَة بعينها أو ثمرة بُسْتان بِعَيْنه أو قرية صغيرة لَمْ يَجُز وعللوه بشيئين: أحدهما: أنَّ تلك البُقْعَة قد تُصيبها جَائِحَة فتنقطع ثمرته وحِنْطَته، فإذاً في التَّعْيين غَرَرٌ لا ضرورة إلى احتماله.
والثَّاني وهو المذكور في الكتاب: أنَّ التَّعْيِين ينافي الدَّينية من حيث إنه يضيق مجال التَّحْصِيل، والمسلم فيه ينبغي أن يكون دَيْناً مرسلاً في الذِّمَّة؛ ليتيسر أداؤه.
وإنْ أسلم في ثَمَرةِ ناحية أو قرية كبيرة، نظر إنْ أراد المسلم فيه تَنوّع المسلم فيه كَمَعْقلي البَصْرَة، فإنه مع معقلي بغداد صنف واحد.، لكن كل واحد منهما يمتاز عن

الجزء: 4 - الصفحة: 407

الآخر بصفات وَخَواص، فالإضافة إِليها تفيد فائدة الأوْصَاف، وإنْ لم تُفِد تنويعاً فوجهان: أحدهما: أنه كَتَعْيين المُكْيال لخلوه عن الفائدة.
وأصحهما: الصِّحة؛ لأنه لا ينقطع غالباً ولا يتضيَّق به المجال.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الخَامِسُ مَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ، فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ إلاَّ فِي كُلِّ مَا يَنْضَبِطُ مِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ تَخْتَلِفُ بِهِ القِيمَةُ اخْتِلاَفاً ظَاهِراً لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي السَّلَمِ، وَلاَ يصحُّ في المُخْتَلطَاتِ المَقْصُودَةِ الأَدْكَانِ كَالمَرَقِ وَالحَلاَوَي وَالمَعْجُونَاتِ، وَالخِفَافِ وَالقِسيِّ وَالنِّبَالِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَصِحُّ فِي العتابي وَالخَزِّ وَإِن اختلفت اللُّحْمَةُ وَالسَّدَى لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الجِنْسِ الوَاحِدِ كَالشَّهْدِ (و) وَاللَّبَنِ، وَكَذَلِكَ مَا لاَ يَقْصِدُ خَلْطَهُ: كَالخُبْزِ وَفِيهِ المِلْحُ، وَالجُبْنُ وَفِيهِ الإِنْفَحَةُ، وَكذَا دُهْنُ البَنَفْسَجِ وَالبَانِ، وَفِي خلِّ الزَّبِيبِ، وَالتَّمرُ وَفِيهِ المَاءُ تَرَدُّدٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: أقدم فقه الفصل ثم أتكلم في الضَّبط الَّذي حاوله.
أما الفِقْه فهو أن معرفة أوصاف المسلم فيه بذكرها في العَقْد شرط، فلا يصح السَّلَم فيما لا تنضبط أوْصافه، أو تَنْضبط، وأهملا بعض ما يجب ذكره؛ لأن البيع لا يحتمل جَهَالة المعقود عليه وهو عين؛ فلأن لا يحتملها السَّلَم وهو دَيْن كان أوْلى، ولتعذُّر الضبط أسباب: منها: الاختلاط، والمُخْتَلَطَات أربعة أنواع؛ لأن الاخْتِلاَط إمَّا أن يقع بالاختبار أو خِلْقَة والأول إمَّا أنْ يتفق وجميع أخْلاَطِهَا مقصودة، أو يتفق والمقصود واحد، والأول إِمَّا أَنْ يكون بحيث يَتَعَذَّر ضبط اخْلاَطِه أو بحيث لا يَتَعَذَّر.
النَّوع الأول: المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط أقدار أخلاطها وأوصافها، كالهَرَائِس ومعظم المَرَق والحَلَوى والمَعْجُونَات وَالحَوَارَشَات، والغالية المركبة من المسك والعَنْبَر والعُود والكَافُور، فلا يصح السَّلَم في شَيْءٍ منها للجهل بما هو متعلق الأغراض، وكذا الخِفَاف والنِّعَال لاشتمالها على الظِّهَارة والبِطَانَة والحَشْو؛ لأن العبارة تضيق عن الوَفاءِ بذكر أطرافها وانعطَافَاتها، وفي "البيان" أن الصَّيمري حكى عن ابن سُرَيجٍ جواز السَّلم فيها، وبه قال أبو حنيفة، وكذا القِسِيّ لا يجوز السلم فيها لاشتمالها علىَ الخَشَبِ والعظْم والعَصَبِ.
وأما النّبْل فقد نقل فيه اختلاف نص، واتفقوا على أنه لا خلاف فيه، واختلاف النَّص محمول على اخْتلاف أحواله، فلا يجوز السلم فيه بعد التَّخْريط والعمل عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 408

أما إذا كان عليه عَصَبٌ وَرِيشٌ ونَصْلٌ فللمعنيين: أحدهما: أنه من المُخْتَلَطَات.
والثاني: اختلاف وَسَطَه وطرفيه دقَّة وغِلَظاً، وتعذّر ضبطه، وأنه من أي موضع يأخذ من الدِّقة في الغِلَظ، أو بالعكس ولم يأخذ، وأما إذا لم يكن فللمعنى الثاني، ويجوز السَّلَم قبل التَّخْرِيط والعمل عليه لتيسر ضبطه، والمَغَازِل كالنِّبَال والتِّرْيَاق المَخْلُوط كالغالية، فإن كان نَبَاتاً واحداً أو حجراً جاز السلم فيه.
النوع الثَّاني: المُخْتَلَطَات المقصودة الأركان التي تَنْضبط أقدارها وصفاتها، كالثِّيابِ العتَّابِيَّةِ والخُزُوزِ المُرَكَّبة من الإِبْرَيْسِيم والوَبَر وَفي السلم، فيه وجهان: أحدهما: المنع كالسَّلَم في الغالية والمَعْجُونَات.
وأصحهما عند المصنف ومعظم العراقيين: الجَوَاز؛ لأن قدر كل واحد من أَخلاَطِها ممَّا يسهل ضَبْطه، ويحكى هذا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وبه أجاب القاضي ابن كَجٍّ، ويخرج على الوَجْهَين السَّلم في الثوب المعمول عليه بالإِبْرَة بعد النَّسِيج من غير جنس الأصل كالإِبْرَيْسيم على القِطُن أو الكِتَّان، وإن كان تركيبهَا بحيث لا تنضبط أركانها فهي كالمَعْجُونَات.
النوع الثالث: المُخْتَلَطَات التي لا يقصد منها إلاَّ الخَلِيط الواحد كالخُبْز وفيه المِلْح، لكنه غير مقصود في نفسه، وإنما يراد منه إصلاح الخبز، وفي السَّلم فيه وجهان: أصحهما عند الإمام: أنه جائز، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في الكتاب؛ لأن المِلْح مستهلك فيه، والخبز في حكم الشَّيء الواحد.
والثاني، وهو الأصح عند الأكثرين: المَنْع لوجهين: أحدهما: الاختلاط، واختلاف الغَرض بحسب كثرة المِلْح وقلته وتعذّر الضبط.
والثاني: تأثير النَّارِ فيه، وفي السَّلَم في الجُبْن مثل هذين الوجهين، لكن الجُمْهور مطبقون على ترجيح وجه الجواز، كأنهم اعتمدوا في الخُبْز المعنى الثاني، ورأوا أن عمل النَّارِ في الخُبْزِ يختلف، وفي الجُبْن بخلافه، والله أعلم.
والوجهان جَارِيَانِ في السَّمك الذي عليه شيء من المِلْح، وفي خَلِّ التَّمْر والزّبِيْب وجهان أيضاً: أحدهما، وإليه ميل الصَّيْمَري والإمام: منع السلم فيهما، لما فيهما من الماء كما لا يجوز السَّلَم في المَخِيض.

الجزء: 4 - الصفحة: 409

وأظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأنه لا غنِيَّة به عن الماء، فإنَّ قَوَامَه به، بخلاف المَخِيض إذ لا مَصْلَحَة له في الماء والأَقِطُ كالجبن 33 وفي "التتمة": أن المَصْل كالمخيض؛ لما فيه من الدَّقِيق والأدهان المطيبة كدهن البَنَفْسَج والبَانِ والوَرْدِ إنْ خالطها شيء من جِزْمِ الطِّيْبِ لم يَجُزِ السَّلم فيها، وإن تَرَوَّح السِّمْسِمُ بها ثم اعتصر جاز.
النوع الرابع: المُخْتَلَطَات خِلْقة، ومثلها الإمام بالشُّهْد واللَّبَن وعد الشهد من المُخْتَلَطَات أظهر من عد اللّبن منها؛ لأن في ركني الشُّهد امتيازاً ظاهراً واللَّبَن شيء واحد، إلاَّ أنه بعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان، وفي السَّلَم.
في الشُّهْد وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الشَّمْع فيه، قد يقلّ وقد يكثر، فأشبه سائر المُخْتَلطات، وهذا ما رواه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه.
وأصحُّهما: الجواز؛ لأن اخْتِلاَطه خِلقي فأشبه النَّوَى في التَّمر، وكما يجوز السَّلم في الشُّهْد يجوز في كل واحد من رُكْنيه.
وأما اللبن فلا خلاف في جَوَاز السَّلَم فيه.
وقوله في أول الفصل: (فلا يصح السلم) إلى قوله: (لا يتغابن الناس بمثله في السَّلم) هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها ما لا يَتَغَابَن النَّاس بمثله، وهما صحيحان، ومعنى الأول: لا يحتمل الناس إهمال مِثْل ذلك الاختلاف والنُّقْصَان، ومعنى الثَّاني: أنه لا بأس بأن لا تنضبط منه الأَوْصَاف التي لا يبالي بها ويحتمل فواتها.
ثم اعلم أن من الأصحاب من يقول: يجب التَّعرض للأوصاف الَّتي يختلف بها الغَرَض، ومنهم من يعتبر الأَوْصاف التي تختلف بها القيمة.
ومنهم من يجمع بينهما وليس شيء منها معمولاً بِإِطْلاقه؛ لأن كون العَبْدِ ضعيفاً في العمل وقوياً وكاتباً وأميناً وما أشبه ذلك أوصاف يختلف بها الغَرَض والقيمة، ولا يجب التَّعرض لها ثَمَّ.
قوله: (لا يصح السلم إلاَّ في كذا)، يقتضي صحة السلم في كذا؛ لأن الاسْتِثْنَاء من النَّفي إِثبات وليس ذلك على الإِطْلاَق، بل لو انْضَبَط منه كل وصف تختلف به القيمة ولكن كان عزيز الوجود لا يصح السَّلَم فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 410

قال الغزالي: وَأَمَّا ما يَقْبَلُ الوَصْفَ لَكِنْ يُفْضِي الإِطْنَابُ فِيهِ إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ كَالَّلآلئِ الكِبَارِ، وَاليَوَاقِيتِ، وَالجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ مَعَ وَلَدِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِب عُسْراً في التَّسْلِيمِ فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن السَّلم فيما يندر وجوده لا يجوز؛ لأنه عقد غرر فلا يحتمل إلاَّ فيما يوثق بتسليمه، ثم الشَّيء قد يكون نادر الوُجُود من حيث جنسه كلحم الصَّيْد في موضع العِزّة وقد لا يكون كذلك؛ إلاَّ أنه بحيث إذا ذكرت أوْصافه التي بيّنا أنه يجب التَّعرض لها عز وجوده لندرة اجْتماعها، وفي هذا القسم صورتان: إحْدَاهما: لا يجوز السَّلَم في الَّلالِئ الكِبار واليَوَاقِيت والزَّبَرْجَد والمُرْجَان؛ لأنه لا بد فيها من التَّعرض لِلْحَجْم والشَّكْل والوَزْن والصّفَاء؛ لعظم تَفَاوت القيمة باخْتِلاَف هذه الأوصاف، واجتماع المَذْكُور فيها نادر، ويجوز في الَّلآلِئ الصّغَار إذا عم وجودها كَيْلاً ووزناً 34. وبم يضبط النَّوعين قال قائلون: ما يطلب لِلتَّدَاوي فهو صغير، وما يطلب للتَّزَيُّن فهو كبير.
وعن الشَّيْخ أبي محمد أن ما وزنه سدس دينار يجوز السَّلم فيه، وإنْ كان يطلب منه التَّزين لعموم وجوده، والوجه أن يكون اعتبار السُّدس بالتقريب.
الثانية: لو أَسْلَم في جارية وولدها، أو جارية وأختها، أو عَمَّتها، أو شاة وسَخْلَتِها لم يَجُز؛ لأن اجتماع الجَارِيَة المَوْصُوفة بالصِّفَات المشروطة نادر، هكذا أطلقه الشافعي -رضي الله عنه-، وعامة الأصحاب -رضي الله عنهم- 35. وفصّل الإمام فقال: لا يمتنع ذلك في الزِّنْجيّة التي لا تكثر صفاتها، ويمتنع في السّرِيّة التي تكثر صفاتها، إلى هذا التَّفْصيل أشار في الكتاب بقوله: (والجَارِية الحسناء)، وهذا مفرع على أن الصفات التي يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجَواري، ولم تفصل الآية القول فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى لكن في موضع السَّلَم إشكال على الإطلاق؛ لأنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العَبْد كاتباً أَوْ

الجزء: 4 - الصفحة: 411

الجَارِيةَ مَاشِطَة جاز، وَلمدعٍ أنْ يدّعي نُدْرة اجتماع صفة الكِتابة والمَشْط مع الصّفات التي يجب التَّعرض لها، بل قضية ما أَطْلَقُوه تَجْوِيز السَّلَم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتباً وتلك مَاشِطَة، وكما يندر كون أحد الرَّقِيقين ولدا للآخر مع اجتماع الصِّفَات المشروطة فيهما، فكذا يَنْدُرْ كَوْن أحدهما كاتباً والآخر ماشطاً مع اجتماع تلك الصفات، فَلْنُسَوِّي بين الصورتين في المنع والتَّجويز.
ولو أسلم في جارية وشرط كونها حاملاً فطريقان: أظهرهما: المنع؛ وعللوه بأن اجتماع الحَمْل مع الصفات المشروطة نادر، وهذا يؤيد الإِشْكَال الذي أوردناه.
والثاني وبه قال أبو إسحاق وأبو علي الطَّبَرِي وابن القَطَّان: أنه على قولين بناء على أن الحمل هل له حكم أم لا؟ إن قلنا: نعم، جاز، وإلاَّ فلا، لأنه لا يعرف حصوله، وهما كالقولين في الشِّرَاء بهذا الشرط، ولو شرط كون الشَّاة المُسَلّم فيها لَبُوناً فقولان مَنْصُوصَان، وقد ذهب الشَّيْخ أَبُو حَامِدٍ إلى تَرْجيح قول الجَوَاز كما مر في شراء الجارية بشرط أنها لَبُون، لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحَمْل تقتضي ترجيح المنع هاهنا أيضاً، وبه أجاب صاحب "التهذيب".
قال الغزالي: وَيجُوز السَّلَمُ فِي الحَيَوَان (ح) لِلأَخْبَارِ وَالآثَارِ فِيهِ فَيُتَعَرَّض لِلنَّوْعِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَة، وَالأُنُوثَةِ وَالسِّنِّ فَيَقُولُ عَبْدٌ تُرْكِيٌّ أَسْمَرُ ابنُ سَبْعٍ طَوِيلْ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعٌ، ثُمَّ يَنْزِلُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى أَقَلِّ الدَّرجَاتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ وَصْفُ آحَادِ الأَعْضَاءِ إِذْ يُفْضِي اجْتِمَاعُهَا إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ، وَفي الكُحْلِ وَالدَّعَجِ وَتكَلْثُمِ الوَجْهِ وَالسِّمَنِ فِي الجَارَيةِ، وَمَا لاَ يَعِزُّ وُجودُهُ وَلَكِنْ قَد يُعَدُّ اسْتِقْصَاءً فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَكَذا في ذِكْرِ المَلاَحَةِ وَيقُولُ في البَعِيرِ: ثَنِيٌّ أَحْمَرُ مِنْ نَعَمِ بَنِي فُلاَنٍ غَيْرُ مَوْدُونٍ أَيْ غَيْرُ نَاقِصِ الخِلْقَةِ، وَيتَعَرَّضُ فِي الخَيْلِ لِلَّوْنِ، وَالسِّنِّ، وَالنَّوْعِ، وَلاَ يَجِبُ التَّعَرّضُ لِلشِّيَاتِ كَالأَغَرِّ وَاللَّطِيمِ، وُيتَعَرَّضُ فِي الطُّيُورِ لِلنَّوْعِ، وَالكبَرِ، وَالصِّغَرِ مِنْ حَيْثُ الجُثَّةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: يجوز السَّلَم في الحيوان، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَينِ إِلَى أَجَلٍ" 36.

الجزء: 4 - الصفحة: 412

وعن علي -رضي الله عنه-: "أَنَّهُ بَاعَ بَعِيراً لَهُ بِعِشْرِينَ بَعِيراً إِلَى أَجَلٍ" 37. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ يُوَفِّيهَا صَاحِبُها بِالرَّبَذَةِ" 38. وهذه ونحوها هي الأخبار والآثار التي أجمل ذكرها في الكتاب.
ثم الحيوان أنواع: فمنها الرَّقِيق فإذا أسلم فيه وجب التَّعَرض لأمور: أحدها: النوع، فيبين أنه تُرْكيّ أو رُومِي أو هِنْدِي، وهل يجب التعرض لصنف النوع إنْ كان فيه اختلاف؟ فيه قولان: أظهرهما: الوجوب.
والثاني: اللَّون.
فيبين أنه أبيض أو أسود، ويصف البَيَاض بالسُّمْرة أو الصُّفْرة، والسَّواد بالصَّفاء أو الكُدُورة، وهذا إذا اختلف لون الصنف المذكور، فإنْ لم يقع فيه اختلاف أغنى ذكره عن اللون.
والثالث: الذُّكُورة والأُنُوثة.
والرابع: السِّن فيقول: محتلم أو ابن ست أو سبع، ثم الأمر في السِّن على التقريب، حتى لو شرط كونه ابن سبع مثلاً بلا زيادة ولا نُقْصان، لم يجز لِنُدْرة الظّفر به، والرجوع في الاحتلام إلى قول العبد، وفي السِّن يُعْتَمد قوله إن كان بالغاً، وقول السيد: إن ولد في الإسلام وإلاَّ فالرجوع إلى النَّخَّاسين 39 فتعتبر طنونهم.
والخامس: القَدُّ 40، فبين أنه طويل أو قصير أو رَبْع 41؛ لأن القيمة تتفاوت بها تفاوتاً ظاهراً.
وأعلم قوله في الكتاب: (طويل أو قصير) بالواو؛ لأن الإمام نقل عن العِرَاقيين أنه لا يعتبر ذكر القَدّ، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط".
لكن كتب العراقيين مَشْحُونة بأنه يجب ذكره، ولم يتعرّضوا لخلاف فيه، والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 413

واعتبروا التعرض لأمرٍ سَادِسٍ، وهو الجَوْدَة، وهذا لا يختص بالرقيق ولا بالحيوان، وستعرف حكمه من بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ثم ينزل كل شيء على أقل الدرجات) معناه: أنه إذا أتى بما يقع عليه اسم الوصف المشروط كفى ووجب القبول؛ لأن الرتب لا نهاية لها، وهذا كما ذكرنا فيما إذا باع العبد بشرط أنه كاتب أو خبَّاز، والمسألة لا اختصاص لها بهذا الموضع، بل تعمّ كل مسلم فيه، ولا يشترط وصف كل عضو على حِيَاله بأوصافه المقصودة، وإن تفاوت بها الغرض والقيمة؟ لأن ذلك يورث عزة المَوْصُوف، لكن في التعرّض للأوصاف الَّتي يعتني بها أهل البصر وترغب بها في الأَرقّاء كالكُحْل والدَّعَج 42 وتَكَلْثُم الوجه وسمن الجارية وما أشبهها وجهان: أحدهما وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه يجب؛ لأنها مقصودة ولا يورث ذكرها العزة.
وأظهرهما؟ أنه لا يجب؛ لأن الناس يتسامحون بإهمالها، ويعدون ذكرها استقصاء.
وعن القَفَّال: تردد رأي في المَلاَحَة بناء على أنها من جملة المعاني، أو المرجع بها إلى ما يميل إليه طبع كل أحد.
والأظهر: أنه لا يعتبر.
واعلم أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكر في السَّلَم في العبد أنه يقول: خماسي أو سداسي وأنه بيصف سنه، واختلفوا في التفسير فمنهم من قال: أراد بالخماسي والسداسي التعرض للقَدّ يعني خمسة أَشْبَار أو ستة أشبار.
ومنهم من قال: أراد به السن، يعني ابن خمس أو ست فمن قال بالأول حمل قوله: "يصف سنه" على المعنى الثاني، ومن قال بالثاني حمل قوله: "يصف سنه" على الأسنان المعروفة، وأنه يذكر أنه مُفَلّج الأسنان أو غيره، وذلك من طريق الأولى دون الاشتراط، كالتّعرض لجُعُودَةِ الشَّعر أو سُبُوطَتِهِ.
وحكى المسعودي أي الخُمَاسي والسُّدَاسي صنفان من عبيد النوبة معروفان عندهم.
فرع: ذكر الشيخ أبو حامد في آخرين: أنه لا يجب ذكر الثّيَابة والبَكَارة في الجارية.
وعن الصَّيْمَرِيّ: أنه يجب، وبه أجاب صاحب "المهذب" وهو الأولى.
آخر: لو شرط كون العبد يهودياً أو نصرانياً جاز كشرط كونه خبازاً، ولو شرط كونه ذا زوجة، وكون الجارية ذات زوج، فعن الصَّيْمَرِي: أنه جائز 43، وزعم أن ذلك مما لا يندر، وعنه أنه لو شرط كونه سارقاً أو

الجزء: 4 - الصفحة: 414

زانياً أو قاذفاً جاز أيضاً، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو قوادة، وفرق بأنها صناعة محظورة، وتلك أمور تحدث كالعَمَى والعَوَر وقطع اليد، وهذا فرق لا يقبله ذهنك 44. ثالث: لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة فعن أبي إِسْحَاقَ: أنه لا يجوز؛ لأنها قد تكبر وهي بالصِّفَة المَشْرُوطة فيسلمها بعد أن يَطَأها، فتكون في معنى اسْتِقْرَاض الجَواري.
والصحيح: الجواز، كإسلام صِغَار الإبل في كبارها، وهل يتمكن من تسلمها عما عليه؟ فيه وجهان لاتحاد الثمن والمثمن 45: إن قلنا: يتمكّن، فلا مبالاة بالوَطْء كوطء الشيب وردها بالعيب.
ومن أنواع الحيوان الإبل، ولا بد من التعرض فيها لأمور: أحدها: الذكورة والأنوثة.
وثانيها: السِّن، فيقول ابن مَخَاص أو ابن لَبُون أو ثَنِي.
وثالثها: اللّون، فيقول أحمر أو أسود أو أزرق.
ورابعها: النوع، مثل أن يقول: من نَعَم بني فلان ونتَاجهم، وهذا فيما إذا كثر عددهم وعرف بهم نِتَاج كَطَيْئ وبني قَيْس، فأما النسبة إلى الطائفة القليلة فهو كتعيين البُسْتَان في الثمار.
ولو اختلف نتاج بني فلان، وكان فيها أَرْحَبِيَّة ومُهَرِيّة ومَجِيْدِيّة فأظهر القولين: أنه لا بد من التَّعيين.
وأما قوله: غير (مودون) فإن الشافعي -رضي الله عنه- ذكر في "المختصر" أنه يقول في السلم في البعير غير مودون نفي من العيوب سِبْط الخلق، مُحَفّر الجَنْبَيْن، والمودون: غير ناقص الخِلقة، والسّبْطُ: المَدِيدُ القامة، الوافر الأعضاء، ومحفر الجنبين عظيمها وواسعها، واتفق الأصحاب على أن ذكر هذه الأمور ليست بشرط، وإنما هو ضرب من التأكيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 415

ومنها: الخَيْل، فيجب التعرض فيها لما يجب التعرض له في الإِبل، ولو ذكر معه الشِيات 46 كالأغرّ والمُحَجَّل واللَّطِيم 47 كان أولى، ولو أهملهما جاز، وحمل قوله: "أَشْقَر أو أَدْهَم" على البهيم، وكذا القول في البِغَال والحَمِير والبقر والغنم، وما لا يتبيّن نوعه بالإضافة إلى قوم يتبيّن بالإضافة إلى بلد وغيره.
ومنها: الطيور، ويجوز السَّلَم فيها كالنَّعَم وغيرها.
وقال في "المهذب": لا يجوز؛ لأنه لا يضبط سنها ولا يعرف قدرها بالذراع، فعلى المشهور يوصف منها النَّوع والصِّغَر والكِبَر من حيث الجُثّة، ولا يكاد يعرف سنها، فإن عرف وصف به، ويجوز السَّلَم في السَّمك والجَرَاد حيّاً وميتاً عند عموم الوُجود، ويوصف كل جنس من الحيوان بما يَلِيق به.
قال الغزالي: وَيَقُولُ فِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ أَوْ غَنَمِ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى خَصِيِّ أَوْ غَيْرِ خَصِيِّ رَضِيعٍ أَوْ فَطِيمٍ مَعْلُوفَةٍ أَوْ رَاعِيَةٍ مِنَ الفَخَذِ أَوْ مِنَ الجَنْبِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ نَزْعُ العَظْمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السّلمُ في اللحم جائز خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنه يمكن ضبط صفاته فأشبه الثِّمَار، ويجب فيه بيان أمور: أحدها: الجنس، فيقول: لحم إبل أو بقر أو غنم.
والثاني: النوع، فيقول: لحم بقر أهْلِيّ أو جَوَامِيْس، ولحم ضَأْن أو مَعِز.
الثالث: الذُّكورة والأُنُوثة، وإذا بيّن الذكورة فليبيّن أنه خَصِيٌّ أو غير خَصِيّ.
والرابع: السن، فيقول: صَغِير أو كبير، ومن الصغير رَضيع أو فَطِيم، ومن الكَبير جَذَعٌ أو ثَنِيّ.
والخامس: يبين أنه من رَاعِيَة أو مَعْلُوفة؛ لأن كل واحد من النوعين مطلوب من وجه.
قال الإمام: ولا اكتفاء بالعَلَف بالمخرَّة والمَرَّات حتى ينتهي إلى مبلغ مؤثر في اللحم.
فإن قلت: أطلق الأصحاب قولهم باعتبار هذا الأمر ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، ويقول في لحم البعير خاصة بغير رَاعٍ فكيف الجمع؟ فالجواب: أن النَّص محمول على عادتهم، فإنهم كانوا لا يَعْلفون إلاَّ الإبل، فلم

الجزء: 4 - الصفحة: 416

يفتقروا إلى التَّقييد في غير الإبل، فأما حيث جرت العادة بِعَلَف غيره فَلاَ بُدَّ من بيانه.
والسادس: يبين موضعه أَهُوَ من الفَخِذ أو الجَنْب أو الكَتِف لاختلاف الأغراض؟ وفي كتب العراقيين اعتبار أمر شائع، وهو بيان السّمن والهُزَال، ولا يجوز شرط الأَعْجَف؛ لأن العَجَف هُزَالٌ عن علة، وشرط العَيْب مفسد على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ويجوز في اللحم المُمَلَّح والقُدِيد إذا لم يكن عليه عين الملح، فإن كان فقد مر الخلاف في نظيره، ثم إذا أطلق السَّلَم في اللحم وجب قبول ما فيه من العَظْم على العادة، وإن شرط نزع العَظْم جاز ولم يجب قبوله، ويجوز السَّلَم في الشَّحْم والأَلْبَة والكَبِد والطّحال والكُلْية والرِّئَة.
وإذا أسلم في لَحْم الصَّيد ذكر ما يجب ذكره في سائر اللحوم، لكن الصيد الذكر لا يكون إلاَّ فَحْلاً وراعياً، فلا حاجة إلى التَّعرض للأمرين.
قال الشيخ أبو محمد والمقتدون به: ويبين أنه صيد بأُحْبُولة أو بسَهْم أو بجَارحة، ويبين أنها كلب أو فخذ؛ لأن صيد الكلب أطيب لطيب نَكْهَته، وفي لحم الطير والسَّمك يبين الجنس والنوع والصغر والكبر من حيث الجُثَّة، ولا حاجة إلى ذكر الذُّكُورة والأُنُوثة إلاَّ إذا أمكن التَّمييز وتعلّق به الغرض، ويبين موضع اللّحم إذا كان الطَّير والسَّمك كثيرين، ولا يلزم قبول الرَّأس والرجل من الطير، والذَّنَب من السمك.
قال الغزالي: وَلاَ يُسْلَمُ في المَطْبُوخِ وَالمَشْوِيِّ إذَا كَانَ لاَ يُعرَفُ قَدْرُ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ بِالعَادَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا يجوز السَّلَم في اللَّحم المَطْبوخ والمَشْوي لاختلاف الغرض باختلاف تأثير النَّار فيه وتعذر الضّبط، وفي السَّلَم في الخبز وجهان ذكرناهما في فصل المختلطات.
وجه الجواز: أن لتأثير النار فيه نهاية مضبوطة كالسَّمن والدّبْس والسُّكَّر والفَانِيْذ كالخبز 48 فيجري في مثلها الوجهان، وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السَّلم في السُّكَّر والفَانِيذ وفي اللّباء الوجهان:

الجزء: 4 - الصفحة: 417

اختيار الشيخ أبي حامد: المنع.
واختيار القاضي أبي الطَّيب: الجواز.
فأما ما جفف ولم يطبخ فيجوز السَّلَم فيه بلا خلاف، ويقرب من صور الخلاف تردد صاحب "التقريب" في السَّلَم في الماء، ورُدَّ لاختلاف تأثير النار فيما يتصعّد ويُقَطر، واستبعد إمام الحرمين وجه المنع فيها جميعاً، ولا عبرة بتأثير الشمس بل يجوز السَّلَم في العَسَل المُصَفّى بالشمس، وفي العسل المُصَفَّى بالنار والوجهان في الدَّبْسِ ونحوه، ومما يوجه به المنع أن النار تعيبه وتسرع الفساد إليه.
قال الغزالي: وَفي السَّلَمِ في الحَيَوَانَاتِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ مِنَ الشُّعُورِ قَوْلاَنِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الحَيَوَانَاتِ وَالمَعْدُودَاتِ، وَالأَصَحُّ في الأَكَارعِ الجَوَازُ لِقِلَّةِ الاخْتِلاَفِ في أَجْزَائِهِا.
قال الرَّافِعِيُّ: في السَّلم في رُؤوس الحيوانات المأكولة قولان: أحدهما: الجواز، وبه قال مالك وأحمد، كالسَّلم في جملة الحيوان، وكالسَّلَم في لحم الفَخِذ وسائر الأعضاء.
وأظهرهما: المنع.
وبه قال أبو حنيفة؛ لاشتمالها على أَبْعَاض مختلفة كالمَنَاخِرِ والمَشَافِرِ وغيرها، وتعذّر ضبطها، ويخالف السَّلَم في الحيوان، فإن المقصود جملة الحيوان من غير تَجْرِيد النظر إلى آحَادِ الأعضاء، ويخالف السَّلَم في لحوم سائر الأعضاء، فإنَّ لحم سائر الأعضاء أكثر من عظمها والرَّأس على العكس، والأَكارع كالرؤوس 49. ورأى صاحب الكتاب، الجواز فيها أصح لأنها أقرب إلى الضَّبط، لكن الجمهور على الأول بل عن القاضي أبي الطَّيب الرمز إلى القطع بالمنع فيها.
فإن قلنا: بالجواز فيهما فذلك بشروط: أحدها: أن تكون مُنَقَّاة من الصوف والشَّعر، فأما السَّلَم فيها من غير تنقية فلا يجوز لتستر المقصود بما ليس بمقصود.
والثاني: أن توزن، فأما بالعدد فلا لاختلافها في الصغر والكبر.
والثالث: أن تكون نَيَّة، فأما المَطْبُوخة والمَشْوِية فلا سَلَم فيها بحال، وفي كتاب القاضي ابن كج اعتبار شرط آخر: وهو أن تكون المَشَافِر والمَنَاخِر مُنَحَّاة عنها، وهذا لا اعتماد عليه.
وقوله في الكتاب: (لترددها بين الحيوانات والمعدودات) إشارة إلى توجيه

الجزء: 4 - الصفحة: 418

القولين، فوجه الجواز الشبه بالحيوانات، ووجه المنع أن الوَزْن لا يكفي فيها لكون الكبر مقصوداً منها، فتلحق بالمعدودات، ولا يجوز السَّلَم فيها بالعَدِّ كما سبق، وفي لفظ "المختصر" إِيْمَاء إلى هذا الكلام، فإنه قال: وأرى الناس تركوا وزن الرُّؤوس؛ لما فيها من الصُّوف وأطراف المَشَافِر والمَنَاخِر وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يؤكل.
قال الغزالي: وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ، والَسَّمْنِ، وَالزُّبْدِ، وَالمَخِيضِ وَالوَبَرِ، وَالصُّوفِ، وَالقُطْنِ، والإِبْرَيْسَم، وَالغَزْلِ المَصْبُوغِ وَغَيْرِ المَصْبُوغِ، وَكَذا فِي الثِّيَابِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّوْعِ وَالدِّقَّةِ وَالغِلَظِ وَالطُّولِ وَالعَرْضِ، وَكَذا في الحَطَبِ والخَشَبِ، وَالحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَسَائِرِ أَصْنَافِ الأَمْوَالِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذَكْرَنَاهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور: إحداها: يجوز السلم في اللَّبن، ويبين فيه ما يبين في اللحم، سوى الأمر الثَّالث والسَّادس، ويبين نوع العلف لاختلاف الغَرض بذلك، ولا حاجة إلى ذكر اللون ولا إلى ذكر الحلاوة، فإن أطلق ينصرف إلى الحُلو، بل لو أْسلم في اللَّبن والحامض لم يجز؛ لأن الحموضة عيب فيه، ولو أسلم في لبن يومين أو ثلاثة فإنما يجوز ذلك إذا بقي حُلواً في تلك المدة، وفي السَّلَم في السمن ما يبين في اللبن، ويذكر أنه أبيض أو أصفر.
وهل يحتاج إلى التعرض للحديث والعتيق؟ قال الشيخ أبو حامد: لا، بل العَتيْق معيب لا يصح السَّلم فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: العَتِيق المتغير هو المعيب لا كل عتيق فيجب البيان، وفي الزُّبْد يذكر مثل ما في السَّمن، ويذكر أنه زبد يومه أو أمسه، ويجوز السلم في اللبن كيلاً ووزناً، لكن لا يكال حتى تسكن الرَّغْوة، ويوزن قبل سكونها، وكذا السَّمْن يكال ويوزن، إلاَّ إذا كان جامداً يتجافى في المكيال فيتعين الوزن، وليس في الزُّبْد إلاَّ الوزن، وكذا في اللّباء المجفف، وقبل الجفاف هو كاللبن، وإذا جوزنا السَّلَم في الجبن وجب بيان نوعه وبلده وأنه رطب أو يابس.
وأما قوله: (والمَخِيض) فاعلم أن المَخِيض الذي فيه ماء لا يجوز السلم فيه، نص عليه الشافعي -رضي الله- عنه- وقد أدرجناه في أثناء المُخْتَلطات، فالذي ذكره محمول على ما إذا مخض اللبن من غير ماء وحينئذٍ فوصفه بالحُمُوضة لا يضر؛ لأن الحموضة مقصودة فيه.
الثانية: إذا أسلم في الصوف قال: صومه بلد كذا لاختلاف الغَرَض به ويبين لونه وطوله وقصره، وأنه خَرِيفي أو ربيعي، فالخريفي أنظف، وأنه من ذكور أو إناث فصوف الإناث أشد نُعُومة واستغنوا بذلك عن ذكر اللين والخشونة، ولا يقبل إلا نَقِيّاً من الشوك

الجزء: 4 - الصفحة: 419

والبعر، وإن شرط كونه مغسولاً جاز إلاَّ أن يعيبه الغسل والوَبَر والشعر كالصوف والطريق فيهما الوزن.
الثَّالثة: يبين في القُطْن بلده ولونه 50، وكثرة لحمه وقلّته، والخُشُونة والنُّعُومة، وكونه عتيقاً أو حديثاً إن اختلف الغرض به، والمطلق يحمل على الجَاف وعلى ما فيه الحب، ويجوز في الحَلِيْج وفي حبّ القُطْن، ولا يجوز في القطن في الجوزق قبل التشقق، وأما بعده ففي "التهذيب": أنه يجوز.
وقال في "التَّتمة": ظاهر المذهب أنه لا يجوز لاستتار المقصود بما لا مصلحة فيه، وهذا ما أطلق العراقيون حكاية عن النص.
الرابعة: يبين في الاِبْرَ سيم بلده ولونه ودقّته وغلظه، ولا حاجة إلى ذكر الخُشُونة والنعومة، ولا يجوز السلم في القَزّ وفيه الدُّود حية كانت أو ميتة؛ لأنها تمنع معرفة وزن القَزّ بعد خروج الدُّود.
وإذا أسلم في الغَزْل ذكر ما ذكر في القُطْن، ويذكر الدّقة والغلظ أيضاً، ويجوز السَّلَم في غزل الكِتَّان أيضاً، ويجوز شرط كونه مَصْبُوغاً، ولا بد من بيان الصَّبْغ.
الخامسة: إذا أسلم في الثِّيَاب بين الجنس أنه من إِبْرَيْسم أو كِتّان أو قطن، والنوع والبلد الذي ينسج فيه إن اختلف به الغرض، وقد يغني ذكر النوع عنه، وعن الجنس أيضاً ويبين الطول والعرض والغلظ والدقة والصفاء فيه والرقة والنعومة والخشونة، ويجوز في المقصور والمطلق محمول على الخام، ولا يجوز في اللبيس لأنه لا ينضبط، ويجوز فيما صبغ غزله قبل النّسج، كالبُرُود، والمشهور في كتب الأصحاب أنه لا يجوز في المَصْبُوغ بعد النَّسْج، ووجهوه بشيئين: أحدهما: أن الصّبغ عين مرئية وهو مجهول المقدار، والغرض يختلف باختلاف أَقْدَاره.
والثَّاني: أنه يمنع معرفة النُّعُومة والخشونة وسائر صفات الثوب.
وحكى الإمام عن طائفة منهم شيخه أنه يجوز، وبه قال صاحب "الحاوي" وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 420

القياس، ولو صحِ التوجيهان لما جاز السَّلَم في المنسوج بعد الصبغ أيضاً، وفي الغزل المصبوغ 51 أيضاً.
وعن الصيمري تجويز السَّلم في القميص والسَّرَاويلات، إذا ضبطت طولاً وعرضاً وضِيْقاً وسِعَة 52. السادس: الخشب أنواع منها: الحَطَب، فإذا أسلم فيه ذكر نوعه وغلظه ودقته وأنه من نفس الشجر أو أغصانه ووزنه، ولا يجب التَّعرض للرطوبة والجَفَاف، والمطلق محمول على الجاف، ويجب قبول المُعْوَج والمستقيم.
ومنها: ما يطلب للبناء، كالجُذُوع فيبين فيها النوع والطول والغلظ والدقة، ولا حاجة إلى ذكر الوزن خلافاً للشيخ أبي محمد، ولو ذكر جاز بخلاف الثياب.
قال الشيخ أبو حامد: لأنه يمكن أن ينحت منها عنه ما يزيد على القدر المشروط، ولا يجوز السَّلَم في المَخْرُوط لاختلاف أعلاه وأسفله 53. ومنها: ما يطلب ليغرس فيسلم فيه بالعدد، ويذكر النوع والطول والغلظ.
ومنها ما يطلب ليتخذ منه القِسِيّ والسِّهَام، فيذكر فيها النَّوْع والدِّقة والغلظ، وزاد بعضهم التَّعرض لكونه سَهْلِيّاً أو جَبَليّاً؛ لأن الجبلي أصلح لها، ومنهم من اعتبر التَّعرض للوزن أيضاً فيه وفي خشب البناء.
السابعة: إذا أسلم في الحديد ذكر نوعه، وأنه ذكر أو أنثى ولونه وخشونته ولينه وفي الرّصَاص يذكر نوعه من قلعي وغيره، وفي الصغر من شبه وغيره ولونهما وخشونتهما ولينهما، ولا بد من الوزن في جميع ذلك، وكل شيء لا يتأتى وزنه بالقَبَّان لكبره يوزن بالعرض على الماء، هذا شرح الصور التي نص عليها صاحب الكتاب، وترد فيها بصور على الاخْتصار، فنقول: العلم في المنافع كتعليم القرآن وغيره جائز، ذكره الروياني، ويجوز السلم في الدراهم والدنانير، على أصح الوجهين؛ لأنه مال يسهل ضبطه.

الجزء: 4 - الصفحة: 421

والثَّاني وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز، وعلى الأول يشترط أن يكون رأس المال غير الدَّرَاهم والدنانير 54. ويجوز السَّلَم في أنواع العطر العامة الوجود والكافُور ويذكر وزنها ونوعها، فيقول: عَنْبَر أَشْهَب أو غيره، قطاع أو فتات.
ويجوز السَّلَم في الزجاج والطين والجِصّ والنُّورة، وحجارة الأرحية والأَبْنية والأواني، ويذكر نوعها وطولها وعرضها وغلظها، ولا حاجة إلى ذكر الوزن 55. ولا يجوز في البِرَام 56 المعمولة، ولا في الكِيْزَان الحِباب والطوتِ والمَنَائر والقَمَاقِم والطَّنَاجر 57 لندرة اجتماع الوزن مع الصِّفات المشروطة، ولتعذّر ضبطها، نعم ما يصب منها في القَالب يجوز السَّلَم فيه؛ لأنه لا يختلف، وكذا في الأَسْطَال المربعة، كما يجوز في مربعات الصّرم وقطع الجلُود وزناً، ولا يجوز في الجلود على هيئتها لتفاوتها دقَّة وغلظا وتعذر ضَبْطَها.
ويجوز السَّلَم في الكَاغدِ عدداً ويبين فيه النوع والطول والعرض.
وفي اللبن والآجُرّ، وفي الآجُرّ، وجه لتأثير النار فيه، ولا يجوز السَّلَم في العَقَار؛ لأنه يحتاج فيه إلى بيان المَكَان، وإذا بين تعين.
ولا يجوز في العَلَس والأرز لاستتارهما بالكِمَام، ويجوز في الدقيق.
وعن الدَّارِكِي: أنه لا يجوز، وإذا أسلم في التَّمر بين النوع، فيقول مَعْقليّ أو بَرْنِيّ، والبلد، فيقول: بَغْدَادي أو بَصْرِي، واللون، وصغر الحَبّات وكبرها، وكونه حديثاً أو عتيقاً، ولا يجب تقدير المدة التي مضت عليه، والحِنْطَة وسائر الحبوب كالتمر، وفي الرطب يبين جميع ذلك سوى الحديث والعَتِيق.
وفي "الوسيط": أنه يجب التعرض لذلك في الرطب، ولا حاجة إليه في البُرّ والحبوب، وهو خلاف النَّصِّ وما عليه عامة الأصحاب، وفي العَسَل يبين أنه جَبَلِي أو

الجزء: 4 - الصفحة: 422

بَلَدِي، صيفي أو خريفي، أبيض أو أصفر، ولا حاجة إلى ذكر الحديث والعتيق؛ لأنه لا يختلف الغرض به، ويقبل مَا رَقَّ بسبب الجَزّ ولا يقبل مَا رَقّ رقة عيب، والله أعلم.
وهذا باب لا ينحصر فاغتن بالمذكور عن المتروك.
قال الغزالي: فإن شَرَطَ الجَوْدَة جَازَ، وَنَزَلَ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ، وَإِنْ شَرَطَ الأَجْوَدَ لَمْ يَجُزْ إِذْ لاَ يُعْرَفُ أَقْصَاهُ، وَإِنْ شَرَطَ الرَّدَاءَةَ فَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فَإِنْ شَرَطَ الأرْدَأَ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّ طَلَبَ الأَرْدَإِ عِنَادٌ مَحْضٌ فَلا يَثُورُ بِهِ نِزَاعٌ، وَالوَصْفُ الَّذِي بِهِ التَّعْرِيفُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلْغَة يَعْرُفِهَا غَيْرُ المُتَعَاقِدَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مضمون الفصل مسألتان: إحداهما: ذهب العراقيون من مشايخنا إلى اشتراط التَّعرض للجودة أو لِلرَّداءة، في كل ما يسلم فيه، وعللوه بأن القيمة، والأغراض تختلف بهما وظاهر النص يوافق ما ذكروه، وقال غيرهم: لا حاجة إلى غيره، ويحمل المُطْلق على الجَيْد، وهو الأظهر 58، وإيراد الكتاب يوافقه.
وسواء قلنا بالاشتراط أو لم نقل، فإذا شرط الجَوْدة نزل على أقل الدرجات، كما إذا شرط صِفَة أخرى، ولو شرط الأَجْود لم يَجُز؛ لأن أقصاه غير معلوم، فكأنه شرط شيئاً مجهولاً، وأيضاً فإنه ما مِنْ جيد 59 يأتي به إلاَّ والمُسَلم يطالبه بما هو أجود منه تمسُّكاً باللفظ فيدوم النِّزَاع بينهما، وإنْ شرط الرَّدَاءة فقد أطلق في الكتاب أنه لا يجوز، وفصّل كثيرون فقالوا: شرط رداءة النوع يجوز لانضباطه، وشرط رداءة العَيْب والصفة لا يجوز؛ لأنها لا تَنْضَبط، وَمَا مِنْ رديء إلاَّ وهناك خير منه، وإنْ كان رديئاً فيفضي إلى النزاع 60. واعلم أن المُسَلم فيه لا بُدَّ من التعرض له على ما سبق، وإن لم ينص على النوع، وتعرض للرديء تعريفاً للنوع فذلك محتمل لا محالة، وإن نص على النوع فذكر الرداءة حشو.
وأما رداءة الصِّفَة فَالَّذي حكيناه عن العِرَاقيين يقتضي تَجْويز اشتراطه؛ لأنهم ذكروها في مُقَابلة الجودة، ولا شك أنهم لم يريدوا بها جَوْدَة النَّوع، ولهم أن يعترضوا فيقولوا: هب أن رداءة الصفة لا تنضبط، لكن الجودة أيضاً كذلك، وقد نزلناها على أقل الدَّرجات، فلم لا تفعل في الرداءة مثله، وإن شرط الأردأ ففيه قولان، ويقال

الجزء: 4 - الصفحة: 423

وجهان: أحدهما، وهو المنصوص في "المختصر": أنه لا يجوز؛ لأنه لا يوقف على أقصاه كما في الأَجْوَد.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه إذا أتى برديء لم يطالبه المسلم بما هو أردأ منه، وإنْ طالبه به فكان معانداً فيمنع منه، ويجبر على قبوله.
ولك أن تُعَلّم قوله في الكتاب: (وإن شرط الجودة لم يجز) بالواو؛ لأن في تعليق الشيخ أبي حامد أن من أصحابنا من خرج قولاً أنه جائز، وكذلك قوله: (فكذلك لا يجوز) لما قدمناه والله أعلم.
الثانية: صفات المسلم فيه المذكورة في العقد تنقسم إلى مشهورة عِنْدَ النَّاس وإلى غير مشهورة، وذلك قد يكون لدقة معرفتها كما في الأدوية والعقاقير، وقد يكون لغرابة الألفاظ المستعملة فيها، فلا بد من معرفة المتعاقدين بها، فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح العقد، وهل يكفي معرفتها؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، وهو المنصوص، بل لا بد من أن يعرفها غيرهما ليرجع إليه عند تنازعهما.
والثاني: أنه يكفي معرفتهما، والنَّص محمول على الاحتياط، فإن قلنا بالأول فهذا شرط آخر للسَّلَم، وهل تعتبر فيها الاستفاضة أم يكفي معرفة عَدْلين سواهما؟ فيه وجهان: أظهرهما: الثَّاني.
ويجري الوجهان فيما إذا لم يعرف المِكْيال إلاَّ عدلان.
واعلم أن جميع ما ذكرناه الآن من معرفة المتعاقدين وغيرهما يخالف ما قدمنا في مسألة فُصْح النَّصَارى من بعض الوجوه، ولعل الفرق أن الجهالة هناك راجعة إلى الأجل، وهاهنا راجعة إلى المعقود عليه فجاز أن يحتمل من نيل الجهالة ما لا يحتمل من هذه، والله تعالى أعلم.

البَابُ الثَّانِي فِي أَدَاءِ المُسَلَّمِ فِيهِ وَالقَرْضِ

قال الغزالي: أَمَّا المُسَلّمُ فِيهِ فَالنَّظَرُ فِي صِفَتِهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ (أَمَّا صِفَتُهُ) فَإِنْ أَتَى بِغَيْرِ جِنسِهِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ اعْتِبَاضٌ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزِ في المُسَلَّمِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَكِنَّهُ أَجْوَدُ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ أَرْدَأَ مِنْهُ جَازَ قَبُولُهُ وَلَمْ يَجِبْ، وَإن أَتَى بِنَوْعٍ آخَرَ

الجزء: 4 - الصفحة: 424

أَسْلَمَ فِي الزَّبِيبِ الأَبْيَضِ فَجَاء بالأَسْوَد، فَفِي جَوَازِ القَبُولِ وَجْهَانِ إِذْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَاضاً.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "والقرض" معطوف على "الأداء" على المسلم فيه، لأنه لم يقصر الكلام في القرض على أدائه، بل تكلم في فصول منها الأداء.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الاعتياض عن المُسَلّم فيه قبل القبض غير جائز لما مَرّ في النَّظَر الثالث من "كتاب البيع"، فلا يجوز أن يستبدل عنه غير جنسه، وإن لم يختلف الجنسس، فإما أن لا يختلف.
الحالة الأولى: أن لا يختلف، فينظر إنْ أتى بالمسلم فيه على الصفة المشروطة وجب قبوله، وإن أتى به على صفة أجود مما شرط جاز قبوله، وفي الوجوب وجهان: أحدهما: لا يجب لما فيه من المِنّة.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يجب، لأن إتيانه به يشعر بأنه لا يجد سبيلاً إلى إبراء ذمته بغيره، وذلك يهون أمر المنة، وإن أتى به أردأ مِمَّا شرط جاز القبول ولم يجب.
الحالة الثانية: أن يختلف كما لو أسلم في التَّمر المَعْقليّ، فجاء بالبَرْنِيّ، أو في الزَّبيب الأبيض فجاء بالأسود، أو في الثوب الهرَوِيّ فجاء بالمَرْوِيّ، فلا يجب على المسَّلم قبوله لاختلاف الأغراض باختلاف الأنواع.
ومنهم من حكى وجهاً آخر: أنه تمسكاً بقول الشافعي -رضي الله عنه- وأصل ما يلزم السَّلَف قبوله ما سلف فيه أن يأتيه به من جنسه.
فإن قلنا بالأول فهل يجوز قبوله؟ فيه وجهان: أظهرهما وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأنه يشبه الاعتياض، كما لو اختلف الجنس.
والثاني: نعم، كما لو اختلفت الصِّفة، وذكروا خلافاً في أن التَّفَاوت بين التَّرْكِيّ والهِنْدِيّ من العبيد تفاوت جنس أو تفاوت نوع.
والصحيح: الثاني، وفي أن التفاوت بين الرطب أو التمر، وبين ما يسقى بماء السماء، وما يسقى بغيره تفاوت نوع أو صفة والأشبه الأول.
فرع: ما أسلم فيه كيلاً لا يجوز قبضه وزناً وبالعكس، وعند الكيل لا يزلزل المكيال ولا يوضع الكف على جوانبه.
آخر: إذا أسلم في الحِنْطة وجب تسليمها نقية من الزّوَان والمَدَر والتُّرَاب، فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 425

كان فيها شيء قليل من ذلك، وقد أسلم كيلاً جاز، وإن أسلم وزناً لم يجز 61. ويجب تسليم التمر جافَّاً 62، والرطب صحيح غير مشدَّخ 63. قال الغزالي: (أَمَّا الزَّمَانُ) فَلاَ يُطَالَبُ بِهِ قَبلَ المَحَلِّ وَلَكِنْ إِنْ جَاءَ بِهِ قَبْلَهُ وَلَه فِي التَّعْجِيلِ غَرَضٌ بِأَنْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ كَانَ يَظْهَرُ (و) خَوْفُ الانْقِطَاع وَجَبَ القَبُولُ، كَمَا يَجِب قَبُولُ النُّجُومِ مِنَ المُكَاتَبِ قَبْلَ المَحَلِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ سِوَى البَرَاءَةِ نُظِرَ فَإنْ كَانَ لِلْمُمْتَنِعِ غرَضٌ بِأَنْ كَانَ فِي زَمَانِ نَهْبٍ أَوْ غَارَةٍ أَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ يَحْذَرُ مِنْ عَلْفِهَا فلاَ يُجْبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الجَانبيْنِ غرَضٌ فَقَوْلاَنِ في الإِجْبَارِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السلم إما مؤجل أو حال، فإن كان مؤجلاً فلا يخفى أنه لا يطالبه بالمُسَلّم فيه قبل المحل، وإلاَّ لبطل فائدة التأجيل، ولو أتى المُسَلَّم إليه به قبل المَحل، وامتنع المُسَلّم من قبوله، فترتيب صاحب الكتاب يُخالف ترتيب الجُمْهور، فنذكر ما ذكروه ثم نعود إلى ما أورده.
قال الجمهور: إنْ كان له في الامْتِنَاع غرض كما إذا كان وقت نهب، أو كان المُسَلم فيه حَيَوَاناً يحذر من علفه، أو ثمرة أو لحماً يريد أكله عند المحل طريّاً، أو كان مما يَحْتَاج إلى مكان مُؤنَة كالحِنْطَة والقُطْن الكثيرين، فلا يجبر على القبول لتضرره، وإنْ لم يكن به غرض في الامتناع، فإنْ كان للمؤدي غرض في التَّعجيل سوى براءة الذمة كما لو كان به رهن يريد فِكَاكه، أو ضامن يريد براءته يجبر على القبول، كالمُكَاتَب يعجل النُّجُوم ليعتق يجبر السيد على قبولها، وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الجنس قبل الحلول ففيه وجهان: المذكور منهما في الكتاب: أنه يلحق لما في التأخير من خطر انفساخ العقد، أو ثبوت حق الفسخ، وإن لم يكن للمؤدي غرض سوى البراءة ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجبر المستحق على القبول؛ لأن التَّعْجيل كالتَّبرع بمزيد، فلا يكلف تقلّد المنة.

الجزء: 4 - الصفحة: 426

وأصحهما وهو المنصوص في "المختصر": أنه يجبر؛ لأن براءة الذمة غرض ظاهر، وليس للمستحق غرض في الامتناع فيمنع من التَّعَنت، وإن تقابل غرض المُمْتنع والمؤدي، فقد حكى الإمام فيه طريقين: أحدهما: أنهما يَتَسَاقَطَان.
وأصحهما: أن المَرْعِيّ جانب المستحق، وحكى أيضاً عن بعضهم طرد القولين فيما إذا كان للمعجل غرض في التَّعْجيل، ولم يكن للمتنع غرض في الامتناع، وهو غريب.
وأما صاحب الكتاب فإنه راعى جانب المؤدي أولاً فقال: "إن كان له غرض في التَّعجيل يجبر الممتنع على القبول، وإلاَّ فإنْ كان له غرض في الامتناع فلا يجبر، وإلاَّ فقولان"، ولا يخفي مخالفته لطريقة الجمهور، فإن ذكره عن ثبت فهو منفرد بما نقل، وإلا فقد الْتَبَس الأمر عليه.
والله أعلم.
وحكم سائر الديون المؤجلة فيما ذكرنا حكم المُسَلّم فيه.
وأما السَّلَم الحال فالمطالبة فيه متوجّهة في الحال، ولو أتى المسلم إليه بالمسلم فيه، وأبى المسلم قبوله، نظر إنْ كان للمعجل غرض سوى البراءة أجبر على القبول، وإلاَّ فطريقان: أحدهما: أنه على القولين وجه عدم الإجبار أنه يقول: الحق لي فلي أنْ أؤخره إلى أن أشاء.
وأصحهما: أنه يجبر على القبول أو الإبراء، وحيث ثبت الإجبار فلو أصر على الامتناع أخذه الحاكم، فروي أن أنساً -رضي الله عنه- كاتب عبداً له على مال، فجاء العبد بالمال، ولم يقبله أنس فأتى العبد عمر -رضي الله عنه- فأخذ المال منه، ووضعه في بيوت المال 64. قال الغزالي: (أَمَّا المَكَانُ) فَمَكَانُ العَقْدِ فَلَوْ ظَفِرَ بِهِ في غَيْرِهِ وَكانَ في النَّقْلِ مُؤْنَةٌ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ، وَلَكِنْ يُطَالَبُ (و) بِالْقِيمَة لِلْحَيْلُولَةِ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ عِوَضاً إِذْ يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مؤنةً طَالَبَ بِهِ، وَفِي مُطَالَبَةِ الغَاصب بالمِثْلِ في مَوْضِعٍ آخرَ مَعَ لُزُومِ المُؤْنَةِ خِلاَفٌ تَغْلِيظاً عَلَيْهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا عيّن في السَّلَم مكان التسليم، أو لم يعين وقلنا: يتعين وجب التسليم فيه، فلو ظفر المسلم به في غير ذلك المكان نظر: إن كان لنقله مُؤْنة لم يطالب

الجزء: 4 - الصفحة: 427

به، وهل يطالب بالقيمة لِلْحَيْلُولة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن أخذ العوض عن المسلم فيه قبل القبض غير جائز.
والثاني: نعم؛ لوقوع الحيلولة بينه وبين حقه، وهذا ما أورده صاحب الكتاب في هذا الموضع، لكنه أعاد المسألة في "باب الغَصْب"، وذكر فيها الخلاف.
والأصح في المذهب هو الوجه الأول، ولم يورد العراقيون، وصاحب "التهذيب" سواه، وإذا فرعنا عليه فللمسلم الفسخ واسترداد رأس المال، كما لو انقطع المسلم فيه، وإن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير فله مطالبته به، وأشار الإمام إلى خلاف فيه، ولو ظفر المالك بالغاصب في غير مكان الغصب أو الإتلاف فهل يطالبه بالمثل؟ حكلي فيه خلافاً هاهنا، وذكر في "الغَصْب" أنه لا يطالب إلاَّ بالقيمة، وهو الأظهر.
ولنشرح المسألة ثمّ إنْ شاء الله تعالى.
وقوله في أول الفصل: (أما المكان فمكان العقد) محمول على ما إذا عينا مكان العقد، أو أطلقا ولم يشترط تعيين المكان.
وقوله: (ثم لا يكون عوضاً إذ يبقى استحقاق الدَّين) أراد به أن القيمة المأخوذة لا تكون عوضاً عن المسلم فيه، بل يبقى استحقاق المسلم فيه بحاله حتى إذا عاد إلى مكان التَّسليم يطالبه به، ويرد القيمة، ولمن نصر ظاهر المذهب أن يقول: لو صح هذا الكلام لوجب أن يحكم بمثله في انقطاع المسلم فيه.
ولو أتى المسلم إليه بالمسلم فيه في غير مكان التسليم، وأبى المستحق قبوله، فإن كان لنقله مُؤْنة أو كان الموضع مخوفاً لم يجبر، وإلاَّ فوجهان بناء على القولين في التَّعْجيل قبل المحل، فإن رضي وأخذه لم يكن له أن يكلفه مُؤْنَة النقل (1).

" باب القَرض"

قال الغزالي: أَمَّا القَرْضُ فَأدَاؤهُ كالمُسَلَّمِ فِيهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَيَجِبُ المِثْلُ فِي المِثْلِيَّاتِ، وَفِي ذَوَاتِ القِيَمِ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا بِالحَدِيثِ أَنَّ الوَاجِبَ المِثْلُ، اسْتَقْرَضَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَكْراً وَرَدَّ بَازلاً (3) وَالقِيَاسُ القِيمَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإِقراض مندوب 66 إليه فيه من الإِعَانة على البِر وكشف كُرْبَة65

الجزء: 4 - الصفحة: 428

المُسْلم، وفي الفصل مسائل: إحداها: أداء القَرْض في الصفة والزمان والمكان، كما ذكرنا في المسلم فيه، نعم لو ظَفَر بالمستقرض في غير مكان الإقراض، وكان المال مما لنقله مؤنة، فلا خلاف في جواز مطالبته بالقيمة، ثم لو إذا أخذها واجتمع في مكان الإِقْرَاض فهل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وهل للمستقرض مطالبته برد القيمة؟ فيه وجهان، والقيمة التي يطالبه بها هي قيمة بلد الإقراض يوم المطالبة، وكذا في السَّلْم يطالب بقيمة بلد العقد عند من جوز المطالبة بالقيمة.
الثانية: يجوز الاعتياض عن المقرض، وقد ذكر هذه المسألة مَرَّة.
الثالثة: ستعرف في "الغَصْب" أن المال ينقسم إلى مِثْلي وإلى مُتَقوم، فإذا استقرض مِثْلياً رد مثله، وإذا استقرض مُتَقّوماً، فوجهان.
أقيسهما، واختاره الشيخ أبو حامد: أنه يرد القيمة كما لو أتلف متقوماً على إنسان تلزمه القيمة.
وأظهرهما: أنه يرد المثل من حيث الصورة، واختاره الأكثرون؛ لما روي أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- "اسْتَقْرَضَ بَكْراً وَرَدَّ بَازِلاً" 67 والبَكْر الفَتِيّ من الإبل والبَازِل الذي له ثمان سنين.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- "اسْتَسْلَفَ بَكْراً فَأَمَرَ بِرَدِّ مِثْلِهِ" 68. فإن قلنا بالأول: فالاعتبار بقيمة يوم القَبْض إن قلنا: يملك القرض في القبض.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فبالأكثر من يوم القبض إلى يوم التصرف.
وفيه وجه: أن الاعتبار بيوم القبض، وإذا اختلفا في قَدْر القيمة أو في صِفَة المِثْل فالقول قول المستقرض.
قال الغزالي: ثُمَّ النَّظَرُ فِي رُكْنِ القَرْضِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ (أَمَّا رُكْنُهُ) فَمِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ صِيغَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ كَقَوْلهِ: أَقْرَضْتُكَ، وَفِي اشْتِرَاطِ القَبُولِ وَجْهَانِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ هَذِهِ إِبَاحَةُ إِتْلاَف بِعِوَضٍ وَهِيَ مُكْرَمَةٌ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ (م) عَنْهُ في الحَال، وَلاَ يَجُوزُ (م) شَرْطُ الأَجَلِ فِيهِ، وَأَمَّا المُقْرَضُ فَكُلُّ مَا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ جَازَ قَرْضُهُ إِلاَّ الجَوَارِي فَفِيهَا قَوْلاَنِ = الاقتراض كما لو علم صرفه في معصيته وفي باب الشهادات من الروضة أنه يجوز الاقتراض لمن علم لنفسه القدرة على الوفاء فإن علم العجز لم يجز إلا أن يعلم صاحب المال أنه عاجز عن وفاء ما افترضه ولا يحل له أن يظهر الغنى ويخفي الفاقة عن المقرض كما لا يجوز إخفاء الغنى وإظهار الفاقة عند أخذ الصدقة.

الجزء: 4 - الصفحة: 429

مَنْصُوصَانِ، وَالقِيَاسُ الجَوَازُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَرُدُّ فِي المُتَقَوَّمَاتِ القِيمَةَ فَيَصِحُّ أَيْضاً إِقْرَاضُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: عد حجة الإسلام -رحمه الله -تعالى أركان القرض ثلاثة كما فعل في "البيع"، وهي الصِّيغة، والمُقْرض، والمقرَض، لكن أهمل هاهنا ذكر المقترض لوضوح حاله، والعلم بأنه لا يصح الإقراض إلاَّ من جائز التَّصرف، ويعتبر فيه أهْلِيّة التَّبرع؛ لأن القرض تبرع أو فيه شَائِبَة التَّبرع، 69 أَلاَ تَرَى أنه لا يقرض الولي مال اليتيم 70 إلاَّ لضرورة؟ ولذلك لا يجوز شرط الأجل؛ لأن المتبرع ينبغي أن يكون بالخيار في تبرعه، وإنما يلزم الأَجل في المُعَاوضات.
وأما الصيغة فالإيجاب لا بد منه 71، وهو أن يقول: أَقْرَضتك أو أسلفتك، أو خذه بمثله، أو خذه واصرفه في حَوَائجك ورد بدله، أو ملكتك على أن تردَّ بدله، ولو اقتصر على قوله: "املَّكتكه" كان هبة، فإن اختلفا في ذكر البَدَل فالقول قول المخاطب 72. وأما القبول ففي اشتراطه وجهان: أصحهما، ولم يورد المعظم سواه: أنه يشترط كما في البَيْع وسائر التَّمْليكات.
والثاني: لا يشترط؛ لأن القرض إِباحة إِتْلاَف على شرط الضَّمَان فلا يستدعي القبول، وادَّعى الإمام أن هذا أظهر 73. وقرب هذا الخلاف من الخلاف في أن القرض لم يملك بالقبض أو بالتصرف.

الجزء: 4 - الصفحة: 430

وقوله في الكتاب: "وهي مكرمة" أراد به أن سبيله سبيل الميراث والتبرعات، لا سبيل المعارضات والمعاملات، أو فيه شَائِبَة من هذه وشائبة من هذه، ولهذا لم يجب التقايض فيه إذا كان المقرض ربوياً.
واحتج في الكتاب لهذا الأصل بشيئين: أحدهما: أن للمقرض الرجوع عنه في الحال، وهذا سنذكره من بعد.
والثاني: أنه لا يجوز شرط الأجل فيه ولا يلزم بحال.
وقال مالك: يثبت الأجل في القرض ابْتَداء وانتهاء.
إما ابتداء: فبأن يقرضه مؤجلاً.
لماما انتهاء: فبأن يقرضه حالاً ثم يؤجله.
وأما المُقْرَض فالأموال ضربان: أحدهما: ما يجوز السَّلم فيه، فيجوز إقراضه حيواناً كان أو غيره، نعم في إقراض الجواري قولان: أحدهما، ويحكى عن المزني: أنه جائز، وهو القياس عند الإمام وصاحب الكتاب إلحاقًا للجواري بالعبيد.
وأظهرهما: المنع، لنهي السَّلَف عن إقراض الولائد.
قال الأصحاب: وهما مبنيان على الخلاف في أن القرض بما يملك، وفي كيفية البناء طريقان.
قال قائلون: إن قلنا: يملك بالقبض جاز إقراضها، وإلاَّ فلا، لما في إثبات اليد من غير المالك من خوف الوقوع في الوطء.
وعن الشيخ أبي علي أما إن قلنا: يملك بالقبض لم يجز إقراضها؛ لأنه إذا ملكها فربما يطؤها، ثم يستردها المُقْرِض فيكون ذلك في صورة إعارة الجواري للوطء، وإن قلنا: لا يملك بالقبض فيجوز؛ لأنه إذا لم يملكها لم يطأها، وفيما حكي عن نصه في الجديد رمز إلى هذه الطريقة.
وقوله: في الكتاب "قولان منصوصان" اقتدى فيه بالإمام، وكلام غيرهما لا يتعرض لكونهما منصوصين، بل العراقيون رووا عن نصه قديماً وجديداً المنع، ونقلوا الجواز عن بعض الأصحاب نقل الوجوه، ويشبه أن يكون مخرجاً على الأصل المذكور، وكيف ما كان فالخلاف مخصوص بالجارية التي تحل للمستقرض.

الجزء: 4 - الصفحة: 431

فأما المحرمة بنَسَبٍ أو رِضَاع أو مُصَاهَرَة فلا خلاف في جواز إقراضها منه 74. الضَّرب الثاني: ما لا يجوز السَّلم فيه، كالَّلالئ الكبار وغيرها، فجواز إقراضه مبني على أن الواجب في المتقوّمات المِثْل أو القيمة.
إن قلنا بالأول لم يجز، لتعذر ضبطه حتى يوجد مثله.
وإن قلنا بالثاني جاز، وفي إقراض الخبز وجهان كما في السلم فيه: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز؛ به قال أحمد للحاجة العامة، وإطباق الناس عليه، وهذا ما اختاره ابن الصَّبَّاغ وغيره، ولا بأس لو رتب فقيل: إن جوزنا السلم فيه جاز إقراضه، وإلاَّ فوجهان للحاجة وقد أشار صاحب "البيان" إلى هذا الترتيب، ثم ذكر إنْ جوزنا قرضه وجب رد مثله وزناً، إن قلنا: يجب في المتقومات المِثْل من حيث الصُّورة، وإن قلنا: يجب فيها القيمة فالواجب القيمة، فإن شرطنا رد المثل ففي جوازه وجهان 75. ويجب أَنْ يكون المقرض معلوم القدر ليتاتى قضاؤه، ويجوز إقراض المكيل وزناً، والموزون كيلاً كما في السَّلم.
وعن القفال: أنه لا يجوز إقراض المكيل بالوزن، بخلاف السَّلَم فإنه لا يسوي بين رأس المال والمسلم فيه، وزاد فقال: لو أتلف مائة مَنٍ مِنْ الحِنْطة ضمنها بالكيل، ولو باع شِقْصاً مَشْفُوعاً بمثله بمائة من الحِنْطة، ينظر كما هي بالكيل فيأخذه الشفيع بمثلها كيلاً، والأصح في الكل الجَوَاز هذا إتمام الكلام في أركان القرض.
قال الغزالي: أَمَّا شَرْطُهُ فَهُوَ أَنْ لاَ يَجُرَّ القَرْضُ مَنْفَعَةٌ، فلَوْ شَرَطَ زِيادَةَ قَدْرٍ أَوْ صِفَةٍ فَسَدَ وَلَمْ يُفِدْ جَوَازُ التَّصَرُّف، وَلَوْ شَرَطَ رَدَّ المُكَسَّر عَنِ الصَّحِيح، أَوْ تَأَخِيرَ القَضَاءِ (م) لَغَا شَرْطُهُ وَصَحَّ القَرْضُ عَلَى الأَصَحِّ لإِنَّهُ عَلَيْهِ لاَ لَهُ، وَلَوْ شَرَطَ رَهْناً أَوْ كفِيلاً بِهِ جَازَ فَإِنَّهُ إِحْكَامُ عَيْنِهِ، وَلَوْ شَرّطَ رَهْناً بِدَيْنٍ آخَرَ فَسَدَ، وَلَوْ قالَ: أَقْرَضْتُكَ بِشَرْطِ أَنْ

الجزء: 4 - الصفحة: 432

أُقْرِضَكَ غَيْرَهُ صَحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الوَعْدُ، بِخَلاَفِ البَيْعِ فَإنَّهُ يَفْسَدُ بِمِثْلِهِ إِذْ يَصِيرُ ذَلِكَ القَرْضُ جُزْءاً مِنَ العِوَض المَقْصُودِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أنَّه نَهَى عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً".
وروي أنه قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِباً" 76. فلا يجوز أن يقرضه بشرط أن يرد الصَّحيح عن المكسر أو الجيد عن الرديء، ولو شرط زيادة في القدر فكذلك إن كان المال ربوياً، وإلاَّ فوجهان: أحدهما: يجوز لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أجَهِّزَ جَيْشاً فَنَفَذَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آحُذَ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ".
وأصحهما: المنع لما سبق، وهذا الحديث محمول على السَّلَم، أَلاَ ترى أنه قال: إلى أجل، والقرض لا يقبل الأجل.
ولو شرط رده ببلد آخر لم يجز لما فيه من دفع خطر الطريق.
وإذا جرى القرض بشيء من هذه الشروط كان فاسداً للخبر، وكما لو باع بشرط فاسد.
وفي "البيان" نقل وجه أنه لا يفيد، لأنه عقد مُسَامحة وإرفاق، ولو أقرض من غير شرط ورد المستقرض ببلد آخر وأجود أو أكثر جاز.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
ولا فرق بين الربويات وغيرها، ولا فرق بين أن يكون الرجل مشهوراً برد الزيادة أو لا يكون.
وفيه وجه: أنه لا يجوز رد الزيادة في الربويات؛ ووجه: أنه لا يجوز إقراض المشهور برد الزيادة تنزيلاً للمعتاد منزلة المشروطة، ثم في الفصل صور: إحداها: لو اقرضه بشرط أن يرد عليه أرداء أو يرد المكسر عن الصحيح، لَغَا الشرط، وهل يفسد العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه على خلاف قضية العقد كشرط الزيادة.
وأصحهما: لا، لأن المنهي عنه جَرَّ المقرض النَّفع إلى نفسه، وهاهنا لا نفع له في الشرط، وإنما النفع للمستقرض، وكأنه زاد في المسامحة ووعده وعداً حسناً، وإيراد بعضهم يشعر بالخلاف في صحة الشرط، ولو شرط تأخير القضاء وضرب له أجلاً، نظر إن لم يكن للمقرض فيه غرض، فهو كشرط ردّ المكسر عن الصَّحيح، وإنْ كان له فيه

الجزء: 4 - الصفحة: 433

غرض بأنْ كان زمان نهب والمقرض مليء، فهو كالتَّأْجيل لغير غرض، أو كشرط رد الصحيح عن المكسر، فيه وجهان: أظهرهما: الثاني.
الثانية: يجوز أن يقرضه بشرط الرَّهْن أو الكفيل وكذا بشرط أن يشهد أو يُقرّ بِهِ عند الحاكم؛ لأن هذه التوثيقات لأحكام عين القرض، لا أنها منافع زائدة، ولو شرط رهناً بدين آخر فهو كشرط زيادة الصِّفة، وستعود هذه الصورة مفصلة إن شاء الله تعالى في "كتاب الرهن".
الثالثة: لو أقرضه بشرط أن يقرضه مالاً آخر صح ولم يلزمه ما شرط، بل هو وعد وعده، وكذا لو وهب منه ثوباً بشرط أن يهب منه غيره، ويخالف ما إذا باع بشرط قرض أو هبة أو بيع آخر بحيث يفسد البيع، لأنهما جعلا رفق القرض أو الهِبَة أو البيع الآخر مع الشروط المذكورة مثلاً ثمناً، والشرط لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثمن ويصير الباقي مجهولاً، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ" 77 وفسروه بأن يبيع شيئاً بشرط أن يقرضه المشتري، وفي المسألة وجه: أن الإقراض كالبَيْع بشرط الإقراض.
وقوله في الكتاب: (فلو شرط زيادة قَدْر أو صفة فسد) يجوز أن يريد به فسد الشرط، ولم يفسد القرض جواز التَّصرف، ويجوز أنْ يريد به فسد القرض ولم يفسد جواز التصرف.
وعلى التقديرين: يجوز أنْ يكون مُعَلَّماً بالواو.
أما على التقدير الأول فلأنه أطلق الكلام إطلاقاً، وقد حكينا وجهاً في جواز شَرْطِ زيادة القدر في غير الرّبويات.
وأما على التَّقدير الثَّاني فللوجه المنقول عن "البَيَان".
وقوله: (أو تأخير القضاء لغا شرطه) شَرط تأَخير القضاء هو التأجيل، وقد ذكر مرة أنه لا يجوز شرط الأَجَل فيه إلاَّ أنه أعاده مع نظيره ليقين أنَّ فسادهما لا يفسد القرض.
وقوله: "صَحِّ القرض" معلّم بالواو ولما نقلناه آخراً.
قال الغزالي: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ التَّمَلُّكَ وَلَكِنْ بِالقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ قَوْلاَنِ: أَقْيَسُهُمَا: أنَّهُ بِالقَبْضِ؛ لأَنَّهُ لاَ يتَقَاعَدُ عَنِ الهِبَةِ، وَللْعِوَضِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَعلَى هَذَا الأَصَحُّ أنَّهُ لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِهِ جَازَ، لأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَقِّهِ مِنْ بَدَلِهِ، وَلَهُ المُطَالَبَةُ بِبدَلِهِ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بالتَّصرُّفِ فَقِيلَ: إِنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ يُزِيلُ المِلْكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الرَّهْنُ وَالتَّزْوِيجُ، وَقِيلَ: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الإِجَارَةُ، وَقِيل: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَسْتَدْعِي نُفُوذُهُ المِلْكَ فَيَخَرجُ عَنْهُ الرهْنُ إِذْ رَهْنُ المُسْتعَارِ جَائِزٌ.

الجزء: 4 - الصفحة: 434

قال الرَّافِعِيُّ: لا شك أن المستقرض يتملك ما استقرضه، ولكن فيما يملك به قولان متفرعان من كلام الشافعي -رضي الله عنهما-.
أصحهما: أنه يملك بالقبض؛ لأنه إذا قبضه ملك التَّصرف فيه من جميع الوجوه؛ ولو لم يملكه لما ملك التَّصرف فيه؛ ولأن الملك في الهِبَة يحصل بالقبض، ففي القرض أولى؛ لأنَّ للعوض مدخلاً فيه.
والثاني: أنه يملك بالتَّصرف؛ لأنه ليس بتبرع محض، إذ يجب فيه البَدَل، وليس على حقائق المُعَاوَضَات كما سبق، فوجب أن يكون تملكه بعد استقرار بدله.
التفريع: إن قلنا: يملك بالقبض فهل للمقرض أنْ يرجع فيه ما دام باقياً في يد المستقرض بحاله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا صيانة لملكه، وله أن يؤدي حقه من موضع آخر، وهذا ما ذكره في "التهذيب".
وأظهرهما عند الأكثرين: أن له ذلك؛ لأنه يتمكن من تغريمه بدل حَقه عند الفوات، فلأن يتمكن من مطالبته بعينه كان أولى، ولا يبعد أن يرجع فيما ملكه غيره، كما يرجع الواهب في الهبة.
وقوله في الكتاب: "وله المطالبة ببدله للخبر" ليس مسألة أخرى، بل المعنى أن له المطالبة ببدل ملكه عند فواته جبراً لحقه، فأولى أن يكون له المطالبة بما كان عين ملكه، وكثيراً ما يقرأون قوله للجبر للخبر، وظني القريب من اليقين أنه خطأ؛ لأنه ليس في كتب المصنف، ولا في كتب غيره ذكر خبر يستدل به على أن للمقرض المطالبة ببدل القرض مع بقاء عينه.
وأما للجبر فهو مناسب للمعنى المذكور، وهو الَّذِي أورده الإمام، والمصنف في "الوسيط" وغيره.
وعن مالك أنه ليس للمقرِض الرجوع فيما أقرضه حتى يقضي المستقرض وطره منه، أو يمضي مدة زمان يسع لذلك.
ولو رد المستقرض عين ما أخذه فعلى المقرض القبول لا محالة.
وإن قلنا: إنه يملك بالتصرف فمعناه أنه إذا تصرف تبين لنا ثبوت المِلْك قبله، ثم في ذلك التَّصرف وجوه: أظهرها: أنه كل تصرف يزيل الملك.
والثاني: كل تصرف يتعلق بالرقبة.
والثالث: كل تصرف يستدعي الملك، فعلى الوجوه يكفي البيع والهبة والإعتاق

الجزء: 4 - الصفحة: 435

والإِتْلاَف ولا يكفي الرهن والتزويج والإجارة وطحن الحِنْطة وخبز الدقيق، وذبح الشاة على الوجه الأول 78. ويكفي ما سوى الإجارة على الثاني، وما سوى الرهن على الثالث، لأنه يجوز أنْ يستعير للرهن شيئاً ليرهنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى 79. وقوله: "رهن المُسْتَعَار جائز" يعني: المُسْتَعار للرهن لا مطلق المُسْتَعار.
وعن الشيخ أبي حامد عبارة أخرى، وهي أن التصرف الذي يملك به القَرْض هو الذي يقطع رجوع الواهب، والبائع عند إفلاس المشتري.
وإذا فرعنا على الوجه الأول فهل يكفي البيع بشرط الخيار؟ إن قلنا: أنه لا يزيل الملك فلا.
وإن قلنا: إنه يزيله فوجهان؛ لأنه لا يزيل صفة اللّزوم.
ومن فروع القولين أنه إذا كان المقرض حيواناً وقلنا: إنه يملك بالقبض فنفقته على المستقرض.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فهي على المقرض إلى أن يتصرف المستقرض، ولو استقرض مَنْ يعتق عليه عتق عليه إذا قبضه على القول الأول، ولم يعتق على الثاني.
قال صاحب "التهذيب": ويجوز أن يقال: يعتق، ويحكم بالملك قُبَيله 80.

الجزء: 4 - الصفحة: 436

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل