كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ: زَكَاةُ النَّعَمِ، والنَّظَرُ فِي وُجُوبِهَا وَأَدَائِهَا، أَمَّا الوُجُوبُ فَلَهُ ثَلاثَةُ أَرْكَان: (الأَوَّلُ) قَدْرُ الوَاجِبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (الثَّانِي) مَا يَجِبُ فِيهِ وَهُوَ المَالُ وَلَهُ سِتَّةُ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ نَعَماً نِصَاباً مَمْلُوكاً مُتَهَيِّئاً لِكَمَالِ التَّصَرفِ سَائِمَةً بَاقِيَةً خَوَلاً، الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَعَمَاً، فَلاَ زَكَاةَ إلاَّ فِي الاِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَم، وَلاَ تَجِبُ فِي غَيْرِهَا وَلاَ فِي الخَيْلِ (ح) وَلاَ فِي المُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالغَنَمِ وَإنْ كَانَتِ الأُمَّهَاتُ (ح) مِنَ الغَنَمِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 1 وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ 2.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَانِعُ الزَّكَاةِ فِي النَّارِ" 3.
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها جاحداً كفر إلاَّ أن يكون حديث عهد بِالإِسْلاَم، لا يعرف وجوبها، فيعرف ومن منعها وهو معتقد لوجوبها أخذت منه قهراً، فإن لم يكن في قَبْضَة الإمام وامتنع القوم قاتلهم الإمام على منعها، كما فعل الصِّدِّيق -رضي الله عنه-.
قال الأصحاب: الزَّكاة نوعان: زكاة الأبدان وهي الفطرة ولا تعلّق لها بمال، إنما يراعى فيها إمكان الأداء.
وزكاة الأموال: وهي ضربان: زكاة تتعلق بالقيمة والمالية، وهي زكاة التِّجارة وزكاة تتعلّق بالعين.
والأعيان التي تتعلّق بها الزَّكاة ثلاث حيوان وجوهر ونبات.
وتختص من الحيوان بالنَّعَم 4 ومن الجواهر بالنَّقْدَين ومن النَّبات بما يُقْتَات على ما سنفصل فيه، وصاحب الكتاب ترك التَّرْتِيب والتَّقسيم، واقتصر على
الجزء: 2 - الصفحة: 465
المَقَاصد، فقال: (الزكاة ستة أنواع، وهي زكاة النَّعَم والمُعشرات والنَّقْدَين والتِّجَارة والمَعَادن وزكاة الفطر) ثم تَكَلَّمَ في زكاة النَّعَمِ في طرفين: الوجوب، والأداء ولك أن تقول: كان الأَحْسن في التَّرتيب أن يقول أولَاً النظر في الزَّكاة في طرفين الوجوب، والأداء ونتكلم في الأنواع السِّتة في طرف الوجوب، ثم نعود إلى طَرَفِ الأَدَاء؛ لأن الكَلاَم في الأداء لا اخْتِصَاص له بزكاة النَّعَمِ، بل يعمّ سائر الأَنْوَاع، ثم جعل للوجوب ثَلاثةَ أرْكَانٍ: قدر الواجب، وما تجب فيه ومن تجب عليه ولك أن تقول: من تجب عليه زَكَاة النّعم، هو الذي تجب عليه زكاة المُعشرات وغيرها، فلا تفصيل فيه بين الأنواع، وإنما التَّفْصيل في الرُّكْنين الباقيين، فكان الأولى أن يقول: النظر في الزكاة في الوجوب، والأداء، وللوجوب أركان:
أحدها: من تجب عليه ونفرغ منه ثم نذكر الرُّكْنين الآخرين، ويدرج فيهما تفصيل الأنواع وما يختلف فيه، ثم قدر الواجب من الأركان الثَّلاثة يتبين في خلال بيان النّصب فلذلك أحاله على ما بعده، وأما ما تجب فيه وهو المال فقد قال له ستة شروط:
أحدها: كونه نعماً 5. والثاني: كونه نِصَاباً.
والثالث: الحَوْل.
والرابع: دوام المِلْك فيه مدة الحَوْل.
والخامس: السَّوْم.
والسادس: كمال المِلْك، وهاهنا كلامان:
أحدهما: أن من هذه الشروط ما لا يختص بزكاة النَّعَم كالحَوْل وكمال الملك، وما يعتبر في هذا النوع وغيره لا يحسن تخصيص هذا النوع بذكره بل الأحسن إيراد يستوي نسبتها إليه.
والثاني: أن قوله: ما تجب فيه، وهو المال لا شك أن المراد منه ما تجب فيه زكاة النَّعَم، فإن الكلام فيها ولا معنى لزكاة النَّعَمِ سوى الزكاة الواجبة في النَّعَم، فكأنه قال: شرط الزكاة الواجبة في النَّعم أن يكون الواجب فيه نعماً، وهذا رَكِيكٌ من الكلام، وإن لم يكن رَكيكاً فهو أوضع من أن يحتاج إلى ذكره.
وفقه الفصل أنه لا تجب الزكاة في غير الإبل والبقر والغنم من الحيوانات كالخيل والرقيق إلاَّ أن يكون للتجارة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إذا كانت الخَيْل ذكوراً وإناثاً أو إناثاً فصاحبها بالخِيَار
الجزء: 2 - الصفحة: 466
إن شاء أعطى من كل فرس ديناراً وإن شاء قَوَّمَهَا وأعطى من كل مائتي درهم خَمْسة دَرَاهم، وإن كانت ذكورًا منفردة فلا شيء فيها.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" 6. ولا تجب الزكاة فيما يتولد من الظِّباء 7 والغَنَمِ سواء كَانت الغَنَم فُحولاً أو أمهات خلافاً لأحمد -رحمه الله- حيث قال: تجب في الحالتين، ولأبي حنيفة ومالك حيث قالا: تجب إن كانت الأمهات من الغنم.
لنا أنه لم يتولّد من أصلين تجب الزَّكاة في جنسهما فلا تجب فيه الزَّكاة كما إذا كانت الفُحُول والأمهات ظِبَاء، وأيَّد الشّافعي -رضي الله عنه- المسألة بأن البغل لا يسهَّم له بِسَهْم الفَرَس، وإن كان أحد أصليه فرساً وموضع العلامة في الصورتين من لفظ الكتاب واضح، وإنما ذكرهما ليشير إلى الخلاف فيهما، وإلا ففي قوله: فلا زكاة إلا في الإبِل والبَقَرِ والغنم ما يفيد نفي الوجوب في الصُّورتين بل في قولنا: يشترط كونه نعماً ما يفيد نفي الوجوب في غير الإبل والبقر والغنم؛ لأن اسم النَّعَم لهذه الحيوانات الثلاثة عند العرب.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ 8. ففصل الخيل عن الأنعام، وإنما صرح بقوله: فلا زكاة إلا في الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وفيه إشارة إلى اخْتِصَاص اسم النَّعَم بالأنواع الثَّلاثة، وأما قوله بعد ذلك: ولا تجب في غيرها فلا فائدة فيه.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّعَمُ نِصَاباً (أَمَّا الإِبِلُ) فَفِي أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ، فِي كُلِّ خَمْس شَاةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْس وَثَلاَثينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونِ ذَكَرٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ، فَإِذَا بَلَغَت سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حَقّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُون، فَإذَا بَلَغَت إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ، فَإذَا صَارَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإذَا صَارَتْ مِائَةً وَثَلاَثينَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ (ح)، كُلُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 467
ذَلِكَ لَفظُ أَبِي بَكْرِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَبِنْتُ المَخَاضِ لَهَا سَنَةٌ، وَلبِنْتِ اللَّبُون سنَتَانِ، وَللْحِقَّةِ ثَلاَثٌ، وَللْجَذَعَةِ أَرْبعٌ،
قال الرافعي: الأصل المرجوع إليه في نِصَاب الإبل ما روى الشَّافِعِي -رضي الله عنه- بإسناده عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى المُسْلِمِيْنَ الَّتِيَ أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سَأَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سَأَلَهَا فَوْقَ حَقِّهِ فَلاَ يُعْطِهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الكِتَاب لَفْظًا بِلَفْظٍ إلى قوله: فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ إلا أنه قال: في سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ فَفِيها حَقَّةٌ طَرُوقَةٌ الجَمَل، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ 9.
قوله: هذه الصَّدقة ترجمة الكتاب وعنوانه، كما يقال: هذا مختصر كذا وكتاب كذا ثم افتتح الكتاب.
وقوله: هذه فريضة الصَّدَقة أي: بيان الصَّدَقة التي أمر اللهُ بِهَا، وأجمل ذكرها بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ 10. وقوله: التي فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال الصيدلاني: يعني قدرها، وقال المَسْعُودي: يعني أوجبها وصاحب "الشَّامل" أوردهما معاً على سبيل الاحتِمَال.
وقوله: "من سألها فوق حقه فلا يعطه" فيها وجهان لأصحابنا: منهم من قال: لا يعطه شيئاً.
ومنهم من قال: لا يعطه الزِّيَادة، وهو الأصحّ باتِّفاق الشَّارحين.
إذا تقرَّر ذلك فنقول: لا زكاة في الإبل 11 حتى تبلغ خَمْساً، فإذا بلغت خَمْساً ففيها شاةً، ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشراً، فحينئذ ففيها شَاتَان، ولا يزياد بزيادتها شيء حتى تبلغ خمس عشرة، فحينئذ فيها ثَلاَثُ شياه ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشرين فحينئذ فيها أربع شياه ثم لا يزيد شيء حتى تبلغ خَمْساً وعشرين فحينئذ فيها "بِنْت مَخَاض"، ثم لا شَيْءَ حَتى تَبْلُغ سِتًّا وثلاثين ففيها "بِنْتُ لَبُون" ثم لا شيء حتى تبلغ ستًّا وأربعين ففيها "حِقَّة"، ثم لا شيء حتى تَبْلُغ إحدى وستين، ففيها جَزَعَة، ثم لاشيء حتى تبلغ ستاً وسبعين ففيها "بِنْتًا لبون"، ثم لاشيء حتى تَبْلُغ إحدى وتسعين ففيها "حِقَّتَان"، ثم لا يزيد شيء بزيادتها حتى تجاوز مائة وعشرين، فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 468
زادت واحدة وجبت ثلاث "بَنَات لَبُون"، وإن زاد شقْصٌ من واحدة فهل هو كزيادة الوَاحِدَة حتى تجب ثلاث بنات لَبُون أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما وبه قال الإصطخري: نعم، لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ" 12، وزيادتها على هذا المبلغ كما تحصل بواحدة تحصل بما دونها.
وأصحهما: لا، ولا يجب إلا حِقَّتَان؛ لأن الزيادة مفسّرة بالواحدة، في رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-؛ ولأن الزكاة مبنيّة على تغيير واجبها بالأَشْخَاص دون الأَشْقاص، وإذا زادت واحدة وأوجبنا ثلاث بنات لَبُون، فهل للواحدة قسط من الواجب أم لا؟ فيه وجهان: قال الاصطخري: لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ" 13 ولو قدرنا أنَّ لها قسط من الوَاجب، لكانت كلُّ بنت لَبُون في أربعين وثلث.
وقال الأكثرون: نعم، لأن تغيُّر الواجب بالواحدة، فيتعلّق الواجب بها كالعَاشِرَة والخَامِسَة والعشرين وغيرهما، وما ذكر من الظَّاهِرِ يعارضه ما روى في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ" 14.
فعلى هذا لَوْ بَلَغَتْ الواحدة بعد الحَوْل وقبل التَمَكُّن، سقط من الواجب جزء من مائة واحدى وعشرين جزءاً، وعلى قول الإِصْطخري لا يسقط شيء؛ ثم الأمر يستقرُّ بعد بلوغ الإبل مائة وإحدى وعشرين، فيجب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حقة، وإنما يتغير الواجب بزيادة عشر عشر، وإذا وجب عدد من بنات اللَّبون، ثم زادت عشر فصيرت ثلاثين أربعين، أبدلت بنت لبون بحقة، فإن زادت عشرة أخرى أبدلت بأخرى وهكذا، حتى يصير الكل حقَاقاً، فإذا زادت عشر عشر بعد ذلك أبدلت الحَقاق كلها ببنات اللَّبون، وزيدت واحدة.
مثاله: في مائة واحدى وعشرين ثلاث بَنَات لَبُون، كما عرفت فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها بِنْتا لَبُون وحِقَّة، فإذا صارت مائة وأربعين ففيها بنت لَبُون وحقَّتَان، فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقَاق، فإذا صارت مائة وستّين ففيها أربع بنات لَبُون، ثم في مائة وسَبْعِين ثلاث بنات لَبُون وحقة، وفي مائة وثمانين بنتا لَبُون وحقَّتان، وعلى هذا القِيَاس هذا مذهبنا، والحُجَّة عليه الخبر الذي تقدَّم، وساعدنا أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله- على ما ذكرنا إلى مائة وعشرين، ففيها حَقَّتان بالاتفاق، ثم عند أبي حنيفة يستأنف الحساب، ففي كل خمس تزيد شاة مع الحِقَّتَيْن فإذا بلغت مائة
الجزء: 2 - الصفحة: 469
وخمساً وأربعين، ففيها بنت مَخَاض مع الحِقَّتين، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقَاق، ثم يستأنف الحساب فيجب في كل خمس تزيد شاة مع الحقاق الثّلاث، إلى أن تبلغ مائة وخمساً وسبعين، فحينئذ فيها بنت مَخَاض وثلاث حقَاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لَبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حِقَاق، وربما قيل وفي مائتين أربع حِقاق؛ لأن الأربع عفو لا يختلف الوَاجِبُ بوجودها وعدمها، ثم بعد المائتين يستأنف الحِساب، وعلى رأس كل خمسين يجعل أربع عفواً على ما ذكرنا، وعند مالك إِذَا زَاد على عشرين ومائة أقل من عشر لم يتغير الواجب، فإذا بلغت مائة وثلاثين فحينئذ فيها بنتا لَبُون وحِقَّة، وقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، ورواية ثالثة أنه إذا زادت واحدة على المائة والعشرين تغيَّر الفرض، وتخيَّر السَّاعي بين الحِقَّتَيْن وبين ثلاث بنات لَبون.
وعن أحمد روايتان كالروايتين الأوليين عن مالك، والأصح عنه مثل مذهبنا.
إذا عرفت هذه المذاهب رقّمت قوله في الكتاب: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، بالحاء والميم والألف وقد أعلم بالواو أيضاً؛ لأن إمام الحرمين قال: حكى العراقيون أن ابْن خَيْرَان من شيوخنا كان يخيّر وراء المائة والعشرين بين مذهب الشّافعي -رضي الله عنه- ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، فجعل ذلك وجهاً، لكن لم أَجِدْ في الكتب المَشْهُورَة للعراقيين، وتعليقاتهم، نسبة هذا المذهب إلى ابْنِ خيران، وإنما حكوه عن ابْنِ جرير الطَّبَرِي، وربما وقع تغيير في بعض النّسخ، لتقارب الاسمين، وتفرد ابْنُ جَرِير لا يعد وجهاً في المذهب، وإن كان معدوداً من طبقة أصحاب الشافعي -رضي الله عنه-، ثم في الفَصْلِ أمور لا بد من معرفتها:
أحدها: أن قوله: في الكتاب فإن لم يكن في ماله بنت مَخَاض فابن لَبُون ذكر إنما ذكره جرياً على لفظ الخبر ونظامه، وأما فقهه وتعريفه فهو مذكور من بعد، ولماذا قيد ابن اللَّبون بالذَّكر وبنت المَخَاض قبل ذلك بالأنثى؟ ذكروا فيه قولين:
أصحهما: أنه وقع تأكيداً في الكلام كما يقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما أبقت الفرائض فَلأَوْلى رجل ذكر".
والثَّاني: أن الغَرَض منه أن لا يؤخذ الخُنْثَى فإن في خلقته تشويهاً وعيباً، والصَّحيح أجزاء الخُنْثَى على ما سيأتي، ثم في لفظ الابْنِ والبنت ما يغني عنه.
الثَّاني: أنك ربما تجد في بعض النُّسَخِ عند قوله: فإذا زادت على عِشْرين ومائة، ففي كُلِّ أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة زيادة، وهي فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لَبُون، ثم في كل أربعين بنت لَبُون، وهذه الزيادة صحيحة ولكن الكلام مستقيم دونها، والظاهر أنها مُلْحقة غير مذكورة من جهة المصنف لأمرين.
الجزء: 2 - الصفحة: 470
أحدهما: أنه لم يذكرها في "الوسيط".
والثاني: أنه قال: آخراً كل ذلك لفظ أبي بَكْرٍ -رَضِيَ الله عنه- في كتاب "الصَّدَقَة" وليس فيما نقل من لفظ أبي بكر -رضي الله عنه- الزَّيَادة، وإنَّمَا نسبه إلى أبي بكر؛ لأنه -رضي الله عنه- هو الَّذي كتب لأنس بن مالك -رضي الله عنه- كتاب "الصَّدقة" لمَّا وجهه إلى البحرين 15.
والثالث: بيان الأَسْنان التي جرى ذكرها في الفصل.
اعلم أن النَّاقة أوَّل ما ولدت، يسمى وَلَدُهَا الذَّكر رَبْعاً، والأنثى رَبْعَة، ثم يقال له: هيعاو هيعة 16 ثم فَصِيلٌ إلى تَمام سنة، فإذا تمت له السَّنة، وطعن في الثانية سعى ابْن مَخَاض إن كان ذكراً، وبنت مَخَاض إن كانت أنثى وذلك لأن الناقة بعد تمام سنة من ولادتها تحيل مرة أخرى، فتصير من المَخَاض وهي الحَوَامل، فيكون الولد ولد ناقة هي المَخَاض، وتسمى بذلك وإن لم تحبل بعد نظر إلى الوقت ثم إذا تمَّت للولد سنتان، وطعن في الثالثة سمى الذكر ابن لبون، والأنثى بنت لَبُون، لأن الأم قد ولدت وصارت لَبوناً، ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين وطعن في الرَّابعة سمى الولد حقّاً، والأنثى حقَّة، ولمَ سمى بذلك؟ اختلفوا فيه منهم من قال: لاستحقاقه الحَمْل عليه وركوبه، ومنهم من قال: لأن الذَّكر استحق أن يَنْزُوَ والأنثى استحقت أن يُنْزَى عليها، وَبِحَسب هذين القولين اختلفوا في قوله: طَرُوقَةُ الجَمَل، على ما سبق في الخبر، فمن قال بالأول قرأ: طَرُوقَةُ الجمل -بالحاء- أي استحقت الحمل عليه، ومن قال بالثَّاني قرأ طَرُوقَة الجمل بالجيم، لأنها استحقَّت أن يطرقها الجَمل، ذكر ذلك كله المَسْعُودي والمشهور الصَّحيح هو الجمل، ويدل عليه ما روي في بعض الروايات طروقة الفَحْل، ثم إذا استوفى الولد أربع سنين، وطعن في الخَامسة سمى الذَّكر جَزَعًا والأنثى جَذَعَة، لأنه يجذع مَقْدم أَسْنانه أي يسقطه وهذه غاية أَسْنَان الزكاة.
قال الغزالي: (وَأَمَّا البَقَرُ) فَفِي ثَلاِثينَ مِنْهُ تَبِيعُ وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ
الجزء: 2 - الصفحة: 471
مُسِنَّةٌ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، ثُمَّ فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ ثَلاَثينَ تَبِيع، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
قال الرافعي: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر معاذاً حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تَبِيعاً ومن أربعين مُسِنَّةٌ" 17.
لا شيء في البقر 18 حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تَبِيعٌ، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أْربعين، ففيها مُسِنَّة ثم لا شيء حتى تبلغ ستِّين ففيها تَبِيعَان، وقد استقرَّ الحساب في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كل أربعين مُسِنَّة، ويتغير الواجب بزيادة عَشْر عشر، ففي سبعين تَبِيعٌ ومُسنَّة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث أَتْبعه، وفي مائة مسنة وَتَبِيعان، وعلى هذا القياس، وبقولنا قال أحمد ومالك، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
إحداها: مثل قولنا:
وأظهرها: أن فيما زاد على الأربعين يجب بحساب ذلك في كل بقرة ربع عشرة مُسِنَّة، إلى أن يبلغ ستين.
والثالثة: أنه لا شيء في الزيادة على الأربعين حتى تبلغ خمسين فيجب فيها مسنة وربع مسنَّة، وإذا بلغت ستِّين وجب تَبيعَان على الرِّوايات كلّها، واستقر الحساب كما ذكرنا، والتّبيع هو الذي له سنة وطعنَ في الثَّانية، سمى بذلك لأنه يتبع الأم، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه ويكاد يساويها، والأنثى تبيعة، والمِسنَّة هي التي تَمَّت لها سنتان ودخلت في الثَّالثة، والذكر مسن هذا هو المشهور في تفسيرهما، ويجوز أن يعلّم قوله: "وهو الذي له سنة" وقوله: "وهي التي لها سنتان" بالواو، لأن صاحب "العدة" وغيره حكوا وجهاً أن السنة ما تم لها سنة، والتَّبيع ما له ستة أشهر، وقد أشار في "النِّهاية" إلى هذا الوجه، قال: ورد في بعض أخبار الجَذع مكان التَّبِيع والجَذع من البَقَرِ كالجَذع من الضَّأن، وفي سن الجَذَعة من الضَّأْن تردد سيأتي، وهو يجري في التَّبِيع، قال: والمُسِنَّةُ في البَقَرِ بمثابة الثّنية في الغَنَمِ.
قال الغزالي: (وَأَمَا الغَنَمُ) فَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ، وَفِي مَائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ
الجزء: 2 - الصفحة: 472
شَاتَانِ، وَفِي مَائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعْمَائَة أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا أَوْقَاصٌ لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ مَائَةٍ شَاةٌ، وَالشَّاةُ الوَاجِبَةُ فِي الغَنَمِ إمَّا الجَذَعَةُ مِنَ الضَّأنِ وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَة أَوْ الثَّنِيَةُ مِنَ المَعْز وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَتَانِ.
قال الرافعي: عن أنس ابن مالك أن أبا بكر -رضي الله عنهما- كتب له: "فريضة الصَّدَقة التي أمر الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وفي صدقة الغَنَم في سَائمتها، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عِشْرِين ومائة واحدة إلى مائتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين واحدة إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإن زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة: "ليس في الغَنَمِ زكاة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة، ثم لا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه، وقد استقرَّ الحساب في كل مائة شاة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، والشّاة الواجبة فيها الجَذعة من الضَّأن أو الثنية من المعز وبه، قال أحمد خلافاً لمالك: حين قنع فيهما بالجذعة، ولأبي حنيقة حيث أوجب فيهما الثّنية؟ وروي عنه مثل مذهبنا أيضاً لنا ما روي سعيد بن غفلة قال سمعت مصدق النَّبي -صلى الله عليه وسلم-يقول: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَالْجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، أو الثَّنِيَّةِ مِنَ الْمَعِزِ" 19. ولأنهما ساعدانا في الأضحية على ذلك.
واحتج الأصحاب على مالك في الجذعة من المَعِزِ، بأن هذا سن لا يجوز في الأضحية فلا يجوز في صدقة الغَنَمِ قياساً على ما دونها وعلى أبي حنيفة في الجذعة من الضَّأن بأنها سنٌّ يجوز أضحية فيجوز في صدقة الغنم كالثَّنية، واختلفوا في تفسيرهما على أوجه:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن الجذعة ما استوفت سَنَةٌ ودخلت في الثَّانية، والثَّنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة، لأنها تجدع السِّنّ كما [ذكر] 20 في الإبل.
والثاني: أن الجذعة ما لها ستة أشهر، والثَّنية ما لها سنة وهو الذي ذكره في الثَّنية.
والثالث: أن الجذعة هي التي لها ثمانية أشهر، والثّنية هي التي لها سنة، وهو اختيار القاضي الروياني في "الحلية"، ويقال: إذا بلغ الضَّأن سبعة أشهر، وكان من بين
الجزء: 2 - الصفحة: 473
شَاتَيْن، فهو جذع؛ لأن له نزواً وضرَاباً، وإن كان من بين هَرَمين، فلا تسمى جَذَعَةً حتى تستكمل ثمانية أشهر.
وقوله: في أثناء الكلام وما بينها أَوْقَاصٌ هي جمع وقْص وهو ما بين الفَرِيضَتَيْن، ثم منهم من يقول: القاف من الوَقْص متحركة، وهو الذي ذكره في "الصِّحاح"، قالوا: ولو كانت ساكنة لجاء الجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وكلب وأكلب، ومنهم من يسكن القاف ويقول: هو مثل هَوْل وأَهْوَال، وحول وأحوال، والشّنْق بمعنى الوَقْصِ، ومنهم من قال: الوَقْصَ في البقر والغنم خاصّة، والشّنق في الإبل خاصة 21.
وقوله: لا يعتدّ بها يجوز أن يريد به أنها لا تؤثر في زِيادَةِ الوَاجِب، ويجوز أن يريد به أن الوَاجب لا ينبسط عليها بل هو عفو، وهو الصَّحيح وفيه خلاف مذكور في الكتاب من بعد.
وقوله: أما الجَذَعة من الضَّأن، وهي التي لها سنة ليس المفسّر الجَذَعَة من الضَّأن بخصوصها بل الجَذَعة من الغَنم هي التي لها سنة على الوجه الأظهر سواء كانت من الضّأن أو المَعِز، وكذلك الثّنية من الغَنَمِ هي التي لها سنتان سواء كانت من الضَّأْن أو من المَعِزِ، ثم الواجبة من هذه الجذعة ومن تلك الثَّنية -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الأَوَّلُ: فِي إِخْرَاجِ شَاةٍ عَنِ الإِبِلِ وَهِيَ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيةٌ مِنَ المَعْزِ، وَالعِبْرَةُ فِي تَعْيِينِ الضَّأنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 474
أَوُ المَعْزِ بِغَالِبِ غَنَمِ البَلَدِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنّ الاسْمَ مُنْطَلِقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخْرَجَ ذَكَرًا فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ أَوْ عَنْ عَشْرٍ أَخَذَ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ شَاةٍ.
قال الرافعي: لك أن تقول: النَّظَرُ الثَّالث والخامس لا اختصاص لهما بزكاة الإبل على ما سنبينه من بعد، وإنما كان يحسن قوله في زكاة الإبل في خمسة مواضع، إذا كانت المواضع كلها مختصة بالإبل، إذا تقرر ذلك فالنظر الأول في كيفية إخراج الشَّاة من الإبل، وقد ذكرنا أن الواجب في الإبل قبل بلوغها خمساً وعشرين الشِّياه، وإنما تجب الجَذَعَة من الضَّأن، والثَّنيةُ من المعز كما ذكرنا في الشَّاة الواجبة في الغنم، لما روي أن مصدق النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّمَا حَقُّنَا فِي الجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَنِيَّةِ مِنَ الْمَعْزِ" 22. وروي أنه قال: "أُمِرْنَا بَأَخْذِهِمَا" 23 وخلاف أبي حنيفة في أن الواجب منها الثنية ومالك في أن الجذعة منهما تجزئ عائد هاهنا أيضاً، ثم في الفصل مسائل؟
إحداها: هل يتعين أحد النوعين من الضَّأن والمَعِزِ؟ حكى في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنه يتعين غالب غنم البلد، إن كان الغالب الضَّأن وجب الضأن، وإن كان الغالب المَعِزُ وجب المعز؛ لأنه مال وجب في الذِّمة بالشرع، فاعتبر فيه عرف البلد كالكَفَّار، هذا ما ذكره صاحب "المهذّب"، وقال: إن استويا يخير بينهما.
والثاني: أنه يخرج ما شَاءَ من النَّوعين، ولا يتعيّن الغالب في البلد، لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "في خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ شَاةً"، واسم الشاة يقع عليهما جميعاً، فصار كما في الأَضْحِيَة لا يتعين فيها غنم البلد؛ وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجه آخر، وهو أنه يتعين نوع غنمه إن كان يملك غنماً، كما إذا كان يزكي عن الغنم، وكما في إبل العَاقِلَةِ على رأي، ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "فغالب غنم البلد" وكذا قوله: "يخرج ما شاء" بالواو لمكان هذا الوجه الثالث، والثاني معلّم بالميم أيضاً؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجب من غالب غنم البلد.
وقوله: "يخرج ما شاء ويؤخذ منه"، لا ضرورة إلى الجمع بين هذين اللفظين، والمقصود حاصل بأحدهما.
ثم اعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وحكاه إمام الحرمين عن العِرَاقيين، وذكر أن صاحب "التَّقْرِيب" نقله عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، ونقل نصوصاً أخر تقتضي التَّخيير ورجحها، وساعده الإمام عليه، وإليه صار الأكثرون وربما
الجزء: 2 - الصفحة: 475
لم يذكروا سواه، فإذاً الوجه الثاني أصحُّ في المذهب.
والشُّبْهة داخله في حكاية الإمام عن العِرَاقيين من وجهين:
أحدهما: أن الشيخ أبا حامد وَشِيْعته نصوا على أنه لا يعتبر غالب غنم البلد، وإنما يعتبر غنم البلد فحسب.
والثَّاني: أنه يشبه أنهم أرادوا بما ذكروا تَعْيِينَ ضَأْن البلد ومعزه، وذلك لا ينافي التَّخْيير بين الضَّأن والمَعِزِ يدل عليه أن صاحب "الشَّامل" خير بين الضَّأن والمَعِز، ومع ذلك قال: يخرج من غنم البلد وكذلك خير في "التَّتمة" بين النوعين، ثم حكى وجهين في أن الضَّأن المخرج أيضاً مثلاً هل يجب أن تكون مع نوع ضان البلد، أم لا؟ ومن قال: يتعيين غنم البلد قال: لو أخرج غيرها وهي خير من غنم البلد بالقيمة أجزأته، وكذلك لو كانت مثلها إنما الممتنع أن يخرجها وهي دونها.
الثانية: لو أخرج جذعاً من الضَّأن أو ثَنياً من المَعِزِ هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالشَّاة المخرجة من الأربعين من الغنم، وكَأَسْنَان الإبل المؤدّاة في زكاتها وهذا لأن في الإِنَاثِ رفق الدّر والنَّسل فيبنى أمر الزَّكَاة على اشْتراط الأنوثة في المؤدي فيها:
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق ونعم، لشمول الاسم كما في الأضحية.
ثم ذكر في "التتمة" طريقين:
أشهرهما: أن الوجهين مطردان فيما إذا كانت الإبل ذكوراً كلها وفيما إذا كانت إناثاً أو مختلطة، وهذا هو الموافق لإطلاق الكتاب والمذكور في "التهذيب".
والثاني: أنها إذا كانت إناثاً أو كان بعضها إناثاً لم يَجُزْ إخراج الذكر والوجهان مخصوصان بما إذا كانت ذكوراً كلها والوجهان مبنيان على أصل سنذكره، وهو أن الشَّاة المخرجة عن الإبل أصل بنفسها أم عن الإبل.
إن قلنا: بدل جاز إخراج الذَّكر كما لو أخرج عنها بعيراً ذكراً يجزئه، وإن قلنا: أصل لم يجز جرياً على الأصل المعتبر في الزكوات وهو كون المخرج أنثى، وقوله في الكتاب: "فعلى هذين الوجهين" أشار به إلى تقارب مأخذ الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها.
الثَّالثة: لو ملك خمساً من الإبل ولزمته شاة فأخرج بعيراً، فظاهر المذهب أنه يجزئه، وإن كانت قيمته أقلَّ من قيمة الشَّاة، خلافاً لمالك وأحمد حيث قالا: لا يجزئ إلا الشَّاة.
لنا أن البعير يجزئ عن خمس وعشرين، والخمس داخلة فيها، فأولى أن يجزئ عنها منفردة، وفي المسألة وجهان آخران:
أحدهما: أن البعير إنَّما يجزئ إذا بلغت قيمته قيمة شَاة، أما إذا انقصت فلا لما
الجزء: 2 - الصفحة: 476
فيه من الإِجْحاف بالفقراء، حُكِيَ هذا عن القفال والشيخ أبي محمد.
والثاني: أنه إن كانت الإبل مراضاً أو قليلة القيمة لعيب بها فأخرج بعيراً منها جاز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة الشاة أما إذا كانت صحاحاً سليمة لم يجز أن يخرج عنها بعيراً قليل القيمة.
والفرق أنه في المراض لا يعتقد بأداء البعير تطوعاً وفي الصحاح يعتقد التَّطوع.
وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وهذا الوجه هو الذي أورده الصَّيْدَلاَني وحكى المنع فيما إذا كانت الإبل صحاحاً هو وغيره عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وفي كلام الشيخ أبي محمد حمل ذلك النَّص على الاسْتحباب، وإذا قلنا بظاهر المذهب فأخرج بعيراً عن خمس من الإبل فهل يكون كله فرضاً أو يكون خمسة فرضاً والباقي تطوعاً؟ فيه وجهان شبههما الأئمة بالوجهين في المُتمتع إذا ذبح بُدْنة بدل الشَّاة هل تكون كلها فرضاً أو الفرض سبعها؟ وفيمن مسح جميع الرأس هل يقع الكل فرضاً أم لا؟ وجعلوا المصير إلى أن الكلَّ ليس بفرض، في مسألتي الاسْتِشْهاد أوجه؛ لأن الاقتصار على سبع بدنة في الهَدَايا، وعلى بعض الرأس في المسح جائز، ولا يجزئ هاهنا أخراج خمس بعير بالاتفاق وكذلك قال الإمام من يقول: الفرض مقدار الخمس يعني به، على شرط التَّبرع بالباقي ليزول عيب التَّشْقِيص، وذكر قوم منهم صاحب "التهذيب" أن الوجهين مبنيّان على أصل، وهو أن الشياة الواجبة في الإبل أصل بنفسها أم هي بدل عن الإبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها أصل جرياً على ظاهر النص.
والثاني: بدل لأن الأصل وجوب جنس المال؟ إلاَّ أن إيجاب بعير قبل كثرة الإبل يجحف بربِّ المال وإيجابُ شِقْص بعير ممَّا يشقُّ لما فيه من نقصان القيمة وعسر الانْتِفَاع، فعدل الشَّارع إلى الشَّاة ترفيهاً وإرفاقاً، فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج البعير كان كله فرضاً كالشاة، وإن قلنا: الأصل هو الإبل، فإذا أخرج بعير كان الواجب خمساً؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين وحصّة كل خمس حينئذ خمسة.
ولو أخرج بعيراً عن عشر من الإبل أو عن خمس عشرة أو عشرين، هل يجزئه؟ فيه وجهان بنوهما على الخلاف الذي تقدم، إن قلنا: إذا أخرجه عن الخمس وقع الكلام فرضاً، وقام مقام شاة فلا يكفي في العشر بعير واحد، بل لا بد من بعيرين أو بعير وشاة، وفي الخمس عشرة من ثلاثة أَبْعرة أو بعيرين وشاة، أو شاتين وبعير، أو ثلاث شياة، وفي العشرين من أربعة، وإن قلنا: الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعاً في العشر بثلاثة أخماسه، وفي الخمس عشرة بخمسة وفي العشرين بخمسة، ولم يرتض الإمام هذا البناء، ومن وجوه الإشكال فيه أنه يقال: لم يلزم من كون كله فرضاً
الجزء: 2 - الصفحة: 477
إذا أخرجه عن خمس ألا يكتفي به عن العشر بل يجوز أن يكون كله فرضاً إذا أخرج عن هذا وفرضاً إذا أخرج عن ذاك، أَلاَ تَرَى أنه يقع فرضاً فيكتفي به عن الخمس والعشرين مع الحكم بأن كله فرض إذا أخرج عن الخمس وكذا البُدنة ضحية واحدة إذا ضحَّى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها، وسواء كان البناء المذكور مرضياً أم لا، فظاهر المذهب إجزاؤها عما دون الخمس والعشرين كإجزائها عن الخمس والعشرين، وهو المذكور في الكتاب، والوجهان المذكوران هاهنا مبنيان على الصّحيح في إجزاء البعير عن الخمس مطلقاً، والوجهان الآخران ثم يعودان هاهنا أيضاً ونعتبر تفريعاً عليهما أن لا تنقص قيمته في العشر عن قيمة شاتين، وفي الخمس عشرة عن قيمة ثلاث شياه، وفي العشرين عن قيمة أربع.
وإذا عرفت جميع ما ذكرنا رقمت قوله في الكتاب: "أخذ" بالميم والألف والواو وقوله: "وإن نقصت قيمته" بالواو أيضاً للوجه المنسوب إلى القَفَّال وأبي محمد -رحمهما الله-.
واعلم: أن الشَّاة الواجبة في الإبل يجب أن تكون صحيحة، وإن كانت الإبل مراضاً لأنها في الذّمة (1) ثم فيها وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده كثيرون أنه يؤخذ من المراض صحيحة تليق بها.
مثاله: خمس من الإبل مراض قيمتها خمسون، ولو كانت صحاحاً لكانت قيمتها مائة وقيمة الشاة المجزئة عنها ستة دراهم فيؤمر بإخراج شاة صحيحة تساوي ثلاثة دراهم، فإن لم توجد بهذه القيمة شاة صحيحة قال في "الشَّامل": فرق الدراهم.
والثاني: أنه يجب فيه ما يجب في الإبل الصحاح بلا فرق قال في "المهذب": وهذا ظاهر المذهب، ونسب الأول إلى أبي عَلِيِّ بنِ خَيْرَانَ
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي العُدُولِ إِلَى ابْنِ لَبُونٍ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ أَخَذَ ابْنَ لَبُونٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ جَازَ لَهُ شَرَاءُ ابْنِ لَبُونٍ، وَلَوْ كَانَ24
الجزء: 2 - الصفحة: 478
فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاض مَعِيبَةٌ فَهِيِ كَالْمَعْدُومَةِ، وَلَوْ كَانَتْ كَرِيمَةً لَزِمَهُ عَلَى الأَقْيَسِ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَالِهِ وَإِنَّمَا تُتْرَكُ نَظَراً لَهُ، وَتُؤخَذُ الخُنْثَى مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاض عِنْدَ فَقْدِهَا، وَيُؤْخَذُ الحِقُّ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَ فَقْدِهَا كمَا يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ.
قال الرافعي: إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل وجبت عليه بنت مخاض فإن وجدها لم يعدل إلى ابن اللَّبون، وإن لم يجدها وكان عنده ابن لَبُون جاز أخذه منه سواء قدر على تحصيل بنت المَخَاض أم لا، وسواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاضَ، أو لم يكن لما رويناه في الخبر ولا جبْرَان، بل فضل السن يجبر فضل الأنوثة ثم فيه مسائل:
إحداها: لو لم يكن في ماله بنت المَخَاض، ولا ابن اللَّبون ففيه وجهان 25:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يشتري ما شاء منها ويخرجه أما بنت المَخَاض فلأنها الأصل، وأما ابن اللَّبون فلأن شرط إجزائه موجود وإذا اشتراه كان في ماله ابن لبون وهو فاقد لبنت المخاض.
والثاني: وبه قال مالك وأحمد وصاحب "التقريب" يتعيّن عليه شراء بنت المخاض؛ لأنهما لو استويا في الوجود لم يخرج ابن اللَّبون، فكذلك إذا استويا في الفقد، وقدر على تحصيلهما.
الثانية: لو كانت عنده بنت مَخَاض معيبة فهي كالمعدومة؛ لأنها غير مجزئة، ولو كانت كريمة وإبله مهازيل فلا يكلّف إخراجها.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِيَاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" 26 فإن تطوّع بها فقد أحسن وإن أراد إخراج ابن لبون ففيه وجهان:
أظهرهما: عند صاحب الكتاب وشيخه: أنه لا يجوز؛ لأن شرط العدُول إلى ابن اللَّبون أن لا يكون في ماله بنت مَخَاض، وهي موجودة هاهنا بصفة الإجزاء، إلاَّ أنها تَركت نظراً له ورعاية لجانبه، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد 27، وأكثر شيعته ورجحه الأكثرون.
الجزء: 2 - الصفحة: 479
والثاني: يجوز، لأنها لما لم تكن موجودة في ماله كانت كالمَعْدُومة، ويحكى هذا عن نصه إلى ترجيحه يميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب".
قوله في الكتاب: "لزمه على الأَقْيس شراء بنت مخاض" لا يخفى أنه ليس الغرض منه عين الشراء، بل المقصود تحصيله بأي طريق كان وإخراجه عن الزكاة وكذا حيث قال في هذه المسائل: يجوز الشِّراء أو لا يجوز، وقوله في أول الفصل: "أخذ منه ابن لبون" ليس على معنى أنه يلزم بذلك، إذ لو حصل بنت مخاض وأخرجها جاز، ولكن المعنى أنه يقنع به.
الثالثة: لو لم يكن في ماله مَخَاض فأخرج خنثى من أولاد اللَّبون، هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لتشوّه الخلْقة بنقصان الخنوثة فأشبه سائر العيوب.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: نعم، فإنه إما ذكر وابن اللبون مأخوذ بدلاً عن بنت المَخَاض، أو أنثى وهي أولى بالجواز لزيادة السِّن مع بقاء الأنوثة، ثم لا جبران للمالك لجواز أن يكون المخرج ذكراً بخلاف ما إذا لم يكن في ماله بنت مخاض، وكانت عنده بنت لبون فأخرجها له الجبران، ولو وجد ابن اللّبون وبنت اللّبون فأراد إخراج بنت اللّبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين قاله في العدّة، ولو لزمته بنت مَخَاض وهي موجودة في ماله فأراد أن يخرج خنثى من أولاد اللبون بدلاً لم يجز لجواز أن يكون ذكراَ وابن لبون مأخوذ بدلاً عن بنت مخاض مع وجودها بخلاف ما لو أخرج بنت لبون.
وقوله في الكتاب: "وتؤخذ الخنثى من بنات اللبون" لو قال: "من أولاد اللبون" لكان أحسن، فإن الخُنُوثة تمنع من معرفة كونه ابناً أو بنتاً، وكذلك هو في بعض النّسخ.
الرابعة: لو أخرج حقّاً بدلاً عن بنت مَخَاض عند فقدها فلا شك في جوازه؛ لأن إخراج ابن اللّبون جائز فالحِق أجوز وأولى، ولو أخرجه بدلاً عن بنت لبون لزمته فوجهان:
أحدهما: يجوز، لاختيار فضيلة الأنوثة بزيادة السّن كما يجوز إخراج ابن اللّبون بدلاً عن بنت المخاض.
والثاني: لا يجوز؛ لأن النص ورد ثَمَّ وهذا ليس في معناه؛ لأن تفاوت السِّن في بنت المَخَاض وابْن اللَّبون تفاوت يوجب اخْتصاصه بقوّة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع، والتفاوت بين بنت اللبون والحِقْ لا يوجب اختصاص الحقّ بهذه القوة بل هي موجود فيهما جميعاً، فلا يلزم من كون تلك الزيادة حائزة لفضيلة الأنوثة
الجزء: 2 - الصفحة: 480
كون هذه الزيادة جابرة لها، والمذكور في الكتاب من هذين الوجهين هو الأول، لكن المذهب الثاني بل الجمهور لم يذكروا سواه ولم يتعرض للخلاف إلا الأقلون منهم الحناطِيُّ.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ إِذَا مَلَكَ مَائَتَيْنِ مِنَ الإبِلِ، فإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أَحَدُ السِّنَّيْنِ أَخَذَ مِنْهُ المَوْجُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ اشْتَرى (و) مَا شَاءَ مِنَ الحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَإِنْ وُجِدَا جَمِيعاً وَجَبَ إِخْرَاجُ الأغْبَطِ لِلْمَسَاكِينَ، وَقِيلَ: الخِيَرَةُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الحِقَاقُ فَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي غَيْرَ الأَغبَطِ قَصْدًا عَلَى قَوْلِنَا: يَجِبُ الأَغْبَطُ لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ وَإِنْ أَخَذَ بِاجتِهَادِهِ فَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المَوْقِعَ، وَقِيلَ: يَقَعُ المَوْقِعَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَبْرُ التَّفَاوتِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ جَبرُ التَّفَاوتِ بِبَذْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَبْرُةُ بِأنْ يَشْتَرِي بَقِدْرِ التَّفَاوُتِ شِقْصًا إِنْ وَجَدَهُ إِمَّا مِنْ جِنْسِ الأَغْبَطِ عَلَى رَأيٍ أَوْ مِنْ جِنْس المُخْرجِ عَلَى رَأْيٍ.
قال الرافعي: مقصود هذا النظر الكلام فيما إذا بلغت ماشيته حدّاً يخرج فرضه بحسابين كما إذا ملك مائتين من الإبل فهي أربع خمسينات وخمس أربعينات.
وقد روينا في الخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينِ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" 28. فما الواجب فيها؟ نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
وفي القديم على أنه يجب أربع حقاق واختلفوا على طريقين:
أحدهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنَّ الواجب أحد الصّنفين لما ذكرنا أن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيتعلق بها أحد الفرضين.
والثَّاني: أن الواجب الحِقَاق؛ لأن الاعتبار في زكاة الإبل بزيادة السّن ما وجد إليها سبيل، ألا ترى أن الشّرع رقي في نصيبها إلى منتهى الكمال في الأسنان ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة في السن.
والطريق الثاني: القطع بما ذكره في الجديد، وحمل القديم على ما إذا لم يوجد إلا الحقاق، فإن أثبتا القديم وفرعنا عليه نظر إن وجدت الحِقَاق بصفة الإجزاء لم يجز غيرها، وإلاَّ نزل منها إلى بنات اللَّبون أو صعد إلى الجِذَاع مع الجبْرَان، وإن فرعنا على الجَدِيد الصّحيح فللمسالة أحوال، ذكرنا ثلاثاً منها في الكتاب فنشرحها، ثم نذكر غيرها على الاخْتِصار.
إحدى الأحوال الثلاث: أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد
الجزء: 2 - الصفحة: 481
الصِّنفين بكماله دون الآخر فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الثاني وإن كان أنفع للمساكين، ولا يجوز النّزول والصّعود عنه مع الجبران ولا فرق بين أن لا يوجد الصنف الآخر أصلاً وبين أن يوجد بعضه والناقص كالمعدوم، ولا يجوز أن يؤخذ الموجود من الناقص، ويعدل بالباقي إلى الصعود والنزول مع الجبران، إذ لا ضرورة إليه، ولو وجد الصنفان لكن أحدهما معيب فهو كالمعدوم.
والحالة الثانية: أن لا يوجد في ماله شيء من الصّنفين، وفي معناه أن يوجد أو هما معيبان، فإن أراد تحصيل أحدهما بشراء وغيره فوجهان:
أحدهما: يجب تحصيل الأغبط كما يجب على الظَّاهر إخراج الأَغْبَط إذا وجد على ما سيأتي:
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب يحصل ما شاء من الحقاق أو بنات اللبون، فإنه إذا اشترى أحد الصّنفين صار واجداً له دون الآخر فيجزئه، والوجهان كالوجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين، وليس فيها بنت مَخَاض، ولا ابن لبون، هل يجب تحصيل بنت المَخَاض أم لا؟ يجوز في هذه المسألة أن لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون، ولكن ينزل أو يصعد مع الجبران، وحينئذ إن شاء جعل بنات اللبون أصلاً ونزل منها إلى خمس بنات مَخَاض فأخرجها مع خمس جبراناتا، وإن شاء جعل الحِقَاق أصلاً وصعد منها إلى أربع جِذَاع فأخرجها وأخذ أربعة جبرانات، ولا يجوز أن يجعل الحقاق أصلاً وينزل منها إلى أربع بنات مخاض، مع ثمان جبرانات ولا أن يجعل بنات اللبون أصلاً ويصعد منها إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات لإمكان تقليل الجبْرَان بجعل الجِذَاع بدل الحِقَاق وبنات المخاض بدل بنات اللبون.
وحكى الشيخ أبو محمد في "الفروق" وجهاً آخر وهو أنه يجوز النّزول والصّعود فيهما كما لو لزمته حقة فلم يجدها ولا بنت لَبُون في ماله فنزل إلى بنت مخاض فأخرجها مع جبرانين أو لزمته بنت لبون فلم يجدها، ولا حقّة في ماله فيصعد إلى الجذعة فيخرجها ويأخذ جبرانين يجوز والظاهر الأول.
والفرق أن في صورتي الاستشهاد لا يتخطّى واجب ماله، وفيما نحن فيه يتخطّى في الصعود، والنزول أحد واجبي ماله.
والحالة الثالثة: أن يوجد الصِّنْفان معاً بصفة الإجْزَاء فقد قال الشّافعي -رضي الله عنه- نصاً: يأخذ السَّاعي ما هو الأَغْبَط منهما لأهل السَّهْمَيْن؛ لأن كل واحد من الصَّنفين فرض نصابه لو انفرد، فإذا اجتمعا روعي الأصلح للمحتاجين، واحتج له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 29.
الجزء: 2 - الصفحة: 482
وعن ابن سريج: أن المالك بالخيار يعطي ما شاء منهما، كما أنه بالخيار في الصعود والنُّزول عند فقد الفرض، وأجاب الأصحاب أن المالك ثَمَّ يسبيل من ترك الصُّعود والنزول معاً، بأن يحصل الفرض، وإنما شرع ذلك تخفيفاً للأمر عليه ففوض إليه وهاهنا خلافه.
التفريع إن خيرنا المعطي على رأي ابن سريج فيستحب له مع ذلك أن يعطي الأَغْبط إلا أن يكون وَلِيَّ يتيم فيراعى حظه، وإن فرعنا على النّص وهو ظاهر المذهب فلو أخذ السَّاعي غير الأغبط نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة واحدة من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا، أو وجد تقصير من المالك بأن دلَّس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن جهة الزَّكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع عن جهة الزَّكاة، هذا ما اعتمده الأكثرون منهم صاحب "المهذّب" وهو الظاهر، وزاد في التَّهذيب شيئاً آخر، وهو أن لا يكون باقياً بعينه في يَدِ السَّاعي، فإن كان باقياً لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما، وهذا قد حكاه الشيخ أبو الفضل بْن عَبْدَان عن ابن خَيْرَان ووراء ما نقلنا من الظَّاهر وجوه أخر:
أحدها: أنه يقع عن الزَّكَاة بكل حال، وإن أخذ من غير اجتهاد حكاه ابن كج وغيره؛ لأنه يجزئ عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع وهذا رجوع إلى رأي ابن سريج.
والثاني: لا يقع عن الزَّكاة بحال؛ لأنه ظهر أنَّ المأخوذ غير المأمور به.
والثالث: إن فرقة على المستحقّين ثم ظهر الحال حسب عن الزَّكاة بكل حال وإلاَّ لم يحسب، والفرق عسر الاسْتِرْجاع.
والرابع: عن أبي الحسين بن القطَّان عن بعض الأصحاب: أنه إن دفع المالك مع العلم بأنه الأدنى لم يجزه، وإن كان السَّاعىِ هو الذي أخذ جازِ، ويقرب عن هذا عد صاحب "التَّهْذيب" مجرَّد علم المالك بحالة تقصيراً مانعاً من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس.
وفي كلام الصيدلاني وغيره ما ينازع فيه إذا أخذه السَّاعي بالاجتهاد، فهذا بيان الاختلافات في هذا الموضع.
التَّفْريع حيث قلنا: لا يقع المأخوذ عن الزَّكَاة فعليه إخراج الزكاة، وعلى السَّاعي ردُّ ما أخذه إن كان باقياً وقيمته إن كان تالفاً، وحيث قلنا: يقع فهل يجب إخراج قدر التَّفاوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستحب ولا يجب؛ لأن المخرج محسوب عن الزكاة فيغني عن غيره كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة وأخذها لا يجب شيء آخر.
وأصحهما: أنه يجب لنقصان حتى أهل السَّهْمين، قال الأئمة: وإنما يعرف قدر التفاوت بالنَّظَرِ إلى القِيمَة، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسون وقد أخذ الحقاق فقدر التفاوت خمسون.
التّفريع: إن كان قدر التَّفاوت يسيراً لا يؤخذ به شِقْص من ناقة دفع الدَّراهم للضّرورة.
وحكى إمام الحرمين -رحمه الله-
الجزء: 2 - الصفحة: 483
عن صاحب "التقريب" إشارة إلى أنه يتوقف إلى أن يجد شِقْصاً واستبعدها، وإن كان قدراً يؤخذ به شقص، فهل يجب شراؤه أم يجوز دفع الدراهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن الواجب الإبل والعدول إلى غير جنس الواجب في الزكاة ممتنع على أصلنا.
وأصحهما: أنه يجوز دفع الدَّراهم لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المُشَاركة، وقد يعدل إلى غير جنس الوَاجب لضرورة تعرض أَلاَ ترى أنه لو وجب شاة عليه في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثّمن يعدل إلى القيمة على أن الغرض هاهنا جبْرَان الواجب فأشبه دراهم الجبران.
التفريع إن قلنا: يجوز دفع الدراهم فلو أخرج بها شِقْصاً، فالظَّاهر جوازه.
قال في "النهاية" وفيه أدنى نظر، لما فيه من العسر على المَسَاكين، وإن قلنا: يجب إخراج شِقْص ينبغي أن يكون ذلك الشّقص من الأَغْبَط، أو من المخرج، فيه وجهان:
أحدهما: من المخرج كيلا تتفرق الصدقة.
وأظهرهما: عند الصّيدلاني وغيره: من الأغبط فإنه الواجب في الأصل، ففي المال الذي سبق ذكره يخرج على الوجه الأول نصف حقة، لأن قيمة كل حقة مائة وقدر التّفاوت خمسون.
وعلى الوجه الثاني: يخرج خمسة أتساع بنت اللبون؛ لأن قيمة كل بنت لَبَون تسعون، فإذا أخرج الشّقص لزمه صرفه إلى السّاعي على قولنا: يجب الصَّرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة، وإذا أخرج الدَّراهم فوجهان:
أحدهما: لا يجب الصَّرف إليه؛ لأنها من الأموال البَاطنة.
والثاني: يجب؛ لأنها جبران المال الظَّاهر 30 هذا تمام السلام في الأحوال المذكورة في الكتاب.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض كل واحد من الصّنفين، كما إذا وجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فهو بالخيار بَيْنَ أن يجعل الحِقَاق أصلاً فيعطيها مع بنت لبون وجبران وبين أن يجعل بنات اللبون أصلاً فيعطيها مع حقة ويأخذ جبراناً، وهل يجوز أن يعطي حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانَات؟ فيه وجهان لبقاء بعض الفرض عنده،
الجزء: 2 - الصفحة: 484
وكثرة الجبران مع الاستغناء عنه.
ويجري الوجهان فيما إذا لم يجد إلا أربع بنات لبون وحقة، فأعطى الحقَّة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ونظائره.
قال صاحب "التهذيب" ويجوز في الصورة الأولى أن يعطي الحقاق مع الجذعة ويأخذ جبراناً، وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض أحد الصنفين، ولا يوجد من الآخر شَيْء، كَمَا إذا لم يجد إلا حِقَّتَيْن فله أن يجعلها أصلاً، ويخرجها مع جذعتين ويأخذ جبرانَيْن، وله أن يجعل بنات اللَّبون أصلاً فيخرج بدلها خمس بنات مَخَاض مع خمس جبرانات، ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله أن يخرجها مع بنتي مخاض وجبرانين وله أن يجعل الحقاق أصلاً فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جبرانات.
هكذا ذكر الصورتين في "التهذيب" ولم يحك خلافاً أصلاً، وقياس الوجهين المذكورين في الحالة السّابقة على هذه يقتضي طرد الخلاف في جعل بنات اللَّبون أصلاً في الصورة الأولى، وجعل الحقاق أصلاً في الصورة الثانية لبقاء بعض الفروض عنده وكثرة الجبران، فإن كان هذا جواباً على الظاهر، فالظاهر ثم أيضاً الجواز.
واعلم: أنه إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان حكمها حكم بلوغ الإبل مائتين، فإنها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات، والواجب فيها ثلاث مسنّات، أو أربع أَتْبِعة، ويعود فيها الخلاف والتَّفاريع التي ذكرناها، ولهذا قلنا: إن السلام في النظر الثالث لا يختص بزكاة الإبل، وأعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه.
أما قوله: "إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السّنين" ففيه شيء مدرج تقديره إذا ملك مائتين من الإبل فعليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فإن كان في ماله هذا، أو ما أشبهه.
وقوله: "وجب إخراج الأغبط للمساكين"، لفظ المساكين في هذا الموضع وأمثاله لا يعني به الَّذين هم أحد الأَصناف الثَّانية خاصة، بل أهل السَّهمان كلعهم لكن المساكين والفقراء أشهر الأصناف فيسبق اللِّسان إلى ذكرهم.
وقوله: "وقيل: الخيرة إليه" هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج.
وقوله: "وقيل: تتعين الحقاق" هو القول المنقول عن القديم، لكن إيراده في الموضع المذكور في الكتاب يقتضي اختصاصه بما إذا وجد الصّنفان جميعاً في ماله، وهكذا زعم القَاضِي ابن كج، لكن الشيخ أبو حامد وعامة من نقل ذلك القول أثبته عند بلوغ الإبل مائتين على الإطلاق وتفريعه ما قدمناه.
وقوله: فيما إذا أخذ غير الأغبط قصداً "لم يقع الموقع" معلم بالواو؛ لأنه لم يَحْكِ الخلاف إلا فيما أخذه بالاجتهاد، وقد حكينا وجهاً أنه يقع الموقع وإن أخذه من
الجزء: 2 - الصفحة: 485
غير الاجتهاد.
وقوله: "قيل: لا يقع الموقع" "وقيل: يقع الموقع" ليس المراد منه السلام في كونه مجزئاً، إذ لو كان كذلك لما انتظم التفريع على وجه وقوع الموقع بأنه هل يلزم جبر التفاوت أم لا؟ وإنما المراد من وقوعه الموقع كونه محسوباً عن الزّكاة.
وقوله: "وقيل: عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم" يشبه أن تكون الدراهم في كلام الأصحاب ليست معينة في هذا الفصل بعينها بل المعتبر نقد البلد، وهذه العبارة هي التي أوردها الشيخ إبراهيم المروزيّ فيما علق عنه 31.
وقوله: "إمَّا من جنس الأَغْبط على رأي أو من جنس المخرج على رأي" يجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى عن إشارة بعض المصنفين وجهاً ثالثاً، ومال إليه وهو أنه يتخير بين الصنفين بعد حصول الجبران، ولا يتعين هذا ولا ذاك.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ حَقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفاَ لَمْ يَجُزْ للتَّشْقِيصِ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعمائَةٌ فَأَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مالك المائتين من الإبل لو أخرج حقَّتَيْن وبنتي لَبُون ونصفاً لم يجز؛ لأن التَّشْقيص نقصان وعيب، ولو ملك أربعمائة من الإبل فعليه ثمان حِقَاق أو عشر بنات لبون؛ لأنها ثمان خمسينات وعشر أربعينات، ويعود فيها جميع ما في المائتين من الخلاف والتفريع.
ولو أخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون، ففي جوازه وجهان:
قال الإصطخري: لا يجوز؛ لأنه تفريق الفريضة كما في المائتين وتمسك بنصه في "المختصر"، ولا يفرق الفريضة.
والأصح وبه قال الجمهور: يجوز؛ فإن كل مائتين أصل علي الانفراد، فيجوز إخراج فرض من إحداهما وفرض من الأخرى، كما يجوز في إحدى الكَفَّارتين الإطعام وفي الأخرى الكسوة، وكما يجوز في أحد الجبرانين الشِّياه وفي الآخر الدراهم، بخلاف ما إذا لم يملك إلا مائتين، فإن التَّفْريق فيها كالتفريق في الجبران الواحد، والكفَّارة الواحدة على أنه ليس المانع في المائتين مجرد التَّفريق، أَلاَ تَرَى أَنَّه لو أخرج حِقَّتَيْن وثلاث بنات لَبُون يجوز، قاله صاحب "التهذيب" وكذا لو أخرج أربع بنات لبون وحقة بدل بنت لبون يجوز، وإنما المانع من المائتين التَّشقيص، ولا تشقيص هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 486
وقوله: "ولا يفرق الفريضة" منهم من لم يثبته لما بيناه من جواز التفريق، وقال: الثابت رواية الربيع، وهي لا تفارق الفريضة أي: إذا وجد السَّاعي في المال أحد الصّنفين دون الآخر لم يجز أن يفارق الموجود ويكلفه تحصيل المفقود، ومَنْ أَثْبته حمله على تفريق التَّشْقيص في صورة المائتين، أو التَّفريق مع الجَبْران من غير ضرورة مثل أن يأخذ أربع بنات لَبُون وحقَّة، ويعطي الجبران وهو واجد لخمس بنات لبون، ويجري الوجهان متى بلغ المال أربعينات وخمسينات بحيث يخرج منها بنات اللَّبون والحقاق بلا تشقيص، ولعلَّك تقول: ذكرتم أن السَّاعي يأخذ الأَغْبَط ويلزم من ذلك أن يكون أَغْبَط الصنفين هو المخرج، فكيف يخرج البعض من هذا والبعض من ذاك.
فاعلم أن ابن الصَّبَّاغ أجاب عن هذا فقال: أما ابن سريج فلا يلزمه هذا إذ الخِيَار هذا عنده لرب المال، أما على قول الشافعي -رضي الله عنه- فيجوز أن يكون لهم حظّ ومَصْلَحة في اجتماع النَّوعين، وهذا يفيد معرفة شيء آخر وهو أن جهة الغبْطَة غير منحصرة في زيادة القيمة إذا كان التَّفَاوت لا من جهة القيمة يتعذر وإخراج الفضل وقدر التفاوت.
قال الغزالي: النَّظَرُ الرَّابعُ فِي الجَبْرَانِ وَجُبْرَانُ كُلِّ مَرتَبَةٍ فِي السِّنِّ عِنْدَ فَقْدِ السِّنِّ الوَاجِبِ بِشاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، فَإنْ رَقَى إِلَى الأكْبَرِ أَخَذَ الجُبْرَان، وَإِنْ نَزَلَ أُعْطِيَ، وَالخِيرَةُ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالشَّاةِ (و) إِلَى المُعْطِي، وَالخِيرَةُ فِي الانْخِفَاضِ وَالارْتِفَاع إِلَى المَالِكِ إلاَّ إِذَا كَانَ إِبلُهُ مِرَاضاً فَارتَقَى وَطَلَبَ الْجُبرَانَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُون خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ.
قال الرافعي: في حديث أنس -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ جَذَعَةً وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيه المصَدَّقُ شَاتَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً ومن بلغت صدقته حقه وليست عنده وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً" 32 وروي مثل ذلك في بنت المَخَاضِ وبنت اللَّبُونِ.
من وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده جاز أن يخرج بنت لبون، ويأخذ من السَّاعي شاتين، أو عشرين درهماً؟ وإن وجبت عليه بنت لبون وليست عنده جاز أن يخرج حقَّة، ويأخذ ما ذكرنا؟ وإن وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أن يخرج جَذَعَة، ويأخذ ما ذكرنا، وهذه صور الارتقاء عن الواجب.
ولو وجبت عليه جَذَعَة وليست عنده جاز أن يخرج حِقَّة مع شَاتَيْن، أو عشرين درهماً.
الجزء: 2 - الصفحة: 487
ولو وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت لَبُون مع ما ذكرنا، ولو وجبت عليه بنت لَبُون وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت مخاض مع ما ذكرنا، وهذه صور النُّزول وجملة ذلك تفصيل قوله في الكتاب: "وجبرَان كلّ مرتبة في السِّن" إلى قوله: "أعطى"، وصفة شاة الجبران ما ذكرنا في الشَّاة المخرجة عما دون خمس وعشرين من الإبل، وفي اشتراط الأُنوثة إذا كان المعطي هو المالك الوجهان المذكوران في تلك الشَّاة، والدَّراهم التي يخرجها هي البقرة.
قال في "النَّهَاية": وكذلك دراهم الشَّرْعية حيث وردت، فإذا احتاج الإِمَام إلى إعطاء الجبْرَان، ولم يكن في بيت المال دَراهم باع شيئاً من مال المساكين، وصرفه إلى الجبران، وإلى من تكون الخيرة في تعيين الشَّاتِيَن أو الدَّرَاهم نص في "المختصر" على أن الخيرة إلى المعطى، سواء كان هو السّاعي أو المالك، وعن "الإملاء" قول آخر: أن الخيرة للسّاعي يأخذ الأَغْبَط منها للمساكين، وللأصحاب فيه طريقان مذكوران في "النهاية".
إحداهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أن الخيرة للمعطي لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَأْخْرَجَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهمًا" 33. وهذا تخيير للمخرج فإذا كان السَّاعي هو المعطي راعى مصلحة المساكين.
والثاني: أن الخيار إلى السَّاعي كالخيار في المائتين بين الحِقَاق وبنات اللَّبون على الظاهر.
والطريقة الثانية وبه قال الأكثرون: أن الخيرة إلى المعطي بلا خلاف، وما ذكره في الكتاب يجوز أن يكون جواباً على هذه الطَّريقة، ويجوز أن يكون جواباً على الصَّحيح مع تسليم الخِلاف وهو الذي ذكره في "الوسيط"، وإذا فقد السِّن الواجبة وأمكلن الصعود والنزول فإلى من الخيار فيهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى السَّاعي كما في تخييره بين الحِقَاق وبين بنات اللبون في المائتين من الإبل.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب إلى المالك، لأن الصّعود والنّزول شرعاً تخفيفاً عليه، فيفوض الأمر إلى خيرته، وموضع الوجهين ما إذا طلب المالك خلاف الأغْبَط للمساكين، فإذا كان الأغْبَط ما يطلبه فلا خلاف، وعلى السّاعي مساعدته وهذا عند الصّحة والسلامة.
فأما إذا كان الواجب مريضاً أو معيباً لكون أبله مراضاً أو معيبة
الجزء: 2 - الصفحة: 488
فأراد الصعود وطلب الجبران، مثل أن يجب بنت مَخَاض معيبة فارتقى إلى بنت لَبُون معيبة وطلب الجبْرَان فيبنى ذلك على الوجهين، إن قلنا: الخيار إلى الساعي، فلو رأى الساعي الغبطة فيه جاز، وإن فَرَّعنا على الصَّحيح وهو تفويض الخِيَار إلى المالك فيستنثى هذه الحَالَة ولا يفوض الخيار إليه 34، وعلَّله جماعة منهم صاحب الكتاب بأن الجبران المأخوذ قد يزيد على المعيب المدفوع، ومقصود الزكاة إفادة المساكين لا الاستفادة منهم، وأحسن منه ما أشار إليه العراقيون فقالوا: لو صرف إليه الجبران إما أن يصرف إليه الجبران المشروع بين الصَّحيحين أو غيره.
والأول: ممتنع؛ لأن قدر التَّفَاوت بين الصَّحِيحَيْن فوق قدر التَّفَاوت بين المريضين كما يدفع إليه، لا على التَّفَاوت كيف يدفع لأدناهما؟
والثاني: يمتنع؛ لأنه لا نظر إلى القيمة في الزَّكوات عندنا، ولم يرد نص فنتبعه، ولو أراد أن ينزل من السِّن المريضة أو المعيبة إلى سن ناقصة دونها، ويبذل الجبران فهذا لا منع منه؛ لأنه تبرع بزيادة؛ لأن ما يعطيه من الجبران هو الجبران المشروع بين الصيحيحين.
قال الغزالي: وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ الجَذَعَةِ ثَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ جُبْرَانٌ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ جَاوَزَ أَسْنَانَ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمْ يَجِدُوا فِي مَالِهِ إِلاَّ حِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ فَرَقَي إِلَى الجَذَعَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ كَثَّرَ الجُبْرَانَ مَعَ الاسْتِغْنَاء عَنْهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ شَاةً وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانَيْنِ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا جَازَ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لو وجب عليه جَذَعَة فأخرج مكانها ثَنية، ولم يطلب جبراناً جاز، وقد زاد خيراً ولو طلب الجبران فوجهان:
إحداهما: يجوز 35 لزيادتها في السّن كما في سائر المراتب، وإلى هذا يميل كلام العراقيين وهو ظاهر النص.
الجزء: 2 - الصفحة: 489
وأظهرهما عند المصنّف وصاحب "التهذيب": المنع؛ لأن المؤدي ليس من أَسْنَان الزكاة فأشبه ما لو أخرج فَصِيلاً لم يبلغ أَسْنان الزكاة مع الجبْرَان لا يجوز.
الثانية: كما يجوز الصُّعود والنُّزول بدرجة واحدة يجوز بدرجتين مثل أن يعظي مكان اللَّبون جذعة عند فقدها وفقد الحِقَّة ويأخذ جبرانين أو يعطي بدل الحِقَّة بنت مَخَاض عند فقدها 36 مع جبرانين، وكذلك بثلاث درجات مثل أن يعطي مكان الجَذَعَة عند فقدها، وفقد الحقة وبنت اللَّبون بنت مخاض مع ثلاث جبرانات أو يعطي مكان بنت المخاض عند فقدها وفقد بنت اللبون والحقة جذعة ويأخذ ثلاث جبرانات، وهل يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع القدرة على الدرجة القربى كما إذا لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ووجد حقة وجذعة فَرَقَى إلى الجذعة؛ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو لم يجد الحِقّة، فإنها ليست واجب ماله فوجودها وعدمها بمثابة واحدة، وهذا ما ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، ونسبه الإمام إلى القَفَّال -رحمه الله-.
وأصحهما: عند الأكثرين المَنْعُ للاستغناء عن أخذ الجبرانين ببذل الحِقَّة، وموضع الوجهين ما إذا رَقَى إلى الجذعة وطلب جبرانين أما لو رضي بجبران واحد فلا خلاف في الجواز، ويجري الخلاف في النُّزول من الحِقَّة إلى بنت المخاض، مع وجود بنت اللَّبون، ولو لزمته بنت اللَّبون فلم يجدها في ماله ولا حقه وفي ماله جذعة وبنت مخاض، فهل يجوز أن يترك النزول إلى بنت المخاض وَيرْقَى إلى الجذعة؟ فيه وجهان مرتبان وأولى بالجواز وبه أجاب الصَّيدلاني؛ لأن بنت المخاض وإن كانت أَقْرَب إِلاَّ أنها ليست في الجهة المعدول إليها.
الثالثة: لو أخرج المالك عن جبرانين شاتين وعشرين درهماً جاز كما يجوز إطعام عشرة مَسَاكين في كَفَّارة يمين وكسوة عشرة في أخرى ولو أخرج عن جبران واحد شَاةً وعشرة دراهم لم يجز؛ لأن الجَبْرَ يقتضي التَّخْيير بين شَاتَيْن وعشرين درهماً فلا تثبت خيرة ثالثة، كما أن في الكفَّارة الواحدة لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ ورضي بالتَّفريق جاز فإنه حقه وله إسقاطه أصلاً ورأساً.
= زياداته عن الجمهور.
وكذلك في "زيادات المنهاج" كما يشعر به كلام الرافعي حيث نقله عن العراقيين.
الجزء: 2 - الصفحة: 490
فرع: لو لزمته بنت لَبُون فلن يجدها في ماله، ووجد ابن لبون وحقة فأراد أن يعطي ابن اللَّبون مع الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان نقلهما القَاضِي ابن كج وغيره: وجه الجواز أنَّ الشَّرْع نزله منزلة بنت المَخَاض حيث أقامه مقامها في خمس وعشرين.
قال في "العدّة": والأصح المنع.
واعلم: أن الجبران لا مدخل له في زكاة البقر والغنم؛ لأن السنة لم ترد به إلا في الإبل، وليس هو بموضع القياس والله أعلم.
"
القول في صفة المخرج في الكمال والنقصان
"
قال الغزالي: النَّظَرُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ المُخْرَجِ فِي الكمَالِ وَالنُّقْصَانِ، وَالنُّقْصَانُ خَمْسَةٌ: (الأَوَّلُ) المَرَضُ فِإنْ كَانَ كُلُّ المَالِ مِرَاضًا أَخَذَ (م) مِنْهُ مَرِيضَةً، فَإنْ كَانَ فِيهَا صَحِيحٌ لَمْ يَأخُذْ إِلاَّ صَحِيحَةً تقَرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ أَرْبَعِينَ شاةً.
قال الرافعي: هذا النظر لا يختص بزكاة الإبل، ومقصوده السلام في صفة المخرج في الكمال والنُّقصان، ومن الصفات ما يعد في هذا الباب نقصاناً وهو كمال في غيره كالذّكورة: لأن الإناث في مظنَّة الدّر والنّسل فهي أرفق بالفقراء، ثم جعل أسباب النصقان خمسة:
أحدها: المرض، فإن كانت ماشيته كلها مراضاً لم يكلفه السّاعي إخراج صحيحة.
وعن مالك: أنه يكلف ذلك.
لنا أن ماله رديء فلا يلزمه إخراج الجَيِّد كما في الحُبُوب ثم المأخوذ من المراض الوسط جمعاً بين الحقّين، ولو انقسمت الماشية إلى صحاح ومراض.
فإما أن يكون الصَّحيح منها قدر الواجب فصاعداً، أو كان دونه فإن كان قدر الواجب فصاعداً لم يَجُزْ إخراج المريضة.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ" 37. فإن كانت المريضة ذات عَوَار فالنَّصُّ مانع منها وإلاَّ فهي مَقِيسَةٌ عليها، وقضية ذلك أنْ لا تؤخذ المريضة أصلاً.
خالفنا [فيما] 38 إذا كانت ماشيته كلها مراضاً، قيبقى الباقي على قضية الدَّليل، هذا إذا وجب حيوان واحد، فإن وجب اثنان ونصف ماشيته مراض كبنتي لَبُون في ستِّ وسبعين وشاتين في مائتين من الشِّياه، فهل يجوز أن يخرج صحيحه ومريضه؟ فيه وجهان حكاهما في "التهذيب":
أظهرهما: عنده: نعم.
وأقربهما: إلى كلام الأكثرين: لا، وإن كان الصَّحيح منها دون قدر الواجب، = يؤخذ من ذلك ترجيح في المسألة كما صرح به الرافعي في مواضع.
أعني أن الاولوية لا يؤخذ منها ترجيح، والأصح في المسألة الجواز كذا ذكره في "شرح المهذب".
الجزء: 2 - الصفحة: 491
كما إذا وجب شاتان في مائتي شاة، وليس فيها إِلاَّ صحيحة فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن الشيخ أبي محمد: أنه يجب عليه صحيحتان ولا يجزئه صحيحة ومريضة؛ لأن المخرجتين كما يزكيان ماله يزكّي كل واحد منهما الأخرى، فيلزم أن تزكّى المريضة الصحيحة وهو ممتنع.
وأصحهما ولم يذكر العراقيون والصَّيْدلاَنيّ غيره: أنه يجزئه صحيحه ومريضه؛ لأن امتناع إخراج المراض يقدر بقدر وجود الصّحاح، أَلاَ ترى أن ماشيته لو كانت مراضاً بأسرها جاز له إخراج محض المراد؟ فالمطلوب أن لا يخرج مريضه ويستبقي صحيحه كي لا يكون مُتيّمماً بخبيث ماله لينفق منه، وإذا أخرج صحيحه من المال المنقسم إلى الصِّحاح والمراض فلا يجب أن تكون من صحاح ماله ولا مما يساويها في القيمة، ولكن يؤخذ صحيحة لائقة بماله.
مثاله: أربعون شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران، وقيمة كل مريضة دينار يخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وذلك دينار ونصف، ولو كان الصِّحاح منها ثلاثين والقيمة ما ذكرناه أخرج صحيحة بقيمة ثلاثة أرباع صحيحة وربع مريضة وهو دينار ونصف وربع، ولو لم يكن فيها إلاَّ صحيحة أخرج صحيحة بقيمة تسعة وثلاثين جزءاً من أربعين من مريضة وجزء من أربعين من صحيحه وذلك دينار وربع عشر دينار، وجميع ذلك ربع عشر المال على ما قال في الكتاب: تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان ماله أربعين شاة، واعرف في هذا اللَّفظ شيئين:
أحدهما: أن قوله: "تقرب قيمتها" يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب، وهذا لم أره في كلام غيره ولا ينبغي أن يسامح بالنُّقصان والبخس.
والثاني: الذي ذكرناه من طريق التَّقسيط هو ما أورده أكثر الأصحاب وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية، ولا يستمر إلا فيما إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة القيمة، ولفظ الكتاب يغني عن النّظر إلى الآحاد، ورأيت القاضي ابن كَجّ رواه عن أبي إسحاق فمتى قُوّم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر القيمة كفى ثم لا يخفى أن هذا في الشَّاة مع الأربعين، فإن ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فينبغي أن يكون قيمة الشاتين قدر جزء من مائة وإحدى وعشرين من قيمة الجملة، وإن ملك خمساً وعشرين من الإبل فينبغي أن تكون النَّاقة المأخوذة بالقيمة جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من قيمة الكل، وقِسْ على هذا سائر النّصب وواجباتها.
ومن الأمثلة في الباب: لو ملك ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير وقيمة كل مريضة ديناران يجب عليه صحيحه بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهو ثلاثة دنانير، أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولك
الجزء: 2 - الصفحة: 492
أن تقول: هلاّ كان هذا ملتفتاً إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟
فإن انبسطت فذاك وإلاَّ قسط المأخوذ على الخمس والعشرين 39.
قال الغزالي: (الثَّاني) العَيْبُ فَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيباً أخَذَ مَعِيبَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سَلِيمَةٌ طَلَبْنَا سَلِيمَةً تَقْرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيبًا وَبَعْضُهُ أَرْدَأَ أَخَذَ الوَسَطَ مِمَّا عِنْدَهُ.
"النقص الثاني":
قال الرافعي: السلام في العَيْب كالكلام في المرض، سواء تمحضت الماشية معيبة أو انقسمت إلى سَلِيمَة ومعيبة.
وأعلم قوله: "أخرج الوسط مما عنده" بالواو، وليس هذا الاعلام للخلاف الذي يوهمه نظم "الوسيط" ولكنه يصح لغيره.
وأما أنه ليس لما يوهمه نظم "الوسيط" فلأنه لا خلاف في ذلك الوجه ولا عبرة بإيهامه.
بيانه: أنه قال في "الوسيط": قال الشافعي -رضي الله عنه- يخرج أجود ما عنده.
وقال الأصحاب: يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الأصح فأوهم أنَّ في المسألة خلافاً، وأراد بما نقله عن الشَّافعي -رضي الله عنه- ما رواه المزني في "المختصر" حيث قال: "ويأخذ خير المعيب" لكن الأصحاب متفقون على أنه مأول، منهم من قال: أراد: بـ "الخير" الوسط، ومنهم من قال غير ذلك، ولم يثبتوا خلافاً بحال.
وأما أنه يصح لغير ذلك فلأن إمام الحرمين حكى وجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما من أجود المال مع العيب، والأخرى دونها.
أحدهما: أنه يأخذ التي هي أجود.
وأصحهما: أنه يأخذ الوسط، وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بأخذ الأغبط من الحِقَاق وبنات اللبون إذا اجتمع الصِّنفان في المالين ثم العيب المرعى في الباب ماذا؟ فيه وجهان:
أصحهما: ما ثبت الرَّد به في البيع.
والثاني: هذا مع ما يمنع الإِجْزَاء في الضَّحَايَا.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الذُّكُورَةُ فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أُنْثَى أَوْ كَانَ الكُلُّ إِنَاثًا لَمْ تُؤْخَذْ
الجزء: 2 - الصفحة: 493
إِلاَّ الأُنْثَى لِورُودِ النَّصِّ بِالإِنَاثِ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ ذُكُوراً لَمُ يُؤْخَذِ الذَّكَرُ أَيْضاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
"النقص الثالث":
قال الرافعي: غرض الفصل يتَّضح بتفصيل أَجْنَاس النّعم، أما الإبل فإن تمحضت إناثاَ أو انقسمت إلى إناث وذكرر فلا يجوز فيها إخراج الذكر إلاَّ في خمس وعشرين، فإنه يجزئ فيها ابن لَبُون عند عدم بنت المَخَاض 40 وإن كانت كلها إناثاً، وذلك في المستثنى والمستثنى منه مأخوذ من النّص على ما تقدم وإن تمحّضت ذكوراً، فهل يجوز أخذ الذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن سلمة وأبو إسحاق: لا، ويروى هذا عن نص مالك؛ لأن النّص ورد بالإناث من بنت المَخَاض وبنت اللبون وغيرهما فلا عدول عنها، وعلى هذا فلا يؤخذ منها أنثى كانت تؤخذ لو تمحضت إبله إناثًا بل تقوم ماشيته لو كانت إناثاً وتقوم الأنثى المأخوذة منها ويعرف نسبتها من الجملة ثم تقوم ماشيته الذكور، ويؤخذ منها أنثى قيمتها ما تقتضيه النسبة، وكذلك الأنثى المأخوذة من الإناث، والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث، فطريق التّقسيط ما ذكرناه في المِراض.
وأظهرهما: وبه قال ابن خَيْران، ويروى عن نصه في "الأم": أنه يجوز أخذ الذكور منها كما يجوز أخذ المريضة من المراض، والمعنى فيه أن في تكليفه الشّراء حرجاً وتشديداً وأمر الزكاة مبني على الرفق، ولهذا شرع الجِبْرَان، ومنهم من فَصَّل فقال: إن أدَّى أخذ الذكور إلى التَّسوية بين نِصَابَيْن لم يؤخذ، وإلاَّ فيؤخذ بيانه: يؤخذ ابْن مَخَاض من خمس وعشرين وحق من ست وأربعين وجذع من إحدى وستين، وكذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، ولا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت الخاض، فيلزم التّسوية بينهما.
ومن قال بالوجه الثاني قال: لا تسوية، لا في كيفية الأخذ ولا في المأخوذ.
أما في كيفية الأخذ فلأن أخذ ابن اللَّبون من ست وثلاثين مشروط بعدم بنت اللَّبون لا بعدم بنت المخاض، وأخذه من خمس وعشرين مشروط بعدم بنت المَخَاض لا بعدم بنت اللبون.
وأما في المأخوذ: فلأن عندي يؤخذ من ست وثلاثين ابن لَبُون
الجزء: 2 - الصفحة: 494
فوق ابن اللَّبون المأخوذ من خمس وعشرين، ويعرف ذلك بالتَّقْويم والنِّسْبة.
وأما البقر فالتَّبيع مأخوذ منها في مواضع وجوبه وجب واحد منه أو عدد للنص الذي رويناه، ولا فرق بين أن تتمحَّض إناثاً أو ذكوراً أو تنقسم إلى النَّوْعين وحيث تجب المسنّة، فهل يؤخذ المسن عنها إن تمحضت إناثاً، أو انقسمت إلى ذكور وإناث؟ فلا، وإن تمحضت ذكوراً فوجهان كما في الإبل، وأما الغنم فإن تمحضت إناثاً أو كانت ذكوراً وإناثاً لم يَجُزْ فيها الذَّكر خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يؤخذ الذكر منها مكان الأنثى، وسلم في الإبل أنه لا يؤخذ إلا على طريق اعتبار القيمة على أصله في دفع القيم لنا قياس الغنم على الإبل، وأيضاً فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ" 41 وإن تمحَّضت ذكوراً فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يؤخذ الذّكر منها.
والثاني: طرد الوجهين المذكورين في الإبل والأول هو ما أورده الأكثرون، وفرقوا بأن أخذ الذكر منها لا يؤدي إلى التَّسوية بين نصابين، فإن الفرض فيها يتغير بالعدد، وفي الإبل يؤدي إلى التَّسوية بين القليل والكثير؛ لأن الفرض فيها يتغير بالسِّن أولاً كما سبق.
وعد بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأْعلم قوله: "لم يؤخذ، إلاَّ الأنثى" بالحاء، فإن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يؤخذ الذّكر على ما بيناه، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن لا بد من استثناء أخذ التَّبيع في مواضع وجوبه عنه، وكذلك أخذ ابن اللَّبون بدلاً عن بنت مَخَاض، وذكروا وجهين فيما إذا أخرج عن أربعين من البقر أو خمسين تبيعين.
أظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأن إخراجهما عن ستين جائز فعمَّا دونها أجوز، فعلى هذا تستثنى هذه الصُّورة أيضاً.
وقوله: "لم يأخذ الذكر أيضاً" يجوز أن يعلم بالألف؛ لأن ظاهر كلام أحمد فيما رواه أصحابه أنه يجوز أخذه.
وقوله: "على أحد الوجهين" بالواو؛ لأن اللفظ يشمل الغَنَم وغيرها، وفي الغنم طريقة أخرى قاطعة بالجواز و [الله أعلم].
قال الغزالي: (الرَّابعُ) الصِّغَرُ فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ كَبِيرَةٌ لَمْ تُؤْخَذِ الصَّغِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ صِغَاراً كَالسِّخَالِ وَالفِصْلاَنِ أَخَذْنَا الصَّغِيرَةِ، وَقِيلَ: لاَ تُؤْخَذُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي في الإِبِلِ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي غَيْرِ الإِبِلِ وَفِي الإِبِلِ فِيمَا جَاوَزَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَلاَ يُؤْخَذُ فِيمَا دُونَهُ كَيْلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 495
"النقص الرابع":
قال الرافعي: الماشية إمَّا أن تكون كلها أو بعضها في سِنِّ الفرض أو لا يكون شيء منها في تلك السِّنِّ، وحينئذ إِمَّا أَنْ تكون في سنِّ فوقها أو دونها، فهذه ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون كلها أو بعضها في سن الفرض، فيؤخذ لواجبها ما في سِنِّ الفرض ولا يؤخذ ما دونه ولا يكلف بما فوقه.
أما الأول فللنصوص المقتضية لوجوب الأَسْنَان المقدّرة.
وأما الثاني فلما فيه من الإِجْحَاف والإضرار بالمالك.
وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- قال لساعين سفيان بن عبد الله الثقفي -رحمه الله-: "اعتد عليهم بالسَّخلة التي يروح بها الرّاعي على يده ولا تأخذها ولا تأخذ الأَكُولَة والرُّبَّى والمَخَاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية، فذلك عدل بين غذاء المال وخياره" 42. الأكولة: هي المُسمنة للأكل في قول أبي عبيدة.
وقال شمر: أكولة غنم الرجل الخصي، والهَرِمَة: العاقر، والرُّبَى: هي الشاة الحديثة العهد بالنِّتَاج، ويقال: هي في رِبَائِهَا كما يقال: المرأة في نِفَاسِهَا، والجمعُ رُباب بالضّم، والماخض: الحامل، وفحل الغنم: الذكر المعدّ للضّرَاب والغذَاء السخال الصغار، جمع غذي وهذه التي فسَّرناها لو تبرَّع بها المالك أخذت إلا فحل الغنم، ففيه ما ذكرنا في أخذ الزكاة.
الحالة الثانية: أن تكون كلّها في سن فوق سن الفرض فلا يكلَّف بإخراج شيء منها بل يحصِّل السِّن الواجب ويخرجها، وله الصعود والنزول كما في الإبل كما سبق.
والحالة الثالثة: أن يكون الكلّ في سن دونه، وقد يستبعد تصوير الحالة ببادى الرأي، فيقال لا شك أن المراد من الصّغر هو الانْحِطاط عن السِّن المجزئة، ومعلوم أن أحد شروط الزكاة الحَوْل وإذا حال الحول فقد بلغت الماشية حدَّ الإجزاء، والأصحاب صوروها فيما إذا حدثت من الماشية في أثناء الحَوْل فَصْلان أو عجُول أو سخَال ثم ماتت الأمهات كلها وتم حولها وهي صغار بعد، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أن الحول لا ينقطع بموت الأمهات بل تجب الزكاة في النِّتَاج إذا كان نِصَاباً عند تمام حول الأصل، وبه قال مالك، وذهب أبو القاسم الأَنْمَاطِيُّ من أصحابنا إلى أن الأمهات مَهْمَا نقصت عن النِّصاب انقطع حَوْل النِّتاج فضلاَ من أن لا يبقى منها شيء، فعلى قوله: لا تتصور هذه الحالة الثالثة من هذا الطريق، وكذلك لا يتصور عند أبي حنيفة -رحمه الله-؛ لأنه شرط
الجزء: 2 - الصفحة: 496
بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، وإن لم يشترط بقاء النصاب.
وعند أحمد -رحمه الله- روايتان:
أصحهما: كمذهبنا والأخرى كمذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، وسيأتي هذا الأول بشرحه في "شرط الحول" -إن شاء الله تعالى- ويمكن أن تصور هذه الحالة في صورة أخرى، وهي أَنْ يملك نِصَاباً من صغار المَعز ويمضي عليها حول فتجب فيها الزكاة، وإن لم تبلغ سن الإجزاء فإن الثنية من المعز على أظهر الأوجه التي سبقت هي التي لها سنتان، وهذه الصورة لا تستمر على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أيضاً؛ لأن عنده لا ينعقد الحَوْل على الصّغار من المواشي، وإنما يبتدئ الحَوْل من وقت زوال الصغر.
إذا عرف التصوير ففيما يؤخذ وجهان.
وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان:
القديم: أنه لا يؤخذ إلاَّ كبيرة؛ لأن الأخبار الواردة في الباب تقتضي إيجاب الأسْنَان المقدرة من غير فرق بين أن تكون الماشية صغاراً أو كباراً، وعلى هذا تؤخذ كبيرة هي دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة، كذا إذا انقسم ماله إلى صغار وكبار يأخذ الكبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره فإن لم توجد كبيرة بما يقتضيه التقسيط يؤخذ منه القيمة للضرورة، ذكره المَسْعُودِيّ في "الإفصاح".
والجديد: أنه لا يشترط كونها كبيرة بل يجوز أخذ الصَّغيرة من الصّغَار كما يجوز أخذ المريضة من المِرَاض، وعلى هذا فتؤخذ مطلقاً أم كيف الحال؟ قطع الجمهور بأخذ الصَّغيرة من الصّغار من الغنم، وذكروا في البقر والإبل ثلاثة أوجه:
أحدها: وبه قال أبو العباس وأبو إسحاق: أنه لا يؤخذ منها الصغار؛ لأنا لو أخذنا لسوَّيْنا بين ثلاثين من البقر وأربعين في أخذ العجل وبين خمس وعشرين من الإبل، وإحدى وستين وما بينهما من النّصابين في أخذ فَصِيل، ولا سبيل إلى التَّسوية بين القليل والكثير بخلاف ما في الغنم، فإن الاعتبار فيها بالعدد فلا يؤدي أخذ الصغار إلى التسوية، وعلى هذا فتؤخذ كبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره، ولا يكلف كبيرة فتؤخذ من الكبار.
والوجه الثاني: أنه لا يؤخذ الفَصِيل من إحدى وستِّين فما دونها؛ لأن الواجب فيها واحد، واختلافه بالسِّن فلو أخذنا فَصِيلاً لسوَّينا بين القليل والكثير، أما إذا جاوز ذلك فالاعتبار بالعدد فأشبه الغنم وكذلك البقر.
والثالث: أنه يؤخذ الصّغار منهما مطلقاً اعتباراً بجنس المال كما يؤخذ من الغنم، ولكن يجتهد الساعي ويحترز عن التَّسوية فيأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل
الجزء: 2 - الصفحة: 497
المأخوذ من خمس وعشرين ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس -والله أعلم-.
ولنبين ما في الكتاب من هذه الاختلافات.
والأظهر منها: قوله: "أخذنا الصغيرة" وهو الوجه الأخير المجوز لأخذ الصّغار من الغنم وغير الغنم وإيراده يشعر بترجيحه، وكذلك ذكر صاحب "التَّهذيب" وآخرون أنه الأصح.
وليكن قوله: "أخذنا" معلم بالميم والحاء.
أما بالميم فلأن عنده لا تؤخذ إلاَّ الكبيرة وأما بالحاء فلأن عنده لا تؤخذ الصغيرة ولا الكبيرة، ولا زكاة في الصّغار كما سبق بيانه.
وقوله: وقيل: لا يؤخذ، هو المحكي عن القديم الصائر إلى المنع مطلقاً، وأراد بقوله: "لأنه في الإبل يؤدي إلى التسوية" أنا لو أخذنا الصغيرة لأخذناها من الإبل أيضاً، كالمريضة والمعيبة حيث تؤخذ تؤخذ من غير الإبل من جميع النعم، ولو أخذنا من الإبل لزم التَّسوية بين القليل والكثير فامتنع الأخذ أصلاً ورأساً.
وقوله: "وقيل: يؤخذ في غير الإبل ... " إلى آخره هو الوجه الثاني من الوجوه التي بَيَّنَّاها على الجديد، وزيفه الأئمة من وجهين:
أحدهما: أن التسوية التي تلزم في إحدى وستين فما دونها تلزم في ست وسبعين وإحدى وتسعين أيضاً، فإن الواجب في ست وسبعين بنتًا لَبُون وفي إحدى وتسعين حقَّتَان، فإذا أخذنا فَصِيلين من هذا ومن ذاك فقد سوينا بينهما لا فرق إلا أن المأخوذ قبل مجاوزة إحدى وستين واحد وبعد مجاوزتها اثنان، فإن وجب الاحتراز عن تلك التسوية فكذلك عن هذه.
والثاني: أن هذه التسوية تلزم في البقر بين الثلاثين والأربعين، وعبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع هذين الالْتِزَامين، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية بين القليل والكثير، ولا تؤخذ حيث يؤدي أخذها إلى التسوية، وهكذا ذكر المصنف في "الوسيط" والإمام في "النهاية".
وقوله: "ولا يؤخذ فيما دونه" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن صاحب "التهذيب" خص وجه المنع بالست والثلاثين والست والأربعين فما فوقهما، وجوز إخراج فصيل من خمس وعشرين إذ ليس في تجويزه وحدة تسوية وفي كلام، الصيدلاني مثل ذلك
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: (الخَامسُ) رَدَاءَةُ النَّوْعِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَعْزاً أَخَذَ المَعْزَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الأغْلَبِ وَعِنْدَ التَّسَاوِيَ يُرَاعِي الأَغْبَطَ لِلْمَسَاكين، وَالثَّانِي: أنَّهُ يؤْخَذ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بِقِسْطِهِ، هَذَا بَيَانُ النِّصَابِ وَلاَ زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ إلا إِذَا تَمَّ بِخَلْطَةٍ نِصَاباً.
الجزء: 2 - الصفحة: 498
قال الرافعي: نوع الجنس الذي يملكه من الماشية إن اتحدَّ أخذ الفرض منها، كما إذا كانت إبله أَرْحبِيَّةً 43 كلها أخذ الفرض منها، وإن كانت مُهَرِيَّةً 44 أخذ الفرض منها وإن كانت غنمه ضأناً أخذ الضأن، وإن كانت مَعِزاً أخذ المعز، وذكر في "التهذيب" في ذلك وجهين في أنه هل يجوز أن يؤخذ ثنية من المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأناً، أو جذعة من الضأن عن أربعين معزاً؟:
أحدهما: لا، كما لا يجوز البقر من الغنم.
وأصحهما: نعم، لاتفاق الجنس، كالمهرِيَّةِ مع الأرَحبِيَّةِ.
وحكى عن القاضي حسين: أنه يحتمل أن لا يؤخذ المعز من الضّأن ويؤخذ الضأن من المعز؛ لأن المعز دون الضَّأن كما تؤخذ المهرِيَّة عن المجِيدِيَّة 45، وكلام إمام الحرمين -رحمه الله- يقرب من هذا التفصيل، فإنه قال: الضأن أشرف من المعز، فلو ملك أربعين من الضّأن الوسط فأخرج ثَنِية من المَعِز الشريفة، وهي تساوي جذعة من الضّأن الذي يملكه فهذا محتمل والظاهر إجزاؤها، وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه من الماشية كالمُهَرِيَّة والأَرْحَبِيَّةِ من الإبل وَالعِرَاب والجَوَامِيس من البَقر والضَّأْن والمَعِزِ من الغَنَم فيضم البعض إلى البعض لاتِّحاد الجنسَ، وفي كيفية أخذ الزكاة منها قولان مشهوران:
أحدهما: أنها تؤخذ من الأغلب، لأن النظر إلى كل نوع مما يشق فيتبع الأقل والأكثر ولو استوى النوعان أو الأنواع في المقدار، فقد قال في "النهاية" تفريعاً على هذا القول: إنه عند الأئمة بمثابة ما لو اجتمع في المائتين من الإبل الحِقَاق وبنات اللَّبون، فظاهر المذهب أن السّاعي يأخذ الأَغْبَطَ للمساكين، وهو المشهور، والمذكور في الكتاب، ومن قال: ثم الخيرة إلى المالك، فكذلك يقول هاهنا، فيجوز أن يرقم لهذا قوله: "وعند التساوي يراعي الأغبط" بالواو.
والقول الثاني: وهو الأظهر: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط رعاية للجانبين، وليس معناه أن يُؤْخَذ شِقْص من هذا، وشِقْص من ذاك 46 فإنه لا يجزئ بالاتِّفاق، ولكن
الجزء: 2 - الصفحة: 499
المراد النَّظر إلى الأَصْناف باعتبار القيمة على ما سنبينه في الأمثلة، وإذا اعتبرت القيمة والتَّقسيط فمن أي نوع كان المأخوذ جاز، هكذا قال الجمهور.
وقال ابن الصباح: ينبغي أن يَكُونَ المأخوذ من أعلى الأنواع، كما لو انْقَسَمَت ماشيته إلى صحاح ومراض يأخذ بالحصَّة من الصِّحاح، ولك أن تقول: ورد النهي عن المريضة والمعيبة 47 فلذلك لا نأخذها ما قدرنا على صحيحة وما نحن فيه بخلافه.
في المسألة قول ثالث محكي عن "الأم": وهو أنه إذا اختلفت الأنواع يؤخذ الفرض من الوسط كما في الثِّمار، ولا يجئ هذا القول فيما إذا لم يكن إلا نَوْعين، ولا فيما إذا كانت أَنْوَاعاً متساوية في الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ.
وحكى القاضي ابن كج وجهاً: وهو أنه يؤخذ من الأجود أخذاً من نَصِّه في اجتماع الحِقَاقِ وبنات اللَّبُون 48 ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى عن أبي إسحاق أن موضع القولين ما إذا لم تحتمل الإبل أخذ واجب كل نوع لو كان وحده منه، فإن احتمل أخذ كذلك بلا خلاف، مثل أن يملك مائتين من الإبل مائة مُهَرِيَّة، ومائة أَرْحَبِيَّة، فيؤخذ حقَّتَان من هذه، وحقَّتَان من هذه، والمشهور طرد الخلاف على ما يقتضيه لفظ الكتاب، ونوضح القولين بمثالين:
أحدهما: له خمس وعشرون من الإبل عشرة مهَرِيَّة، أرحِبيَّة أَرْحَبِيَّة، وخمسة = نصفي رقبتين في الكفارة فإن كان باقيهما حراً جاز أو رقيقاً جاز على أصح الوجهين، ومنهم الروياني فقال: في الظهار في البحر ولو أخرج نصفي شاتين بدل شاة هل يجوز فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو قول عامة الأصحاب.
ومنهم الماوردي الظهار الحاوي فقال في أجزائه ثلاثة أوجه، والثالث: إن كان باقي الشاتين للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم وإن كان لغيرهم لم يجز لدخول الضرر عليهم.
وقال السبكي في تعليق القاضي ما يقتضي إثبات خلافه، وقيل مقتضى كلام الرافعي والمصنف أن المدة في إخراج الواجب بالتقسيط من أي نوع كان إلى المالك وأن القاضي قال: إلى الساعي، وادعى في التتمة أنه المذهب المشهور يوافقه قول ابن الصباغ أنه ينبغي أن يكون المأخوذ من أعلى الأنواع كما إن انقسمت إلى صحاح ومراض، ورد عليه الرافعي بأن المراض ورد النهي عنها وحكى كثير أنه يؤخذ من الوسط كما في الثمار، ولا يأتي هذا في نوعين ولا في ثلاثة تساوية.
الجزء: 2 - الصفحة: 500
مجِيْدِيّة، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مَخَاض أَرْحَبِيَّة أو مهرية بقيمة نصف أَرْحَبِيّة ومهرية؛ لأن هذين النَّوْعين أغلب، ولا نظر إلى المجِيدِيّة.
وعلى الثاني يؤخذ بنت مَخَاض من أي الأنواع أعطى بقيمة خمس مهَرِيّة، وخمس أَرْحَبِيَّة، وخمس مجِيْدِيّة 49 فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة وقيمة بنت مخاض مجيدية ديناران ونصف فيأخذ بنت مخاض من أحد أنواعها قيمتها ستة ونصف وهي خمساً عشرة وخمسًا خمسة وخمس ديناران ونصف، وصور بعضهم قيمة المجيدية أكثر، وذلك فرض في إبل الشخص على الخصوص، وإلاَّ فالمجيدية أردأ الأنواع الثلاثة، وغرض التمثيل لا يختلف.
والثاني: له ثلاثون من المعز، وعشر من الضَّأْن، فعلى القول الأول يؤخذ ثنية من المعز.
قال في "النهاية": ويكتفي بماعزة كما يأخذها، لو كانت غنمة كلها معزاً، وعلى عكسه لو كانت ثلاثون منها ضأناً أخذنا جذعة من الضَّأن كما نأخذها لو تمخَّضت غنمه ضأناً، وعلى القول الثاني يخرج ضائنة، أو ماعزة بقيمة ثلاثة أرباع ماعزة وربع ضائنة الصورة الأولى وبقيمة ثلاثة أرباع ضائنة وربع ماعزة في الصُّورة الثانية، ولا يجيء قول اعتبار الوسط هاهنا وعلى الوجه الذي رواه ابن كج يؤخذ من الأَشرف فلا يخفى قياسها في المثال الأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 501
بَابُ صَدَقَةِ الخُلَطَاءِ
وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ، فِي حُكْمِ الخُلْطَةِ وَشَرْطِهَا وَحُكْمُ الخُلْطَةِ تَنْزِيلُ المَالَيْنِ مَنْزِلَةَ مَالٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ بِأَرْبَعِينَ لِغَيْرِهِ فَفِي الكُلِّ شَاةٌ وَاحِدَةٌ (ح)، وَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغَيرِهِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ (م ح) شَاةٍ.
قال الرافعي: النَّظَر في المواضع الخمسة كان معترضاً في شرط النِّصاب، فلما فرغ منها عاد إلى القول في النِّصاب، ولما كانت الزِّكاة قد تجب على مَنْ لا يملك نصاباً بسبب الخَلْطَة وجب اسْتِثْنَاؤها عن اشتراط النِّصَاب، فاستثنى ووصل به باب صَدَقَة الخُلَطَاء وهو من أصول أبواب الزكاة، وأدرج مقصوده في خَمْسَةِ فصول:
أولها: في حكم الخلْطَة وشرطها.
اعلم: أن الخلطة نوعان: خلطة اشتراك وخلطة جوار 50، وقد يعبر عن الأولى بخلطة الأعيان، والثاني بخلطة الأوصاف، والمراد من النوع الأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرَّجلين أو الرِّجال عن نصيب غيره كماشية ورثها اثنان أو قوم أو ابتاعوها معاً، فهي شائعة بينهم.
ومن النوع الثاني: أن يكون مال كل واحد معيناً متميزاً عن مال غيره، ولكن تَجَاورا تَجَاوُرَ المال الواحد على ما سنصفه، ولكلتا الخلطتين أثر في الزّكاة، ويجعلان مال الشخصين أو الأشخاص منزلة مال الشَّخص الواحد في الزكاة، ثم قد تكثر 51 الزَّكَاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة ولو انفردا كل واحد بنصيبه لم يجب شيء وقد نقل كما لو كان بينهما ثمانون مختلطة يجب فيها شاة ولو انفرد كل واحد بأربعين لوجب على هذا شاة وعلى هذا شاة.
وحكى الحناطي وجهاً غريباً أن خَلْطَة الجوار لا أثر لها، وإنما تؤثر خلطة الشُّيُوع.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا حكم للخلْطَة أصلاً، وكل واحد يزكِّي زكاة الانْفِرَاد إذا بلغ نصيبه نصاباً، وعند مالك لا حكم للخلْطَة إِلاَّ إذا كان نصيب كل واحد منهما نِصَاباً، فلذلك أعلم قوله في الكتاب: "إلا إذا تم بخلطة نصاباً" بالحاء والميم،
الجزء: 2 - الصفحة: 502
وكذلك قوله: "ففي كل واحد نصف شاة"، وقوله: "ففي الكل شاة واحدة" بالحاء وحده، ومذهب أحمد -رحمه الله- كمذهبنا والدليل عليه ما روي في حديث أنس وابن عمر -رضي الله عنهم- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" 52.
قال العلماء: هذا نهي للسَّاعي والملاك عن الجمع والتَّفريق اللَّذَين يقصد بهما السّاعي تكثير الصدقة والملاّك تقليلها، فجمع الساعي أن يكون لزيد عشرون من الغنم، ولعمرو عشرون وهي متفرقة متميزة، فأراد السّاعي الجمع بينهما ليأخذ منها شاة، وتفريقه أن يكون بينهما ثمانون مختلطة، فأراد أن يفرق ليأخذ شاتين.
(وأما) جمع الملاك مثل أن يكون لزيد أربعون من الغنم، ولعمرو أْربعون متفرقة فأراد الجمع لئلا يأخذ السَّاعي منها إلاَّ واحدة، وتفريقهم مثل أن يكون لهما أربعون مُخْتَلَطة فأراد التَّفريق لئلا يأخذ منهما شيئاً، ولولا أن الخلطة مؤثرة لما كان لهذا الجمع والتفريق معنى.
قال الغزالي: وَشَرْطُ الخُلْطَةِ اتِّحَادُ المَسْرَحِ وَالْمَرْعَى وَالمَرَاحِ وَالْمَشْرَعِ وَكَوْنِ الخَلِيطِ أَهْلاً لِلزَّكَاةِ لاَ كَالذِّمِّيِّ، وَالمُكَاتَبِ، وَفِي اشْتِرَاكِ الرَّاعِيِ وَالفَحْلِ وَالمَحْلَبِ وَوُجُودِ الاخْتِلاَطِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَجَرَيَانِ الاخْتِلاَطِ بِالقَصْدِ وَاتِّفَاقِ أَوَائِلِ الأحْوَالِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: نوعاً الخلْطَة يشتركان في اعتبار شروط وتختص خلْطَة المُجَاورة بشروط زائدة، فمن الشروط المشتركة: أن يكون المجموع نصاباً، وفي لفظ الكتاب ما يدل على اعتباره حيث قال: إلا إذا تم بخَلْطه نصاباً فلو ملك زيد عشرون شاة، وعمرو مثلها، فخلطا تسع عشرة بتسع عشرة وتركا شاتين منفردتين فلا أثر لخلطتهما ولا زكاة أصلاً.
ومنها: أن يكون المختلطان من أهل وجوب الزَّكاة فلو كان أحدهما ذمِّياً أو مكاتباً فلا أثر للخلطة بل إن كان نصيب الحُرِّ المسلم نصاباً زكى زكاة الانفراد، وإلاَّ فلا شيء عليه وذلك من ليس أهلاً لوجوب الزكاة عليه لا يجوز أن يصير ماله سبباً لتغير زكاة المسلم.
ومنها: دوام الخلْطَة في جميع السّنة على ما سيأتي شرحه.
وأما الشروط التي تختص خلطة الجوار باعتبارها.
فمنها: اتِّحاد المَرْعى والمَسْرح والمَرَاح والمَشْرَع 53، وهذا لفظ الكتاب والمراد
الجزء: 2 - الصفحة: 503
من اتِّحاد المَشْرَع: أن تسقى غنمهما من ماء واحد من نَهْر أو عَيْن أو بئر أو حوض أو مياه متعددة، ولا تخصّ غنم أحدهما بالسَّقي من موضع، وغنم الآخر بالسَّقي من غيره.
والمراد بالمَرَاح: مأواها ليلًا فلو كان يختّص غنم أحدهما بمَرَاح وغنم الآخر بمَرَاح آخر، لم تثبت الخلْطَة، وإن كانا يخلطانها نهاراً.
وأما المَرْعَى والمَسْرح فلفظ الكتاب يقتضي تَغَايُرهما، وكلام كثير من الأئمة يوافقه، ومنهم من يقتصر على ذكر المَسْرَح ويفسره بالمَرْعَى، ولفظ "المختصر" قريب منه وليس في الحقيقة اختلاف، لكن الماشية إذا سَرَحَت عن أماكنها، تجئ قطعة قطعة وتقف في موضع، فإذا اجتمعت امتدت إلى المرعى، وكان بعضهم أطلق اسم المسرح على ذلك الموضع وعلى المرتع نفسه؛ لأن الإبل مسرحة إليها ومنهم من خصَّ اسم المسرح بذلك الموضع وإنما شرط اتِّحاد المالين في هذه الأمور ليجتمع اجْتِمَاع ملك المالك الواحد على الاعْتِيَاد.
وقد روى عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه سمع النبي يقول: "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ 54، وَالْخَلِيطَانِ مَا إِذَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ والرَّاعِي".
فنص على اعتبار الاجتماع في الحوض والرعي من الأمور الأربعة، وقيس عليهما البَاقي، ومنها اشتراك المالين في الرَّاعي، حكى المصنف وشيخه وجهين:
أظهرهما: أنه يشترط كالاشْتِرَاك في المراح والمسرح، وأيضاً فقد روي في بعض الرِّوَايات عن سعد بدل الرَّعي الراعي 55 56.
والثّاني: أنه ليس بشرط؛ لأن الافتراق فيه لا يرجع إلى نفس المال، فلا يضر بعد الاجتماع في المَراح وسائر ما ذكرنا، ولا شك في أنه لا بأس بتعدد الرّعاة، والخلاف في أنه، هل يشترط أن لا تختص غنم أحدهما براع أم لا؟ ويجوز أن يعلّم قوله في = الجواز، فلا زكاة وهذا مأخوذ من قولهم في الشرط الثاني: أن يبلغ المجموع نصاباً، فإن النصاب إنما يعتبر في الجنس الواحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 504
الكتاب: "في اشتراك الراعي" بالواو؛ لأن كثيراً من الأَصْحَاب نفوا الخلاف في اشتراطه.
ومنها: الاشتراك في الفَحْل فيه وجهان كما في الراعي.
أحدهما: أنه لا يعتبر ولا يُقْدَح في الخَلْطَة اختصاص كل واحد منهما بِإِنْزَاء فَحْل على ماشيته، وهذا أصح عند المَسْعُودِي، لكن يشترط كون الإِنْزَاء على موضع واحد على ما سنذكره في الخلاف.
وأظهرهما: ولم يذكر الجمهور سواه 57 أنه يعتبر لما ذكرنا في خبر سعد، وعلى هذا فالمراد أن تكون الفُحُولَة مرسلة بين ماشيتهما، ولا يخصّ واحد منهما ماشيته بِفَحْل سواء كانت الفُحُولة مشتركة بينهما أو مملوكة لأحدهما أو مُسْتَعَار.
وحكى الشيخ أبو محمد وغيره وجهاً آخر، أنه يجب أن تكون مُشْتَرَكة بينهما، وضعفه 58. ولك أن تعلَّم لفظ "الفحل" بالواو لمثل ما ذكرنا في الراعي.
ومنها: حكى في الكتاب في الاشْتِراك في المِحْلَب خلافاً وشرحه أن المُزنِيَّ روى في "المختصر" في شرائط الخلْطَة أنه يعتبر أن يُحْلَبا معاً، وحكى مثله عن حَرْمَلَةَ ورواية الزَّعْفَرَانِيّ وليس له ذكر في "الأم" فاختلفوا منهم من أثبت قولين:
أحدهما: اعتباره كما في السَّقْيَ والرعي.
والثاني: المنع فإنه ارْتِفَاقٌ وانتفاع فلا يعتبر الاجْتِمَاع فيه كما في الرُّكُوب، ومنهم من قطع بنفي الاعتبار حكى الطريقتين القاضي ابن كج، والظاهر الذي أورده الأكثرون وفَرَّعوا عليه إنَّما هو الاعتبار ثم هاهنا أشياء موضع يحلب فيه، وإناء يتقَاطَرُ فيه اللَّبن وهو المَحْلَب وشخص يحلب ففي ماذا يعتبر الاشتراك أما الموضع فلا بدلا من الاشتراك فيه كالمَرَاح والمَرْعى فلو حلب هذا ماشيته في أهله وذاك ماشيته في أهله، يثبت حكم الخلْطَة 59، وأما الحالب ففيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 505
أحدهما: أنه يعتبر الاشْتِراك فيه أيضاً على معنى، أنه لا يَجُوز أن ينفرد أحدهما بحالب يمنع عن حلب ماشيته لآخر، وهذا ما ذكره الصَّيْدَلاَنِي.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يعتبر ذلك كما في الجاز وفي الاشتراك في المحْلَب وجهان أيضاً:
أظهرهما: لا يعتبر الاشتراك فيه كما لا يعتبر الاشتراك في آلات الجَزِّ فإن كل واحد منهما نوع انتفاع.
والثاني: يعتبر وبه قال أبو إسحاق هاهنا، ومعناه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بمحْلَب أو محالب ممنوعة عن الثَّاني، وعلى هذا فهل يشترط خلط اللبن أو يجوز أن يحلب أحدهما في الإناء، ويفرغه ثم يحلب الآخر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يشترط ذلك، فإن لبن أحدهما قد يكون أكثر، فإذا اختلطت امتنعت القِسْمَة.
والثَّاني: يشترط ثم يَتَسَامحون في القِسْمة كما يخلط المسافرون أزوادهم ثم يأكلون، وفيهم الزّهيد والرغيب.
ومنها: نِيَّة الخلطة، وفي اشتراطها وجهان:
أحدهما: أنها تشترط، لأنها تغير أمر الزَّكَاة، إما بالتَّكْثِير أو بالتَّقْلِيل، ولا ينبغي أن يكثر من غير قصده ورضاه ولا أن يَقُلْ إذا لم يقصد محافظة على حق الفقراء.
وأظهرهما: أنها لا تشترط فإن الخَلْطَة إنما تؤثِّر من جهة خفَّة المؤنة باتِّحَاد المرافق، وذلك لا يختلف بالقصد وعدمه، وهذان الوجهان كوجهين يأتيان في قصد الاسَامَة والعَلَفِ، ويجريان غالباً فيما لو افترقت المَاشية في شيء مِمَّا يعتبر الاجتماع فيه بنفسها أو فرقها الرَّاعي ولم يشعر المالكان إلا بعد طول الزَّمان؟ هل تنقطع الخلطة أم لا؟ ولو فرقاها أو أحدهما قصداً في شَيْءٍ من ذلك انقطع حكم المخالطة وإن كان يسيراً والتفرق اليسير من غير قصد لا يؤثر، لكن لو اطَّلَعَا عليه فأقراها على تفرقهما ارتفعت الخلطة؟ ومهما ارتفعت الخلطة فعلى من كان نصيبه نصاباً زكاة الانفراد إذا تَمَّ الحَوْل من يوم المِلْك لا من يوم ارتفاعه.
وأما قوله: "ووجد الاختلاط في أول السنة"، وقوله: "واتفاق أوائل الأحوال" = هو بفتح الميم وهو موضع الحلب، وهذا لا يشترط الاتحاد فيه في ثبوت الخلطة بلا خلاف.
وأما المحلب بكسر الميم وهو الإناء الذي يحلب فيه، وفي اشتراط الاتحاد فيه وجهان: أصحهما عدم الاشتراط، وعبر في "تحرير التنبيه" وتصحيحه بقوله: الأصح عدم اشتراطه.
قال في الكفاية: وظاهر كلام النووي يفهم خلافاً فيه حيث عبر بالأصح.
قال في المهمات: وهذا الوجه الذي حاول ابن الرفعة إثباته ولم يقف على التصريح به قد صرح به الروياني في البحر.
الجزء: 2 - الصفحة: 506
فهما المسألتان اللتان يشتمل عليهما الفصل الثالث ونشرحهما إذا انتهينا إليه، والخلاف الذي أبهم ذكره في جميع الصُّوَرِ وَجْهَان، إلا في وجود الاخْتِلاَط في أول السَّنة فهو في هذه المسألة قولان ستعرفهما؟ ولك أن تعلم قوله: "وشرط الخلطة اتحاد المَرْعَى والمَسْرَح ... " إلى آخره بالميم؛ لأن ابن الصَّبَّاغ حكى عن أصحاب مالك اختلافاً في الأمور التي شرطناها في الخلطة، فمنهم من شرط اجتماع المالين في أمرين منها، ومنهم من اعتبر الرَّعي والرَّاعي، ومنهم من اعتبر الرَّعي وأمراً آخر أيّما كان.
قال الغزالي: وَفِي تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ فِي الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ، فَعَلَى الثَّالِثِ يُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الشُّيُوعِ دُونَ الجِوَارِ، وَلاَ تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الجِوَارِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَفِي الشُّيُوعِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لا خلاف عندنا في تأثير الخَلْطَة في المَوَاشي، وهل تؤثر في غير المواشي من الثِّمار والزروع والنقدين وأموال التجارة؟ أما خلطة المشاركة ففيها قولان:
القديم: وبه قال مالك وكذلك أحمد في أَصَحِّ الرِّوايتين أنها لا تثبت بخلاف المَوَاشي، فإنّ فيها أوقاصاً فالخلْطَة تنفع المالك تارة والمسكين أخرى، ولا وَقْصَ في المُعشرَات، فلو أثبتنا الخلطة فيها لتمحَّضت ضرراً في حقِّ المالكين، لأنها تضر فيما إذا كان ملك كل واحد منهما دون النصاب، ولا يثبت نفع بإزائه واحتج له أيضاً بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّعْي" 60. فإنه يقتضي حصر الخَلِيطَيْن في المجتمعين في هذه الأمور، وذلك لا يفرض إلاَّ في المواشي.
والجديد: أنها تثبت؛ لأنهما كما يَرْتَفِقَان بالخلطة في المَوَاشي لخفّة المُؤْنة باتِّحاد المرافق كذلك يرتفقان في غيرهما باتحاد الجرِين والنَّاطُور والدّكان، والحَارِس والمتعهّد وكرَّاء البيت وغيرها.
واحتج له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" 61. وأما خلطة المُجَاورة: فإن لم تثبت خلطة المُشَاركة، فهذه أوْلى وإن أثْبتنا تلك ففي هذه قولان ومنهم من يقول: وجهان، وذلك بأَنْ يكون لكلِّ واحد صف نخيل أو زرع في حائط واحد أو كيس دراهم في صندوق واحد أو أمتعة تجارة في خزانة واحدة.
أصحهما: عند العراقيين وصاحب "التهذيب" والأكثرين: أنها تثبت أيضاً كما في المَوَاشي، وهذا الحصول حصول ارتفاق باتحاد النَّاطُور والعَامِلِ والنَّهْرِ الذي منه تسقى وباتحاد الحارث ومكان الحفظ وغيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 507
والثاني: أنها لا تثبت؛ لأن كل نَخْلَة متميزة بمكانها الذَّي تشرب منه، فأشبه افْتِرَاق المَاشِيَة في المَشْرَب، ونسب القاضي ابْنُ كَجٍّ هذا إلى اختيار أبي إسحاق، والأول إلى اختيار ابن أبي هريرة، ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين الثِّمار والزُّروع وبين النَّقْدَين وأموال التِّجَارة على المَشْهُور وعن القَفَّال طريقة أخرى، وهي أن الخِلاَفَ في الثِّمَار والزُّروع في الخلطتين جميعاً وفي النَّقْدَين وأموال التجارة في خلطة المشاركة وحدها، وفي خلطة الجوار نقطع بأنها لا تثبت فيها، وهذه الطريقة هي التي أوردها الشّيخان الصَّيدلانيّ وأبو محمد، وذكرها صاحب الكتاب فقال: "ولا تؤثر خلطة الجوار في مال التجارة وفي الشيوع قولان" فأعلم قوله: "ولا تؤثر" بالواو، وقوله: "تؤثر خلطة الشيوع" بالميم والألف لما قدمناه، واعرف أنا حيث أثبتنا الخلاف وتركنا الترتيب حصلت ثلاثة أقوال كما ذكر في الكتاب:
أحدها: تأثير الخلطتين.
والثاني: المنع.
والثالث: تأثير خلطة الشيوع دون الأخرى، وفرعوا على الصحيح وهو تأثير الخلطتين فروعاً.
منها: نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد أثمرت خمسة أوسق لزمهم الزكاة، وساعدنا مالك في هذه الصورة ويمثله لو وقف أربعين شاة على جماعة معينين، هل تجب عليهم الزكاة؟ يبنى ذلك على أن المِلْك في الوَقْف، هل ينتقل إليهم؟ إن قلنا: لا، فلا زكاة عليهم، وإن قلنا: نعم، فوجهان:
أصحهما: لا زكاة لنقصان مِلْكهم كما في ملك المُكَاتب (1).
ومنها: لو استأجر أجيراً ليتعهد نخيله على ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمارها وقبل بدوّ الصّلاح وشرط القَطْع لكن لم يتّفق القطع حتى بدا الصّلاح وكان مبلغ ما في الحائط نصاباً وجب على الأجير عشر ثمرة تلك النخلة وإن قلَّت.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّرَاجُعِ:
وَلِلسَّاعي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عُرْضِ المَالِ مَا يَتَّفِقُ ثُمَّ يُرْجِعُ المَأْخُوذَ مِنْهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ خَلِيطِهِ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ مِنَ البَقَرِ بِثَلاَثِينَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّاعيِ أَخْذُ المُسِنَّةِ مِنَ الأَرْبَعِيْنَ وَالتَّبِيعِ مِنَ الثَّلاَثِينَ بَلْ يَأْخُذُ كَيْفَ اتَّفَقَ،62
الجزء: 2 - الصفحة: 508
فَإِنْ أَخَذَ كَذَلِكَ فَيَرْجعُ بَاذِل المُسِنَّةِ بِثَلاثَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ وَبَاذِلُ التَّبِيعِ بِأَرْبَعَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنَّينِ وَاجِبٌ فِي الجَمِيعِ عَلَى الشُّيُوعِ كَأنَّ المَالَ مِلْكٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: روينا عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "وَمَا كَانَا مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" 63. أخذ الزكاة من مال الخليطين يقتضي رجوع أحدهما على صاحبه دون رجوع الآخر عليه وقد يقتضي التراجع بينهما، وهو الذي تعرض له الخبر.
وقوله -عليه السّلام- بالسَّوية حمله الأئمة على الحصّة، فإذا ملك ما دون خمس وعشرين من الإبل بينهما نصفين وأخذ السَّاعي واجباً من أحدهما رجع بنصف قيمة المأخوذ على صاحبه ولو كانت بينهما أثلاثاً أو أرباعاً فالرجوع بالحساب ثم الرجوع والتَّراجع يكثران في خلطة الجواز، وإنما رَسَمَ الفصل في الكتاب للتراجع في هذه الخلطة وقد يتفقان قليلاً في خلطة المشاركة أيضاً على ما سنذكره آخراً، وحكى المُحَامِليُّ فيما يحمل عليه الخبر من الخلطتين قولين:
الجديد: أن مطلق الخلطة ينصرف إلى خلطة المشاركة.
والقديم: أنه ينصرف إلى خلطة المُجَاورة، وعليها حمل المعظم الخبر إذا عرفت هذه المقدمة فنتكلم في مقصود الفصل أوّلاً ونقول: إذا اختلط المالان خلطة جوار بشرائطها ووجب الزَّكاة نظر، هل يمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منها لو انفرد من ماله أم لا؛ فإن لم يمكن فللسّاعي أن يأخذ الفرض من إيهما شاء فإن لم يجد سن الفرض بصفة الأجزاء إلا في مال أحدهما أخذه منه.
مثاله: بينهما أربعون من الغنم بالسّوية لا يمكن التَّشْقيص فيأخذ شاة من أَيِّهِمَا اتّفق، ولو وجب بنت لَبُون في إبلهما ولم يجدها إِلاَّ في مال أحدهما أخذها منهم، ولو كانت ماشية أحدهما مراضاً أو معيبة أخذ الفرض من الآخر، وإن أمكن أخذ ما يخص مال كل واحد منهما لو انفرد منه فوجهان:
أحدهما: فقد قال أبو إسحاق يأخذ كل واحد ما يخص ماله، ولا يجوز غير ذلك إغناء لهما عن التراجع.
وأصحهما وبه قال ابن أبي هريرة والمعظم وهو المذكور في الكتاب: أن له أن يأخذ من عرض المال ما يتفق ولا حجر عليه، بل وإن أخذ كما ذكر صاحب الوجه الأول يبقى التراجع بينهما، وذلك لأنَّ المالين عند الخلطة يَنْزِلان منزلة المَالِ الواحد،
الجزء: 2 - الصفحة: 509
أَلاَ ترى أنَّ الواجب يقلّ تارة ويكثر أخرى، كما لو كان الكلُّ لواحد [وإذا] 64 كان كذلك فكلُّ المأخوذ شائع في جميع المال وليس شيئاً منه بعينه عن شيء من المال بعينه والباقي عن الباقي.
مثال هذه الحالة التي فيها الوجهان: أن تجب شاتان في الغَنَمِ المخلوطة، وأمكن أخذ إحداهما من هذا والثانية من ذاك، وكذلك لو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لإحداهما وثلاثون للآخر وأمكن أخذ المسنة من الأربعين والتَّبيع من الثلاثين، وكذلك لو كان بينهما مائة وثمانون من الإبل مائة لأحدهما وثمانون للآخر وأمكن أخذه حِقَّتين من المائة وبنتي لَبُون من الثَّمانين، ولا يخفى نظائره إذا تقرر ذلك فلنبين كيفية الرّجوع والتراجع عند أخذ الزَّكاة على الوجه المُحوج إلى أحدهما على حسب الخلاف الذي حكيناه.
فنقول: إذا أخذ شاة من أحد الخَلِيطين عن أربعين من الغنم عشرون منها لهذا وعشرون للآخر رجع المَأْخُوذ منه بنصف قيمة الشَّاة المَأْخوذة على الآخر ولا يرجع بنصف شاة؛ لأن الشَّاة ليست بمثليه ولو كانت ثَلاَثون لأحدهما وعشرة للآخر، فإن أخذ الشَّاة من صاحب الثلاثين رجع بربعها على الآخر ولا يرجع بنصف شاة، وإن أخذها من الآخر ورجع بثلاثة أرباعها على صاحب الثلاثين، ولو كان بينهما مائة وخمسمون شاة لأحدهما مائة وللآخر خمسون فأخذ السّاعي الشاتين الواجبتين فيها من صاحب المائة رجع على الآخر بقيمة ثلث كل شاة ولا نقول بقيمة ثُلُثي كل شاة؛ لأن قيمة الشَّاتين تختلف وإن أخذها من صاحب الخَمْسِين رجع على الآخر بقيمة ثلثي شاة ولو أخذ من كل واحد شاة ورجع صاحب المائة على صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاته وصاحب الخمسين على صاحب المائة بقيمة ثُلُثِي شاته ولو كان نصف الشَّاة لهذا ونصفها للآخر فكل واحد منهما يرجع على الآخر بقيمة نصف شاته، فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التّقاص عند تساوي الدِّينين قدراً وجنساً، ولو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لأحدهما وثلاثون للآخر فالتَّبِيع والسُنَّة واجبان عليهما على صاحب الأَرْبَعِين أربعة أسباعهما، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما، فلو أخذهما الساعي من صاحب الأربعين رجع بقيمة ثلاثة أسباعهما على الآخر، ولو أخذهما من الآخر رجع بقيمة أربعة أسباعهما على صاحب الأربعين، ولو أخذ التَّبيع من صاحب الأربعين والمسنة من صاحب الثَّلاثين رجع صاحب الأَرْبَعِين بقيمة ثلاثة أسباع التَّبِيع على الآخر ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع المسنة، ولو أخذ المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من الآخر رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع المسنة على الآخر، ورجع الآخر عليه بقيمة أربعة أسباع
الجزء: 2 - الصفحة: 510
التبيع (1)، وهذه الحالة الرابعة المذكورة في الكتاب، ولك أن تُعلَّم قوله: "من عرض المال ما يتفق" بالواو، وكذا قوله: "لم يجب على الساعي أخذ المسنة" وقوله: "بل يأخذ كيف اتفق"، وقوله: "فيرجع باذل المسنّة" للوجه المنسوب إلى أبي إسحاق فإن كان ذلك مشروط على ذلك الوجه بأن لا يمكن أخذ ما يخص كل واحد منهما لو انفرد منه على ما سبق.
وقوله: "بثلاثة أسباعهما"، أي: بقيمتها.
وكذا قوله: "بأربعة أسباعه".
ولو ظلم الساعي فأخذ من أحد الخَلِيطَين، والواجب شاة شاتين أو أخذ شاة حبلى رُبّى أو مَاخِضَة رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمة الواجب لا قيمة المأخوذ فإن السَّاعي ظلمه بالزيادة والمظلوم يرجع على الظالم دون غيره، فإن كان المَأْخوذ باقياً في يد السَّاعي استردوه، وإلا استرد الفضل والفرض ساقط، ولو أخذ القيمة في الزكاة أو أخذ من السّخَال كبيرة، فهل يرجع على خليطه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق في أخذ القيمة: أنه لا يرجع.
وأصحهما: وبه قال ابن أبي هريرة: يرجع؛ لأنهما من مسائل الاجتهاد، فالقيمة مأخوذة عن أبي حنيفة ومالك، والواجب في السّخَال كبيرة عند مالك، ومنهم من خصّ الوجهين بمسألة القيمة، وقطع في أخذ الكبيرة فالرجوع هذا تمام ما نذكره من خلطة الجوَار.
أما خلطة الشيوع: فإن كان الواجب من جنس المال وأخذه السّاعي منه فلا يراجع فإن المأخوذ مشاع بينهما، وإنْ كَانَ الوَاجِب من غير جنس المال كالشَّاة فيما دون خمس وعشرين من الإبل، فإذا أخذ السَّاعي شاة من أحد الخليطين عن خمس من الإبل بينهما رجع المأخوذ منه على الآخر بنصف قيمتها، ولو كان بينهما عشر فأخذ من كل واحد منهما شاة ثبت التراجع فإن تساوت القيمتان خرج على أقوال التقاص، ومتى ثبت الرجوع وتنازعا في قيمة المأخوذ فالقول قول المأخوذ منه؛ لأن غارم.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي اجْتِمَاعِ الخُلْطَةِ وَالأنْفِرَادِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ،
فَإِذَا مَلَكَ رَجُلاَنِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ غُرَّةَ المُحَرَّمِ وَخَلْطاَ غُرَةَ صَفَرٍ، فَفِي الجَدِيد يَجِبُ عَلَى65
الجزء: 2 - الصفحة: 511
كُلِّ وَاحِدٍ فِي آخِرِ الحَوْلِ الأَوَّلِ شَاةٌ، وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الأَحْوَالِ نِصْفُ شَاةٍ تَغْلِيبًا لِلأنْفِرَادِ، وَعَلَى القَدِيمِ يَجِبُ أَبدًا نِصْفُ شَاةٍ، فَإِنْ مَلَكَ الثَّانِي غُرَّةَ صَفَرِ وَخَلَطَ غُرَّةَ رَبِيعٍ فَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ، وَخَرَجَ ابْنُ سُرُيجٍ أَنَّ الخُلْطَةَ لاَ تَثْبُتُ أَبدًا لِتَقَاطُعِ أَوَاخِرِ الأَحْوَالِ.
قال الرافعي: اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد، أما أن يكون بطروء الخلطة على الانفراد أو بطروء الانفراد على الخلطة، وهذا الفصل الثالث مرسوم للقسم الأول فنبينه، ونقول: لا خلاف في أنه لو لم تكن لهما حالة انفراد بأن ورثا ماشية أو ابتاعها دفعة واحدة شائعة أو غير شائعة لكن مخلوطة وإذا ما الخلطة أنهما يزكيان زكاة الخلطة وكذا لو كان ملك كل واحد منهما دون النصاب وبلغ بالخلطة نصاباً زكاه زكاة الخلطة؛ لأن الحَوْل لم ينعقد على ما ملكاه عند الانفراد، فأما إذا انعقد الحول على الانفراد ثم طرأت الخلطة فلا يخلو، إما يتفق ذلك في حق الخليطين جميعاً أو في حق أحدهما.
الحالة الأولى: أن ينعقد الحول على الانفراد في حقهما جميعاً ثم تطرأ الخلطة فأما أن يتفق حولاهما أو يختلف، فإن اتفق كما لو ملك كل واحد أربعين شاة غرة المحرم ثم خلطا غرة صفر ففيه قولان 66:
الجديد وبه قال أحمد: أن حكم الخلطة لا يثبت في السنة الأولى؛ لأن الأصل الانفراد والخلط عارض فيغلب حكم الحول المنعقد على الانفراد، فعلى هذا إذا جاء المحرم وجب على كل واحد منهما شاء.
والقديم وبه قال مالك: أنه يثبت حكم الخلطة نظراً إلى آخر الحَوْلِ والعبرة في قدر الزَّكَاة بآخر الحَوْل أَلاَ تَرى أنه لو مَلَكَ مائة وإحدى وعشرين شاة فتلف منها شاة أو شاتان في آخر الحَوْل؛ لا يجب عليه إلاَّ شاة فعلى هذا إذا جاء المحرم فعلى كل واحد منهما نصف شَاة، وعلى القولين جميعاً في الحَوْل الثّاني وما بعده يزكيان زكاة الخليطة لوجودها في جميع السنة 67.
الجزء: 2 - الصفحة: 512
فإذا قلنا بالجديد فوجود الخلطة في جميع السنة شرط في ثبوت حكم الخلطة، فلذلك أدرج حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذه المسألة في جملة الشرائط التي حكي الخلاف فيها على ما سبق، وإن اختلف حولاهما كما لو ملك هذا غرة المحرم وهذا غرة صفر وخلطا غرة شهر ربيع الأول، فينبغي على القولين عند اتفاق الحول، فعلى الجديد: إذا جاء المحرم فعلى الأول شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني شاة، وعلى القديم: إذا جاء المحرم فعلى الأول نصف شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني نصف شاة ثم في سائر الأحوال يتفق القولان على ثبوت حكم الخلطة فيكون على الأول عند غرة كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند غرة كل صفر نصف شاة، وذهب بعض الأصحاب إلى أن حكم الخلطة لا يثبت في سائر الأحوال أيضاً، ويزكيان أبداً زكاة الانْفِراد واتَّفق حملة المذهب على ضعف هذا الوجه.
وقالوا: بأن الخلطة في سائر الأحوال حاصلة في جميع الحول فيثبت حكمها كما لو اتفق الحول ولا شك في بعد هذا الوجه لو سلم صاحبه ثبوت القول القديم في الحول الأول وامتنع من طرده في سائر الأحوال، لكنه لو طرد القولين في سائر الأحوال وكان ما ذكرَ من عدم ثبوت الخلطة تفريعاً على الجديد لم يكن بعيداً، ويجوز أن يوجه بأن حول الثاني غير تام عند تمام الحول الأول، وحكم الانفراد مستمر عليه فيلزم انعقاد الحول الثاني للأول على حكم الانفراد، وإذا انعقد الحول على الانفراد يستمر حكمه كما في الحول الأول ثم إذا تم حول الثاني فلصاحبه حكم الانفراد فينعقد حوله الثاني على الانفراد أيضاً، وهكذا أبداً وسواء قوي هذا أو ضعف، فمن صار إليه جعل اتفاق أوائل الأحوال من شرائط ثبوت الخلطة، ولذلك أدرج حجة الإسلام هذه المسألة في الشرائط المختلف فيها، ونسب المعظم هذا الوجه إلى تخريج ابن سريج، وعلى ذلك جرى في الكتاب فقال: وخرج ابن سريج أن الخلطة لا تثبت أبداً، ولم يصحح ذلك على ابن سريج المحاملي، وذكر أن أبا إسحاق حكى في الشرع عن ابن سريج مثل هذا المذهب، وأضاف الوجه المذكور إلى غيره من الأصحاب فإن كان المراد أنه غير ثابت عنه فيجوز أن يعلم قوله: "وخرج ابن سريج" بالواو، ويجوز أن يقال: "خرجه ولم يذهب إليه" جمعاً بين الروايتين، ويجوز إعلام قوله: "لا تثبت أبداً" بالميم والألف؛ لأن عندهما تثبت الخلطة في سائر الأحوال، وإنما يختلفان في الحول الأول اختلاف القديم والجديد ولا يخفى موضع رقمهما في الصورة الأولى.
= وفيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى، واختار صاح "البيان" في كتابه "مشكلات المذهب" أنه ثلاثة أيام.
والمراد التقريب، وقد اتفقوا على أنه لا جريان للقديم إذا لم يبق من الحول إلا يومان أو يمان، ونحو ذلك.
ينظر الروضة (2/ 34).
الجزء: 2 - الصفحة: 513
والحالة الثانية: أن ينعقد الحول على الانفراد في حتى أحدهما دون الآخر كما لو ملك أحدهما أربعين غرة المحرم، وملك الثَّاني أربعين غرة صفر كما لو ملك خلطاً أو خلط أول أربعينه غرة صفر بأربعين لغيره ثم باع الثاني أربعينه من ثالث، فإن الأول يثبت له حكم الانفراد شهراً، والثاني لم يثبت له حكم الانفراد أصلاً، فيبنى الحكم هاهنا على الحكم في الحالة الأولى، فإذا جاء المحرم فعلى الأول شاة في الجديد ونصف شاة في القديم.
وأما الثّاني فإذا جاء صفر فعليه نصف شاة في القدم، وفي الجديد وجهان:
أحدهما: شاة؛ لأن الأول لم يرتفق بخلطته فلا يرتفق هو بخلطة الأول أيضاً.
وأظهرهما: نصف شاة؛ لأنه كان خليطاً في جميع الحَوْل وأمَّا في سائر الأحوال فيثبت حكم الخلطة على الظاهر، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج لا يثبت وفرَّعوا على هذه الاختلافات صوراً: منها: لو ملك الرجل أربعين غرة المحرم، ثم أربعين غرة صفر، فإذا جاء المحرم فعلى الجديد يلزمه للأربعين الأولى شاة، وإذا جاء صفر يلزمه للأربعين الثانية نصف شاة أو شاة فيه وجهان:
أصحهما: أولهما.
وعلى القديم إذا جاء المحرم لزمه للأربعين الأولى نصف شاة؛ لأنه كان خليطاً لمكله في آخر الحول، فإذا جاء صفر لزمه للأربعين الثّانية نصف شاة في سائر الأحول يتفق القولان، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في الأربعين الأولى شاة عند تمام حولها، وفي الثانية شاة عند تمام حولها، وهكذا أبداً ما لم ينقص النصاب وكما يمتنع حكم الخلطة في ملك الشَّخصين عند اختلاف التَّأريخ كذلك يمتنع في ملكي الواحد.
ومنها: لو ملك الرجل أربعين غرة المحرم ثم أربعين غرة صفر ثم أربعين غرة شهر ربيع الأول فعلى القديم: يجب في كل أربعين عند إتمام حولها ثلث شاة.
وعلى الجديد: يجب في الأولى عند تمام حولها شاة، وفيما يجب في الثانية عند تمام حولها وجهان: أحدهما: شاة لأن الأربعين الأولى لم يلحقها تخفيف بالثَّانية فلا يلحق الثَّانية تخفيف بها.
وأصحهما: نصف شاة؛ لأنها كانت خليطة أربعين في جميع حولها وفي الأربعين الثَّالثة عند تمام حولها وجهان أيضاً:
أصحهما: ثلث شاة لكونها خليطة ثمانين.
والثاني: شاة وفي سائر الأحوال يتفق القولان وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج يجب في كل أربعين عند رأس حولها شاة أبداً.
ومنها: لو ملك رجل أربعين غرة
الجزء: 2 - الصفحة: 514
المحرم وملك آخر عشرين غرة صفر وكما ملك خلطا فإذا جاء المحرم وجب على الأول شاة في الجديد وثلثا شاة في القديم تغليباً للخلطة، وإذا جاء صفر وجب على الثَّاني ثلث شاة على القولين جميعاً؛ لأنه كان مخالطاً في جميع حوله، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سُريج يجب على صاحب الأَرْبَعِين شاة أبداً ولا شيء على صاحب العشرين ولا تثبت الخلطة لاختلاف التَّاريخ.
واعلم: أن الاختلاط مع من لا زكاة عليه الانفراد حتى لو كان بين مسلم وذمي ثمانون شاة ملكاها أول المحرم ثم أْسلم الذِّمي غرة صفر كان المسلم بمثابة ما إذا انفرد بماله شهراً ثم طرأت الخلطة، وجميع ما ذكرنا في الحالتين مفروض فيما إذا طرأت خلطة الجوار، أما إذا طرأت خلطة الشُّيوع كما إذا ملك أربعين شاة وأقامت في يدة ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعاً، فهل ينقطع حول البائع في الباقي؟ جعله ابن خَيْرَان على قولين مبنيين على القولين فيما إذا انعقد حولهما على الانفراد ثم خلطا.
إن قلنا: يزكيان زكاة الخلطة لم ينقطع الحول هاهنا.
وإن قلنا: يزكيان زكاة الانفراد، ولا يبني حول الخلطة على حول الانفراد إذا انقطع الحول لنقصان النصاب والذي قطع به الجمهور رواه المزنيّ والرَّبيع عن نصه أن الحَوْل لا ينقطع لاستمرار النصاب إما بصفة الانفراد أو بصفة الاشتراك فعلى هذا إذا مضت ستّة أشهر من يوم الشّراء فعلى البائع نصف شاة لإتمام حوله، وأما المشتري فينظر إن أخرج البائع واجبه وهو نصف شاة من المال المشترك فلا شيء عليه لنقصان المجموع عن النصاب قبل تمام حوله، وإن أخرج من غيره فيبنى على أن الوكاة تتعلق بالعَيْن أو بالذمة.
إن قلنا: تتعلق بالذّمة فعليه أيضاً نصف شاة عند تمام حوله.
وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن ففي انقطاع حول المشتري قولان:
أصحهما عند العراقيين: الانقطاع ومأخذ القولين أن إخراج الواجب من موضع آخر يمغ زوال الملك عن قدر الزكاة أو يفيد عوده بعد الزوال، ولو ملك ثمانين شاة فباع نصفها مشاعاً في أثناء الحَوْل لم ينقطع حول البائع عن النصف الباقي قطعاً، وفيما يجب عليه عند تمام حوله وجهان:
أحدهما: شاة؛ لأنه كان منفرداً بنصاب في بعض الحول فغلب حكم الانفراد.
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": نصف شاة؛ لأن الحول انعقد على ثمانين والنصف الذي بقي له آخراً كان مختلطاً بأربعين في جميع الحَوْل، ولو ملك أربعين وباع نصفها معينًا نظر إن ميَّزها قبل البيع أو بعده وأقبضها فقد زالت الخلطة إن أكثر زمان التفريق، فإذا خلطا يستأنف الحول، وإن كان زمان التفريق يسيراً ففي انقطاع الحول وجهان: أوفقهما لكلام الأكثرين: الانقطاع ولو لم يميز لكن أقبض البائع المشتري جميع الأربعين لِتَصير العشرون مقبوضة فالحكم كما لو باع النصف مشاعاً، فلا ينقطع
الجزء: 2 - الصفحة: 515
حول الباقي على الصحيح، وفيه وجه: أنه ينقطع الانفراد بالبَيْع، والطارئ في صورة بيع النصف على التَّعيين خلطة الجوار، وإن أوردناه في هذا الموضع ولو أنا رجلين لهذا أربعون ولهذا أربعون فباع أحدهما جميعها بجميع ما لصاحبه في خلال الحول انقطع حولاهما واستأنفا من يوم المبايعة، ولو باع أحدهما النصف الشائع من أغنامه بالنصف الشائع من أغنام صاحبه والأربعينان متميزان فحكم الحول فيما بقي لكل واحد منها من أربعينه كالحكم فيما إذا كان للرجل أربعون فباع نصفها شائعاً، والصحيح أنه لا ينقطع فإذا تم حول ما بقي لكل واحد منهما فهذا مال ثبت له الانفراد أولاً، والخلطة في آخر الحَوْل ففيه القولان السَّابقان:
القديم: أنه يجب على كل واحد ربع شاة؛ لأنه خليط ثمانين حال الوجوب وحصة العشرين ربع.
والجديد: أنه يجب على كل واحد منهما نصف شاة؛ لأنه كان منفرداً بأربعينه وحصة العشرين منهما النصف وإذا مضى حَوْلٌ من وقت التَّبَايع فعلى كل واحد منهما للقدر الذي ابتاعه ربع شاة على القديم.
وفي الجديد وجهان:
أصحهما: ربع شاة أيضاً؛ لأنه كان مختلطاً من حين ملك إلى آخر الحول.
والثاني: نصف شاة؛ لأنه لما لم يرتفق البَاقي لكل واحد منهما بالحَادث لم يرتفق الحادث بالباقي أيضاً.
القسم الثاني: أن يطرأ الانفراد على الخلطة فيزكي من بلغ ماله نصاباً زكاة الانفراد من وقت الملك كما سبق، ولو كان بينهما أربعون مختلطة فخالطهما رجل بعشرين في أثناء حولهما ثم ميّز أحد الأوليين ماله قبل تمام الحول فلا شيء عليه عند تمامه ويجب على الآخر نصف شاة، وكذا على الثَّالث عند تمام حوله نصف شاة.
والوجه المنسوب إلى ابن سريج ينازع فيه.
ولو كان بينهما ثمانون مشتركة فاقتسما بعد ستّة أشهر.
فإن قلنا: القسمة إفراز حق فعلى كل واحد عند تمام الحول شاة، كما لو ميزا في خلطة الجوار.
وإن قلنا: بيع، فيجب على كل واحد عند تمام باقي الحول نصف شاة ثم إذا مضى حول من وقت القسمة فعلى كل واحد منهما نصف شاة لما تجدد ملكه عليه، وهكذا في كل ستة أشهر كما لو كان بينهما أربعون شاة فاشترى أحدهما نصف الآخر بعد مضي ستة أشهر يجب عليه عند مضي كل ستة أشهر نصف شاة والله أعلم.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الرَّابعُ: فِي اجْتِمَاعِ المُخْتَلِطِ وَالمُنْفَرِدِ في مِلْكٍ وَاحِدٍ،
فَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغيْرِهِ وَهُوَ يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَقَوْلان: أَحَدَهُمَا: أَنَّ الخُلْطَةَ خلُطَةُ مِلْكٍ فكَأَنَّهُ خَلَطَ السِّتِّينَ بِالعِشْرِينَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ خُلْطَةُ عَيْنٍ فلاَ يَتَعَدَّى حُكْمُهَا إِلَى
الجزء: 2 - الصفحة: 516
غَيرِ المَخْلُوطِ، فَإِنْ قُلْنَا بخُلطَةِ العَينِ فَعَلَى صَاحِبِ العِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِخُلْطَةِ المِلْكِ فَعَلَيْهِ رُبْعُ شَاةٍ وَكَأنَّهُ خَلَطَ السِّتِّينَ، وَأَمَّا صَاحِبُ السِّتِّينَ فَقَدْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ شَاةٌ تَغْلِيبًا لِلانْفِرَادِ، وَقِيلَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ تَغْلِيباً لِلْخُلْطَةِ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَنِصْفُ سُدُسِ جَمْعاً بَيْنَ الاعْتِبَارَيْنِ فَيُقَدَّرُ فِي الأَرْبَعِينَ كَأَنهُ مُنْفَرِدٌ بِجَمِيعِ السِّتِّينَ فَيَخُصَّ الأَرْبَعِينَ ثُلُثَا شَاةٍ، وَيُقَدِّرُ فِي العِشْرِينَ كَأنَّهُ مخَالِطٌ بِالجَمِيعِ فَيَخُصُّ العِشْرِينَ رُبُعُ شَاةٍ وَالمَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ لِغَيْرِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ يَنْفَرِدُ بِهِ فَالأَوْجهُ الثَّلاثَةُ جَارِيَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ.
قال الرافعي: هذا الفَصْل والَّذي بعده ذوا غور لالتفاف ما فيهما من الاختلاف فتشمّر للفهم.
واعلم: أنه إذا اجتمع في ملك الواحد ماشية مختلطة وماشية منفردة من جنسها كما لو خلط عشرين شاة بعشرين لغيره خلطة جوار أو خلطة شركه وله أربعون منفرد بها، فكيف يؤديان الزكاة؟ فيه قولان:
أصلهما: أن الخلطة خلطة ملك أو خلطة عين وفيه قولان:
أصحهما: وعليه فرع في "المختصر"، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحاق والأكثرين: أن الخلطة خلطة ملك أي كل ما في ملكه يثبت فيه حكم الخلطة، ووجهه أن الخلطة تجعل مال الاثنين كمال الواحد ومال الواحد يضم بعضه إلى بعض، وإن كان في مواضع متفرقة فعلى هذا في الصورة المذكورة يجعل كأن صاحب الستين خلط جميع ستينه بعشرين لصاحبه، فيلزمهما شاة ثلاثة أرباعها على صاحب الستين وربعها على صاحب العشرين.
والثاني: أن الخلطة خلطة عين أي: يقتصر حكمها على قدر المخلوط، ووجه أن علّة ثبوت الخلطة خفة المُؤْنة في المرافق لاجتماع الماشية في المكان الواحد، وهذا المعنى لا يوجد إلا في القدر المختلط واستفيد هذا القول من نصه في رواية الربيع: إن الرجل إذا كان له ثمانون من الغنم ببلدين أربعون بكل واحد منهما، فباع نصف أحدهما شائعاً من رجل، فإذا تم حول البائع فعليه شاة، وإذا تم حول المشتري فعليه نصف شاة.
قال أبو بكر الفارسي: لولا أنه لم يحكم بالخلّطة إلا في القدر المُخْتَلط لكان على صاحب السِّتِّين ثلاثة أرباع شاة وعلى صاحب العشرين ربعها عند تمام حولها، وهكذا يكون الجواب إذا فرعنا على أن الخلطة خلطة ملك وإذا قلنا بالقول الثاني ففي الصورة المذكورة أولاً يجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف؛ لأن جميع ماله خليط عشرين وفي أربعين شاة فخصّه العشرين نصفها.
وما الذي يجب على صاحب الستين؟ فيه خمسة أوجه: ذكر الثلاثة الأولى منها في الكتاب:
الجزء: 2 - الصفحة: 517
أصحهما: وهو اختيار الأَوَدِنيِّ والقَفَّال: أنه يلزمه شاة؛ لأنه اجتمع في ماله الاخْتِلاطَ والانْفِرَاد فيغلب حكم الانْفراد، كما لو انفرد بالمال في بعض الحول ثم خلط، وإذا غلبنا حكم الانفراد صار كأنه منفرد بجميع السّتين وفيها شاة وهذا الوجه هو الذي نص عليه في المسألة التي حكيناها عن رواية الرَّبيع.
والثاني: ذكره ابن أبي هريرة وأبو علي الطَّبري فيما حكاه صاحب "الشَّامل": أنه يلزمه ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جميع ماله ستون وبعضهم مختلط حقيقة، فلا بد من إثبات حكم الخلطة فيه وإذا أثبتنا حكم الخلطة فيه وجب إثباته في الباقي؛ لأن ملك الواحد لا يتبعض حكمه فيجعل كأنه خلط جميع السِّتين بالعشرين، وواجبنا شاة حصّة السّتين منها ثلاثة أرباع، وهذا معنى قوله في الكتاب: "تغليباً للخلطة"، وهذا الوجه يشبه القول القديم في تغليب الخلطة إذا انفرد في بعض الحول ثم خلط، هو والأول متفقان على أنه لا يمكن أن يحكم لمالي صاحب الستين بحكمين مختلفين الخلطة والانفراد، ثم صاحب الوجه الأول يقول: تغليب الانفراد أولى، وصاحب الثاني يقول: الخلطة أولى، وأما أصحاب الوجوه الآتية فيجوزون الحكم في مالي المالك الواحد بحكمين مختلفين ويحتجون عليه بما لو ملك زرعين سقى أحدهما بالنَّضح، وسقى الثاني بماء السماء، فإنه يجب في هذا العشر وفي ذاك نصف العشر، ويضم البعض إلى البعض في استكمال النّصاب.
والوجه الثالث: وهو اختيار أبي زيد والخضري: أن عليه خمس أسْدَاس شاة ونصف سدس جميعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد، وذلك لأن جميع ماله ستون بعضة مختلط وبعضه منفرد، ولا بد من ضم أحدهما إلى الآخر، وإن حكمنا لهما بحكمين مختلفين فنوجب في الأربعين المنفردة حصتها من الواجب لو انفرد بالكل، وذلك شاة حصة الأربعين منها ثلثا شاة، ونوجب في العشرين المختلطة حصتها من الواجب لو خلط الكل وهي ربع شاة؛ لأن الكلَّ ثمانون وواجب ثمانين شاة فحصة عشرين منها ربع شاة والثُّلثان والربع خمسة أسداس ونصف سدس.
والوجه الرابع: ويحكى عن ابن سريج واختيار صاحب "التقريب": أن عليه شاة وسدس شاة من ذلك نصف شاة في العشرين المختلطة، كما أَنَّها واجب خليطة في عشرينة المختلطة، فلا يتعدى حكم الخلطة عن الأربعين وثلثا شاة في الأربعين المنفردة، فإنه حصة الأربعين لو انفرد بجميع ماله.
والوجه الخامس: أن عليه شاة ونصف شَاةٍ في الأربعين المنفردة ونصف شاة في العشرين المختلطة كما لو كان المالان لمالكين، وهذا أضعف الوجوه؛ لأن فيه أفراد ملك الواحد بعضه عن بعض مع اتحاد الجنس وإيجاب شاة ونصف شاة في الستين ولو
الجزء: 2 - الصفحة: 518
خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل واحد منهما أربعون منفرد بها فقد اجتمع في ملك كل واحد منهما المختلط والمنفرد ففيما يجب عليهما القولان؟ إن قلنا: الخلطة خلطة ملك فعليهما شاة على كل واحد نصفها؛ لأن جميع المال مائة وعشرون وفيها شاة،
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين ففيما على كل واحد منهما الأوجه الخمسة لكن قد يختلف المقدار في بعض الوجوه:
أصحها: أنَّ على كل واحد منهما شاة تغليباً للانفراد.
وثانيها: أنَّ على كل واحد منهما ثلاثة أرباع شاة؛ لأن كل واحد منهما يملك ستِّين منها ما هو خليط عشرين فيغلب حكم الخلطة في الكلِّ فيكون لكل ثمانون حصّة ستين منها ثلاثة أرباع هكذا ذكر في "التهذيب"، ولفظ الكتاب يوافقه حيث قال: فالأوجه الثلاثة جارية في حث كل واحد، لكن الشيخ أبا علي وإمام الحرمين قالا: إذا غلبنا حكم الخلطة يجب على كل واحد منهما في هذه الصورة نصف شاة بخلاف الصورة الأولى، يجب فيها على صاحب الستين ثلاثة أرباع؛ لأن ثم إذا قدرنا الاختلاط في جميع المالين يكون المبلغ ثمانين والستون ثلاثة أرباعها، وهاهنا إذا غلبنا الخلطة وأثبتناها في الكلّ يكون المبلغ مائة وعشرين فواجبها شاة حصة كل واحد نصفها، ولمن قال بالأول أن يقول: إنما ثبت حكم المختلط في المنفرد برابطة اتِّحاد المالك، وذلك يقتضي أَنْ يدخل في الحساب على كل واحد منهما ما ينفرد به كل واحد منهما واحد، ثم على ما ذكره الشيخ يكون الواجب عليهما جميعاً شاة واحدة، وجملة المال مائة وعشرون والواجب عليهما في الصورة الأولى شاة وربع مع أن جملة المال ثمانون فكيف يزداد المال وينقص الواجب مع وجود الخلطة في الحالتين.
وئالثها: أن على كل واحد منهما خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد فيقدر كل واحد منهما منفرداً بالستين، ولو كان كذلك لكان فيها شاة فحصّة الأربعين فيها ثلثا شاة، ثم يقدر أنه خلط جميع الستين بالعشرين وذلك ثمانون، وفيها شاة فحصة العشرين منها ربع شاة، فالمجموع خمسة أسداس ونصف السدس، هكذا ذكر الشيخ أبو علي والإمام وهو الموافق للفظ الكتاب.
وأورد في "التهذيب" أن على كل واحد منهما على هذا الوجه خمسة أسداس شاة بلا زيادة توجب في العشرين بحساب ما لو كان جميع المالين مختلطاً؟ وذلك مائة وعشرون وواجبها شاة، فحصّة العشرين سدس شاة ويجب في الأربعين ثلثا شاة كما سبق فالمبلغ خمسة أسداس.
واعلم: أن هذا التّوجيه مثل ما ذكره الشيخ والإمام في الوجه الثاني، وما ذكرناه في هذا الوجه مثل ما ذكره في "التهذيب" في الوجه الثاني، ولم يستمر واحد من الكلامين على طريقة متّحدة والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 519
ورابعها: أن على كل واحد منهما شاة وسدس شاة، نصف شاة في العشرين المختلطة قصراً لحكم الخلطة على الأربعين، وثلثا شاة في الأربعين المنفردة على ما سبق.
وخامسها: أنَّ على كل واحد منهما شاة ونصف شاة للأربعين المنفردة ونصف شاة للعشرين المختلطة، هذا شرح المسألتين المذكورتين في الكتاب، ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فلو خلط عشرين بعشرين لغيره وهو يملك أربعين ببلدة أخرى"، فقد يخطر ببالك في هذا الموضوع بحثان:
أحدهما: أنه لم قال: ببلدة أخرى، وما الحكم لو كان بتلك البلدة؛ فاعلم أن أبا نصر صاحب "الشامل" -رحمه الله- صرح بنفي الفرق بين أن يكون الأربعون المنفردة في بلد المال المختلطة أو في بلد أخرى ولا شبهة في أنّ الأمر على ما ذكر، وكأن تعرض الأصحاب لكون الأربعين في بلدة أخرى اتِّباع للفظة الشَّافعي -رضي الله عنه- فإنه هكذا صور المسألة في "المختصر".
لكن من يورد القولين لا يحسن منه ذكره في صورة المسألة حسنه في "المختصر"؛ لأنه أجاب فيه على أن الخلطة خلطة ملك، والفرض فيما إذا كان ماله المنفرد في بلدة أخرى يفيد غرض المبالغة؛ لأنه إذا اتَّحد الحكم وبعض المال في بلدة أخرى، فلأنه يتّحد والكل في بلدة واحدة كان أَوْلَى.
والثَّانِي: أن التَّصوير فيما إذا اتفق حول صاحب الستين وصاحب العشرين أم فيما إذا اختلف حولاهما أم لا فرق؟ والجواب: أنه لا فرق في إثبات القولين ثم إن اختلف الحَوْلان زاد النَّظر في التَّفاصيل المذكورة في الفَصْلِ قبل هذا.
وذكر القاضي ابن كج: أن الخلاف فيما إذا اختلف حولاهما فأمَّا إذا اتَّفقا فلا خلاف في أن عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين والباقي على صاحب الستين؟ وهذا يرخص في إعلام قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو والمشهور الأول.
وقوله: "فإن قلنا بخلطة العين ... " إلى آخره في نظم الكتاب خلط في تفريع أحد القولين بالآخر ولم ينص على ما يجب على صاحب الستين على قولنا: الخلطة خلطة ملك.
وقوله عقيب التفريع على هذا القول: "وأما صاحب الستين" يرجع إلى أول الكلام وهو التفريع على خلطة العين فاعرف ذلك، وكان الأحسن به أن يقول: فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب العشرين ربع شاة، وإن قلنا بخلطة العين فعليه نصف شاة، وأمَّا صاحب الستين ... إلى آخره حتى لا يدخل الكلام من قول في قول، ويجوز أن يعلَّم قوله: "يلزمه شاة" بالواو، وكذا الحكم المذكور في الوجهين بعده إشعاراً بأن في المسألة وراء هذه الوجوه خلافاً آخر.
وقوله: الصورة الثانية فالأوجه الثلاثة جارية أي على دول خلطة العين، وأما على
الجزء: 2 - الصفحة: 520
قول خلطة الملك فالحكم ما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: "جارية" بالواو لما حكينا من الاضْطراب في الوجه الثَّاني والثَّالث والله أعلم.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الخَامِسُ فِي تَعَدُّدِ الخَلِيطِ،
فَإذَا مَلَكَ أَرْبَعِينَ وَخَلَطَ عِشْرينَ بِعِشْرِينَ لِرَجُلٍ وَعِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِآخَرٍ فِإِن قُلْنَا بِخُلْطَةِ المِلْكِ فَعَلَى صَاحِبِ الأَرْبَعِينَ نِصْفُ شَاةٍ فِإنَّ الكُلَّ ثَمَانُونَ وَصَاحِبُ العِشْرِينَ يَضُمُّ مَالَهُ إِلَى خَلِيطِهِ، وَهَلْ يَضُمَّ إِلَى خَلِيطِ خَلِيطِهِ؟ فَوَجْهَانِ، فَإنْ ضَمَّ فَوَاجِبُهُ رُبعُ شَاةٍ وإِلاَّ فَوَاجِبُهُ ثُلُثُ شَاةٍ لِأَنَّ المَجْمُوعَ سِتُّونَ، وَإِنْ قُلْنَا بِخُلْطَةِ العَيْنِ فَعَلَى صاحِبِ العِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ، وَفِي صاحِب الأَرْبَعِينَ الوُجُوهُ الثَّلاثةُ وَهُوَ شَاةٌ لِتَغْلِيبِ الانْفِرَادِ، أَوْ نِصْفُهَا لِتَغْلِيبِ الاْخْتِلاَطِ، أَو ثُلُثَا شَاةٍ لِلْجَمِيعِ بَينَ الاعْتِبَارَيْنِ.
قال الرافعي: كلام هذا الفصل مبني على قولي: خلطة المِلْك والعَيْن أيضاً، وخاصيته أن الواحد إذا خالط ببعض ماله واحداً وببعضه آخر ولم يخالط أحد خليطة الآخر، وما ترجم الفصل به لا يفصح عن هذه الخاصيّة، لكنها هي المقصودة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان للرجل أربعون من الغنم فخلط عشرين منها بعشرين لرجل لا يملك سواها، والعشرين الباقية بعشرين لآخر لا يملك سواها، فإن قلنا: الخلطة خلطة الملك فعلى صاحب الأَرْبَعِين نصف شاة؛ لأنه خليط لهما ومبلغ الأموال ثمانون وواجبها شاة فحصة الأربعين نصفها، وأمَّا كل واحد من صاحبي العشرين فماله مَضمُوم إلى جميع مال صاحب الأربعين، وهل يضم إلى مال الآخر؟ أيضاً فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لينضم الكلّ في حقهما كما انضم في حق صاحب الأربعين.
والثاني: لا؛ لأن كل واحد منهما لم يخالط بماله الآخر أصلاً بخلاف صاحب الأربعين، فإنه خالط كل واحد منهما ببعض ماله فلذلك ضم الكل في حقه، وهذا أصح عند الشيخ أبي علي، والأول اختيار صاحب "التقريب"، وبه أجاب أصحابنا العراقيين.
وإن قلنا بالوجه الثاني، فعلى كل واحد منهما ثلث شاة؛ لأن مبلغ ماله ومال خليطه ستون، وواجبها شاة حصّة العشرين منها ثلث، وإن قلنا بالأول فعلى كل واحد منهما ربع شاة؛ لأن المجموع ثمانون حصّة العشرين منها ربع وإن قلنا: الخلطة خلطة عين فعلى كل واحد من صاحبي العشرين نصف شاة؛ لأن مبلغ ماله وما خالط ماله أربعون، وله نصفها وأما صاحب الأربعين فيجيء فيه الوجوه المذكورة في الفصل الأول في حق صاحب الستين.
الجزء: 2 - الصفحة: 521
أحدهما: أن عليه شاة تغليباً للانفراد، هذا لفظ صاحب الكتاب والأئمة ولم يريدوا به حقيقة الانفراد، فإنه غير منفرد بشيء من ماله، لكن قالوا: ما لم يخالط به زيداً فهو منفرد عنه، ولا فرق بالإضافة إليه بين أن يكون مخلوطاً بمال غيره، وبين أنْ لا يكون مخلوطا أصلاً، وإذا كان كذلك فيعطى له حكم الانفراد، ويغلب حتى يصير كالمنفرد بالباقي أيضاً، وكذا بالإضَافَة إلى الخليط الثَّاني وكأنه لم يخالط أحدًا، وعلى الوجه الثَّاني يلزمه نصف شاة تغليباً للخلطة فإنه لا بد من إثبات حكمها فيما وجدت، ولا بد من ضمّ ملكية أحدهما إلى الآخر للاجتماع في الملك فكل المال ثمانون وكأنه خلط أربعين بأربعين.
قال في "النهاية": وهذا الوجه أصح هاهنا، وعلى الوجه الثالث: يلزم ثلثا شاة جمعاً بين اعتبار الخلطة والانفراد، وذلك بأن نقول: لو كان جميع ملكه مضموماً إلى ملك زيد لكان المبلغ ستين، وواجبها شاة حصة العشرين منها الثلث، وهكذا نفرض في حق الثاني فيجتمع عليه ثلثان، وعلى الوجه الرابع وهو أن ثمَّة يجب شاة وسدس فهاهنا يجب شاة مثل ما ذكرنا في الوجه الأول؛ لأنا نوجب في العشرين المختلطة بمال زيد نصف شاة، وكذا في العشرين المختلطة بمال عمرو فيجتمع عليه شاة، وهكذا يكون قياس الوجه الخامس هاهنا فالحاصل في المسألة ثلاثة أوجه على ما ذكر في الكتاب لا غير.
ونختم الباب بذكر صور أخرى مما يتفرَّع على القولين:
إحداها: ملك ستين من الغنم وخالط بكل عشرين منها عشرين لرجل، فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الستين نصف شاة، وفي أصحاب العشرينات وجهان إنْ ضَمَمْنا مال بعضهم إلى بعض كما نضمّ مال صاحب الستين إلى مال كل واحد منهم فعلى كلِّ واحد منهم سدس شاة وإلاَّ فعليه ربع شاة، وإن قلنا بخلطة العَيْن فعلى كل واحد من أصحاب العشرينات نصف شاة، وفي صاحب الستين الوجوه على الأول يلزمه شاة.
وعلى الثاني نصف شاة، وعلى الثالث: ثلاثة أرباع شاة؛ لأن كل ماله لو كان مع زيد كان المبلغ ثمانين حصة العشرين المختلطة منها ربع، وهكذا يقدر بالإضافة إلى عمرو وبكر فيجتمع ثلاثة أرباع.
وعلى الرابع: شاة ونصف في كل عشرين نصف شاة كما يجب ذلك على كل خليط.
الثانية: ملك خمساً وعشرين من الإبل فخالط بكل خمس منها خمساً لرجل، إن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الخمس والعشرين نصف حِقَّة؛ لأن الكُلّ خمسون وفيما على كل واحد من خلطائه وجهان:
أحدهما: عشر حقَّة.
الجزء: 2 - الصفحة: 522
والثاني: سدس بنات مخاض كأنه خلط خمساً بخمس وعشرين لا غير.
وإن قلنا بخلطه العَيْن فعلى كل واحد من خلطائه شاة، وفي صاحب الخمس والعشرين الوجوه المتقدم على الأول عليه بنت مَخَاض وعلى الثاني نصف حقَّة، وعلى الثَّالث خمسة أسداس بنت مخَاض؛ لأن جميع ماله لو كان مختلطاً بالخمس التي هي لزيد، مثلاً: كان المبلغ ثلاثين وفيها بنت مَخَاض حصّة الخمس سدسها، وهكذا نقدِّر في حق سائر الخُلَطَاء فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرَّابع خمس شياة في كل خمس شاه كما في حق خلطائه.
الثّالثة: له عشر من الإبل خلط خمساً منها بخمس عشرة لرجل، وخمسة بخمس عشرة لآخر، إن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب العشر ربع بنت لَبُون؛ لأن الكلَّ أربعون، وفيما على صاحبيه وجهان إن ضممنا مال أحدهما مع صاحب العشر إلى الآخر فعلى كل واحد ثلاثة أثمان بنت لَبُون؛ لأن خمسة عشر ثلاثة أثمان أربعين وإنْ لم نضمه إلاَّ إلى مال صاحب العشرة فعلى كل واحد ثلاثة أخماس بنت مَخَاض؛ لأن الكل خمس وعشرون، وإن قلنا بخلطة العين فعلى كل واحد من الخليطين ثلاث شياه؛ لأنه خالط خمس عشرة بخمس، وحكم الخلطة لا يتعدّى المخلوط على هذا القول، وفيما يلزم صاحب العشر الوجوه على الأول يلزمه شاتان كأنه منفرد بالعشر، وعلى الثاني ربع بنت لَبُون كأنه خلط عشراً بثلاثين، وعلى الثالث خمسَا بنت مخاض، إذ لو خلط كل العشر بمال زيد لكان فيها بنت مَخَاض، وحصّة الخمس خمس بنت مخاض.
وهكذا نقدر في حقِّ الآخر فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرابع يلزمه شاتان كما ذكرنا في الوجه الأول كما لو كانت الخمستان لشخصين فتعود الأوجه إلى ثلاثة في هذه الصورة، وهذه الصورة من "مولدات" ابن الحَدَّاد، وجوابه فيها أن على صاحب العشر ربع بنت لَبُون، وعلى كل واحد من خليطيه ثلاث شياه وغلطه أبو زيد والخضري وغيرهما، فقالوا: إيجاب ربع بنت اللبون على صاحب العشر جواب على قول: خلطة الملك وإيجاب الشياه عليهما جواب على قول: خلطة العين، ولا يصح أن يفرع الجواب في حق البعض على قول، وفي حق البعض على قول آخر، وصوبه القفال وقال: كلاهما صحيح تفريعاً على قول خلطة العين، أما إيجاب الشَّاة عليها فظاهر، وأمَّا إيْجَاب ربع بنت اللَّبون فهو جرى منه على الوجه الثَّاني من الوُجُوه المذكورة على هذا القول؟ وعليه بني مسائل في "المولدات" ولعل تغليط الشيخين أبي زيد والخضري مبني على أنهما يذهبان إلى الوجه الثَّالث كما شق، وتابع الشَّيخ أبو علي القَفَّال في "التصويب".
الجزء: 2 - الصفحة: 523
الرابعة: [إن] 68 أردت أن تفرع صورة على هذه الاختلافات من عند نفسك فقدر أن لكل عشرين من الإبل خلطت كل خمس منها بخمس وأربعين لرجل، واعرف أنا إن قلنا بخلطة الملك فعليك الأَغْبَط من نصف بنت لبون أو خمس حقة على الصَّحيح، وذلك لأنا قد قدمنا أنَّ الإبل إذا بلغت مائتين، فالصَّحيح أَنَّ واجبها الأَغْبَط من خمس بنات لبون أو أربع حقاق، وجملة أموال خلطائك مع مالك مائتين، فإن كان الأغبط خمس بنات لبون فحصّة عشرين منها نصف بنت لبون، وإن كان الأغبط أربع حقاق فحصَّة العشرين منها خمسا حقة، وفيما يجب على خلطائك وجهان إن ضممنا مع ضم مالك إلى مال كل واحد منهم مع ضم مال بعضهم إلى بعض، فعلى كل واحد منهم تسعة أثمان بنت لبون، وهي بنت لبون وثمن أو تسعة أعشار حقة، وإن لم يضم إلى مال كل واحد منهم إلا مالك فعلى كل واحد منهم تسعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة، لأن جملة المال خمس وستون وواجبها جذعة، فحصّة خمس وأربعين منهما ما ذكرنا، وإن قلنا بخلطة العَيْن فعلى كل واحد من خلطائك تسعة أعشار حقة؛ لأن المبلغ خمسون، وفيما يلزمك الوجوه على الأول يلزمك أربع شياه كأنك منفرد بالعشرين، وعلى الثّاني يلزمك الأغبط من نصف بنت لبون أو خمس حقة كأنك خلطت العشرين بمائة وثمانين، وعلى الثالث يلزمك أربعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة إذ لو خلطت جميع مالك إلى مال زيد من خلطائك لبلغ المجموع خمسماً وستين، وفيها جذعة حصة خمس منها جزء من ثلاثة عشر جزءاً من جذعة، وهكذا تقدر في حق الثلاثة الباقيين، فيجتمع ما ذكرنا، وعلى الرابع يلزمك أربع شياه كما في الوجه الأول كما لو كانت خمس لرجل، وهذه المسائل كلها مفروضة فيما إذا اتفقت أوائل الأحوال، فإن احنتلفت انضم إلى هذه الاختلافات ما سبق من الخلاف عند اختلاف الحول.
مثاله في الصورة الأخيرة: لو اختلف حَوْل خلطائك وحولك فتزكى، وهم في السّنة الأولى زكاة الانْفراد، وهي الشياه كل عند تمام حوله، وفي سائر السّنين كل يؤدي زكاة الخلطة، هذا هو الصحيح وفي القديم الواجب في السّنة الأولى أيضاً زكاة الخلطة، وعلى الوجه المنسوب إلى ابن سريج لا تثبت الخلطة أصلاً.
فرع: لو خلط خمس عشرة من الغنم بخمس عشرة لغيره ولأحدهما خمسون ينفرد بها فإن قلنا: الخلطة خلطة عَيْن، فلا شيء على صاحب الخمس عشرة، لأن المبلغ ناقص عن النصاب وعلى الآخر زكاة خمس وستين وهي شاة وهو كمن خالط ذميّاً أو مُكَاتباً حكمه حكم المنفرد، وإن قلنا: الخلطة خلطة مِلْك ففيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 524
أحدهما: أنه لا حكم لهذه الخلطة أيضاً؛ لأن المختلط يجب أن يكون نصاباً ليثبت حكم الخلطة فيه ثم يستتبع غيره.
والثاني: وهو الأصحُّ يثبت حكم الخلطة، ويجعل كأنَّ الخمسين مضمومة إلى الثَّلاثين المختلطة والمجموع ثمانون وواجبها شاة، فيجب على صاحب الخمس والسنتين (1) ستة أَثْمَان شاة ونصف ثمن، وعلى الآخر ثمن ونصف (2) ولا يخفى نظائره على الموفّق.
باب لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ فِي الحَوْلِ
فَلاَ زَكاةَ فِي النَّعَمِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الحَوْلُ إلاَّ السِّخَالَ الحَاصِلَةَ فِي وَسَطِ الحَوْلِ مِنْ نَفْسِ النِّصَابِ الَّذِي انْعَقَدَ الحَوْلُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا بِحَوْلِ الأُمَّهَاتِ مَهْمَا أُسِيمَتْ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ، فَلَوْ مَاتَ الأُمَّهَاتُ وَهِيَ نِصَابٌ لَمْ تَنْقَطِعِ التَّبَعِيَّةُ (ح و)، وَلَوْ مَلَكَ مَائَةً وَعِشْرِينَ فَنَتَجَتْ فِي آخِرِ الحَوْلِ سَخْلَةٌ وَجَبَ شَاتَانِ لِحُدوثهَا فِي وَسَطِ الحَوْلِ.
قال الرافعي: ذكر في أول "كتاب الزكاة" للمال الواجب فيه سِتَّة شروط:
أحدهما: كونه نعماً.
والثَّاني: كونه نصاباً، وقد تمَّ الكلام فيهما.
والثَّالث: الحَول فيشترط في وجوب الزكاة في النّعم الحول عملاً بإطلاق ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 71. ويستثنى عنه النِّتَاج فيضم إلى الأمَّهات في الحول لما روينا من قبل عن عمر 72 -رضي الله عنه- أنه قال لساعيه: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ".
وعن علي 73 -رضي الله عنه- أنه قال: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْكِبَارِ وَالصِّغَارِ".
وإنما يضم بثلاثة شروط:6970
الجزء: 2 - الصفحة: 525
أحدها: أن يحدث قبل تمام الحول سواء أكثر الباقي من الحول أو قلّ، فأما إذا حدث بعد تمام الحول فينظر إن حدث بعد إمكان الأداء فلا تضم إلى الأمهات في الحول الأول لاستقرار واجبه ولكن يضم إليها في الحول الثاني، وإن كان قبل إمكان الأداء فطريقان:
أحدهما: وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يبنى على القولين وسنذكرهما في أن الإمكان شرط الوجوب أو شرط الضمان، إن قلنا: شرط الوجوب فتضم إلى الأمهات كالنِّتاج قبل الحول، وإن قلنا: شرط الضَّمان فلا.
واحتج للأول: بأن عمر -رضي الله عنه- قال: "اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي 74 عَلَى يَدَيْهِ".
ومعلوم أنه لا يروح بها إلاَّ وقد ولدت في ذلكَ اليوم، ولا تعد المواشي إلا بعد الحول، وذكر في البيان أن من الأصحاب من يجعل المسألة على قولين غير مبنيين على شيء.
وأظهرهما: وهو المذكور في "الوسيط" أنه لا يضم أصلاً؛ لأن الحول الثاني ناجز، فالضم إليه أولى من الضَّمِّ إلى المتقضى.
والشرط الثَّاني: أنْ يحدث من نفس ماله أمَّا المُسْتَفَاد بالشِّراء أو الإرث أو الهبة فلا يضم إلى ما عنده في الحول، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة ولمالك أيضاً فيما رواه القاضي ابن كج وغيره.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِي مَالِ الْمُسْتَفِيدِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 75. وأيضاً فإنه مستفاد 76 هو أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه،
الجزء: 2 - الصفحة: 526
فينفرد بالحول كالمستفاد من غير الجنس، وأيضاً فإن أبا حنيفة -رحمه الله- سلم أنه لو كان له دراهم فأخرج زكاتها ثم اشترى بها ماشية لا تضم إلى ما عنده في الحول، فنقيس غيره عليه ثم عندنا المستفادات وإن لم تضم إلى ما عنده في الحَوْل تضم إليه في النِّصاب على ظاهر المذهب، وبيانه بصور:
إحداها: ملك ثلاثين من البقر ستة أشهر، ثم اشترى عشرة أخرى فعليه عند تمام حول الأصل تَبِيع، ثم إذا تم حول العشرة فعليه ربع مسنة، فإذا حال حول ثان على الأَصْلِ فعليه ثلاثة أرباع مسنة، فإذا حال حول ثان على العشرة فعليه ربع سنة وهكذا أبداً، وهذا كما ذكرنا في طرق الخلطة على الانفراد، يجب في السّنة الأولى زكاة الانفراد وبعدها زكاة الخلطة، وعن ابن سريج أن المستفاد لا يضم إلى الأصل في النّصاب كما لا يضم إليه في الحَوْل فعلى هذا لا ينعقد الحول على العشرة حتى يتم حول الثلاثين، ثم يستأنف الحول على الكل.
الثانية: ملك عشرين من الإبل ستة أشهر، ثم اشترى عشراً فعليه عند تمام حول العشرين أربع شياه، وعند تمام حول العشرة ثلث بنت مَخَاض، لأنها خالطت العشرين في جميع حولها، وواجب الثلاثين بنت مخاض حصة العشرة ثلثها، فإذا حال حول ثان على العشرين فعليه ثلثا بنت مخاض، وإذا حال حول ثان على العشرة فعليه ثلث بنت مخاض وهكذا يزكي أبداً.
وعلى ما حكى عن ابن سريج عليه أربع شياه عند تمام الحول على العشرين وشاتان عند تمام الحول على العشرة ولا نقول هاهنا بعدم انْعِقاد الحَوْل على العشرة، حتى يستفتح حول العشرين، لأن العشرة من الإبل نصاب بخلاف العشرة من البقر في الصُّورة الأولى، ولو كانت المسألة بحالها واشترى خمساً، فإذا تم حول العشرين فعليه أربع شياه وإذا تم حول الخمس فعليه خمس بنت مخاض، وإذا تم الحول الثاني على الأصل فعليه أربعة أخماس بنت مخاض، وعلى هذا القياس وعلى ما حكى عن ابن سريج في العشرين أربع شياه أبداً عند تمام حولها وفي الخمس شاة أبداً، ورأيت في بعض الشروح حكاية وجه آخر: أن الخمسة لا تجري في الحول حتى يتم = هاهنا بخلافه.
قوله: أيش تعني بالمشقة؟ قلنا: نعني بها المشقة الزائدة على المشقة الحاصلة بنفس أداء الزكاة لما ذكرنا، لا أصل المشقة.
قوله: بأن الضم في الأولاد كان للتبعية.
قلنا: لا نسلم، بل كان لما ذكرنا، من دفع الحرج، لمكان المناسبة.
وأما الأحاديث.
قلنا: عمومات خص منها البعض، والعام إذا خص منه البعض بقي حجة.
على أن قوله: "من استفاد مالاً" - الصحيح أنه من كلام ابن عمر، وقول صحابي واحد لا يكون حجة.
هكذا ذكر السمرقندي في طريقته.
الجزء: 2 - الصفحة: 527
حول الأصل، ثم ينعقد الحول على جميع المال، وهذا يطرد في العشرة في الصُّورة السابقة بلا شك.
الثالثة: ملك أربعين من الغنم غرة المحرم ثم اشترى أربعين غرة صفر ثم أربعين غرة شهر ربيع الأول، فقد ذكرناها وما يناظرها في الفصل الثالث من الخلطة.
قال الصيدلاني وغيره: وجميع ذلك إذا قلنا: الزّكاة في الذّمة وأداؤها من غير المال، فإن قلنا: أنها تتعلّق بالعَيْن، أو قلنا: هي في الذِّمة وأدَّاها من المال فينقص الواجب من المستفاد بالقسط، وكذا في الأصل عند تمام الحَوْل الثاني.
والشرط الثالث: أنْ يكون حدوث الفروع بعد بلوغ الأمَّهات نصاباً، فلو ملك عدداً من الماشية، ثم توالدت فبلغ النِّتَاج مع الأصل نصاباً، فالحول يبتدئ من وقت كمال النِّصَاب خلافاً لمالك حيث اعتبر الحول من حين ملك الأصول، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، والأصح عنه مثل مذهبنا.
لنا مطلق الخبر: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 77. ولأنها زيادة بها تم النِّصَاب فيبتدئ الحَول من وقت التَّمَام كالمستفاد بالشَّراء، وإذا اجتمعت الشَّرَائط الثلاث ثم ماتت الأمهات جميعها أو بعضها، والفروع نصاب لم ينقطع حول الأمهات بل تجب الزكاة فيها عند تمام حول الأمهات؛ لأن الولد إذا اتبع الأم في الحكم لم ينقطع الحكم بموت الأم كالأضحية وغيرها، هذا ظاهر المذهب وفيه وجهان آخران:
أحدهما: ويشهر بالأنماطيّ أنه يشترط بقاء نصاب من الأمهات، فلو نقصت عن النصاب انقطعت التبعية؟ وكان حول الفروع من يوم حصلت؛ لأنها خرجت عن أن تجب فيها الزَّكاة، ولو انفردت فلا تستتبع غيرها.
والثاني: نقله القاضي ابن كج عن رواية أبي حامد: أنه لا يشترط بقاء نصاب منها ولكن لا بد من بقاء شيء منها ولو واحدة.
وبه قال أبو حنيفة وقد سبق ذلك في فصل صفات النقصان، وقد ذكرنا مذهب مالك وأحمد أيضاً ثُمَّ وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: "إلا في السَّخَال" ليس الحكم مقصوراً على السَّخَال بل العُجُول والفَصْلاَن في معناها.
وقوله: "في وسط الحَوْل" إشارة إلى الشَّرْط الأَوَّل، ويجوز أن يعلّم بالميم، لأن القاضي ابن كج حكى عن مالك أنها تضم إلى الأمهات، وإن توالدت بعد الحَوْل ولو حصلت بعد الحَول، وقبل الإمكان وجعلناها مضمومة إلى الأمهات كما سبق، فلا يكون الحصول في وسط الحول شرطاً، فيجوز إعلامه بالواو أيضاً لذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 528
وقوله: "من نفس النصاب" فيه إشارة إلى الشرطين الآخرين.
وقوله: "الذي انعقد عليه الحول" جار مجرى التأكيد والإيضاح.
وقوله: "مهما أسيمت في بقية السنة" كالمستغنى عنه في هذا المقام؛ لأنه ليس فيه إلاّ تعرض لشرط السّوم، ونحن إذا تكلمنا في شرط لا نحتاج إلى التعرض لسائر الشروط في أثنائه.
وقوله: "لم تنقطع التبعية" معلّم بالحاء والألف والواو لما قدمناه.
وقوله في آخر الفصل: "لحدوثها في وسط الحول" كذا هو في بعض النّسخ باللام، وفي بعضها كحدوثها بالكاف.
والأول أقرب إلى سياق كلامه في "الوسيط" فإنه ذكر هذه المسألة بعد ما ذكر ما لو ملك تسعاً وثلاثين، فحدثت سَخْلَة يستفتح الحَوْل من حينئذ، وبين تغايرهما بأنَّ هناك لم يَكنِ الأصْل نصاباً، ولم ينعقد الحول عليه، وهاهنا ما سبق جَارٍ في الحول هذا لفظه، وهو معنى قوله هاهنا: لحدوثها في وسط الحول أو في أثناء الحول المنعقد على الأصل وإن قرب من الانقضاء، ومن قرأ كحدوثها في وسط الحول لا يمكنه حمل وسط الحول على ما هو المراد منه عند قوله: إلاَّ في السّخَال الحاصلة في وسط الحول فإن المراد ثم ما قبل التمام، ولا شك أن المراد من آخر الحول هاهنا حالة القرب من التّمام، وهي قبل التّمام فلا يغاير حتى يشبه أحدهما بالآخر، فلعله يحمل الوسط على حقيقته المشهورة وليس ذلك بالجيد.
واعلم أن فائدة الضم إنما تظهر إذا بلغت الماشية بالنِّتاج نصاباً ثانياً كما لو ملك مائة شاة فحدثت إحدى وعشرون سخلة، فَأمَّا إذا لم يحدث إلاَّ عشرون فلا تظهر فائدته والاعتبار بالانفصال فلو خرج بعض السّخلة وتم الحَوْل قبل انفصالها فلا حكم لها، ولفظ الحصول في قوله: الحاصلة في وسط الحول قد يوهم خلافه فلا يغلط، وإذا اختلف السّاعي والمالك فقال المالك: حصل هذا النِّتَاج بعد الحَوْل، وقال الساعي: بل قبله، أو قال المالك: حصل بسبب مستقل، وقال الساعي: بل من نفس النّصاب، فالقول قول المالك فإن اتَّهمه السَّاعي حلفه 78.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ لاَ يَزُولَ المِلْكُ عَنْ عَيْنِ النِّصَابِ فِي الزَّكَوَاتِ العَينِيَّةُ، فَإِنْ زَالَ بِالإِبْدَالِ بِمِثْلِهِ وَلَوْ فِي آخِرِ السَّنَةِ انْقَطَعَ الحَوْلُ، فَلَوْ عَادَ بِفَسْخٍ أَوْرَدَ بِعَيْب اسْتُؤْنفَ الحَوْلُ وَلَمْ يَبْنِ، وَكَذَا إِذَا انْقَطَعَ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ ثُم أَسْلَمَ، وَكَذَا لاَ يَبْنَى حَوْلَ
الجزء: 2 - الصفحة: 529
وَارِثهِ إِذَا مَاتَ عَلَى حَوْلِهِ، وَمَنْ قَصَدَ بَيْعَ مَالِهِ فِي آخِرِ الحَوْلِ صَحَّ بَيْعُهُ (م) وَأَثِمَ.
قال الرافعي: قد سبق أنَّ الزَّكَاة ضربان: زكاة تتعلّق بالقيمة وهي زكاة التِّجارة فلا يقدح فيها إبدال عين بعين، وزكاة تتعلّق بالعين والأعيان الَّتي تجب فيها الزَّكاة، ويشترط في وجوبها الحَوْل، ولو زال الملك عنها في خلاله انقطع الحول؟ سواء بادل بجنسه كالإبل بالإبل، أو بغير جنسه كالإبل بالبقر 79، وإذا تَبَادَلا بكل واحد منهما يستأنف الحَوْل، وكذا الحكم في النَّقدين إذا بادل الذهب بالذهب أو بالورق ولم يكن صرفياً يقصد به التجارة، وإن كان صرفياً اتخذ التَّصَرُّف في النَّقْدين متجراً، ففيه وجهان في رواية ابْن كج والحنَّاطِيّ وصاحب "المهذب" وغيرهم، وقولان في رواية الشيخ أبي محمد وصاحب "التهذيب" وآخرين:
أحدهما: لا ينقطع الحَوْل كما في العروض لو بادل بعضها ببعض على قصد التِّجارة.
وأصحهما: وهو الجديد على رواية القولين أنه ينقطع؛ لأن التِّجارة فيها ضعيفة نادرة والزكاة الواجبة فيها زكاة عين، وإلى هذا ذهب ابْنُ سُرَيْجٍ ويحكى عنه أنه قال: "بَشِّروا الصيارفة بأن لا زكاة عليهم وبنى الصَّيدلاني وطائفة المسألة على أَصْلٍ، وهو أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارة وزكاة العين إذا اجتمعتا في مال أيتهما تقدم، وفيه خلاف مذكور في الكتاب في موضعه إن غلبنا زكاة التجارة لم ينقطع الحول، وإن غلبنا زكاة العين، فحينئذ فيه وجهان: وجه عدم الانقطاع أن دوام الملك حولاً شرط في زكاة العين، وقد فقد فيصار إلى زكاة التِّجارة كما لو لم يبلغ ماله نصاب زكاة العَيْن، وبلغت قيمته نصاب زكاة التِّجارة تجب زكاة التجارة، وإزالة الملك عن بعض المال والباقي دون النصاب كإزالته عن جميع النصاب، هذا تفصيل مذهبنا وساعدنا أبو حنيفة في المَوَاشِي، وقال في مبادلة النَّقد بالنقد 80: أن الحول لا ينقطع سواء بادل الجنس بالجنس أو بغير الجنس.
وقال في مبادلة بعض النصاب الجنس: لا ينقطع الحول سواء فيه المواشي وغيرها بناء على أصلين:
الجزء: 2 - الصفحة: 530
أحدهما: أن نُقْصَان النِّصَاب في أَثْنَاء الحول لا يقطع الحول عنده.
والثاني: أن المستفاد بالشِّراءِ ونحوه يضم إلى الأصل في الحول، فقال مالك: إذا بادل نصاباً بجنسه بني على الحول سواء فيه المواشي وغيرها، وفي مبادلة الحيوان بالنقد وعكسه ينقطع، وفي مبادلة جنس من الحَيَوَان بجنس آخر عنه روايتان، وقال أحمد في مبادلة النَّقْد بالنَّقْد بقول أبي حنيفة -رحمه الله- وفي مبادلة الجنس بالجنس من المواشي بقول مالك، وفي مبادلة الجنس بالجنس من المواشي قال: ينقطع.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي مَال حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 81. لأنه أصل تجب الزكاة في عينه فلا ينبني حوله على حول غيره كالجنسين، وكل ما ذكرناه في المُبَادَلة الصحيحة أما الفَاسِدة فلا تقطع الحول، لأنها لا تزيل الملك خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا اتّصل القبض بها.
ثم لو كانت سائمة وعلفها المشتري فقد قال في "التهذيب": هو كعلف الغَاصِب لقطع الحول، وفيه وجهان وقال القاضي ابن كج: عندي تسقط الزكاة وينقطع الحول، لأنه مأذون من جهة المالك في التَّصرف، فأشبه علفه علف الوكيل بخلاف الغاصب، ولو باع معلوفه بيعاً فاسداً فأسامها المشتري فهو كما لو أسامها الغاصب، وسيأتي ذلك إذا عرفت هذا الأصل فيتعلق به مسائل:
إحداها: لو باع المال الزكوي، أو بادله قبل تمام الحول ثم وجد المشتري به عيباً قديماً نظر إن لم يَمْضِ عليه حول من يوم الشِّراء، فله الرّد بالعيب، والمردود عليه يستأنف الحول سواء رده بعد القبض أو قبله.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إن رده قبل القبض أو بعده لكن بقضاء القاضي يبني على الحول الأول، وإن رده بعد القبض بالرِّضا يستأنف، وإن مضى عليه حول من يوم الشراء، ووجب عليه الزكاة فينظر إن لم يخرج الزَّكاة بعد فليس له الرد؟ سواء قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمّة؛ لأن للساعي أخذ الزكاة من عينها لو تعذر أخذها من المشتري، فلا يتقاعد وجوب الزكاة فيه عن عيب حادث، ولا يبطل حق الرد بالتأخير إلى أن يؤدي الزكاة؛ لأنه غير متمكّن من الرد قبله، وإنما يبطل الحق بالتأخير مع التمكن، ولا فرق في ذلك بين عروض التجارة وبين الماشية التي تجب زكاتها من جنسها وبين الإبل التي تجب فيها الغنم وبين سائر الأموال.
وفي كلام ابْن الحَدَّاد تجويز الرَّدِّ قبل إخراج الزَّكَاة، ولم يثبتوه وجهاً وإن أخرج الزكاة نظر إن أخرجها من مال آخر فينبني جواز الرَّد على أنَّ الزكاة تتعلَّق بالعين أو تجب في الذّمة، وفيه خلاف يأتي من بعد أن قلنا: تجب في الذّمة، والمال مرهون به
الجزء: 2 - الصفحة: 531
فله الرد كما لو رهن ما اشترى ثم انفكَّ ووجد به عيباً، وإن قلنا: يتعلق بالعَيْنِ تعلّق الأَرْش بالعَبْد الجاني، فكذلك الجواب، وإن قلنا: المسكين شريك فهل له الرد؟
حكى الشيخ أبو علي فيه طريقين:
أحدهما: أن فيه وجهين كما لو اشترى شيئاً وباعه وهو غير عالم بعيبه، ثم اشتراه أو ورثه هل يرد؟ فيه خلاف وهذا ما ذكره العراقيون والصيدلاني وغيرهم.
والثاني: القطع بأن له الرَّد إذ ليس للمسكين شركة محققة في هذا المال، أَلاَ ترى أن له أن يؤدي الزكاة من مال آخر؟ بخلاف ما لو باعه، فإنه زال المِلْكُ لا محالة، ولأنه بالبيع قد اسْتَدْرك الظّلاَمة التي لحقته بالشّراء من حيث أنه رَوَّج كما روح عليه وبإخراج الزَّكَاة لم يستدرك الظّلاَمة.
قال الشيخ: وهذا الطريق هو الصَّحِيح، وبه أجاب كثير من أئمتنا ولم يذكروا سواه، ورأيت للقاضي ابن كج رواية وجه غريب، أنه ليس له الرَّد على غير قول الشّركة أيضاً؛ لأن ما أداه عن الزكاة قد يخرج مستحقاً، فيتبع السّاعي عين النصاب.
وإمام الحرمين أشار إلى هذا الوجه لكن خصَّه بقدر الزكاة، وقال فيما وراءه قولاً تفريق الصفة، وإن أخرج الزكاة من عين المال، فإن كان الواجب من جنس المال، أو كان من غير جنسه فباع منه بقدر الزَّكَاة، فهل له ردُّ البَاقي؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في الزكاة: أنه ليس له ذلك، وهذا إذا لم نجوّز تفريق الصفقة، وعلى هذا هل يرجع بالأرش؟ منهم من قال: لا يرجع إن كان المخرج باقياً في يد المساكين، فإنه رُبَّما يعود إلى ملكه فيتمكن من أداء الجميع فإن كان تالفاً رجع، ومنهم من قال: يرجع مطلقاً وهو ظاهر نصّه.
لأن نقصانه عنده كَعَيْب حادث، ولو حدث عيب وامتنع الرد يرجع بالإِرْش ولا ينتظر زوال العَيْبِ الحادث.
القول الثاني: أنه ير البَاقِي بحصَّته من الثَّمن، وهذا إذا جوَّزنا تفريق الصَّفْقَة وسيأتي القولان في موضعهما -إن شاء الله تعالى-.
وفيه قول ثالث أنه يردّ الباقي وقيمة المخرج في الزكاة، ويسترد جميع الثمن ليحصل غرض الرد، ولا تتبعض الصفقة ولو اختلفا في قيمة المخرج على هذا القول، فقال البائع: ديناران؟ وقال المشتري: بل دينار، فالقول قول من؟ فيه قولان:
أحدهما: قول البائع، لأن الأصل استمرار ملكه في الثمن، فلا يسترد منه إلا بما يقربه.
والثاني: قول المشتري؛ لأنه غارم لِمَا أَخْرَجه.
المسألة الثانية: حكم الإِقَالَة حكم الرَّد بالعَيْب في جميع ما ذكرنا، ولو باع المال الزَّكَوِيّ في خلال الحول بشرط الخيار وفسخ البيع فإن قلنا: الملك في زمان الخيار
الجزء: 2 - الصفحة: 532
للبائع أو هو موقوف بني على حوله ولم يستأنف، وإن قلنا: إنه للمشتري فالبائع يستأنف بعد الفسخ.
الثالثة: لو ارتدَّ في خلال الحول هل ينقطع الحول؟ يبني على الخلاف في ملك المرتد، إن قلنا: يزول بالردة ينقطع، فإن عاد إلى الإسلام استأنف، وإن قلنا: لا يزول فالحَوْل مستمر، وعليه الزكاة عند تمامه، وإن قلنا: إنه موقوف فإن هلك على الردة تبين الانقطاع من وقت الردة، وإن عاد إلى الإسلام تبين استمرار الملك ووجوب الزكاة على المرتد في الأحوال الماضية، في الردة ينبني على هذا الخلاف أيضاً، وسنذكره في الركن الثالث -إن شاء الله تعالى.
الرابعة: لو مات في أثناء الحَوْل وانتقل مال الزكاة إلى الوارث هل يبنى على حول المورث؟ فيه قولان:
القديم: نعم؛ لأنه حليفته في حقوق الملك أَلاَ ترى أنه يقوم مقامه في حق الخيار والرد بالعيب.
والجديد: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يبنى بل يبتدئ الحَوْل من يوم ملكه كما لو ملك بالشراء وغيره، وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي ابْن كَجّ أنَّ أبا إسحاق قطع به وامتنع من إثبات قول آخر فحصل في المسألة طريقان وحيث قلنا: لا يبنى، فلو كان مال تجارة لا يَنْعَقِدُ الحَوْل عليه حتى ينصرف الوارث بنية التّجارة ولو كانت سائمة، ولم يعلم الوارث الحال تى تَمَّ الحَوْل، فهل تجب الزكاة أم يبتدئ الحول من يوم علم؟.
فيه خلاف مبني على أن قصد السّوم، هل يعتبر؟ وسيأتي ذلك.
الخامسة: لا فرق في انقطاع الحَوْل بالمُبَادَلة والبَيْع في خلاله بين أن يكون محتاجاً إليه وبين أن لا يكون بل قصد الفرار من الزَّكَاة إلاَّ أنه يكره الفرار، وعن مالك وأحمد أنه إذا قصد الفِرَار من الزَّكَاة أخذت منه الزَّكاة، وهل ذلك لامتناع صحة البيع أم كيف الحال؟ قال في "الوسيط" عند مالك لا يصح البَيْع، وأشار المسعودي إلى أنه إذا عاد إلى ملكه يبني ولا يستأنف.
ونقل القاضي ابن كج أنه إذا باع، وقد قرب الحول فراراً من الزكاة، أخذت منه الزكاة، وهذا يُوهِمُ الاكْتِفَاء بما مضى من الحَوْل -والله أعلم-.
ونرجع الآن إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب ونظمه.
أما قوله: أن لا يزول المِلْك عن عين النِّصاب في الزَّكَوات العَيْنية فلا شك أن المُرَاد منه عدم الزَّوَال مدة الحَوْل لا على الإطْلاق واحترز بالزَّكَاة العَيْنية عن زكاة التِّجارة، فَلِمَ التبادل فيها لا يقدح على ما قدمنا؟ ولمستدرك أن يقول: الكلام الآن في زكاة النّعم، والشروط المذكورة تتصرف من حيث النَّظم والتَّرْتيب إليها فلا حاجة إلى الاحتراز عن زكاة التجارة وهو غير متناول بالكلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 533
واعلم أن السابق إلى الفَهْم من حولان الحول هو مضيّ المدة المعلومة في ملكه بصفة التوالي، لكن لا يمكن أن يكون مراد صاحب الكتاب من شرط الحول هذا؛ لأنه لو أراده لارتفع الفرق بين الشرط الثالث والرابع وعاد إلى شيء واحد، بل المراد من شرط الحول في إيراده مجرد مضي المدة في ملكه من غير اعتبار صفة التَّوَالي.
وقوله: فإن زال بالإِبْدَال بمثله لا فرق عندنا بين أن يبدله بالمثل أو بغير المثل، وإنما خص الكلام بالإبدال بالمثل؛ لأنه محل النظر والخلاف على ما تقدم، وأعلم لذلك قوله: "انقطع الحول" بالحاء والميم والألف.
وقوله: "ولو عاد بفسخ أورد بعيب" الرد بالعيب هو ضرب من الفسخ أيضاً، لكن كأنه أراد بالفسخ ما يثبت، لا بسبب العَيْب كالفسخ بشرط الخِيَار، وخيار الرؤية إن أثْبَتناه والمُقَابَلَةَ إِذَا جعلناها فسخاً وهو الصحيح.
وقوله: "وكذا إذا انقطع ملكه بالردة" أي: إذا قلنا: إن الردة تزيل الملك، فإذا أسلم استأنف الحول على ما بينا وقد رسم قوله: "وكذا إذا انقطع" بالواو للخلاف في أن الردة، هل تزيل الملك أم لا؟ فإن في نفس اللفظ إشعاراً لكن لأنه ذكر في "الوسيط": أن القول القديم في أن الوارث يبني على حول الموروث طرد في أن المرتدّ بعد الإسْلام يبني، وإن حكمنا بانقطاع ملكه بالردة.
وحكى الحناطي أيضاً وجهاً على هذا القَول أنه لا يستأنف.
وقوله: "ومن قصد بيع ماله" فيه إضمار أي قصده فراراً من الزَكاة، وأعلم قوله: في "صح بيعه" بالميم لما ذكرنا عن مالك في بعض الروايات.
وقوله: "وأثم" حكم بالتَّحْريم وقد حكاه إمام الحرمين عن بعض المصنِّفين، وتردّد فيه من جهة، أنه تصرّف مسوغ ولو أثمناه لكان ذلك بمجرد القصد والموجود في لفظ الشافعي -رضي الله عنه- وجمهور الأصحاب إنما هو الكراهية -والله أعلم-.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الخَامِس السَّوْمُ، فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا عُلِفَ فِي مُعْظَمِ السَّنَةِ، وَفِيمَا دُونَهُ أَرْبَعَةُ أَوجُهٍ: أَفْقَهُهَا: أَنَّ المُسْقِطَ قَدْرٌ يُعَدُّ مَؤُونَةً بِالإِضَافَةِ إلَى رِفْقِ السَّائِمَةِ، وَقِيلَ: لاَ يَسْقُطُ إلاَّ العَلَفُ فِي مُعْظَمِ السَّنَة، وَقيل: القَدْرُ الَّذِي كَانَتِ الشَّاةُ تَمُوتُ لَوْلاَهُ يَسْقُطُ حَتَّى لَوْ أَسَامَهَا نَهَاراً وَعَلَفَهَا لَيْلاً لَمْ يَسْقُطْ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا يُتَمَوَّلُ مِنَ العَلَفِ يُسْقِطُ.
قال الرافعي: لا تجب الزَّكَاة في النّعم إلا بشرط السّوم خلافاً لمالك واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بمفهوم ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ زَكَاةُ" 82 وعن
الجزء: 2 - الصفحة: 534
أنس: "أَنَّ أبَا بَكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم- بِهَا، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهِا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمَائَةٍ شاة" 83.
إذا عرف ذلك فالسَّائمة في جميع الحَوْل تجب فيها الزّكاة، والمَعْلوفة في جميع الحول أو أكثره لا زكاة فيها، وإن أُسِيمت بعض الحَوْل، وعلفت في بعضه وهو دون المعظم.
فقد حكى في الكتاب فيه أربعة أوجه:
أفقهها 84 عنده: أنه إن علفت قدراً يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق السَّائمة فلا زكاة، وإن استحقر بالإضافة إليه وجبت الزَّكاة كما لو أُسِيمَت في جميع الحَوْل، وفسر رفق السائمة بدرِّهَا ونَسْلها وأصْوافها وأوبارها، ويجوز أن يقال: المراد منه رفق إسَامَتِهَا فإنَّ في الرعي تخفيفاً عظيماً، فإن كان قدر العلف حقيراً بالإضافة إليه فلا عبرة به، وإلى هذا الوجه يميل كلام القَاضِي ابن كج، وفيما علَّق عن الشَّيخ أبي محمد أنَّ أبا إسحاق رجع إليه بعدما كان يعتبر الأغلب.
والثاني: أن ذلك لا أثر له وإنما ينقطع الحَوْل وتسقط الزكاة العَلَفِ في أكثر السنة وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-؛ لأنه إذا كانت الإسَامَة أكثر تخفف المُؤْنَة.
ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة تخريجاً من أحد القولين في السَّقي بماء السماء والنّضح: أنه يعتبر الأغلب منهما وعلى هذا الوجه لو استويا قال في "النهاية": فيه تردد، والأظهر السّقوط.
والوجه الثالث: أنه إن علف قدراً كانت الماشية تعيش لولاه لم يؤثر وإن علف قدراً كانت تموت لو لم ترع ولا علفت في تلك المدة انقطع الحول وسقطت الزكاة لظهور المؤنة، وهذا هو الذي ذكره الصَّيدلاني وصاحب "المهذب" وكثير من الأئمة، وقد قيل: إن الماشية تصبر عن العَلَفِ اليوم واليومين ولا تصبر ثلاثة فصاعداً.
قال في "النهاية": ولا يبعد أن يلحق الضَّرب البيّن بالهلاك على هذه الطريقة.
والوجه الرابع: أن ما يتمول من العلف وإن قلّ يبطل حكم السوم فلو أسيمت بعد ذلك اسْتُؤنف الحَوْل؛ لأن رفق السَّوم لم يتكامل.
فإن قلت: هذه الوجوه مخصوصة بما إذا لم يقصد بالعَلَفِ قطع السَّوم وإن قصده
الجزء: 2 - الصفحة: 535
ينقطع الحَوْل لا محالة 85 أو هي مخصوصة بما إذا قصده، وإن لم يقصد لم يؤثر لا محالة أو هي شاملة للحالتين.
فاعلم أن في كلام النّاقلين لبساً في ذلك، ولعل الأقرب تخصيص الخلاف بما إذا لم يقصد شيئاً، أما إذا علف على قصد قطع السّوم ينقطع الحول لا محالة كذا أورد صاحب "العدّة" وغيره ولا أثر لمجرد نيّة العلف ولو علفها قدراً يسيراً لا يتموّل فلا أثر له أيضاً، إليه أشار بقوله في الكتاب في الوجه الرابع، وقيل: كل ما يتمول من العلف يسقط، ويجوز أن يعلم من لفظ الكتاب ما سوى الوجه الثاني بالألف والحاء لما ذكرنا أن مذهبهما الثّاني ولا يخفى على المراد من قوله: ولا زكاة فيما علف في معظم السنة ما إذا تمحَّض العلف إذ لو كانت تسام نهاراً وتعلف ليلاً في جميع السنة 86 كان موضع الخلاف على ما سبق.
فرع: لو كانت ماشيتة سائمة لكنها تعمل كالنَّواضح ونحوها، فهل تجب الزَّكاة فيها؟ فيه وجهان حكاهما أبو القاسم الكرخي وآخرون:
أصحهما: لا، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو الذي أورده معظم العراقيين؛ لأنها لا تقتني للنَّماء، وإنما تقتنى لِلاسْتِعْمال فلا تجب الزَّكَاة فيها كثيَاب البدن ومتاع
الجزء: 2 - الصفحة: 536
الدار.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ في الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ" 87.
والثاني: نعم، لحصول الرفق بالإِسَامة وزيادة فائدة الاستعمال، وفي لفظ "المختصر" ما يمكن الاحتجاج به لهذا الَوجه، وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر" وغيره.
قال الغزالي: وَلَوِ اعْتَلَفَتِ الدَّابةُ بِنَفْسِهَا أَوْ عَلَفَهَا المَالِكُ لامْتِنَاعِ السَّوْم بِالثَّلْجَ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا إلى الإسَامَةِ أَوْ عَلَفَهَا الغَاصِبُ فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ يُعَبرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ القَصْدَ هَلْ يُعْتَبَر؟ وَكَذَا الخِلاَفُ فِي قَصْدِ السَّوْمِ فَإِنْ أَوْجَبَنَا الزَّكَاةَ فِي مَعْلُوفَةٍ أَسَامَهَا الغَاصِبُ فَفِي رُجُوعِهِ بِالزَّكاةِ عَلى الغَاصِبِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: الأَصْلُ في هذه المَسَائِلِ أنه اخْتَلَفَ الوجهِ في أَنَّ القَصْدَ في العَلَفِ والسّوم هل يعتبر؟ فمن الأَصحاب من قال: لا يعتبر، أمَّا في العَلَف فلأنه يفوت شرط السّوم سواء كان عن قَصْد، أو لم يكن.
وأما في السوم؛ فلأنه يحصل به الرُفْق وتخفّ المؤنة، وإن لم يكن عن قصد.
ومنهم من قال: يعتبر.
إمَّا في العلف، فلأنه إذا لم يقصده يُدَام حكم السّوم رعاية لجانب المُحْتَاجين.
وإمَّا في السّوم فلأنه إذا لم يتلزم وجوب الزكاة في هذا المال وجب أن لا يلزم، ويتفرع على هذا الأصل صور: منها لو اعتلفت سائمة بنفسها القدر المؤثر من العلف، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان والموافق لاختيار الأكثرين في نظائرها: أنه ينقطع لفوات شرط السَّوم فصار كفوات سائر شروط الزكاة، لا فرق فيه بين أن يكون عن قصد أو اتفاقاً، ولو رَتَعَت الماشية بنفسها ففي وجوب الزكاة وجهان أيضاً، وفي كلام أصحابنا العراقيين طريقة أخرى قاطعة بعدم الوجوب هاهنا.
ومنها: لو علف المالك ماشيته لامتناع السوم بالثلج وهو على عزم ردَّها إلى الإِسَامَةِ عند الإمكان، ففيه الوجهان:
أظهرهما: انقطاع الحول لفوات الشرط.
والثاني: لا، كما لو لبس ثوب تِجَارة لا بنية القنية لا تسقط الزَّكاة.
واعلم: أن العلف جرى في هذه الصّور بقصد المالك واختياره، لكن لما كانت الضرورة داعية إليه وكان ملجأ إليه ألحقت الصُّورة بما إذا جرى العلف من غير قصده،
الجزء: 2 - الصفحة: 537
وطرد الخِلاَف فيها.
ومنها: لو غصب سَائِمَةٌ وعلفها فيخرج أولاً على أنه لو لم يَعْلِفْهَا، هل كان تجب الزكاة فيها أم لا تجب لكونها مغصوبة؟ وفيه خلاف يأتي في الفصل التّالي لهذا الفصل.
فإن قلنا: لا زكاة في المَغْصُوب فلا شيء فيها.
وإن قلنا: تجب الزكاة في المغصوب فهاهنا وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأن فعل الغَاصِب عديم الأثر في تَغْيير حُكْمِ الزكاة، أَلاَ تَرى أنه لو غصب ذهباً وصاغه حُلياً لا تسقط الزكاة؟
والثَّاني: لا تجب لفوات شرط السّوم كما لو ذبح الغاصب بعض الماشية وانتقص النّصاب وهذا أصح عند الأكثرين، وفصل الشَّيخ أبو محمد، فقال: إن علفها بعلف من عنده فالأظهر أن حكم السوم لا ينقطع؛ لأنه لا يلحق مؤنة بالمالك، ولو كان الأمر بالعكس فغصب معلوفة وأَسَامَهَا، إن قلنا: لا زكاة في المغصوب، فذاك، وإن قلنا: تجب فوجهان:
أحدهما: تجب لحصول الرّفق وخفّة المؤنة، وصار كما لو غصب حِنْطَة وبذرها يجب العشر فيما ينبت منها.
وأظهرهما: لا تجب؛ لأن المالك لم يقصد الإِسَامَة وشبّهوا ذلك بما إذا رَتَعَتِ الماشية بنفسها، لكن الخلاف يجري فيه على أحد الطَّريقين كما سبق، وإذا أوجبنا الزَّكاة فقد حكى في "التَّهْذيب" وجهين في أنها تجب على الغَاصِب، لأنها مؤنة لزمت بفعله أو على المالكّ؛ لأن نفع خفّة المؤنة عائد إليه.
ثم حكى على هذا وجهين آخرين في أنه إذا أخرج المالك بزكاة، هل يرجع بها على الغاصب.
وقوله في الكتاب: "فإن أوجبنا الزَّكَاة في معلوفة أسامها الغاصب، ففي رجوعه بالزكاة على الغاصب وجهان، أراد به إن أوجبناها على المالك وجه عدم الرجوع أن سبب الزكاة ملك المال ووجه الرجوع، وهو الأظهر أنه لولا فعل الغاصب لما وجبت الزكاة.
وقطع صاحب "التتمة" بالرجوع ورد الخلاف إلى أنه هل يؤمر الغاصب بالإخراج أم يخرج المالك ثم يغرم له الغاصب؟ وذكر في "النهاية" وجهين في أنا إذا أثبتنا الرُّجوع للمالك، هل يرجع قبل إخراج الزَّكَاة أم يخرج ثم يرجع؟ واعلم: أن البخاري على قياس المذهب لمن أوجب الزكاة هاهنا أن يوجبها على المالك ثم يغرم له الغاصب.
أما إيجاب الزكاة على غير المالك فبعيد وإن كنا نوجب عليه ابتداء فيجب أن يوجب أيضاً، إن قلنا: لا تجب الزكاة في المغصوب.
قال الغزالي: الشَّرْطُ السَّادِسُ كَمَالُ المِلْكِ، وَأَسْبَابُ الضَّعْفِ ثَلاثَةُ: الأَوَّلُ: امْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ فَإِذَا تَمَّ الحَوْلُ عَلَى مَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ أَوْ مَرهُونٍ أَوْ مَغْصُوبٍ أَوْ ضَالٍّ أَوْ مَجْحُودٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 538
لاَ بَيِّنَة عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مُعْسِرٍ فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ خِلاَفٌ لِحُصُولِ المِلْكِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ، وَفِي المَغْصُوبِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أنَّهُ إِنْ عَادَ بِجَمِيعِ فَوَائِدِهِ زَكَّاةُ لِأَحْوَالِهِ المَاضِيَةِ، وَإنْ لَمْ تُعَدَّ الفَوَائِدُ فَلاَ، وَالتَّعْجِيلُ قَبْلَ عَوْدِ المَالِ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعاً، وَالدَّيْنُ المؤَجَّلُ قِيلَ: إِنَّهُ يُلْحَقُ بِالمَغْصُوبِ، وَقِبلَ كالغائِبِ الذِي يَسْهُلُ إِحْضَارُة، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَجِبِ التَّعْجِيلُ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الخَمْسَةَ نَقْداً تُسَاوِي سِتَّةً نَسِيئَةً فَيُؤَدِّي إلَى الإجْحَافِ بِهِ.
قال الرافعي: إنما جعل أسباب الضّعف ثلاثة لأن الملك إما أن لا يكون مستقرًّا وهو السَّبب الثالث أو يكون مستقراً.
فإما أن يتسلط الغير على إزالته وهو السبب الثاني أو لا يتسلط.
فأما أن تمتنع فيه التصرفات بكمالها وهو السبب الأول أو لا تمتنع فلا ضعف، وممّا يجب معرفته أن اعتبار هذا الشرط مختلف فيه، فإن في مسائله كلها اختلاف قول أو وجه على ما سيأتي.
إذا تقرر ذلك ففي الفصل مسائل:
إحداها: لو ضَلَّ ماله أو غصب أو سرق وتعذَّر انتزاعه أو أودعه عند إنسان فجحده أو وقع في بحر، فهل تجب فيه الزكاة.
قال في "باب صدقة الغنم": "ولو ضلت غنمه أو غصبها أحوالاً ثم وجدها زكَّاها لأحوالها" وقال في "باب الدَّين مع الصدقة": "ولو جحد ماله أو غصبه أو غرق فأقام زماناً ثم قدر عليه فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين أن لا يكون عليه زكاة حتى يحول الحول عليه من يوم قبضه؛ لأنه مغلوب عليه أو يكون عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يَزُل عنه".
واختلف الأصحاب على ثلاث طرق:
أحدها: أن المسألة على قولين:
أحدهما وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: أنه لا زكاة في هذه الأموال لتعطُّل نمائها، وفائدتها عليه بسبب خروجها من يده، وامتناع التصرف فيها فأشبهت مال المكاتب لا تجب الزكاة فيها على السّيد.
وأصحهما: الوجوب لملك النصاب وحولان الحول وعبر أصحابنا العراقيُّون وغيرهم عن هذا القول بالجديد، وعن الأول بالقديم وعن أحمد روايتان كالقولين.
وأصحهما: الوجوب.
وقال مالك: تجب فيها زكاة الحَوْل الأَوَّلِ دون سائر الأحوال.
والطَّرِيق الثاني: أنه تجب الزَّكاة فيها قولاً واحداً، ومن قال بهذا حمل ما ذكره من التَّرْدِيد على الرَّدِّ على مالك، فقال: أراد الشَّافعي -رضي الله عنه- أن لا يتوجَّه إلا وجوب زكاة جميع الأحوال كما قلت لاستمرار الملك أو نفيها على الإطلاق كما قال أبو حنيفة.
أما الفصل بين السنة الأولى وغيرها فلا سبيل إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 539
والثالث: حكى القاضي ابن كَجٍّ عن ابْن خَيْرَان أن المسألة على حالين حيث قال: يزكيها لأحوالها أراد إذا عادت إليه بنمائها، وحيث قال: لا تجب أراد إذا عادت إليه من غير نمائها 88. فإذا قلنا بالطريقة الأولى، فهل القولان مطلقان أم لا؟ فيه طريقان:
أحدهما وبه قال ابْنُ سُرَيج وأبو إسحاق: لا بل موضع القولين ما إذا عادت إليه من غير نَمَائها، فإن عادت إليه بنمائها وجبت الزَّكاة قطعاً؛ لأن المؤثر على قول: إنما هو فوات النَّماء عليه، وذكر إمام الحرمين شيئين على هذه الطَّرِيقة ينبغي أن يحاط بهما:
أحدهما: أنه إن عاد المال إليه مع بعض الفوائد دون بعض كان كما لو لم يعد شيء من الفوائد إليه.
والثَّاني: أن المعنى بفوات الفوائد أن يهلكها الغاصب أو تضيع لزوال نظر المالك ويتعذر تغريم الغاصب.
فأمّا إذا فات شيء في يد الغاصب كان يفوت في يد المالك أيضاً فلا مبالاة ولو غرم الغاصب كان كما لو عادت الفوائد بأعيانها، ويتخرَّج على هذه الطَّريقة قول من قال: إن كان المال المغصوب الدَّرَاهم والدَّنانير ففي وجوب الزكاة قولان، وإن كان المواشي فتجب الزّكاة بلا خلاف؛ لأن الدراهم لا تعود بربحها، فإن ما حصل من الربح يكون للغاصب، والمواشي تعود بفوائدها إمّا بعينها أو بقيمتها حتى لو غصبها أهل الحرب وأتلفوا الدر والنسل جرى فيها القولان، هذا أحد الطريقين.
وأصحهما وبه قال أبو علي بن أبي هريرة والطبري: طرد القولِين في الحالتين؛ لأن المؤثر على أحد القولين ذوات اليد والتصرف دون فوات النماء، أَلاَ ترى أن الذكور التي لا تنمو تجب فيها الزكاة، وجميع ما ذكرناه فيما إذا عاد المال إليه، ولا شك في أنه لا يجب إخراج الزكاة قبل عود المال إلى يده.
ولو تلف بعد مضي أحوال في الحَيْلُولَة سقطت الزكاة على قول الوجوب، لأنه لا يتمكَّن من المال وتلف المال بعد الوجوب وقبل التَّمكُّن يسقط الزكاة.
ثم اعرف في المسألة أمرين آخرين:
أحدهما: أن موضع الخلاف في الماشية المَغْصُوبة ما إذا كانت سائمة في يد
الجزء: 2 - الصفحة: 540
المالك والغاصب جميعاً، فإن كانت مَعْلُوفة في يد أحدهما عاد النَّظر في أن علف الغاصب وإسامته هل يؤثران؟
والثاني: أن زكاة الأَحْوَال المَاضِية إنما تجب على أحد القولين إذا لم تنقص الماشية عن النِّصَاب بإخراج زكاة بعض الأحوال، أما إذا كانت نصاباً بلا مزيد ومضى عليه أحوال فالحكم على هذا القول كما لو كانت في يده، ومضت أحوال ولم يخرج الزكاة، وسنذكره إن شاء الله تعالى جده.
ولو كانت له أربعون من الغنم فضلت منها واحدة ثم وجدها إن قلنا: لا زكاة في الضَّالة استأنف الحول سواء وجدها قبل تمام الحول أو بعده، وإن قلنا: تجب الزَّكاة فيها، فإن وجدها قبل تمام الحَوْل بني، وإن وجدها بعده أخرج الزّكاة عن الأربعين، ولو دفن ماله في موضع ونسيه ثم تذكره فهذا ضرب من الضَّلاَل، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف ولا فرق بين أن يكون الدّفن في داره أو في غيرها، وقطع بعض المثبتين للقولين في سائر صور الضّلال بالوجوب هاهنا؛ لأنه غير معذور بالنّسيان، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- أن دفنه في حِرْزه ففيه الزكاة، وإلاَّ فلا، ولو أسر المالك وحيل بينه وبين ماله، ففيه طريقان: منهم من طرد الخلاف، ومنهم من قطع بالوجوب وهو الأصح؛ لأن تصرُّفه نافذ فيه بالبيع وغيره بخلاف ما لو غصب ماله أو ضل.
واعلم أن الأئمة ذكروا أن مذهب مالك في الفصل بين الحول الأول وما بعده على ما سبق مبنى على أصل له، وهو أن الإمكان من شرائط وجوب الزكاة، ولا يبتدأ الحول الثاني إلا من يوم الإمكان ويوم الإمكان هاهنا هو يوم الوجدان، فمنه يفتتح الحول الثاني ولا يخرج لما مضى إلا زكاة حول، وهذا الذي ذكروه يقتضي أن يكون للشَّافعي -رضي الله عنه-[مثل قول] 89 مذهبه؛ لأن له قولاً كمذهبه في أن الإمْكان من شرانط الوجوب والله اعلم.
المسألة الثانية: لو اشترى من الأموال الزَّكاوية نصاباً ولم يقبضه حتى مضى حول في يَدِ البَائِعَ، هل تجب الزكاة على المشتري؟ فيه طرق:
أحدها: حكى في "النهاية" عن بعض المصنّفين عن القَفّال: أنها لا تجب قولاً واحداً بخلاف المغصوب؛ لأن ملك المشتري ضعيف فيه، ألا ترى أنه لا ينفذ تصرفه، فإن رضي البائع ولو تلف تلف على ملك البائع.
وثانيها: أنه على القولين في المَغْصُوب.
الجزء: 2 - الصفحة: 541
وأصحهما وبه قطع الجمهور: وجوب الزَّكَاة فيها قولاً واحداً بخلاف المغصوب، فإنه يتعذّر الوصول إليه وانتزاعه، وهاهنا يمكنه تسليم الثَّمَن وتسلّم المبيع.
الثالثة: لو رهن ماشيته أو غيرها من أموال الزَّكاة، فقد حكى الإمام والمصنف في "الوسيط" في وجوب الزكاة فيها عند تمام الحول وجهين لامتناع التَّصرف، وعلى ذلك جرى هاهنا فأثبت الخِلاَف في المَرْهُون كما في المغصوب والمجحود ونحوهما، وقطع الجمهور بوجوب الزكاة فيه، وقالوا: لا اعتبار بامْتناع التَّصرف فيه كما في الصَّبي والمَجْنُون، ولهم أن يفرقوا بين الحَيْلُولة وامتناع التصَّرف الواقعين في المرهون وبين الحيلولة وامتناع التصرف الواقعين في المغصوب بأن ما حصل في المرهون حصل برهنه وإقباضه، وهو بما فعل متنفع بملكه ضرباً من الانتفاع - بخلاف المغصوب والمجحود، نعم يجيء في وجوب الزكاة في المرهون الخلاف بجهة أخرى، وهي أنَّ الرهن لا بد وأن يكون بِدَيْن 90 فيأتي فيه الخلاف الذي سنذكره في أن الدَّين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والذي قاله الجمهور جواب على القول المشهور: وهو أنه لا يمنع ثم إذا حكمنا بوجوب الزكاة فيبقى الكلام في أنها تؤخذ من عين المَرْهون أو غيره، وقد ذكره في الكتاب قبيل النوع الثّاني من الزَّكاة سنشرحه إذا انتهينا إليه.
الرابعة: الدَّين الثابت على الغير إمّا أن يكون لازمًا كَمَالِ الكتابة فلا زكاة فيه؛ لأن الملك غير تام فيه، وللعبد إسقاطه متى شاء، وإن كان لازماً فينظر: إن كان ماشية فلا زكاة فيها أيضاً وذكروا له معنيين:
أحدهما: أن السّوم شرط لزكاة المواشي، وما في الذّمة لا يتَّصف بالسّوم ولك أَنْ تقول: لِمَ لا يجوز أن تكون الماشية الثَّابتة في الذِّمة موصوفة بوصف كونها سائمة؟
ألا ترى أنا نقول: إذا أسلم في اللّحوم يتعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة، فإذا جاز أن يثبت في الذمة لحم راعية جاز أن يثبت في الذمة راعية.
وأصحهما: أن الزكاة إنما تجب في المال النَّامي، والماشية في الذمة لا تنمو بخلاف الدّراهم إذا ثبتت في الذِّمة فإن سبب الزكاة فيها رواجها وكونها معدة للتصرف، ولا فرق فيه بين أن يكون نقداً أو على ملئ، وإن كان الدَّيْن عروض تجارة أو دراهم أو دنانير ففيه قولان: قال في القديم فيما رواه الزعفراني: لا زكاة في الدين بحال؛ لأنه لا ملك فيه حقيقة فأشبه دين المكاتب.
الجزء: 2 - الصفحة: 542
والجديد الصحيح: أنها تجب في الدَّيْن في الجملة، وتفصيله إنه إن كان يتعذر الاسْتِيفاء لكون من عليه معسراً أو لكونه جاحداً ولا بيّنة عليه أو ماطله فهو كالمغصوب، ففي وجوب الزكاة فيه القولان، ولا يجب الإخراج قبل حصوله قطعاً، وفرّق في "العدة" بين الجحود والاعسار فجعل وجوب الزَّكَاة في الصورتين على القولين وبين المُطْل فقطع بوجوب الزَّكَاة فيه، وكذا فيما إذا كان دينه على ملئ غائب، وإن لم يتعذَّر استيفاؤه بأن كان على ملئ مقر باذل فينظر: إن كان حالاً وجبت الزَّكَاة فيه، ويلزم إخراجها في الحال -خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا: لا يؤمر لإخراجها إلا بعد القبض.
لنا: أنه مال مقدور عليه فأشبه ما لو كان مودعاً عند إنْسان وإن كان مؤجلاً ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تجب فيه الزكاة قولاً واحداً كالمال الغائب الذي يسهل إحضاره.
والثاني: أنه لا زكاة فيه قولاً واحداً، ويحكى هذا عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَة؛ لأن من له دَيْن مؤجل لا يملك شيئاً قبل حُلُول الأجل.
والثالث وبه قال أبو إسحاق: أنه على القولين في المغصوب والمجحود؛ لأنه لا يتوصل إلى التّصرف فيه قبل الحُلُول، وهذا أظهر عند الأئمّة.
وإذا قلنا: تجب فيه الزكاة فهل يلزم إخراجها في الحال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالغائب الذي يسهل إحضاره.
وأصحهما: لا، حتى يقبضه 91؛ لأنه لو أخرج خمسة نقداً مثلاً وماله مؤجل كان بمثابة [إخراج] 92 ستة وهو إجحاف به، فإن الخمسة نقداً تساوي ستة نسيئة، ولا سبيل إلى القناعة بما دون الخمسة.
الخامسة: المال الغائب إذا لم يكن مقدوراً عليه لانقطاع الطريق أو انقطاع خبره فهو كالمغصوب والمجحود، وذكر في "التهذيب" وجهاً آخر: أنه لا يجب الزكاة فيه لا محالة، نعم لا يخرج في الحال حتى يصل إليه، وإن كان مقدوراً عليه معلوم السَّلاَمة وجب إخراج زكاته في الحَالِ، وينبغي أنْ يخرج في بلد المال، فإن أخرج في غير ذلك البلد ففيه خلاف نقل الصدقة، وهذا إذا كان المال مستقرّاً في بلد، فإن كان سائراً فقد قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل زكّاه لما مضى بلا
الجزء: 2 - الصفحة: 543
خلاف 93 ثم أعود بعد هذا إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب.
قوله: أو مجحوداً لا بينة عليه يتناول العَيْن يَجْحَدُها مَنْ أودع عنده والدَّين جميعاً، وإنما قال: لا بينة عليه، لأنه لو كان له بينة عاد له، فالحكم كما لو لم يكن جاحداً؛ لأنه يقدر على الإثبات والاستيفاء، ولو كان القاضي عالماً بالحال، وقلنا: إنه يقضي بعلمه فهو كما لو كانت له بينة.
وقوله: ففي جميع ذلك خلاف أراد بالخلاف الذي أبْهَمَه وجهين في الرُّهون على ما صرح به في "الوسيط"، وقولين في سائر المسائل جواباً على طريقة إثبات القولين فيهما، ألا تراه يقول بعد ذلك، وفي المغصوب قول ثالث؟ ولك أن تعلم قوله: "ففي جميع ذلك خلاف" بالواو إشارة إلى الطرق القاطعة بالنفي أو الإثبات.
وقوله: وفي المغصوب قول ثالث إشارة إلى طريق من خص القولين بما إذا عاد المال إليه بفوائده وإذا ضم ذلك إلى قول من طرد القولين خرجت ثلاثة أقوال كما ذكره، وربما أوهم قوله: "وفي المغصوب قول ثالث" تخصيص هذا القول بالمغصوب من بين سائر الصور، وليس كذلك بل هو جَار في الضَّال والمجحود أيضاً، وقوله: أيضاً قبل ذلك لِحُصُولِ الملك وامتناع التَّصرُّف إِشَارة إلى تَوْجِيهِ القَوْلَيْن فحصول الملك وجه الوجوب وامتناع التَّصَرُّف وجه المنع.
وقوله: وإن لم تعد الفوائد فلا غير مجرى على ظاهره بل المعنى لا بأعيانها ولا بأبدالها على ما سبق بيانه.
وقوله: والتَّعجيل قبل عود المال، وقوله بعده: "لم يجب التعجيل" ليس المراد من التعجيل هاهنا معناه المشهور في الزكاة وهو التقديم على الحول، وإنما المراد التقديم على أخذ المال وقد جرى ذلك في لفظ الشافعي -رضي الله عنه-.
وقوله: والدَّين المؤجل أي: على الموسر المقرّ.
وقوله: قيل: "إنه كالمغصوب" ليس للتسوية على الإطلاق، فإن القول الثالث في المغصوب لا يأتي هاهنا، وإنما الغرض منه التسوية في القولين الأولين وكذا قوله: "وقيل: كالغائب الَّذي يسهل إحضاره" ليس مجرياً على إطلاقه، لأن الغاصب الذي يسهل إحضاره يجب إخراج زكاته في الحال، وفي الدين لا يجب في أظهر الوجهين بل المراد التسوية في وجوب الزكاة قولاً واحداً، ثم يجوز إعلام كلاميهما بالواو وللوجه المعزى إلى ابن أبي هريرة.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي تَسَلُّطُ الغَيْرِ عَلَى مِلْكِهِ كالملْكِ فِي زَمَنِ الخِيَارِ، وَالمِلْكُ فِي اللُّقَطَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا لَمْ يَتَمَلَّكْهَا المُلْتَقِطُ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاة فِيهَا؟ فيه خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 544
أحدهما: إذا باع مالاً زكويّاً قبل تمام الحول بشرط الخيار فتم الحول في مدة الخيار أو اصطحبا مدة فتم الحَوْل في مدة خيار المجلس، فوجوب الزكاة ينبني على الخلاف في أن الملك في زمان الخيار لمن يكون.
إن قلنا: إنه للبائع فعليه الزكاة وبهذا القول أجاب الشَّافعي -رضي الله عنه- في هذه المسألة التي نحن فيها.
وإن قلنا: إنه للمشتري، فلا زكاة على البائع لانقطاع حوله بزوال ملكه، والمشتري يبتدئ الحول من يوم الشراء، فإذا تم الحول من يومئذ وجبت الزكاة عليه.
وإن قلنا: إنه موقوف فإن تم العقد تبينا أن الملك للمشتري، وإن فسخ تبينا أنه كان للبائع وحكم الحالتين ما ذكرنا هذا ما ذكره الجمهور من أئمتنا -رضي الله عنهم- ولم يتعرضوا لخلاف بد البناء على الأصل المذكور.
قال إمام الحرمين: إلا صاحب "التقريب" فإنه قال: وجوب الزكاة على المشتري مخرج على القولين في المغصوب بل أولى لعدم استقرار الملك مع ضعف التَّصرف، وعلى هذا جرى المصنّف فأثبت الخلاف في الملك في زمان الخيار.
قال إمام الحرمين: وإنما خرجه صاحب "التقريب" على القولين إذا كان الخيار للبائع أو لهما، فأما إذا كان الخيار للمشتري وحده، والتفريع على أن الملك له فملكه ملك الزكاة بلا خلاف؛ لأن الملك ثابت والتَّصرف نافذ، وتمكّنه من ردِّ الملك لا يوجب تَوْهِيناً، وعلى قياس هذه الطَّريقة يجري الخِلاَف في جانب البَائِعِ أيضاً، إذا فرعنا على أن الملك وكان الخيار للمشتري، فإنه لو أجاز لزال ملك البائع فهو ملك بتسلط الغير على إزالته.
الثانية: اللُّقَطَة في السَّنة الأولى باقية على ملك المالك، فلا زكاة فيها على الملتقط، وفي وجوبها على المالك الخلاف المذكور في المغصوب والضَّال، ثم إن لم يعرفها حولاً فهكذا الحكم في سائر السّنين، وإن عرفها فيبنى حكم الزكاة على أن الملك في اللُّقطة يحصل بنفس مضي سنة التعريف أو باختيار التملك أو بالتصرف، وفيه اختلاف يأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى جده-.
فإن قلنا: يملك بانقضائها فلا زكاة على المالك، وفي وجوبها على الملتقط وجهان، حكاهما الشيخ أبو محمد، وبناهما على أن المالك لو علم بالحال، والعين باقية، هل يتمكن من الاسترداد أم لا.
إن قلنا: نعم فهو ملك يتسلط الغير على إزالته.
وإن قلنا: يملك باختيار التملك، وعليه بني المسألة في الكتاب حيث قال: "إذا لم يتملكها الملتقط" وهو المذهب فينظر: إن لم يتملكها، فهي باقية على ملك المالك وفي وجوب الزكاة عليه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين كما في السَّنة الأولى، قال في في "الشامل" وغيره: وهو الأصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 545
والثاني: القطع بنفي الزكاة فيها، وينقل ذلك عن حكاية أبي إسحاق.
والفرق أن ملك المالك في المغصوب ونظائره مستقر غير معرض للزوال، وملكه في اللُّقطة بعد سنة التعريف تعرض للإزالة، وإن تملكها الملتقط فليس على صاحبها زكاتها وهو يستحق القيمة على التملك لكنها في حقه ملك ضال ففي وجوب زكاتها الخلاف من وجهين:
أحدهما: أنه دين.
والثاني: أنه غير مقدور عليه فهو كالأعيان التي لا يقدر عليها، ثم الملتقط مديون بالقيمة فإن لم يملك غيرها ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف الذي نذكره في أن الدَّيْن هل يمنع وجوب الزَّكَاة وإن ملك ما بقي بالقيمة، ففي الوجوب وجهان مبنيان على ما سبق.
أظهرهما وأشهرهما: الوجوب، وإن قلنا: أن الملك فيها يحصل بالتصرف ولم يتصرف، فالحكم كما إذا لم يتملك.
وقلنا: لا بد منه.
واعلم: أن الملتقط لو رد اللُّقْطة بعد ظهور المالك تعين عليه القبول، وفي تمكن الملك من استردادها قهراً وجهان، وهذا يوجب أن تكون القيمة الواجبة بعرض السقوط وحينئذ لا يبعد التردُّد في امتناع الزكاة كالتردُّد في وجوب الزكاة على الملتقط مع الحكم بثبوت الملك له لكونه يعرض للزوال.
وإذا عرفت المسألتين لم يَخْفَ عليك أنَّ المراد من الخلاف الذي أبهم ذكره طريقان:
أظهرهما: في كلام الأصحاب في المسألة الأولى: القطع بالوجوب.
والثَّاني: إثبات القولين:
وأظهرهما في الثانية: إثبات القولين.
والثاني: القطع بالمنع.
وقوله: "إذا لم يتملكها الملتقط" أي بعد التعريف سنة، فإن التسلط حينئذ يثبت.
قال الغزالي: وَإِذَا اسْتَقْرَضَ المُفْلِسُ مَائَتَيْ دِرْهَم فَفِي زَكَاتِهِ قَوْلاَنِ: وَجْهُ المَنْعِ: صَعْفُ المِلْكِ لِتَسَلُّطِ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَقَدْ يُعَلَّلُ بأَدائِهِ إِلَى تَثْنِيَةِ الزَّكَاةِ إِذْ يَجِبُ عَلَى المُسْتَحِقِّ بِاعْتِبَارِ يَسَارِهِ بِهَذَا المَالِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ المُسْتَحِقُّ بِحَيْثُ لاَ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ لِكوْنهِ مُكَاتِباً أَوْ يَكُونُ الدَّيْنُ حَيَوَاناً أَوْ نَاقِصاً مِنَ النِّصَابِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ عَلَى المُسْتَقرِضِ، فَإِنْ كَانَ المُسْتَقْرِضُ غَنِيّاً بِالعَقَارِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ (زح م) وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ، وَقِيلَ: الدَّيْنُ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ إِلاَّ فِي الأَمْوَالِ البَاطِنَةِ (ح).
الجزء: 2 - الصفحة: 546
قال الرافعي: الدين هل يمنع الزكاة؟ اختلف فيه قول الشافعي -رضي الله عنه-.
قال في أكثر الكتب الجديدة: لا يمنع، وهو المذهب لإطلاق النصوص الواردة في باب الزَّكاة، وأيضاً فإنه مالك للنِّصاب وتصرفه نافذ فيه وأيضاً فإن الزكاة إما أن تتعلّق بالذِّمة أو بعين المال، إن كان الأول فالذِّمَّة لا تضيق عن ثبوت الحُقُوق، وإن كان الثَّاني فالدَّين المتعلق بالذمة لا يمنع الحق المتعلق بالعين، ألا ترى أن العبد المديون 94 لو جنى تعلق أرش الجناية برقبته.
وقال في القديم: وفي اختلاف العراقيين من الجديد: إنه يمنع؛ لأن الزَّكَاة حَقٌّ يجب في الذِّمة بوجود مال فصنع الدين وجوبه كالحج وأيضاً فلما سيأتي في التفريع، ومن الأصحاب من حكى قولاً ثالثاً وهو أن الدين يمنع الزَّكَاة في الأموال الباطنة، وهي الذَّهَب والفضَّة وعروض التِّجَارة، ولا يمنعها في الأموال الظَّاهرة وهي المواشي والزُّروع والثِّمَار والمعادن، والفرق أن الأموال الظَّاهرة تنمو بنفسها أو هي نماء في نفسها والأموال الباطنة ليست كذلك، وإنما ألحقت بالنَّاميات للاستغناء عنها واستعدادها للاسترباح بالتَّصَرُّف والإخراج، والدين يمنع من ذلك ويحوج إلى صرفها إلى قضائه، وبهذا القول الثالث قال مالك -رضي الله عنه-، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- إلا أنه يمنع العشر عنده، وعندنا لا فرق، وعند أحمد -رحمه الله- يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، وفي الظاهرة روايتان.
التفريع إن قلنا: الدَّيْن لا يمنع [وجوب] 95 فلو أحاطت بالرّجل ديون، وحجر عليه القاضي فله ثلاث أحوال:
إحداها: أن يحجر ويفرّق ماله بين الغرماء، فهاهنا قد زال ملكه ولا زكاة عليه.
والثّانية: أن يعين لكلّ واحد منهم شيئاً من ماله على ما يقتضيه التَّقسيط، ومكنهم من أخذه، فحال الحَوْل، ولم يأخذوه.
قال معظم الأصحاب: لا زكاة عليه أيضاً؛ لأنه ضعف ملكه وصاروا هم أحق به، ولم يحكوا فيه خلافاً، وحكى الشيخ أبو محمد في هذه الصورة عن بعض الأصحاب: أن وجوب الزكاة يخرج على الخلاف في المَجْحُود والمغصوب؛ لأنه حيل بينه وبين ماله.
وعن القفال: أنه يخرج على الخلاف في اللُّقطة
الجزء: 2 - الصفحة: 547
في السنة الثانية؛ لأنهم تسلَّطوا على إزالة ملكه تسلط الملتقط بخلاف المجحود والمغصوب، ولك أن تقول: ميل الأكثرين في صورة اللُّقَطة إلى وجوب الزكاة، وهاهنا نفوا الوجوب، والصورتان يشتركان في المعنى فهل من فارق؟
والجواب: أنه يجوز أن يقال: تسلط الغرماء أقوى من تسلط الملتقط؛ لأنهم أصحاب حق على المالك؛ ولأن تسلطهم يستند إلى تَسْلِيطِ الحاكم بخلاف تسلُّط الملتقط، وأيضاً فالملك الذي يَتَسَلَّطُون على إزالة مِلْك المالك لإثباته أقوى، ألا ترى أن للمالك استرداد اللُّقطة بعد تملُّك الملتقط على أحد الوجهين، وهاهنا بخلافه.
واعلم: أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": ولو قضى عليه بالدّين وجعل لهم ماله حيث وجدوه قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقضيه الغرماء لم يكن عليه زكاه، لأنه صار لهم دونه قبل الحول، فمن الأصحاب من حمله على الحالة الأولى، ومنهم من حمله على الثانية.
والثالثة: أَنْ لا يفرِّق ماله، ولا يعين لكل واحد من الغُرَمَاء شيئاً، ويحول الحول في دوام الحَجْرِ، ففي وجوب الزَّكَاة ثلاثة طرق:
أصَحُّها: تخريجه على الخِلاَف في المَغْصُوب والمَجْحُود؛ لأن الحجر مانع من التصرف.
والثاني: القطع بالوجوب، وبه قال صاحب "الإفصاح"، لأن الملك حاصل، والحجر لا يؤثر كحجر السفيه.
والثالث: يحكى عن أبي إسحاق القطع بالوجوب في المواشي؛ لأن الحجر لا يؤثر في نمائها، وتخريج الذهب والفضَّة على الخِلاَف في المَغْصُوب لامتناع التَّصرف، وتوقف النَّماء فيها على التَّصرُّف، وإن قلنا: الدَّين يمنع الزكاة، فقد ذكر الأئمة في توجيهه أولاً شيئين، واختلفوا في أن العلّة منهما ماذا؟
أحدهما: أن ملك المَدْيون ضعيف؛ لأن مستحق الدين بسبيل مَنْ أخذه إذا لم يوفر دينه.
والثاني: أن مستحقّ الدَّين يلزمه الزّكاة على ما سبق، فلو ألزمنا المديون الزكاة أيضاً، وصار المال الواحد سبباً لزكاتين على شخصين وهو ممتنع.
ويتفرع على هذا الاختلاف صور:
إحداها: لو كان مستحق الدّين لا تلزمه الزكاة لكونه ذميّاً أو مكاتباً، فإن قلنا بالمعنى الثَّاني وجب على المديون؛ لأنه لا يلزمه التَّثنية هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 548
وإن قلنا بالمعنى الأول لم يجد؛ لأن ضعف الملك [لا] 96 يختلف.
والثانية: لو كان الدّين حيواناً كما إذا ملك أربعين من سائمة الغَنَم، وعليه أربعون من الغنم ديناً عن سلم، فإن قلنا بالمعنى الأول لم تجب الزَّكاة، وإن قلنا بالثاني تجب، إذ لا تَثْنية، فإنه لا زكاة في الحَيَوَان في الذِّمَّة كما مرَّ في الفصل قبل هذا، وعلى هذا يخرج أيضاً ما لو أنْبَتَت أرضه نصاباً من الحِنْطَة، وعليه مثله عن سلم.
الثالثة: لو ملك نصاباً، والدَّين الذي عليه ناقص عن النّصاب كما لو ملك مائتي درهم وعليه مائة دينار، إن قلنا بالمعنى الأول فلا زكاة لتطرّق النّقصان إلى بعض المال، ونقصان النّصاب بسببه.
وإن قلنا بالمعنى الثّاني تجب، لأنه لا زكاة على المستحق باعتبار هذا المال كذا أطلقوه، والمراد ما إذا لم يملك سواه من دين أو عين، وإلاّ فلو ملك ما يتم به النصاب فعليه زكاه باعتبار هذا المال، ولو ملك بقدر الدَّين مالاً زكاة فيه من العقار وغيره وجبت الزكاة في النصاب الزكويّ على هذا القول أيضاً خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- وحكى الشيخ أبو حامد وجهاً مثل مذهبه مبنيّاً على لزوم التَّثنية ووجه الوجوب مراعاة الحظ والنفع للمساكين، ولو زاد ماله الزَّكوي على الدين نظر: إن كان الفاضل نصاباً وجبت الزكاة فيه، وفي قدر الدين القولان، وإن كان دون النصاب يجب على هذا القول لا في القدر المقابل للدين ولا في الفاضل.
فرع منقول عن "الأم" ملك أربعين من الغنم فأستأجر راعياً يرعاها بِشَاةٍ، وحال الحول عليها نظر: إن استأجر بشاة معينة من الأربعين فكانت مختلطة بباقي الشِّياه، فعليها شاة على الراعي جزء من أربعين منها والباقي على المستأجر، وإن كانت منفردة، فلا زكاة على واحد منهما، وإن استأجره بشاة موصوفة في الذمة، فإن كان للمستأجر مال آخر يفي بها وجبت الزكاة في الأربعين، وإلاّ فعلى القولين في أن الدين هل يمنع الزكاة؟.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب من الفوائد:
فقوله: "وإذا استقرض المُفْلس مائتي درهم"، أشار بلفظ المُفْلس إلى أنه لا يملك شيئاً سوى ما استقرضه، ففي هذه الصورة يظهر القولان وفي معناها ما إذا كان الدَّين ينقص النّصاب وإن لم يستغرقه، فأما إذا ملك ما يفي به ممَّا لا زكاة فيه مع النّصاب أو ملك فوق قدر الدَّين فقد ذكرناه ثم إن أجدت النظر في لفظ الكتاب بحثت عن شيئين:
أحدهما: أنه صور في الاسْتِقْرَاض ولا مدخل للأجل فيه، فهل له أثر أم لا فرق بين الدَّين والحال والمؤجل؟
الجزء: 2 - الصفحة: 549
والثاني: أنه صور فيما إذا كان من جنس ما عليه، فهل يختص القولان به أم لا؟ وإن لم يختص فما الحكم عند اختلاف الجنس؟
والجواب: أما الأول فلا فرق بين الدين الحال والمؤجل، هكذا أورد صاحب "التهذيب" وغيره.
وأما الثاني: فإن قلنا: الدين لا يمنع الزكاة عند اتحاد الجنس فعند الاختلاف أولى.
وإن قلنا: يمنع فقد أشار إمام الحرمين إلى تردد عند اختلاف الجنس، وقال: الأصح المنع في هذه الصورة، والأشبه بسياق كلامه أنه أراد منع التأثير، لكن الأصح في "التهذيب" أنه يمنع الزَّكاة تفريعاً على هذا القول كما لو اتَّحد الجنس ويجوز أن يخرج هذا التَّردد على ما سبق من التَّعليلين إنْ علَّلنا بالضّعف، فهو موجود، وإن علّلنا بالتثنية فهاهنا لا تلزم التثنية في مال واحد.
وقوله: "وجه المنع ضعف الملك" إلى أن قال: "وقد يعلل بأدائه إلى تثنية الزكاة".
فيه إشارة إلى ترجيح العلّة الأولى حيث وجه المنع بها، ثم حكى العلّة الثانية حكاية، والأمر على ما أشار إليه نقلاً ومعنى.
أما النقل فلأن الأكثرين أجابوا في الصّور المفرعة على التّعليلين بما يقتضيه الأول، وأما المَعْنَى فمن وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلم لزوم التَّثنية في المال الواحد، وهذا لأن المستحقّ للمستقرض هذا المال، والمستحق للمقترض مطلق المال، لا هذا المال، فليس وجوب الزكاة عليه باعتبار هذا المال حتى تلزم التَّثنية.
والثَّاني: هَبْ أنه تلزم التثنية في المال الواحد لكن التثنية كما تندفع بأن لا تجب الزكاة على المديون تندفع بأن لا تجب على الدَّائنِ فلم يتعين الأول فإن رجح جانب المديون بضعفه ملكه عاد الكلام إلى العلة الأولى، وإن رجح بأن ماله مستغرق بحاجة مهمة وهي قضاء الدَّيْن وهذا كافٍ في التَّوْجيه ولا حاجة إلى توسُّط التثنية.
وقوله: "أو يكون الدَّين حيواناً" فيه استدراك لفظي من جهة أنه لم يذكر في أصل المَسْألَة عبارة تشمل الحَيَوان وغيره حتى يخرج على التَّعليلين ما إذا كان الدَّين حيواناً، وإنما تكلَّم في استقراض مائتي درهم، والمديون بالدراهم لا يكون دينه حيواناً إلاَّ أنه اعتمد فهم المعنى والمقصود.
وقوله: "وإنْ كان المستقرض غنيّاً بالعقار وغيره ولم يمتنع" معلم بالحاء والواو لما قدمنا، وأَشَار بلفظ العقار إلى أنه ملك مالاً غير زكويِّ ولك أن تَبْحَث عن قوله: وغيره، فتقول: المراد مطلق غير العقار أم غير العقار الذي ليس بزكوي؟ فإنْ كان الثَّاني فما الحكم لو كان عليه دين وله مالان زكويان؟ والجواب: أن المراد الغير الذي ليس
الجزء: 2 - الصفحة: 550
بزكويِّ.
أما إذا ملك مالين زكويين كَنِصَاب من الغنم ونصاب من البقر وعليه دين نظر إن لم يكن الدَّين من جنس ما يملكه، فقد قال في "التهذيب": يقص عليهما فإن خص كل واحد منهما ما ينقص به عن النصاب فلا زكاة على القول الذي عليه تفرع، وذكر أبو القاسم الكَرْخِيُّ وصاحب "الشامل": أنه يراعي الأحظّ للمساكين، كما أنه لو ملك مالاً آخر غير زكويّ صرفنا الدَّين إليه رعاية لحقهم.
ويحكى عن ابن سريج ما يوافق هذا وإن كان الدَّين مِنْ جنس أحد المالين، فإن قلنا: الدين يمنع الزكاة فيما هو من غير جنسه، فالحكم كما لو لم يكن من جنس أحدهما، وإن قلنا: لا يؤثر من غير الجنس اختص بالجنس.
وقوله: "وقيل: الدّين لا يمنع الزَّكَاة" إشارة إلى القول الثَّالث في أصل المسألة على ما صرح به في "الوسيط"، ويأتي فيه مثل [الاستدراك الذي سبق فإنه لم يتكلم إلاَّ في المال الباطن، ويجوز أن يعلم قوله: "بالواو"؛ لأن من الأصحاب من لم يثبته واقتصر على القولين الأوليين -والله أعلم-] 97.
قال الغزالي: وَلَو قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أتَصَدَّقَ بِالنِّصابِ، فَهَذَا أَوْلَى بِأنْ يَمْنَعَ الزَّكَاةَ لِتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِ الْمَالِ، وَلَو قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الأَغْنَامِ ضَحَايَا فَلاَ يُبْقَى لإِيجَابِ الزَّكَاةِ وَجْهٌ مُتَّجَهٌ وَإِنْ تَمَّ الحَوْلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِأَرْبَعَينِ مِنَ الغَنَمِ فَهَذَا دَيْنٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَيْنِ الآدَمِيِّينَ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَدْفَعَ الزَّكاةَ، وَدَيْنُ الحَجِّ كَدَيْنِ النَّذْرِ.
قال الرافعي: إذا قلنا: الدَّيْن يمنع الزَّكَاة فلا فرق عندنا بين دين الآدميين ودين الله -تعالى- وعند أبي حنيفة -رحمه الله- دين الآدميين يمنع، وكذا الزَّكَاة تمنع الزكاة والكَفَّارات لا تمنع.
إذا عرفت ذلك ففي الفَصْلِ صور:
إحداها: لو ملك نصاباً من المواشي أو غيرها فقال: لله على أن أتصدق بهذا المال أو بكذا من هذا المال فمضى الحول قبل التصدق، هل لجب زكاته؟ إن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فهاهنا أولى بأن لا تجب الزكاة لتعلق النَّذْر بعين المال وصيرورته واجب التَّصرُّف إلى ما نذر قبل وقت وجوب الزَّكَاة.
وإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزَّكاة فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنه كالدَّين، لأنه في ملكه إلى أن يتصدق.
والثاني: يمنع لتعلّقة بعين المال، وامتناع التصرف فيه ويخرج مما حكيناه طريقان في هذه الصورة:
الجزء: 2 - الصفحة: 551
أحدهما: القطع بالمنع.
والثاني: التَّخْريج على الخلاف السابق، وإلى هذا الترتيب أشار في الكتاب بقوله: فهذا أولى بأن يمنع الزكاة.
الثانية: لو قال: جعلت هذا المال صدقة أو هذه الأغنام ضحايا فقد طرد في "النهاية" أصل التردد فيها.
وقال: "الظاهر أنه لا زكاة" لأن ما جعل صدقة لا يبقى فيه حقيقة ملك بخلاف الصورة الأولى فإنه لم يتصدق وإنما التزم أن يتصدق ولفظ الكتاب يشعر أيضاً ببقاء الخلاف هاهنا، فإنه لم يجزم بامتناع الوجوب ولا نفي الخلاف وإنما نفي أن يكون للوجوب وجه بصفة الاتجاه.
ولو قال: "لله عليّ أن أضحي هذه الشَّاة"، فهو كقوله: "جعلتها ضحية"، إن قلنا: إن قوله: لله عليَّ التضحية بهذه يفيد التعيين، وفيه خلاف مذكور في الكتاب في موضعه، وإن تم الحَوْل عليه لو لم يذكره لم يضّر كما لم يتعرَّض له في أخوات هذه الصُّورة، وذلك لأنه لا يخفى أن الخلاف في وجوب الزكاة حينئذ يفرض.
الثالثة: لو أرسل النذر فقال: لله علي أن أتصدق بأربعين من الغنم أو بمائة درهم، ولم يضف إلى ماشيته وورقه، فهذا دَيْن نذر لله -تعالى-، فيرتب على دين الآدميين، فإن قلنا إنه لا يمنع فهذا أولى، وإن قلنا: أنه يمنع ففي هذا وجهان:
أحدهما: يمنع؛ لأنه أيضاً دين لازم في الذِّمّة.
وأصحهُّما: عند الإمام أنه لا يمنع، وفرق بين الدينين من وجهين:
أحدهما: أن هذا الدَّين لا مطالب به في الحال فكان أضعف حالاً.
والثاني: أن النذر يشبه التبرعات إذ النَّاذر بالخيار في نذره، فالوجوب بالنذر أضعف، وهذه الصورة والأولى قد حكاها أبو القاسم الكرخيُّ وغيره من تفريع ابْنِ سُرَيْجٍ على كلام لمحمَّد -رضي الله عنهما- وينبغي أنْ يفهم هاهنا أنَّ المال يتعين بتعيين النَّاذر إيَّاه للصدقة، ولو لم يتعين لما انتظم قوله في الصورة الأولى: لتعلّقه بعين المال ولما كان الفرق بين أن ينذر التصدّق بهذه الأربعين وبين أَنْ ينذر التَّصدُّق بأربعين، وهذا المفهوم هو ظاهر المذهب، وفيه شيء نذكره -إن شاء الله تعالى- في شرح قوله في: "كتاب الضحايا"، "ولو عين الدراهم للصدقة لم تتعين"، وبالجملة فمن أجاب بعدم التَّعيين لا يستقيم منه الفرق في هذه الصّورة، وقوله في هذه الصورة وفي الأولى، لو قال: لله عليَّ لو أبدله بأن يقول: لو نذر التَّصدق بكذا، لكان أَوْلَى؛ لأن الصِّيغة الَّتِي لا خلاف فيها في النَّذر أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي كذا.
أما إذا اقتصر علي قوله: لله على كذا ففيه قولان مذكوران في كتاب النَّذْر، فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 552
قلنا: إنها غير ملتزمة احتجنا إلى إضمار في لفظ الكتاب هاهنا.
الرابعة: لو وجب عليه الحج وتم الحول على نصاب في ملكه، يكون وجوب الحج دَيْناً مَانعاً من الزكاة؟ إن قلنا: الدَّين لا يمنع الزكاة فلا أثر له وإن قلنا: يمنع فقد ذكر الإمام وتتابعه المصنف أن فيه وجهين كالوجهين في دَيْنِ النَّذْر في الصُّورة الَّتي قبل هذه؛ لأن دين الحج وإن وجب من غير اختيار لكن المال غير مقصود فيه، ودين النذر وإن كانت المالية مقصود فيه لكن النَّاذر التزمه متبرعاً فيعتدلان، وأيضاً فدين الحج لا مطالب به في الحال كدين النّذر.
قال الغزالي: وَإذَا اجْتَمَعَ الزَّكَاةُ وَالدَّيْنُ فِي تَرِكَةٍ فَفِي التَّقْدِيمِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: وَفِي الثَّالِثِ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَوَجْهُ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ تَعَلُّقُهَا بِالعَيْنِ.
قال الرافعي: إذا قلنا ة الدَّيْنُ لا يمنع الزكاة فمات قبل الأداء، واجتمع الدَّيْن والزكاة في تَرِكَتِهِ ففيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: أن الزكاة تقدم لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 98.
ولأن الزكاة متعلّقة بالعَيْن والدَّيْنُ مُسْتَرْسل في الذِّمة، ولهذا تقدم الزكاة في حال الحياة ثم يصرف الباقي إلى الغرماء.
والثاني: يقدّم دَيْنُ الآدمي لافْتِقَار دين الآدمي واحتياجه، ولهذا إذا اجتمع القِصاص وحَدّ السرقة يقدم القِصَاص.
والثالث: أنهما يستويان فيوزع المال عليهما؛ لأن الحقّ المالي المضاف إلى الله -تعالى- تعود فائدته إلى الآدميين أيضاً وهم المنتفعون بها، وعلى هذه الاقول تجري مسائل نذكرها في موضعها -إن شاء الله تعالى جده-.
ولك أن تعلّم قوله: "ثلاثة أقول" بالواو لأن عن بعض الأصحاب طريقة أخرى قاطعة بتقديم الزَّكَاة المتعلّقة بالعَيْن والأقوال، في اجتماع الكفارات وغيرها مما يسترسل في الذمة مع حقوق الآدميين، وقد تعرَّض الزَّكاة من هذا القبيل بأن يتلف ماله بعد الوجوب والإمكان ثم يموت وله مال فإن الزَّكَاة هاهنا متعلّقة بالذّمة، لا تعلق لها بعين ماله -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّالِثُ: عَدَمُ قَرَارِ المِلْكِ، فَفِي الزَّكَاةِ فِي الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ: وَجهُ الإِسْقَاطِ: ضَعْفُ المِلْك، فَإنَّهُ يَسْقُطُ بِالإِسْقَاطِ، وَفِي الثَّالِثِ إِنْ كَانَ
الجزء: 2 - الصفحة: 553
الكُلُّ زَكَوِيًّا وَجَبَ وَإلاَّ فَلاَ لاحْتِمَالِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَقَعُ فِي سَهْمِ الخُمْسِ، وَلَو أَكْرَى دَاراً أَرْبَعَ سنين بِمائَةِ دِينَار نَقْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الأُولَى زَكاةِ رُبْعِ الْمِائَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ زَكاةُ نِصْفِهَا لِسَنَتَيْنِ إلاَّ مَا أَدَّى، وَفِي الثَّالِثَةِ زَكَاةُ ثَلاثَةِ أَرْبَاعِهَا لِثَلاَثِ سِنِينَ إلاَّ مَا أَدَّى، وَفِي الرَّابِعَةِ زَكَاةُ الجَمِيعِ لِأَرْبَعِ سنِينَ وَيُحَطُّ عَنْهُ مَا أَدَّى؛ لِأَنَّ الأُجْرَةَ هَكَذَا تَسْتَقِرُّ، بِخِلاَفِ الصَّدَاقِ فَإِنَّ تَشَطُّرَهُ بِالطَّلاَقِ لَيْسَ مقْتَضى العَقْدِ، وَسُقُوطُ الأُجْرَةِ بِالانْهِدَامِ مُقْتَضَى الإِجَارَةِ وَفِي المَسْألةِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِخْرَاجُ زَكَاةِ جَمِيعِ المِائَةِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا أحرز الغازون الغنيمة فينبغي للإمام أن يعجل قسمتها، ويكره له التأخير من غير عذر، فإذا قسم فكل مَنْ أصابه مال زَكَوِيّ وهو نصاب أو بلغ نصاباً مع الّذي كان يملكه ابتدأ الحول من حينئذ، وإن تأخرت القسمة بعذر أو بغير عذر حتى مضى حول، فهل تجب الزكاة؟ ينظر إن لم يختاروا التملك فلا زكاة؛ لأنها غير مملوكة للغانمين أوْ هي مملوكة لهم ملكاً في غاية الضّعف والوهن، ألا ترى أنه يسقط بمجرد الإعراض؟ وللإمام أن يقسمها بينهم قسمة تحكم فيخصّ بعضهم ببعض الأنواع وبعض الأعيان إن اتَّحد النوع ولا يجوز هذا الضَّرب من القسمة في سائر الأملاك المشتركة، إلاَّ بالتَّرَاضي وِإن اختاروا التَّملُّك ومضى حول من وقت الاخْتِيَار نظر إن كانت الغنيمة أصنافاً فلا زكاة سواء كانت ممَّا تجب الزَّكاة في جميعها أو كان بعضها مِمَّا لا يجب فيه زكاة؛ لأن كل واحد منهم لا يدري ماذا يصيبه؟ وكم يصيبه؟ وإن لم تكن إلا صنفاً وِاحداً زكوياً، وبلغ نصيب كل واحد من الغانمين نصاباً فعليهم الزكاة، وإن بلغ مجموع أَنْصِبَائِهِمْ نصاباً، وكانت الغنيمة ماشية فكذلك وهم خلطاء فيها، وكذا لو كانت غير ماشية وأثبتنا الخلطة فيه، ولو كان يتم أنصباؤهم بالخُمُس نصاباً فلا زكاة عليهم إذ الخلطة مع أهل الخمس لا تثبت؛ لأنه لا زكاة في الخمس بحال من حيث أنه لغير معينين كمال بيت المال من الفيء وغيره ومال المساجد والرّبَاطَات، فهذا حكم زكاة الغنيمة على ما ذكره جمهور أئمتنا -رحمهم الله- من العراقيين والمَراوِزَة وهو ظاهر المذهب، وزاد في "التهذيب" شيئين:
أحدهما: أن لا زكاة قبل إفْراز الخمس بحال، فإن أفرز فحينئذ نفصل الأمرين أن يختاروا التملك أو لا يختاروه، وهذا لم يتعرض له الأكثرون، ولم يفصلوا بين أن يفرز الخمس أو لا يفرز، وصرح في "العدة" أنه لا فرق بين الحالين.
والثاني: حكى في حالة عدم الاختيار وجهاً آخر؛ أنه تجب الزكاة وهذا يتعرض له ما في الكتاب، فإنه جعل وجوب الزكاة قبل القسمة على ثلاثة أوجه، وهكذا إمام
الجزء: 2 - الصفحة: 554
الحرمين -قدس الله روحه- بعد البناء على أصل مذكور في السّير، وهو أن الغنيمة هل تملك قبل القسمة أم لا؟ إنْ قلنا: لا، فلا زكاة فيها بحال، وإن قلنا: نعم ففي وجوب الزَّكاة هذه الأوجه:
أحدها: لا، لضعف الملك.
والثاني: نعم اكتفاء بأصل الملك.
والثالث: إن كان في الغنيمة ما ليس بِزَكَوِيّ، فلا تجب لجواز أَنْ يجعل الإمام الزّكوي سهم الخمس، وإن كان الكل زكويًا تجب، وكان الأحسن لصاحب هذا الوجه أن يقول: إن كان الزكوي بقدر خمس المال لا تجب الزكاة، وإن زاد تجب زكاة القدر الزائد 99، ويخرج مما تقدم وجه رابع وهو الظاهر: أنهم إن اختاروا التملك وكانت الغنيمة صنفاً واحداً زكوياً وجبت الزَّكَاة وإلا فلا، وتمام توجيهه ينكشف عند معرفة الأصل المحال على "كتاب السير".
المسألة الثَّانية: في زكاة الأجرة وقد أدرج في خلالها مسألة أخرى يقتضي الشرح أن نقدمها فنقول: إذا أصدق امرأته أربعين شاة سائمة بأعيانها فعليها الزَّكَاة إذا تَمَّ حول من يوم الإصْداق، سواء دخل بها أو لم يدخل قبضتها أو لم تقبض لأنها ملكت الصّداق بالعقد، وبه قال [مالك] 100 -رحمه الله-، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إذا لم تقبضها فليس عليها ولا على الزَّوْج زكاتها، ويأْتي لنا وجه مثله تفريعاً على أن الصَّدَاق مضمون ضمان العقد، فإنه يكون على الخلاف الذي سبق في المبيع قبل القبض، وظاهر المذهب وهو القطع بالوجوب، وعلى هذا فلو طلقها قبل الدخول نظر، إن طلّق قبل الحول عاد نصفها إلى الزوج، فإن لم متميزاً، فهما خليطان فعليها عند تمام الحول من يوم الطلاق الإصداق نصف شاة، وعليه عند تمام الحول من يوم الطلاق نصف شاة، وإن طلقها بعد تمام الحول فلا يخلو إما إن كانت قد أخرجت الزكاة من عينها أو مِنْ موضع آخر أو لم تخرج أصلاً فهذه ثلاثة أحوال:
إحداها: إذا كانت قد أخرجت الزَّكَاة من عينها، فإلى ماذا ترجع؟ فيه ثلاثة أقوال:
الجزء: 2 - الصفحة: 555
أحدها: أنه يأخذ نصف الصَّداق من الموجود، ويجعل المخرج من نصيبها فإن تساوت قيم الشياه أخذ عشرين منها، وإن تفاوتت أخذ النِّصْف بالقيمة.
قال المَسْعُودي: هذه رواية الرَّببع.
والثاني: يأخذ نصف الأغنام الباقية ونصف قيمة الشَّاة المخرجة.
والثالث: أنه بالخيار بين ما ذكرنا في القول الثاني وبين أن يترك الكل ويأخذ نصف القيمة 101، وهذا مخرج مما لو أَصْدقها إناءين فانْكَسَرَ أحدهما، وطلقها قبل الدُّخُول نصَّ فيه على القول الثَّاني والثالث، قال الأئمة: ولفظ "المختصر" في المسألة التي نحن فيها صالح للقول الأول والثَّاني، وهو إلى الأول أقرب.
الحالة الثانية: إذا كانت قد أخرجت من موضع آخر فإن قلنا: تتعلق الزكاة بالذِّمة أو قلنا: تتعلَّق بالعَيْنِ لا على سبيل الشّركة عاد نصف الأربعين إلى الزوج، وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن على سبيل الشّركة.
فقد قال الصَّيدلانيُّ وجماعة من الأئمة: يبنى هذا على الوجهين فيما إذا زال ملكها عن الصَّدَاق وعاد إليها ثم طلَّقَها قبل الدخول.
أحدهما: يرجع بنصف القيمة كما لو طلقها ولم يعد.
والثَّانية: بنصف العين كما لو طلَّقَها ولم يزل، لكن الشَّاة الَّتي زال ملكها عنها، وعاد بِأداء الزَّكَاة مِنْ موضع آخر غير متعينة، فعلى الوجه الأول لا يأخذ شيئاً من الأربعين بل يعدل إلى نصف القيمة.
وعلى الثاني: يأخذ نصف الأربعين، وهذا ما ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم من غير تفصيل.
والثالثة: إذا لم تخرج الزَّكاة أصلاً حئى طلقها ففيه اختلاف وتفريع طويل مبني على كيفية تعلّق الزكاة، والجواب الخارج على ظاهر المذهب ما ذكره في "التهذيب" إن شاء الله -تعالى-، وهو نصف الأربعين يعود إلى الزَّوْج شَائِعاً، فإن جاء السَّاعِي وأَخَذ
الجزء: 2 - الصفحة: 556
من عينها شَاةً رجع الزَّوج عليها بنصف قيمتها.
جئنا إلى مسألة الأجرة إذا أكرى داراً أربع سنين بمائة دينار معجلة وقبضها، كيف يخرج زكاتها؟ فيه قولان:
أحدهما: ذكره في "الأم" ونقله المزنيُّ في "المختصر": أنه لا يلزمه أن يخرج عند تمام كل سنة، إلاَّ زكاة القدر الذي استقرَّ ملكه عليه؛ لأنها قبل الاستقرار يعرض السقوط بانهدام الدار فأورث ضعف الملك.
والثاني: قاله في البُويطِيِّ واختاره المُزَنِيُّ: أنه يلزمه عند تمام السّنة الأولى زكاة جميع المائة؛ لأنه ملكها ملكاً تاماً، أَلاَ تَرَى أنه لو كانت الأُجْرة جَارِيَةٌ يحل وَطْؤُها، ولو كان الملك ضعيفاً لم يحل، غايته أنه يتوهم سقوط بعض الأجرة بالانهدام لكنه لا يقدح في وجوب الزكاة كما أن المرأة يلزمها زكاة الصَّدَاق قبل الدخول وإن كان يتوهّم عود جميعه بارتداد أحدهما أو عود نصفه بالطَّلاق، وهذا القول أَصَحُّ عند صاحب "المهذب"، ومال إليه في "الشامل"، لكن الجمهور على ترجيح القول الأول وهو الَّذِي يقتضيه إيراد الكتاب والقول بثبوت الملك التام في الأجرة ممنوع على رأي بعض الأصحاب، فإن صاحب "النهاية" حكى طريقة أن الملك يحصل في الأجرة شيئاً فشيئاً، فمن قال بذلك لا يسلم بثبوت الملك في الأجرة فضلاً عن ثبوت المِلْك التَّام، وعلى التَّسْليم فوجه الضعف والنقصان ما ذكرنا، وأما حلْ الوَطْءِ فلا نسلم أنه يتوقف على ارْتِفَاع الضّعف من كل وجه وأمَّا الصَّدَاق فقد روى الحَنَّاطِى عن ابْن سُرَيْجٍ تخريج قول من الأجرة في الإصداق، فعلى هذا لا فرق وعلى التسليم فالفرق أَنْ الأُجرَة تستحق في مقابلة المَنَافع، فإذا لم تسلم المنافع للمستأجر ينفسخ العقد من أصله، والصَّدَاق ليس في مقابلة المَنَافع، أَلاَ ترى أنها لو ماتت يستقر الصداق؟ وإن لم تسلم المنافع للزوج والتَّشطر ثبت بتصرف من جهة الزوج يفيد ملك النِّصف عليها، ولا ينقص ملكها من الأصل.
التفريع: إن قلنا: بالقول الأول أخرح عن تمام السّنة الأولى زكاة رُبع المائة وهو خمسة وعشرون ديناراً، وزكاتها خمسة أثْمان دينار؛ لأن ملكه استقر على هذا القدر، فإن مضت السَّنة الثَّانية فقد استقر ملكه على خمسين ديناراً أو كانت في ملكه سنتين زكَّاها زكاة خمسين لسنتين وهي ديناران ونصف لكنه قد أدَّى زكاة خمسة وعشرين لسنة فيحط ذلك ويخرج الباقي وهو دينار وسبعة أثمان دينار، فإذا مضت السنة الثالثة فقد استقر ملكه على خمسة وسبعين ديناراً وكانت في ملكه ثلاث سنين وزكاتها لثلاث سنين خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار أخرج منها للسنتين الماضيتين دينارين ونصفاً، يبقى ثلاثة دنانير وثُمن يخرجها الآن، فإذا مضت السنة الرابعة فقد استقر ملكه على جميع المائة، وكانت في ملكه أربع سنين وزكاة المائة لأربع سنين عشرة دنانير، أخرج من
الجزء: 2 - الصفحة: 557
ذلك خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار، فيخرج الباقي وهو أربعة دنانير وثلاثة أثمان دينار، وقد يعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فيقال: يخرج عند تمام السنة الأولى زكاة خمسة وعشرين لسنة وعند تمام السنة الثّانية زكاة خمسة وعشرين لسنتين وزكاة الخمسة والعشرين الأولى لسنة، وعند تمام الثَّالثة زكاة الخمسين لسنة، وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين، وعند تمام الرابعة زكاة الخمسة والسبعين لسنة وزكاة خمسة وعشرين لأربع سنين، هذا إذا كان يخرج واجب كل سنة من غير المائة، وأمَّا إذا أخرج من عينها واجب السنة الأولى فعند تمام الثَّانية أخرج زكاة الخمسة والعشرين الأولى، سوى ما أخرج في السَّنة الأولى لسنة، وزكاة خمسة وعشرين أخرى لسنتين، وعند تمام الثَّالثة يخرج زكاة الخمسين سوى ما أخرج في السَّنَتَيْنِ الأوليين لسنة وزكاة خمسة وعشرين أخرى لثلاث سنين، وعلى هذا قياس السنة الرابعة، وإن قلنا بالقول الثاني، وهو أنه يخرج زكاة جميع المائة عند تمام السنة الأولى فعليه مثل ذلك عند تمام كل سنة، إن كان يخرج الواجب من موضع آخر، وإن كان يخرج منها فعند تمام السَّنة الثَّانية يخرج زكاة سبعة وتسعين ديناراً ونصفاً، وقس على هذا السَّنتين الآخريَيْن.
وزاد أصحابنا العراقيون في التفريع على القول الأول كلاماً آخر، وهو مبني على القولين في المسألة في كيفية الإخراج وزكاة جميع المائة واجبة عند تمام الحول الأول بلا خلاف أو هما في نفس الوجوب، فعن القاضي أبي الطَّيِّب أنهما في نفس الوجوب، وبه يشعر كلام طائفة، وقال الشيخ أبو حامد وشيعته: القولان في كيفية الإخراج والوجوب ثابت قطعاً، واحتجوا له بأنه لو امتنع الوجوب على أحد القولين لعدم استقرار الملك لكان يستأنف الحول، ولا يزكيه لما مضى كمال الكتابة، فلما نَصَّ في هذا القول على أنه يزكَي لما مضى دل أنه لم يجعل هذا الاختلاف مانعاً من الوجوب، وهذا قضية كلام الأكثرين صريحاً أو إشارة ثم هؤلاء القاطعون بالوجوب غاصوا فقالوا في التفريع على القول الأول: يخرج في السنة الأولى زكاة خمسة وعشرين كما سبق، ثم يبنى الحكم بعدها على الخلاف في أن الزكاة استحقاق جزء من العَيْن أم لا؟ وإن قلنا: ليست استحقاق جزء من العين، فهل الدين يمنع الزكاة أم لا؟ فإذا مضت السنة الثانية فقد استقر ملكه على خمسين، أما الخمسة والعشرون الأولى فقد زكاها للسنة الأولى، فإن كان قد أخرج زكاتها من موضع آخر زكاها للسَّنة الثانية أيضاً، وإن كان قد أخرج من عينها زكى ما بقي منها.
وأما الخمسة والعشرون الثَّانية فقد وجب الزَّكَاة في السَّنة الأولى في جميعها، وعليه إخراجها الآن وأما زكاة السّنة الثانية فإن قلنا: الزكاة ليست استحقاق جزء، وقلنا: الدَّيْن لا يمنع الزَّكَاة فكذلك يخرج الزَّكَاة عن جميعها، وإن قلنا: إنها استحقاق جزء، وقلنا: ليست كذلك لكن الدَّين يمنع الزَّكاة ولم يملك شيئاً آخر، فلا يزكى للسنة الثانية
الجزء: 2 - الصفحة: 558
عن جميعها بل عما سوى القدر الواجب في السنة الأولى؛ لأن ذلك القدر قد استحقه المساكين أو هو دين يمنع وجوب الزَّكَاة في قدرة، ثم إذا مضت السَّنة الثَّالثة فقد استقرَّ ملكه على خمسة وعشرين أخرى، أما الأولى والثانية فقد أخرج زكاتهما لما مضى على التَّفْصيل المذكور، فإن أخرج من موضع آخر زكَّى جميعها للسَّنة الثَّالثة أيضاً، وإن أخرج منها زكّى الباقي.
وأما هذه الثالثة فقد مضى عليها ثلاث سنين، فإن قلنا: الزكاة ليست استحقاق جزء، والدَّيْن لا يمنع الزكاة أخرج زكاة جميعها لثلاث سنين، وإن قلنا: إنها استحقاق جزء وقلنا: الدَّيْن يمنع الزكاة، ولم يملك شيئاً آخر، فيخرج زكاة جميعها للسّنة الأولى، وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السَّنة الأولى للثانية، وزكاة جميعها سوى قدر الواجب في السَّنَتَيْن الأوليين للثّالثة، وقس الرابعة على هذا.
ثم هاهنا كلامان:
أحدهما: للمسألة شريطة ذكرها إمام الحرمين، وهي أن تكون أجرة السنتين متساوية ولا بد منها؛ لأنها لو تفاوتت لزاد القدر المستقر في بعض السِّنين على ربع المائة ونقص في بعضها؛ لأن الإجارة إذا انفسخت توزّع الأجرة المسماة على أجرة المثل في المدتين الماضية والمستقبلة.
والثّاني: لعلك تبحث فتقول: كلام المسألة فيما إذا كانت المائة في الذمة ثم نقداً أم فيما إذا كانت الإجارة بمائة معينة، أم لا فرق؟
أمّا كلام النّقلة فإنه يشمل الحالتين جميعاً، وأما التفصيل والنّص عليهما فلم أو له تعرضاً إلا في فتاوى القاضي الحُسَيْن قال في الحالة الأولى: الظاهر أنه يجب زكاة كل المائة إذا حال الحول؛ لأن ملكه مستقر على ما أخذ حتى لو انهدمت الدار، لا يلزمه رد المقبوض بل له رد مثله، وفي الحالة الثانية قال: حكم الزكاة حكمها في المَبِيْع قبل القبض؛ لأنه بفرض أن يعود إلى المستأجر بانفساخ الإجارة، وبالجملة فالصورة الثانية أحق بالخلاف من الأولى، وما ذكره القاضي اختيار للوجوب في الحالتين جميعاً فاعل ذلك.
وعد بعده إلى لفظ الكتاب.
أَمَّا قوله: "نقداً" فهو إشارة كونها حالة مقبوضة والأجرة عندنا تملك بنفس العقد معجلة إن أطلقا أو شرطا التَّعْجيل ومؤجلة إذا شرطا التأجيل، فإذا كانت دَيْناً حالاً أو مؤجلاً زاد ما سبق من الكَلاَم في زكاة الدَّين.
وقوله: وجبت عليه في السَّنَة الأولى فيه المَبَاحث الَّتي تقدَّمت في أنَّ الكلام في نفس الوجوب وفي وجوب الإخراج، واللفظ إلى الاحتمال الأول أقرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 559
وقوله: "زكاة ربع المائة" وكذا "زكاة نصفها وزكاة ثلاثة أرباعها" يجوز أن يعلّم بالميم؛ لأن الشيخ أبا محمد حكى فيما علّق عنه عن مالك أنه يجب في كل سنة زكاة جميع المال كالقول الثَّاني.
وقوله: "في القول الثَّاني تجب في كل سنة" معلّم بالحاء؛ لأن مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- كالقول الأول، وعبارة الكتاب في القولين جميعاً محمولة على ما إذا أخرج الواجب من غير المائة، وهي الحالة الَّتِي ينزل عليها كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، فإن كان يخرج من عينها فقد ذكرنا حكمه.
ثم نختم الفصل بفرعين:
أحدهما: باع شيئاً بنصاب من النَّقْد مثلاً وقبضه ولم يقبض المشتري المبيع حتى حال الحول، هل يجب على البائع إخراج الزكاة؟ يخرج على القولين لأن الثمن قبل قبض المبيع غير مستقر، وخرجوا على القولين أيضاً ما إذا أسلم نصاباً في ثمره أو غيرها، وحال الحول قبل قبض المسلم فيه، وقلنا: إن تعذر المسلم فيه يوجب انفساخ العقد، وإن قلنا: إنه يوجب الخيار فعليه إخراج الزكاة.
الثاني: أوصى لإنسان بنصاب ومات الموصي، ومضى حول من يوم موته قبل القبول، إن قلنا: الملك في الوصيّة يحصل بالموت فعلى الموصى له الزكاة، وإن كان يرتد برده وإن قلنا: يحصل بالقبول فلا زكاة عليه، ثم إن أبقيناه على ملك الميت فلا زكاة على أحد.
وإن قلنا: إنه للوارث فهل عليه الزكاة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وإن قلنا: إنه موقوف فإذا قبل بَانَ أنه ملكه بالموت فهل عليه الزَّكَاة؟ روي في "التَّهْذِيب" فيه وجهين:
أصحهما: لا؛ لأن ملكه لم يكن مستقرّاً عليه.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِم فَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ (ح) والمَجْنُونِ (ح)، وَفِي مَالِ الجَنِينِ تَرَدُّدٌ، وَتَجِبُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح) إِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِالإِسْلاَمِ، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى مُكَاتِبٍ وَرَقِيقٍ وَلاَ عَلَى سَيِّدِهِمَا شَيئًا فِي مَالِهِمَا، وَمَن مَلَكَ بِنِصْفِهِ الحُرِّ شَيْئاً لَزِمَهُ (م ح) الزَّكَاةُ.
[القول في زكاة الصبي والمجنون والمكاتب]
:
قال الرافعي: فقه الفصل صور:
إحداها: تجب الزكاة في مال الصَّبِيّ والمجنون، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمهم الله- وسلَّم وجوب العشر وصدقة الفطر.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَلِيَ يَتِيماً فَليَتَّجِرْ لَهُ وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ
الجزء: 2 - الصفحة: 560
الصَّدَقَةُ" 102. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، لاَ تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ" 103.
إذا تقرر ذلك فيجب على الولي إخراجهما من مالهما، فإن لم يَفْعَل أخرج الصَّبي بعد البلوغ والمجنون بعد الإفَاقَة زكاة ما مضى، وهل تجب في المال المنسوب إلى الجنين؟ حكى إمام الحرمين فيه تردداً لوالده -رحمهما الله- قال: والذي ذهب إليه الأئمة أنَّ الزَّكاة لا تجب فيه؛ لأن حياة الحمل غير موثوق بها، وكذلك وجوده، ونحن وإن قضينا بأن الحمل يعرف، فالحكم يتعلّق به عند انفصاله.
والثاني: أنه تجب الزكاة إذا انفصل، كما في مال الصَّبيّ والمجنون.
الثانية: الكافر الأصلي غير ملزم بإخراج الزَّكَاة لا في الحال ولا بعد الإسلام، وأما المرتد فلا يسقط عنه ما وجب في الإسلام، فإذا حال الحَوْل على ماله في الرّدة، فهل تجب فيه الزكاة؟ يبني على الخلاف في ملكه، إن قلنا: يزول ملكه بالرّدّة فلا، وإن قلنا: لا يزول فنعم مؤخذة له بحكم الإسلام، وإن قلنا: إنه موقوف إلى أنْ يعود إلى الإسلام، أو يهلك على الردة، فالزكاة أيضاً على الوقف، فإن قلنا: لا يزول ملكه وأوجبنا الزكاة، فقد ذكر في "التَّهْذيب" أنه لو أخرج في حال الردة جاز كما لو أطعم عن الكفَّارة بخلاف الصوم لا يصح منه؛ لأنه عمل البدن فلا يصح إلا ممن يكتب له، وروي في "النَّهاية" عن صاحب "التقريب": أنه لا يبعد أن يقال: لا يخرجها ما دام مرتّداً، وكذا الزَّكَاة الواجبة قبل الردة؛ لأن الزكاة قربة مفتقرة إلى النية، فعلى هذا إن عاد إلى الإسلام أخرج الزَّكَاة الواجبة في الردة وقبلها، وإن هلك على الردة حصل اليأس عن الأداء وبقيت العقوبة في الآخرة.
قال الإمام: هذا خلاف ما قطع به الأصحاب، لكن يحتمل أن يقال: إذا أخرج في الرّدة ثم أسلم، هل يعيد الزكاة؟ فيه وجهان كالوجهين في الممتنع، إذا ظفر الإمام بماله وأخذ الزكاة منه، هل يجزئه أم لا؟ ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "إن قلنا يبقى ملكه" بالواو؛ لأن الحَنَّاطي ذكر أنه يحكي عن ابن سُرَيج أنه تجب الزكاة على الأقاويل كلها كالنَّفقات والغرامات.
الثالثة: لا تجب الزكاة على المكاتب، لا العشر ولا غيره وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجب العُشْر في زرعه.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ" 104.
الجزء: 2 - الصفحة: 561
وأيضاً فإن ملكه ضعيف، أَلا تَرى أنه لا يرث ولا يورث عنه ولا يعتق عليه قريبه ثم إذا أعتق وبقي المال في يده ابتدأ الحَوْل من يوم العتق، وإن عجز وصار مَا فِي يده للسَّيد ابتدأ الحول من حينئذ.
الرابعة: العبد القنّ لا يملك بغير تمليك السَّيد لا محالة، وهل يملك بتمليك السيد؟ فيه قولان مذكوران في الكتاب في موضعهما؛ فإن قلنا: لا، وهو المذهب فزكاة ما ملكه من الأموال الزَّكوية على السَّيد، ولا حكم لذلك التَّمليك، وإن قلنا: نعم، فلا زكاة على العبد كما لا زكاة على المُكاتب بل أولى؛ لأن للسَّيد أن يسترده وينتزعه متى شاء، وهل يجب على السيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن ملكه زائل.
والثّاني: نعم؛ لأن ثمرة الملك باقية، فإن للسَّيد أن يتصرف فيه كيف شاء، وإذا أعتق العبد ارتد الملك إليه بخلاف ملك المكاتب إذا أعتق، حكى هذا الوجه أبو عبد الله الحَنَّاطي، ونقله الإمام عن "شرح التَّلخيص"، وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: "ولا على سيديهما في مالهما" تفريع على أنَّ العبد يملك بتمليك السَّيد إياه، وإلا فليس للعبد مال وهو معلّم بالواو.
لما روينا من الوجه الثاني، والمدبّر وأم الولد كالعبد القنّ 105.
الخامسة: من بعضه حرٌّ وبعضه رقيق، لو ملك بنصفه الحر نصاباً فهل عليه زكاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لنقصانه بالرِّقِّ كالعبد والمُكَاتب، وهذا هو الَّذي ذكره في "الشامل".
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه تجب؛ لأن ملكه تام على ما ملكه بالجزء الحُرّ منه، ولهذا قال الشافعي -رضي الله عنه- أنه يكفر كفارة الحرّ الموسر، وقال: إنه يلزمه زكاة الفطر بقدر ما هو حر، هذا تمام الصّور وقد تبيّن بها أن المعتبر فيمن تجب عليه الحرية والإسلام على ما ذكر في أول الفصل، لكن قوله: "وهو كل حر مسلم" يقتضي أَنْ لا تجب الزَّكَاةُ على من ملك بنصفه الحُرّ؛ لأنه يقع على من جميعه حرٌّ، فأما من بعضه حر وبعضه رقيق، يصدق عليه القول بأنه ليس بحُرّ، فلما وجبت الزَّكَاة عليه على ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره في الكتاب ووجب تأويل اللفظ والله أعلم.
تم الجزء الثاني
ويليه الجزء الثالث، وأوله:
"باب أداء الزكاة وتعجيلها"
الجزء: 2 - الصفحة: 562
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسِم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفى سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ على محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الثالث يحتوي على الكتب التالية: تتمَّة الزكاة - الصِّيَام - الاعْتكاف - الحَجّ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
الجزء: 3 - الصفحة: 1
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا.
الطبعة الأولى
1417 هـ - 1997 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
الجزء: 3 - الصفحة: 2
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب أداء الزكاة وتعجيلها
قال الغزالي: (الطَّرَفُ الثَّانِي لِلزَّكَاةِ طَرَفُ الأَدَاءِ) وَلَهُ ثَلاَثةُ أَحْوَالٍ: الأُولَى الأَدَاءُ فِي الوَقْت وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الفَوْرِ (ح) عِنْدَنَا وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الصَّرْفِ إلَى الاِمَام أَوْ إلَى المَسَاكِينِ فِي الأَمْوالِ البَاطِنَةِ وَأَيُّهُمَا أَولَى فِيهِ وَجْهَانِ، والصَّرْف إلَى الإمَامِ أوْلَى فِي الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَهَلْ يَجِبُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكر في أول الزكاة أن النظر في الوجوب والأداء، وقد فرغ الآن من النظر الأول.
وأما: الأداء فله ثلاث حالات؛ لأنه إما أن يتفق في الوقت أو قبله أو بعده.
الحالة الأولى: الأداء في الوقت، وهو واجب على الفور بعد التمكن.
وقوله: "عندنا" قصد به التَّعرض لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله- فيما رواه إمام الحرمين وغيره أنها واجبة على التَّرَاخي، ونقل صاحب "الشامل" وغيره اختلافاً لأصحابه فيه، فعن الكرهي: أنها على الفور، وعن أبي بكر الرازي 106: أنها على التراخي.
لنا: أن الأمر بإيتاء الزكاة وارد، وحاجة المستحقين ناجزة، فيتحقق الوجوب في الحال.
ثم أداء الزكاة يفتقر إلى وظيفتين، فعل ونية [أما الأداء فـ] الأداء يفرض على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يباشره بنفسه وهو جائز في الأموال الباطنة، لما روي عن عثمان -رضي الله عنه- إنه قال في المحرم: "هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَليَقْضِ دِينَهُ، ثُمَّ ليُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ" 107. والأموال الباطنة هي الذهب والفضة وعرض التجارة
الجزء: 3 - الصفحة: 3
والرِّكاز وزكاة الفِطْر مُلْحَقَة بهذا النَّوع 108، وأَمَّا الأموال الظَّاهرة وهي المواشي والمُعشرات والمَعَادن، فهل يجوز أن يفرق زكاتها بنفسه؟ فيه قولان:
أصحهما وهو الجديد: نعم، كزكاة الأموال الباطنة.
والثّاني: وهو القديم ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، ويروى عن مالك أيضاً: أنه لا يجوز، بل يجب صرفها إلى الإمام لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 109. ولأنه مال للإمام المطالبة به، فيجب دفعه إليه كالخراج هذا إذا كان الإمام عادلاً، فإن كان جائراً فوجهان:
أحدهما: يجوز، ولا يجب خوفاً من أن لا يوصله إلى المستحقين.
وأصحهما: أنه يجب لنفاذ حكمه وعدم انعزاله بالجور، وعلى هذا القول لو فرق بنفسه لم يحسب، وعليه أن يؤخر ما دام يرجو مجيء الساعي، فإذا أيس فرق بنفسه.
والثاني: أن يصرف إلى الإمام وهو جائز فإنه نائب المستحقين، "وكانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، والخلفاءُ بعده يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ لِأَخَذِ الزَّكَاةِ" 110.
والثالث: أن يوكل بالصرف إلى الإمام أو بالتفرقة على المستحقين، حيث تجوز له التفرقة بنفسه، وهو جائز أيضاً، لأنه حق مالي فيجوز التوكيل في أدائه كديون الآدميين.
وأما الأفضل من هذه الطّرق فلا خلاف في أن تفرقة الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل بها؛ لأنه على يقين من فعل نفسه وفي شك من فعل الوكيل، وبتقدير أنْ يجوز لا يسقط الفرض عن الموكل وله على الوكيل غرم ما أتلف، وفي الأفضل من الطريقين الأولين 111 في الأموال الباطنة وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 4
أحدهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق أن الصَّرف إلى الإمام أولى؛ لأنه أعرف بأهل السّهمان وأقدر على التفرقة بينهم؛ ولأنه إذا فرق الإمام كان على يقين من سقوط الفرض، بخلاف ما لو فرق بنفسه لجواز أن يسلم إلى مَنْ ليس بصفة الاستحقاق، وهو يظنه بصفة الاستحقاق.
والثَّاني: أن الأولى أن يفرقها بنفسه؛ لأنه يفعل نفسه أوثق، ولينال أجر التفريق وليخص به أقاربه وجيرانه، وهذا الوجه هو المذكور في "التَّهذيب" و"العدة"، ومن قال به تعلق بقوله في "المختصر"، "وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه، ليكون على يقين من أداءها عنه" والأول هو الأظهر عند أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، ولم يذكر الصَّيْدلاني غيره، وحملوا قول الشافعي -رضي الله عنه- على أنه أولى من التَّوْكيل، ومنهم من قال: أراد به في الأموال غير الظاهرة.
وأما في الأموال الظاهرة فالأولى الصَّرف إلى الإمام ليخرج عن شبهة الخِلاف، ومنهم من أطلق الخلاف من غير فرق بين الأموال الباطنة والظاهرة، وهكذا فعل صاحب الكتاب في قسم الصدقات، وعبر عن هذا الخلاف بالقولين على خلاف المشهور، ورأيت المُحَاملي صرح في القولين والوجهين بطرد الخلاف، فليكن قوله: "والصرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة أولى" معلماً بالواو، وحيث قلنا: الصرف إلى الإمام أولى، فذلك إذا كان الإمام عادلاً فإن كان جائراً فوجهان:
أحدهما: أنه كالعادل، ويحكى ذلك عن صاحب "الإفصاح" لما روي أن سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة وأبا سعيد -رضي الله عنهم- سُئلوا عن الصَّرف إلى الولاة الجائرين فأمروا به 112.
وأصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب في قسم الصدقات: أن التَّفريق بنفسه أولى من الصرف إليه، لظهور جَوْره وخِيَانته، بل حكى الحَنَّاطي وجهاً أنه لا يجوز الصرف إلى الجائر فضلاً عن الأفضلية 113 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتَجِبُ نِيَّةُ الزَّكَاةِ بِالقَلْبِ (ح) فَيَنْوِي الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّض لِلْفَرْضِ فَوَجْهَانِ، وَلاَ يَلْزَمُ تَعْيِينُ المَالِ، فَإنْ قَالَ: عَنْ مَالِي الغَائِبِ وَكَانَ تَالِفاً لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الحَاضِرِ، وَلَوْ قَالَ: عنِ الغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفاَ فَعَنِ الحَاضِرِ أَوْ هوَ صدَقَةٌ جَازَ لِأَنَّهُ مُقْتَضى الإِطْلاَقِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 5
قال الرافعي: الوظيفة الثَّانية النَّية، ولا بد منها في الجملة لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".
وهل المعتبر قَصْد القَلْب أم يكفي القول باللسان؟
قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": وإذا ولى الركل زكاة ماله لم يجزه إلا بنية أنه فرض، والنية هي القصد فقضية هذا اعتبار قصد القلب، ونقل عن "الأم" أنه سواء نوى أو تكلم بلسانه إنه فرض يجزئه.
قال الأصحاب: في المسألة وجهان:
وقال القفال وغيره: قولان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا بد من قصد القلب، وهذا ما خرجه ابْنُ القاص، إليه ذهب صاحب "التقريب".
والثاني: أنه يكفي القول باللسان، وهو اختيار القَفَّال فيما حكى الصَّيدلاني، واحتج بأن إخراج الزكاة في حال الردة جائز، ومعلوم أن المرتد ليس من أهل نية وهي قربة، فدل أن لفظة كَافٍ، وأيضاً فإنَّ الزكاة تجري فيها النّيابة، وإن لم يكن النائب من أهلها، فإذا جاز أن ينوب فيها شخص عن شخص جاز أن ينوب اللّسان عن القلب، ولا يلزم الحج فإن النائب فيه، لا بد وأن يكون من أهل الحج، ومن قال بالأول حمل كلامه في "الأم" على أنه لا فرق، بين أن يقتصر على قصد القلب، وبين أن يجمع بين قصد القلب والتّلفظ.
وأما فصل المرتد ففي أدائه الزكاة في حال الردة كلام تقدم، وعلى التسليم فلا نسلم إن القصد غير معتبر في حق المرتد.
نعم، لا يتصور معه قصد هو قُرْبة، لكن كما لا يتصور منه ذلك لا يتصور أيضاً لفظ هو قربة، وقد قيل للقفال: لا يسقط الفرض حتى يقول المرتد هذا عطاء، فقال: كذا ينبغي أن يكن، فإذا جاز اعتبار اللفظ وإن لم يكن قربة، لم لا يجوز اعتبار القصد وإن لم يكن قربة؟
وأما الوجه الثاني: فهو باطل بالوضوء، فإنه يجوز فيه إنَابَة الأَهْل وغير الأَهْل، ومع ذلك يُعْتَبَر فيه قصد القلب.
وروى الشيخ أبو علي طريقة أخرى عن بعضهم قاطعة باعتبار قصد قلب.
وكيفية النية أن ينوي هذا فرض زكاة مالي أو فرض صدقة مالي، أو زكاة مالي المفروضة أو الصدقة المفروضة، ولا يكفي التعرض لفرض المال، فإن ذلك قد يكون كفارة ونذراً، ولا يكفي التَّعرض للصّدقة في أصح الوجهين 114 فإنها قد تكون نافلة، ولو
الجزء: 3 - الصفحة: 6
تعرض للزكاة دون صفة الفرضية فهل يجزئه؟ فيه وجهان.
الذي ذكره أن الأكثرون أنه يجزئه؛ لأن الزكاة لا تكون إلا مفروضة.
قال في "التهذيب": وهما كالوجهين فيما إذا نوى صلاة الظهر، ولم يتعرض للفرضية، لكن صلاة الظهر قد تكون نافلة من الصَّبي، وممن صلى منفرداً ثم أعاد في جماعة، ولا انقسام في الزكاة ولا يجب تعيين المال المزكَّى عنه، فإن عوض ببعض المال ودفع حاجة المستحقين لا يختلف، بل يزكّي عن مواشيه ونقوده حتى يخرج تمام الواجب، فلو ملك أربعمائة درهم مثلاً مائتان حاضرتان ومائتان غائبتان، أخرج خمسين من غير تعيين جاز، وكذا لو ملك أربعين من الغنم، وخمساً من الإبل فأخرج شاتين، ولو أخرج خمسة مطلقاً، ثم بَانَ له تلف أحد المالين أو تلف أحدهما بعد الإخراج، فله أن يحسب المخرج عن الزَّكَاة الأخرى، ولو عين حالاً لم ينصرف إلى غيره، حتى لو أخرج الخمسة عن المال الغائب فَبَان تَالفاً، لم يكن له صرفه إلى الحاضر، ولو قال: هذه عن مالي الغائب إن كان سالماً فبان تالفاً هل له الصرف إلى الحاضر؟ حكى في "العدة"، فيه وجهين:
قال: والأصح أنه لا يجوز، ولو قال: هذه عن مالي الغائب فإن كان تالفاً فهي صدقة أو قال: إن كان مالي الغائب سالماً فهذه زكاته إلا فهي صدقة جاز؛ لأن إخراج الزَّكَاة عن الغائب هكذا يكون، وإن اقتصر على قوله: عن مالي الغَائِب حتى لو بان تالفاً، لا يجوز له الاسترداد إلا إذا صرح فقال: هذه عن مالي الغائب، فإن بَانَ تَالفاً استرددته وليست هذه الصورة، كما إذا أخرج خمسة وقال: إن كان مورثي قد مات وورثت مالت فهذه زكاته، فبان موته لا يحسب المخرج عن الزكاة؛ لأن الأصل بقاء المورث وعدم الإرث، وهاهنا الأَصْل سلامة المال، فالتردد بهذا الأصل، ونظير هذه المسألة أن يقول: في آخر شهر رمضان أصوم غداً عن رمضان، إن كَانَ من الشَّهر يصح، ونظير مسألة الميراث أن يقول في أوله: أنا صائم ثم غدا عن رمضان، إن كان من الشهر لا يصح، ولو قال: هذه عن مالي الغائب فإن كان تالفاً فعن الحاضر.
فالذي قاله معظم الأئمة: أن الغائب إنْ كان سالماً يقع عنه، وإلاَّ فلا يقع عن الحاضر؛ لأنه قد جزم بكونها زكاة ماله، والتردد في أنها عن أي المَالَيْن بحسب بقاء الغَائب وتلفه لا يضر كالتَّردد بين الفرض والنَّفْل في الصّورَة السَّابقة على اختلاف التَّقْدِيرَيْن، وهذا تعيين المال ليس بشرط فلا يقدح التردد فيه، حتى لو قال: هذه عن = مالي أو صدقة المال، فوجهان: أصحهما: لا يجزيه، فأشار في الأولى إلى نفي الخلاف عند الجمهور.
وأما في الثانية فجزم فيها بإثبات الخلاف.
ينظر الروضة (2/ 64).
الجزء: 3 - الصفحة: 7
مالي [الغائب أو الحاضر] 115 أجزأته، وعليه خمسة أخرى ويخالف ما لو نوى الصلاة عن فرض الوقت إن دخل الوقت، وإلا فَعَنِ الفائتة لا يجزئه؛ لأن التعيين شرط في العبادات البدنية.
وحكي في "النهاية" تردداً عن صاحب "التقريب" في وقوع المخرج عن الحاضر؛ لأن النَّيَّة مترددة بالإضافة إليه تردداً غير معتضد بالأصل فإنه إنَّما جعلها عن الحاضر بشرط تلف الغائب، والأصل في الغائب البقاء والاسْتمرار وكان الوُقُوع عن الغَائِبِ على خلاف الأصل، ويخالف ما لو قال: وإِلاَّ فهي نَافِلَة؛ لأنه يحتاط في الفَرْضِ بما لا يحتاط به للنَّفْل.
وقوله في الكتاب: "فإنْ كان تالفاً فعن الحاضر أو هو صدقة" [ليس المراد أن الناوي ردد هكذا لكنهما صورتان عطف أحدهما على الأخرى والمعنى أو قال هو صدقة، ولو ردد قفال عن الحاضر أهو صدقة] 116 وكان الغائب تالفاً لم يقع عن الحاضر كما قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: لو قال إن كان مالي الغائب سالماً فهذه زكاته أو نافلة وكان ماله سالماً لم يجزئه؛ لأنه لم يقصد بالنية قصد فرض خالص، ونظيره أن يقول: أصلِّي فرض الظّهر أو نافلة وأصوم غداً عن رمضان أو نافلة فلا ينعقد.
وقوله: "جاز" معلَّم بالواو؛ لأنه حكم بالجواز في الصورتين معاً، وفيما إذا قال: "فإن كان تالفاً فمن الحاضر" الوجه النقول عن صاحب "التقريب".
وقوله: "لأنه مقتضى الإطلاق" يرجع إلى الصورة الأخيرة، وهي أن يقول: "فإن كان تالفاً فهو صدقة"، لأن المفهوم من الإطْلاَق هاهنا أنْ يَقْتَصِرَ على قوله: هذا المال عن الغَائب، ولو اقْتَصَرَ عليه وكان الغائب تالفاً يكون المخرج صدقة على ما سبق، ولا يقع عن الحاضر فظهر أنَّ الإجزاء عن الحاضر ليس مقتضى الإطلاق:
فإن قلت: في جواز نقل الصدقة خلاف يأتي في موضعه، فتجويز الإخراج عن المال الغائب في مسائل الفصل وجواب على قول الجواز أم كيف الحال؟ فالجواب أن أبا القاسم الكرخي جعلها جواباً على قول الجواز، ويجوز أن تفرض الغيبة عن منزلة وعدم وقوفة على بقاء المال وهلاكه، فيصح تصوير هذه المسائل من غير النظر إلى ذلك الخلاف، وقد أشار إلى هذا في "الشامل".
قال الغزالي: وَيَنْوي وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَهَلْ يَنْوي السُّلْطَانُ إِذَا أخَذَ الزَّكَاةَ مِنَ المُمْتَنِعِ؟ إِنْ قُلنَا: لا تَبْرَأُ ذِمَّةُ المُمْتَنِع فَلاَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَبْرَأُ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: كما أن صاحب المال قد يفرق الزّكاة بنفسه، فغيره قد ينوب عنه
الجزء: 3 - الصفحة: 8
فيه، فإن فرق بنفسه فلا بد من النية كما بيناه، وإن ناب عنه غيره كذلك يفرض على وجوه: منها: نيابة الوَلِيّ عن الصبي والمجنون، ويجب عليه أن ينوي، لأن المؤدي عنه ليس أهلاً 117 للنية كما ليس أهلاً للقسم والتَّفريق فينوب عنه في النية كما ينوب عنه في القسم.
قال القاضي ابْنُ كج: "فلو دفع من غير نية لم يقع الموقع عليه الضمان".
ومنها: أن يتولى السلطان قسم زكاته، وذلك إما أن يكون بدفعه إلى السلطان طوعاً أو يأخذ السلطان منه كرهاً، فإن دفع طوعاً ونوى عند الدفع كفى، وإن لم يَنْوِ السلطان لأنه نائب المستحقين فالدفع إليه كالدفع إليهم، وإن لم يَنْوِ صاحب المال ونوى السلطان أو لم ينو هو أيضاً ففيه وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ولم يذكر كثيراً من العراقيين سواه: أنه يجزئ، ووجهوه بأنه لا يدفع إلى السُّلْطان إلاَّ الفرض، وهو لا يفرق على أهل السّهمان إلا الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية.
والثاني: لا يجزئ؛ الإمام نائب الفقراء، ولو دفع إليهم بغير نِيَّة لم يجز، فكذلك إذا دفع إلى نَائِبِهِمْ.
قال صاحب "المهذب" و"التهذيب" وجمهور المتأخرين: هذا أصح، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وحملوا كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- على الممتنع يجزئه المأخوذ وإن لم ينو، لن نقل عن نصه في "الأم" أنه قال: يجزئه وإن لم يَنْوِ طائعاً كان أو كارهاً، وأما إذا امتنع عن أداء الزكاة فللسلطان أخذها منه كرهاً، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا قوله -تعالى جده-: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" 118.
ولا يأخذ إلا قدر الزَّكاة على الجديد، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" 119.
وقال في القديم: يأخذ مع الزكاة شَطْر ماله لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ
الجزء: 3 - الصفحة: 9
مِنَ الإبِلِ السَّائِمَةِ بِنْتُ لَبُونٍ مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِراً بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبَّنَا، لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْءٍ" 120.
إذا عرفت ذلك فإن نوى الممتنع حالة الأخذ برئت ذمته ظاهراً وباطناً، ولا حاجة إلى نية الإمام، وإن لم يَنْوِ فهل تبرأ ذمته؟ نظر إن نوى الإمام سقط عنه الفرض ظاهراً ولا يطالب به ثانياً، وهل يسقط باطناً؟ فية وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم ينو، وهو متعبد بأن يتقرب بالزّكاة.
وأظهرهما: أنه يسقط إقامة لنية الإمام مقام نيته كما أن قسمه قام مقام قسمه، وكما أن نية الولي تقوم مقام نية الصبي، وإن لم يَنْوِ الإمام أيضاً لم يسقط الفَرْض في البَاطِن، وكذا في الظَّاهِرِ على أظهر الوَجْهَين، وهذا التَّرتِيبُ والتفصيل ذكره في "التهذيب"، وإذا اقتصر خرج منه الوجهان المَشْهُورَان، في أن المُمْتنع إذا أخذت منه الزَّكَاة، ولم يَنْوِ هل يسقط الفرض عنه باطناً؟ وبنى إمام الحرمين وصاحب الكتاب وجوب النية على الإمام على هذين الوجهين، إن قلنا: لا تبرأ ذمة الممتنع باطناً فلا يجب، وإن قلنا: تبرأ فوجهان:
أحدهما: لا؛ كيلا يتهاون المالك فيما هو متعبّد به.
والثاني: نعم؛ لأن الإمام فيما يليه من أمر الزَّكَاةِ كوليّ الطفل، والممتنع مقهور كالطفل، وظاهر المذهب أنه يجب عليه أن ينوي ولو لم يَنْوِ عصى، وإن نيته تقام مقام نية المالك، وهذا لفظ القَفَّال في "شرح التلخيص".
ومنها: أن يوكل وكيلاً بتفريق الزكاة، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الدفع إلى المساكين، فهو أولى، وإن لم ينو واحد منهما، أو لم يَنْوِ الموكل لم يَجُز كما لو دفع إلى المساكين بنفسه ولم ينو، وإن نوى الموكل عند الدفع، ولم ينو الوكيل فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالجواز، كما لو دفع إلى الإمام ونوى.
وأظهرهما: أنَّه يبنى على أنه لو فرق بنفسه هل يجزئه تقديم النية على التفرقة فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 10
أحدهما: لا كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله-: نعم، كما في الصوم للعسر 121؛ ولأن المقصود الأظهر من الزكاة إخراجها، وسد خَلاَّت المستحقين بها، ولذلك جازت النِّية فيه مع، القدرة على المُبَاشرة، وعلى هذا تكفي نية الموكل عند الدَّفع إلى الوكيل، وعلى الأول لا بد من نية الوَكيلِ عند الدَّفْعِ إلى المَسَاكين أيضاً، ولو وكَّل وكيلاً وفوَّض النِّية إلَيه أيضاً جاز، كذا ذكره في، "النّهاية" و"الوسيط".
فرع: لو تصدق بجميع ماله، ولم ينو الزكاة لم تسقط عنه الزَّكَاة، وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- أنها تسقط.
قال الغزالي: وَيُسْتَحِبُّ لِلسَّاعي أنْ يعَلِّمَ فِي السَّنَةِ شَهْراً لِأخْذِ الزَّكَوَاتِ، وأنْ يَرُدّ المَوَاشِي إلَى مَضِيقٍ قَرِيبٍ مِنَ المَرْعَى لِيَسْهُلِ عَلَيْهِ العَدُّ.
قال الرافعي: كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء بعده يبعثون السُّعَاة لأخذ الزَّكَاة 122.
والمعنى فيه أن كثيراً من النَّاس لا يعرفون الوَاجب والواجب فيه ومن يصرف إليه، فبعثوا ليأخذوا من حيث تجب ويضعوا حيث يجب 123. والأموال نوعان:
أحدهما: مَا لاَ يُعْتبر فيه الحول كالثمار والزروع، فتبعث السعاة لوقت وجوبها، وهو إدراك الثمار، واشتداد الحبوب، وذلك لا يختلف في الناحية الواحدة كثير اختلاف.
والثاني: ما يُعْتبر فيه الحول، وهو موضع كلام الكتاب فأحوال الناس تختلف، ولا يمكن بعث ساع إلى كل واحد عند تمام حوله، فيعين شهراً يأتيهم الساعي فيه، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن يكون ذلك الشهر المحرم صيفاً كان أو شتاء، فإنه أول السنة الشرعية 124، وليخرج قبل المحرم ليوافيهم أول المحرم، ثم إذا جاءهم
الجزء: 3 - الصفحة: 11
فمن تم حوله أخذ زكاته، ومن لم يتمَّ حوله فيستحب له أن يعجل، فإن لم يفعل استخلف عليه من يأخذ زكاته، وإن شاء أخر إلى مجيئه من قابل، وإن وثق به فوض التَّفْريق إليه وأن يأخذ زكاة المواشي إنْ كانت تَرِدُ الماء أخذها على مياههم، ولا يكلفهم ردّها إلى البلد، ولا يلزمه أن يتبع المراعي، وبهذا فسر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنْبَ" (1) أي: لا يكلفون أن يجلبوها إلى البلد، وليس لهم أن يجنبوها السّاعي، فيشقوا عليه، فإن كان لِرَبِّ المال ماء أن أمره بجمعها عند أحدهما، وإن اجتزأت الماشية بالكَلَأَ في وقت الربيع ولم ترد الماء أخذ الزكاة في بيوت أهلها وافنيتهم، هذا لفظ الشّافعي -رضي الله عنه- وقضية تجويز تكليفهم الرد إلى الأفنية، وقد صرح به المُحَامليُّ وغيره (2)، وإذا أراد معرفة عددها فإن أخبره المالك وكان ثقة قبل قوله، إلاَّ أحصاها، والأوْلَى أن تجمع في حظيرة ونحوها وينصب على الباب خشبة معترضة وتساق لتخرج واحدة بعد واحدة، ويثبت كل شاة إذا بلغت المضيق، ويقف رب المال أو نائبه من جانب، والساعي أو نائبه من جانب، وبيد كل واحد منهما قضيب يُشِيْرَان به إلى كل شاة أو يصيبان ظهرها به، فذلك أبعد عن الغلط وإن اختلفا بعد الإحصاء وكان الوَاجب يختلف أعاد العدّ.
وقوله: "قريب من المَرْعَى" فيه إشارة إلى أنه لا يكلفهم الرَّدّ من المرعى إلى البلدة والقرية، بل يأمر بجمعها في مضيق قريب من المَرْعَى، فإن عمر الحضور فقد ذكرنا أنه يأمر بالرد إلى الأفنية
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبْ أَنْ يَقُولَ لِلْمُؤَدِّي: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُوراً وَبَارَكَ لَكَ فيمَا أَبْقَيْتَ، وَلاَ يَقُولَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، وَإنْ قَالَهُ علَيْهِ السَّلاَمُ لاَلِ أبي أَوْفَى لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ فَلَهُ أَنْ يُنْعِمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَمَا لاَ يُقَالُ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وَإن كَانَ عَزِيزاً جَلِيلاً فَلاَ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: أَبُو بَكرٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَإن كَانَ يَدْخُلُ تَحْتَ آلِهِ تَبَعاً.125126
الجزء: 3 - الصفحة: 12
قال الرافعي: قال الله تعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 127 أي: ادع لهم، فيستحب لِلسَّاعي أَنْ يدعو لِرَبِّ المَالِ 128 تَرْغِيبًا له في الخير وتطييباً لقلبه، ولا يتعين شيء من الأدعية واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن يقول: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت، وهو لائق بالحال، وحكى الحَنَّاطي وجهاً: أنه يجب عليه الدعاء وله متمسك من لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فإنه قال: فحق على الوالي أن يدعو له، وكما يستحب للساعي يستحب للمساكين أيضاً؛ إذا فرق رب المال عليهم، وقد روي عن عبد الله بن أَبِي أَوْفَى -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى" 129. قال الأئمة: هذا وإن ذكره النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لا يقوله غيره؛ لأن الصلاة قد صارت مخصوصة في لسان السَّلَف بالأَنْبِيَاء- عليهم الصَّلاَة والسَّلام- كما أن قولنا: عزَّ وجَلَّ صار مخصوصاً بالله تعالى جده، وكما لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزاً جليلاً، لا يقال: أبو بكر وعليِّ صلوات الله عليهما، وإن صح المعنى، وهل يكره ذلك أم هو مجرد ترك أدب؟ أطلق القاضي حسين لفظ الكراهة، وكذا فعل المصنِّف في "الوسيط"، ووجهه إمام الحرمين بأن قال: المكروه يَتَمَيَّزُ عَنْ ترك الأولى بأن يفرض فيه نهي مقصود، فقد ثبت نهي مقصود عن التَّشبيه بأهل البدع وإظهار شعارهم، والصلاة على غير الأنبياء مما اشتهر بالفئة الملقّبة بالرفض، وظاهر كلام الصَّيْدَلاني أنه في حكم ترك الأدب والأولى، وبه يشعر قوله في الكتاب: فلا يحسن أن يقال: أبو بكر صلوات الله عليه، وصرح بنفي
الجزء: 3 - الصفحة: 13
الكراهة في "العدة" وقال أيضاً الصَّلاة بمعنى الدُّعاء تجوز على كل أحد، أما بمعنى التَّعْظيم والتَّكريم يختصُّ بها الأنبياء -عليهم السَّلام- والمشهور ما سبق، ويجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعاً لهم في الصلاة فيقال: اللهم صلي على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه؛ لأن ذلك لم يمتنع منه السَّلف وقد أمرنا به في التشهد وغيره.
قال الشيخ أبو محمد: والكلام في معنى الصَّلاة، وقد قرن الله تعالى بينهما فقال: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) 130 فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، ولا بأس به في معرض المُخَاطَبَةِ فيقال للأحياء والأموات من المؤمنين: السلام عليكم 131.
إذا تقرر ذلك فالصَّلاة لما كانت حقّاً للنَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان له أن ينعم بها على غيره وغيره لا يتصرّف فيما هو حقّه، كما أَنَّ صاحب المنزل يجلس غيره على تكرمته وغيره لا يفعل ذلك.
وقوله: وإنْ كان يدخل تحت آله تبعاً إِنَّمَا يستمر على قولنا أن كل مسلم من آل النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الظَّاهر المنقول عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن آله بنو هاشم وبنو المطلب، فعلى هذا لا يدخل أبو بكر -رضي الله عنه- تحت الآل، وإنما يدخل تحت الأصحاب، وقد ذكرنا هذا الخلاف في موضعه.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي في التَّعْجِيلِ، وَالنَّظَرُ فِي أُمُورٍ ثَلاَثةٍ: الأوَّلُ: فِي وَقْتِهِ، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ (ح م) قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ، وَلاَ يَجُوزُ قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابَ وَلاَ قَبْلَ السَّوْم، وفي تَعْجِيلِ صَدَقَةِ عَامَيْنِ وَجْهَانِ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً فَعَجَّلَ شَاتيْنِ ثُمَّ حَدَثَتْ سَخْلَةٌ فَفِي إِجْرَاءِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأصَحُّ: إِجْزَاؤُهُ.
[القول في تعجيل الزكاة]
: قال الرافعي: التَّعْجيل جائز في الجملة 132، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، لما روي عن علي -رضي الله عنه- أن العباس -رضي الله عنه- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تَعْجِيل
الجزء: 3 - الصفحة: 14
صَدَقَتِهِ قبل أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ 133.
إذا عرفت ذلك فالحاجة تمسُّ إلى معرفة أن التَّعجيل بأية مدة يجوز، وأنه إذا عَجّل في الوقت يجزئه على الإطلاق أوله شرائط، وأنه إذا لم يقع مجزئاً هل للمعجل أن يرجع فيما دفع؟ فلذلك قال: "والنَّظر في ثلاثة أمور":
أحدها: في التَّعْجيل والأموال الزَّكوية ضربان:
أحدهما: مال تجب فيه الزَّكَة بالحَوْل والنصاب فيجوز تعجيل زكاته قبل الحول خلافاً لمالك، حيث قال: لا يجوز.
قال المسعودي: إلاَّ أن يقرب وقت الوجوب فإن لم يبق من الحَوْلِ إلاَّ يوم أو يومان.
لنا ما سبق من الخبر وأيضاً فإن الزَّكَاة حقٌّ مالي أجل رفقاً فجاز تعجيله قبل محلّه كالدين المؤجل وككفار اليمين قبل الحنْث، فإن مالكاً سلم جواز التّعجيل في الكَفَّارة، ولا يجوز التَّعجيل قبل [تمام] 134 النِّصاب كما إذا ملك مائة درهم فعجل منها خمسة دراهم، أو ملك تسعاً وثلاثين شاة فعجل شاة ليكون المعجَّل عن زكاته إذا أتم النّصاب وحال الحول عليه، وذلك لأن الحَقَّ المالي إذا تعلَّق بشيئين ووجد أحدهما يجوز تقديمه على الآخر، لكن لا يجوز تقديمه عليهما جميعاً أَلاَ ترى أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث إذا كان قد حلف، ولا يجوز تقديمها على الحنث واليمين جميعاً؛ وهذا في الزكاة العينية، أما إذا اشترى عرضاً للتجارة يساوي مائة درهم فعجل زكاة مائتين، وحال الحول وهو يساوي مائتين جاز المعجل عن الزكاة على ظاهر المذهب، وإن لم يكن يوم التَّعجيل نصاباً؛ لأن الحول منعقد والاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول، ولو ملك أربعين من الغنم المَعْلُوفة وعجَّل شاة على عزم أن يسيمها حولاً لم يقع عن الزكاة إذا أسامها؛ لأن المَعْلُوفة ليست مال الزَّكَاة كالناقص عن النصاب، وإنما تعجل الزكاة بعد انعقاد الحَوْل، ولو عجل صدقة عامين فصاعداً فهل يجزئ المخرج عما عدا السنة الأولى؟ في وجهان:
أحدهما: نعم لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَسَلَّفْتُ مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةٌ عَامَيْنِ" 135.
وبهذا قال أبو إسحاق.
الجزء: 3 - الصفحة: 15
والثاني: لا؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز كالتعجيل قبل تمام النصاب.
والوجه الأول أصح عند صاحب الكتاب ذكره في "الوسيط"، وكذا قاله الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل"، والأكثرون على ترجيح الوجه الثاني ومنهم معظم العراقيين وصاحب "التهذيب"، وحملوا الحديث على أنه تسلفها بدفعتين، فإن جوزنا فذلك إن بقي عنده بعد التَّعْجيل نصاب كامل، كما إذا ملك ثنتين وأربعين شاة فعجل منها شاتين، فأما إذا لم يَبْقَ عنده بعد التَّعْجيل نصاب كامل، كما إذا ملك أربعين أو إحدى وأربعين فعجل شاتين فوجهان:
أحدهما: الجَوَاز كما لو عَجَّل عن أربعين صَدَقَة عام فإنه يجوز.
وأصحهما: المنع؛ لأن التّعجيل عن النّصاب لا يجوز، وفي تعجيل شاتَيْن ما يوجب نقصان النصاب في جميع السنة الثانية، وذكر أبو الفضل بن عبدان تفريعاً على جواز تَعْجِيل صَدَقَة عامين، أنه هل يجوز أن ينوي تقديم زكاة السنة الثانية على الأولى؟ فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية على الأول في الجمع، ولو ملك نصاباً فعجل زكاة نصابين نظر: إن كان ذلك في زكاة التِّجارة كما لو اشترى عرضاً بنيّة التِّجارة بمائتي درهم وأخرج زكاة أربعمائة فحال الحول والعرض يساوي أربعمائة أجزاء ما أخرج؛ لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول، وإن كان في زكاة العين فإن أخرج على توقع حصول نصاب آخر بسبب مستقبل، كما لو ملك مائتي درهم، وأخرج زكاة أربعمائة على توقع اكتساب مائتين واكتسب مائتين لم يجزئه ما أخرجه عن المائتين الحادثتين، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، بناء على أن المستفاد في أثناء الحول مضموم إلى ما عنده في الحول فكأنه موجود وقت الإخراج، وإن أخرج على رجاء حصول نصاب آخر، أو [كمال نصاب آخر من عَيْن ما عنده] 136 فصدق رجاؤه كما إذا ملك مائة وعشرين شاة فعجل شاتين ثم حدثت سَخْلَة، أو ملك خمساً من الإبل فعجل شاتين ثم بلغت بالتّوالد عشراً، فهل يجزئه ما أخرج عن النصاب الذي كمل الآن؟ فيها وجهان:
أصحهما -عند حجة الإسلام، وصاحب "التتمة": الإجزاء؛ لأن النِّتَاج الحاصل في أثناء الحول بمثابة الموجود في أوله، وهذا قياس المحكى عن أبي حنيفة -رحمه الله- في الصورة السابقة.
والثاني -وهو الأصح، عند العراقيين وصاحب "التّهذيب": المنع؛ لأنه تقديم
الجزء: 3 - الصفحة: 16
زكاة العين على النصاب فأشبه ما لو أخرج زكاة أربعمائة درهم وهو لا يملك إلا مائتين، ورتب إمام الحَرَمَيْن هذين الوَجْهَيْن على الوجهين في جواز تقديم صدقة عامين، إن جَوَّزْنا ذلك فَالتَّقْدِيمِ للنِّصَاب الثَّاني أولى، وإن منعنا ذاك فهاهنا وجهان.
والفرق: أن النتاج الحاصل في وسط الحول لا يحتاج إلى حول جديد، وكان حول المال الذي واجبه شاة منعقد على ما واجبه شاتان ولا كذلك زكاة السنة الثانية، فإن حولها لا يدخل بحال، وطرد ابْن عَبْدَان الوَجْهَيْن المذكورين في هذه الصُّورة في الصورة الأولى أيضاً، وهي ما إذا اشترى عرضاً بمائتين وأخرج زكاة أربعمائة، فحال الحول وقيمته أربعمائة، ولو عجل شاة عن أربعين فولدت أربعين وهلكت الأمهات، هل يجزئه ما أخرج عن السِّخَال؟ نقل في "التهذيب" فيه وجهين 137.
ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول" بالواو مع الميم المُشِيرة إلى مذهب مالك؛ لأن الموفق بن طاهر حكى عن أبي عبيد 138 بن حَرْبَوَيه من أصحابنا منع التعجيل كما يحكى عن مالك.
قال الغزالي: وَأمَّا زَكَاةُ الفِطْر فَتُعَجَّلُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَزَكَاةُ الرُّطَب والعِنَبِ لاَ تُعَجَّلُ قَبْلَ الجِفَافِ، وَقِيلَ: تُعَجَّلُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ، وَقِيلَ: تُعَجَّلُ بَعْدَ بُدُوِّ الطَّلْعِ، وَأَمَّا
الجزء: 3 - الصفحة: 17
الزَّرْعُ فَوُجُوبُ زَكَاتِهِ بِالفَرْكِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ الأِدْرَاكِ وَبَعْدَ الإِدْرَاكِ وَإِنْ لَمْ تُفْرَكْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ ظُهُورِ الحَبِّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ.
قال الرافعي: الضرب الثاني: ما لا يتعلق وجوب الزَّكَاة فيه بالحول كالثمار والزروع، ولنتكلم في زكاة الفِطْر أولاً.
أما: أنها تجب فسيأتي في موضعه، وأما تعجيلها فيجوز بعد دخول شهر رمضان؛ لأن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يبعث صَدَقَة الفطر إلى الَّذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين 139، واحتج له أيضاً بأن وجوبها بشيئين برمضان والفطر منه، وقد وجد أحدهما وهو حصول رمضان، هذا ما قاله جمهور الأصحاب، وذكر أبو سعيد المُتَوَلِّي: أن زمان جواز تعجيلها من أول اليوم الأول من رمضان لا من أول رمضان؛ لأن زكاة الفطر وجبت بالفطر عن رمضان، والصوم هو سبب الفطر فلا تعجل زكاة الفطر قبل سبب الفطر.
وقوله في الكتاب: "فتعجل في أول رمضان" يجوز أن يعلّم بالواو لما حكينا عن "التتمة"، ولأنه لابتداء الغاية في جواز تعجيلها على دخول رمضان وجهان كالوجهين في تعجيل صدقة عامين والأصح المنع كما هو قضية لفظه، ويجوز أن يعلّم بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة أنه يجوز تقديمها على رمضان من غير ضبط وبالألف؛ لأن عند أحمد أنه لا تعجل من أول رمضان، إنما تعجل قبل الفطر بيوم أو يومين.
وأما الثمار والزروع: فاعلم: أن زكاة الثِّمَار تجب ببدُوِّ الصّلاح، وزكاة الزُّروع تجب باشتداد الحب على ما سيأتي، وليس المراد منه وجوب الأداء بل المراد أن حقَّ المساكين يثبت في هاتين الحالتين ثم الإخراج يلزم بعد الجفاف وتنقية الحبوب 140.
إذا عرفت ذلك فالإخراج بعدما صار الرّطب تمراً والعنب زبيباً ليس بتعجيل بل هو لازم حينئذ، ولا خلاف أنه لا يجوز التقديم على بُدُوِّ الصَّلاح وخروج الثمرة كما لا يجوز التَّعجيل في الضرب الأول على كمال النصاب، ووراء ذلك للثمار حالتان:
إحداهما: ما بعد الطّلع وخروج الثّمرة، وقبل بدو الصلاح وفيه وجهان:
أظهرهما عند أكثر العراقيين وتابعهم في "التهذيب": أنه لا يجوز الإخراج، ووجهوه بشيئين:
أحدهما: أنه لا يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقاً، ولا حرصاً وتخميناً فصار كما لو قدم الزَّكَاة على النِّصاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
والثاني: أنَّ هذه الزَّكَاة تجب بسبب واحد وهو إدراك الثِّمَار فيمتنع التَّقْدِيم عليه.
والوجه الثَّاني: أنه يجوز كزكاة المواشي قبل الحول.
وحكى الحناطي هذا الوجه عن ابن سريج ويشهر بابن أبي هريرة والأول بأبي إسحاق، وذكر القاضي ابن كَجّ أن أبا إسحاق أجاب بالوجهين في دفعتين، ولمن قال بالثاني أن يقول: أما التوجيه الأول فالكلام فيما إذا عرف حصول قدر النّصاب، وإن لم يعرف جملة الحاصل فبعد ذلك إن خرج زائداً على ما ظنه فيزكّي الزيادة، وإن خرج ناقصاً فبعض المخرج تطوع فلم يمتنع الإخراج.
وأما الثاني فلا نسلم أن لهذه الزكاة سبباً واحداً بل لها سببان أيضاً: ظهور الثمرة وإدراكها والإدراك بمثابة حولان الحول.
الحالة الثانية: ما بعد بُدُوِّ الصلاح وقبل الجفاف، وقد حكى إمام الحرمين في هذه أيضاً وجهين:
أحدهما: المنع، لعدم العدم بالقدرة.
وأصحهما -ولم يذكر الجمهور عنده-: الجواز كما يجوز إخراج الزكاة في الضرب الأول بعد النّصاب وقبل الحول بَلْ أَوْلَى إذ لا وجوب ثم بعد، وهاهنا يبدو الصلاح قد ثبت الوجوب وإنْ لم يلزم الإخراج.
وإذا تركت هذا التفصيل واختصرت فالحاصل ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب:
أحدط: أَنَّ زكاة الثِّمَار لا تعجل قبل الجفاف.
والثاني: أنها تعجل بعد بُدُوَّ الصَّلاح.
والثالث: أنها تعجَّل بعد بدو الطَّلع، وبه قال أحمد وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وقد صرح به في "الوسيط" لكن الظَّاهر عند المعظم هو الثاني، بل نفى أبو الحسين بن القَطَّان أن يكون فيه خلاف، وكذا نقف صاحب "العدة" فهذا هو الكلام في زكاة الثمار ويقاس بها زكاة الزروع، فالإخراج بعد الفرك والتنقية لازم، وليس بتعجيل ولا يجوز الإخراج قبل نبات الزرع، ورأيت في بعض كتب أصحاب أحمد أن أبا حنيفة يجوزه بعد طرح البذر في الأرض ثم وراء ذلك حالتان:
إحداهما: ما بعد التَّسَنْبُل وانعقاد الحبوب، وقبل اشتدادها ففيه وجهان على ما سبق، والمنع هاهنا أولى؛ لأن الحبوب غير موجودة الزرع بقل، والثمار موجودة وإن لم يبد فيها الصلاح.
والثانية: ما بعد الاشْتداد والإدراك وقبل الفَرْكِ والتَّنْقِية، فالصحيح جواز
الجزء: 3 - الصفحة: 19
الإخراج، وعن الشَّيخ أبي محمد أنه لا يجوز الإخراج ما لم ينق؛ لأن قدر المال إنما يعرف بِالتَّنْقِية.
وقوله في الكتاب: "لا يعجل" ينبغي أن يعلّم بالألف لما ذكرنا.
وقوله: "وأما الزرع فوجوب زكاته بالفَرْكِ" أي: وجوب الإخراج إلاَّ فَالحَقُّ يثبت عند الاشْتِدَادِ.
وقوله: "ويجوز عند الإدْرَاكِ" وكذا قوله: "يجوز بعد ظهور الحب" لا بأس بإعلامهما بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يجوز الإخراج قبل التنقية.
ثم عد الأئمة في هذا الباب ما يقدم على وقت الوجوب من الحقوق المالية وما لا يقدم.
فمنها: كفارة اليمين والظّهار والقَتْل وجزاء الصَّيد، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ومنها: لا يجوز للشَّيخ الهَرِم والحامل والمُرضع تقديم الفِدْية على رمضان.
ومنها: لا يجوز تقديم الأضحية على يوم النحر.
ومنها: كفارة الوِقَاع في رَمَضان حكى الحَنَّاطي في جواز تقديمها على الوِقَاع وجهين: والأصح: المنع.
ومنها: إذا قال: إذا شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق رقبة فأعتق قبل الشِّفاء.
قال ابْنُ عَبْدَان لا يجزئ في أصح الوجهين 141، وممَّا ذكره وهو من شرط الباب زكاة المَعْدن والرِّكَاز قال: لا يجوز تقديمهما على الحصول 142.
قال الغزالي: الثَّانِي، فِي الطَوَارِئ المَانِعَةِ مِنَ الإِجْزَاءِ، وَهُوَ فَوَاتُ شَرْطِ الوُجُوبِ، وَذَلِكَ فِي القَابِضِ بِأَنْ يَرْتَدَّ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يَسْتَغْني بِمَال آخَرَ، فَإِنْ عَرَضَتْ بَعْضُ هَذِهِ الحَالاَتِ وَزَالَتْ قَبْلَ الحَوْلِ فَوَجْهَانِ، أَوْ فِي المَالِكِ بِأَنْ يَرتَدَّ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يَتْلَفَ مَالُهُ فَيَتَبَيَّنَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ المُعَجَّلَ لَمْ يَقَعْ عَنِ الزَّكَاةِ، أَمَّا المَالُ لَوْ تَلَفَ فِي يَدِ المِسْكِينِ أَوْ فِي يَدِ الإمَامِ، وَقَدْ قُبِضَ بِسُؤَالِ الْمِسْكِين فلاَ بَأسَ، وَإِنْ قُبِضَ بُسُؤَالِ المَالِكِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ المَالِكِ، وَإِنْ اجْتَمَعَ سُؤَالُ المَالِكَ وَالمِسْكِينَ فَأَيُّ الجَانِبَيْنِ يَرْجَعُ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَحَاجَةُ أَطْفَالِ المَسَاكِينِ كَسُؤَالِهِمْ، وَحَاجَةُ البَالِغينَ هَلْ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ سُؤَالِهِم؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يشترط في كون المعجّل مجزئاً أَنْ يبقى القابض بصفة الاسْتِحْقَاق
الجزء: 3 - الصفحة: 20
إلى آخر الحَوْل، ولو ارتدَّ قبل الحول أو مات لم يحسب المعجل عن الزكاة 143، وإن استغنى نظر: إِنِ استغنى بالمدفوع إليه أو به وبمال آخر لم يضر، فإنَّ الزكاة إنما تصرف إليه ليستغنى، فلا يصير ما هو المقصود مانعاً من الإجزا، وإن استغنى بمال آخر لم يحسب المعجل عن الزكاة لخروجه عن أهليّة أخذ الزَّكاة عند الوجوب، وإن عرض شيء من الحَالاَت المانعة، ثم زال وكان بصفة الاسْتِحْقَاق عند تمام الحَوْل ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجزئ المعجَّل أما لو لم يكن عند الأخذ من أهله ثم صار عند تمام الحول من أهله.
وأصحهما: أنه يجزئ اكْتِفَاء بِالأهليَّة في طرفي الأَدَاء والوجوب.
هذا ما يشترط في القابض ويشترط في المالك بقاؤه بصفة وجوب الزَّكاة عليه إلى آخر الحول، فلو ارتدَّ وقلنا: الردة تمنع وجوب الزكاة أو مات أو تلف جميع ماله أو باعه أو نقص عن النِّصاب لم يكن المعجّل زكاة، وهل يحسب في صورة الموت عن زكاة الوارث؟ نقل عن نصه في "الأم" أنَّ المعجّل يقع عن الوارث، وقد سبق ذكر قولين في أن الوارث، هل يبنى على حول المورث أم لا؟
فقال الأصحاب: هو الذي ذكره في "الأم" يستمر جواباً على القول القديم وهو أنه يبنى؛ لأن الوارث على هذا القول يبنى على حكم ذلك النِّصاب والحول فيجزئه ما عجَّله المورث كما كان يجزئ المورث لو بقي.
وعلى هذا لو تعدَّد الورثة ثبت حُكْمُ الخلطة بينهم، إن كان المال ماشية أو غير ماشية، وقلنا بثبوت الخلطة في غير الماشية، وإن قلنا: لا تثبت ونقص نصيب كل واحد عن النِّصَاب أو اقتسموا المال ماشية كانت أو غيرها ونقص نصيب كل واحد عن النِّصَاب فينقطع الحول، ولا تجب الزكاة على المشهور، وعن صاحب "التقريب" وجه آخر: أنهم يجعلون كالشَّخْص الواحد، وكأنهم عين المتوفى فيستدام حكمه في حقهم.
فأما إذا فَرَّعْنَا علي الجديد الصحيح، وهو أن الوارث لا يبني على حَوْل المورث فلا يجزئ المعجْل عن الوارث؛ لأنه مالك جديد، وذلك المعجل مقدم على النصاب والحول في حقه، هذا هو الأظهر، ومنهم من قال: يجزئه المعجّل كما ذكر في "الأم"،
الجزء: 3 - الصفحة: 21
وهو جواب على أحد الوجهين في تعجيل صدقة عامين فتعجّل السّنة المُسْتَأْنفَة في حَقِّ الوَارِثِ كالسّنة الثانية في حف المعجل.
إذا عرف ذلك فنقول:
الإمام إذا أخذ من المالك قبل أن يتم حوله مالاً للمساكين فلا يخلو إما أن يأخذه بحكم القَرْضِ أو ليحسبه عند زكاته عند تمام الحَوْلِ.
الحَالَةُ الأولى: أن يأخذ بحكم القرض فينظر إن استقرض بسؤال المَسَاكِين فضمانه عليهم سواء تلف في يده أو سلَّمه إليْهِم كما لو استقرض الرَّجَلُ مالاً لغيره بإذنه، وهل يكون للإمام طريقاً في الضَّمان حتى يؤخذ منه ويرجع على المساكين أم لا؟ إن علم المأخوذ منه أنه يستقرض لِلْمَسَاكين بإذنهم، فلا يكون طريقاً على أظهر الوَجْهَيْن بل يرجع عليهم.
والثاني: أَنْ يكون طريقاً كالوكيل بالشراء يكون مطالباً على ظاهر المذهب، وإن ظن المأخوذ منه أنه يستقرض أو للمساكين من غير سؤالهم، فله أن يرجع على الإمام، والإمام يقضيه من مال الصدقة أو يجعله محسوباً عن زكاة المقرض 144.
ولو أقرضه المالك للمساكين ابتداء من غير سؤالهم 145 فتلف في يد الإمام فلا ضمان على أحد، إمَّا على المساكين فظاهر، وإمَّا على الإمام فلأنه وكيل المالك كما لو دفع الرجل مالاَ إلى غيره ليقرضه من ثالث فهلك عنده لا ضمان عليه.
ولو استقرض الإمام بسؤال المقرض والمَسَاكين جميعاً، فهلك عنده فهو من ضمان المالك أو المساكين فيه وجهان على ما سنذكر في الحالة الثَّانية، ولو اسْتَقْرَضَ لا بسؤال المالك ولا بسؤال المَسَاكين فينظر، إن استقرض ولا حاجة بهم إلى القرض فالقرض يَقَعُ للإمام، وعليه ضمانه من خالص ماله سواء تلف في يده أو دفعه إِلَى المساكين، ثم إن دفع إليهم متبرعاً فلا رجوع وإن أقرضهم فقد أقرضهم من مال نفسه وإن استقرض لهم وبهم حاجة إليه فإن هلك في يده فوجهان:
أحدهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله- أنه من ضمان المساكين يقضيه الإمام من مال الصدقة كولي اليتيم إذا استقرض لحاجته فهلك في يده يكون الضمان في مال الصبي.
وأصحهما: أنَّ عليه الضَّمَان من خالص ماله؛ لأن المَسَاكِينَ غير مُعَيَّنين، وفيهم أو أكثرهم أهل رُشْد لا ولاية عليهم لأحد 146 أَلاَ تَرى أنه لا يجوز منع الصدقة عنهم من
الجزء: 3 - الصفحة: 22
غير عذر، ولا التصرف في مالهم بالتجارة، وإنما يجوز الاسْتِقْرَاضُ لَهُمْ بشرط سلامة العَاقبة بخلاف اليتيم، وإن دفع المستقرض إليهم فالضمان عليهم، والإمام طريق فيه، فإذا أخذ الزكاة والمدفوع إليه بصفة الاستحقاق فله أن يقضيه من الزكاة وله أن يحسبه عن صدقة المقرض 147، وإن لم يكن المدفوع إليه بصفة الاستحقاق عند تمام حول الزكاة المأخوِذة لم يجز قضاؤه منها، بل يقضي من مال نفسه ثم يرجع على المدفوع إليه إن وجد له 148 مالاً.
الحالة الثانية: أن يأخذَ الإمام المال ليحسبه عن زكاة المأخوذ منه عند تمام حوله، وفيها أربع مسائل كما في القرض:
الأولى: أن يَسْتلف بسؤال المساكين فإن دفع إليهم قبل الحول وتم الحول وهم بصفة الاستحقاق والمالك بصفة الوجوب وقع الموقع، وإن خرجوا على الاستحقاق فعليهم الضَّمَان وعلى ربِّ المال إخراج الزَّكَاة ثانياً.
وإن تلف في يده قبل تمام الحَوْل من غير تفريط فينظر: إن خرج المَالِك عَنْ أن تجب عليه الزَّكَاة، فله الضَّمَان على المَسَاكِين، وهل يكون الإمام طريقاً؟ فيه وجهان على ما ذكرناه في الاستقراض، وإن لم يخرج عن أن تجب عليه الزكاة، فهل يقع المخرج عن زكاته؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وهو المذكور في "الشَّامِلِ" و"التتمة"؛ لأن الإمام نائب المساكين فصار كما لو أخذوه وتلف في أيدهم.
والثاني: لا؛ لأنه لم يصل إلى المستحقِّين فعلى هذا له أخذ الضَّمان من المساكين، وفي أخذه من الإمام الوجهان، فإن لم يكن للمساكين مال صرف الإمام إذا اجتمعت الزكاة عنده ذلك القدر إلى قوم آخرين عن جهة الذي تسلف منه.
= وحكاه البغوي عن الأصحاب قال: ويصير في هذه كولي اليتيم يستدين له وذكره الإمام تفقهاً من عنده، وحينئذ تستثنى هذه الصورة من كلامهم، وقد ذكرها الرافعي فيما سيأتي وخصها بما إذا كان الذي يلي أمرهم الإمام، فأما إذا كان من يلي أمرهم من هو مقدم على الإمام فحاجتهم كحاجة البالغين إلى آخر ما ذكره.
الجزء: 3 - الصفحة: 23
والثانية: أن يتسلف بسؤال المالك فإن دفع إلى المساكين فتم الحول وهو بصفة الاستحقاق وقع الموقع وإلا رجع المالك على المساكين دون الإمام، وإن تلف في يد الإمام لم يجزئ المالك سواء كان التلف بتفريط من الإمام أو بغير تفريط، كما لو دفعه إلى وكيله فتلف عنده ثم إنْ تلف بتفريط منه فعليه الضمان للمالك، وإن تلف بغير تفريط فلا ضمان عليه، ولا على المساكين.
الثالثة: أن يتسلف بسؤال المالك والمساكين جميعاً فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه من ضمان المالك كما لو تسلَّف بمحض سُؤَاله؛ لأن جانبه أقوى إذ الخيار في الدَّفْع والمنع إليه.
والثاني: أنَّه من ضمان المَسَاكِين؛ لأن المنفعة تعود إليهم فيكون المال من ضمانهم ألا ترى أن ضمان العارية على المستعير لعود المنفعة عليه؟ وهذا الوجه أصحّ عند صاحب "الشامل" إليه يميل كلام الأكثرين، وفي "التتمة" و"العدة" أن الأول أصح.
الرابعة: أن يَتَسَلَّف لا بسؤال المالك ولا بسؤال المساكين، لما رأى بهم من الخّلة والحاجة فهل تنزل حاجتهم منزلة سؤالهم؟ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره.
أحدهما: نعم؛ لأن الزكاة مصروفة إلى جهة الحاجة لا إلى قوم معينين، والإمام ناظر لها فإذا رأى المصلحة في الأخذ كان له ذلك كما لو أخذ بسؤالهم وصار كولي الطفل.
وأظهرهما: أنها لا تنزل منزلة سؤالهم؛ لأنهم أهل رشد ونظر، ولو عرفوا صلاحهم في التَّسَلّف لالتمسوه من الإمام فعلى هذا إن دفعه إليهم وخَرَجُوا عن الاسْتِحْقَاق عند تمام الحَوْل استردَّه منهم ودفعه إلى غيرهم، وإن خرج الدافع عن أهليه الوجوب استرده ورده إليه فإن لَمْ يَجِدْ المدفوع إليه مالاً ضمنه من مال نفسه فرّط أو لم يفرط، وعلى المالك إخراج الزكاة ثانياً.
وفيه وجه آخر: أنه لا ضمان على الإمام، ويُحكى مثله عن أبي حنيفة وأحمد ثم الوجهان في أن الحاجة هل تنزل منزلة السؤال في حق البالغين؟
فأما إذا كانوا أطفالاً، فهذا يبنى أوّلاً على أن الصغير هل يدفع إليهم من سهم الفقراء والمساكين أم لا؟ أما إذا كان مكتفياً بنفقة أبيه وغيره من الأقارب ففيه وجهان مذكوران في قسم الصدقات في الكتاب وسنشرحها ثم -إن شاء الله تعالى جده-
الجزء: 3 - الصفحة: 24
وأما إذا لم يكن من منفق عليه من أب وجد وغيرهما فقد حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي إسحاق أنه لا يجوز صرف الزكاة إليه لاسْتِغْنائه عن الزكاة بالسّهم المصروف إلى اليتامى من الغنيمة.
وعن ابن أبي هريرة: أنه يجوز صرف الزكاة إلى قيمة قال: وهذا هو المذهب.
إذا عرفت ذلك فإن قلنا بجواز الصرف فحاجة أطفال المساكين كسؤال البالغين إذ ليس لهم أهلية النظر والتماس التسلف، فتسلف الإمام الزكاة واستقراضه لهم كاستقراض قيم اليتيم له.
هذا إذا كان الذي يلي أمرهم الإمام، فأما إذا كان يلي أمرهم من هو مقدّم على الإمام فحاجتهم كحاجة البالغين؛ لأن لهم من يسأل التسلف لو كان صلاحهم فيه.
أما إذا قلنا: لا يجوز الصرف إلى الصَّغير فلا تجيء هذه المَسْألة في سهم الفُقَراء والمساكين، ويجوز أَنْ تجيء في سَهْمِ الغارمين ونحوه؛ لأن الخلاف في المكفي بنفقة أبيه لا يتَّجه في سهم الغارمين إذ ليس على القريب قضاء دَيْن القريب.
وفي المسائل كلها لو تلف المعجّل في يد الساعي أو الإمام بعد تمام الحول، سقطت الزَّكَاة عن المالك، لأن الحصول في يدهما بعد الحول كالوصول إلى المَسَاكين كما لو أخذ بَعْدَ الحَوْل ثم إن فرط في الدَّفع إليهم ضمن من مال نفسه لهم، وإلاَّ فلا ضمان على أحد، وليس من التفريط أن ينتظر انضمام غيره إليه لقلته، فإنه لا يجب تفريق كل قليل يحصل عنده 149.
وعد بعد هذا إلى لَفْظِ الكتاب، واعلم أن قوله: "وهو فوات شرط الوجوب" يفتقر إلى التأويل إذ ليست الطوارئ المانعة من الإجزاء منحصرة في ذوات شرط الوجوب بل ذوات شرط الاستحقاق في القابض مانع من الإجزاء أيضاً، وأيضاً فإنه قال: "وذلك في القابض بأن يرتد ... " إلى آخره وصفات القابض ليست من شرط الوجوب في شيء وإنما هي من شرائط جواز الصرف إليه.
وقوله: "بأن يرتد أو يموت أو يستغني" معلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة تغير حال القابض لا يؤثر إذا كان عند الأَخْذ بصفة الاسْتِحْقاق.
وقوله: أو في المالك بأن يرتدّ يجوز أن يرقم قوله: "يرتد" بالواو، ولأنا إن أبقينا ملك المرتد، وجوزنا إخراج الزكاة في حالة الرِّدة أجزأ المعجل.
وقوله: "أما المال لو تلف .. " إلى آخر الفصل
الجزء: 3 - الصفحة: 25
يمكن حمله على الاسْتِقْرَاض وعلى التَّسَلُّف للزكاة، ومراده الثَّاني على ما صرح به في "الوسيط".
وقوله: لو تلف في يد المساكين مطلقاً سواء قبض الإمام بسؤال المالك أو بسؤال المساكين وسلّمه إليهم والتَّفصيل فيما إذا كان التَّلف في يد الإمام.
وقوله: فلا ضمان أي إذا اجتمع شرائط الوجوب، والاستقاق جميعاً أجزأ المعجّل عن الزكاة ولا ضمان على أحد، وقد نجد في بعض النسخ: "فلا بأس" بدل قوله: "فلا ضمان"، ولا بأس به معناه: لا يضر ذلك، وتقع الزَّكَاة موقعها، وأيهما كان فهو عند اجْتِمَاع الشَّرائط كما سبق.
وقوله: وحاجة أَطْفَال المَسَاكين كسؤالهم، أي: كسؤال البالغين لا كسؤال الأَطْفَال، إذ ليس من ضرورة أَطْفَال المساكين أن يكونوا مساكين فاللفظ النَّاصُّ على الفرض أَنْ يقال: وحاجة أطفال المَسَاكين، ولا يخفي أَنّ لفظ المساكين في هذه المَسَائِل كناية عن أهل السّهمان جميعاً، وأنه ليس المراد جميع آحاد الصنف، بل سؤال طائفة منهم وحاجتهم.
قال الغزالي: الثَّالِثُ فِي الرُّجُوعِ عِنْدَ طَرَيَانِ هَذهِ الأَحْوَالِ، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي المعَجَّلَةُ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَقِيلَ: شَرْطُهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِالرُّجُوعِ وَعَلَى هَذَا لَوْ نَازَعَهُ المَسَاكِينَ فِي الشَّرْطِ فَالمَالِكُ هُوَ المُصَدَّقُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّهُ المُؤَدِّي، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْتَّعجِيلِ وَلاَ عَلِمَهُ المَسَاكِينُ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ فَيَصْدُقُ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا قَالَ: قَصدَتُّ التَّعْجِيلَ.
قال الرافعي: إذا دفع الزَّكاة المعجَّلة إلى الفقراء، وقال: إنها معجلة فإن عرض مانع استردت فله الاسْتِرْدَاد إن عرض مانع، وعن أبي حنيفة: أنه لا استرداد إلا إذا كان المال بعد في يد الإمام أو الساعي.
لنا: إنه مال دفعه لما يستحقّه القابض في المستقبل، فإذا عرض ما يمنع الاسْتِحْقَاق استردُّه، كما إذا عَجَّل الأُجْرة ثم انْهَدَمت الدَّار قبل انْقِضَاء المدَّة، وإن اقتصر على قوله: هذه زكاة معجلة، وعلم القابض ذلك ولم يذكر الرّجوع، فهل له الاسترداد عند عروض مانع؟ فيه وجهان حكاها الشّيخ أبو محمد وغيره:
أحدهما: لا؛ لأن العادة جارية بأن المدفوع إلى الفقير لا يسترد، فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها وإلاَّ فهو صدقة، وصار كما لو صرح، وقال: هذه زكاتي المعجّلة فإن وقعت الموقع فذاك، وإلاّ فهي نافلة.
وأصحهما: ولم يذكر المعظم غيره أنه له الرجوع؛ لأنه عين الجهة فإن بطلت رجع كما قلنا في تعجيل الأجرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 26
قال صاحب الوجه الأول: هذا يشكل بما إذا قال: هذه الدراهم عن مالي الغائب وكان تالفًا فإنه يقع صدقة، ولا يتمكّن من الرجوع إلاَّ إذا شرط الرجوع بتقدير تَلَفِ الغائب، أجاب الصَّيْدَلانيّ بأنه قد تعرض لكونها معجّلة، وإذا تعرض لذلك فقد شرط الرجوع إن عرض مانع، وهذا غير واضح كما ينبغي، وقرب إمام الحرمين الوجهين في المسألة من القولين فيما إذا نوى الظُّهر قبل الزَّوَال هَل تَنْعَقِد صلاته نَفْلاً؟ وهذان الوَجْهَان فيما إذا دفع المَالِك بنفسه، وفيه تكلم صاحب الكتاب، ألا تراه يقول: فلو قال هذه زَكَاتي المعجَّلة، والإمام لا يقول ذلك.
أما إذا دفع الإمام فلا يمكن جعله نافلة فلا حاجة إلى شرط الرُّجوع، لكن لو لم يعلم القابض أنه زكاة غيره فيجوز أن يقال على الوجه الأول: لا يسترد وعلى الإمام الضمان للمالك لتقصيره بترك شرط الرجوع، ولو جرى الدفع من غير تعرض للتعجيل، ولا علم القابض به فهل يثبت الاسترداد؟ ظاهر نصه في "المختصر" أنه إذا كان المعطي الإمام يثبت، وإن أعطئ المالك بنفسه فلا يثبت، وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهمأن: تقرير النَّصين.
والفرق: أن المالك يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع عن الفرض وقع تطوعاً، والإمام يقسم مال الغير فلا يعطي إلاَّ الفرض فكان مطلق دفعه كالمقيد بالفرض، وهذا هو الذي ذكره القاضي ابن كَجٍّ وعامة أصحابنا العراقيين.
والثاني: أنه لا فرق بين الإمام والمالك؛ لأن الإمام قد يتصدق بمال نفسه كما يفرق مال الغير، وبتقدير أن لا يقسم إلاَّ الفرض، لكنه قد يكون معجلاً وقد يكون في وقته، واختلف هؤلاء على طريقين:
أحدهما: تنزيل النصين على حالين، حيث قال: يثبت الرجوع، فذلك عند وقوع التعرض للتعجيل، وحيث قال: لا يثبت فذلك عند إهماله، والإمام والمالك يستويان في الحالتين، وذكر في "الشامل" أن الشيخ أبا حامد حكى هذا الطريق أيضاً، وهو الذي أورده الجَامِعُون لطريقة القفَّال واختياراته.
والثاني: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: أنه يثبت الرجوع كما لو دفع مالاً إلى غيره، على ظن أن له عليه ديناً فلم يكن له الاسْتِرداد:
والثاني: لا يثبت؛ الصَّدقة تنقسم إلى فرض وتطوع، وإذا لم تقع فرضاً تقع تطوعاً، كما لو أخرج زكاة ماله الغائب، وهو يظن سلامته فَبَانَ تالفاً يقع تطوعاً، وهذا الطريق أوفق لما ذكره في الكتاب إلا إنه حكى بدل القولين وجهين، وكذا فعل إمام
الجزء: 3 - الصفحة: 27
الحرمين وهو قريب في موضع النقل والتخريج، ولم يحك الخلاف في الإمام والمالك جميعاً، فإن المسألة مَسُوقَة على ما سبق في أول الفصل، وهو كلام في المالك على ما بينته.
والأظهر: أنه لا يثبت الركوع سواء أثبتنا الخلاف أم لا، وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولى وأظهر، في ظاهر النصين المنقولين عن "المختصر" وكشف المراد منهما كلام كثير لا يحتمله هذا الموضع.
فإن قلنا: يثبت الاسْتِرْدَاد وإن لم يتعرض للتّعجيل ولا علمه القابض، فمهما قال المالك: قصدت التعجيل ونازعه القابض فالقول قول المالك مع اليمين فإنه أعرف بنيته ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهته، ولو ادَّعى المالك علم القابض بأنها كانت معجلة فالقول قول القابض، لأن الأصل عدم العلم، والغالب هو الأداء في الوقت.
وإن قلنا: لا يثبت الاسترداد عند عدم التعرض للتعجيل وعلم القابض فلو تنازعا في أنه هل يُشترط التعجيل على الوجه الأصح أو في أنه هل يشرط مع ذلك الرجوع على الوجه الثاني فالقول قول من؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول المالك مع يمينه؛ المؤدي وهو أعرف بقصده، ولهذا لو دفع ثوباً إلى غيره واختلفا، فقال الدافع هو عارية، وقال الآخر هبة، كان القول قول الدافع.
وأظهرهما: ولم يذكر في "العدّة" غيره أن القول قول المسكين مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الاشتراط والغالب كون الأداء في الوقت؛ ولأنهما اتفقا على انْتِقَال اليد والملك والأصل استمرارها.
وقوله في الكتاب: "وعلى هذا لو نازعه المساكين في الشرط" قَدْ يوهم تخصيص المَسْأَلَة والوجهين فيها بالوجه المذكور قبله وهو قوله: "وقيل: شرطه أن يصرح بالرجوع" وليس كذلك بل سواء اكتفينا بشرط التعجيل أو شرطنا التَّصْريح بالرُّجُوع وفرض النزاع، جرى الوجهان ولو أنه أخَّر المسألة إلى أن يفرغ من السلام فيما إذَا لَمْ يتعرض للتَّعجيل ولا علمه المساكين لكان أولى؛ لأن هذا النزاع إنما يجري إذا قلنا: لا يثبت الاسْتِرْداد، ثم إذا أثبتناه فلا فائدة للنزاع في جريان الاشتراط فإن المالك وإن سلمه وادَّعى أنه قصد التعجيل والرجوع نصدقه كما سبق، والوجهان في تنازع المالك والقابض يجريان في تنازع إلإمام والقابض إذا قلنا: إنه يحتاج إلى الاشتراط، ولفظ "التهذيب" يشمل الصورتين جميعاً.
وقوله: "ففي الرجوع وجهان" يجوز أن يعلَّم بالواو لما قدمنا من الطريقة القاطعة
الجزء: 3 - الصفحة: 28
بامتناع الرجوع، ولك أن تبحث في قوله: "أما إذا لم يتعرض للتعجيل، ولا علمه المسكين" فنقول: هذا يشمل ما إذا سكت فلم يذكر شيئاً أصلاً، وأَمَّا إذا قال: هذه زكاتي أو صدقتي المفروضة، ولم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين، فهل يخرج لمخرج الزكاة أن لا يتلفظ بشيء أصلاً؟ وبتقدير أن يجوز فهل الحكم واحد في الحالتين أم بينهما فرق؟
والجواب: أما الأول فقد ذكر صاحب "النهاية" 150 وغيره أن مخرج الزكاة لا يحتاج إلى لفظ؛ لأنه في حكم توفية حق على مستحق.
قال: وفي صدقة التطوع تردد، والظاهر الذي به عمل الكافة أنه بحاجة إلى لفظ أصلاً.
وأما الثاني: ففيه طريقان:
أحدهما: أنه إذا قال: "هذه زكاتي" "أو صدقتي المفروضة" كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل ولم يصرح بالرجوع.
وأظهرهما: أنه كما لو لم يذكر شيئاً أصلاً، فإن ذكر التعجيل يعرف أنها في الحال غير واجبة.
وقوله: "هذه زكاتي" لا يفيد ذلك، والغالب إنما هو الأداء في الوقت.
والذي أجاب به العراقيون أنه لا يسترد المالك بخلاف الإمام فإن الإمام قد يستعجل الزكاة في العادة، والملاَّك لا يؤدون قبل دخول وقت الوجوب غالباً، وهذا جرى منهم على طريقتهم التي سبقت.
وحكوا في التفريع عليها وجهين في أنه لو كان الطَّارئ موت المسكين، هل للمالك أن يستحلف ورثته على نفي العلم بأنها معجلة؟
عن أبي يحيى البَلْخِيّ أنهم يحلفون لإمكان صدقه، وعن غيره: أنهم لا يحلفون؛ لأن الظاهر من قوله: هذه زكاتي، أنها واجبة في الحال فليس له دعوى خلافه، وشبهوا هذا بالوجهين، فيما إذا رهن وأقر بأنه أقبض ثم ادَّعى بأنه لم يقبض وأراد التحليف عليه.
وقوله في أول الفصل الثالث: في الرجوع عند طَرَيَان هذه الأحوال" إشارة إلى أنه لا بد للرُّجُوع من عروض شيء من هذا الخلاف، وليس له أن يسترد المعجل من غير سبب؛ لأنه تبرع بالتعجيل فأشبه ما لو عجل دَيْنَا مؤجلاً لا استرداد له.
قال الغزالي: وَلَوْ تَلَفَ النِّصَابُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَمْتَنِعِ الرُّجُوعُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: والمسألة من الطوارئ المانعة من وقوع المعجل زكاة تلف النّصاب
الجزء: 3 - الصفحة: 29
فحيث يثبت الاسترداد بهذا السبب، هل يثبت لو أتلفه المالك بنفسه فيه وجهان:
أحدهما: لا، لقصيره بالإتْلاَف.
وأصحهما: نعم، لحصول التَّلف وخروج المعجل، عن أن يكون زكاة وقضية التَّعْجيل الأول أن لا يجري الخلاف فيما إذا أتلفه بالإنفاق وغيره من وجوه الحاجات، ولو أتلف بعض ماله حتى انتقص النصاب كان كالاتف جميع المال مثل أن يعجل خمسة دراهم عن مائتي درهم ثم يتلف منها درهماً، وتنقل هذه الصورة والوجهان فيها عن الاصْطخري.
قال الغزالي: وَإِنْ كانَ الْمَالُ تَالِفاً فِي يَدِ المِسْكِينِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ صَارَ نَاقِصاً فَفِي الأَرْشِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بَاقِياً رُدَّ بِزَوَائِدِهِ المُنْفَصِلَةِ وَالمُتَّصِلَةِ وَنَقِضَ تَصَرُّفُة وَكَأنَّهُ بانَ أنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ وَقِيلَ: إِنَّا نُقَدِّرَهُ مُقْرِضاً إِذَا لَمْ يقَعْ عَنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ فَتَلْتَفِتُ هَذِهِ الأَحْكامُ عَلَى أَنَّ القَرْضَ يَمْلُكَ بِالقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ.
قال الرافعي: متى أثبتنا حق الاسترداد فلا يخلو المعجل، إمَّا أن يكون تالفاً أو باقياً في يد القابض، فإن كان تالفاً فعليه ضمانه بالمثل إن كان مثلياً والقيمة إن كان متقوماً، وفي القيمة المعتبرة وجهان:
أحدهما: أنه يعتبر قيمته يوم التلف، أن الحق انتقل إلى القيمة يوم التَّلف، فاعتبرت قيمته ذلك اليوم كما في العارية.
والثاني: ويحكي عن أحمد: أنه يعتبر قيمة يوم القبض؛ لأن ما زاد عليها زاد في ملك القابض فلم يضمنه، كما لو تلف الصَّدَاق في يد المرأة ثم ارتدت قبل الدُّخول أو طلقها، فإن الزوج يرجع بقيمة يوم القبض.
قال المحاملي: وهذا أشبه.
وينقدح عند إمام الحرمين رجه ثالث وهو إيجاب أقصى القيم بناء على أنه المِلْك غير حاصل للقابض واليد يد ضمان.
وقد ذكر مثل هذا في المُسْتَعِير والمّسْتَام فإن كان القابض قد مات فَالضَّمَان في تّكته 151 وإن كان المال باقياً نظر إنْ لم يحصل فيه زيادة ولا نقصان استرده ودفعه أو مثله إلى المستحق، إن بقي بصفة الوجوب وإن كان الدافع هو الإمام
الجزء: 3 - الصفحة: 30
أخذه، وهل يصرفه إلى المستحقين بدون أذن جديد من المالك؟
حكى في "التتمة" فيه وجهين:
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": له ذلك وإذا أخذ القيمة، فهل يجوز صرفها إلى المستحقين؟
فيه وجهان؛ لأن دفع القيم لا يجزئ فإن جوزناه وهو الأظهر فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ فيه وجهان:
وإن حدثت 152 فيه زيادة فإن كانت متّصلة كالسمن [والكبر] 153 أخذه مع الزيادة كما لو زاد الموهوب في يد الابن زيادة متصلة ورجع الأب فيه، وكما إذا أفلس المشتري بالثمن، وقد زاد المبيع زيادة متصلة، وإن كانت منفصلة كالولد واللبن، فهل يأخذها مع الأصل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم بأنا بينا بما طرأ أخيراً أنه لم يملك المقبوض.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: لا، كما أن الأب لا يرجع في الزِّيَادة المنفصلة من الموهوب وكما أنه يسلم للمشتري إذا رد الأصل بالعيب، أو رد عليه العوض.
ويحكي هذا الثاني عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- وإن حدث فيه نقصان، فهل يجب فيه أَرْشَه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما يجب الضمان عند التلف فيعتبر الجزء بالجملة.
وأصحهما: عند العراقيين وغيرهم: لا، وحكوه عن ظاهر.
نصه في "الأم"، ووجهوه بأنه نقصان حدث في ملكه فلا يضمنه كالأب إذا رجع في، الموهوب، وقد نقص فلا يأخذ معه الأرْش، وكالبائع إذا استرد المبيع، وقد نقص عند إفلاس المشتري، ليس له الأَرْشُ وهذا الوجه هو اختيار القَفَّال فيما حكى الصَّيْدَلاَنِي، قال: واستشهد عليه بما إذا رد المبيع بعيب والثمن باق، لكنه حدث فيه عيب ليس له إلا المعيب.
وإن كان يأخذ مثله أو قيمته لو كان تالفاً.
قال إمام الحرمين: وهذا مشكل وإلزامه الرضا بالثمن المعيب بعيد، وإنما الذي قاله الأصحاب: أنه لو وجد بالمبيع عيباً، وتمكن من الرد فرضاً لا أَرْش له، والكلام فيه يتضح في موضعه -إن شاء الله تعالى جَدَّهُ-.
الجزء: 3 - الصفحة: 31
ثم أشار حجة الإسلام -رحمه الله- في هذه المسائل إلى أصل ذكره الإمام وهو أن المعجل هل يصير ملكاً للقابض أم لا؟ وإن صار ملكاً له فيأتي فيه وبه يكون ملكاً له، قال: حيث لا يثبت الركوع: فالمعجل متردد بين أن يكون فرضاً أو تطوعاً، والملك حاصل للقابض على التقديرين، وحيث يثبت فله تقديران لم يصرح بهما الأصحاب، وجزم عليهما صاحب "التقريب".
أحدهما: أن الملك موقوف إلى أن يكشف الأمر في المال، فإن حدث مانع تبين اسْتمرار ملك المالك، وإلاَّ تبين أنه صار مِلْكًا للقابض من يومئذ.
والثاني: أنَّ الملك ثابت للقابض، لكن إن استمرت السلامة تبين أنه ملك عن جهة زكاة مستحقة، إلا تبين وقوعه فرضاً، ثم الفرض يملك بالقبض أو بالتصرف وإن ملك بالتصرف فبأي تصرف يملك؟ فيه خلاف مذكور في بابه، وعلى هذا الأصل يجري الوجهان في الزوائد المنفصلة فإن قلنا: بالتوقف وجب رَدُّها لتبين حدوثها على ملك المالك وينقلنا بتقدير الفرض، فإن قلنا: إنه يملك بالقبض سلمت الزوائد للقابض، وإن قلنا: يملك بالتصرف وحدثت الزوائد قبل التصرف فهذا كما لو استقرض أغناماً ونتجت في يده ثم باعها واستبقى النِّتَاج، قال الإمام: ينقدح فيه أمران:
أحدهما: أن يقدر انتقال الملك في الأغنام إلى المستقرض قبيل البيع، ويجعل النتاج للمقرض.
والثاني: أن يستند الملك في حالة القبض، ويجعل النتاج للمستقرض، وممَّا يخرج على هذا الأصل تصرفه في المال المعجل، بأن باع ما قبضه ثم طرأ بعض الأحوال المانعة، فإن توقفنا في الملك تبين انتفاض بيعه.
وإن قلنا: بالفرض فلا ومما يخرج عليه أنه هل يجوز للقابض عند بقاء العين الإبدال أم يلزمه رد عين المال المأخوذ؟ فإن قلنا: بالتوقف لزم رد عينه، وإن قلنا: بالفرض فإنْ قلنا: إنه يملك بالقبض فله الإبدال.
وإن قلنا: يملك بالتصرف ولم يوجد فللمالك استرداده بعينه.
واعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح التقدير الأول، لكن كلام المعظم يقتضي ترجيح الجزم بثبوت الملك، ولذلك قالوا: لا يجب رد الزوائد المنفصلة ولا أَرْش النقصان على ما قدمناه.
قال الغزالي: وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ إلاَّ أَرْبَعِيْنَ فَعَجَّلَ وَاحِدَةً فَاسْتَغنَى القَابِضُ، فَإنْ القَابِضُ، فَإنْ جَعَلْنَا المُخْرَجَ لِلزَّكَاةِ قَرْضاً لَمْ يَلْزَمْهُ تَجْدِيدُ الزَّكَاةِ؛ لِأَنْ الحَوْلَ انْقَضَى عَلَى تَسْعٍ وَثَلاَثِينَ بِخِلاَف مَاذَا وَقَعَ المُخْرَج عَنِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ المُخْرَجَ عَنِ الزَّكَاةِ كَالبَاقِي، وَإِنْ قُلْنَا: تَبَيَّنَ أَنَّ المِلْكَ لَمْ يَزَلِ الْتَفَتَ عَلَى المَجْحُودِ وَالمَغْصُوبِ لِوُقُوعِ الْحَيْلُولَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 32
قال الرافعي: الَّذِي يحتاج إلى معرفته أولاً، وقد أشار إليه في أثناء الفصل أن المعجل للزكاة مضموم إلى ما عنده ونازل منزلة ما لو كان في يده.
بيانه: لو أخرج شاة من أربعين ثم حال الحول ولم يطرأ مانع أجزأه ما عجل، وكانت تلك الشَّاة بمثابة الباقيات عنده.
ولو عجل شاة عن مائة وعشرين، ثم نتجت واحدة أو عن مائة وحدثت عشرون وبلغت غنمه مع الواحدة المعجلة مائة وإحدى وعشرين لزمه شاة أخرى، وإن أنفق القابض تلك المعجلة، ولو عجل شاتين عن مائتين ثم حدثت سَخْلَة قبل الحَوْل فقد بلغت غنمه مع المعجلتين مائتين وواحدة، فيلزمه عند تمام الحول شاة ثالثة، فلو كانت المعجلة في هاتين الصورتين مَعْلُوفة أو اشتراها وأخرجها لم يجب شيء زائد؛ لأن المعلوفة والمشتراة لا يتم بهما النصاب، وإن جاز إخراجهما عن الزكاة، وخالف أبو حنيفة هذا الأصل فلم يُجَوِّز التعجيل إلا بشرط أن يكون الباقي عنده نصاباً ولم يجعل المعجل مضموماً إلى ما عنده فيخرج من ذلك امْتِنَاع التَّعجيل في الصورة الأولى، وأن لا تجب شاة ثانية في الثانية ولا ثالثة في الثالثة، وساعدنا أحمد على ما ذكرنا، واحتج الأصحاب على جواز التعجيل عن الأربعين فحسب بأمن قالوا: هذا نصاب يجب الزَّكَاة فيه بحولان الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان أكثر من أربعين، واحتج الشافعي -رضي الله عنه- علي تكميل النِّصَاب الثاني والثالث بالمعجل بأن التعجيل إنما جوز إرفاقاً بالفقراء، فلا يجوز أن يصير سبباً لإسقاط حقوقهم، ومعلوم أنه لولا التعجيل لوجبت زيادة على ما أخرجه.
إذا عرفت ذلك فلا يخلو الحال بعد تعجيل الزكاة إما أن يتم الحول على السَّلامة أو يعرض مانع فإن تَمَّ الحَوْل على السَّلاَمة أجزأه ما أخرج، ثم كيف التَّقْدِير إذا كان الباقي عنده ناقصاً عن النِّصاب كما لو لم يملك إلا أربعين فعجل منها واحدة: أيزول الملك عن المعجل ومع ذلك يحتسب عن الزكاة أم لا يزول؟ عن صاحب "التقريب": أنه يقدر كأنَّ صاحب الملك لم يزل لينقضي الحول وفي ملكه نصاب واستبعد إمام الحرمين ذلك.
وقال: تصرف القابض فيه نافذ بالبيع والهبة وغيرهما، فكيف نقول ببقاء ملك المعطي.
وهذا الاستبعاد حتى إن أراد صاحب "التقريب" بقاء ملكه حقيقة إلى آخر الحَوْل، وإن أراد أنه نازل منزلة الباقي حتى يكون مجزئاً عن زكاته ويكمل به النصاب الآخر فلا استبعاد، والأصحاب مطبقون عليه وكأنه اكتفى عن التعجيل بمضي ما سبق من الحول على كمال النصاب رفقاً بالفقراء، فهذا إذا تم الحول على السَّلامة، وإن عرض مانع من وقوع المعجل زكاة فينظر إن كان المخرج أهلاً للوجوب وبقي في يده نصاب لزمه الإخراج ثانياً، وإن كان الباقي دون النصاب فحيث لا يثبت الاسترداد فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 33
زكاة عليه، وكأنه تَطَوَّع بشاة قبل تمام الحول، وحيث يثبت الاسْتِرْدَاد فاسترد، وقد ذكر شيوخنا العراقيون فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يستأنف الحَوْل، ولا زكاة لما مضى لِنُقصان ملكه عن النِّصَاب قبل تمام الحول.
والثاني: أنه تجب الزكاة للحول الماضي؛ لأن المخرج للزكاة كالباقي على ملكه واحتجوا عليه بما إذا وقع عن الزكاة.
والثالث: أنه يفرق بين النَّقد فيزكيه لما مضى وبين الماشية فلا يزكيها لما مضى؛ لأن السَّوْم شرط في زكاة الماشية، وذلك ممتنع في الحيوان في الذّمة.
قالوا: وأظهر الوجوه هو الثاني، وهو الذي ذكره في "التهذيب" بل لفظه يقتضي وجوب الإِخْرَاج ثانياً، وإن لم يسترد بعد إذا كان المخرج بعينه باقياً في يد القابض.
وعن صاحب "التقريب" بناء المسألة على الأصل السابق وهو أنه إذا ثبت الاسترداد فتبين أن الملك لم يزل عن المعجّل، أو يقال بالزوال ويجعل قرضاً إن قلنا بالزوال فإذا استرجع استفتح الحول من يومئذ ولا زكاة لما مضى.
وإن قلنا: يتبين أن الملك لم يزل لزمه الزكاة لما مضى لتبين اطِّراد الحول على نصاب كامل، وزاد الإمام شيئاً آخر على هذا التقدير الثاني، فقال: الشاة التي تسلط القابض على التصرف فيها قد حصلت الحيلولة بينها وبين المالك، فيجيء فيها خلاف المغصوب والمجحود.
وهذا الطريق هو الذي أورده في الكتاب، وكلام العراقيين يشعر بتخريج الوجوه كلها بعد تسليم زوال المِلْك عن المعجل، وكيف ما كان فالظاهر عند المعظم أنه يجب تجديد الزكاة ولو كان المخرج تالفاً في يد القابض فقد صار الضمان ديناً عليه فإن أوجبنا تجديد الزكاة إذا كان باقياً فيجيء هاهنا قولاً وجوب الزكاة في الدَّيْن هذا في الدين، وفي المواشي لا تجب الزَّكَاة بحال؛ لأن الواجب على القابض القيملا فلا يكمل بها نصاب الماشية وروى القاضي ابن كج عن ابن إسحاق إقامة القيمة مقام العين هاهنا مراعاة لجانب المساكين، وقوله في أول الفصل: ولو لم يملك إلا أربعين فعجل واحدة فاستغنى القابض أي بغير الزَّكَاة، وذكر الاستغناء مثالاً، والحكم لا يختص به بل الموت وسائر الطَّوَارئ في معناه.
وقوله: بخلاف ما إذا وقع المخرج عن الزكاة؛ لأن المخرج كالباقي لِلزَّكَاة أي: المخرج للزكاة إذا وقع عن الزَّكَاة كالباقي.
فأما إذا طرأ مانع فلا يجعل كالباقي، وهكذا ذكر صاحب "التهذيب" في فرع سنذكره على الأثر، لكن ما حكينا عن العراقيين في توجيه الوجه الثَّاني ينازع فيه ويصرح بكونه كالباقي وإن لم يقع عن الزكاة.
فرع: لو عجل بنت مَخَاض عن خمس وعشرين من الإبل فبلغت بالتَّوالد ستّاً وثلاثين قبل الحول فلا يجزئه بنت المَخَاض المعجلة، وإن صارت بنت لَبُون في يد
الجزء: 3 - الصفحة: 34
القابض بل يستردُّهما، ويخرجها ثانياً أو بنت لَبُون أخرى.
قال صاحب "التَّهْذيب" من عنده: فإن كان المخرج هالكاً، والنِّتَاج لم يزد على أحد عشر ولم تكن إبله ستًّا وثلاثين إلاَّ مع المخرج وجب أن لا تجب بنت لَبُون؛ لأَنَّا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا وقع محسوباً عن الزَّكَاة أما إذا لم يقع محسوباً فلا بل هو كهلاك بعض المال قبل الحول.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ، فِي تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ (ح) وَالعِصْيَانِ (ح) عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وَإِنْ تَلَفَ النِّصَابُ بَعْدَ الحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلاَ زَكَاة.
[القول في تأخير الزكاة]
:
قال الرافعي: إذا تَمَّ الحَوْلُ على المال الَّذِي يشترط في زكاته الحول وتمكن من الأداء فأخر عصى 154 لما تقدم أَنَّ الزَّكَاة على الفور ويدخل في ضمانه حتى لو تلف المَالَ بعد ذلك لزمه الضَّمَان، سواء تلف بعد مطالبة السَّاعي أو الفقراء أو قبل ذلك.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- تسقط الزكاة ولا ضمان إن كان التلف قبل المطالبة.
وإن كان بعدها فلا صحابة فيه اختلاف.
لنا: أنه قصر بحبس الحق عن المستحق فلزمه ضمانه.
ولو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن فلا شيء عليه كما لو دخل وقت الصَّلاة فعرض له جنون أو نحوه قبل التَّمكن من فعلها، أو ملك الزَّاد والرَّاحلة ولم يتمكن من فعل الحج، ولو أتلفه بنفسه بعد الحول، وقبل التمكن لم تسقط عنه الزَّكاة لتقصيره بإتلافه.
وعن مالك: أنه إن لم يقصد بالإتْلاَف الفرار عن الزَّكَاة تسقط، وإن أتلفه غيره فينبني على أصل سيأتي وهو أن الإمكان من شرائط الوجوب -أو من شرائط الضمان، إن قلنا بالأول فلا زكاة- كما لو أتلف قبل الحول، وإن قلنا بالثاني وقلنا: مع ذلك الزكاة تتعلق بالذمة فلا زكاة أيضاً؛ لأنه تلف قبل حصول شرط الاسْتِقْرَار، وإن قلنا: تتعلَّق بالعَيْن انتقل حق المستحقّ إلى القيمة كما إذا قتل العبد الجاني أو المرهون ينتقل الحقّ إلى القيمة 155.
الجزء: 3 - الصفحة: 35
وقوله في الكتاب: "هو سبب الضَّمَان والعصيان" معلَّم بالحاء لما ذكرنا، ويجوز أن يعلّم قوله: "فلا زكاة" بالألف؛ لأن صاحب "الشَّامل" حكى عن أحمد أنه لا تسقط الزَّكَاة كما لو أتلفه.
قال الغزالي: وَإِنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الإبِلِ فَتَلَفَ وَاحِدٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَأَحَدُ القَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُسْقِطُ كُلّ الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ تَلَفَ النِّصَابُ قَبْلَ الحَوْلِ؛ لِأَنَّ الإمْكَان شَرْطُ الوُجُوبِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ لاَ يُسْقِطُ إِلاَّ خُمْسَ شَاةٍ، لِأَنَّ الإمْكَانَ شَرْطُ الضَّمَانِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَلَكَ تِسْعاً فَتَلَفَ أرْبَعٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَالجَدِيدُ أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تُبْسَطُ عَلَى الوَقْصِ فلاَ يَسْقُطُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّكَاةِ، وَعَلَى القَدِيمِ يَسْقُطُ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ شَاةٍ.
قال الرافعي: مسألتا الفصل مبنيَّتان على أصلين:
أحدهما: أن إمكان الأداء من شرائط الضَّمَان، وهل هو مع ذلك من شرائط الوجوب؟ فيه قولان:
أحدهما: ويحكي عن القديم و"الأم"، وبه قال مالك: أنه من شرائط الوجوب كما في الصَّوْم والصَّلاَة والحَجّ؛ لأنه لو تلف ماله قبل الإمكان سقطت الزكاة ولو وجبت لما سقطت، وبهذا القول أجاب في "المختصر" في مواضع.
وأصحهما: عند ابن سريج وجمهور الأصحاب وهو قوله في "الإملاء" ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-: أنه ليس إلا من شرائط الضمان؛ لأنه لو أتلف المال بعد الحول لا تسقط عنه الزكاة، ولولا الوجوب لسقطت كما لو أتلف قبل الحول، واحتج كثيرون لهذا القول بأنه لو تأخر الإمكان مدة فابتداء الحول الثَّاني يحسب من تمام الحول الأول لا من حصول الإمكان وبأنه لو حدث نِتَاج بعد الحول وقبل الإمكان يضم إلى الأَصْل في الحول الثَّاني دون الأول، وهذا جرى منهم في المسألة الثانية على أظهر الطَّرِيقين وقد قَدَّمنا في فصل النِّتَاج أن من الأصحاب من بني المسألة على القولين في الإمكان.
وعند مالك: ابتداء الحول الثاني من وقت حصول الإمكان، ونتاج الحادث من وقت حصول الإمكان مضموم إلى الأصل في الحَوْل الأول، وعبر صاحب "التتمة" عن تحقيق هذا الخلاف بأنا إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فهو على سبيل التَّبيين، = الثاني: قيل: كذا أطلقه الرافعي وهو مصور في الحاشية.
أما النقل إذا أتلفه متلف ضمن مثله، وتجب فيه الزكاة إذا قلنا: تجب الزكاة في الدين، وبنى حوله على حول العين، وحينئذ لا فرق بين أن يفرع على قول الوجوب أو الضمان أو العين أو الذمة.
الجزء: 3 - الصفحة: 36
معناه أنا نتبين بالإمكان حصول الوجوب عند تمام الحول ونسميه شرط الوجوب توسعاً.
ومالك يجعله شرط الوجوب حقيقة ولا يقول بالتبيين.
وبعض أصحابنا يعبر عن القول الأول بالقديم وعن الثاني بالجديد، وهو اقتصار من الجديد على ما يقابل القديم، وإلاَّ فقضية ما ذكرنا حصول قولين في الجديد.
أحدهما: كالقديم.
والثاني: خلافه.
الأصل الثاني: أن الأوقَاص وهي ما بين النّصابين كما بين الخمس والعشر من الإبل هل يتعلق الواجب بها مع النصب أم هي عفو والزكاة تتعلق بالنصب؟ فيه قولان:
أصحُّهما وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- والمزني: أنها عفو.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ شَاة، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ عَشْراً" 156. ولأنا لو بسطنا الواجب على الوَقْص والنِّصاب لسقط قسط من الواجب بتلف الوَقْص بعد الحول كما سيأتي، ومالاً تزيد الزَّكَاة بزيادته لا ينبغي أن تنقص بنقصانه.
والثاني وهو اختيار ابْن سُرَيج: أن الواجب ينبسط على الكل.
لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس 157: "فِي أَرْبَع وَعِشْرينَ من الإبل فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ ومن كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثينَ فَفيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ".
علق الفرض بالنّصاب والوَقْص ولأنه حقّ الله تعالى يتعلّق بنصاب من المال فيتعلق به وبما زاد، كما لو سرق أكثر من نصاب يتعلق القطع بالكل، فإذا ملك تسعاً من الإبل فعلى القول الأول عليه في خمس منها لا بعينها شاة والباقى عفو.
وعلى الثاني: الشاة واجبة في الكل.
وقال إمام الحرمين: الوجه عندي أن تكون الشاة متعلقة بجميع التّسع لا محال، والمراد من القولين أن الوقص هل يجعل وقاية للنصاب كما يجعل الرِّيح في القراض وقاية لرأس المال عند الخسران، ففي قول: يجعل وقاية له وهو الصحيح، لأن الزكاة لا تزيد به ولا تنقص بتلفه، وفي قول: لا يجعل وقاية حتى لو تلف البعض سقطت حِصَّته، وهذا أحسن، والمشهور الأول.
إذا عرفت ذلك فإحدى مسألتي الفصل أن تملك خمساً من الإبل ويحول عليها الحول ثم تتلف منها واحدة قبل التمكن فلا زكاة
الجزء: 3 - الصفحة: 37
عليه للتالف، وهل يجب للباقي؟ يبنى على الأصل الأول.
إن قلنا: الإمكان شرط للوجوب فلا شيء عليه، كما لو تلف قبل تمام الحول.
وإن قلنا: إنه شرط الضمان دون الوجوب فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن هذا القدر هو المستقر بالإمكان، ولو تلف أربع فعلى الأول لا شيء عليه وعلى الثَّاني عليه خمس شاة، ولو ملك ثلاثين من البقر وتلف خمس منها قبل الإمكان وبعد الحول، فإن قلنا: بالأول فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني فعليه خمسة أسداس تَبِيع.
والمسألة الثانية: ملك تسعاً من الإبل وحال عليها الحول، ثم تلف قبل التمكُّن أربع، فحكمها يقتبس من الأصلين.
إن قلنا: الإمكان شرط الوجوب فعليه شاة كما لو تلف قبل الحول، وإن قلنا: إنه شرط للضمان فإن قلنا: الوَقْص عفو فعليه شاة أيضاً، لبقاء متعلّق الواجب، وإن قلنا: الواجب ينبسط على الجميع ففيه وجهان:
أصحهما: ولم يذكر الجمهور سواه أن عليه خمسة أَتْسَاع شاة؛ لأنها متعلّقة بجميع التّسع فحصَّة كل بعير منها تسع يسقط بتلف الأربع أربعة أتساع، ويبقى الباقي، والثاني عن القاضي أبي الطّيب: أن أبا إسحاق قال: عليه شاة أيضاً، ووجهه ابن الصباغ بأن الزيادة ليست شرطاً في الوجوب فلا يؤثر تلفها، وإن تعلق بها الواجب كما لو شهد خمسة على محصن بالزنا فرجمناه ثم رجع واحد منهم وزعم أنه غلط فلا ضمان على واحد منهم وإن رجع اثنان حينئذ يجب الضَّمان، ولو كانت المسألة بحالها، وتلف خمس فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء عليه؛ لانتقاص النصاب قبل الوجوب كما لو تلف قبل الحول، وإن قلنا: من شرائط الضمان فإن قلنا: الوقص عفو فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن [الواجب لم يتعلق] 158 إلا بخمس منها، ولم يتلف من الخمس إلا واحدة، وإن بسطنا الواجب على الكل فعليه أربعة أتساع شاة؛ لأن الشاة تعلقت بالتسع، وقد بقي منها أربع فلا يجيء هاهنا، وجه أبي إسحاق ولو ملك ثمانين من الغنم فتلف منها أربعون بعد الحول وقبل التمكن، فإن قلنا: الإمكان شرط الوجوب أو قلنا: إنه شرط الضمان والوقص عفو فعليه شاة، وإن قلنا: أنه شرط الضمان وبسطنا الواجب على الكل فعليه نصف شاة، وعلى الوجه المررى عن أبي إسحاق تجب شاة أيضاً، وعلى هذه الصورة يقاس نظائرها.
وأما لفظ الكتاب.
فقوله: "فتلف واحد قبل التمكن" أي وبعد الحول.
وقوله: "لأن الإمكان شرط الوجوب" معلّم بالحاء.
وقوله: "شرط الضمان" بالميم لما قدمناه، وقد استدرك من جهة اللفظ على
الجزء: 3 - الصفحة: 38
قوله: "يسقط كل الزكاة"؛ لأن السقوط يفتقر إلى سبق الثبوت، ونحن على هذا القول نقول بعدم الوجوب أصلاً إلا أن لفظ السقوط قد يستعمل حيث يكون الشيء بعرضية الثبوت فتبطل عرضيته.
وقوله في أول الصورة الثانية: "وعلى هذا" أي على قولنا: إن الإمكان شرط الضمان، فإنا حينئذ نبني المسألة على الخلاف في الوَقْص.
وقوله: "يسقط أربعة أتْسَاع شاة" أي: لأن الزكاة تنبسط على الوقص، ويجوز أن يُعَلم بالحاء والزاي والواو أيضاً لوجه أبي إسحاق.
وقوله: "فالجديد أن الزكاة لا تنبسط على الوقص" وتسمية ما يقابله قديماً إتباع لما ذكره الصَّيدلاني والإمام، وليس ذلك على سبيل جزم الجديد بعدم الانبساط؛ لأن الشيخ أبا حامد وغيره من الشُّيوخ نقلوا عدم الانْبِسَاط عن القديم، وأكثر الكتب الجديدة والانْبِسَاط عن البويطي "والإملاء" فاقتضى ذلك قولين في الجديد، وكلامهم يشعر بجزم القديم بعدم الانبساط، فإن كان كذلك لم يَجُز نسبة الانْبسَاط إلى القديم، وإلا فهو غير جازم بالانْبِسَاط كما أن الجديد غير جازم بعدم الانبساط.
قال الغزالي: وَإِمْكَانُ الأَدَاءِ يَفُوتُ بِغَيْبَةِ المَالِ أَوْ بِغَيْبَةِ المُسْتَحِقّ وَهُوَ المِسْكِينُ أَوِ السُّلْطَانُ فَإِنْ حَضَرَ مُسْتَحِقٌّ فَأَخَّرَ لاِنْتِظَارِ القَرِيبِ أَوِ الجَارِ لَمْ يَعْصِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَكِنَّ جَوَاز التَّأخِيرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل بيان المراد من إمكان الأداء، فاعلم أنه ليس المراد من الإمكان مجرد كونه بسبيل من إخراج الزكاة، ولكن يعتبر معه شيء آخر وهو وجوب الإخراج، وذلك بأن تجتمع شرائطه.
فمنها: أن يكون المال حاضراً عنده فأما إذا كان غائباً فلا يوجب إخراج زكاته من موضع آخر، وإن جوزنا نقل الصَّدقات.
ومنها: أن يجد المصروف إليه والأموال على ما قدمنا ظاهرة وباطنة، والباطنة يجوز صرف زكاتها إلى السُّلْطَان ونائبه، ويجوز أن يفرِّقها بنفسه فيكون واجداً للمصروف إليه سواء وجد أهل السُّهمان أو الإمام أو نائبه 159.
الجزء: 3 - الصفحة: 39
وأما في الأموال الظاهرة فكذلك إنْ جوزنا له أن يفرق زكاتها بنفسه، وإلاَّ فلا إمكان حتى يجد الإمام أو نائبه ثم إذا وجد من يجوز الصرف إليه لكن أخر لطلب الأفضل.
ففي جوازه وجهان، وذلك كما إذا وجد الإمام أو نائبه وأخر ليفرق بنفسه حيث قلنا: إنه أولى أو وجد أهل السُّهْمَان فأخر ليدفع إلى الإمام أو نائبه حيث قلنا: إنه أولى أو أخر لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج إليه.
أحد الوجهين: أنه لا يجوز التَّأْخير لذلك؛ لأن المستحق حاضر والزكاة واجبة على الفور فلا يؤخر.
وأظهرهما: الجواز؛ لأنه تأخير لغرض ظاهر، وهو اقْتِنَاص الفضيلة به فيسامح فعلى هذا لو أخر وتلف هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كالتأخير لسائر الأسباب الجائزة.
وأصحهما: نعم، لأن الإمكان حاصل، وإنما يؤخر لغرض نفسه فيتقيَّد جوازه بشرط سلامة العاقبة.
وذكر إمام الحرمين للوجهين شرطين:
أحدهما: أن يظهر اتِّصَاف الحاضرين بصفة الاستحقاق، فإن تردد في استحقاقهم 160، وأخرَّ ليترَوَّى وينظر فلا خلاف.
والثاني: أن لا يشتد حاجة الحاضرين وفاقتهم، أما لو كانوا يتضررون جوعاً فأخَّر لانتظار قريب أو جَارٍ لم يجز بلا خلاف، ولك أن تقول: إشباع الجائعين، وإن وجب لكنه غير متعين على هذا الشخص ولا من هذا المال ولا من مطلق مال الزكاة 161، وإذا كان كذلك فلم يلزم من وجوب الإشباع في الجملة أن لا يجوز تأخير الزَّكَاة لاقتناص فضيلة في الأداء.
وقوله في الكتاب: "أو بغيبة المستحق" أراد به مستحق الأخذ لا مستحق المال المأخوذ.
وقوله: "وهو المسكين أو السلطان" إشارة إلى الخلاف في وجوب صرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام، معناها: وهو المسكين في المال الباطن والسلطان في المال الظاهر على أحد القولين، وهذا لفظه في "الوسيط"، لكن قوله: "وهو المسكين" غير مجرى على ظاهره، فإن المسكين غير متعيّن الاستحقاق في المال الباطن بل يجوز الصَّرْف إلى السلطان أيضاً، ثم قضية قوله: وإمكان الأداء يفوت بغيبة المال، أو بغيبة المستحق انحصار فوات الإمكان في الأمرين، وبتقدير أن يكون كذلك يكون الإمكان لازم الحصول عند اجتماع الأمرين لكن قال صاحب "التهذيب" وغيره: يشترط في إمكان الأداء أن لا يكون مشتغلاً بشيء يهمه من أمر دينه ودنياه، فإذاً اللفظ محتاج إلى ضرب من التأويل.
الجزء: 3 - الصفحة: 40
قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ تَعَلُّق الزَّكَاةِ بِالعَيْنِ؟ قُلْنَا: فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالِ: لاَ تتَعَلَّقُ بِهِ، وَقِيلَ: الْمِسْكِينُ شَرِيكٌ فِيهِ، وَقِيَل: لَهُ اسْتيثَاقُ المُرْتَهِن، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ تَعَلُّقاً كتَعَلُّقِ أَرْشِ الجِنَايَةِ، وَهُوَ الأَصَحُّ.
قال الرافعي: سقوط الزَّكَاة بتلف النِّصَاب بعد الحول وقبل التَّمكن يشعر بأن الزكاة متعلَّقة بالنصاب غير مسترسلة في الذمة فلما جرى ذكر هذه المسألة حسن البحث عن وجه ذلك التعلق، والوجه أن نشرح ما أورده في الكتاب ثم نذكر ما ينبغي أن يعرف.
فأما ترتيب ما في الكتاب فهو: أن للشافعي -رضي الله عنه- قولين في كيفية تعلق الزكاة.
أحدهما: أنها في الذمة ولا تعلق لها بالعَيْن، لأنها عبادة وجبت ابتداء من جهة الشَّرْع فتتعلق بالذمة كالحج وصدقة الفطر وكذلك الكفارات.
والثاني: أنها تتعلّق بالعَيْن.
لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "في أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ" 162. وعلى هذا ففي كيفية التعلّق قولان:
أحدهما: أن أهل السُّهْمَان يصيرون شركاء لربِّ المال في قدر الزَّكَاة؛ لأن الواجب يتبع المال في الصِّفة حتى يؤخذ من المراض مريضة ومن الصحاح صحيحة؛ ولأنه لو امتنع من إخراج الزَّكَاة أخذها الإمام من عين النّصاب قهراً كما يقسم المال المشترك قهراً، إذا امتنع بعض الشركاء من القسمة.
والثاني: أنه يتعلق بالمال تعلق اسْتِيثَاق؛ لأنه لو صار مشتركاً لما جاز لربِّ المال الإخراج من موضع آخر كما لا يجوز للشَّريك أداء حق الشَّرِيك من غير مال الشّركة، وعلى هذا ففي كيفية الاسْتِيثَاق قولان:
أحدهما: أنه يتعلَّق به تعلّق الدَّين بالرهن، بدليل أنه لو امتنع من أداء الزكاة ولم يوجد السن الواجبة في ماله كان للإمام بيع بعض النصاب وشراء السن الواجبة كما يباع المرهون لقضاء الدِّين.
والثاني: أنه يتعلق به تعلق الأَرْش برقبة العبد الجاني؛ لأنه يسقط الواجب بهلاك النّصاب، ولو كان تعلُّقُها كتعلق الدين بالمرهون لما سقطت، ويخرج من ذلك عند الاختصار أربعة أقوال كما ذكر في الكتاب، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: "فيه أربعة أقوال" بالواو؛ لأن إمام الحرمين ثم صاحب "البيان" حكياً عن ابْنِ سُرَيجٍ أنه لا خلاف في تعلقها بالعَيْن، وإنما التردد في كيفية التعلّق فتعود الأقوال على هذه الطريقة إلى ثلاثة.
الجزء: 3 - الصفحة: 41
وعند مالك -رحمه الله- تتعلّق الزكاة بالعَيْن تعلق استحقاق وشركه ذلك أن تعلّم ما عدا هذا القول بالميم.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- فيما رواه الصَّيدلانيّ وصاحب "الشامل" تتعلق تعلق الأَرْش برقبة الجاني، وهو إحدى الروايتين عن أحمد -رحمه الله تعالى- فيجوز أن يعلّم ما عدا هذا القول بالحاء والألف، واعرف بعد هذا أموراً:
أحدها: أن عامة مشايخنا -رحمهم الله- لم يُوردوا إلاَّ قول الذِّمة وقول الشركة، وقالوا: الأول: قديم، والثاني: وهو الجديد الصحيح، واعتذروا عن جواز الإبدال استقلالاً بأن أمر الزَّكَاة مبني على المُسَاهلة والإرفاق، فيحتمل فيه ما لا يحتمل في سائر الأموال المشتركة، وصاحب الكتاب رجح القول الرابع، وهو أن تعلق الزكاة كتعلق الأَرْش فيجوز أن يقال: الكلامان مختلفان فيما هو الأصح في المسألة، ويجوز أن يقال: إنهم حكموا بكون الشَّركة أصح من قول الذمة، ولا يلزم منه أن يكون أصح على وجه الإطلاق، والأول أظهر.
والثاني: أن إيراد الكتاب يقتضي كون الوجوب في الذمة قولاً برأسه، وتعلّق الرهن قولاً برأسه، وكذا نقل الإمام لكن العراقيين والصيدلاني والقاضي الرُّوياني والجمهور جعلوا الأمرين قولاً واحداً، فقالوا: إنها تتعلق بالذمة والمال مرتهن بها.
وجمع صاحب "التَّتمة" بين الطريقين، فحكى وجهين في أنَّا إذا قلنا: بتعلّقها بالذمة، هل يجعل المال خلو أو نقول: هو رهن بها؟ والثالث: أنَّا إذا قلنا بثبوت استيثاق المرتهن أو قولاً برأسه أو جزءاً من قول الذِّمة، فهل يجعل جميع المال مرهوناً بها أو يخص قدر الزكاة بالرهن بها؟ فيه وجهان سنفرع عليهما، وكذا الخلاف إذا قلنا بثبوت تعلق كتعلق الأَرْش في أنه يتعلق بجميع النصاب أم بقدر الزكاة.
وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان الواجب من جنس المال.
وأما إذا كان من غير جنسه كالشاة الواجبة في الإبل ففيه طريقان مذكوران في "التتمة" وغيرها:
أحدهما: القطع بتعلقها بالذمة لتغاير الجنس.
وأظهرهما: أنه على الخلاف السابق 163، أما الاستيثاق فلا يختلف، وأما الشركة
الجزء: 3 - الصفحة: 42
فسبيلها تقدير الاستحقاق بمقدار قيمة الشاة، وهذا الطريق هو الموافق لإطلاق الكتاب.
قال الغزالي: وَعَلَيْهِ نُفَرِّعُ فَنَقُولُ: يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْلَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلَكِنَّ السَّاعِي يَتْبَعُ المَالَ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ المَالِكُ، فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنَ المُشْتَرِي انْتَقَضَ البَيْعُ فِيهِ، وَفِي البَاقِي قَوْلاً تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ قَبْلَ أَخْذِ السَّاعِي إِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَزَّلْزُلِ مِلْكِهِ، فَإِنْ أَدَّى المَالِكُ سَقَطَ خِيَارُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يلْتَفَتُ إِلَى رُجُوعِ
السَّاعِي بِخُرُوجِ مَا أَخَذهُ مُسْتَحِقاً.
[القول في بيع مال الزكاة]
:
قال الرافعي: القول في بيع مال الزَّكَاة يتفرَّع على أصلين:
أحدهما: ما ذكرنا أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذِّمة.
والثاني: تفريق الصَّفقة وسيأتي في بابه إن شاء الله -تعالى جده- وتفصيله أنه إذا باع مال الزكاة بعد الحول وقبل إخراج الزكاة لم يَخْلُ إما أنْ يبيع جميع النصاب أو بعضه فَإِن باع جميعه فهل يصح في قدر الزكاة؟ يتفرع على الأقوال.
إن قلنا: إن الزكاة في الذمة والمال خلو عنها فيصح، وإن قلنا: المال مرهون بها فقولان:
أحدهما: وهو الذي ذكره إمام الحرمين أنه لا يصح؛ لأن بيع المرهون بدون إذن المرتهن باطل.
وأصحهما: عند العراقيين وغيرهم أنه صحيح، لأن هذه علقة تثبت من غير اختيار المالك وليس ثبوتها لشخص معين فيتسامح فيها بما لا يتسامح في سائر الرهون وهذا كما إذا قلنا على قول الشركة بنينا الأمر على المُسَامحة وإن قلنا بالشركة فقد حكى القاضي ابن كَجّ طريقين عن ابن القطان: القطع بالبطلان.
وعن أبي إسحاق وغيره: أن المسألة على قولين وهذا ما أورده أكثر العراقيين.
أحدهما: الصحة؛ لأن ملك المساكين غير مستقر فيه فإن له إسقاطه بالإخراج من موضع آخر فإذا باعه فقد اختار الإخراج من موضع آخر.
والثاني: البطلان؛ لأنه باع ما لا يملكه وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب" وعامة المتأخرين فيمكن أن يكون ذلك اختياراً منهم للقول الثاني على هذه الطريقة ويمكن أن يكون ذهاباً منهم إلى الطريقة الأولى.
وإن قلنا: إن تعلّق الزكاة كتعلق الأرش ففي صحة البيع قولان كما في بيع العبد الجاني، فإن صححنا فيكون بالبيع ملزماً بالفداء -كما سيأتي بيانه في عوضعه-، ثم إذا حكمنا بالصحة في قدر الزكاة ففيما عداه
الجزء: 3 - الصفحة: 43
أولى، وإذا حكمنا بالبطلان فهل يبطل فيما عداه 164؟
أما على قول الشركة ففيما عداه قولاً بتفريق الصفقة، وأما على قول الاسْتِيْثَاق فإن قلنا: حق الاستيثاق متعلق بجميع المال فالبيع باطل في الباقي أيضاً، ولا فرق إن قصرنا الاستيثاق على قدر الزكاة ففي الباقي قولا التفريق.
قال في "النهاية": والقصر هو الحق الذي قاله الجمهور وما عداه هفوة، وهل تفترق الفَتْوَى فيما عدا قدر الزَّكَاة بين أن يكون قدر الزَّكَاة جزئية معلومة كالعشر في المعشرات وربع العشر في النَّقْدين وبين أن لا يكون كذلك كالشَّاة من الأربعين؟ هذا قد ذكره صاحب الكتاب في "باب تفريق الصفقة": وسنشرحه -إن شاء الله تعالى جدُّه- وحيث منعنا البيع في الثمار فذلك قبل الخَرْص، فأمَّا بعده فلا منع إذا قلنا: إن الخَرْص تضمين على ما سنبينه.
التفريع: اعلم أن مجموع ما يحصل من الاختلافات التي ذكرنا ثلاثة أقوال: بطلان البيع في الكل وصحته في الكل، وبطلانه في قدر الزكاة وصحته في الباقي.
أما الأول فلا يخفي حكمه، وأما الثاني فقد تعرض في الكتاب لتفريعه، وإن قصر السلام على القول الرابع، وأما الثالث فلم يتعرض له ونحن نذكرها جميعاً.
أما إذا صححنا البيع في الجميع فإن أدَّى البائعُ الزكاةَ من موضع آخر فذاك وإلاَّ فللسَّاعي أن يبيع المال.
الحاصل في يد المشتري فيأخذ الزكاة من عينه وفاقاً وهذا يضعف قول التَّعلُّق بمحض الذِّمَّة إذ لو كان كذلك لما كان له أن يتبعه كمن باع مالاً وفي ذمَّته دين مرسل ليس لصاحب الدين أن يبيعه، فإن أخذ السَّاعي الواجب من عين المال انفسخ البيع في قدر الزَّكَاة، وهل ينفسخ في الباقي؟ فيه الخلاف في تفريق الصَّفقَة في الدَّوام إن قلنا: ينفسخ استردَّ الثمن وإلاَّ له الخيار إن كان جَاهِلاً لتبعضُّ ما اشتراه إن فسخ فذاك، وإن أجاز في الباقي فيجيز بقسطه من الثمن أم بالجميع؟ فيه قولان:
أصحهما: أولهما، ولو لم يأخذ الساعي الواجب منه، ولم يؤد البائع الزّكاة من غيره، فهل للمشتري الخيار إن اطَّلع على حقيقة الحال؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 44
أصحهما: نعم، لتزلزل ملكه وتعرضه لأخذ الساعي.
والثاني: لا؛ لأن ملكه في الحال حاصل، والظَّاهر استمراره وأداء البائع للواجب من موضع آخر فإن قُلْنَا بالأول فإذا أخرج البائع الواجب من موضع آخر هل يسقط خياره؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهو المذكور في "التهذيب" لحصول استقرار الملك، كما إذا اشْتَرَى معيباً ولم يرده حتى زال العيب لا يبقى له الرَّد.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه يحتمل أن يخرج ما دفعه إلى السَّاعي مستحقّاً فيرجع السَّاعي إلى عين المال والوجهان جاريان فيما إذا باع العبد الجاني ثم فداه السيد، هل يبقى للمشتري الخيار؟
أما إذا أفسدنا البيع في قدر الزكاة وصححناه في الباقي، فللمشتري الخِيَار بين فَسْخِ البيع في الباقي وإجازته، ولا يسقط الخيار بأداء البائع الزَّكَاة من موضع آخر؛ لأنه إن فعل ذلك فالقصد لا ينقلب صحيحاً في قدر الزَّكَاة، وإذا جاز فيجيز بقسط الباقي من الثمن، أو بالجميع فيه قولان كما ذكرنا وفي "النهاية" أن بعض الأصحاب قطع بأنه يخيَّرُ بجميع الثَّمن في المَوَاشي؛ لأن الشَّاة ليست معينة، ولا جزءاً معلوماً فاستحقاقها كَعَيْب شائع في الجميع، والمشتري إذا اطَّلع على عيب قديم، وأراد الإجازة فإنما يجيز بجميع الثمن، والصحيح الأول.
هذا كله فيما إذا باع جميع النصاب.
أما إذا باع بعضه نظر إن لم يستبق قدر الزَّكَاة فالحكم كما لو باع الكل.
وإن اسْتَبقَى قدر الزَّكَاة، إما على قصد صرفه إلى الزَّكَاة أوَّلاً على هذا القصد، فإن فرعنا على قول الشركة ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: أنه يصح؛ لأن ما باعه حقه.
وأقيسهما: عند ابن الصباغ: المنع؛ لأن حق أهل السُّهْمَان شائع في الكل، فأي قدر باعه كان حقه وحقهم، وهذا الخلاف مبني على كيفية ثبوت الشركة 165، وفيه وجهان حكاهما صاحب "التتمة" وغيره:
الجزء: 3 - الصفحة: 45
أحدهما: أَنَّ الزَّكَاة شائعة في الكُلِّ متعلّقة بكلِّ واحدة من الشياه بالقسط.
والثاني: أنَّ محل الاسْتِحْقَاق قدر الواجب ثم يتعين بالإخراج.
وأما على قول الرهن فيبنى على ما قَدَّمنا أنَّ جميع المال مرهون أو المرهون قدر الزكاة، فعلى الأول لا يصح البيع، وعلى الثاني يصح.
وأما على قولنا: أنَّ تعلق الزكاة كتعلّق الأرش فإن صححنا بيع العبد الجاني صَحَّ البَيْع، إلا فالتَّفْرِيع كالتَّفْرِيع على قول الرهن -والله أعلم-.
أما لفظ الكتاب فيجوز إعلام قوله: "يصح بيعه قبل أداء الزكاة" بالواو؛ لأنه وإن تكلم على القول الرابع ففي صحة البيع على ذلك القول قولان كما في بيع العبد الجَانِي.
وقوله: ولكن للساعي أن يتبع المال لا يختصّ بهذا القول، بل الحكم كذلك متى صححنا البيع على جميع الأقوال.
وقوله: "إذا عرف ذلك على أحد الوجهين" تنبيه على أنه لو عرف الحال من الابتداء لم يكن له خِيَار.
وقوله: "ولا يلتفت إلَى رجوع السَّاعي ... " إلى آخره إشارة إلى توجيه القول المقابل، وبيان أنه لا مبالاة به على الأصح، وهو كما لو أدى الزَّكاة ثم باع النِّصَاب، واعلم أن كلام الفصل أصلاً وشرحاً في بيع النّصب التي يجب فيها زكاة الأعيان، فأما بيع مال التجارة بعد وجوب الزكاة فيه فستأتي في بابها -والله أعلم-.
قال الغزالي: وإذَا مَلَكَ أَرْبَعِيْنَ مِنَ الغَنَمِ فَتَكَرَّرَ الحَوْلُ قَبلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فَزَكَاةُ الحَوْلِ الثَّاني وَاجِبَةٌ الثَّاني وَاجِبَةٌ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ وُجوبَ الزَّكَاةِ.
قال الرافعي: هذه المسألة تنبني على أصلين سبقاً:
أحدهما: أَنَّ الزكاة تتعلَّق بالعَيْن أو الذمة.
والآخر: أن الدَّيْن هل يمنع الزَّكَاة أم لا؟ وصورتها أن رجلاً ملك أربعين من الغنم، فحال الحول عليها، ولم يخرج زكاتها حتى حال عليها حول آخر، ولا يخلو إما أن يحدث منها في كل حول سَخْلة فصاعداً أو لا يحدث منها شيء، فإن حدثت سَخْلة = أحدهما: نعم لأنها حينئذ تشبه الحبوب وأظهرهما: لا؛ لأن الحبوب متماثلة الأجزاء، وهذه تختلف في السن، وهذا الوجهان يجريان من اختلاف قول الشافعي في جعل إبل الدية صداقاً، ولم يرجح الرافعي شيئاً من الوجهين في ثبوت الشركة، وقد سبق في صدر المسألة ترجيح الثاني، وهذا الخلاف في الواحد.
فأما النصابان لعشر من الإبل، فيلزمه شاتان، وينحصر كل نصاب فيه، ولا يبسط كل شاة على جميع العشر بالاتفاق.
(نقله الإمام قاله في الخادم).
الجزء: 3 - الصفحة: 46
فصاعداً فعليه لكل حول شاة بلا خلاف؛ لأنه مضى على نصاب كامل وإن لم يحدث شيء، وهذه الحالة هي المقصودة في الكتاب، فلا خلاف في لزوم الشاة للحول الأول، وهل تجب شاة للحول الثاني؟ فإن قلنا: الزَّكَاة تجب في الذمة وكان يملك غير النصاب ما يفي بشاة فنعم وإن لم يملك سوى النصاب شيئاً فينبني ذلك على أن الدَّيْن هل يمنع الزكاة أم لا؟ إن قلنا: يمنع لم يجب الحول الثَّاني شيء؛ لأن واجب الحول الأول دين في ذمته، وإن قلنا: الزَّكَاة تتعلق بالعَيْن على سبيل الشَّركة لم يجب للحول الثاني شيء؛ لأن أهل السّهمان ملكوا واحدة منها للحول الأول فانتقص النِّصاب.
قال القاضي ابن كج وإمام الحرمين: وإنما لم تجب زكاة الخلطة؛ لأن الزكاة غير واجبة على أهل السّهْمَان فيما استحقوه، فالاختلاط معهم كهو مع المكاتب والذمي.
وإن فرعنا على أن تعلّق الزكاة كتعلّق الرَّهْن أو كتعلّق الأَرْش فقد قال الإمام هو كالتفريع على قول الذِّمَّة وكلام الكتاب ينزل على التَّفْريع على القول الآخر، فإنه وعد في الفصل السابق بأنه عليه يفرع التفريع، ورأيت كلام الصيدلاني في التفريع على القول الآخر بخلاف ما ذكراه فإنه قال: إذا قلنا: إنها متعلقة بالعَيْن فيجب في العام الأول شاة وبعد ذلك لا يجب؛ لأن النصاب ناقص سواء جعلنا تعلقه بالعَيْن للاستيفاء كالجناية أو على معنى الشركة، وقياس المذهب ما ذكراه نعم يجوز أن يفرض خلاف في وجوب الزَّكَاة من جهة تسلّط الغير عليه، وإن قلنا: الدين لا يمنع الزَّكَاة على ما قَدَّمْنا نظائره، وبتقدير أن يكون كذلك فلا يختَصُّ بالقول الأخير بل يجري على قول الرَّهْن والذمة أيضاً ولو ملك خمساً وعشرين من الإبل ومضى عليها حولان، ولا نتاج فإن قلنا: الزكاة تتعلّق بالذمة، وقلنا: الدين لا يمنع الزَّكَاة أو كان له ما بقى بالواجب فعليه بنتاً مَخَاض، وإن قلنا بالشركية فعليه للحول الأول بنت مخاض وللثاني أربع شياة، وتفريع القولين الآخرين على قياس ما سبق، ولو ملك خمساً من الإبل، ومضى عبيه حولان بلا نتاج، فالحكم كما في الصُّوَرَتَيْن السَّابقتين، نعم قد ذكرنا أنَّ من الأصحاب مَنْ لا يثبت قول الشَّركة فيما إذا كان الواجب من غير جنس الأصل، فعلى هذا يكون الحكم في هذه الصورة مطلقاً كما في الأوليين تفريعاً على قول الذمة.
والظاهر وهو اختيار المزني: أنه لا فرق بين أن يكون الواجب من جنس المال أو لا من جنسه، ولهذا يجوز للسَّاعي أَنْ يبيع جزءاً من الإبل في الشَّاة، فدل ذلك على تعلّق الحق بعينها، وإذا تعلّق بعينها فكما يجوز أن يملك أهل السّهمان قدر الزَّكَاة إذا كان من جنس المال يجوز أن يملكوه إذا كان من غير الجنس.
قال الغزالي: وَلَوْ رُهِنَ مالُ الزَّكَاةِ صَحَّ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الحَوْلِ وَقُلْنَا: الدَّيْنُ مَعَ الرَّهْنِ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أُخْرِجَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ المَرْهُونِ عَلَى الأَصَحِّ تَقْدِيماً لِحَقِّ الزَّكَاةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 47
عَلَى الرَّهْنِ كمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الجَانِي، ثُمَّ لَوْ أَيْسَرَ المَالِكُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ لِلْمُرْتَهِنِ قَدْرَ الزَّكَاةِ بِبَذْلِ قِيمَتِهِ لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
القول في رهن المال الزكوي
:
قال الرافعي: رهن مال الزَّكَاة إما أن يكون بعد تمام الحَوْل أو قبله، وقد ذكر الحالتين في الكتاب.
فالأولى: قوله: "ولو رهن مال الزكاة صح".
واعلم أن القول في صحة الرهن في قدر الزكاة كالقول في صحة بيعه، فيعود فيه جميع ما قدمناه، ويحتاج إلى إعلام قوله: "صح" بالواو لمثل ما ذكرناه في البيع، ثم إذا صَحَّحناه في قدر الزَّكَاة ففيما عداه أَوْلَى، وإنْ أبطلناه في قدر الزَّكَاةَ فَالحُكْمُ فيما عداه يترتب على البيع أن صححنا البيع فالرهن أولى وإن أبطلناه ففي الرهن قولان مبنيان على العلَّتين المشهورتين لقول فساد التفريق.
إن منعنا التفريق لاتحاد الصِّيغة وفسادها في بعض مواردها بطل الرَّهن أيضاً، وإن عللنا باتِّحاد العوض لم يبطل، ويخرج مما ذكرناه طريقة جازمة بصحَّة الرَّهن فيما عدا قدر الزَّكاة وبها قال ابْنُ خَيْرَانَ: ثم إن صححنا الرهن في الجميع، ولم يؤدِّ الزكاة من موضع آخر كان للسَّاعي أخذها منه، فإذا أخذ انفسخ ارَّهْن فيه، وفي الباقي الخلاف فيما تقدم في البيع، وإن أبطلناه في الجميع أو في قدر الزكاة خاصّة، وكان الرهن مشروطاً في بيع ففي فساد البيع قولان، وإن لم يفسد فللمشتري الخيار ولا يسقط خياره بأداء الزكاة من موضع آخر.
الحالة الثانية: أن يرهن قبل تمام الحَوْل، ثم يتم الحول، فقد ذكر في وجوب الزكاة فيه خلافاً في الكتاب قبل هذا وشرحناه، والرهن لا بد أن يكون بدين، وفي كون الدين مانعاً من الزكاة الخلاف المشهور.
فإن قلنا: الرهن لا يمنع الزكاة قلنا: الدين أيضاً لا يمنع، أو قلنا: إنه يمنع لكن كان له مال آخر يفي بالدين وجبت الزكاة وإلاَّ لم تجب.
إذا عرف ذلك فلا يخلو إما أن لا يملك هذا الراهن مالاً آخراً، أو يملكه، فإن لم يملك فهل تؤخذ الزكاة من عين المرهون؟ ينبني ذلك على كيفية تعلّق الزكاة.
إن قلنا: تتعلق بالذمة فعن أبي علي الطَّبَرِي وغيره أنه قد اجتمع هاهنا حق الله تعالى وحق الآدمي، فيخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماعها، فإن سوينا بينهما وزعنا، وعن أكثر الأصحاب أنه يقدم الرهن؛ لأنه أسبق ثبوتاً، والمرهون لا يرهن، وهذا الوجه
الجزء: 3 - الصفحة: 48
الثاني حكاه الإمَام -رضي الله عنه- عن شيخه تفريعاً على قول الرهن ثم إنه خالفه، واختار تقديم الزَّكَاة.
واعلم: أن الذين حكوا الوجهين تفريعاً على قول الذِّمة العراقيون القائلون بأن المال مرتهن بالزَّكَاة على قول الذِّمة فأما من محض تعلّقها بالذِّمة فينبغي أن ينقطع بامتناع الأخذ من المرهون كسائر الديون المرسلة، وإن قلنا بالشركة فتؤخذ الزكاة من عين المرهون وكذا إن قلنا: إن تعلق الزكاة كتعلق الأَرْشِ كما تَقَدَّم حقُّ المَجْنِي عليه على حقّ المرتهن، ويحصل عند الاختصار مما حكيناه وجهان كما ذكر في الكتاب.
أصحهما: الأخذ من عَيْنِ المرهون، وعلى هذا لو كانت الزكاة من غير جنس المال كالشَّاة في الإبل يباع جزء من المال في الزكاة، وهذا هو الطريق المشهور، وهو المحكي عن أبي إسحاق وعن ابْن أبي هريرة، وأبي حامد القاضي أنه إذا لم يكن له مَالٌ آخر تؤخذ الزَّكَاة من عين المرهون بلا خلاف إن كان الواجب من جنس المال، وإنما يكون الخلاف فيما إذا كان من غير جنسه، والفرق أنه إذا كان الواجب من غير جنس الأصل لم يكن متعلقاً بعينه، حكى ذلك عنهما القاضي ابن كجٍّ في أثناء طريقتين بينهما بعض الاختلاف، ثم إذا أخذت الزكاة من غير المرهون، وأيسر المالك الراهن بعد ذلك، فهل يغرم قدر الزكاة ليكون رهناً عند المرتهن.
إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة فنعم، وإن قلنا: تتعلق بالعين فوجهان:
أحدهما: نعم، لانصرافه إلى مصلحة براءة ذمته.
وأظهرهما: لا، لتعلقه بالمال بغير اختياره، وهذان الوجهان بناهما الشيخان أبو محمد والصيدلاني على أن الزكاة المخرجة من مال القرَاض على قولنا: العامل لا يملك الربح إلا بالقسمة معدودة من المؤن، أو هي كطائفة من المال يستردها المَالك، إن قلنا: بالأول لم يجب على الراهن الجبر، وإن قلنا بالثاني فيجب، وليس هذا البناء على التقدير الأول بواضح، فإن مؤنات المرهون على الرَّاهِنِ لا من نفس المَرْهُون بخلاف مؤنه مال القرض، فإنها من الربح، هذا كله فيما إذا لم يملك مالاً آخر، فأما إذا ملك مالاً آخر فالَّذِي قاله الجمهور، أن الزكاة تؤخذ من سائر أمواله، ولا تؤخذ من عين المرهون؛ لأنها من مؤنة المال فأشبهت النفقة، وعن أبي علي الطبري وآخرين: أنا إذا أوجبنا الزكاة في عين المال أخذناها من المرهون وإن ملك مالاً آخر، وهذا هو القياس كما لا يجب على السَّيِّد فداء العَبْد المرهون إذا جنى، وأبدى الإمام من عند نفسه تردداً في المسألة مبنيًا على وجوب الجَبْران في سورة الإِعْسَار إن قلنا: إن المعسر إذا أيسر لزمه الجَبْر وجب على الموسر ابتداء أداء الزكاة من مال آخر وإن قلنا: لا يلزمه الجبر لم يجب.
وقوله في الكتاب: "أخرجت الزكاة من عين المرهون على الأصح" أراد به ما
الجزء: 3 - الصفحة: 49
إذا لم يملك الراهن مالاً آخر دون ما إذا ملك، وإن كان اللفظ مطلقاً، والخلاف في الحالتين ثابت بدليل قوله من بعد: "ثم لو أيسر المالك" ويجوز أن يعلم قوله: "على الأصح" بالواو؛ لأن فيه إثبات الخلاف على الإطلاق، وعلى ما قدمنا روايته عن ابن أبي هريرة وأبي حامد تخرج الزكاة من عين المرهون بلا خلاف في بعض الأحوال، واعلم أن هذه المسألة ليست تفريعاً من حجّة الإسلام على القول الرابع فحسب بخلاف المسائل التي قبل هذه؛ لأنه ذكر الخلاف فيها، ولا يجيء الخلاف فيها إذا أفرد القول الرَّابع بالنظر وهو أن تعلّق الزَّكَاة كتعلّق الأَرْش، وإنما يجئ إذا نظرنا إلى غير هذا القول أيضاً على ما سبق.
وقوله: "يبذل قيمته" أراد في المَواشي فإنها غير مثلية، فأما إذا كان النصاب من جنس المثليَّات كان الجبر بذل المثل على ما هو قاعدة الغَرَامَات، وقد صرح بذلك صاحب "التهذيب" وغيره
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي زَكَاةُ المُعَشَّرَاتِ وَالنَّظَرُ فِي المَوْجِبَ وَالوَاجِبِ وَوَقْتِ الوُجُوب الطَّرَفُ الأوَّلُ المُوجِبُ وَهُوَ مَقْدَارُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ كُلِّ مُقْتَاتِ (ح م) فِي حَالَةِ الاخْتِيَارَ (م) أنْبَتَتْهُ أَرْضٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُسْتَأْجِرَةٌ (ح)، خَرَاجِيَّةٌ (ح) أَوْ غَيْرُ خَرَاجِيَّةٍ إِذَا كَانَ مَالِكُهُ مُعَيِّناً (ح) حُرًّا (ح) مُسْلِماً (ح)، وَلاَ زَكاةَ عَلَى الجَدِيدِ فِي الزَّيْتُونِ وَالوَرْسِ وَالعَسَلِ (ح) وَالزَّعْفَرَانِ وَالعُصْفُرِ، كَمَا لاَ زَكَاةَ فِي الفَوَاكِهِ (ح) وَالخَضْرَوَاتِ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِي الأُرْزِ وَالمَاشِ وَالبَاقِلاَّ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَقْوَاتِ، وَالنِّصَابُ مُعْتَبِرٌ وَهُوَ ثَمَانِ مَائَةِ مَنٍّ فَإِنَّ الوَسْقَ سِتُّونَ صَاعاً، وَكُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَكُلُّ مُدٍّ رَطْلٌ وَثُلْثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالرَّطْلُ مَائَةٌ وَثَلاَثونَ دِرْهَماً، وَالمَنُّ مَائَتَانِ وَسَتُّونَ دِرْهَماً، وَالرَّطْلُ نِصْفُ مَنٍّ وَهُوَ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْقِيَةً، وَالأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَأَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَالدِّرْهَمُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً، كُلُّ ذَلِكَ بِالوَزْنِ البَغْدَادِيِّ، فَإِنْ جَعَلْنَا ذَلِكَ تَقْرِيباً لاَ تَحْدِيداً فَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ إِلاَّ بِمِقدَارٍ لَوْ وُزِّعَ عَلَى الأوْسُقِ الخَمْسَةِ لَظَهَرَ النُّقْصَانُ.
القول في زكاة المعشرات
:
قال الرافعي: حصر كلام هذا النوع في ثلاثة أطراف في أنه بِمَ يجب؟ وكم يجب؟ ومتى يجب؟ فأما على مَنْ يجب، فعلى ما سبق في النوع الأول، وقد أدرجه في ضبط الموجب هاهنا أيضاً.
أما الطرف الأول فيحتاج فيه إلى معرفة جنس الموجب وقدره وأمور أخر نذكر جميعها في مسائل:
الجزء: 3 - الصفحة: 50
المسألة الأولى: تجب الزكاة في الأَقْوَات وهي من الثِّمَار ثمر النَّخل والكَرْم، ومن الحُبوب الحِنْطَة والشَّعِير والأُرْز 166 والعَدَس 167 والحِمَّص 168 والبَاقِلاَّء 169 والدُّخْن 170 والذُّرَة 171 واللُّوبيَا 172، وتسمى الدُّخْن أيضاً والمَاش 173 والهُرْطُمَان 174.
قال أبو القاسم الكرخي: وهو الجُلْبَان والجُلْبَان والخُلَّر واحد فيما ذكر صاحب "الشافي" 175، وروى الأزهري عن أبي الأعرابيّ: أن الخُلَّر هو المَاش، فإن ثبتت المقدمتان فالهُرْطُمَان، والمَاش والخُلَّر والجُلْبَان عبارات عن معبر واحد، ووجه وجوب الزكاة في هذه الأجناس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ الزكاة في كثير منها 176، والحِقَ الباقي به لشمول معنى الاقتيات لجميعها وصلاحها للاقتناء والادخار وعظم المنافع فيها.
وأما ما سوى الأقوات فلم يختلف قول الشَّافعي -رضي الله عنه- في معظمها أنه لا زكاة فيه سواء كان من الثِّمَار أو الحُبُوب أو الخضروات وذلك كالتِّين والسَّفَرْجَل والخُوخ والتُّفَّاح والرُّمَّان وغيرهما وكالقُطْن والكِتَّان والسِّمْسِم والإسبيوش 177 وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 51
المعروف ببزر قطوناً والثّفاء 178 وهو حب الرّشَاد والكَمُّون والكُزْبُرَة والبَطِّيخ والقِثَّاء والسَّلْق والجَزَرِ والقُنَّبيط وحبوبها وبذورها، واختلف قوله قديماً وجديداً في أشياء منها الزَّيْتُون فالجديد الصحَيح: أنه لا زكاة فيه كالجُوزِ واللُّوز وسائر الثمار، وأيضاً قد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصَّدَقَةُ فِي أَرْبَعَةٍ فِي التَّمْرِ والزَّبِيبِ والشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ، وَلَيْسَ فِيمَا سِوَاهَا صَدَقَةُ" 179. هذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الصَّدَقَة من الذُّرة وغيرها بأمر رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأقوات 180 وتمسكنا به فيما عداها.
قال في القديم: تجب الزَّكَاة في الزيتون، لما روي عن عمر -رضي الله عنه- وغيره؛ أن "فِي الزَّيْتُون الْعُشْر" 181. وبه قال مالك -رحمه الله -تعالى فعلى هذا وقت الوجوب بدو الصَّلاح فيه وهو نضجه واسوداده، ويعتبر النصاب كما في الرُّطَب والعِنَب، هكذا قاله الجمهور، وحكى القاضي ابن كجٍّ أن ابن القَطَّان خرج اعتبار النِّصَاب فيه، وفي جميع ما يختص القديم بإيجاب الزكاة فيه على قولين، ثم إنْ كان الزَّيْتُون مِمَّا لا يجيء منه الزَّيت كالبَغْدَادي أخرج عشرة زيتوناً، وإن كان مما يجيء منه الزيت كالشَّامي فعن ابن المَرُزَبَان حكاية وجهين في جوز إخراج الزيتون.
وجه المنع: أن نهاية أمره الزَّيْت فيتعيَّن الإخراج، كالتمر مع الرّطب.
والصحيح عند المعظم وهو نصه في القديم: جواز إخراج الزيتون، لإمكان ادخاره ولو أخرج الزيت فهو أولى، وروى إمام الحرمين وجهاً آخر: أنه يتعين إخراج الزَّيْتون، وعلل بأن النصاب يعتبر فيه دون الزَّيْت بالاتفاق.
ومنها الوَرْسُ 182 والزَّعْفَران والورس شجر يخرج شيئاً كالزَّعْفَران فلا زكاة فيهما على الجديد لما سبق.
ونقل عن القديم: أنه يجب فيه الزكاة إن صح حديث أبي بكر -رضي الله عنه-
الجزء: 3 - الصفحة: 52
وهو ما روي أنه كتب إلى بني خفاش: "أَنْ أَدُّوا زَكاةَ الذُّرَةِ وَالْوَرْسِ" 183. ثم قال في القديم: من قال في الوَرْس العشر يحتمل أن يقول بمثله في الزَّعْفَرَان لاشتراكهما في المنفعة والفائدة، ويحتمل أن لا يوجب فيه شيئاً؛ لأن الوَرْسَ ثمرة شجرة لها ساق والزعفران نبات كالخضروات.
فقال الصَّيدلاني وغيره: له في الوَرْس قولان في القديم: لأنه مِثْل، وعلق بثبوت حديث أبي بكر -رضي الله عنه- والزعفران باتفاق الأصحاب مرتب على الوَرْس إن لم تجب فيه ففي الزعفران أولى، وإن وجب ففي الزعفران قولان، وإن أوجبنا فيهما الزكاة ففي اعتبار النصاب ما سبق من الخلاف، والأكثرون على عدم الاعتبار هاهنا؛ لأن الأثر الوارد مطلق، والغالب أنه لا يحصل الواحد منهما قدر النصاب، فدل أنه كان يؤخذ من القليل والكثير.
ومنها العَسَل، فالجديد أنه كما سبق، وبه قال مالك لما روى أن معاذاً لم يأخذ زكاة العَسَل 184، وقال: "لَم يَأمُرْنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِ بِشَيْءِ".
وعن علي 185، وابن عمر 186 -رضي الله عنهم-: "أنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ".
وعن أبي إسحاق أن الشافعي -رضي الله عنه- علق القول فيه في القديم لما روي أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُ".
وروى فيه الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 187 أيضاً.
فإن قلنا بالوجوب فاعتبار النِّصَاب فيه كما سبق 188، ومذهب أحمد وجوب الزكاة فيه.
وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا أخذه من غير أرض الخراج، وذهب الشيخ أبو حامد وغيره إلى أنه قطع القول بنفي الزكاة فيه قديماً وجديداً، فيحصل فيه طريقان 189:
الجزء: 3 - الصفحة: 53
ومنها: حَبّ العُصْفُر وهو القُرْطُم 190، فالجديد كما سبق، والقديم وجوب الزكاة فيه، لما روي أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ" 191. فعلى هذا الظَّاهر اعتبار النِّصَاب فيه، كما في سائر الحُبُوب، والعُصْفُر نفسه هل يجري فيه الخلاف؟ قال أبو القاسم الكرخِيُّ: لا، والخلاف في الحَبِّ، وأجرى القاضي ابن كج الخلاف فيه، وفي الحب ويمكن تشبيهه بالوَرْسِ والزَّعْفَرَانِ.
ومنها: التِّرْمس 192 وهو فيما ذكره الصَّيْدَلاَني وصاحب "التهذيب" شبيه بِالبَاقِلاً، لكنه أصغر منه.
وقيل: هو شبيه باللُّوبيَا ولا زكاة فيه على الجديد؛ لأنه لا يقتات إنما يؤكل تَداوياً يقال: إنه يهيج البَاءَة، وحكى العراقيون عن القديم: أنه يجب فيه الزكاة لشبهة بالبَاقِلاَّ واللُّوبِيَا.
حب 193 الفُول، حكى القاضي ابن كج وجوب الزكاة فيه على القديم، ولم أر هذا النقل لغيره وليس في الفرق بينه وبين حبوب سائر البقول معنى معقول.
المسألة الثانية: لا يكفي في وجوب الكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر أن يفتات في حالة الاختيار وقد يقتات الشيء للضرورة، فلا زكاة فيه، ومثله الشَّافعي -رضي الله عنه- بالغثِّ وحب الحَنْظَل وسائر البذور البريّة وشبهها بالظِّبَاء وبقر الوَحْش لا زكاة فيهما؛ لأن الآدميين لا يَسْتَبِيحُونَها ولا يتعهدونها، كذلك هذه الحبوب.
واختلفوا في تفسير الغثّ 194، فعن المزنِيِّ وطائفة: أنه حب الغَاسُول وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 54
الأَشْنَان؛ ولأنه إذا أدرك وتناهى نُضْجُه حصلت فيه مَرَارَة وحُمُوضَة، وربما اقْتَاتها المضطرون.
وقال آخرون: إنه حَبٌّ أسود يابس يدفن حتى تلين قشرفه ثم يزال قشره ويطحن ويخبز ويقتاته أعراب "طيء" واعلم أن الأئمة ضبطوا ما يجب العشر فيه بوصفين.
أحدهما: أن يكون قوتاً.
والثَّاني: أن يستنبته الآدميون أي يكون من ذلك الجنس.
وقالوا: إن فقد الأول كما في الإسبيوش 195.
والثاني كما في الفثّ أو كلاهما كما في الثّفَاء فلا زكاة، وإنما يحتاج إلى الوصف الثاني من لم يتعرض لكونه مقتاتاً في حال الاختيار بل أطلق الاقتيات، فأما من تعرض لذلك فهو غني عن ذكر الوصف الثَّاني إذ ليس فيهما لا يستنبت، أي شيء يقتات اختياراً، واعتبر العراقيون مع هذين الوصفين وصفين آخرين:
أحدهما: أن يدَّخر.
والثاني: أن ييبس ولا حاجة إليهما، فإنهما لازمان لكل مقتات مستنبت.
المسألة الثالثة: النصاب معتبر في المعشرات، وهو قدر خمسة أَوْسُق.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب العشر في القليل والكثير، لكن له أن يفرق بنفسه فيما دون خمسة أوسق، فإذا بلغها دفع إلى الإمام.
لنا ما روي أبو سعيد الخدرى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 196. الْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعاً 197 [وقد نقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من رواية جابر وغيره، والصَّاع أربعة أمداد والمدّ: رطل وثلث فيكون المد ثلثي مَنّ] 198 والصَّاع: خمسة أرطال وثلث رطل، وهي مَنَوَان وثلثا مَنٍّ، ويكون الوَسْق الواحد مائة وستين مَنًّا، وجملة = بالبادية يشبه الشعير له رأسان يقتات في الحدث.
وهذا أشبه بكلام الشافعي، إليه يشير كلام الأزهري].
الجزء: 3 - الصفحة: 55
الأَوْسُق الخمسة ثلاثمائة منّ، وهذا بالمنِّ الصغير وبالكبير -أعني- الذي وزنه ستمائة درهم يكون ثلثمائة مَنٍّ وستة وأربعين منًّا، وثلثي مَنٍّ، وهل يعتبر القدر المذكور تقريباً أم تحديداً؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره الصيدلاني تقريباً؛ لأن الوَسْق عبارة عن حمل بعير، وذلك قد يزيد وينقص، وإنما قدر بستين صاعاً تقريباً، وأخذاً بالوسط.
وأصحهما عند المحاملي والأكثرين: أنه تحديد، لما روي عن عائشة -رضي الله عنه- أنها قالت: "جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 199.
ولأن نصاب المواشي وغيرها معتبر على التحديد، فكذلك هاهنا، فإن قلنا الأول احتمل نقصان القدر القليل كالرطل والرطلين، وحاول إمام الحرمين 200 ضبطه، فقال: الأوساق هي الأَوْقَار، والوَقر المقتصد مائة وستون مَنًّا، فكل نقصان لو زرع على الأَوْسُق الخمسة لم تعدّ منحطة عن حد الاعتدال، فلا يضر، وإن عدت منحطّة عن حد الاعتدال لم يحتمل، وإنْ أشكل الأمر فيجوز أن يقال: لا زكاة إلى أن تتحقق الكثرة، ويجوز أن يقال: يجب لبقاء الأوسق، وتعليق الزكاة بها في الخبر الذي رويناه قال: وهذا أظهر، ثم جرى في أثناء كلامه أن الاعتبار فيما علَّقه الشَّارع بالصَّاع والمدّ بمقدار موزون يضاف إلى الصَّاع، والمدّ لا بما يحوي البُرّ ونحوه وذكر القاضي الرويانيُّ وغيره: أن الاعتبار بالكيل لا بالوزن.
قال أبو العباس الجرجاني: إلا العَسَلَ إذا أوجبنا الزكاة فيه فالاعتبار فيه بالأَرْطَال؛ لأنه لا يكال وهذا هو الصحيح، وسيأتي شواهده ومنها قوله في المختصر: "مكيلة زكاة الفطر" هذه الترجمة تشعر بأن المعتبر الكيل، وعلى هذا توسط في "العدة" بين وجهي التقريب والتحديد، فقال: هو على التحديد في الكيل، وعلى التقريب في الوزن، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً 201.
الجزء: 3 - الصفحة: 56
المسألة الرابعة: لا فرق بين ما تنبته الأرض المملوكة، وما تملكه الأرض المكتراة في وجوب العشر، ويجتمع على المكتري العشر والأجرة كما لو اكترى حانوتاً للتجارة يجب عليه الأجرة وزكاة التجارة جميعاً، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- العشر على المكري؛ لأن العشر عنده حق الأرض، وعلى هذا الأصل يبنى الخلاف في اجتماع العشر والخراج، فعندنا هما يجتمعان، وعنده لا عشر فيما تنبته الأَرْضُ الخراجية.
لنا: أْنهما حقان وجبا بسببين مختلفين فلا يمنع أحدهما الآخر كالقيمة والجزاء في الصَّيد المملوك، ثم قال الأصحاب: وإنما تكون الأرض خراجية في صورتين:
أحدهما: أن يفتح الإمام بلدة قهراً ويقسمها بين الغانمين ثم يبدلهم عنها، ويقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً، كما فعل عمر -رضي الله عنه- بسواد العِرَاق على الصَّحيح 202 وفيه لابن سريج: خلاف مذكور في موضعه.
والأخرى: أن يفتح بلدة صلحاً على أن تكون الأراضي للمسلمين ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأراضي فيّ للمسلمين والخراج عليها أجرة لا يسقط بإسلامهم، وكذا لو انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأراضي تفسير وقفًا على مصالح المسلمين = وسيأتي في إيضاحه زيادة في زكاة الفطر -إن شاء الله تعالى-، وهناك نذكر الخلاف في قدر رطل "بغداد"، والأصح: أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً، وأربعة أسباع درهم.
فعلى هذا الأسق الخمسة بالرطل الدمشقي: ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً ونصف رطل وثلث رطل وسبعاً أوقية وعبر عنه في "المنهاج" بأخصر من هذا فقال: ثلاثمائة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل، فإن ستة أسباع رطل هي نصفه وثلثه وسبعا أوقية منه، لأن نصفه ستة أواق وثلثه أربعة أواق، ثم يأخذ من ثلثه وهو الأوقيتان الناقصتان سبعة وهو سبعا أوقية، فيبقى منه أوقية وخمسة أسباع أوقية وذلك سبع رطل، وهو الباقي بعد الستة أسباع المذكور في الروضة؛ لأن كل منع رطل أوقية وخمسة أسباع أوقية، وهذا قاله بناء على اختياره رطل بغداد من أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، فيكون على هذا مجموع الألف والستمائة رطل مائتي ألف درهم وخمسة آلاف درهم وسبعمائة درهم وأربعة عشرة درهماً وسبعا درهم وذلك ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل بالدمشقي، لأن رطل دمشق ستمائة درهم فكل مائة رطل ستون ألف درهم، فثلاثمائة رطل مائة وثمانون ألف درهم كل عشرة أرطال ستة آلاف درهم وأربعون رطلاً، أربعة وعشرون ألف درهم والرطلان ألف ومائتا درهم، وستة أسباع رطل خمسمائة درهم، وأربعة وعشرون درهماً وسبعان، فإن الأوقية خمسون درهماً وسبعاها أربعة عشر درهماً وسبعان.
وأما الرافعي فلم يتعرض في شيء من كتبه لمقدارها بالدمشقي.
(قاله الزركشي في الخادم).
قال في المهمات: ما صححه هنا من كونه تحديداً.
قد صح عكسه في شرحه صحيح مسلم وفي كتاب الطهارة من شرح المهذب في الكلام على القلتين.
الجزء: 3 - الصفحة: 57
فيضرب عليها خراج يؤديه مَنْ يسكنها مسلماً كان أو ذمياً، فأما إذا فتحت بلدة صلحاً، ولم يشترط كون الأراضي للمسلمين، ولكن مكثوا فيها بخراج فهذا يسقط بالإسلام فإنه جزية، وعند أبي حنيفة لا يسقط، والبلاد التي فتحت قهراً وقسمت بين الغانمين واستبقيت في أيديهم، وكذا الذي أسلم أهلها عليها، والأراضي التي أحياها المسلمون عشرية محضة، وأخذ الخراج منها ظلم.
فرع: النَّواحي التي يؤخذ الخَرَاج منها، ولا يعرف كيف كان حالها في الأصل، حكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه يستدام الأخذ منها، فإنه يجوز أن يكون الذي افتتحها صنع بها ما صنع عمر -رضي الله عنه- بسواد العراق، والظاهر: أن ما جرى طول الدَّهْر جرى بحق.
فإن قيل: فهل يثبت فيها حكم أراضي السواد من امتناع البيع والرهن؟ قيل: يجوز أن يقال الظاهر في الأخذ كونه حقاً، وفي الاْيدي الملك فلا نترل واحداً من الظاهرين إلا بيقين ولهذا نظائر.
فرع: الخراج المأخوذ ظلماً لا يقوم مقام العشر، فإن أخذ السُّلْطان على أن يكون بدلاً عن العشر فهذا كأخذ القيمة في الزَّكَاة بالاجتهاد، وقد حكوا في سقوط الفرض به وجهين، الذي ذكره في "التتمة" أنه يسقط، فإن لم يبلغ ذلك قدر العشر أخرج الباقي.
وفي "النهاية" أن بعض المصنفين حكى قريباً من هذا عن أَبِي زيد المروزي واستبعده 203. ونعود بعد هذا إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "وهو مقدار خمسة أوْسق" معلم بالحاء؛ لأن عنده لا حاجة إلى التَّقييد بهذا المقدار.
وقوله: "في كل مقتات" بالحاء والميم والألف؛ لأن عندهم لا يتقيد الوجوب بالأقوات، بل عند أبي حنيفة يجب في جميع الثمار والخضروات والحبوب التي تنبتها الآدميون إلا الحَشِيش والقَصَب والحَطَب.
وعند مالك يجب في كل ما تعظم منفعته ويدخر كالسِّمْسم، وبذر الكِتَّان، والقُطْن.
وعند أحمد يجب في جميع الثمار والحبوب التي تكال وتدخر سواء النابت بنفسه والمستنبت.
وقوله: "في حال الاختيار" يحصل به الاحتراز عن "الغثّ" وغيره مما يقتات عند الضَّرورة، وذكر في "الوسيط" أنه احترز به عن الثّفَاء والتِّرْمِس، فإن العرب تَقْتاته في حالة الاضْطِرار، وأورد الإمام نحواً من ذلك، والذي قاله الجمهور في الثّفَاء والتِّرْمِس ما قدمنا ولم يجعلوهما مما يُقْتات، وعدّ الأزهري كليهما مما لا يقتات والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 58
وقوله: "أو مستأجره" وكذا قوله: "خراجية" مرقومان بالحاء؛ لأن عنده لا يجب العشر على مالك الأوسق الخمسة المرفوعة منهما.
وقوله: "إذا كان مالكه معيناً" احترز به عن ثمار البستان وغَلّة الضّيعة الموقوفين على المَسَاجد، والرّبَاطَات والقَنَاطِرِ والفُقَراء والمَسَاكين، فلا زكاة فيها إذ ليس لها مالك معين، ويجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى أن ابن المنذر روي عن الشَّافعي -رضي الله عنه- وجوب الزكاة فيها، وإليه ذهب أبو حنيفة بناء على ما سبق أن العشر حق الأرض، وأوجبه على المُكَاتب والذمي أيضاً، فليكن قوله: "معيناً حراً مسلماً" مُعَلَّماً جميعها بالحاء، فأما إذا كان الوَاقِف على جماعة معينين فقد كتبناه في "باب الخلْطَة" 204.
وقوله: "فلا زكاة على الجديد في الزيتون ... " إلى قوله: "والعُصْفر"، لتكن جميعها مُعَلّماً بالحاء، وكذا قوله: "كما لا زكاة في الفواكه لما قدمنا والزيتون" بالميم أيضاً، "والعَسَل" بالألف أيضاً لما مضى.
ولك أن تُعَلّم قوله: "على الجديد" بالواو؛ لأنه يقتضي إثبات القولين في الأشياء المذكورة من الزيتون إلى العُصْفُر، وقد ذكرنا في العَسَل طريقة نافية للخلاف، بل حكى القاضي ابن كَجٍّ فيما سوى الزيتون طريقة نافية للخلاف قاطعة بالوجوب، وفي جريان الخلاف في العُصْفُر أيضاً كلام قد تقدم.
وقوله: "النِّصاب معتبر"، وتعاد العلامة عليه بالحاء، وقد وقع التعرض له في أول الكلام حيث قال: "وهو مقدار خمسة أَوْسُق" لكن القصد ذكر هذا الموضع، وإن اعترض ذكره ثم؛ لأنه حاول استيعاب الأمور التي عندها يثبت الوجوب.
وقوله: "فإن جعلنا هذا تقريباً لا تحديداً" يتضمن بيان الخلاف كما يصرح بتفريع التقريب.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ الأَوْسُقُ تُعْتَبَر تَمْراً أَوْ زَبِيباً، وَفِي الحُبُوبِ مُنَقَّى عَنِ القِشْر إلاَّ فِيمَا يَطْحَنُ مَعَ قِشْرِهِ كَالذُّرَةِ، وَمَا لاَ يُتَتَمَّرُ يُوسَقُ رُطباً (و)
قال الرافعي: غرض الفصل بيان الحالة الّتي يعتبر فيها بلوغ المعشر خمسة أوسق.
فأما في ثمر النَّخيل والكرم فيعتبر بلوغه هذا المقدار تَمْراً وزبيباً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-
الجزء: 3 - الصفحة: 59
قال: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 205. اعتبر الأوسق من التمر.
وعن أحمد رواية أنه يعتبر الأوسق رطباً ويؤخذ عشرة يابساً، والأصح عنه مثل مذهبنا، فإن كان له رطب لا يتخذ منه تمر، ففي كيفية اعتبار النِّصَاب فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يوسق رطباَ؛ لأنه ليس له حالة جفاف وَرُطُوبته أكمل أحواله فلا ينظر إلا إليها.
والثاني: أنه يعتبر حالة الجَفَاف كما في سائر الأنواع، وعلى هذا فالاعتبار بنفسه أم بغيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: بنفسه، فيعتبر بلوغ يابسه نصاباً، وإن كان حَشَفاً قليل الخير.
والثاني: أنه يعتبر بأقرب الأرْطَاب إليه.
فيقال: لو كان بدله ذلك النَّوْع الَّذِي تجفف، هل كان يبلغ ثمره نصاباً؟ لأنه لما لم يمكن اعتباره بنفسه اعتبر بغيره كالجناية على الحُرِّ إذا لم يكن لها أَرْشُ مقدر، وهذا إذا كان يجئ منه تمر وإن كان حشفاً رديئاً، فأما إذا كان يفسد بالكُلِيّة لم يجيء فيه الوجه الثاني، ولفظ الكتاب إلى هذا أقرب؛ فإنه قال: "وما لا يتتمر" ولم يقل: وما لا يتمر، وكيف ما كان فقوله: "بوسق رطباً" معلم بالواو والعِنَب الَّذِي لا يتزيب كالرُّطَب الذي لا يتتمّر ولا خلاف في ضم ما لا يجفف منهما إلى ما يجفف في إكمال النِّصَاب.
قال في "التهذيب": ثم في أخذ الواجب من الذي لا يجفف إشكال ستعرفه، ووجه الخلاص فيه في مسألة إصابة النخيل العطش إن شاء الله تعالى جده، وأما الحبوب فيعتبر بلوغها نصاباً بعد التصفية من التَّبْن والإخراج من السَّنَابل، ثم قشورها على ثلاثة أضراب:
أحدها: قِشْر لا يدْخر الحب فيه ولا يؤكل معه فهو كالتَّبْن المَحْض ولا يدخل في النصاب.
والثاني: قِشْر يدخر الحب فيه ويؤكل معه كالذرة تطحن وتؤكل مع قشرها غالباً فيؤخذ ذلك القشر في الحساب فإنه طعام، وإن كان قد يزال تنعُّماً كما تقشر الحِنطة فتجعل حَواري، وهل يدخل في الحساب القشرة السفلى من البَاقِلا، حكوا فيه وجهين:
قال في "العدة": المذهب أنه لا تدخل؛ لأنها غليظة غير مقصودة.
والثالث: قشر يدخل الحب فيه ولا يؤكل معه فلا يدخل في حساب النصاب
الجزء: 3 - الصفحة: 60
ولكن يؤخذ الواجب فيه، وهذا كما في العَلسْ والأُرْز، أما العَلَسْ فقد قال الشافعي -رضي الله عنه- في "الأم": إنه بعد الدِّيَاسة يبقى على كل حَبَّتَيْن منه كمام لا يزول إلا بالرَّحَى الخفيفة أو بالمِهْرَاس وادخاره على ما ذكره أهله في ذلك الكِمَامِ أصلح له، وإذا أزيل كان الصَّافي نصف المبلغ فلا يكلف صاحبه إزالة ذلك الكِمَام عنه، ويعتبر بلوغه بعد الدِّيَاس عشرة أوسق، ليكون الصافي منه خمسة أوسق.
وأما الأرز فيدخر أيضاً مع قشره، فإنه أبقى له فيعتبر بلوغه مع القشر عشرة أوسق.
وعن الشيخ أبي حامد أنه قد يخرج منه الثلث فيعتبر بلوغه قدراً يكون الخارج منه نصاباً.
قال الغزالي: وَلا يُكْمَلُ نِصَابُ جِنْس بِجِنْس آخَرَ (م)، وَيُكْمَلُ العَلَسُ بِالحِنْطَةِ فإنَّهُ حِنْطَةٌ حَبتَانِ مِنْهُ فِي كِمَاِمٍ وَاحِدٍ وَالسَّلْتُ قِيلَ: إنَّهُ يُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ لِصُورَتهِ، وَقِيلَ يُضَمُّ إلَى الحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى طَبْعِهَا، وَقِيل: هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ.
قال الرافعي: لا يضم التَّمر إلى الزبيب في تكميل النّصاب، ويضم أنواع التمر بعضها إلى بعض، وكذلك أنواع الزبيب، ولا تضم أيضاً الحِنْطَة إلى الشَّعير ولا سائر أجناس الحبوب بعضها إلى بعض خلافاً لمالك حيث قال: تضم الحِنْطَة إلى الشَّعير، وتضم القُطْنِيَّة بعضها إلى بعض، ولا يُضَمَّان إلى القطْنِية، ولأحمد حيث قال: يُضَم أحدهما إلى الآخر، وَيُضَمَّان إلى القُطْنية أيضاً، والقطنية هي العَدْس والحِمِّص ونحوها، سميت بذلك لقُطُونها في البيوت.
لنا أن كل واحد من أصناف الحبوب منفرد باسم خاصٍّ وطبع خاص لا يضم بعضها إلى بعض كما لا يضم الزَّبِيب إلى التمر، ويضم العَلَسْ إلى الحِنْطة فإنه نوع من الحِنْطة، وإذا نحيت الأكْمَة التي يحوي الواحد منها حبتين خرجت الحِنْطة الصافية، وقبل التَّنحية لو كان له وَسْقاً علس وأربعة أوسق من الحِنْطة فقد تم النصاب، ولو كان له ثلاثة أوسق من الحنطة فإنما يتم النصاب بأربعة أوسق من العَلَسْ وعلى هذا القياس.
وأما السُّلْت فقد اختلفوا في وصفه أولاً فذكر العراقيون أنه حب يشبه الحِنْطة في اللّون والنُّعُومة والشَّعير في برودة الطَّبع، وتابعهم في "التهذيب" على ما ذكروا، وعكس الصَّيدلاني وآخرون فقالوا: إنه في صورة الشَّعير وطبعه حَارٌّ كالحِنْطَة 206، وهذا ما ذكره
الجزء: 3 - الصفحة: 61
في الكتاب، وكيف ما كان فله شبه من الحِنْطة وشبه من الشعير، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يضم إلى الشَّعير لما له من شبهه، ويحكى هذا عن صاحب "الإفصاح"، وصاحب "التقريب" وبه أجاب أقضى القضاة المَاوِرْدِي في "الأَحْكَام السُّلْطَانية".
وثانيها: أنه يضم إلى الحِنْطَة لما له من شبهها.
وأظهرها: وهو اخْتيار القَفَّال فيما حكى الصَّيدَلاَنِيّ: أنه أصل بنفسه لا يضم إلى واحد منهما؛ لأنه اكتسب من تركُّب الشبهين طبعاً ينفرد به، وصار أصلاً برأسه، وهذا ما حكاه القاضي أَبو الطَّيِّب عن نصه في البُوِيطي.
ولك أن تعلِّم قوله: "يضم إلى الحنطة" لأنه على طبعها بالواو، لأن أبا سعيد المتولي قال: لا خلاف في أنه لا يضم إلى الحِنْطة، والخلاف في أنه أصل بنفسه أو يضم إلى الشعير، وقد وصف واصفون السُّلْت بأن فيه حُمُوضة يسيرة، لكنه ليس بالذي يسمى بالفَارِسِيّة "ترش جو" فإنه شعير على التَّحقيق، ذكره الإمام، قال: وما عندي أن السُّلْت المذكور في الكتب موجود في هذه الديار.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْمِلُ مِلْكُ رَجُلٍ بمِلْكِ غيْرِهِ إِلاَّ الشَّرِيكَ وَالجَارَ إِذَا جَعَلْنَا لِلخُلْطَةِ فِيهِ أَثَرَاً.
قال الرافعي: ذكرنا في "باب الخلطة" الخلاف في أن الخَلْطَة هل تثبت في الثمار والزروع أم لا؟ وإن ثَبَتَتْ فهل تثبت الخلْطَتان أو لا تثبت إلا خلطة الشُّيُوع؟ والظاهر ثبوتهما جميعاً، فإن قلنا: لا تثبتان فلا يكمل مِلْك رجل بِمِلْك غيره في حق النّصاب، وإن قلنا: تثبتان فيكمل ملك الرجل بملك الشريك والجار، ومما يتفرع على هذا الاختلاف: لو مات إنسان وخلف ورثة ونخيلاً مثمرة أو غير مثمرة، وبَدَا الصَّلاحَ في الحالتين في ملك الورثة إن قلنا: لا تثبت الخلطة في الثمار فحكم واحد منهم منقطع من غيره، فمن بلغ نصيبه نصاباً فعليه الزَّكَاة، ومن لم يبلغ نصيبه نصاباً فلا شيء عليه، ولا فرق بين أن يَقْتَسِمُوا أَو لاَ يقتسموا، وإن قلنا: تثبت الخلطة فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- إن اقتسموا قبل بدو الصلاح سقط حكم الخلطة، وزكوا زكاة الانفراد، فمن لم يبلغ نصيبه نصاباً فلا شيء عليه، وهذا إذا لم تثبت خلطة الجوار أو أثبتناها وكانت متباعدة.
= إلى الحنطة، والخلاف في أنه أصل بنفسه أو يضم في الشعير.
الثالث: عن رواية القاضي أبي الطيب عن نص البويطي تابع فيه ابن الصباغ لكن في تعليقه أبي علي الطبراني أن الشافعي قال: يضم الثلث إلى الشعير، لأنهما جنس واحد، ولهذا قال صاحب الوافي، الأولى أن يكون في المسألة قولان.
الجزء: 3 - الصفحة: 62
فأما إذا كانت متجاورة وأثبتنا خلطة الجوار فيزكون زكاة الخلطة كما قبل القسمة، وإن اقتسموا بعد بدو الصلاح زكوا زكاة الخلطة؛ لأنهم كانوا شركاء حالة الوجوب وهي بدو الصلاح، وبدُوّ الصلاح في الثمار كمضيّ الحول كله في المَواشي وهاهنا كلامان:
أحدهما: اعترض المزني، وقال: القسمة بيع، وبيع الربويات بعضها ببعض جُزَافاً لا يجوز، وبيع الرطب بالرطب على رُؤُوس النّخل بيع جُزَاف وأيضاً فبيع الرُّطَب بالرُّطَب لا يجوز عند الشَّافعي -رضي الله عنه- بحال ولا يندفع هذا الإشكال بأن يقال: الرطب لم يتمحّض عوضاً في واحد من الجَانِبَيْن، بل الجذْع يدخل في القسمة، لأن عند الشافعي -رضي الله عنه- لا يجوز بيع الرَّبَوي وشيء آخر بذلك الرَّبوي وشيء آخر، وأجاب الأصحاب بوجهين:
أحدهما: قالوا: الأمر على ما ذكرت إنْ فرعنا على أن القسمة بيع لكن له قول آخر: وهو أَنَّ القسمة إفراز حق، وعلى ذلك القول أجاب هاهنا.
والثَّاني: أنا وإن قلنا: إن القسمة بيع فيتصور فرض القسمة هاهنا من وجوه:
منها: أن تكون بعض النخيل مثمرة وبعضها غير مثمرة، فيجعل هذا سهماً وذاك سهماً ويقسم قسمة تَعْدِيل، فيكون بيع النَّخْل والرطب بمحض النخل وأنه جائز:
ومنها: أن تكون التركة نخلتين والوارث شخصين، فيشتري أحدهما نصيب صاحب من إحدى النخلتين جذعاً ورطباً بعشرة، ويبيع نصيب نفسه من صاحبه من النَّخْلة الأخرى جذعاً ورطباً بعشرة، ويتقاضان الدراهم قال الأئمة: ولا تحتاج إلى شرط القطع، وإن كانت الصفقتان قبل بدوِّ الصَّلاح؛ لأن المبيع جزء شائع من الثمرة والشجرة معاً فصار كما لو باع كلهما صفقة واحدة، وإنما تحتاج إلى شرط القطع حينئذ عند إفراد الثمرة بالبيع، ومنها أن يبيع كل واحد منهما نصيبه من ثمرة إحدى النخلتين نصيب صاحبه في جذعها فيجوز بعد بدوّ الصَّلاحَ ولا يلزم الرِّبَا وقبل بدو الصَّلاحَ لا يجوز إلا بِشَرْط القَطْع؛ لأنه بيع ثمرة تكون للمشتري على جذع البائع، ذكره صاحب "الشَّامل" وغيره، وقد حكى القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب أن قسمة الثمار بالخَرْص جائزة على أحد القولين، والذي ذكره هاهنا جواب على ذلك القول، ولك أن تقول: هذا لو دفع إنما يدفع إشكال البيع جزافاً، فلا يدفع إشكال منع بيع الرطب بالرطب.
الكلام الثاني: قال أصحابنا العراقيون: تجوز القسمة قبل إخراج الزكاة بناء على أن الزكاة في الذمة، أما إذا قلنا: إنها تتعلق بالعَيْن فلا تصح القِسْمة.
واعلم أنه يمكن تصحيح القسمة مع التفريع على قول الْعَيْن بأن يخرص الثِّمَار عليهم ويضمنوا حق المساكين فلهم التَّصرف بعد ذلك، وأيضاً فإنَّا حكينا في البيع قَوْلَين
الجزء: 3 - الصفحة: 63
تفريعاً على التعلق بالعَيْن فكذلك القِسْمَة إذا جعلناها بيعاً، وإن جعلناها إفرازاً فلا منع، وجميع ما ذكرنا من المسألة فيما إذا لم يكن على الميت دين فأما إذا مات وعليه دين وخلف على ورثته نخيلاً مثمرة فبدا الصَّلاَح فيها بعد موته، وقبل أن تباع في الدين - ففي وجوب الزكاة فيها على الورثة قولان حكاهما الشيخ أبو علي:
أحدهما: لا يجب؛ لأن ملكهم فيها غير مستقرّ في الحال، إنما يستقر بعد قضاء الدَّيْن من غيره، فأشبه ملك المُكَاتب لما لم يستقر إلاَّ بتقدير أداء النُّجوم لم تجب الزكاة فيه قبل ذلك.
وأصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: يجب؛ لأنها ملكهم ما لم تبع في الدَّين ألا ترى أن لهم أن يمسكوها ويقضوا الدين من موضع آخر؟ فإذا ملكوا وهم من أهل الزكاة لزمهم الزكاة، فعلى هذا القول في أنهم يزكون زكاة الخلْطَة والانْفِرَاد على ما سبق فيها إذا لم يكن على الميت دين.
قال الشيخ: ويمكن بناء القولين على الخلاف في أَنَّ الدين هل يمنع الميراث؟ فيه قولان وغيره يحكيه وجهين:
أحدهما: ويروى عن الإصطخري: نعم؛ لأن الله تعالى أثبت الإرث بعد الدَّيْن حيث قال: "مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ 207.
وأصحهما: لا، لأن الدَّين لا يستحق إلا التعلّق به وطلب الحق منه، فتكون الرَّقبة لهم كالمال المرهون، والعبد الجاني رقبتهما للمالك، فإذا فَرَّعنا على الأصح وهو وجوب الزَّكَاة عليهم، فإن كانوا موسرين أخذت الزكاة منهم، وصرفت النخيل والثمار إلى دين الغرماء، وإن كانوا معسرين فهل تؤخذ الزكاة منهم؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في أن الزكاة تتعلق بالذمة أو بالعين إن قلنا بالذمة والمال مرهون بها، فيخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدميين، فإن سوينا وزعنا المال على الزكاة، وحق الغرماء وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن أخذت الزكوة سواء قلنا بتعلق الشركة أو بِمِثْل تعلق الأَرْش.
والطريق الثاني: وهو الأصح: أن الزَّكَاة تؤخذ بكل حال؛ لأن حق الزكاة أقوى تعلقاً بالمال من حق الرهن، ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب، وقبل إمكان الأداء، والدَّين لا يسقط بهلاك الرهن ثم حق المرتهن مقدم على الحق غيره فحق الزكاة أولى أن يكون مقدماً ثم إذا أخذت الزَّكاة من العَيْن ولم يَفِ الباقي بالدين غرم الورثة قدر الزكاة لغرماء الميت إذا أيسروا؛ لأن وجوب الزَّكَاة عليهم وبسببه تلف ذلك القدر على الغرماء.
الجزء: 3 - الصفحة: 64
قال صاحب "التهذيب": هذا إذا قلنا: الزكاة تتعلّق بالذّمة، فإن علقناها بالعَيْن لم يغرموا كما ذكرنا في الرَّهْن، ولو أن إطلاع النَّخِيل كان بعد موته فالثمار محض حقٍّ الورثة، ولا تصرف إلى دين الغرماء إلا إذا قلنا: الدين يمنع الميراث فحكمها حكم ما لو حدثت قبل موته.
قال الغزالي: وَلاَ يُضَمُّ حَمْلُ نَخْلَةٍ إلَى حَمْلِهَا الثَّانِي، وَلاَ حَمْلُ نَخْلَةٍ إلَى حَمْلِ أُخْرَى إِذَا تَأَخَّرَ إطْلاعُ الآخَرِ عَنْ جِدَادِ الأُولَى، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ زَهْوِهَا فَوَجْهَانِ، وَوَقْتُ الجِدَادِ كَالجِدَادِ عَلَى رَأْيِ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن ثمرة العَام الثَّاني لا تضم إلى ثمرة العام الأول في تكميل النصاب، وإن فرض إطلاع ثمرة العام الثاني قبل جُذَاذ ثمرة العام الأول، ولو كانت له نخيل تثمر في العام الواحد مرتين فلا يضم الحمل الثاني إلى الأول؛ لأن كل حمل كثمرة عام، وفي هذه المسألة كلامان:
أحدهما: قال الأصحاب: هذا لا يكاد يقع: لأن النَّخْل والكَرْم اللَّذين يختصان بإيجاب الزَّكَاة في ثمارهما لا يحملان حملين وإنما نفرض ذلك في التِّين، وما لا زكاة فيه، وإنما ذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- المسألة بياناً للحكم بتقدير التصَّور.
والثاني: أن القاضي ابن كج فصلّ فقال: إن أطلعت النخل للحمل الثَّاني بعد جُذَاذ الأول فلا ضمَّ وإن أطلعت قبل جُذَاذِه وبعد بُدُوِّ الصلاح فيه خلاف كما سنذكره في حمل نخلتين، وهذا لا يخالف إطلاق الجمهور عدم الضم، فإن السابق إلى الفهم من الحمل الثاني هو الحادث بعد جذاذ الأول، والله أعلم.
ولو كانت له نخيل أو كروم يختلف إدراك ثمارها في العام الواحد، إما بحسب اختلاف النوع أو بحسب اخْتِلاَف البلاد حرارة وبرودة، فهل يضم بعض ثمارها إلى بعض؟ نظر إن أطلع ما تبطؤ ثمارها قبل زهُوّ الأول وبدو الصلاح فيه وجب الضم لوجود حمل الثاني يوم وجوب الزكاة في الأول، والأشجار تطلع وتدرك ثمره على تدريج وتفاوت، وإن أطلع الثاني بعد جُذَاذ الأول ففيه وجهان:
أحدهما وهو الذي أورده القاضي ابن كج وأصحاب القفال: أنه لا يضم؛ لأن الثاني حدث بعد انْصِرَامِ الأول فأشبه ثمرة عامين، وهذا هو المذكور في الكتاب.
والثاني: وهو الذي قاله أصحاب الشيخ أبي حامد: أنه يضم؛ لأنها ثمرة عام واحد، ولهؤلاء أن يحتجوا على ما ذكروه بقول الشافعي -رضي الله عنه- وثمرة النخيل
الجزء: 3 - الصفحة: 65
تختلف فثمر النخل يجزُّ بِتِهَامة، وهو بِنَجْد بِسْرٌ وبَلَح فيضم بعد ذلك إلى بعض؛ لأنها ثمرة عام، وإن كان بينهما الشهر والشهران 208. فإن قلنا بالوجه الثاني فلو كان إطلاع الثاني قبد الجُذَاذِ وبعد بُدُوِّ الصَّلاح فهو أَولى بالضم، وإن قلنا بالأول فهاهنا وجهان:
أحدهما ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يضم لحدوث الثاني بعد وجوب الزكاة في الأول فصار كثمرة عامين، وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح.
والثاني: يضم لاجتماعهما على رأس النخيل كما لو أطلع قبل زُهُوِّ الأول، ثم اختلف الصائرون إلى الوجه المذكور في الكتاب وهو اعتبار الجُذَاذ في أن وقت الجُذَاذ هل يقام مقام الجذاذ؟ على وجهين:
أحدهما: لا يقام لاجتماع الثَّمرتين قبل الجُذَاذ على رأس النخيل.
وأفقههما وهو الذي ذكره الصيدلاني: أنها تقام مقام الجُذاذ، فإن الثمار بعد دخول الوقت كالمجذوذة، ألا ترى أنه لو أطلعت النخلة العام الثاني، وقد تركت بعض ثمرة العام الأول عليها لا يثبت الضم، فعلى هذا قال إمام الحرمين للجذاذ أول وقت ونهاية ترك الثمار إليها أولى وتلك النهاية أحق بالاعتبار.
قال الغزالي: وَلَوْ ضَمَمْنَا نَخْلَةً إلَى أُخْرَى فَجَدَّت الَّتي أَطْلَعَتْ أَوَّلاً ثُمَّ أَطْلَعَتْ ثَانِياً قَبْلَ جَدَادِ الثَّانِيَةِ لَمْ نَضُمَّهَا إلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَمًّا إلَى الأُولَى وَقَدْ أَطْلَعَتْ بَعْدَ جَدَادِهَا وَذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ فَلاَ تُضَمُّ إلَى الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: أذكر المسألة في قالب المثال الذي ذكره الشافعي -رضي الله عنه- وتابعه الأصحاب فيه، ثم أعود إلى عبارة الكتاب فإن فيها لبساً.
اعلم: أن من المواضع التي يختلف إدراك الثمار فيها بحسب اختلاف الأهوية تِهَامة ونَجْد، فتهامة بلاد حارة، ونجد بلاد باردة، وثمر النخيل بتهامة أسرع إدراكاً منها بنَجْد، فإذا كانت للرجل نخيل تِهَامية وأخرى نَجْدية فأطلعت التِّهَامية ثم أطلعت النجدية لَذلك العام، واقتضى الحال ضم ثمرة النجدية إلى ثمرة التهامية على ما فصلناه في الفَصْل السابق فضممناها إليها، ثم أطلعت التهامية مرة أخرى فلا تضم ثمرة هذه المرة إلى ثمرة النجدية، وإن طلعت قبل بدو الصلاح فيها، لأن في ضمها إلى النجدية ضماً إلى ثمرتها المرة الأولى ولا سبيل إليه؛ لأن ثمرتها المرة الثانية إما حمل ثان على تصوير أن تكون تلك التِّهاميات ممَّا تحمل في كل سنة مرتين، وإما حمل سنة ثانية،
الجزء: 3 - الصفحة: 66
وعلى التقديرين فلا ضم على ما سبق، وهذا ما ذكره الأصحاب، ثم قال الصيدلاني وإمام الحرمين: ولو لم تكن ثمرة النَّجْدية مضمومة إلى حمل التِّهامية أوّلاً، بأن أطلعت بعد جُذَاذِ ذلك الحمل لكنا نضم حملها الثَّاني المطلع قبل جذاذ النجدية إليها، إذ لا يلزم هاهنا المحذور الذي ذكرناه، وهذا قد لا يسلمه سائر الأصحاب، لأنهم حكموا بضمِّ ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض وبأن ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر، ومعلوم أن إدراك ثمار التهامية في كل عام أسرع من إدراك ثمار النجدية، فيكون إطلاع التهامية ثانيًا للعام القابل، وما على النجدية من العام الأول.
وأما كلام الكتاب فأما إن أراد به الصورة التي نقلناها عن جمهور الأصحاب، وأما إن أراد به ما يشعر به ظاهر، فإن أراد تلك الصورة وهي التي أوردها في "الوسيط" فاللفظ هاهنا محال عن وجهه تصويراً وتعليلاً.
أما التصوير فلأن للجمهور صوروا في إطْلاع النخلة الأولى مرة أخرى، وهو صور في ثلاث نَخلات متغايرة أطلعت الثّالثة بعد جُذَاذ الأولى وقبل جُذاذ الثانية.
وأما التعليل فلأن قوله: "لأن فيها ضمًّا" إلى قوله: "وذلك يتسلسل"، يشعر بأن امتناع الضم إلى حمل الثانية لتضمنه الضم إلى حمل الأولى وقد أطلع هذا بعد جذاذه ولا سبيل إلى ضم ما أطلع بعد المجذوذ إليه، ولو جوزنا ذلك للزم ضم نخلة إلى نخلة بلا نهاية، وهذا التعليل غير التعليل الذي سبق، وإن أراد ما يشعر به ظاهر الكلام فعدم الضم مما تنازع فيه كلام الأصحاب الدين قالوا بانضمام ثمار العام الواحد بعضها إلى بعض، ولم يبالوا بإطلاع الآخر بعد جذاذ الأول على ما أسلفناه، وفي ضبطهم بالعام الواحد ما يقطع التسلسل الذي ادعاه، ولا يخفى أن قوله: "لو ضممنا نخلة إلى أخرى" معناه حمل نخلة إلى حمل نخلة أخرى فحذف المضاف.
قال الغزالي: وَأَمَّا الذُّرَةُ لَوْ زُرِعَت بَعْدَ حَصْدِ الأُولَى فَعَلَى قَوْلٍ: هُمَا كَحَمْلَيْ شَجَرَةٍ فَلاَ يُضَمُّ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُضَمُّ مَهْمَا وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالحَصَادَانِ فِي سَنَةٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُكْتَفَى في الضَّمِّ بِوُقُوعِ الزَّرْعَيْنِ فِي سَنَةٍ؛ لأنَّهُ الدَّاخِلُ تَحْتَ الاخْتِيَارِ، وَعَلَى قَوْلٍ يُنْظَرُ إلَى اجْتِمَاعِ الحَصَادَيْنِ فَإنَّهُ المَقْصُود، وَعَلَى قَوْلٍ: إنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالحَصَادَانِ أَوْ زَرْعُ الثَّانِي وَحَصَدْ الأَوَّلِ اكْتَفَى بِهِ، وَالزَّرْعُ بَعْدَ اشْتِدَادِ الحَبِّ كَهُوَ بَعْدَ الحَصَادِ عَلَى أَحَدِ الرَّأيَيْن، وَالزَّرْعُ بِتَنَاثُرِ الحَبَّاتِ لِلأوَّلِ وَبِنَقْرِ العَصَافيرِ كَهُوَ بِالاخْتِيَارِ، وَقيلَ: إنَّهُ يُضَمُّ لأنَّهُ تابعٌ، وَلَو أُدْرِكَ أَحَدُ الزَّرْعَيْنِ وَالآخَرُ بَقْلٌ فَالظَّاهِرُ الضَّمُّ، وَقيلَ: يُخَرَّجُ عَلَى الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: الأصل الذي لا بدَّ من معرفته أولاً أَنَّ زرع عام لا يضم إلى زرع
الجزء: 3 - الصفحة: 67
عام آخر في تكميل النِّصاب 209، واختلاف أَوْقَات الزِّرَاعة لضرورة التَّدريج فيها كالَّذي يبتدئ الزِّراعة ولا يزال يزرع إلى شهر أو شهرين فلا يقدح، بل هي معدودة زرعاً واحداً يضم بعضها إلى بعض عند اتحاد الجنس إذا عرفت ذلك ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: أن الشَّيء قد يزرع في سنة واحدة مراراً كالذرة تزرع في فصول مختلفة في الخريف والربيع والصيف، ففي ضم البعض إلى البعض أقوال:
أحدها: أن المزروع بعد حصل الأولى لا يضم إليه كما لا يضم أحد حملي الشجر إلى الآخر.
والثاني: يضم إن وقع الزرعان والحصادان في سنة؛ لأنهما حينئذ بدان زرع سنة واحدة، بأن يكون بين الزَّرع الأول وحصد الثَّاني أقلّ من اثني عشر شهراً عربية، كذا قال صاحب "النهاية" و"التهذيب"، فإن كان بينهما سنة فصاعداً فلا يضم.
والثَّالث: أن الاعتبار بوقوع الزَّرْعَين في سنة ولا نظر إلى الحصاد؛ لأن الزرع هو المتعلق بالاختيار، والحصاد لا اختيار في وقته ويختلف باختلاف حال الأرض والهواء، وأيضاً فإنَّ الزرع هو الأَصْلُ والحصاد فرعه وثمرته، فيعتبر ما هو الأصل فعلى هذا يضم وإن كان حصاد الثَّاني خارجاً عن السنة.
والرابع: أن المعتبر اجتماع الحَصَادين في سنة فإذا حصل وجب الضَّم، وإن كان زرع الأول خارجاً عن السنة لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب فاعتباره أولى، وهذه الأقوال الأربعة مدونة في "المختصر".
والخامس: ويحكي عن رواية الربيع: أنه إن وقع الزَّرْعَان أو الحصادان أو زرع الثَّاني وحصد الأول في سنة ضم أحدهما إلى الثاني، وهذا بعيد عند الأصحاب، لأنه يوجب ضم زرع السنة إلى زرع السنة الأخرى، فإنَّ العادة ابتداء الزرع الثاني بعد مضي شهر من حصد الأول، هذا بيان الأقوال على الوجه المذكور في الكتاب، واختلفوا في الأظهر منها، وكلام الأكثرين مائل إلى تَرْجِيحِ القول الرابع، ونقل المَسْعُودِي في "الإفصاح" القول الخامس على وجه أخص مما ذكرنا، فقال: الاعتبار بجميع السنة بأحد الطرفين.
الجزء: 3 - الصفحة: 68
إما الزرعين أو الحصادين، ولم يلحق بهما زرع الثَّاني وحصد الأول، والشيخ أبو حامد في طائفة جعلوا الفصل بدلاً عن السنة في حكاية القول الثَّاني والثَّالث والرابع، واعتبروا على القول الثاني أن يكون الزرعان في فصل واحد، وما المعنى بالفصل؟ ذكر القاضي الروياني أن المعنى بالفصل هاهنا أربعة أشهر، والطريقة التي تقدمت أوفق للفظ "المختصر"، وهي التي اعتمدها القاضي ابن كج، ونقلها أصحاب القفَّال وغيرهم، وعن أبي إسحاق أنه خرج قولاً أن ما يعد زرع سنة يضم بعضه إلى بعض، ولا أثر لاختلاف الزرع والحصاد، قال: ولا أعني هاهنا بالسَّنة اثني عشر شهراً، فإن الزرع لا يبقى هذه المدة، وإنما أعني بها ستة أشهر إلى ثمانية، وإذا جمع جامع بين ما نقلناه من الروايات انتظمت في المسألة عشرة أقوال فتأملها، وهذا كله فيما إذا كان زرع الثَّاني بعد حصول الأول ووراء ذلك حالتان:
إحداهما: أن يكون زرع الثَّاني بعد اشْتِدَاد حب الأول، فالخلاف فيه مرتب على الخلاف فيما إذا كان زرع الثَّاني بعد حصد الأول، وهاهنا أولى بالضَّم لاجتماعها في النَّبَات في الأرض والحصول فيها.
وقوله في الكتاب: "على أحد الرِّوَايتين" المراد منه طريقان يتولدان من هذا الترتيب:
أحدهما: القطع بالضَّم.
والثّاني: إثبات الخلاف وهو أظهر.
والثانية: أن يكون الزَّرعَان معاً أو على التَّوَاصل المعتاد ثم يدرك أحدهما، والثاني بعد بَقْل لم يشتد حَبُّه أصلاً ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالضم، لأن ذلك يعد زرعاً واحداً، والثاني -وحكاه الإمام عن أبي إسحاق- أنه على الأقوال 210 لاختلافهما في وقت الوجوب بخلاف ما لو تأخر بدو الصَّلاح في بعض الثمار، فإنه يضم إلى ما بدا فيه الصَّلاح لا محالة؛ لأن الثمرة الحَاصِلَة هي متعلق الزَّكَاة بعينها والمنتظر فيها صفة الثمرة، وهاهنا متعلق الواجب الحب ولم يخلق بعد، والموجود حشيش محض.
المسألة الثانية: قال الشافعي -رضي الله عنه- الذُّرَة تزرع مرة فتخرج فتحصد، ثم يستخلف في بعض المواضع فتحصد أخرى فهو زرع واحد وإنْ تأخَّرت حصدته الأخرى
الجزء: 3 - الصفحة: 69
اختلف المُفَسِّرون لكلامه في المراد بهذه الصورة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد يها ما إذا تَسَنْبَلَت الذُّرة واشتدت فانتثر بعض حَبَّاتها بنفسها أو بنقل العَصَافير أو بهبوب الرياح، فسقى الأرض فنبتت تلك الحبات المنثورة في تلك السّنة مرة أخرى وأدركت ومنهم من قال: المراد بهذا ما إذا نبتت فالتفت وعلا بعض طاقاتها فغطى البعض، وبقي ذلك المغطّى مخضرّاً تحت ما علا فإذا حصد العالي أثرت الشَّمس في المُخْضر فأدرك.
ومنهم من قال: المراد بها الذُّرَة الهِنْدِيّة تحصد سنَابِلُهَا ويبقى سَاقُهَا فيخرج سنابل أخرى، ويحكى هذا الوجه الثاني عن ابن سريج، ثم اختلفوا في الصور الثَّلاَث بحسب اختلافهم في المراد من النَّص، واتفاق الجمهور على أن ما ذكره قطع بالضم وليس جواباً على بعض الأقوال التي سبقت، فذكروا في الصورة الأولى طريقين:
أحدعما: أنها على الأقوال في الزَّرعَين المختلفي الوقت فإنه زرع مفتتح بعد زرع.
والثاني: القطع بالضَّم لأنه تابع للأول غير حاصل بالقصد والاخْتيار، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وهو قضية ما في "التهذيب"، وذكروا في الصُّورة الثَّانِية طريقين أيضاً:
أحداهما: القطع بالضَّم؛ لأنها حصلت دفعة واحدة وإنَّمَا تفاوت الإدراك.
والثاني ويحكى عن أبي إسحاق: أنها مخرجة على الأقوال، وذكروا في الثالثة ثلاثة طرق:
أحدها: أنها على الخلاف فيما لو حصد زرع ثم زرع آخر.
والثاني: لا يضم قولاً واحداً كالنَّخْلة تحمل في السَّنة حملين.
والثالث: يضم قولاً واحداً بخلاف الزَّرْع بعد الزَّرع، فإن أحدهما مفصول عن الآخر وهاهنا الزرع واحد وإنما تفرق رِيعُه، وبخلاف حملي النَّخْلة فإنها شجرة لها ثمر بعد ثمر فحملاها في سنة كحملها في سنتين، والذُّرَة زرع لا يبقى فالخارج من ساقها ملحق بالأول كزرع تعجّل إدراك بعضه وتأخّر إدراك بعضه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والله أعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّاني، فِي الوَاجِبِ، وَهوَ العُشْرُ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاء، وَنِصْفُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَالقَنَوَاتُ كَالسَّمَاءِ، وَالنَّاعُورُ الَّذِي يُديرُ المَاءَ بِنَفْسِهِ كَالدَّوَالِيبِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 70
قال الرافعي: الأصل في قدر الواجب في هذا النوع ما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوِ الْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيّاً الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ الْعُشْرِ" 211. ويروى "وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ" 212. قالَ في "الصِّحاح": العَثَرِيّ بالتحريك: الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
وقال الأزهري: وسقيه بالنّضْح أن يستقي له من ماء النهر أو البِئْر بسانية وغيرها، وتسمى السَّوَاني نواضح الواحدة: سَانيَة والغَرْب الدَّلْو الكبيرة.
إذا عرف ذلك فيجب فيما سقي بماء السماء من الثمار والزروع العشر، وكذا البَعل وهو الذي يشرب بعروقه لقربه من الماء، وكذا ما يشرب من ماءٍ ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة كل ذلك فيه العشر، وما سقى بالنّضح أو بالدِّلاَء أو بالدَّوَالِيب ففيه نصف العشر وكذا ما سقى بالدَّالية.
قال في "الصحاح": وهو المَنْجَنُون تديرها البقرة، وما سقي بالنَّاعُور وهو الذي يديره الماء بنسه؛ لأنه تسبب إلى النَّزْح كالاسْتِقَاء بالدلاء والنَّواضِح، والمعنى الكلي الذي يقتضي التَّفَاوت أنَّ أمر الزكاة مبني على الرفق بالمالك والمساكين، فإذا كثرت المؤنة خف الواجب أو سقط كما في المعلوفة، وإذا خفت المؤنة كثر الواجب كما في الرِّكَاز، وأما القَنَوات وفي معناها السَّواقي المَحْفُورة من النهر العظيم إلي حيث يسوق الماء إليه، فالذي ذكره في الكتاب أن السقي منها كالسَّقي بماء السماء، وهذا هو الَّذي أورده طوائف الأصحاب من العراقيين وغيرهم، وعَلَّلوا بأن مؤنة القَنَوات إنما تتحمل لإصلاح الضَّيْعَة، والأنهار تشق لإحياء الأرض فإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى بخلاف السَّقي بالنَّوَاضح ونحوها، فإن المُؤْنَة ثم تتحمل لنفس الزرع.
وادعى إمام الحرمين اتفاق الأئمة على هذا، لكن أبا عاصم العبادِيَّ ذكر في "الطَّبَقات" أن أبا سهل الصُّعْلُوكي أفتى بأن الَمسْقِيّ من ماء القَنَاة فيه نصف العشر، لكثرة المُؤْنة، وفصّل صاحب "التهذيب" 213 فقال: إن كانت القناة أو العَيْن كثيرة المؤنة بأن كانت لا تزال تنهار وتحتاج إلى اسْتِحْداث حفر فالمسقى بها كالمسقى بالسَّواقي، وإن لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول وكَسحها، في بعض الأوقات، ففي السقي بها العشر والمشهور الأول.
الجزء: 3 - الصفحة: 71
نوع: أشار القاضي ابن كَجِّ إلى أنه لو احْتَاج إلى شراء الماء كان الواجب نصْف العشر، ونقله عنه صريحاً صاحب "الرّقم"؛ ولو سقاه بماء مغصوب فكذلك لأن عليه الضمان، وهذا حسن جَارٍ على كل مأخذ، فإنه لا يتعّلق به صلاح الضيعة بخلاف القناة 214، ثم حكى القاضي عن أبي الحُسَيْن وجهين فيما لو وهب منه الماء، ورجح إلحاقه بما لو غصب لما في قبول الهِبَة من المنة العظيمة، فصار كما لو علف ماشيته بِعَلَف موهوب 215 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوِ اجْتَمَعَ السَّقْيَان عَلَى تَسَاوٍ وَجَبَ ثَلاثةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ فِي كُلِّ نِصْفٍ بِحِسَابِه وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ اعْتِبَر الأَغْلَبُ فِي قَوْلٍ، وَوُزِّعَ عَلَيْهِمَا فِي القَوْلِ الثَّانِي، وَالأَغْلَبُ يُعْرَفُ بالعَدَدِ فِي وَجْهٍ وَبِزِيادَةِ النُّمُوِّ وَالنَّفْعِ فِي وَجْهٍ، وَإذَا أَشْكَلَ الأَغْلَبُ فَهُوَ كَالاسْتِوَاءِ.
قال الرافعي: إذا اجتمع السّقيان في زرع وكان يسقى بماء السَّماء مدة وبالنَّضْح مدة فلا يخلو إما أن يكون الزرع منشأ على هذا القصد، أو بني أمره على أحد الشقين ثم اعترض الآخر واجتمعا.
الحالة الأولى: وهي المقصودة في الكتاب أن ينشأ الزرع على قصد السقي بهما جميعاً ففيه قولان كالقولين فيما إذا تنوعت إبله أو غنمه.
أظهرهما: أنه يقسط الواجب عليهما لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- إذا تنوعت: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ نِصْفُ العُشْرِة".
فعلى هذا لو كان ثلثا السّقي بماء السّماء والثّلث بالنّضح وجب خمسة أسداس العشر ثلثا العشر للثلثين، وثلث نصف العشر للثلث، ولو سقى على التَّسَاوي وجب نصف العشر ونصف نصف العشر، وذلك ثلاثة أرباع العشر.
والقول الثاني وحكاه في "الشَّامل" عن أبي حنيفة وأحمد-: أن الاعتبار بالأغلب فإن كان السّقي بماء السماء أغلب ففيه العشر، وإن كان السّقي بالنضح أغلب ففيه نصف العشر، لأن النظر إلى أعداد السقي وأزمنته مما يشق ويعسر، فيدار الحكم على الغالب
الجزء: 3 - الصفحة: 72
تخفيفاً، وعلى هذا لو استويا ففيه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: أنه يجب العشر نظراً لِلْمَسَاكين، وهذا هو الَّذِي حكاه المَسْعُودي تفريعاً على القول الثَّاني.
وأصحهما: وهو الَّذِي أورده في الكتاب أنا نقسط الواجب عليهما كما ذكرنا على القول الأول لانتفاء الغَلَبة من الجانبين، وعلى هذا فالحكم حالة الاستواء واحد على القولين فينتظم أن يقال: إن استويا وجب ثلاثة أرباع العشر فإن كان أحدهما أغلب فقولان.
وهكذا أورد صاحب الكتاب والأكثرون ثم سواء قلنا بالتقسيط أو اعتبرنا الأغلب فالنظر إلى ماذا في معرفة المقادير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ النظر إلى عدد السَّقَيات؛ لأن المُؤْنة بحسبها تقلّ وتكثر ولا شك أن الاعتبار بالسّقَيَات المفيدة دون ما لا تفيد أو تضر.
وأوفقهما لظاهر نصه: أن الاعتبار بعيش الزَّرع ونمائه أو بأحدهما أكثر أو لا وكذا عيش التَّمْر فإنه المقصود.
وقال في "النهاية": وعبر بعضهم عن هذا بعبارة أخرى فقال: النظر إلى النَّفع وقد تكون السّقية الواحدة أنفع من سقيات كثيرة، قال: وهما متقاربان، إلاَّ أن صاحب العبارة الثانية لا ينظر إلي المدة وإنما ينظر إلى النفع الذي يحكم به أهل الخبرة، وصاحب العبارة الأولى يعتبر المدة.
واعلم أن اعتبار المدة هو الذي ذكره الأكثرون على الوجه الثاني، وذكروا في المثال أنه لو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر، واحتاج في ستَّة أشهر زَمَاني الشّتاء والربيع إلى سَقْيَتَيْن، فسقى بماء السماء وفي شهرين، وهو زمان الصيف إلى ثلاث سقيات فسقى بالنضح، فإن اعتبرنا عدد السقيات فعلى قول التوزيع يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وذلك ثلاثة أخماس العشر ونصف خمسه، وعلى قول اعتبار الأغلب يجب نصف العشر؛ لأن عدد السقيات بالنضح أكثر، وإن اعتبرنا المدّة فعلى قول التّوزيع يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى قول اعتبار الأغلب يجب العشر؛ لأن مدة السَّقي بماء السماء أطول، ولو سقى الزرع بماء السماء والنضح جميعاً لكن أشكل مقدار كل واحد منهما فعن ابْنِ سُرَيج وتابعه الجمهور: أنه يجب ثلاثة أرباع العشر أخذاً بالاستواء؛ وذكر القاضي ابن كج وجهاً آخر: أن الواجب نصف العشر؛ لأنه اليقين، والأصل براءة ذمته عن الزيادة.
وإذا عرفت ما ذكرناه يتبيَّن لك أو الوجهين في قوله: "والأغلب يعرف بزيادة العدد .... " إلى آخره لا يختصان بالأغلب، بل يجريان فيما يعتبر به الاستواء أيضاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
وقوله: "إذا أشكل الأغلب فهو كالاستواء" إنما صور الإشكال في الأغلب؛ لأنه قصد التفريع على قول اعتبار الأغلب، وإلاّ فلو لم يعرف هل أحدهما أغلب من الآخر كما لو عرف أن أحدهما أغلب، وشك في أنه هذا أم ذاك.
والحالة الثانية: أن يبنى الأمر على أحد السّقيين ثم يعرض الآخر فهل يستصحب حكم قصدة أو لا يعتبر الحكم؟ فيه وجهان؟
أصحهما: الثاني، ثم في كيفية اعتبارهما الخلاف الذي ذكرنا.
فرع: لو اختلف الساعي والمالك في أنه بماذا سقى؟ فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم وجوب الزيادة.
آخر: لو كان له زرع مسقى بماء السَّماء، وآخر مسقى بالنّضح، ولم يبلغ واحد منهما نصاباً، ضم أحدهما إلى الثاني في حق النصاب، وإن اختلف مقدار الواجب.
قال الغزالي: وَيجِبُ أَنْ يُخْرَجُ العُشْرُ مِنْ جِنْسِ المُعَشَّرِ وَنَوْعِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَمِنْ كُلِّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ فَالوَسَطُ.
قال الرافعي: وقوله: "ويجب أن يخرج العشر من جنس المعشر" ولا يجوز أن يعلّم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يجوز إخراج القيم في الزكاة، فلا يجب عنده إخراج الجنس.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُذْ مِنَ الِإِبِلِ الإبِلِ" 216 الخبر.
وقوله: "ونوعه" ليس مجري على إطلاقه، فإنه لو أخرج الأجود عن الأردأ جاز، إنما الواجب ألا يخرج أردأ مما عنده، وغرضَ الفصل أنه لو كان الجنس الذي يملكه من الثمار والحبوب نوعًا واحداً فيؤخذ منه الزكاة، وإن اختلف أنواعه كما إذا ملك من التَّمر البَرْديّ والكَبِيس وهما نوعان جيّدان والجُعْرُور ومصْرَان الفَأرَة وَعِذْق الجَبِيق، وهي أَنْوَاع رديئة، ومنهم من يجعل الجُعْرُور وسطاً، فإن لم يعبر أخذ الواجب من كل نوع بالحصّة بخلاف نظيره في المَوَاشي حيث ذكرنا فيه خلافاً من قبل والفرق أن التَّشْقِيص في الحيوان محذور بخلاف ما في الثّمار، أَلاَ ترى أن في المواشي وإن قلنا بالتقسيط فإننا نعتبر قيم الأنواع ونأخذ ما يقتضيه التوزيع ونأمره بدفع نوع منها على ما يقتضيه التَّوزيع، ولا يأخذ البَعْض من هذا والبعض من ذاك، وهاهنا بخلافه، وطرد
الجزء: 3 - الصفحة: 74
القاضي ابْن كَجٍّ القولين هاهنا والمشهور الفرق، وإن عسر أخذ الواجب من كل نوع فإن كثرت الأنواع وقل مقدار كل نوع فما الذي يؤخذ.
حكي عن صاحب "الإفصاح" فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يكلف بالإِخْرَاج من كل نوع لما فيه من العسر، ولا يكلف بالإخراج من الأجود ولا نرضى بالرديء، بل يؤخذ من الوسط رعاية للجانبين.
والثاني: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط كما إذا قلَّت الأنواع.
والثالث: أنه يؤخذ من الغالب ويجعل غيره تبعاً له، وروى القاضي ابن كج في المسألة طريقين:
أحدهما: القطع يأخذ الوسط.
والثانى: أَنَّ فيه قولين:
أحدهما: أخذ الوسط.
والثاني: أخذ الغالب.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: "فإن عسر فالوسط" بالواو، واعلم أنه ليس المراد وجوب إخراج الوسط حتى لا يجوز أخذ غيره، بل لو تحمل العسر وأخرج من كل نوع بالقسط جاز ووجب على الساعي قبوله، فإذا أراد الساعي أخذ العشر كيل لرب المال تسعة وأخذ الساعي العاشر، وإنما يبدأ بجانب المالك؛ لأن حقه أكثر ولأن حق المساكين إنما يتبين به، ولو بدأ بجانبهم فَرُبَّمَا لا يفي الباقي بحقّه فيحتاج إلى رد ما كِيلَ لهم، وإن كان الواجب نصف العشر كِيلَ لربِّ المال تسعة عشر، وأخذ الساعي العشرين، وإن كان الواجب ثلاثة أرباع العشر كِيلَ لرب المال سبعة وثلاثون، وللمساكين ثلاثة ولا يهز المِكْيَال ولا يزلزل ولا توضع اليد فوقه ولا يمسح؛ لأن ذلك مما يختلف فيه، بل يصب فيه ما يحتمله ثم يفرغ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ، فِي وَقْتِ الوُجُوبِ وَهُوَ الزَّهْوُ فِي الثِّمَارِ وَالاشْتِدَادُ فِي الحُبُوبِ، فَينْعَقِد سَبَبُ وُجُوبِ إِخْرَاجِ التَّمْرِ وَالحَبِّ عِنْدَ الجَفَافِ وَالتَّنْقِيَةِ، فلَوْ أَخْرَجَ الرُّطَبَ فِي الحَالِ كَانَ بَدَلاً.
قال الرافعي: وقت وجوب الصَّدَقَة في النَّخْل والكَرْم والزّهو وهو بدوُّ الصلاح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ حِينَئِذِ يَبْعَثُ الْخَارِصَ لِلْخَرْصِ" 217.
الجزء: 3 - الصفحة: 75
ولو تقدم الوجوب عليه لبعثه قبل ذلك، ولو تأخر عنه لما بعثه إلى ذلك الوقت، ووقت الوجوب في الحبوب اشتدادها؛ لأنها حينئذ تصير طعاماً كما أن حمل النَّخْل والكَرْم عند بدو الصَّلاَح يصير ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك بَلْحٌ وحِصْرٌ، هذا هو المشهور.
وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حكى قولاً غريباً أن وقت الوجوب هو الجَفَاف والاشتداد، ولا يتقدمِ الوجوب على الأمر بالأداء، وفي "الشامل" أن الشيخ أبا محمد حكى عن القديم أنه أوْمَأَ إلى أن الزَّكَاة تجب عند فعل الحصاد 218، فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وهو الزهو في الثمار والاشتداد في الحبوب" لهذين.
والكلام في معنى بدو الصلاح، وأن بدو الصلاح في البعض كبدوه في الكلّ على ما هو مذكور في كتاب البيع 219، ولا يشترط تمام اشتداد الحب، كما لا يشترط تمام الصلاح في الثمار، ويتفرع على المَذهب المشهور أنه لو اشترى نخيلاً مثمرة أو ورثها قبل بدوِّ الصَّلاحَ ثم بدا الصَّلاحَ بعد ذلك فعليه الزَّكَاة، ولو اشترى بشرط الخيار فبدا الصَّلاحَ في زمان الخِيَار، فإن قلنا: الملك للبائع فالزكاة عليه، وإن أمضى البيع، وإن قلنا: للمشتري فالزكاة عليه وإن فسخ البيع، وإن قلنا بالوقف فأمر الزكاة موقوف أيضاً.
وفرع ابن الحداد على هذا الأصل أنه لو باع المسلم نخيله المثمرة قبل بدو الصَّلاح من ذمِّي فبدا الصَّلاح في ملكه فلا زكاة على واحد منهما، أما الذِّمي فظاهر، وأما المسلم فلأن الثمرة لم تكن في ملكه وقت الوجوب، ولو عاد إلى ملكه بعد بدو الصلاح ببيع مستأنف أو بهبة أو تقابل أورد بعيب فلا زكاة عليه أيضاً؛ لأنه لم تكن في ملكه حين الوجوب، والبيع من المُكَاتب كالبيع من الذِّمِّي فيما ذكرنا، ولو باع النَّخل من مسلم قبل بدو الصلاح فبدا الصلاح في ملك المشترى ثم وجد بها عيباً، فليس له الرَّدُّ إلا برضا البائع؛ لأنها تعلق بها حق الزكاة فكان كعيب حدث في يده، فإن أخرج المشتري الواجب إما من تلك الثمرة أو من غيرها، فالحكم على ما ذكرنا في زكاة النَّعَم في الشرط الرابع أما إذا باع الثمرة وحدها قبل بدو الصلاح فهذا البيع لا يصحّ إلاَّ بشرط القطع، فإن شرطه ولم يتفق القطع حتى بدا فيها الصَّلاحَ فقد وجب العشر، وينظر فإن رضيا بإبقائها إلى أوان الجُذَاذ جاز والعشر على المشتري، وعن الشيخ أبي حامد أن الشيخ أبا إسحاق حكى قولاً آخر: أنه ينفسخ البيع؛ لأنه لو اتفقا عليه عند البيع لبطل البيع، فإذا وجد هذا الشرط المبطل بعده ينفسخ والصحيح الأول، وإن لم يرضيا
الجزء: 3 - الصفحة: 76
بالإبقاء لم تقطع الثمرة؛ لأن فيه إضراراً بالمساكين 220، ثم فيه قولان:
أحدهما: ينفسخ البيع لتعذر إمضائه، فإن البائع يبتغي القَطْع لشرطه وهو ممتنع لما ذكرنا.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ فإنه عيب حدث بعد البَيْع، لكن إن لم يرض البائع بالإبقاء ينفسخ البيع، وإن رضي البائع بالإبقاء وَأَبَى المشتري إلا القَطع فوجهان:
أحدهما: يفسخ أيضاً.
وأصحهما: أنه لا يفسخ؛ لأن البائع قد زاده خيراً، والقطع إنما كان لحقه حتى لا تَمْتَصُّ الثمرة ماء الشجرة، فإذا رضي تركت الثمرة بحالها ولو رضي البائع ثم رجع كان له ذلك؛ لأن رضاه إعارة، وحيث قلنا: يفسخ البيع ففسخ فعلى من تجب الصدقة؟ فيه قولان:
أحدهما: على البائع؛ لأن الفسخ كان لشرط القطع فاستند إلى أصل العَقْد.
وأصحها: أنها على المشتري لأن بدو الصلاح كان في ملكه فأشبه ما لو فسخ بعيب، فعلى هذا لو أخذ السّاعي من غير الثمار رجع البائع على المشتري.
وقوله: "فينعقد سبب وجوب إخْراج الثمرة والحَب عند الجَفَاف" معناه إنا وإن قلنا: إن بدو الصلاحّ واشتداد الحب وقت الوجب، فلا نكلفه بالإخراج في الحال، لكن ينعقد حينئذ سبب وجوب إخراج الثمرة والزبيب والحب المصلى، ويصير ذلك مستحقاً للمساكين يدفع إليهم بالأجرة، ولو أخرج الرطب في الحال لم يجز؛ لما روي عن عتَّاب بن أَسِيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ أَنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيباً كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ الرَّطَبِ تَمْراً" 221.
ولأن المُقَاسَمَة بيع على الصَّحِيح وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، فلو أخذ السَّاعي الرطب لم يقع الموقع، ووجب الرد إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فوجهان الذي نص عليه وقاله الأكثرون أنه ترد القيمة.
والثاني: أنه يرد المثل، والخلاف مبنى على أن الرّطب والعِنَب مِثْلِيّان أم لا، وقد
الجزء: 3 - الصفحة: 77
ذكر الخلاف فيه في الكتاب في "باب الغَصْب" وجعل الأظهر أنهما مِثْليان، فمن قال به حمل النص على ما إذا لم يوجد المثل 222.
ولو جف عند الساعي نظر إن كان قدر الزكاة أجزأ وإلا رد التَّفَاوت أو أخذ، هكذا قال العراقيون، والأولى وجه آخر ذكره القاضي ابن كَجٍّ وهو أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض من أصله.
وقوله في الكتاب: "فلو أخذ الرطب في الحال كان بدلاً" أراد به أنه لا يقع الموقع؛ لأن البدل لا يجزئ في الزَّكاة إلا إذا فرضت ضرورة.
واعلم أن ما ذكرناه أصلاً وشرحاً في أخذ الرطب مما يجيء منه التّمر والزبيب، فإن لم يكن كذلك فسيأتي.
قال الغزالي: وُيسْتَحَبُّ (ح) أَنْ يُخَرّصَ عَلَيْهِ فَيُعْرَفَ مَا يَرْجِعُ إلَيهِ تَمْرًا، وَيَدْخُلُ فِي الخَرْصِ جَمِيعُ النَّخِيل، وَلاَ يُتْرَكُ بَعضُهُ (و) لِمَالِكِ النَّخِيلِ، وَهَلْ يَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ كالحَاكِمِ أَوْ لاَ بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ كَالشَّاهِدِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: الأصل في الخَرْص ما روينا من حديث عتاب بن أسيد 223. وروي أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَرَصَ حَدِيقَةَ امرَأَةٍ بِنَفْسِهِ" 224. وإنما يكون ذلك في الثمار دون الزروع؛ لأنه لا يمكن الوقوف عليها لاستتتارها، وأيضاً فإن الزروع لا تؤكل في حال الرّطوبة والثمار تؤكل، فيحتاج المالك إلى أن يخرص عليه، ويمكن من التصرف فيها ووقته بدُّو الصلاح.
لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَبعَثُ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً أَوَّلَ مَا تَطِيبُ الثَّمَرَةُ" 225.
وكيفيته أن يطوف بالنَّخلة ويرى جميع عَنَاقِيدها ويقول: خرصها كذا رطباً، ويجيء منه من التمر كذا، ثم يأتي نخلة أخرى فيفعل بها مثل ذلك إلى أن يأتي على جميع ما في الحديقة، ولا يقتصر على رؤية البعض وقياس الباقي عليه؛ لأنها تتفاوت، وإنما يخرص كل نَخْلة رطباً ثم تمراً؛ لأن الأَرْطَاب تَتَفَاوت فمنها: ما يكون أكثر نماء وأقل تمراً، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، فإن اتَّحَدَ النوع جاز أن يخرص الجميع رطباً ثم تمراً، وفي الفصل بعد هذا مسألتان:
الجزء: 3 - الصفحة: 78
إحداهما: هل تدخل النّخيل كلها في الخرص؟ الصَّحيح المشهور إدخال الكُل لإطلاق النّصوص المقتضية لوجوب العشر.
وعن صاحب "التقريب" أن للشافعي -رضي الله عنه- قولاً في القديم أنه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكل منها أهله، ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم 226. قال: وذلك في مقابلة قيامه بتربية الثمار إلى الجُذَاذ وتعبه في التَّجفيف.
وقد يحتج له بما روي أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَتْرُكُوا الثُّلُثَ، فاتْرُكُوا لَهُمُ الرُّبُعَ" 227.
ومن قال بالصحيح قال: إما مؤنة الجُذَاذ والتَّجْفِيف فهي من خالص مال المالك، وكذا مؤنة التَّنْقِية في الحُبُوب لما سبق أن المستحق لهم هو اليَابس، وأما الخبر فهو محمول على ترك البعض لربِّ المال عند أخذ الزَّكَاة ليفرقه بنفسه على أقاربه وجيرانه، أي: لا يؤخذ بدفع جميع ما خرص عليه أولاً.
الثَّانية: هل يكفي خارص واحد أم لا بدَّ من اثنين؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا بد من اثنين؛ لأن الخرص تقدير للمال فأشبه التقويم.
وأصحهما وبه قال أحمد: أنه يكفي واحد؛ لأنه يجتهد ويعمل على حسب اجتهاده، فهو كالحاكم، وقد روي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- "بَعَثَ عبد الله بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً 228 "، وروي "أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ غَيْرَهُ" 229. فيجوز أن يكون ذلك في دفعتين، ويجوز أن يكون المبعوث معه معيناً أو كاتباً.
وحكى القاضي ابن كج وغيره قولاً ثالثاً: وهو إن كان الخَرْص على صبي أو مَجْنُون أو غائب فلا بد من اثنين وإلاَّ كفى واحداً.
والطريق الثاني وبه قال ابن سُرَيج والإصْطَخْري: القطع بأنه يكفي خارص واحد، وسواء أكتفينا بواحد أو اعتبرنا اثنين فلا بد من أَنْ يَكُون الخارص مسلماً عدلاً عالماً بالخَرْص، وهل تعتبر الذُّكُورة والحرية؟
الجزء: 3 - الصفحة: 79
قال في "العدة": إن اكتفينا بواحد فيعتبران، وإن قلنا: لا بد من اثنين جاز أن يكون أحدهما عبداً أو امرأة، وعن الشَّاشِي حكاية وجهين في اعتبار الذكورة مطلقاً، ولك أن تقول: إن اكتفينا بواحد فسبيله سبيل الحكم فينبغي أن تعتبر الحرية والذكورة، وإن اعتبرنا اثنين فسبيله سبيل الشهادات، فينبغي أن تعتبر الحرية أيضاً، وأن تعتبر الذكورة في أحدهما، وتقام امرأتان مقام الثاني.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ويستحب أن يخرص عليه" يجوز أن يُعَلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- في الخَرْص روايتان:
إحداهما: أنه لا يجوز أصلاً.
والثانية: أنه لا يتعلق به التَّضمين كما هو أحد قولينا، ويجوز إعلامه بالواو أيضاً؛ لأن صاحب "البيان" ذكر أن الصيمري حكى وجهاً أن الخَرْص واجب.
وقوله: "فيعرف ما يرجع إليه تمراً" تمثيل لا تخصيص، فإن الكرم أيضاً يخرص فيعرف ما يرجع إليه زبيباً.
وقوله: "ولا يترك بعضه لمالك النخيل" مُعَلَّم بالواو؛ لما رواه صاحب "التقريب" وبالألف؛ لأن عند أحمد لا يحسب عليه ما يأكله بالمعروف ولا يطعم جاره وصديقه.
وقوله: قبله ويدخل في الخرص جميع النخيل لو اقتصر عليه ولم يذكر "ولا يترك بعضه، لمالك النخيل" لكان بسبيل منه.
وقوله: "أَوْ لاَ بُدَّ من اثنين"، يجوز إعلامه بالألف لما سبق.
وقوله: "قولان" بالواو للطريقة القاطعة بالاكتفاء بواحد.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَلِفَ بِآَفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى المَالِكِ لِفَوَاتِ الإمْكَانِ، وَلَوْ كَانَ بِإِتْلاَفِهِ غُرِّمَ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الخَرْصَ عِبْرَةٌ، أَوْ قِيمَةُ عُشْرِ التَّمْرِ عَلَى قَوْلنَا: إنَّهُ تَضْمِينٌ، ثُمَّ إِذَا ضَمَّنَّاهُ التَّمْرَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِي الجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ نُضَمِّنَهُ نَفَذَ فِي الأَعْشَارِ التِّسْعَةِ وَلَمْ يَنْفَذْ فِي العُشْرِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الزَّكَاة لاَ تَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ.
قال الرافعي: حكى الأئمة قولين في أن الخَرْصَ عبرة، أو تضمين.
أحدهما: أنه عبرة أي هو لاعتبار المقدار، ولا يصير حق المساكين بجريانه في ذمّة ربّ المال بل يبقى على ما كان؛ لأنه ظنّ وتَخْمِين فلا يؤثر في نقل الحق إلى الذمة.
وأصحهما: أنه تضمين أي: حق المساكين ينقطع به عن عين الثمرة وينتقل إلى ذمة رب المال 230، لأن الخَرْص يسلطه على التَّصرف في الجَمِيع على ما سيأتي وذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 80
يدل على انْقِطاع حقهم عنها، ولم أر نقل الخلاف في هذا الأصل هكذا إلاَّ لأصحاب القَفّال ومن تابعهم، وإن تعرضوا لإثاره، وجعله القاضي ابن كج وجهين لابن سريج، وذكر أن أبا الحسين قال بالثاني، وإن قلنا: الخرص عبرة فلو ضمن الخارص المالك حق المساكين صريحاً وقبله المالك كان لغواً ويبقى حقهم على ما كان، وقد فسر الإمام قولنا: إنه عبرة بأنه يفيد الإطْلاَع على المقدار ظَنًّا وحسباناً ولا يغير حكماً، وذكر صاحب الكتاب مثله في "الوسيط"، وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق؛ لأنه يفيد جواز التصرف على ما سيأتي، ولو أتلف رب المال الثمار أخذت الزكاة منه بحسب ما خرص عليه، ولولا الخرص لكان القول قوله في ذلك، وإن قلنا: إنه تضمين، فهل يقول نفس الخرص تضمين أو لا بد من تصريح الخارص بذلك؟ نقل الإمام فيه وجهين.
قال: والذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص إن اعتبرناه، ولا حاجة إلى قبول المخروص عليه وما عليه الاعتماد، وأورده المعظم أنه لا بد من التَّصريح بالتضمين وقبول المَخْروص عليه، فإن لم يضمنه الخَارص أو لم يقبله المَخْروص عليه بقي حق المَسَاكين على ما كان.
وهل يقوم وقت الخرص مقام الخرص؟ ذكروا فيه وجهين أيضاً 231، وجه قولنا: نعم، أن العُشر لا يجب إلا تمراً، والخرص يظهر المقدار لا أنه يلزم بنفسه شيئاً، وينبغي أن يرتب هذا على المسألة الأولى، إن قلنا: لا بد من التصريح بالتضمين لم يقم وقت الخرص مقامه بحال، وإن أغنينا عنه فحينئذ فيه الخلاف.
وقوله في الكتاب: "على قولنا: إنه تضمين" يجوز أن يُعَلَّم بالحاء، لما ذكرنا من الرواية الثانية عن أبي حنيفة -رحمه الله- في الفصل قبل هذا.
إذا تقرر هذا الأصل ففيه ثلاث مسائل:
إحداها: لو أصابت الثمار آفة سماوية أو سرقة إما من الشجرة أو من الجَرِين قبل الجَفَاف نظر إن أصابت الكل فلا شيء عليه لفوات الإمكان وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب، ولا يخفى أن الفرض فيما إذا لم يكن منه تقصير.
فأما إذا أمكن الدّفع فأخر أو وضعها في غير الحِرْز ضمن.
قال الإمام: وكان يجوز أن يقال تفريعاً على أن الخرص تضمين: أن الضَّمَان يلزم بكل حالٍ ويلزم بالخرص ذمته التمر إلزام قرار، لكن قطع الأصحاب بخلافه، وإن تلف = من اليهودي جاز ذلك وضمن عبد الله بن رواحة اليهود الزكاة الواجبة على الغانمين وهذا الحكم.
ودليله ذكره الشيخ أبو حامد في تعليقه والماوردي في الحاوي وغيرهما.
وقال الماوردي: إلا أن يكون رب المال مما لا يصح ضمانه لصغر أو جنون أو سفه فلا يجوز تضمينه إلا أن يضمنها وليه.
(قاله الزركشي).
الجزء: 3 - الصفحة: 81
بعض الثمار دون بعض فإن كان الباقي نصاباً زكاة، وإن كان أقل من نصاب فيبنى على أن الإمكان شرط الوجوب أو الضّمان إن قلنا بالأول فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني فعليه حصة الباقي.
الثانية: لو أتلف المالك الثمرة أو أكلها، نظر إن كان قبل بُدُوّ الصّلاح فلا زكاة عليه، لكنه مكروه إن قصد الفرار من الزَّكَاة وإن قصد الأكل أو التخفيف عن الشجرة أو غرضاً آخر فلا كراهة، وإن كان بعد بدو الصلاح ضمن للمساكين ثم له حالتان:
إحداهما وهي المقصودة في الكتاب: أَنْ يَكُونَ ذلك بعد الخَرْص، فإن قلنا: الخَرْص عبرة فيضمن لهم قيمة عشر الرطب أو عشر الرطب فيه وجهان: مبنيان على أن الرطب مثلى أو مُتَقَوّم، والذي أجاب به الأكثرون إيجاب القيمة، وهو المذكور في الكتاب، لكن الثاني هو المطابق لقوله في "الغصب" والأظهر أن الرطب والعنب مِثْلي، وبه أجاب في "الوسيط"، وإن قلنا: الخرص تضمين غرم للمساكين عشر الثمر، فإن ذلك قد ثبت في ذمته بالخرص على التفصيل الذي سبق.
إذا عرفت ذلك قوله: "غرم قيمة عشر الرطب" بالواو، واعلم أن الصواب في عبارة الكتاب على القول الثاني أو عشر التمر على قولنا إنه تضمين، وفي أكثر النسخ أو قيمة عشر التمر وهو غلط.
والحالة الثانية: أن يكون الأكل والإتْلاَف 232 قبل الخَرْص فيتقرر عليه، والواجب عليه ضمان الرطب 233، إن قلنا: لو جرى الخَرْص كان عبرة، وإن قلنا: لو جرى لكان تضميناً فوجهان حكاهما الصيدلاني.
أصحهما: أن الواجب عليه ضمان الرّطب أيضاً؛ لأن قبل الخَرْص لا يصير التَّمْر في ذمته.
والثاني: عليه عشر التمر؛ لأن الزَّكَاة قد وجبت ببدو الصَّلاح، وإذا أتلف فهو الذي منع الخَرْص فصار كما لو أتلفه بعد الخرص.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهاً آخر عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة في هذه الحالة: أنه يضمن أكثر الأمرين من عشر التمر أو قيمة عشر الرطب.
واعلم أن الحالتين جميعاً مفروضتان في الرّطب الذي يجيء منه التمر، والعنب الذي يجيء منه الزّبيب، فإن لم يكن كذلك فالواجب في الحالتين ضمان الرطب بلا خلاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 82
ولك أن تقول ينبغي أن يكون الواجب في الرّطب الَّذي يجيء منه التَمر ضَمَان التمر مطلقاً، وإن فرعنا على قول العبرة؛ لأن الواجب عليه ببدو الصلاح التمر أَلاَ تَراه قال في الكتاب: "عند بود الصلاح ينعقد سبب وجوب إخراج التمر" فإذا وجب لهم التمر فلم يصرف إليهم الرطب أو قيمته غايته أن الواجب متعلق به، لكن إتْلاَف متعلّق الحق لا يقتضي انقطاع الحق، وانتقاله إلى غرامة المتعلق، أَلاَ تَرَى أنه لو ملك خمساً من الإبل وأتلفها بعد الحول يلزمه للمساكين شاة دون قيمة الإبل؟ نعم لو قيل: يضمن الرطب ليكون مَرهُوناً بالتَّمْر الواجب إلى أن يخرجه كان ذلك مناسباً، لقولنا: إن الزَّكَاة تتعلَّق بالمَال تعلّق الدين بالرَّهْن.
المسألة الثالثة: في تصرف المالك فيما خرص عليه بالبيع والأكل وغيرهما، وهو مبني على قولي التَّضْمين والعبرة، فإن قلنا بالتضمين فله التصرف في الكل بيعاً وأكلاً، وقد روي أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر خبر عتَّاب: "ثُمَّ يُخَلَّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهْلِهِ" 234.
وكان من مقاصد الخَرْص وفوائده التَّمكين من التَّصرف شرع ذلك لما في الحجر على أصحاب الثمار إلى وقت الجفاف من الحرج العظيم، وإن قلنا بالعبرة فقد ذكر الأئمة أن تصرفه في قدر الزَّكَاة مبني على الخلاف في تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بالعَيْن أو بالذِّمة كما سبق، وأما فيما عدا قدر الزَّكَاة فينفذ.
حكى الإمام قطع الأصحاب 235 به ووجهه بأن أَرْباب الثِّمَار يتحملون مؤنة تربيتها إلى الجَفَاف، فجعل تمكينهم من التَّصرف في الأَعشار التسعة في مقابلة ذلك بخلاف المواشي حيث ذكرنا في التَّصرف فيما وراء قدر الزَّكاة منها خلافاً، وإن بقي قدر الزَّكاة وحجة الإسلام تابعه على دعوى القَطْع في "الوسيط"، لكنك إذا راجعت كتب أصحابنا العراقيين ألفيتهم يقولون: لا يجوز الْبَيع ولا سائر التصرفات في شيء مكن الثِّمَار في ذمته بالخَرْص، فإن أرادوا بذلك نفي الإباحة ولم يحكموا بالفساد فذلك، وإلا فدعوى القطع غير مسلمة والله أعلم.
وكيف ما كان ظاهر المَذْهب نفوذ التَّصرف في الأَعْشار التسعة، سواء أفردت
الجزء: 3 - الصفحة: 83
بالتَّصرف أو وردت بالتَّصرف على الكُلِّ؛ لأنا وإنْ حكمنا بالفساد في قدر العُشْر فلا نعديه إلى البَاقي على ما سيأتي في باب تَفْرِيق الصَّفقة، فهذا حكم التَّصَرف بعد الخرص، وأما قبله فقد قال في "التهذيب": لا يجوز أن يأكل شيئاً ولا أن يصرف في شيء، فإن لم يبعث الحاكم خارصاً، أو لم يكن حاكم تَحَاكم إلى عَدْلَين يخرصا عليه.
واعلم أن مَنْ أَجَاد النظر في قولي العبرة والتضمين وتأمل ما قيل فيهما تَفْسيراً وتوجيها ظهر له أنهما مبنيان على تعلّق الزكاة بالعين، فأما إذا علقناها بالذِّمَّة فكيف نقول بالخَرْص ينقطع حقّهم عن العين ويتعلق بالذمة وكان قبله كذلك.
وقوله في الكتاب: "ولم ينفذ في العشر" يجوز إعلامه بالواو، لأنا وإن علقنا الزَّكاة بالعَيْن فقد ينفذ التَّصَرُّف على بعض الأقوال على ما بيناه من قبل.
قال الغزالي: وَمَهْمَا ادَّعىَ المَالِكُ جَائحَةً مُمْكنَةً صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإنِ ادَّعىَ غَلَطَ الخَارِصِ صُدِّقَ أَيْضاً إلاَّ إِذَا ادَّعىَ قَدْراً لاَ يُمْكِنُ الغَلَطُ فِيهِ أَوِ ادَّعَى كَذِبَهُ قَصْداً.
قال الرافعي: إذا ادعى المالك هلاك الثِّمَار المخروصة عليه أو هلاك بعضها، نظر إن أسنده إلى سبب يكذبه الحس 236 فيه كما لو قال: هلك بحريق وقع في الجَرين، ونحن نعلم أنه لم يقع في الجَرِين حريق أصلاً، قال: فلا يبالي بكلامه، وإن لم يكن كذلك، نظر إن أسنده إلى سبب خفي كالسرقة فلا يكلف بالبينة عليه ويقبل قوله مع اليمين.
وهل هي واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان: قال في "العدة" وغيره: أصحهما الثاني، وإن أسند إلى سبب ظاهر كالنّهب والبَرْد والجَرَاد ونزول العسكر، فإن عرف وقوع هذا السبب وعموم أثره صدق ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتَّهم في هلاك ثماره بذلك السّبب حلف وإن لم يعرف وقوعه فوجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 84
أظهرهما الَّذي ذكره المعظم: أنه يطالب بالبينة عليه لامكانها ثم القول في حصول الهَلاَك بذلك السَّبَبِ قوله مع اليمين.
والثَّاني عن الشيخ أبي محمد: أن القول قوله مع اليَمِين ولا يكلّف البينة؛ لأنه مؤتمن شرعاً فيصدق في الممكن الذي يدعيه كالمودع إذا ادعى الرد، ورأيت في كلام الشيخ أن هذا إذا لم يكن ثقة، فإذا كان ثقة فيغني عن اليَمِينِ أيضاً، وما في الكتاب جواب على الوجه الثاني، فإنه جعل القول قوله مع اليمين ولم يشرط إلا الإمكان فيجب إعلامه بالواو.
وحيث قلنا: يحلف ففي كون اليمين واجبة أو مستحَبَّة ما سبق من الوجهين هذا كله إذَا أسند الهلاك إلى سبب فإن اقتصر على دعوى الهلاك، فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع اليَمِين حَمْلاً على وجه يغني عن البينة 237.
وإن ادعى المالك إجْحَافاً في الخَرْص، فإن زعم أن الخَارِص تعمد ذلك لم يلتفت إلى قوله -كما لو ادَّعى الميل على الحَاكِم، والكَذب على الشَّاهد لا يقبل إلا ببينة 238، وإن ادعى أنه غلط فإن لم يبين المقدار لم تسمع أيضاً، ذكره في "التهذيب"، وإنْ بين فإن كان قدراً يحتمل في مثله الغلط كخمسة أوْسق في مائة قُبِل، فإن اتهم حلف وحط، وهذا إذا كان المُدّعى فوق ما يقع، أما لو ادَّعَى بعد الكَيْل غلطاً يسيراً في الخَرْص قدر ما يقع بين الكَيْلَيْن فهل يحط؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لاحتمال أَنَّ النُّقْصَان وقع في الكيل، ولعله يَفي إذا كِيلَ ثانياً، وصار كَمَا لو اشْتَرى حِنْطَة مُكَايَلَةً وباعها مُكَايَلَةً فانتقض بقدر ما يقع بين الكَيْلَيْن لا يرجع على الأول؛ لأنه كما يجوز أن يكون ذلك لنقصان في الكيل الأول يجوز أن يكون لزيادة في الثاني.
وأصحهما: نعم، لأن الكيل يقين والخرص تَخْمين وظن فالإحالة عليه أولى 239، وإن ادْعى نُقْصاناً فاحشاً لاَ يَجُوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يقبل.
قوله: في حظ ذلك القدر، وهل يحط القدر المحتمل؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 85
أحدهما: لا، لأنه ادعى مُحَالاً في العادة فالظاهر كذبه.
وأصحهما: نعم، وبه قال القَفَّال استنباطاً مما إذا ادعت ذات الإِقْرَاء انقضاء عدّتها قبل زمان الإمكان وكذبناها فأصرت على دعواها حتى جاء زمان الإمكان فإنا نحكم بانقضاء عدتها عند أول زمان الإمكان.
وقوله في الكتاب: "وادَّعى كذبه قصداً" معطوف على قوله: "إلا إذا ادعى قدراً لا يمكن الغلط فيه" وهو مستثنى من دعوى الغلط، لكن استثناء الكذب قصداً من الغلط لا يكاد ينتظم فليُؤَوَّلْ والله أعلم.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَصابَ النَّخِيلَ عَطَشٌ يَضُرُّ بِإبْقَاءِ الثِّمَارِ جَازَ للمَالِكِ قَطْعُهُ لِأَنَّ فِي إبْقَاءِ النَّخِيلِ مَنْفَعَةً لِلْمَسَاكِينِ ثُمَّ يُسَلَّمُ إلَى المِسْكينِ عُشْرُ الرُّطَب إِذَا قُلْنَا: القِسْمَةُ إفْرَازُ حَقّ أَوْ ثَمَنُهُ إِذَا مَنَعْنَاهُ القِسْمَةَ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِذْ لاَ يَبْعَدُ جَوَازُ القِسْمَةِ لِلحَاجَةِ كمَا لاَ يَبْعَدُ أَخْذُ البَدَلِ لِلْحَاجَةِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الآخَرِ.
قال الرافعي: إذا أصاب النخيل عطش، تركت الثمار عليها إلى وقت الجُذَاذ لأضرت بها لامْتِصَاصها ماءها جاز قطع ما يندفع به الضرر إما كلها أو بعضها؛ لأن إبقاء النَّخِيل أنفع للمالك والمساكين من إبقاء ثمرة العام الوَاحِد وهل يستَقِلُّ المالك بقطعها أو يحتاج إلى اسْتئْذَان الإمام والسّاعي؟
ذكر الصَّيدلاَنِي وصاحب "التهذيب" وطائفة: أنه يستحب الاستئذان، وقضيته جواز الاستقلال، وذكر آخرون: أنه ليس له الاستقلال، ولو قطع من غير اسْتِئْذَان عزِّر إن كان عَالِماً 240، ويجوز أن يكون هذا الخِلاَف مبنياً على الخِلاَف في وجه تعلُّق الزَّكَاة.
إذا عَرفت ذلك فلو أعلم السَّاعي به قبل القطع وأراد المُقَاسَمَة بأن يخرص الثِّمار ويعين حق المساكين في نخله، أو نخلات بأعيانها، فقد حكوا في جوازه قولين مَنْصُوصَيْن، وقالوا: أهما مبنيان على أن القسمة إفراز حق أو بيع؟
إن قلنا: إفراز فيجوز للسَّاعي أن يبيع نصيب المَسَاكين من المالك أو غيره، وأن يقطع ويفرق بينهم يفعل ما فيه الحظ لهم، وإن قلنا: إنه بيع فَلاَ يَجُوز، وعلى هذا الخلاف يخرج القسمة بعد قطعها، فإن جعلناها إفرازاً فيجوز، وإن جعلناها بيعاً فقد ذكر الإمام أن قسمتها تخرج على بيع الرّطب الذي لا يُتَتَمَّر بمثله وفيه خلاف يذكر في البيع، فإن جاز جازت القسمة بالكيل وإن لم يجز ففيه وجهان:
أحدهما: أن مُقَاسمته للساعي جائزة أيضاً؛ لأنها ليست بمعاوضة وإنما هي استيفاء حق، فلا يراعي فيه تعبدات الرِّبا، وأيضاً فإنها وإن كانت بيعاً فإن الحاجة ماسة إلى تجويزها
الجزء: 3 - الصفحة: 86
فتستثنى عن البياعات الصريحة، ويحكي هذا الوجه عن أبي إسحاق وابْنِ أَبِي هريرة.
وأصحهما: عند القاضي أبي الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والأكثرين: أنها غير جائزة؛ لأنا نفرع على أن القِسْمة بيع وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، وعلى هذا فالمفروض طريقان:
أحدهما: أخذ قيمة العشر من الثَّمَار المقطوعة، وهي إنْ كَانَتْ بدلاً لكن جوز بعضهم أخذها للحاجة على ما سبق نظيره فيما إذا وجب شقص من حيوان.
والثاني: أين يسلم عشرها مشاعاً إلى السَّاعي لتعيين حق المساكين فيه، وطريق تسليم المشاع تسليم الكل، فإذا جرى ذلك فللساعي أن يبيع نصيب المساكين من رَبِّ المال أو غيره أو يبيع مع رب المال الجميع ويقتسما الثّمن، ولا خلاف في أن هذا الطَّرِيق جائز وهو متعين عند من لم يجوز القِسْمة وأخذ القيمة، وخيَّر بعض الأَصْحَاب السَّاعي بين القِسْمة وأخذ القيمة، وقال: كل منهما على خلاف القاعدة الممهّدة، ولا بد من مخالفتها في أحدهما بسبب الحاجة، فيفعل ما فيه الحظ للمساكين، هذا بيان الخلاف في المسألة، وقد اختلفوا بحسبه في تفسير نصه في "المختصر"، ويؤخذ منه ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة، فمن جَوَّز القسمة وأخذ القيمة جَمِيعاً حمل اللَّفظ على ظاهر التّخيير، وقال: أراد بالثمن القيمة ومن لم يجوزهما قال: هذا تعليق قول بناء على أن القسمة إفراز أو بيع، فإن قلنا بالأول أخذ عشرها وإن قلنا بالثَّاني بيع الكُل على ما قَدَّمنا واقتسما الثّمن أو باع نَصِيبَ المَسَاكِين من رَبِّ المَال بعد القَبْض وأخذ الثمن.
وقوله في الكتاب: "أو ثمنه إذا منعناه القسمة" أي إذا جعلناها بيعاً فإنها حينئذ تمتنع في الرّطب وهو جواب على جواز أخذ القيمة، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو للوجه الذَّاهِب إلى امتناعه، وإيراد "التهذيب" يقتضي ترجيح ذلك الوجه، وكان يجوز تأويل قوله: "أو ثمنه" على تقدير البيع كما ذكروا في نَصّ الشَّافعي -رضي الله عنه- إلاَّ أنه صرح بما ذكرنا في "الوسيط".
واعلم: أن ما ذكرناه من الخلاف والتَّقْسيم في إخراج الواجب يجري بعينه في إخراج الواجب، وعن الرطب الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يَتَزَبَّب، وفي المسألتين مستدرك حسن لإمام الحرمين -رحمه الله- قال: إنما يثور الإشكال على قولنا: إن المسكين شريك في النصاب بقدر الزكاة، وحينئذ ينتظم التَّخْريج على القَوْلَين في القسم، فأما إذا لم نجعله شَرِيكاً، فليس تسليم جزء إلى الساعي قسمة حتى يأتي فيه قولاً القسمة بل هو تَوْفِيَةُ حق على مستحق 241.
الجزء: 3 - الصفحة: 87
قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ وَالنَّظَرِ فِي قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ (أَمَّا القَدَرُ) فَنِصَابُ الوَرِقِ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَفِيهِمَا رُبْعُ العُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، وَلاَ وَقْصَ (ح) فِيهِ.
قال الرافعي: الكلام في هذا النوع في القدر الواجب فيه، ثم في جنسه.
أما الأول فنصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذَّهَبِ عِشْرُون ديناراً، وفيهما رُبُعُ العُشْرِ، وهو خمسة دراهم ونصف دينار، ولا شيء فيما دون ذلك.
روي عن أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" 242. والأوقية: أربعون درهماً؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا بَلَغَ مَالُ أَحَدِكُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ" 243 ويجب فيما زاد على المائتين والعشرين بالحساب قَلَّ أو كثرَ، ولا وَقْصَ فِيهِ، خِلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجب فيما زاد على المائتين شيء حتى يبلغ أربعين دِرْهماً، ولا فيما زاد على عِشْرين ديناراً حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها ربع العشر، ثم كذلك في كل أربعين درهماً أربعة دنانير.
لنا: ما روي عن علي -كرم الله وجهه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "هَاتُوا رُبْعَ العُشْرِ مِنَ الْوَرَقِ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَائَةَ دِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ" 244.
وروي مثله في الذَّهَبِ وفي النَّقْدَيْنِ جميعاً، لا فرق بين التّمْر والمَضْرُوب، والاعتبار بالوزن اِلذي كَانَ بَمكَّة: لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أْهْلِ الْمَدِينَةِ" 245 وذلك ظاهر في الدَّنَانِير، وقد ذكر الشَّيْخُ أبو حامد وغيره أن المِثْقَال لم يختلف في جَاهِلِيَّةٍ ولا إسلام، وأما الدراهم فلا شك أنها كانت = وبقي بعضه، ولم يعرف الساعي ما تلف، فإن عرف المالك ما أكل، زكَّاه مع ما بقي.
فإن اتهمه، حلفه استحباباً على الأصح، ووجوباً على الآخر، وإن قال: لا أعرف قدر ما أكلته، ولا ما تلف.
قال الدارمي: قلنا له: إن ذكرت قدراً ألزمناك بما أقررت به، فإن اتهمناك حلَّفناك، وإن ذكرت مجملاً، أخذنا الزكاة بخرصنا.
قال أصحابنا: ولو خرص، فأقر المالك بأنه زاد على المخروص، أخذنا الزكاة من الزيادة، سواء كان ضمِنَ، أم لا].
ينظر الروضة (2/ 117).
الجزء: 3 - الصفحة: 88
مختلفة الأوزان، والذي استقر الأمر عليه في الإسلام أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق، كل عشرة منها سَبْعَةَ مَثَاقِيلٍ مِنْ ذَهَبٍ، وذكروا في سبب تقديرها بهذا الوزن أموراً.
أشهرها: أن غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عَصْرِ الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصَّدْرِ الأول بعده نوعان البغلية والطبرية.
والدرهم الواحد من البَغْلِيَّة ثمانية دوانيق، ومن الطَبَرِيَّة أربعة دوانيق فأخذوا واحداً من هذه وواحداً من هذه وقسموهما نصفين، وجعلوا كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهماً، يقال: فعل ذلك في زمان بني أمية، وأجمع أهل ذلك العصر على تقدير الدراهم الإسلامية بها، ونسب أقضى القضاء المَّاوَرْدِي ذلك إلى فِعلِ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ومتى زدت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالاً، ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهماً، وكل عَشْرَة دراهم سَبْعَةُ مَثَاقِيلٍ.
وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان، وحكى المسعودي أنه إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذَّهَبِ؛ لأن الذهب أوزن من الفِضَّة، وكأنهم جربوا قدراً من القصة، ومثله من الذهب فوزنوهما، وكان وزن الذَّهَبِ زائداً على وزن الفِضَّةِ بمثل ثلاثة أسباعها.
وروى الشيخ أبو محمد قريباً من هذا عن كلام القَفَّالِ -رحمه الله-.
وأما المواضع المستحقة للعلامات من الفصل فقوله: "وما زاد فبحسابه".
وقوله: "ولا وقص فيه" مُعَلَّمَان بالحاء؛ لما حكيناه، ويجوز أن يعلم قوله: "عشرون مثقالاً"، وقوله: "مائتا درهم" بالميم والألف لأنهما يحتملان النقصان اليسير.
قال الغزالي: وَإِنْ نَقَصَ مِنَ النِّصَابِ حَبَّةٌ فَلاَ زَكاةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَرُوجُ (ح) رَوَاجَ التَّامِّ، وَيُعْتَبَرُ (ح) النِّصَابُ فِي جَمِيعِ الحَوْلِ، وَلاَ يُكْمَلُ (ح) نِصَابُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ وَلَكِنْ يُكَمَّلُ جَيِّدُ النَّقْرَةِ بِرَديئهَا ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي الدَّرَاهِمِ المَغْشُوشَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْرُ نُقْرَتِهَا نِصَاباً، وَتَصِحُّ المُعَامَلَةُ مَعَ الجَهْلِ بِقَدْرِ النُّقْرَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كالغَالِيَة وَالمَعْجُونَاتِ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداها: لو نقص عن النِّصَاب شيء فلا زَكَاة وإن قَلَّ كالحبة والحبتين، ولا فرق بين أن يَرُوج رَوَاجَ التَّام، أو يفضل عليه وبين ألا يكون كذلك، وفضله على التام إنما يكون لجودة النوع، ورواجه رواج التام قد يكون للجودة، وقد يكون لندارة القدر الناقص وقوعه في محل المسامحة.
وعن مالك: أنه إذا كان الناقص قدر ما يسامح به فيؤخذ بالتام يجب الزكاة.
ويروى عنه: أنه إذا نقص حبة أو حبات في جميع الموازين فلا زَكَاة، وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 89
نقص في ميزان دون ميزان وجبت.
وعن أحمد: أنه لو نقص دانق أو دانقان تجب الزَّكَاة.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" 246 وسائر الأخبار.
وحكى في "العدة": وجهين فيما لو نقص في بعض الموازين وتَمَّ في بَعضٍ.
أصحهما: أنه لا يجب، وهذا هو الذي أورده المُحَامِلِيُّ وقطع به إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بعد ما حكى عن الصيدلاني الوجوب.
الثانية: يشترط ملك النصاب بتمامه في جميع الحول خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "يشترط في أول الحول وآخره ولا يضر نقصان في خلال الحول" وطرد ذلك في المواشي وغيرها، ولم يشترط الإبقاء شيء في النصاب.
لنا 247 الخبر المشهور: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 248 والحادث بعد نقصان النِّصَابِ لَمْ يَحُلْ عليه الْحَوْلُ.
الثالثة: لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، لأنهما جِنْسَان مُخْتَلِفَان؛ كما لا يكمل التمر بالزَّبِيب، وقال مالك وأبو حنيفة: يكمل نصاب أَحدهما بالآخر.
وبه قال أَحْمَدُ في أصَحِّ الرَوايتين، ثم عنده وعند مالك الضَّمُ بالأجزاء، فيحسب كَمَّ الذهب من نصابه، وَكَمّ الفِضَّة من نِصَابها، فإذا بَلَغَا نِصاباً وجبت الزَّكَاة.
وعند أبي حنيفة: الضم بالقيمة، وبأيهما كمل النصاب وجبت الزَّكاة، وبكمل الجَيِّدُ بِالرَّدِي من الجنس الواحد كأنواع الماشية.
وأما الذي يخرج قال في الكتاب: "يخرج من كل واحد بقدره" وهذا إذا لم تكثر الأنواع وهو الغالب في الذهب والفضة، فإن كثرت وشق اعتبار الكل أخرج من الوسط، ذكره صاحب "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما.
وليس المراد من الجيد والرديء الخالص والمغشوش، وإنَّمَا الْكَلام في مَحْضِ النقرة، وجودته ترجع إلى النعومة والصبر على الضرب، ونحوهما، والرداءة إلى الخشونة، والتَّفَتُّتْ عند الضرب.
ولو أخرج الجيد عن الرديء فهو أفضل، وإن أخرج الرديء عن الجَيِّد فالمشهور المنع، وروى الإمام عن الصيدلاني الإجزاء، وَخَطَّأه فيه، ويجوز إخراج الصَّحيح عن المكسر، ولا يجوز عكسه، بل يجمع المستحقين ويصرف إليهم الدينار الصَّحيح، أو يسلِّمه إلى واحد بإذن الباقين، هذا هو المذهب المشهور في المذهب.
وحكى أبو العباس الروباني في "المسائل الجرجانيات" عن بعض الأصحاب أنه يجوز أن يصرف إلى كل واحد منهم ما يخصه مُكَسَّراً.
وعن بعضهم أنه يجوز ذلك، ولكن مع التفاوت
الجزء: 3 - الصفحة: 90
بين المكسر والصحيح.
وعن بعضهم أنه إن لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر جاز أداء المكسر عن الصحيح.
الرابعة: إذا كانت له دراهم، أو دنانير مَغْشُوشة فلا زكاة فيهما ما لم يبلغ قدر قيمتهما نصاباً، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "إن كان العشر أقلّ وجبت فيها الزَّكاة".
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ" 249. فإذا بلغت نقرتها نصاباً أخرج قدر الواجب نقرة خَالِصَة، أو أخرج من الْمَغْشُوشِ ما يعلم أنه مشتمل على قدر الواجب، ولو أخرج عن ألف درهم مغشوشة خمسة وعشرين خالصة فى تطوع بالفضل، ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة مغشوشة لم يجز، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على ما لو أخرج مريضة عن الصِّحاح وبل أولى؛ لأن الغش ليس بورق، والمريضة إبل، وإذا لم يجزه فهل له الاسترجاع، حكوا عن ابن سريج فيما فرع على "الجامع الكبير" لمحمد فيه قولين:
أحدهما: لا؛ كما لو أعتق رقبة معيبة يكون متطوعاً بها.
وأصحهما: نعم؛ كما لو عَجَّل بالزكاة فتلف ماله.
قال ابن الصَّباغ: وهذا إذا كان قد بين عند الدفع أنه يخرج عن هذا المال، ثم ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- في هذا الموضع كراهة الدرهم المغشوش، فقال الأصحاب في شروحهم: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة 250؛ لئلا يغش بها بعض النَّاس بعضاً، ويكره للرَّعِيَّة ضَرْب الدراهم وإن كانت خالصة، فإنه من شأن الإمام، ثم الدراهم المغشوشة إن كانت مضبوطة العيار صَحَّت المعاملة 251 بها إشارة إلى عينها الحاضرة والتزاماً لمقدارِ منها في الذِّمة، وإن كان مقدار النّقرة منها مَجْهُولاً ففي جواز المُعَامَلة بأعيانها وجهان: أصحهما الجواز: لأن المقصود رَوَاجُهَا وهي رائجة بمكان السِّكة، ولأن بيع الغالية والمعجونات جائز، وإن كانت مختلفة المقدار فكذلك هاهنا.
والثاني: المنع، وبه أجاب القفال؛ لأنها مقصودة باعتبار ما فيها من النقرة وهي مجهولة القدر، والإشارة إليها لا تفيد الإحاطة بقدر النقرة فأشبه بيع تراب المعدن وتراب الصاغة، فإن قلنا بالأول فلو باع بدراهم مطلقاً ونقد البلد مغشوش صَحَّ العقد ووجب من ذلك النَّقْد، وإن قلنا: بالثاني لم يَصِحّ العقُدُ، ومواضع العلامات من الفَصْل بَيِّنَةٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 91
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ مَخْلُوطٌ بِالفَضَّةِ قَدْرُ أَحَدِهِمَا سِتِّمَائَةٍ وَقَدْرُ الآخَرِ أَرْبَعْمَائَةٍ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ وَعَسُرَ التَّمْييزُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ سِتَّمَائَةٍ ذَهَباً وَستِّمَائَةٍ نُقْرَةً لِيَخْرُجَ مِمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: لو كان له ذهب مخلوط بفضَّة فإن عرف قدر كل واحد منهما أخرج زكاته، وإن لم يعرف كما لو كان وزن المجمَوع ألفاً وإحداهما ستمائة والآخر أربعمائة وأشكل عليه أن أكثر الذَّهب، أو الفِضَّة فإن أخذ الاحتياط فأخرج زكاة ستمائة من الذَّهَب وستمائة من الفضة فقد خرج عن العُهْدَة بيقين، ولا يكفيه في الاحتياط أن يقدِّر الأكثر ذهباً، فإن الذهب لا يُجْزِئ عن الفِضَّة وإن كان خيراً منها، وإن لم يطب نفساً بالاحتياط فليميز بينهما بِالنَّار 252.
قال الأئمة: ويقوم مقامه الامتحان بالماء بأن يوضع قدر المخلوط من الذَّهب الخالص في ماء ويعلَّم على الموضع الذي يرتفع إليه الماء، ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة ويعلَّم على موضع الارتفاع أيضاً، وتكون هذه العلامة فوق الأولى؛ لأن أجزاء الذهب أشد اكتنازاً ثم يوضع فيه المخلوط وينظر إلى ارتفاع الماء به أهو إلى علامة الذَّهَب أقرب، أو إلى علامة الفِضّة، ولو غلب على ظَنِّه أن أكثر الذَّهب، أو الفضة فهل له العمل بمقتضاه؟ قال الشيخ أَبُو حَامِدٍ ومن تابعه: إن كان يخرج الزَّكاة بنفسه فله ذلك، وإن كان يسلم إلى الساعي لا يعمل بظنه بل يأخذ بالاحتياط أو يأمر بالتمييز.
وقال الإمام: الذي قطَع به أَئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظَّنِّ فيه، ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من التقديرين وإخراج الواجب على ذلك التقدير؛ لأن اشتغال ذمَّتَه بغير ذلك غير معلوم.
وصاحب الكتاب حكى هذا الاحتمال وجهاً في "الوسيط".
إذا عرفت ذلك علمت قوله في الكتاب: " (فعليه زكاة ستمائة ذهباً وستمائة نقرة) بالواو"، لهذا الوجه، ولأن على ما ذكره العراقيون قد يجوز الأخذ بِالظَّنِّ فلا يلزم إخراج ستمائة من هذا أو ستمائة من ذلك ثم قوله: "وعسر التمييز فعليه كذا" ليس هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 92
على الإطلاق إذ قد يعسر التمييز ويمكن الامتحان بالماء ومعرفة المقدارين فلا يجب ستمائة من هذا وستمائة من ذاك، وعسر التمييز بأن يفقدا الآت السَّبْك، أو يحتاج فيه إلى زمان صالح، فإن الزكاة واجبة على الفور، ولا يجوز تأخيرها مع وجود المُسْتَحِقّينَ، ذكر ذلك في "النهاية"، ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان.
قال الغزالي: وَلَوْ مَلَكَ مَائَةً نَقْداً وَمَائَةً مُؤَجَّلاً عَلَى مَلِيِّ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ زَكَاةِ المُؤَجَّلِ وَجَبَ إِخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ المَيْسُورَ لاَ يَتَأخَّرُ بِالْمَعْسُورِ.
قال الرافعي: لو ملك مائة درهم نقد في يده ومائة مؤجلة على مَلِيِّء فكيف يُزَكِّي؟ يبني ذلك على أن الدِّيْن المُؤَجَّل هل تَجِب فيه الزَّكَاة أم لا؟ والصحيح الوُجُوب، وعلى هذا فهل يجب الإخراج في الحال أولاً يجب إلا بعد الاستيفاء؟ فيه وجهان والصحيح الثاني، وقد شرحنا الخلاَفين من قبل، فإن قلنا: لا زكاة في الدَّيْنِ المُؤَجَّل فَلاَ شَيْءٍ عَلَيْهِ في المَسْأَلَةِ، وإن إوجبنا إخراج زَكَاته في الحال فهو كما لو كان في يده جميع المائتين، وإن أوجبنا فيه الزّكاة ولم نوجب أخراجها في الحال وهو المراد من قوله في الكتاب: (ولم نوجب عليه تعجيل الزكاة عن المؤجل)، فهل يَلْزَمَه الإِخْرَاجُ عَمَّا في يَدِه بِالْقِسْطِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما في يَدِهِ نَاقِصٌ عنْ النِّصَابِ، فإذا لم يجب إخْرَاجُ زكاة جميع النِّصَاب لا يجب إخراج شيء.
وأصحهما: نعم؛ لأن الميسور لا يتأخر بالمعسور، وبنوا الوجهين على أن الإمكان شرط الوجوب أو شرط الضمان؟ إن قلنا بالأول: فلا يلزمه إخراج شيء في الحال؛ لأنه رُبَّمَا لا يصل إليه الباقي، وبهذا القول أجاب في "المختصر" في هذا الفرع، وإن قلنا بالثاني: أخرج عن الحاضر بالقسط؛ لأن هلاك الباقي لا يسقط زكاة الحاصل في يده ومتى كان في يده بعض النِّصاب، وما يتم به النصاب مغصوب أو دين على غيره، ولم نوجب فيهما الزكاة، فإنما يَبْتَدِيءُ الحَوْلَ من يوم قبض ما يتم به النِّصَاب.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي جِنْسِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفَائِسِ الأمْوَالِ إلاَّ فِي النَّقْدَينِ، وَهُوَ مَنُوطٌ بجَوْهَرِهِمَا عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي الثَّانِي مَنُوطٌ بِالاسْتِغْنَاءِ عَنْ الانْتِفَاعِ بِهِمَا حَتَّى لَوْ اتَّخِذَ مِنْهُ حُلِيٌّ عَلَى قَصْدِ اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ اسْتِعمَالٍ مَحْظُورٍ كَمَا لَوْ قَصَدَ الرَّجُلُ بِالسِّوَارِ أَوِ الخُلْخَالِ أَنْ يَلْبَسَهُ أَوْ قَصَدَتِ المَرْأَةُ ذَلِكَ فِي الْمِنطَقَةِ وَالسَّيْفِ لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ، لِأَنَّ المَحْظُورَ شَرْعاً كَالمَعْدُومِ حِسًّا،
الجزء: 3 - الصفحة: 93
بَلْ لاَ يَسْقُطُ إِذَا قَصَدَ أَنْ يَكْنِزَهُمَا حُلِيًّا لِأنَّ الاسْتِعْمَال المُحْتَاجَ إِلَيْهِ لَمْ يَقْصِدْهُ.
قال الرافعي: لا زكاة فيما سوى النقدين من الجواهر النفيسة، كاللؤلؤ، والياقوت ونحوهما، ولا في المسك والعنبر، روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "لاَ شَيْءَ فِي الْعَنْبَرِ" 253. وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنه: "لاَ زَكَاةَ فِي اللُّؤلُؤِ" 254. وبما تناط زكاة النقدين أتناط بجوهرهما؟ أم بالاستغناء عن الانتفاع بهما؟ فيه قولان:
في قول: يناط بجوهرهما كالربا في قول بالاستغناء عن الانتفاع بهما؛ إذ لا يتعلق بذاتهما غرض، وبقاؤهما في يده يدل على أنه غَنِيّ عن التوسل بهما، ويبنى على العبارتين وجوب الزَّكَاة في الحُلِيّ 255 المباح: فعلى الأولى تجب.
وبه قال عمر وابن عباس وابن مسعود -رضي الله عنهم- 256 وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-؛ لما روي: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أتَتَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَفي أيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ، قالَتَا: لاَ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ بِسِوَارَينِ مِنْ نَارٍ، قَالَتَا: لا، قال: فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ" 257. وعلى العبارة الثانية لا تجب الزكاة فيه.
وبه قال ابن عمر، وجابر وعائشة 258 -رضي الله عنهم- وهو مذهب مالك وأحمد؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ" 259؛ ولأنه مُعَدٌّ لاستعمال مباح كالعوامل من البقر والإبل، وهذا أظهر القولين.
الجزء: 3 - الصفحة: 94
ولك أن تعلم لما ذكرنا قوله: (منوط بجوهرهما) بالألف والميم، وقوله: (منوط بالاستغناء عن الانتفاع بهما) بالحاء، والقولان في الحلي المباح.
أما المحظور فتجب فيه الزَّكاة بالإجماع، وهو على نوعين: محظور لعينه، كالأواني والقصاع، والملاعق، والمجامر الذَّهبية، والفِضِّية.
ومحظور باعتبار القصد، كما لو قصد الرجل بحلى النساء الذي اتخذه أو ورثه، أو اشتراه كالسوار والخلخال أن يلبسه، أو يلبسه غلمانه، أو قصدت امرأة بِحُلِيِّ الرِّجَالِ كالسيف، والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها، أو غيرهن من النساء 260، وكذا لو أَعَدَّ الرجل حُلِيَّ الرِّجَالِ لِنِسَائِهِ وجَوَاريه، أو أعدَّت المرأة حلى النساء لِزَوْجهَا وِغِلْمَانِهَا، فكل ذلك مَحْظُورٌ، وعلَّلَ في الكتاب وجوب الزَّكاة في الْحُلِيّ المحظور، بأن المحظور شرعاً كالمعدوم حِسًّا، ولم يرد به إلحاق المحظور بالمعدوم على الإطلاق، لكن المراد أن الحكم المخصوص بضرب من التخفيف، وإطلاق التَّصَرُّف إذا شرطت فيه منفعة، فيشترط كونها مباحة، وإلا فهي كالمعدومة، وهذا كما أنه يشترط في البيع كَوْنُ المَبِيعِ منتفعاً به، فلو كانت فيه منفعة محظورة كما في آلات الملاهي، كان كما لو لم يكن فيه منفعة، ثم التعليل المذكور في المحظور لعينه أظهر منه في المحظور، باعتبار القصد؛ لأن الصَّنْعَةَ في المحظور لعينة لا حرمة لها إذا منعنا اتخاذه فأمَّا المحظور باعتبار القصد لتحريم فيه يرجع إلى الفعل والاستعمال لا إلى نفس الحُلِيّ، والصَّنْعَةُ محترمة غير مكسرة، وإن فسد القصد فَهَلاَّ كان ذلك بمثابة ما لو قصد بالعروض التي عنده استعمالها في وجوه محترمة لا تجب الزَّكَاةُ.
قال الإمام- قدَّسَ الله رُوحَه- في دفع هذا الإشكال الزكاة: تجب في عين النقد، وعينه لا تنقلب باتخاذ الحلي منه، فلا يلتحق بالعروض إلا بقصدٍ ينضم إليه، وهذا كما أن العروض لما لم تكن مال الزكاة في أعيانها، لا تصير مال الزكاة إلا بقصد ينضم إلى الشراء وهو قصد التِّجارة، وإذا لم تسقط الزكاة بمحض الصنعة واحتيج إلى قصد
الجزء: 3 - الصفحة: 95
الاستعمال فمتى قصد مُحَرَّماً لغى ولم يؤثر في الإسقاط وإن اتخذ حُلِيّاً، ولم يقصد به استعمالاً مباحاً ولا محذوراً ولكن قصد جعله كنْزاً فالذي ذكره في الكتاب، وأورده الجمهور: أنه لا تسقط الزكاة قولاً واحداً؛ لأنه لم يَصِرْ مُحْتَاجاً إليه، ولا استعماله، بل المكنوز مستغنى عنه، كالدراهم المضروبة، وحكى الإمام فيه خلافاً لقصد الإمساك، وإبطال هيئة الإخراج.
وهل يجوز اتخاذ حُلِيّ الذَّهَب للذكور من الأطفال؟ فيه وجهان: ويجئ فيه الوجه الثَّالِثُ الذي ذكرناه في إلباسهم الحرير 261.
قال الغزالي: وَلَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ قَصْدٌ أَصْلاً فَفِي السُّقُوطِ وَجْهَانِ: يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى حُصُول الصِّيَاغَةِ، وَفِي الثَّانِي: إلَى عَدَمِ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ قَصَدَ إجَارَتَهمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَالقَصْدُ الطَّارِئ بَعْدَ الصِّيَاغةِ فِي هَذِهِ الأُمُورِ كَالقَصْدِ المُقَارِنِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث صور، تتفرع على أن الزَّكَاة لا تجب في الْحُلِي:
إحداهما: لو اتخذ حليّاً مباحاً في عينه ولم يقصد أن يكنزه ولا قصد به استعمالاً مباحاً، ولا محظور فهل تسقط عنه الزكاة؟ فيه وجهان:
أحداهما: لا؛ لأن وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنُوطٌ باسم الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، ولا ينصرف إلا بقصد الاستعمال، ولم يوجد.
والثاني: نعم؛ لأن الزَّكاة تجب في مَالٍ نَامٍ، والنقد غَيْرُ نَامٍ بنَفْسِهِ إنما يَلْتَحِقُ بالنَّامِيات؛ لكونه مُتَهَيِّئاً للإخراج، وبالصياغة بَطُلَ التَّهَيُّوء.
قال: في "العدة": وهذا الثَّانِي ظاهر المذهب.
وقوله في الكتاب: (ينظر في أحدهما إلى حصول الصياغة) يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا قصد أن يكنزه، وإن لم يذكره؛ لأنه جعل عِلَّة السُّقُوطِ حصولُ الصِّيَاغة وهي موجودة في تلك الصورة، ويجوز أن يكون افتراق الصورتين في الأظهر باعتبار أن نية الكنز صارفة لهيأة الصياغة عن [استعماله] 262 ولم يوجد هاهنا نيةٌ صَارِفَةٌ، والظَّاهِرُ كَوْنُ الصِّيَاغَةِ للاسْتِعْمَال وإفْضَاؤُهَا إليه.
الثانية: لو اتَّخَذَ الحُلَيَّ ليؤاجره ممن له استعماله، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تسقط عنه الزَّكاة؛ لأنه معد للنماء، فأشبه ما لو اشترى حُلِيًّا ليَتَّجِرَ فيه.
وأصحهما: أنه تسقط كما لو اتخذه ليعيره، ولا اعتبار بالأجرة كأجرة العوامل من
الجزء: 3 - الصفحة: 96
الْمَاشية.
وذكر في "الشامل": أن الوجه الأول قول أحمد، والثَّاني: قول مالك.
الثالثة: حكم القصد الطارئ في جميع ما ذكرنا بعد الصِّياغة حكم المقارن 263.
بيانه لو اتخذه على قصد استعمال محظور، ثم غير قصده إلى مباح بَطَل الحول، فلو عَادَ إلى القصد الفاسد ابتدأ حول الزَّكاة، ولو اتخذه على قصد الاستعمال، ثم قصد أن يكنزه جرى في الحول، وعلى هذا قِسْ نظائره.
قال الغزالي: وَلَوِ انْكَسَرَ الحُلِيُّ وَاحْتَاجَ إِلَى الإِصْلاَحَ لَمْ يَجْرِ فِي الْحَوْلِ لِأَنَّهُ حُلِيٌّ بَعْدُ.
وَقِيلَ: يَجْرِي لِتَعَذُّرِ الاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ المَالِكِ لِلْإِصْلاحَ أَوْ عَدَمِهِ.
قال الرافعي: مما يتفرع على نَفْي الزَّكَاة في الحلى القول في انكساره.
وله ثلاثة أحوال:
إحداهما: أن ينكسر بحيث لا يمنع الاستعمال، وهذا لا تأثير له.
والثَّانِية: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، ويحوج إلى سَبْكِ وَصَوْغ جديد، فَتَجِبُ فيه الزَّكَاةُ؛ لخروجه عن صلاحية الاستعمال، ويبتدئ الحول من يوم الانكسار.
والثالثة: وهي المذكورة في الكتاب: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، لكن لا يحوج إلى صَوْغ جديد، بل يقبل الإصْلاَح باللِّحَام، فإن قصد جعله تِبْراً، أو دراهم، أو قصد أن يكنزه انعقد الحول عليه من يوم الانكسار، وإن قصد إصلاحه فوجهان:
أظهرهما: أنه لا زكاة وإن تمادت عليه أحوال؛ لدوام صورة الحُلِيّ وقصد الإصلاح.
والثاني: يجب؛ لتعذر الاستعمال، وإن لم يقصد لا هذا ولا ذاك ففيه خلاف.
منهم من يجعله وجهين ويقول بترتيبهما على الوجهين، فيما إذا قصدا الإصلاح، وهذه الصورة أولى بأن تجري في الحول، ومنهم من يجعله قولين:
أحدهما: أنه تَجِبُ الزَّكَاةِ، لأنه غير مستعمل في الْحَال، ولا مُعَدٍّ له،
وأظهرهما: المنع؛ لأن الظَّاهِرَ استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال، وذكر
الجزء: 3 - الصفحة: 97
في "البيان" أن هذا هو الجديد، والأول القديم، فإذا جمعت بيت الصورتين قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب:
ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يقصد الإصلاح، وبين ألا يَقْصِد شَيْئاً.
وموضع الخلاف عند الجمهور ما إذا لم يقصد جعله تِبْرا، أو دراهم، وإن كان لفظ الكتاب مطلقاً.
قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: مَا الانْتِفَاع المُحَرَّم فِي عَيْنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ﴿قُلْنَا﴾: أَمَّا المُذَهَّبُ فَأصْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَعَلَى التَّحْلِيلِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلاَ يُحِلُّهُ لِلْرِّجَالِ إِلاَّ تَمْوِيهٌ لاَ يَحْصُلُ مِنْهُ الذَّهَبُ أَوِ اتِّخَاذُ أنْفٍ لِمَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ.
قال الرافعي: جرت عادة الأصحاب بالبحث عما يحل وَيحْرُم من التَحَلِّي بالتبرين؛ ليعلم موضع القطع بوجوب الزَّكَاةَ، وموضع القولين:
فأما الذَّهَبَ فَأَصْلُه على التَّحرِيم فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وعلى التحليل في حق النِّساء؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الذَّهَب والحرير: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِهِمْ" 264 واستثنى في الكتاب عن التَّحرِيم نوعين:
أحدهما: التَّمْوِيه الذي يحصل منه شَيْءٌ" وفي جوازه في الخاتم والسيف وغيرهما وَجْهَان سَبَقَ في "الأوَانِي" ذِكْرُهُمَا، وبالتَّحْرِيم أَجَابَ الْعِرَاقِيُّونَ هاهنا، وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: (إلا تمويه) ينبغي أن يُعَلَّمَ بالواو.
والثاني: يجوز لمن جُدِعَ أَنْفُهُ اتخاذ أَنْفٍ من ذَهَبٍ وإن أمكن اتخاذه من الفضَّة؛ لأن الذَّهَب لا يَصْدَأ 265.
وقد روى أنَّ رَجُلِاً قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ، فَاتَّخَذَ أَنْفَاً مِنْ فِضَّةٍ فَأنْتِنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْ يَتَّخِذَ أنْفاً مِنْ ذَهَبٍ" 266 وفي معنى الأنف السِّن والأنملة، فيجوز
الجزء: 3 - الصفحة: 98
اتخاذهما من الذَّهَبِ، وكل ما جاز من الذَّهَبِ فهو من القصة أجوز ولا يجوز لمن قطعت يده، أو أُصبعه أن يتخذهما من ذهَبٍ، أوَ فِضَّةٍ؛ لأنها لا تعمل، بخلاف الأنملة يمكن تحريكها، وهل يجوز لِلرَّجُلِ أن يَتَّخِذَ لخاتمه سِنَّا أو أسناناً من الذَّهَبِ.
قال الأكثرون: لا، وهو الذي أورده في "التهذيب" ونظم الكتاب يوافقه، فإنه لم يستتن من التَّحْريم إلا التَّمْويه واتخاذ الأنف.
وقال الإمام: لا يبعد تشبيه القليل منه بالضَّبَّةِ الصغيرة في الأواني، وبتطريف الثَّوب بالحرير.
وللأكثرين أن يقولوا: الخاتم ألزم للشَّخْصِ من الإناء واستعماله أدوم، فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضَّبَّة، وأما التَّطْرِيفَ بالحرير فأما الحرير أَهْوَن؛ لأن الخُيَلاَء فيه أدنى.
واعلم أن كل حلي يحرم لبسه على الرجال يحرم لبسه على الخنثى؛ لجواز كونه رَجُلاً، وهَلْ عليه زَكَاتُه الأظهر: أَنَّها تجب؛ لكونه حراماً.
وبه أجاب أبو العَبَّاس الرّوَيانِي في "المسائل الجرجانيات" وقيل: هو على القولين في الْحُلِي المباح، وأشار في "التتمة" إلى أن له لبس حلى الرجال والنساء جميعاً؛ لأنه كان له لبسهما في الصِّغر، فيستصحب إلى زوال الإشْكَال.
قال الغزالي: وَأَمَّا الفضَّةُ فَحَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلرِّجَالِ إلاَّ التَخَتُّمُ بِهِ، وَتَحْلِيَةُ آلاَتِ الحَرْبِ كَالسيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ، وَفِي السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجْهَانِ، وَيَحْرُمُ علَى المَرْأَةِ آلاتُ الحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ.
قال الرافعي: يجوز للرجل التختم بالفِضَّة؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ الفِضَّةِ" 267 وهل له لبس ما سوى الخاتم من حلي القصة كالسوار والدملج والطرق؟ لفظ الكتاب يقتضي المنع حيث قال: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) وبه قال الجمهور.
وقال أبو سعيد المتولي: إذا جَازَ التختم بالفِضَّة فلا فرق بين الأصابع وسائر الأعضاء كَحُلِيِّ الذَّهَب في حَقِّ النِّسَاءِ، فيجوز له لبس الدملج في العضد، والطرق، في العنق، والسّوار في اليد وغيرها، وبهذا أجاب المصنف في "الفتاوى" وقال: "لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم التَّحَلِّي على وجه، يَتَضَمَّن التشبه بالنساء"، فأعلم لهذا قوله: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة، كالسيف، والرمح، وأطر اف السهام، والدرع والمنطقة، والرانين، والخف وغيرها؛ لأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 99
يغيط الكفار، وقد ثبت: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَتْ مِنْ الْفِضَّةِ" 268.
وفي تحلية السرج واللجام والثغر وَجْهان:
أحدهما: وبه قال ابن سَلَمَةَ: يجوز كالسيف، والمنطقة.
وأصحهما: المنع كالأاني بِخِلاَفِ آلاَتِ الْحَرْبِ الْمَلْبُوسَة، ويروى هذا عن نَصِّه في رواية البويطي، والربيع، وموسى بن أبي الجارود، وأجرى هذا الخلاف في الركاب، وفي برة الناقة من الفِضَّة.
ورأيت كثيراً من الأئمة قَطَعُوا في تَصَانيفهم بتحريم القلادة للدَّابة، ولا يجوز تحلية شيء مما ذكرنا بالذَّهَبِ؛ لعموم المنع فيه.
ويحرم على النِّسَاءِ تَحْلِيَةُ آلات الحرب بالذَّهَب وَالفِضَّة جميعاً؛ في استعمالِهِنَّ لها تَشَبهاً بِالرِّجَالِ، وليس لهن التَّشَبُّه بالرِّجَال، وهكَذا ذَكَرَه الجَمْهُورُ، واعترض عليه صاحب "المعتمد" بأن آلات الحرب من غير أن تكون محلاة، إما أن يجوز للنساء لبسها واستعمالها، أو لا يجوز.
والثاني: باطل؛ لأن كونه من ملابس الرجال [إنما] يقتضي الكراهية [دون التحريم].
ألا ترى أنه قال في الأم: "ولا أكره للرَّجُلِ لبس اللؤلؤ إِلاَّ للأدب، وأنه من زِيِّ النِّسَاء، لا للتحريم" فلم يحرِّم زِيّ النساء على الرجال، وإنما كرهه، فكذلك حكم العكس، وقد ذكرت نحواً من هذا في "صَلاَة الْعِيد" وأيضاً فإن الحراب جائز للنِّسَاء في الجملة، وفي تجويز الحراب تجويز استعمال آلات الحرب، وإذا ثَبَت جواز استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فيجوز استعمالها وهي محلاة؛ لأن التَّحَلِّي لَهُنَّ أجوز مِنْهُ لِلرِّجَال، وهذا هو الحق -إن شاء الله تعالى 269 -، وبتقدير ألا يجوز لَهُنَّ استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فلا يكون التَّحْرِيم ناشئاً من التَّحْلِيَة، فلا يحسن تعليقه بِهَا.
ويجوز للنِّسَاء لبس أنواع الحُلِيّ من الذَّهَبِ، والفِضَّة، كالقُرْط، والطَّوْقِ، والخاتم، والخُلْخَال، والسّوَار، والتعاويذ، وفي اتخاذهم النِّعال من الذَّهَبِ والفضة وجهان:
أحدهما -ويحكى عن الماوردي-: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الإسراف.
الجزء: 3 - الصفحة: 100
وأصحهما -ويحكى عن القاضي حسين-: أنه يجوز كسائر الملبوسات، وأما التَّاج فقد ذكروا أنه إن جرت عادة النِّسَاء يلبسه كانَ مُبَاحاً، إلا فَهُو مما يلبسه عُظَمَاءُ الْفُرْس فَيَحْرُمُ، وكان هذا إشارة إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف النَّواحي فَحَيْثُ جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وحيث لم تَجْرِ، لا يجوز تَحَرُّزاً عن التَّشَبُّهِ بالرِّجَالِ، وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حَكَاهما القاضي الرّوَيانِي: أظهرهما: المنع؛ لأنها لم تخرج بالصَّوْغِ عن النَّقْدِية، وفي لبس الثياب المنسوجة بالذَّهَبِ والفِضَّة وجهان:
أصحهما: الجواز، وذكر ابن عَبْدَان أنه ليس لهن اتخاذ زر القميص، والجبة، والفرجية منهما، ولعَلَّ هذا جواب على الوجه الثاني.
وكل حلي أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف، فإن كان كخلخال وزنه مائتا [دينار] 270 ففيه وجهان: الذي ذكره معظم العراقيين المنع، وأوجبوا فيه الزكاة قولاً واحداً، وفي معناه إسراف الرجل في تَحْلِيَة آلات الحرب ولو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة، أو المرأة خَلاَخِلَ كثيرة ليلبس الواحد منهما بعد الواحد فلا يمتنع، وليس كالواحد الثَّقِيل، وطرد ابْنُ عَبْدَان فيه الوجهين، وهذا كُلّه فيما يُتَحَلَّى بِهِ لِبْساً.
قال الغزالي: فَأمَّا فِي غَيْرِ التَّحَلِّي فَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ اتِّخَاذَ الأَوَاني مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِي المُكْحُلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ، وَفِي تَحْلِيَةِ السِّكِّينِ لِلْمِهْنَةِ بِالْفِضَّةِ إِلْحَاقاً لَهَا بِآلاَتِ الحَرْبِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: استعمال أواني الذَّهَبِ والفِضَّة حرام على الرِّجَال والنِّسَاء كما بَيَّنَّا في "كتاب الطَّهَارَةِ" وفي اتخاذها خلاف، وجواب الكتاب هاهنا وفي الطهارة التحريم، ويجوز إعلام قوله: "اتخاذ الأواني" بالواو؛ للخلاف الذي شرحناه في الطهارة [ومثله] 271 المكحلة، وقد ذكرها مَرَّة هناك، ونقل الإمام التَّردد فيها عن صاحب "التقريب"، وقيد بما إذا كانت من فِضَّة، وفيه كلام ذكرناه في شرحها ثم.
الثانية: في تحلية سكاكين المهنة، وسكاكين المقلمة بالفِضَّة، وجهان:
أحدهما: الجواز إلحاقاً لَهَا بآلات الحرب.
وأصَحُّهُمَا: المنع؛ لأنها لاَ تُرَاد لِلْحَرْب.
قال الإمام: وهذا الخلاف في استعمالها للرجال، ويثور منه اختلافٌ في حق النساء إَن ألحقناها بآلات الحرب، فليس للنِّسْوَة استعمالها، إلا ففيه احتمال.
الجزء: 3 - الصفحة: 101
قال الغزالي: وَفِي تَحْلِيَةِ المُصْحَفِ بِالفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلْحَمْلِ عَلَى الإكْرَامِ، وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتَحْلِيَةُ غيْرِ المُصْحَفِ مِنَ الكُتبِ لاَ يَجُوزُ أَصْلاً كَتَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ وَالسَّهْمِ وَالسَّرِيرِ وَالمَقْلَمَةِ، وَقِيلَ بِجَوَازِ تَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ بِالفِضَّةِ، وَيَلْزَمُ علَى قيَاسِهِ المَقْلَمَةُ وَالكُتُبُ، وَتَحْلِيَةُ الكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ بِالقَنَادِيلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة قِيلَ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ وَلاَ يَبْعَدُ تَجْوِيزُهُ إِكْرَاماً كَمَا فِي المُصْحَفِ.
قال الرافعي: هَلْ يَجُوز تحلية المُصْحَف بالفِضَّة؟ فيه وجهان:
أحدهما: كالأواني.
وأظهرهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- إكراماً لِلْمُصْحَفِ، وجعل أبو القاسم الكرخيّ هذا الخلاف قولين، وقال في "سير الوَاقدي" ما يدل على حَظْرِها، وفي القديم والجديد، وحرمله ما يدل على الجواز، وفي تحليته بالذَّهَبِ ثلاثة أوجه:
أحدها -وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"-: الجواز إكراماً، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: المنع إذ ورد في الخبر ذَمُّها.
والثالث: الفرق بين أن يكون للمرأة فيجوز، وبين أن يكون للرِّجَال فلا يجوز، طَرْداً للمنع من الذَّهَبِ في حق الرِّجَال، وكلام الصَّيْدَلاَنِيِّ والأكثرين إلى هذا أَمْيَلُ.
وذكر بعضهم: أنه يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافة المنفصل عنه، والأَظْهَرُ التَّسْوِية، وأما سائر الكتب فقال في الكتاب: إن تحليتها لم تجز أصلاً، وذلك لأن الأئمة لم يحكوا فيها خلافاً؛ بل قاسوا وجه المنع في المُصْحَف على سَائِرِ الكتب إشعاراً بالاتفاق فيها، وذَكَرُوا وجهين في تحلية الدواة، والمرآة، والمقلمة، والمقراض بالفِضَّة.
أصَحُّهُمَا: المنع كالأواني.
والثاني: الجواز كالسيف، والسكين، وبه أجاب في "مختصر المختصر"، وأراد صاحب الكتاب بقوله: (وقيل: يجوز تحلية الدواة بالدواة بالفِضَّة) حكاية وجه، وقاس عليه المقلمة وسائر الكتب، وفي تحلية الكعبة وسائر المَسَاجِد بالذَّهَبِ، والفِضَّة، وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في "الحاوي" وغيره.
أحدهما: الجواز تعظيماً كما في الْمُصْحَف، وكما يجوز ستر الكعبة بالدّيبَاجِ.
وأظهرهما: المنع، ويحكى ذلك عن أبي إسحاق، إذ لم ينقل ذلك عن فعل السَّلَف، وحكم الزَّكَاة مبني على الوجهين: نعم، لو جعل المتخذ وقفا فلا زكاة فيه بحال.
وقد تعرض في الكتاب للوجهين معاً حيث قال: (قيل: إنه ممنوع) ولا يبعد
الجزء: 3 - الصفحة: 102
تجويزه إكراماً، لكن حَكَى المنع نقلاً، والتجويز احتمالاً لا تَأَسِيّاً بالإمام -رحمه الله- فإنه هكذا فعل.
خاتمه: إذا أوجبنا الزَّكَاةَ في الحُلِيَّ المباح، فلو اختلف وزن الحلي وقيمته كما لو كانت لها خَلاَخِل وزنها مَائَتَا دِرْهَم، وقيمتها ثلثمائة، أو فرض مثله في المناطق المحلاَّة للرِّجَال، فالاعتبار في الزَّكَاة بوزنها، أو قيمتها فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال الماوردي-: أن الاعتبار بالوزن لا بالقيمة؛ لأنها زكاة عين، فلا ينظر فيها إلى القيمة كما في المواشي، ولهذا لو كان وزن الحُلِيّ مائة درهم قيمته بسبب الصنعة مائتان، لا تجب فيها الزَّكَاة.
وأصحهما: عند ابن سريج وعامة العراقيين: أنه نعتبر الصَّنْعَة؛ لأنها صِفَةٌ في العين، فيلزمه إخراج زَكَاة العَيْنِ على تلك الصِّفَة، كما يلزم إخراج المضروب عن المضروب فعلى هذا يتخير بين أن يخرج ربع عشر الحُلِيّ مُشَاعاً، ثم يبيعه السَّاعِي ويفرق الثَّمَنَ على المساكين، وبين أن يخرح خمسة دراهم مصنوعة قيمتها سَبْعَة ونصف، ولا يجوز أن يكسره ويخرج خَمْسَةً مكسورة؛ لأن فيه ضرراً عليه وعلى المساكين، ولو أخرج من الذَّهَبِ ما قيمته سبعة دراهم ونصف، فهو جائز عند ابن سريج لِلْحَاجَةِ ممتنع عند الأكثرين لإمكان تسليم رُبع العشر مُشَاعاً، وبيعه بالذهب بعد ذلك.
ولو كانت له آنية وزنها مائتان، ويرغب فيها بثلاثمائة؛ فيبنى حكم زكاتها على الخلاف في جواز الاتخاذ إن جوزناه، فالحكم على ما ذكرناه في الحُلِي، وإن لم نُجَوِّزْ فلا قيمة للصَّنْعَة شَرْعاً، فله إخراج خمسة من غيره، وله كسره وإخراج خَمْسَة منه، وله إخراج أربع عشرة مشاعاً، ولا سبيل إلى إخراج الذَّهب بدلاً.
وكل حلي لا يحل لأحد من النَّاسِ فحكم صنعته حكم صَنْعَة الإناء، ففي ضمانها على كَاسِرهِ وجهان.
وما يحل لبعض الناس، فعلى كاسره ضمانها، وما يكره من التحلي فلا يحرم، كالضَّبَّة الصغيرة على الإناء للزينة، ألحقوه بالمحظور في وجوب الزَّكاة.
وقال صاحب "التهذيب": من عند نفسه الأولى أن يكون كالمباح (1).
باب زكاة التجارة
: قال الغزالي: ﴿النَّوْعُ الرَّابعُ﴾ زَكاةُ التِّجَارَةِ، وَمَالُ التِّجَارَةِ كُلُّ مَا قُصِدَ الاتِّجَارُ فِيهِ عِنْدَ اكْتِسَابِ المِلْكِ بِالمُعَاوَضَةِ المَحْضَةِ وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ النِّيَة دُونَ الشِّرَاءِ، وَلاَ عِنْدَ الاتِّهَابِ أَوِ الرُّجُوعِ بِالعَيْبِ وَهَلْ يَكْفِي عِنْدَ الخُلْعِ وَالنِّكَاحِ؟ فِبهِ وجْهَان، وَلَوِ اشْتَرَى عَبْداً272
الجزء: 3 - الصفحة: 103
عَلَى نِيَّةِ التِّجَارَةِ بِثَوْبِ قَنِيَّةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِالعَيْبِ انْقَطَعَ حَوْلُهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ ثَوْبَ تِجَارَةٍ بِعَبْدٍ لِلْقَنْيَةِ ثُمَّ قَيْنَةٍ.
قال الرافعي: زكاة التجارة واجبة عند جمهور العلماء، وفيهم الشافعي -رضي الله عنه-، قَطَعَ به في قَوْلِهِ في الجديد، وحكى عنه في القديم تَرْديد قول.
فمنهم من قال: له في القديم قولان، ومنهم من لم يثبت خلاف الجديد شيئاً، وذَكَرَ في "النهاية" أن نفي وجوبها يُعْزَى إِلَى مَالِكٍ، ولا يكاد يثبت ذلك عنه، إنّما المشهور عنه أنها لا تجب إلا بعد النضوض حتى لو نض بعد ما اتجر سنين كثيرة لا تجب إلا زكاة سنة واحدة.
والأصل في الباب: ما روي عن أبي ذر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "فِي الْإبل صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" 273. ومعلوَمَ أَنه ليس في البر زكاة العين، فيكون الواجب زكاة التِّجَارة.
وعن سمرة بن جندب قال: "كَانَ النِّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ" 274 واعتمد الشافعي -رضي الله عنه- فيه بما روى عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماساً قال: "مَرَرْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- وَعَلَى عُنقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا، فَقَالَ: أَلاَ تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلتُ: مَالِي غَيْرُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِي وَأُهُب فِي الْقَرَظِ، قَالَ: ذَلِكَ مَالٌ فَضَعْ.
قَالَ: فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَسَبُهَا، فَوَجَدْتُ قَد وَجَبَ فِيهَا الزَّكَاة فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ" 275. إذا تقرر ذلك، فأول ما بدا به في الكتاب بيان أن مال التِّجَارة ماذا؟ فقال: (ومال التجارة كل ما قصد الاتجار فيه عند اكتساب الملك بالمعاوضة المحضة)، وفي هذا الضباط أمور قد فصلها بصور:
فمنها: أن مجرد نية التجارة لا تجعل المال مال التجارة، حتى لو كان له عَرَضٌ لِلقِنْيَةَ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ وغيره، ثم جعله للتجارة لَمْ يَصِرْ للتجارة، ولم ينعقد الحول عليه خلافاً لِلْكَرَابِيسِي من أصحابنا 276، حيث قال: "يصير مال تجارة بمجرد النِّية"، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين: لما روينا من خبر سمرة، وكما لو كان عنده عرض التجارة
الجزء: 3 - الصفحة: 104
فنوى أنه للقِنْيَة يصير للقنية وينقطع حول التجارة.
لنا: أن ما لا يثبت له حُكْمُ الحول بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، كما لو نوى بالمَعْلُوفة السَّوْمَ، ويخالف عَرَضَ التجارة تصير للقنية بمجرد النية من وجهين:
أحدهما: أنه ليس للاقتناء، معنى إلا الحبس والإمساك للانتفاع فإذا أمسك ونوى الاقتناء فقد قرن النية بصورة الاقتناء؛ لأنه جردها.
والثاني: أن الأصل في العروض الاقتناء، والتجارة عارضة، فبمجرد النية يعود حكم الأصل، وإذا ثبت حكم الأصل فبمجرد النية يزول، وهذا كما أن المسافر يصيرُ مُقيماً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالمُقِيمُ لاَ يَصِيرُ مُسَافِراً بِمُجَرَّدِ النية.
ومنها: لو اقترنت نية التجارة بالشِّراء كان الشراء مال تجارة، ودخل في الحَوْل لانضمام قَصْدِ التجارة إلى فعلها، كما لو نوى المشتري وَسَافر يصير مُسَافِراً، ولا فرق بين أن يكون الشراء بِعَرَضٍ أو نَقْدٍ، أو دَيْنٍ، ولا بين أن يكون حالاًّ، أو مُؤَجَلاًّ.
وإذا ثبت حكم التجارة لا يحتاج لكل معاملة إلى نية جديدة، وفي معنى الشراء ما لو صَالَح عن دَيْنٍ لَهُ في ذِمَّة إنسان على عرض بِنِيَّةِ التِّجَارة، فيصير لِلتِّجَارَةِ، سواء كان الدَّيْنُ قَرْضاً أو ثمن مبيع، أو ضمان مُتْلَفٍ، وكذلك الاتهاب بشرط الثَّوَاب إذا نوى به التِّجَارة، وأما الْهبة المُحْضَة والاحتشاش، والاحتطاب، والاصطياد والإرث فليست مَعْدُودَة من أسباب التجارة، فلا أثر لاقتران النِّيَّةِ بها، وكذا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ والاسترداد، حتى لو باع عَرَضاً لِلْقِنْيَة بعرض للقنية، ثُمَّ وجد بما أخذه عيباً، فرده واسترد الأول على قصد التِّجَارة، أو وجد صاحبه بما أخذ عيباً فَرَدَّه وقصد المردود عليه بأخذه التجارة لم يَصِرْ مَالَ تِجَارَةِ.
ولو كان عنده ثوب للقنية فاشترى به عبداً للتجارة، ثم رد عليه الثَّوب بعيْبٍ انقطع حولُ التِّجَارَةِ، ولم يكن الثَّوْبُ المردود مَالَ تِجَارة؛ لأن الثوب لم يكن عنده على حكم التجارة، حتى يقال: ينقطع البيع، ويعود إلى ما كان قبله، بخلاف ما لو كان الثَّوْبُ للتجارة، أيضاً، فإنه يبقى حكم التجارة فيه بعد حول البيع، وكذا لو تبايع التَّاجِرَان ثم تقابلا يستمر حكم التجارة في المالين، ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبدٍ للقنية، فرد عليه الثَّوب بالعيب، لم يعد على حكم التجارة؛ لأن قصد القنية قطع حول التجارة، والرد والاسترداد بعد ذلك ليسا من التِّجارة في شيء، فصار كما لو قَصَد القنية؟ بمال التِّجَارة الذي عنده ثم نوى جعله للتِّجَارة ثَانِياً لا يؤثر حتى يقرن النية بتجارة جديدة.
ولو خالع الرجل امرأته وقصد التجارة في عِوَض الخُلْعِ، أو زوج السيد أمته، أو نكحت الحرة أو نويا التجارة في الصَّدَاق، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يكون مَالَ تِجَارة؛ لأن الخلع والنكاح ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة؛ ولأنه ليس المملوك بهما مملوكاً بعين مال.
الجزء: 3 - الصفحة: 105
وأظهرهما -ولم يذكر أكثر العراقيين سواه-: أنه يكون مالَ تجارة، لأنه مال مَلَكَهُ بِمُعَاوَضَة؛ ولهذا ثبتت الشُّفعَة فيما ملك بهما، وأجرى الوجهان في المال المصالح عليه عن الدَّم، والذي أَجَّرَ بِهِ نَفْسَه، أو ماله إذا نوى بهما التجارة، وفيما إذا كان تَصَرُّفُه في المَنَافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤاجرها على قَصْدِ التِّجَارة.
قال الغزالي: وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرٌ فِي أَوَّلِ الحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ الوَسَطِ عَلَى قَوْلٍ وَفي جَمِيعِ الحَوْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَفي آخِرِ الحَوْلِ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّ انْخِفَاضَ السِّعْرِ لاَ يَنْضَبِطُ، فَلَو صَارَ النُّقْصَانُ مَحْسُوساً بِالتَّنْضِيضِ فَفِي انْقِطَاعِ الحَوْلِ عَلَى هَذَا القَوْلِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لا خلاف في اعتبار الحول في زكاة التجارة، ويدل عليه مطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُوَلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 277.
والنِّصَاب معتبرٌ أيضاً لكن في وقت اعتباره ثلاثة أقوال على ما ذكر صاحب الكتاب، والإمام.
أحدها: أنه يعتبر في أول الحول، وآخره، أما في الأول فليجر في الحول، وأما في الآخر فلأنه وَقْتُ الوجوب ولا يعتبر فيما بينهما لِعُسْرِ مُرَاعَاة النِّصَاب بالقيمة؛ فإن الأسعار تضطرب انخفاضاً وارتفاعاً.
وثانيها: أنها تعتبر في جميع الحول، كما في المواشي، فعلى هذا لو نقصت القيمة عن النِّصَاب في لحظة، انقطع الحول، فإن كمل بعد ذلك استأنف الحول.
وأصحها: أنه لا يعتبر إلاَّ في آخر الحَوْلِ، أما أنه لا يعتبر في أثنائه فلما سبق، وأما أنه لا يعتبر في أوله فكالزيادة على النِّصَاب؛ لما لم يشترط وجودها في أثناء الحول؛ لوجوب زكاتها لم يشترط وجودها في أول الحول، فعلى هذا لو اشترى عرضاً للتجارة بشيء يسير انعقد الحول عليه، ووجبت الزَّكاة فِيهِ إِذَا بلغت قيمته نِصَاباً في آخر الحول، واحتج لهذا القول بحديث حماس، فإنه لم ينظر إلى القيمة إلا في الحال، ولم يبحث عما تقدَّم، ليس هذا الاحتجاج كما ينبغي، وعبر الأكثرون عن الخلاف في المسألة بالوجوه دون الأقوال، وسبب اختلاف العبارة أنها جميعاً ليست مَنْصُوصَة، وإنما المنصوص منها الثَّالِثُ، والأَوَّلاَن خَرَّجهما شيوخ الأصحاب، هكذا حكى الشيخ أبو علي، والمذاهب المخرجة يعبر عنها بالوجوه تارة، وبالأقوال أخرى وبالقول الثاني قال ابن سُرَيْج، ونسبه ابْنُ عَبْدَان إليه الأول -والله أعلم-.
ويجوز أن يعلم الأول بالميم، والألف، والثاني بالميم والحاء، والثالث بالحاء والألف؛ لأن مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- مثل القَوْلِ الأَوَّلِ، ومذهب أحمد مثل الثاني، ومذهب مالك مثل الثَّالِث،
الجزء: 3 - الصفحة: 106
ثم إذا احتملنا نُقْصَان النِّصَاب في غير الآخر فذلك في حق من تَرَبَّصَ لِسلْعَته حتى تم الحول، وهي نصاب بالقيمة، فأما لو باعها بسلعة أخرى في أَثْنَاء الحَوْل فقّد حكى الإمام وجهين فيه:
أحدهما: أن الحول ينقطع، ويبتدئ حَوْلَ السّلعة الأُخْرَى مِنْ يَوْمِ مَلَكَها.
وأصحهما: أن الحكم كما لو تَرَبَّصَ بِسِلْعَته، ولا أثر للمبادلة في أحوال التّجارة.
ولو باعها في أثناء الحول بالنقد، وهو ناقص عن النصاب، ثم أشترى به سلعة، فتم الحول وهي تبلغ نصاباً بالقيمة، ففيه وجهان لتحقق النقصان حِسًّا.
قال الإمام -رحمه الله-: والخلاف في هذه الصُّورة أَمْثَلُ منه في الأَّول، ورأيت المتأخرين يَمِيلون إلى انقطاع الْحَوْل -والله أعلم-.
وهذه الصورة الأخيرة هي المذكورة في الكتاب.
واعرف من اللفظ شيئين:
أحدهما: أن قوله: (فلو صار النقصان محسوساً بالتنضيض) ليس المراد منه مُطْلَق التنضيض؛ فإنه لو باع بالدَّراهم والحال تقتضي التَّقْوِيم بالدَّنانير على ما سيأتي فهو كبيع السِّلْعة بالسِّلْعَة.
والثاني: أن قوله: (على هذا القول) يوهم تخصيص الوجهين بالقول الثالث، وهما جاريان على القول الأَوَّلِ أيضاً ولا فرق.
فرع: لو تم الحول وقيمة سلعته دون النِّصَاب، فهل يبتدئ حول ثان؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: نعم، ويسقط حكم الحَوْل الأول.
وقال ابن أبي هريرة: لا، بل متى بلغت القيمة نصاباً تجب الزَّكَاة، ثم يبدأ حولٌ ثَانٍ 278، والأول أصَحَّ عند صاحب "التهذيب" وغيره.
قال الغزالي: وَابْتِدَاءُ حَوْلِ التِّجَارَةِ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ بنِيَّةِ التِّجَارَةِ إنْ كَانَ المُشْتَرَي بِهِ عَرَضًا مَاشِيَة كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وإِنْ كَانَ المُشْتَرَى بِهِ نَقْداً فَمِنْ وَقْتِ النَّقْدِ نِصَابًا كَانَ أَوْ لَمْ يكُنْ إنْ قُلْنَا: إِنَّ النِّصَابَ لاَ يُعْتَبَرُ فِي ابْتِدَاء الحَوْلِ، وَبِالجُمْلَةِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَالنَّقْدَينِ يُبْتَنَي حَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَوْلِ صَاحِبِهِ لاتِّحَادِ المُتَعَلَّقِ وَمِقْدَارِ الوَاجِبِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 107
قال الرافعي: غرض الفصل: الكلام في بيان ابتداء الحَوْلِ.
وجملته أن مال التجارة لا يخلو: إما أن يملكه بأحد النَّقْدَين، أو بغيرهما.
فإن ملكه بأحد النقدين 279، نظر أن كان نصاباً، أما لو اشترى بعشرين ديناراً، أو بمائتي درهم، فابتداء الحول من يوم ملك ذلك النَّقْد، ويبنى حول التجارة على حوله، ووجهوا ذلك بشيئين:
أحدهما: أن قَدْرَ الوَاجِبِ فيهما وَاحِدٌ، وكذلك متعلقه، فإن الزكاة واجبة في عَيْنِ النَّقْد، وفي قيمة السِّلْعة، وهي من جنس النقد الذي كان رأس المال، بل هي نفس تلك الدَّرَاهم، إلا أنها صارت مُبْهَمة بعد ما كانت مُعَيَّنة، فصار كما لو ملك مائتي درهم ستة أشهر، ثم أقرضها مَلِيئًا تلزمه الزَّكَاة بعد سِتَّةِ أشْهُر من يوم القَرْض.
والثاني: أن النَّقْدَ أصْلٌ، وعَرَضُ التِّجَارَةِ تَبَعٌ لَهُ، وفرع عليه، ألا ترى أن التقويم به يقع فبنى حَوْلَهُ عليه.
وخرجوا على التوجهين ما إذا بَادَلَ الدَّرَاهِمَ بالدَّرَاهِم، حيث ينقطع الحَوْلُ ولا يَبْنِي، أما على الأول فلأن زكاة النَّقْدِ في الْعَيْنِ، ولكل واحد من عين الدراهم الأولى، وعين الثانية حكم نفسها، وأما على الثاني، فلأن الثانية لا تقوم بالأولى، وليست إحداهما أَصْلاً، والأخرى فَرْعاً لَهَا، وهذا فيما إذا كان الشِّرَاء بعين النِّصَاب، أما إذا اشترى بِنِصَابٍ من أحد النَّقْدَين في الذمة، وله مَائِتا دِرْهَم وعشرون ديناراً فَنَقْدُهَا في ثمنه ينقطع حول النَّقْد، ويبتدئ حول التِّجَارة من يوم الشراء، هذا لفظ صاحب "التهذيب" وعلَّلَ بأن هذه الدراهم والدنانير لم تتعين للتصرف فيه، -والله أعلم-.
وإن كان النقد الذي هو رأس المال دون النِّصَاب، فليس له حول حتى يبنى عليه، فيكون ابتداء الحول من يوم مَلَكَ عَرَضَ التِّجَارة هذا إذا ملك بأحد النَّقْدَين، ولو ملك بغيرهما فله حالتان:
إحداهما: أن يكون ذلك الغير مما، لا تَجِب الزَّكَاة فيه، كالثياب والعبيد، فابتداء الحول من يوم المِلْكِ، لأن ما ملكه قبله لم يكن مالَ زَكَاةِ.
والثانية: أن يكون مما تَجِب فيه الزَّكَاة، كما لو ملكهِ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَة، فظاهر المَذْهَبِ أن حول السَّائِمَة ينقطع وَيبْتَدِىَء حَوْلَ التِّجَارَةَ مِنْ يَوْمِ الْمِلْكِ، ولا يبنى؛ لاختلافَ الزَّكاة قَدْراً ومتعلَّقاً.
وقال الإصْطَخْري: يبنى حوله على حول السَّائِمَة، كما لو ملكه بِنِصَابِ مِنَ
الجزء: 3 - الصفحة: 108
النَّقْدِ، واحتج بقوله في "المختصر": ولو اشترى عَرَضاً لِلتِّجَارة بدراهم، أو بدنانير، أو بشيء تجب فيه الصَّدقة من المَاشِيَة، وكان أفاد ما اشترى به ذلك العرض من يومه، لم يقوم العرض، حتى يحول الحول من يوم افاد الثمن، وحمل المُزَنِيُّ هذا النَّص على ما رآه الاصطخري، ثم اعترض عليه، وصار إلى عَدَمِ البناء.
وعامة الأصْحَابِ نفوا ذهاب الشافعي -رضي الله عنه- إلى البناء فتكلموا على هذا النَّصِّ من وجوه:
أحدها: قال ابن سريج وأبو إسحاق وغيرهما: إن مسألة "المختصر" مفروضة فيما إذا استفاد ثمن العرض يوم الشراء، وحينَئِذٍ لا فرق بين أن يقال: يعتبر الحَوْل من يوم الشِّراء، وبين أن يقال؛ يعتبر من يوم ملك الثَّمَن.
والثَّاني: أن الشَّافِعِي -رضي الله عنه- جمع بين ثلاث صور: الشِّراء بالدراهم، والشِّراء بالدَّنانير، والشراء بالماشية، ثم أجاب في الصّورتين الأوليين دون الآخرة، وقد يقع مثل ذلك في كلامه، واحتجوا لهذا بأنه قال: (من يوم إفاد الثمن) ولفظ يقع على النقدين دون الماشية.
واعلم أن في حقيقة الثمن خلافاً سنذكره في "كِتَاب الْبَيْعِ" -إن شاء الله تعالى- جدُّه، وهذا الوجه يتفرع على أن الثمن هو الذَّهَب وَالْفِضّة لا غير، ومن قال بالتَّأوِيلِ الأول أطلق لفظ الثمن على الماشية أيضاً.
والثالث: تغليط المزني في النقل، وإلى هَذَا مال إمام الْحَرَمَيْن، ورأى التَّأْوِيلَ تَكَلُّفاً.
ولنتكلم في ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة.
وقوله: (من وقت الشراء بنية التجارة) ليس لتخصيص الحكم بالشراء؛ بل هو مذكورٌ تمثيلاً وسائر الاكْتِسَابات المُلْحَقَة في معناه، ويجوز إعلامه بالواو؛ لأن اللَّفْظَ مُطْلَقٌ لا يفرق بين أن يكون قيمة ما اشتراه للتِّجَارَةِ نِصَابًا، أو لا يكون، وهو مُجْرَى على إِطْلاَقه إذا فَرَّعْنا على أن النِّصَاب لا يعتبر إلا في آخر الحول، وهو الصَّحيح، فأما إذا اعتبرناه في جميع الحول، أو في طرفيه، ولم يبلغ قيمة المشترى نِصَاباً، فليس ابتداء الحول من يوم الشِّرَاء؛ بل هو وقت بلوغ قيمته نصاباً.
وقوله: (ماشية كانت) معلم بالواو؛ لما حكيناه عن الإصْطَخْرِي وقوله: (وإن كان المشتري به نقداً فمن وقت النقد) أي: من وقت ملك النَّقْدِ، ثم قوله: (نصاباً كان، أو لم يكن) إن قلنا إن النصاب لا يعتبر في ابتداء الحَوْل، هو موضع نظر وتأمل؛ لأنه إما أن يريد به نِصَاباً كان المال المشترى أو لم يكن إن يريد به نصاباً كان النّقد، أو لم يكن، وهو الأسبق إلى الفهم، فإن أراد الثاني فقد صَرَّحَ باحتساب الحَوْلِ من وقت مِلْكِ النَّقْدِ مع نقصانه عن النِّصَاب، وإن أراد به الأول فقد حكم بالاحتساب من وقت ملك النقد مُطْلَقاً، وليس كذلك، بل يشترط فيه كون ذلك النقد نصاباً، نصَّ عليه الشافعي -
الجزء: 3 - الصفحة: 109
رضي الله عنه- وَقَطَعَ به الأَصْحَاب مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أن يعتبر النِّصَاب في جميع الحول، أو لا يعتبر؛ لأن النقد النَّاقِصَ ليس مال زكاة حتى يفرض جريانه في الحول.
وقوله: (زكاة التِّجَارة والنقدين يبتنى حول كل واحد منهما على صاحبه) ويبين أنه لو باع مال تجارة بنقد بنية القنية يبنى حول النقد على حول مال التِّجَارة، كما يبنى حول مَال التِّجارة على حَوْلِ النقد.
وقوله: (لاتحاد المتعلق ومقدار الواجب) إشارة إلى التوجيه الأول وقد بيناه.
قال الغزالي: وَكُلُّ زِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِارْتفَاعِ القِيمَةِ وَجَبَ الزَّكَاةُ فيهَا بِحَوْلِ رَأسِ المَالِ كَالنِّتَاجِ، فَإِنْ رُدَّ إلَى أَصْلِ النُّضُوضِ فَقَدْرُ الرِّبْحِ مِنَ النَّاضِّ لاَ يُضَمُّ إلَى حَوْلِ الأَصْلِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ كِيس المُشْتَرِي لاَ مِنْ عَيْنِ المَالِ.
قال الرافعي: ربح مال التجارة ينقسم إلى حاصل من غير نضوض 280 المال، إلى حاصل مع نضوضه، وأما القسم الأول فهو مضموم إلى الأصل في الحَوْلِ كالنتاج؛ لأن المُحَافَظَة على حول كل زيادة مع اضطراب الأسْوَاقِ وَتَدَرُّجها انخفاضا وارتفاعاً في غاية العسر.
قال في "النهاية": وقد حكى الأئمة القطع بذلك، لكن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زَكَاة الأعيان قَدْ لا يسلم وجوب الزَّكَاةِ في الربح في آخر الحول.
وقضية قياسة أن نقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه، وسيأتي الخلاف فيه في القسم الثاني.
قال: وهذا لا بد منه، والأئمة قد يذكرون القول الضَّعِيفَ مع الصَّحِيح، ثم إذا تَوَسَّطُوا التَّفْرِيعَ تَرَكُوا الضَّعِيفَ جَانِباً، وهذا الكلام يقتضي إعلام قوله في الكتاب: (بحول رأس المال) بالواو، فعلى المشهور الصحيح لو اشترى عَرَضاً للتجارة بمائتي دِرْهم، فَصَارت قيمُتُه فِي خلال الحَوْلِ ثلاثمائة، زكي الثلثمائة عند تمام الحول وإن كان ارتفاع القيمة قبيل الحول بلحظة، ولو ارتفعت بعد الحول فالربح مضموم إلى الأصل في الحول الثاني كما في النتاج.
وأما القسم الثاني: وهو الحاصل مع النضوض، فينظر فيه إن صار نَاضاً من غير جنس رأس المال، فهو كما لو بدل عَرَضَا برَضٍ، لأن التقويم لا يقع به، وحكى الشَّيْخُ أَبُو عَلِي عن بعض الأصحاب؛ أنه على الخلاف الذي نَذْكُره فيما إِذَا صَارَ نَاضاً من جنس رأس المال، وإن صار نَاضاً من جنسه فأما أن يفرض ذلك في خلال الحول، أو بعده،
الجزء: 3 - الصفحة: 110
وعلى التقدير الأول فإما أن يمسك النَّاض إلى أن يتم الحول، أو يشتري به سلعة.
الحالة الأولى: أن يمسك النَّاض إلى تمام الحول، كما إذا اشترى عَرَضًا بمائتي دِرْهَمٍ، وباعه في خلال الحول بثلاثمائة، ويتم الحول وهو في يده، فقد قال الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه- في "باب زكاة التجارة": إنهُ يِزَكِّي المائتين، وَيُفْرِدُ مَائَةَ الرِّبْحِ بِحَوْلٍ، وقال في "باب زكاة مال الْقَرَاضِ" إذا دفع ألف درهم إلى رَجُلِ قراضاً على النِّصْفِ فاشترى بها سلعة وحال الحول عليها وهي تساوي ألفين.
ففيها قولان:
أحدهما: أنه يُزَكِّي الكُلَّ.
والثَّانِي: إن رَبَّ المال يُزَكِّي ألْفاً وَخُمْسائة، فأوجب زَكَاةَ جَمِيعِ الرِّبح، أو نصفه عند تَمَامِ الْحَوْلِ، ولم يفرده بحول، واختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: وبه قال أبو إسحاق، والأكثرون إن الْمَسْألة على قَوْلَيْن:
أحدهما -وهو اختيار المزني-: أنه يُزَكِّي الرِّبْحِ بِحَوْلِ الأَصْلِ؛ لأنه فائدته، ونماؤه، فأشبه ما إذا لم يرد إلى النضوض، ونتاج الماشية.
وأصحهما: أنه يفرد الرِّبحَ بِحَوْلٍ؛ لظاهر قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" 281. ويخالف ما إذا لم ينض؛ لأن الربح ثمة كامن وغير متميز عن الأصل، ومتعلق الزَّكَاة واحد، وهو القيمة، ويخالف النّتاج، فإنه متولد من أصل المال، والربح هاهنا غير متولد من غير المال، بل هو مستفاد بالتَّصَرفِ مِنْ كِيسِ المُشْتَرِي، ولهذا لو غَصَبَ مَاشِيَةً فتوالدت، وجب رد النتاج مع الأصل، ولو غصب دراهم فتصرف فيها وربح كان الربح له في أظهر القولين.
والطريق الثاني: وبه قال ابن سريج: القطع بإفراد الرِّبْحِ بِحَوْلٍ، وحمل كلامه في القراض على ما إذا اشْتَرى السلعة بألف، وهي تساوي ألفين، فليس فيها زيادة بعد الشِّراءِ، فلذلك أوجب الزَّكَاة في الرِّبْحِ مَعَ الأَصْلِ.
قال هؤلاء: وهكذا صَوَّرَ الْمَسْألَةَ فِي "الأم"، لكن المُزَنِيّ لم ينقلها عى وَجْهِهَا.
ومنهم من قال: قَصْدُه بما ذَكَر في "مَالِ القَرَاض" بَيَان أن زكاة جميع الرّبح قبل المُقَاسَمة على رب المال أم يتقسط عليه وعلى العامل، فأما أن حول الربح هَلْ هُوَ حول الأَصْل أَمْ لاَ؟ فهذا مما لم يقع مقصداً عنه، ولا يوجه الكلام نحوه، فلا احتجاج فيه على أنه ليس في اللفظ تصوير للرد إلى النضوض، فيجوز حمله على ارتفاع القيمة من غير نضوض.
الجزء: 3 - الصفحة: 111
وإذَا فرعنا على أن الربح يفرد بحول، فابتداؤه من يوم الظُّهُور أم من يوم نَضَّ وباع؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن سريجَ: أنه من يوم الظُّهور؛ لأن الربح لم يحصل بالبيع، وإنما حصل بارتفاع قيمة السلعة.
والثاني: أنه من يوم البيع والنضوض؛ لأن الزيادة به تستقر، وقبله قد يتوهم زيادة، فيتبين خلافه لاضطراب السوق.
قال القَّاضِي الرّوُيَانِي وغيره: وهذا ظاهر المذهب.
الحالة الثَّانية: أَنْ يَشْتَرِي بها سِلْعَةً قبل تمام الحول فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يزكي عن الجميع؛ لأن ما في يده في آخر الحول عرض.
وأصحهما: أن الحكم كما لو أمسك النّاض إلى تمام الحول؛ لأن الربح بالنضوض بمثابة فائدة استفادها، فلا يختلف حكمها بين أن يشتري بها سلعة أو لا يشتري، وهذا كُلُّه فيما إذا باع ونض في خلال الحول، فأما إذا باع وَنَضَّ بعد تمامه، فقد قال الشيخ أبو عَلِي: ينظر إن ظهرت الزيادة قبل تمام الحول فلا خلاف في أنه يزكي الكُلّ بحول الأَصْلِ، وإن ظهرت بعد تمامه فوجهان:
أحدهما: هكذا.
وأظهرهما: أنه يستأنف لِلرِّبْحِ حَوْلاً، وجميع ما ذكرناه فيما إذا اشترى العَرَضَ بِنِصَابٍ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، أَو اشْتَرَاهُ بِغَيْرِهِمَا، وَهُوَ يُسَاوِي نِصَاباً.
أما لو اشترى بمائة درهم مثلاً وباعه بعد سِتَّة أشهر بمائتي درهم، وبقيت عنده إلى آخر الحول من يوم الشِّراء، فإن قلنا:
بظاهر المذهب، وهو أن النِّصَاب لا يشترط إلا في آخر الحول، تَفَرَّعت المسألة على قولين في أن الرِّبْحَ مِنَ النَّاض هل يضم إلى الأصل في الحول؟ إن قلنا: نعم، فعليه زَكَاة المائتين، وإن قلنا: لا، لم يُزَكِّ مائة الربح إلا بعد سِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى، وإن قلنا: إن النِّصَاب يشترط في جميع الحول أو في طرفيه، فابتداء حوله من يوم باع ونَض، فإذا تَمَّ زكى عن المائتين.
واعلم أن مسألة الكتاب فيما إذا رَدَّ إلى النضوض في خلال الحول ثم اللفظ من جهة إطلاقه يشمل ما إذا أمسك النَّاض حتى تم الحول، وما إذا اشترى به سلعة أجرى، ويشمل أيضاً ما إذا كان نِصَاباً في أول الحول، أو ناقصاً عنه، وإجراؤه على إطْلاَقِهِ فيهما صَحِيح مستمر.
الجزء: 3 - الصفحة: 112
وقوله: (لا يضم) معلم بالزَّاي لما قدمناه.
وقوله على أحد القولين بالواو للطريقة القاطعة بعدم الضم.
ثم نوضح الفصل بفرعين:
أحدهما: من مولدات ابن الحداد، وهي ما لو ملك الرَّجُلُ عشرين ديناراً؛ فاشترى بها عرضاً للتجارة ثم باعه بعد ستة أشهر من ابتداء الحول بأربعين ديناراً، واشترى بها سلعة أخرى ثم باعها بعد تمام الحول بمائة، كيف يُزَكى؟
أما إذا قلنا: إن الرِّبْحَ من الناض لا يفرد بحول، فعليه زكاة جميع المائة.
وأما إذا قلنا: يفرد؛ فعليه زكاة خَمْسين دِيناراً، لأنه اشترى السِّلْعَة الثَّانية بأربعين: عشرون منها رأس مَالِه الَّذِي مَضَى عليه ستة أشهر، وعشرون ربح استفادة يوم باع الأول واشترى الثاني، فإذا مضت ستة أشهر، فقد تَمَّ الحول على نِصْفِ السّلعة، فيزكيه بزيادته، وزيادته ثلاثون دِينَاراً؛ لأنه ربح على العشرينتين وكان ذلك كَامِناً وقت تمام الحول، ثم إذا مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُر أُخْرَى فعليه زكاة العشرين الثَّانية، فإن حولها حينئذ يتم، ولا يضم إليها ربحها؛ لأنه صار ناضاً قبل تمام حَوْلها، فإذا مَضَت سِتَّةُ أشْهُرٍ أخرى، فعليه زَكاة رِبْحِهَا وهو الثلاثون الباقية، فإن كانت الخمسون التي أخرج زكاتها في الحول الأول باقية عنده، فعليه إخراج زكاتها ثانياً مع الثلاثين، هذا جواب ابن الحداد تفريعاً على أن الربح الناض لا يفرد بحول 282.
وحكى الشيخ أبو علي فيه وجهين آخرين ضعيفين:
أحدهما: أنه عند البيع الثَّانِي يخرج زكاة عِشْرين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى؛ أخرج زكاة عشرين أخرى وهي التي كانت ربحاً في الحول الأوَّلِ، فإذا مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أخرى أخرج زَكَاة السِّتين البَاقِيَة؛ لأنها إنما استقرت عند البيع الثاني، فمنه يبتدئ حولها.
والثاني: أنه عند البيع الثاني يخرج زكاة عشرين، ثم إذا مَضَت ستة أشْهُرِ زكى عن الثمانين الباقية؛ لأن الستين التي هي الربح حَصَلَتْ في حول العشرين الَّتِي هِيَ الربح الأول، فَيُضَمَّ إليها في الحول.
ولو كان الفرع بحاله لكنه لم يبع السلعة الثانية، فيزكى عند تمام الحول الأول خمسين، كما ذكرنا.
وعند تمام الحول الثَّاني الخمسين الثانية؛ لأن الربح الآخر ما صار ناضاً.
الفرع الثاني: اشترى بمائتي دِرْهَم عرضًا لِلتِّجَارة فباعه بعد سِتَّة أَشْهُرٍ بثلاثمائة واشترى بها عرضاً وباعه بعد تمام الحول بستمائة، فإن لم يفرد الرّبح بحول أخرج زكاة
الجزء: 3 - الصفحة: 113
الستمائة، وإن أفردناه أخرج زكاة أربعمائة، فإذا مضت سِتَّة أشْهُرٍ أخرج زكى مائة، فإذا مضت ستة أشهر أخرى.
أخرج زَكَاة المَائَة الباقية، هذا على جواب ابن الحداد 283.
وأما على الوجهين الآخرين، فيخرج عند البيع الثاني زكاة مائتين، ثم على الوجه الأول إذا مضت سِتَّة أشْهُرَ أخرج زَكَاة مَائَة، وإذا مضت ستة أشهر أخرى أخرج زكاة ثلثمائة، وعلى الوجه الثاني إذا مضت ستة أشهر من يوم البيع الثاني أخرج زكاة الأربعمائة الباقية.
ولو لم يبع العرض الثاني أخرج زكاة أربعمائة عند تمام الحول، وزكاة الباقي بعد سِتَّة أَشْهُرٍ، هذا هو الحكم، فإن أردت التوجيه فَخَرَّجْهُ عَلَى مَا سَبَقَ.
قال الغزالي: فَإِنْ نَتَجَ مَالُ التِّجَارَةِ كَانَ النِّتَاجُ مَالَ تِجَارَةٍ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيُجْبَرُ بِهِ نُقْصَانُ الوِلاَدَةِ فِي نِصَابِ مَالِ التِّجَارَةِ وَجْهاً وَاحِداً، ثُمَّ حَوْلُهُ حَوْلُ الأَصْلِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مال التجارة إذا كان حيواناً فلا يخلو: إما أن تجب فيه زكاة العين كنصاب السائمة من الغنم، فالكلام فيه وفي نتاجه سيأتي مِنْ بعد.
أولاً تجب كالخيل، والجواري، والمَعْلُوفة من النَّعَم، فَهَلْ يكون نَتَاجها مالَ تِجَارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النَّمَاء الذي تفيده العين لا يناسب الاستنماء بطريق التجارة، فلا يجعل مال تجارة، ويروى هنا عن ابن سُرَيْجٍ.
وأصحهما: نعم؛ لأن الولد جزء من الأم، فله حكمها، وزوائد مال التِّجارة من فوائد التِّجارة عند أهلها، والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الأُمّ بالولادة، فإن نقصت كما إذا كانت قيمة الجارية ألفاً، فعادت بالولادة إلى ثمانمائة، وقيمة الولد مائتان، فيجرِ نُقْصَانُ الأُمِّ، بقيمته، وعليه زكاة الألف ولو عادت قيمتها إلى تسعمائة جبرنا نقصان المائة من الولد؛ لأن سبب النقصان انفصال الولد، وهو عتيد حاضر، فيجعل كأنه لا نقصان، كذا حكي عن ابْنِ سُرَيجٍ وغيره.
وقال الإمام: وفيه احتمال ظاهر، وقضية قولنا: إنه ليس مال تجارة أن لا تجبر به نقصان الجارية كالمستفاد لسبب آخر.
وقوله في الكتاب: (في نصاب مال التجارة) لفظ (النصاب) حشو في هذا الموضع.
وقوله: "وجهاً واحداً" أي: من جهة النَّقْد، وما ذكره الإمام إنما أبداه على سبيل الاحتمال.
وثمار أشجار التِّجارة بمثابة أولاد حيوان التِّجارة، ففي كونها مال تجارة ما ذكرنا من الوجهين، ثم إن لم نجعل الأولاد والثمار مال تِجَارة، فكيف القول في زكاتها في السَّنة الثَّانِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا؟ أنخرجها من حساب التجارة
الجزء: 3 - الصفحة: 114
كما لو ورث عبداً أم كيف الوجه؟ قال إمام الحرمين: الظاهر أنا لا نوجب الزكاة، فإنه فيما نختاره الآن منفصلاً عن تبعية الأُمّ، وليس أصلاً في التجارة، وإن فرعنا على أنها مال تجارة وضممناها إلى الأصل ففي حولها وجهان:
أحدهما: أنها على القولين في ربح الناض؛ لأنها زيادة مستقرة من مال التجارة، فعلى أحد القولين ابتداء الحول من انفصال الولد، وظهور الثمار.
وأصحهما: أن حولها حول الأصل، كالزيادات المنفصلة، كالنتاج في الزكاة العينية، -والله أعلم-.
قال الغزالي: (وَأَمَّا المُخْرَجُ) فَهُوَ رُبْعُ عُشْر القِيمَةِ مِنَ النَّقْدِ الذِي كَانَ رَأسُ المَالِ نِصَاباً كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ كَانَ اشْتَراهُ بِعَرَضِ قَنْيَةِ قُوِّمِ بِالنَّقْدِ الغَالِبِ، فَإنْ غَلَبَ نَقْدَانِ فَلَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً إلاَّ بِأَحَدِهِمَا قُوِّمَ بِهِ، وَإِنْ بَلَغَ بهمَا نِصَاباً يُخَيَّرُ المَالِكُ عَلَى وَجْهٍ وَرُوعي غِبْطَةُ المَسَاكِينَ عَلَى وَجْهٍ، وَتَتَعَيَّنُ الدَّرَاهِمُ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ أَرْفَقُ، ويُعْتَبَرُ بِالنَّقْدِ الغَالِبِ فِي أقْرَبِ البِلاَدِ عَلَى وَجْهٍ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن قدر زكاة التجارة رُبْع العُشْرِ كما في النقدين ومم تخرج؟ قطع في الجديد 284: بأنها تخرج من القيمة، ولا يَجُوز أن تخرج من عَيْنِ ما في يده.
وبه قال مالك، لأن مُتَعَلَّق الزَّكاة هو القِيمَة.
وحكي عن القديم قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: أنه يخرج رُبُعَ عُشْرِ مَا فِي يَدِهِ؛ لأنه الذي يملكه، والقيمة تقدير، واختلفوا في هذا [القول] 285: منهم من قال إنه ترخيص وتجويز لإخراج العين باعتبار القيمة، ولو أخرج ربع عشر القيمة جَازَ.
ومن قال بهذا قال في المسألة قولان: تعيين القيمة، والتخيير بين العَيْنِ وَالقِيمَة.
وبه قال أبو إسحاق.
ومنهم من قال: ما ذكره في القديم أراد تعيين العين للإخراج، ومن قال بهذا قال في المسألة قولان: تعيين العين وتعيين القيمة، وحكى ابْنُ عَبْدَانَ هذا عن أبي هريرة.
ومن الأصحاب من استوعب، وجعل المسألة على ثلاثة أقوال: أصحهما: تعيين العين.
والثاني: تعيين القيمة.
والثالث: التخيير بينهما، وتحكى هذه الطريقة عن ابنِ سُرَيْجٍ، وعليها جرى
الجزء: 3 - الصفحة: 115
صَاحِبُ "التقريب"، ثم الفتوى والتفريع على الجديد، وهو الذي ذكره في الكتاب، لكنا نورد صورة لإيضاح هذا الخلاف فنقول: إذا ملك مائة درهم، فاشترى بها مائتي قِفَيزِ 286 من الحِنْطَة، فحال الحول وهي تساوي مائتين، فتجب عليه الزكاة تفريعاً على أن النِّصَاب لا يُعْتَبِر إِلاَّ في آخر الحَوْلِ، فَعَلَى الأصَحِّ يخرج خمسة دراهم، وعلى الثاني خمسة أقفزة، وعلى الثالث: يتخير بينهما ولو أخر إخراج الزَّكاة حتى تَرَاجَعَ السُّوقُ ونَقَصت القِيمَةُ، نظر: إن كان ذلك قبل إمكان الأداء فإن قلنا: الإمكان شرط الوجوب، سقطت الزَّكَاة وإن قلنا: شرط الضَّمَان وعادت القيمة إلى مائة فَعَلَى الأَصَحُّ يخرج درهمين ونصفاً، وعلى الثاني: يخرج خمسة أَقْفِزَة، وعلى الثالث: يتخير بينهما.
وإن كان بعد الإمكان، فعلى الأَصَحِّ يخرج خمسة دراهم؛ لأن النُّقْصَان من ضمانه، وعلى الثاني يخرج خمسة أقفزة، ولا يضمن نقصان القيمة مع بقاء الْعَيْنِ كالْغَاصِب، وعلى الثالث: يتخير بينهما، وإن أخر فزادت القيمة وبلغت أربعمائة، فإن كان ذلكَ قبل الإمكان وقلنا: إنه شرط الوجوب، فعلى الأصَحِّ يخرج عشرة دراهم، وعلى الثاني خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم؛ لأن هذه الزيادة في ماله ومال الْمَسَاكِين، وعن ابن أبي هريرة: أنه يكفي على هذا القول خمسة أقفزة قيمتها خمسة دراهم؛ لأن هذه الزيادة حدثت بعد وجوب الزكاة، وهي محتسبة في الحول الثاني.
وعلى الثالث: يتخير بين الأمرين.
ولو أتلف الحنطة بعد وُجُوبِ الزَّكَاة وقيمتها مائتا دِرْهم، ثم ارتفعت قيمتها فصارت أربعمائة فعلى الأصَحِّ يخرج خمسة دراهم، فإنها القيمة يوم الإتلاف.
وعلى الثاني: يخرج خمسة أَقْفِزَة قيمتها عَشْرَة دراهم.
وعلى الثالث: يتخير بينهما.
إذا عرفت ذلك فالكلام بعده فيما يُقَوّم به العَرَض، ولا يخلو الحال أول ما ملك مال التجارة إما أن يملكه بالنَّقْدِ، أو بغير النقد، أو بهما.
القسم الأول: أن يملكه بالنقد فإما أن يملكه بأحد النقدين، أو بهما.
فإن ملكه بأحد النقدين فإما أن يكون نصاباً أو لا يكون.
فإن كان نصاباً كما لو اشتراه بمائتي دِرْهَمٍ، أو عشرين ديناراً، فَيُقَوَّم في آخر الحَوْلِ بذلك النَّقْدَينِ؛ لأن الحول مبني على حوله، والزَّكاة وَاجِبَةٌ فيه فإن بلغ نصاباً بذاك النَّقْد أخرج زَكَاته، وإلا فَلاَ وإن كان الباقي غَالِبَ نَقْدِ البَلَدِ، وَلَوْ قُوِّمَ بِهِ لَبَلَغَ نِصَاباً، بل لو اشترى بمائتي درهم
الجزء: 3 - الصفحة: 116
عَرَضاً، وباعه وبعشرين ديناراً، وقصد التجارة مستمراً فَتَمَّ الحول والدنانير في يده ولا تبلغ قيمتها مائتي درهم، فلا زكاة فيها، هذا ظاهر المذهب 287. وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أن التقويم أبداً يقع بغالب نَقْدِ البلد، ومنه يخرج الواجب، سواء كان رأس المَالِ نقداً أو غيره؛ لأنه أرفق بالمستحقين، لسهولة التعامل به وحكى الْقَاضِي الرّوَيَانِي هذا عن ابن الْحَداد.
وقال أبو حنيفة 288 وأحمد: يعتبر الأحَظُّ لِلْمَسَاكِين، فَنُقَوِّمْ بِهِ ولا عبرة بما ملك به.
وإن كان دون النصاب ففيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إسحاق-: أنه يقَوَّم بِغَالب نَقْدِ البلد، كما لو اشترى بِعَرَضٍ؛ لأنه لا زَكاة فيه، كما لا زكاة في العَرَض.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن أبي هريرة-: أنَّه يُقَوَّم بذلك النَّقْد أيْضاً؛ لأنه أصْلُ مَا فِي يَدِهِ، وأقرب إليه من نقد البلد، وموضع الوجهين ما إذا لم يَمْلِكْ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ الَّذِي مَلَكَ بهِ مَا يتم به النِّصاب، فإن ملك ما يتم به النصاب كما لو اشترى بمائة درهم عرضاً لِلتِّجَارة، وهو يملك مائة أخرى فلا خلاف في أن التقويم بجنس ما ملك به؛ لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول، وابتدأ الحول من يوم ملك الدراهم 289. وإن ملك بالنقدين جميعاً فله ثلاثة أحوال؛ لأنه إما أن يكون كل واحد منهما نصاباً، أو لا يكون واحد منهما نصاباً أو يكون أحدهما نصاباً دون الآخر.
وأما في الحالة الأولى فيقوَّم بِهِمَا على نسبة التَّقْسيط يَوْم الملك، وطريقه: تقوم أحد النقدين بالآخر يومئذ؛ بأنه اشترى بمائتي درهم وعشرين ديناراً عُرُوضاً لِلتِّجَارَةِ، فينظر إن كانت قيمة المائتين درهم عشرين ديناراً فقد علمنا أن نِصْف العُرُوضِ مشترى بالدراهم، ونصفها بالدنانير، وإن كانت قيمتها عشرة دنانير فثلثها مشترى بالدراهم، وثلثاها بالدنانير، فهكذا تقوّم في آخر الحول، ولا يضم أحدهما إلى الآخر حتى لا تجب الزَّكاة، إذا لم يبلغ واحدٌ مِنْهُمَا نِصَاباً، وإن كان بحيث لو قُوِّم الجميع بأحد النَّقْدَيْنِ؛ لبلغ نِصَاباً، وحول كل واحد من المبلغين من يوم ملك ذلك النقد.
وأما في الحالة الثانية: فإن قلنا: ما دون النِّصاب كالعروض قوم الجميع بنقد
الجزء: 3 - الصفحة: 117
البلد.
وإن قلنا: إنه كالنصاب 290 قوم ما ملكه بالدَّرَاهِم بالدراهم، وما ملكه بالدنانير بالدنانير 291.
وأما في الحالة الثَّالِثَة: فيقوَّم ما ملكه بالنَّقدِ الذي هو نصاب بذلك النقد، وَمَا ملكه بالنَّقْدِ الثَّانِي، فعلى الوجهين 292 وكل واحد من المبلغين يُقَوَّم به في آخر حوله، وحول المملوك بِقَدْرِ النِّصَاب مِنْ يَوْمِ مَلَكَ ذَلِك النَّقْد، وَحَوْل المملوك بالآخر من يوم العرض، وإذا اختلف جنس القوم به فلا ضَمَّ كما سبق.
القسم الثاني: أن يملكه بغير النَّقْد كما لو ملك بعرض للقنية، فيقوم في آخر الحول بآخر نَقْدِ الْبَلَد من دراهم، أو دنانير، إن بَلَغَ به نِصَاباً أخرج زَكَاتَه، وإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وإن كان يبلغ بغيره نِصَاباً، فإن كان يجري في البلد النقدان وأحدهما أغلب، فالتقويم به، وإن استويا نظر إن بلغ بأحدهما نصاباً دون الآخر قُوِّمَ بِهِ، وإن بَلَغَ بِهِمَا، ففيه وجوه أربعة:
أحدها: أن المالك يتميز، فيقوم بأيهما شاء، ويخرج الزّكاة، ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
والثاني: أنه يراعى الأَغْبَط لِلْمَساكين.
والثالث: أنه يتعين التَّقويم بالدراهم؛ لأنها أَرْفَق وأَصْلَح لشراء المُحَقَّرَات 293. قال الرُّويَانِي: وهذا اختيار ابن أبي هريرة.
والرابع: أنه يعتبر بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه، لاستوائهما في ذلك البلد، فصار كما لو لم يكن فيه نقد، فهذا التَّرتيب المذكور في الكتاب، وكذا أَوْرَدَهُ العِرَاقِيُّون، والقاضي الرّويَانِي، وحكموا بأن الوجه الأول أصَحّ.
وإيراد الإمام وصاحب التَّهْذِيب يقتضي ترجيح الوجه الثاني؛ لأنهما قالا: إذا استويا ولم يغلب أحدهما يُقَوَّم بالأنفع لِلْمَسَاكين، فإن استويا فيه، فحينئذ فيه الوجوه
الجزء: 3 - الصفحة: 118
الثلاثة الباقية، وما ذكراه يعتضد بأن الأظهر في اجتماع الحقاق، وبنات اللبون ورعاية الأَغْبَط، وما ذكره غيرهما يَعْتَضِد؛ لأن الأظْهَر في الجَبْرَان أن الْخِيَار في تعيين الشَّاتَينِ والدَّرَاهم إلى المُعْطِي، ويدخل في هذا القسم المملوك بالخُلْع والنّكاح على قصد التِّجَارة، إذا قلنا: إنه مال تجارة.
القسم الثالث: أنه يملك بالنقد، وغيره معاً كما لو اشترى بمائتي درهم وعرض قنية، فما يقابل الدراهم يُقَوم بالدراهم، وما يقابل العَرَض يقوّم بنقد البلد، فإن كان النَّقْد دون النِّصَاب عَادَ الوجهان، وكما يجزئ التقسيط عند اختلاف الجنس يجزئ عند اختلاف الصِّفَة، كما لو اشترى بِنِصَابٍ من الدَّنَانِير بَعْضُهَا صَحِيح، وبعضها مكسر، وبينهما تفاوت يقوم ما يخص الصّحاح بالصّحاح، وما يخص المكسر بالمنكسر.
ولا يخفى عليك بعد هذا الشَّرح أن لفظ (القيمة) من قوله في الكتاب: (فهو ربع عشر القيمة) فينبغي أن يكون مُعَلَّماً بالواو، وقوله: (من النقد الذي كان رأس المال) بالحاء، والألف، وقوله: (أو لم يكن) بالواو، وقوله: (فإن غلب نقدان) أي: على التساوي، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ يُمْتَنَعُ عَلَى التَّاجِرِ التِّجَارَةُ لِعَدَمِ إِخْرَاجِ الزَّكاةِ، وَأَمَّا الإِعْتَاقُ وَالهِبَةُ فَهُوَ كَبَيْعِ المَوَاشِي بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
قال الرافعي: هل ينفذ بيع التَّاجر مال التجارة بعد تمام الْحَوْل ووجوب الزَّكَاة فيها؟ ذكر بعض الأصحاب، أنه على الخِلاَف في بَيْع سَائِرِ الأمْوَالِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وروى في "النهاية" عن بعضهم أنا إن قلنا: إِنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ تُؤَدِّي مِنْ عَيْنَ العُرُوض، فهو على ذلك الخِلاَف.
وإن قلنا: تُؤَدَّى من القيمة فالحكم فيه كالحكم في ما لو وجبت شاة في خَمْسٍ من الإبِلِ فباعها؛ لأن القيمة ليست من جِنْسِ العَرَض، كالشَّاةِ لَيْسَتْ من جِنْسِ الإبِل.
والذي قطع به الجمهور، وأورده في الكتاب، أنه يَجُوز البَيْعُ، ولا يخرج على ذلَك الخلاف؛ لأن متعلق هذه الزَّكاة المالية والقيمة وهي لا تفوت بالبيع، ولا فرق بين أن يَبِيعَ على قَصْدِ التِّجَارَةِ وهو الذي يتناوله لفظ الكتاب، أو على قَصْدِ اقتناء العَرَض، فإن متعلق الزَّكَاة الواجبة لا يبطل، وإن صار مال قنية، فهو كما لو نوى الاقتناء مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، ولو أعتق عبد التجارة، أو وهب مال التجارة، فحكمه حكم ما لو باع المواشي بعد وجوب الزَّكَاة فيها؛ لأن الإعتاق والهبة يبطلان متعلق زكاة التجارة، كما أن البيع يبطل متعلق زكاة العَيْنِ، ولو بَاعَ مَالَ التِّجارة بمحاباة فقدر المحاباة كالموهوب، فإن لم تصحح الهِبَة وَجب أن تبطل في ذلك القدر، ويخرج في الباقي على تفريق الصَّفْقَة، -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 119
قال الغزالي: ﴿قَاعِدَةٌ﴾ يَجِبُ إِخْرَاجُ الفِطْرَةِ (ح) عَنْ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ مَالُ التِّجَارَةِ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَة غُلَّبَ زَكَاةُ العَيْنِ فِي قَوْلِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَغُلِّبَ زَكَاةُ التِّجَارَةِ فِي قَوْلٍ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالمَسَاكينِ لِعُمُومِهِ، فَإنْ غَلَّبْنَا الزَّكَاةَ وَلَمْ يَكُنِ المَالُ نِصَاباً بِاعْتِبَارِهِ عَدَلْنَا إلَى الزَّكَاةِ الأخْرَى فِي أَظْهُرِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ اشْتَرَى مَعْلُوفَةً لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ أَسَامَهَا وَقُلْنَا: المُغَلَّبُ زَكَاةُ العَيْنِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةُ التِّجَارَةِ كَيْلاَ يُحْبِط بَعْضَ حَوْلِ التِّجَارَةِ.
قال الرافعي: غرض القاعدة الكلام فيما لو كان مال التجارة مما يجب في عينه الزَّكَاة، وافتتحها باجتماع الفطرة وزكاة التجارة، فعندنا: تجب فطرة عبيد التِّجَارة مع إخراج الزَّكَاةَ عن قيمتهم، وبه قال مالكٌ خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "لا تجب الفطرة به".
لنا: أنهما حقان يجبان لسببين مختلفين، فلا يَتَداخلان كالجَزَاء مع القِيمَة 294 في العبد المَمْلُوك، ولو كان مَالُ التِّجَارَةِ نِصَاباً من السائِمَة فلا تجب فيه زكاة العين، والتِّجَارة جميعاً، وفيما تُقَدَّم مِنْهُمَا؟ قولان:
الجديد -وبه قال مالك-: أنه تُقَدَّمُ زَكَاةُ الْعَيْن؛ لأنها أقوى من جِهَة أنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وفي زكاة التجارة نزاع لبعض أهل الظاهر، وقد حكينا فيها عن القديم شيئاً ضعيفاً أيضاً.
والقديم -وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: أنه تُقَدَّم زَكَاة التِّجَارَةِ؛ لأنها أنفع للمساكين من حيث إنها تعم وتشمل أصنَاف الأموال، وتزيد بزيادة القِيمة.
وذكر القَفَّال في "شرح التلخيص" أن له في القديم قولين:
أحدهما: كالجديد.
والثاني: تغليب زَكَاة التِّجَارة ورأيت لابْنِ الصَّبَاغِ من العراقيين رواية مثل ذلك.
فإن قلنا: بالأصح، وهو تقديم زكاة العين أخرج السِّنَّ الوَاجِبَةَ مِنَ السَّائِمَةِ، والسُّخَال تُضَمُّ إلى الأمهات، وإن قدمنا زكاة التّجَارة فقد قال في "التهذيب": تقوم مع درِّها، وَنَسْلِهَا، ؤصُوفِهَا، وما اتخذ من لَبَنِهَا، وهذا جواب في النّتاج على أنه مال تِجَارة، وقد أَسْلَفْنَا فيه خلافاً، ولا عبرة بنقصان النِّصاب في أثناء الحول تفريعاً على الصَّحيح في وقت اعتبار نِصَاب التِّجَارة، ولو اشترى نِصَاباً مِنَ السَّائِمَة لِلتِّجَارة، ثم اشترى بها عرضاً بعد سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَثَلاً، فعلى القول الثاني: لا ينقطع الحول، وعلى
الجزء: 3 - الصفحة: 120
الأول: ينقطع، ويبتدئ حول زكاة التجارة من يوم شِرَاء العَرَض، ثم القولان فيما إذا كَمُلَ نصاب الزَّكَاتَيْنِ واتفق الحولان، أما إذا لم يَكْمُلْ نصاب إحداهما كما إذا كان مَالُ تِجَارَتِهِ أربعين من الغَنَم السائمة، ولم تبلغ قيمتها نصاباً عند تمام الحول، أو تسعاً وثلاثين فما دونها وبلغت قيمتها نصاباً فعليه زَكَاةُ الَّتِي كَمُلَ نِصَابُهَا دون الأخرى قولاً واحداً، هكذا ذكر العراقيون والقَفَّالُ وَاَلْجَمْهُورُ، وما في الكتاب يقتضي إثبات الخلاف فيه فإنه قال: (فإن غَلَّبْنَا زكاة، ولم يكن المال نصاباً باعتباره، عدلنا إلى الزكاة الأخرى في أظهر الوجهين) وكلام الإمام يوافق ما ذكره، فإنه روى وجهين في وجوب زكاة العين إذا رَأَيْنَا تقديم زَكَاة التِّجَارة، وكان مال تجارته أربعين من الغَنَم، ولم يبلغ قيمتها نصاباً في آخر الحول، وعلى عكسه كما لو رأينا تقديم زكاة العين، وقد اشترى أربعين فنقص العدد، وقيمة الباقي نصاب من النقد، روى وَجْهَيْن في وجُوب "زَكَاة التِّجارة" وَسَاعَدَهُمَا صَاحِبُ "التهذيب" في حكاية الخلاف في الصُّورة الأولى دون الثَّانِيَة، وسواء ثبت الخلاف أم لا، فالجواب في المسألة العدولُ إلى الزَّكَاة الأُخْرَى لانقطاع زحمة الأولى، وإذا غَلَّبْنَا زَكَاةَ الْعَيْن في نصاب السَّائِمَة، وانتقصت في خلال السَّنَةِ عن النِّصَاب، ونقلناه إلى زكاة التِّجارة، فهل يبنى حَوْلَ زكاة التجارة عَلَى حَوْلِ زَكَاةِ الْعَيْنِ أم يستأنف لَهَا حَوْلاً؟ فيه وجهان: حكاهما القَفَّالُ فِي "الشَّرْح" قال: وهما كالوجهين فيما لو مَلَك نِصَاباً من السَّائِمَةِ لاَ لِلتِّجَارَةِ، واشترى به سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ، هل يَبْنَى حَوْلَ السِّلعة عَلَى حَوْلِ المَاشِيَة؟ وإذا أوجبنا زكاة التجارة لِنقْصَان الْمَاشِيَة المشتراه للتجارة عن قدر النِّصَاب، ثُمَّ بَلَغَتْ بالنَّتَاجِ في أَثْنَاءِ الحَوْلِ نِصَاباً ولم تبلغ بالقيمة نِصَاباً في آخِر الحَوْلِ فقد حكى صاحبُ "التهذيب" عن بعض الأصحاب أنه لا زكاة عليه؛ لأن الحَوْلَ انعقد على زَكَاة التِّجَارة، فلا يتبدل.
وعن بعضهم: أنه ينتقل إلى زكاة العين، فعلى هذا يعتبر الحَوْلُ من تمام النِّصَاب بالنَّتَاج، أو من وقت نقصان القيمة عن النِّصاب؟ فيه وجهان 295: وأما إذا كَمُلَ نِصَابُ الزَّكَاتَيْن وَلَمْ يتفق الحَوْلاَن، وهذا في السَّوائم إنما يكون بسبب حول زكاة التِّجارة بأن يشتري بمتاع تجارتة بعد سِتَّةِ أَشْهُر نِصَاباً من السَّائِمَة، أو يشتري مَعْلُوفَةٌ للتجارة ثم يُسِيمُهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ولا يتصور سَبْق حول زكاة العين فيها، لأَنَّ حَولَهَا ينقطع بالمبادلة، فإذا تصور ذلك؛ ففيه طريقان:
أظهرهما -وبه قال القاضي أبو حامد-: أنه على القولين في أنه يُقَدِّم هَذِه الزَّكَاةِ، أم هذه الزكاة؟
الجزء: 3 - الصفحة: 121
والثَّانِي -وبه قال أبو إسحاق واختاره القاضي أبو الطيب 296 -: أن القولين مَخْصُوصان بها إذا اتفق الحولان، وذلك بأن يشتري بعروض القَنْيَة نِصَاباً مِنَ السَّائِمَة لِلتِّجَارَة.
فأما إذا لم يتفقا فلا جريان للقولين، وعلى هذا فما الحكم؟ نَقَلَ الإِمَامُ -رضي الله عنه- فيه طريقين:
أحدهما: أن المتأخر يرفع المُتَقَدِّم، وَيتَجَرَّدُ قولاً وَاحِداً.
والثَّاني: أن المُتَقَدِّم يرفع المتأخر، وعليه زكاة التّجارة في الصُّورَةِ المَفْرُوضة قولاً واحداً: لأن التي تَمَّ حَوْلُهَا خَالِية عن زحمة الغير فتجب، وهذا هو الأشهر الذي نَقَله المعظم تفريعاً على طريقة أبي إسحاق، وإذا طردنا القولين فيما إذا تَقَدَّم حول التِّجَارة، فإن غَلَّبْنَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ فَلاَ كَلاَمَ، وإن غَلَّبْنَا زَكَاةُ الْعَيْنِ فوجهان:
أحدهما: أنها تَجِب عند تمام حولها، وما سبق من حول التجارة على حول زَكَاة العَيْنِ يَتَعَطَّل 297.
وأظهرهما: أنه يجب عليه زكاة التجارة عند تمام حولها لئلا يحبط بعض حولها، ثم يستفتح حول زكاة العين من منقرض حولها، وتجب هي في سَائِرِ الأحوال.
وقوله: (وقلنا: المغلب زكاة العين) جواب على طريقة طرد القولين مع اختلاف الحولين، ولك أن تُعَلِّمَهُ بالواو، وتشير به إلى الطريقة الثَّانية لِلْخِلاَف، هذا تمام القَوْلِ فيما إذا كَانَ مَالَ التِّجَارَة نِصَاباً من السَّائِمَة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَى حَدِيقَة لِلتِّجَارَة فَأثْمَرَتْ وَقُلْنَا: الثَّمرَةُ مَالُ التِّجَارَة، أَوْ اشْتَرَى الثِّمَارَ قَبْلَ الصَّلاحِ فَبَدَا الصَّلاحُ فِي يَدِهِ وَغَلَّبْنَا زَكاةَ العَيْنِ فَالعُشْرُ المُخْرَجُ لاَ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ حَوْلِ التِّجَارَةِ عَلَى الثِّمَارَ بَعْدَ القِطَافِ، وَهَلَ نُسْقِطُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ عَنِ الأَشْجَارِ وَالأَرَاضِي؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ مَنْشُؤُهَا التَّرَدُّدُ فِي التَّبَعِيَّةِ، وَفِي الثَّالِثِ يُتْبَعُ الشَّجَرَةُ دُونَ الأَرْضِ، وَلَوِ اشْتَرَى أَرْضًا لِلتَّجَارَةِ وَزَرَعَهَا بِبَذْرِ القَنْيَةِ فَحَقُّ الزَّرْع العُشْرُ، وَلاَ تَسْقُطُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ، لِأَنَّ التِّجَارَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي مُتَعَلَّقِ العُشْرِ حَتَّى يُسْتَتْبَعْ غيْرُهُ.
قال الرافعي: الفصل ينظم صورتين:
أحدها: لو اشترى حديقة، أو نخيلاً لِلتِّجَارَة فأثمرت أو أرضاً مزروعة للتجارة
الجزء: 3 - الصفحة: 122
فأدرك الزَّرع، وبلغ الحاصل نِصَاباً؛ فالقولان في أن الواجب زكاة العين، أو زكاة التجارة مطردان، فإن لم يكمل أحد النِّصَابين، أو كَمُلاَ ولم يتفق الحولان استمر التفصيل الذي سبق، وهاهنا كما يتصور سبق حول التجارة يتصور سبق زكاة العين بأن يبدو الصلاح في الثمار قبل تمام حول التّجارة، ثم هذا الذي ذكرناه فيما إذا كانت الثَّمَرة حَاصِلَة عند الشِّراء، وبُدُوِّ الصَّلاَح فِي يده، أما إذا طلعت بعد الشِّرَاء، فيزداد هذا النظر إلى شيء آخر.
وهو أن الثمرة الحادثة من أشجار التجارة هل تكون مال التِّجَارة؟ وفيه وجهان أسلفنا ذكرهما 298. فإن قلنا: نعم فهي كما لو كانت حاصلة عند الشراء، وتنزل منزلة زيادة متصلة، أو أرباح مُتَجَدِّدة في قِيمَة العُروضِ، ولا تنزَّل منزلة ربح ينضّ حتى يكون حولها على الخلاف الذي سبق فيه.
وإن قلنا: إنها لَيْسَت مَالَ تِجَارَةٍ فقضيته وجوب زكاة العين فيها بلا خلاف، وتخصيص زَكَاةِ التِّجارة بالأرض والأشجار.
التفريع: إن غلبنا زكاة العين أخرج العُشْرَ، أو نِصْفَ العُشْرِ من الثِّمار أو الزروع.
وهل تسقط به زكاة التجارة عن قيمة جذع النخيل؟ وتبن الزرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المقصود الثمار والزروع، وقد أخذنا زكاتها.
وأظهرهما: لا؛ لأنه ليس فيها زكاة العين، فلا تسقط عنهما زكاة التجارة، ويحكى الوجه الثاني عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق، وفي أرض الحديقة، وأرض الزرع طريقان:
أحدهما: أن في زَكَاة التِّجارة فِي قِيمَتِهَا وَجْهَيْنِ كما في الجذع، والتبن.
والثاني: القطع بالوجوب.
والفرق بُعْدُ الأراضي عن التبعية، فإنَّ الثِّمَار والْحُبُوبَ خَارِجَةٌ عن عين الشَّجَرَةِ، والتبن، وهمَا خَارِجَتَان مما أودع في الأرض لا من نفس الأرض.
قال الإمام، وَينْبَغِي أن يعتبرِ ذلك بِمَا يدْخَل مِنَ الأَرَاضِي المتخللة بين النَّخيل في المُسَاقَاة وما لا يدخل فما لا يدخل تَجِبْ فيه زَكَاة التِّجَارَةِ قَطْعاً، وما يدخل فهو على الخِلافَ -والله أعلم-.
فإن أوجبنا زَكَاة التِّجَارة في هذه الأَشْيَاء فَلَمْ تبلغ قيمتها نِصَاباً، فهل تُضَمّ قِيمَة التَّمَرَةِ وَالْحَبِّ إِلَيْهَا لِتَكْمِيل النِّصَابِ؟ نقلوا فيه وجهين 299.
وعلى هذا القول لا يَسْقُط اعتبار التِّجَارة فِي المُسْتَقْبَل بالكُلِّية، بل تَجِبُ زَكَاةُ
الجزء: 3 - الصفحة: 123
التِّجَارَةِ فِي الأَحْوَالِ الآتية، ويكون افتتاح حَوْلِ التِّجَارة مِنْ وَقْتِ إِخْرَاج العُشْرِ لا من وَقْتِ بُدُوِّ الصَّلاحَ، وإن كان ذلك وَقْتَ الوُجُوبِ؛ لأن عليه بعد بُدُوِّ الصَّلاح تربية الثِّمار للمساكين، فلا يجوز أن يكون زمان التَّربِيَة محسوباً عليه، ذَكَره في "النهاية" وإن غَلَّبنَا زكاة التِّجَارة قُوِّمَتْ الثَّمرة والجذع، وفي الزرع الحبُّ والتِّبْنُ، وتُقَوَّمُ الأَرْضُ أيضاً، في صُورة الحَدِيقة، وفيما إذَا اشْتَرَى الأَرْضَ مَزْرُوعة لِلتِّجَارة، ولا فِرقِ بين أن يشتريها مزروعة للتِّجَارة وبين أن يَشْتَرِي أَرْضاً للتِّجَارَةِ وَبِذْرًا لِلتِّجَارَةِ وَيزْرَعُهَا بِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، ولو اشترى الثِّمَار وَحْدَها وبَدَا الصَّلاح فِي يَدِهِ، جَرَى القَوْلاَن فِي أنَّهُ يُخْرِجُ العُشْرَ أم زكاة التِّجارة.
والثانية: لو اشترى أرضاً لِلتِّجارة، وَزَرَعَهَا بِبِذْرِ للقنية، فعليه العُشْرُ في الزرع وزكاة التِّجارة في الأرض بلا خلاف، ولا تَسْقُطُ زَكَاة التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ بأداء العُشْرِ قولاً وَاحِداً؛ لأن التِّجَارة لم توجد في مُتَعَلّق العُشْرِ، حتى يستتبع غيره.
وأما لَفْظُ الكتاب:
فقوله: في صورة شراء الحديقة (وقلنا: الثمرة مال تجارة) أشار به إلى الوجهين، في أن ثِمَار أَشْجَار التِّجَارَة، هَل تَكُون مَالَ تِجَارةٍ؟ وإنما يقطع النظر إليهما إذا حدثت الثمار بعد الشراء على ما بَيَّنَّاهُ.
وقوله: (أو اشْتَرى الثِّمَار) هُوَ صورة شراء الثمار وَحْدَها، وإنما يعتبر بُدُوُّ الصَّلاحَ فِي يَدِهِ، لأنه وَقْتُ وجُوب العُشْرِ، وبتقدير تقدمه على الشراء فالواجب زَكَاة التِّجارة قولاً وَاحِداً.
وقوله: (فالعشرَ المخرج لا يمنع من انعقاد حَوْل التجارة على الثِّمار بعد القِطاف) معناه ما ذكرناه أنه لا يسقط على قولٍ تقديم زَكَاة العَيْنِ اعتبار التِّجارة في الأحوال المستقبلة.
وقوله: (وهل تسقط زكاة التجارة عن الأشجار والأرض) يرجع إلى صورة الحديقة دون الصورة الثانية شراء مُجَرَّدِ الثِّمار.
وقوله: (فيه ثلاثة أوجه) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن إثبات الوجوه الثلاثة إنما ينتظم على قول من أْثبَت الخِلاَف في الأراضي، وقد نقلنا طريقة قاطعة بأنَّها لا تتبع.
قال الغزالي: ﴿فَصْلٌ﴾ إِذَا قُلنَا: العَامِلُ لاَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ وَجَبَ زَكَاةُ الجَمِيعِ (و) عَلَى المَالِكِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ وَجَبَ عَلَى العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ بِحَوْلِ الأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ رُبْحٌ وَبِحَوْلٍ مُسْتَفْتَحٍ مِنْ وَقْتِ الظُّهُورِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ فِي حَقِّهِ أَصْلٌ، وَفِيهٍ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فَأَشْبَهَ المَغْصُوبَ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فَهَلْ يَسْتبِدُّ بِإخْرَاجِهِ فِيهِ خِلاَفٌ يُلْتَفَتُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ كالْمُؤَنِ، أَوْ كَاسْتِرْدَادِ طَائِفَةٍ مِنَ المَالِ وَعَلَيهِ ينْبَني أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ المَالِكُ مِنَ الزَّكَاةِ يُحْتَسِبُ مِنَ الرِّبْحِ أَوْ مِنْ رَأسِ المَالِ.
قال الرافعي: بناء الفصل على أن عامل القَراض هَل يَمْلُكُ القَدْرَ المَشْرُوط لَهُ مِنَ
الجزء: 3 - الصفحة: 124
الرِّبْحِ بمجرد الظُّهُور أو لا يملك إِلاَّ بِالْقِسْمَة؟ وفيه قولان:
أصحهما: الثاني، وسيأتي شرحهما في "كِتَاب القَرَاض" -إن شاء الله تعالى-.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فالرَّجُل إذَا دَفَع إلَى غَيْرِهِ نَقْداً قراضاً وحال الحول وفيه ربح فلا يخلو إما أن لا يكون واحد مِنْهُمَا مِنْ أهْلِ وجُوبِ الزَّكَاة، كالذِّمِّي والمُكَاتَب، أو يكونَا جميعاً مِنْ أهله، أو يكون أحدهما من أهله دون الثاني.
أما الحالة الأولى: فلا يخفى حكمها.
وأما الثانية: فكلام الكتاب مقصور عليها، فإن قلنا: العامل لا يملك الربح بالظُّهور فَزَكَاةَ رأس المَالِ والربح كله على المَالِكِ، لأن الكُلَّ مِلْكُه، هَكَذا قاله الجمهور.
ورأى الإمام تخريج الوجوب في نصيب العامل على الخلاف في المغصوب والمَجْحُود والأمْلاَك الضَّعِيفة، لتأكُّدِ حَقِّ العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ، وتَعَذُّرِ إِبْطَالِهِ عَلَى الْمَالِكِ، وحَوْلُ الرِّبْحِ مبنِيُّ على حَوْلِ الأَصْلِ، إلا إذا رُدَّ إلى النضوض ففيه الخلاف الذي تَقَدَّم ثم إن أخرج الزكاة من مال آخر فَذَاك، وإن أُخْرِجَ مِنْ هَذَا الْمَالِ ففي حكم المُخْرَج وجهان:
أحدهما: أنه محسوب من الرِّبْح كالمُؤَنِ الَّتِي تَلْزَمُ المَالَ مِنْ أُجْرَةِ الدَّلاَّلِ وَالْكَيَّالِ، وكما أن فُطْرَة عبيد التِّجَارَةَ تُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَذَا أَرْشٌ جَنَايَتِهِمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ عَندَ الأكثرين ويحكى عن نَصِّهِ في "الأم".
والثاني: أنه كَطَائِفَة مِنَ المَالِ يَسْتَرِدُّهَا الْمَالِكُ؛ لأنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى حَقٍّ لَزمهُ، فعلى هذا يكون المُخْرَجُ من رَأسِ الْمَالِ وَالرِّبْح جَمِيعاً على قضية التقسيط.
مثاله: رأس المال مَائَة والرِّبْحُ خَمْسُون، يكون ثُلُثَا المُخْرَجِ مِنْ رَأسِ الْمَالِ، وَثُلُثُه مِنَ الرِّبْحِ.
قال في "التهذيب": والوجهان مَبْنِيَّانِ على أن الزَّكَاة تَتَعلَّق بِالْعَيْنِ أو بالذِّمَة؟ إن قلنا: بالأول فهو كالمُؤَن، إلا فكاسترداد طائفة من المال، وروى الإمام هذا البناء عن بعضهم، لكن مع ترتيب، إن قلنا بتعلقها بِالْعَيْنِ فَهُوَ كَالْمُؤَنِ بِلاَ خِلاَف، وإلا ففيه الخِلاَف، ثم إنه لم يَرْتَضِ هَذَا البنَاءَ، ولم يستبعد طرد الوجهين تَعلَّقت الزَّكاة بالعَيْنِ أو بالذِّمة.
وفي المسألة وجه ثالث: أن المخرج من رأس المال خَاصَّة؛ لأن الوَاجِب لزمه خَاصَّة، وهذا أظْهَرُ عند القاضي الرّوَيانِي وقَوْم -رحمهم الله-، وإن قلنا: العامل يملك الرّبْحَ بالظُّهُورِ فعلى المالك زَكَاةُ رأسِ الْمَالِ ونصيبه مِنَ الرِّبْحِ، وهَلْ على العَامِل زَكَاةُ نَصِيبِهِ؟ فيه طرق:
أحدها -ويحكى عن صاحب "التقريب"-: أنه على القولين في المغصوب
الجزء: 3 - الصفحة: 125
ونظائره؛ لأنه لا يتمكن من التَّصَرُّف على حسب مشيئته.
والثَّاني: القطع بالوجوب؛ لأنه مُتَمَكِّن مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ متى شَاء بالاسْتِقْسَام، فأشبه الدَّيْنَ الحَالَّ عَلَى الْمَلِيءِ.
والثالث -ويحكى عن القفال-: القطع بالمنع؛ لأن ملكه غير مستقر من حيث إنه وقاية لرأس المال عن الخُسْران، فصار كملك المُكَاتب، فإن أوجبناه وهو الظَّاهر - سواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالكلام في أمور:
أحدها: حول حِصَّتِهِ من الرِّبْحِ هل هو حول رأس المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كحصة المالك منه؛ لأنهما جميعاً مستفيدان للرِّبْح مِنْ رَأسِ الْمَال.
وأصحهما: لا؛ لأنه في حَقِّه أَصْلٌ وَاقِع في مقابلة عمله، ولا عهد بضم مِلْك الْغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ فِي الْحَوْلِ، وعلى هذا فَمِنْ مَتَى يبتدأ الحول؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وهو نصه في "المختصر": أنه من يوم الظُّهور لِثُبُوتِ مِلْكِهِ من يَؤْمَئِذٍ.
والثاني: من يوم يقوَّم المالُ على المالك لأخذ الزكاة.
والثالث: من يوم القسمة؛ لأن مِلْكِه حينئذ يستقر.
الثاني: إذا تَمَّ حوله، ونصيبه لا يبلغ نصاباً، ومجموع المال نِصَاب فإن أثبتنا الخُلْطَة في النَّقْدَيْنِ فعليه الزَّكَاة، وإلاَّ فلا إلا أن يكون له من جنسه ما يتم به النِّصَاب، وهذا إذا لم نجعل ابتداء الحول من يوم المُقَاسَمة، فإن حسبناه من المقاسمة سَقَطَ النَّظَر إلى قَوْلَى الخُلْطَة.
الثالث: لا يلزمه إخراج الزَّكَاةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لأنه لا يعلم سَلاَمَةِ نَصِيبِهِ له إلا إذا تَقَاسما وحينئذ يُزَكِّيه لما مضى، كالدَّيْنِ إذا اسْتَوْفَاهُ، هذا هو الأظْهَر، ونفى ابْنُ عَبْدَانَ الخلاف فيه.
وفيه وجه آخر: أنه يجب الإخْرَاج في الْحَال لتمكنه من الاستقسام، فأشبه الوَدِيعة عِنْدَ الْغَيْرِ، ويحكى هذا عن صَاحِب "التَّقْرِيب".
والرابع: إن أخرج الزَّكَاةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخر فذاك، وإن أراد إِخْرَاجَهَا مِنْ مَالِ الْقَرَاضِ، فهل يَسْتَبِد به أم لِلْمَالك منعه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يستبد، وذكر الرّوَياني أنه المنصوص.
والثاني -ولم يورد الصيدلاني غيره-: أنه لا يستبد بِهِ وللمالك منعه؛ لأن الربح وقايةٌ لِرَأْسِ المال عن الخُسْران، فله أن يمنعه من التَّصَرُّفِ فيه حتى يسلم إليه رأس المال.
قال الإمام: ويمكن تخريجها على ما ذكرنا من أن الزَّكَاة مؤنة أو استرداد طائفة؟
الجزء: 3 - الصفحة: 126
إن قلنا بالأول فله إِخْرَاجُها منه استبداداً.
وإن قلنا بالثاني، فَلاَ، ولك أن تقول إنما أن يحْسُن أخْذُ الوجهين من هذا المأْخَذِ، إذا أثبتنا الخلاف في كون الزَّكاة مُؤْنَةً أو استرداد طائفة على الإِطْلاَق، لكن أومأ الصيدلاني إلى تخصيص ذلك الخلاف بزكاة جَمِيع الْمَال، إذا أخرجها المالك تفريعاً على القول الأول، فأما ما يخرجه من المَالِ لِزَكاة رأس المال من نَصِيبه من الرِّبْح فهو كاسترداد طائفة، ولا يتجه فيه الوجهان؛ لأن العامل قد اختص بالتزام ما يخصه، فكيف يحسب من الرّبح ما يخص المالك، وقد صرح الإمام بهذا الذي أومأ إليه الشيخ الصَّيْدَلاَنِيّ فكان من حقه أن يقول بأحد الوجهين من المأخذ المذكور، أو لا يقول بتخصيص الوجهين بالقَوْل الأول -والله أعلم-.
الحالة الثالثة: أن يكون أحدُهُمَا مِنْ أَهْلِ وُجُوب الزَّكَاة دون الآخر، فإن كان الذي هو من أهل الوجوب منهما المالك وفَرَّعْنَا على أنَ الكُلَّ لَهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ فعليه زكاة لكُلِّ، وإن فَرَّعْنَا على القول الآخر فَعَلَيْهِ زَكَاةُ رأسِ المالِ ونصيبهِ من الرَّبْحِ، ولا شيءَ على العَامِلِ، ولا يكمل مال المالك إن لم يبلغ نصاباً، بنصيب العامل، وإن كان العاملُ من أهلِ الوُجوبِ دُونَ المَالِك.
فإن قلنا: كل المال للمالك قبل القِسْمَة فلا زَكَاة، وإن قلنا: لِلْعَامل حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ فَفِي الزَّكَاةِ عليه الْخِلاَفُ الَّذِي سَبَقَ في الْحَالَة الأولى، فإن أوجبنا الزَّكَاة فذلك إذا بلغت حِصَّتُهُ نِصَاباً، أو كان له ما يتم به النِّصَاب ولا تثبت 300 الخُلْطَة هاهنا بلاَ خِلاَف، ولا يجيء في اعتبار ابتداء الحول هاهنا إلا الوجه الأول والثَّالِث، ويسقط الثاني؛ لأنه لا تقويم على من لا زكاة عليه، وليس له إخراج الزَّكَاةَ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ هاهنا بلا خلاف؛ لأن المالك لم يدخل في العَقْد على أن يُخْرج من المَالِ الزَّكاة، هكذا ذَكَرُوهُ ولمانع أن يمنع ذلك؛ لأنه عامل من عَلَيه الزَّكاة.
وَعُدْ بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأعلم قوله: (لا يملك الربح بالظهور) بالحاء؛ لأن مذهبا أبي حنيفة -رحمه الله- مثل القول الثاني.
وقوله: (وجب زكاة الجَمِيع على المالك) بالواو؛ لما حكيناه عن الإمام -قدس الله روحه-.
وقوله بعد ذلك: (يملك) بالزاي؛ مذهب المزني -رحمه الله-، مثل القول الأول، ولا يخفي عليك أن قوله: (لا يملك الربح بالظهور) أراد به حِصَّته من الرِّبح، ففيه الخلاف.
ولك أن تعلم قوله: (من وقت الظهور) بالواو، إشارة إلى وجهين ذَكَرْنَاهُمَا في ابتداء الحَوْلِ فإنهما لا يَعْتَبِران وَقْتَ الظُّهُورِ، وإن ساعد هذا الوجه على
الجزء: 3 - الصفحة: 127
اعتبار حول مستفتح.
وقوله: (وفيه وجه أنه لا زكاة عليه) هو مقابل لقوله أولاً: (وجب على العامل في حِصَّته ثم الحكم المذكور في هذا الوجه ليس له تَعَرُّضْ لِلْخِلاَف لكن التعليل والتشبيه بالمغضوب بَيِّنٌ أَنَّهُ قَصَد به حكاية طريقة القولين فكأنه قال: وفيه وجه: أنه لا زَكَاةَ عليه على أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وقد تُسَمَّى طُرَق الأَصْحَاب وُجوهاً:
وقوله: (يلتفت إلى أن الزكاة كالمؤن ...) إلى آخره اتباع منه للمأخذ الذي ذَكَرَهُ الإمَامُ.
وقوله: (وعليه ينبني أن ما يخرجه المَالِكَ من الزَّكَاةِ ...) إلى آخره يقتضي إطلاقه إثبات الخلاف فيما يخرجه المالك على القولين، لسكن ما نقلنا عن الصَّيْدَلاَنِي والإمام ينازع فيه، وتَخْصِيصُ الْخِلاَف بالقول الأول.
وقوله: (أو من رأس المال) لم يعن به الاحتساب من رأس المال فحسب وإن نقلها من قبل وَجهاً أنه كذلك يحتسب، وإنما أراد من رأس المال والرِّبْح جميعاً؛ لأنه بني هذا الْخِلاَفِ على الخِلاَف في أنها كالمؤن، أو كاسترداد طائفة من المال واسترداد طائفة من المال يتوزع على رأس المال والرِّبْح ولا يختص برأس المال.
زكاة المعادن والركاز
:
قال الغزالي: (النَّوْعُ الخَامِسُ) زَكَاةُ المَعَادِنَ والرِّكَازِ، وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ فِي المَعَادِنِ) وَكُلُّ حُرٌ مُسْلِم نَالَ نِصَاباً مِنَ النَّقْدَيْنِ (ح و) مِنَ المَعَادِنَ فَفِيهِ رُبْعُ العُشْرِ عَلَى قَوْلٍ، وَالخُمْسُ فِي قَوْلٍ تَشْبِيهاً بِالرِّكَازِ، وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: يَلْزَمة الخُمْسُ إِنْ كَانَ مَا نَالَهُ كَثِيراً بِالاِضَافَةِ إِلَى عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْثُرُ فَرُبْعُ العُشْر، وَفِيهِ قَوْلٌ: إِنَّ النِّصَابَ لاَ يُعْتَبَرُ (م).
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَولَ لاَ يُعْتَبَرُ.
قال الرافعي: من أنواع الزكاة ما يخرج من الأموال الكامنة في الأرض إذا نالها الإنسان.
وعده في أنواع الزَّكَاة يتفرع على المَذْهَب في أن مَصْرَفَهُ مَصْرَفُ سائر الزَّكَوات، وفيه وجه يأتي في مَوْضِعه أن مَصْرَفه مَصْرَفُ الفَيْءِ، فعلى ذلك الوجه لا يَتَّضِح عَدُّه من الزكوات، ثم الأموال الكامنة في الأرض أما مَخْلُوقَة فيها وهي المعدن 301، والفَصْل الأوَّلُ معقود له، وإما مدفونة فيها وهي الرِّكَاز 302، والفصل الثاني
الجزء: 3 - الصفحة: 128
معقود له.
والأصل في زكاة المعدن بعد الإجماع 303 قولُه تعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 304 ومما أُخْرِج لنا من الأرض المَعَادِنَ.
وروي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثَ الْمُزَنِي الْمَعَادِنَ القَبِلِيَّةَ وَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةُ" 305. وفقه الفصل الذي أخذنا في شرحه مسائل:
إحداها: لا زكاة في المُسْتَخرَج من المعادن إلا في الذَّهَبِ وَالْفِضَّة، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث أوجب في كل جوهر ينطبع ويصير عَلى المطرقة كالحديد والنُّحَاس دون ما لا يَنْطَبع كالكحل والفيروزج والياقوت، ولأحمد حيث قال: "يجب في كُلِّ مستفَادٍ من المعدن منطبعاً كان أو غير منطبع"، وحكى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ في "شرح التلخيص" وجهاً مثله عن بعض الأصحاب.
لنا مع أبي حنيفة: القياس على غير المنطبعات، ومع أحمد على الطِّين الأحمر، وأيضاً فقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي حَجَرٍ" 306.
الثانية: في واجب النَّقْدَين المستخرجين من المعدن ثلاثة أقوال:
أصحها: أن الواجب فيها ربع العشر، وبه قال أحمد، لمُطْلَق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ" 307. وروى -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَفِي الْمَعْدِنِ الصَّدَقَةُ" 308.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة ويحكى عن المزني أيضاً: أن الواجب الخمس؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَفِي الرِّكَاز الْخُمُسُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الرِّكَازُ؟ قَالَ: هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ المَخْلُوقَانِ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" 309.
الجزء: 3 - الصفحة: 129
والثالث: أن ما ناله من غير تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ فيه الخُمُس؛ وما ناله بالتَّعَبِ وَالْمُؤْنَةِ ففيه رُبُع العُشْرِ؛ جمعاً بين الأَخْبَار، وأيضاً فإن الواجب يزداد بقِلَّة المُؤْنَة، وينقص بكثرتها، ألا ترى أن الأمر كذلك في الْمَسْقِيّ بِمَاءِ السَّمَاءِ والمَسْقِي بالنَّضح، وعن مالك روايتان:
إحداهما: كالقول الأول.
وأشهرهما: كالثالث، ثم الذي اعتمده الأكثرون في ضبط الفرق على هذا القول النظر إلى الْحَاجة إلى الطَّحْنِ والمُعَالَجَةِ بالنَّار والاستغناء عنهما فما يحتاج إلى الطَّحن والمعالجة، ففيه ربع العشر، وما يستغنى عنهما، ويؤخذ مجموعاً خَالِصاً ففيه الخُمُس، ولم ينظروا إلى قِلَّةِ الموجُودِ وَكَثْرَتِهِ، وحكى الإمام مع هذا طريقة أخرى وهي عد الاحتفار من جملة العمل المُعْتَبَر، والنظر إلى نسبة النَّيْلِ إلى العمل، أيُّ عَمَلٍ كان من الحُفْر والطَّحْن وغيرهما، فإن لم يعد كثيراً بالإضافة إلى العمل أو مقتصداً، ففيه ربع العشر، وإن عُدَّ كثيراً ففيه الخُمُس.
وأوضحهما بالتَّصْوير فقال: لو استفاد إلى قريب من آخر النَّهَار ديناراً، وبِعَمَلٍ قليل في بقية النهار دِينَاراً ففي الأوَّلِ رُبُع العُشْرِ وَفِي الثَّانِي الخُمُس، ولو عمل طُول الْيَوْم ولم يجد شَيْئاً ثم وجد في آخر النهار دِينارين وكان المعتاد المقتصد في اليوم ديناراً، فينبغي أن يحط ديناراً، فنوجب فيه رُبُع العُشْرِ، وفي الزِّيَادة الخُمُس، ويحتمل أن يقال: فيهما الخمس، والزمان الأول قد حبط، والاحتمال الأول هو الذي أورده المصنف في "الوسيط"، وأستحسن القَفَّالُ ألا يطلق في المسألة ثلاثة أقوال بل يرتب فيقال ما استخرج بتعب ومَؤْنَةٍ فواجبه الخُمُس، أو رُبُع العُشْرِ.
إن قلنا: بالثاني ففيما وجد من غير تَعَبٍ أولى.
وإن قلنا: بالأول ففيه قولان: والفرق ما قد تبين.
الثالثة: يتفرع على الخلاف في قدر الواجب اعتبار النِّصَاب والحول، فإن أوجبنا ربع العشر فلا بد من النِّصَاب كالنَّقْدَين من غَيرِ الْمَعَادِن، وفي الحول قولان:
أصحهما: أنه لاَ يشترط، بل تجب الزَّكاة في الْحَال، كالثِّمَار والزُّرُوع، وبهذا قال مَالِكٌ وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- وهو المنصوص عليه في أكثر كُتُبِ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- قديمها وَحَدِيثها.
والثاني: أنه يشترط ولا يجب شيء حَتَّى يتم عليه الحول، كما في النقدين من غير الْمَعَادِن، وهذا القول ينقل عن "مختصر البويطي" إيماء ورواه المزني في "المختصر" عمن يثق به عن الشافعي -رضي الله عنه- واختاره، وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك عن الشَّافعي -رضي الله عنه- فلم يحب تسميتها، وإن أوجبنا الخمس فلا يعتبر الحَوْل، وفي النِّصَاب قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 130
أحدهما: لا يعتبر، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأنه مالٌ يجب تَخْمِيسُه فلا يعتبر فيه نصاب كالفئ والغنيمة.
والثاني: يعتبر؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الذَّهَب شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً" 310 وكيفما كان فالظَّاهِرُ من المَذْهَب اعْتِبَار النِّصَاب وَعَدَم اعتبار الحول، والمعنى فيه أن النصاب إنما اعتبر لَيَبْلَغَ الْمَالُ مَبْلَغًا يحتمل المُوَاساة، والحول إنما اعتبر ليتمكن من تنمية المال وتسييره والمستخرج من المعدن نما في نفسه، ولهذا اعتبرنا النصاب في الثمار والزروع، ولم نعتبر الحول -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (كل حر، مسلم) التعرض للحرية والإسلام، كالمفروغ هاهنا؛ لأنا عرفنا اعتبار الصفتين من المالك في جميع الزَّكَوات، والاكتفاء بهما للوجوب بما ذكره في أركان الوجوب وإن كان في ترتيب الكتاب اضطراب على ما بينته في أول: "كتاب الزكاة" ويجيء مثل هذا الكلام في قوله في أول زكاة المُعَشَّرَات: (إذا كان مالكه حُرّاً مسلماً) وقوله: (من النقدين) قصد به الاحتراز عن المستخرج من المعادن، مِمّا سِوَى النقدين، فليكن مُعَلَّماً بالحاء والألف والواو لما سبق.
وقوله: (ربع العشر) معلم بالحاء والزّاي.
وقوله: (الخمس) بالألف والميم لما سبق.
وقوله: (وفيه قول أن النصاب لا يعتبر) ينبغي أن يُعَلّم كلمة: (لا يعتبر) بالميم والألف؛ لأنهما يعتبران النصَاب كما هو الأصح عِندنا.
وقوله: (والصحيح أن الحول لا يعتبر) يجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأنه إثبات لِلْخِلاَف فيه كما نقلناه، لكن ابْنَ عَبْدَانَ حكى طريقة أخرى قاطعة بعدم الاعتبار، ولم يثبت ما رواه المزني لإرساله، ولو أَعْلَمْتَ قوله: (لا يعتبر) بالزاي لما ذكرنا من اختيار المزني لجاز.
قال الغزالي: ثُمَّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ مَا يَجِدُّ شَيْئاً فَشَيْئًا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ كَمَا يتلاحَقُ مِنَ الثَّمَارِ، وَلَكِنَّ الجَامِعَ هَهُنَا اتِّصَالُ العَمَلِ فَإِنْ أَعْرَضَ لإصْلاحَ آلتِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ، وإنْ كَانَ الانْتِقَالُ إلَى حِرْفَةٍ أُخْرَى انْقَطَعَ، وإنْ كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَوَجْهَانِ، وَكذَلِكَ يَكْمُلُ النّيل (و) بِمَا يَمْلِكُهُ مِنَ النَّقْدَينِ لاَ مِنْ جِهَةِ المَعَادِنِ، وَبِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَة حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي قَدْرِ النَّيْل بِحِسَابِهِ وإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا كَمُلَ بِهِ لِعَدَمِ الحَوْلِ فِيهِ فَإِنَّ زَكَاةَ المَعْدِنِ وَالنَّقْدَينِ وَالتِّجَارَةِ مُتَشَابِهَةٌ في اتِّحَادِ المُتَعَلَّقِ فَيَكْمُلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 131
قال الرافعي: مضمون الفصل مسألتان مفرعتان على اشتراط النِّصَاب:
إحداهما: ليس من الشَّرْط أن ينال في الدفعة الواحدة نِصَاباً بَلْ مَا نَالَهُ بدفعات يُضَمُّ بعضها إلى بعض في الجملة؛ لأن المُسْتَخْرَج من المعدن، هكذا ينال غالباً، فأشبه تلاحق الثمار لكن الضابط في ضَمِّ الثِّمار بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ كونها ثِمَارَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وهاهنا ينظر إلى العمل والنَّيْل، فإن تتابع العمل وَتَوَاصَل النَّيْلُ ثَبَتَ الضَّمُّ.
قال في "التهذيب": ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه فإن تتابع العَمَل ولكن لم يتواصل النيل بل حفر المعدن زماناً ثم عاد النَّيْلُ، فإن كان زمان الانقطاع يسيراً لم يقدح في الضَّم.
وإن طال فقد قال في "النهاية": في الضم وجهان:
وقال الجمهور: فيه قولان:
الجديد: الضَّم؛ لأن المَعْدن كثيراً ما يعرض له ذلك، فلو لم يُضَمّ بطلت زكاة المعدن في كثير من الأحوال:
والقديم -وبه قال مالك-: أه لا يُضَمُّ كما لو قطع العَمَل، وكحِمْلَيْ سَنَتَيْنِ، وإن قطع العمل مع تَوَاصُلِ النَّيْل ثُمَّ عاد إليه نظر إن كان القطع بغير عذر عَارِض فلا ضَمَّ، طال الزَّمَنُ أَوْ قَصُر؛ لأنه أعرض عن هذا النَّوْع من الاكتساب واشتغل بِحِرْفَةٍ أخرى فما يناله بعد العود شيء جديد.
وإن قَطَعَ لِعُذْرٍ فَالضَّمُّ ثَابِتٌ إن قَصُرَ الزَّمَانُ، وإن طَالَ فكذلك عند الأكثرين؛ لأنه عَاكِفٌ على العَمَلِ متى ارتفع العُذْرُ، وَحَكَى الصَّيْدَلاَنيّ وغيره وَجْهاً أنه لا ضَمَّ عِنْدَ طُولِ الزَّمَان، وفي حَدِّ الطُّولِ وَجْهان نقلهما القاضي الرُّوياني:
أحدهما: أنه ثلاثة أيام.
والثاني: يوم كامل؛ لأن العادة العمل كل يوم، وتَرْكُ نوبةٍ كاملةٍ 311 فَصْلٌ طَوِيلٌ.
والأصَحُّ فيه، وفي نظائره تحكيم العرف، ثم إِصْلاحَ الآلات وهَرَبُ العبيد والأُجَراء من الأعذار بلا خلاف، وفي المرض والسفر وجهان:
أحدهما: أنهما يمنعان الضَّمّ بحصول صورة الانقطاع مع أنهما قد يَمْتَدَّانِ.
وأصحهما: أنهما لا يمنعان كسَائِرِ الأَعْذَار، وهذا ما نَصَّ عليه في المرض، ولم يذكر الأكْثَرُونَ غَيْرَه، وينبغي أن يكون السَّفَرُ مرتباً على المَرَضِ، ومتى حكمنا بعَدَمِ الضَّمِّ فذلك على معنى أن الأول لا يضم إلى الثَّانِي في وُجوبِ حَقِّ المَعْدَنِ، فأما الثَّاني
الجزء: 3 - الصفحة: 132
فيكمل بالأول كما يكمل بما يملكه لا من جهة المعادن على ما سيأتي بيانه.
وقوله في الكتاب: "ولكن الجامع هاهنا اتصال العَمَلِ" قَصْر النَّظَرِ عَلَى العَمَلِ، وإعراض عن تواصل النَّيْلِ، وإنما يستمر ذلك جواباً على الجديد وهو أن انقطاع النَّيْلِ لا أثر له مع اتصال الْعَمَلِ، فيجوز أن يُعَلَّم بالميم والواو إشارة إلى القديم ومذهب مَالِك.
الثانية: إذا نال من المَعْدن ما دون النِّصَاب، وهو يملك من جنْسِه نِصَاباً أو زائداً عليه، فإمَّا أن يناله في آخر جزء من حَوْلِ ما عنده، أو بعد تمام حَوْلِهَ أو قبله.
فأما في الحالتين الأوليين فيصير النَّيْلُ مضموماً إلى ما عِنْدَه، وعليه في ذلك النَّقْدِ حَقَّه وفيما ناله حقه على اختلاف الأحوال فيه؛ لأنهما من جنس واحد، والوجوب ثَابِتٌ فيهما جميعاً.
وأما إذا ناله قبل تمام الحول فلا شيء فيما عنده حتى يتم حوله، وفي وجوب حَقّ المعدن فيما ناله وَجْهَان:
أصحهما -وبه أجاب ابن الحداد واختاره القاضي أبو الطَّيِّب، وهو ظاهر نصه في "الأم"-: أنه يجب؛ لأن زكاة النَّقْدَيْنِ لا من جهة المعادن مع زكاتهما من جهة المعادن متشابهتان في اتحاد المتعلق على ما سبق ذكر نظيره في "زَكَاة التجارة".
والثاني: وبه قال الشَّيْخُ أبو حامد-: أنه لا يجب؛ لأنه لا زكاة فيما عنده حتى يصلح لاستتباع غيره، فعلى هذا يجب فيما عنده ربع العشر عند تمام حوله، وفيما ناله ربع العشر عند تمام حوله.
وإن كان يملك من جنسه دون النّصاب، كما لو كان يَمْلِك مَائَةِ دِرْهَم، فنال من المعدن مائة، نظر إن نال بعد تمام حول على ما عنده، ففي وجوب حَقِّ الْمَعْدن فيما ناله الوجهان؛ لأنه لا زكاة فيما عنده لنقصانه عن النِّصَاب؛ فعلى الأول يجب فيما عنده رُبُعُ العُشْرِ إذا مَضَى حَوْلٌ من يوم كَمَلَ النِّصَاب بالنَّيْلِ، وعلى الثَّانِي لا يجب شيء حتى يمضي حولٌ من يوم النَّيْلِ، فيجب في الجميع رُبُع العُشْر.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه: أنه يجب فيما نَالَه حَقه وفيما كان عنده رُبُعُ العُشْرِ فِي الْحَالِ؛ لأنه كَمُلَ بالنَّيْلِ، والحول قد مضى عليه، والنَّيْلُ بمثابة ما حال عليه الحول من الأَمْوَال؛ وإن ناله قبلَ أن يَمْضِيَ حَوْلٌ على المائة فلا مساغ لوجه 312 صَاحِب
الجزء: 3 - الصفحة: 133
"الإفصاح"، ويجئ الوجهان الأولان، وهذا التَّفْصِيلُ مذكور في بعض طرق العِرَاقيين، وقد نَقَل مُعْظَمه الشَّيْخُ أبُو عَلِي، ورأيت الإمام نسبه إلى السَّهُوِ فيه، وقال: إذا كان يملكه دون النِّصَاب فلا ينعقد عَلَيْهِ حول؛ حتى يفرض له وسط آخر، ويحكم بوجوب الزَّكَاة فيه يوم النِّيْلِ، ولا شَكَّ في بعد القول بوجوب الزَّكَاة فيه يوم النَّيْل؛ لكن الشَّيْخَ لم يتفرد بهذا النَّقْل ولا صار إليه حتى يعترض عليه، وإنما نقله متعجباً منه مُنْكِراً، ولو كان ما عنده مالَ تِجَارة انتظمت فيه الأحوال الثّلاث، وإن كان دُونَ النِّصَاب فلا إِشْكَال؛ لأن الْحَوْلَ ينعقد عَلَيه، ولا يعتبر النِّصَاب إلا في آخر الحَولِ على الصَّحِيح.
فإن نال من المَعْدِن في آخر حول التِّجارة ففيه حق المعدن، وفي مال التجارة زكاة التجارة إن كان قدر النِّصَاب، وكذلك إن كان دونه، واكتفينا بالنصاب في آخر الحول.
وإن نال قبل تَمَام الحول، ففي وجوب حق المعدن الوجهان السَّابقان، وإن نال بعد تمام الحول، نظر: إن كان مال التجارة نِصَاباً في آخر الحول، ففي النَّيْلِ حَقُّ المعدن؛ لانضمامه إلى ما وجب فيه الزَّكاة، وإن لم يكن نِصَاباً، ونال بعد ما مضى شهر من الحول الثَّاني مثلاً فيبنى ذلك على الخِلاَف في أن سلعة التِّجارة إذا قُوِّمَت في آخر الحَوْل، ولم تبلغ نصاباً، ثم ارتفعت القِيمَةُ بَعْدَ شَهْرٍ هل يجب فيها الزكاة أم ترتقب آخر الحول الثاني؟ إن قلنا بالأول: فتجب زكاة التجارة في مال التِّجارة، وحينئذ يجب حَقّ المعدن في النَّيْل بِلاَ خلاف.
وإن قلنا بالثاني: ففي وجوب حق المعدن الوجهان.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه مُفَرَّعُ على الصَّحِيحِ في أن الحول ليس بِشَرْطٍ في زكاة الْمَعْدن، فإن شَرَطْنَاه انعقد الحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ وَجَدَهُ.
وقوله في الكتاب: (حَتَّى تَجِبَ الزَّكاة في قدر النَّيْل) مُعَلَّم بالواو للوجه المنسوب إلى الشَّيْخِ أَيِ حَامِدٍ، وشهره الإمامُ برواية الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ.
وقوله: (لعدم الحول) فيه تمثيل، وفي معناه ما إذا كان الذي عنده دون النِّصَاب، فإنه لا تجب فيه الزَّكاة إلا على ما حكى عن صاحب "الإفصاح".
وقوله: قبل ذلك "بما يملكه من النقدين" لا من جهة المعادن الحكم غير مخصوص بما إذا كان يملكه لا من جِهَة المعادن، بل لو نال من المعدن ما دون النّصاب وحدث ما يمنع الضَّم، ثم نال قدراً آخر يبلغ مع الأول نِصَاباً كان حكمه حكم ما لو كان الأَوَّل لا من جهة المعادن، فيجب في الآخر حَقّ المعدن على الأصَح، ولا يجب في الأول، لكن ينعقد الحول عليه من يَوْم النِّصَاب لِلْمُسْتَقبل إِلاَّ أن ينقص المبلغ عن النِّصَاب بإخراج حَقِّ الْمَعْدن، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَللْمُسْلِمِ أَنْ يُزْعِجَ الذِّمِّيِّ مِنْ مَعَادِنِ الإسْلاَمِ، وَلَكِنَّ مَا نَالَهُ قَبْلَ
الجزء: 3 - الصفحة: 134
الانْزِعَاجِ يَمْلِكُهُ وَلاَ زَكَاة عَلَيْهِ إلاَّ إِذَا قُلْنَا عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ إِنَّ مَصْرِفَهُ الفَيْءُ عَلَى قَوْلِنَا وَاجِبُهُ الخُمْسُ، فَإذَا ذَاكَ يُؤْخَذُ مِنَ الذَّمِّيِّ.
قال الرافعي: الذمي لا يمكَّن من احتفار معادن دار الإسلام، والأخذ منها كما لا يمكَّن من الإحياء في دار الإسلام، لأن الدَّار للمُسْلمين وهو دَخِيلٌ فِيهَا.
لكن ما أخذه قبل الإزْعَاج يَمْلِكُهُ، كما لو استولى على الحَطَب والْحَشِيش، وهل عليه حق المعدن؟ ينبني عَلى أن مَصْرف حَقّ المعدن مَاذَا؟ ولا شك أن مصرفه مَصْرف الزَّكَاة إن أوجبنا فيه رُبُعَ العُشْرِ، وإن أوجبنا فيه الخُمُسِ فطريقان حكاهما الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ وغيره:
أحدهما: أن في مَصْرفه قَوْلَيْن:
أحدهما: مصرفه مصرف خُمُسُ الفَيْءِ والغنيمة؛ لأنه مَالٌ مُخَمَّسْ مِثْلهما، وبهذا قَالَ أبو حنيفة.
وأصحهما: أن مصرفه مصرف الزَّكَوَاتِ؛ لأنه حَقٌّ وَجَبَ فِي مستفاد من الأرض، فأشبه حَقَّ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ.
والثاني -وبه قال الأكثرون-: أن مصرفه مصرف الزَّكوات قولاً واحداً بخلاف الرِّكاز؛ لأنه مال جَاهِلِي، والظاهر: أنه كان للكفار، وكان شبيهًا بالفَيْءِ، والمعادنُ بخلافه.
وصاحب "التلخيص" قد ذكر الطَّريق الأول في بَابِ "زَكاة المَعْدن" في "التلخيص"، والطريق الثاني في باب بعده.
فإن قلنا: مصرفه مصرف الزَّكَواتِ لم يؤخذ من الذِّمِّي شَيْءٌ، وإن قلنا: [مصرفه] 313 مصرف الفئ أخذ الخُمُس، وعلى هذا لا يشترط فيه النِّيَّة، وعلى الأول يُشْتَرط، ولو كان المستخرج من المعدن المكاتب فلا زَكَاة عَلَيْهِ فيما استخرجه كالذِّمِّي، لكنه غير ممنوع من الأخذ بِخلاف الذِّمِّي.
ولو نَالَ الْعَبْدُ من المعدن شيئاً فهو لسيده، وعليه واجبه، فإن أمره السّيد بذلك ليكون النَّيْل له، فقد بناه صاحب "الشامل" على القولين في أن العبد هل يملك مَا مَلَّكَهُ السَّيد أم لا؟ وحظ الزكاة من القولين، وقد قدَّمناه.
ولو استخرج اثنان من المعدن نصابًا، فوجوب الزكاة يبنى على القولين في أن الخُلطَة هل تَثْبُتُ فِي غَيْرِ المَوَاشِي؟
وقوله في الكتاب: (وللمسلم إزعاج الذمي) لك أن تبحث عنه، وتقول: أثبت
الجزء: 3 - الصفحة: 135
الإزعَاجِ لِكُلِّ مُسْلِم أَمْ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَاكِمِ؟.
والجواب أن كلام الأئمة بالثاني أظهر إشعاراً، والأول مُنْقَدِحٌ أيضاً، فإنَّ كُلَّ واحدٍ منهم صاحب حق فيه، فكان له أن يمنعه.
وقوله: (ولا زكاة عليه إلا إذا قلنا ...) فيه استثناء الخمس على قولنا: أن مصرفه مصرف الفئ عن نفي الزكاة، وذلك يستدعي كون الخُمُس زكاة، لكن من أوجب الخمس فلا يكاد يسميه زكاة، ولهذا قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": وَذَهَبَ بَعْضُ أهل نَاحِيَتِنَا -يعني- مالكاً إلى أن في المعادن الزَّكَاة، وذهب غيرهم -يعني- أبا حنيفة إلى أنَّ فيها الخُمُس، فلم يعد الخُمُس زَكَاةً.
وقوله: (على وجه بعيد) عبر عن ذلك المذهب بالوجه، والأكْثَرُون سَمُّوه قَوْلاً، وكأنه مستخرج من مِثْلِهِ في الرِّكَاز، فيجوز كل واحد من الإطلاقين.
واعلم: أنا إذا فرعنا على ظاهر المذهب، وهو أن الحول لا يعتبر، فوقت وجوب حَقّ المعدن حصول النَّيْل في يده، ووقت الإخراج، التّخليص والتنقية، كما أن وقت وجوب الزَّكاة في الزروع اشتداد الحَبِّ، ووقت الإخْرَاج التَّنْقِية، فلو أخرج قبل التَّمييز والتنقية عن التراب والحجر لم يجز، ويكون مضموماً على السَّاعي يلزمه رده، فلو اختلفا في قدره بعد التلف، أو قبله، فالقول قول السّاعي مع يمينه.
ومؤنة التخليص والتنقية على المالك كمؤنة الحصاد والدياس، فلو تلف بَعْضُه قبل التمييز فهو كَتَلف بَعْضِ المَالِ قبل الإمكان -والله أعلم 314 -.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّانِي فِي الرِّكَاز وَفِيهِ الخُمْسُ مَصْرُوفاً إِلَى مَصَارِف الصَّدَقَاتِ (ح ز و)، وَلاَ يَشْتَرِطُ الحَوْلُ، وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ (م ح) وَكَوْنُهُ مِنْ جَوْهَرِ النَّقْدَينِ عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: في الفصل مَسَائِلُ:
إحداها: قدر الواجب في الرِّكَاز الخُمُس، لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ" 315.
الثانية: في مصرفه قولان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن مصرفه مصرف الزَّكَواتِ؛ لأنه حَقٌّ وَاجِبٌ في المستفاد من الأرْضِ، فأشبه الواجب في الزُّروع والثِّمَار.
الجزء: 3 - الصفحة: 136
والثاني: وبه قال المزني وابن الوكيل الباب شامي، وأبو جعفر التّرمذي -رحمهم الله- أنه يُصْرَف إلى أهل الخُمُس المذكورين في آية الفَيْءِ؛ بأنه مَالٌ جَاهِلِيُّ حصل الظَّفْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ، وَلاَ رِكَابٍ، فَكَانَ كَالْفَيءِ.
ومنهم من لا يطلق قولين، بل يقطع للشافعي -رضي الله عنه- بالأول؛ وينقل الثاني وجهاً ضَعِيفاً.
الثالثة: لا يُشْتَرط الحول فيه؛ لأن الحول للاستنماء، وهو نماء كُلُّه، ولا يجيء فيه الخلاف المذكور في المعدن؛ لأنه يلحق مَشَقَّةَ فِي تحصيل التبر ثُمَّ يحتاج إلى الطَّبْخِ والمعالجة، والرَّكَازُ بِخِلاَفِهِ.
الرابعة: هَلْ يشترط فيه النِّصَاب؟ وهل يختص الوجوب بالذَّهب، والفضة؟ نصّ الشافعي -رضي الله عنه- في مواضع على [عدم] 316 الاشتراط والاختصاص.
وقال في موضع: "لو كنت أنا الواجد لخَمَّسْتُ القليلَ والكثير، والذَّهب والفِضَّة، وغيرهما"، واختلف الأصحاب -رضي الله عنهم- على طريقين:
أظهرهما: أن المسألتين على قولين.
أظهرهما -وينسب إلى الجديد-: أنه يُشْتَرط النصاب، ويختص بالنقدين.
أما الأول: فلظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ شَيْءَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغُ عِشْرِينَ مِثْقَالاً" 317.
وأما الثَّاني: فكما لو اكتسب لا من جهة الرَّكَازِ.
والثاني: وينسب إلى القديم: أنه لا اشتراط، ولا اختصاص؛ لمطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" 318، ولأنه مال مُخَمَّسٌ فأشبه الغَنِيمة.
والطريق الثَّاني: القطع بالقَوْلِ الأَوَّل وحمل النَّص الثَّاني على الاحتياط للخروج من الْخِلاَف، كقوله في "باب صلاة المسافر": أما أنا فلا أقْصُرُ في أقل من ثلاثة أيام، وليس ذلك قولاً آخر له في مسافة القصر.
وقوله في الكتاب: (مصروفاً إلى مصارف الصدقات) معلَّم بالواو الزاي وبالحاء؛ لأن عنده أيضاً يصرف إلى مصارف الفَيْءِ، وبالألف؛ لأن إحدى الروايتين عن أحمد مثله.
وقوله: (ويشترط النصاب) مُعَلَّمٌ بالحاء والألف والميم؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد لا يشترط النصاب، وهو أصح الروايتين عن مالك، وكذلك قوله: (وكونه من جوهر النقدين) مُعَلَّمٌ بهذه العلامات؛ لأن قولهم فيه كقولهم في النّصاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (على الجديد) بالواو إشَارة إلى الطريقة النافية للخلاف.
وقوله: (ويشترط النصاب) منقطع عما قبله لا مجال للخلاف المذكور في الحول وإنما قال: (من جوهر النقدين) ليشمل الحلى والأواني.
قال الغزالي: ويُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى ضَرْبِ الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ الإسْلاَمِ فَلُقَطَةٌ، وَقِيلَ: مَالٌ ضَائِعٌ يَحْفَظُهُ الإمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرٌ كَالأَوَانِي وَالْحُلِيِّ فَهُوَ رِكَازٌ عَلَى وَجْهٍ وَلُقَطَةٌ عَلَى وَجْهٍ.
قال الرافعي: فقه الفصل مسألتان:
الأولى: لو كان الرَّكَازُ الموجود على ضَرْب الإسْلاَم بأن كان عليه شيْءُ من القُرْآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام، لم يملكه الواجد بالَوجدان، لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه، بل يجب رَدُّه إِلَى مَالِكِهِ إن علم مالكه، وإن لم يعلم ففيه وجهان: قال الجمهور: هو لُقَطَةٌ كما لو وجده على وجه الأرض، وقضية ما ذكروه صريحاً ودلالة أنه يُعَرَّفُ سَنَةٌ، ثُمَّ لِلْوَاجِدِ أن يَمْلِكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ على ما هو سبيل كل لُقَطَةٍ.
وقال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: هو مَالٌ ضَائِعٌ يَمْسِكُهُ الأَخَذ لِلْمَالِكِ أبَداً، أو يحفظه الإِمَامُ لَه فِي بَيْتِ المَالِ، ولا يُمْلَكُ بحَالٍ، كما لو ألقت الرِّيحُ ثَوبًا فِي حجره، أو مات مورثه عن وَدَائِعَ، وهو لا يعرف مَالِكَهَا، وإنما يُمْلَكُ بالتعريف ما ضاع عن المارَّة دون ما حصّنه المالك بالدَّفْنِ واتفق العثور عليه بالاحتفار.
ونقل صاحب "التهذيب" قريباً من هذا الكلام عن الْقَفَّالِ، والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
قال الإمام -رحمه الله- ولو انكشفت الأَرْضُ عَنْ كَنْزٍ بِسَيْلٍ جَارِفٍ، ونحوه، فلا أدري ما قول الشَّيْخِ فِيهِ، والمال البارز ضَائِعٌ، قال: واللائق بقياسه ألا يثبت حَقّ التملك اعتباراً بأصل الوضع.
الثانية: لو لم يَعْرِف أن المَوْجُودَ مِنْ ضرب الجَاهِلِيَّةِ، أو الإسلام بأن كَانَ مِمَّا يُضْرَبُ مِثْلُهُ في الجَاهِلِيَّةِ وَالإسْلاَم، أو كان ممَّا لا أثر عليه كالتَّبْر، وَالْحُلِيّ، والأواني، فالمنقول عن نَصّه: أنه ليسَ برِكَازٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون مَالَ مُسْلِمٍ، فَيُغَلَّبُ حُكْمُ الإِسْلاَمِ، وفيه وجه: أنه رَكازٌ؛ لأن المَوْضِعَ الْمَدْفُونَ فِيهِ يَشْهَد لَهُ.
فإن قلنا: بالأول فقضية كلام الجمهور في الصُّورَةِ السَّابِقَةِ لا يخفى، وأما الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ فرأيت له في "شرح التلخيص" مساعدة الجمهور في هذه الصُّورة، فإنه قال: يُعَرَّفُ سَنَةً، فإن لم يظهر مالكها فعل بِهَا مَا يُفْعَلْ بسَائِرِ اللُّقَطَاتِ.
وذكر الإمام أن الشيخ حَكَى في التَّمَلُّكِ في هذه الصُّورة وجهين؛ لضعفَ أثر الإِسْلاَم.
الجزء: 3 - الصفحة: 138
واعلم: أنا إذا قلنا: إن المَوْجُودَ فِي صورة التَّرَدُّدِ رَكَازٌ فَلاَ يُشْتَرِط كَوْنُ الْمَوْجُودِ عَلَى ضَرْب الجَاهِلِيَّةِ، بل الشَّرْطُ أَلاَّ يُعْلَم كَوْنُهُ عَلَى ضَرْبِ الإسْلاَم، فإذاً قوله في الكتاب: (وَيشترط كَوْنُه عَلَى ضرْبِ الجَاهِلِيَّةِ) إنما يكون مُجْرى على ظَاهِرِهِ، إذا قلنا: الموجود في صورة التَّرَدد لَيْسَ بِرَكَاَزٍ.
وقوله في المسألة الأولى: (وقيل: مال ضائع يحفظه الإمام) يُشْعِرُ بأنه لا يَبْقَى فِي يَدِ الوَاجِدِ، بل يأخُذه الإمَامُ، وَيَحْفَظُهُ.
وكلام الشَّيْخ أَبِي عَلِيٍّ ما حكيته من قبل يُنَازَعُ فِيهِ، وَيَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْوَاجدِ مِنَ الإِمْسَاكِ لَهُ، وإطلاقه الوجهين في المَسْألَةِ الثَّانيَةِ اتباع لما حكاه الإمام فيها والأكْثَرُون لَمْ يُطْلِقُوا الوجهين، وإنما حَكُوا النَّص ووجهاً، لِبَعْضِ الأَصْحَاب كما قدَّمْنَاه، وَحَكَى صَاحِبُ "الشَّامِل" عن نَصَّه أنَّهُ يُخَمَّسُ، وَهَذَا حُكْمٌ بأنه رَكَازٌ، فَعَلَى هَذَا في المسألة قَوْلاَن: واعلم أَنه يلزم من كون الرَّكَازِ عَلَى ضَرْب الإِسْلاَم كَوْنُهُ مَدفُونًا فِي الإسْلاَمِ، ولا يلزم من كَوْنِهِ على ضرب الجَاِهِلِيَّةِ كَونُهُ مَدْفُوناً فِي الْجَاهَلِيَّةِ، لجواز أن يظفر بعض المسلمين بِكَنْزٍ جَاهِلِيٍّ، ويكنزه ثَانِياً على هيئته فيظفر به اليوم أحدٌ، فالحكم مُدَارٌ على كَوْنهِ مِن دَفْنِ الجَاهِلِيَّةِ لاَ عَلَى كَوْنه مِنْ ضَرْبِ الجَاهِلِيَّةِ.
قال الغزالي: وَيُشْتَرِطُ أَنْ يُوجَدَ فِي مَوْضِعِ مُشْتَرَكِ كَمَوَاتٍ أَوْ شَارعِ، وَمَا يُوجَدُ فِي دَارِ الحَرْبِ فَغَنِيمَةٌ أَو فَيْءٌ وَمَا يَجِدُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ الَّذي أَحْيَاهُ يَمْلِكُهُ وَعَلَيْهِ الخُمْسُ، وهَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الإحْيَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ رِكَازاً يَجِبُ طَلَبُ المُحْيِى فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهِ.
قال الرافعي: روى أن رجلاً وجد كَنزاً فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةِ، أَوْ طَرِيق مِينَاءٍ فَعَرَّفْه، وإنْ وَجَدْتَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةِ، أَوْ قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" 319.
الكنز بالصفة التي تقدم ذكرها، إما أن يوجد في دَارِ الإسْلاَم، أو في دَارِ الْحَرْبِ، فإن وُجِدَ فِي دَارِ الإسْلاَم، نُظِر إن وجد في مَوْضِع لَمْ يَعْمُرْهُ مُسْلِم، ولا ذُو عَهْدٍ، فَهُو رَكَازٌ، سواء كان مواتاً أو كان من القلاع العَادِية التي عمرت في الْجَاهِلِيَّةِ؛ لقوله في الحديث: "أَوْ خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ" وإن وجد في طريق شارع، فقد ذكر صاحب الكتاب أنه
الجزء: 3 - الصفحة: 139
رَكَازٌ، ولم يجزم الإمام به هكذا، ولكن أشار إلى خلاف فيه، والذي ذكره القَفَّالُ والعراقيون، أن ما يوجد فيه لَيْسَ بِرَكَازٍ، وإنما هو لُقَطَةٌ، والحديث الذي رويناه صريح فيه.
وما يوجد في المسجد، ذكر في "التهذيب" أنه لُقَطَة كالموجود في الطَّرِيق، وقياس المذكور في الكتاب أن يكون رَكَازاً.
وما عدا هذه المَوَاضِع يُنْقَسِم إلى مَمْلُوك، ومَوْقُوفِ.
والمملوك إما أن يكون له، أو لغيره، فَإِنْ كان لغيره ووجد فيه كَنْزٌ لم يملكه الواجد، بل إن ادعاه مالكه فهو فله بلا يمين، كالأمتعة في الدَّارِ وإلاّ فهو لمن تلقى صاحب الأرض منه وهكذا إلى أن ينتهي إلى الذي أحيا الأرض، فيكون له، وإن لم يَدَّعِهِ؛ لأنه بالإحياء مَلَكَ ما في الأرض، وبالبيع لم يزل ملكه عنه، فإنه مدفون منقول، فإن كان المحيى، أو من تلقى الملك عنه هالكاً فَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَه، فإن قال بعض ورثته من تَلَقَّى المِلْك عنه هو لمورثنا، وأياه بعضُهم سُلِّم نَصِيبُ المُدَّعِي إليه، وسلك بالباقي ما ذكرنا هذا كله كلام الأئمة -رحمهم الله- صريحاً وإشارةً، ومن المصرحين بملك الركاز بإحياء الأرض القَفَّالُ، ذكره في "شرح التلخيص"، ورأى الإمام تخريج ملك الكَنْز بإحياء الأرض على ما لو دخلت ظبية دارًا بالإحياء، فأغلق صاحبها الباب وِفَاقاً لا على قَصْدِ ضبطها قال: وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يملكها لِعَدَمِ الْقَصْدِ، ولكن يصير أولى بها، كذلك المحيي يصير أولى بالكَنْز، ثم قال: إنه يملك الكَنْزَ بِالإحْيَاءِ، وزالت رَقَبَةُ الأَرْضِ عَنْ مِلْكِهِ فلا بد مِنْ طَلَبِهِ، وَرَدِّه إليه.
وإن قلنا: إنه لا يَمْلِكه ولَكِن يَصِيرُ أَوْلَى بهِ، فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا زَالَ مِلْكُه عَنْ رَقَبَةِ الأَرْضِ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كما أن في مسألةَ الظبية إذا قلنا: إنه لا يَمْلِكهَا، فلو فَتَحَ الباب وأفَلتت يَمْلِكُها من اصْطَادَهَا، إذا عرفت ذَلِك وأردت التَّفْريع فلك أن تَقُول: إن قلنَا: المُحْيي لاَ يَمْلِكُهُ بِالإحْيَاء، فَإذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَخْرَجَ الخُمُس، وَإنْ قُلنَا: يَمْلِكُهُ بِالإحْيَاء فَإذَا احْتَوَتْ يَدُه عَلَى الْكَنزِ نَفْسِهِ وَقَدْ مَضَى سِنُون فَلاَ بُدَّ مِنْ إِخْرَاج الخُمُس الَّذِي لَزِمَه يَوْمَ مَلَكَهُ وَفِيمَا مَضَى من السِّنين يَبْنِي وُجُوب ربع العُشر في الأَخْمَاس الأَرْبَعة عَلَى الخِلاَف في الضَّالِ والمغصُوب، وفي الخمس كذلك إن قلنا: لا تتعلق الزَّكَاةُ بِالْعَيْن وَإِنْ قُلْنَا: تتعلق فعلى ما ذَكَرْنَا فَيما إِذَا لَمْ يَمْلِكْ إِلاَّ نِصَاباً وتَكَرَّرَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ -وَالله أعلم-.
وَإِنْ كان الوضع للواجد نظر، إن كان قد أحياه فَالَّذِي وَجَدِه رَكَاز وَعَلَيْه خُمُسُهُ، وَفِي وَقْتِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ مَا سَبَق، وقد حكى في الْكِتَاب فِي هَذِهِ الحَالَةِ وجهين على مَا ذَكَرَهُ الإمَامُ، وإن انْتَقَلَ إليه من غيره لم يَحِل له أخْذُه، بل عليه عرضه على من يَمْلِكه، وهَكَذا حَتَّى يَنْتَهِي الْمِلْكُ إِلَى المُحْيِي كَمَا سَبَقَ، وإن كان المَوْضِع موقوفاً
الجزء: 3 - الصفحة: 140
فالْكَنْزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ الأرض، قاله في "التهذيب"، هَذَا إِذَا وُجِدَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وإنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإمَّا أن يوجد في مَوَاتٍ أو غيره.
إن وجد في مَوات نُظِر إنْ كَانوا لاَ يَذُبُّونَ عنه فهو كموات دَارِ الإِسْلام، وَالْمَوْجُودُ فِيهِ رِكَازٌ، وإن كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ ذَبِّهُمْ عن العمران ففيه وَجْهَان:
قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيِّ هو كما لو جد في عمرانهم وقال الأكثرون: حُكْمُهُ حُكْمُ مَوَاتِهِمْ الَّذِي لاَ يَذُبُّونَ عَنْهُ.
وعن أبي حَنِيفة أن ما يوجد في موات دار الحرب فهو غَنِيمَةٌ لاَ رَكَازٌ، حَكَاهُ فِي "الشَّامِلِ"، وإن وجد في مَوْضِع مَمْلُوكٍ لَهُمْ فينظر إن أخِذَ بقَهرٍ وَقِتَالٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، كَأَخْذِ مَتَاعِهِمْ مِنْ بَيْتِهِمْ، ونقودِهِم من خَزَائِنِهم، فيكون خُمُسُهُ لِأَهْل الخُمُسِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ وَجَدَهُ.
وَإِنْ أُخِذَ من غير قَهْرٍ وقتالٍ فَهُو فَيْءٌ ومستحقةَ أهْلُ الفَيْءِ، هَكَذَا قَالَهُ فِي "النِّهَاية" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْب مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ؛ لأنه إن دَخَلَ بِأَمَانٍ لم يكن له أَخْذُ كَنْزِهِمْ، لاَ بِقِتَالٍ وَلاَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، كَمَاَ ليس له أن يخونهم في أَمْتِعَةِ بُيُوتِهِمْ، عليه الرَّدُّ إن أخذه، وَقَد نَصَّ على هذا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ.
ثم في كَوْنِهِ فَيْئاً إِشْكَالٌ؛ لأن لك أن تقول: مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَان وَأَخَذَ مَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فإما أن يأخذه فِي خِفْية فَيَكُونُ سَارِقاً، أَوْ جِهَاراً فَيَكُونُ مُخْتَلِساً، وقد ذكر في الكتاب في "السِّيَر"، أَنَّ مَا يُخْتَلَسَ وُيسْرَق مِنْهُمْ، فَهُوَ خَالِصٌ مِلْكُ المُخْتَلِسِ وَالسَّارِقِ، ويشبه أن يكون الفيء هُوَ أَمْوَالُهُمْ الَّتِي تَحْصُلُ فِي قَبْضَةِ الإمَامِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ كَالْجِزْيَةِ وَنَحْوِهَا، دُونَ مَا يَأخُذُهُ الآحَادُ، وَرُبَّمَا أيَّدتُ هَذَا الاِشْكَالِ بَأَنَّ كَثِيراً مِنَ الأَئِمَّةِ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ غَنِيمَةٍ، مِنْهُمْ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالصَّيْدَلاَنِيّ.
وَأَعُودُ بَعْدَ هَذَا إِلَى لفظ الْكِتَابِ فَأَقُولُ:
قوله: ويشرط أن يوجد في موضع مشترك كَمَوَاتٍ وشارع.
فيه كلامان:
أحدهما: أنه قد يعني بكون الموت مُشْتَركاً كونه بسبيل يتمكن كُلُّ وَاحِدٍ من إحيائه وتملكه، وبكون الشَّارع مُشْتَركاً بأن لِكُلّ أَحَدٍ فِيهِ حَقّ الطرُوفِ ولا يحسن حَمْلُ الاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ الْكِتَاب عَلَيْهِمَا؛ لأن كُلَّ وَاحدٍ مِنَ الْمَعنِيَيْنِ يُخْتَصُّ بِأحَدِ المَوْضِعَيْنِ، وقد وَصَفَهُمَا جَمِيعاً بِالاشْتِرَاكِ بِلَفظٍ وَاحِدٍ فَالأَحْسَنُ تَفْسيرُهُ بِمَعنَىً شَامِلٍ، كالانْفِكَاكِ عَنِ المِلْكِ وَنَحْوه.
والثَّانيِ: أن لِمُنَازع أَنْ يُنَازعَ في اشتراط الوُجُودِ فِي مَوْضِعٍ مُشْتَرِكٍ، لأن إذا أَحْيَا أَرْضاً وَتَمَلَّكَهَا، ثُمَّ وَجَدَّ فِيهَا كَنْزاً كَانَ ذَلِكَ رَكَازاً، وإن لم يوجد فِي مَوْضِعٍ مُشْتَرَكٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 141
إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: المراد بالوجدان الدخول تحت اليد والتسلط عليه ثم قوله: (كموات) يجوز أن يكون مُعَلَّماً بالْوَاوِ؛ لِأنَّهُ مُطْلَقٌ قد حَكَيْنَا وَجْهاً فِي مَوَاتِ دَارِ الْحَرْبِ الَّذِي يَذُبُّونَ عَنْهُ، وبالْحَاء أَيْضَاً لِمَا سَبَقَ.
وقوله: (وشارع) بالواو؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَصِير الأكْثَرِينَ إِلَى أنَّهُ لُقَطَةٌ.
وقوله: (وما يوجد فِي دَارِ الْحَرْب فَغَنِيمَةٌ أَوْ فَيْءٌ) أي: على اختلاف الحَالِ في الْقَهْرِ وَعَدَمِهِ، ثم هو مُحْتَاج إلى التَّأْوِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أن الموجود في مواتِ دار الحرب ليس كذلك فَهُو مَحْمُولٌ على عمرانَ دَارِ الْحَرْبِ.
والثَّاني: أَنَّهُ لو دَخَلَ بِأمَانٍ فَلَيسَ حُكمُ المَأخُوذِ مَا ذَكَرَهُ؛ فَإذاً هُوَ مَحمُولٌ عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ.
وقوله: (مِلْكَه وعليه الخُمُس) الأحسن أن يقرأ مِلْكَيهِ، وَعَليه الخمس لا (ملكه) لأن قَوْلَنا: مِلْك، يُشْعَر بابْتِدَاء ثُبُوتِ المِلْك، فيقتضي أن يَكُون ابْتِدَاؤه عِنْدَ الوجدان، لكنه غير مجزوم به، بل فيه الوجهان المَذْكُوران عُقَيْبَ هَذَا الْكَلاَمَ.
أما الحكم بأنه ملكه فهو مُسْتَمِرُّ عَلَى الوجهين جَمِيعاً.
وقوله: (يجب طلب المجبى) مُعَلَّمٌ بالواو؛ لما سبق.
وقوله: (فإنه أَوْلَى به) يجوز أن يكون جواباً على قولنا: "أنه لا يملكه بالإحياء المجرد"، ويجوز أن يحمل على غير ذلك، -والله أَعْلَمُ-.
قال الغزالي: وَلاَ خُمْسَ علَى الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
قال الرافعي: حكم الذِّمي في الرَّكَازِ حُكْمُهُ في المَعْدَنِ، فلا يمكنُ من أَخْذِهِ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وإن وجده ملكه.
قال الإمام -رحمه الله-: وفيه احْتِمَالٌ عِنْدِي، فِي الرَّكَازِ؛ لأنه كَالْحَاصِلِ في قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ، وهو في حكم مال ضل عنهم، وإذا حكمنا بالمشهور وهو أنه يَمْلِكُهُ، فَفِي أَخذِ حَقِّ الرَّكَازِ مِنْهُ الخِلاَف السَّابِقِ فِي الْمَعْدن 320، وقد تَعَرَّضَ لَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ
الجزء: 3 - الصفحة: 142
هُنَاكَ، وَقَد اقْتَصَرَ، هاهنا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فأعْلِمْ قَوْلَهُ: (ولا خمس) بالواو.
واعْلَم: أنه لو قدم هذه المسألة على الفَصْل السَّابق على هذا أو أَخَّرَها عَنِ الْفَصْل التالي له لكان أَلْيَقَ لتنظم المَسَائِلُ المتعلِّقَةُ بِمَكَانِ الرَّكَازِ فِي سِلْكٍ وَاحِدِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَ البَائِعُ وَالْمُشْتَرِيَ وَالمُعِيرُ وَالمُسْتعِيرُ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا دَفَنْتُ الرّكَازَ فَالّقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ اليَدِ، فَلَوْ قَالَ المُكْرِي بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إلَيْهِ: كُنْتُ دَفَنْتُهُ قَبْلَ الإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأجِر عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا عَلَى أنَّهُ كَانَ فِي يده.
قال الرافعي: إذا تَنَازَعَ بَائِعُ الدَّارِ وَمُشْتَرِيهَا فِي الرَّكَازِ الَّذِي وُجِدَ فِيهَا، فقال المُشْتَرِي: هُوَ لِي وَأَنَا دَفَنْتُهُ، وَقَالَ البَائِعُ مَثَلَ ذَلِكَ، أو قال مَلكْتُهُ بالإحْيَاءِ أو تنازع المُعِيرُ وَالمُسْتَعِيرُ أو المُكْتَرِي وَالْمُكْرِي، هَكَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَالمُسْتَعِيرِ وَالْمُكْتَرِي مَعَ أَيْمَانِهِم، لأن اليَدَ لَهُمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مَتَاعِ الدَّارِ، وهَذَا إِذَا احتمل أنْ يَكوَن صَاحِبُ اليَدِ صَادِقاً فِيمَا يَقُول، ولو عَلَى بُعْدٍ.
فأما إِذَا انتفى الاحْتِمَالُ لَأَنَّ مِثْلَهُ لاَ يُمْكَن دَفْنُهُ فِي مُدَّة يَدِهِ فَلاَ يُصَدَّق صَاحِبُ اليَدِ، ولو فُرِضَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُكْرِي وَالمُكْتَرِي أَوِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إِلَى يَدِ الْمَالِكِ فَإِنْ قَالَ المُكْرِي أَوِ الْمُعِيرُ: أَنَا دَفَنْتُهُ بَعْدَ مَا رَجَعَتِ الدَّارُ إلى يَدي، فَالْقَوْلُ قوله بِشَرْطِ الإِمْكَانِ، ولو قال: دَفَنْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّارِ عَنْ يَدِي ففيه وجهان لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ:
أحدهما: أن القولَ قَوْلُه أيضاً؛ لأنه صَاحِبُ الدَّارِ الآن.
وأظهرهما: عند الإمَام أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ؛ لأن المالك قد سلم له اليد، وحصول الكَنْزِ فِي يَدِهِ، وَبيَدُهُ تَنْسَخُ اليَدَ السَّابِقَةَ؛ ولهذا لو تَنَازَعَ قبل الرُّجوع، كَانَ القَوْلُ قَولَه: وقوله في الكتاب: (فالقول قَولُ صَاحِب اليَدِ) مُعَلَّم بِالزَّايِ؛ لأن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ وآخرين نَقَلُوا عَنِ المُزَنِي أن القولَ قولُ المَالِكِ اتباعاً لِمَا فِي الأَرْضِ.
وقوله: (فالقولُ قولُ المُسْتأْجِرِ) معلم به أيضاً.
قال الغزالي: فَرْعٌ إِذَا وَجَدَ مَائَةَ دِرْهَمٍ وَفِي مِلْكِهِ نِصَابٌ مِنَ النَّقْدِ تَمَّ عَلَيْهِ الحَوْلُ وَجَبَ خُمْس الرَّكَازِ إذَا كمُلَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي مِلْكِهِ دُونَ النّصَابِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ فَفِي التَّكْمِيلِ خِلاَفٌ.
= الحال، وإن كان ماله غائباً، أو مدفوناً، أو غنيمة، والركاز ناقص، لم يخمس حتى يعلم سلامة ماله، فحينئذ بخمس الركاز الناقص عن النصاب، سواء بقي المال، أو تلف إذا علم وجوده يوم حصل الركاز ينظر الروضة (2/ 152).
الجزء: 3 - الصفحة: 143
قال الرافعي: هذا مفرع على اعْتِبَار النِّصَاب فِي الرَّكَازِ والفَرْضُ أَنَّا وإن اعتَبَرنَاهُ، فَلاَ نَشْتَرِط أن يكونَ الموجودُ نِصَاباً، بل يكمل ذَلِكَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ المَوْجُودِ، وفيه من التَّفْصِيلِ والخِلاَفِ مَا سَبَقَ فِي المَعْدِنِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الإِعَادَةِ، وقد نَصَّ حَجَّة الإِسْلاَم -رحمه الله- على حِكَايَة الْخِلاَف هاهنا، وجَمَعَ بين مَا إِذَا لَمْ تَجِب الزَّكَاةُ فيما عِنْدَه لِعَدَم تَمَام الحَوْلِ وَمَا إِذَا لَمْ تَجِب لِعَدَم بُلُوغِهِ نَصاباً، وهناك اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَاَلصُّورَةِ الأُولَى.
القَوْلُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:
قال الغزالي: النَّوْعُ السَّادِسُ زَكَاةُ الفِطْرِ، وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيلَة العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِمَجْمُوعِ الوَقْتَيْنِ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَوْ زَالَ المِلْكُ فِي وَسَطِ اللَّيلِ وَعَادَ فِي اللَّيلِ فَفِي الفِطْرَةِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الأَوَّلِ إِذَا مَلَكَ عَبْداً أَوْ وُلِدَ لَهُ بَعدَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ فَلاَ زَكَاةَ.
قال الرافعي: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى النَّاسِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ" 321.
وعن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطَعْمَةً لِلْمَسَاكِينَ" 322.
اعلم أن زكاة الفِطْر وَاجِبَةٌ، وقال بعضُ النَّاسِ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وبه قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بنُ اللَّبَّانِ الفرضي من أصحابنا 323 فيما رواه صاحِبُ "الشَّامِلِ"، ولا فرق عندنا بين الواجب والفريضة.
وقال أبو حَنِيفة -رحمه الله- هي وَاجِبَةٌ، وليست بِفَرِيضَةٍ.
وفي وقت وجوبها ثلاثة أقوال:
أصحها -وهو الجديد، وبه قَالَ أَحْمَد-: أن وقتها غروب الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ.
واحتَجُّوا له بأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى الفِطْرِ، وقد قال ابن عمر -رضي الله عنهما- زَكَاةُ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وحينئذٍ يكُون الفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ.
الجزء: 3 - الصفحة: 144
والثاني -وهو القديم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أن وقتَها طلوعُ الفَجْرِ يومَ العِيدِ؛ لأنَّهَا قُرْبة مُتَعَلَّقَةٌ بِالْعِيدِ فلا يتقدم وَقْتُهَا عَلَى الْعِيدِ كَالأُضْحِيَةِ 324.
وعن مالك روايتان كالقولين:
والثَّالِثُ: أنها تجب بمجموع الوقتين لِتَعَلُّقِهَا بِالْفِطْرِ والعِيْدِ جَمِيعاً 325.
قال الصَّيْدَلاِنِي: وهذا القولُ خَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، واسْتَنْكَرَهُ الأَصْحَابُ.
التفريع: لو نَكَحَ امْرَأَة أو مَلَكَ عَبْدًا أو أَسْلَمَ عَبْدُهُ الْكَافِرُ، أو وُلِدَ لَهُ وَلدٌ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ لَمْ تَجِبْ فطرتُهُمْ عَلَى الْجَدِيدِ ولا على الْقَولْ الثَّالِثِ.
وتجب على القديم، ولو مات عَبده أو وَلَدُه أو زَوْجَتُهُ لَيْلَةَ العِيدِ، أو بَتَّ طَلاَقَهَا أو ارتد عَبْدُهُ لَمْ تَجِب فطرتهم على القديم، وَلاَ عَلَى القَوْلِ الثَّالِثِ، وتجب على الجديد، وكذا الحكم لو أسلم كَافِرُ قَبْلَ الغُرُوبِ وَمَاتَ بَعْدَه [وجبت فطرتهم 326 على الجديد ولا تجب على القديم ولا على القول الثاَلث] وَلَو طَرَأَتِ الأحْوَالُ المَذْكُورَة بَعْدَ الْغُرُوبِ وزَالَتْ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ فَلاَ فطرة على الأَقْوَالِ كُلِّها.
وَلَو زال المِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ بَعْدَ الغُرُوبِ ثُمَّ عاد قبل طُلُوعِ الفَجْرِ وَجَبَتْ الفَطْرَةُ عَلَى الجَديد والقَدِيم.
وأما عَلى القَوْلِ الثَّالِثِ ففيه وجهان حَكَاهما في "النِّهَايَةِ" وقال: هما ملتفتان على أن الوَاهِب هَلْ يَرْجَعُ فِيمَا زَالَ مِلْكُ الْمُتَّهِب عنه ثم عاد، وَلَهُ نَظَائِرُ نَذْكُرهَا فِي مَوَاضِعِهَا، ونَشْرَح فِيهَا الوجهين، ولو بَاعَ بَعْدَ اَلغُرُوب عَبْدَة واسْتَمَر مِلْكُ المُشْتَرِي فِيهِ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الجَدِيدِ عَلَى البَائِعِ، وعلى القديم عَلَىَ المُشْتَرِي، وعلى الثَّالِثِ لا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ منهما.
وَلَوْ مَاتَ مَالك العَبْدِ لَيْلَة العِيدِ، فَالْفِطْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي تَرِكَتِهِ عَلَى الجديد، وهي على الوارث على الْقَدِيم، وعلى الثَّالِثِ لاَ تَجِبْ أَصْلاً، وذكر في "النِّهَايَةِ" أن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيِّ حَكَى وَجْهاً فِي وُجُوبِهَا عَلَى الوَارِثِ، تَفْريعاً عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ، بِنَاءً عَلَى القَدِيمِ فِي أَنَّ حَوْلَ الوَارِثِ يُبْنَى عَلَى حَوْلِ المُورَثِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 145
وقوله في الكتاب: (وعلى الأولِ إذَا ملك ...) إلى آخره، ينبغي أن يعلم فيه أن نفي الزكاة في صورة الموت ليس تفريعاً على هذا القول خَاصَّة، بل هو لازم على الأقوال كُلِّها، ومواضع العلامات عِنْدَ ذِكْرَ الأَقوَالِ لاَ تَخْفَى -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي ثَلاثةِ أَطْرَافٍ: الطَّرَفُ الأَوَّل فِي المُؤَدَّى عَنْهُ، وَكُلُّ مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ تَجِبُ عَلَى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ مِنَ الزَّوْجَةِ (ح) وَالْمَمْلُوكِ وَالقَرِيب.
قال الرافعي: الكلام في زَكَاةِ الفطر في أنها مَتَى تُؤَدَّى وَعَمَّنْ تُؤَدَّى، وَمَنِ الَّذِي يُؤَدِّي وَمَا المُؤَدَّى، وَإِلَى مَن تُؤَدَّى.
أما الأخير من هذه الأمور فموضعه كتاب: "قَسْم الصَّدَقَاتِ".
وأما الأوَّلُ: فيحتاج فيه إلى مَعْرِفَةِ وَقْتِ الْوُجُوب، وقد فَرَغْنَا منه الآن، ويجوز التقديم عليه على الضَّبْطِ المذكُورِ في مَسَائِل التَّعْجِيلِ.
وأما إذا لم يعجل، فالمستحب ألاَّ يؤخر أداءَهَا عن صَلاَةِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-: "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ" 327 فلا يجوز تَأخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 328 فلو أَخَّرَ عَصَى وقَضَى، بقي هاهنا النظر في الأطراف الثلاثة الباقية:
الأول: في المُؤَدَّى عَنْهُ.
اعلم: أن الفطرة قد يُؤَدِّيهَا الإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَد يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ غَيْرُهُ.
والأصل فيه قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ" 329 والجهات التي يَصِيرُ بِهَا الشَّخْصُ فِي نَفَقَةِ الْغَيْرِ وَمَؤْنَتِهِ ثَلاَثٌ: النِّكَاح، والمِلْكُ، وَالْقَرَابَةُ، وكُلَّها تقتضي لزوم الفِطْرَةِ أَيْضًا فِي الجُمْلَةِ.
ثم القول في شرائط الوجوب ومواضع الاستثناء عَنْ هَذَا الأَصْلِ سَيَظْهَرُ مِنْ بَعْد؟ وليكن قوله: (تجب على المُنْفِق فِطْرَتُه) وكذا قوله: (من الزوجة) مُعَلَّمَيْنِ بِالحَاء.
أما الثاني: فلأن عِنْدَه لاَ تَجب فِطْرَة الزَّوْجَة عَلَى الزَّوْجِ، وإنما هي عَلَيْهَا وحكى ذلك عن اختيار ابْنِ المُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا
الجزء: 3 - الصفحة: 146
وَأَمَّا الأَوَّلُ: فَلأُمُور: منها: مسألة الزَّوْجة.
ومنها: أن عِنْده لاَ يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ فِطْرَةُ الأَبِ وَإِنْ وَجَبْت نفقته.
ومنها: أن عنده لا تَجِب عَلَى الجَدِّ فِطْرَةُ وَلَدِ الوَلَدِ.
لنا ما رُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ" 330.
قال الغزالي: وَلاَ تُفَارِقُ الفِطْرَةُ النَّفَقَة إِلاَّ فِي مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا الابْنُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَفِي فِطْرَتِهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الوُجُوبُ (ح).
قال الرافعي: يستثنى عن قولنا: من وجبت نَفَقَتُهُ وجب عَلى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ
مسائل: منها: ما هي مستثنا بلا خلاف.
ومنها: ما في استثنائها اختلاف قَوْل أَوْ وجه.
فمنها: أن الابن تلزمه نفقة زوجة أبيه تفريعاً على الصحيح في وجوب 331
الجزء: 3 - الصفحة: 147
الإِعْفَاف، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ الْخِلاَفِ وموضع الإعْفَافِ فِي بَابِه -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى،- وَهَلْ يَلزَمُهُ فِطْرَتُهَا؟ فيه وجهان:
أصَّحُهُمَا: عِنْدَ المصنف في طَائِفَةَ أنها تلزمه؛ لأنها مِمَّن يمونه الابْنُ وصار كالأَب لَمَّا لَزِمتُهُ نَفَقَتُهُ لَزَمتهُ فِطْرَتُهُ، وعلى هذا فَهَذِه الصورة غَيْرُ مُسْتَثنَاةٍ عَنِ الأَصْلِ المُمَهَّدِ.
والثاني -وهو الأصح عند صاحبي "التهذيب" و"العدة" وغيرهما-: أنها لا تلزم؛ لأن الأَصْلَ فِي القيام بأمْرِهَا هُو الأبُ، والابْنُ مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ الفِطْرَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ عَلَى الأب بِسَبَب الإعْسَارَ، فلا يَتَحَمَّلُهَا الابْنُ، بِخِلاَفِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لاَزِمَةٌ مَعَ الإعْسَارِ فيتحملها، وأيضاً فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّفَقةِ يمكنها من الفُسْخِ، وإذا فسخت احْتَاجَ الابْنُ إِلَى تَزْويجه وَفقْدُ الفطرة بِخَلافه، وَيجْرِي الوَجْهَانِ فِي فطرة مُسْتَولَدَتِهِ.
ولك أن تُعَلِّم قوله: (تلزمه نفقة زوجة أبيه) بالواو إذ قد عرفت أنه مبنى على وُجُوبِ الإِعْفَافِ، وفيه خلاف وبالحاء والزَّاي؛ لأن عندهما لا يجب الإِعْفَاف.
ويجوز إعلام لفظ: (الوجوب) من قوله: (الأصح الوجوب) بالحاء؛ لأن عنده لاَ تجب على الابْنِ فِطرَة الوَالِدِ، فما ظَنُّكَ بِفِطرَةِ زَوجَتِهِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ الابْنُ الكَبِيرُ الَّذِي هُوَ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ إِذَا وَجَدَ قَدْرَ قُوتهِ لَيْلَةَ العِيدِ فَلاَ فِطْرَةَ عَلَى أَبِيهِ لِسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَلاَ عَلَيْهِ لِعِجْزِهِ، وَلَوْ كَانَ صَغِيراً وَالمَسْألة بِحَالِهَا فَفَيهِ خِلاَفٌ (و) فَإِنَّ حَقَّ الصَّغِيرِ آكَدُ.
قال الرافعي: غير الأصول والفروع من الأقارب، كالإخوة والأعمام لا تجب فِطْرتُهم، كما لا تَجِب نفقتهم.
وأما الأصول والفروع، فإن كَانُوا مُوسِرينَ فَلاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ، وإن كَانُوا مُعْسرينَ وإلاَّ فَكُلَّ من جمع منهم إلى الإِعْسار الصِّغَر والجنُون أو الزّمانَة، وَجَبَتْ نفقته، ومن تجرد في حَقِّه الإعْسَار ففي نفقته قولان، ومنهم من قَطَع بِالْوُجُوبِ في حق الأُصُولِ.
وحكم الفِطْرة حكم النفقة وفاقاً خلافاً.
= الخفاف في الخصال، وما لو أجر عبده وشرط نفقته على المستأجر فإن الفطرة على سيده.
نص عليه في الأم.
وما لو حج بالنفقة كما سيأتي وما لو أسلم على عشرة نسوة فإن النفقة تلزمه للجميع لأنهن محبوسات بسببه ولا يلزمه الفطرة فيما يظهر لأن الفطرة إنما تتبع النفقة بسبب الزوجية أي وصورة المسألة: أن يسلمن قبل غروب الشمس ليلة العبد فإن أسلمن بعد الغروب فلا فطرة وهذا ظاهر جلي.
الجزء: 3 - الصفحة: 148
إذا عرفت ذلك، فلو أنَّ الولَد الكَبِيرَ كَانَ فِي نَفَقَةِ أبيه إِمَّا بِمُجَرَّدِ الإعْسَار إن اكتفينا بِهِ أو مَعَ الزّمَانَة إِنْ لَمْ نَكْتَفِ بهِ فوجد قَدْرَ قُوتِه ليلةَ العِيدِ وَيوْمه سَقطت فِطْرَتُه عَنِ الأَبِ لِسُقوطِ نَفَقَتِهِ، وكونها تَابِعَة لَهُ، ولا تَجِب عَلَيْهِ لِعَجْزِه وإعْسَار.
وإن كَانَ الوَلَدُ صَغِيراً، وَالْمَسْألة بِحَالِهَا فَفِي سقُوطِ الْفِطْرَة وَجْهَان:
قال الصَّيْدَلاَنِيّ: لا تسقط.
والفَرق أن نَفَقة الكَبِير لاَ تثبت في الذِّمة بِحَال، وإنَّما هي لكفاية الوقت، ونفقة الصغير قد ثَبتت، ألا ترى أن للأم أن تستقرض عَلى الأب الغَائِب لَنفقة الصَّغِير فكانت نفقته آكد فأشبهت نفقة الأب نفسه وفطرته.
وقال الشَّيخ أبو محمد تسقط كما تسقط النَّفَقة، وتردد فيما ذَكَره من جواز الاستقراض، وقال: الأظهر منعه إلا إذا أَذِن السُّلْطان، ومثله يقرض في حق الكبير أيضاً، وما ذكره الشَّيْخُ أَظْهَرُ عِنْدَ الإِمَام وغيره.
واعلم: أن مسألة الكبير جارية على الأَصْلِ المُمَهَّدِ، وكذلك مسألة الصَّغِير على قول الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدٍ، وإنما الاستثناء على قول الصَّيْدَلاَنِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ الزَّوْجُ إِنْ كَانَ مُعْسِراً لَمْ تَسْتَقِرَّ فِطْرَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ اسْتَقَرَّتِ النَّفَقَةُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَة نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَّ فِي الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ مِنَ المُعْسِرِ أَنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ وَقِيلَ: الفَرْقُ أَنَّ سَلْطَنَةُ السَّيِّدِ آكَدُ مِنْ سَلْطَنَةِ الحُرَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَتِ الزَّوْجَةُ فِطْرَةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُونَ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى أَحَد الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الزَّوْجِ أَصْلٌ لاَ مُتَحَمَّلٌ.
قال الرافعي: من أصول البَاب الذي يُحتاج إلى مَعْرِفته فِي هذه المَسْأَلة وغيرها أن الفِطْرة الواجبة على الغير تلاقي الَمؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدِّي أمْ تَجِبْ على المُؤَدِّي ابتداء؟ وفيه خلاف يعبر عنه تَارةً بقولين مخرجين من معاني كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- وتارةً بوجهين:
أحدهما: أن الوجوب يُلاقي المؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدي، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي سبق: "عَلَى كُلِّ حِرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ".
والثاني: أنها تَجِب على المُؤَدي ابتداء، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ، وَلاَ فَرَسِهِ، صَدَقَةٌ إِلاَّ صَدَقَةُ الْفِطْر عَنْهُ" 332 قال القاضي الرُّوَيانِي وغيره: ظاهر المَذْهب هو الأوَّل، ثم الأكثرون منهم الشَّيْخُ أَبُو عَلِي طردوا الخلاف في كل من يؤدي صَدَقة
الجزء: 3 - الصفحة: 149
الفِطْر 333 عن غيره من الزَّوْجِ وَالسَّيِّد والقريب.
قَالَ الإِمَام: وذكر طوائف من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزَّوجة فقط فأما فطرة المملوك والقريب فتجب على المؤدِّي ابتداء بلا خلاف؛ لأَنَّ المملوك لا يقدر على شيء، والقريب المُعْسِر لو لم يجد من يقوم بالإنفاق عليه لا يلزمه شيء فكيف يقال: بأن الوُجُوب يلاقيه ثم حَيْث فُرِضَ الخِلاَفُ وقلنا: بالتحمل، فَهُو كَالضَّمَان أو كَالحوالة حكى أبو العبَّاس الرَّوَيانِي فِي "المَسَائِلِ الجرجانيات" فيه قولين 334:
إذا تقرر ذلك ففي المسألة صورتان:
أحدهما: الزَّوْجُ المُعْسِر لا تستقر الفِطْرة فِي ذمته وإن استقرت النَّفقة؛ لأن النفقة عوض، والفِطْرة عِبَادة مَشْرُوطة باليَسَارِ، ثُمَّ إن كانت مُوسِرة، فَهَلْ عَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ قال في "المختصر": لا أُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكَها، ولا يتبَيَّن لي إن أْوجب عليها، ونَصَّ فيه أيضاً على أنه لَوْ زَوَّجَ، أَمَتَة مِنْ مُعْسِر تجب الفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهَا، واختلف الأَصْحَاب على طريقين:
أصَحّهمَا: عند الشيخ أبي عَلِيّ وغيره: أن المسألتين على قولين مبنيين على الأَصْلِ المَذْكُورِ.
إن قلنا: الوجوب يلاقي المؤدي عنه أولاً وجبت الفِطْرة على المرأة الحرّة في الصُّورة الأُولى، وعلى سَيِّد الأمة في الثَّانية.
وإن قلنا الوجوب على المؤدي ابتداء فلا يجب.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ، وبه قال أبو إسْحَاق.
والفرق: أن الحُرَّة بعقد النكاح تفسير مُسَلَّمَة إلى الزَّوْجِ حتى لا يجوز لها المسافرة والامتناع من الزَّوْجِ بعد أخذ المَهْرِ والنفقة بحال، والأمة بالتزويج غير مُسَلَّمة بالكلية، بل هي في قبضة السّيد، ألا ترى أن له أن يستخدمها وأن يُسَافِر بِهَا، وهذا معنى قوله في الكتاب: (سلطنة السَّيد آكد، مِنْ سلطنة الحرة) أي: على نفسها، ثم التقريب من وجهين:
أحدهما: أن الحرة لما كانت مُسَلَّمة بالكلية كانت كالأمة المُسَلَّمة إلى المُشْتري بِعَقْدِ الشراء، فتنتقل الفِطرة إليه، والأمة لما كانت في قبضة السّيد، لم تكن الفطرة
الجزء: 3 - الصفحة: 150
متحولة عنه، وإنما الزَّوج كالضَّامن لها، فإذا لم يقدر على الأداء بقي الوجوب على السَّيد، كما كان.
والثَّاني: أن الأمة إذا لَمْ تكن واجبة التَّسليم، كان السيد مُتَبَرِّعاً بتسليمها، فلا يسقط عنه بتبرعه ما كان يلزمه لَوْلاَ التَبرّع.
ولو نَشَرَت المرأة وسقطت فطرتها عن الزَّوْجِ لسقوط النفقة، فقد قال الإمام: الوجه عندي القطع بإيجاب الفِطْرَة عَلَيها، وإن حكمنا بأنَّ الوُجُوبَ لا يلاقيها؛ لأنها بالنشوز أخرجت نَفْسَها عَنْ إِمْكَانِ التَّحَمُّلِ.
فرعان:
أحدهما: زوج الأمَةِ إن كانَ موسراً فحكم فطرتها حُكْم نَفَقَتِهَا، وسيظهر ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
والثاني: أن خادمة الزَّوْجة إن كانت مُسْتَأْجِرَةً، لم يجب على الزَّوْج فِطْرَتُهَا، وإن كانت من إمائه وجبت؛ لأنها مملوكته، وإن كانت من إماء الزَّوْجة، والزوَج ينفق عليها ففطرتها وَاجِبَةٌ عليه نظراً إلى أنه يَمُونَها، نَصَّ عليه في "المختصر".
وقال الإمام: الأصح عندي أنها لا تَجِب؛ لأن نفقة الخَادِمة غير مُسْتَقِلة، إذ يمكلنه تَحْصِيل الغَرَضِ بِمُتَبَرِّعَةٍ أَوْ مُسْتَأجَرَةٍ.
الصُّورة الثانية: لو أخرجت الزَّوجَة زَكَاةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُون إِذْنِهِ ففي إجزائه وَجْهَان:
إن قلنا: الزَّوْجُ مُتَحَمِّلٌ أَجْزَأ وإلاَّ فَلاَ، ويجري الوجهان فيما لو تَكَلَّف مِنْ فِطْرته على قَرِيبه باستقراضٍ وغيره، وأَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ إذنه، والوَجْهُ الأَوَّلُ هو المنصوص عليه في "المختصر".
ولو أخرجت الزَّوجَة أو القريب بإذْنِ مَن عَلَيْهِ جَازَ، بِلاَ خِلاَف، بل لو قال الرجل لغيره: أدِّعني فِطْرتي ففعل جَاز، كما لَوَ قال: أَقْضِ دَيْنِي، ذكره في "التهذيب".
وقوله في الكتاب: (لأن الزوج أصل لا متحمل) ليس تعليلاً لِوَجْهِ المنع بشيء يساعد عليه، بل الغرض منه التَّنْبِيه عَلَى مَبْنَى الوَجْهَيْنِ.
واعلم: أن الصُّورة الثَّانية، ليس لها كَثِير تَعَلُّقِ بالأصْلِ المستثنى منه، وإنَّمَا المتعلق به الأولى، فإن الفِطْرَة فارقت النَّفقة حَيْثُ لم تَلْزُم الزَّوْجَ المُعْسِر، والنَّفقة لازمة مستقرة.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ البَائِنُ الحَامِلُ تَسْتَحِقُّ الفِطْرَةَ، وَقِيلَ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ النَّفَقَةَ لَلْحَمْلِ فَلاَ تُسْتَحَقُّ.
قال الرافعي: يجب فطرة الرجعية كنفقتها، وأما البَائِنة: فإن كانت حَائِلاً، فلا نَفَقَةَ ولا فِطْرَة، وإن كَانَتْ حَامِلاً، ففي فطرتها طريقان:
الجزء: 3 - الصفحة: 151
أحدهما: أنها تجَب اتباعاً لِلْفِطْرَة النفقة.
والثاني: أن وُجوبَهَا مَبْنِيٌّ على الخِلاَف في أنَّ النفقَةِ لِلْحَملِ أو لِلْحَامِلِ إن قلنا: بالثَّانِي فَيَجِب، وإن قُلْنَا بالأَوَّلِ فَلاَ؛ لأَنَّ فِطْرَة الجنين لا تَجِب، وهذا الطريق الثاني هو الذي أورده الأَكْثَرُون.
وكلامُ صَاحِبِ الْكِتَاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيح الأَوَّلِ وبه قال الإمام والشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ.
قال الشيخ: لأنها المستحقة، سواء قلنا: النفقة لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، ولها أن تأخذها وتنفقها على نَفْسِها بِلاَ خِلاَف، وقولنا: إنها للحمل على قول -، نعني به-: أنه سبب الوجوب، وذلك لا يُنَافي كَوْنها المُسْتَحِقة هذا إذا كانت الزوجة حُرَّة، فإن كانت أمة ففطرتها بالاتفاق ناظرة إلى ذَلِك الخِلاَف، فإن قلنا النفقة للحمل فلا نفقة ولا فِطرة؛ لأن الحَمْل لو كان ظَاهِراً لم يكن عليه أن يمون ملك الغير، وإن قلنا: للْحَامِل وَجَبَتَا، وسواء رَجَّحْنَا الطريقة الأولى أو الثانية فالأصح اسْتِحقاق الفطرة؛ لأن الأَصَح أن النفقة لِلْحَامل، وعلى هذا فالمسألة غَيْر مستثناه عن الأَصْل السَّابق أما إذا قلنا: النفقة وَاجِبَةٌ لِلْحَمْل فَلاَ فِطْرَة، فالحمل شخص تجب نفقته، ولا تجب فِطرته فينتظم استثناؤه -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لاَ فِطْرَةَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ الكَافِرِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ فِي نِصْفِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ أَوْ فِي العَبْدِ الَّذِي نِصْفُهُ حَرٌّ، وَلَوْ جَرَتْ مُهَايَأَةٌ فَوَقَعَ الهِلاَلُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالفِطْرَةِ وَجْهَانِ لِأنَّهُ خَرَجَ نَادِراً.
قال الرافعي: في المسألة صورتان:
أحدهما: لا يجب على المُسْلِم فِطْرَةَ عَبْدِهِ الكَافِرِ وبه قال مَالِك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: لتقييد في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- حيث قال: "مِنَ المُسْلِمِينَ" وأيضاً فإن الفطرة شرعت تطهيراً والكافر ليس أهلاً للتطهير، وحكم الزَّوْجَةُ الذِّمية، والقريب الكافر حكم العبد الْكَافِرِ، فلا تجب فطرتهم وإن وجبت نفقتهم.
الثانية: تجب فطرة العبد المُشْتَرك على الشَّريكين، وفطرة العبد الذي بَعْضُه حُرٌّ عليه وعلى السَّيد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "لا تجب" ولمالك حيث قال في الصورة الثانية في إحدى الروايتين: "تجب على السيد حِصَّته ولا شيء على العبد" والرواية الثانية مثل مَذْهبنا.
لنا: ما سبق أن الفِطْرَة تَتْبع النَّفقة، وَهِيَ مُشْتَركة فَكَذَلِكَ الفطرة ثم الوُجُوب عليهما إذا لم تكن مهايأة بَيْنَ الشَّرِيكَينِ، أَوْ بين المَالِكِ وَالْعَبْدِ، فَهَلْ تَخْتَصُّ الفطرة بمن وقع زمان الوُجوب في نوبته أم هي على الشَّركة؟ يبنى ذلك على أن الفطرة من المؤن النَّادرة أو من المؤن الدَّائرة، وبتقدير أن تكون من النَّادرة
الجزء: 3 - الصفحة: 152
فَهَل تَدْخُل في المهايأة أم لا؟.
أما المقام الأول، فقد حكى الإمام فيه وجهين:
أحدهما: أنها من المؤن الدَّائِرَة؛ لأنها معلومة القدر والوقت، معدودة من وظائف السنة.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنَّها مِنَ المؤن النَّادِرَة؛ لأن يوم العيد لا يتعين في السَّنة لاختلاف الأهلة، وبتقدير التعين فالشيء الذي لا يتفق في السَّنَةِ إِلاَّ مرة نَادِر، وأما الثَّاني فَفِيه وَجْهان مَشْهُوران:
أظهرهما: أنها تَدْخُل فِي المهايأة؛ لأن مَقْصُود المُهَاياة التَّفَاضَل والتمايز فليختص كل واحد منهما بما يتفق في نَوْبته مِنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ.
والثَّاني: لا تدخل؛ لأن النَّوادر مجهولة ربما لا تَخْطُر بالْبَالِ عِندِ التهايؤ فَلاَ ضرورة إلى إدخالها فيه، والوجهان جَارِيَانِ فِي الأكساب النَّادِرَةَ كصيد يصطاده العبد الذي ليس بُصَيَّاد، وكقبول هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ ونحوها فإن قلنا: بالأول فَجَمِيعُ الفِطْرَة عَلَى مَنْ وَقَع الهِلاَلُ فِي نَوْبَتِهِ.
وإن قلنا: بالثاني فهي مُشْتَركة بِحَسَبِ المِلْكِ أَبَداً ثم الْمُعْتَبَرُ فِي يَسَارِهِ أن يفضل الواجب، سواء كَانَ تَمَامَ الصَّاع أو بعضه عن قوت يومه وليلته إن لم يكن بَيْنَهُمَا مهايأة، وإن كَانَ بينهما مهايأة فَعَنِ القَدْرَ الذي يلزمه من قوت نفسه لا من الكُلِّ.
وليكن قوله في الكتاب: (وتجب عليه في نِصفِ العيد المشترك) معلَّماً باَلْحَاء وَالْمِيم لما ذكرناه ولو قال: وتجب فطرة العبد المشترك بدل ما ذكره لكان أحْسَنَ، ولا يستغنى عن التعرض للنّصف.
وقوله: (فوقع الهلال) جواب على أَصَحِّ الأَقْوَالِ وهو أن وقت الوجوب الاستهلال.
وقوله: (لأف خرج نادراً) جوابٌ على الأصح في عدها من النَّوادر، وليكن مُعَلَّماً بِالوَاوِ لِلْوَجْهِ السَّابِق، ولا يخفى حاجة الصورة الأولى إلى الاستثناء.
وأما الثانية: فإنما يَصِح استثناؤها عَلَى قولنا: إن الفطرة لا تدخل في المهايأة، لأنهما حينئذٍ يَشْتَرِكَانِ في الفِطْرَة دون النَّفَقَةِ فتفارق الفطرة النفقة.
قال الغزالي: السَّادِسةُ العَبْدُ المَرْهُونُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَفِي المَغْصُوبِ وَالضَّال والآبِقِ طَرِيقَانِ قِيلَ: تَجِبُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَسَائِرِ الزَّكَواتِ، وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ العَبْدِ الغَائِبِ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ فِطْرَتِهِ وعَلَى أَنَّ عَتْقَهُ لاَ يُجْزِئُ عَنِ الكَفَّارَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ فِي المَسْئلَتَينِ لِتَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ، وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّينِ مَيْلاً إلَى الاحْتِيَاطِ فِيهِمَا.
قال الرافعي: المُدَبَّرُ والمُعَلَّق عِتْقُه بِصِفَةٍ، وأم الولد كالقِنِّ في وجوب الفطرة، وتجب فِطْرة العَبْدِ المَرْهُون، والجَانِي والمُسْتَأْجِر لِوُجُودِ المِلْكِ، وَوُجُوبِ النَّفقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 153
قال الإمام والمصنِّف في "الوسيط": هكذا أطلقوا القول في المَرْهُون، ويحتمل أن يجري فيهَ الخلاف المذكور فِي زكاة المال المرهون.
واعلم: أن الخِلاف في زَكَاةِ المَالِ المرهون لم نَلْقَه إِلاَّ فِي حِكَايَةِ هَذَيْنِ الإِمَامَيْنِ، والجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الوُجُوبَ ثُمَّ أَيْضًا.
وأما المَغْصُوبُ والضَّالُّ فَفِي فِطْرَتِهِ طريقان:
أحدهما: أَنَّه على القَوْلَيْنِ فِي زَكَاةِ المَالِ المَغْصُوبِ.
وَطَرَدَ ابنُ عَبْدَانَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الخِلاَفَ فِيمَا إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ عِنْدَ الاسْتِهْلاَلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: القَطْعُ بِالْوُجُوب اتباعاً لِلفِطْرَة النفقة، ويخالف زَكَاة المال، فإنَّ المَالِيَّة مُعْتَبرةٌ فِيهَا، وهي غير معتبرة هاهنا، ألا تَرَى أنه تَجِب فِطْرَة الزَّوجَةِ، والقَرِيب مع انتفاء المالية، فلأن تَجِب عِنْدَ ضَعْفِهَا كان أَوْلَى، ولهذا وَجَبَتْ فِي المستولدة.
وأما العبد الغَائِب، فَإنْ علم حياته، وكان في طَاعَتِهِ، وجبت فِطْرَتُه، وإن كَانَ آبقاً فَفِيه الطريقان في المَغْصُوب، وللخلاف فيه مأخذٌ آخر حَكَاه الإِمَامُ، وهو أن إباق العَبْدِ هَلْ يَسْقُطُ نفقته كَنُشُوزِ الزَّوْجَةِ أَمْ لاَ؟ وفيه خِلاَف، فَإِن أسقطها أسقط الفِطْرة أيضاً، وإن لم يعلم حياته، وانقطع خَبَرُهُ مَعَ تَوَاصُلِ الرِّفاق ففي فطرته طريقان:
أحدهما: أَنَّهَا تَجِب بلا خلاف، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: أنه على القَوْلَين، وفي كَيْفِيَّتِهَا طَرِيقان:
أحدهما: أنهما قَوْلاَن مَنْصْوصَانِ، وذكل أن المُزَنِي روى في "المختصر" أنه قال: ويزكي عن عبيده الحضور، والغُيَّب، وإن لم تُرْجَ رَجْعَتُهم؛ إذَا عَلِم حَيَاتَهُم، قال: وقال في موضع آخر، وإن لم يعلم حياتهم، فَشَرَطَ العِلْمَ بالَحَيَاة فِي قول، وأطلق الوُجُوبَ فِي قَول، عَلِمَ أَوَ لَمْ يَعْلَم.
والثاني -وهو المذكور في الكتاب-: أن سَبَبَ خُرُوجِ القَوْلَين أَنَّه نص هاهنا على لزوم الفِطْرة، وفي الكفارة على أن إعتاق مِثْل هذا العبد لا يجزئ فنقل الجواب من كل مسألة إلى الأُخْرَى، وَجَعَلْنَا على قولين بالنَّقْلِ والتخريج وجه وجوب الفِطْرَة والإجزاء عَنِ الكَفَّارة، أن الأصلَ بَقَاؤُه.
وَوَجه عدمِ وُجُوبِهَا وعدم الإجزاء أن الأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عن واجب الفِطْرَة واستمرار شغلها بواجب الكفارة إلى يقين الإِعْتَاق قال القاطعون بالوجوب؛ أما منقول المُزَنِي فلا اخْتِلاَف فيه، إلا أنه أجاب في النَّصِّ الأول في إِحْدَى المسأَلَتَيْن دون الأُخْرَى، والاحتجاج بالمفهوم ضَعِيف؛ وَأَمَّا فصل الكفارة فالنصان مقرران.
الجزء: 3 - الصفحة: 154
والفرق: الأخذ بالاحتياط في الطَّرفين بتقديره حياً بالإضافة إلى الفِطْرَة وميتاً بالإضافة إلى الكَفَّارة، ليأتي بيقين الإعْتَاق، وكيفما قدر فالأظهر وجوب الفِطْرة، وعدم الإجزاء في الكَفَّارة، وإذا أوجبنا الفِطْرة في هذه الصورة، فهل نوجب إخراجَها في الحَالِ، أم يجوز التَّأْخير إلى عود العَبْد كَمَا في زَكَاةِ المَالِ؟ في نظائرها المذهب الأول؛ لأن المُهْلَة شُرِعَت ثَمَّ لِمَعْنَى النَّمَاء وهو غير معتبر هاهنا.
وروى ابنُ الصَّبَاغ عن الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أن الشَّافعي -رضي الله عنه- نَصَّ في "الإملاء" على قولين في ذَلك، قال: وهَذَا بَعِيدٌ؛ لأن إمكان الأَدَاء شَرْطُ الضَّمَانِ فِي زَكَاةِ المَالِ، والمَالُ الغَائِبُ يَتَعَذَّرُ الأَدَاء مِنْهُ، وليس كَذَلِكَ الفِطْرَة، هكذا ذَكَره، لكن قال صاحب "التهذيب": لو دخل الوقت، ومات المُؤَدّى عنه قبل إمكان الأَدَاء فَفِي سقوط الفِطْرَة وُجْهَان: فألحقهما في أحد الوَجْهَيْنِ بِزَكَاةِ المَالِ في اعتبار الإمْكَان، وحكى الإمام هَذَا الخِلاَفَ أَيضاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّابِعَةُ) نَفَقَةُ زَوْجَةِ العَبْدِ فِي كَسْبِه وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِزَكَاةِ نَفْسِهِ فَلاَ يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
قال الرافعي: العبد ينفق على زوجته من كَسْبهِ، ولا يخرج الفطرة عنها حُرَّةٌ كانت، أو أَمَةً؛ لأنه ليس أهلاً لزكاة نَفْسِهِ، فكيف يُتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
أما النفقة فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، وأقرب موضع يؤدي منه كسبه، ثم إذا كَانَت الزَّوْجَة حُرَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَهَلْ عَلَيها فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ منهم من قال: هو على القَوْلَين المَذْكُورين فيما: إذا كانت تَحْتَ زَوْجٍ مُعْسِرٍ.
ومنهم: من قال: عليها فِطْرَتُهَا بلاَ خِلاَفٍ؛ لأن العَبْدَ لَيْس أهلاً لِلْخِطَابِ بالفِطْرَةَ، وإن كانت أَمَةً فهل على سَيِّدِهَا فِطْرتها؟ فيه هذان الطَّريقان:
والثاني: أظهر في الصُّورتين، ولو مُلَّك السَّيدُ عَبْدَه شيئاً، وقلنا: إنه يملكه، لم يكن له إخراج فطرة زوجته عنه استقلالاً؛ لأنه مِلْك ضعف، ولو صَرَّح بِالإذْنِ فِي الصَّرف إِلَى هَذِهِ الجهة، ففيه وجهان للشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ إن قلنا: له ذلك، فليس للسَّيد الرجوع عن الإِذْن بعد استهلال الْهِلاَل؛ لأن الاستحقاق إِذَا ثَبَتَ؛ فَلاَ مَدْفَعَ لَهُ.
خاتمه: قوله في أول المسائل السبع: (ولا تفارق الفطرة النفقة إلا في كذا) لا شك أنه لم يعن به مطلق المُفَارقةِ؛ لأن مفارقتهما لا تنحصر فيما استثناه؛ بل هما مفترقان في القدر والوَقْت؛ وأمور أخر لا تُحْصَى كثرة، وإنما عني المفارقة في ثبوت النفقة وانتقاء الفطرة، لكن هذه المفارقة غير منحصرة أيضاً فيما استثناه لمسائل:
منها: إذا كان لِلْكَافر عَبْدٌ مُسْلِمٌ، ففي فطرته وجهان سنذكرهما، والنفقة واجبة.
ومنها: إذا أوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدِ لرجل، وبمنفعته لآخر قال ابْن عَبْدَان: فطرته على
الجزء: 3 - الصفحة: 155
المُوصَى لَهُ بالرقبة بلا خِلاَفٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أو على الموصى له بالمنفعة، أو في بيت المال، فيه ثلاثة أوجه: فعلى غير الوَجْهِ الأَوَّلِ المسألة من مَسَائِلِ المفارقة.
ومنها: عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ، والعبد المَوْقُوف على المَسْجِد في فطرتهما وجهان حُكِيا عن "البحر".
الأظهر: وبه أجاب في "التهذيب": أنها لا تجب.
والعبد المَوْقُوف على رجل معين، ذكر في "العدة": أن فطرته تبنى على أن الملك فيه.
إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه؛ فَعَلَيْهِ فِطْرته.
وإن قلنا: لله تعالى فوجهان ونفى صاحب "التهذيب" في "باب الوقف" وجوب فِطْرَتِهِ على الأقوال كُلَّها؛ لأنه ليس فيه ملك محقق، والأول أشهر، ونفقة هؤلاء وَاجِبَةٌ لاَ مَحَالَةَ.
قال الغزالي: (الطَّرَفُ الثَّاني) فِي صِفَاتِ المُؤَدِّي، وَهِيَ الإِسْلاَمُ وَالحُرِيَّةُ وَاليَسَارُ، فَلاَ زَكَاةَ علَى كَافِرٍ إلاَّ فِي عَبْدِهِ (ح) المُسْلِمِ علَى قَوْلنَا: إِنَّ المُؤَدَّى عَنْهُ أَصْلٌ وَالمُؤَدِّي مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى رَقِيق وَلاَ مُكَاتَبٍ (و) فِي نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَلاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ المُكاتَبِ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ، تَجِبُ فِي مَالِ المُكَاتَبِ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ صَاعٍ.
قال الرافعي: اعتبر في مؤدى الفطرة ثلاثة أمور:
الأول: الإسْلاَم.
فلا فطرة على كافر عن نفسه؛ لأنه ليس له أهلية التَّطْهِير، ولا أهْلِيَّة إقامة العِبَادَات ولا عن غيره إلا إذا ملك الكافر عبداً مُسْلِماً، أو كان لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِم، ففيه وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أن من يؤدي عنه الفطرة أصيل، يتحمل عنه، أو الوجوب المؤدي ابتداء.
إحداهما -وبه قَالَ أَبُو حَنيفَةَ -رحمه الله-: أنها لا تَجِب.
والثاني -وبه قال أحْمَدُ-: تجب، ويتصور ملك الكافر العبد المسلم، بأن يسلم العبد في يَدِهِ، أو يرثه أو يَشْتَريه عَلَى قَوْلِ صِحَّةِ الشِّرَاءِ ويهل شوال هلاله قَبْلَ أَنْ نُزِيلَ المِلْكَ عَنْه.
ومستولدته التي أسْلَمَت فِيهَا الوَجْهَان فإن قلنا: بالوجوب فقد قَالَ الإمَام: صَائِرٌ إلى أن المَتَحَمل عنه يَنْوي، والكافر لا تصح منه النية، وذلك يدل على استقلال الزَّكاة بِمَعْنَى المُوَاسَاة، ولو أسلمت ذِمِّيَّةٌ تحت ذِمِّي، واستهل الهِلاَل فِي تَخَلُّف الزَّوْجِ، أَسْلَمَ قَبْلَ انقضاءِ العِدَّة ففي وجوب نَفَقَتِهَا مُدَّة التَّخَلُّف؛ خلافٌ يأتي في مَوْضِعِهِ، فإن لم نُوجِبْهَا لَمْ نُوجب الفِطْرة وإن أوجبناها فَالْفِطْرَة عَلَى الخِلاَفِ المَذْكُورِ فِي وُجُوبِ فِطْرَةِ عَبْدِهِ المُسْلِمِ.
وقوله في الكتاب: (إلا في عبده المسلم)، ليكُنْ مُعَلَّماً بالحاء؛ لما نقلناه عن مذهب أبي حنيفة، ثم ظاهره يقتضي الجزم ينفي الوجوب في القريب المسلم، وفي مسألة إسْلاَم الذِّمِّيَّةِ؛ لأنه حصر الاستثناء في العبد، وكل ذلك على الخلاف، نَصَّ عليه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ وَغَيْرُهُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 156
الثاني: الحُرِّية، وفيه صُوَر:
منها: لا يجب على الرَّقيق فِطْرة نفسه، ولا فطرة زَوْجَتِهِ؛ لأنه لا يَمْلِك شَيْئاً، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيْد مالاً فقد ذَكَرْنَاه، وإن ملَّكه عَبْداً، وقلنا إِنَّهُ يَمْلك سَقَطَتْ فِطْرَتُهُ عَنِ السَّيِّدِ، لَزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، ولم تَجِب عَلَى المتملك لضَعْفِ ملكه.
ومنها: هَلْ تَجِبَ عَلَى المُكَاتَبِ فِطْرَة نفسه؟
المشهور: أنها لاَ تَجِب، كما لا تجب عَلَيْهِ زَكاة مَالِهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
وقيل: إِنَّهَا تَجِب عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ، كنفقته؛ وبه قال أحمد، وهذا الاختلاف على ما ذكره الإمام.
قولان:
الأول: منهما منصوص.
والثاني: مُخَرَّجٌ، ذَكَرَه ابْنُ سُرَيْجٍ، وعلى ما رواه في "التهذيب" وَجْهَان وأَطْلَقَهُمَا الصَّيْدَلاَنِيُّ قولين من غير التَعَرُّض لِلنَّصَ والتخريج، والأَمْرُ فيهِ سَهْلٌ.
وإذا قلنا: بالمشهور، وهو أنه لا فِطْرَة عليه، فَهَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ.
والظَّاهِرِ: أَنَّهَا لَيْسَت عَلَيْه؛ لسقوط نفقته عنه، ونزوله مع السَّيِّد منزلة الأَجْنَبِي، ألا ترى أنه يبيع منه وَيشْتَرِي.
وروى أبو ثور عن القديم أنها تَجب على السَّيد؛ لأنه عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وأنكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ أن يكون هذا قولاً للشَّافعي -رضي الله عنه- وقال: إنه مذهب أَبِي ثَوْرٍ نفسه.
والخلاف في أن المكاتب هل عليه فطرة نفسه؟ يجري في أَنَّه هل عليه فِطْرة زوجته وعبيده بلا فرق.
واعلم: أن قوله فيِ الكتاب: (ولا زَكَاة على رَقِيقِ، ولا مُكَاتَب في نفسه، وزوجته) الكلام في الرَّقيق قَدْ صَارَ مذكوراً مَرَّة في المسألة السَّابِقَة، وإنما كَرَّره؛ لأَنَّهُ احتاج إلَى إدراجه في صُوَرِ الاستثناء أولاً، وإلى التَعَرُّضِ لَهُ فِي صِفَاتِ المُؤَدي ثَانِياً.
وقوله: (وقيل: نجب عليه) أي: على السيد وهو القول الذي حَكَاه أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: حكم الْمُسْتَولَدَةِ، والمُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ على ما سبق.
والكلام فيمن نِصْفُه حر قد ذكره مرة، وإنما أعاده هاهنا ليبين أن الحرية التي اعتبرها ليست حرية للكل، وإنَّما هي الحرية يحسب القدر المؤدي من الفطرة.
قال الغزالي: وَالمُعْسِرُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَفْضُل عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ وَدِسْتِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الهِلاَلِ لَمْ يَتَجَدَّدِ الوُجُوبُ بِخِلاَفِ الكَفَّارَاتِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 157
قال الرافعي: الأمر الثالث: فالمعسر لا زكاة عليه، وكل من لم يفضل عن قوته، وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَضُلَ عَنْهُ ما يُخرِجُهُ فِي الفطرة من أي جنس كان من المال فهو مُوسِر، ولم يُصَرِّح الشافعي -رضي الله عنه- وأكثر الأصحاب في ضبط اليسار والإِعْسَار إِلاَّ بهذا القدر، وزاد الإمام فاعتبر في اليسار أن يكون قَدْرُ الصَّاعِ فاضلاً عن مَسْكَنِه، وعبده الذي يَحْتَاج إليه في خِدْمته، وقال: لا يحسب عليه في هذا الباب ما لا يحسب في الكَفَّارة، وتابعهُ المصنف فِيمَا ذَكرَهُ، وأنت إذا فحصت عن كُتُبِ الأَصْحَاب وجدت أَكْثَرَهُمْ سَاكِتين عَنْ ذَلِك، وقد يغلب على ظَنِّك أَنَّهُ لا خِلاَف في الْمسْألة، وَالَّذِي ذكره كالبيان والاسْتِدرَاك لِمَا أهْمَلَهُ الأَوَّلُونَ، وَرُبَّمَا استشهدت عليه بأنهم لم يتعرضوا أيضاً لدست ثوب يلبسه، ولا شَكَّ في أنه مبقى عليه، فإن الفِطْرة ليست بأَشَد من الدَّيْنِ، وأنه مبقى عليه في الدّيون، لكن الخلاف ثابت، فإن الشَّيْخ أَبَا عَلِيّ حكى وجهاً أن عبد الخِدْمَة لا يُبَاعُ فِي الفِطْرَة، كما لاَ يُبَاعُ فِي الكَفَّارَةِ، ثم أنكر عليه، وقال: لا يشترط في صَدَقَةِ الفِطْرِ أن يكون فَاضِلاً عن كفايته، بل المعتبر قوت يومه، ويفارق الكَفَّارة؛ لأن لها بدلاً ينتقل إليه، فخفف الأمر فيها، ولا بدل للفطرة فمتى قدر عليه بوجه ما، لزمه القضاء كقضاء الدَّيْنِ، وذكر في "التهذيب" أيضاً ما يوجب إثبات وجهين في المَسْألة، والأصَحُّ عِنْدَهُ الأَوَّلُ كما في الكتاب، وقد احتج له بقول الشافعي -رضي الله عنه- أن الابن الصغير إذا كان له عبد يحتاج إلى خدمته فعلى الأب أن يُخْرِجَ فِطْرَتَهُ، كما يخرج فِطْرَة الابن، ولولا أن العبد غير مَحْسُوب لسقط بِسَبَبِه نَفَقَةُ الابْنِ أيضاً، ثم ذكر الإمام -رحمه الله- شيئين:
أحدهما: أن كَوْنَ المُخْرَجِ فاضلاً عن العَبْدِ والمَسْكَنِ، وإن شرطناه في ابتداء الثبوت، فلا نشترطه في الدَّوَام، بل إذا ثَبَتَتْ الفِطْرَة في ذِمَّةِ إِنْسَانٍ بِعْنَا عَبْدَهُ وَمَسْكَنَهُ فيها؛ لأنها بَعْدَ الثُّبُوتِ التَحَقَتْ بِالدُّيُونِ.
والثاني: أن ديون الآدميين تَمْنَع وجوبَ الفِطْرَة وِفَاقاً؛ كما أن الحاجَة إلى صَرْفِهِ إِلَى نفقةِ الأقَارِب تَمْنَعُهُ، قال: ولو ظَنَّ ظان أن دين الآدمي لاَ يَمْنَعه على قَوْلٍ، كما لا يمنع وُجوب الزَّكاة كان مُبْعَداً، هذا لَفْظُهُ وفيه شيءٌ آخر نذكره في أواخر صَدَقه الفِطْرِ -إن شاء الله تَعَالى جَدُّه-.
فعلى هذا يُشْتَرَطُ مع كون المُخْرَج فَاضِلاً عما سبق كَوْنُه فاضلاً عن قدر ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ولم يتعرض له في الكِتَاَب، بل ليتعرض لِمَا اتفقت الكلمة على اعتباره وهو كَوْنُه فَاضِلاً عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَمُونُه إِلاَّ أن يقال: إنه تعرض له على سبيل الإشَارة، فإنه إذا اعتبر كَوْنه فَاضِلاً عن العبد والمَسْكَن، فأولى أن يَكُونَ فَاضِلاً عنه.
وقولَه: (صاع من الطَّعَام) لا يخفى أنه غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وإنما المراد قدر صاع من أي جنس كان من المال.
الجزء: 3 - الصفحة: 158
قال أبو حنيفة -رحمه الله-: اليسار المعتبر في الباب أن يكون مالكاً لِنِصَابٍ زَكَوِي، ومالك وأحمد وافقنا على عَدَم اعتباره؛ لأن الحَقَّ المَاليَّ الذي لا يزيد بزيادة المال لا يعتبر فيه وجود النِّصاب، كالكَفَّارَاتِ، ثُمَّ الْيَسار إِنَّمَا يُعْتَبَرُ وقت الوجوب، فلو كان معشراً عِنْدَه، ثم أيسر فلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأن وُجُودَ الشَّرْطِ بَعْدَ فَوَاتِ الوَقْتِ لا يغني، ولو وَجَدَ بَعْضَ أَسْبَاب الكَفَّارات من الشَّخْصِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عن جميع خِصَالِهَا، ثم قدر فعليه أن يُكَفِّر؛ لأن الَوُجُوبَ قد ثبت ثُمَّ والَأداء موقوف على القدرة، وفيه خلاف يذكر في موضعه.
وقوله: (فلو أَيْسَرَ بَعْدَ الْهِلاَلِ) هذا التَّصْوِير مُفَرَّعٌ على قولنا أن وقت الوجوب الاستهلال، وقد سبق لَهُ نَظِير.
وقوله: (لم يتجدد الوجوب) فيه ضرب من التَّوَسُّعِ، إذ لم يكن في الابتداء وجوب، حتى يفرض تَجَدّده، أو عَدَم تجدده والمراد منه لم يثبت الوجوب، وليكن مُعَلَّماً بالميم؛ لأن القاضي الرَوَيانِي، وصاحب "البيان" رويا عن مَالِك أنه إن أيْسر يوم الفطر، وجب عليه الفِطْرة.
وقوله: (بخلاف الكفارات) أي: على ظاهر المَذْهَب، وهو أن الوجوب ثَابِت إذا قدر بعد الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الخِصَالِ، وإلاَّ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْحُكْمِ.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ نِصْفَ صَاع وَجَبَ إِخْرَاحُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صاعاً وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَأَقَارِبُهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: عَنْ زَوْجَتِهِ لِأنَّ فِطْرَتَهَا دَيْنٌ وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذِهِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ وَاحِدٍ وَإِنْ شَاءَ وَزَّعَ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ التَّوْزِيعُ وَلَكِنْ يُخْرِجُ عَمَّنْ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صَاعاً وَلَهُ عَبْدٌ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَلزَمه بَيْعُ جُزْءٍ مِنَ العَبْدِ فِي زَكَاةِ نَفْسِ العَبْدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَو فَضُلَ صَاعٌ عَنْ زَكاتِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَهُ أَقَارِبُ قَدَّمَ مَنْ يُقَدِّمُ نَفَقَتَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوا فَيَتَخَيَّرُ أَوْ يُقَسِّطُ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في الفصل فروع:
أحدها: لو فضل معه عما لا يجب عليه بعض صَاعٍ من نصف وثلث وغيرهما فهل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ عن أبي إِسْحَاق:
أحدهما: لا، كما إذا لم يجد إِلاَّ نِصْفَ رَقَبَةٍ، لا يجب إعتاقه في الكُفَّارة، وكذا لو لم يقدر إلاَّ على إطعام خَمْسَة مَسَاكِين، أو كسوتهم.
وأصحهما: نعم؛ محافظةً على الواجب بقدر الإمكان، ويخالف الكفارة من وجهين:
أحدهما: أن الكَفَّارة لا تتبعض؛ والفِطْرَة تتبعض في الجملة، ألا ترى أنه لو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ يَلْزَمِه نِصْفُ صَاعٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 159
والثاني: أن الكفارة لها بدل والفِطْرة لاَ بَدَلَ لَهَا، فصار كما لَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ العَوْرَة يلزمه التَسَتَّر بِهِ حتى لو انتهى في الكَفَّارة إلى المرتبة الأخيرة، وهي الإطعام، ولم يجد إطعام ثَلاَثين.
قال الإمام: يتعين عندي إطعامهم قَطْعاً.
والثاني: لو فضل صاع وهو يحتاج إلى إخراج فِطْرة نَفْسِهِ، وله زوجة وأقارب ففيه وجوه:
أصحها: أنه يلزمه تقديم نفسه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" 335.
والثاني: أنه يلزمه تَقْديم زوجتهِ، لتأكد حَقِّها، وثبوتِهِ بالعِوَض، ولهذا تستقر نفقتها في الذِّمَّة بخلاف نَفَقة غيرها.
واحتج في الكتاب لهذا الوجه بأن فِطْرَتَها دَيْنٌ، والدَّيْنُ يمنع وجوب هذه الزَّكَاة، أما كَوْنُه الدَّين مَانِعاً لهذه الزَّكاة.
فوجهه: ما سبق في الفَصْلِ الَّذِي قبل هذا.
وأما المُقَدِّمة الأولى، فَلِصَاحِب الوَجْهِ الأَوَّلِ أن يقول إن ادعيت أن فطرتها دين، والحالة هذه فهو مَمْنُوع بل عِنْدِي لا يُلْزَم فِطْرَتَها، إِلاَّ إِذَا فضل عن فطرة نَفْسِهِ شيء، وإن لم يَتعرض فهذه الحالة، فكما أن فطرتها دين في الجملة، ففطرة نفسه وأقاربه دين في الجُمْلة، فلم تمنع فِطْرتها وجوبَ فِطْرَةِ غَيْرِهَا، ولا ينعكس.
والثالث: أنه يَتَخَيَّر إِنْ شاء أخرج عَنْ نَفْسِهِ، وإن شاء أخرج عَنْ غَيْرِهِ لاستواء الكُلِّ في الوجوب، ويحتج لهذا الوجه بقوله في "المختصر": "فإن لم يكن عنه بعض القوت ليوم إلاَّ ما يؤدي عن بعضهم أدى عن بعضهم"، أطلق الأداء عن البعض إِطْلاَقاً، وهذا الوجه أرجح عند القَاضِي الرّويَانِي، وإذا قلنا: به فلو أراد أن يوزع الصَّاع، هل له ذلك؟ نقل في "النهاية" فيه وجهين: وجه الجواز؛ صيانةً للبعض عن الحرمان، ووجه المنع، وهو الأصح نقصان المخرج عن قدر الوَاجِب في حَقِّ الكُلِّ، مع أنه لا ضرورة إليه، والوَجْهَان عَلَى قَوْلِنَا أن من لم يجد إلاَّ بعضَ صَاعٍ يلزمه إِخْرَاجُهُ، فَإِنْ لم يلزمه لم يجز التوزيع جَزْماً، وأورد المَسْعُودي وَجْهَ التَّوْزِيع إيراداً يُشْعِر بأنه يتعين ذلك، محافظةً على الجوانب -والله أعلم-.
الثالث: لو فضل صَاعٌ، وله عبد صَرَفَه إلَى نَفْسِهِ، وينظر في العبد، إن كان محتاجاً إلى خِدْمَتِهِ، فَهَل عليه أن يَبِيع جزءاً منه في فِطْرَتِهِ؟ فيه وجهان موجهان بطريقين:
أحدهما: توجيه إلزام البيع بأنه مَبِيعٌ فِي الدَّيْنِ، فكذلك هاهنا بخلاف الكَفَّارة،
الجزء: 3 - الصفحة: 160
فَإِنَّ لَهَا بَدَلاَ.
وتوجيه الآخر بأن تكليفه إزالة الملك عنه مع أنه محتاج إليه إضرار به، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والثَّانِي: توجيه الإلْزَام بالقياس على سائر الأموال المَبيعة في الفِطْرة، وتوجيه الآخر بأن الفَاضِلَ ينبغي أَن يكون غير ما عنه يخرج، وهذا ما أَشار إِلَيْه الإمام، ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: الفطرة يجب أن تفضل عن عبد الخِدْمة فلا يباع شيء منه، وإن قلنا: لا يجب ذلك، فوجهان للمأخذ الثاني، وإن كان العبد مستغنى عنه جَرَى الخِلاَف بالنَّظر إلى المأخذ الثاني.
وإذا وقع السُّؤالُ عن مطلق العبد حَصَل في الجواب ثلاثة أوجه، وهكذا أورد الإمام -رحمه الله-.
ثالثها: الفرق بين عبد الخِدْمة، والعبد المستغنى عنه وهو الأظهر.
وصوّر صاحب الكتاب المسألة في "الوسيط" فيما إذا كان العَبْد مُسْتغنى عنه، وربما أَوْهَم ذلك تقييد الخلاف به، ولا شَكَّ في أنه لا يتَقَيَّد، إِنَّمَا الكَلاَم في أنه هَلْ يُجْزِئ فيه؟ الرابع: لو فضل صَاعَان عَنْ قَدْرِ الحَاجَةِ، وفي نفقته جَمَاعة فَهَلْ يُقَدِّم نفسه بواحد أم يتخير؟ فيه وجهان لا يخفى خروجهما مما سبق، الأصح أنه يُقَدَّم نفسه، ثُمَّ فِي الصاَّعِ الثَّانِي، ينظر إن كان من في نفقته أقارب، فيقدم منهم من يُقدم في النفقة، والقول في مراتبهم خلافاً ووفاقاً موضعه "كِتَابُ النَّفَقَاتِ" فإن استووا فيتخير أم يُقَسِّط؟ فيه وجهان وتوجيههما مَا سَبَقَ، ويتأيد وجه التَّقْسِيط بِالنَّفَقَة، فَإِنَّهَا تُوَزَّع فِي مثل هَذِه الحَالَةِ، ولم يَتَعَرَضُوا لِلإقْرَاعِ هاهنا، وله مجال في نظائره 336.
وقوله في الكتاب: (ولو فضل صَاعٍ عن زكاته ونفقته) أي: ونفقة من في نَفَقته، وأراد ما إذا فَصل صَاعَانِ على مَا أَوْضَحْنَاه لكن فرع في التَّصْوِيرِ عَلَى الأَصَحِّ، وهو أنه يقدم نَفْسِهِ بِصَاعٍ، فإن اجتمعت الزوجة مع الأقارب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تقديم القَرِيب؛ لأن عُلْقَتَهُ لاَ تَنْقَطِعُ، وَعُلْقَه الزوجية يعرض لها الانقطاع، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة -رحمه الله-.
وأصَحُّهُمَا: تقديم الزَّوْجَةِ: لأن نفقتها آكد ألا ترى أنها لا تَسْقُطُ بِمضِيِّ الزَّمَانِ.
وثالثها: التخير، وعلى الأَصَحِّ فلو فضل صَاعُ ثَالِثٌ، فإخراجه عن أقاربه على مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا تَمَحَّضُوا، وظاهر المذهب من الخِلاَف الذي ذَكَرْنَاه، وبما أَخَّرْنَاه إلى النفقات أنه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 161
قال الغزالي: (الطَّرَف الثَّالِثُ) فِي الوَاجِبِ وَهُوَ صَاعٌ مِمَّا يُقْتَاتُ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ (ح) وَالْمُدُّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ.
قال الرافعي: الواجب في الفطرة من كُلِّ جنْسٍ يخرجُه صَاعٌ، وبه قالَ مَالِك وأحمدُ خلافاً لأبي حنيفة -رحمهم الله- إذ قال: "يكفي من الحنطة نصف صاع"، وعنه: في الزبيب روايتان.
لنا: ما روي عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، صَاعاً مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ، أوْ صَاعاً مِنْ زَبيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أقِطٍ، فَلاَ أزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ مَا عِشْتُ" 337. والصَّاع أربعة أَمْدَاد، والمُدَّ رَطلٌ وَثُلُثٌ فيكون الصَّاع بالأرطال خمسةً وثلثاً.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: الصاع ثمانية أرطال، أربعة أمداد.
لنا: نقل أهل المدينة خلفاً عن سَلَفٍ، ولمالك مع أبي يوسف -رحمهما الله- فيه قصَّة مشهورة 338، وجملة الصَّاعِ بالوزن ستمائة دِرْهم، وثلاثة وتسعونُ درهماً وثلث درهم 339، قال ابن الصَّبَّاغِ وغيره: والأصل فيه الكَيْل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً 340. وقوله في الكتاب: (مما يقتات) غير مجرى على ظَاهِرة، لا في شمول الحكم لكل مقتات، ولا في قصره عليه، أما الأول فلان الأقوات النَّادِرَة كالغث وحَبِّ الحَنْظَل وغيرهما لا يجري نص عليه، وقد بين في الكتاب ذَلِكَ بقوله من بعد: "والقوت كل ما يجب فيه العُشْر" أي: معنى بالقوت هاهنا ذلك، وأما الثَّاني فلما سَيَأْتي في الأقط، ويجوز إعلام قوله: (مما يقتات) بالواو لما سيأتي.
الجزء: 3 - الصفحة: 162
قال الغزالي: وَالقُوتُ كُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ، وَفي الأَقِطِ قَوْلاَنِ لِلتَّردُّدِ فِي صِحَّة حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّ فاللبن وَالجُبْنُ فِي مَعْنَاهُ دُونَ المَخِيض وَالسَّمْنُ، ثُمَّ لاَ يُجْزِئُ المُسَوِّسُ وَالمَعِيبُ وَلاَ الدَّقيقُ، فَإنَّهُ بَدَلٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في جنس المخرج، والذي سبق كان في قدره، وكل ما يجب فيه العشر فهو صَالِحٌ لإخراج الفِطْرَة منه، فمن أنواعه ما هو مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ في الخبر، ومنها ما هو مقيس عليه، وذكر الموفق ابْنُ طَاهِر أن صاحب "الإفصاح"، حكى عن القَدِيم قولاً أنه لا يجزئ إخراج العَدَسِ والحُمّصِ فِي الفِطْرَةِ؛ لأنهما أدمان، والمذهب الأول، وفي الأقط طريقان:
أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز إخراجه؛ لأنه إما غير مُقْتَاتٍ، أو مُقْتَاتٍ لاَ عُشْرَ فِيهِ، فأشبه الفث، وما إذا اقتاتوا ثمرة لا عُشْرَ فِيهَا، وبهذا قَالَ أبو حَنِيفة إلا أن يخرجه بدلاً بالقيمة.
والثاني -وبه قال مَالِكٌ وأحمد -رحمهما الله-: يجوز؛ لحديث أبي سعيد 341 وكلام الإمام يقْتَضِي تَرْجِيح القول الأَوَّلِ، وصغو الأكثرين إلى ترجيح الثَّانِي، ويحكى ذلك عنَ القاضي أَبِي حَامِدٍ، وبه أجاب مَنْصُورُ التَّمِيمِيّ في المُسْتَعْمَل.
والطريق الثَّاني -وبه قال أبو إسحاق-: القطع بالجواز، وإنما علق القول فيه حين لم يصح الخبر عنده، فلما صَحَّ جزم 342 به، فإن جوزنا فقد ذَكَر في الْكِتَاب أن الجبن واللبن في معناه، وهذا أظهر الوَجْهَيْن، وفيه وجه أن الإخراج منهما لا يجزئ؛ لأن الخبر لم يرد بهما، ويشبه أن يكون هذا الخلاف جارياً في إخراج من قوته الأقط واللبن والجبن لما بينهما من التَّقَارب، كأنهما جنس واحد، وفي إخراج من قوته اللبن اللبن.
أما الأول: فلأن أصحابنا العراقيين حكوا عن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ جواز إخراج اللبن مع وجود الأقط؛ لأنه يَصْلُح للأقط وغيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
وعن الشَّيْخ أَبِي حَامِدٍ: أنه لا يجزئ اللَّبن مع وجود الأقط؛ لأنه يصلح للادخار واللبن لا يصلح لَه، ففرض الخلاف في حالة وجود الأقط يَدُلُّ على ما ذَكَرْنَاه.
أما الثاني: فلأن صاحب "التهذيب" حكى في الدين قوتهم اللبن أنَّ في إخراجهم اللّبن وجهين على قولنا يَجُوزُ إخراج الأَقَط، واتفقوا عى أن أخراج المخيض والمصل والسمن لا يجزئ؛ لأن الاقتيات إنما يحصل عند اجتماع جزئي اللّبن، وهذه الأشياء لا تصلح للاقتيات، حتى لو كان الجبن منزوع الزبد لم يكن مجزئاً أيضاً.
ثُمَّ في الفَصْلِ مَسْألتان:
إحداهما: لا يجزئ المسوس والمَعِيب 343 من هذه الأجناس كما لا يجزئ المعيب في سَائِر الزَّكَوَاتِ وإذا جَوَّزْنَا الأقط لم يجز أخراج المملح الذي أفسد كثرةُ الملح جَوْهَرَهِ؛ لأنه معيب وإن لم يفسد جوهره لكن كان الملحُ ظَاهِراً عليه فالملح غير محسوب، والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الأقط منه صاعاً.
ويجزئ الحب القديم وإن قَلَّت قيمته بسبب القدم إذا لم يتغير طَعْمُه وَلَوْنُه.
الثَّانية: لا يجزئ الدَّقيق ولا السويق 344 ولا الخبز؛ لأن النص ورد بالحب وأنه يصلح لما لا تصلح له هذه الأشياء، فوجب اتباع مورد النص، ولهذا منعنا إخراج القيمة.
وقال الأَنْمَاطِيُّ 345: يجزئ الدقيق.
قال ابْنُ عَبْدَانَ: ويقتضي قوله إجزاء السَّويق، وقياسه تجويز الخبز أيضاً، قال: وهذا هو الصَّحِيح؛ لأن المقصود إشباع المساكين في هذا اليوم.
لنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب خَاصَّة.
قوله: (والقوت كل ما يجب فيه العشر) ليس المراد منه أن القوت هذا على الإطلاق؛ فإن لفظ القوت يقع على غيره، ألا ترى أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- سمى
الجزء: 3 - الصفحة: 164
القَثَّ قوتاً وإن لم يجب فيه العشر، وإنما المراد منه أن لفظ القوت إذا استعملناه في هذا الباب عنينا به ما يجب فيه العشر، ثم نظم الكتاب يقتضي حَصْرَ الإجزاء فيما يجب في العشر؛ لأنه قال: "الواجب صاع مما يقتات"، ثم قال: "والقوت ما يجب فيه العُشْر"، وإنما يثبت الحضر إذا لم يحكمن بأجزاء الأقط، وهو الأظهر عند الإمام، فلعَلَّ حجة الإسلام -رحمه الله- نجا نحوه، لكن صغو الأكثرين إلى إجزائه كما بَيَّنَاه.
وقوله: (في الأقط قولان) مُعَلَّم بالواو للطريقة المعزية إلى أبي إسحاق.
وقوله: (للتردد في صحة حديث ورد فيه) أراد فيه ما ذكره الإمام أنه روى في بعض الرويات "أَوْ صَاعاً مِنْ أقط" وليست هذه الرواية على الحد المرتضى عند الشافعي -رضي الله عنه- وليست على حَدّ التزييف عنده فتردد لذلك قوله.
وقوله: (فإن صح فاللبن والجبن في معناه) أي: في ثبوت حكم الإجزاء وإلا فمطلق كونه في معناه غير مشروط بالصِّحَّة؛ بل إن صح فيشتركان في الإجزاء وإن لم يصح ففي عدم الإجزاء ثم هو مُعَلَّمٌ بالواو لما سبق.
وقوله: (ولا الدقيق) بالحاء والألف، وكذا قوله: (أنه بدل) فإن عندهما هو مجزئ، وهو أصل وأشار بقوله: (فإنه بدل) إلى أن الأبدال غير مجزئه في الزكاة على أصلنا، وهذا من جملتها؛ لأنه غير المنصوص عليه.
وقوله: (وقيل: إنه أصل) هو الذي حكيناه عن الأَنْمَاطِيّ، ونقل الإمام الخلاف في الدَّقيق، قولين عن رواية العراقيين، وذكر أنه مأخوذ من الأقط المضاف إلى اللبن.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَعَيَّنُ مِنَ الأَقْوَاتِ القُوتُ الغَالِبُ يَومَ الفِطْرِ فِي قَوْلٍ، وَجِنْسُ قُوتِهِ عَلَى الخُصُوصِ فِي قَوُلٍ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ فِي الأَقْوَاتِ، وَإذَا تَعَيَّنَ فَلَوْ أَبْدَلَ بالأَشْرَفِ، جَازَ كَإبْدَالِ الشَّعِيرِ بِالبُرِّ، وَلَوْ كَانَ اللاَّئِقُ بِحَالِهِ الشَّعِيرُ فَأَكَلَ البُرَّ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ أَخْذُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ قُوتُ مَالِكِي عَبْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِلاَفِ النَّوْعَيْنِ بَأْسٌ، وَقِبيلِ: يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الأرْدِ مُوَافَقَةُ صَاحِبِ الأَشْرَفِ حَذَراً مِنَ التَّنْوِيعِ.
قال الرافعي: هل يتخير مخرج الفطرة بين الأجناس المجزئة؟
قال العراقيون والشيخ أبُو عَلِيّ: فيه وجهان:
وقال المَسْعُودِي وطائفة: قولان:
أحدهما: أنه يتخير؛ لظاهر قوله في الخَبَر: "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ" 346
الجزء: 3 - الصفحة: 165
وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وهو الأَصَحُّ عند القاضي الطَّبري فيما حكى القاضي الرَّوَياني.
وأصحهما: عند الجمهور: أنه لا يتخير، وكلمة (أو) محمولة على بيان الأنواع، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ 347 فإنه ليس للتخير، وإنما هو لبيان أنواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف الجريمة، وعلى هذا فوجهان:
أصحهما -وبه.
قال ابن سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاق-: أن المعتبر غالب قوت البلد، فإن كان بالحجاز أَخْرَج التمر، وإن كان ببلاد العراق، أو خراسان فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز، ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "اغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 348 ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان مغني عن الطَّلَبِ، فإنَ الظاهر أنه يطَلب القوت الغالب في البلد، وبهذا قال مالك.
والوجه الثاني: وبه قال أَبُو عُبَيْد بنُ حَرْبَوَيْهِ: أن المعتبر قوته على الخُصُوصِ، كما أن في الزكاة يعتبر نوع ماله لا الغالب.
قال ابْنُ عَبْدَان: وهذا هو الصَّحِيح عِنْدِي.
ويتعلق بهذا الاختلاف فروع: أحدها: إذا تَعَيَّن جنس إما لكونه غَالِبَ قُوتِ البلد، أو لكونه غَالِبَ قُوتِه، فليس المراد منه أنه لا يجوز العُدول عنه بحال، بل المراد أنه لا يجوز العُدُول عنه إلى ما هو أدنى منه، أما لو عدل إلى الأَعْلَى فَهُوَ جَائِز بالاتفاق.
فإن قيل: إذا عيّنا جنساً فَهَلاً امتنع العدول إلى غيره، وإن كان أعلا: كما أن الفِضَّة إِذَا تعينت في الزكاة امتنع العدولُ إلى الذَّهَب، وكذلك يمتنع العدولُ من الغَنَمِ إلى الإبِلِ، فيجوز أن يقال في الجواب: الزَّكَوَات الَمالِيَّةُ مُتَعَلِّقَة بالمال فأمر بأنه واسى الفقير مما واساه الله تعالى، والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلى ما هو غذاء البَدَنِ، وبه قوامه والأقوات متشاركة في هذا الغَرَضِ، وتعيين شيء منها رفق وترفيه، فإذا عدل إلى الأعلى كاْن في غَرَضِ هَذِهِ الزَّكاة كما لو أخرج كرَائِمَ ماشيته.
وفيما يعتبر به الأدنى ولأعلى؟ وجهان:
أحدهما: أن النظر إلى القيمة [لأن] 349 ما كان أكثر قيمة، كان أرفق بالمَسَاكين وأشق على المالك، وبهذا قَالَ أحمد فيما حكاه القَاضِي الرّويَاني.
وأظهرهما: أن النظر إلى زيادة صَلاَحية الاقتيات فعلى الأول يختلف الحالُ باخْتِلاَف البِلاَدِ وَالأَوْقَاتِ إلا أن يعتبر زِيادة القيمة في الأكثر، وعلى الثَّاني البرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ والأرز، ورجح في "التهذيب" الشَّعِير أيضاً على التَّمْرِ، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -
الجزء: 3 - الصفحة: 166
رحمه الله-: أن التمر خير منه، وله في الزبيب والشَّعير، وفي التمر، والزَّبيب تردد.
قال الإمام والأشبه تقديم التَّمْرِ على الزبيب.
الثاني: إذا قلنا إن المعتبر قوت كل شخص بنفسه وكان يليق بحاله البر وهو يقتات الشِّعِير بُخْلاً لَزِمَهُ البُرُّ.
ولو كان يليق بحاله الشعير لكنه كان يتنعم باقتيات البُر، فهل يجزئه الشَّعِير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ نظراً إلى عادته.
وأصحهما: نعم؛ نظراً إلى اللائق بأمثاله، ويشبه أن يرجع هذا الخلاف إلى اختلاف عبارتين للأصحاب في حكاية وجه ابن حَرْبَوَيهِ، فحكي بعضهم أن المعتبر قوت الشخص في نفسه.
وحكى آخرون أن المعتبر القوت اللائق بأمثاله، فعلى الثانية يجزئ الشعير، وعلى الأولى لا يجزئ.
والثانية: هي التي أوردها الصيدلاني وجمع صاحب "التهذيب" بينهما ورجح الثانية.
الثالث: قد يخرج الواحد الفطرة عن شخصين من جنسين فيجزئه كما إذا أخرج عن أحد عبدَيْه أو قريبية من غلب قوت البلد، إن اعتبرناه أو من غالب قوته إن اعتبرناه، وعن الآخر من جنس أعلى منه، وكذا لو ملك نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ فأخرج نصف صَاعٍ عن أحد النِّصْفَين من الواجب، ونصفاً عن الثَّاني من جنس أعلى منه، وإذا خَبَّرنا بين الأجناس فله إخراجهما من جنسين بِكُلِّ حَالٍ.
ولا يجوز أن يخرج الواحد عن الواحد الفِطْرَة مِنْ جِنْسَيْنِ وإن كان أحدهما أعلى من الواجب كما إذا وَجب الشَّعير فأخرج نِصْفَ صَاعٍ منه ونصفاً من الحنطة، ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
لنا: ظاهر الحديث: "فَرَضَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ" 350 وإذا بعض لم يخرج صاعاً من تمر، ولا صاعاً من شعير، وأيضاً فإنها واجب واحد فلا يجوز تَبْعيضه، كما لا يجوز في كَفَّارة اليمين أن يُطْعِمَ خَمْسَةَ، ويكسو خَمْسة.
ولو ملك رجلانِ عَبْدًا فإن خيرنا بين الأجناس أخرجَا ما شاء بشرط اتحاد الجنس، وإن أوجبنا غالب قوت البلد وكانا في بلد واحدٍ أخرجا من ذلك بحسب الملك صاعاً منه، هكذا أطلقوه، وهو محمول على ما إذا كان العَبْدُ عندهما أيضاً؛ لأنه إذا كان غائباً وجب النظر في أن الفطرة تجب على السَّيد ابتداء أم هو متحمل لما سنرويه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، ولأن صاحب "المهذب" حكى أنه لو كان له عبد غائب، وقوت
الجزء: 3 - الصفحة: 167
بلده يخالف قوت بلد العبد فالواجب قوت بلده أو قوت بلد العبد، يخرج على الأصل المذكور، وإن كان السَّيِّدانِ في بلدين مختلفي القوت، اعتبرنا قوت الشَّخص بنفسه واختلف قوتهما ففيه وجهان:
أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد-: أنه يجوز أن يخرج كل واحد منهما قدر ما يلزمه من قوته أو قوت بلده؛ لأنهما إذا أخرجا هذا أخرج كُلُّ واحد منهما جميع ما لزمه من جنس واحد، وشبه ذلك بما إذا قتل ثلاثة من المُحْرِمين ظبية، فذبح أحدهم ثلث شاة وأطعم الثَّاني بقيمة ثلث شاة وصام الثَّالث عدل ذلك يجزئهم.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: لا يجوز ذلك؛ لأن المخرج عنه واحد فلا يتبعض واجبه على هذا فوجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده الإمام والمصنف-: أن على صاحب الارداء موافقة صاحب الإشراف احترازاً من التفريق، ومحافظة على جانب المساكين.
والثاني: أن صاحب الإشراف ينزل ويوافق صاحب الإرداء دفعاً للضرر عنه، وهذا حَكَاه القَاضِي الرّويَانِي وغيره، عن ابن سُرَيْجٍ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ: الوجهان عندي في الأَصْلِ مُخَرَّجَان على أن فِطْرَة العَبْدِ تَجِبُ عَلى السَّيِّدِ ابتداءً أو هو متحمل؟
إن قلنا بالأول جاز التبعيض، وإن قلنا بالثَّاني فلا؛ لأن العبد واحد لا يلزمه الفِطرة من جنسين، والشيء لا يتحمل ضَماناً إلا كما وجب.
ذكر الشَّيْخُ هَذَا فيما إذا اعتبرنا قوت الشَّخص في نفسه، واختلف قوتهما ولقائس أن يخرج الوجهين فيما إذا اعتبرنا قوت البلد وكانا مختلفي القوت على هذا الأصل أيضاً، ثم إن كان العبد في بلدِ أحدِهِمَا فعلى التقدير الثاني يلزمهما صاعٌ من قوتِ ذلك البلد وإن كانَا في بلدِ ثالث يلزمهما صاعٌ من قوت ذلك البلد الثالث، وهذا وجه قد رواه صاحب "الشامل" وآخرون مُرْسَلاً، قالوا: يخرجان صاعاً من قوت بَلَدِ العَبْدِ ولو كان الأب فِي نفقة ولدين فالقول في إخراجهما الفطرة عنه كالقول في السَّيدين، وكذا من نَصْفُهُ حر وَنِصْفُه رقيق إذا أوجبنا عليه نصف الفِطْرة على التَّفْصِيل الَّذِي سبق فيه، فعند ابن الحَدَّادِ يَجُوز أنْ يُخْرِجَا مِنْ جنسين، وعند ابْنِ سُرَيجٍ: لا يجوز.
الرابع: إن أوجبنا غالب قوت البلد، وكانوا يقتاتون أصنافاً مختلفة وليس بعضها أغلب من بعض فله أن يخرج ما شاء، والأفضل أن يخرج من الأشرف.
ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب:
أما قوله: (ثم يتعين من الأقوات القوتُ الغالبُ) معلم بالحاء.
وقوله: (وجنس قوته) بالحاء والميم.
وقوله: (يتخير) بالميم؛ لما رويناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 168
ويجوز إعلامها جميعاً بالألف، وكذا إعلام قوله قبل هذا الفصل: (مما يقتات) لأن ابن الصَّبَّاغِ روى عن أحمد أنه لا يجوز أن يخرج إلا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها أي: في حديث أَبِي سَعِيدٍ.
وقوله: (القوت الغالب يوم الفطر) التقييد بـ (يوم الفطر) لم أظفر له في كلام غيره، وبين لفظه هاهنا، ولفظه في "الوسيط" بعض المباينة؛ لأنه قال فيه: (المعتبر: غالب قوت البلد، في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة).
وقوله: (وجنس قوته على الخصوص) ظاهره يشعر بالعبارة الأولى من العبارتين الحَاكيتين لوجوه ابن حَرْبَوَيِه، وتسمية الأول والثاني قولين لا تكاد توجد لغيره، وإنما حَكَاهُمَا الجُمْهُور وَجْهَيْنِ:
وأما قوله: (وقيل: يتخير) فمنهم من حكاه قولاً على ما سبق.
وقوله: (ولو كان اللائق بحالة الشعير) يفرع على اعتبار قوت الشخص دون اعتبار القوت الغالب وإن كان معطوفاً على ما يتفرع عليهما جميعاً.
وقوله: (أخذ ما يليق بحاله) يجوز إعلامه بالوَاوِ لأن أحد الوجهين في الصورة الأولى أنه يتعين إخراج البر.
وقوله: (ولو اختلف قوت مالكي عبد) تفريع للمسألة على اعتبار قوت الشَّخص، وهو صحيح، لكنها لا تختص، بل تتفرع على أن المعتبر غالب قوت البلد أيضاً على الوجه الذي تقدَّم، وإطلاق النوع في المسألة تَوَسُّعٌ والمراد الجنس.
خاتمة: في باب الفطرة مسائل ذات وقع منصوص عليها في "المختصر" أهملها المصنف، ونحن لم نُؤْثِر الإعراضَ عَنْهَا:
إحداها: إذا باع عبدًا بشرط الخِيَار فوقع وقت الوُجوب في زَمَان الخِيَار، إن قلنا: الملك في زَمَانِ الخِيَار للبائع فعليه فِطْرَته وإن أمضى البيع.
وإن قلنا: إنه للمشتري فعليه فطرته وإن فسخ البيع، وإن توقفنا فإن تم البيع فعلى المشتري، وإلا فعلى البَائِع.
وإن تبايعا ووقع وقت الوجوب في مجلس الخيار، كان كما لو وقع في زمان الخيار المشروط.
الثانية: لو مات عن رقيق ثُمَّ أَهَلَّ شَوَّالُ، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ أخرج ورثته الفِطْرَة عن الرَّقِيق، كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وإن كان عَلَيْهِ دَيْنٌ يستغرق الترّكَةَ، فالذي نقله المزني أن عليهم الفطرة من غير فَرْقٍ بين أن يُبَاع فِي الدَّينِ أو لاَ يُبَاع.
وعن الربيع عن الشافعي -رضي الله عنه- أن عليهم إِخْرَاج الفِطْرة إن بقي الرقيق لهم فجعلوا المسألة على قولين إذا بِيعَ فِي الدَّيْنِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 169
وَجْهُ الوجوب أنه ملكهم إلا أنه غير مستقر، وذلك لا يمنع وجوب الفِطْرة فَإنَّهَا تجب مع انتفاء الملك أصلاً وَرَأساً فأولى أن تجب مع ضَعْفِ المِلْكِ.
ووجه المنع أن إيجاب الفِطْرَة مع نقصان الملك وكونه بَعرض الزَّوال إجْحَاف بهم، وبنى الأكثرون المسألة أولاً على أصل، وهو أن الدَّيْنَ هل يمنع انتفاء الملك في التركة إلى الورثة؟ فظاهر المذهب، وهو نصّه هاهنا أنه لا يمنع؛ لأنه ليس فيه أكْثَرُ مِنْ تعلق الدَّيْنِ بِهِ، وذلك لا يمنع المِلْك كَمَا في المَرْهُونِ والعَبْدِ الجَانِي، وقال الإصطخري يمنع، وربما جَعَلَ هَذَا قولاً ضَعِيفاً لِلشَّافعي -رضي الله عنه- ووجهه أن الله تعالى جَدُّه قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى المِيرَاثِ حيث قال: "مَنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ" 351. فإن قلنا بالأول فعليهم فِطْرَتُه بِيعَ فِي الدَّيْنِ أو لم يُبَع، وفهمت من كلام الإمام أنه يجئ فيه الخلاف المذكور في المَرْهُون والمَغْصُوب، وإن قلنا بالثاني، فإن بيعَ في الدَّيْنِ فلا شَيْءٍ عليه، وإلا فَعَلَيْهِمْ الفِطْرَة وفي "الشامل" حكاية وجه مطلق أنه لا شيء عليهم، ويشبه أن يكون مأخذهما ما حكاه الإمام أن أكثر المفرعين على المَذْهَب المنسوب إلى الإصطخري يقولون بالتوقف، إِنْ صُرِف العَبْدُ إلى الدّين بَانَ أنهم لَمْ يَمْلِكُوهَا، وإن أبرأ أصْحَاب الديون أو قضاها الورثة من غير التركة بَانَ أنهم مَلَكوها، وأن بعضهم قال بثبوت الملك للورثة عند زوال الدّيون ابتداء من غير إسناد وتبين.
وعن القاضي أبي الطيب: أن فطرته تجب في تركة السَّيد على أحد القولين كالعبد الموصى بخدمته.
هذا إذا مات السيد قبل استهلال الهلال، وإن مات بعده ففطرة العبد واجبة عليه كفطرة نفسه، وتقدم على الوَصَايَا والمِيرَاث، وفي تقديمها على الدّيون طريقان:
أظهرهما: أنه على ثلاثة أقوال على ما قَدَّمْنَاها في زَكَاة المَالِ.
والثاني: القطع بتقديم الفطرة؛ لأنها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كأرش جنايته.
وأما فطرة نفسه فهي على الأقوال، وحكى القَاضِي الرّويَانِي طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضاً لقلتها في الغَالِب، وسواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالمنصوص عليه في "المختصر" تقديم الفِطْرَة على الدَّيْنِ، وذلك أنه قال ولو مات بعد ما أهل شوال، وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبداة على الديون ولك أن تحتج بهذا النص على خلاف ما قاله الإمام، وتابعه المصنف؛ لأن سياقه يفهم أن المراد ما إذا طرأت الفطرة على الدَّيْنِ الوَاجِب، وإذا كان كَذَلِكَ لم يكن الدَّيْنُ مَانِعاً مِنْهَا، وبتقدير ألا يكون هو المراد لكن اللفظ مطلق يَشْمَل ما إذا طَرأت الفِطْرَة عَلَى الدَّيْنِ، وبالعكس، فاقتضى ذلك ألا يكون الدَّيْن مَانِعاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 170
الثالثة: أوصى لإنسان بعبد ومات المُوصِي بعد مضي وقت الوجوب فالفطرة في تَرِكَتِهِ، وإن مات قَبْلَهُ وَقَبِلَ المُوصَى لَهُ الوصية قَبْلَ الهِلاَلِ فالفطرة عليه، وإن لم يقبل حتى دَخَلَ وقت الوجوب فعلى من الفطرة؟ يبني على أن الموصي له متى يملك الوصية؟ من قلنا: يملكها بموت الموصي، فإن قَبِلَ فعليه الفِطْرَة بِلاَ شَكٍّ، وإن رد ففيه وجهان حكاهما الشَّيْخُ أبُو عَلِيٌ.
أصحهما: الوجوب؛ لأنه كان مَالِكاً لِلْعبْدِ إلى أن رَدَّ.
والثاني: لا؛ لعدم استقرار ملكه؛ وإن قلنا: إنها تُمْلَك بالقبول، فيبنى على أن المِلك قَبْلَ القبول لمن يكون؟ وفيه وجهان:
أصحهما: أنه للورثة، فعلى هذا فَفِي الفِطْرَة وجهان:
أصحهما: أنها عليهم.
والثاني: لا؛ لأنا تبَيَّنَّا بالقبول أن ملكهم لم يستقر عليه.
والوجه الثاني: أنه باقٍ على مِلْكِ المَيِّتِ، فعلى هذا لا تَجِبُ فِطْرَتُهُ على أحد؛ لأن إيجابَها عَلَى المَيِّتِ ابتداء بَعِيدٌ.
وعند مالك، وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر أنها تجب في تركته، وإن قلنا: بالتوقف فإن قبل فلعيه الفِطْرة، إلا فعلى الورثة؟ هذا كله إِذَا قَبِلَ المُوصَى لَهُ ولو مات قَبل القَبُول وبعد وقت الوُجوب فقبول وَارِثه يقوم مَقَامَ قَبُولِهِ، والملك يقع له، فحيث أوجبنا عليه الفِطْرة لو قبلها بنفسه فهي في تركته إذا قبل وَارِثهُ، فإن لم يكن له سوى العبد تركة ففي بيع جزء منه للفِطْرة ما سبق، ولو مات بعد وقت الوُجوب أو معه فالصدقة على الورثة إِذَا قَبِلُوا؛ لأن وقت الوجوب كان في مِلْك الوَرَثَةِ -والله أعلم-.
واعلم أن حجة الإسْلام -رحمه الله- وإن أهمل هذه المسألة الثالثة في هذا الموضع إلا أنه أشار إليها إشارة خفيفة في آخر الباب الأولِ مِنْ "كِتَابِ الوَصَايَا" وَفِقْهُهَا على الاختصار ما أَتيتُ بِهِ 352 -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 171