العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكتَابُ الجُمُعَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ

الْبَابُ الأَوَّلُ قال الغزالي: فِي شَرَائِطِهَا وَهِيَ سِتَّةٌ: (الأَوَّلُ الوَقْتُ) فَلَوْ وَقَعَت تَسلِيمَةُ الإِمَامِ فِي وَقْتِ العَصْرِ فَاتَتِ الجُمُعَةِ، وَلَوْ وَقَعَ آخِرُ صَلاَةِ المَسْبُوقِ فِي وَقْتِ العَصْرِ جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي الوَقْتِ كَمَا فِي القُدْوَةِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (1) الآية.
وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَع تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ" (2) الجمعة فرض على الأعيان إذا اجتمعت الشرائط التي نذكرها، وحكى القاضي اَبنُ كِج عن بعض أصحابنا أنها فرض على الكفاية كصلاة العيدين، وذكر القاضي الروياني في "البحر" أن بعض أصحابنا زعم أنه قول للشافعي -رضي الله عنه-، وغلط ذلك الزَّاعم وقال: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي -رضي الله عنه-.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمعة كسائر الفرائض الخمس في الأركان والشرائط، ولكنها تختص بثلاث خواص: أحدها: اشتراط أمور زائدة في صحتها.
والثانية: اشتراط أمور زائدة في لزومها.
والثالثة: آداب ووظائف تشرع فيها، فجعل الكتاب على ثلاثة أبواب كل واحد في خاصية منها.

الباب الأول

: في شروط الصحة:12

الجزء: 2 - الصفحة: 248

أحدها: الوقت، فلا مدخل للقضاء في الجمعة على صورتها بالاتفاق، بخلاف سائر الصلوات فإن الوقت ليس شرطاً في نفسها، وإنما هو شرط في إيقاعها أداءاً وقتها وقت الظهر خلافاً لأحمد حيث قال: يجوز فعلها قبل الزَّوال، واختلف أصحابه في ضبط وقته، فَمِنْ قَائِلِ: وقتها وقت صلاة العيدين، وَمِنْ قَائِلٍ، يقول: إنما تقام في السَّاعة السادسة.
لنا: ما روي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ" 3. وقد ثبت عنه أنه قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 4. وإذا خرج الوقت أو شك في خروجه فلا سبيل إلى الشروع فيها، ولو أغفلوها إلى أن لم يبق من الوقت ما يسع الخطبتين وركعتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه، لم يشرعوا فيها وصلّوا الظهر، نص عليه في "الأم"، ولو شرعوا فيها في الوقت ووقع بعضها خارج الوقت فأتت الجمعة خلافاً لمالك وأحمد، هكذا أطلق أكثر أصحابنا النقل عنهما، وفصَّل الصيدلاني مذهب مالك، فقال: عنده إن صلوا ركعة ثم خرج الوقت أتموا الجمعة وإلا فقد فاتت.
لنا: أنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، فتنقطع بخروج الوقت كالحج، وأيضاً فإن الوقت شرط في ابتداء الجمعة، فيكون شرطاً في دوامها كدار الإقامة، ثم إذا فاتت الجمعة فهل يتمها ظهراً، أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يجب عليه أن يتمها ظُهْراً، ولا بأس ببنائها عليها؛ لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السَّفَرِ، [وخرج] 5 فيه قول آخر: أنه لا يجوز بناء الظهر على الجمعة بل عليهم استئناف الظهر، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وبنوا هذا الخلاف على الخلاف في أن الجمعة ظهر مقصورة أم هي صلاة على حيالها؟ إن قلنا بالأول جاز البناء، وإلا فلا، وسيعود هذا الأصل في مواضع من الباب فإن قلنا: بظاهر المذهب فيسر بالقراءة من حينئذ، ولا يحتاج إلى تجديد نية الظهر على أصح الوجهين، ذكره في "العدة" على أن حكينا وجهاً ضعيفاً، أن الظهر تصح بنية الجمعة ابتداءً فهاهنا أولى.
وإن قلنا: لا بد من استئناف الظهر فهل تبطل صلاته أم تنقلب نفلاً؟ فيه قولان مذكوران في نظائرها، ولو شك في صلاته هل خرج الوقت أم لا؟ فوجهان: أحدهما: يتمها جمعة وبه قال الأكثرون؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وصار كما لو شَكَّ بعد الفراغ فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 249

والثاني: أنه يتمها ظهراً؛ لأنه شَكَّ في شرط الجمعة قبل تمامها ومضيها على ظاهر الصِّحَّة، فيعود إلى الأصل وهو الظهر، وهذا كله في حق الإمام والمأمومين الموافقين فأما المسبوق الذي أدرك معه ركعة لو قام إلى تدارك الركعة الثَّانية فخرج الوقت قبل أن يسلم هل تفوت جمعته؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، كما في حق غيره.
والثاني: لا؛ لأنه تابع للقوم، وقد صحت جمعتهم، فصار كالقدوة فإنها من شرائط الجمعة، ثم هي محطوطة عنه تبعاً لهم وكذلك العدد، ومن قال بالأول فرق بأن اعتناء الشرع برعاية الوقت أكثر، ألا ترى أن أقوال الشافعي -رضي الله عنه- اختلفت في الانقضاض، وإن اختلفت الجماعة، ولم يختلف قوله في أنه إذا وقع شيء من صلاة الإمام بعد خروج الوقت فاتت الجعة.
وقوله: (فلو وقع تسليم الإمام) المراد التسليمة الأولى، فإن الثَّانِيَة غير معدودة من نفس الصَّلاة، بل من لَوَاحِقِها، ولهذا لو قارنها الحدث لم تبطل صلاته، ولعلك تقول: لم قيد بتسليمة الإمام، وما الحكم لو وقعت تسليمة الإمام في الوقت وتسليمة القوم، أو بعضهم خارج الوقت، فاعلم أن التعرض لتسليمة الإمام قد جرى في كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" كما ذكره في الكتاب، ولم أر فيما وجدته من الشروح بحثاً عنه، ويمكن أن يكون التعرض له باعتبار أن وقوع تسليمة الإمام خارج الوقت موجب فوات الجمعة في البقعة مطلقاً، فإنه إذا كان سلامه بعد الوقت فسلام غيره يكون بعد الوقت أيضاً، فأما إذا وقع سلامُه في الوقت وسلام بعضهم بعده فالمُسَلِّمُون خارج الوقت لا شك في أن ظاهر المذهب بطلان صلاتهم، وإن فرض فيه خلاف، وأمما الإمام والمُسلِّمون معه إن بلغوا العدد المعتبر في الجمعة فجمعتهم صحيحة، وإلا فالصورة تشبه مسألة الانفضاض -والله أعلم-.
واعلم أنه سلامه الواقع في وقت العصر إن كان قد علم منه بالحال فيتعذر بناء الظهر عليه لا محالة، وتبطل صلاته إلا أن يغير النِّية إلى النَّفل ثم يسلم ففيه ما سبق في موضعه، وإن كان عن جهل منه فلا تبطل صلاته، وهل يبنى أو يستأنف؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
قال الغزالي: الثَّانِي دَارُ الإقَامَةِ فَلاَ تُقَامُ الجُمُعَةُ فِي الصَّحَارِي (ح) وَلاَ فِي الخِيَامِ (و) بَلْ تُقَامُ فِي خُطَّةِ قَرْيَةٍ (ح) أَوْ بَلْدَةٍ إِلَى 6 حَدٍّ يَتَرَخَّصُ المُسَافِر إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 250

قال الرافعي: يشترط إقامة الجمعة في دار الإقامة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إقامتها خارج البلد حيث تقام صلاة العيد، وبه قال أَحْمَدُ.
لنا: القياس على الموضع البعيد عن البلد، فإن كل واحد منهما خارج عن البلد، وأيضاً فَإِنَّ الجُمُعَةَ لم تَقُمْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ فِي عَصْرِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إِلاَّ فِي مَوَاضِعِ الإقَامَةِ 7، وَلَوْلاَ أنه شرط لأشبه أن يقيموها في غيرها كسائر الجماعات، والمراد من دار الإقامة الأبنية التي يستوطنها المقيمون للجمعة، سواء في ذلك البلاد والقرى والسراب التي تتخذ وطناً، ولا فرق بين أن تكون الأبنية من حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو خَشَبٍ؛ وأهل الخيام النازلون في الصحراء لا يقيمون الجمعة، فإنه إذا جاء الشتاء أْحوجهم إَلى الانتقال، فليسوا بمقيمين في ذلك الموضع، وإن اتخذوه وطنًا لا يبرحون عنه شتاءً ولا صيفاً ففيه قولان: أحدهما: أنه تلزمهم الجمعة، ويقيمون في ذلك الموضع؛ لأنهم استوطنوه.
وأصحهما: لا؛ لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلُّون الجمعة، ولا أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وهذا لأنهم على هيئة المسافرين، وليس لهم أبنية المستوطنين.
ولو انهدمت أبنية البلدة أو القرية فأقام أهلها على العمارة 8 لزمهم إقامة الجمعة فيها، فإنهم في دار إقامتهم، سواء كانوا في مَظالّ أو غيرها، وكذا لو كانت الأبنية باقية، وليس من الشرط إقامتها في كنّ أو مسجد، بل يجوز إقامتها في فضاء معدودة من خطة البلدة غير خارج عنها؛ لأن الجماعة قد تكثر ويعسر اجتماعها في محوط، أما الموضع الخارج الذي إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلدة كان له القَصْر لا يجوز إقامة الجمعة فيه على ما سبق، وهذا هو الذي أراد بقوله: (إلى حد بترخص المسافر إذا انتهى إليه) واستعمال (إلى) هاهنا نحو استعمالها في قول الله تعالى جده: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 9 فليس الحد المذكور داخلاً في الخطة.
وقوله: (في الصحاري) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ويجوز وضعهما على قوله: (في خطة قرية أو بلدة) أيضاً، (ولا في الخيام) معلم بالواو؛ للقول الذي سبق حكايته.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ لا تَكُونَ الجُمُعَةُ مَسْبُوقَةً بِجُمُعَةٍ أُخْرَى، فَلَوْ عُقِدَتْ

الجزء: 2 - الصفحة: 251

جُمْعَتَانِ فالَّتِي تَقَدَّمَ تكْبِيرُهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ بِتَقَدُّمِ السَّلاَمِ، وَقِيلَ بِتَقَدُّمِ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ فِي الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِكَيْلاَ يَقْدِرَ كُلُّ شِرْذِمَة عَلَى تَفْوِيتِ الجُمُعَةِ عَلَى الأكْثَرِينَ، وَإِنْ وَقَعَتِ الجُمْعَتَانِ مَعاَ تَدَافَعَتَا فَتُسْتَأْنَفُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَ التَّلاَحُقُ وَالتَّسَاوُق، فَإِنْ تَعَيَّنَتِ السَّابِقَةُ ثُمَّ الْتَبَسَتْ فَاتَتِ (وز) الجُمُعَةُ وَوَجَبَ (ز) الظُّهْرُ عَلَى الجَمِيعِ، وَلَوْ عُرِفَ السَّبْقُ وَلَمْ تَتَعَيَّنِ اسْتُؤنِفَتِ الجُمُعَةُ (و) وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ، وَفِيهِ قَوْلٌ 10 آخَرُ: أَنَّ الجُمُعَة فَائتَةٌ.
قال الرافعي: قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلاَّ في مسجد واد، وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء بعده لم يفعلوا إلا كذلك، وإذا لم تجز إقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات، واحتمل تعطل المسجد عرف أن المقصود إظهار شعار الاجتماع، واتفاق كلمة المسلمين فليقتصر على الواحد؛ لأنه أفضى إلى هذا المقصود؛ ولأنه لا ضبط بعد مجاوزة الواحد، وتكلم الأصحاب في أمر "بغداد"، فإن أهلها لا يقتصرون على جمعة واحدة، وقد دخلها الشافعي -رضي الله عنه- وهم يقيمون الجمعة في موضعين.
وقيل: في ثلاثة فلم ينكر عليهم، وذكروا فيه وجوهاً.
أحدها: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت في بغداد؛ لأن نهرها يحول بين شِقَّيْهَا، فيجعلها كبلدين، قاله أبو الطيب بن سلمة، وعلى هذا لا يقام في كل جانب إلا جمعة واحدة، وكل بلدة حال بين جانبها نهر يحوج إلى السباحة والزوارق فهي بمثابة بغداد، واعترض الشيخ أبو حامد على هذا فقال: لو كان الجانبان كالبلدين لجاز القصر لمن عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن لم يجاوز ذلك الجانب وابن سلمة فيما حكى القاضي ابن كج الزم هذه المسألة فالتزمها، وقال: يجوز له القصر.
والثاني: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت لأنها كانت ترى متفرقة، ثم اتصلت الأبنية فأجرى عليها حكمها القديم، وعلى هذا يجوز التعديد في كل بلدة كانت كذلك، واعترض الشيخ أبو حامد عليه بمثل ما اعترض به على الوجه الأول، وربما يلتزم الصائر إليه جواز القصر أيضاً، فإن الإمام حكى عن صاحب "التقريب" أنه قال: يجوز أن يقال، على هذا، إذا جاوز الهام بالسفر قرية من تلك القرى ترخص.
والثالث: أنها إنما جازت؛ لأن بغداد بلدة كبيرة يشق على أهلها الاجتماع في موضع واحد وعلى هذا تجوز الزيادة على الجمعة الواحدة في سائر البلاد إذا كَثُر (1)

الجزء: 2 - الصفحة: 252

النَّاس، وعَسُر اجتماعُهم، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ وأبو إسحاق وهو مذهب أحمد.
والرابع: أن الزيادة لا تجوز بحال، وإنما لم ينكر الشافعي -رضي الله عنه- في بغداد لما دخلها؛ لأن المسألة مسألة اجتهادية، وليس بعض المجتهدين الإنكار على سائرهم (1)، وهذا الوجه الرابع يوافق إطلاق الكتاب حيث قال: (إن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) فإنه لم يفصل بين بلدة وبلدة وهو ظاهر نص الشافعي -رضي الله عنه- الذي قدمناه، ورأى الشَّيخ أبو حامد وطبقته الاقتصار عليه مذهباً، لكن الذي اختاره أكثر أصحابنا تعريضاً وتصريحاً: إنما هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج وأبي إسحاق، وهو تجويز التعديد عند كثرة النَّاس والازدحام، ومِمَّن رَجَّحِهُ القاضي ابن كج والحناطي والقاضي الروياني، وعليه يدل كلام حُجَّة الإسلام في "الوسيط" مع تجويزه للنهر الحائل أيضاً، ولا يخفى مما ذكرناه، أنه ينبغي أن يُعَلم قوله: (أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) بالألف والواو؛ لأنه مُطْلَقٌ، والوجوه المذكورة تنازع فيه سوى الوجه الأخير، إذا عرف ذلك فمتى منعنا من الزيادة على جمعة واحدة فزادوا وعقدوا جمعتين فله صور: إحداها: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالسابقة صحيحة لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة لما ذكرنا أنه لا مزيد على واحدة وبماذا يعتبر السبق فيه ثلاثة أوجه: أصحها: أن الاعتبار بالتحرم، فالتي سبق عقدها على الصحة هِيَ الصحيحة، وإن تقدمت الثانية في الخطبة أو السلام.
والثاني: أن الاعتبار بالسَّلام، فالتي سبق التحلل عنها هي الصحيحة؛ لأن الصلاة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها، بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به أولى.
والثالث: أن الاعتبار بالخوض في الخطبة فالتي تقدم أول خطبتها هي الصَّحيحة.
قال الإمام: وهذا ملتفت إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين، ولم يحك أكثر أصحابنا العراقيين سوى الوجه الأول والثاني: ونقلهما صاحب "المهذب" قولين.
وقوله في الكتاب: (فالتي تقدم تكبيرها هي الصحيحة) يقع على تمام التكبير حتى لو سبقت إحداهما بهمزة التكبير والأخرى بالراء منه، فالصحيحة هي التي سبقت بالراء؛ لأنها التي تقدم تكبيرها، وهذا هو أصح الوجهين، وفيه وجه آخر أنه ينظر إلى أول التكبير، ثم على اختلاف الوجوه لو سبقت إحداها الأخرى لكن كان السلطان مع

الجزء: 2 - الصفحة: 253

الأخرى، فقد حكى صاحب الكتاب والإمام فيه وجهين، والجمهور نقلوهما قولين: أظهرهما: أن الصَّحِيحَة هي الأولى، كما لو لم يحضر السلطان في وأحدة منهما، وكما لو كان ثَمَّ أميران وكان كل واحد منهما في واحدة.
والثاني: أن الصحيحة هي الثانية منعاً للآخرين من التقدم على الإمام، ولو لم نقل بهذا لأدى إلى أن تفوت كل شرذمة تنعقد بهم الجمعة فرض الجمعة على أهل البلد، ولو شَرَعَ الناس في صلاة الجمعة فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها وفاتت الجمعة عليهم، فالمستحب لهم استئناف الظهر، وهل لهم أن يتموها ظهراً؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا خرج الوقت في أثناء الجمعة.
الصُّورة الثانية: أن تقع الجمعتان معاً فيتدافعان وتستأنف واحدة إن ومع الوقت.
الثالثة: أن يشكل الحال فلا يدري أوقعتا معاً أو سبقت إحداها الأخرى؟ فيعيدون الجمعة أيضاً؛ لجواز وقوعهما معاً، والأصل عدم الجمعة المجزئة، قال إمام الحرمين: وقد [حكمت] 11 الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم، وفيه إشكال؛ لأنه يجوز تقدم إحدى الجمعتين على الأخرى، وعلى هذا التقدير لا يصح عقد جمعة أخرى ولا تبرأ ذمتهم بها، فسبيل اليقين أن يقيموا جمعة ثم يصلوا الظهر.
الرابعة: أن تسبق إحدى الجمعتين على التعيين، ثم يلتبس فلا تخرج واحدة من الطَّائفتين عن العهدة خلافاً للمزني.
لنا: أنه ليس في الطائفتين من يتيقن صحَّة جمعته، والأصْلُ بقاء الفرض في ذِمَّتِهِمْ، ثُمَّ إذا لم يخرجوا عن العُهْدَة فماذا يفعلون؟ فيه طريقان: أظهرهما فيه -وهو المذكور في الكتاب-: أنه ليس لهم إعادة الجمعة؛ لأن إحدى الجمعتين في البلد قد صحت على [اليقين] 12 فلا سبيل إلى الزيادة، ولكن يُصَلُّون الظُّهْرَ.
والثَّاني: أنه على الخلاف الذي نذكره في الصورة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره العراقيون.
وقوله: (فاتت الجمعة) أراد به بطلانها على الطائفتين وافتقارهما إلى فعل الظهر 13، وإلا فالجمعة السابقة صحيحة، وليكن معلماً بالزاي والواو لما ذكرناه.
الخامسة: أن تسبق إحداها ولا يتعين كما إذا سمع مريضان، أو مسافران تكبيرتين

الجزء: 2 - الصفحة: 254

متلاحقتين، وهما خارج المسجد فأخبراهم بالحال ولم يعرفا أن المتقدمة تكبيرة من؟ فلا يخرجون عن العهدة أيضاً، لما ذكرنا في الرابعة، وقد نقل خلاف المزني هاهنا أيضاً، ثم ماذا يفعلون؟ فيه قولان: أظهرهما: في "الوسيط" أنهم يستأنفون الجمعة إن بقى الوقت؛ لأن الجمعتين المفعولتين باطلتان غير مجزئتين؛ وكأنه لم يقم في البلدة جمعة أصلاً.
والثاني: وهو رواية الربيع بأنهم يُصَلُّون الظُّهْرَ؛ لأن إحدى الجمعتين صَحِيحة في علم الله تعالى، وإنما لم يخرجوا عن العُهْدَة للإشكال 14. قال الأصحاب: وهذا هو القياس.
هذا تمام الصور وهي يأسرها مذكورة في الكتاب، ولهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وَلِيّان على امرأة واحدة، وستأتي في موضعها -إن شاء الله تعالى- وإن أردت حصرها قلت: إذا عقدت جمعتان فإما أن لا يعلم حالهما في التَّساوق والتلاحق، أو يعلم، وعلى هذا فإما أن يعلم تساوقهما أو سبق إحداهما على الأخرى.
وعلى هذا فإما أن يعلم ذلك في واحدة لا على التعيين، أو في واحدة معينة، وعلى هذا فإما أن يستمر العلم أو يعرض التباس، ثم قال أصحابنا العراقيون: لو كان الإمام في إحدى الجمعتين في الصور الأربع الأخيرة ترتب على ما ذكرنا في الصورة الأولى إن قلنا: الصحيحة هي التي فيها الإمام مع تأخيرها، فهاهنا أولى، وإلا فلا أثر لحضوره والحكم كما لو لم يكن مع واحد منهما.
قال الغزالي: الرَّابعُ: العَدَدُ فَلاَ تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بِأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ (ح م) ذُكُورٍ مُكَلَّفِينَ أَحْرَارٍ (ح) مُقِيمِينَ (ح) لاَ يَظْعَنُونَ شِتَاءً وَلاَ صَيْفاً إلاَّ لِحَاجَةٍ، وَالإِمَامُ هُوَ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: لا تنعقد الجمعة بأْقل من أربعين.
وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: تنعقد بأربعة أحدهم الإمام، واختلفت رواية أصحابنا عن مالك، فمنهم من روى عنه مثل مذهبنا، ومنهم من روى أن الاعتبار بعدد يعد بهم الموضع قرية، ويمكنهم الإقامة فيه، ويكون بينهم البيع والشراء، ونقل صاحب "التلخيص" قولاً عن القديم: أن الجمعة تنعقد بثلاثة إمام ومأمومين، وعامة الأصحاب لم يثبتوه.
لنا: ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أنه قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ

الجزء: 2 - الصفحة: 255

فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً" 15. وعن أبى الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلاً فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ" 16. أورده في "التتمة"، وذكر القاضي ابن كج أن الحناطي روى عن أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ جُمُعَةَ إِلاَّ بِأرْبَعِينَ" 17. وليكن قوله: (ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين) معلماً -لما حكيناه- بالميم والحاء والواو، ثم نعتبر في الأربعين أربع صفات، الذُّكورة، والتكليف، والحرية، والإقامة المعتبر، الإقامة على سبيل التَّوَطَّنِ، وصِفَتُهُ أن لا يَظْعَنُوا عن ذلك الموضع شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة، فلو كانوا ينزلون الموضع صيفاً ويرتحلون عنه شتاء، أو بالعكس فليسوا بمتوطين، ولا تنعقد الجمعة بهم، وحكى ابن الصباغ أن أبا حنيفة يقول: بانعقادها 18 بأربعة من العبيد، وبأربعة من المسافرين، واحتج عليه بأن من لا تلزمه الجمعة لا تنعقد به الجمعة كالنِّسَاء، وأعلم لذلك كلمتي: (أحرار، مقيمين بالحاء، إشارة إلى أن الحرية، والإقامة لا يشترطان في العدد المعتبر عنده، وفي الانعقاد بالمقيم الذي لم يجعل الموضع [وطئًا] 19 خلاف سنذكره في الباب الثالث، وهل تنعقد الجمعة بالمرضي؟ المشهور أنها تنعقد لِكَمَالِهِمْ، وإنما لم تجب عليهم تخفيفاً، وهذا هو المذكور في الكتاب في الباب الثاني، ونقل ابن كج عن أبي الحسين أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال في موضع: لا تنعقد الجمعة بأربعين مريضاً كالمسافرين والعبيد، فعلى هذا صفة الصّحة تعتبر مع الصفات المذكورة في الكتاب، ثم عدد الأربعين معتبر مع الإمام أو هو زائد على الأربعين فيه وجهان: أصحهما: أنه من جملة الأربعين لما ذكرنا من الأخبار فإنها لا تفصل بين الإمام وغيره.
والثاني: أنه زائد على الأربعين، لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَجْمَعْ

الجزء: 2 - الصفحة: 256

بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ" 20. وهذا يشعر بزيادته على الأربعين، وقد حكى القاضي الروياني الخلاف في المسألة قولين: القديم: أنه زائد على الأربعين.
قال الغزالي: وَلَوِ انْقَبَضَّ القَوْمُ فِي الخُطْبَةِ لَمْ يَجُزْ (خ) لِأَنَّ إِسْمَاعَهَا أَرْبَعِيْنَ رَجُلاً وَاجِبٌ، فَإِنْ سَكَتَ الخَطِيبُ ثُمَّ بَنَى عِنْدَ عَوْدِهِمْ مَعَ طُولِ الفَصْلِ فَقَدْ فَاتَتِ المُوَالاةُ، وَفِي اشْتِرَاطِهَا قَوْلاَن، وَكَذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِهَا بَيْنَ الخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ.
قال الرافعي: العدد المعتبر في الصَّلاَة وهو الأربعون مُعْتَبَرٌ في الكلمات الواجة من الخُطْبَة، واستماع القوم إليها فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ 21 قال كثير من المُفَسِّرِين: إن المراد منه الخَطْبَة.
وعن أبين حنيفة في رواية: أنه لو خطب منفرداً جاز، واحتجوا عليه بأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حُضُور العدد فيه كتكبيرة الإحرام.
إذا عرفت ذلك فلو حضر أربعون فصاعداً لإقامة الجمعة ثم انفض كلهم أو بعضهم، والباقون دون الأربعين لم يخل إما أن يكون الانفضاض في أثناء الصَّلاة وسيأتي في الفصل التالي لهذا الفصل، أو قبلها وذلك إما أن يكون قبل افتتاح الخطبة أو في أثنائها، أو بعدها، فإن كان الانفضاض قبل افتتاح الخطبة لم يبتدئ حتى يجتمع أْربعون، وإن كان في أَثْنَائِها -وهي مسألة الكتاب- فلا خلاف في أن الركن الْمَأْتِيّ به في غيبتهم غير محسُوب، بخلاف ما إذا نقص العدد في الصَّلاة، فإن فيه خلافاً سيأتي.
قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: والفرق أن كل مُصَلٍّ يصلي لنفسه فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصَّلاة، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، وإنما الغرض إسماع الناس وتذكيرهم، فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع فقد فات فيه مقصود الخطبة، فلم يحتمل، ثم ننظر إن عادوا قبل طول الفَصْل بني على الخطبة، فإن الفَصْلَ اليسير في مثل ذلك كعدم الفَصْل، ألا ترى أنه لو سلم ناسياً ثم تذكر ولم يطل الفصل جاز، وكذلك يحتمل الفَصْل اليسير بين صلاتي الجمع، وإن عادوا بعد طول الفصل فهل ينبي أم يستأنف؟ فيه قولان يعبر عنهما بأن الموالاة هل تجب في الخطبة أم لا؟ أحدهما: لا؛ لأن الغرض الوعظ والتذكير، وذلك حاصل مع تفرق الكلمات.

الجزء: 2 - الصفحة: 257

وأصحهما: نعم؛ لأن للولاء وقعاً في استمالة القلوب وتنبيهها، ولأن الأولين خطبوا على الولاء فيجب اتباعهم فيه، وذكر صاحب [التهذيب] 22 وغيره أن هذا القول الثاني هو الجديد، وبنى أبو سعيد المتولي وآخرون الخلاف في المسألة على أن الخطبتين بدلٌ من الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم وجب الاستئناف وإلا فلا، وقرب حُجَّة الإسلام -قدس الله روحه- في "الوسيط" خلاف المسألة من الخلاف في الوضوء هل يجب فيه الموالاة؟ لكن ظاهر المذهب ثَمَّ إنها لا تجب، وهاهنا أنها تَجِب، ويدلُّ على الفرق بين البنائين أن الفصل بالعذر ثَمّ لا يقدح على أظهر الطريقين، وهاهنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر.
قال في "النهاية": ولولا ذلك لما ضَرَّ الفصل الطويل هاهنا؛ لأن سببه عذر الانفضاض، ولو لم يعد الأولون واجتمع بدلهم أربعون فلا بد من استئناف الخطبة، طال الفصل أو لم يطل، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة نظر، إن عادوا قبل طول الفصل صلى الجمعة بتلك الخطبة، وإن عادوا بعد طول الفصل ففي اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة قولان كاشتراطهما في الخطبة، والأصح الاشتراط، وشبهوا الخطبة والصلاة بالصلاتين المجموعتين تجب الموالاة بينهما، فعلى هذا لا تمكن الصَّلاة بتلك الخطبة، وعلى الأول تمكن ثم إن المزني نقل في "المختصر" عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال في هذه الصورة: أحببت أن يبتدئ الخطبة ثم يصلي الجمعة، فإن لم يفعل صَلَّى بهم الظهر، واختلف الأصحاب فيه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يجب أن يعيد الخُطْبة، ويصلي بهم الجُمُعَة؛ لأنه متمكن من إقامتها فلا سبيل إلى تركها، وهذا اختيار القفال والأكثرين 23. قالوا: ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- (أوجبت)، وأما (أحببت) فهو تصحيف من النَّاقل، أو وهم، وربما حملوا "أحببت" على "أوجبت" وقالوا: كل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم، وقوله: (وصلى بهم الظهر) حملوه على ما إذا ضاق الوقت.
وقال أبو إسحاق: لا تجب إعادة الخطبة، لكن يستحب، وتجب الجمعة، أما الأول فلأنهم قد ينفضون ثانياً، فيعذر في ترك إعادتها، وأمَّا الثاني فللقدرة على إقامتها.
وقال أبو علي صاحب "الإفصاح": لا تجب إعادة الخطبة ولا الجمعة، ويستحبان

الجزء: 2 - الصفحة: 258

على ما يدل عليه ظاهر النَّص؛ لأنه لا يأمن انفضاضهم ثانياً لو اشتغل بالإعادة، فيصير ذلك عذراً في ترك الجمعة، واعلم أن ابن سريج وأبا علي متفقان على وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة، وامتناع بناء الجمعة على الخطبة التي مضت، لكن هذا عذره في تركها جميعاً، وذلك لم يعذره، وأوجب إعادة الخطبة ليصلي الجمعة بها، وأما أبو إسحاق فإنه احتمل الفصل الطويل، وجوز البناء على الخطبة الماضية، وتَحَصَّلَ مما ذكرناه خلاف في وجوب إقامة الجمعة على ما اختصره في "الوسيط"، فقال: وإذا شرطنا الموالاة ولم يعد الخطبة أثم المنفضون، وهل يأثم الخطيب فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه أدى ما عليه والذنب لهم.
والثاني: نعم؛ لتمكنه من الإعادة.
وقوله في الكتاب: (لم يجز) معلَّم بالحاء لما تقدم.
وقوله: "فإن سكت الخطيب ... " إلى آخره الحكم غير مخصوص بصورة السكوت، بل لو مضى في الخطبة، ثم لما عادوا أعاد ما جرى من واجباتها في حالة الانفضاض كان كما لو سكت.
قال الغزالي: فَلَوِ انْفَضُّوا فِي خِلاَلِ الصَّلاَةِ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ بَطُلَ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَانٍ: لاَ تَبْطُلُ (م) مَهْمَا تَوَفَّرَ العَدَدُ فِي لَحْظَةٍ إِذَا بَقِيَ مَعَ الإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى رَأْيٍ أَوِ اثْنَانِ عَلَى رَأْيٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: لاَ تَبْطُلُ بِالانْفِضَاضِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الجَمَاعَةُ.
[وعلى قول رابع لا تبطل مهما توفر العدد، وإن بقي الإمام وحده] 24. قال الرافعي: لو تحرم بالعدد المعتبر، ثم حضر أربعون آخرون وَتَحَرَّمُوا، ثم انفض الأولون لم تبطل الجمعة، لأن العدد لم يبطل في أي شيء من الصَّلاة، ولا فرق بين أن يكون اللاَّحقون قد سمعوا الخطبة أو لم يسمعوها؛ لأنهم إذا لحقوا والعدد تَام صارَ حكمهم واحداً، فإذا ثبتوا استمرت الجمعة، كما لو تحرم بثمانين سمعوا الخطبة، ثم انفض منهم أربعون.
قال إمام الحرمين: ولا يمتنع عندي أن يقال: يشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة فلا تستمر الجمعة إذا كان اللاَّحِقُون لم يَسْمَعُوها، وإن انفضوا ولحق أربعون على الاتصال فقد قال في "الوسيط": تستمر الجمعة أيضاً، لكن يشترط هاهنا أن يكون اللاَّحِقُون ممن سمعوا الخطبة، وإن انفضوا ونقص العدد في باقي الصَّلاة أو في شيء من هذه مسألة الكتاب، وفيها قولان؛ ومنهم من أضاف إليها قولاً ثالثاً، ونذكره بعد توجيه القولين وتفريعها.

الجزء: 2 - الصفحة: 259

وأصحهما -وبه قال أحمد-: أن الجمعة تَبْطُلُ، ويشترط العدد في جميع أجزاء الصَّلاة، لأنه شرط في الابتداء، فيكون شرطاً في سائر الأجزاء كالوقت، ودار الإقامة، ولأن الانفضاض لا يحتمل في شيء من الخطبة التي هي مقدمة الصَّلاة، فلأن لا يحتمل في نفس الصَّلاة كان أولى.
والثاني: لا تبطل، ولا يشترط استمرار العدد في جميع الصلاة، لما روي: "أَنَّهُمْ انْفَضُّوا عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ 25 الآية".
ثم إنه بني على الصَّلاة، وأيضاً فإن بقاء العدد عنده لا يتعلق باختيار الإمام، وفي الابتداء يمكن تكليفه بأن لا يتحرم حتى يحضروا، والشيء قد يشترط في الابتداء ولا يشترط في الدوام كالنِّيَّةِ في الصَّلاة وغيرها.
التفريع: إن شرطنا دوام العدد فلو تَحرَّم الإمام وتباطأ المقتدون ثم تحرموا نظر إن تأخر تحرمهم عن ركوعه فلا جمعة، وإن لم يتأخر عن الركوع فعن القفال: أن الجمعة صحيحة، وعن الشيخ أبي محمد: أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين تحرمهم وتحرمه.
وقال إمام الحرمين: الشرط أن يَتَمَكَّنُوا من إتمام قراءة الفاتحة، وإذا حَصَلَ ذلك فلا يضر الفَصْل، وهذا أصح عند حُجَّة الإِسْلاَم، وإن قلنا: لا يشترط دوام العدد فهل يشترط دوام الجماعة أم له إتمام الجمعة وإن بقي وحده؟ فيه قولان: أظهرهما: أنه يشترط؛ لأن الجمعة صَلاةٌ تجمع الجماعات، والغرض منها إقامة الشَّعار، وإظهار اتفاق الكلمة كما سبق، فإن احتمال اختلال العدد فلا ينبغي أن يحتمل اختلال أصل الجماعة، وعلى هذا ففي العدد المشروط بقاؤه قولان: الجديد: أنه يشترط بقاء اثنين؛ ليكونوا معه ثلاثة فإنها الجمع المطلق.
والقديم: أنه يكفي بقاء واحد معه لأنَّا الاثنين فما فوقهما جماعة 26، وهل يشترط أن يكون الواحد والاثنان على اختلاف هذين القولين على صفات الكمال.
قال في "النهاية": الظاهر أنه يشترط ذلك كما يشترط كونهم على صفات الكمال في الابتداء، وعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل خلافه فإنا إذا اكتفينا باسم الجماعة فلا يبعد أن نعتبر صفات الكمال.

الجزء: 2 - الصفحة: 260

والقول الثاني: أنه لا يشترط بقاء الجماعة، بل لو بقي وحده كان له أن يتم الجمعة؛ لأن الشروع وقع والشُّروط مَوْفُور فلا يضر الانفراد بالعدد بعده، يحكى هذا عن القول عن تخريج المزني، وذكروا أنّه خرجه من القول القديم في منع الاستخلاف، فإنه إذا أحدث الإمام وقلنا: لا استخلاف يتمونها جمعة، ولم يذكروا في هذا الموضع فَصْلاً بين أن يكون حدثه بعدما صَلُّوا ركعة أو قبله، ثم قال القاضي ابن كج وكثير من أصحابنا: اختلف أئمتنا في تخريجه، فمنهم من سلمه ومنهم من أبى، ولم يثبته قولاً، فهذا شرح القولين في أصل المسألة، وخرج المزني قولاً آخر، وذهب إليه أنه إن كان الانفضاض في الركعة الأولى بطلت الجمعة، وإن كان بعدها لم تبطل، ويتم الإمام الجمعة، وكذا من معه إن بقي معه جَمْع، ووجهه ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ اَلْجُمُعَةِ فَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى" 27. وأيضاً فإن المسبوق إذا أدرك ركعةً من الجمعة يتمها جمعة، فكذلك الإمام، وبهذا القول قال مالك وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة يكتفي بتقييد الرَّكْعَة بسجدة ولا يعتبر تمامها، واختلف أصحابنا في قبول هذا التخريج أيضاً، منهم من أباه، وقال: المسبوق تَبَعٌ للقوم، وقد صحت لهم جمعة تامة وهاهنا بخلافه، ومنهم من سلمه وعدَّه قولاً آخر، وعلى هذا إذا اختصرت وتركت الترتيب قلت: في المسألة خمسة أقوال: أظهرها: بطلان الجُمُعَة.
والثاني: إن بقي معه اثنان لم تبطل.
والثالث: إن بقي معه واحدٌ لَمْ تَبْطُل، وهذه الثَّلاثة منصوصةٌ الأولان منها مذكوران في الجديد.
والثالث: في القديم.
والرابع: أنها لا تبطل وإن بقي وحده.
والخامس: الفرق بين أن يكون الانفضاض بعد ركعة أو قبلها، وقد ذكر في الكتاب كلها سوى الرابع منها.
وقوله: (بطل على قول) معلم بالحاء والميم والزَّاي لما حكيناه.
وقوله: (على قول ثَانٍ) لا تبطل بالألف، وكذا قوله: (وعلى قول ثالث لا تبطل).
وقوله: (مهما توفر العدد في لحظة) غير مجرى على إطلاقه، فإنه لا يجوز أن

الجزء: 2 - الصفحة: 261

يكون اللحظة التي توفر فيها العدد بعد الركوع الأول والضبط فيما قبله ما بيناه.
وقوله: (إذا بقي مع الإمام واحد على رأي واثنان على رأي) يجوز أن يعلم بالواو إشارة إلى القول الرابع، والذي ذكره جواب على قولنا: لأن الجماعة لا يشترط دوامها، وأراد بالرأيين القولين اللذين ذكرناهما، ويجوز أن يعلم قوله: (وعلى قول ثالث) بالواو إشارة إلى الطريقة الممتنعة من إثباته قولاً.
قال الغزالي: الخَامِسُ: فَلاَ يصِحُّ الانْفِرَادُ بِالجُمُعَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) حُضُورُ السُّلْطَانِ فِي جَمَاعَتِهَا وَلاَ إِذْنُهُ (ح).
قال الرافعي: ليس لقائل أن يقول: إذا شرطنا العدد فقد شرطنا الجماعة فلا حاجة إلى إفراد الجماعة وعدها شرطاً برأسه، وذلك لأن العدد والجماعة أمران ينفك كل واحد منهما عن الآخر، أما الجماعة دون العدد فَظَاهِر، إذ ليست الجماعة إلا الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم، وذلك مما لا يستدعي العدد، وأما بالعكس فلأن المراد من العدد حضور أربعين بصفة الكمال، وأنه يوجد من غير جماعة، ثم القول في شرائط الجماعة كما سبق في غير الجمعة، ولا يشترط حضور السلطان ولا إذنه، فيها خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا تصح إلا خلف الإمام أو مأذونه، وبه قال أحمد في رواية، والأصَحُّ عنه مثل مذهبنا.
لنا "أَنَّ عَلِيًّا أَقَامَ الْجُمُعَةِ وَعُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مَحْصُورٌ" ونقيس على سائر العبادات، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (ولا يشترط) مع الحاء بالألف والواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا أن للشافعي قول في القديم مثل مذهب أبي حنيفة.
قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولى: إِذَا كانَ الإمَامُ عَبْداً أَوْ مُسَافِراً صَحَّ لِأَنَّهُمَا فِي جُمُعَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَقِيْلَ: لاَ يَصِحُّ إِذَا عَدَدْنَاهُ مِنَ الأرْبَعِيْنَ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَفِّلاً أَوْ صَبِيًّا فَقَوْلاَنِ، وإنْ كَانَ مُحْدِثاً فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَإِنْ كَانَ قَائِماً إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ سَهْواً فَهُوَ كالمُحْدِثِ فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِ جَاهِلاً، وَلَو لَمْ يُدْرِكْ مَعَ المُحْدِثِ إِلاَّ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ فَفِي إِدْرَاكِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكر ثلاث مسائل تتشعب عن شرط الجماعة.
الأولى في أحوال الإمام، وفيها صور: إحداها: لو كان إمام الجمعة عبداً أو مسافراً نظر إن كان القوم معه أربعين فلا جمعة؛ لما ذكرنا أن يشترط كون الأربعين بصفات الكمال، وإن كانوا أربعين دونه وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 262

المقصود من لفظ الكتاب فقد قال في "التهذيب": تصح الجمعة ولم يذكر غير ذلك.
وقال في "النهاية": تبنى على أن الإمام معدود من الأربعين أم لا، فإن قلنا: لا، فلا بأس، وإن قلنا: نعم فوجهان: أحدهما: لا تصح الجمعة؛ لأنه إذا عد من العدد المعتبر، فيجب أن يكون على صفات الكمال كغيره أو هو أولى بذلك.
وأظهرهما: الصحة؛ لأن العدد قد تَمَّ بصفة الكمال وجمعة العبد والمسافر صحيحة، وإن لم تلزمها، وقد أشار في الكتاب إلى هذا البناء حيث قال: وقيل: لا تصح إذا عددناه من الأربعين جعل هذا الوجه مفرغاً على عده من الأربعين بعدما حكم بالصِّحة على الإطلاق، واعلم أنه لو كان ذلك الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط أم لا؟ لكان هذا البناء واضحاً، ولكن ذلك الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائداً على الأربعين أم يُكْتَفَى بأربعين أحدهم الإمام؟ ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحداً من العدد المشروط إذا زادوا على الأربعين.
وقوله: (صح) معلم بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنها لا تَصِحْ خلف العبد، وبالألف؛ لأن عند أحمد لا تصح خلف المسافر، ولا خلف العبد على قوله: لا تجب الجمعة على العبد وعنه اختلاف رواية فيه سيأتي.
وقوله: (لأنهما في جمعة مفروضة) معناه أنهما إذا صَلَّيَا الجمعة صَحَّت منهما وأجزأت عن فريضة الوقت بخلاف الصّور بعد هذه، وفيه إشارة إلى شيء وهو أن الكلام [فيما] 28 إذا لم يُصَلِّ المسافر والعبد الظهر قبل أن أما في الجمعة فإما إذا صَلَّيا الظهر ثم أمَّا فالاقتداء بهما كالاقتداء بالمتنفل، وسنذكره.
الثانية: لو كان إمام الجمعة صبياً فهل تصح جمعة القوم؟ فيه قولان: أحدهما: نعم قاله في "الإملاء" ووجهه أنه يجوز الاقتداء به في سائر الفرائض فكذلك في الجمعة كالبالغ.
والثاني: لا، قاله في "الأم"؛ لأنه ليس على صفة الكمال، والإمام أولى باعتبار صفة الكمال فيه من غيره، ولأنه لا جمعة عليه وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه، إذ لا فرض عليه، بخلاف العبد والمسافر، فإنهما يسقطان بها فرض الظهر، وهذا القول يوافق مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-؛ لأنهم منعوا إمامته

الجزء: 2 - الصفحة: 263

في سائر الفرائض، ففي الجمعة أولى، ولو كان الإمام متنفلاً فهو على هذين القولين.
وجه المنع أنه لا بد في العدد المشروط من أن يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذلك الإمام، ويجوز أن يرتب المتنفل على الصبي، فيقال: إن جاز الاقتداء بالصبي فبالمتنفل أولى، وإلا فقولان: والفرق أنه من أهل فرض الجمعة ولا نقص فيه.
وما الأظهر من الخلاف في المسألتين؟ رجح الشيخ أبو محمد 29 وأبو القاسم الكرخي وطائفة قول المنع، والحناطي والقاضي الروياني قول الجواز، وهو قضية كلام الأكثرين، وأطبقوا على أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي.
وقالوا: هو المنصوص للشافعي -رضي الله عنه- في صلاة الخوف، قال: لو صَلَّى الإمام الظهر في شدة الخوف [ثم انكشف الخوف] 30 والوقت باق وقد بقي له أربعون لم يُصَلُّوا الظُّهْر جاز له أن يصلّي بهم الجمعة، ثم قال الإمام: موضع الخلاف في المسألتين، ما إذا تم العدد بصفة الكمال دون الإمام، فأما إذا تَمَّ بالصبي أو المتنفل فلا جمعة؛ ولو صلّوا الجمعة خلف من يصلِّي صُبْحاً أو عصراً ففيه قولان كما لو صلَّى خلف متنفل، وقيل: يجوز؛ لأن الإمام يصلّي الفرض، ولو صَلُّوها خَلْفَ مُسَافِرٍ يقصر الظُّهْرَ، يجوز إن قلنا: الجمعة ظُهْرٌ مقصورة وإن قلنا: صلاة على حيالها فهو كما لو صَلَّى خلف من يصلي الصبح، ذكر المسألتين صاحب "التهذيب".
الصورة الثالثة: لو بَانَ أن إمام الجمعة كان جنباً أو محدثاً فإن لم يتم العدد دونه فلا جمعة لهم، وإن تم ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يقدح في صِحَّة جمعة القوم كما في سائر الصلوات.
والثاني: يقدح؛ لأن الجماعة، شرط في الجُمُعَة، والجماعة ترتبط بالإمام والمأمومين، فإذا بَانَ أن الإمام لم يكن مُصَلِّيًّا بَانَ أنه لا جماعة، وأن أحد شروط الجمعة قد فات، بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجماعة غير مشروطة فيها، وغايته أنه صَلَّى منفرداً، ولا شك أن هذا القول أظهر منه في الاقتداء بالصبي والمتنفل، ولذلك قال في الكتاب: هما مرتبان على القولين، ثم هو أصح من مقابله عند الشيخين أبي علي وأبي محمد، وتابعهما صاحب "التهذيب" وجماعة، وذهب العراقيون وأكثر أصحابنا إلى ترجيح القول الأول، ونقلوه عن نَصِّه في "الأم" وأضافوا حكاية الخلاف إلى ابن القاص، واستبعدوه واعترضوا على توجيه قول المنع بأنا لا نسلم أن حدث

الجزء: 2 - الصفحة: 264

الإمام يمنع صحة الجماعة وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله.
وقالوا: إنه لا يمنع نَيْلَ فضيلة الجماعة في سَائِرِ الصلوات ولا غيره من أحكام الجماعة، وعلى هذا قال في "البيان": لو صلى الجمعة بأربعين فبَانَ أن القوم محدثون صَحَّت صلاة الإمام دونهم، بخلاف ما لو بَانُوا عبيداً أو نساءاً فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه، وقياس من يذهب إلى المنع، أنه لا تصح جمعة الإمام لبطلان الجماعة.
الصورة الرابعة: لو قام إمام الجمعة إلى ركعة ثالثةٍ سهواً فاقتدى به إنسان فيها فهذه المسألة من فروع ابن الحداد، وشرحها الأئمة فقالوا: أولاً: لو فرض ذلك في سائر الفرائض، فقام الإمام إلى ركعة زائدة واقتدى به إنسان فيها وأدرك جميع الركعة، ففيه وجهان: أحدهما: أنها لا تحسب له؛ لأنها غير محسوبة للإمام، والزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة وإخبار الغير، فلا يجزئه كما لو اقتدى بالمرأة والكافر.
وأصحهما: أنها تحسب له، فإذا سَلَّم الإمام يتدارك باقي الصلاة، كما لو صَلَّى خلف جُنْبٍ يجزئه، وإن لم تكن تلك الصلاة محسوبة للإمام بخلاف الكافر والمرأة فليس لهما أهلية إمامته بحال، ولهذا لا يَصِح الاقتداء بهما أصْلاً، وهاهنا يصح الاقتداء بهذا السَّاهي، والكلام في أنه هل يصير مدركاً للركعة أم لا؟ هكذا ذكره الشيخ أبو علي -رضي الله عنه-، وأما في الجمعة فإن قلنا: إنه في غير الجمعة لا يدرك به الركعة فكذلك هاهنا، ولا تحسب بدلاً عن الظهر ولا عن الجمعة، وإن قلنا: يدرك فهل تكون هذه الركعة محسوبة عن الجمعة حتى يضيف إليها أخرى بعد سلام الإمام أو تكون محسوبة عن الظُّهر؟ فيه وجهان بناهما الأئمة على القولين فيما لو بَانَ كون الإمام محدثاً؛ لأن تلك الركعة غير محسوبة من صلاته كركعات المحدث، ولهذا قال في الكتاب: (فهو كالمحدث في حق من اقتدى به جاهلاً) واختار ابن الحداد أنها لا تحسب عن الجمعة واعرف هاهنا أموراً: أولها: إنما قال: "جاهلاً" لأنه لو كان عالماً بأن الإمام قائم إلى الثَّالثة ساهياً، ومع ذلك اقتدى به لم تنعقد صلاته بحال، كما لو اقتدى بالجنب عالماً بحاله.
وثانيها: لم يذكروا في المحدث أن صلاة المقتدي منعقدةٌ وأن المأتي به يحسب عن الظهر، حتى لو تبين له الحال قبل سَلاَم الإمام أو بعده على القرب يتمها ظُهْراً إذا جوزنا بناء الظُّهْرِ على الجُمُعةِ، وقضية التسوية بين الفَصْلَين الانعقاد والاحتساب عن الظهر في المحدث أيضاً.
وثالثها.
من قال في مسألة المحدث: الأصح من القولين أن الجمعة غير صحيحة

الجزء: 2 - الصفحة: 265

قال بمثله هاهنا، والذين قالوا: الأصح صحتها منهم من لم يورد هذه المسألة، ومنهم من أوردها، ونقل جواب ابن الحداد من غير نزاع فيه، فيجوز أن يقدر المساعدة على ترجيح المنع هَاهُنَا، ويفرق بأن الحَدَث لا يمكن الاطلاع عله بحال، بخلاف الزيادة على ما سبق، ويمكن أن يعارض هذا بأن المحدث لا صَلاَة له أصلاً، وهذا السَّاهي في الصلاة، لكن ندرت منه زيادة هو معذور فيها، وكأن أولى بأن يصح الاقتداء به والله أعلم.
الخامسة: قال حُجَّةُ الإِسْلام -قدس الله روحه-: ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية ففي إدراكه وجهان، وهذا الفرع يتعلق بأصلين.
أولهما: أن المسبوق في صَلاَة الجمعة إن أدرك الإمامَ في ركوع الرَّكْعَة الثَّانية كان مدركاً للجمعة، فإذا سَلَّم الإمام قام إلى رَكْعَةٍ أخرى، وإن أدركه بعد رُكُوعِ الثَّانية لم يكن مدركاً للجمعة، ويقوم بعد سلام الإمام إلى أربع خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يكون مدركاً للجمعة وإن أدركه في التَّشهد أو في سجدتي السَّهْو بعد السَّلام.
لنا ما رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ صَلاَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا" 31، وإذا لحق بعد الركوع، فما الذي ينوي؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "البيان" وغيره: أحدهما: ينوي الظهر؛ لأنها التي يؤديها.
وأظهرهما: ينوي الجمعة؛ موافقةً للإمام، وهذا هو الذي ذكره القاضي الروياني، ولو صَلَّى مع الإمام ركعة ثم قام وصلّى أخرى، وتذكر في التشهد أنه نَسِيَ سجدةً من إحدى الركعتين نظر، إن تركها من الثانية فهو مدرك للجمعة فيسجد سجدة، ويعيد التشهد، ويسجد للسهو ويسلم، وإن تركها من الأولى أو شك لم يكن مدركاً للجمعة، وحصلت له ركعة من الظُّهْرِ، ولو أدركه في الثَّانية وشك في أنه سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن لم يسلم الإمام بعد سجد أخرى، وكان مدركاً للجمعة وإن سلم الإمام سجد أخرى [ولم يكن مدركاً للجمعة؛ لأنه ما أدرك مع الإمام ركعة.
والثاني: أنا ذكرنا في باب الجماعة أن المسبوق إذا أدرك الركوع مع الإمام كان مدركاً] 32 للركعة وذلك في ركعة محسوبة للإمام، أما إذا لم تكن محسوبة، كما لو أدرك الركوع مع الإمام المحدث أو أدرك الإمام السَّاهي بركعة زائدة في ركوعها، وقلنا: إنه لو أدركها كلها لكانت محسوبة له ففيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 266

أحدهما: أن يكون مدركاً للركعة؛ لأنه لو أدرك كل الركعة لكانت محسوبة له فكذلك إذا أدرك ركوعها كالركعة المحسوبة للإمام.
وأصحهما: أنه لا يكون مدركاً؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوباً من صلاة الإمام ليتحمل به، فأما غير المحسوب لا يصلح للتحمل عن الغير، ويخالف ما لو أدرك جميع الركعة، فإنه قد فعلها بنفسه، فتصحح على وجه الانفراد، إذا تعذر تصحيحها على وجه الجماعة، ولا يمكن التصحيح هاهنا على سبيل الانفراد فإن الركوع لا يُبتَدَأُ به.
قال الشيخ أبو علي: والوجهان عندي مبنيان على القولين في جواز الجُمُعَةِ خلف الجنب والمحدث، ووجه الشبه أن المقتدي [في القولين في جميع الركعة في الجمعة كالمقتدي في الركوع في سائر الصلوات؛ لأنه بالاقتداء] 33 يسقط فرضاً عن نفسه، ولو كان منفرداً للزمه وهو رد الأربع إلى ركعتين، كما أن المقتدي في الركوع يسقط فرضاً عن نفسه وهو القيام والقراءة في تلك الركعة، فإن قلنا: يصح الاقتداء بالمحدث لإسقاط فرض الانفراد في الجمعة، فكذلك هَاهُنَا، وإلا فلا.
إذا عرف ذلك، فنقول: لو لم يدرك في الجمعة مع الإمام إلا ركوع الثانية، ثم بَانَ أن الإمام كان محدثاً، فإن قلنا: إنه لو أدرك جميع الركعة معه لم يكن مدركاً ركعة من الجمعة، فهاهنا أولى، وإن قلنا: ثم يكون مدركاً ركعة من الجمعة فهاهنا وجهان، إن قلنا: إن مدرك الركوع مع الإمام المحدث مدرك للركعة فكذلك هاهنا، وإلا فلا.
ثم قوله: (ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية) يعني: لم يدرك شيئاً قبله، فأما ما بعد الركوع من أركان الركعة لا بد من إدراكها مع الإمام، أو قبل سلامه إن فرض زحام أو نسيان، وتخلف لذلك.
وقوله: (ففي إدراكه وجهان) أي في إدراكه الجمعة، ولو حمل على الخلاف في إدراك الركعة لم يكن للتخصيص بركوع الثانية معنى.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ إِذَا أَحْدَثَ الإمَامُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَاسْتَخْلَفَ مَنْ كَانَ اقْتَدَى بِهِ وسَمِعَ الْخُطْبَةَ صَحَّ اسْتِخْلافُهُ فِي 34 الْجَدِيدِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الخُطْبَةَ فَوَجْهَانِ، وَلاَ يَشْتَرِطُ اسْتِئنَافُ نيَّةِ القُدْوَةِ بَلْ هُوَ خَلِيفَةُ الأوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفِ الإمَامُ فَتَقْدِيمُ القَوْمِ كَاسْتِخْلاَفِهِ (ح) بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنَ اسْتِخْلافِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُمْ الانْفِرَادُ بِهَا كَالْمَسْبُوقِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 267

قال الرافعي: إذا خرج الإمام عن الصَّلاة بحدثٍ أو غيره، وأراد أن يستخلف فذلك إما أن يكون في غير الجمعة أو فيها، والمذكور في الكتاب هو القسم الثاني، فنذكر الأول على الاختصار، ثم نعود إلى شرح الثاني، فنقول: إذا أحدث الإمام في سائر الصلوات ففي جواز الاستخلاف قولان، قال: في القديم: لا يجوز ذلك، "لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمَ بِالنَّاسِ.
ثم ذكر أنه جنب، فذهب واغتسل، ولم يستخلف، ولو كان الاستخلاف جائزاً لأشبه أن يستخلف، ولأنها صلاة واحدة فلا تجوز بإمامين، كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة، وقال في الجديد يجوز؛ وهو أصح الروايتين عن أحمد، وبه قال مَالِك وأبو حنيفة -رحمهم الله- لأنها صلاة بإمامين على التعاقب، فيجوز كما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَجَلَسَ إِلَى جَنْبهِ، فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ 35. وفي "النهاية": أن من الأصحاب من قطع بجواز الاستخلاف في سائر الصلوات، وخص القولين بالجمعة، والمشهور طرد القولين.
التفريع إن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم الصَّلاة وحدَاناً، وإن جوزناه فيشترط أن يكون المستخلف صالحاً لإمامة القوم، فلو استخلف امرأةً فهو لغوٌ ولا تبطل صلاتهم إلا أن يقتدوا بها، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: تبطل بنفس الاستخلاف صلاتهم وصلاته 36. قال في "النهاية": ويشترط أن يجري الاستخلاف على قرب، فلو قضوا على الانفراد ركناً امتنع الاستخلاف بعده، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى بالإمام قبل حدثه؟ قال أكثر أصحابنا من العراقيين وغيرهم، إن استخلف في الركعة الأولى، أو [الثالثة] 37 من الصلوات الرباعية من لم يقتد به جاز؛ لأنه لا يخالفهم في الترتيب، وإن استخلف في الثانية أو الرابعة، أو في الثالثة من المغرب لم يجز؛ لأنه يحتاج إلى القيام، وعليهم القعود فيختلف الترتيب بينهم، وأطلق جماعة من الأئمة اشتراط كون الخليفة ممن اقتدى به، وهذا ما ذكره إمام الحرمين -رضي الله عنه- مع زيادة فقال: لو أمره الإمام فتقدم لم يكن هذا استخلافاً ولا هو خليفة، وإنما هو عاقد لنفسه صلاة جار على ترتيبه فيها، لو اقتدى القوم به فهو اقتداء منفردين في أثناء الصَّلاة، وقد سبق الخلاف فيه في موضعه، وهذا قدوتهم انقطعت بخروج الإمام عن الصَّلاة، ولم يخلفه أحد ولا يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى به في الركعة الأولى، بل يجوز استخلاف المسبوق، ثم عليه أن يراعيَ نَظْمَ صلاة الإمام، فيقعد في موضع قعوده، ويقوم في

الجزء: 2 - الصفحة: 268

موضع قيامه، كما كان يفعله لو لم يخرج الإمام من الصلاة؛ لأنه بالاقتداء به التزم ترتيب صلاته حتى إنه لو لحق الإمام في الثانية من الصبح ثم أحدث الإمام فيها، واستخلفه قنت، وقعد فيها للتشهد، وإن كانت 38 أولاه، ثم يقنت في الثانية لنفسه، ولو كان الإمام قد سَهَا قبل اقتدائه أو بعده، سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه على القول الأصح، وإذا تمت صَلاةُ الإمَام قام ليَتَدَارَكَ ما عليه، وَهُمْ بالخيار إن شاؤوا فارقوه وسلموا، وإن شاؤوا صبروا جَالسَين ليُسَلِّموا معه، هذا كله إذا عرف المسبوق نظم صلاة الإمام، فإن لم يعرف، فقد ذكروا فيه قولين 39 عن حكاية صاحب "التلخيص" وعن الشيخ أبي محمد أنهما لابن سريج، لا للشافعي -رضي الله عنه-، فإن جَوَّزْنَا تراقب القوم إذا أتم الركعة أن هَمُّوا بالقيام قام، وإلا قعد، وَسَهْوُ الخَلِيفَةِ قبل حَدَثِ الإمام يحمله الإمام، وسهوه بعد حدثه يقتضي السُّجُود عليه وعلى القوم وسهو القَوْمِ قبل حدث الإمام وبعد الاستخلاف محمول، وبينهما غير محمول، بل يسجد السَّاهي عند سلام الخليفة.
القسم الثاني: أن يقع ذلك في صلاة الجمعة، ففي جواز الاستخلاف القولان إن لم تجز فينظر، إن أحدث في الركعة الأولى أتم القوم صلاتهم ظُهْراً، وإن أحدث في الثانية أتمها جمعة من أدرك معه ركعةً كالمسبوق، هذا هو المشهور، وعن الشيخ أبي محمد أنهم يتمونها جمعة، وإن كان الحدث في الركعة الأولى؛ تخريجاً من أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أن جمعة الإمام تصح، وإن انفضوا في الركعة الأولى وبقي وحده، وذكر ابن الصباغ وغيره: أن المزني نقل هذا القول في "جامعه الكبير"، وعن صاحب "الإفصاح" أنهم وإن أدركوا ركعةً يتمونها ظُهْراً، لا جمعة، بخلاف المسبوق؛ لأن الجمعة قد كملت بغيره فجعل تابعاً لهم، وهذا الوجه قضية القياس عند إمام الحرمين، تخريجاً على أحد الأقوال في الانفضاض، وهو أن الإمام يتم الظهر وإن انفضوا في الثَّانية، وذلك لأن الإمام لأن ركن الجماعة في حَقِّ القوم، كما أنهم ركن الجماعة في حقه، فخروجه عن الصلاة في حقهم كانفضاضهم في حقه، وأما إذا جوزنا الاستخلاف فلا فرق فيه بين أن يسبقه الحدث، أو يحدث عمداً، أو يخرج من الصَّلاة بلا سبب، وكذلك في سائر الصلوات.
وقال أبو حنيفة: إنما يجوز له الاستخلاف إذا جاز له البناء على صلاته، كسبق الحدث؛ فإما إذا تعمد بطلت صلاةُ القومِ أيضاً، ثم إذا استخلف [فلا يخلو؛ إما أن

الجزء: 2 - الصفحة: 269

يستخلف] 40 من اقتدى به قبل حدثه، أو يستخلف غيره، فإن استخلف غيره لم يصح، ولم يكن لذلك الغير أن يصلي الجمعة.
واحتجوا عليه بأنه لا يجوز ابتداء جمعة بعد انعقاد جمعة، ولو صَحَّ منه الجمعة لكان مبتدئاً بها بعد انعقاد جمعة الإمام، والقوم بخلاف المأموم يدخل في صلاة الجمعة فإنه تابع للقوم لا مبتدئ، ثم قال إمام الحرمين: في صِحَّة ظُهْرِه خلافٌ مَبْنِيٌّ على أن الظُّهْرَ هل تصح قبل فوات الجمعة أم لا؟ إن قلنا: لا تَصِح فهل تبقى نفلاً؟ فيه قولان: فإن لم تَصَحِّح صلاتَه، واقتدى به القوم بَطَلَتْ صلاتُهم، وإن صَحَّحْنَاهَا وكان ذلك في الرَّكعَة الأولى فلا جُمُعَةَ لهم، وفي صحة الظّهر خلاف مبني على أن الظهر هل تَصِح بنية الجمعة أم لا، وإن كان في الركعة الثانية، واقتدوا به كان هذا اقتداء طارئاً على الانفراد، وفيه الخلاف البخاري في سَائِرِ الصَّلوات؛ وفيه شيء آخر وهو الاقتداء في الجمعة بمن يصلي الظّهر، أو النافلة، وقد قدمنا الخلاف فيه، وإن استخلف من اقتدى به قبل الحدث، فينظر، إن لم يحضر الخطبة ففي جواز استخلافه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحرضها ليصلي بهم لا يجوز.
وأصحهما: الجواز؟ لأنه بالاقتداء صار في حكم من سمع الخطبة، ألا ترى أنه لو لم بحدث الإمام صحت له الجمعة كالسامعين، والصَّيْدَلاَنِيُّ جعل هذا الخلاف قولين ونقل المنع عن البويطي والجواز عن أكثر الكتب، وإن كان قد حضر الخطبة أو لم يحضرها، وفرعنا على أنه يجوز استخلافه فينظر، إن استخلف من أدركه في الركعة الأولى جاز، ويتم لها الجمعة، سواء أحث الإمام في الأولى أو الثانية.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه آخر: أنه يصلي الظهر والقوم يصلون الجمعة، وإن استخلف من أدركه في الرَّكعة الثانية، فقد قال إمام الحرمين: هذا يترتب على أنه هل يجوز استخلاف من لم يسمع الخطبة؟ إن قلنا: لا يجوز، فلا يجوز استخلاف المسبوق، وإن قلنا: يجوز ففيه قولان: أحدهما: المنع؛ بناء على أنه غير مدرك للجمعة على ما سيأتي.
وأظهرهما -الذي ذكره الأكثرون-: الجواز، فإن الخليفة الذي كان مقتدياً بالإمام بمثابة الإمام، فعلى هذا القوم يصلّون الجمعة، وفي "الحلية" وجهان، رواهما صاحب "البيان".

الجزء: 2 - الصفحة: 270

أحدهما: أنه يتمها جمعة أيضاً؛ لأنه صلى ركعة من الجمعة في جماعه فيتم الجمعة كما لو صَلَّى ركعة منها، مأموماً، وكما لو أدرك الإمام في ركوع الركعة الأولى، واستخلفه الإمام في تلك الركعة يتمها جمعة، وإن لم يدرك مع الإمام ركعة.
وأصحهما: وهو المنصوص واختيار ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه لا يتم الجمعة، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة بخلاف المأموم فإنه إذا أدرك ركعة جعل تبعاً للإمام في إدراك الجمعة، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعاً للمأمومين، وبخلاف الصورة الأخرى؛ لأن هناك إدراك الإمام في وقت كانت جمعة القوم موقوفة على الإمام، وهاهنا أدركه في وقت لم تكن الجمعة موقوفة على الإمام الجواز أن يتموها فرادى، وكان ذلك الإدراك آكد وأقوى، وعلى هذا فهل يجوز ظهره؟ حكى الصيدلاني وغيره عن ابنِ سُرَيْجٍ أنه قال: يحتمل أن يكون في جواز ظهره قولان؛ لأن الجمعة لم تفت بعد وأدى الظهر مع إمكان الجمعة، وأنه كان بسبيل من أن لا يتقدم حتى يتقدم من أدرك الركعة الأولى، فتصح جمعته خلفه، وأيضاً ففي صحة الظهر بنية الجمعة إذا تعذرت اختلاف، ويحتمل أن يقال: يجوز ظهره قولاً واحداً، وهو معذور في التقدم عند إشارة الإمام، وهذا أظهر عند الأكثرين، فإن قلنا: لا يجوز ظهره فهل تنقلب صلاته نفلاً أو تبطل؟ فيه قولان: إن قلنا: تبطل فهذا مصير إلى منع استخلاف المسبوق، وهو القول الأول الذي نقلناه؛ لأن من تبطل صلاته يستحيل تقديره إماماً، وإذا جوزنا الاستخلاف والخليفة المسبوق يراعي نظم صلاة الإمام، فيجلس إذا صلى ركعة، ويتشهد، فإذا بلغ موضع السلام أشار إلى القوم، وقام إلى الركعة أخرى إن قلنا: هو مدرك للجمعة، وإلى ثَلاثٍ إن قلنا: إن صلاته ظهر، والقوم بالخيار، إن شاؤوا فارقوه وسلموا، وإن شاؤوا ثبتوا جالسين حتى يسلم بهم، ولو دخل مسبوق واقتدى به في الركعة الثَّانية التي استخلف فيها صحت له الجمعة، وإن لم تصح للخليفة حكى ذلك عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه-؛ لأنه صلَّى ركعة خلف من يراعي نظم صلاة إمام الجمعة، بخلاف الخليفة لم يصل ركعة مع إمام الجمعة، ولا خلف من يراعي نظم صلاته، قال الأئمة: وهذا تفريع على أن الجمعة خلف من يصلي الظهر صحيحة، وتصح صلاة الدين أدركوا ركعة مع الإمام الأول بكل حال؛ لأنهم وإن انفردوا بالركعة الثانية كانوا مدركين للجمعة، فلا يضر اقتداؤهم فيها لمن يصلي الظهر، أو يتنفل.
وقوله في الكتاب: (سهواً أو عمداً) لفظ (العمد) معلم بالحاء، لما تقدم.
وقوله: (من كان قد اَقتدى به في هذا التقييد) إشارة إلى أنه لا يجوز أن يستخلف غير المقتدي.
وقوله: (صح استخلافه) يجوز أن يعلم بالألف؛ لما حكينا من إحدى الروايتين عن أحمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 271

وقوله: وسمع الخطبة وإن لم يسمعها، المراد منه الحضور، ونفس السماع ليس بشرط بلا خلاف، وصرح به الأئمة.
ثم في الفصل صور تتفرع على جواز الاستخلاف.
احداها: إذا استخلف الإمام فهل يشترط استئنافه نية القدوة؟ ذكر في "التهذيب" في اشتراطه وجهين في سائر الصلوات، ولا شك في طردهما في الجمعة.
أحدهما: نعم؛ لأنهم بعد خروج الإمام من الصَّلاَة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يشترط؛ لأن الغرض من الاستخلاف إدامة الجماعة التي كانت، وتنزيل الخليفة منزلة الأول، ولهذا يراعي نَظْم صلاته، ولو استمر الإمام الأول لم يحتج القوم إلى تجديد نية، فكذلك الآن.
الثانية: لو لم يستخلف الإمام قدم القوم بالإشارة واحداً، ولو تقدم واحد بنفسه جاز أيضاً، بل تقديم القوم أولى من استخلاف الإمام، لأنهم في الصَّلاة، والإمام قد خرج منها، ولهذا قال إمام الحرمين: لو قدم القوم واحداً والإمام آخر فأظهر الاحتمالين أن من قدمة القوم أولى، وحكى المسعودي وغيره من أصحابنا عن أبي حنيفة أنه يشترط أن يكون تقدم الخليفة بإذن الإمام، وأن القوم لا يستقلون بالتقديم، وفي "مختصر الكرخي" خلاف ذلك -والله أعلم-.
الثالثة: لو لم يستخلف الإمام ولا قدَّم القوم ولا تقدم أحد فالحكم على ما ذكرنا؛ تفريعاً على القديم.
قال الأئمة: ويجب على القوم تقديم واحد إن كان خروجه من الصَّلاة في الركعة الأولى، ولم يستخلف، وإن كان في الثانية لم يجب التقديم ولهم الانفراد بها كالمسبوق، وقد حكينا في الطريقين خلافاً تفريعاً على القديم، فيتجه عليه الخلاف في الوجوب وعدمه، هذا كله إذا أحدث في أثناء الصَّلاة، أما لو أحدث بين الخطبة والصلاة، وأراد أن يستخلف غيره ليصلي بالناس إن قلنا: يجوز الاستخلاف في الصَّلاة فيجوز ذلك، إلا فلا يجوز أن يخطب واحد ويؤم آخر؛ لأن الخطبتين في الجمعة بمثابة ركعتين من الصلاة، فعلى هذا إن وسع الوقت خطب بهم آخر، وصَلَّى، وإلا صلُّوا الظهر.
ورتب بعضهم الخلاف في هذه الصورة على الخلاف في الاستخلاف في الصَّلاة، ثم أختلفوا فمنهم من جعل هذه الصورة أولى بالجواز؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصَّلاة والصلاة عبادة واحدة فيكون احتمال التعدد فيها أبعد، وعكس الشيخ أبو حامد فجعل

الجزء: 2 - الصفحة: 272

هذه الصورة أولى بالمنع؛ لأن عقد الصَّلاة قد نظم الإمام والخليفة، وهي عبادة واحدة، والخطبة والصلاة متميزتان ليس لهما عقد متحد ينظمهما، ثم إذا جوزنا فالشرط أن يكون الخليفة ممن سمع الخطبة؛ لأن من لم يسمع ليس من أهل الجمعة، ألا ترى أنه لو بادر قَوْمٌ من السامعين بعد الخطبة إلى عقد الجمعة انعقدت لهم، بخلاف غيرهم، وإنما يصير غير السامع من أهل الجمعة إذا دخل في صلاة الإمام، هكذا قاله الجمهور، وذكر صاحب "التتمة" فيه وجهين: ولو أحدث في أثناء الخطبة وشرطنا الطهارة فيها، فهل يجوز الاستخلاف؟ إن قلنا: لا يجوز في الصَّلاَةِ فَلاَ، وإن قلنا يجوز: فوجهان، حكاهما ابنُ الصَّبَّاغِ.
أصحهما: الجواز كما في الصَّلاة.
فرع: لو صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ثم فارقه بعذر أو بغير عذر، ولم تبطل صلاته جاز له أن يتمها جمعة كما لو أحدث الإمام.
فرع: لو أتم الإمام ولم يتم المأمومون فأرادوا أن يستخلفوا من يتم بهم، إن لم تجوز الاستخلاف للإمام، لم يجز لهم، وإن جوزنا فإن كان في الجمعة، بأن كانوا مسبوقين لم يجز؛ لأن الجمعة لا تنشأ بعد الجمعة، والخليفة مُنْشِئ، وإن كان في غيرها، فإن كانوا مسبوقين أو مقيمين وهو مسافر فوجهان: أظهرهما: المنع؛ لأن الجماعة قد حصلت في كمال الصلاة، وهم إذا أتموا فرادى نالوا فَضْلَها.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ إِذَا زُوحِمَ المُقْتَدِي عَنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الأُولَى فَانْتَظَرَ التَمَكُّنَ فَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِ الإِمَامِ وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَ مَعْذُوراً فِي التَّخَلُّفِ، وَإِنْ وَجَدَ الإمَامَ رَاكعاً عِنْدَ فَرَاغهِ مِنَ السُّجُودِ الْتَحَقَ بِالْمَسْبُوقِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حَتَّى تَسْقُطَ القِرَاءَةُ عَنْهُ لِلْرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ وَجَدَ الإمَامَ فَارِغاً مِنَ الرُّكُوعِ وَقُلْنَا: إنَّهُ كَالمَسْبُوقِ فَهَاهُنَا يُتَابع الإِمَامُ فِي فِعْلِهِ لَكِنْ يَقُومُ بَعْدَ سَلاَمِ الإمَامِ إلَى رَكْعَةٍ ثَانِيَة، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ كَالمَسْبُوقِ فَيَشْتَغِلُ بِتَرْتِيبِ صَلاَةِ نَفْسِهِ وَيَسْعَى خَلْفَ الإِمَامِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ.
قال الرافعي: هذا ابتداء مسألة الزحام، وهي موصوفة بالإشكال لانشعاب حالاتها وطول تفاريعها: ونحن نلخصها، ونوضح ما في الكتاب منها بحسب الإمكان.
فنقول: إذا منعته الزحمة في الجمعة عن أن يسجد على الأرض مع الإمام في الركعة الأولى، نظر إن أمكنه أن يسجد على ظهر إنسان أو رجله لزمه ذلك؛ لأنه مُتَمَكِّن من ضرب من السجود يجزئه، وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال:

الجزء: 2 - الصفحة: 273

"إِذَا زُوحِمَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ" 41. وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك يصبر ولا يسجد على ظهر الغير، ونقل المحاملي وغيره وجهاً أنه يتخير بين أن يسجد على ظَهْرِ الغير متابعةً للإمام، وبين أن يصبر ليحصل له فضيلة السجود على الأرض، والمذهب الأول، ثم قال مُعْظَمُ الأصْحَابِ: إنما يسجد على ظهر الغير إذا قدر على رعاية هيئة الساجدين، بأن كان على نشز من الأرض، والسجود على ظهره في موضع منخفض، فإن لم يكن كذلك لم يكن المأتي به سجوداً، وفي "العدة": أنه لا يضر ارتفاع الظَّهْر، والخروج عن هيئة الساجدين لمكان العذر، وقد ذكر صاحب "الإفصاح" ذلك، وإذا تمكن من السجود على ظهر الغير فلم يفعل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد: وأظهرهما: أنه تخلف بغير عذر.
والثاني: أنه تخلف بالعذر، وقد سبق حكم القسمين، أما إذا لم يمكنه أن يسجد على الأرض ولا على ظهر الغير، فلو خرج عن المتابعة لهذا العذر، وأراد أن يتمها ظهراً، هل يصح؟ فيه قولان؛ لأنه ظُهْرٌ قبل فوات الجمعة، وسيأتي الخلاف فيه، قال الإمام: ويظهر عندي منعه من الانفراد؛ لأن إقامة الجمعة واجبةٌ، والخروج عنها قصداً مع توقع إدراكها لا وجه له، فإذا دام على المتابعة فما الذي يفعل: ذكر في "النهاية": أن شيخه حكى فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يومئ بالسجود أقصى ما يمكنه كالمريض لمكان العذر.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه ينتظر التمكن، ولا يومئ لقدرته على السجود، وندور هذا العذر وعدم دوامه.
والثالث: أن يتخير بينهما، وهذه الوجوه كالوجوه في المغازي أنه يقعد ويومئ، أو يقوم ويتم الأركان، أو يتخير بينهما، وإذا فرعنا على الصحيح، وهو أنه ينتظر، فلا يخلو إما أن يتمكن من السجود قبل ركوع الإمام في الثانية، أو لا يتمكن إلى ركوعه فيها، فأما في القسم الأول فيسجد كما تمكن، ثم إذا فرغ فللإمام أحوال أربعة: إحداها: أن يكون بعد في القيام فيفتتح القراءة، فإن أتمها ركع معه، وجرى على متابعته، ولا بأس بما وقع من التخلف للعذر كما في صلاة عسفان يسجد الحارسون بعد قيام الإمام إلى الثانية للعذر، كما سيأتي في صلاة الخوف، وإن ركع الإمام قبل أن ينسها، فيبنى حكمه على وجهين نذكرهما في أنه هل يلتحق بالمسبوق أم لا؟ وقد بَيَّنَّا

الجزء: 2 - الصفحة: 274

حكم المسبوق وغيره في ذلك في صلاة الجماعة 42. الثانية: أن يكون في الركوع، ففيه وجهان: أصحهما: عند الجمهور أنه يدع القراءة ويركع معه؛ لأنه لم يدرك محلها فسقطت عنه كالمسبوق.
والثاني -وهو اختيار القفال وجماعة-: أنه لا يدعها، ولا تسقط عنه؛ لأنه مؤتم بالإمام في حال قراءته، فلزمته بخلاف المسبوق، فعلى هذا يقرأ ويسعى خلف الإمام، وهو متخلف بالعذر.
الثالثة: أن يكون فارغاً من الركوع، لكنه بَعُد في الصلاة؛ فإن قلنا: في الصورة السابقة: إنه كالمسبوق فيتابع الإمام فيما هو فيه، ولا يكون محسوباً له، بل يقوم عند سلام الإمام إلى ركعة ثانية، وإن قلنا: ليس كالمسبوق فيشتغل بترتيب صلاة نفسه، وحكى في "النهاية" طريقة أخرى أنه ليس له في هذه الصورة إلا متابعة الإمام.
الرابعة: لو وجد الإمام متحللاً من صلاته، لا يكون مدركاً للجمعة، فإن الإمام قد خرج من الصَّلاة قبل أن تتم له ركعة، بخلاف ما إذا رفع رأسه من السجود وسلم الإمام في الحال، قال إمام الحرمين: وإذا جوزنا له التخلف، وأمرناه بالجريان على ترتيب صلاة نفسه فالوجه أن يقتصر على الفرائض، فعساه يدرك الإمام، ويحتمل أن يجوز له الإتيان بالسنن مع الاقتصار على الوسط منها، وهذه الأحوال مذكورة في الكتاب سوى الرابعة منها، وإنما تكلم في الصورة التي يقع فيها هذه الأحوال، وهي أن تمنعه الزحمة من مطلق السجود دون أن تمنعه من السجود على الأرض، خاصة وقوله: (وقلنا: إنه كالمسبوق فهاهنا يتابع الإمام) يجوز إعلامه بالواو للطريقة التي حكاها الإمام أنه يتابع بلا خلاف.
قال الغزالي: أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى رَكَعَ الإمَامُ فَقَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا) يَرْكَعُ مَعَهُ وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ إِما مُلَفَّقَةٌ مِنْ هذَا السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ الأَوَّلِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَإِمَّا مَنْظُومَةٌ مِنْ هذَا الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالمُلَفَّقَةِ، فَهَلْ تَصْلُحُ لِإدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ خَالَفَ أَمْرَنَا وَلَمْ يَرْكَعْ مَعَ الإِمَامِ لَكنْ سَجَدَ بَطُلَت صَلاَتهُ إلاَّ إِذَا كَانَ جَاهِلاً فَيُجْعَلُ كأَنْ لَمْ يَسْجُدْ، وَيَنْظُرُ بَعْدُ فَإِنْ رَاعَى تَرْتِيبَ صَلاَةِ نَفْسِهِ فَإِذَا سَجَدَ فِي رَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ فِيهَا نُقْصَانُ التَّلْفِيقِ وَنُقْصَانُ

الجزء: 2 - الصفحة: 275

القُدْوَةِ الحُكْمِيَّةِ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي لِلْإِمَامِ، وَهَلْ تَصْلُحُ الحُكْمِيَّةُ لإدْرَاكِ الجُمُعَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا إِذَا تَابَعَ الإمَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سُجُودِهِ الَّذِي سَهَا بِهِ فَقَدْ سَجَدَ مَعَ الإمَامِ حِسًّا وَتَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ.
قال الرافعي: القسم الثاني: أن لا يتمكن من السجود حتى يركع الإمام في الثَّانية، وفيما يفعل والحالة هذه؟ قولان: أصحهما -وبه قال مالك وأحمد، واختاره القَفَّالُ-: أنه يتابعه فيركع معه لظاهر قوله: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا" 43 ولأنه أدرك الإمام في الركوع فيركع معه كالمسبوق.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة-: لا يركع معه بل يراعى ترتيب [صلاة نفسه] 44 فيسجد لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا" 45. وقد سجد الإمام في الأولى فليسجد هو امتثالاً للأمر، ولأنه لو ركع لكان موالياً بين ركوعيه في ركعة واحدة، قال الرُّوَيانِيُّ: وهذا أصح.
التفريع: إن قلنا بالأول فإما أن يوافق ما أمرناه به، أو يخالف.
الحالة الأولى: أن يوافق فيركع فأي الركوعين يحسب له، فيه وجهان، وقيل: قولان.
أحدهما: الأول؛ لأنه أتى به في وقت الاعتداد بالركوع، وإنما أتى بالثاني لِعُذْرٍ، وهو موافقة الإمام، فأشْبَه ما لو وإلى بين ركوعين نَاسِياً.
والثاني: المحسوب الثاني؛ لأن المدة قد طالت وأفرط التخلف، فكأنه مسبوق لحق الآن فيحسب له الركوع وما بعده، ويلغى ما سبق، وذكروا أن منشأ هذا الخلاف التردد في تفسير لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فإنه قال على هذا القول: "فيركع معه في الثَّانية وتسقط الأخرى" فَمِنْ قَائِل: أراد بالأخرى الأخيرة، ومِن قَائِلٍ: أراد الأولى، قالوا: والأول أَصَحُّ، والثَّاني أَشْبَهُ بِكَلاَمِهِ.
وقوله في الكتاب: "إما ملفقة إلى آخره وإما منظومة من هذا الركوع والسجود" أي: على هذا الوجه الثاني، فإن قلنا: بالوجه الثاني أجزأته الركعة الثانية من الجمعة، فيضم إليها أخرى عند سلام الإمام، وإن قلنا: بالأول فالحاصل ركعة ملفقة من هذا السجود، وذلك الركوع، وفي إدراك الجمعة بها وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 276

أحدهما- وبه قال ابْنُ أَبِي هُرَيرَة-: لا يدرك لنقصانها بالتلفيق، ومن شرط الجمعة وإدراكها استجماع صِفَة الكَمَال.
وأصحهما -وبه قال أبو إسحاق-: تدرك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ الْجُمعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى" 46. والتلفيق ليس بنقص في حق المعذور، وإن كان نقصاً فهو غير مانع، ألا ترى أنا إذا أحتسبنا بالركوع الثاني حكمنا بإدراك الجمعة بلا خلاف مع حصول التلفيق بين هذا الركوع وذلك التحرم.
الحالة الثانية: أن يخالف ما أمرنا فلا يركع معه، ويسجد جرياً على ترتيب صلاته فإما أن يفعل ذلك عالماً بأن واجبه المتابعة، أو يفعله ناسياً، أو معتقداً أن الواجب عليه رعاية ترتيبه، فإن فعله عالماً ولم ينوِ مفارقة الإمام بطلت صلاته، وعليه التحرم بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع، وإن نوى مفارقته فقد أخرج نفسه عن صلاة الإمام بغير عذر، وفي بطلان الصَّلاة به قولان سَبَقَا، فإن لم تَبْطُل لم تصح جمعته، وفي صِحَّة الظهر خلاف مبني على أن الجمعة إذا تعذر إتمامها هل يجوز إتمامها ظهراً؟ وعلى أن الظهر هل تصح قبل فوات الجمعة؟ وسيأتي ذلك.
وقوله: "تبطل صلاته إلا إذا كان جاهلاً" ينبغي أن يُعْلَمَ فيه أن الاستثناء لا ينحصر في الجاهل، بل الناسي في معناه، وقوله: (بطلت صلاتُه) إن أراد ما إذا لم ينو المفارقة واستدام نيته الأولى فذاك، وإن أراد إطلاق الحكم نوى المفارقة أم لا؟ فيحتاج إلى الإعلام بالواو، وأما إذا فعله جاهلاً أو ناسياً، فما أتى به من السجود لا يعتد به، ولا تبطل الصَّلاة، ثم إذا فرغ والإمام راكِعٌ بعد بأن خفف سجوده، وطوَّل الإمام فعليه متابعته، فإن تابعه وركع معه فالتفريع كما سبق لو لم يسجد، وإن لم يركع معه أو كان الإمام قد فرغ من الركوع، فينظر: إن راعى ترتيب صلاة نفسه، بأن قام بعد السجدتين وقرأ وركع وسجد، فقد قال حُجَّةُ الإسلام -قدَّس الله روحه- هاهنا وفي "الوسيط": تتم له ركعتان بهما لكن فيها نقصانان: أحدهما: نقصان التلفيق، فإن ركوعها من الأولى وسجودها من الثانية، وفيها الخلاف المذكور.
والثاني: نقصان القدوة الحكمية، وبين في "النهاية" معناه فقال: إن المزحوم لم يسجد على متابعة الإمام والاقتداء به حقيقة وحِسًّا، وإنما سجد متخلفاً عنه، إلا أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 277

معذور فسحبوا حكم القدوة عليه، وقالوا: إن لم يفرط التخلف بأن سجد قبل ركوع الإمام ألحق اقتداؤه بالاقتداء الحقيقي، وجعل مدركاً للجمعة كما تقدم، فإما إذا سجد بعد ركوعه، فقد أفرط التخلف وانتهى الإمام إلى آخر ما به يدرك المسبوق الجمعة، فالمتم ركعته معرضاً عن الاقتداء به حقيقة، هل يكون مدركاً للجمعة؟ فيه وجهان: وأصحهما: نعم، ويقرب توجيههما مما ذكرنا في الملفقة وقد عرفت مما ذكرنا أنه إلى ماذا أشار بقوله: "لوقوعها بعد الركوع الثاني للإمام" وأن الخلاف ليس في مطلق الحكمية، فإن السجود في حال قيام الإمام ليس على حقيقة المتابعة، ولا خلاف في إدراك الجمعة به ثم اعرف شيئين: أحدهما: أنه أطلق الحكم باحتساب سجدتيه في الثانية، وتمام الركعة بهما، ثم نقل التردد في إدراك الجمعة بها، ولا شك في أن هذا التردد مخصوص بما إذا وقعتا قبل سلام الإمام، فإما إذا وقعتا أو شيء منهما بعد سلام الإمام فقد نصوا على أنه لا يكون مدركاً للجمعة، على أن في أصل الاحتساب إذا وقعتا قبل سلام الإمام إشكالاً؛ لأنا على القول الذي عليه التفريع، نأمره بالمتابعة بكل حال، فكما لا يحسب له السجود والإمام راكع؛ لأن فرضه المتابعة وجب أن لا يحسب له والإمام في ركن بعد الركوع، والمفهوم من كلام الأكثرين هذا، وهو عدم الاحتساب بشيء مما يأتي به على سبيل المتابعة، فإذا سلم الإمام سَجَدَ سجدتين لِتَمَامِ الركعة، ولا يكون مدركاً للجمعة.
نعم، صرح الصيدلاني باحتساب السجدتين، وبنقل الوجهين في إدراك الجمعة بها، كما ذكره في الكتاب والله أعلم.
الثاني: أنه زِيدَ في بعض النُّسَخِ بعد قوله: (فيجعل "كأنه لم يسجد") ثم إن أدرك الإمام راكعاً، عاد التفريع كما مضى، وإن فات الركوع ينظر بعده، فإن راعى وهكذا هو في "الوسيط" وليس في بعضها هذه الزيادة، والأمر فيها قريب، وعلى الأول فليس التفصيل المرتب على قوله: (فإن فات الركوع) مخصوصاً بما إذا فات الركوع عند فراغ المزحوم من السجود، بل لو كان الإمام في الركوع بعد، لكنه جرى على ترتيب صلاته، كان الحكم كما لو فات إلا أن يطيل الإمام ركوعه، فيكون بعد فيها حين سجد المزحوم في الثانية، فلا يعتد به، هذا كله فيما إذا جرى على ترتيب صلاته بعد فراغه من سجدتيه اللتين لم يعتد بهما، فأما إذا فرغ منهما، والإمام ساجد، فاتفق له متابعته في السجدتين، فهذا هو الذي نأمره به، والحالة هذه تفريعاً على هذا القول، فيحسبان له، ويكون الْحَاصِل ركعة ملفقة.
وأما النقصان الآخر فهو: مفقود هاهنا؛ لأنه سجد مع الإمام حِسًّا.
وقوله: (بعد سجوده الذي سها به) أي جهل حكمه فإنه بمثابة السهو، وإن وجده

الجزء: 2 - الصفحة: 278

جالساً للتشهد وافقه، فإذا سَلَّم سجد سجدتين لتتم له الركعة، ولا جُمُعَة له؛ لأنه لم يتم له الركعة والإمام في الصَّلاة، وكذلك يفعل لو وجده قد سلم حين فرغ من سجدتيه.
قال الغزالي: (وَالقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ لاَ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ بَلْ يُرَاعيِ تَرْتِيبَ صَلاَة نَفْسِهِ، فَإِنْ خَالَفَ مَعَ العِلْمِ وَرَكعَ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً لَمْ تَبْطُلْ، وَحَصَلَ لَهُ بِسُجُودِهِ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَنَا وَسَجَدَ فَسُجُودُهُ وَاقِعٌ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ فَفِي الإِدْرَاكِ بِهَا وَجْهَانِ، فَعَلَى هذَا للإِمَامِ حَالَتَانِ عِنْدَ فَرَاغهِ مِنَ السُّجُودِ، فَإِنْ كانَ فَارِغاً مِنَ الرُّكُوعِ فَيَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ صَلاة نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَانَ كَالمَسْبُوقِ، وَإلاَّ جَرِيَ عَلَى تَرْتِيبِ صَلاَةِ نَفْسِهِ.
قال الرافعي: ذكرنا أصل هذا القول وتوجهه مع الأول، وأما التفريغ: فإنه لا يخلو إما أن يوافق ما أمرناه به وهو رعاية ترتيبه أو يخالف.
إحدى الحالتين: أن يخالف أمرنا ويركع مع الإمام، فإن كان عامداً بطلت صلاتُه، وعليه أن يبتدئ [الإحرام] 47 بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الرّكوع، وإن كان ناسياً أو جاهلاً يعتقد أن الواجب عليه الركوع مع الإمام فلا يعتد بركوعه، ولا تبطل صلاته فإذا سجد معه بعد الركوع فهل تحسب له السجدتان؟ المشهور أنهما يحسبان له، لأنا أمرناه بالسجود على هذا القول، فقدَّم عليه شيئاً غيرَ معتد به، ولا مفيد، فإذا انتهى إليه، وجب أن يقع عن [المأموم] 48 وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: (وحصلت له بسجوده مع الإمام ركعة ملفقة) وحكي الشيخ أبو محمد -رحمه الله- في السلسلة وجهاً آخر، أنه لا يعتد بهما [لأنه أتى بهما] 49 على قصد الثَّانية، فلا يقع عن أولاه كما لو نَسِيَ سجدة من صلب الصَّلاة، ثم سجد لتلاوة أو سهو لا يقوم مقامها، فإن قلنا بالأول، فالحاصل ركعةٌ ملفقة، وفي الإدراك بها ما سبق من الخلاف.
الحاله الثانية: أن يوافق ما أمرناه به، فيسجد، فهذه القدوة حكمية لوقوع السجود بعد الركوع الثاني للإمام، وفي إدراك الجمعة بها الوجهان السَّابِقَان، وهما مشهوران في هذا الموضع في كلام الأصحاب، ثم إذا فرغ من السجود فللإمام حالتان: إحداهما: أن يكون فارغاً من الركوع إما في السجود أو في التشهد، ففيه وجهان: أحدهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجري على ترتيب صلاة نفسه، فيقوم

الجزء: 2 - الصفحة: 279

ويقرأ ويركع؛ لأنا أمرناه بذلك حالة ركوِع الإمام، مع أنه الركن الذي يتعلق به إدراك المسبوق، فلأن نأمره به بعد مجاوزته كان أولى.
والثاني: أنه يلزمه متابعة الإمام فيما هو فيه، فإذا سلم الإمام اشتغل بتدارك ما عليه؛ لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به، فصار كالمسبوق يدرك الإمام ساجدًا أو متشهدًا، بخلاف الركعة الأولى، فإنه أدرك منها القيام والركوع، فلزمه إتمامها ويشبه أن يكون هذا الوجه أظهر في المذهب؛ لأن كثيراً من أصحابنا لم يوردوا سواه، منهم جماعة من العراقيين والشيخ أبو محمد، ونقل ابن الصباغ وصاحب "المهذب" الوجهين، وقالا: الأصح، هو الثاني، وعلى هذا الثاني.
قال الشيخ أبو محمد: لو كان الإمام عند فراغه من السجود قد هوى للسجدتين فتابعه، فقد والى بين أربع سجدات، فالمحسوب لتمام الركعة الأولى الأوليان أم الأخريان؟ فيه وجه كما سبق في الركوعين: أقربهما إلى الصَّواب: احتساب الأوليين، وعلى الوجه الثاني يعود الخلاف المذكور في الركعة الملفقة.
والثانية: أن يكون الإمام راكعاً بعد، فهل عليه متابعته وتسقط عنه القراءة كالمسبوق أو يشتغل بترتيب صلاة نفسه فيقرأ؟ فيه وجهان كما ذكرنا تفريعاً على القول الأول، فعلى الأول يسلم معهم ويتم جمعته، وعلى الثاني يقرأ ويسعى ليلحقه، وهو مدرك للجمعة أيضاً.
وقوله: في أول القول الثاني: "لا يركع معه" معلّم بالميم والألف، وقوله في أول القول الأول: "يركع معه" بالحاء؛ لما قدمناه، ويجوز أن يعلم كلاهما بالزَّاي؛ لأن الأصحاب اختلفوا في اختيار المزني ومذهبه من القولين، فعن ابن سُرَيْجٍ واَبْنِ خَيْرَان أن اختياره القول الثاني، وعن أبي إسحاق أن اختياره القول الأول، ولهذا الاختلاف شرح ليس هذا موضعه، ولعلك تقول قوله: "فعلى هذا للإمام حالتان" تفريقع وترتيب، فعلى ماذا رتبه، والمذكور قبله، وجهان مرسلان في أن القدورة الحكمية، هل تفيد إدراك الجمعة؟ والجواب: أنه أراد الترتيب على قولنا: أن القدوة الحكمية تصلح للإدراك، وقد بين ذلك في "الوسيط"، لكن إيراد المعظم يدل على أن كلام الحالتين لا يختص بالتفريع على أحد الوجهين، بل هو شامل لهما وإنما يختلفان في القدر الذي يتداركه، هذا تمام الكلام فيما إذا لم يتمكن المزحوم في السجود حتى ركع الإمام في الثانية، ولو لم يتمكن منه حتى سجد الإمام في الثانية فيتابعه في السجود قولاً واحداً، والحاصل ركعة مُلَفَّقَة، وإن قلنا: الواجب متابعة الإمام، وغير ملفقة إن قلنا: الواجب عليه رعاية ترتيب صلاته ذكره في "التهذيب"، ولو لم يتمكن منه حتى تشهد الإمام قال في

الجزء: 2 - الصفحة: 280

"التتمة": يسجد، ثم إن أدرك الإمام قبل الكلام فقد أدرك الجمعة، وإلا فلا 50 ولو كان الزحام في سجود الركعة الثانية وقد صلى الأولى مع الإمام فيسجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده، وجمعته صحيحة، وإن كان مسبوقاً لحقه في الثانية، فإن تمكن قبل سلام الإمام سجد، وقد أدرك ركعته، وإن لم يتمكن حتى سلم الإمام، فلا جمعة له، ولو زحم عن ركوع الركعة الأولى حتى ركع الإمام في الثَّانية يركع معه، قال الأكثرون: يعتد له بالركعة الثَّانية، وتسقط الأولى، ومنهم من قال: الحاصل ركعة ملفقة.
قال الغزالي: وَمَهْمَا حَكَمْنَا بِأنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الجُمُعَةَ فَهَلْ تَنْقَلِبُ صَلاتُهُ ظُهْراً؟ فيه قَوْلاَنِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الجُمُعَةَ قِي ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ هِيَ صَلاةٌ علَى حِيَالِهَا 51 فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تَنْقَلِبُ ظُهْرًا فَهَلْ تَبْقَى نَفْلاً؟ يُبْنَى عَلَى القَوْلَيْنِ فِي المُتَحَرِّمِ بِالظُّهرِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قال الرافعي: إذا عرضت حالة في الصلاة تمنع من وقوعها جمعة في صورة الزّحام وغيرهما، فهل يتم صلاته ظُهْراً؟ فيه قولان يتعلقان بأصل، وهو أن الجمعة ظهر مقصورة أو هي صلاة على حالها؟ وقد اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في فروع تقتضي اختلافه في هذا الأصل.
أحدهما: أنها ظهر مقصورة؛ لأن وقتها وقت الظهر، ولكن وجب القصر فيها عند تمام شروطها.
والثاني: أنهما صلاة على حيالها، ألا ترى أنه لا يجوز فعلها في سائر الأيام، ولا يجوز فعل الظهر في هذا اليوم.
فإن قلنا: إنها ظهر مقصورة، فإذا فات بعض شرائط الجمعة أتمها ظهراً كالمسافر إذا فات شروط قصره.
وإن قلنا: إنها فرض آخر فهل يتم، فيه وجهان مذكوران في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: لا؛ لأنه شرع فيها بنية الجمعة.
والثاني: نعم؛ لأنهما فرضُ وقتٍ وَاحِدٍ.
وقوله في الكتاب: (فهل تنقلب صلاته ظهراً؟) يشعر بأن الخلاف في انقلابه بنفسه، وفي "النهاية" حكاية وجهين 52 في ذلك على قولنا: أنه تتم صلاته ظهراً.

الجزء: 2 - الصفحة: 281

أحدهما: [أنها] 53 تنقلب ظهراً من غير قصدٍ منه؛ لأنا إذا جعلناها ظُهْراً مقصورة، فمتى بطل القصر ثبت الإتمام.
والثاني: أن الشرط أن يقلبهما ظهراً بقصده؛ لأن بين الجمعة والظهر تغايراً في الجملة ليس بين القصر والإتمام، فلا بد من قصد البناء، والظاهر من الخلاف في المسألة أن له أن يتمها ظُهْراً، وإذا قلنا: لا يتمها ظهراً فهل تبقى صلاته نفلاً أم تبطل من أصلها؟ فيه القولان السابقان فيما إذا تحرم بالظُّهرِ قبل الزوال ونظائرها؛ ثم قال إمام الحرمين: قول البطلان لا ينتظم تفريعه إذا أمرناه في صورة الزحام بشيء فوافق أمرنا؛ لأن الأمر بالشيء والحكم ببطلانه ورفعه آخراً محال، فليكن ذلك مخصوصاً بما إذا أمرناه بشيء، فخالف، وحيث أطلق الأئمة ترتيب الخلاف وتنزيله فهو محمول على هذا.
قال الغزالي: وَالنِّسْيَانُ هَل يَكُونُ عُذْراً كَالزِّحامِ؟ فيه وَجْهَانِ.
قال الرافعي: التخلف بالنسيان هل هو كالتخلف بالزحام؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لمكان العذر.
والثاني: لا؛ لأنه نادر، ولأنه مفرط إذ هو بسبيل من إدامة الذِّكْرِ، هكذا أطلق جماعة نقل الوجهين منهم المصنِّف، والمفهوم من كلام الأكثرين أن في ذلك تفصيلاً: إن تأخر سجوده عن سجدتي الإمام ثم سجد في حال قيام الإمام فالحكم كما ذكرناه في الزحام، وكذلك لو تأخر لمرضٍ لشمول العذر، وعدم إفراط التخلف، وإن بقي ذاهلاً عن السجود حتى ركع الإمام في الثانية ثم تنبه فهاهنا خلاف، منهم من قال: فيه القولان في المزحوم: أحدهما: يركع معه.
والثاني: يجري على ترتيب صلاة نفسه، وبهذا قال القاضي أبو حامد، ومنهم من قال: يتبعه قولاً واحداً؛ لأنه مُقَصِّر بالنِّسْيَانِ، فلا يجوز له ترك المتابعة، وهذا أظهر عند القاضي الروياني.
خاتمة: الزحام كما يفرض في صلاة الجمعة، يفرض في سائر الصلوات وإنما يذكر في الجمعة خاصة؛ لأن الزحمة فيها أكثر، ولأنها يجتمع فيها وجوه من الإشكال لا تجري في غيرها مثل التردد في أن الركعة الملَفَّقَة هل تدرك بها الجمعة؟ وكذا التردد في القدوة الحكمية، والتردد في أن المبنية على أن الجمعة ظهر مقصورة، ولأن

الجزء: 2 - الصفحة: 282

الجماعة شرط فيها ولا سبيل إلى المفارقة ما دام يتوقع إدراك الجمعة بخلاف سائر الصلوات.
إذا عرفت ذلك، فإذا فرض الزَّحمة في سائر الصلوات وامتنع عليه السجود في الأولى حتى يركع الإمام في الثانية اطرد فيه القولان، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ طريقتين أخريين: إحداهما: أنه يركع معه بلا خلاف.
والثاني: أنه يراعي ترتيب صلاته بلا خلاف.
قال الغزالي: الشَّرْطُ السَّادِسُ: الخُطْبَةُ، وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ: (ح)، الحَمْدُ لِلَّهِ وَيتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ، وَالصَّلاة عَلَى رَسُولِ اللهِ ويَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلاَةِ، وَالوصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا إِذْ غرَضُهُ الوَعْظُ، وَأَقَلُّهَا أَطِيعُوا اللهَ، والدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَقَلُّهُ رَحِمَكُمُ اللهُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ، وَأَقَلُّهَا آَيَةٌ، وَالدُّعَاءُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الثَّانِيَةِ، وَالقِرَاءَةُ تَخْتَصُّ بِالأُولَى عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَالتَّحْمِيدُ وَالصَّلاَةُ وَالوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الخُطْبَتَيْنِ.
قال الرافعي: من شرائط الجمعة تقدم خطبتين "لِأَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ إِلاَّ بِخُطْبَتَيْنِ" 54 وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي" 55 وروي عن عمر -رضي الله عنه- وغيره "أن الصَّلاَةَ إِنَّمَا قُصِرَت لِلْخُطْبَةِ" 56. والكلام في واجبات الخطبة وسننها.
أما الواجبات: فقد جعلها قسمين: الأركان والشرائط، وعد الأركان خمسة: أحدها: حمد الله تعالى لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَمِدَ اللهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ" 57، ويتعين لفظ الحمد اتباعا لما درجوا عليه من عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى عصرنا هذا.
والثاني: الصَّلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان والصَّلاة، ويتعين لفظ الصلاة كما ذكرنا في الحمد،

الجزء: 2 - الصفحة: 283

وحكى في "النهاية" عن كلام بعض الأصحاب ما يوهم أنهما لا يتعينان، ولم ينقله وجهاً مجزوماً به.
والثالث: الوصية بالتقوى لِأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "وَاظَبَ عَلَيْهَا فِي خُطْبَتِهِ" 58. ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، فلا يجوز الإخلال به، وهل يتعين لفظ الوصية؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كالحمد لله والصلاة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب لا؛ لأن غرضها الوعظ فبأي لفظ وَعظ حَصَل الغَرَضُ، وقد روي هذا عن نصه في "الإملاء" قال الإمام: ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، فإن ذلك قد يتواصى به المنكرون للمعادِ أيضاً، بل لا بد من الحمل على طاعة الله تعالى وحده، والمنع من المعاصي، ولا يجب في المَوْعِظَةِ فَصْلٌ وكلامٌ طويلٌ، بل لو قال: أطيعوا الله كفاه، وأبدى الإمام احتمالاً فيه، وقال: الغرض استعطاف القلوب، وتنبيه الغافلين ولا يحصل ذلك إلا بفصل يهز ويستحث، وعلى ذلك جرى الأولون، واللائَّق بمذهب الشافعي -رضي الله عنه- الاتباع، ولا تردد في كلمتي الحمد والصلاة أنهما كافيتان، ثم هذه الأركان الثلاثة لا بد منها في الخطبتين جميعاً، وحكى الحناطي وجهاً غريباً أنه لو صلَّى على النبي -صلى الله عليه وسلم- في إحداهما جاز، فيجوز أن يُعَلَّم لذلك لفظ (الصلاة) في قوله: "والتحميد والصلاة والوصية واجبة في الخطبتين" بالواو.
والرابع: الدُّعَاءُ للمؤمنين ركنٌ في ظاهر المذهب اتباعاً، وفيه أوجه أُخَر أنه لا يجب في غير الخطبة كالتسبيح، وكلام صاحب "التلخيص" يوافق هذا الوجه، ويحكى عن نصه في "الإملاء" أيضاً، وإذا قلنا بالأول فهو مخصوص بالثَّانية فإن الدعاء يَلِيقُ بحالة الاختتام، ولو دعا في الأول لم يحسب عن الثانية، ويكفي ما يقع عليه الاَسم قال الإمام: وأرى أنه يجب أن يكون متعلقاً بأمور الآخرة غير مقتصرٍ على أوطار الدُّنيا، وأنه لا بأس بتخصيصه بالسّامعين بأن يقول: رحمكم الله.
الخامس: قراءة القرآن، وهي من الأركان.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقْرَأُ آيَاتٍ وَيَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى" 59، ونقل قول عن "الإملاء": أنها ليست من الأركان، وإنما هي من المستحبات وقد يحكى المذهبان على وجهين عن أبي إسحاق المروزي فإن قلنا بالمشهور، وهو أنها ركن فقد قال الأصحاب: أقله آية،

الجزء: 2 - الصفحة: 284

ويحكى ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، ولا فرق بين أن يكون مضمونها وَعْداً أو وعيداً أو حكماً أو قصة، قال الإمام: ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة، ولا شك أنه لو قال: "ثُمَّ نَظَرَ" 60 لم يكف وإن عد آية بل يعتبر أن تكون مفهمة، واختلفوا في محلها على ثلاثة أوجه: أظهرها -وينقل عن نصه في الأمِّ-: أنها تجب في إحداهما لا بعينها؛ لأن المنقول أنه كان يقرأ في الخطبة وهذا القدر لا يوجب كون القراءة فيهما ولا في واحدة على التعيين.
والثاني: أنها تجب فيهما؛ لأنها ركن فأشبهت الثلاثة الأول.
والثالث: أنها تختص بالأولى في مقابلة الدعاء المختص بالثانية، وهذا ظاهر لفظه في "المختصر".
وقوله في الكتاب: (والقراءة تختص بالأولى على أحد الوجهين) تعرض لهذا الوجه الثالث، ويمكن إدراج الوجهين الآخرين في مقابله بأن يقال: والثاني لا يختصِ، وعلى هذا تجب فيهما أو تجب في واحدة لا على التعيين، فيه وجهان.
"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْخُطْبَةِ سُورَةَ (ق)، رُوِيَ ذلِكَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-" 61 وإن قرأ آية سجدة نَزَلَ وَسَجَدَ، فإن كان المنبر عالياً لو نزل لطال الفصل، ففيه الخلاف المذكور في اشتراط الموالاة، ولا تداخل في الأركان المذكورة، حتى لو قرأ آية فيها موعظة، وقصد إيقاعها عن الجهتين، لم يجز، ولا يجوز أن يأتي بآيات تشتمل على الأركان المطلوبة فإن ذلك لا يسمى خطبة، ولو أتى ببعضها في ضمن آية لم يمتنع.
وقوله في الكتاب: (وأركانها خمسة) معلم بالواو للخلاف المذكور في القراءة والدعاء، وبالحاء؛ لأن عنده يكفيه أن يقول: الْحَمْدُ للهِ، أو لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أو نحوهما، وبالميم؛ لأنه روي عن مالك مثل مذهب أبي حنيفة، وروي أنه قال: لا يجزئه إلا ما سمته العرب خطبة، ويجوز أن يعلم كل واحد من الأركان بعلامتها؛ لما ذكرنا، وكذا الحكم بتعين الحمد لله والصلاة، ولك أن تبحث في شيئين من قوله: (ويتعين هذه اللفظة) وقوله: (يتعين لفظ الصلاة): أحدهما: أن الحكم بتعين اللفظين يقتضي عدم إجزائهما بغير العربية، فهل هو كذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 285

والجواب: أنَّ في اشتراط كون الخطبة كلها بالعربية وجهين.
أصحهما: أنه شرط اتباعاً لما جرى عليه النَّاس.
والثاني: ذكره في "التتمة" مع الأول: أنه لا يشترط اعتباراً بالمعنى، فعلى الصَّحيح لو لم يكن فيهم من يحسن العربية خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، كالعاجز عن التكبير بالعربية عليه التعَلم، فلو مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلموا عصوا، وليس لهم الجمعة.
الثاني: لم قال في الحمد لله: (وتتعين هذه اللفظة) ولم يقل مثل ذلك في الصلاة على رسول الله، ولكن خَصَّ التعيين بالصلاة؟ والجواب: إنما لم يقل في الصَّلاة، وتتعين هذه اللفظة؛ لأنه لو قال: والصلاة على محمد، أو على النبي جاز ولا يشترط التعرض للفظ الرسول.
وقوله في الحمد: (وتتعين هذه اللفظة) مقتضاة أنه لو قال: الحمد للرحمن أو الرحيم، لا يجزئه، وذلك مما لا يبعد كما في كلمة التكبير، لكن لم أره مسطوراً، فأما أن قوله: "والصلاة على النبي مجزئ فلا شك فيه"، وهو لفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر".
قال الغزالي: وَشَرَائِطُهَا سِتٌّ، الوَقْتُ وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّلاَة بِخِلاَفِ صلاَةِ العِيدَيْنِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ مَعَ الطَّمَأْنِينَةِ، وَفِي طَهَارَةِ الخَبَثِ والحَدَثِ وَالمُوَالاَةِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: لما فرغ من الأركان اشتغل بذكر الشرائط وعدها سِتًّا، وهذا الفصل يشتمل على خمس منها: إحداها: الوقت، وهو ما بعد الزَّوال، فلا يجوز تقديم الخطبتين، ولا شيء منهما عليه خلافاً لأحمد حيث قال: يجوز كما حكينا عنه في نفس الصلاة، ولمالك حيث جوز تقديم الخطبة على الزوال وإن لم يجز تقديم الصلاة.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَخْطُبُ يَومَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ" 62. ولو جاز التقديم لقدمها تخفيفاً على المبكرين، وإيقاعاً للصلاة في أول الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 286

الثانية: تقديم الخطبتين على الصَّلاة بخلاف صلاة العيد تقدم على الخطبتين؛ لأن النقل هكذا ثبت في الطرفين، ثم فرقوا من وجهين: أحدهما: أن خطبة الجمعة واجبة، فقدمت ليحتبس الناس في انتظار الصلاة فيستمعوها ولا ينتشروا، وخطبة العيد غير واجبة، ولو انتشروا عنها لم يقدح.
والثاني: أن الجمعة لا تؤدي إلا جماعة، فقدمت الخطبة عليها ليمتد الوقت، ويلتحق النَّاس، وصلاة العيد تؤدي من غير جماعة.
الثالثة: القيام فيها عند القدرة، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لا يشترط ذلك، ويجوز القعود مع القدرة.
لنا: "أَن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يَخْطُبُوا إِلاَّ قِيَاماً" 63. ولأنه ذِكْرٌ يختص بالصَّلاة ليس من شرطه القعود، فكان من شرطه القيام كالقراءة والتكبير، فإن عجز "عن القيام فالأولى أن ينيب غيره، ولو لم يفعل وخطب قاعداً أو مضطجعاً جاز كما في الصَّلاة، ويجوز الاقتداء به، سواء قال: لا أستطيع القيام أو سكت، فإن الظاهر أنه إنما قعد لعجزه، فإن بان أنه كان قادراً فهو كما لو بان الإمام جنباً.
وقوله: (القيام فيها) معلم بالحاء والألف؛ لما حكيناه من مذهبهما، ويجوز إعلامه بالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد حكى عن مالك مثل مذهبهما، بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى عن بعض أصحابنا وَجْهًا، أنه لو خطب قاعداً مع القدرة على القيام يجزئه.
الرابعة: الجلوس بينهما؛ خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد حيث قالوا: إنه سنة وليس بشرط.
لنا: "مَا ثَبَتَ مِنْ مُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهِمَا" 64. وتجب الطمأنينة فيه كما في الجلسة بين السجدتين، ولو خطب قاعداً لعجزه عن القيام، لم يضطجع بينهما للفصل، ولكن يفصل بينهما بسكتة [ويجب ذلك من أصح الوجهين وحكى القاضي ابن كج عن ابن القطان عن بعض الأصحاب أنه يكفي القائم أيضاً أن يفصل بينهما بسكتة] 65 خفيفة، وهذا يقتضي إعلام قوله: (والجلوس بين الخطبتين) بالواو جمع الحاء والميم والألف.
فإن قلت: لم عد القيام والقعود هاهنا من الشرائط وهما معدودان في الصَّلاَة من

الجزء: 2 - الصفحة: 287

الأركان؟ فاعلم: أن إمام الحرمين أجاب عنه بأن قال: الأمر فيه قريب، ولا حجر على من بعدهما من الأركان كما في الصلاة، ولا على من لا يعدهما من الأركان في الصلاة أيضاً، ونقول: المقصود ما يقع فيهما، وهما محالان، ويجوز الفرق بأن الغرض من الخطبة الوعظ، وهو أمر معقول، ولا يصح 66 في الصلاة أمر معقول، فجعل القيام بمثابة ما فيه، وهاهنا عد شرطاً ومحلاً لما هو المقصود.
الخامسة: هل يشترط في الخطبة طهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمكان عن الخبث؟ فيه قولان: القديم: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد؛ لأن الخطبة ذِكْرٌ يتقدم الصَّلاة فأشبه الآذان.
والجديد: نعم اتباعاً لما جرت الأئمة عليه في الأعصار كلها، وهذا الخلاف مبني عن بعض الأئمة على أن الخطبتين بدل عن الركعتين، أم لا؟ وقال إمام الحرمين: وهو مبني على أن الموالاة في الخطبة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلا بد من أن يكون متطهراً؛ لأنه يحتاج إلى الطهارة بعد الخطبة فتختل الموالاة.
وإن قلنا: لا تشترط الموالاة لا تشترط الطَّهارة، ومنهم من جعل الخلاف في الطهارة وجهين، والقولان أشْهَرُ، وقد طرد الخلاف في سَتْرِ العورة، أما من يبنى على أن الخطبتين بدل من الركعتين أم لا فتوجيهه هَيِّنٌ على أصله، وأما من لم يبن عليه فقد قال الإمام: سبب الاشتراط بروز الخطيب، وما فيه من هتكة الانكشاف لو لم يتستر.
وقوله: (في طهارة الحدث) لفظ (الحدث) يشمل الحدث الأصغر والأكبر، وقد صَرَّحَ في "التتمة" بطرد الخلاف في اشتراط الطهارة عن الحدث والجنابة جميعاً، لكن قال في "التهذيب": إن خطب جنباً لم تحسب قولاً واحداً؛ لأن القراءة شَرْطٌ، ولا تحسب قراءة الجنب، وهذا أوضح 67 والخلاف الذي أرسله المراد منه ما بيناه، ونقله المصنف في "الوسيط" وجهين وأما الخلاف في الموالاة فهو قولان، ومسألة الموالاة مكررة قد ذكرها مرة في الشرط الرابع للجمعة، وإنما جمع بينها وبين الطهارة لتناسب والبناء الذي ذكره الإمام، وإذا اشترطنا الطهارة فلو سبقه الحدث في [الخطبة] 68 لم

الجزء: 2 - الصفحة: 288

يعتد بما يأتي به في حال الحدث، وفي بناء غيره عليه الخلاف الذي سبق، ولو تطهر وعاد وجب الاستئناف إن طال الفصل وشرطنا الموالاة، وإن لم يطل الفصل ولم نشترط الموالاة فوجهان: أظهرهما: الاستئناف أيضاً؛ لأنها عبادة واحدة، فلا تؤدي بطهارتين كالصَّلاَة.
قال الغزالي: وَيَجِبُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ، وَهَلْ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى مَنْ عَدَا الأَرْبَعِينَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، الجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ كَمَا لاَ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى الخَطِيبِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الخَطِيبِ فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الإِنْصَات فَلاَ يُسَلِّمُ الدَّاخِلُ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يُجَبْ، وَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَجْهَانِ، وَفِي وُجوبهِ عَلَى مَنْ لاَ يَسْمَعُ الخُطْبَةَ وَجْهَانِ، وَتَحِيَّة المَسْجِدِ مُسْتَحَبةُ فِي أَثْنَاءِ الخُطْبَةِ (ح م)، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ الإنْصَات فَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَفِي رَدِّ السَّلاَمِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الشريطة السادسة للخطبة رفع الصوت، فإن الوَعْظَ الذي هو مقصود الخطبة لا يحصل إلا بالإبلاغ والإسماع 69، وذلك لا يحصل إلا برفع الصوت، فلو خطب سرًّا بحيث لم يسمع غيره لم يحسب كالآذان، وحكى صاحب "البيان" عن أبي حنيفة أنها تُجْزِئ، وقد حكاه القاضي الروياني وغيره وجهاً.
لنا ثم الضبط على ظاهر المذهب أن يسمع أربعين من أهل الكمال على ما سبق وصفهم، ولو رفع الصوت قدر ما يبلغ لكن كانوا أو بعضهم صُمًّا ففيه وجهان: أصحهما: أنها تجزئ كما لو بعدوا عنه، وكما أنه يشترط سماع شهود النكاح.
والثاني: يجزئ كما لو حلف لا يكلم فلاناً فكلمه بحيث يسمع لكنه لم يسمع لصممه يحنث، وكما لو سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها لا يضر، وينبغي للقوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الإمام وينصتوا ويسمعوا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 70 ذكر في التفسير أن الآية وردت في الخطبة سميت قرآناً لاشتمالها عليه، والإنصات: هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع، وهل الإنصات فرض والكلام حرام أم لا؟ قال في القديم "والأم": الإنصات فَرْضٌ والكلامُ حرامٌ وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، ووجهه ظاهر الأمر في الآية، فإنه للإيجاب وما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ وَالْإِمَام (9) يَخْطُبُ يَومُ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ" 71 واللّغو الإثم قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ

الجزء: 2 - الصفحة: 289

مُعْرِضُونَ} 72 وقال في الجديد: الإنصات سنة والكلام ليس بحرام لما روى: "أَنَّ رَجُلاً دَخَل وَاِلنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ يَومَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَأوْمَأ النَّاسُ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَعَادَ الكَلاَمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْدَ الثَّالِثَةَ: مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا.
فَقَال: حُبَّ اللهِ وَرَسُولَهُ، فَقَال إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" 73. والاستدلال أنه لم ينكر عليه ولم يبين له وجوب السكوت، وذكر أصحابنا العراقيون أن أبا إسحاق حكى في الشرح عن بعض أصحابنا طريقة أخرى جازمة بالوجوب وأنه أَوَّلَ كلامه في الجديد، والذي عليه الجمهور طريقة القولين، وهل يحرم الكلام على الخطيب؟ فيه طريقان: أصحهما: القطع بأنه لا يحرم، وإنما حرم على المستمع في قول كيلا يمنعه عن الاستماع، "وَأَيْضاً فَقَدْ كَلَّمَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَتَلَهُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ فِي الْخُطْبَةِ" 74، وَكَلَّمَ أَيْضاً سُلَيْكاً الْغَطَفَانِي 75 فِي الْخُطْبَةِ، كما سيأتي، وعلى هذه الطريقة شبه في الكتاب المستمع بالخطيب، فقال: الجديد أنه لا يحرم على الخطيب، وقد ذكر المزني هذا الاستدلال لترجيح الجديد.
والطريقة الثانية: طرد القولين في الخطيب، وهي تخرج على أن الخطبتين بمثابة الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم حرم الكلام عليه، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
ثم تكلم في محل القولين وتفريعهما.
أما المحل ففيه كلامان: أحدهما: أن الخلاف في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمًى يقع في بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا تَدُبُّ على إنسان فأنذره، أو علَّم إنساناً شيئاً من الخير أو نهاه عن منكر فهذا لا يحرم قولاً واحداً، وإن كان لفظ الكتاب مطلقاً، كذلك ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- نعم المستحب أن يقتصر على الإشارة ولا يتكلم ما وجد إليه سبيلاً.
والثاني: أنه يجوز الكلام قبل أن يبتدئ الإمام في الخطبة وكذلك بعد الفراغ منها إلى أن ينزل، أو يتحرم بالصلاة، وليس ذلك موضع الخلاف، لأنه ليس وقت

الجزء: 2 - الصفحة: 290

الاستماع، وأما حالة الجلوس بين الخطبتين فمنهم من أخرجها من حَيِّز الخلاف أيضاً، وهو ما أورده صاحب "المهذب"، وحجة الإسلام في "الوسيط"، وأجرى المحاملي وابن الصباغ وآخرون الخلاف فيه، ويجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكاناً، والقولان بعد ما قعد حكاه الإمام وغيره.
وأما تفريع القولين، فإن قلنا: بالقديم فالداخل في أثناء الخطبة ينبغي أن لا يسلم، فإن سلم لم تجز إجابته باللسان، ويستحب أن يجاب بالإشارة كما في الصَّلاة، وهل يجوز تشميت العاطس؟ فيه وجهان: أصحهما -وهو المنصوص-: لا؛ كَرَدِّ السلام.
والثاني: يجوز؛ لأن العاطس لا يتعلق بالاختيار، والتشميت من حقوق المُسْلِمِ على المُسْلِم، فَيُوَفَّى، بخلاف رَدِّ السَّلام، فإن المسلم والحالة هذه مُضَيِّعٌ سَلاَمه، وعلى هذا فهَل يستحب؟ حكى إمام الحرمين فيه وجهين، ووجه المنع بأن الإنصات أهم فإنه واجب على هذا القول، والتشميت لا يجب قط، وحكى في "البيان" عن بعض الأصحاب أنه يرد السلام، ولا يشمت العاطس؛ لأن تشميت العاطس سنة ورد السَّلام واجب، والواجب لا يترك بالسّنة، وقد يترك بواجِبٍ آخر، وهل يجب الإنصات على من لا يسمع الخطبة؟ فيه وجهان شبيهان بالوجهين، في أن المأموم الذي لا يسمع قراءة الإمام هل يقرأ السورة أم لا؟.
أحدهما: أنه لا يجب؛ لأن الإنصات للاستماع، فعلى هذا له أن يشتغل بذكر وتلاوة.
والثاني: يجب كيلا يرتفع اللغط ولا يتداعى إلى منع السامعين من السماع، وهذا أظهر، ولم يذكر كثيرون سواه، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- وقالوا: البعيد بالخيار بين الإنصات وبين الذكر والتلاوة، وأما في كلام الأدميين فهو والقريب سواء، وإن فرعنا على الجديد فقد قال في الكتاب؛ يشمت العاطس، وفي رد السَّلاَم وجهان، ولا بُدَّ من البحث عنه أهو كلام في الاستحباب أم في الوجوب؟ أما جوازهما فلا شَكَّ فيه على هذا القول، أما غيره فقد جعل صاحب "التهذيب" الوجهين في وجب الرد.
أصحهما: وجوبه كما في سائر الأحوال.
والثاني: لا يجب؛ لأنه مُقَصِّرٌ مُضَيَّعٌ للسلام، كمن سلم على من يقضي حاجته، قال: وفي استحباب التشميت الوجهان، وذكر المضنف في "الوسيط" أن التشميت يجب، وفي الرَّد وجهان، والظاهر أنه أراد نصب الوجهين في الاستحباب على ما صرح

الجزء: 2 - الصفحة: 291

به إمام الحرمين، فقال: لا يجب الرد لتقصير المسلم ووضعه الكلام في غير موضعه، والوجهان في استحباب الرد.
واعلم: أن القول بوجوب التشميت خلاف ما أطبق عليه الأئمة، فإنهم قالوا: التشميت محبوب غير واجب بحال، فلا ينبغي أن يحمل قوله: (ويشمت العاطس) عليه بل الوجه تأويل ما في "الوسيط" أيضاً، ولا يحسن حمله على الجواز أيضاً؛ لأنه عطف عليه قوله: (وفي رد السلام وجهان) فإذا كان المراد من الأول الجواز، كان قضية الإيراد فرض الخلاف في الجواز، ولا يمكن تصوير الخلاف فيه على هذا القول، فإذا قوله: (يشمت العاطس) معناه أنه يستحب ذلك، وليكن معلماً بالواو لما حكاه صاحب "التهذيب".
واعلم: أنه لو تكلم لم تبطل جمعته على القولين جميعاً، والخلاف في الإثم وعدمه؛ وأما قوله: (وتحية المسجد مستحبة) فشرحه: أن الخطيب إذا صعد المنبر، فينبغي لمن ليس في الصَّلاة من الحاضرين أن لا يفتتحها سواء صلى السُّنَّة أم لا، ومن كان منهم في الصَّلاة خففها، وروي عن الزّهري أنه قال: "خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةُ، وَكَلاَمُهُ يَقْطَعُ الْكَلاَمُ" 76 والفرق بين الكلام الذي لا بأس به، وإن صعد المنبر، ما لم يبتدئ الخطبة وبين الصَّلاة أن قطع الكلام هين متى ابتداء الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة، فإنه قد يفوته سماع أول الخطبة إلى أن يتمها، وأما الدَّاخل في أثناء الخطبة، فيستحب له التَّحِيَّة خلافاً لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: يكره له الصَّلاة كما للحاضرين.
لنا: ما روي: "أَنَّهُ جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قُمْ يَا سُلَيْكُ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ [يَوْمُ الجُمُعَةِ] 77 وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا" 78، ولو أن الداخل لم يُصَلِّ السنة بعد صلاها، وحصلت التحية بها أيضاً وإن دخل الإمام في آخر الخطبة لم يُصَلِّ، حتى لا يفوته أول الجمعة مع الإمام، وحكم التَّحِيَّةِ لا يختلف بقولي الإنصات، وذِكْرُه في الكتاب متَّصِلاً بتفريع القديم ليس لاختصاص الاستحباب به، بل استحباب التحية على قولنا باستحباب الإنصات أظهر منه على قولنا يوجب الإنصات، وقوله في أول الفصل (ويجب رفع الصوت بحيث يسمع أربعين من أهل الكمال) يجوز إعلامه بالحاء والميم؛ لما تقدم نقله، وقوله: (وهل يحرم الكلام على من عدا الأربعين)

الجزء: 2 - الصفحة: 292

يقتضي الجزم بتحريم الكلام على الأربعين، وهذا التقدير بعيد في نفسه ومخالف لما نقله الأصحاب أما بعده في نفسه فلأن الكلام في السامعين للخطبة ألا تراه يقول بعد ذلك: (وفي وجوبه على من لا يسمع الخطبة وجهان) وإذا حضر جمع زائد على الأربعين، وهم بصفة الكمال، فلا يمكن أن يقال: بأن الجمعة تنعقد بأربعين منهم على التعيين، حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعاً، والتردد في حق الآخرين بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين [حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعاً والتردد في حق الآخرين، بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين] 79 وأما مخالفته لنقل الأصحاب، فإنك لا تجد للجمهور إلا إطلاق قولين في السامعين، ووجهين في حق غيرهم كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (قولين) بالواو إشارةً إلى الطريقة الجازمة بالوجوب المروية عن أبي إسحاق.
وقوله: (كما لا يحرم الكلام على الخطيب) معلم بالحاء والميم، هذا آخر ما ذكره في الكتاب من واجبات الخطبة ووراءها واجبات أخر.
منها: أن تكون بالعربية كما سبق.
ومنها: نية الخطبة وفرضيتها، حكى عن القاضي الحسين اشتراط ذلك كما في الصَّلاة.
ومنها: التَّرتِيب ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه يجب الترتيب بين الكلمات الثلاث المشتركة بين الخطبتين، يبتدئ بالتحميد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدّعاء، ولا بينهما، ولا بين غيرهما، ونفى صاحب "العدة" وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلاً، وقالوا الأفضل رعايته 80. قال الغزالي: وَأَمَّا سُنَنُ الخُطْبَةِ فَأَنْ يُسلّم الخَطِيبُ عَلَى مَنْ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ إِذَا صَعَدَ المِنْبَرَ أَقْبَلَ وَسَلَّمَ (م ح) وَجَلَسَ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ المُؤَذِّنُ.
قال الرافعي: سنن الخطبة ثلاث جمل: إحداها: السنن السابقة على نفس الخطبة.
منها: أن يخطب على المنبر: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ مُسْتَنِداً إِلَى جِذْعٍ فِي

الجزء: 2 - الصفحة: 293

الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرِ فَكَانَ يَخْطُب عَلَيْهِ" 81. والسنة: أن يوضع على يمين المحراب، هكذا وضع منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد من يمين المحراب الموضع الذي يكون على يمين الإمام إذا استقبل، ويكره وضع المنبر الكبير الذي يضيق المكان على المصلين إذا لم يكن المسجد متسع الخطة، فإن لم يكن منبر خطب على موضع مرتفع ليبلغ صوته الناس.
ومنها: أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا دَنَا مِنْ مِنْبَرِهِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ فَإذَا اسْتَقْبَل النَّاسَ بِوَجْهِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَعَدَ" 82. ومنها: إذا بلغ في صعوده الدرجة التي تلي موضع القعود ويسمى ذلك الموضع المستراح، أقبل على الناس بوجهه وسلم عليهم، خلافاً لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: يكره هذا السَّلام.
لنا خبر ابن عمر -رضي الله عنهما- وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَوَى عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْترَاحِ قَائِماً ثُمَّ سَلَّمَ" 83. ومنها: أن يجلس بعد السلام على الموضع المسمى بالمستراح ليستريح من تعب الصعود روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَيجْلِسُ جَلْسَتَيْنِ" 84 والمراد هذه الجلسة والجلسة بين الخطبتين ومتى جلس يشتغل المؤذن بالأذان قال الأئمة: "وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِلْجُمْعَةِ أَذَانٌ قَبْلَ هذَا الأَذَانِ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، كَثُرَ النَّاسُ وَعَظُمَت البَلْدَة أَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ بَالتَّأْذِينَ عَلَى مَكَانِهِم" ثم كان يؤذن المؤذن بين يديه إذا استوى على المنبر فثبت الأمر على ذلك ويديم الإمام الجلوس إلى فراغ المؤذن من الأذان.
وقوله: (إلى أن يفرغ المؤذن) وحد لفظ المؤذن، ويمكن حمله على ما [حكى] 85 في "البيان" عن صاحب "الإفصاح" والمحاملي أن المستحب أن يكون المؤذن واحداً، "لأنه لم يكن يُؤَذِّنُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة إلا وَاحِدٌ" 86 وفي كلام

الجزء: 2 - الصفحة: 294

بعض الأصحاب ما ينازع فيه، ويشعر باستحباب التعدد -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بليغتين قَرِيبَتَيْنِ مِنَ الإِفْهَامِ مَائِلَتَيْنِ إِلَى القِصَر يَسْتَدبِرُ القِبْلَةَ فِيهِمَا، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةِ الإِخْلاَصِ، وَيَشْغَلُ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي الخُطْبَتَيْنِ بِحَرْفِ المِنْبَرِ وَالثَّانِيَةَ بِقَبْضِ سَيْفِ أَوْ عَنْزَةٍ.
قال الرافعي: الجملة الثانية: السنن المتعلقة بنفس الخطبة.
منها:.
أن تَكُونَ الخُطْبَةُ بليغةً غير مُؤَلَّفَةٍ من الكلمات المتبذلة؛ لأنها لا تؤثر في القُلوب، ولا من الكلمات الغربية الوحشية؛ فإنه لا ينتفع بها أكثر النَّاس؛ بل يجعلها قريبة من الإفهام.
ومنها: أن لا يطول، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "قِصَرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلاَةِ مِئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" 87 وإنما قال: مائلتين إلى القِصَر ولم يقل قصيرتين؛ لأن المحبوب فيهما التَّوَسُّط، روي أن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَتْ قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً" 88. ومنها: أن يستدبر القبلة ويقبل على النَّاس ولا يلتفت يميناً وشمالاً، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إذَا خَطَبَ اسْتَقبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَقْبَلُوهُ وَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ" 89 وإنما استدبر القبلة؛ لأنه لو استقبلها لم يخل إما أن يكون في صدر المسجد على ما هو المعتاد أو في آخره، فإن كان في صدر المسجد واستقبلها، كان مستدبراً للقوم، واستدبارهم وهم المخاطبون قبيح، خارج عن عرف المخاطبات، وإن كان في آخره فإما أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبرين للقبلة واستدبار واحد أهون من استدبار الجم الغفير، وإما أن يستدبروه فيلزم ما ذكرنا من الهيئة القبيحة، ثم لو خطب مستدبراً للناس جاز، وإن خالف السنة، وحكى في "البيان" وغيره وجهاً أنه لا يجزئ.
ومنها: أن يجلس بين الخطبتين بقدر قراءة سورة "الإخلاص" حكى عن نصه في "الكبير" قال الإمام: وهو قريب من القدر المستحب من الجلسة بين السجدتين.
وقوله: (ويجلس بين الخطبتين) إلى آخره الغرض منه عد تقدير الجلوس بالقدر المذكور من جملة السُّنَن.
وأما أصله فهو من الواجبات وهو كقوله: (ثم يخطب خطبتين بليغتين) لا أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 295

يخطب خطبتين ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن القاضي الروياني ذكر في التجربة أنه يجب أن يكون جلوسة بقدر قراءة سورة "الإخلاص"، ولا يجوز أقلّ منه، ونسبه إلى النص.
ومنها: أن يعتمد على سيف أو عنزة وهي شبه الحربة أو عصَا أو نحوها، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنْزَتِهِ اعْتِمَاداً" 90. وروي: "أَنَّهُ اعتَمَدَ عَلَى قَوْسٍ فِي خُطْبَتِهِ" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئاً سكن جسده ويديه إما بأن يجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يقرهما مرسلتين، والغرض أن يخشع ولا يَعْبَث بهما، وإذا شغل إحدى يديه بسيف أو ما في معناه شغل الأخرى بحرف المنبر، وبأيتهما يقبض السَّيْف ونحوه، لم يتعرض الأكثرون لذلك، وذكر في "التهذيب" أنه يقبض باليسرى، وقوله: (بسيف أو عنزة) في بعض النسح أو غيره، ولا بأس به أيضاً وينبغي للقوم أن يقبلوا على الخطيب 91 مستمعين، لا يشتغلون بشيء آخر، حتى يكره الشرب للتلذذ ولا بأس به للعطش لا للقوم ولا للخطيب 92.

الجزء: 2 - الصفحة: 296

قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَرَغَ ابْتَدَرَ النَّزُولَ مَعَ إِقَامَةِ المُؤَذِّنِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ المِحْرَابَ عِنْدَ تَمَامِ الإقَامَةِ.
قال الرافعي: الجملة الثالثة: ما يتأخر عن نَفْسِ الخُطبة، وهو أن يأخذ في النزول والمؤذن في الإقامة ويبتدر ليبلغ المِحْراب مع فراغ المؤذن من الإقامة، والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة.

الْبَابُ الثّاني فِيمَن تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ

قال الغزالي: وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ عَلَى مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ صَحِيحٍ فَالعَارِي عَنْ هذِهِ الصِّفَاتِ لاَ يُلْزَم فَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَتِمّ العَدَدُ بِهِ سِوَى المَرِيضِ لَكِن تَنْعَقِدْ لَهُ سِوَى المَجْنُونِ، وَلَهُمْ أَدَاءُ الظُّهْرِ مَعَ الحُضُورِ سِوَى المَرِيضِ فَإِنَّهُ إِذَا حَضَرَ لَزَمَهُ لِكَمَالِهِ.
قال الرافعي: مقصود الباب الكلام فيمن تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه، وللزومها خمسة شروط: أحدها: التكليف فلا جمعة على صبي ولا مجنون كسائر الصَّلوات، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلاَّ أرْبَعَةً عَبْداً أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبيّاً أَوْ مَرِيضاً" 93 الثَّانِي الحرية [فلا تجب] 94 على عبدٍ، خلافاً لأحمد في رواية، والأصح عنه أيضاً مثل مذهبنا لما ذكرنا من الخبر.
وأيضاً فقد روي عن جابر -رضي اِللهِ عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ عَلَى امْرَأْةٍ أو مُسَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَرِيضٍ" 95، ولا فرق في ذلك بين القِنّ والمدبّر والمكاتب.
الثالث: الذكورة؛ فلا جُمْعَة على امرأةِ، لما روينا من الخبرين، والخنثى المشكل كالمرأة، قاله صاحب "التهذيب" وغيره؛ لأنه يحتمل أن يكون أنثى فلا يلزمه بالشَّك.
الرابع: الإقامة فلا جمعة على مسافر؛ للخبر الثاني، فلو كان وقت الجمعة في بلد على طريقه استحب له حضورها، وكذلك القول في الصَّبِيِّ والعبد.

الجزء: 2 - الصفحة: 297

الخامس: الصِّحة فلا جمعة على مريض للخبرين، ولا فرق بين أن تفوت الجمعة بتخلفه لنقصان العدد دونه وتمامه به، وبين أن لا تفوت ثم في الفصل صور: إحداها: من فقد شرطاً من الشروط المذكورة كما لا تلزمه الجمعة لا يتم العدد به سوى المريض؛ لأنه متوطن ليس به نقيصة، وغيره إما ناقص أو غير متوطن، وفي معنى المرض أعذار نذكر في الفَصْل التالي لهذا الفَصْل فلا يجب على صاحبها الجمعة، وتَنْعقد به، وقوله: "فالعاري عن هذه الصفات" أي عن مجموعها، وقد يوجد فيه بعضها وقد لا يوجد شيء منها، وقوله: "لم يتم العدد به" معلم بالحاء، وقوله: "سوى المريض" بالواو، لما سبق في الشرط الرابع للجمعة.
الثانية: من لا تلزمه الجمعة، إذا حَضَر الجمعة وصلاها انعقدت له وأجزأته لأنها أكمل في المعنى، وإن كانت أقصر في الصورة، فإذا أجزأت الكاملين الدين لا عذر لهم، فلأن تجزي أصحاب العذر كان أولى، ويستثنى عن هذا المجنون، فإنه لا اعتداد لفعله.
الثالثة: الدين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع، هل لهم أن ينصرفوا ويصلؤا الظهر؟ أما الصبيان والنّسوان والعبيد والمسافرون فلهم ذلك؛ لأن المانع من وجوب الجمعة عليهم الصّفات القائمة بهم، وهي لا ترتفع بحضورهم، وأما المرضى فقد أطلق كثيرون في أنه ليس لهم بعدما حضروا الانصراف، وتلزمهم الجمعة؛ لأن المانع في حقهم المشقة فقد ارتفع هذا المانع وتعب العود، لا بد منه، سواء صلى الجمعة أو الظهر.
وفَصَّل إمام الحرمين فقال: إذا حَضَرَ المريض قبل دخول الوقت فالوجه القطع بأن له أن ينصرف، وإن دخل الوقت وقامت الصَّلاة لزمه الجمعة، وإن كان يَتَخَلَّل زمان بين دخول الوقت وبين الصلاة، فإن لم يلحقه مزيد مَشَقَّة في الانتظار حتى تقام الصَّلاة لزمه ذلك، وإن لَحِقَهُ لم يلزمه، وهذا تفصيل فقيه، ولا يبعد أن يكون كلام المطلقين منزلاً عليه، وألحقوا بالمرضى أصحاب المعاذير الملحقة بالمرض، وقالوا: إنهم إذا حضروا لزمهم الجمعة، ولا يبعد أن يكون هذا على التَّفْصِيل أيضاً؛ إن لم يزدد ضرر المعذور بالصَّبْرِ إلى إقامة الجمعة، فالأمر كذلك، وإن زاد فله الانصراف وإقامة الظهر في منزله، وذلك لكما في الخائف على ماله، ومهما كانت مدة غيبته أطول كان احتمال الضياع أقرب، وكذلك الممرض يزداد ضرره بالانتظار، والله أعلم.
وهذا كله فيما قبل الشّروع في الجمعة، فأما إذا أحرم الدين لا تلزمهم الجمعة بالجمعة ثم أرادوا الانصراف قال في "البيان": لا يجوز ذلك للمسافر والمريض، وذكر في العبد والمرأة وجهين عن حكاية الصيمري 96 وقوله في الكتاب: "ولهم أداء الظهر مع الحضور" يجوز أن يعلم

الجزء: 2 - الصفحة: 298

بالواو؛ لأنه لم يستثن عنه إلا المريض، وقد خرج صاحب "التلخيص" في العبد أنه تلزمه الجمعة، إذا حضر كالمريض، قال، في "النهاية" وهذا غلط باتفاق الأصحاب، ولا يوجد في جميع نسخ كتابه، فلعله هفوة من ناقل.
قال الغزالي: وَيلْتَحِقُ بِعُذْرِ المَرَضِ المَطَرُ وَالوَحْلُ الشَّدِيدُ، وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنَ المُرَخَّصَاتِ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ، وَيتْرُكُ بِعُذْرِ التَّمْرِيضِ أَيْضًا إِذَا كَانَ المَرِيضُ قَرِيباً مُشْرِفاً عَلَى الوَفَاةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الزَّوْجَةُ وَالمَمْلُوكُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِفاً وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِحُضُورِهِ ضَرَرٌ لَمْ يَجُزِ التَّرْكُ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِهِ ضَرَرٌ جَازَ.
قال الرافعي: ما يمكن فرضه في صَلاة الجُمُعة من الأعذار المرَخَّصة في ترك الجماعة يرخص في ترك الجمعة أيضاً، وهذا القيد لا بد منه، وإن أطلق قوله: "وكل ما ذكر من المُرَخَّصَات في ترك الجماعة" لأن مما ذكر من المرخصات الريح العاصفة، وهي مرخصة بِشَرْط كونها في اللَّيْلِ، وهذا الشَّرْط لا يتصور هَاهُنَا، وقد سبق شرح تلك الأعذار، وكنا أخرنا عنها الكلام في شيئين فنذكرهما.
أحدهما: الوحل الشديد، وفيه وجهان: أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه عذر لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا ابْتُلَّتِ النّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" 97. والثاني: ليس بعذر؛ لأن له عدة دافعة، وهي الخفاف والصَّنَادل، وهذا يشكل بالمطر، وذكر في "العدة" وجهاً فارقاً، وهو أن الوحل ليس بعذر في صلاة الجُمُعَة، وهو عذر في ترك الجماعة في سائر الصَّلَواتِ، لأنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مَرَّات، قال: وبهذا أفتى أئمة طبرستان.
والثاني: التمريض والمريض، لا يخلو إما أن يكون له من يتعهده [أو لا يكون.
القسم الأول: أن يكون له من يتعهده] 98 ويقوم بأمره فينظر: إن كان قريباً وهو مشرف على الوفاة فله أن يتخلف عن الجمعة ويحضر عنده، روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- "تَطَيَّبَ لِلْجُمُعَةِ، فَأُخْبِرَ أَن سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ -رضي الله عنه- مَنْزُولٌ بِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا لَهُ فَأَتَاهُ وَتَرَكَ الْجُمُعَةِ" 99، والمعنى فيه شغل القلب السالب للخشوع لو حضر، = قدمنا أن من دخل في فرض لأول الوقت، لزمه إتمامه على المذهب والمنصوص فهنا أولى.
الروضة (1/ 540).

الجزء: 2 - الصفحة: 299

فإن لم يكن مشرفاً على الوفاة لكن كان يستأنس به، فله أن يتخلف أيضاً ويمكث عنده ذكره في "التهذيب"، وإن لم يكن استئناس أيضاً فليس له التخلف، وحكى أصحابنا العراقيون عن ابن أبي هريرة وجهاً آخر، أن له [التخلف] 100 عند شِدَّة المرض لشغل القلب بشأنه، وإن كان المريض أجنبيًّا لم يجز التخلف للحضور عنده في هذا القسم بحال، وفي معنى القريب المملوك والزوجة وكل من بينه وبينه مصاهرة، وذكر المحاملي وغيره أن الصَّديق أيضاً كالقريب.
القسم الثاني: أن لا يكون للمريض متعهد، قال الإمام: إن كان يخاف عليه الهلاك، لو غاب عنه، فهو عذر في التخلف، سواء كان قريباً أو أجنبياً، فإن إنقاذ المسلم من الهلاك من فروض الكفايات، وإن كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر، لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات، ففيه وجوه: أصحها: أنه عذر أيضاً، فإن دفع الضرر عن المسلم من المهمات.
والثاني: أنه ليس بعذر؛ لأن ذلك مما يكثر وتجويز التخلف له قد يتداعي إلى تعطيل الجمعة.
والثالث: الفرق بين القريب والأجنبي لزيادة الرّقة والشفقة على الغريب، ولو كان له متعهد، لكن لم يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية أو بشراء الكفن وحفر القبر، إذا كان منزولاً به فهو كما لو لم يكن متعهد.
وقوله في الكتاب: (وإن لم يكن مشرفاً) المراد منه، وإن لم يكن المريض مشرفاً، ولو قدر أن المراد وإن لم يكن القريب مشرفاً لزم أن يكون لفظ الكتاب ساكتاً عن حكم الأجنبي مع أن الحكم المرتب على قوله: "وإن لم يكن مشرفاً" يستوي فيه القريب والأجنبي.
وقوله: (ولم يندفع بحضوره ضرر) يدخل فيه ما إذا كان مستغنياً في تلك الحالة عن خادم ومتعهد، وما إذا كان له متعهد يراعيه.
وقوله: (وإن اندفع به ضرر جاز) جواب 101 على الوجه الأصح، وينبغي أن يكون معلماً بالواو؛ لما ذكرنا.
ويجب على الزَّمن أن يحضر الجمعة، إذا وجد مركباً ملكاً أو إجارة أو عارية، ولم يشق عليه الركوب، وكذا الشيخ الضعيف ويجب أيضاً على الأعمى إذا وجد قائداً متبرعاً أو بأجرة، فله مال، فإن لم يجد قائداً لم يلزمه الحضور، هكذا أطلق الأكثرون،

الجزء: 2 - الصفحة: 300

وعن القاضي الحسين أنه إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه ذلك، وعن أبي حنيفة أن الجمعة لا تجب على الأعمى بحال.
قال الغزالي: فُرُوعٌ، فِي صِفَاتِ النُّقْصَانِ: مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ رَقِيقٌ كَالرَّقِيقِ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ الوَاقعَةُ فِي نَوْبَتِهِ عِنْدَ المُهَايَأة.
قال الرافعي: المسائل المذكورة من هذا الموضع إلى آخر الباب متفرعة على صفات النقصان، ومتعلقة بها، وقد عدها في "الوسيط" ستة فروع: وأحدها: ظاهر المذهب أن من بعضه حر وبعضه رقيق لا تلزمه الجمعة، كما لو كان كله رقيقاً؛ لأن رق البعض يمنع من الكمال والاستقلال، وذلك معتبر في لزوم الجمعة، ولهذا لا تجب على المكاتب، وفيه وجه أنه لو جرى بينه وبين السيد مهايأة تلزمه الجمعة الواقعة في نوبته؛ لاستقلاله في ذلك اليوم، وضعفه الإمام بأن قال: مثل هذا الشخص مدفوع في نوبة نفسه إلى الجد في الكسب لنصفه الحر، فهو في شُغْلٍ شَاغِلٍ لمكان الرق، قال: ولا شَكَّ في أن الجمعة لا تنعقد به والخلاف في الوجوب عليه.
قال الغزالي: وَالمُسَافِرُ إِذَا عَزَمَ عَلَى الإِقَامَةِ بِبَلْدَةٍ مُدَّةً لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ العَدَدُ بِهِ.
قال الرافعي: الثاني: الغرباء إذا أقاموا ببلدة نظر إن اتخذوها وطناً فحكمهم حكم أْهلها تلزمهم الجمعة ويتم العدد بهم، وإن لم يتخذوها وطناً بل عزمهم الرجوع إلى بلادهم بعد مدة قصيرة أو طويلة، كالمتفقه والتجار فهؤلاء تلزمهم الجمعة إذا استجمعوا صفات الكمال؛ لأنهم ليسوا بمسافرين، فلا يترخصون بترك الجمعة، كما لا يترخصون بالقَصْرِ والفِطْر، وهل يتم عدد الجمعة بهم؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-: نعم؛ لأن من وجبت عليه الجمعة انعقدت به كالمتوطن.
وأصحهما -وبه قال أبو إسحاق، وهو المذكور في الكتاب-: لا، واحتجوا له بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجمع في حجَّة الوداع وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة 102، وإنما لم يجمع؛ لأنه وَمَنْ معه لم يكونوا متوطنين، وإن عزموا على الإقامة أياماً، ولا يخفى مما ذكرنا أن قوله في الكتاب: "وإن عزموا على الإقامة مدة" المراد منه مدة ينقطع بعزم إقامتها حكم السفر لا كاليوم واليومين، وقوله: (لزمه الجمعة) قريب من التكرار؛ لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 301

معلومٌ من قوله في أول الباب: "ذكر حر صحيح مقيم" فإنه يبين لزومها على المقيم عند اجتماع سائر الشرائط وهذا مقيم.
قال الغزالي: وَأَهْلُ القُرَى لاَ تَلْزَمُهُمُ الجُمُعَةُ إلاَّ إِذَا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ أو بَلَغَهُمْ نِدَاءُ البَلَدِ مِنْ رَجُلٍ رَفِيعِ الصَّوْتِ وَاقِفٍ عَلَى طَرَفِ البَلَدِ في وَقتْ هُدُوِّ الأَصْوَاتِ وَرُكُودِ الرِّيَاحِ.
قال الرافعي: الثالث: القرية: إما أن يكون فيها أربعون من أهل الكمال أو لا يكون، فإن كان فيها أربعون من أهل الكمال لزمتهم الجمعة كأهل البلاد إذا أقاموا الجمعة في موضعهم فذاك، وإن دخلوا المصر وصلُّوها سقط الفرض عنهم ولو كانوا مسيئين؛ لتعطيلهم الجمعة في إحدى البقعتين، وحكى في "البيان" وجهاً، أنهم غير مسيئين؛ لأن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- لا يجوز إقامة الجمعة في القرى، ففيما فعلوه خروج عن الخلاف، وإن لم يكن فيها أربعون من أهل الكمال، فإما أن يبلغهم النِّدَاء من حيث تقام الجمعة فيه من بلد أو قرية، وإما أن لا يبلغهم، فإن بلغهم فعليهم الجمعة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" 103 والمعتبر نداء مؤذن على الصَّوْت يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ويؤذن على عادته، والأصوات هادئة والرياح ساكنة 104، فإذا سمع صوته بالقرية من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز حدة سمعه العادة، وجبت الجمعة على أهلها، وإنما كان الاعتبار من الطَّرَف الذي يلي تلك القريةِ، لأن البلدة قد تكون كبيرةً لا يبلغ النداء من وسطها إلى أْطرافها، فاعتبر آخر موضع يصلح لإقامة الجمعة فيه احتياطًا للعبادة، وفيه وجه آخر أنه يعتبر من وسط البلد، ووجه آخر أنه يعتبر من الموضع الذي تقام فيه الجمعة فليكن قوله: "على طرف البلد" معلماً بالواو؛ لهذين الوجهين، وهل يعتبر أن يكون المنادي على موضعِ عال كمنارة وسور؟ قال الأكثرون: لا يعتبر ذلك؛ لأن حد الارتفاع لا ينضبط، وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: سمعت شيوخنا يقولون: لا يعتبر إلا بطبرستان، فإنها بين رياض وأشجار تمنع من بلوغ الصوت، فينبغي أن يعلو عليها، ولو كانت القرية على قلة جبل سمع أهلها النِّداء لعلوها، ولو كان على استواء الأرض لما سمعوا، أو كانت في وهدة من الأرض لم يسمع أهلها النداء لانخفاضها، ولو كانت على استواء الأرض لسمعوا ففيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 302

أظهرهما -وبه قال القاضي أبو الطَّيِّبَ-: لا تجب الجمعة في الصورة الأولى، وتجب في الثَّانِيَة اعتباراً للسماع بتقدير الاستواء وإعراضاً عما يعرض بسبب الانخفاض والارتفاع كما يعتبر ركود الرياح، ولا ينظر إلى السَّمَاع العارض لشدتها.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أن الحكم على العكس نظراً إلى نفس السَّماع وعدمه، وإن لم يبلغ النداء أهل القرية فلا جمعة عليهم؛ لظاهر الخبر الذي سبق، وأهل الخيام إذا لزموا موضعاً 105 ولم يبرحوا عنه، وقلنا: إنهم لا يقيمون الجمعة في ذلك الموضع، فهم كأهل القرى إذا لم يبلغوا أربعين من أهل الكمال، إن سمعوا النِّدَاء لزمتهم الجمعة، وإلا فلا.
وقوله: "إلا إذا بلغوا" معلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا استثناء أصْلاً، ولا تلزم الجمعة أهل القرى بحال، سواء بلغهم النداء أو لم يبلغهم، بلغوا عدد الكمال أم لا، وإنما تلزم الجمعة أهل الأمصار الجامعة، والمصر الجامع عنده أن يكون فيه سلطان قَاهِر، وطبيب حَاذِقٌ، ونهرٌ جارٍ وسوقٌ قائمة.
وقوله: "أو بلغهم النداء" يجوز أن يعلم بالميم والألف، لأن مالكاً وأحمد لا يكتفيان بمجرد بلوغ النِّداء، ويعتبران كونه على ثلاثة أميال فما دونها.
وعن أحمد رواية أخرج أن المسافة لا تتقدر كما هو مذهب الشافعي -رضي الله عنه- وقوله: (من البلد) ليس لتخصيص الحكم بالبلد، بل لو بلغهم من قرية تقام فيها الجمعة كان كذلك.
قال الغزالي: وَالعُذْرُ الطَّارِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ مُرَخِّصٌ إلاَّ السَّفَرَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِنْشَاؤُهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الفَجْرِ قَوْلاَنِ: أَقْيَسُهُمَا الجَوَازُ، ثُمَّ المَنْعُ في سَفَرٍ مُبَاحٍ، أَمَّا الوَاجِبُ وَالطَّاعَةُ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُمَا.
قال الرافعي: الرابع: العذر المبيح لترك الجمعة يبيحه، وإن طرأ [العذر] 106 بعد الزَّوال لكن السفر يحرم إنشاؤه بعد الزوال، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إلا أن يضيق الوقت بناءً على أن الصلاة تجب بآخر الوقت.
لنا أن الجمعة قد وجبت عليه، فلا يجوز الاشتغال بما يؤدي إلى تركها كالتجارة واللَّهْو، وهذا مبني على أن الوجوب بأول الوقت، وقد سبق في موضعه.
فإن قيل: الوجوب وإن ثبت في أول الوقت، لكن مُوَسَّعٌ فلم يمتنع السفر قبل التضيق.

الجزء: 2 - الصفحة: 303

قلنا: الناس في هذه الصُّورة تَبَعُ الإمام، فلو عجلها 107 تَعَيَّنَت متابعته، وسقط خيرة الناس، وفيه وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة فيتعين عليه انتظار ما يكون، ذكر هذا الجواب إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وأما قبل الزوال وبعد طلوع الفجر الثاني هل يجوز إنشاء السَّفَر؟ فيه قولان: قال في القديم وَحَرْمَلَة: يجوز، وبه قال مالك، وأبو حنيفة -رحمهما الله-، لأنه لم يدخل وقت وجوب الجمعة، فأشبه السَّفر قبل طلوع الفجر.
وقال في الجديد: لا يجوز، قال أصحابنا العراقيون: وهو الأصح؛ لأن الجمعة وإن كان يدخل 108 وقتها بالزَّوال، فهي مضافة إلى اليوم، ولذلك يعتد بغسل الجمعة قبل الزَّوال، ويجب السَّعْي إليها لمن بعد داره قبل الزَّوَال، وعن أحمد روايتان كالقولين: أظهرهما: المنع، وحكى في "النهاية" طريقة أخرى قاطعة بالجواز مؤولة قول المنع.
ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "قولان" بالواو، إشارة إليها، ويجوز أن يعلم لفظ "الجواز" 109 من قوله: (أقيسهما الجواز) بالألف إشارةً إلى الظَّاهِرِ من مذهب أحمد، والحكم بأن الجواز أقيس لا ينافي كون المنع أظهر؛ لأنه قد يكون أحد طرفي الخلاف أقرب إلى القياس، وإن كان الثَّاني أظهر، فإذا ليس ما في الكتاب مخالفاً لما قاله العراقيون، وذكر في "العدة" أن ظاهر مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- قوله الجديد، والفتوى على القديم وهو الجواز، ثم للقولين شروط 110: أحدها -وقد ذكره في الكتاب-: أن يكون السفر مباحاً كالزيارة والتجارة، أما لو كان واجباً كالحَجِّ والجهاد في بعض الأحوال أو مندوباً فلا منع منهما، وذلك ليس موضع القولين، هكذا قاله كثير من أئمتنا.
واحتجوا عليه بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَغَدا أَصْحَابُهُ، وَتَخَلَّفَ هُوَ لِيصَلِّي، وَيَلْحَقَهُم فَلَمَّا صَلَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَا خَلَّفَكَ، قالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ، ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَزْوَتهِمْ 111. وفي كلام العراقيين وإيرادهم ما يوجب طرد الخلاف في سفر الغزو والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 304

والمراد من الطَّاعة في لفظ الكتاب المندوب، وإلا فالواجب طاعة أيضاً، وهل كون السَّفَر طاعة عذر في إنْشَائه بعد الزوال؟ المفهوم من كلام الأصحاب أنه ليس بعذر، ورووا عن أحمد أنه عذر.
والثاني: أن لا ينقطع عن الرفقة، ولا يناله ضَرَرٌ لو تَخَلَّفَ إلى أن يصلّي الجمعة، فإما إذا انقطع وفات سفره بذلك أو ناله ضرر، فله الخروج بلا خلاف، وكذلك الحكم لو كان الخروج بعد الزَّوال، وقد عددنا ذلك من الأعذار في الصَّلاة بالجماعة، ورأيت في كشف "المختصر" للشيخ أبي حاتم القزويني، ذكر وجهين في جواز الخروج بعد الزوال لِخوف الانقطاع عن الرفقة.
والثالث: أن لا يمكنه حضور الجمعة في منزله وطريقه، فأما إذا أمكن ذلك فلا منع بحال 112. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُرْجَى زَوَالُ عُذْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهرَ إِلَى اليَأْسِ عَنْ دَرْكِ الجُمُعَةِ، وَمَنْ لاَ يَرْجُو فَلْيُعَجِّلِ الظُّهْرَ كَالزَّمَنِ، فَإِنْ زَالَ العُذْرُ بَعْدَ الفَرَاغِ فَلاَ جُمُعَةَ (ح) عَلَيْهِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَزَوَالُ العُذْرِ فِي أَثْنَاءِ الظُّهرِ كَرُؤْيَةِ المُتَيَمِّمِ المَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: الخامس من الفروع: المعذرون، وهما ضربان: معذور يرجو زوال عذره، كالعبد يتوقع العتق، والمريض الذي يتوقع الخِفَّة، فالمستحب له تأخير الظُّهْر إلى اليأس من إدراك الجمعة، لأنه رُبَّمَا يزول العذر، وَيتَمَكَّن من فرض أهل الكمال، ومتى رفع الإمام رأسه من الرّكُوعِ الثَّانِي فقد حَصَل اليأس عن إدراك الجمعة، وعن بعض الأصحاب أنه يراعي تصور الإدراك في حق كل أحد، فإذا كان منزله بعيداً وانتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السَّعْيِ لم يُدْرِك الجمعة فقد حصل الفوات في حقه، هذا أحد الضربين.
والثاني: معذورٌ لا يرجي زوال عذره كالمرأة والزَّمِن، فالأولى له أن يُصَلِّي الظُّهْرَ في أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لأنه آيس من درك الجمعة فيحافظ على فضيلة الأولية 113، وإذا اجتمع

الجزء: 2 - الصفحة: 305

معذورون فَهَلْ يستحب لهم الجماعة في الظُّهْرِ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل الجماعة في هذا اليوم شِعَار الجُمُعَة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
وأصحهما: نعم؛ لعموم الترغيبات الواردة في الْجَماعة، وعلى هذا فَقَدْ نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- على أن المستحب لَهُم الإخفاء حتى لا يتهموا، بالرَّغْبَة عن صَلاَة الإمام، وحمل الأصحاب ما ذكره على ما إذا كان العذر 114 خَفِيًّا، أما إذا كان ظاهراً فلا تهمة، ومنهم من لم يفصل واستحب الإخفاء مطلقاً، ولو صلى المعذور الظُّهْرَ قبل فوات الجُمُعَة صَحَّت، فإنها فَرْضُه، ولو زال العُذْر وأمكنه حضور الجمعة لم يلزمه ذلك؛ لأنه أدَّى فرضه وقته.
ومثال ذلك المريض يبرأ والمسافر يقيم والعبد يعتق، ويستثنى عن هذا الأصل صورة ذكرها في البيان، وهي أن يصلي الخُنْثَى الظهر، ثم يتبين أنه رَجُل قبل فوات الجُمُعة، تلزمه الجمعة؛ لأنه تبين كونه رَجُلاً حين صَلَّى الظُّهر، ومثل هذا لا يفرض في سائر المعذورين، وأما الصبي إذا صَلَّى الظُّهر ثم بلغ لم تلزمه الجمعة على ظاهر المذهب كسائر المعذورين، والمسألة مكرَّرة في هذا الموضع، فذكرها والخلاف فيها في بابت المواقيت، ثم هي داخلة في مطلق قوله: (فإن زال العذر إلى آخره) فلو طَرَحها لما ضَرَّ من وجهين، وإذا لم يفعل فيجوز أن يكون قوله: (وكذا الصَّبِيُّ) مرقوماً بالحاء والواو لما بَيَّنَّاه، ثم هؤلاء يستحب لهم حضور الجمعة، وإن لم يلزم، وإذا صلوا الجمعة فالفرض هو الظهر السابقة، أو يحتسب الله تعالى بما شاء منهما؛ فيه قولان أصحهما أولهما.
قال أبو حنيفة: إذا سَعَى إلى الجمعة بعد الظُّهْرِ بطل ظهره، ولو زال العذر في أثناء الظُّهْرِ، فقد قال إمام الحرمين: أجرى القفال ذلك مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصَّلاة، وهذا يقتضي إثبات الخلاف في البطلان، لما ذكرناه في رؤية المتيمم الماء في الصَّلاة، وقد صَرَّح الشيخ أبو محمد، فيما علق عنه حكاية وجهين في هذه المسألة، وظاهر المذهب استمرار الصَّلاة على الصِّحة، قال الإمام: وهذا الخلاف، مبني على قولنا: "إن غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة" فإن صححنا فلا نحكم بالبُطْلاَن بِحَالٍ.
قال الغزالي: وَغَيْرُ المَعْذُورِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الجُمُعَةِ فَفَي صِحَّتِهِ قَوْلاَنِ فَإِنْ

الجزء: 2 - الصفحة: 306

قُلْنَا: يَصِحُّ فَفِي سُقُوطِ الْخِطَابِ بِالجُمُعَةِ قَوْلاَن، وإنْ قُلْنَا: لاَ تَسْقُط فَصَلَّى الجُمُعَةَ فَالفَرْضُ هُوَ الأوَّلُ أَوِ الثَّاني أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا لاَ بعَيْنِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
قال الرافعي: السادس: من لا عُذْرَ بِهِ إذا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ فوات الجُمُعة، ففي صِحَّة ظهره قولان: القديم -وبه قال أبو حنيفة-: أنها تَصِحّ والجديد -وبه قال مالك وأحمد-: لا تصح.
وذكر الأصحاب أن القولين مبنيان على أن الفرض الأصلي يوم الجمعة ماذا؟ فعلى القديم الفرض الأصلي الظهر؛ لأنه إذا فاتت الجُمُعَة فعليه قضاء أربع ركعات، ولو كان فرض اليوم الجمعة لما زادت ركعات القضاء، وعلى الجديد الفرض الأصلي هو الجُمُعَة، للأخبار الواردة فيها، ولأنه لو كان الأصل الظُّهر، لكانت، الجمعة بدلاً، ولو كان كذلك، لجاز له ترك البدل، والاستقلال بالأصل كمن ترك الصَّوْمَ في الكَفَّارة، وأعتَق، ومعلومٌ أنه ممنوع من ذلك، وهل يجري القولان فيما إذا ترك أهل البلدة كلهم الجُمُعَة وصلُّوا [الظهر] 115 أم يختص بما إذا صَلَّى الآحاد الظهر مع إقامة الجمعة في البلدة؟ حكي في "المهذب" عن أبي إسحاق أن ظهر أهل البلدة مجزئة، وإن أثموا بترك الجمعةِ، لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، قال: والصَّحيح أنه لا تجزئهم ظهرهم على الجديد؛ لأنهم صلوها وفريضة الجمعة متوجبة عليهم.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فالأمر بحضور الجمعة قَائِم كما كان إن حضرها فذاك، وإن فاتت قَضَاها الآن أربعاً، وما فعله أولاً يبطل من أصله، أو يكون نَفْلاً؛ فيه القولان المشهوران في أمثاله وإن قلنا بالقديم، فهل يسقط الخطاب بالجمعة؟ قال في الكتاب: فيه قولان، وكذلك ذكره إمام الحرمين، جعل السقوط خارجاً على قولنا: إذا صلَّى الجُمَعة، بعد الظُّهْر أن فرضه الأول أو أحدهما، وعدم السقوط خارجٌ على قولنا: أن الفرض الثاني: أو أن كليهما فرض، والذي ذكره الأكثرون، تفريعاً على القديم أنه لا يسقط عنه الخطاب بالجُمُعة، ومعنى صحّة الظهر الاعتداد بها في الجملة، حتى لو فاتت الجمعة تجزئه الظُّهر السابقة، ثم إذا قلنا: لا يسقط عنه الخطاب بالجمعة، فَصَلَّى الجمعة، فقد قال الإمام: إن الشيخ أبا محمد ذكر فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المفروض هو الأول؛ لأنه لو اقتصر عليه لبرئت ذمته على القول الذي يتفرع عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 307

والثاني: أن المفروض هو الثاني؛ لأنه به خرج عن الحرج.
والثالث: أنهما فرضان للمتعينين.
والرابع: أن الفرض أحدهما لا بعينه إذ المفروض في اليوم والليلة خمس صَلَوات، ونظير هذه الأقوال قد سبق فيمن صَلَّى منفرداً، ثم أدرك جماعة، ويشبه أن يكون بعضها منصوصاً، وبعضها غير منصوصاً، والذي نقله ابن الصباغ وغيره في المسألة تفريعاً على القديم إنما هو الرابع، وقال (1): يتحسب الله تعالى جدّه بما شاء منهما، وإذا أثبتنا الأقوال فينبغي أن لا نختص بقولنا: أن الخطاب بالجُمُعة لا يسقط عنه بل يطرد (2) على قولنا بسقوط الخطاب بالجمعة أيضاً، كما إذا صَلَّى منفرداً وأعاد في جماعة فإنه غير مخاطب بالثَّاني، وهذا كله فيما إذا صلَّى الظُّهرَ قبل فَوَاتِ الجُمُعة، فإن صَلاَّهَا بعد الركوع الثَّاني للإمام وقبل فراغه، قال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي -رضي الله عنه- يَدُلُّ عَلى الْمَنْع يعني في الجديد، ومن أصحابنا من يقول بالجواز، وفيما إذا امتنع أهل البلدة جميعاً من الجمعة وصلُّوا الظهر الفوات يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الركعتين.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ الجُمُعَةِ

قال الغزالي: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإنَّمَا تَتَمَيَّزُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: الأَوَّلُ الغُسْلُ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بَعْدَ (ح) الفَجْرِ، وَأَقْرَبُهُ إلَى الرَّوَاحِ أَحَبُّ، وَلاَ يُجزِئُ قَبْلَ الفَجْرِ بِخِلاَف غُسْلِ الْعِيدِ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ لِمَنْ حَضَرَ الصَّلاَة بِخِلاَفِ غُسْلِ العِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الزَّينَةِ عَلَى العُمُومِ.
وَالأَوْلَى أَنْ لاَ يَتَيَمَّمَ بَدَلاً عَنِ الغُسْلِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ.
قال الرافعي: قوله: (في كيفية الجمعة) أراد به كيفية إقامتها بعد اجتماع شَرَائطها، وأما الأركان التي يتركب عنها ذاتها فلا فرق فيها بينها وبين سائر الصَّلوات، والقصد بالباب التعرض لأمور مندوبة تمتاز بها الجمعة عن سَائِر الفرائض وجعلها أربعة: أحدها: الغسل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الجمعةَ فَلْيَغتَسِلْ" 118.116117

الجزء: 2 - الصفحة: 308

وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ أغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" 119. وعن مالك غُسْلَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ لكن تَصِحّ الصلاة بدونه، والخبر الثاني حُجَّة عليه.
وثم فيه مسائل: إحداها: وقت هذا الغسل ما بعد الفجر؛ لأن الأخبار علقته باليوم نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" 120. وفي "النهاية" حكاية وجه بعيد أنه يجزئ قبل الفجر كما في غسل العيد، وظاهر المذهب الأول، والفرق بينه وبين غسل العيد، إن جوزناه قبل طلوع الفجر من وجهين: أحدهما: أنه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر يبقى أثره إلى أن يؤدي صلاة العيد لقربها من أول النَّهَار، وصلاة الجُمُعَة تُؤَدَّى بعد الزَّوال فلا يبقى أثره.
والثاني: أنه لو لم يجز غُسْل العِيد قبل الفَجْر لَشَقَّ لقرب صَلاَتِهِ من أول النهار، بخلاف غسل الجمعة فإن من طلوع الفجر إلى وقت الصَّلاة سعة، والأولى أن يقرب الغسل من الرواح إلى الجمعة؛ لأن الغرض التنزه وقطع الروايح الكريهة، فما كان أفضى إليه فهو أولى.
وقوله: (ويستحب ذلك بعد الفجر) ليس الغرض منه أن إيقاعه بعد الفجر مستحب فإن ذلك شرط الإجزاء على ما بينه بقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) وإنما المراد بيان استحباب أصل الغسل.
وقوله: (بعد الفجر) إشارة إلى وقت هذا المستحب.
وإذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ويستحب ذلك) بالميم.
وقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) بالواو؛ لما سبق، وذلك أن تعلم قوله: "وأقربه إلى الرَّواح أحب" بالميم؛ لأن أصحابنا رووا عن مالك أنه يشترط اتصال الرَّوَاح بالْغُسْلِ، وأنه لا يجوز أن يشتغل بعده بشيء سِوَى الخروج، ومن يقول بذلك ينازع في قولنا: الأقرب إلى الرواح أْحَب.

الجزء: 2 - الصفحة: 309

وقال القفال: رأيت في "الموطأ" عنه مثل مذهبنا -والله أعلم-.
وقوله: (بخلاف غُسْل العِيد) 121 فإن فيه وجهين وقد أعاد هذه المسألة وما فيها من الخلاف في صلاة العيدين، وكان الغرض هاهنا بيان افتراق الغُسْلَيْنِ في الوقت وإن لم يبين المعنى الفارق.
الثانية: هل يختص استحباب الغسل بمن يريد حضور الجمعة أن يستحب له ولغيره؟ فيه وجهان، حكى في "البيان" أنهما مبنيان على وجهين في أن غُسْل الجُمُعَة مَسْنُون لليوم أو للصَّلاة.
أحدهما: أنه لليوم؛ لأنه في الأخبار 122 معلق باليوم، فعلى هذا يستحب للكل.
وأصحهما: أنه للصَّلاة فلا يستحب إلا لمن حَضَرَها، وهذا هو المذكور في الكتاب، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن جَاءَ مِنْكُمْ الجمعةَ فَلْيَغْتَسِلُ" 123. ويخالف غُسْل العيد يستحب للكل؛ لأنه للزينة وإظهار السرور، وهذا الغسل للتنظيف وقطع الروائح الكريهة، كيلا يتأذى من يقربه، فاختص بمن يريد الحضور، ولو نازع منازع في طرفي هذا الفرق لم يكن بعيداً، ولا فرق في حق من يريد الحضور بين أن يكون من أهل العذر أو لا يكون؟ وعن أحمد أنه لا يستحب الغُسْل للنِّساء، ولا يقدح الحدث بعد الغسل فيه 124 وبه قال مالك في "الموطأ".
الثالثة: قال الصَّيدلاني وغيره من الأصحاب: إن لم يجد الماء لغسل الجمعة فتيمم حاز الفضيلة، ويتصوَّر ذلك في موضوعين: أحدهما: الذي به قروح على غير موضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
والثاني: قَوْمٌ في بَلَدٍ توضأوا ثم نفذ ماؤهم فتيممووا بدلاً عن الغُسْل.
قال إمام الحرمين: والظَّاهر ما ذكره الصَّيدلاني، وفيه احتمال من جهة، أن هذا الغسل منوط بقطع الروائح الكريهة والتنظيف، والتيمم لا يفيد هذا الغرض، ورجح حجة الإسلام هذا الاحتمال حيث قال: والأولى أن لا يتيمم أي من الوجهين.
وقوله: (وقيل يتيمم) هو الوجه الذي ذكره عامة الأصحاب.

الجزء: 2 - الصفحة: 310

قال الغزالي: وَمِنَ الأَغْسَالِ المُسْتَحَبةِ غُسْلُ العِيدَيْنِ، وَالغُسْلُ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَالإِحْرَامِ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَثَلاَثةُ أَغْسَالِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلِطَوَافِ الوَدَاعِ عَلَى القَدِيمِ وَللْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ غَيرَ جُنُبِ بَعْدَ الإسْلاَمِ عَلَى وَجْهٍ، وَقَبْلَهُ عَلَى وَجْهٍ، وَالغُسْلُ مِنَ الإقَامَةِ مِنْ زَوَالِ العَقْلِ، وَأَمَّا الغُسْلُ عَنِ الحِجَامَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: عد جملة من الأغسال المستحبة في هذا الموضع.
منها: اغتسال الحاج في مواطن معروفة، وقد أعاد ذكر ما سِوَى طواف الوداع منها في كتاب الحَجِّ، وذلك الموضع أحق بها، فتؤخر الشرح إليه.
ومنها: غسل العيدين، وهو مذكور في باب صَلاَةِ العِيدَيْنِ.
ومنها: الغسل من غُسْلِ الميت، وفيه قولان: نقل عن القديم أنه واجب، وكذا الوُضوء من مَسِّهِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيْتاً فَلْيَغْتَسِلْ وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" 125. والجديد أنه مُسْتَحَب وهو المذكور في الكتاب والخبر أن صَحَّ محمول على الاستحباب؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ غُسْلَ عَلَيْكُمْ مِنْ غُسْلِ مَيِّتِكُمْ" 126. وليكن قوله: (والغسل من غسل الميت) معلماً بالواو؛ ولأنه على القديم غير معدود من الاغسال المستحبة، بل هو من الأغسال الواجبة، وأيضاً بالحاء والزاي؛ لأن الصَّيدلاني وغيره حكوا أن أبا حنيفة والمزني لا يريان استحباب هذا الغسل، فضلاً عن الإيجاب، وإذا قلنا بالجديد الصَّحيح فهذا الغسل غسل الجمعة اكد الأغسال المسنونة، وما الآكد منهما قولان: الجديد: أن هذا الغسل آكد؛ لأنه متردد بين الوُجوب والاستحباب، وغُسْلُ الجمعة قد ثبت استحبابه.
والقديم: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصَحّ، وأَثْبَت، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب" والروياني والأكثرين على خلاف قياس القديم والجديد، ورجح

الجزء: 2 - الصفحة: 311

صاحب "المهذب" وآخرون الجديد على القياس، وحكى الحناطي وغيره وجهاً أنهما سواء 127. واعلم أن ما نقلناه يقتضي تردد قوله في وجوب هذا الغسل في القديم؛ لأنه لو جزم بوجوبه في القديم لما انتظم منه القول بأن غسل الجمعة آكد منه.
ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، ولا يخلو إما أن يعرض له في الكفر ما يجب الغسل، من حيض أو جنابة، أو لا يعرض، فإن عرض ذلك فيلزمه الغسل بعد الإسلام، ولا عبره باغتساله في الكفر على الأصح كما سبق في موضعه، وإن لم يعرض له ذلك فيستحب له الغسل ولا يجب خلافاً لأحمد حيث أوجبه، وبه قال ابن المنذر.
لنا: "أنه أسلم خلق كثيرٌ ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاغتسال وَأَمَرَ بِهِ ثُمَامَةَ الْحَنَفِيِّ، وَقَيْسَ بنَ عَاصِم لَمَّا أَسْلَمَا" 128 فدل أنه مستحب لا واجب، ثم يغتسل بعد الإسلام أم قبله؟ فيه وجهان: أحدهما: قبله تنظيفاً للإسلام وتعظيماً له 129. وأصحهما: بعه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهما بالغُسْلِ بعد الإسلام، ولا سبيل إلى تأخير الإسْلاَم بحال.
ومنها: الغسل للإفاقة من زوال العقل، ظاهر المذهب أنه مستحب؛ لأنه قد قيل: إن من زال عقله أنزل فإذا أفاق اغتسل احتياطاً، ولا يجب، لأن الأصل استصحاب الطهارة السَّابقة، والناقض غير معلوم، ونقل القاضي ابْنِ كجٍّ عن ابن أبي هريرة أنه يجب الغسل على من أفاق من المجنون دون الإغماء، وحَكَى الحناطي في وجوب الغسل على من أفاق منهما جميعاً وجهين، ووجه الوجوب التشبيه بالنَّوم من جهة أن 130 النائم قد يخرج منه حدث وهو لا يدري، فجعل النَّوم حدثاً، كذلك من زَالَ عقله قد

الجزء: 2 - الصفحة: 312

ينزل ولا يدري، وليكن قوله: (والغسل من الإفاقة من زوال العقل) مرقوماً بالواو؛ لهذا الوجه؛ فإنه غير معدود على هذا الوجه من الأغسال المستحبة.
ومنها: الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام، ذكر صاحب "التلخيص" عن القديم أنه مندوب إليه، وذكر الصيمري في "الكفاية" أن الغسل عن الحجامة حسن، والأكثرون أهملوا ذكرهما، فإن قلنا: بالقديم، فقد قال في "التهذيب" قيل: إن المراد من غسل الحمام ما إذا تنور، قال: وعندي أن المراد منه أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل 131 وذكر أن في غسل الحجامة أثراً -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي البُكُورُ إِلَى الجَامِعِ.
قال الرافعي: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَربَ كَبْشاً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً؛ فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتمِعُونَ الذِّكْرَ" 132 قال المفسرون للخبر قوله: (غسل الجنابة) أي كغسلهما.
وقيل: أي جامع واغتسل، وَمِن مَتَى تعتبر السّاعات المذكورة؟ حكى أصحابنا العراقيون فيه وجهين: أحدهما: أنها تعتبر من أول طلوع الشَّمس؛ لأن أهل الحساب منهم يحسبون اليوم، ويعدون السَّاعات.
وأصحهما: من أول طلوع الفجر الثاني؛ لأنه أول اليوم شرعاً، وبه يتعلق جواز الغسل للجمعة، ونقل صاحب "التهذيب" والرّوَيانِي وجهاً ثالثاً وهو الاعتبار من وقت الزَّوال؛ لأن الأمر بالحضور حينئذ يتوجه عليه، ويبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الأمر فيه أعظم، وأيضاً فإن الرَّواح اسم للخروج بعد الزوال، ومن قال بأحد

الجزء: 2 - الصفحة: 313

الوجهين الأولين؛ قال: إنما ذكر لفظ الرواح لأنه خروج لأمر يؤتى به بعد الزوال، ثم ليس المراد من السَّاعات عى اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه.
واحتج القَفَّالُ عليه بوجهين: أحدهما: أنه له لو كان المراد بالساعات المذكورة لاستوى الجانبان في الفضيلة في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجئ.
والثاني: أنه لو كان كذلك لاختلف الأمر باليوم الشَّاتِي 133 والصَّائف، ولفاتت الجمعة في اليوم لمن جاء في السَّاعة الخامسة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ لُبْسُ الثِّيَابِ البِيضِ وَاسْتِعْمَالُ الطِّيبِ، وَالترَجُّلُ فِي المَشْي مَعَ الهَيْنَةِ وَالتُّؤَدَةِ، وَلاَ بَأْسَ بحُضُورِ العَجَائِزِ مِنْ غيْرَ زِينَةٍ وَتَطَيُّبٍ.
قال الرافعي: روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيب إِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثم صلَّى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامَهُ حَتَّى يفرغ مِنْ صَلاَتِهِ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا، وَجُمُعَته الَّتِي قَبْلَهَا" 134. يستحب التزين للجمعة يأخذ الشعر والظِّفر والسِّواك، وقطع الروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب، وأولاها البياض، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْبِسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهُ خَيْرَ ثيِابِكُمْ" 135 وإن لبس مصبوغًا لبس ما صبغ غزله ثم نسج كالبرود، ولا يلبس ما صبغ لونه 136. قال أصحابنا العراقيون: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَلْبَسْ ذَلِكَ".
ويستحب أيضاً أن يتطيب بأطيب ما عنده، ويزيد الإمام في حسن الهيئة ويتعمم، ويرتدي: "كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كَذَلِكَ يَفْعَلُ" 137. ويستحب أن يأتي الجمعة ماشياً، ولا يركب إلا لعذر، وكذلك في إتيان العيد

الجزء: 2 - الصفحة: 314

والجنازة وعيادة المريض، روى: "أنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلاَ جَنَازَةٍ" 138. قال الأئمة ولم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد، وينبغي أن يمشي في سكون وتؤدة ما لم يضق الوقت، ولا يسعى وليس هذا من خاصية الجمعة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأتُوهَا تَمْشُونَ، وَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَونَ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" 139. ولو ركب لعذر فينبغي أن يسيرها على هينة أيضاً، والهينة السكون، ولا بأس للعجائز بحضور الجمعة، إذا أذن أزواجهن، ويحترزون عن التطيب والتزين، فذلك أستر لهن.
قال الغزالي: الرَّابعُ يُسْتَحِبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ، فَلَو نَسِيَ الجُمُعَةِ فِي الأُولَى قَرَأَهَا مَعَ سُورَةِ المُنَافِقونَ فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجُمُعَةِ بعد الفاتحة سورة الجُمُعَة، وفي الثانية سورة المنافقين؛ لأنه روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَقْرَأُهُمَا فِيهِمَا" 140. وروى ذلك من فعل علي -رضي الله عنه- وأبي هريرة 141، وعلى هذا فلو نسي سورة الجمعة في الأولى قرأها في الثانية مع المنافقون، ولو قرأ سورة المنافقون في الأولى قرأ الجمعة في الثانية كيلا تخلو صلاته عن هاتين السورتين كذلك ذكره في "البيان" 142 وينبغي أن يعلم قوله: (ويستحب سورة الجمعة) بالحاء؛ لأن عنده يكره تعيين سورة في الصلاة.
وبالواو لأن الصَّيْدَلاَنِيُّ نقل عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سَبِّح" وفي الثانية: "هل أتاك حديث الغاشية" 143. وقال: رواه النعمان بن بَشِير 144 -رضي الله عنه-.

الجزء: 2 - الصفحة: 315

وقوله: (في الثانية: إذا جاءك المنافقون) معلم بهما، وبالميم؛ لأن عند مالك، يقرأ في الثَّانية: "هل أتاك"، وفي الأولى "الجمعة"، ويتعلق بالجمعة مندوبات أخرى.
منها: أن يحترز عن تخطي رقاب الناس إذا حضر المسجد، ورد الخبر بذلك، ويستثنى عنه ما إذا كان إماماً، وما إذا كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يَتَخَطَّى الرِّقَاب، ولا يجوز أن يقيم أحداً من مجلسه ليجلس فيه، ويجوز أن يبعث من يأخذ له موضعًا، فإذا جاء تَنَحَّى المبعوث، وإن فرش لرجل ثوباً فجاء أخر لم يجز له أن يجلس عليه، وله أن ينحيه، ويجلس مكانه، قال في "البيان": ولا يرفعه حتى لا يدخل في ضمانه.
ومنها: إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والصَّلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة وقراءة "سورة الكهف" ويكثر من الدعاء يوم الجمعة، رجاءَ أن يصادف ساعة الإجابة.
ومنها: الاحتراز عن البيع قبل الصلاة وبعد الزَّوال، فهو مكروه إن لم يظهر الإمام على المنبر، وحرام إن ظهر وأذن المؤذن بين يديه، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ 145 الآية، ولو تبايع اَثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر، أثماً جميعاً، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلإعانته على الحرام، ولا يكره البيع قبل الزَّوال بحالٍ، وحيث حكمنا بِحُرْمَة البيع، فلو خالف وباع صح 146، خلافاً لمالك وأحمد.
ومنها: أن لا يَصِلْ صلاة الجمعة بنافلة بعدها، لا الراتبة ولا غيرها، ويفصل بينها

الجزء: 2 - الصفحة: 316

وبين الراتبة بالرجوع إى منزله، أو التحول إلى موضع آخر، أو بكلام ونحوه، ذكره في "التتمة"، وثبت في الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 147 148.

الجزء: 2 - الصفحة: 317

كِتَابُ صلاة الخوف [الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً حمداً كثيراً طيباً مباركاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأطهر المطهرين وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل] 149.

الجزء: 2 - الصفحة: 318

كِتَابُ صَلاَةِ الخَوْفِ وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ أَنْوَاعٍ قال الغزالي: الأَوَّلُ أَن لاَ يَكُونَ العَدُوُّ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ فَيَصْدَعَ الإمَامُ أَصْحَابَهُ صَدْعَيْنِ وَيُصَلِّي بِأَحَدِهِمَا رَكْعَتَيْنِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تَحْرُسُهُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الأخُرَى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ هُمَا لَهُ سُنَّةٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَكِنَّهُ كذَلِكَ صَلَّى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِبَطْنِ النَّخْلِ.
قال الرافعي: ليس المراد من ترجمة الباب أن الخوف يقتضي صلاة على حيالها كقولنا صلاة العيد، ولا أنه يؤثر في تغيُّير فعل الصَّلاة أو وقتها، كقولنا: صلاة السفر، وإنما المراد أن يؤثر في كيفية إقامة الفرائض، ويقتضي احتمال أمور فيها كانت لا تحتمل لولا الخوف، ثم هو في الأكثر لا يؤثر في مطلق إقامة الفَرَائض، بل في إقامتها بالجماعة على ما سَنُفَصِّلُه.

إذا عرفت ذلك، فالأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 150 الآية والأخبار التي نذكرها في أثناء الباب، واعلم قوله: ﴿كتاب صلاة الخوف﴾ بالزاي؛ لأن المزني -رحمه الله- ذهب إلى نَسْخِ صلاة الخوف.
واحْتَجَّ عَلَيه "بأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَرْبِ الْخَنْدَقِ" 151 وأجاب الأصحاب عنه بأن حرب الخندَق كان قبل نزول آية صلاة الخَوْف، وكان المسلمون قبل نزولها يؤخرون الصَّلاة في الخوف عن وقتها، ثم يقضونها كما فعلوا في حرب الخندق، ثم علموا بالآية وشاع ذلك بين الصَّحابة، وروي عن علي -رضي الله عنه-: "أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ" 152.

الجزء: 2 - الصفحة: 319

وعن أبي موسى وحذيفة وغيرهما -رضي الله عنهم- أَنهم فَعَلُوهَا" (1). وقوله: (وهي أربعة أنواع) سبيل ضبطها أن يقال: للخوف حالتان: إحداهما: أن يشتد الخوف بحيث لا يتمكن أحد من ترك القتال، وفيها يقع النوع الرابع.
والثانية: أن لا يبلغ الخوف هذا الحد، فإما أن يكون العدو في جهة القبلة أو لا يكون، فإن كان فيصلي فيها النوع الثاني، وهو صلاة "عَسَفَان"، وإن لم يكن فيجوز أن يصلي فيها صلاة "بطن النخل" وهي النوع الأول، ويجوز أن يصلي فيها صلاة "ذَاتِ الرِّقَاع" وهي النوع الثالث، وآيتهما أولى؟.
الأظهر: أن صلاة ذات الرقاع أولى؛ لوجهين: أحدهما: أنها أعدل بين الطائفتين.
والثاني: أن في صلاة بطن النخل تكون الفرقة الثانية مصلية الفريضة خلف النافلة، وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء، وحكى القاضي الرَّويَانِيّ وجهاً عن أبي إسحاق أن صلاة "بطن النخل" أولى لكل واحدة (2) من الطَّائفتين فضيلة الجماعة على التمام، فهذا ضبط الأنواع.

القول في صلاة بطن نخل

: النوع الأول: صلاة بطن النخل، وهي أن يجعل الناس فرقتين، فيصلي بفرقة جميعها وفرقة في وجه العدو تحرس فإذا سلَّم بالفرقة التي خلافه، ذهبت إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة 155 الأخرى فيصلي بهم مرة ثانية تكون له سُّنة، ولهم فريضة، وروى عن أي بكرة وجابر -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِبَطْنِ النَّخْلِ بِالنَّاسِ" هكذا قال أصحابنا العراقيون، وإنما يُصَلِّي الإمام هذه الصَّلاة بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة.
والثاني: أن يكون في المسلمين كثرة وفي العدو قِلَّة.
والثالث: أن لا يأمنوا من انكباب العدو عليهم في الصلاة، ولا شَكَّ أن اعتبار هذه الأمور ليس على معنى اشتراطها، في الصحة، فإن الصَّلاة على هذا الوجه جائزة153154

الجزء: 2 - الصفحة: 320

وإن لم يكن خوف أصلاً، إذ ليس فيه إلاَّ اقتداء مفترض يمتنفل في المرة الثَّانية، فإذًا المعنى في إقامة الصَّلاة هكذا، إنما يختار ويندب إليه عند اجتماع هذه الأمور.
وقوله: (فيصدع الإمام أصحابه صدعين) أي يفرقهم فرقتين، ويجوز فيصدع من الصدع وهو الشق.
وقوله: (ويصلي بأحدهما ركعتين) مفروض فيما إذا كانت الصلاة ركعتين مقصورة كانت أو غير مقصورة، فإن كانت أكثر من ذلك صلاها بتمامها مَرَّتين ولا فرق.
قال الغزالي: الثَّانِي أَنْ يَكُونَ العَدُوْ فِي وَجْهِ القِبْلَةِ فَيُرَتِّبَهُمُ الإِمَامُ صَفَّيْنِ فَإِذَا سَجَدَ فِي الأُولَى حَرَسَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ فَإِذَا قَامَ سَجَدُوا وَلَحِقُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ هَكَذَا صَلَّى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِعَسَفَانَ وَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ تَخَلُّفٌ عَنِ الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِحَاجَةِ الخَوْفٍ، ثُمَّ لاَ بَأْسَ لَوِ اخْتُصَّ بِالحِرَاسَةِ فِرْقَتَانِ مِنْ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، وَلَو تَوَلَّى الحِرَاسَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِتَضَاعُفِ التَّخَلُّفِ فِي حَقِّهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَالحِرَاسَةُ بالصَّفِّ الأَوَّلِ أَلْيَقُ فَلَوْ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ وَتَأَخَّر الصَّفُّ الأَوَّلُ وَلَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ كَانَ ذَلِكَ حَسَناً.
قال الرافعي: النوع الثاني صلاة عسفان: وهي: أن يرتب الإمام النَّاس صُفَّيْن، ويحرم بهم جميعاً فيصلون معاً إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا سَجَدَ سجد معه الصَّفُّ الثاني، ولم يسجد الصف الأول بل حرسوهم قائمين، فإذا قام الإمام والساجدون سجد أهل الصف الأول، ولحقوه، وقرأ الكُلّ معه، وركعوا واعتدلوا، فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى، وحرس الساجدون معه في الأولى، فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه، وتشهد الكُلُّ معه، وسلَّم بهم، هذه الكيفية ذكرها الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" واختلف الأصحاب، فأخذ كثيرون بها منهم أصحاب القفال، وقالوا: إنها منقولة عن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه بسعفان 156، وعلى ذلك جرى حجة الإسلام -رضي الله عنه- في الكتاب.
وقال الشيخ [أبو حَامِد] 157 ومن تابعه: ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- خلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 321

الترتيب الثَّابت في السنة فإن الثَّابت في السُّنة أن أهل الصَّفِّ الأول يسجدون معه في الركعة الأولى، وأهل الصَّفِّ الثَّاني يسجدون معه في الثانية، والشافعي -رضي الله عنه- عكس ذلك، قالوا: والمذهب ما ورد في الخب؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة فاطرحوه.
واعلم: أن مسلماً وأبا داود وابن ماجة وغيرهم من أصحاب المسانيد، لم يرووا إلا الترتيب الذي ذكره أبو حامد، نعم، في بعض الروايات أن طائفة سجدت معه ثم في الركعة الثانية سجد معه الدين كانوا قياماً، وهذا يحتمل الترتيبين جميعاً، ولم يقل الشافعي -رضي الله عنه- أن الكيفية التي ذكرتها صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعسفان ولكن قال: (هذا نحو صلاته [عليه السلام] 158 يوم عسفان) فأشبه تجويز كل واحد منهما، إذ لا فرق في المعنى، وقد صرح به الرَّويَانِي، وصاحب "التهذيب" وغيرهما، قا لوا: واختار الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- ما ذكره لأمور: أحدها: أن الصَّفَّ الأول أقرب من العدو فهم أمكن من الحراسة.
والثاني: أنهم إذا حرسوا كان جُنَّة لمن ورائهم، فإنْ رماهم المشركون تلقُّوهم بسلاحهم.
والثالث: أنهم يمنعون أبصار المشركين عن الاطلاع على عدد المسلمين وعدتهم، إذا عرفت ذلك فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (حرسة الصف الأول) بالواو إشارةً إلى قول من قال: إن في الركعة الأولى يحرسهُ الصَّفُّ الثَّاني، وهو الذي أورده في "المهذب".
وقوله: هكذا صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعسفان فيه نزاع من جهة النقل، فإن الروايات المشهورة على خلاف ما ذكره كما بَيَّنَّا، ثم المشهور أن الكُلَّ يركعون معه في الركعتين، وإنما التَّخَلُّف في السجود، وذكر في معناه أن الركوع لا يمنع من النَّظَر والحراسة، بخلاف السجود، وحكى أبو الفضل بن عبدان أن من أصحابنا من قال: يحرسون في الرّكوع أيضاً وفي بعض الروايات ما يدل عليه، فهذا هو الكلام في كيفية هذا النوع، وأما موضعه فقد قال الأئمة لهذه الصَّلاة ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون العدو في جِهَةِ القِبْلَةِ، ليَتَمَكَّن الحارسون من رؤيتهم.
والثاني: أن يكونوا على قلة جبل أو مستوٍ لا يمنعهم شيء من أبصار المسلمين.
والثالث: أن يكون في المسلمين كثرة لتمكن جعلهم فرقتين، إحداهما تصلي

الجزء: 2 - الصفحة: 322

معه، والثانية تحرس، ولم يتعرض في الكتاب إلا للشَّرْط الأول.
وقوله: (وليس فيه إلا تخلف عن الإمام بركنين ...) إلى آخره إشارة إلى أنهم لو أرادوا الصَّلاة في حالة الأمن هكذا لم يجز صلاة المتخلفين، وإنما احتمل هاهنا لحاجة الخوف وظهور العذر، وظاهر قوله: (إلا بركنين) حصر للتَّخلف فيهما، وعنى بهما السجدتين لكن التَّخَلُّف غير منحصر فيهما، فإنَّهُم متخلفون بالجلسة بين السجدتين أيضاً وهي ركن ثالث.
فإن قيل: الجلسة بين السجدتين ليس ركناً مقصوداً على ما سبق، والتَّخَلُّف المُؤَثِّرُ هُو التَّخَلُّفُ بِالأركان المقصودة فلهذا اقتصر على ذكر الركنين 159. الجواب: أن هذا كلام حَسَنٌ قد قدَّمناه في موضعه، لكن الأظهر عند المصنّف أن الجلسة بين السجدتين ركنٌ طويل فيكون 160 كسائر الأركان، ويكون التخلف الحاصل هاهنا حاصلاً بأركان، وهكذا ذكر في "الوسيط" والإمام في "النهاية" ثم ذكر في الفصل فروعاً نذكرها، وما يحتاج إليه.
الأول: ليس من الشَّرْط أن لا يزيد عَلَى صَفَّين، بل لو رتبهم صفوفاً كثيرة جاز، ثم يحرس صفان كما سبق، ولا يشترط أن يحرس كل من في الصف، بل لو حرست فرقتان من صَفٍّ واحد في الركعتين على المناوبة، ودام من سواهم على المتابعة جاز؛ لحصول الغرض بحراستهم.
الثاني: لو تولى الحراسة في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت، ولحقت ففي صِحَّة صلاتها وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن ذلك يوجب تضاعف التَّخَلُّف بالإضافة إلى ما كان يوجد لو تناوبوا، والنَّصُّ ورد في ذلك القدر من التخلف فلا يحتمل الزيادة عليه.
وأظهرهما -ولم يذكر جماعة سواه-: أنه يَصحّ؛ لأن هذا القدر من التخلف محتمل في ركعة لمكان العذر، فمثله في ركعة أخرى مضموماً إليه لا يضر ألا ترى أن القدر الذي يحتمل من التَّخلف بلا عُذْر لا يفترق الحالين أن يتفق في ركعة أو في ركعات كثيرة، وفي بعض نسخ الكتاب ذكر قولين في المسألة بدل الوجهين، وهو قريب؛ لأن الخلاف على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره مبني على القولين فيما إذا زاد الإمام على الانتظارين في النوع الثالث من صلاة الخوف، وسيأتي ذلك.
الثالث: لو تأخر الحارسون أولاً إلى الصَّفِّ الثَّاني في الركعة الثانية، وتقدَّمت

الجزء: 2 - الصفحة: 323

الطَّائفة الثّانية، ليحرسوا جاز إذا لم تكثر فِعَالُهُم، وذلك بأن يتقدَّم كلُّ وَاحِدٍ من أهل الصَّفِّ الثَّانِي خطْوَتين، ويتأخر كل واحد من أهل الصَّفِّ الأول خطوتين، وينفذ كل واحد منهم بين رجلين، وهل هذا أولى أم الأولى أن يلازم كل واحد منهم مكانه؟ أشار في الكتاب إلى أن التقدم والتأخر أحسن وأولى؛ لأن الحراسة بالصَّف الأول أَلْيَقُ، وقد سبق وجهه، وهكذا ذكر الصيدلاني، والمسعودي وآخرون، وقال أصحابنا العراقيون: الأولى أن يلازم كل منهم مكانه، فلا يضطرب ولا ينتقل ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" على هذا أدل، وهذا كله مبني على ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- أن في الركعة الأولى يحرس الصَّف الأول، فأما على ما اختاره أبو حامد واشتهر في الخبر أن الصف الثَّاني يحرسون في الركعة الأولى، ففي الركعة الثانية يتقدم أهل الصَّفِّ الثاني، ويتأخر أهل الصف الأول، فتكون الحِرَاسة في الركعتين مِمَّنْ خلف الصف الأول لا من الصف الأول، كذلك ورد في الخبر، وقوله في الكتاب: (فإذا سجد في الأولى حرسه الصف الأول) يجوز أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: "سجدوا ولحقوا به" وكذا يفعل الصف الثاني في الركعة الثانية؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة أنه إذا كان العدو في جهة القبلة لم يُصَلّ بهم إلا كما يصلّي والعدو في غير جهة القبلة، وتفصيله على ما سيأتي في النوع الثالث، ورسموا هذه مسألة خلافية بيننا وبينه.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَلْتَحِمَ القِتَالُ وَيَحْتَمِلَ الحَالُ اشْتِغَال بَعْضِهِمْ بِالصَّلاَةِ فَيَصْدع الإمَامُ أَصْحَابَهُ صَدْعَيْنِ وَينْحَازَ بطَائِفَةٍ إلَى حَيْثُ لاَ تَبْلِغُهُمُ سِهَامُ العَدُوُّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ انْفَرَدُوا بِالثَّانِيَةِ وَسَلَّمُوا وَأَخَذُوا مَكَانَ إِخْوَانِهِم فِي الصَّفِّ وَانْحَازَ الفِئَةُ المُقَاتِلَةُ إلَى الإِمَامِ وَهُوَ يَنْتِظرُهُمْ وَاقْتَدَوْا بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا وَأَتَمُّوا الثَّانِيَةَ وَلَحِقُوا بِهِ قَبْلَ السَّلاَمَ وَسَلَّمَ بِهِمْ هَكَذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِذَاتِ الرَّقَاعِ فِي رِوَايَةِ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ الانْفِرَادُ عَنِ الإِمَامِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَانْتِظَارُ الإِمَامِ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ مَرَّتَيْنِ 161، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ فِيهَا كَثْرَةَ الأَفْعَالِ مَعَ الاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
قال الرافعي: النوع الثالث: صلاة ذات الرقاع 162 في كيفيتها في الصُّبح، والصَّلاة المقصورة في السفر ثم في الصلاة الثلاثية والرباعية، أما في ذات الركعتين فيفرق الإمام القوم فرقتين وتقف طائفة جِهَة العدوّ، وينحاز بطائفة إلى حيثُ لا تبلغهم سهامُ العدوِّ،

الجزء: 2 - الصفحة: 324

فيفتتح بهم الصلاة ويصلِّي بهم ركعة، هذا القدر اتفقت الرواية عليه، ثم فيما يفعل بعد ذلك؟ روايتان فَصَّلَ في الكتاب إحداهما، وأجْمَل ذكر الأخرى، أما المُفَصَّلة فهي أنه إذا قام إلى الثانية، خرج المقتدون عن متابعته، وأتموا الثانية لأْنفسهم، وتشهدوا، وسلَّموا، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاء أولئك واقتدوا به في الثانية، وهو يطيل القيام إلى لحوقهم فإذا لحقوه صلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية، وهو ينتظرهم، فإذا لحقوه سلم بهم؟ هكذا روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح عن خوات بن جبير عمن صَلَّى مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ يَومِ ذَاتِ الرِّقَاعِ" ورواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل ابن خيثمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 163. وأما الرواية التي أجملها فهي أن الإمام إذا قام إلى الثانية لا يتم المقتدون به الصَّلاة، بل يذهبون إلى مكان إخوانهم وجاه العدو، وهم في الصَّلاة فيقفوا سكوتاً، وتجيء تلك الطَّائفة فَتُصَلِّي مع الإمام الركعة الثانية، فإذا سَلَّم ذهبت إلى وجاه العدو، وجاء الأولون إلى مكان الصَّلاة، وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاءت الطَّائفة الثانية إلى مكان الصَّلاة وأتمت أيضاً، وهذه رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الشافعي -رضي الله عنه- اختار الرواية الأولى؛ لأنها أوفق للقرآن، قال الله تعالى جده: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ 164. وذلك يشعر بأن الطائفة الأولى قد صَلَّت، ولأنها أليق بحال الصَّلاة، لما في الرواية الأخرى من زيادة الذهاب والرجوع، وكثرة الأفعال والاستدبار، ولا ضرورة إلى احتمال جميع ذلك، ولأنها أحوط لأمر الحرب، فإنها أخف على الطَّائفتين جميعاً، إذ الحراسة خارج الصَّلاَةِ أهون، وااَختار مالك وأحمد أيضاً ما اختاره الشافعي -رضي الله عنه- لكن مالكاً -رحمة الله عليه-، قال في رواية: إذا صلَّى الإمام بالطَّائفة الثانية الركعة الثانية تَشَهَّد بهم وَسَلَّم، ثمِ يقومون إلى تمام صلاتهم كالمسبوق في غير صلاة الخوف، ونقل الصيدلاني قولاً عن القديم مثل ذلك، وحكى صاحب "الإفصاح" والعراقيون قولاً قريباً من ذلك، فقالوا: يقومون في قول إذا بلغ الإمام موضع السَّلام، ولم يسلم بعد، وذهب أبو حنيفة إلى اختيار رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- وقال: الطائفة الأولى: يتمون الصلاة بعد سلام الإمام بغير قراءة، لأنهم أدركوا التحريمة، فسقط عنهم القراءة في جميع الصَّلاَةِ، والطائفة الثانية يتمونها بقراءة؛ لأنهم أدركوا التحريمة.
واعلم أن إقامة الصَّلاة على الوجه المذكور ليس عزيمةً لا بُدَّ منها، بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فصلى بالآخرين، وصلَّى بعضهم أو كلهم منفردين جاز، لكن

الجزء: 2 - الصفحة: 325

كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يسمحون بترك فضيلة الجماعة، ويتنافسون في الاقتداء به، فأمره الله تعالى جَدُّه بترتيبهم هكذا؛ لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبيرة معه والأخرى فضيلة التسليم معه، وهل تَصِحّ الصلاة على الوجه الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنهما-؟ ذكروا فيه قولين.
أحدهما: وتحتمل تلك الرواية على النسخ، لخبر سهل، فإنها مطلقة ورواية سهل مقيدة بذات الرقاع وهي آخر الغزوات.
وأصحهما: نعم، وبه قال أحمد؛ لصحة الرواية وعدم العلم بالنسخ، ولا سبيل إلى المصير إليه بمجرد الاحتمال.
وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بنظم الكتاب: فأقول: قد سبق أن موضع هذا النوع ما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة ثبتت ذلك من جهة النقل، ونَصَّ عليه الأصحاب، وإن لم يتعرض له لفظ الكتاب وفي معناه ما إذا كانوا في جهة القبلة، لكن كان بينهم وبين المسلمين حائل يمنع من رؤيتهم لو هجموا.
وقوله: (إن يلتحم القتال) ليس مذكوراً على سبيل الاشتراط، بل لو كان العدو قارين في معسكرهم في غير جهة القبلة، ولم يلتحم القتال بعد وكان يخاف هجومهم، فالحكم كما لو التحم فيجعلهم طائفتين، واحدة تحرس، وأخرى تقتدي به، وإذا التحم القتال، فإنما تمكن 165 هذه الصَّلاة، إذا أكثر القوم، وأمكن الانحياز لطائفة وحصل الكفاية بالباقيين، فإن لم يكن كذلك فالحال حال شدة الخوف، وسنذكرها، فلهذا قال: (ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة).
وقوله: (فإذا قام إلى الثانية انفردوا بالثانية) مر قوم بالحساء، لأنه عنده لا ينفرد بالثانية، إذا قام الإمام إليها بل بعد سلامة.
ثم في هذا الفصل شيئان ينبغي أن يتنبه لهما: أحدهما: أن قوله: انفردوا بالثانية، ليس المراد منهم انفرادهم بالفعل فحسب، بل ينوون مفارقته وينفردون بالفعل، وفي حق الطائفة الثانية قال: (قاموا وأتموا الركعة الثانية) ولم يقل وانفردوا بها، لأنهم لا يخرجون عن المتابعة، كذا قاله الجمهور، وفيه شيء آخر سيأتي.
والثانية: أنه قال: (فإذا قام الإمام إلى الثانية) ولم يقل: فإذا أتم الأولى؛ لأنه الأَولى أن ينووا مفارقته بعد الانتصاب لا عند رفع رأسه من السّجود الثاني فإنهم

الجزء: 2 - الصفحة: 326

صائرون إلى القيام كالإمام، ولو فارقوه عند رفع الرأس من السجود جاز أيضاً، ذكره في "التهذيب" وغيره، وقوله: (وانحاز الفئة المقاتلة) إنما سماها مقاتلة؛ لأنه فرض الكلام فيما إذا التحم القتال، فإما إذا كان يخاف هجومهم ويتوقع القتال، فليست هي بمقاتلة في الحال، يجوز أن يقرأ الفئة المقابلة بالباء، فيشمل الحالتين؛ لأنهما على التقديرين مقابلة للعدو وقوله (فإذا جلس للتشهد، قاموا وأتموا) معلم بالحاء؛ لأن عنده إنما يقومون إذا سلم الإمام لا إذا جلس لِلتَّشَهُّدِ، وبالميم والواو لما سبق.
وقوله (هكذا صَلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِذَاتِ الرِّقَاعِ) اختلفوا في اشتقاق هذه اللفظة قيل: كان القتال في سفح جبل فيه جُدَدٌ بِيضٌ وحمر وصفر كالرقاع، وقيل: كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- حفاة لَفُّوا على أرجلهم الخرق والجلود، لِئلاَّ تحترق.
وقوله في رواية خوات بن جبير: (اشتهر في كتب الفقه نسبة هذه الرواية إلى خوات) والمنقول أصول الحديث رواية صالح عن سهل وَعَمَّنْ صلَّى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فالفعل هذا المبهم ذِكْرُ خواتٍ أبو صالح ولله أعلم.
وقوله: (وليس فيها إلا الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية) هذا الانفراد ظاهر في حق الطائفة الأولى، فأما الطائفة الثانية فهم على متابعته بعد الركعة الثانية، وفي الركعة الثانية كلام سيأتي ذكره مِنْ بَعْد، والمقصود منه بيان رُجْحَان هذه الرواية على رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-، وفيه إشارة إلى مسألة لاَ بُدَّ من ذكرها وهي أنه لو أقام الصَّلاة بهم على هذه الهيئة في حالة الأمن، هل يجوز ذلك أم لا؟ أما صلاة الإمام فمنهم من قال: لا تصح قولاً واحداً؛ لأنه تطويل صلاة بالقراءة أو التَّشَهد، وذلك مما لا منع منه 166. وقال الأكثرون: فيه قولان؛ لأنه انتظر المأمومين بغير عذر، وبنى القاضي أبو الطيب القولين فيما إذا فرقهم أربع فرق في الصَّلاة الرباعية؛ لأنه في الصورتين انتظر في غير محل الحاجة، وأما الطَّائفة الأولى ففي صِحّة صلاتها قولان؛ لأنها فارقت الإمام بغير عذر، وأما الطائفة الثانية، فإن قلنا: صلاة الإمام تبطل امتنع عليهم الاقتداء، والأصح إجزاؤهم، ثم تبنى صلاتهم إذا قاموا إلى الركعة الثانية على خلاف يأتي في أنهم متفردون بها أم حكم الاقتداء باق عليهم؟ إن قلنا بالأول ففي صلاتهم 167 قولان مبنيان على أصلين:

الجزء: 2 - الصفحة: 327

أحدهما: أنهم انفردوا من غير عذر.
والثاني: أنهم اقتدوا بعد الانفراد.
وإن قلنا بالثاني بطلت صلاتُهم، لانفرادهم بركعة مع بقاء القدوة، ولو فرضت الصَّلاَة في حالة الأمن الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنه- فصلاة المأمومين باطلة قطعاً.
وقوله: (وهذا أولى) يجوز أن يريد أنه أولى بأن يفعله الإمام مما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- فيكون جواباً على تجويز إقامة الصَّلاة على ذلك الوجه أيضاً، ويجوز أن يريد به أن الأخذ به والمصير إليه أولى، فلا يلزم تجويز ذلك الوجه، وعلى التقديرين هو معلم بالحاء.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنْ الإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ قَبْلَ لُحُوقِ اَلْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنْ يَمُدُّ القِرَاءَةَ عِنْدَ لُحُوقِهِمْ، وَنَقَلَ المُزَنِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الفَاتِحَةَ إِلَى وَقْتِ لُحُوقِهِمْ، وَكَذَا هَذَا الخِلاَفُ فِي انْتِظَارِهِ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ لُحُوقِهِمْ.
قال الرافعي: إذا قام الإمام إلى الثانية، فهل يقرأ الفاتحة في انتظاره الفرقة الثانية أم يؤخر إلى لحوقها؟ نقل الربيع أنه يقرؤها، ثم بعد لحوقهم يقرأ بقدر الفاتحة سورة قصيرة، ونقل المزني أنه يقرأ بعد لحوقهم، بأمِّ القرآن وسورة، وهذا قول بتأخير القراءة إلى لحوقهم؛ لأن الفاتحة لا تكرر، واختلف الأصحاب على طريقتين.
أصحهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يقرأ إلى لحوقها؛ لأنه قرأ في الركعة الأولى بالطَّائفة الأولى، فليقرأ في الثانية بالطائفة الثانية، تسوية بينهما.
وأصحهما -وبه قال أحمد-: أنه يقرأ أولاً، ولا يؤخر.
واحتجوا عليه بأنه لو لم يقرأ فإما أن يسكت أو يقرأ غير الفاتحة من القرآن، وكل واحد منهما خلاف السنة، أو يشتغل بذكر وتسبيح، وليس القيام محلاً لذلك، وهذا لا يسلمه من صار إلى القول الأول على الإطلاق، بل ذكروا تفريعاً عليه أنه يسبح ويذكر اسم الله تعالى جدُّه بما شاء.
والطريق الثاني: أنها ليست على القولين، ثم اختلفوا فعن أبي إسحاق أن النصين مُنَزَّلاَن على حالتين حيث قال: "يقرأ" أراد إذا كان الإمام يريد قراءة [سورة طويلة بعد الفاتحة فتمكن استدامة القراءة إلى لحوق الطائفة الثانية، وحيث قال: لا يقرأ أراد إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 328

كان يريد، 168 سورة قصيرة فتفوت القراءة على الطَّائفة الثانية فهاهنا يستحب الانتظار، ومنهم من قطع بما رواه الربيع، وغلط المزني في النقل وقال: لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه-: ويقرأ بعد إتيانهم بقدر أم الكتاب وسورة قصيرة لا بأم القرآن، وإنما أمر بذلك لينالوا فضيلة القراءة، فلو لم يفعل وأدركوه في الركوع، كانوا مدركين للركعة.
وقوله في الكتاب: (لكنه يمد القراءة عند لحوقهم) إشارةً إلى ما ذكرنا وهو أنه يمكث في قراءته بعد لحوقهم قدر قراءة أم القرآن وسورة، وفي بعض القراءة ولكنه يمد القراءة إلى وقت لحوقهم، وعلى هذا ففرض الكلام أنه لا يؤخر القراءة إلى لحوقهم، لا أنه يقطع القراءة كما لحقوا.
وأما قوله: (وكذا هذا على الخلاف في انتظاره في التشهد قبل لحوقهم) فاعلم أنه مبني على أن الطائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جلس الإمام للتشهد، وهو المذكور في الكتاب، والمشهور، وقد حكينا قولاً آخر أنهم يقومون إليها بعد سلامه، فعلى ذلك القول ليس له انتظار في التشهد، وعلى المشهور هل يتشهد قبل لحوقهم، أما القاطعون في الانتظار الأول بأنه يقرأ الفاتحة فقد قطعوا هاهنا بأنه يتشهد بطريق الأولى، وأما المثبتون للخلاف ثُمَّ فقد اختلفوا هاهنا، منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بأنه يتشهد؛ لأن الأمر بتأخير القراءة في قول إنما كان ليقرأ بالطائفة الثانية كما قرأ بالطائفة الأولى، وهذا المعنى لا يفرض في التشهد.
إذا عرفت ذلك فلا يخفى عليك أن قوله: (وكذا هذا الخلاف) جواب على طريقة طرد القولين في التشهد، ويجب أن يعلم بالواو؛ للطريقة الأخرى على أنها أظهر عند الأكثرين.
قال الغزالي: ثُمَّ هذِهِ الحَاجَةُ إنْ وَقَعَتْ فِي صَلاَةِ المَغْرِبِ فَلْيُصَلِّ الإِمَام بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَينِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً لِأَنَّ فِي عَكْسِهِ تَكْلِيفَ الطَّائفَةِ الثَّانِيَةِ تَشَهُّدًا غَيرَ مَحْسُوبٍ، ثُمَّ الإمَامُ إِنِ انْتَظَرَهُمْ فِي التَّشَهُدِ الأَوَّلِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ انْتَظَرَهُمْ فِي القِيَامِ الثَّالِثِ فَحَسَنٌ.
قال الرافعي: ما سبق كلام في الصلاة الثَّنَائِيَّة كيف تؤدي بالنَّاسِ في الموضع الذي بيناه، فإما إذا كانت الصلاة مَغْرِباً، وفرض الخوف كذلك فلا بد من تفضيل إحدى الطائفتين على الأخرى، فيجوز أن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، ويجوز أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة وأيهما أولى فيه قولان: أصحهما: أن الأفضل أن يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة؛ لأن

الجزء: 2 - الصفحة: 329

الطائفة الأولى سابقون فهم أولى بالتفضيل؛ ولأنه لو عكس فَصَلَّى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين لزاد في صلاة الطائفة الثانية تشهداً غير محسوب؛ لأنهم حينئذ يحتاجون إلى الجلوس مع الإمام في الركعة الثانية، وهو غير محسوب لهم، فإنها أولاهم، والألْيَقُ بالحال التخفيف دون التطويل.
والثاني: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين؛ لأَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَلَّى لَيْلَةَ الْهَرِيرِ 169 بالنَّاسِ هكَذَا، ثم إن فعل هكذا، فالطائفة الأولى تفارقه إذا قام إلى الثَّانِية، وتتم لنفسها على ما ذكرنا في ذات الركعتين، وإن صلى بالأولى ركعتين فيجوز أن ينتظر الثانية في التشهد الأول، ويجوز أن ينتظرهم في القيام الثالث، وأيهما أولى؟ فيه قولان: أحدهما: أن انتظارهم في التَّشهد الأول أولى، ليدركوا معه الركعة من أولها، وينقل هذا عن "الإملاء".
وأصحهما: أن انتظارهم في القيام الثالث أولى؛ لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأولى مبنية على التخفيف، ولأن في ذات الركعتين ينتظر قائماً، فكذلك هاهنا؛ لأنه إذا انتظرهم في الجلوس لا تدري الطائفة الأولى متى يقومون؟ ثم إذا انتظرهم في القيام - فهل يقرأ الفاتحة أم يصير إلى لحوق الفرقة الثانية؟ فيه الخلاف المتقدم.
وقوله في الكتاب: (فليصل بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة) جواب على القول الأول، ويجوز أن يكون جزماً بأنه يفعل كذلك؛ لأن القاضي الرويان حكى طريقة جازمة به مع طرد القولين، وعلى التقديرين فلفظ: (الركعة والركعتين) معلَّمٌ بالواو.
وقوله: (فليصل) أمر استحباب وفضيلة، وليس ذلك بلازم.
وقوله: (وإن انتظرهم في القيام الثالث، فحسن) هو لفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وقد حملوه على أن الأفضل الانتظار فيه، وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم بالواو؛ إشارة إلى القول المنقول عن "الإملاء".
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ في الحَضَرِ فَلْيُصَلِّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَالانْتِظَارُ الثَّالِثُ زَائِدٌ عَلَى المَنْصُوصِ وَفِي تَحْرِيمِهِ قَوْلاَنِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الانْتِظَارُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ هُوَ الانْتِظَارُ الثَّانِي فِي حَقِّ الإِمَامِ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في السفر فسبيل الصَّلاة الرباعية أن تقصر وتُؤَدَّى

الجزء: 2 - الصفحة: 330

كما سبق، فلو أرادوا إتمامها وكانوا في الحضر وقد جاءهم العدو فينبغي أن يفرق الإمام الناس فرقتين، ويصلي بكل طائفة ركعتين، ثم هل الأفضل أن ينتظر الثَّانِيَة في التشهد الأَوَّل، أو في القيام الثَّالث؟ فيه الخلاف المذكور في المغرب، ويتشهد بكل واحدة من الطائفتين بلا خلاف؛ لأنه موضع تشهدهما، ويتضح بما ذكرناه أن قوله: (وإن كان في صلاة رباعية في الحضر) ليس الحضر مذكوراً على سبيل الاشتراط، لجواز الإتمام في السَّفَرِ، لكن الغالب أن الإتمام لا يكون.
إلا في الحضر، لأن القصَر أفضلُ مطلقاً عند الإمكان على الأصح، وأليق بحال الخوف، فلهذا قال في الحضر: وقوله: (فليصل بكل طائفة ركعتين) معلّم بالميم؛ لأن في رواية عن مالك لا يجوز أن يصلي بهم الصلاة الرباعية كذلك.
لنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 170 الآية، لا فرق فيها بين السفر والحضر، ولو فرقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، وذلك بأن يصلي بفرقة ركعة، وينتظر قائماً في الثانية، وينفردوا هم بثلاث، ويسلموا، ويذهبون، ثم يصلي الركعة الثانية بفرقة ثانية، وينتظر جالساً في التشهد الأول، أو قائماً في الثالثة، ويتموا لأنفسهم، ثم يصلّي بفرقة ثالثة، وينتظر في قيام الرابعة، ويتموا صلاتهم، ثم يصلي الرابعة بالفرقة الرابعة، وينتظرهم في التشهد الأخير إلى أن يتموا صلاتهم، ويسلم بهم فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الأصل أن لا يحتمل الانتظار في الصلاة أصلاً؛ لما فيه من شغل القلب، والإخلال بالخشوع، وقد ورد عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتظاران فلا يزاد عليهما.
وأصحهما: نعم؛ لأن جواز انتظارين إنما كان للحاجة، وقد تقتضي الحاجة أكثر من ذلك بأن لا يكون في وقوف نصف الجند، في وجه العدو كفاية بل يحتاج إلى وقوف ثلاثة أرباعهم بكل حال.
التفريع: إن جوزنا فقد قال إمام الحرمين من شرطه 171، أن تمس الحاجة إليه، فأما إذا لم تكن حاجة فالحكم كما لو جرى ذلك في حالة الاختيار، والطائفة الرابعة على هذا القول كالطائفة الثانية في ذات الركعتين، فيعود الخلاف في أنهم يفارقونه قبل التشهد، أو يتشهدون معه ويقومون بعد سلام الإمام إلى ما عليهم كالمسبوق، وتتشهد الطائفة الثانية معه في أظهر الوجهين.

الجزء: 2 - الصفحة: 331

والثاني: تفارقه قبل التشهد، وعلى هذا القول تصح صلاة الإمام، وفي صلاة الطوائف قولان: المنقول عن "الأم" أن صلاتهم صحيحة، وعن "الإملاء" أن صلاتهم باطلة سوى صلاة الطائفة الرابعة، وبنوا ذلك على أن المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام بغير عذر هل تبطل صلاتُه أم لا؟ وقالوا: الطوائف الثلاث خرجوا عن صلاة الإمام بغير عذر؛ لأن وقت المفارقة ما نقل عن فعل المقتدين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نصف الصَّلاة، وكل طائفة من الثلاث قد فارقته قبل تمام النصف، وأما الطَّائفة الرابعة فإنها لم تخرج عن صلاة الإمام، بل أتمت صلاة على حكم المتابعة، وليس هذا البناء والفرق صافياً عن الإشكال -والله أعلم-.
وإن فرعنا على أن لا يجوز ذلك فصلاة الإمام باطلة، ومتى تبطل؟ فيه وجهان.
قال ابن سُرَيْج: تبطل بالانتظار الثالث، وهو الواقع في الرَّكعة الرابعة، ولا تبطل بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة، لأنه انتظر مرَّة للطائفة الثانية في الركعة الثانية، وانتظاره في الركعة الثالثة هو انتظاره الثاني إذا لم يكن له في الأولى انتظار، وقد ثبت من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، انتظاران فلا بأس بهما، ولا فرق في الفصلين سوى أن المنتظر ثم في المرتين الطائفة الثانية، والمنتظر هاهنا في المرة الثانية طائفة أخرى، لكن هذا لا يضر إذا لم يزد عدد الانتظار، كما لا يضر زيادة قدر الانتظار لو فرقهم فرقتين وصلَّى بكل واحدة ركعتين، وقال جمهور الأصحاب: تبطل صلاتُه بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة؛ لمخالفته الانتظار الثاني الذي ورد النقل به في المنتظر وفي القدر، فأما المنتظر فقد وضح، وأما في القدر فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتظر في الركعة الثانية فراغ الطائفة الثانية فحسب والإمام هاهنا ينتظر فراغ الثانية وذهابها إلى وجه العدو، ومجيء الثَّالثة، والذي قاله الجمهور وهو ظاهر النص، ولذلك قد يعبر عن هذا الخلاف بقولين منصوص ومخرَّجٌ لابن سريج، ثم حكي في "البيان" وجهين تفريعاً على ظاهر النص.
أحدهما: أن صلاته تبطل بمضي الطائفة الثانية، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتظرهم في المرة الثَّانية إلا قدر ما أتمت صلاتها، فإذا زاد بَطَل.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أنها تبطل بمضي قدر ركعة من انتظاره الثاني، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتظر الطَّائِفتين جميعاً، إلا بقدر الصَّلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء وهذا وقد انتظر في المرة الأولى قدر ما صَلَّت الطائفة الأولى ثلاث ركعات وذهبت وجاءت الثانية، فإذا مضى قدر ركعة فقد تَمَّ قدر الانتظار المنقول فتبطل صلاتُه بالزيادة عليه، هذا هو الكلام في صلاة الإمام تفريعاً على قول المنع، وأما صلاة الطَّوائف فتبنى على صلاته فَتَصحّ صلاة الطائفة الأولى والثانية على ظاهر النَّص وقول ابْنُ سُرَيْج معاً؛ لأنهم فارقوه قبل بطلان صلاته، وصلاة الطَّائفة الرابعة باطلة إن علمت

الجزء: 2 - الصفحة: 332

بطلان صلاة الإمام، وإن لم تعلم فَلاَ، وحكم الطائفة الثالثة حكم الرابعة على ظاهر النّص: وحكم الطائفتين الأوليين على قول ابْنُ سُرَيْج 172 ولو فرق القوم في صلاة المغرب ثلاث فرق وصلى بكل فرقة ركعة، وقلنا: لا يجوز ذلك فصلاة جميع الطوائف صحيحة عند ابْنِ سُرَيجٍ، وعلى ظاهر النص صلاة الطائفة الثالثة باطلة إلا أن لا يعلم بطلان صلاة الإمام، وإذا عرفت ما ذكرناه ولخصت ما في المسألة من الخلاف، قلت: فيها أربعة أقوال: أصحها: صحة صلاة الإمام والقوم جميعاً.
والثاني: صحة صلاة الإمام والطائفة الرابعة لا غير.
والثالث: بطلان صلاة الإمام، وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية، والفرق في حق الثَّالثة والرابعة بين أن تعلم بطلان صلاة الإمام أو لا تعلم.
والرابع: صحة صلاة الثالثة لا محالة.
والثاني: كما ذكرنا في القول الثالث وهو ابن سُرَيْج 173. وقوله في الكتاب: (فلانتظار الثالث زائد على المنصوص) أي على نَصِّ الشارع وما ثبت من فعله، وأراد بالانتظار الثالث: الانتظار الواقع في الركعة [الثالثة وهو الثاني من انتظارات الإمام ثم يلزمه من إثبات الخلاف فيه إثباته في الانتظار الواقع في الركعة] 174 الرابعة بطريق الأولى، وهو الثالث في الحقيقة، ولو أراد الانتظار الثالث

الجزء: 2 - الصفحة: 333

حقيقة لكان ذلك عين قول ابْنِ سُرَيج، ولما انتظم من أن يقول بعد ذلك.
وقال ابن سريج، ورتب في "الوسيط" الخلاف في بطلان الصَّلاة، بالانتظار الثالث على الخلاف في تحريمه، فقال: في تحريمه قولان: إن قلنا يحرم ففي بطلان الصلاة به قولان، ولم يذكر المعظم هذا الترتيب، وإنما تكلموا في الصحة والبطلان، وذكر الشافعي -رضي الله عنه- مع القول بصحة صلاة الجميع، أنهم مسيئون بذلك، وهذا يشعر بالجزم بالتحريم والله أعلم.
قال الغزالي: وَفِي إِقَامَةِ الجُمُعَةِ عَلَى هذِهِ الهَيْئَةِ وَجْهَانِ (م) وَوَجْهُ المَنْعِ أَنَّ العَدَدَ فِيهَا شَرْطٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الانْفِضَاضِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في بلد ووافق ذلك يوم الجمعة وأرادوا إقامة صلاة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، فقد نقل المصنف فيه وجهين: أحدهما: الجواز كسائر الصلوات الثنائية.
والثاني: المنع، لأن العدد شرط فيها، وتجويز ذلك يفضي إلى انفراد الإمام في الركعة الثانية، والأول هو الذي حكاه أصحابنا العراقيون عن نصه في "الأم"، ثم ذكروا في طريقتين: إحداهما: أن ذلك جواب على أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أنه إذا نفض القوم عنه وبقي وحده يُصَلِّي الجُمُعَة، قلنا إذا لم نقل بذلك امتنع إقامة الجمعة على هذا الوجه.
والثانية: القطع بالجواز بخلاف سورة الانفضاض؛ لأنه معذور هاهنا بسبب الخوف، ولأنه يترقب مجيء الطائفة الثانية، ويجوز أن يرتب فيقال: إن جوزنا الانفضاض فتجويز إقامة الجمعة على هذه الهيئة أولى، وإلا فوجهان، والفرق العذر، وإيراد الكتاب إلى هذا الترتيب أقرب، وكيف ما كان فالأظهر عند الأكثرين الجواز، ثم له شرطان: أحدهما: أن يخطب بهم جميعاً ثم يفرقهم فرقتين، أو يخطب بطائفةٍ ويجعل فيها 175 مع كل واحد من الفرقتين أربعين فصاعداً، فأما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى فلا يجوز.
والثاني: أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعداً، فلو نقص عددهم عن الأربعين

الجزء: 2 - الصفحة: 334

لم تنعقد الجمعة، ولو نقصت الفرقة الثانية عن أربعين، فقد حكى ابن الصَّباَّغ عن الشيخ أبي حامد أنه لا تضر ذلك بعد انعقادها بالأولى، وعن غيره أنه على الخلاف في الانفضاض، ولو خطب الإمام بالناس وأراد أن يقيم الجمعة بهم على هيئة صلاة عَسَفَان فهي أولى، بالجواز إن جوزناها على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، ولا يجوز إقامتها على هيئة صلاة بطن النَّخْلِ، إذ لا تقام جمعة بعد جمعة.
قال الغزالي: ثمَّ يجب حَمْلُ السِّلاحَ في هذِهِ الصَّلاَةِ وَصَلاة عَسَفَانَ إنْ كَانَ فِي وَضْعِهَا خَطَرٌ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ السَّلاَمَةَ وَاحْتَمَلَ الخَطَرَ فَيُسْتَحَبُّ الأخْذُ وَفِي الوُجُوبِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وغيره: واجب للمصلي -أي في الخوف- أن يأخذ سلاحه، وقال في موضع: ولا أجيز وضعه، واختلف الأصحاب على طرق: أظهرها -وبه قال أبو إسحاق-: إن في المسألة قولين: أحدهما: أنه يجب؛ لظاهر قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ 176 وقال تعالى جدُّه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ 177 أشعر ذلك بقيام الجناح، إذا وُضِعَ من غير عُذْر.
وأصحهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد-: أنه لا يجب، والآية محمولة على الاستحباب.
واحتجوا لهذا القول بأنه لا خلاف، أن وضعه لا يفسد الصلاة، فوجب أن لا يجب حملهما كسائر ما لا يفسد تركه الصلاة ولا يجب فعله.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
والثالث: القطع بالإيجاب.
والرابع: ما يدفع به عن نفسه كالسَّيْفِ والسِّكين يجب حمله، وما يدفع به عن نفسه وغيره كالرمح والقوس لا يجب حمله؛ لأن الدفع عن النفس أولى بالوجوب، وهؤلاء حملوا النصين على هذين النوعين، والخلاف في المسألة مشروط بشروط: أحدها: أن يكون طاهراً، فأما السّلاح النجس فلا يجوز حمله بحالٍ، ومنه السَّيْف الذي سقى السُّم النَّجِس، والنبل المريش بريش طائر لا يؤكل، أو طائر ميت؛ لأنه نجس على الصَّحِيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 335

والثاني: أن لا يكون مما يمنع من بعض أركان الصلاة، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة 178 المصلَّي بالجبهة، فإن كان كذلك لم يحمل بلا خلاف.
والثالث: أن لا يتأذى به الغير كالرمح، فإن حَمْلَه في وسط الصِّفِّ يؤذي القوم فيكره، إلا أن يكون في حاشية الصَّف فلا يتأذى بحمله أحد.
والرابع: قال الإمام: موضع الخلاف أن يخاف من وضع السلاح وتنحيته خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا كان يتعرض للهلاك ظاهراً، لو لم يأخذ السلاح فيجب القطع بوجوب الأخذ، وإلا فهو استسلام للكفار، وهذا الشرط قد ذكره في الكتاب، فأوجب الحمل إذا كان في موضع خطر، وخص الخلاف بما إذا ظهرت السَّلامة واحتمل الخطر.
واعلم أن ترجمة المسألة هي حمل السلاح، قال إمام الحرمين: وليس الحمل معيناً لعينه بل لوضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد، كان ذلك بمثابة الحمل قطعاً، وأما لفظ السلاح فقد قال القاضي ابن كج: إنه يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها، أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعاً لم يكن حاملاً سلاح والله أعلم.
ثم في لفظ الكتاب شيئان: أحدهما: أنه خص الكلام بصلاة ذات الرِّقَاعِ، وصلاة عسفان، وأشعر ذلك بنفي الوجوب في صلاة بطن النخل، لكن معنى الخوف يشملها جميعاً، والجمهور أطلقوا القول في صلاة الخوف إطلاقاً.
والثاني: أنه قال في آخر الفصل: (فيستحب الأخذ وفي الوجوب قولان): وقضية هذا الكلام الجزم بالاستحباب، وقصر الخلاف على الوجوب وإنما يكون كذلك، إن لو اشتمل الوجوب على الاستحباب اشتمال العام على الخاص، وفيه كلام لأهل الأصول، فإن لم يحكم باشتماله عليه فالصائر إلى الوجوب نافٍ للاستحباب فلا يكون الاستحباب إذًا مجزوماً بِهِ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: سَهْوُ الطَّائِفَتَيْنِ مَحْمُولٌ فِي وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمُ الإِمَامَ، وسَهْوُ الطَّائِفَةِ الأُولى غَيْرُ مَحْمُولٍ فِي رَكْعَتِهِمُ الثَّانِيَةَ وَذلِكَ لاِنْقِطَاعِهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَمَبْدَأُ الانْقِطَاعِ الاعْتِدَالُ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَوْ رَفْعُ الإمَامِ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الأُولَى فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا

الجزء: 2 - الصفحة: 336

سَهْوُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي حَمْلِهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُمْ سَيَلْتَحِقُونَ بِالإِمَامِ قَبْلَ السَّلاَمِ، وَهُوَ جَارٍ فِي المَزْحُومِ إِذَا سَهَا وَقْتَ التَّخَلُّفِ، وَفِيمَنْ انْفَرَدَ بِرَكْعَةٍ وَسَهَا ثُمَّ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: أصل الفرع أن سهو المأموم يحمله الإمام، وهذه قاعدة شرحناها في "باب سجود السهو" إذا تذكرت ذلك فنقول: إذا سها بعض المأمومين في صلاة ذات الرقاع على الرواية المختارة فينظر، إن سهت الطائفة الأولى فسهوها في الركعة الأولى محمول؛ لأنها مقتدية بالإمام، وسهوها في الثانية غير محمول؛ لانقطاعها عن الإمام، وما مبدأ الانقطاع؟ فيه وجهان، حكاهما الإمام عن شيخه: أحدهما: أن مبدأ الانقطاع الاعتدال في الركعة الثانية؛ لأن القوم والإمام جميعاً صائرون إلى القيام، فلا تنقطع القدوة ما لم يعتدلوا قائمين.
والثاني: أن مبدأ الانقطاع رفع الإمام رأسه من السجود الثاني؛ لأن الركعة تنتهي بذلك، فعلى هذا لو رفع الإمام رأسه وهم بعد في السجود، وفرض منهم سهو لم يكن محمولاً، ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز ذلك عند رفع الرأس وعند الاعتدال كما سبق، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك، فإنه ليس شيئاً يحصل بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة، فوجب قصر النظر على وقتها.
وأما الطائفة الثانية فسهوها في ركعتها الأولى محمول أيضاً؛ لأنها على حقيقة المتابعة، وفي سهوها في الركعة الثانية وجهان: أحدهما -وينسب إلى ابن خيران وابن سريج-: أنه غير محمول؛ لأنهم منفردون به في الحقيقة.
وأصحهما: أنه محمول؛ لأن حكم القدوة باقٍ بدليل أنهم مقتدون به إذا حصلوا معه في التشهد، وإلا لما كان لانتظاره إياهم معنى، وإذا كان كذلك فلولا استمرار حكم القدوة لاحتاجوا إلى إعادة نية القدوة إذا جلسوا للتشهد، ولا يحتاجون إليها والوجهان جاريان في المزحوم في الجمعة إذا سَهَا في وقت تخلفه، وأجروهما أيضاً فيما كان يصلي منفرداً فَسَهَا في صلاته، ثم اقتدى بإمام وجوزنا ذلك على أحد القولين، واستبعد الإمام إجراء الخلاف في هذه الصورة، وقال: الوجه القطع بأن حكم السّهْوِ لا يرتفع بالقدوة اللاَّحقة، فإن السهو كان أو هو منفرد لا يخطر له أمر القدوة، فلا ينعطف حكمهما على ما تقدَّم من الانفراد، وقوله: (لأنهم سيلحقون بالإمام) يجوز أن يريد به التحاقهم في الصورة مصيراً إلى أن حكم القدوة مستمر في الحال، ويجوز أن يريد به

الجزء: 2 - الصفحة: 337

أنهم سيصيرون مقتدين، وإن كانوا منفردين في الحال، فيؤخذ بآخر الأمر، والضمير في قوله: (وهو جار) عائد إلى الخلاف وإن لم يكن [لفظه] (1) مذكوراً.
وقوله فيمن انفرد بركعة وسها، (ثم اقتدى في الثانية)؛ لأنه ليس للتقييد، وأنه لا فرق بين أن يقتدي في الأولى، والثانية بعد السهود منفرداً.
واعلم أن جميع ذلك مبني على أن الطَّائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جَلَسَ الإمام للتشهد، فإما إذا قلنا: إنهم يقومون إليها إذا سَلَّم الإمام على ما نقل عن القديم فسهوهم في الثانية غير محمول لا محالة، كالمسبوق، وهذا حكم سهو المأمومين، أما لو سها الإمام نظر، إن سَهَا في الركعة الأولى لَحِقَ سهوه الطائفتين، فالطائفة الأولى يسجدون إذا أتموا صلاتَهم، ولو سَهَا بعضهم في الركعة الثانية فهل يقتصر على سجدتين أم يسجد أربعاً؟ فيه خلاف تقدم نظائره، والأَصَحُّ الأول والطائفة الثانية يسجدون مع الإمام في آخر صلاته، وإن سَهَا في الركعة الثانية لم يلحق سهوه الطائفة الأولى؛ لأنهم فارقوه قبل السَّهْو، وتسجد الثانية معه في آخر الصلاة، ولو سَهَا في انتظاره إياهم فهل يلحقهم ذلك السهو؟ فيه الخلاف المذكور في أنه هل يتحمل سهوهم والحالة هذه؟

قال الغزالي

: النَّوْعُ الرَّابِعُ: صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ،

وَذَلِكَ إِذَا الْتَحَمَ الفَرِيقَانِ وَلَمْ يُمكِنْ تَرْكُ القِتَالِ لِأَحَد فَيُصَلُّونَ رِجَالاً وَرُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ وَغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا إِيمَاءً بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُحْتَرِزِينَ عَنِ الصَّيْحَةِ وَعَنْ مُوَالاَةِ الضَّرْبَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَثُرَتْ مَعَ الحَاجَةِ فِي أَشْخَاصٍ فَيُحْتَمَلُ، وَفِي شَخْصٍ وَاحِدٍ لاَ يُحْتَمَلُ لِنُدُورِهِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ فِي المَوْضَعَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يُحْتَمَلُ فِيهِمَا، فَإِنْ تَلَطَّخَ سِلاَحُهُ بِالدَّمِ فَلْيُلْقِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى إِمْسَاكِهِ فَالأَقْيَسُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُّ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالأَشْهَرُ وُجُوبُهُ لِنُدُورِ العُذْرِ.
قال الرافعي: إذا التحم القتال ولم يتمكنوا من تركه بحال لقلتهم وكثرة العدو، أو اشتداد الخوف، وإن لم يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يركبوا أكتافهم لو وَلُّوا عَنهم، أو انقسموا فيُصَلُّون بحسب الإمكان، وليس لهم التأخير عن الوقت.
وعن أبي حنيفة أن لهم ذلك.
ثم في كيفية هذه الصَّلاة مسائل: إحداها: لهم أن يصلوا ركباناً على الدَّوَابِّ، أو مشاةً على الأقدام، قال الله تعالى179

الجزء: 2 - الصفحة: 338

جَدُّه: ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ 180 ويجوز أن يعلم لفظ (الرجال) في قوله: (فيصلون رجالاً) بالحاء؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه ليس للراجل أن يصلي بل يؤخر.
الثانية: لهم أن يتركوا الاستقبال إذا لم يجدوا بُدَّا عنه، قال ابن عمر -رضي الله عنهما- في تفسير الآية: "مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا" 181. قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويجوز أن يأتم بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة، كالمصلي حول الكعبة، وفيها: وإنما يعفى عن الانحراف عن القبلة إذا كان بسبب العدو، فأما إذا انحرف لجماح الدابة وطال الزمان بطلت صَلاتُه كما في غير حالة الخوف، ويجوز أن يعلم قوله: (غير مستقبليها) بالحاء؛ لأنهم حكوا عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ترك الاستقبال.
الثالثة: إذا لم يتمكنوا من إتمام الركوع والسجود اقتصروا على الإيماء بهما، وجعلوا السجود أخفض من الركوع، ولا يجب على الماشي استقبال القبلة في الركوع والسجود، ولا عند التحرم، ولا وضع الجبهة على الأرض، فإنه تعرض للهلاك بخلاف ما ذكرنا في المتنفل ماشياً في السَّفَر.
الرابعة: يجب عليهم الاحتراز عن الصياح، فإنه لا حاجة إليه.
قال الإمام: بل الكمي المقنع السكوت أهيب في نفوس الأقران، ولا بأس بالأعمال القليلة فإنها محتملة من غير خوف، فعند الخوف أولى، وأما الأعمال الكثيرة كالطعنات والضربات المتوالية فهي مبطلة إن لم يكن محتاجاً إليها، وإن كان محتاجاً إليها فوجهان: أحدهما: أنها مبطلة، وقد حكاه العراقيون وغيرهم عن ظاهر نصه في "الأم"؛ لأن الآية وردت في المشي والركوب، وانضم ترك الاَستقبال إليه فيما ورد من التفسير، فما جاوز ذلك يبقى على المنع.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: أنها غير مبطلة؛ لمكان الحاجة كالمشي وترك الاستقبال، وتَوَسَّطَ بعض الأصحاب بين الوجهين فقال: يحتمل في أشخاص؛ لأن الضربة الواحدة لا تدفع عن المضروب فيحتاج إلى التوالي لكثرتهم، ولا تحتمل في الشخص الواحد لندرة الحاجة إلى توالي الضربات فيه، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح هذا الوجه المتوسط، لكن الأكثرين رجحوا الوجه المنسوب إلى ابْنِ سُرَيج، وقطع به القَفَّالُ

الجزء: 2 - الصفحة: 339

فيما حكاه الرّويَانِي، ومنهم من عبر عن الوجوه بالأقوال، وكذلك فعل في "الوسيط".
وقولى: (من غير حاجة) تقييد لموالاة الضَّرب دون الصَّيْحة، والاحتراز عنها واجب بكل حالٍ، وليست هي من ضروريات القتال، هكذا ذكر الأئمة.
وقوله: (فيحتمل)، وكذا قوله: (وقيل لا يحتمل)، يجوز أن يعلما بالحاء؛ لأن الصيدلاني حكى عن أبي حنيفة أنه يجوز فيها العمل الكثير.
الخامسة: لو تَلَطَّخَ سلاحُه بالدَّمِ، فينبغي أن يلقيه أو يجعله في قرابة تحت ركابه إن احتمل الحال ذلك، وإن احتاج إلى إمساكه فله الإمساك، ثم هل يقضي؟ حكى إمام الحرمين عن الأصحاب أنه يقضي لندور العذر، ثم منعه، وقال: تلطخ السلاح بالدم من الأعذار العامه في حق المقاتل، ولا سبيل إلى تكليفه تنحية السلاح، فتلك النجاسة ضرورية في حَقِّه، كنجاسة المستحاضة في حقها، ثم جعل المسألة على قولين مركبين على القولين فيما إذا صلَّى في حصن، أو موضع آخر نجس، وهذه الصورة أولى بنفي القضاء، لإلحاق الشَّرع القتال بسائر مسقطات القضاء في سائر المحتملات كالاستدبار والإيماء بالركوع والسجود، فليكن أمر النجاسة كذلك، ويتبين بما ذكرنا أنه لم جعل الأقيس نفي القضاء، والأشهر وجوبه؟ ويجوز إقامة الصلاة عند شدة الخوف بالجماعة، خلافاً لأبي حنيفة، وتقام صلاة العيدين والخسوفين في شدة الخوف لأنهما بعرض الفوات، ولا تقام صلاة الاستسقاء.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ الصَّلاةُ تُقَامُ فِي كُلِّ قِتَال مُبَاحٍ وَلَو فِي الذَّبِّ عَنِ المَالِ، وَكَذَا فِي الهَزِيمَةِ المُبَاحَةِ عَنِ الكُفَّارِ، وَلاَ تُقَامُ فِي اتِّبَاعِ أَقْفِيَةِ الكُفَّارِ عِنْدَ انْهِزَامِهِمْ، وَيُقِيمُهَا الهَارِبُ مِنَ الحَرَقِ وَالغَرَقِ والسَّبُعِ، والمُطَالَبُ بالدَّيْنِ إِذَا أَعسَرَ وَعَجَزَ عَنِ البَيِّنَةِ، وَالمُحْرِم إِذَا خَافَ فَوَاتَ الوُقُوفِ قِيلَ: يُصَلِّي مُسْرِعاً فِي مَشْيِهِ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما يرخص في هذه الصلاة، إذ لا شك في أنها غير جائزة عند الأمن والسلامة، وفيه صور: إحداها: تجوز هذه الصلاة في كل ما ليس بمعصية من أنواع القتال، دون ما هو معصية؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، فيجوز في قتال الكفار ولأهل العدل في قتال أهل البغي، وللرفقة في مال الطريق، ولا يجوز لأهل البغي والقُطاَّع، ولو قصد نَفْسَ رَجُلٍ أو حَرِيمَه، أو نفس غيره، أو حريمه واشتغل بالدفع كان له أن يصلي هذه الصَّلاة في الدفع، ولو قصد إتلاف ماله نظر، إن كان حيواناً فكذلك الحكم، وإلا فقولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الأصل المحافظة على أركان الصَّلاة وشرائطها، خالفناه فيما عدا المال؛ لأنه أعظم حرمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 340

وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجوز؛ لأن الذَّبَّ بالقتال عن المال جائز، كالذَّبِّ عن النَّفْس، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" 182. الثَّانِية: لو وَلُّوا ظهورهم عن الكفار منهزمين، نظر إن كان يحل لهم ذلك، بأن يكون في مقاتلة كل مسلم أكثر من كَافِرَيْنِ، فلهم أن يصلُّوا صَلاَة شدة الخوف؛ لتعرضهم للهلاك لو أتوا بالصلاة على الكمال، وإن لم يحل كما إذا كان في مقابلة كل مسلم كافران فليس لهم ذلك؛ لأنهم عاصون بالانهزام، والرخص لا تناط بالمعاصي، فإن كان فيهم متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة فله الترخص لجواز الانهزام، ولو انهزم الكفار واتبع المسلمون أقعيتهم، ولو أكملوا الصلاة وثبتوا لفاتهم العدو، فليس لهم صلاة شدة الخوف؛ لأنهم لا يخافون محذوراً بل غاية الأمر فوات مطلوب، والرخص لا يتعدى بها مواضعها، فلو خافوا كميناً أو كرة، كان لهم أن يصلُّوها.
الثالثة: الرخصة في الباب لا تتعلق بخصوص القتال، بل تتعلق بعموم الخوف، فلو هرب من حَرِيقٍ يغشاه، أو من سيل منحدرٍ إلى موضعه ولم يجد في عرض الوادي ما يقدر على اللّبث فيه والصعود، فغدا في طوله، أو هرب من سبع قصده فله أن يصليها؛ لأنه خائف من الهلاك، والمديون المعسر إذا عجز عن بينة الإعسار ولم يصدقه المستحق، ولو ظفر به لحبسه، كان له أن يصليها هارباً دفعاً لضرر الحبس، ويجوز أن يعلم قوله: (والمطالب بالدين) بالواو؛ لأن الحَنَّاطِي حكى عن الإمام أنه لو طلب رجل لا ليقتل لكن ليحبس أو يؤخذ منه شيء لا يصلي صلاة الخوف، وغاية المحذور هاهنا هو الحبس، ولو كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغليل وانطفأ الغضب فقد جوز الأصحاب أن له أن يهرب، وقالوا: له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هربه، واستبعد الإمام جواز الهرب من المستحق بهذا التوقع.
الرابعة: المحرم إذا ضاق وقت وقوفه بعرفة وخاف فوت الحج لو صلى متمكناً ما الذي يفعل؟ حكى الشيخ أبو محمد عن القفال فيه وجوهاً: أحدها: أنه لا يؤخر الصلاة، فإن قَضَاءَها هين، وأمر الحَجِّ خطير، وقضاؤه عسير.
والثاني: أنه يقيمها، كما تقدَّم في شدة الخوف، ويحتمل فيها العذر؛ لأن الحج في حتى المحرم كالشيء الحاصل، والفوات طارئ عليه، فأشبه ما لو خاف هلاك مال حاصل لو لم يهرب، ولأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أياماً في حق المديون.

الجزء: 2 - الصفحة: 341

والثالث: أنه تلزمه الصَّلاة على سبيل التمكن والاستقرار، لأن الصَّلاةِ تلْو الإيمان، ولا سبيل إلى إخلاء الوقت عنها؛ لعظم حرمتها، ولا سبيل إلى إقامتها كما تقام في شدة الخوف؛ لأنه لا يخاف ذوات حاصل هاهنا، فأشبه فوت العدو عند انهزامهم، ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الأئمة -والله أعلم-.
وقوله: (قيل: يصلي مسرعاً في مشيه) هو الوجه الثاني، وقوله: (وقيل: لا يجوز ذلك) يمكن إدراج الأول والثالث فيه.
قال الغزالي: وَلَوْ رَأَى سَوَادًا فَظَنَّهُ عَدُوًّا فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ قَوْلانِ، وَمَهْمَا فَاجَأَهُ فِي أَثْنَاءِ صَلاِتهِ خَوْفٌ فَبَادَرَ إِلَى الرُّكُوبِ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلاَةِ رَاجِلاً فَأَخَذَ بِالحَزْمِ لَمْ يَصِحَّ بِنَاءُ الصَّلاَةِ، وَلَوِ انْقَطَعَ الخَوْفُ فَنَزَلَ وَأَتَمَّ الصَّلاةَ صَحَّ، وَإِذَا أَرْهَقَهُ الخَوْفُ فَرَكبَ وَقَلَّ فِعْلُهُ جَازَ البِنَاءُ، وَإِنْ كَثُرَ الفِعْلُ مَعَ الحَاجَةِ فَوَجْهَانِ كَمَا فِي الضَّرَبَاتِ المُتَوَالِيَةِ.
قال الرافعي: في الفصل مسأْلتان: إحداهما: لو رأوا سواداً أو إبلاً أو أشجاراً، فظنوها عدواً فصلّوا صلاة شدة الخوف، ثم تبين الحال ففي وجوب القضاء قولان.
أصحهما: وهو قوله في "الأم"، وبه قال أبو حنيفة: أنه يجب؛ لأنه ترك في صلاته فروضاً بسبب هو مخطئ فيه فيقضي، كما لو أخطأ في الطهارة.
والثاني: نقله المزني عن "الإملاء" أنه لا يجب لقيام الخوف عند الصلاة، وهو أصح عند صاحب "المهذب"، والجمهور على ترجيح الأول، ثم اختلفوا في محل القولين فمنهم من قال: القولان فيما إذا كانوا في دار الحرب لغلبة الخوف والعدو فيها، فأما إذا كانوا في دار الإسلام فوجب القضاء لا محالة، وحكى هذا الفرق صاحب "التهذيب" عن نصه في القديم وأصحاب هاتين الطريقتين نسبوا المزني إلى السَّهْوِ فيما أطلقه عن "الإملاء" وادعت كل فرقة أنه إنما نفى الإعادة في "الإملاء" بالشرط المذكور، ومن الأصحاب من عمم القولين في الأحوال، وهذا أظهر، وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب.
ويجوز أن يعلم قوله: (قولان) بالواو؛ إشارة إلى الطريقتين الأولتين، ولو تحققوا العدو فصلُّوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان دونهم حائل من خندق، أو نارٍ أو ماءٍ، أو بان أنه كان بقربهم حصن يمكنهم التحصن به، أو ظنوا أن بإزاء كل مسلم أكثر من مشركين فصلوها منهزمين، ثم بان خلافه فحيث أجرينا القولين في الصورة السابقة تجريها أيضاً في هذه الصورة ونظائرها، ومنهم من قطع بوجوب القضاء هاهنا؛ لأنهم

الجزء: 2 - الصفحة: 342

قصروا بترك البحث عما بين أيديهم، قال في "التهذيب": ولو صلوا في هذه الأحوال صلا عَسَفَان اطرد القولان، ولو صلوا صلاة ذات الرِّقَاع، فإن جوزناها في حال الأمن فهاهنا أولى، وإلا جرى القولان.
الثانية: لو كان يصلي متمكناً على الأرض متوجهاً إلى القبلة، فحدث خوف في أثناء صلاته، فركب نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه تبطل صلاته، وعليه أن يستأنف، ونقل عن نصه في موضع آخر أنه يبني على صلاته، واختلفوا فيهما على طريقتين حكاهما أصحابنا العراقيون.
وأحدهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أن الركوب يُبْطِلُ الصلاة؛ لأنه عمل كثير.
والثاني: لا يبطلها؛ لأن العمل الكثير بعذر شدة الخوف لا يقدح.
وأظهرهما -وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق-: أن النصين محمولان على حالين، حيث قال: يستأنف الصَّلاة، أراد ما لم 183 يكن مضطراً إلى الركوب وكان يقدر على القتال، وإتمام الصَّلاة راجلاً فركب احتياطاً، وأخذ بالحزم، وحيث قال: (يبني) أراد ما إذا صار مضطراً إلى الركوب، ثم قال هؤلاء: إذا قل فعله في الركوب لحذقه بني بلا خلاف، وإن أكثر فعله، ففيه الوجهان المذكوران في العمل الكثير للحاجة، والمذكور في الكتاب هو الطريق الثاني، فقوله: (ومهما فاجأه في أثناء صلاته 184 خوف) عبارة عن الحالة الأولى، وقوله: (وإن أرهقه الخوف فركب) عبارة عن الحالة الثانية، وحينئذ لا يخفى أن قوله: (لا يصح بناء الصلاة) وقوله: (جاز البناء) ينبغي أن يعلَّما بالواو وإشارة إلى الطريقة الأولى، وقد أدخل بين الكلامين سورة وهي عكس هذه المسألة، وهي أنه لو كان يصلي راكباَ في شدة الخوف فانقطع الخوف، نَص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه ينزل ويبني على صلاته، وفرق بينه وبين الركوب على قوله بأنه إذا ركب استأنف بأن قال: النزول أخف وأقل عملاً من الركوب، واعترض المزني عليه بأن هذا لا ينضبط، وقد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس، واختلف الأصحاب في الجواز بحسب اختلافهم في الركوب، فمن أثبت الخلاف في الركوب على الإطلاق فرق بين الركوب على أحد القولين، وبين النزول بأن قال: نزول كل فارس أخف من ركوبه، وإن أمكن أن يكون أثقل من ركوب فارس آخر، ومن نزل النَّصَّيْن في الركوب على الحالين المذكورين قال: لا فرق بين الركوب والنزول إن حصل بفعل قليل بني وإن كثر الفعل، فوجهان، وتبين من هذا الحاجة إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 343

إعلام قوله: (فنزل وأتم الصلاة صح) بالواو؛ لأنه مطلق، وفي الصحة عند كثرة الفعل اختلاف، وذكر صاحب "الشامل" وغيره: أنه يشترط في بناء النازل أن لا يستدبر القبلة في نزوله، فإن استدبر بطلت صلاتُه -والله أعلم- 185. قال الغزالي: وَبَجُوزُ لُبْسُ الحَرِيرِ وَجِلْدُ الكَلْبِ وَالْخَنْزِيرِ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ القِتَالِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي حَالَةِ الاخْتِيَارِ بِخِلاَفِ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ، ويجُوزُ تَسْمِيدُ الأرْضِ بِالزِّبْلِ لِعُمُومِ الحَاجَةِ، وَفِي لُبْسِ جِلْدِ الشَّاةِ المَيِّتَةِ وَتَجْلِيلِ الخَيْلِ بِجِلِّ مِنْ جِلْدِ الكِلاَبِ وَجْهَانِ، وَفِي الاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجْسِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ختم الشافعي -رضي الله عنه- صلاة الخوف بباب فيما له لبسه، وفيما ليس له، فاقتضى الأكثرون من الأصحاب به، وأوردوا أحكام الملابس في هذا الموضع، ومنهم من أوردها في صلاة العيد؛ لأنا نستحب التزين يوم العيد، فتكلموا في التزين الجائز والذي لا يجوز، وصاحب الكتاب أورد بعضها هاهنا وبعضها في صلاة العيد، والمذكور هَاهُنَا يشتمل على مسألتين: إحداهما: سنذكر أن لبس الحرير حرام على الرجال، لكن يجوز لبسه في حالة مفاجأة القتال إذا لم يجد غيره، وذلك في حكم الضرورة، وكذلك يجوز أن يلبس منه ما هو جُنَّة القتال كالديباج الصّفيق الذي لا يقوم غيره مقامه، وجوز القاضي ابْنِ كَج اتخاذ القباء ونحوه، مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيها على الإطلاق، لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لينكسر الكفار منه، كتحلية السيف ونحوه، والمشهور الأول.
وقوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) مطلق، لكن أحوالاً يجوز فيهما لبس الحرير في حال الاختيار مستثناة عنه على ما سيأتي في صلاة العيد.
الثانية: للشافعي -رضي الله عنه- نصوص مختلفة في جواز استعمال الأعيان النجسة، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره فيها طريقتين، منهم من طرد قولين في وجوه الاستعمال كلها.
أحدها: المنع لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ 186.

الجزء: 2 - الصفحة: 344

والثاني: يجوز، كما يجوز لبس ثوب أصابه نجاسة، ومنهم من فَصَّل، وقال: لا يجوز استعمال النجاسات في البدن، والثوب إلا لضرورة وفي غيرها يجوز إن كانت النجاسة مخففة، وإن كانت مغلظة وهي نجاسة الكلب والخنزير فلا، ونزل النصوص على هذا التفصيل، وهذا أظهر، وبه قال اْبُو بَكْرٍ الفَارِسِي والْقَفَّالُ وأصحابه، والفرق بين استعمالها في البدن والثوب وغيرهما ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- وهو أن على الإنسان تَعَبُّداً في اجتناب النجاسات، بإقامة الصلوات وسائر العبادات، ولا تعبد على الفرس والأداة وغيرها، فلا يمنع من استعمالها فيها، والفرق بين نجاسة الكلب والخنزير، وسائر النجاسات غلظ حكمها، ولذلك لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته أصلاً وبالكلب أيضاً إلا في أغراض مخصوصة، فأولى أن لا يجوز الانتفاع بهما بعد الموت.
إذا تقرر ذلك فنقول: لا يجوز له لبس جلد الكلب والخنزير في حالة الاختيار، بخلاف الثياب النجسة يجوز لبسها والانتفاع بها في غير الصلاة ونحوها؛ لأن نجاستها عارضة سهلة الإزالة فإن فاجأه قتال ولم يجد سواه، أو خاف على نفسه من حر أو برد كان له أن يلبس جلد الكلب والخنزير، كما له أكل الميتة عند الاضطرار، ولا بأس لو أعلم قوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة الطاردة للقولين في وجوه الاستعمال، في جميع النجاسات، وهل يجوز لبس جلد الشاة الميتة وسائر الميتات في حالة الاختيار؟ فيه وجهان بنوهما على أن حكمنا بتحريم لبس جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أم لما خُصَّا به من التغليظ.
وأظهر الوجهين: المنع، ويجوز أن يلبس هذه الجلود فرسه وأداته، والمنع في البدن، وجلد الكلب والخنزير كما لا يستعمل في البدن لا يستعمل في غيره، نعم لو جَلَّلَ كلباً أو خنزيراً بجلد كلب، أو خنزير فهل يجوز ذلك فيه وجهان: أحدهما: لا، فإنه مستعمل، ولا ضرورة.
وأظهرهما: الجواز؛ لاستوائهما في تغلظ النجاسات، وأما تسميِد الأرض بالزّبل فهو جائز.
قال الإمام: ولم يمنع منه للحاجة الحاقة القريبة من الضرورة، وقد نقله الاثبات عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي كلام الصّيدلاني ما يقتضي بإثبات خلافه فيه، والله أعلم.
وهل يجوز الاستصباح بالزيت النجس؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن السّراج قد يقرب من الإنسان ويصيب الدخان بدنه وثيابه.
وأظهرهما: نعم؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَالْوَدَكِ

الجزء: 2 - الصفحة: 345

فَقَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ، ولاَ تَأْكُلُوهُ" 187. وأما الدخان فقد لا يصيب، وبتقدير أن يصيب فللأصحاب وجهان في نجاسته، فإن لم نحكم بنجاسته فلا بأس به كبخار المعدة لا ينجس الفم، وإن حكمنا بنجاسته -وهو الأظهر- كالرماد فقليله معفو عنه، والذي يصيب في الاستصباح قليل لا ينجس غالباً.
وأعلم أنه لا فرق للاستصباح بين أن ينجس بعارض، وبين أن يكون نجس العين كودك الميتة، ويطرد القولان في الحالتين، قاله صاحب "النهاية" وغيره -والله أعلم-.

الجزء: 2 - الصفحة: 346

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل