العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ اللُّقَطَةِ،
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ بَابَانِ

البَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهَا

قَالَ الغَزَالِيَّ: وَهِيَ الالْتِقَاطُ والمُلْتَقِطُ وَاللَّقْطةُ أَمَّا الالْتِقَاطُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَخْذِ مَالٍ ضَائِعِ لِيُعَرِّفَهُ المُلْتَقِطُ سَنَةً ثُمَّ بَتَمَلَّكَهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ إِذَا ظَهَرَ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ إِنْ وَثِقَ بِأمَانَةِ نَفْسِهِ فَمُسْتَحَبُّ (م)، وَإِنْ عَلِمَ الخِيَانَةَ فَمُحَرَّمٌ، وَإِنْ خَافَ الخِيَانَةَ فَفِي الُجَوَازِ خِلاَفٌ، كَمَا في تقَلُّدِ القَضَاءِ مِمَّنْ يَخَافُ الْخِيَانَةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَليُشْهِدْ عَلَيْهَا، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الإِرْشَادِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إيجَاباً فَفِيهِ خِلاَفٌ (و)، ثُمَّ أَشْهَدَ فَليُعَرِّفِ الشُّهُودُ بَعِضِ (و) أَوْصَافِ اللُّقَطَةِ لِيَكُونَ في الإِشْهَادِ فَائِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَنْ زيدِ بْنِ خالدٍ الجُهَيْنيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ 1 - فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، = الإحسان إلى صديقهما، ففي "صحيح مسلم" أن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال: إن منْ أبَرِّ البرّ، أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه.
وأما العقوق، فهو كل ما أتى به الولد مما يتأذى به الوالد أو نحوه تأذياً ليس بالهيِّن، مع أنه ليس بواجب.
وقيل: تجب طاعتهما في كل ما ليس بحرام، فتجب طاعتهما في الشهبات.
وقد حكى الغزالي هذا في "الإحياء" عن كثير من العلماء، أو أكثرهم.
وأما صلة الرحم، ففعلك مع قريبك ما تعدُّ به وأصلاً غير منافر ومقاطع له، ويحصل ذلك تارة بالمال، وتارة بقضاء حاجته أو خدمته أو زيارته.
وفي حق الغائب بنحو هذا، وبالمكاتبة وإرسال السلام عليه ونحو ذلك.
السادسة: الوفاء بالوعد، مستحب استحباباً متأكداً، ويكره إخلافه كراهة شديدة، ودلائله من الكتاب والسنة معلومة، وقد ذكرت في كتاب "الأذكار" فيه باباً، وبينت فيه اختلاف العلماء في وجوبه.

الجزء: 6 - الصفحة: 336

فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها، إلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا"، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟ قال: هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الإْبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا 2. وفي الباب أحاديثُ أُخرَ نأتي ببعضها في الأثناء.
أمَّا اللُّقطُ المترجم به البابُ فإنَّ الأَزْهَرِيَّ 3 حَكَى في "شرح حروف المُخْتَصِر" عن اللَّيْثِ عَنِ الخَلِيلِ أن اللُّقَطَةَ بَتَحْريكِ القَافِ: الذي يَلْقُطُ، واللُّقْطَة بالتَّسْكِين: الشَّيْءُ المَلْقُوط، قال: وهذا هو القياسُ إلاَّ أنَّ الرُّواةَ أَجْمَعُوا على أن التَّحْرِيكَ فِي حديث زَيْدِ بْن خَالدٍ -رَضِيَ الله عَنْه- وكذلك رَوَاهُ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأَحْمَرِ، وبه قال: الفَرَّاءُ وابْنُ الأَعْرَابِيِّ والأَصْمَعِيُّ وغَيْرُهُم، ثم قال: وهو الصحيحُ، فإذن المالُ المَلْقُوطُ لُقْطةٌ بِالاتفاق، وفي تسمِيَتِهِ لُقَطَةً بالتَّحْريك اختلافٌ.
وَعَدَّ ابْنُ السِّكِّيتِ في الإصْلاح 4 اللُّقَطَةَ من الأسماء التي على فُعْلَهُ وفُعَلَة، واللّقط واللِّقَاط أيضاً الشَّيْءُ كل المَلْقُوطُ، ثم جَعَلَ حُجَّةُ الإِسلام -رحمه الله الكتاب في بابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: في الأرْكَانِ، وهي الالْتِقَاطُ وَالمُلْتَقِط واللُّقَطَةُ.
أمَّا الالْتِقَاطُ: فمعناه مشهورٌ في اللُّغَة.
= لمن يضحك منه.
انظر: المغرب: 2/ 170، القاموس المحيط: 2/ 297 واصطلاحًا: عرفها الحنفية بأنها: أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها وهي الشيء الذي يجده ملقى لياخذه أمانة.
واللقطة مال معصوم عرض للضياع.
عرفها الشافعية بأنها: مال أو اختصاص محترم ضاع بنحو غفلة بمحل غير مملوك لم يحرز ولا عرف الواحد مستحقه ولا امتنع بقوته.
عرفها المالكية بأنها: مال معصوم عرض للضياع وإن كلبًا أو فرساً.
عرفها الحنابلة بأنها: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره.
انظر: شرح فتح القدير: 6/ 118، حاشية بن عابدين: 3/ 348، تبيين الحقائق: 3/ 301، نهاية المحتاج: 5/ 426، مغني المحتاج: 2/ 406، الشرقاوي على التحرير: 2/ 135، جواهر الأكليل: 2/ 217، حاشية الدسوقي: 4/ 117، الشرح الصغير: 3/ 350، المغني لابن قدامة: 5/ 663، كشف القناع: 4/ 208 - 209.

الجزء: 6 - الصفحة: 337

وقولُهُ في الكتاب: "أمَّا الالتقاطُ، فهو عبارة عن أخْذِ مالٍ ضَائعٍ؛ ليُعَرِّفَهُ المُلْتَقِطُ سَنَةً، ثم يَتَمَلَّكَهُ، إنْ لم يَظْهَرْ مالِكُهُ بشَرْطِ الضَّمَان، إذا ظَهَر" إشارةٌ إلَى معناه الشرعيِّ الذي يَقْصِدُهُ الفقيهُ، لكنَّه قدْ لا يُسْتَحْسَنُ ذلك؛ لأن الأَشْبَهَ أنْ يُقَالَ: ليس للالتقاط معنًى شرعيٌّ، بل هو مقرَّرٌ على حَقِيقته، لكنَّ الفَقِيهَ يتكلَّمُ في الالتقاطِ خاصٌ، وأيضاً؛ فلانَّهُ أخَذَ المُلْتَقِطُ في تفسير الالتقاط، وأيْضاً، فلأنَّه أخَذَ التعريفَ أو قَصَدَ التعريفَ في التفسير، وذلك لاَ يلائم عدَّه التعريف في الباب الثاني منْ أحكام الالتقاطِ، وكذا القول في التملُّك، وفي الضَّمان عند ظُهور المَالِكِ، وفقْهُ الفَصْل مسألتاَن: الأُولَى: قال الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنه- في "المختصر": ولا أُحِبُّ لأُحُدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَهَا، إِذَا كَانَ أَمِيناً.
وقال في "كتاب اللُّقطَة الصغير" منْ "الأُمِّ": "ولا يَحِلُّ تَرْكُ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَجَدَهَا إذَا كَانَ أَمِيناً علَيْهَا" وللأصحاب فيها طريقان: قال الأكْثَرُونَ: المسألة على قولَيْن: أحَدُهما: وُجُوبُ الالتقاط؛ لأنَّه حُرْمَة مالِ المُسْلِمِ كحرمةِ دَمِهِ، فيجبُ صَوْنُهُ منْ الضَّياع.
وأصحُّهُمُا: لا يَجِبُ، كما لا يجبُ قَبُولُ الوديعة، إذا عُرِضَتْ عليه.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبي إسحاقَ حَمْلُ النَّصَّيْنِ عَلَى حالَيْن، إن كانت في موضع تغْلِبُ على الظنِّ ضياعُها بأن تكونَ في ممرِّ الفسَّاقِ والخونة، وجب الالتقاط، وإلاَّ، لم يجبْ؛ لأنَّ غيرَه يأخُذُها ويحفَظُها.
هذا ما رواه عامَّةُ الحملة.
وفي "النهاية" طَرِيقة أخرى: أنَّه إن كان لا يَثِقُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يجبْ الاَلتِقاطُ علَيْهِ قوْلاً واحداً، والقولانِ فيمَنْ يَغْلِبُ على ظَنَّهِ أنَّه لاَ يخونُ.
وأخرَى قاطعةٌ بنفي الوجُوبِ مطْلَقاً حاملةٌ للنصِّ الآخَرِ على تأكيد الأمْرِ به.
وإذا قلْنا بنفْي الوُجُوبِ، فإنْ وَثَقَ بِنَفْسِهِ، ففي الاستحباب وجهان: أصحُّهُمَا: ثبوتُهُ.
قال في "النهاية": وإن لم يَثِقْ بِنَفْسِهِ، وليْسَ هو في الحالِ مِنَ الفَسَقَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ له الالتقاطُ لا مَحَالةَ.
وحَكَى عن شَيْخِه وجهين في الجواز: أصحُّهُمُا: ثُبُوتُهُ، وشبَّههما بالوجْهَيْن في أنَّ الصالح للقضاءِ، إذا لم يأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ، هل يجوزُ له تقلُّدُ القَضَاء؟ وسواءٌ قلْنا بوجُوب الالتقاط، أو عَدَمِهِ، فلا تُضْمَن اللقطة بالتَّرْكِ؛ لأنَّها لم تَحْصُلْ في يَدِه.
هذا حكم الأمِنِ.
أمَّا الفاسِقُ، فجَوابُ مُعْظَمِ الأصْحَابِ أنَّهُ يُكْرَه له الالتقاط؛ لأنَّه رُبَّما تدعوه نَفْسُه

الجزء: 6 - الصفحة: 338

إلَى كتمانِها، فإنْ فَعَلَ فسيأتي الكلامُ فيه.
وقولُه في الكتاب: "وإنْ عَلِمَ الخيانةَ فمحرَّم" 5 يخالف ما أطْلَقَه الأكثرون منْ الكراهة، ويوافقُ قوله في "الوسيط" أنَّ الفَاسِقَ لا يجوزُ له الأَخْذُ، وأنَّه قدَّر أنَّ قَوْلَهُ: "وإنْ عَلِمَ الخيانَةَ فيمَنْ هو أمينٌ في الحال، لكنَّهُ يعْلَمُ أنَّهُ لو أخَذَ، لخَانَ وَفَسَق، فالحكمُ بالتَّحْرِيم أبْعَدُ.
وقولُه قبله: "والأصَحُّ أنَّه ليس بواجبٍ" يجوز أنْ يُعْلَمَ بالواو؛ إشارةً إلَى قَوْلِ مَنْ قطَع بنَفْيِ الوُجُوبِ، وقولُه: "فمستحبٌّ" بالميم والألف؛ لأنَّ الحكايةَ عن مالكٍ وأحمد -رحمهما الله- كراهة الالْتِقَاط.
الثانيةُ: في وُجُوبِ الإشهاد على اللُّقَطَةِ وجّهان، ويُقَالُ: قولان: أظْهَرُهُمَا: وبه قَالَ مالكٌ وأحَمَدُ -رحمهما الله- أنَّهُ لا يجِبُ كما لاَ يجبُ الإشْهَادُ على الوديعة، إذا قَبِلَهَا؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَأْمُرْ بِهِ في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ -رَضِيَ اللهُ عنه-.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- أَنَّهُ يَجِبُ الإشْهَادُ؛ لما رُوِيَ عَنْ عِيَاضِ ابْنِ حِمادٍ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهَا ذَا عَدْلٍ أو ذَوَي عَدْلٍ" 6. ومَنْ قَالَ بالأوَّل، حَمَلَه عَلَى الاستحباب، ورُبَّما احتجَّ به للاستحباب مِنْ حيثُ إنَّه لو كان الإشهادُ واجباً، لمَا خيَّر بَيْنَ الوَاحِد والاثنين، ثم في كيفيَّة الإشهاد وجهان: أحَدُهُمَا: يُشْهِدُ عَلَى أصْلِهَا دُونَ صِفَاتِهَا؛ لِئَلاَّ ينتَشِرَ، فيتوَّسَل بها الكاذِبُ، إنِ اكْتَفَيْنَا بالصِّفَة، وبمواطأَة الشُّهود، إنْ أحَوجَنَا إلى البينةِ، وهذا أصَحُّ عندَ صَاحِب "التهذيب"-قال: ويجوزُ أنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا.

الجزء: 6 - الصفحة: 339

والثاني: أنه يُشْهِدَ عَلَى صِفَاتِها أيضاً، حتى لو مات لاَ يَمْلِكْها الوارثُ، وَيشهِدَ الشُّهُود لِلْمَالِك، وأشارَ الإمامُ إلى توسُّط بيْن الوجهَيْن؛ وهو أنَّهُ لاَ يستوعبُ الصِّفَاتِ، ولكنْ يَذْكُرُ بعْضها؛ ليكونَ في الإشهاد فائدةٌ، هذا، وقولُه في الكتاب "ولِيَعرِّفِ الشُّهُود بَعْض أوْصَافِ اللُّقَطَةِ" ويجوزُ إعلامُه بالواو؛ للوجه الأوَّل.
وقوله: "واحتمل أن يكونَ إرْشَاداً واستِحْباباً، واحْمَل أن يكون إيجاباً،" هذا هو الوجه، وفي أكثر النسخ، "فاحتمل أنْ يكونَ بطريقِ الإرْشَادِ، واحتمل أنْ يكونَ اسْتِحْبَاباً" هكذا يوجد في أكثر النُسَخ، وليس بصحيح في هَذَا الموضِعِ، وإنْ كان بينهما فرقٌ إلاَّ أن يُقَالَ المعْنَى بطريق الإرْشَاد إلَى رعاية الواجِب، لكنَّهُ بَشع وقولُه: "ففيه خِلاَفٌ" يجوزُ أن يُعْلَمَ بالواو؛ لأنَّ أبا الفَرجِ السَّرْخَسِيَّ حَكَى طرِيقَةً قاطعةً بنَفْيِ الوُجُوب واللهُ أعلمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا المُلْتَقِطُ فَهُوَ كلُّ حُرٍّ مُسْلِم مُكَلَّفٍ عَدْلٍ لأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الأَمَانَةِ وَالوِلاَيَةِ وَالكَسْبِ، وَالأَصَحُّ أَنَّ الكَافِرَ أَهْلٌ لِلالْتِقَاطِ في دَارِ الإِسْلاَمِ كَالاحْتِطَابِ، وَفِي أَهْلِيَّةِ الفَاسِقَ وَالعَبْدِ وَالصَّبيِّ قَوْلاَنِ (و) لفَوَاتِ أَهْلِيَّةِ الوِلاَيَةِ وَالأَمَانَةِ، وَفَائِدَة المَنْعِ أنَّهُمْ لاَ يَتَمَلَّكُونَ، وَتَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ مَضْمُونَةً، وَلَعَلَّ الأَصَحَّ أنَّهُمْ يَتَملَّكُونَ لأَنَّ أَخْبَارَ اللُّقَطَةِ عَامَّةٌ، فَعَلَى هَذَا؛ القَاضِي إمَّا أَنْ يَنْتَزِع (ح و) منْ يَدِ الفَاسِقَ عَلَى أَحَدَ الوَجْهِيْنِ، أَوْ يُنَصَبّ (ح و) عَلَيْهِ رَقِيباً كَمَا يَرَاهُ إِلَى أن تَمْضِيَ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الركْنُ الثَّانِي: المُلْتَقِطُ، وبناءُ الكَلامِ فيه عَلَى أصْلٍ؛ وهو أنَّ اللُّقَطَةَ فيها تعني الأَمَانَةَ والوِلاَيةَ والاكْتِسَابَ.
أمَّا الأمانةُ والوِلايةُ، ففي الابتداء، فإنَّ سبيلَ المُلْتَقِطِ في مدة التعريف سبيلُ الأُمَنَاءِ لا يضمَنُ المال إلاَّ بتَفْرِيط، والشَّرْعُ فَوَّضَ إلَيه حِفْظَه كالوليِّ يحفظ مالَ الصبيِّ.
وأمَّا الاكتسابُ، ففي الانتهاءِ منْ حيثُ إِنَّ له التَمَلُّكَ بعْد التَّعْرِيف، وما المغلَّب؟ فيه وجهان، وَيُقَالُ: قولان 7: أَحَدُهُمَا: معنى الأمانةِ والوِلاية؛ لأنهَّا نَاجِزَةٌ والتَّمَلُّكُ منتظر فيُنَاطُ الحكمُ بالحَاضِر، وُيُبْنَي الآخرُ علَى الأوَّلِ.
والثَّانِي: مَعْنَى الاكْتِسَابِ؛ لأنَّه مالُ الأمْرِ ومقصودُه، فالنَّظرُ إلَيْه أوْلَى؛ لأنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 340

المُلْتَقِطَ مستقلٌّ بالالْتِقَاطِ، وآحادُ النَّاسِ لا يستقلُّون بالأمانات إلاَّ بائْتمانِ المَالِكَ، ولكنْ يستقلُّون بالاكتساب.
إذا عَرفْتَ ذلك، فإن اجتمعَ في الشَّخْصِ أربَعُ صفاتٍ: الإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والعَدَالَةُ، والتَّكْلِيفُ، فله أنْ يَلْتَقِطَ، وُيعَرِّفَ وَيتَمَلَّكَ؛ لأنَّ أهْلٌ للأمانة والولاية والاكتساب جميعاً، وإلاَّ، ففيه مسائلُ: إحْدَاهَا: في تَمْكِين الذَّمي من الالتقاطِ في دَارِ الإسْلاَمِ وجهان: أحدُهُما: لاَ يُمَكَّنُ؛ لما فيه منْ مَعْنَى الأمانةِ والولاية، ولأنَّهُ ممنوعٌ من التسلُّط في دار الإسْلاَمِ؛ ألاَ تراه أنَّه لا يُحْيي وأصحُّهما: التَّمْكِينُ؛ ترجيحاً لمعْنَى الاكتسابِ، كما أنَّه يَصْطَادُ ويَحْتَطِبُ، وقَطَعَ بعضُهُمْ بالوَجّه الثَّاني، ورُبَّما شَرَطَ في التجوِيز كونَهُ عَدْلاً في دينه، وقولُه في الكتاب: "والأصحُّ أنَّ الكافِرَ أهلٌ للالتقاط" يمكن حملُه على الأصحِّ منْ الوجهَيْنِ، فيكونُ المذكورُ طريقةَ الخِلاَفِ، وعلَى الأصَحِّ منْ الطريقَيْن، فيكونُ المذكورْ الطريقةَ القاطعةَ.
فإنْ قلْنا: ليس له الالْتِقَاطُ، فالتَقَطَ، أخَذَهُ الإِمَامُ، وحَفِظَهُ إلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ.
وإنْ قُلْنَا: بِجَوَازِهِ، قالي في "التَّهْذِيب": "هُو كما لَوِ الْتَقَطَ الفاسِقُ" 8 وذَكَر أنَّ المرتدَّ، إنْ قُلنَا: إنَّ مِلْكَهُ زائلٌ، يُنْتَزَعُ منْ يَدِه، كما لَوِ احْتَطَبَ، يُنْتَزَعُ منْ يَدِه.
إنْ قُلْنَا: مِلْكُهُ غَيْرُ زائِلٍ، فكالفَاسِقِ يَلْتَقِطُ.
ولَكَ أنْ تَقُولَ: إذا قُلْنَا: إنَّ مِلْكَهُ زائلٌ، فإنَّ ما يَحْتَطِبُهُ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ، وَيَحْكُمُ بكوْنِهِ لأهْلِ الفَيْءِ، فإن كانت اللُّقَطَة كذلك فقياسُه أنْ يجوز للإمام ابتداءُ الألتِقَاطِ لأَهْلِ الفَيْءِ ولبيتِ المالِ، وأنْ يَجُوزَ للْوَلِيّ الالْتِقَاطُ للصَّبِيِّ.
وإذا قلْنا: إنَّ ملْكَهُ غَيْرُ زَائِلٍ، فهو بالذميِّ أشْبَهُ منه بالفاسِقِ، فليكن الْتِقَاطُهُ كالْتقاطِ الذِّمِّيِّ، وكذلك أورده الشَّيْخُ المتولِّي.

الجزء: 6 - الصفحة: 341

الثانية: هلِ الفَاسِقُ أهل للالتقاط؟ عن القَفَّالِ تخريجُه على الأصْلِ المذكُور، إنْ رَجَّحنَا الأمانة والوِلاية، فلا، وما يأخُذُه حكمه حُكْمُ المغْصُوب، وإن رجَّحنا الاكتسابَ، فَنَعَمْ، وهذه الطريقةُ هِيَ التي أفردها في الكتاب، وقطعَ عامَّةُ الأصحاب بأهْليَّته، وهو الذي يدُلُّ عليه نَظْمُ "المُخْتَصر"، ويُخَرَّج عليه ما حكَيْناه عَنِ المعْظَمِ أنَّهُ يُكْرَهُ له الالتقاطُ، وعلى هذا؛ فهل يُقَرُّ المالُ في يده، إذا التقط؟ فيه قولان: أصحُّهُمَا: وهو اختيار المُزَنِيِّ: لا، بل ينتزع مِنْ يَده، ويوضَع عنْد عَدْلٍ؛ لأنَّ مال أولاده لا يقرُّ في يدِه، فكَيْف يَقرُّ مال الأجانب؟ والثاني: نعَمْ؛ لأنَّ له حَقَّ التَّمَلُّك، ولكنْ يُضَمُّ إليه عَدْلٌ يُشْرِفُ عليه، وعن أبي الحُسَيْنِ بْنِ القَطَّانِ وَجْهٌ آخَرُ: أنَّه لا يُضَمُّ إلَيْه أحدٌ عَلى هذا القولِ، وعند أبي حنيفةَ وأحْمَدَ: لا يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ، ولا يُضَمُّ إليْه أَحَدٌ.
وسواءٌ قلْنا: أنَّهُ ينتزع من يده، أَوْ يُضَمُّ إِلَيْه مُشْرِفٌ، ففي التَّعْرِيفِ قولان: أَشْبَهُهُمَا: وهو ظاهرُ نَصَّهِ في "المختصَر" أنَّه لا يعْتَمَدُ في التَّعْرِيفِ؛ لأنَّهُ رُبَّما لا يَخُونُ فيه، حتى لا يَظْهَر المالِكُ، بل يُضَمُّ إلَيه نظرُ العَدْلِ ومراقبتُه.
والثاني: أنَّه يَكتَفِي بتَعْرِيفهِ، فإنَّه المُلْتَقِطُ، وهذا روايةُ الربيع، ثم إذا تمَّ التعريفُ، فللملْتَقِطِ التَّمَلُّكُ.
وقولُه في الكتاب: "وفي أهليَّة الفَاسِقِ، والعَبْدِ والصَّبِيِّ قولان" يجوز أن يُعَلَمَ لفظُ القولَيْنِ بالواو؛ للطريقة القاطعة بأهليَّة الفَاسِقِ، وهي جاريةٌ في الصبيِّ أيضاً، ولا تَجْرِي في العبْد باتِّفاق الأصحاب.
وقولُه: "ولعل الأصحَّ أنَّهم يتملّكُون" فيه تمثيلْ [الكتاب]، لكنَّكَ قدْ عرَفْتَ أنَّه ظاهر المَذْهَب في الفَاسِق بلا تمثيل وكذا القوْلُ في الصَّبِيِّ، ثم إنَّه استأْنَسَ لذلك بالأخْبَارِ الواردَةِ في اللُّقَطَةِ، فإنَّها مُطْلَقَةٌ، لا تُفرِّق بين هؤلاء وغَيْرهم.
وقوله: "إمَّا أنْ يُنْتَزَعَ مِنْ يدِ الفَاسِقِ، أو يُنَصِّبَ علَيْهِ رَقيباً" -ليس تخييراً، وإنَّما هو إشارةٌ إلَى ما قدَّمناه منْ القولَيْن، والكِنَايةُ في قولهِ كما تراه لا يَنْصَرفُ إلَى أَحَدِ الأمرَيْن، بل الوَجْهُ صَرُفها إلى الرَّقِيبِ، والمعْنَى: يُنَصِّبَ رقيبًا يختارُهُ ويستصوبه.
ويجوزُ إعْلاَمُ: قوله "يَنْتَزعَ ويُنَصِّبَ" بالحاء والألف؛ لما ذكرنا منْ مَذْهَب أبي حنيفةَ وأحمدَ.
وقولُه: "إلَى أنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ" -إشارةٌ إلَى أنَّه يُخَلِّى بينه وبين اللُّقَطَةِ بعْدَهَا ليتملكها، [واللهُ أَعْلَمُ].

الجزء: 6 - الصفحة: 342

قَالَ الغَزَالِيُّ: وللْعَبْدِ أنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ بِإذْنِ السَّيِّدِ وَيُحَصِّلُ المِلْكَ لِلسَّيِّدِ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ فِيهِ خِلاَفٌ (و) كَمَا في الشِّرَاء، وَإِنْ تَلِفَ في يَدِهِ قَبْلَ المُدَّةِ فَلاَ ضَمَانَ، فَإنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بَعْدَ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، فَإنْ أَذِنَ السَّيِّدُ في التَّملُّكِ تَعلَّقَ الضَّمَانُ بِالسَّيِّد (و) لاَ بِرَقَبتَه كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَأذنْ تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ العَبْدِ لاَ بِذمَّةِ السَّيِّدِ وَلاَ بِرَقبَتِهِ لأَنَّهُ لاَ خِيَانَةَ مِنْهُ ولاَ إِذنَ مِنَ السَّيِّدِ، وَالمُكَاتَبُ وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ رَقِيقٌ كَالحُرِّ عَلَى الأَصَحِّ (و) وَهُوَ المَنْصُوصُ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الثالثة: في الْتِقَاطِ العَبْدِ، وهُوَ عَلَى ثلاثةِ أَضْرُبٍ: أحدها: التقاط لَمْ يأذنْ فيه السَّيدُ، ولا نَهَى عنه.
وقد اختلفَ فيه قولُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- فأحَدُ القولَيْن، وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- وأحمد -رحمه الله- أنَّه يصحُّ؛ لأن يدُ العَبدِ يدُ سيِّدِهِ، فكأنَّ السَّيِّدَ هو المُلْتَقِطُ، وهذا كما أنَّه إذا اصطادَ أو احتطَبَ، يُعْتَبر ويكونُ الحاصلُ للسَّيِّدِ، ولا عبرةَ بقَصْدِهِ، وهذا القَوْلُ نقله المُزَنِيُّ عمَّا وَضَعَهُ بخطَّه، قال: ولا أعلَمُه سُمِعَ منه.
والثاني: وهو المنصُوصُ في "الأُمِّ" واختيارُ المُزَنِيِّ: أنَّه لاَ يَصِحُّ؛ لأنَّ اللّقَطَةَ أمَانَةٌ، وولايةٌ في الابتداء، وَتملُّكٌ في الانتهاءِ، والعبْدُ لا يَمْلِكُ، ولا هو منْ أَهْلِ الأمانةِ والوِلاَيَةِ.
وقد أَشَارَ صَاحِبُ الكتابِ إلَى ترجيحِ القَوْلِ الأَوَّلِ في الفَصْل السَّابِقِ، كما في الْتقاطِ الفاسِق، لكنَّ الشَّيْخَ أبَا حامدٍ والقاضِيَ الرُّويانيَّ وَغَيْرَهُمَا حَكَوْا بأَنَّ الثانِيَ أَصَحُّ.
وفي بعْضِ الشروح أنَّ ابْنَ سُرَيج قال: القولان مبنيَّان على أن العَبْدَ يَمْلِكُ، فإمَّا إذا فَرَّعنَا على الجَدِيدِ، وهو أنَّه لا يَمْلِكُ؛ فلَيْسَ له الالتقاطُ بحالٍ، و [في] هذا التباسٌ منْ جهةِ أنّهُ ليس القولانِ في أنَّ العَبْدَ، هَل يَمْلِكُ مطلَقاً، وإنَّما هُمَا في أنَّهُ، هل يَمْلِكُ بتمليك السيد، ولا تمْلِيكَ هاهنا منْ جهة السَّيِّد؟ التفريعُ: إن قلْنا: لا يَصحُّ التقاطه، لم يعتدَّ بتعريفه، ثم لا يخْلُو؛ إمَّا أن يَعْلَمَ السيد بالتقاطِه أو لا يَعْلَمَ، فإنْ لم يَعْلَمْ، فالمالُ مضمونٌ في يد العَبْدِ، والضمانُ متعلِّقٌ برَقَبَتِهِ أتلفه أو تَلِفَ بتَفْريطٍ، أو غيْر تَفْرِيطٍ كما في المَغْصُوب، وإن عَلِمَ به السَّيدُ، فله أحوالٌ: أحدها: أنَّهُ يأْخُذَ منْ يَدِهِ، وقَدَّم الإمامُ مقدِّمةَ، وهي أنَّ القَاضِيَ، لو أخذ المغصوبَ منَ الغَاصِب لِيَحْفَظَهُ للْمَالِكِ، هَلْ يبرأ الغاصِبُ منْ الضَّمانِ؟ فيه وجهان، ظَاهِرُ القياسِ منْهما الَبَرَاءةُ؛ لأنَّ يدَ القاضي نائبةٌ عن يدِ المالِكِ، إنْ قلْنا: لا تَبْرَأُ، فللقاضي أخْذُها منه، وإن قلْنا: تَبْرَأُ، فإنْ كان المالُ عُرْضَةً للضَّيَاعِ، والغاصِبُ بحيْثُ لا يَبْعُدُ أنْ يُفْلِسَ أو يغيّب وجهه، فكذلك، وإلاَّ، فوجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 343

أحدُهُما: أنَّه لا يَأخُذُ، فإنَّه أنفعُ للمَالِكِ.
والثاني: يُأْخَذُ، نَظَراً لهما جَمِيعاً، وليْسَ لآحَادِ الناسِ أخْذُ المغْصُوبِ، إذا لم يكُنْ في مَعْرِضِ الضَّيَاعِ، ولا الغاصِب؛ بحيث تفُوتُ مطالَبَتُهُ ظاهراً، وإنْ كان كذَلِكَ، فوجهان: أَظهَرُهُمَا: المنعُ؛ لأنَّ القاضِيَ هو النائِبُ عن الغائِبِينَ، ولأنَّ فيه ما يُؤَدِّي إلى الفتنةِ وشَهْرِ السِّلاحِ.
والثاني: الجوازُ؛ احتساباً ونَهْياً عنِ المُنْكَرِ.
فعلَى الأوَّل؛ لو أَخَذ، ضمن، وكان كالغَاصِبُ مِنَ الغاصب، وعلى الثاني؛ لا يَضْمَنُ، وبراءةُ الغاصِبِ على الخلاف السَّابق، وأوْلَى بألاَّ يَبْرَأ.
قال الإمامُ: ويجوزُ أنْ يُفَرَقَ بينَ أنْ يكُونَ هناكِ قَاضٍ يُمْكِن رفعُ الأمرِ إلَيْه، فلا يجوزَ، أو لا يكونَ، فَيَجُوز.
إذا عُرِفَ ذلكَ، فقد قال معْظَمُ الأصحاب: إذا أخَذَ السَّيِّدُ اللُّقَطَةَ من العَبْدِ، كان أخذُهُ الْتِقَاطاً؛ لأنَّ يدَ العبدِ، إذا لكم تكُنْ يدَ اَلْتِقَاطٍ، كان الحاصِلُ في يَدِهِ ضائعاً بعْدُ، ويَسْقُطُ الضمانُ عن العبدِ لوصوله إلى نائب المَالِكِ، فإنَّ كان أهْلٌ للالتقاط كأنَّه نائبٌ عَنْهُ، وبمثله أجابوا فيما لو أخَذَه أجنبي، إلاَّ أنَّ صاحبَ "التتمةِ" جَعَلَ أخذَ الأجْنَبِيِّ على الخلافِ فيما لو تعلَّق صيْدٌ بشبَكَةِ إنسانٍ، فجاء غَيْرُه وأخَذَهُ.
واستبعدَ الإمام قَوْلَهُم؛ بأنَّ أخْذَ السَّيِّدِ التقاطٌ؛ لأنَّ العبْدَ ضامنٌ بالأخْذِ، ولو كان أخذُ السَّيِّدِ التقاطاً يَسقُطُ الضمانُ عَلَيْه، وَيتَضرَّر به المَالِكُ، وهذا وجه قد أوردهُ القاضِي ابْنُ كجّ وأبو سعيد المتولِّي، وحَكَى تفْرِيعاً عَلَيْه أن السَّيِّدَ يَنْتَزِعُهُ من يدِه، وُيسلِّمُهُ إلى الحاكمِ؛ لِيَحْفَظَهُ للمالِكِ أبداً.
وأمَّا الإمامُ، فإنَّه قال: إذا قلْنا: إنَّه ليْسَ بالتقاطٍ، فأراد أخْذَهُ بِنفْسِه وحفظه لمالِكِهِ فيه وجهان مرتَّبان عَلَى أخْذِ الآحادِ المغْصُوب للحِفْظ، وأولَى بعدم الجَوَازِ؛ لأنَّ السَّيِّدَ سَاعٍ لنفسِه غَيْرُ مُحْتَسِبٍ، ثم يترتَّب عَلَى جوَازِ الأخْذِ حُصُولُ البراءةِ، كما قدَّمنا، وإن استدعَى من الحاكم انتزاعه، فهذه الصورةُ أَولَى بأنْ يزيلَ الحاكمُ فيها اليَدَ العادِيَةَ، فإذا أزال، فأوْلَى بأنْ تَحْصُلَ البراءةُ؛ لتعلُّق غَرَضِ السيد بالبراءة، وكوْنِهِ غَيرَ مُنْتَسِبٍ إلى العُدْوَانِ، حتى يغلظ عَلَيْه -[واللهُ أعْلم].
الحالةُ الثَّانِيَةُ: أن يُقرُّه في يَدَهِ، وَيسْتَحْفِظُهُ علَيْه؛ لِيُعَرِّفَهُ، فإنْ لم يكُنْ العبدُ أميناً، فهو متعدٍّ بالإقرار، وكأنَّه أخَذَهُ منْه، وردَّه إليه، وإنْ كان أَمِيناً، جاز كما لو استعان به في تَعْرِيف ما الْتَقَطَ لنفسِه.
وفي "النهايةِ" أنَّ في سُقُوط الضّمانِ وجْهَيْن، وأنَّ أَظْهَرهُمَا

الجزء: 6 - الصفحة: 344

المَنْعُ، وقياسُ كلامِ الجُمهور سُقُوطُهُ.
الثالثة: ألا يَأْخُذَهُ، ولا يُقِرَّهُ، بل يُهْمِلَهُ وُيعْرِضَ عنْه، فروايةُ المُزَنِيّ أن الضمانَ يتعلَّقُ برقبة العَبْدِ، كما كان، ولا يُطَالَبُ به السَّيِّدُ في سائر أموالهِ؛ لأنَّه لا تَعدِّيَ منْه، ولا أثَرَ لعلمه، كما لو رأى عبده يُتْلِفُ مالاً، فلم يَمْنَعْهُ منه، وروايةُ الرَّبيع تعلقه بالعَبْد، وبجميع أموال السَّيِّد؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتركة في يدِ العَبْدِ، وَعَكَسَ الإمامُ وصاحبُ الكتاب في "الوسيط" فَنَسَبَا الأوَّلَ إلَى رواية الربيع، والثَّانِي إلَى رواية المُزَنِيِّ، والمُعْتَمَدُ المشهور 9 الأوَّل، ثم اختلَفُوا فيهما عَلَى أربعة طُرقٍ.
قال الأكثرون: المسألَةُ على قولَيْن: أظهرُهُمَا؛ عَلَى ما ذكره الرُّويانِيُّ وغيرُه تَعَلُّقه بالعَبْد، وسائر أقوالِ السَّيِّدِ؛ حتى لو هلَكَ العبدُ لا يَسقُطُ الضَّمان، ولو أفْلَسَ السَّيدُ، تقدم صاحبُ اللُّقطَةَ في العَبْد عَلَى سائر الغرماء.
ومَنْ قال به، لم يسلِّم عدم وجوب الضَّمانِ فيما إذا رأى عَبْدَه يُتْلِفُ مالًا، فلم يَمْنعْهُ.
وعن أبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ حَمْلُ منقولِ المُزَنِيِّ عَلَى ما إذا كان العبْدُ مُمَيِّزاً، وحمل منقول الرَّبِيعِ عَلَى ما إذا كان غَيْرَ مُمَيِّزٍ.
وقَطَعَ بعضُهُمْ بما رواه المُزَنِيُّ، وآخَرُون بما رواه الرَّبِيعُ، وبه قال أبو إسحاقَ، وغَلَّطُوا المُزَنِيَّ في النَّقْل، واستشْهَدُوا بأنَّهُ رَوَى في "الجامع الكبير" كما رواه الرَّبيعُ، فأشعر بغفلته هاهنا عن آخر الكلامِ.
أمَّا إذا قلْنا بصحَّة التقاطِهِ، وهذا الطريق هو المذكور في الكِتابِ، فيصحُّ تعريفه، كما يصحُّ التقاطُهُ، وليْسَ له بعْدَ التَّعْرِيفِ أنْ يتمَلَّكَه لنَفْسِه، وله التملُّك للسَّيِّد بإِذْنه، وأمَّا بغَيْر إذْنه، فقد حَكَى المُصَنِّفُ فيه خلافاً، وأراد به طريقَيْن، أشار إليهما الإمامُ: أحَدَهُمَا: أنَّه على الوجْهَيْن في أنَّه هَلْ يصحُّ اتهابه دون إذْن السَّيِّدِ، أو على القولَيْن في شرائه بغير إذْنٍ.
والثاني: القَطْع بالمَنْع، بخلاف الهبة، فإنَّها لا تَقْتَضِي عِوَضاً، وبخلاف الشراء، فإنَّا إن صَحَّحْنَاهُ، عَلَّقنا الثَّمنَ بذمَّةِ العبدِ، وهاهنا يبْعُد ألاَّ يُطَالِبَ مالكُ اللُّقَطَةِ السَّيِّدَ المتملِّكَ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بذمَّةِ العَبْدِ، والأصحُّ المنعُ، سواءٌ ثبت الخلافُ أم لا.
وعلَى هذا، فَعَنْ بعضِ الأصحاب أنَّهُ لا يصحُّ تعريفه دُون إذْن السِّيد أيضاً، والأصحُّ إلْحاقُ التعريفِ بالالتقاط، كما مَرَّ.
قال الإمامُ: نعَمْ، إنْ قلْنا: انقضاءُ مُدّة التعريف يوجبُ المِلْكَ، فيجوزُ أن يُقَالَ:

الجزء: 6 - الصفحة: 345

لاَ يَصِحُّ تعريفُه، ويجُوزُ أنْ يُقَالَ: يصحُّ، ولا يَثْبُتُ المِلْكُ في هذه الصُّورةِ، كما لا يثْبُتُ، إذا عرف من قصد الحفْظ أبداً، ثم لا يخلُو الحالُ، إمّا أنْ يَعْلَم السَّيِّدُ بالالتقاط، أو لا يَعْلَمَ، فإنْ لم يَعْلَمْ، فالمالُ أمانَةٌ في يدِ العَبْدِ، لكن، لو كان مُعْرِضًا عن التَّعْريفِ، فِفي الضَّمان وجهان كالوجْهَيْن في الحُرِّ إذا امتنع من التَّعْريف، أو أتَلَفَهُ العبدُ بعد مدَّة التعريف، أو تملكه لنَفْسِهِ فهلك عنده، ففي الضمانِ وجهان: أحدُهُمَا: أنَّه يتعلَّق بذمَّتِه؛ كما لو استقرض قَرْضاً فاسدًا أو أستهلَكَهُ وبهذا أَجَاب الشَّيْخُ أبو محمَّد في "الفروق".
والثاني: برقبته كما لو غَصَبَ شيئاً، فتَلِفَ عنده، وليْسَ كالقَرْض، فإن صَاحِبَ المَالِ سلَّمَه إلَيْه، ولو أتْلَفَهُ في المُدَّة، فجوابُ الجُمهورِ أنَّ الضمانَ يتعلّقُ برقَبتهِ، وكذا لو تلِفَ بتقْصِيرٍ منْه، وفَرَّقُوا بيْنه وبيْن الإتْلاَف بعد المدَّةِ؛ حيْثُ كان على الخِلاَفِ السَّابق بأنَّ الإتْلافَ في السَّنَة جنايةٌ مَحْضَةٌ؛ لأنَّه لَمْ يَدْخُلْ وقتُ التَملُّكِ.
فأمَّا بعدها، فالوقتُ وقْتُ الارْتِفَاق والإنفاق، فاستهلاكُ العبد بمثابة استقراضٍ فَاسدٍ.
وحَكَى القاضي ابْنُ كجٍّ ما ذكَرُوه طريقةً عن أبي الحُسَيْن، ونقل عن أبي إسحاق، والقاضِي أبي حامد أنَّ المَسْألَةَ على قولَيْن: أحدُهُما: التعلُّق بالرقبة.
والثاني: التعلُّقُ بالذِّمَّةِ؛ لأنَّه إذا جَوَّزنَا له الالتقاطَ، فكانَ المَالُ حَصَلَ في يدِه برضَا صاحبِه، وحينئذٍ، فالإِتلافُ لا يقتضي إلاَّ التَعْلُّقَ بالذمَّة، كما لو أُودِعَ العَبْدُ مالاً، فأتْلَفَهُ يكون الضمان في ذمته، ولمانع أن يمنع ذلك؛ لأنَّ الضمان في الوديعة أيْضاً متعلِّقٌ برقبتِهِ، عَلَى قول، وإنْ عَلِمَ به السَّيِّدُ فلَهُ أخْذُهُ منْه كَأكْسَابه الَّتي يَكْتَسِبُهَا، ثُمَّ هو كما لو التقطَ بنَفْسِه، فإنْ شاءَ، حَفِظَهُ لمالكه، وإنْ شاء، عرف وتملَّك، فإنْ كان العَبْدُ قد عرَّف بعْضَ المُدَّةِ، احتسب به وبنى، وإنْ أقره في يد العَبْد، فإنْ كان خَائِنًا، ضَمِنَ السَّيِّدُ بإبْقائه في يَدِهِ، وإنْ كان أميناً، جَازَ، ثم إن تَلِفَ المال في يده في مدَّةِ التَعْرِيف، فلا ضمانَ، وإنْ تلِفَ بعْدها، فإن أذن السيدُ في التَملُّكِ، وجرى التَّمَلُّكُ، لم يَخْفَ الحُكْمُ، وإن لم يجْزِ التملُّكُ بَعْدُ، ففي تعلُّق الضَّمانِ بالسيد وْجهان منقولان في "النهاية": أظهرُهُما: يتعلَّق؛ لإذْنِه في سَبَب الضمانِ، فصار كما لو أَذِنَ له في استيام شيْءٍ، فأخذَهُ، وتَلِفَ في يده.
والثاني: لا يتعلَّقُ، كما لو أَذِنَ له في الغَصْب، فغَصَبَ، فإنْ قلْنَا بالثَّاني، فيتعلَّق الضَّمان برقبة العبد، وإن قُلْنا بالأَوَّل، فهو متعلِّقٌ بذمة العبد، حتى يطالَب به بَعْدَ

الجزء: 6 - الصفحة: 346

العَتْقِ، كما أنَّ السَّيِّدَ مطالَبٌ به، هكذا ذكرَه الامامُ وصاحبُ الكتاب في "الوسيط" وربَّما فهم قولُهُ في "الكتاب تعلَّق الضَّمانُ بالسَّيِّد لا برقبته" انقطاعَ الضّمَانِ عَنِ العَبْدِ مِنْ كُلِّ وجهٍ، فلْيحذرِ الغَلَط.
وقوله: "كما لَوْ أَذِنَ في الشِّراء" جواب على الأظْهَرِ في أنَّ السِّيَّدَ مُطَالَبٌ بديون معاملة عبدهِ، وفيه خِلاَفٌ مذكورٌ في مَوْضَعِه أَصْلاً وشَرْطاً، فلَكَ أنْ تُعْلِمَ لما ذَكَرْنَا قَوْله: "بالسيد" وقوله "لا برقبته" وقوله: "كما لو أذن في الشراء" جميعها بالواو.
وإن لم يأْذَنِ السَّيِّدُ فِي التَّملُّك، فوَجْهان في أنَّ الضَّمَانَ يتعلَّقُ بذمَّة العبْد أو برقَبَتِهِ: أظهرُهُما: وهو المذكورُ في الكتاب: أنَّهُ يتعلَّقُ بذمَّتِه؛ لأنَّه لا جنايةَ منْه.
والثَّاني: برقبته؛ لأنَّه دَيْنٌ، لَزِمَ لا يُرْضِي مستحقه، ولا يتعلَّق الضَّمانُ بالسَّيِّد بحالٍ؛ لعَدَمِ الإذن.
ولو أتلفه العَبْدُ بعْد المُدَّةِ، فعَلَى ما تقدَّم من الخلاف.
هذا هو الكَلاَمُ في الضَّرْب الأَوَّل.
وهَلْ مِنْ فرْقٍ بين أنْ يَقْصِدَ بالالتقاط نفْسِهِ أو سيِّدَهُ؟ عن صاحبِ "التقريب" أنَّ القولَيْن في المسألة مفروضان فيما إذا نوى بالتقاطَة نَفسَهُ، فأمَّا إذا نَوَى سيِّده، فيحتمل أنْ يَطَّرد القولاَنِ، ويحتمل أن يُقْطَع بالصِّحَّة.
عكس القاضي ابْنِ كجّ فقَال: القَوْلان فيما إذا التَقَطَ لِيدْفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ، فأَمَّا إذا قصَدَ نَفْسَه، فلَيْسَ له الالتقاطُ قولاً واحداً، بلْ هو متعدٍّ بالأخذ، وحكَاهُ عن أبي إسْحَاقَ والقَاضِي أبي حامد.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الالتقاط المأذونُ فيه من جِهَةِ السَّيِّد مثلْ أنْ يقولَ: مهْمَا وجَدتَّ ضَالَّةَ، فخُذْها، وائتِنِي بهِا، ففيه طريقان: أحَدُهُمَا: القَطْعُ بالصِّحَّةِ، وإليه مَثْلُ الإمامِ، كما لو أَذِنَ له في قَبُولِ الوَدِيعَةِ، صَحّ منه قَبُولُها.
والثاني: عنِ ابْنِ القَطَّان عنِ ابْنِ أبي هريرةَ طَرْدُ القولَيْن لما في اللُّقَطَةِ من معْنى الولاية، والإذْنُ لا يفيده أهليَّةَ الولاَية، وإذَا أَذِنَ له في الاكْتِسَابِ مُطْلَقاً، هَلْ يَدْخُل فيه الالتقاطُ؟ فيه وجهان واللهُ أعلمُ.
الضَّرب الثالث: التقاطٌ منهيٌ عنه من جهة السَّيِّد، فعن الإصْطَخْرِيَّ: القَطْعُ بالمَنْعِ، وعن غيرِه طَرْدُ القولَيْنِ 10.

الجزء: 6 - الصفحة: 347

فَرْعٌ:

إذا التقَطَ لُقْطَةً، ثم أعتَقَهُ السَّيِّلُ فإن صحَّحنا التقاطهُ، فهي كسب عبده يأخُذُهَا السَّيِّدَ، ويُعرِّفُها، ويتملَّكُها، فإنْ كانَ العبْدُ قد عَرَّف، اعتد به، هذا ظاهرُ المذهبِ.
وعن ابنِ القَطَّانِ وجهان في أنَّ السَّيدَ أحَقُّ بها؛ اعتباراً بوقْت الالْتِقَاط، أو العَبْدَ؛ اعتباراً بوَقْتِ الملك، وشبهها بما إذَا أعْتِقَتْ تحت عبْدٍ، ولم تفسخُ، حتى عَتَقَ العبْدُ.
وإن لم نصحِّحْ التقاطَه؟ قال القاضي ابْنُ كجٍّ للسَّيِّد حَقُّ التملُّك، إذا قلنا: إنَّ للسَّيِّدِ التملُّك على هذا القَوْل.
جوابُ معْظَم الأصْحَاب أنَّهُ ليْسَ للسَّيِّد أخْذُهَا؛ لأنَّ حقَّ السَّيِّدِ لم يتعلَّقْ بها؛ لكَوْنِ العبْدِ متعدِّياً، وقد زالَتْ ولايتُهُ بالعِتْقِ، وعلَى هذا، فهل لِلعَبْدِ تملُّكهَا؟ فيه وجهان: أَظْهَرُهُمَا: نعم، ويُجْعَلُ كأنه التقَطَ بعد الحُرِّيَةَ.
والثاني: المنعُ؛ لأنَّه لم يكنْ أَهْلاً للأخذ، فعلَيْه تسليمُها إلى الإمَامِ.
ثم في الفصْل صورتان: إحداهما: في التقاط المكَاتَبِ طريقان: أحدهما: أنَّهُ على القَوليْنِ في التقاطِ القِنِّ؛ لتعارُضِ معْنى الوِلاية والاكتسابِ.
وثانيهما: القَطْعُ بصحَّتِهِ؛ لأنَّهُ مستقلٌّ بالتملُّكِ والتصرُّفِ كالحُرِّ، وله ذمَّةٌ يمْكِنُ استيفاءُ الحقوقِ منها، وهذا ظاهرُ نَصِّهِ في "المختصر"، واختيارُ صاحِب "التهذيب"، لكنَّ الأَوَّلَ أَصَحُّ عنْد الأكثرِينَ، إلاَّ أنَّ أصحَّ القولَيْن هاهنا باتِّفاقِ الناقِلينَ صِحَّتُهُ.
وقوله في الكتاب: "كالحُرِّ عَلَى الأصحِّ" محتملٌ لأصحِّ القولَيْن، ولأصحِّ الطريقين؛ اختياراً للثاني، ووراءَ ذلك أمورٌ تُسْتَغْرَبُ: أَحَدُهَا: عن ابن القَطَّانِ رواية طريقةِ قاطعةٍ بالمَنْعِ، بخلافِ القِنِّ؛ لأنَّ سيِّدِه ينتزعه من يَدِهِ، والمكاتَبُ انقطعَتْ ولايةُ السَّيِّدِ عنْه عَلَى نقصانه.
والثاني: حَكَى القاضي ابْنُ كَجٍّ اختلافاً في أنَّ الخِلاَفَ المَذْكُورَ في المكاتَبِ، سواءٌ صحَّت الكتابةُ أو فَسَدَتْ، أو في المكاتَب كتابة صحيحة؟ وأمَّا المكاتَبُ كتابةً فاسدةً فهو كالقِنِّ لا محالةَ، والصَّحيحُ الثَّاني.
والثالث: نَقَلَ الإمامُ عن تفْريع العراقِيِّين علَى القَطْع بالصِّحَّة أنَّ في إبقاء اللّقَطَةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 348

في يَده قولَيْن؛ عَلَى قياس مَا مَرَّ في الفاسق، وكُتُبُهُمْ ساكتةٌ عن ذلك إلاَّ ما شاء الله -تعالى 11 -. فإنْ صحَّحنا التقاطَ المكاتَبِ، عَرَّفَ اللُّقْطَةَ وتملَّكها أو يبدلها من كَسْبِهِ، وفي تقديم صاحِب اللَّقَطة بها على سائر الغرماء وجْهان مذكوران في "أمالي" أبي الفَرَج الزاز.
وإذا أعْتَقَ في مدَّة التَّعْرِيف، أتم التعريف، وتملَّك، وإنْ عاد إلى الرِّقِّ قبل تمام التَّعْريف، فالنَّقْل أنَّ القاضيَ يأخذُهَا ويحفظُهَا للمَالكِ، وأنَّه ليْسَ للسَّيِّدِ أَخْذُهَا أَوْ تَمَلُّكُهَا؛ لأنَّ التقاطَ المُكَاتَبِ لا يقع للسَّيِّد ابتداءً، فلا ينصرف إلَيْه انتهاءً.
وقال صَاحِبُ "التهذيب": وَجَبَ أنْ يجوز له الأَخذُ والتَّملُّكُ؛ لأنَّ الالتقاط اكتساب، وأكساب المكاتَبِ عنْد عجْزِهِ للسَّيِّد.
قال: وكذا لو مات "المكاتَبُ، أو العبدُ قبل التعْرِيف، وجب أنْ يجوزَ للسيد التعريفُ والتملُّك، كما أنَّ الحُرَّ إذا الْتَقَط، ومَاتَ قبْلَ التَّعْرِيفِ، يُعَرِّف الوارث، ويتملَّك، أمَّا إذا لم نصحِّح التقاطه، فالْتَقَطَ، صار ضَامِناً، ولا يأخذ السَّيِّدُ اللُّقَطَة منْه؛ لأنَّهُ لا وِلاَيةَ له علَى المكاتَبِ، ولكنْ يأخذها القاضي ويحْفَظُهَا، هكذا ذكروه.
ولَكَ أن تقولَ: ألَسْتُم ذكَرْتُمْ تفريعًا على مَنْع الالتقاط في القِنِّ أن للأجنبيِّ أن يأْخُذَهَا منْه، وَيكُونَ مُلْتَقِطاً، ولم يعتبرْ والولاية، وَليْسَ السَّيِّد في حقِّ المُكاتَب بأدنى حالاً مِنَ الأجنبيِّ في القِنِّ، وإذا أخَذَهَا الحاكمُ، برئ المُكَاتَبُ مِنَ الضَّمانِ، ثمَّ كَيْفَ الحُكْمُ؟ ذكر الشيخُ أبو حامدٍ وغيرُهُ: أنَّه يُعرِّفُها، فإذا انقضَت مدَّةُ التَّعْرِيفِ تمَلَّكَهَا المكاتَبُ، والأصحُّ: أنَّه ليس له التملُّك، فإن التّفريعَ عَلَى فَسَادِ الالْتِقَاطِ، ولكِنْ إذا أخذهَا، حَفِظَها إلَى أنْ يَظْهَرَ مالِكُها.
الصورةُ الثَّانيةُ: مَن بعْضُه حُرٌّ، وبعْضُه رقيقٌ، في التقاطِهِ طريقان، كما في حقِّ المكاتَبِ؛ لاستقلاله بالمِلْك والتصرُّف، وقوّةِ ذمَّتِهِ.
قال الشَّاشِيُّ في "المعتمد": ويمكن أنْ بُفصَّلَ، فيُقَالَ: يَصِحُّ التقاطُهُ بقَدْر الحرِّيَّة قولاً واحداً، والطريقان فيما سواه، وهذا الذي أبداه احْتمالاً هُوَ الذي أورده صاحبُ "التتمة".
فإن قلْنا: لا يَصِحُّ التقاطُه، فهو متعدٍّ بالأخْذ ضامنٌ بقدْرِ الحرِّيَّة في ذِمَّتِهِ يؤخَذُ منه، إن كان له مالٌ، وبقَدْر الرِّقِّ في رقبته، وذكر القاضي ابنُ كجٍّ وجهَيْنِ في أنَّهُ

الجزء: 6 - الصفحة: 349

يُنْتَزعُ منْه، أو يَبْقَى في يده، ويُضَمّ إليه مُشْرِفٌ، والظاهر الانتزاعُ، ثم وجهَيْنِ على القَوْل بالانتزاع في أنَّهُ يُسلم إلى السيد أو يَحْفَظُه الحاكمُ إلَى ظهور مالِكه.
والأظهرُ الثاني: فإن سُلَّم إلى السَّيدِ فعن أبي حَفْص بْنِ الوكيلِ أنَّ السَّيِّدَ يُعَرِّفُهُ ويتملّكَهُ.
قال القاضي: ويُحْتَمَلُ عنْدي أن يُقَال: يكونُ بينهما بحَسَبِ الرِّقِّ والحُرِّيَّة، وان صحَّحناه، فإن لم يكنْ بَيْنَه وبيْن السَّيِّد مهاياة، فاللُّقَطَةُ بينهما يُعَرِّفانِهَا، ويتملكانها بحَسب الرِّقِّ والحرِّيَّةِ وهما كشخصين التقطا مالاً.
وعن ابنِ الوكيل أنَّ السَّيِّدَ يختص بها؛ الحاقاً لِلْقَطَةِ بلُقَطَةِ القِنِّ، وإنْ كانت بينهما مهايأةٌ، فيُبْنَى على أنَّ الأكسابَ النادِرَةَ، هلْ تدخل في المهايأة؛ لأنَّ اللّقَطَة نادرةٌ؟ وفيه قولان، ويُقَال: وجهان؛ لأنَّ القولَيْن ليْسَا بمنصوصَيْن في هذا الأصْل عَلَى إطلاقه، وإنَّما هُمَا في اللُّقَطَةٍ، ثم ألْحق غيرها بها وقد ذكرنَاهُمَا بتوجِيهِهِمَا في زَكَاةِ الفِطْرِ، ومَيْلُ العراقِيِّينَ والصيدلاني في ذلك البابِ إلى ترجيح عَدَمِ الدخول، إنَّهُمْ مع سائر الأصحاب كالمتَّفِقِينَ هاهنا عَلَى ترجيح الدُّخُول، وهو نَصُّهُ في " المختصر"، وعلى هذا، فإنْ وقعتَ اللّقَطَةُ في نَوْبَةِ السَّيِّد، عرَّفَها وتملَّكَها، وإنْ وقعت في نَوْبَةِ العَبْدِ، فكذَلِكَ، والاعتبارُ بيَوْمِ الالتقاطِ لا بوَقْتِ المِلْكِ.
وأشَارَ في "النهاية" إلَى وجه آخَرَ، وهو اعتبارُ وقْتِ التَّمَلُّكِ، وأبْدَى تردُّداً فيما إذا وقَع الالتقاطُ في نَوْبَةِ أحدهما، وانقضاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ في نوبة الآخر، ولا مَعْنَى لهذا التَّردُّدِ، بل الجوابُ يختلفُ بحَسَب التفْريعِ على الوجْهَيْن.
وإن قلْنا: الكَسْبُ النَّادِرُ لا يدخلُ في المُهَايَأَةِ، فالحكُمُ كما لو لم يكنْ بَيْنهما مهايأة 12. والمُدَبَّر، والمعلَّق عتقُهُ بِصِفَةٍ، وأمُّ الوَلَدِ كالقنِّ في الالتقاطِ، لكنْ حيثُ حكَمْنا بتعلُّق الضمانِ برقبةِ القِنّ، ففي أمِّ الولَدِ يَجِبُ على السَّيِّد، عَلِم التقاطَهَا أو لم يَعْلمْ؛ لأنَّ جنايةَ أُمِّ الوَلَدِ عَلَى سَيِّدها، وفي "الأُمّ" أنَّه إنْ عَلِمَ سيدها، فالضمان في ذِمَّتِهِ، وإن لم يعْلَمْ، ففي ذمَّتها، وهذا لم يُثْبِتوه، وقالُوا: إنَّهُ سَهْوٌ من كَاتِبٍ، أو غَلَطٌ مِنْ ناقلٍ، وربما حَاولوا له تأويلاً، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأمَّا الصَّبيُّ فَيَنْبَغِي أنْ يَنتزِعَهُ الوَلِيُّ مِنْ يَدِهِ وَيتَمَلَّكَ لَهُ مُدَّةِ التَّعْريفِ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ الصَّبيُّ ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَوَجْهَانِ، وَوَجْهُ الإِيجَابِ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِلأَمَانَةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 350

وَلَمْ يُسَلِّطهُ المَالِكُ عَلَيْهِ، بِخِلاَفَ الإِيدَاعِ عِنْدَ الصَّبِيِّ، فَإنْ قَصَّر الوَلِيُّ ولَمْ يَنْزَعْهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى أَتْلَفَهُ الصَّبيّ أَوْ تَلِفَ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الوَلِيّ لأنَّهُ مُلْتَزِمٌ حِفْظَ الصَّبيِّ عَنْ مُثْلِهِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الرَّابِعَةُ: في التقاط الصبيِّ طريقانِ، كما ذكَرْنَاهما في الفَاسق، الأصَحُّ صحَّتة كاحتطابه واصطياده.
التَّفريعُ: إن قلْنا: يصحُّ الْتِقَاطُة، فإِنْ لم يَشْعُرْ به الوليُّ، وأتَلَفَة الصبيُّ ضَمِنَ، وإن تَلِفَ في يده، فوجهان: أصحُّهُمَا: أنَّهُ لا ضمانَ علَيْه، كما لو أَوْدَعَ مالاً، فَتَلِفَ عندَهُ.
والثانِي: يَضْمَن؛ لأنَّهُ وإنْ جُعِلَ أهْلاً لِلالتقاط، فلا يُقرَّر المالُ في يده، ولا يُجْعَلُ أَهْلاً للأمانَةِ، ويُخَالِفُ لوديعةَ؛ لأنَّ المُودِعَ سلطه عليه.
ومن قال بالأوَّل قال: تَسْلِيط الشَّرْعِ يغني عَنْ تَسْلِيط المالِكِ، وإنْ شَعَر به الوَليُّ، فينبغِي أنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ يدهِ، وُيعَرِّفَهُ مُدَّةَ التَّعْرِيف، ثم إنْ رأى المصْلَحَةَ في تملكه للصَّبِيِّ جَاز؛ حيْثُ يُجوزَ الاستقراضُ عليه؛ لأنَّ تملُّكَ اللُّقَطَةِ كالاستقراض.
وقال ابْنُ الصَّبَّاغِ: عنْدِي يجوزُ التملُّكُ له وإنْ كان ممن لا يجوز الاستقراضُ عليه؛ لأنَّا نُلْحِقُهُ عَلَى هَذَا القَوْلَ بالاكتساب 13. وإنْ لَمْ نر التملُّك له، حفظ أمانة، أو سَلَّمَة إلى القاضي، وإذَا احْتَاجَ التَّعْريفُ إلَى مُؤْنَةٍ، لم يصْرفْ من مال الصبيِّ، بَل يُرْفَعُ الأَمْرُ إلى الحاكمِ؛ ليبِيعَ جُزْءاً من اللَّقَطَةِ لِمُؤْنَةِ التعريف، ويجيْء وجْه مما سيأتِي في التقاط الغَنَم ونحوها، له أن يبيعَ بنفسه، ولا يحتاج إلَى إِذْنِ الحاكِمِ 14. ولو تَلِفتْ اللُّقَطَة في يد الصَّبِيِّ قَبْل الانتزاع مِن غَيْر تقصيرٍ، فلا ضمانَ، وإن قصَّرَ الوليُّ بتَرْكها في يده حتَّى تَلِفَت، أو أَتْلَفَهاَ، فعلَيْهِ الضمانُ، وشبَّهوه بما إذا احْتَطَبَ الصَّبِىُّ، وتركه الوليُّ في يده حتَّى تَلِفَ أو أتلفه، يجب الضَّمانُ على الوَلِيِّ؛

الجزء: 6 - الصفحة: 351

لأنَّ علَيْه حِفْظَ الصبيِّ عن مثله.
قال صاحبُ "التهذيب": ثم يُعرّف التالِف، وبعد التَّعْرِيف يتملَّك الصبيُّ، إن كان النَّظَرُ فيه، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا فيمَا إذا فرضه قبْض منْ جهة القاضي؛ ليصيرَ المقبوضُ مِلْكاً للمُلْتَقِطِ، أو إفْرازاً من جهة الوليِّ.
إذا قلْنا: إنَّ من الْتَقَطَ شَاةً، وأَكَلَهَا يفرز بنفسه قيمتها مِنْ ماله، وسيأْتِي ذلك، إن شاء الله تعالى.
أمَّا الضَّمانُ في الذِّمَّةِ، فلا يمكنُ تملُّكُهَا للصبيِّ.
وإنْ قلْنا: لا يَصِحُّ التقاطُ الصَّبِيِّ، فلو الْتَقَطَ، وتَلِفَت اللُّقَطَةُ في يدِهِ، أو أتْلَفَها، وَجَبَ الضَّمانُ في مالِهِ، وليْسَ للوليِّ أنْ يُقِرَّهَا في يدِه، ولكنْ يسعَى في انتزاعِها من يده، فإن أمكنه رفْعُ الأمرِ إلى القاضي، فَعَل، وإذا انتزعَ القاضي 15 المغْصُوبَ من الغاصِبِ، وأَوْلَى بحُصُولِ البراءة؛ نَظَراً للطفل، وإن لم يمكنه رَفْعُ الأَمْر إلى القَاضِي، أخَذَه بنفسِهِ، وتُبْنَى براءةُ الصبي عن الضمان علَى الخلافِ في بَرَاءَةِ الغَاصِب بأخْذ الآحَادِ، فإن لم تَحْصُلِ البَرَاءَةُ، ففائدةُ الأَخْذِ صَوْنُ عين المال عَنِ التَّضْييع والإتْلاَف.
قال في "التتَّمِة": وإذا أَخَذَهُ الوَلِيُّ، فإنْ أمكَنَهُ التَّسْليمُ إلى القَاضِي، فلم يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ، فعلَيْه الضَّمانُ، وإنْ لم يُمْكِنْهُ، فقرارُ الضَّمانِ على الصبيِّ، وفي كوْنِه الوَليّ طَرِيقاً وجهان، وهذا إذا أخَذَ الوَلِيَّ لا عَلَى قَصْد الالتقاط، أمَّا إذا قَصَدَ ابتداءَ الالتقاطِ، ففيه وجهان، وليَكُونَا كالخلاف في الأخْذِ مِنَ العَبْد عَلَى هذا القصْد، إذا لم نُصحِّح التقاطَهُ، ولو قصَّرَ الوليُّ، وتركَ المالَ في يده، ففي "التتمة" أنَّه لا ضمانَ عليه، إذا تَلِفَ؛ لأنَّهُ لم يَحْصُلْ في يدِه، ولا حَقَّ للصَّبيِّ فيه، حتى يلزمَهُ الحِفْظُ له، بخلاف ما إذا فرَّعْنَا على القوْل الأوَّل، وخَصَّصَ في "النهاية" هذا الجَوَابَ بما إذَا قُلْنا: إنَّ أخْذَهُ لا يُبْرِئُ الصَّبيِّ.
أمَّا إذا قُلْنا: إنَّه يُبَرِّئُهُ، فعلَيْه الضمانُ، لإبقائه الطِّفْلَ في وَرْطةِ الضمانِ، ويجوزُ أن يضمَن.
وإن قلْنا: إنّ أَخْذَه لا يُبْرِئُ الصَّبيَّ؛ لأنَّ المَالَ في يَدِ الصَّبِيِّ عُرضَةُ الضَّيَاعِ، فمن حقِّه أن يَصُونَهُ.
والمجنونُ كالصبيِّ في الالتقاط، وكذلك المَحْجُورُ علَيْه بالسَّفَهِ إلاَّ أنَّهُ يَصِحُّ تعريفُهُ، ولا يصحُ تعريف الصَّبيِّ والمجْنُونِ 16.

الجزء: 6 - الصفحة: 352

قولُه في الكِتَاب: "وتملك له بَعْد مُدَّة التَّعْريف" مطلقٌ، لكنَّه محمُولٌ عَلَى ما إذا كان بحَيْثُ يجوز الاستقراضُ له عَلَى ما اورده المُعْظَمُ.
وقولُه: "بخلافِ الإيدَاع" يمكن أنْ يكونَ المقصُودُ منْه الفَرْقَ بَيْنَ تَلَفِ اللُّقَطَةِ في يدِه، وبيْنَ تَلَفِ الوديعةِ فقَطْ، ويمكن صَرْفُهُ إلَى صُورَتَي التَّلَفِ والإِتْلاَف جميعاً، فإنَّ الوَديعةَ لو تَلِفَتْ، لا يضمنُها قَطْعاً، ولو أَتْلَفَهَا، ففيهِ خِلاَفٌ على العَكْس من اللُّقَطَة.
وقولُهُ: "فقَرَارُ الضَّمَانِ على الوليِّ يُشْعَرُ بأنَّ الصَّبىَّ ضامنٌ أيْضاً علَى المَعْهُود مِنْ لَفْظِ القرار، ولكنَّ المفْهُومَ مِنْ كلامِ الأصْحَاب تَخْصِيصُ الضَّمَانِ في هذه الحالة بالوَلِيِّ، واللهُ أعلم بالصَّواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أما اللُّقَطَةُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ مُعَرَّض لِضَّيَاعِ كَانَ فِي عَامِرِ الأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا وذَلِكَ ظَاهِرٌ في كُلِّ جَمَادٍ وَحَيَوَانٍ صَغِيرٍ، أَمَّا الإِبِلُ وَفِي مَعْنَاهُ البَقَرُ وَالحِمَارُ إِنْ وُجِدَ في صَحْرَاءَ لَمْ يُلْتَقَط (ح) لِوُرُودِ الخَبَرِ، وَلَوْ وُجِدَ في عُمْرَان فَقَدْ قِيلَ: يُلْتَقِط لأَنَّهُ يَضِيعُ بِامْتِدَادِ يَدِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَلَوْ وَجَدَ كَلْباً الْتَقَطَهُ وَاخْتَصَّ بِالانْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: الرُّكنُ الثَّالِثُ: الشَّيْءُ المُلْتَقَطُ، وهُوَ إمَّا مالٌ أو غَيْرُهُ: القسمُ الأَوَّلُ: المالُ، وهو جَمَادٌ وَحَيَوانٌ.
الضربُ الأَوَّلُ: الحَيَوانُ، والكلامُ في غير الآدميِّ، ثم في الآدميِّ أمَّا غَيْرُ الآدَميِّ، فنوعان: أحدُهُمَا: ما يمتنعُ من صِغَار السِّبَاع، إمَّا بفَضْل قُوتهِ؛ كالإبلِ والخيل والبغالِ والحمير، أو بشدة عَدْوِهِ؛ كالأرَانب والظِّبَاَء المَمْلُوكَةِ، أو لطَيَرانِهِ: كالحَمامِ، فَيُنْظَرُ؛ إن وُجدتْ في مفازة، فللحاكم ومنصوبه أخْذُها للحِفْظ، وقد رُوِيَ أنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ = الولي في أن أحظ الأمرين هو التملك.
وأما الصبي والمجنون فإن الولي هو الذي يتملك لهما.
قاله الماوردي.
قال ابن الرفعة: بل على رأي ابن الصباغ حيث لا يعتبر جواز الإقراض له التملك دون مراجعة الولي إما جزماً كما له أن يحتطب أو على الصحيح كما في قبول الهبة.
وإما على اعتبار رأي بعض الأصحاب في اعتبار جواز الإقراض بغير إذن الولي.
ومنها: أنه يجوز للولي التقاطها من يد الصبي على أحد الوجهين كما سبق، ولا يجوز التقاطها من يد السفيه إذا كان أميناً لا يخشى تلف العين في يده.
ذكره ابن الرفعة وهل يكون الولي مخاطباً بانتزاعها من يده إذا قلنا: لا يبرأ الصبي بانتزاعه إياها من يد الصبي يظهر: أن لا؛ لأن ذلك لخشية إتلافه وذلك مفقود، ولهذا قال الفوراني: إذا جوزنا التقاطه جوزنا للولي إقرارها في هذه الحالة.
أفاده صاحب الخادم.

الجزء: 6 - الصفحة: 353

عَنْهُ- كانَتْ لَهُ حَظِيرَةٌ يَحْفَظُ فِيهَا الضِّوَالَ 17. وفي آحاد الناس وجهان: أحدهُما: أَنَّ لهم الأَخْذ؛ للحِفْظَ أيضاً؛ كيْلاَ يأخُذَهَا خَائِنٌ فَيُضيعَهَا.
والثاني: المَنْعُ، إذْ لا ولايةَ للآحَادِ علَى مالِ الغَيْرِ، وهذا أظهرُ عنْد صاحِب "التهذيب"، والأَوَّلُ أظهرُ عنْد الشَّيْخ أبي حامِدٍ، والمتولِّي وغيرهما، وَيُحْكَى عنْ رواية الرَّبيع عن النَّصِّ، وأمَّا أَخْذُهَا للتملُّك، فهو غيرُ جائزٍ؛ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- لنا قولُهُ -صلى الله عليه وسلم- في ضَالَّة الإِبلِ "مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤهَا" 18 في الحديثِ المذكورِ في أوَّل البَاب، والمعْنَى فيهَ أَنَّ مِثْلَ هذا الحيوان مَصُونٌ عَنْ أكثر السِّبَاع بامتناعه، مُسْتَغْنٍ بالرَّعْيِ بالنَّظَر للمالِكِ ألاَّ يتعرضَ له حتَّى يجده، والغالبُ أنَّ من أَضَلَّ شَيْئاً، طلَبَه حَيْثُ ضَيَّعَهُ، فلَوْ أخَذَها أَحَدٌ علَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأ عن الضَّمَانِ بالرَّدَّ إلَى ذلك الموضع.
وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنَّهُ يَبْرَأُ بردِّها إلَى موضِعِها إلاَّ أنْ يخلصها من نارٍ أو ماءٍ، ثم يردَّها إليه، ولو رَدَّها إلَى الحاكِمِ، بَرِئَ على أصَحِّ الوجهَيْن.
وإنْ وُجِدَتْ في بلدةٍ، أو قريةٍ، أو مَوْضِعٍ قريبٍ منْها، فوجهان، أو قولان: أحدُهُما: لا يجوزُ التقاطُهَا للتملُّكِ، كما لو وُجِدَتْ في المَفَازَةِ لإطْلاَق الحديث.
وأصحُّهما: وبه قال أبو إسْحَاق: أنَّهُ يجوز؛ لأنَّها في العُمْران تَضِيعُ بامتداد اليد الخائنة، بخلافِ المَفَازَةِ، فإن طُروقَ النَّاسِ بها لا تعُمُّ، ولأنَّها لا تجدُ ما يكفيها، ولأنَّ البهائِمَ في العُمْرَاتِ لا تُهْمَل، وفي الصَّحراء قد تَسْرَح وتُهْمَل، فيحتملُ أنَّ صاحِبَها لم يضلَّها.
وحكَى القاضي ابْنُ كَجٍّ عنْ رواية القَاضِي أبِي حَامِدٍ طريقَيْن آخَرَيْنِ في المَسْألة: أحدُهُما: القَطْعُ بالأَوَّل.
والثاني: القطعُ بالثَّاني، فإِنْ مَنعْنَا، فالْتقاطُهَا عَلَى قَصْدِ التملُكِ، كما ذكَرْنا في الْتقاطِها مِنَ الصَّحْراءِ، وإنْ جوَّزناه، فعَلَى ما سنذكره في النَّوْع الثاني، هذا إذا كانَ الزَّمَانُ زَمَانَ أَمْنٍ، فأمَّا في زَمَانِ النَّهْبِ والفَسَادِ، فيَجُوزُ التِقَاطُهَا، سواءٌ وُجِدَتْ في

الجزء: 6 - الصفحة: 354

الصَّحارى، أو في العُمْرَانِ، كما سيأتي فيما لا يمتنعُ من صِغارِ السِّبَاعِ، ذكره صَاحِبُ "التتمةِ" وغَيْرُهُ.
النَّوعُ الثَّاني: ما لا يمتنعُ من صِغَارِ السِّبَاعِ، كالكسير والغَنَمِ والعَجَاجِيل والفصْلاَن، فيجوزُ أخْذُهَا لِلتَّملُّكِ، سواءٌ وُجِدَتْ في المَفَازة، أو العُمْرَانِ؛ لأنها لو لم تُؤْخَذْ لضَاعَتَ بتناوُشِ السِّبَاعِ أو باحتيال بَعْض الخائِنِينَ، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "هِيَ لَكَ أوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ" 19 وعن صاحبِ "التَّقْريبِ" وجْهٌ: أنَّ ما يُوجَدَ منْها في العُمْرَانِ لا يؤْخذ؛ لأنَّ الحيوَانَ لا يَكادُ يَضِيعُ، والمَذْهَبُ الأوَّلُ، ثم إنْ وُجِدَ شيئاً منها في المفازة فهُوَ بالخيارِ بَيْن أنْ يُمْسِكَها وُيعَرِّفها ويتملَّكَهَا، وبَيْن أن يَبيعَهَا، ويحفظَ ثَمَنَها، وُيعرَّفها، ثم يَتَمَّلكَ ثمنها، وبيْنَ أن يَأْكُلَهَا، إنْ كانتْ مأكولةً، وَيغْرمَ قيمتها.
وعن مالكٍ -رحمه الله- أنَّ لَهُ أَكْلَهَا مَجَّانًا.
ثم الحصَّةُ الأُوْلَى أَوْلى من الثَّانِيَةِ، والثانية أَوْلَى من الثالثةِ، وإن وَجَدَهَا في العُمْرانِ، فلَهُ الإمْسَاكُ والتَّعْريفُ والتملُّك، وله البيعُ والتَّعريفُ، وَتَمَلُّكُ الثَّمَنِ، وفي الأَكْل قولان: أحدُهمَا: الجوازُ، وبه قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ، كَمَا في الصَّحْرَاءِ.
[وأصحُّهُمَا عند الأكْثَرِينَ: المَنْعُ؛ لأنَّ البَيْعَ في العُمْرَانِ سَهْلٌ وفِي الصَّحْراء] 20 قد لا يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيْهَا، وَيشُقُّ نَقْلُهَا إلى العُمْرَانِ، هَذَا إذَا كَانَتْ مأكولةً، وأمَّا الجَحْشُ، وصَغَارُ مَا لا يُؤْكَلُ فحُكْمُهَا في الإمْسَاكِ والبَيْعِ حُكْمُ المأْكُولِ، وهَلْ يجوزُ تملّكُهَا فِي الحال؟ فيه وجهان: أحدُهُمَا: نعم يجوز كما يجوزُ أَكْلُ المأْكُولِ، ولو لَمْ يجز ذلك، لأَعْرَضَ عنها الواجدون ولضاعت.
وأصحُّهُمَا: أنَّهُ لا يجوزُ تملّكُهَا حتى تُعرَّفَ سَنَةً عَلَى ما هُوَ دَأْبُ اللُّقَطَةِ، وإنَّما جاز أَكْلُ الشَّاةِ؛ للحَدِيثِ.
ثم في الخِصَالِ الثلاثُ مسائلُ: إحداها: إذا أمْسَكَها وتَبَرَّعَ بالإنْفَاق عليها، فذاك، وان أراد الرُّجُوعَ، فلينفقْ بإذْنِ الحاكم 21، فإن لم يجدِ الحاكمَ، أشْهَدَ كما ذكرنا في نَظَائره.

الجزء: 6 - الصفحة: 355

الثانية: إذَا أرادَ البَيْعَ، فإن لَمْ يَكُنْ حاكمٌ، استقلَّ به، وإنْ كانَ، فأظُهَرُ الوجهَيْنِ، وبه قال الشيخُ أبو حامدٍ، أنَّه لا بُدَّ من استئذانه.
ووجه الثاني: أنَّ المُلْتَقِطَ نابَ عن المالِكِ في الحِفْظِ، فكذلك في البَيْع، وهلْ يجوزُ بَيْعُ جُزْءٍ منْها لِنَفَقَةِ الباقي؟ قال الإمام: نعم كما تباع جميعُها.
وحَكَى عن شَيْخِهِ احتمالاً أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّهُ يؤدِّي [إلى] أن تَأْكُلَ نَفْسَهَا، وهذا ما أوردَهُ الشيخُ أبو الفَرَج الزاز.
قال: ولا يستقرض عَلَى المَالِك أَيْضاً لهذا المعنى، لكنَّهُ يُخَالَفُ ما مَرَّ من هَرَبَ الجَمَّال نحوه (1). والثَّالثةُ: إذا جَازَ له الأكْلُ، فأكَل، ففي وجُوب التَّعريف بعْده وجهان، وكذا في وجوب إفرازِ القيمةِ منْ مالِهِ بعْد الأَكْل خِلاَفٌ، ونذكر المسألتين بما فيهما فيما إذا الْتَقَطَ طعاماً يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الفَسَادُ وأكلَهُ.

فَرْع:

مَهْمَا حَصَلتِ الضَّالَّةُ في يَدَي الحاكم، فإنْ كان هناك حميّ سرَّحها، فيه، ووسَمَهَا بِسِمةٍ الضَّوَال، وَيسمُ نِتَاجَهَاَ أيضاً، وإنْ لم يكنْ فالقَوْلُ في بَيْع كلَّها أو بَعْضِهَا للنفقةِ عَلَى ما سبق، لكنْ لو توقَّع مجيء المالِكِ في طَلَبِها عَنْ قُرْبٍ بأنْ عَرِفَ أنَّها منْ نَعَمِ بَنِي فُلاَن، تأتي أيَّاماً كما يراه، هذا في غير الآدميِّ.
أمَّا الآدميُّ: فإِذا وُجِدَ رَقِيقاً، نُظِرَ إن كان مُمَيِّزاً، والزَّمانُ زمانُ أَمْنٍ، لم يأخُذْه؛ لأنَّهُ يستدل على مالِكِهِ، فَيَصِلُ إلَيْه، وإن كان غَيْرَ مميِّزٍ، والزَّمانُ زمانُ نَهْبٍ، جازَ أَخْذُهُ؛ كسائر الأموالِ، ثُمَّ يجوزُ تَملُّكُ العَبْدِ والأمةِ التي لا تحلّ له كالمجوسيَّةِ، والأخْت مِنَ الرِّضَاعِ.
وإن كانت مِمَّنْ تَحِلُّ له، فَعَلى قَوْليْن، كما في الاستقراض 23؛ لأنَّ التَّملُّكَ بالالتقاط اقتراضٌ، فإنْ منَعْنَاه، لم يَجِبِ التعريفُ.
كذلك ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حامد، وينفق22

الجزء: 6 - الصفحة: 356

على الرَّقيقِ مُدَّةَ الحِفْظ مِنْ كَسْبِه، وما يبقَى من الكَسْبِ يُحْفَظَ مَعهُ، فإنْ لم يكنْ له كَسْبٌ، فعلَى ما سبَقَ في النَّوْع الثَّانِي منْ غَيْر الآدميِّ.
وإذا بِيعَ، ثم ظهرَ المالِكُ، وقال: كُنْتُ أَعْتَقتُهُ: فأظهرُ القولَيْنِ: أنَّهُ يُقبَل قَوْلُه، ويُحْكمُ بفَسَاد البَيْعِ.
والثَّاني: المنع، كما لو بَاع بِنفْسِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي منَ المَالِ: الجمادُ، وَينْقَسِمُ إلَى ما لا يَبْقَى، بلْ يتسارعُ إلى الفسَادِ، كالمَرِيسَةِ، وإلَى ما يبقى بمعالجةِ؛ كالرُّطَب يجفَّف، أو بغير معالجةٍ؛ كالذهبِ والفضةِ والثياب، فهذه ثلاثةُ أقْسَامٍ، وهي بأسرها لُقَطَةٌ مأخُوذَةٌ متملَّكة، لكنْ فيما لا يبقَى أو يبقَى بمَعالجةٍ مزيد كلامٌ نذكرُه في الباب الثاني؛ لأنَّهُ أَدْرَجَ فيه القَوْلَ في الطَّعَام الَّذي يَفْسُدُ.
القِسْمُ الثَّانِي: ما لَيْسَ بمالٍ، كما إذا وَجَدَ كَلْباً يُقْتَنَى، فمَيْلُ الإمامِ 24 والمُتَلَقِّينَ منْه إلى أنَّهُ لا يُؤْخَذُ إلاَّ على قَصْدِ الحِفْظِ أبداً؛ لأنَّ الاخْتِصَاصَ به بالعِوَضِ ممتنعٌ، وبلا عِوَضٍ يخالفُ وضْعَ اللُّقَطَةِ.
وقال أكثرهم يُعرِّفُهُ سَنَةً، ثم يختصُّ وينتفع به، فإنْ ظهر صَاحِبُهُ بعْدَ ذَلِكَ، وقد تَلِفَ، لَمْ يضمَنْهُ، وهلْ عليه أجرةُ المِثْلِ لمنفعةِ تلْكَ المُدَّة؟ فيه وجهان بنَاءً عَلَى جوازِ إجارةِ الكْلب، وهذا ما أورده في الكتابِ، لكنَّ الَّلائقَ بهذا الجَوَاب أَلاَّ يَأْخُذَ المالَ في حدِّ اللُّقَطَةِ، وقد أَخَذَهُ؛ حَيْثُ قال: "وهِيَ كلُّ مالٍ مُعرَّضٍ للضَّيَاعِ" ولا في حدِّ الالتقاط، وقد أخَذَهُ؛ حيث قال 25: "فهو عبارةٌ عَنْ أخْذِ مالٍ ضائعٍ".
وقوله: "وذلك ظاهرٌ في كلِّ جماد وحيوانٍ صغيرٍ أراد به أنَّ ما ذكرناه في حدِّ اللُّقَطَةِ ظاهرُ الحُصُولِ في الجماد، والحيوانِ الصَّغِير وُجِدَ في العَامِر أو الغَامِرِ، ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ لَفْظُ "الحيوانِ الصغير" بالواو؛ للوجه المَنقُولِ عن صاحب "التَّقْريب" أنَّهُ إذا وُجِدَ في العُمْرَان، لم يُلْتَقَطْ.
وقولُه: "لِوُرُودِ الخبر فيه" المراد منَه الخَبَرُ الواردُ في الإِبِلِ، والبَقَرُ والحِمَارُ مُلْحَقَانِ به لم يرد فيهما خبرٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 357

وقولُه: فَقَدْ قِيلَ: إنَّه يلتَقِطُه" هو أظهر الوجْهَيْن في المَسْألة، ويجوز إعلامُه، فقَدْ قِيلَ بالواو؛ لما سبق من القَطْع بالجوازِ في طريقة، وبالمَنْعِ في أخْرَى، ثم اعْتَبَرَ الأئمَّةُ في اللُّقْطةِ أُمُوراً لم يتعرَّضْ لها في الكِتَابِ.
أَحَدُهَا: أنْ يَكُون شَيْئًا ضاعَ عَنْ مالكه لسقوطٍ أو غَفْلَةٍ، فأمَّا إذا ألْقَتِ الريحُ ثَوْباً في حجْرِه، أو ألقَى إلَيْهِ رَجُلٌ في هَرَبهِ كيساً، ولم يَعْرفْ مَنْ هُوَ، أو ماتَ مورِّثُه عَنْ ودائع، وهو لا يَعْرفُ ملاَّكَها، فهو مالٌ ضائعٌ يُحْفَظُ ولا يُتَملَّكُ.
ولو وَجَدَ دَفِيناً في الأرْضِ، فالقَوْل في أنَّه رِكَازٌ، أو لُقَطَةٌ، كَمَا مَرَّ في الزَّكَاة.
والثَّاني: أنْ يُوجَدَ في مَوَاتٍ أو شارعٍ أو مسجدٍ، أمَّا، إذا وُجِدَ في أرْضٍ مملوكةٍ، قال في التَّتِمَّة: لا يُؤْخَذُ للتملّك بَعْد التَّعْريف، لكنَّه لصاحب اليَدِ في الأرْض، فإنْ لم يَدَعْهُ، فلِمَنْ كانت في يده قَبْلَه، وهكذا إلن أن ينتهِيَ الأمْرُ إلىَ المُحْيِي، فإنْ لم يدَعْهُ، فحينئذ يكونَ لُقَطَةً.
والثالثُ: أنَّهُ يوجد في دَارِ الإسْلاَم، أو في دَارِ الحَرْب وفيها مسلمون، أمَّا إذا لم يكنْ فيها مسلم مما يُوجُدُ فيها غنيمةٌ؛ خُمُسُهَا لأهلِ الخُمُس، والباقي للواجِدِ، ذَكَرَهُ صاحبُ "التهذيب" وغيرُه، وَحَكَمَ صاحبُ الكتاب في "السِّيَرِ" بأن اللُّقَطَةَ التي تُوجَدُ في دارِ الحرْبِ لآخِذِهَا مُطلَقاً، وسيأتِي الشَّرْحُ علَيْه إنَّ شاءَ اللهُ تَعَالَى.

البَابُ الثَّاني في أَحْكَامِ اللّقَطَةِ

قَالَ حُجَّةُ الإِسُلام قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ: وَهِيَ أرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: حُكْمُ الضَّمَانِ وَهُوَ أنَّهُ أَمَانَةٌ في يَدِ مَنْ قَصَدَ أنْ يَحْفَظَهَا أَبَداً لِمَالِكِهَا، مَضْمُونٌ مَغْصُوبٌ في يَدِ مَنْ أَخَذَهَا عَلَى قَصْدِ الاخْتِزَالِ، وَمَنْ أَخَذَهَا لِيُعرِّفَهَا سَنَةً ثُمَّ يَتَمَلَكَهَا فِهِيَ أَمَانَةٌ في يَدِهِ في السَّنَةِ، فَإذَا مَضَتْ وَكَانَ عَزْمُ التمَلْكَ مُطَّرِداً صَارَ مَضْمُوناً وإنْ لَمْ يَجْرِ بَعْدُ حَقِيقَةُ التَّملُّكِ فَإِنَّهُ صَارَ مُمْسِكاَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ أَخَذَ عَلَى قَصْدِ الأَمَانَةَ ثُمَّ قَصَدَ الخِيَانَةَ وَلَمْ يُحقِّقْ فَفِي تَأْثِيرِ مُجَرَّدِ القَصْدِ في التَّضْمِينِ خِلاَفٌ (و) كَانَ مُجَرَّدُ قَصْدِ المُوَدَعِ في دَوَامِ يَدِهِ لاَ يُؤَثِّر لأنَّهُ مُسَلَّطٌ مِنْ جِهَةِ المَالِكِ، ثُمَّ مَهْمَا صَارَ ضَامِناً فَلَوْ عَرَّفَ سَنَةً لَمْ يَتَملَّكْهُ بَعْدَهَا، وَقِيل: إِنَّهُ يَتَملَّكِ لأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ عَيْنِ السَّبَبِ، وإنَّمَا المُحَرّمُ القَصْدُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقْصُودُ الباب بيانُ أحْكامِ الالتقَاطِ الصَّحيح، فمنْها حكْمُه فيما يرْجِعُ إلى الأمانةِ والضَّمَانِ، وعَلَى هذا وَنَحْوِهِ يُحْمَل قَوْلُهُ في الكِتَاب الأوَّلِ حُكُم الضمان، وإلاَّ، فَلَيْسَ حكْمُ مجرَّدِ الالتقاط الضَّمان، [بل هُوَ إلَى الأمانَةِ أقربُ،

الجزء: 6 - الصفحة: 358

ويختلفُ حكْمُهُ في الأمانةِ والضَّمان] 26 بِحَسَب قَصْدِ الآخذِ، وَلَهُ أَحوالٌ: إحداها: أنْ يَأْخذَهَا ليحفظها أَبَداً، فَهِيَ أمانةٌ في يدِهِ، وَلَوْ دَفَعها إلى الحاكِم، لَزِمَه القَبُولُ؛ بخلافِ الوديعةِ، لا يَلْزَمه القبولُ على أحد الوجْهَيْن 27؛ لأنَّه قادر على الرَّدِّ إلى المَالِكِ، وكذَا مَنْ أخَذَ، للتَّملُّكِ، ثمَّ بَدَا لَهُ، ودَفَعَها إلى الحاكِم، يلزَمُه القَبُولُ، وهَلْ يجبُ التعريفُ، إذا قَصَدَ الحِفْظَ أبداً؟ فيه وجهان مذْكُورانِ من بعْدِ فإنْ لم يجِبْ، لم يضمنْ بتركه وإذَا بَدَا له قَصْدُ التملك، عَرَّفَهَا سَنَةً من يومئِذٍ، ولا يُعْتَدُّ بما عرَّف من قَبْل، وَإِنْ أوجبناه، فهو ضَامِنٌ بالترك 28 حتى لو ابتدأ بالتعريف بعد ذلك، فهَلَكَ في سَنَةِ التعريفِ، ضَمِنَ.
الثانية: أنْ يَأْخُذَ عَلَى قَصْدِ الخيانَةِ والاختزال، فيكُون ضَامِناً غاصِباً، وفي براءتِهِ بالدَّفْع إلى الحاكم وجْهَان، كما في الغاصب فلو عَرَّف بعد ذلك، وأراد التَّملُّكَ، فجَوَابُ أكثرِهِم، وبِه قَطَعَ الشيخ أبو محمَّد؛ أنَّه لا يُمَكَّنُ منْه، كما أنَّ الغاصِبَ ليَسَ له التَّمَلُّكُ، وعنْ روايةِ الشَّيْخِ أبي علي وجْهَان: هذا أَحَدْهُما.
والثانى: أنَّ لَه التَمَلُّكَ؛ لوجُودِ صُورة الالتقاط والتَّعْريف.
الثالثة: أن يَأْخُذَها؛ ليُعَرِّفَها سَنَة ويتملَّكَهَا بعْد السَّنةِ، فهِيَ أمانةٌ في السَّنَةِ، وأمَّا بعدَ السَّنَةِ فقد ذكرَ صاحبُ الكتَاب أنَّها تصِيرُ مضمونةً علَيْه، إذا كان عزم التملك مُطَّرِداً، وإنْ لم تجر حقيقُته؛ لأنَّهُ صَارَ مُمْسكًا لنَفْسِه، فأشبَه المُسْتَامَ، ولا يخفَى أَوَّلاً أنَّ هذا مَبْنِيٌّ عَلَى أنَّ اللُّقَطَةَ لا تُمَلَّكُ بمضيِّ السَّنَةِ، فإنْ قلْنا: تُمَلَّك فإن تَلَفتْ تلفتْ منْه لا محالةَ، ثم لم يوافقْهُ النَّقَلَةُ عَلَى ذلك، بل صرَّح، ابْنُ الصَّبَّاغ وصاحبُ "التهذيب" بخلافِه، وقالوا: إنَّها أمانةٌ، إذا لم يختر التملُكُ قصْداً، أو لفظًا إذا اعتبرْنا اللَّفظَ، كما كانَتْ قَبْل الحَوْل، نعم، إذا اختار، وقلْنا: لا بدَّ من التصرُّفِ، فحينئذ يكون مضموناً علَيْه؛ كالقرض، وقد يُعْتَرَضُ عَلَى ما ذكره من التوجْيه؛ بأن قد تَغَيَّر القَصْدُ إلى الحفظ ما لم يتملك، فلا يكونُ ممسكاً لنَفْسِه، ولو كان قَصْدُ التَّملُّك يجعله ممسكًا لنَفْسه، لزم أن يكونَ الذي لا يَقْصِد بالتَّعْريف إلا تحقيقَ شَرْطِ التملُّكِ مُمْسِكًا لنَفسِهِ في مدةِ السَّنَة أيضاً، وإذا أخَذَ عَلَى قَصْدِ الأمانةِ، ثم قَصَدَ الخيانةَ، فأصحُّ الوجْهَيْن أنَّه لا يَصِيرُ المالُ

الجزء: 6 - الصفحة: 359

مضْموناً علَيْه بمجرَّد القصْدِ كالمودع.
ووجه الثاني: أنَّ سبَبَ أمانَتِهِ مجرَّدُ نيَّتِهِ، وإلاَّ، فَأَخْذُ مالِ الغَيْرِ بغيرِ رضَاهُ ممَّا يقتضِي الضَّمَانَ؛ بخلافِ المودَع، فإنَّه مُسلَّطْ مُؤْتَمَنٌ من جهةِ المالِك، عَلَى أنَّ في المُودَعِ -أيضًا- وجْهًا أنَّهُ يضْمَنُ بمجرَّد القَصْدِ، وقدْ ذكَره في الكتابِ في باب "الوَدِيعةِ".
ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ؛ لذلك قولُه هاهنا: "لا يُؤَثِّرُ" بالواو.
وإذا قلْنا بالظَّاهِر، فلو أخَذَ الوديعةَ عَلَى قَصْدِ الخيانةِ في الابتداء، ففي كونِه ضَامِناً وجهان، ومهْمَا صَار المُلْتَقِطُ ضامِناً في الدَّوام، إمَّا بنفسِ الخيانةِ، أو بقَصْدِها، ثم أقُلَعَ وأرادَ أن يُعَرَّفَ، ويتملك، فوجهان: أحدهُمَا: المَنْعُ؛ لأنَّهُ صار مَضْموناً علَيْه بتعدِّيه، والأمَانةُ لا تَعُودُ بترك التعدِّي.
ووجهُ الثاني: أنَّ التقَاطَهُ في الابتداء وقع مُفِيداً للتملُّك، فلا يَبْطُلُ حُكْمُه بتَفْرِيطٍ يطرأ، وهذا أصَحُّ عند صاحب "التهذيب"، لكنَّ إيراد، الكتابِ يُشْعِرُ بتَرْجِيحِ الأوَّل، وَيؤيَّدُه أَنَّهم شَبَّهوا الوجْهَيْن فَي المسألَة بالوجْهَيْن فيما إذا أنشأ سَفَراً مُبَاحاً، ثمَ غَيَّر قَصْدَه إلَى معْصِيَةٍ، هل يترخص؟ ومَيْلُ الأصحابِ إلى منع الترخص أشدُّ، وقد خَطَر فيما ذكروه من التشبيه بحثانِ: أحدهما: أن الوجْهَيْنِ في أنَّه، هَلْ يترخَّصُ مفروضان فيما إذا كَانَ مُقِيماً على قَصْد المعْصِيَةِ، فأمَّا إذا طرأ قصْدُ المَعْصِيَةِ، ثم تاب، يثبت الترخص، سواءٌ اعتبَرْنَا الحال أو ابتداءَ السَّفَر، والوجهان هاهنا فيما إذا تَرَكَ الخيانةَ، وأراد التعريفَ والتملُّكَ، فلا يتَّضِحُ التشبيهُ.
الثاني: قضيَّة هذا التَّشْبِيه ثبوت الخلافِ في عَكْسِه، وهو أنْ يقصد الخيانَةُ، ثم يتركه، ويُرِيدَ التملُّكَ، كما رواه الشَّيْخُ أبو عليٍّ؛ تشبيهاً بما إذا أنشأ السفَرَ عَلَى قصْد المعْصِيَة، ثم تابَ، لكنَّ الظاهرَ ثُبُوتُ الرُّخْصَة من حِينئِذٍ، وهاهنا اتَّفَقُوا عَلَى أنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لا يتملَّك.
وقوله في الكتابِ: "لأنَّ التَّحْريمَ لم يَتَمَكَّنْ من عَيْنِ السَّبَب، إِنَّمَا المُحَرِّمُ القَصْدُ، معناه أن سبَبَ التمكن هُو الالتقاطُ، والتعريف غيرُ محرِّم، وإنَّما المُحَرِّمُ ما قصده ولم يتصلْ بقصده تحقيق، وهذا التوجيهُ مخصُوصٌ بما إذا كان الطَّارِئُ قَصْدَ الخيانةِ، لا نَفْسُ الخيانة، ولصاحِب الوَجّهِ الأوَّلِ أنْ يَمْنَعَ ذلك، وَيقُولَ قَصْدُ الخيانةِ يكْسُو الإمساك صفَةَ العُدْوَان كما في الابتداء.
الحالةُ الرابعةُ: أنْ يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ، ولا يَقْصِدَ خيانةِ ولا أمانة فلا تكون مضمونةً علْيه، وله التملُّكُ بَشْرطه.
قال الإِمَامُ: وكذا لو احتمر أَحَدَهُمَا، ونَسِيَ ما أضْمَرَهُ، [والله عَزَّ وَجَلَّ أعْلَمُ].
قَالَ الغَزَالِيُّ: الحُكَمْ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ، وَهُوَ وَاجِبٌ سَنَةً عَقِيبَ (ح) الالْتِقَاطِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 360

ويعرِّفُ كُلَّ يَوْمٍ في الابْتِدَاءِ، ثُمَّ كُلَّ أسْبُوعٍ ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ بِحَيْثُ لاَ يَنْسَى أنَّهُ تِكْرَارٌ لِمَا مَضَى، وَيَذْكُرُ في التَّعْرِيفِ بَعْضَ الصِّفَاتِ لاَ كُلَّهَا لِيحْصُلَ بِهِ تَنْبِيهُ المَالِكِ، وَلاَ يَلْزَمَهُ مُؤَنَةُ التَّعْرِيفِ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ (و) التَّملُّكَ فإِذْ ذَاكَ يَكُونُ سَاعياً لِنَفْسِهِ فِي التَّعْرِيفِ، فَإذَا قَصَدَ الحِفْظَ أَبَداً أَمَانَةً لِمَالِكِهِ فَفِي لُزُومِ أَصْلِ التَّعْرِيفِ خِلاَفٌ، وَالأظَهَرُ لُزومُهُ فَإنَّهُ كِتْمَانٌ مُفوِّتٌ لِلْحَقِّ، وَيَنْبَغِي أنْ يُعرِّفَ فِي مَوْضِعِ الالْتِقَاطِ إنْ كَانَ في بَلَدٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ فَيُعَرِّفَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وَإِنْ وَجَدَ فِي الصَّحْرَاءَ فَيُعَرِّفُ في أَيِّ بَلْدةٍ أَرَادَ قَرْبَ أم بَعْدَ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُغَيِّر قصْدَهُ فَيَقْصِدَ أَقْرَبَ البِلاَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من حَقِّ المُلْتَقِطِ أن يَعْرِفَ وُيعَرَّفَ إمَّا أنْ يَعْرِفَ فينبغِي أنْ يَعْرِفَ مِنَ اللُّقَطَةِ عِفَاصَها وَوِكَاءَهَا عَلَى مَا وَرَدَ في الخبر المذكُور في أوَّل الكتاب.
والعِفَاصُ: الوِعَاءُ من جلْدٍ وخِرْقَةٍ وغيرِهما، وتُسَمَّى الجِلْدَةُ التي تَلْبَسُ رَأْسَ القَارُورَةِ العفاص والوِكَاء: هو الخَيْطُ الَّذي يُشَدُّ به، ويَعْرِفَ أيضاً جِنْسَها؛ أذَهَبٌ هِيَ أم فِضَّةٌ أم ثيابٌ؟ وِصِفَتَهَا أهَرَويَّةٌ هي أم مَرْوِيةٌ؟ وَقَدْرَهَا بِوَزْنٍ أَوْ عَدَدِ وإنَّما يَعْرِفُ هذه الأمُورِ؛ لِئَلاَّ تَخْتَلِطَ بمالِهِ، وَيَسْتَدِل به عَلَى صِدْقِ الطَّالب، إذا جاء، ويُسْتَحَبَّ تَقْييدُهَا بالكتابة.
وأمَّا أن يُعَرِّف، ففيه مسائلُ: إحداها: يجب تعريفُ اللُّقَطَة سَنَةً؛ لقَوْله -صلى الله عليه وسلم- "عَرِّفْهَا سَنَةً".
وليس ذلك بمَعْنَى استيعاب السَّنَةِ، بل لا يُعَرِّفُ في اللَّيَالي، ولا يَسْتَوْعِبُ الأيَّامَ أَيْضَاً، بلْ على المُعْتَادِ، فيعرِّف فَي الابتداء في كلِّ يوْمٍ مَرَّتَيْنِ في طرَفَيِ النَّهار، ثم في كلِّ يَوْمٍ مَرَّة، ثم في كلِّ أسْبُوع مرَّةً أو مرتَيْنِ، ثم في كلِّ شَهْرٍ، بحَيْثُ لا ينْسَى أنَّهُ تكْرَارٌ لما مضَى.
وفي وجوبِ المُبَادرة إلَيْه وجهان عن رواية الشيخِ أبي عليٍّ: أحدهما: يجِبُ؛ لأنَّ العُثُورَ على المَالِكِ في ابتداءِ الضَّلاَلِ أقربُ.
والثاني: لا يَجِبُ، بل المُعْتَبَرُ تعريفُ سَنَةٍ مُطْلَقاً، وبه ورَدَ الأَمْرُ، وهذا أَشْبَهُ بما أورده المُعْظَمَ.
وقولُهُ في الكتاب: "عقِيبَ الالْتِقَاط" ظاهرُه يُفْهِم الجوابَ بالوَجْه الأوَّلِ، وبتقديرِ أنْ يكون كذلك، فَلْيَكنْ مُعْلَمَاً بالواو لكنْ يشبه أنَّهُ ما أراد ذلك؛ لأنَّه قال في "الوَسِيط": وقْتَ التَّعْرِيف عَقِيبَ الالْتِقَاط، إن عزم على التَّمَلُّكِ بَعْدَ سَنَةٍ، وإن لم يعزم علَيْه أصلاً، أو عزمَ بعد سنين فهل يلزمُه التعريف في الحال؟ وجهان، وعلى هذا، فالمعْنَى؛ وهو واجبٌ سنةً عَقِيبَ الالْتِقَاطِ، إن عزمَ على التملُّكِ بعْد سَنةٍ من وقْتِ الالتقاطِ، وهلْ يجوزُ تفريقُ السَّنَةِ بأنْ يُعَرِّفَ شهْرَيْنِ، ويتركَ شهْريْنِ وهكذا؟ فيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 361

أحدُهُمَا: وبه أجاب الإمَامُ لا؛ لأنَّه إذا فَرَّق لم تَظهَرْ فائدةُ التعريفِ، فعلَى هذا إذا قطعَ التَّعريفَ مُدَّةً، وجب الاستئناف.
والثانِي: وهُوَ ما أورده العراقِيُّون، والقاضي الرويانيُّ يجوزُ، كما لو نَذَر صوم سنَةِ، يجوز التَّفْرِيقُ.
الثانية: لِيَصِفِ الملتقطُ بعض أوصافِ اللّقَطَةِ، فإنَّه أفَضَى إلى الظَّفر بالمالك، وهُوَ شَرْطْ أم مستحبٌّ؟ فيه وجهان؟ أظَهَرُهَما: الثَّانِي، وإذا شرطْنَا، فهل يكفي ذِكْرُ الجِنْسِ؛ بأن يقول: مَنْ ضاع منْه درَاهِمُ؟ قال الإمامُ: ما عنْدِي أنَّهُ يَكْفِي، ولكن يتعرَّضِ للعفَاصِ والوِكَاءِ، ومكانِ الالتقاط وتارِيخِهِ، ولا يستوعِبُ الصَّفَاتِ، ولا يبالِغُ فيها؛ كيلا يُعْتَمِدَها الكاذِبُ، فإنْ فَعَلَ، فَفِي صَيْرُورَتِهِ ضَامِناً وجهان: وَجْهُ المنع: أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلاَّ بالبَيِّنَةِ.
ووجهُ الصَّيْرُورَةِ: أنَّهُ قد دفعه إلَى مَنْ يلزمُه الدَّفْعُ [لا] إلَى الوَاصِفِ.
الثالثة: إن تبرع المَلْتَقِطُ بالتَّعْرِيفِ، أو بَذَل مُؤْنَتِهِ، فذَاكَ، وإلاَّ، فإنْ أخَذَها للحِفْظِ أبداً، فإن قلْنا: لا يجِبُ التَّعْرِيفُ، والحالةُ هذه، فهو مُتَبَرِّعٌ إن عرّف.
وإن قلْنَا: يجِبُ، فلَيْسَ علَيْه مُؤنتهُ، ولكنْ يَرْفَع الأمْرَ إلى الحاكِم؛ لِيَبْذُل أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ المالِ، أو يَسْتَقْرِضَ على المَالِكِ، أو يأْمُرَ المتلقطَ بِهِ لِيَرْجع، كما في هَرَب الجمَّالِ 29، وإن أخذَها للتَّملُّكِ، واتَّصَلَ الأمْرُ بالتملُّكِ، فمؤنَةُ التعريفِ على المُلْتَقِط، وإنْ ظَهَر المالك، فَهِيَ على الملتَقِط؛ لقَصْده التملُّكَ، أو على المالِك؛ لعَوْدِ الفائدة إلَيْه؟ فيه وَجْهان: أَظْهَرُهما: أوَّلُهُما، وهو ظَاهرُ ما في الكتابِ، وإنْ قَصَدَ الأمانَة أبداً أَوَّلاً، ثمَّ قَصَدَ التَّمْلِيكَ، ففيه الوجْهَان؛ نَظَراً إلى منتهى الأمْر ومُسْتَقَرِّه.
الرابعةُ: ما ذَكرْنا منْ وجُوب التَّعْريفِ فيما إذا قَصَدَ التَّملُّكَ، أمَّا إذا قَصَدَ الحِفْظَ أبداً، فَفِي وجُوبِه وجْهَان: أظْهَرُهما عنْد الإمام، وصَاحِب الكِتَاب: وجُوبُهُ، وإلاَّ، فهو كتمانٌ مفوِّتٌ للحقِّ علَى المستحقِّ.
والثاني: وهُوَ الذي أورده الأكْثَرُون: أنَّهُ لا يجِبُ، وعلَّلوا بأن التعريفَ إنَّما يجبُ

الجزء: 6 - الصفحة: 362

لتَحْقِيق شَرْطِ التملُّكِ 30. الخامِسَةُ: ليكنِ التعريفُ في الأسْوَاق، ومجامِعِ النَّاسِ، وأبواب المَسَاجِد عند خُرُوج النَّاسِ من الجماعاتِ، ولا يُعَرِّفُ في المَسَاجِدِ، كما لا يَطْلُبَ الضَّالَّةَ فِيهَا.
قال الشَّاشِيُّ في "المعتمد": إلاَّ أنَّ أَصَحَّ الوجْهَيْنِ جوازُ التَّعْريف في المسْجِد الحرام؛ بخلافِ سائر المَسَاجد.
ثم إذا التقطَ في بَلْدَةٍ أو قرية، فلا بُدَّ من التَّعْريفِ فيها، وليكنْ أكثرُ تعريفه في البُقْعةِ والمَحَلَّةِ الَّتي وجدَ فيها، فإنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ في موْضع إضْلاَله أكثرُ، فإنْ حضَره سَفَرٌ، فوَّض التعريفَ إلَى غيرِه، ولا يُسَافِرُ بها.
وإن التقطَ في الصَّحراءِ، فعَنْ أبِي إسْحَاق -رحمه الله- أنَّهُ، إن اجتازَتْ به قافلة، يُتْبَعُهُمْ، وُيعَرِّف فيهم، وإلاَّ، فلا فائدةَ في التَّعْريف في المواضع الخالِيَةِ، ولكنْ يُعَرِّفُ في البلدة التي يَقْصِدُهَا، إذا انتهى إلَيْها، [فإنِ بدا له الرُجُوعُ، أو قَصَدَ بلدةً أخْرَى، فكذا يُعَرِّفُ عند الوُصُولِ إلَيْها]، ولا يُكلَّف أنْ يُغيِّرَ قَصْدَه، ويعدلَ إلَى أقرب البلادِ إلَى ذلك الموْضِع، أو يرجع إلى حَيْثُ أنشأ السَّفَر منْه، حكاه الإمامُ، وتابَعَهُ المُصَنِّفُ، ولكن ذكر المتولِّي وغيرِه أنَّهُ يعدل ويُعَرِّفُ في أقْرَب البُلْدان إلَيْه، وهذا إنْ كان المراد منهُ الأَحَبَّ والأولَى فذاك، والاَّ، حَصَلَ وجْهَان في المسألة 31. وقوله في الكِتَاب: ولا يجوزُ له أنْ يُسَافِر به فَيُعَرِّفَ في مَوْضِع آخَرَ، ففي الجواز لا يفتقرُ إلى الأمْرَيْنِ، بل يجوزُ أنْ يُسَافِرَ به، وإن لم يتبع التَّعرِيفَ في مَوْضعٍ آخَرَ، كما لا يجوز السَّفرُ بالوَدِيعَة، ولا يجوزُ التعريفُ في مَوْضعٍ آخر، وإنْ لم يُسَافرْ به.
وقولُه: "فَيُعَرِّف في أي بَلدٍ أرَاد قَرُبَ أَمْ بَعْدَ" غيْرُ مجرى عَلَى ظاهره، بل هو محمولٌ عَلَى البلدِ الَّذِي هو مَقْصِدُهُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 363

فَرْعٌ:

ليس لِلْمُلْتَقطِ تَسْلِيمُ المالِ إلَى غيرِهِ؛ لِيُعَرِّفَهُ إلاَّ بإذْن الحاكِم، فإن فَعَل، ضَمِنَ، قالَهُ القاضِي ابنُ كجٍّ وغيْرُه.
آخر: لاَ بُدَّ، وأن يكونَ المُعَرِّفُ عاقِلاً غَيْرَ مَشْهُورٍ بالخَلاَعة والمُجُون، وإلاَّ، فلا يعتمدُ عَلَى قَوْلِهِ، ولا تَحْصُل فائدةُ التَّعْريفِ 32 والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ وُجُوبُ التَّعْرِيفِ سَنَةً في مَالِ كَثِيرٍ لاَ يَفسُدُ، أَمَّا القَلِيلُ الَّذِي لاَ يُتَمَوَّلُ فَلاَ يُعَرَّفُ أَصْلاً، وَإِنْ كَانَ مُتَمَوَّلاً عُرِّفَ مَرَّةً (ح م و) أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى قَدْرِ الطَّلَبِ فِي مِثْلِهِ، وَحدُّ القَلِيلِ مَا يَفْتَرُّ مَالِكُهُ عَنْ طَلَبِهِ عَلَى القُرْبِ، وَقِيلَ: انَّهُ يُقَدَّرُ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وقِيلَ: الدِّينارُ فما دُونَهُ قَليلٌ إِذْ وَجَدَ عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ دِينَاراً فَأَمَرَهُ -صلى الله عليه وسلم- بِالاسْتِنْفَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غَرَضُ الفَصْلِ والَّذي بعْدَهُ بَيَانُ أن التعريفَ سَنَةً لا يَجِبُ في كُلَّ لُقَطَةٍ، وإنَّما يجبُ عنْد اجتماع وصْفَيْنِ: أحَدُهُمَا: أن يكونَ المُلْتَقَطُ كثيراً، فإن كان قَلِيلاً، نُظِرَ؛ إنِ انتهت قِلَّتُه إلى حدٍّ يُسْقط تموُّلُهُ؛ كالحبة من الحِنْطَة، والزَّبِيية الواحِدة، فلا تعريف [على واحدة]، وله الاستبداد به، ولَكَ أنْ تقولَ: ذِكْرُ خِلاَفٍ في أنَّ مَنْ أتْلَفَ مالاً يُتَمَوَّلُ، ما هو من قبيل المثْلِيَّات، هل يَغْرَمُهُ؟ والظَّاهرُ أنَّهُ لا يَغْرَمُهُ كما لا يَجُوزُ بَيْعهُ وَهِبَتُهُ، وحينئذٍ، فليجيءُ فيه الوجْهُ المذكورُ في أنَّ الكَلْبَ لا يجوزُ الْتقاطُه لِلاخْتِصَاصِ؛ لأنَّهُ يمتنعُ الاخْتِصَاصُ به بِعِوَضٍ، وبِغَيْرِ عَوضِ كما تقدَّم.
وإنْ كانَ مُتَمَوَّلاً مع القِلَّة، فيجبُ تعريفُهُ؛ لأنَّ فاقده يَطلُبُهُ، خلافاً لأبي حنيفةَ ومالكٍ -رضي الله عنهما- يُعَرِّفُ؟ فيه وجهان: أحدهُمَا: سَنَةً، لإطلاقِ الأخْبَار، وهذَا أظهَرُ عند العراقِيِّينَ.
والثاني: المنعُ؛ لأنَّ الشَّيْءَ الحقيرَ لا يدوم فاقِدُهُ علَى طلبه سَنَةً، بخلاف

الجزء: 6 - الصفحة: 364

الخطيرِ، وهَذَا أشبهُ باختيار المُعْظَم، وعلَى هذا؛ فأوْجُهٌ: أحدها: وُينْسَبُ إلى الإصْطَخْرِيِّ، أنَّه يكفي التعريفُ مَرَّةَ؛ لأنَّهُ يَخْرُجُ به عن حَدِّ الكاتِم، وليْسَ بعْدَها ضَبْطٌ يُعْتَمَدُ.
والثاني: يُعَرِّفُ ثلاثةَ أيامٍ؛ لأنَّهُ رُوِيَ بعضُ الأخبارِ: "مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةَ يَسِيرَةً، فلْيُعَرِّفْهَا ثَلاثةَ أَيَّامٍ" 33. والثالثُ: وهو الأظهرُ أنَّهُ يُعَرِّفُ مدَّةً يُظَنُّ في مثْلِها طَلبُ الفاقد له، فإذا غَلَبَ علَى الظَّنِّ إعْرَاضُهُ، سقط عنه التعريفُ، ويخْتَلِفُ ذلك باختلاف قدْرِ المَال.
قال القاضِي الرُّوَيانِيُّ: فَدَانِقُ الفِضَّةِ يُعَرَّفُ في الحال، ودَانِقُ الذَّهَبِ يُعَرَّف يَوْماً أو يومَيْنِ أو ثلاثَةَ أيامٍ، وبم يُفْرَقُ بين القليل المُتَمَوَّل، وبينَ الكَثير؟ فيه أوجه: أحدُها: عن الشيخ أبي محمَّد: أنَّه لا يُقَدَّرُ مقدارُه، ولكنْ ما يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ فاقدَهُ لا يُكْثِرُ أَسَفَهُ عَلَيْه، ولا يَطُولُ طَلَبُه لَهُ في الغالب، فهو قليل، وهذا أصحُّ عنْد المُصَنِّفِ، وصاحبِ "التتمة".
والثاني: أنَّ القليلَ ما دُونَ نِصَاب السَّرِقَةِ، فإنَّه تافه في الشَّرْع، وقد قالَتْ عائشةُ -رَضِيَ الله عنْها-: "مَا كانَتِ الأيْدِي تُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الشَّيْءِ التَّافِه" 34 وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ [رضي الله عنهما].
والثالثُ: عن رواية الماسرجسيِّ وغيرِه.
أنَّ الدِّينار فما دونَهُ قليلٌ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 365

عَلِيّاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَجَدَ دِينَاراً، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "هَذَا رِزْق والله، فاشْتِرِ بِهِ دَقِيقاً وَلَحْماً" فأكَلَ منه رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعَليٌّ وَفَاطِمَةُ -رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا- ثم جَاءَ صَاحِبُ الدِّينَارِ يَنْشُدُ الدِّينارَ، فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا عَلِيُّ، أدِّ الدِّيْنَارَ" (1). والرابعُ: أنَّ ما دُونَ الدِّرْهَمِ قليلٌ، والدِّرْهَمُ فما فوقَهُ كَثِيرٌ، لما رُوِيَ عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عنْها- أنَّهُ لاَ بَأْسَ بِمَا دُونَ الدِّرْهَم أن يُسْتَنْفَعَ بِهِ" (2) وأعْلَم أنْ ما ذكرْنَاه منْ تَقْسِيم القَليلِ إلَى مُتَمَوَّل، وغَيْرِ مُتَمَوَّل قدَ حكاه الإمامُ وصَاحِبُ الكتاب، وفِي كلام الشَّيْخ أبي حَامِدٍ مَا يَدُلٌ عليه، والأكْثَرُونَ لم يتعرَّضوا له، ولكنْ قَسَّموا القَليلَ إلى ما لاَ يُطْلَبُ، ولا تتبعُهُ الهمةُ، وإلى ما يطلبُ، ويُشْبِهُ أن يكونَ الاختلافُ في مجرَّد العبارة واللهُ أعلَمْ.
وقولُهُ في الكتاب: "وإنْ كانَ متموَّلاً عَرّفَ مَرّةً أو مرَّتَيْن" يجوز أن يُعْلَم [بالواو والحاء والميم؛ لما تقدَّم.
وقولُهُ: "إنَّهُ يتَقَدَّرُ بنصاب السَّرقة" من الألفاظِ الَّتِي أُخِذَتْ عن المُصَنِّف] (3) وَقِيلَ: الصَّوَابُ أنْ يُقَالَ: بما دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ؛ [لأنَّ نِصَابَ السَّرِقَة] من حَدّ الكثير، لكنْ يجوزُ أن يُقَالَ: إنَّهُ لم يفسر القَلِيل به، لكن قال: يتقدَّر به، أي: هو الحدُّ الفاصِلُ فما يقعُ دونَهُ، فهُوَ قليلٌ، والحَدُّ قد لاَ يدْخُلُ في المحدود.

فرع

: عن "التتمة": يحلُّ التقاطُ السَّنَابِل وَقْتَ الحَصَاد، إنْ أَذِنَ فيه المالكُ، أو كانَ قَدْرَ ما لا يَشُقُّ علَيْه التقاطُهُ، وإنْ كانَ يُلْتَقط بنَفْسِه لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وإلاَّ، لم يَحِلَّ والله أعلم 38.353637

الجزء: 6 - الصفحة: 366

قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا مَا يَفْسُدُ كَالطَّعَامِ فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ الْتَقَطَ طَعَاماً فَلْيَأْكُلُهُ"، وَفِي مَعْنَاهُ الشَّاةُ فَإنَّهُ طَعَامٌ يَحْتَاجُ إلَى العَلَفِ، وَفِي الجَحْشِ وَصِغَارِ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي لاَ تُؤْكَلُ خِلاَفٌ، فَقِيلَ: لاَ يَلْتَحِقُ بالشَّاةِ لأَنَّ التَّسَاهُلَ في الطَّعَامِ أَكْثَرُ، ثُمَّ في وُجُوبُ التَّعْرِيفِ بَعْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ خِلاَفٌ (و)، وَإِنْ وَجَدَ طَعَاماً فِي بَلَدٍ فَقَدْ قيِلَ: يَبِيعُهُ وَيُعَرِّفُ ثَمَنَهُ لأَنَّ ذَلِكَ في الصَّحْرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقِيلَ بِخِلاَفِهِ لعُمُومِ الخَبَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوَصْفُ الثانِي: أن يَكُونَ شَيْئاً لا يَفْسُدُ، أمَّا مَا يَفْسُدُ، فضَرْبان: أحدُهُما: أنَّه لا [يمكِنُ] إبقاؤه كالهَرِيسَةِ والرُّطَبِ الذي لا يتتمر والبُقُول، فإنْ وجَده في بَرِّيَّةٍ، فهو بالخيارِ بَيْن أنْ يبيعَه، ويأْخُذَ ثَمَنَه، وبين أن يتملَّكَهُ في الحالِ، فيَأكَله، وَيَغْرَمَ قيمتَهُ، كما ذكرنا في الشَّاةِ، وحيث يجدُها إلاَّ أنَّ في الشاةِ خَصْلةً أخرَى، وهي إمْسَاكُهَا، وهو متعذِّرٌ ههنا وقد رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَجَدَ طَعَاماً، فَلْيَأْكُلُهُ، وَلا يَعَرِّفْهُ" 39. وإن وجَدَه في بَلْدَةٍ أو قَريَةٍ؟ ذهَبَ المُزَنِيُّ إلَى أنَّ المسألةَ على قَوْلينِ: أحدُهُمَا: وهو اختيارُ المزَنِيِّ: أنَّه ليس له الأَكْلُ؛ بل يبيعُه، ويأخذ ثمَنَه لمالكه؛ لأنَّ البيعَ متيسِّرٌ في العُمْرَان.
والثَّاني: أنَّه كما لو وَجَد في الصَّحْرَاءِ؛ لإطْلاَق الخبر، وهذا أَرْجَحُ عند عامَّة الأصْحَابِ، ومنْهُمْ من قطَع به، وقَضِيَّتُهُ ترجيحُ القَوْل بجواز أكْلِ الشَّاةِ، إذا وُجِدَتْ في الصَّحْراء، كما ذكَرَه الشيخُ أبو حامِدٍ، ويمكن أن يُفْرَقَ بينهما بَأنَّ الطَّعامَ قَدْ يَفْسُدُ إلَى أن يظْفَر بالمُشْتَرِي، فتمسَّ الحاجة إلَى أكْلِه، والشَّاةُ بخلافه.
إذا قلْنا: لا يجوزُ الأكْلُ، فلو أخذه لِلأَكْلِ، كان غَاصِبَاً، وحيث جَوَّزنا الأَكْلَ، = فإن الزكاة تعلقت بجميع السنابل والمالك مأمور بجمعها، وإخراج نصيب الفقراء وهو لو أراد التصرف فيها قبل التصفية، وإخراج الزكاة لم يجز كما لا يجوز لأحد الشريكين التصرف في المشترك بغير إذن الشريك.
ولا شك أن الفقراء شركاء لرب المال، وحينئذٍ فكيف يصح إعراض المالك عن السنابل، ولعل ما ذكره محمول على مقدار لا يجب فيه الزكاة أو على ما إذا كانت أجرة جمعها تزيد على ما يحصل منها،.

الجزء: 6 - الصفحة: 367

فأَكَلَ، ففي وجوبِ التَّعريفِ بعْدَه وجهان: أصحُّهُمَا: الوُجُوبُ، إذا كان في البَلَد، كما أنَّه، لو بَاع، يُعَرِّف، وإذا كان في الصَّحْراء قال الإمامُ: الظَّاهرُ أنَّه لا يجب؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه في الصَّحْرَاءِ، وإذَا تأخَّر بعد العُثُور علَى المستحِقِّ، وهلْ يجِبُ إفراز القيمةِ المَغْرُومةِ منْ ماله؟ فيه وجهان -ويُقَالُ: قولان: أظْهَرُهُمَا: لا؛ لأنَّ ما في الذمَّة لا يُخْشَى هلاكُه، وإذَا أفْرَز، كان المُفْرَزُ أمانةً في يده، وربَّما احْتُجَّ له بالقياسِ علَى ما إذا أكلَ الشَّاةَ؛ حَيْثُ لا يجبُ إفرازُ القيمةِ؛ لأنَّ هناك طَرِيقَةً قاطعةً بالمنْعِ.
والثاني: أنَّهُ يَجِبُ احْتِيَاطاً لصَاحِب المالِ؛ لتَقَدُّم صاحِبِ المالِ بتلْكَ القيمةِ، لَوْ أفْلَسَ المُلْتَقِطُ، وَعلَى هذا، فالطَّريقُ أن يرفَع الأَمْرَ إلَى الحاكِم؛ ليقبضَ عنْ صاحِبِ المال بالقيمة؛ فإنْ لم يَجدْ حاكماً، فهلْ للملْتَقِطِ بسلطان الالْتَقاطِ أن يُنِيبَ عنه؟ فيه احتمالٌ عند الإمام، وذكر أنه، إذا أَفْرَزَهَا، لم تصِرْ مِلْكاً لصاحبِ المالِ، لكنه أَوْلَى بتملُّكها، وبمثله أجاب المُصَنِّف في "الوسيط"، لكنَّه، لو كان كَذَلِكَ، لَمَا سَقَطَ حقُّه بهَلاَك القيمةِ المفرزة، وقد نَصُّوا على السُّقُوطِ، وأيْضاً نصُّوا على أنَّه إذا مضَتْ مُدّةُ التعريفِ، فله أن يتملَّكَ تلك القيمةَ، كما يتملَّكُ نَفْسَ اللُّقَطَةِ، وكما يتملَّكُ الثَّمَنَ، إذَا باع الطَّعَامَ، وهَذا يقتضِي صَيْرُورَتَهَا مِلْكاً لصاحبِ اللُّقَطَةِ.
وإذا اختلفت القيمةُ يَوْمَ الأخْذُ، ويوم الأَكْل، ففِي بعض الشُّرُوح أنه، إن أخَذ للأكل اعتبرت قيمته يوم الأخذ، وإن أخذ للتعريف اعتبرك قيمته يوم الأكل، وإذا اختار البيع ففِي الحاجَةِ إلَى مُرَاجعةِ الحاكم ما مَرَّ في بَيْع الشَّاة.
الضَّرْبُ الثانِى: ما يُمْكِنُ إبقاؤُه بالمُعَالَجَةِ والتَّجْفِيف، فإن كان الحظ لصاحبِهِ في بَيْعِهُ رُطَباً، بِيعَ، إلاَّ، فإنْ تَبَرَّعَ الواجدُ بالتجفيف، فذاك، وإلاَّ بِيْعَ بعضُه، واتَّفَقَ علَى تجفيف الباقي.
ويخالفُ الحيوان حيْثُ يُبَاعُ جميعُه؛ لأنَّ النَّفقَةَ تكَرَّرُ، فيؤدِّي إلَى أنْ يأكلَ نَفْسَه، وهذا الضَّرْبُ الثَّاني لم يوردْهُ صاحبُ الكتابِ.
وقولُه: "من التقطَ طعاماً، فلْيَأْكله 40 ... " الحديثُ بهذه اللُّقَطَةِ لا ذِكْر له في الكُتُب، وإنَّما الذي يُرْوَى ما قدَّمناه.
والأكثرونَ لم يَرْوُوا في الطعام حديثاً، وإنَّما اقْتَبَسُوا حكمِهُ من الأحاديثِ المَنْقُولةِ في ضَالَّة الغنمِ، وصاحِبُ الكتابِ عَكَسَ القضية،

الجزء: 6 - الصفحة: 368

فجَعَلَ الحَدِيثَ في الطَّعَام أَصْلاً، ثم قال: وفي مَعْنَاه الشَّاة.
وقوله: "فإنَّها طعامٌ" -أي: هِيَ في حُكْمِهِ، وقريبةٌ منه، ولذلك جاز التَّبَسُّطُ فيها في دَار الكُفْرِ جَوَازَهُ في الأطعمة.
وقوله: "في الجَحْشِ وَصِغَارِ الحَيَوَانَاتِ الَّتي لا تُؤْكَل فقيل: لاَ يَلْتَحِق بالشَّاة" أي: في جواز التملُّك قبل التعريف، فإنَّ الشَّاةَ تُتَمَّلكُ وتُؤْكَلُ.
وقوله: "فقد قيل يبيعه".
أي: يتدرَّج إلَى بَيْعِه علَى ما يقتضيه الحَالُ من الظِّفَرِ بالحَاكم وعَدَمِه.
وقوله: "وُيعَرِّفُ ثَمَنَهُ" هكذا هو في لَفْظ الكتَاب، لكنَّ المَعْرُوفَ باتِّفافِ الأصحاب هُوَ المَبِيعُ دُون الثَّمَنِ، كما أنَّه إذا أكَل، يُعَرَّف المأكول دون القيمة، أفرزها -أو لم يُفْرِزْهَا-.
ولذلك جَعَل بعضُهم، وُيعَرِّفه لثمنه؛ ليتملَّك الثَّمَنَ بعْد التعريف: وقوله: "وقيل بخِلاَفِهِ" يعني أي: لا يتعيَّنُ البَيْعُ، ويجوزُ الأَكْلُ كما لو وُجِدَ في الصَّحْرَاء.
واعْلَمْ أنَّ قولَه في أوَّل الفصل السابق: "ثم وجُوب التعريف سَنَةً في مال كثير لا يفسد" يجوزُ أن يرادَ به اعتبارُ ثلاثةِ أُمُورٍ في التَّعْريفِ سنةً؛ وهي كونُهُ مالاً، وكثيراً، وغَيْرَ فَاسِدٍ، لكنَّه لم يفصل 41 ذلك، وإنَّمَا قَصَدَ اعتبارَ أمرَيْن: الكثرةُ، وعَدَمُ الفَسَادِ، على ما شرَحْناه.
ولو أنَّه قَصَدَ الأوَّلَ لقال: أمَّا الذي لا يُتَمَوَّلُ، فلا يُعَرَّفُ، وأمَّا القليلُ مما يُتَمَوَّل، فَيُعَرّف مَرَّةً أو مرَّتَيْنِ، هذا، وخطُّ الحقيقةِ لا يَخْتَلِفُ، [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: التَّمَلُّكُ وَهُوَ جَائِزٌ بَعْدَ مَضِيِّ المُدَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ مضِيِّ السَّنَةِ إِذَا تَقَدَّمَ القَصْدُ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ القَصْدِ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ من لَفْظٍ أيْضاً، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ من تَصَرُّف أيْضاً مُزِيل لِلْمِلْكِ كمَا في القَرْضِ، أَمَّا لُقْطَةُ مَكَّةَ فَلاَ يَتَمَلَّكُهَا (ح م) لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم-: لاَ يَحِلُّ لُقَطَتهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، مَعْنَاهُ عَلَى الدَّوَامِ وَإِلاَّ لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُمْلِكُ كَسَائِرِ البِلاَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من أحكامِ اللّقَطَةِ جَوَازُ التَّمَلُّكِ بعْد التَّعْرِيف، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ الملتَقِطُ غَنِيّاً أو فقيراً.
وعنْد أبي حَنِيفة-رضي الله عنه- من لا تحِلُّ له الصدقةُ لا يجوزُ له التملُّكُ والارتفاقُ باللُّقَطَة، ولكنَّه، إنْ شَاء، حَفِظَها للمَالِك، وإنْ شاء، تَصَدَّقَ بها.
ومَنْ يحل له الصَّدَقةُ، إنْ شاء، تَمَلَّكَهَا، وارتفقَ بها ويكونُ متصدِّقاً على نفْسِه،

الجزء: 6 - الصفحة: 369

وإنْ شاء، تصدَّق بها علَى غيرِه، وإنْ شاء، حَفِظَها للمَالِك، ومهْما تصدَّقَ بها، ثمَّ جاء المالِكُ، فهو بالخيار بَيْن أن يجيز صَدَقَتَه وبين أن يغرمه، ويكونُ ثوابُ الصَّدقةِ للملْتَقِطِ.
وعنْ مالك -رضي الله عنه-: أنَّهُ يجوزُ للغَنِيِّ تملُّكُ اللُّقَطَةِ، ولا يجوزُ للفَقِير.
لنا: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإلاَّ، فَشَأْنَكَ بِهَا" 42. ولم يَفْرِقْ بين الغنىِّ والفقير.
ورُوِيَ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْب -رضي الله عنه- وجَدَ صُرَّةً فِيهَا دَنَانِيرُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَهُ -فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَعَرَفَ عَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلاَّ، فَاَسْتَمْتِعْ بِهَا" 43. وكانَ أُبَىٌّ -رضي الله عنه- عنده من المَيَاسِير.
وفي الفصْل مسأَلَتانِ: إحداهما: مَنِ التقَطَ للتملُّكِ، وعَرَّف، ففِيهِ وجهان: أحدُهُمَا: أنَّه يملكُ بمجرَّدِ مُضِيِّ السَّنَةِ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رَجُلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجِدُ في السَّبِيل العَامِر مِنَ اللُّقَطَةِ؟ قال: "عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ، فَهيَ لَكَ" 44. وأصحُّهُمَا: أنَّه لا يملكُ ما لم يَخْتَرِ التملُّك؛ لَقولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَشَأْنَكَ بِهَا" 45 فوَّض الأمْرَ إلَى خِيرَتِهِ.
وعلى هذا، فثلاثةُ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّه يَكْفِيهِ تَجْديدُ قَصْدِ التملُّكِ، ولا حاجةَ إلى اللَّفظ لأن لفْظَ التملُّكِ، إنَّما يُعْتبر حَيْثُ يكون هنَاكَ إيجابٌ.
وأصحهما: أنَّه لا بد من قوْله: تَمَلَّكُتُ، وما أَشْبَهَهُ؛ لأنَّه تملّكُ مالٍ بَبَدِل، فافتقر إلَى اللَّفْظ؛ كالتملُّك بالشِّراءِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 370

وثالثُها: أنَّه لا يُحْكَمُ لَهُ بالمِلْك ما لَم يتصرَّف فيه تخْريجاً من القرض، فإنَّ التصرَّف باللقطة كالاسْتقْرَاضِ، وعلَى هذا، فيُشْبِه أن يجيء الخلافُ المذكورُ في القَرْضِ في أن المِلْكَ بأيِّ نَوْع منَ التَّصَرُّفِ يَحْصُل.
وإنَّ قَوْلَه في الكتابِ "لا بُدَّ من تَصَرُّفٍ أيضاً" مزيلً للملِك جوابٌ بالوجه الأظهر من ذلك الخِلاَف.
الثانية: في لُقَطَةِ "مكَّة" وحَرَمِها قولان: أظْهَرُهُمُا: أنَّه لا يَجُوزُ أخذُها للتملُّك، وإنما تُؤْخَذُ للحِفْظِ أَبَداً؛ لما رُوِيَ أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ هَذَا، الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنْفَرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا" 46 وُيرْوَى: "لاَ تَحِلُّ لُقَطَتُهُ إِلاَّ لِمُنْشَدٍ" أي لمُعَرِّفٍ، والمعْنَى عَلَى الدَّوام، وإلاَّ، فالحكمُ في سَائِر البِلاَدِ كَذَلك، فلا تظْهَر فائدةُ التَّخْصِيصِ، والمعنى فيه أنَّ مكَّةَ مثابةٌ للنَّاسِ يعُودُون إلَيْها مَرَّةً بَعْد أُخْرَى، فربَّما يعود مَنْ أضلهَا، أو يبعث في طلبها.
والثَّاني: أنَّهَا كَلُقَطَةِ سَائِرِ البِقَاع، والمرادُ من الخَبَرِ أنَّهُ لا بُدَّ من تَعْرِيفهِا سَنَةً، كما في سائر البلاَدِ كيْلا يُتَوهَّم أن تَعْرِيفَهَا في المَوْسِمِ كافٍ لكَثْرَةِ النَّاسِ، وبعد العَوْدِ في طَلَبها من الآفَاقِ.
ولْيُعْلَمْ قوله في الكتاب: "فَلاَ يَتَمَلَّكُهَا" بالحاء والميم؛ لأنَّ مذْهَبَهُمَا كالقَوْل الثاني، وبالألف لأنَّ أحمدَ يواَفِقُهُما في أظْهَرِ الروايتَيْن، [واللهُ عزَّ وجلَّ أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ وُجُوبُ (و) الرَّدِّ، فَمَهْمَا أَقَامَ المَالِكُ بَيِّنَةً فَإِنْ أَطْنَبَ في الوَصْفِ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ جَازَ الرَّدُّ، وَفِي الوُجُوبِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ خِلاَفٌ، وَلَعَلَّ الاكْتِفَاءَ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ أَوْلَى فَإِنَّ البَيِّنَةَ قَدْ تَعْسُرُ إِقَامَتُها، فَإِنْ رَدَّ إلَى الوَاصِفِ فَظَهَرَ مَالِكٌ وَأَقَامَ البَيِّنَةَ فَإِنْ شَاءَ طَالَبَ المُلْتَقِطَ، وَإِنْ شِاءَ طَالَبَ الوَاصِف، ثُمَّ القَرَارُ عَلَى الوَاصِفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اعْتَرَفَ المُلْتَقِطُ لَهُ بِالمِلْكِ، وَلَوْ ظَهَرَ المَالِكُ بَعْدَ التَّمَلُّكِ غُرِّمَ المُلْتَقِطُ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّمَلُّكِ، فَإِنْ كَانَ العَيْنُ قَائِمَةً فَفِي وُجُوب رَدِّ العَيْنِ تَرَدُّدٌ (و)، فَإِنْ رَدَّ تَعَيَّنَ عَلَى المَالِكِ القَبُولُ، فَإِنْ كَانَتْ مَعِيبَةً وَضَمَّ إِلَيْهِ الأًرْشَ فَهَلْ عَلَيْهِ القَبُولُ أَمْ يَجُوزُ لَهُ المُطَالَبَةُ بِالقِيمَة؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: أَحْكَام اللّقَطَةِ رَدُّ عَيْنها، أو بَدَلِهَا عنْد ظُهُور مالكها، ويقَعُ الكلامُ فيه [في جُمْلَتَيْنِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 371

إحْدَاهُمَا: إذا جاءَ مَنْ يَدَّعيها، نُظِرَ؛ إنْ لم يُقِم البيِّنة] عَلَى أنَّها له، ولا وصَفَها، لم يُرْفَعْ إلَيْه شيءٌ، إلاَّ أن يَعْلَمَ الملتقِطُ أنها له، فيَلْزَمُه الدَّفْع إليه، وإنْ أقام البيِّنَةَ، رُدَّت عليه، وإنْ وصَفَها، نُظِر؛ فإنْ لم يغْلِبْ على ظَنِّ الملتقِطِ صدْقُهُ لم يدْفَعْها إلَيْه على المشْهُور، وحكى الإمَامُ تَرَدُّداً في جواز الدَّفْع، وإن غَلَبَ على ظنِّه صدْقُهُ، جاز دَفْعُها إليه، وفي وجوبه وجهان نقلهما الإمامُ، وصاحبُ الكتابِ: أحدُهما: وهو الروايةُ عن مالِك وأحْمَد -رضي الله عنهما-: أنَّه يجبُ؛ لأنَّ إقامةَ البيِّنةِ على اللّقَطَةِ قد تَعْسُرُ، وقد رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها، فَعَرَّفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا، فاَدْفَعْهَا إِلَيْهِ" (1). وأصحُّهما: وهو الذي يَشْتَمِلُ علَيْه كُتُبُ عامَّةِ الأصْحَاب، وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: أنَّه لا يجبُ؛ لأنَّهُ مُدَّع، [فيحتاج إلى بَيِّنَةِ وعلى هذا فلو قال الواصِفُ: يلزَمُكَ تسلِيمُها إليَّ؛ فلَهُ أن يَحْلِفَ أنَّه] (2) لا يلزَمُه ذلك.
ولو قَالَ: تَعْلَمُ أنَّها مِلْكِي، فلَهُ أنْ يَحْلِفَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ؛ لأنَّ الوصْفَ لا يفيدُ العِلْم.
واختار صاحبُ الكتاب شَيْئاً متوسِّطاً بيْن الوجهَيْن، فقال: الأَوْلَى أن يُكْتَفَى بِعَدْلٍ واحِدٍ؛ لحُصُول الثِّقَةِ وظاَهرُ المذْهَبِ خلافُه.
وإذا دَفعها إلَى الوَاصِفِ، ثم جَاء آخَرُ، وأقامَ البيِّنةً على أنَّها له، فإن كانتْ باقيةً انْتُزِعَتْ منْه، ودُفِعَتْ إلى الثاني، وإنْ تَلِفَت عنْده، فهو بالخِيَار بيْن أن يُضَمَّنَ المُلْتَقِطُ أو الوَاصِفُ، فإن ضُمِّنَ الواصِفُ، لم يرجعْ على الملْتَقِطِ؛ للتَّلَف عنده، ولأنَّ الثانِيَ ظالمٌ بِزَعْمِه، فلا يُرْجَعُ عَلَى غير ظالمِهِ، وإنْ ضُمِّنَ الملتقِطُ رَجَعَ، إنْ لم يُقِرَّ للواصِف بالملْكِ، وإن أقرَّ، لم يَرْجعْ؛ مؤاخذةً له بقوله، هذا إذا دفع بنَفْسِه.
أمَّا إذا ألزَمَهُ الحاكم الدافعْ إلى الواصِفِ، لم يكُنْ لمقيم البيِّنة تضمينُه، ولو جاء الواصفُ بعدما تملَّكَ الملتقِطُ اللُّقَطَة، وأتْلَفَها، فعرَّفها له الملتَقطُ؛ لظنِّه صدْقَه، ثم جاء آخر، وأقامَ البيِّنةَ، فلَهُ مطالبَةُ الملْتَقطِ دُونَ الواصِفِ، لأنَّ الحاصِلَ عند الوَاصِفِ مَالُ المْلتَقِط لا مَالُهُ، وإذا غَرِمَ المْلتَقِطُ، فهلْ يرجع على الواصِفِ؟ يُنْظَرُ، هل أقرَّ له بالمِلْك عند الغرامَةِ أم لا؟ كما سبق، والله أعْلَمُ.
فَرْعَانِ عنْ شَرْح القاضي ابن كجٍّ

-[رحمه الله]-

: أحدُهُمَا: أقامَ مُدَّعِي اللُّقَطَة شاهدَيْن عدلَيْنِ عنْده، وعنْد الملتقط، وهما فاسِقَيْنِ عند القاضي، فعَنْ أبي الحَسَن وجْهان في أنَّ القاضِيَ، هل يلْزَمُه الدَّفْع؛ لاعترافهما بعْد التهمة؟ والصحيحُ المنعُ.4748

الجزء: 6 - الصفحة: 372

الفرع الثاني: ادَّعَاهَا اثْنَان، وأقام كُلُّ واحدٍ بيِّنةً على أنَّها له، ففيه أقوالُ التعارُضُ 49. الجملةُ الثانيَةُ: إذا ظَهَر المالِكُ قبل تملّك الملْتَقِطِ، أخَذ اللُّقَطَة بزوائِدِهَا المتَّصلة والمُنْفَصِلَةِ، وإنْ ظهَر بعْد التملُّكِ، فَلِلُّقَطَةِ حالتان 50: الحالةُ الأولى: أن تكونَ باقيةً عنْده، فيُنْظَر، إن بَقِيَتْ بحالها، فوجهان: أحدهما 51: أنَّ له أخْذَهَا، ولَيْسَ للملتقِطِ أن يُلْزِمَهُ أخْذَ بدَلِها.
والثاني: المَنْعُ، ولا شَكَّ في أنَّه، إذا رَدَّها المْتَقِطُ، وجَبَ على المالِكِ القَبُولُ، وهذا من الجانِبَيْنِ كما سَبَق في القَرْض.
وإذا قلْنا بالأظهر، فلو باعَهَا الملتقِطُ بشَرْط الخيار، ثم جاءَ مالِكُها، حَكَى صاحبُ "المعتمد" وجهَيْنِ في أنَّهُ، هل يُفْسَخُ العَقْدُ 52، ووَجَّهَ المنْع بأنَّ الفسخَ حقُّ العاقدِ، فلا يتمكَّنُ غيرُهُ منْه بغَيْر إذْنِهِ.
ورَدَّ القاضي ابن كجّ الوجْهَيْن إلَى أنَّهُ، له يُجْبَرُ الملتقطُ على الفَسْخُ؟ ويجوزُ فرْضُ الوجهَيْن في الانْفِسَاخ، كالوجْهَيْن فيما إذا باع العَدْلُ الرَّهْنَ بثَمَنِ المِثْلِ، فظَهَر طالبٌ [في مجلس العقْدِ] بزيادةٍ، وإن حَدَثَتْ في اللُّقْطَةِ زيادةٌ، فالمتَّصِلُ يتبعهُا، والمنفصلُ يُسَلَّم للملتقط، فيردّ الأصل.
وإن نقَصَتْ بعَيْب أو نحوه.
وقلْنا: إنَّها، لو بَقِيَتْ بحالها، لم تَكُنْ للمالِك أخْذُهَا، رجَعَ إلَى بدلها سليمةً.
وإن قلْنا: له أن يَأخُذَهَا، فكذلك ههنا وُيغَرِّمُهُ الأَرْشَ؛ لأنَّ الكُلَّ مضمونٌ علَيْه لو تَلِفَ، فكذلك البعْضُ، وفيه وجه؛ أنَّهُ يقنع بها، ولا يغرمه الأرْش، وهو الذي أوْرَدَه في "التهذيب"، ولو أراد الرُّجُوعَ إلَى بدلها، وقال الملْتَقِطُ: أضم إليها الأرش وأرُدُّها، فوجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 373

أظهَرُهُما: أنَّ علَى المالِك القَبُولَ؛ لأنَّ العَيْنَ النَّاقِصَةَ مع الأرْشِ كغير الناقصة، وصَارَ كالغَاصِب.
والثَّاني: لَهُ الرجُوعُ إلى البَدَل؛ لأنَّ ما خَرَجَ عَنْ ملكه تغير عما كان، وعلَى هذا؛ فهو بالخيار بين البَدَلِ والعَيْن النَّاقِصَة، إمَّا مع الأرْشِ، أو دُونَه، كما سَبَق.
الحالة الثانِيَةُ: أن تكونَ تَالِفةً، فعلَيْه بَدَلُهَا، إمَّا المِثلُ أو القِيمَةُ، والاعتبارُ بقيمَةِ يَوْم التَّمَلُّكِ.
وعن الكَرَابِيسِىِّ من أصحَابِنا: أنَّهُ لا يطالبُ بالقِيمَةِ، ولا يردّ العَيْنَ عند بقائِها، والمذْهَبُ الأوَّلُ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ عَلِيّاً -رَضِيَ اللَّه عنهُ- أنْ يَغْرَمَ الدِّينَارَ الَّذِي وَجَدَهُ، لَمَّا جَاءَ صَاحِبُهُ" (1)، وعلَى هذا، فالضَّمانُ ثابِتٌ في ذِمَّتِهِ من يَوْم التَّلَفِ، ولولا ثبوتُهُ، لَمَا تَمَكَّنَ المالِكُ منْ طَلَبه، إذا جاء.
وعن الزياداتِ علَى الشَّرحْ لأبي إسحاقَ فيما رواه أبو الطيِّب السَّاوِيُّ أنَّه لا يثْبُتُ، وإنَّما يتوجُّه عند مجيء المالِك ومُطَالَبتِه، ويجوزُ أن يُعْلَمَ؛ لِمَا حُكِيَ عنِ الكَرابِيسِيِّ قولُهُ في الكتابِ.
"الحكْمُ الرَّابعُ: وجوبُ الرَّدِّ بالواو، [واللَّهُ تعالى أعلم].

فروع متفرِّقةٌ:

إذا وَجَدَ رجُلاَنِ لُقَطَة يُعَرِّفانها ويتملَّكَانِهَا، ولَيْسَ لأحدَهِمِا نَقْل حقِّه إلى صاحِبِه 54، كما لا يجوزُ للملْتَقِطِ نَقْلُ حَقِّهِ إلَى غيرِه.
ولو تنازَعَا في لُقَطَةٍ، وقال كُلُّ واحِدٍ [منها]: أنَا الَّذي الْتَقَطْتُهُ، وأقام علَيْه بينةً، فإنْ تعرَّضَتْ بيِّنةٌ أحدهما للسَّبْق، وحُكِمَ له، وإلاَّ، فعَلَى الخلافِ لِتَعَارُض البَيِّنتَيْنِ.
ولو ضاعتْ في يد الآخر، فأخَذَها غيرُه، فالأوَّل أحقُّ بها، وفي وجهٍ؛ الثاني53

الجزء: 6 - الصفحة: 374

أَحَقُّ 55. ولو كانا يتماشَيَان، فرأَى أحدُهُمَا اللُّقَطَةَ، فأخبر بها الآخَرَ، فأخذها، فالآخذ أولَى، ولو أراه اللُّقَطَةَ، وقال هاتِهَا، فأخذها لِنَفْسِهِ، فكذلك، وإنْ أخَذَها للآمِرِ أو لنفسِهِ، فعَلى الوجهَيْن في جواز التَّوْكِيل بالاصطياد ونحوه.
ومَنْ رأَى شَيْئاً مَطْرُوحاً على الأَرْضِ، فدفعه بِرِجْلِهِ؛ ليعرفَ جِنْسَه أو قدْرَه، ثم لم يأخُذهُ حتَّى ضاعَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَحْصُلْ في يده، قاله في "التتمة".
وإذا دفَعَ اللّقَطَةَ إلى الحاكم، وتَرَكَ التَّعْرِيفَ والتَّملْكَ، ثُمَّ نَدِمَ، وأراد أن يُعَرِّفَ وَيتَمَّلكَ، ففِي تَمْكِينِهِ وجْهَان، حكاهما القَاضِي ابنُ كَجٍّ 56. وفي "المُهَذَّب": أنَّه إِنْ وَجَدَ خَمْراً، أراقَهَا صاحِبُها، لم يَلْزَمْهُ تَعْرِيفُهَا؛ لأنَّ إراقتَها مُستَحَقَّةٌ.
فإن صارَتْ عنده خَلاًّ، فوجهان: أحدُهُما: أنها لمن أرَاقَها كما لو غَصَبَها، فصَارَتْ خَلاًّ عنده.
والثاني: أنَّهُ للوَاجِدِ؛ لأنَّ الأَوَّلَ أسْقَطَ حَقَّهُ منْها، بخلافِ صُورة الغَصْبِ، فإنَّها حينئذ مأخوذةٌ بغَيْر رِضَاهُ، ولك أن تقول: ما ذَكَرَهُ تصويراً أو توجيهاً إنَّما يستمِرُّ في الخمر المُحْتَرَمَةِ، وحينئذِ، فالقَوْلُ بأنَّ إراقَتها مُسْتَحَقَّةٌ ممنوعٌ أمَّا في الابتداء، فَظَاهر، وأمَّا عند الوِجْدَان، فكذلك ينبغي أن يجوزَ إمْسَاكُها إذا خلا عن قصد فاسد ثم يشْبِهُ أن يكونَ ما ذكَرَهُ مخْصُوصاً بما إذا أراقها؛ لأنَّه بالإراقَةِ مُعْرِضٌ عنها، فيكونُ كما لو أعْرَضَ عن جلد ميْتَةٍ، فَدَبَغَهُ غَيْرُه، وفيه وجّهَان مَذْكُوران في الكتابِ في "الصَّيْد والذبائح".
فأمَّا إذا ضَاعت الخَمْرُ المحتَرَمَةُ منْ صَاحِبِها، فلْتُعَرَّفْ كَالكَلب والله أعلم 57.

الجزء: 6 - الصفحة: 375

وقد عَرَفْتَ في الباب أنَّ البعير وما في معْنَاه لا يُلْتَقَطُ، إذا وُجِدَ في الصَّحْراء، واستثنى صاحبُ "التخليص" منْه ما إذا وَجَدَ بَعِيراً في أيَّام "منى" في الصَّحْراء مقلداً كما تقلَّد الهَدَايا فحكَى عن نَصِّ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- أنَّهُ يأخُذُه، ويعرِّفه؛ أيَّام "منَى" فإن خاف أن يَفُوتَهُ وقْتُ النَّحْرِ نَحره، والأَحَبُّ أن يَرْفَعَهُ إلى الحَاكِمِ، حَتَّى يَأْمُرَهُ بِنَحْرِهِ.
قال الشَّارِحُون لكتابه: إنَّه مصدَّقٌ في نقله، لكنَّ من الأصْحَاب من حكى قولاً آخر؛ أنَّه لا يجوزُ أخْذُه عَلَى ما هو قياسُ البَاب، ثم بَنَوْا القولَين على القولَيْن فيما إذا وَجَدَ بدَنَةً منحورةً غَمَسَ ما قلّدت به في ذمتها وضرب به صفحة سنامِها، هل يَجُوزُ الأكْلُ منْها؟ فإنْ منَعْنَا الأكْلَ منعنا الأخذ ههنا وإنْ جَوَّزَنَا الأَكْل؛ اعتماداً على العلامة، فكذلك التقليد علامة كون البعير هَدْياً، والظاهرُ أنَّ تَخَلُّفَهُ؛ لضَعْفِه عن المسير، والأُضْحِية المعينة إذا ذُبِحَتْ في وَقْتِ النَّحر، وقع المَوْقع، وإن لم يأذن صاحِبُها.
قال الإمامُ: لكنَّ ذَبَحَ الضَّحِيَّةِ المعيَّنة وإن وقع المَوْقعِ، لا يجوزُ الإقْدَام عليه مِن غير إذن، ثم ههنا جوَّز صاحبُ "التلخيص" فيما نقل، الأخْذ والنَّحْر، ولهذا الإشْكَالِ؛ ذهَب القَفَّالُ؛ تفْريعاً على هذا القول أنَّه يجبُ رَفْعُ الأمْرِ إلى الحاكم؛ ليَنْحَرَهُ، وأَوَّلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- وأحب ما ذكره في المسألة.
ثُمَّ لَك أن تقول: الاستثناءُ غيرُ منْتَظِم، وإنْ قلْنا: إنَّهُ يُؤْخَذُ؛ لأنَّ الأَخْذَ الممنوعَ منه إنما هو الأَخْذُ للتملُّكِ، ولا شَكَّ أنَّ هذا البعير لا يُؤْخَذُ للتملك 58، والله عزَّ وجلَّ أعْلَمُ بالصواب.
قال حجَّةُ الإِسلامِ قدَّس الله رُوحَهُ: = وغير محرمة كما سبق بيانه في باب الغصب وحينئذٍ فالشيخ بني ذلك على طريقه فلا يستقيم التفصيل على طريق العراقيين فإن ذلك خلط طريقه بطريقه، ويؤخذ من كلام المهذب أن الخمر المراقة لا يحل أخذها ولا إمساكها بقصد التخليل.

الجزء: 6 - الصفحة: 376

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل