العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالمُشْتَرَكَاتُ ثَلاَثةً، أَرَاضِي وَمَعَادِنُهَا وَمَنَافِعُهَا أَمَّا الأَرَاضِي فَالمَوَاتُ مِنْهَا يُمْلَكُ بالإِحْيَاءِ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيْتَةٌ فَهِيَ لَهُ"، وَالمَوَاتُ كُلُّ مُنْفَكٍّ عَنِ اخْتِصَاصٍ، وَالاخْتِصَاصِ سِتَّةُ أَنْوَاع: النَّوْعُ الأَوَّلُ العِمَارَةُ فَلاَ يُتَمَلَّك مَعْمُورٌ، وَإنِ انْدَرَسَتِ (و) العِمَارَةُ فَإِنَّهَا مِلْكٌ لِمُعَيَّن أَوْ لِبَيْتِ المَالِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عِمَارَةً جَاهِلِيَّة وَلَمْ يَظْهَرِ، أَنَّهَا دَخَلَتْ في يَدِ المُسْلِمِينَ بِطَرِيقِ الغَنِيمَةِ أَوِ الْفَيْءِ حَتَّى يَجْرِيَ حُكْمُهَا فِفِي تَمَلُّكِهَا بِالإِحْيَاءِ (و) قَوْلاَنِ لِتَعَارُضِ أَصْلِ الإِبَاحَةِ وَظَاهِرِ اسْتِيلاَءِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَمَعْمورُ دَارِ الحَرْبِ لاَ يُمْلَكُ إِلاَّ كَمَا (و) يُمْلَكُ سَائِرُ أَمْوَالِهِمْ، وَمَوَاتُهَا الَّذِي لاَ يَذُبُّونَ المُسْلِمِينَ عَنْهَا يَمْلِكهَا المُسْلِمُونَ وَالكُفَّارُ جَمِيعاً بالإِحْيَاءِ، بِخلاَفِ مَوَاتِ الإِسْلاَمِ فَإِنَّ الكُفَّارَ لاَ يَمْلِكُونَهَا (ح) بِالإِحْيَاءِ، أَمَّا مَوَاتٌ يَذبُّونَ عَنْهَا فَإِذَا اسْتَولَى طَائِفَة عَلَيْهَا فِفِي اخْتِصَاصِ المُسْتَوْليِنَ بِهَا دُونَ الإِحْيَاءِ خِلاَفٌ، قِيلَ: إِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ: هُمْ أَوْلَى بِالتَّمَلُّكْ بِإِحْيَائِهِ وَقِيلَ: لاَ أَثَرَ لِمُجَرَّدِ الاسِتِيلاَءِ فِيمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أكثر أبواب "المُخْتَصر" في هذا الموْضِع إلَى آخر الرُّبُع في "العطايا"، إمَّا من الشارع كما في "إحياء المَوَات" و"المَوَارِيث" أو من الآدَمِيِّين.
"الهبة" و"الوصية".
والأَصْلُ في إحياء المَوَات 1 ما رُوِيَ عن سعيدِ بْنِ زَيْدٍ أن

الجزء: 6 - الصفحة: 205

رَسُولَ اللهَ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحْيَا، أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وليَسَ لِعَرَقِ ظَالمٍ حَقٌّ" 2. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال [: "مَنْ عَمَّرَ 3 أَرْضاً لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" 4 وعنْ سَمُرَةَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطاً عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ" 5. وَرَوَيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال:] "عادى الأَرْض لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ" 6. وَرَوَى ثوبان: "الأَرضُ للهِ وَرَسُولهِ ثُمَّ هِيَ لكُمْ] مِنِّي أَيُّهَا المُسْلِمُونَ".
يعني المَوَاتَ، وهي: بفتح الميم والواو.
وقال الخَطَّابىُّ: وفيه لُغَةٌ أُخْرَى، وهو فَتح الميمِ وتسكينُ الواوِ، فأمَّا المُوْتان بضَمِّ الميمِ وسكونِ الواو، فهو الموت الذريع، فدلَّت هذه الأخبارُ وما في معناها عَلَى = عرفه الحنفية بأنه: أرض لم تملك في الإسلام أو ملكت ولم يعرف مالكها وتعذر زرعها بانقطاع الماء أو غلبته أو نحوهما.
عرفه الحنابلة بأنه: الأرض الخراب الدارسة.
حاشية الباجوري 2/ 38، حاشية الدسوقي 4/ 66، الدرر 1/ 4306 المغني لابن قدامة 6/ 147.

الجزء: 6 - الصفحة: 206

حصُولِ المِلْكِ بالإْحياء، وعلَى جواز الإحياء، ويدُلُّ على استحبابه ما رُوِيَ عن جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيْتَةٌ، فَلَهُ مِنْهُ أجْرٌ وَمَا أَكَلَهُ العَوَافي 7 مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ" 8. وقولُهُ: "والمشتركات ثلاثةٌ": أشار به إلى أن الأرض، والأعْيَان الخارجة منها، والمنافع المُتَعلِّقة برقبتها مخلوقةٌ لمنافع سُكَّانها، والأَصْلُ فيها الاشتراكُ على معْنَى أنَّ لكلِّ أحَدٍ أنْ ينتفعَ بها، يعرض فيها الاختصاصُ بالمِلْك وغيره؛ بعد أنْ لم يَكُنْ، ومقصودُ الكتابِ الكلامُ في رقاب الأرض، وفي منافعها، وفي الأعيانِ الخَارِجةِ منْها، وبيان أنَّهَا كيْفَ تُمْلَكُ ويحدث فيها الاختصاص؟ البَابُ الأوَّلُ: في رِقَابِ الأرض، وهي قسمان: القسم الأول: أراضي بِلاد الإِسْلام، ولها أحوالٌ ثلاثة: الحَالةُ الأولَى: إلاَّ تكونَ معمُورةً في الحالِ، ولا من قبلُ، فيجوزُ تملُّكُهَا بالاحياء، سواءٌ أَذِنَ فيه الإمامُ، أو لم يأذَنْ، ويكْفي إذْنُ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فيه.
وقال أبو حنيفةَ: لا بدَّ من إذن الإمَامِ فيه، وبه قال مالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فيما إذا كان المَوْضِعُ قريبًا من العمران يقع فيه المشاحَّة، ثم يَخْتَصُّ ذلك بالمسلمين، وليس للذميِّ تملُّكُهَا بالإحياء، ولا يأذْنُ له الامامُ فيه، ولو أذِنَ له الإمام، وأحياها لم يَملكَ، وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "هِيَ لَكُمْ مِنِّي أيُّهَا المُسْلِمُونَ".
ما يقتضي التخصيص بهم.
وفيه وجه آخر: أنَّهُ يَمْلِكُ إذًا أذِنَ الامامُ فيه؛ لأنَّهُ موضعُ الاجتهاد، وبهذا قال الأُسْتاذُ أبو طاهر.
وإذا قلنا بالأوَّلِ، فلو كان له فيه عيْنٌ، مال: [فله] نَقْلُهُ، فإنْ بَقِيَ بعد النقل أثر العمارةِ، قال القاضي ابْنُ كَجًّ: إنْ أحيا مُحْي بإذْنِ الإمام، يملكه، وإن لم يأذنْ، فوجهان 9، وإنْ تَرَكَ العمارةَ متبرِّعاً، تولى الإمام أخذ غَلَّتها، وصرفها إلَى مصالحِ المسلمين، ولم يجزْ لأحدٍ تملُّكُها.

الجزء: 6 - الصفحة: 207

وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ رضي الله عنهم: الذِّمي والمُسْلِمُ في الإحياء سواءٌ كما في الاحتطاب والاحتشاشِ والاصطيادِ في دار الإِسلام.
والفَرْقُ عندنا: أنَّ الحطبَ والحَشِيشَ والصَّيدَ يختلف، ولا يتضرِّر المسلمون بأنْ يتملّكَهَا الذميُّ بخلاف الأراضي، وكذلك للذمِّيِّ نَقْلُ تراب مواتِ دارِ الاسلامِ، إذا لم يتضرَّرْ به المسلِمُون، والمستأمن كالذميِّ في الإحياء وفي اَلاحتطاب ونَحْوِه، والحَرْبِيُّ ممنوعٌ من جميع ذلك.
والحالة الثانية: إذا كانتْ معمورةً في الحال، فهي لمُلاَّكِها 10، ولا مَدْخلَ فيها للإحياء؛ لأنَّ الإحياءَ لإحْداثِ المِلْكِ، وهي مملوكةٌ.
والحالة الثالثة: إذا لم تكُنْ معمورةً في الحَالِ، ولكنَّها كانَتْ معمورةً منْ قبلُ، فيُنْظَرُ؛ إن عُرِفَ مالِكها، فَهِي له ولورثَتِهِ، ولا تملَّك بالإحياءِ ولا بالعمارةِ، وإن لم يَعْرِفُ نظر؛ إن كانت العمارةُ إسلاميةً، فهي إمَّا لمسلم أو لذميِّ، وحكْمُهَا حُكْمُ الأموال الضائعةِ.
قال في "النهاية": والأمر فيه إلَى رأْي الإمام، إن رأَى حفْظه إلَى أن يَظْهَرَ مَالِكُه، فإن رأَى بيعهِ وحفظ ثمنه، وله أنْ يَسْتقرضه على بيتِ المالِ.
هذا ظاهر المَذْهبِ، وفيه خلافٌ سيأتي 11.

الجزء: 6 - الصفحة: 208

وعند أبي حنيفةَ: يجوزُ تملُّكُهَا بالإحْياء؛ لأنَّها باندراس العمارة عادَتْ مواتاً، وعن مالكٍ مثلُهُ، وعنْه أنَّه، إن تركها مختاراً، عادت مواتاً، وإن خربت بموته أو غيبته، فلا.
وإن كانت العمارةُ جاهليَّةً، فقولان.
ويقال وجهان: أحدهُمَا: وبه قال أبو إسحاق: أنَّها لا تُمْلَكُ بالإحياء؛ لأنَّها كانت مملوكةً، والموات ما لم يجرْ عليه مِلْكٌ، ولأنهُ يجوزُ أن يكونَ مِلْكاً لكافر، لم تبلغهُ الدعوة.
وأصحُّهِمَا: أنَّها تُمْلَكُ -لقوله -صلى الله عليه وسلم-:"عَادِيُّ الأرضِ لله وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي" 12، ولأنَّ الرَّكاز يَمْلَكُ مع كونهِ مملوكاً لأهْلِ الجاهليَّةِ، فكذلك الأرَاضِي.
وعن ابن سُرَيْجٍ وغيرِهِ رفْعُ الخلاف، وتنزيل الجوابَيْن على حالَيْن، إن بقي أثر العمارةِ، أو كان معْمُوراً في جاهليَّةٍ قريبة، لم تُمْلَك بالإحياء، وإن اندرستْ بالكلية، وتقادَمَ عَهدُهَا مُلِكَت، ثم عمَّم صاحب "التهذيب" وآخرون هذا الخلاف، وفرَّعوا عَلَى قول المنع أنَّها إن أخِذَتْ بقتالٍ، فهي للغانمين، وإلاَّ، فهي من أراضي الفَيْءِ.
وقال الإمامُ: مَوضِع الخلافِ ما إذا لم يُعلم كيفيةُ استِيلاَء المُسْلمين عليه ودخوله تحْتَ يدهم، أمَّا إذا عُلِمَتْ، فإن دخَلَتْ في أيديهم بقتال، فهي للغانمين، وإلاَّ، فهي فقئ وحصَّة الغانمين تلْتحق بمِلْك المسْلِم الذي لا يعرف.
وطَرَدِ طارِدُون الخلافَ فيما إذا كانت العمارةُ إسلامية، ولَم يُعْرف مَالِكُهَا، وقالوا: هي كلَقَطَةٍ لا يُعرَفُ مالكُها.
والأكثرون فَرَّقُوا بين ما إذا كانتْ لكافرٍ، وبيْن ما إذا كانتْ لمُسْلِمٍ، كما قدَّمنا، وأحتجُّوا له بما رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً في غَيْرِ حَقِّ مُسْلِم، فَهِيَ لَهُ" 13. والقسم الثاني: أراضِي بلادِ الكُفْر ولها أحوالٌ: الحالةُ الأولى: إذا كانتْ معمورةً، فلا مدْخلَ للإحياء فيها؛ بل هي كسائر أموالِ الكفَّار، فإنِ استولَيْنا عليها بقتالٍ، أو بغَيْر قتالٍ، لم يَخْفَ حكْمُهُ.
الحالةُ الثانية: إذا لم تَكُنْ معمورةً في الحالِ، ولا مِنْ قبلُ، فَيَمْلكُهَا الكفَّارُ بالإحياء.
وأمَّا المسلمُون، فيُنْظر؛ إن كان مواتاً لا يذبُّونَ المسلمينَ عنْها، فلهُمْ تملكها بالإحياء أيضاً، ولا تُمْلَكُ بالاستيلاء؛ لأنَّها غيرُ مملوكةٍ لهُمْ، حتى تمُلكَ عليهم، وإن كان مواتاً يذبون المسلمين عنْه، لم تُمْلَك بالإحياء كالمعمور من بلادهمْ، فإن استولَيْنا علَيْه، ففيه وجوهٌ:

الجزء: 6 - الصفحة: 209

أصحُّها: أنَّه يفيد اختصاصاً كاختصاص المتحجر؛ لأنَّ الاستيلاءَ أبلغُ منه، وعلَى هذا، فسيأتي خلافٌ في أنَّ الأحقيَّة بالتحجر هل يَفيد جواز البيع؟ إن قلْنا: نعم، فهو غنيمةٌ كالمعمور، وإن قلْنا: لا، وهُوَ الأصحُّ -فالغانِمُون أحقُّ بإحياء أرْبَعَةِ أخْمَاسه، وأَهْلُ الخُمْس أحقُّ بإحْيَاءِ خُمُسِهِ، فإنْ أعرض الغانِمُون عنْ إحْيَائِه، فأهل الخمس أحقُّ به؛ لأنَّهُمْ شركاءُ الغانمين، وكذا لو أعْرَضَ بعْضُ الغانمين، فالباقون أحقُّ وإن تركه الغانِمُون وأهْلُ الخُمُسِ جميعاً، ملَكَه من أحياه من المُسْلمين 14. والثاني: أنَّهُمْ يملكُونه بالاستيلاءِ كالمعمور؛ لأنَّهم حيْثُ منعوا منه، فكأنهم يملكونَه عَلَى أنَّه يجوز أنْ يملك بالاستيلاء ما لم يكنْ مملوكاً كالذَّرَارِي والنِّسْوان.
والثالثُ: أنَّهُ لا يفيدُ الملْكَ ولا التحجُّر؛ لأنَّهُ لم يوجد منه عمل يظهر في الموات؛ فعلى هذا، هو كموات دارِ الإسْلاَمِ 15، مَنْ أحياه، مَلَكَهُ.
الحالة الثالثةُ: إذا لم تكنْ معمورةٌ في الحال، لكنَّها كانت، معمورةً منْ قبلُ، فإنْ عُرِفَ مالكُهَا، فهي كالمعمورة، وإلاَّ ففيه طريقةُ الخلافِ، وطريقةُ ابنِ سُرَيْج المذكورتان فيما إذا كانتِ العمارةُ جاهليةٌ في القسمِ الأول، وإذا فتحنا بلدةً صُلْحاً عَلَى أن تكون لنا، وهمْ يَسْكُنُون بجزيَةٍ، فالمعمورُ منها فَيءٌ، ومواتُها الذي كانُوا يذبُّون عنْه، هل يكون متحجراً لأهل الفَيْءِ؟ فيه وجهان: أصحُّهُمَا: نعم، وعَلَى هذا فهو فيء في الحال أو يحبسه الإمام لهم فيه وجهان: أصحُّهُمَا: الثاني.
وإنْ صالَحنَاهُم على أن تكونَ البلدةُ لهم فالمعمُورُ لهم، والمواتُ يختصُّون بإحيائه، كما أنَّ مواتَ دارِ الإِسلام يختص به المُسْلِمُون تَبَعاً للمعْمور، وعن القَاضِي أبي حامدٍ وصاحِب "التقريب"أنَّهَ إنَّما يجب علَيْنا الامتناع عنْ مواتها إذا شرطْناه لهم في الصُّلح.

الجزء: 6 - الصفحة: 210

قال فى "التهذيب": وَالبَيْعُ التي للنَّصَارَى في دار الإسلام، فلا تُمْلَكُ عليهم، فإن فَنُوا فهي كما لو مات ذميٌّ [في دار الإسلام] 16 ولا وارث له، فيكونُ فَيْئاً.
ونعود بعد هذَا إلَى ما يحتاج إلى التعرُّض له في لفظ الكتاب.
قوله: "والمواتُ كلّ مُنْفَكِّ عن اختصاص" لا يعني به جميع الاختصاصات، فإنَّ بقعة ما لا ينفكُّ عن جميع الاختصاصاتِ؛ لأنَّها إن كانتْ في دار الإسْلاَم، فله اختصاصٌ بالمسلمين من حيث إنَّها في قبْضَة الإمام، وإنْ كانتْ في دَارِ الحرب، فكذلك، وإنَّما.
أراد الاختصاصاتِ السِّتَّةَ الَّتِي ذكَرَها ثم أخذ الانفكاك عنْها في تعيين 17 الَمَوَاتِ بخلاف اصطلاح الأصحاب واستعمالاتِهِمْ، فإنَّهم لا يعتَبِرُون في تفسيره إلاَّ الانْفِكَاك عنِ الملك والعِمَارة، ويَجْعَلُون الانفكاكَ 18 عن سائر الاختصاصاتِ منْ شُرُوط التَمَلُّك بالإحْيَاء.
وقوله: "فلا يتمَلَّكُ معمور" لم يُرِدْ به ما هو معمورٌ في الحال؛ لقوله: "وإن اندرسَتِ العمارةُ"، وإنَّما المرادُ ما عرضت له العمارةُ في الجُمْلَة، ويجوزُ أنْ يُعْلَم بالواو؛ لأنَّهُ لم يستثْنِ إلاَّ إذا كانتِ العمارةُ جاهليةً وأجاب المنْعِ في غيرها عَلَى ما هو ظاهرُ المذْهَب، وقد عرَفْتَ أنَّ بَعْضَهُم طَرَدَ الخلاَفَ فيما إذا كانَتِ العمارةُ إسلاميَّةً، و [قد]، اندرسَتْ، ولم يعلم المالك.
وقوله: "ولم يظهر أنها دخلَتْ في يد المسْلِمين إلى آخره أراد به ما حكَيْناه عن الإمام من تخْصِيصِ القَوليْن فيما إذا لم يعلم كيفية دخولِها في يد المُسْلِمين، ويجوز إعْلامُ قوله: "قولان" بالواو؛ للطريقة التي تولت الجوابَيْن على الحالَيْن، وقوله في توجيه القولَيْن: "لتعارُضِ أصل الإباحةِ وظاهر استيلاء المسلمين علَيْه" فيه شيءٌ وذلك لأنَّ المسألة موضوعةٌ في العمارةِ الجاهليَّةِ الَّتِي هي دار الإسلام،.
وقبضة الإمام؛ ألا تراه يقول: ولم يَظْهَر أنَّها دخلَتْ في يدِ المسلمينِ بطريقِ الغنيَمةِ أو الفَيْءِ، وجعْل المجهول كيفيَّة دخولِها في يد المسلمين.
أمَّا أَصْلُ الدُّخولِ، فهو معلومٌ، وحينئذٍ، فقوله: "وظاهر استيلاء المسلمين عليه" إن أراد به استيلاء اليَدِ والتمكُّنِ من التصرُّف، فليس ذلك ظاهراً، بل هو حاصلٌ معلومٌ، وإن أراد استيلاء التملُّك والعمارة، فظهوره ممنوعٌ، وكيف والمسألة مصوَّرةٌ فيما إذا عَلِم أنَّها لم تُعمَّرْ إلاَّ عمارة جاهليَّةً.
وقوله: "ومعمور دار الحرب لا يُمْلَكُ إلاَّ بما تُمْلَكُ به سائرُ أموالِهم" يقتضي تملكه بما يتملَّك به سائِر أمْوالِهم فَيْئاً كان أو غنيمةً.

الجزء: 6 - الصفحة: 211

لكن لو وقع في جملة الفيءِ أرضٌ، ففي تملُّكِها خلافٌ مذْكُورٌ في قسمة الفَيْء، فيجوز إنْ يُعْلم؛ لذلك قوله: "إلاَّ بما يُمْلَكُ به سائر أموالهم" بالواو.
وقوله: "فإنَّ الكافر لا يملكها بالإحْياء" مُعْلَمٌ بالحاء والميم والألف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: حَرِيمُ العِمَارَةِ فَلاَ يُمْلَكُ، وَأَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ إِذَا قُرِّرُوا في بَلَدٍ بصلْح فلاَ يَحْيَا (و) مَا حَوَالَيْهَا مِنَ المَوَاتِ، وسَائِرُ القُرَى للمُسْلِمِينَ لاَ يَحْيَا مَا حَوَالَيْهَا مِنْ مُجْتَمَعِ النَّادِي، وَمُرْتَكضِ الخَيْلِ، وَملْعَبِ الصِّبْيَانِ، وَمَنَاخِ الإبِلِ وَمَا يُعدُّ من حُدُودِ مَرَافِقِهِمْ، وَأَمَّا الدَّارُ إِنْ كَانَ في مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا مَطْرَحُ التُّرَابِ وَالثَّلْج وَمَصَبُّ المِيزَابِ وَالمَمَرِّ فِي صَوْبِ البَابِ، وَإِنْ كانَ في مِلْكٍ فلاَ حَرِيمَ (و) لَهَا إِذِ الأمْلاَكُ مُتَعَارضَةٌ، وَلكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِحَسَبِ العَادَةِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ صَاحِبُهُ فلاَ ضَمَانَ، وَلَوِ اتَّخَذَ حَانُوتَ حَدَّادٍ أَوْ قَصَّارٍ أَوْ حَمَّامٍ عَلَى خِلافِ العَادَةِ فَفِي مَنْعِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ كَانَ لاَ يَتأَذَّى المَالِكُ إِلاَّ بِالرَّبْح كَالمُدَبَّغِ فَالظَّاهِرُ (و) أنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنْهُ، أَمَّا البِئْرُ في المَوَاتِ فَحَرِيمُهَا مَوْضِعُ النَّزْحِ والدُّولاَبِ وَمُتَردِّدِ البَهِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ قَنَاةٌ حَوَالَيْهَا مِمَّا يَنْقُصُ مَاءهَا لَوْ حَفَرَ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِمَّا يَنْقُصُ إِذَا جَاوَزَ حَرِيمَ البِئْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغرض الأصليُّ من الفصْل بيان أنَّ حريم العمارة لا يُمْلَكُ بالإحْياء، ثم اختلط به القولُ في حريم الأمْلاَك، فهما جملتان: أمَّا الأُولى: فحريمُ المعْمُور لا يُمْلكُ بالإحياء كنفس المعمور؛ لأنَّ مالكَ المعمور استحقَّ باستحقاقِهِ المواضَع التي هي من مرافقُهُ، وهل نقول بأنَّهُ يملك تلك المواضع؟ فيه وجهان: أحدهُمَا: لاَ؛ لأن المِلكَ يحصُل بالإحياء، ولم يوجَدْ فيها إحياء.
وأصحُّهُمَا: نعم، وبه قال القاضي أبو الطيِّب كما يملك عَرْصَة الدار ببناء الدَّار، ولم يوجد في نفْسِ العرْصَة إحياءٌ وأيضاً فالإحياء تاَرةً يكونُ بِجَعْلِه معموراً، وتارةً يكون بجَعْلِهِ تَبَعاً للمعمور، ولو باعَ المالِكُ الحريمَ دُون الملْك، فحاصل جواب الشيخ أبي عاصم العبَّادِيِّ معه، كما لو باع شِرب الأرض وحْده، وهو الرواية عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- قال: ولو حفر اثنانِ بئْراً على أن يكونَ نَفْسُ البئر لأحدهما، وحريمُها للثاني، لم يجز، وكان الكريمُ لصاحب البئْرِ وللآخَرِ أُجْرةُ عمله.
الجملة الثانية: بيان الحريم: وهي المواضعُ القريبةُ التي يُحْتَاج إلَيْها لتمام الانتفاع؛ كالطريق ومَسِيلِ الماء ونحوهما 19، وفيه صُوَرٌ:

الجزء: 6 - الصفحة: 212

إحداها: ذكرنا في الفصل السابِقِ أنَّ الكفّار إذا قُرِّرُوا في بلْدة لهم صُلْحاً لم، يجز للمسلمين إحياءُ مواتها الذي يذبُّون عنه، فهو مِنْ حريم تلْك البلدة، ومرافقها ويجوز أنْ يُعْلَم قولُه في الكتاب: "فلا يحيا ما حواليها مِنَ الموات" بالواو؛ لوجْهٍ ذكرناه هناك.
الثانية: حريمُ القُرَى المحياة ما حوَالَيْها من مجتمع النَّادِي 20، ومن مُرْتَكَضِ الخيل، ومُناخ الإبل، ومُطَّرَح الرمَاد والسِّمَاد، وسائِر ما يُعَدُّ من مرافقها.
وأمَّا مرعى البهائم، قال الإمام: إنْ بَعْدَ من القرية، لم يكن من حريمها، وإن قَرُبَ، ولم يستقلَّ مرْعىً، ولكن كانتِ البهائم تُرُعَى فيه عند الخَوْف من الإبعاد، فعن الشيخ أبي عليٍّ ذكرُ خلافٍ فيه، والظَّاهِرُ عند الإمام أنَّهُ ليْسَ مِنْ حريمها أيضاً، ولم يتعرِّضْ لما يستقل مرعى، وهُوَ قريبٌ من القرْيَة، يشبه أن يقطع بكونه من الحريم.
وعند صاحبِ "التهذيب" مَرْعَى البهائم مِنْ حقوق القرية مُطْلَقاً، والمحتطَب كالمرعَى.
الثالثة: حريمُ الدَّارِ في الموات مطرح التراب والرماد والكَنَاسَات والثلج 21 والمَمَرّ في الصَّوْب الذي فُتِحَ إليه الباب 22، وليْسَ المرادُ منه استحقاقَ المَمَرِّ في قبالة الباب على امتداد الموات، بل يجوزُ لغَيْره إحْيَاءُ ما في قبالة الباب، إذا أبقَى له الممرّ.
فإنْ احتاج إلَى انْعِطَافٍ وازورار، فعل.
وعدَّ جماعةٌ من الأصحاب منهم القاضي ابْنُ كَجّ فِنَاءَ الدارِ من حريمها.
وقال ابْنُ الصَّبَّاعَ: عندي أَنَّ حِيْطانَ الدار لا فِنَاء لها ولا حريم، ولو أراد مُحْيي أن يَبْنِيَ بِجَنْبها، لم يلزَمْه أن يَبْعُدَ عنْ فِنَائِها، نَعمْ، يمنع مما يضر بالحيطان؛ كحفر البئر بقربها.
الرابعةُ: البِئرُ المحفورةُ في الموات، حريمُها الموضعُ الذي يقفُ فيه

الجزء: 6 - الصفحة: 213

النازح، وموضعُ الدوابِّ، ومتردَّدُ البهيمةِ، إن كان الاستقاءُ بهما، ومصَبُّ الماء، والموضعُ الذي يجتمعُ فيه لسَقْي الماشية، والزرْعُ من حوْضٍ ونحوه، والموضعُ الذي يطرح فيه ما يخرُجُ منه، وكلُّ ذلكَ غيرُ محدُودٍ، وإنَّما هو بحسب الحاجة.
ومن الأصحابِ مَنْ قال: حريمُ البئر قَدْرُ عُمْقِها من كُلِّ جانب: وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أو بعضِ أصحابه.
أنَّ حريمَ البئر أربعون ذرَاعاً، وحريم العَيْن خمُسمائَةِ، ذراع؛ لما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بن مغفَّل: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "منْ احْتَفَرَ بِئْرًا، فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً حَوْلَهَا، لِطَعْنِ مَاشِيَتِهِ" 23. وقال أَحْمَدُ: حريمُ البئر خَمْسَةٌ وعشرون ذِرَاعاً، إلاَّ أن تكونَ عَاديَّة، فيكون حريمُهَا خَمْسِين ذِرَاعاً؛ لما رُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَريمُ البئْرِ الْبَدِيءِ 24 خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ العَادِيّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعاً" 25. والْبَدِيءُ هُوَ الْبِئْرُ الَّتِي أُحْدِثت في الإسْلاَم، ولم تكُن العَادِيَّةُ هكذا، قاله في الصِّحَاحِ 26، والشَّافعيُّ رضي الله عنه لم ير التَّحديدَ، وحَمَلَ اختلافَ الرِّواياتِ على اختلاف القدْر المُحْتَاج إليه، ويُحْكَى مثله عن مالكٍ، وبهذا يقاسُ حَرِيمُ النَّهْر المحْفُورِ في المَوَات.
وعن أبي حَنِيفةَ -رضي الله عنه- فيما ذكر أبو الفَرَج السَّرْخِسيُّ أنَّهُ لا حريم للنَّهر أصلاً، وأمَّا القناةُ فآبارُها لا يُسْتَقَى 27 منها؛ حتَّى يعتبر به الحريمُ، فحريمُهَا القَدْرُ الذي لو حُفِرَ فيهِ لنقص ماؤُها، أو خيفَ منْه انهيارٌ وانكباسٌ، ويختلف ذلك بصلابة الأرْضِ ورخَاوتهَا.

الجزء: 6 - الصفحة: 214

وحكى صاحِبُ الكتابِ وجْهاً آخر لَمْ يذكُرُه في "الوسيط"؛ أنَّ حَرِيمَهَا حريمُ البئْر الَّتي يُسْتسقى منها, ولا يُمْنَعُ من الحَفْر بعد ما جاوزه، وإنْ نقصَ، هذا ما أورده الشَّيْخُ أبو حامِدٍ، ومن تابَعَه، والصائِرُون إليه قالُوا: لو جَاءَ آخرُ، وتنحَّى عن المواضع التي عدَدْنَاها حريماً، وحفر بئراً ينقص ماء الأوَّل لم يمنع منه، وهو خارجٌ عن حريم البئْر.
وفيه وجه آخر، وهو الأظهر: أنَّهُ ليْسَ لغيره الحَفْرُ حيْثُ ينقص ماؤُها، كما ليس لغيره أن يتصرَّف قريباً من بنائِهِ، بما يضر به، ويخالِفُ ما إذا حَفَرَ بئراً في مِلْكِه، فحفر جارُهُ بئْراً في مِلْكِهِ، فنقَصَ ماءُ الأوَّل فإنه يجوز قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: والفرْقُ أنَّ الحَفْرَ في الموات ابتداء تَمَلُّك، فلا يمكن منه إذا تضرَّر الغَيْرُ، وههنا كلُّ واحدٍ منهما متصرِّفٌ في المِلْك، وعلى هذا فذلك الموضِعُ داخلٌ في حريم البئر أيضاً، وما حكمنا بكونه حريماً، فذلك إذا نتهى المَوَاتُ إلَيْه، فإن كان الموضعُ مملوكاً قَبْلَ تمام حدِّ الحريم، فالحريم إلى حيث ينتهي حَدُّ الموات.
واعْلَمْ أنَّ جميعَ ما فصَّلناه في حريم الأملاك مفروضٌ فيما إذا كان الملك محفُوفاً بالموات، أو متاخماً له من بعض الجوانب، فأمَّا الدارُ الملاصقة للدُّور، فلا حريم لها؛ لأنَّ الأَمْلاك متعارضةٌ، وليْسَ جَعْلُ موضعٍ حريماً لدار أَولَى من جُعْلِهِ حريماً للأخرى، وكُلُّ واحِدٍ من الملاك يتصرَّف في ملْكه على العادة، ولا ضمانَ علَيْه، إنْ أفضَى إلى تلَفٍ، نعم، لو تعدَّى، ضمن، والقولُ في تصرُّف المالكين المتجاوزين بما يجوز منه وما لا يجوز وبمَ يتعلَّق الضمان منه ما قد سبق في "كتاب الصُّلْح" ومنه ما سيأتي في خلال الديات إن شاء الله تعالى، والمذكورُ من هذا الأصل هاهنا أنه لو اتخذ دارَهُ المحفُوفَةَ بالمَسَاكن حَمَّاماً، أو إِسطبلاً أو طاحونة، أو حانوتة في صفِّ العطَّارين حانوت حدَّاد أو قصَّار على خلاف العادة، ففيه وجهان: أحدُهُما: وبه قال أحَمْدُ أَنهُ يُمْنَعُ؛ لما فيه من الضَّرَر.
وأظهرهما: الجوازُ؛ لأنَّهُ متصرِّفٌ في خالصِ ملْكِه، وفي منْعه إضرارٌ به، وهذا إذا احتطاط وأحكم الجدران؛ بحيث يليق بما يقْصِده، فإن فعَل ما الغالبُ فيه ظهورُ الخَلِل في حيطان الجار، فأظهر الوجهين المَنْعُ، وذلك كما إذا كان يدُقُّ الشَّيْءَ في داره دقَّاً عنيفاً، تتزعج منه الحيطان، أو حبس الماءَ في ملكه، بحيثُ تنتشر منه النداوةُ إلَى حيطان الجارِ، ولو اتَّخَذَ داره مدبغةً أو حانوته مخبزاً حيث لا يعتاد، فإن قلْنا: لا يمنعُ في الصورة السابقة، فهنا أولى، وإن قلْنا بالمنع، فههنا تردد للشيخ أبِي محمَّد؛ لأنَّ الضرر ههنا من حيث التأذِّي بالدُّخان والرائحة الكَرِيهة، وأنَّه أهونُ، وإذا جَمَعَت بين الصور، قلُتَ، فيه ثلاثة أوجه: ثالثُها: الفرق بين أنْ يَخَافَ منه خلل في الأملاك، وبين أن يكونَ المحذورُ تأذى الملاكِ، واختار القاضي الرُّوياني في "الحِلْية" أن يجتهد الحَاكمُ

الجزء: 6 - الصفحة: 215

فيها، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ، وقَصَد الفسادَ، قال: وكذلك القول في إطالة البنَاء، ومنع الشَّمْسِ والقمرِ 28، ولو حَفَر في ملكه بئرَ بالوعةٍ، وفسَد بها بئرُ ماءِ الجار، فهو مكرَوه لكنَّهُ لا يُمْنَعُ منه، ولا ضمانَ علَيْه بسببه خلافاً لمالكٍ وعن القفَّال موافقته؛ ويجوز أن يُعْلَمَ قولُهُ في الكتاب: "وإنْ كانَتْ في ملْكٍ، فلا حريم له" بالميم؛ لأنَّ الرواية عن مالكٍ أن لها حريماً بقَدْرها.
هذا بيان الجملَتَيْن، ولا مَنْعَ في إحياء ما وَرَاء الحَرِيم، قَرُبَ أم بَعُدَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "أقْطَعَ عَبدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ الدُّورَ، وَهِيَ بَيْنَ ظَهْرَانِي عِمَارَةِ الأنْصَار مِنَ المَنَازِلِ وَالنَّخِيلِ" 29، والدُّور يقال: إنَّه اسمُ موضعٍ، ويقال إنَّهُ أقْطَعَهُ تلْك البقعةَ ليتَّخذَها دُوراً.
وعن مالك أنَّ المَوَاتَ القريبَ من العمران لا يحييه إلاَّ أَهْلُ العمران.
وَيُرْوَى عن أبي حنيفةَ مثْلُه في تحديد القُرْب بقَدْر صَيْحَةٍ من كلِّ جانب، وربما نسب ذلك إلى أبي يُوسُفَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ اخْتِصَاصُ الخَلْقِ بِالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، هَلْ يُمْنَعَ منَ الإِحْيَاءِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالأَظْهَرُ: أنَّهُ إِذَا لَمْ يُضَيَّقْ لاَ يُمْنَعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: موات الحَرَمِ يُمْلَكُ بالإحياء، كما أنَّ معموره يُمْلَك بالبيع والهِبَة، وهَلْ تملك أراضي "عرفة" بالإحْياء كسائر البقاع أم لا؛ لتعلُّق حقِّ الوقوف بها؟ فيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 216

إن قلنا: يملك، ففي بقاء حقِّ الوقوف فيما ملك وجهان، إن قلْنا: يبقَى فذاك مع اتِّسَاعِ الباقي أم بشرط ضيقه عن الحجيج فيه وجهان، هذا تلخيص ما حكاه الإمامُ، وأشار صاحبُ الكتاب ههنا، وفي "الوسيط" إلى ثلاثة أوجه في المسألة.
ثالثُها: الفَرْقُ بين أن يضيقَ الموقفُ، فيمنع، وبين ألا يضيق، فلا يمنع، وهذا أظهر عنْده، لكنَّ المنعَ المطْلَقَ أشبهُ بالمَذْهَب، وبه أجاب صاحبُ "التتمة"، وشبَّهها بالمواضع التي تتعلَّق بها حقوقُ المُسْلمين عُمُوماً وخصوصاً، كالمساجد، والطُّرق، والرِّبَاطات في الطُّرق والمواضع التي يصلَّى فيها العِيدَ خارج الأمصار 30، والبِقاعِ الموقُوفة عَلَى معيَّن أو غير معيَّن.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعُ اخْتِصَاصُ المُتَحَجِّرِ مَرْعىَ وَهُوَ نَصْبُ أَحْجَارٍ عَلاَمَةً عَلَى العِمَارَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ إِنْ لَمْ يَطُلِ الزَّمَانُ وَكَانَ مُشْتَغِلاً بِأَسْبَابِ العِمَارَةِ، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ (و)، وَقِيلَ: البُطْلاَنُ لَوْ تَعَدَّى غَيْرَهُ وَأَحْيَا نِفِي حُصُولِ المِلْكِ خِلاَفٌ (و)، وَكَذَا فِي جَوَازِ اعْتِيَاضِ المُتَحَجِّرِ عَنِ اخْتِصَاصِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشارعُ في إحياء المواتِ متحجِّر ما لم يُتِمَّه، وكذا إذا أعلم عليه علامة للعمارةِ من نَصْب أحجار أو غرز خشباتٍ قصبات، أو جَمْع تراب، أو خطّ خطوطٍ، وذلك لا يفيدُ الملك، ولكن يجعله أحقَّ به منْبر غيره.
أمَّا أنّه لا يفيدُ الملك، فلأنَّ سببَ المِلْكِ الإحْياءُ, ولم يُوجَدْ.
وعن أبي حسين القطّان؛ أنَّه بعض الأصحابِ جعله مفيداً للملك.
وأمَّا أنَّه يفيد الأحقيَّةُ فلأنَّ الإحياءَ, إذا أفادَ المِلْكَ، وجب أن يُفِيدَ للشُّروع فيه الأحقيَّة، كالاستيام مع الشراء، وأيضاً، فليأْمَنْ من يقصد الإحياء بالشُّروع في العمارة، ولا ينبغي أنْ يَزيد المتحجر على قدر كفايته، ويضيق على النَّاس، ولا أنْ يتحجَّر ما لا يمكنه القيام بعمارته، فإنْ فَعَلَ، قال في "التتمة": لغيره أن يُحْيِىَ ما زاد على كفايته، وما زاد عَلَى ما يمكنه القيامُ بعمارته.
وقال غيره: لا يصحُّ أصْلاً؛ لأنَّ ذلكَ القَدْرَ غَيْرُ متعيِّن 31، وينبغي أن يشتغل بالعمارة عَقِيبَ التحجُّر، فإن طالت المُدَّةُ، ولم يحيى قال له السُّلْطَانُ أَحْي، أو ارفَعْ يدَك عنْه، فإن ذكَر عُذْراً، واسْتَمهل، أمهَلَهُ مدةً قَريبَةً، يستعدُّ فيها للعمارة، والنظَرُ في تقديرها إلَى رأْيِ السلطانِ، ولا تتقدَّر بثلاثةِ أيَّامِ في أصحِّ الوجهَيْن، فإذا مضَتْ، ولم

الجزء: 6 - الصفحة: 217

يشتغلْ بالعمارة، بطل حقه، وليس لطُولِ المدة الواقعةِ بعْد التحجُّر حدٌّ معيَّنٌ، وإنَّما الرُّجوع فيه إلى العادة.
وقالَ أبو حنيفة -رضي الله عنه-: مدةَ التحجُّر ثلاثُ سنينَ، فلا يطالَبُ فيها بالعمارة، فإذا مضَتْ، ولم يشْتَغِلْ بالعمارة، بَطَل حقُّه، وقبْلَ أنْ يَبْطُلَ حقُّ المتحجِّر، لو بادر غيرُه، وأحيا ما يحجره غيره، ففيه ثلاثةُ أوجهٍ: أصحُّها: أنَّهُ يملك؛ لأنَّ حقَّقَ سببَ الملك، وإن كان مَمْنوعاً منه، فأشْبه ما إذا دخَل في سَوْمِ غيره، واشترَى، وهذا الوجه حكاه القاضِي ابن كَجٍّ عنِ النَّصِّ.
والثاني: لا يملك؛ كيلا يَبْطُلَ حقُّ المتحجِّر.
والثالث: أنَّه يفْرَقُ بين أنْ ينضَمَّ إلى التحجُّر إقطاع السلطان، فلا يملك المحيي، وبين أَلاَّ ينضمَّ؛ فيملك، وَمَال الأمامُ إلى الفَرْق بيْن أنْ يأخذَ في العمارة، فلا يملِك المبتدرُ إلى الإحْيَاء، وبين أنْ يكونَ المتحجِّرُ ويرسم خطاً ونحوه فيملكُ، فهذا وجهٌ رابعٌ، وشبَّهوا الخلافَ في المسألة بالخِلاَف فيما إذا عشَّشَ الطائرُ في مِلكِه وأخذ غيرُه الفَرْخَ، هَلْ يملكه 32؟. [ولو باع المتحجِّر ما تحجره، ففيه وجهان، والتفريع على أن التحجُّر لا يفيد المِلْكَ.
قال الجمهور: لا يصحُّ؛ لأنَّ حقَّ التملك] 33 لا يُبَاعُ؛ ألا تَرَى أنَّ الشفيعَ لا يبيع الشِّقْصَ قبل الأخذ؟ وقال أبو إسحاقَ وغيرُه: يصحُّ، وكأنَّه يبيعُ حقَّ الاختصاص، وعلى هذا، فلو باعَ وأحياه في يدِ المشتَرِي مُحْيي، وقلْنا: إنَّه يملك.
حَكَى أقض القضاةِ المَاوَرْدِيُّ عن ابن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّه لا يسقطُ الثمنُ عن المشتَرِي لحصولِ التلَفِ بعد القبض، وعن غيره السُّقُوط 34. وقوله: "فهو أولَى، إن لم يطُلِ الزمان" كان الأَولَى به أن يقول: "ما لم يطُلِ الزمان لأن الأولوية ثبتت في الحال، ثم ترتفع عند طُول الزمان.
وقوله: "وكان مشتغلاً بأسبابِ العمارة" أراد ما ذكره الإمام أنَّ حقَّ المتحجِّر يَبْطُل

الجزء: 6 - الصفحة: 218

بطول الزمان وتركه العمارة، وإن لم يُرْفَع الأمرُ إلى السُّلْطانِ، ولم يخاطِبْه بشَيْء ووجهه بأنَّ التحجر ذريعةٌ إلى العَمَارةِ، وهيَ لا تُؤَخّر عن التحجُّر إلا بقدر تهْيئة أسباب العمارة، ولذلك لا يعتبر التحجُّر ممن لا يمكّنه تهيئة الأسباب كفقير يتحجَّر منتظراً القدرة عليها, ولا من متمكَّن يتحجَّر ليُعَمِّر في السنة القابلة، فهذا أخَّر، وطالت المدةُ، عاد المَوَاتُ كما كان، وهذا قد حكاه الشيخ أبو حامدٍ عن أبي إسحاق، ثم قال: عنْدي لا فَرْق بين طُول الزَّمَان وقِصَره، إذا لم يرفع الأمر إلى السُّلْطَان، ولم يخاطبْهُ بشيءٍ، فيجوز أن يُعْلَمِ لهذا قوله: "بَطَل اختصاصه" بالواو، ولفظ "التحجُّر" فيما ذكره الأَزْهَرِيُّ 35 مأخوذٌ من الحَجْرِ، وهو المنعُ؛ لأنَّه بما يرسُمُه، يمنع غيره [عنه.] قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ إِقْطَاعُ الإِمَامِ، وَهُوَ مُتَّبَعٌ في المَوَاتِ، وَحُكْمُهُ قَبْلَ الإِحْيَاءِ كَحُكْمِ التَّحَجُّرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لإِقْطاع الإمام مَدْخَلٌ في الموات؛ رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أقْطَعَ الدُّورَ 36، وعن علقمةَ ابْنِ وائلٍ عنَ أبيه -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أقْطَعَهُ أَرْضَاً بِحَضْرَ مَوْتِ 37. ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أَقْطَعَ الزُّبَيْرِ بْنَ العَوَّامِ -رضي الله عنْهُ- حُضْر 38 فرسه فَأَحْرَى فَرسَهُ، حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بسَوْطِهِ، فقَالَ: "أعطُوهُ من حيثُ بلغ السَّوْط 39 " وفائدة الإقْطَاع مصير المقطع أحقُّ بإحبائه كالمتحجِّر، وإذا طالت المدةُ أو أحياه مُحْيي، فالحكمَ عَلَى ما ذكرناه في المتحجِّر.
وعن مالكٍ -رضي الله عَنْهُ- أنَّه إن أحياه عالِماً بالإِقطاع، كان مالكاً للمُقْطِع، وإن أحياه غير عالم بالإقطاعِ، فالقطع بالخيارِ بَيْن أن يأخذَهُ، ويغرم للمحْيي ما أنفَقَ في العمارة، وبيْن أن يتركَهُ على المحيي، ويأْخُذَ منْه قيمةَ المَوَاتِ قبل العمارة.
وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: إن أحياه قبْل ثلاثِ سنينَ، فهو للمُقْطِعِ، وإن أحياه بعدْها، فللمحيي، ولا يُقْطِع الإمامُ إلاَّ مَنْ يقدر على الإحْياء، وبقدر ما يقدر عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 219

قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ الْحِمَى لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ البَقِيعُ وَلِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَئِمَةِ كَالتَّحَجُّرِ في المَنْعِ مِنَ الإِحْيَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُ أن يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَكَانَ ذَلِكَ خَاصَّةً لَهُ، وَيَجُوزُ (و) أَنْ يَحْمِيَ لإبِلِ الصَّدَقَةِ أَعْنِي لِلأِئمَّةِ، وَفِي نَقْصِ الْحِمَى بَعْدَ زَوَالِ الحَاجَةِ خِلاَفٌ (و)، قِيلَ: إِنَّهُ لاَ يُغَيِّرُ كَالمَسْجِدِ، وَقِيلَ: نَعَمْ لأَنَّهُ بُنيَ عَلَى مَصْلَحَةٍ حَالِيَّةٍ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: المرادُ من الحَمى أنه يَحْمِيَ بقعةً من المواتِ لمواشٍ بَعينْها، ويَمْنَعَ سائرَ الناس عن الرَّعْي فيها، وكان يجوزُ ذلك لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لخاصة نفْسه، ولكنَّه لم يَفْعَلْ، وإنَّما حَمَى النقيعَ 40 لإبِلِ الصَدقةِ، وَنَعَمِ الجزية، وخَيْلِ المجاهدين في سبيل الله تعالَى 41. وأمَّا غَيْرُ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فالآحاد لا يَحْمُونه أصْلاً، وليْسَ للأئمة الْحمَى لنفسِهم، وكأنَّ ذلكَ من خواصِّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وفي حمَاهُمْ لمصالح المسْلِمِين قولان: أحدُهُما: المنعُ أيضاً؛ لما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ حِمَى إلاَّ لله وَلرَسُولِهِ" 42. وأصحُّهما: الجوازُ، وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ؛ لأنَّ عُمَرَ -رضي الله عنه- حَمَى، واستعمل على الحِمَى مولىً له يُقالُ له: هُنَيِ.
وقال: "يَا هُنَي، اضْمُمْ جَنَاحَكَ لِلْمُسْلِمِينَ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ، وأَدْخِلْ ربَّ الصُّرَيْمَةُ وَالغَنِيمَةِ، وَإِيَّاكِ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكُ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وِإِنَّ ربَّ الصَّرِيمَةِ وَالغَنِيمَةِ، إنْ يَهْلِكِ مَاشِيَتُهُمَا يأتي بِعِيَالِهِ، فيَقُولُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لاَ أَبَا لَكَ، فَالمَاءَ وَالكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَب وَالْوَرِقِ، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْلاَ المَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا حَمَيْتُ عن المُسْلِمِيَنَ من بِلاَدِهِم شِبْراً 43 وأَيْضَاً فللحاجة الداعية.
وعن صاحِب "التقريب" القَطْعُ بالقول الثاني، والحديثُ محمولٌ على المَنْع من أن يَحْمِيَ لنفسه عَلَى ما كان يفعله العزيز من العربِ كان، إذا انتجع بقعةً محصنةً، استقْوَى كلباً عَلَى جبلٍ أو نشز، ووَقَف له من يَسْمَع صوته، فإلَى حيث انتهى صوتُه حماه لنفسِهِ منْ كلِّ جانب، ورعَى فيما سواه مع النَّاس، وإذا جوَّزنا، فذلك للإمام الأعظَمِ خاصَّة، أو يجوزُ لِوُلاَتِهِ في النواحي أيضاً؟ فيه وجهان رواهما القاضي ابْنُ كجٍّ وغيرُه.
أظْهَرْهُمَا: الثاني، ولا فرْق بين أنْ يحمي لخيل المجاهدين أو نعَم الجزية

الجزء: 6 - الصفحة: 220

والصدقة والضوال، ومال الضعفاء عن الأبعاد في طلب النجعة، وعن مالك أنه لا يحمي إلا لخيل المجاهدين، ولا يحمي إلا الأقل الذي يبين ضرره على الناس، ولا يضيق الأمر عليهم، وكذلك كان البقيعُ الذي حماه رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
إذا عَرَفتْ ذلك، فهل يجوزُ تغيير الحِمَى ونقضه؟ أمَّا حِمَى غَيْرِ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ففيه قولان: أحدهُمَا: لا يجوزُ تغييرُه لتعينه لتِلْك الجهة كالمَسْجِد والمقبرة.
وأصحُّهما: الجوازُ؛ لأنَّ الحِمَى كان يطرأ للمُسْلِمين برعايةِ مصْلَحة حالِيَّة، وقد يقتضي النظر نقضه وردَّه إلَى ما كان، وفي بعْضِ الشُّروح أنَّه يجوز [أن يكون] للحامي أن ينقض حمى نفْسَه، ولا يجوزُ لِمَن بعْده من الأئمة نقْضُ حِمَاهُ، وإذا جوَّزناه، فلو أحياه مُحْيي بِإِذْنِ الإمام، مَلَكَه، وكانَ الإذْنُ في الإحياء نقْضاً، وإن استقل، فوجهان، ويقال: قولان منْصُوصان: أظهرهُمَا: المَنْعُ؛ لما فيه من الاعتراضِ عَلَى تصرُّف الإمام وَحكْمه.
وأما حِمَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففيه طريقان: منهم من قال: إنَّه نَصُّ [من الشارع، فلا ينقض بحال.
ومنْهم مَنْ قال: إنْ بَقِيَت] 44 الحاجةُ الَّتي حَمَى لها لم يغيّر، وإنْ زالَتْ، فوجهان: أحدُهُما، وبه قال أبو حنيفة: أنه يجوز تغْييرهُ لزوالِ العِلَّة.
وأظهرهُمَا: المنْعُ؛ لأنَّ التغييرَ، إنَّما يكون بالاجتهادِ، ونحْنُ نقطع بأنَّ ما فعلَه مصلحةٌ؛ فلا يرفع القطع بالظَّنَّ 45.

الجزء: 6 - الصفحة: 221

وقولُهُمْ: "إنَّه لو بقيتِ الحاجةُ، لم يغير" لا يختميى بحِمَى رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بل حِمَى غيره أَيْضاً إنما يغيَّر عند زوال الحاجة، واقتضاء الحال التغيير، وقولُه في الكتاب: "الحمى لرسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو النقيع، ولمن بعده من الأئمة كالتحجُّر في منع الإحياء" التشبيهُ مستمِرٌّ في أنَّ كلاًّ من التحجُّر والحِمَى يقتضي الامتناعَ منَ الإِحياء، وفي جريان الخِلاف في أنَّهُمَا، هل يمنعان حصُول المِلْك للحِمَى؟ لكنَّ الأظْهَرَ من الخلاف في التحجُّر حصولُ المِلْك، وفي الحِمَى خلافهُ خَاصَّة في حمَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقولُه: "ويجوزُ أن يَحْمِيَ لإبل الصدقةِ" مُعْلَم بالواو؛ لما ذكرنا، وذكَرَ إبل الصدقة للتمثيل لا لتخصيص الحكم بها والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا المَنَافِعُ المُشْتَرَكَةُ فَهِيَ مَنْفَعَةُ الشَّوَارع للطُّرُوقِ وَالجُلُوسَ وَمَنْفَعَةُ الْمَسَاجِدَ والرِّبَاطَاتِ، أَمَّا الشَّوَارعُ فَلِلطُّرُوقِ، وَيَجُوزُ الجُلُوسُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَضِيقَ، ثُمَّ السَّابِقُ يُخْتصُّ بِهِ فلاَ يُزْعَجُ، فَإنْ قَامَ بَطَلَ حَقَّهُ إلاَّ إِذَا جَلَسَ لِلْبَيْعِ فَيَبْقَى حَقُّه إِلَى أَنْ يُسَافِرَ أَوْ يَقْعُدَ في مَوْضِعِ آخَرَ أَوْ يَتْرُكَ الحِرْفَةَ أَوْ يَطَوُلَ مَرَضُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ الأُلْفَةُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالأَظهَر: (و) أَنَّ الإِقْطَاعَ لاَ مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا إِذِ المِلْكُ لَيْسَ مَطلُوَباً مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: البَابُ الثَّاني في المنافع: بقاع الأرض وإما مملوكة أو محبوسةٌ علَى الحقوقِ العامَّة، كالشوارع، والمساجد، والمقابرِ، والرِّبَاطَات، أو منفكَّةَ عن الحقوقِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وهي المَواتُ، فهذه ثلاثةُ أقْسَام، وإذا تأمَّلْهَا عَرَفْتَ أنَّ الانفكاك عن الاختصاصاتِ المذكورةِ في البَاب الأول لا يكْفيَ للتملُّك [بالإحياء]، بل يعتبر مع ذلك الانفكاكُ عنِ الحقوقِ العامَّة أيضاً.
أمَّا المملوكةُ فمنافِعُها تتبع رقَابَها.
ومقْصود الباب الكلامُ في الانتفاع بالبقاع المحبُوسَة على الحقوق العامَّة.
ويقرب = شجر النقيع أو حشيشه ضمنه على الأصح.
ومنها: أن عامل الصدقات إذا كان يجمعها في بلد، هل له أن يحمي موضعاً لا يتضرر به أهل البلد ليرعاها فيه؟ قال أبو حامد: قيل: له ذلك، ولم يذكر خلافه.
وقال ابن كج: إن منعنا حمى الإمام، فذا أولى، وإلا, فقولان.
ومنها: لا يجوز للإمام أنه يحمي الماء المعدُّ لشرب خيل الجهاد وإبل الصدقة والجزية وغيرها بلا خلاف، ذكره الشيخ نصر في "تهذيبه".
قال أصحابنا: إذا حمى الإمام، وقلنا: لا يجوز حماه, فهو على أصل الإباحة، من أحياه، ملكه.
ومنها: أنه يحرم على الإمام وغيره من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضاً عن الرعي في الحمى أو الموات، وهذا لا خلاف فيه، وقد نص عليه الماوردي في "الأحكام"، وقاله آخرون.

الجزء: 6 - الصفحة: 222

منه الانتفاعُ بالموات منْ غير إحياء، أمَّا الشوارعُ فمَنْفَعَتُها الأصليَّة الطروقُ، ويجوز الوقوف والجلوس فيها, لغَرَضِ الاستراحةِ والمعاملةِ ونحوهما بشَرْط ألاَّ يضيقَ على المَارَّة أذِنَ الإمامُ فيه أو لم يأْذَنْ 46، لاتفاق الناسَ علَيْه مع تلاحُق الأعصار، وله أن يُظَلّل على موضع جُلُوسِه بما لا يضُرُّ بالمارَّة من ثَوْبٍ وبَادِيَّةٍ ونحوِهِمَا، وفي بناء الدِّكة [على] ما ذكرناه في كتاب الصُّلْح.
فلو سبَقَ اثنانِ إلى موضعٍ، فيقرع بينهما، أو يقدم الإمامُ أحدَهُمَا؟ فيه وجهان: أظهرُهما: الأوَّلُ، وفي ثبوت هذا الارتفاقِ لأهْل الذمَّةِ وجهان، رواهما القاضي ابنُ كَجٍّ، واختلفوا في أنَّهُ، هل لإِقْطاع الإمام مدْخَلٌ فيه؟ على وجهين: أحدهُمَا: أنَّه لا مَدْخل له في هذا الارتفاق؛ لأنَّه منتفعٌ بها على صفتها منْ غَيْر عمل، فأشبهتِ المعادنَ الظَّاهرة، ولأنَّهُ لا مَدْخَلَ للتَملُّك فيه، ولا معْنى للإقطاع بخلاف المَوَات.
والثاني: أنَّ له مَدْخلاً فيه؛ لأنَّ للإمام نَظَراً واجتهاداً في أنَّ الجلوسَ في المَوْضع، هل هو مضرٌّ أم لا؟ ولهذا يزعج من جلس ورأى جلوسه مضراً.
وإذا قلنا: يزعج إذا أدام الجُلُوس، فإنَّما يزعجُه الإمامُ، وإذا كان للاجتهاد فيه مدْخلٌ، فكذلك لإقْطَاعِهِ، وذكر المصنِّف أنَّ الوَجْهَ الأولَ أظهرُ، ويُقالُ: إنه اختيارُ القفَّال، لكنَّ الذي عليه الأكثرون الثاني، وهو نصَّ علَيْه الشافعيُّ -رضي الله عنه- ثم للنزاع مجالٌ في القول الأوَّل أنَّه لا مدخل فيه للتملُّك؛ وفي "الرقْم" للعَبَّادِيِّ، وفي "شَرْحُ مختصر الجُويْنِيِّ" لأبي طاهر روايةُ وجهِ أنَّ للإمام أنْ يتملَّكَ من الشَّوَارع ما فَضَل عن حاجة الطُّروق 47. إذا تقرَّر ذلك فلو جَلس في موْضعٍ، ثم قام عَنْهُ، نُظِرَ؛ إن كان جلوسه لاستراحةً وما أشبَهها بَطَلَ حقُّه، وإن وإن لحرفةٍ ومعاملةٍ، فإنْ فارقَهُ عَلَى ألا يَعُودَ لتركه الحرْفَة، أو لقعودِهِ في موْضِعٍ آخرَ، فكذلك الجواب، وإنْ فارقه عَلَى أن يعود، فالأشبهُ

الجزء: 6 - الصفحة: 223

بالمذهب ما ضَبَطه الإمامُ، وجرى عليه صاحبُ الكتاب، وهو أنه إن مضى زمان ينقطع فيه الذَّين ألفوا المعامَلَةَ معه، ويستَحِقُّون المعاملةَ مِع غيره، بَطَلَ حقُّهُ، وإنْ كان دُونَه، لم يَبْطُل؛ لأنَّ الغرض من تعيين لموْضِع أن يُعْرَف، فيعامل، فلا فرْقَ بين أن تكونَ المفارقةُ، لعُذْر كالسفر أو المرض، أو لغيرِ عذرٍ، وَعلَى هذا، فلا يَبْطُلُ حقُّهُ؛ بأنْ يرجع في الليل إلى بيته، وليس لغيره مزاحمته، في اليوم الثاني.
وكذلك الأسواقُ التي تقام في كلِّ أُسْبُوعٍ، أو في كلِّ شهرٍ مرةً، إذا اتخذ فيها مَقْعَداً، كان أحقَّ به في النَّوْبَةِ الثَّانية، وإن تخلَّلتَ بينهما أيَّامٌ.
وقال الإِصْطَخْرِيُّ: إذا رَجَعَ إلَى بيته باللَّيْل، فسَبَق إلَى الموضع غَيْرُه، فهو أحقُّ به، كما إذا فارقَ موْضِعِهِ مِنَ المَسْجِد، وعاد للصَّلاة الأُخْرى؛ وقد سبقه إليه غيره.
وفرَقَتْ طائفةٌ، منهم صاحبُ "الشَّامل" والقاضي الرُّويانيُّ بيْن أن يجلس بإقطاع الإمامِ، فلا يَبْطُلُ حقُّه، إذا قام عَنْهُ، ولَيْسَ لغيره الجُلُوسُ فيه، وبين أن يستقل، فإنْ ترَكَ فيه شيئاً مِنَ رَحْلِه أو متاعِه، بقي حقه، وإلاَّ، فلا.
وإذا قلْنا بالأول، فلو أراد غيرُهُ أنْ يَجْلِس فيه في مُدَّة غَيْبته القصيرة إلى أن يَعُودَ، ففيه وجهان: أَحَدُهُمَا: لا يُمَكَّنُ؛ لأنَّ الأئمَّةَ يتخيَّلون إعراضه.
والأظهرُ: الثَّاني؛ كيْلا تتعطل (1) منفعة الموْضِع في الحال، وهذا في جلوس الغير للمعامَلَةِ، فأمَّا لغيرها، فلا يُمْنَع بحال (2). ولْيُعْلَم قوله في الكتاب: "فيَبْقَى حقُّه" بالواو؛ لما ذكرنا من الخلاف.

فرعان

: الأوَّل: كما أن موضع الجُلُوس يختصُّ بالجالس فلا يزاحَمُ فيه، كذلك ما حَوْلَه قدْرَ ما يحتاج إلَيْه؛ لوضع متاعه، ووقوف المعامِلِينَ فيه، وليس لغيره أن يقْعُد حيْثُ يمتنع منْ رؤية متاعه، أو وُصُول المعاملين إليه، أو يُضَيِّق علَيْه الكَيْلَ والوَزْن، والأخذ والإعطاء 50.4849

الجزء: 6 - الصفحة: 224

الثاني: الجَوَّالُ الذي يقْعُد كلَّ يوم في موضِعٍ من السُّوق يبْطُل حقَّه، إذا فارق المكان، والذي تقدَّم مفروضٌ في غيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ جَلَسَ في المَسْجِدِ لِيُقَرأَ عَلَيْهِ القُرْآنُ وَالعِلْمُ فَيَأْلفُهُ أَصْحَابُهُ فَهُوَ كَمَقَاعِدِ الأَسْوَاق، فَإنْ جَلَسَ للِصَّلاَةِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ فِي صَلاَةٍ ثَانِيَةٍ، وَيَخْتَصُّ (و) فِي تِلْكَ الصَّلاَة إِذَا غَابَ بِعُذْرِ رُعَافٍ أَوْ غيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أمَّا المَسْجِدُ، فالجلُوسُ فيه يُفْرَضُ لأغْراضٍ.
منها: أنْ يجلس؛ ليُقْرأ عليه القرآنُ، أو يُتعلَّمَ منه الفقْهُ، أو يُسْتَفْتَى.
قال صاحبُ الكتابِ والشَّيْخ أبو عاصمٍ العبَّادِيُّ: الحكم فيه كما في مقاعِدِ الأسْوَاق؛ لأنَّ له غَرَضاً في ملازمةِ ذَلك المَوْضع ليألفه الناسُ 51، وهذا أشبَهُ بمأخذ الباب.
وحَكَى أقضى القضاة الماوَرْدِيُّ: أنَّه مهما قام، بَطَلَ حقُّه، وكان السابِقُ إلَيْه أحقَّ لقوله تعالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ 52 [الحج: 25].
ومنها أنْ يَجْلِسَ للصَّلاة، وذلك لا يقتضي الاختصاص لما بعدها من الصَّلَوات؛ بل مَنْ سبَق في سائر الصلوات إلَى ذلك الموضع، فهو أحقُّ، وفرَقُوا بينه وبيْن مقاعد الأسواقِ بأنَّ غَرَضَ المعاملة يختلفُ باختلافِ المقاعد، والصلاةُ في بقاع المسجد لا تختلف، ويجوز أنْ يمنعَ ذلك؛ لأنَّ ثوابَ الصَّلاةِ في الصَّفِّ الأول أكثرُ، وأيْضاً، فالإنسان قد يألف بقعة من المسْجِد، فهلاَّ كان الحكْمُ كما سيأتي في المدارِسِ، إذا فارق البيتَ الذي يسكنُهُ، وأمَّا الصلاةُ التي حضَرَ لها، فهو أحقُّ بالموضع فيها, وليس لغيره أن يُزْعِجَهُ، فإن فارقه إجابةً لِمَنْ دعاه، أو لِرُعَافٍ، أو قضاءِ حاجةٍ أو تجديد وضوءٍ، ففيه وجهان، ذكرهما القاضي ابن كَجٍّ وغيرُه: أَحَدُهُمَا: أنَّ اختصَاصَهُ يَبْطُلُ لحصولِ المفارقة، كما بالإضافة إلَى سائر الصلواتِ.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قَامَ أَحَدُكُمْ من مَجْلِسِهِ في المَسْجِدِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ" 53. ولا فرق على الوجهين بين أنْ يتركَ إزاره فيه،

الجزء: 6 - الصفحة: 225

وبيْن ألاَّ يترك، ولا بين أنْ يطرأَ العُذر بعد الشُّرُوعِ في الصلاة أو قَبْله، وإن اتَّسَعَ الوقتُ، فإنْ فارَقَه من غَيْرِ عُذْر حادثٍ، فهو كما ذكرنا في سائر الصلواتِ (1). ومنها: الجلوسُ للبَيْعِ والشِّرَاءِ والحِرْفَة، وهو ممنوعٌ إذْ حُرْمَةُ المسجد تأْبَى اتخاذه حانوتاً، وقد رُوِيَ أن عثمانَ -رضي الله عنه- رأى خَيَّاطاً في المَسْجِدِ يخيط فأخْرَجَه (2).

فرعان

: الأَوَّلُ: يمنع الناس من استطراقِ حِلَقِ الفقهاء، والقُرَّاء في الجامع تَوْقِيراً لها.
الثاني: قال الإمامُ: لا خلاف 56 في انقطاع تَصَرُّفِ الإمامِ، وإقْطَاعه عن بقاع المسْجِد، فإنَّ المَسَاجد لِلَّهِ تعالَى يُخْدشَهُ ههنا شيئان: أحَدُهُمَا: أنَّ القاضِيَ المَاوَرْدِيَّ ذكر أنَّ الترَتّب في المَسْجد للتدريسِ، والفَتْوَى [كالترتب للإمامة، حتى لا يعتبر إذْنُ الإمامِ في مسَاجِد المحالِّ، ويعتبر في الجوامع، وكبار المساجد، إذَا كانت] 57 عادةُ البَلَدِ فيه الاستئذانَ، فَجَعَلَ لإذن الإمام فيه اعتباراً.
والثاني: عَدَّ الشيخ أبو حامد وطائفةٌ من جملةِ ما يقطع؛ ليرتفق المقْطع بالجلوس فيه للبَيْع والشراء مع مقاعِدِ الأسْوَاق رحابُ المسجد، وهذا كما يقدح في نفْي الإقطاع، يعترض على المشْهُور في المنْع منَ الجُلُوس في المسْجِد؛ للبيع والشراء إلاَّ أن يراد5455 = وقد أورده بالزيادة إمام الحرمين في النهاية وصححه، وأقره في الروضة على ذلك، وعزاه في المطلب إلى البخاري، وليس هو فيه، وقد نص على أنه من إفراد مسلم: عبد الحق والحميدي، وفي ابن خزيمة وغيره من طريق ابن جريج سمعت نافعاً أن ابن عمر قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يقم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يخلفه فيه، فقلت له: في يوم الجمعة؟ قال فيه وفي غيره".

الجزء: 6 - الصفحة: 226

بالرِّحَابِ الأبنيةُ الخارجةُ عن حَدِّ المسجد 58. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالسَّابِقُ في الرِّبَاطَاتِ وَغَيْرِهَا إِلَى بُقْعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا، ثُمَّ إنْ طَالَ عُكُوفُهُ عَلَى هَذِهِ الانْتِفَاعَاتِ المُشْتَرَكَةِ وَصَارَ كَالتَّمَلُكِ الَّذِي أَبْطَلَ أَثْرَ الاشْتِرَاكِ فَفِي الإزْعَاجِ خِلاَفٌ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرِّبَاطاتُ المسبلة في الطُّرُقُ، وعلى أطراف البلاد، إذا سَبَقَ إلَى موضع منْها سابقٌ، صار أحقَّ به، وليْسَ لغيره إزعاجُه، سَواءٌ دخل بإذن الإمامِ، أو بغير إذْنِه، ولا يَبْطُلُ حُقِّهُ بالخُروج لشراءِ طعامٍ ونحوه، ولا يلزمه تخليفُ أحدٍ في الموضع، ولا أنْ يَتْرُكَ متاعَهُ فيه؛ لأنَّه قد لا يَجِدُ غيره، ولا يأْمَنُ على متاعه، ولو ازْدَحَمَ اثنانِ عَلَى موضِعٍ، ولا سَبْق، فعلَى ما ذكرنا في المقاعد، وكذلك الحكم في المدارس، والخوانق إذا نزلها منْ هو مِنْ أهلها، وإذا سكنَ بَيْتاً منها مُدَّة، ثم غاب أيَّاماً قليلةً، فهو أحقُّ إذا عاد؛ لأنَّهُ ألفه، وإنْ طالتْ غَيْبتُهُ، بَطَلَ حقُّهُ 59، والنازِلُونَ في مَوْضِع من البادية أحقُّ به، وبما حوالَيْه قدْرَ ما يحتاجون إلَيْه لِمَرَافِقِهِم، ولا يزاحمون في الوادي الذي سرَّحُوا إليه مواشِيَهم، إلاَّ أنْ يَكُونَ فيه وفاءٌ بالكُلِّ، وإذا ارتحلوا، بَطَلَ اختصاصُهُمْ، وإنْ بَقِيَ آثار الفساطيط ونحوُها 60. وقوله: "إن طال عكوفه على هذه الانتفاعات المشتركة، وصار كالتملك الذي أبطل أثر الاشتراك ففي الازعاج خلاف" يعني المرتفق بالشوارع والمساجد إذا طال العكوف عليها فأخذ الوجهَيْن: أنَّهُ يزعج؛ ليظهر الفَرْق بين المشتركات والأَمْلاَكِ المختصَّة بالمُلاَّك.

الجزء: 6 - الصفحة: 227

وأظهرهُمَا: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أنَّه لا يُزْعَج؛ لأنَّهُ أحدُ المرتفقين، وقد ثبتَتْ له اليدُ بالسَّبْق، فلا تزال.
وأيضاً فقد رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهِ مُسْلِم، فَهُوَ لَهُ" 61. أمَّا الرِّباطاتُ الموقُوفةُ، فإنْ عَيّن الوَاقِفُ مُدَّةَ المكْثِ فيها، فلا يزيد، وكذا لو وقَفَ على المُسَافِرِين، فلا يمكث مدَّة تزيد عَلَى مدة مُكْثِ المسافرين، وإنْ أَطْلَقَ الواقف، نُظِرَ إلَى الغرضِ الذي بنيت البقعة لَهُ، وعمل بالمعتاد فيه، فلا يُمَكَّنُ من الإقامةِ في رباطات المَارَّة، إلاَّ لمصْلَحتها، أو لخوْفٍ يعرض، أو لأمطارٍ تتواتَرُ، وفي المدرسةِ الموقوفة عَلَى طلبةِ العلم، يمكَّن من الإقامة إلى استتمام غَرَضه، فإنْ ترك التَّعلُّمَ والتحصيلَ أزعج، وفي الخَانقاهات لا يمكَّن، هذا الضبطُ، ففي الازعاج، إذا طال المُكْث، ما سَبَق في الشَّوارع والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا المَعَادِنُ فَظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ (أَمَّا الظَّاهِرَةُ): فَالمِلْحُ وَالنِّفْطُ وَأَحْجَارُ الرَّحَا وَالرُّخَامُ وَالبُرْمَةُ وَكُلُّ مَا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى طَلَبَ فلاَ يَخْتَصّ بِهِ أَحَدٌ إلاَّ بِإِحْيَاءٍ وَتَحْوِيطٍ حَوْلَهُ وَلاَ يَخْتَصُّ بِتَحْجِير وَلاَ بِإقْطَاعِ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ كَالميَاهِ الجَارِيَةِ، وَالسَّابِقُ إِلَى مَوْضِع لاَ يُزْعَجُ قَبْلَ قَضَاءِ وَطَرِهِ، فَإِنْ تَسَابَقَ رَجُلاَنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (و) وَيقَدِّمُ القَاضِي مَنْ رَآهُ أَحْوَجَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: البابُ الثَّالثُ: في الأعيان الخارجةُ في الأرض، وفيه فصلان: الفصلُ الأوَّلُ: في المعادن، وهي البقَاعُ الَّتي أوْدَعَهَا الله تعَالَى شيئاً من الجواهرِ المطْلُوبةِ -وتنقسِمُ إلَى ظاهرةٍ، وباطنةٍ: فالظاهرةُ: هي التي يبدو جوهرها من غَيْر عَمَلٍ، وإنَّما السَّعْيُ والعملُ لتحْصِيله، ثم تحصيُلُه قد يَسْهُل، وقد يَلْحَقَ فيه تَعْبٌ، وذلك كالنِّفْطِ وأحجارِ الرَّحَى والبُرْمة 62 وَالكِبْرِيت، والقِطِران والقَارِ 63 والمُوميَاء 64 وأشبَاهها، فلا يملكُها أَحدٌ بالإحياء والعِمارة، وإن ازداد النَّيْل 65، ولا يختصّ بها التحجُّر، وليْسَ للسلطانِ إقطاعُها بلْ هو

الجزء: 6 - الصفحة: 228

فوضى بين الناس كالمياهِ الجارية، والكلأ والحطب وقد رُوِيَ أنْ أَبْيَضَ بن حمال المازني اسْتَقْطَعَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِلْحَ مَأْرِب، فأراد أن يُقْطِعَهُ، وُيرْوَى فأقطعه فَقِيلَ: إنَّه كالمَاء العد 66 قال: فلا، إذن 67. ولو حوط على بعض هذه المعادن محوطاً واتخذ علَيْه داراً أو بستاناً.
لم يملك البقعة لفساد قصده، فإن المعدن لا يتخذ مسكناً ولا بستاناً، وأشار في الوسيط إلى خلاف فيه ولو ازدَحَمَ اثنان عَلَى معدن ظاهر، فضاق المكانُ، فالسابقُ أَوْلَى وبأيِّ قدر يَسْتَحِقُّ التمكن والتقديم؟ عبارة كثرهم أنَّه يتقدَّمُ بأخذ قدْر الحَاجَة، ولمْ يبيِّنوا أنَّ المرعى حاجةِ يَوْمٍ أو سَنَةٍ، ولما لم يشْف 68 ذلك، قال الإمامُ: الرُّجوعُ فيه إلى العُرْف، فَيأخذ ما تقتضيه العادةُ لأمثاله، وإذا أراد الزِّيَادَةَ عَلَى ما يقتضيه حقُّ السَّبقِ، فوجهان: أحَدُهُمَا: لا يزعج أو يأخُذُ بحقِّ السبق، ما شاء، لما رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
وأظْهَرُهُمَا: الإزْعَاج؛ فإنَّ عكوفَه عَلَيْه كالتحجُّر، والتحْوِيط المانع للغَيْر، هكذا ذكَرُوه مع جعْلِهم الأظْهَرَ في مَقاعد الأسواق؛ أنَّه لا يزعج، ويمْكِنَهُ أن يفرق بينهما لشدة الحاجاتِ إلَى نيل المعادن، وإنْ جاءَا معاً، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أَظْهَرُهُمَا: أنَّهُ يُقْرعُ بينهما.
والثَّاني: أنَّ الإمامَ يَجْتَهِدُ، وُيقَدِّمُ من يراه أحْوَجَ وأحقَّ.
والثَّالِثُ: أنَّه ينصب مَنْ يُقْسِم الحاصلَ بينهما.
ووضع العراقيُّون من الأصحاب الوجُودَ فيما إذا كانا يأْخُذان للحاجَةِ لا للتجارة، فإن كانا يأخُذَان للتجارة، قالوا: يهايأ بينهما فيه، فإنْ تَشَاحَّا في السَّبْق أُقْرع، وكان الفَرْقُ أنَّ التاجرَ لغرض التجارة أليق والأشْهَر 69 إطلاقُ الأوجه، ويُشْبه على قياس ما

الجزء: 6 - الصفحة: 229

ذكروه أنْ يُقَالَ: إذا كَانَ أحدُهُمَا تاجِراً، والآخرُ محتاجاً يقدَّم المحتاج.
ومِن المعادِنِ الظاهرة: المِلْحُ الذي ينعقدُ منَ المَاء، وكذا الجَبليُّ إذا كان ظاهراً لا يحتاج فيه إلَى حفر [ة] وتنحية تراب، والكُحْلُ والجَصُّ والمَدَرُ، وأحجارُ النورة، وفي بعض شروح "المفتاح" عُدَّ المِلْح الجبليّ من المعادن الباطنة.
وفي "التهذيب" عَدَّ الكُحْل والجَصَّ منها، وهما محمُولاَنِ على ما إذا أحوج إظهارها إلى الحَفَرِ، ولو كان بقُرْبِ السَّاحل بقعةٌ لو حفرت وسيق الماء إليها، ظهر فيها المِلْحُ، فلَيْسَتْ هي مِن المعادن الظاهرة؛ لأنَّ المقْصُودَ منْها يَظْهرُ بالعَمَل، وللإمام إقطاعُها.
ومَنْ حفرها وساق الماءَ إلَيْها، وظَهَر المِلْح، مَلَكَها، كما لَوْ أحْيَا مَوَاتاً.
وقولُه في الكتابِ: "والسَّابِقُ إلَى موضعٍ لا يزعج قبْلَ قضَاءِ وَطَرِهِ".
هذا اللفظُّ إنَّما يَنْطَبِقُ على الوجْه الذَّاهِب إِلَى أنَّه يَأْخُذُ بحَقِّ السَّبقِ ما شاء، وفيه ما سبق.
وقوله: "أُقْرعَ بينهما أو قَدَّم القاضي" أراد أُقْرعَ في وجه، وقَدَّم القاضي الأَحْوَجَ في وجه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الباطِنَةُ) وَهِيَ الَّتي تَظْهَرُ بالْعَمَلِ كَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَإِنْ ظَهَرَ فِي مِلْكِ إِنْسَانٍ بَعْدَ أَنْ أَحْياهُ فَهُوَ مِلْكُهُ، فَإِنْ لَمْ يحيي وَلَكنَّه ظَهَرَ بِعَمَلِهِ فَهَلْ يَمْلِكهُ به؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قلْنَا: يَمْلِكُ دَخَلَ الإِقْطَاعُ فيه كَالمَوَاتِ، وَلاَ يَقْتَصِرُ مِلْكُهُ عَلَى مَحَلِّ النِّيلَ بَلِ الحُفْرَة الَّتي حَوَالَيْهِ وَيلِيقُ بِحَرِيمِهِ يَمْلِكُهُ أَيْضًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الضربُ الثاني: المعادنُ الباطنةُ، وهي الَّتي لا يظهرُ جَوْهرُها إلاَّ بالعملِ والمعالجةِ كالذهبِ، والفضةِ، والفيروزِ، والياقُوتِ، والرَّصَاص، والنُّحَاسِ، والحَدِيد، وسائِر الجواهرِ المبثوثة في طبقات الأرْضِ.
وعن الشيخ أبي محمَّد تردُّدٌ في عدِّ حَجَرَ الحديد ونحوه من المعادن الباطِنَةِ؛ لأنَّ ما فيها من الجوْهَرِ بادٍ عَلَى الحَجَر، والظاهرُ الأولُ؛ لأنَّ الحديدَ لا يُسْتَخرجُ منه إلاَّ بمعاناة، وليس البادي على الحجر عيَّن الحديدِ، وإنَّما هو مخيلته، ولو أظْهَرَ السَّيْلُ قطعة ذهَبٍ، أو أتى بها، التحقَتْ بالمعادن الظاهِرَة.
إذا عُرفَ ذلك، فالمعدن الباطنُ، هل يملك بالحفر والعمل؟ فيه قولان: أحدُهُمَا: وَيُحْكَى عن أبي حنيفةَ -رضي الله عنه- نعم, لأنَّهُ غيرُ مَمْلُوكٍ لا يُتَوصَّلُ إلى منفعته إلاَّ بمعالجةٍ ومُؤْنةٍ، فأشْبَهَ المَوات إذا أُحْييِ.
والثاني: لاَ، كالمعادنِ الظاهرةِ، وليس كإحياء المَوَات؛ لأنَّه إذا أحيا، ثَبَتَ

الجزء: 6 - الصفحة: 230

الإحْياءُ فيه، واستغْنَى عن العمل كلَّ يوم والنيل مبثوث في طبقات الأرْض يُحْوِج كلَّ يوم إلَى حفرٍ وعملٍ.
وأصحُّ القولَيْنِ الثاني فيما ذكره المَسْعُودِيُّ، وصاحبُ "المهذَّب"، والقاضي الرُّوَيانيُّ، وفي كلامِ الشافعِيَّ -رضي الله عنه- مَا يُشْعِرُ بترجِيحِهِ.
التفريع: إن قلنا: إنَّه يَمْلِكُ، فذاك، إذا قصد التملُّك، وحفر حتى ظهر النَّيلُ، أمَّا قبلَ الظُّهورِ، فهو كالمتحجِّر، وهذا كما أنَّه إذا حفر بئراً في الموات على قصد التَملُّكِ مَلَكَه، إذا وصَلَ إلى المَاءِ, وإذا اتَّسَعَ الحفرُ، ولم يُوْجَدِ النَّيْلُ إلاَّ في الوَسَطَ، أو في بعض الأطْرَاف، لم يقصر المِلْكُ على محل النَّيلِ بل يملك ما حوالَيْه مما يليقُ بحريمه، وهو قدْرُ ما يقفُ فيه الأعوانُ والدوابُّ، ومن جاوز ذلك، وحَفَرَ لم يُمْنَع، وإن وَصَلَ إلى العروق ويجُوزُ للسُّلْطان أنَّ يُقْطِعَه كالموات، وإن قلنا: إنَّهُ لا يُمْلَكُ فالسَّابقُ إلَى موضع منْه أحقُّ به، لكن لو طالَ عكوفه، ففي الإزعاج ما ذكرنا في المعادِن الظاهر، ومنْهم من قطع ههنا أنَّه لا يزعج؛ لأنَّ هناك يُمْكنُ الأخذُ دُفْعَةً واحدةً، فلا حاجةَ إلى إطَالة المكْثِ، ولأن ههنا لا يَحْصُل النَّيْلُ إلاَّ بتعَبٍ ومشقةً، فيُقَدم السابقُ على اللاَّحقِ ولو ازدحم اثنان، فعلى الوُجُوه المذكورةِ هناك، وفي جوازِ إقْطَاعِها عَلَى هذا القولِ قولان.
أحدُهُما: المنعُ كالمعادِن الظَّاهِرة.
وأصحهما: الجَوَازُ؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَرَادَ إِقْطَاعَ مِلْحِ مارب أو "أقْطَعَهُ"، فلَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّه كالمَاءِ العد امْتَنَعَ مِنْه" 70 فدلَّ على أنَّ الباطنَ يَجُوزُ إقطاعُهُ، ولا يبعد دخولُ الإقْطَاع فيما لا يُمْلَكُ كمقاعد الأسواق، ولا يقطع الإمام إلا قَدْرَ ما يتأتَّى للمقطِع الْعَمَلُ علَيْه، والأخْذُ مِنْه، وعلى القولَين يجوزُ العَمَلُ على المَعْدِن الباطِنِ، والأخْذُ منه منْ غير إذْنه الإمامِ، فإنَّه إما كالمعْدِن الظاهر، أو كالموات.
ولو أحْيَا مَوَاتاً، ثم ظهر فيه مَعْدنٌ من هذه المعادِن، ملَكَه بلا خلاف؛ لأنَّهُ، بالإحياء مَلَكَ الأرض بأجزائها وهو من أجزائها، بخلاف الركاز فإنَّه مودعٌ فيها، هذا إذا لم يَعْلَمْ أنَّ فيها مَعْدناً، فإنْ عَلِمَ، واتَّخَذَ عليه داراً، فإِنَّ الشَّيْخَ أبا الفرجِ السَّرْخَسِيَّ نقل في ملك المعْدِنِ طريقين: أحدهُما: أنَّهُ على القَوليْنِ السَّابقَيْنِ 71.

الجزء: 6 - الصفحة: 231

والثاني: القَطْعُ بأنَّهُ يَمْلِكُ كما لو لم يَعْلَم، وأمَّا البقعةُ المُحْيَاةُ، فقد قال الإمامُ: ظاهرُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُمْلَكُ؛ لأنَّ المَعْدِن يُتَّخذ داراً، ولا مزرعةً، فالقصدُ فاسدٌ.
ومنهم مَنْ قال: يَمْلِكُهَا بالإحْيَاءِ، وكان ما حكَيْناهِ مِنَ الخلافِ في المعادِنِ الظَّاهرة عن "الوسيط" مأخوذٌ من هذا.
ومما يتفرَّعُ على القوْلَين أنَّ المَعْدِنَ البَاطِنَ، إذا عُمِلَ عليه في الجاهلية، هل يُمْلك، وهَلْ يجوزُ إقطاعُهُ؟ إنْ قلْنا: إنَّ هذا المعدِنَ يُمْلَكُ بالحَفْر والعَمَل، فهو مِلْكٌ للغانمين؛ كأراضي دار الحَرْبِ التي أحْيَوْهَا، ثم اسْتَولَيْنَا عليها، وإن قلْنا: لا تُمْلَكُ، ففِي جوازِ الإقْطَاع ما قدَّمناه منَ القولَيْن.
وقولُه في الكتاب "وإن لم يُحْيي، ولكنَّه أظهر بعمله أراد أنَّهُ لم يُحيي كما تَحْيا المواتُ بأن يتّخذَ مَسكناً أو بستاناً أو مزرعةً، ولكنَّهُ حَفَر حتى ظَهَرَ النيلُ.
ومن الأصحابَ مَنْ يُطْلِقُ لَفْظَ الإحْياء على العَمَلِ في المعدن؛ لأنَّه إصْلاَحٌ له، ويقولُ: هَلْ يملك المعدِنَ بالإحياء؟ فيه قولان، وهذا الاختلافُ يرجع إلى مجرَّد الإصْلاحَ.
وفي قوله: "أظهر بعملِه" ما يشير إلَى أنَّ الإظهارَ لا بُدَّ منه ليَجيء القولان، ونختم الفصل بمسألتين: إحدَاهُمَا: ظاهرُ المروِيِّ أنَّهُ مَالِكُ المعدن الباطِن، لا يجُوزُ له بَيْعُهُ؛ لأنَّ المقصودَ منْه النيلُ، والنِّيلُ متفرِّق في طبقات الأرض مجهولُ القَدْر والصِّفَة، فصَارَ كما لو جمع قَدْراً من تراب المَعْدِن، ومنه النِّيل وباعَه.
وحَكَى الإمامُ وجْهاً آخَرَ في جوازِه، لأنَّ المبيعِ رقبة المعدِنَ، والنِّيل فائدته وريعه.
الثانية: مَلَكَ معْدِناً باطناً، فجاء غَيْرُهُ، واستخرَجَ منْه نيلاً بغير إذنِه، فعليه ردُّه، ولا أُجْرَةَ له، ولو قال المالِكُ: اعْمَلْ فيه، واسْتَخْرِجِ النِّيلَ لي، ففعل، [ففي استحقاقه] الأُجْرَةَ على الخلاف فيما إذا قال: اغْسِلْ ثوبي، فغسل.
ولو قال: اعْمَلْ فما استَخْرَجْتَه، فهو لك، أو قال: استَخْرِجْ لنَفْسِكَ، فالحاصل للمالِك؛ لأنَّه هبة مجهولٍ، وكان يُمْكِنُ تَشْبيهُه بإباحةِ ثمارِ البُسْتَانِ ونَحْوِها, لكنَّ المنقولَ الأوَّلْ.
وفي استحقاقِ الأُجرةِ وجهان: أحدهُمَا: المنعُ؛ لأنَّه عَمِلَ لنَفْسِهِ.
والثاني: وبه قال ابنُ سُرَيْجٍ: أنَّها تجبُ؛ لأنَّ عَمَلهُ وقَع للمالِك، وهو غيرُ متعدٍّ بعملِه ولا متبرِّع 72، ولو قال: اعْمَلْ فما استخرجْتَه، فهو بيننا مُنَاصفةً، لم يصحَّ؛ لأنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 232

العِوَضَ ينبغي أنْ يكونَ مَعْلُوماً.
قال في "الشَّامِل": فلَيْسَ هذا كما لو شَرَط جزءاً من الربح والثمرة في القراضِ أو المساقاة: لأنَّه جعل عوضَ العمل ههنا جزءاً من الأصْل، فهو كما لو شَرَطَ للعاملِ جزءاً منْ رَأْسِ المَالِ.
ولو قال: مهما 73 استخرجْتَهُ، فلك منه عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، لم يَصِحَّ أيْضاً؛ لأنَّه ربما يحصل هذا المقدار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا المِيَاهُ فَثَلاَثَةٌ مُحْرَزٌ في الأَوَانِي فَهُوَ مِلْكٌ (و) كَسَائِرِ الأَمْلاَكِ يَصِحُّ (و) بَيْعُهُ، وَعَامٌّ لَمْ يَظْهَرْ بِعَمَلٍ وَلاَ يَجْرِي بِحَفْرِ نَهْرِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْخُذَ سَاقِيَةً مِنْهُ فَيَجْرِي المَاءُ إِلَى أَرْضِهِ، وَلِلأَعْلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ إِلَى الكَعْبِ (و) وَيَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُسَرِّحَهُ إِلَى الأَسْفَلِ وَقِيلَ: لاَ يَلْزَمُهُ (و)، فَإنْ تَعَلَّى وَاحِدٌ وَأَخَذَ سَاقِيَةً وَقَطَعَ المَاءَ عَنِ الْكُلِّ مُنِعَ لأَنَّهُمْ بِإِحْيَاءِ الأرْضِ اسْتَحَقُّوا مَرَافِقَهَا وَالمَاءُ مِنَ المرافِقِ فَيُمْنَعُ مِنْ إِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُن.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الفصل الثاني: في المياه، وهِيَ قِسْمَان: أحدُهُمَا: المياهُ المبَاحَةَ، وهِيَ الَّتي تَنْبُعُ في مواضعَ لا تَخْتَصَّ بأحَدٍ، ولا صنع للآدمِييِّن في إنباطِهِ وإجرائه كماءِ "الفُرَات" و"جيحون" وسائِرِ أودية العَالَم، والعُيُون في الجِبَالِ، وسُيُولِ الأمطارِ، فالناس فيها سواء على ما رُوِيَ عن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قال: "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلاثَةٍ: في المَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلأِ" 74.

الجزء: 6 - الصفحة: 233

فإنْ اثْنَانِ فصاعداً، أخذ كُلُّ واحِدٍ [منهم] ما شاء، فإنْ قَلَّ الماءُ أو ضاق المَشْرَعُ قَدِّم السَّابق، فإنْ جَاءَا معاً، أُقْرِعَ بينهما، وإن أراد واحدٌ السَّقْي، وهناك من يَحْتَاجُ إلَيْه للشُّرْب، فالثانِي أَوْلَى، قاله في "التتمة"، ومَنْ أخَذَ منه شيئاً في إناء ملكه، ولم يكنْ للغير أَن يزاحِمَه فيه كما لو احتشَّ أو احتطب، وفي "النهاية" وجهٌ آخرُ أنَّه لا يملكُ لكنَّه أولى به من غيرِه.
والمذْهَبُ الأوَّلُ، وإنْ دخل شيْءٌ منه مِلْكَ إنسان بسَيْل، فليس لغيره أخْذُه، ما دام فيه الامتناع الدُّخُول في ملْكِ الغَيْرِ بغَيْر إذْنِهِ، لكن لو فعل فيملكه أم للمالِك استرداده؟ فيه وجهان: أصحُّهما: الأوَّلُ، فإذا خَرَجَ منْه، أخَذَهُ من شاء.
وإذا أراد قَوْمٌ سَقْيَ أراضِيِهِمْ مِنْ مثْلِ هذا المَاءِ, فإنْ كَانَ النَّهْرُ عظيماً يفي بالكُلِّ سقَى من شاء منْهمِ، مَتَى شاء 75، وإن كان الماءُ صَغيراً، أو كان الماء يَنْسَاق من الوادي العظيمِ في ساقِيَةٍ غَيْرِ مملوكةٍ، بأن انخرقَتْ بنَفْسِها، فيَسْقِي الأوَّل أرضَهُ، ثم يُرْسِلْه إلى الثَّاني، ثم إلى الثَّالث؛ لما رُوِيَ عن عُبَادَةَ ببن الصَّامتِ - رضي اللهُ عنه - أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى في الشُّرب "أنَّ لِلأَعْلَى أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَ الأَسْفَلِ ثم يُرْسِلَ إلَى الأَسْفَلِ، ولا يَحْبِسِ الْمَاءَ في أَرْضِهِ" 76. والمشهورُ أنَّه يحبُسُ حتى إلى أنَّ يبلغَ الكعبَيْن؛ لما رُوِيَ في حديثِ عُبَادةَ أنَّه يجعلُ الماء إلى الكَعْبَيْن لما روي عن عمرِو بن شعيْب عن ابْنِهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى في السَّيْلِ أَنْ يُمْسِكَ حَتَّى يَبْلُغَ إلى الكعبين، ثُمَّ يُرْسِلَ الأعْلَى إِلى الأسْفَلِ" 77، = الماء، والكلأ، والنار ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة في ترجمة أبي خداش قال الحافظ في التلخيص ولم يذكر الرجل، وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: أبو خداش لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو كما قال، فقد سماه أبو داود في روايته: حبان بن زيد وهو الشرعبي، وهو تابعي معروف.

الجزء: 6 - الصفحة: 234

وقالَ رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- للزُّبَيْرِ حِينَ خاصَمَهُ الأنْصَارِيُّ في شِراج 78 الحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ منْها: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ وقال: إنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: "يا زُبَيْرُ، اسْقِ وَاحْبِسِ الماءَ حتَّى يَرْجِعَ إلَى الجُدُرِ ثُمَّ أَرْسِلْهُ" 79 والشِّراج: جمع الشَّرْج، وهو النهرُ الصغير.
والحَرَّةُ: الأرْضُ التي أُلْبسَتِ الحجارةَ السُّودَ، والجُدُر: الجدار، واختلفوا في تنزيل الخبر، قِيْلَ: إنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَه باسْتيقاء زيادة على القدْر المستحَقِّ تغليظاً على الأنصارِيِّ، حيث اتَّهمَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وَقِيْلَ، وهو الأصَحُّ: إنَّه كان قد استَنْزَلَه عنْ بَعْض حَقِّه، فلما أَسَاءَ الأنصاريُّ الأدبَ، قالَ لَهُ: اسْتَوْفِ حَقَّكَ، ومن قال بهذا، قال: إذا بلَغَ الماءُ الكَعْبَ بلَغَ أَصْل الجِدَارِ، فلا مخالفةَ بين التقديرَيْن، ووراء هذا المشهورِ أمْران: أقربُهُمَا: الرُّجوعُ في قدر السَّقْي إِلى العَادَة والحاجة، وقد ذكر أقضى القضاةِ المَاوَرْدِيُّ؛ أنَّه ليس [له] التقديرُ بالبُلُوغ إلى الكعبَيْن عَلَى عموم الأزمان والبُلْدَان، لأنَّه مقدَّرٌ بالحاجة، والحاجةُ تختلِفُ باختلافِ الأرض، وباختلافِ ما فيها من زرعٍ وشجرٍ ووقتِ الزراعَةِ، ووقْتِ السَّقْي.
وأغربهما عن الداركيِّ وجْه أنَّ الأعلَى لا يقدَّم على الأسْفَلَ، ولكنْ يَسْقُونَ بالحصَص، ويُحْكَى هذا عن أبي حنيفةَ -رضي الله عنه- ولو كانت أرضُ الأعْلَى بعضُها مرتفعاً وبعضُها منخفضاً، ولو سَقَيَا معاً، لزاد الماءُ في المنخفضةِ عَلَى الحدِّ المشروع أُفْرِدَ كلُّ واحدٍ منهما بالسَّقْي بما هو طريقه 80. وإذا سَقَى الأعْلَى، ثم احتاجَ إلَى السَّقْي مَرَّةً أُخْرَى مُكِّنَ.
وَرَوَىَ أبو عاصمٍ العَبَّاديُّ وجْهاً: أنَّهُ لا يُمَكَّنُ؛ لأنَّهُ رُوِيَ في خبر عُبَادةَ -رضي

الجزء: 6 - الصفحة: 235

الله عنه-: وتُرْسِلُ الماءَ حتى تَنْتَهِيَ الأراضي وإذا تنازعَ اثنان أرضاً هما متحاذِيتانِ، أو أراد شَقَّ النَّهْرِ من موضِعَيْن متجاذِبَيْن يميناً ويساراً، فيُقْرَع أو يُقَسّمُ الماءُ بيْنَهما، أو يقدِّمُ الإمامُ من يراه؟ حَكَى العَبَّاديُّ فيه ثلاثةَ أوجهٍ 81. ولو أراد إنسانٌ إِحياءَ مواتٍ وسَقْيَه من هذا النَّهْر، نُظِر؛ إنَّ لم يَكُنْ فيه تضْييقٌ، فلا منع وإن كان منع؛ لأن الأوَّلين بإحياءِ أراضِيهم استحقُّوا مرافقها، وأنَّه مِنْ أعظمَ مَرَافِقِها.
وعمارةِ حافَّاتِ هذه الأنْهَارِ مِنْ وظائف بَيْتِ المالِ.
ويجوزُ لِمَن أراد أنْ يَبْنِيَ علَيْها قنطرةً، لعبور الناسِ، إنْ كان الموضعُ مواتاً، وأمَّا بين العُمْران، فهو كحفر البئر في الشَّارع، لمصلحةِ المسلمين، ويجوز بناء الرَّحَى عليها إن كان الموضِعُ مِلْكاً له، أو مواتاً مَحضاً، وإنْ كان بيْنَ الأراضي المملوكة، فإن تَضرَّرَ المُلاَّك، لم يجز، وإلاَّ فوجهان: أحدهُمَا: المَنْعُ؛ كالتصرُّف في سائر مرافق العمارات.
وأشبَهُهُمَا: الجوازُ كإشراع الجناحِ في السِّكَّة غير المسندة وهذا إذا لم تكُن الأنْهَارُ والسَّواقي مملوكةً، أمَّا إذا كانت مملوكةً، بأنْ حَفَرَ نهراً يدخلُ فيه الماءُ من الوَادِي العظيم، أو من النَّهْرِ المنخرق منه، فالماء باقٍ على إباحته، لكنَّ مالِكَ النَّهر أحقُّ به؛ كالسيل يَدْخُلُ ملْكَه، فليس لأحدٍ مُزَاحَمَتُهُ؛ لِسَقْيِ الأَرْضِينَ، وأمَّا الشُّرْبُ والاستعمالُ، وسَقْيُ الدوابِّ، فقد قال الشَّيْخُ أبو عاصمٍ: ليْسَ له المنعُ، وتابَعَهُ صاحبُ "التَّتمة" ومِنْهُمُ من أطْلَقَ القولَ بأنَّه لا يدْلي فيه أحدٌ دلواً، ويجوزُ لغيْرِه أنْ يَحْفِرَ فوق نهْره نهْراً، إن لم يضيّق عليه، وإن ضيَّقَ فلا.
وإنْ اشترَكَ جماعةٌ في الحَفْرِ اشتركُوا في المِلْكِ عَلَى قَدْر عمَلِهم، فإنْ شرطوا أنْ يكونَ النَّهْرُ بينَهم عَلَى قدر ما يَمْلِكُون من الأراضي، فليكنْ عملُ كلِّ واحدٍ منهم على قدرِ ضيق أرضه، فإنْ زادَ واحدٌ متطوَّعاً، فلا شيْءَ له على الباقِينَ، وإن زادَ مكْرَهاً، أو شرَطُوا له عِوَضاً، رجع عليهم باُجْرَةِ ما زاد، وليْسَ للأَعْلَى حَبْسُ المَاءِ على الأسفل، بخلافِ ما إذا لم يكن الموضعُ مَمْلُوكاً، وإذا اقتسموا المَاءَ بالأيام والسَّاعاتِ، جاز، ولكلِّ واحدٍ الرجوعُ، مَتَى شاءَ, ولكنْ لو رجَعَ بعد ما استوفَى نوبته وقبل أن يستوفي الشريكُ، ضَمِنَ له أجْرَةَ مثل نصيبه منَ النهرِ للمُدة التي أَجْرَى فيها المَاءَ، وإنِ اقْتَسَمُوا

الجزء: 6 - الصفحة: 236

الماءَ نفسه، فعلى ما سنذكره في القناة المشتركة -إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ- ولو أرادُوا قِسْمَةَ النهرِ، وكان عريضاً، جاز، ولا يجري فيه الإجْبَار كما في الجداد الحائل، ولو أراد الشُّركاءُ الَّذين أراضيهم أسفلُ توسيعَ فَمِ النَّهر؛ لئلا يقصر الماء عنْهم، لم يجزْ، إلا برضا الأولين؛ لأنَّ تصرُّفَ الشَّرِيكِ في الَملك المشتَرَكِ لا يجوز إلاَّ برضا الشَّريكَ، وأيضاً، فقد يتَضَرَّرُون بكَثْرة المَاءِ, وكذا لا يجوزُ للأولين تضييقُ فمِ النَّهِر إلاَّ برضا الآخرين، ولا لواحِدٍ منهم بناءُ قنطرةٍ، أو رحّى عليها, ولاَ غَرْس شجرة عَلَى حافَّته إلاَّ برضا الشركاء ولو أراد أحَدُهُمْ تقديمَ رأْسِ السَّاقيةِ التي يَنْسَاقُ فيها الماءُ إلَى أرضِه، أو تأخيرَه، فكذلك، بخلاف لو قدَّم بابَ داره إلَى رأْس السِّكَّةِ المنسدة؛ لأنَّه يتَصرَّفُ هناك في الجِدارِ المملُوك، وههنا في الحافَّة المشترَكة، ولو كان لأحَدِهم ماء في أعلَى النَّهْرِ فأجْرَاهُ في النَّهْرِ المُشْتَركِ برضا الشُّرَكَاءَ؛ ليأخَذَه من الأسْفَلِ، وَيسْقِيَ به أراضه، فلهُمُ الرجوعُ متَى شاءُوا؛ لأنَّه عاريةٌ وتنقية هذا النهرِ، وعمارتُه يقومُ بها الشركاءُ بحَسَب الملك، وهل على كلِّ واحدٍ منهم عمارةُ الموضعِ الذي يَسْتَقِلُّ (1) عن أرْضه؟ فيه وجهان: أحدُهما: وهو المذكورُ في "الشامِل"، وبه قال أبو حنيفةَ: لا؛ لأنَّ المنفعةَ فيه للباقِينَ.
والثاني: نعم، لشرِكتِهِم فيه، وانتفاعِهِمْ بإِرسال المَاءِ فيه، وهذا أصحُّ عند العَبَّادِيِّ.
وأمَّا لفظُ الكتابِ، فقولُه: "أمَّا المياهُ، فثلاثةٌ" قصد به أنَّ الماءَ إما محرز في الأواني، فهو مختصٌ بالمحرزِ ملك له من أيِّ مَوْضِعٍ أخذ، وإِمَّا غيْر محرز، وينْقَسِمُ إلى ما يحدثَ منْ مَوْضِعٍ غير مَمْلُوك؛ كالمياه المباحة الشفافة، إلى ما يَحْدُث من موضع (2) مملوكٍ؛ كماء القنوات، فهي ثلاثةُ أقسامٍ، وفي معْنَى الأواني الحوْضُ المَمْلُوكُ، إذا جُمِعَ فيه الماءُ.
وأَعْلم بقولَه: "فهو ملك" بالواو للوَجْه المذكور في "النهاية": وقولَهُ: "وَيصحُّ بيعُه" -ضَرْبٌ من التأكيد.
وفي قولِهَ: "كسائر الأملاكِ" ما يفيده.
وقوله: "إلَى الكَعْبِ" يجوزُ أنْ يُعْلَمَ بالواو؛ وللوجه الذاهب إلَى أنَّهُ لا تقديرَ والمرعى الحاجة.
وكذا قولُهُ "لا يلزمهُ" للوجه المنقولِ عن الداركيِّ.

فُرُوعٌ:

8283 الجزء: 6 - الصفحة: 237

كُلُّ أرض أمْكَنَ سَقْيُهَا منْ هذا النَّهْرِ، إذا رأينا لها ساقية منه، أو لم نجدْ لها شرْباً من موضعٍ آخر، حكَمْنَا عند التَّنَازُعِ بأنَّ لها فيه شِرْباً.
ولو تنازع شركاء النهر في قدْر أنصبائهم، فيجعل على قَدْر الأراضي؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الشركةَ بِحَسَبِ الملِك، أو بالسَّوِيَّة؛ لأنَّه في أيْدِيهم؟ فيه وجهان، وبالأول قال الإِصْطَخْرِيَّ 84. وإذا صادفنا نَهْراً يُسْقَى منْه أراض، ولم نَدْرَ أنَّه حفر أو انحرق؟ حُكِمَ بكَوْنه مَمْلوكاً؛ لأنَّهُمْ أصحابُ يدٍ وانتفاعٍ، فلا يُقدَّمُ بعْضُهمْ على بعض، ولو لم يَكُنْ مملوكاً، لَزِمَ التَّقَدُّم، والأَكْثَرُ هذه المسائِلِ مما يشْتَمِلُ عليه كتاب "المياه" للشَّيخ العَبَّادِيِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ العُمُومِ وَالاخْتِصَاصِ وَهُوَ مَاءُ البِئْرِ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ بذله لِغَيْرِهِ (و) لِغَرَضِ الزَّرْعِ (و) إِلاَّ بِعِوَضٍ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذَلْهُ لِلمَاشِيَةِ؟ إِنْ لَمْ يَكُنِ البِئْرُ مَمْلُوكاً لَهُ بَلْ كَانَ قَصْدُهُ من الحَفْرِ الانْتِفَاعَ بِالمَاءِ وَجَبَ البَذْلُ لِلحَدِيث، وإِنْ كَانَ مَمْلُوكاً فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ لِلحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ من خَصَّصَ بِمَا لَمْ يُمْلَكْ مَنْبَعُهُ وَألْحَقَ هَذَا بِالمُحْرَز بالأَوَاني.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا فرَغَ من الكلام في القسْمَيْن الأَوَّلَيْنِ، وهما العامُّ والخاصُّ، شرَع في الثالثِ المتردِّد بينهما، وهو ميَاهُ الآبارِ والقَنَوَاتِ، وهي من حيثُ إنَّها حاصلُةُ في المواضع المختصة بالإنسانِ تشبه الماءَ المُحرز في الآبار.
ومن حيْثُ إنَّها تبذل، وينبسط النَّاسُ فيها تشبه المياهَ العامَّة، وكذلك يجب بذلُهَا عَلَى تفصيلٍ سنذكُرُه، هذا على موجِبِ تقسيمه المذكور في الكتاب.
وأمَّا على موجِب ما قدَّمناه، فنقول: القسْمُ الثاني: المياهُ المختصَّةُ ببعض الناسِ وهي مياهُ الآبارِ والقَنَواَتِ، واعْلَم أولاً أنَّ حَفْرَ البئْر يُصوَّر على أوْجُهٍ: أحدُهَا: الحفْرُ في المنازِل للمارَّة.
والثاني: الحَفْرُ في المَوَاتِ عَلَى قصْد الارْتِفَاقِ دُون التَّمَلُّكِ لمن ينزل في الموات، فيحفر للشُّرْبِ، وسقي الدَّوَابَّ.
والثالث: الحَفْرُ على قصد التمَلُّكِ، والقوْل في أنَّ البِئْرَ مَتَى تُمْلَكُ سيأتي.
والرابع: الحَفْرُ الخالِى عنِ هذا المقصود.
إذا عَرَفْتَ ذلك فالبئر المحفورةُ للمارَّة، ماؤُها مشتركٌ بيْنَهُم، والحافر كأحَدِهِمْ ويجوزُ الاستقاءُ منها للشُّرب، وسَقْيِ الزُّرُوع، فإنْ ضَاقَ عنْهما، فالشُّرْبُ أوْلَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 238

والْبِئْرُ المحفُورَةُ على قَصْدِ الارتفاقِ دونَ التَّمَلُّكِ فالحافر أَوْلَى بمائِها إلَى أن يرْتَحِلَ، لكنْ ليس لهُ منعُ ما فَضَلَ عَنْهُ عن مَنْ يحتاجُ إلَيْه للشُّرْب، إذا اسْتَسْقَى بدَلْوِ نفسِه، ولا منْع مواشيه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَة -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ المَاءِ؛ لَيمْنَعَ بِهِ الْكَلأَ مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 85. والمرادُ أنَّ الماشيَةَ إنَّما تَرْعَى بِقُرَبِ المَاءِ، فهذا منع من المَاءِ, فقد منع من الكلأ، وجازَه لنَفْسِهِ، وله أن يَمْنَع غَيْرَهُ من سَقْي الزَّرْع به؛ لأنَّ الحيوانَ أعظَمُ حُرْمَةً، وللإمام فيه احتمالٌ من حيثُ إنَّه لم يَملِكْهُ، والاختصاصُ إنَّما يكون بقَدْر الحاجة، وبهذا أجاب في "التتمة" فحَصَلَ وجهان، وُيعْتَبَر في الفاضل الذي يَجِبُ بذلُه أنْ يَفْضُلَ عن سقيه ومواشيه ومزارعه.
قال الإمامُ: وفي المزارعِ احتمالٌ على بُعْدٍ 86، وإذا ارْتَحَلَ المرتفِقُ، صارت البئرُ كالبئرِ المحفورةِ للمارَّة، فإن عاد، فهو كغيره 87. وأمَّا البئرُ المحفورةُ للتَملُّكِ، وفي المِلْك، فهل يكونُ ماؤهَا مِلْكاً؟ فيه وجهان: أحدهُمَا: وبه قال أبو إسحاقَ: لاَ، لظاهر قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلاثةٍ: المَاءِ وَالنَّارِ والْكَلأَ" 88. وأيضاً، فإنَّ للمكتَرِي الدَّارَ أنَّ يَنْتَفِع بماء بئرها, ولو كان مِلْكاً للمكرِي، لَمَا جاز له التصرُّفُ فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 239

وأظْهَرُهُمَا: وبه قال ابنُ أبي هُرَيْرَةَ: نعم؛ لأَنَّهُ نماء ملكه، فأشْبَهَ الثَّمَرَةَ واللَّبَن، ويُحْكى هذا عن نَصِّهِ في القديمِ، وحَرْمَلَةَ، ويجرِي الخلافُ فمما إذا تَفَجَّرَت عَيْنٌ في مِلْكِه، ثم على الوَجْه الأوَّل، إذاَ نبع الماءُ في مِلْكِهِ وخرج ملْكُه من أخذه.
وعلى الثاني: لاَ يَمْلِكُ، ولو دُخَلَ داخلُ مِلْكَهُ وأَخَذَه، ففي ملْكِهِ الوجْهَان، وسواءٌ قلْنا: يمْلِك أو لاَ يَمْلِكُ، فلا يجبُ عَلَى مالك البِئْر بَذْلُ الفاضل عن حاجته لزَرْع غيره؛ خلافاً لأحْمَدَ في إحدى الروايتَيْن، وبه قال بعضُ أصحابنا فيما حكاه القاضي المَاوَرْدِيُّ.
وفي البَذْلِ للماشيةِ وجهان: أصحُّهما: الوُجُوبُ؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ.
والثاني: وبه قال أبو عُبَيدِ بْنُ حَرْبَوَيه لا يجب كما لا تجبُ إعارةُ الدلو والرّشَا، وبذْلُ المَاءِ المحرز في الإناء، والحديثُ محمولٌ عَلَى الاستحباب، وهذا ما اختارَهُ الإِمَامُ، وحَكَاهُ عَنِ القاضي، ولكنَّ الجمهورَ عَلَى الأوَّلِ.
التفريعُ: شَرَطَ المَاوَرْدِيُّ لوجوب البَذْلِ شروطاً: أَحَدُهَا: ألاَّ يجد صاحبُ المواشِي كَلَأً مُبَاحاً.
والثاني: أنْ يكونَ هُنَاك كَلَأً يُرْعَى، وإلاَّ لَم يجِبْ، وفي "التتمة" ذكْرُ وجهين من هذه الشروط.
والثالث: أنْ يكونَ المَاءُ في مستَقَرِّه، فأمَّا المأخوذُ في الإنَاءِ, فلا يجب بَذْلُهُ، وإنْ فَضَلَ عنْ حاجتِه.
وعن أبي الحُسَيْنِ بْن القطَّانِ أنَّ من الأصحاب من أوجبه، ثم عابرو السبيلِ يُبْذَلُ لهم ولمواشيهم، وفيمنْ أراد الإقامةَ في الموضِع وجْهان؛ لأنَّه لا ضَرُورةَ له إلى الإقامةِ 89، وحَكَى القاضي ابن كَجّ وجهَيْن في أنَّه هل يَجِبُ البَذْلُ للرعاة، كما يجب للمواشِي؛ لأنَّها لا تستقلُّ بنفسها، والمنعُ منْهم يتضمَّن المنْعَ منْها، وهذا كالمستبْعَد؛ لأنَّ البَذْلَ لسُقَاة الناسِ، رعاةً كانوا أو غَيْرَهم أوْلَى من البَذْلِ للمواشي، إلاَّ أن يُنْظَرَ إلى أنَّ مَنْعَ المواشِي يَتَضَمَّنُ الاستئثارَ بالكَلأَ المُبَاح، أو بضيعتها، عَلَى أنَّ الإمامُ نَقَلَ وجهَيْن في المَنْعِ من الشُّرْبِ على الإطلاق، إذا فرَّعْنَا عَلَى أنَّ الماءَ مملوكٌ، وإذا أوجَبْنا البذلَ، فهل يجوزُ أنْ يأخُذَ عليه عِوَضاً؟ فيه وجهان: أحدُهُما: نعم، كما يطعم المضَطْرُّ بالعوض.

الجزء: 6 - الصفحة: 240

وأصحُّهُمَا: لاَ؛ لما رُوِيَ عن جابر -رضي الله عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ" 90. وأَمَّا إذا حَفَرَ، ولم يَقْصِدِ التَّمُّلَك ولا غَيْرَهُ، ففيه وجهان مَذْكُورَان في "النهاية": أظهرُهما: أنَّه لا اختصاصَ لماءِ البِئْر به، والنَّاسُ كُلُّهُمْ فيه سواءٌ.
والثَّاني: أنَّ القَدْرَ الَّذِي يحتاجُ إلَيْهِ يختصُّ به، فيكون التوصُّلُ إلى الماء مُفِيداً لاِختصاصِ، وإنْ لم يَقْصِدْ كما أنَّ الإحياءَ قد يفيد المِلْكَ، وإن لم يَقْصِدْ.
وقولُهُ في الكتاب: "وهو ماءُ البِئْرِ، فهو مختصٌّ به" يشتمل ظاهرُهُ البِئْرَ المحفورة لِلتَّمَلُّكِ، والمحفورة لِلارتفاق، وهذا الظاهرُ معْمولٌ به، فإن الاختصاصَ ثابتٌ في مَائِهَا، إلاَّ أنَّهُ قال: ولا يلزمه بَذْلُهُ لغَرَضِ الزَّرْع، إلاَّ بعوض، وإنَّما يجوز أخْذُ العِوَضِ عَلَى تقدير كون المَاءِ مملوكاً، ثم لاَ بُدَّ ههنا من معرفة أمور: أحدها: أنَّ قَوْلَه: "وَلاَ يَلْزُمُ بَذْلُهُ".
وقولَهُ: "هَلْ يلزمُه بذلُه" محمولاَن عَلَى بذل الفاضِلِ عنْ حاجته، فأمَّا كلُّ المَاءِ، فلا يلزم بَذْلُه بحال.
والثاني: أنَّ بيْعَهُ وأخْذَ اَلْعِوَضِ عليه كَيْفَ يجوزُ؟ وسيأْتِي في الفصْل التالي لهذا الفصل إن شاء الله تعالى.
والثالث: إنَّ قَوْلَهُ: "إلاَّ بِعَوَضٍ" ليْس باستثناءٍ متحقق، فإن البَذْلَ، بالعِوض غَيْرُ لازمٍ أيضاً.
والرَّابع: أنَّ قَوْلَه: "لا يلزمُه بذْلُه" يجوزُ أنْ يُعْلَمَ بالواو؛ لما سبق من الخلاف فيما يُحْفَرُ لاِرتفاق، وما يُحْفَرُ لِلْمِلْكِ جميعاً، وبالألف أيضاً؛ لما مَرَّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا القَنَاةُ المُشْتَرَكَةُ فَالمِلْكُ فِيهَا بِحَسَبِ الاشْتِرَاكِ فِي العَمَل، وَلَهُمُ القِسْمَةُ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ، وَتَصِحُّ المُهَايَاَةُ وَلاَ تَلْزَمُ عَلَى الأَظْهَرِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حُكْمُ القَنَواتِ حُكْمُ الآبارِ في مِلْكِ مِيَاهِهَا، وفي لزومِ البذلِ وَغَيْرِهَما إِلاَّ أنَّ حَفْرَها لمجرَّد الارتفاق لاَ يكادُ يقع، ومهما اشتركَ المتملِّكون في الحفْر اشتركُوا في المِلْك، بحَسَب اشتراكهم في العمل والارتفاق كما ذكرنا في النَّهرِ

الجزء: 6 - الصفحة: 241

المملوك.
ثم لَهُمْ قِسْمةُ المَاءِ؛ بأنْ يُنصب خشبةً مُسْتَوِيةً الأعْلَى والأسْفَلِ في عرض النهر، ويفتح فيها ثُقَبٌ متساوية، أو متفاوتةٌ عَلَى قدر حقوقهم، ويجوز أن تكونَ الثُّقَبُ متساوِيةً مع تَفَاوُتِ الحقوق، إلاَّ أنَّ صاحِبَ الثُّلُثِ يَأخُذَ ثقبة، والآخر ثقبتين ويَسوقُ كُلُّ واحدٍ نصيبه في ساقيةٍ إلَى أرضِه، وله أنْ يديرَ رَحىً بما صارَ لَهُ، ولا يَشقُّ وَاحِدٌ منهم ساقيةً قبل المقسم، ولا ينصب عليه رحىً، وإِن اقْتَسَمُوا بالمُهَايأْةِ، جاز أيضاً، وقد يكونُ المَاءُ قليلاً لا يُنْتَفَعُ به إلاَّ كَذَلِك، ولكلِّ واحدٍ منْهم الرُّجُوعُ كما قَدَّمنا في النَّهْرِ، هذا هو الظَّاهر ووراءه وجهان: أَحَدُهُما: عن القاضي الحُسَيْن: أنَّ القِسْمَةَ بالمُهَايَأْةِ لا تصِحُّ أَصْلاً؛ لأنَّ الماءَ يزيدُ وَينْقُصُ، وفائدةُ السَّقِيِ تختلفُ باختلاف الأَيَّام (1). والثاني: أنَّها تَلْزمُ؛ ليثِقَ كلُّ واحدٍ منْهم بالانتفاع.

فرع

: الَّذينَ يسْقُون أَرَاضِيهِمْ من الأوْدَيَةِ المتاحة لو تواضَعُوا عَلَى مُهَايأة، وجعَلُوا للأوَّلين أيَّاماً، وللآخَرِين أيَّاماً عَلَى ما يعتاد في أودِيَة "قَزْوين" فهذا أيضاً من الأوَّلين بتقدُّم الآخرين، ومسامحة غيرُ لازمةٍ، ولها شَبَهٌ بأصول، منها: "هبةُ الضِّرَّة نوبتها من الضَّرَّة، والظاهر أنَّ مَنْ رجَعَ من الأوَّلين مُكِّن من سقْي أرْضِه.
ونختم البابَ والكلامَ في بَيْع الماء.
أمَّا المُحْرَزُ منْه في الإناء، فَبَيْعُهُ صحيحٌ، وفيه الوَجْهُ الضَّعِيفُ الَّذي تقدَّم، وكذا لو أُحْرِزَ في حَوْضٍ، وليكنْ عُمْقُه معْلُوماً، ولا يجوزُ بَيْعُ مَاءِ البِئْرِ والقناةِ فيهما، أمَّا إذا جَعَلْنَاهُ مملوكاً، فلِكَوْنه مجْهُولاً، وأيضاً، فإنَّه يزيدُ شَيئاً شيئاً، ويختلِطُ المبيعُ بغَيْر المبيع، فلا يمكنُ التَّسْليم، وأمَّا إذَا لم يجْعَلْهُ مملوكاً، فللمعاني الثلاثة ولو باع منه آصعاً، فإن كان جارياً كماء القَنَاةِ، لم يجز إذ لا يمكن ضبط 92 العقْد بمقدار معلوم؛ لعَدَم وقوفه، وإنْ لم يكنْ جَارِياً كماء البئر، فكذلك المبيع إن قلنا: إنَّه، غيرُ مَمْلُوكٍ، وإن جعلْناه مملوكاً، فعن القَفَّال: أنَّه لا يجوزُ أيْضًا؛ لأنَّه يزيدُ فيختلطُ المَبِيعُ بغير المَبِيع 93. قال صاحبُ "التَّهْذِيب": والأصَحُّ الجَوَازُ، كما لو بَاعَ صَاعاً من صُبْرَةٍ، واعتذر91

الجزء: 6 - الصفحة: 242

بأنّ تلْكَ الزيادة قليلةٌ، فصار كبَيْعِ الْقَتِّ في الأرْض بشَرْط القَطْع، ولك أنْ تَمْنَعَ ذلك، وتقولَ: كيفَ يُشَبّه زيادةُ العَيْن الفوارة بالزُّرُوع، بل بماء الزَّرْع على تدرُّجه، ثم لك أنْ تستبعد الاحتجاجَ والاعتِذَارَ معاً؛ لأنَّ المبيع ليس جُمْلةَ الماء، حتى يُقَالَ: إذا زَادَ اخْتَلَطَ المبيعُ بغيرِ المَبِيعِ، وتعذّر التسليم، وإنَّما المَبِيعُ [آصُع منه، وبالزيَادةِ لا يتعذَّر تَسْلِيمُ الآصع، وهذا كما لو باع] 94 صاعاً من صبرة، وصبَّ عليها صبرة أخْرَى، فإنَّ البَيْعَ بحاله، عَلَى قولنا: إنَّ المبيعَ صاعٌ مِنَ الجُمْلَةِ، وينقَى البَيْعُ ما بَقِيَ صاع.
والأوْجَهُ أنْ يبني قول القَفَّالِ عَلَى مذْهَبه في أنَّ بَيْعَ صاعٍ من صُبْرَةٍ مجهولةِ الصِّيعَان لا يجوزُ، ولو باع الماءَ مع قراره، نُظِرَ؛ إنَّ كان جاريًا، فقالَ: بِعْتُكَ ماءَ 95 القناةِ، مع مائها أو لم يكُنْ جارياً، وقلْنا: إِنَّ المَاءَ لا يُمْلَكُ، لم يجز البيعُ في المَاءِ، وفي القرار قولا تفريق الصَّفْقَة، وإنْ قلنا: أنَّهُ يَمْلك، جاز.
ولو باع بئْرَ المَاءِ، وأطْلَق، أو باعَ دَاراً فيها بئْرُ مَاءٍ، جاز، ثمَّ إنْ قُلْنَا: إِنَّه يُمْلَك، فالموجودُ وَقْتَ البَيْعِ، يبْقَى للبائع، وما يَحْدُثُ يكون للمشتَرِي.
قال في "التهذيب": وعلَى هذا لا يَصِحُّ البَيْعُ حتَّى يشترط أنَّ المَاءَ الظَّاهرَ للمشْتَرِي، وإلاَّ فيختلِطُ الماءان، وينفسخُ البَيْعُ، وإن قلْنا: إنَّهُ لا يُمْلَكُ، فقد أطلقوا قَوْلَهُمْ بأنَّ المشترِيَ أحقُّ بذلك المَاءِ وليحمل على ما نبع بعْد البيع، فأمَّا ما نبعَ قبله، فلاَ معْنَى لِصَرْفِهِ إلَى المشتَرِي 96، ولو باعَ جُزْءاً شائعاً مِنَ البئر أو القناة، جاز، وما يَنْبُع، فمشتَرَكٌ بيْنَهما إمَّا اختصاصاً مجرَّداً أو مِلْكاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: وَمَا طَرِيقُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ؟ قُلْنَا: إنْ قَصَدَ المَسْكِنَ فَلاَ يُمْلَكُ إِلاَّ بالتَّحْوِيطِ وَتَعْلِيقِ البَابِ (و) وَتَسْقِيفِ (و) البَعْضِ إِذْ بِهِ يَصِيرُ مَسْكِناً، وَلاَ يُحْتَاجُ في الزَّرِيبَةَ إِلَى التَّسْقِيفِ، وَفِي البُسْتَانِ يُحْتَاجُ مَعَ التَّحْوِيطِ وَتَعْلِيقِ البَابِ (و) إِلَى حَفْرِ الأَنْهَارَ وَسَوْقِ المَاءِ إِلَيْهِ (و)، وَفِي المَزْرَعَةِ إِلَى جَمْعِ (و) التُّرَابِ حَوَالَيْهِ وَتَسْوَيةِ الأَرْضِ وَسَوْقِ المَاءِ إِلَيْهَا، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى الزَّرْعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا لا يُحْتَاجُ إلَى السُّكُونِ في الدَّارِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ في أنَّ إحياءَ المَوَاتِ ماذا؟ وكان ذكرُهُ في مسائِلِ "الإحْيَاء" أوْلَى، لكن كأنَّهُ غفل عنه هناك، ولم يكن إلَى إهْماله سبيلٌ، فاستدركه

الجزء: 6 - الصفحة: 243

في آخِرِ الكتاب.
قال الأَصْحَابُ: أصْلُ الفَصْل أنَّ الإحياءَ في الشَّرْع ورَد مطْلَقاً، فيترك على ما يُعَدُّ إحياءً في العُرْف كالقبوض والإحراز، ويختلفُ ذلك باختلافِ ما يقصد من عمارة المَوَات.
وتفصيله بصُوَرٍ: إِحْدَاهَا: إذا أراد المَسكن، اعْتُبِرَ في المِلك ثلاثة أُمورٍ: أحدُها: التَّحْوِيطُ، إما بالآجر أو اللَّبن، أو بمحض الطِّين، أو ألواح الخَشَب، أوِ القصبِ، بحسب العادة 97. والثاني: تسقيفُ البَعْض ليُهَيَّأْ للسُّكْنَى، ولأنَّ اسْمَ الدارِ، حينئذ، يقعُ عليه، وعن صاحبِ "التقريب" وجهٌ: أنَّه لا حَاجَة إلى التَّسْقِيفِ.
والثالثُ: تغليقُ البَاب؛ لأنَّ العادَة في المنازل أنْ يَكُونَ لها أبوابٌ، وما لا بَابَ لهُ لا يُتَّخَذُ مَسْكناً، وفي "الشامل" وَجْهٌ آخَرُ: أنَّه لا يُعْتَبُرُ؛ لأنَّ نَصْبَ الباب للحفْظِ، والسكْنَى ولا تَتَوقَّفُ عليه.
الثانية: إذا أراد زَرِيبَةً للدَّوابِّ أو حظيرةً يجفِّف فيها الثمار، أو يَجْمَعُ فيها الحطب أو الحشيش، اعْتُبِر التحويطُ، ولا يَكْفِي نَصْبُ سعف وأحجار من غير بناء؛ لأنَّ المتملِّكَ لا يقتصر عَلَيْه في العَادة، وإنَّما يفْعل مثْله المجتاز المرتفق، ولو حَوَّط بالبناء في طرف، واقتصر للباقي عَلَى نصب الأحجار والسَّعَف، حَكَى الإمامُ عن القاضي أنَّهُ يَكْفِي، وعنْ شيخه المَنْع، ولا يُشْتَرط التَّسْقِيفُ ههنا، وفي تعليق الباب ما سِيقَ من الخلاف.
الثالثة: إذا أراد أنْ يَتَّخِذَ مواتاً مزرَعَةَ فيعتبر في إحيائه أمُورٌ: أحدهُا: جَمْعُ التُّراب حَوَالَيْه؛ لَيَنْفَصِلَ المُحْيَا عن غيره، وفي معْناه نصب شوك ولا حاجةَ إلى التَّحْوِيط، فإنَّه معظمَ المزارعِ بارِزَةٌ.
الثاني: تسويةُ الأرْض بِطَمِّ المنخفض، وكسْح المستعْلي، وحِرَاثَتُها، وتلْيين ترابها فإنْ لم يتيسّر ذلك إلا بماءٍ يُسَاقُ إلَيْها، فلا بد منه لتَتهيّأ الأرضُ للزراعة.
والثالث: ترتيبُ ماءٍ لها، إما بِشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو حفْرِ بئراً وقناةٍ وسَقْيها، هكذا أطلَقَ مطْلِقُون.
والأشْبَهُ تفصيلٌ ذكَرَه القاضِي ابن كجٍّ؛ تلخيصه أنَّ البقعةَ، إن كانتْ بحيث يَكْفِي لزراعَتِها ماءُ السماء، فلا حاجةَ إلَى سَقْيٍ، ولا ترتيب ماءٍ وحكَى عن أبي علي الطبري

الجزء: 6 - الصفحة: 244

وجْهاً أنه لا بدَ له منه وضعَّفه، وإن كانتْ تحتاج إلَى ماءٍ يُسَاق إلَيْها, لزم تهيئته من عين أو نهرٍ أو غيرهما، فإذا هَيَّأْهُ، نُظِرَ، إن حفر لَهُ الطريقَ، ولم يبْقَ إلاَّ إجراءُ المَاءِ فيه، كَفَى، ولم يشترط الإجراء، ولا سَقْي، الأرْضِ، وإن لم يَحْفرْ بعْدُ فوجهان، وفي كلام الإمام أيضاً ما يدلُّ عَلَى أنَّ السَّقْيَ نفْسَه غيرُ مُحْتَاجٍ إلَيْه، وإنَّما الحاجةُ إلى ترتيْبِ ماءٍ يمكن السَّقْيُ منْه.
وأراضي الجبالِ الَّتي لا يمكن سوْقُ المَاءِ إلَيْها, ولا يصيبُها إلاَّ ماءُ السَّمَاءِ, مالَ صاحبُ "التقريب" إلى أنَّهُ لا مدخَل للإحياء فيها، وبه قال القَفَّالُ وبنى عليه أنَّا إذا وجدنا شيئاً من تلْك الأراضي في يد إنْسانٍ لم يُحْكَمْ بأنه مِلْكُه، ولا يجوزُ بيْعهُ وإجارَتُه، ومِنَ الأصحاب مَنْ قال: إنَّها تُمْلَكُ بالحراثة وجمعِ التراب على الأطرافِ، وكَمْ من مزرعةٍ تَسْتَغْنِي بالمَطَر عن سَوْق المَاءِ إليها، وهذا ما اختاره القاضي الحسين.
واعْلَمْ أنَّ هذا الخلاف والخلاف أنَّه يجوز إجَارةُ الأراضِي الَّتي لَيْسَ لها ماءٌ معلومٌ للزراعةِ قريبان مُسْتَمَدَّانِ من مأخَذٍ واحدٍ.
فإن قلْتَ: الخلاف في جواز الإجارةِ يَدُلُّ على أنَّ الأرْضَ مملوكةٌ، فكَيْف ينتظمُ اسْتمدادُهَا من أصْلٍ واحدٍ؟ فالجواب: أنَّ الخلافَ في جوازِ الإجَارة في الأراضي المملوكةِ الَّتي سِيقَ الماءُ إليها عنْد الإحياء، ومُلِكَتْ، ثم انقطع الماء بانكباسِ القَنَاة، وانهيارِ البئْرِ، لا في الأراضي التي لا يَنْسَاق الماءُ إليها بحال، وحينئذٍ ينتظم ما ذكَرْناه، وهل تشترط الزراعةُ لِحُصُولِ المِلكِ في المزْرَعَة؟ فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: نعَمْ؛ لأنَّ الدَّارَ والزريبة لا تصيرُ مُحْياةً إلاَّ إذا حَصَلَ فيها عينُ مالِ المُحْييِ، وكذا المزرعة.
والثاني: لا, لأنَّ الزراعةَ استيقاءُ منفعةِ الأرض، واسْتيفاءُ المنفعة خارجٌ عن حدِّ الإحياء؛ ألا تَرَى أنَّهُ لا يُعْتَبَر في إحْياء الدَّار أنْ يَسْكُنَها.
ويُنْسَبُ الأول إلَى ظاهر النّصِّ، لكنَّ الثاني أَوْضَحُ، والأكثرون مائلُون إلَيْه حتى أنَّ القاضِيَ المَاوَرْدِيَّ غَلَّطَ من قال بغيره.
الرابعة: إذا قَصَدَ بُسْتَاناً أو كَرْماً، فلا بُدَّ من التَّحْوِيط، وكم يُحَوِّط؟ ردَّ القاضي ابن كج الأمْرَ فيه إلى العادة، وقال: إنْ كانت عادةُ البَلَد بناءَ لزم جدار البناءُ, وإن كانتْ عادتُهُمُ الحفر بالقَصَب والشَّوْك، وربَّما تركوه أيضاً كما بـ"البَصْرَة" و"قَزْوين" اعتبرت عادتهم، وحينئذ يكفي جَمْعُ التراب حوالَيْه؛ كالمزرعة، والقولُ في سَوْق التراب والماءِ إلَيْه على ما ذكرنا في المزْرَعَة، وهلْ يُعْتَبَرُ غرسُ الأشجار؟ أمَّا من اعْتبر الزَّرْعَ في المزْرَعة، اعتبر الغرس في البستان بطريق الأولَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 245

وأمَّا الدين لم يَعْتَبِروا الزَّرْع، فإنهم اختلفوا في الغَرْسِ عَلى وجْهَيْن، ومعظمُهُمْ اعتبروُهُ، والفَرْقُ من ثلاثة أوجه: أحدُهَا: أنَّ اسْمَ المزْرَعَةَ يقع على البُقْعة قبْل الزِّراعة، واسم البستان لا يقع قبل الغرس.
والثاني: أنَّ الزَّرْع يَسْبِقُه [حَرْثُ الأرْضِ وتقليبُها] 98، مجازَ أنَّ يُقَامَ مقامَه، والغرس لا يَسْبِقُه شَيءٌ يُقَامُ مقامَه.
والثالث: أنَّ الغَرْسَ يدومُ، فالحق بأبنية الدارِ والزَّرْعَ بخلافه.
هذا شرح مسائل الكتاب، ويجوز أنَّ يُعْلَمَ قولُه: "وتَعْلِيقِ البَابِ وَتَسْقِيفِ البَعْضِ" بالواو؛ لما سبق.
وقوله: "في البُسْتَانِ يُحْتَاجُ مَعَ التَّحْوِيطِ، وَتَعْلِيقِ البَابِ إِلَى حَفْرِ الأَنْهَارِ" أراد حَفْرَ النهر إلى الماء الذي يسوقه إلَيْه من عينٍ أو نهر.
وفيما قدَّمنا يعرِّفُك أنَّهُ يجوزُ إعْلاَمُ قوله: "تَعْلِيقِ البَابَ إِلَى حَفْرِ الأَنْهَارِ، وَسَوْقِ المَاءِ إِلَيْهِ"، بالواو، ويجوزُ أيضاً أنْ يُعْلَمَ قولُه: "إلَى جَمْعِ التُّرَاب حَوَالَيْهِ في المَزْرَعَةِ" بالواو؛ لأنَّ الشَّيْخ أبا حامدٍ قال في التَّعْليق "وعنْدي إذا صارَتِ الأرضُ مزروعةً بماءٍ سبَقَ إلَيْها، فقد تَمَّ الإحياءُ، وإن لم يَجْمَعِ التّراب حوالَيْها، فاعْلَمْ أنَّ طُرُقَ الأَصْحَاب مُتَّفِقةٌ على أنَّ الإحْياء يختلفُ باختلافِ ما يقْصِدُه المحْيي من مسْكَنٍ، أو حظيرة وغيرهما.
وبحث الإمام فيه عن سَبَبَيْن لا بُدَّ منهما: أحدهُمَا: أنَّ القصْدَ إلى الإحْيَاء، هلْ، يعتبر؛ لحُصُول الملك فيه؟ وأجاب بأنَّ ما لا يفعله في العادة إلاَّ المتملِّك؛ كبناء الدُّور، واتِّخاذ البستان يُفيد الملك، فإن لم يوجَدْ منه قَصْد، وما يفعله المتملِّك وغيرُ المتملِّك؛ كحفر البئر في المَوَات، وكزراعة قطْعةٍ من المواتِ؛ اعتماداً على ماءِ السماء، فإِذا انضمَّ إلَيْه القصدُ، أفَادَ المِلْكَ، وإلاَّ، فوجهان، وما لاَ يَكْتَفِي به المتملِّكُ كتسوية موْضِع النزول، وتنقيته عَنِ الحجارة، لا يفيدُ التملُّكَ، وإن قصَدَه، وشبّه ذلك بالاصطياد، بنصب الأُحْبُولة في مدارج الصُّيود يفيد الملْكَ في الصيد، وإغلاقُ الباب إذا دَخَلَ الصَّيْدُ الدارَ على قصْدِ التَمَلُّكِ يفيد المِلْكَ، ودونَهُ وجهان، وتوحل الصيد في أرضه التي سقَاهَا لا يَقْتَضِي الملْكَ، وإن قَصَده.
والثاني: أنَّه إذا قَصَدَ نَوْعاً، وأتى بما يُمْلَكُ به نوعٌ آخرُ، ما الحكم؟ فأجاب بأنَّه

الجزء: 6 - الصفحة: 246

يفيدُ المِلْكَ، حتى إذا حَوَّط البقعة، يَمْلِكُها، وإن قَصَدَ المَسْكَنَ؛ لأنَّهُ مما يملك به الزَّرِيبَةَ، لو قصَدَها، والجواب عن البحث الأوَّل فمقبولٌ، لا يلزمُ منه مخالفةُ الأصحابِ، بل إنْ قَصَدَ شَيئًا، اعتبرنا في كلِّ مقصود ما فَصَّلوه، وإلاَّ، نَظَرْنا فيما أتى به، وحَكَمنا فيه بما ذكره، وأمَّا الجوابُ عن الثَّانِي، فمخالفةٌ صريحةٌ لما قالُوهُ؛ لما فيه من الاكتفاء بأدنَى العمارات أبداً.
فإذا حفر بئراً في المَوَاتِ؛ للتملُّك، لم يَحْصُل الإحياءُ ما لم يَصلْ إلى الماء، وإذا وصَلَ، كَفَى إن كانت الأرضُ صُلْبَةً، وإلاَّ، وجب أنَّ يُطْوَى، وفي "النهاية": أنَّه لا حاجةَ إلَيْه، وفي حفر القناة يَتِمُّ الإحْيَاءُ بخُروجِ المَاءِ وجريانه وإذا حَفَرَ نَهْراً ليَجْرِيَ الماءُ فيه عَلَى قَصْد التَّمَلُّكِ، فإذا انتهَتْ فُوَّهة النهر الذي يَحْفره إلى النَّهْرِ القديمِ، وجرَى فيه الماءُ، ملَكَه وكذا ذكره صاحبُ "التَّهذيب" وغَيْرُهُ.
وفي "التتمة" أنَّ المِلْكَ لا يتوقَّف على إجراء المَاءِ فيه؛ لأنَّه استيفاءُ منفعة؛ فالسكون في الدار (1).

فَرْعٌ:

سَقَى أرْضَه بماءِ غَيْرِه المملوكِ لَهُ فالغلة لصاحبِ البَذْر، وعليه قيمةُ الماء.
قال الحناطيّ: لو استَحَلَّ من صاحبِ المَاءِ، كان الطَّعَامُ أطْيَبَ 100.99

الجزء: 6 - الصفحة: 247

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل