كِتَابُ البَيْعِ
وَالنَّظْرُ في خَمْسَةِ أَطْرَافٍ
الأَوَّلُ في صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ
وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ
قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: الأَوَّلُ: الصَّيغَةُ وَهُوَ الإيجَاب وَالقَبُولُ، اعْتُبِرَ لِلدَّلالَةِ عَلَى الرِّضَا البَاطِنِ، وَلاَ تَكْفِي المُعَاطَاةُ (م ح و) أَصْلاً، وَلاَ الاسْتِيجَابُ (م) وَالإِيْجَابُ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْنِي بَدَلَ قَوْله: اشْتَرَيْتُ علَى أَصَحَّ الوَجْهَيْنِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لاَ يَجْرِي مُغَافَصَةً، وَيَنْعَقِدُ البَيْعُ بِالكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةَ عَلَى الأَصَحِّ كَالكِتَابَةِ وَالخُلْعِ، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الشَّهَادَةِ.
قال الرافعي: الأصل في البيع 1.
الجزء: 4 - الصفحة: 3
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أخرج بالعقد المعاطاة.
وبالمعاوضة نحو الهدبة.
وبالمالية نحو النكاح.
وبإفادة ملك العين الإجارة.
وبغير وجه القرية القرض.
والتقييد بالتأبيد لتخرج الإجارة أيضاً.
وإخراج الشيء الواحد بقيدين غير معيب.
وهذا أولى من التحريف، بأنه مقابلة مال بمال على وجه مخصوص؛ من التعريف بالأعم المحال على مجهول.
ولو عرف أيضاً بأن عقد معاوضة محضة مقتضى ملك عين أو منفعة على الدوام لا على وجه القربة، لكان وافياً بالمقصود، فخرج بالمعاوضة الهبة، وبالمحضة النكاح، ويملك العين الإجارة، وبغير وجه القربة القرض، والمراد بالمنفعة المؤيدة بيع حق الممر للماء مثلاً؛ لأنه لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره.
هل البيوع الجائزة من أجل المكاسب وأطيبها، أو غيرها من المكاسب أجل منها، اختلف الناس في ذلك: فقال قوم: الزراعات أَجَلُّ المكاسب كلها، وأطيب من البيوع وغيرها، لأن الإنسان في الاكتساب بها أعظم توكلاً، وأقوى إخلاصاً وأكثر لأمر الله تفويضاً وتسليماً.
وقال آخرون: إن الصناعات أجل كسباً منها، وأطيب من البيوع وغيرها؛ لأنها اكتساب ينال بكد الجسم وإجهاد النفس، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُحِبُّ العَبْدَ المُحْتَرِفَ" فظاهر الاحتراف بالنفس دون المال.
وقال آخرون: البيوع أجل المكاسب كلها، وأطيب من الزراعات وغيرها، وهو أشبه بمذهب الشافعي والعراقيين حتى إن محمد بن الحسن قيل له: هلا صنعت كتاباً في الزهد فقال قد فعلت قيل فما ذلك الكتاب قال هو كتاب البيوع.
والدليل: على أن البيوع أجل المكاسب كلها إذا وقعت على الوجه المأذون فيه، أن الله عز وجل صرح في كتابه بإحلالها فقال: "وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ، ولم يصرح بإحلال غيرها، وردت عائشة قالت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ" والكسب في كتاب الله التجارة، وروى واقع بن خديج قال: قال رجل يا رسول الله أي العمَل أطيب فقال: "عَمَلُ الرَّجُل وَكُلُّ بَيْعٌ مَبْرُورُ".
ولأن البيوع أكثر مكاسب الصحابة وهي أظهر فيهم من الزراعة والصناعة، ولأن المنفعة بها أعم والحاجة إليها أكثر؛ لأن ليس أحد يستغني عن ابتياع مأكول أو ملبوس، وقد يستغني عن صناعة وزراعة.
فإن قيل: فقد روى سلمان فقال: "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها؛ فإن فيها باض الشيطان وفرخ" فاقتضى أن يكون مكروهاً.
نقول هذا غلط: كيف يصح أن يكره ما صرح الله بإحلاله في كتابه، وإنما المراد بذلك أن لا يصرف أكثر زمانه إلى الاكتساب، ويشتغل به عن العبادة، حتى يصير إليه منقطعاً وبه متشاغلاً، أما روي عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن السوم قبل طلوع الشمس" يريد أن الرجل لا يجعله أكثر همه حتى يبتدئ به في صدر يومه، لا أنه حرام.
فإن قيل: فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يَا تُجَّارُ كُلُّكُمْ فُجْارٌ إلاَّ من أَخَذَ الحَقَّ وَأَعْطَى الحَقَّ" فجعل الفجور فيهم عموماً، ومعاطاة الحق خصوصاً، وليست هذه صفات أجل المكاسب.
قيل: إنما قال ذلك؛ لأن من البيوع ما يحل، ومنها ما يحرم، ومنها ما يكره.
كما روي عنه أنه قال: "لَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَا اتَّجَرُوا إِلاّ في البَرِّ، وَلَوِ اتَّجَرَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ مَا اتَّجَرُوا إلاَّ فِي الصَرْفِ" قال ذلك استحباباً في التجارة في البر، وكراهة التجارة في الصرف.
وحكمه مشروعية البيع أنه لا يخفى على المستبصر أن مشروعية البيع من أهم دواعي الحياة، وأسمى وسائل العمران، وأصل سبيل الاستعمار؛ إذ عليه تدور رحى الحياة، وعلى قوائمه تحمل عروش الانتظامات والقوانين، وبه =
الجزء: 4 - الصفحة: 4
الإجماع 2، وآيات الكتاب نحو قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 3 4 وقوله تعالى: = تبادل المنافع بين المالكين؛ كيف لا ولولا البيع وما يتعلق به من الإجارة والقرض والرهن ما استقام نظام، ولا حصلت راحة بين الأنام، ولولاه ما انشق الكون، وانتظمت المعيشة الدنيوية، وسهلت طرق المرافق الحيوية، فبالبيع ظهرت مدنية الإنسان، قال حكيم: "الإنسان مدني بالطبع" يعني كل فرد من أفراد المجموع الإنساني محتاج إلى أفراده في ضرورة تبادل منافعه، وضروريات حاجياته احتياج الكل إلى أجزائه، والعرش إلى قوائمه لأنه كلما تأخر الدين ربا ما عليه وزاد حتى يستفرق جميع ما عنده من العروض، وما يملك من المزارع فيستولي عليه المرابي ويأخذه بغير حق ظلماً وطمعاً، نعم يأكل مال أخيه المسلم من غير فائدة عادت عليه، ولا ثمرة من المال ردت إليه، ولا انتفع إلا بالخسارة، وذهاب ما عنده من العروض والتجارة، وأنت تعلم ما دفعه إلا العوز، ولا دعاه إلا الاحتياج؛ لكن بالبيع أمكنه، ويمكنه، أن يتحاشى هذا الضرر، ويتجنب البؤس ويعيش عيشة راضية؛ ولذلك أحل الله البيع وحرم الربا، وشدد النكير على فاعليه في كتابه الأقدس فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فقد شدد النكير على فاعليه، وهددهم بالحرب إن لم ينتهوا؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اثْنَانِ يُحَارِبُهُمَا اللهُ وَرَسُولُه: آكِلُ الرِّبَا، وَعَاقُّ وَالِدَيْهِ" ثم من لطيف رفق الله بالمتعاقدين أيضاً أن جعل لهما الخيار؛ لدفع المضرة وسهولة المعاملة، حتى لا يجحف أحد المتعاقدين؛ إذ ربما يجد في البيع عيباً باطناً لا يتنبه له إلا بالرؤية والإمعان والفكرة، فجعل لهما الخيار لكي يتمكنا من التنقيب والتفتيش (وبالجملة): فالبيع عنوان الوفاق ورائد الرشاد والركن الركين الذي تنبني عليه مصالح عزيزة تعود على الإنسان بالخير والفضل في الدنيا والسعادة في الآخرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أحدهما: أنه العموم الذي يجري على العموم، وإن دخله التخصيص، ما يكون المراد باللفظ أكثر، وما ليس مراداً باللفظ أقل-.
والعموم الذي أريد الخصوص، ما يكون المراد باللفظ أقل وما ليس مراداً باللفظ أكثر.
والثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد بها العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن.
وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال بها على إباحة البيوع المختلفة، ما لم يقمْ دليل التخصيص على إخراجها عن عمومها.
القول الثاني: إنها مجملة لا يفعل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من السنة.
وجه ذلك أن من البيوع ما لا يجوز، ومنها ما يجوز، وليس في الآية ما يميز الجائز من غير الجائز؛ فاقتضى أن تكون من المجمل الذي لا يعقل المراد من ظاهره إلا ببيان يقترن به؛ فعلى هذه اختلف الأصحاب هل هي مجملة بنفسها للتعارض أو بغيرها على وجهين:
أحدهما: أنها مجملة بنفسها للتعارض فيها؛ لأن قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يقتضي جواز البيع متفاضلاً.
وقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يقتضي بتحريم البيع متفاضلاً.
فصار أولها معارضاً لآخرها، فوقع الله جمال فيها بنفسها.
الوجه الثاني: أنها مجملة بغيرها.
وذلك أنها تقتضي جواز كل بيع من غرر وغيره.
وقد وردت السنة بالمنع من الغرر من الملامسة والمنابذة وغير ذلك.
فصارت السنة معارضة لها؛ فوقع الإجمال فيها بغيرها.
القول الثالث: أنهما دخلا فيها جميعاً؛ فتكون عامة دخلها التخصص ومجملة لحقها التفسير؛ لقيام الدلالة عليهما.
ثم اختلف الأصحاب في دخول ذلك فيها على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى فيكون اللفظ عموم دخله التخصيص؛ والمعنى مجملاً دخله التفسير.
والوجه الثاني: أن العموم في أول الآية.
وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ والإجمال في آخرها.
وهو قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فيكون أول الآية عاماً دخله التخصيص.
وآخرها مجملاً دخله التفسير.
والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً.
فلما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- صار مجملاً عاماً؛ فتكون داخلة في المجمل قبل البيان.
وفي العموم بعد البيان.
فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني.
القول الرابع: إنها تناولت بيعاً معهوداً.
ونزلت بعذ أن أحل النبي -صلى الله عليه وسلم- بيوعاً.
وحرم بيوعاً.
وكأن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ هو الذي بينه الرسول من قبل وعرفه المسلمون منه.
فترتب الكتاب على السنة، وتناولت بيعاً معهوداً هذه الآية.
وإنماكان كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فأدخل فيه الألف واللام وذلك يدخل في الكلام لأمرين، إما لجنس أو معهود.
فلو لم يكن الجنس مراداً لخروج بعضه منه ثبت أن المعهود مراد.
فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده.
بل يرجع في حكم ما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة من الفاسدة.
وإذا كان كذلك صار الفرق بينه وبين المجمل من وجه وبينه، وبين العموم من وجهين.
فأما الوجه الذي يقع به =
الجزء: 4 - الصفحة: 6
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 5 6 والأخبار نحو ما روي عن رافع بن خديج = الفرق بينه ويين المجمل.
فهو أن بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما نهى عنه من البيوع وأمره سابق الآية وبيان المجمل مقترن باللفظ أو متأخر عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان فاقترفا من هذا الوجه.
وأما الوجهان اللذان يقع بهما الفرق بينه وبين العموم: فأحدهما: تقديم البيان في المعهود.
واقتران التخصيص بالعموم.
وثانيهما: جواز الاستدلال بظاهر العموم فيما اختلف فيه من البيوع.
وفساد الاستدلال بظاهر المعهود فيما اختلف فيه من البيوع].
الجزء: 4 - الصفحة: 7
أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "سُئِلَ عَنْ أَطيَبِ الْكَسْبِ، فَقَالَ: عَمَل الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيعٍ مَبْرُورٌ" 7.
ولفقه هذا الكتاب أبواب مُنتَشرة ومسائل كثيرة جمعها المصنف في خمسة أطراف، وسبيل ضبطها أن البيع إما صحيح أو فاسد، وبتقدير الصحة فهو إما جائز أو لازم، وعلى التقديرين فإما أن يقترن به القبض أو لا يقترن، وعلى التقديرين فالألفاظ المستعملة فيه إما التي تتأثَّرُ بقرائن عُرْفِيَّة تقتضي زيادة على موجب اللُّغة أو نقصاناً، وإمَّا غيرها، وعلى التقديرين فالمتبايعان قد يكونا حُرّين، وقد يكون أحدهما رقيقاً، وباعتبار آخر قد يعرض لهما الاختلاف في كيفية البيع وقد لا يعرض، والأحكام تختلف بحسب هذه الأحوال، فالطَّرف الأول في الصِّحَّة والفساد.
والثاني: في الجواز واللزوم.
والثالث: في حكم البيع قبل القبض وبعده.
والرابع: في الألفاظ المُتَأثِّرَة بالقرائن.
والخامس: في مُدَاينة العَبِيد واختلاف المُتَبايعين.
والطرف الأول في صحة البيع 8 وفساده: وفيه أبواب: = تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ وليس السلام من جنس اللغو، وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ وليس إبليس من جنس الملائكة وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تعالى الله إلا أن يكون من جنس من استثنى منهم.
وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس الأنيس الناس.
واليعافير حمير الوحش.
والعيس الإبل فاستثنى اليعافير والعيس من جملة الناس].
الجزء: 4 - الصفحة: 8
أحدها: في أركانه وهي ثلاثة ترجمها في "الوسيط" فقال: هي العاقد، والمعقود عليه، وصيغة العقد، فلا بد منها لوجود صورة العقد هذا لفظه.
ولك أَنْ تبحث فتقول: إنْ كان المراد أنه لا بد من وجودها لتدخل صورة البيع في الوجود، فالزَّمان والمَكَان وكثير من الأمور بهذه المثابة فوجب أن تعد أركاناً، وإن كان المراد أنه لا بد من حضورها في الذهن ليتصور البيع، فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، وهذا لأن البيع فعل من الأفعال، والبائع لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج، لم نعد المصلي والحاج في جملتها، وكذلك مورد الفِعْل، بل الأشبة أن الصِّيغَة أيضاً ليست جزءاً من حقيقة فعل البيع، أَلاَ تَرَى أنه ينتظم أن يقال: هل المعاطاة بيع أم لا؟
ويجيب عنه مسؤول بلا، وآخر بنعم.
والوجه أن يقال: البيع مقابلة مال بمال، وما أشبه ذلك فيعتبر في صحته أمور.
منها: الصيغة.
ومنها: كون العاقد بصفة كيت وكيت.
ومنها: كون المعقود عليه كذا وكذا.
ثم أحد الأركان على ما ذكره الصِّيغة، وهي الإيجاب من جهة البائع، بأن يقول: بعت أو اشتريت، أو "ملكتك"، وفي "ملكت" وجه منقول عن "الحَاوِي"، والقبول من جهة المشتري بأن يقول: قبلت، ويقوم مقامه "ابتعت" و"اشتريت" و"تملكت"، ويجري في "تملكت" مثل ذلك الوجه.
وإنما جعلنا قوله: "ابْتَعت" وما بعده قائماً مقام القبول، ولم نجعله قبولاً لما ذكره إمام الحرمين، من أن القبول على الحَقِيقَة ما لا يتأتى الابتداء به.
= يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} وقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.
ولا ينافي ذلك قول من جعلها ستة؛ لأن العاقد يشمل البائع والمشتري، والمعقود عليه يشمل الثمن والمثمن، والصيغة تشمل الإيجاب والقبول-.
أما الإشهاد فليس بواجب عليه عندنا بل مستحب.
واستدل عليه للاستحباب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ هذا مذهبنا، قال به أبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والشعبي، والحسن، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق وبهذا قال جمهور الأمة من السلف إلى الخلف.
قال ابن المنذر: قالت طائفة يجب الاشهاد على البيع، وهو فرض لازم يعصي تاركه، قال: روينا هذا عن ابن عباس: قال وكان ابن عمر إذا بايع بعقد أشهد.
قال روينا نحو هذا عن أبي بردة بن أبي موسى، وأبي سليمان المرعشي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- باع واشترى ولم ينقل عنه الإشهاد فيه" وكذلك الصحابة في زمنه، وبعده، وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب لما ذكرناه].
الجزء: 4 - الصفحة: 9
فأما إذا أتى بما يتأتى الابتداء به، فقد أتى بأحد شِقّي العقد، ولا فرق بين أن يتقدم قول البائع: "بعت" على قول المشتري: "اشتريت"، وبين أن يتقدم قول المشتري: "اشتريت" فيصح البيع في الحالتان، ولا يشترط اتفاق اللَّفظين، بل لو قال البائع: اشتريت فقال المشتري: "تملكت" أو "ابتعت"، أو قال البائع: "ملكت"، فقال المشتري: "اشتريت" صح؛ لأن المعنى واحد.
وقوله: "اعتبر للدلالة على الرّضا" يريد به أن المقصود الأصلي هو التَّرَاضي لئلا يكون واحد منهما آكلاً مال الآخر بالباطل، بل يكونا تاجرين عن تَرَاض، على ما قاله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 9 الآية إلا أن الرِّضا يعتبر أمر باطن، يعسر الوقوف علية، فنِيطَ الحكم باللفظ الظاهر، ثم في بعض النسخ "على الرِّضَا الباطن"، وفي بعضها "على الرِّضا في الباطن " وهما صحيحان، ويتعلق بهذه القاعدة مسائل ثلاث:
إحداها: المُعَاطاة ليست بيعاً على المذهب المشهور؛ لأن الأفعال لا دلالة لها بالوضع، وقصود الناس فيها تختلف.
وعن ابن سريج فيها تخريج قول الشَّافِعِي -رضي الله عنه- أنه يكتفي بها في المُحقرات؛ لأن المقصود الرِّضَا، (وبالقرائن) يعرف حصوله، وبهذا أفتى القاضي الروياني (وغيره) وذكروا المستند التخريج صوراً:
منها: لو عَطِبَ الهَدْي في الطريق فغمس النَّعل الذي قَلَّده بها في الدَّم وضرب بها صَفْحَة سَنَامه، هل يجوز لِلمَارّين الأكل منه؟ ذكرنا فيه قولين وخلافاً سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فوضعت الألف بين يديه ولم تتلفَّظ بشيء يملكه ويقع الطَّلاَق، وفي الاستشهاد بهذه الصورة نظر.
ومنها: لو قال لغيره: اغسل هذا الثَّوْب فغسله وهو ممن يعتاد الغسل بالأجرة، هل يستحق الأجر فيه؟ خلاف سيأتي ذكره في موضعه، ثم مَثَّلُوا المُحقِّرات بالتّافة من البَقْل، والرَّطل من الخبز، وهل من ضابط؟
سمعت والدي -رحمه الله تعالى- وغيره يحكي ضابطها بما دون نِصَاب السَّرقة، والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المُعَاطاة بيعاً ففيه التَّخريج، ولهذا قال صاحب "التَّتمة" مُعَبراً عن التَّخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهي بيع
الجزء: 4 - الصفحة: 10
فيه، وما لا كَالدَّوَاب والجَوَاري والعَقَار فلا.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فما حكم الذي جرت العادة من الأخذ والعطاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إباحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيب -رحمه الله تعالى- حين سأله ابن الصَّبَّاغ عنه، قال: فقلت له: لو أخذ بقطعة ذهب شيئاً فأكله ثم عاد يطالبه بالقطعة، هل له ذلك؟ قال: لا، قلت: فلو كان إباحة لكان له ذلك، قال إِنَّما أَباح كل واحد منهما بسبب إباحة الآخر له.
قلت: فهو إذاً معاوضة، وأصحهما: أن حكمه حكم المقبوض بسائر العقود الفاسدة، فلكل واحد منهما مطالبة الآخر بما سلمه إليه ما دام باقياً، ويضمانه إن كان تالفاً فلو كان الثَّمن الذي قبضه البَائع مثل القِيْمة، فقد قال المصنف في "الإحياء": هذا مستحق ظَفَرَ بمثل حقه والمالك راض، فله تملكه لا محالة.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه لا مطالبة لواحد منهما على الآخر، وتبرَّأَ ذمتهما بِالتَّرَاضي، وهذا يشكل بسائر العقود الفاسدة فإنه لا بَرَاءَة، وإن وجد الرِّضَا.
وقوله: "فلا تكفي المُعَاطَاة أصلاً" مُعَلَّم بالواو والحاء والميم، لأن أبا حنيفة يجعلها بيعاً في المُحَقرات الَّتِي جرت العَادَةُ فيها بِالاكْتِفَاء بالأَخْذِ والعَطَاء.
وقال مالك: ينعقد البَيْع بكل ما يعده النَّاس بيعاً، واستحسنه ابْنُ الصَّبَّاغ.
المسألة الثّانية: لو قال: "بعني"، فقال البائع: "بعتك"، نظر إن قال بعد ذلك: اشتريت، أو قبلت انعقد البيع لا محالة، وإلاَّ فوجهان في رواية بعضهم، وكذلك أورده المصنف هنا وقولان في رواية آخرين، وكذلك أورده في "النِّكاح".
أحدهما: أنه لا ينعقد، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيّ؛ لأنه يحتمل أن يكون غرضه اسْتِبَانة رغبة البائع في البيع.
والثاني: ينعقد وبه قال مالك لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد، والاستدعاء الجازم دليل عليه، والكلام فيما إذا وجد ذلك.
وعن أحد روايتان كالقولين، وفي نظير المسألة من النِّكَاح طريقان مذكوران في مَوْضِعهما، والأصح فيه الانقعاد باتفاق الأئمة.
وأما هاهنا فادعى صاحب الكتاب أن الأصح المنع، وفرق بينها بأنَّ النِّكَاح لا يجري معاوضة في الغالب، فتكون الرَّغْبة معلومة من قبل، ويعتبر قوله: زوجني اسْتِدعاء جزماً، والبيع كثير ما يقع معاوضة، لكن الذي عليه الجمهور وترجيح الانعقاد هاهنا أيضاً، ولم تتعرض طائفة لحكاية الخلاف فيه.
ولو قال البائع: "اشْتر مِنِّي كذا"، فقال المشتري: "اشْتَرَيت"، فقد سَوَّى بينهما
الجزء: 4 - الصفحة: 11
في "التَّهْذِيب" بين هذه الصورة والصورة السَّابقة، وأورد بعضهم: أنه لا ينعقد البيع، والفرق بينهما بأن قول المشتري "يعني" موضوع للطلب، ويعتبر من جهة الطالب مبتدئاً، أو القبول مجيباً، وقول البائع اشتريت كذا، لم يوضع للبدء ولا للإيجاب، فلا بُدَّ من جهته من بذل أو إيجاب، وبني على هذا أنهما لو تَبَايعا عَبْداً بِعَبْد، وعقدا البيع بلفظ الأمر، فأيهما جعل نفسه باللفظ بائعاً، أو مشترياً لزمه حكمه، حتى لو قال الآمر: "بِعْني عبدك هذا صح لتنزيله نفسه منزلة المشتري ولو قال: اشتر منى عبدي لم يصح لتنزيله نفسه منزلة البائع، ولو قال المشتري تبعني عبدك بكذا أو قال: بعتني بكذا، فقال: بعت لم ينعقد البيع، حتى يقول بعده: اشتريت، وكذا لو قال البائع.
"اشْتَرِ داري بكذا"، أو "اشتريت منى داري" فقال: "اشتريت" لا ينعقد، حتى يقول بعده: بِعْتُ.
المسألة الثالثة: قال الأئمة: كل تصرف يستقل به الشَّخص، كالطَّلاق والعِتْق والإِبْرَاء فينعقد بالكِنَايات مع النِيَّة انعقاده بالصَّريح، وما لا يستقلُّ به الشخص، بل يفتقر إلى الإِيْجَاب والقبول فهو على ضربين:
أحدهما: ما يفتقر إلى الإشهاد، كالنكاح وكبيع الوكيل إذا شرط الموكل عليه الإشهاد، فهذا لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشهود لا يطلعون على المقصود والنيات والإشهاد على العقد لا بد منه، وقد يتوقف في هذا التوجيه؛ لأن القرائن بما تتوفر، فيبعد الاطّلاع على ما في باطن الغير.
والثاني: ما لا يفتقر إليه فهو أيضاً على ضربين:
أحدهما: ما يقبل (مقصودة) التعليق بالغرر كالكتابة والخُلْع، فينعقد بالكناية مع النية.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه- لو قال لامرأته: أنت بائن يألْفٍ، فقالت: قبلت ونويا صَحَّ الخُلْع.
والثَّاني: ما لا يقبل كالبَيْع والإجَارَة وغيرهما، وفي انعقاد هذه التصرفات بالكناية مع النية وجهان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب؟
وأظهرهما: أنه ينعقد كما في الكِتَابة والخُلْع.
ومثال الكناية في البَيْع؛ أن يقول خذه، أو تسلمه منى بألف أو أدخله في مِلْكك أو جعلته لك بكذا ملكاً، وما أشبه ذلك، ولو قال: سلطتك عليه بألف، فهل هو من الكنايات أم لا؟ كما لو قال: أبَحْتُه لك بألف اختلفوا فيه، ولو كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ترتب ذلك على أن الطَّلاق هل يقع بالكتابة؟ إن قلنا: لا يقع، فهذه العقود أولى بأن لا تنعقد.
الجزء: 4 - الصفحة: 12
وإن قلنا: نعم، فوجهان في انعقادها بالكنايات.
فإن قلنا: تنعقد، فالشرط أن يقبل المكتوب إليه، كما اطَّلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان، ولو تبايع حاضران بالكتابة ترتب ذلك على حال النية، إن منعنا فهاهنا أولى، وإلاَّ فوجهان، وحكم الكِتَابَةِ على القِرْطَاس والرّقِّ واللَّوْح والأَرْض والنَّقْش على الحَجَرِ والخَشَبِ واحد، ولا عبرة بِرَسْمِ الأحرف على الماء، وألَّفُوا في مُسْوَدَّات بعض أئمة طَبَرَسْتَانَ تفريقاً على انعقاد البيع بالكتابة، أنه لو قال: بعت من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قلت ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة.
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، نعم لو قال: بعت من فلان، وأرسل إليه رسولاً بذلك فأخبره فقيل: انعقد كما لو كاتبه.
قال الإمام: والخلاف في البيع ونحوه هل ينعقد بالكتابة مع النية مفروض فيما إذا انعدمت قرائن الأحوال.
فأمَّا إذا توفَّرَتْ وأفادت التفاهم فيجب القطع بالصحة، نعم النِّكاح لا يصح بالكتابة، وإن توفرت القرائن لأمرين:
أحدهما: أن الإثبات عند الجحود من مقاصد الإِشْهَاد، وقرائن الحال لا تنفع فيه.
والثاني: أن النكاح مخصوص بضرب من التَّعبد والاحتياط لحرمة الأَبْضَاع، وفي البيع المقيد بالإشهاد، وذكر في "الوسيط" أن الظاهر انعقاده عند توفُّر القرائن، وهذا نظر منه في النكاح إلى معنى التعبد دون وقع الجحود.
وقوله في الكتاب: "الصِّيْغَة وهي الإيجاب والقبول" يقتضي اعتبار الصيغتين فيما إذا باع الرجل مال ولده من نفسه، أو بالعكس، نظراً إلى إطلاق اللفظ، وفيه وجهان توجيههما في غير هذا الموضع، فإن اكتفينا بصيغة واحدة، فالمراد ما عدا هذه الصُّورَة، ويتعلق بالصيغة مسائل أخر سكت عنها في الكتاب.
إحداها: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول، ولا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد، سواء تفرَّقَا عن المجلس أم لا، ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول ووارثه حاضر فوجهان عن الدَّاركيّ: أنه يصح، والأصح: المنع.
الثانية: يشترط أن يكون القبول على وفق الإيْجَاب حتى لو قال: "بعت بألف صحيحة" فقال: "قبلت بألف قراضاً" أو بالعكس، أو قال: "بعت جميع كذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة" لم يصح.
الجزء: 4 - الصفحة: 13
ولو قال: "بعتك هذا بألف" فقال: "قبلت نصفه بخمسمائة ونصفه بخمسمائة" فقد قال في "التتمة": يصح؛ لأن هذا تصريح بمقتضى الإطلاق ولا مخالفة، ولك أن تقول إشكالاً سيأتي القول في أن تفصيل الثمن من موجبات تعدد الصفقة، وإذا كان كذلك فالبائع هاهنا أوجب بَيْعَةً واحدة، والقابل قبل بيعتين لم يوجبهما البائع، ولا يخفى ما فيه من المخالفة.
وفي "فتاوى القَفَّال" أنه لو قال: بعتك بألف درهم، فقال: "اشتريت بألف وخمسمائة" يصح البيع وهو غريب.
الثالثة: لو قال المتوسط للبائع: "بعت بكذا"، فقال: "نعم" أو بعت، وقال للمشتري: "اشتريت بكذا"، فقال: "نعم"، أو "اشتريت"، هل ينعقد البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن واحداً منهما لم يخاطب الآخر.
وأظهرهما: ما دَلَّ عليه إيراد صاحب "التهذيب" والرُّويَاني: الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي.
الرابعة: لو قال: "بعت منك هذا بألف"، فقال: قبلت صح البيع بخلاف النكاح يشترط فيه على رأي أن يقول: "قبلت نكاحها" احتياطاً للأَيْضَاع.
الخامسة: لو قال: "بعت هذا بألف إن شئت" فقال: "اشتريت" فوجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد لما فيه من التَّعْليق، كما لو قال: "إن دخلت الدَّار".
وأظهرهما: أنه ينعقد، لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، فإنه لو لم يشأ لم يَتَيَسَّر.
السادسة: يصح بيع الأَخْرَس وشراؤه بالإشارة والكتابة، وهذا يبيّن أن الصيغة بخصوصها ليست داخلة في البيع نفسه.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه فيما ليس بِضِمْني من المُبَايَعات، فأما البيع الضِّمْني فيما إذا قال: أعتق عبدك عني علي بألف فلا يعتبر فيه الصيغ التي قدمناها، ويكفي فيه الالتماس، والجواب لا محالة -وبالله التوفيق-.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي العَاقِدُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ فَلاَ عِبَارَةَ لِصَبِيِّ (ح م) وَلاَ مَجْنُونِ بِإذْنِ الوَلِيِّ وَدُونَ إِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُفِيدُ قَبْضُهُمَا المِلْكَ في الهِبَةِ، وَلاَ تَعَيُّنَ الحَقِّ في اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَيُعْتَمَدُ إِخْبَارُهُ عَنِ الإِذّنِ عِنْدَ فَتْحِ البَابِ، وَالمِلْكِ عِنْدَ إِيصَالِ الهَدِيَّةِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لفظ العاقد بنظم البائع والمشتري، ويعتبر فيهما لصحَّة البيع
الجزء: 4 - الصفحة: 14
التكليف 10، فلا ينعقد البيع بعبارة الصَّبي والمجنون لا لنفسهما ولا لغيرهما، سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، سواء باشر بإذن الولي أو دون إذنه، ولا فرق بين بيع الاختبار وغيره على ظاهر المذهب، وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه الولي ليستبين رشده عند مُنَاهَزَة الحلم، ولكن يفوض إليه الاستيام وتدبير العقد، فإذا انتهى الأمر إلى اللفظ أتى به الولي.
وعن بعض أصحابنا: تصحيح بيع الاختبار.
وقال أبو حنيفة: إن كان مميزاً وباع أو اشترى بغير إذن الولي انعقد موقوفاً على إجازته، وإن باع بإذنه نفذ، ويكون دالاًّ على أن الولي أذن له في التصرف في ماله، ومتصرفاً لنفسه إن أذن له في التَّصرف في مال نفسه، حتى لو أذن له في بيع ماله بالغَبْن فَبَاعَ نفذ، وإن كان لا ينفذ من الولي، ووافقه أحمد على أنه ينفذ إذا كان بإذن الولي، لنا أنه غير مكلف فلا ينعقد بيعه وشراؤه كالمجنون وغير المميز.
إذا عرفت ذلك فلو اشترى الصبي شيئاً وقبض المبيع فتلف في يده، أو أتلفه لا ضَمَان عليه في الحال ولا بعد البلوغ، وكذا لو استقرض مالاً؛ لأن المالك هو المضيع بالتسليم إليه، وما داما باقيين فللمالك الاسترداد، ولو سلم ثمن ما اشتراه فعلى الولي استرداده، والبائع يرده على الولي، فإن رده على الصبي لم يبرأ عن الضمان، وهذا كما لو عرض الصبي ديناراً على صَرَّاف ليَنْقُدَهُ أو متاعاً على مُقوِّم ليقوِّمه، فإذا أخذه لم يجز له رده على الصَّبي، بل يرده على وليه إن كان للصبي، وعلى مالكه إن كان له مالك، فلو أمره ولي الصبي بدفعه إليه، فدفعه سقط عنه الضمان إن كان المِلْك للولي، وإن كان للصبي فلا كما لو أمره بإلقاء مال الصبي في البحرِ ففعل يلزمه الضَّمَان.
الجزء: 4 - الصفحة: 15
ولو تبايع صِبيَّان وتقابضا، فأتلف كل واحد منهما ما قبضه نظر، إن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما، وإلاَّ فلا ضمان عليهما، وعلى الصبيينِّ الضمان؛ لأن تسليمهما لا يعدُّ تسليطاً وتضييعاً، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: كما لا ينفذ بيع الصبي وشراؤه، لا ينفذ نكاحه وسائر تصرفاته، نعم في تَدْبير المميّز ووصيته خلاف مذكور في "الوَصَايا"، وإذا فتح الباب وأخبر عن إذن أهل الدار في الدخول، أو أوصل هدية إلى إنسان وأخبر عن إهداء مهديها، فهل يجوز الاعتماد عليه؟ نظر إن انضمت إليه قرائن أورثت العلم بحقيقة الحال، جاز الدخول والقبول، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا يقوله وإن لم تنضم، نظر إن كان كلاماً غير مأمون القول فلا يعتمد، وإلا فطريقان:
أحدهما: تخريجه على وجهين ذكراً في قبول روايته.
وأصحهما: القطع بالاعتماد تمسكاً بعادة السلف، فإنهم كانوا يعتمدون أمثال ذلك ولا يضيقون فيها.
وقوله في الكتاب: "على الأصح في هاتين الصورتين" يجوز أن يريد به من الوجهين جواباً على الطريق الأول، ويجوز أن يريد من الطريقين ذهاباً إلى الثاني.
الثانية: كما لا تصح تصرُّفَاته اللَّفظية لا يصح قبضه في تلك التصرفات، فإن للقبض من التأثير ما ليس للعقد، فلا يفيد قبضة الموهوب الملك له، وإن اتّهب له الولي ولا لغيره إذا أمره الموهوب منه بالقبض له، ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: "سلّمْ حقّي إلى هذا الصبي" فسلم قدر حقه لم يبرأ عن الدَّين، وكان ما سلمه باقياً على ملكه، حتى لو ضاع منه فلا ضمان على الصَّبي، لأن المالك ضيَّعه حيث سلمه إليه، وإنما بقي الدَّين بحاله؛ لأن الدَّين مرسل في الذِّمة لا يتعيَّن إلا بقبض صحيح، فإذا لم يصح القبض لم يزل الحق المطلق عن الذمة، كما إذا قال لمن عليه الدَّين: "أَلْقِ حقي في البحر" فألقى قدر حقه لا يبرأ، ويخالف ما إذا قال مالك الوديعة للمودع: "سلّم مالي إلى هذا الصبي" فسلم خرج عن العهدة؛ لأنه امتثل أمره في حقه المتعيّن، كما لو قال: "أَلْقِها في البحر" فامتثل، ولو كانت الوديعة لصبي فسلَّمها إليه ضمن سواء كان بإذن الولي أو دون إذنه، إذ ليس له تضييعُها وإن أمره الولِيُّ به.
قال الغزالي: أَمَّا إِسْلاَم العَاقِدِ فَلاَ يُشْتَرَط إِلاَّ إِسْلاَمُ المُشْتَرِي في شِرَاءِ العَبْدِ المُسْلِمِ وَالمُصْحَفِ (ح) عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ دَفعاً لِلذُّلِّ، وَيَصِحُّ شِرَاءُ الكَافِرِ أَبَاهُ المُسْلمَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شِرَاءٍ يَسْتَعْقِبُ العِتَاقَةَ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ وَارْتِهَانهُ لِلعَبْدِ المُسْلِمِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لاَ مِلْكَ فِيهِ كَالإِعَارَةِ وَالإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ
الجزء: 4 - الصفحة: 16
بالعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ انْقِلاَبَ العَبْدِ المُسْلِمِ إِلَى الكَافِرِ عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ المِلْك فِيهِ قَهْرِيٌّ كَمَا في الإِرْثِ.
قال الرافعي: إسلام البائع والمشتري ليس بشرط في صحة مطلق البيع والشراء، لكن لو اشترى الكافر عبداً مسلماً ففي صحَّته قولان:
أصحهما: وبه قال أحمد وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يصح، لأن الرِّقَّ ذل، فلا يصح إثباته للكافر على المسلم كما لا ينكح الكافر المسلمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: أنه يصح؛ لأنه طريق من طرق المِلْك، فيملك به الكافر على المسلم كالإرْث.
والقولان جاريان فيما لو وهب منه عبد مسلم فقبل، أو وصى له بعبد مسلم، قال في "التَّتمة": هذا إذا قلنا: الملك في الوصية يحصل بالقبول.
فإن قلنا: يحصل بالموت ثبت بلا خلاف كالإرث، ولو اشترى مصحفاً أو شيئاً من أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- ففيه طريقان:
أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: طرد القولين:
وأظهرهما: القطع بالبطلان، والفرق أن العبد يمكنه الاستغاثة ودفع الذل عن نفسه.
قال العراقيون: والكتب التي فيها آثار السَّلف -رضي الله عنهم- كالمصحف في طرد الخلاف، ولا منع من بيع كتب أبي حنيفة من الكافر لخلوها من الآثار والأخبار.
وأما كتب أصحابه -رضي الله عنهم- فمشحونة بها فحكمها حكم سائر الكتب المشتملة عليها، وامتنع المَاوِرْدِيُّ في "الحَاوِي" من إلحاق كتب الحديث والفقه بالمصحف، وقال: إن بيعها منه صحيح لا محالة.
وهل يؤمر بإزالة الملك عنها؟ فيه وجهان 11:
التفريع: إن قلنا: لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، فلو اشترى قريبه الَّذي يعتق عليه كأبيه وابنه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح أيضاً، لما فيه من ثبوت الملك للكافر على المسلم.
وأصحهما: الصحة، لأن الملك المستعقب للعِتْق شاء المالك أو أبى ليس بإذلال، أَلاَ تَرَى أن للمسلم شراء قريبه المسلم، ولو كان ذلك إذلالاً لما جاز له إذلال
الجزء: 4 - الصفحة: 17
ابنه، والخلاف جَارٍ في كل شيء يستعقب العتق، كما إذا قال الكافر لمسلم: "أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض فأجابه إليه، وكما إذا أقر بحريّة عبد مسلم في يد غيره ثم اشتراه، ورتب الإمام الخلاف في هاتين الصورتين على الخلاف في شراء القريب، وقال الأول منهما أولى بالصحة؛ لأن الملك فيها ضِمْني، والثانية أولى بالمنع؛ لأن العتق وإن حكم به فهو ظاهر غير محقق بخلاف صورة القريب، فإن العتق لا يحصل عقب الشراء، وإنما يزول الملك بإزالته، ومنهم من جعله على وجهي شراء القريب، ويجوز أن يستأجر الكافر المسلم على عمل في الذمة، لأنه كدين في ذمته، وهو بسبيل من تحصيله بغيره، وإن كانت الاجارة على العين، ففيه وجهان حرّاً كان الأجير أو عبداً.
أحدهما لا تصح، لأنها لو صحت لاستحق استعماله، وفيه إذلال له فصار كالشراء على القول الذي عليه التَّفْرِيع.
وأظهرهما: الصحة؛ لأن الإجارة لا تفيد ملك الرَّقَبة، ولا تسلطاً تامّاً، وهو في يد نفسه إن كان حرّاً، وفي يد مولاه إن كان عبداً، وإنما استوفى منفعته بعوض.
وعلى هذا فهل يؤمر بإزالة ملكه عن المنافع بأن يؤجره من مسلم؟ فيه وجهان:
جواب الشيخ أبي حامد منهما: أنه يؤمر 12.
وذكر في صحة ارتهان الكافر العبد المسلم وجهين، وأعادهما مع زيادة في "كتاب الرهن"، ونوجههما ثم إن شاء الله تعالى، ولا خلاف في جواز إعارته منه وإيداعه، لأنه ليس فيهما ملك رقبة ولا منفعة ولا حق لازم 13.
وإذا باع الكافر عبداً مسلماً كان قد أسلم في يده أو ورثه بثوب، ثم وجد بالثوب عيباً فهل له أن يرده ويسترد العبد؟ حكى الإمام فيهما وجهين، وتابعه المصنف في "الوسيط".
والحق أن له رد الثوب لا محالة، والوجهان في استرداد العبد، وهكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه ليس له استرداده، وإلا كان متملكاً للمسلم بسبب اختياري، فعلى هذا يسترد القيمة ويجعل العبد كالهالك.
وأظهرهما: على ما ذكره صاحب الكتاب أن له ذلك، لأن الاختيار في الرد.
أما عود العوض إليه فهو قهري كما في الإرث هكذا وجهه في "الوسيط" وفيه إشكال لأنا لا نَفْهَم من الملك القهري سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، ومن الاختياري
الجزء: 4 - الصفحة: 18
سوى الذي يتعلق سببه بالاختيار، وإلا فنفس الملك بعد تمام السبب قهري أبداً، ومعلوم أن عود الملك بهذا التفسير اختياري لا قهري، والأصوب في توجيهه ما قيل أن الفسخ بالعيب يقطع العقد، ويجعل الأمر كما كان وليس كإنشاء العقود، ولهذا لا تثبت به المنفعة، فإذا كان الأمر كذلك كان نازلاً منزلة استدامة الملك، ولو وجد المشتري بالعبد عيباً والتصوير كما ذكرنا، فأراد رده واسترداد الثوب، فقد حكى الإمام عن شيخه طرد الخلاف؛ لأنه كما لا يجوز للكافر تملك المسلم لا يجوز للمسلم تَمْلِيك المسلم إِيَّاه، وعن غيره القطع بالجواز، إذ لا اختبار للكافر هاهنا في التملك بحال.
وقوله في الكتاب: "ولا يمنع من الرد بالعيب" إلى آخره، ينظم الصورتين اللتين ذكرناهما، لكن التوجيه المذكور في الثانية أظهر.
ولو باع الكافر العبد المسلم ثم تقابلا، ففيه الوجهان، إن قلنا: الإقالة فسخ، وإن قلنا: إنها بيع لم ينفذ، ولو وكل كافر مسلماً ليشتري له عبداً مسلماً لم يصح، لأن العقد يقع للوكيل أوّلاً، وينتقل إليه آخراً، ولو وكل مسلم كافراً ليشتري له عبداً مسلماً، فإن سمي الموكّل في الشراء صح، وإلاّ فإن قلنا: يقع الملك للوكيل أولاً لم يصح، وإن قلنا: يقع للموكل صح، وهل يجوز أن يشتري الكافر العبد المرتد؟ فيه وجهان لِبقاء علقة الإسلام، وهذا كالخلاف في أن المرتد هل يقتل بالذمي؟
وإذا اشترى الكافر عبداً كافراً فأسلم قبل القبض، هل يبطل البيع؟ كما لو اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض أَوْلاً يبطل كما إذا اشترى عبداً فأبق قبل القبض؟ فيه وجهان؟ وإن قلنا: لا يبطل فهل يقبضه المشتري؟ أو ينصب الحاكم من يقبض عنه، ثم يأمره بإزالة الملك فيه وجهان:
جواب القفال منهما في "فتاويه": أنه لا يبطل ويقبضه الحاكم وهو الأظهر، هذا كله تفريع على قول المنع.
أما إذا صححنا شراء الكافر العبد المسلم، نظر إن علم الحاكم به قبل القبض فيمكِّنه من القبض، أو ينصب مسلماً يقبض عنه فيه وجهان، ثم إذا حصل القبض أو علم به بعد القبض أمره بإزالة الملك على الوجه الذي في الفصل التالي لهذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لكَافِرٍ طُولِبَ بِبَيْعِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَزَالَ المِلْكَ عَنْهُ بِجِهَةٍ كَفَى، وَتَكْفِي الكِتَابَةُ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ تكْفِي الحَيْلُولَةُ والإِجَارَةُ وِفاقاً إِلاَّ في المُسْتَوْلَدَة لأَنَّ الإعْتَاقَ تَخْسِيرٌ وَالبَيْعِ مُمْتَنِعٌ (و)، ثُمَّ يَسْتَكْسِبُ بَعْدَ الحَيْلُولَةِ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ مَاتَ الكَافِرُ قَبْلَ البَيْعِ بِيعَ عَلَى وَارِثهِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 19
قال الرافعي: إذا كان في ملك الكافر عبد كافر وأسلم لم يقر في يده دفعاً للذل عن المسلم، وقطعاً لسلطنة الكافر عنه.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ 14 ولا يحكم بزوال ملكه، بخلاف ما إذا أسلمت المرأة تحت الكافر؛ لأن ملك النَكاح لا يقبل النقل من شخص إلى شخص فتعين البطلان، وملك الثمن يقبل النقل، وبه يحصل دفع الذل فيصار إليه، ويؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو عتق أو هبة أو غيرها، فأي جهة أزال الملك حصل الغرض، ولا يكفي الرهن والتزويج والإجارة والحَيْلولة، وهل تكفى الكتابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لاستمرار الملك على رقبة المُكَاتب.
وأظهرهما: نعم، لأن الكتابة تفيد الاستقلال، ويقطع حكم السَّيد عنه.
فإن قلنا بهذا فالكتابة صحيحة، وإن قلنا بالأول فوجهان:
أحدهما: أنها فاسدة ويباع العبد.
والثاني: أنها صحيحة إن جوزنا بيع المكاتَب بيع مكاتَباً، وإلا فسخت الكتابة وبيع، فإن امتنع الكافر من إزالة المِلْك عنه باعه الحاكم عليه بثمن المثل، كما يبيع مال الممتنع من أداء، الحق، فإن لم يتفق الظّفر لمن يبتاعه بِثَمَن المثل فلا بد من الصبر، ويحال بينه وبين الكافر إلى الظهر ويتكسب له وتؤخذ نفقته منه.
هذا كله في المملوك القِنّ.
أما إذا أسلمت مُسْتولدة الكافر فلا سبيل إلى نقلها إلى الغير بالبيع والهبة ونحوهما على المذهب الصحيح، وهل يجبر على إعتاقها؟ فيه وجهان:
احدهما: نعم لأنها مستحقة العِتَاقَة، فلا يبعد أن يؤثر عُرُوض الإسلام في تقديمها.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا لما فيه من التخيير، فعلى هذا يحال بينهما وينفق عليها وتتكسب له في يد غيره.
ولو مات الكافر الذي أسلم العبد في يده صار العبد إلى وارثه ويؤمر بما كان يؤمر به المورث، فإن امتثل فذاك وإلاّ بيع عليه كما ذكرنا في المورث 15، وليس قوله في
الجزء: 4 - الصفحة: 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومنها: إذ رد بعيب اختلفا في حدوثه وقدمه فيه، وحلف المشتري على ما ادعاه رجع على سيده الكافر.
ومنها: إذا قال لمسلم أعتق عبدك عني، فأعتقه وصححناه.
ومنها: إذا كاتَبَ عَبْدَهُ الكَافِرُ، فأسلمَ العَبْدُ ثم عَجَزَ عن النجوم بنفسه أو بتعجيزه له، رجع إليه.
ذكره صاحب اللباب.
ومنها: ما إذا اشترى من يَعْتِقُ عليه، دخل في ملكه، ثم عَتَقَ عليه.
وله أن يستأجره على عمل في الذمة وعلى عينه على الأصح، ويؤمر بأن يؤجره لمسلم، كما قطع به الشيخ أبو حامد.
ومنها: أن يَعْتِقِ الكافِرُ نَصِيْبَهُ المُشْتَرَكَ من عبد مسلم وهو موسر، فإن الباقي يدخل في ملكه؛ كما ذكره البغوي وغيره.
ومنها: وَلَدُ أَمَتِهِ المسلمةِ الحادثُ في ملكه.
ومنها: ولد مستولدته الحادث في ملكه أيضاً، حكمه حكم أمه.
ومنها: ما إذا رجع إليه عبده المسلم بوجود عيب ثبت قبله، فللمشتري الرد على الصحيح.
ومنها: إذا تبايع كافران عبداً كافراً، ثم أسلم العبد قَبْلَ القبضِ، ثَبَتَ للمشتري الخيارُ، فيرجع على البائع.
ومنها: إذا باع الكافرُ عَبْدَه المسلمَ لمسلمٍ بشرط الخيار للمشتري، فاختار الفسخ، رجع إليه.
ومنها: إذا اشترى الوكيلُ الكافرَ لموكلة المسلم عبداً مسلماً، بأن قال اشتريته لموكلي زيداً، ولم يضف الثمن إلى ذمته، فالجديد وجهان، قال ابن الرفعة: أظهرهما أنه للمباشر كما نص عليه في الأم.
ومنها: ما إذا وَرِثَ الكافِرُ عبداً كافراً فأسلم، ثم باعه فظهر دين على الميت، ولم يكره الوارثُ قبض الثَمَنَ، فالأصَحُّ فَسْخُ البيعِ فيه، ويعود إلى ملك الوارث.
ومنها: إذا تبايع كافران كافراً بشرط الخيار للبائع، فأسلم العبد، فإنه يدخل في ملك الكافر بانقضاء خيار البائع.
ومنها: إذا رده بفوات الشرط كالكتابة والخياطة ونحوهما.
ومنها: إذا اشتراه بثمار فأسلم، ثم اختلطت الثمار ولم تتميز بعد، وفسخ العقد، رجع إليه.
ومنها: إذا كان للكافر عبدٌ مسلمٌ مغصوبٌ، فباعه لقادر على انتزاعه، فعجز قبل قبضه، فإن للمشتري الفسخَ، فيرجع إلى سيده الكافر.
ومنها: إذا باعه لمسلم رآه قبل العقد، ثم وجد المبيع عند القبض متغيراً، فله الفسخ.
ومنها: إذا باعه لمسلم بثمن حال، فظهر ماله غائباً في مسافة القصر، فللكافرِ الفسخُ، لتضرره بالصبر.
ومنها: أن يبيع العبد المسلم لمسلم، ثم يتقابلا، فإنه لا يجوز أن جعلنا الإقالة بيعاً.
وإن جعلناها فسخاً، وهو الصحيح.
فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما ذكره الرافعي.
ومنها: أن يبيعه بِصُبْرَةٍ من الطعام، فيجد المشتري تحتها دكةً، فله الفسخ لتدليسه على المشتري بما فعله، فيرجع إليه.
ومنها: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، فحملت منه، فإنها تنتقل إليه وتصير مستولدة له.
كما ذكره الرافعي وأقره النووي في الروضة على ذلك.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومنها: إذا وطئ المسلم أمة كافرة على ظن أنها زوجته الأمة، فأتت بولد من ذلك الوطء، فالولد مسلم للكافر.
ومنها: أن يصدق الكافر زوجته عبداً كافراً، فيسلم العبد، ثم يقتضي الحال رجوعه أو بعضه.
ومنها: إذا خَالَعَ الكَافِرُ زَوْجَتَهُ الكَافِرَةَ على عبد كافر، فأسلم ثم اقتضى الحال فَسْخَ الخلعِ، إما بعيب أو فوات شرط، فإنه يرجع.
ومنها: إذا أَسْلَمَ عَبْدٌ لكافرٍ بعد أن جنى جنايةً توجب ما لا يتعلق برقبته، فباعه بعد اختيار الفداء، فَتَعَذَّرَ الفِدَاءُ لعدم تحصيله له، أو تأخر لإفلاسه، فسخ البيع وعاد إلى الكافر.
ومنها: إذا جاهد الكافر مع المسلمين بإذن الإمام فَغَنِمُوا، والغنيمة عبيد كلها، فأسلموا ورضخ الإمام له عبداً منهم، كان له ذلك.
ومنها: أن يكون بين كافرين، أو كافر ومسلم عَبيدٌ مسلمون أو بعضهم.
قلنا: أن القسمة إفراز، قال صاحب المهمات فقياس المذهب يقتضي الجواز فحينئذ يدخل المسلم في ملك الكافر.
ومنها: إذا أَسْلَمَ الكافرُ بإذن موكله المسلم رَأْسَ مال سلم من مال نفسه في عبد مسلم لموكله، وسماه في العقد، فحين حضر المسلم فيه وهو العبد، أنكر الموكل ما أذن فيه ولا بينه.
رجع العبد إلى الوكيل الكافر.
ومنها: إذا اشترى كافر مرتداً.
ففي صحته وجهان في الشرح والروضة، مقتضاهما الصحة، فعلى هذا لو تاب العبد المرتد، ورجع إلى الإسلام، فباعه.
ثم ظهر به عيب، فرده.
رجع إلى ملك الكافر.
ومنها: ما إذا اشترى كافر كافراً فأسلم قبل قبضه، ففي المسألة وجهان.
فإن قلنا لا يبطل، ففي قبض المشتري له أو من عينه الحاكم ليقبض عنه وجهان قطع القفال في فتاويه بعدم البطلان ويقبضه الحاكم.
قال النووي في أصل الروضة، وهذا هو الصحيح.
ومنها: إذا اشترى المكاتب المسلم عبداً كافرا من كافر، ثم عجز عن النجوم أو عجزه السيد، رجع إلى سيده الكافر.
ومنها: إذا كاتب الكافر عبده، فَاسْتَرَقَ ثم أسلم ورجع إلى الإسلام، وعجز عن النجوم، رجع إلى سيده.
ومنها: إذا باع الكافر عبده المسلم بثوب، ثم وَجَدَ بالثوب عيباً، فالمذهب أنَّ له رَدَّ الثوبِ، ويرجع العبد إلى سيده الكافر.
ذكره في الروضة.
قال: ولو اشترى شيئاً لغيره بإذنه بمال نفسه ولم يسمه، وقع له دون غيره وإن سماه في العقد من غير إذنه، لم يقع له ويقع لمن باشره.
ومنها: إذا اشترى الكافر لولده الصغير جاريةً في الذمة، فأسلمت وَوَجَدَ بها عيباً قديماً، ولم يرد، انقلب الشراء إلى أبيه وَلَزِمَة الثمنُ من مال نفسه كما هو مقتضى كلام المتولي.
ومنها: [إذا أسلم الكافر في عبد مسلم لنفسه، صح في أصح الطريقين ولا اعتراض عليه حتى يقبض كما ذكره السبكي في شرحه] ينظر الأغنياء (1/ 449 - 456).
الجزء: 4 - الصفحة: 22
الكتاب: "بيع على وارثه" تخصيصاً للبيع القهري بالوارث فاعرف ذلك.
وقوله: "والحيلولة وفاقاً"، لفظ الوفاق لا يتعلق به كثير غرض.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ وَشَرَائِطُهُ خَمْسَةٌ، أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مُنْتَفِعاً بِهِ، مَمْلُوكاً لِلعَاقِدِ، مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ، مَعْلُوماً الأَوَّلُ الطَّهَارَةُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجَيْنِ (م ح) وَالكلْبِ (م ح) وَالخِنْزِيرِ وَالأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ وَالعَذِرَة وَالجِيفَةِ وِفَاقًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، وَالدُّهْنُ إِذَا نَجُسَ بِمُلاقَاةِ النَّجَاسَةِ صَحَّ بَيْعُهُ (م) وَجَازَ اسْتِصْبَاحُهُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: يعتبر في المبيع ليصح بيعه شروط:
أحدها: الطَّهارة، فالشيء النجس ينقسم إلى ما هو نجس العين، وإلى ما هو نجس بعارض.
فأما القسم الأول فلا يصح بيعه، فمنه الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما.
رُوِي عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ" 16.
وروى جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ" 17 ولا فرق بين أن يكون الكلب معلماً أو غير معلّم وبهذا قال أحمد.
وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- يجوز بيع الكلب إلا أن يكون عقوراً ففيه روايتان.
وعن أصحاب مالك اختلاف فيه منهم من لم يجوزه، ومنهم من جوز بيع الكلب المأذون في إمساكه.
ومنه: السِّرْجِين 18 والبَوْل لا يجوز بيعهما، كما لا يجوز بيع الميتة والعَذِرَة، والجامع نجاسة العين، وساعدنا أحمد فيما نذهب إلى نجاسته منهما.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السِّرْجين 19.
الجزء: 4 - الصفحة: 23
وقوله في الكتاب: "كما لا يجوز بيع الخمر والعَذِرَة والجِيفَة وفاقاً وإن كان فيها منفعة"، أشار به إلى الجواب عن عذر يبديه أصحاب أبي حنيفة إذا احتججنا عليهم في المنع من بيع الكلب والسرجين بالقياس على بيع الخمر والعذرة والجيفة، فإنها لما كانت نجسة العين امتنع بيعها بالاتفاق، قال: ليس لزاعم منهم أن يزعم أن المنع من البيع في صورة الوفاق، إنما كان لخلوهما عن المنفعة؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو عن ضرب منفعة.
أما الخمر فبغرض أن تصير فلا تكون عارية عن المنفعة في الحال، ألا ترى أن الصغير اليوم منتفع به لما يتوقع حال كبره، وأما العَذِرَة فإنها يسمدُ بها الأرض، وأما الجيفة فتطعم منها جوارح الصيد، ثم المنع من بيع الجيفة ليس متفقاً عليه في جميع أجزائها؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة تجويز بيع جلدها قبل الدِّبَاغ، وإنما المتفق عليه اللحم، ويجوز بيع الفَيْلَج 20 وفي باطنه الدود الميتة؛ لأن إبقاءها فيه من مصالحها، كالحيوان يصح بيعه والنجاسة في باطنه، وفي بيع بَزْر القز وَفَأْرَةِ المِسْك خلاف مبني على الخلاف السابق في طهارتها وأما القسم الثاني وهو: ما نجس بعارض فهو على ضربين:
أحدهما: النجس الذي يمكن تطهيره كالثوب النجس والخشبة النجسة والآجر النجس بملاقاة النجاسة، فيجوز بيعها؛ لأن جوهرها طاهر، وازالة النجاسة عنه هَيِّنة، نعم ما استتر بالنجاسة التي وردت عليها يخرج بيعه على بيع الغائب.
والثاني: ما لا يمكن تطهيره كالخَلِّ، واللَّبن والدَّبْس إذا تنجَّست لا يجوز بيعها 21 كما لا يجوز بيع الخَمْر والبَوْل والدُّهْن 22 النَّجِس، إن كان نجس العين فلا سبيل إلى بيعه بحال، وذلك كدهن الميتة، وإن نجس يعارض ففي بيعه خلاف مبني على أنه هل يمكن تطهيره؟
الجزء: 4 - الصفحة: 24
فعن ابن سريج وأبي إسحاق: يمكن تطهيره، وعن صاحب "الإيضاح" وغيره: أنه لا يمكن، وهو الأظهر فعلى هذا لا يجوز بيعه، وعلى الأول فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز كالثوب النجس، ويُحْكى عن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق: لا يجوز، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتِ في السَّمْنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِداً فَألْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِباً فَأَرِيقُوهُ" 23.
ولو كان جائزاً لما أمرنا بإراقته، وهذا أجود ما يحتج به على امتناع التطهير.
وخرجوا على هذين الوجهين بيع الماء النجس؛ لأن تطهيره بالمكاثرة ممكن، وأشار بعضهم إلى الجزم بالمنع، وقال: إنه ليس بتطهير، ولكنه يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة كالخمر يتخلل.
واعلم: أن هذا الخلاف صادر ممن يجوز بيع الماء في الجملة.
أما من منع بيعه مطلقاً على ما ستعرفه فلا فرق عنده بين الطاهر والنجس منه.
وذكر الإمام بناء مسألة الدُّهن على وجه آخر فقال: إن قلنا: يمكن تطهيره جاز بيعه، وإلا ففيه قولان 24 مبنيان على جواز الاستصباح.
واعلم: أن مسألة كون الاستصباح مكروهاً قد مرت بشرحها، مرة في آخر "صلاة الخوف".
وقوله: "إذا نجس بِمُلاَقاة النجاسة".
التقييد يكون نجاسته بالملاقاة محتاج إليه ليجيء القولان في البيع وغير محتاج إليه ليجيء القولان في الاستصباح لما سبق.
وقوله: "على أظهر القولين" غير مساعد عليه في البيع، بل الظاهر عند الأصحاب منعه وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، ويجوز نقل الدهن النجس إلى الغير عند الأصحاب إلى الغير بالوصية كما تجوز الوصيّة بالكلب.
وأما هبته والصدقة به فعن القاضي أبي الطيب: منعهما 25، ويشبه أن يكون فيهما ما في هِبَة الكلب من الخلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 25
قال الغزالي: الثَّاني: المَنْفَعَةُ وَبيْعُ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ كَالحَبَّةِ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ لِخِسَّتِهِ كَالخَنَافِسِ وَالحَشَرَاتِ وَالسِّبَاعِ (و) الّتي لاَ تَصِيدُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَسْقَطَ الشَّرْعُ مَنْفَعَتَهُ كَآلاتِ المَلاَهِي (و)، وَيصِحُّ بَيْعُ الفِيل وَالفَهْدِ وَالهِرَّةِ، وَكَذا المَاءُ (و) وَالتُّرَابُ وَالحِجَارَةُ وَإِنْ كَثُرَ وُجُودُهَا لِتَحَقُّقِ المَنْفَعَةِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ (م ح) لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ؛ لأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ.
قال الرافعي: الشرط الثاني: كون المبيع منتفعاً به، وإلاَّ لم يكن مالاً وكان أخذ المال مقابلته قريباً من أكل المال بالباطل، ولخلوّ الشي عن المنفعة سببان:
أحدهما: القلَّة كالحبة من الحِنْطَة والحبتين والزَّبِيْبَة وغيرهما فإن ذلك القدر لا يعد مالاً، ولا يبذل في مقابلته المال، ولا ينظر إلى ظهور الانتفاع إذا ضمَّ هذا القدر إلى أمثاله، ولا إلى ما يفرض من وضع الحَبَّة الواحدة في الفَخِّ، ولا فرق في ذلك بين زمان الرّخص والغَلاَء، ومع هذا فلا يجوز أخذ الحَبَّة والجَبَّتَيْن من صُبرة الغير، إذ لو جوزناه لا نجر ذلك إلى أخذ الكثير.
ولو أخذ الحبة ونحوها، فعليه الرد، فإن تلفت فلا ضمان، إذ لا مالية لها، وعن القفال: أنه يضمن مثلها.
والثاني: الخِسَّة كالحشرات 26، واعلم: أن الحيوانات الطاهرة على ضربين:
أحدهما: ما ينتفع به فيجوز بيعه كالغنم والبِغَال والحَمِير، ومن الصُّيُود كالظِّبَاء 27 = لصيد أو ماشية أو زرع، وما في معناها هذا نصه.
واتفق الأصحاب على جواز اقتنائه لهذه الثلاثة، وعلى اقتنائه لتعليم الصيد ونحوه، والأصح: جواز اقتنائه لحفظ الدور والدروب وتربية الجرو لذلك وتحريم اقتائه قبل شراء الماشية والزرع، وكذا كلب الصيد لمن لا يصيد.
ويجوز اقتناء السرجين وتربية الزرع به لكن يكره واقتناء الخمر مذكور في كتاب "الرهن" ينظر روضة الطالبين (3/ 13 - 14).
الجزء: 4 - الصفحة: 26
والغِزْلاَن 28، ومن الجوارح كالصُّقُور 29 والبُزَاة والفُهُود، ومن الطيور كالحَمَام والعَصَافير والعُقَاب 30 ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزَّرْزُور 31 وكذا الفيل = ومساكنها الرمال ويقال إنها ضأن الظباء لأنها أكثر لحوماً وشحوماً وصنف يسمى العفر وألوانها حمر وهي قصار الأعناق وهي أضعف الظباء عدواً تألف المواضع المرتفعة من الأرض والأماكن الصلبة قال الكميت: وكنا إذا جبار قوم أرادنا ... بكيد حملناه على قرن أعفرا يعني نقتله ونحمل رأسه على السنان وكانت الأسنة فيما مضى من القرون وصنف يسمى الأدم طوال الأعناق والقوائم بيض البطون وتوصف الظباء بحدّة البصر وهي أشدّ الحيوان نفوراً ومن كيس الظبي أنه إذا أراد أن يدخل كناسه يدخل مستدبراً ويستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفانه فإن رأى أن أحداً أبصره حين دخوله لا يدخل وإلا دخل ويستطيب الحنظل ويلتذ بأكله ويرد البحر فيشرب من مائه المر الزعاق قال ابن قتيبة ولد الظبية أوّل سنة طلا بفتح الطاء وخشف بكسر الخاء المعجمة ثم في السنة الثانية جذع ثم في الثالثة ثنيّ ثم لا يزال ثنياً حتى يموت] ينظر حياة حيوان (1/ 123).
الجزء: 4 - الصفحة: 27
والهِرَّة، وكذا القِرْد، فإنه يتعلّم الأشياء فيعلم، ويجوز أيضاً بيع دود القَزِّ لما فيه من المنفعة، وبيع النَّخْل في الكِوَارَةِ صحيح، إن كان قد شاهد جميعها، وإلاَّ فهو من صورة بيع الغائب، وإن باعها وهي طائرة من الكِوَارَة، فمنهم من صحح البيع كبيع النَّعم المُسَيَّبة في الصَّحْراء، وهذا ما أورده في "التَّتِمة"، ومنهم من منعه إذ لا قدرة على التَّسْليم في الحال، والعود غير موثوق، وهذا ما أورده في "التهذيب" 32. والضرب الثاني: ما لا يُنْتَفع به فلا يجوز بيعه، كالخَنَافِس والعَقَارب والحَيَّات وكالفَأْرَة والنَّمْل ونحوها، ولا نظر إلى منافعها المعدودة في الخواص؛ فإن تلك المنافع لا تلحقها بما يبعد في العادة مالاً، وفي معناها السِّبَاع التي لا تصلح للاصْطِياد والقتال عليها الأَسَد والذِّئْب وَالنَّمِر ولا نظر إلى اقتناء الملوك للهَيْبَة والسياسة، فليست هي من المنافع المعتبرة، ونقل أبو الحسن العبادي وجهاً: أنه يجوز بيع النمل؛ بـ"عسكر مُكرَم" 33، لأنه يعالج به السكر، وبـ"نصيبين" 34 لأنه تعالج به العَقَارب الطيَّارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 28
وعن القاضي حسين حكاية وجه في صحة بيعها لأنها طاهرة، والانتفاع بجلودها متوقع في المآل، ولا يجوز بيع الحِدَأة 35 والرّخَمَة 36 والغُرَاب، فإن كان في أجنحة بعضهما فائدة جاء فيها الوجه الذي حكاه القاضي، هكذا قاله الإمام، لكن بينهما فرق؛ لأن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة 37، وفي بيع العَلَق وجهان: أظهرهما: الجواز لمنفعة امتصاص الدَّم والسُّم إن كان يقتل بالكثرة، وينتفع بقليله كالسُّقمونيا والأَفْيُون جاز بيعه، وإن قتل كثيره وقليله، فجواب الجمهور فيه المَنْع، ومال الإمام وشيخه إلى الجواز، ليدسَّ في طعام الكافر، وفي بيع الحِمَار الزَّمِن الذي لا منفعة فيه وجهان: = وعليها سور كانت الروم بنَتْه وأتمه أنوشروان الملك عند فتحه إياها] ينظر معجم البلدان (5/ 333).
الجزء: 4 - الصفحة: 29
أظهرهما: المنع، بخلاف العبد الزَّمِن فإنه يتقرب بإعتاقه.
والثاني: الجواز لغرض الجلد في المآل.
وقوله في الكتاب: "باطل" يجوز أن يعلّم بالواو للوجه الذي ذكرنا في الأَسَد ونحوه، وأيضاً فإن صاحب "التتمة" نقل في بيع ما لا منفعة فيه لقلته وجهين، ثم في الفصل صور:
إحداها: آلات المَلاَهي كالمزامِير والطَّنَابير وغيرهما، فإن كانت بحيث لا تعدُّ بعد الرَّضِّ والحلّ مالاً، فلا يجوز بيعهما، والمنفعة التي فيها لما كانت محظورة شرعاً كانت ملحقة بالمنافع المعدومة حسّاً، وإن كان الرّضَاض يعد مالاً، ففي جواز بيعها قبل الرَّضِّ وجهان:
أحدهما: الجواز، لما فيه من المنفعة المتوقعة.
وأظهرهما: المنع؛ لأنهما على هيئة آلة الفَسْق ولا يقصد بها غيره، وتوسط الإمام بين الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو: أنها إن اتخذت من جواهر نفيسة صح بيعها؛ لأنها مقصودة في نفسها وإن اتخذت من خشب ونحوه فلا، وهذا أظهر عنده وتابعه المصنف في "الوسيط"، لكن جواب عامة الأصحاب المنع المطلق، وهو ظاهر لفظه هاهنا، ويدل عليه خبر جابر المَرْوِيّ في أول الركن.
فرع: الجارية المغنِّية إذا اشتراها بألفين، ولولا الغناء لكانت لا تطلب إلا بألف حكى الشيخ أبو علي المحمودي: أفتى ببطلان البيع، لأنه بذل مال في مَعْصية وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا.
وعن الأَوْدَنِيّ: أن كل ذلك استحسان، والقياس الصحة 38.
الثانية: بيع المياه المملوكة صحيح؛ لأنه طاهر منتفع به.
وفيه وجه: أنه لا سبيل إلى بيعه، ولا نبسط القول في المسألة بذكرها في "إحياء الموات" إن شاء الله تعالى فإن أقسام المياه من المملوك وغير مذكورة ثم وصحة البيع من تفاريع الملك.
الثالثة: إذا جوزنا بيع الماء، ففي بيعه على 39 شطِّ النهر، وبيع التراب في
الجزء: 4 - الصفحة: 30
الصحراء، وبيع الحجارة فيما بين الشِّعَاب الكثيرة الأحجار وجهان نقلهما في "التَّتمة".
أحدهما: لا يجوز أنه بذل المال لتحصيله مع وجدان مثله بلا مُؤْنَة وتعب نفسه.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يجوز؛ لأن المنفعة فيها يَسِيْرة ظاهرة، وإمكان تحصيلها من مثله لا يَقْدَح في صحته.
الرابعة: بيع لَبْن الآدَمِيَّات صحيح، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، ولأحمد -رضي الله عنه- أيضاً في إحدى الرّوايتين، لنا أنه مال طاهر منتفع به فأشبه لَبَنَ الشَّاة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً لِمَنْ وَقَعَ العَقْدُ لَهُ، فَبَيْعُ الفُضُولِيِّ مَالَ الغَيْرِ لاَ يَقِفُ (ح) عَلَى إِجَازتهِ عَلَى المَذْهَبِ الجَدِيد، وَكذَلِكَ بَيْعُ الغَاصِبِ وَإِنْ كَثُرَتْ تَصَرُّفَاتُهُ في أَثْمَانِ المَغْصُوبَات عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ فَيُحْكَمُ بِبُطْلاَنِ الكُلِّ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أنَّهُ حَيٌّ فإذَا هُوَ مَيِّتٌ وَالمَبِيعُ مِلْكُ البَائِعِ حُكِمَ بِصحَّةِ البَيْعِ عَلَى أَسَدِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الثالث في المبيع: كونه ملكاً لمن يقع العقد له إن كان يباشره لنفسه، فينبغي أن يكون له، فإن كان يباشره لغيره بِولاَيَة أو وِكَالَة، فينبغي أن يكون لذلك الغير.
وقوله هنا "لا لمن وقع العقد له"، يبين أن المراد من قوله: مسلوكاً للعاقد في أول الركن ما أوضحه هاهنا.
واعلم: أن اعتبار هذا الشرط ليس متفقاً عليه، ولكنه مفرع على الأصح كما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- هذا الفصل ثلاث:
أحدها: إذا باع مال الغير بغير إذن ولا ولاية ففيه قولان:
الجديد: أنه لاغٍ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" 40.
وأيضاً فإن بيع الآبِق غير صحيح مع كونه مملوكاً له، لعدم القدرة على التسليم، فبيع ما لا يملك ولا قدرة على تسليمه أولى.
والقديم: أنه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك إن أجاز نفذ، وإلا لَغَا لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "دَفَعَ دِينَاراً إِلَى عُرْوَةَ البَارِقِيّ لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا
الجزء: 4 - الصفحة: 31
بدِينَارٍ، وَجَاءَ بشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَقَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بَارَكَ اللهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ" 41 والاستدلال أَنه باع الشَّاة الثانية من غير إذن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ثم انه أجازه، ولأنه عقد له تَنْجِيز في الحال فينعقد موقوفاً كالوصية، والقولان جاريان فيما لو زوج أمه الغير أو ابنته أو طلق منكوحته أو عتق عبده أو أجَّر داره أو وهبها بغير إذنه، ولو اشترى الفُضُولي لغيره شيئاً، نظر إن اشترى بغيره ما له ففيه قولان، وإن اشترى في الذمة، نظر إن أطلق ونوى كونه للغير، فعلى الجديد يقع عن المباشر، وعلى القديم يتوقف على الإجازة، فإن رد نفذ في حقه، ولو قال: اشتريت لفلان بألف في ذمتي، فالحكم كما لو اشترى بعين ماله، ولو اقتصر على قوله: "اشتريت لفلان بألف"، ولم يضف الثمن إلى ذمته، فعلى الجديد فيه وجهان:
أحدها: يلغو العقد وتَلْغُو التَّسمية والثاني يقع العقد عن المباشر 42 وعلى القديم: يتوقَّف على إجازة ذلك الغير، فإن رد ففيه وجهان، ولو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه، نظر إن لم يسمه وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أم لا، وإن سماه نظر إن لم يأذن له لَغَت التَّسمية، وهل يقع عنه أم يبطل من أصله؟
فيه وجهان، وإن أذن له، فهل تلغو التسمية؟ فيه وجهان، إن قلنا: نعم، فيبطل من أصله أو يقع عن العاقد فيه وجهان، وإن قلنا: لا وقع عن الآذن، والثمن المدفوع يكون قرضاً أو هبة فيه وجهان.
ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "لا يقف على إجازته" بالميم والألف والحاء.
أما الميم؛ فلأن مذهب مالك كالقول القديم، وأما الألف فلأن عن أحمد روايتين كالقولين.
أما الحاء؛ فلأن مذهب أبي حنيفة كالقول القديم في البيع والنكاح.
وأما في الشراء فقد قال في صورة شراء المطلق: يقع عن جهة العاقد ولا ينعقد موقوفاً، وعن أصحابه، اختلاف فيما إذا سمي الغير، وشرط الوقف عند أبي حنيفة أن يكون للعقد تَنْجِيز في الحال مالكاً كان أو غير مالك حتى لو أعتق عبد الطفل أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البُلُوغ، والمعتبر إجازة من يملك التَّصرف عند العقد، حتى لو باع مال الطِّفْل فبلغ وأجاز لم ينفذ، وكذا لو باع مال الغير ثم ملكه وأجاز.
قال الشيخ أبو محمد: ولا نخالف في ذلك أبا حنيفة إذا فرعنا على القديم.
وذكر إمام الحرمين: أن العراقيين لم يعرفوا القول القديم في المسألة وقطعوا بالبطلان وهذا إن استمر اقتضى إعلام قوله "على المذهب الجديد" بالواو، وإنما أتوقف
الجزء: 4 - الصفحة: 32
فيه، لأن الذي أَلفته في كتب العراقيين الاقتصار على ذكر البطلان 43 لا نفي الخلاف المذكور والمفهوم من إطلاق لفظ القطع في مثل هذا المقام، وفرق بين أن لا يذكر الخلاف وبين أن لا يبقى.
المسألة الثانية: لو غصب أموالاً وباعها وتصرَّف في أثمانها مرة بعد أخرى ففيه قولان:
أصحهما: البطلان 44.
والثاني: للمالك أن يجيزها ويأخذ الحاصل منها، وصورة المسألة وما فيها من القولين قريبة من الأولى، ويزاد فيها عُسْر تتبع العقود الكثيرة بالنقض والإبطال ورعاية مصلحة المالك، وعلى هذا الخلاف يبنى الخلاف في أن الغاصب إذا ربح في المال المغصوب يكون الربح له أو للمالك على ما سيأتي في "باب القراض" وغيره -إن شاء الله تعالى-.
الثالثة: لو باع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ وهو فُضُولي فَبَانَ أنه كان ميتاً يومئذ، وأن المبيع ملك للعاقد ففيه قولان:
أصحهما: أن البيع صحيح لصدوره من المالك، ويخالف ما لو أخرج دراهم، وقال: إن مات مورثي فهذا زكاة ما ورثته، وكان قد ورث لا يجزئه؛ لأن النِّيَّة لا بد منها في الزكاة، ولم تُبْنَ نيته على أصل، وفي البيع لا حاجة إلى النية.
الثاني: أنه باطل؛ لأن هذا العقد وإن كان منجزاً في الصورة فهو في المعنى معلق، والتقدير: إن مات مورثي فقد بعتك، وأيضاً فإنه كالعَابِث عند مباشرة العقد لاعتقاده أن المبيع لغيره، ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد؟ وفيه وجهان، والخلاف في بيع التَّلْجِئَة وصورته: أن يخاف غصب ماله أو الإكراه على بيعه فيبيعه من إنسان بيعاً مطلقاً، ولكن توافقاً قبله على أنه لدفع الشر لا على حقيقة البَيْع، وظاهر الذهب: انعقاده، وفيه وجه، ويجري الخلاف فيما إذا باع العبد على ظنه أنه آبِق أو مُكَاتب، فإذا هو قد رجع أو فسخ الكتابة، ويجري أيضاً فيما
الجزء: 4 - الصفحة: 33
إذا زوج أمة أبيه على ظنِّ أنه حي ثم بَانَ موته، هل يصح النكاح؟
فإن صح فقد نقلوا وجهين فيما إذا قال: إن مات أبي فقد زوجتك هذه الجارية، وبهذا يضعف توجيه قول البطلان بأنه وإن كان منجزاً في الصورة فهو معلّق في المعنى، لأنا لا نجعل هذا التَّعليق مفسداً، وإن صرح به على رأي فما ظنك بتقديره.
واعلم: أن القولين في المسائل الثلاث يعبَّر عنهما بقولي وقف العقود، وحيث قال المصنف في الكتاب: "ففيه قولاً وقف العقود" أراد به هذين القولين، وإن لم يذكر هذا اللقب هاهنا وإنما سمّيا بالوقف؛ لأن الخلاف آيل إلى أَنَّ العقد هل ينعقد على الوقف أم لا؟ فعلى قول: ينعقد في المسألتين موقوفاً على الإجازة أو الرد وفي الثانية: موقوفاً تبين على الموت أو الحياة، وعلى.
قول: لا ينعقد موقوفاً بل يبطل، ثم ذكر الإمام أنَّ الصحة ناجزة على قول الوقف، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة، وأن الوقف يطّرد في كل عقد يقبل الاستنابة كالمُبَايعات والإِجَارات والهِبَات والعِتْق، والطَّلاَقَ والنِّكَاح وغيرها.
قال الغزالي: الرَّابع أَنْ يَكُونَ مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الآبِقِ والضَّالُ وَالمَغْصُوبِ، وَإِنْ قَدَر المُشْتَرِي علَى انْتِزَاعِهِ مِنْ يَدِ الغَاصِبِ دُونَ البَائِعِ صَحَّ عَلَى أَسَدِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ لَهُ الخِيَارُ إِن عَجَزَ، وَبيْعُ حَمَامِ البُرْجِ نَهَاراً اعْتِمَاداً عَلَى العَوْدِ لَيْلاً لاَ يَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: الشرط الرابع: القدرة على التسليم 45، ولا بد منها ليخرج العقد عن أن يكون بيع غَرَر ويوثق بحصول العوض، ثم فوات القدرة على التسليم قد يكون من حيث الحس، وقد يكون من حيث الشرع، وصور هذا الفصل من الضرب الأول وهي ثلاث:
أحدها: بيع الضَّال والآبق 46 باطل عرف موضعه أو لم يعرف؛ لأنه غير مقدور
الجزء: 4 - الصفحة: 34
على تسليمه في الحال هذا هو المشهور، قال الأئمة: ولا يشترط في الحكم بِالبُطْلان اليأس من التَّسليم، بل يكفي ظهور التَّعذر، وأحسن بعض الأصحاب فقال: إذا عرف مكانه وعلم أنه يصل إليه إذا رام الوصول فليس له حكم الآبق.
الثانية: إذا باع الملك ماله المغصوب نظر إن كان يقدر على استرداده وتسليمه صح البيع، كما يصح بيع الوَدِيعة والعَارِيَة وإن لم يقدر نظر إن باعه ممن لا يقدر على انتزاعه من يد الغاصب لم يصح لما سبق 47 وإن باعه ممن يقدر على انتزاعه منه ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن البائع يجب عليه التسليم وهو عاجز.
وأصحُّهما: الصحة؛ لأن المقصود وصول المشتري إلى المبيع، وعلى هذا إن علم المشتري حقيقة الحال فلا خيار له، ولكن لو عجز عن الانتزاع لضعف عرض له أو قوة عرضت لِلْغَاصب فله الخيار 48، وفيه وجه آخر أشار إليه الإمام، وإن كان جاهلاً عند العقد فله الخيار؛ لأن البيع لا يلزمه كُلْفة الانتزاع.
وقوله في الكتاب: "ثم له الخيار إن عجز" المراد منه حالة العلم؛ لأن عند الجهل لا يشترط العجز في ثبوت الخيار، ويجوز أن يعلّم بالواو للوجه المشار إليه.
ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده، ففيه الوجهان المذكوران في المغصوب، ويجوز تزويج الآَبِقَة والمَغْصُوبة وإعتاقُهُمَا، وذكر في البيان: أنه لا يجوز كتابة المغصوب؛ لأن الكتابة تقتضي مُكْنة التصرف وهو ممنوع منه.
= والثانية: إذا اشترى رجل أباه الآبق أو ولده ففي صحة البيع وجهان.
قال صاحب التوسط: والأشبه الصحة فيهما وهو ظاهر في الأولى فيما إذا أراد عتقه تطوعاً لا عن كفارته ويشبه أن يلتحق بما ذكره ما لو اشترى من شهد بعتقه ورداً ومن كان أقر بحريته.
الجزء: 4 - الصفحة: 35
الثالثة: لا يجوز بيع السَّمَك في الماء والطير في الهواء، وإن كان مملوكاً له لما فيه من الغَرَر، ولو باع السمك في بركة لا يمكنها الخروج منها، نظر إن كانت صغيرة يمكن أخذها من غير تعب ومشقة صح بيعها لحصول القدرة، وإن كانت كبيرة لا يمكن أخذها إلاَّ باحتمال تعب شديد، ففيه وجهان أوردهما ابْنُ سُرَيج فيما رأيت له من جوابات "جامعه الصّغير" وغيره:
أظهرهما: المنع، وبه قال أبو حنيفة كبيع الآبق، ويدل عليه ما روى عن ابن مسعود أنه قال: "لاَ يَشْتَرِي السَّمَكَةَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرَّ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْغَررِ".
وهذا كله فيما إذا لم يمنع الماء رؤية السمك فإن منع الرؤية لكدورته فهو على قولي بيع الغائب، إلاَّ أن لا يعلم قلّة السمك وكثرتها وشيئاً من صفاتها فيبطل لا محالة، وبيع الحَمَام في البُرْج على التفصيل المذكور في البِرْكة، ولو باعها وهي طائرة اعتماداً على عادة عودها باللَّيل، ففيه وجهان كما ذكرنا في النَّحل:
أصحهما على ما ذكره في الكتاب: المنع، وبه قال الأكثرون إذ لا قدرة في الحال، وعودها غير موثوق به إذ ليس لها عَقْلٌ باعث 49.
قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفٍ مِنْ سَيْفٍ أَوْ نَصْلٍ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ يَنْقصُهُ وَالبَيْعُ لاَ يُوجبُ نُقْصَانَ غَيْرِ المبيعِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ ذِرَاعٍ مِنْ كِرْبَاسٍ لاَ يُنْقَضُ بالفَصْلِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعاً وَهوَ المَرْهُونُ، وَإذَا جَنَى العَبْدُ جنَايَة تَقْتَضِي تَعَلُّقَ الأَرْش بِرَقَبَتهِ صَحَّ بِيْعُهُ عَلَى أَقْوَى القَوْلَيْنِ وَكَانَ الْتِزَاماً لِلْفِدَاءِ لأَنَّهُ لَمْ يَحْجُزْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْدِرُ عَلَى مَا لاَ يُفَوِّتُ حَقَّ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خِيَارُ الفَسْخِ إِنْ عَجَزَ عَنْ أَخْذِ الفِدَاءِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: لو باع نصفاً أو ربعاً أو جزءاً آخر شائعاً من سيف أو إناء أو نحوهما فهو صحيح، وذلك الشيء مشترك بينهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 36
ولو عيَّن نصفاً أو ربعاً وباعه لم يصح؛ لأن التسليم لا يمكن إلا بالقَطْع والكسر، وفيه نقص وتضييع للمال، ولو باع ذراعاً فصاعداً من ثوب نظر إن لم يعيّن الذّراع فسنذكره من بعد -إن شاء الله تعالى-، وإن عيّن نظر إن كان الثوب نفيساً ينقص ثمنه بالقطع، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصَّبَّاغ وغيره:
أحدهما: نعم -وبه قال صاحب "التقريب"- كما لو باع ذراعاً معيناً من أرض أو دار.
وأظهرهما: وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد وحكاه صاحب "التلخيص" عن نصه: لا؛ لأنه لا يمكن التسليم إلا باحتمال النُّقْصَان والضَّرر، وفرقوا بينه وبين الأرض بأن التَّمييز في الأرض يحصل بالعلامة بين النَّصِيبَيْن من غير ضرر، ولمن نصر الأول أن يقول: قد تتضيّق مَرَافق البُقْعَة بالعلامة وتنقص القيمة، فوجب أن يكون الحكم في الأرض على التَّفْصيل أيضاً.
واعترض ابن الصَّبَّاغ على معنى الضَّرَر بأنهما إذا رضيا به واحتملاه وجب أن يصحّ البيع، كما يصح بيع أحد زوجي الخُفِّ وإن نقص تفريقهما من قيمتهما، والقياس طرد الوجهين في صورة السَّيف والإناء؛ لأن المعنى لا يختلف، وإن كان الثوب مما لا ينقص بالفصل والقطع كالكِرْبَاسِ الصَّفِيق، فقد حكى صاحب الكتاب وشيخه فيه وجهين:
أصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه يصح، لزوال المعنى المذكور.
والثاني: المنع؛ لأن التفصيل لا يَخْلُو عن تغيير لغير المبيع، وهذا فيما أورده الإمام، واختيار صاحب "التلخيص"، وكان سببه إطلاق لفظه في "التلخيص" بعد ذكر لو باع ذراعاً من الأرض قال: ولو قال ذلك في الثوب، لم يجز قاله نصا، وأيضاً قال في "المفتاح" من ثوب ذراعاً على أن يقطعه لم يَجُزْ بحال، إلاَّ أنَّ الأكثرين حملوا كلامه على الثوب الذي ينقص بالفصل، ولو باع جزءاً معيناً من جدار أو أُسْطُوَانة، نظر إن كان فوقه شيء لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه، وإن لم يكن نظر إن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما لم يجز، وإن كان من لَبِن أو آجُرِّ هكذا أطلق في "التلخيص"، وهو محمول عند الأئمة على ما لو جعل في النهاية شق نصف من الآجُرِّ واللَّبِن دون أن يجعل المقطع نصف سمكها، وفي تجويز البيع إذا كان من لَبِن أو آجُرِّ إشكال، وإن جُعل النهاية ما ذكروه من وجهين:
أحدهما: أن موضع الشَّق قطعة واحدة من طين أو غيره، فالفصل الوارد عليه وارد على ما هو قطعة واحدة.
الجزء: 4 - الصفحة: 37
والثاني: هَبْ أنه ليس كذلك لكن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي، وإن لم يكن قطعة واحدة فليفسد البيع، ولهذا قالوا: لو باع جذعاً في بناءٍ لم يصح؛ لأن الهدم يوجب النقصان، فأي فرق بين الجِذْع والآجُرِّ، وكذا لو باع فَصّاً في خَاتَم، وذكر بعض الشارحين لـ"المفتاح" في تفاريع هذه المسألة: أنه لو باع داراً إلاَّ بيتاً في صدرها لا يَلِي شارعاً ولا ملكاً له على أنه لا ممرَّ له في المبيع لا يصح البيع، وهذا باب في فتحه بعد، ويتأكد بمثله المَيْل إلى الوجه الذي نصره ابن الصباغ.
المسألة الثانية: لا يصح بيع المَرْهُون بعد الإقباض وقَبل الانفِكَاك 50 لأنه عاجز عن تسليمه شرعاً لما فيه من تفويت حق المُرْتهن.
الثالثة: الجناية الصادرة من العبد قد تقتضي المال، إما متعلقاً برقبته أو بذمته، وقد تقتضي القصاص، وموضع تفصيله غير هذا، فإن أوجبت المال متعلقاً بذمته لم يقدح ذلك في البيع بحال، وإن أوجبته متعلقاً برقبته، فهل صح بيعه؟ نظر إنْ باعه بعد اختيار الفداء فنعم، هكذا أطلقه في "التهذيب" 51 وإتباعه قبله وهو معسر فَلاَ لما فيه من إبطال حتى المَجْنِي عليه، ومنهم من طرد الخلاف الذي نذكره في المُوْسِر، وحَكَم بثبوت الخِيَار للمجني عليه إن صح، وإن كان موسراً فطريقان:
أصحهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنه لا يصح البيع؛ لأن حق المجني عليه متعلّق به فمنع صحة بيعه كحق المرتهن في المرهون بل أولى، لأن حق المجني عليه أقوى، ألا ترى أنه إذا جنى العبد المرهون تقدم حق المجني عليه على حق المرتهن.
الجزء: 4 - الصفحة: 38
والثاني وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمُزني: أنه يصح لأن هذا الحق تعلق به من غير اختيار المالك، فلا يمنع صحة البيع كحق الزكاة ويخالف المرهون، لأنه بالرهن منع نفسه من التصرف وهاهنا لم يعقد عقداً، ولم يحجز نفسه عن التصرف، وفي "التتمة" أن بعض أصحابنا خرج قولاً ثالثاً وهو أن البيع موقوف، فإن فداه نفذ وإلا فلا.
والطريق الثاني: القطع بالمنع كما في المرهون.
التفريع: إن لم نصحح البيع فالسَّيد على خيرته، إن شاء فداه، وإلا سلمه ليباع في الجناية، وإن صححنا فالسيد مختار للفداء ببيعه مع العلم بجنايته فيجبر على تسليمه، لأنه بالبيع فوت محل حقه فأشبه ما لو أعتقه أو قتله، وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه وجه: أنه ليس مختاراً للفداء، بل هو على خيرته إن أفدى أمضى البيع وإلاَّ فسخ، وعلى الأول وهو المذهب لو تعذر تحصيل الفداء، أو تأخر لإفلاسه أو غيبته، أو صبره على الحَبْس فسخ البيع، وبيع في الجناية لأن حق المجني عليه أقدم من حق المشتري، هذا إذا أوجبت الجناية المال بأن كانت خطأ أو شبه عمد، أو كانت واردة على الأموال، وكذا الحكم لو أوجبت القِصَاص، لكن المستحق عَفَا على مال ثم فرض البيع.
فأما إذا أوجبت القِصَاص ولا عفو فطريقان:
أحدهما: طرد القولين وبه قال ابْنُ خَيْرَان، ومن القائلين بهذه الطريقة من بني القولين على أن موجب العمد ماذا؟ إن قلنا: موجبه القود المحض صح بيعه كبيع المرتد، وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين فهو كبيع المرهون.
وأصحهما: القطع بالصحة لبقاء المالية بحالها، وتوقع الهَلاَك كتوقع موت المَرِيض المشرف على المَوْت، وإذا وقع السؤال عن بيع العَبْدِ الجَانِي مطلقاً، فالجواب فيه ثلاث طرق:
أحدها: أنه إن كانت الجِنَايَة موجبة للقصَاص فهو صحيح، وإن كانت موجبة للمال فقولان:
والثاني: إن كانت موجبة للمال فهو غير صحيح، وإن كانت موجبة للقصاص فقولان:
والثالث: طرد القولين في الحالتين، ولو أعتق السيد العبد الجاني، نظر إن كان معسراً فأصح القولين: أنه لا ينفذ، وإن كان موسراً ففي نفوذه ثلاثة أقوال:
أصحهما: النفوذ.
وثانيها: أنه موقوف إن فداه نفذ، وإلاّ فلا.
ومنهم من قطع بالنفوذ إذا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 39
موسراً، وبعدم النُّفُوذ إذا كان معسراً بخلاف المرهون والفرق أما عند اليسار فلأنه بسبيل من نقل حق المجني عليه إلى ذمته باختيار الفداء، فإذا أعتق انتقل الحق إلى ذمته، وفي الرهن بخلافه.
وأما عند الإعسار فلأن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، ولا تعلق له بذمة السيد، وفي حق المرتهن متعلّق بهما جميعاً، فنفوذ الإعتاق هاهنا يبطل الحق بالكلية، وفي الرهن غايته قطع أحد التَّعْلقين واسْتِيلاد الجانية كإعتاقها، ومتى فدا السيد العبد الجاني يفديه بأقل الأمرين من الأَرْش، وقيمة العبد أو بالأرض بالغاً ما بلغ فيه خلاف يأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى- والأصح الأول 52.
وأما لفظ الكتاب فقد عرفت بما ألقيت عليك من الشرح أن قوله: "ولا يصح بيع نصف من سيف" معناه: بيع نصف معين، وكذا قوله: "بيع ذراع من كِرْبَاس"، ولفظ النَّصْل لا يختص بالسَّهم، أَلاَ ترى أن صاحب "الصحاح" يقول في تعريفه: والنَّصْل نصل السَّهم والسَّيف والسِّكين والرُّمح.
وقوله: "الفَصْل ينقصه والبيع لا يوجب نقصان غير المبيع، أراد به أن التسليم لا يحصل إلاَّ بالتفصيل والقطع والتسليم لا بد منه، فلو صححنا البيع، وألزمناه القطع كان هذا إلزام تنقيص فيما ليس مبيعاً، وهذه عبارة صاحب "النهاية"، ثم نظم الكتاب قد يوهم خروج هذه المسألة عن صور العجز الشرعي، بل حصر العجز الشّرعي في المرهون؛ لأنه ذكر المسألة، ثم قال: ولا يصح بيع ما عجز عن تسليمه شرعا وهو المرهون، لكنه عدها في "الوسيط" من صورة، وقال: البيع لا يلزم تنقيص عن المبيع، والشرع قد يمنعه منه إذا كان فيه إِسْرَاف.
وقوله: "جناية تعلق الأرض برقبته"، يجوز أن يقرأ تعلق -بفتح التاء واللام- ويجوز أن يقرأ "تعلق" على إيقاع فعل التعليق على الجناية.
وقوله: "صح بيعه على أقوى القولين" ترجيج لقول الصحة، لكن الشافعي -رضي الله عنه- نص على القولين في "المختصر"، وصرح باختيار المنع، وبه قال طبقات الأصحاب، ثم يجوز أن يعلّم ذكر الخلاف بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وكذا قوله: "وكان التزاماً للفداء للوجه الذي سبق ذكره.
الجزء: 4 - الصفحة: 40
وقوله: "لأنه لم يحجر على نفسه ... " إلى آخره إشارة إلى الفرق بينه وبين المرهون.
قال الغزالي: الخَامِسُ: العِلْمُ وَلْيَكُنْ المَبِيْعُ مَعْلُومَ العَيْن، وَالقدْرِ، وَالصِّفَةِ، أَمَّا العَيْنُ فَالجَهْلُ به مُبْطِلٌ، وَنَعْني بِهِ أنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ عَبْداً مِنَ العَبيدِ (ح) أَوْ شَاةً مِنَ القَطِيع بَطُلَ (ح)، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ صاعاً مِنْ هَذِه الصُّبْرةِ وَكَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ صَحَّ وَنَزَلَ عَلَى الإِشَاعَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيعَانِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى اخْتِيَارِ القَفَّالِ لِتَعَذُّرِ الإشَاعَةِ وَوُجُودِ الإِبْهَامِ، وَإبْهَامُ مَمَرِّ الأَرْضِ المَبِيعَةِ كَإِبْهَامِ نَفْسِ المَبِيع، وَبَيْعُ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ دُونَ حَقِّ المَمَرِّ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: الشرط الخامس: كون المبيع معلوماً 53 ليعرف أنه ما الَّذِي ملك بإزاء ما بذل فينفي الغَرَر، ولا شك أنه لا يشترط العلم به من كل وجه، فبين ما يعتبر العلم به وهو ثلاثة أشياء: عَيْن المبيع، وقدره، وصفته.
أما العين: فالقصد به أنه لو قال: "بعت عبداً من العبيد، أو أحد عبدي، أو عبيدي هؤلاء أو شاة من هذا القطيع" فهو باطل، هكذا لو قال: بعتهم إلا واحداً ولم يعين المستثنى، لأن المبيع غير معلوم، ولا فرق بين أن تتقارب قيم العبيد، والشياه أو تتباعد، ولا بين عدد من العبيد وعدد، ولا بين أن يقول على أن تختار أيهم شئت، أولاً يقول، ولا إذا قال: ذلك بين أن يقدر زمان الاختيار أو لا يقدر.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا قال: بعتك أحد عبدي أو عبيدي الثلاثة على أن تختار من شئت في ثلاثة أيام أو دونها صح العقد، وأغرب المُتَوَلِّي فحكى عن القديم قولاً مثله، ووجهه بأن الشرع
الجزء: 4 - الصفحة: 41
أثبت الخيار في هذه المدة بين العوضين ليختار هذا الفسخ أو هذا الإمضاء، فجاز أن يثبت له الخيار بين عبدين، وكما تتقدر نهاية الاختيار بثلاث تتقدر نهاية ما يتخير به من الأعيان بثلاثة، ولا يخفى ضعف هذا التوجيه، ووجه المذهب القياس على ما إذا زاد العَبِيد على ثلاثة، ولم يجعل له الاختيار لو زاده على الثلاث، أو فرض ذلك في الثِّيَاب والدَّواب وغير العبيد من الأعيان وعلى النكاح فإنه لو قال: أنكحتك إحدى ابنتي أو يناتي لا يصح النِّكَاح، ولو لم يكن له إلاَّ عبد واحد فحضر في جماعة من العبيد، وقال السيد: بعتك عبدي من هؤلاء والمشتري يراهم، ولا يعرف عين عبده فحكمه حكم بيع الغائب قال في "التتمة".
وقال صاحب "التهذيب": عندي هذا البيع باطل، لأن المبيع غير متعيّن وهو الصحيح، ثم قال في الفصل مسألتان:
إحداهما: في بيع صاع من الصُّبْرَة، والرأي أن يقدم عليهما فصلان:
أحدهما: أن بيع الجزء الشَّائع من كل جملة معلومة 54 من أرض ودار وعبد وصُبْرَة وثمرة وغيرها صحيح، نعم لو باع جزءاً شائعاً من شيء بمثله من ذلك الشيء، كما إذا كان بينهما نصفين فباع هذا نصفه بنصف ذاك فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح البيع، لأنه لا فائدة فيه.
وأصحهما: الصحة لاجتماع الشرائط المرعيَّةِ في العقد، وله فوائد:
منها: لو ملكا أو أحدهما نصيبه بالهِبَة من أبيه انقطع ولأبيه الرجوع.
ومنها: لو ملكه الشراء ثم اطَّلَع بعد هذا التَّصرف على عيب لم يملك الرد على بائعه.
ومنها: لو ملَّكْته صداقاً، وطلَّقها الزَّوج قبل الدخول لم يمكن له الرجوع فيه.
55
ولو باع الجملة واستثنى منها جزءاً شائعاً فهو صحيح.
أيضاً.
مثاله: أن يقول: بِعْتُك ثمرة هذا الحائط إلا ربعها أو قدر الزكاة منها، ولو قال: بعتك ثمرة هذا الحائط بثلاثة آلاف درهم إلاَّ ما يخص ألفاً، فإن أراد ما يخصه إذا وزع عن الثمرة على المبلغ المذكور صح، وكان استثناء للثلث، وإن أراد ما يساوي ألفاً عند التقويم فلا لأنه مجهول.
الجزء: 4 - الصفحة: 42
الفصل الثاني: لو باع ذراعاً من أرض أو دار أو ثوب ينظر إن كانا يعلمان جملة ذرعانها، كما إذا باع ذراعاً، والجملة عشرة فالبيع صحيح، وكأنه قال: بعت العشر قال الإمام: إلا إن يقين يعني فيفسد كقوله: شاة من القطيع، ولو اختلفا فقال المُشْتري: أردت الإِشَاعَة فالعقد صحيح، وقال البائع: بل أردت معيناً ففيمن يصدق؟ احتمالات 56 وذكر أيضاً تخريج وجه في فساد العقد، وإن لم نعنِ بالذِّرَاع معيناً، وستعرف كيفيته -إن شاء الله تعالى- وإن كانا لا يعلمان أو أحدهما ذُرعان الدار والثوب لم يصح البيع؛ لأن أجزاء الأرض والثوب تتفاوت غالباً في المنفعة والقيمة والإشاعة متعذرة.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يصح.
البيع سواء كانت الذّرْعَان معلومة أو مجهولة ذهاباً إلى أنَّ الذِّراع اسم بقعة مخصوصة فيكون البيع مبهماً، ولو وقف على طرف الأرض وقال: بعتك كذا أذراعاً من موقفي هذا في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول صح البيع في أحد الوجهين.
إذا عرفت الفصلين فنقول: إذا قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبْرَة بكذا فله حالتان:
إحداهما: أن يعلما مبلغ صِيْعَان الصُّبْرَة فالعقد صحيح، ونقل إمام الحرمين في تنزيله خلافاً للأصحاب، منهم من قال: المبيع صاع من الجملة مشاع، أي صاع كان، لأن المقصود لا يختلف، فعلى هذا يبقي المبيع ما بقي صاع، وإذا تلف بعض الصُّبْرَة لم يتقسط على المبيع وغيره.
ومنهم من نزل الأمر على الإِشَاعَة وقال: إذا كانت الصُّبْرَة مائة صاع فالمبيع عشر العشر، وعلى هذا لو تلف بعض الصُّبْرَة تلف بقدره من المَبِيع، هذا ما أورده الجمهور في هذه الحالة ومنهم صاحب الكتاب.
والثانية: أن لا يعلما أو أحدهما مبلغ صِيْعَانها، ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: وهو اختيار القفال: أنه لا يصح؛ لأن المبيع غير معيّن ولا موصوف فأشبه ما لو باع ذِراعاً من أرض أو ثوب وجملة الذّرْعَان مجهولة، أو باع صاعاً من ثمرة النَّخْل.
والثاني: هو للحكاية عن نصه: أنَّهُ صحيح والمبيع صاع منها أي صاع كان حتى لو تلف جميعها سوى صاع واحد تعين العقد فيه، والبائع بالخيار بين أن يسلم من أعلى الصُّبْرَة أو من أسفلها، وإن لم يكن الأسفل مرئياً؛ لأن رؤية ظاهر الصُّبْرَة كرؤية
الجزء: 4 - الصفحة: 43
كلها 57، ويفارق صورة الاستشهاد؛ لأن أجزاء الصبرة الواحدة لا تختلف غالباً بخلاف تلك الصورة.
قال المعتبرون: والوجه الثاني أظهر في المذهب، ولكن القياس الأول؛ لأنه لو فرق صِيْعَان الصُبرة وقال: بعتك واحداً منها لم يصح، فما الفرق بين أن تكون متفرقة أو مجتمعة، وأيضاً لأنه لو قال: بعتك هذه الصبرة إلاَّ صاعاً منها لا يصح العقد، إلاَّ أن تكون الصَّيْعَان معلومة، ولا فرق بين استثناء المعلوم من المجهول واستثناء المجهول من المعلوم في كون الباقي مجهولاً، وفيما جُمِعَ من فتاوى القفال: أنه كان إذا سُئِلَ عن هذه المسألة يفتي بالوجه الثاني مع ذهابه إلى الأول، ويقول المستفتي يستفتي عن مذهب الشافعي -رضي الله عنه- لا عما عندي، ثم ذكر الأئمة للخلاف في المسألة مأخذين.
أحدهما: حكوا خلافاً في أن علّة بطلان البيع فيما إذا قال: بعت عبداً من العبيد ماذا؟ فمن قائل: علَّته الغَرَر مع سهولة الاجتناب عنه، ومن قائل: علته أنه لا بد للعقد من مورد يتأثر به كما في النِّكَاح، قالوا: والخلاف الذي نحن فيه مبني عليه، فعلى الثاني لا يصح وعلى الأول يصح، إذ لا غَرَر لتساوي أجزاء الصُّبْرَة والثاني: قال الإمام: هو مبني على الخلاف في تنزيل العقد عند العلم بالصِّيْعَان، إن قلنا: المبيع ثم مشاع في الجملة فالبيع باطل لتعذُّر الإشاعة.
وإن قلنا: المبيع صَاعٌ غير مشاع فهو صحيح هاهنا أيضاً، وهذا البناء لا يسلم عن النزاع لما ذكرنا أن الجمهور نزلوه في صورة العلم على الإشاعة مع جعلهم الأظهر هاهنا الصحة فكأنهم نزلوه على الإشاعة إن أمكن، وإلاَّ قالوا: المبيع صاع أي صاع كان لاستواء الغرض.
ثم ادَّعى الإمام أن من لا يرعى الجزئية والإشاعة يحكم ببطلان البيع فيما إذا باع ذراعاً من أرض معلومة الذّرْعَان، وهذا هو الوجه الذي سبقت الإشارة إليه، ولم أر له ذكراً إلاَّ في كتابه.
المسألة الثانية: قوله: وإبهام ممرّ الأرض المبيعة كإِبْهَام نفس المبيع، صورتها أن يبيع أرضاً محفوفة بملكه من جميع الجهات، وشرط أن للمشتري حقّ الممر إليها من جانب ولم يعين، فالبيع باطل؛ لأن الأغراض تتفاوت باختلاف الجوانب، ولا يؤمن إفضاء الأمر إلى المنازعة، فجعلت الجهالة في الحقوق كالجهالة في المعقود عليه.
أما إذا عين الممرّ من جانب فيصح البيع، وكذا لو قال: بعتكها بحقوقها، وثبت
الجزء: 4 - الصفحة: 44
للمشتري حق الممر من جميع الجوانب، كما كان ثابتاً للبائع قبل البيع، وإن أطلق البيع ولم يتعرض للممر ففي المسألة وجهان:
أظهرهما: أن مطلق البيع يقتضي حق الممر لتوقُّف حق الانْتِفَاع عليه، فعلى هذا البيع صحيح، كما لو قال: بعتكها بحقوقها.
والثاني: أنه لا يقتضيه، لأنه لم يتعرض له، فعلى هذا هو كما لو نفى الممر وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ البيع صحيح لإمكان التَّدرج إلى الانتفاع بتحيصيله ممرّاً.
وأصحهما عند الإمام وغيره: البطلان لتعذر الانتفاع بها في الحال، ولو أن الأرض المبيعة كانت ملاصقة للشَّارع، فليس للمشتري طروق ملك البائع، فإنّ العادة في مثلها الدخول من الشارع فينزل الأمر عليها، ولو كانت ملاصقة لملك المشتري فلا يتمكن من المرور فيما أبقاه البائع لنفسه بل يدخل فيه من ملكه القديم، وأبدى الإمام احتمالاً قال: وهذا إذا أطلق البيع، أما إذا قال: "بحقوقها" فله المرور في ملك البائع، وصاحب الكتاب رجح من وجهي مسألة نفي الممر وجه الصحة، لكن الأكثرين على ترجيح مقابله، وتوسّط في "التهذيب" فقال: إن أمكن اتخاذ ممرٍّ من جانب صح البيع، وإلاّ فلا، ولو بَاعَ داراً، واستثنى لنفسه بيتاً فله الممر، وإن نفى الممر نظر إن أمكن اتخاذ ممر آخر صح، وإن لم يمكن فوجهان، ووجه المنع ما قدمناه عن شارح "المفتاح".
58
قال الغزالي: أَمَّا القَدْرُ فَالْجَهْلُ بهِ فيمَا في الذِّمَّةِ ثَمَناً أَوْ مُثَمَّناً مُبْطِلٌ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ بِزِنَةِ هَدِهِ الصَّنْجَةِ، وَلَوْ قَالَ: بعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ صَاعٍ بدِرْهَمٍ صَحَّ (ح)، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الصِّيْعَانِ، لِأَنَّ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ وَالغَرَرُ يَنْتَفِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيّنًا فَالوَزْنُ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بَلْ يَكْفِي عِيَانُ صُبْرَةِ الحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِم، فَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ تَمْنَعُ تَخْمِينَ القَدْرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الغَائِبِ لاسْتِوَاءِ الغَرَرِ، وَقَطَعَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالبُطْلاَنِ لِعُسْرِ إِثْبَاتِ الخِيَارِ مَعَ جَرَيَانِ الرُّؤْيَةِ.
قال الرافعي: المبيع قد يكون في الذمة وقد يكون معيناً، والأول: هو السَّلم 59، والثاني: وهو المشهور باسم البيع، والثمن فيهما جميعاً قد يكون في الذمة، وإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 45
يشترط في السَّلم التَّسليم في مجلس العقد، وقد يكون معيناً، فما كان في الذمة من العوضين، فلا بد وأن يكون معلوم القدر حتى لو قال: بعتك ملء هذا البيت 60 حِنطة "أو بزِنَةِ هذه الصّنْجَة ذهباً" لم يصح البيع، وكذا لو قال: "بعت هذا بما باع به فلان فرسهَ أو ثوبه" وهما لا يعلمانه أو أحدهما، لأنه غرر يسهل الاجْتناب عنه.
وحكى وجه أنه يصح لإمكان الاسْتكشاف وإزالة الجهالة، فصار كما إذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع منها بدرهم يصح البيع، وإن كانت الجملة مجهولة في الحال نقله في "التَّتمة".
وذكر بعضهم: أنه إذا حصل العلم قبل التَّفرق صح البيع، ولو قال: بعتك بمائة دينار إلاَّ عشرة دراهم لم يصح، إلاَّ أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم 61.
ولو قال: بعتك بألف من الدَّراهم والدنانير لم يصح؛ لأن قدر كل واحد منهما مجهول، وعن أبي حنيفة: أنه يصح.
وإذا باع بدراهم أو دنانير فلا بد من العلم بنوعهما، فإن كان في البلد نقد واحد أو نقود، ولكن الغالب التعامل بواحد منها انصرف العقد إلى المَعْهُود، وإن كان فلوساً 62 إلاَّ أنْ يعين غيره، وإن كان نقد البلد مَغْشُوشاً فقد ذكرنا وجهين في صحة التعامل به في "كتاب الزكاة" إلاَّ أنا خصصنا الوجهين بما إذا كان مقدار النُّقْرة مجهولاً، وربما نقل العراقيون الوجهين على الإطلاق، ووجهوا المنع بأن المقصود غير مميز عما ليس بمقصود، فأشبه ما لو ثيب اللّبن بالماء وبيع فإنه لا يصح، وكيف ما كان فالأصح الصحة، وإذا فرعنا عليه انْصَرَف العقد عند الإطلاق إليه، وحكى صاحب "التَّتمة" وجهاً ثالثاً في التَّعامل بالدَّراهم المغشوشة وهو: أنه إن كان الغش غالباً لم يجز، وإن كان مغلوباً فيجوز، وادعى أن هذا مذهب أبي حنيفة واختيار القاضي الحسين، ولو باع شيئاً بدراهم مغشوشة ثم بَانَ أن نقرتها يسيرة جدّاً فله الرد، وعن أبي الفَيَّاض تخريج وجهين فيه، وإن كان في البلد نَقْدَان أو نُقُود مختلفة، وليس بعضها أغلب من بعض فالبيع
الجزء: 4 - الصفحة: 46
باطل حتى يعين، وتقويم المُتْلفات يكون بغالب نقد البلد، فإن كان في البلد نقدان فصاعداً ولا غالب عين القاضي واحداً للتَّقويم.
ولو غلب من جنس العرض نوع، فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان: المحكي عن أبي إسحاق: أنه ينصرف كما ذكرنا في العَقْد ..
قال في "التَّتمة" وهو المذهب: ومن صوره أن يبيع صاعاً من الحِنْطَة بصاع منها، أو بِشَعِيرِ في الذِّمة ثم أحضر قبل التفرق.
وكما ينصرف العقد إلى النَّقد الغالب ينصرف في الصِّفَات إليه أيضاً حتى لو باع بدينار أو بعشرة، والمعهود في البلد الصِّحَاح انصرف العقد إليه، وإن كان المعهود المُكَسرة فكذلك.
قال في "البيان": إلاَّ أن تتفاوت قِيَم المُكَسرة فلا يصح، وعلى هذا القياس لو كان المعهود أن يوجد نصف الثمن من هذا والنّصف من ذاك، أو أن يوجد على نسبة أخرى فالبيع صحيح محمول عليه.
وإن كان يعهد التَّعَامل بهذا مرَّة وبهذا مرة ولم يكن بينهما تفاوت صح البيع، ويسلم ما شاء منهما، وإن كان بينهما تفاوت بطل البيع، كما لو كان في البلد نَقْدَان غالبان وأطلق.
ولو قال: بعت بألف صِحَاح ومكسرة فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل، لأنه لم يبّين قدر كلّ واحد منهما.
والثّاني: يصح ويحمل على التَّنصيف، ويشبه أن يكون هذا الوجه جارياً فيما إذا قال بألف ذهباً وفضة 63 ولو قال: بعت بدينار صحيح فجاء بصحيحين وزنهما مثقال فعليه القبول؛ لأن الغرض لا يختلف بذلك، ولو جاء بصحيح وزنه مثقال ونصف قال في "التتمة": عليه قبوله والزيادة أمانة في يده، والحق أنه لا يلزمه القبول لما في الشّركة من الضرر.
وقد ذكر صاحب "البيان" نحواً من هذا، ولكن إن تراضيا عليه جاز، وحينئذ لو أراد أحدهما كسره وامتنع الآخر لم يجبر عليه لما في هذه القسمة من الضرر.
ولو باع نصف دينار صحيح وشرط أن يكون مدوّراً جاز إن كان يعم وجوده، وإن لم يشرط فعليه شقّ وزنُه نصف مثقال، فإن سلم إليه صحيحاً أكثر من نصف مثقال وتراضياً على الشّركة فيه جاز.
ولو باعه شيئاً بنصف دينار صحيح ثم باعه شيئاً آخر بنصف دينار صحيح، فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 47
سلّم صحيحاً عنهما فقد زاده خيراً، وإن سلم قطعتين وزن كل واحدة نصف دينار جاز، وإن شرط في العقد الثاني تسليم صحيح عنهما فالعقد الثَّاني فاسد والأَوَّل ماض على الصِّحة، إن جرى الثاني بعد لزومه، وإلاَّ فهو إلحاق شرط فاسد بالعقد في زمان الخِيَار، وسيأتي حكمه.
ولو باع بنقد قد انقطع عن أيدي الناس فهو باطل لعدم القدرة على التَّسليم، وإن كان لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في غيرها، فإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً إلى مدة لا يمكن نقله فهو باطل أيضاً، وإن كان مؤجلاً إلى مدة يمكن نقله صح، ثم إن حلّ الأجل وقد أحضره فذاك، وإلاّ فيبنى على أن الاسْتِبْدَال عن الثمن هل يجوز؟ إن قلنا: لا فهو كما لو انقطع المسلم فيه.
وإن قلناة نعم فيستدل ولا يفسخ العقد.
وفيه وجه: أنه يفسخ، وإن كان يوجد في البلد إلا أنه عزيز.
فإن قلنا: يجوز الاسْتِبْدَال عن الثَّمن صحَّ العقد، فإن وجد فذاك وإلاَّ تبادلا وإن قلنا: لا لم يصح.
ولو كان القدر الذي جرى به التَّعامل موجوداً ثم انقطع، إن جوزنا الاستبدال تبادلاً، وإلاَّ فهو كانقطاع المسلم فيه.
ولو باع شيئاً بنَقْد معيّن أو مطلقاً، وحملناه على نقد البلد، فأبطل السلطان ذلك النقد لم يكن للبائع إلاّ ذلك النقد، كما لو أسلم في حنطته فرخصت ليس له غيرها.
وفيه وجه آخر: أنه مخير إنْ شَاء، أجاز العقد بذلك النَّقْد، وإن شاء فسخه، كما لو تعيب المبيع قبل القبض، وعن أحمد: أنه يجب تسليم النقد الجديد بالقيمة.
وإذا وقفت على هذه المسائل فاعلم: أن صاحب الكتاب لما ذكر أن العلم بقدر العوض لا بد منه إذا كان في الذمة احتاج إلى بيان مسألة هي كالمستثناة عن هذه القاعدة، وهي أنه لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم يصح العقد، وإن كانت الصُّبْرَة مجهولة الصِّيْعَان وقدر الثمن مجهولاً، وبه قال مالك وأحمد، وكذا الحكم لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب، كل ذراع بدرهم أو هذه الأغنام، كل واحدة بدينار.
وقال أبو حنيفة: إذا كانت الجملة مجهولة صح البيع في مسألة الصُّبْرَة، وفي قَفِيزٍ واحد دون الباقي.
وفي مسألة الأرض والثوب لا يصح في شيء، وهذا ما حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحسين في الصور كلها، وجه الصحة: أنَّ الصُّبْرَةَ مشاهدة، والمشاهدة كافية في الصحة على ما سنذكره، ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيله معلوم، والغَرَرُ
الجزء: 4 - الصفحة: 48
يرتفع به، فإنه يعلم أقصى ما تنتهي إليه الصُّبْرَة، وقد رغب فيها على شرط مقابلة كل صَاعٍ بدرهم كما كانت.
ولو قال: بعتك عشرة من هؤلاء الأغنام بكذا لم يصح، وإن علم عدد الجملة بخلاف مثله في الصُّبْرَة والأرض والثوب؛ لأن قيمة الشاة تختلف، فلا يدرى كَم العَشْرَة من الجملة؟ كذا ذكره في "التهذيب" وقياس ما قدمناه من عدم الصحة، فيما إذَا باع ذراعاً من ثوب أو من أرض مجهولة الذّرْعَان تعليلاً بأن أجزاء الأرض والثوب تختلف، أو يكون قوله: بعتك كذا ذراعاً من الأرض وهي معلومة الذّرْعَان، كقوله: بعتك كذا عدداً من هذه الأغنام وهي معلومة العدد فليسوِّ بينهما في الصحة أو عدمها.
ولو قال: بعتك من هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم لم يصح؛ لأنه لم يبع جميع الصُّبْرَة، ولا بين المبيع منها، وعن ابن سُرَيجٍ: أنه يصح في صاع واحد، كما لو قال: بعتك قَفِيزاً من الصُّبْرَة بدرهم، ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم، أو قال مثله في الثوب والأرض، نظر إن خرج كما ذكر صح البيع، وإن خرج زائداً أو ناقصاً فقولان: قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يصح البيع، لأنه باع جملة الصُّبْرَة بالعشرة بشرط مقابلة كل صاع منها بدرهم، والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال.
والثاني: أنه يصح لإشارته إلى الصُّبْرَة ويلغى الوصف، وعلى هذا إن خرج ناقصاً فللمشتري الخيار، فإن أجاز فيجيز بجميع الثمن لمقابلة الصبرة به أو بالقسط لمقابلة صبرة كل صاع بدرهم، فيه وجهان، وإن خرج زائداً فلمن تكون الزيادة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنها للمشتري، لأن جملة الصُّبْرَة مبيعة منه، فعلى هذا لاَ خِيَار له، وفي البائع وجهان:
أصحهما: أنه لا خيار له أيضاً؛ لأنه رضي ببيع جميعها.
والثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وعلى هذا لا خيار له، وفي المشتري وجهان:
أصحهما: ثبوت الخيار إذا لم يسلم له جميع الصبرة.
هذا ما نذكره الآن في أحد القسمين، وهو أن يكون العِوَض في الذمة، فأما إذا كان معيناً فلا يشترط معرفة قدره بالوزن والكَيْل حتى لو قال: بعتك هذه الدَّراهم أو هذه الصُّبْرَة صح، ويكفي عِيَانُ الدَّرَاهم والصبرة ربطاً للعقد بالمشاهدة، نعم حكوا قولين في أنه هل يكره بيع الصبرة جُزافاً 64.
الجزء: 4 - الصفحة: 49
وعن مالك: إن علم البائع قدر كَيلها لم يصح البيع حتى يبينه، وحكى إمام الحرمين عنه أنه لا بد من معرفة المقدار، فلا يصح بيع الصبرة جزافاً ولا بالدراهم جزافاً، ولو كانت الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض، أو باع السَّمْن ونحوه في طرف مختلف الأجزاء دقة وغلظاً، فقد حكى المصنف في "الوسيط" ثلاث طرق، وقضية إيراد الإمام الاقتصار على الأول والثالث.
أظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: أن في صحة البيع قولي بيع الغائب؛ لأن انخفاض الأرض وارتفاعها وغلظ الطّرف ودقته يمنع تَخْمين القدر، وإذا لم يفد العِبَيان إِحَاطة كان كعدم العِيَان في احتمال الغَرَر.
والثاني: القطع بالبطلان؛ لأنا إذا صححنا بيع الغَائِب أثبتنا فيه الخِيَار عند الرّؤية، والرؤية حاصلة هاهنا فيبعد إثبات الخيار معها، ولا سبيل إلى نفيه لمكان الجَهَالة، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب، والطريقة الثانية ضعيفة، وإن نسبت إلى المحققين؛ لأن الصِّفَة والمقدار مجهولان في بَيْع الغائب، ومع ذلك خرجناه على قولين، فكيف نقطع بالبطلان هاهنا مع معرفة بعض الصِّفَات بالرّؤية؟ فإن قلنا بالصحة فوقت إثبات الخيار هاهنا معرفة مقدار الصُّبْرَة أو التَّمكن من تَخْمِينه برؤية ما تحتها.
والطَّريق الثالث: نقله الإمام عن رواية الشيخ أبي علي في "مهذبه الكبير": القطع بالصحة، ذهاباً إلى أن جهالة المقدار غير جائزة بعد المُشَاهدة، فإن فرعنا على البطلان فلو باع الصُّبْرَة والمشتري يظن أنها على اسْتِوَاء الأرض ثم بَانَ تَحْتَها دكة، هل يَتَبَيْن بطلان العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم وبه قال الشَّيخ أبو محمد لأنا تبيَّنا بالآخرة أن العِيَان لم يفد علماً.
وأظهرهما: لا، ولكن للمشتري الخيار تنزيلاً لما ظهر منزلة الغيب والتَّدْليس، -هذا ما أورده صاحب "الشَّامل" وغيره- ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة إلاَّ صاعاً، فإن كانت معلومة الصِّيْعَان صح، وإِلاَّ فلا وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يصح، وإن كانت مجهولة الصِّيْعَان، واحتجوا للمذهب بما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَن الثّنيا في الْبَيْعِ" 65.
ثم اختلفوا في وجه الاحتجاج، فذكر المَاوْردي في "الحاوي": أن المراد من الخبر: الصورة التي نحن فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 50
وقال قائلون: الخبر ينفي احتمال الاستثناء مطلقاً، فإن ترك العمل به في موضع وجب ألاّ يترك هاهنا -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّفَةُ فَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَتِهَا بِالعِيَانِ قَوْلاَنِ، اخْتَارَ المُزَنِيُّ الاشْتِرَاطَ وَأَبْطَلَ بَيْعَ (ح م) مَا لَمْ يَرَهُ وَشِرَاءَهُ وَلَعَلَّهُ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ، وَفي الهِبَةِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَعَلَى القَوْلَيْنِ يُخَرَّجُ شِرَاءُ الأَعْمَى؛ لأنَّهُ يُقَدَّرُ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالرُّؤْيَةِ وَالفسْخِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَيصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى اعْتِمَاداً عَلَى الوَصْفِ، وَكَذَلِكَ الأكْمَةَ إلاَّ عَلَى رَأْي المُزَنِيِّ فَإنَّهُ أَوَّلَ كَلاَمُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى غيْرِ الأكْمَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: في بيع الأعيان الغائبة والحاضرة التي لم تر قولان، قال في القديم وفي "الإملاء" والصَّرْف من الجديد: إنه صحيح، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اشْتَرَى شيئاً لَمْ يَرَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهُ" 66 ومعلوم أن الخِيَار إنما يثبت في العقود الصحيحة؛ ولأنه عقد مُعَاوضة فلم يكن من شرطه رؤية المعقود عليه كالنِّكاح.
وقال في "الأم" والبُويطِيّ: لا يصح، وهو اختيار المزني، ووجهه أنه بيع غَرَر، وقد "نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ" 67.
ولأنه بَيْعٌ مجهول الصِّفة عند العاقد حال العقد فلم يصح بيعه، كما لو أسلم في شيء ولم يصفه، واشتهر القول الأول بالقديم والثاني بالجديد، واختلفوا في محلّهما على طريقين:
أصحهما: عند ابن الصِّبَّاغ وصاحب "التتمة" وغيرهما: أن القولين مُطَّردان في المبيع الذي لم يره المتبايعان كلاهما، وفيما لم يكره أحدهما.
والثاني: أن القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري، أما إذا لم يشاهده البائع فالبيع باطل قولاً واحداً؛ لأن الاجتناب عن هذا الغَرَر سهل على البائع، فإنه المالك والمتصرّف في المبيع، ومنهم من جعل البيع أوْلى بالصِّحة؛ لأن البائع معرض عن الملك والمشتري محصل له فهو أجدر بالاحْتِياط، وهذا يوجب خروج طريقة ثالثة وهي: القطع بالصحة إذا رآه المشتري، وتخصيص الخلاف فيما إذا لم يكره، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 51
"البيان" إشارة إلى هذه الطريقة الثالثة، والقولان في شراء الغائب وبيعه يجريان في إجارته، وفيما إذا أجّر بعين غائبة أو صالح عليها، أو جعلها رأس مال السَّلم في مجلس العقد، ولو أصدقها عيناً غائبة أو خالعها عليها أو عفا عن القِصَاص على عَيْنٍ غائبة صحَّ النِّكَاح، وحصلت البَيْنُونَة وسقط القصاص، وفي صحة المسمى القولان، فإن لم يصح وجب مهر المِثْل على الرجل في النكاح وعلى المرأة في الخُلْع، ووجبت الدِّيَة على المعفو عنه، ويجريان أيضاً في هبة الغائب ورهنه، وهما أولى بالصّحة؛ لأنهما ليسا من عقود المُغَابَنَات، بل الرَّاهن والواهب مَغْبُونَان لا محالة، والمُرْتَهن والمُتَّهب مرتفقان لا محالة، ولهذا قيل: إنا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية إذ لا حاجة إليه.
الثانية: إذا لم نجوز شراء الغَائب وبيعه لم يجز بيع الأعمى وشراؤه، وإن جوّزناه فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً، والفرق أنا إذا جوزنا شراء الغائب ثبت فيه خيار الرّؤية، وهاهنا لا سبيل إلى إثبات خيار الرؤية إذ لا رؤية، فيكون كبيع الغائب على شَرْط أن لا خيار.
والثَّاني: أنه يجوز، ويقام وصف غيره له مقام رؤيته، كما تقام الإِشَارة مقام النُّطْق في حق الأَخْرَس وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وقد يعبر عما ذكرنا بأن يقال في بيعه وشرائه طريقان:
أحدهما: أنه على قولي شراء الغائب.
والثاني: القطع بالمنع، وبنى يَانُون هذين الطريقين على أنه هل يجوز للبصير إذا صححنا منه شراء الغائب أن يوكل غيره بالرؤية وبالفسخ، أو الإِجَازة على ما يستصوبه؟ وفيه وجهان.
أظهرهما: أنه يجوز كالتوكيل في خيار العَيْب وخيار الحَلف.
والثَّاني: لا يجوز؛ لأن هذا الخيار مربوط بإرادة من له الخيار، ولا تعلُّق له بعرض ولا وصف ظاهر، فأشبه ما لو أسلم الكافر على عشر نسوة ليس له أن يوكّل بالاختيار، فإن صححنا التّوكيل خرج بيعه وشراؤه على قولي شراء الغائب، وإلاَّ قطعنا بالفساد؛ لأنه لو صح لتمكن منه جَهَالة لا نزول، ولما أفضى الأمر إلى قرار، وإذا قلنا: لا يصح بيع الأعمى وشراؤه، فلا يصح منه الإجَارة والرّهن والهِبَة أيضاً، وهل له أن يكاتب عبده؟ قال في التهذيب: لا.
وقال في التتمة: المذهب أن له ذلك تغليباً للعتق، ويجوز له أن يؤجِّر نفسه وللعبد الأعمى أن يشتري نفسه وأن يقبل الكتابة على نفسه؛ لأنه لا يجهل نفسه ويجوز
الجزء: 4 - الصفحة: 52
له أن ينكح وأن يزوج موليته تفريعاً على أن العَمَى غير قَادِح في الوِلاية، والصداق عين مال لم يثبت المسمّى، وكذلك لو خالع الأعمى على مال، وأما إذا أسلم في شيء أو باع سَلماً إليه فينظر إن عمي بعد ما بلغ سن التَّمييز، فهو صحيح، لأن السلم يعتمد الأوصاف، وهو -والحالة هذه- مميز بين الألوان ويعرف الأوصاف، ثم يوكل من يقبض عنه على الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟ فيه وجهان:
أصَحُّهما: لا، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وإن كان أَكْمَه أو عَمِيَ قبل ما بلغ سن التَّمييز فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح سلمه، لأنه لا يعرف الألوان ولا يميز بينها، وبهذا قال المُزَنِيّ، ويحكى عن ابن سريج وابن خَيْرَان وابن أبي هريرة أيضاً، واختاره صاحب "التهذيب".
وأصحهما عند العراقيين وغيرهم ويحكى عن أبي إسحاق المروزي، وبه أجاب في الكتاب: أنه يصح؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسَّماع، ويتخيل فرقاً بينهما، فعلى هذا إنما يصح إذا كان رأس المال موصوفاً غير معين في المجلس.
أما إذا كان معيناً فهو كبيع العَيْن الغائبة.
وكل ما لا نصححه من الأعمى من التصرفات فسبيله أن يوكل عنه، ويحتمل ذلك للضرروة 68 -والله أعلم-.
ولترجع إلى ما يتعلّق بلفظ الكتاب من الفوائد.
قوله: "الصفة ... " إلى قوله: "فأبطل بيع ما لم ير وشراءه"، جواب على طريقة طَرْد القولين في البيع والشراء وهو الأشهر.
قوله: "ولعله أصح القولين" إنما فرض القول فيه، لأن طائفة من أصحابنا مالوا إلى قول التصحيح وأفتوا به، وقد تابعهم صاحب "التهذيب" والروياني عليه.
وعن الخُضَرِيّ: أنه كان لا يجزم بالفساد إذا سئل عن بيع الغائب، بل يقول: إن لم يصح الخبر فالقياس فساده.
وقوله: "على القولين": يخرج شراء الأعمى مصيراً إلى طرد القولين في شراء الأعمى، وليكن معلّماً بالواو للطريقة القاطعة بالمنع، وإليها ذهب الأكثرون وقوله: "إنه يقدر على التَّوْكيل" إشارة إلى ما سبق من مضي الطَّرِيقين، وجعله الصِّحَّة أصح الوجهين غير منازع فيه، لكن ذهاب الأكثرين إلى القطع بالمنع يُشَوِّشُ ذلك البناء، لأن قياس ترجيح وجه الصِّحة يرجح طريقة القولين.
الجزء: 4 - الصفحة: 53
وقوله: "فإنه أول كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- على غير الأَكْمَه" أراد به أن الشَّافعي -رضي الله عنه- أطلق القول في جواز سلم الأعمى، فقال المُزنِيُّ في "مختصر سننه": أن يكون أراد الشافعي -رضي الله عنه- لمعرفتي بلفظ الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى، وأَمَّا من خُلِقَ أعمى فإنه لا معرفة له بالأَلْوَان وحكم بفساد سلمه.
قال الغزالي: التَّفْرِيعُ: إِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيةَ فَالرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالمقَارَنَةِ (و) فِيمَا لاَ يَتَغَيَّرُ غَالِباً، وَلَيْسَ اسْتِقْصَاء الوَصْفِ كَالرُّؤْيَةِ عَلَى الأظْهَرِ، وَرُؤْيَة بَعْضِ المَبِيعِ كَافِيَةٌ إِنْ دَلَّ عَلَى البَاقِي لِكَوْنهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ كَانَ صُوَاناً لَهُ خِلْقَةٌ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالبَيْضِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر القولين في شراء الغائِب والصّور المُلْحقة به أراد أن يفرع عليها، فعد في هذا الفصل فروعاً على قولنا باشتراط الرُّؤْية، وفي الفصل الذي يليه فروعاً على القول المقابل له.
فأما فروع هذا الفصل الذي ذكرها فهي ثلاثة:
أحدها: لو اشترى غائباً رآه قبل العقد نظر إن كان ممَّا لا يتغير غالباً كالأَرَاضي والأَوَاني والحَدِيد والنَّحَاس، ونحوها، أو كان لا يتغير في المدة المتخلّلة بين الرّؤية والشِّراء صح العقد لحصول العلم الذي هو المقصود 69.
الجزء: 4 - الصفحة: 54
وقال الأَنْمَاطِيُّ: لا يصح، لأن ما كان شرطاً في العقد ينبغي أن يوجد عنده كالقدرة على التسليم في البيع والشهادة في النكاح، والمذهب الأول.
واحتج الإِصْطَخْرِي على الذَّاب عن الأَنْمَاطِي في المسألة، فقال: أرأيت لو كان في يده خاتم فأراه غيره حتى نظر إلى جميعه ثم غطاه بكفه ثم باعه منه هل يصح؟
قال: لا، قال: أرأيت لو دخل داراً، ونظر إلى جميع بيوتها، وعلا إليها ثم خرج منها واشتراها هل يصح؟ قال: لا، قال: أرأيت لو دخل أرضاً ونظر إلى جميعها، ثم وقف في ناحية منها واشتراها، هل يصح؟ فتوقف فيه، ولو ارتكبه لكان مانعاً بيع الأراضي والضِّيَاع التي لا تشاهد دفعة واحدة فإنه خلاف الإجماع.
ثم إذا صَحَّحنا الشراء، فإن وجده كما رآه أوَّلاً فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فقد حكى المصنف: فيه وجهين في "الوسيط".
أحدهما: أنه يَتبيَّن بطلان العَقْد لتبين انتفاء المعرفة.
وأصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه لا يتبين ذلك لبناء العقد في الأصل على ظَنّ غالب ولكن له الخيار.
قال الإمام: وليس المعنى بتغيره تعيبه، فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة، ولكن الرؤية بمثابة الشَّرط في الصِّفات الكائنة عند الرؤية، وكل ما فات منها فهو بمثابة ما لو تبيَّن الخلف في الشرط.
وإن كان المبيع ممَّا يتغير في مثل تلك المدّة غالباً، كما إذا رأى ما يتسارع إليه الفساد من الأطعمة، ثم اشتراه بعد مدة صالحة فالبيع باطل، وإن مضت مدة يحتمل أن يتغير فيها ويحتمل ألاّ يتغير أو كان المبيع حيواناً ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يصح البيع لما فيه من الغَرَر، ويحكى هذا عن المزني.
وعن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: الصحة، لأن الظَّاهر بقاؤه بحاله، فإن وجده متغيراً فله الخيار، وإذا اختلفا فقال البائع: هو بحاله، وقال المشتري: بل تغير، فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير واستمرار العَقْد.
وأظهرهما: وهو المحكى عن نصه في "الصرف": أن القول قول المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدعى عليه الاطِّلاع على المبيع على هذه الصفة، والرِّضَا به وهو ينكره، فأشبه ما إذا ادَّعَى عليه الاطِّلاعَ على العَيْب وأنكر المشتري.
والثَّاني: اسْتِقْصَاء الأَوْصاف على الحد المعتبر في السَّلم، هل يقوم مقام الرُّؤْية؟ وكذا سماع وصفه بطريق التَّوَاتر فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 55
أحدهما: نعم، لأن ثمرة الرُّؤْية المعرفة وهما يفيدانها، فعلى هذا يصح البيع على القولين ولا خيار.
وأصحهما: لا، لأن الرؤية تطلع على أمور تضيق عنها العبارة.
ثم الصائرون إلى هذا الوجه ومنهم أصحابنا العراقيون اختلفوا في أن استقصاء الوصف هل يشترط على قولنا بصحة بيع الغائب على ما ستعرفه -إن شاء الله تعالى-.
الثالث: إذا رأى بعض الشَّيء دون بعض، نظر إن كان ممّا يستدل برؤية بعضه على الباقي صح البيع كما إذا رأى ظاهر الصُّبْرَة من الحِنْطَة والشَّعِير؛ لأن الغالب أن أجزاءها لا تختلف، وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، ثم لا خيار له إذا رأى باطنه، إلاَّ إذا خالف باطنه ظاهره.
وفي "التَّتمة": أن أبا سهل الصُّعْلُوكِي حكى قولاً عن الشافعي -رضي الله عنه- لا تكفي رؤية ظاهر الصُّبْرَة بل لا بد من تقليبها ليعرف حال باطنها أيضاً، وهكذا حكاه أبو الحسن العبادي عن الصُّعْلُوكي نفسه.
وقال: إنما ألجأه إليه ضرورة نظر المبيع، والمذهب المشهور هو الأول.
وفي معنى الحِنْطَة والشَّعِير، صُبْرة الجوز واللّوز والدَّقيق؛ لأن الظاهر استواء ظاهرها وباطنها، ولو كان شيء منها في وِعَاء فرأى أعلاه، أو رأى أعلا السَّمْن والخَلِّ وسائر المائعات في ظروفها كفى، ولو كانت الحنْطَة في بيت وهو مَمْلُوء منها، فرأى بعضها من الكُوَّة أو الباب كفى إن عرف سعة البيت وعمقه، وإلاَّ فلا.
وكذا حكم الجمد في المُجَمَّدة، ولا يكفي رؤية صُبْرَة البَطِّيخِ والرُّمَّان والسَّفَرجَل؛ لأنها تباع في العَادَة عَدداً وتختلف اختلافاً بَيّنا فلا بد من رؤية واحد واحد، وكذا لا يكفي في شراء السّلة من العِنَب والخوخِ ونحوهما رؤية الأعلى لكثرة الاختلاف فيها، بخلاف صُبْرَة الحُبُوب والتَّمر إن لم تَلْتَزِق حباته، فَصُبْرَته كصُبْرَة الجُوز واللّوز، وإن التزقت كالقوْصَرَّة 70 فيكفي رؤية أعلاها على الصحيح.
وعن الصَّيْمَرِيّ حكاية خلاف في القُطْن في العِدْل: أنه هل يكفي رؤية أعلاه أم لا بد من رؤية جميعه؟
قال: والأشبه عندي أنه كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 56
ولو رأى أنموذجاً وبنى أمر البَيْع عليه نظر إن قال: بعتك من هذا النوع كذا فهو باطل؛ لأنه لم يعيّن مالاً ولا راعي شرط السَّلم، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السَّلم على الصَّحيح؛ لأن الوصف اللفظ يمكن الرجوع إليه عند الإِشْكَال.
ولو قال: بعتك الحِنْطَة الَّتي في هذا البيت، وهذا الأنموذج منها، نظر إن لم يدخل الأنمُوذَج في البيع ففيه وجهان:
أحدهما: صحة البيع، تنزيلاً له منزلة اسْتِقْصَاء الوصف.
وأصحهما: المنع؛ لأن المبيع غير مرئي، ولا يشبه استقصاء الوصف لما ذكرنا في السَّلم، وإن أدخله في البيع فعن القَفَّال وغيره: القَطْع بالصِّحّة كَمَا لَوْ رأى بعض الصُّبْرَة.
وعن بعض الأئمة القطع بالمنع قال إمام الحرمين: والقياس ما قاله القَفَّال، ولا يخفى أن مسألة الأنموذج إنما تفرض في المُتَمَاثِلاَت 71.
وإن كان ذلك الشَّيء مما لا يستدلُّ برؤية بعضه على البَاقي، نظر إن كان المرئي صُوَاناً للباقي كقشر الرُّمَّان والبَيْض كفى رؤيته، وإن كان معظم المقصود مستوراً؛ لأن صلاحه في إبقائه فيه.
وكذا لو اشترى الجُوز واللّوز في القِشْرة السُّفلى، ولا يصح بيع اللّبِّ وحده فيها، لا على القول الذي يفرع عليه ولا على القول الآخر؛ لأن تسليمه لا يمكن إلا بكسر القشر، وفيه تغيير عين المبيع.
ولو رأى المبيع من وراء قَارُورَةٍ هو فيها لم يكف؛ لأن المعرفة التَّامَّة لا تحصل به، ولا يتعلّق صلاح بكونه فيها، بخلاف السَّمك يراه في الماء الصَّافي يجوز بيعه، وكذا الأرض يعلوها ماء صاف، لأن الماء من صلاحها ولا يمنع معرفتها، وإن لم يكن كذلك لم تكف رؤية البعض على هذا القول وأَمَّا على القول الآخر ففيه كلام موضعه الفَصْل الذي يلي هذا الفصل.
واعلم أن الرؤية كل شيء على حسب ما يليق به، ففي شراء الدّار لا بد من رؤية البيوت والسُّقُوف والسُّطُوح والجُدْرَان داخلاً وخارجاً، ومن رؤية المُسْتَحم والبَالُوعة، وفي البُسْتَان من رؤية الأشجار والجُدْرَان ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البُنْيَان وغيره من الأشجار ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 57
وفي "الجُرْجَانِيَّات" لأبي العباس الرُّويَانِيّ ذكر وجهين في اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرَّحى وفي شراء العبد لا بد من رؤية الوَجْه والأَطْراف، ولا يجوز رؤية العَوْرَة، وفي باقي البدن وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا بد من رؤيته، وفي الجارية وجوه:
أحدما: يُعْتبر رؤية ما يُرى من العَبْد.
والثانى: رؤية ما يبدو عند المِهْنة.
والثالث: يكفي رؤية الوَجْه والكَعْبَيْن، وفي رؤية الشعر وَجْهَان في "التهذيب":
أصحهما: اشتراطها، ولا يشترط رؤية الأَسْنَان واللِّسَان في أصح الوجهين.
وفي الدَّواب لا بد من رؤية مَقْدمها ومُؤَخّرها وقَوَائِمها، ويجب رفع السَّرْجِ والإكَافِ والجُلِّ وعن بعض الأصحاب: أنه لا بد من أن يجري الفَرَسْ بين يديه ليعرف سَيْرَه.
والثوب المطوي لا بد من نشره.
قال الإمام: ويحتمل عندي أن نصحح بيع الثياب التي لا تُنْشَر بالكليّة إلا عند القطع لما في نشر ها من التَّنْقيص 72، وتلحق بالجُوز واللّوز لا يعتبر كَسْرُها لرؤية اللُّبُوب مع أنها معظم المقصود، ثم إذا نشرت فما كان صفيقاً كالدِّيْبَاج المقش فلا بد من رؤية كلا وجهيه، وفي معناه البُسُطُ والزَّلاَلِيُّ 73، وما كان رقيقاً لا يختلف وجهاه كالكِرْبَاس يكفي رؤية أحد وجهيه في أصح الوجهين.
ولا يصح بيع الثياب التَّوَّزِيَّة 74 في المُسُوح على هذا القول.
قال الإمام: وَعُمُوم عرف الزمان محمول على المُحَافظة على المالية والأعراض عن رعاية حدود الشرع.
وفي شرى المصحف والكتب لا بد من تَقْليب الأوراق ورؤية جميعها، وفي البياض لا بد من رؤية جميع الطَّاقات.
وذكر أبو الحسن العبادي: أن القُفَّاع يفتح رأسه، وينظر فيه بقدر الإمكان حتى يصح بيعه، وصاحب الكتاب أطلق المُسامَحَة في "الإحياء" فيما أظن 75 -والله أعلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 58
قال الغزالي: وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطِ الرُّؤْيَةُ فَبَيْع اللَّبَنِ في الضِّرْعِ بَاطِلٌ (م) لِتَوَقُّعِ اخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِ المَبِيعِ وَعُسْرِ التَّسْلِيمِ، وَلَوِ اشْتَرَى ثَوْباً نِصْفُهُ في صُنْدُوقِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ باطلٌ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ سَبَبُ اللُّزُومِ وَعَدَمُهَا سَبَبُ الجَوَازِ فَيَتَنَاقَضَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ لاَ يَتَبَعَّضُ، وَلَوْ قالَ: بِعْتُ مَا فِي كُمِّي لَمْ يَصِحَّ (و) مَا لَمْ يَذْكُرِ الجِنْسَ، وَمَهْمَا رَأى المَبِيعَ فَلَهُ الخِيَارُ، وَلَهُ الفَسْخُ قَبْلَ الرُّؤيَةِ دُونَ الإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ حَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ.
قال الرافعي: أمهات مسائل الفصل أربع:
إحداها: بيع اللَّبَن في الضَّرع باطل، وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه إذا عرف قدر حِلاَبها في كل دفعة صح وإن باعه أيَّاماً.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوْفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ" 76.
ولأنه مجهول القدر لتفاوت حسن الضُّرُوع، ولأنه يزداد شيئاً فشيئاً لا سيما إذا أخذ في الحلب وما يحدث ليس من المبيع، فلا يتأتى التَّمييز والتَّسْليم، ولو قال: بعتك من اللَّبن الذي في ضَرْع هذه البقرة كذا لم يجز أيضاً على الصحيح؛ لأن وجود القدر المذكور في الضَّرع لا يستيقن.
وفيه وجه: أنه يجوز كما لو باع قدراً من اللَّبن في الظَّرْف فيجي فيه قولاً بيع الغائب.
ولو حَلَبَ شَيْئاً من اللَّبن فأراه ثم باعه رطلاً في الضَّرع، فقد نقلوا فيه وجهين كما في مسألة الأنْمُوذَج.
قال الإمام: وهذا لا يَنْقَدِح إذا كان المبيعِ قدراً لا يتأتى حَلْبه إلاَّ ويتزايد اللبن فإن المانع قائم، والحالة هذه فلا ينفع إِبْدَاء الأُنْمُوذج، نعم لو كان المبيع يَسِيراً وابتدر إلى الحلب فلا يفرض، والحالة هذه ازدياد شيء به مبالاة فيحتمل التَّجْوِيز، لكن إذا صورنا الأمر هكذا، فلا حاجة إلى إبداء الأُنمُوذج في التَّخريج على الخلاف بل صار صائرون إلى إلحاقه ببيع الغائب، وآخرون خَتَمُوا الباب وألحقوا القليل بالكثير، وصاحب الكتاب في "الوسيط" حكى الخلاف في سورة أخرى تناسب هذه، وهي أن يقبض على قدر من الضَّرع ويحكم سنده ويبيع ما فيه.
وقوله في الكتاب: "وإن لم نشترط الرؤية فبيع اللبن في الضرع باطل لا يخفى أن هذا ليس تفريعاً على هذا القول خاصة، بل هو على قول اشْتراط الرّؤية أولى بأن يبطل،
الجزء: 4 - الصفحة: 59
وإنما ذكره عند التفريع على هذا القول ليعرف أنه وإن صحَّ شراء ما لم ير، لم يصح بيع اللَّبن في الضَّرْع لمعنى الاخْتِلاَط.
ونختم المسألة بصور تشبهها:
إحداها: لا يجوز بيع الصُّوف على ظهر الغنم لما مر من الخبر، ولأن مطلق اللفظ يتناول جميع ما على ظاهر الجلد، ولا يمكن استيعابه إلا بإيْلاَم الحيوان، وإن شرط الجَزّ فالعادة في المِقْدار المَجْزُوز تختلف، وبيع المجهول لا يجوز.
وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه يجوز لشرط الجَزّ.
وحكاه القاضي ابن كَجٍّ وجهاً لبعض الأصحاب، ويجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان بعد الذَّكَاة، إذ ليس في اسْتِيفَاء جميعه إِيْلاَم.
وتجوز الوَصِيَّة باللَّبن في الضرع، وبالصُّوف على ظهر الغنم بخلاف البيع.
الثانية: بيع الشَّاة المَذْبُوحَة قبل السَّلْخ باطل، سواء بِيع اللَّحم وحده أوالجِلْد وحده، أو بِيعا معاً، لأن المقصود اللحم وهو مجهول، ولا يجوز بيع الأَكارع والرّوس قبل الإبَانَة، وفي الأَكَارع وجه مذكور في "التَّتمة"، ويجوز بيعها بعد الإِبَانَة نيئةً وَمَشْوِيَّة، ولا اعتبار بما عليها من الجِلْدِ فإنها مأكولة، وكذا المَسْمُوط يجوز بيعه نَيّاً ومَشْويّاً، وفي النَّيِّ احتمال عند الإمام.
الثالثة: بيع الِمسْكِ في الفَأْرة باطل، سواء بيع معها أو دونها كاللحم في الجلد، ولا فرق بين أن يكون رَأْسُ الفأرة مفتوحاً أو لا يكون للجهل بالمقصود، وفصّل في "التتمة" إذا كانت مفتوحة فقال: إن لم تتفاوت ثَخَانَتُها، وشاهد الِمسْك فيه صح البيع، وإلاّ فلا.
وعن ابن سريج: أنه يجوز بيعه مع الفَأْرَةِ تشبيهاً لها بالجُوز واللّوز.
ولو رأى المِسْك خارج الفأرة ثم اشتراه بعد الرَّد إليها صَحّ، فإن كان رَأْسُهَا مفتوحًا فرأى أعلاه فيجوز، وإِلاَّ فعلى قولي بيع الغائب 77.
الجزء: 4 - الصفحة: 60
المسألة الثَّانية: لو رأى بعض الثّوب المبيع، وبعضه الآخر في صندوق أو جراب لم يكره.
فقد حكى المزني عن نصه أن البيع باطل، ورأى كونه مقطوعاً به واحتج به لاختياره بطلان بيع الغائب، وقال: إذا بطل بيع ما لم ير بعضه، فلأن يبطل بيع ما لم ير كله كان أَوْلَى.
وللأصحاب في المَسْأَلَةِ طريقان: فقال قائلون منهم أبو إسحاق: المسألة على قولين، كَما لو لم يَرَ شَيْئاً منه، وحيث أجاب الشافعي -رضي الله عنه- بالبطلان، أجاب على أحد القولين في بيع الغائب، والاقتضاء على أحد القولين في بعض الصور لا يستبدع، ألا ترى أنه اقتصر على قول التصحيح في كثير من المواضع؟
وسلم آخرون منهم صاحب "الإفصاح" أبو علي ما قرره المُزَنِيُّ من الجَزْمِ بالبطلان، وفرقوا بوجهين:
أحدهما: أنَّ ما نظر إلى بعضه بسهل النَّظَر إلى باقيه بخلاف الغَائِب فقد يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه.
والثَّاني: أَنَّ الرؤية فيما يراه سبب اللُّزُوم وعدمها فيما لم ير سبب الجواز والعقد واحد، لا يتصور إثبات الجواز واللزوم فيه مَعَاً ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين.
قال جمهور الأئمة: والصحيح الطريقة الأولى والفرقان فاسدان، أما الأول فلأنا على قول تجويز بيع الغَائِب نجوِّز بيع ما في الكم مع سهولة إخراجه، وأما الثَّاني فلأن وجود سبب الرَّدِّ في البعضَ يكفي في رَدِّ الكل كما إذا وجد ببعض المبيع عيباً.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن ما اقتصر على ذكره في الكتاب تفريعاً على هذا القول غير ما هو الصحيح عند الجمهور.
هذا أكله فيما إذا كان المبيع شيئاً واحداً، أما إذا كان المَبِيعُ شيئين، ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغَائب، لم يصحَّ المبيع فيما لم يره، وفيما رآه قولاً تفريق الصَّفقة، فإن صححنا شراء الغائب ففي صحّة العقد فيهما قولان؛ لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم، لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يكره وإِمْسَاك ما رآه.
المسألة الثالثة: إذا لم نشترط الرُّؤية فلا بد من ذكر جِنْسِ المبيع بأن يقول: بعتك عبدي أو فرسي ولا يكفي قوله: بعتك ما في كُمِّي أو كَفِّي أَو خزَانَتِي أو ما ورثته من أبي إذا لم يعرفه المشتري هذا ظاهر المذهب.
وحكى الإمام وجهاً: أنه يصح وإن لم يذكر الجنس؛ لأن المَرْعى على القول الذي عليه يفرع أن يكون المبيع معيناً، والجَهَالَة لا تزول بذكر الجِنْس فلا معنى لاشتراطه، فعلى هذا لا يشترط ذكر النوع بطريق الأولى.
الجزء: 4 - الصفحة: 61
وعلى قولنا: إنه يشترط ذكر الجنس، فالظاهر أنه لا بد من ذكر النوع أيضاً، بأن يقول: عبدي التُّركي، أو فرسي العَرَبِيّ.
وأوهم الإمام خلافاً فيه، فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك واشترطه العراقيون، وربما أشعر قوله في الكتاب: "ما لم يذكر الجنس" بالاكْتِفاء بذكر الجنس والاسْتِغْنَاء عن ذكر النوع أيضاً، وإذا جرينا على الظاهر، فلو كان له عبدان من النوع المذكور فلا بد من أن يزيد ما يقع به التمييز من التعرض للسِّن أو غيرها، وإن لم يكن إلا واحد فوجهان:
أصحهما وبه قال أبو حنيفة، ويحكى عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يكفي ذكر الجنس والنوع، ولا يجب التعرض للصفات، لأن الخيار ثابت والاستدراك حاصل به، فلا حاجة إلى الوصف.
والثاني: وبه قال مالك: أنه لا بد من التعرض إلى الصفات، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما وبه قال أبو علي الطَّبَرِيّ: أنه يشترط ذكر صفات السّلم، لأنه مبيع غير مشاهد فاعتبر فيه التعرض للصفات كالمسلم فيه، وهذا مذهب أحمد.
وأقربهما وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يكفي التَّعرض لمعظم الصِّفات، وضبط ذلك بما يوصف المُدّعي به عند القاضي.
المسألة الرابعة إذا قلنا: لا بد من الوصف فوصف، نظر إنْ وجده على ما وصفه ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: لا يثبت، وبه قال أحمد بسلامة المَعْقُود عليه بصفاته، ويحكى هذا عن القاضي الحُسَيْن.
وأصحهما وبه قطع قاطعون: أنه يثبت لما سبق من الخير.
وإن وجده دونما وصفه فله الخيار لا محالة، وإن قلنا: لا حاجة إلى الوضف فللمشتري الخيار عند الرؤية سواء شرطه أو لم يشرطه وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حكى عن بعض أصحابنا: أنه لا بد من اشْتِرَاط خيار الرُّؤْية حتى يثبت، وهل له الخيار قبل الرؤية؟ أما الإِجَازة فظاهر المذهب أنها لا تنفذ؛ لأن الإجازة رضاً بالعقد وإلزام له، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وأنه جاهل بحاله، ولو كفى قوله: أجزت مع الجهل لأغنى قوله في الابتداء: اشتريت.
وحكى في "التتمة" وجهاً: أنه ينفذ تخريجاً من تصحيح الشَّرط، إذا اشترى بشرط أن لا خيار وأما الفسخ، فإن نفذنا الإِجازة فالفسخ أولى، وإن لم ننفذ الإجارة، ففي الفسخ وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 62
أحدهما: أنه لا ينفذ أيضاً؛ لأن الخيار في الخبر منوط بالرؤية.
وأصحهما: أنه ينفذ؛ لأن حتى الفسخ ثابت له عند الرؤية مغْبُوطاً كان أو مَغْبُوناً، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه، وإذا كان البائع قد رأى المَبيع، فهل يثبت له الخِيَار كما يثبت للمشتري؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كخِيَار المَجْلس يشتركان فيه.
وأصحهما: لا، وهو نصه في الصَّرف، ولأنه أحد المُتَبَايعين، فلا يثبت له الخيار مع تقدم الرؤية كالمشتري.
ولو باع ما لم يكره وصححنا العقد، فهل يثبت الخيار له؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند المَرَاوِزَة وبه قال أبو حنيفة: لا، لأن جانب البائع بعيد عن الخِيَار بخلاف جانب المُشْتَري، ولهذا لو باع شيئاً على أنه معيب، فَبَانَ صحيحاً لا خيار له، ولو اشتراه عَلَى أنه صحيح فَبَانَ معيبًا له الخِيَار.
والثاني: يثبت، لأنه جاهل بالمَعْقُود عليه فأشبه المشتري، وهذا هو الذي أورده الشَّيْخ أَبُو حامد ومن تابعه، قالوا: والخيار كما يثبت للمشتري عند النُّقْصَان يثبت للبائع عند الزيادة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع ثَوْباً على أنه عشرة أَذْرع فَبَانَ أَحَد عشر ذراعاً يثبت للبائع الخيار؟ ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية، فيه وجهان:
أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور، لأنه خيار تعلّق بالاطِّلاع على حال المبيع فأشبه الرد بالعيب.
والثاني: وبه قال أَبُو إِسْحَاق: أنه يمتد امتداد مَجْلِسِ الرُّؤية؛ لأنه خِيَار ثبت قضية للعقد، فتعلّق بالمجلس كخِيَار المجلس.
قال صاحب "التهذيب": وهذا أصح، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على مسألة أخرى، وهي أنه هل يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يثبت كما يثبت في شراء الأعيان الحاضرة.
والثاني: لا يثبت الاستغناء بخيار الرؤية عنه، فعلى الأول خيار الرؤية على الفور، وإلا لأثبتنا خيار مجلسين، وعلى الثاني يمتد امتداد مجلس الرؤية.
وزاد الإمام ترتيباً فقال: إن أثبتنا خيار المجلس، فهذا الخيار على الفور، وإلا فوجهان.
وقوله في الكتاب: "لأفيه وجه آخر" أراد الوجه الصائر إلى نفوذ الإجازة على ما أوضحه في "الوسيط" لا الوجه الصائر إلى نفوذ الفسخ، وإن كان اللفظ يحتملها فرعان:
أحدهما: لو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، ففي انفساخ البيع وجهان
الجزء: 4 - الصفحة: 63
كنظيره في خيار الشرط، ولو باعه قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باع في زمن خيار الشرط يجوز على الأصح، لأنه يصير مجيزاً للعقد، وهاهنا لاَ إِجازة قبل الرُّؤية لما سبق.
الثاني: نقل القَاضِي الرُّويَانِي وصاحب "التَّتمة" وجهاً: أنه يعتبر على قول اشْتِرَاط الرُّؤية الذَّوق في الخَلّ ونحوه، والشَّم في المِسْك ونحوه، واللَّمس في الثياب ونحوها، فإن كيفياتها المقصودة بهذه الطرق تعرف، والمشهور أنها لا تعتبر، وإنما هي ضرب انتفاع واستعمال.
فرع ثالث: ذكر بعضهم: أنه لا بد من ذكر موضع المبيع، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، ولا يجوز شرط تسليمه في بلد التبايع، بخلاف السلم فإنه مضمون في الذِّمّة، والعَيْن الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها يكون بَيْعاً وشَرْطاً.
فرع رابع: قال حجة الإسلام في "الوسيط": ووقع في الفتاوى: أنه رأى رجل ثوبين ثم سرق أحدهما فاشترى الرجل الثوب الباقي وهو لا يدري المسروق أيهما، فقلت: إن تساوت صفة الثوبين وقدرهما وقيمتهما كنصفي كِرْبَاس واحد صح العقد، فإنه اشترى مُعَيناً مرئياً مَعْلوماً، وإن اختلفا في شَيْء من ذلك، خرج على قولي بيع الغائب، لأنه ليس يدري أن المشتري منهما الطويل أو القصير مثلاً، فلم تفد الرؤية السَّابقة العلم بحال المَبِيْع عند العَقْد فلا تغنى، وهذا الذي ذكره يتأيد بأحد الرأيين فيما إذا لم يملك إلا عبداً واحداً فحضر في نفر من العبيد، فقال سَيِّده: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم وهو لا يعرف عين ذلك العبد.
فرع خامس: إذا لم نَشْتَرط الرُّؤية واختلفا، فقال البائع للمشتري: قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع، لأنه اختلاف في سبب الخيار، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب.
وأظهرهما: عند أبي الحسن العبادي: أن القول قول المشتري، كما لو اختلفا في اطلاعه على العيب.
هذا إذا لم نشترط الرؤية، فإن شرطناها وفرض هذا الاختلاف، فقد ذكر المصنف في فتاويه: أن القول قول البائع؛ لأن للمشتري أهْلِيّة الشراء وقد أقدم عليه، فكان ذلك اعترافاً منه بصحة العقد، ولا ينفك هذا عن الخلاف -والله أعلم-.
78
الجزء: 4 - الصفحة: 64
الْبَابُ الثَّانِي في الفَسَادِ بِجِهَةِ الرِّبَا
"
القول في باب الربا
" قال الغزالي: قالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقَ بِالوَرِقِ وَالبُرَّ بالبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَالشَّعِيرَ بالشَّعيرِ وَالمِلْحَ بِالمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَداً بِيَدٍ 79، فَمَنْ بَاعَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ المَطْعُومَاتِ بِجِنْسِهِ فَلْيَرْعَ المُمَاثَلَةَ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ وَالحُلُولِ أعْنِي ضِدَّ النَّسِيئَةِ وَالتَّقَابُضِ (ح) فِي المَجْلِسِ فَإنْ بَاعَ بِغَيْرِ جنْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ إِلاَّ رِعَايَةُ المُمَاثَلَةِ فِي القَدْرِ، وَفِي مَعْنَى المَطْعُومَاتِ كُلُّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ قَصْدُ الطَّعْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراً حَتَّى السَّفَرجَلُ (و) وَالزَّعْفَرَانُ (م) وَالطِّيْنُ الأَزمَنِيٌّ (م)؛ لأَنَّ عِلَّةَ رِبَا الفَضْلِ فِيهِ الطُّعْمُ (م ح) ولكنْ فِي المُتَجَانِسَيْن، وعِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّسَإ وَوُجُوبِ التَّقَابُضِ الطَّعْمُ (م ح) فَقَطْ، وَإذَا بِيعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومِ فهُو في مَحَلِّ الحُكْم بتَحْرِيمِ النسَإِ ووَجُوبِ التَّقَابُضِ، وِعِلَّةُ الرِّبَا في النَّقْدَينِ كَوْنُهُمَا جَوْهَريُّ الأَثْمَانِ (ح) فَتَجْرِي في الحُليِّ وَالَأوَانِي المُتَّخَذَةِ مِنْهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ سَلَمُ شَيْءٍ في غَيْرِهِ إِذَا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ في عِلَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَوْ في الطُّعْمِ.
قال الرافعي: لما كان الطَّرف الأول من الكتاب معقوداً في صحَّة البيع وفساده، وقد تكلم في الباب الأول في الأركان وشروطها، وجب النَّظر في أسباب الفَسَاد، وتارة يكون لاختلال في الأركان أو في بعض شروطها، وإذا عرفت اعتبارها عرفت أن فقدها مفسد، وتارة يكون لغيره من الأسباب، فجعل بقية أبواب الطَّرف في بيانها، فمنها الرِّبا 80. = وتعليق الجويني وغيرهم أن القول قول المشتري وأطال في تقرير ذلك.
قال الأذرعي -رحمه الله تعالى-: غالب من ذكره يرى ترجيح قبول قول مدعي الفساد وأما مسألتنا فطريقة أصحاب القفال ما ذكره في الجزم بتصديق المشتري وفي أصح القولين والطريق الثاني أن المسألة على وجهين كما ذكره المصنف يعني به الشيخ النووي ثم أطال في ذلك إلى أن قال: فلم يغلط الغزالي ولا المصنف وأما اختلاف الترجيحين فقضية أخرى.
الجزء: 4 - الصفحة: 65
........................8182838485 = الدليل عليه: والدليل على ذلك الكتاب.
والسنة.
والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ إليك تفسيرها بإيجاز مع بيان وجه الدلالة.
معنى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي يتعاملون به فالمراد بالأكل الأخذ وإنما عبر به لأن الأكل أظهر مقاصده فيكون المعنى الدين يُربون "والتخبط" الضرب على غير استواء و"المس" الجنون "والمحق" الاستئصال والهلاك وقيل المراد به ذهاب البركة.
ووجه الدلالة واضح مما يأتي: أولاً: صريح قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فَإنَّهُ إخبار منه تعالى بأن الربا محرم عنده فإذا كان هذا الخبر مراداً به النهي عنه كان أبلغ في الدلالة على التحريم من صريح النهي.
ثانياً: ما اقترن به هذا من الوعيد الشديد فقد ذكرت الآيات عقوبات خمساً لآكل الربا هي:
الجزء: 4 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ النَافِلاَتِ" وما رويا أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، فعده من الموبقات المحبطات للعمل التي أمر باجتنابها يجعله من الكبائر كما أن لعن فاعله والمعاون عليه بكتابة أو شهادة فيه من تفظيع جريمته ما هو كفيل بعدم قربانه.
وأما الإجماع.
فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الربا محرم ولم يوجد مخالف لهذا الإجماع.
حكمة تحريم الرَبا ويرى بعض الفقهاء أن تحريم الربا من الأمور التعبدية أي تعبدنا الشارع به ولم تظهر لنا حكمته وإن كان في الواقع لا يخلو عن حكمة غير أننا لم نطلع عليها وما علينا إلا أن نمتثل أمر الشارع ونهيه.
ولكن من ينظر في الشريعة الإسلامية نظرة فحص وتأمل يرى من الواضح أنها قد امتازت بمميزات خلقية وعمرانية تجَلت في التشريعات المختلفة.
من ذلك ما هو ملموس في تحريمها الخمر والميسر حفظاً للعقول وصيانة للأموال.
وضنا بالإنسان عن العبث الذي لا يناسب العقلاء وكذلك ما يشاهد في إباحة السلم من حكمة رائعة إذ يعود على المعوزين بتفريج كربتهم مع صون حق رب المال في الاسترباح المشروع وعلى هذا النمط جاء تحريمها الربا على الآخذ والمعطي دفعاً لما يجره التعامل به من الشحناء والبغضاء واستئصال المعروف والتعاون من النفوس وحلول الأنانية والشره مكانهما، إذ من لا يعطي إلا بالزيادة يقتطع نفسه من المجتمع الإنساني اقتطاعاً ويسلب إنسانيته ويلحق بالحيوانات الضارية التي لا تحب أن يشاركها في فريستها حيوان آخر.
هذا فضلاً عما يسببه الربا من العطلة وعدم الميل للعمل والانصراف عن الزراعة والصناعة والركون إلى استقلال إخوانه المسلمين وغبنهم غبناً قهرياً لا مبرر له.
ويحسن هنا أن نسوق عبارة الدهلوي في كتابه: "حجة الله البالغة" حيث يقول: "وسر التحريم أن الله تعالى يكره الرفاهية البالغة كالحرير والارتفاقات المحوجة إلى الإمعان في طلب الدنيا كآنية الذهب والفضة وحلى غير مقطع من الذهب كالسوار والخلخال والطوق والتدقيق في المعيشة والتعمق فيها لأن ذلك مرد لهم في أسفل السافلين وصارف لأفكارهم إلى ألوان مظلمة وحقيقة الرفاهية طلب الجيد من كل ارتفاق والإعراض عن رديئه.
كما نذكر عبارة الفخر الرازي حيث يقول: "قد ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً:
الوجه الأول: أن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة قال -صلى الله عليه وسلم-: "حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِّهِ" فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً.
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون بقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد: وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في يد المدين وانتفع المدين به لم يبعد أن يدفع إلى رب المال وذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.
قلنا إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
الوجه الثاني: ما قاله بعضهم من أن الله تعالى حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بوساطة عقد الربا من تحصيل درهم زائد نقداً كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة =
الجزء: 4 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والصناعات الشاقة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق.
ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
الوجه الثالث: ما قيل إن السبب في تحريم عقد الربا أنه يقضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله.
ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
الوجه الرابع: أن الغالب أن يكون المقرض غنياً والمستقرض فقيراً فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
ومما يبين حكمة تحريم الربا المضارّة بالمجتمع الإنساني.
وآثاره السيئة في العمران ما نقله صاحب المنار في تفسيره عن الشيخ محمد عبده حيث قال: قال الأستاذ الإمام في الدرس ما مثاله: يقول كثير من الناس الدين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومنهم أكبر من هؤلاء إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب ومن كان غنياً منهم لا يعطي بالربا فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.
ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم قال: وهذه أوهام لم تقل عن اختيار فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.
فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟ ألم تسبقنا جميع الأمم إلى إتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟ الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهرياً فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم فمن يدَّعي أن الدين عائق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم شراً منها وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه ولو عرفت الأمة نفسها لطرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم فهي لا تدري من أين أخذت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.
أقول: يعني أنها ارتفعت بالدين وسقطت بتركه مع الجهل بالسبب وأفضى بها الجهل إلى أن صارت تجعله علة الرقي والارتفاع هي عين العلة والسقوط والانحطاط ومن ذلك استدانة أفرادنا وحكوماتنا من الأجانب بالربا فإنها أضاعت قوتنا وملكنا، وكان الدين لو اتبعناه عاصماً منها فنحن ننسى مثل هذه الفائدة الكبرى للدين في الموضوع نفسه ونذكر من سيئات الدين أنه حرم الربا.
ولو لم يحرمه لجاز أن يكسب بعض أغنيائنا أكثر مما يكسبون الآن.
وقد أشار الأستاذ إلى هذا المعنى فقال: إن أثر الربا فينا لا يمكننا أن نزيله بمئات من السنين ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا: فتأمل قوله بقينا لأنفسنا.
وقال في تفسير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ الخ ما مثاله: مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن =
الجزء: 4 - الصفحة: 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اختلفت فيها الأمم.
فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابي بعضهم بعضاً ويرابون سائر الناس.
وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمناً طويلاً ثم قلدوا غيرهم ومنذ نصف قرن فشت المرابات بينهم في أكثر الأقطار وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع.
ومنها مسألة السبحة المشهورة.
وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مائة إلى سنة بمائة وعشر مثلاً فيعطيه المائة نقداً ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه.
على أن الذين يأكون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جداً ولكن الذين يوكلونه غيرهم كثيرون جداً حتى لا تكاد تجد متَمَوّلاً في هذه البلاد سالماً من الاستدانة بالربا إلا قليلاً.
والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيراً ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزاماً لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقوم ميل جماهير الناس إلى آكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم بعشرين درهماً بسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة دراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهماً لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.
هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما يحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوة مماثلة البيع بالربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين، وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي أنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن بذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هي أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آَرائهم ومذاهبهم فيه.
والمعنى الصحيح أن زعمهم مساوات الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله ولكن هاهنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يريبهم على التراحم والعطف وأن يكون كل منهم عوناً للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه.
ولذلك جرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.
فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.
وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل ولم يجعل لأحد منهم حقاً على الآخر بغير عمل لأنه باطل لا مقابل له.
وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضاً يقابل عوضاً وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه.
ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائماً انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقياً لأن من يشتري قمحاً مثلاً فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعاً حقيقياً "وأقول -والثمن في هذا مقابل للمبيع مقابلة مرضية للبائع =
الجزء: 4 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والمشتري باختيارهما"- وأما الربا، وهو عبارة عن إعطاه الدراهم، والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر، فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.
"وأقول - وهي لا تعطي بالرضا والاختيار بل بالكره والاضطرار".
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع: وهو أن النقدين إنما وضعا؛ ليكونا ميزاناً لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصوداً بالاستغلال، فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استقلال المال بالمال؛ فينمو المال ويربو عندهم، ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة: "بالبنوك" وينجس العاملون في أعمالهم، لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.
ولو وقفت الناس في استغلال المال عند حد الضرورة، لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها أي فلا بد لها من الوازع الذي يوفقها بالاقناع، أو الإلزام، لذلك حرم الله الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين، ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.
وأما واضعو القوانين، فإنهم يضعون للناس الأحكام، بحسب حالتهم الحاضرة، التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل، والبعد عن الرذائل، وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا فقد عفت فيها رسوم الدين وقلّ فيها التعاطف، والتراحم، وحلت القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير فيها ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه؛ فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة، والعمال على أصحاب الأموال واغتصابهم المرة بعد المرة، لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره، بل يعطونهم أقل مما يستحقون وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلاباً كبيراً في العالم؛ ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.
وقد ألّف تولستوي الفيلسوف الروسي كتاباً سماه: "ما العمل" وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ وقد قال في آخره: "إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار "الجنيه" عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوماً ما".
قال -رحمه الله تعالى-: "وهذه بلادنا قد ضعف التعاطف والتراحم فيها وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.
كنت أرى الرجل يطلب من الآخر فرضاً فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلاً عليه" قال: "رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعددة ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بالمحاكمة.
ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضاً طلبه إلا بسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم ألا يذكروا ذلك.
قال: نعم.
قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما علمت عليه من سوء؟ قال لا أعرف سبب ذلك إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي: قلت وأخبرني أن هذا =
الجزء: 4 - الصفحة: 70
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 86.
وِقال عز وجل: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 87. وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ لَعَنَ آَكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِّلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ" 88. والحديث الذي صدر به الباب بعض ما رواه الشافعي -رضي الله عنه- "المختصر".
قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلاَ الْوَرِقَ بالوَرِقِ، وَلاَ البُرَّ بِالْبُرِّ وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلاَ التَّمْرَ بالتَّمْرِ، وَلاَ الْمِلْحَ بِالْمِلحِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْناً بِعَيْنٍ يَدًا بيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرَقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، والشعير بالبر وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" قَال: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ، وَزَادَ الآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى" 89. ذكر بعض الشارحين: أن الرجل الآخر الذي أبهم ذكره هو: عبد الله بن عبيد الله المعروف بابن هُرْمز.
وقوله: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ "، يعني: أحد الرجلين، ولم يبين الَّذِي نقص منهما كأنه شك فيه، وشك أيضاً في أن ما نقصه التَّمْر أو المِلْح.
وقوله: وزاد الآخر يعني الذي لم ينقص.
واختلفوا في قوله: "فمن زاد أو استزاد" فمنهم من قال: هذا شك آخر من الشَّافعي -رضي الله عنه-، ومنهم من قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد يلفظ بهما جميعاً، وأراد بقوله: "زاد" أعطى الزيادة، وبقوله: "أو استزاد" أخذ الزيادة أو طلبها.
وشبه ذلك بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ" 90. واعلم أن الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل: وهو زيادة أحد العِوَضَيْن على الآخر في القدر.
وربا النَّساء وهو أن يبيع مالاً بمال نَسِيئَة، سمي به لاختصاص أحد العِوَضَيْن بزيادة الحُلُول.
وربا اليَدِ؛ وهو أن يَقْبِض أحد العِوَضين دون الآخر، وفي الخبر ذكر ستة أشياء وهي: النَقْدَان، والمَطْعُومَات الأربعة، والحكم غير مقصور عليها باتفاق = الذي سأله عن ذلك هو والده -رحمهما الله تعالى- اهـ". ينظر زواجر ابن حجر (1/ 179) وما بعده، النيسابوري (3/ 80) وما بعدها، المنار (3/ 106)، المبسوط ج 12، القرطبي ج 3، الفخر الرازي ج 2.
الجزء: 4 - الصفحة: 71
جمهور العلماء، لكن الربا ثبت فيها لمعنى، فيلحق بها ما يُشَارِكُهَا فيه.
فأما الأشياء الأربعة، فللشافعي -رضي الله عنه- قولان في علْة الرِّبا فيها: الجديدة: أن العلَّة هو الطعم 91، لما روى معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلٌ بِمِثْلِ" 92 علّق الحكم باسم الطعام، والحكم المعلّق بالاسم المشتق معلَّل بما منه الاشتقاق، كالقطعِ المعلّق باسم السارق، والجَلْد المعلق باسم الزَّاني.
والقديم: أن العلة فيها الطعم، مع الكيل والوزن.
واحتجوا له بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالبُرُّ بالبُرِّ كَيْلاً بِكَيْلِ" 93.
فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مَكِيل أو موزون، دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسَّفَرْجَلِ، والرُّمَّانِ والبَيْضِ والجُوزِ والأتْرُجِّ والنَّارِنْجِ.
وعن الأَوْدَنِيِّ من أصحابنا: أنه تابع ابْنَ سِيْرينَ في أن العلّة الجنسية، حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلاً.
وقال مالك: العلة الاقْتيات، فكل ما هو قُوْت أو يستصلح به القوت يجري فيه الربا، وقصد بالقيد الثاني إدراج الملح.
وقال أبو حنيفة: العلَّة الكَيْلُ حتى يثبت الرِّبَا في الجَصِّ والنُّورَةِ وسائر المكيلات.
وعن أحمد روايتان:
إحداهما: كقول أبي حنيفة.
والأخرى: كقول الشافعي -رضي الله عنه- الجديد.
وإذا علّلنا بالطعم، إما مع انضمام التقدير إليه أو دونه تعدي الحكم إلى كل ما يقصد ويعد للطعم غالباً إما تَقَوُّتا أو تأدُّماً، أو تَفَكُّهاَ أو غيرها، فيدخل فيه الحُبُوب والفَوَاكِه، والبقول والتوابل وغيرها، ولا فرق بين ما تؤكل نادراً كالبَلُّوط والطَّرْثُوث 94 أو غالباً، ولا بين أن يؤكل وحده أو مع غيره، وفي الزَّعْفَران وجهان:
أصحهما: أنه يجري فيه الربا، لأن المقصود الأظهر منه الأكل تَنَعُّماً أو تَدَاوِيَا إلاَّ أنه يخلط بغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 72
والثَّاني: لا يجري؛ لأنه يقصد منه الصّبْغ واللّون غالباً، وبهذا قال القاضي أبو حامد فيما حكاه ابن كَجٍّ، وأبو حيان التَّوحيدي في بعض "رسائله" ولا فرق بين ما يؤكل لِلتَّدَاوي كالإهليلج 95 والبليلج 96 والسَّقْمُونيا 97 وغيرهما، وبين ما يؤكل لسائر الأغراض على المَذْهَبِ.
وفي "التَّتمة" حكاية وجه: أن ما يهلك كثيره، ويستعمل قليله في الأدوية كالسَّقْمُونيَا، لا يجري فيه الرِّبا.
وأما الطين، فالخَرْسَانِيِّ منه ليس بربوي، لأنه لا يعد مأكولاً ويسفه آكله، وعن الشيخ أبي محمد: الميل إلى أنه رَبَوِيّ.
والأَرْمَنِيّ دواء فهو كالإهليلج، وفيه وجه آخر: أنه لا ربا فيه كسائر أنواع الطين، وإلى هذا ذهب القاضي ابن كج.
وفي دهن البَنَفْسَجِ والورد، واللِّبان، وجهان:
أصحهما: أن فيها الربا، فإنها متخذة من السِّمْسِم المكتسب رائحة من غيره، وإنما لا تؤكل في العادة ضَنّة بها، وفي دهن الكِتَّان وجهان:
أظهرهما: أنه ليس مال الربا لأنه لا يعد للأكل، ودهن السَّمك كذلك، لأنه يعد للاسْتِصْباح وتدهين السُّفن.
قال الإمام: وهذا يظهر جعله مال الربا، فإنه جزء من السمك.
ونقل صاحب "البيان" وجهين في حب الكِتَّان والزَّنْجَبيل، ووجهين عن الصَّيمَرِي في ماء الوَرْد، وذكر أنه لا ربا في العُود والمَصْطَكِيّ، والأَشبه أن ما سوى العُود كله ربوي 98، وفي كون الماء ربوياً إذا فرعنا على صحة بيعه، وثبوت الملك فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 73
أصحهما: أنه ربوي.
قال الشيخ أبو حامد: ومن لا يجعله ربوياً يقول: العلّة في الربويات أنها مأكولة،
ومن يجعله ربوياً، يقول: العلة إنها مطعومة.
والثاني أعم؛ لأن المأكولية لا تطلق في الماء والمَطْعُومِيّة تطلق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 99.
ولا ربا في الحَيَوان؛ لأنه لا يؤكل على هَيْئَتِهِ، نعم ما يُبَاح أكله على هيئته كالسَّمَك الصَّغير على وجه يجري فيه الربا، هكذا قاله في "التَّتمة".
وحكى الإمام عن شيخه وعن صاحب "التقريب" تردداً فيه وقطع بالمنع؛ لأنه لا يعد للأكل، وأما النّقْدان فعن بعض الأصحاب: أن الربا فيهما لعينهما لا لعلة، والمشهور أن العلّة فيها صلاح التَّنمية الغالبة، وإن شئت قلت: جوهرية الأَثْمَان غالباً، والعبارتان تشملان التِّبر والمَضْرُوب والحُليّ والأواني المُتَّخذة منهما، وفي تعدّي الحكم إلى الفلوس إذا راجت حكاية وجه لحصول معنى التنمية، والأصح خلافه لانتفاء التنمية الغالبة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: العلة فيهما الوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحَدِيد، والرّصاص والقطن.
لنا أنه لو كانت العلّة الوزن لتعدي الحكم إلى المعمول من الحديد والنّحاس، كما تعدى إلى المعمول من الذهب والفضة وقد سلموا أنه لا يتعدى.
ولو باع التِّبْر أو المَضْرُوب بالحُلِيّ من جِنْسه وجب رعاية التَّماثل.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه يجوز أن يزيد ما يقابل الحُلِيّ بقدر قيمة الصّنْعة.
إذا تقررت هذه الأصول فنقول: إذا بيع مال بمال لم يخل، إما أن لا يكونا ربويين أو يكونا ربويين.
فَأمَّا في الحالة الأولى وهي تتضمَّن ما إذا لم يكن واحد منهما ربوياً، وما إذا كان = الأم يشير إليه، ثم قال وأما ترجيحه في أصل الروضة أنه ربا في حب الكتان وماء الورد فهو جيد لكنه عكس كلام الرافعي من غير بيان.
وأما نقله الوجهين في العود فسهو بلا شك ولم أر فيه خلافاً.
وقال الزركشي: أن محل الخلاف في الزنجبيل في غير المربى فأما الزنجبيل المربى فربوي قطعاً.
قاله الصيمري والماوردي والرويانى.
الجزء: 4 - الصفحة: 74
أحدهما ربوياً فلا تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحلُول [ولا التَّقَابض] 100، ولا فرق في ذلك بين أن يتَّفق الجنس أو يختلف، حتى لو أسلم ثوباً في ثوب أو ثوبين، أو باع حيواناً بحيوانين من جنسه جاز.
الجزء: 4 - الصفحة: 75
لما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلِ" 101.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز إسلام الشيء في جنسه.
وعن مالك: يجوز عند التَّسَاوي، ولا يجوز عند التَّفاضل.
وأما في الحالة الثانية: فينظر هذا ربويٌّ بِعِلّة، وذاك ربوي بعلة، أو هما ربويان بعلة واحدة.
فإن اختلفت العلة لم تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحُلُول ولا التَّقابض، ومن صور هذا القسم أن يسلم أحد النَّقْدين في البُرِّ أو يبيع الشَّعِير بالذَّهَب نقداً أو نَسِيئة.
وإن اتَّفقت العلِّة، فينظر إن اتَّحد الجِنْس كما لو باع الذَّهب بالذّهب والبُرَّ بالبُرِّ، ثبت فيه أنواع الربا الثلاثة، فيجب رعاية التّماثل والحلول والتقابض في المجلس، وإن اختلف الجنس لم يثبت النوع الأول، ويثبت النوعان الباقيان.
مثاله: إذا باع ذهباً بفضة أو بُراً بشعير لم تجب رعاية المماثلة، ولكن يجب رعاية الحلول والتقابض قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر خبر عبادة: "فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" 102.
أباح التفاضل بقوله: "كَيْفَ شِئْتُمْ" واعتبر التقابض بقوله: "يَدًا بيَدٍ"، وإذا كان التقابض معتبراً، كان الحلول معتبراً، فإنه لو جاز التأجيل لجاز تأخير التسَليم إلى مضي المدة.
وعند أبي حنيفة: لا يشترط التقابض إلا في الصّرف، وهو بيع النّقد بالنّقد، وبه قال أحمد في رواية.
لنا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر النقدين وغيرهما في حديث "عبادة" في قرن واحد، ثم قال: "إِلاَّ يَداً بِيَدٍ" 103.
فسوى في اعتبار التَّقابض بين الذهب بالذهب والبر بالبر -والله أعلم-.
ولنعد إلى لفظ الكتاب.
قوله: "فمن باع شيئاً من هذه المَطْعُومات بجنسه ... " إلى آخره شروع منه في
الجزء: 4 - الصفحة: 76
بيان الحكم في أحد صنفي الأموال المذكورة في الخبر وهو المَطْعُومات، ثم ما يجب رعايته في هذه المَطْعُومات يجب رعايته في سائر المطعومات كما بينه بقوله: "وفي معنى هذه المطعومات" وكذلك في النقدين.
وقوله: "بِمِعْيار الشرع"، يعني الكيل والوزن على ما سيأتي ذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
قوله: "والتقابض في المجلس" معلم بالحاء والألف لما سبق أنهما لا يعتبر أنه في المَطْعُومات، ويجوز أَنْ يعلّم بهما أيضاً.
قوله: "لم يسقط إلا رعاية المُمَاثلة في القدر" وقوله: "وإن لم يكن مقدراً" قصد به التَّعرض للقول القديم، وليكن معلّماً بالواو لذلك القول، وكذلك السَّفَرْجَل، وكذا الزَّعفران، والطين الأَرْمَنِي لما حكينا فيهما.
وقوله: "لأن علة ربا الفضل فيه"، أي في المَطْعُومات المذكورة في الخبر وغيرها.
وقوله: "الطّعم" مُعَلّم بالميم والحاء والألف، لما سمعنا من مذاهبهم.
وقوله: "ولكن في المتجانسين"، معناه أن الطّعم لا يوجب تحريم ربا الفضل على الإطلاق، ولكن بشرط تجانس العِوَضَيْن، واختلفوا في أن الجِنْسية هل هي وصف من العلة أم لا؟
فذهب الشيخ أبو حامد وطبقته إلى أنها وصف من العلة، وقالوا: العلة على القديم مركبة من ثلاثة أوصاف.
وعلى الجديد من وصفين، واحترز المَرَاوِزَة من هذا الإِطْلاق.
وقالوا: الجنسية شرط، ومنهم من قال: هي محل عَملِ العِلّة كالإِحْصَان بالإضافة إلى الزنا، وبهذا يشعر قوله في الكتاب: "ولكن في المتجانسين".
واحتج هؤلاء بأنها لو كانت وصفاً لأفادت تحريم النسأ بمجرّدها كما أفاد الوصف الآخر وهو الطّعم تحريم النسأ بمجرده وليس كذلك، فإن الجنس بانفراده لا يحرم النسأ.
وللأولين أن يمنعوا إفادة ما هو وصف، لعلّة ربا الفضل تحريم النسأ، ويقولوا: قد يفيده وقد لا يفيده، وليس تحت هذا الاختلاف كثير طائل.
وقوله: "وعلة تحريم النَّسأ ووجوب التقابض الطعم فقط"، أي من غير اشتراط التَّجانس، ووجوب التقابض يتلازمان، وينحى بكل واحد منهما نحو الآخر، وقد نرى الأئمة لما بينهما من التَّقَارب يستغنون بذكر أحدهما عن الآخر.
وقوله: "فإذا بِيْع مَطْعُوم بمطعوم، فهو في محل الحكم بتحريم النسأ ووجوب
الجزء: 4 - الصفحة: 77
التقابض" أي سواء تجانسا أم لا، وهو مذكور للتَّأْكيد والإيضاح، وإلاَّ ففي قوله: "وعلة تحريم النسأ ... " إلى آخره ما يفيده.
وقوله: "وعلة الربا في النّقْدين كونهما جوهري الأثمان" معلّم بالحاء والألف والواو أيضاً للوجه الصائر إلى أن الحكم فيهما غير معلل، ثم لا بُدَّ من إفادتها حرمة التَّفَاضل من الجنسية، إمَّا شرطاً أو وصفاً كما سبق، ومجرد النَّقْدية في إفادة تحريم النَّسأ ووجوب التَّقابض كمجرد الطّعم، فلذلك قال: "ولا يجوز سلم شيء في غيره إذا كانا مشتركين في علة النّقْدية أو الطعم"، فإن في السّلم يفقد التقابض وكذا الحلول غالباً.
وقوله: "أو الطعم" مكرر ذكره مرة في قوله: "وعلة تحريم النَّسأ ... " إلى آخره، وأخرى في قوله: "فإذا بِيْعَ مطعوم بمطعوم ... ، إلى آخره وهذه مرة ثالثة، وقد تورث المبالغة في الإيضاح إشكالاً.
فرع: حيث اعتبر التَّقَابض فلو تفرقا قبل التقابض بطل العقد، ولو تقابضا بعض كل واحد من العِوَضين ثم تفرقا بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولاً تفريق الصَّفقة.
والتَّخَاير في المجلس قبل التَّقَابض بمثابة التَّفرق يبطل العقد خلافاً لابن سريج.
ولو وكّل أحدهما وكيلاً بالقبض، وقبض قبل مفارقة الموكّل مجلس العقد جاز وإن قبض بعده فلا.
آخر: بيع مال الرِّبا بجنسه مع زيادة لا يجوز إلا بتوسُّط عقد آخر.
مثاله: إذا أراد بيع دراهم أو دنانير صِحاحاً بمكسرة أكثر من وزنها يبيع الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم أو بعرض، ثم إذا تقابضا وتفرقا أو تخايرا اشترى بالدراهم، أو بذلك العرض المكسرة.
كما أَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَامِلَ خَيْبَرَ أَنْ يَبِيعَ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَبْتَاعَ بِهَا جَنِيباً" 104. والجنيب هو أجود التمر، والجمع كل لون من التَّمر لا يعرف له اسم، ولا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا يتخذه عادة، خلافاً لمالك حيث قال: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز أن يتخذه عادة.
ولو اشترى المكسّرة بعَرْض ماله قبل أن يقبضه لم يجز، وإن اشتراها به بعد قبضه وقبل التفرق والتّخاير.
قال ابن سريج وغيره: يجوز، وهو الأصح بخلاف ما لو باعه من غير بائعه قبل التفرق والتخاير، حيث لا يجوز لما فيه من إسقاط خيار العاقد الآخر، وهاهنا يحصل بما يجري بينهما إجازة العقد الأول.
الجزء: 4 - الصفحة: 78
وعن صاحب "التَّقْرِيب" أنه مبني على الخلاف في المِلْك في زمن الخِيَار.
فإن قلنا: إنه يمنع انتقال الملك لم يجز؛ لأنه باع ما لم يملكه.
فهذا وجه من الحيلة.
ووجه ثان: وهو أن يقرض الصحاح من الآخر ويستقرض منه المكسرة، ثم يبرئ كل واحد منهما صاحبه.
ووجه ثالث: وهو أن يهب كل واحد منهما ماله من الآخر.
ووجه رابع: وهو أن يبيع الصحاح بمثل وزنها من المكسرة، ويهب صاحب المكسرة الزيادة منه، فيجوز جميع ذلك إذا لم نشرط في إقراضه وهبته وبيعه ما يفعل الآخر 105. ولو باع النصف الشائع من دينار قيمته عشرة دراهم بخمسة جاز، ويسلم إليه الكل ليحصل تسليم النصف، ويكون النصف الآخر أمانة في يده بخلاف ما لو كان له عشرة على غيره فأعطاه عشرة عدداً فوزنت فكانت إحدى عشر ديناراً كان الدِّينار الفاضل للمقبوض منه على الإِشَاعة، ويكون مضموناً عليه؛ لأنه قبض لنفسه.
ثم إذا سلم الدَّراهم الخمسة فله أن يستقرضها ويشتري بها النصف الآخر، فيكون جميع الدينار له، وعليه خمسة دراهم.
ولو باع الكل بعشرة وليس مع المشتري إلاَّ خمسة فدفعها إليه، واستقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن الثمن جاز، ولو استقرض الخمسة المدفوعة فوجهان:
أصحهما: الجواز 106.
قال الغزالي: ثُمَّ النَّظَرُ في ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ، أَوَّلُهَا طَرَفُ المُمَاثَلَةِ، فَمَا كانَ مَكِيلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلاَ يَجُوزُ فِيِه إِلاَّ الكَيْلُ، وَمَا كَانَ مَوْزُوناَ فَبِالْوَزْنِ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ فَالَوزْنُ فِيهِ أَحْصَرُ (ح)، وَقِيلَ: الكَيْلُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ الوَقْتِ (و)، وَمَا لا يُقَدَّرُ كَالبطِّيخِ (و) فَلاَ خَلاَصَ فِيهِ عَنِ الرِّبَا إلاَّ مَالَهُ حَالَةٌ جَفَافٍ وَهُوَ حَالَةُ كمَالِهِ فَيُوزَنُ، وَالجَهلُ حَالَ العَقدِ بالممَاثلَةِ كَحَقِيقَةِ المُفَاضَلَةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةِ بصُبْرَة جُزَافاً وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 79
قال الرافعي: قد مرَّ في الفصل السابق أن المماثلة بمعيار الشرع مرعية، وأن الحكم يختلف بين أن يكون الرَّبويان متجانسين وبين إلاَّ يكونا متجانسين، وذلك يحوج إلى بيان مِعْيار الشّرع، وإلى بيان أنها في أي حالة تعتبر، وإلى معرفة التّجانس في مظانِّ الأشكال فعقد فيها ثلاثة أطراف من الكلام:
أحدها: في طريق المماثلة.
اعلم أن معيار الشرع الذي تراعى به المماثلة هو الكَيْل والوزن، فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً، ولا يضر مع الاسْتِوَاء في الكيل التفاوت في الوزن.
والموزون لا يجوز ببيع بعضه ببعض كَيْلاً، ولا يضرُّ مع الاسْتواء في الوزن التَّفاوت في الكيل روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالحِنْطَةُ بالْحِنْطَةِ كَيْلاً بِكَيْلٍ" 107.
والنقدان من الأشياء السِّتة المذكورة في خَبَرِ "عُبَادة" موزونان، والأربعة المطعومة مكيلة.
نعم لو كان الملح قِطَعاً كِبَاراً ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُسْتحق ويباع كَيْلاً فإنه الأصل فيه.
وأظهرهما: أنه يباع وزناً نظراً إلى ما له من الهيئة في الحال، وكذا كل شيء يتجافى في الكَيْل يباع بعضه ببعض وزناً.
وكل ما كان مكيلاً بالحِجَاز على عهد رسول اللهَ -صلى الله عليه وسلم- فالمعتبر فيه الكيل، وكل ما كان موزوناً فالمعتبر فيه الوزن، ولو أحدث النَّاس خلاف ذلك فلا اعتبار به.
وعن أبي حنيفة: أنه يعتبر فيه غالب عادات البلدان، رواه صاحب "التهذيب".
وما لم يكن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو كان، لا يعلم أنه كان يكال أو يوزن، أو علم أنه يكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحدهما أغلب.
فقد ذكر المُتَوَلِّي أنه إنْ كان أكبر جِزماً من التَّمر فالاعتبار فيه بالوزن، لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر، وإن كان مثله أو أصغر منه ففيه وجوه:
أحدها: أن المعتبر فيه الوزن؛ لأنه أخصر وأقلّ تفاوتاً.
والثاني: الكيل؛ لأنه أعم فإن أكثر الأشياء الستة المذكورة في الحديث مكيل، وأيضاً فإن أغلب المطعومات في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت مكيلاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 80
والثالث وهو الأشبه: أنه ينظر إلى عادة الوقت؛ لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشَّرع كان الرجوع فيه إلى عادة النَّاس كما في القبض والحِرْز، وعلى هذا فالمعتبر آية بلدة؟ عن الشيخ أبي حامد، وغيره؛ أن المعتبر عادة أكثر البلاد فإن اختلفت عاداتها ولا غالب اعتبر ذلك الشيء بأشبه الأشياء به.
وذكر صاحب "المهذب" و"التهذيب" أن النظر إلى عادة بلد البيع هو الأحسن.
والوجه الرابع: أنه يعتبر بأقرب الأشياء شبهاً به، كما إذا شككنا في الحيوان أنه مُسْتَطَاب أو مستخبث نلحقه بأقرب الأشياء شبهاً به.
والخامس: حكاه الإمام عن شيخه: أنه تثبت الخيرة بين الكيل والوزن.
ثم منهم من خَصَّص هذا الخلاف بما إذا لم يكن لِلشيء أصل معلوم المِعْيَار، أما إذا استخرج من أصل هذا حاله فهو معتبر بأصله، ومنهم من أطلق.
ومما أفاده الإمام في هذا الموضع أنه لا فرق بين المِكْيال المعتاد في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسائر المَكَاييل المحدثة بعده، كما أنا إذا عرفنا التَّسَاوي بالتَّعْديل في كفتي الميزان نكتفي به، وإن لم نعرف قدر ما في كل كَفَّة.
وفي الكيل بالقَصْعة ونحوها مما لا يعتاد الكيل به حكاية تردد عن القَفْال، والظاهر الجواز والوزن بالطّيار والقَرْسَطُون وزن.
وقد يتأتى الوزن بالماء بأن يوضع الشَّيء في ظَرْف ويلقى على الماء، وينظر إلى مقدار غوصه لكنه ليس وزناً شرعياً، ولا عرفياً.
والظاهر: أنه لا يجوز التَّعويل في الربويات عليه 108 -والله أعلم-.
هذا كله في الشَّيء المقدر يباع بجنسه.
فأما ما لا يقدر بكيل ووزن كالبَطِّيخ والقِثَّاء والرُّمان والسَّفَرْجَل.
فإن قلنا مثل هذا لاربا فيه جاز بيع بعضه ببعض، كيف شاء.
حتى قال القَفَّال لو جُفف شيء منها، وكان يوزن في جفافه لم يجر، فيه الربا أيضاً؛ لأن أكمل أحواله حال الرطوبة، وهو ليس مال ربا في تلك الحالة.
قال الإمام: والظاهر خلاف هذا، فإنه في حال الجَفَاف مطعوم مقدر.
وإن قلنا: فيه الربا وهو القول الجديد وكلام الكتاب مفرع عليه فيجوز بيعه بغير
الجزء: 4 - الصفحة: 81
جنسه كيف شاء.
وأما بجنسه، فينظر فإن كان مما يجفف كالبَطِّيخ الذي تفلق وحبّ الرُّمَّان الحامض فلا يجوز بيع بعضه ببعض في حال الرُّطُوبة كبيع الرُّطَب بالرُّطَب، ويجوز في حالة الجَفَافِ بشرط التَّسَاوي، وهذا حكم كل ما يُجَفَّف من الثِّمَار، وإن كان مقدراً كالمشمِش والخَوخ والكُمْشَري الذي يفلق.
وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجوز بيعها في حالة الجَفَاف أيضاً بجنسها إذ ليس يتقرر لها حالة كمال.
وإن كان مما لا يجفف كالقِثَّاء ونحوه، فهل يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة؟ فيه قولان: وكذا في المقدرات التيَ لا تجفف كالرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب.
أصحهما: المنع، كبيع الرطب بالرطب.
والثاني: الجواز، لأن معظم منافع هذه الأشياء في رطوبتها فبيع بعضها ببعض كبيع اللَّبن باللبن، فعلى هذا إن لم يمكن كيله كالبَطِّيخ والقِثَّاء بيع وزناً، وإن أمكن كالتُفَّاح والتِّيْن فيباع وَزْناً أو كَيْلاً وجهان:
أصحهما: أولهما، لأن الوزن أخصر، ولا بأس على الوجهين بتفاوت العدد.
إذا عرفت طريق المماثلة في الباب فمن فروعه أن يريد شريكان في شيء من مال الرِّبَا قسمته بينهما، فهو مبني على أن القسمة بيع أو إفراز فإن قلنا بالأول وهو الأصح فلا يجوز قسمة المكيل بالوزن، ولا قسمة الموزون بالكيل.
وما لا يباع بعضه ببعض كالعِنَبِ والرُّطَب فلا يقسم أيضاً.
وإن قلنا بالثاني جاز قسمة المكيل بالوزن وبالعكس، ويجوز قسمة الرطب ونحوه بالوزن.
لا يجوز قسمة الثِّمَار بالخَرْص على رُؤوس الأشجار.
إن قلنا: إنها بيع.
وإن قلنا: إفراز فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نصه: الجواز في الرطب والعنب؛ لأن لِلْخَرْص مدخلاً فيهما دون سائر الثمار، ومنهم من أطلق المنع.
ومن فروعه أنه لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جُزَافاً، ولا بالتَّخْمين والتَّحري خلافاً لمالك حيث اكتفى في المكيلات بالتَّحري إذا كانا في بادية.
فلو باع صُبْرَة من الحِنْطة بِصُبْرَة أو دراهم بدراهم جُزافاً، أو بالتخمين لم يجز، سواء خرجتا متماثلتين أم لا، أما إذا ظهر التَّفَاضُل فظاهر.
وأما إذا لم يظهر فاحتجوا له بأن التساوي شرط، وشرط العقد يعتبر العلم به عند العقد.
ألا ترى أنه لو نكح امرأة لا يدري أهي معتدة أم لا، أو هي أخته من الرضاع أم لا، لا يصح النكاح؟
الجزء: 4 - الصفحة: 82
ولا فرق بين أن يجهل كلتا الصُّبْرَتين أو إحديهما.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهَى عَنْ بَيعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لاَ يَعْلَمُ مَكِيلَهَا بِالْكَيلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ" 109.
ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بتلك الصُّبْرَة مكايلة أو كيلاً بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة، أو وزناً بوزن، فإن كَالاً أَوْ وَزَنَا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان.
قال في "التهذيب":
أصحهما: البطلان، لأنه قابل الجملة بالجملة، وهما متفاوتتان.
والثاني: أنه يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصَّغِيرة لمقابلته صَاعاً بِصَاع، ولمشتريها الخيار إذا لم يسلم له جميعها، وحيث قلنا بالصحة فلو تفرقا بعد تقابض الجملتين وقبل الكيل والوزن فهل يبطل العقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، لوجود التَّقَابض في المجلس
والثاني: نعم، لبقاء العلقة بينهما.
ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بكَيْلها من صُبْرتك وصُبْرته صغيرة وصُبْرة المخاطب كبيرة صح لحصول المماثلة بين العِوَضين، ثم إنْ كَالاَ في المجلس وتقابضا تَمَّ العقد، وما زاد من الكبيرة لصاحبها، وإن تَقَابضا الجُمْلَتَيْن وتفرَّقا قبل الكيل فعلى ما سبق من الوجهين.
ولو باع صُبْرَة حِنْطة بصبرة شعير جُزافاً جاز، ولو باعها بها صَاعاً بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانتا من جنس واحد.
وقوله في الكتاب: "وما لم يثبت فيه نقل فالوزن أَخْصَر" أي: فيتعين ذلك وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح هذا الوجه.
وقوله: "وقيل: الكيل جائز" ظاهره يقتضي تجويز الكَيْل مع تجويز الوزن، وحينئذ يكون هذا الوجه وجه التخيير لكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد وجه تَعْيين الكيل، وذلك بين من التَّوْجيه 110.
وقوله: "وما لا يُقَدَّرُ كالبَطِّيخ فلا خلاص فيه عن الرِّبَا ... " إلى آخره جواب على
الجزء: 4 - الصفحة: 83
القول المانع من بيع بعضه ببعض في حالة الرطوبة، وليكن معلماً بالواو؛ للقول الآخر.
وقوله: "فيوزن" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن المعنى فيباع وَزْناً.
وقد حكينا وجهاً: أنه لا يباع في حالة الجَفَاف أيضاً.
قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الهَرَوِيّ (ح) بالهَرَوِيّ، وَلاَ بِأحَدِ التِّبْرَيْنِ عَلَى الخُلُوصِ، وَلاَ بَيْعُ مُدٍّ وَدِرهَمٍ (ح) بِمُدٍّ وَدِرهَمٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ المُمَاثَلَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَلَوْ رَاطَلَ مِائَتَي دِينَارٍ وَسَطٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عِتْقٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ رَدِيْءٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى مَا فِي الجَانِبِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ أَفْضَى إلَى المُفَاضَلَةِ إِذْ لاَ تُعْلَمُ المفَاضَلَةُ إلاَّ بِتَقْدِيرِ القِيمَةِ، وَالتَّقْوِيمُ تَخْمِينٌ وَجَهْلٌ لاَ يُفِيدُ مَعْرِفَةً في الرِّبَا، فَمَهْمَا اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى مَالِ الرِّبَا مِنَ الجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الجِنْسُ فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، أَوْ فِي كِلاً الجَانِبَيْنِ، أَوِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (ح).
قال الرَّافِعِيّ: مقصود الفصل بيان القاعدة المعروفة بـ "مُدّ عَجْوَة" ثم يتصل بها ما يناسبها والقدر الذي تشترك فيه مسائل الفصل أن تَشْتَمل الصَّفقة على مال الرِّبَا من الجانبين، ويختلف مع ذلك أحد العِوَضَين أو كلاهما جنساً أو نوعاً أو صفة، ثم لا يخلو إما أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد أو من جنسين.
القسم الأول: أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد، وفيه تقع القاعدة المقصودة.
فمن صوره أن يختلف الجنس من الطرفين، أو من أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ودرهماً بمُدّ عَجْوة، ودرهمْ أو بمُدَّي عَجْوة، أو بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاع حِنْطة وصاع شعير أو بِصَاعَي حِنْطَة، أو صاعي شعير.
ومن صوره أن يختلف النَّوع والصِّفة من الطريقين أو أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ومُدّ صَيْحَانِيّ 111 بمدي عجوة أو بمدي صَيْحَانِيّ، أو بمدي عجوة أو بمدي صيحاني، أو باع مائة دينار جيد ومائة دينار رديء، بمائتي دينار جيد أو رديء أو وسط أو مائة جيدة ومائة رديئة، فلا يصح البيع في شيء من هذه الصور ونظائرها.
لما روي عن فضالة بن عبيد قال: "أُتِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ تُبَاعُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ.
الجزء: 4 - الصفحة: 84
ويروى أنه قال: "لاَ يُبَاعُ مِثْلُ هذَا حَتَّى يُفْصَلَ وَيُمَيَّزَ" 112.
والمعنى: أن قضية العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على ماليين مختلفين وزع مال الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، وذلك يوجب المفاضلة أو الجهل بالمماثلة.
أما إن قضيته ما ذكرنا فلأنه لو باع شِقْصاً من عقار وسيفاً بألف، وزع عليهما الألف باعتبار القيمة حتى إذا كانت قيمة الشّقص مائة، وقيمة السيف خمسين يأخذ الشَّفيع الشّقْص بثلثي الألف، وأيضاً فلو اشترى شيئين بألف فوجد بأحدهما عيباً، وأراد رده وحده بالعيب يرده بما يخصه من الألف إذا وزع عليهما باعتبار قيمتها، وكذلك لو خرج أحدهما مستحقّاً وأجاز المبيع في الآخر يجيزه بما يخصُّه من الألف باعتبار القيمة.
وأما أنه يلزم منه أحد الأمرين، فلأنه إذا باع مداً ودرهماً بمدّين، فإما أَنْ تكون قيمة المدّ الذي هو مع الدرهم أكثر من درهم أو أقل أو درهماً، فإن كان أكثر مثل أن يكون قيمته درهمين، فيكون المد ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطَّرف الآخر، فيصير كأنه قابل مدّاً بمدّ وثلث، وإن كان أقل مثل أن يكون قيمته نصف درهم، فيكون المدّ ثلث ما في هذا الطرف، فيقابله ثلث المُدَّين من الطرف الآخر، فيصير كأنه قابل مداً بثلثي مدّ.
وإن كان قيمته درهماً فلا تظهر المُفَاضلة، والحالة هذه لكن المماثلة فيها تستند إلى التَّقْويم، والتقويم تَخْمين قد يكون صواباً وقد يكون خطأ، والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية، وهذه الطريقة مطردة فيما إذا باع مداً ودرهماً بمد ودرهم، لأن المدين من الجانبين إن اختلفت قيمتهما مثل إِن كان مد زيدٍ يساوي درهمين ومد عَمْروٍ يساوي درهماً، فمد زَيْد ثلثا ما في هذا الطرف يقابله من الطرف الآخر ثلثا مدّ وثلثا درهم، ويبقى ثلث مد وثلث درهم في مقابلة درهم، فإذا وزعنا صار ثلث مد في مقابلة نصف درهم، لأن قيمة مد عَمْرو درهم، وثلث درهم في مقابلة نصف درهم، فتظهر المفاضلة.
وإن لم تختلف قيمتها لم تظهر المفاضلة، لكن المماثلة تخمين على ما مَرَّ.
واعترض الإمام على هذه الطريقة بأن العَقْد لا يقتضي في وضعه توزيعاً مفصلاً، بل مقتضاه مقابلة الجُمْلة بالجملة، أو مقابلة الجزء الشَّائع ممَّا في أحد الشِّقَّين بمثله مما في الشق الآخر بأن يقابل ثلث المد، وثلث الدرهم بما يقابل ثلث المدين، يعني إذا باع مداً ودرهماً بمدين، ولا ضرورة إلى تَكَلُّف توزيع يؤدي إلى التفاضل، وإنما يصار إلى التوزيع المفصل في مسألة الشُّفْعة لضرورة الشُّفْعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 85
قال: والمعتمد عني في التَّعليل أنا تعبَّدنا بالمماثلة تحقيقاً.
وإذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، لم تتحقق المماثلة فيفسد العقد.
ولناصريها أن يقولوا: أليس قد ثَبَتَ التوزيع المفصل في مسألة الشفعة؟ ولولا كونه قضية للعقد لكان ضم السَّيف إلى الشِّقْص من الأسباب الدَّافِعَة للشُّفْعة، فإنها قَدْ تندفع بأسباب وعوارض.
وأما قوله: "إنا تعبدنا بتحقيق المماثلة".
فللخصم أن يقول: تعبدنا بتحقيق المماثلة، فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أو على الإطلاق، إن قلت بالثاني فممنوع، وإن قلت بالأول فسلم، لكنه ليس صورة المسألة، فهذا نقل المذهب المشهور وتوجيهه.
ومن الأصحاب من صحَّح العقد فيما إذا باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم، والدِّرهمان من ضَرْب واحد، والمدان من شَجَرة واحدة، وفيما إذا باع صاع حِنْطة وصاعَ شعير بمثلهما وصاعا الحِنطة من صُبْرَة واحدة، وصاعا الشعير كذلك مع العلم باتحاد القيمة.
ويحكى هذا عن القَاضِي أبي الطَّيِّب الطَّبَرِي والقاضي الحسين وذكر الرُّوياني في "البحر": أنه المذهب وغلط من قال غيره.
ومن صور هذا الأصل: أن يبيع ديناراً صحيحاً وديناراً مكسوراً بدينار صحيح وآخر مكسَّر أو بصحيحين أو بمكسَّرين، إذا كانت قيمة المكسَّر دون قيمة الصحيح.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أن صفة الصِّحَّة في محل المُسَامحة، ثم الأئمة أطلقوا القول بالبطلان في حكايتهم عن المذهب المشهور.
وذكر أبو سعيد المُتَوَلِّي: أنه إذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، يبطل العقد في المدّ المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدَّين، وهل يبطل في الدرهم وما يقابله من المدَّين؟
فيه قَوْلاَ تَفْرِيقِ الصَّفقة، وعلى هذا قياس ما لو باعهما بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاعي حِنْطَة أو صاعي شعير، ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولاً على ما فصّله.
ولو كان الجيد مخلوطاً بالرديء، فباع صاعاً منه بمثله أو بِجَيِّد أو رديء جاز لأن التوزيع إنما يكون عند تمييز أحد العوضين بالآخر.
أما إذا لم يتميز فهو كما لو باع صاعاً وسطاً بِجَيِّد أو رديء.
واعلم: أن صورة البطلان مفروضة فيما إذا قابل جملة ما في أحد الطرفين بجملة ما في الطرف الآخر.
الجزء: 4 - الصفحة: 86
وأما عند التفصيل كما إذا تبايعا مدّ عَجْوة ودرهماً بمد ودرهم، وجعلا المدّ في مقابلة المدّ والدِّرهم في مقابلة الدِّرهم أو جعلا المدَّ في مقابلة الدرهم والدرهم في مقابلة المدّ، فيجوز ذلك بمثابة صنفين متباينين.
القسم الثاني ولم يذكره في الكتاب: أن يكون مال الربا من الطرفين من جنسين، وفي الطرفين أو أحدهما شيئاً آخر، فينظر إن اختلف العِوَضَان في علة الربا، فيجوز كما إذا باع ديناراً أو درهماً، بصاع حِنْطة أو صاع شَعِير.
وإن اتفقا، فإن كان التَّقَابض شرطاً في جميع العوض جاز أيضاً، كما لو باع صَاعَ حِنْطَة وصاع شعير بصاعي تمر أو صاع تمر وصاع ملح، وإن كان التَّقابض شرطاً في البعض كما لو باع صاع حِنْطة ودرهماً بصاعي شعير، ففيه قولاً الجمع بين مختلفي الحكم؛ لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط فيه التقابض، وما يقابل الحِنْطة منه يشترط فيه التقابض.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ بالهَرَوِيّ"، الهرويّ: نقد فيه ذهب وفضة، فيبيع بعضه ببعض بيع ذهب وفضة بذهب وفضة.
وقوله: "لأن حقيقة المماثلة غير معلومة" وجهه ما ذكرناه في "المُرَاطَلَة" من بعد.
وقوله: "ولو راطل مائتي" لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فمعناه إذاً قوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ" معلّم بالحاء، وكذا قوله في مسألة المُرَاطَلَة لم يجز؛ لأن عند أبي حنيفة يصح البيع فيهما، وفي جميع الصور التي ذكرناها، حتى قال: لو باع قرطاساً وديناراً فيه بمائة دينار يصح، وقوله: "لم يجز" معلم بالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يضر اختلاف النوع والصفة بعد اتحاد الجنس، وبالواو لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا مثله، وأيضاً فإن الإمام رأى الصِّحَّة في مسألة المُرَاطَلَة.
هذا مع تنصيصه على أنه رَأْيٌ رآه خارج عن مذهب الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه.
وقوله: "تخمين وجهل" أراد بالجهل هاهنا عدم العلم، وإلا فالجهل معناه المشهور هو الجزم، يكون الشيء على خلاف ما هو عليه ضد الظَّن والتَّخمين، فلا يكون الشيء تخميناً وجهلاً بذلك المعنى:
وقوله: "فمهما اشتملت الصفقة ... " إلى آخره محمول على الجنس الواحد، وتقديره مهما اشتملت الصفقة على الجنس واحد من أقوال الربا، وإلا انتقض الضَّابط بما إذا باع ذهباً وفضة بحِنْطة أو بحنطة وشعير، وبما إذا باع حنطة وشعيراً بتمر أو بتمر ومِلْح.
الجزء: 4 - الصفحة: 87
ثم لنختم الفصل بِسَرْد صور فنقول إذا باع صاع حِنْطَة بصاع حِنْطة، وفيهما أو في أحدهما فصل وهو عقد التَّبْن أو زُوَان؛ وهو حب أسودُ رَقِيقٌ يكون في الحِنْطة، لم يجز؛ لأنه يأخذ شيئاً في المكيال، فإن كان في أحدهما لزم التَّفاضل، وإن كان فيهما لزم الجهل بالتماثل، وكذا لو كان فيهما أو في أحدهما مَدَراً وحبات شعير.
وضبط الإمام المنع بأن يكون الخَلِيطُ قدراً، لو "ميَّز بَانَ على المِكْيال".
فأما ما لا يبين على المكيال إذا مُيز، فلا مبالاة به.
وإن كان فيهما أو في أحدهما دِقَاق تبن أو قليل تُرَاب لم يضر؛ لأن ذلك لم يدخل في تَضَاعف الحِنْطة ولا يظهر في المكيال، بخلاف ما إذا باع موزوناً بجنسه، وفيهما أو في أحدهما قليل تراب حيث لا يجوز؛ لأنه يؤثر في الوزن كم كان.
ولو باع حنطة بشعير، وفي كل واحد منهما أو أحدهما حبَّات من الآخر يَسِيرة صح البيع؛ وإن كثرت فلا.
قال الإمام: وليس المعتبر كونه بحيث يؤثر في المكيال ولا كونه متمولاً.
أما التأثير في المِكيال، فلأن المماثلة غير مرعية عند اختلاف الجنس، وأما التمول، فلأنه مفرداً غير مقصود، فالمعتبر أن يكون الشعير الذي خالطته الحنطة قدراً يقصد تمييزه ليستعمل شعيراً وكذا بالعكس.
ولو باع داراً بذهب فظهر فيها معدن الذهب، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كبيع دار مُوِّهت بالذهب تمويهاً يحصل منه شيء بذهب.
وأصحهما: نعم؛ لأنه بائع بالإضافة إلى مقصود الدار.
ولو باع داراً فيها بئر ماء [بدار فيها بئر] ماء، وفرعنا على أن الماء ربوي، ففي صحة البيع وجهان: أصحهما: الصحة لما ذكرنا من معنى التبعية 113.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي في الحَالَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ المُمَاثَلَة فِيهَا، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَلاَ إِذًا، فَنَبَّهُ عَلَى أَنَّ المُمَاثَلَةَ تُرَاعَى حَالَةَ الجَفَافِ وَهُوَ حَالُ كَمَالِ الشَّيْءِ، وَلاَ خَلاَص فِي المُمَاثَلَةِ قَبْلَهُ فَلاَ يَجْوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ (م ح ز) وَلاَ بَالتَّمْرِ، وَكَذَا العِنَبُ (ح)، وَكُلُّ فَاكِهَةٍ (و) كَمَالُهَا فِي جَفَافِهَا وَهُوَ حَالَة الادْخَارِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 88
قال الرافعي: أموال الربا تنقسم إلى ما يتغير من حال إلى حال وإلى ما لا يتغير، والَّتِي تتغيَّر منها تعتبر المماثلة في بيع الجنس بالجنس منها في أكمل أحوالها، فمن المتغيرات الفواكه، فتعتبر المماثلة في المُتَجَانسين منها حالة الجَفَاف، ولا يغني التَّمَاثل في غير تلك الحالة.
روي عن سعد بن أبي وقاص أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: "أَيَنقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبَسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلاَ إِذاً" 114.
ويروى "فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ"، أشار النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "أَيْنَقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبَسَ؟ " إلى أن المماثلة عند الجفاف تعتبر، ونبَّه به على علة فساد بيع الرطب بالتمر، وإلا فنقصان الرطب إذا جف أوضح من أن يبحث أو يسأل عنه.
إذا تقرر ذلك فلا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمْر ولا بالرطب.
أما بالتمر فليقين التفاوت عند الجفاف.
وأما بالرطب فللجهل بالمماثلة؛ لأنه لا يعرف قدر النُّقصان منهما، وقد يكون قدر الناقص من أحدهما أكثر من الآخر، وكذا لا يجوز العِنَبِ بالعنب وبالزبيب، وكذا كل ثمرة لها حالة الجَفَاف كالتِّين والمِشْمش والخوخ والبَطِّيخُ والكُمَّثْرَى الذين يفلقان والإجاصُ والرُّمَّان الحَامِض، لا يباع رطبها برطبها ولا بيابسها، ويجوز بيع الحديث بالَعَتِيق، إلاَّ أن تبقى النَّدَاوة في الجديد، بحيث يظهر أثر زوالها في المكيال.
وأما ما ليس له حالة جفاف كالعنب الذي لا يتزبب، والرطب الذي لا يتتمَّر، والبطيخ والكمثري الذين لا يفلقان والرُّمَّان الحلو والبَاذِنْجَان والقَرْع والبُقُول، ففي بيع بعضها ببعض قولان ذكرناهما من قبل.
وعند أبي حنيفة: يجوز بيع الرطب بالتمر وبالرطب وكذا في نظائره، وساعدنا مالك وأحمد على منع بيع الرطب بالتمر، وساعدا أبا حنيفة على تجويز بيع الرُّطَب بالرُّطب وبه قال المُزَنِّي.
ويستثنى عن بيع الرطب بالتمر صورة العَرَايا، وهي مذكورة من بعد.
قوله: "وكذا كل فاكهة كمالها بعد جفافها"، يجوز إعلامه بالواو؛ لأن الإمام حكى وَجْهاً في المشْمِش والخوخ، وما لا يعم تجفيفه عموم تجفيف الرطب؛ أنه يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة، لأن رطوبتها أكمل أحوالها، والتَّجْفيف في حكم النادر.
الجزء: 4 - الصفحة: 89
وأما ما أجراه من لفظ "الادِّخَار فإن طائفة من الأصحاب ذكروه وآخرون أعرضوا عنه، ولا شك أنه غير معتبر لحالة التماثل في جميع الربويات، ألا ترى أن اللبن لا يدخر، ويباع بعضه ببعض؟ فمن أعرض عنه فذاك، ومن أطلقه أراد اعتباره في الفَوَاكِه والحبوب لا في جميع الربويات فاعرف ذلك.
قال الغزالي: وَادِّخَارُ الحَبِّ إِذَا بَقِيَ حَبًّا فَلاَ يُدَّخَرُ الدَّقِيقُ (ح وم) وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَلاَ الحِنْطَةُ المَقْلِيَّةُ وَالمَبْلُولَةُ، وَيُدَّخَرُ السَّمْسِمُ وَالدُّهْنُ وَالزَّبِيبُ وَالخَلُّ، وَكَمَالُ مَنْفَعَةِ اللَّبَنِ أَنْ يَكُونَ لَبَناً أَوْ سَمْناً أَوْ مَخِيضاً دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ أَحْوالِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَعْرُوضٍ علَى النَّارِ مِنْ دبْسِ أَوْ لَحْمِ فَلاَ كَمَالَ فِيهِ، وَمَا عُرِضَ لِلتَّمْييز كَالعَسَلِ فَهُوَ علَى الكَمَالِ، وَإذَا نُزِعَ النَّوَى مِنَ التَّمْرِ بَطُلَ (و) كَمَالُهُ، بِخِلاَفِ العَظْمِ إِذَا نُزِعَ مِنَ اللَّحْمِ إِذْ لَيْسَ في إِبْقَائِهِ صَلاحٌ لاِدْخَارِهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لِلْحِنْطة ونحوها من الحبوب حالتان:
إحداهما: مَا قبل التنقية من القِشْر والتِّبْن، وسيأتي حكم بيعها فيهما -إن شاء الله تعالى-.
والثانية: ما بعدها فيجوز بيع بعضها ببعض ما بقيت على هيئتها بشرط تَنَاهي جَفَافها، فإذا بطلت تلك الهيئة فقد خرجت عن حالة الكمال، فلا يجوز بيع الحِنْطة بشيء مما يتخذ منها من المَطْعُومات كالدَّقِيق والسُّوَيْق والخُبز والنِّشَا، ولا بما فيه شيء مما يتخذ من الحِنْطة كالمصل ففيه الدَّقيق والفَالُوذَج ففيه النِّشَا.
وكذا لا يجوز بيع هذه الأشياء بعضها ببعض لخروجها عن حالة الكمال، وعدم العلم بالمماثلة، ولو كان العوضان على حالة الكمال هذا ما يفتى به من المذهب.
ونقل الحسين وهو المعروف بـ"الكَرَابِيِسيّ" عن أبي عبد الله: تَجْوِيز بيع الحِنْطَة بالدَّقيق، فمنهم من جعله قولاً آخر للشَّافعي -رضي الله عنه-، وبه قال أبو الطَّيب بن سلمة، ووجهه بأن الدقيق نفس الحنطة، إلاَّ أَنَّ أجزاءها قد تفرقت، فأشبه بيع حِنْطَة صغيرة الحَبَّات بحِنْطَة كبيرة الحَبّات، وعلى هذا فالمِعْيار الكيل.
ومنهم من لم يثبته قولاً، وقال: أراد بأبي عبد الله مالكاً -رضي الله عنه- وأحمد.
وجعل الإمام منقول الكَرَابِيسيّ شيئاً آخر: وهو أن الدقيق مع الحِنْطَة جنسان، حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، ويشبه أن يكون هو منفرداً بهذه الرواية.
وحكى البُوَيطي والمُزَنِي في "المنثور" قولاً: أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق، وإن
الجزء: 4 - الصفحة: 90
امتنع بيعه بالحنطة، كما يجوز بيع الدهن بالدهن، وإن امتنع بيعه بالسِّمسم.
وفي بيع الخبز الجاف المدقوق بمثله قول: أنه يجوز لإمكان كيله والأَمْن من التفاضل فيه وهذا رواه الشيخ أبو حامد والعراقيون عن رواية حرملة، والشيخ أبو عاصم العبادي وآخرون عن رواية ابن مِقْلاَص.
ورد الإمام رواية ابن مِقْلاَص إلى شيء آخر، وهو تجويز بيع الْحِنطة بالسُّوَيق، وجعلهما جنسين:
وقال مالك -رضي الله عنه-: يجوز بيع الحنطة بالدقيق، وبه قال أحمد في أظهر الرِّوايتين، إلاَّ أن مالكاً يعتبر الكيل، وأحمد يجوز الكيل والوزن.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الدقيق بالدقيق بشرط تساويهما في النُّعومة والخشونة، ولا يجوز بيع الحنطة المَقْلِية بالمَقْلِية ولا بغيرها لتغيرها عن هيئتها واختلاف الحبات في التأثر بالنار، ولا بيع الحِنْطة المبلولة بالمَبْلُولة ولا بغيرها لما في المَبْلُولة من الانْتِفاخ والتَّجافي، فإن جفت لم يجز أيضاً لتفاوت جنسها عند الجفاف، وإذا منع مجرد البل بيع البعض بالبعض، فالتي نُحِّيت قشرتها بعد البَلِّ بالتَّبريس أولى أن لا يباع بعضها ببعض.
قال الإمام: في الجَارُوسِ عندي احتمال إذا نجيت قِشْرَتها، وكما أن المَبْلُولة مجاوزة حالة الكمال، فالتي لم يتم جفافها غير واصلة إلى حالة الكمال، وإن أفركت وأخرجت من السَّنابل.
ويجوز بيع الحِنْطة وَمَا يتخذ منها من المَطْعُومات بالنّخَالة، لأنها ليست مال الربا، وكذا بيع المُسَوَّسة بالمُسَوسة إذا لم يبق فيهما شيء من اللّب قاله في "النهاية".
الثانية: السِّمْسم وغيره من الحبوب الَّتِي يتخذ منها الأدهان على حالة الكمال ما دامت على هيئتها كالأقوات فلا يجوز بيع طَحينها بِطَحْينها كبيع الدَّقيق بالدقيق.
والدهن المستخرج منها على حالة الكمال أيضاً، حتى يجوز بيع بعضها ببعض متماثلاً.
وفيه وجه: أن بيع الدُّهن بالدُّهن لا يجوز؛ لأن الدهن لا يستخرج إلا بعد طرح حلاوة أو ملح على الطّحين، فيلتحق بصورة مدّ عَجْوة، والمذهب الأول.
ويجوز أن يكون للشيء حالتا كمال، أَلاَ ترى أن الزَّبيب والخَلَّ كلاهما على حالة الكمال مع أن أصلهما العنب؟ وكذلك العصير على حالة الكمال في أصح الوجهين، حتى يجوز بيع عصير العنب بعصير العنب، وعصير الرطب بعصير الرطب، والمعيار فيه، وفي الدهن الكيل.
ويجوز بيع الكُسْب بالكُسْب أيضاً إن لم يكن فيه خلط، فإن كان فيه خلط لم
الجزء: 4 - الصفحة: 91
يَجُز، والأدهان المطيبة كدهن الوَرْد والبَنَفْسج والنيلوفر كلها مستخرجة من السِّمسم، فإذا فرعنا على جريان الربا فيها جاز بيع بعضها ببعض، إن ربَّى السمسم فيها ثم استخرج دهنه، وإن استخرج الدهن ثم طرح أوراقها فيه لم يجز، لأن اختلاطها به يمنع معرفة التماثل.
وعصير الرُّمان والتُّفاح وسائر الأثمار كعصير الرطب والعنب، وكذا عصير قَصَبِ السكر، ويجوز بيع خَلِّ الرُّطَب بَخلِّ الرطب وخل العنب بخَل العنب، لأنه على هيئة الادِّخار، والمعيار فيه الكيل، ولا يجوز بيع خَلِّ الزَّبيب بمثله ولا بيع خل التمر بمثله، لما فيهما من الماء، وأنه يمنع معرفة التماثل بين الخلين.
وكذا لا يجوز بيع خل العنب بخل الزبيب، ولا خل الرطب بخل التمر؛ لأن في أحد الطرفين ماء فيلزم التفاضل بين الخلين.
ولا يجوز أيضاً بيع خل الزبيب بخل التمر، إذا فرعنا على أن الماء ربوي، لأن في الطرفين ماء، والمماثلة بين الجانبين غير معلومة 115.
ويجوز بيع خَلِّ الزبيب بخل الرطب، وخل التمر بخلِّ العنب، لأن الماء في أحد الطرفين، والمماثلة بين الخَلَّين غير معتبرة تفريعاً على الصحيح، في أنهما جنسان.
الثالثة: اللَّبن حالة الكمال يباع بعضه ببعض بخلاف الرطب، لأن اللبن يؤكل على هَيْئَته في الأكثر، ومعظم منافعه تفوت بِفَوات تلك الهيئة.
وأما الرطب فما يؤكل منه في الحال يعد عجالة تَفَكُّه، والمقصود الأعظم اقتناؤه قوتاً، فجعل حال كمال كل واحد منهما ما يليق به، وحكم الرَّائِبِ والحامض والخَاثِرِ منه ما لم يكن مَغْلياً حكم الحَلِيب في الحال حتى يباع البعض منهما بالبعض أو بالحَلِيب، ولا نظر إلى أن الشَّيء إذا خَثَر كان أَثْقَل، وما يحويه المكيال من الخاثِر يزيد في الوزن على الرَّقيق من جنسه؛ لأن المعيار في اللَّبن الكيل نص عليه الجمهور.
وإذا حصل الاستواء في الكيل فلا مبالاة بتفاوت الوزن، كما في الحِنْطة الصلبة مع الرخوة، وفي كلام الإمام ما يقتضي تجويز الكيل والوزن جميعاً.
ويجوز بيع السَّمن بالسَّمن أيضاً؛ لأنه يدّخر ولا يتأثّر بالنَّار تأثر انعقاد ونقصان، وإنما يعرض على النَّار لِلتَّصْفية، فالمعيار فيه الكَيْل إن كان ذائباً والوزن إن كان جامداً،
الجزء: 4 - الصفحة: 92
قاله في "التهذيب"، وهو متوسط بين وجهين أطلقهما العراقيون.
فحكوا عن المنصوص: أنه يوزن، وعن أبي إسحاق: أنه يكال، ويجوز بيع المَخيض بالمَخِيض إذا لم يكن فيهما ماء، ومال المُتَوَلِّي إلى المنع، لأنه ليس على حالة الادخار، ولا على حال كمال المنفعة، فليكن كبيع الدقيق بالدقيق، ولا يجوز بيع الأَقِط بالأَقِط والمَصْل بالمَصْل والجُبْن بالجُبْن لتأثرها بالنَّار ولأنها لا تخلو عن مخالطة شيء، فالملح خليط الأقط، والدقيق خليط المصل، والانْفَحَة خليط الجبن، وهل يجوز بيع الزُّبْد بالزُّبْد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كبيع السَّمن بالسَّمن.
وأصحهما: لا، لأن الزُّبد لا يخلو عن قليل مَخِيض، وأنه يمنع معرفة المُمَاثلة، وعلى هذا لا يجوز بيعه بالسَّمْن لتحقُّق المفاضلة، ولا يجوز بيع اللَّبَن بكل ما يتخذ منه من السَّمن والمَخِيض وغيرهما كبيع الحِنْطة بما يتخذ منها.
وقوله في الكتاب: "وكمال منفعة اللبن أن يكون لبناً أو سمناً أو مخيضاً، لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأنه ليس كونه لبناً كمال منفعته، وإنما هو حال منفعته، ولو طرح لفظ "المنفعة" وقال: حال كمال اللبن: أن يكون لبناً أو مخيضاً أو سمناً لكان أولى، ويجوز إعلام قوله: "دون ما عداه من أحواله" بالواو للوجه المذكور في الزبد.
الرابعة: المعروض من مال الرِّبا على النَّار ضربان:
أحدهما: المعروض للعقد والطَّبخ كالدِّبْس واللَّحم المَشْوِي، وفي جواز بيع الدِّبْس بمثله وجهان:
أحدهما: يجوز، لإمكان ادِّخاره، ولتأثير النار فيه غاية يعرفها أهل البَصَر.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجوز، لأن النار تأخذ بعض العصير فيصير دِبْساً، وقدر المأخوذ منه يختلف اختلافاً بيناً، فلا ندري المُمَاثلة بين أجزاء العَصِير، وفي بيع السكر بالسكر، والفاسد بالفاسد، واللَّباء باللَّباء وجهان كما في الدِّبْس.
ولا يجوز بيع قصب السكر بقصب السكر ولا بالسكر كبيع الرطب بالرطب والتمر بالتمر.
وأَمَّا اللحم إذا بيع بجنسه، فإن كانا طَرِبين أو أحدهما لم يجز، لأن معظم منافع اللحم تنتفي بعد التقديد فهو كالرطب والعنب.
وعن ابن سُرَيج: أنه يجوز كبيع اللبن باللبن، وإن كانا مُقَددين جاز، إلا أن يكون فيهما أو في أحدهما من المِلْح ما يظهر في الوزن.
قال الأئمة: ويشترط أن يتناهى جَفَافه بخلاف التمر يباع الحديث منه بالحديث وبالعَتِيق؛ لأنه مكيل وأثر الرُّطُوبة الباقية لا تظهر في المِكْيال، واللحم موزون وأثر
الجزء: 4 - الصفحة: 93
الرُّطُوبة يظهر في المِيْزَان، هذا إذا لم يكن اللَّحْم مطبوخاً أو مشوياً.
أما المَطْبُوخ والمَشْوِي فلا يجوز بيعها بمثلها ولا بالنَّي لما ذكرنا من اختلاف تأثير النار.
وعن أَبِي حَنيفَة: يجوز بيع المَطْبُوخ بالنَّي متماثلاً.
وعن مالك: تجويزه متماثلاً ومتفاضلاً.
الضَّرب الثاني: المعروض للتمييز والتنقية فهو على حالة الكمال يجوز بيع بعضه ببعض كالسمن على ما مر، وكالذهب والفضة يعرضان على النار لتمييز الغِشّ، وفي العسل المصفَّى بالنار وجهان:
أحدهما: أنه خارج عن الكمال، لأن النَّار قد تعقد أجزاءه.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه على الكمال؛ لأن المقصود من عرضه تمييز الشَّمع عنه، ونار التمييز لينة لا تؤثر في التَّعقيد أشبه المصفَّى بالمشمش، ولا يجوز بيع الشُّهْد بالشُّهْد؛ لأن الشَّمع يمنع معرفة التَّماثل بين العَسَلَين، ولا بالعسل لظهور التَّفاضل، ويجوز بيع الشَّمع بالعَسَل وبالشّهد بلا حجر؛ لأن الشمع ليس من أموال الربا، ومعيار السَاوي في العَسَل على ما ذكرناه في السَّمْن.
الخامسة: التَّمْر إذا نزع منه النَّوَى بطل كماله لأنه يبطل ادِّخَاره، ويتسارع إليه الفساد فلا يجوز بيع منزوع النَّوَى بمثله ولا بغير المَنْزُوع، وقيل: يجوز بيع المنزوع بمثله، لأن النَّوَى ليس من جنس التَّمر فلا يضر فصله عنه، وإنما لم يشترط ذلك لما فيه من المَشَقة.
وحكى الإمام الخلاف في بيع المنزوع بالمنزوع أيضاً ومفلَّق المِشمش والخُوخ ونحوهما لا يبطل كمالها بننرع النَّوَى في أصح الوَجْهين؛ لأن الغالب في تَجْفِيفها نزع النَّوى، ولا يبطل كمال اللَّحم بنزع العَظْم، لأنه لا يتعلَّق صلاح ببقائه، وهل يشترط النزع في جواز بيع بعضه ببعض؟ فيه وجهان:
أظهرهما عند الأكثرين: نعم، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني ويحكى عن الإِصْطَخْري: أنه يسامح به، وعلى هذا يجوز بيع لَحْم الفَخِذ بالجَنب، ولا نظر إلى تفاوت أقدار العظام كتفاوت النَّوَى.
هذا شرح مسائل الفصل وما يناسبها، وإذا نظرت في هذا الطرف عرفت أن النظر في حالة الكمال إلى أمرين في الأكثر:
أحدهما: كون الشيء بحيث يتهيَّأ لأكثر الانتفاعات المطلوبة منه.
والثاني: كونه على هيئة الادِّخار لكنهما لا يعتبران جميعاً، فإن اللبن ليس بمدخر، والسمن ليس بمتهيء الانْتِفَاعات المَطْلُوبة من اللبن، وكل واحد من المعنيين غير مكتفى به أيضاً، لأن الثمار التي لا تدخر تتهيَّأ لأكثر الانْتِفَاعات المطلوبة منها، والدقيق مدَّخر وليس على حالة الكمال على ما سبق، ولا تساعدني عبارة ضابطة، كما
الجزء: 4 - الصفحة: 94
أحب في تفسير الكمال، فإن ظفرت بها ألحقتها بهذا الموضع وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في مَعْنَى الجِنْسِيَّةِ، وَالأَدِقَّةُ وَالأَلْبَانُ وَالخُلُولُ وَالأَدْهَانُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلاَفِ أُصُولها، وفي لُحْومِ الحَيَوَانَاتِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ لِتَفَاوُتِ المَعْنى وَإِنْ اتَّفَقَ الاسْمُ، وَأَعْضَاءُ الحَيَوانِ الوَاحِدِ كَالكِرْشِ وَالكَبِدِ وَالشَّحْمِ أَجْنَاسٌ عَلَى الأَظْهَرِ إِنْ جَعَلْنَا اللَّحْمَ أَجْنَاساً، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ (ح و) اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ علَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِلْنَّهِي عَنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ دُهْنِ السِّمْسِمِ بالسِّمْسِمِ، وَلاَ بَيْعُ السَّمْنِ بِاللَّبَنِ وَإِنْ جَازَ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ.
قال الرافعي: عرفت في صدر الباب أن بيع المال الربوي بجنسه مشروط برعاية المُمَاثلة وبغير جنسه غير مشروط بها، والتجانس والاخْتِلاَف قد يظهر، فلا يحتاج إلى التَّنْصيص عليه، وقد يقع في محل الإِشْكال والاشتباه، وموضوع الطرف بيان مواضع الاشتباه، وفيه مسألتان:
إحداهما: اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في أن لحوم الحَيَوَان جنس أو جنسان: فأحد القولين: أنها جنس واحد؛ لأنها مشتركة في الاسم الذي لا يقع بعده التَّمييز إلاَّ بالإضافة، فأشبهت أنواع الرُّطَب والعنب، وتخالف الثمار المختلفة، فإنها وإن اشتركت في اسم الثَّمرة لكنها تمتاز بأسمائها الخاصة.
وأصحهما وبه قال أبو حنيفة والمزني: أنها أجناس مختلفة لأنها فروع أصول مختلفة، فأشبهت الأدقّة والأَخْبَاز.
وعن مالك: أن اللحوم ثلاثة أجناس: الطُّيور، والدَّوابُ أهَلِيّها وَوَحْشِيّها، والبَحْريات.
وبه قال أحمد في أحد الروايتين وعنه روايتان أخرتان كالقولين.
التفريع: إن جعلناها جنساً واحداً، فلا فرق بين لحوم الحيوانات البَريّة أهليها ووحشيها، وكذا لحوم البحريات جنس واحد، وفي لحوم البَرِيّات مع البَحْرِيّات وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَرِي والشيخ أبو حامد: أنهما جنسان، وكذلك لو حَلَفَ أن لا يأكل اللَّحم لا يَحْنَث بلحوم الحِيْتان.
والثاني: أنهما جنس واحد لشمول الاسم.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 116، وهذا هو اختيار القاضي أبي
الجزء: 4 - الصفحة: 95
الطَّيب ابن الصَّبَّاغ، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وإن جعلناها أجناساً، فحيوان البَرِّ مَعَ حيوان البَحْرِ جنسان، ثم الأَهْلِيَّات من حيوان البَرِّ جنس، والوَحْشِيَّات جنس، ثم لكل واحد من القسمين أجناس، فلحوم الإبل على اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم البقر والجَوامِيس وغيرها جنس واحد، ولحوم الغنم ضَأْنُها ومَعِزُها جنس، والبقر الوَحْشِي جنس، والظِّبَاء جنس، وفي الظِّبَاء مع الإبل تردد للشيخ أبي محمد واستقرار جوابه على أنهما كالضَّأْن والمعز، وأما الطُّيور والعَصَافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج وهو ما عب، وهدر جنس، فيدخل فيه القُمْرِيُّ والدّبْسِيّ والفَاخِتَة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب"، واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنساً برأسه، والسُّمُوك من حيوان البحر جنس، وفي غَنم الماء وَبَقرِه وغيرهما مع السُّمُوك، وكذا في بعضها مع بعض قولان:
أصحهما: أنها أجناس كَحَيَوانات البر، وهل الجراد من جنس اللحوم؟
فيه وجهان: إن قلنا: نعم، فهو من البَرِّيات أو البَحْرِيات فيه وجهان 117.
وفي أعضاء الحيوان الواحد كالكِرْشِ والكَبِدِ والطّحَال والقَلْب، والرِّئَةُ طريقان:
أشهرهما: أنا إن قلنا: إن اللحوم أجناس، فهذه أولى لاختلاف أسمائها وصفاتها.
وإن قلنا: إنها جنس واحد ففيها وجهان، لأن من حلف أن لا يأكل اللحم، لا يَحْنَث يأكل هذه الأشياء على الصحيح، وهذا كالخلاف في أن لحم السمك جنس برأسه أو هو من جنس سائر اللحوم؛ لأن من حَلَفَ أن لا يأكل اللحم لا يَحْنَث بأكل السَّمك.
والثاني عن القَفَّال: أنا إنْ جعلناها جنساً واحداً فهذه الأشياء مجانسة لها، وإن جعلناها أجناساً فوجهان لاتِّحاد الحيوان، وصار كلحم الطَير وشحمه.
وقوله في الكتاب: "أجناس على الأظهر"، إن جعلنا اللحوم أجناساً إلى هذه الطَّريقة أقرب، ولو قال: "وإن لم نجعل اللحوم أجناساً"، لكان ذلك للطّريقة الأولى، وكيف ما قدرت التَّرتيب فظاهر المذهب أنها أجناس، والمخ جنس آخر، وكذلك الجِلْد 118 وشَحْم الظَّهر مع شَحْم البَطْن جنسان، وسِنَام البعير معهما جنس آخر، والرَّأْس والأَكَارع من جنس اللحم، وفي الأَكَارع احتمال عند الإمام.
الجزء: 4 - الصفحة: 96
وأما الأَدِقّة والخُلُول والأَدْهَان فهي أجناس مختلفة على المَشْهور؛ لأنها أصول فروع مختلفة وهي من أموال الربا، فأجرى عليها حكم أصولها بخلاف اللحم فإن أصولها وهي الحيوانات ليست رَبَوية، وكذا عصير العِنَب مع عصير الرُّطَب جنسان وَدِبْسَهُما كذلك، وفي الأَدِقَّة حكاية قول عن "أمالي حرملة".
أنها جنس واحد، وأبعد منه وجه ذكروه في الخُلُول والأَدْهَان، ويجري مثله في عصير العنب مع عصير الرطب.
وأما الألبان ففيها طريقان:
أظهرهما: عند الأكثرين: أنها على قولين كما في اللَّحمين، فعلى الأصح يجوز بَيْعُ لبن الغَنَمِ بلبن البقر متفاضلاً، وبيع أحدهما بما يتخذ من الآخر، ولبن الضَّأن والمعز جنس واحد، ولبن الوَعْلِ مع المعز الأهلي جنسان اعتباراً بالأصول.
والطريق الثاني: وهو قضية إيراد الكتاب: القطع بأنها أجناس مختلفة، والفرق أن الأصول التي حصل اللَّبن منها باقية بحالها وهي مختلفة، فيدام حكمها على الفُروع بخلاف أصول اللَّحم.
وَبُيُوض الطُّيور أجناس إن جعلنا اللَّحوم أجناساً، وإن جعلناها جنساً واحداً، فهي أجناس أيضاً على أصح الوجهين.
والزَّيت المعروف مع زَيْت الفِجْل جنسان، وهو دهن يتخذ من بزْرِ الفِجْل، يسمى زَيْتَاً لأنه يصلح لبعض ما يصلح له الزَّيت المعروف.
ومنهم من قال: حكمهما حكم اللَّحمين، والتمر المعروف مع الهِنْدي جنسان.
وعن ابن القَطَّان وجه: أنهما جنس واحد.
وفي البَطِّيخ المعروف مع الهِنْدي وجهان أيضاً، وكذا في القِثَّاء مع الخِيَار 119.
والبُقُول كالهِنْدِبا والنّعنَع وغيرهما أجناس، إذا قلنا: بِجَرَيان الربا فيها، ودهن السِّمْسم وكُسْبه جنسان، كالمخيض والسَّمن، وفي عصير العنب مع خلِّه وجهان:
أظهرهما: أنهما جنسان لإفراط التَّفاوت في الاسم والصِّفة والمقصود، وفي السكر والفَانِيذ وجهان أيضاً:
أظهرهما: أنهما جنسان لاختلاف قصبهما، والسكر والنبات والطَّبْرزد جنس واحد، والسكر الأحمر وهو القَوَالِبُ عكر الأبيض ومن قصبه، وسع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لمخالفتهما في الصفة.
قال الإمام: ولعل الأظهر: أنه جنس من السُّكر.
الجزء: 4 - الصفحة: 97
المسألة الثانية: بيع اللحم بالحيوان المأكول من جنسه باطل وهو قول مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمُزنِيّ.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ" 120.
وإن باعه بحيوان مأكول لا من جنسه، كما لو باع لحم الشَّاة بالبقرة، فيبنى على أن اللحمين جنس أو أجناس.
إن قلنا: إنهما جنس فهو باطل أيضاً.
وإن قلنا: أجناس، فقولان:
أحدهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه صحيح، كما لو باع اللَّحم باللَّحم.
وأصحهما: أنه باطل لعموم الخبر.
روي أن جَزُوراً نحرت على عهد أبي بكر -رضي الله عنه- فجاء رجل بعِنَاق وقال: اعْطُوني جزءاً بهذه العِنَاق، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: لا يصلح هذا.
وإن باعه بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان:
أصحهما عند القَفَّال: المنع لظاهر الخبر.
والثاني: الجواز؛ لأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هاهنا وفي بيع الشَّحْم والألْيَة والطّحَال والقَلْب والكِلْية والرِّئة بالحيوان وجهان، وكذا في بيع السّنَام بالأبل.
أحدهما: يجوز؛ لأن النَّهي ورد في بيع اللَّحم بالحيوان.
وأصحهما: المنع، لأنه في معناه، وعلى هذا الخلاف بيع الجِلْد بالحيوان إن لم يكن مَدْبوغاً، وإن كان مدبوغاً فلا منع، وعلى الوجهين أيضاً بيع لحم السَّمك بالشَّاة، ولا يجوز بيع دُهْن السِّمْسم ولا كُسْبه بالسمسم، ولا ببيع دهن الجُوز بلب الجُوز، ولا بيع السَّمن باللَّبن، كما لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، وبيع دقيق الحِنْطة بالحنطة.
وذكر الإمام هاهنا إشكالاً وطريق حله.
أما الإشكال، فهو: أن السِّمْسم جنس في نفسه لا أنه دُهن وكُسْب، واللبن جنس في نفسه لا أنه سمن ومَخِيض، ولهذا جاز بيع السِّمْسم بالسِّمْسم، واللبن باللبن، وإن كان لا يجوز بيع الدهن والكسب بالدهن والكسب، وبيع السمن والمَخِيض بالسَّمن
الجزء: 4 - الصفحة: 98
والمخيض، وإذا كان جنساً برأسه وجب أن يجوز بيع السمسم بالدهن، كما جاز بيع السِّمْسم بالسِّمسم.
وأما الحل: هو أنه إذا قُوبل السِّمسم بالسِّمْسم، واللّبن باللبن، فالعِوَضَان متجانسان في صفتهما الناجزة، فلا ضرورة إلى تفريق الأجزاء وتصوير ما يكون حينئذ، وإذا قوبل السِّمْسم بالدهن، فلا يمكننا جعل السِّمْسم مخالفاً للدهن، مع اشتمال السِّمسم على الدُّهن، وإذا ارتفعت المُخَالفة جاءت المُجَانسة، ولا شك أن مجانستهما في الدُّهْنِية فنضطر إلى اعتبارها، وإذا اعتبرناها كان ذلك بيع دهن وكسب بدهن.
قوله في الكتاب: "إن جاز بيع كل واحد منهما بجنسه"، إشارة إلى هذا الإِشْكَال، ويجوز بيع الجُوز بالجُوز واللُّوز باللُّوز، ولا بأس بما عليهما من القِشْر؛ لأن الصلاح يتعلق به، ثم المعيار في الجُوز الوَزْن، لأنه أكبر من التَّمر، وفي اللوز الكيل، ويجوز أيضاً بيع لُب الجوز ولب اللوز بلب اللّوز لأنه أكبر.
وفيه وجه: أنه لا يجوز بيع اللّب باللّب.
لخروجه عن حالة الادِّخار، وبهذا أجاب في "التتمة".
وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن نص الشافعي -رضي الله عنه-: أنه لا يجوز بيع الجُوز بالجوز، واللوز باللوز، مع القِشْر، وبيع البيض بالبيض، كبيع الجوز بالجوز، فيجوز على الظاهر، وإن كان في القِشْر، والمعيار فيه الوزن، ويجوز بيع لبن الشَّاة بغير اللّبُون من الشَّاة، وكذا باللّبُون إذا لم يكن في ضَرْعها لبن، إن جرى البَيع عقيب الحلب، وإن كان في ضَرْعها لبن لم يجز؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قِسْطاً من الثمن، ألا ترى أنه وجب التمر في مقابلته في المصَرَّاة؟ وكذا لو باع شاة في ضَرْعها لبن بشاة في ضَرْعها لبن كما لو باع حيواناً ولبناً بحيوان ولبن.
وعن أبي الطَّيِّب ابن سَلَمة: أنه يجوز كبيع السِّمْسم بالسِّمسم، وبيع البيض بالدَّجَاجة كبيع اللبن بالشَّاة، ولو باع لبن الشاة ببقرة في ضَرْعها لبن.
فإن قلنا: الألبان جنس واحد لم يجز.
وإن قلنا: إنها أجناس فقولان للجمع بين مختلفي الحكم، فإن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط فيه التَّقابض، وما يقابله من الحَيَوان لا يشترط فيه التقابض -والله أعلم-.
فرع: الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام؛ لأن النصوص الواردة فيه مطلقة.
وبه قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين،
الجزء: 4 - الصفحة: 99
فأما بين حَرْبِيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما، فلا ربا -والله أعلم-.
الْبَابُ الثَّالِثُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَةِ النَّهْي
قال الغزالي: وَالمَنَاهِي قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ العَقْدِ وَذَلِكَ كَنَهْيهِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوَانِ (ح) وَبَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَانُ، وَبيْعِ الكَاليءِ بالكَاليءِ، وَبَيْعِ الغَرَرِ، وَبَيْعِ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، وَبَيْعِ عَسَبِ الفَحْلِ وَهُوَ نُطْفَتُهُ.
قال الرافعي: مقصود الباب عدد البياعات التي ورد فيها نهي خاص، والتَّرجمة تقتضي انقسام الفساد إلى ما يكون للنهي وإلى ما يكون لغيره، لكن يمكن أن يقال: لإفساد إلا للنَّهي، فإن الربا الذي أفرده بالذّكر منهى عنه أيضاً، وكذا تفريق الصَّفقة إذا منعنا عنه، وكل فاسد منهى عنه إِمَّا نهي خاص وإما نهي عام.
ثم ما ورد فيه النهي من البيوع قد يحكم بفساده قضية للنهي وهو الأغلب وقد لا يحكم، وهو حيث يقارن البيع ما يعرف عود النهي إليه كالمنع عن البيع حالة النّدَاء، فإنا نعلم أن المنع غير متوجّه نحو خصوص البيع، وإنما هو متوجّه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب المنهي، ولو باع في غير تلك الحالة لم يُصَادِفْه نَهْي.
القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد وهو أنواع:
فمنها: بيع اللَّحم بالحَيَوان وقد مر.
ومنها: بيع ما لم يقبض وبيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان، وبيع الكَالئ بالكالئ وسنشرحها من بعد -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: بيع الغَرَر 121.
فمنه بيع ما لم يقدرعلى تسليمه وقد سبق.
ومنه أن يبيع مال الغير.
"ومنْهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، رُوِي أَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْهُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ" 122.
وله تفسيران:
أحدهما: أن يبيع ما هو غائب عنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 100
والثاني: أن يبيع ما لا يملكه ليشتريه فيسلِّمه.
ومنها: بيع الكلب والخِنْزِيرِ، وقد تقدم ذكره في شرط طهارة المبيع.
ومنها ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ" 123.
وروي أنه "نَهَى عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفِحْلِ" 124.
وهذه رواية الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، قال في "الصحاح": العَسْب: الذي يؤخذ على ضِرَاب الفَحْل 125 وعَسب الفَحْل أيضاً: ضِرَابه، ويقال: ماؤه، فهذه ثلاثة مَعَان.
والثَّالث: هو الَّذي أطلقه في الكتاب.
والثَّاني: هو المشهور في الفِقْهيات، ثم ليس المراد من الخبر في الرواية الأولى الضِّرَاب، فإن نفس الضِّرَاب لا يتعلَّق به نهي ولا منع من الإيذاء أيضاً، بل الإعارة للضراب محبوبة، ولكن الثمن المذكور في الرواية الثانية مُضْمَر فيه هكذا قالوه.
ويجوز أن يحمل العَسْب على الكِرَاء على ما هو أحد المعاني، فيكون نهياً عن إِجَارَة الفَحْل للضِّراب، ويستغنى عن الإِضْمَار وأما على الرواية الثانية فالمفسّرون للعَسْب بالضِّرَاب ذكروا أنَّ المراد من الثَّمن الكِرَاء، وقد يسمى الكِرَا ثَمَناً مجازاً، ويجوز أن يفسر العَسْب بالماء، ويقال: هذا نهي عن بيعه، والحاصل: أن بَذْل المال للضِّرَاب ممتنع بطريق البيع؛ لأن ماءه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه.
وأما بطريق الاستئجار: ففيه وجهان قد ذكرهما في الكتاب في "باب الإجارة".
أصحهما: المنع 126 أيضاً وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن فعل الضّرَاب غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفَعْل.
والثَّاني وبه قال ابن أبي هريرة ويحكى عن مالك: أنه يجوز كالاسْتِئْجَار لِتَلْقِيح
الجزء: 4 - الصفحة: 101
النَّخل، ويجوز أن يعطي صاحب الأُنْثَى صاحب الفحل شيئاً، على سبيل الهدية خلافاً لأحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَحَبَلِ الحَبَلَةِ وَهُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ، وَالمَلاَقِيح وَهِيَ مَا فِي بُطُونِ الأُمَّهاتِ، وَالمَضَامِين وَهِيَ مَا فِي أَصْلاَبِ الفُحُولِ.
قال الرافعي: ما روي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ" 127 وحبل 128 الحبلة هو نِتَاج النِّتَاج، ثم ذكروا للخبر تفسيرين:
أحدهما: أن يبيع الشيء إلى أن ينتج نِتَاج هذه الدَّابة.
والثاني: أن يبيع نِتَاج النِّتاج نفسه.
والأول: هو تفسير ابن عمر، وبه أخذ الشَّافعي -رضي الله عنه-.
والثاني: تفسير أبي عبيد وأهل اللُّغَة، وكلا البيعين باطل.
أما الأول: فلأنه بيع إلى أجل مجهول.
وأما الثاني: فلأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تَسْلِيمه.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلاَقيحِ وَالْمَضَامِينِ" 129.
فالملاقيح: ما في بُطُون الأُمّهَات من الأجِنّة، الواحدة ملقوحة من قولهم: لُقحت، كالمَجْنون من جُنَّ، والمَحْمُوم من حُمَّ، والمَضَامِينُ: ما في أَصْلاَب الفُحُول، سمي بذلك لأن الله -تعالى- ضَمَّنها فيها، وكانوا في الجَاهِلية يبيعون ما في بطن النَّاقة، وما يحصل من ضِرَاب الفَحْل في عام أو أعوام، وسبب بطلانهما من جهة المعنى بين 130 ...
الجزء: 4 - الصفحة: 102
قال الغزالي: وَبَيْعِ المُلاَمَسَةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّمْسَ بَيْعاً، وَالمُنَابَذَة بِأَنْ يَجْعَلَ النَّبْذَ بَيْعاً، وَرَمْي الحَصَاةِ وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ لِلبَيْعِ مَا تَقَعُ الحَصَاةُ عَلَيْهِ، وَبَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَيَقُولُ: بِعْتُ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً أَوْ بِأَلْفٍ نَقْداً فخُذْ بأيِّهِما شِئْتَ.
قال الرافعي: ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ، وَالْمُنَاَبَذَة" 131.
وللملامسة تأويلان:
أحدهما: إنْ أتي بثوب مَطْوي أو في ظلمة فيلمسه المُسْتام، فيقول صاحب الثوب: بِعْتك هذا بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهو تأويل الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهذا البيع باطل.
أما إذا أبطلنا بيع الغائب فظاهر.
وأما إذا صححناه فلاشْتِرَاط قيام اللَّمْس مقام النَّظر.
قال الإمام: ويتطرّق إلى هذا احتمال من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط نفي خيار الرؤية، ففي صحة الشرط خلاف فلا يمتنع أن يكون هذا على ذلك الخلاف، وبهذا الاحتمال أجاب أبو سعد المُتَوَلِّي في كتابه.
الثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن يجعل نفس اللَّمْس بيعاً، ومثَّله الإمام بأن يقول صاحب الثوب لطالبه: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا، وهو باطل لما فيه من التَّعْليق والعُدُول عن الصِّيغة الشَّرْعية، وذكر في "التتمة": أن هذا في حكم المعاطاة.
والثَّالث: أن يبيعه شيئاً على أنه متى لمسه فقد وجب البيع وسقط خيار المجلس وغيره، وهو فاسد للشرط الفاسد.
وأما بيع المُنَابَذَة فله تَأْويلات:
أحدها: أن يجعل النَّبذ بيعاً، فيقول أحدهما للآخر: أَنْبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليّ ثوبك على أن كل واحد مبيع بالآخر، أو يقول: أَنْبذ إليك ثوبي بعَشْرة، وتَنْبذ إليَّ ثوبك فيكون النَّبْذ بيعاً، وهذا تأويل الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهو المذكور في الكتاب، ووجه بطلان العقد: اختلال الصيغة.
قال الأئمة: ويجيء فيه الخلاف المذكور في المُعَاطاة؛ فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المُعَاطاة بعينها.
والثاني: أن يقول: بِعْتُك هذا بكذا على أني إذا نَبَذْتُه إليك فقد وجب البيع، وحكمه ما مر في الملامسة.
الجزء: 4 - الصفحة: 103
والثالث: أن المراد منه نبذ الحَصَاة، وسنفسره.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ" 132. وله تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك ثوباً من هذه الأثواب وارْمِ بهذه الحَصَاة فعلى أيهما وقعت فهو المبيع، أو يقول: ارْمِ بهذه الحَصَاة، فعلى أي موضع بَلَغَت من الأرض يكون مبيحاً منك.
والثاني: أن يقول: بعتك هذا بكذا على أنك بالخِيَار إلى أن أرمي بهذه الحَصَاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرَّمي بيعاً، فيقول البائع: إذا رميت بهذه الحَصَاة فهذا الثوب مبيع منك بعشرة، والبيع باطل في الصور الثلاث.
أما في الأولى فللجهل بالمبيع.
وأما في الثانية فلكون الخِيَار مجهولاً.
وأما في الثالثة فلاختلال الصِّيغة.
ومنها ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضاً أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ 133 ".
وله تأويلان مذكوران في "المختصر":
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً أو بألفين إلى نسيئة، فخُذ بأيهما شئت أو شئت أنا، فهذا العقد باطل للجهل بالعوض، كما لو قال: بعتك هذا العبد أو هذه الجَارِية بكذا، ولو قال: بعتك بألف أو بألفين إلى سنة، أو قال: بعتك نصف هذا العبد بألف ونصفه بألفين صح البيع، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف نصفه بستمائة لم يصح؛ لأن ابتداء السلام يقتضي توزيع الثَّمن على المُثَمَّن بِالسَّوِية وآخره يناقضه، هكذا نقله صاحب "التهذيب" حكماً وتعليلاً.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا، أو اشْتَرِ مني داري بكذا فهو باطل؛ لأنه بيع وشرط، هذا وسنذكر المعنى في بطلانه على الأثر -إن شاء الله تعالى-.
الجزء: 4 - الصفحة: 104
قال الغزالي: وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فَلَوْ بَاعَ بشَرْطِ قَرْضٍ، أَوْ بِشَرْطِ بَيْعٍ أخر، أَوْ شَرَطَ عَلَى بَائِعِ الزَّرْعِ أَنْ يَحْصُدَهُ (و)، أَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى عُلْقَةً بَعْدَ العَقْدِ يَثْبُتُ نِزَاعٌ بِسَبَبِهَا لَمْ يَجُزْ.
قال الرافعي: ومن البيوع التي ورد النَّهي عنها البَيْع المشروط.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ" 134.
قال حجَّة الإِسْلام: مطلق الخبر يقتضي امتناع كل شرط في البيع لكن المفهوم من تعليله أنه إذا انضمَّ الشرط إلى البيع بقيت علقته بعد العقد.
يثور بسببها منازعة، وقد يفضي ذلك إلى فوات مقصود العقد، فحيث تفقد هذه العلّة تستثنيه عن الخبر، ولذلك يتثنى عنه شروطاً ورد في تصحيحها نصوص.
اعلم: أن الشرط في العقد ينقسم إلى فَاسِدٍ وَإِلى صحيح، فالفاسد منه يفسد العقد أيضاً على المذهب، وفيه شيء سنورده من بعد -إن شاء الله تعالى-، والفصل يشتمل على أمثلة من الشروط الفاسدة، ثم يليه بيان الشروط الصحيحة.
فمن الشروط الفاسدة: إذا باع عبده بألف بشرط أن يبيعه داره أو يشتري منه داره، أو بشرط أن يقرضه عشرة لم يصح، لأنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني فاسد فبطل بعض الثمن، وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي، وإذا أتيا بالبيع الثاني نظر إِنْ كانا يعلمان بطلان الأول صح وإلاَّ فلا لأنهما يأتيان به على حكم الشرط الفاسد، هكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره والقياس صحته، وبه قطع الإمام، وحكاه عن شيخه في "كتاب الرهن" 135.
ولو اشترى زرعاً واشترط على بائعه أن يحصِدُه، ففيه ثلاث طرق:
أحدها: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا التَّصرف شراء للزرع، واستئجار للبائع على الحصاد، فيجيء فيه القولان فيما لو جمع بين صَفْقَتَين مختلفي الحكم؛ وهذا هو اختيار ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن شرط الحَصَاد باطل قولاً واحداً؛ لأنه شرط عملاً فيما لم يملكه،
الجزء: 4 - الصفحة: 105
فأشبه ما لو استأجره لِخِيَاطة ثوب لم يملكه، وفي صحة البيع قَوْلاً تفريق الصفقة.
والثالث وهو الأصح: أنهما باطلان.
أما شرط العمل فلما ذكرنا، وأيضاً فلأنه شرط ينافي قضية العقد؛ لأن قضية العقد كون القطع على المشتري.
وأما البيع فلأن الشرط إذا فسد فسد البيع، وكذا الحكم لو أفرد الشراء بعوض والاستئجار بعوض، فقال: اشْتَريتُ هذا الزرع بعشرة على أن تُحصده بدرهم؛ لأنه جعل الإجارة شرطاً في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة وفي التأويل.
الثاني ولو قال: اشتريت هذا الزرع واستأجرتك على حصاده بعشرة، فقال: بعت، وأجرت ففيه طريقان:
أحدهما: أنهما على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم.
والثاني: أن الإِجَارة باطلة قولاً واحداً.
ثم إذا فسدت الإجارة، ففي فساد البيع قولاً تفريق الصفقة.
ولو قال: اشتريت هذا الزرع بعشرة واستأجرتك لتحصده بدرهم صح الشراء، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استأجره على العمل فيما لم يملكه، ونظائر مسألة الزرع يقاس بها، كما إذا اشترى ثوباً، وشرط عليه صبغه أو خياطته، أو لبناً وشرط عليه طَبْخه، أو نعلاً على أن ينعل به دابته، أو عبداً رضيعاً على أن يتم إِرضاعه، أو متاعاً على أن يحمله إلى بيت والبائع يعرف بيته، فإن لم يعرف بطل البيع لا محالة، ولو اشترى حطباً على ظهر بهيمة مطلقاً فيصح العقد، ويسلمه إليه في موضعه أم لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه؛ لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره؟
حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين 136 -والله أعلم-.
قال الغزالي: إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ اسْتُثْنِيَتْ بِالنُّصُوصِ (أَحَدُهَا) شَرْطُ الأَجَلِ المَعْلُومِ وَالثَّانِي شَرْطُ الخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَالثَّالِثُ شَرْطُ وَثيقَةِ الثَّمَنِ بالرَّهْنِ بَعْدَ تَعْيين المَرْهُونِ، وَبالكَفِيلِ بَعْدَ تَعْيينِهِ، وَبالشَّهَادَةِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعْيينُ، وَمَهْمَا تَعَذَّر الوَفَاءُ بالرَّهْنِ المَشْرُوطِ أَوْ وَجَهٍ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ فَسْخُ العَقْدِ.
قال الرافعي: من الشروط الصحيحة في البيع شرط الأجل المعلوم في الثمن.
الجزء: 4 - الصفحة: 106
قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
137
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أَمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشاً وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ ظَهْراً إِلَى خُرُوجِ الْمُصَّدَّقِ" 138 وإن كان مجهولاً، كقدوم زيد أو مجيء المطر، وإقباض المبيع فهو فاسد.
وذكر القاضي الرُّويانِيُّ: أنه لو أجل الثمن إلى ألف سنة بطل العقد للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، ويسقط الأجل بالموت كما لو أجَّر ثوباً ألف سنة لا يصح، فعلى هذا يشترط في صحة الأجل مع كونه معلوماً احتمال بقائه إلى المدة المضروبة 139.
ثم موضع الأجل ما إذا كان العوض في الذِّمة، فأما ما ذكره في المبيع أو في الثمن المعين، مثل أن يقول: اشتريت بهذه الدنانير على أن أسلمها في وقت كذا فهذا فاسد؛ لأن الأجل رفق أثبت لتحصيل الحق في المدة والمعين حاصل، ولو حلَّ الأجل فأجَّل البائع المشتري مدة، أو زاد في الأَجَل قبل حُلُول الأجل المَضْروب أولاً، فهو وعد لا يلزم خلافاً لأبي حنيفة فيهما، وساعدنا على أن بدل الإِتْلاف لا يتأجل وإن أجله، وقال مالك -رحمه الله -تعالى: يتأَجَّل.
لو أوصى من له دَيْن حال على إنسان بإمهاله مدة، فعلى ورثته إمهاله تلك المدة، لأن التبرعات بعد الموت 140 تلزم، قاله في "التتمة".
وحكى هو وصاحب "التهذيب" وجهين فيما لو أسقط من عليه الدَّين المؤجل الأجل فهل يسقط حتى يتمكَّن المستحقّ من مطالبته في الحال؟
أصحهما: أنه لا يسقط؛ لأن الأجل صفة تابعة، والصفة لا تفرد بالإسقاط، أَلاَ تَرَى أن مستحق الحِنْطة الجيدة أو الدنانير الصِّحاح لو أسقط صفة الجودة أوالصحة لا تسقط؟
ومنها: شرط الخِيَار ثلاثة أيام على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
ومنها: شرط وَثيقة الثمن بالرَّهْن والكفيل والشهادة فيصح البيع بشرط أن يرهن
الجزء: 4 - الصفحة: 107
المُشْتَري بالثَّمن، أو يتكفل به كفيل أو يشهد عليه، سواء كان الثَّمن حالاً أو مؤجلاً ولا يخفى وجه الحاجة إلى التوفيق بهذه الجهات.
وقد قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 141.
وكذلك يجوز أن يشرط المشتري على البائع كفيلاً بالعُهْدة، ولا بد من تعيين الرهن والكفيل والمعتبر في الرَّهن المشاهدة أو الصفة، كما يوصف المسلم فيه، وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف بأن يقول رجل موسر ثقة، هذا هو النقل [عن الأصحاب].
ولو قال قائل: الاكتفاء بالصِّفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن ببعيد، وهل يشترط التعيين في شرط الإشْهاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الرَّهن والكفيل.
وأصحهما: لا، وهو المذكور في الكتاب؛ لأن المطلوب في الشُّهُود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة بخلاف الرهن والكفيل، فإن الأغراض فيهما تتفاوت، ولصاحب الوجه الأول أن يقول: وقد يكون بعض العدول أوجه، وقوله: "أسرع قبولاً فيتفاوت الغرض في أعيانهم أيضاً" وادعى الإمام القطع بالوجه الثاني، ورد الخلاف إلى أنه لو عين الشّهود هل يتعيَّنون أم لا؟ وهل يجب التعرض لكون المرهون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، بل إن اتفقا على يد المُرْتَهِن أو يبد عدل فذاك، وإلاَّ جعله الحاكم في يد عدل، وليكن المشروط رهنه عند غير المبيع.
أما إذا شرط أن يكون المبيع نفسه رهناً بالثمن لم يصح الرهن؛ لأن المرهون غير مملوك له بَعْدَ وَلاَ المبيع، هكذا أطلقه الجمهور، وأورد الإمام فيه تفصيلاً كما سيأتي، والمطلقون وجهوه بأمور.
منها: أن الثمن إمَّا مؤجل يجوز حبس المبيع لاستيفائه، أو حال فله حبسه لاستيفائه، فلا معنى للحبس بحكم الرهن.
ومنها: تَنَاقُض الأحكام، فإن قضية الرهن كون المال أمانة، وأن يسلم الدَّيْن أوّلاً، وقضية البيع بخلافه.
الجزء: 4 - الصفحة: 108
ومنها: أن فيه استِثْناء منفعة الاسْتِيثَاق، ولا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه.
ومنها: قال بعض المتأخرين: المشتري لا يملك رَهْن المبيع، إلاَّ بعد صحة المبيع، فلا تتوقف عليه صحة البيع، كيلا يؤدي إلى الدور، وللنزاع مجال في هذه التوجيهات.
أما الأول: فإن كان الثمن مؤجلاً، لا يجوز حبس المبيع إذا لم يَجْرِ رهن، فإن جرى رهن فهو موضع الكلام، وإن كان حالاً فيجوز أن يتقوى أحد الجنسين بالآخر.
وأما الثاني: فبتقدير الصِّحة يبقى المال مضموناً بحكم البيع استيفاءً لما كان، ويسلم الدين أوَّلاً لإقدامه على الرهن.
وأما الثالث: ففي جواز اسْتِثْنَاء بعض المنافع تفصيل سَنَذكره -إن شاء الله تعالى.
وأما الرابع: فمسلم أنه لا يتوقف صحة البيع على الرهن لكن لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنه هل يمنع صحة البيع؟ فهذا كلام المطلقين.
وأما التفصيل: فإن الإمام ذكر أن المسألة مبنية على البَدَاءَة في التسليم بمن.
فإن قلنا: البَدَاءة بالبائع، أو قلنا: يُخَيِّران معاً، أو قلنا لا اختيار ما لم يبتدأ أحدهما فسد البيع؛ لأنه شرط يبطل مقتضى البيع لتضمنه حبس المبيع إلى اسْتِيْفَاء الثمن.
وإن قلنا: البَدَاءَة بالمشتري فوجهان:
أحدهما: أنه يصحُّ هذا الشرط لموافقته مقتضى العقد.
والثاني: لا يصحُّ ويفسد البيع لما سبق من تناقض الأحكام، والأظهر عند صاحب الكتاب هو الوجه الأول، وأنت إذا تَنَبَّهت إلى الأصل المبني عليه عرفت حال هذا البناء قوة وضعفاً.
ولو شرط أن يرهنه بالثمن بعد القبض، ويرده إليه فالبيع باطل أيضاً لبعض المعاني المذكورة.
ولو رهنه بالثمن من غير شرط صح إن كان بعد القبض، وإن كان قبله فلا إن كان الثمن حالاً، لأن الحبس ثابت له، وإن كان مؤجلاً فهو كما لو رهن المبيع قبل القبض بدين آخر، ثم إذا لم يَرْهَن المشتري ما شرطه، أو لم يتكفل الذي عينه فلا إِجْبَار، لكن للبائع الخيار، ولا يقوم رَهْن وكفيل آخر مقام المعين، فإن فسخ فذاك، وإن أجاز فلا خيار للمشتري.
ولو عيَّن شاهدين فامتنعا من تحمل الشَّهادة.
فإن قلنا: لا بد من تعيين الشَّاهدين، فللبائع الخيار أيضاً.
وإن قلنا: لا حاجة إليه أيضاً، فلا.
ولو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض أو تعيَّب أو وجد به عيباً قديماً، فله الخيار في البيع، وإن تعيب قبل القبض، فلا خيار.
الجزء: 4 - الصفحة: 109
ولو ادَّعى الراهن أنه حدث بعد القبض، وقال المُرْتهن: بل قبله، فالقول قول الراهن اسْتِدَامة للبيع، ولو هلك الرَّهن بعد القَبْضِ أَوْ تعيَّب ثم اطَّلَع على عيب قديم به فلا أَرْش له، وهل له فسخ البيع؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا؛ لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رَدُّ الرهن كما أخذ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "شرط وَثِيقة الثَّمن" لفظ الثمن وإن كان مطلقاً، ولكن المراد منه [ما] إذا كان في الذِّمَّة، فإن الأعيان لا يرهن بها، وفي ضَمَانها تفصيل طويل يذكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-، وهذا كما ذكرناه في الأجل.
وقوله: "بعد تعيين المَرْهُون" يجوز إعلامه بالميم والحاء.
أما الميم، فلأن عند مالك -رضي الله عنه- لا يشترط تعيين المرهون بل ينزل المطلق على ما يصلح أن يكون رهناً لمثل ذلك الثمن في العادة.
وأما بالحاء، فلأن عند أبي حنيفة لو قال: رهنتك أحد هذين العَبْدَين جاز، كما ذكره في البيع.
وقوله: "وبالكفيل بعد تعيينه"، يجوز إعلامه بالواو، لأن في كتاب القاضي ابن كَجٍّ: أنه لا حاجة إلى تَعْيِين الكَفيل، وإذا أطلق أقام من شاء ضميناً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالرَّابعُ شَرْطُ عِتْقِ العَبْدِ احتُمِلَ لِحَدِيثِ بُرَيْرَةَ، وَالقِيَاسُ إِبْطَالُ الشَّرْطِ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ، ثُمَّ لِلبَائِعِ المُطَالَبَةُ بِالعِتْقِ علَى الأَصَحِّ، فَإِنْ أَبى المُشْتَرِي أُجْبِر عَلَيْهِ (و)، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الوَلاَء لَهُ صَحَّ الشَّرْطُ (و) لِدَلالَةِ الخَبَرِ.
قال الرافعي: في بيع الرقيق بشرط العتق قولان:
أحدهما: أنه لا يصح كما لو باعه بشرط أن يبيعه أو يهبه، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحهما: أنه يصح، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان:
أحدهما وهو ما حكاه العراقيون عن رواية أبي ثور: أنه باطل.
لظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ" 142. وأصحهما: وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين: أنه صحيح.
لما روي "أَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عَنْهَا- اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وَشَرَطَ مَوَالِيَها أَنْ تُعْتِقَهَا، ويكَونَ وَلاَؤُهَا لَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلاَّ شَرْطَ الْوَلَاء وَقَالَ: شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 143.
الجزء: 4 - الصفحة: 110
وقوله: "والقياس إبطال الشرط"، أراد مع تصحيح، العقد على ما دل عليه كلامه في "الوسيط".
قال: لأن المصير إلى إبطال العقد مع الحديث لا وجه له، وإن قال قائلون به، وتأويل إذنه في الشرط أنه كان يثق بعائشة -رضي الله عنها- أنها تفي به تَكَرُّما لا أنه لازم.
التفريع: إن صححنا شرط العِتْق فذلك إذا أطلق أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك.
أما إذا قال: بشرط أن تعتقه عني فهو لاغ 144، ثم العتق المشروط حق من؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه حق الله عز وجل كالملتزم بالنَّذر.
والثاني: أنه حق البائع، لأن اشتراطه يدل على تعلق غرضه، به والظاهر أنه تسامح في الثمن إذا شرط العتق.
فإن قلنا: إنه حق البائع فله المطالبة به لا محالة.
وإن قلنا: إنه حق الله -تعالى- فوجهان:
أحدهما: أنه ليس له المطالبة به، إذ لا ولاية له في حقوق الله عز وجل.
وأصحهما: أنه ليس له ذلك؛ لأنه ثبت بشرطه وله غرض في تحصيله، وإذا أعتقه المشتري، فقد وفَّي بما الْتَزَم والولاء له.
وإن قلنا: العِتق حق البائع؛ لأنه صدر عن مِلْكه وإن امتنع، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما عند المصنف: أنه يجبر عليه.
والثاني: لا، ولكن للبائع الخيار في فسخ البيع، وهما مبنيان على أن العتق حق من؟
الجزء: 4 - الصفحة: 111
إن قلنا: إنه حق الله عز وجل فيجبر عليه.
وإن قلنا: إنه حق البائع، فلا يجبر كما في شرط الرهن والكفيل.
وإذا قلنا: بالإجبار، فهل يخرج على الخلاف في المولى إذا امتنع من الطلاق حتى يعتق القاضي على رأي، أو يحبسه حتى يعتق على رأي أو لا طريق سوى الحبس حتى يعتق؟
أبدى الإمام فيه احتمالين:
والأول: هو المذكور في "التتمة".
قال الإمام: والخلاف في الإجبار لا يبعد طَرْده في شرط الرَّهْن والكفيل من جهة القياس، لكن لم يطرده.
وإذا قلنا: العتق حق للبائع، فلو أسقطه سقط كما لو شرط رهناً أو كفيلاً ثم عفا عنه.
وعن أبي محمد: أن شرط الرهن والكفيل أيضاً لا يفرد بالإِسْقَاط كحق الأجل.
وهل يجوز إِعْتَاق هذا العبد عن الكَفَّارة؟
إن قلنا: إن العتق حق الله عزَّ وجلَّ فلا، كإعتاق المنذور عتقه عن الكفارة.
وإن قلنا: إنه حق البائع فكذلك إن لم يسقط حقه، وإن أسقطه جاز على أصح الوجهين.
والثاني: لا يجوز، لأن البيع بشرط العِتْق لا يخلو عن مُحَاباة، فكأنه أخذ على العِتْق عوضاً، ويجوز له الاستخدام والوَطْء، والأكساب الحاصلة 145 له، ولو قتل كانت القيمة له، ولا يكلف صَرْفها إلى عبد آخر ليعتقه، وليس له أن يبيعه من غيره، ويشترط العِتْق عليه في أصح الوجهين؛ لأن العِتْق مستحق عليه فليس له نقله إلى غيره، هل يجزي إِيْلاَد الجَارِية عن الإعتاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل عليه أن يعتقها.
ولو مات العبد قبل أن يعتقه ففيه أوجه:
أظهرها: أنه ليس عليه إلا الثّمن المسمى؛ لأنه لم يلتزم غيره.
والثاني: أن عليه مع ذلك قدر التَّفاوت بين ثمن مثله مشتري مطلقاً، وثمن مثله
الجزء: 4 - الصفحة: 112
مشتري بشرط العتق، ومنهم من زَادَ في هذا الوجه أنه يعرف قدر التَّفَاوت هكذا، ويجب عليه مثل نسيته من الثَّمن المسمى.
والثالث: أنَّ البائع بالخيار إن شاء أجاز العَقْد ولا شيء له، وإن شاء فسخ البيع ورد ما أخذ من الثمن، ويرجع بقيمة العقد عليه.
وحكى بعضهم بدل هذا الوجه: أنه ينفسخ العقد لتعذُّر إِمْضَائه، إذ لا سبيل إلى إيجاب شيء على المُشْتَري من غير تَفْويت ولا إلزام ولا إلى الاكتفاء بالمسمى، فإن البائع لم يَرْضَ به إلاَّ بشرط العتق، وهذه الوجوه مُفَرَّعة على أن العِتْق للبائع، أو هي مطردة، سواء قلنا: إنه للبائع أو لله تعالى -فيه رأيان [للإمام]:
أظهرهما: الثاني 146. ولو اشترى عبداً بشرط أن يدبره أو يُكَاتبه أو يعتقه بعد شهر أو سنة، أو داراً بشرط أن يجعلها وقفاً، ففي هذه الشروط وجهان:
أصحهما: أنها ليست كشرط العِتْق بل يبطل البيع بها، وجميع ما ذكرناه في شرط العِتْق مفروض فيما إذا لم يتعرض للولاء، فأما إذا شرط مع العتق كون الوَلاَء للبائع ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل البيع، لأن شرط الولاء تغيير ظاهر لِمُقْتَضَى العقد لتضمنه نقل الملك إلى البائع، وارتفاع العقد.
والثاني: أنه يصح لحديث بريرة، فإن عائشة -رضي الله عنها- أخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مواليها لا يبيعونها إلا بشرط أن يكون الولاء 147 لهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ"، أَذِنَ في الشِّراء بهذا الشرط، وهو لا يأذن في باطل، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان نقلهما الإمام:
أحدهما: أنه لا يصح.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "خَطَبَ بعَدَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 148.
والثاني: أنه يصح؛ لأنه إذن في اشتراط الوَلاَء، وهو لا يأذن في باطل، وهذا هو الذي أورده صاحب الكتاب.
الجزء: 4 - الصفحة: 113
واعلم: أنه خلاف ما اتَّفَق عليه جمهور الأَصْحَاب، فإنهم أَطْبَقوا على أن شرط الوَلاَء يفسد البيع، وحكوا قولاً ضعيفاً على خلافه عن رواية الِإصْطَخري أو تخريجه، ثم على ذلك القول الضعيف قضوا بفساد الشرط، وقصروا الصِّحة على العقد، ولا تكاد تجد حكاية الخلاف في صحّة الشَّرط بعد تصحيح العقد، إلاَّ للإمام -رحمه الله تعالى- وفي حديث بريرة إِشْكال أفسدنا العقد أو صححناه، وأفسدنا الشرط أو صححناه.
أما إذا أفسدنا العقد أو الشرط فلإذنه في الشراء واشتراط الولاء، وأما إذا صححناهما فلخطبته بعد ذلك وإنكاره على هذا الشرط.
وكيف يجوز أن يأذن في شراء الشيء ثم ينكر عليه ويبطله، إلاَّ أن الصَّائرين إلى الفساد لم يثبتوا الإذن في شرط الولاء، وقالوا: إن هشاماً تفرَّد به ولم يتابعه سائر الرواة عليه، فيحمل على وهم وقع له، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يأذن فيما لا يجوز، وبتقدير الثبوت فقد تكلموا عليه مِنْ وجوه لا نطول بذكرها.
وأما من صححهما قال: إنه نهَاهم عن الإِتْيان بمثل هذه الشروط، ولما جرت أنكر عليهم لارتكابهم ما نهاهم عنه، لكنه صححه وقد ينهي عن الشيء ثم يصححه.
ولو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء إلي إن أعتقته يوماً من الدهر.
فقد ذكر في "التتمة": أن العقد هاهنا باطل بلا خلاف، إذ لم يشترط العتق حتى يحصل الولاء تبعاً له.
ولو اشترى أَبَاهْ أو ابنه بشرط أن يعتقه.
فعن القاضي حسين: أن العقد باطل لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه 149 -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسُ أَنْ يَشْتَرِط مَا لاَ يَبْقَى عُلْقة كَكُلِّ شَرْطٍ يُوَافِقُ العَقْدَ مِنَ القَبْضِ وَجَوَازَ الانْتِفَاعِ، أَوْ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ كَشَرْطِهِ أَنْ لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ الهَرِيسَةَ، وَهَذَا اسْتُثْنِي بِالقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَّازاً أَوْ كَاتِباً وَكُلُّ وَصْفٍ مَقْصُودٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل التَّعرض لأقسام الشُّروط الَّتِي لا تفسد العقد بعد ما
الجزء: 4 - الصفحة: 114
تقدم ذكره، والأصحاب قد ضبطوا صحيح الشروط وفاسدها في تفسير هو كالترجمة، والتفاصيل مذكورة في مواضعها، قالوا: الشرط ينقسم إلى ما يقتضيه مطلق العقد، إلى ما لا يقتضيه، فالأول كالقبض وجواز الانتفاع والرد بالعيب ونحوها، فلا يضر التعرُّض لها ولا ينفع.
والثاني: ينقسم إلى ما يتعلّق بمصلحة العَقْد وإلى ما لا يَتَعَلَّق، فالأول قد يتعلق بالثمن كَشَرْط الرَّهْن والكفيل، وقد يتعلّق بالمثمن كشرط أن يكون العبد خَبَّازاً أو كاتباً، وقد يتعلّق بالطَّرفين كشرط الخَباز، فهذه الشُّروط لا تفسد العَقْد وتصح في نفسها.
والثاني: ينقسم إلى ما لا يتعلّق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، وإلى ما لا يتعلق، فالأول كشرط أن لا يأكل إلا الهَرِيسَة 150، أَوْ لا يلبس إلا الخَزَّ وما أشبه ذلك، هذا لا يفسد العقد وَيَلْغُو في نفسه، هكذا قاله صاحب الكتاب وشيخه.
لكن في "التتمة": أنه لو شرط ما يقتضي إلزام ما ليس بلازم، كما لو باع بشرط أن يصلِّي النوافل، أو يصوم شهراً غير رمضان، أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها يفسد العقد؛ لأنه أوجب ما ليس بواجب، وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهَرِيسَة والخَزِّ أيضاً.
والثاني: كشرطه أن لا يقبض ما اشتراه، ولا يتصرف فيه بالبيع والوَطْءِ ونحوهما، وكشرط بيع آخر أو قرض وكشرطه أن لا خسارة عليه في ثمنه، يعني لو باعه وخسر في
الجزء: 4 - الصفحة: 115
ثمنه ضمن له النُّقْصان، فهذه الشَّرَائط وأشباهها فاسدة مفسدة للبيع، إلاَّ شرط العِتْق كما مر.
وقوله في الكتاب: "وهذا استثنى بالقياس"، أراد به ما سبق أن المفهوم من نهيه عن بيع وشرط دفع محذور المُنَازعة الثائرة من الاشْتِراط والعلقة الباقية بينهما بسببه، وهذا المعنى مقصود في هذه الصورة.
وأما ما يوافق مقتضى العَقْد فهو ثابت، ذكر أو لم يذكر.
وأما ما لا يتعلق به غرض فلا يتنازعان في مثله غالباً.
وأما شرط الكتابة والخبر وسائر الأوصاف المقصودة، فإنها لا تتعلق بإنشاء أمر في المستقبل، بل هي أمور حاضرة ناجزة، والظاهر أن الشَّارط لا يلتزمها إلاَّ وهي حاصلة، فإذًا هذه الشرائط وإن كانت مستثناة عن صورة اللفظ لكنها منطبقة على المَعْنَى المفهوم منه.
قال الغزالي: فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ حَامِلاً فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ لَبُوناً، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ كَشَرْطِ الكِتَابَه.
قال الرافعي: إِحْدَى مَسْألتي الفصل: أن يبيع جارية أو دابة بشرط أن تكون حاملاً، وتقدم عليها أن بيع الحمل لا يجوز لا من مالك الأم ولا من غيره لما مر في النهي عن بيع المَلاَقِيح، فإنه غير معلوم ولا مَقْدور.
ولو باع حاملاً مطلقاً دخل الحمل 151 في البيع تبعاً، وهل يقابله قسط من الثمن؟ فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ولو باع الحامل واستثنى حملها، ففي صحة البيع وجهان منقولان في "النهاية":
أحدهما: أنه يصح، كما لو باع الشَّجَرة، واستثنى الثَّمرة قبل بُدُوِّ الصَّلاحَ.
وأصحهما: وبه أجاب الجمهور: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد، فلا يجوز استثناؤه كأعضاء الحيوان، ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر، فهل لمالك الأم بيعها من مالك الحمل أو غيره؟ فيه وجهان، وكذا لو باع جارية حاملاً بِحُرٍّ.
الذي ذكره المعظم: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يدخل في البيع، فكأنه استثناه.
والثَّاني وهو اختيار الإمام وصاحب الكتاب: أنه يصح، ويكون الحمل مُسْتَثْنى شرعاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 116
إذا تقرر ذلك فلو باع جارية أو دابة بشرط أنها حامل، ففي صحة البيع قولان، ويقال: وجهان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا؟
فإن قلنا: لا، لم يصح شرطه.
وإن قلنا: نعم، صح، وهو الأصح، وخص بعضهم الخلاف بغير الآدَمِي، وقطع بالصِّحة في الجواري لأن الحمل في الجَواري عَيْب، فاشتراط الحمل إعلام بالعَيْب، فتصير كما لو باعها على أنها آبِقَة أو سَارِقة، ولو قال: بعتك هذه الدَّابة وحملها، ففي صحة العقد وجهان.
عن أبي زيد: أنه يصح؛ لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التَّنصيص عليه، كما لو قال: بعتك هذا الجِدَار وأَسَاسَه.
والأصح: وبه قال ابن الحَدَّاد والشيخ أبو علي: أنه لا يصح؛ لأنه جعل المَجْهول مبيعاً مع العلوم، وما لا يجوز بيعه وحده لا يجوز بيعه مقصوداً مع غيره بخلاف ما إذا باع بشرط أنها حامل، فإنه جعل الحَامِلية وصفاً تَابِعَاً، وهذا الخلاف يجري فيما إذا قال: بعتك هذه الشَّاة وما في ضرعها من اللبن.
وفي قوله: بعتك هذه الجُبَّة وحَشْوَهَا طريقان 152: منهم من طرد الخلاف، ومنهم من قطع بالجَوَاز؛ لأن الحَشْوَ داخل في الجُبَّةَ مسمى فذكره ذِكْرُ ما دخل في اللفظ، فلا يدل التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مسمى الشاة فَذِكْرُه ذِكْرُ الشيء المجهول مع المعلوم.
وإذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة، فقد قال الشيخ أبو علي في بيع الظّهَارة والبِطَانَة: في صورة الجُبَّةَ قَوْلاً تفريق الصَّفقة، وفي صورة الدابة يبطل البيع في الكُل.
والفرق أن الحشو يمكن معرفة قيمته عند العقد، والحمل واللبن لا يمكن معرفتهما حينئذ فيتعذر التوزيع.
قال الإمام: وهذا حسن؛ لكننا نُجْرِي قَوْلَي التَّفريق حيث يتعذَّر التوزيع، كما لو باع شاة وخنزيراً، أو باع حاملاً وشرط وضعها لرأس الشَّهر ونحوه لم يصح البَيْع قولاً واحداً، لأنه غير مقدور عليه قاله في "الشامل".
الجزء: 4 - الصفحة: 117
وبيض الطير كحمل الجارية والدابة في جميع ذلك.
والمسألة الثانية: لو باع شاة بشرط أنها لَبُون، ففيه طريقان:
أحدهما: أنها على الخلاف في البيع بشرط الحَمْل.
والثاني: القطع بصحة البيع.
والفرق أن شرط الحمل يقتضي وجود الحمل عند العقد وهو غير معلوم، وشرط كونها لَبُوناً لا يقتضي وجود اللبن حينئذ، وإنما هو اشتراط صفة فيها، فكان بمثابة شرط الكتابة والخبر في العقد حتى لو شرط كون اللبن في الضرع كان بمثابة شرط الحمل، وطريقة طرد الخلاف أظهر، لأنه نص في "الأمّ" على قولين في السّلم في الشَّاة اللَّبون، إلاَّ أن قول الصحة هاهنا أَظْهَر منه في المَسْأَلة الأولى.
قوله في الكتاب: "فالأصح أنه كشرط الكتابة"، يجوز أن يريد من الطريقين.
والأولى: أن يريد من القولين جواباً على الطريقة الأولى.
واعلم أن قوله: "كشرط الكتابة" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يصح البيع بهذا الشرط، ولذا قال في شرط الحمل: "ولو شرط أنها تدر كل يوم كذا رطلاً من اللبن لم يصح البيع"؛ لأن ذلك لا ينضبط ولا يقدر عليه، فصار كما لو شرط في العبد أنه يكتب كل يوم عشرة أوراق.
ولو باع شاة لبوناً واستثنى لبنها، ففي صحة العقد وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح، كما لو استثنى الحَمْل في بيع الجَارِية، والكُسْب في بيع السِّمْسم، والحَبّ في بيع القُطْن -والله أعلم-.
وفي الشروط الصحيحة باتفاق أو على اختلاف مسائل أخر نشير إلى بعضها في هذا الموضع على الاختصار:
منها: البيع بشرط البَرَاءة من العيوب.
ومنها: بيع الثِّمَار بشرط القَطْع، وسنشرحهما -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: ما لو باع مَكيلاً أو موزوناً أَو مَذْرُوعاً، بشرط أَنْ يُكَالَ في مِكْيال معين، أو يوزن بميزان معين، أو يُذرع بذراع معين، أو شرط ذلك في الثمن، ففيه خلاف ونورده في السلم -إن شاء الله تعالى- وفي معناه تعيين رجل يتولّى الكيل والوزن.
ومنها: لو باع داراً واستثنى لنفسه سكناها، أو دابة واستثنى ظهرها، نظر إن لم يبيّن مدّة لم يصح العقد، وإن بين ففيه خلاف مذكور في الكتاب في آخر الإِجَارة.
والأصح: أنه يبطل العقد، وذهب أحمد إلى صحته.
الجزء: 4 - الصفحة: 118
ومنها: لو شرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن، نظر إن كان مؤجلاً بطل العقد، وإن كان حالاً بني على أن البَدَاءَة في التسليم بمن، فإن جعلنا ذلك من قضايا العقد لم يضر ذكره، وإلاَّ فسد العقد.
ومنها: لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صَاعاً، فإن أراد هبة صاع أو بيعه من مَوْضِعٍ آخر فهو باطل؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت عشرة آصُعٍ أخذت تسعة دراهم فإن كانت الصيعان مجهولة لم يصح، لأنه لا يدري حصة كل صاع، وإن كانت معلومة صح، فإن كانت عشرة فقد باع صاعاً وتُسعاً بدرهم ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعاً، فإن أراد رد صاع إليه فهو فاسد؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت عشرة دراهم، فإن كانت الصِّيْعَان مجهولة لم يصح، وإن كانت معلومة صح، وإذا كانت تسعة آصُعٍ فيكون كل صاع بدرهم وتسع.
وعن صاحب "التقريب": أنه لا يصح في صورة العلم أيضاً، لأن العبارة لا تُنْبئ عن المجمل المذكور، ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، على أن أنقصك صاعاً أو أزيدك صاعاً، ولم يبيّن إحدى الجهتين فهو باطل.
ومنها: لو باع قطعة أرض على أنها مائة ذراع، فخرجت دون المائة ففيه قولان:
أحدهما: بطلان البيع؛ لأن قضية قوله: بعتك هذه الأرض أن لا يكون غيرها مبيعاً، وقضية الشرط أن لا تدخل بالزيادة في البيع، فوقع التضاد وتعذّر التصحيح.
وأظهرهما وقطع به قاطعون: أنه صحيح تغليباً للإشارة وتنزيلاً لخلف الشرط في المقدار منزلة خلفه في الصِّفات، وبهذا قال أبو حنيفة، فعلى هذا للمشتري الخيار بين الفسخ والإِجَازة، ولا يسقط خياره بأن يحطّ البائع من الثمن قدر النقصان، وإذا أجاز فيجيز بجميع الثمن قدر النقصان أو بالقسط، فيه قولان كما في تفريق الصفقة، لكن الأظهر هاهنا، أنه يجيز بجميعه؛ لأن المتناول بالإشارة تلك القِطْعَة لا غير، ولو كانت المَسْألة بحالها، وخرجت القطعة أكثر من المائة، ففي صحة البيع قولان أيضاً إن صححناه.
فالمشهور: أن للبائع الخيار، فإن أجاز كانت كلها للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء.
وفيه وجه آخر اختاره صاحب "التهذيب": أنه لا خيار للبائع، ويصح البيع في الكُلِّ بالثمن المسمى، وينزل شرطه منزلة ما لو شرط كون المبيع مَعِيباً فخرج سليماً لا خيار له.
فعلى المَشْهور لو قال المشتري: لا نفسخ فإني أقنع بالقدر المشروط سابقاً والزيادة لك، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان عن رواية صاحب "التقريب" وغيره:
الجزء: 4 - الصفحة: 119
أحدهما: نعم لزوال الغبنة عن البائع.
والثاني: لا، لأن ثبوت حق المشتري على الشُّيُوع يَجُرًّ ضَرراً، وهذا أظهر، وبه قال الإمام.
ورجع ابن سُرَيجٍ الأول في جوابات الجامع الصغير" لمحمد -رحمهما الله تعالى- ولو قال: لا نفسخ حتى أزيدك في الثَّمن لما زاد لم يكن له ذلك، ولم يسقط به خيار البائع بلا خلاف، ويقاس بهذه المسألة ما إذا باع الثوب على أنه عشرة أذرع، أو القطيع على أنه عشرون رأساً، أو الصُّبْرَة على أنها ثلاثون صاعاً، وفرض نقصاناً أو زيادة.
وفرق صاحب "الشامل" بين الصُّبْرَة وغيرها، فروى أن الصُّبْرَة إذا زادت على القدر المشروط يرد الفضل، وإن نقصت وأجاز المشتري يُجيز بالحصة وفيما عداها يُجِيز بجميع الثمن، لأن أجزائها تتساوى فلا يَجُزُّ التوزيع جهالة.
ومنها: لو قال لغيره: مع عبدك من زيد بألف على أن عليَّ خمسمائة، فباعه على هذا الشرط هل يصح البيع؟ فيه قولان لابن سُرَيج:
أظهرهما: لا، لأن الثَّمَن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف وعلى الآخر خمسمائة، كما لو قال: ألق متاعك في البَحْر على أن عليّ كذا.
قال الغزالي: وَمَهْمَا فَسَدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَسَدَ بفَسَادِهَا العَقْدُ، وَالأَصَحُّ أَنَّ شَرْطَ نَفْي خِيَارِ المَجْلِسِ وَالرُّؤْيَةِ فَاسِدٌ.
قال الرافعي: ما يصح من البَيْوع لولا الشرط إذا ضم إليه شرط لم يخل ذلك الشرط، إِمَّا أن يكون صحيحاً أو فاسداً، فإن كان صحيحاً فالعقد صحيح لا محالة، وإن كان فاسدا فلا يخلو، إما أن يكون شيئاً لا يفرد بالعقد، وإما أن يكون شيئاً يفرد بالعقد، فإن كان الأول نظر إن لم يتعلق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، فلا يؤثر ذلك في العقد على ما سبق.
قال الإمام: ومن هذا القبيل ما إذا عين الشُّهود لتوثيق الثمن، وقلنا: إنهم لا يتعينون فلا يفسد به العقد؛ لأنا إذا ألغينا تَعْيين الشُّهود فقد أخرجناه، عن أن يكون من مقاصد العقد، وإن تعلّق به غرض فسد العقد بفساده للنهي عن بيع وشرط 153، ولأنه يفضي إلى المُنَازعة، ولأنه يوجب الجَهْل بالعِوَض، وكل ذلك قد تقدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 120
وعن أبي ثَوْرٍ رواية قول: أن فساد الشرط لا يتعدى إلى فساد العقد بحال، لقصّة بريرة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أنكر على الشرط وأبطله ولم يفسد العقد.
وإن كان مما يفرد بعقد كالرهن والكفيل، فهل يفسد البيع بشرطهما على نعت الفساد؟ فيه قولان:
أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: نعم كسائر الشروط الفاسدة.
والثاني: وبه قال المُزَنِيُّ: لا؛ لأنه يجوز إفراده عن البيع، فلا يوجب فساده فساد البيع كالصداق في النِّكَاح لا يوجب فساده فساد النكاح.
إذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ومهما فسدت هذه الشرائط فسد بفسادها العقد" غير مجرى على إطلاقه.
وأما قوله: "والأصح أن شرط نفي خيار المجلس والرؤية فاسد"، فلا يخفى أنه ليس له كبير تعلّق بهذا الموضع.
ثم فقهه أنه إذا باع شيئاً بشرط نفي خيار المجلس وقبله المشتري، هل يصح هذا الشرط؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه يصح لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ" 154.
وأراد البيع الذي يغني عنه الخيار، واستثناه من قوله: "الخيار".
وأصحهما: أنَّه لا يَصِحُّ.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرا" 155.
وهذا ما نص عليه في البُوِيطي والقديم.
وقوله: "إلاَّ بيع الخيار" المراد منه أن يقطعا الخيار بعد العقد وهو التَّخاير، وقيل: أراد إلاَّ بيعاً شرط فيه الخيار، فإن الخيار في ذلك البيع يبقى بعد التفرق، والاستثناء على هذا راجع إلى قوله: "ما لم يتفرقا".
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، إليه ذهب أبو إسحاق بعدما كان يقول بطريقة القولين.
فإن صححنا الشرط صح البيع ولزم، وإن أفسدنا الشرط، فهل يفسد البيع؟ فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 121
أصحهما: نعم؛ لأنه شرط يُنَافي مقتضى العقد، فأشبه ما إِذَا قال: بِعْتُك بشرط أن لا أسلمه، وإذا سلكت سبيل الاختصار قلت في المسألة ثلاثة أقوال أو وجوه:
أصحهما: فساد الشرط والعقد جميعاً.
ولو شرط نفي خِيَار الرُّؤية على قول صحَّة بيع الغائب، فقد طرد الإمام وصاحب الكتاب فيه الخلاف، والأكثرون قطعوا بأنه فاسد مفسد.
والفرق أنه لم ير المبيع ولا عرف حاله، فنفي الخيار فيه يؤكد الغَرَر، ونفي خيار المجلس لا يمكن غَرَراً بل هو مُخِلٌّ لمقصود العقد، وإنما أثبته الشَّرْع على سبيل التَّخْفيف رفقاً بالمتعاقدين، فجاز أن لا يقدح نفيه.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن نفي خيار المجلس" أراد الأصح من الوجوه جواباً على طريقة إِثْبَات الخلاف في الصُّورتين، وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في البيع، بشرط البَرَاءة من العيوب وسيأتي من بعد.
ويتفرَّع على هذا الخلاف ما إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حُرٌّ ثُمَّ باعه بشرط نفي الخيار.
فإن قلنا: البيع باطل أو قلنا: الشرط أيضاً صحيح لم يعتق.
أما على التقدير الأول، فلأن اسم المبيع يقع على الصحيح ولم يوجد.
وأما على الثاني، فلأن ملكه قد زال والعقد قد لزم، ولا سبيل إلى إعتاق ملك الغير.
وإن قلنا: إن العقد صحيح والشرط فاسد عتق لبقاء الخِيَار ونفوذ العِتْق من البائع في زمن الخيار.
وعند أَبِي حَنِيفة، ومالك؛ لا يعتق إلاّ أن يبيع بشرط الخيار، لأن خيار المجلس غير ثابت عندهما.
قال الغزالي: وَالعَقْدُ الفَاسِدُ لاَ يُفِيدُ المِلْكَ (ح) وَإِنْ اتَّصَلَ القَبْضُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةٌ فَوَطِئَهَا وَجَبَ المَهْرُ وَثَبَتَ النَّسَبُ لِلشُّبْهَةِ، وَالوَلَدُ حُرٌّ.
قال الرافعي: إذا اشترى شيئاً شراء فاسداً بشرط فاسد أو بسبب آخر، ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، وبه قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن اشترى مَا لاَ قيمة له كالدّم والمَيْتة فالحكم كذلك، فإن اشتراه بشرط فاسد، وبما له قيمة في الجملة كالخَمْر والخِنْزِير، ثم قبض المبيع بإذن البائع ملكه ونفذ تصرفه فيه، لكن للبائع أن يستردّه بجميع زوائده، ولو تلف في يده أو زال ملكه عنه ببيع أو هِبَة أو إِعْتَاق فعليه قيمته، إلاَّ أن يشتري عبداً بشرط العتق، فإنه قال: يفسد العقد، وإذا تلف في يده فعليه الثمن.
الجزء: 4 - الصفحة: 122
لنا أنه بيع مسترد بزوائده المُتَّصلة والمُنْفصِلة فلا يثبت الملك فيه للمشتري، كما لو أشترى بدم أو ميتة.
إذ تَقَرَّرَ ذلك فعلى المُشْتَرِي رَدُّ المقبوض بالبيع الفاسد ومؤنة رده كالمَغْصُوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن، ولا يتقدم به على الغُرَمَاء خلافاً لأبي حنيفة في المسألتين.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ مثله وجهاً عن الإصْطَخْري، ونقل القاضي حسين عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- جواز الحبس، والَظاهر الأول، ويلزمه أُجْرة المِثْل للمدة التي كان في يد سواء استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده أو بقيت في يده، فعليه أَرْشُ النُّقْصان، وإن تلف فعليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التَّلف كالمغصوب؛ لأنه مخاطب كل لحظة من جهة الشرع برده.
وفيه وجه آخر: أنه تعتبر قيمته يوم التَّلَف كالعَارِيَة.
وعن الصَّيْدَلاَنِيّ، وغيره حكاية وجه ثالث: أنه يعتبر قيمته يوم القبض، وقد يعبر عن هذا الخلاف بالأقوال.
وما حدث في يده من الزوائد المُنْفصلة كالولد والثَّمرة، والمُتّصلة كتعلّم الحِرْفة، والسِّمن مضمون عليه كزوائد المغصوب وفيه وجه: أنه لا يضمن الزيادة عند التلف.
ولو أَنْفق على العبد المبيع مدة لم يرجع بها على البائع، إن كان عالماً بفساد البيع، فإن كان جاهلاً فعن الصَّبْعَرِي أنه على وجهين:
ولو كان المبيع جَارِية فَوَطِئَهَا المشتري، فإن كانا جاهلين فلا حَدَّ ويجب المَهْر، وإن كانا عالمين وجب الحَدّ.
وإن اشتراها بميتة أو دم أو خمر أو بشرط فاسد لم يجب لاختلاف العلماء كالوَطْءِ في النِّكَاح بلا ولي ونحوه.
قال الإمام: ويجوز أن يقال: يجب الحد، لأن أبا حنيفة لا يبيح الوطء، وإن كان يثبت الملك بخلاف الوَطْء في النكاح بلا ولي.
وإذا لم يجب الحَدّ يجب المَهْر، ولا عبرة بالإذن الذي يتضمنه التمليك الفاسد، وإن كانت بِكراً وجب مع مهر البِكْر أرْش البكارة.
أما: مَهْر البكر فللاستمتاع بها.
وأما الأَرْش فَلإتْلاف ذلك الجزء.
ولو استولدها فالولد حُرٌّ للشُّبْهَة، وعليه قيمته إن خرج حيّاً باعتبار يوم الوضع، وتستقر القيمة عليه بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها، فخرجت مستحقّة يغرم قيمة
الجزء: 4 - الصفحة: 123
الولد ويرجع على البائع لأنه غره، ثم الجارية لا تصير أم ولد في الحال، فإن ملكها يوماً من الدهر ففيه قولان: وإن دخل على الأم نقض بالحمل، أو الوضع وجب الأرش، وإن خرج الولد ميتاً فلا قيمة، لكن إن سقط بجناية جان وجبت الغرّة على عَاقِلَةِ الجَانِي، وعلى المشتري أقلّ الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة والغُرّة، ويطالب به المالك من شاء من الجاني والمشتري، ولو ماتت في الطَّلْق لزمه قيمتها، وكذلك لو وطئ أَمَةَ الغَيْر بالشُّبهة فأحبلها فماتت في الطَّلْق، وهذه الصورة وأخواتها مذكورة في "باب الرَّهْن" في الكتاب، وسنقف على شرحها إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
ولو اشترى شيئاً فاسداً ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن حصل في يد الثاني فعليه رده إلى المالك، فإن تلف في يده نظر إن كانت قيمته في يديهما سواء، أو كانت في الثاني أكثر رجع المالك بالجميع على من شاء منهما، والقرار على الثاني لحصول التلف في يده، وإن كانت القيمة في يد الأول أكثر، فضمان النقصان على الأول، يرجع به على أيهما شاء، والقرار على الثَّاني لحصول التَّلَفِ في يده، وكل نقص حدث في يد الأوَّل لا يكون الثَّاني مطالباً به، وكل نقص حدث في يد الثَّاني يكون الأول مطالباً به ويرجع على الثاني، وكذلك حكم أُجْرة المِثْل والله أعلم هنا.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْقَلِبُ العَقْدُ صَحِيحاً، بِخِلاَفِ الشَّرْطِ وإنْ كَانَ فِي المَجْلِسِ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ أَجَلٍ (ح) وَخِيَارٍ وَزِيَادةِ ثَمَنٍ (ح) وَمثَمَّنٍ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ، وَالأقْيَسُ مَنْعُهُ أَيْضاً في حَالَةِ الجَوَازِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على مسألتين:
إحداهما: لو فسد البَيْع بشرط فاسد ثم حذفا الشرط لم ينقلب العقد صحيحاً، سواء كان الحَذْف في المجلس أو بعده.
وعن أبي حنيفة أنه إن كان الحَذْف في المجلس انعقد صحيحاً، ولنا مثله وجه نذكره بما فيه في "كتاب السّلم" -إن شاء الله تعالى-.
واحتج الأصحاب بأن العَقْد الفاسد لا عبرة به، فلا يكون لمجلسه حكم بخلاف العقد الصحيح.
الثانية: لو زاد في الثَّمن أو المثمن، أو زاد شرط الخيار أو الأجل، أو قدرهما نظر إن كان ذلك بعد لزوم العقد لم يلتحق بالعقد؛ لأن زيادة الثَّمن لو التحقت بالعقد، لوجبت على الشَّفيع كأصل الثَّمن ولا يجب، وكذا الحكم عندنا في رأس المَال السلم والمسلم فيه والصَّداق وغيرها، وكذا الحَطُّ عندنا لا يلتحق بالعَقْد، حتى يأخذ الشفيع
الجزء: 4 - الصفحة: 124
بما سمى في العقد لا بما بقي بعد الحَطْ.
وعند أبي حنيفة: الزيادة في المثمّن والصَّدَاق ورأس المال السّلم تلزم، وكذا في الثَّمن إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فله مع أصحابه اختلاف فيه، ولا يثبت في المسلم فيه على المشهور، وشرط الأجل يلتحق بالعَقْد في الثمن والأجرة والصداق وسائر الأعواض، قال: وأما الحطُّ فإن الحط نقص يلتحق بالعقد دون حَطِّ الكل.
وإن كانت هذه الإِلْحَاقات قبل لزوم العقد، فإن كانت في مجلس العقد أوْ فِي زمان الخيار المشروط ففيه أوجه:
أحدها: أنها لا تلتحق لتمام العقد كما بعد اللّزوم، وهذا أقيس عند صاحب الكتاب، وفي "التتمة" أنه الصحيح.
والثاني عن أبي زيد والقَفَّال: أنها تلتحق في خيار المجلس دون خيار الشَّرْط؛ لأن مجلس العقد كنفس العقد، ألا ترى أنه يصلح لتعيين رأس مال السلم والعوض في عقد الصرف بخلاف زمان الخيار المشروط؟
وأصحهما عند الأكثرين: أنها تلتحق إمَّا في مجلس العقد فلما ذكرنا، وإمَّا في زمان الخيار المشروط فلأنه في معناه من حيث إن العقد غير مستقر بعد، والزيادة قد يحتاج إليها لتقرير العَقْد، فإن زيادة العوض من أحدهما، تدعو الآخر إلى إمضاء العقد، ويؤيد هذا الوجه أن الشافعي -رضي الله عنه- نص في كتاب "السلم"؛ أنه لو أطلق السلم ثم ذكر الأجل قبل التَّفريق صح ولزم، ثم هذا الجواب مطلق أم هو مخصوص ببعض الأقوال في الملك في زمن الخيار؟
اختار العراقيون أنه مطلق، وحكوا عن أبي علي الطَّبَرِي أنه مفرع على قولنا: إن الملك في زمان الخِيَار للبائع.
فأما إذا قلنا: إنه للمشتري، أو قلنا: إنه موقوف وأمضينا العقد لم يلتحق بما بعد اللزوم.
وإن قلنا: إنه موقوف واتفق الفسخ فَلْيَلْتَحِقْ ويرتفع بارتفاع العقد، وهذا ما اختاره الشَّيْخ أبو علي، ووجهه بأنَّا إذا قلنا: إن الملك للمشتري فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من المثمن، وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض، وحينئذ يمتنع الحكم بلزومهما وهو تابعه صاحب "التهذيب" وغيره على ما اختاره.
وإذا قلنا: إنها تلتحق، فالزيادة تجب على الشَّفيع كما تجب على المشتري، وفي الحطِّ قبل اللزوم مثل هذا الخلاف، فإن التحق بالعقد انحطَّ عن الشفيع أيضاً، وعلى هذا الوجه ما يلتحق بالعقد من الشروط الفاسدة قبل انقضاء الخيار بمثابة ما لو اقترنت
الجزء: 4 - الصفحة: 125
بالعقد في إفساده، وإن حطّ جميع الثمن كان كما لو باع بلا ثمن -والله أعلم-.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ المَنَاهِي مَا لاَ يدُلُّ عَلَى الفَسَادِ وَهُوَ كُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمجَاوَرَةِ ضَرَرِ إيَّاهُ دُونَ خَلَلِ فِي نَفْسه، وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الاحْتِكَارِ، 156 وَالتَّسْعِيرِ.
قال الرافعي: أما ترجمة القسم فقد مرَّ ما فيها في أول الباب.
وأما: فِقْهُ الفَصْل فمسألتان:
إحداهما: الاحتكار مَنْهِيٌّ عنه ثم هو مكروه أو محرَّم.
قال بعض الأصحاب: إنه مكروه.
والأصح: التحريم؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطئٌ" 157 أَيْ: آثِمٌ.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجَالِبُ مَرْزَوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ" 158.
وروي أيضاً "مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ وَبَرِئَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ" 159. والاحتكار: أن يشتري ذو الثروة الطعام في وقت الغلاء، ولا يدعه للضُّعَفاء ويحبسه ليبيعه منهم بأكثر عند اشْتِدَاد حاجاتهم.
ولا بَأْس بالشِّرَاء في وقت الرُّخص ليبيع في وقت الغلاء ولا أن يشتري في وقت الغلاء لنفقة نفسه وعياله، ثم لو فضل شيء فيبيعه في وقت الغلاء، ولا بأن يمسك غَلَّة ضَيْعَته ليبيع في وقت الغلاء، ولكن الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته، وهل يكون إمساكه مكروهاً؟ ذكروا فيه وجهين، وتحريم الاحتكار يختص بالأَقْوات، ومنها التَّمر والزَّبيب ولا يعم جميع الأطعمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
الثانية: لا ينبغي للإمام أن يُسَعِّر "رُوِيَ أَنَّ السِّعْرَ غَلاَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ ألْقَى رَبِّي، وَلَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلمَةٍ بدَمٍ وَلاَ مَالٍ".
وهل يجوز ذلك؟ إنْ كان في وقت الرُّخص فلا، وإن كان في وقت الغلاء فوجهان؟
أحدهما، وبه قال مالك: يجوز رِفْقاً بالضُّعفاء.
وأصحهما: أنه لا يجوز تَمْكيناً للنَّاس من التَّصرف في أموالهم؛ ولأنهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع فيشتد الأمر.
وعن أبي إسحاق: أنه لو كان يجلب الطَّعَام إلى البَلَدِ فالتَّسعير حرام، وإن كان يزرع بها وهو عند الغلاء فيها فلا يحرم.
وحيث جوزنا التَّسْعير فذلك في الأَطْعمة، ويلتحق بها عَلَف الدَّوَاب في أظهر القولين.
وإذا سَعَّر الإمام عليه فخالف استحق التَّعْزِير، وفي صحة البيع وجهان منقولان في "التتمة".
قال الغزالي: وإنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهُوَ أَنْ يَتَرَبَّصَ بِسِلْعَتِهِ اِلَي أَنْ يُغَالَي في ثَمَنِهَا فَيَفُوتَ الرِّزقُ وَالرِّبْحُ عَلَى النَّاسِ.
قال الرافعي: عن جابر وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَبعِ حاضِرٌ لِبَادٍ" 160.
وصورته: أن يحمل البَدَوِي 161 أو القُرَوِيّ متاعه إلى البلد، ويريد بيعه بسعر اليوم ليرجع إلى موضعه، ولا يلتزم مُؤْنَة الإقامة، فيأتيه البلدي ويقول: ضع متاعك عندي وارجع لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى من هذا السعر.
وهو مأثوم به بشروط:
أحدها: أن يكون عالماً بورود النَّهْي فيه، وهذا شرط يعم جميع المَنَاهي.
الجزء: 4 - الصفحة: 127
وثانيها: أن يظهر من ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم يظهر إما لكبر البلد وقلة ذلك الطعام، أو لعموم وجوده أو رخص السعر فيه، ففيه وجهان:
أوفقهما لمطلق الخبر: أنه يحرم.
والثَّاني: لا؛ لأن المَعْنَى المُحَرَّم تفويت الرّفق والرِّبْح على النَّاس، وهذا المعنى لم يوجد هاهنا.
وثالثها: أن يكون المَتَاع المَجْلُوب مما تعمّ الحاجة إليه كالقُوت والأَقِط وسائر أطعمة القُرئ.
فأما ما لا يحتاج إليه إلا نادراً فلا يدخل تحت النهي، قاله في "التهذيب".
ورابعها: أن يعرض الحَضَرِي ذلك على البَدَوِي ويدعوه إليه.
فأما إذا الْتَمس البدوي منه بيعه تدريجاً، أو قصد الإقامة في البلد ليبيعه كذلك، فسأل البدوي تفويضه إليه فلا بأس به؛ لأنه لم يضر بالناس، ولاسبيل إلى مَنْعِ المالك عنه، لما فيه من الإضرار به.
ولو أن البَدَوِي اسْتَشَار الحَضَري فيما فيه حظه، فهل يرشده إلى الادِّخار والبيع على التدريج؟
حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الطيب بن سلمة، وأبي إسحاق المَرُوزِيّ: أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلاً للنصيحة.
وعن أبي حَفْص بْنِ الوَكِيل: أنه لا يرشده إليه توسيعاً على الناس.
ثم لو باع الحَضَرِي لِلْبَدَوِي عند اجتماع شرائط التحريم صح البيع وإن أثم، واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بما روي في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر الخبر: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ عزَّ وَجَلَّ بَعْضُهْمْ مِنْ بَعْضٍ".
ولولا صحة البيع، لما كان في فعله تفويت على الناس.
قال الغزالي: وإنْ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَيَكْذِبَ في سِعْرِ سِلْعَتِهِمْ فَيَشْتَرِيَهَا رَخِيصاً فَلِلْبَائِعِ الخِيَارُ إِذَا عَرَفَ كَذِبَهُ؛ لأَنَّهُ تَغرِيرٌ.
قال الرافعي: روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ"، وفي رواية "فَمَنْ تَلَقَّاهَا فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَقْدُمَ السُّوقَ" 162.
الجزء: 4 - الصفحة: 128
وصورته أن يتلقى الإنسان طائفة 163 يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه منهم قبل قدوم البلد ومعرفة سعره، فيأثم إن كان عارفاً بالخبر قاصداً لتلقي الرُّكْبَان، لكن البيع صحيح، ولا خيار لهم قبل أن يقدموا ويعرفوا السِّعْر، وبعده يثبت الخِيَار إن كان الشِّرَاء بأرخص من سعر البلد، سواء أخبر كاذباً أو لم يخبر، وإن كان الشِّرَاء بسعر البلد، أو أكثر ففي ثبوت الخِيَار وجهان:
أحدهما: يثبت وبه قال الإصْطَخري وابن الوَكِيل لظاهر الخبر.
وأصحهما: لا يثبت؛ لأنه لم يوجد تَغْرِيرٌ وَخِيَانَة، وأجرى الوجهان فيما إذا ابتدأ الباعة والتمسوا منه الشراء عن علم منهم بسعر البلد أو غير علم.
ولو لم يقصد التَّلقي، بل خرج لشغل آخر من اصْطياد وغيره، فرآهم مقبلين فاشترى منهم شيئاً، فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَتَلَقَّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: نعم لشمول المعنى فعلى الأول لا خيار لهم وإن كانوا مَغْبُونِين.
وقيل: إن أخبر عن السِّعر كاذباً ثبت الخيار، وحيث ثَبَتَ الخِيَار في هذه الصورة، فهو على الفور كخيار العيب أو يمتد ثلاثة أيام، فيه وجهان كما في خيار التَّصْرِية.
أصحهما: أولهما.
ولو تلقى الرُّكْبَان، وباع منهم ما يقصدون شراءه في البلد، فهل هو كالتّلقي للشراء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النَّهي إِنَّما ورد عن الشِّرَاء.
والثَّاني: نعم؛ لما فيه من الاسْتِبْداد بالرِّفق الحاصل منهم.
وعن مالك: أن البَيْع باطل في صورة تَلَقِّي الرُّكبان، وكذلك بيع الحَاضر للبادي.
فيجوز أنْ يعلّم الفصلان بالميم إشارة إليه، وبمثله قال أحمد في بيع الحاضر للبادي.
وإذا تأملت ما أوردناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ويكذب في سعر سلعتهم" ليس بشرط في ثبوت الخيار.
-والله أعلم-.
قال الغزالي: وَنَهيٌ عَنِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، وَهُوَ بَعْدَ قَرَارِ الثَّمَنِ وَقَبْلَ العَقْدِ، وَنَهْيٌ
الجزء: 4 - الصفحة: 129
عَنِ البَيْعِ عَلَى البَيْعِ، وَهُوَ بَعْدَ العَقْدِ وَقَبْلَ اللُّزوُمِ، وَنَهْيٌ عَنِ النَّجَشِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَع قِيمَةَ السِّلْعَةِ وَهُوَ غَيْرُ رَاغِبٍ فِيهَا لِيَخْدَع المُشْتَرِيَ بالتَّرْغِيبِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في ثلاثة من المَنَاهي في البيع:
أحدها: روي عن ابْن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهم- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" 164.
وصورته: أن يأخذ شيئاً ليشتريه، فيجيء غيره إليه ويقول: ردَّه حتى أبيع منك خيراً منه بأرخص، أو يقول لمالكه: استرده لأشتريه منك بأكثر، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن.
فأما ما يطاف به فيمن يزيد وطلبه طالب، فلغيره الدخول عليه والزيادة في الثمن.
روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَادَى عَلَى قَدَحٍ، وَجَلَسَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَم، ثُمَّ قَالَ آخَرُهُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "هُمَا لَكَ بِدِرْهَمَيْنِ" 165.
وإنما يحرم إذا حصل التَّرَاضي صريحاً، فإن جرى ما يدل على الرِّضَا، ففي تحريم السَّوْم على سَوْم الغَيْرِ وجهان كالقولين في تحريم الخِطْبة في نظيره.
والجديد: أنه لا يحرم.
وهل السكوت من أدلة الرِّضا إذا لم يقترن به ما يشعر بالإنكار.
فأما في الخطبة فنعم.
وأما هاهنا قال الأكثرون: لا.
بل هو كالتَّصريح بالرد، وعن بعضهم: أنه كما في الخِطْبة حتى يخرج علي الخلاف.
وثانيها: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ" 166.
وصورته: أن يشتري الرجل شيئاً، فيدعوه غيره إلى الفَسْخ ليبيعه خيراً منه
الجزء: 4 - الصفحة: 130
بأرخص، وفي معناه الشراء على الشراء، وهو أن يدعو البائع إلى الفسخ ليشتريه منه بأكثر.
ولا شك أن ذلك إنَّمَا يكون عند إمكان الفسخ.
ثم الشافعي -رضي الله عنه- صوره فيما إذا كان المُتَبَايعان في مجلس العقد بعد، وعليه جرى كثير من الشارحين، ونقلوا عن أبي حنيفة أن المراد من البيع على البيع هو السَّوْم؛ لأن عنده خيار المجلس لا يثبت، فلا يتصور البيع على البيع.
وقال قائلون: مُدَّة الخِيَار المشروط كزمان المجلس، وهذا هو الوجه.
وقوله في الكتاب: "وقيل: اللزوم" يبطل الخيارين جميعاً.
وشرط القاضي ابن كَجٍّ لتحريم البيع على البيع شرطاً، وهو أن لا يكون المشتري مَغْبُوناً غبناً مفرطاً، فإن كان فله أن يعرفه ويبيع على بيعه، لأنه ضرب من النَّصيحة.
قالوا: ولو أَذِنَ البائع في البيع على بيعه، ارتفع التحريم خلافاً لبعض الأصحاب.
وثالثها: عن ابن عمر "أَنْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ النَّجَشِ" 167.
وصورته: أن يزيد في ثمن السِّلْعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها ليخدع الناس ويرغبهم فيها فهو محرم؛ لما فيه من الخديعة، لكن لو انخدع إنسان واشتراها صح العقد، ولا خيار له إن لم يكن ما فعله النَّاجش عن مُوَاطَاَة البائع، وإن كان عن مواطأته فوجهان:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنه يثبت الخيار لِلتَّدْلِيس كما في التَّصْرَية.
وأشبههما عند الأئمة، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا خيار؛ لأن التفريط من جهته حيث اغتَرَّ بقوله ولم يحتط بالبحث عن ثقات أهل الخبرة، وتخالف سورة التَّصرية إذ لا تفريط من المشتري.
وقد حكى صاحب الكتاب هذين الوجهين في فصول خيار النَّقيصة، وجعل وجه ثبوت الخيار أقيس.
ولو قال البائع: أعطيْتُ بهذه السِّلْعة كذا، فصدّقه المشتري واشتراه ثم بَانَ خلافه، فإن ابن الصَّبَّاغ خَرَّج ثبوت الخيار له على هذين الوجهين.
وعن مالك: أن شراء المُنْخَدع في صورة النَّجَش غير صحيح، وهو رواية عن أحمد ضعيفة.
واعلم: أن الشافعي -رضي الله عنه- أطلق القول في "المختصر" بَتَعْصِية
الجزء: 4 - الصفحة: 131
الناجش، وشرط في تَعْصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالماً بالحديث الوارد فيه.
قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أَحَدٍ، ومعلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يكن يعلم هذا الخبر بخصومه، والبيع على بيع الأخ إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه مَنْ لا يعرف الخبر 168.
وذكر بعضهم: أن تحريم الخِدَاع يعرف بالعَقْل وإن لم يرد شَرْع.
ولك أن تقول: كما أن النَّجَش خديعة فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما أن تحريم النَّجَش يعرف من الأَلفاظ العامة في تحريم الخِدَاع، فكذلك تحريم البَيْع على البَيْع يعرف من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار، وإن لم يعلم الخبر الوارد فيه بخصومه.
وأما الكلام الثاني فليس معتقدنا، ومن قال به فقد يَطْرُدُه في الإِضْرار.
والوجه: توقيف المَعْصِية على مطلق معرفة الحُرْمة، إمَّا من عموم أو من خصوص.
قال الغزالي: وَنَهْيٌ أَنْ تُولَهَ وَالدَةٌ بِوَلَدِهَا وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ، فَإِنْ فُرِّق بَيْنَهُمَا بِالبَيْعِ فَفِي فَسَادِ الَبيْعِ قَوْلاَنِ، لأَنَّ التَّسْلَيمَ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ تُولَهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا" 169.
وعن أبي أيوب -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَولَدهَا فَرَّقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 170.
وعن عبادة بن الصَّامت -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، قِيلَ إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلاَمُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ" 171.
فهذه الأخبار ونحوها عَرَّفتنا تحريم التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع
الجزء: 4 - الصفحة: 132
والقِسْمة والهِبَة وغيرها، ولا يحرم التّفريق في الْعِتق، ولا في الوصية، فلعل الموت يكون بعد انْقضاء زمان التحريم.
وفي الرد بالعيب اختلاف للأصحاب، وعن الشيخ أبي إسحاق الشِّيْرَازِيّ: أنه لو اشترى جَارِيَة وولدها الصغير، ثم تَفَاسخا البيع في أحدهما جاز، وحكم التّفريق في الرهن مذكور في "كتاب الرَّهْن" 172.
وإذا فرق بينهما بالبيع والهِبَة ففي الصحة قولان: أحدهما: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النهي لما فيه من الإضرار لا يحلل في نفس البيع.
وأصحهما: المنع؛ لما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه "فَرَّق بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلكَ وَرَدَّ الْبَيْعَ 173 ".
ولأن التسليم تفريق محرم فيكون كالمتعذر، لما مر أن العجز قد يكون حِسِّياً وقد يكون شَرْعياً.
وحكى أبو الفرج البَزَّازُ أن القولين فيما إذا كان التفريق بعد سقي الأم ولدها اللّباء، فأما قبله فلا صحة جزماً؛ لأنه تسبب إلى هلاك الولد، إلى متى يَمْتدُّ تحريم التفريق؟ فيه قولان: أحدهما: إلى البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لخبر عبادة.
وأظهرهما: وهو الذي نقله المزني: أنه إلى سنِّ التَّمْيِيز، وهو سبع أو ثمان على التَّقريب، لأنه حينئذ يستغنى عن التَّعَهُّد والحَضَانة، ويقرب من هذا مذهب مالك، فإن عنده يمتد التحريم إلى وقت سقوط الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وذلك في الصغر" يوافق القول الأول لفظاً، ويكره التفريق بعد البلوغ، ولكن لو فرق بالبيع أو الهبة صح خلافاً لأحمد.
ولو كانت الأم رقيقة والولد حُرّاً، وبالعكس فلا مَنْعَ من بَيْعِ الرَّقيق ذكره في "التَّتمة"، والتَّفْريق بين البَهِيمة وولدها بعد استغنائه عن اللّبن جائز.
وعن الصَّيْمَرِي حكاية وجه آخر 174.
وهل الجدّة والأب وسائر المحارم كالأم في تحريم التَّفْريق؟ هذه الصُّورة مذكورة
الجزء: 4 - الصفحة: 133
في كتاب السِّير وسنأتي في الشرح عليها -إن شاء الله تعالى - والآن نختم الباب بذكر أنواع أخر ورد النهي عنها.
منها: ما هو مِنَ القسم الأول.
ومنها: ما هو من القسم الثاني، فما هو من القبيل الأول بيع المُحَاقَلَة والمُزَايَنَة وسنذكرهما.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجَرِ" 175. وفسره أبو عبيدة بما في الرحم.
وقيل: وهو الزِّنَا.
وقيل: للحاملة والزَّان.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْيَانِ" 176 ويقال له: العَرْبُون أيضاً، وصورته: أن يشتري سلعة من غيره، ويدفع إليه دراهم على أنه إن أخذ السّلْعة فهي من الثمن، وإلاَّ فهي للمدفوع إليه مجاناً، وتفسر أيضاً بأن تدفع الدراهم إلى صانع ليعمل له ما يريده من خاتم يصوغه، أو خف يخرزه أو ثوب ينسجه على أنه إن رضيه فالمَدْفُوع من الثمن، وإلاَّ لم يسترده منه وهما متقاربان.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ" 177. وله تفسيران: أحدهما: أن يبيع ثمرة النَّخْل سِنين.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذه السنة على أنه إذا انقضت السَّنة فلا بيع بيننا، فأردُّ أنا الثمن، وترد أنت المبيع.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ" 178. وهو البيع بشرط القرض وقد مر.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الهِرَّةِ" 179.
قال القفال: أراد الهِرّة الوَحْشِيّة، إذ ليس فيها منفعة اسْتِئنَاس ولا غيره.
ومنها: بيع السِّلاح من أهل الحرب لا يصح، لأنه لاَ يُرَاد إلا للقتال، فيكون بيعه منهم تقوية لهم على قتال المسلمين، ويجوز بيع الحديد منهم؛ لأنه لا يتعين لِلسِّلاح.
ومنها: ما روي "أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يُفْرَكَ" 180.
"وَرُوِيَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، "وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ
الجزء: 4 - الصفحة: 134
الْعَاهَةِ" 181. وسيأتي القول فيها -إن شاء الله تعالى- ومما هو من قبيل القسم الثَّاني بيع الرطب والعنب ممن يتوهم أنه يتخذ منهما النَّبيذ والخمر مكروه 182، وإن تحقَّق فمنهم من قال: مكروه ومنهم من قال: حرام، وعلى التقديرين فلو باع صح 183، خلافاً لمالك، وكذا بيع السِّلاحَ من البُغَاة وقُطَّاع الطريق مكروه لكنه صحيح، ويكره مبايعة من اشتملت يده على الحلال والحرام، سواء كان الحلال أكثر أو بالعكس، ولو بايعه لم يحكم بالفساد 184. وعن مالك أن مبايعة من أكثر ماله حرام باطل.
وليس من المَنَاهي بيع العِيْنَة 185، وهي أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه
الجزء: 4 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذين الحديثين حسنان، والحديث يدل على أن العينة محرمة وإلا لما أدخلها في جملة ما استحقوا به العقوبة، وقد جاء عن الأوزاعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليأتين على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع وبينهما حريرة، يعني العينة، وجاء عن أنس وابن عباس -رضي الله عنهم-: هذا مما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- يعني المينة، وفي رواية أنه سأل أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن العينة فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
رواه محمد بن عبد الله الكوفي الحافظ المعروف بمطين في كتاب البيوع، والصحابي إذا قال حرم الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو أمر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو أوجب الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو قض الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ونحو هذا، فإن حكمه حكم ما لو روي لفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التحريم والأمر والإيجاب والقضاء ليس في هذا إلا خلاف شاذ لأن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وهو أعلم بمعنى ما سمع فلا يقدم أن يقول أمراً وحرم أو نهى إلا بعد أن يثق بذلك واحتمال الوهم مرجوح كاحتمال غلط السمع ونسيان القلب.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها- هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد إني بعت من زيد غلاماً بثمانمائة نسيئة واشتريته بستمائة نقداً، فقالت: أبلغي زيداً أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن تتوب بئس ما اشتريت وبئس ما شريت.
رواه الإمام أحمد وروى حرب الكرماني عن جدة إسرائيل قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أُم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً، فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أُم المؤمنين: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
(سورة البقرة، الآية 275). فهذه أحاديث تبين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرم هذا حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وفي حديث عائشة قطع التحريم وتغليظ له، ولولا أن عند أُم المؤمنين علماً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستحسن أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال مثل هذا كفر لأنه من الربا واستحلال الربا كفر ولكن عذر زيد عليه الرحمة والرضوان أنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا أمرت بإبلاغه، فمن بلغه التحريم وتيقن ذلك لقيام الحجة عنده ثم أصر عليه لزمه هذا وإن لم تكن قصدت هذا بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من يعمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه ما عمل شيئاً.
ومعلوم أن هذا لو كان مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن مأثماً فضلاً عن أن يكون من الكبائر، فلما قطعت بأنه من الكبائر وأمرت بإبلاغه ذلك، علم أنها علمت أن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد، وما ذلك إلا عن علم وإلا فالاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، وأيضاً فكون العمل يبطل الجهاد لا يعلم بالاجتهاد، فهؤلاء الصحابة مثل: عائشة وابن عباس وأنس بن مالك أفتوا بتحريم ذلك وغلظوا فيه في أوقات مختلفة ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة بل ولا من التابعين رخص في ذلك بل عامة التابعين من أهل المدينة والكوفة وغيرهم على تحريم ذلك ولا يجوز أن يقال فزيد ابن أرقم عليه الرحمة والرضوان قد فعل هذا لأنه لم يقل إن هذا حلال بل يجوز أن يكون فعله =
الجزء: 4 - الصفحة: 136
إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك نقداً، وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقداً ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثمن الأول أو لم يقبضه.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رضي الله عنهم-: لا يجوز أنْ يشتري بأقل من ذلك الثَّمن قبل قبضه، وجَوَّز أبو حنيفة أن يشتري بسلعة قيمتها أقل من قدر الثمن.
لنا أنه ثمن يجوز بيع السلعة به من غير بائعها، فيجوز من بائعها كما لو اشتراه بسلعة أو بمثل ذلك الثمن أو أكثر، ولا فرق بين أن يصير بيع العِيْنَة عادة غالبة في البلد، أو لا يصير على المشهور.
وأفتى الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو محمد بأنه: إذا صار عادة صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعاً، ولهذا نظائر سنُذْكرها في مواضعها -إن شاء الله تعالى- وليس من المناهي بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّة حرسها الله تعالى بل هو جائز.
وعن مالك وأبي حنيفة: أنه لا يجوز.
لنا اتفاق الصحابة فمن بعدهم -رضي الله عنهم- عليه، وليس من المَنَاهي أيضاً بيع المصحف وكتب الحديث.
وعن الصَّيْمَرِي: أن بيع المُصْحَف مكروه قال: وقد قيل إن الثمن يتوجه إلى الدَّقَّتَيْن، لأن كلام الله عز وجل لا يباع، وقيل: إنه بدل من أُجْرَة النَّسْع 186. = جرياً على العادة من غير تأمل فيه ولا اعتقاد.
ولهذا قال بعض السلف: أضعف العلم الرؤية، يعني أن يقول: رأيت فلاناً يفعل كذا، ولعله قد فعله ساهياً، وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك، ولهذا لم يذكر عنه أنه أصر على ذلك بعد قول عائشة -رضي الله عنها-، وكثيراً ما يفعل الرجل النبيل الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة، فإذا نبه انتبه وإذا كان الفعل محتملاً لهذا ولما هو أكثر منه، لم يجز أن ينسب لأجله اعتقاد حل هذا إلى زيد -رضي الله عنه- لا سيما وأُم ولده إنما دخلت على عائشة -رضي الله عنها- مستغيثة وقد رجعت عن هذا العقد إلى رأس مالها فعلم أنهما لم يكونا على بصيرة منه وإن لم يتم العقد بينهما، وقول السائلة لعائشة -رضي الله عنها-: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
دليل يُبَيِّن أن التغليظ إنما كان لأجل أنه ربا لا لأجل جهالة الأجل، فإن هذه الآية إنما هي في حق الغائب من الربا.
الجزء: 4 - الصفحة: 137
الْبَابُ الرَّابعُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَة تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
قال الغزالي: وَمَهْمَا بَاعَ الرَّجُلُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَمِلْكَ غَيْرِهِ فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ في مِلْكِهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَطُلَ البَيْعُ فِيهِ حُرّاً أَو خَمْراً أَوْ خِنْزِيراً أَوْ مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْليَ باِلبُطْلاَنِ، وَللْبُطْلاَنِ عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الصِّيْغَةَ مُتَّحِدَةٌ فإذَا فَسَدَتْ فِي بَعْضِ المُقْتَضَيَاتِ لَمْ تَقْبَلِ التَّجَزِّيَ وَالأُخْرَي أَنَّ الثَّمَنِ فِيمَا يَصِحُّ يَصِيرُ مَجْهُولاً، وَعَلَى هَذِهِ العِلَّةِ لاَ يَمْتَنِعُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ في الرَّهْنِ وَالهِبةَ إِذْ لاَ عِوَضَ فِيهِمَا، وَلاَ في النِّكَاحِ فَإنَّهُ لا يَفْسَدُ بالجَهْلِ بالعِوَضِ.
قال الرافعي: هذا باب التفريع، كثير التَّرَدُّد في قواعد الفقه ولطول تفاريعه لم ير المُزَنِيّ إيداع مسائله في "المختصر"، وبيض ورقة أو ورقتين ليلخصها، أو يقتصر على ذكر أوضح القولين فيها، ثم لم يتفق له ذلك فبقي في النسخ القديمة بعض البَيَاض.
وللقفال وأصحابه تقسيم حَاضر لمسائل الباب في نهاية الحسن، إلاَّ أن إيراد الكتاب لا ينطبق عليه كل الانطباق، والتقسيم المناسب له أن يقال: إذ أجمع بين شَيْئين في صفقة واحدة لم يخل إما أن يجمع بينهما في عقد واحد، أو في عَقْدَيْن مختلفي الحكم.
القسم الأول: أن يجمع بينهما في عقد واحد، فله حالتان:
إحداهما: أن يقع التفريق في الابتداء.
والأخرى: أن تقع في الانتهاء.
فأما في الحالة الأولى: فينظر، إن جمع بين شيئين يمتنع الجمع بينهما من حيث هو جمع فلا يخفى بطلان العقد في الكل كما لو جمع بين أختين في النِّكاح، أو بين = ومنها: النهي عن البيع في المسجد، وسبق تفصيله في الاعتكاف.
ومنها: يكره غبن المسترسل، ويكره بيع العينة، وسبق بيانه.
ومنها: ما قاله صاحب "التلخيص".
قال: نهي عن بيع الماء، وهو محمول على ما إذا أفرد ماء عين أو بئر أو نهر بالبيع فإن باعه مع الأرض، بأن باع أرضاً مع شربها من الماء في نهر أو وادٍ، صح، ودخل الماء في البيع تبعاً.
وكذا إذا كان الماء في إناء، أو حوض أو غيرهما مجتمعاً، فبيعه صحيح مفرداً وتابعاً.
-والله أعلم-] ينظر الروضة (3/ 83).
الجزء: 4 - الصفحة: 138
خمس نسوة 187 وإن لم يكن كذلك، فإما أن يجمع بين شيئين كل واحد منهما قابل لما أورده عليه من العقد، وإما أن لا يكون كذلك، فَإِنْ كان الأول كما لو جمع بين عَيْنَيْن في البيع يصح العقد فيهما، ثم إنْ كان من جنسين كعبد وثوب، أو من جنس واحد، لكنهما مختلفا القيمة كَعَبْدَين وزِّع الثّمن عليهما باعتبار القيمة، وإن كانا مِنْ جنس واحد، وكانا مُتَّفقي القِيمة كَقَفِيزي حِنْطَة واحدة يوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وإن كان الثاني: فإما أَنْ لا يكون واحد منهما قابلاً لذلك العقد، كما لو باع خمراً وميتة فلا يخفى حكمه.
وإما أنْ يكون أحدهما قابلاً، فالذي هو غير قابل ضربان:
أحدهما: أن يكون متقوّماً، كما لو باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة، ففي صحة البيع في عبده قولان:
أصحهما 188: وهو اختيار المُزَنِيّ أنه يصح، لأنه باع شيئين مختلفي الحكم، فيأخذ كل واحد منهما حكم نفسه كما لو باع شِقْصاً مشفوعاً وثوباً؛ ثبتت الشّفْعة في الشّقْص دون الثوب، وأيضاً فإن الصَّفْقة إذا اشتملت على صحيح وفاسد، فالعقد صحيح في الصحيح، وقصر الفساد على الفاسد، ومثلوا ذلك بما إذا شهد عَدْل وفاسق، لا يقضي برد الشهادتين ولا بقبولهما، بل تلك مقبولة وهذه مردودة.
ولو قال قائل: قدم زيد وعمرو، وكان قدم زيد دون عمرو لا يقضي بالصدق
الجزء: 4 - الصفحة: 139
فيهما ولا بالكذب فيهما، بل ذلك صدق وهذا كذب.
والثاني: لا يصح لأحد معنيين.
الأول: أن اللَّفْظَة واحدة فلا يتأتَّى تبعيضها، فإما أن يغلب حكم الحرام على الحلال أو بالعكس.
والأول أولى، لأن تصحيح العقد في الحرام يمتنع، وإبطاله في الحلال غير ممتنع.
والثاني: أنَّ الثَّمن المسمى يتوزَّع عليهما باعتبار القيمة، ولا يدرى حصة كل واحد منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولاً، وصار كما لو قال: بعتك عبدي هذا بما يقابله من الألف إذا وزع عليه، وعلى عبد فلان فإنه لا يصح، وهاتان العِلّتَان على ما حكاه أكثر النَّاقلين منسوبة إلى الأَصْحَاب، ولهم خلاف في أَنَّ العلة أيهما ورواهما القاضي ابن كَجّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه-، وقال: له قولان في أن العِلَّة هذه أم هذه.
والضرب الثاني: أَلاَّ يكون متقوماً، وهو على نوعين:
أحدهما: أن يتأتى تقدير التَّقْويم فيه من غير فرض تغيير في الخِلْقة، كما لو باع حرّاً وعبداً، فإن الحر غير متقوم، لكن يمكن تقدير القيمة فيه من غير تغيير في الخِلقة، ففي صحة البيع في العبد طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بالفساد؛ لأن المضموم إلى العَبْد ليس من جنس المَبِيْعَات، ولأنا سنذكر في التَّفريع الحاجة إلى التوزيع، والتوزيع هاهنا يحوج إلى تقدير شيء في الموزع عليه، وهو غير موجود فيه.
وأصحهما: طرد القولين.
قال الإمام: ولو قلنا: في صحة البيع قولان مرتبان على ما إذا باع عبداً مملوكاً والآخر مغصوباً لأفاد ما ذكرنا من نقل الطَّريقتين، وهكذا كل ترتيب، ونقل عن شيخه أن القولين على الطريقة الثانية فيما إذا كان المشتري جاهلاً بحقيقة الحال، فإن كان عالماً فالوجه القطع بالبطلان، كما لو قال: بعتك عبدي بما يخصُّه من الألف إذا وزع عليه وعلى عبد فلان، ولو باع عبده ومكاتبه أو أمته أو أم ولده فليس ذلك كما لو باع عبداً وحرّاً بل هو من صور الضَّرب الأول؛ لأن المُكَاتب وأم الولد مُتَقومان بالإتْلاف.
والنوع الثاني أن لا يتأتى تقدير التقويم فيه من غير فرض تغيير في الخِلْقة، كما لو باع خلاًّ وخمرة، أو مُذَكاَّة وميتة، أو شَاة وخِنْزِيراً، ففي صحة البيع في الخَلِّ والمذكاة والشاة خلاف مرتَّب على الخلاف في العَبْد والحر، والفساد هاهنا أولى لأن تقدير
الجزء: 4 - الصفحة: 140
القِيْمَة غير ممكن هاهنا إلاَّ بفرض تغيير الخلقة، وحينئذ لا يكون المقوّم هو المذكور في العقد.
وقال أبو حنيفة: العقد فاسد في الكل في الضرب الثاني، وأما في الضرب الأول فيصح في الحلال ويتوقف في المَضْمُوم إليه على الإجازة.
وصحح مالك البيع في الحلال في الضَّرْبَيْن جميعاً، وعن أحمد روايتان كقولي الشَّافعي -رضي الله عنه-.
ولو رهن عبده وعبد غيره من إنسان، أو وهبهما منه، أو رهن عبداً أو حراً، أو وهبهما هل يصح الرهن والهبة في المملوك؟
يترتب ذلك على البيع إن صححنا ثمَّ، فكذلك هاهنا إلا ففيه قولان مبنيان على العِلَّتَين إنْ علَّلنا بامتناع تَجْزئة العَقْد الواحد فلا يصح وإنْ عَلَّلنا بِجَهَالة العوض يصح، إذ لا عوض هاهنا حتى يفرض الجهل فيه، وعلى هذا الترتيب ما إذا زوج منه مسلمة ومجوسية، أو أخته وأجنبيته، لأن جهالة العِوَض لا تمنع صِحَّة النكاح.
وقوله في الكتاب أحدهما: "أن الصفقة مُتَّحدة"، وفي بعض النسخ "أن الصيغة متحدة" وكلاهما مستقيم، وزاد الإمام في هذه العلّة قَيْداً، فقال: العقد مُتَّحد في نفسه، فإذا تَطَرَّق الفساد إليه، وجب أن لا ينقسم، إذ لم يبين على الغَلَبة والسَّرَيان، وقصد به الاحتراز عن العِتْق والطَّلاَق وما في معناهما.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرى عَبْدَيْنِ وَانْفَسَخَ العَقْدُ فِي أحدِهِمَا بالتَّلَفِ قَبْلَ القَبْضِ أَوْ بِسَبَبِ يُوجِبُ الفَسْخَ فَفِي الانْفِسَاخِ في البَاقِي قَوْلاً تَفْرِيق الصَّفْقَةِ، وَأَوْلَى بِأَن لاَ يَنْفَسِخَ في البَاقِي.
قال الرافعي: الحالة الثَّانية: أن يقع التفريق في الانتهاء وهو على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون اختيارياً، كما لو اشترى عبدين ثم قَبْلَ أن يقبضهما تلف أحدهما، فإن العقد ينفسخ فيه، وهل ينفسخ في الثاني؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين فيما لو جمع بين مملوك وغير مملوك تسوية بين الفساد المقرون بالعقد والفساد الطارئ قبل القبض، كما يسوّى في العَيْبِ بين المَقْرُون بالعقد وبين الطَّارئ قبل القبض، وهذا قد حكاه القَاضِي عن أبي إِسْحاقَ المَرُوزِي.
وأصحهما: القطع بعدم الانْفِسَاخ في الثَّاني؛ لأن الانفساخ طرأ بعد العقد فلا يتأثر به الآخر، كما لو نكح أختين دفعة واحدة، ثم ارتفع نكاح إحداهما بِرِدَّة أوْ رِضَاع لا يرتفع نكاح الأخرى، وأيضاً فإن علة الفساد إما الجمع بين الحلال والحرام، وإما
الجزء: 4 - الصفحة: 141
جَهَالة الثمن، ولم يوجد الجمع بين الحلال والحرام، والثمن ثابت كلّه في الابتداء، والسقوط الطارئ لا يؤثر في الانفساخ، كما لو خرج المبيع معيباً وتعذّر الرد لبعض الأسباب والثمن غير مقبوض، فيسقط بعضه على سبيل الأرش، ولا يلزم منه فساد العقد، والطريقان جاريان فيما إذا تفرَّقا في السّلم، وبعض رأس المال غير مقبوض أو في الصّرف، وبعض العِوض غير مقبوض وانفسخ العقد في غير المقبوض، هل ينفسخ في الباقي؟
هذا إذا تلف أحدهما في يد البائع قبل أن يقبضهما، فإما إذا قبض أحدهما وتلف الآخر في يد البائع، ترتب الخلاف في انْفِسَاخ العقد في المقبوض على الصُّورة السَّابقة، وهذه أولى بعدم الانفساخ لتأكُّد العقد في المقبوض بانتقال الضَّمَان فيه إلى المشتري، هذا إذا كان المقبوض باقياً في يد المشتري، فإن تلف في يده ثم تلف الآخر في يد البائع، فالقول بالانفساخ أَضْعَف لتلف المقبوض على ضمانه، وإذا قلنا بعدم الانفساخ فهل له الفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم.
وترد قيمته.
والثاني: لا، وعليه حصَّته من الثَّمن، ولو اكْتَرى داراً مدَّة وسكنها بعض المدة، ثم انْهَدَمَت الدَّار انفسخ العَقْد في المستقبل، وهل ينفسخ في الماضي؟ يخرج على الخلاف في المقبوض التالف في يد المشتري.
فإن قلنا: لا ينفسخ، فهل له الفسخ؟ فيه الوجهان:
فإن قلنا: ليس له ذلك فعليه من المسمى ما يقابل الماضي.
وإن قلنا: له الفسخ فعليه أجرة المِثْل للماضي، ولو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل، والباقي مقبوض أو غير مقبوض، وقلنا: لو انقطع الكُلّ ينفسخ العقد فيه انفسخ في المنقطع، وفي الباقي الخلاف المذكور فيما إذا تلف أحد الشَّيئين قبل قَبْضهما، وإذا قلنا: لا ينفسخ فله الفسخ، فإن أجاز فعليه حِصَّتُه مِنْ رأس المال لا غير.
وإن قلنا: لو انْقطع الكُل لم ينفسخ العقد، فالمسلم بالخيار إن شاء فسخ العقد في الكل، وَإِنْ شَاءَ أَجَازه في الكُلِّ، وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي؟
فيه قولان بناء على الخلاف الذي سنذكره في الضرب الثاني.
الضرب الثاني: أَنْ يكون اختيارياً، كما لو اشترى عبدين صفقة واحدة، ثم وجد بأحدهما عيباً فهل له إفراده بالرَّد؟
جزم الشَّيخ أبو حامد في "التَّعليق" بأنه ليس له ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 142
والمشهور: أنه على قولين وبنوهما على جواز تفريق الصَّفقة إن جوزنا تجويز الإفراد وإلا فلا، وقياس هذا البناء أن يكون قول التَّجويز أظهر، ولكن صرح كثير من الصَّائرين إلى جواز التفريق بأن منع الإقرار أصح، واحْتَجّوا له بأن الصَّفقة وقعت مجتمعة ولا ضرورة إلى تفريقها فلا تفرق، والقولان مفروضان في العبدين، وفي كل شيئين لا يتَّصل منفعة أحدهما بالآخر، فأما في زوجي الخُفِّ ومِصْرَاعَي الباب، فلا سبيل إلى إفراد المعيب بالرد بحال، وارتكب بعضهم طرد القولين فيه، ولا فرق على القولين 189 بين أن ينفق ذلك بعد القبض أو قبله.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز إفراد المَعِيب بالرَّد قبل القبض ويجوز بعده إِلاَّ أنْ تتصل منفعة أحدهما بالآخر، فإن لم نُجَوِّز الإفراد، فلو قال: رددت المعيب هل يكون هذا ردّاً لها؟ عن الشَّيخ أبي علي رواية وجهين فيه:
أصحهما: لا، بل هو لغو 190، ولو رضي البائع بإفراده جاز في أصح الوجهين وإن جَوَّزنا الإفراد، فإن ردَّه استرد قسطه من الثَّمن، ولا يسترد الجميع إذ لو صرنا إليه لأخلينا بعض المَبِيع عن المقابل، وعلى هذا القول لو أراد رد السّليم والمعيب معه فله ذلك أيضاً.
وفيه وجه ضعيف، ولو وجد العيب بالعبدين معاد وأراد إفراد أحدهما بالرد جرى القولان.
ولو تلف أحد العبدين أو باعه ووجد في الباقي عيباً، ففي إفراده قولان مرتبان، وهذه الصورة أولى بالجَوَاز لتعذر رَدُّهما جميعاً 191.
فإن قلنا: يجوز الإفراد رد الباقي واستردّ من الثمن حصّته، وسبيل التَّوْزيع تقدير
الجزء: 4 - الصفحة: 143
العبدين سليمين وتقويمهما، ويقسط الثمن المسمى على القيمتين، فلو اختلفا في قيمة التَّالف فادعى المشتري ما يقتضي زيادة الواجب على ما اعترف به البائع فقولان:
أصحهما: وقد نص عليه في "اختلاف العراقيين": أنَّ القول قول البائع مع يمينه؛ لأنه ملك جميع الثمن بالبيع، فلا رجوع عليه إِلاَّ بما اعترف به.
والثاني: أن القول قول المشتري؛ لأنه تلف في يده، فأشبه الغاصب مع المالك إذا اختلفا في القيمة؛ لأن القول قول الغاصب الذي حصل الهلاك في يده.
وإن قلنا: لا يجوز الإفراد فوجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويردهما ويفسخ العقد، وهذا اختيار القاضي أبي الطيب، واحتج له بأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "أمَرَ في المُصَرَّاةِ برَدِّ الشَّاةِ، وَبَدَلِ اللَّبَنِ الْهَالِكِ" 192.
فعلى هذا لو اختلفا في قيمة التالف، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه حصل التلف في يده وهو الغارم.
وروي في "التتمة" وجهاً آخر: أن القول قول البائع، لأن المشتري يريد إزالة ملكه عن الثمن المملوك.
وأصحهما: أنه لا يصح له، ولكنه يرجع بأَرْش العيب، لأن الهلاك أعظم من العيب، ولو حدث عنده عيب ولم يتمكّن من الرد، فعلى هذا لو اختلفا في قيمة التَّالف عاد القولان السابقان؛ لأنه في الصُّورتين يرد بعض الثَّمن، إلاَّ أنه على ذلك القول يرد حصّة الباقي، وعلى هذا القول يرد أَرْش العيب، والنظر في قيمة التَّالف إلى يوم العقد، أو يوم القَبْض فيه مثل الخِلاَف الَّذِي سيأتي في اعتبار القيمة لمعرفة أَرْش العيب القديم.
وإذا عرفت ما ذكرنا لم يخف عليك أن قوله في الكتاب: "ولو اشترى عبدين وانفسخ العقد في أحدهما بالتلف قبل القبض" إشارة إلى الحالة الأولى.
قوله: "أو بسبب يوجب الفسخ" يمكن حمله على الحالة الثانية، وهو الأقرب إلى اللفظ، ويمكن حمله على سائر الصور المذكورة في الحالة الأولى نحو الصرف والسلم، وتأول لفظ الفسخ والله أعلم.
قال الغزالي: وَالأَصَحُّ أَنَّ الفَسَادَ مَقْصُورٌ عَلَى الفَاسِدِ إِلاَّ إِذَا صَارَ ثَمَنُ مَا يَصِحُّ العَقْدُ عَلَيْهِ مَجْهولاً حَتَّى لَوْ بَاعَ عَبْداً لَه نِصْفهُ صَحَّ في نَصِيبِهِ إِذْ حِصَّتُهُ نِصْفُ الثَّمَنِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 144
وَكَذا بَيْعُ جُمْلَةِ الثِّمَارِ وَفيهَا عُشْرُ الصَّدَقَةِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ بَاعَ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَفِيهَا الزَّكَاةُ إِذْ حِصَّةُ البَاقِي مَجْهُولَةٌ.
قال الرافعي: أدرج في الفصل صوراً تتفرع على عِلَّتي قول الفساد من قولي التَّفْريق: منها: لو باع شيئاً يتوزع الثَّمَن على أجزائه بعضه له وبعضه لغيره، كما لو باع عبداً له نصفه، أو صاع حِنْطَة له نصفه، أو صاعي حنطة أحدهما له، والآخر لغيره صفقة واحدة، ترتب ذلك على ما لو باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره، إن صححنا فيما يملكه فكذلك هاهنا، وإلا فقولان:
إن علَّلنا بالجمع بين الحلال والحرام لم يصح، وإنْ علَّلنا بجهالة الثَّمَن صح؛ لأن حِصَّة المملوك هَاهُنَا معلومة.
ومنها: لو باع جملة الثِّمَار وفيها عُشر الصدقة، فهل يصح البيع في قدر الزكاة؟ قد بينه في "باب الزكاة".
فإن قلنا: لا يصح، فالترتيب في الباقي، كما ذكرنا.
فيما لو باع عبداً له نصفه؛ لأن توزيع الثَّمن على ما له بيعه وما ليس له معلوم على التفصيل.
ومنها: لو باع أربعين شاة وفيها قدر الزكاة، وفرعنا على امتناع البيع في قدر الزكاة، فالترتيب في الباقي كما مر فيما لو باع عبده وعبد غيره.
ومما يتفرع على هاتين العلَّتين لو ملك زيد عبداً، وعمرو عبداً، فباعهما صفقة واحدة بثمن واحد، ففي صحة العقد قولان، وكذا لو باع من رجلين عبدين له هذا من هذا، وهذا من هذا بثمن واحد، إن عللنا بالجمع بين الحلال والحرام صح، وإن علَّلنا بِجَهَالة العوض لم يصح؛ لأن حصَّة كل واحد منهما مجهولة 193.
ومنها: قال في "التتمة": لو باع عبده وعبد غيره، وسمى لكل واحد منهما ثمناً، فقال بعتك هذا بمائة وهذا بخمسين، إن عللنا باجتماع الحلال والحرام فسد العقد، وإن عللنا بجهالة الثمن صح في عبده.
الجزء: 4 - الصفحة: 145
ولكن أن تقول: سنذكر أن تفصيل الثَّمَن مِنْ أسباب تعدد العقد، وإذا تعدد وجب القضاء بالصحة على التعليلين.
إذا تقرر ذلك فاعْلَم: أنَّ قوله: "والأصح أن الفساد مقصور على الفاسد ... " إلى آخره توسط بين القولين، وترجيح لقول الصحة في المملوك إذا كان المبيع ممَّا يتوزع الثمن على أجزائه، ولقول الفساد فيما إذا كان المبيع مما يتوزع الثمن على قيمته، وهذا قد اختاره صاحب الكتاب في آخرين، لكن الأكثرين لم يفرقوا بين الحالتين ورجحوا الصحة على الإطلاق -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا قَضَيْنَا بِالصِّحَّةِ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ إِذْ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ جَمِيعَ مَا اشْتَرَاهُ، وَيَأْخُذُ البَاقِي إِنْ أَجَازَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لاَ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل: التفريع على قولي تفريق الصَّفقة من أصلهما، والرأي أن نفرد كل مرتبة بالذكر، فنقول: إذا باع ماله ومال غيره صفقة واحدة وصححنا البيع في ماله نظر، إن كان المشتري جاهلاً بالحال فله الخيار؛ لأنه دخل في العقد على أن يسلم له كل المبيع ولم يسلم، فإن أجاز فكم يلزمه من الثمن؟ فيه قولان:
أحدهما: جميعه.
لأنه لَغَا ذكر المضموم إلى ماله، فيقع جميع الثمن في مقابلة ما صح العقد فيه.
وأصحهما وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يلزم إِلاَّ حصَّة المملوك من الثمن إذا وزع على القيمتين؛ لأنه أوقع الثَّمَن في مقابلتهما جميعاً، فلا يلزم في مقابلة أحدهما إلا قسطه، وما موضع القولين؟
قال قائلون: موضعهما أن يكون المبيع مما يتقسَّط الثَّمَن على قيمته، فإن كان مما يتقسط على أجزائه على ما مر نظائره، فالواجب قسط المملوك من الثمن قولاً واحداً، والفرق أن المصير إلى التقسيط هاهنا لا يورث جهالة في الثمن عند العقد وثَمَّ بخلافه، ومنهم من طرد القولين وهو الأظهر، لأن الشافعي -رضي الله عنه- نصّ على قولين فيما إذا باع الثِّمَار بعد وجوب العشر فيها، وأفسدنا البيع في قدر الزكاة دون غيره، أن الواجب جميع الثمن أو حصته.
فإن قلنا: الواجب جميع الثمن فلا خيار للبائع إذا ظفر بما ابتغاه.
وإن قلنا: الواجب القسط فوجهان:
أحدهما: أن له الخيار إذا لم يسلم له جميع الثمن.
وأصحهما: أنه لا خيار له؛ لأن التفريط من حيث باع ما لا يملكه وطمع في
الجزء: 4 - الصفحة: 146
ثمنه، وإن كان المشتري عالماً بِالحَالِ فلا خيار له، أما لو إشترى معيباً وهو عالم بعيبه، وكم يلزمه من الثَّمَن فيه القولان كما لو كان جاهلاً وأجاز، وقطع قاطعون بوجوب الجميع هاهنا؛ لأنه التزمه عالماً بأن بعض المذكور لا يقبل العقد.
ولو باع عبداً وحرّاً أو خلاًّ وخمراً أو مُذَكَّاة وَمَيْتَة، أو شاة وخنزيراً وصححنا العقد فيما يقبله، وكان المشتري جاهلاً بالحال وأجاز، أو عالماً ففيما يلزمه من الثمن طريقان:
أحدهما: القطع بوجوب جميع الثَّمن، لأن ما لا قيمة له لا يمكن التوزيع على قيمته، ويحكى هذا عن صاحب "التلخيص".
وأصحهما: طرد القولين.
فإن قلنا: الواجب قسط من الثمن فكيف تعتبر هذه الأشياء في التوزيع، فيه وجهان:
أصحهما: عند المصنف أنه ينظر إلى قيمتها عند من يرى لها قيمة.
والثاني: أنه يقدر الخمر خلاً، ويوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وتقدر المَيْتَة مُذَكَّاة، والخنزير شاة، وتوزَّع عليهما باعتبار القيمة.
ومنهم من قال: يقدر الخمر عصيراً، والخنزير بقرة 194.
ولو نكح مُسْلمة ومَجُوسِيّة في عقد واحد وصححنا نكاح المسلمة.
فالصحيح المشهور: أنه لا يلزم جميع المسمى للمسلمة بلا خلاف، لأنا إذا أثبتنا الجميع في البيع أثبتنا الخِيَار أيضاً وهاهنا لا خيار، فإيجاب الجميع إجحاف ولا مدفع له.
وعن رواية الشيخ أبي علي قول: أنه يلزم لها جميع المسمى، لكن له الخيار في رد المسمى والرجوع إلى مهر المِثْل.
قال الإمام: وهذا لا يدفع الضرر، فإن مهر المِثْل قد يكون مثل المسمى أو أكثر، وما الذي يلزم إذا قلنا بالصحيح؟ فيه قولان:
أظهرهما: مَهْر المِثل.
وثانيهما: قِسْطُها من المسمى إذا وزع على مهر مثلها ومهر مثل المَجُوسِية.
الجزء: 4 - الصفحة: 147
ولو اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض وانفسخ العقد فيه، وقلنا: لا ينفسخ في الباقي فله الخيار فيه فإن أجاز فالواجب قسطه من الثمن؛ لأن الثمن وجب في مقابلتهما في الابتداء، فلا ينصرف إلى أحدهما في الدوام.
وعن أبي إسحاق المَرُوزِي طرد القولين فيه.
فرع: لو باع شيئاً من مال الرِّبا بجنسه، ثم خرج بعض أحد العِوَضين مستحقّاً، وصححنا العقد في الباقي وأجاز، فالواجب حِصَّته بلا خلاف؛ لأن ال
فصل
بينهما حرام.
لو باع معلوماً ومجهولاً لم يصح البيع في المجهول، وفي المعلوم يبنى على ما لو كانا معلومين وأحدهما لغيره.
وإن قلنا: لا يصح فيما له لم يصح هاهنا في المعلوم.
وإن قلنا: يصح ففيه قولان مبنيان على أنه كم يلزمه من الثمن؟
ثم إن قلنا: الجميع صح، ولزمه هاهنا أيضاً جميع الثَّمن.
وإن قلنا: حصَّته من الثمن لم يصح هاهنا لتعذُّر التوزيع.
ومنهم من حكى قولاً: أنه يصح وله الخيار، فإنْ أجاز لزمه جميع الثمن، واعلم: أن لصاحب "التَّلْخيص" والشارحين لكلامه تخريج مسائل دَوْرية على القول تفريق الصفقة، لم أوثر إخلاء هذا المجموع عن طرف منها فعقدت له فصلاً.
" فصل"
قال صاحب "التلخيص" في "التلخيص" في القول الذي يرى تفريق الصَّفْقَة: يقع للشَّافعي -رضي الله عنه- مسائل من الدور، من ذلك: لوْ باع مريض قَفِيزَ حِنْطَة بقفيز حنطة، وكان قفيز المريض يساوي عشرين، وقفيز الصَّحيح يساوي عشرة، ومات المريض ولا مال له غيره، ففيها قولان:
أحدهما: أن البَيْع باطل.
والآخر: أن البَيْع جائز في ثلثي قفيز بثلثي قفيز ويبطل في الثُّلث، ولكل واحد منهما الخِيَار في إبطال البَيْع.
وفيه قول آخر: أنه لا خيار لهما فيه، هذا لفظه.
وإنما صور في الجنس الواحد من مال الرِّبَا لتجتمع أشكال الدّور والرِّبَا.
وأول ما يجب معرفته في المسألة وأخواتها أن مُحَابَاة المريض مرض الموت في البيع والشراء نازلة منزلة هِبَتِه وسائر تَبَرُّعَاته في الاعتبار من الثلث، فإن زادت على
الجزء: 4 - الصفحة: 148
الثُّلث ولم تجز الورثة ما زاد، كما لو باع عبداً يساوي ثلاثين بعشرة، ولا مال له غيره يرتدُّ البيع في بعض المَبِيع، وما الحُكْم في الباقي؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بصحَّة البيع فيه؛ لأنه نفذ في الكل ظاهر، والرد في البعض تَدَارُكٌ حادث، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، ووجهه بأن المُحَابَاة في المَرَض وصية، والوصية تقبل من الغَرَر ما لا يقبله غيرها.
وأظهرهما عند أكثرهم: أنه على قولي تفريق الصَّفْقة.
وإذ قلنا بصحة البيع في الباقي، ففي كيفيتها قولان: ويقال وجهان:
أحدهما: أن البيع يصحُّ في القدر الذي يحتمله الثُّلث، والقدر الذي يوازي الثَّمن بجميع الثَّمن ويبطل في الباقي؛ لأنه اجتمع للمشتري معاوضة ومحاباة فوجب أن يجمع بينهما، فعلى هذا يصح العقد في ثلثي العبد بالعشرة، ويبقى مع الورثة ثلث العبد وقيمته والثمن وهو عشرة، وذلك مثل المُحَاباة وهي عشرة، ولا تدور المسألة على هذا القول.
والثَّاني: أنه إذا ارتدَّ البيع في بعض المَبِيع، وجب أن يرتد إلى المُشْتري ما يقابله من الثمن.
فعلى هذا تدور المَسْألة؛ لأن ما ينفذ فيه البَيْع يخرج من التَّركة، وما يقابله من الثمن يدخل فيها، ومعلوم أنَّ ما ينفذ فيه البيع يزيد بزيادة التَّركة وينقص بنقصانها، فيزيد المبيع بحسب زيادة التركة، وتزيد التركة بحسب زيادة المقابل الداخل، ويزيد المقابل الداخل بحسب زيادة المبيع وهذا دور، ويتوصل إلى معرفة المقصود بطرق:
منها: أن ينظر إلى ثلث المال وينسبه إلى قدر المُحَابَاة، ويجيز البيع في المبيع بمثل نسبة الثلث من المحاباة فنقول في هذه الصور:
ثلث المال عشرة، والمحاباة عشرون، والعشرة نصف العشرين، فيصح البيع في نصف العبد، وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن وهو خمسة، كأنه اشْتَرى سدسه بخمسة، وثلثه وصية له تبقى مع الورثة نصف العبد وهو خمسة عشر، والثَّمنُ خمسة فالمبلغ عشرون، وذلك مثل المحاباة، وتحكى هذه الطريقة عن محمد بن الحسن.
ومنها: طريقة الجبر يقول: صح البيع في شَيْءٍ من العبد، وقابله من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء، لأن الثّمن مثل ثلث العبد، وبقي في يد الورثة عبد إلا شيء، لكن بعض النقصان انجبر بثلث الشيء العائد، فالباقي عندهم عبد إلا ثلثي شيء، وثلثا شيء قدر المحاباة، وعبد إلاَّ ثلثي شيء، مثل وإذا كان عبد إلاَّ ثلثي شيء مثلي ثلثي شيء، وكان عديلاً لشيء وثلث شيء، فإذا أجبرنا العبد بثلثي شيء، وزدنا علي عديله مثل ذلك كان العبد عديلاً لِلشَّيئين، فعرفنا أن الشيء الَّذِي نفذ فيه البيع نصف العبد، ولا أطنب لإيراد سائر الطرق كطريقة الخطأ بين الدينار والدرهم وغيرهما في هذا الموضع.
الجزء: 4 - الصفحة: 149
فإن قلت: ما حال الخلاف الذي ذكرتم أنهما قولان لِلشَّافعي -رضي الله عنه- أو وجهان للأصحاب وأيهما كان؟ فما الأظهر منهما؟ الجواب:
أما الأول فإنَّ الإِمَام قال: ما أراهما منصوصين، ولكنهما مستخرجان من معاني كلام الشافعي -رضي الله عنه- لكن القَفَّال والأستاذ أبا منصور البغدادي وغيرهما ذكروا أنَّ الأول منصوص عليه، والثَّاني مخرج لابن سريج.
وأما الثَّاني: فإن إيراد كثيرين يميل إلى ترجيح القول الأول وبه قال ابْنُ الحَدَّاد لكن الثَّاني أقوى في المعنى، وهو اختيار أكثر الحساب، وبه قال ابن القاص وابن اللَّبَّان، وتابعهم إمام الحرمين وادَّعى أنه اختيار ابن سريج، لكن في هذه الدَّعْوَى نظر، فإن الأستاذ أبا منصور وغيره نسبوا القول الأول إلى اختيار ابن سريج، -والله أعلم-.
إذا تقرر ذلك عدنا إلى مسألة "التَّلْخيص".
إن قلنا: بالأول فالبيع باطل فيها بلا خلاف؛ لأن مقتضاه صِحَّة البيع في قدر ثلث وهو ستة وثلثان، وفي القدر الذي يقابل من قَفِيزِه قفيز الصحيح وهو نصفه، فيكون خمسة أسداس قفيز في مقابلة قفيز، وذلك ربا.
وإن قلنا: بالثاني صح البيع في ثلثي قفيز المريض بثلثي الصحيح وبطل في الباقي، وقطع قاطعون هاهنا بهذا القول الثاني، كي لا يبطل غرض الميت في الوصية.
قال في "التهذيب": وهو الأصح ووجهه إما على طريقة النِّسْبة، فلأن ثلث مال المريض ستة وثلثان، والمحاباة عشرة، وستة وثلثان ثلثا عشرة، فقلنا بنفوذ البيع في ثلثي القفيز.
وإمَّا على طريق الجبر، فلأن البيع نفذ في شيء وقابله من الثمن مثل نصفه، فإن قفيز الصحيح نصف قفيز المريض وبقي في يد الوَرثة قفيز إلاَّ شيء، لكن يحصل لهم نِصْفُ شَيْء، والباقي عندهم قَفِيز إلاَّ نصف شيء، فنصف شيء هو المُحَاباة، وما في يدهم وهو قَفِيزٌ ناقص بنصف شيء مثلاه، والهاء كناية عن النِّصف، وإذا كان قَفِيزٌ ناقص بنصف شيء مثلي نصف شيء كان عديلاً للشيء الكامل، فإذا جبرنا وقابلنا صار قفيز كامل عديل شيء ونصف شيء، فعرف أن الشيء ثلثا قفيز، وقد عرفت بما ذكرنا أَنَّ القول الثَّاني من القولين اللَّذَيْن أطلقهما صاحب "التلخيص" علام ينبني.
وأما الأول فخرجه على قولنا: إن البيع يصح في قدر الثلث، وما يوازي الثمن بجميع الثمن ظاهر لما فيه من الرّبا، ويجوز أن يكون مبنياً على قولنا: إن الصَّفقة لا تفرق جواباً على طريقة طرد القولين في صور المُحَاباة
وأما قوله: "ولكل واحد منهما الخِيَار في إبطال البَيْع" فهو خطأ في جانب ورثة
الجزء: 4 - الصفحة: 150
المريض باتفاق الأصحاب؛ لأنا لو أثبتنا لهم الخِيَار لأبطلوا المُحَاباة أصلاً ورأساً بفسخ البيع، ولا سبيل إليه لتسليط الشَّرْع إياه على ثلث ماله، وكذا خطاه في قوله: "وفيه قول آخر: أنه لا خيار لهما في جانب المشتري"، لأن تبعيض الصَّفقة على المشتري من موجبات الخيار بكل حال، ولو كانت المسألة بحالها لكن قَفِيز المريض يساوي ثلاثين، وقلنا: بتقسيط الثَّمن صحَّ البَيْع في نصف قَفِيز بنِصف القفيز، ولو كانت بحالها لكن قفيز المريض يساوي أربعين صحَّ البيع في أَرْبَعة أَتْسَاع القفيز، وعليك تخريج الفتوى على الطريقتين، ثم قال صاحب "التلخيص": ولو كان المريض قد أكل القَفِيز الذي أخذ استوت المسائل كلها، فيجوز بيع ثلث قَفِيز بثلث قفيز.
قال الشارحون لكتابه: إذا أَتْلَفَ المريض المحابي القفيز الذي أخذه ثم مات، وفَرَّعنا على القول الذي يجيء عليه الدّور صح البيع في ثلثه بثلث قفيز صاحبه، سواء كانت قيمة قفيز المريض عشرين أو ثلاثين أو أكثر؛ لأن ما أتلفه قد نقص من ماله.
أما ما صَحَّ فيه البَيْع فهو ملكه وقد أتلفه، وأما ما بطل فيه البيع فعليه ضمانه، فينتقص قدر الغُرْم من ماله، ومتى كثرت القيمة كان المصروف إلى الغرم أقل والمحاباة أكثر، ومتى قلت كان المصروف إلى الغرم أكثر والمحاباة أقل، ولنوضح ذلك في صورتين:
إحداهما: إذا كانت قيمة قَفِيز المَرِيض عشرين، وقيمة قفيز الصحيح عشرة، وقد أتلفه المريض فنقول على طريقة النِّسْبة مال المريض عشرون، وقد أتلف عشرة يحطُّها من ماله، فبقي عشرة كأنها كل ماله والمحاباة عشرة، فثلث ماله هو ثلث المحاباة، فيصح البيع في ثلث القَفِيز على القياس الذي مر، وعلى طريقة الجَبْر صح البيع في شيء من قفيز المريض، ورجع إليه مثل نصفه فعند ورثته عشرون إلا نصف شيء، لكنه قد أتلف عشرة فالباقي في أيديهم عشرة إِلاَّ نصف شيء، وذلك مثل نصف شيء فيكون مثل شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كانت عشرة مثل شيء ونصف شيء، فالعشرة نصف القفيز فيكون القفيز الكامل مثل ثلاثة أشياء، فالشَّيء ثلث القفيز وامتحانه أَنَّ ثلث قَفِيز المريض ستة وثلثان، وثلث قفيز الصحيح في مقابلته ثلاثة وثلث، فتكون المحاباة بثلاثة وثلث، وقد بقي في يَدِ الوَرَثَةِ ثلثا قفيز، وهو ثلاثة عشر وثلث يؤدِّي منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح، وهو ستة وثلثان يبقى في أيديهم ستة وثلثان وهي مثل المُحَاباة.
الثانية: قَفِيز المريض يساوي ثلاثين وباقي المسألة بحالها، فعلى طريقة النسبة نقول: مال المريض ثلاثون وقد أتلف عشرة بحطها من ماله يبقى عشرون كأن كل ماله والمُحَاباة عشرون؛ وثلث ماله هو ثلث المحاباة فيصح البيع في ثلث القَفِيز.
وعلى طريقة الجَبْر نقول: صح البيع في شيء من قفيز المريض، ورجع إليه مثل
الجزء: 4 - الصفحة: 151
ثلثه، والباقي ثلاثون إلا ثلثي شيء، لكنه أتلف عشرة، فالباقي عشرون إلا ثلثي شيء، وذلك مثل ثلثي شيء فيكون مثل شيء وثلث شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كان عشرون مثل شيئين، فعرفنا أن الشيء عشرة وهي ثلث الثلاثين، وامتحانه أن ثلث قفيز المريض عشرة، وثلث قفيز الصَّحيح في مقابلة ثلاثة وثلث، فالمحابة بستة وثلثي، وقد بقي في يد الورثة ثلثا قفيز، وهو عشرون يؤدي منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح، وهو ستة وثلثان، يبقى في أيديهم ثلاثة عشرة وثلث وهي مثل المحاباة، هذا كله فيما إذا أتلف صاحب القفيز الجيد ما أخذه.
أما إذا أتلف صاحب القَفِيز الرديء ما أخذه ولا مال له سوى قَفِيزه، ففي الصورة الأولى وهي ما إذا كانت قيمة قَفِيزه عشرين، وقيمة قفيز الآخر عشرة يصح البيع في الحال في نصف القَفِيز الجيد وقيمته عشرة، ويحصل للورثة في مقابلته نصف القفيز الرديء وقيمته خمسة، فتبقى المحاباة بخمسة، ولهم نصف الآخر غرامة لما أتلف عليهم، فتحصل لهم عشرة، وهي مثل المحاباة، والباقي في ذمة مُتْلف القَفِيز الجيد، ولا تجوز المُحَاباة في شيء إلاَّ بعد أن يحصل للورثة مثلاه.
وفي الصورة الثانية: وهي ما إذا كانت قيمة قفيزه ثلاثين.
قال الأستاذ أبو منصور: يصح البيع في نصف القفيز الجيد وهي خمسة عشر، والمحاباة ثلثه وهو خمسة، وقد حصل للورثة القفيز الرديء وقيمته عشرة وهي ضعف المحاباة، ويبقى في ذمة المشتري خمسة عشرة، كلما حصل منها شيء جَازَتْ المُحَاباة في مثل ثلثه.
وغلطه إمام الحرمين فيما ذكره من وجهة أنا إذا صححنا البيع في نصف الجيد، فإنما نصححه بنصف الرَّديء وهو خمسة، فتكون المُحَاباة بعشرة لا بخمسة، وإذا كانت المُحَاباة بعشرة فالواجب أن يكون في يد الورثة عشرون، وليس في يدهم إلا عشرة.
فالصواب: أَنْ يقال: يصح البيع في ربع القفيز الجيد، وهو سبعة ونصف بربع الرديء، وهو درهمان ونصف فتكون المُحَاباة بخمسة، وفي أيدي الورثة ضعفها عشرة.
قال صاحب "التلخيص": فإن كانت المسألتان بحالهما، وكانا جميعاً مريضين والقفيزان بحالهما لم يؤكل منهما شيء فاستقالا، فأقال كل واحد منهما صاحبه، فمن أبطل البيع أبطله ومن أجاز البيع أجاز في المسألة الأولى في سبعة أثمان قفيز، وأبطله في ثمن وأجاز الإقالة خمسة أثمان، وأبطلها في ثمنين وفي المسألة الثانية، أجاز البيع في خمسة أثمان، وأبطله في ثلاثة أثمان وأجاز الإقالة في ثلاثة أثمان، وأبطلها في ثمنين.
وقوله: "فإن كانت المسألتان"، أراد بإحدى المسألتين ما إذا كانت قيمة القفيز الجيد عشرين، وبالأخرى ما إذا كانت قيمته ثلاثين، وقيمة الرديء عشرة، والذي ينبغي
الجزء: 4 - الصفحة: 152
أن يعرف في مقدمة هذه الصورة أنه كما تعتبر محاباة المريض في البيع من الثلث، كذلك تعتبر مُحَابَاته الإِقَالَة من الثلث، سواء قدرت الإِقَالة فسخاً أو بيعاً جديداً.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا باع مريض قفيز حنطة يساوي عشرين من مريض بقفيز حنطة يساوي عشرة، ثم تقايلا وماتا من مرضهما، والقفيزان بحالهما، ولا مال لهما سواهما، ولم تجز الورثة ما زاد من مُحَاباتهما على الثلث، فإن منعنا تفريق الصفقة، وقلنا بالتصحيح بجميع الثمن، فلا بيع ولا إقالة.
وإن قلنا: بالتَّصحيح بالقسط، فيدور كل واحد مما نفذ فيه البيع والإقالة على الآخر؛ لأن البيع لا ينفذ إلاَّ في الثلث، والإقالة تزيد ماله، فيزيد ما نفذ فيه البيع، وإذا زاد ذلك زاد مال الثَّاني، فيزيد ما نفذ فيه الإقالة.
فالطريق أن يقال: صح البيع في شيء من القفيز الجيد، ورجع إليه من الثمن نصف ذلك الشَّيء فبقي في يده عشرون إلاَّ نصف شيء، وفي يد الآخر عشرة ونصف شيء، ثم إذا تقايلا فالإقالة إنما تصح في ثلث مال المقيل، فيأخذ ثلاثة عشر وثلث نصف شيء، وهو ثلاثة وثلث وسدس شيء فيضمه إلى مال الأول، وهو عشرون إلاَّ نصف شيء يصير ثلاثة وعشرين وثلثا إلاَّ ثلث شيء وهذا يجب أن يكون مثلي المُحَاباة أولاً، وهو نصف شيء، فيكون ذلك كله مثل شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كان ثلاثة وعشرون وثلث مثل شيء وثلث شيء يبسط الشيء، والثلث أثلاثاً يكون أربعة، والشيء ثلاثة أرباعه، فإذا أردنا أن نعرف كم الشيء من ثلاثة وعشرين وثلث انكسر، فسبيلنا أن نصحح السِّهَام بأن نجعل كل عشرة ثلاثة؛ لأن الزائد على العشرين ثلاثة وثلث، وهو ثلث العشرة، وإذا جعلنا كل عشرة ثلاثة أسهم صاروا ثلاثة وثلث سبعة أسهم، فتزيد قسمتها على الأَرْبَعَة، والسبعة لا تنقسم على الأربعة، فنضرب سبعة في أربعة، فيكون ثمانية وعشرين، فالشيء ثلاثة أرباعها وهي إحدى وعشرون، فلما عرفنا ذلك رجعنا إلى الأصل وقلنا: العشرون التي كانت قيمة القفيز صارت أربعة وعشرين؛ لأنا ضَرَبْنَا كل ثلاثة وهي سهام العشرة في أربعة، فصارت اثني عشر، تكون العشرون أربعة وعشرين، وقد صح البيع منهم في إحدى وعشرين، وذلك سبعة أثمان أربعة وعشرون، وإذا عرفنا ذلك وأردنا التصحيح من غير كسر، جعلنا القفيز الجيد ستة عشرة، والقفيز الرديء ثمانية، وقلنا: صح البيع في سَبْعَةِ أثمان الجيد، وهي أربعة عشر بسبعة أثمان الرَّديء وهو سبعة، فتكون المُحَاباة بسبعة، ويبقى في يد بائع الجيد تسعة: سهمان بقيا عنده، وسبعة أخذها عِوَضاً، ويجعل في يد الآخر خمسة عشر؛ لأنه أخذ أربعة عشر، وكان قد بقي في يده سهم، فلما تقابلا نفذت الإقالة في عشرة، وهي خمسة أثمان القَفِيز الجيد بخمسة أثمان القفيز الرديء وهي خمسة، فقد أعطى عشرة وأخذ خمسة،
الجزء: 4 - الصفحة: 153
فالمُحَاباة بخمسة، والحاصل من ذلك كله: المستقر في يد الأول أربعة عشر مثلاً محاباة سبعة، وفي يد الثاني عشرة مثلاً محاباة خمسة، ولو كانت المَسْألة بحالها والقَفِيز الجيد يساوي ثلاثين فنقول: صَحَّ البيع في شيء منه، ورجع إليه من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء، فبقي في يده ثلاثون إلاَّ ثلثي شيء، وفي يد الآخر عشرة وثلثا شيء، فإذا تقايلا أخذنا ثلاثة عشر وثلثي شيء، وذلك ثلاثة دراهم وثلث وتسعا شيء يضم إلى مال الأول، فيصير ثلاثة وثلاثين وثلثا إلاَّ أربعة أتساع شيء، وهو مثلا المُحَاباة وهي ثلثا شيء، فيكون مثل شيء وثلث شيء، فإذا جبرنا وقابلنا صار ثلاثة وثلاثون وثلث مثل شيء، وسبعة أتساع شيء، فعلمنا أَنَّ ثلاثة وثلاثين يجب أن تقسم على شيء وسبعة أتساع شيء، فيبسط هذا المبلغ أتساعاً، يكون ستَّة عشر يكون الشيء منه تسعة، والعدد المذكور لا ينقسم على ستة عشر، فنصحح السِّهَام بأن نجعل كل عشرة ثلاثة؛ لأن الزَّائد على الثلاثين، ثلاثة وثلث وذلك ثلث العشرة، وإذا فعلنا ذلك صارت ثلاثة وثلاثون وثلث عشرة أسهم يحتاج إلى قسمتها على ستة عشر، وعشرة لا تنقسم على ستة عشر، لكن بينهما موافقة بالنصف، فنضرب جميع أحدهما في نصف الآخر تكون ثمانين، فنرجع إلى الأصل ونقول: الثلاثون التي كانت قيمة القَفِير صارت اثنين وسبعين، لأَنَّا ضربنا كُلَّ ثلاثة وهي سهام العشرة في ثمانية، فصارت أربعة وعشرين، فتكون الثَّلاَثون اثنين وسبعين، والشيء كان تسعة من ستة عشر صار مضروباً في نصف العشرة وهي خمسة فيكون خمسة وأربعين، وذلك خمسة أثمان اثنين وسبعين، فعرفنا صحة البيع في خمسة أثمان القفيز الجيد.
فإن أردنا التَّصْحيح على الاختصار من غير كسر جعلنا القفيز الجيد أربعة وعشرين ليكون القفيز الرديء هو ثلاثة وثمن صحيح، وقلنا: صح البيع في خمسة أثمان الجيد، وهي خمسة عشر بخمسة أثمان الرديء، وهي خمسة تكون المحاباة بعشرة، ويبقى في يد بائع الجيد أربعة عشر، تسعة بقيت عنده، وخمسة أخذها عوضاً، ويجعل في يد الآخر ثمانية عشر؛ لأنه أخذ خمسة عشر، وكان قد بقي عنده ثلاثة، فلما تقايلا نفذت الإقالة في تسعة، وهي ثلاثة أثمان الجيد بثلاثة أثمان الرديء وهي ثلاثة، فقد أعطى تسعة وأخذ ثلاثة تكون المُحَاباة بستة، فيستقر في يد الأول عشرون؛ تسعة أخذها بحكم الإقالة، وأحد عشر هي بقية الثمن، وقد بقيت عنده من أربعة عشر بعد رد الثلاثة، وذلك مثلاً محاباته بستة -والله أعلم-.
وحكى إمام الحرمين عن بعض مَنْ لقيه من أفاضل الحُسَّاب في الصورتين وأخواتهما تمهيد طريقة مبنية على أصول سهلة المأخذ.
منها: أنَّ القَفِيز الجيد في هذه المسائل يعتبر بالأثمان فيقدر ثمانية أسهم، وينسب الرديء إليه باعتبار الأثمان.
الجزء: 4 - الصفحة: 154
ومنها: أن محاباة صاحب الجَيّد لا تبلغ أربعة أثمان قَطُّ، ولا تنقص عن ثلاثة أثمان قط، بل تكون بينهما، فإذا أردت أن تعرف قدرها، فانسب القفيز الرديء إلى الجيد، وخذ مثل تلك النسبة من الثمن الرابع، وإذا أردت أن تعرف ما يصح البيع فيه من القفيز، فانسب الرديء فيه إلى المحاباة في الأصل، وزد مثل تلك النسبة على التبرع، فالمبلغ هو الذي يصح فيه البيع، وإذا أردت أن تعرف ما يصحُّ فيه تبرع المقيل فانظر إلى تبرع بائع الجيد، واضربه في ثلاثة أبدا، وقابل الحاصل من الضَّرب بالقَفِيز الجيد، فما زاد على القفيز فهو تبرعه، فإن أَرَدْتَ أن تعرف ما صحَّت فيه الإِقَالة، فزد على تبرعه بمثل نسبة زيادتك على تَبَرُّع صاحبه، فالمبلغ هو الذي صحت الإقالة فيه.
مثاله في الصورة الأولى: نقول: القَفِيز الجَيَّد ثمانية والرديء أربعة، فالرديء نصف الجيد، فالتبرع في ثلاثة أثمان ونصف ثمن، وإذا نسبنا الرَّديء إِلَى أصل المُحَاباة وجدناه مثله، لأن المحاباة عشرة من عشرين، فنزيد على التبرع مثله يبلغ سبعة أثمان، فهو الذي صح البيع فيه، وإذا أردنا أن نعرف تبرع المقيل ضربنا تبرع الأول في ثلاثة تكون عشرة ونصفاً، وزيادة هذا المبلغ على الثَّمَانية اثنان ونصف، فعرفنا أن تَبَرّعه في ثمنين ونصف، فإن أردنا أن نعرف ما تصحُّ فيه الإقالة زدنا على الثمنين والنصف مثله تكون خمسة أثمان، ولا يخفى تخريج الصورة الأخرى ونحوها على هذه الطَّريقة -والله الموفق.
قال الغزالي: وَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَو جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ كَالإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ، أَوِ الأِجَارَةِ وَالبَيْعِ، أَوِ النِّكَاحِ وَالبَيْعِ، مِثْلُ أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ جَارِيتِي وَبِعْتُكَ عَبْدِي بدينار، فَالعَقْدُ صَحْيحٌ وَإِن اخْتَلَفَتْ في الدَّوَامِ أَحْكامُهُمَا.
قال الرافعي: ذكرنا في أول الباب: أن الجمع في صَفْقَة واحدة بين شيئين؛ إما أن يكون في عقد واحد، أو في عقدين مختلفي الحكم، وقد فرغنا من القسم الأول.
وأما القسم الثاني: فإذا جمع في صفقة واحدة بين الإِجَارَة والسّلم، أو الإجارة والبيع، ففيه قولان 195:
الجزء: 4 - الصفحة: 155
أحدهما: أنه لا يصح واحد من العقدين، لأنهما مختلفا الحكم، إذ الإجارة والسلم يختلفان في أسباب الفسخ والانفساخ، وكذا الإجارة والبيع يختلفان في الحكم، فإن التَّأقيت شرط في الإِجَارة ومبطل للبيع، وكمال القبض في الإجارة لا يتحقَّق إلا بانقضاء المدة، لأنه قبل ذلك يعرض الانفساخ بخلاف البيع، وإذا اختلفت الأحكام فربما يعرض ما يوجب فسخ أحدهما، فيحتاج إلى التوزيع وتلزم الجَهَالة.
وأصحهما: أنهما جميعاً صحيحان؛ لأن كل واحد منهما قابل للعقد الذي أورده عليه على الانفراد، فالجمع بينهما لا يضر، واختلاف الحكم لا أثر له، ألا ترى أنه لو باع شِقْصاً من دار وثوباً يجوز، وإن اختلفا في حكم الشّفْعة واحتجنا إلى التوزيع بسببه؟.
وصورة الإجارة والسلم: أن يقول: أجرتك هذه الدار سنة، وبعتك كذا سلماً بكذا.
وصورة الإجارة والبيع: أن يقول: بعتك عبدي هذا، وأجرتك داري سنة بكذا، وعلى القولين ما إذا جمع بين بَيْع عين وسلم، أو بيع وصرف وغيره، بأن باع ديناراً أو ثوباً بدراهم لاختلاف الحكم، فإنّ قبض رأس المال شرط في السلم، والتقابض شرط في الصرف، ولا يشترط ذلك في سائر البيوع.
= منجماً على أقساط معلومة بينهما فإنه قد جمع بين إجارة وسلم والمسلم يكون في أجناس وفي جنس إلى آجال ومع ذلك فالنص وطريقة الجمهور صحة الخلع من غير تخريج على القولين لأنه لا يمكن أن يخالع على الإرضاع ثم يخالع على الإطعام المذكور لفوات العصمة بالخلع الأول، فتفريق الخلع غير ممكن وتفريق البيع والإجارة هنا ممكن.
الثالث: أن يكون الاختلاف في الموضوع لا في العارض ليخرج ما لو باع شقصاً ومنقولاً كثوب فإنه يصح قطعاً لأن موضوع العقد فيهما واحد، وإنما جاء الاختلاف من أمر خارج عنه وبه يعلم غلط من أورده على إطلاق الرافعي الاختلاف.
فإنه ليس المراد مطلق الأحكام بل أسباب الفسخ والانفساخ وبأن الدارمي صرح بجريان القولين فيهما كما سبق.
نعم لو اشترى شقصاً مشفوعاً وسيفاً والمشتري باعهما قبل أخذ الشفيع بالشفعة كان في بيعه القولان كما قاله الإمام لأن بيعه يشتمل على ما ينتقض وما لا ينتقض، وينبغي تنزيل إطلاق الدارمي على هذه الصورة وهو أولى.
الرابع: أن لا يكون مع الاختلاف اتفاق في الأثر الذي يترتب عليه المقصود ليخرج بذلك ما إذا خلط ألفين له بألف لغيره وشاركه على أحدهما وفارضه على الآخر فإنه يصح قطعاً ولا يتخرج على القولين.
الخامس: أن لا يكون أحد العقدين غير متأثر بفساد عوضه ليخرج الجميع بين النكاح والبيع فإن النكاح يصح قطعاً على المشهور.
السادس: أن يكون المخاطب بالعقدين أهلاً لهما في الجملة ليخرج ما إذا كاتب عبده وباعه شيئاً بعوض مقسط بقسطين فصاعداً، فإن البيع باطل.
والكتابة تصح على المذهب فيهما وإنما قلنا في الجملة ليخرج بذلك مسألة المزج في الرهن فإنهما يصحان لتأهل المتعاقدين لهما في الجملة لأن الرهن من مصالح البيع والقرض فاغتفر من وجه كما يغتفر شرطه بخلاف البيع مع الكتابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 156
ولو جمع بين البَيْع والنِّكاح، بأن قال: زوجتك جاريتي هذه، وبعتك عبدي هذا بكذا، والمخاطب ممن يحل له نكاح الأمة، أو قال: زوجتك ابنتي وبعتك عبدها، وهي صغيرة أو كبيرة وكَّلته بالبيع صح النكاح بلا خلاف، وفي البيع والمسمى في النكاح القولان، إن صححنا وزع المسمى على قيمة المبيع ومهر مثل المرأة، وإلاَّ وجب في النكاح مهر المثل.
ولو جمع بين البيع والكتابة، بأن قال لعبده: كاتبتك على نجمين وبعتك عبدي، هذا جميعاً بألف، فإن حكمنا بالبطلان في الصورة السابقة فهاهنا أولى، وإلاَّ فالبيع باطل، إذ ليس للسيد البيع منه قبل أداء النجوم، وفي الكتابة قولان.
واعلم: أن من الأصحاب من لا يعد هذا الفصل من صور تفريق الصفقة، لأنا في قول نبطل العقدين جميعاً، وفي قول نصححهما جميعاً، فلا تفريق -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتتعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بتَعَدُّدِ البَائِعِ، وَبِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ مثل أَنْ يَقُولَ: بِعْتُ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَهَذَا بِدِينَارٍ، وَهَلْ تَتَعَدَّدُ بَتعَدُّدِ المُشْتَرِي؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لما كان محل القولين في مسائل الباب ما إذا اتحدت الصَّفقة دون ما إذا تعددت، حتى لو باع ماله في صفقة واحدة ومال غيره في صفقة أخرى صحت الأولى بلا خلاف، وجب النظر في أنها متى تتحدد؟ ومتى تتعدد؟ فإذا سمى لكل واحد من الشيئين ثمناً مفصلاً، فقال: بعتك هذا بكذا وهذا بكذا، وقبل المشتري كذلك على التفصيل، فهما عقدان متعددان، ولو جمع المشتري في القبول فقال: قبلت فيهما فكذلك على المذهب؛ لأن القبول يترتب على الإيجاب، فإذا وقع ذلك مفرقاً فكذلك القبول.
وقيل: إن لم نجوز تفريق الصفقة لم يجز الجمع في القبول.
وتتعدد الصَّفقة أيضاً بتعدُّد البَائع، وإن اتَّحد المشتري والمعقود عليه كما إذا باع رجلان عبداً من رجل صفقة واحدة، وهل تتعدد بتعدد المشتري، مثل أن يشتري رجلان عبداً من واحد؟ فيه قولان: أصحهما: نعم، كما في طرف البائع.
والثاني: لا؛ لأن المشتري يبني على الإيجاب السابق، فالنظر إلى من صدر منه الإيجاب، والقولان على ما ذكر الإمام مأخوذان من قولين يأتي ذكرهما في أن المُشْتريين إذا وجدا بالعبد عيباً، وأراد أحدهما إفراد نصيبه بالرد، هل له ذلك؟ إن قلنا: نعم، عددنا الصفقة، وإلاّ فلا، وللتعدد والاتحاد وراء ما نحن فيه آثار أخر.
منها: أنا إذا حكمنا بالتعدد، فوفى أحد المشتريين نصيبه من الثمن، وجب على البائع تسليم قسطه من المبيع كما يسلم المشاع، وإنْ حكمنا بالاتِّحاد لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما، وإن وفي جميع ما عليه حتى يوفى الآخر لثبوت حَقِّ الجنس للبائع،
الجزء: 4 - الصفحة: 157
كما لو اتَّحد المشتري ووفى بعض الثمن لا يسلم إليه قسط من المبيع، على أن فيه وجهاً: أن يسلم إليه القسط إذا كان المبيع مما يقبل القسمة ومنها: أنا إذا قلنا: بالتَّعدد، فلو خاطب واحد رجلين فقال: بعت منكما هذا العَبْدَ بألف، وقبل أحدهما نصفه بخمسمائةِ، ففي صحته وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه في حكم صَفْقَتَين.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن الإيجاب وقع جملة، وأنه يقتضي جوابهما جميعاً.
ويجري الوجهان فيما لو قال مالكاً عبد لرجل: بِعْنَا منك هذا العبد بألف، فقبل نصيب أحدهما يعينه بخمسمائة، وقد يعرض للناظر تخريج خلاف في تعدد الصَّفقة بتعدد البائع من وجهين ذكروهما، فيما إذا باع رجلان عبداً مشتركاً بينهما من إنسان، هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من الثمن؟ أحدهما وبه قال المُزَنِي: أنه لا ينفرد، ولعلنا نذكرهما بتوجيههما في غير هذا الموضع -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَاِذا جَرَى العَقْدُ بِوَكَالَةٍ فَالأَصَحُّ أَنَّ الاعْتِمَادَ علَى المُوَكِّلِ في تَعَدُّدِهِ وَاتِّحَادِهِ.
قال الرافعي: إذا وكَّل رجلان رجلاً بالبيع أو الشراء، وقلنا: إنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدد المشتري، أو وكل رجل رجلين بالبيع أو الشراء، فالاعتبار في تعدد العقد واتِّحَاده بالعاقد أو المعقود له فيه وجوه:
أحدها وبه أجاب ابن الحَدَّاد: أن الاعتبار بالعاقد؛ لأن الأحكام تتعلق به، ألا ترى أن المعتبر رؤيته دون رؤية الموكل، وخيار المجلس يتعلق به دون الموكل؟
والثَّاني وبه قال أبو زيد والخضري: أن الاعتبار بالمعقود له؛ لأنّ الملك يثبت له وهذا أصح عند صاحب الكتاب، والأول أصح عند الشَّيخ أبي علي والأكثرين.
والثَّالث ويحكى عن أبي إسحاق: أن الاعتبار في طرف البيع بالمعقود له، وفي طرف الشراء بالعاقد، والفرق أن العقد يتم في جانب المشراي بالمباشر دون المعقود له، ألا ترى أن المعقود له لو أنكر كون المباشر مأذوناً وقع العقد عن المباشر، وفي جانب البيع لا يتم بالمباشر، حتى لو جحد المعقود له الإذن بطلا البيع.
قال الإمام: وهذا الفرق فيما إذا كان التوكيل بالشِّرَاء في الذِّمة.
فإما إذ وكله بشراء عبد بثوب له معين، فهو كالتَّوكيل بالبيع.
والرابع: ذكره في "التتمة": أن الاعتبار في جانب الشراء بالموكل، وفي البيع بهما جميعاً، فأيهما تعدد، تعدد العقد، ووجه أن العقد يتعدد بتعدد الموكل في حق الشفيع، ولا يتعدد بتعدد الوكيل، حتى لو اشترى الواحد شِقْصاً لاثنين، كان للشفيع أن يأخذ
الجزء: 4 - الصفحة: 158
حِصَّة أحدهما، وبالعكس لو اشترى وكيلان شِقْصاً لواحد لم يَجُزْ للشفيع أخذ بعضه، وفي جانب البيع حكم تعدُّد الوكيل والموكل واحد، حتى لو باع وكيل رجلين شِقْصاً من رجل ليس لِلشّفيع أخذ بعضه، وإذا ثبت ما ذكرناه في حكم الشّفعة فكذلك في سائر الأحكام، ويتفرع على هذه الوجوه فروع:
إحداها: لو اشترى شيئاً بوكالة رجلين فخرج معيباً، وقلنا: الاعتبار بالعاقد، فليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد، كما لو اشترى ومات عن ابنين وخرج معيباً، لم يكن لأحدهما إفراد نصيبه بالرد، وهل لأحد الموكلين والابنين أخذ الأَرْش إن وقع اليأس عن رد الآخر بأن رضي به فنعم، وإن لم يقع فكذلك في أصَحِّ الوجهين.
الثاني: لو وكل رجلان رجلاً بِبَيْع عَبْدٍ لهما، أو وكل أَحَدُ الشَّرِيكين صاحبه، فباع الكل ثم خرج معيباً، فعلى الوجه الأول لا يجوز لِلْمُشْتَرِي ردّ نصيب أحدهما، وعلى الوجه الآخر يجوز.
ولو وكل رجل رجلين ببيع عبده فباعاه من رجل، فعلى الأَوَّل يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما، وعلى الوجوه الأخرى لا يجوز.
ولو وكَّل رجلان رجلاً بشراء عبد أو وكَّل رجل رجلان بشراء عبد له ولنفسه ففعل، وخرج العبد معيباً فعلى الوجه الأول والثّالث ليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد، وعلى الثاني والرابع يجوز.
وعن القَفَّال: أنه إن علم البائع أنه يشتري لاثنين، فلأحدهما رد نصيبه لرضا البائع بالتَّشْقِيض، وإن جهله البائع فلا.
الثالث: لو وكَّل رجلان رجلاً ببيع عبد، ورجلان رجلاً بشرائه، فتبايع الوكيلان وخرج معيباً.
فعلى الوجه الأول لا يجوز التفريق.
وعلى الوجوه الأخر يجوز.
ولو وكل رجل رجلين ببيع عبد ورجلين آخرين بشرائه، فتبايع الوكلاء.
فعلى الوجه الأول يجوز التفريق.
وعلى الوجوه الأخر لا يجوز -والله أعلم-.
قال الغزالي: النَّظَر
ُ الثَّانِي، (فِي لُزُومِ اتِّحَادِ العَقْدِ وجَوَازِهِ)
وَالأَصْلُ في البَيْعِ اللُّزُومُ وَالخِيَارُ عَارِضٌ، ثُمَّ يَنْقَسِم الخِيَارُ إلَى خِيَارِ التَّروِّي، وَإِلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ، وَخِيَارُ التَّروِّي مَا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَوَاتِ وصَفٍ، وَلَهُ سَبَبَانِ: (أحَدُهُمَا): المَجْلِسُ فَيَثْبُتُ (م ح) خِيَارُ المَجْلِسِ في كُلِّ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ وَصَرْفٍ وَإِجَارَةٍ (ح) إِلاَّ فِيمَا يُسْتَعْقَبُ عِتَاقَةَ كَشِرَاءِ القَرِيبِ وَشِرَاءِ العَبْدِ نَفْسَهُ (و)، وَلاَ يَثْبُتُ فِيمَا لاَ يُسَمَّى بَيْعاً لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "المُتَبَايعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا".
قال الرافعي: ذكرنا في أول البيع: أنه أدرج كلام الكتاب في خمسة أطراف،
الجزء: 4 - الصفحة: 159
وهذا أَوَانُ الفراغ من الطرف الأول، والشُّروع في الطرف الثاني، وهو الكلام في لزوم العقد وجوازه، ولا نناقش في إبداله لفظ الطرف هاهنا وبعده بالنظر، فالأمر فيه سهل.
وقوله: "الأصل في البيع اللُّزُوم، والخِيَار 196 عارض" ليس المراد منه عروض
الجزء: 4 - الصفحة: 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أحدهما البيع فقد لزم في حقه ولو لم يفارق صاحبه.
وإذا فخيار المجلس ينتهي بأحد الشيئين التفرق بالأبدان واختيار البيع.
والذي يؤخذ من هذا التعريف أن كل بيع ينعقد جائزاً فيثبت لكل من العاقدين حق فسخه استقلالاً؛ وأن هذا الجواز ينتهي ويخلفه اللزوم بأحد الشيئين المتقدمين.
وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة وجماهير الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو أيضاً مذهب الظاهرية فقد جعلوا لكل من الحاقدين حق فسخ البيع ما دام مجلس العقد قائماً، ولكن على معنى آخر غير الذي ذهب إليه الجمهور.
وهذا المعنى هو أن عقد البيع لا يتم عندهم إلا بالفرق أو التخاير، فما لم يوجد أحدهما فالعقد غير تام بل وغير صحيح فلكل منهما فسخه لذلك.
بينما هو عند الجمهور عقد تام ولكن متصف بصفة الجواز.
ويقابل هذا المذهب -أعني مذهب الجمهور- مذهب الحنفية والمالكية إبراهيم النخعي.
فإنهم يرون أن عقد البيع ينعقد لازماً فليس يجوز لواحد منهما ما دامت صيغة العقد تمت بالإيجاب والقبول أن يفسخ البيع استقلالاً كما هو مذهب الأولين.
حجة الجمهور: هي السنة والمعقول.
أما السنة:
فأولاً: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ" وهذا الحديث قد روِيَ عن ابن عمر بروايات كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية -وهذا الحديث متفق عليه.
وثانياً: ما روي عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "البَائِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعَهِمَا، وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" متفق عليه كذلك.
وثالثاً: ما روي عن أبي الوضيء قال: غزونا غزوة، فنزلنا، منزلاً، فباع صاحب لنا فرساً بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد قام الرجل إلى فرسه يسرجه فندم، فأتى الرجل وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يرفعه إليه.
فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة.
فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "البَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" وما أراكما افترقتما -أخرجه أبو داود وابن ماجة مختصراً بدون القصة.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر حيث جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للمتبايعين الخيار في البيع بعده إلى التفرق.
لأنهما لا يكونان متبايعين حقيقة إلا وقد وقع بينهما البيع، إذ هو وصف مشتق منه، والبيع حقيقته الإيجاب والقبول، وفي الحديث زيادة انتهاء الخيار بتخيير أحدهما صاحبه، وهي زيادة عدل ثقة فتكون مقبولة.
والمتبادر من التفرق إنما هو التفرق بالأبدان لا بالأقوال، والتبادر من أمارات البيعة، وفي قصة أبي برزة ما يدل عليه؛ لأن البيع كان قد تم بينهما.
وقد ظهر من هذه الأحاديث أن الخيار ثابت لهما بعد البيع إلى أن يتفرقا بأبدانهما أو يخير أحدهما صاحبه.
وهذا هو معنى خيار المجلس.
وأما المعقول -فهو أن الحاجة داعية إلى شرع هذا الخيار، لأن الإنسان قد يندفع إلى البيع تحت تأثير رغبة ملحة، أو خوف فوات فرصة، فيغالي في الثمن إن كان مشترياً ويتساهل فيه إن كان بائعاً، وبعد أن يحصل له ويرتاح باله تعاوده الفكرة فيرى غبنه فيود لو تخلص منه.
فشرع خيار المجلس موفر على العاقد هذه الرغبة، وموافق للمصلحة =
الجزء: 4 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = العامة لا سيما، ومجلس العقد عهد محلاً للمداولات والمشاورات والأخذ والرد في أمر البيع وحجة الحنفية: والمالكية هي الكتاب والأثر والمعقول أما الكتاب:
فأولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أباح الله تعالى الأكل من مال الغير بعد حظره بطريق التجارة عن تراض، وهي تصدق بمجرد الإيجاب القبول ما داما ناشئين عن اختيار وإرادة حرة غير مفيدة.
ومن المعلوم أنه لو ثبت لهما الخيار بالعقد لما أبيح لهما الأكل بمجرد العقد لحق الآخر في الفسخ فدلت إباحة الأكل بمجرد العقد على أنه ينعقد لازماً.
والتجارة هي تقليب المال بالبيع والشراء.
وثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ والبيع قبل التفرق والتخاير يصدق عليه أنه عقد، وأنه عهد فيكون واجب الوفاء، ولاَ يكون واجب الوفاء إلا حيث كان لازماً إذ لو كان جائزاً يجوز فسخه لم يكن واجب الوفاء.
وثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أمر الله -جل شأنه- بالتوثق بالشهادة على البيع بعده قبل الخيار منعاً للتجاحد والتناكر، وفي هذا ما يدل على أن البيع إذا صدر صدر لازماً، وإلا لم يكن للتوثق بالشهادة من فائدة لجواز فسخ البيع حينئذ.
وأما الأثر:
فأولاً: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" وسلك به في الاستدلال على المطلوب مسلك الآيات الكريمة، فيقال والعقد بمجرد الإيجاب والقبول شرط يلتزمان فيكون واجب الوفاء.
وثانياً: ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" المَبِيعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيْلَه" وهذا دليل على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وهي هنا قبل التفرق لأنه منهي عن التفرق قبلها.
ومن المعلوم أن الاستقالة لا تكون إلا في البيع اللازم، فدل ذلك على أن البيع قبل التفرق لازم.
وثالثاً: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فكنت على بكر صمب لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: "بِعْنِيْهِ".
فقال هو لك يا رسول الله.
قال: "بِعْنِيهِ".
فباعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ".
رواه البخاري.
فهذا بيع صحيح من عمر -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يحصل بعد البيع تفرق؛ لأن الركب كان مندفعاً سوياً، كما أنه لم يحصل اختيار وإلا لذكر، وقد وهبه الرسول لابن عمر بعد البيع فوراً فدل صنيعه هذا على أن البيع ينعقد لازماً لا خيار فيه، وإلا لما وهبه له قبل انقضاء الخيار؛ لأن التصرف في المبيع أثناء الخيار غير جائز كما هي دعواكم.
رابعاً: قالوا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر، ومن الغرر أن يثبت لهما خيار بعد البيع إلى التفرق، وهو غير معلوم متى يكون؟ فيكون خياراً مجهول المدة فيفسد البيع كجهالة المدة في شرط الخيار].
خامساً: ما روي عن عمر -رضي الله عنه- قال: "البيع صفقة أو خيار" قسم عمر البيع قسمين: بيع صفقة وبيع خيار، ومن الضرورة أن بيع الصفقة غير بيع الخيار؛ لأنه قسيمه فيكون هناك بيع فيه خيار، وبيع لا خيار فيه هو الذي عبر عنه بالصفقة.
وأنتم أيها القوم الدين أثبتم خيار المجلس، أثبتموه في كل بيع، فأين هو البيع الذي لا خيار فيه والذي أشار إليه عمر - =
الجزء: 4 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رضي الله عنه-؟.
وأما المعقول:
فأولاً: قاسوا البيع على النكاح بجامع أن كلاً منهما عقد معاوضة، والنكاح ينعقد لازماً، فكذا البيع والبيع أما يحتاج إلى التروي يحتاج إليه النكاح أيضاً.
وثانياً: قالوا في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً بموجب الخيار جواز إبطال حق الآخر حق يده على ملكه الذي آل إليه بمقتضى العقد من غير رضاه، وهو غير جائز شرعاً إذ لا ينزع من أحد حقه قهراً عنه.
هذا وقد احتج المالكية بأنه عمل أهل المدينة على خلاف موجب أحاديث خيار المجلس، وهي أحاديث لا تخرج عن كونها أحاديث آحاد، وعمل أهل المدينة يقدم عليها؛ لأن الأخذ بعملهم أثبت من الأخذ بأحاديث الآحاد، إذ عملهم بمنزلة سنة عملية منقولة بطريق التواتر في بلد هي مهبط الوحي ومنتدى أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فإجماعهم على العمل بخلاف حديث لا يكون إلا وقد ثبت لديهم ما ينسخه إذا كان صريح الدلالة.
فكيف والأحاديث الدالة على ثبوت خيار المجلس تحتمل التأويل فهي إما منسوخة وإما محمولة على وجه غير الذي تحملونها عليه.
وقد اعترض على الجمهور من قبل الفريق الآخر بأن أحاديث: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" لا تدل على دعواكم إلا إذا كان المراد بالمتبايعين فيها من تمت بينهما عقدة البيع بالإيجاب والقبول، وهذا ما لا نسلمه لكم، بل المراد بهما المتشاغلان بالبيع المتساومان فيه.
فإن دفعتم بأن الوصف حينئذ يكون مجازاً فيهما؛ لأنه مشتق من البيع، والبيع لا يكون إلا بتمام الصيغة، والمتشاغلان لم يتم البيع بينهما بعد، ولا يصار إلى المجاز إلا بعد تعذر إرادة الحقيقة، وهي غير متعذرة هنا قلنا في جواب هذا الدفع بل إطلاقه على المتشاغلين هو الحقيقة، وعلى من تم بينهما البيع مجاز.
أما الأول فلأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، وهو حقيقة باتفاق، وأما الثاني فلأنه إطلاق للوصف بعد إنقضاء الإتصاف وهو مجاز على المذهب المنصور.
وعند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر يصدق عليهما أنهما متشاغلان بالبيع فليكن هذا هو المراد من المتبايعين ويكون الخيار الثابت لهما حينئذ هو خيار القبول.
على معنى أن للقابل أن يقبل البيع بعد إيجاب الموجب، وأن يروه وأن للموجب أن ينقض إيجابه، قبل قبول القابل وأن يظل متمسكاً به حتى يقبل.
فإن دفعتم دفعاً آخر بأن حمل الحديث على خيار القبول يجعله عديم الجدوى عارياً من الفائدة؛ لأن كل أحد يفهم هذا المعنى الذي حملتم عليه الحديث فليست هناك حاجة إلى النص عليه ممن نزه عن لفظ الحديث وسقطه.
قلنا في الجواب بل الفائدة ههنا محققة وهي دفع توهم أنه إذا أوجب أحدهما البيع فقد لزم الآخر ولو لم يقبل بسبب التراضي الحاصل قبل الإيجاب.
وعلى ما اخترنا من أن الحديث محمول على خيار القبول يكون المراد من التفرق الذي جعل غاية للخيار هو تفرق الأقوال لا الأبدان كما تزعمون، وليس هذا القول منا قولاً جزافاً بدون ما دليل يؤيده أو سناد يعتمد عليه بل الدليل بأيدينا قوي متين من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " افْتَرَقَت بَنُو إِسْرَائِيلِ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسبعِينَ فِرْقَةً وَستَفْتَرِق أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَةً" إذ المراد من التفرق فيهما التفرق في الاعتقاد، ومثل هذا فاشٍ في الصرف واللغة، والأصل في الإطلاق هو الحقيقة وتفرق الأقوال بأن يقول العاقد الآخر بعد إيجاب الأول: لا أقبل البيع أو لا أشتري، أو بأن =
الجزء: 4 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل، فيبطل خيار القبول حينئذ فإن أبيتم إلا أن يكون التفرق في الحديث مراداً منه التفرق بالأبدان سلمناه لكم، ومنعنا أن يكون هذا حجة لكم على أن عقدة البيع قد تمت بالإيجاب والقبول؛ لأن التفرق بالأبدان متصور قبل القبول أيضاً بأن يذهب القابل بمد إيجاب الموجب ذهاباً وإلا على الإعراض عن البيع أو يفعل الموجب مثل ذلك قبل القبول فينقطع خيار القبول به أيضاً وهو مذهبنا.
فإن قلتم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" يدل على أن الاختيار بعد البيع؛ لأن معنى اختر اختر إمضاء البيع أو فسخه فكذلكَ التفرق الحقيقة وفي قصة أبي برزة ما يدل عليه؛ لأن البيع كان قد تم بينهما.
وقد ظهر من هذه الأحاديث أن الخيار ثابت لهما بعد البيع إلى أن يتفرقا بأبدانهما، أو يخير أحدهما صاحبه.
وهذا هو معنى خيار المجلس.
وأما المعقول -فهو أن الحاجة داعية إلى شرع هذا الخيار، لأن الإنسان قد يندفع إلى البيع تحت تأثير رغبة ملحة، أو خوف فوات فرصة فيغالي في الثمن إن كان مشترياً ويتساهل فيه إن كان بائعاً، وبعد أن يحصل له ويرتاح باله تعاوده الفكرة فيرى غبنه فيود لو تخلص منه.
فشرع خيار المجلس موفر على العاقد هذه الرغبة، وموافق للمصلحة العامة لا سيما ومجلس العقد عهد محلاً للمداولات والمشاورات والأخذ والرد في أمر البيع.
وحجة الحنفية: والمالكية هي الكتاب والأثر والمعقول أما الكتاب:
فأولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أباح الله تعالى الأكل من مال الغير بمد حظر بطريق التجارة عن تراض، وهي تصدق بمجرد الإيجاب القبول ما داما ناشئين عن اختيار وإرادة حرة غير مقيدة.
ومن المعلوم أنه لو ثبت لهما الخيار بالعقد لما أبيح لهما الأكل بمجرد العقد لحق الآخر في الفسخ، فدلت إباحة الأكل بمجرد العقد على أنه ينعقد لازماً.
والتجارة هي تقليب المال بالبيع والشراء.
فالعقد لا يكون عقداً واجب الوفاء حتى يتم ركناه الصيغة والتفرق، وكذلك البيع والتجارة لا يكونان بيعاً وتجارة معتداً بهما شرعاً، ويترتب عليهما نقل الملك وحل الأكل وجواز التصرف إلا بالصيغة والتفرق.
قال ابن حزم وهو يناقش أدلة الحنفية في صدد احتجاجهم لمذهبهم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ "الذي أتانا بهذه الآية هو الذي من عنده تدري ما هي التجارة المباحة لنا مما حرم علينا، وما هو التراضي الناقل للملك من التراضي الذي لا ينقل الملك، ولولاه لم نعرف شيئاً من ذلك.
وهو الذي أخبرنا أن العقد ليس بيعاً ولا هو تجارة، ولا هو تراضياً ولا ينقل ملكاً إلا حين يستضيف إليه التفرق عن موضعهما أو التخيير فهذا هو البيع والتجارة".
وبمثل هذا أجاب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ والذي حمل الظاهرية على أن يجعلوا التفرق داخلاً في عقدة البيع وغيره هو مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ بيْعَيْنِ لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا" حيث نفى البيع قبل التفرق، فتكون حقيقة الشرعية معدومة قبله.
وأما غير الظاهرية فهذه الآيات والأحايث -وإن كانت مطلقة وعامة شاملة لكل عقد وبيع وتجارة- إلا أنها مقيدة أو مخصصة بالأحاديث التي ذكروا الاثبات خيار المجلس جمعاً بين الأدلة، فيكون المراد من العقود والتجارات والبيوع العقود والتجارات والبيوع اللازمة، ولا تكون كذلك حتى يكون التفرق بالأبدان عن مجلس =
الجزء: 4 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = العقد أو اختيار البيع.
قال المثبتون لخيار المجلس: وهذه الأحاديث التي ذكرنا ظاهرة فيه بل تكاد وتكون نصوصاً قاطعة واصفة، ولكنكم تعسفتم في تأويلها، وحملتموها على غير محملها، خروجاً بالكلم عن مواضعه، فاضطررتمونا بهذا إلى منازلتكم في معركة الحق فيها في جانبنا واضح قوي.
والظاهر من صنيعكم أيها المانعون بأحاديث خيار المجلس هذا الصنيع، وتأويلها مثل هذا التأويل الذي إليه تذهبون، أنكم لما وجدتم سندها بالغاً من الصحة مبلغاً شأوه بعيد على من رام أن يجرحه أو يجد فيه مغمز الغامز أردتم أن تجرحوها من جهة المتن والدراية.
فقلتم مرة أحاديث مضطربة لروايتها بروايات مختلفة فيها زيادة، وفيها نقص، ولعمرُ الله ما سلمت لكم هذه الدعوى، فإن القدر الذي به يثبت خيار المجلس قد اتفقت عليه كل الأحاديث، وما في بعضها من زيادة فهي زيادة لا تضر.
ومرة أخرى حملتموها على غير محملها قاطعين بذلك طوراً وظانين طوراً آخر.
ذهبتم هذا المذهب الصعب لكي توهموا عدم صلاحية هذه الأحاديث المقطوع بصحتها البالغة حد الشهرة، لتقييد إطلاق الآيات التي احتججتم بها لنفي خيار المجلس.
وقولكم: إن المراد من المتبايعين في الحديث المتشاغلان بالبيع لا من تم البيع ببنهما، وإن هذا الإطلاق إطلاق حقيقي؛ لأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، ولأنه يفهم من قول القائل -زيد وعمرو هناك يتبايعان- أنهما يتشاوران في البيع، ويتراوضان فيه على جهة التبادر، وهي أمارة الحقيقة قولكم هذا باطل مناف للصرف واللغة.
أما منافاته للعرف فظاهر؛ لأن العرف يفرق بين المتبايعين، وبين المتشاغلين بالبيع المتساومين فيه، وأما أنتم فلم تفرقوا؛ وجعلتم الكل شيئاً واحداً.
وأما منافاته للغة؛ فلأنكم تزعمون أن إطلاق المتبايعين على المتشاغلين حقيقة؛ لأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، وهذا منكم مغالطة ظاهرة؛ لأن هذا الوصف مشتق من البيع، والبيع حقيقته مركبة من ركنين: الإيجاب والقبول، فما دام لم يوجد القبول لم توجد حقيقة البيع فيكون إطلاق المتبايعين على المتساومين حينئذ إطلاقاً للوصف قبل الاتصاف، وهو مجاز باتفاق.
يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه-: وقد حمل بعض الناس الحديث على التفرق في الكلام، وهذا محال لا يجوز في اللسان إنما يكونان قبل التساوم غير متساومين، ثم يكونان متساومين قبل التبايع، ثم يكونان بعد التساوم متبايعين، وناهيك بالشافعي حجة في اللغة وثقة في النقل.
ثم لو سلم لكم أن إطلاق المتبايع على التساوم حقيقة لكان هذا اللفظ -المتبايعان- مجازاً من وجه آخر، لأن الثابت قبل قبول القابل بائع واحد لا بائعان، فلو جاريناكم وسلمنا لكم كذلك أن إطلاق هذا الوصف على من تم بينهما البيع مجاز، لكان مجازنا خيراً من مجازكم، وأولى منه بأن يحمل الحديث عليه؛ لأنه مجاز مشهور.
وقد حاول الكمال أن يجعل إطلاق المتبايعين على المتشاغلين بالبيع بعد صدور الإيجاب وقبل القبول من قبيل الإطلاق الحقيقي لا المجازي، فقال ما معناه لأن البيع من المواضع التي تصدق الحقيقة فيها بوجود جزء من معنى اللفظ، لعدم تصور اجتماع أجزاء في الوجود دفعة واحدة، لأنه من المصادر السيالة التي تنقضي أجزاؤها أولاً بأول، وإلا تصدق الحقيقة بوجود جزء منها لم توجد لها حقائق البتة، وهذا ما يأباه العقل واللغة والعرف.
وذلك لأن البيع هو الإيجاب والقبول، ولا يتصور اجتماعهما معاً، فإذا أوجب البيع أحدهما، ولم يقبل الآخر بعد يقال وجدت حقيقة الببع، وحيث وجدت =
الجزء: 4 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحقيقة صدق على كل من المتشاغلين أنه بائع حينئذ.
نظير ذلك المخبر لا حقيقة له إلا حال النطق بالخبر، لأنها حال المباشرة وأجزاؤه لا تقوم به دفعة واحدة لتصدق حقيقته حال قيام المعنى بل على التعاقب.
"وهذا في يقيني قياس مع الفارق؛ لأن البيع مثل الأخبار الأول حقيقته ربط القبول بالإيجاب، والثاني حقيقته ربط الخبر بالمبتدأ والبائع مثل المخبر.
فكما لا يسمى المتكلم بالمبتدأ مخبراً لعدم وجود الربط بعد.
كذلك لا يسمى الموجب بائعاً لعدم الربط.
ولكنه إذا شرع في التكلم بالخبر سمي مخبراً لوجود الربط الذي هو حقيقة الأخبار.
كذلك إذا شرع القابل في القبول سمي بائعاً؛ لوجود حقيقة البيع، وهي ربط القبول بالإيجاب وسمي الموجب أيضاً بائعاً حينئذ؛ لتنزيل كلاميهما منزلة كلام واحد.
قلنا أن نختار أن حقيقة البيع إنما هي في حال قبول القابل فقط، وأن إطلاق البائع على كل منهما قبله وبعده مجاز لا يقال إن تصور خيار القبول حينئذ ممكن بأن يرجع الموجب أو القابل في حال النطق بالقبول عن قوله.
لأنا نقول مثل هذا البعيد جداً لو جازه زمن النطق بالقبول، فلا تحمل عليه أحاديث خيار المجلس.
بقي أن يقال ما دمنا قد اخترنا أن إطلاق البائع على كل منهما بعد البيع وقبله مجاز، فما المرجح لأن يراد من المتبايعين في الحديث من ثم البيع بينهما حتى يكون محمولاً على خيار المجلس ولماذا لم يكن الأمر بالعكس بأن يراد منهما من لم يتم البيع بينهما ولكنهما يتشاغلان به حتى يكون الحديث محمولاً على خيار القبول؟ لأنا نقول المرجح موجود؛ لأن المجاز الأول مشهور بخلاف الثاني والمشهور مقدم على غير المشهور بل الصاحبان من الحنفية يقدمانه على الحقيقة غير المستعملة".
"بقي قول الكمال إنه يفهم بطريق التباد من قولنا زيد وعمرو هناك يتبايعان أنهما يتشاغلان بالبيع، ويتراوضان فيه والتبادر أمارة الحقيقة.
قلنا ألا نسلم أن التبادر دائماً أمارة الحقيقة، وإنما هذا عند التجرد عن القرائن.
فإنه قد يتبادر المعنى المجازي لقرينة دالة عليه.
والتبادر هنا نشأ عن القرينة الحالية.
لأن حالة المباشرة التي من أجلها يطلق لفظ البائع على كل منهما حقيقة حالة يسيرة جداً هي حالة النطق بالقبول، وزمنها لا يسع مجيء المتكلم من عند البائعين، وتكليمه المخاطب بهذا القول.
فبالضرورة يفهم من قوله -هناك يتبايعان- أنهما يتراوضان فيه" بعد هذا التحقيق الذي تنهار له كل اعتراضات الحنفية والمالكية على الجمهور في استدلالهم بأحاديث الخيار على أن المراد منه خيار المجلس -نرجع إلى ما كنا فيه من دحض اعتراضاتهم تفصيلاً من قبل الجمهور.
قلتم أيها المنكرون لخيار المجلس حين أوردنا عليكم أن حمل الحديث على خيار القبول يجعله عديم الجدوى؛ لأن كل واحد يعرف بالعادة والعرف أن العاقدين ما دام لم يوجد القبول هما بالخيار إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه.
قلتم بل الفائدة محققة، وهي دفع توهم أن القابل ملزم بالبيع بمجرد إيجاب الموجب للرضا السابق.
وهذا توهم لا أصل له؛ لأن عرف الناس في المعاملة على خلافه ولو فرض حصول هذا التوهم عند بعض الناس فهو من قبيل النادر جداً، ولا يحصل إلا لمن جهل العرف والعادة، وإذا جهلهما فهو بالحديث أشد جهلاً.
وقلتم أن المراد بالتفرق تفرق الأقوال.
وضربتم لذلك الأمثال زاعمين أنه يطلق حقيقة عليه أيضاً.
وكيف نسلم لكلم ذلك؟ وأهل اللغة الموثوق بنقلهم ومعرفتهم باللسان يفرقون بين افترق وتفرق؛ فالأولى في الأقوال، والثانية في الأبدان.
وعلى ذلك يكون استعمال كل منهما موضع الأخرى مجازاً.
فإن =
الجزء: 4 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أصررتم على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة جاريناكم ملتمسين الترجيح من دليل آخر، والدليل -بحمد الله- بأيدينا سافر قوي من الحديث نفسه، ومن عمل الصحابة، وأقوالهم بينما أنتم ليس لكم من دليل سوى الاستعمال، وهو دليل مشترك بيننا وبينكم، بل نحن أسعد خطابه منكم.
أما دليلنا من الحديث؛ فهو ما ورد في بعض ألفاظ الحديث المروي عن ابن عمر: "وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" ومعنى وجب ثبت ولزم فقد رتب لزوم البيع على التفرق، وهو يدل على أن التفرق بعد البيع، وأنه بالأبدان، لأن التفرق قبل البيع يلزم عدم وجوده لا لزومه.
فكيف والحديث نفسه يصرح بأن التفرق بعد البيع، ولا يكون بعد البيع إلا ويكون بالأبدان ودل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ" على أن للعاقد فسخ البيع بعد حصوله.
ومما هو صريح في أن التفرق في الحديث مراد منه التفرق بالأبدان ما رواه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا".
وأما دليلنا من عمل الصحابة وأقوالهم فهو ما وردت به بعض الروايات الصحيحة: "وكان ابن عمر -رحمه الله- إذا بايع رجلاً فأراد ألا يقيله تام فمشى هنيهة ثم رجع"، وكذلك ما ورد في قصة الرجلين اللذين احتكما إلى أبي برزة من قوله: "ما أراكما افترقتما"، وكان هذا القول من بعد تمام البيع، وهذا وحده كاف في أن يراد منه التفرق بالأبدان، فكيف وهو يعني به هذا المعنى أيضاً؟ .. فإن دفعتم بأن هذا فهم لهما في الحديث، ولسنا بملزمين به قلنا، ومن المتفق عليها بيننا أن الصحابي أعلم الناس بما روى لمشاهدته التنزيل، وعلم بالحادثة التي قيل فيها الحديث، فكيف ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة؟ يقول صاحب الفتح: "لا يعلم لابن عمر ولا لأبي برزة مخالف من الصحابة".
وتقولون في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" أي اختر قبول البيع وهذا باطل من وجوه؛ لأن التخيير قسيم التفرق، وهو بعد البَيع كما بينا فكذلك التخيير؛ ولأن أحدهما شامل للبائع والمشتري على البدل، ولا يتأتى هذا إلا في خيار المجلس بخلاف خيار القبول، فإن الذي يمكن أن يصدر منه لفظ اختر هو الموجب وحده؛ ولأنه قد ورد بعض الروايات مصرحاً في التخيير بعد البيع نذكر منها ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خير أعرابياً بعد البيع" رواه الترمذي وصححه، وإذا فقد وضح -والحمد لله- أن أحاديث الخيار محمولة على خيار المجلس بل لا تحتمل غيره وليست كما تدعون محمولة على خيار القبول.
وأنها لذلك صالحة لتقييد إطلاق الآيات التي استدللتم بها على نفي خيار المجلس، لا سيما ودلالة العموم في هذه الآيات ظنية باتفاق، لأنها مقيدة بأحاديث وآيات أخر دالة على حرمة كثير من المعاملات، ولنرجع بعد كل هذا إلى مناقشة باقي أدلة المنكرين.
أما احتجاجهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" فيسلك به مسلك الآيات، فهو عام مخصوص بأحاديث خيار المجلس.
وأما احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب: "المبَيْعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ ... الخ " فعجب عجاب أن تجعلوه دليلاً لكم، وهو دليل لنا عليكم؛ لأن المراد بالإقالة في الحديث إنما هو الفسخ، والدليل على هذا من وجوه:
الأول: أنه -عليه الصلاة والسلام- أثبت لكل من البيع والمبتدع الخيار ما لم يتفرقا ثم ذكر الاستقالة، ومعلوم أن من له الخيار غير محتاج إليها، فدل لك على أن المراد بها الفسخ.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الثاني: أنه منع من مفارقة المجلس خشية الاستقالة، وهي غير مختصة به، وإنما المختص به الفسخ فكان هو المراد منها.
الثالث: أن الاستقالة باتفاق لا بد فيها من رضا الطرفين، والنهي عن مفارقة المجلس خشية الاستقالة يدل على أن لصاحبه أن يقبله بدون رضاه، وهذا لا يكون إلا في الخيار فحملت الاستقالة عليه.
وأما استدلالكم بحديث ابن عمر -رضي الله عنه-: "كنا مع النبي في سفر فكنت على بكر صعب لعمر ... الحديث" فيرد عليه أنه -وإن لم يحصل تفرق- فمن الجائز أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- خير عمر، وليس بلازم أن يذكره الراوي، كما أنه لا يذكر الثمن مع أنه لا بد منه هكذا قال بعضهم، وفيما قاله نظر؛ لأن الثمن ركن من أركان البيع فذكر البيع وحده متضمن لذكره، وليس كذلك التخيير.
ولأن هذه القصة لا يخلو أمرها من أن تكون قبل حديث الخيار، فيكون قد نسخها أو بعده، فيكون الخيار معلوماً غير محتاج للنص عليه من الراوي.
وأفضل من هذا أن يقال لو فرض وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يخير عمر، فتصرفه بالهبة بعد البيع لا يدل على نفي خيار المجلس؛ لأنه أنس الرضا من عمر بدليل أنه كان يود أن يهبه البكر بدون مقابل.
وأما قولكم نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر، ومن الغرر أن يثبت لهما خيار لا يعرفان متى ينتهي؛ فمردود بأنه -وإن كان مجهول الأمد- لكن لكل واحد منهما أن يخير صاحبه فيختار إما إمضاء البيع، وإما فسخه.
فما عليه إن كان يريد إمضاءه إلا أن يمشي بضع خطوات فينقطع الخيار، ويلزم البيع الطرفين.
فمثل هذه الجهالة اليسيرة مفتقرة شرعاً؛ لأنها لا تفضي إلى نزاع، ولا توقع في ضرر لا مخرج منه سيما والعادة قاضية بأن مجلس العقد لا يدوم طويلاً، بل هو فترة وجيزة يتفرقان بعدها، فقول أبي حنيفة -رحمه الله- أرأيت لو كانا في سفينة -فهو- فضلاً عن كونه معارضة للحديث بالرأي من الصور النادرة على أن لهما مخرجاً آخر غير التفرق هو التخيير.
وعلى هذا فخيار المجلس يفارق خيار الشرط إذا كان مجهول الأمد؛ لأنه قد يطول فيفضي إلى المضارة والشحناء، وليس في مقدور واحد منهما أن يلزم البيع بفعله في كل حَال كخيار المجلس.
هذا وأما استدلالكم بأثر عمر -رضي الله عنه- البيع صفقة أو خيار -فهو- فضلاً عن كونه لا يعارض الحديث لأنها أحق منه بأن تتبع ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفضلاً عن أن جماهير الصحابة على خلافه، وفضلاً عن كونه غير مروي عنه من طريق تصح، وفضلاً عن كونه روى عنه هو نفسه ما يخالفه -فضلاً عن هذا كله هو غير معارض للحديث بل مؤول بما يوافقه.
فقد أوله ابن حزم بما يوافق مذهبه من أن البيع غير صحيح حتى يكون التفرق أو التخيير حيث أول الصفقة بما تم من البيع بالتفرق، والخيار بما تم منه بالتخيير.
وأوله صاحب المغني من الحنابلة بأن البيع نوعان نوع شرط فيه الخيار، ونوع لم يشرط فيه، وهو الصفقة، وهذا لا ينافي ثبوت خيار المجلس، لأنه يثبت بغير الشرط.
وسماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه فكأنه تم بمجرد التصافق.
والآن وقد فرغنا من مناقشة أدلة النافين من الكتاب والسنة، فما علينا ألا أن نناقش أدلتهم من المعقول.
فأولاً: يرد على قياسهم البيع على النكاح بأنه قياس مع الفارق؛ لأن المال غير مقصود في النكاح لذاته بخلاف البيع والمال هو الذي عهد فيه المكايسة والشح لأن البيع ينقل ملك الرقبة، والنكاح لا يبيح إلا ضرباً من الانتفاع، وملك الرقبة أقوى، فالاحتياج فيه إلى التروي =
الجزء: 4 - الصفحة: 168
الجواز على اللزوم بعد ثبوت اللزوم، لكن المواد منه أحد أمرين:
أولهما: أنَّ البيع من العقود التي يقتضي وضعها اللُّزُوم ليتمكن كل واحد من المُتَعَاقدين من التصرف فيما أخذه آمنا من نقض صاحبه عليه.
والثَّاني: أن الغالب من حالات البيع اللزوم، والجواز لا يثبت إلاَّ في الأقل، ومن البينات أن المراد من اللُّزوم انفكاكه عن الخيار، ومن الجواز كونه بحال ثبوت الخيار، ثم الخيار على قسمين؛ لأنه إمَّا أن لا يتوقف على فوات شيء بل يتعلق بمجرد التَّشهي، وهذا ما عبر عنه بخيار التَّروي، وإما أن يتوقف على فوات شيء مظنون الحصول، وهذا ما عبر عنه بخيار النَّقِيصة.
أما القسم الأول فقد ذكر في الكتاب أن له سببين، وهو مفرع على قولنا: إن بيع الغائب لا يصح، فإن صححناه أثبتنا خيار الرؤية، ومعلوم أنه لا يتوقَّف على فوات شيء فتصير الأسباب ثلاثة:
السبب الأول: كونهما مجتمعين في مجلس العقد، ولكل واحد من المُتَابعين فسخ البيع ما لم يتفرَّقا أو يتخايرا على ما سنفصله، وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا خيار بالمجلس.
= أكثر من النكاح؛ لأن ثبوت الخيار في النكاح بعد العقدة يضع من شأن الرجل والمرأة، ويجرح شعورهما، ويجعلهما كالسلع محلاً للأخذ والرد.
وهذه فروق في نظري غير مؤثرة، ولكنا ذكرناها تبعاً للقوم.
والفرق المؤثر الصحيح في نظري هو أن عقد النكاح من العقود التي لا تدخلها الخيارات باتفاق الخصوم أنفسهم؛ لأنها على خلاف مقتضاها بدليل عدم دخول الإقالة فيها بل وعلى خلاف مقصودها؛ لأن مقصودها الدوام والاستمرار.
فقياس البيع على النكاح باعتبار اللزوم بمجرد العقد ليس بأولى من قياسه عليه باعتبار عدم صحة الإقالة.
فما الذي رجح القياس الأول على الثاني؟.
وثانياً: يرد على قولهم -إن في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً جواز إبطال حق الآخر بدون رضاه- بأن ثبوت الحق إنما هو بالشرع، والشرع نفاه إلى انتهاء الخيار كما قال الكمال وهو منكم.
هذا وأما استدلال المالكية لإجماع أهل المدينة على العمل بخلاف موجب أحاديث خيار المجلس، فهو مبني على أن إجماعهم حجة ولم يوافقهم عليه غيرهم على أن الإجماع لم يسلم لهم فهذا ابن أبي ذئب ممن قال بمشروعية خيار المجلس، وكان يقول يستتاب مالك لمخالفته الحديث.
وما أدري ما هذا الإجماع وعلماء المدينة القدامى كانوا كلهم أو جلهم على القول بخيار المجلس؟ نذكر منهم من الصحابة ابن عمر رأس علماء الصحابة بالمدينة ومن التابعين ابن المسيب كبير فقهاء المدينة من التابعين.
نقل ذلك ابن حزم عن البخاري في طائفة كبيرة من الصحابة والتابعين ينظر فتح القدير (5/ 82).
الجزء: 4 - الصفحة: 169
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمُتَابِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ".
197
ولنفصل القول فيما يثبت فيه خِيَار المَجْلس من العقود وما لا يثبت، والعقود ضربان:
أحدهما: العُقُود الجائزة، إمَّا من الجانبين كالشّركة، والوِكَالَة والقِرَاض والوَدِيعة والعَارِية، أو من أحدهما كالضَّمان والكِتَابة، فلا خِيَار فيهما.
أمَّا الجائزة من الجَانِبين فلأنهما بالخيار فيها أبداً، فلا معنى لخيار المجلس.
وأمَّا الجائزة من أحد الجانبين، فلمثل هذا المعنى في حقِّ مَنْ هي جائزة في حقه، والآخر دخل فيهما موطِّناً نفسه على الغَبْن، ومقصود الخِيَار: أنْ ينظر وَيتروّى ليدفع الغَبْن عن نفسه، وكذا الحكم في الرهن، نعم لو كان الرهن مشروطاً في بيع وأقبض قبل التفريق أمكن فسخ الرهن بأن يفسخ البيع حتى ينفسخ الرهن تبعاً.
وحكى القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب وجهاً: أنه يثبت الخيار في الكتابة.
وعن ابن خيران: أنه يثبت في الضَّمَان وهما غريبان.
والضَّربْ الثَّانِي: العقود اللاَّزِمة وهي نوعان: العقود الواردة على العَيْن، والعقود الواردة على المَنْفَعَة.
أما النَّوع الأول: فمنه أنواع البيع كالصَّرف وبيع الطَّعَام بالطَّعَام والسّلم والتَّوْلِية والتَّشْريك وصلح المُعَاوَضَة، فيثبت فيها خِيَار المَجْلس جميعاً لظاهر الخبر، ويستثنى صور:
إحداها: إذا باع مال نفسه من ولده أو بالعكس، ففي ثبوت خيار المَجْلِسِ وجهان:
أحدهما: لا يثبت؛ لأن الذي ورد في الخبر لفظ "المتبايعين"، وليس هاهنا متبايعان.
وأصحهما: يثبت؛ لأنه أقيم مقام الشخصين في صحة العقد فكذلك في الخيار، ولفظ الخبر ورد على الغالب، فعلى هذا يثبت للمولى خيار وللطفل خيار، والولي نائب عنه، فإن ألزم لنفسه وللطفل لزم، وإن ألزم لنفسه بقي الخِيَار للطِّفْل، فإذا فارق المَجْلس لزم العَقْد في أصَحِّ الوجهين.
والثَّاني: لا يلزم إلا بالإلزام؛ لأنه لا يفارق نفسه، وإن فارق المجلس.
الجزء: 4 - الصفحة: 170
الثَّانية: لو اشترى من يعتق عليه كأبيه وابنه فَالَّذِي ذكره في الكتاب: أنه لا يثبت فيه خِيَارَ المَجلِس واتبع فيه الإمام، حيث نقل أنْ لا خيار فيه على المَشْهُور؛ لأنه ليس عقد مُغَابَنَة من جهة المشتري؛ لأنه وطن نفسه على الغَبْن المالي.
وأمَّا من جهة البائع فهو وإنْ كان عقد مُغَابَنَة لكن النظر السهونه عتاقة.
ثم حكى الأَوْدنِيّ: أنه يثبت تمسكاً بظاهر قوله: "لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلاَّ بِأَنْ يَجِدَهُ مَمْلوكاً فَيَشْتَرَيهُ فَيَعْتِقَهُ" 198.
فإنه يقتضي إنشاء إعتاق بعد العقد، والأكثرون بَنَوْا ثبوت الخِيَار في المَسْأَلة على الخِلاَف في أقوال الملك في زمن الخيار فإن قلنا إنه للبائع، فلهما الخيار ولا نحكم بالعتق، حتى يمضي زمان الخيار.
وإن قلنا: إنه موقوف فلهم الخِيَار أيضاً، فإذا أمضينا العَقْد تبيَّن أنه عتق بالشراء.
وإن قلنا: إنَّ الملك للمشتري فلا خيار له ويثبت للبائع، ومتى يعتق؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يحكم بالعِتْق حتى يمضي زمان الخِيَار، ثم يحكم حينئذ بعتقه من يوم الشراء.
والثاني: أنه يعتق في الحال، وعلى هذا هل يبطل خيار البائع؟ فيه وجهان كالوجهين فيما إذا أعتق المُشْتَرِي العبد الأجنبي في زمان الخيار على قولنا: إِنّ الملك له.
قال صاحب "التهذيب": ويحتمل أن يحكم بثبوت الخيار للمشتري أيضاً تفريعاً على أن الملك في زمان الخِيَار له، وأنَّ العبد لا يعتق في الحال؛ لأنه لم يوجد منه الرّضا إلا بأصل العقد، فإذا ما في الكتاب يخالف مقالة الأكثرين؛ لأن الصحيح من أقوال الخيار قول التَّوقف، أو قول انتقال الملك إلى المشتري على ما سيأتي، -إن شاء الله تعالى- وعلى التقدير الأول: يثبت الخيار لهما.
وعلى الثاني: يثبت للبائع، والمذكور في الكتاب نفيه على الإطلاق.
الثالثة: الصّحيح: أن بيع العبد من نفسه جائز، وعلى هذا فهل فيه خيار المجلس؟
الجزء: 4 - الصفحة: 171
قال في الكتاب: لا، وبمثله أجاب في "التتمة"، حيث نزله منزلة الكتابة 199.
وذكر أبو الحسن العبادي مع هذا وجهاً آخر: أنه يثبت فيه الخيار، ومال إلى ترجيحه.
الرابعة: ذكروا وجهين في ثبوت الخيار في شراء الجَمْد في شِدَّة الحَرّ، لأنه يتلف بمضي الزمان 200.
الخامسة: إنْ صححنا بيع الغائب، ولم نثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية فهذا البيع من صور الاستثناء، وكذا البيع بشرط نفي خيار المجلس إن صححنا البيع والشرط، وقد مرت المسألتان.
هذا هو الكلام في البيع بأنواعه، ولا يثبت خيار المجلس في صلح الحِطَيطَة والإِبْرَاء؛ لأنه شرع فيهما على يقين بأن لا حظَّ له فيهما، ولا في الإِقَالة.
إن قلنا: إنها فسخ.
وإن قلنا: إنها بيع ففيها الخيار، ولا يثبت أيضاً في الحِوَالة إن لم نجعلها معاوضة، وإن جعلناها معاوضة فكذلك في أظهر الوجهين؛ لأنها ليست على قواعد المعاوضات، إذ لو كانت كذلك لبطلت، لأن بيع الدَّيْن بالدَّيْن لا يجوز، ولا يثبت أيضاً في الشُّفْعَة للمشتري، وفي ثبوته للشفيع وجهان:
وجه الثبوت: أن سبل الأخذ بالشفعة سبل المعاوضات، أَلاَ تَرَى أنه يثبت فيه الرد بالعيب، والرجوع بالعهدة؟
ووجه المنع: أن المشتري لا خِيَار له، وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيد، فإن أثبتناه فعن بعضهم أن معناه: أنه بالخِيَار بين الأخذ والتَّرك ما دام في المَجْلس، هذا مع تفريعنا على قول الفور.
وغلّط إمام الحرمين ذلك القائل.
وقال الصحيح: أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك ورده، ومن اختار عين ماله المبيع من المفلس لزمه ولا خيار له.
وروى القاضي ابنْ كَجٍّ؛ أن أبا حسن حكى وجهاً: أنه بالخِيار ما دام في المجلس، وهذا شبيه بالخلاف في الشَّفيع، ولا خيار في الوَقْف كما في العِتْق ولا في الهِبَة إن لم يكن فيها ثواب، وإن وهب بشرط الثواب أو مطلقاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 172
وقلنا: إنه يقتضي الثواب فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يثبت، لأنه لا يسمى بَيْعاً والخبر ورد في المُتَبَايعين، ويثبت الخيار في القسمة إن كان فيها رد، وإلاَّ فإن جرت بالإجبار فلا خيار فيها، وإن جرت بالتَّراضي فينبني على أنها بيع إو إفراز حق.
إن قلنا: إفراز حتى لم يثبت.
وإن قلنا: بيع، فكذلك في أصح الوجهين.
وأما النوع الثاني، وهو العقد الوارد على المنفعة: فمنه النكاح، فلا يثبت فيه خيار المجلس للاستغناء عنه بسبق التَّأمل غالباً، ولا يثبت في الصَّدَاق المسمى أيضاً على أصح الوَجْهَيْن؛ لأن المال تبع في النكاح.
والثَّاني: يثبت، فإنَّ الصَّدَاق عقد مستقل، فعلى هذا إن فسخ وجب مَهْر المِثْل، وعلى هذين الوجهين ثبوت خيار المجلس في عوض الخُلْع، ولا مدفع للفُرْقَة بحال.
ومنه: الإِجَارة، وفي ثبوت خيار المجلس فيها وجهان:
أحدهما وبه قال الإِصْطَخْري وصاحب "التلخيص": يثبت؛ لأنها مُعَاوَضَة لازمة كالبيع، بل هي ضرب من البيع.
والثاني وبه قال أبو إِسْحَاق وابْنُ خَيْرَان: لا يثبت؛ لأن عقد الإِجَارة مشتمل على الغَرَر؛ لأنه عقد على معدوم والخيار غرر، فلا يضم غَرَر إلى غَرَر، وبالوجه الأول أجاب صاحب الكتاب، ورجحه صاحب "المهذب" وشيخه الكَرْخِيّ.
وذكر الإمام وصاحب "التهذيب" والأكثرون: أن الأصح هو الثاني.
وعن القَفَّال في طائفة: أن الخلاف في إجارة العَيْن.
أما الإجارة على الذمة فيثبت فيها خيار المجلس لا محالة، بناء على أنها مُلْحَقَةٌ بالسلم، حتى أنه يجب فيها قبض البَدَل في المَجْلس.
فإن قلنا بثبوت الخيار في إجارة العين فابتداء المدة يحسب من وقت انقضاء الخِيَار بالتفرق، أَمْ من وقت العقد؟
حكى الإمَامُ فيه خلافاً.
قيل: يحسب من وقت انقضاء الخيار؛ لأن الاحتساب من وقت العقد يعطل المنافع على المُكْتَرِي أو المكري، وعلى هذا لو أراد المكري أن يكريه من غيره في مدة الخيار، قال: لا مجيز له فيما أظن، وإن كان محتملاً في القياس.
والصحيح: أنه يحسب من وقت العَقْد، إذ لو حسب من وقت انقضاء الخيار
الجزء: 4 - الصفحة: 173
لتأخَّر ابتداء مدة الإِجَارة عن العقد، فيكون كإجارة الدَّار السنة القابلة وهي باطلة، وعلى هذا فعلى من تحسب مدة الخيار؟
إن كان قبل تسليم العَيْن إلى المستأجر فهي محسوبة على المكري.
وإن كان بعد التسليم، فوجهان مبنيان على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمان الخيار، من ضمان من يكون؟
أصحهما: أنه من ضَمَان المشتري، فعلى هذا هى محسوبة على المُسْتَأجر، وعليه تمام الأجرة.
والثَّاني: أنها من ضَمَان البائع، فعلى هذا يحسب على المكري، ويحطّ من الأُجْرة بقدر ما يقابل تلك المدة.
وأما المساقاة ففي ثبوت خيار المجلس فيها طريقان:
أظهرهما: أنه على الخِلاَف المذكور في الإِجَارة.
والثَّاني: القطع بالمنع، لأن الغَرَر فيه أعظم؛ لأن كل واحد من المتعاقدين لا يدري ما يحصل له، فلا يضم إليه غرر آخر.
والمسابقة كالإِجَارة، إن قلنا: إنها لازمة وكالعقود الجائزة، إن قلنا: إنها جائزة.
وقوله: "ولا يثبت فيما لا يسمَّى بَيْعاً"، يجوز إعلامه بالواو للوجوه الصَّائرة إلى ثبوته في الكتَابة والخُلْع، وسائر ما حكينا الخلاف فيه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيَنْقَطِعَ الخِيَارُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَتَمَام الرِّضَا، وَبِمُفَارَقَةِ المَجْلِسِ بالبَدَنِ، وَهَلْ يَبْطُلُ بالمَوْتِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا أنَّهُ لاَ يَبْطُلُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ (وح) فَيثْبُتُ لِلوَارِثِ، وَلَو فُرِّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى إِكْرَاهِ فَفِي بُطْلاَنِ الخِيَار خِلاَفٌ، وَيثْبُتُ عِنْدَ جُنُونِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِلقَيِّمِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما ينقطع به خِيَار المَجْلس وجملته، أن كل عقد ثبت فيه هذا الخيار فإنه ينقطع بالتَّخَاير، وبأن يتفرَّقا بأبدانهما عن مجلس العَقْد.
أما التخاير: فهو أن يقولا: تخايرنا أو اخترنا إمضاء العقد أو أمضيناه أو أجزناه، أو ألزمناه وما أشبهها.
ولو قال أحدهما: اخترت انقطع خياره، ويبقى خيار الآخر كما في خيار الشَّرْط إذا أسقط أحدهما الخيار.
وفي وجه: لا يبقى خيار الآخر أيضاً؛ لأن الخيار لا يتبعَّض في الثبوت، فلا يتبعض في السقوط.
الجزء: 4 - الصفحة: 174
ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر أو خيرتك، فقال الآخر: اخترت انقطع خيارهما جميعاً، وإن سكت لم ينقطع خِياره وينقطع خيار الْقَائِل في أَصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأن قوله: اختر رضا منه باللُّزوم، وقد روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ" 201.
ولو قال أحدهما: اخترت، وقال الآخر: فسخت، قدم الفسخ على الإجازة.
ولو تقابضا في المجلس، وتبايعا العوضين بيعاً ثانياً صح البيع الثَّانِي على المشهور، وهو قول ابْنِ سُرَيْجِ؛ لأن البيع الثاني منهما رضاً بلزوم الأول.
وعن صاحب "التقريب": أنه مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك؟
إن قلنا: يمنع لم يصح.
ولو تقابضا في عقد الصَّرف، ثم أجازا في المجلس، لزم العقد، وإن أجازاه قبل التقابض فوجهان:
أحدهما: أن الإجازة لاغية؛ لأن القبض متعلق بالمجلس، وهو باق فبقي حكمه في الخِيَار.
والثَّاني: أنه يلزم العقد وعليهما التَّقَابض 202، فإن تفرَّقا قبل القَبْض انفسخ العقد، ولا يعصيان إن تفرقا عن تَرَاضٍ، فإن انفرد أحدهما بالمُفَارَقة عصى.
وأما التفرق: فهو أن يتفرَّقا بأبدانهما، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة طويلة، أو قاما وتماشياً منازل فهما على خيارهما، هذا هو المذهب 203، ووراءه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = احتمالان في المذهبين:
الاحتمال الأول: وهو الصحيح في المذهبين أنه يبطل خياره لقوله: "أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ اخْتَرْ" فإنه غاية لثبوت الخيار، وهذا في حق قائله؛ ولأنه بهذا القول قد جعل لصاحبه ما ملكَه من الخيار فصارت بيده عقدة البيع أصالة عن نفسه ونيابة عن صاحبه.
والاحتمال الثاني: عدم بطلان خياره بل يبقى كما هو كأن لم يصدر منه هذا القول -قاسوه على ما لو جعل لزوجته الخيار في الطلاق فلم تختر شيئاً حيث يكون له طلاقها، ولا يسقط حقه منه بمجرد قوله لها اختاري نفسك إن شئت.
وقد أجيب عن هذا القياس بأنه في الطلاق جعل لها مالاً تملك فكان تمليكاً في حقها، فإذا لم تختر شيئاً فلم يوجد القبول الذي لا بد منه في التمليك فيبقى الطلاق على ملك صاحبه لعدم الناقل للملك، وهو العقد المركب من الإيجاب والقبول، ولم يجد سوى الإيجاب من طرف الزوج.
وههنا في البيع كل واحد منهما يملك الخيار فكان جعل الخيار لصاحبه إسقاطاً لحقه منه، والأسقاط لا يحتاج إلى قبول الطرف الثاني هذا في التخيبر بعد البيع، أما التخيير معه كأن تبايعا على أن لا خيار مجلس لهما.
فمذهب الحنابلة -صحة البيع والشرط.
ومذهب الشافعية فيه ثلاثة أوجه؛ وجه بعدم صحة البيع، وهو الأصح في المذهب، ووجه بصحة البيع وبطلان الشرط، وعلى هذا يكون لهما خيار المجلس كما لو لم يشرطا نفيه، ووجه بصحة البيع، والشرط حجة مذهب الحنابلة، والوجه الثالث من مذهب الشافعية هي السنة والمعقول.
أما السنة فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَه فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ" وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلاَّ أَنْ يَكُونَ البَيْعُ كَائناً عَنْ خِيَارٍ، فَإنْ كَانَ البَيْعُ عَنْ خِيَار وَجَبَ البَيْعُ" حيث رتب لزوم البيع على التبايع على الخيار، والمراد به اختيارهما لزوم البيع لا خيار الشرط، وإلا لتنافى مع قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ".
وأما المعقول -فمن وجوه:
الوجه الأول: قياسه على خيار الشرط جاز إسقاطه في المجلس فجاز إسقاطه في العقد، كذلك خيار المجلس جاز إسقاطه في المجلس فجاز في العقد، لأن ما أثر في المجلس أثر في العقد؛ لكون المجلس حريم العقد، وهذا قياس غريب إذ كيف يجوز قياس ما هو حكم العقد على ما لا يثبت إلا بالشرط.
الوجه الثاني: خيار المجلس جعل رفقاً بهما لتدارك ما قد يلحقهما من غبن، فجاز لهما شرط إسقاطه؛ لأنه حقهما.
الوجه الثالث: قالوا: الخيار في أصله غرر جوز للحاجة فجاز إسقاطه دفعاً للضرر.
وحجة الوجه الأول من مذهب الشافعية -هو القياس.
قالوا: إنه خيار يثبت بعد البيع فلم يجز إسقاطه قبله؛ لأنه إسقاط للشيء قبل تحقق سببه وهو لا يصح.
أصله خيار الشفيع يثبت بالبيع فلم يجز إسقاطه قبله، كما لو قال للمشتري: إشتر ولا شفعة لي، فإنه يجوز له الأخذ بالشفعة لعدم صحة هذا التنازل شرعاً، وإذا كان الشرط غير صحيح، فالبيع غير صحيح كذلك.
ثم قالوا إن الأحاديث التي استدل بها الحنابلة محمولة على ما بعد البيع.
وحجة الوجه الثاني من مذهب الشافعية- هو أن هذا الشرط لا يؤدي إلى الجهل بالعوض أو المعوض فلا يفسد العقد بفساده بل يلغو الشرط ويكون العقد صحيحاً والخيار ثابتاً.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 176
أحدهما: قال بعض الأصحاب: لا يزيد الخيار على ثلاثة أيام، لأنها نهاية الخِيَار المشروط شرعاً.
والثاني: أنه لو لم يتفرقا، ولكن شرعا في أمر آخر وأعرضا عمَّا يتعلّق بالعقد = قلنا فيما سبق: إن المراد بالفرقة فرقة الأبدان، فلو أقاما ما شاء الله أن يقيما لم يبرحا مكانهما أو مشيا معاً سوياً فراسخ وأميالاً، فالخيار باق ولكل منهما فسخ البيع أن أراد وهذا أمر متفق عليه، ولا يعول على رأي بعض الشافعية أنه لا ينبغي أن تزيد مدته على ثلاثة أيام كخيار الشرط، أو ألا يشرعا في أمر آخر بعد إعراضاً عن البيع عرفاً، فإنها آراء شاذة في المذهب -فضلاً عن أنها مصادقة لإطلاق الحديث.
وكذلك اتفقوا على أن أحدهما لو فارق المجلس وبقي الآخر فيه أن البيع يلزمهما معاً، وهذا بخلاف الاختيار حيث يلزم البيع المختار وحده.
أما وجه الفرق بينهما فلم أره لأحد.
ولعله هو أن الفرقة تشملهما معاً عرفياً فيما لو فارق أحدهما صاحبه فيصدق عليهما أنهما افترقا، وهذا بخلاف الاختيار لا يكون وصفاً لهما مما لو اختار أحدهما فقط، إنما يكون وصفاً له فاستتبع أثره من لزوم العقد في حقه.
والتفرق قد ورد مطلقاً في الشرع لم يبين له حد يرجع إليه عند الاختلاف، فدل ذلك على أن الشارع أراد ما يتعارفه الناس منه، فما عدوه تفرقا قطع الخيار، وما لم يعدوه لم يقطعه، وقد ضرب الفقهاء لذلك أمثلة كثيرة فيما لو كانا في بيت، أو سوق، أو صحراء، أو في عرض البحر في سفينة، وليس من شأننا استقصاء هذه الأمثلة ما دمنا قد بينا القاعدة التي تدور عليها وترد إليها.
أما هل يجوز: لأحدهما مفارقة صاحبه خشية أن يفسخ البيع؟ فنقول: اتفق الفقهاء على أن أحدهما لو فارق صاحبه لا على هذه النية بل لطارئ من الطوارئ التي تستدعي مفارقة المجلس جاز له ذلك.
بل لو فارق على نية إبرام البيع بدون أن يخاتل صاحبه أو يخادعه يكون موسعاً عليه -إن شاء الله تعالى-.
ولكنهم اختلفوا في المفارقة خشية الفسخ.
فالشافعية والظاهرية على حل ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقد استدلوا بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه-: "بعت من أمير المؤمنين عثمان مالاً بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع"، رواه البخاري، وهو صريح في أن المفارقة كانت خشية الرد.
والحنابلة على الصحيح عندهم على أن المفارقة على هذه النية حرام لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "البِيعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتْى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَه" رواه أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجة، ورواه أحمد، والبيهقي، وحسنه الترمذي، وهو نفي في الحرمة؛ لأنه نفي الحل من صيغ التحريم شرعاً.
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تلقاه الناس بالقبول، فصار المصير إلى العمل برواية هذه واجباً.
فقول ابن حزم لو صح هذا الحديث لقلنا به، ولكنه لم يصح لا يقدح في العمل بموجبه لتحسين الترمذي له.
وقد ذكر الأثرم عن أحمد أنه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال -هذا الآن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما الأولون فقد حملوا حديث عمرو هذا على الاستحباب، وجعلوه من باب الإرشاد، وحسن المعاملة، ولا دليل لهم على هذا ألبتة، وعلى أي حال فالمفارقة خشية الفسخ سواء كانت حلالاً أو حراماً قاطعة للخيار ملزمة للبيع لم يخالف في هذا أحد من الفقهاء الدين قالوا بمشروعية خيار المجلس؟ انتهى كلام شيخنا الشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 177
وطال الفصل انقطع الخيار، نقلة صاحب "البيان"،
ثم الرجوع في التَّفرق إلى العادة، فما يعده الناس تَفَرَّقاً يلزم به العقد، فلو كانا في دار صغيرة، فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد السَّطْح، وكذا لو كانا في مَسْجِدٍ صغير أو سَفِينَة صغيرة ..
وإن كانت الدَّار كَبِيرة، جعل التَّفرق بأن يخرج أَحَدُهما من البَيْت إلى الصَّحْراء، أو يدخل من الصَّحْن في بيت أو صُفَّة، وإن كانا في صحراء أو سوق فإذا ولى أحدهما ظهره الآخر ومشى قليلاً حصل التفرق، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- "إِذَا ابْتَاعَ شَيْئاً وَأَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ، قَامَ وَمَشَى قَلِيلاً" 204.
وعن الإِصْطَخْرِي: أنه يشترط أن يَبْعد بحيث إذا كلم صاحبه على الاعتياد من غير رفع الصَّوْت لم يسمع، ولا يحصل التَّفرق بأن يرخي بينهما ستر أو يشق بينهما نَهْر، وهل يحصل بأن يبني بينهما جدار من طين أو جصّ؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه في مجلس العقد، وألحقه الإمام بما إذا حمل أحدهما وأخرج، وسيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-.
وصَحْن الدار والبيت الواحد إذا تفاحش اتِّسَاعهما كالصَّحراء، ولو تناديا متباعدين وتبايعا، صح البيع، وما حكم الخيار؟
قال الإمام: يحتمل أن يقال: لا خيار؛ لأن التَّفرق الطَّارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في مَوْضعهما، وهذا ما أورده المُتَوَلِّي 205. ثم إذا فارق أحدهما موضعه وبطل خِيَاره، هل يبطل خِيَارُ الآخر أو يدوم، إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان للإمام 206.
ثم في الفَصْل ثَلاَثُ مسائل:
إحداها: إذا مات أحد المتبايعين في مجلس العقد، فقد نصّ في "المختصر" في البيوع: أن الخيار لوارثه، وفي المكاتب: أنه إذا باع ولم يتفرقا حتى مات المكاتب وجب البيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 178
وللأصحاب في النصين ثلاثة طرق:
أظهرها: أن في الصُّورتين قولين بالنقل والتخريج وبه قال القاضي أبو حامد وأبو إسحاق:
أحدهما: أنه يلزم البَيْع؛ لأنه خيار يسقط بمفارقة المَكَان، فبمفارقة الدُّنْيَا أولى.
وأصحهما: أنه لا يلزم، بل يثبت للوارث والسَّيِّد كخِيَار الشرط والعَيْب.
والثاني: القطع بثبوت الخِيَار للوارث والسيد.
وقوله "في المُكَاتب: وجب البيع"، أراد به أنه لا يبطل بموته كالكتابة.
والثَّالث: تقرير النَّصَّين، والفرق أنَّ الوارث خليفة المورث، فيقوم مقامه في الخيار، والسيد ليس خليفة للمُكَاتب، وإنَّمَا يأخذ ما يأخذ بحق الملك، والعبد المَأْذُون إذا باع أو اشترى ومات في المجلس كالمُكَاتب فيجيء فيه هذا الخِلاَف، وكذلك في الوَكِيل بالشِّرَاء إذا مات في المَجْلس، هل للموكل الخِيَار؟
وهذا إذا فرعنا على أن الاعتبار بِمَجْلس الوَكِيلِ في الابْتِدَاء وهو الصحيح، وروى وجه: أن الاعتبار بمجلس الموكل.
التفريع: إنْ لم يثبت الخِيَار للوارث فقد انقطع خيار المَيِّت.
وأما الحي ففي "التهذيب": أن خِيَاره لا ينقطع حتى يفارق ذلك المجلس.
وذكر الإمام تفريعاً على هذا القول: أنه يلزم العَقْد من الجانبين، ويجوز تقدير خلاف فيه لما مر، أن هذا الخيار لا يتبعض في السقوط كما هو في الثبوت 207.
وإن قلنا: يثبت الخيار للوارث، فإن كان حاضراً في المجلس امتد الخيار بينه وبين العاقد الآخر، حتى يتفرقا أو يتخايرا.
وإن كان غائباً فله الخيار، إذا وصل الخبر إليه، ثم هو على الفَوْرِ أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر إليه، فيه وجهان:
وجه الأول: أنَّ المجلس قد انقضى، وإنما أثبتنا له الخِيَار كيلا يعطل حقّاً كان للمورث.
ووجه الثاني: أن الوارث خليفة المورث فليثبت له مثل ما ثبت للمورث، وهذان
الجزء: 4 - الصفحة: 179
الوَجْهَان كالوَجْهَيْن في خِيَار الشرط إذا ورثه الوارث، وكان بلغ الخبر إليه بعد انْقِضاء مدّة الخِيَار، ففي وجه هو على الفور، وفي وجه: يدوم مثل ما كان يدوم للمورث لو لم يمت.
هذا ترتيب الأكثرين، وبنى بَانُون ثبوت الخِيَار للوارث على وَجْهَيْن نقلوهما في كيفية ثبوته للعاقد الباقي:
أحدهما: أنَّ له الخيار ما دام في مجلس العقد، فإذا فارقه بطل، فعلى هذا يكون خيار الوَارِث في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع ليتأمل ويختار ما فيه الحَظّ.
والثَّاني: أنَّ خياره يتأخَّر إلى أنْ يجتمع مع الوارث في مجلس واحد، فعلى هذا حينئذ يثبت الخيار للوارث 208.
فرع: إذا ورثه اثْنَان فصاعداً، وكانوا حضوراً في مجلس العقد، فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر، ولا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم على الأصح.
وإن كانوا غائبين عن المَجْلس، ففي "التتمة": أنا إن قلنا في الوارث الواحد: يثبت الخيار في مجلس مشاهدة المبيع، فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس واحد.
وإن قلنا له الخيار إذا اجتمع مع العاقِد، فكذلك لهم الخيار إذا اجتمعوا معه، ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم، ففي وجه لا ينفسخ في شيء.
والأصح: أنه ينفسخ في الكُلِّ كالمورث لو فسخ في حياته في البعض، وأجاز في البعض 209.
المسألة الثانية: إذا حمل أحد المُتَعَاقدين، وأخرج من المجلس مُكرهاً، نظر إن مُنع من الفسخ أيضاً بأن سُدَّ فوه لم ينقطع خياره على أظهر الطَّرِيْقَين 210، إذ لم يوجد منه ما يدل على الرِّضَا باللزوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 180
والثاني: أن في انقطاعه وجهان كالقولين في صورة الموت، وهنا أولى ببقاء الخيار؛ لأن إبطال حقه قهراً مع بقائه بعيد، فإن لم يُمنع من الفسخ فطريقان على العكس: أظهرهما: أنه في انقطاع الخِيَار وجهين:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: ينقطع، لأن سُكُوته عن الفَسْخ مع القدرة رضا بالإِمْضَاء.
وأصحهما: أنه لا ينقطع؛ لأنه مكره في المفارقة وكأنه لا مفارقة، والسكوت عن الفَسْخ لا يبطل الخياركما في المجلس.
الثاني: القطِع بالانقطاع، وهو اختيار الصَّيْدَلاَني، فإن قُلْنَا: ينقطع خياره، انقطع خيار المَاكث أيضاً، وإلا فله التَّصرف بالفَسْخ والإجازة إذا وجد التمكن، وهل هو على الفور؟ فيه ما سبق من الخلاف.
فإن قلنا: لا، وكان مستقرّاً حين زايله الإِكْرَاه في مجلس ابتداء الخِيَار امتد الخيار امتداد ذلك المَجْلس، وإن كان مارّاً فإذا فارق في مروره مكان التَّمكن، انقطع خياره وليس عليه الانْقِلاَب إلى مجلس العقد ليجتمع مع العاقد الآخر إن طال الزمان، وإن لم يطل ففيه احتمال عند الإمام.
وإذا لم يبطل خيار المُخْرَج لم يبطل خيار المَاكث أيضاً، إن منع من الخروج معه، وإن لم يمنع بطل في أصح الوجهين .. ولو ضربا حتى تفرقا بأنفسهما، ففي انقطاع الخيار قولان كما في حنث المكره.
ولو هرب أحدهما لم يتبعه الآخر مع التمكن بطل خيارهما، وإن لم يتمكَّن من متابعته، ففي "التهذيب": أنه يبطل خِيَار الهَارِب دون الآخر 211.
المسألة الثالثة: إذا جُن أحد المتعاقدين أو أغمي عليه لم ينقطع الخيار، لكن يقوم وَلِّيُه أو الحاكم مقامه، فيفعل ما فيه الحَظِّ من الفسخ والإجازة.
وفيه وجه مخرج من الموت، أنه ينقطع، وعلى المذهب: لو فارق المجنون مجلس العقد.
قال الإمام: يجوز أن يقال: لا ينقطع الخيار؛ لأن التصرف انقلب إلى القوام عليه، ويعارضه أنه لو كان كذلك لكان المجنون كالموت.
ولو خرس أحد المتعاقدين في المجلس، فإن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة، فهو على خياره، وإلاَّ نصب الحاكم نائباً عنه.
وقوله: "في مسألة الموت": فيه قولان يجوز إعلامه بالواو، للطريقين الآخرين.
الجزء: 4 - الصفحة: 181
وقوله: "كخيار الشرط" معلّم -بالحاء والألف- لأن عند أبي حنيفة وأحمد خِيَار الشَّرط غير موروث، وبالواو أيضاً؛ لأن عن صاحب "التقريب": أن بعض أئمتنا خرج قولاً من خيار المجلس في خيار الشرط: أنه لا يورث.
وقوله: "ويثبت عند جنون أحد المتعاقدين"، معلَّم بالواو لما مر.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَا في جَرَيَانِ التَّفَرُّقِ، فَالأَصْلُ عَدَمُهُ، ومَنْ يَدَّعِيهِ يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ، وَلَوْ تنَازَعَا في الفَسْخِ بَعْدَ الاتِّفَاقِ عَلَى التَّفَرُّقِ، فَالأَصْلُ عَدَمْ الفَسْخِ (و).
قال الرافعي: في الفصل صورتان هَيِّنتا الخطب.
إحداهما: لو جاء المُتَعَاقِدَان معاً، فقال أحدهما: تفرقنا بعد البيع، وأنه قد لزم، وأنكر الثَّاني التفرق وأراد الفسخ، فالقول قول الثاني مع يمينه؛ لأن الأصل دوام الاجْتِمَاع، وعلى من يدعي خلافه البينة 212.
ولك أن تقول: هذا بين إن قصرت المُدَّة، ولكنها إن طالت فدوام الاجتماع خلاف الظاهر، وإن كان على وفاق الأصل، فلا يبعد تخريجه على الخلاف المشهور في تعارض الأصل والظاهر، والأصحاب لم يفرقوا بين الحالين.
الثَّانية: اتَّفقا على التَّفرق، وقال أحدهما: فسخت قبله وأنكر الآخر، فالقول قول الآخر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ، وعلى المدعي البينة، هذا هو الظاهر، وبه أجاب في الكتاب.
وعن صاحب "التقريب": أن القول قول من يدعي الفسخ؛ لأنه أعرف بتصرفه.
ولو اتفقا على عدم التفرق وتنازعا هكذا.
ففي "التهذيب": أن دعوى مدعي الفسخ فسخ.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي: الشَّرْطُ قَالَ عَلَيهِ السَّلاَمُ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَكَانَ يُخْدَعُ في البُيُوعِ: إِذَا بَايَعتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ، وَاشْتِرَاطُ الخِيَارِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ، وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ (م)، وَلاَ التَّقْدِيرُ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَلاَ الإِبْهَامُ في أَحَدِ العَبْدَينِ.
قال الرافعي: الأصل في خيار الشَّرْط الإجماع، وما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "إذَا
الجزء: 4 - الصفحة: 182
بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ" 213.
وروي أنَّ ذلك الرجل كان حبان بن منقذ 214 أصابته أمة في رأسه، فكان يخدع في البيع، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ، وَجَعَلَ الْخِيَارَ ثَلاَثاً" وفي رواية، "وَجَعَلَ لَهُ بِذَلِكَ الخِيَارَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ".
وفي رواية "قُلْ: لاَ خِلاَبَةَ وَلَكَ الْخِيَارُ ثَلاَثاً" 215.
وهذه الروايات كلها في كتب الفقة، ولا تلقى في مشهورات كتب الحديث سوى الرواية المقتصرة على قوله: "لاَ خِلاَبَةَ".
وهذه الكلمة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثاً 216، فإذا أطلقاها عالمين
الجزء: 4 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الثاني وإن احتمل هذين التأويلين إلا أنه في الثاني أظهر بخلاف النص الأول؛ فهو في الأول منهما أظهر فهذان نصان متعاكسان في حد ذاتهما، وإن كانا من حيث السياق لا يحتملان إلا المعنى الأول وإلا لما جعلهما ابن حزم من جملة أخصامه.
ويقول النووي: "فرع في مذاهب العلماء في شرط الخيار، وهو جائز بالإجماع واختلفوا في ضبطه فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها، وبه قال أبو حنيفة، وعبد الله بن شبرمة وهذا النقل يؤخذ منه أن ابن شبرمة موافق للجمهور يمكن تلخيص المهم من أدلة ابن حزم من عرض كلامه الذي صال فيه على الفقهاء جميعاً بلسان لاذع وطعن جارح فيما يأتي:
الدليل الأول: البيع مع اشتراط الخيار باطل لبطلان هذا الشرط؛ لأنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكل شرط شأنه كذلك فهو باطل بنص قوله -عليه الصلاة والسلام-: "مَا بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كتَاب اللهِ.
مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ اشْتَرَطَهُ مَائَة مَرَّةٍ، وَإِنْ كَانَ مَائَةَ شَرْطٍ.
كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ.
وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ" والحديث -وإن لم يتعرض إلا لكتابَ الله- إلا أن سنة رسوله مثله؛ لأن الله أمر بطاعته في كتابه فمن أطاعه فكأنما أطاع الله.
ويلاحظ هنا أن ابن حزم ينكر أشد إنكار الأدلة التي ساقها الجمهور تأييداً لمشروعية اشتراط الخيار.
الدليل الثاني: ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يَفْتَرِقُ بَيْعَانِ إلاَّ عَنْ تَرَاضٍ" وهذا حديث مرسل كما يعترف ابن حزم نفسه، ولكنه يقول: إن القوم يفتخرون باتباع المرسل، والاحتجاج به، وسع ذلك فقد خالفوا هذا الحديث؛ لأن اشتراط الخيار لا يكون منه الرضا بالبيع، وكل من قال بجواز اشتراطه جوز للعاقد أن يفارق صاحبه مع بقاء الخيار فيكون الافتراق لا عن تراض.
الدليل الثالث: يزعم ابن حزم أنه لا يكون هناك بيع إلا ويعقبه انتقال ملك ولا بد.
فيقال لهؤلاء القوم.
هل ينتقل الملك في زمن الخيار أم لا ينتقل؟ فإن قالوا: لا.
فهو عن قولنا.
إن هذا البيع غير صحيح.
لأنه لا معنى لصحته إلا استتباع آثاره.
وإن قالوا: نعم.
فلم الخيار، وقد تم البيع وانتقل الملك؟ وإن قالوا ينعقد في حق من ليس له الخيار ولا ينعقد في حق من له الخيار.
قيل لهم هذا تخيلط؛ لأنه لا يكون هناك بيع إلا وهناك بائع ومبتاع وقد اقتصرتم على أحدهما.
الدليل الرابع: قياس البيع على النكاح يجامع أن كلاً منهما عقد معاوضة لازم.
والنكاح لا يجوز فيه اشتراط الخيار، وهذا أمر مجمع عليه، فكذلك يجب أن يكون البيع.
وهذا دليل يورده ابن حزم على الجمهور إلزاماً لأنه غير قائل بالقياس.
هذا هو أهم ما يؤخذ من أدلة ابن حزم على إبطاله البيع الذي اشترط فيه الخيار.
وله غير هذه الأدلة.
آثرنا تركه إما لوضوح بطلانه.
وإما لأنه يؤخذ عليه لا له.
وهناك أدلة غير هذه أيضاً تذكرها كتب الخلاف ناسية لها إلى من قال بعدم جواز اشتراط الخيار في البيع.
نذكرها تتميماً للبحث وإيفاء لحقه.
نلخصها فيما يلي:
أولاً: البيع مع اشتراط الخيار غرر.
وقد نهى الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الغرر.
أما وجه الغرر فيه؛ فلأنه لا يدري أيتم البيع أم ينقص؟ ولا متى يتم؟ وهذه جهالة فاحشة لا =
الجزء: 4 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تحتملها عقود المعاوضات المالية.
ولأن البيع مع اشتراط الخيار في قوة المعلق، كأنه قال بعتك هذا الشيء إن أخذت إمضاء البيع، وتعليق البيع يبطله؛ لأنه لا يدري متى ينعقد؟ ولا أينعقد أم لا؟ وهذه مخاطرة بالأموال تشبه القمار.
ثانياً: شرط الخيار مخالف لمقتضى العقد.
لأن مقتضاه اللزوم، وشرط الخيار يجعله غير لازم.
وكل شرط يخالف مقتضى العقد فهو باطل!!! هذه هي أدلة المانعين لاشتراط الخيار في البيع عرضنا لها عوضاً موجزاً سريعاً.
فإما أدلة المجوزين -وهم جماهير العلماء- فإنهم استدلوا بأدلة من السنة والمعقول.
أما أدلتهم من السنة: فتنحصر في أربعة أحاديث:
الحديث الأول: ما رواه عبد الرازق في مصنفه من حديث أبان بن أبي عباس عن أنس -رضي اله عنه-: "أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً واشترط عليه الخيار أربعة أيام.
فأبطل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البيع وقال: "الخِيَارُ ثَلاثَةُ أيَّامٍ" وهذا حديث صريح في جواز اشتراط الخيار في البيع، وأنه إلى ثلاثة أيام.
الحديث الثاني: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ" أخرجه الدارقطني في سننه من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة.
الحديث الثالث: ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ" حديث صحيح.
ووجه الاستدلال به على المطلوب هو أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- استثنى من لزوم البيع في حال الافتراق البيع الذي عقد على الخيار.
وهذا هو البيع مع اشتراط الخيار.
الحديث الرابع: وهو أعظم ما عول عليه القوم في هذا المقام فما روي أن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري كان يغبن في البياعات، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ، وَلِي الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ" روي هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب كثير من الحنفية كفتح القدير والزيلعي والمبسوط.
وهذه الرواية أصرح روايات هذا الحديث الذي روي بألفاظ كثيرة، من حيث يريد الفقهاء أن يستدلوا بها على مشروعية خيار الشرط، ولذا آثرنا ذكرها دون غيرها.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب هو أمره -عليه الصلاة والسلام- لحبان أن يشترط الخيار لنفسه، ليدفع عنها الغبن الذي يلحقه من جراء انخداعه في البياعات، إذا ما تبين له ذلك فيما بعد بفسخة البيع واسترداده الثمن إن كان قد دفعة.
وأما المعقول: فهو أن الحاجة قد تدعو إلى هذا النوع من البيوع -أعني اليع مع شرط الخيار-.
إما لأن العاقد غير خبير بالسوق أو بالسلعة فيحتاج إلى شرط الخيار لنفسه أو لغيره ممن يرى فيه الكفاءة ويثق في ذمته ونصحه ليدفع عن نفسه مغبة الغبن والخديعة.
وإما لأنه يريد أن يختبر المبيع حتى يرى ما إذا كان يحقق الغرض الذي ابتاعه من أجله؟.
وإما لأنه يريد أن يعرضه على صديق له أو قريب يهمه أن يكون راضياً عن السلعة.
وهكذا من الأغراض الوجيهة التي لا يمكن للعاقد إن يقطع برأي حاكم فيها حين العقد، ويحتاج أن يتروى فيها، ويتثبت غاية التثبت حتى يكون الرضا قائماً على أساس قوي، وركن متين من العلم الصحيح، فيشترط الخيار حتى إذا لم يعجبه فسخ البيع وتخلص من لزومه له.
وفي مثل هذا بقول صاحب =
الجزء: 4 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المبسوط: "إذا كان بعض العقود يجوز للحاجة كالإجارة فجواز خيار الشرط أولى" ولعل وجه قول صاحب المبسوط هذا هو أن الإجارة كالبيع بل هي في حقيقة الأمر نوع منه؛ لأنها بيع المنفعة، وإن اختصت بأحكام خاصة والمبيع في البيع يشترط فيه أن يكون مقدور التسليم.
والمنفعة في الإجارة ليست كذلك؛ لأنها معدومة في الحال فهي غير مقدورة التسليم، وحتى هي في المستقبل لا توجد إلاَّ شيئاً شيئاً.
ولكنها مع هذا جوزت للجاجة الداعية إليها؛ لأنه ليس كل واحد قادراً على تملك العين فلو لم تجز لتعطلت منافع الناس وشق عليهم هذا الأمر.
فإذا كان بعض العقود التي هي الأصل يجوز للحاجة فأولى أن يجوز شرط الخيار للحاجة؛ لأنه وصف للعقد يمنع من لزومه والوصف كالفرع.
وأنه يتسامح في الفروع ما لا يتسامح في الأصول.
هذا وقد أغرب بعض العلماء على ما لهم من تجلة واحترام فقال بأن شرط الخيار أمر مجمع على جوازه حتى جعله النووي أقوى ما يستدل به في هذا المقام.
ويرد على ابن حزم من حيث الدليل الأول القائل.
شرط الخيار شرط ليس في كتاب الله، وكل شرط كذلك فهو باطل.
بأن المراد ليس في كتاب الله ما يخالفه بدليل قوله فيما بعد: "قضاء الله أحق وشرط الله أوثق" فإن أبيت ذلك وحملت الكلام على ظاهره فلا نسلم لك أن هذا الشرط ليس في كتاب الله.
كيف وهو في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنة رسوله ككتابه باعترافك أنت؟ فإن زعمت أنها لا تثبت مشروعية خيار الشرط لضعف بعضها، ولعدم دلالة البعض الآخر قلنا لك، إذا فقد انتقل النزاع بيننا وبينك إلى الأحاديث هل تدل أو لا تدل؟ فإن رأيت أنت أنها لا تدل فنحن نرى أنها تدل.
فدع هذا الدليل بمعزل وخصه معنا في هذه الأحاديث.
سلمنا لك أن هذه الأحاديث لا تدل على مشروعية خيار الشرط، فماذا تريد بقولك شرط الخيار شرط ليس في كتاب الله؟ أتعني ليس فيه بخصوصه أم ليلى.
فيه بعمومه؟ إن عنيت الأول.
قلنا لك نعم.
فكان ماذا؟ أتزعم وكل شرط ليس في كتاب الله بخصوصه فهو باطل؟ فمن أين لك هذا؟ والحديث نفسه لا يدل على ما ذكرت فهذه دعوى عريضة تحتاج إلى البرهان، ولن تجد إليه سبيلاً.
وإن عنيت الثاني.
قلنا لك: لا.
لأنه في كتاب الله بهذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والبيع مع اشتراط الخيار عقد يجب الوفاء به ولكن في حدود الشرط أي أنه يجب على من لا خيار له من العاقدين أن يوفر على العاقد الآخر حقه الذي اكتسبه بشرط الخيار؛ لأن هذا الشرط يعتبر كذلك عقداً إذ لا بد فيه من نراضي الطرفين عليه كالعقود.
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلاَّ شَرْطاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً" وشرط الخيار لم يحل حراماً، ولم يحرم حلالاً، فيكون واجب الوفاء، ولا يكون كذلك إلا إذا كان صحيحاً معتبراً شرعاً.
ومن حيث الدليل الثاني "لا يفترق بيعان إلا عن تراض" قولك فيه النهي عن بقاء الخيار بعد التفرق مسلم، والمراد به خيار المجلس، فإن زعمت أن الحديث عام، قلنا هو مخصوص بأحاديث خيار الشرط جمعاً بين الأدلة.
ومن حيث الدليل الثالث القائل: لا يكون بيع إلا ويكون معه نقل ملك ولا بد الخ.
نقول له: نختار أن الملك لا ينتقل ولا يلزمه عدم صحة البيع كما تزعم، بل يكون العقد صحيحاً، ويتأخر الملك لوجود المانع، وهو خيار الشرط ومن المعلوم أن المانع لا يبطل المقتضى، ولا يسلبه سببيتة بدليل أنه إذا زال عمل المقتضى عمله.
أو تختار أنه ينتقل وقولك لا فائدة إذا من الخيار غير =
الجزء: 4 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .217218219220 = صحيح.
بل هنا الفائدة محققة؛ لأن الملك وإن انتقل به عندنا فإنه ينتقل لا على سبيل اللزوم بل على الجواز.
فتكون فائدة الخيار حينئذ هي جواز فسخ البيع إن لم يوافق رغبة العاقد، وهي فائدة جليلة.
والذي لبس الأمر عليك ظنك أن الملك إذا انتقل انتقل على اللزوم وفي هذا ننازعك.
ومن حيث الدليل الرابع قياس البيع على النكاح فهو قياس مع الفارق من جملة وجوه:
الجزء: 4 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .221222223224 = بن ميسرة وقد ضعفه الدارقطني.
وقال ابن حبان.
لا يحل الاحتجاج به.
ولذا فأغلب العلماء على عدم الاعتداد بهما في أدلة خيار الشرط.
ومن حيث الحديث الثالث: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ" فهو إنما يدل للجمهور لو كان قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إلاَّ بَيْعُ الخِيَارِ" مستثنى من لزوم البيع في حال التفرق، كما ذهب إلى هذا فريق منهم.
أما إذا كان مستثنى من ثبوت الخيار للمتبايعين مدة عدم افتراقهما عن مجلس العقد، فهو بعيد كل البعد عن الاحتجاج به لهذا المذهب.
إذ يكون معنى الحديث على هذا أن الخيار الثابت بالعقد ينتهي بأحد الشيئين؛ إما بالتفرق عن مجلس البيع؛ وإما باختيار البيع في أثناء قيام المجلس المذكور.
والحديث أما يحتمل الوجه الذي ذكروه يحتمل هذا الوجه أيضاً، وكان يكفينا هذا في عدم صلاحية الحديث للاحتجاج به على مشروعية خيار الشرط.
فكيف والتأويل الذي ذكرناه هو الموافق لأحاديث أخر في معناه نذكر منها هذا الحديث: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" وربما قال: "أَوْ يَكُونَ بَيْعَ الخِيَارِ" فقد بينت هذه الرواية أن المراد بقوله: "بَيْع الخِيَارِ" هو أن يقول أحدهما لصاحبه اختر، لا سيما وجميع روايات هذا الحديث الصحيحة قد وردت من طريق ابن عمر -رضي الله عنه-.
ومن حيث الحديث الرابع: وهو قوله -عليه الصلاة والسلام- لحبان بن منقذ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ وَليَ الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ"، فقد ورد هذا الحديث بروايات كثيرة، نكتفي منها بذكر أربع روايات تجمع شتيتها:
الجزء: 4 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحديث ثم قال: وهو لا يمس المطلوب".
وأما الرواية الثانية: فهي -وإن ذكر فيها الخيار ومدته- فقد ذكرا لا على سبيل الشرط وإنما لبيان مدة الخيار الذي استفيد من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ" فتكون مدة هذا الخيار خيار الغبن مقدرة شرعاً بثلاثة أيام ولهذا تكون هذه الرواية بمنأى عن إثبات شرط الخيار كالأولى لأنها بيان لها.
وأما الرواية الثالثة: فيحتمل أن يكون -ولك الخيار ثلاثاً- جملة مستأنفة ذكرت لبيان مدة خيار الغبن شرعًا، فتكون كالرواية الثانية من حيث المعنى، وهذا هو المتبادر ويحتمل أن يكون عطفاً على: "لاَ خُلاَبَةَ" فيكون مأموراً بهذين القولين أعني أنه يجب عليه -ليكون له حق فسخ البيع- أن يشترط عدم الخلابة، وأنه بالخيار ثلاثة أيام -وهذه الرواية تدل على المطلوب من هذا الوجه بتعسف.
ولكن لما كان التأويل الأول هو الموافق للرواية الثانية الصريحة فيه، وجب أن يكون هو المتعين.
لا سيما والحديث بجميع رواياته قيل في واقعة واحدة.
وأما الرواية الرابعة: فصريحة في اشتراط الخيار ومدته ولكن هذه الرواية لم تذكر في كتب الحديث، ولذلك يقول الشوكاني: "قال ابن الصلاح.
وأما رواية الاشتراط فمنكرة لا أصل لها" وبمثل هذا قال النووي في المجموع ناسباً هذه الرواية إلى الوسيط وبعض كتب الفقه وإذ ظهر أمر هذه الرواية من الضعف والتهافت أصبحنا في حل من إهدارها وعدم التعويل عليها.
ثم هي -على فرض التسليم بصحتها جدلاً- لا تدل على جواز شرط الخيار في البيع إلا إذا تقدمه شرط عدم الخلابة أيضاً؛ لأنه مأمور بالقولين معاً.
وشاء عليه.
إذا ظهر له غبن رد وإلا فلا.
مع أن شرط الخيار الذي قال بجوازه الجمهور لا يشترط فيه تقدم شرط عدم الخلابة.
وله مع ذلك.
الرد، ولو لم يكن هناك غبن نعم قد يمكن أن يقال: إن شرط عدم الخلابة إنما هو تصريح بحكمة مشروعية اشتراط الخيار.
ومن المعلوم المقرر أن الحكمة لا يلزم طردها في جميع أفراد موضوعها، وإذا فيصح شرط الخيار بدون لا خلابة مثلاً.
وله أن يرد المبيع ولو لم يكن هناك غبن لما بينا أن الحكمة لا يلزم طردها ولكن مثل هذا اعتساف للكلام، وخروج به عن مواضعه فضلاً عن أنه مبني على رواية ضعيفة لا أصل لها.
ولكن من أين أخذ الفقهاء هذه الرواية، وأمرها ما ذكرنا لعلهم أخذوها من الرواية الثالثة من الروايات الأربع التي ذكرنا مؤولين لها التأويل الثاني الذي شرحناه إذ هو موافق لهذه الرواية في المعنى.
هذا وأما الكلام على سند هذا الحديث -بجميع رواياته التي صرح فيها بالخيار ومدته-، وأنه من رواية رجل مدلس-، أو أن هذا الحديث خاص بذلك الرجل الذي قيل في شأنه-، فنرى أن له موضعاً هو به أليق، وهو خيار الغبن.
وأما المعقول: هذا ما يرد على الجمهور من حيث الأحاديث التي أيدوا بها مذهبهم.
وأما المعقول الذي ذكروه لتبرير جواز شرط الخيار -وهو أن الحاجة قد تدعو إليه- فيكفي في دفعه أنه شرط يخالف مقتضى العقد كما يدعون، وما هذا شأنه يجب رده لا اعتباره.
وقياسه على الإجارة لا يصح، لأنه قد ورد النص بجوازها.
فإن قيل وقد ورد النص بجواز شرط الخيار.
قلنا أين هو وقد رأيتم مبلغ ما ذكرتم؟ على أن هذا يطرح المعقول جانباً ويجعل الكلام دائراً حول النصوص فحسب!!! اهـ كلام شيخنا الشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 189
بمعناها كان كالتَّصْريح بالاشْتراط، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار، وإن علم البائع دون المشتري، ففيه وجهان عن ابن القَطَّان:
أحدهما: لا يثبت لعدم التَّرَاضي.
والثاني 225 يثبت لظاهر قوله:"قُلْ لاَ خِلاَبَةَ، وَلَكَ الْخُيَارُ ثَلاَثاً".
وأما اللفظة المروية في الكتاب، وهي قوله: "وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلاتة أَيَّامٍ"، فلا تكاد توجد في كتب الحديث ولا الفقة، نعم في شرح "مختصر الجويني" للموفق بن طاهر "قُلْ: لاَ خِلاَبَةَ وَاشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلاَثاً"، وهما متقاربان.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث صور:
إحداها: لا يجوز شرط الخِيَار أكثر من ثلاثة أيّام ولو زاد فسد العقد؛ لأن الخيار غرر، فلا يزاد على ما ورد به الخبر.
وقال مالك: تجوز الزيادة بحسب الحاجة حتى لو اشترى ضَيْعَة يحتاج النَّظر فيها إلى شهر فصاعداً يجوز شرطه.
وعن أحمد: تَجْوِيز الزِّيَادة من غير تَحْدِيد، ويجوز شرط ما دون الثَّلاَث بطريق الأَوْلَى، لكن ولو كان المَبِيع مِمَّا يتسارع إليه الفَسَاد فيبطل البيع أو يصح، ويباع عند الإِشْرَاف على الفساد، ويقام ثمنه مقامه.
حكى "يحيى اليمن" عن بعض من لقيه فيه وجهين 226.
وقال مالك: إن كان المبيع مِمَّا يعرف حاله بالنَّظَر ساعة أو يوماً لم تَجُزِ الزيادة، ويشترط أن تكون المُدَّة مُتَّصلة بالعقد حتى لو شرطا خيار ثلاثة، فما دونها من آخر الشهر أو متى شاء، أو شرطا خيار الغد دون اليوم فسد العقد؛ لأنه إذا تراخت المدة عن العقد لزم، وإذا لزم لم يعد جائزاً، ولهذا لو شرطا خيار الثلاثة ثم أسقط اليوم الأول، سقط الكل.
الثانية: لا يجوز شرط الخِيَار مطلقاً، ولا تقديره بمدة مجهولة، ويفسد العقد به خلافاً لمالك، حيث قال: يصح، ويحمل على ما تقتضيه العادة فيه، لنا القياس على الأجل.
ولو شرطا الخيار إلى وقت طلوع الشمس من الغد جاز، ولو قالا: إلى طلوعها.
الجزء: 4 - الصفحة: 190
فعن الزبيري: أنه لا يجوز؛ لأن السماء قد تكون متغيّمة فلا تطلع وهذا بعيد، فإن التَّغيم إنما يمنع من الإشراق واتِّصال الشعاع لا من الطلوع، وفي الغروب لا فرق بين أن يقولا: إلى الغروب، أو إلى وقت الغروب بالاتفاق 227.
ولو تبايعا نهاراً بشرط الخِيَار إلى اللَّيل أو بالعكس لم يدخل فيه الليل والنهار، كما لو باع شيئاً إلى رمضان لا يدخل رمضان في الأجل.
وقال أبو حنيفة: يدخل اللَّيل والنهار.
الثَّالثة: لو باع عبدين بشرط الخِيَار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، كما لو باع أحدهما لا على التعيين.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يجوز في العبدين والثَّوبين والثَّلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد، كما قال في البيع، ولو شرطا الخِيَار في أحدهما على التَّعيين، ففيه قولاً الجمع بين مختلفي الحكم، وكذا لو شرطا في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر خيار يومين، فإن صحَّحنا البيع ثبت الخيار فيما شرط، وكما لو شرط فيهما ثم أراد الفسخ في أحدهما، فعلى قولي تفريق الصَّفقة في الرد بالعيب.
ولو اشترى اثنان شيئاً من واحداً صفقة واحدة بشرط الخيار، فلأحدهما الفسخ في نصيبه، كما في الرَّد بالعيب، ولو شرط لأحدهما الخيار دون الآخر، ففي صحة البيع قولان: الأصح: الصحة.
فرع: ابتاع على شرط أنه إن لم ينقده الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أو باع على شرط أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهذا شرط فاسد، كما إذا تبايعا على شرط أنه إنْ قدم زيد اليوم فلا بيع بينهما.
وعن أبي إسحاق: أنه يصح العقد، والمذكور في الصورة الأولى شرط الخيار للمشتري، وفي الثانية شرطه للبائع -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ عِنْدَ الاِطْلاَقِ مِنْ وَقْتِ العَقْدِ لاَ مِنْ وَقْتِ التَّفَرُّقِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يتوَقَّفُ الفَسْخُ بِهِ عَلَى حُضُور (ح) الخَصْمِ وَقَضَاءِ القَاضِي (ح).
قال الرافعي: إذا تبايعا بشرط الخِيَار ثلاثة فما دونها، فابتداء المُدَّة مِنْ وَقْت العَقْد أو التفرق فيه وجهان:
أصحهما: من وقت العقد، وبه قال ابن الحَدَّاد لأن ثبوته بالشرط، والشرط وجد في العقد.
الجزء: 4 - الصفحة: 191
والثاني: من وقت التَّفرق أوالتَّخاير، ونقل الإمام عمن صار إليه تعليلين:
أحدهما: أن الخِيَارين متماثلان، المِثْلان لا يجتمعان.
والثاني: أن الظاهر، أن الشَّارط يبغي بالشَّرط إثبات ما لولا الشرط لما ثبت، وخيار المجلس ثابت وإن لم يوجد الشَّرط فيكون المقصود ما بعده.
ولك أن تقول: أما الأول فليس الخِيَار إلاَّ واحداً، لكن له جهتان: المجلس والشرط، وذلك لا بعد فيه، كما أنه قد يثبت الخِيَارُ بجهة الخلف والعيب معه.
وأما الثَّاني: فتنزيل الشرط على ما ذكره يورث الجَهَالة؛ لأن وقت التَّفرق مجهول.
والوجهان على ما روى الشيخ أبو علي وغيره مطَّردان في الأجل لكن بالترتيب، إن جعلنا الخيار من وقت العقد فالأجل أولى، وإلاَّ فوجهان، والفرق أن الأجل لا يثبت إلاَّ بالشَّرط، فالنظر فيه إلى وقت الشَّرْط، والخيار قد يثبت من غير شرط، فمقصود الشَّرْط إثبات ما لولاه لما ثبت، وأيضاً فإنَّ الأجل وإن شارك الخيار في منع المطالبة بالثَّمن لكنه يخالفه من وجوه، واجتماع المختلفين غير مستنكر.
التفريع: إن قلنا بالأول، فإذا انقضت المدة وهما مصطحبان بعد، انقطع خيار الشَّرْط، وبقي خِيَار المجلس، وإن تَفَرَّقا والمدة باقية فالحكم بالعكس، ولو أسقطا أحد الخِيَارين لم يسقط الآخر، ولو قالا: ألزمنا العقد وأسقطنا الخيار مطلقاً سقطا، ولو شرطا الاحتساب من وقت التفرق بطل الشرط والعقد؛ لأنه مجهول.
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنهما صحيحان.
وإن قلنا بالوجه الثاني، فإذا تفرقا انقطع خيار المَجْلس، واستؤنف خِيَار الشَّرط، ولو أسقطا الخيار قبل التفرق بطل خيار المجلس، ولا يبطل الآخر في أصح الوجهين؛ لأنه غير ثابت بعد، ولو شرطا الاحتساب من وقت العَقْدِ فوجهان:
أصحهما: صحَّة العقد والشَّرط، وبناهما الإمام على التعليلين السابقين، إن علّلنا باجتماع الخِيَارين بطلا، وإلاَّ صحا؛ لأن التَّصريح بالاحتساب من العقد يبين أنه ما أراد بالشرط ما بعد التفرق، ولو شرط الخيار بعد العقد وقبل التفرق، وقلنا بثبوته فالحكم على الوجه الثاني لا يختلف.
وعلى الأول فالاحتساب من وقت الشرط لا من وقت العقد ولا من وقت التفرق، هذا شرح إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: لمن له خيار الشَّرط من المتعاقدين فسخ العقد حضر صاحبه أو غاب، وبه قال مالك وأحمد.
الجزء: 4 - الصفحة: 192
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- ليس له الفَسْخ إلاَّ بحضور صاحبه.
لنا: أنه أحد طرفي الخِيَار فلا يتوقف على حضور المتعاقدين كالإجازة، وأيضاً فإنه إذا لم يفتقر في رفع العَقْد إلى صاحبه، وجب أن لا يفتقر إلى حضوره، كما لو طلق زوجته ولا يفتقر نفوذ هذا الفَسْخ إلى الحاكم، لأنه فسخ متفق على ثبوته بخلاف الفسخ بالعُنَّة فإنه مختلف فيه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ في كُلِّ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ مِمَّا هُوَ بَيْعٌ، إِلاَّ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَمَا يَسْتَعقِبُ العِتْقَ مِنَ البُيُوعِ.
قال الرافعي: غرض الفصل بيان ما يثبت فيه خيار الشَّرط من العقود وما لا يثبت.
والقول الجملي فيه: أنه مع خيار المجلس يتلازمان في الأغلب لكن خيار المجلس أسرع وأولى ثبوتاً من خيار الشرط؛ لأن زمان المجلس أقصر غالباً فربما انفكَّا لذلك، فإن أردت التَّفْصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس.
واعلم: أنهما متقاربان في صور الخلاف والوفاق، إلا أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصَّرف وبيع الطعام بالطَّعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم لا يجوز شرط الخِيَار فيها، وإن ثَبَتَ خِيَار المجلس؛ لأن ما يشترط فيه القبض لا يحتمل فيه التَّأجيل، والخيار أعظم غَرَراً من الأجل؛ لأنه مانع من الملك أو من لزومه فهو أولى بأن لا يحتمل، وأيضاً فالمقصود من اعتبار القَبْض أن يتفرقا، ولا علقة بينهما تحرزاً من الرِّبا أو من بيع الكَالِئ بالكَالِئ ولو أثبتنا الخيار لبقيت العَلَقة بينهما بعد التَّفرق، إلاَّ أن خيار الشَّرط لا يثبت في الشّفْعة بلا خلاف، وكذا في الحِوَالة على ما حكاه العراقيون مع نقلهم الخلاف في خيار المجلس.
قال الإمام: ولا أعرف فرقاً بين الخيارين، إلاَّ أن الوجه الغريب المذكور في خيار المجلس للبائع من المفلس لم يطرد هاهنا، إلاَّ أن في الهِبَة بشرط الثَّوَاب طريقة عن القاضي أبي الطَّيب قاطعة بنفي خِيَار الشرط، وإلاّ أن في الإجارة أيضاً طريقة مثل ذلك.
أما في إجارة العين فلما في هذا الخيار من زيادة تعطُّل المنفعة.
وأما في الإجارة على الذمة فبناء على تنزيلها منزلة السّلم، وحكم شرط الخيار مذكور في كتاب الصداق.
وقوله في الكتاب: "وما يستعقب العتق من البيوع"، لا بد من إعلامه بالواو، والقول فيه على ما ذكرنا في خيار المجلس ولم يستثن في لفظ الكتاب بيع الطعام بالطعام ولا بد منه -والله أعلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 193
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ كَانَ الخِيَارُ لِلبَائِعِ وَحْدَهُ فَالمَبِيعُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ لِلمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَالمِلْكُ مُنْتَقلٌ (وح) إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا فَثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) أنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإنِ اسْتَقَر العَقْدُ تَبَيَّنَ زَوَالَ المِلْكِ بِنَفْسِ العَقْدِ، وَإنْ فُسِخَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلِ المِلْكُ وَلَمْ يَتِمَّ السَّبَبُ، وَالكَسْبُ وَالنِّتَاجُ وَالوَطْءُ وَالاسْتِيلاَدُ وَالعِتْقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الطَّوَارِئِ فُرُوعُ المِلْكِ فَيَنْتَظرُ آخِرُ الأَمْرِ وَمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ آخِراً يُقَدَّرُ وُجُودُهُ أَوَّلاً (و).
قال الرافعي: تقدم على فقه الفصل مقدمة، وهي أن الخيار إما أن يشرط لأحد المتعاقدين أو لكليهما أو لغيرهما، فإن شرط لأحدهما أو لهما فهو جائز.
إما للمشتري، فلحديث حِبان.
وإما للبائع أولهما.
فبالقياس عليه والإجماع، ويجوز أن يشرط لأحدهما خيار يوم، وللآخر خيار يومين أوثلاثة، وإن شرط لغيرهما فذلك الغير إما أجنبي، أو الموكل الذي وقع العقد له، فإن كان أجنبياً فقولان:
أحدهما: أنه يفسد العقد والشَّرط، لأنه خيار يتعلَّق بالعقد، فيختص بالمتعاقدين كخيار العَيْب.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رضي الله عنهم- أنهما صحيحان، لأنه خيار يثبت بالشرط للحاجة، وقد تدعو الحاجة إلى شرطه للأجنبي لكونه أعرف بحال المعقود عليه، ويجري القولان في بيع العبد بشرط الخيار للعبد، ولا فرق على القولين بين أن يشرطا أو أحدهما الخيار لشخص واحد، وبين أن يشترط هذا الخيار لواحد، وهذا للآخر.
وإذا قلنا: بالأصح، ففي ثبوت الخيار لمن شرط أيضاً قولان أو وجهان:
أصحهما، وهو ظاهر نصه في الصرف: أنه لا يثبت اقتصاراً على الشرط، كما إذا شرط لأحدهما لا يثبت للآخر.
والثاني: يثبت، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وعللوه بمعنيين:
أحدهما: أن شرط الخيار للأجنبي يشعر باستيفاء الشَّارط الخيرة لنفسه لطريق الأولى.
والثاني: أنه يستحيل ثبوت الخيار لغير المتعاقدين لا على سبيل النيابة، وخرج الإمام عليهما ما لو شرطا الخيار للأجنبي دونهما، فعلى المعنى الأول يختص بالأجنبي، وعلى الثاني لا يختص ويفسد الشرط، فإن لم يثبت الخيار للعاقد مع الأجنبي، فمات الأجنبي في زمان الخيار، ثبت الآن له في أصَحِّ الوَجْهَيْن [كذا] قاله في "التهذيب".
فإن أثبتا الخيار للعاقد مع الأجنبي، فلكل واحد منهما الاستقلال بالفسخ، ولو
الجزء: 4 - الصفحة: 194
فسخ أحدهما وأجاز الآخر فالفسخ أولى، ولو اشترى شيئاً على أن يؤامر فلاناً، فيأتي بما يآمره به من الفسخ والإجازة، فالمنقول عن نَصِّه في "الإملاء" على مسائل مالك: أنه يجوز وليس له الرد حتى يقول: استأمرته فأمرني بالفسخ 228، وتكلموا فيه من وجهين:
أحدهما: أنه وإذا شرط أن يقول: استأمرته؟ قال الدين خصُّوا الخيار المشروط للأجنبي به: هذا جواب على المذهب على الذي قلناه ومؤيد له.
وقال الآخرون: إنه مذكور احتياطاً.
والثاني: أنه أطلق في التصوير شرط المؤامرة، فهل يحتمل ذلك؟
الصحيح: أنه لا يحتمل، واللفظ محمول على ما إذا قيد المؤامرة بالثَّلاث فما دونها.
وقيل: يحتمل الإطلاق والزيادة على الثلاث كما في خيار الرؤية.
وأما إذا كان ذلك الغير هو الموكل ثبت الخيار للموكل دونه.
واعلم: أن الوكيل بالبيع والشراء له شرط الخِيَار للموكل في أظهر الوجهين؛ لأن ذلك لا يضره وطرد الشيخ أبو علي الوجهين في شرط الخِيَار لنفسه أيضاً، وليس للوكيل بالبيع شرط الخيار للمشتري، ولا للوكيل بالشِّراء شرط الخيار للبائع، فإن خالف بطل العقد، وإذا شرط الخِيَار لنفسه وجوزناه أو أذن فيه صريحاً ثبت له الخيار، ولا يفعل إلاَّ ما فيه الحظ للموكل؛ لأنه مؤتمن بخلاف الأجنبي المشروط له الخيار لا يلزمه رعاية الحَظّ هكذا ذكروه، وَلنَاظِرٍ أن يجعل الخيار له ائتماناً، وهو أظهر إذا جعلناه نائباً عن العاقد، ثم هل يثبت الخيار للموكل معه في هذه الصورة؟
فيه الخلاف المذكور فيما إذا شرط للأجنبي، هل يثبت للعاقد؟
وحكى الإمام فيما إذا أطلق الوكيل شرط الخيار بالإذن المطلق من الموكل ثلاثة أوجه: أن الخيار يثبت للوكيل، أو للموكل، أَوْ لَهُما 229.
الجزء: 4 - الصفحة: 195
إذا قررت المقدمة فللشافعي -رضي الله عنه- ثلاثة أقوال في أن الملك في البيع في زمان الخيار لمن هو؟
أحدها وبه قال أحمد: أنه للمشتري؛ لأن البيع قد تَمَّ بالإيجاب والقبول، فثبوت الخِيَار فيه لا يمنع الملك كخِيَار العيب، وعلى هذا فالملك في الثَّمَن للبائع.
والثاني وبه قال مالك: أنه باق للبائع لنفوذ تصرفاته، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا".
وعلى هذا فالملك في الثمن للمشتري.
والثَّالث: أنه موقوف فَإِنْ تم البيع، بَانَ حصول الملك للمشتري من وقت البيع، وإلا بَانَ أن ملك البائع لم يزل وكذا يتوقف في الثمن، ووجهه: أن البَيْع سبب الزوال، إلاَّ أن شرط الخِيَار يشعر بأنه لم يرض بعد بالزَّوَال جزماً، فوجب أن يتربَّص وينتظر عاقبة الأمر، وفي موضع الأقوال طرق:
أحدها: أن الخلاف فيما إذا كان الخِيَار لهما، إما بالشرط أو في خيار المجلس.
أما إذا كان لأحدهما فهو المالك للمبيع لنفوذ تصرّفه فيه.
ويحكى هذا عن صاحب "التقريب"، وهو قريب مما أورده في الكتاب.
والثاني: أنه لا خلاف في المسألة، ولكن إن كان الخيار للبائع فالملك له، وإن كان للمشتري فهو له، وإن كان لهما فهو موقوف، وتنزل الأقوال على هذه الأحوال وهو اختيار القاضي الرُّوياني في "الحلية".
والثالث: طرد الأقوال في الأحوال، وهو أظهر عند عامة الأصحاب منهم العراقيون والحَلِيمِيّ، وإذا جرت الأقوال فما الأظهر منها؟
قال الشيخ أبو حامد ومن نَحَا نَحْوَه: الأظهر أن الملك للمشتري، وبه قال الإمام.
وقال الآخرون: الأظهر: الوقف، وبه قال صاحب "التهذيب"، والأشبه: توسط ذكره جماعة، وهو: أنه إنْ كان الخيار للبائع، فالأظهر: بقاء الملك له، وإن كان للمشتري فالأظهر: انتقاله إليه، وإن كان لهما فالأَظْهَر: الوقف، وعلى هذا تَتَفَاوَتَ الأَحْوال من الأقوال، لا في تخصيص الخلاف ببعضها.
وقال أَبو حنيفة: إن كان الخِيَار لهما أو للبائع فالملك للبائع، وإن كان للمشتري زال ملك البائع، ولم يحصل لِلْمُشْتري.
التفريع لهذه الأقوال فروع كثيرة الانْشعاب:
منها ما يورد في سائر الأبواب، ومنها ما يختص بهذا الموضع، وصاحب الكتاب
الجزء: 4 - الصفحة: 196
أشار إلى بعض صور: منها: كسب العبد والجارية المبيعين في زمان الخيار، فإن تم المبيع بينهما فهو للمشتري، إن قلنا: الملك له أو موقوف.
فإن قلنا: الملك للبائع، فوجهان قال الجمهور: الكَسْب له؛ لأنه للمالك حين حصوله.
وعن أبي علي الطبري: أنه للمشتري؛ لأن سبب مِلْكه موجود أولاً، وقد استقر عليه آخراً فيكتفي به، وإن فسخ البيع فهو للبائع، إن قلنا: الملك للبائع أو موقوف.
لأن قلنا: للمشتري، فوجهان:
أصحهما: أنه له، وعن أبي إسحاق: أنه للبائع نظراً إلى المال، وبنى صاحب "التتمة" الوجهين على أن الفسخ رفع للعقد من حينه، أو من أصله.
إن قلنا بالأول فهو للمشتري.
وإن قلنا بالثاني فللبائع، وفي معنى الكسب اللّبن والبيض والثمرة ومَهْر الجارية إذا وطئت بالشُّبْهِة.
ومنها: النِّتاج، فإن فرض حدوث الولد وانفصاله، في زمان الخيار لامتداد " المجلس فهو كالكسب، وإن أو كانت البهيمة أو الجارية حاملاً عند البيع، وولدت في زمان الخيار، فيبنى على أن الحمل هل يأخذ قسطاً من الثمن؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الحَمْل كالجزء منها، فأشبه سائر الأعضاء، فعلى هذا.
هو كالكسب وبلا فرق.
وأصحهما: نعم، كما لو بيع بعد الانفصال مع الأم، فعلى هذا الحمل مع الأم كعينين تباعان معاً، فإن فسخ البيع فهما للبائع، وإلاَّ فللمشتري.
ومنها: العتق، وهو مؤخر في لفظ الكتاب لكن تقديمه أليق بالشرح.
فنقول: إذا كان المبيع رقيقاً فأعتقه البائع، في زمان الخيار المشروط لهما أو للبائع نفذ إعتاقه على كل حال، أما إذا كان المِلْك له فظاهر، وأما على غير هذا القول؛ فلأنه بسبيل من الفَسْخ، والإعتاق يتضمَّن الفَسْخ فينقل المِلك إليه قبيله وإن أعتقه المشتري.
فإن قلنا: الملك للبائع لم ينفذ إن فسخ البيع، وإن تم فكذلك في أصح الوجهين.
والثاني: ينفذ اعتباراً بالمال.
وإن قلنا بالوقف، فالعتق موقوف أيضاً، إن تم العقد بَانَ وإلاَّ فلا.
وإن قلنا: إن الملك للمشتري، ففي نفوذ العِتْق وجهان:
أصحهما: وهو ظاهر النص: أنه لا ينفذ، صيانة لحق البائع عن الإبطال.
وعن ابن سُرَيْجٍ: أنه ينفذ لمصادفته الملك.
ثم اختلفوا فمن مطلق نقل النفوذ عنه، ومن فارق بين أن يكون موسراً فينفذ وبين أن يكون معسراً فلا ينفذ، كما في الرهن.
الجزء: 4 - الصفحة: 197
فإن قلنا: لا ينفذ، فاختار البائع الإجازة، ففي الحكم بنفوذه الآن وجهان:
إن قلنا: ينفذ فمن وقت الإجازة أو الإعتاق وجهان:
أظهرهما: أولهما.
وإن قلنا بوجه ابن سريج ففي بطلان خيار البائع وجهان:
أحدهما: يبطل، وليس له إلاَّ الثمن.
وأظهرهما: لا يبطل، ولكن لا يرد العِتْق بل وإذا فسخ أخذ قيمة العبد كما في نظيره من الرَّدِّ بالعيب، هذا إذا كان الخِيَار لهما أو للبائع، أمّا إذا كان الخيار للمشتري نفذ إعتاقه على جَمِيعِ الأقوال؛ لأنه إمَّا مصادف لِلْملِك أو إجازة، وليس فيه إبطال حق الغير، وإن أعتقه البائع.
فإن قلنا: إن المِلْك للمشتري لم ينفذ تم البيع أو فسخ، ويجيء فيما لو فسخ الوجه الناظر إلى المآل.
وإن قلنا بالوقف، لم ينفذ إن تم البيع وإلاَّ نفذ.
وإن قلنا: إنه للبائع، فإن اتفق الفسخ فهو نافذ، وإلاَّ فقد أعتق ملكه الذي تعلق به حق لازم، فهو كإعتاق الراهن.
ومنها: الوطء، فإن كان الخيَار لهما أو للبائع، فالكلام في وَطْء البَائع ثم في وَطْء المشتري، ومنها وطء البائع، ففي حلِّه طرق:
أحدها: أنا إنْ جعلنا المِلْك له فهو حلال، وإلاَّ فوجهان:
وجه الحل: أنه يتضمن الفسخ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي ذلك عود الملك إليه معه أو قبيله.
والثاني: أنا إن لم نجعل الملك له فهو حرام، وإن جعلناه له فوجهان، وجه التحريم ضعف الملك.
والثالث: عن الشيخ أبي محمد: القطع بالحل على الإطلاق، والظاهر من هذا أكله: الحل إن جعلنا الملك له، والتحريم إن لم نجعله له، ولا مهر عليه بحال.
وأما وطء المشتري فهو حرام، أما إن لم يثبت الملك له فظاهر، وأما إنْ أثبتناه فهو ضعيف كملك المكاتب، ولكن لا حَدَّ عليه على الأقوال لوجود الملك أو لشبهه الملك، وهل يلزمه المهر إن تم البيع بينهما؟
فلا، إن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 198
وإن قلنا: إنه للبائع وجب المهر له.
وعن أبي إسحاق: أنه لا يجب نظراً إلى المآل، وإن فسخ البيع وجب المهر للبائع.
إن قلنا: الملك له أو موقوف.
وإن قلنا: إنه للمشتري، فلا مهر عليه في أصح الوجهين.
ولو أولدها فالولد حُرّ ونسيب على الأقوال، وهل يثبت الاستيلاد؟
إن قلنا: الملك للبائع فلا، ثم إن تَمَّ البيع أو ملكها بعد ذلك، ففي ثبوته حينئذ قولان كالقولين إذا وطئ جَارِية الغير بالشبهة ثم ملكها، وعلى الوجه الناظر إلى المال إذا تم البيع نفذ الاسْتِيْلاَد بلا خلاف، وعلى قول الوَقْف إن تم البيع بَانَ ثبوت الاستيلاد وإلاَّ فلا، فلو ملكها يوماً عاد القولان:
وعلى قولنا: إن الملك للمشتري ففي ثبوت الاستيلاد الخلاف المذكور في العتق، فإن لم يثبت في الحال وتم البيع بَانَ ثبوته.
ثم رتب الأئمة الخِلاَف في الاسْتِيلاد على الخلاف في العِتْق، واختلفوا في كيفيته، فَمَنْ صائر إلى أن الاستيلاد أولى بالثبوت، ومن عاكس لذلك، ووجههما مذكور في الكتاب في "الرّهن".
قال الإمام: ولا يبعد الحكم باستوائهما لتعارض الجهتين، والقول في وجوب قيمة الولد على المشتري كالقول في المهر.
نعم، إن جعلنا الملك للبائع وفرضنا تمام البيع، فللوجه الناظر إلى المآل مأخذ آخر، وهو القول بأن الحمل لا يعرف، أما إذا كان الخيار للمشتري وحده، فحكم حل الوطء كما مر في حل الوطء للبائع إذا كان الخيار له أو لهما، وأما البائع فيحرم عليه الوطء هاهنا، ولو وطئ فالقول في وجوب المهر وثبوت الاسْتِيلاد ووجوب القيمة كما ذكرنا في طرق المشتري إذا كان الخيار لهما أو للبائع، هذا شرح الفروع المذكورة في الكتاب وَقَدَاءَها فروع:
أحدها: إذا تلف المَبِيع بآفَةٍ سماوية في زمان الخيار، نظر إن كان قبل القبض انفسخ البيع بلا شك، وإن كان بعده وقلنا: الملك للبائع انفسخ أيضاً؛ لأنا نحكم بالانْفِسَاخ عند بقاء يده، فعند بقاء ملكه أولى فيستردّ الثمن ويغرم للبائع القيمة، ويجيء في القيمة المَعْرُوفَة الخلاف المذكور في كيفية غرامة المُسْتَعِير والمُسْتَام.
وإن قلنا إن الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان:
أحدهما: أنه ينفسخ أيضاً لحصول الهَلاَك قبل استقرار العَقْد.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ لدخوله في ضمان المُشْتري بالقبض، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب.
الجزء: 4 - الصفحة: 199
وإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة، قال الإمام: وهاهنا يقطع باعتبار قيمة يوم التلف؛ لأن الملك قبل ذلك للمشتري، وإنما يقدر انتقاله إليه قُبَيل التَّلَف، وإن قلنا: بعده الانفساخ، فهل ينقطع الخيار؟
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع.
وأصحهما: لا، كما لا يمتنع التَّحَالُف بتلف المبيع ويخالف الرَّد بالعيب؛ لأن الضَّرَر ثم يندفع بالأرْشِ.
فإن قلنا بالأول استقر العَقْد ولزم الثمن.
وإن قلنا بالثاني، فإن تَمَّ العقد لزم الثمن، وإلاَّ وجبت القِيْمَة على المشتري.
واسترد الثمن، فإنْ تنازعا في تعيين القيمة، فالقول قول المشتري، وعن بعض الأصحاب طريقة أخرى في المَسْأَلة وهي، القطع بعدم الانفساخ.
وإن قلنا: إن الملك للبائع وذكروا تفريعاً عليه، أنه لو لم ينفسخ حتى انقضى زمان الخيار، فعلى البائع رد الثمن، وعلى المشتري القيمة؛ لأن المبيع تلف على ملك البائع، فلا يبقى الثمن على ملكه.
قال الإمام: وهذا الخليط ظاهر.
الثاني: لو قبض المشتري المبيع في زمان الخِيَار، وأْتلفه متلف قبل انقضائه إن قلنا: إنَّ الملك للبائع، انفسخ البيع كما في صورة التَّلف؛ لأن نقل الملك بعد الهَلاَك لا يمكن.
فإن قلنا: إنه للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي فيبنى على أن لو تلف.
إنْ قلنا: ينفسخ العقد ثم، فهذا كإتلاف الأجنبي المَبِيع قبل القبض، وسيأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- وإن قلنا: لا ينفسخ، وهو الأصح فكذلك هاهنا، وعلى الأجنبي القيمة والخِيَار بحاله، فإن تَمَّ البيع فهي لِلْمُشْتَري إلاَّ فللبائع، ولو أَتْلفه المشتري استقر الثمن عليه، فإن أتلفه في يد البَائِعِ وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كَمَا لَوْ تلف في يده، وإن أتلفه البائع في يد المشتري.
ففي "التتمة": يبنى على أن إتلافه كإتلاف الأجنبي أو كالتلف بآفة سماوية، وستعرف الخلاف فيه.
والثالث: لو تلف بعض المبيع في زمان الخِيَار بعد القبض، كما لو اشترى عبدين فمات أحدهما، ففي الانفساخ فيما تلف الخِلاَف السَّابق إن انفسخ جاء في الانفساخ في الباقي قَوْلاً تفريق الصفقة، وإن لم ينفسخ بقي خياره في الباقي إن قلنا: بجواز ردّ أحد العبدين، إذا اشتراهما بشرط الخيار، وإلاَّ ففي بقاء الخِيار في الباقي الوجهان، وإذا بقي الخيار فيه وفسخ رَدَّه مع قيمة الهالك.
الجزء: 4 - الصفحة: 200
فرع: إذَا قبض المبيع في زمان الخِيَار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده، كَمَا لَوْ تلف في يد الَمشتري حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع ينفسخ البيع، ويسترد المشتري الثمن ويغرم القيمة، حكاه الإمام عن الصيدلاني؛ ثم أبدى في وجوب القيمة احتمالاً لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك.
واعلم: أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار، ولو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، وله استرداد المدفوع وقيل ليس لَهُ اسْترداده، وله أخذ ما عند صاحبه دون رضاه، كما لو كان التسليم بعد لزوم المبيع.
الرابع: لو اشترى زوجته بشرط الخِيَار ثم خاطبها بالطَّلاق في زمان الخيار؛ فإن تم العقد بينهما وقلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق، وإن قلنا: إنه للبائع وقع.
وإن فسخ وقلنا: إنه للبائع أو موقوف وقع.
وإن قلنا: للمشترى فوجهان 230 عن رواية الصَّيْمَرِي، وليس له الوَطْء في زمان الخِيَار، لأنه لا يدري أَيَطَأُ بالملك أو بالزوجية؟ هكذا حكى عن نصه، وفيه وجه آخر.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: "فالمبيع باق على ملكه معلَّم بالألف".
وقوله: "على الأصح" يمكن أن يريد به الأصح من الطريقين ويمكن أن يريد به الأصَحّ من الأقوال، وعلى التقدير الثاني يجوز إِعلامه بالواو للطريقة النافية للخلاف.
وقوله: "فالملك منتقل إليه" مُعلّم بالحاء والميم، والواو.
وقوله: "فثلاثة أقوال" بالواو.
وقوله: "موقوف" بالحاء والميم والألف، ووجه ذلك كله ما مر.
وقوله: "فينتظر آخر الأمر ... " إلى آخره عبارة أجراها على قول الوقف، ومعناها أن ما يستقر عليه العقد آخراً من الفسخ والإمضاء يقدر وجوده في الابتداء، فإن فسخ قدرنا أنه لم يجر بينهما عقداً، وإنْ أمضى قدرناه من الابتداء، هذا ما ينطبق اللفظ عليه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيَحْصُلُ الفَسْخُ بِوَطْءِ البَائِعِ (و) وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ القَبْضِ وَإِنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 201
كَانَ مِنْ وَلَدِهِ، وَلاَ تَحْصُلُ الإجَازَةُ (و) بسُكُوتِهِ علَى وَطْءِ المُشْتَرِي، وَمَا جَعَلْنَاهُ فَسْخاً مِنَ البَائِعِ فَهُوَ إِجَازَةٌ (و) مِنَ المُشْتَرِي إِنْ وُجِدَ، وَكَذَا الإِجَارَة وَالتَّزْوِيجُ في مَعْنَى البَيْعِ (و) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالعَرْضُ عَلَى البَيْعِ وَالإِذْنُ فِيهِ لاَ يَقْطَعُ خِيَار البَائِعِ.
قال الرافعي: لا يخفى فيما تحصل به الإجازة من الألفاظ، وما لا يحصل به الفسخ، كقول البائع: فسخت البيع، واسترجعت المبيع، ورددت الثمن.
وعن الصيمري: أن قول البائع في زمان الخيار: لا أبيع حتى يزيد في الثمن، وقول المشتري: لا أفعل اختياراً للفسخ، وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى تنقص لي من الثمن، وقول البائع: لا أفعل، وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، ثم في الفصل صور.
أحدها: إذا كان للبائع خيار فوطئه في زمان الخيار فسخ لإشعاره باختياره الإمساك ويخالف الرَّجْعَة لا تحصل بالوطء؛ لأن الرَّجْعَة لتدارك النِّكاح، وابتداء النكاح لا يحصل بالفعل، فكذا تداركه، والفسخ هاهنا لتدارك مِلْك اليمين، وابتداؤه يحصل تارة بالقول، وأخرى بالفعل، وهو السَّبْي فكذا تَدَارُكه جاز أنْ يحصل بالفعل.
وحكى الإمَامُ عَنْ بَعضِ الخلافيين وجهاً: أن وطء البائع ليس بفسخ تخريجاً من الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً للمملوكة والمنكوحة عند إبهام العتق والطَّلاَق؟
وروى القاضي ابن كج وجهاً: أنه إنما يكون فسخاً إذا نوى به الفسخ، وعلى المذهب لو قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفَرْج بِشَهْوة هل يكون فسخاً؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وبمثله أجاب في الاستخدام وركوب الدابة.
لكن الأظهر في المذهب: أنهما لا يتضمَّنان الفسخ.
الثانية: إعتاق البَائع إن كان له الخيار فسخ بلا خلاف، وفي بيعه وجهان:
أحدهما: ليس بفسخ لأن الأصل بقاء العَقْد فيستصحب إلى أن يوجد الفَسْخ صريحاً وإنما جعلنا العِتْق فسخاً لقوته.
وأصحهما: أنه فسخ؛ لدلاته على ظهور النَّدم، وعلى هذا ففي صِحَّة البيع المأتي به وجهان: أصحهما: صحّته كالعتق.
والثاني: المنع؛ لأن الشيء الواحد لا يحصل به الفسخ.
والعقد جميعاً، كما أن التكبيرة الثانية في الصلاة بنية الشروع يخرج بها من الصلاة فلا يشرع بها في الصلاة، ويجري هذا الخلاف في الإجارة والتزويج وكذا في الرَّهْن والهِبَة إن اتَّصَل بهما القبض، ولا فرق بين أنْ يهب ممن لا يتمكَّن من الرُّجُوع في هبته، وَبَيْنَ أَنْ يهب ممن يتمكن
الجزء: 4 - الصفحة: 202
كما لَوْ وهب مِنْ ولده؛ لأن الملك في الصورتين زائل، والرجوع إعادة لما زال، وإن تجرَّدَ الرَّهْن والهِبَة عَنِ القَبْض فالحكم فيه كما في العرض على البيع وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
الثَّالِثَةُ: إذا علم البائع أن المشتري يطأ الجارية وسكت عليه هل يكون مجيزاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لإشعاره بالرِّضَا، وأيد ذلك بقوله في "المختصر": ولو عجل المشتري فوطئها وأحبلها قبل التفرق في غفلة من البائع، فاختار البائع الفسخ كان على المشتري مَهْر مثلها قيد بما إذا وطئ في غفلة من البائع.
وأصحهما: لا كما لو سكت على بيعه وإجارته، وكما لو سكت على وطء أمته لا يسقط به المهر، وهذا هو المذكور في الكتاب.
ولو وطئ بالإذن حصلت الإِجَازة، ولم يجب على المشتري مهر ولا قيمة ولد، وثبت الاسْتِيلاد بلا خلاف، وما مر في الفصل السابق مفروض فيما إذا باع ولم يأذن له البائع في الوطء ولا علم به.
الرابعة: وطء المشتري هل يكون إجازة منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل له الفسخ بعد ذلك، كما له الرد بالعيب بعد الوطء.
وأصحهما: وبه أجاب في الكتاب: نعم؛ لأن وطء البائع اختيار للمبيع، فكذا وطء المشتري، ويخالف الرد بالعيب لأنه عند الوطء جاهل بالحال، حتى لو كان عالماً يسقط الخيار.
ولو أعتق المشتري نظر إن أعتق بإذن البائع نفذ، وحصلت الإجَازَة من الطَّرَفَيْن، وإن أعتق بغير إذنه ففي نفوذه ما سبق، فإن نفذ حصلت الإجَازة، وإلاَّ فوجهان حكاهما الإمام.
أظهرهما: الحصول أيضاً لدلالته على اختيار الملك.
قال: ويتوجه أن يقال: إن أعتق وهو يعلم عدم نفوذه لم يَكُنْ إجازة بلا خلاف.
ولو باع أو وقف أو وهب أو قبض بغير إذن البائع لم ينفذ، ولا يجئ فبها الخلاف المذكور في العِتْق لاختصاصه بمزيد القُوَّة والغلبة، وهل يكون إجازة؟
قال أبو إسحاق: لا؛ لأن الإجازة لو حصلت لحصلت ضمناً للتصرف فإذا لغا التَّصرف فلا إجازة
وقال الإصْطَخْري: نعم لدلالته على الرِّضَا والاختيار، وهذا أصَحُّ عند الأصحاب.
ولو باشر هذه التَّصرفات بإذن البائع أو باع من البائع نفسه صح التصرف على أصح الوجهين.
الجزء: 4 - الصفحة: 203
قال في "الشامل": وعلى الوجهين جميعاً يلزم البيع، ويسقط الخيار، ولكن قياس ما مر أن يكون سقوط الخيار، إن قلنا: بعدم نفاذها على الوجهين، ولو أذن له البائع في طَحْن الحِنْطة المبيعة فطحنها كان مجيزاً، ومجرد الإذن في هذه التَّصرفات لا يكون إجازة من البائع، حتى لو رجع قبل التصرف كان على خياره، ذكره الصيدلاني وغيره.
الخامسة: في العرض على البيع والإذن والتوكيل فيه وجهان، وكذا في الرهن والهبة دون القبض.
أحدهما: أن هذه التصرفات فسخ من جهة البائع، وإجازة من جهة المشتري لدلالتها على الاسْتِئْثَار بالبيع، ولهذا يحصل بها الرُّجوع عن الوَصِيّة.
وأظهرهما، وهو المذكور في الكتاب: أنها ليست بفسخ ولا إجازة، فإنها لا تقتضي إزالة مِلْك وليست بعقود لازمة، ومن المحتمل صدورها عن تردده في الفَسْخ والإجازة 231.
ولو باع المبيع في زمان الخِيَار بشرط الخِيَار.
قال إمام الحرمين: إن قلنا: لا يزول ملك البائع فهو قريب من الهبة الخالية عن القبض، وإن قلنا: يزول ففيه احتمال أيضاً؛ لأنه أبقى لنفسه مستدركاً.
وقوله في الكتاب: "لا يقطع خيار البائع" لا معنى للتخصيص بالبائع فإنه كما لا
الجزء: 4 - الصفحة: 204
يقطع خيار البائع لا يقطع خيار المشتري، ولو أبدل لفظ البائع بالبيع لم يكن به بأس، والمواضع المُحْتَاجة إلى الإعلام من لفظ الكتاب بَيِّنة مِمَّا أوردناه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَى عَبْداً بِجَارِيةٍ وَأَعْتَقَهُمَا مَعاً تَعَيَّنَ العِتْقُ في العَبْدِ عَلَى الأَصَحِّ (ح) تَقْدِيماً لِلإجَازَةِ عَلَى الفَسْخِ.
قال الرافعي: إذا اشترى عبداً بجاربة ثم أعتقهما معاً، نظر إن كان الخيار لهما عتقت الجارية، بناء على ما مر أن إعتاق البائع نافذ متضمّن للفسخ، ولا يعتق العبد المشتري، وإن جعلنا الملك فيه لمشتريه لما فيه من إبطال حق صاحبه على الأصح، وعلى الوجه الذي قلنا بنفاذ إعتاق المشتري تفريعاً على أن الملك للمشتري؛ يعتق العبد ولا تعتق الجارية.
وإن كان الخِيَار لمشتري العبد وهو المراد من مسألة الكتاب لم يحكم بعتقهما معاً، وعن أبي حنيفة: أنهما يعتقان.
لنا: أنه لا ينفذ إعتاقهما على التعاقب فكذلك دفعة واحدة، وفيمن يعتق منهما وجهان: أحدهما، وهو ما أورده ابن الصباغ: أنه يعتق الجارية؛ لأن تنفيذ العتق فيها فسخ وفي العبد إجازة، والفسخ والإجازة إذا اجتمعا نفذ الفسخ، ولهذا لو فسخ أحد المتبايعين وأجاز الآخر قدم الفسخ.
وأصحهما، وبه أجاب ابن الحداد: أنه يعتق العبد؛ لأن الإجازة إبقاء للعقد، والأصل فيه الاستمرار.
قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أن الملك في زمان الخيار للبائع أو المشتري.
إن قلنا بالأول فالعبد غير مملوك لمشتريه، وإنما ملكه الجارية فينفذ العتق فيها.
وإن قلنا بالثاني فملكه العبد فينفذ العتق فيه، ثم حكى وجهاً ثالثاً وهو: أنه لا يعتق واحد منهما؛ لأن عِتْقَ كل واحد منهما يمنع عتق الآخر، وليس أحدهما أولى من الآخر فيتدافعان.
وإن كان الخِيَار لبائع العَبْد وحده فالمعتق بالإِضَافة إلى العَبْد مشترٍ، والخيار لصاحبه، وبالإضافة إلى الجَارِية بائع والخيار لصاحبه، وقد سبق الخلاف في إعتاقهما والصورة هذه، والذي يخرج منه الفتوى: أنه لا حكم بنفوذ العِتْق في واحد منهما في الحال، فإن فسخ صاحبه البيع فهو نافذ في الجارية، وإلاَّ ففي العبد.
ولو كانت المسألة بحالها وأعتقهما مشتري الجارية، فقس الحكم بما ذكرنا.
وقيل: إن كان الخِيَار لهما عتق دون الجَارِيَة على الأصَحّ، وإن كان الخِيَار للمعتق وحده فعلى الوجوه الثلاثة في الأول يعتق العبد، وفي الثاني: تعتق الجارية، ولا يخفى الثالث.
قال الغزالي: (القِسْمُ الثَّانِي خِيَارُ النَّقِيصَةِ) وَهُوَ مَا يَثْبُتُ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ نَشأ الظَّنُ
الجزء: 4 - الصفحة: 205
فِيهِ مِن الْتِزَام شَرْطِيٍّ، أَوْ قَضَاءٍ عُرْفِيٍّ، أَوْ تَغْرِيرٍ فِعْلِيٍّ أَمَّا الالْتِزَامُ الشَّرْطِيُّ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُ بِشَرْطِ أنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ أَوْ مُتَجَعِّدُ الشَّعرِ فَإنْ فُقِدَ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ، وَكَذَلِك كُلُّ وَصْفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ أَوْ مَالِيَّةٌ.
قال الرافعي: لما فرغ عن الأول من قسمي الخيار، وهو خيار التَّرَوِيّ شرع في الثاني، وهو خيار النَّقِيصَة المنوط بفوات شيء في المعقود عليه كأن يتوقع ويظن حصوله، وذلك الظَّن على ما ذكره ينشأ من أحد ثلاثة أمور:
أولها: أن يشرط العاقد كَوْنَ المعقود عليه بتلك الصِّفة.
وثانيها: اطِّراد العُرْف بحصولها فيه.
وثالثها: أنْ يفعل العاقد ما يووث ظَنّ حصولها فالأول مثل قوله: بِعْتُ هذا العبد بشرط أنه كاتب أو خباز.
واعلم: أن الصِّفَات الملتزمة بالشرط قسمان:
أحدهما: الصِّفَات الَّتِي تتعلّق بها زيادة مالية فيصح التزامها، والخلف فيها يثبت الخيار كالعَيْب.
والثَّاني: الصِّفَات الَّتِي لا تتعلّق بها زيادة مالية وهي قسمان:
أحدهما: التي يتعلق بها غرض معقول والخلف فيها يثبت الخيار أيضاً وفاقاً أو على اختلاف فيه وذلك بحسب قوة الغَرَض وضعفه.
والثاني: التي لا يتعلق بها غرض معقول، فاشتراطها يَلْغُو ولا خِيَار بفقدها، ولنقض الصور على هذه الأقسام:
فإذا شرط كون العبد خَبَّازاً أو كاتباً أو صائغاً فهو من القسم الأول، ويكفي أن يوجد من الصفة المشروطة ما ينطلق عليه الاسم، ولا تشترط النهاية فيها ولو شرط إسلام العبد فَبَانَ كافراً، فله الرد لفوات فضيلة الإسلام، وكذا لو شرط تهوّد الجارية أو تنصُّرها فَبَانَت مجوسية، ولو شرط كفر الرَّقيق فَبَانَ مسلماً ثبت الخيار على المذهب، وبه قال أحمد لا لنقيصة ظهرت، ولكن لأن الكافر يشتريه المسلم والكافر، والمسلم لا يشتريه إلاَّ المسلم فقط فتقل فيه الرغبات.
وقيل: إن كان قريباً من بلاد الكفر أو في ناحية أغلب أهلها الذِّميون ثبت الخيار وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا خيار أصلاً.
ولو شرط بكَارة الجارية فَبَانَت ثَيِّباً فله الرد، ولا فرق بين أن تكون الجارية المُشْتَراة بهذا الشرط مزوَّجة أو غير مزوجة.
الجزء: 4 - الصفحة: 206
وعن أبي الحسن: أن أبا إسحاق قال: لا خيار إذا كانت مزوَّجة؛ لأنها وإن كانت بِكْراً فالافتضاض مستحقّ للزوج ولا غرض للمشتري في بكارتها، والمذهب الأول؛ لأن الزوج قد يطلقها فتخلص له، ولو شرط ثِيَابتَها فَبَانَت بِكْراً فوجهان:
أحدهما: أنه يثبت الخيار؛ لأنه قد يضعف عن مباشرة البِكْر فيريد الثَّيِّب.
وأصحهما: أنه لا خيار؛ لأن البِكْر أفضل وأكثر قيمة فصار كما لو شرط كون العبد أمّياً فَبَانَ كاتباً، أو فاسقاَ فَبَانَ عفيفاً، ولو شرط السُّبُوطَة في الشعر فَبَانَ جَعْداً، فعلى هذين الوجهين؛ لأن السَّبْط قد يكون أشهى إلى بعض الناس، ولو شرط الجُعُودة فَبَانَ سَبْطًا ثبت الخيار.
فإن قلت: ذَكَرْتُمُ في بَيْع الأَمَةِ أنَّ رؤية الشعر معتبرة على أصح الوجهين والشعر إذا رؤي عرفت جُعُودته وسَبُوُطَته فكيف تصورون المسألة؟
فالجواب: أن خرجوها على تجويز بيع الغائب وعلى أن رؤية الشَّعر غير معتبرة واضح.
وأما على الأصح فإن الشعر قد يرى ولا تعرف جُعُودته وَسُبُوطته لعروض ما يستوي الحالتان عنده من الابْتِلاَل وقرب العهد بالتَّسْريح ونحوهما.
ولو لبس تَجْعيد السّبط أو بالعكس فسيأتي ذلك -إن شاء الله تعالى- ولو شرط كون العبد خَصِيّاً فَبَانَ فَحْلاً، أو بالعكس ثبت الرَّد؛ لشدة اختلاف الأغراض.
وذكر أبو الحسن العبادي: أنه لا رد في الصورة الأولى؛ لأن الفُحُولة فضيلة ولو شرط كونه مَخْتُوناً فَبَانَ أَقْلَف فله الرد وبالعكس لا يرد.
قال في "التتَّمة": إِلاَّ أنْ يكون العبد مَجُوسياً وثَمَّ مجوسيون يشترون الأَقْلفَ بزيادة فله الرد.
ولو شرط كونه أحمق أو ناقص الخِلْقَة فهو لغو.
واعلم: أن خيار الخلق على الفور، ويبطل بالتأخير على ما سنذكر في المعيب -إن شاء الله تعالى- ولو تعذر الرَّد بهلاك وغيره فله الأَرْش، كما في العيب، ومسائل الفَصْل بأسرها مبنية على أن الخلف في الشرط لا يوجب فساد البيع.
وحكى الحَنَّاطِي قولاً غريباً أنه يوجبه -والله أعلم-.
قال الغزالي: (وَأَمَّا القَضَاء العُرْفِيُّ) فَهُوَ السَّلاَمَةُ عَنِ العُيُوبِ المَذْمُومَةِ فَمَهْمَا فَاتَتْ ثَبَتَ الخِيَارُ، وَذَلِكَ بِكُلِّ عَيْبٍ يُنْقِصُ القِيمَةَ، وَالخَصِيُّ مَعِيبٌ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَاعْتِيَادُ الزِّنَا والسَّرِقَةِ وَالِإبَاقِ وَالبَوْلِ في الفِرَاشِ (ح) عَيْبٌ، وَالبَخَر والصُّنَانُ (ح) الَّذِي لاَ يَقْبَلُ المُعَالَجَةَ وَيُخَالِفُ العَادَةَ عَيْبٌ في العَبِيدِ وَالإِمَاءِ، وَكَوْنُ الضَّيْعَةِ مَنْزِلَ الجُنُود، وَثِقَلُ الخَرَاجِ عَيْبٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 207
قال الرافعي: الثَّاني من أسباب الظَّن اطِّراد العرف فَمَنْ دخل في العَقْد لتحصيل مال كان ظَانّاً صفة السلامة فيه، لأن سلامة الأَشْخَاص والأَعْيان عن العيوب المَذْمُومة هي الغَالبة، والغلبة من موجبات الظن، وحينئذ يكون بذله المال في مقابلة السليم، فإذا تبين العيب وجب أنْ يتمكن من التَّدارك، والأصل فيه من جهة النَّقْل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّ رَجُلاً اشْتَرَى غُلاَماً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَكَانَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ الله تعالى ثم رَدَّهُ مِنْ عَيْبٍ وَجَدُهُ" 232. ومن باع عيناً وهو يعلم بها عيباً وجب عليه أن يبينه 233 روي أنه-صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا" 234. وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمُسْلِمُ أَخُ الْمُسْلِم لاَ يَحِلُّ لِمَنْ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا يَعْلَمُ فِيهِ عَيْباً إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ" 235. إذا تقرر ذلك ففي الفصل ذكر عيوب 236 معدودة:
الجزء: 4 - الصفحة: 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولكن الحرمة: شيء وصحة البيع شيء آخر، فالفقهاءكلهم متفقون على صحة المعيب الذي لا يعلم المشتري بعيبه، سواء كان البائع عالماً بالعيب أو غير عالم به، أما إذا كان غير عالم به فالأمر ظاهر، وأما إذا كان عالماً به فقاسوه على بيع المصراة صح بيعها مع التدليس بالتصرية بنص الحديث، وظهور قلة اللين في موطن ظن كثرته إن لم يكن عيباً فهو قريب منه، وأيضاً قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" دال على الصحة حيث مسمى البيع مع الكتمان بيعاً، وهو دليل الصحة إلا أنه ممحوق البركة، وهو دليل الحرمة ثم النهي مع ذلك راجع إلى معنى في العاقد خاصة هو غشه وتدليسه لا إلى معنى في العقد أو المعقود عليه حتى يكون البيع فاسداً.
وللمشترى: الخيار مع ذلك قياساً على بيع المصراة حيث ثبت للمشتري حق فسخ البيع بالتصرية، ليدفع عن نفسه الغبن بل الخيار يثبت للمشتري هنا من باب أولى، لأن التصرية ليست بعيب أعني قلة اللين بل من باب فوت كمال مظنون، وأيضاً فقد روى أبو داود بسنده إلى عائشة -رضي الله عنها-: "أن رجلاً ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيباً فخاصمه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فرده عليه فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" وهو نص في المطلوب.
ولأن مقتضى العقد هو السلامة، لأنها الأصل في المبيع، والعيب طارئ عليه، والعقد عند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل أو الشأن في المبيع سيما وقد تأيد هذا الأصل بالعرف، فالناس في بياعاتهم على أن المبيع يجب أن يكون خالياً من كل عيب ينقص القيمة، أو يحدث خللاً بأوجه النفع منه فالمشتري حين دخل في البيع دخل على هذا الأساس، فلو ألزمناه البيع مع ظهور عدم تحقق هذا الأساس لكان إلزاماً له بغير ما رضي به في حقيقة الأمر.
ويدل على أن الأصل في المبيع هو السلامة من العيوب ما روي عن العداء بن خالد بن هوذة -وهو صحابي أسلم بعد حنين- قال: كتب لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتاباً-: "هَذَا مَا اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوَذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اشْتَرَى مِنْه عَبْدَة أَوْ أَمَة لاَدَاءَ وَلاَ غَائِلَةَ وَلاَ خَبْثَةَ بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ" والداء هو العلة، والغائلة من الاغتيال، وهو الاحتيال على العاقد من حيث لا يشعر ليبتز منه ماله بالباطل، والخبثة من الخبث عند الطيب، وهو الحرام، كما أن الطيب هو الحلال.
دل قوله -عليه الصلاة والسلام-: "بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ" على أن شأن بيوع المسلمين ما خلت عن العيوب المذكورة.
والمراد من قوله: "لاَ دَاءَ" أي يجهله المشتري، بخلاف ما لو علمه فإنه من البيع الحلال.
ثم الخيار: بين رد المبيع واسترداد الثمن إن كان قد دفعه وبين إمساكه بدون أرش العيب، وهذا عند الشافعية، والحنفية، والظاهرية، والمالكية، إلا أنه عند الأخيرين إذا كان العيب يسيراً لا ينقص من الثمن إلا قليلاً، وكان في الدور والعقار فليس للمشتري في هذه الحالة إلا حق المطالبة بأرش العيب مع إمساك المبيع، لأن موضوع العقد مما يراد للقنية في العادة فلا يفسخ العقد فيه من أجل هذا النقص اليسير.
وعند الحنابلة مخير بين هذين، وبين إمساكه مع أرش العيب أيضاً.
وهذا أكله إذا لم يتعذر الرد، فإما إن تعذر فله أخذ الأرش باتفاق تعويضاً عما فوته عليه العيب من حقه في سلامة المبيع.
وجه مذهب الجمهور -هو قياس العيب على =
الجزء: 4 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = القصرية، فكما أنه ليس للمشتري في المصراة إلا الإمساك بالثمن أو الرد، فكذلك ليس له في العيب إلا الخيرة بين هذين وأيضاً البائع لم يرض بخروج المبيع عن ملكه إلا بالثمن الذي أخذه فيه، فلو أجيز للمشتري الإمساك مع المطالبة بالأرض لنقص الثمن عمار فيه البائع.
ومع ذلك فضرر المشتري يزول بالرد فلا يمكن من الإمساك مع الأرش؛ لأن فيه إضراراً بالبائع، وقد أمكن رفع الضرر عنه بدونهما إضرار بالبائع، فلا يصار إلى الحالة الضارة مع إمكان غيرها، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
ولأن بظهور العيب تبين أن رضا المشتري بالبيع لم يكن قائمًا على أساس صحيح، فيمكن من الرضا من جديد بإعطائه الخيار في البيع، والنتيجة المنطقية لهذا أن يمسك بالثمن المتفق عليه، أو يرد المبيع إن شاء كحاله في ابتداء البيع.
ولأن العيب فوت وصف هو السلامة، والأوصاف كما يقول الحنفية لا يقابلها شيء من الثمن؛ لكونها لم تقصد إلا تبعاً لقصد العين فلا تزاحمها في تقسيط الثمن.
ووجه مذهب الحنابلة -هو أن المبيع بظهور تعيبه قد نقص عن الثمن الذي قدره له المشتري، وارتضاه به، فوجب أن يعوض عنه إن اختار إمساك المبيع طالباً تعويضه، والبائع إما أن يكون عالماً بالعيب حين البيع فيكون هو المقصر بتدليسه على المشتري، وإما ألا يكون عالماً فيكون الثمن الذي قبضه في مقابل السليم في ظنه، كذلك لا في مقابل المعيب والوفاء بالعقود مطلوب شرعاً، وقد أمكن الوفاء بالبيع على هذا الوجه بدون كبير ضرر على البدع، ولأن العيب عبارة عن فوات جزء من المبيع، فكان للمشتري حق المطالبة بأرشه، كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة حيث يكون له حق المطالبة بقيمة القفيز العاشر.
والتعويض: الذي يستحقه المشتري من جراء العيب -وهو المسمى بالأرش- جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة ما نقص العيب من القيمة.
فإذا كانت قيمة السلعة مائة واشتراها بثمانين فظهرت معيبة بعيب ما فإنها تقوم معيبة بهذا العيب، فإذا قومت بخمس وسبعين فقد نقص العيب من قيمتها الربع فينقص من الثمن كذلك، ويعطاه المشتري وهو عشرون ويصير وكأنه اشتراها بستين.
ويشترط في: المبيع الذي يثبت فيه خيار العيب أن يكون معيناً بالتعيين فلا يثبت في المبيع في الذمة؛ لأن الذي التزمته الذمة هو السليم فالمعيب ليس بمبيع، ولذا فالبائع يجبر على آخر سليم بدله.
ولا في المعين الغائب الموصوف؛ لأنه موضوع خيار الرؤية نعم لو قبضه المشتري ورضي به، ثم ظهر به عيب قديم فله الخيار للعيب لكونه بالقبض صار معيناً بالتعيين.
ويشترط في: العيب الذي يرد به المبيع:
أولاً: أن يكون قديماً موجوداً بالمبيع، وهو بيد البائع سواء كان موجوداً به قبل العقد أو حدث بعده، وقبل القبض لكون المبيع حينئذ من ضمان البائع بخلاف ما لو حدث بعد القبض لكونه حينئذ من ضمان المشتري.
نعم إن استند العيب الحادث عند المشتري إلى سبب متقدم والمبيع بيد البائع كقطع يده عنده لسرقة بيد البائع كان له الرد؛ لأن هذا العيب -لتقدم سببه- كالمتقدم، وهذا هو مذهب الشافعية.
وثانياً: ألا يكون المشتري عالماً به وقت العقد أو وقت القبض، وإلا فليس له الخيار لرضاه بالعيب حينئذ.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ثالثاً: ألا يكون البائع قد شرط البراءة من كل عيب يوجد به فإن شرط شرطاً كهذا فلا خيار للمشتري عملاً بموجب الشرط الذي قبله وارتضاه.
رابعاً: ألا يمكن مع ذلك إزالة العيب بسهولة وبدون كلفة، فإن أمكن ذلك أو كان العيب يسيراً لا ينقص القيمة في العادة، أو كان المبيع لا يخلو عن مثله في العادة فلا خيار للمشتري أيضاً.
خامساً: وأن يكون العيب مع هذا كله باقياً وزال قبل أن يعلم به المشتري، فليس له الرد لزوال سببه وقالت الظاهرية له الرد، لأن العبرة بوجود العيب وقت البيع.
وسواء بعد: هذا في ثبوت الخيار للمشتري، كان العيب جسيماً أو غير جسيم، ما دام ينقص القيمة أو يفوت به غرض صحيح، أو كان ظاهراً أو خفياً، ما دام قد ثبت أن المشتري لم يكن عالماً به وقت البيع، وسواء مع هذا علم البائع ودلس به على المشترى أو لم يعلم به.
والعيب أعم من أن يكون راجعاً إلى نقص وصف كفساد حنطة وعرج حصان، أو نقص تصرف ككون العبد أعسر أي يعمل بيده الشمال دون اليمين؛ لأن الشمال في العادة أضعف من اليمين، وككون الأرض عليها حق ارتفاق للغير لا يعلم به المشتري، وهلم جرا من كل عيب ينقص القيمة أو يفوت به غرض من الأغراض التي يقصد المبيع من أجلها في العادة.
وسواء أكانت هذه العيوب جبلية طبعية أو طارئة عارضة قضاء وقدراً، أو بفعل فاعل لا فرق بين هذا كله في أن المشتري يثبت به حق فسخ البيع أو المطالبة بالعوض من أجله.
والعيب الذي: رد به المبيع فسره الشافعية بما ينقص القيمة أو العين نقصاً يفوت به غرض صحيح، وفسره المالكية بما ينقص الثمن، أو المبيع، أو التصرف، أو تخاف عاقبته كجذام الأبوين، وهو قريب من مذهب الشافعية، لأن كل ما ينقص القيمة ينقص الثمن عند المشتري، وكل ما ينقص التصرف أو تخاف عاقبته ينقص القيمة في العادة، وفسره الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، بما ينقص الثمن في عرف التجار.
وسواء كان نقص الثمن كبيراً أو يسيراً لا يفرق الفقهاء بين هذا، اللهم إلا الظاهرية شرطوا أن يكون نقصه بما لا يتغابن به التجار في العادة، ومن هذا يتضح أن نقص القيمة محل وفاق بين المذاهب، غاية الأمر شرط الظاهرية أن يكون النقص جسيماً لا يسيراً، وأما نقص العين -وإن لم ينقص القيمة ما دام يفوت به غرض صحيح- فهو مما انفرد به الشافعية والمالكية، وقد اختلفت المذاهب كثيراً في التطبيق تبعاً لاختلاف وجهة النظر في تفسير العيب، وللعرف الساري في العصور الذي وضعت فيه هذه المسائل المختلف عليها؛ لأن المرجع فيها أولاً وأخيراً إلى العرف وما دام العرف هو الحكم، فلنترك الخوض فيها تاركين الأمر لعرف التجار وأرباب البياعات.
والفسخ بالعيب: هل هو فور الاطلاع على العيب أم أنه يمتد حتى يوجد دليل الرضا بالبيع؟.
مذهب الشافعية -أن الرد بالعيب على الفور فليبادر المشتري بالرد على العادة فلو كان يأكل فعلم بالعيب فهو ممهل حتى يفرغ منه، أو كان في صلاة فحتى يتمها، وإن علم ليلًا وشق عليه الرد فيه فحتى يصبح.
فالمراد من الفورية عندهم هو المبادرة بالرد على العادة، بحيث لا يعذر إذا تأخر.
فلو أراد أن يرفع الأمر إلى القاضي فعليه أن يشهد على أنه يريد الفسخ، ولا يكتفي بمجرد إبداء رغبته في إنهاء الأمر إلى القاضي.
وإنما ذهبوا هذا المذهب، لأن الأصل في البيع هو اللزوم، وجواز الفسخ عارض له للحاجة فيتقدر بقدرها، وهي تندفع بمضي وقت =
الجزء: 4 - الصفحة: 211
منها: لو اشترى عبداً فوجده خَصِيّاً 237 أو مَجْبُوباً فله الرد؛ لأن الفَحْلَ يصلح لما لا يصلح- له الخَصِيّ، وقد دخل في العقد على ظن الفُحُولة؛ لأن الغالب سلامة الأعضاء، فإذا فات ما هو متعلّق الغرض وجب ثبوت الرَّد، وإن زادت القيمة باعتبار آخر.
ومنها: الزّنا 238 والسَّرقة عيبان لتأثيرهما في نقصان القيمة.
وقال أبو حنيفة: الزِّنَا عيب في الإمَاء دون العَبِيْد، نعم لو ثبت زنا العبد عند الحاكم ولم يقم عليه الحَدّ بعد ثبت الرد.
ومنها: الإِبَاق وهو من أَفْحَش عيوب المماليك 239. ومنها: البَوْل في الفِراش عيب في العَبِيد والإِمَاء إذا كان في غير أوانه، أما في الصغر فلا.
وقدره في "التهذيب" بما دون سبع سنين.
= يتمكن فيه من الفسخ فإذا لم يفسخ لزمه البيع، عدم الفسخ حينئذ دليل الرغبة في إمساك المبيع؛ ولأن خيار العيب ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال؛ فكان فورياً كخيار الأخذ بالشفعة فإنه إن لم يطالب بها عقب علمه بالبيع سقط حقه.
ومذهب المالكية -أن السكوت لعذر لا يمنع من الرد مطلقاً، ولغيره إن كان أقل من يوم رد بلا يمين، وإن كان يوماً أو يومين رد مع يمينه أنه ما رضي البيع في هذه المدة، فإن كان أكثر من ذلك فلا رد له؛ لأنه في العادة لا يؤخر مثل هذا الزمن إلا وقد رضي البيع، فلا تسمع منه دعوى عدم الرضا فيما بعد لأن الظاهر يكذبه.
ومذهب الحنفية والحنابلة على الصحيح عندهم- أن الفسخ بالعيب يستمر حقاً للمشتري من وقت العلم بالعيب إلى أن يرضى بالبيع صراحة كرضيت البيع، أو دلالة كلبسه الثوب المبيع؛ لأنه خيار شرع لدفع ضرر محقق ممن يشرع له، فكان على التراخي كخيار القصاص لولي القتيل الخيار بينه وبين الدية أو العفو على سبيل التراخي.
ومذهب الظاهرية قريب من مذهب الحنفية، بل هو في الواقع أوسع منه؛ لأن استخدام المبيع أو التصرف فيه بما لا يخرجه عن ملكه لا يمنع من الرد على البائع عندهم؛ لأن التصرف كما يزعم ابن حزم لا يدل على الرضا، وإنما الذي يدل عليه صريح القول.
ومن هذا يظهر أن الشافعية غلبوا جانب البائع فحظروا على المشتري التأخير في الرد؛ لأن فيه إضراراً به، وقد يكون مع هذا حسن النية حين البيع، وأن الحنفية -ومن حذا حذوهم- غلبوا جانب المشتري فوسعوا عليه لأنه المظلوم.
وأما المالكية فقد التزموا خطة وسطى فرأوا في الإلزام بالمبادرة إجحافاً بحق المشترى، وفي الإمهال بدون توقيت إضراراً بالبائع، فضربوا للرد مهلة يسيرة يوماً أو يومين، فإن لم يرد فيها بطل حقه في الرد، وألزم بالبيع بالثمن المتفق عليه.
هذا والاتفاق حاصل على أنه في أي وقت ظهر العيب جاز للمشتري الرد.
أعني أن الفقهاء لم يحذوا ما بين العقد وبين ظهور العيب بوقت معلوم لا يجوز للمشتري الرد بعده.
فله الرد ولو ظهر العيب بعد سنة من تاريخ التعاقد ما دام لم توجد منه أو عنده حالة تمنع الرد شرعاً.
وقال شيخنا الشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 212
وقال أبو حنيفة: إنه عيب في الإماء دون العبيد.
ومنها: البَخَرُ والصّنَان عيبان، خلافاً 240 لأبي حنيفة في العَبِيد.
لنا أنهما يؤذيان عند الخِدْمة والمُكَالمة وينقصان القيمة، والبَخَرُ الذي نجعله عيباً هو الناشئ من تغيُّر المَعِدَة، دون ما يكون لفَلْجِ 241 الأَسْنان، فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، والصُّنَان الذي نجعله عيباً هو المستحكم الذي يخالف العادة، دون ما يكون لعارض عرق أو حركة عنيفة أو اجتماع وَسَخٍ.
ومنها: كون الضَّيْعَة أو الدَّار منزل الجنود عيب؛ لأنه يقلل الرَّغبات.
قال القاضي حسين في "فتاويه": وهذا إذا اختصت- من بين ما حواليها بذلك.
فَأمَّا إذا كان ما حواليها من الدُّور بمثابتها فلا رد به، وكونها ثقيلة الخَرَاج عيب أيضاً 242، وإن كُنَّا لا نرى أصل الخراج في تلك البلاد؛ لتفاوت القيمة والرغبات، ونعني بثقل الخراج أن يكون فوق المعتاد في أمثالها، وعن حكاية أبي عاصم العبادي وجه: أنه لا رد بثقل الخراج ولا بكونها منزل الجنود لأنه خلل في نفس المبيع.
وألحق في "التتمة" بهاتين الصورتين ما إذا اشترى داراً فوجد بقربها قَصَّارين يؤذون بصوت الدَّق ويزعزعون الأبنية، أو أرْضاً فوجد بقربها خَنَازِير تفسد الزرع.
ولو اشترى أرضاً وهو يتوهم ألاَّ خراج عليها فَبَانَ خلافه، نظر إن لم يكن على مثلها خراج فله الرد، وإن كان على مثلها ذلك القدر فلا رد.
الجزء: 4 - الصفحة: 213
وَأَمَّا لفظ الكتاب فقوله: "فمهما فاتت" يعني السَّلامة.
وقوله: "وذلك" أي فواتها.
وقوله: "بكل عيب ينقص القيمة" لا يصلح للضبط، لمسألة الخَصِيِّ، وريما يذكر في آخر الفصل ما يصلح له.
وقوله: "واعتياد الزنا ... " إلى آخره يشعر باعتبار الاعتياد في الأمور المذكورة وليس كذلك.
أما في الزِّنا فقد نصوا على أنه لو زنا مَرَّة في يد البائع فللمشتري الرَّد وإنْ تاب وحسنت حاله؛ لأن تهمة الزِّنَا لا تزول عنه أَلاَ ترى أن الحُرَّ إذا زنا لا يجد قاذفه وإن تاب.
وأمّا الإِبَاق فعن أبي علي الزّجاجي: "أنه لو أبق في يد البائع فللمشتري الرد به.
وإن لم يأبق في يده.
وهذا ما اختاره القَاضِي حسين وقال: الفعلة الواحدة في الإباق يجوز أن تعد عيباً أبدياً"، كالوطء في إبطال الحَصَانة، والسرقة قريبة من هذين.
وأما البول في الفراش فالأظهر اعتبار الاعتياد فيه، -والله أعلم-.
وقوله: "الصُّنَان الذي لا يقبل العلاج" هذا القيد لا حاجة إليه، كما في سائر العلل والأمراض، والإمام لم يذكره هكذا.
وإنما قال: إذا كان لا يندفع إلا بعلاج يخالف المعتاد وهو مستقيم، هذا ما يتعلق بفقه الكتاب ولفظه، ونعد بعده عيوباً.
فمنها: كون الرَّقيق مجنوناً أو مُخْبلاً أو أبْلَهَ أو أَبْرَص أو مَجْذُوماً أو أشَلّ أَوْ أَقْرَع، أو أَصَمَّ أو أَعْمَى أو أعور أو أخْفَشَ أو أجْهَر أو أغشَى أو أخْشَم أو أبْكَم أو أرثْ لا يفهم، أو فقيد حَاسّة الذوق، أو فقيد إِصْبُع أو أنْمُلَة، أو فقيد الظِّفر والشّعر، كذا قاله في "التتمة".
ومنها: كونه ذا إصْبُع زائدة، أو سنّ شَاغِبَة، أو مَقْلُوع بعض الأَسْنان، أو أدْرَدا، وكون البهيمة دَرْدَاء، إلا في السِّن المعتاد، وكونه ذا قُرُوح أو ثَآلِيل كثيرة، أو بَهَق 243 قاله الصيمري، وكونه مريضاً مرضاً مخوفاً، وكذا في سائر الحيوانات، كذا قاله في "التتمة"، وكونه أبيض الشعر في غير أوانه، ولا بأس بحمرته، وكونه 244 تَماماً أو
الجزء: 4 - الصفحة: 214
سَاحِراً أو قاذفاً للمحصنات، وكونه مقامراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخَمْر 245. وفي "الرقم" للعبادي: أنه لا يَرَدّ بالشرب وترك الصلاة.
وكونه خُنْثَى مشكلاً أو غير مشكل، وعن بعض المتأخرين: أنه إنْ كان رجلاً وكان يبول من فرج الرجال فلا رد، وكون العبد مخنثاً أو ممكناً من نفسه، وكون الجارية رَتْقَاء أو قَرْنَاء أو مُسْتَحَاضة أو مُعْتَدَّة أو محرمة، أو مُتَزَوّجة، وكون العبد متزوجاً.
وفي "البيان" حكاية وجه في التزوج 246. وتعلق الدَّين برقبتهما، ولا رد بما يتعلق بالذمة.
وكونهما مُرْتدين.
ولو كانا كافرين أصليين فمنهم من قال: لا رد في العَبِيد، ولا في الإماء، سواء كان ذلك الكفر مانعاً من الاستمتاع، كالتَمَجُّس والتنصر والتَّوثُّن، أو لم يكن كالتهوُّد والتنصُّر، هذا ما أورده في "التتمة".
والأظهر، وهو المنقول في "التهذيب": أنه لو وجد الجارية مجوسية أو وثنية، فله الرد، ولو وجدها كتابية أو وجد العبد كافراً، أي [كُفْر كان]، فلا رد إن كان قريباً من بلاد الكفر بحيث لا تقل فيه الرغبات، وإنْ كان في بلاد الإسلام بحيث تقل الرَّغبات في الكافر، وتنقص قيمته فله الرَّد، ولو وجد الجَارِية لا تَحِيض وهي صغيرة أوْ آيسة فلا رَدُّ، وإِنْ كانت في سنٍّ تحيض النِّسَاء في مثلها غالباً فله الرد، وكذا إذا تطاول طهرها وجاوز العادات الغالبة فله الرد يكون الجارية حاملاً، ولا رد به في سائر الحيوانات.
وقال في "التهذيب": يثبت به الرد.
ومنها: كون الدَّابة جَمُوحاً 247 أو عضوضاً أو رموحاً 248، وكون الماء المشتري مشمساً، قاله الرُّويَانِيُّ في "التجربة".
الجزء: 4 - الصفحة: 215
والرَّمل تحت الأرض إن كانت مما تطلب للبناء، والأحجار، وإن كانت مما تطلب للزرع والغرس، ولا رد يكون الرقيق رطب الكلام أو غليظ الصَّوت أو سيء الأدب، أو ولد الزنا أو مغنياً، أو حَجَّاما أو أَكُولاً أو زَهِيداً، وتردّ الدّابة بالزّهَادة، ولا بكون الأمة ثَيّباً، إلاَّ إذا كانت صغيرة، وكان المعهود في مثلها البَكَارة ولا بكونها عقيماً، وكون العبد عِنِّيناً، وعن الصيمري إثبات الرد بالعُنَّة، وهو الأظهر عند الإمام ولا يكون الأمة مَخْتُونة أو غير مختونة، وكون العبد مختوناً أو غير مختون، إلاَّ إذا كان كبيراً يخاف عليه من الخِتَان.
وقيل: لا تستثنى هذه الحالة أيضاً، ولا يكون الرقيق ممن يعتق على المشتري، ولا بكون الأمة أخته من الرِّضَاع أو النَّسَب أو موطوءة أبيه، أو ابنه، بخلاف المحرمة والمعتدة؛ لأن التحريم ثم علم يقلّل الرغبات، وهاهنا يختص التحريم به.
ورأى القاضي ابن كَجٍّ: إلحاق ما نحن فيه بالمحرمة والمعتدة، ولا أثر لكونها صائمة وفيه وجه ضعيف.
ولو اشترى شيئاً ثم بَانَ له أن بائعه باعه بوكالة أو وِصَاية أو وِلاَية أو أمانة 249 فهل له الرد لخطر فساد النيابة؟
حكى القاضي المَاوِرْدِي فيه وجهين 250، ونقل وجهين أيضاً فيما لو بَانَ كون العبد مبيعاً في جناية عمد وقد تاب عنها، وإن لم يتب فهو عيب، والجناية خطأ ليست بعيب، إلاَّ أنْ تكثر.
ومن العيوب: كون المبيع نجساً إذا كان مما ينقص بالغسل، وخشونة مشي الدَّابة بحيث يخاف منها السقوط، وأضرب البهيمة لبن نفسها.
وذكر القاضي أبو سعد بن أحمد في "شرح أدب القاضي" لأبي عاصم العبادي فصلاً في عيوب العَبِيد والجَوَاري.
ومنها: اصْطِكَاك الكَفَّيْن، وانقلاب القَدَمَيْن 251 إلى الوَحْشي والخَبَلاَن الكثيرة، وآثار الشّجَاج والقُرُوح والكَيّ، وسواد الأَسْنَان، وذِهَاب الأَشْفَار، والكَلْفُ المُغَيِّر للبَشَرة، وكون إحدى يدي الجارية أكبر من الأخرى، والحُفَر في الأسنان، وهو تراكم الوسخ الفاحش في أصولهما 252، هذا ما حضر ذكره من العيوب، ولا مطمع في استيعابها، لكن إن أردت ضبطاً فأشدُّ العبارات تلخيصاً ما أشار إليه الإمام -رحمه الله
الجزء: 4 - الصفحة: 216
تعالى-، وهو أن يقال: يثبت الرد بكل ما في المعقود عليه من منقص للقيمة أو العَيْن نقصاناً يفوت به غرض صحيح، بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه 253.
وإنما اعتبرنا نقصان العَيْن لمسألة الخَصِيّ، وإنما لم نكتف بنقصان العَيْن بل شرطنا فوات غرض صحيح به، لأنه لو بَانَ قطع فَلْقة يسيرة من فخذه أو ساقه لا تورث شيئاً ولا تفوِّت غرضاً لا يثبت الرد، ولهذا قال صاحب "التقريب": لو قطع من أذن الشَّاة ما يمنع التَّضحية ثبت الرد وإلاَّ فلا، وإنما اعتبرنا الشرط المذكور؛ لأن الثِّيَابة مثلاً في الإمَاء، معنى ينقص القيمة، لكن لا ردّ بها؛ لأنه لا يمكننا أن نقول: الغالب فيهن عدم الثِّيَابَة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَكُلُّ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ القَبْضِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، وَالرَّدُّ يَثْبُتُ بِهِ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ فَلاَ خِيَارَ بِهِ (م).
وَإنْ اسْتَنَدَ إلَى سَابِقٍ كَالقَطْعِ بِسَرقَةٍ سَابِقَةٍ وَالقَتْلِ بردَّةٍ سَابِقَةٍ وَالافْتِرَاعِ بِنِكَاحٍ سَابِقٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: العيب ينقسم إلى ما كان موجوداً قبل البيع فيثبت به الرد، وإلى ما حدث بعده، فينظر إن حدث قبل القبض فكمثل؛ لأن المبيع قبل القبض من ضمان البائع، وإن حدث 254 بعده فله حالتان:
الجزء: 4 - الصفحة: 217
إحداهما: أنْ لا يستند إلى سبب سابق على القبض فلا رد به.
وقال مالك: عهدة الرَّقيق ثلاثة أيام إلاَّ في المجنون والجُذَام والبرص، فإنها إذا ظهرت إلى سنة ثبت الخيار.
لنا القياس على ما بعد الثلاثة.
والحالة الثانية: أَنْ يستند إلى سبب سابق على القبض وفيها صور:
إحداها: بيع العبد المرتد صحيح على المذهب كبيع العبد المريض المشرف على الهلاك.
وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنه لا يصح تخريجاً من الخلاف في العبد الذي قتل في المُحَاربة، إن تاب قبل الظّفَر به فبيعه كبيع العبد الجاني لسقوط العقوبة المُتَحَتِّمة، وكذا إن تاب بعد الظَّفَر وقلنا بسقوط العقوبة وإلا فثلاثة طرق:
أظهرها: عند كثير من الأئمة: أن بيعه كبيع المرتد.
والثاني: وهو اختيار أبي حامد وطائفة القطع بمنع بيعه إذ لا منفعة فيه لاستحقاق قتله بخلاف المرتد فإنه ربما يسلم.
والثالث: وبه قال القاضي أبو الطيب: أنه كبيع الجاني.
إذا عرفت ذلك فإن صححنا البيع في هذه الصور فقتل العبد المرتد أو المُحَارب أو الجاني جناية توجب القِصَاص، نظر إن كان ذلك قبل القبض انفسخ البيع، وإن كان بعده وكان المشتري جاهلاً بحاله ففيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أحمد وابن سُرَيجٍ وابن أبي هريرة والقاضي أبو الطَّيب: أنه من ضمان المشتري؛ لأن القبض سلطة على التَّصَرُّف فيدخل المَبِيع في ضمانه أيضاً، لكن تعلّق القتل برقبته كعيب من العيوب، فإذا هلك رجع على الباَئع بالأَرْش، وهو نسبة ما بين قيمته مستحق القتل، وغير مستحق القتل من الثمن.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة وابن الحَدَّاد وأبو إسحاق: أنه من ضمان البائع؛ لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما لو باع عبداً مغصوباً فأخذه المستحق منه، فعلى هذا يرجع المشتري عليه بجميع الثمن، ويخرج على الوجهين مؤنة تجهيزه من الكفن والدَّفن وغيرهما، ففي الأول هي على المشتري، وفي الثانية على البائع.
وإن كان المشتري عالماً بالحال عند الشِّراء أو تبيِّن له بعد الشراء ولم يردّ، فعلى الوجه الأول: لا يرجع بشيء كما في سائر العيوب.
وعلى الثاني: فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 218
أحدهما، ويحكى عن أبي إسحاق وهو اختيار أبي حامد: أنه يرجع بجميع الثمن إتماماً لِلتَّشْبيه بالاستحقاق.
وأصحهما عند الجمهور وهو قول ابن الحداد: أنه لا يرجع بشيء لدخوله في العقد على بصيرة أو إمساكه مع العلم بحاله 255، وليس هو كظهور الاستحقاق من كل وجه، ولو كان كذلك لمَا صح بيعه أصلاً.
الثانية: بيع العبد الذي وجب عليه القطع قصاصاً أو بسرقة صحيح بلا خلاف، فلو قُطع في يد المشتري عاد التَّفْصيل المذكور في الصورة السابقة، فإن كان جاهلاً بحاله حتى قطع، فعلى قول ابن سريج ومن ساعده: ليس له الرد؛ لأن القطع من ضَمَانه ولكن يرجع على البائع بالأَرْش، وهو ما بين قيمته مستحق القَطْع وغير مستحقه من الثمن.
وعلى الأصح: له الرد واسترجاع جميع الثمن، كما لو قطع في يد البائع، فلو تعذر الرد بسبب، فالنظر في الأَرْش على هذا الوجه إلى التفاوت بين العبد السَّليم والأقطع، وإن كان المشتري عالماً فليس له الرد ولا الأَرْش.
قال الشيخ أبو علي: ولا يجيء هاهنا الوجه المحكي عن أبي إسحاق في القتل؛ لأنه لا يبقى ثم شيء ينصرف العقد إليه وهاهنا بخلافه -والله أعلم-.
الثالثة: لو اشترى جارية مزوجة، ولم يعلم بحالها حتى وطئها الزَّوْج بعد القبض، فإن كانت ثيباً فله الرد، وإن كانت بكراً فنقصت بالاقتضاض، فهو من ضمان البائع أو المشتري؟ فيه الوجهان.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
إن جعلناه من ضمان البائع فللمشتري الرد بكونها مزوجة، فإن تعذر الرد بسبب رجع بالأَرْش، وهو ما بين قيمتها بِكْراً غير مزوجة ومزوجة مفتضة من الثمن.
وإن جعلناه من ضمان المشتري فلا رد له وله الأرْش، وهو ما بين قيمتها بكراً غير مزوجة وبكراً مزوجة من الثمن.
وإن كان عالماً بكونها مزوجة، أو علم ورضي فلا رد له، فإن وجد بها عيباً قديماً بعدما اقتضت في يده فله الرد، إن جعلناه من ضمان البائع وإلاَّ يرجع بالأَرْش، وهو ما بين قيمتها مزوجة ثيباً سليمة ومثلها معيبة 256.
الرابعة: اشترى عبداً مريضاً وتمادى المرض إلى أن مات في يد المشتري، فعن الشيخ أبي محمد فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف المذكور في الصورة السابقة، ويحكى هذا عن الحَلِيميّ.
وأظهرهما وأشهرهما: القطع بأنه من ضمان المشتري؛ لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت، والرد خصلة واحدة وجدت في يد البائع، فعلى هذا إذا كان جاهلاً رجع بالأرش، وهو ما بين قيمته صحيحاً ومريضاً.
وتوسط صاحب "التَّهْذيب" بين الطريقين، فقطع فيما إذا لم يكن المرض مخوفاً بكونه من ضمان المشتري، وجعل المرض المخوف والجرح السَّاري على الوجهين.
واعلم: أن هذه الصُّورة والخلاف فيها قد ذكرها في أحكام بيع الثِّمَار وإن لَمْ تكن مذكورة في هذا الموضع، وإذا وقفت على هذا الشرح، عرفت أن الخلاف في قوله في الكتاب: "فيه خلاف" ليس منصوصاً في أنه هل يثبت خيار الرد في جميع الصور المذكورة، لأن في صورة قتل المرتد، إن جعلناه من ضمان المشتري فلا رد لهلاك المبيع، وإنْ جعلناه من ضمان البائع فينفسخ البيع، ويتبيَّن تلفه على ملك البائع، وحينئذ لا معنى لخيار الرد، فإذًا الخلاف في هذه الصورة في أنه من ضمان من؟
على ما تقرَّر في الصورتين الباقيتين يصح في خيار الرَّد بناء على هذا الأصل -والله أعلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 220
قال الغزالي: (وَأَمَّا التَّغْرِيرُ الفِعْلِيُّ) فَهُوَ أَنْ يُصَرِّي ضَرْعَ الشَّاةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ وَيُخَيِّلَ غَزَارَةَ اللَّبَنِ فَمَهْمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ ثَلاثةِ أَيَّام رَدَّها (ح) وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ بَدَلاً عَنِ اللَّبَنِ الكَائِنِ في الضَّرْعِ الَّذِي تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ لاخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِ المَبِيعِ لِوُرُودِ الخَبَرِ، وَلَوْ تَحَفَّلَتِ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا، أَوْ صُرِّيَ الأَتَانُ، أَو الجَارِيةُ أَوْ لُطِّخَ الثَّوْبُ بِالمِدَادِ مُخَيِّلاً أَنَّهُ كَاتِبٌ فَلاَ خِيَارَ لَهُ (ح و)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى النُّصُوص، وَأَحْوَطُ المَذْهَبَيْنِ أَنَّ غَيْرَ التَّمْرِ لاَ يَقُومُ مَقَامَ التَّمْرِ، وَأَنَّ قدْرَ الصَّاعِ لاَ يَنْقُصُ (و) بِقلَّةِ اللَّبَنَ وَلاَ يَزِيدُ بِكَثْرَتِهِ لْلاتِّبَاعِ.
قال الرافعي: السبب الثالث مِنْ أسباب الظَّن: الفعل المغرر، والأصل في صورة التَّصْرِية وهي أن يربط أَخْلاَف الناقة 257 أو غيرها ويترك حلابها يومين أو أكثر حتى
الجزء: 4 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = له حق الرد كمن اشترى قفة ثمار فوجد في أسفلها حشيشاً مثلاً حيث يكون له حق الرد للتغرير.
وقد أجاب الحنفية عن هذا الاعتراض بجوابين:
أولهما: بأن المشتري في المصراة مغتر لا مغرور؛ لأنَّ كبر الضرع قد يكون لغزارة اللبن؛ وقد يكون لغزارة اللحم فتكتمه على أمر كان يمكنه أن يعلم من البائع اغترار منه بكثرة اللبن.
وهذا بخلاف قفه الثمار لا معنى لها إلا على أن كل ما فيها ثمر، فالمشتري فيها مغرور لا مغتر، ومضلل عليه لا ضال.
وثانيهما: بالفرق على فرض أن المشتري هنا أيضاً مغرور بأن التغرير في قفة الثمار ينقص المقدار وهو عيب، وهذا بخلاف التصرية.
وحجة الجمهور هي المنقول والمعقول.
أما المنقول: فما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَصِرُّوا الإبِلَ وَالغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إن رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعَاً مِنْ تَمْرٍ".
وهو حديث متفق عليه.
وللبخاري وأبي داود: "مَنِ اشْتَرَى غنَماً مِصْرَاةً فَاحْتَلَبَها فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حِلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ" ولمسلم: " إِذَا مَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ لُقْحَةً مُصْرَاةً أَوْ شَاةً مُصْرَاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِمَّا هِيَ، وإلاَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ".
وللجماعة إلا البخاري: "مَنِ اشْتَرَى مُصْرَاةً فَهُوَ مِنْهَا بِالخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَمَعَها صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لاَ سَمْرَاءَ".
هذه الروايات كما ترى كلها صحيحة، متفق على صحتها، وكلها عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وهي صريحة، ونص في ثبوت الخيار للمشتري إذا ما اشترى مصراة، فاحتلبها فإنه بخير النظرين، إما أن يمسك بالثمن المتفق عليه، وإما أن يرد لا تحتمل غير هذا ألبتة، ومن حملها غيره فقد تكلف مركباً صعباً.
وقد روي هذا الحديث بطرق غير هذه، بعضها جيد وبعضها ضعيف، وفي بعضها زيادة، وفي بعضها نقص، وفي بعضها تغيير، وتبديل.
ففي بعضها صاع من تمر، وفي بعضها صاع فقط، وفي بعض آخر مثل أو مثلي لبنها قمحاً.
وهذه الروايات بعضها عن ابن عمر، وبعضها عن أنس، وبعضها عن ابن مسعود -رضي الله عنهم- وإن كان الصحيح عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وبعضها عن رجل من الصحابة، وهي بسند جيد.
وكلها قوية، وجيدة، وضعيفة متظاهرة متضافرة في ثبوت الخيار للمشتري، إذا ما اشترى مصراة فاحتلبها، فظهر له أمرها، وافتضح له عوارها.
وأما المعقول: فأثبتوا الرد بالتصرية قياساً على ما لو سود شعر الجارية الشمطاء، فباعها، فانكشف للمشتري حالها حيث يكون له حق الرد للتضليل عليه.
وعلى ما لو حبس البائع ماء الرحى، ثم أرسله عند بيعها تغريراً بالمشتري بجريان مائها على الدوام، حيث يكون له الرد أيضاً، وذلك لوجود التدليس والتغرير في التصرية أيضاً.
إلا أن -والحق يقال هذه قياسات مذهبية- لا تلزم الحنفية لأنهم ينازعون فيها أيضاً.
هذا فضلاً عن أن الحكم في هذه المسائل المقيس عليها إنما أخذ من حكم المصراة قياساً عليها، فقياس المصراة عليها حينئذ دور وقلب للموضوع.
وقد دفع الحنفية في صدر هذه الأدلة من المنقول فما شفوا غليلاً، وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم فما أغنوا فتيلاً، وتألبوا عليها إلباً واحداً فما زعزعوا منها ثابتاً، وما قرعوا لها صفاة، ثم ارتدوا عنها وهي هي قوة وثباتاً ووضوح دلالة وسطوع برهان وحجة.
وملخص =
الجزء: 4 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اعتراضاتهم على هذه الأحاديث ينحصر في مقامين؛ المقام الأول: مقام الرد والطعن.
والمقام الثاني: مقام التسليم مع التأويل.
المقام الأول: يشمل ثلاث أحوال:
الحال الأولى: رد هذه الأحاديث لمخالتفها القياس الصحيح والأصول المعترف بها شرعاً.
الحال الثانية: ردها لكونها منسوخة بأحاديث أخر.
الحال الثالثة: ردها لاضطرابها اضطراباً لا تقوم معه حجة على إثبات الخيار.
الحال الأولى: أما مخالفتها للقياس وللأصول فمن وجوه أشهرها:
أولاً: من المعلوم شرعاً أنه لا تضمن عين مع وجودها بل ترد هي بعينها.
واللبن قد يكون موجوداً لدى المشتري فكيف يرد التمر عنه مع وجوده؟.
ثانياً: الأصل في ضمان المتلفات هو المثل إن كانت من المثليات والقيمة إن كانت من القيميات فكيف يضمن اللبن بالتمر وهو لا مثل ولا قيمة؟
ثالثاً: الأصل في الضمان أن يزيد وينقص تبعاً لزيادة المضمون ونقصانه، ولبن المصراة يختلف قلة وكثرة تبعاً لاختلاف الجنس والنوع والجو والمرعى، وهكذا وضمانه دائماً هو صاع التمر لا يزاد عليه، ولا ينقص منه.
رابعاً: قالوا إن ثبت حقاً خيار التصرية فهو ملحق ولا بد بخيار العيب لشبهه به، وخيار العيب غير مؤقت على معنى لو اطلع المشتري على العيب في أي وقت، ولو بعد سنة من البيع ثبت له حق الرد بالعيب، بينما نصت هذه الأحاديث على تأقيت خيار التصرية بثلاثة أيام، فلو مضت الثلاث ثم علم بالتصرية فلا خيار له فكان مخالفاً لخيار العيب من هذه الناحية.
وهذا الحديث لم يرو من طريق صحيح غير طريق أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأبو هريرة عندنا إذا ما خالفت رواية القياس الصحيح قدم القياس عليها، إذا كانت روايته في الفقه؛ لأنه لم يكن ذا بصر نافذ فيه، وقد ظهر تساهله في بعض مسائله، وكان من أجل ذلك عرضة لإنكار بعض الصحابة عليه.
فهذا ابن عباس -رضي الله عنه- يرد عليه رواية الوضوء من حمل الجنازة قائلاً: "أنتوضأ من حمل عيدان يابسة؟ " وحديث الوضوء مما مسته النار قائلاً: "لو توضأت بماء ساخن أكنت أتوضأ منه؟ ".
الحال الثانية: وهي نسخ هذه الأحاديث فإنهم اختلفوا في الناسخ لها فقيل هو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" لأن المصراة لو تلفت عند المشتري كانت من ضمانه فتكون فضلاتها له ومنها اللبن بموجب هذا الحديث، وإذا كان اللبن له فهو لا يضمنه.
وقبل الناسخ نهيه -عليه الصلاة والسلام-: "عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ" لأن لبن المصراة قد صار ديناً في ذمة المشتري، فإذا ألزم في ذمته صاعاً بدله كان من قبيل بيع الدين بالدين، أو فسخ الدين في الدين وقيل الناسخ غير هذا مما هو أضعف شأناً ودلالة على النسخ مما ذكرنا فضربنا صفحاً عن ذكره.
وإذا ظهر أن أحاديث خيار التصرية منسوخة بما ذكرنا، فقد بطل التمسك بها لثبوت الخيار لا سيما ومخالفتها للأقيسة الصحيحة مما يقوي الظن بمنسوخيتها.
الحال الثالثة: وأما اضطرابها فهو ما تقدم من أن هذه الأحاديث رويت بألفاظ كثيرة، وهي مع ذلك متعارضة يدفع بعضها في صدر بعض.
نذكر منها: "رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ" "صَاعاً =
الجزء: 4 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مِنْ طَعَامٍ"، "صَاعاً" "مِثْلَ أَوْ مِثْلَى لَبَنِهَا قَمْحاً" "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لاَ سَمْرَاءَ" والسمراء هي القمح "صَاعاً مِنْ طَعَامٍ لاَ سَمْرَاءَ" واضطراب الحديث اضطراباً لهذا الاضطراب لسقطه عن درجة الحجية.
المقام الثاني: مقام التسليم مع التأويل أي التسليم هنا بصحة الأحاديث، وكونها غير منسوخة، وتأويلها بما لا يتعارض مع مذهب الحنفية من نفيهم خيار التصرية.
فيقول فيه صاحب المبسوط ما معناه -ولهذا كله يحمل الحديث على التأويل، وإن بعد فهو خير من الرد فيحمل على أن المشتري كان اشتراها على أنها غزيرة اللبن فكان شراءً فاسداً لفساد هذا الشرط، والمبيع في الشراء الفاسد يرد مع زوائده، ولكن اللبن كان قد فقد عند المشتري فدعاهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فصالحهما على أن يرد المشتري صاعاً من تمر، فكان اللبن، وكان صاع التمر قيمة اللبن في هذا الزمان، فظنه الراوي ضماناً عن اللبن علي وجه الإلزام في جميع العصور والأزمان س فرواه بهذه الصيغة العامة، ومثل هذا يقع كثيراً من بعض الرواة لغفلة أو قلة فهم.
وقد أجاب الجمهور عن اعتراضات الحنفية بأجوبة إجمالية وأجوبة تفصيلية.
أما أجوبتهم: الإجمالية فتتلخص في أن هذا الحديث حديث التصرية بجميع طرقه أصل برأسه يجب أتباعه والعمل بموجبه كسائر نصوص الكتاب والسنة لا فرق بين نص ونص، ومحاولة إخضاع نص صريح صحيح للقاس أو إبعاده بالكلية إذا كان يخالفه هذه المحاولة هي قلب للوضع، ومخالفة للأصول المتفق عليها بين الفقهاء من تقديم النصوص على الأقيسة، وأنه لا يصار إليها إلا بعد فقدان النصوص الصحيحة الثابتة، فكان اعتذاركم عن عدم العمل بالحديث لمخالفة الأصول هو عين الخروج على الأصول وكنتم كالمستجير من الرمضاء بالنار.
وهذا خبر صحيح مشهور مستفيض صالح لتخصيص عمومات الكتاب والسنة، حتى عند الحنفية أنفسهم الذي يجوزون تخصيص العام بالمشهور.
لأن الحديث -وإن كان آحاد الأصل على فرض قصره على أبي هريرة -رضي الله عنه- فالرواة له عن أبي هريرة كثير، والحديث قد استفاض في القرن الثاني والثالث وما بعدهما، فأصبح بمنزلة المتواتر المجمع على العمل به بله المشهور.
لا سيما وقد كان يفتي به أبو هريرة نفسه، وابن مسعود شيخ الحنفية الأول، وإمام طريقتهم، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
ومحاولة الطعن في الحديث يكون راوية أبي هريرة، وقد ظهر تساهله في الرواية في مسائل الفقه محتجين بمثل ما روي عن ابن عباس من رواة لبعض رواياته هي محاولة غير مجدية، وغير سديدة أيضاً.
فلعل ابن عباس زاد روايته لما ثبت عنده مما يخالفها من روايات أخر يراها أرجح، وفي الوقت نفسه يعضدها القياس.
وقد فعل مثل فعل ابن عباس مع أبي هريرة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع غير أبي هريرة من أجلاء الصحابة، ولم نسمع عليهم مثل هذا الطعن الذي طعن به أبو هريرة -رضي الله عنه- ولو فرض أن ابن عباس رد رواية أبي هريرة بمحض الرأي والقياس فابن عباس محجوج بالحديث، وليس رأيه حجة على الحديث.
وأبو هريرة قد كان عند ابن عباس نفسه بالمنزلة الرفيعة، والمحل الملحوظ، يفتي بحضرته، وابن عباس يثني عليه، فقد روي أن رجلاً من مزينة طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فأتى ابن عباس يسأله، وعنده أبو هريرة فقل ابن عباس إحدى المعضلات يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: واحدة تبينها =
الجزء: 4 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وثلاث تحرمها، فقال ابن عباس: زينتها يا أبا هريرة، أو قال: نورتها أو كلمة تشبهها يعني أصاب.
فأبو هريرة كان أكرم على ابن عباس مما يظن القوم، وأفضل عنده منه عندهم.
ولسنا بهذا نحاول الدفاع عن أبي هريرة بعد ما دافع عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزكاة، ودعا له بكثرة الحفظ، وإنما هي كلمة جررنا إليها جراً.
ولا نقول كما قال بعض الكتاب: إن هذا الحديث لم ينفرد به أبو هريرة وحده، فأني أشعر بوخز ضميري لو قلت هذا القول، فأبو هريرة فيه الكفاية بل هو فوق الكفاية، فضلاً عن أنه يفتح باباً للحنفية في الطعن والتجريح، لا مخلص منه إلا بتزكية أبي هريرة آخرة الأمر ودعوى الاكتفاء به.
هذا مع أن رد حديث أبي هريرة لمثل هذا الذي ذكره الحنفية يجرنا إلى مواقف محرجة، ويوقعنا في مسائل شائكة ما كان أحرانا بالابتعاد عنها، فإنه أكثر الصحابة رواية للحديث، وشطر كبير من الدين يتوقف على حديثه وحده، فاللهم لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم القول بأن الحديث منسوخ -بما ذكروا من الأحاديث- فهي على فرض أنها تعارضه يتوقف القول بناسخيتها على تأخرها، وهذا ما لا سبيل لهم إليه.
فكيف مع هذا وهذه الأحاديث لا تعارض حديث التصرية؟ وأما الاعتراض على الحديث بأنه مضطرب متناقض فجميع طرق الحديث الصحيحة -والحمد لله- لا اضطراب فيها ولا تعارض.
أما الروايات المضطربة فهي الروايات الضعيفة، وهذه نسقطها من حسابنا.
وتأويل الحديث على الوجه الذي ذكروا يكفينا في دفعه أنه بعيد بعداً لا يتصوره العقل.
كيف وصاحب المبسوط نفسه يعترف بأنه تأويل بعيد؟.
وأما الأجوبة التفصيلية: فتتناول اعتراضاتهم على الحديث واحداً واحداً فتقيدها تفنيداً مبينة أن شيئاً منها لا يخالف الأصول، ولا القياس، ولا يعارض نصاً صحيحاً من النصوص بل هو موافق لها جميعاً، فإما الاعتراض بأنه لا تضمن عين مع وجودها، فصحيح ومسلم إذا لم تتغير أوصافها، فإما لو تغيرت فإنها تضمن مع وجودها؛ لأنها حينئذ تكون في حكم المفقودة، ولبن التصرية مع فرض وجوده لدى المشتري من هذا القبيل؛ لأنه بالحلاب ومضي الوقت ذهبت طراوته، وتغير عن طبيعته، واضمحلت حلاوته.
وأما الاعتراض بأن الأصل في الضمان هو المثل أو القيمة، والتمر ليس أحدهما، فهذا إذا كان المضمون معلوماً معيناً حتى يعلم مثله أو قيمته، أما إذا لم يكن كذلك كلبن التصرية فإنه يختلط باللبن الحادث عند المشتري على ملكه، ولا سبيل إلى تمييز أحدهما عن الآخر حتى يعلم قدره بيقين.
فصاع التمر إذا تقدير من الشارع لبدل اللبن قطعاً للنزاع، وحسما للخصام والجدال.
غاية ما هناك ما الحكمة في جعل التمر مكان اللبن؟ والحكمة فيه ظاهرة بأن طعام القوم الغالب فيهم حينئذ إنما كان اللبن والتمر فلما ذهب اللبن علي البائع عوض بدله التمر لقيامه مقامه في الغذاء.
وبهذا أيضاً يجاب عن الاعتراض بأن بدل المتلف يقل ويكثر تبعاً لقلتة وكثرته، والصاع هنا واحد لا يزيد ولا ينقص.
وأما الجواب عن هذا الاعتراض بنحو بدل الموضحة فإنه خمس من الإبل لا تزيد ولا تنقص، مع أن الموضحة ليست بحالة واحدة، فخارج عن محل النزاع، لأن هذا في العقوبات، ومحل النزاع هو الضمانات.
وأما الاعتراض بأن خيار التصرية مؤقت، وخيار العيب غير مؤقت، فإنما كان الأمر كذلك، لأن العيب لا يعلم متى يوقف عليه فكان من المصلحة عدم تحديده، بينما التصرية تعلم غالباً في ظرف الثلاثة الأيام؛ لأن نقصان الخلاب في اليوم الثاني قد يكون لتغير =
الجزء: 4 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المكان أو المرعى فإذا جاء اليوم الثالث موافقاً للثاني علم أن كثيرة اللبن في اليوم الأول إنما كانت لأجل التصرية.
هذا هو جواب الاعتراضات الواردة على الحديث من حيث مخالفته للأصول والقياس.
وأما الاعتراضات الواردة عليه من حيث هو منسوخ فهاك جوابها.
قولهم: إنه منسوخ بحديث: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فهذا فرع أنه يعارضه، ولا معارضة بينهما -إن شاء الله-.
لأن الخراج هو الغلة، كما جاء مصرحاً به في بعض الروايات، والمراد بها الحادثة على ملك المشتري، لكونه من ضمانه حينئذ.
ولبن التصرية موجود وقت البيع فهو للبائع في الأصل لكونه حدث على ملكه، وعلى ذلك فهو مبيع كالأصل ويأخذ قسطاً من الثمن.
فإن تلف عند المشتري وجب عليه ضمانه إن فسخ البيع لكونه كجزء المبيع.
وعلى فرض أنه يعارضه فهو عام، وحديث التصرية خاص، والواجب حمل العام على الخاص، ومع هذا فليس حديث الخراج بالضمان في قوة حديث التصرية حتى يعارضه.
وقولهم إنه منسوخ بنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الدين بالدين، فهذا حديث ضعيف لا يعارض حديث التصرية، ولو عارضه فهو عام مخصوص به، وقد قال الشوكاني في بيان عدم التعارض بين الحديثين: -ولو صح حديث النهي عن بيع الدين بالدين، فليس صاع التمر ديناً في ذمة المشتري؛ لأنه يجب عليه توفيته حالاً مع رد المصراة-.
والتحقيق أن لبن التصرية مملوك للمشتري بالعقد كالأصل، فإذا هلك هلك على ضمانه، ولكنه أن رد العين فقد وجب عليه للبائع بدله صاع التمر ابتداء في ذمته.
وقد أضربنا عن اعتراضات أخر غير ما ذكر لأنها أقل شأناً وأسهل دفعاً.
وإذا تبين سقوط اعتراضات الحنفية على حديث التصرية علمنا أن الحديث صالح للحجية، وليس بعد أن يصح الحديث وتصلح للاستدلال حاجة إلى دليل آخر يعضده فسواه صحت أقيسة الجمهور أم لم تصح، فمذهبهم في هذه الخلافية ظاهر الصواب، وحينئذ يكفينا في رد دليل أبي حنيفة، وعدم نهوضه حجة على مذهبه، أنه قياس في مقابلة النص، وهو باطل باتفاق العلماء.
وههنا مسائل:
الأولى: لم يأت نص تصريح في أحاديث التصرية على البقر، ولكن الجمهور قاسها على الإبل والغنم من باب أولى، لأنه إذا وجب الصاع في لبنهما، وهو أقل عادة من لبن البقر؛ فلأنه يجب في لبنها من باب أولى، هذا مع أن بعض روايات الحديث قد وردت بصيغة عامة شاملة: "مَنِ اشْتَرَى مِصْرَاة" إلا أنها على كل حال غير صريحة في البقر.
الثانية: إذا كان المبيع مصراة من غير بهيمة الأنعام، فهل يرد من أجل التصرية أم هذا الحكم مقصور على الأنعام؟.
المالكية، والصحيح من مذهبي الشافعية، والحنابلة، أن التصرية في غير الأنعام يرد من أجلها المبيع؛ لأنها تغرير بما يزيد من أجله الثمن، ولعموم لفظ الحديث: "مَنِ اشْتَرَى مِصْرَاة".
والصحيح من مذهب الشافعية أنه في حال الرد لا يجب عليه الصاع، إلا في المأكول وحده قياساً على النعم، بينما غيرهم لا يوجب الصاع مطلقاً لأن لبن غير الأنعام لا يعتاض عنه غالباً، وليس مثله في الغذاء، وإن كان قد يقصد لتربية الحيوان.
وحديث المصراة قد تضمن حكمين حكماً بالرد للتغرير، وهذا هو المقيس عليه الرد في غير النعم، وحكماً بوجوب الصاع، وهذا لا يقاس عليه لبن غير الأنعام؛ لأن لا يساويه من حيث القيمة ولا المنفعة.
وفريق من الشافعية، والحنابلة، يرون عدم جواز رد المبيع من غير بهيمة الأنعام؛ بسبب التصرية، لأن الأحاديث قد وردت بلفظ الإبل والشاة فقيس عليهما ما في معناهما وهو =
الجزء: 4 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = البقر، وصيغة الحديث العامة محمولة على الصيغة الخاصة؛ لأن الحديث في الأصل واحد -وإن تعددت طرقه ورواياته-.
وأيضاً الأصل في البيع هو اللزوم، فلا يعدل عنه إلا لدليل، والدليل لم إلا في بهيمة الأنعام، وليس غيرها مثلها حتى يقاس عليها.
الثالثة: هل لا بد في البيع من أن يكون تمراً أم يكفي صاع من طعام غير التمر؟ الصحيح من مذهبي الشافعية والحنابلة هو تعين التمر، وهو أيضاً مذهب الظاهرية، لأن أغلب الأحاديث نصت عليه؛ ولأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لا سَمْرَاءَ" والسمراء هي الحنطة، وإذا لم تجز عن التمر فغيرها من باب أولى.
والصيغة العامة: "صَاعاً مِنْ طَعَامٍ" مراد منها خاص هو التمر؛ لأنه المطعوم في ذلك الزمان جمعاً بين الأحاديث.
والروايات الأخر التي تنص على غير التمر ضعيفة، وفي بعض طرقها من اشتهر بالوضع والكذب.
والتمر يشترط فيه أن يكون وسطاً، لا جيداً ولا رديئاً، ولو أخرج الجيد فقد تطوع خيراً.
والصحيح من مذهب المالكية أنه يكفي غالب قوت البلد كزكاة الفطر، والنص على التمر؛ لأنه كان غالب قوتهم في هذا الأوان.
ولأن صيغة: "صَاعاً مِنْ طَعَامٍ" عامة والنص على التمر لا يخصصها؛ لأنه فرد من أفراد العام حكم عليه بحكم العام.
وصيغة: "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لاَ سَمْرَاءَ" لم يقصد منها سوى أن إيجاب السمراء لا يتعين رفقاً بالمشتري.
وأيضاً إلزام التمر فيه حرج شديد، ومشقة كبيرة لا سيما في البلاد التي لا يوجد فيها أو يوجد ولكن بقلة.
ويرى ابن قيم الجوزية أن هذا المذهب أعدل المذاهب.
فإن فقد التمر فما الحكم عند الشافعية ومن لف لفهم؟ أما عند الشافعية فالواجب قيمة بالمدينة، وقيل قيمة أقرب بلاد التمر إليه.
وأما عند الحنابلة والظاهرية فالواجب قيمة في موضع الفقد.
الشافعية على القولين نظروا إلى محله الذي يكثر فيه؛ فأوجبوا القيمة باعتباره رفقاً بالمشتري؛ لأنه غارم والحنابلة نظروا إلى محل وجوب التمر فأوجبوا القيمة باعتباره.
الرابعة: هل يتعدد الصاع بتعدد المصراة أم الواجب فيها كلها صاع واحد؟.
الظاهرية على أن الواجب صاع واحد، سواء كانت المصراة واحدة أو اثنتين، أو ألفاً، أو أكثر، وهذا أيضاً مذهب أكثر المالكية، وحجتهم في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ اشْتَرَى غَنَماً مِصْرَاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ" حيث جعل الصاع في حلبة الغنم، وهو صادق بأي جمع كان.
ولأن كثرة اللبن غير منظور إليها بدليل إيجاب الصاع في لبن البقرة، وهو فوق لبن الشاة.
والشافعية والحنابلة والمالكية على الراجح لديهم على أن الصاع يتعدد بتعدد المصراة.
وحجتهم هي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنِ اشْتَرَى مِصْرَاةً" وهو يتناول الواحدة على انفراد والواحدة في ضمن الكل فيكون في كل واحدة من المجموع صاع.
ولأن الواجب في شيء على انفراد يتعدد بتعدده عند الاجتماع.
الخامسة: اتفق الكل على أن المشتري إذا اختار إمساك المصراة أمسكها بثمنها المتفق عليه، وليس له أن يطالب بأرش النقص الحاصل؛ بسبب التصرية كخيار العيب بل هنا أولى؛ لأن المببع سليم؛ ولأنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَن يَحْلُبَهَا إِمَّا هِيَ، وَإِلاَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ".
وقوله: "إِمَّا هِيَ" مشعر بذلك ودال عليه.
السادسة: لو رضي بالمصراة فأمسكها، ثم وجد بها عيباً فردها من أجله، فهل يجب عليه الصاع أم لا يجب؟ الشافعية والحنابلة على أن المشتري يجبر على وقع الصاع لأنه بدل اللبن، =
الجزء: 4 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهو لا يتغير يكون الرد للتصرية أو للعيب.
والظاهرية والمالكية على الراجح لديهم على أن المشتري لا يجبر على دفع البيع؛ لأن الرد حينئذ للعيب، والحديث على وجوب الصاع على الرد بسبب التصرية.
السابعة: هل إذا كان لبن التصرية موجود يجب رده مع صاع التمر أم لا يجب؟.
الظاهرية نعم يجب رده مع الصاع حليباً كان أو عقيداً أو مخيضاً، ولو نقص عن قيمته حليباً رد فرق ما بين القيمتين أيضاً، فإن كان استهلكه وجب عليه رد لبن مثله.
وحجتهم أن اللبن مشترى مع المصراة صفقة واحدة، والواجب إمساك الصفقة أو ردها لا يفرق بينها في الحالين.
والتمر عندهم ليس في مقابلة اللبن وإنما وجب تعبداً.
والجمهور على أن المشتري لا يجب عليه رد اللبن؛ لأن الصاع بدل عنه، ولا يجمع بين العوض والمعوض؛ وهذا هو أيضاً ما يشير إليه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ" حيث جعل صاع التمر في مقابل الحلبة، وهي اللبن المحلوب.
وقول ابن حزم: "إن الحلبة تطلق على الفعل حقيقة، وعلى المحلوب مجازاً فلا يعدل عن الحقيقة إلا لنص" يؤخذ منه أن الصاع عنده في مقابل الفعل، وهو رأي يمر عليه المرء مر الكرام.
إلا أن الحنابلة قالوا: لو كان اللبن بحاله لم يتغير، فللمشتري أن يرده وحده، ويجبر البائع على قبوله في الأصح.
لأن اللبن موجود بحالة لم يتغير، وقد قدر المشتري على رده، فلا يجبر على رد بدله مكانه.
وقال الشافعية: لا يجبر البائع على قبوله مكان التمر، ولكن إن رضي جاز لذهاب طراوته بالحلب.
وقال المالكية: ليس له أن يرد اللبن بدل التمر، وإن رضي البائع.
لأن برد المصراة تعين الصاع في ذمة المشتري، فلو رد اللبن مكانه، لكان البائع قد باعه الصاع باللبن فيكون من قبيل بيع الدين قبل قبضه، وهو لا يجوز.
ثم الفقهاء جميعهم على أن المشتري لو علم بالتصرية قبل الحلب جاز له رد المصراة بدون البيع؛ لأنه رد الصفقة كما هي بلبنها الذي لا يزال في ضرعها، كما أنهم أتفقوا أيضاً على أنه لا شيء على المشتري في اللبن الحادث عنده بعد لبن التصرية، لأنه نماء ملكه الخاص.
الثامنة: لو صرها أحد بدون علم البائع فهل للمشتري الرد كما لو صرها البائع نفسه؟.
إن قلنا إن العلة في الرد بالتصرية هي التغرير بالمشتري، فليس له الرد هنا، وإن قلنا هي دفع الضرر عن المشتري الذي قد وطن نفسه على خلافه عند البيع فله الرد.
والقولان في مذهب الشافعية والصحيح منهما هو القول بجواز الرد.
التاسعة: لو علم المشتري بالتصرية في حدود الثلاثة أيام كان له الخيار، وهل هو حينئذ فوري أو يمتد ثلاثة أيام؟ أعني من وقت العلم بالعيب قولان في مذهب الشافعية، الصحيح منهما الأول كخيار العيب، وهذان القولان عند الحنابلة كذلك.
فلو مضت الثلاث بدون أن يعلم بالتصرية سقط هذا الخيار عند الشافعية، وهناك قول في مذهب الحنابلة بعدم السقوط، بل يثبت في أي وقت علم بالتصرية كخيار التدليس بالعيوب سواء بسواء.
ومذهب المالكية كمذهب الشافعية فعندهم لو علم بالتصرية في اليوم الثاني سقط الخيار، فإن لم يكف الثاني امتد إلى الثالث، وليس له بعد الثلاث الرد بحال.
العاشرة: اتفقت المذاهب على أن التديس بالعيوب يثبت للمشتري حق رد المبيع، واختلفت =
الجزء: 4 - الصفحة: 228
يجتمع اللَّبن في ضَرْعها، فيتخَيَّل المُشْتَري غزارة لبنها ويزيد في الثَّمن.
واشتقاقها من قولهم: صَرّ الماء في الحوض ونحوه: أي جمعه.
وتسمى المُصَرّاة مُحَفَّلة أيضاً، وهو من الحفل، وهو الجمع أيضاً، ومنه قيل للجمع: محفل.
وهذا الفعل حرام لما فيه من التَّدْلِيس 258، ويثبت به الخيار للمشتري، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُصِرُّوا في الإبِلِ وَالْغَنَمِ لِلْبَيْعِ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ للنَّظَرَيْنِ مِنْ بَعْدِ أن يَحْلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ".
وروي: (بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا ثَلاثاً).
وقوله: بعد ذلك: أي بعد هذا النهي.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لاَ سَمْرَاءَ" 259.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ مُحَفّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ لَبَنِهَا قَمْحاً" 260 إذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسائل:
إحداها: كيف يثبت خيار التَّصرية؟ فيه وجهان: = فيما ليس بعيب، ولكنه يفقد المبيع كمالاً، هل يكون التدليس به مثبتاً للمشتري حق الرد كالعيب أم لا؟.
ومدار الخلاف على حديث التصرية، وقد علمت موقف الحنفية منه، وهذا موقفهم أيضاً في كل ما يشبه التصرية.
وأما الجمهور فبعد أن قالوا بجواز الرد بذلك اختلفوا في تفسير التدليس.
فهو عند الشافعية كل ما كان أمارة قوية على أن المبيع كما ظن المشتري.
فيثبتون الرد بتسويد الشعر، ولا يثبتونه بتلطيخ ثوب العبد بالمداد إغراء بأنه كاتب؛ لأن هذا أمارة ضعيفة لاحتمال أن يكون ممن يحترف صناعة المداد.
بينما المالكية يجعلون له حق الرد بكل فعل يفعله البائع، بالمبيع قاصداً به كماله، ولو كان أمارة ضعيفة.
ولذلك كان للمشتري عندهم حق رد العبد الملطخ ثوبه بالمداد.
والذي يظهر هو رجحان مذهب الشافعية؛ لأن الأصل في البيع هو اللزوم والمصراة أستثنيت من هذا الأصل للحديث والتصرية أمارة قوية، على أن البهيمة كثيرة اللبن، فلا يلحق بها إلا كل ما كان في معناها تقليلاً؛ لمخالفة الأصل والقياس.
ينظر الخيار في الفقه الإسلامي لشيخنا الشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 229
أحدهما، وبه قال أبو حامد المَرُوزي: أنه يمتد ثلاثة أيام لظاهر الخبر.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور كخيار العيب، وما ذكره في الخبر بناء على الغالب، إذ التَّصْرِية لا تتبين فيما دون الثلاثة غالباً؛ لأنه يحمل النقصان على اختلاف العلف وتبدل الأيدي وغيرهما، وللوجهين فروع:
أحدها: لو عرف التَّصْرية قبل ثلاثة أيام بإقرار البائع، أو بشهادة الشهود ثبت له الخيار على الفور في الوجه الثاني.
وعلى الأول يمتد إلى آخر الثَّلاَثة، وابتداؤها من وقت العقد أو من وقت التَّفرق، يعود فيه الوجهان المذكوران في خيار الشرط.
والثاني: لو عرف التَّصْرِية في آخر الثَّلاَثة أو بعدها ذكر في "الحاوي": أن على الوجه الأول: لا خيار له لامتناع مجاوزة الثلاث كما في خيار الشرط.
وعلى الثاني يثبت، وعلى هذا فهو على الفور بلا خلاف.
والثالث: لو اشترى وهو عالم بكونها مُصُرَّاة، فعلى الأول: له الخيار أخذاً بظاهر الخبر.
وعلى الثاني لا خيار كسائر العيوب.
الثانية: ظهور التَّصْرية إن كان قبل الحلب رده ولا شيء عليه، وإن كان بعده فاللَّبن إما أن يكون باقياً أو تالفاً، إن كان باقياً فلا يكلف المشتري رده مع المصراة؛ لأن ما حدث بعد البيع ملك له، وقد اختلط بالمبيع وتعذر التمييز، وإذا أمسكه كان بمثابة ما لو تلف، وإن أراد رده فهل يجب على البائع أخذه؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى استحقاقه من بدله.
وأصحهما: لا، لذهاب طَرَاوَتِه بِمُضِي الزَّمان، ولا خلاف في أنه لو حمض وتغير لم يكلَّف أخذه، وإن كان اللبن تالفاً رد مع المُصَراة صاعاً من تمر، ولا يخرج ردها على الخلاف في تفريق الصَّفقة لتلف بعض المبيع وهو اللبن اتِّباعاً للأخبار الواردة في الباب على أن اللّبن في رأي لا يقابله قسط من الثمن، وهل يتعيَّن للضم إليها جنس التمر وقدر الصَّاع؟ أما الجنس، ففيه وجهان:
أصحهما: عند الشيخ أبي محمد وغيره: أنه يتعيَّن التمر [ولا يعدل عنه، لقوله -صلى الله عليه وسلم- (صاعاً مِنْ تَمْرٍ لا سَمْراء).
ويحكى هذا عن أبي إسحاق، وعلى هذا لو أعوز التمر قال الماوردي: يرد قيمته بالمدينة.
والثَّاني: لا يتعين، وعلى هذا فوجهان:
أصحهما: أن القائم مقامه الأقوات كما في صدقة الفطر.
قال الإمام: لكن لا يتعدى هاهنا إلى الأقط بخلاف ما في صدقة الفطر للخبر، وعلى هذا فوجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 230
أحدهما: أنه يخير بين الأقوات، لأن في بعض الروايات ذكر التَّمْر، وفي بعضها ذكر القمح فأشعر بالتخيير، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: أن الاعتبار بغالب قوت البلد كما في صدقة الفطر، ويحكى هذا عن مالك والإِصْطَخْري وتخريج ابن سريج.
والوجه الثاني حكاه الشيخ أبو محمد: أنه يقوم مقامه غير الأقوات، حتى لو عدل إلى مثل اللّبن، أو إلى قيمته عند إعواز المِثْل أجبر البائع على القبول اعتباراً بسائر المُتْلَفَات، وهذا كله فيما إذا لم يَرْضَ البائع.
فأما إذا تراضيا على غير التَّمْر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند بقائه جاز بلا خلاف، كذا قاله صاحب "التهذيب" وغيره، ورأيت القاضي ابن كج حكى وجهين في جواز إبدال التمر بالبُرّ عند اتفاقهما عليه.
وأما القدر: ففيه وجهان أيضاً:
أصحهما: أن الواجب صاع قلّ اللبن أو كثر، لظاهر الخبر، والمعنى فيه: أن اللَّبن الموجود عند البيع يختلط بالحادث بعده ويتعذر التمييز، فتولى الشَّارع تعيين بدل له قطعاً للخصومة بينهما، وهذا كإيجاب الغُرَّة في الجنين مع اختلاف الأجِنَّة ذكورة وأنوثة، والأَرْش في الموضحة مع اختلافها صغراً وكبراً.
والثاني: أن الواجب يتقدَّر بقدر اللّبن؛ لما سبق من رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- وعلى هذا فقد يزداد الواجب على الصَّاع، وقد ينقص، ثم منهم من خصّ هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصَّاع على نصف قيمة الشَّاة، وقطع بوجوب الصَّاع فيما إذا نقصت عن النِّصْف، ومنهم من أطلقه إِطلاقاً، ومتى قلنا بالوجه الثاني فقد قال الإمام تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز، فإذا كان اللَّبن عشر الشَّاة مثلاً أوجبنا من الصَّاع عشر قيمة الشاة.
فرع: اشترى شاة بصاع تمر فوجدها مُصَرَّاة، فعلى الأصح يردّها ويرد صاعاً، ويسترد الصاع الذي هو ثمن وعلى الثَّاني تقوم مُصَرَّاةً وغير مصرّاة، ويجب بقدر التفاوت من الصاع.
فرع: غير المُصَرَّاة إذا حلب لبنها ثم ردها بعيب.
قال في "التهذيب": يرد بدل اللبن كما في المُصَرَّاة.
وفي تعليق أبي حامد حكاية عن نصه: أنه لا يرد؛ لأنه قليل غير معتنى بجمعه، بخلاف ما في المُصَرَّاة، ورأى الإمام تخريج ذلك على أن اللبن هل يأخذ قسطاً من الثمن أم لا؟ والصحيح الأخذ.
الجزء: 4 - الصفحة: 231
الثالثة: لو لم يقصد البائع التَّصْرِية لكن ترك الحلاب ناسياً أو لشغل عرض، أو تحفَّلت هي بنفسها، فهل يثبت الخيار؟ وجهان:
أحدهما: لا، وبه أجاب في الكتاب لعدم التدليس.
والثاني: نعم؛ لأن ضرر المشتري لا يختلف، فصار كما لو وجد بالمبيع عيباً لم يعلمه البائع، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
الرابعة: خيار التصرية لا يختصّ بالنعم، بل يعم سائر الحيوانات المأكولة، وفي "الحاوي" ذكر وجه: أنه يختص.
ولو اشترى أَتَانا فوجدها مُصَرَّاة، فوجهان أيضاً:
أحدهما: أنه لا يرد، إذ لا مبالاة بلبنها.
وأصحهما: أنه يثبت الرد؛ لأنه مقصود لتربية الجَحْش، وعلى هذا فالمذهب: أنه لا يرد اللَّبن؛ لأنه نجس.
وقال الإصْطَخْري: يرد لذهابه إلى أنه طاهر مشروب.
ولو اشترى جارية فوجدها مُصَرَّاة، فوجهان أيضاً:
في أحدهما: لا يرد؛ لأنه لا يقصد لبنها، إلاَّ على ندور.
وفي أصحهما: يرد؛ لأن غَزارة أَلْبَان الجَوَاري مطلوبة في الحَضَانة مؤثرة في القيمة، فعلى الأول يأخذ الأَرْش، قاله في "التهذيب"، وعلى الثاني: هل يرد معها بدل اللَّبن؟ وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن لبن الآدميات لا يعتاض عنه غالباً.
الخامسة: هذا الخِيَار غير مَنُوط بخصوص التَّصرية، بل بما فيها من المعنى المشعر بالتَّلْبِيس، فيلحق بها ما يشاركها فيه حتى لو حبس ماء القَنَاة أو الرّحى ثم أرسله عند البيع أوَ الإجارة، فتخيل المشتري كثرته، ثم تبين له الحال فله الخيار، وكذا لو حمَّر وجه الجارية، أو سَوَّد شعرها أو جَعَّده، أو أرسل الزّنْبُور في وجهها حتى ظنها المشتري سَمِينة، ثم بَانَ خلاف المظنون.
ولو لطخ ثوب العبد بالمِدَاد، أو ألبسه ثوب الكَتَبَة أو الخَبَّازين، وخيل كونه كاتباً أو خبازاً فَبَانَ خلافه، فوجهان:
أحدهما: يثبت الخيار لِلتَّلْبيس.
وأصحهما: أنه لا خيار؛ لأن الإنسان قد يلبس ثوب الغير عَارِية، فالذَّنْب للمشتري حيث اغْتَرَّ بما ليس فيه كثير تغرير، ويجري الوجهان فيما لو أكثر عَلَفَ البهيمة
الجزء: 4 - الصفحة: 232
حتى انتفخ بطنها، فتخيل المشتري كونها حاملاً، أو أرسل الزّنْبُور في ضَرْعها حتى انتفخ فظنها لَبُوناً؛ لأن الحمل لا يكاد يلتبس على الخَبِير، ومعرفة اللبن متيسرة بعَصْر الثَّدي بخلاف صورة التَّصْرِية.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ولو بعد ثلاثة أيَّام"، يجوز إعلامه بالواو للوجه الذاهب إلى أنه لو تبين التَّصْرِية بعد الثلاثة، لم يثبت الخِيَارِ.
قوله: "ردها" بالحاء.
وقوله: "بدلاً عن اللبن الكائن في الضرع" أي: عند البيع، وظاهر اللفظ يقتضي ردّ الصَّاع، وإنْ نفى اللبن وهو أصح الوجهين كما مر.
وقوله: "لورود الخبر"، تعليل لقوله: "ردها وردّ معها".
وقوله: "فلا خيار" معلم بالواو وهو في صورتي الأتان والجارية، جواب على خلاف اختيار الأكثرين.
وقوله: "وأحوط المذهبين" أي: الوجهين.
وقوله:: "للاتباع"، إشارة إلى ما ذكره الأئمة من أن مأخذ الخلاف في المَسْألتين ونحوهما الاقتصار على مورد الخبر واتباعه أو رعاية المعنى.
فرع: لو بَانَت التَّصْرية، ثم درَّ اللبن علي الحد الذي شعرت به التَّصْرية واستمر كذلك، ففي ثبوت الخيار وجهان كالوجهين فيما إذا لم يعرف العيب القَدِيم إلاَّ بعد زواله، وكالقولين فيما إذا أْعتقت الأمة تحت العبد، ولم تعرف عتقها حتى عُتق الزَّوج.
فرع: رضي بإمساك المُصَرَّاة، ثم وجد بها عيباً قديماً، نص أنه يردُّها ويرد بدل اللَّبن أيضاً.
وعن رواية الشَّيخ أبي علي وجه: أنه كما لو اشترى عبدين، فتلف أحدهما وأراد رد الآخر، فتخرج على تفريق الصفقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَثُبُوتُ الخِيَارِ بالكَذِب في مَسْأَلَةِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ مِنْ بَابِ التَّغْرِيرِ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ النَّجَشِ إِذَا كَانَ عَنِ اتِّفَاقِ مُوَاطأةِ البَائِعِ عَلَى أَقْيَسِ المَذْهَبَيْنِ، وَلاَ يَثْبُتُ (م) بِالغَبْنِ خِيَارٌ إِذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى تَغْرِير يُسَاوِي تَغْرِيرَ المُصَرَّاةِ حَتَّى لَوِ اشْتَرَى جَوْهَرَةً رَآهَا فَإذَا هِيَ زُجَاجَةٌ فَلا خِيَارَ.
قال الرافعي: الخيار في تلقي الرُّكْبَان 261 قد ذكره في المَنَاهي وشرحناه، والغرض
الجزء: 4 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = للجالبين إذا باعوا شيئاً ممن تلقاهم، ثم هبطوا البلد فوجدوا أنهم قد باعوا بأقل من سعر السوق.
والأصل فيه هو ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق".
وقد ذهب بعضهم إلى بطلان هذا البيع للنهي عنه، ولكنهم محجوجون بالحديث نفسه؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعلهم بالخيار إذا هبطوا السوق، ولا يكون الخيار إلا في بيع صحيح.
وقد اختلف في علة النهي.
هل المقصود منه دفع الضرر عن الجالب؛ لأنه في الغالب يبيع بسعر أقل من سعر السوق أم المقصود هو دفع الضرر عن أهل البلد بحرمانهم من اشتراكهم في السلع المجلوبة؛ ولأنها تباع لهم بسعر أعلى مما لو هبط الجالبون أنفسهم السوق وتولوا بيعها؟ أم أن هذا النهي لا علة له أصلاً بل هو حكم تعبيدي؟.
بالأخير قال الظاهرية فأحكام الشريعة عندهم تعبد محض لا تعلل ولا يقاس عليها.
ولذلك فهم يجعلون الخيار للجلاب مطلقاً إذا هبطوا السوق سواء غبنوا في البيع أو لم يغبنوا عملاً بإطلاق الحديث.
وبالثاني قال المالكية فالمنع عندهم من التلقي مقصود منه مصلحة أهل الأسواق الدين جلسوا يبتغون فضل الله ورحمته، ويترقبون ورود أهل البضاعات إليهم ليتسابقوا في الشراء منهم.
والنتيجة الحتمية لهذا الرأي أن الجالب لا حق له في فسخ البيع، إذا هبط السوق، وتبين أنه قد غبن.
وهذا هو مذهب المالكية بعينه.
إلا أنهم اختلفوا هل يجبر المتلقي على إشراكه أهل السوق في السلعة دفعاً للضرر عنهم بقدر الإمكان أم لا يجبر لأن البيع قد وقع صحيحاً، ولا ينزع من أحد ملكه قهراً عنه؟ روايتان: ويمثل قول المالكية قال الحنفية إلا أنهم يفترقون عن المالكية من جهة أن البائع لا يجبر على إشراك أهل السوق عندهم قولاً واحداً.
وهذا آتٍ من جهة أنهم راعوا مصلحة المستهلكين من أهل البلد لا مصلحة التجار والممولين كما هو رأي المالكية.
وبالأول قال الشافعية، فالمنع عندهم مقصود منه مصلحة الجالب نفسه، فلو هبط السوق، وتبين أنه قد غبن في السعر ولو غبناً يسيراً فهو بالخيار، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه بالثمن المتفق عليه.
فلو لم يكن هناك غبن فلا خيار ولا حرمة.
وحجتهم على هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل للجالب الخيار إذا هبط السوق، وما ذاك إلا لمعرفته بالسعر حينئذ، فلا يفسخ إلا إذا عرف أنه مغبون، وإلا لم يكن لهذا التقييد من فائدة.
ويفرق بعض الشافعية بين ثبوت الخيار للبائع إذا تلقاه المشتري فاشترى منه بغبن، وبين عدم ثبوته له إذا اشترى منه المشتري بغبن في الحضر، بأن المشتري في الحالة الأولى غرر بالبائع حيث أخبره بالسعر على غير حقيقته، وهذا فرق غير وجيه؛ لأنه لو اشترى منه فغبنه كان له الخيار ولو لم يخبره بسعر السوق.
وأيضاً لو دلس البالع على المشتري في السعر في الحضر فقال أعطيت في هذه السلعة كذا وكذا، فصدقه المشتري فلا خيار له كالنجش سواء بسواء، وإذا فالتغرير غير معتبر عندهم في إثبات الخيار للمغبون، وأما الحنابلة فالظاهر من شأنهم أنهم يجعلون المقصود من النهي عن تلقي الجلب هو مراعاة المصلحتين معاً مصلحة الجلاب، ومصلحة أهل الأمصار.
فجعلوا الجالب بالخيار إذا غبن غبناً فاحشاً، وحرموا التلقي إذا تضرر به أهل المصر، وهذا كما هو ظاهر، أعدل المذاهب.
والنص لا يفيد سوى قصر الخيار على الجلاب، والحرمة أمر وراء ذلك.
هذا ومذهب الحنفية والمالكية القائل إنه لا خيار للجلاب إذا باعوا بغبن فهبطوا السوق، وتبينوا =
الجزء: 4 - الصفحة: 234
هاهنا التَّنْبيه على أن مستنده التَّغرير كما في التَّصرية، وكذا خيار النَّجَش 262 إن أثبتناه، = الحقيقة مخالف لصريح النص.
ومحاولة استخراج علة خاصة من النص تتنافى وثبوت الخيار لهم محاولة تهدم النص، وهي في الوقت نفسه عكس ما هو المعروف لدى جميع العلماء من أنه يؤخذ النص بعد ثبوت صحته على أنه مسلم الحكم ثم يبحث بعد ذلك عن العلة التي تتفق وحكمه.
وقد ذهب قلة من العلماء إلى أن تلقي الركبان للشراء منهم غير محرم بحال، محتجين بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام" حيث عبَّر: "بكنا نتلقى" وهي صيغة دالة على التكرار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- مع معرفته بهذا لم ينكره عليهم، وإنما أنكر على المشترين أن يبيعوا الطعام حيث شروه، وأوجب عليهم أن يهبطوا به السوق أولاً.
وهذا أمر وراء التلقي للركبان للشراء منهم.
وهذا مذهب ضعيف غاية الضعف؛ لأن النهي عن التلقي للشراء قد ثبت بأحاديث أخر أصح، وأصرح على أنه لا مانع من العمل بموجب الحديثين معاً فيكون التلقي للشراء منهم حراماً، والبيع حيث الشراء حراماً مراعاة للجانبين؛ جانب الركبان وجانب أهل الأمصار.
والذي يظهر أن هذا الحديث يصلح متمسكاً للحنفية والمالكية في قصرهم علة النهي عن تلقي الركبان على دفع الضرر عن أهل المصر.
لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهاهم عن بيع ما شروا من الجلب حتى يهبطوا السوق، وهذا طبعاً مقصود منه مصلحة أهل الأمصار، فيكون النهي عن تلقي الركبان للشراء منهم مقصوداً منه مصلحة أهل الأمصار أيضاً.
ولكنه مع ذلك متمسك ضعيف؛ لأن إثبات الخيار للركبان إذا هبطوا السوق يجعلهم مقصودين من النهي، أيضاً.
ينظر تكملة المجموع (12/ 327)، مغنى المحتاج (2/ 37) المحلى (8/ 450).
الجزء: 4 - الصفحة: 235
وقد تكلمنا فيه من قبل.
وأما مسألة الغَبْن 263: فاعلم: أن مجرد الغَبْن لا يثبت الخيار وإن تفاحش، خلافاً لمالك حيث قال: إن كان الغبن فوق الثلث ثبت الخيار للمغبون، ونقل بعض أصحاب أحمد مثله، وقدره بعضهم بما فوق السدس.
وفي كتب أصحابنا عنه إن كان المغبون ممن لا يعرف المبيع ولا هو ممن لو توقف لعرفه ثبت الخيار.
لنا قصة حبان بن مُنْقذ -رضي الله عنه- "فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ = شبيهاً بالمدلس.
وإن لم يثبت علم البائع بفرضه، فلا خيار للمشتري؛ لأنه ليس حينئذ إلا الغبن، وهو لا يوجب الخيار عندهم كما سبق توضيح هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يجعل له الرسول الخيار لمجرد الغبن، وإنما الذي جعله له هو الخيار إذا شرط عدم الغبن أو الخديعة، وهذا شيء آخر غير محل النزاع.
وأما المعقول فقالوا الفرض أن المبيع سليم، ولا تدليس من البائع فيه، فيكون البيع صحيحاً لازماً، والغبن الواقع على أحد العاقدين إنما كان نتيجة تقصيره أو تهوره في أمر يتطلب الأناة والروية، وجرى العرف فيه على المكايسة والحذق والمهارة في استلاب العاقد، واستدراجه إلى عقد الصفقة على وجه يكون له فيه الحظ الأوفر.
وإذا فالغبن مفروض حصوله في البيع، ولا عرف قائم على الرد به حتى يلحق بالعيب.
إلا أن الحنفية قالوا إذا ثبت أن البائع أو الدلال قد غر المشتري مثلاً حتى غبنه غبناً فاحشاً فإن الرد يكون جائزاً له حينئذ، كأن يقول له لقد أعطيت في هذه السلعة كذا وكذا فما رضيت وصدقه المشتري في قوله وهو من الكاذبين لتغريره به حينئذ وفريق من المالكية وهم البغداديون جعلوا للمغبون الخيار إذا كان الغبن بمقدار ثلث القيمة فأكثر، لقوله -صلى الله عليه وسلم- للذي أراد أن يوصي بماله عند الوفاة: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" فدل على أن الثلث كثير، ومن شأن الكثير أن تشح به النفوس، وعلى أن ما دون الثلث قليل، ومن شأن القليل أن تجود به النفوس.
هذا وأما الحنابلة فأثبتوا الخيار من أجل الغبن في ثلاث صور:
الصورة الأولى: تلقي الركبان.
والصورة الثانية: النجش في البيع.
أما الصورة الثالثة: وهي المسترسل بالبيع أو الشراء إذا غبن غبناً فاحشاً فهي موضوع كلامنا الآن.
والمسترسل عندهم هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يحسن مع ذلك المبايعة.
وقال أحمد -رضي الله عنه-.
المسترسل الذي لا يحسن أن يماكس.
وفي لفظ: الذي لا يماكس.
فكأنه استرسل إلى البدع مثلاً فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة ولا معرفة بغبنه.
وعلى ذلك فمذهبهم قريب من مذهب ابن حزم، إلا أنهم يزيدون عليه أن يكون العاقد مع ذلك لا يحسن المبايعة لالتماس عذر له في غبنه، ولأن من غبنه حينئذ استغل عدم معرفته فزاد السعر وضلل عليه.
ثم الفقهاء: قاطبتهم على أن الغبن اليسير لا يثبت للمغبون حق فسخ البيع بل عليه إمضاؤه بالثمن المتفق عليه؛ لأن مثل هذا الغبن لا بد منه في غالب البيوع التي تراد للغنم والربح.
أما الغبن الفاحش فهو الذي يثبت للمغبنون حق الفسخ عند من ذهب إلى جواز الفسخ به، فإن لم يفسخ لم يكن له الحق في المطالبة بمقدار ما غبن به بل يمسكه بالثمن المتفق عليه.
وأما ما هو الغبن الفاحش! فقد اختلفوا في تفسيره، فهر عند الحنفية ما لا يدخل تحت تقويم المقومين.
وعند الشافعية ما لا يحتمل غالباً أو ما لا يتغابن التجار بمثله في العادة، وهو قريب من الأول.
وعلى كل حال فتعريفا الحنفية والشافعية قريبان من بعضهما؛ لأن ما يدخل تحت تقويم المقومين من شأنه أن يحتمل غالب وما لا يحتمل في الغالب لا يدخل تحت تقويم المقومين.
نعم يفترق المذهبان في بعض الصور؛ بأن يكون الغبن لا يدخل تحت تقويم المقومين، ولكنه يزيد عن تقويمهم شيئاً يسيراً كواحد في عشرة مثلاً، فإنه يكون غبناً فاحشاً عند الحنفية وغير فاحش عند الشافعية لكونه يفتقر غالباً، وإذ قد عرفت معنى الغبن الفاحش سهل عليك معرفة الغبن اليسير فإنه مقابل له.
والمراد بالمقومين أهل الخبرة بالبياعات ممن يغشون الأسواق، ولهم معرفة بالسلع والأسعار وبالأخص السلعة موضوع العقد.
وأكثر الفقهاء =
الجزء: 4 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = على ترك هذا الضابط بدون تقدير؛ لأن الزمن هو الكفيل بتقديره لاختلاف الأعراف باختلاف الأزمان، فما يعد غبناً فاحشاً في عصر قد يكون غير فاحش في عصر آخر.
وهذا مسلك وجيه ما داموا قد عرفوا الغبن الفاحش بما لا يتغابن بمثله في العادة أو بما لا يدخل تحت تقويم المقومين.
وقليل من الفقهاء هو الذي قدره بقدر مخصوص وسع ذلك فقد اختلفوا في التقدير.
فبعض المالكية والحنابلة قدره بالثلث فأكثر، وقدره بعض آخر بالسدس فما فوق.
ويروى عن محمد بن الحنفية أنه قدره بما زاد عن نصف عشر القيمة.
وقدره نصر بن يحيى منهم أيضاً بما زاد عن نصف العشر في العروض وعن العشر في الحيوان وعن الخمس في العقار وفي كل ماله سعر محدد بما زاد عنه أو نقص.
وأساس اختلاف هذه التقديرات هو اختلاف المقومين في تقدير قيم السلع فإنهم يختلفون في العقار كثيراً، وفي الحيوان قليلاً، وفي العروض أقل، وما له سعر محدد فلا اختلاف فيه.
ومن هذا يظهر أن نصر بن يحيى راعى في تقديره عرف التجار في بيعهم وشرائهم، فماذا عليه لو ترك الأمر لهم فإن الأنظار في هذا تختلف باعتبار الزمان والمكان؟ وقد اعترض الجصاص فيما روي عن محمد من التحديد فقال -إنه لم يخرج مخرج التقدير في الأشياء، كلها لأن ذلك يختلف باختلاف السلع، ومنها ما يعد أقل من ذلك غبناً فيه، ومنها ما لا يعد أكثر من ذلك غبناً فيه-.
وأما من حدده بالثلث مستدلاً بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" فقد أغرب لأن الحديث في الوصية، وليس في محل النزاع فضلاً عن أنه يلزم أن يكون التقدير بالثلث حينئذ تقديراً شرعياً والكل متفق على أن مبنى الغبن الفاحش هو العرف والعادة.
ولا أعلم حجة وجيهة لمن قدره بالسدس.
هذا ولو تصرف المغبون في المبيع بعد علمه بالغبن سقط حقه في الرد ووجب عليه إمساكه بالثمن المتفق عليه.
قال شيخنا الشيخ مندور آراء الفقهاء في خيار الغبن تتلخص في مذهبين اثنين؛ مذهب ينكره ويرى عدم مشروعيته، ومذهب يعترف به ويرى مشروعيته في الجملة.
وهذان المذهبان قد تجاذبا في الاستدلال قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم- لحبان بن منقذ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالخِيَارِ ثَلاَثاً".
أما الآية فأظهر وجوهها يدل للقائلين بعدم مشروعية خيار الغبن؛ لأن المدار في الرضا هو الرضا الموجود وقت العقد وهو موجود منهما معاً.
وقد بينا فيما سبق أن لا عرف قائم على شرط عدم الغبن في البيع حتى يكون ملحقاً بالعيب.
وأما الحديث فقد تكلمنا فى رواياته في خيار الشرط بما لا مزيد عليه.
والذي نريد أن نقوله هنا هو أن هذا الحديث يدل أيضاً لمن ذهب إلى عدم مشروعية خيار الغبن.
نعم يدل على المشروعية من وجه آخر غير وجه محل النزاع، وذلك فيما إذا شرط العاقد عدم الخلابة في البيع أو الشراء كما هو نص الحديث حيث يكون للمغبون من العاقدين -والحال ما ذكر- حق فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له ما شرط من عدم الغبنة.
فإذا مضت ثلاثة أيام، ولم يفسخ البيع سواء علم بالغبن أو لم يعلم به سقط هذا الحق، وأصبح البيع لازماً في حقه لا يجد عنه انفكاكاً إلا من عيب يتبينه فيما بعد.
فالثلاثة الأيام تأقيت من الشارع الخيار الثابت لمن شرط عدم الخلابة في البيع.
أي أنه ليس على العاقد إلا أن يقول عند البيع لا خلابة، فيكون له بموجب هذا الشرط الخيار ثلاثاً، وليس بضروري أن بشرط للخيار ثلاثاً، فرواية الاشتراط منكرة لا أصل لها.
ومثل الخلابة فيما ذكر الغبن والخديعة وما جرى هذا =
الجزء: 4 - الصفحة: 238
يُثْبِتْ لَهُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ، وَلَكِنْ أَرْشَدَهُ إِلَى شَرْطِ الْخِيَارِ، ليَتَدَارَكَ غَبْنَهُ عَنْدَ الْحَاجَةِ" 264.
إذا تقرَّرَ ذلك فلو اشْتَرى زجاجة وهو يَتَوهّمُها جوهرة بثمن كبير فلا خيار له ولا عبرة بما لحقه من الغَبْن؛ لأن التقصِير من جهته حيث جرى على الوَهْم المجرد، ولم يراجع أهل الخبرة.
ونقل المُتَوَلِّي وجهاً: أنه كشراء الغائب، والرؤية التي لا تفيد المعرفة ولا تنفي الغرر كالمعدومة، ولك أن لا تستحسن لفظ الكتاب حيث قال: "ولو اشترى جوهرة رآها"، وتقول: ليس التصوير فيما لو اشترى جوهرة، وإنما التصوير فيما لو اشترى زجاجة توهمها جوهرة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: هَذِهِ أَسْبَابُ الخِيَارِ وَمُوجِبَاتُهُ (أَمَّا دوَافِعُهُ وَمُسْقِطَاُتُهُ) أَعْنِي في خِيَارِ النَّقْصِيَة فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ) شَرْطُ الْبَرَاءَة مِنَ العَيْبِ صحِيحٌ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَيفْسَدُ (ح) العَقْدُ بِهِ عَلَى القَوْلِ الثَّانِي، وَيصِحُّ العَقْدُ وَيلْغُوَ الشَّرْطِ (ح) في قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَيصِحُّ في الحَيَوَانِ وَيفْسَدُ في غَيْرِهِ (ح) في قَوْلٍ رَابعٍ.
قال الرافعي: إذا باع بشرط أنه بريء من كل عيب بالمبيع، هل يصح هذا = المجرى، ولا اعتبار بقصر ابن حزم هذا الحق على من قال لا خلابة، فإنه تعنت ظاهر لا دليل عليه سوى التمسك بحرفية النصوص.
ومقتضى ذلك أنه إن لم يكن هناك غبن واقع على من شرط هذا الشرط، فلا رد له؛ لأنه قد سلم له ما شرط.
وهذا هو عين ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- حيث قال فيمن قال عند البيع لا خلابة: "أرى ذلك جائزاً وله الخيار إذا كان خلبه، وإن لم يكن خلبه فليس له خيار".
وأما قول ابن حزم إنه يكون بالخيار مطلقاً ما دام قد قال عند البيع لا خلابة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جعل حبان بالخيار مطلقاً، ولم يقل له أنت بالخيار إذا غبنت فقول عجيب لأن معنى لا خلابة لا خديعة فما دام لم يخدعه فقد وفي له بما شرط، فكيف يكون له الخيار؟ فلا جرم كان معنى قوله -عليه الصلاة والسلام- ثم أنت بالخيار ثلاثاً -على التقييد بما إذا كانت هناك خلابة.
والقول بخلاف هذا يجعل كلمة لا خلابة مجرد كلمة، تقال عند البيع لإثبات الخيار من غير نظر إلى معناها، وما تدل عليه أو بعبارة أخرى طلسم لجلب الخيار.
وقد اعترض بعضهم على الحديث بأن بجميع الروايات التي صرحت بالخيار من طريق محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ولكن صرح النووي في المجموع بأنه إنما يرد من رواية المدلس الرواية المعنعنة، وروايات ابن إسحاق هنا مصرح فيها بالسماع، فتكون مقبولة عند جمهور المحدثين، واعترض بعض آخر بأن الخيار كان خصوصية لحبان كما أنه كان لا يدع التجارة، وكان في عقدته ضعف، ويكفينا في الرد عليهم أن الأصل في التشريع هو العموم، فلا يعدل عنه إلا لدليل قاطع وكل ما ذكروه إنما هو من قبيل التخرص والتخمين.
ينظر المحلى (8/ 443)، بدائع الصانع (6/ 30)، الخيار للشيخ مندور الشرح الكبير (4/ 69).
الجزء: 4 - الصفحة: 239
الشرط 265؟ فيه طريقان:
الجزء: 4 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = باعه وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد، فباعه بألف وخمسمائة فدل قضاء عثمان على صحة البراءة من العيب في بيع العبد إذا لم يعلم بعيبه البائع، وقيس بالعبد سائر الحيوان، بقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه-: "ولأن الحيوان يفارق ما سواه لأنه يفتذى بالصحة والسقم، وتحول طباعه، وقلما يبرأ من عيب يظهر أو يخفى فدعت الحاجة إلى التبرئ من العيب الباطن فيه؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته وتوقيف المشتري عليه".
فعند الشافعي ليس غير الحيوان كالحيوان، لأنه لا تحول طباعه كتحوله، وليس الظاهر كالباطن، لأن البائع غير معذور في الجهل به.
وقالت المالكية: على المشهور عندهم: لا ينتفع البائع بالبراءة من العيوب إلا في بيع الرقيق خاصة بشرطين ألا يعلم بالعيب وقت البيع، وأن يكون مع ذلك قد مكث عنده مدة تكفي في العادة لظهور ما قد يكون به من العيوب.
فلو باعه فور شرائه مثلاً شارطاً البراءة من العيوب لم يصح هذا الشرط.
وحجتهم على ذلك هي قصة عبد الله وزيد المتقدمة؛ لأن موردها كان عبداً فاقتصر عليه، وبقي ما عداه على القياس وهو ضمانه من البائع.
وأما الحنابلة: فعندهم روايتان؛ أولاهما لا يبرأ البائع إلا من كل عيب علمه المشتري دون ما جهله، وثانيتهما يبرأ من كل عيب لم يعلمه هو وقت البيع.
أما الرواية الأولى، فهي محل وفاق وليست تمس موضوع النزاع، اللهم إلا من ناحية الأنكار له كلية إذ مفهوم هذه الرواية أن شرط البراءة من العيوب التي يجهلها المشتري غير صحيح مطلقاً، ولعل حجتهم هو الجهل بالمبرأ منه، وأما الرواية الثانية، القائلة ببراءة البائع من كل عيب لم يعلم به وقت البيع فحجتهم عليها هي القصة المذكورة أيضاً، ولم يروا فارقاً بين الحيوان وغيره، وليس في القصة أكثر من أن موضوعها كان عبداً، ولم يكن هذا إلا من قبيل المصادفة، فلا يصح أن نتمسك بمعناها الضيق المحدود بل كل ما يثبت أنه من معناها فهو من مشمولها.
والذي يؤخذ من قضاء عثمان إنما هو شرط عدم علم البائع بالعيب حين البيع إثباتاً لحسن نيته وفراراً من الغش والتدليس والتحايل على أكل أموال الناس بالباطل.
فنقول اتفق الحنفية والشافعية على مقدمتين:
الأولى: أن التمليك لا بد فيه من العلم بالمملك، فلا يصح تمليك المجهول للغرر لعدم القدرة على التسليم.
والثانية: أن الإسقاط لا يشترط فيه العلم بالساقط لأن الساقط يتلاشى من تلقاء نفسه فليست هناك حاجة إلى التسليم.
واختلفوا في الإبراء هل هو تمليك أو إسقاط؟ فقالت الحنفية هو إسقاط؛ لأنه لا يحتاج إلى قبول فكان كالطلاق، والعتاق المتفق على أنهما إسقاط ولذا لو طلق نساءه أو أعتق عبيده، وهو لا يعلمهم صح طلاقه وعتقه بلا خلاف.
وقالت الشافعية هو تمليك لأنه يرتد بالرد، ولا يصح تعليقه كما لو أبرأ مديونه من دينه، فقال المديون لا أقبل أو قال إن جاء فلان من سفره مثلاً فقد أبرأتك مما لي عليك، فإن الإبراء لا يصح في الصورتين، وهذا أمارة أنه تمليك لا إسقاط، إذ الإسقاط لا يبطل بالرد ولا بالتعليق اتفاقاً.
إذا فهمت ذلك علمت أن الفريقين متفقان على أن الإبراء فيه آثار من التمليك وآثار من الإسقاط، والاختلاف بينهم في إلحاقه بأيهما تبعاً لقوة هذه الآثار وضعفها على حسب ما يتراءى لكل منهم، ونحن إذا ما نظرنا في الأمر نظرة فاحصة سابرة فإنه يتبين لنا أن الإبراء تنازل من صاحب الحق عن =
الجزء: 4 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حقه لمن عليه الحق فالإبراء إسقاط بالنسبة لصاحب الحق تمليك بالنسبة لمن عليه الحق.
وإذا فلا مانع يمنع من اجتماع آثارهما فيه، وإذا ما كان بين هذه الآثار عناد وتضاد، فالحكم طبعاً إنما هو للأقوى والأرجح منها.
وليس الإبراء في هذا كالطلاق والعتاق؛ لأن الإبراء كما بينا إسقاط حق كان يجب على المبرأ منه أداؤه وتوفيته لمن له الحق، ولا كذلك الطلاق والعتاق فلا جرم لم يستلزما التمليك، ولا شيئاً من آثار التمليك.
وهنا -إتماماً للفائدة- نقول: لماذا غلبوا جانب الإسقاط على جانب التمليك في الإبراء فلم يوجبوا فيه القبول؟ لأن القبول إنما يحتاج إليه في كل تمليك يتعاكس فيه البدلان؛ لأن كلاً من المتعاقدين يتنازل عن ملكه في بدله للآخر فاحتيج لخروجه عن ملكه إلى صريح القول، والإبراء لا يتعاكس فيه بدلان؛ لأنه ليس فيه سوى بدل واحد هو للمبرئ فاحتيج إلى قوله في التنازل عنه، ولم يحتج إلى قول الآخر؛ لأنه لا بدل له يتنازل عنه في مقابل بدل صاحبه، ويكفي في دخول بدل صاحبه في ملكه ألا يرده.
ولماذا غلبوا جانب التمليك على جانب الإسقاط في الإبراء، فقالوا إنه يرتد بالرد ويبطل بالتعليق؟ الجواب أن الإبراء لما كان يلزمه التمليك، ولا يدخل شيء في ملك أحد قهراً عنه ارتد بالرد، وبطل كذلك بالتعليق؛ لأن التمليك لا يقبله لما فيه من الغرر، ولأنه يشبه القمار.
بعد هذا نقول: الجهل بالمبرأ منه هل يبطل الإبراء أم لا يبطله؟ كان مقتضى النظر أن يكون الجهل كالتعليق كلاهما يبطل الإبراء لما يستلزمه من التمليك.
وفي اعتقادي أن هذا نظر سطحي غير شامل؛ لأن غرر التعليق في الإبراء لا يزول، وهو تردد الملك بين الثبوت وعدمه، بينما غرر الجهل يزول في الإبراء؛ لأن غرره الذي هو عدم القدرة على التسليم لا وجود له في الإبراء، إذ لا حاجة إلى التسليم فيه بل ينتقل الحق من ذمة المبرئ إلى ذمة المبرأ فينمحي من تلقاء نفسه لاتحاد الذمتين في شخص المبرأ منه.
وحيث كان الأمر كذلك فالجهل بالمبرأ منه لا يبطل الإبراء.
ولتعلم أن الجهل من حيث هو جهل لا يبطل التمليك فكثيراً ما يدخل عقود التمليك، ولا يبطلها كما لو ابتاع قدح طعام من صبرة، وإنما يبطلها من حيث إنه يفضي إلى عدم القدرة على التسليم.
وبعد الفراغ من هذا التحقيق نقول: إن البائع حين باع شارطاً البراءة من كل عيب قد يكون بالمبيع، وقبل المشتري البيع على ذلك يعد -والحال هذه- مبرئاً للبائع من العيوب التي يضمنها له بمقتضى أصل العقد ولما كان هذا الإبراء تصرفاً صادراً من أهله في محله؛ لأن الرد بالعيب حقه وحده، ولم يوجد مانع يمنع من صحته أو نفاذه من تعليق أو رد كان صحيحاً ونافذاً شرعاً لوجود المقتضى وانتفاء المانع.
وبناء على ذلك يكون الإبراء من جميع العيوب صحيحاً لا فرق بين عيب وعيب ولا بين مبيع ومبيع ولا بين ما إذا كان البائع يعلم بالعيب وقت البيع أو لا يعلم.
هذا هو ما يقتضيه مجرد النظر.
ولكن إذا نظرنا في القصة المتقدمة، وعلمنا بيقين أنها لا تدل إلا على شرط عدم علم البائع بالعيب في بيع البراءة لاتفاق ثلاثتهم عليه وهم من مبرزي الصحابة في الفقه والفتوى ولم نعلم مع هذا مخالفاً لهم من الصحابة إذا نظرنا للأمر من هذه الناحية أيضاً تبين لنا رجحان مذهب الحنابلة لأنه قد تلاقى فيه النظر مع الأثر.
وهذا طبعاً بناء على الرواية القائلة بصحة بيع البراءة مع شرط ألا يكون البائع عالماً بالعيب بقيت هنا مسألة لم نتكلم عليها بعد وهي: هل البراءة من العيوب تنصرف إلى الموجود منها حين العقد فقط أم تشملها وما يحدث قبل القبض؟.
قالت الشافعية ومحمد بن =
الجزء: 4 - الصفحة: 242
أشهرهما، وبه قال ابن سريج وابن الوكيل والاِصْطَخْري: أنه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يَبْرأ ولا يرد عليه بحال، وبه قال أبو حنيفة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُون عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 266.
وأيضا فإن خيار العيب إنما يثبت لاقتضاء مطلق العقد السلامة فإذا صرح بالبراء فقد ارتفع الإِطْلاَق.
وثانيها: أنه لا يبرأ عن عيب ما؛ لأنه خيار ثابت بِالشَّرْع فلا ينفى بالشَّرْط كسائر مقتضيات العَقْد، وأيضاً فإن البراءة من جملة المرافق، فلتكن معلومة كالرَّهْن والكَفِيل، والعيوب المطلقة مجهولة، وبهذا القول قال أحمد في رواية، وعنه في رواية أخرى: أنه لا يبرأ عما لا يعلمه دون ما يعلمه.
وثالثها، وهو الأصح ويروى عن مالك: أنه لا يبرأ في غير الحَيَوَان بحال، ويبرأ في الحيوان عما لا يعلمه دون ما يعلمه، لما روي: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- بَاعَ عَبْداً مِنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتِ -رضي الله عنه- بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَأصَابَ زَيْدٌ بِهِ عَيْباً، فأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- فَلَمْ يَقْبَلهُ، فَتَرَافَعَا إِلَى عُثْمَانَ -رضي الله عنه- فقَالَ عُثْمَانُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَتَحْلِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ فَقَالَ: لاَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَبَاعَهُ ابْنُ عمَرَ -رضي الله عنهما- بِأَلْفِ دِرْهِمٍ" 267.
فرّق عثمان وزيد -رضي الله عنهما- بين أن يكون العيب معلوماً أو لا يكون، والفرق بينهما من جهة المعنى أن كتمان المعلوم يلتبس، [فلا يبرأ منه] والفرق بين الحيوان وغيره ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- قال: الحيوان يغتذي بالصِّحة والسِّقم ونُحُول طَبَائعه وقل ما يبرأ من عيب يَخْفى أو يظهر.
معناه: أنه يغتذي ويأكل في حالتي صحته وسقمه ونحول طبيعته، وقل ما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر، فيحتاج البائع إلى هذا الشرط فيه ليثق بلزوم البيع.
= الحسن وزفر.
لا يدخل في البراءة إلا العيب الموجود وقت العقد.
وفرعوا على ذلك أن للمشتري الحق في أن يرد المبيع بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد.
لأن المتبادر من شرط البراءة هو انصرافه إلى الموجود حين الشرط فقط فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل وقال أبو حنيفة وأبو يوسف.
يدخل في البراءة الموجود وقت العقد والحادث قبل القبض.
وفرعوا على ذلك أنه ليس للمشتري الحق في أن يرد بعيب حدث قبل القبض.
لأن الغرض من شرط البراءة هو إلزام البيع بإسقاط حق المشتري في وصف السلامة وهو يتناول الموجود حين العقد والحادث قبل القبض.
ينظر الخيار للشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 243
والطَّرِيق الثاني، وبه قال ابْنُ خَيْرَان وأَبو إِسْحَاق: القطع بالقول الثالث، ونصه في "المختصر"، واختلاف العراقيين بهذا أشد إِشْعاراً، وزاد القاضي المَاورْدِيّ طريقة ثالثة حكاها عن ابن أبي هريرة، وهي أنه يبرأ في الحيوان من غير المعلوم دون المعلوم، ولا يَبْرَأُ في غير الحيوان من المعلوم، وفي غير المعلوم قولان، ويخرج من منقول الإمام طريقة رابعة، وهي إثبات ثلاثة أقوال في الحيوان وغيره، وثالثها الفرق بين المعلوم وغير المعلوم.
ولو قال: بِعْتُك بشرط أَلاَّ ترد بالعيب جرى فيه هذا الاخْتِلاف، وزعم صاحب "التتمة": أنه فاسد قطعاً مفسد للبيع.
ولو عين بعض العيوب، وشرط البراءة عنه، نظر إن كان مِمَّا لا يُعاين مثل أن يقول: بشرط براءتي من الزنا والسرقةُ والإباق، برئ منها بلا خلاف؛ لأن ذكرها إعلام واطِّلاع عليها، وإن كان مما يعاين كالبَرَص، فإن أراه قدره وموضعه فكمثل، وإن لم يره فهو كشرط البراءة مطلقاً لتفاوت الأغراض باختلاف قدره وموضعه هكذا فصّلوه، وكأنهم تكلَّموا فيما يعرفه في المبيع من العيوب.
فأما ما لا يعرفه ويريد البراءة عنه لو كان فقد حكى الإمام تفريعاً على فساد الشرط فيه، مخرجاً على ما ذكرنا من المعنيين في التَّعليل.
التفريع: إن بطل هذا الشرط، ففي العقد وجهان:
أحدهما: يبطل كسائر الشُّرُوط الفَاسِدة.
وأظهرهما: أنه يصحُّ لاشتهار القِصَّة المذكورة بين الصَّحابة -رضي الله عنهم- وعدم إنكارهم -رضي الله عنهم- وأيضاً فإنه شرط يؤكد العقد، ويوافق ظاهر الحال، وهو السلامة عن العيوب، وإن صح فذلك في العُيُوب الموجودة عند العقد.
أما الحادثة بعده وقبل القبض، فيجوز الرَّدُّ بها.
ولو شرط البراءة عن العُيُوب الكائنة، والَّتي تحدث ففيه وجهان:
أصحهما، ولم يذكر الأكثرون غيره: أنه فاسد، فإن أفرد ما سيحدث بالشَّرط فهو بالفساد أوْلى، وإن فرعنا على القول الثاني، فكما لا يَبْرَأُ عما علمه وكتمه كذلك لا يَبْرَأُ عن العيوب الظَّاهرة من الحيوان لسهولة البحث عنها والوقوف عليها، وإنما يَبْرَأُ من عيوب باطن الحيوان الَّتِي لا يعلمها.
ومنهم من اعتبر نفس العلم ولم يفرق بين الظاهر والباطن، وهل يلحق ما مأكوله في جوفه بالحيوان؟ قيل: نعم لعسر الوقوف.
وقال الأكثرون: لا لتبدُّل أحوال الحيوان، هذا فقه الفصل.
وأما لفظ الكتاب، فاعلم: أنه لما عد أنواع خيار النقيصة، أراد أن يبين ما يسقطه فقال: هذه أسباب الخيار، أما دوافعه ومسقطاته وإنما جمع بين هاتين اللفظتين؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 244
منها ما يدفع كشرط البراءة، ومنها ما يسقط بعد الثّبوت كالتقصير، وإنما قال: "أعني في خيار النَّقيصة"؛ لأن هذه الأمور لا تعلّق لها بخيار التَّروي، على أن جميعها لا يشمل أنواع خيار النقيصة أيضاً، فإن شرط البراءة لا مدخل له في خيار الخُلْف، وخيار التَّصْرِية.
ثم لا يخفى أن إيراد الكتاب إنما يتمشى على طريقة إثبات الأقوال، وأنه أدرج فيه الخلاف وفي أن فساد الشرط هل يتعدى إلى فساد العقد؟ وقوله: "ويصح في الحيوان ويفسد في غيره"، إنما يخرج على الطريقة التي نقلها الإمام، ومواضع العلامات سهلة المدرك على العارف بما قدمنا -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الثَّانِي): هَلاَكُ المَعْقُودَةِ عَلَيْهِ، فَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ العَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلاَ رَدَّ إِذْ لاَ مَرْدُودَ، فلَوْ كَانَ العَبْدُ قَائِماً وَالثَّوْبُ الَّذِي هُو عِوَضُهُ تَالِفاً رُدَّ العَبْدُ بِالعَيْب وَرَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ، وَالعِتْقُ وِالاسْتِيلاَدُ كَالهَلاكِ، وَهَل يَجُوزُ أَخْذُ الأَرْشِ بالتَّراضِي مَعَ إِمْكَانِ الرَّدِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وإذَا عَجَزَ عَنِ الرَّدِّ فَلَه الأَرْشُ، وَهوَ الرُّجُوعُ إلَى جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ يُعْرَفُ قَدْرُهُ بِمَعَرِفَةِ نِسْبَةِ قَدْرِ نُقْصَانِ العَيْبِ مِنْ قِيمَةِ المَبِيعِ فَيَرْجِعُ مِنَ الثَّمَنِ بِمثْلِ نِسْبَتِهِ، وَزَوَالُ المِلْكِ عَنِ المَعِيب يَمْنَعُهُ مِنَ الرَّدِّ فِي الحَالِ، وَلاَ يَمْنَعُ طَلَبَ الأَرْشِ فِي الحَالِ لِتَوَقُّعِ عَوْدِ المِلْكِ عَلَى الأًصَحِّ، وَلَوْ عَادَ المِلْكُ إِلَيْهِ ثُمَّ أطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فلَهُ الرَّدُّ عَلَى الأَصَحِّ، فالزَّائِلُ العَائِدُ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ.
قال الرافعي: من موانع الرَّد: أن لا يتمكّن المشتري من رد المبيع، وذلك قد يكون لهلاكه وقد يكون مع بقائه.
وعلى التقدير الثاني، فربما كان لخروجه عن قبول النقل من شخص إلى شخص، وإنما كان مع قبوله للنقل.
على الثاني فربما كان لزوال ملكه، وربَّمَا كان مع بقائه لتعلق حق مانع.
وكلام الكتاب يتعرض أكثر هذه الأحوال، فنشرح ما تعرض له، ونضم الباقي إليه مختصرين، وبِاللَّه التوفيق.
الحالة الأولى والثانية: إذا هلك المبيع في يد المشتري، بأن مات العبد أو قتل أو تلف الثوب أو أكل الطعام، أو خرج عن أن يقبل النَّقْل من شخص إلى شخص، كما إذا أعتق العبد أو ولد الجارية أو وقف الضيعة، ثم عرف كونه معيباً فقد تعذَّرَ الرد لفوات المردود، ولكن يرجع على البائع بالأَرْش 268، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا أَرْشَ له إذا هلك بنفسه بالقتل ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 245
لنا القياس على العِتْق والموت بجامع أنه عيب اطلع عليه بعد اليأس عن الرد، والأَرْش جزء من الثَّمن نسبته إليه نسبة ما ينقص العيب من قيمة المبيع لو كان سليماً إلى تمام القيمة، وإنما كان الرجوع بجزء من الثمن؛ لأنه لو بقي كلّ المبيع عند البائع، كان مضموناً عليه بالثمن، فإذا احتبس جزء منه كان مضموناً بجزء من الثمن.
مثاله: إذا كانت القيمة مائة دون العيب وتسعين مع العيب، فَالتَّفَاوت بالعشر، فيكون الرجوع بعشر الثمن؟ وإن كان مائتين فبعشرين، وإنْ كان خمسين فبخمسة، والاعتبار بأي قيمة؟ نقل عن نصه في موضع أن الاعتبار بقيمة يوم البيع.
وعن رواية ابن مِقْلاص: أن الاعتبار بقيمة يوم القبض، فمنهم من جعلهما قولين، وأضاف إليهما ثالثاً وهو أصحها وهو أن الاعتبار بأقل القيمتين منهما.
وجه الأول: أن الثمن يومئذ قابل المييع.
ووجه الثاني: أنه يوم دخول المبيع في ضمانه.
ووجه الثالث: أن القيمة إن كانت يوم البيع أقل، فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص، نقص من ضمان البائع.
والأكثرون قطعوا باعتبار أقلّ القيمتين، وحملوا كل نصّ على ما إذا كانت القيمة المذكورة أقل، وإذا ثبت الأَرْش، فإنْ كان الثمن بعد في ذمة المشتري فيبرأ عن قدر الأَرْش بمجرد الاطلاع على العيب أو يتوقف على الطالب، فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني، وإن كان قد وفاه وهو باق في يد البائع، فيتعيّن لحق المشتري أو يجوز للبائع إبداله؛ لأنه غرامة لحقته، فيه وجهان:
أظهرهما: الأول، ولو كان المبيع باقياً والثمن تالفاً جاز الرد ويأخذ مثله إنْ كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً أقل ما كانت من يوم البيع إلى القبض؛ لأنها إنْ كانت يوم العَقْد أقل فالزيادة حدثت في ملك البائع، وإنْ كانت يوم القبض أقل، فالنقصان من ضمان المشتري، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور في اعتبار الأرْش، ويجوز الاسْتِبْدال عنه كما في القرض، وخروجه عن ملكه بالبيع ونحوه كالتَّلف.
= منها: إذا كان المبيع ربوياً وعلم غيبه بعد تلفه وكان قد اشتراه بجنسه؛ فإنه يمتنع أخذ الأرش على الصحيح بل يفسخ ويسترد الثمن ويغرم بدله.
ومنها: إذا لم تنقص القيمة بالعيب أما لو خرج خصياً.
ومنها: لو باعه بشرط الرهن على الثمن وأقبضه إياه ثم هلك أو تغيب ثم بأن عيب قديم بالرهن فلا أرش.
جزم به الرافعي في الكلام على بيع وشرط.
قال: والأصح لا فسخ أي الرهن لتعذر رده كما أخذه.
الجزء: 4 - الصفحة: 246
ولو خرج وعاد، فهل يتعيّن لأخذ المشتري أو للبائع إبداله؟ فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، وإن كان الثمن باقياً بحاله، فإن كان معيناً في العقد أخذه، وإن كان في الذمة وبعده، ففي تعيينه لأخذ المشتري وجهان، وإن كان ناقصاً، نظر إن تلف بعضه أخذ الباقي بدل التالف، وإن رجع النقصان إلى الصفة كالشَّلَل ونحوه لم يغرم الأَرْش في أصح الوجهين، كما لو زاد زيادة متصلة يأخذها مجاناً.
فرع: لو لم تَنْقص القيمة بالعيب، كما لو خرج العَبْد خَصِيّاً فلا أرش كما لا رد.
فرع آخر: لو اشترى عبداً بشرط العتق، ثم وجد به عيباً بعدما أعتقه.
نقل القاضي ابن كج عن أبي الحسين بن القطان: أنه لا أَرْش له هاهنا، لأنه وإنْ لم يكن معيباً لم يمسكه، ونقل عنه وجهين فيما إذا اشترى من يعتق عليه ثم وجد به عيباً، قال: وعندي له الأَرْش في الصورتين.
الحالة الثالثة: إذا زال ملكه عن المبيع ثم عرف العيب فلا رد في الحال، وهل يرجع بالأَرْش إن زال الملك بعوض كالهِبَة بشرط الثواب والبيع؟ فقولان:
أحدهما: نعم، لتعذر الرد، كما لو مات العبد وأعتقه، وهذا مخرج خرجه ابن سريج، وفي رواية البُويطي ما يقتضيه، وعلى هذا لو أخذ الأَرْش ثم رده عليه مشتريه بالعيب، فهل يرده مع الأرْش ويسترد الثمن؟ فيه وجهان:
أصحهما وهو المنصوص: أنه لا يرجع بالأَرْش، ولم لا يرجع؟
قال أبو إسحاق وابن الحداد: لأنه استدرك الظّلاَمة، وروّج المعيب كما رّوج عليه.
وقال ابن أبي هريرة؛ لأنه لم ييأس من الرد، فربما يعود إليه ويتمكّن من رده، وهذا أصح المعنيين عند الشيخ أبي حامد والقَاضي أبي الطَّيب، ورأيته منصوصاً عليه في اختلاف العراقيين، وإن زال الملك بغير عوض فعلى تخريج ابْنِ سُرَيج يرجع بالأَرْش، وعلى المنصوص فيه وجهان مبنيان على المعنيين، إنْ علَّلنا بالأول يرجع؛ لأنه لم يستدرك الظُّلاَمة، وإن عللنا بالثاني فلا؛ لأنه ربما يعود إليه.
ومنهم من حكى القَطْع بعدم الرجوع هاهنا، وأيد به المعنى الثاني.
ولو عاد الملك إليه بعد ما زال، نظر أزال بعوض أولاً بغير عوض.
القسم الأول: أن يزول بعوض كما لو باع، فينظر هل عاد بطريق الرد بالعيب أو غيره؟ [وفيه قسمان]:
القسم الأول: أن يعود بطريق الرد بالعيب، فله أيضاً رده على بائعه؛ لأنه زال التَّعذر الَّذِي كان وتبين أنه لم يستدرك الظّلاَمة، وليس للمشتري الثَّاني ردّه على البائع
الجزء: 4 - الصفحة: 247
الأول؛ لأنه ما تلقى الملك منه، ولو حدث به عيب في يد المشتري الثاني ثم ظهر عيب قديم، فعلى تخريج ابن سريج: للمشتري الأول أخذ الأَرْشِ من بائعه كما لو لم يحدث عيب، ولا يخفى الحكم بينه وبين المشتري الثَّاني، وعلى الأصح ينظر إنْ قبله المشتري الأول مع العيب الحادث، خير بائعه فإن قبله فذاك، وإلاَّ أخذ الأَرْش منه.
وعن أبي الحسين: أنه لا يأخذه واسترداده رضا بالمعيب وإن لم يقبله، وغرم الأرْش للثَّاني ففي رجوعه بالأَرْش على بائعه وجهان:
أحدهما: لا يرجع، وبه قال ابن الحَدَّاد؛ لأنه ربما قبله بائعه، لو قبله هو فكان متبرعاً بغرامة الأرش.
وأظهرهما: أنه يرجع، لأنه ربما لا يقبله بائعه فيتضرر.
قال الشيخ أبو علي: يمكن بناء هذين الوجهين على ما سبق من المعنيين إن عللنا بالأول، فإذا غرم الأرض زال استدراك الظّلامة فيرجع، وإن عللنا بالثاني فلا يرجع؛ لأنه ربما يرتفع العَيْب الحادث فيعود إليه.
قال: وعلى الوجهين جميعاً لا يرجع ما لم يغرم للثاني، فإنه ربما لا يطالبه الثَّاني بشيء، فيبقى مستدركاً للظلامة.
ولو كانت المسألة بحالها، وتلف المَبِيع في يد المشتري الثَّاني، أو كان عبدًا فأعتقه، ثم ظهر العيب القديم رجع الثَّاني بالأَرْش على الأول، والأول بالأرش على بائعه بلا خلاف لحصول اليأس عن الرد، لكن هل يرجع على بائعه قبل أن يغرم المشتري؟ فيه وجهان مبنيان على المعنيين، وإن عللنا باستدراك الظلامة فلا يرجع ما لم يغرم وإن علّلنا بالثاني يرجع، ويجري الوجهان فيما لو أَبْرأه الثاني هل يرجع هو على بائعه؟
القسم الثاني من الأول: أن يعود إليه لا بطريق الرَّد، كما إذا عاد بِإِرْث أو اتِّهَاب أو قبول وَصِية أَوْ إِقَالة، فهل له رده على بائعه؟ فيه وجهان ذوا مأخذين:
أحدهما: البناء على المعنيين السَّابقين، إنْ عللنا بالأول لم يرد، وبه قال ابن الحداد؛ لأن استدراك الظّلاَمة قد حصل بالبيع، ولم يبطل ذلك الاستدراك بخلاف ما لو رد عليه بالعيب.
وإن عللنا بالثاني يرد لزوال العذر وحصول القدرة على الرد، كما لو رد عليه بالعيب.
والثاني: أن الملك العائد هل ينزل منزلة غير الزائل؟
ففي جواب: نعم؛ لأنه عين ذلك المال وعلى تلك الصفة.
وفي جواب: لا؛ لأنه ملك جديد والملك نقص لذلك، وهذا أصل يخرج عليه مسائل:
منها: لو أفلس بالثمن وقد زال ملكه عن المَبِيع وعاد، هل للبائع الفسخ؟
الجزء: 4 - الصفحة: 248
ومنها لو زال ملك المرأة عن الصَّدَاق وعاد ثم طلقها قبل المسيسِ، هل يرجع في نصفه أو يبطل حقه من العين كما لو لم يعد؟ ومنها: لو وهب من ولده وزال ملك الولد وعاد، هل للأب الرجوع؟ ولو عاد إليه بطريق الشراء، ثم ظهر عيب قديم كان في يد البائع الأول، فإن عللنا بالمعنى الأول، لم يرد على البائع الأول لحصول الاستدراك ويرد على الثاني، وإن عللنا بالثاني فإن شاء رد على الثاني، وإن شاء رد على الأول، وإذا رد على الثاني فله أنْ يرده عليه، وحينئذ يرد هو على الأول، ويجيء وجه: أنه لا يرد على الأول بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يعد، ووجه: أنه لا يرد على الثاني؛ لأنه لو رد عليه لرد هو ثانياً عليه، وسنذكر نظيره.
القسم الثَّاني: أن يزول بلا عوض، فينظر إن عاد لا بعوض أيضاً، فجواز الرد مبني على أنه: هل يأخذ الأَرْش لو لم يعد؟ إن قلنا: لا، فله الرد؛ لأن ذلك لتوقع العود.
وإنْ قلنا: يأخذ، فهل ينحصر الحق فيه أو يعود إلى الرد عند القدرة؟ فيه وجهان، وإن عاد بعوض كما لو اشتراه، فإن قلنا: لا رد في الحالة الأولى فكذلك هاهنا، ويرد على البائع الأخير.
وإنْ قلنا: يرد، فهاهنا يرد على الأول أو على الأخير، أو يتخير فيه ثلاثة أوجه خارجه مما سبق.
فرع: باع زيد شيئاً مِنْ عمرو ثم اشتراه منه، وظهر به عيب كان في يد زيد، فإن كانا عالمين بالحال فلا رد، وإن كان زيد عالماً فلا رد له ولا لعمرو أيضاً لزوال ملكه ولا أَرْشَ له على الصحيح لاستدراك الظلامة أو لتوقع العود، فإن تلف في يد زيد، أخذ الأرش على التعليل الثاني، وهكذا الحكم لو باعه من غيره، وإن كان عمرو عالماً فلا رد له ولزيد الرد، وإن كانا جاهلين فلزيد الرد إن اشتراه بغير جنس ما باعه أو بأكثر منه، ثم لعمرو أن يرد عليه وإن اشتراه بمثله فلا رد لزيد في أحد الوجهين؛ لأن عمراً يرده عليه، فلا فائدة فيه، وله ذلك في أصحهما؛ لأنه ربما يرضى به فلا يرد، ولو تلف في يد زيد ثم عرف به عيباً قديماً، فحيث يرد لو بقي يرجع بالأرش، وحيث لا يرد لا يرجع.
الحالة الرابعة: إذا تعلَّق به حق كما لو رهنه ثم عرف العيب فلا رد في الحال، وهل يأخذ الأرش؟
إن عللنا باستدراك الظلامة فنعم، وإنْ عللنا بتوقع العود فلا، وعلى هذا فلو تمكَّن من الرَّد رد، ولو حصل اليأس أخذ الأَرْش، ولو كان قد أجر ولم نجوِّز بيع المستأجر فهو كالرَّهْن، وإن جوزناه فإن رضي البائع به مسلوب المنفعة مدة الإِجارة رد عليه، وإلا تعذَّر الرد، وفي الأرش الوجهان، ويجريان فيما لو تعذر الرد بغصب أو
الجزء: 4 - الصفحة: 249
إباق، ولو عرف العيب بعد تَزْوِيج الجارية أو العبد، ولم يرض البائع بالأَخْذ، قطع بعضهم بأن المشتري يأخذ الأرش هاهنا.
أما على المعنى الأول فظاهر.
وأما على الثاني؛ فلأن النكاح يراد للدوام، فاليأس: حاصل واختار القاضي الرُّويَانِيُّ وصاحب "التتمة" ما ذكروه، ولو عرفه بعد الكتابة، ففي "التتمة" أنه كالتزويج.
وذكر الماوردي: أنه لا يأخذ الأرش على المعنيين، بل يصبر؛ لأنه قد استدرك الظلامة بالنجوم، وقد يعود إليه بالعجز فيرده.
والأظهر: أنه كالرهن، وأنه لا يحصل استدراك بالنُّجُوم.
وقوله في الكتاب: "فله الأَرْش، وهو الرجوع إلى جزء من الثمن" لا يعود وقوله: هو إِلَى الأَرْش، فإن الأرش ليس هو الرجوع إلى الثمن، وإنما هو جزء من الثمن، بل المعنى أن استحقاق الأرش هو الرجوع إليه.
وقوله: "ولا يمتنع طلاب الأَرْش في الحال لتوقّع عود الملك"، معناه: أنا لا نقول بامتناع طلب الأَرْش بسبب هذا التوقع، لا أنه تعليل لعدم الامتناع، ثم اعلم: أن طريقة الجمهور بناء طلب الأرش في الحال، والرد عند العود على المعنيين كما حكيناها مهذبة، وصاحب الكتاب وشيخه بنيا الرد عند المآل على أن الزَّائل العائد كالَّذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وبنيا أخذ الأرش في الحال على الرد في المآل، إن لم يَجُز الرد في المآل جاز أخذ الأرش في الحال، وإن جاز ففي الأرش في الحالة للحيلولة وجهان كالقولين في شهود المآَل إذا رجعوا، هل يغرمون للحيلولة؟
ومثل هذا التصرف محمود في الفقه، لكن الذهاب إلى أنَّ طلب الأَرْش في الحال جائز خلاف المذهب المشهور.
فاعرف ذلك، وقد أجاب صاحب الكتاب فيما إذا وجد بالشِّقْصِ عيباً بعد أخذ الشّفيع بأنه لا أرش له، على خلاف ما رجحه هاهنا والخلاف واحد -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ): القصير بَعْدَ مَعْرِفَةِ العَيْبِ سَبَبُ بُطْلاَنِ الْخِيَارِ وَفَوَاتِ المُطَالَبَةِ بالأَرْشِ لِتَقْصِيرِهِ، وتَرْكُ التَّقْصِيرِ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الوَقْتِ إِنْ كَانَ حَاضِراً، وَإِنْ كَانَ غَائِباً أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ حَاضِرَيْنِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَضَرَ عِنْدَ القَاضِي.
قال الرافعي: الرَّد بالعَيْبِ على الفور 269، ويبطل بالتأخير من غير عذر؛ لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 250
الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرَّد وقصّر لزمه حكمه، ولا يتوقف على حضور الخَصْم وقضاء القاضي، وقال أبو حنيفة: إن كان قبل القبض، فلا بد من حضور الخصم ولا يشترط رضاه، وإن كان بعده، فلا بد من رضاه أو قضاء القاضي، لنا ما مر في خيار الشرط.
إذا تقرر ذلك فالمبادرة إلى الرد معتبرة بالعادة، فلا يؤمر بالعَدْوِ والرَّكض ليرد، ولو كان مشغولاً بصلاة أو أكل أو قضاء حاجة، فله التأخير إلى أن يفرغ، وكذا لو اطلع حين دخل وقت هذه الأمور فاشتغل بها فلا بأس، وكذا لو لبس ثوباً أو أغلق باباً، ولو وقف عليه ليلًا، فله التأخير إلى أنْ يصبح 270. وإذا لم يكن عذر، فقد ذكر حجة الإسلام هاهنا وفي "الوسيط": أنه إن كان البائع حاضراً يرد عليه، وإن كان غائباً تلفَّظ بالرد، وأشهد عليه شاهدين، فإن عجز حضر عند القاضي وأعلمه الرد، ولو رفع إلى القاضي، والمردود عليه حاضر.
قال في "الوسيط": هو مقصر، وأشار في "النهاية" إلى خلاف فيه، وقال: هذا ظاهر المذهب، لكنه ذكر في الشّفْعَة: أن الشفيع لو ترك المشتري، وابتدر إلى مجلس الحكم واسْتَعْدَى عليه، فهو فوق مطالبة المشتري؛ لأنه ربما يحوجه آخراً إلى المرافعة، وحكيا معاً وجهين فيما إذا تمكَّن من الإشهاد فتركه، ورفع إلى القاضي، وفي الترتيب المذكور إشكال؛ لأن الحضور في هذا الموضع، إما أن يعني به الاجتماع في المجلس أو السكون في البلدة.
فإن كان الأول، فإذا لم يكن البائع عنده، ولا وجد الشهود لم يسع إلى القاضي، ولا يسعى إلى البائع، واللائق بمن يمنع من المبادرة إلى القاضي، إذا وجد البائع أن = ليس معقوداً عليه، وإنما يثبت الفور فيما يؤدي رده إلى رفع العقد إبقاه للعقد.
قال في المهمات: واستفدنا من ذلك أن كل حق ثبت في الذمة لا يجب فيه الرد على الفور سواء كان مبيعاً كما إذا أسلم بلفظ البيع أو كان ثمناً للمبيع أو دين سلم.
انتهى.
واعلم أنه يستثنى مما ذكر الشيخ مسائل: منها: الجاهل به لقرب عهده بالإسلام.
ومنها: إباق العبد المبيع في يد البائع قبل القبض، فإن المشتري إذا اطلع عليه فأخر الرد لم يبطل حقه بل لو صرح بإسقاطه قبل قبضه لم يسقط على الأصح.
ومنها: لو وجبت زكاة المال على المشتري ثم اطلع على عيب قديم فليس له الرد بالعيب قبل إخراج الزكاة إذ للساعي الأخذ من عينها ولا يبطل حق الرد بالتأخير قبل الأداء لعدم تمكنه منه.
كما ذكروه في كتاب الزكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 251
يمنع منها إذا أمكنه الوصول إليه.
وإن كان الثاني، فأي حاجة إلى أن يقول: شاهدين حاضرين، ومعلوم أنَّ الغائب عن البلد لا يمكن إشهاده على التفسيرين يكون حضور مجلس الحكم مشروطاً بالعجز عن الإشهاد بعيد.
أما على الأول: فلأن حضور مجلس الحكم قد يكون أسهل عليه من إحضار من يشهده، أو الحضور عنده.
وأما على الثاني: فلأنه لو اطلع على العيب وهو حاضر في مجلس الحكم ينفذ فسخه ولا يحتاج إلى الإشهاد، بل يتعين عليه ذلك إن أراد الفسخ، فظهر أنَّ التَّرتيب الذي يقتضيه ظاهر لفظ الكتاب غير مرعي.
واعلم بعد ذلك: أَنَّ القول في كيفية المُبَادرة وما يكون تقصيراً وما لا يكون، إنما يبسط في "كتاب الشفعة"، وأذكر هاهنا ما لا بد منه، فأقول: الذي فهمته من كلام الأصحاب أن البائع إذا كان في البلد رد عليه بنفسه أو بوكيله، وكذا لو كان وكيله حاضراً، ولا حاجة إلى المرافعة، ولو تركه ورفع الأمر إلى مجلس الحكم فهو زيادة توكيد.
وحاصل هذا: تخييره بين الأمرين، وإن كان غائباً عن البلد رفع الأمر إلى مجلس الحكم 271.
قال القاضي الحسين في "فتاويه" يدَّعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم، وأنه أقبضه الثمن، ثم ظهر العيب، وأنه فسخ البيع ويقيم البَيِّنة على ذلك في وجه مسَّخر 272 ينصبه القاضي، ويحلفه القاضي مع البينة؛ لأنه قضاء على الغائب، ثم يأخذ المبيع منه ويضعه على يدي عدل، والثمن يبقى دَيْنًا على الغائب فيقضيه القاضي من ماله، فإن لم يجد له سوى المبيع باعه فيه، إلى أن ينتهي إلى الخَصْم أو القاضي في الحالتين، لو تمكن من الإشهاد على الفسخ هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان:
منقول صاحب "التتمة" وغيره منهما: اللزوم 273، ويجري الخلاف فيما إذا أخر بعذر مرض أو غيره، ولو عجز في الحال عن الإِشْهَاد، فهل عليه التَّلفظ بالفسخ؟ فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 252
أصحهما: عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا حاجة إليه، وإذا لقي البائع فسلم عليه لم يضر، ولو اشتغل بمحادثته بطل حقه، ولو أخر الرد مع العلم بالعيب، ثم قال: أخرت لأني لم أعلم أن لي حق الرد فإن كان قريب العهد بالإسلام، أَوْ نَشَأَ في بادية لا يعرفون الأحكام قتل قوله، ومكن من الرد، وإلاَّ فلا، ولو قال: لم أعلم أنه يبطل بالتأخير قبل قوله؛ لأنه مما يخفى على العَوَام 274.
وحيث بطل حق الرد بالتقصير يبطل حق الأَرْش أيضاً.
وليس لمن له الرد أنْ يمسك المبيع ويطلب الأَرْش خلافاً لأحمد، وليس للبائع أيضاً أن يمنعه من الرد ليغرم له الأَرْش، ولو رضي بترك الرَّد على جزء من الثمن أو على مال آخر، ففي صحة هذه المصالحة وجهان:
أحدهما وبه قال أبو حنيفة ومالك وابن سريج: أنها تصح كالصلح عن حق القِصَاص على مال.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه خيار فسخ فأشبه خيار الشرط والمجلس، وعلى هذا يجب على المشتري رد ما أخذ، وفي بطلان حقه من الرد وجهان:
أحدهما: يبطل؛ لأنه أخر الرد مع الإمكان وأسقط حقه.
وأصحهما: المنع، لأنه نزل عن حقه على عوض، ولم يسلم له العوض فيبقى على حقه، ولا يخفى أن موضع الوجهين ما إذا كان يظن صحة المصالحة.
أما إذا علم فسادها بطل حقه بلا خلاف -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيتْرُكُ الانْتِفَاعَ في الحَالِ، وَيَنْزِلُ عَنِ الدَّابَّةِ إِنْ كَانَ رَاكِباً، وَيَضَعُ عَنْهُ إكَافَهُ وَسَرْجَهُ فَإنَّهُ انْتِفَاعٌ، وَلاَ يَحُطُّ عِذَارَهُ فَإِنَّهُ في مَحَلِّ المُسَامَحَةِ إلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْهِ القَوْدُ فَيُعْذَرَ في الركُّوبِ إِلَى مُصَادَفَةِ الخَصْمِ أَو القَاضِي.
قال الرافعي: كما أن تأخير الرَّد مع الإمكان تقصير، فكذلك الاسْتِعْمال والانتفاع والتَّصرف لإشعارها بالرِّضا والاختيار، فلو كان المبيع رقيقاً فاستخدمه في مدّة طلب الخصم أوالقاضي بطل حقه، وإن كان بشيء خفيف كقوله: اسقني، أو ناولني الثوب، أو أغلق الباب، ففيه وجه: أنه لا أثر له؛ لأن مثل هذا قد يؤمر به غير المملوك، وبهذا
الجزء: 4 - الصفحة: 253
أجاب القاضي الماوردي وغيره، ولكن الأشهر: أنه لا فرق 275.
ولو ركب الدابة لا للرد بطل حقه، وإن ركبها للرد أو للسقي فوجهان:
أظهرهما: البطلان أيضاً؛ لأنه ضرب انتفاع كما لو وقف على عيب الثوب فلبسه للرد.
نعم لو كانت جموحاً يعسر قودها وسوقها فيعذر في الركوب.
والثَّاني وبه قال أبو حنيفة وابن سُرَيْجٍ في "جوابات الجامع الصَّغير": أنه لا يبطل؛ لأنه أسرع للرد، وعلى الأول لو كان قد ركبها للانتفاع فاطَّلع على عيب بها لم يَجُز استدامته وإن توجه للرد، ولو كان لابساً فاطلع على عيب الثَّوْب في الطريق فتوجَّه للرد ولم ينزع فهو معذور؛ لأن نزع الثوب في الطريق غير معتاد، كذا قاله الماوردي.
ولو علف الدابة وسقاها في الطريق لم يضر، وكذا لو حلب لبن البَهِيْمَة في الطريق؛ لأنه مما حدث في ملكه، ولو كان عليها سَرْج أو أَكَاف فتركهما عليها بطل حقه؛ لأنه استعمال وانتفاع 276، ولولا ذلك لاحتاج إلى حمل أو تَحْمِيل 277، ويعذر بترك العِذَار أو اللِّجَام لأنهما خفيفان، ولا يعد تعليقهما على الدَّابة انتفاعاً؛ ولأن القَوْد يعسر دونهما.
وسئل الشخ أبو حامد عما لو أنعلها في الطَّريق، فقال: إن كانت تمشي بلا نَعْلٍ بطل حقه، وإلا فلا.
ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "ويترك الانتفاع" بالواو، وكذا قوله: "ينزل عن الدابة"، وقوله: "ويضع"؛ لأن القاضي الرُّوياني نقل جواز الانتفاع في الطريق مطلقاً، حتى روي عن أبيه جواز وطء الجارية 278 الثيب.
وقوله: "إلاَّ أن يعسر عليه القود"، راجع إلى قوله من قبل: "إن كان راكباً" وإن تخلل بينهما كلام آخر، -والله أعلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 254
قال الغزالي: الرَّابِعُ العَيْبُ الحَادِثُ مَانِعٌ مِنَ الرَّدِّ، وَطَرِيقُ دَفْعِ الظُّلاَمَةِ أَنْ يَضُمَّ أَرْشَ الحَادِثِ إلَى المَبِيعِ وَيرُدَّهُ، أَوْ يُغَرِّمَ البَائِعُ لَهُ أَرْشَ العَيْبِ القَدِيم، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي تَعْيِينِ أَحَدِ المَسْلَكَيْنِ، فَالأَصَحُّ أَنَّ طَالِبَ أَرْشِ القَدِيمِ أَوْلَى بَالإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ العَيْبِ الحَادِثِ غُرْمٌ دَخِيلٌ لَمْ يَقْتَضِهِ العَقْدُ.
قال الرافعي: إذا حدث بالمبيع عيب في يد المشتري بجناية أو آفة، ثم اطَّلع على عيب قديم فلا يمكن الرَّد قهراً 279 لما فيه من الإضرار بالبائع، ولا يكلف المشتري القناعة به، لما فيه من الإضرار به، ولكن يعلم المشتري البائع بالحال، فإن رضي به معيباً قيل للمشتري: إما أن ترده، وإما أن تقنع به معيباً ولا شيء، وإن لم يَرْضَ فلا بد من أن يضم المشتري أَرْشَ العيب الحادث إلى المبيع ليرده، أو أن يغرم البائع للمشتري أَرْشَ العيب القديم ليمسكه رعاية للجانبين، فإنْ توافقا على أحد هذين المَسْلَكين فذاك 280، وإن تنازعا فدعا أحدهما إلى الرد مع أَرْش العيب الحادث، ودعا الآخر إلى الإِمْسَاك وغرامة أَرْش العيب القديم، فحاصل ما اشتمل كلام الأصحاب عليه وجوه اختصرها الإمام:
أحدها: أن المتبع رأى المشتري، ويجبر البائع على ما يقوله؛ لأن الأصل أن لا يلزمه تمام الثمن إلاَّ بمبيع سليم، فإذا تَعذّر ذلك فوضت الخِيرَةَ إليه، ولأن البائع ملبس بترويج المبيع، فكان رعاية جانب المشتري أولى، ويروى هذا الوجه عن مالك وأحمد، وعن أبي ثور: أنه نَصُّه في القديم.
والثاني: أن المتبع رأي البائع؛ لأنه إما غَارِم أو آخِذٌ ما لم يرد العقد عليه.
والثالث وهو الأصح: أنَّ المتبع رأى من يدعو إلى الإمساك والرجوع بأرْشِ العيب القديم، سواء كان هو البائع أو المشتري لما فيه من تقرير العقد، وأيضاً فالرجوع بأَرش العيب القديم يستند إلى أصل العقد؛ لأن قضيته إلاَّ يستقرَّ الثمن بكماله إلا في مقابلة السليم، وضم أَرْش العيب الحادث إدخال شيء جديد لم يكن في العقد، فكان الأول أولى، فعلى هذا لو قال البائع: رده مع أَرْش العيب الحادث، فللمشتري أنْ يأتي وَيغْرم ويأخذ أرش العيب القديم ولو أراد المشتري أن يرده مع أرش العيب الحادث
الجزء: 4 - الصفحة: 255
فللبائع أن يأتي ويغرم أرش القديم وما ذكرناه من إعلام المشتري البائع يكون على الفَوْر، حتى لو أخَّره من غير عذر بطل حقُّه من الرَّد والأَرْش، إلاَّ أنْ يكون العيب الحادث قريب الزوال غالباً كالرَّمد والحُمَّى، فلا يعتبر الفور في الإِعْلاَم على أحد القولين، بل له انتظار زواله ليرده سليماً عن العيب الحادث من غير أَرْش، ومهما زال الشَّيء الحادث بعد ما أخذ المشتري أَرْش العيب القديم، فهل له الفسخ ورد الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وأخذ الأَرْش إسقاط للرد.
والثاني: نعم، والأَرْش للحيلولة ولو لم يأخذه ولكن قضى القاضي بثبوته، فوجهان بالترتيب، وأولى بجواز الفسخ.
ولو تراضيا ولا قضاء فَوَجْهَان بالترتيب وأولى بالفسخ، وهو الأصح في هذه الصورة، وأما بعد الأخذ فالأصح المنع، وكذا بعد الحكم عند صاحب "التهذيب".
ولو عرف العيب القديم بعد زوال الحادث رد.
وفيه وجه ضعيف، ولو زال العيب القديم قبل أخذ أَرْشِه لم يأخذه، وإن زال بعد أخذه ورده، ومنهم من جعله على وجهين، كما لو ثبت سنّ المجنيِّ عليه بعد أخذ الدِّيَة، هل يرد الدِّيَة؟.
واعلم: أن كل ما يثبت الرَّد على البائع لو كان في يده يمنع الرد إذا حدث في يد المشتري، وما لا رَدَّ به على البائع لا يمنع الرَّد، إذا حدث في يد المُشْتري، إلاَّ في الأقل، فلو خمس العبد ثم عرف عيبًا قديمًا فلا رَدَّ وإن زادت قيمته، ولو نسي القرآن أو الحرفة ثم عرف به عيباً، فلا رد لِنُقْصَان القيمة، ولو زوجها ثم عرف بها عيباً فكذلك، قال الرُّوْيَاني: إلاَّ أن يقول الزوج: إن ردّك المشتري بعيب فأنت طالق، إن كان ذلك قبل الدخول فله الرد لزوال المانع بالرد.
ولو عرف عيب الجارية المشتراة من ابنه أو أبيه بعد ما وطئها وهي ثيب، فله الرد وإنْ حرمت على البائع؛ لأن القيمة لا تنقص بذلك، وكذا لو كانت الجَارِيَة رضيعة، فأرضعتها أُم البائع أو ابنته في يد المشتري ثم عرف بها عيباً، وإقرار الرقيق على نفسه في يد المشتري بدَيْن المعاملة، أو بدَيْن الإتلاف مع تكذيب المولى، لا يمنع من الرد بالعيب القديم، وإن صدقه المولى على دَيْن الإتْلاَف منع، فإن عفا المقرّ له بعد ما أخذ المشتري الأَرْش، هل له الفسخ ورد الأرش؟
فيه وجهان جاريان فيما إذا أخذ الأَرْش لرهنه أو كتابته العبد، أو إباقه أو غصبه، ونحوها إن مكَّناه من ذلك ثم زال المانع من الرد.
قال في "التهذيب":
الجزء: 4 - الصفحة: 256
أصحهما: أنه لا فسخ.
فرع: حدث في يد المُشْتَرِي نكتة بياض بِعَيْن العبد، ووجد نُكْتة قديمة ثم زالت إحداهما، فقال البائع: الزائلة القديمة فلا رد ولا أَرْش، وقال المشتري: بل الحادثة ولي الرد، يتحالفان على ما لا يقولان، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضى بموجب يمنيه، وإن حلفا استفاد البائع بيمينه دفع الرد، واستفاد المشتري بيمينه أخذ الأرش، فإن اختلفا في الأرش فليس له إلاَّ الأقل لأنه المستيقن.
وقوله في الكتاب: "فالأصح أن طالب أَرْش القديم" يغني من الأوجه الثلاثة، ويجوز أن يعلّم قوله: "أولى" بالميم والألف، لما حكينا من مذهبهما، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَ المَبِيعُ حُلِيًّا وَقَدْ قُوبِلَ بِمِثْلِ وَزْنهِ فَبِضَمِّ الأَرْشِ إِلَيْهِ أَوِ اسْتِرْدَادِ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ لِلْعَيْبِ القَدِيمِ يُوقِعُ في الرِّبَا، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ إِمْضَائِهِ وَلاَ يُرَدُّ الحُلِيُّ بَلْ يُغَرَّمُ بالذَّهَبِ إِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ عَلَى العَكْسِ حَذَراً مِنْ رِبَا الفَضْلِ وَهُوَ الأَصَحُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يُبَالِي بِذَلِكَ إِذ المَحْذُورُ الزِّيَادَةُ في المُقَابَلَةِ في ابْتِدَاء عَقْدِهِ.
قال الرافعي: إذا اشترى حُلِيًّا من ذهب أو فضة وزنه مائة مثلاً بمائة من جنسه، ثم اطلع على عيب قديم وقد حدث عنده عيب آخر، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما، وبه قال ابن سريج: أنه لا يرجع بالأَرْش؛ لأنه لو أخذ الأَرْش لنقص الثَّمن عن المائة فتصير المائة مقابلة بما دونها، وذلك رِباً ولا يرده مع أَرْش العيب الحادث؛ لأن المردود حينئذ يزيد على المائة المستردة، وذلك رِباً فيفسخ العقد لتعذُّر مصابه، ولا يرد الحُلِي على البائع لتعذر رده دون الأَرْش ومع الأرش فيجعل بمثابة ما لو تلف، ويغرم المشتري قيمته من غير جنسه معيباً بالعيب القديم سليماً عن العيب الحادث.
والثاني، وبه قال الشيخ أبو حامد: أنه يفسخ البيع، ويرد الحُلِي مع أَرْش النُّقْصَان الحادث ولا يلزم الرِّبا، فإن المقابلة بين الحُلِي والثمن وهما متماثلان.
والعيب الحادث مضمون عليه كعيب المَأْخُوذ على جهة السَّوم فعليه غرامته.
والثالث عن صاحب "التقريب" والدَّارِكِي: أنه يرجع بأَرْش العيب القديم كما في غير هذه الصورة، والمماثلة في مال الرِّبَا إنما تشترط في ابتداء العقد وقد حصلت، والأَرْش حتى ثبت بعد ذلك لا يقدح في العقد السابق.
واعلم: أنَّ الوجه الأول والثَّاني متفقان على أنه لا يرجع بِأَرْش العَيْب القديم وأن
الجزء: 4 - الصفحة: 257
يفسخ العقد، وإنما اختلافهما في أنه يرد الحُلِي مع أرش النقص أو يمسكه ويرد قيمته، وأما صاحب الوجه الثالث فقياسه تجويز الرَّدِّ مَعَ الأَرْش أَيضًا، كما في سائر الأموال، وإذا أخذ الإرْش فقد قيل: يجب أَنْ يكون مِنْ غير جنس العوضين، كيلا يلزم ربا الفَضْل.
والأظهر: أنه يجوز أَنْ يكون من جنسهما؛ لأن الجنس لو امتنع أخذه لامتنع أخذ غير الجنس، لأنه يكون بيع مال الربا بجنسه مع شيء آخر، وذلك من صور "مُدّ عَجْوة".
ثم إن صاحب الكتاب رأى الأصح: الوجه المنسوب إلى ابن سريج، وهو غير مساعد عليه بل اختيار القاضي الطَّبري وصاحب "المهذب" ومعظم العراقيين: إنما هو الثاني، واختيار الإمام وغيره: الثالث.
وذكر الإمام: أن أبعد الوجوه ما قاله ابن سريج.
وقوله: "فبضم الأَرْش إليه أو استرداد جزء من الثمن يوقع في الربا" قيل ذكر الخلاف، إنما كان يحسن كل الحسن أن لو كان ذلك متفقاً عليه وكان الاختلاف في طريق الخَلاَص وليس كذلك، بل صاحب الوجه الثاني لا يرى ضم الأَرْش إليه موقعًا في الربا، وصاحب الثالث لا يرى الاسترداد موقعًا فيه، والأحسن في النظم أن يذكر قول ابن سريج أولاً، ويعلل تعذر الإِمْضَاء بذلك.
وقوله: "وقيل إنه لا يبالي بذلك" يمكن تنزيله على الوجه الثَّاني وعلى الثالث.
ولو عرف العيب القديم بعد تلف الحُلِي عنده، فالَّذِي أورده صاحب "الشَّامِل" و"التتَّمة": أنه يفسخ العقد ويسترد الثمن، ويغرم قيمة التالف، ولا يمكن أخذ الأَرْش للربا.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز أخذ الأَرْش، قال في "التهذيب" وهو الأصح: وعلى هذا ففي اشتراط كونه من غير الجِنْس ما مر، ولا يخفى أَنَّ المَسْأَلة لا تختصّ بالحُلِيّ والنقدين، بل تجري في كل مال من أَموال الربا بيع بجنسه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا أَنْعَلَ الدَّابَة وَأَرَادَ رَدَّهَا بِالعَيْبِ فَلْيَنْزِعِ النَّعْلَ، وَإِنْ كَانَ نَزْعُ النَّعْل يَعِيبُهَا فَلْيَسْمَحْ بِالنَّعْلِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى البَائِعِ أَرْشٌ وَلاَ قِيمَةُ النَّعْلِ، وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ بِمَا زَادَ في قيمَتِهِ فَطَلَبَ قِيمَةَ الصَّبْغِ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ إِدْخَالَ الصَّبْغِ وَهُوَ دَخِيلٌ في مِلْكِ البَائِعِ كَإدْخَالِ أَرْشِ العَيْبِ الحَادِث.
قال الرافعي: في الفصل صورتان:
الأولى: إذا أنعل الدَّابة المُشْتَراة، ثم وقف على عيب قديم بها، ينظر إن لم يعبها نَزْع النّعْل فله النزع والرّد وإن لم ينزع والحالة هذه لم يجب على البائع القبول، وإن كان النزع يخرم ثقب المَسَامير، ويتعيَّب الحافر به فنزع بطل حقه من الرد والأَرْش،
الجزء: 4 - الصفحة: 258
وكان تعيُّبه بالاختيار قطعاً للخيار، وفيه احتمال للإمام، ولو ردها مع النَّعْل أجبر البائع على القبول، وليس للمشتري طلب قيمة النَّعل، فإنه حقير في معرض رد الدَّابة، ثم ترك النَّعْل من المشتري [هل هو] تمليك، حتى يكون للبائع لو سقط أو إعراض حتى يكون لِلْمُشْتري؟ فيه وجهان: أشبههما: الثاني.
الثانية: لو صَبَغَ الثَّوب بما زاد في قيمته ثم عرف عيبه، فإن رضي بالرَّدِّ من غير أن يطالب بشيء، فعلى البَائِعِ قبوله ويصير الصّبْغ مِلْكاً له، فإنه صفة الثَّوْب لا تزايله وليس كالنَّعْل، هذا لفظ إمام الحرمين قال: ولا صائر إلى أنه يرد الثوب ويبقى شريكًا بالصّبغ، كما يكون مثله في المغصوب، ولاحتمال يتطرق إليه، وإن أراد الرَّدَّ وأخذ قيمة الصّبْغ، ففي وجوب الإجابة على البائع وجهان:
أظهرهما: لا تجب لكن يأخذ المشتري الأَرْش.
ولو طلب المشتري أَرْش العيب، وقال البائع: رد الثوب لأغرم لك قيمة الصبغ ففيمن يجاب منهما؟ وجهان:
الَّذِي أورده ابن الصَّبَّاغ والمَتَوَلِّي: أنَّ المُجَاب البدع، ولا أرش للمشتري.
ولما حكى الإمام الخلاف في الطَّرفين ذكر أن الصّبْغ الزائد قد جرى مجرى أَرْش العيب الحادث في طرفي المطالبة، ومعناه: أنه إذا قال البائع: رد مع الإرْش، وقال المشتري: بل أمسك وآخذ الأرش، ففيمن يجاب؟ وجهان.
وكذا إذا قال المشتري: أردّه مع الأرش، وقال البائع بل أَغْرم الأرش، وهذا ظاهر للمتأمل في الوجوه الثلاثة المذكورة هناك، إذا أفرد أحد الجانبين بالنظر، ووجه المشابهة بين الصَّبْغ الزَّائد وأَرْش العيب الحادث ما أشار إليه صاحب الكتاب، وهو أن إدخال الصّبْغ في ملك البائع مع أنه دخيل في العقد كإدخال الأَرْش الدخيل، ثم ظاهر لفظ الكتاب يقتضي عود الوجوه الثلاثة هاهنا حتى يقال: المجاب منهما في وجه من يدعو إلى فضل الأمر بالأَرْش القديم، وقد صرح به في "الوسيط"، ولكن رواية الوجه الثَّالث لا تكاد توجد لغيره، وبتقدير ثبوته فقد بيّنا، ثم إن الأصح: الوجه الثالث، وهاهنا قضية إيراد الأئمة: أنه لا يجاب المشتري، إذا طلب الأَرْش كما مر.
وقوله: "فطلب قيمة الصَّبْغ له وجه" المعنى الذي ينبغي أن تنزل عليه هذه الكلمة أن طلب قيمة الصبغ ليس كطلب قيمة النَّعل، فإن النَّعْل تابع بالإضافة إلى الدَّابة حقير والصَّبْغ بخلافه، فإن هذا الطلب متجه وذاك مستنكر.
ولو قصر الثوب ثم وقف على العيب، فيبنى على أنَّ القَصَارة عين أو أثر؟ إن قلنا بالأول، فهي كالصبغ.
وإن قلنا بالثاني رد الثوب ولا شيء له، كالزيادات المُتَّصلة، وعلى هذا فقس نظائره، -والله أعلم-.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
قال الغزالي: وَلاَ يُرَدُّ البِطِّيخُ (ح و) وَالْجوزُ وَالبَيْضُ بَعْدَ الكَسْرِ وَإِنْ وَجَدَهُ مَعِيباً بَلْ يَأَخُذُ أَرْشَ العَيْبِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ الرَّدَّ (م ح وز) وَضَمَّ أَرْشِ الكَسْر إِلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا اشترى ما مأكوله في جوفه كالبَطِّيخ والرَّانج والرُّمَّان والجَوْز واللَّوز والبندق 281، والبَيْض فكسره ووجده فاسداً، ينظر إن لم يكن لفاسده قيمة، كالبيضة المَذِرَة التي لا تصلح لشيء، والبطيخة الشَّديدة التَّغير رجع المشتري بجميع الثمن نص عليه، وكيف سبيله؟ قال معظم الأصحاب: يتبين فساد البيع لوروده على غير متقوّم.
وعن القفال في طائفة: أنه لا يتبين الفساد، لكنه على سبيل استدراك الظّلاَمة، فكما يرجع بجزء من الثمن عند انتقاص جزء من المبيع يرجع بكله عند فوات كل المَبِيع، وتظهر ثمرة هذا الخِلاَف في أن القُشُور البَاقِية بمن تَخْتَصّ، حتى يكون عليه تطهير الموضع عنها.
وإن كان لفاسده قيمة كالرَّانج وبَيْض النَّعَام والبَطِّيخ إذا وجده حَامِضاً أو مدوداً 282 بعض الأطراف، فللكسر حالتان.
إحداهما: أَنْ لا يوقف على ذلك الفساد، إلاَّ بمثله ففيه قولان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة والمزني: أنه ليس الرد قهراً، كما لو عرف عَيْبَ
الجزء: 4 - الصفحة: 260
الثَّوْب بعد قطعه، وعلى هذا هو كسائر العُيُوب الحَادِثة، فيرجع المشتري بِأرْش العَيْب القديم، أو يضم أَرْش النقصان إليه ويرده كما سبق.
وقوله في الكتاب: "بل يأخذ الأَرْش" إن لم يتراضيا على الرد مع الأرش؛ لأنه لا يعدل عنه بحال.
والثاني: له ذلك، وبه قال مالك وكذا أحمد في رواية؛ لأنه نقص لا يعرف العيب إِلاَّ به، فلا مينع الرد كالمُصَرَّاة، وإيراد الكتاب: يقتضي ترجيح القول الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، لكن القاضي الماوردي والشيخ أبا حامد ومن تابعه رجحوا الثَّاني، وبه قال القاضي الرُّوياني وغيره.
وإذا فرعنا على الثَّاني، فهل يغرم أَرْش الكسر؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وهو الذي أورده في الكتاب، كما يرد المصراة ويغرم.
والثاني: لا؛ لأنه لا يعرف العَيْب إلاَّ به فهو معذور فيه، والبائع بالبَيْع كأنه سلَّطه عليه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" وغيره.
فإن قلنا بالأول غرم ما بين قيمته صحيحاً فاسد اللُّب ومكسوراً فاسد اللب، ولا نظر إلى الثمن.
الحالة الثانية: أنْ يمكن الوقوف على ذلك الفساد بأقل من ذلك الكَسْر، فلا رد كما في سائر العيوب.
وعن أبي إسْحَاق: أن بعض الأصحاب طرد القولين.
إذا عرفت ذلك فكسر الجَوْز ونحوه، وثقب الرَّانج من صور الحالة الأولى، وكسر الرَّانج وتَرْضِيض بيض النعام من صور الحالة الثانية، وكذا تقوير البَطِّيخ الحامض إذا أمكن معرفة حموضته بِغَرْز شيء فيه، وكذا التَّقْوير الكبير إذا أمكن معرفتها بالتَّقْوِير الصغير، والتَّدْويد لا يعرف إلا بالتَّقْوير، وقد يحتاج إلى الشَّقِّ ليعرف، وقد يستغنى في معرفة حال البَيْض بالقَلْقَلَة عن الكسر، وليست الحموضة بعيبَ في الرُّمَّان بخلاف البَطَّيخ، فإن شرط في الرمان الحلاوة فَبَانَ حامضا بالغرز رده، وإن بَانَ بالشَّقِّ فلا.
فرع: إذا اشْتَرَى ثوباً مطوياً، وهو مِمَّا ينقص بالنَّشْر، فنشره ووقف على عيب به لا يوقف عليه إلا بالنَّشْر وفيه القولان، كذا أطلقه الأصحاب على طَبَقَاتهم، مع جعلهم بيع الثوب المَطْوِي من صور بيع الغائب، ولم يتعرض الأئمة لهذا الإشكال فيما رأيته إِلاَّ من وجهين:
أحدهما: ذكر إمام الحرمين: أن هذا الفَرْع مبني على تَصْحِيح بيع الغائب.
والثَّاني: قال صاحب "الحاوي" وغيره: إنْ كان مطوياً أكثر من طَاقَيْن لم يصح
الجزء: 4 - الصفحة: 261
البَيْع إِنْ لم نجوِّز خيار الرؤية 283، وإنْ كان مطويّاً على طاقين يصح البيع؛ لأنه يرى
الجزء: 4 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المشروعة.
وعدم الضرر جاء من ثبوت الخيار للمشتري إذا رآه لأنه إذا لم يعجبه فسخ البيع واسترد الثمن إن كان قد دفعه.
وأما المالكية: فمذهبهم يتلخص في دعويَين:
الأولى: صحة بيع الغائب المجهول على خيار الرؤية.
والثانية: صحة بيع الغائب الموصوف بدون شرط خيار الرؤية وللمشتري الخيار إذا رآه قد تخلف وصفه.
وهم في الدعوى الأولى لم يجعلوا خيار الرؤية من مقتضيات العقد على الغائب كما فعل الحنفية؛ لأن مقتضى العقد إنما يعرف بالشرع ولم يرد دليل صحيح على أن خيار الرؤية مقتضى العقد على الغائب.
وهم من أجل ذلك لم يعتمدوا حديث: "مَنِ اشْتَرَى شَيْئاً لَمْ يَرَه ... الخ".
وكل ما يمكن أن يؤخذ من كتبهم في الاستدلال على هذه الدعوى.
هو أنه لو لم يشرط خيار الرؤية، لكان هذا البيع بيع غرر مثار للشحناء والنزاع لجهالة المبيع وهذا بخلاف ما لو شرط المشتري أنه بالخيار إذا رآه لانقطاع النزاع بسبب هذا الشرط لأن المشتري حينئذ يكون هو وحده حر التصرف إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه.
وأما الدعوى الثانية فهي ذات شقين: الأول منهما صحة بيع المعين الغائب الموصوف.
والثاني منهما أن الخيار للمشتري إذا رآه في حال تخلف الوصف فحسب.
أما الشق الأول: فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ إذ هو عام يتناول كل بيع، فلا يجوز إخراج شيء منه إلا بالدليل ولم يدل دليل من كتاب ولا من سنة ولا من قياس صحيح على إخراج بيع الغائب الموصوف من حكم هذا العموم، وليس هو من بيوع الغرر المنهي عنها، لأن الوصف يقوم مقام الرؤية في العلم بالبيع.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُنْعَتُ المَرْأةُ لِلزَّوْجِ حَتَّى كَأَنَّه يَنْظُرُ إِلَيْهَا" فجعل النعت منزلاً منزلة الرؤية.
وكذلك يستدل له بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ إذ بالوصف يتحقق الرضا بخلاف غير الموصوف لأنه لا رضا إلا بعد العلم وهو كما يعتمد الرؤية يعتمد الوصف.
ومن الدليل عليه أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَبِيْعُوا الحَبُّ فِي سُنْبُلهِ حَتَّى يَبْيَضَّ فِي أَكْمَامِهِ" لأن الحب في سنبله مستور فهو منزل منزلة الغائب، وبياضه إنما يعرف بالفرك.
فإذا جاز بيعه وهو في سنبله على صفة ما فرك منه جاز بيعه على الوصف كذلك بدون الفرك ما دام المبيع هو غير ما فرك في الحالين.
ويمكن أن يستدل له بالقياس على السلم بجامع أن كلا منهما مبيع موصوف غير مرئي.
وأما الشق الثاني: فبالقياس له على خيار العيب فكما يثبت للمشتري الخيار إذا اطلع على عيب قديم بالمبيع لم يعلم به حين العقد كذلك يثبت له الخيار، إذا تخلف وصف وصف به المبيع لأن العيب ما هو إلا تخلف وصف السلامة ولما كان مذهب الحنابلة هو عين الدعوى الثانية من مذهب المالكية كانت الأدلة المتقدمة صالحة لتأييد مذهب الحنابلة.
وأما الظاهرية: فالذي يعنينا من مذهبهم هو قولهم إن الغائب الموصوف إذا ما تخلف وصفه فالبيع فيه باطل وقد استدلوا له بأن المشتري إنما عقد على موصوف بصفة كذا فإذا ما تخلف الوصف كان ذلك المبيع غير المعقود عليه في حقيقة الأمر فيكون البيع باطلاً لو ردده على غير محل.
وأما الشافعية: فاستدلوا لمذهبهم الجديد أعني لبطلان بيع الغائب مطلقاً موصوفاً أو غير موصوف بالسنة والقياس أما السنة: =
الجزء: 4 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فأولاً: قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" لأن عند تستعمل في حالين في الحاضر القريب، وفيما هو في حوزة الشخص وملكه وإن كان بعيداً.
والحديث صالح لشمول الحالين معاً فيحمل عليهما فكما لا يجوز أن تبيع الحاضر غير المملوك لك لا يجوز أن تبغ الغائب وإن كان ملكك لأن كلا منهما يصدق عليه أنه ليس عندك في الجملة.
وثانياً: ما صح ثبوته عنه -صلى الله عليه وسلم- من النهي عن بيع الغرر.
وهذا النوع من البيوع فيه غرر كبير لأنه لا عين مرئية ولا صفة مضمونة في الذمة.
والوصف مهما بولغ فيه فلن يقوم مقام الرؤية.
وكيف يكون هذا وقد شاع في الناس هذا المثل السائر -ليس الخبر كالعياق- وقولهم -ليس من رأى كمن سمع- فالقول بأن الوصف كالرؤية في تحصيل العلم تشكيك في مقام الضرورة.
أما السلم فإنما صح للدليل الصحيح، ولأن الذمة فيه ضامنة فإذا جاء المسلم فيه على ما وصف فالأمر ظاهر، وإلا فالمسلم إليه مجبر على غيره مما يتحقق فيه الوصف.
وأما الغائب المذكور فالذمة غير ضامنة له لكونه معيناً.
وأما القياس -فقالوا إنه في معنى بيع حبل الحبلة كل منهما معين مجهول والوصف في الغائب لا يرفع الجهالة أو لا يرفع منها إلا قليلاً لا يسوغ صحة البيع.
ثم ما يدرينا؟ لعل الغائب يمنع مانع من تسلمه، فيكون غير مضمون العاقبة كحبل الحبلة أيضاً.
نوقشت أدلة الحنفية من السنة:
أولاً: بأن حديث -من اشترى شيئاً لم يره- المسند منه في رجاله عمر الكردي.
يقول الدارقطني فيه كان يضع الأحاديث والراوي عنه داهر بن نوح.
وهو مجهول غير معروف.
والمرسل منه -فضلاً عن أن في حجية خلافاً- في رجاله أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.
فإذا كان حال الحديث ما ذكرنا فكيف ينهض حجة على حكم من الأحكام؟.
وثانياً: بأن قصة مبايعة عثمان وطلحة لو صلحت دليلاً فهي لا تدل لدعوى الحنفية كاملة أعني سواء كان الغائب موصوفاً أو غير موصوف لأن هذه قصة عين وهي لا تدل على العموم، إذ من الجائز أن يكونا قد تواصفا الأرض نعم هي تدل لصحة بيع الغائب الموصوف بيقين؛ لأن الأرض إن كانت قد وصلت فالأمر واضح، وإن لم تكن قد وصلت فصحة بيع الموصوف أولى.
ونوقشت أدلتهم من المعقول:
أولاً: بأن القياس على النكاح غير صحيح؛ لأن النكاح مبناه على المساهلة والمكارمة.
ومبنى البيع على الشح والمكايسة؛ ولأن في إلزام رؤية المرأة هتكاً لحرمتها وجرحاً لشعورها فقد يردها ولا يخطبها.
وثانياً: بأن القياس الثاني أعني القياس على صحة بيع المعين الحاضر المشار إليه إذا جهل وصفه كثوب لا يعلم عدد زرعانه وهو مشار إليه فهو فضلاً عن كونه دليلاً على جزء الدعوى لكون المقيس عليه لا خيار فيه إن سلم كونه دليلاً فضلاً عن ذلك لا يدل على صحة بيع الغائب غير الموصوف.
لأن الحاضر المشار إليه تقوم الرؤية فيه مقام الوصف أعني الوصف الذي يريده المشتري ككونه بلون خاص أو ذا نقش خاص وعدم سؤاله عن ذرع الثوب قد يكون لأن ليس مقصوداً له أو لأن الأمر فيه ليس كبيراً وأخيراً هو المقصر بعدم السؤال أو الذرع لكون الثوب مهيئاً لديه حاضراً.
وثالثاً: وأما معقولهم القائل مال مقدور التسليم ولا ضرر في بيعه لثبوت خيار الرؤية للمشتري.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فيقال لهم أثبتوا أولاً وقبل كل شيء أن خيار الرؤية على النحو الذي ذهبتم إليه مشروع ثم انفوا بعد ذلك حصول شيء من الضرر معه، فإنكم لن تجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وها أنتم قد رأيتم مبلغ الأدلة التي سقتموها لتدعيم هذا الرأى.
ونوقشت أدلة المالكية:
أولاً: من حيث استدلالهم لصحة بيع الغائب المجهول على خيار الرؤية بانتفاء الغرر.
بأن عليهم قبل كل شيء أن يأتونا ببيع يصح شرعاً ثم ليشترطوا بعد ذلك من الشروط ما لا يورث غرراً في البيع، وأما أن يأتونا ببيع لا يصح لولا الشرط فهذا قلب للموضوع.
لأن الشروط في الأصل منهي عنها في البيع لكونها تورث غرراً فيه، لأنها قد لا تتحقق أو تورث ضرراً بأحد العاقدين.
بدليل أنه نهى عن بيع وشرطين وبيع وسلف، وإنما جوزت للحاجة.
فهي منظور فيها أنها متممة لمقصود البيع منفصلة عنه لا أنها داخلة في صحة ومتوقف عليها.
وثانياً: من حيث قياسهم بيع الغائب الموصوف على السلم، بأنه قياس مع الفارق لأن الذمة ضامنهَ المسلم فيه والغائب المذكور غير مضمون فيها لكونه معيناً.
نعم بإثبات الخيار للمشتري قياساً على خيار العيب يتم هذا القياس، لكون الغرر الذي جاء من عدم ضمان الذمة له مدفوعاً بإثبات الخيار للمشتري.
ونوقش: دليل الظاهرية على بطلان بيع الغائب الموصوف إذا ظهر تلف الوصف لكونه غير المبيع.
بأن البيع كان يبطل حقاً لو كانت الأوصاف مقصودة أصالة في البيع مع أنها لم تقصد إلا تبعاً لقصد العين فأمرها بالنسبة للعين ثانوي في الغالب، فإبطال البيع بتخلفها قد يكون فيه إضرار بالمشتري نفسه الذي أبطلتم العقد من أجله.
فالنظر يقضي في مثل هذه الحالة أن يترك الأمر للمشتري يقدره بمقاييس المنفعة العائدة عليه من البيع.
وليس هذا نظراً فحسب بل مقاييس الشريعة دالة عليه.
أليس لو اشترى مصراة وهو يظنها حلوباً فتخلف ظنه فالبيع صحيح مع تخلف وصف الحلابة الذي ظنه؟ فما الفرق بين هذا وبين تخلف الوصف الذي شرطه؟ هذا مع بأن البائع في التصرية هو الذي حمله على الظن الذي ظنه ببب تصرية كما أنه في شرط الوصف حمله على ظن صدقه وأن الأمر كما وصف.
ونوقشت: أدلة الشافعية من السنة:
أولاً: بأن حديث: "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" مراد منه ما ليس ملكك بدليل قصته وهي ما: "روي أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، إن الرجل يطلب منى سلعة ليست عندي، فأبيعها منه ثم أدخل السوق فأستجيدها فأشريها فأسلمها إليه، فقال عليه السلام: "لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" لا سيما وهذا اللفظ قد ورد في سؤال السائل نفسه مراداً منه ما ليس ملكه، والأصل مطابقة الجواب السؤال.
على أن الشافعية أنفسهم يقولون لو رأى العين الغائبة قبل البيع بمدة لا تتغير فيها عادة، فالبيع صحيح مع أنها ليست عنده بالمعنى الذي ذكروا.
وثانياً: بأن حديث النهي عن بيع الغرر لا يشمل الغائب الموصوف؛ لأن بالوصف ترتفع الجهالة وبإثبات الخيار للمشتري إذا تخلف الوصف يزول الضرر الذي يلحق المشتري نعم العلم بالوصف أدنى مرتبة من العلم بالرؤية، ولكن المقصود من المبيع يعرف بالوصف؛ لأنه إنما يذكر الأوصاف التي يراها كافية في تحقيق طلبته، وهذه المعرفة لا تفترق كثيراً عن المعرفة بالرؤية، ونوقشت أدلتهم من المعقول بأن القياس على حبل الحبلة لو صح فإنما يجري في بيع الغائب المجهول، أما =
الجزء: 4 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الموصوف فلا يجري فيه هذا القياس فهو دليل فقط على جزء الدعوى.
والذي نختاره: من هذه المذاهب، ونراه أقوى من حيث الحاضر المستور فالمراد بالحاضر المستور ما يصح بيعه لولا الستر، والمراد بالستر ما ليس بخلقي كعدل فيه ثياب، وإناء فيه زيت أو صبرة من القمح مثلاً حيث باطنها مستور بظاهرها.
فلا يدخل في بيع حبل الحبلة، أو الدهن في السمسم أو الجوز في قشره مثلاً.
والحاضر المستور إما مستور كله وإما مستور بعضه.
فإن كان مستوراً كله كثياب في عدل مقفل عليها فحكمه حكم بيع الغائب في الفصل المتقدم لأنه في معناه.
وإن كان مستوراً بعضه دون بعض فلا يخلو، الأمر من أن يكون المكشوف دالاً على المستور أو غير دال عليه.
فإن كان الأول وذلك في المثلى كصبرة من الأرز يعاين ظاهرها فهذا قد اتفق الفقهاء والشافعية منهم على صحة بيعه، فإن خرج الباطن أقل جودة من الظاهر فللمشتري الخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.
وإنما اتفقوا على الصحة في هذه الصورة لأنه كالمرئي جميعه كما أن الظاهر دليل على الباطن.
وإن كان الثاني وهذا في المتقوم فهو كالمستور كله؛ لأن الظاهر لا يغني عن الباطن شيئاً، ولا يقوم مقامه.
وعمى المشتري ينزل منزلة غياب المبيع بالنسبة له لو كان مبصراً لأن المبيع بالنسبة في الحالين غير مرئي.
وعدم الرؤية هو مناط اختلاف المذاهب في حكم بيع الغالب.
ولا فرق بين أن يكون عدم الرؤية راجعاً لوصف في المبيع كغيبته وستره أو لوصف في العاقد كعماه.
ولذا فالمذاهب في صحة بيع الأعمى وشرائه هي المذاهب في صحة بيع الغائب وعدم صحته.
إلا أنا مع ذلك سنبين ذلك بعض بيان.
فنقول: مذهب الحنفية هو صحة بيعه وشرائه، وله الخيار إذا اشترى لأنه يصدق عليه أنه اشترى ما لم يره فيكون داخلاً في عموم الحديث.
وسواء عندهم كان المقصود من المبيع مما يدرك بحاسة البصر، أو مما يدرك بغيرها من الحواس الشم أو الذوق.
فما يدرك بحاسة البصر يكون له الخيار فيه إذا وصف له وما يدرك بحاسة الشم يكون له الخيار فيه إذا شمه كالمسك.
وهكذا سائر الحواس.
وإنما كان الأمر كذلك لأن المراد بالرؤية العلم بالمقصود من المبيع.
فتكون من باب عموم المجاز.
إذ هناك مبيعات لا يكتفي فيها بمجرد الرؤية كما لو اشترى طيباً مثلاً لا بد من شم رائحته حتى يثبت له خيار الررية اتفاقاً.
وظاهر أن الخيار إنما يثبت للأعمى بما ذكر إذا لم يوصف له قبل البيع أو لم يشمه.
أو يذقه، وهكذا؛ لأن هذا منه منزل منزلة الرؤية.
ومذهب المالكية والحنابلة أن المبيع إن كان مما يدرك المقصود منه بغير الرؤية كالروائح والمذوقات صح بيعه وشراؤه منه إن شمه أو ذاقه ولا خيار له لأنه كالبصير في ذلك وإن كان مما يدرك المقصود منه بالرؤية فلا يصح بيعه ولا شراؤه حتى يوصف له ويكون له الخيار إذا اشترى وتخلف الوصف كالبصير في المبيع الغائب الموصوف وأما الشافعية فلم يصححوا له بيعاً ولا شراء مطلقاً كمذهبهم في بيع الغائب بل عليه أن يوكل.
نعم إذا رأى المبيع فعمي فعقد عليه في ظرف مدة لا يتغير فيها غالباً فعقده هذا صحيح كما لو رأى البصير المبيع ثم غاب عليه فعقد عليه في ظرف هذه المدة.
وعرف الناس في معاملاتهم يشهد برجحان مذهب المالكية والحنابلة.
رؤية قبل البيع أما الغائب الذي سبقت رؤيته فإن كانت المدة الفاصلة بين العقد والرؤية طويلة من شأن المبيع أن يتغير فيها غالباً فحكم البيع هنا هو حكم في الغائب الذي لم ير قبل البيع، لأن هذه الرؤية تعتبر كلا رؤية لعدم الوثوق ببقاء المبيع بحاله.
وإن كانت المدة الفاصلة مدة قصيرة لا يتغير فيها المبيع =
الجزء: 4 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .284285286287288289290291 = غالباً فالمذاهب هنا مجمعة على صحة البيع؛ لأن الأصل هو بقاء المبيع على حاله التي كان عليها حين الرؤية.
ومع هذا فإن وجد المشتري المبيع على صفته التي رآه عليها قبل العقد فالبيع لازم له فلا يجوز له رد المبيع وهذا محل وفاق حتى عند الحنفية أيضاً، وليس كالغائب لأنه يصدق عليه أنه اشترى ما رأى فليس من مشمولات الحديث وإن وجده قد تغير فهو بالخيار.
وهذا طبعاً عند غير الظاهرية، وأما هم فيكون البيع باطلاً عندهم كمذهبهم في تخلف الوصف.
وهل هذا الخيار خيار رؤية أم خيار خلف الوصف؟ عند الحنفية من القبيل الأول.
لأنه بالتغير ثبت أن تلك الرؤية السابقة لم تقع معلمة بأوصافه عند البيع فكان وجود الرؤية وعدمها سيان فكأن العقد وقع على مغيب لم تسبق رؤيته فكان الخيار خيار رؤية.
وعند الأئمة الثلاثة من القبيل الثاني؛ لأنه ما أقدم على شرائه إلا وهو يعلم أنه على الوصف الذي رآه عليه من قبل فلما ظهر تخلفه كان له الخيار لهذا.
وفي الحق لو ذهب غير الحنفية مذهبهم في إثبات خيار الرؤية لاتفقت وجهة نظرهم مع الحنفية.
فكل بني على مذهبه في خيار الرؤية.
قد ظهر من هذا:
الجزء: 4 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عند المالكية أعني ليخف غرره باشتراط الخيار له فيما يجهله بخلاف البائع فالمفروض فيه دائماً هو علمه بما يبيع فليست هناك حاجة ملحة لشرطه له.
وعند الحنابلة الوصف مقصود منه مصلحة المشتري فكان له الخيار وحده إذا تخلف لوقوع الضرر عليه نعم يتجه أن يقال إذا ظهر المبيع موصوفاً بصفات أعلى مما وصف بها يكون للبائع الخيار كذلك قياساً على المشتري في الأولى.
ولكنهم لم يعطوه هذا الحق قياساً على ما لو باع سليماً يظنه معيباً حيث لا يكون له الخيار إذا ما تبين جلية الأمر.
ثم إن قصة عثمان وطلحة -سواء أكانا قد تواصفا المبيع أو لم يتواصفاه- دالة على أن الخيار للمشتري وحده لقول الراوي لما تحاكما إلى جبير: "فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مغيباً".
نعم قال الحنابلة لو قلنا بصحة بيع الغائب غير الموصوف فباع ما لم يره كان له الخيار كالمشتري قائسين له على خيار الشرط، وخيار العيب ثبت كل منهما للمشتري والبائع فكذلك هذا الخيار.
ولا وجه لهذا القياس، لأن المعنى الذي لأجله كان الخيار للمشتري في خياري العيب والشرط موجود لدى البائع.
ولا كذلك هنا.
فضلاً عن أن البائع لو فسخ فلاحتمال الزيادة وهي غير موجبة للفتح في جانبه كما لو باع سليماً على ظن أنه معيب.
"خيار الرؤية يجعل البيع قبل الرؤية غير لازم" وذلك لعدم تمام الرضا بالبيع من المشتري وهو يلزم عدم لزوم البيع كخيار الشرط.
ويكون غير لازم من جهة المشتري وفي قول عند المالكية من جهتهما معاً.
ولكنه ضعيف.
فللمشتري أن يفسخ البيع إن أراد بمقتضى عدم اللزوم لا بمقتضى خيار الرؤية فإنه معلق بالرؤية ولم توجد بعد.
ويستمر له هذا الحق ما دامت لم توجد الرؤية حتى ولو أجاز البيع؛ لأن هذه الأجازة غير معتبرة شرعاً لأن الرضى لا يتحقق قبل الرؤية.
وقد أورد الكمال في فتح القدير إشكالاً على ثبوت حق الفسخ للمشتري قبل الرؤية حاصلة.
أن إثبات قدرة الفسخ والإجازة -التي هي عبارة عن الخيار- معلق بالرؤية ولما كان البيع في الأصل يقتضي اللزوم فقبل الرؤية يلزم مقتضاه، وهو اللزوم حتى توجد الرؤية وعندها تثبت قدرة الفسخ والإجازة معاً.
وهذا كلام مقبول لدى العقل وبالنسبة لقواعد المذهب غير مقبول.
لأن هذا الخيار يمنع تمام الحكم عند الحنفية فلو لزم البيع قبل الرؤية لاستلزم تمام الحكم لأنه لا معنى للزوم شيء لم يتم حكمه بعد.
هذا وأما حكم البيع قبل الرؤيةَ عند الحنابلة.
في الغائب الموصوف فهو اللزوم، فليس للمشتري أن يفسخ قبل الرؤية بل ولا بعدها ما دام المبيع قد جاء على الوصف لتمام البيع قبل الرؤية وبعدها بالرضا الناشئ عن العلم بالبيع بواسطة وصفه.
وإنما ثبت له الخيار إذا رآه متخلفاً وصفه بالقياس على ما لو ظهر المبيع معيباً بعيب عند البائع.
"متى ينتهي خيار الرؤية؟ " إن للمشتري حقّ فسخ البيع قبل الرؤية بموجب عدم لزومه وهذا الحق يستمر إلى حين رؤية المبيع.
ثم لو رآه فرضي به فور الرؤية أو تصرف فيه تصرفاً دالاً على الرضا به فقد لزمه المبيع وانقطع الخيار الذي ثبت له بموجب الرؤية.
وهذا لا خلاف فيه.
ولكنه إن رأى المبيع فسكت ولم يتصرف فيه فما حكم خيار الرؤية؟ أينقطع الخيار ويلزمه المبيع؟ أم لا ينقطع ولا يلزمه المبيع حتى يرض به صراحة بالقول أو دلالة بالفعل؟ هنا تختلف المذاهب.
فالشافعية بناء على المذهب القديم القائل بصحة بيع الغائب مع ثبوت خيار الرؤية.
والحنابلة بناء على رواية عندهم بهذا المعنى أيضاً.
عند كل منهما قولان: =
الجزء: 4 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = القول الأول: أن خيار الرؤية ينقطع فور رؤية المشتري المبيع إذا لم يفسخ البيع.
والقول الثاني: أنه لا ينقطع حتى ينفض مجلس الرؤية.
وعلى كل من القولين فخيار الرؤية في المذهبين مؤقت بالرؤية أو بمجلسها.
ومذهب الحنفية مقابل لهذا المذهب.
فخيار الرؤية عندهم غير مؤقت بل يثبت بالرؤية ويمتد إلى أن يرضى المشتري بالمبيع صراحة أو دلالة.
وهناك قول لبعض مشايخ المذهب أن خيار الرؤية مؤقت بعد الرؤية بزمن يتمكن فيه من الفسخ.
فإذا لم يفسخ لزمه البيع وانقطع الخيار، وهذا الرأي موافق للقول الأول من المذهب الأول.
أما المذهب الأول: فقد علل القول الأول منه بأن هذا الخيار يسمى خيار رؤية فوجب أن يكون عندها هكذا علله بعضهم وهو لعمري يصلح دليلاً على أن خيار الرؤية لا يكون قبل الرؤية، وإنما يكون بعدها وهذا كاف في التسمية.
وعلله آخرون -بأن سبب ثبوت هذا الخيار هو جهالة أوصاف المبيع بدليل أنه لو رآه قبل البيع لم يثبت.
والجهالة تزول بالرؤية فيسقط الخيار لزوال سببه كخيار العيب يسقط بزوال العيب.
وكان ينبغي -بناء على هذا- ألا يملك الفسخ بعد الرؤية متصلاً بها لزوال سببه، إلا أنه ملكه لدفع الضرر عن نفسه ضرورة.
وهذه الضرورة تزول بمضي وقت يتمكن فيه من الفسخ ولم يفسخ ويكفي في نقص هذا التعليل.
أن سبب ثبوت هذا الخيار ليس هو الجهالة من حيث هي، بل من حيث هي منبئة عن عدم الرضا.
وبالاطلاع على المبيع، وإن علمت أوصافه فلم يوجد الرضا بعد.
لأنه في الغالب يحتاج إلى روية وإمعان ومراجعة.
وأما محاولة دفعه كما فعل الزيلعي بأن جهالة الوصف ليست علة لثبوت هذا الخيار بدليل أنه لم يثبت قبل الرؤية لتعلقه بالرؤية فهي محاولة غير مجدية.
لأنها -
أولاً: على خلاف رأي المشايخ في المذهب في أن سبب خيار الرؤية هو جهالة الوصف وقد يعبرون عن ذلك في بعض الأحيان بعدم الرؤية والمؤدي واحد؛ لأن المراد جهالة الوصف بسبب عدم الرؤية.
وثانياً: من حيث عدم ثبوت الخيار قبل الرؤية لأن الرؤية شرط في ثبوته لا سبب والشيء كما لا يتقدم على سببه لا يتقدم على شرطه.
وعلله قوم آخرون بأنه خيار تعلق بالرؤية فكان على الفور كخيار الرد بالعيب.
وهذا في نظرنا أحسن تعليل وأوجه دليل.
إذ كل من خياري العيب والرؤية سببه موجود حين البيع وهو في الأول العيب، وفي الثاني الجهالة وكل منهما شرطه الرؤية والاطلاع، وخيار العيب يسقط فور الاطلاع على العيب فكذا ينبغي أن يسقط خيار الرؤية فور الاطلاع على المبيع.
يؤيد هذا أن خيار العيب هو من جهة أخرى يثبت لجهالة المبيع عند العقد عليه كذلك.
إذ بظهور العيب يتبين أن تلك الرؤية الحاصلة عند العقد لم تكن رؤية كاملة.
فهما أيضاً من جهة السبب في حقيقة الأمر سيان.
وإن اختلفت العبارة.
وكل ما يرد على هذا الدليل هو أنه دليل مذهبي لأن خيار العيب عند الشافعية -أصحاب هذا الدليل- فوري.
بينما هو عند الحنفية كخيار الرؤية.
فكل منهما في الواقع قد بني على مذهبه في خيار العيب.
هذا هو دليل القول الأول من مذهبي الشافعية والحنابلة، وأما دليل القول الثاني منهما، وهو أن الخيار يتقدر بمجلس الرؤية فلو قام عنه قبل أن يفسخ فقد لزمه البيع.
فهو أن العقد على الغائب إنما يتم بالرؤية فيصير كأنه عقد عندها فيثبت خيار كخيار المجلس.
هذا ولبعض الشافعية ههنا كلام في تبيان منشأ القولين في المذهب -المذهب القديم- نحكيه لطرافته قال ما =
الجزء: 4 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حاصله إذا قلنا بصحة بيع الغائب فبيع بشرطه فهل العقد قبل الرؤية تام أو غير تام؟ قال بعضهم ليس بتام لأن تمامه بالرضا، وهو معدوم قبل الرؤية وعلى هذا يثبت لكل منهما حق فسخ البيع، وقال بعضهم هو تام فليس لواحد منهما حق فسخه، ولكن يثبت لهما خيار المجلس ما داما مجتمعين ثم قال فالخلاف في خيار الرؤية مبني على هذا فمن ذهب إلى أنه ليس بتام أثبت للمشتري خياراً كخيار المجلس عند الرؤية ومن قال هو تام جعل الخيار فور الرؤية؛ لأن خيار المجلس ثبت لهما قبل الرؤية.
أما المذهب الثاني: وهو عدم توقيت خيار الرؤية وهو مذهب الحنفية فقد استدلوا له بالحديث والمعقول.
أما الحديث فحديث خيار الرؤية نفسه -من اشترى شيئاً لم يكره فهو بالخيار إذا رآه، لأنه قد جعل المشتري بالخيار بعد مطلق الرؤية لم يقيدها بفورية أو غيرها فلا جرم قلنا بثبوت هذا الخيار له بعد الرؤية ودوامه إلى أن يرضى بالبيع فينقطع.
فدعوى الفورية أو غيرها زيادة على النص.
وأما المعقول -فهو أن خيار الرؤية ثبت حكماً لانعدام الرضا فيبقى إلى أن يوجد ما يبطل عدم الرضا، وليست الرؤية وحدها بكافية في إبطاله، إنما يكون ذلك بصريح الرضا أو دلالته.
ويرد على قولهم إن الحديث مطلق فتقييده بفورية أو غيرها زيادة على النص.
إنهم أول من ناقض نفسه في هذا حيث أسقطوا خيار المشتري إذا تصرف قبل الرؤية في المبيع تصرفاً لا يمكن رفعه أو يوجب حقاً للغير مع أن الحديث عام في ثبوت الخيار بعد الرؤية للمشتري سواء وجد منه مثل هذا التصرف أم لم يوجد.
ولكنهم قالوا نخصه بما إذا لم يوجب موجب شرعي سقوط الخيار كالتصرف المذكور.
وحاصله تقدير مخصص بالعقل.
فنقول ونحن كذلك نقيد إطلاق الحديث بالعقل من وجهين:
الوجه الأول: أن الخيارات شرعت رخصة على خلاف القياس بدائع الحاجة.
وما كان كذلك يتقدر بمقدار ما يدفع تلك الحاجة ورؤية المقصود من المبيع كافية في دفع تلك الحاجة، فالزيادة عليها زيادة من غير موجب.
الوجه الثاني: الأصل في عقد البيع هو اللزوم ووقت الخيار مستثنى من أوقات لزومه، والأصل عدم التوسع في الاستثناء من غير مقتض يقتضيه.
والقول بثبوت الخيار للمشتري إلى ما شاء الله حتى يحصل منه الرضا بالبيع هو في حقيقة الأمر هدم لهذا الأصل فضلاً عن كونه يضر بالبائع ضرراً بليغاً والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ".
ويرد على معقولهم بأن خيار الرؤية -وإن ثبت حكماً لانعدام الرضا كما يقولون- فالمقصود منه دفع مضرة المشتري، وثبوت الخيار له إلى أن يرضى فيه مضرة بالبائع كذلك، والضرر لا يزال بالضرر.
والواقع أن القول بانقطاع الخيار فور الرؤية فيه إجحاف كبير بالمشتري وبامتداده إلى أن يرضى بالبيع فيه ضرر بالغ بالبائع.
ونرى أن تقديره بمجلس الرؤية ميزان عادل.
أما وقد ثبث: أن خيار الرؤية غير مؤقت عند الحنفية وأنه يمتد من الرؤية إلى أن يوجد ما يبطله من المشتري فيتم البيع في حقه، فما هو هذا الذي يبطل الخيار؟ يبطله:
أولاً: الرضا الصريح، وذلك بالقول كرضيت البيع، وأجزته وأسقطت حقي من الخيار.
وهكذا.
وثانياً: الرضا دلالة -كالتصرف فيه بتصرف دال على الرضا بالبيع وإمضائه في العرف والعادة.
ثم هذا التصرف إن كان لا يمكن رفعه كالأعتاق والتدبير، أو كان يمكن رفعه ولكن يوجب حقاً للغير كالبيع المطلق أو بشرط الخيار للمشتري وحده، لأن عقدة البيع أصبحت بيده وحده =
الجزء: 4 - الصفحة: 270
جميع الثوب من جانبيه وهذا أحسن، لكن المَطْوي على طاقين لا يرى من جانبيه، إلاَّ أحد وجهي الثوب، وفي الاكْتِفَاء به تفصيل وخلاف قد سبق، ووراء ما ذكروه تنزيلان:
أحدهما: أن يفرض رؤية الثوب قبل الطَّي، والطي قبل البيع، ويستمر الفَرْع.
والثَّاني: أن ما ينتقص بالنَّشْر مرة ينتقص بالنَّشْر مرتين فوق ما ينتقص به مرة واحدة، فلو نشر مرة وبيع وأعيد طَيّه ثم نَشَرَهُ المشتري، وزاد النقصان بذلك انتظم الفرع، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُفْرِدَ (ح) أحَدُهُمَا بِرَدِّ نَصِيبِهِ، = بعد أن خرج المبيع عن ملك البائع وكالرهن والإجارة فمثل هذا التصرف، وإن أبطل خيار الرؤية فهو كذلك يبطل حق الفسخ الثابت للمشتري قبل الرؤية إن صدر منه قبلها وبمقتضى هذا يلزم العقد في حقه ولا يكون له خيار الرؤية فيما بعد.
وقد يبدو هذا عجيبًا لأول وهلة.
وذلك لأن الحنفية يقررون كما سبقت الإشارة إليه أنه لو رضي بالبيع صراحة قبل الرؤية فحقه من الفسخ لا ينقطع فإذا كان هذا حال الرضا الصريح، فما بالهم أبطلوه بالرضا دلالة وهو دون الصريح؟.
ولكن سرعان ما يزول هذا العجب إذا علمنا أن الحنفية يسقطون حق المشتري في الفسخ في هذه الحالة لا من حيث دلالة فعله على الرضا بدليل أنه لو تصرف تصرفاً يمكن رفعه ولا يوجب للغير حقاً وهو مع ذلك دال على الرضا بالبيع عادة كركوبه الدابة المشتراة قبل أن توصف له إذا كان أعمى، فإن حقه من الفسخ لا يسقط.
وإنما يسقطونه من حيث زوال سلطنته على المبيع على وجه لا يمكن تداركه شرعاً.
بيان ذلك.
أن التصرف المذكور تصرف صدر عن أهله في محله لملكه للمبيع في الجملة فينفذ وبعد نفوذه يتعذر فسخه لأن الفرض أنه لا يمكن رفعه أو يوجب للغير حقاً فكان من ضرورة صحة التصرف المذكور قبل الرؤية سقوط حق المشتري في الفسخ ولزوم البيع في حقه على الدوام.
أما إذا كان هذا التصرف يمكن رفعه، ولا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار له وكالمساومة والهبة من غير إقباض فإنه إن صدر قبل الرؤية فلا يبطل حقه في الفسخ لأنه دون الرضا الصريح والفسخ غير متعذر.
وإن صدر بعد الرؤية أبطل خيار الرؤية لدلالته على الرضا بالبيع.
ثالثاً: تعيب المبيع أو هلاكه لكونه لا يعرى عن مقدمة عيب إذا ما أصابه شيء من ذلك، وهو عنده لامتناع الرد بسبب العيب وقد سبق توجيه هذا في خيار الشرط.
رابعاً: مما يبطل خيار الرؤية أيضاً عند الحنفية موت المشتري صاحب الخيار بناء على أصلهم من عدم توريث خيار الرؤية.
وقصارى القول فكل ما يبطل خيار الشرط عندهم يبطل خيار الرؤية.
وقد ذكروا ضابط ما يبطل خيار الشرط فقالوا -هو أن يفعل في المبيع ما لا يمحتن به أو يمتحن به ولكن لا يحل في غير ملك أو يحل ولكن فعله مرة ثانية- وليس كل ما يبطل خيار الرؤية يبطل خيار الشرط.
فإنه لو قبض المبيع، وهو يراه بطل خيار الرؤية لدلالت هذا القبض عادة على الرضا، ولكنه لا يبطل خيار الشرط لأن الاختبار الذي هو مقصود من شرط الخيار لا يمكن عادة إلا مع القبض.
ومن هذا يظهر أن الحنفية توسعوا فيما يبطل خيار الرؤية فراراً من تضرر البائع بثبوته للمشتري حتى يحصل منه ما يدل على الرضا بتوسعهم هنا فيما يدل عليه ينظر بقية كلام شيخنا في الخيار من الفقه الإسلامي.
الجزء: 4 - الصفحة: 271
وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلاَنِ عَبْداً مِنْ وَاحِدٍ فَلأَحَدِهِمَا أَنْ يُفْرِدَ نَصِيبَ نَفْسِهِ بالرَّدِّ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْن.
قال الرافعي: المبيع في الصّفْقة الواحدة إمَّا شيء واحد أو شيئان، فإن كان الثَّاني كما لو اشترى عبدين فخرجا مَعِيبَيْن فله ردهما، وكذا لَوْ خرج أحدهما معيباً، وأما إفراد المعيب بالرد فقد ذكرناه في "تفريق الصّفقة".
وإن كان الأول كما لو اشترى داراً أو عبداً فخرج معيباً فليس له رد بعضه، إن كان الباقي قائماً في ملكه لما فيه من تَشْقِيص ملك البائع عليه، فإن رَضِيَ البائع جاز في أصح الوجهين، وإن كان الباقي زائلاً كما إذا عرف العيب بعد بيع بعض المبيع، فقد حكى الشيخ أبو علي في رَدِّ البَاقي طريقين:
أحدهما: أنه على قولين بناء على تفريق الصَّفْقة.
وأصحهما: القطع بالمنع 292، كما لو كان الباقي قائماً في مِلْكه، وعلى هذا فهل يرجع بالأَرْش؟
إما للقدر المبيع فكما ذكرنا فيما إذا باع الكل، وإما للقدر الباقي فوجهان:
قال في "التهذيب":
أصحهما: أنه يرجع لتعذُّر الرد، ولا ينتظر عود الزَّائل ليرد الكل، كما لا ينتظر زوال العيب الحادث، والوجهان جاريان فيما إذا اشترى عَبْدَين، وباع أحدهما ثم عرف العيب ولم نجوِّز رد الباقي، هل يرجع بالأرش؟
ولو اشترى عبدًا ومات وخلف ابنين فوجد بهما عيباً، فالأصح وهو قول ابن الحَدَّاد: أنه لا ينفرد أحدهما بالرَّد؛ لأن الصَّفقة وقعت مُتّحدة، ولهذا لو سلم أحد الابنين ونصف الثمن لم يلزم البائع تسليم النِّصف إليه.
وفيه وجه: أنه ينفرد؛ لأنه رد جميع ما ملك.
هذا كله فيما إذا اتَّحَد المُتَعَاقدان.
أما إذا اشترى رجل عبداَ من رجلين وخرج معيباً فله أن يفرد نصيب أحدهما بالرد؛ لأن تعدد البائع يوجب تعدُّد العقد، وأيضاً فلا يَتَشَقَّص على المردود عليه ما خرج عن ملكه.
ولو اشترى رجلان عبدًا من واحد فقولان:
أصحهما: أنَّ لأحدهما أَنْ ينفرد بالرد: لأنه رد جميع ما ملك كما ملك، وبهذا قال أحمد، وكذا مالك في رواية 293.
الجزء: 4 - الصفحة: 272
والثَّاني: يحكى عن رواية أبي ثور وبه قال أبو حنيفة: أنه ليس له الانفراد؛ لأن العبد خرج عن ملك البائع كاملاً، والآن يعود إليه بعضه، وبعض الشيء لا يشتري بما يخصه من الثَّمن لو بيع كله.
التفريع: إن جوزنا الانفراد فانفرد أحدهما فتبطل الشّركة بينهما، ويخلص للمُمْسك ما أمسك وللراد ما استرد، أو تبقى الشَّركة بينهما فيما أمسكه الممسك واسترده الرَّاد.
حكى القاضي الماوردي فيه وجهين:
أصحهما: أولهما.
وإن منعنا الانفراد فذاك، فيما ينتقص بالتبعيض؟
أما ما لا يَنْتَقص كالحبوب، ففيه وجهان مبنيان على أنَّ المانع ضَرَر التَّبعيض أو اتِّحاد الصَّفقة 294.
ولو أراد المَمْنوعُ من الرَّد الأَرْش.
قال الإمام: إنْ حصل اليأس مِنْ إمكان رد نصيب الآخر بأنْ أعتقه وهو معسر فله أخذ الأَرْش، وإن لم يحصل نظر إن رَضِيَ صاحبه بالعيب فيبنى على أنه لو اشترى نصيب صاحبه وَضَمَّه إلى نصيبه وأراد أن يرد الكل ويرجع بنصف الثمن، هل يجبر على قبوله كما في مسألة النعل؟ وفيه وجهان:
إن قلنا: لا، أخذ الأرش.
وإن قلنا: نعم، فكذلك في أصح الوجهين، لأنه توقع بعيد، وإن كان صاحبه غائباً لا يعرف الحال، ففي الأرش وجهان من جهة الحَيْلُولة النَّاجِزَة.
ولو اشترى رجلان عبداً من رجلين، كان كل واحد منهما مشترياً ربع العبد من كل واحد من البائعين، فلكل واحد ردّ الربع إلى أحدهما.
ولو اشترى ثلاثة من ثلاثة كان كل واحد منهم مشترياً تُسع العبد من كل واحد من البائعين.
ولو اشترى رجلان عبدين من رجلين، فقد اشترى كل واحد من كل واحد ربع كل واحد فلكل واحد رَدّ جميع ما اشْتَرى من كل واحد عليه.
ولو رَدّ ربع أحد العبدين وحده ففيه قولا التَّفْرِيق.
ولو اشترى بعض عبد في صفقة وباقيه في صفقة، إمَّا من البائع الأول أو غيره فله
الجزء: 4 - الصفحة: 273
رد أحد البَعْضَيْن خاصّة لتعدّد الصّفقة، ولو علم بالعيب بعد العقد الأول، ولم يمكنه الرد فاشترى الباقي، فليس له رد الباقي وله رد الأول عند الإمكان، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا تَنَازَعَا فِي قدَمِ العَيْبِ وَحُدُوثِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائعِ إِذَ الأَصْلُ لُزُومُ العَقْدِ فَيَحْلِفُ أَنِّي بِعْتُهُ وَأَقْبَضْتُهُ وَمَا بِهِ عَيْبٌ.
قال الرافعي: إذا وجد بالمَبِيع عيباً، فقال البائع: إنه حدث عند المشتري، وقال المشتري: بل كان عندك، نظر إنْ كان العيب ممَّا لا يحتمل حدوثه بَعْدَ البَيْع كالإِصْبُع الزائدة، وشَين الشَّجَّة المُتَدمِّلة، والبيع جرى أمس، فالقول قول المُشْتَرِي من غير يمين، وإن لم يحتمل تقدُّمه كالجِرَاحة الطَّريّة، وقد جرى البيع والقبض منذ سنة، فالقول قول البائع من غير يمين، وإنْ كان مِمَّا يحتمل حدوثه، قدمه كالبَرَص وهو المراد من مسألة الكتاب، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأصل لزوم العَقْد واستمراره 295، وكيف يحلف؟ ينظر في جوابه لدعوى المشتري، فإذا ادَّعى المُشْتري بأن بالمبيع عيباً كان قبل البيع أو قبل القبض، وأراد الرَّدّ فقال في الجواب: ليس له الرد علي بالعيب الذي يذكره، أَوْ لا يلزمني قبوله حلف على ذلك، ولا يكلف التَّعَرض لعدم العيب يوم البيع ولا يوم القبض لجواز أنه أقبضه معيباً وهو عالم به، أو أنه رضي به بعد البيع، لأنه لو نطق به لصار مدعياً مطالباً بالبينة، ولو قال في الجواب: ما بعته إلاَّ سليماً أو مَّا أقبضته إلاَّ سليماً، فهل يلزمه أن يحلف كذلك، أو يكفيه الاقْتِصَار على أنه لا يستحق الرَّد، أو لا يلزمني قبوله؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يكفيه الجواب المُطْلق كما لو اقتصر عليه في الجواب.
وأظهرهما: أنه يلزمه التَّعرض لما تعرض له في الجواب لتكون اليمين مطابقة للجواب، ولو كان له غرض في الاقْتِصَار على الجواب المطلق، لوجب الاقتصار عليه في الجواب، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وهذا التفصيل والخلاف جاريان في جميع الدَّعَاوَى والأجوبة.
الجزء: 4 - الصفحة: 274
إذا تقرَّر ذلك فاعلم: أنَّ لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- في المسألة: أن القول قول البائع مع يمينه على البَتّ لقد باعه بريئاً من هذه العيوب.
واعترض المُزَنِيّ فقال: ينبغي أنْ يحلف لقد أقبضته بريئاً من العيب؛ لأن ما يحدث قبل القبض يثبت الرد كالسابق على البَيْع.
وتكلَّم الأَصْحاب على اعتراضه بحسب الخِلاَف المذكور، فمن اعتبر كون اليمين على وفق الجواب قال: أراد الشافعي -رضي الله عنه- ما إذا ادعى المشتري عيباً سابقاً على الرد وأراد الرد به، وقال البائع في الجواب: بعته وما به هذا العَيْب فيحلف كذلك.
ولو قال المُشْتَري: قبضته معيباً، ونفاه البائع في الجواب حلف كما ذكره المُزَنِيُّ، وإذا اقتصر في الجواب على أنه لا يستحقّ الرد لم يلزمه ذكر هذا ولا ذاك.
ومن قال: تكفي اليَمين على نفي الاسْتِحْقاق بكل حال، قال: لم يقصد الشَّافعي -رضي الله عنه- أن الآن على ماذا يحلف ولأي وقت يتعرض، ولكن أراد أن يبين أنه يحلف على البَتِّ، فلا يقول مثلاً: بِعْتُه وما أعلم به عيباً، ولكن يقول: بعته وما به عيب، ويجوز اليمين على البَتِّ إذا اختبر حال العبد، واطَّلع على خفايا أمره، كما يجوز بمثله الشَّهَادة على الإعسار وعدالة الشهود وغيرهما.
وعند عدم الاخْتِبار يجوز الاعتماد على ظاهر السَّلاَمة إذا لم يعرف ولا ظَنّ خلافه.
وقوله في الكتاب: "بعْتُه وأقبضته، وما به عيب" محمول على ما إذا نفى في جواب المشتري العيب في الحالتين، واعتبرنا موافقة اليَمِين للجواب لفظاَ ومعنى، وَإِلاَّ فَمَدَار الرد التعيُّب عند القبض، حتى لو كان معيباً عند البيع وقد زال العيب، فلا رد له بما كان، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده وقبل الرد سقط حقّ الرّد.
ولو زعم المشتري أن بالمبيع عيباً وأنكره البائع فالقول قوله 296؛ لأن الأصل السلامة ودوام العقد، ولو اختلفا في بعض الصِّفَات أنه هل هو عيب؟ فالقول قول البائع أيضاً مع يمينه، وهذا إذا لم يعرف الحال من غيرهما.
وقال في "التهذيب": فإن قال واحد من أهل العلم به: إنه عيب ثبت الرد به.
واعتبر صاحب "التتمة" شهادة اثنين، ولو ادعى البائع علم المشتري بالعيب أو تقصيره في الرد، فالقول قول المشتري، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ يَمْتنعُ الرَّدّ بِوَطْءِ الثَّيِّبِ (ح)، وَالاسْتِخْدَامِ، وَلاَ بِالزَّوَائِدِ (ح)
الجزء: 4 - الصفحة: 275
المُنْفَصِلَةِ، بَلْ تُسَلَّمُ (م) الزَّوَائِدُ لِلْمُشْتَرِي إِنْ حَصَلَتْ بَعْدَ القَبْضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَصَلَتْ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَالحَمْلُ المَوْجُودُ عَنْدَ العَقْدِ يُسَلَّمُ أيْضاً لِلمُشْتَرِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: أصل مسائل الفصل: أن الفسخ يدفع العقد عن حينه 297 لا من أصله؛ لأن العقد لا ينعطف حكمه على ما مضى، فكذلك الفسخ.
هذا هو المذهب الصحيح، وفيما إذا انْفَسَخ قبل القَبْض وجه: أنه يرد العقد من أصله لأن العقد ضعيف بعد فإذا فسخ فكأنه لا عقد، وفي "التَّتمة" ذكر وجه: أنه يرفع العقد من أصله مطلقاً تخريجاً من القول بوجوب مَهْرِ المِثْل، إذا فسخ النِّكَاح بعيب حدث بعد المَسِيْس.
إذا عرف ذلك فالمَسَائِل ثلاث:
إحداها: لا خلاف أنّ الاستخدام لا يمنع من الرد من العيب، وأما الوطء فالجارية إما بكر أو ثيب، فإن كانت ثَيِّباً فوطء المشتري لا يمنع الرَّد بالعيب، وإذا رد لم يضم إليه مهراً وله قال مالك، وهو رواية عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: يمنع.
لنا أنه معنى لا يوجب نقصاً ولا يشعر برضا، فأشبه الاسْتِخْدَام.
ووطء البَائِع والأجنبي بالشُّبْهَة كَوَطْء المشتري لا يمنع الرَّد، ووطئهما عن طواعية منها زِنا وذلك عيب حادث 298 هذا إذا وطئت بعد القبض، وإن وطئها المُشْتري قبل القبض، لم يمنع الرَّد ولا يصير قابضاً لها، ولا مَهْرَ عليه إنْ سلمت وقبضها، وإنْ تلفت قبل القبض فهل عليه المهر للبائع؟
فيه وجهان مَبْنيان على أنَّ العقد إذا انفسخ بتلف قبل القبض ينفسخ مِنْ أصله أو من حينه، وفيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 276
أصحهما: الثَّانِي، وبه قال ابن سُرَيْجٍ.
وإن وطئها أجنبي وهي زانية، فهو عيب حدث قبل القبض 299، وإن كانت مكرهة فَلِلْمُشْتري المهر، ولا خيار له بهذا الوَطْء، ووطء البائع كوطء الأجنبي، لكن لاَ مَهْرَ عليه إن قلنا: إن جناية البائع قبل القبض كالآفَةِ السَّمَاوية.
وأما البِكْر، فافْتِضَاضُهَا بعد القبض نقص حادث 300، وقبله جناية على المَبِيع قبل القبض، فَإِن افْتَضَّهَا أجنبي بِغَيْرِ آلة الافْتِضَاض فعليه ما نقص من قيمتها، وإن افْتض بآلته فعليه المَهْر وأَرْش البكَارة، ويدخل فيه أو يفرد؟ فيه وجهان:
أصحهما: يدخل، فعليه مَهْرُ مثلها 301 بكراً.
والثاني: يفرد، فعليه أَرْشُ البكارة، ومهر مثلها ثيباً، ثم المشتري إنْ أجاز العقد، فالكل له، وإلاَّ فقدر أَرْش البكَارة للبائع لعودها إليه ناقصة والباقي للمشتري.
وإن افتضها البائع، فإن أجاز المشتري فلا شيء على البائع، إن قلنا: إن جنايته كالآفة السَّمَاوية.
وإن قلنا كجناية الأجنبي فالحكم كَمَا فِي الأجْنَبي، وإن فسخ المشتري فليس على البائع أَرْشُ البكارة، وهل عليه مهر مثلها ثيباً إن افتض بآلته؟
يبنى على أن جنايته كالآفة السَّمَاوية أَمْ لا فإن افتضها المُشْتَري استقر عليه من الثمن بقدر ما نقص من قيمتها، فإن سلمت حتى قبضها فعليه الثمن بكماله، وإنْ تلفت قبل القبض فعليه بقدر نقصان الافْتِضَاض من الثمن، وهل عليه مهر مثل ثيّب إن افتضها بآله الافتضاض؟
يبنى إلى أَنَّ العقد ينفسخ من أصله أو من حينه هذا هو الصحيح.
وفيه وجه: أن افتضاض المشتري قبل القبض كافْتِضَاضِ الأَجْنَبِيّ.
المسألة الثانية: الزِّيَادة في المبيع ضربان: متّصلة ومنفصلة.
أما المتصلة كالسَّمن، وتعلّم العبد الحرفة والقرآن، وكبر الشّجرة، فهي تابعة لرد
الجزء: 4 - الصفحة: 277
الأصل ولا شيء على البائع بسببها 302.
وأما المنفصلة كما إذا أجر المبيع وأخد أُجْرَتَه، وكالولد والثمرة وكسب العبد ومهر الجارية إذا وطئت بالشُّبهة، فإنها لا تمنع الرد بالعيب وتسلّم للمشتري، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الولد والثمرة يمنعان الرَّد بالعَيْب، والكسب والغَلّة لا يمنعانه، لكن إنْ رَدّ قبل القبض ردهما الأصل، وإن رد بعده بَقِيَا لَهُ.
وقال مالك: يرد مع الأصل الزِّيَادة الَّتِي هي مِنْ جنس الأصل وهي الولد، ولايرد ما كان من غير جنسه كالثمرة.
لنا ما روي: "أَنَّ مَخْلَدَ بْنَ خفَافٍ ابْتَاعَ غُلاَماً اسْتَغَلَّهُ ثُمَّ أَصَابَ بِهِ عَيْباً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رضي الله عنه- بِرَدِّهِ وَغَلَّتِهِ، فَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي مِثْل هَذَا أَنَّ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فَرَدَّ عُمَرُ -رضي الله عنه- قَضَاءَهُ، وَقَضَى لِمَخْلَد بِالْخَرَاجِ" 303.
ومعنى الخبر: أن ما يخرج من المَبِيْع من فائدة وَغلّة، فهو للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان مِنْ ضَمَانه، ولا فرق بين الزَّوَائِدِ الحادثة قبل القبض، والزوائد الحادثة بعده مهما كان الرد بعد القبض، وإن كان الرد قبله ففي الزوائد وجهان بناء على أن الفسخ والحالة هذه رفع للعقد من أصله أو من حينه.
والأصح: إنها تسلم للمشتري أيضاً.
وقوله في الكتاب: "وكذلك إن حصلت قبل القبض على أقيس الوجهين"، يقتضي كون الزوائد الحاصلة قبل القبض على وجهين، وإِنْ كان الرَّد بعد القبض لكنه ليس كذلك، كذا قاله الإمام وغيره.
ومَوْضع الوجهين ما إذا كان الرد قبل القبض.
فاعرف ذلك.
واعلم أنه لو نقصت البَهِيمة أو الجارية بالولادة امتنع الرَّد لِلنَّقص الحادث، وإن لم يكن الوَلَدُ مانعاً، وتكلموا في إفراد الجارية بالرد، وإن لم تنقص بالولادة من جهة أنه تفريق بين الأم والولد.
فقال قائلون: لا يجوز الرد، ويتعين الأَرْش إلاَّ أن يكون الوقوف على العيب بعد بلوغ الولد ستّاً لا يحرم بعده التَّفريق.
وقال آخرون: لا يحرم التفريق هاهنا للحاجة، وسنذكر نظيره في "الرَّهْن" -إن شاء الله تعالى-.
الجزء: 4 - الصفحة: 278
المسألة الثالثة: عرفت حكم الولد الحادث بعد البيع.
فأما إذا اشترى جارية أو بهيمة حاملاً، ثم وجد بها عيباً، فإن كانت حاملاً بعد ردِّها كذلك، وإن وضعت الحمل ونقصت بالولادة فلا رد، وإنْ لم تنقص ففي رد الولد معها قولان بناء على أَنَّ الحمل هل يعرف ويأخذ قسطاً من الثَّمَن أم لا؟ والأصح نعم، ويخرج على هذا الخلاف: أنه هل للبائع حبس الولد إلى اسْتِيفاء الثمن؟ وأنه لو هلك قبل القبض هل يسقط من الثمن بحصَّته؟ وأنه هل للمشتري بيع الولد قبل القبض؟ فإن قلنا: له قسط من الثمن جاز الحبس وسقط الثمن، ولم يُجزِ البَيْع، وإلاَّ انعكس الحكم.
ولو اشترى نَخْلَة وعليها طلع غير مؤبّر، ووجد بها عيباً بعد التَّأبير، ففي الثمرة طريقان:
أظهرهما: أنه على القولين في الحَمْل تَشْبيهاً للثمرة في الكِمَام بالحمل في البطن.
والثَّاني: القطع بأنها تأخذ قسطاً من الثمن؛ لأنها مشاهدة متيقنة، ولو اشترى جارية أو بَهِيمة حائلاً فحبلت، ثم اطلع على عَيْب، فإن نَقُصَت بالحمل فلا رد إنْ كان الحمل في يد المُشْتَري، وإن لم تَنْقُص أو كان الحملَ في يد البائع فله الرد، وحكم الولد مَبْنِي على الخلاف السابق.
إن قلنا: إنَّه يعرف ويأخذ قسطاً من الثّمن يبقى للمشتري، فيأخذه إِذَا انفصل.
وحكى القاضي المَاورْدِيُّ وجهاً آخر أنه للبائع لاتصاله بالأم عند الرد.
وإن قلنا: إنه لا يعرف ولا يأخذ قسطاً فهو للبائع 304، ويكون تبعاً للأم عند
الجزء: 4 - الصفحة: 279
الفسخ، كما يكون تبعاً لها عند العقد، وأطلق بعضهم القول بأن الحمل الحادث نقص، إما في الجواري فلأنه يؤثر في النشاط والجمال وإما في البَهَائم فلأنه ينقص لحم المأكول، ويخلُّ بالحمل عليها والركوب.
ولو اشترى نَخْلَة واطلعت في يده ثم اطَّلع على عَيْب، فلمن الطّلع؟ فيه وجهان 305. ولو كان على ظهر الحيوان صوف عند البيع فجَزَّه ثم عرف به عيباً رد الصُّوف معه، فإن استجز ثانياً وجَزّه ثم عرف العيب لم يرد الثَّاني لحدوثه في ملكه، وإنْ لم يُجَزَّ ردّه تبعاً 306. ولو اشترى أرضاً فيها أصول الكُرَّات ونحوه، وأدخلناها في البيع فنبتت في يد المشتري، ثم عرف بالأرض عيباً يردُّها، ويبقى النَّابت للمشتري، فإنها ليست تبعاً للأرض، أَلاَ ترى أن الظاهر منها في ابتداء البيع لا يدخل فيه؟ -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالإقَالَةُ فَسْخٌ (م) عَلى الجَدِيدِ الصَّحِيحِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الرَّدُّ بِالعَيْبِ عَلَى حُضُورِ الخَصْمِ وَقَضَاءِ القَاضِي (ح).
قال الرافعي: الإقَالة بعد البيع جائزة، بل إذا ندم أحدهما على الصَّفقة استحب للآخر أن يقيله.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَقَالَ أَخَاهْ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَة يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
والإقالة: أن يقول المُتَبَايعان: تقايلنا أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك فيقول الآخر: قبلت، وما أشبه ذلك، وفي كونها بيعاً أو فسخاً 307 قولان: = الخامس: أنا لو لم نقل بالرجوع في الفلس لانتفت فائدة التقديم وعدم المضاربة لأنا لو أبقينا الحمل للمفلس فقد أثبتنا للغرماء المزاحمة مع البائع فيما بيده بخلاف المشتري فإنه لا مزاحمة فلهذا قلنا يتبع الولد في الفلس دون الرد بالعيب.
الجزء: 4 - الصفحة: 280
أحدهما، وبه قال مالك: أنها بيع؛ لأنها نقل ملك بعوض بإيجاب وقبول، فأشبهت التَّولية.
وأصحهما: أنها فسخ، إذ لو كانت بيعاً لصحت مع غير البائع، وبغير الثمن.
وذهب بعضهم إلى أن القولين في لفظ الإِقَالة.
فأمَّا إذا قالا: تفاسخنا، فهو فسخ لا محالة.
= وأما الإقالة فلا تكون إلا حيث يكون العقد لازماً لهما.
نعم تشبه الإقالة الخيار من جهة أنهما لا يدخلان إلا عقود المعاوضات المالية اللازمة القابلة للفسخ.
ثم الإقالة جائزة شرعاً؛ لأن العقد حقهما وآثارة المترتبة عليه وقف عليهما فلهما رفعه.
بل هي مندوبة لأنها غالبا لا تكون إلا تحت ضغط الحاجة والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول "مَنْ أَقَالَ نَادِماً بَيْعَتَه أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ".
وقد اختلف في الإقالة هل هي فسخ أو بيع؟
فالشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة على أنها فسخ، ومالك على أنها بيع؛ إلا في الطعام والشفعة والمرابحة، وأبو يوسف على أنها بيع فإن لم تحتمل البيع فهي فسخ فإن لم تحتمله فهي باطلة.
ومحمد على أنها فسخ فإن لم تحتمل الفسخ فهي بيع فإن لم تحتمله فهي باطلة.
وجهة من قال إنها فسخ هي أن الفسخ معناها اللغوي والأصل مطابقة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي حتى يقوم الدليل على خلافه.
فإن لم تحتمل الفسخ كانت باطلة، ولا تحمل على البيع لأن البيع ضد الفسخ، واللفظ لا يحتمل ابتداء ضده حتى يحمل عليه عند تعذر معناه الحقيقي.
وقال محمد: بل تحمل على البيع إذا تعذر الفسخ؛ لكونها تحتمل البيع في الجملة، إذ هي بيع في حق ثالث حيث يجوز له المطالبة بالشفعة فيها كما هو مذهب الحنفية.
ولكن أبا حنيفة يجيب بأنا جعلناها بيعا في حق ثالث للضرورة، وهي ثبوت حكم البيع بها من نقل الملك ببدل فلئن صرفت عن معنى البيع في حقهما فلا تصْرف عنه في حق غيرهما إذا اقتضاه أمر آخر.
وأيضاً اعتبرت بيعاً في حق ثالث لئلا يفوت مقصود الشارع من شرع الشفعة في بعض الصور إذ هي قد شرعت لدفع ضرر الخلطة أو الجوار وهو موجود في الإقالة.
ووجهة من قال إنها بيع هي أنه رأى حد البيع منطبقاً عليها؛ لأنها مبادلة المال بالمال على التراضي وهو حد البيع ولأنها تبطل بهلاك السلعة قبل القبض ويرد المبيع فيها بالعيب وهذه هي أحكام البيع، وعلى هذا فهي بيع حقيقة لانطباق حده وحكمه عليها.
ويزيد أبو يوسف على هذا: إنها وضعت في الأصل للفسخ ثم حملت على البيع لما ذكر، فإن لم تحتمله كانت مستعملة فيما وضعت له وهو الفسخ.
ويرد على من قال إنها بيع بأن حد البيع ليس مبادلة المال بالمال تراضياً فحسب بل مع زيادة ابتداء، والموجود في الإقالة المبادلة على سبيل العود.
وبأنه لا يلزم من ثبوت لازم شيء لشيء أن يكون إياه لجواز أن يكون لازم حقيقتين مختلفتين أي أنه لازم عام.
وفائدة الخلاف في كونها بيعاً أو فسخاً تظهر في الإقالة من المبيع قبل قبضه فمن قال: هي بيع لا يصححها؛ لأن بيع المبيع قبل قبضه لا يجوز، ومن قال هي فسخ جعلها صحيحة لأن برفع العقد يعود المبيع إلى ملك صاحبه.
ومع ذلك فلا بد في الإقالة من أن تكون بالثمن فلا يزاد عليه أو ينقص منه لأن حقيقتها هي المبادلة بالثمن الذي اتفق عليه أولاً؟ قاله شيخنا الشيخ مندور.
الجزء: 4 - الصفحة: 281
واعلم: أن القول الثاني مَنْصُوص في الجديد، وأما الأول فمنهم من حكاه وجهاً، والأكثرون نقلوه عن نَصِّه في القديم، وعن أبي حنيفة: أن الإِقَالة فسخ في حق المُتَعَاقدين بيع في حق غيرهما.
التفريع: إن كانت بيعاً تجدّد بها الشّفْعة، وإن كانت فَسْخاً فلا، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو تقايلا في الصّرف وجب التَّقابض في المجلس، إن كانت بيعاً وإن كانت فسخاً فلا، وتجوز الإقَالة قبل القَبْض المبيع إن كانت فَسْخاً، وإن كانت بيعاً فهي كبيع المبيع من البائع قبل القبض، وتجوز في السّلْم قبل القبض إنْ كانت فَسْخاً، وإن كانت بَيْعاً فلا، ولا تجوز الإِقَالة بعد تَلَفِ المبيع إن كانت بَيْعاً، وإن كانت فسخاً فوجهان:
أحدهما: المنع كالرَّد بالعيب.
وأصحهما: الجواز، وهو اختيار أبي زيد، كالفسخ بالتحالف، فعلى هذا يرد المشتري على البائع مثل المبيع إن كان مِثْلياً، وقيمته إن كان متقوماً.
ولو اشترى عَبْدين وتلف أحدهما، ففي الإِقَالة في الثاني وجهان بالترتيب، إذ القائم تُصَادفه الإِقَالة فيستتبع التَّالف.
وإذا تقايلا، والمبيع في يد المشتري بعد، لم ينفذ تصرف البائع فيه إن كانت بيعاً، ونفذ إنْ كانت فسخاً، فإن تلف في يده انفسخت الإِقَالة إن كانت بيعاً وبقي البيع بحاله، وإن كانت فسخاً فعلى المشتري الضَّمان؛ لأنه مقبوض على حكم العوض، كالمأخوذ قَرْضاً أو سَوْماً، والواجب فيه إن كان مُتقوّمًا أقل القَيمَتَيْن من يوم العَقْد والقبض، ولو تعيّب في يده فإن كان بيعًا تخير البائع بين أن يُجيز الإقالة ولا شيء له، وبين أَنْ يفسخ ويأخذ الثمن، فإن كان فسخاً غرم أَرْش العيب، ولو استعمله بعد الإقالة، فإن جعلناها بيعاً فهو كالمبيع يستعمله البائع، وإن جعلناها فسخاً فعليه الأُجْرة، ولو عرف البائع بالمبيع عيباً كان قد حدث في يد المشتري قبل الإقالة فلا رد له إنْ كانت فسخاً، وإن كانت بيعًا فله رده، ويجوز للمشتري حبس المبيع لاسترداد الثمن على القولين.
ولا يشترط ذِكْر الثَّمن في الإِقَالة، ولا تصحّ إلاَّ بذلك الثمن، فلو زاد أو نقص فسدت وبقي البيع بحاله حتى لو أقاله على أن ينظر بالثمن، أو على أنْ يأخذ الصِّحاح عن المُكسرة لم يجز، ويجوز لِلْورثة الإقَالة بعد موت المُتَبَايعين، وتجوز الإِقَالة في بعض المبيع كما تجوز في كله.
قال الإمام هذا إذا لم تلزم جهالة.
أما إذا اشترى عبدين، وتَقَايلا في أحدهما مع بقاء الثاني لم يجز، على قولنا: إنه بيع للجهل بحصة كل واحد منهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 282
وتجوز الإقالة في بعض المُسَلّم فيه أيضاً، لكن لَوْ أقاله في البَعْض ليعجل له الباقي، أو عجل المُسَلَّم إليه البعض لِيُقيله في الباقي فهي فاسدة 308.
وأما قوله: "ولا يتوقَّف الرد بالعيب ... " إلى آخره، فقد ذكرته من قبل.
ونختم الباب بفروع:
أحدها: الثَّمن المُعين إذا خرج معيباً يرد بالعيب كالمبيع، فإن لم يكن معيباً فيستبدل ولا يفسخ العقد، سواء خرج معيباً بخُشونة أو سواد، أو ظهر أن سَكَّته مخالفة لسَكَّة النَّقْد الذي تناوله العقد أو خرج نحاساً أو رصاصاً.
ولو تَصَارفا وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما قبض خَلَلاً فله حالتان:
إحداهما: أن يَرِدَ العقد على مُعَينين، فإن خرج أحدهما نحاساً فالعقد باطل؛ لأنه بَانَ أنه غير ما عقد عليه.
وقيل: إنه صحيح تغليباً للإشارة، وهذا إذا كان له قيمة، فإن لم يكن لم يجِئ فيه هذا الخلاف، وإن خرج بعضه بهذه الصِّفة بطل العقد فيه، وفي الباقي قَوْلا تَفْرِيق الصَّفقة إن لم تبطل فله الخيار، فإن أجاز والجنس مختلف، بأن تبايعا فِضَّةً بذهب، جاء القولان في أن الإِجَازة بجميع الثمن أو بالحِصّة، وإن كان الجنس متفقاً، فالإجازة بالحِصّة لا محالة لامتناع الفَضْل.
وإن خرج أحدهما خَشِناً أو أَسْوَدَ، فَلِمَنْ أخذه الخِيَارُ، ولا يجوز الاستبدال، وإن خرج بعضه كذلك فله الخِيَار أيضاً، وهل له الفسخ في المعيب والإجازة في الباقي؟ فيه قَوْلاً التَّفريق، فإن جوزنا فالإجازة بالحِصّة؛ لأن العقد صح في الكُل فإذا ارتفع في البعض كان بالقِسْط.
الحالة الثَّانية: أن يرد على ما في الذمة ثم يَحْضُرَا ويتقابضَا فإنْ خرج أحدهما نحاساً وهما في مجلس العقد استبدل، وإنْ تفرقا فالعقد باطل؛ لأن المقبوض غير ما ورد عليه العقد، وإن خرج خَشِناً أو أسود، فإن لم يتفرقا بعد فهو بالخيار بين الرِّضَا به وبين الاستبدال، وإن تفرقا فهل له استبداله؟ فيه قولان:
الجزء: 4 - الصفحة: 283
أحدهما: لا؛ لأنه قبضه بعد التّفرق.
وأصحهما: نعم، كالمُسَلَّم فيه إذا خرج معيباً، وهذا لأن القبض الأول صحيح، إذ لو رَضِيَ به جاز، والبدل مأخوذ، فقام مقام الأول، ويجب أخذ البَدَل قبل التّفرق عن مجلس الرَّد.
وإن خرج البعض كذلك وقد تفرقا، فإن جوزنا الاسْتِبْدَال استبدله، وإلاَّ فهو بالخِيَار بين فسخ العقد في الكل والإجازة، وهل له الفسخ في ذلك القدر والإجازة في الباقي؟ فيه قولا التفريق.
ورأس مال السَّلَم حكمه حكم عوض الصَّرف، ولو وجد أحد المُتَصَارفين بما أخذ عيباً بعد تلفه، أو تبايعا طعاماً بطعام، ثم وجد أحدهما بالمَأْخوذ عيباً بعد تلفه، نظر إنْ ورد العقد على معَينين، أو على ما في الذِّمة وَعُين، وقد تفرقا ولم نُجَوِّز الاستبدال، فإن كان الجنس مختلفاً فهو كبيع العرض بالنّقد، وإن كان متفقاً ففيه الخلاف الذي سبق في مسألة الحُلِيّ، وإنْ ورد على ما في الذِّمة ولم يتفرّقا بعد غُرْم ما تلف عنده ويتسبدل، وكذا إنْ تفرقا وجوزنا الاستبدال.
ولو وجد المُسلّم إليه برأس مال السّلم عيباً بعد تَلَفِهِ عنده، فإن كان مُعيناً أو في الذمة وعين وقد تفرّقا ولم نجوّز الاستبدال، فيسقط من المُسلّم فيه بقدر نُقْصان العيب من قيمة رأس المال، وإن كان في الذّمة وهما في المجلس يقوم التالف ويستبدل، وكذا لو كان بعد التَّفرق إذا جوزنا الاستبدال.
الثاني: باع عَبْداً بألف وأخذ بالألف ثوباً، ثم وجد المشتري بالعبد عيباً ورده.
فعن القاضي أبي الطَّيِّب: أنه يرجع بالثوب؛ لأن الثوب إنما مَلَكه بالثمن، وإذا فسخ البيع سقط الثمن عن ذمة المشتري فيفسخ بيع الثوب به.
وقال الأكثرون: يرجع بالأَلْفِ، لأن الثَّوب مملوكٌ بعقد آخر، ولو مات العبد قبل القبض وانفسخ البيع.
قال ابن سُرَيجٍ: يرجع بالأَلْف دون الثوب؛ لأن الانْفِسَاخ بالتَّلَف يقطع العقد ولا يرفعه من أصله وهو الأصح.
وفيه وجه آخر.
الثالث: باع عصيراً حُلْواً فوجد المشتري به عيباً بعد ما تَخَمَّر، فلا سبيل إلى ردِّ الخَمْر، لكن يأخذ الأَرْش فإن تخلَّل فللبائع أنْ يسترده، ولا يدفع الأَرْش.
ولو اشترى ذِمِّي خمراً من ذمي ثم أَسْلما، وعرف المشتري بالخَمْر عيباً استرد جزءاً من الثمن على سبيل الأَرْش ولا رد، ولو أسلم البائع وحده فلا رَدَّ أيضاً، ولو أسلم المشتري وحده فله الرد قاله ابْنُ سُرَيجٍ، وعلّله بأن المُسَلّم لا يتملّك الخمر، ولكن يُزيل يده عنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 284
الرابع: مُؤْنَة ردّ المَبِيع بعد الفسخ بالعيب على المشتري، ولو هلك في يده ضَمِنَهُ.
الخامس: لو اختلفا في الثمن بعد رد المبيع، فعن أبي الحسين أنَّ ابن أبي هريرة قال: أَعْيتني هذه المسألة.
والأَوْلى: أن يتحالفا وتبقى السِّلْعة في يد المشتري، وله الأَرْش على البائع، قيل له: إذا لم يتبين الثَّمن، كيف يُعْرف الأَرْش؟ قال: أَحْكُم بالأرش من القدر المتفق عليه، قاله أبو الحسين.
وحكى أبو محمد الفارسي عن أبي إسحاق: أن القول قول البائع؛ لأنه الغارم، كما لو اختلفا في الثمن بعد الإقالة، وهذا هو الصحيح.
ولو وقعت الحاجة إلى الرّجوع بالأَرْش فاختلفا فِي الثَّمَن، فالقول قول البائع أو المشتري.
روى القاضي ابن كَجٍّ فيه قولين، والأصح الأول.
السَّادس: أوصى إلى رجل ببيع عبده أو ثوبه وشراء جارية بثمنه وإعتاقها، ففعل الوَصِي ذلك ثم وجد المُشْتري عيباً بالعبد، فله رده على الوَصِي، ومطالبته بالثمن كما يرد على الوكيل والوصي يبيع العَبْد المَردود ويدفع الثمن إلى المشتري، ولو فرض الرد، بالعيب على الوكيل فهل للوكيل بيعه ثانياً؟ فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: نعم، كالوصي ليتمّ البيع على وجه لا يرد عليه.
وأصحهما: لا، لأنه امتثل المَأْمور، وهذا ملك جديد فيحتاج فيه إلى إذْن جَدِيد ويخالف الإِيْصاء، فإنه تَوْلِية وتفويض كُلِّي.
ولو وكله بأن يبيع بشرط الخيار للمشتري فامتثل ورد المشتري.
فإن قلنا: مِلْك البائع لم يزل فله بيعه ثانياً.
وإن قلنا: زال وعاد فهو كالرد بالعَيْب، ثم إذا باعه الوصي ثانياً، نظر إنْ باعه بمثل الثمن الأول فذاك، وإن باعه بأقَلَّ فالنقصان على الوصي، أو في ذمة المُوصي، فيه وجهان:
أَصحُّهما: الأول وبه قال ابن الحَدَّاد؛ لأنه إنما أمره بشراء الجارية بثمن العبد لا بالزيادة عليه، وعلى هذا لو مات العبد في يده كما رد غَرِم جميع الثمن.
ولو باعه بأكثر من الثمن الأول، فإن كان ذلك لزيادة قيمة أو رَغْبة رَاغبٍ دفع قدر الثمن إلى المشتري والباقي للوارث، وإن لم يكن كذلك، فقد بَانَ أنَّ البيع الأول باطل لِلْغَبْن.
ويقع عِتْق الجارية عن الوَصِي بأن اشترى الجارية في الذمة، فإن اشتراها بِعَيْن
الجزء: 4 - الصفحة: 285
ثمن العبد لم ينفذ الشراء ولا الإِعْتَاق، وعليه شراء جارية أخرى بهذا الثمن، وإعتاقها عن الموصي، هكذا أطلقه الأصحاب، ولاَ بُدَّ فيه من تَقْييدٍ وتأويل، لأن بيعه بالعَيْن وتسليمه عن علم وبصيرَةٍ بالحال خِيَانَةٌ، والأمين ينعزل بالخيانة، فلا يتمكّن من شراء جارية أخرى (1)، -والله أعلم-.
قال الغزالي: (النَّظَر
ُ الثَّالِثُ) فِي حُكْمِ العَقْدِ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعْدَهُ،
وَلاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ حُكْم وَصُورَتهِ وَوُجُوبِهِ (أَمَّا الحُكُمُ) فَهُوَ انْتِقَالُ الضَّمَانِ إِلَى المُشْتَرِيَ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ إِذِ المَبِيعُ قَبْلَ القَبْضِ في ضَمَانِ البَائِعِ (م)، وَلَوْ تَلِفَ انْفَسَخَ العَقْدُ، وَإِتْلاَفُ المُشْتَرِي قَبْضٌ مِنْهُ، وإِتْلاَفُ الأجْنَبِيِّ لاَ يُوجِبُ الانْفِسَاخ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلَكنْ يَثْبُتُ الخِيَارُ لِلمُشْتَرِي، وَإِتْلاَف البَائِعِ كإِتْلاَفِ الأَجْنَبيِّ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مقصود هذا النظر بَيَانُ حكم المَبِيع قبل القبض وبعده على ما فَصَّلناه في أول البيع، وتكلم حجة الإسلام -رحمه الله- فيه في ثلاثة أمور:
أحدها: حكم القَبْض وثمرته.
والثانى: أَنَّ القَبْضَ بِمَ يَحْصُل؟
والثَّالث: وجُوبُهُ والإِجْبَار عليه.
أما الأول فَلِلْقبض حكمان:
أحدهما: انتقال الضَّمَان إِلَى المُشْتَري، فإن المبيع قبل القبض مِنْ ضمان309
الجزء: 4 - الصفحة: 286
البائع 310، ومعناه: أنه لو تلف انفسخ العَقد وسقط الثمن.
وعنْ مالك وأحمد فيما رواه ابن الصَّبَّاغ أنه إذا لم يكن المبيع مَكيلاً ولا مَوْزُوناً ولا معدوداً فهو مِنْ ضمان المشتري، ومنهم منْ أطلق رواية الخلاف عنهما.
لنا أنه قبض مستحق بالبيع، فإذَا تعذَّر انفسخ البيع كما لو تفرقا في عقد الصَّرف قبل التَّقَابض.
إذا تقرَّر ذلك فلو أَبْرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع قبل القبض، هل يَبْرَأ حتى لو تلف لا ينفسخ العقد ولا يسقط الثمن.
نقل صاحب "التَّهْذيب" فيه قولين:
أصحهما: أنه لاَ يَبْرَأُ، وحكم العقد لا يتغير، ثم إذا انفسخ البيع كان المَبِيْعُ هالكاً على ملك البائع، حتى لو كان عبدًا كان مُؤْنَة تجهيزه على البائع، وكيف التقدير؟
أنقول بانتقال الملك إليه قبل الهلاك، أو يرتفع العقد من أصله؟ فيه وجهان أخرجهما ابن سُرَيج:
أصحهما، وهو اختياره واختيار ابن الحَدَّاد: أنه لا يرتفع مِنْ أصله، كما في الرد بالعيب والزوائد الحادثة في يد البائع من الولد واللبن والبيض والكسب وغيرهما تخرج
الجزء: 4 - الصفحة: 287
على هذين القولين، وقد ذكرنا نظيرهما في الرد بالعيب قبل القبض، وطردهما طاردون في الإِقالة إذا جعلناها فسخاً، وخرجوا عليهما الزوائد.
والأصح: فيها جميعاً: أنها للمشتري، وتكون أمانة في يد البائع، ولو هلكت والأصل باقٍ فالبيع باقٍ بحاله، ولا خيار للمشتري، وفي معنى الزَّوَائِد الرِّكَاز الذي يجده العَبْد، وما وهب منه فقبله وقبضه، وما أَوْصى له فقبله، هذا حكم التالف بالآفة السَّماوية.
أما إذا أَتْلَف المبيع قبل القبض، فله ثلاثة أقسام:
الأول: أن يُتْلفه المشتري فهو قبض منه على المذهب 311، لأنه أتلف مِلْكه، فأشبه ما إذا أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب يَبْرَأَ الغاصب من الضَّمَان، ويصير المالك مستردّاً بالإتلاف.
وحكى الشيخ أبو علي وغيره وجهاً: أن إتلافه ليس بقبض، ولكن عليه القيمة للبائع ويسترد الثمن، ويكون التَّلف من ضمان البائع، هذا عند العِلْم.
أما إذا كان جاهلاً بأن قدم البائع الطَّعام المبيع إلى المشتري فأكله، هل يُجعل قابضًا؟
قال القاضي حسين -رحمه الله- فيه وجهان تفريعاً على، لقولين، فيما إذا قَدّم الغَاصب الطعام المغصوب إلى المالك فأكله جاهلاً، هل يبرأ الغاصب؟
إن لم نجعله قابضًا، فهو كما لو أتلف البائع.
والثاني: أن يُتْلفه أجنبي ففيه طريقان: أظهرهما: أنه على قولين:
أحدهما: أنه كالتَّلف بآفة سَمَاوية لتعذُّر التسليم.
الجزء: 4 - الصفحة: 288
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه ليس كذلك ولا ينفسخ البيع 312، لقيام القيمة مقام المبيع، لكن للمشتري الخيار، إنْ شاء فسخ واسترد الثمن ويغرم البائع الأَجنبي، وإنْ شاء أجاز وغرم الأَجنبي.
والثاني: القطع بالقول الثاني، ويحكى هذا عن ابن سُرَيْجٍ.
وإذا قلنا به، فهل للبائع حبس القيمة لأخذ الثمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما يحبس المُرْتَهَن قيمة المرهون.
وأظهرهما: لا؛ لأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل بخلاف الرهن، ولهذا لو أتلف الراهن المرهون غرم القيمة، والمشتري إذا أتلف المبيع لا يغرم القيمة ليحبسها البائع، وعلى الأول لو تلفت القيمة في يده بآفة سَمَاوِية، هل ينفسخ البيع لأنها بدل المبيع؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا.
والثالث: أن يتلفه البائع فطريقان:
أظهرهما: أنه على قولين.
أصحهما: انفساخ البيع كما في الآَفة السماوية؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه سقط الثمن، وبهذا قال أبو حنيفة.
والثاني: المنع كإتلاف الأجنبي؛ لأنه جنى على ملك غيره، فعلى هذا إِنْ شاء المشتري فسخ البيع وسقط الثمن، وإنْ شَاءَ أجاز وغرم البائع القيمة وأدى الثمن، وقد يقع ذلك في أقْوال النقاص.
والثاني: القطع بالقول الأول، فإن لم نحكم بالانفساخ عاد الخلاف في حبس القيمة.
وعن الشيخ أبي محمد: القطع بأنه لا حبس هاهنا لتعديه بإتلاف العين.
ولو باع شِقْصاً مِنْ عبد، وأَعْتَق باقيه قبل القبض وهو موسر، عتق كله وانفسخ البيع وسقط الثمن، إن جعلنا إِتْلاَف البائع كالآفة السماوية، وإن جعلناه كَإتلاف الأجنبي
الجزء: 4 - الصفحة: 289
فللمشتري الخيار، ولو استعمل البائع المبيع قبل القبض، فلا أجرة عليه إن جعلنا إِتْلافه كالآفة السَّمَاوِية، وإِلاَّ فعليه الأُجْرَة.
وَإِتْلاف الأَعْجَمِي والصَّبي الَّذي لا يميز بأمر البائع أو المُشْتري كإتلافهما وَإِتْلاَف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي.
وذكر القَاضِي الحُسين -رحمه الله-: أن إذن المشتري للأجنبي في الإتْلاَف يلغو، وإذا أتلف فله الخيار، وأنه لو أذن البَائِع في الأكل والإِحْرَاف ففعل، كان التَّلف من ضمان البائع بخلاف ما إذا أذن للغاصب ففعل يَبْرَأ، لأن الملك ثم مستقر.
ورأيت في "فَتَاوى القَفَّال" أن إتلاف عَبْد البائع كإتلاف الأجنبي، وكذا إِتْلاَف عبد المشتري بغير إذنه، فإن أجاز جعل قابضاً، كما لو أتلفه بنفسه، وإن فسخ اتبع البائعُ الجاني، وأنه لو كان المَبِيع علفاً فاعتلفه حمار المشتري بالنَّهَار ينفسخ البَيْع، وإن اعتلفه باللَّيْل لا يَنْفَسخ وللمشتري الخيار، فَإِنْ أَجَاز فهو قابض، وإلاَّ طالبه البائع بقيمة ما أتلفه حماره، وفي بهيمة البائع أطلق القول بإتلافها كالآفة السماوية، قيل له: هلاَّ فرقت فيها أيضاً بين الليل والنهار؟ فقال: هذا موضع التَّروي.
ولو صال العبد المبيع على المشتري في يد البائع فقتله دفعاً، فعن الشيخ أبي علي: أنه لا يستقر الثَّمَن عليه.
وعن القاضي: أنه يستقر لأنه أتلفه في غرض نفسه 313.
ولو أَخَذَ المُشْتَرِي المبيع بغير إذن البائع، فللبائع الاسترداد إذا ثبت له حق الفَسْخ، فإِنْ أتلفه في يد المُشْتَرِي ففيه قولان عن رواية صاحب "التقريب":
أحدهما: أن عليه القيمة ولا خيار للمشتري لاستقرار العقد بالقبض، وإنْ كان ظالماً فيه.
والثاني: أنّه يجعل مستردّاً بالإتلاف كما أنَّ المشتري قابض بالإتلاف، وعلى هذا فينفسخ البيع أو يثبت الخِيَار للمشتري.
قال الإمام -رحمه الله-: الظَّاهر الثاني.
واعلم: أن وقوع الدَّرّة في البَحْر قبل القبض بمثابة التلف، يفسخ به البيع، وكذا انفلات الطَّير، والصيد المتوحش، كذا قاله في "التتمة".
ولو غرَّق البحر الأرض المشتراة، أو وقع عليها صخور عظيمة من جبل بَجَنْبِها،
الجزء: 4 - الصفحة: 290
أو ركبها رمل فهي بمثابة التَّلف أو أثرها ثبوت الخيار، فيه وجهان: الأَشْبَه الثاني.
ولو أبق العبد قبل القبض، أو ضاع في انتهاب العَسْكَر لم ينفسخ البيع لبقاء المالية ورجاء العود.
وفيه وجه: أنه ينفسخ كما في التَّلَفِ.
ولو غصبه غاصب فليس إلاَّ الخيار، فإن أجاز لم يلزمه تسليم الثمن، وإن سلمه فعن القَفَّال: أنه ليس له الاسترداد لتمكّنه من الفسخ، وإنْ أجاز ثم أراد الفسخ فله ذلك، كما لو انقطع المسلم فيه، فأجاز ثم أراد الفَسْخ؛ لأنه يتضرر كل ساعة، وحكي عن جواب القَفَّال مثله، فيما إذَا أَتْلَفَ الأجنبي المَبِيع قبل القبض، وأجاز المشتري ليتبع الجَاني، ثم أراد الفسخ.
وقال القاضي في هذه الصورة: وجب أَنْ لا يمكّن في هذه الصورة من الرجع؛ لأنه رَضِيَ بما في ذمة الأجْنَبِي فأشبه الحِوَالَة.
ولو جحد البائع العين قبل القبض، فللمشتري الفَسْخ لحصول التَّعذُّر.
وأَمَّا لفظ الكتاب فقوله: "أما الحكم فهو انْتِقَال الضَّمَان إلى المشتري، والتَّسْليط على التصرف" ترجمة لحكمي القبض معاً، وشرح الحكم الثَّاني وتفصيله يبتدئ من قوله، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما قبل ذلك يتعلّق بالحكم الأول، وقوله: "في ضمان البَائِعَ" معلّم بالميم والألف، وكذا قوله: "انفسخ العقد"، وقوله: "قبض منه" بالواو، وقوله: "على أصح القولين" بالواو للطريقة الجازمة، وقوله: "كإتلاف الأجنبي على الأصح"، جواب على طريقة إِثْبَات القَوْلين، فيجوز إعلام الأصح بالواو، وَإعْلام قوله: "كإتلاف الأجنبي" بالحاء لما سبق، ثم قضية ما ذكروه: أن يكون الأصح في إتلاف البائع ثبوت الخيار لا الانْفِسَاخ؛ لأن الأمر كذلك في إِتْلاَفِ الأجنبي، لكن جمهور الأصحاب -رحمهم الله- على أن الانفساخ أصح، فاعرف ذلك.
فرع: منقول عن فتاوى القاضي:
باع عبداً من رجل، ثم باعه مِنْ آخر وسلَّمه إليه، وعجز عن انتزاعه وتسليمه إلى الأول، فهذا جناية منه على المبيع، فينزل منزلة الجناية الحِسّية حتى ينفسخ البيع في قول، ويثبت للمشتري الخيار في الثاني، بين أنْ يفسخ وبين أن يجيز ويأخذ القيمة من البائع، ولو أنه طالب البائع بالتسليم وزعم قدرته عليه، وقال البائع: أنا عاجز حلف عليه، فإن نكل حلف المدعي على أنه قادر ثم حبس إلى أن يسلم أو يقيم بَيّنته على عجزه، ولو ادَّعى المشتري الأول على الثاني العلم بالحال فأنكر حلفه، فإن نكل حلف هو، وأخذه منه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ تَعَيَّبَ المَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ القَبْضِ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ، فَإِنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 291
أَجَازَ يُجِيْزُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَلاَ يُطَالِبُ بالأَرْشِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّعَيُّبُ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيِّ فَيُطَالِبَهُ بِالأَرْشِ، وَكلدَا إِنْ كَانَ بِجَنَايَةِ البَائِعِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: ذكرنا حكم التَّلَف والإتلاف العاريين قبل القبض، فأما إذا طَرَأَ عيب أو نُقْصَانٌ، نظر إن كان بآفة سماوية، كما إذا عَمِي العبد أو شُلَّت يده أو سقطت، فللمشتري الخيار إن شاء فسخ وإلا أجاز بجميع الثمن، ولا أَرْشَ له مع القدرة على الفسخ، وإن كان بجناية جَانٍ عادت الأقسام الثلاثة:
أولها: أن يكون الجاني هو المشتري، فإذا قطع يد العبد مثلاً قبل القبض، فلا خيار له لحصول النقص بفعله، بل يمتنع بسببه الرَّد بسائر العيوب القديمة أيضاً، ويجعل قابضاً لبعض المبيع حتى يستقر عليه ضمانه، وإن مات العبد في يد البائع بعد الانْدِمَال، فلا يضمن اليد المقطوعة بأَرْشها المقدّر، ولا بما نقص من القيمة بالقطع وإنما يضمنها بجزء من الثَّمن كما يضمن الكل بالثمن، وفي مقداره وجهان:
أصحهما، وبه قال ابن سُرَيْج وابن الحَدَّاد: أنه يقوم العبد صحيحاً ثم يقوم مقطوعاً ويعرف التفاوت بينهما فيستقر عليه من الثمن بمثل تلك النسبة.
بيانه: إذا قوم صحيحاً بثلاثين ومقطوعاً بخمسة عشر، فعليه نصف الثمن، ولو قوم مقطوعاً بعشرين، فعليه ثلث الثمن.
والثاني، ويحكى عن القاضي أبي الطَّيب: أنه يستقر مِنَ الثمن بنسبة أَرْش اليد من القيمة وهو النصف، وعلى هذا لو قطع يديه وانْدَمَلَتَا، ثم مات العبد في يد البائع وجب على المشتري تَمَام الثمن، وهذا كله تفريع على المذهب الصحيح، وهو أن إتلاف المشتري قبض منه، وعلى الوجه المنسوب إلى رواية الشيخ أبي علي: أنه لا يجعل قابضاً لشيء من العبد، وعليه ضمان اليد بأرشها المقدر وهو نصف القيمة كالأَجنبي، وقياسه: أن يكون له الخيار.
وثانيها: إذا قطع أجنبي يده قبل القبض، فللمشتري الخيار إِنْ شاء فسخ وتبع البائع الجاني، وإن شاء أجاز البيع بجميع الثمن وغرم الجاني.
قال القاضي المَاوِرْدِيُّ: وإنما يَغْرَمُه إذا قبض العبد أما قبله فلا، لجواز موت العبد في يد البائع وانفساخ البيع، ثم الغرامة الواجبة على الأجنبي نصف القيمة ما نقص من القيمة بالقطع، فيه قولان جاريان في جِرَاحَ العبد مطلقاً، والأصح: الأول.
وثالثها: إذا قطع البائع يد العَبْدِ قبل التسليم، فإن جعلنا جنايته كالآفة السماوية، فللمشتري الخيار وإِنْ شاء فسخ واستردَّ الثمن، وإنْ شاء أجاز بجميع الثمن، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فله الخيار أيضاً، إن فسخ فذاك، وإن أجاز رجع بالأَرْش على
الجزء: 4 - الصفحة: 292
البائع وفي قَدْره القولان المذكوران في الأجنبي، وصاحب الكتاب جعل القول الصَّائر إلى أنّ جناية البائع كجناية الأجنبي أصح، لكن معظم الأصحاب على ترجيح القَوْل المقابل له.
وقوله: "إلاَّ أن يكون التَّعَيُّب بجناية أجنبي" استثناء منقطع، فإنه لا يدخل فيما قبله حتى يحمل على حقيقة الاسْتِثْنَاء.
قال الغزالي: وَتَلَفُ أَحَدِ العَبْدَيْنِ بُوجِبُ الانْفِسَاخِ فِي ذَلِكَ القَدْرِ (و) وَسُقُوطُ قِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَالسَّقْفُ مِنَ الدَّارِ كَأَحَدِ العَبْدَيْنِ، لاَ كَالوَصْفِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: إذا اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الثاني قَوْلاً تَفْرِيق الصَّفقة فإن قلنا: لا يفسخ وأجاز، فبكم يجيزه؟
قد ذكرناه في باب التَّفْرِيق، وفيه ما يقتضي إعلام قوله: "قسطه من الثمن" بالواو وقد أورد المسألة في الكتاب، وإنّما أعادها ليبيّن أنَّ المسألة الثانية دائرة بين هذه المسألة وبين صور العيب، فلذلك تردد الأصحاب فيها.
وصورتها: أنْ يحترق سقف الدار المبيعة قبل القبض، أو يتلف بعض أَبْنِيَتِهَا، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه كتعيُّب المبيع، مثل عمى العبد وسقوط يده وما أشبههما.
وأظهرهما: أنه كتلف أحد العبدين حتى ينفسخ البيع، وفي الباقي الخلاف؛ لأن السّقف يمكن إفراده بالبيع بتقدير الانفصال بخلاف يد العبد.
قوله: "لا كالوصف"، فيه إشارة إلى أنَّ النُّقْصان ينقسم إلى فوات صفة وهو العيب، وإلى فوات جزء، وذلك ينقسم إِلَى ما لا ينفرد بِالقِيْمَة والمالية كيد العَبْد، وهي في معنى الاتباع والأوصاف، وإلى ما يفرد كأحد العبدين وأحد الصَّاعين، وذكر بعض المتأخرين: أنه إذا احترق من الدار ما يفوت الغرض المطلوب منها، ولم يبق الأطراف ينفسخ البيع في الكُل، ويجعل فوات البعض في مثل ذلك كَفَوات الكل.
قال الغزالي: وَقدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَى البَيْعِ العِتْقُ (و) وَالهِبَةُ (و) وَالرَّهْنُ، وَكَذَلِكَ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ الإجَارَةُ، وَالتَّزْوِيجُ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: الحكم الثَّانِي للقبض التَّسلط على التَّصرف، فلا يجوز بيع المَبِيع قبل القبض عقاراً كان أَوْ منقولاً، لا بإذن البائع ولا دونه، لا قبل أداء الثَّمَن، ولا بعده خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يجوز بيع العَقَار قبل القبض، ولمالك -رحمه الله- حيث جَوَّزَ بيع غير الطَّعَام قبل القبض، وكذا بيع الطعام إذا اشتراه جزافاً،
الجزء: 4 - الصفحة: 293
ولأحمد -رحمه الله- حيث جوز بيع ما لَيْس بِمَكِيْل، ولا مَوْزون، ولا مَعْدُود، ولا مَذْرُوع قبل القبض، ويروى عن مالك وأحمد -رحمهما الله- ما بينه وبين هذه الرِّوَاية بعض التَّفَاوت.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ 314 ".
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتَوفَى، قَالَ: وَلاَ أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ" 315.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" 316.
وَرُوِيَ أنَّهُ لَمَّا بَعَثَ عَتَّاباً إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: "انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا يَقْبِضُوا، وَرِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا" 317.
وذكر الأصحاب عن طريق المَعْنَى سَبَبَيْن:
أحدهما: أَن الملك قبل القبض ضعيف، لكون المَبِيع مِنْ ضَمَان البَائع وانفساخ البيع لو تلف، فلا يفيد وِلاَيَة التَّصرف.
والثَّاني: أنه لا يتوالى ضماناً عقدين في شيء واحد، ولو نفذنا البيع من المشتري لأفْضَي الأمر إليه، لأن المبيع مضمون على البائع للمشتري، وإذا نفذ منه صار مضموناً عليه للمشتري الثَّاني، فيكون الشَّيء الواحد مضموناً له وعليه في عقدين والاعتماد على الأخيار، وإلاَّ فللمعترض أن يقول: تعنون بضعف المِلْك الانْفِسَاخ لو فرض تلف أو شيئاً آخر، إن عنيتم شيئاً آخر فهو ممنوع، وإن عنيتم الأوَّل فلم قلتم: إنَّ هذا القدر يمنع صحّة البيع؟
وأما الثاني: فلا يعرف، لكون المبيع من ضمانه معنى سوى أنه لو تلف ينفسخ البيع ويسقط الثمن، فلم لا يجوز أن يصح البيع؟ ثم لو تلف في يد البائع ينفسخ البيعان ويسقط الثمنان، ويتبيَّن أنه هلك في يده.
إذا تقرر ذلك فهل الإعتاق كالبيع؟ فيه وجهان:
أحدهما، ويحكى عن ابن خَيْرَانَ: نعم؛ لأنه إزالة مِلْك كالبيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
وأصحهما: لا، بل يصح الإِعْتاق ويصير قابضاً به لقوة العتق وغلبته، ولهذا يجوز إعتاق الآبِق دون بيعه، هذا إذا لمَ يكن للبائع حق الحَبْس، بأن كان الثمن مؤجلاً أو حالاً، وقد أداه المشتري، فإذا ثبت حق الحبس.
منهم مَنْ يُنْزله منزلة إعتاق الرَّاهن.
والصحيح: أنه ينفذ كما في الحالة الأولى بخلاف إِعْتاق الراهن، لأن الراهن حجر على نفسه بالرهن، والرهن أُنْشِئ ليحبسه المرتهن.
ولو وقف المبيع قبل القبض، ففي "التتمة": أنه يبنى على أن الوقف هل يفتقر إلى القبول؟ إن قلنا: نعم، فهو كالبيع.
وإن قلنا بالثَّاني، فهو كالإِعْتَاق، وبهذا أجاب صاحب "الحاوي" 318، وقال: إنه يصير قابضاً حتى لو لم يرفع البائع يده عنه يصير مضموناً بالقيمة، وكذا قال في إباحة الطَّعَام للفقراء والمَسَاكين، إذا كان قد اشتراه جُزَافاً، وللكتابة كالبيع في أصح الوجهين، إذ ليس له قوة العِتْق وغلبته، والاسْتيلاد كالعِتْق.
وفي هبة المَبِيع قبل القبض ورهنه وجهان، ويقال قولان:
أحدهما: أنهما صحيحان، لأن التسليم غير لازم فيهما بخلاف البيع، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأصحهما عند عامة الأصحاب: المنع لضعف المِلْك، فإنه كما يمنع البيع يمنع الهِبَة، أَلاَ تري أنه لا يصح رَهْن المكاتب وهبته؟ كما لا يصح بيعه، وقطع بعضهم بمنع الرهن إذا كان محبوساً بالثَّمن، وإذا صححناهما فنفس العقد ليس بقبض، بل يقبضه المشتري من البائع، ثم يسلمه من المُتّهب، أو المرتهن، ولو أذن للمُتَّهب أو المرتهن حتى قبضه.
ففي "التهذيب": أن يكفي ذلك، ويتمّ به البَيْع والهِبَة والرَّهْن بعده.
الجزء: 4 - الصفحة: 295
وقال أقضى القُضَاة المَاوِرْديّ: لا يكفي ذلك للبيع وما بَعْده، ولكن ينظر إن قصد قبضه للمشتري صح قبض البيع، ولا بد من اسْتِئْنَاف قبض لِلْهِبَة، ولا يجوز أن يأذن له في قبضه من نفسه لنفسه، وإن قصد قَبْضَه لنفسه لم يحصل القبض للبيع ولا للهبة، فإن قبضها يجب أن يتأخر عن تَمَام البيع والإقراض والتصدق، كالهِبَة والرَّهْن، ففيهما الخلاف.
وفي إِجَارة المبيع قبل قبضه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن مورد عقد الإجَارة غير مورد عقد البيع، فلا يتوالى ضماناً عقدين من جنس واحد.
والثاني: لا يصح، لضعف الملك ولأن التسليم مستحق فيها كما في البيع.
والأصح عند المعظم: الثاني، وعند صاحب الكتاب الأول.
وفي تزويج المشتري الجَارَية قبل القَبْض مثل هذين الوجهين، لكن الأصح في التَّزْوِيج الصِّحَّة بالاتِّفاق، ومنهم مَنْ أشار إلى وجه ثالث فارق بين أنْ يكون للبائع حق الحبس فلايصح التَّزويج؛ لأنه نقص، وبين أنْ لا يكون فيصح، وطرد مثله في الإِجَارة إذا كانت منقصة، وإذا صححنا التَّزْويج فوطء الزَّوج لا يكون قَبْضاً.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنه قبض، وكما لا يجوز بيع المبيع قبل القبض، لا يجوز جعله أُجْرَة في إجارة، وعوضاً في صلح، وكذا لا يجوز السّلم والإِشْرَاك والتَّوْلِية.
وعن مالك: أنه يجوز الإِشْرَاك والتَّوْلِية، وحكاه الشَّيْخ أبو عَلِيّ عن بعض الأصحاب.
وجميع ما ذكرناه فيما إِذَا تَصَرَّف مع غير البائع.
أما إذا باع من البَائع فوجهان:
أحدهما: الجواز، كبيع المَغْصُوب من الغاصب.
وأصحهما: المنع كالبيع من غيره 319.
والوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن، أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة،
الجزء: 4 - الصفحة: 296
وإلاّ فهو إقالة بصيغة البيع، كذا قاله في "التتمة" 320. ولو وهب منه أو رهن فطريقان:
أحدهما: القطع بالمنع، لأنه يجوز أن يكون نائباً عن المشتري في القبض.
وأصحهما فيما نقل صاحب "التهذيب": أنه على القولين، فإن جوزنا فإذا أذن له في القبض عن الهِبَة أو الرَّهْن ففعل أجزأ، ولا يزول ضمان البيع في سورة الرَّهْن، بل إذا تلف ينفسخ العقد، ولو رهنه عن البائع بالثمن، فقد مَرَّ حكمه.
فرع لابن سُرَيْجٍ: باع عبداً بثوب وقبض الثوب، ولم يسلم العبد له بيع الثوب، وليس للآخر بيع العبد، فلو باع الثَّوب وهلك العبد في يده بطل العقد فيه، ولا يبطل في الثوب ويغرم قيمته لبائعه، ولا فرق بين أن يكون هلاك العبد بعد تسليم الثوب أو قبله، لخروجه عن ملكه بالبيع، ولو تلف العَبْد والثوب في يده، غرم لبائع الثوب القيمة ورد على مشتريه الثَّمن.
قال الغزالي: وَبَيْعُ المِيرَاثِ وَالوَصِيَّةُ وَالمِلْكُ العَائِدُ بِالفَسْخِ قَبْلَ القَبْضِ وَالاَسْتِرْدَادِ جَائِزُ، وَإِنَّمَا المَانِعُ يَدٌ تَقْتَضِي ضَمَانَ العَقْدِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَاقِ قَبْلَ القَبْضِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانَ العَقْدِ، وَكَذَلِكَ في بَدَلِ الْخلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ.
قال الرافعي: المال المستحق للإنسان عند غيره قسمان: عَيْن في يده ودَيْن في ذمته.
أما الثَّاني: فيأتي في الفصل التَّالي لهذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
وأَمَّا القِسْم الأول: فما له في يد الغير إمّا أن يكون أمانة أو مضموناً.
الضرب الأول: الأمانات، فيجوز للمالك بيعها لتمام المِلْك عليها، وحصول القدرة على التَّسْليم، وهي كالوَدِيْعَة في يد المودع، ومال الشركة والقرَاض في يد الشَّرِيك والعَامِل، والمال في يد الوكيل بالبيع ونحوه، وفي يد المرتهن بعد انفكاك الرَّهْن، وفي يد المستأجر بعد إنقضاء المُدَّة، والمال في يد القيم بعد بلوغ الصَّبِي رشيداً، وما احتطبه العبد واكتسبه وقبله بالوصيّة، قبل أن يأخذه السيد.
ولو ورث مالاً فله بيعه قَبْلَ قبضه، إِلاَّ إذا كان المورث لا يملك بيعه أيضاً، مثل ما اشتراه ولم يقبضه.
الجزء: 4 - الصفحة: 297
ولو اشترى من مُورثه شيئاً ومات المُورث قبل التَّسْليم فله بيعه، سواء كان على المُورث دين أو لم يكن، وحق الغَرِيمِ يتعلق بالثَّمن، فإنْ كان لهُ وَارِث آخر لم ينفذ بيعه في قدر نصيب الآخر حتى يقبضه.
ولو أوصى له بمال فقبل الوَصِيّة بعد موت المُوصي، فله بيعه قبل أَخْذِه، ولو باعه بعد الموت وقبل القبول جاز، إنْ قلنا: الوصية تملك بالموت وإن قلنا: تملك بالقبول، أو هو موقوف فلا.
الضَّرْب الثَّاني: المضمونات، وهي ضَرْبَان مضمون بالقيمة، ومضمون بعوض في عقد مُعَاوَضَة.
الضَّرْب الأول: المضمون بالقيمة: وهذا الضَّمَان يسمى ضمان اليَدِ، فيصحّ بيعه قبل القبض أيضاً لتمام المِلك فيه، فإنه لو تلف تلف على ملكه، ويدخل فيه ما صار مضموناً بالقيمة بعقد مفسوخ وغيره، حتى لو باع عبداً فوجد المشتري به عيباً وفسخ البيع كان للبائع بيع العبد، وإنْ لم يسترده.
قال في "التتمة": إلاَّ إذا لم يؤد الثمن، فإن للمشتري حبسه إلى استرجاع الثمن.
ولو فسخ السَّلَم لانقطاع المسلّم فيه، فللمسلم بيع رأس المال قبل اسْتِرْداده، وكذا للبائع بيع المبيع إذا فسخ بِإِفْلاَس المشتري ولم يسترده بعد.
ويجوز بيع المال في يد المُسْتَعِير والمُسْتَام، في يد المشتري والمتّهب في الشراء والهبة الفاسدين، وكذا بيع المغصوب من الغاصب.
الضَّرب الثاني: المضمون بعوض في عقد مُعَاوضة، فلا يصحّ بيعه قَبْل القبض لتوهّم الانفساخ بتلفه، وذلك كالمبيع والأُجْرة، والعوض المصالح عليه عن المال.
وفي بيع المرأة الصَّداق قبل القبض، قولان مَبْنِيَّان على أَنَّ الصَّادق مضمون في يد الزوج ضمان اليد أو ضَمَان العَقْد، وموضع بيانهما "كتاب الصداق".
والأصح: أنه مَضْمُون ضمان العقد، والقولان جاريان في بيع الزوج بدل الخُلْع قبل القبض، وبيع العَافِي عن القود المال المعقود عليه قبل القبض لمثل هذا المأخذ، -والله أعلم-.
ووراء ما ذكرنا صورة أخرى إذا تأملتها لم يخف عليك، أنَّ كل واحدة منها من أي ضرب هي:
فمنها: حكى صاحب "التلخيص" عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن الأرزاق التي يخرجها السّلطان للناس، يجوز بيعها قبل القبض.
فمن الأصحاب من قال: هذا إذا أفرزه السُّلْطَان، فتكون يد السُّلْطان في الحِفْظِ يد المفرز له، ويكفي ذلك لصحّة البيع.
ومنهم من لم يَكْتَفِ بذلك، وحمل النص على ما إذا وكل وكيلاً بقبضه فقبضه
الجزء: 4 - الصفحة: 298
الوكيل، ثم باعه الموكل، وإلاَّ فهو بيع شيء غير مملوك، وهذا ما أورده القَفَّال في الشَّرح 321.
ومنها: بيع أحد الغَانمين نصيبه على الإشَاعة قبل القبض، صحيح إذا كان معلوماً كما إذا كانوا خمسة، فالخمس لأهل الخمس، والباقي على خمسة أَسْهم، فيكون نَصِيب الواحد أَرْبَعَة من خمسة وعشرين، هذا إذا حكمنا بثبوت الملك في الغنيمة، وفيما تملك به الغَنِيمة خلاف سيذكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: إذا رجع فيما وهب لولده له بيعه قبل اسْتِرْداده.
وقال القاضي ابن كَجٍّ: ليس له ذلك.
ومنها: الشَّفِيع إذا تملّك الشَّقْص.
قال في "التهذيب": له بيعه قبل القبض، وقال في "التتمة": ليس له ذلك؛ لأن الأخذ بالشّفْعة معاوضة 322.
وللموقوف عليه أن يبيع الثمرة الخارجة من الشَّجرة الموقوفة قبل أن يأخذها.
ومنها: إذا استأجر صَبَّاغاً ليصبغ له ثوباً وسلَّمه إليه، فليس للمالك بيعه، ما لم يصبغه لأن له أَنْ يحبسه إلى أنْ يعمل ما يستحق به العِوض، وإذا صبغه فله بيعه قبل الاسْتِرْدَاد إن وَفَّى الأجرة، وإلاَّ فلا؛ لأنه يستحق حبسه إلى اسْتيفاء الأجرة.
ولو استأجر قصاراً لقصر وسلَّمه إليه، فلا يجوز بيعه ما لم يقصره، وإذا قصره فيبنى على أن القصَارة عين، فتكون كمسألة الصَّبْغ أو أثر فله البيع، إذ ليس للقَصَّار الحبس، وعلى هذا قياس صوغ الذّهب ورياضة الدَّابة ونسج الغَزْل.
ومنها: إذا قاسم شريكه فيبيع ما صار له قبل القَبْض من الشريك على أن القسمة بيع أو إفراز.
ومنها: إذا أثبت صَيْداً بالرَّمي أو وقع في شبكته، فله بيعه وإنْ لم يأخذه، ذكره صاحب "التلخيص" في هذا الموضع.
قال القفال: وليس هو مما نحن فيه فإنه إذا أثبته كان في قبضته حكماً.
الجزء: 4 - الصفحة: 299
فرع: تصرف المشتري في زوائد المَبِيع قبل القبض، مثل الولد والثَّمرة يبنى على أنَّهَا تعود إلى البائع لو عرض انفساخ أو لا تعود إن عادت لم يتصرف فيها كما في الأصل، وإلاَّ تصرف.
ولو كانت الجارية حاملاً عند البيع، وولدت قبل القبض، إن قلنا: الحمل يقابله قسط من الثمن لم يتصرف فيه، وإلاَّ فهو كالولد الحادث بعد البيع.
قال الغزالي: وَالمَبِيعُ سَوَاءٌ كَانَ مَنْقُولاً أَوْ عَقَاراً (ح) فَيَمْتَنِعُ (م) بَيْعُهُ قَبْلَ القَبْضِ، وَإِنْ كَانَ دَيْناً كَالمُسَلَّم فِيهِ فَكَمِثْلِ (م)، وَكُلُّ دَيْنٍ ثَبَتَ لاَ بِطَرِيقِ المُعَاوَضةِ بَلْ بِقَرْضٍ أَو بإِتْلاَف فَيَجُوزُ الاسْتِبْدَالُ عَنْهُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ قَبْضِ البَدَلِ في المَجْلِسِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ علَى الأَصَحِّ، وَالأَظْهَرُ مَنْعُ الحِوَالَةِ بَالمُسَلَّمِ فِيهِ، وَعَلَيْهِ لِأَنَّ فِي الحِوَالَةِ مَعْنَى الاعْتِيَاضِ، وَيَجُوزُ (و) أَنْ يَسْتَبْدِلَ عنِ النَّقْدِ بالنَّقْدِ وَإِنْ كَانَ ثَمَناً (و) لِلْحَدِيثِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّناً، فَإِنْ عُيِّنَ تَعَيَّنَ (ح)، وَامْتَنَعَ (ح) الاسْتِبْدَالُ عَنْهُ، وَانْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِهِ (ح).
قال الرافعي: قوله: "والمبيع سواء كان منقولاً أو عقاراً فيمتنع بيعه قبل القبض" كأنه قصد به التَّعرض لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله- في العَقَار والتَّدرج به، إلى ذكر ما إذاً كان المَبِيْع دَيْناً، وإلاَّ فقد سبق ما يعرف منه امتناع بيع المبيع قبل القبض.
وشرح الفصل يحوج إلى تقديم وتأخير في مسائله، فلا نُبَال بذلك.
اعلم أن مِنْ مسائل القسم الأول، وهو أن يكون المستحق عَيْناً في يد الغير، ما إذا باع متاعاً بدراهم أو دنانير معينة، فليس للبائع التَّصرف فيهما قبل القَبْض، وذلك لأن الدَّرَاهم والدنانير متعينان بالتَّعيين كالمبيع، فلا يجوز للمشتري إبدالها بمثلها، ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع، ولو وجد البائع بها عيباً لم يستبدلها، بل يرضى بها أو يفسخ العقد، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين، ويجوز إبدالها بمثلها، وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيباً له الاستبدال.
لنا القياس على طرف البيع، وأيضاً فإن الدراهم والدنانير يتعينان في الغَصْب والوديعة، فكذلك هاهنا.
ولو أبدلها بمثلها أو بغير جنسها برضا البائع، فهو كبيع المبيع من البائع.
القسم الثاني: الدَّيْن في ذمة الغير، وهو على ثلاثة أضرب؛ لأنه إمَّا أن يكون مثمناً أو ثمنًا أو لا مثمناً ولا ثمناً.
الجزء: 4 - الصفحة: 300
وقبل الشّروع في هذه الأضرب نذكر أصلاً، وهو: أن الثمن ماذا والمثمن ماذا؟
وجملة ما قيل فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الثمن ما ألصق به الباء، لأن هذه الباء تسمى باع التثمين ويحكى هذا عن القَفَّال.
والثاني: أن الثمن: هو النقد؛ لأن أهل العرف لا يطلقون اسم الثمن على غيره، والمثمن ما يقابل ذلك على اختلاف الوجهين:
والثالث، وهو الأصح: أن الثمن: هو النقد والمثمن ما يقابله، فإنْ لمْ يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين، فالثمن ما ألصق به الباء والمثمن ما يقابله.
ولو باع أحد النقدين بالآخر، فعلى الوجه الثاني، لا مثمن فيه، ولو باع عرضاً بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه، وإنما هو مقابضة.
ولو قال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد.
فعلى الوجه الأول العبد ثمن، والمثمن الدراهم.
وعلى الثاني والثالث في صحة العقد وجهان، كالسّلم في الدراهم والدنانير، لأنه جعل الثمن مثمناً، فإن صححنا فالعبد مثمن.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بعبد ووصفه صح العقد.
فإن قلنا: الثمن ما ألصق به الباء فالعبد ثمن، ولا يجب تسليم الثَّوْب في المجلس، وإن لم نقل بذلك ففي وجوب تسليم الثوب وجهان.
في وجه: لا يجب، إذ لم يجر بينهما لفظ السلم.
وفي وجه: يجب اعتباراً بالمعنى.
إذا عرفت هذه المقدمة.
فالضرب الأول: المثمن وهو المسلّم فيه فلا يجوز الاستبدال عنه ولا بيعه 323 من غيره.
رُوِيَ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فلاَ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِه" 324.
وأيضاً فإن المبيع مع تعينه لا يجوز بيعه قبل القبض، فالمسلم فيه مع كونه مرسلاً في الذمة أولى، وهل للحِوَالة مدخل في المسلم فيه؟
الجزء: 4 - الصفحة: 301
إما به، بأن يحيل المسلم إليه بحقه على مَنْ له عليه دين قرض أو إتلاف.
وإما عليه، بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه، فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا، لما فيه من تبديل المسلم فيه بغيره.
والثاني: نعم، تخريجاً على أن الحِوَالة استيفاء وإيفاء لا اعتياض.
والثالث: لا تجوز الحوالة عليه؛ لأنها بيع سلم بدين، وتجوز الحَوَالة به على القرض ونحوه؛ لأن الواجب على المسلم إليه توفير الحق على المسلم، وقد فعل هكذا.
حكى الوجه الثالث إمام الحرمين وهو حاصل ما رواه القاضي ابن كج عن أبي علي الطَّبَرِي، وأبي الحسين بعد رواية الوجه الثاني عن ابن الوكيل.
وعكس صاحب الكتاب -رحمه الله- الوجه الثالث في "الوسيط" وقال: تجوز الحوالة عليه؛ ولا تجوز به، ولا أخاله 325 ثبتاً.
الضرب الثاني: الثمن، فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة، ففي الاستبدال عنها قولان:
القديم: أنه لا يجوز، لمطلق النهي عن بيع ما لم يقبض، وأيضاً فإنه عوض في معاوضة، فأشبه المسلم فيه.
والجديد: الجواز.
لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كُنْتُ أَبيعُ الإِبِلَ بالْبَقِيع بالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الْوَرِقَ، وَأَبِيعُ بالْوَرِقِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأتَيْتُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ بِالْقِيَمَةِ".
ويروى أنه قال: "لاَ بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ" 326.
وعن القاضي أبي حامد وأبي الحسين -رحمهما الله-: القطع بالقول الثاني.
وإذا باع شيئاً بغير الدراهم والدَّنانير في الذمة، فجواز الاستبدال عنه يبنى على أنَّ الثَّمن ما ألصق به باء التَّثْمين أَوْ غيره.
إن قلنا: إنه هو، فيجوز الاسْتِبْدَال عنه كالنقدين، وادعى في "التهذيب": أنه المذهب.
وإن لم نَقْل بذلك فلا يجوز، لأن ما ثبت في الذمة مثمناً لا يجوز أن يستبدل
الجزء: 4 - الصفحة: 302
عنه، والأجرة كالثمن والصداق وبدل الخلع، كذلك إن قلنا: إنهما مضمونان ضمان عقد، إلاَّ فهما كبدل الإتلاف التفريع: إن منعنا الاستبدال عن الدراهم، فذاك في استبدال العروض عنها، فأما استبدال نوع منها عن نوع، أو استبدال الدَّنَانير عن الدراهم، ففيه وجهان عن صاحب "التقريب" لاستوائهما في مقصود الرَّواج، وإن جوزنا الاستبدال عنها وهو الصحيح فلا فرق بين بدل وبدل، ثم ينظر إن استبدل عنها ما يوافقها في علة الربا، كما إذا ااستبدل عن الدَّراهم الدَّنانير، فيشترط قبض البلد في المجلس، وكذا إذا استبدل عن الحِنْطة المبيع بها شعيراً، إن جوزنا.
ذلك ففي اشتراط تعين البدل عند العقد وجهان:
أحدهما: يشترط، وإلاَّ فهو بيع دين بدين.
وأصحهما: أنه لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة، ثم عَيّنا وتقابضا في المجلس.
وإن استبد عنها ما لا يوافقها في علَّة الربا، كما إذا استبدل عن الدَّراهم طعاماً أو ثياباً، نظر إن عين البدل جاز، وهل يشترط قبضه في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وهو اختيار الشَّيخ أبي حامد، ويحكى عن أبي إسحاق؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الثَّاني كرأس مال السلم.
وأصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يشترط، كما لو باع ثوباً بدرهم في الذمة، لا يشترط قبض الثوب في المجلس، ويحكى هذا عن ابن سُرَيج.
وإن لم يعين البدل، ولكن كان موصوفاً في الذمة، فعلى ما سبق من الوجهين إن جوزنا فلا بد من التَّعيين في المجلس، وفي اشتراط القبض الوجهان 327.
الضرب الثالث: ما ليس بثمن ولا مثمن كدين القَرْض والإتْلاف، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف 328، كما لو كان في يده عين مال بِغْصب أو عَارِية، يجوز بيعه
الجزء: 4 - الصفحة: 303
منه ويفارق المسلم فيه فإنه غير مستقر لجواز أنْ يطرأ ما يقتضي انفساخ السلم، وهذا مستقر.
ثم الكلام في اعتبار التَّعيين والقبض على ما سبق.
وفي "الشَّامل" أن القرض إنما يستبدل عنه إذا استهلكه، أما إذا بقي في يده فلا، لأنا إنْ قلنا: إن القرض يملك بالقبض فبدله غير مستقر في الذمة؛ لأن للمقرض أن يرجع في عينه، وإن قلنا: يملك بالتصرف، فالمستقرض متسلّط عليه وذلك يوجب ضعف ملك المقرض، فلا يجوز الاعتياض عنه -والله أعلم-.
ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ويجوز العَكْس، وكأن من عليه المؤجل قد عجله.
واعلم: أنَّ الاستبدال بيع ممن عليه الدّين وقد تبين حكمه، فأما بيعه من غير ممن عليه كما إذا كان على إنسان مائة، فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة فقولان:
أحدهما: أنه يجوز، كبيعه ممن عليه.
وأصحهما: المنع لعدم القدرة على التسليم، وعلى الأول يشترط أنْ يقبض مشتري الدَّين الدين ممن عليه، وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس، حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد 329.
ولو كان له دين على إنسان، ولآخر مثله على ذلك الإنسان، فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه وقبل الآخر لم يصح، إن اتّفق الجنس أو اختلف.
"لِنَهْيِهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بالْكَالِئِ" 330. وقوله في الكتاب: "وكل دين ثبت لا بطريق المعاوضة، بل بقرض أو بإتلاف" لا شبهة أن دين الإتلاف ثبت لا بطريق المعاوضة.
وأما دين القرض فسيأتي في فصل القرض: -إن شاء الله تعالى- أنه ليس على سبيل المعاوضات أيضاً.
وقوله: "ولكن يشترط قبض البدل في المجلس على الأصح" أي: من الوجهين، وترجيح وجه الاشتراط خلاف ما ذكرنا عن اختيار الإمام وصاحب "التهذيب"، لكنه متأيد بظاهر نصه في "المختصر"، وبه قال جماعة من الأصحاب.
وقوله: "ويجوز أن يستبدل عن النقد بالنقد وإن كان ثمناً"، أي: استبدال أحد النقدين عن الآخر لا يختص بدين القرض والإتلاف، بل يجري في الثمن أيضاً، وليعلّم قوله: "وإن كان ثمناً" بالواو للقول الآخر، وأراد بالحديث ما رويناه عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
قال الغزالي: أَمَّا صُورَةُ القَبْضِ فَيُحْكَمُ فِيهِ بِالعَادَةِ، فَفِي العَقَارِ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 304
وَفي المَنْقُولِ يَكْفِي فِيهِ النَّقْلُ، وَلاَ يَكْفِي التَّخْلِيَةُ (م ح)، وَقَدْ قِيْلَ: يَحْصُلُ انْتِقَالُ الضَّمَانِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَمَا يُشْتَرى مُكَايَلَةَ فَتَمَامُ القَبْضِ فِيهِ بِالنَّقْلِ، وَالكَيْلِ، فَإذَا اشْتَرَى مُكايَلَةً وَبَاعَ مُكايَلَةً فَلاَ بُدَّ لِكُلِّ بَيْعٍ (و) مِنْ كَيْلٍ جَدِيد لِيتمَّ القَبْضُ للحَدِيث.
قال الرافعي: قد تم بيان الأمر الأول، وهو حكم القبض وثمرته، وهذا أول الشُّروع في الأمر الثاني، وهو أن القبض بم يحصل؟ والقول الجملي فيه: أن الرجوع فيما يكون قبضاً إلى العادة، ويختلف بحسب اختلاف المال.
وتفصيله: أن المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه، أو يباع معتبراً فيه تقدير.
الحالة الأولى: أن لا يعتبر فيه تقدير، إما لعدم إمكانه أو مع إمكانه، فينظر إنْ كان المبيع ممَّا لا ينقل كالدور والأراض، فقبضه بالتّخلية بينه وبين المشتري، وتمكينه من اليد وَالتَّصرف بتسليم المفتاح إليه، ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه، ويشترط كونه فارغاً عَنْ أمتعة البائع 331، فلو باع داراً فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها، وكذا لو باع سفينة مَشْحُونة بأمتعة لكون البائع مستعملاً للمبيع منتفعاً به 332.
ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار، وخلَّى بين المشتري وبين الدار، حصل القبض فيما عدا ذلك البيت.
وفي اشتراط حضور المتبايعين عند المبيع ثلاثة أوجه منقولة في "التهذيب".
أحدها: يشترط، فإن حضرا عنده، وقال البائع للمشتري: دونك هذا ولا مانع حصل القبض، وإلا فلا.
والثاني: أنه يشترط حضور المشتري عنده دون البائع ليتأتى إِثْبَات اليد عليه.
والثالث، هو الأظهر: أنه لا يشترط حضور واحد منهما؛ لأن ذلك قد يشق، فإذا خَلَّى بينه وبين المبيع، فقد أتى بما عليه فليتصرف، وعلى هذا فهل يشترط أن يمضي زمان إمكان المضي إليه؟ فيه وجهان:
الأصح: الاشْتِرَاط وفي معنى العَقَار الشجر الثَّابت، والتمرة المبيعة على الشجرة قبل أوان الجُذَاذ.
وإن كان المبيع من جملة المنقولات، فالمذهب المشهور، وبه قال
الجزء: 4 - الصفحة: 305
أحمد: أنه لا يكفي فيه التَّخلية، بل لا بد من النَّقْل والتَّحْويل.
وقال مالك وأبو حنيفة: إنه يكفي التَّخلية كما في العَقَار، وعن رواية حرملة قول مثله، وفيه وجه آخر: أنَّ التَّخلية كافية لنقل الضَّمان إلى المشتري غير كافية للتَّسلط على التصرف؛ لأن البائع أتى بما عليه والمقصر المشتري حيث لم ينقل، فليثبت ما هو حق البائع.
وجه ظاهر المذهب ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كُنَّا نَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جُزَافاً، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَبيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانه" 333.
وأيضاً فإن العادة في قبض المنقول النقل، فعلى هذا يأمر العبد بالانتقال من موضعه، ويسوق الدابة أو يقودها 334.
وإذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كَمَوات ومسجد وشارع، أو في موضع يختص بالمشتري، فالنقل من حَيِّز إلى حَيِّز كافٍ.
وإن كان في دار البائع أو في بقعة مخصوصة به، فالنقل من زاوية إلى زاوية، أو من بيت إلى داره أو من دار إلى بيت آخر بدون إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف، ولكن يكفي لدخوله في ضمانه، وإن نقل بإذنه حصل القبض، وكأنه استعار ما نقل إليه المال.
ولو اشترى الدَّار صَحَ أمتعة فيها صفقة واحدة، فخلَّى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار، وفي الأمتعة وجهان:
أصحهما: أنه لا بد فيها من النقل أما لو بيعت وحدها.
والثاني: أن القبض يحصل فيها أيضاً تبعاً، وبهذا أجاب الماوردي، وزاد فقال: لو اشترى صُبْرَة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض الَّتي عليها الصُّبْرة، وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة 335.
ولو لم يتفقا على القبض، ولكن جاء البائع بالمبيع وامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه عنه، كلما لو كان غائباً 336.
ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه، فوضعه بين يديه حصل القبض،
الجزء: 4 - الصفحة: 306
وإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئاً أو قال: لا أريده، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحصل القبض، كما لا يحصل به الإيداع.
وأصحهما: يحصل لوجوب التَّسليم، كما لو وضع الغَاصِب المغصوب بين يدي المَالك يبرأ عن الضمان، فعلى هذا للمشتري التَّصرف فيه، ولو تلف فهو من ضمانه، لكن لو خرج مستحقّاً، ولم يجر إلاَّ وضعه بين يديه، فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان؛ لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب.
ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحق الدين، ففي حصول التسليم خلاف مرتب على البيع، وهذه الصورة أولى بعدم الحصول لعدم تعيّن الملك.
وهل للمشتري الاستقلال بنقل المبيع؟ إنْ كان قد وفَّي الثمن، أوْ كان الثمن مؤجَّلاً فنعم، كما أنَّ للمرأة قبض الصَّداق بدون إذن الزوج إذا سلمت نفسها، وإلاَّ فلا وعليه الرد؛ لأن البائع مستحق الحبس لاسْتيفاء الثمن ولا ينفذ تصرفه فيه، لكن يدخل في ضمانه.
فرع: دفع ظرفاً إلى البائع، وقال: اجعل المبيع فيه ففعل لا يحصل التسليم، إذ لم يوجد من المشتري ما هو قبض والظَّرف غير مضمون عليه، لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه، وفي مثله في السَّلم يكون الظرف مضموناً على المسلم إليه؛ لأنه استعمله في مِلْك نفسه.
ولو قال للبائع: أَعِرني ظرفك، واجعل المبيع فيه ففعل، لا يصير المشتري قابضاً أيضاً.
الحالة الثانية: أن يباع الشيء مع اعتبار تقدير فيه كما إذا اشترى ثوباً، أو أرضاً مُذَارعة، أومتاعاً موازنة، أو صُبْرَة حِنْطَة مُكَايلة، أَوْ معدوداً بالعَدَد فلا يكفي للقبض ما مر في الحالة الأولى، بل لا بُدَّ مع ذلك من الذَّرع أو الوزن أو الكيل أو العد؛ وكذا لو أسلم في آصع أو إِنَاء من طعام، لا بد في قبضه من الكيل أو الوزن، فلو قبض جُزَافاً ما اشتراه مُكَايلة دخل المقبوض في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح؛ لأنه قد يزيد على القدر المستحق.
وإنْ باع ما يستيقن أنه له، فوجهان عن أبي إسحاق: أنه يصح.
وقال ابن أبي هريرة، وساعده الجمهور: لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد.
وقبض ما اشتراه كيلاً بالوزن ووزناً بالكيل كقبضه جُزافاً.
ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقاً له، فالقبض فَاسد أيضاً حتى يجري اكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 307
ولو تلف المقبوض، فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر؛ وزعم المدفوع إليه أنه كان دون حقه أو قدره، فالقول: قوله.
قال الشيخ أبو حامد وغيره: ومعنى التصديق المذكور في صورة المسألة أنْ يحمل خبره على الصدق، ويأخذه بناء عليه، فأما إذا أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه، وفسر إمام الحرمينْ البيع مُكَايلة، بأن يقول: بِعْتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، وهو من صورها.
ومنها: أن يقول: بعتكها على أنها عشرة آصع.
ومنها: أن يقول: بعتك عشرة آصع منها، وهما يعلمان صيعانها أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك.
وإذا اعتبر في المبيع كيل أو وزن، فليس على البائع الرِّضا بكيل المشتري، وعلى المشتري الرِّضَا بكيل البائع، بل يتفقان على كيال، فإن لم يتراضيا نصب الحاكم أميناً يتولاه ذكره في "الحاوي".
ولو كان لزيد طعام على رجل سلماً، ولآخر مثله على زيد، فأراد زيد أن يوفي ما عليه مما له على الآخر، فقال: اذهب إلى فلان، واقبض لنفسك مما لي عليه، فقبضه فهو فاسد، وكذا لو قال: احضر معي لأقبضه وأكتاله لك وفعل، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً ومسنداً أنه: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، يَعْنِي صَاعَ البَائِعِ وَصَاعَ الْمُشْتَرِي" 337.
وعلى هذا الخبر بناء مسائل الباب.
وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الآخذ، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق زيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهما مبنيان على القولين، فيما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري، هل يعتق المكاتب؟
فإن قلنا: لا يبرأ، فعلى القابض رد المقبوض إلى الدافع.
ولو قال زيد: اذهب إليه واقبضه لي، ثم اقبضه منى لنفسك بذلك الكيل، أو قال: احضر معي لأقبضه لنفسي، ثم تأخذه أنت بذلك الكيل ففعل، فقبضه لزيد في المسألة الأولى، وقبض زيد لنفسه في الصورة الثانية صحيح، وتبرأ ذمة الدافع عن حقه، والقبض الآخر فاسد، والمقبوض مضمون عليه، وفي قبضه لنفسه في الصورة
الجزء: 4 - الصفحة: 308
الأولى وجه آخر: أنه صحيح، وسنذكره في نظائره، ويؤيده أنه لو كان المبيع في يد المشتري عند البيع صح قبضه لنفسه على تفصيل سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "الرهن" فإن حجة الإسلام ذكر طرفاً منه هناك.
ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه، ثم كاله على مشتريه وأقبضه، فقد جرى الصَّاعَان وصح القبضان، ثم إن كان وقع في الكَيْل الثَّاني زيادة أو نقصان، ينظر إن كان قدر ما يتفق بين الكيلين، فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له، وإن كان كثيراً تبيّن أن في الكيل الأول غلطاً أو تغليطاً فيرد زيد الزيادة، ويرجع بالنقصان.
ولو أن زيداً لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلّمه كذلك إلى مشتريه فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح القبض الثَّاني، حتى يخرجه ويبتدئ كيلاً.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن استدامته في المكيال كابتداء الكيل، وهذه الصورة كما تجري في دَيْني السلم تجري أيضاً فيما إذا كان أحدهما مستحقاً بالسلم، والآخر بِقَرْض أو إتلاف.
ونختم شرح الفصل بكلامين في شرح لفظ الكتاب:
أحدهما: قوله: "فتمام القبض فيه بالنقل والكيل"، لفظ التمام إنما كان يحسن أن لو اقتصر على ذكر الكيل ليكون ذلك إشارة إلى النقل الكافي، فما سبق غير كافٍ هاهنا، بل لا بد من تتمة له وهو الكيل، أما إذا وقع التعرض للأمرين جميعاً، فلفظ التمام مستغنى عنه.
والثاني: قوله: "فلو اشترى مكايلة وباع مكايلة"، يمكن تنزيله على صورة السلم، ويمكن أن يكون شراء المعين وبيعه مراداً، ولكن البيع حينئذ يقع بعد ما اكتاله لنفسه، وإلاَّ فهو باطل لكونه قبل القبض، وظاهر قوله: "فلا بد من كيل جديد"، يوافق الوجه الذاهب إلى أن استدامته في المكيال غير كافية.
وقوله: "ولا تكفي التخلية"، يجوز إعلامه بالحاء والميم والواو لما رواه حرملة.
وقوله: "يحصل انتقال الضمان بالتخلية" بالألف.
فرع: مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع، كمؤنة إحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثمن على المشتري لتوقف التسليم عليه، ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أو المشتري، وحكى صاحب "الحاوي" فيه وجهين 338.
الجزء: 4 - الصفحة: 309
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ (و) أَنْ يَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، إلاَّ الوَالِدَ يَقْبِضُ لِوَلدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلنَفْسِهِ مِنْ وَلَدِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ في طَرَفَي البَيْعِ.
قال الرافعي: للمشتري أن يوكل بالقبض، كما له أن يوكل بالعقد، وكذا للبائع أن يوكل بالإقباض، ويعتبر في ذلك أمران:
أحدهما: أن لا يوكل المشتري من يده يد البائع كعبده ومُسْتَولدته ولا بأس بتوكيل ابنه وأبيه ومُكَاتبه، وفي توكيل عبده المأذون في التِّجارة وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز.
ولو قال للبائع: وَكِّل من يقبض لي منك ففعل جاز، ويكون وكيل المشتري، وكذا لو وكل البائع بأن يأمر من يشتري منه للموكل.
والثاني: ألاَّ يكون القابض والمُقْبِض واحداً، فلا يجوز أن يوكل البائع رجلاً بالإقْباض وَبِوِكالة المشتري بالقبض كما لا يجوز أن يوكله هذا بالبيع، وذاك بالشراء ليتولى الطرفين.
ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره، فدفع إلى المستحق دراهم، وقال: أشتر بها مثل ما تستحقه واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، ففعل صَحَّ الشراء والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض، وامتناع كونه وكيلاً لغيره في حق نفسه، هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي وجهاً: أنه يصح قبضه لنفسه، وإنما المُمْتنع أن يقبض من نفسه لغيره، ولو قال: اشتر بهذه الدَّراهم لي واقبضه لنفسك، ففعل صحَّ الشراء ولم يصح قبضه لنفسه؛ لأن حق الإنسان لا يتمكن الغير من قبضه لنفسه، ويكون المقبوض مضموناً عليه، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق الموكل، فيه ما مر من الوجهين.
ولو قال: اشتر لنفسك، فالتوكيل فاسد، إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه، وتكون الدراهم أمانة في يده؛ لأنه لم يقبضها ليمتلكها، فإن اشترى نظر إن اشترى في الذِّمة وقع عنه، وأذى الثمن من ماله، وإن اشترى بعينها فهو باطل، وذكر ابن سُرَيْجٍ وجهاً: أنه صحيح.
ولو أذن لمستحق الحِنْطة أن يكتال من الصُّبْرة حقه، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن الكيل أحد رُكْني القبض، وقد صار نائباً فيه من جهة البائع متأصلاً لنفسه.
والثانى: يجوز؛ لأن المقصود منه معرفة المقدار والمقبض هو البائع.
ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الأب لابنه الصغير من مال نفسه، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 310
لنفسه من مال ابنه الصغير، فإنه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع، وهل يحتاج إلى النقل والتَّحويل في المنقول؟ روى القاضي الماوردي فيه وجهين:
والأظهر: اعتباره كما يعتبر الكيل إذا باع بالكيل.
وقوله في الكتاب: "وليس لأحد أن يقبض لنفسه" يجوز إعلامه بالواو لما رواه المسعودي، ثم هذا اللفظ غير مُجْرى على إطلاقه لما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- فيما إذا كان المبيع في يد المشتري.
وقوله: "إلاَّ الوالد يقبض لولده من نفسه، استثناء منقطع، وإلاَّ فهو غير داخل في قبض الإنسان لنفسه من نفسه، هذا تمام الكلام في صورة القبض.
وينبغي أن نتذكر الآن مَا مَرَّ أن إِتْلاف المشتري المبيع 339 قبض، وإنْ لم توجد فيه هذه الصورة.
وقبض الجزء الشَّائع إنما يحصل بتسليم الجَمِيع، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده 340، ولو طلب القسمة قبل القبض.
قال في "التتمة": يجاب إليه.
أما إذا جعلنا القِسْمَة إفرازاً فظاهر.
أما إذا جعلناها بيعاً، فإن الرِّضا غير معتبر فيه؛ لأن الشَّرِيك يجبر عليه، وإذا لم يعتبر الرِّضا جاز أن لا يعتبر القبض كما في الشّفْعة.
-والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا وُجُوبُ التَّسْلِيم يَعُمُّ الطَّرَفَيْنِ وَالبَدَاءَةُ بِالبَائِعِ (ح م) فِي قَوْلٍ، وَبِالمُشْتَرِي في قَوْلٍ، وَيَتَسَاوَيَانِ (م ح) فِي أَعْدَلِ الأَقْوَالِ فمنِ ابْتَدَأَ أَجْبَرَ صَاحِبَهُ، فَإِنْ سَلَّم البَائِعُ طَالَبَ المُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِباً أَشْهَدَ عَلَى وَقْفِ مَالِهِ أَيْ حَجَرَ عَلَيْهِ (و)، فَإِنْ وَفَّى أَطْلَقَ الوَقْفَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَهُوَ مُفْلِسٌ، وَالبَائِعُ أَحَقُّ (ح) بِمَتَاعهِ هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-، وَهَذَا حَجْرٌ سَبَبُهُ مَسِيسُ الحَاجَةِ إِلَيْهِ خِيفَةَ فَوَاتِ أَمْوَالِهِ بَتصَرُّفِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الفَسْخُ بالفَلْسِ، وَقِيلَ بِإنْكارِ الحَجْرِ لَكنَّهُ خِلاَفُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
قال الرافعي: الأمر الثالث: وجوب لتسليم.
لا شك أن على كل واحد من المُتَبايعين تَسْليم العوض الذي استحقه الآخر، لكن لو اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثَّمن حتى أقبض المبيع، ففيه أربعة أقوال:
أحدها: أن الحاكم يجبرهما على التَّسْليم، فيأمر كل واحد منهما بإحضار ما عليه فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري لا يضره بأيهما بدأ ويأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك، ووجهه أن كل واحد منهما يستحق قبض ما عند الآخر، فلا سبيل إلى تكليف الإِبْقَاء، فيؤمر بِإبْقَائه كما لو كان لكل واحد منهما وَدِيْعَة عند الآخر وتنازعا هكذا.
والثاني: أنه لا يجبر واحداً منهما، ولكن يمنعهما من التَّخاصم، فإذا سلم أحدهما ما عليه أجبر الآخر، ووجهه أن على كل واحد إيفاء واسْتِيفاء، ولا سبيل إلى تكليف الإيفاء قبل الاستيفاء.
والثالث، وبه قال مالك وأبو حنيفة: أنه يجبر المشتري على تسليم الثمن أَوَّلا؛ لأن حقه متعين في المبيع، وحق البائع غير متعين في الثمن، فيؤمر بِالتَّعيين.
والرابع: وبه قال أحمد، وهو الأصح: يُجْبر البائع على تسليم المَبِيع أولاً؛ لأنه لا يخاف هلاك الثمن، فملكه مستقر فيه وتصرفه فيه بالحِوَالة والاعْتِياض نافذ، وملك المشتري في المبيع غير مستقر، فعلى البائع التَّسْليم ليستقر.
وفي المسألة طريقة أخرى وهي: القَطْع بالقول الرَّابع، وحمل الأول والثَّاني على حكاية مذهب الغير، وما روي عن نصِّه في "الأم" واستغربه.
وأما الثَّالث: فهو من تخريج بعضهم، وليس منصوصاً عليه.
واختار الشَّيْخ أبو حامد هذه الطَّريقة، ومنقول المزني في "المختصر" يمكن تنزيله على القول الرابع، وبه قال الأكثرون، ويمكن تنزيله على الأَوَّل وبه قال المسعودي، وهذا كله فيما إذا كان الثَّمن في الذِّمة.
فإن كان معيناً سقط القول الثَّالث.
سقط القول الثالث 341 وإن تبايعا عرضا بعرض سقط القول الرَّابع أيضاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 312
وبقي قولان:
أحدهما: أنهما يُجْبران.
والثاني: لا يُجْبران، ويشبه أن يكون الأول أظهر، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في "الشامل".
التفريع: إن قلنا: يجبر البائع على تسليم المبيع أولاً، أو قلنا: لا يجبر، ولكنه تبرع وابتدأ بالتَّسليم أجبر المشتري على تسليم الثَّمن في الحال، إن كان حاضراً في المجلس، وإلاَّ فللمشتري حالتان:
إحداهما: أن يكون مُوسِرًا فإن كان ماله في البَلَد يُحجر عليه، إلى أن يسلم الثَّمن 342 كيلا يتصرّف في أملاكه بما يفوت حق البائع، وحكى صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" وجهاً: أنه لا يحجر عليه، ويمهل إلى أن يأتي بالثمن، ولم أر لغيره نقل هذا الوجه على هذا الإطلاق.
فإن قلنا بالمذهب المشهور، ففيم يحجر عليه؟ قال عامة الأصحاب: يحجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله.
ومنهم من قال: لا يحجر عليه في سائر أمواله إن كان ماله وافياً بديونه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وعلى هذا فهل يدخل المبيع في الاحتساب؟ فيه وجهان: = ثانيها: أن يكون كل منهما عقد لنفسه، فإن كان وكيلاً عن البائع لم يجئ القول المخرج ولا عدم إجبارهما، فإن كانا معاً وكيلين تعين القول بإجبارهما.
حكاه الإمام في التفليس.
قيل: وقضيةكلام الحاوي مجيء القولين الأولين.
ثالثها: أن لا يكون تصرفه مبنياً على الاحتياط فالمكاتب لا يسلم المبيع قبل القبض كما ذكره الشيخ في باب الكتابة وفي معناه ولي اليتيم.
رابعها: أن لا يتعلق بعقده حق لغيره كالرهن والفلس، فإذا باع الحاكم مال المفلس لا يسلم حتى يقبض الثمن ويجبر المشتري قطعاً.
قاله ابن القطان، وعن أبي إسحاق أنه يجيء قول بإجبارهما.
خامسها: أن يكون الثمن في الذمة حالاً فإن كان مؤجلاً أجبر البائع قطعاً.
سادسها: أن يكون المبيع في يد البائع فلو كان المبيع عند العقد في يد المشتري والثمن المعين في يد البائع فالمشهور أنه لا حق للآخر في التعليق به بل يتسلط على التصرف فيما ملكه لا بمجرد لزوم العقد.
سابعها: أن يمكن تسليم كل منهما فلو أبق العبد لم يجبر المشتري على تسليم الثمن قطعاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 313
أشبههما: أنه يدخل 343.
وإن كان ماله غائباً عن البلد، فينظر إن كان على مسافة القَصْر، فلا يكلف البائع الصّبر إلى إحضاره، وفيما يفعل؟ وجهان:
أحدهما: أنه يباع في حقه، ويؤدي من ثمنه.
والأظهر عند الأكثرين: أن له أن يفسخ البيع لتعذُّر تحصيل الثمن كما لو أفلس المشتري بالثمن، فإن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار فالحجر على ما سبق.
وحكى الإمام عن ابن سُرَيجٍ: أنه لا فسخ، ولكن يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري ويمهل إلى الإحضار، وادعى في "الوسيط": أنه الصحيح.
وإن كان دون مسافة القَصْر، فهو كما لو كان في البلد، أو كما لو كان على مسافة القَصْر فيه وجهان 344.
الحالة الثانية: أن يكون معسراً، فهو مفلس والبائع أحق 345 بمتاعه [هذا هو الصحيح المنصوص].
وفيه وجه: أنه لا فسخ ولكن تباع السِّلْعة ويوفى من ثمنها حق البائع، فإن فضل شيء فهو للمشتري، والمنصوص الأول.
وأما لفظ الكتاب: فقوله: "والبداءة بالبائع" معلّم بالميم والحاء، وكذا قوله: "ويتساويان"، وقوله: "وبالمشتري" بالألف، ويجوز أن يعلّم لفظ "الأقوال" بالواو إشْعَاراً بالطريقة النافية للخلاف.
وقوله: "هذا لفظ الشافعي" -رضي الله عنه- ليس هو هو لكنه قريب منه، ولفظه في "المختصر"؛ فإن غاب ماله أشهد على وقف ماله، وأضهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، فإن لم يكن له مال فهو مفلس والبائع أحق بسلعته.
واعلم: أن هذا النص ظاهر في أنه إذا حجر عليه يحجر في السِّلْعة المبيعة، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 314
سائر الأموال سواء كانت وافية بالدُّيون أو لم تكن، ويمكن الاحتجاج به لما نقله الإمام عن ابن سريج، وهو أنه لا فسخ عند الغيبة، فإنه لم يثبت في الغَيْبة إلا الحجر، وخص أحقيته بالمتاع بحالة الإفلاس.
وقوله: "وذلك عند امتناع الفسخ بالفلس"، أراد به أنَّه لا حَجْر عند إمكان الفسخ بالفلس، وادعى في "الوسيط" الوفاق فيه، لكن ذكرنا أن من أثبت الفسخ عند الغيبة قال: إن اختار الصَّبر إلى الإحضار يحجر عليه، وجميع ما ذكرنا من الأقوال، والتفريع جار فيما إذا اختلف المكرى والمكتري في البَدَاءَة بالتسليم بلا فرق، ثم هاهنا أَمْرٌ مُهِمٌ لا بد من ذكره، وهو: أن طّائفة توهَّمت أن الخلاف في البَدَاءة بالتسليم خلاف في أن البائع هل له حق الحبس أم لا؟
إن قلنا: البداءة بالبائع، فليس له حبس المبيع إلى اسْتِيفَاء الثمن وإلا فله ذلك، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا كان نزاعهما في مجرد البَدَاءَة، وكان كل واحد منهما يبذل ما عليه ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، فأما إذا لم يبذل البائع المبيع، وأراد حبسه خوفاَ من تعذر تحصيل الثمن فله ذلك بِلاَ خِلاف، وكذلك للمشتري حق حبس الثمن خوفاً من تعذُّر تحصيل المثمن، نص على ذلك الشيخ أبو حامد، وأقضى القضاة الماوردي -رحمهما الله-.
والمُثْبِتُون من المتأخرين قالوا: إنما يحبس البائع المبيع إذا كان الثمن حالاً، أما المؤجل فليس له حبسه لاستيفائه لرضاه بتأخيره، ولو لم يتفق التسليم حتى حلّ الأجل فلا حبس أيضاً، ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه، وكذا لَوْ أعاره من المُشْتَري في أَصَحِّ الوجهين 346، ولو أودعه إياه فله ذلك، ولو صالح من الثمن على مال، لم يسقط حقّ الحَبْس لاستيفاء العوض.
ولو اشترى بوكالة اثنين شيئاً، ووفى نصف الثمن عن أحدهما لم يجب على البائع تسليم النصف بناءً على أن الاعتبار بالعاقد.
ولو باع بوكالة اثنين، فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن فعليه تسليم النصف، هكذا ذكره في "التهذيب"، وفيه كلامان:
أحدهما: أن العبد المشترك بين الرجلين إذا باعه مالكاه، ففي انفراد أحدهما يأخذ نصيبه من الثمن وجهان، وكان أخذ الوكيل لأحدهما مبنياً على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما.
الثاني: أنا إذا قلنا: إن الاعتبار في تعدد الصَّفْقة واتحادها بالعاقد، فينبغي أن
الجزء: 4 - الصفحة: 315
يكون تَسْليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قسطه من المبيع؟ وفيه وجهان ذكرناهما في "باب التفريق"، -والله أعلم-.
هذا وليعلم المُطَّلع على هذا السِّفْر الجليل أنه ضاق المُقَام في هذا الجزء عن أن ندون به باقْي كتاب البيوع من شرح العزيز على متن "الوجيز" للإمام الأمجد والعلامة الأوحد الإمام الرافعي -رحمه الله رحمة واسعة ولقد ألجأتنا الضَّرورة حتى وقفنا على موقف كان لا يحسن الوقوف عليه، فإلى هنا نختم هذا الجزء، ونفتتح الجزء التالي -إن شاء الله تعالى- بقول المصنف: النظر الرابع في موجب ألفاظ الكتاب المطلقة، وتأثيرها باقتران العرف -والله ولي التوفيق-.
الجزء: 4 - الصفحة: 316
[النظر الرابع]
قال الغزالي: النَّظْر
ُ الرَّابعُ مِنَ الكِتَابِ فِي مُوجِبِ الأَلْفَاظِ المُطْلَقَةِ وَتَأثِيرِهَا بِاقْتِرَانِ العُرْفِ،
وَهِيَ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: مَا يُطْلَقُ فِي العَقْدِ، فَمَن اشْترَى شَيْئاً بِمَائَةٍ فَقَالَ لِغَيْرِهِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا العَقْدَ انْتقلَ اَنتَقَلَ المِلْكُ إِلَيْهِ بِالمَائَةِ، وَسَلَّمَ الزَّوَائِدَ للأَوَّلِ (و)، وَتَتَجَدَّدُ الشُّفْعَةُ بِجَرَيَانِ هَذَا البَيْعِ (و)، وَلَوْ حَطَّ عَنِ المِائَةِ لَحِقَ الحَطُّ (و) المُشْتَرِيَ الثَّانِي؛ لأَنَّهُ فِي حَقِّ الثَّمَنِ كَالبِنَاءِ.
قال الرافعي: عرفت في أول البيع أن كلام هذا النظر فيما يقع والألفاظ المتأثرة بالقرائن المنضمة إليها تنقسم إلى: راجعة إلى مطلق العقد، وإلى راجعة إلى الثمن خاصة.
أما القسم الأول فمقصوده بيان لفظين يشتمل الفصل على أحدهما، وهي التولية 347.
والتولية: أن يشتري شيئاً ثم يقول لغيره: ولَّيتك هذا العقد فيجوز، ويشترط قبوله في المجلس على قاعدة التَّخَاطب بأن يقول: قبلت أو تَولَّيت، ويلزمه مثل الثمن الأول جنساً وقدراً ووصفاً، ولا يشترط ذكره إذا علماه؛ فإنْ لم يعلمه المشتري أعلمه أولاً ثم ولاه العقد، وهذا العَقْد بيع يشترط فيه القدرة على التَّسليم والتقابض إذا كان صرفاً، وسائر الشروط، ولا يجوز قبل قبض المبيع على ما مر في النَّظَر الثَّالث.
والزوائد المُنْفَصِلة قبل التَّوْلِيَة، تبقى للمولِّي، ولو كان المبيع شِقْصاً مَشْفُوعاً، وعفى الشَّفيع، تجددت الشُّفْعة بالتَّوْليَة.
ولو حظ البائع بعد التَّولية بعض الثَّمن، انحط عن المولَّى أيضاً، ولو حط 348 الكل فكذلك؛ لأنه وإن كان بيعاً جديداً فخاصيَّته وفائدته التنزيل على الثمن الأول.
وعن القاضي حسين: أن الوجه التردد في جميع هذه الأحكام فعلى رأي يجعل
الجزء: 4 - الصفحة: 317
المولي نائباً عن المولى فتكون الزوائد للمولِّي، ولا تتجدد الشُّفْعة ويلحق الحط المولى وعلى رأي تعكس هذه الأَحْكَام، وتقول: هي بيع جديد، وظاهر المَذْهب الفرق بين الزَّوائد والشّفْعَة وبين الحَطّ، وعلى هذا لو حط البعض قبل التَّوْلية لم تَجُز التَّولية إلاَّ بالباقي، ولو حط الكُل لم تصح التَّوْلية.
ومن شرط التولية: أن يكون الثمن مثلياً ليأخذ المولى مثل ما بذل، فلو اشتراه بعرض لم يجز فيه التولية.
قال في "التتمة": إلاَّ إذا انتقل ذلك العرض من البائع إلى إنسان فولاّه العقد.
قال: ولو اشتراه بعرض وقال: قال عليَّ بكذا وقد ولَّيتك العقد بما قام عليَّ، أو أرادت المرأة عقد التَّولية على صَدَاقها بلفظ القيام، أو أراد الرجل التولية على ما أخذه من عوض الخُلُع، ففي جميع ذلك وجهان.
ولو أخبر المولِّي عَمَّا اشترى به وكذب، فمنهم من قال: هو كالكذب في عقد المُرَابَحَة 349 وسيأتي إن شاء الله ومنهم من قال: يُحطّ قدر الخِيَانة قولاً واحداً.
قال الغزالي: ولَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُكَ فِي هَذَا العَقْدِ علَى المُنَاصَفَةِ كَانَ توليةً فِي نِصْفِ المَبِيعِ، وَلَو لَمْ يَذْكُرِ المُنَاصَفَةَ فَالأَصَحُّ التَّنْزِيلُ علَى الشَّطْرِ.
قال الرافعي: اللفظة الثَّانية: الاشتراك وهو أَنْ يشتري شيئاً ثم يشرك غيره فيه ليصير بعضه له بقسطه من الثَّمَن، ثم إن نص على المُنَاصَفَة أو غيرها فذاك، وإنْ أطلق الاشتراك فوجهان:
أحدهما: أنه يفسد العقد للجهل بمقدار العوض كما لو قال: بعتك بمائة ذهباً أو فضة.
والثَّاني: يصح ويحمل على المُنَاصَفَة كما لو أقر بشيء لزيد وعمرو يحمل على المناصفة.
والأول: هو الذي أورده في "التهذيب" والثاني: أصح عند صاحب الكتاب وهو ما أورده في "التتمة" والإشراك في البعض كالتولية في الكُلِّ في الأحكام التي ذكرناها 350.
الجزء: 4 - الصفحة: 318
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مَا يُطْلَقُ في الثَّمَن مِنْ أَلْفَاظِ المُرَابَحَةِ، فَإذَا قَالَ: بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَربح ده يازده وَكَانَ قَدْ اشْتَرَى بِمَائَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةً وَعَشَرَةً، وَلَوْ قَال بحط ده يازده وَكَانَ قَدِ اشتَرَى بِمَائَةٍ وَعَشَرَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةٌ (و).
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابَحَة جائز من غير كراهة، وهو عقد يبنى الثمن فيه على ثمن المبيع الأول مع زيادة مثل أن يشتري شيئاً بمائة، ثم يقول لغيره: بِعْت هذا بما اشتريته وربح ده يازده أو بربح درهم لكل عشرة، أو في كل عشرة ويجوز أن يَضمَّ إلى رأس المال شيئاً ثم يبيعه مُرَابحة، مثل أن يقول: اشتريته بمائة، وقد بعتكه بمائتين وربح ده يازده وكأنه قال: بعت بمائتين وعشرين.
وكما يجوز البيع مرابحة يجوز مُحَاطة مثل أن يقول: بعت ما اشتريت بحطّ ده يازده وفي القدر المَحْطُوط وجهان:
أحدهما: أنه يحطّ من كل عشرة واحد [كما زيد في المُرَابحة على كل عشرة واحد] 351.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يحط من كل أحد عشر واحد؛ لأن الربح في المُرَابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحَطّ في المُحَاطة وليس في حط واحد من العشرة رعاية لنسبة ده يازده.
فإذا كان قد اشترى بماءة فالثمن على الوجه الأول تسعون، وعلى الثَّاني تسعون وعشرة أجزاء في أحد عشر جزءاً من درهم حطّا لتسعة من تسعة وتسعين ولجزء من أحد عشر جزءاً من الدرهم الباقي.
ولو كان قد اشترى بمائة وعشرة فالثمن الآن على الوجه الأول تسعة وتسعون، وعلى الثَّاني مائة وعلى هذا القِيَاس، وصوَّر كثير من العراقيين وغيرهم المسألة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت بحط درهم من كل عشرة وأوردوا فيها الوجهين.
قال إمام الحرمين: وهو غلط فإن في هذه الصّيغة تصريحاً بحطّ واحد من كل عشرة فلا مَعْنَى للتَّردد فيه وإنما موضع التردد لفظ ده يازده وهذا اعتراض بَيِّنٌ.
وذكر القاضي الماوردي وغيره: أنه إذا قال بحط درهم من كل عشرة فالمَحْطُوط واحد من عشرة، ولو قال بحط درهم لكل عشرة فالمحطوط واحد من أحد عشر.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ اسْتَحَقَّ مَعَ الثَّمَنِ مَا بَذَلَهُ مِنْ أُجْرَةِ
الجزء: 4 - الصفحة: 319
الدَّلاَّلِ وَالكَّيَّالِ وَكِرَاءِ البَيْتِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ مَا أَنْفَقَهُ في عَلَفِ الدَّابَّةِ، وَلاَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ البَيْتُ مِلْكَهُ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَرْجِ التِّجَارَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابحة يفرض بعبارات أكثرها دوراناً على الألسن ثلاث:
إحداها: بعت بما اشتريت، أو بما بذلت من الثمن، وربح كذا.
والثانية: بعت بما قام عليّ وربح كذا، ويختلف حكم العبارتين في الدَّاخل تحتهما، وفيما يجب الإخبار عنه كما سنفصله من بعد، فإذا قال: بعت بما اشتريت لم يدخل فيه سوى الثمن، وإذا قال: بما قام عليّ، دخل فيه مع الثمن أجرة الكَيّال والدَّلاَّل والجَمَّال والحارس والقَصّار والدّفاء والصَّبَّاغ وقيمة الصَّيغ وأُجْرة الختَان وتَطْبِين الدَّار، وسائر المؤونات التي تلتزم للاسترباح وأُلْحِقَ بها كِرَاءُ البيت الذي فيه المتاع.
قال الإمام: لأن التَّربص ركن في التَّخاير وانتظار الأَسْعار.
وأما المؤونات التي يقصد بها اسْتبْقاء الملك دون الاسْتِرْباح كنفقة العبد وكسوته وعَلَف الدَّابة فلا تدخل فيه، ويقع في ذلك مقابلة المَنَافِع والفوائد المُسْتَوْفاة من المبيع.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنها تدخل أيضاً، والمشهور الأول، نعم العلف الزائد للتَّسمين يدخل فيه ذكره القاضي حسين وغيره، وأُجْرة الطَّبيب إن اشتراه مريضاً كأُجرة القَصَّار ونحوها لزياد قيمته بزوال المرض، فإن حدث المرض في يده فهي كالنَّفقة وفي مُؤْنة السَّائس تردد عند الإمام.
والأظهر: إلحاقها بالعَلَف.
ولو قصر الثوب بنفسه أو كَالَ أو حَمَلَ أو طَيَّن الدار بنفسه لم تدخل الأُجرة فيه؛ لأن السّلْعة لا تعد قَائمة عليه إلاَّ بما بذل، وكذا لو كان البَيْت ملكه، وكذا لو تطوَّع متطوع بالعمل أو بإعارة البيت فإن أراد استدراك ذلك فسبيله أَنْ يقول: اشتريت، أو قام علي بكذا، وعملت فيه ما أجرته كذا، وقد بعتك بهما وربح كذا.
والعبارة الثالثة: أن يقول: بعتك برأس المال وربح كذا، فالمذهب الظَّاهر أنه كما لو قال بما اشتريت، لأن السَّابق إلى الأفهام مِنْ رأس المال الثَّمن، وعن القاضي أبي الطَّيب أنه كما لو قال بعت بما قام عليّ وهو اختيار ابن الصَّبّاغ.
وذكر صاحب "التتمة" أن المَكْس 352 الذي يأخذه السّلطان يدخل في لفظة القيام، وإن في دخول الفداء إذا جنى العبد ففداه وجهين.
الجزء: 4 - الصفحة: 320
والذي أورده الأكثرون: أنه لا يدخل فداء الجناية، ولا مَا أَعطاه واسترد به المَغْصُوب في شيء من الألفاظ والعبارات الثَّلاث 353 تجري في المُحَاطة جريانها في المُرَابحة.
قال الغزالي: فَلَوْ كَانَ مِقْدَارُ مَا اشْتَرَى بِهِ أَوْ قَامَ عَلَيْهِ مَجْهُولاً للمُشْتَرِي الثَّانى عِنْدَ العَقْدِ بَطُلَ (و) عَقْدُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ينبغي أن يكون رأس المال أو ما قامت به السِّلعة عليه معلوماً عند المتبايعين في بيع المُرَابحة، فإن تبايعا وأحدهما جاهل به، ففي صحة العقد 354 وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يصحُّ للجهل بالثَّمن كما في غير المُرَابحة، وعلى هذا فلو أزيلت الجهالة في المجلس لم ينقلب العقد صحيحاً، وفيه وجه أنه ينقلب صحيحاً، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه يصحّ؛ لأن الثَّمن فيه مبني على الثَّمَن في العقد الأول، والرجوع إليه سهل فصار كالشَّفِيع بطلب الشُّفعة قبل الإحَاطة بمبلغ الثَّمَن يجوز لسهولة معرفته، وعلى هذا ففي اشْتراط إزالة الجَهَالة في المجلس وجهان.
ومهما كان الثمن دراهم مُعَينة غير معلومة الوزن، ففي جواز بيعه مرابعة الخلاف المذكور.
والأصح: المنع حتى يعرف.
وإذا تأملت ما ذكرنا تبيَّن لك أن قوله للمشتري الثاني ليس لتخصيص الحكم بالمشتري، بل لو كان مجهولاً للبائع لكان الحكم كذلك.
قال الغزالي: وَيَجِبُ (ح) عَلَى البَائِعِ حِفْظُ الأَمَانَةِ بِالصِّدْقِ فِي قَدْرِ مَا اشْتَرِى بِهِ وَبالإخْبَارِ عَمَّا طَرَأَ فِي يَدِهِ مِن عَيْبٍ مُنْقِصٍ أَوْ جِنَايَةٍ (ح)، وَلاَ يَلْزمُ الإِخْبَارُ عَنِ الغَبْنِ (و) فِي العَقْدِ، وَلاَ عَنِ البَائِعِ وَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ (ح و)، وَيَجِبُ ذِكْرُ تَأَجِيلِ الثَّمَنِ.
قال الرَّافعِيُّ: بيع المُرَابَحَة مبني على الأمانة لاعتماد المُشْترى نظر البائع
الجزء: 4 - الصفحة: 321
واسْتِقْصَاه ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة يَبْذلها، فعلى البائع الصّدق في الإخبار عما اشترى به وعما قام به عليه إن كان يبيع بلفظ القيام.
ولو اشترى بمائة وخرج عن مِلْكه، ثم اشتراه بخمسين فرأس ماله خمسون، ولا يجوز ضَمّ الثمن الأول إليه.
ولو اشتراه بمائة وباعه بخمسين، ثم اشتراه ثانياً بمائة فرأس ماله مائة، ولا يجوز أنْ يخبر بمائة وخمسين من قبل خسارته خمسين.
ولو اشتراه بمائة وباعه بمائة وخمسين، ثم اشتراه بمائة فإنْ كان يبيعه مُرابحة بلفظ رأس المال، وبلفظ ما اشتريت أخبر بمائة، ولا يلزمه أن يحطّ منه ربح البيع الأول، كما لم يجز في الصورة الأولى ضم الخُسْران إلى المائة، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يجب حط ربح البَيْع الأول، وإن باعه بلفظ "قام عَلَيَّ" فوجهان:
أحدهما ويحكى عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يخبر إلا بخمسين، فإنَّ أهل العرف يعدون السِّلعة والحالة هذه قائمة عليه بذلك.
وأصحهما: أنه يخبر بمائة، لأن المِلْك الأخير قائم عليه بمائة.
ويكره أن يواطئ وكيله ببيع ما اشتراه منه، ثم يشتريه بأكثر ليخبر به في المُرَابَحَة ولو فعل.
قال ابن الصَّبّاغ: يثبت للمشتري الخيار وخالفه غيره.
ولو اشترى سلعة ثم قبل لزوم العقد ألحقا بالثمن زيادة أو نُقْصاناً، وصححناه، فالثمن ما استقر عليه العقد، وإن حطّ عنه بعض الثَّمن بعد لزوم العقد وباع بلفظ "ما اشتريت" لم يلزمه حط المحطوط عنه، خلافاً لأبي حنيفة، وإنْ باعه بلفظ "قام عليّ" لم يخبر إلاَّ بالباقي.
فإن حط الكل، لم يجز بَيْعه مُرَابَحَة بهذا اللفظ، ولو حط عنه بعض الثمن بعد جريان المُرَابحة لم يلحق الحَطَّ المشترى منه.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أنه يلحق كما في التَّوْلِيَة والإِشْرَاك.
ولو اشترى شيئاً بعرض وباعه مُرَابَحَة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد البائع بالنَّقْد.
ولو اشتراه بدين على البائع، فإن كان مليئاً غير مماطل لم يجب الإخبار عنه وإن كان مماطلاً وجب لأنه يشتريه بالزيادة للتَّخلُّص من التَّقَاضي.
ويجوز أن يبيع مُرَابَحَة بعض الشيء الَّذي اشتراه ويذكر قسطه من الثمن، وكذا لو اشترى قَفِيزي حِنْطة ونحوها، وباع إحداهما مُرَابَحَة.
ولو اشترى عبدين أو ثوبين وأراد بيع أحدهما مُرَابَحة، فسبيله أن يعرف قيمة كل واحد منهما يوم الشراء، ويوزع الثمن على القيمتين، ثم يبيعه بحصَّته من الثمن.
الجزء: 4 - الصفحة: 322
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع أحدهما مُرَابحة؛ لأن التَّوزيع بالقيمة تَخْمين.
ثم في الفَصْل صور:
إحداهما: يجب الإخبار عن العيوب الطَّارئة في يده 355 سواء حدث العيب بآفة سماوية أو بجنايته أو بجناية أجنبي؛ لأن المشتري يبني العقد على العقد الأول، ويتوهم بقاء المبيع على ما كان، ولا فرق بين ما ينقص العَيْن وما ينقص القيمة كما في الرد، وعن أبي حنيفة أنه لا يجب الإخبار عن العَيْب الحادث بالآفة السماوية.
ولو اطَّلع على عيب قديم واختار إمساكه ذكره في بيع المُرَابَحَة، ولو تعذَّر رده لعيب حادث وأخذ الأَرْش فإن باعه مُرَابحة بلفظ "قام عليَّ" حطّ الأرش وإنْ باعه بلفظ ما اشتريت ذكر ما جرى به العقد، ويجب أن يذكر أيضاً العيب واسترداد الأرش فإن الأَرْش المستردّ جزء من الثمن.
ولو أخذ أَرْش الجناية ثم باعه، فإنْ باع بلفظ "ما اشتريت" ذكر الثمن، وأخبر بالجناية، وإن باع بلفظ "قام عليَّ" فوجهان:
أحدهما: أنه نَازِل منزلة الكسب والزيادات والمبيع قائم عليه بِتَمَام الثمن.
وأصحهما: أنه يحط الأَرْش من الثمن كَأَرْش العيب، والمراد من الأَرْش هاهنا قدر النُّقْصَان لا المأخوذ بتمامة، فإذا قطعت يد العبد وقيمته مائة، فنقص منها ثلاثون يأخذ خمسين، ويحطّ من الثمن ثلاثين لا خمسين، وحكى الإمام وجهاً آخر: أنه يحط جميع المأخوذ من الثمن.
ولو نقص من القيمة أكثر من الأَرْش المقدر حط ما أخذ من الثمن، وأخبر عن قيامه عليه بالباقي، وأنه نقص من قيمته كذا.
الثانية: إذا كان قد اشتراه بَغَبْن، فهل يلزمه الإخبار عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الإمام وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يلزم؛ لأنه باع ما اشترى كما اشترى.
والثاني: يلزم، لأن المشتري منه اعتمد على نظره ويعتقد أنه لا يحتمل الغَبْن، فليخبره ليكون على بَصِيْرَة من أمره.
وقضية كلام الأكثرين ترجيح هذا الوجه لأمرين:
أحدهما: أنهم قالوا: لو اشتراه بَدِيْن من مماطل وجب الإخبار عنه، لأن الغالب
الجزء: 4 - الصفحة: 323
أنه يشتري من مثله بالزيادة، وقد مرّ ذلك.
والثَّاني: أنهم قالوا: لو اشترى من ابنه الطّفل وجب الإخبار عنه؛ لأن الغالب في مثله الزِّيادة في الثمن نظراً للطِّفل، واحترازاً عن التُّهْمة، فإذا وجب الإخبار عن ظَن الغَبْن؛ فلأنْ يجب عند تعيينه كان أولى، وإن اشتراه من ولده البالغ أَوْ من أبيه، فأصحّ الوجهين باتِّفاق الأئمة أنه لا يجب الإخبار عنه كما لو اشترى من زوجته أو مكاتبه، وفي "الشامل" ما يقتضي تردداً في المُكَاتب، وعند أبي حنيفة وأحمد إذا اشتراه من ابنه أو أبيه وجب الإخبار عنه.
الثالثة: إذا اشتراه بثمن مؤجل وجب الإخبار عنه، لِلتَّفاوت الظاهر بين المؤجّل والمعجّل في المالية، وفي البيان حكاية وجه غريب أنه لا يجب التَّعرض له.
الرَّابعة: لا يجب الإخبار عن وَطْء الثَّيِّب، ولا عن مهرها الذي تأخذه، ولا عن الزيادات المنفصلة كالولد واللبن والصّوف والثمرة، ولو كان حاملاً يوم الشراء، أوْ كان ضَرْعِها لبن أو على ظهرها صومه أو على النَّخْلة طلع فاستوفاها حط بقسطها من الثمن، وهذا في الحَمْل مَبْني على أنه يقابله قسط من الثمن.
قال الغزالي: فَإِنْ كَذَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ حَطِّ قَدْرِ التَّفَاوُتِ قَوْلاَنِ، فإن قُلْنَا: لاَ يُحَطُّ فَلَهُ الخِيَارُ لِكَوْنِهِ مَظْلُوماً بِالتَّلْبِيسِ إلاَّ إِذَا كَانَ عَالِماً بِكَذِبِهِ، وَالأَصَحُّ أَنْ لاَ خِيَارَ لِلبَائِعِ إِنْ قُلْنَا: يُحَطُّ وَلاَ لِلْمُشْتَرِي.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: اشتريته بمائة وباعه مُرَابَحَة، ثم بأن أنه اشتراه بتسعين إما وبإقراره أو بالبينة، فالبيع صحيح على المذهب، لأن غاية ما فيه التَّغْرِيرِ والتَّدْلِيس، وذاك لا يمنع صحة البيع كما لو رَوَّجَ عليه مَعِيباً، وعن رواية القاضي أبي حامد وغيره وجه: أنه لا يصح لكون الثمن مجهولاً عند العقد ويحكى هذا عن مالك.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فلا يخلو كذبه في هذا الإخبار إما أن يكون خيانة أو غَلَطاً، أما في الحالة الأولى فقولان منصوصان في اخْتلاف العراقيين.
أصحهما: وهو المنقول في "المختصر" وبه قال أحمد: أنا نحكم بانْحِطَاط الزيادة، وحصَّتُها من الربح لأنه تمليك باعتبار الثَّمَن الأول، فيحط الزَّائد عليه كما في الشّفعة 356.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنا لا نحكم لأنه سمي ثمناً معلوماً وعقد به العقد
الجزء: 4 - الصفحة: 324
فليجب وإن كان مُلبساً.
وأما في الحالة الثَّانية فالمنصوص القول الأول والثَّاني مخرج من مثله في الحالة الأولى.
التفريع: إنْ حكمنا بالانْحِطَاط فهل للمشتري الخيار؟
نقل المُزَنِيُّ أنه، يثبت، وقال في اختلاف العراقيين: لا يثبت، فمن الأصحاب من قال: في المسألة قولان:
أظهرهما: لأنه لا خيار له لأنه قد رضي بأكثر، فَأَوْلى أنْ يرضى بالأقل.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنه يثبت الخيار لأنه إنْ بان كذبه بالإقرار لم يؤمن كذبه ثانياً وثالثاً، وإنْ بان بالبَيِّنة فقد تخالف الظَّاهر والباطن، وأيضاً فقد يكون له غرض في الشِّرَاء بذلك المبلغ لتَحِلَّة قسم وإِنْقَاذ وَصِيّه ونحوهما، ومنهم مَنْ حمل النص الأول على ما إذا تبيَّن كذب البائع بالبَيِّنة، والثاني على ما إذا تبيَّن بإقراره، والفرق أنه إذا ظهر بالبيّنة خيانته لم تؤمن خيانته من وجه آخر، والإِقْرَار يشعر بالأمانة وبذل النُّصْح.
والطريقة الأولى أظهر.
فإن قلنا: له الخيار فأمسك بما يبقى بعد الحَطّ فهل للبائع الخِيَار فيه وجهان وقيل: قولان:
إحداهما: نعم، لأنه لم يسلم له ما سماه في العقد.
وأظهرهما: لا، إذ يبعد أن يصيرَ تَلْبِيسه أو غَلطه سباً لثبوت الخيار له.
ومنهم من خَصَّ الوجهين بصورة الخيانة، وقطع بثبوت الخيار عند الغَلَط، فإن حكمنا بعدم الانْحِطَاط فللمشتري الخيار، لأن البائع قد غَرَّه إلاَّ أنْ يكون عالماً بكذب البائع، فيكون كما لو اشترى معيباً وهو عالم بعيبه، وإذا أثبت الخيار، فلو قال البائع: لا تفسح فإني أحطّ الزيادة عنك، ففي سقوط خياره وجهان، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان المَبِيع باقياً، أما إذا ظهر الحال بعد هلاك المبيع، فإن القاضي المَاوِرْدِيّ ذكر: أنه تَنْحط الخِيَانة، وحصَّتها من الربح قولاً واحداً، والظاهر جريان القَوْلين في الانحطاط، فإنْ قلنا بالانحطاط، فلا خيار للمشتري؛ لأن البائع قد لا يزيد القيمة، فالفسخ ورد القيمة يضر به.
وأما البائع فإنْ لم يثبت له الخيار عند بقاء السِّلْعة، فكذلك هاهنا، وإن أثبتناه ثم ثبت هاهنا، كما لو وجد بالعبد عيباً، والثوب الذي هو عرضه تالف.
وإن قُلْنا: بعدم الانْحِطَاط فهل للمشتري الفسخ، فيه وجهان:
أظهرهما: كما لو عرف العيب بعد تلف المبيع، ولكن يرجع بقدر التَّفَاوت وحصّته من الرِّبْح، كما يرجع بأرْش العيب، وعن أبي حنيفة أنه لا يفسخ ولا يرجع بشيء.
الجزء: 4 - الصفحة: 325
ولو كان قد اشتراه بثمن مؤجل وحال، فلم يتبيّن كونه مؤجلاً لم يثبت الأجل في حق المشتري الثَّاني، ولكن له الخيار، وكذلك إذا ترك ذكر شيء آخر مِمَّا يجب ذكره.
وقوله في الكتاب: فإن كذب في شيء من ذلك ففي استحقاق حَطّ قدر التَّفَاوت قولان، يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا أخبر عن سلامة المبيع وكان معيباً أو عن حلول الثمن وكان مؤجلاً، كما لو أخبر عن القدر كاذباً، وقد صرح في "الوسيط" بذلك، فيما إذا لم يخبر عن العَيْب فضلاً عن أن يخبر عن السَّلامة كاذباً، ولكن لم أر لغير المُصَنَّف رحمه الله تعرضاً لذلك، فإن ثبت الخلاف فَالسَّبيل على قول الحَطّ النظر إلى القيمة وتقسيط الثَّمن عليها 357 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ كَذَبَ بِنُقْصَانِ الثَّمَنِ وَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي، فَالأصَحُّ أَنْ لاَ تَلْحَقَهُ الزِّيَادة إِذ العَقْدُ لاَ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَكِنْ لِلبَائِعِ الخِيَارُ إِنْ صَدَّقَهُ المُشْتَرِي، وَإِنْ كَذَّبُه فَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ودَعْوَاهُ لأَنَّهُ عَلَى نَقِيضِ مَا سَبَقَ مِنْهُ، وَإِنْ ذَكرَ وَجْهاً مُخيّلاً فِي الغَلَطِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى رَأَيِ لِبَعْضِ الأَصْحَابِ مُتَّجِه.
قال الرَّافِعِيُّ: تكلمنا فيما إذا كذب المُشْتَري في قدر الثَّمن بالزيادة غلطاَ أو خيانةً، أما إذا كذب بالنقصان بأن قال: كان الثمن أو رأس المال، أو ما قامت به السلعة على مائة، وباع مُرَابَحَة ثم عاد، وقال: غلطت، وإنما هو مائة وعشرة، فننظر إن صدقه المشتري، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح البيع، كما لو غلط بِالزِّيادة.
وأصحّهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يصحّ لتعذُّر إمْضَائه، فإنَّ العقد لا يحتمل الزيادة، وأما النقصان فهو معهود بدليل الأَرْش 358.
فإن قلنا بالأول، فأصح الوجهين أن الزِّيَادة لا تثبت، ولكن للبائع الخِيار.
والثاني: أنها تثبت مع ربحها، وللمشتري الخيار.
وقوله في الكتاب: (فالأصح أن العقد لا يحتمل الزِّيادة) إلى آخره، أراد به الوجهين الأخيرين المُفرَّعين على وجه الصِّحة، وذلك جواب منه بالصحة، وهو الَّذِي أورده القَاضِي المَاوِرْدِي.
وقوله آخِراً: (إن صدقه المشتري) تَكْرار غير محتاج إليه، فإنه قد تبين ذلك في
الجزء: 4 - الصفحة: 326
التَّصوير أولاً، وإن كذبه المشتري فهذا يفرض على وجهين:
أحدهما: أن لا يبين للغلط وجهاً محتملاً، فلا يقبل قوله، ولو أقام عليه بَيِّنة لا تسمع دعواه؛ لأن اعترافه بأن الثمن مائة يكذب قوله الثاني وبينته، فلو زعم أن المشتري عارف بصدقه، والتمس تَحْلِيفه على أنه لا يعرف ذلك، فوجهان في أنه هل يجاب؟
أحدهما: لا يجاب، كما لا تسمع بَيِّنته.
والثاني: يجاب؛ لأنه ربما يقر عند عرض الثَّمَن عليه 359 فعلى هذا إنْ نكل هل ترد اليمين على المدعي؟
فيه وجهان 360 بناء على أن اليَمِيْن المردودة بعد نُكُول المدّعى عليه كالإقرار من جهة المدّعى عليه، أو كالبَيِّنة من جهة المدّعي، وهذا أصل يشرح في موضعه إن شاء الله تعالى.
فعلى الأول يرد، وعلى الثاني لا، ثم إذا قلنا بتحليف المشتري، فإنما يحلف على نفي العلم، فإن حلف أمضى العقد على ما حلف عليه، وإن نكل ورددنا اليمين فالبائع يحلف على القطع، وإذا حلف فللمشتري الخيار بين إِمْضَاء العقد بما حلف عليه، وبين الفسخ كذا أطلقوه، وقضية تنزيله منزلة إقرار المدّعى عليه أن يعود فيه ما ذكرنا في حالة التَّصْديق.
والثاني: أنْ يتبيَّن للغَلَط وجهاً محتملاً مثل أن يقول ما كنت اشتريته بنفسي، وِإنما اشتراه وكيلي وأخبرني أن الثمن مائة فبان خلافه، أو ورد على كتاب منه فَبَان مزوَّراً، أو كتب يقول: راجعت جَرِيدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره فتسمع دعواه للتَّحْليف؛ لأن بيان هذه الأعذار يحرك ظَنّ صدقه، ومنهم من طرد الخلاف في التَّحْليف.
وسماع البَيِّنة يترتب على التَّحْليف إن قلنا: لا تحليف فالبينة أولى أَلاَّ تُسْمع، وإن قلنا: له التحليف ففي البينة وجهان:
والأظهر: أنها تسمع أيضاً.
وقوله في الكتاب: (فلا تسمع بَيّنته ودعواه) جواب على أنه ليس له التَّحليف، وإلاَّ فَالتَّمْكين من التَّحْليف يتضمَّن سماع البَيّنة والإصغاء إليها، وعلى مقابلته قوله: "فتسمع دعواه على رأي" يشعر بسماع البَيِّنَة وجواز التَّحليف، والله أعلم.
فرع: قوله في المرابحة: بعتك بكذا يقتضي أنْ يكون الرِّبْح من جنس الثَّمَن الأول، ولكن يجوز أن يجعل الرَّبْح من غير جنس الأصل، ولو قال: اشتريت بكذا، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 327
بعتك به، وربح درهم على كل عشرة، فالربح يكون من نَقْد البلد لإطْلاقه الدرهم، والأصل مثل الثمن سواء كان من نقد البلد أو غيره.
فرع: لو اتّهَب بغير عوض لم يجز بيعه مرابحة، إلاَّ أن يبين القيمة ويبيع بها مُرَابَحَة، وإن اتّهب بشرط الثواب ذكره، وباع به مرابحة، وإذا أَجَّر داراً بِعَبْد أو نكحت على عبد، أو خَالَعَ زوجته عليه، أو صالح من الدَّم عليه لم يجز بيع العَبد مُرَابَحَةً بلفظ الشراء، ويجوز بلفظ قام علي ويذكر في الإجارة أجرة مثل الدار، وفي النكاح والخُلْع مَهْر المِثْل، وفي الصُّلْح عن الدم الدِّيَة.
واعلم أن الأئمة أطبقوا على تصوير المُرَابَحة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت وربح كذا، أو بما قام علي، ولم يذكروا فيه خلافاً، وفيما إذا أَوْصَى لإنسان بنصيب ابنه ذكروا وجهاً: أنه لا يصح إذا قال: بمثل نصيب ابني فَكَأَنهم اقتصروا هاهنا على إيراد ما هو الأصح، وإلاَّ فلا فرق بين البابين 361.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ مَا يُطْلَقُ فِي المَبِيعِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ: الأَوَّلُ: لَفْظُ الأَرْضِ وَفِي مَعْنَاهَا العَرْصَةُ وَالسَّاحَةُ وَالبُقْعَةُ، وَلاَ تَنْدَرجُ تَحْتَهَا الأَشْجَارُ وَالبِنَاءُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، إِلا إِذَا قَالَ: بعْتُ الأَرْضَ (و) بِمَا فِيهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر في هذا القسم ألفاظاً تمس الحاجة إلى معرفة ما يندرج فيها، وما لا يَنْدرج منها: الأرض والعَرْصَة والسَّاحَة والبُقْعَة، فإذا قال: بعتك هذه الأرض، وكان فيها أبنية وأشجار نظر، إن قال: دون ما فيها من البناء والشجر لم تدخل هي في البيع، وإن قال: بعتكها بما فيها دخلت الأبنية والأشجار، وكذا لو قال: بِعْتُكها بحقوقها على المشهور وحكى الإمام وجهاً: أنها لا تدخل وحقوق الأرض الممر، ومجرى الماء وما أشبههما، وإن أطلق فنصه هاهناه: أنها تدخل، ونص فيما لو رهن الأرض، وأطلق أنها لا تدخل، وللأصحاب فيها طرق:
أحدها: أن فيهما قولين بالنَّقْل والتَّخريج:
وجه الدخول: أنها للدوام والثبات في الأرض فأشبهت أجزاء الأرض، ولهذا يلحق بها في الأخذ بالشفعة.
ووجه المنع: خروجها عن مُسَمى الأرض.
والثاني: تقرير النصيبين، والفرق أن البيع قوي لإزالة الملك، فيستتبع الشجر والبناء، والرهن بخلافه، ولهذا يكون النَّمَاء الحادث مِنْ أصل المبيع للمشتري، ولم يكن النَّمَاء الحادث من أصل المَرْهُون مرهوناً، والثالث: ويحكى عن ابن سريج: القطع
الجزء: 4 - الصفحة: 328
بعدم الدّخُول في البَيْع والرهن جميعاً، ونصه هاهنا محمول على ما إذا قال بحقوقها، وكذا الحكم في الرهن ولو قال بحقوقها، وما الأظهر من هذا الخلاف.
ذكر صاحب الكتاب أن الأصح منها أنها لا تدخل اقتداء بإمام الحرمين، ولا شك أنه أوضح في المعنى؛ لكن عامة الأصحاب رحمهم الله على أن ظاهر المذهب دخولها، ورأوا أصح الطرق تقرير النصين، والله أعلم.
قال الغزالي: وَأُصُولُ البُقُولِ كَالأَشْجَارِ، وَالزُّرُوعِ لاَ تَنْدَرج قُطَعْاً، وَلاَ البَذْرُ وَإِنْ كَانَ كَامِناً، وَالأَصَحُّ أَنَّها لاَ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ الأَرْضِ كَمَا لَوْ باَع دَاراً مَشْحُونَةَ بِأَمْتِعةٍ، نَعَمْ إِنْ جَهِلَ المُشْتَرِي فَلَهُ الخيَارُ لِتَضَرُّرِهِ بِتَعْطِيلِ المَنْفَعَةِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِي (ح) وَيَدِهِ بِالتَّسْلِيم إِلَيْهِ وإنْ تَعَذَّر انْتِفَاعُهُ سَبَب الزَّرْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: الزرع ضربان: الأول: ما لا تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى، وإنما يؤخذ دفعة واحدة كالحِنْطة والشعير، فلا يدخل في مطلق بيع الأرض؛ لأنه ليس للثبات والدوام، وكان كنقولات الدار، ويصح بيع الأرض، وإن كانت مزروعة على أصح الطريقين كما لو باع داراً مَشْحُونة بأمتعة، ولا يخرج على الخلاف في بيع الدار المستأجرة؛ لأن يد المستأجر حائلة ثم.
ومنهم من خَرَّجه على القولين.
قال الجمهور: لو كان في معنى تلك الصُّورة لوجب أن يقطع بالفساد، لأن مدة بقاء الزَّرْع مجهولة، وإذا قلنا بالصحيح فللمشتري الخيار، إن كان جاهلاً بالحال بأن كانت رؤية الأرض سابقة على البيع، وإن كان عالماً فلا خيار له، وهل نحكم بِصَيْرُورة الأرض في يد المشتري، ودخولها في ضمانه إذا خلّى البائع بينه وبينها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها مشغولة بملك البائع كما ذكرنا فيما إذا كانت الدَّار المبيعة مَشْحُونة بأمتعة البائع فيما قبل.
وأظهرهما: نعم، لحصول التسليم في الرَّقبة وهي المبيعة، ويخالف صورة الاستشهاد؛ لأن التفريغ ثم فنأت في الحال، على أنَّ الإمام أورد في تلك الصورة وجهاً أيضاً، وادّعى أنه ظاهر المذهب.
وإذا كان في الأرض جَزَر أو فِجْل أو سَلقٌ أو ثَوْم ولو لم يدخل في بيع الأرض، كالحِنْطة والشَّعير، وكل زرع لا يدخل في البيع لا يدخل، وإن قال: بِعْت الأرض بحقوقها، يحكى ذلك عن الشيخ أبي حامد، ورأيته لمنصور التَّميمي في المُسْتعمل
الجزء: 4 - الصفحة: 329
أيضاً، ولا يؤمر البائع بقطع الزرع الذي يَبْقَى له في الحال بل له إبقاؤه إلى أَوَانِ الحَصَاد خلافاً لأبي حنيفة، وعند وقت الحصاد يؤمر بالقَطْع والتفريغ، وعليه تَسْوية الأرض وقلع العروق التي يضر بقاؤها بالأرض كعروق الذُّرة تشبيهاً بما إذا كان في الدَّار أمتعة لا يتسع لها باب الدار ينقض، وعلى البائع ضمانه.
الضَّرْب الثَّاني: ما تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى في سنتين أَو أكثر، كالكُرْسُف الحِجَازِيّ والنَّرْجس والبَنَفْسَج، فالظَّاهر من ثمارها عند بيع الأرض يبقى للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف الذي سبق في الأشجار، وفي النَّرْجس والبَنَفْسَج وجه: أنهما من الضرب الأول.
وما يُجَزّ مراراً كالقَتِّ والقَصَبِ والهِنْدِبَاءِ 362 وَالنِّعْنَاع والكَرَفْسِ والطَّرْخُونِ 363، تبقى جزّتها الظَّاهرة عند البيع للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف.
وعن الشيخ أبي محمد القطع بأنها تدخل في بيع الأرض؛ لأنها كَامِنة فيها نازلة منزلة أجزائها بخلاف الأشجار، فيجوز أن نعلّم لذلك قوله في الكتاب: "وأصول البقول كالأشجار" بالواو، وإذا قلنا بدخولها فليشترط على البائع قَطع الجَزّة الظاهرة؛ لأنها تزيد ويشتبه المبيع يغيره ولا فرق بين أن يكون ما ظهر بالغًا أَوَان الجَزّ أو لا يكون.
قال في "التتمة": إِلاَّ القَصَبَ فإنه لا يكلف بقطعه، إلاَّ أن يكون ما ظهر قدراً ينتفع به، ولو كان في الأرض أشجار، حلاف ما يقطع من وجه الأرض فهي كالقَصَبِ.
الثانية: لو كانت الأرض المبيعة مَبْذُورة، ففي البذر الكامل مثل التَّفْصِيل المذكور في الزروع فالبَذْر الذي لا ثَبَات لنباته، ويؤخذ دفعة واحدة لا يدخل في بيع الأَرْض، ويبقى إلى أَوَانِ الحَصَاد، وللمشتري الخِيار أن كان جاهلاً به، فإن تركه البائع له سقط خياره، وعليه القبول، ولو قال: آخذه وأفرغ الأرض سقط خياره أيضاً، إنْ أمكن ذلك في زمان يسير.
والبذْر الذي يدوم نباته كَنَوَى النَّخْل والجَوْز واللَّوْز وبذر الكُرَّات، ونحوه من البقول حَكمه في الدخول تحت بيع الأرض حكم الأشجار، وجميع ما ذكرنا في المسألتين مفروض فيما إذا أطلق بيع الأرض، فأما إذا باعها مع الزرع، أو البذر فإنا نورده في خلال اللفظ السادس، إن شاء الله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 330
قال الغزالي: وَالحِجَارَةُ إنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةَ فِي الأَرْضِ انْدَرَجَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْفُونَةً فَلاَ، وعَلَى البَائِعِ النَّقْلُ وَالتَّفْرِيغُ وَتَسْوِيَةُ الحَفْرِ، فَإِنْ كَانَتْ تتعيب بِهِ الأَرْضُ أَوْ تَتَعَطَّلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ في مُدَّةِ النَّقْلِ فَلَهُ الخِيَارُ عِنْدَ الجَهْلِ، فَإِنْ أَجَازَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ طَلَبَ أُجْرَةِ المنفعةِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ، وَفِي مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ، وَكَذَلِكَ لَهُ طَلَبُ أَرْشِ التَّعَيُّبِ، فَإِنْ تَرَكَ البَائِعُ الحِجَارَةَ بَطُلَ خِيَارُ المُشْتَرِي، لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَضَرِّرِ بِالبَقَاءِ، ثُمَّ لاَ يِمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الأِعْرَاضِ (و) إِلاَّ إِذَا جَرَى لَفْظُ الهِبَةِ وَشَرْطُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: الحِجَارة إن كانت مخلوقة في الأَرْض، أو مثبتة دخلت في بيع الأرض.
وإن كانت تضر بالزَّرع والغَرْس، فقد ذكرنا في عِدَاد العيوب أنه عيب إذا كانت الأرض مما تقصد لذلك وفيه وجه: أنه ليس بعيب، وإنما هو فَوَات فَضِيلة، وإن كانت مدفونة فيها لم تدخل في البيع كالكنوز والأقمشة في الدار، ثم لا يخلو.
إما: أن يكون المشتري عالماً بالحال، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً فلا خيار له في فسخ العقد، وإنْ تضرَّر بقلع البائع، وله إجبار البائع على القلع والنقل تفريغاً لملكه بخلاف الزَّرْع فإن له أمداً ينتظر، ولا أُجْرة للمشتري في مدة القَلْع والنَّقل، وإن طالت كما لو اشترى داراً فيها أَقْمشة، وهو عالم بها لا أُجْرَة له في مدة النَّقْل والتَّفريغ، ويجب على البائع إذا نقل تسوية الأرض.
وإن كان جاهلاً فللحجارة مع الأرض أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن لا يكون في قَلْعها ولا في تركها ضرر فأن لم يحوج النَّقل وتسوية الأرض إلى مدّة لمثلها أجرة، ولم تنقص الأرض بها فللبائع النقل، وعليه تسوية الأرض، ولا خيار للمشتري، وله إجبار البَائع على النَّقْل، وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجبر والخِيَرَة للبائع، والمذهب الأول.
الحالة الثانية: أن لا يكون في قَلْعِها ضرر ويكون في تركها ضرر، فيؤمر البائع بالنقل، ولا خيار للمشتري كما لو اشترى دارًا فلحق سَقْفها خلل يسير يمكن تداركه في الحال، أو كانت مُنْسدّة البَالُوعَة فقال البائع: أنا أصلحه وأتقنها فلا خيار للمشتري.
الثالثة: أنْ يكون القلع والتَّرْك جميعاً مُضِرّين، فللمشتري الخيار سواء جهل أصل الأحجار، أو كون قَلْعها مضرًا، ولا يسقط خياره بأن يترك البائع الأحجار لما في نقلها من الضَّرر وهل يسقط بأن يقول للمشتري: لا تفسخ لأغرم لك أجرة المثل لمدة النقل؟
فيه وجهان عن رواية صاحب "التقريب".
أصحهما: لا، كما لو قال البائع: لا نفسخ البيع بالعيب لأغرم لك الأرش ثم إنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 331
اختار المشتري البيع فعلى البائع النقل وتسوية الأرض سواء كان النقل قبل القبض أو بعده، وهل تجب أجرة المثل لمدة النقل إن كان النقل قبل القبض فيبني على أن جناية البائع قبل القبض كآفةٍ سماوية أو كجناية الأجنبي.
إن قلنا: بالأول لم تجب وإن قلنا بالثاني فهو كما لو نقل بعد القَبْض، وإن كان النَّقْل بعد القبض فوجهان.
أصحهما: عند الشيخ أبي حامد: أنها لا تجب؛ لأن إجازته رضا بتلف المَنْفَعة في مدة النَّقْل.
وأصحهما: على ما يقتضيه كلام الأكثرين وبه قال أبو إسحاق: أنها تجب كما لو جنى على المبيع بعد القبض عليه ضمانه، وقد يختصر فيقال: في وجوب الأجرة ثلاثة أوجه:
ثالثها وهو الأظهر: الفرق بين أن يكون النَّقل قبل القبض فلا تجب، أو بعده فتجب، ويجري مثل هذا الخلاف في وجوب الأَرْش، لو بقي في الأرض بعد التَّسْوية نقصان وعيب وفي مأخذ الخِلاَف في الأَرْش ولزوم التَّسْوية مزيد كلام مذكور في الغَصْب.
الرابعة: أن يكون في قَلْعها ضرر، ولا يكون في تركها ضرر، فللمشتري الخيار، فإنْ أجاز ففي الأُجْرة والأَرْش ما مرّ، ولا يسقط خِياره بأن يقول للبائع: اقْلع واغرم الأجرة، أو أرش النقص كذا قاله في "التهذيب"، ويجيء فيه مثل الخلاف المذكور في الحالة الثالثة، ولو رَضِيَ بترك الأحجار في الأرض سقط خيار المشتري إبقاء للعقد، ثم ينظر إن اقتصر على قوله: تركتها إلى المُشْتري فهو تمليك، أو مجرد إعراض لقطع الخُصُومة، فيه وجهان كالوَجْهَين في ترك النَّقْل على الدَّابة المردودة بالعيب.
أحدهما: أنه تمليك ليكون سقوط الخيار في مُقابلة ملك حاصل.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه قطع للخصومة لا غير.
فإن قلنا بالأول: فلو قلعها المشتري يوماً فهي له، ولو أراد البائع الرجوع فيها لم يكن له وإن قلنا بالثاني فهي للبائع، ولو أراد الرجوع قال الأكثرون: له ذلك ويعود خيار المشتري.
وقال الإمام: لا رجوع ويلزمه الوفاء بالترك، وإن قال: وهبتها منك، فإن رآها من قبل واجتمعت شرائط الهِبَة حصل الملك، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأنه لا يَبْغي حقيقة الهبة وإنما يقصد دفع الفسخ، وإن لم تجتمع شرائط الهبة، ففي صحتها للضرورة وجهان، إن صححناها ففي إفادة المِلْك ما ذكرنا في لفظ الترك.
واعلم أن جميع ما ذكرنا فيما إذا كانت الأرض بيضاء، أما إذا كان فيها غِرَاس فينظر إن كانت حاصلة يوم البيع واشتراها مع الأرض، فنقصان الأشجار وتَعيُّبها بالإحجار، كتعيُّب الأرض في إثبات الخيار وسائر الأحكام، وإن أحدثها المشتري بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 332
الشراء، فينتظر إنْ أحدثها عالماً بالأحجار فللبائع قَلْعُها، وليس عليه ضمان نقصان الغِرَاس، وإن أحدثها جاهلاً، ففي ثبوت الخيار وجهان:
وجه الثبوت أنَّ الضرر ناشئ من إيداعه الأحجار في الأرض.
والأصح أنه لا يثبت لرجوع الضَّرر إلى غير المبيع، فإن كانت الأرض تنقص بالأحجار أيضاً نظر إن لم يورث الغَرْس وقلع المغروس نقصاناً في الأرض فله القلع والفسخ، وإن أورث الغراس أو القلع نقصاناً فلا خيار في الفسخ، إذ لا يجوز له رد المبيع ناقصاً ولكن يأخذ الأرض وإذا قلع البائع الأحجار فانتقص الغِراس فعليه أَرْش النقص بلا خلاف، ولو كان فوق الأحجار زرع إمَّا للبائع أو للمشتري، ففي "التهذيب" أنه يترك إلى أَوَانِ الحصاد؛ لأن له غاية منتظرة بخلاف الغِرَاس، ومنهم من سوَّى بينه وبين الغراس 364.
إذا تقرر فقه الفصل فالحاجة بعده إلى معرفة ما ذكر في الكتاب، وإحلال كل شيء محله.
أما قوله: (وعلى البائع النقل والتفريغ وتسوية الحفر) فاعلم أن الجمع بين النقل والتَّفْريغ ضرب إِيْضاح، إلا فنقل الحِجَارة عن الموضع دون التَّفريغ مُحَال، ثم الكلام مجري على إطلاقه في صورة العلم باشتمال الأرض على الأحجار المدفونة، وكذا في صورة الجهل حيث لا يثبت الخيار، وحيث ثبت فكذلك إن أجاز المشتري.
وأما إذا فسخ فلا يخفى أنه لا يكلف بالنَّقل وتسوية الحفر، ثم تكلم الإمام في أنهم لِمَ أوجبوا تسوية الحفر على البائع، وعلى الغاصب إذا حفر في الأرض المغصوبة، ولم يوجبوا على من هدم الجدار أن يعيده، وإنما أوجبوا الأَرْش.
وأجاب عنه بأن طمّ 365 الحفيرة لا يكاد يتفاوت، وهيئات الأبنية تختلف وتتفاوت فيشبه ذلك بذوات الأمثال، وهذا بذوات القيم، حتى لو رفع لِبنَة أو لِبَنَتَيْنِ من رأس الجِدار، وأمكن الرد من غير اختلاف في الهيئة كان ذلك كَطَمّ الحُفَيرة فهذا ما ذكره، وفي وجوب الإعادة على هادم الجِدَار خلاف يذكره في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى.
وقوله: (فله الخِيَار عند الجَهْل) محمول على الحالة الثالثة والرابعة فأما في الأولى والثانية فقد عرفت أنه لا خيار.
الجزء: 4 - الصفحة: 333
وقوله: (فالأظهر أن له طلب أجرة المنفعة في هذه المدة، وفي مدة بقاء الزرع).
أما أجرة مدة النقل فقد تكلمنا فيها، وبيَّنا أن الأظهر الفرق بين أن يكون النقل قبل القبض أو بعده، وأما في مدة بقاء الزَّرع فوجهان عن رواية صاحب "التقريب" الذي أورده المعظم: أنه لا تجب الأُجْرة، وتقع تلك المدة مُسْتَثْناة كما لو باع داراً مشحونة بأقمشة لا يستحق المشتري الأجرة لمدة التفريغ.
والثاني: وهو الأظهر عند صاحب الكتاب: أنها تجب، ولفظ المنفعة في قوله: "أجرة المنفعة" في قوله حشو لا يضر إسقاطه إذ ليس الأجرة إلاَّ عوض المنفعة.
وقوله: (فإن ترك البائع الحجارة بطل خيار المشتري) مُصور في الحالة الرابعة لا غير؛ لأنه لا خيار للمشتري في الأولى والثانية حتى يفرض سقوطه.
وأما في الثالثة، فقد ذكرنا أن ترك الحجارة لا يسقط الخيار.
وقوله: (لأنه غير متضرر بالبقاء) فيه إشارة إلى التَّصوير في الحالة المذكورة.
وقوله: (ثم لا يملكه بمجرد الإعراض معلّم بالواو).
وقوله: (إلاَّ إذا جرى لفظ الهِبَة) استثناء منقطع، ويجوز أن يعلم قوله: (وشرطها) بالواو، للوجه الذي ذكرناه في أنه لا تعتبر اجتماع الشروط.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّانِي: البَاغُ وَفِي مَعْنَاهُ البُسْتَانُ، وَهوَ مُسْتَتْبعٌ لِلأَشْجَارِ، وَلاَ يَتَنَاوَلُ البِنَاءَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَأَمَّا اسْمُ القَرَيةِ وَالدَّسْكَرَةِ (3) يَتَنَاوَلُ البنَاءَ وَالشَّجَر.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذا الباغ والبُسْتَان دخل في البيع الأرض والأشجار والحائط، وفي دخول البناء الذي فيه ما سبق في دخوله تحت الأرض، وفي العَرِيْش الذي توضع عليه القُضْبَان تردّد للشيخ أبي محمد، والظاهر عند الإمام دخوله، وذكروا أن لفظ الكَرْم كلفظ البُسْتَان، ولكن العادة في نَواحينا إخراج الحائط عن مسمَّى الكرم، وإدخاله في مسمَّى البُسْتَان، ولا يبعد أن يكون الحكم على ما استمر الاصْطِلاح به.
ولو قال: هذه الدار بستان دخلت الأبنية والأشجار جميعاً.
ولو قال: هذا الحائط بستان، أو هذه المحطوطة دخل الحَائِط المُحِيط وما فيه من الأشجار، وفي البناء الخلاف السابق، هكذا ذكره في "التهذيب"، ولا يتّضح في لفظ المحطوة فرق بين الأبنية والأشجار فليدخلا، أو ليكونا على الخلاف.
ولو قال: بعتك هذه القرينة دخل في البيع الأبنية والسَّاحات التي تُحيط بها الصُّور، وفي الأشجار التي وسطها الخلاف، اختيار الإمام وصاحب الكتاب دخولها بخلاف اختيارهما في لفظ الأرض.
الجزء: 4 - الصفحة: 334
وأما المزارع فلا تدخل في البيع، أَلاَ ترى أنه لو حلف لا يدخل القرية لم يَحْنَث بدخوله المزارع؟ ولو قال: بعتكها بحُقُوقها لم تدخل أيضاً، بل لا بد من نَصّ على المزارع، وفي "النهاية" أنها تدخل إذا قال: بحقوقها وهما غريبان.
366
قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّالِثُ الدَّارُ وَلاَ يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المنْقُولاَت إلاَّ مِفْتَاحَ البَابِ اسْتَثنَاهُ صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ"، وَيَنْدَرجُ تَحْتَهُ الثَّوابِتُ وَمَا أُثْبِتَ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ لِلبَقَاء كَالأبْوَابِ وَالمَغَالِيقِ، وَفِي الأَشْجَارِ وَحَجَرِ الرَّحَا وَالأَجَانَاتِ المُثْبَتَةِ خِلاَفٌ، وَفِي مَعْنَاهَا الرُّفُوفُ، وَالسَّلاَلِيمُ المُثْبَتَة بِالمَسَامِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذه الدار دخل في المبيع الأرض والأبنية على تنوعها حتى يدخل الحَمّام المَعْدُود من مَرَافقها، وحكي عن نصه أن الحمام لا يدخل، وحملوه على حمّامات الحِجَاز، وهي بيوت من خَشَبٍ تنقل، ولو كان في وَسَطِها أشجار ففي دُخولها ما سبق في دخُولها تحت بيع الأرض، ونقل الإمام في دخولها ثلاثة أوجه:
ثالثها: الفرق بين أن يكثر بحيث يجوز تسمية الدّار بستاناً فلا يدخل في لفظ الدار وبين أن لا تكون كذلك فتدخل.
وأما الآلات في الدَّار فهي على ثلاثة أجزاء:
أحدهما: المنقو لات كالدَّلو والبَكَرة والرّشَا والمَجَارِف والسّرُر والرّفُوف الموضوعة على الأوتاد، والسَّلاَلِيم التي لم تسمّر ولم تُطَين، والأَقْفَال والكُنُوز والدّفَايِن، فلا يدخل شيء منها في البيع، نعم في مفتاح المِغْلاَق المثبت وجهان:
أحدهما: أنه كسائر المَنْقُولات.
وأصحهما: ويحكى عن صاحب "التلخيص": أنه يدخل؛ لأنه من توابع المِغْلاَق المثبت، وفي ألواح الدَّكَاكين مثل هذين الوجهين لأنها أبواب لها، وإن كانت تنقل وتردد في الفَوْقَاني من حجر الرَّحَى مثل هذين الوجهين إن أدخلنا التَّحْتَاني، والأصح: الدخول.
والثاني: ما أثبت تتمة للدار ليدوم فيها ويبقى كالسُّقُوف والأبواب المَنْصُوبة، وما عليها من المَغَالِيق والحَلَق والسَّلاَسِل والضَّبَّات تدخل في البَيْع؛ فإنها مَعْدُودة من أجزاء الدَّار.
الثَّالث: ما أثبت على غير هذا الوجه كالرُّفُوف والدّنَان والأجَانَات المُثْبتة والسَّلاَلِيم المُسَمَّرة والأَوتَاد المُثَبَّتَة في الأرض والجُدْرَان، والتَّحْتَاني من حجر الرَّحَى،
الجزء: 4 - الصفحة: 335
وخشب القَصّار، ومَعجن الخَبَّاز، ففي جميع ذلك وجهان:
أصحهما: أنها تدخل لثباتها واتصالها.
والثَّاني: لا تدخل لأنها إنما أثبتت لِسُهُولة الارْتِفَاق بها، كي لا تَتَزَعْزَع وتتحرك عند الاستعمال.
وأشار الإمام إلى القطع بدخول الحَجَرَين في بيع الطَّاحونة، وبدخول الأجَانَات المُثَبَّتَة إذا باع باسم المدبغة والمصبغة، وأنَّ الخلاف في دخولها تحت بيع الدَّار وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف، في تجويز الصلاة إلى العصا المَغْرُوزَة في سطح الكَعْبة، إن جوزنا فقد عددناها من البناء فتدخل، وإلاَّ فلا، وهذا يقتضي التَّسْوِية بين اسم الدَّار والمدبغة 367.
قوله في الكتاب: "ويندرج تحته الثوابت، وما أثبت من مرافق الدار" كأنه يعني بالثَّوَابت ما هو ثابت في نفسه من غير إثبات، أو ما هو من ضرورات الدار، وبما أثبت من المرافق ما سواها.
فروع:
أحدها: لا يدخل مَسِيل الماء في بيع الأرض، وكذا لا يدخل فيه شربها من القَنَاة، أو النَّهْر المملوكين إلاَّ أنْ يشرط أو يقول بحقوقها، وحكى أبو عاصم العبادي وجهاً: أنه يكفي ذكر الحقوق.
وإذا كان في الدَّارِ المبيعة بئر ماء دخلت في المبيع، والماء الحاصل في البئر لا يدخل، أما إذا لم نجعله مملوكاً فظاهر وأما إذا جعلناه مملوكاً فلأنه نَمَاء ظاهر، فأشبه الثمار المُؤَبَّرة، وفي "النَّهَاية" حكاية وجه: أنه يدخل إذا جعلناه مملوكاً، وينزل منزلة الثمار التي لم تؤَبَّر؛ لأنه العرف فيه، وإن شرط دخوله في البيع صَحَّ على قولنا: إنَّ الماء مملوك بل لا يصح البيع دون هذا الشرط، وإلاَّ اختلط ماء المُشْتَري بماء البائع وانفسخ البيع 368، وذكر الخلاف في الماء، وتفاريعه مؤخر إلى إحياء الموات.
والثاني: لو كان في الأرْض أو الدَّار معدن ظاهر، كالنّفْط والمِلْح والغَازِ والكِبْرِيت فهو كالماء وإن كان باطناً كالذَّهب والفِضَّة دخل في البيع، إلاَّ أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذَّهَب بالذهب من جهة الرِّبَا، وفي بيعه بالفضة قولان للجمع في الصَّفْقَة الواحدة بين البَيْع والصَّرف.
الجزء: 4 - الصفحة: 336
الثالث: باع داراً في طريق غير نافذ دخل حريمها في البيع، وفي دخول الأشجار الخلاف الذي سبق، وإن كان في طريق نافذ لم يدخل الحَريم، والأَشْجَار في البيع، بل لا حريم لمثل هذه الدَّار، على ما سنذكر في إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الرَّابعُ: العَبْدُ وَلاَ يَتَنَاوَلُ مَالَ العَبْدِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَفِي ثِيَابِه الَّتي عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَنْدَرجُ سَاتِرُ العَوْرَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالوَجْهُ الصَّحِيحُ تَحْكيمُ العُرْفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: العبد إذا ملَّكَه السيّد، مالاً هل يملكه؟
فيه قولان يذكران بتوجيهما في باب معاملات العَبِيد.
إذا عرف ذلك فلو ملكه سيده مالاً ثم باعه، وشرط المال ثم باعه وشرط المال لنفسَه فلا كلام وإن أطلق بيعه لم يتبعه المال أيضاً.
أما إذا قلنا: إنه لا يملك فظاهر.
وأما إذا قلنا إنه يملك فلأن اللَّفظ لا يتناول المال، وهو بسبيل من الرجوع فيه، وكان ترك التَّعَرُّض للمال رجوعاً.
وإن باعه مع المال.
فإن قلنا: إنه لا يملك ما ملكه اعتبر فيه شرائط المبيع حتى لو كان مجهولاً أو غائباً لم يصح البيع، وكذا لو كان ديناً، والثمن دين وكذا لو كان ذهباً، والثمن ذهباً، ولو كان ذهباً والثمن فضة أو بالعكس، فعلى قولاً الجمع بين البيع والصَّرف.
وإن قلنا: إنه يملك فقد نصّ أن المال ينتقل إلى المشتري مع العبد، وأنه لا بَأْسَ بكونه مجهولاً أو غائباً، ويحتمل ذلك عن أبي سعيد الإصْطَخْري أن المال تابع، وقد يحتمل في التابع ما لا يحتمل في الأصل أَلاَ ترى أن الجهل في الحمل واللّبن التابعين محتمل؟ وكذا الجهل بحقوق الدار.
وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق أنَّ المال ليس بمبيع لا أصلاً ولا تبعاً، ولكن شرطه للمبتاع كتبعية له على العبد كما كان فللمشتري انتزاعه عنه، كما كان للبائع الانتزاع منه فعلى هذا لو كان المال رَبَوِيًا، والثمن من جنسه فلا بأس، وعلى الأول لا يجوز ذلك ولا يحتمل الرِّبَا في التابع كما في الأصل، وأصحّ المعنيين عند الأصحاب الثاني.
هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: الثياب 369 التي على العبد، هل تدخل في بيعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: الاقتصار على اللَّفظ كما أن السَّرْج لا يدخل في بيع الدَّابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 337
والثاني: تدخل، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أن ما عليه من الثياب تدخل اعتباراً بالعرف، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يدخل ساتر العَوْرة دون غيره.
وقوله في الكتاب: (والوجه الصحيح تحكيم العرف) ربما يشعر بوجه رابع، لكن المنقول ليس إلاَّ الوجوه الثلاثة، فهو إذن ترجيح لوجه دخول ما عليه من الثياب، لكن صاحب "التهذيب" وغيره رجَّحوا الوجه الصَّائر إلى أن شيئاً منها لا يدخل في البيع، وكذا قالوا في عِذَارِ الدَّابة.
وأما نعلها فيدخل، وكذا بُرَةُ 370 الناقة إلا أن يكون من ذهب أو فضة 371.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الخَامِسُ: الشَّجَرُ وَيَنْدَرج تَحْتَهُ الأَغْصَانُ وَالأَوْرَاقُ حَتَّى وَرَقُ الفِرْصَادِ عَلَى الأَصَحِّ وَكذَا العُرُوقُ، وَيسْتَحِقُّ الإِبْقَاء مَغَرُوساً، وَلاَ يَسْتَحِقُّ المَغْرَسَ عَلَى الأَصَحِّ مِنَ القَوْلَيْن، وَلَكنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا لِلإِبْقَاءِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: أغصان الشجرة تدخل في مطلق بيعها لأنها معدودة من أجزاء الشجرة، نعم لا يدخل الغُصْن اليابس في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القَطْع كما في الثمار.
قال في "التهذيب": ويحتمل أن يدخل كالصُّوف على ظهر الغَنم، وتدخل العَروق أيضاً في مطلق بيع الشَّجرة، وكذلك الأوراق إلاَّ أن شجرة الفِرْصَاد 372 إذا بيعت في الربيع، وقد خرجت أوراقها ففي دخولها تحت البيع وجهان:
أصحهما: انها تدخل كما في غير وقت الربيع وكما في سائر الأشجار.
وقال: أبو إسحاق انها لا تدخل لأنها كثمار سائر الأَشْجار، وفي أوراق شجر النَّبق ذكر طريقين في "التتمة" أظهرهما: أنها كأوراق غيرها من الأَشْجَار.
والثاني: أنها كأوراق الفِرْصَاد، لأنها تلتقط ليغسل بها الرَّأس.
الجزء: 4 - الصفحة: 338
الثانية: لو باع شجرة يابسة نابتة فعمى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة.
قال في "التتمة" فلو شرط إبقاءها فسد البيع، كما لو اشترى الثَّمرة بعد التَّأْبِير وشرط عدم القطع عند الجُذَاذ، ولو باعها بشرط القطع أو القلع جاز، وتدخل العُرُوَق في البيع عند شرط القلع، ولا تدخل عند شرط القطع بل تقطع عن وجه الأرض، وإن كانت الشَّجرة رطبة فباعها بشرط الإِبْقَاء أو شرط القلع اتبع الشَّرط ولو أطلق جاز الإِبْقَاء أيضاً للعادة كما لو اشترى بناء يستحق إبقاءه وهل يدخل المغرس في البيع؟ وجهان.
وقال الإمام وصاحب الكتاب رحمهما الله: قولان:
أحدهما ويحكى عن أبي حنيفة: نعم؛ لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية، وذلك لا يكون إلاَّ على سبيل المِلْك، ولا وجه لتملكه إلاّ دخوله في المبيع.
وأصحهما: لا لأن اسم الشجرة لا يتناوله، وقد يستحق غير المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جِدَاره ليضع الجذع عليه، فعلى الوجه الأول لو انْقلعت الشجرة أو قَلْعها المالك، كان له أن يَغْرس بدلها، وله أن يبيع الغرس، وعلى الثاني ليس له ذلك، ويجري الخلاف فيما لو اشترى أرضاً، وشرط البائع لنفسه شجرة منها أن المغرس يبقى له أيضاً أم لا والله أعلم.
قال الغزالي: وإنْ كَانَ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ يَنْدَرجْ تَحْتَهُ، وَغَيْرُ المُؤَبَّرَةِ تَنْدَرجُ (ح)، وَفِي مَعْنَى المُؤَبَّرَةِ كُلُّ ثَمَرَةٍ بَارِزَةٍ ظَهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ، وَإذَا تَأَبَّرَ بَعْضُ الثَّمَارِ حُكِمَ بانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ فِي الكُلِّ نَظَراً إِلَى وَقْتِ التَّأْبِيرِ لِعُسْرِ تَتَبُّعِ العَنَاقِيدِ، هَذَا إِذَا اتَّحَدَ النَّوْعُ وَشَمِلَت الصَّفْقَةُ، فَإِن اخْتَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَفَيهِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيان أن الثمرة متى تندرج في بيع الشجرة؟ ومتى لا تندرج؟ والأصل في الباب ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةٌ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِعِ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" 373.
وروي أن رجلاً ابتاع نخلاً من آخر، واختلفا: فقال المبتاع: أنا أبَّرته بعدما ابتعت، وقال البائع أنا أبَّرته من قبل البيع فتحاكما إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى بالثَّمرة لمن أبَّر منهما 374 وأول ما يحتاج إلى معرفته تفسير التَّأْبير.
اعلم أن النخيل فُحُول وإِنَاث، ومعظم المقصود من طلع الفُحُول استصلاح الإناث بها، والذي يبدو منها أولاً أُكَمَة صغيرة، ثم تكبر وتطول حتى تصير كآذان
الجزء: 4 - الصفحة: 339
الحُمُر، فإذا كبرت تشققت فتظهر العَنَاقِيد في أَوْسَاطها، فبذر فيها طلع الفُحُول الحاصل من رطبها أجود، فالتَّشْقيق وذرْ طلع الفُحُول فيها هو التَّأْبير، وقد يسمى تلقيحاً أيضاً، ثم الأكثرون يسمون الكِمَام الخارج أكله طَلْعاً، والإمام خصّ اسم الطَّلْع بما يظهر من النُّور على العنقود عند تشقُّق الكِمَام، ثم المتعهدون للنَّخِيل لا يؤبِّرون جميع الأَكَمَة، ولكن يكتفون بتأبير البعض، والباقي ينشق بنفسه، وينبت ريح الفُحُول إليه، وقيل قد لا يؤبّر في الحائط شيء، وتتشقق الأكمة بنفسها إذ كبرت، إلا أن رطبه لا يجيء جيداً، وكذلك الخارج من الفُحُول ينشق بنفسه ولا يشقق غالباً.
إذا تقرر ذلك، فإذا باع نخلة عليها ثمرة، وشرطاها للبائع لم تندرج في بيع النخلة، وإن شرطاها للمشتري اندرجت، وإن أطلقا وهي مسألة الكتاب نظر إنْ كانت مؤبَّرة لم تندرج في البيع، وكذا لو لم تؤبّر وتشقّقت الأَكَمة بنفسها اعتباراً لظهور المقصود، وإن لم تؤَبّر ولا تشققت هي اندرجت في البيع، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تبقى الثمار للبائع أُبِّرت أو لم تُؤَبَّر.
لنا ما سبق من الخبر، وأيضاً فإن لها حالة كُمُون وظهور بأصل الخِلْقة، فيتبع الأصل في حالة الكمون اعتباراً بحال البهيمة والجَارِية، ولو باع الفحول من النّخيل بعد تشقُّق طلعها لم يندرج الطَّلْع في البيع، وإن لم يتشقق فوجهان:
أظهرهما: الاندراج كما في طلع الإِنَاث.
والثاني: أنه لا يندرج، لأن طلع الفحل يؤكل على هَيْئَتِه، ويطلب لِتَلْقيح الإناث به، وليس له غاية مُنْتظرة بعد ذلك، فكان ظهوره كظهور ثمرة لا قِشْرَ لها، بخلاف طلع الإناث فإنه يعني بثمرته فاعتبر ظهورها.
ثم الكلام في أمرين:
أحدهما: ما عدا النخيل من الأشجار أقسام:
أولها: ما يفصل منه الورق كشجر الفِرْصَاد، وقد ذكرنا حكمه.
قال في "البيان" وشجر الحنَّاء ونحوه، يجوز أن تلحق بشجر الفِرْصَاد، ويجوز أن يقال: إذا ظهر ورقه فهي للبائع بلا خلاف؛ لأنه لا ثمرة لها سوى الورق، ولِلْفرْصَاد ثمرة مأكولة.
وثانيها: ما يقصد منه الورد، وهو على ضربين:
أحدهما: ما يخرج في كِمَام ثم ينفتح كالورد الأحمر، فإذا بيع أصله بعد خروجه وتفتحه فهو للبائع، كطَلْع النخل المتشقق، وإن بيع بعد خروجه وقبل تفتحه، فهو للمشتري كالطَّلْع قبل التشقق، وعن الشيخ أبي حامد أنه يكون للبائع أيضاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 340
والثاني: ما يخرج ورده ظاهراً كاليَاسَمِيْن، فإن خرج ورده فهو للبائع وإلا فللمشتري.
وثالثها: ما يقصد منه الثمرة، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته بارزة بلا قِشْر ولا كِمَام، كالتِّين فهو كاليَاسَمِين، وألحق العِنَب بالتِّيْن، وإن كان لكل حَبَّة منه قِشْر لطيف، يتشقَّق ويخرج منها نَوْر لطيف؛ لأن مثل ذلك موجود في ثمر النَّخل بعد التَّأْبير، ولا عبرة به.
والثاني: ما لا يكون كذلك، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته في نَوْر، ثم يتناثر النَّوْر، فتبرز الثَّمرة بلا حائل كالمِشْمِش 375 والتُّفَّاح والكُمِّثْري وما أشبهها، فإن باع الأصل قبل انْعِقَاد الثَّمرة فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج، وإنْ باعه قبل الانعقاد، وتناثر النَّوْر فهي للبائع وإن باعه بعد الانْعِقَاد قبل تَنَاثُر النَّوْر فوجهان:
أحدهما: أنها للمشتري تنزيلاً للاستتار بِالنَّوْر منزلة اسْتِتَار ثمر النَّخْل بالكِمَام.
والثَّاني: أنها للبائع تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التَّأَبير بالقِشْر الأبيض، وهذا أرجح عند أبي القاسم الكرخي، وصاحب "التهذيب" لكن الأول هو المحكي عن نصه في البُويطي، وعن أبي إسحاق، واختاره ابن الصباغ والقاضي الروياني، والله أعلم.
والثاني: ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة، وله ضربان:
أحدهما: ما له قِشْرَة واحدة كالرُّمَّان.
فإذا بيع أصله، وقد ظهر الرُّمَّان بقشرهِ فهو للبائع، ولا اعتبار بقشرهِ لأن إبقاءه من مصلحته، وإن لم تظهر فالذي يظهر يكون للمشتري.
والثَّاني: ما له قشرتان كالجَوْز واللَّوْز والفُسْتُق والرَّانِج، فإنْ باعها قبل خروجها فإنها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد الخروج فتبقى على ملك البائع، ولا يعتبر في ذلك تشقُّق القِشْرة العليا، على أصح الوجهين.
والثاني: يعتبر، وبه قال الشيخ أبو حامد وطبقته.
واعلم أن أشجار الضَّرْبين الأخيرين منها ما يخرج ثمره في قشرهِ من غَيْر نور كالجَوْز والفُسْتُق.
ومنها: ما يخرج في نَوْر ثم يَتَنَاثر عنه كالرُّمَّان واللَّوْز، وما ذكرنا من الحكم فيما
الجزء: 4 - الصفحة: 341
إذا بيع الأصل بعد تَنَاثُر النَّوْر عنه، فإن بيع قبله عاد فيه الكلام السابق.
فرع: الكُرْسُف وهو القُطْن نوعان:
أحدهما: ما له ساقٌ تبقى سنين، وتثمر كل سنة، وهو كُرْسُف الحجاز والبصرة والشَّام، فهو كالنَّخْل إِنْ بيع أصله قبل خروج الجوزق أو بعده وقبل تَشَقُّقه، فالحاصل لِلْمُشْتري وإنْ بيع بعد التَّشقق فهو للبائع.
والثاني: ما لا يبقى أكثر من سنة فهو كالزرع، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده، وقبل تكامل القطن فلا بد من شرط القطع، ثم إن لم يتفق القطع حتى خرج الجوزق، فهو للمشتري لحدوثه من عين ملكه.
في "التهذيب": وإنْ باعه بعد تَكَامُل القطن، فإن تشقق الجوزق صح البيع مطلقاً، ودخل القطن في البيع بخلاف الثمرة المُؤَبَّرة، لا تدخل في بيع الشَّجرة، لأن الشَّجرة مقصودة لثمار سائر الأَعْوام، ولا مقصودها هنا سوى الثَّمرة المَوْجُودة، وإن لم يَتَشَقَّق لم يجز البيع في أصح الوَجْهَين؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجَوْز واللَّوْز في القِشْرة السُّفلى.
الأمر الثاني: لا يشترط لبقاء الثَّمرة على ملك البَائِع التَّأْبير في كل كِمَام وعُنْقُود لما في تتبع ذلك من العسر بل إذا باع نخلة أبو بعض طَلْعها بقي الكُل للبائع، وجعل غير المُؤَبّر تابعاً للمؤبر، وذلك أَوْلى من أن يعكس، فيجعل المؤبر تابعاً لغير المُؤَبّر؛ لأن المُؤَبَّر ظاهر وإتباع الباطن الظاهر أولى، كما أنّ باطن الصُّبْرَة تبع لظاهرها في الرؤية، ولأن الباطن سائر إلى الظهور بخلاف العكس.
ولو باع نخلات طلع بعضها مُؤِبَّر وطلع البعض غير مؤبر، فلها حالتان:
إحداهما: أن يكون في بُسْتَان واحد، فينظر إن اتَّحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فالحكم كما في النَّخْلَة الواحدة، إذا أبَّر بعض ثمرها دون بعض، وإن أفرد ما لم يؤبر طلعه فوجهان:
أحدهما: أنه يبقى للبائع، وأيضاً لدخول وقت التأبير، والاكتفاء به عن نفس التأبير.
وأصحهما: أنه يكون للمشتري، لأنه ليس في المبيع شيء مُؤَبَّر، حتى يجعل غير المؤبر تبعاً له، فيبقى تبعاً للأصل، وإن اختلف النوع فوجهان:
أحدهما، وبه قال ابن خيران: أن غير المُؤَبَّر يكون للمشتري والمؤبر للبائع؛ لأن لاختلاف النوع تأثيراً بينا، في اختلاف الأيدي وقت التأبير.
وأصحهما: أنّ الكل يبقى للبائع كما لو اتحد النوع دفعاً لضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.
الجزء: 4 - الصفحة: 342
الحالة الثانية: أن يكون في بستانين فحيث قلنا في البستان الواحد، إن كل واحد من المُؤَبَّر وغير المؤبر يفرد بحكمه فهاهنا أَوْلى، وحيث قلنا بأن غير المؤبر يتبع المؤبر فهاهنا وجهان:
أصحهما: أن كل بستان يفرد بحكمه، والفرق أن لاختلاف البِقَاع تأثيراً في وقت التَّأبير، وأيضاً فإنه يلزم في البُسْتان الواحد ضَرَرُ اختلاف الأيدي، وسوء المُشَاركة، ولأن للخطة الواحدة من التَّأثِير في الجمع ما ليس للخُطَّتَين، أَلاَ تَرَى أن خطة المسجد تجمع بين [الإمام والمأموم] 376، وإن اختلف البناء وتباعدت المَسَافة بينهما، ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين.
فروع:
أحدهما: إذا باع نخلة وبقيت الثمرة له، ثم خرج طَلْع آخر من تلك النَّخْلة أو من نخلة أخرى، حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحال ففيه وجهان:
أصحهما: أن الطَّلْع الجديد للبائع أيضاً، لأنه من ثمرة العام.
وقال ابن أبي هريرة: إنه للمشتري، لأنه حدث من ملكه بعد البيع.
الثاني: لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها، كما لو جمع بين نوعين من الإناث.
الثَّالث: قال في "التهذيب": تشقق بعض الجَوْزَق من الكُرْسُف كتشقق الكل وما تشقق من الورد يبقى للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإنْ كانا على شجرة واحدة ولا يتبع البعض البعض، بخلاف ثمر النخل، لأن المتشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يُجْتَنى ولا يترك إلى تشقُّق الباقي، وذكر أيضاً أن التِّين والعِنَب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف، والله أعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وغير المؤبر يندرج) يحتاج إلى قيد آخر، وهو أن لا يتشقق بنفسه إذ لو تشقق لما اندرج، وإن لم يؤبّر على أنّ بعضهم، فسر التَّأَبير بما يدخل فيه التشقيق والتشقق، فعلى ذلك الاصطلاح يستمر الكلام على ظاهره.
وقوله: (كل ثمرة بارزة ظهرت للناظرين) أي إما في ابتداء الوجود كالتِّين، أَو بالتَّفتح كالوَرْد، أو بالخروج من النَّوْر على التفصيل السابق.
وقوله: (نظراً إلى وقت التأبير) هذا التوجيه يقتضي أن يكون أحد البستانين تابعاً
الجزء: 4 - الصفحة: 343
للآخر لدخول وقت التأبير، لكن الظاهر خلافهُ على ما مَرَّ، فهو إذاً محمول على نخيل البُسْتَان الواحد، وفي قوله: (هذا إذا اتحد النوع، وشملت الصفقة) مثل هذا الكلام المعني وإن اتَّحد البستان، إلاَّ أن يجاب بالوجه الآخر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِمُشْتَرِي الأَشْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَ قَطْعَ الثِّمَارِ، بَلْ لَهُ (ح) الإِبْقَاءُ إِلَى أَوَانِ القِطَافِ لِلعُرّفِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ الأشجار إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ، وإنْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ فَأيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ؟، فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أصَحُّهَا: أَنَّ المُشْتَرِيَ أَوْلَى إِذَا الْتَزَمَ البَائِعُ سَلاَمَةَ الأشجار لَهُ، وفِي الثَّالث: يَتَسَاوَيَانِ فَيُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعذُّرِ الإِمْضَاءِ إِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَمَهْمَا لَمْ يَتَضَرَّرِ الثِّمَارُ بِالسَّقْي وَتَضَرَّرَ الشَّجَرُ بِتَرْكِ السَّقْي فَعَلَى البَائِعِ السَّقْيُ أَو القَطْعُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور:
إحداها: إذا باع الشَّجرة، وبقيت الثَّمرة للبائع، فإن شرط القَطْع في الحال لزمه القطع، وإنْ أطلق فليس للمشتري أنْ يكلفه القطع في الحال، بل له الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ في النَّخل، والقِطَاف في العنب، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: يلزمه القطع في الحال، ولو شرط الإبقاء فسد.
لنا: أن مطلق العقد محمول على المعتاد، والمعتاد في الثمار الإبقاء، حتى لو كانت الثمرة من نوع يعتاد قطعها قبل النضج يكلف القطع، وإذا جاء وقت الجُذَاذ لا يمكن من أنْ يأخذها على التَّدْريج، ولا يؤخر إلى نِهَاية النُّضْج.
واعلم: أنه حكي اختلاف القول في جواز إبقاء الثَّمَار في صورتين:
إحداهما: لو تعذر السَّقْى لانقطاع الماء، وعظم ضرر النَّخِيل بإبقاء الثمار، ففيه قولان منقولان عن "الأم".
قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه له الإبقاء دفعاً للضَّرر عن المشتري.
الثانية: لو أصاب الثَّمَار آفة، ولم يكن في إبقائها فائدة، هل له الإبقاء؟ عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولان:
الصورة الثانية: سقي الثّمار عند الحاجة على البائع، وعلى المشتري تَمْكينه من دخول البُسْتَان ليسقي فإن لم يأتمنه نَصَّب الحاكم أميناً للسَّقي، ومُؤْنَته على البائع، وإذا كان السَّقْي ينفع الثِّمَار والأشجار معاً، فلكل واحد من البَائِع والمشتري السَّقْى، وليس للآخر منعه، وإن كان بضربهما معاً فليس لأحدهما السَّقي، إلاَّ يرضا الآخر 377، وإن أضر بالثمار ونفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي، ونازعه البائع فوجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 344
قال ابن أبي هريرة: للمشتري السَّقي، ولا يبالي برضا البائع، لأنه قد رضي به حين أقدم على هذا العقد، وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد لتعذر إمضائه إلاَّ بإضرار أحدهما، فإن سامح أحدهما الآخر أقر، وهذا أظهر، وإن أضر بالأشجار ونفع الثمار، وتنازعا جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة للبائع السَّقي.
وقول أبي إسحاق لا يختلف فهذا ما نقله الجمهور، واقتصروا عليه.
وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجاب المشتري إلى مطلوبه، لأنه التزم سَلاَمَة الأشجار للبائع.
وثانيها: أن يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان، وترجيح الوجه الأول مما لم أرَه إلا لصاحب الكتاب.
ولو كان السَّقْي يضر بأحدهما، وترك السَّقْي يمنع حصول زيادة في جانب الثاني، ففي الْتِحاقه بتقابل الضَّرر احتمالان عند الإمام.
الصورة الثالثة: لو لم يسق البائع، وتضرَّر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الأشجار، أجبر على السقي أو القطع فإن تعذَّر السقي لانقطاع الماء فيه القولان السابقان 378.
قال الغزالي: اللَّفْظُ السَّادِسُ: بَيْعُ الثِّمَارِ وَمُوجِبُ إِطْلاَقِهِ اسْتِحْقَاقُ الإبْقاءِ إِلَى القِطَاف، فَإنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ صَحَّ بِكُلِّ حَالٍ، وَمُوجِبُ الإِطْلاَقِ التَّبِعِيَّةُ (ح)، وَإنْ كَانَ قَبْلَهُ بَطُلَ (ح) إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ؛ لأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلعَاهَاتِ فَلاَ يُوثَقُ بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَى القِطَاف، وَقَدْ نَهِى عليه السلام عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَةِ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا صَاحِبُ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَجِبُ شَرْطُ القَطْعِ (و)، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ وَبَقِيَتِ الثِّمَارُ لَهُ لَمْ يَجِبْ شَرْطُ القَطْعِ؛ لأَنَّ المَبِيع هُوَ الشَّجَرُ وَلاَ خَوْفَ فِيهِ، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ مَعَ الثَّمَرَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ القَطْعُ لِفَقْدِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وَلَوِ اطَّرَدَ عُرْفُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الثِّمَارِ فَفِي إِلْحَاقِ العُرْف الخَاصِّ بِالعَامِّ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد ذكرنا في اللفظ الخامس حكم بيع الأشجار دون التعرض للثمار، والغرض الآن الكلام في بيع الثمار دون التَّعرض للأشجار، وهي إمَّا أنْ تباع بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، أو قبله.
الجزء: 4 - الصفحة: 345
الحالة الأولى: إذا بيعت بعد بُدُوّ الصَّلاح جاز مطلقاً، وبشرط إبقائها إلى وقت الجُذَاذ، وبشرط القَطْع سواء كانت الأصول للبائع أو للمشتري أو لغيرهما.
لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" 379.
والحكم بعد الغاية، يخالف الحُكْم قبلها.
ثم عند الإِطْلاق يجوز الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ للعرف، وشرط التبعية تصريح بما هو من مقتضياتَ العقد، وساعدنا مالك وأحمد على ما ذكرناه.
وعند أبي حنيفة لا يجوز البيع بشرط الإبقاء، ويلزم القطع في الحال في صورة الإطلاق، ولا يجوز أن يبيع الثمار بعد بدون الصلاح مع ما يحدث بعدها خلافاً لمالك.
الحالة الثانية: إذا بيعت قبل بُدُوِّ صلاحها فإما أن تُباع مفردة عن الأشجار أو معها.
الحالة الأولى: أن تباع مفردة عن الأشجار، فالأشجار تصور على وجهين:
أحدهما: أن تكون للبائع أو لغير المتعاقدين، فلا يجوز بَيْع الثمار مطلقاً ولا بشرط الإبقاء، ويجوز بشرط القَطْع.
أما الجواز بشرط القطع فمجمع عليه، وأما إنه لا يجوز مطلقاً وبشرط الإبقاء، فلما سبق من الخير، فإن ظاهره يمنع من مطلق البيع، المَشْرُوط بالقَطْع إجماعاً فيعمل به فيما عداه، والمعنى الفارق بين ما بعد بُدُوِّ الصلاح وقبله، أنَّ الثمار بعد بدو الصَّلاَح تَأْمَنُ من العَاهَاتِ والجَوَائِح غالباً لكبرها وغلظ نَوَاها وقبل بدو الصَّلاح تسرع إليها العَاهَات لضعفها، فإذا تلفتَ لم يَبْقَ شيء في مقابلة الثمن، وكان ذلك من قبل أَكْل المال بالبَاطِل وإلى هذا المعنى أشار باللَّفظ المروي في الكتاب، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ" 380.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أرأيت إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيه" 381.
فأما إذا شرط القطع، فيتبين أن غرضه هو الحصْرم والبَلَح وأنه حاصل، هذا هو المعنى المشهور، وحكى الإمام مع ذلك معنى آخر عن بعض الأصحاب، وهو أن الثمار قبل بُدُوِّ الصَّلاَح تَكْبُرُ أجزاؤها كبراً ظاهراً، وتلك الأجزاء من أجزاء الشجرة
الجزء: 4 - الصفحة: 346
امتصاصها رطوبتها، فيتعذر الإبقاء لذلك، كما يتعذر البيع بشرط أن يأكل العبد المبيع من مال البائع، وساعدنا مالك وأحمد على قولنا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح البيع بشرط الإبقاء ويصح مطلقاً، ويؤمر بقطعهِ في الحال وهذا ذهاب إلى أن مقتضى الإطلاق القطع، إذ به يحصل التَّسليم.
وعندنا مقتضى الإطلاق الإبقاء بناء على العادة العامة، كما تنزل الدَّرَاهم المطلقة في العقد على النَّقْد الغالب، فالإِجارة المطلقة على المَنَازِل المَعْهُودَة في الطَّرِيق، والتَّسْليم يجب بحسب العَادَة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع داراً فيها أمتعة كثيرة لا يلزمه نقلها في جنح الليل، ولا أن يجمع كل حمال في البلد لتعجيل التَّسليم، ولكن ينقل على العادة.
ثم هاهنا فروع:
أحدها: وقد ذكره في الكتاب لو كان في البلاد الشديدة البرد كُرُوم لا تنتهي ثمارها إلى الحَلاَوة، واعتاد أهلها قطع الحصرم ففي بيعها وجهان عن القفال: أنه يصح من غير شرط القطع تنزيلاً لعادتهم الخاصة منزل العادات العامة، وقد ذكرنا أن العَقْد المطلق محمول على المعتاد، فيكون القَطْع المعهود كالمشروط، وامتنع الأكثرون من ذلك، ولم يروا تواطؤ قوم مخصوصين بمثابة العادات العامة، وهذا الخلاف يجري فيما لو جرت عادة قوم بِانْتِفَاع المرتهن بالمرهون، حتى تنزل عَادتهم على رأي منزلة شرط الانْتِفاع، ويحكم بفساد الرهن، وأشار إِمام الحَرَمين -رحمه الله- إلى تخريج ذلك على مسألة السِّر والعَلاَنية.
الثّاني: إذا باع بشرط القَطْع وجب الوفاء به، ولو تَرَاضيا على التّرك فلا بأس، وكان بدو الصلاح ككبر العبد الصَّغير، وعن أحمد أنه يبطل البيع وتعود الثمرة إلى البائع.
الثَّالث: قال في "التتمة": إنما يجوز البَيْع بشرط القطع 382 إذا كان المقطوع منتفعاً به كالحِصْرِم واللَّوْز ونحوهما.
فأما ما لا منفعة فيه كالجَوْز والكُمثري، فلا يجوز بيعه بِشَرْط القطع.
الوجه الثاني: أن تكون الأشْجَار للمشتري، مثل أنْ يبيع الشَّجرة من إنسان بعد ظهور الثَّمرة، وتبقى الثمرة له على ما مر، ثم يبيع الثمرة من مالك الشجرة، أو يوصي بالثمرة لإنسان، ثم يبيع المُوصي له الثَّمَرة من الوَارِث، فهل يشترط القطع؟ فيه وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 347
أصحهما عند الجمهور: نعم لشمول الخبر والمعنى، فإن المبيع هو الثمرة، ولو تلفت لم يَبْقَ في مقابلة الثمر شيء، ولكن يجوز له الإبقاء، ولا يلزمه الوفاء بالشرط هاهنا إذ لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره.
والثاني: وهو الذي أورده في الكتاب أنه لا حاجة إلى شَرْط القطع، لأنه يجمعها ملك مالك واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معاً، وسيأتي ذلك، ولو باع الشجرة وعليها ثمرة مؤبرة فبقيت للبائع، فلا حاجة إلى شرط القَطْع لأن المبيع هو الشَّجرة، وهي غير متعرّضة للعَاهَات، والثمار مملوكة له بحكم الدوام، ولو كانت الثمرة غير مؤبّرة فاستثناها لنفسه، فهل يجب القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الثمار والحالة هذه مندرجة لولا الاستثناء، فكان كملك مبتدأ.
وأصحهما: أنه لا يجب لأنه في الحقيقة استدامة ملك، فعلى هذا له الإبقاء إلى وقت الجُذَاذ، ولو صرح بشرط الإِبْقَاء جاز، وعلى الأول لا يجوز 383.
الحالة الثانية: أن تباع الثمار مع الأشجار، فيجوز من غير شرط القَطْع، بل لا يجوز شرط القطع فيه 384، أما إنه يجوز من غير شرط القَطْع فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ".
جواز شرط الثَّمرة للمبتاع مع الأصل مطلقاً.
والمعنى فيه أن الثمرة هاهنا تتبع الأصل، والأصل غير متعرّض للعاهة، وقد يحتمل في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يحتمل فيه إذا أفرد بالتَّصرف، كالحمل في البطن واللَّبن في الضَّرْع، وأما إنه لا يجوز شرط القطع فيه فَلِمَا فيه من الحجر عليه في ملكه.
الجزء: 4 - الصفحة: 348
ثم نتكلم في عبارات الكتاب.
وقوله: "بكل حال" معلّم بالحاء؛ لأنه يتناول البيع بشرط التَّبعية، وقد سبق أن أبا حنيفة لا يجوزه.
قوله: (وموجب الإطلاق التبعية) مستغنى عنه لأن في قوله: (وموجب إطلاقه استحقاق الإبقاء على القطَاف) ما يغني عنه، ثم هو مُعَلَّم بالحاء، وكذا قوله: (بطل إلاَّ بشرط القطع) لما مر.
وقوله: "لأنها تتعرض للعاهات، فلا يوثق بالقدرة على التسليم إلى القطاف)، أراد به أن تمام التسليم إنما يحصل بالقطَف، وهو يعرض الجَوَائح والآفات قبل ذلك، فالقدرة على التسليم إذًا غير موثوق بها لكن في كون الأمر كذلك مزيد كلام ستعرفه في مسألة الجوائح، وما بعدها إن شاء الله تعالى.
وقوله: (لفقد العلة المذكورة) أراد به أن تمام التَّسْليم هاهنا يحصل بالتَّخلية، ولا يتوقف على القطَاف لكون الأُصول مملوكة له.
وقوله: (ففي إلحاق العرف الخامس بالعام خلاف) ليس فيه تصريح بحكم المسألة، لكن فيه إشارة إلى مأخذها، معناه في الاستغناء عن شرط القَطْع، خلاف وجه الاستغناء حمل المطلق على القطع المعهود، كما يحمل المطلق على الإبقاء المعهود، ذهاباً إلى أن المعهود بالعرف الخَاصّ كالمعهود العام.
قال الغزالي: ثُمَّ اتَّفَقُوا علَى أَنَّ وَقْتَ بُدُوِّ الصَّلاحَ كَافٍ (ح) كَمَا فِي التَّأبِيرِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الجِنْسِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغي أَنْ يَتَّحِدَ النَّوْعُ وَالبُسْتَانُ وَالمِلْكُ، وَالصَّفْقَةُ، فَلَوِ اخْتَلَفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَصَلاحُ الثِّمَارِ بِأَنْ يَطِيبَ أَكْلُهَا وَيَأْخُذَ النَّاسُ فِي الأَكْلِ وَذَلِكَ بِظُهُورِ مَبَادِي الحَلاَوَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل قَاعِدَتَان لا بد من معرفتهما في الباب:
الأولى: لا يشترط للاستغناء عن شرط القطع بُدُوِّ الصلاح في كل عنقود، بل إذا باع ثمار شجرة بَدَا الصَّلاح في بعضها صح من غير شرط القطع، ولو باع ثمار أشجار بدا الصَّلاحَ في بعضها، نظر إن اختلف الجنس لم يعتبر بدو الصَّلاحَ في أحد الجِنْسَين حكم الجنس الآخر، حتى لو باع الرطب والعنب صفقة واحدة، ولم يَبْدُ الصَّلاح في أحدهما وجب شرط القَطْع فيه، وإن اتَّحد الجِنْس فالنَّظر في اتِّحاد النوع واختلافه، وبتقدير الاتِّحاد فالنظر في اتحاد البُسْتَان وتعدده، وبتقدير الاتحاد فالنظر في بيعها صفقة واحدة، وإفراد ما لم يَبْدُ الصَّلاحَ فيه بالبَيْع وحكم الأَقْسَام على ما مر في البَابَيْن بلا فلاق حتى أن الأصح أنه لا يبيعه عند الإِفْرَاد، وأنه لا أثر لاختلاف النوع، وأنه لا يتبع بُسْتان بستاناً، وبهذا قال أحمد، وعن مالك أنَّ البُسْتَان يتبع البستان إذا تجاورا، وربما نقل عنه الضَّبط ببساتين البلدة الواحدة، هذه إحدى القاعدتين.
الجزء: 4 - الصفحة: 349
بقي قوله: "والملك" اعلم أن المصنف -رحمه الله- حكى خلافاً في اشتراط اتِّحَاد المِلْك، ورُبَّما يشير إليه كلام الإمام ولا بُدَّ من البَحْث عن موضعه وكيفيته، فنقول: إذا بَدَا الصَّلاحَ في ملك غيره، ولم يبد في ملكه لم يخل: إما أن يكونا في بستان واحد، أو في بستانين.
فإن كانا في بستان واحد، وباع ملكه فقد ذكرنا وجهين، فيما لو كان الكل ملكه، وأفرد ما لم يبد في الصَّلاحَ بالبيع وهل يعطى له حكم ما بَدَا فيه الصَّلاحَ حتى يستغنى فيه عن شَرْط القَطْع أم لا؟ وهو المراد من الخلاف في اعتبار اتِّحَاد الصَّفقة، فإن ثبت الخِلاَف في اعتبار اتِّحَاد الملك والحالة هذه، فسبيله أن يقال: أحد الوجهين أن الحكم، كما لو كان ما بدا فيه الصلاح ملكه، فيطرد الوجهان.
والثاني: القطع بالمنع، وإن كانا في بُسْتَانين فقد نقل الإمام القطع بأنه لا عِبْرَة به، ولا نظر إلى بُدُوِّ الصلاح في بستان غير البائع، لكنا إذا لم نفرق فيما بدا فيه الصَّلاحَ من ذلك البُسْتَان، ولم يدخل في البَيْع بين أنْ يكون ملك البائع أو ملك غيره، فقياسه أن لا يفرق فيما بدا فيه الصَّلاَح في بستان آخر أيضاً إذا لم يشترط اتحاد البستان، والله أعلم.
ثم حيث ثبت الخلاف في اعتبار اتِّحاد الملك هاهنا فهو جائز في التَّأْبير أيضاً، وإن لم يجر ذكره ثم، والظاهر أنه غير معتبر في الموضعين.
والثانية: بُدُوِّ الصلاح في الثمار بظهور النِّضْج ومبادئ الحلاوة، وزوال 385 العُفُوصَة أو الحُمُوضة المُفْرَطين، وذلك فيما لا يتلون بأن يتمَوَّه ويلين وفيما يتلوّن بأن يحمر أو يصفر أو يسود.
"نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهَى، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا تَزْهَى؟ قال: حتى تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ" 386.
واعلم أن هذه الأوصاف، وإن كان يعرف بها بُدُوِّ الصلاح في الثِّمَار، لكنها ليست ولا واحد منها بشرط في تفسير بُدُوِّ الصلاح، لأن القِثَّاء لا يفرض فيه نُضْجٌ ولا حَلاَوَة، وليس فيه عُفُوصَة ولا حُمُوضَة حتى تزول، بل يُسْتَطاب أكله في الصغر كما يستطاب في الكِبَر، ولذلك قال في الكتاب: "بأن يطيب أكلها ويأخذ الناس في الأكل"، فاعتبر مع طيب الأكل أخذ الناس فيه، وذلك في القِثَّاء بأن يكبر بحيث يجتنى في الغالب ويؤكل، وفي الصغر تؤكل على سبيل النُّدُور، وأيضاً فإن بُدُوّ الصَّلاح في الزرع يحصل عند اشْتِدَاد الحَب، ولا يفرض فيه عَفُوصة ولا حموضة، ولا نُضْج وحلاوة على أن اعتبار الأكل غير معتبر في تفسير مطلق بُدُوِّ الصَّلاح أيضاً، لأن صاحب
الجزء: 4 - الصفحة: 350
"التهذيب" ذكر أن بيع أوراق الفِرْصَاد، قبل تناهيها لا يجوز إلاَّ أنْ يشترط القطع وبعده يجوز مطلقاً، ويشترط القطع، فجعل تناهي الورق صلاحاً له وأنه غير مأكول.
إذا تقرر ذلك، فلو قال قائل: بدو الصَّلاحَ في هذه الأشياء صَيْرُورَتها إلى الصِّفَة الَّتِي تطلب غالباً لكونها على تلك الصِّفَة لكان قد ذكر عبارة شاملة، والله أعلم.
قال الغزالي: وَبَيْعُ البطِّيخِ إِنْ كَانَ مَعَ الأُصُولِ يَتَقَيَّدُ (و) بِشَرْطِ القَطْعِ قَبْلَ الصَّلاَحِ إِلاَّ إِذَا بِيعَ مَع الأَرْضِ، وَبَيْعُ أُصُولِ البَقْلِ لاَ يُتَقَيَّدُ بِهِ إِذْ لاَ يتعَرَّضُ لِلآفَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع البطيخ قبل بُدُوِّ صلاحه لا يجوز من غير شَرْط القَطْع، وإنْ بدا الصلاح في كله أو بعضه نظر: إنْ كان يخاف خروج غيره، فلا بد من شَرْط القَطْعِ أيضاً؛ لأنه إذا وجب شرطه خوفاً من الجَائِحَة الَّتِي الغالب فيها العدم، فلأن يجب خوفاً من الاختلاط الذي الغالب فيه الوجود كان أولى، فإن شرط القَطْع ثم لم يتفق حتى خرج غيره، واختلط المبيع بغير المبيع ففي انفساخ البيع قولان نذكرهما في نظائرهما.
وإن كان لا يخاف خروج غيره جاز بيعه من غير شرط القَطْع، هذا إذا أفرد البَطِّيخ بالبيع ووراءه حالتان:
إحداهما: لو أفرد أصوله بالبيع، ذكر العراقيون وغيرهم أنه يَجُوزُ ولا حاجة إلى شرط القَطْع إذا لم يخف الاختلاط كبيع الزَّرْع الَّذِي اشتاد حَبُّه ثم الحمل الموجود يبقى للبائع، وما يحدث بعده يكون للمشتري، وإن خِيفَ اختلاط الحملين فلا بد من شرط القطع، فإن شرط ولم يتفق القطع حتى وقع الاخْتلاط، ففيه طريقان سنذكرهما في نَظِيْرِهما.
ولو باع قبل خروج الحمل، فلا بد من شرط القَطْع أو القَلْع كالزَّرع الأخضر، وإذَا اشترطه ثم اتفق بقاؤه حتى خرج الحمل، فهو للمشتري.
الثَّانية: لو باع البَطِّيخ مع أصوله، فجواب الإمام وصاحب الكتاب أنه لا بُدَّ من شرط القَطْع بخلاف ما إذا باع الثَّمرة مع الشَّجرة؛ لأن الشجرة غير متعرّضة للجَائِحَة، والبطيخ مع أصولها متعرّضة لها، فلو باعها مع الأرض استغنى عن شرط القطع، وكأن الأرض هاهنا كالأشجار ثم.
وقضية ما نقلناه فِي بَيْع الأُصُول وحدها، إذا لم يَخْف الاختلاط أنه لا حاجة إلى شرط القطع، فليعلّم قوله: (يتقيد (و) بشرط القطع) بالواو لذلك، وقوله: (وبيع أصول البقل) إلى آخره منازع فيه أيضاً، وساذكره في الفصل التالي لهذا والبَاذِنْجَان، وشجرة كالبَطِّيخ في الأحوال الثلاث.
فرع لابن الحَدَّاد: لو باع نِصْفَ الثِّمَار على رُؤوس الأَشْجَار مَشَاعاً قبل بُدُوِّ الصلاح، لم يصح وعَلَّلوه بأنَّ البيع والحالة هذه يفتقر إلى شرط القطع، ولا يمكن قطع النّصف إلاَّ بقطع الكُلِّ فتضرر البائع بِنُقْصان غير المبيع أشبه ما إذا باع نصفاً معيناً من
الجزء: 4 - الصفحة: 351
سيف، وما ذكروه من أن قطع النصف لا يمكن إلاَّ بقطع الكُلِّ إنما يَسْتمر بتقدير دوام الإشَاعَة وامتناع القسمة، أما إذا جَوَّزنا قِسْمَة الثِّمَار في حال الرُّطُوبة بناء على أنها إفراز فيَمكن قطع النِّصف من غير قطع الكل، بأن يقسم أو لا فليكن منع البيع بناءاً على القول بامتناع القسمة لا مطلقاً، وعلى هذا يدل كلام ابْنِ الحَدَّاد.
قال القَاضي أبو الطَّيب وهو الصَّحيح: ولو باع نصفها مع نصف النَّخل صح، وكانت الثمار تابعة، ولو كانت الشجرة لواحد، والثَّمرة لآخر فباع صاحب الثَّمَرة نصفها من صاحب الشجرة فوجهان بناء على الخلاف في اشتراط القَطْع هاهنا ولو كانت الثِّمَار والأشجار مشتركة بين رجلين، فاشترى أحدهما نصيب [صاحبه من الثمرة لم يجز، ولو اشترى نصيب] 387 صاحبه من الثمرة بنصيبه من الشجرة لم يَجُزْ مطلقاً، ويجوز بشرط القَطْع، لأن جملة الثمار تفسير لمشتري الثمرة، وجملة الأشجار للآخر، وعلى مشتري الثمرة قطع الكل؛ لأنه بهذه المُعَاملة التزم قطع النصف المُشْتَرى بِالشَّرط، والتزم تَفْريغ الأَشجار لصاحبه، وبيع الشجرة على أن يفرغها للمشتري جائز، وكذا لو كانت الأَشْجَار لأحدهما والثمرة بينهما، فاشترى صاحب الشجرة نصيب صاحبه من الثمرة بنصف الشجرة على شرط القطع جاز.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ الاحْتِيَاطِ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ بَادِيَةً إلاَّ عَلَى قَوْلِ تَجْوِيزِ بَيْعِ الغَائِبِ، أَوْ فِيمَا صَلاَحُهُ فِي إبْقَائِهِ فِي الكِمَامِ كَالرُّمَّانِ، وَفي اسْتِتَارِ الحِنْطَةِ بِالسُّنْبُلَةِ وَالأُرْزَة بِالقِشْرَةِ وَالبَقِلاَّءِ وَالجَوْزِ بالقِشْرَةِ العُلْيَا خِلاَفٌ (م ح) مَنْشَؤُهُ أَنَّ الصَّلاَحَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِبَقائِهِ فِيها؟
قال الرَّافِعِيُّ: لا يجوز بَيْعُ الزَّرْع الأَخْضَر إلاَّ بشرط القَطْع 388 لما سبق في الثِّمَار، فإنْ باعه مع الأرض جاز تبعاً، وكذا لا يجوز بيع البُقُول في الأرض دون الأرض إلاَّ بشرط القَطْع أو القَلْع سواء كان مما يُجَزُّ مراراً أَوْ لاَ.
يجزّ إلاَّ مرة واحدة، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وهو خلاف قوله في الكتاب: (وبيع أصول البَقل لا يتقيد به) فاعلمه وأعلمه.
ولو باع الزرع بعد اشتداد الحَبِّ، فهو كما لو باع الثِّمار بعد بدو
الجزء: 4 - الصفحة: 352
الصلاح، فلا حاجة إلى شرط القطع، ولكن يشترط ظهور المَقْصُود، فلو باع ثمرة لا كمَام 389 لَهُمَا كالتِّيْن والعِنَب والكُمثري جاز، سواء باعها على الشَّجرة أو على وجه الأرض، ولو باع الشَّعِير أو السُّلْت مع السَّنَابِل جاز بعد الحَصَاد وقبله، لأن الحَيَّات ظاهرة في السُّنْبُلة، ولو كان للثمرة أو كِمَام، لا يزال إلاَّ عند الأكل كالرُّمَّان والعَلَس فكمثل، ما له كِمَامَان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل، كالجَوْز واللَّوْز، والرَّانج يجوز بيعه في القِشْرَة السُّفْلَى، ولا يجوز في العُلْيَا لا على رأس الشجر، ولا على وجه الأرض لتستر المقصود بما ليس من صلاحه، وفيه قول أنه يجوز ما دام رطباً 390 في القشرة العليا، وبه قال ابن القَاص والاصْطَخْري لتعلّق الصلاح به من حيث أنه يَصُون القِشْرَة السُّفْلى ويحفظ رُطُوبَة اللُّبِّ، وبيع البَاقِلاّء في القشرة العليا على هذا الخلاف، وادعى الإمام أن الأظهر فيه الصِّحة؛ لأن الشّافعي -رضي الله عنه- أمر بعض أعوانه بأنْ يشتري له البَاقِلاّء الرّطب 391.
وما لا ترى حَبّاته في السُّنْبُلة كالحِنْطة والعَدَسِ والسِّمْسِم لا يجوز بَيْعُه في السُّنْبُلَة دون السُّنْبُلَة ومعها قولان:
والقديم: الجواز لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" وقد اشتد.
والجديد: لتستر المقصود بما لا يتعلق به الصلاح كبيع تراب الصَّاغَة والكُدْس بعد الدِّبَاسَة وقبل التَّنْقِية والأُرْز كالشَّعِير يباع في السَّنَابل -لأنه يدخر في قِشْره وبهذا قال ابن القَاص وأبو علي الطَّبَرِي، ومنهم من قال: هو كالحِنْطَة.
الجزء: 4 - الصفحة: 353
ولا يجوز بيع الجَزر والثَّوم والبَصَل والفِجْل والسَّلْق في الأرض لتستر المقصود، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القَطْع، وبيع القَنَّبِيْط في الأرض لظهوره، وكذا نوع من السَّلْجَم، يكون ظاهراً ويجوز بيع اللَّوْز في القِشْرَة العُلْيا قبل انعقاد السُّفلى؛ لأنه مأكول كله كالتُّفَّاح، وهو القول بالمَنْعِ في صور الفَصْل مقطوع به أمْ هو مفرج على قول مَنْعِ بيع الغائب.
ذكر الإمام أنه مفرع عليه أما إذا جوَّزنا بيع الغائب صَحَّ البَيْعُ فيها جميعاً، وعلى هذا جرى في الكتاب، حيث قال: (إلاَّ على قول تجويز بَيْع الغَائِب) وفي "التهذيب": أن المنع في بيع الجَزَر وما معناه في الأرض ليس مبنياً على بيع الغائب؛ لأنه في بيع الغَائِب يمكن رد المبيع بعد رؤيته بصفته، وهاهنا لا يمكن 392، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يصح البيع في جميع صورة الفَصْل.
وإذا قلنا بالمنع فلو باع الجَوْزَ مثلاً في القِشْرَة العُلْيَا مع الشجرة أو باع الحِنْطَة في سنبلها مع الأرض فطريقان:
أحدهما: أن البيع باطل في الجَوْز والحب، وفي الشجرة والأرض قَوْلاً تفريق الصَّفْقة.
وأصحهما: القَطْع بالمنع في الكل للجهل بأحد المَقْصُودين وتعذر التوزيع.
ولو باع أرضاً مبذورة مع البذر، فقد قيل: يصحُّ البَيْع في البذر تبعاً للأرض، والمذهب بطلان البيع فيه، ثم في الأرض الطريقان، ومن قال بالصحة في الأَرْض لا يذهب إلى التوزيع بل يوجب جميع الثمن بناء على أحد القولين، فيما لو باع ماله ومال غيره، وصححنا البيع في ماله وخيرناه فإنه إذا أجاز يجيز بجميع الثمن، والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّانِي أَن يَحْذَرَ مِنَ الرِّبَا فلَوْ بَاعَ الحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ فَهِيَ المُحَاقَلَةُ (3) (م) المَنْهِيُّ عَنْهَا وَهِيَ رِباً إِذْ لاَ يُمْكِنُ الكَيْلُ فِي السَّنَابِلِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ أَيْضًا فَهِيَ المُزَابَنَةُ المَنْهِي عَنْهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: "نَهَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ".
393
فالمُحَاقَلَةُ هي بيع الحِنْطَة في سُنْبلها بالحِنْطَة الصَّافية على وجه الأرض.
والمُزَابَنَة: هي بَيْع الرطب على رأس النَّخْل بالتَّمْر على وجه الأرض.
روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَة".
الجزء: 4 - الصفحة: 354
فالمُحَاقَلَةُ: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحِنْطة.
والمُزَابَنَة أن يبيع التمر على رُؤوس النَّخل بما به فرق من تمر فهذا التَّفْسير إن كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- فذاك، وإن كان من الرَّاوي فهو أعرف بتفسير ما رواه 394.
والمُحَاقَلَة: مأخوذة من الحَقْل، وهي السَّاحَة الَّتي تزرع، سميت مُحَاقَلَة لتعلّقها بزرع في حَقْل.
والمُزَابَنَة مأخوذة من الزَّبْن، وهو الدَّفع سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التَّخْمِين؛ والغَبْن فيها ممَّا يكثر فيريد المَغْبُون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان والمعنى أَنَّ كل واحد منهما يبيع مال الرِّبا بجنسه من غير تَحْقيق المساواة في المِعْيَار الشَّرْعي؛ لأن المعيار فيهما الكيل، ولا يمكن كيل الحِنْطة في السَّنَابل، ولا كيل الرّطب على رؤوس النَّخل، والتخمين بالخَوْص لا يغني، كما لو كان كل واحد منهما على وجه الأرض، وفي المُحَاقَلَة شيئان آخران:
أحدهما: أنه يبيع الحِنْطة والتَّبْن بالحِنْطة.
والثاني: أن المقصود مُسْتَتر بما ليس من صلاحه، ولو باع الشَّعير في سُنْبُله بالحِنْطَة على وجه الأَرْض، أو الرّطب على رأس النَّخْل بجنس آخر من الثِّمَار على الشجر، أو على وجه الأرض فلا بأس لكن يتقايضان بالتَّسْليم فيما على وجه الأرض، وبالتخلية فيما على الشَّجر، ولو باع الزرع قبل ظُهور الحَبّ بالحب فلا بأس أيضاً، لأن الحَشِيش غير مَطْعُوم.
ويجوز أن يُعَلّم قوله: فهي المحاقلة وقوله: فهي المزابنة بالميم لأن عن مالك أن المُحَاقَلَة هي إِكْتراء الأرْض ببعض ما يخرج منها من الثُّلث أو الربع أو غيرهما.
والمُزَابَنَة هي ضَمَان الصُّبْرَة بقدر معلوم، بأن يقول أَضْمن لك صُيْرَتك بكذا صَاعاً، إن زاد فلي وإن نقص فعلي، ويستثّنى عن المُزَابَنَة ما نذكره على الأَثَر.
قال الغزالي: وَلاَ خَبَرَ فِي التَّخْمِينِ بِالخَرْصِ، إِلاَّ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ (ح) إِذَا بَاعَهَا خَرْصاً بِمَا تَعُوْدُ إِلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ الجَفَافِ وَهِيَ العَرَايَا (م ح) الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا، وَالأَظْهَرُ: الجَوَازُ فِي قَدْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَمَيْلُ المُزَنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَخْصِيصِ الجَوَازِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ لِتَرَدُّدِ الرَّاوِي فِيهِ، فَلَوْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي صَفَقَاتٍ جَازَ (ح)، وَكَذَا إِذَا تَعَدَّدَ المُشْتَرِي وَاتَّحدَ البَائِعُ، وَلَوِ اتَّحَدَ المُشْتَرِي وَتَعدَّدَ البَائِعُ فَفِيهِ
الجزء: 4 - الصفحة: 355
خِلاَفٌ، وَوَجْهُ الفَرْقِ النَّظَرُ إلَى جَانِب مَنْ حَصَّلَ الرُّطَبَ فِي مِلْكِهِ؛ لأَنَّ الرُّطَبَ مَحَلُّ الخَرْصِ الَّذِي هُوَ خِلاَفُ القِيَاسِ، هَذَا فِي الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَأَمَّا فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي غَيْرِ المَحَاويج إِذَا تَعَاطَوا (ح) العَرَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: عن جابر -رضي الله عنه "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرُيَّةِ" 395.
بيع العَرَايا 396 جائز، وهو أن يبيع رطب نخلة أو نَخْلَتَيْن باعتبار الخَرص بقدر كيله من التَّمْر سميت عَرِيّة؛ لأنه عرى أي أفرد نخله أو نخلتين ببيع رطبها 397، وذهب مالك وأبو حَنِيفة إلى أنَّ العَرِيّة أن يفرد نَخْلة أو نخلتين، فيهب ثمرتها لرجل حتى تجتنى كل يوم ثُم تَنْثَرم بدخوله حائطه فعند مالك يشتريها منه بخَرْصِها تَمْراً، ولا يجوز ذلك لغير رَبِّ البُسْتَان، وعند أَبِي حَنِيفَة له أن يستردها منه، ولَه أن يُعْطيه بِخَرْصِهَا تمراً، وساعدنا أحمد على تفسير العَرِيّة إِلاَّ أن عنه رواية أن الرّطب يباع بمثله تمراً.
لنا ما روي عن بن أبي حثمة -رضي الله عنه- "أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْراً يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَباً" 398.
ولا تجوز العَرَايَا من غير خَرْصٍ، وسبيل الخَرْص ما ذكرناه في الزَّكَاة، ويجب التَّقَابُضُ في المَجْلس بتسليم التَّمْر إلى البائع بالكَيْل، وتَخْلِيَة البائع بينه وبين النَّخْلَة، وإن كان التَّمر غائباً عنهما أو كانا غائبين عن النَّخْل فأحضراه أو حضر عندها جاز، ثم إن لم يظهر تَفَاوت بين التَّمْر المجعول عوضاً وبين ما في الرطب من التمر بأن أكيل الرطب في الحال فذاك، وإن ظهر تفاوت، نظر إن كان قدر ما يقع بين الكَيْلَين لم يضر وإن كان أكثر فالعَقْد باطل، وفيه وجه أن يَصحّ في الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار إذا لم يسلم له الجَمِيع، ويجوز بيع العَرَايا في العِنَب، كما يجوز في الرُّطب وفي سائر الثِّمار قولان:
أصحهما: المنع، لأنها متفرقة مستورة بالأوراق، فلا يتأتَّى الخَرْص فيها، وثمرة
الجزء: 4 - الصفحة: 356
النَّخيل والكُروم متدلّية ظاهرة، ثم في الفصل ثلاث مسائلٍ:
إحداها: في القدر الذي يجوز فيه بيع العَرَايا، ويجوز بيع العَرَايا فيما دون خمسة أَوْسُق من التمر، ولا يجوز فيما زاد عليها، وفي الخمسة قولان: أحدهما: وهو منقول المزني أنه يجوز لإِطْلاق خبر سهل بن أبي حثمة 399 -رضي الله عنه-.
والثَّاني، وهو مختار المزني: المنع؛ لأن النهي عن المُزَابَنَة معلوم مُحَقَّق، والرُّخْصَة في قدر الخمسة مشكوك فيها، وذلك لأن الشافعي -رضي الله عنه- روي عن مالك عِن داود بن الحُصَين عن أبي سفيان مَوْلَى بن أبي أحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- "أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَرْخَصَ فِي بَيْع الْعَرَايَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ -الشَّكُ مِنْ دَاوُدَ 400 - فيستصحب المعلوم المحقق، والقول الأول أظهر عند صاحب الكتاب.
والثَّاني أظهر عند صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّوياني وغيرهما، وهو مذهب أحمد، والقدر الذي يمنع من بيع العَرَايَا فيه، إنما يمنع في الصَّفْقَة الواحدة.
أما لو باع قدراً كبيراً في صفقات فلا منع، وكذا لو باع صفقة واحدة من رجلين، ما يخص كل واحد منهما القدر الجائز خلافاً لأحمد في المسألتين، ولو باع رجلان من واحد فوجهان:
أصحهما: أن الحكم كما لو باع واحد من رجلين؛ لأن تعدد الصَّفقة بتعدد البائع أظهر من تعددها بتعدد المشتري، كما ذكرنا في الرد بالعيب.
والثاني، وبه قال صاحب "التلخيص": لا يجوز الزِّيَادة على خمسة أَوْسُقٍ نظراً إلى مشتري الرطب، لأنه محل الخَرْصِ الَّذِي هو خلاف قياس الرَّبويات، فلا ينبغي أن يدخل في مِلْكِهِ أكثر من القدر المحتمل دفعة واحدة، ولو باع رجلان من رجلين صَفْقَةً واحدة لم يجز في أكثر من عشرة أوسق، ويجوز فيما دونها وفي العشرة قولان:
الثانية: جميع ما ذكرناه في بيع الرُّطب بالتمر، أما لو باع الرطب على النخل وبالرطب على النخيل] 401 خَرْصاً فيهما، أو بالرطب على وجه الأرض كيلاً فيه ففي جوازه أوجه:
أصحها، وبه قال الإِصْطَخْري: لا يجوز؛ لأن الرُّخْصَة إنما تثبت للحاجة إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 357
تحصيل الرطب، ومالك الرطب مستغنى عنه أو حاجته إليه أدنى فلا يلحق بصورة الرخصة.
والثاني وبه قال ابن خَيْرَان: أنه يجوز لأنه ربما يَشْتَهي ما عند غيره.
والثالث: أنه إن اختلف النوعان جاز، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وحكى الشيخ أبو حامد وآخرون عنه تخصيص هذا التَّفصيل بما إذا كان على النخيل، والمنع فيما إذا كان أحدهما على وجه الأرض، والفرق أنه قد يزيد النَّوْع الذي عند صاحبه ويريد أن يأكله رطباً على التدريج، وما على وجه الأرض لا يمكن أن يؤكل رطباً على التَّدْريج، لأنه يفسد أو يجف، ولو باع الرّطب على وجه الأرض بالرّطب على وجه الأرض لم يَجُز؛ لأنه ليس في معنى صورة الرّخْصة من حيث إنّ أحد المعاني فيها أنْ يأكله طريّاً على التَّدْريج، وهذا لا يتحقّق فيما على وجه الأرض، وذكر القَفَّال في شرح "التلخيص": أنه على الخلاف؛ لأنه إذا جاز البيع، وأحدهما أو كلاهما على رأس النَّخْل خَرْصاً، واحتملت الجَهَالة فلأن يجوز مع تحقّق الكيل في الجانبين كان أولى.
الثالثة: فيمن يجوز له بيع العَرَايَا، ويجوز ذلك لِمَحَاوِيج الناس، وفي أغنيائهم قولان:
أصحهما: الجواز لإطلاق الألفاظ التي رويناها.
والثَّاني: لا يجوز ذكره في اختلاف الحديث، وبه قال أحمد والمزني، لما روي عن زَيْدِ بْنِ ثابت -رضي الله عنه- "أَنَّهُ سَمَّى رجَالاً مُحْتَاجِينَ مِنَ الأَنْصَارِ شَكَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلاَ نَقْدَ بأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَباً يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُم فَضُولُ قُوتِهِمْ مِنَ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ" 402.
ومن قال بالأول قال: هذه حكمة شرعية، ثم قال: يعم الحكم كما في الرَّمل والاضْطِياع في الطَّوَاف ونظائرهما، ومنهم من بني الخلاف في هذه المَسَائل على أن الخَرْص أصل بنفسه يقام مقام الكيل أو ليس كذلك، ويتبع مورد النص والله أعلم.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَاحَتِ الآفَةُ الثِّمَارَ قَبْلَ القِطَافِ وَبَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَمَيْلُ الجَدِيدِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ (م)، وَمَا فَاتَ بآفَةِ السَّرِقَةِ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَيَجِبُ عَلَى البَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ الأَشْجَارَ لِتَرْبيَةِ الثِّمَارِ، فَإِنْ
الجزء: 4 - الصفحة: 358
تَرَكَ السَّقْيَ فَفَسَدَتِ الثِّمَارُ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْسَد بَلْ فَاتَتْ فَفي انْفِسَاخِ العَقْدِ خِلاَفٌ، كَمَا في مَوْتِ العَبْدِ المَقْبُوضِ بِمَرَضٍ تَقَدَّمَ عَلَى القَبْضِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكلام من هذا الموضع إلى رأس النَّظر الخامس في أحكام الثمار المبيعة على رأس الأشجار، وما يعرض لها من العوارض الجَوَائح، كالحَرّ والجَرَاد والحَرِيق ونحوها وقد قدم إمام الحرمين على بيان حكمها أصلين لا غنى عن معرفتهما، وينفعان في أَثْنَاء المسألة.
أحدهما: أنَّه إِذا بَاعَ الثِّمَار بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، يلزمه سَقْي الأشجار قبل التَّخْلِية وبعدها قدر ما يَنْمُو به الثمار ويسلم عن التَّلَف والفساد 403. واحتج له بأن التَّسْليم واجب عليه، والسَّقْي من تَتِمّة التَّسْليم كالكَيْل في المَكِيْلاَت والوزن في المَوْزُونات، فيكون على البائع فلو شرط كونه على المشتري بطل العقد؛ لأنه على خلاف قضيته.
والثَّاني: أنَّ المشتري يَتَسلَّط على التَّصَرُّف في الثِّمَار بَعْد جريان التَّخْلية من كل وجه.
إذا تقرر ذلك فَلِلْجَوَائِح حالتان:
أحدهما: أن تعرض قبل التَّخْلية فهي مِنْ ضمان البائع فإن تلف جميع الثِّمار انْفسخ العقد، ولو تلف بعضها انفسخ فيه، وفي الباقي قَوْلا التفريق.
والثَّانية: أن تعرض بعد التَّخْلية، فينظر إن باعها بعد بدُوِّ الصلاح، ففيه طرق، وأحدها فيه قولان:
أحدهما: أن الجَوَائِحَ من ضمان البائع، وبه قال أحمد لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ" 404.
وأصحهما وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها من ضَمَان المشتري؛ لأن القَبْض حصل بالتَّخلية، فصار كما لو هلك بعد القِطَاف، والخبر مَحْمُول على الاسْتِحْبَاب، ويشعر به ما روي "أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ ثَمَرَةً فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ أَنْ لاَ يَفْعَلَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: تَأَلَّى أن لا يفعل خيراً، فَأُخْبِرَ الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمَحَ بِهِ لِلْمُبْتَاعِ" 405.
الجزء: 4 - الصفحة: 359
وتأيد القول الأول بالأصل الأول، والثَّاني بالثاني، ولا فرق على القولين بين أن يقُلّ أو يكثر.
وقال مالك: يوضع الثُّلث فَصَاعِداً، ولا يوضع ما دونه.
وإن باع الثِّمَار قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع، ولم يقطعها حتى أضاعتها الجائحة، ففيه ثلاثة طرق:
أظهرها: أنه على القولين.
والثاني: أنها من ضَمَان المُشْتَري قولاً واحداً لتفريطه بترك القطع، وأيضاً فلأنه لا علقة بينهما إذ لا يجب السَّقْي على البَائِع، والحالة هذه، ويحكى هذا عن القَفَّال.
والثالث: أنها من ضمان البائع قولاً واحداً؛ لأنه إذا شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل.
ويتفرَّع على كونها من ضَمَان البَائِع أمور:
الأول: أن المحكوم بكونه من ضَمَان البائع ما تلف قبل أوان الجُذَاذ، أما ما تلف بعد أوان الجُذاذ وإمكان النقل ففيه قولان: ويقال وجهان:
أحدهما: أَنَّها من ضمان المُشْتَري لتقصيره بالترك.
والثاني: من ضمان البائع أيضاً، لأن التَّسليم لا يتم ما دامت الثِّمَار متصلة بملك البائع، ويشبه أن يكون الأول أرجح.
قال الإمام: وموضع الخلاف ما إذا لم يَكُن التأخير بحيث يعد تقصيراً وتضييعاً كاليوم، واليومين، فإن كان كذلك فلا مَسَاغَ للخلاف.
الثاني: لو تلف بعض الثِّمَار فالحكم على هذا القول كما لو تلف قبل التَّخْلية، ولو عابت الثمار بالجَوَائِح ولم تتلف ثبت الخِيَار على هذا القول كما لو عابت قبل التخلية، وعلى الجديد لا يثبت.
الثالث: لو ضاعت الثمار بِغَصْب أو سرقة فوجهان:
أحدهما: أنها من ضمان البائع أيضاً بناء علي أن التسليم لا يتم إلاَّ بالتَّخْلية.
والثاني: أنها من ضمان المشتري لتمكّنه من الاحتراز عنه بنصب الحافظين، وأيضاً فإنّ الرجوع على الجاني بالضَّمَان مُتَيسر، وهذا أصح عند صاحب الكتاب والأكثرين، فمن يقول به يقطع بأن المَغْصُوب والمسروق من ضمان المشتري، والقائل الأول يجعلهما على القولين وهو ما أورده العِرَاقيون 406.
الجزء: 4 - الصفحة: 360
واعلم أن ما ذكرناه من القولين في الآفات السَّمَاوية الَّتِي لا نِسْبَة لها إلى البائع بحال، فأما إذا ترك السَّقي وعرضت في الثمار آفة بسبب العَطَش، فنتكلم أولاً فيما إذا تلفت به ثم فيما إذا تعيّبت، وإن كان ترتيب الكتاب عكسه.
أما: إذا تلفت ففيه طريقان:
أحدهما: أن في انفساخ البيع قولين أيضاً، يحكى هذا عن أبي علي الطَّبري.
وأصحهما: القطع بالانفساخ لاستناد هذه الآفة إلى ترك السَّقْي المستحق بالعقد قبل التَّخلية، وما يستند إلى سبب سابق على القبض، قد ينزل منزلة ما لو سَبَق بنفسه، كما ذكرنا في القتل بالردة السابقة، والقطع بالسرقة السابقة، وموت العبد من المرض المتقدم على القبض.
فإن قلنا بعدم الانفساخ فعلى البائع الضمان من القيمة والمِثْل، وإنما يجب ضمان ما تلف ولا ينظر إلى ما كان ينتهي إليه لولا العارض.
وأما إذا فسدت بالتَّعيب فللمشتري الخيار، وإن جعلنا الجَوَائِح من ضمانه.
قال الإمام: لأن الشرع ألزم البائع بتنمية الثمار بالسقي، فالتَّعيب الحادث بترك السَّقي كالعَيْب المتقدم على القبض، ولو أفضى التَّعيب إلى التَّلف، نظر، إن لم يشعر به المشتري حتى تلف عاد الخلاف في الانفساخ ولزم الضَّمان على البائع، إن قلنا بعدم الانفساخ، ولا خيار بعد التلف هكذا ذكره الإمام، وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلفت، فيغرم البائع في وجه لعدوانه ولا يغرم في آخر لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة عليه.
فرع: لو باع الثمار مع الأشجار، فتلفت الثمار بجَائِحَة قبل التَّخْلية بطل العقد فيها، وفي الأَشْجار قولان: وإن تلفت بعد التَّخْلية فهي من ضمان المشتري قولاً واحداً، لأن العلائق منقطعة هاهنا والثمرة مُتَّصلة بملك المشتري 407.
فرع: لو اشترى طعاماً مُكَايلة، وقيضه جُزَافاً فهلك في يده، ففي انْفِسَاخ العقد وجهان: لبقاء علقة الكيل بينهما 408.
قال الغزالي: وَإِن بَاعَ القِثَّاءَ أَوْ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّلاحُقُ وَعَسُرَ التَّسْلِيمُ بَطُلَ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ نَادِراً وَاتَّفَقَ ذَلِكَ قَبْلَ القَبْضِ انْفَسَخَ العَقْدُ عَلَى قَوْلٍ، وَلَعَلَّ الأَظْهَرَ أَنَّهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 361
يَنْفَسِخُ، وَلَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ (و) إِنْ لَمْ يَهِبِ البَائعُ مَا تَجَدَّدَ مِنْهُ، فَإِنْ وَهَبَ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التخليةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الجَوَائِحَ مِنْ ضَمَانِهِ فَهُوَ كَمَا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ومن العوارض اختلاط الثمار المَبِيعة بغيرها لتلاحقها.
أما الاختلاط الذي يبقى معه التمييز فلا اعتبار به.
وأما غيره فإذا باع الثمرة بعد بُدُوِّ الصلاح والشجر يثمر في السّنة مرتين، فينظر إن كان ذلك مما يغلب التّلاحق فيه وعلم أن الحمل الثاني يختلط بالأول، كالتِّين والبَطِّيخ والقِثَّاء والبَاذِنْجَان لم يصح البَيْع إلاَّ بشرط أن يقطع المشتري ثمرته عند خوف الاختلاط.
وفيه قول أو وجه: أنه موقوف إن سمح البائع بما حدث تبين انعقاد البيع، وإلاَّ تبين أنه لم ينعقد من أصله، والأصح الأول لما مر في بيع البَطِّيخ، ثم إذا شرط القَطْع ولم يتفق حتى حصل التَّلاحق والاختلاط، فالحكم كما لو اتفق التَّلاَحق فيما يندر فيه التَّلاَحق، فإنْ كان ما يندر فيه التلاحق، وعلم عدم الاختلاط، أو لم يعلم أنه كيف يكون الحَال فيصح البَيْع مطلقاً، وبشرط القَطْع والتَّبقية، وإن حصل الاخْتِلاط فله حالتان:
إحداهما: أنْ يحصل قبل التَّخْلية فقولان:
أحدهما: أنه ينفسخ البيع لتعذر تسليم المَبِيع قبل القَبْض.
وأظهرهما: على رأي المصنف، وهو اختيار المزني؛ أنه لا ينفسخ لبقاء عين المبيع، وإمكان إمْضَاء البيع، فعلى هذا يثبت للمشتري الخيار؛ لأنه أعظم من إِبَاقِ العبد المبيع.
وعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنه لا خيار أيضاً، وأن الاختلاط قَبْلَ القبض كالاختلاط بعده، والمذهب الأول، ثم إن قال البائع: أسمح بترك الثمرة الجديدة للمشتري، ففي سقوط خياره وجهان:
أحدهما: لا يسقط لما في قوله من المِنَّة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يسقط كما سبق في الإعراض عن نَعْل الدَّابة المردودة بالعَيْب، ولو باع الثمرة قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القَطْع ثم لم يَتَّفق القَطْع حتى حصل الاخْتِلاط جرى القولان في الانفساخ، وهما جاريان فيما إذا باع حِنْطَة فانهال عليها مثلها قبل القبض، وكذا في المَائِعَات ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المَبِيْعة بأمثالها.
فقد قال في "التتمة": المذهب هاهنا انفساخ البيع لأنه يورث الاشتباه وأنه مانع من صحَّة البيع لو فرض في الابتداء، وفي الحِنْطَة غاية ما يلزم الإِشَاعة، وإنها غير مانعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 362
وفيه وجه: أنه لا ينفسخ لإِمْكَان تسليمه بتسليم الكل ولو باع جَزَّة من القَثِّ بشرط القطع ولم يقطعها حتى طالت، وتعذر التَّمييز جرى القولان ومنهم من قطع بعدم الانفساخ هاهنا تشبيهاً لطولها بكبر الثَّمرة والشجرة وسمن الحيوان وهو ضعيف، لأن البائع يجير على تسليم الأشياء المذكورة بزيادتها، وهاهنا لا يجبر على تسليم ما زاد.
والثانية: أنْ يحصل بعد التَّخلْية، ففيه طريقان:
أحدهما، وبه قال المزني: القطع بعدم الانفساخ، كما لو كان المبيع حِنطَة فانثالت عليها حِنْطَة أخرى بعد القبض.
والثاني: أنه على القولين في الحالة الأولى بخلاف مسألة الحِنْطَة؛ لأن هناك قد تم التَّسْليم وانقطعت العَلاَئِق بينهما، وفي الثمار لم تنقطع العلائق؛ لأن البائع يدخل الحَائِط للسَّقْي، وتعهّد النَّخِيْل وغير ذلك، ويمكن بناء الطَّرِيقَيْن على ما ذكره الإمام وصاحب الكتاب، وهو أنَّ حكم المَسْأَلة مأخوذ من الخلاف في الجَوَائِح، إن جعلناها من ضمان المشتري أجبنا بالطريقة الأولى، وإنْ جعلناها من ضمان البائع أجبنا بالثانية، إلاَّ أن قضية هذا البناء أن يكون القطع بعدم الانْفِسَاخ أظهر، وعامة الأصحاب على تَرْجيح طريقة القولين.
وإذا قلنا بعدم الانفساخ، فإنْ تصالحا وتوافقا على شيء فذاك، وإلاَّ فالقول قول صاحب اليد في قدر حق الآخر، ومن صاحب اليد في صورة الثمار فيه وجهان بناء على أن الجوائح من ضمان البائع والمشتري.
ووجه ثالث: وهو أنها في يدهما جميعاً، وفي صورة الحِنْطَة صاحب اليد هو المشتري، فالقول قوله في قدر حق البائع، فإن كان المشتري قد أودعه الحِنْطَة بعد القبض ثم حصل الاختلاط، فالقول قول البائع، في قدر حق المشتري، والله أعلم.
وإذا تأملت ما ذكرناه علّمت قوله في الكتاب (انفسخ البيع) بالزاي، وقوله: (للمشتري الخيار) بالواو، وكذا قوله: (سقط خياره).
ثم هاهنا مسألة أخرى لا بد من ذكرها، وهي أن يبيع شجرة عليها ثمرة تبقى للبائع، وهي مما تثمر في السّنة مرتين ويغلب عليها التلاحق، فلا يصح البيع إلاَّ بشرط أن يقطع البَائِع ثمرته عند خوف الاخْتِلاط، ويجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا كان البيع الثَّمرة، ثم إذا تَبَايعا بهذا الشَّرْط، ولم يَتَّفِقِ القَطْع حتى حصل الاختلاط، أو كانت الشجرة مما يندر فيها التلاحق أو الاختلاط، فاتفق ذلك فقل المزني قولين في الانْفِسَاخ، وللأصحاب طريقان.
فعن أبي علي ابن خيْرَان والطَّبَرِي: القطع بعدم الانفساخ، وتخطئة المزني فيما نقل؛ لأن الاختلاط وتعذّر التَّسليم لم يوجد في المبيع ما إِذَا كان المَبِيْع الثِّمار، وأثبت الأكثرون القولين، ونقلوهما عن نصه في "الأم".
الجزء: 4 - الصفحة: 363
وقالوا: الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع، لكنه وجد في المقصود بالعقد، وهو الثمرة الحادثة فإنها مقصود المشتري من الشراء، فجاز أن يجعل كالمبيع.
فإن قلنا بعدم الانفساخ، نظر إن سمح البائع بترك الثمرة القديمة أُجْبِر المشتري على القبول، [وإن رضي المُشْتري بترك الثمرة الحادثة أُجْبر البائع على القبول] 409 وأقر العقد، ويشبه أن يجيء في الإِجْبَار على القبول خلاف، وإن استمرا على النزاع، فالمثبتون للقولين قالوا: انفسخ العقد بينهما، كما لو كان المبيع الثمرة والقاطعون قالوا: لا فسخ؛ بل إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع، فالقول قوله في قدر ما يستحقه المشتري مع يمينه، وإن كانتا في يد المشتري فالقول قوله في قدر ما يستحقه البائع.
قال صاحب "التهذيب": وهذا هو القياس، لأن الفسخ لا يفيد رفع النزاع لبقاء الثمرة الحادثة للمشتري، وإن قلنا بالانفساخ استرد المشتري الثمن ورد الشجرة مع جميع الثمار ذكر صاحب "التتمة".
الجزء: 4 - الصفحة: 364
النَّظَر
ُ الْخَامِسُ مِنْ كتَابِ البَيْع فِي مُدَايَنَةِ العَبِيدِ وَالتَّحالُفِ،
وَفِيهِ بَابَانِ
الأَوَّلُ فِي مُعَامَلَةِ الْعَبُيدِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ في المَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَة وَغَيْرِهِ أَمَّا المَأْذُونُ فَالنَّظَرُ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ وَفِي العُهْدَةِ وَفيمَا يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ أَمَّا مَا يَجُوزُ لَهُ فَكُلُّ مَا يَنْدَرجُ تَحْتَ اسْمِ التِّجَارَةِ أَوْ كانَ مِنْ لَوَازِمِهِ فَلا يَنْكِحُ وَلاَ يُؤاجِرُ (ح) نَفْسَهُ، وَلاَ يَتَعَدَّى (ح) النَّوْعَ الَّذِي رُسِمَ لَهُ الإِتِّجَارُ فِيهِ، وَلاَ يَأْذَنُ (ح) لِعَبِيدِهِ فِي التِّجَارَة إلاَّ بِتَوْكيل مُعَيَّنٍ، وَلاَ يَتَّخِذُ (ح) الدَّعْوَةَ لِلمُجَهَّزِينَ، وَلاَ يُعَامِلُ سَيِّدَهُ (ح)، وَلاَ يَتَصَرَّفُ (ح) فِيمَا اكْتَسَبَ بِاحْتِطَابِ وَاصْطِيَاد وَاتِّهَاب، ثُمَّ لاَ يَنْعَزِلُ (ح) بالِإبَاقِ، وَلاَ يَسْتَفِيدُ (ح) الإِذْنَ بِالسُّكُوتِ وَإذَا رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ لَمْ يَزُلْ (ح) مِلْكُ سَيِّدِهِ عَمَّا فِي يَدِهِ، وَيُقْبَل إِقْرَارُهُ (ح) بِالدِّيْنِ لأَبِيهِ وَابْنِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: أوضحنا في أول "كتاب البيع" أنَّ كلام هذا النَّظر في مُدَاينة العبيد، واختلاف المتبايعين وفيهما بابان:
الأول: في مُداينتهم والمراد من المُدَايَنَة الاسْتِقْرَاض والشراء بالنسيئة، وليس الباب مَقْصوراً على بيان ذلك، بل هو وافٍ بأحكام سائر مُعَامَلاَتِهِمْ لكنهم تَبَّركوا بترجمة الشَّافعي -رضي الله عنه-، والعبد إمَّا مأذون في التجارة أو غيره.
القسم الأول: المأذون في التجارة، والكلام فيه يقع في ثلاثة أمور:
أحدهما: فيما يجوز له من التصرفات، وما لا يجوز.
وثانيها: في أن الطلب في الدُّيون الواجبة بمعاملاته على مَنْ تتوجه.
وثالثها: في أنها من أين تُؤَدّى.
أما الأول: فاعلم أنه يجوز للسيد أن يأذن لعبده في التِّجارة، وفي سائر التصرفات كالبيع والشراء إجماعاً 410، ولأنه صحيح العبارة، ومنعه من التصرف لحق السيد، فإذا
الجزء: 4 - الصفحة: 365
أمره به فقد ارتفع المانع، ويستفيد المأذون في التجارة بهذا الإذن كل ما يندرج تحت اسم التجارة، أو كان من لوازمها وتوابعها، كالنَّشْر والطَّيّ وحمل المَتَاع إلى الحَانُوت، والرد بالعيب والمُخَاصَمَة في العهدة ونحوها، ولا يستفيد به غير ذلك، وهذا القول الجملي تُقَصِّلُه صور.
منها: ليس للمأذون في التجارة أن يُنكح، كما أنه لَيْسَ للمأذون في النكاح أن يتجر، لأن كل واحد منهما غير متناول باسم الآخر.
ومنها: ليس له أن يُؤَاجِرَ نفسه؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته، فكذلك في منفعته.
وعن الحليمي حكاية وجه: أنه يملك ذلك، وهو قول أبي حنيفة، وهل له إيجار أموال التجارة كالعبيد والدواب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يؤاجر نفسه.
وأصحهما: نعم؛ لأن التُّجَّار قد يعتادون ذلك؛ ولأن المنفعة من فوائد المال فيملك العقد عليها، كالصُّوف واللبن.
ومنها: لو أذن له السيد في التجارة في نوع من المال لا يصير مأذوناً في سائر الأنواع، وكذا لو أذن في التجارة شهراً أو سنة لم يكن مأذوناً بعد تلك المدة، خلافاً لأبي حنيفة فيهما، وسلم أنه لو دفع إليه ألفاً ليشتري به شيئاً لا يصير مأذوناً في التجارة، ولو دفع إليه ألفاً وقال: اتَّجر فيه فله أن يشتري بعَيْن ما دفع إليه، وبقدره في ذمته ولا يزيد عليه، ولو قال: اجعله رأس مالك وتصرَّف أَو اتجر، فله أن يشتري بأكثر من القدر المدفوع إليه.
ومنها: ليس للمأذون في التجارة أن يأذن لعبده في التجارة، خلافاً لأبي حنيفة، ولو أذن له السيد في ذلك ففعل جاز، ثم ينعزل مأذون المأذون بعزل السيد، سواء انتزعه من يد المأذون أو لم ينتزعه خلافاَ لأبي حنيفة فيما إذا لَمْ ينتزعه، وهل له أن يوكْل عبده في آحَادِ التصرفات؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الإمام وهو الذي أورده في الكتاب نعم؛ لأنها تصدر عن نظرة، وإنما المُمْتَنِع أن يقيم غيره مَقَام نفسه.
= الملك له لأنه ليس أهلاً للملك، ولا لسيده بعوض في ذمته لأنه لم يرض به ولا في ذمة العبد لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه الآخر.
والثاني: يصح، ونسبه الماوردي والقاضي أبو الطيب إلى الجمهور لأنه متعلق بالذمة ولا حجر للسيد على ذمته، ولهذا قال الإمام هنا لا احتكام للسادة على ذمم عبيدهم ولا يملكون إلزام ذممهم مالاً حتى لو أجبر عبده على ضمان أو شراء متاع لم يصح وإن كان محل الديون التي تلزم بالإذن إنما هو الكسب وهو ملك للسيد، لكن لا استقلال للإكساب في هذا الباب ما لم يتحقق تعلق الدين بأجل الذمة.
قال في المهمات: قيد الشيخ في التنبيه والجرجاني بما إذا كان العبد رشيداً وسبقهما إليه الماوردي فقال: يشترط أن يصح تصرفه لنفسه لو كان حراً.
انتهى.
وقال في التوسط: لم أر ذلك في الحاوي.
الجزء: 4 - الصفحة: 366
والثاني: لا؛ لأن السَّيد لم يَرْضَ بتصرف غيره، وهذا قضية ما أورده في "التهذيب" 411.
ومنها: ألاَّ يَتَّخذ الدَّعْوة للمجهزين 412، وَألاَّ يتصدق 413، ولا ينفق على نفسه من مال التجارة؛ لأنه ملك السيد، وعند أبي حنيفة له ذلك.
ومنها: لا يعامل سَيّده بيعاً وشراء، لأن تصرفه لسيده بخلاف المكاتب يتصرف لنفسه، وقال أبو حنيفة: له أنْ يعامل سيده، وربما قيد ذلك بما إذا ركبته الدُّيُون.
ومنها: ما اكْتَسَبه المَأْذُون من الاحْتِطَاب والاصْطِيَاد والاتِّهَاب وقبول الوصية، والأخذ من المعدن، هل ينضم إلي مال التجارة حتى يتصرف فيه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده الفَوْرَانِي، والإمام وصاحب الكتاب لا لأنه لم يحصل بجهة التِّجَارة، ولا سلمه السيد إليه ليكون رأس المال.
والثاني: نعم، لأنه من جملة أَكْسَابه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
ومنها: العبد المأذون لا ينعزل بالإباق، بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه، إلاَّ إذا خصَّ السَّيد الإذن بهذا البلد 414.
وقال أبو حنيفة: يصير محجوراً عليه.
لنا: أن الإباق عصيان فلا يوجب الحَجْر، كما لو عصى السَّيد من وجه الآخر، ولو أذن لجاريته في التِّجَارة ثم اسْتَوْلَدَها ففيه هذا الخلاف، ولا خلاف في أنَّ له أن يأذن لمستولدته في التِّجَارة.
ومنها: إذَا رأى عَبْدَه يَبِيْع ويشتري فسكت عنه لم يَصِرْ مأذوناً له في التجارة، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على ما لو رآه ينكح فسكت عليه لا يكون سكوته إذناً في النِّكَاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 367
ومنها: إذا ركبته الدُّيُون لم يزل ملك سيده عما في يده، فلو تصرف فيه يبيع أو هِبَة أو إِعتاف بإذن المأذون والغُرَمَاء جاز، ويكون الدَّين في ذمة العبد، وإن أذن العبد دون الغُرَمَاء لم يَجُزْ وإن أذن الغُرَمَاء دون العَبْد فوجهان 415.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا ركبته الدُّيُون يزول ملك سَيّده عما في يده، ولا يدخل في ملك الغرماء.
ومنها: إقرار المأذون بين المعاملة مقبول على ما سيأتي في "باب الإِقْرَار" ولا فرق بين أن يقرّ بها لأجنبي أو لابنه أو ابنته.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لهما، وهذا الخلاف كالخلاف في إقرار المريض لوارثه.
وأما إِقْرَار المأذون لغير دين المُعَاملة، وإقرار غير المأذون فالكلام فيهما منه ما هو مذكور في الإقرار، ومنه ما هو مذكور في السَّرِقَة، وسينتهي الشرح إليهما إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: (ح) إِنِّي مَأْذُونٌ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ سَمَاعٍ مِنَ السَّيِّدِ أَو بَيِّنةٍ عَادِلَةٍ، وَيُكْتَفَى بِالشُّيُوعِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي الحَجْر.
قال الرَّافِعِيُّ: من عامل المأذون وهو لا يعرف رِقُّه فتصرفه صحيح، ولا يشترط علمه بحاله، ذكره في "النهاية"، ومن عرف رِقَّة لم يَجُز له أن يعامله حتى يعرف إذن السيد، ولا يكفي قول العبد: أنا مأذون؛ لأن الأصل عدم إذن المُسْتحق، فأشبه ما إذا زعم الراهن إذن المرتهن في بيع المرهون.
وقال أبو حنيفة: يكفي قول العَبْد كما يكفي قول الوكيل.
قال الأصحاب: ليس هما سواء؛ لأن في الوكيل لا حاجة إلى دعوى الوِكَالَة، بل يجوز معاملته بناء على ظاهر الحال، وإن لم يدع شيئاً، وهاهنا بخلافه، وإنما يعرف كونه مأذوناً إمَّا بسماع الإذن من السيد، أو بِبَيِّنَة تقوم عليه، ولو شاع في النَّاس كونه مأذوناً فوجهان:
أصحهما: أنه يكتفى به أيْضاً لأن إقامة البَيِّنَة لكل معامل ممَّا يعسر، ولو عرف كونه مأذوناً، ثم قال: حجر عليه السيد لم يعامل فإن قال السيد: لم أحجر عليه فوجهان:
أصحهما: أنه لا يعامل أيضاً؛ لأنه العاقد والعقد باطل بزعمه.
والثَّاني: وبه قال أبو حنيفة: أنه يجوز معاملته اعْتِمَاداً على قول السَّيد، ولو عامل المأذون من عرف رِقّه ولم يعرف إذنه، ثم بَانَ كونه مأذوناً فهو ملحق عند الأئمة بما إذا باع مال أبيه على ظَنّ أنه حي فإذا هو مَيّت، ويقرب منه قولان حكاهما الحليمي فيما إذا
الجزء: 4 - الصفحة: 368
كذب مدعي الوِكَالة، ثم عامله فظهر صدقه في دعوى الوِكَالة.
فرع: لو عرف كونه مأذوناً فعامله، ثم امْتنع من التَّسْليم إلى أن يقع الإِشْهَاد على الإذْن، فله ذلك خوفاً من خَطَرِ إِنكار السَّيد، كما لو صدق مُدَّعي الوِكَالة بقبض الحق، ثم امتنع من التَّسْلِيم حتى يشهد المُوكّل على الوِكَالة.
فرع: حكي في "التتمة" قولين في جواز معاملة من لا يعرف رقّه وحريته:
أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل والغالب في الناس الحرية.
والثاني: المنع؛ لأن الأصل بقاء الحَجْر وما حكيناه عن "النهاية" في صدر الفصل، كأنه جواب على الأظهر والله تعالى أعلم.
قال الغزالي: أَما العُهْدَةُ فَهُوَ مُطَالَبٌ (و) بِدُيُونِ معَامَلَتِهِ، وَكَذَا سَيَّدُهُ عَلَى الأظْهَرِ، وَقِيلَ: السَّيِّدُ لاَ يُطَالَبُ أَصْلاً، وَقِيلَ: يُطَالَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ العَبْدِ وَفَاءٌ، وَيُطْرَدُ هَذَا الخِلاَفُ فِي عَامِلِ القِرَاضِ مَعَ رَبِّ المَالِ، وَقِيلَ بِطَرْدِهِ أَيْضاً فِي المُوَكِّلِ إِذَّا سَلَّمَ إلَى وَكِيلِهِ أَلفاً مُعَيَّنَةٌ، وَإِنْ عَتَقَ العَبْدَ طُولِبَ بِهِ، فَإِنْ غَرَّمَة فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى السَّيِّدِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القول في لفظ العُهْدة وتفسيرها موضعه غير هذا.
وأما فقه الفصل فإذا باع المأذون سِلعة وقبض الثَّمَن فاستحقّت السِّلعة، وقد تلف الثَّمَن في يد العبد فللمشتري الرُّجُوع ببدله على العبد، لأنه المباشر للعقد.
وفي وجه: لا رجوع على العبد لأن يده يد السَّيِّد، وعبارته مستعارة في "الوسيط" وفي مطالبة السيد ثلاثة أوجه رتبها الإمام:
أصحهما: أنه يطالب أيضاً؛ لأن العقد له، فكأنه البائع والقابض للثمن.
والثاني: لا يطالب لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالاً، فشرط من يعامله قصر الطمع على يده وذمته.
والثالث: أنه إنْ كان في يد العَبْد وفاء، فلا يطالب السَّيِّد لحصول غرض المشتري، وإلاَّ فيطالب.
وعن ابن سريج: أنه إنْ كان السَّيد قد دفع إليه عَيْن مال، وقال: بِعْها أو خُذْ ثمنها واتَّجر فيه، أو قال: اشْتر هذه السِّلْعَة وبعها واتَّجر في ثمنها ففعل، ثم ظهر الاستحقاق وطالبه المشتري بالثمن، فله أن يطالب السيد بقضاء الدَّين عنه؛ لأنه أوقعه في هذه الغَرَامة، وإن اشترى باختياره سلعة وباعها ثم ظهر الاستحقاق فلا، ولو اشترى المأذون شيئاً للتجارة ففي مطالبة السيد بالثمن الأوجه والوجه الأول والثاني جاريان في عامل القِرَاض مع ربِّ المال لتنزيل رَبِّ المال العهدة على المال المعيّن، ولو أن الرجل
الجزء: 4 - الصفحة: 369
سلم إلى وكيله ألفاً، وقال: اشْتَرِ لي عبداً وَأدِّ هذا في ثمنه، فَاشْتَرى الوَكِيل ففي مطالبته الموكل بالثَّمَنِ طريقان:
أحدهما: أنه يطالب، ولا حكم لهذا التَّعْيين مع الوكيل؛ لأن الوَكِيل سفير مَحْض، والمأذون مستخدم يلزمه الامْتِثَال والتزام ما ألزمه السَّيِّد ذمته.
وأقيسهما: طَرْدُ الوَجْهَيْنِ فيه وإذا تَوَجَّهت الطَّلبة على العبد لم تندفع بِعَتْقه، لكن في رجوعه بالمَغْرُوم بعد العِتْق وجهان:
أحدهما: يرجع لانقطاع اسْتِحْقَاق السَّيِّد بِالعِتْق.
وأظهرهما: لا يرجع؛ لأن المؤدى بعد العِتْق كالمستحق بالتَّصرف السابق على الرِّق، وهذا كالخِلاَف في أنَّ السيد إذا أعتق العبد الذي آجره في أثناء مدة الإجارة هل يرجع بأجرة مثله للمدة الواقعة بعد العتق.
قال الغزالي: وَلَو سَلَّمَ إِلَى عَبْدِهِ أَلفاً لِيَتَّجِرَ بِهِ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ شَيْئاً وَتَلَفَ الأَلْفُ انْفَسَخَ العَقْدُ، وَإِن اشْتَرَي فِي الذِّمَّةِ فَثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، الثَّالِثُ أَنَّ لِلمَالِكِ الخِيَارَ إِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ وَأَبْدَلَ الألْفَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا سلم إلى عبده ألفاً ليتّجر به فاشترى بِعَيْنه شيئاً، ثم تلف الألف في يده انفسخ العقد، كما لو تلف المبيع قبل القبض، وإن اشترى فِي الذِّمة على عزم صرف الألف إلى الثَّمن ففي المَسْألة وجهان:
أحدهما: أنه ينفسخ أيضاً؛ لأنه حصر إذنه في التَّصَرُّف في ذلك الألف، وقد فات محل الإذن.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يجب للسَّيد ألْف آخر، لأن العَقْد وقع له والثمن غير متعيّن فعليه الوفاء بإتمامه.
والثاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولكنه إنْ أخرج ألفاً آخر أمضى العَقْد، وإلاَّ فللبائع فسخ العقد، ويشبه أنْ يكون هذا أظهر، وهو اختيار الشيخ أبي محمد، وإذا ترك التَّرْتيب حصل في المَسْأَلة ثلاثة أوْجُه كما ذكر في الكتاب، ووراءها وجه رابع وهو أنَّ الثمن يكون في كسب العبد، والوجهان في الأصل كالوجهين فيما إذا دفع ألفاً قِرَاضاً إلى رجل، فاشترى شيئاً في الذمة، وتلف الألف عنده، هل على رب المال ألف آخر أو ينقلب العقد إلى العامل؟
إن قلنا بالأول فعلى السيد ألف آخر.
الجزء: 4 - الصفحة: 370
وإن قلنا بالثاني انفسخ العقد، وإذا قلنا على السيد أَلْف آخر فهل يتصرف العبد فيه بالإذن السابق أم لا بد من إذن جديد؟
فيه وجهان وهما كالوجهين، في أنه إذا أخرج ألْفاً آخر في صورة القِرَاض فرأس المال ألْف أو ألفان.
إن قلنا: ألف فلا بد من إذن جديد.
وإن قلنا: ألفان كفى الإذن السابق قال الإمام: والألف الجديد، إنما يطالب به البائع دون العبد، ولا شك أن العبد لا يمد يده إلى ألف من مال السيد، وأنه لا يتصرف فيما تسلّمه البائع، وإنما تظهر فائدة الخِلاَف فيما إذا ارتفع العَقْد بسبب من الأسباب ورجع الألف 416، والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا قَضَاءُ دُيُونهِ فمِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، لاَ مِنْ رَقَبَتِهِ (ح)، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِاكْتِسَابِهِ مِنَ الاحْتِطَابِ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأمر الثّالث أن ديون التجارة من أين تؤدى، ولا شك أن دُيُون معاملات المأذون مُؤَدّاة مِمَّا في يده من مال التِّجارة، سواء فيه الأرباح الحاصلة بتجاراته ورأس المال، وهل يؤدّي من اكتسابه بغير طريق التجارة كالاصطياد، والاحتطاب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كسائر أموال السيد.
وأصحهما: نعم، كما يتعلق به المهر، وثبوت النِّكَاح، ثم ما فضل من ذلك يكون في ذمته إلى أن يعتق، وهل يتعلّق بما يكتسبه بعد الحجر؟ فيه وجهان:
قال في التهذيب: أصحهما: أنها لا تتعلق به ولا تتعلق برقبته ولا بِذِمّة السيد.
أما أنها لا تتعلّق برقبته، فلأنه دَين لزمه بِرِضاء من له الدَّين فوجب أنْ لا يتعلق برقبته، كما لو استقرض بغير إذن السَّيد، وخالفنا أبو حنيفة فيه.
وأما أنه لا يتعلّق بذمة السيد، فلأن ما لزمه بمُعَاوَضَة مقصودة بإذنه وجب أن تكون متعلقة بكسب العبد، كالنَّفقة في النكاح، ولو كان للمأذونة أولاد لم تتعلّق الديون بهم، خلافاً لأبي حنيفة في الَّذين ولدوا بعد الإذن في التجارة، ولو أتلف السيد ما في يد المأذون من أموال التِّجَارة فعليه ما أتلف بقدر الدَّين، ولو أنه قتل المأذون وليس في يده مال لم يلزم قضاء الدَّين.
الجزء: 4 - الصفحة: 371
هذه مسائل الكتاب وما يناسبها، وفي المأذون فروع كثيرة، تذكر في مواضع متفرقة.
والذي نورده في هذه الخاتمة أنه لو تَصَرَّف فيما في يد المأذون بِبَيْع أو هِبَة أو إِعْتَاق ولا دَيْن على العبد فهو جائز.
وفي وجه: يشترط أن يقدم 417 عليه حجراً، وإن كان عليه دَيْن فقد سبق حكم تصرفه.
وإذا باع العبد أو أعتقه صار مَحْجُوراً عليه في أصحِّ الوجهين، وفي قضاء ديونه مما يكتسبه في يد المشتري الخلاف المذكور فيما يكتسبه بعد الحَجْر عليه، واعلم أن المَسَائِل الخلافية بيننا وبين أبي حنيفة في المَأْذُون يبنى أكثرها على أنه يتصرف لنفسه أو لسيده، فعنده يتصرف لنفسه وعندنا لسيده، ولذلك نقول: إنه لا يبيع نَسِيئَة ولا بدون ثمن المِثْل، ولا يسافر بمال التجارة إلاَّ بإذن السَّيد، ولا يتمكّن من عزل نفسه بخلاف الوَكِيل.
فرع: لو أذن لعبده في التِّجَارة مطلقاً ولم يعين مالاً، فعن أبي طاهر الزِّيَادِيّ أنه لا يصح هذا الإذن، وعن غيره أنه يصح، وله التَّصرف في أنواع الأموال، هذا تمام القسم الأول 418.
قال الغزالي: وَأَمَّا غَيْرُ المَأذُونِ فَلاَ يَتَصَرَّفُ بِمَا يَضُرُّ سَيِّدَهُ كَالنِّكَاحِ فَإنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ دُونَ إِذْنِهِ، وَالأَقْيَسُ جَوَازُ اتِّهابِهِ، وَقُبولهِ الْوَصِيّةَ فَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ كَمَا يَدْخُل بِاحْتِطَابِهِ، وَيَخْلَع زَوْجَتَهُ، وَلاَ يَصِحُّ (ز) ضَمَانُهُ وَشِرَاؤُهُ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الوَفَاءِ بِالمُلْتَزِمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يصِحُّ كَمَا فِي المُفْلِسِ، وَلاَ يَمْلِكُ العَبْدُ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ (م) عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني غير المأذون في التجارة، وهو قد يكون مأذوناً في غير التجارة، وقد لا يكون مأذوناً أصلاً، والمسائل الدَّاخلة في هذا القِسْم منتشرة في الأبواب، والتي أوردها في هذا الموضع خمس: إحداها: ليس للعبد أن ينكح بغير إذن السيد، لأنه لو جاز نكاحه لكان له أن يَطَأَ متى شاء، وأنه يورث ضعف البِنْيَة ويتضرَّر به السيد، هذا حكم كل تصرف يتعلّق برقبة العبد.
الجزء: 4 - الصفحة: 372
الثانية: الهِبَة من عبد الإنسان والوصية له هبة ووصية للسيد، وفي صحة قبوله فيهما من غير إذن السيد وجهان:
أحدهما: وبه قال الإِصْطَخْري: المنع لعدم رضاه بثبوت الملك.
وأصحهما: الصحة، لأنه اكتساب لا يعقب عوضاً، فأشبه الاحْتِطَاب والاصْطِيَاد بغير إذنه، وأيضاً فإنَّ العَبْد إذا خالع زوجته صَحَّ وثبت العوض ويدخل في ملك السَّيد قهراً، فكذلك هاهنا، وصورة الوَصِيّة قد ذكرها صاحب الكتاب في الوَصِيّة.
الثالثة: في صِحّة ضمانه بغير إذن السَّيد وجهان مُعَادان في كتاب الضَّمَان، وشرحهما بذلك الموضع أليق.
الرابعة: هل يَصِحُّ شراؤه دون إذن السَّيد؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن فيه وجهين:
أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: نعم؛ لأنه يعتمد الذِّمة ولا حجر على ذمَّته.
وأصحهما: لا، وبه قال أبو إسحاق والإِصْطَخري، لأنه لو صح فإما أن يثبت الملك له، وليس هو أهلا؛ لأن يملك أو لسيده وذلك إمَّا بعوض يلزمه أو بعوض يكون في ذمة العبد، والأول ما رَضِيَ به السيد.
والثاني: ممتنع لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلتزم الثاني، وبنوا الوجهين على القولين في أن المُفْلس المحجور عليه إذا اشترى شيئاً هل يصح؟
ووجه الشبه أن كل واحد منهما صحيح العبارة، وإنما حجر عليه لحق الغير.
والطريق الثاني: القطع بالبطلان، ويفارق المفلس؛ لأنه أهل لِلَّتمليك 419.
التفريع: إن صححنا شراءه، فمنهم من قال: إِنَّ المِلْك لِلسَّيد، والبَائع إن علم رِقّه لم يطالبه بشيء حتى يعتق، وإن لم يعلم فهو بالخِيَار بين الصَّبْر إلى العِتْق وبين أن يفسخ ويرجع إلى عَيْنِ ماله.
ومنهم من قال: الملك للعبد والسَّيد بالخِيَار بَيْن أن يقر عليه، وبين أنْ ينتزعه من يده، وللبائع الرُّجوع إلى عيْنِ المبيع ما دام في يد العبد لتعذُّر تحصيل الثمن كما لو أفلس المُشْتَري بالثمن، وإن تلف في يده فليس له إلاَّ الصَّبر إلى أن يعتق، وإن انتزعه السَّيد فهل للبائع الرجوع؟
فيه وجهان: الذي أورده الأكثرون أنه لا يرجع، كما لو زال يد المشتري عما
الجزء: 4 - الصفحة: 373
اشتراه ثم أفلس بالثمن، وفي "التتمة" أن الصحيح، أنه يرجع أيضاً بناء على أن المِلْك يحصل للسيد ابتداء، لا بالانتزاع وإن أفسدنا شرائه، فللمالك استراداد العَيْن ما دامت باقية سواء كانت في يد العبد، أو في يد السيد، وإن تلفت في يد العبد تَعَلَّق الضَّمَان بذمته، وإن تلفت في يد السَّيد فللبائع مطالبته بالضَّمان، وإلاَّ ليس له مطالبة العبد بعد العتق ولا يجب على السيد الضمان بأن رآه فلم يأخذه من يد العبد ولو أَدَّى الثَّمن من مال السَّيِّد فله استرداده، والاستقراض في جميع ما ذكرناه كالشراء، وللعبد إجارة نفسه بإذن السَّيد، وكذا له بَيْع نفسه ورهنها في أصح الوجهين، ولو اشترى العبد أو باع لغيره وِكَالة بغير إذن السيد ففيه وجهان:
ذكر في التتمة أنهما مبنيان على الخلاف فيما لو اشترى لنفسه، والأصح المنع لما فيه من تعلّق العُهْدة بالوكيل.
وقوله في الكتاب: "ولا يصح ضمانه وشراؤه" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يصحح شراءه، وإيراد "الوسيط" يدل على أن المراد من قوله: (على الأصح)، الأصح من الطريقين.
وقوله في الكتاب: (وقيل: إنه يصح كما في المفلس) إشارة إلى الطَّريق الثاني.
المعنى يصح في قول كما في المفلس.
وقوله: (لأنه عاجز عن الوفاء بالملتزم) وجهه في الضمان ظاهر، فإن الأداء في الحال متعذّر عليه، وأما في الشراء فهو مبني على أن للسيد أخذ المبيع منه فلا يبقى للثمن متعلّق في الحال.
الخامسة: العبد هل يملك بتمليك السَّيد فيه قولان:
القديبم: نعم، وبه قال مالك لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ أَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ" 420.
والجديد: لا، وبه قال أبو حنيفة، كما لا يملك بالإرث وتمليك غير السيد، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، وعن أحمد: روايتان كالقولين.
فإنْ قلنا بالقديم فللسيد الرجوع عنه متى شاء، وليس للعبد التصرف فيه إلاَّ بإذن السيد، وله أن يشتري الجارية التي ملكها أباه إن أذن له فيه، وعن الأستاذ أبي إسحاق: منعه لضعف الملك، وإن لم يأذن له في الشراء فليس له ذلك، وفيه وجه، ولو كان له عبدان فملك كل واحد منهما صاحبه، فالحكم لِلتَّمليك الثاني، وهو رجوع عن الأول
الجزء: 4 - الصفحة: 374
فإنْ وقعا دفعة واحدة من وكيلين تدافعا (1) والله أعلم.
البَابُ الثَّانِي فِي التَّحالُفِ
قال الغزالي: وَالنَّظَر فِي سَبَبه وَكَيفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ، أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ التَّنَازُعُ فِي تَفْصِيلِ العَقْدِ وَكَيْفِيَّتِهِ بَعْدَ الاتَّفَاقِ عَلَى الأَصْلِ، كَالخِلاَفِ فِي قَدْرِ العِوَضِ (ح) وَجِنْسِهِ، وَقَدْرِ الأَجَلِ (ح) وَأَصْلِهِ (ح)، وَشَرْطِ الكَفِيلِ (ح) وَالخِيَارِ (ح) وَالرَّهْنِ (ح) وَغَيْرِهِ، فَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ سَوَاء كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ هَالِكَةً (ح م) جَرَى مَعَ العَاقِدِ، أَوْ مَعَ وَرَثَتِهِ، قَبْلَ القَبْضِ أَوْ بَعدَهُ (ح) لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا".
قال الرَّافِعِيُّ: الأصل في الباب ما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع وَالْمُبْتَاعُ بالْخِيَار"، ومعناه أن المبتاع بالخِيَار بين إِمْسَاكه بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف عَلى ما يقوله للراوية الأخرى: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا" 422.
وفي رواية: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَحَدِهِمَا تَحَالَفَا" 423.
إذا عرفت ذلك، فكلام الباب يقع في ثلاثة فصول:
أحدها: في السَّبب المحوج إلى التَّحالف، ومتى تبايع اثنان ثم وقع بينهما اختلاف، فذلك إما أن يكون مع الاتِّفَاق على عقد صحيح أولاً معه.
القسم الأول أن يختلفا مع الاتِّفَاق على عقد صحيح مثل أنْ يختلفا في قدر الثمن، فيقول البَائِع: بعتك هذا بمائة، فيقول المشتري: بخمسين، فينظر إنْ كان لأحدهما بَيِّنة قضى بها، وإن أقام كل واحد منهما بَيّنة على ما يقوله سمعتا من حيث إن421
الجزء: 4 - الصفحة: 375
كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، ثم إن قلنا بالتَّساقط فكان لا بينة، وإلاَّ توفقنا إلى ظهور الحال، وإنْ لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان، لأن كل واحد منهما مدّع ومدعى عليه في تمليك السلعة فالبائع مدع زيادة الثمن، ومدعى عليه في تمليك السّلعة بالأقل، والمشتري بالعكس، فإذا لم يكن بَيّنة حلف كل واحد منهما، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن تكون السلعة قائمة، أو هالكة.
وقال أبو حنيفة: إنما يتحالفان عند قِيَام السّلْعَة، أما إذَا هَلَكَت، فالقول قول المُشْتَرِي مع يمينه.
وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
وعن مالك مثل ذلك، ورواية ثالثة عن ابن المنذر هي أنه إن كان قبل القَبْض تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، لنا ما سبق من إطلاق الأخبار، وقياس حالة الهلاك على حالة البقاء، لا فرق أيضاً بين أنْ يقع الاخْتِلاَف بين المُتَبَايعين، أو ورثتهما بعدهما.
وقال أبو حنيفة: إنْ كان المَبِيع مَقْبُوض تحالفا، وإلاَّ فالقَوْل قول ورثة المبتاع.
ولو اختلفا في جنس الثمن، أو بعض صفاته، فهو كالخِلاَف في القدر، وكذا الاختلاف في قدر المَبيْع بأن يقول البائع: بعتك هذا العبد، ويقول المشتري: هذا العبد، وهذا الثوب والاَختلاف في قدر المبيع، والثمن بأن يقول البائع: بِعْتُك هذا العبد بألف، ويقول المشتري: بعتنيه وهذه الجارية بألفين، ولو قال البائع: بعتك هذا العبد، فقال المشتري: بِعْتني هذه الجارية ولم يختلفا في الثمن، نظر إنْ كان الثمن معيناً تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإنْ كان الثمن في الذمة، فوجهان:
أحدهما: أنهما يتحالفان أيضاً كما لو كان معيناً، وبهذا أجاب ابن الحَدَّاد، واختاره القاضي أبو الطَّيب، وابن الصباغ -رحمهم الله-.
والثَّاني: أنه لا تحالف؛ لأن المبيع مختلف فيه، والثمن ليس بمعيّن حتى يربط به العقد، ويحكى هذا عن الشيخ أبي حامد، واختاره الإمام وصاحب "التتمة"، ونظير المسألة من الصَّدَاق أن يقول الزوج: أصْدَقتك أباك فقالت: بل أمي، وقد أوردها صاحب الكتاب في آخر "كتاب الصَّدَاق" ورأى الأصح التحالف، فإن قلنا: لا تَحَالُف حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ولم يجمع أحدهما في اليَمِين بين النفي والإثبات، ولا يتعلق بينهما فَسْخٌ ولا انفساخ، ولو كانت المَسْألة بحالها، وأقام كل واحد منهما بَيِّنة على ما ذكره سلمت الجارية للمشتري، وأما العبد فقد أقر البائع بيعه، وقامت البَيِّنة عليه، أو لم تقم فإن كان في يد المشتري أقر عنده، وإن كان في يد البائع، فوجهان:
أحدهما: أنه يسلم إلى المشتري ويجبر على قبوله.
الجزء: 4 - الصفحة: 376
والثَّاني: لا يجبر لأنه ينكر ملكه فيه، فعلى هذا يقبضه الحاكم وينفق عليه من كَسْبه، فإنْ لم يَكُنْ له كسب، ورأْى الحَظَّ في بيعه وحفظ ثمنه فعل، ولو أنفقا على المبيع والثمن، واختلفا في شرط الخيار أو قدره أو شرط الرهن بالثمن أو الكفيل أو شرط الأجل أو قدره، جرى التحالف أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: الاختلاف في شروط العقد لا يقتضي التَّحَالف، ولكن القول قول من منعها 424.
لنا إطلاق الأخبار السَّابقة، والرِّوَاية المذكورة في الكتاب، ولا تخفى المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب.
قال الغزالي: وَيَجْرِي فِي كُلِّ مُعَاوَضَة، كَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ، وَالخُلْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالإِجَارَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالقِرَاضِ، وَالجَعَالَةِ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ فِي بَدَلِ الدَّمِ وَالبُضْعِ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِ المِثْلِ لاَ فَسْخُ الخُلْعِ وَالنِّكَاح، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُ هَذَا مِنِّي فَقَال: لاَ بَلْ بِعْتُهُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ مَا وَهَبَ، وَلَمْ يَتَحَالَفَاَ إِذْ لَمْ يتَّفِقَا عَلى عَقْدٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: أن التَّحَالف لا يختص بِالمُبَايعات، بل يجري في سائر عقود المُعَاوضات من السّلم والإِجَارة والمُسَاقَاة والقِرَاض والجَعَالَة والصلح عن الدم والخُلْع والصَّداق والكتابة طرداً للمعنى، ثم في البيع ونحوه يُفسخ العقد بعد التحالف، أو ينفسخ ويترادَّان كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفي الصُّلْح عن الدَّمِ لا يعود استحقاق، بل إنَّ التحالف في الرجوع إلى الدِّيَة، فكذلك لا يرتدّ البُضع، ولكن في النكاح ترجع المرأة إلى مهر المثل، وفي الخُلْع يرجع إليه الزوج، وسيعود ذكر هذا الكلام في كتابيهما، ثم ذكر الإمام -قدس الله روحه- في هذا الموضع إشكالاً.
فقال: أي معنى للتحالف في القِرَاض مع أنه جائز، وكل واحد منهما بسَبِيْل من فسخه بكل حال، وأيد ذلك بأن القاضي الحسين منع من التحَالف في البَيعَ في زمان الخِيَار ومكانه لإمكان الفسخ بسبب الخيار، وأجاب بأن التَّحَالف ما وُضع للفسخ، ولكن عُرضت الأَيْمَان رجاء أن ينكل الكاذب، فيقرر العَقْد بيمين الصَّادق، فإذا لم يتفق ذلك وأصرَّا فُسخ العقد لِلضَّرورة، ونازع القاضي فيما ذكره لإِشْكَالاَت قررها، ثم مال بالآخرة إلى موافقته، ورأى في القِرَاض أن يفصَّل، فيقال: التحالف قبل الخوض في العمل لا معنى له، وأما بعده فالنزاع يؤول إلى مقصود لا خيرة فيه من ربح أو أجر مثل، فيتحالفان والجَعَالَةُ كالقِرَاضِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 377
الثانية: لو قال: بِعْتُك هذا بالألْف، فقال: بل وَهَبْتنيه، فلا تحالف إذ لم يتفقا على عقد، ولكن يحلف كل واحد منهما على نفي ما يَدَّعيه صاحبه، فإذا حلفا فعلى مدعي الهِبَة رده بزوائده، هذا هو المَشْهُور ووراءه شيئان.
أحدهما: عن صاحب "التقريب" رواية قول أن القول قول مدعي الهِبَة، لأنه مالك باتفاقهما وصاحبه يدعي عليه، والأصل براءة ذمته عنه.
والثَّانِي: أطلق في "التتمة" وَجْهًا أنهما يتحالفان، وادَّعى أنه الصحيح، ولو قال: بعتك هذا بِألْف فقال بل وَهَبْتنيه حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ورد الألف واسترد العَين، ولو قال: رهنتكه بألف استقرضته، فقال: بل بعتنيه بألف، فالقول قول المالك مع يمينه وترد الألف، ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهناً؛ لأنه لا يدعيه قاله في "التهذيب".
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَا في شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَكَذَلِكَ، وَالأَصَحُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الشَّرْطَ الفَاسِدَ، وَلَو رَدَّ المَبِيعَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ مَا قَبَضْتَهُ مِنِّي فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي المُسَلَّمِ فِيهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقَبْضٍ صحِيحٍ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَضِيَ بِهِ لَوَقَعَ عَنْ جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ لِرُجوعِ التَّفَاوُتِ إِلَى الصِّفَةِ فَهُوَ كالمَبِيعِ؛ لأَنَّ القَبْضَ صَحِيحٌ فِيهِ لَوْ رَضِيَ بِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثَّاني: أن يختلفا من غير الاتِّفَاق على عقد صحيح بأن يدّعي أحدهما صحة العَقْد، والآخر فساده كما إذا قال: بعتك بألف، فقال المشتري: بل بألف وزِقّ خمر أو قال أحدهما: شرطنا في العقد شرطاً مفسداً، وأنكر الآخر فلا تحالف، وفيمن القول قوله وجهان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب": أَن القول قول من يدعي الفساد مع يمينه" لأن الأصل عدم العقد الصَّحِيح، وبقاء الملك للمالك، وصار كما لو اختلفا في أصل البيع.
وأصحهما عند المصنف، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أن القول قول من يدعي الصِّحة؛ لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصِّحة، واحتج لهذا الوَجْه بنصه في البُويطيّ فيمن أسلم إلى رجل في طعام واختلفا فادعى المُسَلّم إليه أنه شرط فيه الخيار، وأنكره المسلم أن القول قول المسلم مع يمينه، وأيضاً فلو قال: هذا الذي يعتنيه حر الأصل، وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع وذكر الأئمة تخريج الوجهين على أصلين:
أحدهما عن القاضي أبي الطيب: أن أصل الوَجْهَين قولان للشَّافعي -رضي الله عنه- فيمن تكفَّل برجل ثم اختلفا، فقال تَكَفَّلت على أن الخِيَار ثلاثاً، وأنكر المكفول
الجزء: 4 - الصفحة: 378
له أن القول قول الكفيل أو المكفول له.
والثَّاني عن القَفَّال أن أصلهما القولان فيمن قال لفلان: عليَّ ألف من ثمن الخمر، هل يوآخذ بأول كلامه أم يقبل قوله من ثمن الخمر؟
إن قلنا بالثاني، فالقول قول من يدّعي الفَسَاد.
وَإن قلنا بالأول، فالقول قول من يدعي الصِّحة، ولمخرج أن يخرج الوجهين على قولي تقابل الأصل والظاهر، ولو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمر أو بثمن مجهول.
ففي "التهذيب" نقل طريقين.
أظهرهما: طَرْدُ الوَجْهَيْن.
والثاني: القطع بالفساد؛ لأنه لم يقر بشيء ملزم، وإذا فرعنا علي أن القول قول من يدّعي الصِّحة، فلو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمسمائة وزِقّ خمر، وحلف البائع على نفي سبب الفساد صدق فيه وبقي التنازع في قدر الثمن فيتحالفان.
ثم الفصل يشتمل على مسألة أخرى في اخْتلاف المُتَبَايعين من وجه آخر، وهي أن يشتري عبداَ مثلاً ثم يجيء بِعَبْد ويريد ردَّه بعيب فيه فيقول البائع: ليس هذا ما ابتعته وقبضته مِنِّي، فالقول قول البَائع لأن الرَّادَّ يريد الفسخ، والأصل مُضِيُّه على السَّلامة، ولو فرض ذلك في التسلم، أو قال: ليس هذا على الوصف الذي أسلمت إليك فيه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول المُسَلم إليه مع يمينه، كما أن القول قول البائع، وبهذا أجاب في "التتمة".
وأصحهما: أن القول قول المسلم، لأن اشتغال ذمّته بمال السلم معلوم، والبراءة غير مَعْلُومة، ويفارق صورة البيع؛ لأنهما اتفقا على قبض ما ورد عليه الشِّرَاء، وتنازعا في سَبَبِ الفسخ، والأصل استمرار العقد، والوجهان جاريان في الثمن في الذمة أن القول قول القابض أو الدافع، وعن ابن سُرَيْجٍ وجه ثالث: وهو أنه يفرق بين ما يمنع صحّة القبض وبين العيب الذي يمنعها، فإذا كان الثمن دراهم في الذمة وفرض هذا النزاع، وكان ما أراد البائع رده زُيوفاً ولم يكن وَرِقاً، فالقول قول البائع لإنكار أصل القبض الصحيح، وإن كانت وَرِقاً لكنها رَدِيئةٌ النوع لخشونة أو اضطراب سَكة، فالقول قول المشتري، لأن أصل القبض قد تحقق، ولو رضي به لوقع المقبوض عن الاستحقاق، ولا يخفى التفصيل في المُسَلّم فيه، ولك أنْ تقول: المعنى الفارق في المُسَلَّم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عنه غير جائز، ولكن في الثمن لو رضي بالمقبوض لوقع عَنِ الاسْتِحْقَاق، وإن لم يكن ورقاً متى كانت لو قيمة؛ لأن الاستبدال عن الثمن جائز على الصَّحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 379
وقوله في الكتاب: "الرجوع التفاوت إلى الصفة"، أراد صفات الجَوْدَة والرَّدَاوَة، فإن أخذ الرَّدِيء عن الجَيِّدِ جائز، وإنَّما المانع من الأخذ تَغَايُر الجنس، ولو كان الثمن مَعِيباً فهو كالمبيع، فإذا وقع فيه هذا الاختلاف فالقول قول المُشْتري مع يمينه.
قال في "التهذيب": لو كان المعين نحاساً لا قيمة له فالقول قول الرَّاد، لأنه يدّعي بقاء مِلْكه وفساد العقد، ولك أنْ تقول ينبغي أن يكون هذا على الخلاف فيما إذا ادَّعى أحدهما صحة العقد والآخر فساده، ولو اشترى طعاماً كيلاً وقبضه بالكيل أو وزناً وقبضه بالوزن، أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعى نقصانًا فيه نظر إِنْ كان قدر ما يقع مثله في الكيل والوزن قُبِلَ، وإلاَّ فقولان عن رواية الربيع.
أحدهما: أن القول قول القَابِض مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء حقه، ويحكى هذا عن أبي حنيفة ورجحه صاحب "التهذيب".
والثَّاني ويحكى عن مالك: أن القول قول الدَّافع مع يمينه؛ لأنهما اتَّفَقا على القبض والقابض يدّعي الخطأ فيه، فيحتاج إلى البَيِّنَة كما لو اقتسما، ثم جاء أحدهما وادَّعى الخطأ فيه، يحتاج إلى البَيِّنة وهذا أصح عند القاضي أبي الطيب وغيره، ولو اختلف المتبايعان في القَبْض، فالقول قول المُشْتَري ولو باع عَصِيراً وحصل القَبْض فوجد خَمْراً.
فقال البائع: تخمر في يدك، وقال المشتري: بل سلمته خمراً، والقبض فاسد وأمكن الأَمْران جميعاً، فقولان:
أحدهما: أن القول قول البائع لأن الأصل بقاء الحَلاَوة.
والثاني: أنَّ القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض الصحيح.
ولو قال أحدهما: أنه كان خمراً عند البيع، فهذا يدّعي فساد العقد والآخر يدعي صحته وقد سبق حكمه، وبهذا يقاس ما لو باعه لبناً فأخذه المُشْتري في ظرف ثم وجدت فيه فَأْرة، وتنازعا في نَجَاسته عند القبض وعند البيع.
ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكره البائع فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع كما لو اختلفا في العيْب.
والثاني: أنهما يتخالفان كما لو اختلفا في الأجل أو الخيار.
قال في "التتمة": وهذا أصح، ولو كان الثمن مؤجلاً، واختلفا في انقضاء الأجل فالأصل بقاؤه.
قال الغزالي: أَمَّا كَيْفِيَّةُ اليَمِينِ فَالبَدَاءَةُ (ح) بِالبَائِعِ، وَفِي السَّلَمِ بِالمُسَلَّمِ إِلَيْهِ، وَفِي الكِتَابَةِ بِالسَّيِّدِ؛ لأَنَّهُمَا في رُتْبَةِ البَائِعِ، وَفِي الصَّدَاقِ بِالزَّوْجِ؛ لأَنَّهُ فِي رُتْبَةِ بِائِعِ الصَّدَاقِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 380
وَأَثَر التَّحَالُفِ يَظْهَرُ فِيهِ لاَ فِي البُضْعِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُبْدَأُ بِالمُشْتَرِي وَهُوَ مُخَرَّجٌ، وَقِيلَ: يَتَسَاوَيَانِ فَيُقَدَّمُ بِالقُرْعَةِ أَوْ بَرَأْيِ القَاضِي، ثُمَّ يَحْلِفُ البَائع يَمِيناً وَاحِداً وَيَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإثْبَاتِ، وَيُقَدِّمُ (و) النَّفْيَ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا بِعْتُهُ بِألْفٍ بَلْ بِعْتُهُ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ البَائِعُ عَلَيْهِمَا وَنَكَلَ المُشْتَرِي عن أَحَدِهِمَا قَضِيَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لاَ يَجْمَعُ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ بَلْ يَحْلِفُ البَائِعُ عَلَى النَّفْيِ ثُمَّ المُشْتَرِي عَلَى النَّفْيِ، ثُمَّ البَائِعُ عَلى الإِثْبَاتِ ثُمَّ المُشْتَرِي عَلَى الإِثْبَاتِ فَيَتعَدَّدُ اليَمِينُ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني في كيفية التَّحَالف: وقاعدته أن يحلف كل واحد من المُتَعَاقدين على إثبات ما يقوله، ونفي ما يقوله صاحبه.
ثم فيه مسألتان:
إحداهما: فيمن يبدأ به من المتعاقدين، وقد نَصَّ في البيع أنه يبدأُ بالبائع، وفي المسلم أنه يبدأ بالمسلم إليه، وفي الكتابة بالسَّيد وهذه النُّصوص متوافقة وفي الصَّدَّاق أنه يبدأ بِالزَّوْج، وظاهره يخالف سائر النُّصُوص؛ لأن الزَّوج شَبِيهٌ بالمشتري، ونَصَّ في الدَّعَاوَى، أنه إن بدأ بيمِين البائع خير المشتري، وإن بدأ بيمين المشتري خير البائع وهذا يشعر بالتَّسوية والتَّخيير، وللأصحاب طريقان:
أظهرهما: أن المَسْأَلة على ثلاثة أقوال:
أظهرهما: أن البِدَاية بالبائع، وبه قال أحمد، واحتجوا له بأن جانبه أقوى؛ لأن مِلْكه على الثمن يتم بالعقد، ومِلْك المشتري على المبيع لا يتم بالعقد، ولأن المبيع يعود إليه بعد التَّحَالف.
والثَّاني: أن البداية بالمشتري، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن البائع يدّعي عليه زيادة الثَّمن، والأصل براءة ذمَّته عنها فيقوى بذلك جانبه.
والثالث: أنه لا بداية بل يَتَسَاويان؛ لأن كل واحد منهما مدع عليه فلا ترجيح.
وعن الشيخ أبي حامد أنَّ هذا أقيس، وإن كان الأول ظاهر المذهب وعلى هذا فوجهان:
أظهرهما: أن الحاكم مخير في ذلك يبدأ بمن اتَّفق.
والثَّاني: أنه يقرع بينهما كما يقرع بين المُتَسَاويين إلى مجلسه.
والطريق الثاني: القطع بأن البِدَاية بالبائع، ومن قال بهذا قطع بأن البداية في اختلاف الزوجين بالزوج على ما نصّ عليه وقرره من وجهين:
الجزء: 4 - الصفحة: 381
أحدهما: أنَّ أثر تحالف الزوجين، إنما يظهر في الصَّدَاق دون البُضع، والزوج هو الذي ينزل عن الصداق فكان كالبائع له.
والثاني: أن تقديم البائع إنما كان لقوة جانبه بحُصُول المبيع له بعد التحالف وفي النِّكَاح يبقى البُضْعُ للزوج.
وأما نصه في "كتاب الدَّعَاوَى" فستعرف تأويله إن شاء الله تعالى.
إذا قلنا بطريقة إثبات الخلاف، فإن قدمنا البائع لم يخف من ينزل منزلته في سائر العُقُود وفي الصَّدَاق يأتي وجهان:
أحدهما: أن البداية بالمرأة لِمَا مَرَّ وَإِنْ قدمنا المشتري، نقله صاحب "التهذيب" وغيره.
وأوفقهما للنص: أن البداية بالزوج لِمَا مَرّ، وإنْ قدمنا المشتري فالقِيَاسُ انْعكاس الوجهين والله أعلم.
ثم هاهنا أمران:
أحدهما: أن جميع ما ذكرناه في الاسْتِحْباب دون الإيجاب، والاشتراط نص عليه الشَّيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب" و"التتمة"، وهو أحد ما حمل عليه نصه في الدَّعَاوى.
والثَّاني: أنَّ تقديم أحد الجَانِبَيْن مخصوص بِمَّا إذا بَاعَ عرضاً بثمن في الذّمة.
فأما إذا تَبادلا عرضاً بعرض فلا تتجه إلاَّ التسوية ذكره الإمام، وينبغي أنْ يخرج ذلك على أنَّ الثَّمَن ماذا؟ وقد سبق الخِلاَف فيه.
المسألة الثَّانِية في تعدد اليمين وصفتها: ظاهر نَصّ الشَّافعي -رضي الله عنه- الاكتفاء بِيَمين واحدة من كل واحد من المُتَعَاقدين يجميع فيها بين النَّفْي والإِثْبات، فيقول البائع: ما بعت بخمسمائة وإنما بعت بألف، ويقول المشتري: ما اشتريت بألف وإنَّمَا اشتريتُ بخمسمائة، ولو كان في يد رجلين دَارٌ فادَّعى كل واحد منهما أن جميعها له فالنص أن كل واحد منهما يحلف على مجرد نفي استحقاق صاحبه ما في يده، فلو حلف أحدهما ونكل الآخر فالحالف يحلف يميناً أخرى لِلإِثْبَات، وللأصحاب فيهما طريقان:
أصحهما: تقريرُ النَّصَّين، والفرق أن منفي كل واحد منهما في ضِمْن مثبته، لأن العقد واحد بالاتِّفَاق والتَّنَازع في صِفَتِه فكأن الدعوى واحدة فجاز التَّعرض في اليمين الوأحدة للنفي والإثبات، وفي مسألة الدَّار منفى كل واحد منهما ممتاز عن مثبته، فلا معنى لِيَمِيْنِهِ على الإِثْبَات قبل نكول صَاحِبِه.
والثاني: التصرف بتخريج قول من مسألة الدار، فيما نحن فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 382
ووجهه الجري على قياس الخصومات، فإنَّ يمين الإثبات لاَ يُبْدأ بها في غير القسَامة، وهل يتصرف بتخريج قول ما نحن فيه في مسألة الدار أيضاً؟ قال الأكثرون: نعم، حتى يكون قولان بالنقل والتخريج.
وقال الشيخ أبو حامد والإمام: لا، وهو الحق لأن كل واحد منهما لا يحتاج فيما في يده إلى الإثبات، واليمين على الإِثبات يَمين الرد، فكيف يحْلِف الأول يمين الرد وصاحبه لم ينكل بعد، وكيف يَحْلِفُهاَ الثاني وقد حَلَفَ صاحبه.
التفريع: إن اكتفينا بيمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات، فإذا حلف أحدهما ونكل عن الثَّاني، قضى لِلْحَالف سواء نكل عن النَّفْي والإِثْبَات جميعاً، أو عن أحدهما، والنكول عن البعض كهو عن الكل وينبغي أن يقدم النَّفي على الإِثبات؛ لأن النفي هو الأصل في الأَيْمَان.
وعن الإِصْطَخريّ: أنَّ الإثبات مقدم؛ لأنه المقصود وهذا الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق.
والأظهر: الأول، ونقل الإمام الثّاني.
وإن قلنا: يَحْلِف أَوَّلاً على مجرد النفي، فلو أضاف إليه الإثبات كان لَغْواً، وإذا حَلَفَ مَنْ وقعت البداية به على النَّفي عرضت اليمين على الثاني، فإن نكل حلف الأول على الإثْبَات وقضى له، وإنْ نكل عن الإثبات لم يقض له لاحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه فيما يدعيه.
ثم عن الشيخ أبي محمد أنه كما لو تَحَالفا، لأن المَرْدُودة عليه عن يمين الرِّدِّ نازلة في الدَّعَاوَى منزلة حلف النَّاكِلِ أَوَّلاً، ولو نكل الأول عن اليمين حلف الآخر على النَّفْي والإِثْبات وقَضَى له ولو حلفا على النَّفْي فوجهان:
أصحهما وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه يكفي ذلك، ولا حاجة بعده إلى يمين الإِثبات؛ لأن المُحوْج إلى الفسخ جَهَالة الثَّمَن وقد حصلت.
والثَّاني: أنه تعرض يمين الإِثْبَات عليهما، فإن حلفا تمَّ التَّحالف، وإن نكل أحدهما قضى للحالف، والقول في أنه يقدم يمين النَّفْي أو الإثبات بما ذكرنا على تقدير الاكْتِفَاء بيمين واحدة، ولو عرضت اليَميْنُ عليهما فنكلا جميعاً فيه وجهان للإمام:
أحدهما: أن تَنَاكُلهما كتحالفهما، كما أنه إذا تداعى رجلان مولوداً كان ذلك كتحالفهما.
والثاني: أنه يوقف الأمر وكأنهما تركا الخصومة 425.
قوله في الكتاب في المسألة الأولى: (وقيل: إنه يَبْدَأ بالمشتري وهو مخرج) إنما
الجزء: 4 - الصفحة: 383
ذكر ذلك؛ لأنه مأخوذ من نَصِّه في الصَّدَاق، يجوز إعلام قوله، وقيل في الموضعين بالواو للطريق القاطعة بأن البداية بالبائع.
وقوله: (فالبداءة بالبائع) مُعَلّم بالحاء.
وقوله: (يبدأ بالمشتري) بالألف.
قوله: (يتساويان) بهما.
وقوله: (فيتقدم بالقُرعة أو برأي القاضي) ليس لِلتَّخْيير، وإنما أراد به الوجهين اللَّذَيْن قدمناهما.
وقوله: (ويقدم النَّفي) في المَسْألة الثانية معلّم بالواو.
وقوله: (بل يحلف البائع على النفي) إلى آخره مفرع على أن البداية بالبائع.
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّحَالُفِ فَهُوَ إِنْشَاءُ الفَسْخِ إِذَا اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرّجٌ أنَّهُ يَنْفَسِخُ، ثُمَّ القَاضِي يَفْسَخُ، أَوْ مَنْ (و) أَرَادَ مِنَ المُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل الثالث في حكم التَّحالف وثمرته إذا تحالف المتعاقدان، ففي العقد وجهان:
أحدهما: أنه يَنْفسخ كما يَنْفَسخ النِّكَاح بتحالف المُتَلاَعنين؛ ولأن التَّحَالف يحقق ما قالاه، ولو قال البائع: بعت بألف، فقال المشتري: اشتريت بخمسمائة لم ينعقد، فكذلك هاهنا.
وأصحهما وهو المنصوص: أنه لا ينفسخ؛ لأن البَينة أقوى من اليمين، ولو أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله لا ينفسخ العقد، فباليمين أَوْلى أن لا ينفسخ.
التفريع: إنْ قُلْنَا بالأول فلو تصادقا على أخذ الثمن لم يعد نافذاً، بل لا بد من تجديد عَقْدٍ، وهل يَنْفَسخ في الحال أو نتبين ارتفاعه من أصله؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أولهما لنفوذ تَصَرُّفَات المُشْتري قبل الاختلاف.
ويحكى الثَّاني عن أبي بكر الفارسي.
وإن قلنا بالأصح، فالحُكْم يدعوهما بعد التَّحَالف إلى المُوَافَقَة، فينظر هل يعطى المشتري ما يقوله البائع من الثمن؟ فإنْ فعل أجبر البائع عليه وإلاَّ نظر هل يَقنع البائع بما يقوله المشتري؟ فإنْ فعل فذاك وإلاَّ فيحينئذٍ يحتاج إلى فسخ العقد، وَمَنِ الذي يفسخه؟ فيها وجهان: أحدهما: الحاكم الفسخ بالعُنَّة، لأنه فسخ مجتهد فيه.
وأظهرهما: أن للمتعاقدين أيضاً أنْ يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب.
قال الإمام: وإذا قلنا: الحاكم هو الَّذِي يفسخ فذاك إذا استمرَّا على النّزاع ولم يفسخا أو التمسا الفسخ فأمَّا إذا أعرضنا عن الخُصُومة ولم يتوافقا على شيء ولا فسخا ففيه تردد، ثم إذا فسخ العَقْد ارتفع في الظَّاهر، وهل يرتفع في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا؛ لأن سبب الفَسْخ تعذُّر إمضائه لعدم الوقوف على الثمن، وإنه أمر
الجزء: 4 - الصفحة: 384
يتعلق بالظَّاهر.
والثاني: نعم؛ كالفَسْخِ يتعلّق بالعيب.
والثالث: إنْ كان البائع صَادِقاً فنعم لتعذر وصوله إلى حَقّه كما لو فسخ بإفلاس المشتري، وإن كان كاذباً فلا تمكنه من الوصول إلى ما ثبت له، وهل يجري مثل هذا الخلاف إذا فرعنا على انفساخ العقد بنفس التَّحَالف، أم يجزم بالارتفاع باطناً أيضاً؟
اختلفوا فيه، وإذا قلنا بالارتفاع باطناً ترادّا وتصرف كل واحد منهما فيما عاد إليه، وإن منعناه لم يجز لهما التَّصرف، لكن لو كان البائع صادقاً فقد ظَفَرَ بمال من ظلمه لما استرد المبيع فله بيعه، إما بالحاكم في أحد الوجهين أو بنفسه في أصحهما واستيفاء حقه من ثمنه.
واعلم أَنَّ جميع ما ذكرناه مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون اختلافهما في قدر الثمن، وللإمام عِبَارة نحو هذه الصُّورة، وسائر صور الاخْتِلاَف، وهي أن الفَسْخ إنْ صدر من المحق فالوجه تنفيذه باطناً، وإن صدر من المبطل فالوجه منعه، وإن صدر منهما جميعاً فَلاَ شَكَّ في الانْفِسَاخ باطناً، وليس ذلك موضع الخِلاَف.
قال المصنف في "الوسيط": كما لو تَقَايلا، وإذا صدر من المبطل ولم ينفذه باطناً فطريق الصادق إنشاء الفسخ، وإن أراد الملك فيما عاد إليه، وإِنْ صدر من القاضي فالظَّاهر الانْفِسَاخ باطنًا لينتفع به المحق.
قال الغزالي: ثُمَّ يَرُدُّ عَيْنَ المَبِيعِ عِنْدَ التَّفَاسُخِ إِنْ كَانَ قَائِماً وإِلاَّ فَقِيمَتُهُ عِنْدَ التَّلَفِ اعْتِبَاراً بِقيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَف عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرَ يَوْمُ القَبْضِ، وَلَوْ كَانَ المَبيعُ عَبْدَيْنِ وَتَلَفَ أَحَدُهُمَا ضُمَّ قِيمَةُ التَّالِفِ إِلَى القَائِمِ، وَلَو كَانَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ضُمَّ أَرْشُ العَيْبِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ آَبِقًا أَوْ مُكَاتَبَ أَوْ مَرْهُوناً أَوْ مُكْرى غُرِّمَ القِيْمَةَ، وَإذَا ارْتَفَعتِ المَوَانِعُ فَفِي رَدِّ العَيْنِ وَاسْتِردَادِ القِيمَة خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا انفسخ البيع بالتَّحَالُف أو فسخ، فعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً بحالة.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا" 426 ويسلم له الولد والثّمرة والكسب والمَهْر، وإن كان تالفاً فعليه قيمته، سواء كانت أكثر من الثمن الذي يَدَّعيه البائع أو أقل، وفي القمية المعتبرة وجوه.
وقال الإمام أقوال:
الجزء: 4 - الصفحة: 385
أصحَّها: عند المصنف: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف؛ لأن مورد الفَسْخ العَيْن لو بقيت، والقيمة خلف عنها، فإذا فات الأصل، فحينئذٍ ينظر إليها.
والثَّاني: أنه يعتبر قيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضَمَانه، ثم ما يعرض من زيادة أو نُقْصان فهو في ملكه، ولم يذكر في الكتاب سوى هذين.
والثَّالث: أنه يعتبر أقل القيمتين؛ لأنها إنْ كانت يوم العقد أقل فالزِّيَادة حدثت في ملك المشتري، وإنْ كانت يوم القَبْض أقل فهو يوم دخوله في ضمانه، وقد ذكرنا نَظِيرَ هذه الثَّلاثة في القيمة التي نعتبرها لمعرفة الأَرْش.
والرابع وقد أورده مع الأول في "التهذيب": أنَّ الاعتبار بأقصى القيم من يوم القَبْض إلى يوم التَّلف؛ لأن يده يد ضَمَان فتعتبر أعلى القيم.
قال الشيخ أبو علي: هذا الخلاف ناظر إلى أن العقد يرتفع من أَصْله أو من حينه.
إن قلنا بالأول فالواجب أقصى القيم.
وإن قلنا بالثاني اعتبرنا قيمة يوم التلف.
ولو اشترى عبدين وتلف أحدهما، ثم اختلفا وتحالفا، هل يرد العبد الباقي؟
فيه الخلاف المذكور في مثله، وإذا وجد الباقي معيباً، إن قلنا: يرد، فيضم قيمة التالف إليه، وفي القمية المعتبرة الأوجه، ولعل باحثاً يقول: لم كان الأصح هاهنا غير الأصح في القيمة المعتبرة لمعرفة الأرش؟
والجواب: يجوز أن يكون السَّبَب فيه ما أشار إليه الإمام، وهو أن النظر إلى القيمة ثَمَّ ليس ليغرم ولكن ليعرف منها الأَرْش الَّذي هو جزء من الثَّمن، وكذلك العِوَض فيما إذا تلف أحد العَبْدَين ووجد عيباً بِالبَاقي وجوزنا إفراده بالرَّد، يوزع الثمن على قيمة التَّالِف والباقي، وهاهنا المغرم القيمة فكان النَّظر إلى حالة الإِتلاف أَلْيق، وإن كان المَبِيع قائماً إلاَّ أنه قد تعيب رده مع الأَرْش، وهو قدر ما نقص من القيمة؛ لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فيكون البعض مَضْمُوناً ببعض القِيْمَة، بخلاف ما لو تَعَيَّب المبيع في يد البَائِع وأفضى الأمر إلى الأَرْش يجب جزء مِنَ الثّمن؛ لأن الكل مَضْمُون على البائع بالثمن، فكذلك البعض.
قال الشَّيخ أبو علي: وهذا أصل مُطّرد في المَسَائل أن كل موضع لو تلف الكُلّ كان مضموناً على الشَّخْص بالقيمة، فإذا تلف البَعْض كان مضموناً عليه ببعض القيمة كالمغصوب وغيره، إلاَّ في صورة:
وهي أنه إذا عجل زكاة ماله، ثم تلف ماله قبل الحول وكان ما عجله تالفاً يغرم المسكين القيمة، ولو كان معيباً ففي الأَرْشِ وجهان، وهذه المسألة قد بيناها في
الجزء: 4 - الصفحة: 386
موضعها، وميل الشيخ إلى طرد الأصل فيها.
ثم التلف قد يكون حقيقياً، وقد يكون حكمياً؛ كما لو كان المشتري قد وقف المبيع، أو أعتقه، أو باعه، أو وهبه وأقبضه فتجب القيمة، وهذه التصرفات ماضية على الصِّحة.
وعن أبي بكر الفارسي: أنه يَتَبيّن بجريان التَّحَالف فسادها وتردّ العَيْن.
والتَّعيُّب أيضاً قد يكون حقيقياً، وقد يكون حكمياً، كما لو زوج الجَارِية المبيعة أو العبد المبيع، فعليه ما بين قيمتها مزوجة وخلية، وتعود إلى البائع والنكاح بحاله، وعن الفارسي: أنه يبطل النكاح أيضاً، ومَهْما اختلفا في قدر القيمة.
والأَرْش فالقول قول المشتري؛ لأنه الغارم ولو كان العبد المبيع قد أبق من يد المُشْتَري حين تَحَالفا لم يمتنع الفسخ، لأن الإِبَاق لا يزيد على التَّلف، ويغرم المشتري قيمته لتعذّر الوصول إليه، وكذا لو كاتبه كتابة صحيحة، ولو رهنه فالبائع بالخيار بين أخذ القيمة وبين الصَّبر إلى انفكاك الرهن، ولو أجره فيبني على أن بيع المستأجر هل يجوز؟ إن قلنا: لا، فهو كما لو رهنه.
وإن قلنا: نعم، فللبائع أخذه لكنه يترك عند المستأجر إلى انقضاء المدة، والأجرة المُسَمَّاة للمشتري، وعليه للبائع أجرة المِثْل للمدة الباقية.
وإن كان قد آجره من البائع فله أخذة لا مَحَالَة، وفي انفساخ الإِجَارَة وجهان كما لو باع الدار المُكْرَاة من المُكْتري.
إن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع المُسَمّى للمشْتري، وعلى المشتري أُجْرَة مثل المدة الباقية للبائع، وإذا غَرَمَ القيمة في هذه الصورة، ثم ارتفع السَّبَبَ الحائل وأمكن الرد، هل تسترد القيمة وترد العين؟ يبنى ذلك على أنه قبل ارتفاع الحائل ملك من؟ أما الآبق ففيه وجهان: أحدهما: أنه يبقى للمشتري والفسخ لا يرد على الآبق كالمبيع، وإنما هو وارد على القيمة.
وأصحهما: أنه في إِبَاقِهِ ملك للبائع، والفَسْخ وارد عليه، وإنما وجبت القيمة للحيلولة.
وأما المرهون والمكاتب ففيهما طريقان:
أحدهما: طرد الوجهين.
وأظهرهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: القَطْع ببقاء الملك للمشتري، كما أنَّ المشتري إذا أفلس بالثَّمن والعبد آبق يجوز للبائع الفسخ والرجوع إليه، ولو كان مرهوناً أو مُكَاتباً له ذلك، وأما المكري إذا منعنا بيعه فهو كالمرهون، والمكاتب والآبق؛ لأن حق المكري يتعلّق بمورد البَيْع والفسخ، وهو فيه احتمالان للإمام: فإذا قلنا ببقاء الملك للمشتري فالفَسْخُ وارد على القيمة، كما في صورة التَّلَف فلا رد ولا اسْتِرْدَاد، وإن قلنا بانقلابه إلى البائع، ثبت الرد والاسترداد عند ارتفاع الحيلولة، والله أعلم.
وتختم الباب بفروع:
الجزء: 4 - الصفحة: 387
أحدها: لو اختلف المُتَبَايِعان، ثم حلف كل واحد منهما بعد التحالف أو قبله بحريّة العبد المبيع إن لم يكن الأمر كما قال، فلا يعتق العبد في الحال؛ لأنه ملك المشتري، وهو صادق بزعمه، ثم إن فسخ العقد أو عاد العبد إلى البائع بسبب آخر عتق عليه، لأن المشتري كاذب بزعمه، والعبد قد عتق عليه، فهو كمن أقرَّ بحريّة العبد ثم اشتراه، ولا يعتّق في الباطن إنْ كان البائع كاذباً، ويعتق على المشتري إن كان صادقاً، وولاء هذا العبد موقوف لا يدعيه البائع ولا المشتري.
ولو صدق المشتري البائع حكم يعتقه عليه، ويرد الفسخ إن تفاسخا، كما لورد العبد بعيب، ثم قال: كنت أعتقته يرد الفسخ ويحكم بِعْتِقه، ولو صدق البائع المشتري، نظر إن حلف البائع بالحُرِيّة أوَّلاً ثم المشتري، فإذا صدقه البائع عقب يمينه، ثم عاد العبد إليه لم يعتق؛ لأنه لم يكذب المشتري بعد ما حلف بالحُرِيّة حتى يجعل مقرّاً بعتقه، وإنْ حلف المشتري بحريته أوَّلاً ثم حلف البائع، ثم صدقه عتق إذا عاد إليه، لأن حلفه بعد حلف المشتري تكذيب له وإقرار بالحُرِية عليه.
ولو كانت المَسْألة بحالها لكن المبيع بعض العبد، فإذا عاد إِلَى مِلْك البائع عتق ذلك القدر عليه ولم يقوَّم عليه الباقي؛ لأنه لم يحصل العِتْق بمباشرته، بل بإقرار على غيره، فصار كما لو خلف اثنين وعبداً فقال أحدهما: أعتق أبي هذا العبد وأنكره الآخر، يعتق نصيب المُقر ولا يقوّم عليه الباقي، وهذا الفرع من مولدات ابْن الحَدَّاد -رحمه الله-.
الثاني: إذا جَرَى البيع بين وكيلين واخْتَلَفا، ففي تحالفهما وجهان:
وجه المنع: أن غرض اليمين ليخاف الظالم فيقر، وإقرار الوَكِيل على موكله غير مقبول 427.
الثالث: لو كان المبيع جارية ووطئها المشتري ثم اختلفا وتحالفا، إن كانت ثيباً فلا شيء عليه مع ردّها، وإن كانت بِكْراً ردها مع أَرْش البكارة؛ لأنه نقصان جزء، وإذا ترافع المتنازعان إلى مجلس الحكم، ولم يتحالفا بعد فهل للمشتري وطء الجارية؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لبقاء ملكه، وبعد التحالف وقبل الفسخ وجهان مرتبان، وأولى بالتحريم لإشرافه على الزوال.
الجزء: 4 - الصفحة: 388
الرابع: لو تقايلا المتبايعان، أورد المشتري المبيع بِعَيْبٍ بعد قبض البائع الثمن، واختلفا في قدر الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن العقد قد ارتفع، والمشتري يدعي زيادة، والأصل عدمها 428.
الجزء: 4 - الصفحة: 389