كِتَابُ النِّكَاحِ
(1) وَالنَّظَرُ في خَمْسَةِ أَقْسَام
ِ: (القِسْمُ الأَوَّلُ: في المُقَدِّمَاتِ)
وَهِيَ خَمْسٌ: (الأُولَى) خَصَائِصُ رَسُولِ اللهِ.
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.، وَقَد خُصَّ مِنَ الوَاجِبَاتِ بِالضُّحَى، وَالأَضْحَى (و)، وَالوَتْرِ (ح)، وَالتَّهَجُّدِ (و)، وَالسِّوَاكِ (ح).
قال الرَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ الله-: الأَصْلُ في النِّكَاحِ بَعْدَ إِجْمَاعِ أَهلِ الْمِلَلِ قَوْلُهُ تَعَالَى:1
الجزء: 7 - الصفحة: 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وذهب الشافعية والمالكية وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء.
وذهب الحنفية إلى العكس.
والقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر أولى من الذهاب إلى الاشتراك اللفظي، وذلك لما هو متقرر في كتب الأصول من أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى لأنه أبلغ وأغلب.
والمشترك يخل بالأفهام عند خفاء القرنية عند من لا يجيز حمله على معانيه بخلاف المجاز فإنه عند خفاء القرنية يحمل على الحقيقة.
فكونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر أولى.
ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء وذلك.
أولاً: لكثرة استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنّة حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد.
ولا يرد قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنّة وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بت طلاقها وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فيكون معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ حتى تتزوج ويعقد عليها.
وقد بينت السنّة أنه لا بدّ مع العقد من ذوق العسيلة.
وثانيا: إنه يصح نفي النكاح عن الوطء فيقال هذا الوطء ليس نكاحاً ولو كان النكاح حقيقة في الوطء لما صح نفيه عنه.
وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنا.
فلما كان النكاح عند الحنفية حقيقة في الوطء الشامل للوطء الحلال والحرام قالوا بحرمة موطوءة الأب من الزنا.
ولما كان عند الجمهور حقيقة في العقد قالوا لا تحرم موطوءة الأب من الزنا عرفه الشافعية بقولهم.
عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الأنكاح والتزويج وما اشتق منهما -فقولهم: "عقد" جنس في التعريف.
وقولهم: "يتضمن اباحة وطء" خرج به ما لا يتضمن إباحة الوطء كالإجارة وغيرها.
وقولهم: "بلفظ الإنكاح والتزويج" خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك وعرفه العلامة الدردير رحمه الله في "أقرب المسالك" حيث قال: هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية بصيغة.
فالعقد مصدر عقد أي تمسك وتوثق.
والمراد به هنا أرتباط أحد الكلامين بالآخر أي ارتباط كلام الزوج بكلام ولي الزوجة على وجه يسمى باعتباره عقداً شرعياً يستعقب أحكامه.
وقوله: "عقد" جنس في التعريف يشمل النكاح وغيره من العقرد.
وقوله: "لحل تمنع" الخ.
علة باعثة على العقد، وهو فصل مخرج لكل عقد ليس لذلك، ومنه شراء الأمة للتلذذ بها إذ ليس الأصل فيه حل التمتع بخصوصه بل الانتفاع العام وملك الرقبة وخرج بقوله: "غير محرم ومجوسية وأمة كتابية" المحرم بنسب أو رضاع أو صهر والمجوسيات والأيماء الكتابيات.
فلا يصح العقد على واحدة منهن ولا يقال إن هذا التعريف غير مانع لأنه يدخل فيه الملاعنة والمبتوتة والمعتدة من الغير والمحرمة بحج أو عمرة؛ لأنه قصد بما ذكره إخراج من قام به مانع أصلي، وأما الملاعنة وما عطف عليها فمانعهن عرضي طارئ بعد الحل بخلاف المحرم والمجوسية والأمة الكتابية.
فإن مانعهن ذاتي لا عرضي وقوله: "بصيغة" متعلق بقعد وهو من تمام التعريف لأن الصيغة أحد =
الجزء: 7 - الصفحة: 427
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وقولهُ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ونحو هذا من من الآيات، ومَا رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ: "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا" 2، وَقَالَ- صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلَّمَ-: "النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ = أركان النكاح وقد عرفه الكمال بن الهمام من الحنفية بقوله.
عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصداً فقوله: "عقد" جنس في التعريف يشمل سائر العقود.
وقوله: "ومنع لتملك المتعة بالأنثى" يخرج به العقد على المنافع كالإجارة وعلى الذوات كالبيع والهبة.
والمراد ومنع الشارع لا وضع المتعاقدين.
وقوله: "قصدا" يحترز به عن عقد تملك به المتعة ضمناً كما في البيع والهبة لأن المقصود فيهما ملك الرقبة، ويدخل ملك المتعة فيهما ضمناً إذا لم يوجد ما يمنعه.
وعرفه الحنابلة بأنه: عقد التزويج فهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح.
ينظر الصحاح 1/ 413، لسان العرب 2/ 625، المصباح المنير 2/ 965، القاموس المحيط 1/ 263، معجم مقاييس اللغة 5/ 5، المطلع 318. وينظر تبيين الحقائق 2/ 94، بدائع الصنائع 3/ 1324، مغني المحتاج 3/ 123، منح الجليل 2/ 3، الفواكه الدواني 2/ 21، الكافي 2/ 519، الإنصاف 8/ 4. والحكمة في تشريع النكاح.
إن إرادة الله اقتضت أن يكون النوع الإنساني خليقته في الأرض لإصلاحها ولإقامة الشرائع فيها وهذه الأغراض التي أحبها الله وأحب أن تكون لا يمكن أن تتحقق إلا إذا ثبتت على أسس متينة ودعائم قوية ثابتة ألا وهي النكاح، فإن النسل يمكن أن يوجد بمجرد اجتماع الرجل بالمرأة بأي طريقة كانت.
ولكن مثل هذا النسل لا يمكن أن يكون صالحاً لإِصلاح الأرض وعمارتها فإن النسل الصالح لا يوجد إلا بالنكاح.
أقف إلى ذلك أن النكاح يكسب الرجل أولاداً إذا قام بتعليمهم وتربيتهم كانوا له قرة عين في حياته، وذكراً حسناً بعد وفاته، فالأولاد هم مشقة النفس وزينة الحياة قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإذا مات الرجل فقد خلف من بعده من يحمل اسمه ويدعو له بخير، ولذلك جاء في الخبر "إِذَا مَاتَ ابن آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلَهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَث" وَذَكَرَ مِنْهَا الولد الصالح.
ثُمَّ إن النَكَاحَ هو الوسيلة التي تجمع بين الرجل والمرأة، فيكون ذلك سبباً لاستكمال النقص الذي يوجد عند المرأة، إذْ مَنِ المَقرر في أن المرأة ضعيفة لا يمكن أن تتحمل ما يتحمله الرجل من الأعمال الشاقة، فهي في حاجة إلى رجل يعينها على كسب عيشها ويعمل على صيانتها من التهتك والابتذال، كما أن الرَجُلَ في حاجة إلى امرأة تحمل على صيانة ماله وتدبير أمور منزله وتفرج عنه متاعب الحياة.
ولا يكون ذلك إلاَّ من امرأة تربطه بها صلة النكاح القوية التي سمَّاهَا اللهُ تَعَالى في كتابه العزيز ميثاقاً غليظاً حيث قال ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وزيادة على ذلك فَإِنَّ النكاحَ وسيلةُ إلى ارتباط الأُسَرِ واتِّحَادِها وإزالة ما بينها من أسَباب العداوة والبغضاء، فكم من أسرتين كانت العداوة قائمة بينهما، ثم بفضل الزواج انقلبت تلك العداوة إلى محبة، فالنكاح ليس صلة بين الزوجين فحسب بل هو صلة من الزوجين إلى أسرتيهما ومعارفهما فيكون ذلك حلقة واسعة في اتحاد الأمة ولذلك نجد الله تعالى يمتن على عباده بالزواج فيقول ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ...
الجزء: 7 - الصفحة: 428
سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" 3، ونحوهما من الأَخْبَارِ.
= عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: حجوا تستغنوا، وسافروا تصحوا، وتناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم، والمحمدان ضعيفان، وذكر البيهقي عن الشَّافعي أنه ذكره بلاغاً، وزاد في آخره: حتى بالسقط، وفي الباب عن أبي أمامة أخرجه البيهقي [7/ 87] بلفظ: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى، وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف، وعن أنس صححه ابن حبان بلفظ: تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة، وعن حرملة بن النعمان أخرجه الدارقطني في المؤتلف وابن قانع في الصحابة بلفظ: امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وفي مسند ابن مسعود من علل الدارقطني نحوه، وعن عياض بن غنم أخرجه الحاكم بلفظ: لا تزوجن عاقراً ولا عجوزاً، فإني مكاثر بكم، وإسناده ضيف.
الجزء: 7 - الصفحة: 429
وَفِقْهُ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في الكتابِ مُفْتَتَحَ من "الْمُختَصَرِ" بذكر خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النِّكَاحِ، وأضيف إليه خصائصه في سَائِرِ الأُمُورِ.
وَسَبَبْ تَخْصِيصِ النِّكَاح بذكرها أَنَّ خصائصه في النِّكَاحِ أكثر، وأشهر، ثم هو مُثَنَّى بباب "التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ"، وطَرَفٍ من أحكام النَّظَرِ، الذي هو من مقدِّمات النِّكَاحِ، ثم للنِّكَاح أَرْكَانٌ، لا بُدَّ من اجتماعها، وموانع لاَ بُدَّ من ارتفاعها، ليصحَّ، وإذا صَحَّ، فقد يعرض ما يوجب الخِيَارَ، وقد لا يعرضُ، فَرَتَّبَ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَسَائِلَ الكتاب علَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: فِي قَوَاعِدَ تجري مجرى المقدِّمَات.
وثانيها: في الأرْكَان.
وثالثها: في المَوَانِعِ.
ورابعُها: فِي مُوْجِبَاتِ الْخِيَارِ.
وأما الخامسُ: فهو مَعْقُودٌ لبيان فُصُولٍ تَنْخَرِطُ في الباب سُبِّبَتْ عن الأقسام الأربعة.
القسمْ الأَوَّل: في المقَدِّمَاتِ: منها بَيَانُ خَصَائِصِ رسولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في النِّكَاحِ وغيره.
قال الأَئِمَةُ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهي تتنوع أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ:
أحدها: ما اخْتَصَّ به-صلى الله عليه وسلم- من الواجبات، والحكمة فيه زيادةُ الزُّلْفَى في الدرجات، فلم يتقرَّبِ المتقربُونَ إلى الله بمثل أداء ما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ 4. =وهو من رواه عطاء عن عكرمة عنه، ولم يقع منسوباً، في رواية الطبراني: ابن أبي الخوار وهو موثق.
قاله الحافظ في التلخيص.
الجزء: 7 - الصفحة: 430
فمنها: صَلاَةُ الضُّحَى 5. رُوِيَ عنْ رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قال: "ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ: السِّوَاكُ، وَالْوَتْرُ، وَالأُضْحِيَةُ" 6 وفي "الجُرْجَانِيَّاتِ" لأبي العبَّاسِ الرويَانِيِّ وجهٌ آخَرُ: أنها لم تكن واجبةً عليه.
ومنها: الوِتْرُ والتهجُّد 7.
الجزء: 7 - الصفحة: 431
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] أي: زيِادةً على الفرائض.
وعن عائشةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ، وَهُنَّ لَكُمْ سُنَّةٌ: الْوِتْرْ، والسِّوَاكُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ" 8.
وفي قيام اللَّيل وجْهٌ: آخرُ أنه نُسِخَ وجوبُهُ في حقِّهِ، كما في حقِّ الأُمَّةِ، وهذا ما أورده الشيخُ أبو حامدٍ، وفي الوَتْرِ، أيضاً وجهٌ حكاه أبو العباس الرُّوَيانيُّ: أنه لم يَكُنْ واجباً عليه.
واعلم أن مقْتَضَى الخبرِ الَّذي نقلناه عن رواية عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها-، وكلامِ الأئمةِ هنا أنَّ الوِترَ غيرُ التهجد 9 المأمور به، وذلك يخالِفُ ما مَرَّ في "باب صلاة التَّطَوُّعِ" أنه يُشْبِه أن يكون الوتر هو التهجُّدَ، ويعتضد به الوجه المذكور هناك عن رواية القاضي الرُّويَانيِّ، وكأنَّ التغايُرَ أظْهَرُ.
ومنها: السِّوَاكُ.
كانَ وَاجِباً عَلَيْهِ؛ للخبرِ، وفيه وَجْةٌ آخَرُ: أنه كان مُسْتَحَبّاً 10، كما في حقِّ الأُمَّةِ.
وليعلَم من لفظ الكِتَاب: "الأَضْحَى" "والوِتْر"، و"التهجد"، و"السِّوَاك": أربعتها، بالواو، لما ذكرنا.
الجزء: 7 - الصفحة: 432
ومما عُدَّ من مأموراته: المُشَاورة، كما قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي اْلأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وهَلْ كانَتْ واجبةً، أو مستحبة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أولهما.
وكان يَجِبُ عليه، إذا رأَى منكراً أن ينكر عليه، وُيغَيِّرَهُ؛ لأنّ اللَّهَ تعالى وعده بالعِصْمة، والحفْظ 11. وكان يجبُ عليه مصابَرَةُ العَدُوِّ، وإن كثر عَدَدُهم، والأمة إنما يلزمها الثبات، إذا لم يزدْ عدد الكفار على الضِّعْف.
وكان يجب عليه قضاء دَيْنِ مَنْ ماتَ من المسْلمين مُعْسِراً.
وحكَى الإِمَامُ وجهاً آخرَ: أنه لم يكُنْ واجباً علَيْه، وإنما كان يقضيه تكرُّماً، وهل كان على الأئمة قضاء دَيْنِ المُعْسِرِ من مال المصالح؟ فيه وجهانِ عن رواية الشيخ أبي علي 12. وقيل: كان يجبُ عليه، إذا رأَى شيئاً يعجبه أن يقول:
لَبَّيكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَة.
[و] هذا في غير النِّكاحِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَخْييرِ نِسَائِهِ (و) بَيْنَ اخْتِيَارِ زِينَةِ الدُّنْيَا أَوِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنِ اخْتَارَتْةُ هَلْ يَحْرُمُ طَلاَقُهَا؟ فِيهِ خَلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أمَّا في النِّكَاحِ، فقد أوجب اللَّهُ تعالى عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تخييرَ نِسَائِهِ بيْن مفارقته، واختيار زينة الحياة الدُّنْيَا 13، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
الجزء: 7 - الصفحة: 433
قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} الآيَتَيْنِ [الأحزاب: 28].
والمعنَى فيه أنَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اثَرَ لنفسهِ الفَقْر، والصَّبْر عليه، فأمر بِتَخْيرِهِنَّ؛ كيلا يكون مُكْرِهاً لَهُنَّ على الضَرَ والفقر.
وحكى الحنَّاطِيُّ وجهاً: أن التخييرَ لم يَكنْ واجباً عليه، وإنما كان مندوباً، والمشهورُ الأَوَّلُ.
ثم إِنَّ رسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما خَيَّرَهُنَّ، اخْتَرْنَهُ، والدَّارَ الآخِرَةَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التَّزَوُّجَ عليهن، والتَبَدُّلَ بِهِنَّ؛ مُكَافَأَةً لهن عَلَى حُسْن صَنِيعِهِنَّ، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] ثم نَسَخَ ذلك؛ لتكون المِنَّةِ لرسول الله -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بتركِ التَّزَوُّجِ عليهن، فقال تعالَن: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: 50]، وقالت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عنها-: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ"، تعني: اللاتي حُظِرْنَ عليه.
وعن أبي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه- أنه دام ذلك التحريم، ولم ينسخ، وهل حُرِّمَ علَى رسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَلاَقُهُنَّ 14 بعد ما اخْتَرْنَهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ؛ كما لو رغبت عنه امرأة، حُرِّمَ عليه إمساكُهَا.
والثاني: لا؛ كما لو أرادَ الواحدُ من الأمَّةِ تطليقَ زوجته، لا يُمْنَعُ منه، وإنْ رَغِبَتْ فِيهِ.
قال الإمام -رَحِمَهُ اللَّهُ- وهذا أظهرُ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الوجهين بِالطَّلاف، عَقِيبَ اختيارهن إياه، وقطع أنه لا حجر في الطلاق الْمُنْفَصِلِ عن التَّخْيِيرِ وجوابه.
ولو قُدِّرَ أن واحدةً مِنْهُنَّ اختارتِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، هل كان يحصل الفراقُ بنفس الاختيار؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ؛ كالواحدِ من الأمة، إذا خَيَّرَ زوجته، وَنَوَى تَفْويضَ الطَّلاق إليها، فاختارَتْ نفسها.
= طالبنه من الحلي والثياب بما ليس عنده فتأذى بذلك، فأمر بتخييرهن، وقيل إن ذلك كان بسبب طلب بعضهن منه خاتماً من ذهب، فأعد لها خاتماً من فضة وصفره بالزعفران فتسخطت، رابعها: أن الله امتحنهن بالتخيير ليكون لرسوله خيرة النساء، خامسها: أن سبب نزولها قصة مارية في بيت حفصة، أو قصة العسل الذي شربه في بيت زينب بنت جحش، وهذا يقرب من الثاني.
الجزء: 7 - الصفحة: 434
وأصحُّهما: لاَ؛ لقوله تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] فلو حصل الفراق باختيارها الدنيا، لما كان للتسريح معنى؛ ولأنه تخييرٌ بين زينة الدنيا والآخرة، فلا يحصل الفراق باختيار الدُّنْيَا، كما لو خُيَّرَ الْوَاحِدُ من الأمة زوجته، بَيْنَ الدُّنْيَا والآخرة، فاختارتِ الدُّنْيَا.
وهل يعتبر أن يكون جوابُهُنَّ على الفور؟ فيه وَجْهَانِ مبنيَّانِ على الوجهين في حُصُول الْفِرَاقِ بنَفْس الاختيار.
فإن قلْنا بحصوله، وَجَب أن يَكُونَ على الْفَوْرِ.
وإن قلْنا لا يحصل، جاز فيه التَّرَاخِي.
وهذا ما أورده القاضِي ابنُ كَجٍّ؛ واحتج لهذا الْوَجْهِ بأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما أنزلت آية التخيير، بَدَأ بِعَائِشَةَ -رضي اللهُ عنها -؛ وقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرَاً، فَلاَ تُبَادِرِينِي بالْجَوَابِ؛ حَتَّى تسَتأمري أَبَوَيْكِ" 15.
واعترض الشيخُ أبو حَامِدٍ بِأَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَرَّحَ بِمَدِّ خِيَارِهَا هُنَاكَ، إِلَى مُرَاجَعَةِ اْلأبَوَينِ، والْكَلاَمُ فِي التَّخْييرِ الْمُطْلَقِ.
فإن جعلناه على الْفَوْرِ، فيمتدُّ بامتداد المَجْلِسِ، والمعتبر ما يُعَدُّ جواباً في الْعُرْفِ.
حكى القاضي أبو سعيد الهَرَوِيُّ فيه وجهين، وفي "الْجُرْجَانِيَّاتِ" لأبي الْعَبَّاسِ الرُّوَيانِيِّ، ذَكَرَ وَجْهَيْنِ في أنَّه، هل كان يجوز للنبي -صلي اللَّهُ عليه وسلم- أن يجعل الاختيار إلَيْهِنَّ قبل المشاورة معهن؟ فيه وجهين في أنه، هل كان قَوْلُهَا: اخترت نفسي، تصريحاً بالْفِرَاقِ؟ ووجهين في أنَّه، هل كان يحل له التزوُّج بها بعد الفِرَاقِ؟.
الجزء: 7 - الصفحة: 435
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُحَرَّمَاتُ) فَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَأَكْلُ الثَّوْمِ عَلَى وَجْهٍ، وَالأَكْلُ مُتَّكِئاً عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوْعُ الثَّاني: ما اختصَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- به من الْمُحَرَّمَاتِ، وَهِيَ قِسْمَانِ.
أحدهما: المحرمات من غير النِّكَاحِ، فمنها: الزكاة، ويشاركُهُ في حرمتها أُولُو الْقُرْبَى؛ لكنَّ التحريمَ عليهم بسببه أيضاً، فالخاصيَّة عَائِدَةٌ إليه.
ومنها: الصَّدَقَةُ، على أظهر القولَيْنِ؛ على ما سبق في قسم الصَّدَقَاتِ 16.
ومنها: أَنَّهُ كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهَ وَسَلَّمَ- لا يأْكُل الثومَ، والبَصَل، والكُرَّاثَ 17، وهل كان حَرَاماً عليه؟ فيه وجهان.
أشبههما: لا؛ لكنه كان يمتنع منه كيلا يتأذَّى به الْمَلَكُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 436
رُوِيَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيْهَا بُقُولٌ، فَوَجَدَ لَهَا رِيْحاً، فَقَرَّبَهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي" 18.
ومنها: أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان لا يأكل مُتَّكِئاً 19، وروي عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قَالَ: "أَنَا آكُلُ كَمَا تَأْكُلُ الْعَبِيدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُ الْعَبِيدُ" 20، وهل كان ذلك حراماً عليه أو مكروهاً كما في حَقِّ الأمة؟ فيه وجهان.
أشبههما: الثاني.
ومما عُدَّ من الْمُحَرَّمَاتِ: الخَطّ 21 والشِّعر.
الجزء: 7 - الصفحة: 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الكتابة هو المشهور قال صاحب الخادم يشهد للنقاش ما رواه البخاري في عمرة القضاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح سهيل بن عمرو فكتب علي بن أبي طالب الصحيفة هذا ما قضى عليه محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال سهيل كتب محمد بن عبد الله فقال -صلى الله عليه وسلم- لعلي رضي الله عنه امحه فقال علي لا أمحوك أبداً فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتاب فكتب هذا ما قاضي محمد بن عبد الله وفي هذه الكتابة وجوه:
أحدها: أنه -صلى الله عليه وسلم- كتب وهو لا يعلم ما يكتب فانتظم مراده.
ثانيها: أنه -صلى الله عليه وسلم- أوحى إليه فكتب عن علم بالكتابة.
ثالثها: أنه -صلى الله عليه وسلم- لكثرة كتابة اسمه بين يديه فعلم ذلك وهذا أضعف الأوجه.
رابعها: أنه أمر من كتب ونسب الفعل إليه تجوزاً ولم يبين المصنف هل المراد بالشعر إنشاده أو روايته أو أعم من ذلك قال في الخادم وجعل الماوردي والروياني قول الشعر وتعلمه وروايته سواء في التحريم واكتفى بالكتابة القراءة من الكتاب وقال أيضاً أعني صاحب الخادم ما أطلق في الشعر محله في غير الزجر أما الزجر فقال البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول وهو مبني على قول الأخفش وغيره من الأدباء أنه ليس بشعر ولو كان شعراً لم يقله النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
قال الحافظ: قوله: ومما عد من المحرمات الخط والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمها ممن يقول: إنه كان يحسنهما ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وفي الاستدلال بالآية الأولى على ذلك نظر، واستدل غيره بحديث ابن عمر المخرج في الصحيح بلفظ: إنا أمة أميه لا نكلتب ولا نحسب -الحديث- وقال البغوي في التهذيب: قيل كان بحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله، والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكن وكان يميز بين جيد الشعر ورديه، انتهى وادعى بعضهم أنه صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وأن عدم معرفته كان بسبب المعجزة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فلما نزل القرآن واشتهر الإِسلام وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة وأمن الارتياب في ذلك، عرف حينئذٍ الكتابة، وقد روي ابن أبي شيبة وغيره من طريق مجالد عن عون بن عبد الله عن أبيه قال: ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كتب وقرأ، قال مجالد: فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق، قد سمعت أقواماً يذكرون ذلك، انتهى قال: وليس في الآية ما ينافي ذلك، وروى ابن ماجة وغيره عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، قال: والقدرة على قراءة المكتوب فرع معرفة الكناية، وأجيب باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تقدمة معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أن يكون حذف منه شيء، والتقدير فسألت عن المكتوب فقيل لي هو كذا، ومن حديث محمد بن المهاجر عن يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل ابن الحنظلية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أمر معاوية أن يكتب للأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الملتمس، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيفة فنظر فيها فقال: قد كتب لك بما أمر فيها.
قال يونس ابن ميسرة أحد رواته فيرى، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب بعد ما أنزل عليه، ومن الحجة في ذلك ظاهراً ما أخرجه البخاري في قصة صلح الحديبية من حديث البراء: فأخذ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى=
الجزء: 7 - الصفحة: 438
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48] وقال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا = عليه محمد بن عبد الله -الحديث- وكذا أخرجه الإِسماعيلي في مستخرجه، وقال أبو الخطاب بن دحية: صار بعض الناس إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب، منهم أبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابورى، وأبو الوليد الباجي، وصنف فيه كتاباً، قال: وسبق إلى ذلك عمر بن شبة في كتاب الكتاب له، فإنه قال فيه: كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده يوم الحديبية، وقال أبو بكر بن العربي في سراجه: لما قال أبو الوليد ذلك طعنوا عليه، ورموه بالزندقة، وكان الأمير متثبتاً فأحضرهم للناظرة، فاستظهر الباجي ببعض الحجة، وطعن علي من خالفه، ونسبهم إلى عدم معرفة الأصول، وقال: اكتب إلى العلماء بالآفاق فكتب إلى إفريقية وصقلية وغيرهما، فجاءت الأجوبة بموافقة الباجي، ومحصل ما تواردوا عليه أن معرفته الكتابة بعد أميته لا ينافي المعجزة، بل تكون معجزة أخرى، لأنهم بعد أن تحققوا أميته وعرفوا معجزته بذلك، وعليه تنزل الآية السابقة، صار بعد ذلك يعلم الكتابة بغير تقدم تعليم، فكانت معجزة أخرى، وعليه ينزل حديث البراء انتهى وقد رد أبو محمد بن معور على أبي الوليد الباجي، وبين خطأه في هذه المسألة في تصنيف مفرد، ووقع لأبي محمد الهواري معه قصة في منام رآه، ملخصه: أنه كان يرى مما قال الباجي، فرأى في النوم قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ينشق ويميد ولا يستقر، فاندهش لذلك، وقال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي، ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن واستقر، فلما استيقظ قص الرؤيا على ابن معور فعبرها له كذلك، واستظهر بقوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ الآيات، ومحصل ما أجاب به الباجي عن ظاهر حديث البراء أن القصة واحدة، والكاتب فيها كان علي بن أبي طالب، وقد وقع في رواية أخرى للبخاري من حديث البراء أيضاً بلفظ: لما صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الحديبية.
كتب على بينهم كتاباً،.
فكتب محمد رسول الله، فتحمل الرواية الأولى على أن معنى قوله فكتب، أي فأمر الكاتب، ويدل عليه رواية المسور في الصحيح أيضاً في هذه القصة، ففيها: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، وقد ورد في كثير من الأحاديث في الصحيح وغيره إطلاق لفظ كتب بمعنى أمر، منها حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى قيصر، وحديثه كتب إلى النجاشي وحديثه كتب إلى كسرى، وحديث عبد الله بن عكيم كتب إلينا رسول الله، وغير هذه الأحاديث كلها محمولة على أنه أمر الكاتب، ويشعر بذلك هنا قوله في بعض طرقه: لما امتنع الكاتب أن يمحو لفظ محمد رسول الله، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرني فمحاه فإن ظاهره أنه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: أرني، فكأنه، أراه الموضع الذي أبى أن يمحوه، فمحاه هو -صلى الله عليه وسلم- بيده، ثم ناوله لعلي فكتب بأمره: ابن عبد الله، بدل: رسول الله، وأجاب بعضهم على تقدير حمله على ظاهره، أنه كتب ذلك اليوم غير عالم بالكتابة، ولا بتمييز حروفها، لكنه أخذ القلم بيده فخط به، فإذا هو كتابة ظاهرة على حسب المراد، وذهب إلى هذا القاضي أبو جعفر السمناني، وأجاب بعضهم بأنه ليس في ظاهر الحديث إلا أنه كتب محمد بن عبد الله، وهذا لا يمتنع أن يكتبه الأمي كما يكتب الملوك علامتهم وهم أميون.
وأما الشعر فكان نظمه محرماً عليه باتفاق، لكن فرق البيهقي بي غيره بين الرجز وغيره من البحور، فقالوا يجوز له الرجز دون غيره، وفيه نظر، فإن أكثر على أن الرجز ضرب من الشعر، وإنما ادعى أنه ليس بشعر الأخفش، وأنكره ابن القطّان وغيره، وإنما جرى البيهقي لذلك ثبوت قوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، فإنه من بحور الرجز، ولا حائز أن يكون مما تمثل به كما سيأتي لأن غيره لا يقول: أنا النبي، ويزيل عنه الإِشكال أحد أمرين، إما أنه لم يقصد الشعر =
الجزء: 7 - الصفحة: 439
عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول: إنه -عليه السَّلامُ- كان يحسنهما وقد اختلفوا فيه.
فقيل: كان يحسنهما لكنه كان يمتنع منهما، وااْلأَصَحُ: أنه كان لا يحسنهما.
ومنها: كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- يُحَرَّمُ عليه إذا لبس لأُمَتَهُ 22 أَنْ ينزعها، حتى يَلْقَى العدوَّ، وَيُقَاتِلَ.
= فخرج موزوناً، وقد ادعى ابن القطاع وأقره النووي الإِجماع على أن شرط تسمية السلام شعراً أن يقصد له قائله، وعلى ذلك يحمل ما ورد في القرآن والسنّة، وإما أن يكون القائل الأول قال: أنت النبي لا كذب، فلما تمثل به النبي -صلى الله عليه وسلم- غيره، والأول أولى، هذا كله في إنشائه، ويتأيد ما ذهب إليه البيهقى بما أخرجه ابن سعد بسند صحيح عن معمر عن الزهري قال: لم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً من الشعر قيل قبله، أو يروى عن غيره، إلا هذا، وهذا يعارض ما في الصحيح عن الزهري أيضاً لم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات، زاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: إلا الأبيات التي وإن يرتجز بهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد، وأما إنشاده متمثلاً فجائز، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما أبالي شربت ترياقاً، أو تعلقت بتميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي، أخرجه أبو داود وغيره، فقوله: من قبل نفسي احتراز عما إذا أنشده متمثلاً، وقد وقع في الأحاديث الصحيحة من ذلك، كقوله: أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، متفق عليه من حديث أبي هريرة، وحديث عائشة: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمثل بشعر ابن رواحة، وحديثها: وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استراب الخبر يتمثل بقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، صححه الترمذي، وأخرجه البزار من حديث ابن عباس أيضاً، وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من مرسل الحسن البصري: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإِسلام والشيب ناهياً، فقال له أبو بكر: كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهياً، فأعادها كالأول، فقال: أشهد أنك رسول الله، وما علمناه الشعر وما ينبغي له، فهو مع إرساله فيه ضعف، وهو راويه عن الحسن: علي بن زيد بن جدعان، وأما ما رواه البيهقي في الدلائل: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للعباس بن مرداس: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة، فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال: هما سواء، فإن السهيلي قال في الروض: أنه -صلى الله عليه وسلم- قدم الأقرع، على عيينة، لأن عيينة وقع له أنه ارتد ولم يقع ذلك للأقرع، وروى الحاكم والبيهقي والخطيب من طريق عبد الله بن مالك النحوي مؤدب القاسم بن عبيد الله، عن علي بن عمرو الأنصاري عن ابن عيينة عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: ما جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً: فقال بما تهوى تكن فلقل ما يقال لشيء كان ألا تحقق، قالت عائشة: لم يقل تحققاً، لئلا يعربه فيصير شعراً، قال البيهقي: لم أكتب إلا بهذا الإِسناد، وفيه من يجهل حاله، وقال الخطيب: غريب جداً، والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 440
وعن رواية الشَّيخِ أبي علي أنه كان ذلك مكروهاً لا محرماً، والمشهورُ الأَوَّلُ.
قال في"التهذيب": وقد قيل بناءً عليه إنه كان -عليه السَّلامُ- لا يَبْتَدِئُ تطوعاً إلاَّ لزمه إتمامه 23.
ومنها: قال في "الإِنصاح": كان لا يجوزُ له مَدُّ الْعَيْنِ إِلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية [طه: 131].
ومنها: خَائِنَةُ الأَعْيُنِ، مُحَرَّمَةٌ عليه، قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ" 24 وَفَسَّرُوهَا بالإِيماء إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر = جابر: أنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، وفيه قصة، وأخرجها أصحاب المغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وابن إسحاق عن شيوخه، وأبو الأسود عن عروة، وفيه من الزيادة: لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب واكتفى الناس بالخروج إلى العدو، أن يرجع حتى يقاتل، وله طريق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي [7/ 41] والحاكم [2/ 128 - 129] من حديث ابن عباس.
الجزء: 7 - الصفحة: 441
ويشعر به الحال، وإنما قِيلَ له: خَائِنَةُ الأَعْيُنِ؛ لأنه يشبه الخيانة من حيث إنه يخفى، ولا يحرم ذلك على غيره إلاَّ في مَحْظُورٍ.
واستدل صاحب "التَّلْخِيصِ" بتحريم خائنة الأَعْيُنِ على أنه لم يكن له أن يخدع في الحرب، وخالفه المعظم لما اشتهر أنه كان إذا أراد سفراً وَرَى بغَيْرِهِ 25.
وفي "الْجُرْجَانِيَّاتِ" ذَكَرَ وَجْهَيْنِ في أَنَّهُ هل كان يجوز له أن يصلي على من عليه دَيْنٌ؟.
وطريقين في أنه هَلْ يَجُوزُ له أَن يَصَلِّي مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ 26. قال: ولم يكن له = أخاه من الرضاعة، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأنصاري: هلا وفيت بنذرك، قال: يا رسول الله استنظرتك فلم تومض لي، فقال: الإِيماء خيانة، وليس لنبي أن يومي (فائدة) حكى سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، أن الأنصاري عباد بن بشر.
قوله: وقيل بناءً عليه إنه كان لا يبتدي متطوعاً إلا لزمه إتمامه، قلت: لم أرَ لهذا دليلاً إلا إن يؤخذ من حديث صلاته الركعتين بعد العصر، وقول عائشة: كان إذا عمل عملاً أثبته، وفي الاستدلال بذلك نظر قاله الحافظ.
الجزء: 7 - الصفحة: 442
أن يَمُنَّ ليستكثر، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أي لا تعط شيئاً، فتأخذ أكْثَرَ منه.
قال الْمُفَسِّرُونَ: وهذا خاصة للنَّبِيِّ -صَلَّىَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ، وَنِكَاحُ الحُرَّةِ الكِتَابِيَّةِ وَالأَمَةِ عَلَى وَجْهٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: المُحَرَّمَات المتعلقة بالنِّكَاحِ.
فمنها: إمساك من كَرَهَتْ نِكَاحَهُ، ورغبت عنه، واستشهد له بأن النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نكح امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ، فَلُقِّنَت أَن تقول لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَعُوَذُ باللَّهِ مِنْكَ.
وقيل لها: إِنَّ هذا كَلاَمٌ يُعْجِبُهُ، فلما قَالَتْ ذلك، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَقَدِ اسْتَعَذْتِ، بِمُعَاذٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ " 27.
ومنها: هل كان يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ؟ فيه وَجْهَانِ: = الدين أصلها المال، ثم نسخ التأديب بالمال وما تفرع عنه.
الجزء: 7 - الصفحة: 443
أَحَدُهُمَا: ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ-: نَعَمْ، كالأَمَةِ، وكما كان يحل له ذَبَائِحُ أهل الكتاب.
وأصحهما: المنع، وبه قال ابن سُرَيجٍ والقاضي أبو حامدٍ والإِصْطَخْرِي؛ رحمهم الله تعالى لأنها تكره صحبته؛ ولأنه أَشْرَفُ من أن يضع ماءه في رحمهما، وهي كَافِرَةٌ؛ ولأنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "زَوْجَاتِي فِي الدُّنْيَا، زَوْجَاتِي فِي الآخِرَةِ" 28، والجنة مُحَرَّمَةٌ على الكافرين، لكن القائل الأول قال: لو نكح كتابية لهديت إلى الإِسلام كرامة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ويجري الوجهان في التَّسَرِّي باْلأَمَةِ الكتابية.
وهل كان يحل له نكاح الأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: وَيُحْكَى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ-: نعم، كما يحل للأمة، والنكاح أوسع عليه من الأمة.
وأصحهما: المنع، وقد قطع به قاطعون.
ووجه المنع بأن نكاح الأمة 29 هنا مَشْرُوطٌ بالخوف من العَنَتِ، والنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَعْصُومٌ، وبفقدان طول الحرة ونكاحه -صلى الله عليه وسلم- مستغن عن المهر ابتداءً وانتهاءً، ولأن من نكح أَمَةً كان ولده منها رقيقاً، ومنصب النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَنزَّهٌ عن مثل ذلك.
لكن من جَوَّزَ له نكاح الأَمَةِ قال: خَوفُ الْعَنَتِ، إنما يشترط في حَقِّ الأَمَةِ، وفي اشتراط فقدان الطُّولِ تَرَدَّدَ عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وغيره.
وأما رق الولد ففي التزامه وَجْهٌ مُستَبعَدٌ، والصحيحُ أنه لو نكح أُمَةً كان لا يرق ولده منها 30، وإن قلنا بجريان الرِّقِّ على العرب، وفيه قولان يذكران في موضعهما.
وعلى هذا فعن أبي عَاصِمٍ العبادِيِّ: أن عليه الْقِيْمَةَ رِعَايةً لحق المولى.
الجزء: 7 - الصفحة: 444
وعن القاضي حُسَيْن: أنه لا يلزمه قيمة الْوَلَدِ بخلاف ولد المغرور؛ لأن هناك فات الرِّقُّ عليه، وهاهنا لا يمكن تقدير الرق ويوافق هذا ما حكاه الإِمَامِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنه لو قدر نكاح غرور في حق النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يَلْزَمْهُ قيمة الْوَلَدِ؛ لأنه مع العلم بالحال لا ينعقد رقيقاً، ولا ينتهض الظَّنُّ دافعاً للرق، وَطَرَدَ الحناطيُّ الوجهين: في أنه هل كان يحل له نِكَاحُ الأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ؟.
وأما وَطْؤُهَا بملك اليمين، فأظهر الوجهين: حِلَّهُ، وبه أجاب الشَّيْخُ أبو حامدٍ.
وقوله في الكتاب: "وإمساك من كَرهَتُ نِكَاحَهُ، ونكاح الحرة الكتابية والأمة، على وجه" لم يردْ به عود الوجه إلى المسائل الثلاث، وإنما أراد الخلاف في المسألتين الأخيرتين، لكن يمكن رده إلى المسألة الأولى أيضاً؛ لأن في شرح الجويني ذُكِرَ وَجْهٌ غَرِيْبٌ أنه كان لا يحرم عليه إمساك من كَرِهَتْ نكاحه، وإنما يفارقها يكَرُّمَاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا التَّخْفِيفَاتُ) فَقَدْ أُحِلَّ لَهُ الوِصَالُ وَصَفِيَّةُ المَغْنَمِ، وَالاسْتِبْدَادُ بِالخُمْسِ، وَدُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْر إحْرَامٍ، وَجَعْلُ مِيرَاثِهِ صَدَقَةً.
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثالث: التخفيفات والمباحات، وما أبيح له دون غيره قسمان أيضاً:
أحدهما: القسم الأول: ما يتعلق بغير النكاح، فمنه الوِصَالُ في الصَّومِ فهو مُبَاحٌ 31 للنبي -صلى الله عليه وسلم- مَكرُوهٌ للأمة على ما مَرَّ في الصَّوْم".
ومنه: اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها 32، ويقال:
الجزء: 7 - الصفحة: 445
لذلك الْمُخْتَارُ: الصفِيُّ والصَّفِيَّةُ، والجمع: الصَّفَايَا.
ومن صفاياه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ، اصطفاها، وأعتقها، وتزوجها، وَذُو الفَقَار.
ومنه خمس خمس من الفيء والغنيمة، كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والاستبدادُ 33 بأَرْبَعَةِ الأخماس من الفيء كانت له -أيضاً- على ما ذكرنا من"قسم الفيء والغنيمة".
ومنه: دُخُولُ مَكَّةَ بغير إحْرَامٍ، كان مباحاً له، نقله صَاحِب "التَّلْخِيصِ" وغيره، وفي حقِّ الأَمَةِ خِلاَفٌ مذكور في "الحج"
ومنه: أنَّ ماله لا يورث روي عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نوْرَثُ " 34. ثم حكى الإِمامُ وجهين:
أحدهما: أن ما تركه بَاقٍ على ملكه ينفق منه على أهله، كما كان ينفق منه في = قال: فاصطفاها لنفسه، ومن طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس كانت صفية في السبي فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن طريق عبد العزيز بن صهيب في قصة خيبر، وأخذ دحية صفية، فجاء رجل، فذكر الحديث، فدعاها فقال لدحية: خذ جارية من السبي غيرها، وفي مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه اشتراها من دحية بسبعة رؤوس، وقال النووي في شرحه: يحمل على أنه اصطفاها لنفسه بعد ما صارت لدحية، جمعاً بين الأحاديث والله أعلم، وقال المنذري: والأولى أن يقال: كانت صفية فيئاً لأنها كانت زوج كنانة بن الربيع، وكانوا صالحوا رسول الله وشرط عليهم أن لا يكتموه عنا، فإن كتموه فلا ذمة لهم، ثم غير عليهم فاستباحهم وسباهم، ذكر ذلك أبو عبيد وغيره، قال: وصفية ممن سبي من نساءهم بلا شك، وممن دخل أولاً في صلحهم، فقد صارت فيئاً لا يخمس، وللإِمام وضعه حيث أراه الله، وأما ذو الفقار فرواه أحمد والترمذي [1561] وابن ماجة [2808] رواه أحمد [2445] والطبراني [10733] والحاكم [3/ 39] من حديث ابن عباس: أنه -صلى الله عليه وسلم- تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وفي الطبراني عن ابن عباس: أن الحجاج بن عكاظ أهدى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا الفقار، إسناده ضعيف، واعترض على الرافعي هنا بأنه يرى أن غنيمة بدر كانت كلها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسمها برأيه، فكيف يلتئم مع قوله: إن ذا الفقار كان من صفاياه، والكلام في الصفي إنما هو بعد فرض الخمس، وعلى هذا فيحمل قول ابن عباس تنفل بمعنى أنه آخره لنفسه ولم يحطه أحداً.
الجزء: 7 - الصفحة: 446
حياته.
قال: وهذا هو الصَّحِيحُ.
والثاني: أن ما خلفه سبيله سبيل الصدقات؛ لما رُويَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" وهذا ما أورده أبو العبَّاسِ الرُّوْيانِيُّ في "الْجُرْجَانِيَّاتِ"، ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفاً على ورثته؟ ووجهين لو صار وقفاً من أنه هل هو الواقف بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا تَرَكْنَاهُ صُدَقَةٌ"، ويجوز أن يعلم في الكتاب بالواو، لما ذكرنا 35.
قوله في الكتاب: "وجعل ميراثه صدقة"، ثم صاحب الكتاب جعل هذه الخَصْلَةَ من جملة التخفيفات، وكان المعنى فيه أنْ جعله صدقة لا يورث زيادة للقربة 36، ورفعة للدرجات 37. والأكثرون عدوها من الكرامات وهي من النوع الرابع من خصائصه -صلى اللهِ عليه وسلم-[لا] مما اختص به من التخفيفات.
وكان له أن يقضي بعلم نفسه 38، وفي غيره قولان مشهوران، وأن يحكم لنفسه ولولده 39، وأن يشهد لنفسه ولولده 40، وأن يقبل شهادة من يشهد له.
ونقل أبو العبَّاسِ الرُّويَانِيُّ في حكمه لنفسه ولولده وجهين.
وكان له أن يحمي لنفسه 41، والأئمة بعده لا يحمون لأنفسهم، كما سبق في "إحياء الْمَوَاتِ"، وأن يأخذ الطعام والشراب من المالك، وإن احتاج إليهما 42، وعليه البذلُ، ويفدي بمهجته مهجة رسول الله -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأنَّ رسول الله -
الجزء: 7 - الصفحة: 447
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وكان لا ينتقض وُضُوءَهُ بالنَّومِ 43.
وذكر أبو العباس فيه وجهاً آخَرَ غريباً، وكذلك حكى وجهين في انتقاض وضوئه باللمس 44، وفيما حكى صاحب "التلخيص" أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جُنُباً، لم يسلمه القَفَّالُ، وقال: لا أخاله صحيحاً 45، وأنه كان يجوز له القتل
الجزء: 7 - الصفحة: 448
بعد الأمان 46، وخطئوه فيه.
وقالوا: من يحرم عليه خائنة الأعْيُنِ كيف يجوز له قَتْلُ من أَمَّنَهُ؟!.
وأنه كان يجوز له لَعْنُ من شاء من غير سَبَبٍ يقتضيه؛ لأن لعنته رحمة، واستبعده الأئمةُ أيضاً.
نعم روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عنِ النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ- قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أنَا لَبَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُةُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ، فاجْعَلِهَا لَهُ صَلاَة، وَزِكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 47.
فمن شتمه، أو لعنه جعل ذلك قربة له بدعائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا قَرِيبٌ من جعل الْحُدُودَ كفارات لأهلها 48، واللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: والزِّيَّادَةُ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَفِي الزِّيَّادَةِ عَلَى التِّسْعِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي في انْحِصَارِ طَلاَقِهِ فِي الثَّلاَثِ، وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ بِلَفْظِ الهِبَةِ وَبِغَيْرِ مَهْرٍ، وَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى امْرَأَةٍ فَرَغِبَ فِيهَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ طَلاَقُهَا لِيَنْكِحَهَا، وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِهِ بَغَيْرِ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَفِي الإِحْرَامِ خِلاَفٌ (و)، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَسْمُ فِي زَوْجَاتِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني من التخفيفات مما يتعلق بالنكاح:
فمنه: الزيادة على أَرْبَعِ نِسْوَهٍ: = والطبراني من حديث أم سلمة مرفوعاً: إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض، وأخرجه البيهقي بلفظ: إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء، وجنب من الرجال إلا على محمد وأهل بيته.
الجزء: 7 - الصفحة: 449
مات رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عن تسع 49 وهل كان له الزيادةُ على تسع 50؟ فيه وجهانِ:
الجزء: 7 - الصفحة: 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن وقرر الأحكام بذلك وترك من بعده أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال ومما سنذكره من الحكمة الخاصة والعامة بتعدد زوجات الرسول يتبين أنه لم يكن يريد بالتعدد ما أراده الملوك والأمراء من التمتع بالهلال والجري وراء الشهوة ولو كان يريد ذلك لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات كما قال لمن اختار ثيباً "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك".
"الحكمة في اختيار كل زوجة من أمهات المؤمنين"
السيدة خديجة: تزوجه لها جاء على مقتضى الفطرة فالحكمة في اختيارها ظاهرة.
السيدة سودة بنت زمعة: تزوجها الرسول بعد وفاة السيدة خديجة والحكمة في اختيارها أن زوجها توفي بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية وكانت رضي الله عنها من المؤمنات المهاجرات الهاجرات لأهلهن خوف الفتنة ولو عادت لأهلها بعد وفاة زوجها "وكان ابن عمها" لعذبوها وقتنوها فكفلها -صلى الله عليه وسلم- وكافأها بهذه المنة العظيمة.
السيدة عائشة تزوجها بعد شهر من زواجه بالسيدة سودة والحكمة في اختيارها هي إكرام صاحبه ووزيره ورفيقه في الجنة أبي بكر الصديق وإقراره عينه بهذا السرور العظيم.
السيدة حفصة: وتزوجها الرسول بعد وفاة زوجها جنيث بن حذافة ببدر والحكمة في اختيارها كالحكمة في اختياره للسيدة عائشة وهي إكرام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنزلته في الإِسلام غير خافية والذي بلغه مرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلقها فحشى التراب على رأسه وقال: "ما يعبأ اللهَ بعمر وابنته بعدها".
السيدة زينب بنت جحش: تزوجها بعد طلاق زيد إياها والحكمة في اختيارها تعلو كل حكمة وهي إبطال تلك.
البدع الجاهلية التي كانت لاحقة ببدعة التبني كتحريم التزوج بزوجة المتبني بعدة وغير ذلك.
السيدة زينب بنت خزيمة: كانت متزوجة بعبد الله بن جحش الذي قتل في واقعة أحد والحكمة في تزوجها أن هذه المرأة كانت من فضليات النساء في الجاهلية حتى كانوا يدعونها أم المساكين ليرهابهم وعنايته بنسائهم فكافاهأ -صلى الله عليه وسلم- على فضائلها بعد مصابها في زوجها بذلك فلم يدعها أرملة تقاسي الذل الذي كانت تجير منه الناس وقد ماتت في حياته -صلى الله عليه وسلم-.
السيدة أم سلمة: واسمها هند وهي زوج أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ابن عمة الرسول "برة بنت عبد المطلب" وأخوه من الرضاعة وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى الحبشة.
مات أبو سلمة ومعها أربع بنات هن برة وسلمة وعمرة ودرة فآواها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن اعتذرت إليه وقالت إني امرأة مسنة وأم أيتام وأني شديدة الغيرة فأجابها على لسان رسوله بقوله: "الأيتام أضمهم إليّ وأدعو الله أن يذهب عن قلبك المغيرة ولم يعبأ بالسن.
بل كانت تلك المزهرات والعقبات من أقوى الدواعي للإِسراع في طلبها عطفاً عليها ورحمة ببناتها وصلة لرحمها ومعرفة بحق أخيه من الرضاعة وإيواءه الصفار من بعده.
السيدة أم حبيبة: وهي رحلة بنت أبي سفيان بن حرب نبذت دين أبيها وأمها وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية فولدت له حبيبة وبها تكنى فتنصر زوجها هناك.
أما هي فقد ثبتت على الإِسلام فانظر إلى اسلام امرأة يكافح أبوها النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتنصر زوجها =
الجزء: 7 - الصفحة: 451
أحدهما: لا؛ لأن الأَصْلَ استواء النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة في الحكم إلاَّ أنه ثبت جواز الزيادة إلى تِسْعٍ، فيقتصر عليه.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه مَأَمُونٌ الجور، وقطع بعضهم بهذا الوجه وفي انحصار طلاقه في الثلاث وجهان، كالوجهين في انحصار عدد زوجاته، ورأى صاحب "التَّهْذِيبِ" الصَّحِيْحُ الانحصار كما في حَقِّ الأمَةِ.
= وهي معه في هجرة معروف سببها أمن الحكمة أن تضيع هذه المؤمنة الموقتة بين فتنتين أم من الحكمة أن يكفلها من تصلح له وهو أصلح لها.
السيدة صفية: وهي بنت حي بن أخطب سيد بن النضير وقد قتل أبوها مع بني قريظة وقتل زوجها يوم خيبر وكان أخذها دحية الكلبي من سبي خيبر.
فقال الصحابة يا رسول الله "إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك" فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بأن تكون أسيرة عند من تراه دونها واصطفاها وأعتقها وتزوجها.
السيدة جويرية: وهي برة بنت الحارث سيد قومه بني المصطلق والحكمة في تزوجها هي أن المسلمين أسروا من قومها مائتي بيت بالنساء والذراري فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يعتق المسلمون هؤلاء الأسرى فتزوج بسيدتهم فقال الصحابة عليهم الرضوان "أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم" فأسلم بني المصطلق لذلك أجمعون وصاروا عوناً للمسلمين بعد أن كانوا محاربين لهم وعوناً عليهم وكان لذلك أثر حسن في سائر العرب.
السيدة ميمونة: واسمها برة فسماها -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهي بنت الحارث الهلالية والذي زوجها له عمه العباسي رضي الله تعالى عنه وكانت جعلت أمرها إليه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد ولعل الحكمة في تزوجه بها تشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم.
"الحكمة الإجمالية في استكثاره -صلى الله عليه وسلم- من النساء"
ذكر العلماء في الحكمة الإِجمالية لتعدد زوجات الرسول عشرة أوجه.
أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر وغير ذلك.
لتتشرف به قبائل العراب بمصاهرته فيهم.
للزيادة في تآلفهم.
للزيادة في التكليف حيث كلف ألا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.
لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه.
نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.
الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه والسيدة صفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرت منه بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن.
خرق العادة له عليه السلام في كثرة الجماع مع التقليل في المأكل والمشرب وكثرة الصيام وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه عليه السلام.
تحصينهن والقيام بحقوقهن.
الجزء: 7 - الصفحة: 452
ومنه في انعقاد نكاحه بلفظ الهبة 51 وجهان:
أحدهما: المنع، كما في حَقِّ الأَمَةِ.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: الانعقاد؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: 50].
وعلى هذا لا يجب الْمَهْرُ بالعقد، ولا بالدخول كما هو قضية الهبة، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ النِّكَاحِ من جِهَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ في وجه: لا يشترط كما لا يشترط من جهة الواهبة.
وفي وجه: يشترط لظاهر لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْتَنْكَحَهَا﴾ [الأحزاب:50]، وهذا أرجح عند الشيخ أبي حَامِدٍ، هذا في انعقاده بلفظ الهبة.
قال الأَصْحَابُ: وينعقد نكاحه بمعنى الهبة؛ حتى لا يجب المهر ابتداءٍ ولا انتهاءً.
وفي "المجرد" للحَنَّاطيِّ وغيره وجه غريب أنه يجب المهر، وخاصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الانعقاد بُلفظ الهبة 52.
ومنه: إذا رغب النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- في نكاح امرأة فإن كانت خَلِيَّةً فعليها الإِجَابَةُ، ويحرمُ على غيره خِطْبَتِهَا، وفيه وَجْهُ، نقله القاضي ابن كَجٍّ.
وإن كانت ذات زَوْجٍ، وجب على الزوج طلاقها؛ لينكحها وفي شرح "الجويني" وجةٌ: أنه لا يجب، وهو كوجه القاضي ابنِ كَجٍّ في الْخَلِيَّةِ واسْتَثْهَدَ صَاحِبُ "الْكِتَابِ" في "الْوَسِيطِ" على وجوب التطليق على الزوج بِقِصَّةِ زَيْدٍ -رضي
الجزء: 7 - الصفحة: 453
اللَّهُ عنه 53 - قال، ولعل السِّرَ فيه من جانب الزَّوْجِ امتحان إيْمَانِهِ بتكليفه النُّزُولَ عن أَهْلِهِ، ومن جانب النَّبِيِّ -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابتلاؤه ببلية التَّسْرِيَةِ، ومنعه من خَائِنَةِ الأَعْيُنِ، ومن الإِضمار الذي يخالف الإِظْهَارَ، ولا شَيءَ أَدْعَى إلى غَضِّ البصر من هذا التكليف.
قال: وهذا مما أورد في التخفيفات، وعندي أنه غَايَةُ التَّشْدِيدِ؛ إذ لو كلف بهذا آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرق.
ومنه: في انعقاد نكاحه بغير وَلِيٍّ ولا شهود وَجْهَانِ:
وَجْهُ الْمَنْعِ عموم قوله -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 54.
وأصحهما: الانعقاد؛ لأن اعتبار الولي المحافظة على الكَفَاءَة، ولا شك أنه فوق الأكفاء، واعتبار الشهود للأمن من الجحود، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يجحد، ولو جَحَدَتْ هي لم يلتفت إلى قولها على خلاف قوله.
ومنه: في انعقاد نكاحه في الإِحرام وجهان:
في وجه: ينعقد لما رُوِيَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نكح مَيْمُونَةَ محرماً" 55.
وفي وَجهٍ: لا، كما لا يحل له الوطء في الإِحرام، وَنِكَاحُ مَيْمُونَةَ في أكثر الروايات جَرَى، وهو حَلاَلٌ.
وكلام النَّقَلَةِ بترجيح الأول أشبه.
ومنه: في وجوب القسم عليه في زوجاته وجهان:
أحدهما: وبه قال الإِصْطَخْرِيُّ -لا يجب لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51] الآية.
والآخر: أنه يجب؛ لأنه كان يُطَافُ به في المرض على نسائه، وكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "هَذَا فَسَمِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ" 56.
الجزء: 7 - الصفحة: 454
والأول: هو المذكور في الكتاب، لَكِنَّ الثَّانِي أصبح عند الشيخ أبي حَامِدٍ والعراقيين، وتابعهم صاحب "التَّهْذِيبِ"، وحملوا قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51] على إباحة التَّبَدُّلِ بِهِنَّ بعد التحريم.
وأكثر هذه المسائل، وأخواتها يتخرج على أصل اختلف فيه الأصحاب، وهو أنَّ النِّكَاحَ في حَقِّهِ هل هو كالتُّسَرِّي في حقنا؟.
إنْ قُلْنَا: نَعَمْ، لم يَنْحصِرْ عدد منكوحاته ولا طلاقه، وانعقد نكاحه بلفظ الهبة.
ومعناها: بغير ولي، وشهود وفي الإِحرام.
ولم يجب عليه الْقَسَمُ، وإلاَّ انعكس الحكمُ، ويجوز أن يعلم لفظ الخلاف من قوله: "وفي الزيادة على التِّسْعِ خلاف"، بالواو لقطع من قطع بالجواز.
وأن يعلم قوله: "وينعقد نكاحه بلفظ الهبة، وبغير الْمَهْرِ" بالواو.
وكذا قوله: "وجب على الزوج طلاقها".
وقوله: "ولم يجب عليه القسم في زوجاته".
هذا شَرْحُ ما في الكتاب من الْمَسَائِلِ.
ومما يدخل في هذا القسم، أنه كان يجوز للنَّبِيِّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- تزويج الْمَرْأَةِ مِمَّنْ شاء بغير إذنها وإذن وليها، ويزوجها من نفسه، ويتولى الطرفين بغير إذنها وإذن وليها.
قال الحنَّاطِيُّ رحمه الله: ويحتمل أن يُقَالَ: لا يجوز إلاَّ بإذنها، وكان يحل له نكاح الْمُعْتَدَّةِ في أحد الوجهين 57.
وهل كان يلزمه نفقات زوجاته؟.
فيه وجهان 58: بناءً على الخلاف المهر.
وكانت المرأة تحل له بتزويج الله تعالى، قال الله تعالى في قِصَّةِ زَيْنَبَ -رضي اللَّهُ عنها-: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، وقيل: إنه نكحها بنفسه وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي: أحللنا لك نكاحها.
وأعتق النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَفِيَّةَ -رضي الله عنها- ونكحها، وجعل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا 59، فمن الأصحاب من قال: أعتقها على شرط أن ينكحها، فلزمها الوفاء بخلاف ما في حقِّ الأَمَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 455
وقيل: جعل نفس العتق صداقاً، وجاز له ذلك بخلاف ما في حق الأَمَةِ 60.
ورأيت بخط بعض الْمُصَنِّفِينَ عن أبي الحسين بن الْقَطَّانِ [في] أنه هل كان يجوز له الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، بناءً على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب، وأنه كان لا يَجُوزُ له الجمع الأختين، لأن خطاب اللَّهُ -جل اسْمُهُ- يدخل فيه النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأمته وذكر الحنَّاطِيُّ وجهاً بعيداً في الجمع بين الأُخْتَينِ أيضاً، وكذا في الجمع بين الأُمِّ وَابْنَتِهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَنِسَاؤُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِه لأَنَّهُنَ أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِينَ، وَمُطَلَّقَةُ المَدْخُولُ بِهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَغَيْرُ المَدْخُولِ بِهَا مُحَلَّلَةٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: النَّوْعُ الرَّابعُ مما اختصِ به رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الفضائل والكرامات.
فمن خصائصه في النِّكَاح أنَّ زوجاته اللاتي تَوَفَّى عَنْهُن في النِّكاحِ مُحَرَّمَاتٌ على غيره أبداً، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53].
وفي التي فارقها في حياته كالتي وجد بكشحها بَيَاضاً فَرَدَّهَا 61 وَكَالْمُسْتَعِيْذَةِ ثلاثة أَوْجُهٍ:
الجزء: 7 - الصفحة: 456
أَحَدُهَا: أنها محرمة أيضاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] ويحكى هذا عن نَصِّهِ في "أحكام القرآن"، وبه قال ابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
والثاني: لا تحرم لإِعراض النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عنها، وانقطاع الاعتناء بها.
والثَّالِثُ: وَبِهِ قال الشيخ أَبو حَامِدٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ أنه الصحيح 62: إِنْ كانت مَدْخُولاً بها حُرِّمَتْ، وإلاَّ فلا؛ لما روي في الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عُمَرَ -رضي اللَّهُ عنه-، فَهَمَّ برجمهما، فَأُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فارقها قبل أن يَمَسَّهَا فخلاهما.
وهذه الأوجه في غير المُخَيَّرَاتِ، وأما المخيرات لو قدر اختيار بعضهن زينة الدنيا ففارقها، فهل يحل للأزواج؟ طَرَدَ أصحابنا العراقيون فيه الأوجه الثَّلاَثَةَ.
وقال أبو يَعْقُوبَ الأيبوردي وآخرون: نحل لا محالة، والاَّ لم يتمكن من غرضها من زينة الدنيا، ولما كان للتخيير معنى، وبهذا أخذ الإِمَامُ وصاحب الكتاب رحمهما الله.
وإذا قلنا بتحريم من فارقها، ففي أَمَتِهِ الموطوءة إذا فارقها بالموت، أو غيره وجهان:
ومنها: أن زوجاته أمهات المؤمنين سواء فيه من ماتت تحت النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي تحته، وذلك في تحريم نِّكَاحِهِنَّ ووجوب احترامهن، وطاعتهن، لا في النظر إليهن والخُلْوَةِ والمسافرة بهن، ولا يقال: لِبَنَاتِهِنَّ: إنهن أخوات المؤمنين؛ ألا ترى أنهن لا يحرمن على المؤمنين.
وكذلك لا يُقَالُ لآبائهن وأمهاتهن: أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا لإِخواتهن وأخواتهن: أخوال المؤمنين وخالاتهم، وحكى أَبُو الْفَرَجِ الزاز وجهاً: أنه يطلق اسم الأخوة على بَنَاتِهِنَّ، واسم الخئولة على إخوَانِهِنَّ وأخواتهن، لثبوت حُرْمَةِ اْلأُمُومَةِ لهن، وهذا كما أن المسلمات كلهن أخوات أحد المسلمين بالإِسلام، وذلك لا يوجب تحريم = فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: لقد هممت بأن أحرق عليهما، فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب.
فسكن، وروى البيهقي بإسناده إلى الزهري قال: بلغنا أن العالية بنت ظبيان التي طلقها تزوجت قبل أن يحرم الله نساءه، فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم، قوله: ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخواتهن خالات المؤمنين، قلت: فيه أثر عن عائشة قالت: أنا أم رجالكم، ولست أم نسائكم، أخرجه البيهقي، قوله: وأما غيرهن فيجوز أن يسألن مشافهة بخلافهن، قلت: إن كان المراد السؤال عن العلم فمردود، فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسألون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة، أو لعله أراد بقوله مشافهة مواجهة فيتجه، والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 457
النكاح، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" 63. ومنها: تفضيل زوجاته على سائر النساء 64، وجعل ثوابهن وعقابهن على الضِّعْفِ، قال في "التهذيب": ولا يَحِلُّ لأحد أن يسألهن شيئاً إلاَّ من وراء حجاب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] [الآية] وأما غَيْرهُنَّ، فيجوز أن يُسْأَلْنَ مُشَافَهَةً 65. ومن فضائله وخصائصه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غير النكاح أنه خاتم النبيين -صَلَوَاتُ اللهِ عليه- وَأُمَّتُهُ خَيْرُ الاُمَم، وأن شريعته نَسَخَتِ الشَّرَائِعَ وجعلت مؤبدة وجعل كتابه معجزاً بخلاف كتب سائر الأَنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وحفظ عن التحريف والتبديل، وأُقيم بعده حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء صلوات الله عليهم انْقَرَضَتْ بانْقِرَاضِهِمْ، وَنُصِرَ بالرُّعْبِ على مسيرة الشهر، وَجُعِلَتْ له الأَرْضُ مسجداً، وَتُرَابُهَا طَهُوراً، وأحلت له الغنائم 66، ويشفع في أهل الكبائر 67، وَبُعِثَ إلى النَّاسِ
الجزء: 7 - الصفحة: 458
عامة 68، وهو سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يوم القيامة 69، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الأَرْضُ وأول شافع ومشفع، وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ 70، وهو أكثر الأنبياء عليهم السَّلامُ تبعاً، وأمته = قال النووي: هذه العبارة ناقصة أو باطلة، فإن شفاعته -صلى الله عليه وسلم- التي اختص بها ليست الشفاعة في مطلق أهل الكبائر، فإن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القيامة شفاعات خمساً.
أولاهن: الشفاعة العظمى [أهل] في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعرن إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة.
والثانية: في جماعة، فيدخلون الجنة بغير حساب.
والثالثة: في ناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها.
والرابعة: في ناس دخلوا النار، فيخرجون.
والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة، وقد أوضحت ذلك [كلَّه] في "كتاب الإِيمان" من أول "شرح صحيح مسلم" رحمه الله، والشفاعة المختصة به -صلى الله عليه وسلم-، هي الأُولى والثانية، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضاً.
والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 459
مَعْصُومَة لا تجتمع على الضَّلاَلَةِ 71، وصفوفهم كصفوف الملائكة، وكان لا ينام قَلْبُهُ، ويرى من وراء ظهره كما يرى من قُدَّامِهِ 72، وتطوعه بالصلاة قاعداً كتطوعه قائماً، وَإنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وفي حَقِّ غيره ذاك على النصف من هذا 73. ويخاطبه الْمُصَلِّي بقوله: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةٌ اللَّه" ولا يخاطب سائر الناس، وكان لا يجوز لأحد -من الآدميين- رفع صوته فَوْقَ 74 صَوْتِهِ، وأن يُنَادَى مِنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 460
وَرَاءِ الْحُجَرَاتِ، ولا أن يناديه باسمه 75 فيقول يا مُحَمَّدُ يا أحمد ولكن يقول يا نبيَّ اللَّهِ [أو] يا رسول الله [أو] يا خيرة الله، وكان يُسْتَسْقَى به، يُتَبَّركُ 76 بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ، ومن زَنَا بحضرته أو استهان به كَفَرَ 77، ويجب على المصلي إذا دعاه أن يجيبه ولا تبطل صلاته كما تقدم في "كتاب الصلاة".
وحكى أبو الْعَبّاسِ الرّويَانِيِّ وجهاً آخَرَ، أنه لا يجب، وتبطل به الصلاة 78 وأولاد بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إليه، وأولاد بنات غيره لا ينسبون إليه، في الكفاءة وغيرها 79.
[و] قال -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ سَبَبِيْ وَنَسَبِيْ" 80. = أي الأحكام الشرعية، فدل على أن من الأحكام الشرعية أن لا يفعل ذلك، أهمل المتقدم بين يديه والجهر له بالقول، وهما مستفادان من الآية أيضاً.
الجزء: 7 - الصفحة: 461
قيل: معناه أنَّ أمته يُنْسَبُونَ إليه في القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا يُنْسَبُونَ إليهم.
وقيل: لا ينتفع يومئذٍ بِسَائِرِ الأَنْسَابِ، وينتفع بالنسبة إليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَمَّوْا باسْمِي وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي" 81 فعن رواية الربيع عن الشَّافِعِىِّ -رضي اللَّهِ عنه- أَنه ليس لأحَدٍ أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمداً أو لم يكن، ومنهم من حمله على كراهة الجمع بين الاسم والكنية، وجوزوا الإِفراد، ويشبه أن يكون هذا أظهر؛ لأن الناس ما زالوا يكنون به في جميع الأمصار والأعصار من غير إنْكَار 82 والله أعلم.
= ورواه في الأوسط من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر سمعت عبد الله بن الزبير يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة، إلا نسبي وصهرى، وإبراهيم ضعيف، ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من حديث ابن عمر قاله الحافظ.
الجزء: 7 - الصفحة: 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وأن اليهود تكنَّوا به، وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: لم نعنك، إظهاراً للإِيذاء، وقد زال ذلك المعنى، وهذا المذهب أقرب، وقد أوضحته مع ما يتعلق به في كتاب "الأذكار"، وكتاب "الأسماء".
[والله أعلم].
وما يتعلق بهذا الضرب، أن شعره -صلى الله عليه وسلم- طاهر على المذهب إن نجّسنا شعر غيره، وأن بوله ودمه وسائر فضلاته، طاهرة على أحد الوجهين كما سبق، وأن الهدية له حلال، بخلاف غيره من الحكام وولاة الأمور من رعاياهم.
وأُعطي جوامع الكلم.
ومن خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، ما ذكره صاحب "التلخيص" والقفال قالا: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي، ولا تسقط عنه الصلاة ولا غيرها.
وفاته -صلى الله عليه وسلم- ركعتان بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر، ثم واظب عليهما بعد العصر.
وفي اختصاصه بهذه المداومة، وجهان: أصحهما: الاختصاص.
ومنها: أنه لا يجوز الجنون على الأنبياء، بخلاف الإِغماء.
واختلفوا في جواز الاحتلام، والأشهر امتناعه.
ومنها: أنه من رآه -صلى الله عليه وسلم- في المنام فقد رآه حقّاً.
وأن الشيطان لا يتمثل في صورته.
ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام، لعدم ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية، فإن الخبر لا يقبل إلاّ من ضابط مكلَّف، والنائم بخلافه.
ومنها: أن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، للحديث الصحيح في ذلك.
ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: "إن كذباً علي ليس ككذب على أحد".
فالكذب عمداً عليه من الكبائر، ولا يكفر فاعله على الصحيح وقول الجمهور.
وقال الشيخ أبو محمد: هو كفر.
ولنختم الباب بكلامين.
أحدهما: قال إمام الحرمين: قال المحققون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة، وانما يجري الخلاف فيما لا نجد بدّاً من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه، فتقدير اختيار فيه، هجوم على الغيب من غير فائدة.
والكلام الثاني: قال الصيمري: منع أبو علي بن خيران الكلام في الخصائص، لأنه لو انقضى، فلا معنى للكلام فيه.
وقال سائر أصحابنا: لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل باستحبابه.
ولو قيل بوجوبه، لم يكن بعيداً، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتة في الحديث الصحيح فعلم به أخذاً بأصل التأسّي، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها، وأي فائدة أهم من هذه.
وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم، فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرُّب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشيء على ما هو عليه.
والله أعلم.
قال في المهمات التعبير عن الثالث سهو وصوابه لمن ليس اسمه محمداً دون غيره وكأنه وقعت له نسخة ما نصه والثالث لمن اسمه محمد دون غيره والذي وقعت عليه ما ذكرته وهو الصواب.
وقال الإسنوي: وهذا الثالث هو الصواب الراجح دليلاً لقوله -صلى الله عليه وسلم- "من تسمى باسمي فلا يكتني بكلنيتى ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي".
رواه أبو داود والترمذي من حديث جابر وقال الترمذي حسن غريب وقال البيهقي في شعب الإِيمان إسناده صحيح وصححه ابن حبان وأخرجه أيضاً من حديث أبي هريرة وصححه الترمذي =
الجزء: 7 - الصفحة: 463
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): يُسْتَحَبُّ النِّكَاحُ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهَا، وَمَنْ لاَ فَالعِبَادَة لَهُ أَوْلَى (ح)، وَأَحَبُّ المَنْكُوحَاتِ البِكْرُ الوَلُودُ النَّسِيبَةُ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ المَنْظُورُ (و) إِلَيْهَا قَبْلَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الشخص إما تائق محتاج إلى النكاح، وإما غير تائق، والأول إما أن يجد أُهْبَتَهُ وعدته، أو لا يجد إن وجدها فيستحب له 83 النكاح تَحْصِيْناً للدِّينِ، سواء كان مُقْبلاً على العبادة، أو لم يكن، وإن لم يَجِدْهَا فالأولى ألا يتزوج ويكسر شهوته بالصوم؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةِ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرَجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعُ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" 84 فإن لم تنكسر بالصوم لا يكسره بالكافور ونحوه، ولكن يتزوج.
= من هذا الوجه.
قال الشيخ البلقيني يحتج لما قاله الرافعي بما أسنده ابن عبد البر في مقدمة الاستيعاب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي فإنما أنا أبو القاسم والله يعطي وأنا أقسم" ويوب عليه الترمذي باب كراهة الجمع بين اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنيته ورواه بلفظ "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته ويسمى محمداً أبا القاسم" وقال حسن صحيح -ثم روى الحديث جابر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إذا سميتم بي فلا تكتنوا بي" وقال حسن غريب ثم روي من حديث علي بن أبي طالب أنه قال يا رسول الله أرأيت إن ولد لي بعدك ولد اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال نعم.
فكانت رخصة لي- قال الترمذي صحيح.
الجزء: 7 - الصفحة: 464
وأما غير التائق فإن لم يجد أُهْبَتَهُ، أو كان به مَرَضٌ، أو عَجْزٌ من جب، أو عُنة أو كِبَرٌ فَيُكْرَهُ له النكاح؛ لما فيه من الالتزام بما لا يقدر على الوفاءِ بمُقْتَضَاهُ من غير حَاجَةٍ، وإن وجد الأُهْبَةَ ولم يكن به عِلَّةٌ فلا يكره له النكاح، ولكن التخلي للعبادة أفضل فإن لم يكن مشتغلاً بالعبادة فوجهان.
حكاهما ابنُ الْقَطَّانِ وغيره:
أصحهما: أن النكاح أفضل، كيلا تفضي به البَطَالَةُ والفراغ إلى الفواحش.
والثاني: إِنَّ تركه أفضل للخطر بالقيام بواجبه.
وقال أبو حَنْيفَةَ -رضي اللَّهِ عنه-: النِّكَاحُ أفضل من الاشتغال بالعبادة، وفي "تعليق" الشيخ علي القزويني عن القاضي أبي سعيد الْهَرَويّ أنَّ للأصحاب وجهاً مثله، والمسألة، مشهورة في الخلاف، ويجوز أن يعلم قوله: "يُسْتَحَبْ النِّكَاحُ لمن تاقت نفسه إليه" بالواو؛ لأن في "شرح مختصر الجويني" أن بعض الأصحاب قال: إن خاف الزنا وجب عليه النِّكَاحُ، وأيضاً فإنَّ القاضي أبا سَعِيدٍ قال: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أنَّ النِّكَاحَ فرض على الكفاية، ولو أنه امتنع منه أهل قطر أُجْبِرُوا عليه 85.
الجزء: 7 - الصفحة: 465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الوقوع في محظور بترك النكاح فيلزمه حينئدٍ إعفاف نفسه.
وعليه فالراجح ما ذهب الجمهور إليه من عدم الوجوب، وخصوصاً أَنَّه كان في الصحابة من لم تكن له زوجة مع قدرته على النكاح ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم ذلك ولم ينكر عليهم كما أنه كان في عصر الخلفاء ومن بعدهم من لم يتزوج، ولم ينقل إلينا عن أحدٍ من الخلفاء أنه حتم على من ليست له زوجة أن يتزوج، ولو وقع ذلك لنقل إلينا بالتواتر، لأن هذا مما تعم به البلوى، فَلَمَّا لَمْ ينقل إلينا شيء من ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه دَلَّ ذلك عَلى أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِوَاجِب.
ثم إن قول الجمهور أن النكاح مندوب أن الأصل فيه الندب بشرط أن يكون قادراً على ما تحتاج إليه المرأة مِنْ مَهْرٍ ونفقة ووطء ولم يخف على نفسه الزنا بعدمه وقد يخرج عن هذا الأصل لعارض إلى سائر الأحكام.
فيجب إنه خاف على نفسه الزنا إن تَرَكَ النكاحَ وعَجَزَ عَن التَسَرِّي ولم يكفه الصوم لأنه يلزم إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، ولو أَدَّى به ذَلِكَ إِلى الإنفاق عليها من حرام أو أدى إلى عَدَمِ الإِنْفَاقِ عليها كما صَرَّح بذلك المالكية وذلك ارتكاباً لأخف الضررين، خصوصاً إن النفقة من حق الزوجة فلها إسقاطها أو يُغْنيه الله من فضله كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ وليس هذا من باب دفع الحرام بمثله الممنوع شرعاً؛ لأن المفسدة بترك النكاح محققة من بحصول الزنا، والإِنفاق عليها من حرام محتمل، فلا يترك وقع المفسدة المحققة لأخرى محتملة.
ويحرم عند عجزه عن الوطء أو النفقة أو تصيعه واجباً إذا لم يخف على نفسه الزنا، ويكره عند عدم الرغبة في إن عطلة عن تطوع ولو رجا النسل.
ويباح عند عدم الرغبة فيه ولم يرج نسلاً ولم يعطله عن تطوع.
واختلف الفقهاء فيمن له شهوة يأمن معها على نفسه الوقوع في الزنا هل الاشتغال بالعبادة أفضل في حقه من الزواج، أو العكس؟.
فذهب الشافعية إلى القول بأن التخلي لنوافل العبادة أفضل له من النكاح، وذهب الجمهور إلى القول بأن النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، وقد استدل الشافعية بما يأتي.
أولاً: بقوله تعالى في مدح يحيى عليه السلام "وسيداً وحضوراً" والحضور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيائهن فمدهم الله به ولو كان النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة لما مدحه الله بتركه، ويرد هذا بأنه ليس في مدح قال يحيى عليه السلام ما يدل على أنه أفضل من النكاح، فان مدح الصفة في ذاتها لا يقتضي ذم غيرها، إذ إننا لا ننكر فضل التخلي للعبادة، واستحقاق المدح عليه، ولكن نقول إن الاشتغال بالنكاح أفضل، وأيضاً فإن ذلك كان في شريعة سيدنا يحيى عليه السلام وشرعنا وارد بخلافه فهو أول.
وثانياً: قالوا النكاح عقد معاوضة فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع ويرد هذا بأن فرق بين البيع والنكاح، فإنما كان التخلي للعبادة أفضل من البيع، لأن البيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاد بها لذلك كان التخلي للعبادة أفضل منه وأما الجمهور فقد استدلوا -بأمر الله تعالى به ورسوله وحثهما عليه.
وأيضاً فقد تمسكوا بما روي في الصحيحين من أن نفراً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألوا أزواجه عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء، وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه وقال: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قالوا: كَذَا وكذا =
الجزء: 7 - الصفحة: 466
الثانية: إذا أراد النكاح فالبكر أولى من الثَّيِّب إذا لم يكن عذر به لما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لجابر -رضي الله عنه-: "هَلاَّ بِكْراً تلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ" 86.
والولود، أولى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" 87، والنسيبة أولى؛ لما رُوِيَ أنه -عليه السلام- قال إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدَّمْنِ، قيل يَا رَسُوْلَ اللَّهِ وَمَا خَضْرَاءِ الدّمْنِ؟ قَالَ: "الْمَرْأَةُ الْحُسْنَاءِ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ" 88. والتي ليست لها قرابة قريبة أولى، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَنْكِحُوا الْقَرَابَةَ الْقَرِيْبَةَ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِياً" 89 أي: نحيفاً، وذلك لضعف الشهوة.
= لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ووجه الدلالة من هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذم وهذه الحال، وتبرأ منها، ولو كان التخلي للعبادة أفضل، كما قيل لأقرهم على ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 467
وذات الدِّين أولى 90؛ لقوله -عليه السَّلامُ-: "تُتكَحُ المَرأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَحسَبِهَا وَدِيْنِهَا وَجَمَالِهَا فَاظْفَرُ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" 91. وليكن منظوراً إليها قبل النِّكاحِ، على ما سنذكر في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
واعلم أنَّ المقدمات الْمُودَعَة في هذا القسم معدودة في بعض النُّسَخِ ثَلاَثٌ:
إحداها: في خصائص رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
والثانية: في الترغيب في النكاح، وأحب المنكوحات -ويقع فيه الكَلاَمُ في النَّظَرِ إلى المنكوحة وفي النَّظَرِ جملة.
والثالثة: في الخُطبة والخِطبة، وهي في بعض النُّسَخ معدودة خمساً وكذلك في "الوسيط".
إحداها: الخصائِصُ.
والثانية: ما شرحناه في هذا الفصل وبعده.
= الغرباء في ترجمة الشَّافعي عن شيخ له عن المزني، عن الشَّافعي قال: أيما أهل البيت لم تخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم، كان في أولادهم حمق، وروى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب قد أضوأتم فانكحوا في النوابغ، قال الحربي: يعني تزوجوا الغرائب.
الجزء: 7 - الصفحة: 468
والثالثة: في النَّظَرِ إليها إذا وقعت الرَّغْبَةُ في نكاحها وأحكام النظر جملة، ثم يتصل به، فلا ينظر إلاَّ إلى وجهها.
والرابعة: في الخطبة.
والخامسة: في الخِطبة والمقصود لا يختلف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): النَّظَرُ إِلَيْهَا إِذَا تَحَقَّقَتِ الرَّغْبَةُ في نِكَاحِهَا، وَنَحْنُ نَتَعَرَّضُ في هَذَا المَوضِعِ لأَحْكَامِ النَّظَرِ جُمْلَةً، وَلاَ يَنْظُرُ (ح م و) إِلاَّ إِلَى وَجْهِهَا، وَلاَ يَحْتَاجُ إلَى إِذْنِهَا (م).
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رغب في نكاح امْرَأَةِ نَظَرَ إليها؛ لما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لِلْمُغُيرَةَ وقد خطب امْرَأَةَ: "انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا" 92، أَي يجعل بينكما المودة والألفة.
يُقَالُ: "أَدَمَ الله بينكما" أي "جعل".
وعن جابر- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ استطاع أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ" 93 قال: فخطبت جارية وكنت أَتَحَبَّأُ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها، وهذا النَّظَرُ مُسْتَحَبٌ، أو مُبَاحٌ مجرد؟.
حكى الإِمَامُ فيه وجهين:
الجزء: 7 - الصفحة: 469
الأَوَّلُ: أصح؛ لما وُرِدَ فيه من صيغة الأمر، ويجوز أنْ يعلم للثاني قوله في "الكتاب": "المنظور إليها قبل النِّكاح" بالواو؛ لأنه جعل نكاحها أحب، ويجوز له تكرار النَّظَرِ إليها ليتبين هيئتها، ولا يندم بعد النكاح، ولا فَرْقَ بين أن يكون النظر إليها بإذنها أو بغير إذنها خلافاً لمالك -رضي اللهُ عنه- حيث اعْتَبَرَ إذنها دليلاً، لإطلاق الخبر، وأيضاً فإنه لو راجعها لزينت نفسها فيفوت الْمَطْلُوبُ من النظر.
فإن لم يتيسر النظرُ إليها بعث إليها امْرَأَة تتأملها وتصفها له 94. روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث أم سليم إلي امرأة وقال: "انْظرِي إلي عُرْقُوبِهَا وشمُي مَعَاطِفَهَا" 95. والمرأَة أيضاً تنظر إلى الرجل إذا أرادت التزوج، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، قاله عمر 96 -رضي الله عنه- ثم الكلام في المنظور إليه، وفي وقت النظر أما المنظور إليه منها، فهو الوجه والْكَفَّافِ ظَهْرَاً وبَطْناً.
واعلم أنا سنذكر وجهين في جواز النَّظَرِ إلى وجه الأجنبية وَكَفَّيْهَا من غير عُذْرٍ وسبب.
فقال الإِمَامُ -رَحِمَهُ الله-: مَنْ حَرَّمَ هناك أباح هنا، لغرض التزويج، ومن أباح هناك فإنه يقول: إن كان يخاف الفتنة، فهو حَرَامٌ وهنا لا يحرم معِ خوف الفتنة لهذا الغرض، ولا يَنْظُرُ إلى ما سوى الوجه والكفين لأنه عَوْرَةٌ، وهي تُعَدّ أجْنَبِيَّةُ.
وَذَكَرَ الحنَّاطِيُّ وجهين في "المِفْصَل" الذي هو بين الكف والمِعْصَمِ.
وفي "شرح مختصر الجويني" وَجهٌ: أنه يَنْظُرُ إليها نظر الرجل إلى الرجل.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه يَنْظُرُ إلى الوجه والكفين والقدمين وبعض الذِّرَاعِ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه-: ينظر إلى الوجه والكفين والقدمين بناءً على أن القدمين ليسا من العورة، ويجوز أن يعلم كذلك قوله في الكتاب: "إلاَّ إلى وجهها" بالحاء والميم والواو، ولم يذكر الكفين لَفْظاً ولا بُدَّ منه.
وأما وقت النظر فإنه ينبغي أن يكون بعد العزم على نكاحها إن ارتضاها وقبل الخطبة؛ لأنه لو كان بعد الخطبة وتركها
الجزء: 7 - الصفحة: 470
شَقَّ عليها وأوحشها، هذا هو الأظهر، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: عن رواية الماسرجسي أنه ينظر إليها حين تأذن في عقد النكاح؛ لأنه وقت الحاجة.
والثاني: عند ركون كُلِّ وَاحدٍ منهما إلى صاحبه، وذلك حين تحوم الخطبة على الخطبة 97.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَحِلُّ للِرَّجُلِ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ المَرْأَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّاظِرُ صبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً، أَوْ مَمْلُوكاً (ح و) لَهَا، أَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً (و)، أَوْ رَقِيقَةً (و)، أَوْ مَحْرَماً فَلْيَنْظُرْ إلَى الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ فَقَطْ.
قال الرَّافِعِيُّ: جَرَتِ الْعَادَةُ بذكر حكم النظر هنا، وذاك إِمَّا أن إلاَّ تمس إليه الحاجة أو تمس:
الحالة الأولى: إذا لم تمس إليه الحاجة وهو على أرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
نَظَرُ الرجل إلى المرأة وبالعكس، وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلى الرجل وَنَظَرُ المرأة إلى المرأة.
القسم الأول: نَظَرُ الرَّجُل إلى المرأة ويحرم عليه أن ينظر إلى ما هو عورة منها وكذا إلى الوجه والكفين إن كان يخاف من النظر الْفِتْنَةَ قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] وإن لم يَخَفْ فوجهان.
قال أَكْثَرُ الأصحاب -لا سيما المتقدمون: لاَ يَحَرَّمُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]- وهو مُفَسَّرٌ بالوجه والكفين، نَعَمْ يُكرَة ذلك -ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ وغيرُهُ 98.
الجزء: 7 - الصفحة: 471
والثَّانِي: يحرم ويحكى ذلك عن الأِصْطَخْرِيِّ في رواية الدَّارِكِيِّ وعن أبي علي الطَّبَرِي، واختاره الشيخ أبو محمَّد والإمام رحمهما الله ووجهه باتفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سَافِرَاتِ، ولوَ حل النظر لنزلن منزلة المُرْد، وبأن النظر إليهن مظنة الفتنة، وهن محل الشهوة فاللائق بمحاسن الشَّرْعِ حسم الباب والإعراض عن تَفَاصِيلِ الأَحْوَالِ كَالْخُلْوَةِ بالأَجْنَبِيَّةِ 99، هذا ما ذكره في الكتاب وبه أَجَاَبَ صاحب "المهذب" والقاضي الرُّويانيُّ وليس المراد من الكف مجرد الرَّاحَةِ، بل اليد من رؤوس الأَصَابعِ إلى المِعْصَمِ وفيه وَجْهٌ [آخَرُ] أَنَّهُ يختص الحكم بالراحة، وأخمصا القدمين على الخلاف الْمَذْكُورِ في سِتْرِ الْعَوْرَةِ من "باب شرائط الصَّلاةِ"، وصوتها ليس بعودة على أَصَحِّ الوجهين لكن يحرم الإصْغَاءُ إليه عند خوف الْفِتنَةِ وإذا قرع عليها الباب، فلا ينبغي أن تجيب بصوت رخيم، بَلْ يَنْبَغِي أن تغلظ صوتها 100. هذا إذا كان الناظر إليها بَالِغاً فَحْلاً، والمنظور إليها حُمَّرة كَبِيْرَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ.
ثُمَّ الكلام في سِتِ صُوَرٍ:
إحداها: الطفل الذي لم يظهر على عورات النِّسَاءِ لا حجاب منه قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] وفي المراهق وَجْهَانِ:
أحدهما: وبه قال أبو عبد الله الزُّبَيْرِيُّ: أن له النظر كما له الدخول من غير استئذان إلاَّ في الأوقات الثلاثة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ...﴾ [النور: 58] الآية -وعلى هذا فنظره كنظر البالغ إلى الْمَحَارِمِ.
والثاني: إنَّ نظره كنظر البالغ إلى الأجنبيات لظهوره على العورات، وهذا أصح = عنق ابن عمك، فقال: رأيت شابأ وشابة فلم آمن عيهما الشيطان، صححه الترمذي، واستنبط منه ابن القطان: جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ما فيه جائزاً لنا أقره عليه.
قال الحافظ: فائدة: اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها.
لكن يعكر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية فقلنا: إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم ولد كذا اعترضه ابن الرفعة، وتعقب بأنه بدل على أن الأمة تخالف الحرة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة، وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقاً.
الجزء: 7 - الصفحة: 472
فيما ذكره أبو الفرج الزَّازُ وغيره ونزَّل الإِمام أمر الصَّبِي على ثَلاثِ دَرَجَاتٍ:
إحداها: أَلاَّ يبلغ مبلغاً يحكى ما يراه.
والثانية: أن يبلغه، ولا يكون فيه ثَوَرَاتُ شَهْوَةٍ وتشوُّق.
والثالثة: أن يبلغه، فالذي في الدرجة الأولى حضوره كغيبته، ويجوز التَّكَشُّفُ له من كل وجهُ، الذي في الثالثة كالْبَالِغِ في النظر، والذي في الثانية يَنْزِلُ منزلة المحارم.
واعلم أن الصبي لا تكليف عليه، وإذا جعلناه كالبالغ فمعناه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعاً.
والثانية: في الممسوح وجهان: قال الأكثرون: نَظَرُهُ إلى الأجنبية كنظر الفعل إلى المحارم 101، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31].
والثاني: إنه كنظر الفعل إلى الأجنبية؛ لأنه يحل له نكاح التي ينظر إليها فكيف يجعل كالمحرم.
والمجبوب الذي بقي أنثيياه والخصي الذي بقي ذكره كالفحل وكذا العنين، والمخَنَّث المُتَشَبِّهُ بالنساء والشَّيخُ الهرم كذلك 102 أطلق أكثرهم.
وقال في "الشامل": الخصي لا يحل له النظر إلاَّ أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته، وكذا المخنث.
وَحَكَى أبو مخلد البصري -وهو من مَتأخِرِي الأَصْحَابِ- في الخصي والمخنث، وجهين على الإِطلاق 103.
والثالثة: مَمْوكُ المرأة -هل يكون محرماً لها؟!.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لقوله -تعالى-: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31]، وعن أنس -رضي الله عنه- أن النَّبيَّ -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أَتَي فاطِمَةَ -رَضْيَ اللهُ عَنْهَا- بعَبْدٍ قَدْ وَهَبَة لَهَا وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْب إِذا قَنَعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبلُغْ رجلها وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَلَمَّا رَأْىَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا تلقى قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلاَمُكِ" 104.
الجزء: 7 - الصفحة: 473
والثَّانى: وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ: لا لأنه لو ثبت المحرمية لاستمرت كما في الرِّضَاعِ.
وفي "تعليق" الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ: إن هذا أصح لكن الأكثرون رَجَّحُوا الأوَّلَ 105.
والرابعة: إذا كان الْمَنْظُورُ إليها أَمَةٌ فَثَلاثةُ أَوْجُهٍ:
أحدها: أنها كالحرة.
والثاني: يحرم النظر إلى ما لا يبدو منها عند المهنة وتفصيل ما يبدو مذكور في "سِتْرِ الْعَورَةِ".
والثالث: أنَّ المحرم النَّظَرُ إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ لا غير، وهذه الأوجه قريبة من الوجوه المذكورة، فيما يجب عليها سترة في الصَّلاةِ، ولكن الوجه الأول لا يكاد يوجد هكذا إلاَّ لصاحب الكتاب في "الوسيط" 106.
وأما الثاني والثالث فمشهوران 107، وهما متفقان على جواز النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة واختلافهما فيما زاد على ذلك 108 إلاَّ ما بين السرةِ إلى الركبَةِ، والأصح فيما ذكره صاحب "التهذيب" والقرضي الرُّويَانِيّ جواز النظر إليه لكنه يكره.
والخامسة: من النظر إلى الصَّبِيَّةِ وجهان منقولان في "الوسيط".
أحدهما: المنع؛ لأنها من جنس الإِنَاثِ.
وأصحهما: الجواز؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة، ولا فرق بين حد العورة وغيره، نعم لا ينظر إلى فرجها 109، وألحق في "الوسيط" العجوز بالشَّابَةِ؛ لأن الشهوات لا تنضبط، وهي محل الْوِطْءِ.
= قال الحافظ: فائدة: حمل الشيخ أبو حامد هذا على أنه كان صغيراً لإطلاق لفظ الغلام، ولأنها واقعة حال، واحتج من أجاز ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وتعقب بما رواه ابن أبي شيبة من طريق طارق عن سعيد بن المسيب قال: لا يغرنكم هذه الآية! إنما يعني بها الإِماء لا العبيد، لكن يشكل على ذلك ما رواه أصحاب السنن من طريق الزهري عن نبهان مكاتب أم سلمة عنها: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذ كان لإِحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه، انتهى.
ومفهومه أنها لا تحتجب منه قبل ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 474
وقال القاضي الرَّويَانيُّ: إذا بلغت المرأة من السِّنِّ مبلغاً تأمن الافتتان بالنَّظَرِ إليها جاز النظر إلى وجهها وكفيها، ويدل عليه قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 6] الآية.
[و] السادسة: للرجل أن ينظر من المحرم إلى ما يبدو عند المهنة، ولا يحل النظر إلى ما بين السرة والركبة، وفيما بينهما وجهان:
أظهرهما: ولم يتعرض كثير من الأصحاب لغيره-: أنه يحل النظر إليه أيضاً واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] الآية -وبأن المحرمية معنى يوجب حرمة المنَاكَحَة أبداً فليكونا كالرَّجُلَيْنِ وكالمرأتين.
والثاني: المنع؛ لأن لا ضرورة إليه، والثَّدْيُ في زمان الإِرضاع مواضع الوجهين، أو يلحق بما يبدو عند المهنة فيه طريقان، والثاني منهما مُؤَبَّدٌ بالحاجة، ولا فرق في ذلك بين المحارم بالنَّسَبِ وبين المحارم بالمصاهرة والرضاع.
وفي "شرح الجويني" وَجْهٌ: أن في المحارم بالمصاهرة، والرضاع لا ينظر إلى ما يبدو عند المهنة، والصحيح الأول.
إذا عرفت ذكرنا فتأمل في لفظ الكتاب.
واعلم قوله: "ولا يحل للرجل النظر إلى شيء من بدن الْمَرْأَةِ" بالواو -للوجه المشهور في جواز النظر إلى الوجه والكفين وقوله: "إلا إذا كان الناظر صَبِيَّاً" إن حمل على الطفل الذي لم يظهر على العورات خاصة، فلا حاجة إلى إعلامه بالواو وإن جرى على إطلاقه فليعلم بالواو لأحد الوجهين في المراهق أنه كالبالغ.
وقوله: أَو مَجْبُوباً قد يتبادر إلى لسان القارئ قراءته بنونين لاقترانه بالصبي، والصبي والمجنون يستويان في كثير من الأحكام لَكِنْ لا سبيل إليه تكون الصورة المذكورة مُسْتَثْنَاةُ من نفي الحل فلا بدّ من ثبوته فيها، والحل بمعنى الخطاب بأنه لا حرج عليك، أو بالتخيير ونحوه [و] لا يمكن إثباته في حق المجنون، ولا في الصبي؛ = لا تشتهي، والصغير، وقطع به في الصغير إبراهيم المروذي.
وذكر المتولي فيه وجهين، وقال: الصحيح الجواز، لتسامح الناس بذلك قديماً وحديثاً، وأن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه عن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس.
والله أعلم.
إطلاق الشيخ الصبية بتناول المشتهاة وغيرها قال الأذرعي ولذلك أنه لا يحرم نظر بنت سنة ونحوها والذي يجوز في النظر إلى صغيرة لا تثشهي وجوه أحدها الجواز إلى جميع بدنها.
ثانيها: إليه إلا الفرج.
ثالثها: يجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة.
رابعها: ما يبدو في المهنة فقط إلى آخر ما ذكره الشيخ عن صاحب العدة ذكره الفوراني أيضاً وصاحب التهذيب وما نقله الشيخ عن المروذي جزم به الماوردي أيضاً في كتاب الصلاة فقال ينبغي حل النظر إلى أن يبلغ الصبي إلى عشر سنين والجارية تسعًا وإطلاق الشيخ الفرج يتناول الذي قال الأذرعي وبه صرح الصيمري.
الجزء: 7 - الصفحة: 475
لأنهما لا يخاطبان وبمعنى أَنَّهُ لا حَرَجَ فيه لا يختص بالوجه واليدين، وقد قال: "فينظر إلى الوجه واليدين فقط" وإذا رددنا الْكَلاَمَ إلى أنَّ الُمَنْظُورَ إليها هل يلزمهما الاحتجاب فهذا في الصبي على التفصيل الذي سبق، وأما المجنون فلا شك في وجوب الاحتجاب منه كالعاقل، بل أولى فليقرأ "أو مجبوباً" ببائين وحينئذٍ فيجب تقييده بالممسوح لما مر ثم ليعلم بالواو لأحد الوجهين المذكورين في الممسوح.
وقوله: "أو مملوكاً له" معلم بالحاء والواو لما سبق.
وقوله: "أو كانت رقيقة أو صبية" بالواو، ثم الحكم بأنه لا ينظر في الصور المستثناة إلاَّ إلى الوجه واليدين خلافاً للمذهب الظاهر، أمَّا في المحرم؛ فلأنهم لم يذكروا خلافاً في جواز النظر إلى ما يبدو عند المهنة.
وقالوا: الأصح جواز النظر إلى جميع أعضائها إلا ما بين السُّرَّةِ والركبة وكذا في الرقيقة، وأما في الصَّبِيَّةِ فمن جَوَّزَ النَّظَرَ عَمَّمَهُ في أعضائها بعد اجتناب الفرج كما بيناه وأما في عبد المرأة والممسوح فإذا جَوَّزْنا النظر إليه جعلناه كالنظر في المحارم فإذن في الفصل خبط ولا سائر من الأصحاب إلى جوازه.
قَالَ الغَزَّالِيُّ: وَالعَوْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ فَقَطْ، وَيُبَاحُ نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ، وَالمَرْأَةِ إلَى المَرْأَةِ، وَالمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ عِنْدَ الأَمْنِ مِنَ الفِتْنَةِ إلاَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "العورة من الرَّجُلِ ما بين سرته وركبته" مكرر مذكور مرة في "سِتْرِ العورة"، ولا حاجة إلى إعادته في هذا الموضع وإذا عاد فليعلم بالعلامات المذكورة هناك [ثم نرجع إلى الترتيب الذي كنا فيه] 110 فنقول:
القسم الثاني: نظرُ الرجل إلى الرجل وهو جائزٌ في جميع البدن إلاَّ ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ.
نعم يحرم النظر إلى الأَمْرَدِ وغيره بالشهوة وكذا النظر إلى المحارم، وسائر المذكورات في الفصل السابق بالشهوة حرام لا يحرم النظر إلى الأمرد بغير الشهوة إن لم يخف فتنة وإن خاف فوجهان: قال أكثرُهُمْ: يحرم تَحَرُّزاً عنها 111.
وعن صاحب "التقريب" واختاره الإِمامُ: أنه لا يحرم، وَإِلاَّ لأُمِرُوْا بالاحْتِجَابِ كَالنِّسْوَةِ.
ورُوِيَ أنّ وَفْداً قدموا على رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وفيهم غُلاَمٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَأَجْلَسَهُ
الجزء: 7 - الصفحة: 476
مِنْ ورائه وَقَالَ: "أَمَا أَخْشَى مَا أَصَابَ أَخِي دَاوُدَ".
وكان ذلك بمرأى من الحاضرين، فَدَلَّ على أنه لا تحريم.
القسم الثالث: نظر المرأة إلى المرأة: وهو كما ذكرنا في نظر الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إلاَّ في شيئين.
أحدهما: أن الإِمام حكى وجهاً في أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى المحارم، والأصح أنه لا فرق.
والثاني: في نظر الذِّمِّيَّةِ إلى المسلمة وجهان:
أحدهما: كنظر المسلمة إلى المسلمة.
والثاني: المنع لقوله تعالى جده: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وليست الذمية من نسائنا والأول أصح عند صاحب الكتاب، والثاني أصح فيما ذكره صاحب "التهذيب" 112. وإذا قلنا بالثاني لم تدخل الذِّمِّيَّاتُ المسلمات مع الحمام وما الذي ترى الذمية من المسلمة؟!.
قال الإمام: لا ترى منها إلا ما يراه الرجل الأجنبي.
وقيل: لا ترى إلا ما يبدو عند المهنة دون غيره وهذا أشبه 113.
القسم الرابع: نظر المرأة إلى الرَّجُلِ -فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ:
أحدها: أنها تنظر إلى ما يبدو عند المهنة دون غيره إذ لا حاجة إليه.
والثاني: أنها لا ترى من الرجل إلاَّ ما يرى الرجل منها تسوية بينهما 114.
والثالث: وهو الأصح: أن لها النظر إلى جميع بدنه إلاَّ ما بين السرة والركبة، وليس كنظر الرجل إلى المرأة؛ لأن بدنها صورة في نفسه، وكذلك يجب ستره في
الجزء: 7 - الصفحة: 477
الصَّلاةِ؛ ولأنهما لو استويا لأمر الرجال بالاحتجاب كالنساء.
هذا في الأجانب.
فأما نَظَرُهَا إلى الْمَحَارِم فهو كنظر الرجل إلى المرأة المحرم قال الإمام، والمحققون: على أن ما فوق السُّرَّةِ، وتحت الرُّكْبَةِ من الرجل كما يبدو عند المهنة في المرأة، ولا يجوز للمرأة النَّظَرَ إلى الرَّجُلِ عند خوف الفتنة، وقد رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أنها قالت: كُنْتُ مع مَيْمُوْنَةَ عند رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل ابن أم مَكْتُومٍ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "احْتَجَبَا مِنْهُ" فقلت: يا رَسُولَ اللهِ: أليس هو أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا؟! فقال: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانَهُ" 115. فمن قال بالوجه الثاني احتج بظاهره، ومن قال بالثالث حمله على الاحتياط.
قَالَ الغَزَّالِيُّ: وَالعُضْوُ المُبَانُ كَالمُتَّصِلِ بِهِ، وَالنِّكَاحُ وَالمِلْكُ يُبِيحَانِ النَّظَرَ إِلَى السَّوْءَتَيْنِ مِنَ الجَانِبَيْنِ مَعَ كَرَاهَةٍ، وَالمَسُّ كَالنَّظَرِ.
قال الرَّافِعِي: في الفصل ثَلاَثُ مَسَائِلَ:
إحداها: ما لا يجوز النظر إليه وهو متصل كالذكر، وَسَاعِدِ الْحُرَّةِ، وشعر رأسها، وما أشبهها هل يحرم النظر إليه بعد الانفصال؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النظر إليه بعد الانفصال لا يخاف منه الفتنة 116.
وأصحهما: استمرار التحريم، وبه أجاب أبو علي الشَبُوِّي مفتي "مرو" وفيما يحكى أن أبا عبد الله الخِضْري سئل عن قُلاَمَةِ الْمَرْأَةِ -هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها؟.
فاطرق الشيخُ متفكراً وكانت تحته بِنْتُ أبي علي فقالت: سَمِعْتُ أبي يقول: إن كانت قلامة يدها فله النظر إليها، وإن كانت قلامة الرجل فلا.
الجزء: 7 - الصفحة: 478
والتفصيل مبنى على أَنَّ يَدَهَا ليست بِعَوْرَةٍ.
واقتصر في الكتاب هاهنا على الوجه الثاني، وتعرض لهما في "باب الصَّلاةِ" كما ذكرنا وَرَوَى الإمام تفصيلاً في العضو المُبَان من المرأة، وهو أنه إن لم يتميز بصورته وشكله عما للرجل كالقلامة والشعر والجلدة المنكشطة لم يحرم النظر إليه وإن يتميز حرم 117.
الثانية: يجوز للزوج النظر إلى ما شاء من بدن زوجته إلا أنَّ في النظر إلى فرجها وجهين:
أحدهما: المنع وإليه ميل أبي عبد الله الزُّبَيْرِيُّ -لما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "النَّظَرُ إلَى الْفَرَجِ يُورِثُ الطَّمْسَ" 118 أي: العمى.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: الجواز؛ لأن له الاستمتاع به فالنظر أَوْلَى، فالخبر إن صَحَّ محمول على الكراهة، والكراهة في باطن الفرج أشد، وكذلك يكره للإنسان أن ينظر إلى فرج نفسه من غير حاجة ونَظَرُ السَّيِّدِ إلى أَمَتِهِ التي يجوز له الاسَتمتاع بها، كنظر الزوج إلى الزوجة سواء كانت قِنَّةً، أو مُدَبَّرةً، أو أم ولد، أو عرض مانع قريب الزوال كما لو كانت حائضاً أو مرهونة فإن كانت مُرْتَدَّةً، أو مجوسية، أو وثنية، أو مزوجة أو مكاتبة، أو مشتركة 119 بينه وبين الغير فهي كَأَمَةِ الغير.
لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهم- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا
الجزء: 7 - الصفحة: 479
زَوَّجَ أَحَدُكُمْ جَارَيتَه أَوْ أَجِيْرَهُ فَلاَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بِيْنَ السُرَّةِ وَالرُّكْبَةِ" 120.
وإذا كانت المنكوحة مُعْتَدَّةً عن وطء شبهة، فقد حكى القاضي أبو سعيد الهَرَويُّ أنها كالمكاتبة، ونظر الزوجة إلى الزوج كنظره إليها، وقطع بعضهم بجواز نظرها إلى ذَكَر الزوج.
وقال الخبر ورد في الفرْجِ، وهو الشِّقُّ.
الثالثة: حيث يحرم النظر يحرم المس 121، بطريق الأَوْلَى؛ لأنه أقوي في التلذذ والاستمتاع، ولهذا لا يبطل الصوم بالإِنزال بمجرد النظر، ويبطل بالإِنزال بالملامسة ولا يجوز للرجل ذَلكَ سوأة الرجل، ويجوز ذلْكُ فخذه من فوق الإِزَارِ إذا لم يخف فتنة، وقد يحرم المسُّ حيث لا يحرم النظر، فلا يجوز للرجل مَسُّ وجه الأجنبية، وإن جَوَّزْنَا النظر إليه، ولا مَسَّ كل ما يجوز النظر إليه من المحارم والإِماء، بل لا يجوز للرجل أن يمس بطن أمه وظهرها، ولا يغمز ساقها ورجلها، ولا أن يقبل وجهها -حكاه العبادي في "الرقم" عن الْقَفَّالِ.
قال: وكذلك لا يجوز أن يأمر ابنته، أو أخته أن تغمز رجله وعن القاضي حسين: أنه كان يقول: العجائز اللاتي يكحلن الرجال يوم عاشوراء مرتكبات للمحظور الناس يَحْسَبُونَ أنهن مقيمات للسُّنَّةِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: يجوز مس ما يجوز النظر إليه من المحارم والإِمام، ولا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، وإن كان كلُّ واحد منهما في جانب من الفراش 122. لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلاَ تُفْضِي المَرأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ في الثَّوبِ الْوَاحِدِ" 123.
وإذا بلغ الصبي والصبية عشر سنين، وجب التفريق بينه وبين أُمِّهِ وأبيه وأخيه وأخته في المَضْجَع.
قال -صلى الله عليه وسَلَّمَ- "وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرَّقُوْا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ" 124 ويستحب مصافحة الرجل الرجل ما رُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن
الجزء: 7 - الصفحة: 480
الرجل يلقى أخاه أو صديقه -أينحني له؟ قَالَ: "لاَ" -قيل: أفيلتزمه ويقبله؟ .. قَالَ: "لاَ".
قيل أفياخذه بيده ويصافحه؟ -قال: "نَعَمْ" 125. وَمُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ في معناها.
قال في "التهذيب": ويكره المعانقة، والتقبيل إلاَّ تقبيل الولد للشفقة، ورأيت لأبي عبد الله الزُّبَيْريِّ في مختصر له في ستر العورات أنه لا بأس بأن يقبل الرجل رَأْسَ الرجل، أو ما بين عينيه عند قدومه من غيبته، أو تباعد لقائه 126 هذا تمام الكلام فيما إذا لم تمس حاجة إلى المس والنظر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُمَا مُبَاحَانِ لِحَاجَةِ المْعَالَجَةِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ إلَى السَّوْءَة لِحَاجَةٍ مُؤَكَدَةٍ، وَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وإلَى الفَرْجِ لِتحَمُّلِ (و) شَهَادَةِ الزِّنَا.
قال الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية إذا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إلى الْمَسِّ والنظر -ويفرض من وُجُوهٍ: منها: أن يريد نكاح امرأة، فينظر على ما سبق.
ومنها: أن يريد شراء جارية -وقد مر في "البيع".
ومنها: إذا عامل امرأة ببيع وغيره أو تحمَّل شهادة عليها جاز له النظر إلى وجهها؛ ليعرفها 127 عند الحاجة، ولا ينظر إلى غير الوجه، وإذانظر إليها، وتحمل الشهادة كلفت
الجزء: 7 - الصفحة: 481
الكشف عن وجهها عند الأداء فإن امتنعت أمرت امرأة بالكشف عنه.
ومنها: أنه يجوز النظر والمس للفَصْد والحجامة والمعالجة لعلة وليكن ذلك بحضور مَحْرَمٍ 128، ويشترط في جواز نظر الرجل إلى المرأة ألا يكون هناك امرأة تعالج.
وفي جواز نظر المرأة إلى الرّجُلِ ألا يكون هناك رجل يعالج 129.
كذلك ذكره أبو عبد الله الزُّبَيْرِيُّ والقاضي الرُّويَانيُ أيضاً وعن ابن القاص خلافه 130. ثم أصل الحاجة كافٍ في النظر إلى الوجه واليدين ولذلك جاز النَّظَرُ بسبب الرغبة في النكاح وفي النظر إلى سائر الأعضاء يعتبر التأكد، وضبطه الإِمام فقال: ما يجوّز الانتقال بسببه من الماء إلى التراب وفاقاً أو خلافاً، كَشِدَّةِ الضنى وَما في معناها يجوز النظر بسببه.
وفي النظر إلى السَّوْءتَيْنِ يعتبر مزيد تأكُّد.
قال في "الوسيط": وذلك بأن تكون الحاجة بحيث لا يعد التكشف بسببها هَتْكاً للمروءة، ويعذر في العادات 131. وإلى هذا التَّرتِيب أشار في الكتاب بقوله: "وليكن النظر إلى السوءتين لحاجة مؤكدة".
ومنها: يجوز النظر إلى فَرْجِ الزَّانَيْينَ لتحمل شهادة الزنا، وإلى فَرْج المرأة لتحمل الشهادة 132 على الولادة، إلى ثدي المرضعة للشهادة على الرضاع لظهور الحاجة.
هذا هو الصحيح وفيه أوجه:
أحدها: قال الإصْطَخْرِيُّ: لا يجوز، أَمَّا في الزِّنَا فلأَنة ندب إلى سترة، وأما في الولادة والرضاع، فشهادة النساء مقبولة، فلا حاجة إلى تعمد الرجال النظر.
والثاني: يجوز في الزنا دون غيره؛ لأنه بالزنا هتك الحرمة فجاز هتك حرمته.
والثالث: يجوز في غير الزِّنا، ولا يجوز في الزِّنَا، لأن الحد مبني على الإِسقاط.
فرع: في الخُنْثَى المشكل وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 482
أظهرهما: الأَخْذُ بالاحتياط، فيجعل بالإِضافة إلى النساء رجلاً، وبالإِضافة إلى الرجال امرأة.
وعن القَفَّالِ: الحكم بالجواز استصحابًا لما كان في الصغر حتى يظهر خِلاَفُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): الخِطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَالتَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، وَالتَّعْرِيضُ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الوَفَاةِ، وَحَرَامٌ في عِدَّةِ الرَّجْعيَّةِ، وَفِي عِدَّةِ البَائِنِ وَجْهَانِ، وَيحْرُمُ الخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الغَيْر بَعْدَ الإِجَابَةِ، وَالسَّكُوتُ كَالإِجَابَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَيَجُوزُ الصِّدْقُ في ذِكرِ مَسَاوِي الخَاطِبِ لِيُحْذَرَ.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "الخِطْبَة مُسْتَحَبَّةٌ" ممكن أن يحتج له بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وما جرى عليه الناس لكن لا ذكر للاستحباب في كتب الأصحاب، وإنما تكلموا في الجواز.
واعلم أن المرأة إما خَلِيَّةٌ عن النكاح والعدة، فيجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً، أو منكوحةً فيحرم خطبتها تعريضاً وتصريحاً، أو مُعتَدَّةً فيحرم التصريح بخطبتها، وأما التعريض فيحرم أيضاً في عدة الرجعية؛ لأنها في معنى المنكوحات، ولا يحرم في عدة الوفاة على ما قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235]. وفرقوا بينه وبين التصريح، بأنه إذا صرح بخطبتها تحققت رغبته فيها، وربما تكذب في انقضاء العدة لغلبة شهوة، أو غيرها وإذا عرض لم تتحقق الرغبة، وفي بعض الشُّروحِ حكايته وجه: أن المتوفى عنها زوجها إن كانت تعتد بالْحَمْلِ لم تخطب خوفاً من أن تتكلف إلقاء ولدها.
أما البائنة، ففي التعريض بخطبتها قولان:
وقال الإِمام وصاحب "الكتاب" وجهان:
أصحهما: وهو نصه في "البُوَيطِىِّ": أنه يجوز لانقطاع سلطنة الزوج عنها وحصول البينونة.
والثاني: المنع؛ لأن لصاحب العدة أن ينكحها فأشبهت الرجعية والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب المقتضية للفسخ، كالبائنة والتي لا تحل لمن منه العِدَّةُ كالمُطَلَّقَةِ ثلاثاً والمفارقة باللعان، والرضاع كالمعتدة عن الوفاة، ومنهم من جعلها على الخلاف في الثانية، ثم في الصور التي لا فرق على المشهور بين أنْ تكون معتدة بالأَقْرَاء أو بالشُّهور.
وقيل: بتخصيص الْخِلاَفِ بذواتِ الأشهر وبالقطع بالمنع في فوات الأقراء؛ لأنها قد تكذب في انقضاء الْعِدَّةِ لِرَغْبَتِهَا في الخاطب، وفي الْمُعْتَدَّةِ عن وطء الشبهة طَرِيْقَانِ أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْخِلاَفِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بالْجَوَازِ؛ لأَنَّ من منه العِدَّةُ ليس له عليها حَقُّ نِكَاحٍ، وَرُبَّمَا بني الخلاف في هذه الصُّوَرِ خلافاً ووفاقاً عَلَى أَنَّ المقتضي للتحريم في الرَّجْعِيَّةِ ماذا؟
الجزء: 7 - الصفحة: 483
فقالت طَائِفَةٌ: المقتضي أنها تعرض أن تراجع فقد تَحْمِلُهَا الرَّغْبَةُ في الْخَاطِبِ عَلَى أَنْ تَكْذِبَ في انْقِضَاءِ العِدَّة دَفْعاً للرَّجْعَةِ.
وَقَالَ آخَرْونَ: المقتضي أَنَّها مَجْفُوَّةٌ بالطَّلاَق، فَعَسَاهَا تكذب، إِذا وَجَدَت رَاغِباً مُسَارَعَةً إلى الانْتِقَام من الزَّوْجِ، والمعنيان مَفْقُودَانِ، في الْمتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَجَازَ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا.
وفي البائنة وجد المعنى الثاني دون الأولِ، فكان على الخلاف والقائلون بهذا البِنَاءِ طردوا الْخِلاَفَ في المطلقة ثلاثاً وَفِي الْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا.
وقيل: إِنْ فَسَخَ الزَّوْجُ فعلى الْخِلاَفِ، وإِن فَسَخَتْ هي لم يَجَزْ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتَهَا قولاً واحداً، لأَنَّهَا رغبت عن صُحْبَتِه، فلا يؤمن كذبها في انقضاء الْعِدَّةِ إِذَا وَجَدَتَ رَاغِبًا.
والتَّصْرِيحُ في الخِطْبَةِ: أن يقولَ: أُرِيْدُ أَنْ نكاحك أو: إِذَا انْقَضَتْ عِدَتُكِ نَكَحْتُكَ، وإذا حللت فلا تفوتي على نفسك.
والتَّعْرِيضُ ما يحتمل الرغبة في النكاح 133 وغيره: كقوله: رُبَّ رَاغِبٍ فِيْكِ من يجد مثلك، وَأَنْتِ جَمِيْلَةٌ، وإذا حللت فأذينني وَلَسْتُ بِمَرغُوبٍ عَنْكِ، ولا تبقين أيِّمًا، ورُبَّ راغِبٍ في نِكَاحِكِ، وإنَّ اللهَ لَسَائِقْ إِلَيْكِ خَيْراً، وما أشبه ذَلِكُ.
وَحُكْمُ جَوَابِ المَرأَةِ تَصْريحًا وَتَعْرِيْضَاً في هذه الصُّوَرِ حكم الخطبة، وجميع ما ذكرنا، فيما إذا خَطَبَهَا غَيْرُ صَاحِبِ العِدَّةِ، فأَمَّا إِذَا خطبها صَاحِبُ العِدَّةِ الَّتِي يَحِلُّ له نِكَاحُهَا، فله خطبتها صريحاً وتعريضاً، ثُمَّ في الْفَصْلِ مَسْألَتَانِ:
إحداهما: تَحْرُمُ الخِطْبَةِ على خِطْبَةِ الْغَيْرِ بَعْدَ صريح الإِجَابَةِ إلاَّ إِذَا أَذن ذَلِكَ الْغَيْرُ أو تركها 134، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ -رَضِي اللهَ عَنْهُ- أنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه
الجزء: 7 - الصفحة: 484
وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ يَخْطِبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ" 135. وَيُرْوَى "إِلاَّ بِإِذْنِهِ" وَصَرِيحُ الإجَابةِ أن يَقُولَ: أجبتك إلى ذلك.
أو تأذن لوليها في التزويج منه وهي ممن يعتبر إذنها، وإن لم تصرح بالاِجابة وَلَكِنْ وَجَدَ مَا يُشْعِرُ بالرِّضَا والإِجَابَةِ [مثل أن تقول لا رغبة عنك] 136 فقولان القديم: أنَّ الخِطْبَةَ لا تحرم أيضاً لإِطلاق الْخَبَرِ، وَيُحْكَى هذا عَن أَبِي حَنِيْفَةَ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَالْجَدِيدُ: الْمَنْعُ: لأن خطبة الثاني لا تبطل شيئاً مقرراً، ولو ردت الخطبة فللغير خطبتها لا محالة، وإن لم تُوجَدْ الإجَابَةُ، ولا الرَّدُّ فمن الأَصْحَابِ مَنْ قَطَع بِجَوَازِ الْخِطْبَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ للسكوت أَثَراً، ومنهم من طرد فيه القولين، وَجَعَل السُّكُوتَ في الباب من أَمَارَاتِ الميل أو التأمل والاستشارة، وأقام مقيمون كَلاَمَ الفريقين طريقين في الْمَسْأَلَةِ، ويمكن ألا يَجْعَلَ هذا خلافاً محققاً، ويحمل الأول على سكوت لم يقترن به ما يُشْعِرُ بالرِّضَا.
قال الأَئِمَّة: والْمُعْتَبَرُ ردُّ الْوَلِيَّ، وإجابته إنْ كانت بِكْراً، والْوَليُّ الأب أو الجد دون رَدِّهَا، وإجابتها ورد المرأة وإجابتها إنْ كانت ثَيِّباً أو بِكْراً، وَالْوَليُّ غيرهما دون رَدِّ الْوَلِيِّ، وإجابته وفي الرَّقِيْقَةِ: المعتبر رَدُّ السَّيِّدِ، وإجابته.
وفي الْمَجْنُوْنَةِ رد السلطان، وإجابته.
= استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال فإذا وقع ذلك فلا شك أنه يأبى بالتحريم ما سبق في المرأة.
قال الخادم هذا غلط فاحش فإنه إنما امتنع ذلك في المرأة لأنها لا تحل إلا لزوج واحد أما الرجل الحر فإنه يتزوج أربعاً فهذا خطب لامرأة فكيف يعقل امتناع أن يخطب لغيرها وهو يجوز له نكاحها وعجيب قوله "فلا شك" نعم لو كان الشخص لا يجوز له إلا نكاح واحدة كالمجنون أمكن فيه ما قال.
انتهى.
وهو كلام محرر وقول الشيخ المصنف إلا إذا أذن الغير أو ترك استثنى أيضاً من رجع عن إجابته أو نكح من يحرم الجمع بينها وبين المخطوبة أو طال الزمان بعد إجابته بحيث يعد معرضاً كما حكاه الأذرعي عن الإِمام وشرط الحرمة أن يكون عالماً بالنهي وأن لا تكون الأولى محرمة بأن كانت في العدة واستثنى الأذرعي من تحريم الخطبة على الخطبة خطبة من لا أمان له ولا عهد قال فالوجه جواز الخطبة على خطبته وهل المرتد مثله.
فيه نظر.
الجزء: 7 - الصفحة: 485
واعلم أنَّ السَّابِقَ إلي الْفَهْمِ من إطلاقِ الأَكْثَرينَ، أن يكون سكوت الولي عن الجواب على الخلاف الذي مَرَّ، لكن ذكر بَعْضُهُم أنَّ سُكُوتَ الولي لا يمنع الخطبة قَطْعاً، كما أنّ السُّكُوتَ لا يمنع السَّومَ على السَّوم بخلاف سكُوتِ الْمَرْأَةِ؛ لأنها مَجْبُولَةٌ على الْحَيَاءِ فلولا الرِّضَا عند السُّكُوتِ لَبَادَرَتْ إلىَ الرَّدِّ.
وعن الدَّارِكِيِّ: أَنَّ الْخِلاَفِ في سكُوتِ الْبِكْرِ، أما الثَّيِّبُ فإن سُكوتَهَا لا يمنع الْخِطْبَةَ بحال.
فَرْعٌ: يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الْخِطْبَةِ للذي لم يدر أنها أخُطبت أم لا، ولم يَدْرِ أن الْخَاطِبَ أجيب أم رد ولذلك الجواب 137 واحتج له بخبر فَاطِمَةَ بنت قَيْسٍ، وَذَلِكَ أن زوجها طَلَّقَهَا فَبَتَّ طلاقها، فَأَمَرَهَا النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ تَعْتَدَّ في بيت ابن أُمِّ مَكْتُومٍ وقال لها: "إِذَا حَلَلْتِ فَأْذَنِيْنِي" فلما حلت أخبرته أن معاوية وأبا جهم قد خطباها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ" 138. والاستدلال أنه خطبها لأسامة بعد خطبة غيره لما لم يعلم أنها أجابت أوردت.
فَرْعٌ: وَلاَ فَرْقَ بين أن يكون الْخَاطِبُ الأَوَّلُ مُسْلِماً أو ذمِّيّاً وهذا إذا كانت المخطوبة ذمية.
وعن أبي عِيْدِ بنِ حربُوْيَه: أنَّ الْمَنْعَ مَخْصُوصٌ بما إذا كان مُسْلِماً، أَمَّا الذِّمِّيُّ فتجوز الخطبة على خطبته، وبمثله أجاب في السَّومِ على السَّومِ 139.
الثانية: يجوز الصِّدقُ في ذكر مَسَاوِئ الْخَاطِبِ، ليحذر 140، بدليل خَبَرِ فَاطِمَةَ
الجزء: 7 - الصفحة: 486
بِنْتِ قَيْسٍ -رضي الله عنها- فإن النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ- تعرض للخاطبين بما يكرها، ومعاوية الذي خَطَبَهَا هو ابن أبي سُفْيَانَ على المشهور، وقيل: بل غيره.
وقوله: لاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ.
قيل: كناية عن كَثْرَةِ الضَّرْبِ، وَسُوءِ الْخُلُقِ.
وقيل: عن كثرة السَّفَرِ.
وَعَن أبي بَكْرِ الصَّيْرَفِىُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عن كثرة الْجِمَاعِ، واسْتُبْعِدَ ذلك؛ لبُعْدِ اطِّلاَعِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على هذه الْحَالَةِ من غيره، ثم لبعد ذكره عن خلقه وأدبه، ثم؛ لأن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك، وليس هذا من الغيبة المحرمة إنما الغيبة المحرمة ذكر مَثَالِب النَّاسِ وإضحاك النَّاس بها وهتك أسْتَارِهِمْ، وذكر مساوئ الإِنْسَانِ بين يدي عدوه تَقَرُّبَاً إليه، وما أشبه هذه الأَغْرَاضَ الْفَاسِدَةَ 141.
وأما إذا أراد نصيحة الْغَيْرِ ليحترز عن وصلته بالنِّكَاحِ، والشركة ونحوهما، فلا منع.
= مساوئها جوازًا أو وجوباً لم أرَ فيه شيئاً والوجوب مطلقاً بعيد بل عليه النصح إجمالاً بأن لا يقول في ما لا يلائمكم ونحو ذلك ويعيد جواز ما لا يباح له التحدث به من الفواحش ونحوها ولا خرج عليه في قوله عندي شح أو خلقي شديد ونحوهما فلو كان عنينا أو أشل فيجب أن يبين حاله بياناً لعيبه كما لو كان به برص ونحوه من العيب وهذا ظاهر لا شك فيه.
انتهى.
قال في الخادم: قال البارزي إن كان فيه شيء من العيوب المثبتة للخيار وجب ذكره للزوجة وإن كان فيه ما يقلل الرغبة عنه كسوء الخلق والتسبيح وغيره مما لا يثبت الخيار استحب وإن كانت المساوئ في المعاصي وجب عليه التوبة في الحال ويستر نفسه وإن كانت الاستسارة في ولاية فإن علم من نفسه عدم الكفاية أو الخيانة وأنه لا تطوعه نفسه على تركها فيجب عليه أن يبين ذلك أو يقول لست أهلاً للولاية.
انتهى.
وذكر المساوئ محله إذا لم يحصل الغرض بدون تفضيل فإن حصل بالبعض وجب الاقتصار عليه كما ذكره النووي في الأذكار والغزالي في الإِحياء.
الجزء: 7 - الصفحة: 487
وقد رُوِيَ أنه قَالَ -صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ- قال:" إِذَ اسَتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحُهُ" 142.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): يُسْتَحَبُّ الخُطْبَةُ عِنْدَ الخِطْبَةِ، وَعِنْدَ العَقْدِ، وَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ الوَلِيُّ: الحَمْدُ للهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ زَوَّجْتُ، وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَقْبَلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الإِيجَابِ وَالقَبُولِ لاَ يَضُرُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِمَنْ خَطَبَ امْرأَةً أن يقدم بين يدي خِطْبَتهِ خُطْبَةً، فَيَحْمَدَ اللهَ، ويثني عليه، ويُصَلِّي على رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويوصي بتقوى اللهِ تَعَالَى، ثم يقول: جئتكم خاطباَ كَرِيْمَتَكُمْ ويخطب الولي أيضاً كذلك ثم يقول: لست بمرغوب عَنْك وما في معناه ويُسْتَحَبُّ خطبة أيضاً عند العقد.
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رضي اللهُ عَنْهُ- النَّبِيَّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: = الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه.
منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنِّفين، وذلك جائز بالإِجماع، بل واجب، صوناً للشريعة.
ومنها: الإِخبار بعينه عند المشاورة في مواصلته.
ومنها: إذا رأيت من يشتري معيباً، أو عبداً سارقاً، أو زانياً، أو شارباً، تذكره للمشترى -إذا لم يعلمه- نصيحة، لا بقصد الإِيذاء والإِفساد.
ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علماً، وخفت عليه ضرره، فعليك نصيحته ببيان حاله قاصداً النصيحة.
ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهلَّيته أو فسقه، فتذكره لمن عليه ولاية ليستبدل به، أو يعرف حاله فلا يعتبر به أو يلزمه الاستقامة.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالخمر، ومصادره الناس، وجباية المكوس، وتولّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلاّ بسبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان معروفاً بلقب، كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير ونحوها، جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقصاً، ولو أمن التعريف بغيره، كان أولى.
هذا مختصر ما تباح به الغيبة.
والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 488
"كُلُّ كَلاَم لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بِالْحَمْدِ للهِ فَهُوَ أجْذَمُ" 143 ويروى "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأ فِيْهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أبْتَّرٌ".
وسواء خطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي يحصل الاستحباب وإذا قال الولي: الحمد لله، والصلاة على رسول الله زوَّجت منك، فقال الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله قبلت، هل يصح النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا -لأنه تخلل بين الإِيجاب والقبول ما ليس من العقد.
وأصحهما: الصحة؛ لأن المتخلل من مصالح العقد، ومقدمات القبول، فلا يقطع الموالاة بينهما كالإِقامة بين صلاتي الجمع، وكطلب الماء والتيمم، وبهذا الوجه أجاب أكثر الأصحاب من العراقيين وغيرهم، وقالوا: للنكاح خطبتان مستويتان:
إحداهما: تتقدم العقد.
والثانية: تتخلله وهو أن يقول: الولي بِسْمِ اللهِ، والْحَمْدُ للهِ، والصلاة على رسول الله أوصيكم بتقوى الله.
زوَّجتك فلانة، ويقول الزوج مثل ذلك [ثم يقول قبلت، وعلى هذا ينطبق قوله في الكتاب ثم يقول الزوج مثل ذلك بعد قوله] 144 وعلى هذا ينطبق قوله وحسن أن يقول الولي إلى آخره، ثم هنا كلمتان:
إحداهما: قال الأئمة -رحمهم الله-: موضع الوجهين ما إذا لم يطل الذكر بينهما، فإنْ أَطَالَ قطعنا ببطلان العقد 145، وكان يجوز أنْ يُقَالَ إذا كان الذّكْرُ مقدمة للقبول وَجَبَ ألا تضر إطالته؛ لأنها لا تشعر بالإِعراض.
والثانية: لو كان المتخلل كلاماً لا يتعلق بالعقد ولا يستحب فيه، فإيراد بعضهم يقتضي الجزم بالبطلان.
وحكى الإِمَامُ وجهين فيه أيضاً:
وَجْهُ البُطْلاَنِ فيه أنَّ الكلامَ الأجنبي، وإن كان يسيراً فهو كالسُّكُوتِ الطويل ألَّا
الجزء: 7 - الصفحة: 489
ترى أنّ الكلامَ اليسير يبطل الموالاة في الفاتحة، كالسكوت الطويل 146 واستشهد للوجه الثاني بنصِّ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله- في مسألة نذكرها في آخر الباب الأول من كتاب "الْخُلْعِ" إن شاء الله -تعالى- فعلى هذا لا فرق في جريان الوجهين، وكان الفرق في الأظهر منهما، ويتأيد ما ذكرناه بأن مقدار الإقامة مما ليس من مصلحة الطلاق لا يبطل الموالاة بين صلاتي الجمع، فالحكم يدار على كون المتخلل يسيراً، لا على كونه مصلحة الصلاة 147 واستحب الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أن يقول الولي: أنكحتها على ما أَمَرَ اللهُ تَعَالَى من إمساك بِمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحسان، وهذا إذا ذكراه قبل العقد، فذاك، وإن قيد الولي الإِيجاب به وقبل الزوج مطلقاً أو مكرراً له فوجهان:
أحدهما: أنه يبطل النكاح؛ لأنه نكاح بشرط الطلاق على أحد التقديرين، وهذا ما اختاره الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ.
وأصحهما: الصحة؛ لأن كُلَّ زوجٍ مأخوذ به بموجب الدّين فليس في ذكره إلاَّ التعرض لمقتضى العقد، وفصّل الإمام فقال: إن أجرياه شرطاً ملزمًا، فالوجه البطلان، وإن قصدا الْوَعْظَ دون الإلْزَامِ لم يضر، وإن أطلقا احتمل واحتمل وَقَرِيْنَةُ الْحَالِ تدل على قصد الْوَعْظِ، وتبركَ الأئمة بخطبة النِّكَاح بما روي عن ابنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- موقوفاً ومرفوعاً:
قال: إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل: الحَمْدُ للهِ.
نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم قرأ هذه الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].
وعن القَفَّالِ: أنه كان يقول بعد هذه الخُطْبَةِ: أما بعد فإنّ الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد لا مُؤَخَّرَ لِمَا قَدَّمَ، وَلاَ مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّر، ولا يجتمع اثنان، ولا يفترقان إلاَّ بقضاء الله، وقدره وفي كتاب قد سبق، وإن مما قضي الله وقدر أن خطب فلانٌ بنُ فلانٍ فُلانَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ على صداق كذا، وسيزوجها وليها، أو وَكِيْلُ
الجزء: 7 - الصفحة: 490
وَلِيِّهَا على ما سمى من الصدقات على ما أخذ الله للمؤمنات على المؤمنين من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
أقول: قولي هذا وأستغفر اللهَ لي ولكم أجمعين.
وزاد القاضي الرُّوَيَانِيُّ وغيره بين كلمتي الشهادة وبين الآيات الذي أرسله بالهدى، ودَيْنِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ، ثم اعلموا أن الله تعالى أَحَلَّ النكاح، وندب إليه وحرم السِّفَاحَ وأوعد عليه فقال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] الآيتين.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوْا" وقال: "النِّكَاحُ سُنَّتِي ... " (1) الحديثين وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ للزوجين بعد العقد رُوِيَ أنه -عليه السَّلامُ- كان يقول للإنسان إذا تزوج "بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ" (2) وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال لي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ فَقُلْتَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ" (3).
قَالَ الغَزَالِيُّ:
(القِسْمُ الثَّانِي في الأَرْكَانِ)
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ الصِّيغَةُ) وَهِيَ الإِنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ، وَلاَ يَقُومُ (ح م و) غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا إلاَّ تَرْجَمَتَهُمَا (و) بِكُلِّ لِسَانٍ في حَقِّ القَادِرِ وَالعَاجِزِ جَمِيعاً، وَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالكِنَايَةِ لأَنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ، وَلاَ البَيْعُ عَلَى وَجْهٍ لأَنَّ المُخَاطَبَ لاَ يَعْلَمُ، وَيَصِحُّ الطَّلاَقُ وَالإِبْرَاءُ وَالفَسْخُ وَمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَهَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ قَبِلْتُ148149150
الجزء: 7 - الصفحة: 491
أَوْ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ نِكَاحَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالإِسْتِيجَابِ وَالايجَابِ، وَالخُلْعُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ وَالكتَابَةِ أَوْلَى بِالانْعِقَادِ، وَفِي البَيْعِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الجَمِيعِ وَهُوَ القِيَاسُ.
"
القول في أركان النكاح
"
قال الرَّافِعِيُّ: عد أركان النِّكَاح أربعة:
أحدها: الصيغة إيجاباً وقبولاً فيقول الولي: زوجتك أو نكحتُك، ويقول الزوج: تزوجت، أو نَكَحْتِ، أو قبلت تزويجها، أو نكاحها، أو يقول الزَّوْجُ أولاً: تزوَّجتُها أو نَكَحْتُها فيقول الوليُّ: زوَّجتُك أو أنكحتُكَ.
واللفظ المعتبر في الباب هو الإِنكاح والتزويج، فلا ينعقد بسائر الألفاظ سواء منها ما يقتضي التمليك 151 كالبيع والهبة والصدقة 152، أو لا يقتضيه كالإِحلال والإِباحة وسواء إن جرى ذكر المهر، أو لَمْ يَجْرِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 492
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: ينعقد بما يقتضي التمليك دون الإِحلال والإِباحة، وعنه اختلاف رواية في لفظ الإِجارةِ.
وقال مالك -رضي الله عنه-: ينعقد بسائر الألفاظ بشرط ذكر الْمَهْرِ، واحتج الأصحاب للمذهب بأن ما ينعقد به غير النكاح لا ينعقد به النكاح؛ كالإِحلال والإِباحة، فإن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تُتَلَقَّى من الشرع، والقرآن ورد بهذين اللفظين دون غيرهما، وهل ينعقد بمعنى اللفظين بالعجمية، وسائر اللغات؟! فيه طريقان:
أحدهما: إنه إن كان يحسن الْعَرَبِيَّةَ، ويقدر على التكلم بها، فلا ينعقد؛ لأنه عدل عن النكاح، والتزويج مع القدرة فصار كما لو عدل عن البيع والتمليك وَيُحْكَى هذا عن أحمد.
وإن لم يحسنها فوجهان:
أحدهما: أنَّ الجواب كذلك؛ لأن العربية لما كانت شرطاً عند القدرة لم يَجُزْ غيرهما عند الْعَجْزِ كقراءة الفاتحة، وعلى هذا فيصبر إلى أن يتعلم، أو يوكل.
وأصحهما: الانعقاد؛ لأنه لفظ لا يتعلق به إعجاز، فاكتفى بترجمته عند العجز كالتكبير وعلى هذه الطريقة جَرَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وآخرون.
وأظهرهما: أنه إن لم يحسنها انعقد النكاح وجهاً واحدًا ولا يكلف التعلم والعقد، بغير لغته كما في سائر العقود، وإن أحسنها فوجهان:
أصحهما: الانعقاد أيضاً اعتباراً بالمعنى وليس كلفظ البيع والتمليك، لاختلاف المعنى، وتحكى هذه الطريقة عن ابن أبي هُرَيْرَةَ والقاضيين أبي حَامِدٍ وأبي الطَّيِّبِ، وإذا أطلقنا الكلام، واختصرنا حصل في المسألة ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
ثالثها: الفرق بين أن يُحْسِنَ العربية، أو لا يحسنها وينسب هذا إلى الإصْطَخْرِيِّ ومنهم من ينسب إليه المنع المطلق وترجمه اللفظين بالعجمية أن يقول: ["بزنى توداذم"] 153 ويَقُولُ الزَّوجُ: [بزني كردم] 154، [أو] 155 نحو ساتم [بزنى، أو = أخذا من الكتاب والسنة بالاستقراء دون الهبة.
وأما المعقول فقد قالوا فيه: إن الهبة من ألفاظ الطلاق حتى أن يقع الطلاق بقوله الزوجية: وهبتك لأهلك فلا يكون موجبًا لضده.
واستدل المالكية والحنفية على انعقاد النكاح بلفظ الهبة بنفس الآية التي استدل بها الشافعية.
ووجه الدلالة منها أنهم قالوا: إن هذا اللفظ انعقد به نكاح النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجب أن ينعقد به نكاح أمته كلفظ الإِنكاح والتزويج.
الجزء: 7 - الصفحة: 493
يديرافتم بزنى] 156 ولا يكفي أن يقول [بتوداذم] 157 فيقول [بنيرافتم] 158، لأنه معنى الهبة دون النكاح، وإذا أتى أحد المتناكحين بالعربية والآخر بغيرها لم يخف التخريج على الخلاف المذكور، وإذا صححنا فذلك إذا فهم كل واحد منهما كلام الآخر، فإن لم يفهم ولكن أخبره ثقة عن معنى لفظ الآخر، ففي الصحة وجهان 159، ولا يُشْتَرَطُ اتفاق اللفظين من الجانبين.
بل لو قال: أنكحتك فقال الزوج: تزوجت، أو قال: زوجتك.
فقال: نكحت جاز كما سبق نظيره في "البيع" ثُمَّ في الفصل مسألتان:
المسألة الأولى: لا ينعقد النكاح بالكنايات وينعقد بما يستقل به الشَّخْصُ كالطلاق والفسخ والإِبراء، وفي "البيع" وجهان.
وكل ذلك قد ذكرناه في "البَيْع" فإذا قال الولي: زوجتكها فليقل الزوج: قبلت نكاحها أو تزوجتها أو قبلت هذا النكاح، فإن اقتصر على قوله: قبلت فالنص في "الأم" أنه لا يصح النكاح، وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ونصه في "الإِملاء" الصحة، وفيهما طرق للأَصْحَابِ:
أصحها: أنَّ الْمَسْألَةَ على قولين:
أحدهما: الصحة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لأن الْقَبُولَ ينصرف إلى ما أوجبه الولي، فكان كالمعاد لفظاً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لم يُوْجَدْ منه التصريح بواحد من لفظي النِّكَاحِ والتزويج، والنِّكَاحُ لا ينعقد بالكنايات.
والثاني: القطع بالمنع، والمطلق في "الإملاء" محمول على المقيد في "المختصِر".
والثالث: القطع بالصحة، وينزل ما في "الأم" و"المختصر" على التأكيد، ولو قال: قبلت النكاح، ولم يضف النكاح إليها، أو قال: قبلتها، ولم يذكر النكاح، ففيه خِلاَفٌ مرتب على الخلاف فيما إذا اقتصر على قوله: "قبلت"، وهاتان الصورتان أولى
الجزء: 7 - الصفحة: 494
[بالصحة] 160 للتصريح بالنكاح في الأولى والإضافة إلى المنكوحة في الثانية، وأجرى مجرون الْخِلافِ فيما إذا قَالَ: زَوَّجْنِي، أو أنْكَحْنِيْ، فقال الْوَلِيُّ: قَد فَعَلْتُ ذَلِكَ، أَوْ نَعَمْ اكتفى بلَفْظِ النِّكَاحِ في أحد الطرفين، وفيما إذا قال الوَلِيُّ: زوجتكها أو أنكحتكها.
أَقَبِلْتَ؟ قَالَ: نعم.
وكذا لو قال: نعم من غير قول الولي: أقبلت؟.
ومنهم من قطع بالمنع، كما لو قال أتزوجني ابنك؟.
فقال: نعم.
فقال: قبلت.
والأول أقيس، وفي نظائر هذه الصور من البيع ينعقد البيع وكذا لو قال: بعت منك كذا فاقتصر في الجواب على قوله: قبلت على ما سبق في "البيع".
وحكى الحنَّاطِيُّ وجهاً: أنه لا ينعقد كما في النكاح، وقد ذكرنا في "البيع" خلافاً فيما إذا كتب إلى غَائِبٍ بالبيع ونحوه مِنَ التَّصَرّفَاتِ، وَأَمَّا في النِّكَاحِ ففيما علق عن القاضي أبي سعد الهَرَوي إثبات وجهين أيضاً؛ لأن الْغَائِبَ يخاطب بالكتاب، وَقَطَعَ بالْمَنْعِ فِيْمَا إِذَا كانا حاضرين فَتَنَاكَحَا بالكتابة؛ لأنه لاَ ضَرُورَةَ، والْمَشْهُور الْمَنْعُ في الغائب أيضاً؛ لأن الكتابة كناية والنكاح لا ينعقد بالكناية.
قال في "التَّهْذِيْبِ": ولو خاطب غائباً بلسانه فقال: زوَّجتُك ابنتي، ثم كتب فبلغه الكتابة أو لم تبلغه أن بلغه الخبر فقال: قبلت نكاحها فيلغو؛ لتراخي الْقَبُولِ عَنِ الإيْجَابِ، أَوْ يصح ويجعل كَأنَّهُ خاطبه حين أتاه الكتاب، أو الخبر.
فيه وجهان وقد يُسْتَبْعَدُ خِطَابُ الغائب بقوله: زوجتك ابنتي؛ لأن مكالمة الغائب بخطاب الحاضر ضربُ سَفَهٍ.
ولو قال: زوجت ابنتي من فلان، وجب أن يكون على هذا الخلاف وقد حكينا في نظيره من "البيع" الصحة، ثم إذا قلنا بصحة النكاح، إما بمجرد الكتاب، أو
الجزء: 7 - الصفحة: 495
عند التَّلَفُّظِ، فالشَّرْطُ أن يقبل في مجلس بلوغ الخبر، وَأَنْ يَقَع الْقُبُولُ بمحضر شاهدي الإِيجاب 161 فإن حضر غيرهما لم يصح.
فَرْعٌ: قال القاضي الرُّويَانِيُّ: إذا استخلف القاضي فقيهاً في تزويج امرأة لم يَكْفِ الكتاب، بل لا بدّ من اللفظ.
وفي "المجرد" للحَنَّاطِيِّ: أنه على وجهين وهل للمكتوب إليه اعتماد الخطِّ الظاهر المنع 162. وفيه وَجْهٌ متفرع من الخلاف في جواز الاعتماد على منشور تولية القاضي.
المسألة الثانية: إذا قال: زوجني -فقال الولي: زوجتك فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ بعده: قبلت- فلا كلام في صحة النكاح، وإن لم يقل فالنَّصُّ الصحة أيضاً لوجود الاستدعاء الجازم.
وقد رُوِيَ أَنَّ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي خَطَبَ الواهبة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: زَوَّجْنِيْهَا فقال: "زَوَّجْتُكَهَا" ولم ينقل أنه قال بعد ذلك: قبلت 163. وهذا ظاهر المذهب؛ وبه قال أبو حَنيْفَةَ -رضي الله عنه- وحكى الإِمَامُ أن من الأصحاب من أثبت فيه الْخِلاَفَ الذي سبق في "البيع".
ذكره.
والخلع، والصلح عن الدم والإِعتاق على المال أولى بأن ينعقد بالاستيجاب والإِيجاب فإذا قالت: طلقني أو خالعنيَ على أَلْفٍ، فأجابها الزوج طلقت ولزمها الألف، ولا حاجة إلى قبول بعده.
وكذا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: أعتقني على كذا، فأجابه إليه، أو قال من عليه القِصَاصُ: صالحني على كذا، فقال المستحق: صالحتك عليه، وإنما كانت أَوْلَى بالانعقاد؛ لأن الْغَرَضَ الأَصْلِيَّ من هذه العقود الطلاق، والعِتْقُ والعَفُّو، وهذه المقاصد يمكن تحصيلها بلا عِوَضٍ، وإن ذكر عوض فهو على سبيل الاقتداء والتبعية ولهذا صح
الجزء: 7 - الصفحة: 496
بدل المال على الطلاق، والعتاق من الأجنبي -وأما النِّكَاحُ فَإنَّهُ لاِ يخلو في وَضْعِهِ على العِوَضِ إلاَّ في غاية النُّزورِ، فكان أشبه بالبيع والمْعَاوَضَاتِ، ويحققه أن هذه العقود تصح بِصَيْغَةِ التَّعْلِيقِ بِخِلاَفِ الْمُعَاوَضَاتِ، وإذا عَرَفْتَ أن هذه العقود أولى بالانعقاد، فالقاطعون بأن النِّكَاحَ ينعقد بالاستيجاب والإِيجاب أولى بالقطع هاهنا والمثبتون للخلاف هناك امتنع أكثرهم من طرده هنا.
وعن الشَّيْخِ أبي محمد رواية طريقة طاردة للخلاف في هذه العقود، واستحسنها الإِمام وصاحب "الكتاب" من جهة القياس وتردد الشَّيْخُ أبو محمد في أَنَّ الكتابةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْخُلْعِ [والعتاق] 164 حتى نقطع بانعقادها بالاستيجاب والإِيجاب، أو منزلة النكاح حتى يجيء فيه الطريقان؛ لأن الْكِتَابَةَ مترددة بين الإِعتاق والمعاوضات، والاحتمال الأول هو المذكور في الكتاب، وجميع ما ذكرنا فيما إذا كانت صيغة الاستدعاء: زوجني وخالعني وأعتقني ونحوها.
أما إذا قال الزوج قل [زوَّجتُكَها] 165 منك قال الشَّيْخُ أبو محمد رحمه الله: ليس ذلك في معنى الاستيجاب؛ لأنه اسْتِدْعَاءُ للفْظِ دون التزويج، فإذا تلفظ أشبه أن يقتضي القبول، كما كان يقتضيه إذا لم يستدع شيئاً.
ولو قال الوَلِيُّ: لا تتزوج ابنتي، فقال الزَّوْجُ: تزوجت فهو كما لو قال الزوج: زوجني فقال الولي: زوجت، هذا هو الجواب المعروف، وقد حكينا في "البَيْعِ" عَنْ بَعْضِهِمْ الْمَنْعَ ويمكن أَن نقول بمثله هنا.
ولو قال: أتزوجني ابنتك، أو زوجت منى ابنتك فقال الولي: زوجت لم ينعقد إلاَّ أن يقول الخاطب بعده: تزوجت.
وكذا لو قال الولي: أتتزوج ابنتي؟ أو تزوجتها؟ فقال: تزوجت [لا ينعقد إلاَّ أن يقول الولي بعده: زوجتك؛ لأنه استفهام، ولو قال المتوسط للولي: زوجته ابنتك من فلان، فقال: زوجت] 166 ثم أَقْبَلَ على الخاطب فقال: قبلت نكاحها فوجهان كما ذكرنا في "البيع".
أحدهما: لا يصح لعدم الْخِطَابِ بين المتعاقدين.
وبه قال القَفَّالُ.
وأصحهما: الصحة -لوجود الإيْجَاب والقَبُولِ، وارتباط أحدهما بالآخر، أما لفظ الكتاب فقوله: "الصيغة -وهي الإنكاح والتزويج ليس من ضرب 167 قوله في [أول] 168 "البيع" "الصيغة وهي الإيجاب والقَبُوَلُ"، بل المُرَادُ هاهنا أنَّ الصِّيْغَة إيجاباً وقَبُولاً تُعْتَبَرُ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَينِ وقوله: "لا يقوم غيرهما مقامهما" معلم بالحاء والميم وقوله: "إلاّ ترجمتهما"
الجزء: 7 - الصفحة: 497
بالواو.
وقوله: "في حقِّ الْقَادِرِ كذلك" إشارة إلى الوجه الفارق بين القادر والعاجز.
وقوله: "فيه وجهان" بالواو للطريقين القاطعين على ما قَدَّمْنَا، ثم الخلاف على المشهور قولان لا وجهان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَقْبَلُ النِّكَاحُ التَّعْلِيقَ فَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ وَلَدِي أُنْثَى فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا لَمْ يَصِحَّ (و) وإنْ كَانَتْ أُنْثَى، وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَني ابْنَتَكَ وَيضَعَ كُلُّ وَاحِدٍ صَدَاقَ الأُخُرَى لَمْ يَصِحَّ، لأن الشِّغَارُ المَنْهِيُّ عَنْهُ، وَلأَنَّهُ إِشْرَاكٌ فِي البُضْعِ فَإِنْ تَرَكَ جَعَلَ البُضْعَ صَدَاقاً فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ النِّكَاحِ وَهُوَ المُتْعَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: النِّكَاحُ لا يقبل التعليق.
مثل أَنْ يَقُولُ: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ؛ لأن البيع والمعاوضات لا تقبل التعليقات، والنكاح مع اختصاصه بوجه الاحتياط أولى لو أخْبِرَ بِمَوْلُودٍ فقال لجليسه: إن كانت بنتاً فقد زوجتكها.
أو قال: إن كانت بنتي قد طلقها زوجها، أو مات عنها، وانقضت عدتها، فقد زوجتكها، أو كانت تحته أربع نسوة، فقال له غيره إن مَاتَت وَاحِدَةٌ: مِنْهُنَّ فقد زوجتك ابنتي.
أو قال: إن مات أبي ورثت منه هذه الْجَارِيَةَ، فقد زوجتكها وَبَانَ لأمر كما قدر 169 فقد تثبت هذه الصورة ونظائرها على أنه إذا زوج أمة أبيه، أو باعها على ظنِّ أنه حيٌّ، فَبَانَ أنه كان ميتاً يوم العقد.
هل يصح العقد؟.
فيه قولان ذكرناهما في أَوَّلِ "الْبَيْعِ".
فإن قلنا: لا يصح الْعَقْدُ هناك مع أَنَّهُ أَطْلَق، فهاهنا مع التعليق أولى، وإن قلنا: يصح عند الإِطلاق ففي هذه الصورة وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 498
أحدهما: أنَّ النِّكَاحَ صَحِيْحٌ؛ لأن التصحيح، وإن جزم به على تقدير هذا التعليق، فإذا صَرَّحَ به فقد صَرَّحَ بمقتضى العقد، وَيُحْكَى هَذَا عَنْ أبِي حَنيْفَةَ رحمه الله.
وأصحهما: وهو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يَصِحُّ لِفَسَادِ الصِّيْغَةِ، وذكر في "التهذيب" (1) أنه لو بُشِّرَ ببنت فقال: إنْ صَدَقَ الْخَبَرُ، فقد زوجتكها صح، ولا يكون ذلك تعليقاً، بل هو تَحْقِيقْ، كما لو قال: إن كنتِ زَوْجَتِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ يكون تَنْجِيْزاً للطلاق ويكون "إن" بمعنى "إذ"؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
وكذا لَوْ أخْبِرَ: من له أَرْبَعُ نُسْوَةٍ بموت إحداهن، فقال لرجل: إن صَدَقَ الُخَبَرُ فقد نكحت ابنتك، وقال ذلك الرَّجُلُ: زوجتكها، صَحَّ ويجب أَنْ يكون هذا الْجَوَابُ مفروضاً فيما إذا تيقَّنْ صدق المخبر، وإلاَّ فكلمة "إن" للتردد فيما إذا دَخَلَتْ عليه تعليق واشتراط (2).
"
القول في حكم نكاح الشغار
"
المسألة الثانية: إذا قال: زوَّجتُك ابنتي، أو أختي، أو أمتي على أن تزوجني ابنتك، أو أختك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقاً لِلأُخْرَى وقبل الآخر، أو قال: زوجتك ابنتي، وتَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ، أو أختك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقاً للأخرى.
فقال المخاطب: تزوجت وزوجت على ما ذكرت، فهذا نكاح الشِّغَارِ 172 وُسُمِّيَ بِهِ إِمَّا من قَوْلُهُمْ شَغَرَ الْبَلَدُ عَنِ السُّلْطَانِ إذا خلا لخلوه عن المهر.170171
الجزء: 7 - الصفحة: 499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يزوجه الآخر موليته ليس بينهما صداق، وقد قال عياض عن بعض العلماء كان الشغار من نكاح الجاهلية يقول: شاغر في وليتي بوليتك أي: عاوضني جماعًا بجماع.
وقنت بعض العلماء الشغار إلى ثلاثة أقسام:
الأول: صريح الشغار وهو أن يقول الرجل لصاحبه: زوجني ابنتك مثلاً على أن أزوجك ابنتي مثلاً من غير صداق.
الثاني: وجه الشغار وهو أن يقول له زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة.
الثالث: المركب منهما، وهو أن يقول له زوجني ابنتك بلا شيء على أن أزوجك ابنتي بمائة، فالصريح هو الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه هو المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب هو المسمى فيه لواحدة دون الثانية.
ويحرم الإِقدام عليه بجميع أنواعه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الإِشِغَارَ في الإِسْلاَمِ" ولما كان المالكية قد قسموا الشغار إلى الأقسام الثلاثة المتقدم نبين الحكم عندهم في هذه الأقسام، أما صريح الشغار فقالوا: يفسخ مطلقاً قبل الدخول، وبعده ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول ولها بعده صداق والمثل، وأما وجه الشغار فقالوا: يفسخ قبل الدخول، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بأكثر من المسمى وصداق المثل وأما المركب منهما، فيفسخ قبل الدخول في كل، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت نكاح المسمى لها بعد الدخول بالأكثر من المسمى، وصداق المثل، ويفسخ نكاح من لم يسم لها، ولها صداق الله.
وقد اختلف الفقهاء في نكاح الشِّغَار هل هو صحيح أو فاسد ونستطيع أن نحصر الخلاف بينهم في مسألتين: الأولى: إذا لم يسميا صداقًا لواحدة منهما، بل يجعلان يضع كل صداقًا للأخرى، وهو المسمى بصريح الشغار، وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا النكاح وفساده.
فذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية والشافعية إلى القول بفساد النكاح في هذه الحالة.
إلا أن الشافعية كما يفهم مما جاء في كتبهم يقولون إن محل فساد النكاح في هذه الحالة إذا جعل بضع كل واحد منهما صداقًا للأخرى، وأما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقًا للاخرى، فالأصح عندهم الصحة للنكاحين.
وذهب الحنفية إلى القول بصحة النكاح، وأنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها، وحكي هذا عن عطاء وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري.
استدل الحنفية ومن معهم بما يأتي -قالوا لما جعلا بضع كل منهما صداقًا للأخرى فقد سميا ما لا يصلح صداقًا.
والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة وإذا كان الأمر كذلك صح النكاح ووجب مهر المثل كما لو سميا خمرًا أو خنزيرًا.
فيكون حاصل هذا الدليل أن فساده من جهة المهر وفساد المهر لا يوجب فساد العقد.
ويرد هذا الدليل بأن الفساد هنا ليس من جهة المهر بل فساده من جهة أنه أوقفه على شرط فاسد يوجب فساد العقد، إذ فيه التشريك في البضع لأن كل واحد منهما جعل بضع مولية موردًا للنكاح وصداقًا للأخرى فأشبه تزويجها من رجلين وهو باطل فكذلك ما هنا على أن هذا معقول في مقابلة النص وهو باطل.
واستدل المالكية ومن معهم بالسنة والمعقول.
أما السنّة: فأولاً ما روى عن أبي الزنا وعن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهي =
الجزء: 7 - الصفحة: 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشغار" ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشغار والنهي يدل على فساد المنهي عنه فوجب أن يكون الشغار فاسداً.
وهذا الذي روي عن أبي هريرة روي مثله أيضاً صحيحاً مسنداً عن ابن عمر فقد روي عنه أنه قال إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشغار.
متفق عليه.
وروي أيضاً من طريق جابر وأنس.
ثانياً: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "الإشغار في الإِسلام" ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لإشغار في الإسلام" وهذا يحتمل أمرين نفي وجود الشغار في الإِسلام.
ونفي صحة ولا شك أن وجوده في الإِسلام واقع فتعين حمل الكلام على نفي الصحة.
وأما المعقول فقد قالوا فيه أن كل واحد منهما جعل بضع موليته مورداً للنكاح وصداقاً للأخرى وذلك يوجب فساد العقد كما لو زوج موليته من رجلين.
وقد قيل للمالكية ومن معهم في الأحاديث ما يأتي -أولاً أن النهي عن نكاح الشغار ونكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض وما هنا نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارًا -وترد هذه المناقشة بأن القول بأن هذا نكاح بعوض وهو مهر المثل غير مستقيم.
فإن مهر المثل إنما أوجبتموه أنتم لتصحيح مذهبكم.
وذلك أن الواقع في العقد إنما هو جعل بضع كل منهما في مقابلة بضع الأخرى.
وثانيا: أن النهي يحمل على الكراهة -ويرد هذا بأن الأصل في النهي أن يكون للتحريم ولا يحمل على الكراهة إلا لدليل ولا دليل هنا.
لا سيما أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية فرفعه الإِسلام ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- "لا شغار في الإسلام" وأما تفرقة الشافعية بين ما إذا جعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى وبين ما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى حيث حكموا بالفساد في الصورة الأولى دون الثانية فتفرقة غير ظاهرة فإن نفي الصداق معناه جعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى ولو لم يصرحا بذلك.
الثَّانِيَةَ: إذا سميا لكل واحدة منهما صداقًا وهو المسمى بوجه الشغار، أو سميا لواحدة منهما دون الأخرى، وهو المركب منهما.
اختلف الفقهاء في صحة النكاح وفساده في هذه الحالة أيضاً.
فذهب المالكية، والظاهرية إلى القول بالفساد في هذه الحالة أيضاً، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، قال ابن شهاب الدين الرملي: ولو سميا أو أحدهما ما لا مع جعل البضع صداقًا كأنه قال، وبضع كل وألف صداق الأخرى بطل في الأصح لبقاء معنى التشريك، والثاني يصح؛ لأنه ليس على صورة تفسير الشغار؛ لأنه لم يخل عن المهر.
وذهب الحنابلة إلى التفصيل، فقالوا إذا سميا صداقًا لكل واحدة صح النكاح، ولهم في المهر راويتان فقبل تفسد التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليته صاحبه، فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولاً فبطل، وعند بطلان المسمى يرجع إلى مهر المثل، والرواية الثانية أنه يجب المسمى؛ لأنه ذكر قدراً معلوماً يصح أن يكون مهرًا فصح.
وأما أن سميا صداقًا لواحدة دون الأخرى، فقيل بفسد النكاح فيهما، وقيل يفسد في التي لم يسمى لها صداق، ويصح في التي سمي لها مهر.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = استدل الحنابلة، ومن وافقهم على القول بصحة النكاح إذا سميا لكل واحدة منهما مهراً، بما رُوِيَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ الشِّغَار" والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق.
ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا إن الشغار المنهي عنه هو أن يزوج الرجل ابته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق.
وأما إذا وجد فيه صداق كما هنا فليس هو من الشغار المنهي عنه وإذا لم يكن كذلك فيكون صحيحاً.
ويرد هذا الدليل بأن تفسير الشغار الواقع في الحديث ليس هو من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقيل هو من قول نافع.
فقد روى الإِسماعيلي من حديث محرز بن عون ومعن بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "نهى عن الشغار" -قال محرز قال مالك والشغار هو أن يزوج الرجل ابنته إلى آخر:- وقال صحيح مسلم من غير طريق مالك أن تفسير الشغار من قول نافع.
وإذا ثبت أن تفسير الشغار ليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يكون فيه حجة وأما المالكية ومن وافقهم فقد استدلوا.
بما روي عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أنكح ابنته عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وأنكح عبد الرحمن ابنته ووإنا جعلا صداقًا فكتب معاوية إلى مروان بأمره أن يفرق بينهما وقال معاوية في كتابه هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ووجه الدلالة من هذا أن معاوية أمر بفسخ هذا النكاح مع أنه سمي فيه الصداق لكل واحدة منهما.
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يعرف له منهم مخالف.
فدل ذلك على فساده وألا لما أمر معاوية بفسخه ولما أقر عليه.
فإن قال قائل أن هذا اجتهاد من معاوية وعدم إنكار من حضر من الصحابة لا يدل على الرضى والموافقة -فإن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلاً على الرضى يجاب عن هذا بأن معاوية قال كتابه أن هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقد نسبه إلى الرسول لا إلى اجتهاده وعلى ذلك يحمل سكوت من حضر من الصحابة على موافقتهم له بأن هذا من الشغار الذي نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وأما وجه قول الحنابلة فيما إذا سميا لأحداهما مهراً دون الأخرى على رواية أن النكاح يفسد فيهما.
فقد قالوا إن فسد في أحداهما فوجب أن يفسد في الأخرى لأن نكاح كل واحدة منهما متوقف على نكاح الأخرى.
وأما على روايهّ فساد نكاح التي لم بسم لها مهر دون الأخرى فذلك لأن نكاح التي لم بسم لها خلا من المهر بخلاف نكاح الأخرى فيفسد.
وأما الثانية فيصح نكاحها لأن فيه تسمية وشرطا فأشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما ويرد هذا بأن الأولى فساد نكاحهما معاً لتوقف نكاح كل على نكاح الأخرى كما هو القول الأول.
والنظر في الأدلة ومناقشتها يقضي بترجيح مذهب من قال بفساد نكاح الشغار مطلق سواء أذكر في كل ذلك صداق لكل واحدة منهما أو لأحداهما دون الأخرى أو لم يذكر في شيء من ذلك صداق.
وذلك لأن الجميع يصدق عليه شغار وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الشغار خصوصاً إن الشغار كان من أنكحة الجاهلبة فجاء الإسلام بهدمه.
الجزء: 7 - الصفحة: 502
ويقال: لخلوه عن بعض الشرائط.
وإما من قولهم شَغَرَ الكَلْبُ: إذا رفع رجله لِيَبُولَ؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما كأنه يقول: لا ترفع رِجْلَ ابْنَتِي مَا لَمْ أَرفَعْ رِجْلَ ابْنَتِكَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ نِكَاحٌ رُفعَ عَنْهُ الْمَهْرُ.
وفي بعض "الشُّرُوحِ" أَنَّ الْكَلْبَ إذا كان يَبُولُ من حيث يصل من غير مُبالاة قيل: شَغَرَ الْكَلْبُ بِرِجْلِه، فَسُمِّيَ شغاراً لعدم المبالاة فيه بالمهر، وهو فاسد؛ لما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي اللهُ عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن نِكَاحَ الشِّغَارِ والشِّغَارُ وَهُوَ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوَجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ [ليس لهما صداق] 173 ويروى: وبضع كل واحد منهما مهر الأخرى 174.
قَالَ الأَئِمَّةُ: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعاً، ويجوز أن يكون من عند ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- وذكروا في طريق المعنى شيئين.
أحدهما: إِنَّ فيه تشريكاً في البضع؛ لأن كُلَّ واحد منهما جعل بضع مولاته مورداً للنكاح، وصداقاً لِلأُخْرَى، فأشبه ما لو زوج امرأة من رجلين لا تصِحُّ النِّكَاح، وربما شبه ذلك بما إذا نكحت الحرة عبداً على أن تكون رقبته صداقاً لا يصح النِّكَاحُ، فكما لا يجوز أنْ يكون الرجل ناكحاً وصداقاً لا يجوز أن تكون الْمَرْأَةُ مَنْكُوْحَةً وصداقاً، وقد يعترض فيقال: المفسد هو الشَّرِيكُ من جهة واحدة، وذلك إذَا زوجها من رجلين هاهنا الشريك بجهتين مختلفتين، فَأَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ بِمَا إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ، ثُمَّ بَاعَها، أو أصدقها امرأة.
الجزء: 7 - الصفحة: 503
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُخْرَى فسبب الْبُطَلانِ فيها ملك الزوجة الزوج، وهذا المعنى لو عرض فَسَدَ النِّكَاحُ، فهذا قارن ابتداءً منع الانعقاد.
والثاني عن القَفَّالِ: أَنَّ سبب الفَسَادِ التعليق والتوقيف كَأنَّهُ يقول: لاَ يَنْعَقِد لَكَ نِكَاحُ ابنتي، حَتَّى ينعقد لي نِكَاحُ ابْنَتِكَ، أَو زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوَّجْتَنِي ابْنَتَكَ، وَكَانَتْ [لِلْعَرَبِ] 175 أَنْفَهُ وَحِمْيَّةٌ، وَجَاهِلِيَّةٌ، ولا يرضون بِأَنْ يُزَوِّجُوا حَتَّى يُزَوَّجُوْا.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: زوَّجتُك ابنتي على أنْ تزوجني ابْنَتَكَ وَقَبَلَ الآخَرُ، ولم يجعلا البضع صداقاً ففيه وجهان:
أصحهما: الصِحة؛ لأَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ الذِي ورد في الخبر لم يُوْجَدْ، ولم يتحقق التَّشْرِيْكُ، وَلَيْسَ فيه إلاَّ شرط عقد في عقد، وأنَّهُ لا يفسد النكاح، فعلى هذ يصح [النكاحان] 176 ولكل واحدة مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: لا يصحُّ لمعنى التعليق والتوقيف، وخصص الإِمام الوجهين بما إذا كانت الصيغة هذه ولم يذكرا مَهراً وقطع بالصحة فيما إذا قال: زوجتك ابنتي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيْ ابْنَتَكَ.
قال: وليس الْفَرْقُ لذكر الْمَهْرِ، بل؛ لأنه رُوِيَ في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن نِّكَاحِ الشِّغَارِ وهو أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَه، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَ صَاحِبُهُ ابْنَتَهُ فَفُسرَ بهذا القدر من غير مزيد، ولك أن تقول هذا التفسير حاصل سواء ذُكِرَ المهر، أو لم يذكره إذ ليس فيه تعرض لترك المهر، كما ليس فيه تعرض لذكره، فلا يصلح مستنداً للفرق، وإذا قلنا بالوجه الأول؛ فلو قال: زوَّجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك وبضع ابنتك صداق لابنتي فقبل: صح الأول وبطل الثاني ولو قال: وبضع ابنتي صداق لابنتك بطل الأول، وَصَحَّ الثَّاني وهذا نظر في معنى التَّشْرِيكِ، ولو سيما لهما، أو لأحدهما مهراً مع جعل البضع صداقاً، بأن قال أحدهما: زوَّجتُك ابنتي بِألْفٍ على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ بِأَلْفٍ، وبِضْعُ كُلِّ واحدةٍ منهما صداق للأخرى، أو قال: على أن تزوِّجني ابنتك.
وَبِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأخْرَى وألف، أو قال: زوَّجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنَتَكَ، ويكون بِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وألف درهم صداقاً للأخرى فوجهان:
أحدهما: وهو ظاهر لفظ "المختصر": أنه صحيحٌ؛ لأنه ليس على صورة تفسير لفظ الشِّغَارِ؛ ولأنه لم يخل عن الْمَهْرِ.
وأصحهما: البطلان -لقيام معنى التَّشْرِيكِ والتوقيف، ويحكى هذا عن نَصِّه في
الجزء: 7 - الصفحة: 504
"الإِملاء" ونص "المختصر" مَحْمُولٌ على ما إذا ذكر المهر، ولم يجعلا البضع صداقاً.
وقوله في الكتاب: "لم يصح" معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- نكاح الشغار صحيح وللمرأة مهر المثل وساعدنا مالك وأحمد على فساده.
واعلم أن اقتضاء التوقيف والتعليق البطلان ظاهر؛ لكن ليس في صورة نكاح الشِّغَارِ المشهور لفظة تعليق، وإنَّما هي لفظة الاشتراط، ولذلك قال صاحبُ "الكتاب" في "الوسيط" عند تصوير الشِّغَارِ: "وصورته الكاملة: أن يقول: زَوْجْتُكَ ابْنَتي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهِمَا صداقاً للأخرى، ومنهما انعقد لك نكاح ابنتي انعقد لي نكاح ابنتك"، وهذا فيه تَعْلِيقٌ، وشرط عقد في عقد وَتَشْرِيْكٌ في البِضْعِ، ويشبه أن يُقَالَ: كانت الْعَرَبُ يفهمون منه التعليق، أو يستعملون لفظه.
فُرُوْعٌ: لو قال: زوَّجتك ابنتي بمتعة جاريتك صح النكاح صَحَّ النِّكَاحُّ وَفَسَدَ الصَّدَاقُ.
ولو قال: زوَّجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبة جاريتي صداقاً لابنتك.
قال في "الشَّامِلِ": يصح النِّكَاحَانِ؛ لأنه لا تشريك فيما يرد عليه عقد النكاح، ويفسد الصداق، ولكل واحدة مهر مثلها ويجيء على معنى التعليق والتوقيف أن يحكم ببطلان النكاحين.
ولو طَلَّقَ امْرَأَتهُ على أن يزوجه صاحبه ابْنَتَه ويكون بضع امْرَأَتِهِ صَدَاقاً لها، فَيُزَوِّجَهُ صاحبه على ذلك.
حكى الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ فيه وجهين عن أبي الحسين:
أحدهما: يفسد النِّكَاحُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الصَّدَاقِ.
والثاني: إنه يَقْتَصِرُ الْفَسَادُ عَلَى الصَّدَاقِ.
ولو طَلَّقَ امْرَأَتَهُ على أن يعتق صاحبه عبده ويكلون طلاق امرأة هذا عِوَضاً عن عتق عبد هذا.
ذكر أبو عبد اللهِ الحِنَّاطِيُّ أنه يقع الطلاق، ولا رجوع بالمهر على أحد، وفي عتق العبد وجهان فإن عتق فلا رُجُوعَ بقيمته.
وقال القَاضِيُ ابنُ كجٍّ: عندي يقع الطلاق ويحصل العتق ويرجع المطلق على المعتق بمهر امرأته والمعتق على المطلق بقيمة عبده.
"
القول في تأقيت النكاح
" المسألة الثالثة: النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ بَاطِلٌ سواء كانت المدة معلومة بأن نكحها إلى
الجزء: 7 - الصفحة: 505
شهر أو سنة أو مجهولة بأن نكحها إلى قدوم زيد 177، لما رُوِيَ عن علي -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسَلَّمَ- نهى عام خَيْبَرٍ عن نِّكَاحِ الْمُتْعَةِ 178 -ونكاح
الجزء: 7 - الصفحة: 506
المتعة 179 هو المؤقت- سمي به؛ لأن العِوَضَ منه مُجَرَّدُ التَّمَتُّعِ دون التوالد، وسائر = عام واحد، الخامس: غزوة تبوك رواه الحازمي من طريق عباد بن كثير عن ابن عقيل عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام، جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برجالنا فسألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهن وأخبرناه فغضب وقام فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فترادعنا يومئذٍ ولم نعد، ولا نعود فيها أبداً.
فبها سميت يومئذٍ ثنية الوداع، وهذا إسناد ضعيف، لكن عند ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ما يشهد له، وأخرجه البيهقي من الطريق المذكورة بلفظ: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك فنزلنا ثنية الوداع.
فذكره، ويمكن أن يحمل على أن من فعل ذلك لم يبلغه النهي الذي وقع يوم الفتح، ولأجل ذلك غضب -صلى الله عليه وسلم-، السادس: حجة الوداع رواه أبو داود من طريق الربيع بن سبرة قال: أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله نهى عنها في حجة الوداع، ويجاب، عنه بجوابين، أحدهما، أن المراد بذكر ذلك في حجة الوداع إشاعة النهي والتحريم لكثرة من حضرها من الخلائق، والثاني احتمال أن يكون انتقل ذهن أحد رواته من فتح مكة إلى حجة الوداع؛ لأن أكثر الرواة عن سبرة أن ذلك كان في الفتح، والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فتكون من الأنكحة الصحيحة.
فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وانها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وذهب الإِمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية، ولما لم أجد كتاباً من كتب الإِمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني، وهو من علماء الشيعة، فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه، والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في التقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والتوفى عنها بأربعة أشهُرٍ وعشر ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه هكذا ذكره في بعض كتب الإِمامية وأنا أذكر دليل الإمامية والرد عليه.
استدل الإِمامية على القول بإباحة المتعة بالكتابة، والأئمة والعقول، والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا المراد بقوله تعاَلى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس "فما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهنَّ إِلَى أَجَلٍ" فهي صريحة في المتعة.
وأما الأثر: -فألا ما روي أن ابن عباس وإن يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا لو لم تكن المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.
وثانياً: -بما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر، ووجه الدلالة من هذا أن جابراً -رضي الله عنه- أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي خلافة أبي بكر وفي صدر مَن خلافة عُمَرَ، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية.
وأما المعقول: -فقد قالوا إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضرراً عاجلاً، ولا آجلاً، وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة.
وأما الإجماع: -فإنهم قالوا أجمع أهل البيت على إباحتها.
وتناقش هذه الأدلة: التي تمسك بها الإِمامية بما يأتي:-.
أما الآية فيقال لهم فيها أنها بمعزل عن الدلالة لكم، إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة من المهر كاملاً إذا استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها، وتسمية المهر أجراً لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وأما قراءة أُبَيّ وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الدليلين أن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة =
الجزء: 7 - الصفحة: 508
أغراض النِّكَاحِ، وكان ذلك جائزاً في ابتداءِ الإِسْلاَمِ ثم نُسِخَ.
وإذا وطئ في نِكَاحِ الْمُتعَةِ جاهلاً بفساده، فلا حَدَّ فإن كان عالماً فقد بني أمر الحد على ما رُوِيَ عن ابنَ عَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنه كان يجوّز نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، ثم = منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولاً؛ لأنه فهم من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح ثم نهى عنها بعد ذلك، أن الإِباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما رُوِيَ عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له إنما كان ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.
ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: أنما كانت المتعة في أول الإِسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فقال ابن عباس، فكل فرج سواهما حرام.
وقد روى رجوعه أيضاً البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ" من قوله في المتعة والصدف.
وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس، وقد رجع عنها.
ويقال لهم في أثر جابر أن قوله: "تمتعتا الخ .. " يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو يكون جابر -رضي الله عنه- قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم، فإن عمر إنما قصد الأخبار عن تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهيه عنها إذ لا يجوز أن ينهي عما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أباحه، وبقي على إباحته: ومما يؤيد أن نهيه عنها ليس من قل السياسة الشرعية بل أنه نهى عنها لما علم نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحَانَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا "لا أُوْتِي بِأَحَدٍ نَكَحَهَا إلاَّ رَحْمَتُهُ".
ويقال لهم في العقول لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها، فإن فيها امتهان المرأة، وضياع الأنساب، فإن مما لا شك فيه أن المرأة التي تنصب نفسها، ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل.
ويقال لهم في الإجماع أولاً: أن إجماع أهل البيت على فرض إجماعهم ليس بحجة، فما بالك والإِجماع لم يصح عنهم.
فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإِمام علياً -رضي الله عنه- وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي عن طريق جويرية عن مالك ابن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علياً بن أبي طالب يقول لابن عباس إنك رجل تائه، أي حائل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المتعة.
الجزء: 7 - الصفحة: 509
رَجَعَ 180 عنه فإن صَحَّ رُجُوعُهُ وجب الحد لحصول الإِجماع، وإن لَمْ يَصِح رجوعه،
الجزء: 7 - الصفحة: 510
فيبنى على أنه لو اختلف أهل عَصْرٍ في مَسْأَلَةٍ، ثم اتفق من بعدهم على أحد القولين فيها هل يصير ذلك مجمعاً عليه -وفيه وَجْهَانِ أصوليان:
إن قلنا: نعم وجب الْحَدُّ، وِإلاَّ فلا، كالوطئ في سائر الأَنْكِحَةِ المختلف فيها، وهو الأصَحُّ ولك أن تقول: نقلوا في المسألة عن زفر أنه يلغو التَّأْقِيتَ وَيصِحُّ النِّكَاحُ مؤبداً فليسقط الْحَدُّ لذلك وإِنْ صَحَّ رجوع ابن عَبَّاسِ -رضي الله عنهما- وحيث لا يجب الْحَدُّ يجب الْمَهْرُ والعدة ويثبت النَّسَبُ.
= ومعاوية وعمرو بن حريث وأبو سعيد وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، قال: ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومدة أبي بكر ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته، قال: وروي عن عمر أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وقال به من التابعين طاوس وعطاء وسعيد ابن جبير وسائر فقهاء مكة، قال: وقد تقصينا الآثار بذلك في كتاب الإِيصال، انتهى كلامه، فأما ما ذكره عن أسماء فأخرجه النسائي من طريق مسلم القري قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما جابر ففي مسلم من طريق أبي نضرة عنه: فعلناها مع رسول الله، ثم نهانا عنها عمر، فلم نعد لها، وأما ابن مسعود ففي الصحيحين عنه قال: رخص لنا رسول الله أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وأما ابن عباس فقد تقدم، وأما معاوية فلم أرَ ذلك عنه إلى الآن، ثم وجدته في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلي بن أمية، قال: أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة في الطائف، فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عباس فذكرنا له ذلك فقال: نعم، وأما عمرو بن حريث فوقعت الإشارة إليه فيما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، سمعت جابر يقول: كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق والتمر الأيام على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث، وأما معبد وسلمة ابنا أمية: فذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناده أن سلمة بن أمية بن خلف استمتع بامرأة فبلغ ذلك عمر فتوعده على ذلك، وأما قصة أخيه معبد فلم أرها، وكذلك قصة عمرو بن حريث مشروحة، وأما رواية جابر عن الصحابة فلم أرها صريحاً، وإنما جاء عنه أنه قال: تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر، وفي رواية: فلما كانا في آخر خلافة عمر، وفي رواية: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر، وكل ذلك في مسلم ومصنف عند الرزاق، ومن المشهورين بإباحتها ابن جريج فقيه مكة، ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم في علوم الحديث: يترك من قول أهل الحجاز خمس، فذكر فيها متعة النساء من قول أهل مكة، وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل المدينة ومع ذلك فقد روى أبو عوانة في صحيحه عن ابن جريج أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا أني قد رجعت عنها بعد أن حدثهم بئمانية عشر حديثاً أنها لا بأس بها.
قوله: روي أن امرأة كانت في ركب فجعلت أمرها إلى رجل فزوجها، فبلغ ذلك عمر، فجلد الناكح والمنكح، الشَّافعي والدارقطني [3/ 225] والبيهقي من طريق ابن جريج عن عبد الحميد عن عكرمة بن خالد به، وفيه انقطاع لأن عكرمة لم يُدرك ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 511
ولو قال: نكحتها متعة، ولم يَزِدْ على هذا -حَكَى الحَنَّاطِيُّ في صحته وجهين- هذا شرط مَا أَوْرَدَهُ صاحب "الكتاب" في ركن الصيغة ويختمه بصور تعتبر: الموالاة بين الإيجاب والقَبُولِ على ما مَرَّ في "البيع"، ونقل القاضي أبو سعد الهَرَوِي: أنَّ العراقيين من أصحابنا اكتفوا بوقوع القَبُولِ في مَجلِس الإِيْجَاب، وقالوا حكم نهاية المجلس حكم بدايته، وإِذَا وجد أحد شقي العقد من أحدَ العاقدينَ فَلاَ بُدَّ من إصراره عليه، حَتَّى يوجد الشق الآخر، فلو رَجَعَ عَنْهُ لغى وكذا لو وجب ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بجنون، أو إِغماء لغى، وامتنع الْقَبُولُ.
وكذا لو أذنت المرأة في تزويجها، حيث يعتبر إِذنُهَا، ثم أغمي عليها قبل العقد بَطَل إذْنُهَا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: المَحَلُّ) وَهِيَ الْمَرَأَةُ الخَلِيَّةُ عَنِ المَوَانِعِ مِثْلُ أن تَكُونَ مَنْكُوحَةَ الغَيْرِ أَوْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مُعْتَدَّةً، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ زِنْدِيقَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً، بَعْدَ المَبْعَثِ، أَوْ رَقِيقَةً (ح) وَالنَّاكِحُ قَادِرٌ عَلَى حُرَّةٍ، أَوْ مَمْلُوكَة النَّاكِحِ بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا، أَوْ مِنَ المَحَارِمِ أَوْ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ، أَوْ تَحْتَهُ مَنْ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ مْطَلَّقَةَ ثَلاَثاً لَمْ يَطَأْهَا زَوْجٌ آخَرُ أَوْ مُلاَعَنَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ ثَيِّباً صَغِيرَةً (ح)، أَوْ يَتِيمَةً (ح)، أَوْ زَوْجَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
"
القول في الركن الثاني من أركان النكاح
"
قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في المنكوحة أن تكون خلية عن موانع النكاح، والكلام في الموانع مَبْسُوطٌ في مواضعه لا سِيَّمَا في الْقِسْم الثَّالِثِ مِنَ الْكِتَابِ الْمَعْقُودِ لِبَيَانِ الْمَوَانِع وهاهنا اقتصر على عد تراجمها وهي أن تكوَنَ منكوحة الْغَيْرِ، فالمنكوحة لا تنكح، وأن تكون في عدة الغير 181، وفي اللَّفْظِ تنبيه على أَنَّهَا لو كانت في عدته لم يحرم عليه نكاحها، وأن تكون مرتدة، أو زنديقة، أو كتابية دخلت في دينهم بعد مبعث رسولِ اللهِ -صَلى اللهُ عليه وَسَلَّمَ- أو بعدما بدلوا وَحَرَّفُوْا على أظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ.
وأن تكون رقيقة والنَّاكِحُ حُرَّاً قَادِراً على مهر حرة أو غير خَائِف من الْعَنَتِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 512
وأن تكون بعضها أو جميعها مملوكاً للنَّاكِحِ، فالنكاح والملك لا يجتمعان.
وأن يكون مُحَرَّماً.
أو تكون خامسة، أو يكون في نكاحه أختها أو من لا يجمع بينها وبينها.
وأن تَكُونَ مُطَلَّقَةٌ ثلاثاً لم تحلل.
وأن تكون مُلاَعَنَةً.
وأن تكون مُحَرَّمَةً بحجة أو عمرة.
وأن تكون ثَيِّباً أو صغيرة.
وأن تكون يتيمة، وهي الَّتِي لا أب لها، ولا جد.
وأن تكون زوجة رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
واعلم أنَّ هذه الموانع منها ما يوجد في المرأة ويختص بها مثل كونها مَنْكُوحَةً أَوْ مُعْتَدَّةً، ومنها ما لا يختص بها مثل كونها محرماً، ومحرمة وخامسة فما كان من القسم الأول حَسُنَّ ذِكْرَهُ في هذا السياق واشتراط خلو المرأة عنها، وما كان من القسم الثَّاني، فلا اختصاص لهذا الرُّكْنِ بذكره؛ لأنه كما يشترط ألاَّ تكون المرأة محرماً ومحرمة يشترط في الزوج أيضاً ذلك، وكما يشترط فيها ألا تكون خامسة ألا يكون تحته أختها، يشترط في الزوج ألا يكون تَحْتَهُ أَرْبَعٌ ولا أختها ويجوز أن يعلم من الفصل مَوَاضِعَ نُبَيِّنُهَا عِنَّد الْبَسْطِ.
قاعدة: يشترط في كل واحد من الزوجين أن يكون معيَّناً فلو قال: زوَّجت منك إحدى ابنتي أو من أحداكما أو إحدى ابنتيك لم يصح، ولو كانت له بنت واحدة فقال: زوجتك بنتي صح، وإن لم يسميها 182.
ولو كانت حاضرة فقال: زوجتك هذه كَفَى وفي معناه ما إذا كانت في الدار فقال: زَوَّجْتُكَ الَّتِي في الدَّارِ وليس فيها غيرها 183.
ولو قال ولا بنت له إلاَّ واحدة: زَوَّجْتُكَ بنتي فُلانَةً وَسَمَّاهَا بغير اسْمِهَا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح النِّكَاحُ؛ لأنه ليس له بنت بذلك الاسم.
الجزء: 7 - الصفحة: 513
وأصحهما: الصحة؛ لأن البنتية صفة لازمة مميزة فتعتبر ويلغى الاسم المذكور بعده، وصار كما لو أشار إليها، وَسَمَّاهَا بغير اسْمِهَا، فإنه يصح النِّكَاحُ وتلغو التسمية، ويشبه أن يمنع صاحب الوجه [الأولى] 184 هذه الصورة أيضاً؛ ألا ترى أنهم شبهوا الوجهين في المسألة بالوجهين فيما إذا قال: بِعْتُكَ [فَرَسِي] 185 هذا، وهو بغل هل يَصِحُّ؟ فأثبتوا الخلاف مع الإشارة، والظاهر الصحة في الصورتين، حَتَّى لو قال: زَوَّجْتُكَ هَذَا الْغُلاَمَ وأشار إلى ابْنَتِهِ.
حكى الْقَاضِيُ الرُّوَيانِيُّ في "التجربة" عن الأصحاب أنه يصح النِّكَاحُ تعويلاً على الإِشارة.
ولو قال: بعتك داري هذه وَحَدَّهَا وغلط في حدودها يصح الْبَيعُ بخلاف ما إذا قال: بعتك الدَّارَ التي في محلة كذا وَحَدَّهَا وغلط، لأنَّ التَّعْوِيْلَ هنا على الإِشارة.
ولو قال: بعتك داري ولم يقل هذه وحدها وغلط، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ سِوَاهَا، وَجَبَ أنْ يصح تفريعاً على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فيما إِذَا قال زَوَّجْتُكَ بنتي فُلانَةً، وَذَكَرَ غَيْرَ اسْمِهَا، ولو كان اسم بنته الواحدة فاطمة فقال: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ، ولم يقل بنتي، لم يصح النِّكَاحُ لكثرة الفواطم.
نَعَمْ لو نَوِيَاهَا صَحَّ، هكذا أجَابَ أصحابنا العراقيون وتابعهم صاحب "التَّهْذِيبِ" واعترض ابن الصَّبَّاغ بأن النِّكَاحَ عَقْدٌ يفتقر إلى الشهادة والشهود إنما يشهدون ويطلعون على اللَّفْظِ دون النِّيَةِ، وهذا متين ولهذا الأصل حكمنا بأنَّ النِّكَاحَ.
لا ينعقد بالْكِنَايَاتِ 186.
ولو كانت له بنتان فصاعداً، فلا بُدَّ من تمييز الْمَنكُوحَةِ بالتَّسْمِيَةِ، أو بالإِشارة بأن يقول بنتي هذه، أو بالوصف بأن يقول: بنتي الْكُبْرَى، أَو الْوُسْطَى وَهُنَّ ثَلاَثٌ.
قال المكتفون بالنِّيَةِ، أو بأن يَنْوِيَا واحدة بعينها، وإن لم يجر لَفْظٌ مُمَيَّزٌ.
ولو قال: بنتي الْكُبْرَى وَسَمَّاهَا باسم الصُّغْرَى صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْكُبْرَى اعتماداً عَلَى الْوَصْفِ بالكبر، ويجيء على قِيَاسِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ في الواحدة أن يبطل النِّكَاحُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 514
ولو لم يتعرض للكبر والصِّغَرِ لكن قال: زَوَّجْتُكَ بنتي فلانةً، فذكر اسم الكبيرة مثلاً، وَقَصَدَ تَزْوِيجَ الصَّغِيْرَةَ أو بالعكس، وَقَصَدَ الزَّوْجُ الَّتِي قَصَدَهَا الْوَلِيُّ صَح النِّكَاحُ عَلَى الَّتِي قصداها.
ولغت التسمية وفي الاعتماد على النِّيَةِ الإِشْكَالُ الَّذِي سَبَقَ.
ولو قال الزَّوجُ قصدت الكبيرة فالنِّكَاحُ في الظاهر منعقد عليها وإن صدق الوليُّ على أنه قصد الصَّغِيْرَةَ لم يصح النِّكَاحُ؛ لأنه قبل غير ما أوجب؛ كذلك ذكره العراقيون، وصاحب "التَّهْذِيْبِ" المعتبرون للنيَّةِ، وهذا يخالف الجوابَ المنقول في فَرْعٍ آخَرَ وهو أنَّ زيداً خَطَبَ إلى قَوْمٍ وعمراً إلى آخرين ثم جاء زَيْدٌ إلى الآخرين وعمر إلى الأولين وزوج كل فريق من جاءه.
فعن أبي الحسين بن القطَّان أنه وقع في زمان أبي السَّائِب ببغداد فأفتى الفُقَهَاءُ فيها بِصِحَّةِ النِّكَاحَينِ، وَمَعْلُومَ أنَّ كُلَّ وَلِيٍّ أَوْجَبَ لغير من قَبِل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ): الشُّهُودُ فلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ عَدْلَيْنِ (م) مُسْلِمَيْنِ (ح) حُرَّيْنِ بَالِغَينِ سَمِيعَيْنِ بَصِيرَيْنِ ذَكَرَيْنِ (ح) مَقْبُولَي الشَّهَادَةِ لِلزَّوْجَيْنِ وَعَلَيْهِمَا، لَيْسَا بِعَدُوَّيْنِ وَلاَ ابْنَيْنِ وَلاَ أَبوَيْنِ لَهُمَا، وَيُكْفَى حُضُورُ مَسْتُورَي العَدَالَةِ دُونَ مَسْتُورَي الرِّقِّ، فَإِنْ بَانَ كَوْنُهُ فَاسِقاً عِنْدَ العَقْدِ تَبَيَّنَ البُطْلاَنُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنَّمَا يُتَبَيَّنُ بِحُجَّةِ، أَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ فَاسِقٌ لاَ باعْتِرَافِ المَسْتُورِ، فَإِذَا عَرَفَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِسْقَهُ عِنْدَ العَقْدِ لَمْ يَنْعَقِد، فَإنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِأنَّهُ عَرَفَ فِسْقَهُ وَأَنْكَرَتْ بَانَتْ مِنْهُ وَوَجَبَ شَطْرُ المَهْرِ إِنْ كَانَ قَبْلَ المَسِيسِ، وَتَوْبَةُ المُعْلِنِ عِنْدَ العَقدِ تلْحِقُهُ بِالمَستورِ عَلَى رَأيِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ عَلَى رِضَا المَرْأَةِ.
القول في الركن الرابع
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر صاحب "الكتاب" في "الوسيط" أن في حضور الشهود شرط لَكُنَّا تَسَاهَلْنَا بتسميته رُكْناً، والْكَلاَمُ في تفسير الرُّكنِ والشَّرْطِ وكيفية افتراقهما قد مَرَّ، فلا نعيده، وبالجملة فَحُضُورُ الشُّهُودِ مُعْتَبَرٌ في الأَنْكِحَةِ.
روي عن عمران بن الحصين أنَّ النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 187. والمعنى فيه الاحتياط للإبضاع، وَصِيَانَةُ الأَنْكِحَةِ عَنِ
الجزء: 7 - الصفحة: 515
الْجُحُودَ 188.
الجزء: 7 - الصفحة: 516
وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنَّ الشَّرْطَ الإِعْلاَنَ وترك التراضي بالكتمان دُونَ الشّهَادَةِ حَتَّى لو تواصوا بالْكِتْمَانِ لم ينعقد وإن حَضَرَ الشهود، ويعتبر في شهود النِّكَاحِ صِفَاتٌ.
منها: الإِسلام، وعن أبي حَنيْفَةً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ نِكَاحَ الذِّمِّيَّةِ يَنْعَقِدُ بشهادة ذميين.
لنا: أن ما لا ينعقد به نكاح المسلمين لا ينعقد به نِكَاحُ الْمُسْلِمِ والذِّمِّيَّة كالعبدين.
ومنها: التَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَةُ فَلاَ يَنْعَقِد بحضور الصِّبْيَانِ والْمَجَانِينَ وَالْعَبِيْدِ لأنَّهُ لا يثبت بهم لو فرض جحود.
ومنها: العدالة: فلا ينعقد النِّكَاحُ بحضور الفاسقين خلافاً لأبَي حَنِيْفَةَ 189. = وقفه مرة، وأن الوقف أصح، ويجاب عن هذه المناقشة.
بأن هذا لا يقدح في الحديث؛ لأن عبد الأعلى ثقة، فيقبل رفعه وزيادته، وقد يرفع الراوي الحديث، وقد يقفه.
وأما حديث عمران بن حصين، فقد قيل لهم فيه: أن في إسناده عبد الله بن محرز، وهو متروك، ويجاب عن هذه المناقشة، بأن هذا الحديث رواه الشَّافعي -رضي الله عنه- من وجه آخر عن الحسن مرسلاً، وقال: هذا وإن كان منقطعاً، فإن أكثر أهل العلم يقولون به.
وأما حديث عائشة فقد نوقش بأن الدَّارْقُطْنِيَّ أعله بأن الثوري، ويحيى بن سعيد، وغيرهما رووه، ولم يذكروا فيه الشاهدين.
ويجاب عن هذه المناقشة.
بأن البيهقي نقل عن أبي علي الحافظ النيسابوري أنه قال أبو يوسف الرقي: هذا من حُفَّاظِ أهل الجزيرة ومتقنبهم، ثم ساق الحديث من طرق أُخْرَى.
هذه خلاصة ما نوقشت به الأحاديث التي تمسك بها الجمهور والناظر في الأدلة يرى ترجيح مذهب الجمهور للأحاديث.
وهي وأن تكلم فيها ألا أنها بانضمامها يقوي بعضها بعضاً فيصح الاحتجاج بها.
لا سيما أن النكاح شرع لمقاصد جليلة يعلق بها وجود النوع الإنساني على الوجه الأكمل.
فلذلك وجب أن يمتاز عن سائر العقود باشتراط الشهادة فيه.
وأيضاً في الأشهاد على النكاح تمييز له عن السفاح فإن الزنا لا يكون عادة إلا سراً.
اختلف الجمهور بعد اتفاقهم على أن الشهادة لا بد منها في النكاح.
هل هي شرط في صحة أو في تمامه.
فذهب المالكية إلى القول بأن الشهادة شرط في تمام النكاح وليست شرطاً في صحته فينعقد النكاح عندهم صحيحاً بدون شهادة ولكنه لا يتم إلا بالشهادة.
وقالوا تندب الشهادة عند العقد للخروج من الخلاف.
إلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير.
والحسن بن علي.
ومن المحدثين عبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى القول بأن الشهادة شرط في صحة النكاح وأن العقد لو خلا عنها يكون فاسداً وقد حكاه في البحر عن علي وعمر وابن عباس.
الجزء: 7 - الصفحة: 517
لنا الحديث، وأيضاً فإن النِّكَاحَ لا يثبت بشهادتهما فلا ينعقد بحضورهما كَالْعَبْدَينِ.
ومنها: السَّمَعُ وَالْبَصَرُ -فلا ينعقد بحضور الأَصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ أَصلاً، وفي الأَعْمَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الانعقاد؛ لأنه عَدْلٌ فَاهِمٌ.
وأصحهما: الْمَنْعُ -كما في الأَصْمِّ؛ لأنَّ الأقوال لا تثبت إلاَّ بالمعاينة والسَّمَاعِ، وفي الانعقاد بحضور الأخْرَسِ وجهان بِنَاءً على الخِلاَفِ في قَبُولِ شَهَادَتِهِ وطرد الخلاف في الانعقاد بشهادة ذوي الحِرَفِ الدَّنِيَّةِ.
وذكر القاضيُ ابنُ كَجٍّ الخلاف في الصَّبَّاغِيْنَ والصواغين كأنه ألحقهم بذوي = وذهب الشافعية والمالكية إلى القول بأن النكاح لا يصح بشهادة الفاسقين وهو رواية عن أحمد.
استدل الحنفية ومن وافقهم بالمعقول -فقالوا إن الفاسق من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة.
أما كونه من أهل الولاية فلأنه يزوج نفسه وعبده وأمته وابنته ويقر بما يتعلق بنفسه من القتل.
وإذا ثبت أنه من أهل الولاية ثبت كونه من أهل الشهادة لأن الشهادة من باب الولاية.
ويرد هذا الدليل بأننا لا نسلم أن كل من كان من أهل الولاية يكون من أهل الشهادة.
لأن ذلك في الولاية التامة، والفاسق ولايته قاصرة فلا يكون أهلاً للشهادة.
إذ الشهادة متعدية إلى غيره فلا يكون أهلاً لها.
وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص فلا ينهض الاحتجاج به وأما الشافعية والمالكية ومن وافقهم فقد استدلوا بالكتاب والسنّة والمعقول أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ووجه الدلالة من الآية.
أن الله تعالى أمر بأشهاد العدل والفاسق غير عدل فلا تقبل شهادته في النكاح وغيره.
وأما السنّة فما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" مع غيره من الأحاديث القاضية باشتراط العدالة في الشهود.
وأما المعقول.
فأولاً.
قالوا إن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب والرجحان إنما يثبت بالعدالة.
وثانياً: قالوا إن الشهادة شرطت لإظهار خطر النكاح تكرمة له وتعظيماً والفاسق من أهل الإِهانة فلا تكرمة ولا تعظيم للعقد بإحضاره.
وعليه فالراجح مذهب الشافعية والمالكية من وافقهم وهو فساد النكاح بشهادة الفاسقين للأحاديث الواردة في الشهادة فإنها اشترطت العدالة.
وهي وإن كانت ضعيفة ألا أنها قد تقوت بكثرتها.
هذا كله في النكاح بشهادة ظاهر الفسق.
أما النكاح بشهادة مستوري الحال فقد اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على صحة.
وهذا من باب التخفيف على الناس لأن النكاح يكون في المدن والقرى وفي البادية وفي الناس من لا يعرف حقيقة العدالة فاعتبار ذلك يشق على الناس ولذلك اكتفى بظاهر الحال وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه خصوصاً في هذا الزمن الذي قلت فيه العدالة.
الجزء: 7 - الصفحة: 518
الحرف الدَّنِيَّةِ، ولا ينعقد بشهادة الأَعْجَمِي الذي لا يعرف لِسَانَ المتعاقدين، فإن كان يضبط اللَّفْظَ فقد حكى أبو الحسن العبادي فيه وَجَهْينِ؛ لأنه ينقله إلى الحاكم، ولا ينعقد بشهادة الْمغَفَّلِ: الَّذِي لا يضبط، فإن كان يَحْفَظُ وَينْسَى عند قَرِيبٍ فينعقد.
ومنها: الذُّكُورَةُ فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِرَجُل وَامْرَأَتَينِ ولا بأربع نسوة خلافاً لأبي حَنيْفَةَ 190 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأحمد ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، لنا ظاهر الخبر فإن لفظ "الشاهدين" يقع على ذَكَرَيْنِ وَعَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
والثَّاني غير مراد بالاتفاق فيتعين الأول، ولو كَانَ الْحَاضِرَانِ عدوّي الزوجين، أو عدوّي أحدهما، أو أحدهما عدو أحدهما والثّاني عدو الثاني ففي انعقاد النِّكَاحِ أَوجُهٌ:
أصحها: على ما ذكر صاحب "التَّهْذِيْبِ" الانعقاد اكتفاءً بالعدالة والفهم وثبوت الأنكحة بقولهما في الجملة.
والثَّاني: المنع لِتَعَذُّرِ الإِثبات بشهادتهما إذا كان عدوين لهما، أو أحدهما عدو لهذا، والآخر عدو لهذا، وإذا كانا عَدُوَّيْنِ لأحدهما فَلا يُمْكِنُ الإثبات بشهادتهما إلاَّ إذا كان الجحود من غير العَدُوِّ والاحْتِياطُ والتَّوْثيقُ مَقْصُودٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 519
والثَّالِثُ: الفرق بين أن يكونا عدويهما، أو يكون كل واحد منهما عدواً لأحدهما، فلا ينعقد وبين أن يكونا عدوي أحدهما، فينعقد لإمْكَانِ الإِثبَاتِ فَهُمَا في الجملة، وقطع بعضهم بالانعقاد في هذه الصُّوْرَةِ وخص الخلاف بالصورتين الأوليين، وفي ابني الزوجين وابني أحدهما وابن أحدهما مع ابْنِ الآخَرِ .. هذه الأوجه، ومنهم من قال: يختص الخلاف بهذه الصورة، وفي العدوين ينعقد لاَ مَحَالَةَ والْفَرْقُ أنَّ الْعَدَاوَةَ قد تزولُ، ويجري الْخِلاَفُ فيما لو حضر جد الزوج وجد الزوجة أو أبواه وجدها أو أبوه وابنها وأما أبوها فَهُوَ وَلِيٌّ عَاقِدٌ، فلا يكون شاهداً كالزَّوْجِ ولو فرض أنه وكل وكيلاً لم يَنْعَقِد بحضوره أيضاً؛ لأَنّ الْوَكِيْلَ نَائِبُ الموكل.
واختار بَعْضُ المتأخرين وجهاً رابعاً ذكره في "الوسيط" وهو أنه ينعقد بابني المرأة وعدوي الزوج؛ لأنَّ الزَّوْجَ يقدر على الإثبات بشهادتهما، ولا ينعقد بابني الزوج وعدوي المرأة؛ لأنه لا يقدر عليه والمرأة لا تحتاج إلى الشَّهَادَةِ لإِثبات الْحَلِّ، فإنه يَنْدَفِعُ يِإنْكَارِ الزَّوْجِ.
نَعم قد يحتاج إلى إِثبَاتِ الْمَهْرِ والنفقة لكن الْمَقْصُودَ الأصلي من النِّكَاحِ الحل، والشهادة إنما شرطت لإِثباته ثم في الفصل صور:
إحداها: هل ينعقد [النكاح] 191 بشهادة المستورين 192؟.
قَالَ الإصْطَخرِيُّ: لاَ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ العَدَالَةِ بَاطِنَاً ليمكن الإِثبات بشهادتهما والمذهب الانعقاد؛ لأن النِّكَاحَ يَجرِي فيما بين أَوْسَاطِ النَّاسِ وَالْعَوَامِ، وَلَو كُلِّفُوْا مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ الباطنة لَطَالَ الأَمْرُ، وَشَقّ بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين؛ لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين، ومعرفة العدالة الباطنة ويعني بالمستورين: من يعرف بالعدالة ظاهراً لا باطناً، وربما قيل: المستور من يجهل حاله في الفسق والعدالة ويشبه ألا يكون بينهما اخْتِلاَفٌ، وأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ من العبارة الثانية من يجهل حاله في الفسق والعدالة الباطنة دون العدالة الظاهرة، وذكر في "التَّهْذِيْبِ" أنه لا ينعقد النكاح بشهادة من لا يعرف عدالته ظاهراً، وهذا كَأنَّهُ مصور فيمن لا يعرف إِسْلاَمَهُ، وإلاَّ فَالظَّاهِرُ من حال الْمُسْلِمِ الاحتراز عن أسباب الفِسْقِ 193.
الجزء: 7 - الصفحة: 520
ولا ينعقد بمن لا يظهر إسلامه وحريته بأن يكون في موضع يختلط فيه المسلمونَ بالكُفَّارِ والأحرار بالأرقاء ولا غالب.
وعن الشَّيْخُ أبي مُحَمَّدٍ تردد جواب فيمن لا تظهر حُرِّيَّتُهُ ويكون مَسْتُورُ الْحَالِ حرية ورقاً، والظاهر الأول بل لا يكتفي بظاهر الحرية والإسلام بالدَّار، حَتَّى يعرف حاله فيهما باطناً، هذا ما يقتضيه كَلاَمُ صَاحِبِ "التَّهْذِيبِ" وغيره وفرقوا بأن الحرية يسهل الوقوف عليها بخلاف العدالة والفسق.
ولو أخبر عدل عن فسق المستور فهل يزيل إخباره الستر حتى لا ينعقد النكاح بحضوره، وإن زال فيجيء بإخباره نحو الروايات، أو يقول هو شهادة، فلا نعتبر إلاَّ قول من يجرح عند القاضي تردد فيهما الإمام رحمه الله 194.
الثَّانِيَةُ: لَوْ بَانَ كَوْنُ الشَّاهِدِ فاسقاً عند العقد فطريقان:
أحدهما: أنه يتبين بطلان النِّكَاحِ؛ لأنه بَانَ فوات شَرْطِ الْعَدَالَةِ فأشبه ما إذا كانا كَافِرَينِ أَو رَقِيْقَينِ.
والثَّانِي: أنه على قَوْلَين: وَجْهُ الْمَنْعِ الاكْتِفَاءُ بِالسِّتْرِ يومئذٍ، وهما كالطريقين فيما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين ثم بَانَا فاسقين.
هل ينقض الحكم؟.
وَالأَصْحُ تبين البطلان، وإن أثبتنا الخلاف وإنما يتبين الفسق ببينة تقوم عليه، أو بتصادق الزوجين، وتوافقهما عليه ولا اعتبار بقول الشَّاهِدَيْنِ: كنا فاسقين يومئذٍ كما لا = بهذا، وقاله شيخه القاضي حسين، ونقله إبراهيم المروذي عن القاضي ولم يذكر غيره.
والله أعلم.
قال في المهمات ما قال النووي أنه الحق مردود لمخالفته النص المتقدم وأشار إلى قول الشَّافعي رضي الله عنه ولو حضر رجلان مسلمان العقد ولا يعرف حالهما من العدالة والفسق في الظاهر انعقد النكاح بهما لأن الظاهر من المسلمين العدالة ثم قال في المهمات وقوله إن البغوي صرح بأن مراده من لا يعرف ظاهره بالعدالة عجيب فقد حكاه عنه الرافعي وإنما توقف في مهم المراد منه.
وحاصل كلام البغوي أنها أقسام من عرفت عدالته ظاهراً وباطناً بحكم الحاكم بها وهو واضح ومن عرفت ظاهراً بالمخالطة من غير حكم فينعقد معها النكاح على المعروف ومن لا يعرف ظاهراً ولا باطناً كمن علمنا إسلامه ولم يخالطه فينعقد به على الصواب المنصوص إلى آخره.
قال في التوسط لفظ التهذيب: وينعقد النكاح برجاله مستورين بالاتفاق والمستور من يكون عدلاً في الظاهر ولا يعرف عدالة باطنه بخلاف الحكم لا يجوز برجاله المستورين لأن الحكم يكون بالحاكم.
الجزء: 7 - الصفحة: 521
اعتبار بقولهما كنا فَاسِقَيْنِ بعد الحكم بشهادتهما، وهكذا لو تقارّبا الزَّوْجَانِ على وُقُوعِ الْعَقْدِ في حالة الإحرام أو العدة أو الردة تبين بطلان العقد وَلاَ مَهْرٌ إلا إذا كان بعد الدُّخُولِ، فيجب مَهْرُ الْمِثْلِ 195.
ولو نكحها يوماً ملك عليها ثلاث طلقات، ولو اعترف الزَّوْجُ بشيء من ذلك، وأنكرت الْمَرْأَةُ لم يقبل قوله عليها في المهر، حَتَّى يجب نصف المسمى إن كان قبل الدخول وتمامه إن كان بعد الدخول ويفرق بينهما بقوله: وكيف سَبِيلُ هَذَا التَّفْرِيقِ؟ ذَكَرَ أَصْحَاب الْقَفَّالِ أنه طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ حَتَّى لَوْ نكحها يوماً عادت إليه بطلقتين.
قالوا: وَهَذَا مَأْخُوذٌ من نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما لو نكح أَمَةً، ثم قال: نكحتها وأنا واحد طول الحرة أنها تَبين منه بطلقة، واحتج له بأنها فرقة [غير] 196 متأبدة حصلت بقول الزَّوْجِ من غير بَدَلٍ، وَلاَ عَيْبٍ، فكانت كما لو صرح بِالطَّلاَقِ والاحتراز بغير المتأبد عن فرقة الرَّضَاعِ، وبغير بَدَلٍ عَنِ الخُلْعِ وَعَنِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ، والعراقيين: أنها فرقة فسخ لا ينتقص بها عدد الطلاق كما لوَ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالرَّضَاعِ؛ لأنه لم ينشئ طلاقاً، ولا أقر به وإلى هذا مَالَ الإِمام، وصاحب "الكتاب" رحمهما الله، وإن لم ينقلاه، وهؤلاء أنكروا نَصَّهُ في مَسْألَةِ نِكَاحِ الأَمَةِ ولإنكارهم وجه ظاهر، وَذَلِكَ أَنه قال في "عيون المسائل": إذا نكح الأَمَةَ، ثُمَّ قال: نكحتها وأنا أجد طولاً لحرة فصدقه
الجزء: 7 - الصفحة: 522
مولاها فسخ النكاح بلا مهر، فَإنْ كان أَصَابَ فعليه مَهْرُ، مِثلها وإن كذبه فسخ النكاح بإقراره، ولم يصدَّق على الْمَهرِ دَخَلَ أو لم يدخل.
هَذَا لَفْظُهُ في "العيون" وإنه يوافق ما ذهب إليه العراقيون 197 لا ما ذهب إليه الأولون ولك أن تَبْنِي الْمَذْهَبِيْنِ عَلَى وجهين ذكرناهما فيما إذا جرى بينهما بيع، ثم ادَّعَى أحدهما اقتران مفسد به فإن صدقنا من يدعي الفَسَادَ لم نجعل هذه الفرقة طلاقاً، وإلاَّ جعلناها طلاقاً؛ لأن ظاهر النكاح الجاري الصحة فيوفر عليه حكم الصحيح، وهذا يقتضي جريان الخلاف فيما إذا ادَّعَى الرَّضَاعَ، وَأَنْكَرَتِ الْمَرْأَةُ.
واللهُ أعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: استنابة المستورين قبل العقد احتياطاً واستظهاراً وتوبة المعلن بالفسق حِيْنَئِذٍ هل نلحقه بالمستور؟ فيه تردد للشيخ أبي مُحَمَّدٍ -رحمه الله- والأظهر المنع؛ لأنها تصدر عن عادة لا عن عزم مُحَقَّقٍ فإن حكمنا بأنه كالمستور.
قال الإِمَامُ: فلو عادوا إلى فجورهم على القرب فالظاهر أنَّ تلك التَّوْبَةَ تصير ساقطة الأَثَرِ، وفيه احْتِمَالٌ.
الرَّابِعَةُ: الاحتياط الإشهاد على رِضَى الْمَرْأَةِ حَيثُ يعتبر رضاها لكنه ليس بشرط في صحة النِّكاحِ 198، وإنه ليس من نفس النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هو شرط.
ولنعد إلى لفظ الكتاب.
الجزء: 7 - الصفحة: 523
قوله: "الشهود" علم بالميم لما حكيناه من مذهبه أنه لا يعتبر حضور الشهود، وكذا قوله: "ولا ينعقد" ولفظ "العدلين" و"المسلمين" معلمان بالحاء، ولفظ "البصيرين" بالواو ولفظ "الذكرين" بالحاء والألف.
وقوله: ليسا "بِعَدُوَّين" إلى آخره تفسيراً لقوله "مقبولي الشَّهَادَةِ للزوجين، وعليهما" وهذا اختِيَارٌ منه للوجه الثاني من الوجوه المذكورة في مَسْأَلَةِ العدوين وهو اختلاف اختيار الأكْثَرِينَ، أَمَّا العراقيون فإنهم اختاروا الْوَجْهُ الثَّالِثَ واكتفوا بمكان الإِثبات بشهادتهما في الجملة.
وأما صاحب "التَّهْذِيب" فإنه رجح الْوَجْهَ الأَوَّلَ على ما قَدَّمْنَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عليه في "الأُمِّ" فليعلم قوله: "مقبول الشهادة للزوجين وعليهما".
وقوله: "ولا أبوين لهما" محمول على أبي الزَّوْجِ وجد الزوجة، أمَّا أبوها فَهُوَ وَلِيٌّ، فلا يكون شاهداً كما مَرَّ.
وقوله: "ويكفي حضور مستوري الْعَدَالَةِ" معلم بالواو وكذا قوله: "دون مستوري الرق" التردد المنقول عن الشَّيْخُ أبي مُحَمَّدٍ، وكان الألْيَقُ أنْ يَقُولَ: "دون مستوري الحرية" كما قال: "مسْتُوري الْعَدَالَةِ لاَ مَسْتُوري الفِسْقِ".
وقوله: "على قول" يجوز إعْلاَمُهُ بالواو للطريقة النَّافية للخلاف وقوله: "إنما يتبين بحُجَّةٍ أو تَذَكّر" أشَارَ بلفظ التَّذَكُر إِلى ما ذَكَرَ الإمَامُ أن صورة الخلاف في تقارب الزَّوْجَيْنِ أما إذا قالا: لم نعرف عين الشَّاهِدَينِ عند العقد فلما عرفناهما عرفنا أنهما كَانَا فَاسِقَيْنِ وَفِي مَعْنَى هذا أن يكونا ناسيين لفسقهما عند الْعَقْدِ، ثم يذكرا، فأَمَّا إِذَا قَالاَ: كُنَّا عَالِمِينَ بِفِسْقِهِمَا حينئذٍ فنقطع تبيين البطلان؛ لأنهما لم يكونا مستوري الحال عند الزوجين، وعليهما التَّعْوِيلُ في التَّحْرِيمِ والتحليل، وكذا لو اعترفا بعلم أَحَدِهِمَا حِيْنَئذٍ، وعلى هذا ينزل قوله في الكتاب: "وإِذَا عَرَفَ أَحَدُ الزَّوْجَينِ فسقه عند العقد لم ينعقد".
وقوله: "بانت" يعني بينونة طلاق على ما أفصح به في "الْوَسِيْطِ" فيجوز أنْ يعلمَ بالواو للوجه الآخر واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ: العَاقِدُ) وَهُوَ الوَلِيّ وَالزَّوْجُ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لَهَا في شِقَّيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَكَالَةً وَوِلاَيَةً وَاسْتِقْلاَلاً من كُفْءٍ وَغَيْرِ كُفْءٍ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، وَإِقْرَارُ البَالِغَةِ مَقْبُولٌ (وم) في الجَدِيدِ إِنْ أَضَافَتِ التَّزْوِيجَ إلَى الوَلِيِّ وَصَدَّقَهَا، فَإِنْ لَمْ تُضِفْ إِلَيْهِ = قال القاضي أبو الفتوح: احتمل أن يكون في انعقاده وجهان بناءً على ما لو صلَّى رجل خلفه فبان رجلاً.
هذا كلامه.
والانعقاد هنا هو الأصح؛ لأن عدم جزم النية يؤثر في الصلاة.
والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 524
وَكَذَّبَهَا فَفيهِ خَلاَفٌ (و)، وَإِنْ كَانَ الوَلِيُّ غَائِباً سُلِّمَتْ في الحَالِ إِلى الزَّوْجِ لِلضَّرُورَةِ، وَإقْرَارُ الوَلِيِّ المُجْبِرِ نَافِذٌ إِذَا أَقَرَّ فِي حَالِ القُدْرَةِ عَلَى الإِجْبَارِ، وَيَجِبُ المَهْرُ بِالوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَلاَ حَدَّ للِشُّبُهَةِ (و)، وَلاَ يُنْقَضُ قَضَاءُ الحَنَفِيُّ بِصِحَّةِ هَذا النِّكَاحِ.
القول في الركن الرابع
قال الرَّافِعِيُّ: لَفْظُ العَاقِدِ ينظم الموجب والقابل والقابل هو الزَّوجُ، أَو مَنْ يَتُوبُ عنه.
والموجب هو الولي، أو وَكِيْلُهُ ولا تَصِحُّ عِبَارَةُ الْمَرْأَةِ في النِّكَاحِ إيجاباً وَقبُولاً، فلا تزوج نفسه بإذن الْوَلِيِّ ودون إذنه ولا غيرها لا بوكالة، ولا بولايةٍ ولا تقبل النِّكَاحَ لا بولاية، ولا بوكالة، ولا فَرْقَ بَيْنَ أن تزوج نفسها من كفء، أو غير كفء، ولا بين الشَّرِيْفَةِ والدَّنِيَّةِ 199.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ- رَحِمَهُ الله تَعَالَى-: تزوج البالغة العاقلة الحرة نفسها وابنتها الصغيرة وتتوكل عن الغير لكن لو وضعت نفسها تحت من لا يكافئها فلأوليائها الاعْتِرَاضُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وإن لم يأذن لها؛ فلا يصح، وإليه ذهب أبو ثور.
منهم من فرق بين البكر والثيب، فصحح نكاح الثيب؛ وأبطل نكاح البكر، وإلى هذا ذهب داود الظاهري.
ومنشأ الخلاف بينهم أنه وردت أدلة من القرآن، والسنّة، وقد فهم فيها كل فريق ما فهمه، وأخذ الحكم منها حسب ما وصل إليه اجتهادهم، وسأذكر ما تمسك به كل فريق من الأدلة وأوجه دلالتها، ثم أناقش الأدلة لأتوصل بذلك إلى بيان المذهب الراجح حسب قوة دليله.
استدل أبو حنيفة ومن وافقه بالمنقول والمعقول.
أما المنقول: فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أسند النكاح في الآية الأولى والثانية إلى المرأة، والأصل في الإِسناد أن يكون إلى الفاعل الحقيقي، فدل ذلك على صحة النكاح عند مباشرتها العقد بنفسها من غير مباشرة الولي أو إذنه وأما في الآية الثالثة، فإن قوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ صريح في أنها هي التي تفعل في نفسها ما تشاء، ومن ذلك أن تباشر عقد نكاحها.
وأما السنَّة: -فأولاً: ما رواه الجماعة -إلا البخاري- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِن وَليِّهَا وَالْبكْرُ تَسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا وصِمَاتِها إِقرَارُهَا" وفي لفظ مسلم "وَإِذْنُهَا صمَاتُها" وفي لفظ آخر "البِكْرُ تَسْتَأْمَرُ وَإِذْنَهَا سُكُوتُها".
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شارك بينها وبين الولي، ثم قدمها عليه بقوله: "أَحَقُّ بِنَفْسِهَا" وقد صح العقد من الولي فصحة منها أولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الحديث برواياته يدل صراحة على توقف العقد على رضا المرأة، وليس من المعقول، ولا من المعهود شرعاً أن يقيد رضا شخص في صحة تصرف، ثم يحكم عليه بالفساد إذا باشره بنفسه.
وثانياً: ما ورد في تزوجه -صلى الله عليه وسلم- أم سَلَمة لما بعث إليها يخطبها قالت: "لَيْسَ أَحَد مِن أَوْلِيَائي شَاهِدَاً" فقال عليه الصلاة والسلام: "لَيْسَ أحَدٌ من أَوْلْيَائِكِ شَاهِدٌ ولا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ" ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه لم يحضر أحد من أولياء أم سلمة هذا العقد، وهي التي باشرته بنفسها، فدل ذلك على صحة النكاح بمباشرة المرأة العقد، وهو يدل من جهة أخرى على أنه ليس للأولياء حق الاعتراض؛ إذا كان الزوج كفئاً.
وأما المعقول: فقد قالوا فيه: إن المرأة عند مباشرتها العقد بنفسها؛ إنما تصرفت في خالص حقها، وفي من أهل التصرف؛ إذ إنها بالغة عاقلة ولهذا كان لها التصرف في المال، ولها اختيار الأزواج بالاتفاق، وكل تصرف هذا شأنه فهو صحيح، وإنما يطلب الولي بالتزويج كيلا تنسب المرأة إلى الوقاحة.
وقد نوقشت أدلة الحنفية بما يأتي.
فقد قبل لهم في الآيات التي أضيف فيها النكاح إلى المرأة.
أن الإِضافة فيها على طريق، الإِسناد المجازي والعلاقة المحلية، وأيضاً فإن لا يكون نصاً في جواز مباشرتها العقد بنفسها، وإنما هو نص في تحصيل العقد لكن بمباشرة من؟ هذا مسكوت عنه، وقد بينت السنّة أنه لا يصح للمرأة =
الجزء: 7 - الصفحة: 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن تباشر النكاح وأنها إذا باشرته كان فاسداً كما في حديث عائشة -رضي الله عنها - حيث روت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا امرَأَةٍ نكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ" الحديث.
وأما قوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ فسياق الآية يقتضي بأن هذا في غير النكاح إذ الآية قبلها في عِدة الوفاة، والمرأة فيها ممنوعة من الزينة والخروج، مأمورة بالإحداد، فرفع الله عنها هذه القيود التي التزمتها في العدة بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾.
ويقال لهم في الحديث الأول أنه يحتمل أن تكون أحق من وليها في الإِذن والعقد، ويحتمل أن تكون أحق منه في الإذن والرضا؛ بأن لا تزوج حتى تنطق بالإِذن، بخلاف البكر.
والمراد هنا الاحتمال الثاني، وهو أنه لا يعقد عليها إلا بإِذنها ورضاها، ومما يؤيد أن المراد الاحتمال الثاني قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِي" مَع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي.
ويقال لهم في حديث أُم سَلَمة أنه محمولٌ على الخصوصية فقد عهد اختصاص النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب النكاح بأمور كثيرة إذ إننا إنما نحتاج للولي لرعاية المصلحة إذ إن المرأة لنقصان عَقلها قد تُخْدَع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- خير زوجٍ فلا يصح لإنسان أن ينظرُ بعْدَ نَظرِه.
وأما المعقول: فيقال لهم فيه لا نسلم أنها عند مباشرتها العقدَ؛ تكون قد تصرفت في خالص حقها، بل تصرفت في أمر تعلق به حق الأولياء، وما من شك في أنَّ مشروعية النكاح على الأصالة إنما هي بناءُ الأُسر؛ والمحافظة على الأَعراض التي لا يصونها إلا وَلي خاص يُؤمَنْ على العِرض منى تلويثه.
واستدل الشعبي والزهري بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأم سَلَمة "لَيْسَ أَحدٌ مِن أَوْليَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ" جواباً لقولها "لَيْسَ أَحَدٌ مِن أَوْلِيَائِي شَاهِداً".
فإنه يدل على صحة العقد من المرأة، حيث لا يكون هناك موجب لكراهة الأولياء، بأن توفرت الكفاءة، ويدل بمفهومه على خلاف هذا ويقال للشعبي والزهري في استدلالهما بهذا الحديث ما قلناه فيه عند مناقشة أدلة الحنفية واستدل محمد ابن الحسن بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّمَا امرأةً نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فِنَكَاحُهَا بَاطِلٌ".
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه يدل بمنطوقه على أن المرأة إذا نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ويدل بمفهومه على أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها فنكاحها صحيح.
ويقول: إن الإِذن أعم من أن يكون سابقاً أو لاحِقاً.
ويقال له في استدلاله بهذا الحديث أنه استدلال بالمفهوم؛ وأنت لا تقول به.
واستدل أبو ثور على أن الشرط هو إذن الولي بنفس حديث عائشة الذي استدل به محمَّد بن الحسن.
ووجه الدلالة فيه أنه صريح في أن نكاحَ المرأةِ نفسها إِنَّما يكون باطلاً إذا كان بغير إذن الولي، ومفهومه أنها لو نكحت نفسها بإذن وَلِّيها صح نكاحها، ويرد هذا بأن استدلال بالمفهوم، والمفهوم إنما يستدل به إذا لم يخرج الكلام مخرج الغالب، وهنا كذلك.
واستدل داود الظاهري، ومن وافقه بحديث "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِن وَليِّهَا" ووجه الدلالة فيه أنه صريح في أن الثيب أحق بنفسها من وليها ومن ذلك أن تباشر عقد نكاحها.
ويرد هذا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَثبت لها حقاً، ومعناه أنها أحق بنفسها في أن لا يعقد عليها الولي إلا برضاها؛ لأنها أحق بنفسها في أن تعقد على نفسها، على أن داود -كما قال النووي- قد ناقض =
الجزء: 7 - الصفحة: 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مذهبه في شرط الولي في البكر دون الثيب؛ لأنه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، ولم يسبق إليه، ومذهبه أنه لا يجوز إحداث مثل هذا.
وأما الجمهور فقد استدلوا بالكتاب والسنّة والمعقول:.
أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
ووجه الدلالة في الآية الأولى: أن النهي موجه إلى الأولياء عن منعهِن عن نكاح من يخترق من الأزواج، ولا يتحقق المنع إلا مِمَّن في يده الممنوع، فدل ذلك على أن عقد النكاح في يد الولي لا في يد المرأة، وعليه فلا يصح منها لو باشرته بنفسها، ويؤيد هذا ما روي في سبب النزول من أن معقل بن يسار كانت له أخت تحت أبي البرَّاح فطلقها، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم على فراقها فخطبها فرضيت به، وأبى أخوها أن بزوجها، وقال: وجهي من وجهك حرام أن تزوجتيه فنزلت الآية.
فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معقلاً وقال له: إن كنت مؤمناً فلا تمنع أختك عن أبي البراح، فقال آمنت بالله، وزوجتها منه، فلو كان لها أن تباشر النكاح بدون وليها؛ لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل -وعلى هذا يبعد أن يكون النهي في الآية للأزواج كما قيل.
ومما يقوي القول بأن النهي في الآية للأولياء ما روي عن ابن عباس.
أنه قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.
ووجه الدلالة في الآية الثانية والثالثة.
أن الخطاب موجه فيهما إلى الأولياء فدل ذلك على أن الزواج إليهم لا إلى النساء.
وأما السنّة: -فأولاً ما رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُزَوِّجُ المرْأَةُ المرْأَةَ وَلاَ تُزَوِّجُ المرأةُ نَفْسَها فإنَّ الزَّانِيَةَ هِي الَّتي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
ووجه الدلالة من هذا الحديث "أن النبي عليه الصلاة والسلام.
نهى المرأة عن أن تزوج نفسها فدل ذلك على فساد نكاحها لأن النهي إذا رجع إلى ذات الفعل يدل على الفساد ويؤيده قوله في آخر الحديث "فإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
وثانياً: بما روى أحمد وأصحاب السنن -إلا النسائي- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِي" صححه ابن حبان، والحاكم وذكر له الحاكم طرقاً، وقال: قد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، ثم سرد تمام ثلاثين صحابياً.
وهذا الحديث صريح في أن النكاح لا يصح بدون الولي.
وثالثاً: بما روى الخمسة -إلا النسائي- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِدُونِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المهْرُ بمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ ولِي مَن لا وَلي لَهُ".
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم على نكاحها نفسها بدون إذن وليها بالبطلان، وكرر ذلك ثلاثاً لتأكيد بطلانه، فهو قاض باشتراط الولي في صحة النكاح.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح له مقاصد شتى وهو رباط بين الأسر والمرأة لا تحسن الاختيار لقلة ما لديها من الاختيار، لا سيما أنها تخضع لحكم العاطفة التي تطغى عليها جهة المصلحة، فتحصيلاً لهذه المقاصد على الوجه الأكمل قلنا بمنعها من مباشرة العقد.
وقد نوقشت أدلة الجمهورة بما يأتي.
فقد قيل لهم في الآية الأولى إن معنى النهي فيها التحذير عن مَنْعِهِنَّ من مباشرة العقد بأنفسهن، فَدَلَّ ذلك على صحته منهن استقلالاً، وإلا لم يكن للتحذير معنى.
على أننا لا نسلم أن النهي للأولياء، بل هو للأزواج بدليل صدر الآية، إذ يقول اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إنما هو خطاب لمن طلق لا للأولياء، حتى لا تخيل النَّظْمُ الْكَرِيمُ، وإذا كان كذلك.
كان معناه لا تعضلوهن أيها الأزواج، أي: لا تمنعوهن حساً بعد إنقضاء العدة أن يتزوجن أوْلاً تمنعوهن بإطالة العدة عليهن كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
وترد هذه المناقشة بما ورد في سبب النزول، من أن العاضل هو معقل، وهو ولي لا زوج، وليس في لك ما يخل بالْنَّظْمِ الْكَرِيم؛ لأن محل ذلك إذا خفي المراد وحصل الاشتباه، أَمَّا إذا ظهر المراد، ولم يكن هناك اشتباه، فلا بأس من تفكيك الضمائر، وقد عهد في القرآن الكريم تحويل الخطاب، ولو كان منعه يدل على صحة النكاح بمباشرتها كما قيل؛ لأَبَاحَ لها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تباشر النكاح بنفسها، ولما قال لمعقل إن كنت مؤمناً فزوجها.
على أن يحتمل أن يكون الخطاب في صدر الآية للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم الزوجين للنساء المطلاقات من الأزواج، وعلى هذا الاختلال في النظم الكريم.
ويقال لهم في الآية الثانية والثالثة: إنه يحتمل أن يكون الخطاب فيهما لعامة المؤمنين، لا لخصوص الأولياء، وإلا لأمرهم بماشرة عَقْدِ الزواج، فيكون من باب التشريع العام للمسلمين بأن يكون المراد بالإنكاح ما يشمل العقد، وتسهيل، والحث عليه، والتعاون فيه بإعطاء المال، واختيار الْكُفَءِ، وغير ذلك.
على أن المقصود من الآية الثانية هو اشتراط إيمان الزوج إذا كانت الزوجة مؤمنة.
ويجاب عن هذه المناقشة بأننا لا نسلم أَنَّ الخطاب يحتمل أن يكون لعامة المسلمين، بل هو للأولياء، ومما يرجح كونه للأولياء قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضُونَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ" إذ إن المعروف أن من أراد أن يخطب امرأة يأتي وليها فقط.
وأما الأحاديث التي تمسك بها الجمهور، فقد نوقشت بما يأتي.
أما الحديث الأول، فقد قيل لهم فيه: إن ابنَ كَثِيرٍ قال فيه الصحيح، وقفه على أبي هريرة وعلى تسليم رفعه فغايته التنفير من استبداد المرأة بنفسها في النِّكَاحِ، وترد هذه المناقشة بأننا لا نسلم أن الحديث غير مرفوع، بل هو مرفوع، وقد حكي رفعه يَحْيَى بنُ مُعِينٍ، وليس المراد منه التنفير كلما قيل؛ لأن النهي ظاهر في عدم الصحة.
وقيل لهم في الحديث الثاني إنه حديث ضعيف مضطرب في إسناده فقد رُوِيَ موصولاً ومنقطعاً ومرسلاً، فلا تقوم به حجة على أصلكم.
وعلى تسليم صحة الاحتجاج به بناءً على تقديم الوصل على الانقطاع عند التعارض.
فغايته أنه حسن، وهو لا يعارض الحديث الصحيح، وهو حديث =
الجزء: 7 - الصفحة: 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = "الأيِّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا".
وترد هذه المناقشة، بأن ابن حبَّانَ والحاكم صححاه، وذكر له الحاكم طُرُقاً، وقال: صَحَّتْ فيه الرواية عن أزواج -النبي -صلى الله عليه وسلم- عائشة.
وأم سلمة.
وزينب بنت جحش ثم ذكر تمام ثلاثين صحابياً، وقد قال المروزي سألت أحمد ويحيى عن حديث "لا نَكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ" فقالا صحيح، ولا نسلم معارضته لحديث "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا" وذلك لما قلناه في معناه من أن المراد أنها أحق بنفسها في أن لا يعقد عليها الولي إلا برضاها؛ لأنها أحق بنفسها في أن تعقد على نفسها بدون وليها.
ويقال لهم في الحديث الثالث ما يأتي.
أولاً: إن هذا الحديث رُوِيَ من جملة طرق مدارها على ابْنِ شِهَاب الزُّهْرِيِّ، فبعضها من رواية ابنِ جُرَيجٍ، وبعضها من رواية الحجاج بن أرطاه، وبعضها من رواية ابن لهيعة، وابن لهيعة معروف، والحجاج ضعيف، ولم يثبت سماعه من الزهري فهو موقوف، وأما رواية ابن جريج، فقد أخبر ابن علية أن ابن جريج قال لقيت الزُّهْرِيَّ فسألته عنه فأنكره.
ثانياً: إن هذا الحديث رُوِيَ عن عائشة، وقد زَوَّجَتْ حفصة بنت عبد الرحمن، وقد كان غائباً.
ثالثاً: إنه يخالف مذهب الجمهور، فإن مفهومه وهم يحتجون بالمفهوم بدل على صحة النكاح إذا باشرته المرأة بإذن وليها.
يجاب عن المناقشة الأولى بأن المخالف يحتج برواية كل من ابن لهيعة والحجاج، فكيف لا يحتج بها عند الاجتماع وأما رواية ابن جريج إنكار الزهري لرواية سليمان بن موسى، فقد ضَعَّفَهَا ابنُ مُعِينٍ، فقد أخرج عنه البيهقي من طرق منها أن جعفر الطيالسي قال: سمعت ابنِ مُعِينٍ يوهن رواية ابنِ علية عن ابن جريج أنه أنكر معرفة حديث سليمان بن موسى، وقال: لم يذكره عن ابن جريج غير ابن علية، وإنما سمع ابن علية من ابن جريج سماعاً ليس بذاك.
ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة؛ لأنه قد نقله عنه ثِقَاتٍ منهم سليمان بن مرسى، وهو إمام ثقة، وجعفر بن ربيعة، فلو نسبه الزهري لم يضره ذلك فإن من حفظ حجة على من نسي.
فهذا رَوَى الحديث ثقة، فلا يضره نسيان من نسيه.
ويجاب عن المناقشة الثانية بما قاله البَيهَقِيُّ.
ونحن نحمل قوله: زوجت، أي: مهدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك، وإذنها فيه ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها، حتى عقد النكاحِ، ويؤيد هذا ما رَوْاهُ ابن جريج عن عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة أنها نكحت رجلاً هو المنذر بن الزبير امرأة من بني أخيها، فضربت بينهم بستر ثم تكلمت، حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلاً فأنكح، ثم قالت فإنَّ المرأة لا تلي عقد النكاح، فالوجه أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح، وتولى العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إليها لما كان تقريره إليها.
ويجاب عن المناقشة الثالثة: -بأن المفهوم هنا معطل؛ لأن الكلام خرج مخرج الغالب.
وأما المعقول فقد قيل لهم فيه.
إن تحصيل المقاصد المذكورة لا يتوقف على مباشرة الولي العقد بنفسه، بل يكفي أن يأذن لها، وليباشر العقد بعد ذلك من يباشره.
وترد هذه المناقشة بأن مباشرة المرأة للعقد تتنافى، ومحاسن الشريعة الإسلامية وآدابها، فإن المرأة تنسب إلى الوقاحة، والخروج عن مألوف العادات، وكيف يقوم هذا؟ وقد قامت الأدلة القوية على أن المرأة ممنوعة من مباشرة العقد بنفسها.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 530
وقال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الدَّنِيَّةُ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا والشَّرِيْفَةُ لاَ تُزوج.
لنا ما روي عن أبي موسى الأَشْعَري وابن عَبَّاس رَضِيَ الله عنهما -أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَال: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ" 200.
وعن عَائِشَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قَالَ: "أيَّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَت نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوْا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لاَ وَلِيَّ لَهُ" 201.
ولو وَكَّلَ ابنته بأن توكل رجلاً بتزويجها، فَوَكَّلَت؛ نَظَرَ إنْ قَالَ وَكِّلِي عَنْ نَفْسِكِ = يتبين لنا بما سقناه من الأدلة وما أوردنا عليها من المناقشات ودفعها أن مذهب الجمهور هو المذهب الراجح الذي يجب المصير إليه.
الجزء: 7 - الصفحة: 531
لم يصح وإن قال: وَكِّلِي عَنِّي أو أطلق فوجهان؛ لأنَّهُ ليس يتعلق بها إلاَّ سفارة بين الولي والوكيل.
واعلم أَنَّهُ لو خرج خلاف في تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ، فَالنِّكَاحُ إيجاباً وَقَبُولاً وإن لم تَمْلُكْ تَزْوِيْجَ نَفْسِهَا، ولا غيرها بالولاية لم يكن بعيداً لأن الأخبار لم تتعرض لصورة الوكالة وقد لا يستقل الإِنسان بالشيء ويجيء في توكيله فيه الخلاف كالخلاف في توكيل الْعَبدِ والْفَاسِقِ في إِيْجَاَبِ النِّكَاح مَعَ الْحُكْمِ بأنَّ الْفَاسِقَ لا يلي، ويؤيده أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تملك الطَّلاَقَ، وَيجُوزُ أَنْ يُوَكِّلْهَاَ الإنْسَانُ بتطليق زوجته على الأصح وكل ذلك قد مَرَّ في "الوكالة".
واعلم أيضاً أن ما روي عن يونس بن عبد الأعلى أن الشَّافِعِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: إذا جمعت الرفقة امرأة لا ولِيّ لها فولت رَجُلاً أمرها حتى زوجها يجوز وليس قولاً في تجويز النكاح بلا ولي؛ لأن أبَا عَاصِمٍ العبادي لما حَكَى هذا النَّصَّ في "طبقات الفقهاء" ذكر أنَّ مِنْ أصحابنا من أَنْكَرَ هذه الرواية، ومنهم قبلها، وقال إنه تحكيم فإن لم تثبت فذاك وإن ثبتت فهذا نكاح بولي وهذا المحكَّم المقام مقام 202 الحاكم.
وإذا جرى الوطء في النِّكَاحِ بلا وَلِيٍّ وجب مَهْرُ الْمِثْلِ، ولم يجب الحد سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته باجْتِهَادٍ أو تقليد، أو حسَبان مجرد لشبهة اختلاف الْعُلَمَاءُ وتعارض الأَدِلَّةُ إِلاَّ أَنَّ مُعْتَقَدَ التَّحْرِيْمِ يُعَزَّرُ.
وقال أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِي: يجب الْحَدَّ على معتقد التَّحْرِيم، لما رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "لاَ تَنْكِحُ الْمَرْأَةُ المَرْأَةَ وَلاَ نَفْسَهَا إِنَّمَا الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَنْكِحُ نَفْسَهَا" 203. وإن امرأة كانت في مركب فجعلتَ أمرها إلى رَجُلٍ فزوجها فَجَلَدَ عُمَرُ -
الجزء: 7 - الصفحة: 532
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الناكح والمنكح 204؛ ولأن شَارِبَ النَّبِيْذِ يُحَد مع الاختلاف في إباحته.
وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الإصْطَخرِيِّ وأبي بكر الفارسي أيضاً وأجاب من نصر ظاهر المذهب عن الأول بأنَّ الْمُرَادَ تشبيهها بالزَّانِيَةِ في تَبَرُّجِهَا واستقلالها بضم نَفْسِهَا، ولهذا قال: "الزانية هي التي تنكح نفسها" ولم يقل: التي تنكح نفسها زانية.
وعن الثَّاني: بأنَّ الْمُرَادَ التعزيرُ؛ ألا ترى أنه جلد المنكح ولا حد عليه بالاتفاق.
وعن الثالث: بأن أدلة تحريم النَّبِيْذِ أظهر وأيضاً فَإِنَّ الطبع يدعو إليه، فيحتاج إلى الزَّجْرِ، ولهذا نوجبه على من يعتقد إباحته أيضاً، وهنا بخلافه، ولو رُفِعَ النِّكَاحُ بَلاَ وَلِيٍّ إلى قَاضٍ يصححه فقضى بصحته، ثُمَّ رُفِعَ إلينا لم ننقض قضاءه كمعظم المسائل المختلف فيها.
وقال الإِصْطَخْرِي: ينقص أيضاً؛ لظهور الأخبار، وَلَوْ طلق في النكاح بلا وَلِيٍّ لم يقع ولا يحتاج إلى المحلل، ولو طلق ثلاثاً؛ لأن الطَّلاَقَ إنما يقع في النِّكَاحِ الصَّحِيْحِ.
وقال أَبُو إِسْحَاقَ: يقع ويحتاج إلى المحلل احتياطاً للأبضاع وهذا كوجهين نقلهما أبو الحسن العبادي عن القفَّال في: أنها إذا زوجت نفسها -هل للولي أن يزوجها قبل تفريق القاضي بينهما؟ قال: وبالمنع أجاب القَفَّالُ الشَّاشِيُّ؛ لأنها في حكم الْفِرَاشِ لَهُ وَهُوَ تَخْرِيْجِ ابْنُ سُرَيْجٍ واللهُ أَعْلَمُ ولما تكلم في إنشاء المرأة النكاح أدرج في الفصل الكلام في إقرارها بالنِّكاح وقد يحتج بالإِقرار من يجوز لها الإِنشاء، وشرحه أن الْحُرَّةَ البالغة العاقلة إذا أقرت بالنِّكَاح ففيه قَوْلاَنِ:
الجديد -وهو المذكور في الكتاب: أنَّ إقرارها مع تَصْدِيْقِ الزَّوْجِ مقبول مغن عن البينة؛ لأنَّ النِّكَاح حَقُّ الزَّوْجَينِ فثبت بتقارهما كالبيع والإِجارة وغيرهما، ولا فَرْقَ على هذا الْقَوْلِ بين الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا بلديين أَوْ غَرَيبَّيْنِ.
والقديم -وبه قال مَالِك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنهما إن كانا غريبين ثَبَتَ النِّكَاحُ بتقارهما وإلاَّ طُولِبَا بالْبَيِّنَةِ؛ لأنه يسهل عليهما إقامة البَيِّنَةِ، والنِّكَاحُ مما يحتاط فيه، فإن قلنا بالجديد فيكفي إطلاق الإِقرار أم لا بُدَّ وأن نفصل فنقول: زَوِّجْنِي مِنْهُ وَلِي بحضور شاهدين عدلين، ورضاي إن كانت ممن يعتبر رضاها فيه وجهان بِنَاءً على الخِلاَفِ في أنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تسمع مطلقة، أو يجب التفصيل.
وَالأَصَحُ الثَّانِي.
ثُمَّ إِذَا أَقَرَّتْ وَكَذَّبَهَا الْوَلِيُّ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يُحكم بإقرارها؛ لأنها كالمُقِرَّةِ عَلَى الْوَلِيِّ بِالتَّزْوِيْجِ، فَلاَ يُقْبَلُ
الجزء: 7 - الصفحة: 533
قَوْلُهَا عليه، وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الْقَفَّال.
وأظهرهما: وبه أجاب ابن الْحَدَّادِ والشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أنه يحكم؛ لأنها تقر بحق على نفسها.
وعن القاضي حسين: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفِيْفَةُ والْفَاسِقَةُ.
ولا فَرْقَ في هذا الخلاف بين أن تفصِّل الإِقرار وتضيف التزويج إلى الولي فيكذبها، وبين أن تطلق إذا قبلنا الإقرار المطلق وَقَالَ الْوَلِيُّ: لاَ وَلِيَّ لَكَ غَيْرِي وَأَنا [ما] 205 زَوْجَتُكَ.
ويجري أَيضاً في تكذيب الشَّاهِدَيْنِ إذا كَانَتْ قد عَيَّنَتْهُمَا؛ لأنه يورث تُهْمَةً في الإِقرار، والأبضاع جديرة بالاحتياط.
والظاهر أَنَّهُ لا يقدح لاحتمال النِّسْيَانِ أو الكذب، فإن قلنا بِأنَّ تَكذِيبِ الْوَلِيِّ يمنع من الحكم بإقرارهما فإنْ كان غائباً لم ينتظر حُضُورُهُ بل يسلم إلى الزَّوْجِ في الْحَالِ للضَّرُورَةِ فَإِنْ عَادَ وكذب، فَيُحَالُ بينهما لزوال الضرورة، أَو يُسْتَدَامُ ما سَبَقَ فيه وجهان ورجح في "الْوَسِيْطِ" الأول وَرَجَّحَ غَيْرُهُ الثَّانِي.
وإذا فرعنا على القديم فجرى الإِقرار في الغربة، ثم رجعا إلى الوطن فهل يحال بينهما؟.
فيه مثل هذا الْخِلاَفِ.
قال الإِمامُ: ولا شَكَّ أَنَّهُ لو قضى قاضٍ بالإِقرار لم ينتقص قضاؤه، هذا حكم إقرارها، وأمَا إقرار الولي فَيَنْظُرُ إن كان له إنشاءُ النِّكَاح المقر به عند الإِقرار من غير رضاها فيقبل إقراره لقدرته على الإِنشاء.
وحكى أبو عَبْدِ اللهِ الحَنَّاطِيُّ وجهاً آخَرَ: أنه لا يقبل حتى تساعده البالغة كالوكيل إذا ادَّعى أنه أتى بما وُكِّلَ به وإن لم يكن له إنْشَاءُ النِّكَاحِ المقر به عند الإِقرار من غير رضاها إما؛ لأنه خير مُجْبَرِ، أو لأن الحال غير حال الإِجبار، أو لأن الزَّوْجَ ليس بكفءٍ لها لم يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عليها ولو قال: وهي ثَيِّبٌ كنت زَوْجُهَا في حال بكارتها لم يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ أيضاً واعتبر وقت الإِقرار.
كذلك أطلق الإِمام وهو الظاهر لكن يمكن أن يجعل على الخلاف في العبد إذا أَقَرّ بعد الحجر بدينَ أسنده إلى حال الإِذن، وفيما إذا أَقَرَّ المريض بأنه وهب من وارثه في الصحة.
فَرْعٌ: أقرت لزوج وأقر وليها المقبول إقراره لآخر فالمقبول إقرارها أو إقراره؟.
حكى أبو الحسن العبادي فيه وجهين عن الحليمي عن القَفَّالِ الشَّاشِيِّ والأَوْدَنِيِّ.
الجزء: 7 - الصفحة: 534
وقوله في الكتاب: "لا عِبَارَةَ لَهَا" معلم بالحاء والميم.
وقوله: "إقرار البالغة مَقبُولٌ" بالواو والميم لما بَيَّنْاهُ.
وقوله: "وصدقها".
يقتضي اعتبار التَّصْدِيقِ لكن المفهوم من كلام الأئمة أنه لا يكفي ألا يكذبها فإذا كذبها ففيه الخلاف المذكور وقوله: "ولا حَدَّ للشبهة، ولا ينقص" معلمان بالواو ويجوز أن يعلم -أيضاً- قوله: "ويجب الْمُهْرُ"؛ لأنَّ من يُوْجِبُ الْحَدَّ لا يوجب الْمَهْرَ واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ:
وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِ الأَوْلِيَاءِ بابان
(البَابُ الأَوَّلُ في الأَوْليَاءِ، وَفِيهِ فُصُولٌ ثَمَانِيَةٌ)
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: في أَسْبَابِ الوِلاَيَةِ)
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ) الأبُّوَّةُ وَفِي مَعْنَاهَا الجُدُودَةُ وَتُفِيدُ وَلاَيَةَ الإِجْبَارِ عَلَى البِكْرِ وَإِنْ كانَتْ بَالِغاً (ح و) لاَ عَلَى الثَّيِّبِ وَإِنْ كانَتْ صَغِيرَةً (ح) سَوَاءُ ثَابَتْ بِالزِّنَا (م ح و)، أَوْ بِوَطْءٍ حَلاَلٍ، وَلاَ أَثَرَ لزَوَالِ الجِلْدَةِ بِالسَّقْطَةِ (و)، وَلَوِ الْتَمَسَتِ البِكْرُ البَالِغَةُ التَّزْوِيجَ وَجَبَتِ الإِجَابَة وَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، فَإِنْ عَضَلَ زَوَّجَ السُّلطَانُ، وَالكُفْءُ الَّذِي عَيَّنَتْ أَوْلَى مِمَّنْ عَيَّنَهُ الوَلِيُّ عَلَى وَجْهٍ.
(الثَّانِي: العُصُوَبةُ) كالأخُوَّةِ وَالعُمُومَةِ، وَلاَ يُفِيدُ إلاَّ تَزْوِيجَ البَالِغَةِ العَاقِلَةِ بِرِضَاهَا الصَّرِيحِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، وَبِسُكُوتِهَا إِنْ كَانَتْ بِكْراً عَلَى رأْي (ح).
" القول في
بيان أحكام الأولياء
"
قال الرَّافِعِيُّ: لما بيّن في الفصل السابق أنَّ النِّكاحَ إنما يعقده الولي مست الحاجة إلى بَيَان أحكام الأولياء ولا شك أنَّ الولايةَ تثبت لشخص على شَخْص فعقد بابين:
أحدهما: فيمن له الولاية.
والثاني: فيمن عليه.
أما الأول: فاعلم أن للولاية 206 أسباباً وموانع، والذين توجد فيهم سَبَبُ الْوِلاَيَةِ
الجزء: 7 - الصفحة: 535
من غير معارضة مانع تارة يترتبون وتارة يستوون وقد يعرض لهم تزاحم حينئذٍ، ثم ما يتوظف على الولي إما أن يباشره بنفسه، أو يوكل فيه ترتب كلام الباب على [ثمانية] 207 فصول فَصْلٌ في أسباب الولاية، وفَصْلٌ في موانعها وسوابها، وفصل في ترتيب الأولياء، وفصل في تزاحمهم عند الاستواء، وفصل فيما يجب ويتوظف على الولي، وفصل في التوكيل.
فهذه ستَّةُ فُصُولٍ.
وأما فصلاً تولى الطرفين والكفاءة، فليس لهما كثير اختصاص بالباب إلا أن فيه ما ينساق إليهما؛ ألا ترى أنَّا نقول السلطان يزوج في مواضع منها: إذا أراد الْوَلِيُّ أن يتزوج = مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ}.
وقرأ الأخوان والأعمش وغيرهم.
عن طلحة وخلف وغيرهما: "الوِلاية لله الحَقِّ".
بكسر الواو.
وجاء لفظ الولاية في اللغة مصدراً بالفتح والكسر، وهما لغتان فيه بمعنى واحد فالوكالة والوكالة، والوصاية والوصاية.
فَدَلَّ ذلك على أنهما بمعنى واحد.
وقيل بينهما فرق؛ فقد قال سيبويه الوَلايَة بالفتح المصدر، وبالكسر الأسر مثل الإِمارة والنقابة؛ لأنه اسم لما توليته وقمت به، فهذا أرادوا المصدر فتحوا ونسب إلى أبي عبيدة وأبي الحسن أنها بالفتح ولاية مولى بنسب ونحوه.
وذلك ولاية السلطان وقال الزجاج: هي بالفتح النصرة والنسب، وبالكسر للإمارة ونقل عنه أنه ذهب إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تَمَرُّنٍ وتدريب شبهت بالصناعات؛ ولذا جاء فيها الكسر.
هذا معنى الولاية في اللغة.
أمَّا في الشرع فهي نوعان: ولاية إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سُلْطَةٌ تثبت للرَّجُلِ على المرأة بسبب ملك، أو أبوة، أو إيصاء فقط، تسوغ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النِّكَاح بطريق الإِلزام.
وولاية غير إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سلطة تثبت للرجل على المرأة بسبب ملك، أو بنوة، أبو أبوة، أو إيصاء، أو تعصيب، أو ولاء، أو كفالة، أو سَلْطَنَةٍ، أو إسلام؛ تُسَوِّغُ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النكاح لا بطريق الإِلزام.
لم يُسوِّ واعلم أن الشارع بين الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، ولم يَضَعْهَا في منزلته، فَقَدْ جَعَلَ لَهُ دونها الأمامة، والقضاء، والجمعة والجماعة، وفرض عَلَيْهِ الْجِهَادَ في سبيل الله، والقيام بنفقتها.
وَلَمْ يُسَوِّ بينهما في الشَّهَادَةِ إذ جَعَلَ شهادة الرَّجُلِ الوَاحِدِ تعادل شهادة امرأتين؛ وفي الإِرث إذ جَعَلَ حَظِّ الرَّجُلَ مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
وفي الزوجية جعل العصمة بيده لا بيدها، وهكذا في مواضع كثيرة نجد الشارع الحكيم تعبد الرجل بما لم يتعبد به المرأة، واختصه بَمَزِيد تكَالِيفٍ لم تتعده إليها.
وقد جَعَل الشارع للرجل القوامة العامة عليها بقوله تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وفيما نحن بصدده "وَهوَ عَقدُ النِّكاحِ" سلبها الشارع حق مباشرته لنفسها، أو لمن تليه، وجعل ذلك من حقِّ الرَّجُلِ وحده.
ولولا أن في تكوين المرأة الجسماني والعقلي ضعفاً يعوقها عن النُّهُوضِ بكل ما نَاطَ به الرجل من هذه الأواصر والتكاليف لما وُجدت هذه الفوارق بين المرأة والرجل.
الجزء: 7 - الصفحة: 536
بها ويقول: إنما يجب عليه الإجابة إذا طلبت التزويج ممن يكافئها، فنحتاج إلى معرفة أن الواحد لا يتولى طرفي العَقد، وأَنَّ الكَفَاءَةَ كيف ترعى وفيهم تُرْعَى فضم هذين الفصلين إلى الفصول الستة.
الْفَصْلُ الأَوَّل: فَي أَسْبَابِ الْوِلاَيَةِ
وقد عَدَّهَا أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: الأبوة والجدودة -وهي أقوى الأَسْبَابِ لكمال شفقة الأب والجد، وللأب تزويج ابنته البكر -صغيرة كانت أو كبيرة- من غير إذنها أو مراجعتها، ولكن يُسْتَحَبُّ أن تُرَاجعُ البالغة وَيَسْتَأْذِنَهَا، ولو لم يفعل وأجبرها على النِّكَاح صَحَّ وبه قَالَه مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وكذا أحْمَدُ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لما رُوِي أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الثَّيِّبُ أَحَقُ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا وَالْبِكْرُ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا" 208 نعم لو كان بين الأب وابنته عداوة ظاهرة قال الْقَاضِيُ ابن كَجٍّ في كتابه: ليس له إجبارها على النِّكَاحِ وهكذا نقله أبو عبد الله الحَنِّاطِيُّ عن ابن المرزبان.
قال: ويحتمل جوازه وعند أبي حنيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ليس للأب إجبار [البكر] 209 البالغة وأما الثَّيِّبُ فلا يزوجها الأب إلاَّ بإذنها فإن كانت صَغِيْرَةً فلا [اعتبار لإذنهما] 210 فلا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 537
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إنْ كَانَتْ صغيرة، فله تزويجها دليلنا ما رُوِيَ -أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لَيْسَ لِلوَلِيُّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ" 211 والجد كالأب في جميع ما ذكرناه على ظاهر المذهب المشهور.
وَحَكَى أبُو عَبْدِ اللهِ الحَنَّاطِيُّ قولاً: أَنَّ الجد لا يجبر البكر البالغة كالأخ.
ويروى هذا عن مالك، وهو فيما حَكَى الْمُوَفَّقُ بْنُ طَاهِرٍ اختيار ابن القَاصِّ، وأبي الطيب بن سلمة.
وعند أحمد: لا يجوز إجبار الصغيرة ولا الكبيرة، وهذه رواية عند مالك، ووجه ظاهر المذهب أن له ولادة وعصوبة فأشبه الأب، وأيضاً فإنه كالأب في ولاية الْمَالِ وفي وجوب النَّفَقَةِ وحصول العتق فكذلك هنا.
ثم هنا مسائل:
الأولى: لا فرق بين أن تحصل الثيوبة بوطء حلال، أو بوطء شبهة، أو بزنا، وفي هذه الأحوال أيضاً يعتبر إذنها.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: المصابة بالفجور حكمها حكم الأبكار، وعن مالك مثله.
وفي شرح "المختصر" الجويني أن أبا إسْحَاقَ اختاره وحكاه عن القديم.
وعن أحمد؛ روايتين كالمذهبين.
لنا أنها ثَيِّبُ، بدليل دخولها في الْوَصِيَّةِ للِثَّيْبِ فيعتبر نطقها للإخبار وإن زالت البكارة بالسقطة، أو الإِصبع أو حدة الطَّمْثِ، أو طول التعنيس فظاهر المذهب أنَّها كَالأبْكَارِ؛ لأنها لم تمارسَ الرِّجَالَ وهي على غباوتها وحيائها.
وعن أبي علي بن خيران، وابن أبي هُرَيْرَةَ: أنها كالثَّيِّبِ لزوال العُذْرَةِ.
وحكى الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ عن القاضي أبي حَامِدٍ سماعاً: أن التي وطئت مجنونة، أو مكرهة، أو نائمة حكمها حكم الأبكار لنفاذ الحياء وهذا خلاف ظاهر المذهب.
وفي المصابة في غير المأتي وجهان:
أصحهما: أن حكمها حكم الأبكار.
الثانية: إذا التمست البكر البالغة التزويج وقد خطبها كفؤ فعلى الأب، أو الجد
الجزء: 7 - الصفحة: 538
إجابتها تحصيناً لها كما يجب إطعام الطفل، إذا استطعم، فإن امتنع أثم، وللسلطان أن يزوجها.
ويروى عن عَليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرُوهَا: الصَّلاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجَنَّازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفْؤاً" 212.
وفيه وجه: أنه لا يجب الإجابة، ولا يأثم بالامتناع؛ لأن الغرض يحصل بتزويج السُّلْطَانِ وأيضاً فإنها مجبرة من جهة الأب والجد، فكيف يخبرهما على النِّكَاحِ.
الثالثة: إذا عينت كفئاً، وأراد الأبُ تزويجها من كفءٍ آخر حَكَى الإِمَامُ فيه خلافاً للأصحاب أحد الوجهين: أن عليه تزويجها ممن عينته إعفافاً لها 213.
واظهرهما: أنه لا يتعين، ولو زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ جاز لأنها مُخَيَّرَةٌ وليس لها اختيار الأزواج وهو أكمل نظراً منها، وتبين بما ذكرنا أن قوله في الكتاب "والكفء الذي عينته أولى ممن عينه الولي على وجه" لَيْسَ المُرَادُ منه وضع الخلاف في الأولوية وكأنه أراد أن من عينته أولى بأن يتعين.
وليعلم قوله في أول الْفَصْلِ "وفي معناها الجدودة" بالميم والألف والواو.
وقوله: "وإن كانت بالغة" بالحاء والميم.
وقوله: "وإن كانت صغيرة" بالحاء.
وقوله: "بالزِّنَا" بالواو والميم والحاء.
وقوله: "ولا أثر" بالواو وكذا قوله: "وجبت الإِجابة" بالواو وكل ذلك لما سبق، ولفظ "البالغة" في قوله: "ولو التمست البكر البالغة التزويج" [هل] 214 هو للتقييد.
ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّغِيرَةَ أيضاً إذا التمست التزويج، وَجَبَتْ الإِجابة إذا كانت في أوان إمكان الشهوة فعلى هَذَا لَيْسَ هو للتقييد واللهُ أَعْلَمُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 539
قال: العصوبة كما لأخوة والعمومة.
السبب الثاني: عصوبة من على حاشية النَّسَبِ كالأخ والعم وبينهما ولفظ "العصوبة" في الكتاب منزل على هذا، وإلاَّ فالأب والجد لهمَا عصوبة أيضاً، فيدخلان فيه، وهي لا تفيد تزويج الصغيرة بكراً كانت أو ثيباً خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ قال: لهم تزويجها إلاَّ على أنه لا يلزم فلها الرَدُّ إذا بلغت بخلاف تزويج الأب والجد.
دليلنا ما روي أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ تَنْكِحُوْا الْيَتَّامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ" 215 ونحوه من الأخبار.
وأما البالغة فإن كانت ثَيِّباً فلهم تزويجها بإذنها الصريح، ولو زوجت بدون رضاها لم ينعقد.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: ينعقد موقوفاً على إجازتها، وإن كانت بكراً فلهم تزويجها إذا استأذنوها، وهل يشترط صريح نطقها أم يكتفي بسكوتها؟.
فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا بُدَّ من النطق كما في الثَّيِّب.
وأصحهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الاكتفاء بالسُّكُوتِ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأَمَرُ في نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا" 216.
وَحُكِيَ وَجْهُ: أنه لا حَاجَةَ إِلى الاستئذان أيضاً بل إذا جرى التزويج بين يديها، ولم تنكر كان ذلك رضاءً كما إذا جرى فعل بين يدي رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فلم ينكر عليه- فإذا اكتفينا بالسكوت، فيحصل الْغَرَضُ ضَحَكَتْ أَوْ بَكَتْ إلاَّ إذا بكت مع الصِّيَاحِ وضرب الْخَدِّ فلا يكون ذلك رضىً ولو أراد الأبُ تزويج ابنته البكر من غير
الجزء: 7 - الصفحة: 540
كُفْءٍ، فاستأذنها فيشترط النُّطْقُ أم يكفي السكوت؟.
فيه الوجهان (1):
وقوله في الكتاب: "ولا يفيد إلا تزويج العاقلة البالغة" معلم بالحاء لما ذكرنا أنه جوز للعم والأخ تزويج الصغيرة، وإنما قيد بـ"العاقلة" لأن الأَخَ ومن في معناه لما لا يزوجون الصغيرة ولا يزوجون المجنونة على المذهب كما سَيَأْتِي في الباب الثَّانِي إلاَّ أَنَّ الْفَصْلَ كُلَّهُ مَوْضُوعٌ في العواقل، ولو وجبت التقييد هاهنا لوجب في قوله من قبل "لا على الثَّيِّبِ وإن كانت صغيرة".
وفي قوله: "ولو التمست البكر البالغة التزويج"، فلا اختصاص لهذا بالموضع بالحاجة إلى التقييد.
فروع
:
أحدها: لو قال: أزوجك من شخص فسكتت.
قال بعض المتأخرين: هذا لا يكون رضىً عند أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- وهو بمذهبنا أَلْيَقُ؛ لأن الرضا بالمجهول لا يتصور عندنا ولك أَنْ تقول: هذا يخرج على أنه لا بُدّ في الإذن من تعيين الزَّوْجِ، وعلى الأَصَحِّ أنه لا حَاجَةَ إليه كما سيأتي، فلا يضر الْجَهْلُ بِهِ، ثَم لا يخفى أن التصوير مبني على الاكتفاء بالسكوت.
الثاني: إذا قال: أيجوز أنْ أزوجك؟ فقالت: لِمَ لاَ يَجُوزْ؟ أو قال: أتأذنين؟ فقالت: لم لا آذن؟.
حكى بعضهم أنه لا يكون إذناً 218، ولك أن تقول: ما ذكره الولي إن صلح مراجعة واستئذاناً فالَّذِي صدر منها يشعر بالإِذن والرضا، فإذا اكتفينا بالسكوت على الأظهر فأولى أن نكتفي بلفظ مشعر.
وَإِنْ قيل: إنه لا تصلح مراجعته استئذاناً، فهذا مما يأباه الطَّبْعُ وبتقدير أن يكون كذلك فالمعتبر أن يقول الْوَلِيُّ ائذني لي في تزويجك أو أزوجك من فلان فائذني لي ولو قال: أزوجك فقالت بالفارسية: "شايد" 219 وجب أن يكون إذناً، كما في "فتاوى القَفَّال" أنه لو قال: أنا أدفع الزكاة عنك فقالت بالفارسية: "شايد" يكون ذلك إذناً وتوكيلاً.
الثالث: لو قالت: وكلتك في تزويجي.
فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به217
الجزء: 7 - الصفحة: 541
إذناً؛ لأن توكيل المرأة في [النِّكَاحِ] 220 بَاطِلٌ لكن الفرع غير مسطور، ويجوز أن يعتد به إذناً لما ذكرنا في "باب الوكالة" أنها وإن [فسدت] 221 فالأصح أَنَّهُ ينفذ التَّصَرُّفُ بحكم الإِذن 222.
الرابع: كثيراً ما يقول أهل "قزوين" عند الإِذن والتوكيل [انح توكني أو كرده اى من كردة أم] 223 ولا شك في أنه يصلح كناية فإن اكتفينا بالسكوت على الأظهر فالاكتفاء به أولى، بل ينبغي أن يكتفِ به وإن لم يكتفِ بالسكوت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: المُعْتِقُ) وَهوَ كَالعَصَبَاتِ (الرَّابعُ: السُّلْطَانُ) وِإنَّمَا تُزَوِّجُ البَالِغَةَ عِنْدَ عَدَمِ الوَلِيِّ أَوْ عَضْلِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ (ح)، أَوْ أَرَادَ الوَلِيُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهِ كَابْنِ عَمٍّ أَوْ مُعْتِقٍ أَوْ قَاضٍ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ (ح) تَزْوِيجُ الصَّغِيَرَةِ، وَلاَ لِلوَصِيِّ (م) وِلاَيَةٌ وَإِنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ (ح).
قال الرَّافِعِيُّ: كان اللائق أن يقول: الثالث الإِعتاق.
والرَّابعُ: السلطنة كما قال الأول الأبوة والثاني العصوبة؛ لأن الْكَلاَمَ في أسباب الولاية والسبب الإِعتاق والسلطنة لا المعتق والسلطان.
والفقه أن المعتق وعصباته يزوجون بحق الولاية لتزويج الأخ والعم، وكذا السلطان يزوج بالولاية العامة البوالغ بإذنهن، ولا يزوج الصغائر خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ كما سبق في الأخ والعم، ثم السلطان يزوج في مواضع:
أحدها: عدم الولي الحاصل كما سيأتي في "ترتيب الأولياء".
والثاني: عضله فإذا عضل من يلي أمرها بقرابة، أو إعتاق واحداً كان أو جَمَاعَةٍ مستويين زَوَّجَهَا السُّلْطَان؛ لأن التزويج حَقُّ عليه، فإذا امتنع وفاه الحاكم كما لو كان عليه دَيْنٌ، وامتنع من أدائه.
وحكى الإِمَامُ خلافاً في أَنَّ السُّلْطَانَ والحالة هذه يزوج بالولاية أو بالنِّيَابَةِ عن
الجزء: 7 - الصفحة: 542
الولي، وأجرى هذا الخلاف في جميع صور تزويج السلطان مع قيام الولي الخاص، وأهليته وإنما يحصل العضل إذا ادعت البالغة العاقلة إلى تزويجها من كُفْءٍ فامتنع فأما إذا دعت إلى غير الكُفْءِ، فَلَهُ أن يمتنع، ولا يكون عاضلاً وإذا حصلت الكفاءة فليس له الامتناع بعلة نقصان الْمَهْرِ لأن المهر يتمحض حَقَّاً لها خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولا بُدَّ من ثبوت العضل عند الحاكم [ليزوجها] 224.
قال في "التَّهْذِيْبِ" ولا يتحقق العضل، حتى يمتنع بين يدي الحاكم وذلك بأن يحضر الخاطب والمرأَة والولي ويأمره الحاكم بالتزويج فيقول: لا أفعل، أو يسكت، فحينئذٍ يزوجها القاضي، وكان هذا فيما إذا [تيسر] 225 إحضاره عند القاضي فأما إذا تعذر بتعزُّز أو توارٍ وجب أن يكون الإِثبات بالْبَيِّنَةِ كما في سائر الْحُقُوقِ.
وفي "تعليق" الشَّيخ أبي حَامِدٍ ما يدل عليه وعند الْحُضُورِ لا معنى للبَيِّنَةِ، فإنه إن زَوَّجَ نقد حصل الغرض، وإلاَّ فَهُوَ عضل.
الثالث: غيبة الولي على ما سنذكره في الفصل الثالث من الباب الرابع إذا أراد أن يتزوج بنفسه، وسنينه في الفصل الرابع.
هذه أسباب الولاية، ولا تلحق بها الوصاية، فليس للوصي ولاية التزويج سواء أطلق الموصي الوصاية، أو تعرض لتزويج البنات لِمَا مَرَّ في "باب الوصاية"، فلو لم نورد المسألة هنا اكتفينا بما ذكر في الوصاية لجاز.
وقال أَحْمَدُ: للوصي التزويج.
وعند مالك -رضي اللهُ عنه-: إذا أوصى إليه في التزويج فإن كانت البنت كبيرة زوجها الوصِيُّ بإذنها وإن كانت صغيرة وعين الموصي الزوج زوجها الوصي منه وإنْ لَمْ يعين انتظر بلوغها لتأذن.
وقوله في الكتاب: "وإنما يزوج البالغة" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأن عنده يزوج الصغيرة أيضاً وفي هذا ما يغني عن قوله من بعد "وليس للسلطان أن يزوج الصغيرة".
وقوله: "أو غيبته، أو أراد الولي أن يتزوج بنفسه" معلمان بالحاء لما سيأتي في الفصلين المحال عليهما.
وقوله: "ولا للوصي ولاية" معلم بالحاء والألف.
ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أَنَّهُ عَدَّ أَسْبَابَ الْوِلاَيَةِ أربعة، وسيجيء الْخِلاَفُ في أن المالك يزوج أَمَتَهُ بحكم الملك، أم بحكم الولاية؟ فإن قلنا بالثاني صارت الأسباب خمسة.
الجزء: 7 - الصفحة: 543
والثاني: التعرض لمواضع تزويج السلطان كالخارج عن مقصود الفصل؛ لأنه مسبوق لبيان الأسباب وما يفيده كل واحد منهما، وهذا الغرض يحصل لإلحاق تزويجه بتزويج العصبات كما فعل في المعتق على أن تزويجه في كلِّ مَوْضِع منها مَعْلُومٌ لما ذكره في غير هذا المقام أما عند عدم الولي فلما ذكره في ترتيب [الأولياء] (1) وأما العضل، فلقوله في السبب الأول "فإن عضل زوج السلطان"، فأما عند الغيبة ورغبة الولي في نكاحها فلما سيأتي في الفصل الثالث والرابع.
واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في تَرْتيبِ الأَوْليَاءِ)
وَالأَصْلُ القَرَابَةُ ثُمَّ الوَلاَءُ ثُمَّ السَّلْطَنَةُ، وَمِنَ الأَقَارِبِ الأَبُ ثُمَّ الجَدُّ (م) ثُمَّ الأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ العَمُّ ثُم ابْنُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي عُصُوبَةِ المِيرَاثِ، وَالأَخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ لاَ يُقَدِّمُ (ز ح م) عَلَى الأَخَ مِنَ الأَبِ في النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ وَإنْ قُدَّمَ في المِيرَاثِ وَصَلاَةِ الجَنَائِزِ وَالوَصِيَّةِ لِلأَقْرَبِ، وَالابْنُ لا يُزَوِّجُ أُمَّهُ بِالبُنُوَّةِ، وَلاَ تَمْنَعُهُ البُنُوَّةُ عَنِ التَّزْوِيجِ بِالوَلاَءِ وَغَيْرِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الْجِهَاتُ المعيذة للولاية تقدم منها القرابة ويليها الولاء ويليها السَّلْطَنَةُ.
أمَّا تَقَدُّمُ الْقَرَابَةِ على الولاء، فلاختصاص الأقارب بزيادة الاهتمام والشفقة، وأما تَقدِيمُ الْوَلاءِ على السَّلْطَنَةِ فلإلتحاق الولاء بالنسب على ما قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الوَلاَءِ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةُ الْنَسَبْ" 227
ثم السلطنة ويدل عليه قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الْسُلْطَانُ وَلِيُ مَنْ لاَ وَلِيَ لَهُ" 228. ثم يقدم من الأقارب الأب؛ لأن سائر الأولياء يدلون به، ثم الجد، ثم أبوه إلى حيث ينتهي؛ لأن له ولادة وعصوبة فيقدم على من ليس له إلاَّ عصوبة، ثم الأخ من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل ثم العم من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم سائر العصبات والترتيب في التزويج كالتَّرُتيبِ في الميراث إلا في ثَلاَثِ مَسَائِلَ:
الأولى: الجد والأخ يستويان في اسْتِحْقَاقِ الإرث وهاهنا تقدم الجد؛ لأن التزويج ولاية، واحتكام، والجد لزيادة شفقته أولى بالولاية، ولهذا اختصّ بولاية الْمَالِ.
والثانية: الأخ من الأبوين يقدم على الأخ من الأب في الميراث وهاهنا قولان:226
الجزء: 7 - الصفحة: 544
القديم -وبه قال أحمد-: أنهما سواء؛ لأن أخوة الأم لا تفيد ولاية النكاح، فلا يرجح بخلاف الإِرث، فإنَّ أخوة الأم تفيده.
وأصحهما -وَهُوَ الْجَدِيْدُ وبه قَال أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- والمزني: أنه يقدم كما في الميراث لزيادة القرب والشفقة، وليس كُلُّ ما لا يفيد لا يرجح؛ ألا ترى أنَّ الْعَمَّ من الأبوين يُقَدَّمُ على الْعَمِّ من الأب في الميراث، وإن كان العم من الأم لا يرث، ويجري القولان في ابني الأخ والعمين، وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب وامتنع الإِمام من طرد الخلاف، فيما إذا كان [لها] 229 ابنا عم أحدهما أخوها من الأم أو ابنا ابن عم أحدهما ابنها، توجيهًا بأن المعتمد في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب أن اجتماع القرابتين قد يوجب قوة عصوبته، وهي عصوبة تفيد ولاية التزويج، وأخوة الأم في ابن العم لا تفيد عصوبة أصلًا، والبنوة في الصورة الأخرى تفيد قوة العصوبة، لكنها عصوبة لا تفيد ولاية التزويج، والأكثرون اكتفوا في طَرْدِ الْخِلاَفِ بزيادة القرابة الموجبة لزيادة الشفقة.
وقالوا في الجديد: يقدم الأخ والابن [ولو كان] 230 لهما ابنا عم أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، لكنه أخوها من الأم، فالثاني أولى؛ لأنه يدلي بالأم، والأول يدلي بالجد والجدة، ولو كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها والآخر أخوها من الأم، فالابن أولى؛ لأنه أقرب من الأخ، ولو كان لها ابنا معتق أحدهما ابنها، فهو مقدم على الآخر.
وبهذا أجاب ابن الحداد لكنه ذكر في التفريع أنه لو أراد المعتق نِكَاحَ عتيقته وله ابن منها وابن من غيرها زوجها منه ابنه منها دون ابنه من غيرها، وهذا غلط عند مُعْظَم الأَصْحَاب مِن جهة أن ابن المعتق لا يزوجها في حياة المعتق؛ لأنه يدلي به؛ كما لا يزوج ابن الأخ مع الأخ، فهذا خطبها المعتق زوجها السُّلْطَانُ، وإنما يفرض من ابنه التزويج بعد موته، وهذا كله في الجديد.
وفي القديم: يسوى في الصور.
الثالثة: الابن في الميراث أولى الْعَصَبَاتِ، وفي التزويج لا ولاية له بالبنوة خلافًا لأبي حنيفة -ومالك وأحمد -رحمهم الله-؛ لأنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب، ولا يعني بدفع العار عن النسب؛ ولهذا لم نُثبت الولاية للأخ من الأم، فإن كان هناك مشاركة بأن كان ابنها ابن ابن عمها، فله الولاية، وكذا لو كان معتقًا أو قاضيًا، أو فرضت قرابة أخرى تتولد من أنكحة الْمَجُوسِ، أَوْ مِنْ وطء شُبْهَةٍ بأن كان ابنها أخاها أو
الجزء: 7 - الصفحة: 545
ابن أخيها أوابن عمها، ولا تمنعه البنوة عن التزويج بالجهة الأُخْرَى.
وقوله في الكتاب: "ثُمَّ الْجَدُّ، ثم الأخ" يجوز أن يكون عليه ميم؛ لأن صاحب الشَّامِلِ حكى عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الأخ مُقَدَّمٌ على الجد.
وقوله: "على ترتيبهم في الميراث"، لا يمكن رده إلى جميع المذكررين؛ لأن الأخ في الميراث لا يتأخر عن الجد، وإنما يُرْجِعُ إلى من بعدهما.
وقوله: "لا يُقَدَّمُ على الأخ من الأب" معلم بالحاء والميم والزاي.
وقوله: "وإن قدم في الميراث، وصلاة الجنازة، والوصية للأقرب" [التقديم في الميراث لا خلاف فيه، وفي صلاة الجنازة والوصية للأقرب] 231 طريقان ذكرناهما في البابين، فيجوز أن يعلما بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُعْتَقُ إِذَا مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ، ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَاتُ مُعْتِقِهِ، وَتَرْتِيبُ عَصَبَاتِ المُعْتِقِ كَعَصَبَاتِ القَرَابَةِ، إِلاَّ أَنَّ أَخَ المُعْتِقِ يُقَدَم عَلَى جَدِّهِ عَلَى رَأَيٍّ وَيُسَاوِيهِ عَلَى رَأَيْ، وَابْنُ الأَخ أَيْضًا يُقَدَّمُ في وَجْه، وَيؤَخَّرُ في وَجْهٍ لِبُعْدِهِ، وَابْنُ المُعْتِقِ مُقَدَّمٌ عَلَى أَبِيهِ لأَنَّهُ العَصَبَةُ، وَإِذَا أَعْتَقَتِ المَرْأَة فَلَهَا الوَلاَءُ، وَتَزْوِيجُ العَتِيقَةِ إِلَى وَليِّ السَّيِّدَةِ، وَلاَ يُفْتَقَرُ إِلَى رِضَا السَّيِّدَةِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَيُزَوِّجُهَا أبو السَّيِّدَةِ في حَيَاتِهَا، وَابْنُهَا (و) بَعْدَ وَفَاِتِها.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَأَمَّا المعتق إِذَا مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ ثُمَّ مُعتَقَةٌ ثُم عَصَبَاتُ مُعتَقَهِ الَّتي لَيْسَتْ لَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَعَلَيْهَا وَلا ينظر فيها إِنْ كَانَ قد أعتقها رَجُلٌ فولاية التزويج له فإن لم تكن أو لم يكنَ بصفة الولاء، فلعصباته، ثم لمعتقه، ثم لعصبات معتقه، وهكذا على ترتيبهم في الميراث، وترتيب عصبات المعتق في التزويج كترتيب عصبات النَّسَبِ إلا في صوَرٍ:
إحداها: جد المرأة أولى من أخيها وفي جد المرأة المعتق وأخيه قولان كما ذكرنا في الميراث:
أحدهما: أنهما يستويان.
والثاني: يتقدم الأخُ والتوجيه، والترجيح على ما بيناه هناك، وإذا اجتمع جد المعتق وابن أخيه، فإنْ قَدَّمْنَا الأخ على الجد فيقدم ابن الأخ أيضًا لقوة البنوة، وإن سوينا بين الأخ والجد، فيقدم الجد على ابن الأخ للقرب، وقد ذكرنا في الميراث وجهًا
الجزء: 7 - الصفحة: 546
في التفريع على هذا القول، أنهما يستويان، فيجوز أن يطرد هنا.
والثانية: ابنُ الْمَرْأَةِ لا يلي تزويجها وابن المعتق يلي ويتقدم على أبيه عند الاجتماع؛ لأنه العصبة والأب معه صَاحِبُ فَرْضٍ.
الثالثة: ذكرنا في النَّسَبِ قولين في الأخ من الأبوين، والأخ من الأب أنهما يستويان أو يتقدم الأخ من الأبوين، وإذا اجتمع أخو الْمُعْتَقِ من الأبوين وأخوه من الأب فطريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: وبه أجاب الشَيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: القطع بتقديم الأخ من الأبوين؛ لأن التزويج بالولاء يتعلق بمحض العصوبة، وبالقرابة لا يتعلق بمحض العصوبة؛ ألا ترى أنَّ ابنَ الْمَنْكُوحَةِ لا يزوجها، وابن المعتق يلي التزويج، وَيتَقَدَّمُ عَلَى الأبِ، والأخ من الأبوين أقوى عصوبة بدليل الميراث.
وفي "النِّهَايَةِ" بدل هذه الطريقة طريقة قاطعة باستوائهما؛ لأن قرابة الأم لا أثر لها في الولاية [والولاء] 232 وقد استويا في قَرَابَةِ الأَب هذا إذا أعتقها رجل فإن أعتقتها امرأة، فلا ولاية لها، وإن كان لها الوَلَاءُ، لأنه لا عَبارة للنِّسَاءِ في النِّكَاحِ ومن يزوجها إن كانت [المعتقة] 233 حَيّةً فعن صاحب "التَّلْخِيْصِ" أنَّ السُّلْطَانَ يزوجها؛ لأن من له الولاء ليس له التزويج، فكيف يزوج من يدلي به.
والمذهب المشهور أنه يزوجها من يزوج المعتقة، ويجعلى الولاية عليها تبعًا للولاية على المعتقة، وعلى هذا فيزوجها أبو المعتقة، ثم جدها على ترتيب الأولياء، ولا تزويجها ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ويشترط في تزويجها رضاها وفي رضي المعتقة وجهان:
أصحهما: أنه لا حَاجَةَ إليه؛ لأنه لا وَلاَيَةَ لَهَا وَلاَ إجْبَارَ.
والثَّانِي: يشترط؛ لأن الولاء لها والعصبات يزوجون [لإدْلاَيهِمْ] 234 بها فلا أقل من مراجعتها، فعلى هذا إن [عضلت] 235 ناب السُّلْطَانُ عَنها في الإِذن والتزويج إلى أوليائها، وَأَمَّا إذا ماتت المعتقة، فَمَنْ لَهُ الْوَلاَءُ على العتيقة من عصبات المعتقة هو الذي يزوجها، ويتقدم الابن علي الأب عند الإجتماع، وتعود الصورة المذكورة في مفارقة عصبات الولاء عصبات النسب فيما إذا كان المعتق رجلًا هذا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ في طريق حياة المعتقة وموتها، ووراءه وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 547
أحدهما: أَنَّ أَبَا الْمُعْتَقَةِ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا وَإِنْ مَاتَتْ الْمُعْتَقَةُ؛ لأنه كان أولى بتزويج المعتقة، فَيُسْتَدَامُ هذا الْحُكْمُ في حق العتيقة.
والثَّاني: حكاه الشَّيْخُ أبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيُّ: أنه يزوج العتيقة في حياة المعتقة أيضًا ابنها؛ لأنه أحقّ بالعصوبة والولاء، وَهذا قد نقله الإِمَامُ أيضًا عن رواية الشَّيْخ أبي علي فَقَالَ: إنه حَكَى وَجْهَيْنِ فيما إذا كانت المعتقة حية أنه يزوج العتيقة أيضًا أبوها أو ابنها لكنه يتبين عند إمعان النَّظَرِ في كلام الشَّيْخُ أنه أراد حكاية الوجهين عند موتها لا في حياتها، وليعلم لما شرحناه.
قوله في الكتاب: "وتزويج العتيقة إلى ولي السيدة" بالواو وكذا قوله: "أبو العتيقة" -وكذا قوله: "وابنها بَعْدَ مَوْتِهَا".
فروع: مهما اجتمع عدد من عصبات المعتق في درجة كالبنين والأخوة، فهم كالأخوة في النَّسَبِ إذا زوجها أحدهم برضاها صح، ولا يُشْتَرَطُ رضي الآخرين.
ولو أعتق الأَمَةَ اثنان، فلا بدّ من رضاهما، فإما أن يوكلا أو يوكل أحدهما الآخر، أو يباشرا العقد معًا؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ المُعْتَقِيْنَ إنما يثبت له الولاء على بعضها بحسب الملك، فكما يعتبر اجتماعهما على التزويج قبل الإِعتاق يعتبر في التزويج بعده.
وإذا كَانَ المعتق واحدًا، فالولاء على الجميع له، وَكُلُّ وَاحِدٍ من ابنيه قائم مقامه في تزويج عتيقته.
ولو أراد أحد المعتقين أن يتزوج بها لم يجز إلاَّ بموافقة السلطان للآخر.
ولو مات أحدهما عن ابنين، أو أخوين كفي موافقة أحدهما المعتق الآخر.
وَلَو مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما عن ابنين كفي موافقة أحد ابني هذا أحد ابني ذلك.
ولَوْ مَاتَ أحدهما وورثه الآخر استقل بتزويجها؛ لأنه استحق الولاء على جميعها.
فَرْعٌ: لو كان المعتق خُنْثَى مشكلًا ينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه، ليكون قد زوجها وكيله بتقدير المذكورة، أو وليها بتقدير الأنوثة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالرَّقِيقَةُ نِصْفُهَا يُزُوِّجُهَا المَالِكُ مَعَ الوَليِّ أَوْ مَعَ الْمُعْتِقِ أَوْ مَعَ القَاضِي فَفِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ.
قال الرافِعِيُّ: في التي بعضها حر وبعضها رقيق وجهان:
أصحهما: أنه يجوز تزويجها وعلى هذا فالبعض الرقيق يتعلق تزويجه بمالكه، وفيمن يُزَوَّجُ معه اختلاف مبني على أنَّ مثل هذا الشَّخْصِ هل يورث؟.
وفيه قولان قدمناهما -فإن قلنا بالجديد- وهو أنه يورث؛ فوجهان:
أصحهما: وبه أجاب ابنُ الْحَدَّادِ: أنه يزوجها معه الولي القريب فإن لم يكن
الجزء: 7 - الصفحة: 548
فمعتق البعض الحر فإن لم يكن فالقاضي وفاءً بِحَقِّ الحرية.
والثاني: أَنَّ الْقَرِيبَ لا يزوجها؛ لأن القرابة لا يجوز أن تثبت مع بعض الشخص دون بعض، فكذلك الولاية المرتبة عليها لا تتبعض.
وعلى هذا فوجهان:
في وَجْهٍ: يزوجها معه معتق البعض؛ لأن الولاء قد ثبت على بعض الشخص فجاز أن تتبعض الولاية الثانية بها، وهذا أظهر عند الإِمَامِ.
وَفِي وَجْهٍ: يزوجها معه السُّلْطَانُ، والقريب يمنع المعتق من التزويج كما يحجبه عن الميراث.
وأما السُّلْطَانُ فإنه يزوج بالولاية العامة إذا تعذرت الأسباب الخاصة، وإن قلنا: إنه لا يورث فيبني على أن ما ملكه ببعضه الحر يكون لمالك البعض، أو لبيت المال -وفيه وجهان سَبَقَ ذِكْرُهِمَا.
فإن قلنا: إنه لمالك البعض فوجهان مرويان في "الشَّامِلِ":
أحدهما: أنه ينفرد المالك بتزويجها كما يجوز مَالها.
والثاني: يزوجها معه معتق البعض بالولاء.
وإن قلنا: إنه لبيت المال فيزوجها معه السُّلْطَانُ.
والوجه الثاني: في أصل الْمَسْأَلَةِ: أنها لا تزوج أصلًا لضعف الملك والولاية لتبعض الرق والحرية.
وهذا كقول يُرْوَى في أنَّ السَّيِّدَ لا أم الولد يزوج لضعف الملك فيها فإذا تركت البناء واختصرت قلت: في الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ لا تزوج يزوجها مالك البعض استقلالًا يوافقه القريب موافقة معتق البعض يوافقه السلطان، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب "يزوجها المالك" بالواو للوجه الثاني، ولفظ "الولي" أراد به القريب وَإِلاَّ فالاسم ينظم المعتق والقاضي أيضًا.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في سَوَالِبِ الوِلاَيَةِ)
وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: الرِّقُّ) فَلاَ وِلاَيَةَ لِرَقِيقٍ، وَلَهُ عِبَارَةٌ فِي القَبُولِ، وَفِي التَّزْوِيج بِالوَكَالَةِ (و) بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ.
القول في موانع الولاية
قال الرَّافِعِيُّ: من موانع الولاية "الرق" لما في الرقيق من النقصان وعدم تفرغه للبحث والنظر، ويجوز أن يتوكل عن غيره في قَبُولِ النِّكَاحِ إذا أذن السَّيِّدُ، وإن لم يَأْذَنْ فكذلك في أَصَحِّ الوجهين وقد ذكرنا الْمَسْأَلَةَ في "الوكالة"، ولو توكل في التزويج ففيه وَجْهَانِ أوردهما صَاحِبُ "الكتاب" في "الوكالة" وَادَّعَى أَنَّ الأَظْهَرِ الجواز وَبِهِ أجَابَ هُنَا، وَنَحْنُ قد بَيَّنَا هناك أنَّ الأَظْهَرَ عند عامة الأصحاب المنع؛ لأنه لا ولاية له على ابنته فلا ينوب فيها عن غيره، فليعلم قوله: "وفي التَّزْوِيجِ بالوكالة" بالواو.
وليعلم أنَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 549
الأَظْهَرَ خلافه وَأَمَّا قوله: "وله عبارة في القَبُولِ" فيمكن أن يفصل عما بعده، وحينئذٍ فيكون الْمُرَادُ أَنَّ عبارته في القبول صحيحة في الجملة، ويمكن أن يجعل متصلًا بما بعده فيكون المعنى أن عبارته في القَبُولِ والإيجاب معًا بالوكالة صحيحة، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يجوز أن يعلم قوله: "وغير إذنه" بالواو للوجهين في جواب قبوله بغير إِذْنِ السَّيِّدِ.
وقوله في أول الْفَصْلِ الأَوَّلِ: "الرق" كان من حق لفظ "السوالب" أن يقول: الأولى والثانية: لأنها جَمْعُ سَالِبَةٍ إلاَّ أنه ذكر على المعنى وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي مَا يَسْلُبُ النَّظَرَ) كَالصَّبَا وَالجُنُونَ وَالعَتَهِ وَالسَّفَهِ وَالسُّكْرِ، والمَرَضِ الشَّدِيدِ المُلْهِي يَنْقُلُ الوِلاَيَةَ اِلَى الأَبْعَدِ، وَالإِغْمَاءِ يَنْقُلُهَا بَعْدَ ثَلاَثةِ أَيَّامِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَالجُنُونُ المُتَقَطِّعُ يَنْقُلُ (و) إِلَى الأَبْعَدِ، وَالعَمَى لاَ يَقْدَحُ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن موانع الوَلاَيَةِ مَا يَسْلُبُ النَّظَرَ وَالْبَحْثَ عَن حَالِ الأزواج واختيارهم، وَفِيْهِ صُوَرٌ:
إحداها: الصِّبَا يمنع الولاية؛ فهذا كان الأقرب صبيًا زوجها الأبعد، ولا يخفى أن هذا إنما يتصور في غير الأب والجد، والجنون المطبق كالصَّبِي في منع الولاية ونقلها إلى الأبعد، وفي الْجُنُونِ الْمُنَقَطَّعِ وَجْهَانِ:
أحدهما: أَنَّ الجوَابَ كذلك، ويزوجها الأبعد في يوم جُنُونه لبطلان أَهْلِيَّتِهِ وزوال ولايته في نفسه وماله، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ الْقَاضِي ابنِ كَجٍّ والإِمام، وهو المذكور في "الكتَابِ".
والثاني: أنه لا يزيل الولاية؛ لأنه يشبه الإغماء من حَيْثُ إنه يَطْرَأُ ويزول وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ صَاحِب "التَّهْذِيْبِ" وعلى هذا فعن الحَنَّاطِيَّ وغيره وجه: أنه يزوجها الحاكم كما في الغيبة واَلمشهور أَنه ينتظر حتى يفيق وَالْخِلاَفُ جار في [الثَّيِّب] 236 المنقطع جنونها.
فعلى رأي: تزوج في حال الجنون.
وعلى رَأْيٍ: ينتظر إفاقتها لتأذن.
ولو وكل هذ الولي في نوبة إفاقته فيشترط أن يقع عقد الوكيل قبل معَاوَدَةِ الْجُنُونِ، وكذا إذا أذنت الثيب يشترط تقدم العقد على معاودة الجنون.
قال الإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قصرت نوبة الإِفاقة جدًا لم يكن الحال حال تقطع الْجُنُونِ؛ لأنَّ السُّكُوتَ اليسير لا بدّ وأن يعرض مع إطباق الجنون، ونقل وجهين للأصحاب فيما إذا أفاق وبقيت فيه آثار من الخبل يحتمل مثلها ممن لا يعتريه الْجُنُونُ على حدة في الخلق أنه تعود الولاية، أو يُسْتدامُ حكم الجنون إلاَّ أن يصفو حاله عن الخبل.
الجزء: 7 - الصفحة: 550
الصورة الثانية: اختلال العقل والنظر إما لهرم أو لخَيَلٍ جبلي أو عارض يمنع ثبوت الولاية للعجز عن اختيار الأزواج، وعدم العلم بمواضع الحظ، وتنتقل الولاية إلى الأبعد وَالمُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ولي لكمال نظره، والحجر عليه لحق الغرماء لا لنقصان فيه.
وَأَمَّا السَّفِيْهُ المحجور عليه فالمشهور أنه لاَ يَلِي لأَنَّ الْحَجْرَ عليه لنقصانه، فلا [يحسن أن يفوض إليه] 237 أمر غيره.
وَحَكَى صَاحِبُ "الْمُهَذَّب" مع هذا وجهًا جيدًا: أنه يلي لأنه كامل النظر في مصالح النِّكَاحِ، وإنما حُجِرَ عَلَيْهِ لئَلاَّ يضيع ماله، وإذا قلنا بالمشهور ففيه مُبَاحَثَةٌ وهي أن الحجر على السفيه قد يتعلق بِالْفِسْقِ كما يتعلق بالتَّبْذِيرِ حَتَّى لَو بلغ مفسدًا لماله وفي دينه يستمر الحَجْر عليه ولو بلغ مصلحًا لهما ثم عاد الفسق، أو التبذير ففي إعادة الْحَجْرِ خِلاَفٌ مذكور في موضعه، وِاذَا حَصَلَ الْفِسْقُ وَقُلنَا أَنَّهُ يَسْلُبُ الولاية، فَلاَ أَثَرَ للِتَّبْذِيْرِ ولا للحجر، وَإِنَّمَا يظهر أَثَرُهِمَا إِذَا لَمْ يوجد الْفِسْقُ أَوْ لَمْ يجعله سَالِبًا للولاية، وَإِذَ وجد التبذير المقتضي للحجر ولم نحجر عليه بَعْدُ، فما ينبغي أن تزول الولاية.
الصورة الثالثة: الإِغماء إن كان مما لا يُدُومُ غالبًا كهيجان المرة الصفراء، أو الصَّرَعُ فهو كالنَّوْمِ فينتظرَ إفاقته ولا يزوجها غيره، وَإِنْ كان مما يدوم يومًا أو يومين أو أكثر فوجهان:
أَحَدُهُمَا: نقل الولاية إلى الأبْعَدِ كالجنون.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه قَرِيْبُ الزَّوَالِ، وعلى هذا ففي "التَّهْذِيبِ" وغيره: أنه ينتظر إفاقته كالنَّائِمِ ينتظر استيقاظه.
وقال الإمَامُ: ينبغي أن تعتبر مدته بالسَّفَر فإن كانت مدته مدة معلومة ينتظر فيها مراجعة الولي الغائب وقطع المسافة ذهابًا وإيابًا، فينتظر إفاقته، وإن كانت مدة لا يؤخر التزويج فيها لمراجعة الغَائِب ذِهَابًا وَإيابًا قيل يزوجها الحاكم فَكَذَا هنا، والرجوع في معرفة مُدَّتِهِ إلى أهل الخبرة، فإذا قالوا: إنه من القسم الثاني جاز تزويجها في الْحَالِ.
الصورة الرَّابِعَةُ: السُّكْرُ إن حَصَلَ بسبب يفسق به وقع الكلام في أَنَّ الفَاسِقَ هل يلي؟.
إن قلنا: لا يلي، فذاك.
وإن قلنا: يلي أوَ حَصَلَ بسبب لا يفسق به بأن كَانَ مُكْرَهًا أو غالطًا فإن لم ينفذ تصرف السَّكْرَانُ فالسُّكْرُ كَالإِغْمَاء، وإن جَعَلْنَا تَصرُّفَهُ كتصرف الصَّاحِي، فمنهم من صَحَحَ تَزْوِيْجَهُ، ومنهم من مَنَعَ لإختلال نظره وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
الجزء: 7 - الصفحة: 551
والظاهر من ذلك كُلِّه أنه لا يزوج، وَأَنَّهُ ينتظر إفاقته وبه أَجَابَ في "التَّهْذِيْبِ" ثم الخلاف فيما إذا بقي له تمييز، ونظر فأما الطامح الذي سَقَطَ تَمْيْيزُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فكلامه لَغْوٌ.
الصورة الخامسة: الأسقام والآلام الشديدة الشاغلة عن النظر ومعرفة المصلحة تمنع الولاية وتنقلها إلى الأَبْعَدِ كالجنون.
هَذَا نَصُّهُ -وبه أخذ الأَصْحَابُ، لكن ليس سكون الألم الشديد بَأبْعَدَ من إفاقة الْمُغْمَى عليه، فإذا انتظرنا الإفاقة في الإِغماء وَجَبَ أَنْ ينتظر السكون هاهنا وبتقدير عدم الانتظار يجوز أن يقال: يزوجها السلطان لا الأبعد كما في صورة الغيبة؛ لأن الأهلية باقية وشدة الألم مانعة من النَّظَرِ كالغيبة.
الصورة السَّادِسَةُ: للأعمى أن يتزوج بِلاَ خِلاَفٍ وهل له أن يزوج بالولاية؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا -لأَنَّهُ نقص يؤثر في الشهادة، فأشبه الصِّغَرَ.
وأصحهما: نعم؛ لأن المقصود يحصل بالبحث عن الغير والسَّمَاعِ منه، وإنما [لم] 238 تقبل شهادته لتعذر التَّحمُّلِ عليه، ولهذا تقبل شهادته فيما تحمله قبل العمى.
واحتج له أيضًا بأن شعيبًا عليه السَّلاَمُ زوج وهو مَكْفُوفٌ البصر 239، وَيَجْرِي مِثْلَ هَذِيْنِ الوَجْهَيْنِ في أَنَّ الأخْرَسَ هل يلي ومنهم من قَطَعَ بِأنَّهُ يَلِي، وَالْخِلاَفُ فيما إذا كانت له كناية، أو إشارة مُفْهَمَةٌ، فإن لم يكن فليس له التزويج، وَأَمَّا لَفْظُ الْكِتَابِ فقوله: "وَالْعَتَهُ" أَرَادَ به الْحَالَةُ الموجبة للإختلال في الرأي والنظر في اختيار الأزواج، وصاحب هذه الحالة قد يُحَافِظُ عَلَى المَالِ، وَالْمُرَادُ من "السَّفَهِ" التبذير المحوج إلى الحجر وقوله: "تنقل الولاية إلى الأبعد" ممكن رده إلى قوله أولًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 552
الثاني: ما يسلب النظر، وعطف المرض الشديد على الصفات المذكورة قبله، ويمكن قطع المرض عما قبله والاكتفاء بفهم المقصود من عد ما قبله مما يسلب النظر، وَعُدَّ مَا يَسْلَبُ النَّظَرَ من سوالب الولاية، وقوله: "والإغماء ينقلها بعد ثلاثة أيام" -أَيْ للِسُّلْطَانِ- معلم بالواو للوجه المذكور في أنه تنتقل إلى الأَبْعَدِ وَأَرَادَ بقوله "بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ" أنه ينتظر هذه المُدَّةَ بعدما عرض الإِغماء، وَهَذَا شَيءٌ اخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْكِتَابِ" عنده على ما بينه في "الوسيط"، ولم يتعرض له غيره.
وقوله: "والجنون المنقطع ينقل الولاية إلى الأبعد" معلم بالواو للوجه الذاهب إلى أنه ينقل إلى السلطان وللوجه الذاهب إلى أنه لا ينقل عنه أصلًا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) الفِسْقُ (ح) يَسْلُبُ الوَلاَيَةَ عَلَى أَضْعَفِ القَوْلَيْنِ، وَالكُفْرُ لاَ يَسْلُبُهَا (و) بَلْ وَلِيُّ الكَافِرَةِ كَافِرٌ، وَإنَّمَا يَسْلُبُهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ لِسُقُوطِ النَّظَرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الأولي: اختلف إشعار ألفاظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في ولاية الْفَاسِقِ، وللأصحاب فيه طُرُقٌ:
أشهرها: إثبات قولين:
أحدهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّهُ يلي؛ لأَنَّ الْفَسَقَةَ لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين 240.
الجزء: 7 - الصفحة: 553
والثاني: المنع؛ لأن الْفِسْقَ نقص يقدح في الشهادة، فيمنع الولاية كالرِّقِّ.
وقد روي عن ابنِ عَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَي عَدْلٍ" 241.
وبهذا قَالَ أَحْمَدُ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
والطريق الثاني: القطع بالمنع وهو قضية إيراد أبي عَلِيٍّ بن أَبِي هُرَيْرَةَ والطَّبَرِي وابن الْقَطَّان.
والثالث: القطع بأنه يلي -وهو اختيار القاضي أبي حَامِدٍ، وبه قال القَفَّالُ، والشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ.
والرابع: أن الأب والجد يليان مع الفسق، ولا يلي غيرهما والفرق كمال شفقهما وقوة ولايتهما.
والخامس: قال أبو إِسْحَاقَ -رحمه الله- الأب والجد لا يليان مع الفسق وغيرهما يلي، والْفَرْقُ أنهما مُجْبَرَانِ فربما وضعاها تحت فاسق مثلهما.
وغيرهما يزوج بالإِذن، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ لَهَا نَظَرَتْ هِيَ لنَفْسِهَا قال الإِمام: -رَحِمَهُ اللهُ-: وقياس هذه الطَّرِيقَةِ أن يزوج الفاسق ابنته الْبِكْرَ برضاها، وَإِنْ لَمْ يجبرها.
والسَّادِسُ: إن كان فسقه يشرب الخمر لم يَلِ لاضطراب نظره، وغلبة السُّكْرُ عليه، وَإِنْ كَانَ بسبب آخر فَيَلِي.
وذكر الحَنَّاطِيُّ وجهين في أن من يستسر بفسقه هل يلي تفريعًا عَلَى أَنَّ الفَاسِقَ المعلن لا يلي، فيخرج من هذا طريق سابع فارق بين المعلن وغيره وأصحاب الطرق الأربع الأخيرة يحملون اختلاف [الألفاظ] 242 على اختلاف الحالين، ثُمَّ في الْمَسْأَلَةِ فُرُوْعٌ:
الأَوَّلُ: عَنِ الشَّيْخِ عن أبي عَلِيٍّ والقاضي حُسَيْن.
وغيرهما إجراء الخلاف في ولاية المال بلا فَرْقٍ، ومنهم مَنْ [يدل كلامه] 243 على القطع بالمنع؛ لأنهم احتجوا لقول = ولأن الفاسق من أهل الولاية على نفسه فيكون من أهل الولاية على غيره ولأن ولاية الملك ثابتة له حتى يزوج أمته، ولأن الولاية حق يثبت بالتعصيب فلم يمنع منه الفسق كما لا يمنع من الميراث.
الجزء: 7 - الصفحة: 554
المنع بالقياس على ولاية المال، وَالظَّاهِرُ فيها المنع؛ وإنْ ثَبَتَ فيه الخلاف؛ لأَنَّ الْمَالَ محل الخيانات الخفية وَلأَنَّ أمر النِّكَاحِ خَطِيرٌ فالاهتمام بشأنه، وإن كان الشخص فاسقًا أقرب.
الثّاني: في انعزال الإِمَامِ الأَعْظَمِ [بالفسق] 244 وجهان قَدَّمنَاهُما [و] الصحيح المنع، وَحِيْنَئِذٍ ففي تزويجه بناته، وبنات غيره بالولاية العامة وجهان تفريعًا على أَنَّ الْفَاسِقَ لا يَلِي.
أحدهما: أنه لا يزوج كغيره من الفسقة ويزوجهن من دونه من الولاة والحكام.
وأصحهما: أنه يزوج تفخيمًا لشانه، ولذلك لم يحكم بانعزاله 245.
الثالث: إذا تاب الفاسق -ذكر صاحب "التهذيب" في هذا الباب أنَّ لَهُ التَّزْوِيجَ في الحال، ولا يشترط معنى مدة الاستبراء والقياس الظاهر، وَهُوَ الْمَذْكُورُ [في الكتاب] 246 في "الشهادات" -أنه يعتبر الاستبراء لعود الولاية حَيْثُ يعتبر لقبول الشهادة وَسَنفَصِّلُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى 247.
الرَّابعُ: في "تعليق" الشيخ ملكداد القزويني عَنِ الْقَاضِي أبي سعد وجه: أنه إِذَا لَمْ نُلْبِثِ الْوَلاَيَةَ لِلْفَاسِقِ لم يكن له أن ينكح لنفسه أيضًا، وَالصَّحِيْحُ خِلافُهُ؛ لأنَّ غايته أن يضر بنفسه، وَيُحْتَمَل في حَقِّ نَفْسِهِ مَا لاَ يُحْتَمَلُ في حَقِّ غَيْرِهِ، وَلهَذَا يقبل إقراره عَلَى نَفْسِهِ، ولا تقبل شهادته على غيره.
الْخَامِسُ: ذَكَرَ أبُو الْحَسَنِ العبادي وجهين في أنّا هل نثبت الولاية لذوي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ إذا لم نثبتها للفاسق.
وقوله في "الْكِتَابِ": "والفسق يَسْلُبُ الولاية" معلم بالحاء والميم.
الجزء: 7 - الصفحة: 555
وقوله: "عَلَى أَضْعَفِ الْقَوْلَيْنِ" [معلم] 248 بالواو للطرق النافية للخلاف وسماه أضعف القولين؛ تَرْجِيحًا لقولنا أَنَّ الْفَاسِقَ يلي وبه يفتي أكْثَرُ مَتَأَخِرِي الأَصْحَاب لا سيما الخُرَاسَانِيُّونَ وَاخْتَارَهُ القاضي الرُّوْيَانِيُّ بعدما ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ لا وَلاَيَةَ لَهُ، وَاحْتَجَّ مَنْ نصر إثبات الولاية بأن العضل فسق.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أَنَّهُ تنتقل الولاية إلى الْقَاضِي دُونَ الأَبْعَدِ وقد يعترض عليه من وُجُوهٍ:
أحدها: أن الحَنَّاطِيَّ حكاه في كتابه وجهًا: أَنَّ الْفِسْقَ أيضًا ينقل الولاية إلى السُّلْطَانِ.
والثَّاني: أَنَّ المذكور في العضل رُبَّما كانَ جَوَابًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يلي.
والثالث: أَنَّ الْفِسْقَ إِنَّما يتحقق بارتكاب الكَبِيْرَةِ أو الإِصرار على الصَّغِيْرَةِ والعضل ليس من الكبائر، وَإِنَّما يفسق به إذا عضل مرات أقَلها فيما حَكى بعضهم ثلاث، وَحِيْنَئِذٍ فالولاية للأَبْعَدِ إِذَا جَعَلْنَا الْفِسْقَ سَالِبًا لِلْوَلاَيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الكافر يلي تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْكَافِرَةِ؛ لأنَّهُ أَقْرَبُ نَاظِرٍ، وهذا إذا كان لا يرتكب محظور في دينه، فإن كان يرتكبه فتزويج ابنته كتزوِيج الْمُسْلِمِ الفاسق ابنته وعن الْحَلِيْمِيِّ: أَنَّ الْكَافِرَ لا يلي التزويج، وَإِذَا أرَادَ مسلم أنْ يتزوج بذمية زوجها منه القاضي.
والمذهب الأول -وفرقوا بين الولاية والشهادة حيث لا تقبل شهادة الكافر، وَإِنْ كَانَ لا يَرْتَكِبُ مَحْظُورَ في دِيْنِهِ بأن الشهادة تخص ولاية على الغير، فلا يؤهل لها الكافر والولي في التزويج كما يرعى حظ المولية يرعى حق نفسه أيضًا بتحصينها ودفع الْعَارِ عَنْ النَّسَب، واختلاف الدِّيْنِ يمنع الموالاة والتوارث فلا يمنع يزوج المسلمة قريبها الكافر، بل يزوجها الأَبْعَدُ من أولياء النَّسَبِ أو الولاء أو السلطان 249. = أحدهما: أن المشروط في ولاية النكاح عدم الفسق لا قبول الشهادة ولهذا يزوج الولي المجبر وإن كان عدوًا على الأصح، ومدة الاستبراء إنما تعتبر لقبول الشهادة.
والثاني: أن العدالة والفسق بينهما واسطة، فإن العدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى، ويشترط فيها اجتناب الكبائر والفاسق إذا تاب زال عنه اسم الفسق بالتوبة ولا يكون عدلًا حتى يحصل له تلك الملكة والاستبراء يحصلها والولي في النكاح لا يشترط في العدالة وإنما يشترط عدم الفسق وهذه قاعدة عظيمة ينتفع بها في مواضع، وكذا الكافر إذا أسلم لا يحكم بعدالته حتى تختبر، وليس بفاسق ما لم يصدر منه كبيرة.
الجزء: 7 - الصفحة: 556
ولا يزوج الكافرة قريبها المسلم، بل الأبعد الكافر وإن لم يكن زوجها قاضي المسلمين بالولاية العامة، فإن لم يكن هناك قاضٍ للمسلمين.
حكى الإِمام عن إشارة صاحب "التَّقْرِيْبِ" أنه يجوز للمسلم قبول نِكَاحِهَا من قاضيهم والظاهر المنع.
وهل يزوج اليهودي النصرانية يمكن أن يلحق بالميراث ويمكن أَنْ يَمْنَعَ؛ لأن اختلاف المِلَلِ وإن كانت باطلة منشأ العداوة وسقوط النظر، والمرتد لا ولاية له على [المسلمة] 250 ولا على الكافرة وَلاَ عَلَى الْمُرْتَدَّةِ -قَالَهُ في "التتمة" 251.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ) الإِحْرَامُ يَسْلُبُ (ح م) عِبَارَةَ العَقَدْ رَأْسًا، وَهَلْ يَمْنَعُ مِنَ الانْعِقَادِ بِشَهَادَةٍ وَمِنَ الرَّجْعَةِ وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَسْلُبُ بَلْ يُنْقَلُ إِلَى السُّلْطَانِ كَالغَيْبَةِ (ح م) إِلى مَسَافةِ القَصْرِ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ مَسَافَةِ العَدْوَى عَلَى وَجْهٍ حَتَّى لاَ يَنْعَزِلَ وَكِيلُ المُحْرِمِ، كَمَا لاَ يَنْعَزِلُ وَكِيلُ الغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ الأَظْهَرُ أَنَّ الوَّكِيلَ لاَ يتَعَاطَى فِي حَالَةِ إِحْرَامِ المُوَكِّلِ بَلْ بَعْدَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: هَذَا الْكَلاَمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَينِ:
إحداهما: إحْرَامُ المتعاقدين، والمرأة يمنع صحة النِّكَاحِ خلافًا لأبي حَنِيْفَةَ -رَحِمَه اللهُ- 252.
الجزء: 7 - الصفحة: 557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقالوا: يصح النكاح، ولو كان كل من الزوج والزوجة والولي محرمًا.
واستدل المالكية، ومن معهم بالسنّة والأثر.
أما السنّة: -فما روي الجماعة إلا البخاري عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبي عثمان بن عفان يقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ"، زاد مسلم "وَلاَ يَخْطُبُ"، وزاد ابن حبان في صحيحه "وَلاَ يَخْطَبُ عَلَيْهِ".
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى المحرم عن أن ينكح، أو ينكح وهذا يشمل الزوج، والزوجة، والولي، والنهي إذا رجع لذات المنهي عنه يقتضي فساده، فيكون النكاح مع إحرام أحد الثلاثة فاسدًا.
وأما الأثر: فما روي عن داود بن الحصين أن أبا غطفان المري أخبره أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه -ووجه الدلالة من هذا الأثر أن عمر بن الخطاب رد نكاح المحرم، وما ذلك إلا لفساده وإلا لما رده عمر وقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي.
أما الحديث فقد قيل لهم فيه -أن البخاري وهو معروف بدقته في الحديث ضعفه، فقد قال ابن العربي ضعف البخاري حديث عثمان وصحح حديث ابن عباس، فلو علم البخاري أن رواة حديث عثمان يساوون رواة حديث ابن عباس لصحح كِلاَ الحديثين، وعلى تسليم صحة حديث عثمان، وأن مُسَاوٍ لحديث ابن عباس نقول: إن معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" لا يطأ فهو محمول على الوطء، أو النهي لكراهة، لكونه سببًا في الوقوع في الرفث.
لأن عقده لنفسه ولغيره ممتنع، ولهذا قرنه بالخطبة، ولا خلاف في جوارها.
وإن كانت مكروهة، أو نقول أن النهي هنا ليس لذات المنهي عنه، بل لأمر خارج عنه، وهو الإِحرام، وهذا لا يقتضي فساد المنهي عنه.
ويقال لهم في الأثر المروي عن عمر بن الخطاب أنه معارض بما روي عن أنس بن مالك، فقد روي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم قال: وما بأس به هل هو إلا كالبيع، وإسناده صحيح.
وأما الحنفية فقد استدلوا على مذهبهم بالسنة والمعقول.
أما السنّة: -فما روى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو مُحْرِمٌ.
ووجه الدلالة من هذا أن ابن عباس أخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج وهو محرم فدل ذلك على صحة نكاح المحرم؛ لأن ما صح له -صلى الله عليه وسلم- يصح لأمته إلا إذا قام دليل على الخصوصية، ولا دليل هنا.
وأما المعقول، فقد قالوا: إن النكاح عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها من شراء الأمة للتسري وغيره، ولا يفسد شيء من العقود بسبب الإحرام.
وقد قيل للحنفية في حديث ابن عباس ما يأتي.
أولاً: -أن ميمونة وهي صاحبة القصة ردت أن تزوجها، وهو حلال وهي أعرف بالقضية من ابن عباس لتعلقها بها.
وثانياً: -أن المراد بالمحرم أنه في الحرم، فإنه يقال لمن في الحرم محرم، وإن كان حلالاً.
قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا
أي في حرم المدينة.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 558
وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنه ينعقد ثم يفرق بينهما بطلقة.
دليلنا ما رُوِي عَن عُثْمَانَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِم وَلاَ يُنْكَحُ" 253. وَهَذَا إِذَا كَانَ المزوج غير الإِمام والقاضي وفيهما وجهان:
أحدهما: أَنَّ لَهُمَا التزويج في الإِحْرَامِ لِقُوَّةِ وِلاَيَتهِمَا.
وَأَصَحُّهِمَا: الْمَنْعُ 254 لإِطْلاَقِ الخبر.
= ثالثًا: -على تسليم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو محرم، فإن فعله معارض بقوله: "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" وإذا تعارض القول مع الفعل يرجح القول على الفعل.
رابعًا: -أن ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام.
الجزء: 7 - الصفحة: 559
ثم أثر الإِحرام ماذا.
فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَثَرَه سلب الولاية، وَنَقَلَهَا إلى الأبعد كالجنون.
وأظهرهما: أَنَّ أَثَرَهُ مجرد الامتناع دُونَ زَوَالِ الوَلاَيَةِ لبقاء الرُّشْدِ وَالنَّظَرِ، وعلى هذا فيزوج السلطان كما في صورة الغيبة ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الإِحْرَامُ بالحج، أَوْ بالْعُمْرَةِ، ولا بين أنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا.
وحكى الحَنَّاطِيُّ وجهًا: أنَّ الإِحْرَامَ الْفَاسِدَ لا يمنع صحة النِّكَاحِ وفي انعقاد النِّكَاحِ بشهادة المحرم وجهان.
قال الإِصْطَخْرِيُّ: لا ينعقد، لأَنَّهُ روي في بعض الروايات: "لا ينكح المحرم ولا يشهد" 255.
وَالأَظْهَرُ الانْعِقَادُ؛ لأنَّهُ ليس بعاقد ولا مَعْقُودٍ عليه لَكِنَّ الأَوْلَى أن لا يحضر، وَفِي جَوَازِ الرَّجْعَةِ فِي الإِحْرَامِ وجهان:
أحدهما: الْمَنْعُ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وأصحهما: الْجَوَازُ؛ لأَنَّها استدامة، فَأَشْبَهَتِ الإِمْسَاكُ في دَوَام النِّكَاحِ، وقد يبنى هذا الخلاف على أَنَّ الرَّجْعَةَ هل تفتقر إلى حُضُورِ الشُّهُودِ، فَإِنْ قلنا: نعم -أجريناها مَجْرَى الابتداء.
وفي جَوَازِ النِّكَاحِ بين التحللين قَوْلاَنِ مَذْكُورَانِ في "الحج" بشرحهما.
وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ "الكِتَاب" اكتفى بما سبق عن إعادته هنا لَجَازَ ومن فاته الحج، فهل له أن ينكح قبل التحلل بعمل عمرة، فيه وجهان رَوَاهُمَا الحَنَّاطِيُّ، ولو وكل حلال حلالاً بالتزويج، ثم أحرم أحدهما، أو أحرمت المرأة، ففي انعزال الوكيل وجهان بناءً على الخلاف السَّابِقِ في أَنَّ الإِحْرَامَ هل يزيل الولاية أم لا، والظاهر أنه لا [ينعزل] 256، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التزويج بعد التحَلل بالوكالة السابقة، وَهَلْ لَهُ التزويج قبل تحلل الموكل أثبت صَاحِب "الْكِتَابِ" فيه وجهين حَيْثُ قَالَ: "وإن كان الأظهر [أن الوكيل] 257 لاَ يَتَعَاطَى في حالة إحرام المَوكل بل بعده"، وَلَمْ أَرَ للخلاف ذكرًا، فيما عثرت عليه مِنْ كُتُبِ الأَصْحَاب، ولم يتعرض له في "الوسيط"، ولا ذكره الإمام وإنما قَالاَ: قال الصَّيْدَلاَنِيّ لا يزوج الوكيل؛ لأن تنفيد تصرف النائب مع عجز الأصل بعيد، وهذا لا يوجب الخلاف، ولو جَرَى التَّوْكِيل في حال إحرام الموكل أو الوكيل أو المرأة، فينظر إن وكل
الجزء: 7 - الصفحة: 560
ليعقد في حال الإِحرام لَم يَصِحْ وَإِنْ قال ليزوج بعد التحلل [صَحَّ] 258؛ لأن الإِحرام يمنع العقد دُونَ الإِذْنِ، ومن ألحق الإِحرام بالجنون لم يصححه في حال إحرام الموكل.
وَلَو أَطْلَقَ التَّوْكِيلُ، فَهُوَ كالتقييد بما بعد التحلل، وَلَو قَالَ: إذا حَصَلَ التَّحْلُّلُ، فَقَد وَكَّلْتُكَ فهنا تعليق الوكالة، وقد سبق الخلاف فيه وإذن المرأة في حال إحرامها على التفصيل المذكور في التوكيل، ولو وكل حلال محرمًا ليوكل حلالاً بالتزويج، فَأصَحُّ الوجهين الجواز؛ لأنه سفير محض لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَقْدِ شَيء: واعلم أَنَّ إيْرَادَ الْكِتَابِ يشعر بترجيح الوجه الصائر إلى أن الإِحرام يزيل الولاية، ويوجب النَّقْلَ إلى الأبعد وانعزال الوكيل، والأقرب عند الأكثرين خلافه كما بَيَّنَّا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا لم يكن الولي الأَقْرَبُ حاضرًا ينظر، فَإنْ كَانَ مفقودًا لا يعرف مكانه ولا موته ولا حياته، فيزوجها السلطان، لأَنَّ نِكَاحَهَا قَدْ تُعَذَّرَ من جهته، فَأشْبَهَ ما إذا عضل، وإِذَا انتهى الأَمْرُ إلى غاية يحكم فيها بالموت، ويقسم ماله بين ورثته على ما بَيَّنَّا في "الفرائض"، فَلا بُدَّ من نقل الولاية إلى الأبعد، وإن كان غائبًا يعرف مكانه، فان كانت الغيبة إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، فيزوجها السُّلْطَانُ أيضًا، ولا يزوج الأبعد؛ لأن الغائب ولي بدليل: أَنَّهُ لو كان له وَكِيْلٌ لا ينعزل ويصح تزويجه في الغيبة، والتَّزْوِيجُ حَقٌّ عليه، فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه القاضي.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فيما روى الحَنَّاطِيُّ أنَّ الغَيْبَةَ تنقل الولاية إلى الأَبْعَدِ كالجنون.
وَحَكَى القَاضِي ابنُ كَجٍّ عن القاضي أبي حَامِدٍ سماعًا: أنه يفرق بين الملوك وأكابر الناس، فتعتبر مراجعتهم، وبين التُّجَّارِ، وأوساط الناس فلا تعتبر، وظاهر المذهب الأول.
وإن كانت الغيبة إلى مسافة لا تَقْصُرُ فيها الصَّلاَةُ فوجهان:
أحدهما: أَنَّ الْحُكْمَ كما في المسافة الطويلة؛ لأنَّ التزويج حق لها، وَقَد يَفُوتُ الكُفْء الراغب بالتأخير، فتتضرر به وهو ظاهر لَفْظِ "الْمُخْتَصَرِ" فإنه قال: "وإن كان أولاهم مفقودًا أو غائبًا غيبة بعيدة كانت، أو قريبة زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ".
وأظهرهما: ويحكى عن نَصِّهِ في "الإِملاء": أنها لا تزوج حَتَّى تُرَاجَعَ فتحضر، أو توكل؛ لأنَّ الغيبة إلى المسافة القصيرة كالإِقامة، ولو كان مقيمًا في الْبَلَدِ لم يُزَوِّجْهَا الحاكم، فكذلك هاهنا ولفظًا "الْمُخْتَصَرِ" محمول عَلى بعد مدة الغيبة وقربها دون المسافة.
هكذا ذكر العراقيون من الوجهين أصحابنا وأخرون وفضل مفصلون فقالوا: إن غاب إلى حيث لا تُقْصَرُ فيه الصَّلاَةُ نُظِرَ إن كان بحيث أن يتمكن المبكر إليه من الرجوع
الجزء: 7 - الصفحة: 561
إلى منزله قبل مجيء الليل فَلا بُدَّ من مراجعته قطعًا، والوجهان فيما يجاوز ذلك، وهذا ما أورده صَاحِبُ "الْكِتَابِ" وإذا جمعت بين الطرفين تحصلت على ثلاثة أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: إن كانت الغيبة منقطعة انتقلت الْوَلاَيَةُ إلى الأبعد، والغيبة المنقطعة [أن تكون] 259 بحيث [تصل القوافل] 260 إليه في السنة إلاَّ مَرَّةً، وفي تفسيرها رِوَايَاتٌ أُخَرُ.
وقَوْلُهُ في الْكِتَابِ: "كَالْغَيْبَةِ إِلى مَسَافَةِ الْقَصْرِ على وجه، أو على مسافة العدوى على وجه" ومسافة العدوى، فيما فَسَّرَ الإِمام غيره، وهي التي يمكن قطعها في اليوم الواحد ذِهَابًا وإِيَابًا كما قدمنا، وَأَمَّا لَفْظُ "العدوى" -ففي "الصِّحَاحِ" أنه الاسم من الإِعداء وَهِي الْمَعُونَةُ.
يُقَالُ: أعدى الأَمْيِرُ فلانًا على فُلاَنٍ، أي: أَعَانَهُ عَلَيْهِ -وَالْعَدْوَى أَيْضًا ما يعدى من جرب وغيره وَهُوَ مُجَاوزته من صاحبه إلى غيره، فَقِيْلَ لهذه المسافة مسافة العدوى؛ لأنَّ الْقَاضِي يعدي من استعداه على الغائب إليها، فيحضره ويمكن أنْ يُجْعَلَ مِنَ الإعْداء بالمعنى الثَّانِي لسهولة المجاوزة من أَحَدِ الموْضِعَيْنِ، إلى الآخر.
وإذا عرف ذلك، فمن حق هذا التَّفْسِيْرِ أن نقول: أو فوق مَسَافَةِ العدوى في وجه؛ لأَنَّ الغيبة إلى الحد المذكور لا عبرة بها على هذا الوجه، وَقَدْ ألحق لفظة فوق في النسخ المحدثة باللفظ.
وَقَالَ فِي "الْوَسْيِطِ": السُّلْطَانُ يزوج إذا كَانَتْ الغيبة فوق مسافة الْقَصْرِ، ولا يزوج إِذَا كَانَتْ دون مَسَافَةِ العدوى، وفيما بينهما وجهان، ولفظة "دون" على التَّفْسِيرِ المذكور مَطْرَحُةُ.
ولفظة "فوق" في مسافة الْقَصْرِ غير محتاج إليها.
فَرْعٌ: عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ السُلْطَانَ لا يزوج الَّتِي تدعي غيبة وليها، حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لهَا وَلِيٌ حَاضِر، وأنها خَلِيَّةٌ عَنِ النِّكَاحِ والعدة، وَاخْتَلَفَ الأَصْحَابُ.
فمن قائل أَنَّهُ واجب احتياطاً للأبضاع إذ لا يؤمن أن يكون الولي قد زوجها في غيبته.
من قائل إنه مجبوب ويجوز التَّعْوِيلُ على قولها، فإنَّ الرُّجُوعَ في العقود إلى قول أَرْبَابِهَا وعلى هذا فلو ألحت على المطالبة، ورأى السُّلْطَانُ التَّأْخِيرَ هَلْ لَهُ وَذَلِكَ.
فيه وجهان: رواهما الإِمَامُ عَنِ الأُصُولِيِّينَ، وَلاَ يُقْبَلُ فِي هَذَا الْبَابِ إلاَّ شَهَادَةُ من يطلع على باطن حالها كما في شهادة الإِعْسَارِ، وحصر الورثة، وإن كَانَ الولي الغائب
الجزء: 7 - الصفحة: 562
ممن لا يزوج إلاَّ بالإِذن فقالت: ما أذنت له، فَلْلِقَاضِي تَحْلِيفُهَا عَلَى نَفْي الإِذْنِ (1) والأولى أن يأذن الْقَاضِيُ للأبعد إِذَا غَابَ الأَقْرَبُ الْغَيْبَةَ الْمُعْتَبَرَةَ، حَتَّى يزوج أو يزوج القاضي بإذن الأَبْعَدِ للخروج من الخلاف، واللهُ أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي تَوَلِّي طَرَفَي العَقْدِ)
وَالأَبُ يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ فِي مَالِ طِفْلِهِ، وَلاَ يَتَوَلَّى الجَدُّ (ح م) طَرَفَي النِّكَاحِ عَلَى حَافِدِيهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِلتَّعَبُّدِ، وَالقَاضِي وَالمُعْتِقُ وَابْنُ العَمِّ لَيْسَ لَهُمْ (ح م و) تَوَلِّي طَرَفَي النِّكَاحِ، وَلاَ يَكْفِيهِمُ التَّوْكِيلُ بَلْ يُزَوَّجُ مِنْهُمُ الحَاكِمُ، وَالإِمَامُ الأَعْظَمُ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَالوَكِيلُ مِنَ الجَانِبَيْنِ لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَي البَيْعِ وَالنِّكَاحِ (ح).
قال الرَّافعِيُّ: قوله: "الأب يتولى طرفي العقد في مال طفله" قد ذكره من قبل، ولم يتولاهما.
قيل: لقوة ولايته وكمال شفقته وقيل: لِعُسْرِ مُرَاجَعَهِ السُّلْطَانِ في كُلِّ بَيْعٍ وشراء.
وقيل لمجموع المعنيين والجد في ذلك كالأب.
ثُمَّ في الفصل مَسَائِلُ:
إحداها: هل يتولى الْجَدُّ طرفي النِّكَاحِ في تزويج بنت ابنه الصغيرة أَوِ الْبَالِغَةِ من ابن ابن آخر فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمُ -لِقُوَّةِ وِلاَيَتِهِ.
والثَّانِي: لا؛ لأَنَّ خطاب الإِنسان مع نفسه لا ينتظم، لاانما جوزنا في البيع لكثرة وقوعه، وأيضًا فقد رُوِيَ مرفوعًا وموقوفًا أنَّهُ لا نِّكَاحَ إلاَّ بأرْبَعَةٍ: خَاطِبٌ وَوَليٌّ وَشَاهِدَينِ.
والوجه الأولى: هو اختيار ابن الْحَدَّادِ والقَفَّالِ وَصَاحِبِ "الشَّامِلِ".
والثاني: اخْتِيَارُ صَاحِبِ "التَّلْخِيصِ، وجماعة من المتأخرين 262.
فإن قلنا إنه يتولى الطرفين، فيشترط الإِتيان بشقي العقد أم يكفي أحدهما؟.
فِيْهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلاَفِ فِي الْبَيْع إذا تولى طرفيه، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في كتاب "الْبَيْعِ" وَالنِّكَاحِ أَوْلَى باعتبارهما لما خص به من التعبدات، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابنُ الْحَدَّادِ.
فإن قلنا: لا يتولاهما فإن كانت بالغة فيزوجها السلطان بإذنها ويقبل الجَدُّ النِّكَاح261
الجزء: 7 - الصفحة: 563
وإن كانت صغيرة وَجَبَ الصَّبْرُ إلى أن تبلغ فتأذن أو يبلغ الصغير فيقبل.
وكذلك حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وغيره وَذَكَرَ الإِمَامُ تفريعًا على مَنْعِ التَّوْكِيلِ أَنَّهُ يرفع الأمر إلى السُّلْطَانَ، حَتَّى يتولى أحد الطرفين ويحتمل أَنْ يُقَالَ: يتخير ويتولى ما شاء منهما، ويحتمل أن يقال: يأتي بما يستدعيه الْوَلِيُّ.
وهذا إن كان مَفْروضًا فيما إذا كان ابنُ الابنِ صغيرًا، فَهُو مخالف للأصل المقرر أن غير الأب وَالْجَدِّ لا يزوج الصغيرة والابن الصغير ولكن يمكن فرضه فيما إذا كانت الولاية عليه بسبب الجنون، وَهَلْ لِلْعَمِّ تَزْوِيجُ بِنْتِ أَخِيْهِ وَلابْنِ الْعَمِّ تزويج بِنْتِ الْعَمِّ مِنَ الابْنِ الْبَالِغِ فَيْهِ هنا وَجْهَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ؛ لأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ.
والثَّانِي: لا؛ لأنَّهُ متهم في حَقِّ وَلَدِهِ وَرُبَّمَا عَرَفَ فِيْهِ مَنْفَعَةً فأخفاها، ومنهم مَنْ قَطَعَ بِالأَوَّلِ وَاسْتَشْهَدَ بهِ لِلْوَجْهِ الذَّاهِبِ إِلَى تَجْويْزِ بَيْع الوكيل المطلق من ابنه، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ في "الوكالة" وَهَذَا إذا أَطلقت الإِذن وَجَوَّزْنَاهُ، فأَمَّا إذا أذنت في التزويج منه فلا كَلاَمَ في جَوَازِهِ وإن زوجها من ابنه الطفَل، فإن لم نجيز في البالغ فَهَا هُنَّا أوْلَى، وَإنْ جَوَّزْنَا هناك فهاهنا وجهان.
والظاهر: المنع؛ لأنه نكاح يحضره أربعة.
المسألة الثَّانِيَةُ: ولي الْمَرْأَةِ إذا كان يجوز له نِكَاحُهَا كابن العم والمعتق والقاضي، وَرَغَب فِي نِكَاحِهَا لم يجز له أن يزوجها من نفسه، فيتولى الطرفين لما مرَ من الخبر، وَلَكِنْ يزوجها من في دَرَجَتِهِ كما إذا كان هناك ابنُ عَمِّ آخَرَ، وإن لم يكن في دَرَجَتْهِ غيره زَوَّجَهَا مِنْهُ الْقَاضِي، وإذا كَانَ الرَّاغِبُ القاضي زوجها منه من فوقه من الولاة، أو خرج إلى قاضي بلدة أُخْرَى ليزوجها منه، أو اسْتَخْلَفَ خَلِيْفَةً إذا كان له الاستخلاف فيزوجها منه -هذا هو ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وهو المذكور في الكتاب هاهنا، وفي ابن العم وَجْهٌ آخَرُ أنه يتولى الطرفين وقد أورده صاحب "الْكِتَاب" في "باب الوكالة"، ويجيء مِثْلُهُ في المعتق وفي القاضي أيضًا وَجْهٌ بَعِيْدٌ، ويقال إِنَّ أبَا يَحْيَى البلخي ذَهَبَ إليه وأنه حين كان قاضيًا بِدِمَشْقَ تزوج امْرَأَةً ولى أمرها من نفسه، وفي الإِمام الأعظم وجهان معروفان:
أحدهما: أنَّ له تولي الطرفين؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها.
وَأَصَحُّهُمَا: المنع فيزوجها القاضيُ منه بالولاية كما يزوج خليفة القاضي من القاضي.
ولو أَرَادَ أحد هؤلاء تزويجها من ابنه الصَّغِيْرِ، فَهُوَ كما لو أراد تزويجها مِنْ نَفْسِهِ، وَحَيْثُ جوزنا لأحدهم التزويج من نفسه، فَذَاكَ إذا سمته في إذنها، فأما إذا طَلَبَتِ الإذْنَ وجوزنا، ففيه وَجْهَانِ حكاهما الحَنَّاطِيُّ.
الجزء: 7 - الصفحة: 564
المسألة الثالثة: من منعناه من تولي الطرفين لو وكل في أحد الطرفين، أو وَكَّلَ شخصين بالطرفين فيه وجهان:
أَحَدُهِمَا: أنه يجوز؛ لأن المقصود رِعَايَةُ التعبد في صورة العقد، وقد حصل.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لأن فعل الوكيل فعل الموكل، وليس ذلك كتزويج خليفة القاضي من القاضي والقاضي من الإِمام الأعظم، فإنهما يتصَرَّفَانِ بالْوِلاَيَةِ لا بالوكالة، ومنهم من جَوَّزَ للجَدِّ التَّوْكِيلَ، ولم يجوزه لابن الْعَمِّ وَمَنْ في مَعْنَاه؛ لأن الجَدَّ ولي تام الولاية من الطرفين، وابن العم وَليٌّ من طرف وخاطب من طرف.
ولو وكل الولي رجلاً ووكله الْخَاطِبُ أيضًا ليتولى التزويج، والتزوج فَفِيْهِ خِلاَفٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في "باب الوكالة"، وكذا في "الْبَيْعِ" لَو وَكَّلَ البَائِعُ والمشتري رجلاً، فالأصَحُّ المنع، وبه أَجَابَ هنا، ويجري الْخِلاَفُ فيما لو وكل رجلًا بِأنَّ يزوج ابنته من نفسه.
واعلم قوله في الكتاب: "والأب يتولى طرفي البيع" بالحاء؛ لِمَا رُوِيَ عَن أبي حَنيْفَةَ أنَّ الْوَليَّ وَالْوَكِيلَ يتوليان طرفي النِّكَاحِ دون الْبَيْعِ.
وقوله: "لا يتولى الجَدُّ طرفي النِّكَاحِ" بالحاء والميم؛ لأَنَّ عندهما يجوز للجَدِّ تولي طرفي النِّكَاحِ.
وكذا قوله: "ليس لهم تولي طرفي النِّكَاحِ" بالواو أيضًا لما قَدَّمْنَاهُ.
وقوله: "ولا يكفيهم التَّوْكِيلُ"بالواو والألف؛ لأنَّ عند أَحْمَدَ يكفيهم التَّوْكِيلُ.
وقوله: "وَالْوَكِيلُ من الجانبين لا يتولى" بالواو.
وقوله: "والنِّكَاحُ" بالحاء.
فُرُوعٌ:
أحدها: هل للسَّيِّدِ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ مِنْ عَبِدِهِ الصَّغيرِ؟.
إِذا جَوَّزنَا له إجباره فيه وجهان، كتولي الجدَّ طرفي النكاح.
الثاني: ابنا عَمِّ أحدهما لأب، والآخر لأب وأم، وَأَرَادَ الأَوَّلُ نِكَاحَهَا يزوجها منه الثاني، وَإِنِ أَرَادَ الثَّانِي نِكَاحَهَا، فَإنْ قُلْنَا إنَّهُمَا يستويان يزوجها منه الأول، وإلاَّ فالقاضي.
الثالث: إِذَا قَالَتْ لابْنِ العَمَّ أو المعتق: زَوِّجْنِي أو زوجي مِمَّنْ شئت لم يكن للقاضي تزويجها منه بهذا الإِذن؛ لأنَّ الْمَفْهُومُ منه التزويج من الغير، فَإِنْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي مِنْ نَفْسِكَ.
حَكى صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" عن بعض الأصحاب: أنه يجوز للقاضي تزويجها منه بذاك الإِذن.
الجزء: 7 - الصفحة: 565
قال: وعندي لا يجوز؛ لأنها إنما أذنت له لا للقاضي.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في التَّوْكِيلِ)،
وَلِلْمُجْبِرِ أنْ يوَكِّلَ وَعَلَيْهِ تَعْيِينُ الزَّوْجِ في قَوْلٍ، وَإِذَا أَذِنَتْ لِغيْرِ الْمُجْبِرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيينِ زَوْجٍ جَازَ في أَقْوَى القَوْلَيْنِ، وَإِذَا قَالَتْ: زَوِّجْنِي مِمَّنُ شِئْتَ لَمْ يُزَوِّجْ إِلاَّ مِنْ كُفْءٍ، وَإِذَا مَنَعَتْ غَيْرَ الْمُجْبِرِ مِنَ التَّوْكِيلَ لَمْ يُوَكَّلْ، وَإِنْ أَطْلَقَتِ الإِذْنَ كانَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التَّوْكِيلُ بالتزويج، وَالتَّزْوُجُ جائِزٌ لِمَا مَرَّ في كتاب الوكالة، ثم الولي لا يخلو إما أن يكون متمكناً من الإِجبار، أو لا يكون فإن تمكن من الإجبار، فَلَهُ التَّوْكِيلُ من غير إذن الْمَرْأَةِ.
وفي كتاب الحَنَّاطِيِّ وجه: أنه لا بُدَّ من إذنها وعلى هذا فلو كانت صغيرة امتنع التوكيل بتزويجها، وهكذا حَكَى القَاضِي ابنُ كَجٍّ عن رواية القاضي أَبِي حَامِدٍ وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
وإذا وكل فهل يشترط تَعْيِينُ الزوج؟.
فيه قولان -ويقال وجهان:
أحدهما: ويحكى عن نصِّهِ في "الإِملاء"-: نَعَمْ لإختلافِ الأَغْرَاضِ باختلاف الأزواج، وليس للوكيل شفقة داعية إلى حُسْنِ الاخْتِيَارِ.
وأصحهما: أنَّهُ لا يشترط؛ لأنه يَمْلِكُ التَّعْييْنَ في التوكيل، فيملك الإِطلاق كما في "البيع"، وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى ألا يوكل إلاَّ من يثق بنظره واختياره، وأجرى هذا الخلاف في إذن الثَّيِّب في النِّكَاح وفي إذن الْبِكْرِ لغير الأب والجد هل يشترط فيه التعيين.
ومنهم من قطع هاهنا بعَدَمِ الاشْتِرَاطِ فرقًا بِأَنَّ الأِذْنَ للولي يصادف من يعتني بدفع الْعَارِ عن النَسَبِ، ويحافظ على المصلحة، والتفويض إلى الوكيل بخلافه قَالَ الإِمَامُ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الأَصْحَابِ يقتضي طَرْدُ الْخِلاَفِ، وإن رَضيتِ الْمَرْأَةُ بترك الكفاءة لكَن الْقِيَاسَ تخصيص الخلاَفِ فيما إذا لم تَرْضَ به، فَأَمَّا إذا أسقطت الْكَفَاءَةَ، ولم تطلب الحظ، فلا معنى لإعتبار التعيين، وإن جَوَّزْنَا التَّوْكِيلُ الْمُطْلَق فَعَلَى الْوَكِيلِ رِعَايَة النَّظَرِ، فَلَو زَوَّجَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ لَمْ يَصْح.
وفي كِتَاب القاضي ابنُ كَجٍّ وَجْهٌ آخَرُ: أنه يصح، ولها الْخِيَارُ فإن كانت صغيرة خُيِّرَتْ عَنْدَ البُلُوغ، ولو خطب كفئان وأحدهما أشرف فزوج من الآخر لم يصح، وإذا جوزنا الإِذن المطلق فلو قالت: زوجني مِمَّنْ شِئْتَ، فهل له تزويجها من غير كُفْءٍ فيه وَجْهَانِ:
الجزء: 7 - الصفحة: 566
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ -كما لو قالت: زَوِّجْنِي مِمَّن شِئْتَ كُفئًا كان، أو غير كفء، وهذا أظهر عند الإمام، وأبي الْفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
والثَّانِي: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجوز؛ لأنَّ الكْفَاءَةَ لا تهمل ظاهرًا، وَكَأنَّهَا قالت: زَوِّجْنِي مِمَّنْ شِئْتَ من الأكفاء وهذا إذا كان الولي متمكنًا من الإِجبار، فأمَّا إِذَا لَمْ يَكُن إمًا؛ لأنه غَيرُ الأبَ والجد، أَوَ لأَنَّهَا ثَيِّب فهاهنا صور:
إحْدَاهَا: إذا نهت عن التوكيل لم يكن له التوكيل؛ لأنها إنما تزوج بالإِذن، ولم يأذن في تزويج الوكيل.
والثَّانِيَة: أذنت في التزويج، وفي التوكيل في التزويج فله كل [واحد] 263 منهما.
والثَّالِثَةَ: قَالَتْ وكل بتزويجي واقتصرت عليه فله التوكيل وهل له أن يزوج بنفسه؟.
فيه خلاف، وجه الجواز أنه يَبْعُدُ مَنْعُهُ مما له التوكيل فيه، وَكَانَ هَذَا أَظْهَرُ؛ لأنه قال في "النّهَايَةِ" لو قالت: أذنت لك في التوكيل بتزويجي، ولا تزوجني بنفسك، فَالَّذِي ذَهَبَ إليه الأئَمَّةُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ الإِذْنُ على هذا الوجه؛ لأنَّهَا مَنَعَتِ الْوَلِيَّ، وَرَدَّتِ التَّزْوِيجُ إلى الوكيل الأجنبي، فأشبه التفويض إليه ابتداء.
والرابعة: أذنت له في التزويج هل له التوكيل؟.
فيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأنه مَنْصَرِفٌ بالإِذن، فلا يوكل إلاَّ بالإِذن كالوكيل.
وأصحهما: نعم؛ لأنه متصرفُ بالولاية فأشبه الوصي، والقيم يتمكنان من ولاية التوكيل من غير إذن، ولو أنه وكل من غير مراجعة المرأة واستئذانها فَوَجْهَانِ:
أصحهما: على ما ذكر صَاحِبُ "التَّهْذِيبُ" [وغيره] 264 أنه لا يجوز؛ لأنَّهُ لا يملك التَّزْوِيْجَ بِنَفْسِهِ حِيْنَئِذٍ فكيف يوكل غيره.
والثاني: يجوز؛ لأنه يلي تزويجها بشرط الإِذن، فَلَهُ تَفْوِيضُ ماله إلى غيره، وعلى هذا فيستأذن الولي أو الوكيل للولي، ثُمَّ يزوج، ولا يَجُوزُ أن يستأذن لنفسه، ثُمَّ إِذَا وَكَّلَ غَيْرُ المجبر بعد إذن المرأة هل يشترط تعيين الزوج إن أطلقت المرأة الإِذن، ففيه وجهان كما في توكيل المجبر.
قال الإِمَامُ -رحمه الله-: وإذا كَانَتْ قَدْ عَيَّنَتَ الزَّوْجَ [سَوَاءً] 265 اعْتَبَرْنَا التَّعْيِيْنَ في
الجزء: 7 - الصفحة: 567
الإِذن أو لم نعتبره، فليذكر الولي للوكيل الزوج؛ فإن لم يفعل وزوج الوكيل من غيره لم يصح، وإن اتفق التزويج منه.
قال: الأَظَهَرُ عندنا أنَّهُ لاَ يَصِحُّ التَّزْوِيجُ؛ لأَنَّ التفويض مطلق، والمطلوب معين فاسد، وَهَذَا كما لو وكل الولي ببيع مَالِ الطِّفْلِ بما عَزَّ وَهَانَ، فباع بالغبطة، فإنه لا يصح لفساد صيغة التفويض، ولك أن تفرق بينهما بأن قوله "بما عَزَّ وَهَانَ" إذن صريح في البيع الممتنع شرعاً.
وقوله: وَكَّلْتُكَ بتزويجها لا تصريح فيه بالنِّكَاحِ الْمُمْتَنَعِ وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظٌ مُطْلَقٌ، وكما يتقيد بالكفء جاز أن يتقيد بالكفء بالمعين وليعلم قوله في الكتاب: "وللولي الْمُجْبَرِ أن يوكل" بالواو.
وقوله: " [أقوى] (1) في القولين" بالواو للطريقة [القاطعة بِعَدَمِ الاشْتِرَاطِ، وقوله: "لم تزوج إلاَّ مِنْ كُفْءٍ" بالواو] (2) أيضًا وكل ذلك لما قدمناه وقوله: "وإن أطلقت الإِذن"، أي: في التزويج أما إذا أَذَنَتْ في التَّوْكِيل فَلَهُ التَّوكِيلُ لاَ مَحَالَةَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلْيَقُلِ الوَلِيُّ لِلْوَكِيلِ بالقَبُول: زَوَّجْتُ مِنْ فُلاَنٍ وَلاَ يَقُولُ: زَوَّجْتُ مِنْكَ، وَيقُولُ الوَكِيلُ: قَبِلْتُ لِفُلاَنٍ فَلَوْ قَالَ: قَبِلْتُ لَمْ يَكْفِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قِبَلَ نِكَاحًا وَنَوَى مُوَكِّلَهُ لَمْ يقَعُ لِلمُوَكِّلِ بِخِلاَفِ البَيْعَ.
فصل في بيان لفظ الوكيل في عقد النكاح
قال الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الْفَصْلِ بَيَانُ لَفْظِ "الْوَكِيلِ" في عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا كان يزوج وكيل الولي من الخاطب، فيقول: زَوَّجْتُ بِنْتَ فُلاَنٍ مِنْكَ، وإذا كان يزوج الولي ويقبل وكيل الخاطب، فيقول: زَوَّجْتُ بِنتِي مِنْ فُلاَنٍ، ويقول الْوَكِيلِ: "قَبْلِتُ نِكَاحَهَا له"، فلو لم يَقُل "لَهُ"، فعلى الوجْهَيْنِ الْمَذْكُورَينِ فيما إذا قَالَ الزَّوْجُ: "قَبِلْتُ" ولم يَقُلْ "نكاحها أو تزويجها".
ولو قال: زَوَّجْتُ بِنْتِي مِنْكَ، فقال: "قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لِفُلاَنٍ" لم ينعقد وَإِنْ قَالَ: "قَبِلْتُ نِكَاحَهَا" وقع العقد لِلْوَكِيلِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ بِالنِّيَّةِ إِلَى المُوَكِّلِ.
وَلَو جَرَى النِّكَاحُ من الوكيلين، فقال وكيل الولي: زَوَّجْتُ فُلانَةً مِنْ فَلاَنٍ، وقال وكيل الْخَاطِبِ: قَبلِتُ نِكَاحَهَا لِفُلاَنٍ يصح وفي "البيع" يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي: بعت منك، ويقول [الوكيل] 268 اشتريت، وينوي موكله، فيقع العقد له، وإن لم يسمه وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ:266267
الجزء: 7 - الصفحة: 568
أحدهما: أنَّ الزَّوْجَيْنِ في النِّكَاح بمثابة الثَّمَنِ والمثمن في البيع وَلاَ بُدَّ من تسمية الثَّمَنِ والمثمن في الْبَيْعِ فَلاَ بُدَّ من تَسمِيَةِ الزَّوْجَيْنِ في النِّكَاحِ.
والثاني: أَنَّ الْبَيْعَ يرد على المال وأنه يقبل النقل من شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، فيجوز أن يَقَعَ الْعَقْدُ للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل والنِّكَاحُ يرد على البضع، وأَنه لا يقبل النقل، ولهذا لو قبل النِّكَاحَ وِكَالَةً عن غَيْرِهِ، وأنكر ذلك الغير الوكالة لا يصح النِّكَاحُ.
ولو اشترى بالوِكَالَةِ وَأَنْكَرَ الوِكَالَةَ وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ.
ولو قال وَكِيلُ الزَّوْجِ أَوَّلاً: قَبِلْتُ نِكَاحَ فُلانَةٍ مِنْكَ لِفُلاَنٍ.
ثم قال وَكِيلُ الوَلِيِّ: زوجتها من فُلاَنٍ جاز، ولو اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ زَوَّجْتُهَا ولم يقل مِنْ فُلاَنٍ، فَعَلَى الخلاف السابق، وإذا قَبِلَ الأَبُ النِّكَاحُ لابنه بالوِلاَيَةِ فيقول المُزَوِّجْ: زوجت فلانة من ابنك ويقول الأب: قَبِلْتُ النِّكَاحَ لابني، وهذا كله؛ لأَنَّ التزويج يقع من الموكل والوالي، عليه لا مِن الْخَاطِبِ، والبيع يتعلق بالمخاطب دون من له العقد كما بَيَّنَّا في "الوكالة".
ولهذا لو قال: زوجها من زيد، فقبل النِّكَاحَ لِزَيْدٍ وكيله صَحَّ، ولو حَلَفَ ألاَّ ينكح فقبل له وكيله يحنث، فلو قال: بع من زيد فَبَاعَ من وكيل زيد لا يصح، ولو حلف لا يشتري فاشترى له وكيله لم يحنث.
وَهَذِهِ صُوَرٌ أُخَرُ، فيما يتعلق بالتوكيل إذا كانت ابنته منكوحة أو معتدة، فقال: إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وانقضت عِدَّتُهَا، فقد وكلتك بتزويجها، ففي "التَّهْذِيْبِ" أنه على القولين كما لو قال: إذا مضت سَنَةٌ فقد وَكَّلْتُكَ بتزويجها واللهُ أَعْلَمُ.
وهذا جواب على أنه لو قال: وكلتك بتزوج ابنتي إذا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا يصح كما إذا قال زوجها: إذا مضت سَنَةٌ؛ لكن في صحة هذا التوكيل وَجْهٌ آخَرُ: وقد ذكرنا حالهما في "الوكالة".
ولا يشترط في التوكيل بِالتَّزْوِيجِ ذكر الْمَهْرِ لكن لو سمى قدرًا لم يصح التزويج بما دونه كما لو قال: زوجها في يوم كذا، أو في مكان كذا، فَخَالَفَ الْوَكِيلُ لَم يَصِحْ.
ولو أطلق التوكيل فزوج الوكيل بما دون مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَهْرِ أو نفاه، فيه خلاف نورده في آخر الباب الثاني من "كتاب الصداق"؛ لأن صاحب "الكتاب" ذَكَرَ ما يُقَارِبُ الْمَسْأَلَةَ هناك.
ولو وَكَّلَ رجلًا بقبول نِكاَحِ امرأة وسمى مَهْرًا لم يصح القبول بما زاد عليه، وَإنْ لَمْ يسم فليقبل نكاح امرأة تكافئه بمهر المثل، أو أقل فإن قَبِلَ نِكَاحَ من لا تكافئه لم يصح، وإن قبل بأكثر من مهر المثل أو بغير نقد البلد أو بعين من
الجزء: 7 - الصفحة: 569
[أعيان] (1) أموال الموكل أو من مال نفسه فوجهان:
أحدهما: يَصِحُّ النِّكَاحُ وعلى الموكل مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
وبه قال أَبُو حَنِيْفَةُ -رَحِمَهُ اللهُ-.
والثاني: لا يصح كما لو باع الوكيل [بالبيع] (2) بغير نَقْدِ الْبَلَدِ أو بأقل من ثمن المثل.
هكذا فَصّلَ الْمَسْأَلَةَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" ولك أن تَتَوَقَّفَ فِيْ مَوْضِعَيْنِ:
أحدهما: إِطْلاَقُ التوكيل في [قبول] (3) نِكَاحِ امرأة؛ لأنه قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لو وكله بشراء عَبْدٍ أو ثَوْبٍ، فلا بُدَّ من أن يُفَصِّلَهُ، ويبين نوعه إذا لم يكف الإطلاق هناك فلأن لا يكفي هاهنا بل أولى.
والثَّانِي: الحكم بالبُطْلاَنِ إذا قبل نِكَاحَ من لا تكافئه؛ لأنا سنذكر أنَّ للولي أَنْ يزوج من الصغير من لا يكافئه، وإذا جاز ذلك للولي، فليجز للوكيل عند إطْلاَقِ التَّوْكِيلِ.
وَلَوْ قَالَ: إقبل لي نِكَاحَ فُلانَةٍ على عَبْدِكَ هذا فَقَبِلَ فالنِّكَاحُ صَحِيْحٌ، وَفِي العَبْدِ وَجْهَانِ:
أصحهما: أنَّ الْمَرْأَةَ لا تملكه، بل على الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
والثاني: تملكه، وعلى هَذَا فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الزَّوْجِ، أو مَوْهُوبٌ منه ففيه وَجْهَانِ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ)،
وَيجبُ (و) عَلَى الأَخِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبَتَ النِّكَاحَ إنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَخٌ آخَرُ لَمْ يَجَبْ في وَجْهٍ، وَإِنْ عَضَلُوا زَوَّجَ السُّلْطَان، وَعَلَى المُجْبِرِ تَزْوِيجُ المَجْنُونَة إِذَا تَاقَتْ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجٌ مِنَ الصَّغِيرِ، وَلاَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ قَبْلَ البُلُوغِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الولي إما مجبر أو غيره:
إن كان مجبرًا فقد ذَكَرْنَا أنَّ عَلَيْهِ الإِجَابَةَ إلى التزويج إذا الْتَمَسَتِ الْمَرْأَةُ، ويجب عليه تَزْوِيجُ الْمَجْنُونَةِ، والتزويج من المَجنون عَنْدَ مَسِيْسِ الْحَاجَةِ إمَّا بظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ، أو بتوقع الشِّفَاءِ عَنْدَ إِشَارَةِ الأَطِبَّاءِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّزْوِيجُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، ولا يزوج البنت الصغيرة؛ لأنَّه لاَ حَاجَةَ في الحَالِ لكن لو ظَهَرَتِ الْغِبْطَةُ في تزويجها، ففي الوجوب نَظَرٌ للإمَامِ، وجه الْوُجُوبِ أنَّهُ يجب عليه بيع مَالِهِ إذا طَالَبَ بزيادة، فكذلك هاهنا، وَقَد يُحْتَجُّ لَه بِمَا رُوِيَ أنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ269270271
الجزء: 7 - الصفحة: 570
اللهُ عَنْهُ: "لا تؤخر أَرْبعًا" 272 وذكر منها تَزْوِيجَ "الْبِكْرِ إذا وجدت لها كُفْئًا"، وأجرى التردد في التَّزْوِيجِ من الصَّغِيرِ عَنْدَ ظُهُورِ الْغِبْطَةِ؛ لكن الوُجُوبَ فيه أبعد لما يلزمه من المؤن، وَأمَّا غير المجبر فإن كان متعينًا كأخ واحد وعم واحد، فَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إذا التمست التزويج، كالمجبر ويجيء فيه الْخِلاَفُ المذكور هناك، فيجوز إعْلاَمُ قوله، ويجب على الأخ الإجابة بالواو، وإن لم يكن متعينًا كالأخوة والأعمام والتمست التزويج من بعضهم، ففي الإِجابة وجهان كالوجهين فيما إذا كان في الواقعة شهود، فدعي بعضهم إلى أداء الشهادة، والأظهر وُجُوبُ الإِجَابَةِ وإذا عَضَلَ الوَاحِدُ أو الجماعة، يزوج السُّلطَانُ كما سبق قوله "قبل البلوغ" ضائع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجِبُ حِفْظُ مَالِ الطِّفْلِ وَاسْتِنْمَاؤُهُ قَدْرًا لاَ يَأْكُلُهُ النَّفَقَةَ، فَإنْ تَبَرَّمَ الوَلِيُّ بِهِ فَلَهُ أنْ يَسْتَأجِرَ مَنْ يَعْمَلُ، وَلَهُ أَنْ يَأخُذ أُجْرَةَ يُقَدِّرُهَا القَاضِي لَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ البَيْعُ إِذَا طَلَبَ مَتَاعَهُ بِزِيَادَةٍ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ إِذَا بِيعَ رَخِيصًا إِذَا لَمْ يَشْتَرِ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا قَبِلَ النِّكَاحَ لابْنِهِ لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لِلمَهْرِ في الجَدِيدِ، وَإذَا تَبَرَّعَ أَجْنبيُّ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ لَمْ يَكُنْ لِلأَبِ (و) أَخْذُ الأُجْرَةِ، ولَلأُمِّ أُجْرَةُ الإِرْضَاعِ وَإنْ وَجَدْنَا (و) أَجْنَبِيَّةً مُتَبَرِّعَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المَسَائِلُ وإن كانت متعلقة بتصرف الولِي للطفل؛ لكن لا اختصاص لها بباب النِّكَاحِ إلاَّ بمسالة واحدة وهي: أن الأب إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لابْنِهِ هَلْ يَكُونُ ضَامِنًا للِمَهْرِ ولنقدمها فنقول: إذا قَبِلَ لابنه الصغير أو المجنون نكاح امرأة بصداق من مَالِ الابن، فإن كان عينًا فذاك، ولا تعلق له بالأب وإن كان دينًا فقولان:
القديم: أنَّ الأَبَ يكون ضامنًا للمهر بالعقد للعرف.
والجديد: أَنَّهُ لا يكون ضامنًا إلاَّ أَنْ يَضْمَنَ صريحًا كما لو اشترى لطفله شيئًا يكون الثمن عليه لا على الأب، وتكلموا في موضع القولين من وجهين:
[أحدهما] 273 قال القَاضِي ابنُ كَجٍّ -رَحِمَهُ اللهُ-: القولان فيما إذا أطلق، فأَمَّا إذا شرط كونه على الابن، فهو على الابن لا غير.
والثَّانِي: العراقيون والشيخ أبو علي وعامة الأصحاب خَصُّوْا القولين بما إذا لم يكن للابن مَالٌ، وقطعوا فيما إذا كان له مَالٌ بأن الأب غير ضامن، وَمِنْهُم من طَرَدَ القَوْلَيْنِ في الحالين وهو الموافق لإِطلاق لفظ الكتاب.
التفريع: إذا قلنا بالجديد، فلو تبرع بالأداء لم يرجع وكذا الأجنبي وإن ضمن
الجزء: 7 - الصفحة: 571
صريحًا وغرم فقصد الرجوع هاهنا ينزل منزلة إذن المضمون عنه، فَإِنْ ضمن على قصد الرجوع وغرم بقصد الرجوع يرجع، وإلاَّ فعلى الخلاف المذكور في الضَّمَانِ بغير الإِذن، والأداء بغير الإِذن، وإن ضمن بشرط براءة الأصيل فعن القاضي الحَسْين أنّا إن لم نصحح الضمان بشرط براءة الأصيل فهذا ضَمَانٌ بشرط فَاسِدٌ شرط في عقد الصداق، وقد سبق ذكر القولين في أنَّ شَرْطِ الضَّمَانِ الْفَاسِدِ وَالرَّهنُ الْفَاسِدُ في العقد هَلْ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْعَقْدِ؟ وإن صححنا الضمان بشرط براءة الأصيل فهاهنا يجب أن يكون الشرط فاسدًا؛ لأن العقد يستدعي ثُبُوتَ الْعِوَضِ في ذِمَّةِ الْمَعْقُودِ له، وفي غير هذه الصُّورَةِ الدِّينُ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌ، فلا يبعد سقوطه، وإذا فسد الشرط ففي فساد الضمان وجهان مذكوران في "الضَّمَانِ".
وإذا قلنا بالقديم فغرم.
فجواب الشَّيْخِ أبي علي أنه لا يرجع به على الابن كما لا ترجع العاقلة على الجاني؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما غرم لزم بالشَّرْعِ ابتداء.
ويحكى مثله عن القاضي الحسين واعترض الإِمام بأن الأب نُصِّب للنظر ورعاية مصلحة الابن، فكيف نجعل نظره وتصرفه موجبًا للمغارم الثقيلة عليه وليس كذلك العاقلة مع الجاني، وتحقق الْفَرْقُ أنه تتوجه المطالبة على الابن ولا تتوجه على الجاني، فعلى هذا يرجع إن قصد الرجوع عند الأداء، وهذا ما أورده صاحب "التَّهْذِيبِ" ولو شرط الأب ألا يكون ضامنًا فعن القاضي الحسين أنه يبطل العقد على القديم.
قال الإِمَامُ: وَهَذَا وَهُمٌ مِنَ الآخِذِيْنَ عنه، فإن النِّكَاحَ لا يفسد بمثل ذلك، ولعله قال: يبطل الشرط ويلزم الضمان.
ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الأولى: يجب على الولي حفظ مال الطفل وصونه عن أسباب التَّلَفِ، وعليه استنماؤه قدر ما تأكل النفقة والمؤن المال إن أمكن ذلك، ولا يجب عليه المبالغة في الاستنماء، وطلب النهاية فيه، وإذا طلب متاعه بأكثر من ثمنه وجب بيعه.
ولو كان شيء يباع بِأَقَلَ مِنْ ثَمَنِهِ، وللطفل مال، وجب أن يشتريه إذا لم يرغب فيه لنفسه.
هكذا أطلق الإمام وصاحب "الْكِتَابِ" في الطرفين، ويجب أن يتقيد ذلك بشرط الغِبْطَةِ، بل بالأموال التي هي معدة للتجارة، أما ما يحتاج إلى عينه، فَلاَ سَبِيْلَ إلى بَيْعِهِ، وإن ظَهَرَ طَالِبٌ بالزِّيَادَةِ، وكذا العقار الذي يحصل منه ما يكفيه، وكذلك في طرف الشِّرَاءِ قد يؤخذ الشيء رخيصًا؛ لكنه عرضة للتَّلَفِ أولاً يتيسر بيعه لقلة الرَّاغِبينَ فِيهِ، فيصير كَلاًّ على مَالِكِهِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 572
المسألة الثَّانِيَةُ: إِذَا تَبَرَّمَ مَالُ الأَب بِحِفْظِ مَال الطِّفْلِ والتصرف فيه، فله رفع الأَمْرِ إلى القاضي، لينصب قيماً بأجرة، وله أَن ينصب بنفسه.
ذكره في "النِّهَايَةِ".
ولو طلب من القاضي أن يثبت له أجرًا على عمله، فالذي يوافق كلام أكثر الأصحاب أنه لا يجيبه إليه غنيًا كان أو فقيرًا، إلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَقِّيرًا ينقطع عن كَسْبِهِ فَلَهُ أنْ يأكل منه بالمعروف على ما سبق في "الحَجْر"، وقد ذكر الإمام أن هذا هو الظَّاهِرُ.
قال: ويجوز أنْ يُقَالَ: يثبت له أجرًا؛ لأَنَّ له أَنْ يَسْتَأْجِرَ من يعمل فإذا جاز له بذل الأجرة لغيره جاز له طلب الأجرة لنفسه، وبهذا الاحتمال أجاب صَاحِبُ "الْكِتَاب": وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ: لاَ بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الْقَاضِي وَلَيْسَ لَهُ الاسْتِقْلاَلُ به، وهذا إذا لم يَكُنْ هناك متبرع بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرع وطلب الأب الأجرة، فَقَدُ أَشَارَ في "النَّهَايَةِ" إلى وَجْهَيْنِ أيضًا:
أَظْهَرُهُمَا: أَنَّه لا يثبت له أُجْرَة لحُصُولِ الْغَرَضِ مَعَ حِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ عَلَيْهِ.
والثَّانِي: يثبت لزيادة شفقته، كما أنَّ الأمَّ تَأْخُذُ أُجْرَةَ الإِرضاع عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ وجدت متبرعة أجنبية.
وَاعْلَم أَنَّ صَاحِبَ "الْكِتَاب" أَطْلَقَ الْقَولَ هاهنا بأن للأُمِّ أُجْرَةَ الإِرضاع، ولم يحك فيه خلافًا، لكنه حَكَى فيه قولين في كتاب "النَّفَقَاتِ" ونحن نشرح الْمَسْأَلَةَ وكيفية الْخِلاَفِ فيها هناك إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ السَّابعُ فِي الكَفَاءَةِ)
وَهِيَ مَرْعِيَّةٌ في خَمْسِ خِصَالٍ (ح م و) النَّقَاءُ مِنَ العُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ الخِيَارَ وَالحُرَّيَّة وَالنَّسَب إِلَى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَإِلَى العُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ المَشْهُورِينَ دُونَ الخَامِلِينَ، وَالصَّلاحُ في نَفْسِ النَّاكِحِ دُونَ الاشْتِهَارِ، وَالتَّنَقِّي مِنَ الحِرَفِ الدَّنِيئَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ، وَاليَسَارُ (ح) لاَ يُعْتَبَرُ في أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَالجَمَالُ لاَ يُعْتَبَرُ أَصْلاً، وَلاَ يُجْبَرُ فَضِيلَةُ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِفَضِيلَة أُخْرَى، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَد تَقْضِي العَادَةِ بِجَبْرِ نَقِيصَةٍ بِفَضِيلَة بِحَيْثُ يَنْتَفي العَارُ.
"
القول في الكفاءة في النكاح
"
قال الرَّافِعِيُّ: الْكَلاَمُ في خِصَالِ الكفاءة، ثم في أَثَرِ فُقُدَانِهَا.
أمَّا الْفَصْلُ الأَوَّلُ -في خِصَالِهَا: وهي التَّنَقِّي مِنَ الْعُيُوبِ المثبتة للخيار؛ لأنَّ النَّفْسَ تُعَافُ صُحْبَةَ مَنْ بِهِ تِلْكَ العيوب وقيل بها مقصود النكاح، واستثنى صاحب
الجزء: 7 - الصفحة: 573
"التهذيب" من العيوب المثبتة للخيار "العُنة" وقال: إنها لا تتحقق فَلاَ نَظَرَ إليها في الكفاءة.
وفي "تعليق" الشيخِ أَبِي حَامِدٍ وغيره التَّسْوِيَةِ بين العُنة وغيرها صريحًا، وإطلاق الأكثرين يوافقه.
إذا عَرَفَ ذَلِكَ، فمن به بعض تلك العيوب لا يكون كفئًا للسليمة عنها، ولو كان لكل واحد منهما عيب منها فإن اختلف العيبان فلا كفاءة أيضًا، وإن اتفقا وما بالرجل أفحش، أو أكثر فكذلك، وإن تساويا، أو كان ما بها أكثر فوجهان بناءً على أنه هل يثبت الخيار والحالة هذه؟.
ويجري الوجهان فيما إذا كان مَخبُوبًا والمرأة رَتْقَاءُ.
وزاد القاضي الرُّوْيانِيُّ على العيوب المثبتة للخيار فقال: والعيوب التي تنفر النَّفْسُ منها كالعمى والقطع وتشوه الصورة تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا، واختاره الصيمري.
ومنها الحرية؛ لأنَّ الْحُرَّةَ تتعير بكونها فراشًا للعبد وتتضرر بأنه لا ينفق إلاَّ نفقة المعسرين، فالرقيق لا يكون كفئًا للحرة أصلية كانت، أو عتيقة، والعتيق لا يكون كفئًا للحرة الأصلية، ولا من مس الرق أحد أبائه للتي لم يمس الرق أحدًا من أبائها، ولا من مس الرق أبًا أقرب في نسبه للتي مس الرق أبًا أبعد من نسبها ويشبه أن يكون جريان الرق في الأمهات أيضًا مؤثرًا ولذلك تعلق به الولاء 274.
ومنها: النَّسَبُ فالعجمي ليس كفئاً للعربية، ولا غير القرشي من العرب للقرشية، ولا غير الهاشمي والمطلبي من قريش للهاشمية والمطلبية، وبنو هاشم وبنو المطلب أكفاء لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نَحْنُ وَبَنُو المُطَّلِب شَيءٌ وَاحِدٌ" 275 وفي قريش بعضهم من بعض.
وَجْهٌ آخَرُ وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةٌ -رضي اللهُ عَنْهُ-: أنَّهُمْ جميعًا أكفاء كما أنهم يستوون في الأَهْلِيَّةِ للإِمامة.
والصحيح الأول؛ لما روي أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ" 276 وكما يعتبر النسب في العرب يعتبر في العجم.
الجزء: 7 - الصفحة: 574
وعن القَفَّالِ، والشيخ أبي عَاصِمٍ: أنه لا يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب، ولا يَدَوُنُوَنَهَا، والظَّاهِرُ الأول، وقضيته للاعتبار فيمن سُوَى قُرَيشٍ من العَرَب أيضًا، لكن ذكر ذاكرون أنَّهُمْ أكفاء 277، وَاحْتَجُّوا بما رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قُبَيْلَةٌ لِقِبَيْلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ إِلاَّ حَائِكًا، أَوْ حجامًا" 278.
والاعتبار في النسب بالأَبِ فالذي أبوه أَعْجَمِيٌّ، والأم عربية ليس بِكُفْءٍ للتي أبوها عربي، والأم عجمية.
ومنها: الدِّينُ والصَّلاَحُ: فالكافر ليس بِكُفْءٍ للمسلمة، وَالَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ ليس بِكُفْءٍ للتي لها أبوان، أو ثلاثة في الإِسلام.
وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ وغيره وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُمَا كفئان، واختاره القاضي الرُّويانِيُّ، وذكر بعض المتأخرين أنه لا ينظر إلاَّ إلى إِسْلاَمِ الأَبِ الأَوَّلِ والثاني، فيمن له = تنبيه: لا يعارض هذا ما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين موتوا في الجاهلية، الحديث.
لأنه محمول على المفاخرة المفضية إلى احتقار المسلم، وعلى البطر، وغمض الناس، وحديث واثلة تستفاد منه الكفاءة، ويذكر على سبيل شكر المنعم قاله الحافظ.
الجزء: 7 - الصفحة: 575
أبوان في الإِسْلاَمِ كُفْءٌ لِلَّتِي لَهَا عَشْرَةٌ آبَاءٍ في الإِسلام؛ لأنَّ الأَبَ الثَّالِثَ لا يذكر في التعريف، فلا يلحق العار بسببه، وَالظَّاهِرُ الأَوَّلُ، والفاسق ليس كُفْئًا للعفيفة ولا ينظر إلى الشهرة، بل الذي لا يشتهر بالصلاح كفئًا للمشهورة به وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْفَاسِقُ كَفْئًا للعفيفة فالمبتدع أولى ألا يكون كفئًا للنسيبة وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي الرُّويَانِي.
ومنها الحرفة: فأصحاب الحرف الدَّنِيَّةِ ليسوا بأكفاء للأشراف ولا لسائر المحترفة، ويدل على اعتبارها اللفظ الذي تقدم إلا "حائك أو حجام"، فالكناس والحجام وقيم الحمام والحارس والراعي لا يكافئون ابنة الخياط، والخياط لا يكافئ ابنة التَّاجِرِ والبَزَّازِ ولا المحترف ابنة القاضي، والعالم، وذكر في الحلية أنه يراعي العادة في الحرف والصناعات؛ لأن في بعْضِ الْبِلاَدِ التِّجَارَةُ أولى من الزِّرَاعَةِ، وفي بعضها الأمْرُ بالعكس.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِرَفَ الدَّنِيَّةَ في الأَبَاءِ، والاشْتِهَارُ بِالْفِسْقِ مما يُعَيَّر به الولد، فيشبه أن يكون حال الذي كان أبوه صاحب حرفة دنية، أو مشهورًا بالفسق مع التي أبوها عدل كما ذكرنا في حَقِّ من أَسْلَمَ بنفسه مع التي أبوها مسلم، وَالْحَقُّ أن تجعل النظر في حال الآباء دينًا وسيرة وحرفة من حيز النسب، فَإِنَّ مَفَاخِرَ الأَبَاءِ وَمَثَالِبَهُمْ هي التي يدور عليها أمر النَّسَبِ، وهذا يؤكد اعْتِبَارَ النَّسَبِ في حَقِّ العُجْمِ، ويقتضي ألاَّ تُطْلَقَ الكفاءة بين غير قريش من العرب.
ومنها اليسار: وهل هو من خِصَالِ الْكَفَاءَةِ؟.
فيه وجهان:
أظهرههما: لا؛ لأن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- اخْتَارَ الْفَقْرَ 279؛ وَلأَنَّ الْمَالَ غادٍ ورائَحٌ، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر.
والثاني: نَعَمْ؛ لأنه إذا كان مُعْسِرًا لم ينفق على الولد، وينفق عليها نَفَقَةَ المعسرين فتتضرر به.
وعلى هذا فوجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 576
أحدهما: أَنَّ المُعْتَبَرَ الْيَسَارُ بقدر النفقة، وَالْمَهْرِ، فإذا أيسر بهما فهو كفء كصاحب الأُلُوفِ.
وأظهرهما: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي ذَلِكَ ولكن الناس أصناف: غني وفقير ومتوسط، وَكُلُّ صَنْفٍ أكفاء، وإن اختلفت الْمَرَاتِبُ.
وليس من الخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ في الكفاءة الْجَمَالُ ونقيضه نعم.
ذَكَرَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ أَنَّ الشَّيْخَ لا يكون كفئًا للشابة على المختار من الوجهين 280، وذكر أيضًا أنَّ الْجَاهِلَ لا يكون كفئًا للعالمة، وهذا فَتْحُ بَابٍ وَاسِعٍ، فَهَذِهِ خِصَالٌ الكفاءة، وهل يقابل بعضها ببعض؟.
قَضِيَّةُ كَلاَم الأكْثَرِينَ الْمَنْعُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وأبو الفرج السَّرْخَسِي، حَتَّى لا يزوج سليمة من العيوب دنية من معيب نسيب، ولاَ حَرَّةً فَاسِقَةً من عَبْدٍ عَفِيْفٍ، وَلاَ عَرِبِيَّةٌ فَاسِقَةٌ مَن عَجَمِيٍّ عَفِيفٍ، ولا عفيفة رقيقة من فاسق حُرٍّ، ويكفي صفة النقص مانعة من الكفاءة.
وفضل الإمام فقال: السَّلاَمَةُ من العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج، ولذلك يثبت بها حَقّ الْفَسْخِ، وإن كان في المعيب فضائل جَمَّةٍ، وكذا الحرية لا تقابل بفضيلة أخرى، وكذا النَّسَبُ، نِعْمَ الصِّفَةُ الظَّاهِرَةُ في الزَّوْجِ هل تنحاز دناءة نسبه؟.
فيه وجهان:
أظهرهما: المنع.
قال: والتنقي من الْحرفِ الدَّنِيَّةِ يعارضه الصَّلاَحُ، وفاقاً واليسار إن اعتبرناه يعارض بِكُلِّ خِصْلَةِ من خِصَالِ الْكَفَاءَةِ، وَالأَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ -جوابًا على استرقاق العرب- إذا زُوِّجَتْ من الْحُرِّ العجمي كان على هذا الخلاف في حصول الانحياز والله أعلم.
وَلْنَعُدِ الآن إلى ما يتعلق بألْفَاظِ الْكِتَابِ قوله: وهي مرعية في خَمْسِ خِصَالٍ -أراد به الْخِصَالَ الْمَعْدُودَةَ قَبْلَ اليسار، ومنهم من يضيف إلى الخمس الإِسلام، وَقَدْ يُعَبَّرُ بالدِّيْنِ عَنِ الإِسْلاَمِ والعدالة جميعًا، ولم يدرج صَاحِبُ "الْكِتَاب" الإِسلام في خِصَالِ الكفاءة، وَلَهُ وَجْهٌ، وهو أنَّ الفَضَائِلَ الْمُعْتَبَرَةَ في الْكَفَاءَةِ هي التي يحتمل فواتها عند التَّرَاضِي، وَإِسْلاَمُ الزَّوْجِ لاَ يَحْتَمِلُ فوَاتُهُ، فحَسَنَ ألاَّ يُعَدَّ مِن خصال الكفاءة، ويجوز
الجزء: 7 - الصفحة: 577
أَنْ يعلم قوله: "في خَمْسِ خِصَالٍ" بالحاء؛ لأنَّ أَبَا حَنَيْفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- لا يعتبر السَّلاَمَةِ عن العيوب، وحكى بعض أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لا يعتبر الحرفة أيضًا وبالميم والواو؛ لأن صَاحِبَ "الشَّامِلِ" حكى عن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنَّ الْكَفَاءَةَ في الدِّينِ وَحْدَهُ، وذكر أَنهُ قَوْلٌ للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَن البُوَيْطِيِّ وبالألف؛ لأَنَّ في رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لا يَعْتَبِرُ إلاَّ الدِّينَ والنَّسَبَ، والأصح عنه مثل مذهبنا.
وأما قوله: "والنَّسَبُ إلى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" إلى آخره.
فاعلم أنَّ كَلاَمَ أَكْثَرِ الأصْحَابِ في النَّسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَذَكَرَ الإِمَامُ قَدَّسَ اللهُ رَوحَهُ أَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ يَثْبُتُ مِنْ ثَلاَثِ جِهَاتٍ.
إحداها: الانتماء إلى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ويرعى القرب والبعد منه وعليه بني عُمَرُ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- دَيْوَانَ المُرْتَزِقَةِ.
والثانية: الانتماء إلى العلماء، فإنهم وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ 281 صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمِ، وبهم رَبَطَ اللهُ تَعَالَى حِفْظَ الْمِلَّةِ.
والثالثة: الانتماء إِلَى أَهْلِ الصَّلاَحِ والتَّقْوَى -قال الله تعالى عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].
فبين شرف الانتساب ويعتبر أن يكون من إليه الانتماء مشهورًا بين الناس بالصَّلاَحِ، فالشرف حِيْنَئِذٍ يحصل، ولا عبرة بالانْتِسَابِ إلى عَظَمَاءِ الدُّنْيَا والظلمة المستولين على الرِّقَابِ، وإن كَانَ النَّاسُ قد يَتَفَاخَرُونَ بهم.
وَنَحَا صَاحِبُ "الْكِتَاب" نحو هذه الطريقة وفيها تصريح بأن الانتساب إلى كل واحد من هذه الجهات يقتضي الفضيلة برأسه وعلى هذا فلا يمكن إطلاق القول بأنا العجم أكفاء، وكذا من سُوَى قُرَيْشٍ من العرب، وكذ بنو هَاشِمٍ، وما ذكر أن الانتساب إلى عظماء الدُّنْيَا لا عَبْرَةَ بِهِ فَكَلاَمُ النَّقَلَةِ لاَ يُسَاعِدُهُ هَذَا.
واعلم أنَّ صَاحِبَ "التتمة" يقول: وللعجم عُرْفٌ في الكفاءة فيعتبر عُرْفُهُم.
وَقَوْلُهُ: "وإلى الصُّلَحَاءِ المشهورين" لفظ "المشهورين" يمكن رده من جهة النظم إلى الْعُلَمَاءِ أيضًا، لكنه أَرَادَ الرَّدَّ إلى الصُّلَحَاءِ خاصة عَلَى مَا هُوَ مبين في "الوسيط" و"النهاية".
وقوله: "واليسار لا يعتبر" معلم بالألف؛ لأن أحمد يعتبر اليسار وبالحاء؛ لأن أَبَا حَنِيْفَةَ يعتبره بقدر الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 578
واعلم قوله: "والتنقي من العيوب".
وقوله: "والتنقي من الحرف" بالحاء لما ذكرنا.
وقوله: "وما وراء ذلك، فقد تقتضي العادة بجبر نقيصة بفضيلة" ظاهرة تقتضي انجبار بعض الصفات ببعض بعد الاشترك في النسب، لَكِنَّ هَذَا الظَّاهِرَ غيرُ مَعْمُولٍ بِهِ لا على تفصيل الإمام، وَلاَ عَلَى إِطْلاَقِ غَيْرِهِ، وَقَد بَيَّنَّا الطَّرِيْقَيْنِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالكفَاءَةُ حَقُّهَا وَحَقّ الأَوْلِيَاءِ، فَإِنْ رَضُوا بِتَرْكَهَا جَازَ (ح)، فَيَحَلُّ لِغَيْرِ العَلَوِيِّ نِكَاحُ العَلَوِيَّةِ، وَإِنْ رَضِيَ الأَوْلِيَاءُ فَلِلْمَرْأَةِ الِإبَاءُ، وَإِنْ رَضِيَتِ المَرْأَةُ وَوَليٌّ وَاحِدٌ فَلِلبَاقِينَ فَسْخُ النِّكَاحِ (ح) فِي قَوْلٍ، وَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ أَصْلًا (ح) فِي قَوْلٍ، وَلاَ يَصِحُّ تَزْوِيجُ الأَبِ الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَهَا الخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ (ح)، وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجِ مِنَ الصَّغِيرِ غَيْرَ كُفْءٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ في الْفَصْلِ الأَوَّلِ في خِصَالِ الكفاءة، والكلام الآن في الفصل الثاني من أثر فقدان الكفاءة، والكَفَاءَةُ حَقُّ الْمَرْأَةِ، ومن يلي أمرها واحدًا كان أو جَمَاعَةً مستويين في الدَّرَجَةِ، فَإِنَّ زَوْجَهَا وَلِيُّهَا مِنَ غيْرِ كُفْءٍ برضاها، أو أحد الأَوْلِيَاءِ برضا الآخرين ورضاها صَحَّ النِّكَاحُ، حَتَّى يَجُوزَ لغير الْعَلَوِيِّ نِكَاحُ الْعَلَوِيَّةِ، وليست الْكَفَاءَةُ شَرْطٌ للِصَّحَةِ خلافًا لأَحْمَدَ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وُيرْوَى عَن مَالِكٍ أيضًا اشتراطها، دليلنا أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "انْكِحِي أُسَامَةَ" 282 فنكحته وهو مولى وهي قرشية.
وُيرْوَى أنَّ بلالاً -رَحِمَه اللهُ- نَكَحَ هَالَةَ بِنَتِ عَوْفٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ 283.
وإذا زوج الأقرب من غير كفء برضاها لم يكن للأبعد الاعتراض، فَلَوْ كَانَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهَا السُّلْطَانُ، فَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْر كُفْءٍ إِذَا الْتَمَسَتْهُ الْمَرْأَةُ؟.
فيه قولان أو وجهان:
أحدهما: نعم، كالولي بالولاء والنسب، وَقَطَع بهذا الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ وقال: لاَ يَرْجِعُ إِلَى الْمُسْلِمِيْنَ مِنْهُ عَارٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 579
وأظهرهما: المنع؛ لأنه كالنَّائِب النَّاظِرِ لأولياء النَّسَبِ، فلا يترك ما فيه الحظ، ولو زوجها أحد الأولياء من غَيْرِ كُفْءِ برضاها دون رضَى الآخرين، فقد ذكر في "المختصر" و"الأم" أَنَّ النِّكَاحَ لا يثبت.
وَعَنْ نَصِّهِ في الإِمْلاَءِ أن للباقين الرَّدَّ وللأصحاب طَرُقٌ:
أظهرهما: أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ:
أصحهما: أنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ؛ لأنهم أَصَحَابُ حُقُوقٍ في الكفاءة، فاعتُبِرَ إذنهم كإذن المرأة.
والثَّانى: يصح ولهم الخيار؛ لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان كما لو اشترى شيئًا معيبًا.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول وحمل ما في "الإملاء" على أنَّ لَهُمْ الْمَنْعَ من التزويج من غَيْرِ الْكُفْءِ.
والثالث: القطع بالقول الثاني.
وقوله: "لا يثبت"، أي: لا يلزم ولا يستمر.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يلزم النِّكَاحُ ولا اعتراض للآخرين، فَخَالَفَ القولين جميعًا، وأجرى صاحب "الْمَهَذَّبِ" القولين فيما إذا زوجها أحدهم بغير رضاها [أو زوجوها بغير رضاها] 284 وكان التَّصْوِيَرُ فيما إذا أذنت في التزويج من غير تعيين الزوج، وَجَوَّزَنَاهُ، ووجه البُطْلاَنِ بأنه عقد في حق غيره بغير إذنه، فلم يَصِحْ كبيع مال الغير بغير إذنه، وإذا زَوَّجَ الأَبُ أَوِ الْجَدُّ الْبِكْرَ الصَّغِيْرَةَ، أو البالغة من غير كفء بغير إذنها، فالقولان في الصَّحَّةِ معروفان، والأَصَحُّ البطلان؛ لأنه خلاف الغِبْطَةِ، وإذا لم يَصِحِّ التَّصَرُّفُ في المال على خلاف الغبْطة، فالتصرف في البضع أولى.
وَرَوَى القاضي ابنُ كَجٍّ طَرِيْقَةً أُخْرَى: وَهِي تَنْزِيلُ القولين على حالين إن علم الولي عدم الكفاءة، فالنِّكَاحُ باطل، وإلاَّ فَصَحِيْحٌ.
وعن أبي إسحاق وَأَبِي حَامِدٍ: القطع بالبطلان علم [الولي] 285 أو لم يعلم، وإذا قُلْنَا بالصَّحَةِ، فللمرأة الخيار إن كانت بالغة، وإن كانت صغيرة فإذا بلغت تَخيَّرَتْ.
وحكى الإِمَامُ وَجْهًا: أَنَّهَا لا تتخير، وعليها أن ترضى بعقد الأب، وهل للولي الخيار في صغرها؟.
الجزء: 7 - الصفحة: 580
فيه وجهان.
وفي رواية القاضي أبي الطَّيِّب قَوْلاَنِ:
أحدهما: نَعَم، كما لو اشترى الصغير معيبًا.
الثاني: لا؛ لأنه يتعلق بالشهوة والطبع، فلا تجزئ فيه النيابة.
وهذا الْخِلاَف فَيْما رَوَى الْحَنَّاطِيُّ وصاحب "التَّهْذِيبِ" ورأى الإِمام مخصوص بما إذا جهل الولي حال الزوج، فإن علم فلا خيار، وطرده الَقاضي ابنُ كَجٍّ، وآخرون في حالتي الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وقالوا: إنه لَيْسَ عاقدًا لنفسه، حَتَّى يَلْزَمَ حكم علمه.
وليعلم قوله في الكتاب "ولا ينعقد النِّكَاحُ أصلًا" مع الحاء بالألف؛ لأن مَذْهَبَ أَحْمَدَ كالقول الأول.
وقوله: "ولا يجوز تزويج الأب الصغيرة من غير كُفْءٍ" بالحاء، وكذا قوله: "ولها الخيار إذا بلغت"؛ لأن عَنَ أَبِي حَنِيْفة -رضي الله عنه- أنه يصح النِّكَاحُ، ولا خيار، لها إذا بلغت، وسائر المواضع المحتاجة إلى العلامات بينة مما قدمنا، ثم صاحب "الكتاب" خَتَمَ الْفَصْلَ بأن قال: ويجوز أن يزوج من الصغير من غير كفء، وليس الأمر على هذا الإِطلاق، بل ينظر فيما لم يوجد فيها من خصال الكفاءة، فإن قَبِلَ لابنه الصغير نكاح معيبة بالعيوب المثبتة للخيار، فعلى قولين كما في تزويج البنت الصغيرة من غير كفء.
والصحيح أنَّهُ لا يصح النِّكَاحُ.
وعن بعضهم: القطع [بالبطلان] 286 في قبول النكاح الرَّتْقَاءِ والقرناء لما فيه من بذل الْمَالِ في [مقابلة] 287 البضع الذي لا ينتفع به، بخلاف تزويج الصغيرة من المجنون، فإن قَبِلَ له نكاح أمة لم يصح؛ لأنه لم يؤخذ خوف العنت، وإن قَبِلَ له نكاح من لا تكافئه بجهة أخرى فوجهان كالقولين في تَزْوِيج الْبِنْتِ الصَّغِيْرَةِ ممن لا يكافئها، لكن الأشبه هاهنا الصِّحَّةُ، وهو الموافق لما في الكتابَ؛ لأن الْمَرْأَةَ تتعير بأن يَسْتَفْرِشُهَا من لا يكافئها والرجل لا يتعير بأن يستفرش من لا تكافئه.
وإذا قلنا بالصِّحَّةِ، فالتفريع كما مَرَّ هناك وإن قَبِلَ له نكاح عمياء ففي كتاب القاضي ابنُ كَجٍّ إثبات الوجهين فيه.
ونقل "صاحب التَّهْذِيبِ" إجراءهما فيما لو قبل نِكَاحَ عَجُوزٍ أو مفقودة بعض الأطراف، ويجب أن يَكُونَ من تزويج الصَّغِيْرَةِ من الأعمى والأقطع والشيخ الهم مثل هذا الخلاف.
الجزء: 7 - الصفحة: 581
ولو قبل لابنه المجنون نِكَاحَ أَمَةٍ جاز إن كان معسراً، وكان يُخْشَى عليه الْعَنَتُ وفيه وجه: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يخشى وطئاً يوجب حداً، أو إِثماً وإن كان النقصان بسببٍ آخرَ، فعلى ما ذكرنا في القبول للصغير، وإن زوج ابنته من خنثى، أو قبل لابنه نِكَاحَ خُنْثَى فإن أثبتنا الخيار بهذا السبب فهو كالتزويج من المجنون، وقبول نكاح المجنونة وإلا فَكَالأَعْمَى 288. فَرْعٌ: للسيد أنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ من الرقيق، ودَنَيَّ النَّسَبِ، ولا يزوجها ممن به عيب من العيوب المثبتة للخيار، ولا ممن لا يكافئها بسَبَبٍ آخَرَ فإن فعل فيبطل أو يصح، ولها الخيار فيه مثل هذا الخلاف السابق، وفيه وَجْهٌ آخَرُ ضَعِيْفٌ: أنه يصح ولا خيار لها وإن زوجها ممن به عَيَبٌ برضاها لم يكن لها الامتناع من التمكين منه، وله بيعها ممن به بعض تلك العيوب؛ لأن الشراء لا يتعين للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من التمكين؟ فيه وَجْهَانِ؛ لأن الوطء في ملك اليمين بِمَثَابَةِ نَفْسِ النِّكَاحِ 289. تم الجزء السابع، ويليه الجزء الثامن وأوله: القول في اجتماع الأولياء
الجزء: 7 - الصفحة: 582
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في اجتماع الأولياء
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّامِنُ فِي تَزَاحُم الأَوْلِيَاءِ) فَإذَا أجْتَمَعَ إِخْوَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّزْوِيجِ منْ كُفْءٍ بِرِضَاهَا لَكِنَّ الأَوْلَى التَّفْوِيضُ إِلَى الأَسَنِّ وَالأَفْضَل، وَإنْ نَزَاحَمُوا أَقْرعَ بَيْنَهُمْ، فَإنْ بَادَرَ مَنْ لَمْ تَخرُجْ قُرْعَتُهُ انْعَقَدَ.
قال الرَّافعيُّ: إذا اجتمع لِلْمَرْأَةِ أولياء في درجة واحدة كالإِخوة وَبَنِيْهِم والأعمام وبنيهم، فَألأَوْلَى أن يزوجها أشبههم وأفضلهم بالفقه أو بالورع برضا الآخرين، أَمَّا تقديم الأَسَنَّ فلزيادة تَجْرِبَتِهِ، وَأَمَّا الأورع فإنه أشفق وأحرص على طلب الْحَظِّ، وأما الأفقه فإنه أعلم بشَرَائِطِ النِّكاح، وأما رِعَايَهِ رضا الآخرين فلتجتمع لآراء، ولا يتأذَّى بعضهم باستثار البعض.
وإذا تعارضت هذه الخِصَالِ، فيقدم الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَوْرَعَ، ثم الأَسَنَّ، ولو زوج منهم غير الأسن والأفضل برضا الْمَرْأَةِ من كفء صح، ولا اعتراض للباقين، وليست هذه الولاية كولاية القِصَاصِ حيث يشترط اتفاق الأولياء على الاستيفاء؛ لأَنَّ القِصَاصَ مبني على الدرء والإِسقاط، والنَّكَاحُ مَبْنِيٌّ على الإِثبات والإِلزام، ولهذا لو عضل واحدِ من الأولياء زوج الآخرون، ولو عفا واحد عن القِصَاصِ سقط حَقُّ الكل، ولو أنهم اشتجروا وأراد كل واحد منهم أن يزوج نظر إن تعدد الخاطب، فالتزويج ممن ترضاه المرأة، فإن رضيتهما جميعاً نَظَرَ الْقَاضِيُ في الأصلح وأمر بالتزويج منه .. ذكره "صَاحِبُ التَّهْذِيبِ" وغيره.
وإن اتحد الخاطب، وتزاحموا على العَقْدِ أُقْرعَ بينهم، فمن خرجت قُرْعَتُهُ زوجها، وإن بادر غيره وزوجها.
فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح النِّكَاحُ ليظهر فائدة القرعة، وهذا الوجه يختص بما إذا أخرجوا القرعة من غير ارتفاع إلى مجلس الحكم، أم يختص [بقرعة
الجزء: 8 - الصفحة: 3
ينشئها] 290 السلطان؟ فيه تردد للإمام.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنَّ النِّكَاحَ صَحِيْحٌ وليست الْقُرْعَةُ لسلب ولاية البعض، وإنما هي لقطع المنازعة، وهذا إذا كانت قد أذنت لكل واحد منهم على الانفراد، وفي معناه أن تقول: أذنت [في تزويجي] 291 من فلان فمن شَاءَ من أوليائي زَوَّجَني منه ولو قالت: زَوَّجَونِي منه.
فهل يشترط اجتماعهم؟.
فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ولو قالت: راضيت أن أُزَوَّجَ، أو رضيت بفلان زوجاً، فأحد الوجهين: أنه ليس لأحد منهم تزويجها؛ لأنها لم تأذن لجميعهم بلفظ عام، ولا خاطبت واحداً منهم على التَّعَيْينِ، فأشبهت ما إذا قالت: رضيت بأن يباع مالي.
وأظهرهما: أنه يكتفي به، ولكل واحد منهم تزويجها؛ لأن الأولياء متعينون للتصرف شرعاً، والمشروط الرضا من جهتها وقد وجد.
وعلى هذا فلو عَيَّنَتْ بعد ذلك واحداً هل ينعزل الآخرون؟.
فيه وجهان؛ لأن في التخصيص اشعاراً يرفع الأِطلاق.
والمذكور من الوجهين في "الرقم" انعزال الآخرين.
وفي "التَّهْذِيْبِ" مقابله، ورأى بعض متأخري الأصحاب بناء الوجهين على أن المفهوم هل هو حجة أم لا؟.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإنْ بَادَرَ اثْنَانَ وَعَقَدَا مَعَ شَخْصَيْنِ فَالصَّحِيحُ السَّابِقُ، وَإِنْ أَمْكَنَ وُقُوعُهُمَا مَعاً انْدَفَعَا، فَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ ونَسِينَا السَّابِقَ بَقيَ النِّكَاحُ (و) مَوْقُوفاً أبَداً، وَإنْ يُعْرَفِ السَّابِقُ مِنْهُمَا أَصْلاً يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِلتَّعذُّرِ في قَوْلٍ، وَيَتَوَقَّفُ فِي قَوْلٍ، وَالقَاضِي يُنْشِئُ الفَسْخَ، وَقِيلَ: لِلمَرْأةِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لِلزَّوْجَيْنِ أَيْضاً ذَلِكَ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ (و) قَبْلَ الفَسْخِ لِلحَبْسِ، وَلاَ مَهْرَ لِعَدَمِ اليَقِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَذِنَتِ الْمَرْأَةُ لأحد الوَليَيْنِ في التزويج من زيد، وللآخر في التزويج من عمرو، أو أطلقت الإذن لهما وجوزناه فزوجها أحدهما من زيد، والآخر من عَمْرو، أو وكل الولي المخير رجلاً بالتزويج، فزوجها الوكيل من زيد، والولي من عمرو، أو وَكَّلَ اثنين فزوج أحدهما من زيد، والآخر من عمرو فللمسألة خَمْسُ صُوَرٍ:
إحداها: أنْ يسبق أَحَدُ النَّاكِحِيْنَ، فالصحيح السابق والثاني: باطل سواء دخل بها الثاني، أو لَمْ يَدْخُلْ.
الجزء: 8 - الصفحة: 4
وقال مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ-: إنْ دَخَلَ بها الثَّاني، فهي زوجة الثاني.
لنا: ما روي عن سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأَوَّلُ أَحَقُّ" 292 ويروى: "أَيُّ امْرَأَةِ زَوَّجَهَا وَليَّانِ فَهِيَ للأَوَّلِ مَنْهُمَا" وإنما يعرف السبق، إما بالتقار أو ببينة تقوم عليه.
الثانية: إذا وقعا معاً، فهما باطلان فإنَّ الجمع ممتنع، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فأشبه ما لو نكح أختين في عقد واحد.
فَرْعٌ: لو اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، وَأَوْجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ من الوليين النِّكَاحَ معاً، فأظهر الوجهين: الصحة، ويقوي كل واحد من الإِيجابين بالثاني وحكى أبو الحسن العبادي عن القاضي وغيره: أنه لا يصح؛ لأنه ليس أحدهما أولى بالاعتبار من الثَّاني فتدافعا.
الثالثة: إذا لم يعلم السبق، ولا المعية، واحتمل الأمران معاً فالنكاحان باطلان؛ لأنهما إنْ وَقَعا مَعاً تَدَافَعَا، وإن كان بينهما تَرَتُّبٌ، فلا اطِّلاَعَ على السَّابِقِ منهما، وإذا تعذر إمضاء العقد لغا، وأيضاً فإن المعية محتملة، والأصل في الأَبضاع الْحُرْمَةُ فيستدام إلى أن يتيقن النكاح هكذا أطلقه الأكثرون ونقل الإِمام وغيره وجهاً: أنَّهُ لا بُدَّ من إنشاء فسخ؛ لأن الترتيب محتمل، وبتقدير الترتيب فالسابق من العقدين صحيح، فيحتاج إلى الفسخ ليرتفع، وشبه هذا الخلاف بالخلاف في أنَّ البيع بعد تحالف المتبايعين يَنْفَسِخُ، أو يُفْسَخُ.
الرابعة: إذا سبق واحد معين، ثم التبس، وأشكل الأمر، فيوقف حتَّى يتبين الحال، ولا يجوز لواحد منهما غشيانها، ولا لثالث نكاحها قبل أن يطلقاها، أو يموتا أو يطلق أحدهما، ويموت الثاني 293 وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وغيره: أن من الأصحاب مَنْ أَجْرَى القولين المذكورين في الصُّورَةِ الخامسة من هذه الصورة إذا تحقق اليأس باليقين.
الخامسة: إذا عرف سبق أحدهما، ولم يعلم أيُّهما سَبَقَ فالنَّصُّ وظاهر المذهب أَنَّ الحكم كما لو احتمل السبق، والمعية لتعذر الإِمضاء، والعلم بتقدم أحدهما لا يُغني إذا لم يعلم المتقدم.
وهذا كما أن المتوارثين إذا غرقا وماتا لا يفترق الحال بين ألاَّ يعرف السبق والمعية، وبين أن يُعرفَ سبقُ أحدهما من غير تعيين، وقد سبق في
الجزء: 8 - الصفحة: 5
الجمعتين في مثل هذه الصورة ذكرُ قولين:
أحدهما: بطلانهما واستئناف جمعة، وهو كالمنصوص هاهنا.
والثاني: أَنَّ الْحُكُمَ كما لو عرفت السابقة ثم اشتبهت فيعيدون جميعاً الظهر، فمن الأصحاب من خرج هذا القول في النَّكَاحَينِ أيضاً.
وقال بالتوقف كما في الصورة الرابعة، ومنهم من أباه فرقاً بأن الجمعة بعد تمامها على الصحة لا يلحقها البطلان، والنِّكَاحُ يلحقه الفسخ بأسباب وأعذار، وإذا ألحقنا هذه الصورة بما إذا احتمل السبق والمعية فيبطلان، أو لا بدّ من إنشاء الْفَسْخ فيه الخلاف المذكور هناك، فإن أحوجنا إلى إنثاء الفسخ فيه ففيمن يفسخ ثلاثة أَوْجُهٍ مَنْقُولَةً في "النهاية".
أشبهها: أنه لا ينشئ الفسخ إلاَّ الحاكم، أو المحكم إذا جَوَّزْنَا التحكيم؛ لأن في الواقعة إشكالاً والتباساً، فيحتاج فيها إلى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ.
والثاني: أَنَّ للمرأة الْفَسْخَ غير مراجعة الحاكم، كما تفسخ تحت الزوج.
والثالث: أَنَّ للزوجين الفسخ أيضاً كم يفسخ الزوج برتق الزوجة، ثم نختم الصور بجملتين:
إحداهما: حيث حكمنا ببطلان النكاحين، فلا مَهْرَ على كُلِّ واحد منهما إلاَّ أن يفرض دخول، فيجب مَهْرُ المِثْلِ، وإذا قلنا بالبطلان عند احتمال السبق والمعية، وفيما إذا سبق أحدهما، ولم يعلم السابق على أحد القولين كيف الحال -أنقول بالبطلان ظاهراً وباطناً؟ أم نقول به ظاهراً لا باطناً؟.
ذكروا فيه وجهين: إن قلنا بالأول، فلو ظهر وتعين السابق يوماً من الدهر فلا زوجية، ولو كانت قد نكحت ثالثاً فيه زوجته، وإن قلنا بالثاني فالحكم بخلافه ويشبه أن يقال هذا الخلاف، والخلاف المذكور في أنهما يبطلان ويرتفعان بنفسهما، أو يحتاج إلى الرفع والفسخ شيء واحد، والاختلاف إنما هو في الْعِبَارَةِ لكن قال في"التَّهْذِيبِ":
الاحتياط أن يَقُولَ الْحَاكِمُ: فَسَخْتُ نِكَاحَ مَنْ سبق لهاذا فسخ، أو لم يفسخ، فلا نكاح بينهما في الظاهر، وفي الباطن وجهان.
هذا لفظه واللهُ أعلم بالصواب.
الثانية: إذا قلنا بالتَّوَقُّفِ فلو مات أحدهما، وقفنا من تركته ميراث زوجته، ولو ماتت هي وقفنا ميراث زوج بينهما، حتى يصطلحا أو يتبين الحال، وهل يطالبان بالنفقة؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأَنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، ونحن لا نتيقن وجوب النفقة على واحد منهما، ولأن كل واحد منهما يقول: إن كانت في نكاحي فمكنوني من الاسْتِمْتَاعِ بها، فإن تعذر ذلك فلاَ أُنْفِقُ.
والثاني: نَعَمْ؛ لجريان صُوْرَةِ الْعَقْدِ، وعدم النُّشُوزِ، وكونها في حَبْسِهِمَا والأول أَظْهَرُ عند الإِمام، وبالثَّانِي أَجَابَ الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ، وعلى هذا فيوزع عليهما، وإذا ظهر
الجزء: 8 - الصفحة: 6
السَّبْقُ لأحدهما، وتعين رجع الآخر عليه بما أنفق عليه.
قال الشَّيْخُ أبْو عَاصِمٍ: ويحتمل أن يُقَالَ: إنما يرجع إذا كان قد أَنْفَقَ بغير إذن الحاكم، وَبهَذَا جزم الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ، وأما المهر فلا يطلب به واحد منهما لمكان الإِشكال، ولا سَبِيْلَ إلى إلزام مَهْرين ولا إلى قسمة مَهرٍ عليهما، ونعود إلى ألفاظ الكتاب.
اعلم أن الصُّوَرَ الخَمْسَ مَذْكُورَةٌ في الكتاب سُوَى الثَّانيةُ، وإنما تركها لوضوحها.
وقوله: "والصَّحِيحُ السابق" -يجوز إعلامه بالميم لما ذكرنا من مَذْهَبِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عند دخول الثاني.
وقوله: " [يبقى] 294 النكاح موقوفاً" بالواو.
وقوله: "يفسخ النِّكَاحُ للتعذر ويوقف في قول" يجوز أن يعلم القولان بالواو إشارة إلى الطريقة القاطعة، ولفظ "الفسخ" ظاهرة يقتضي ألاَ يَرْفَعَ النِّكَاحَ ولا يَنْفَسِخُ بنفسه، ولكن ينشئ فسخه وقد ادَّعى في "الْوَسِيْطِ" أنه الأصح فكأنه جرى هاهنا على ما رجحه.
وقوله: "من قبل وإن أمكن وقوعهما معاً اندفعا" يجوز إعلامه بالواو، وإن كَانَ الْمُرَادُ الْبُطْلاَنُ والارتفاع، ونظم الكتاب حيث اقتصر في هذه الصُّورَةِ على هذا القدر، وتكلم في صورة القولين في الفسخ وفيمن ينشئه ربما أوهم الْفَرْقَ بينهما في الحكم، وفي الحقيقة لا فرق إذا لم يقل بالتوقف في صورة القولين.
وقوله: وعليهما النَّفَقَةُ قبل الْفَسْخ للحبس أراد به لو تأخر الفسخ حَيْثُ رأينا إنشاء الفسخ، فالنفقة مَقْسُومَةٌ عليهما، وهذا الحكم لا يختص بهذا التَّقْدِيرِ، بل يجري حَيْثُ قلنا بالتوقف إلى أن يتبين الأمر، وفيه وضع الإِمام الكلام، ثم هو معلم بالواو للوجه المذاهب إلى أنه لا نفقة على وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهَا العِلْمِ بِالسَّبْقِ فَعَلْيهَا أنْ تَحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَقِيَ التَّدَاعِي بَيْنَهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَر ثَبَتَ النِّكَاحُ لَهُ، وَإِن أَقَرَّتْ لِوَاحِدٍ فَلِلثَّاني أَنَّ يُحَلِّفَهَا عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لِلثَّانِي لَغَرَمَتْ لَهُ، وَإِنْ نكَلَتِ اسْتَحَقَّ الثَّانِي باليَمِينِ المَرْدُودَةِ الغُرْمَ، وَفِيهِ قَوْلٌ: أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجِيَّةَ، وَكَأَنَّ إِقْرَارَهَا لِلاَوَّلِ أوْجَبَ الحَقَّ بِشَرْطِ أن تَحْلِفَ للِثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ العِلْم عَلَيْهَا لَكِن ادَّعى عَلَيْهَا زَوْجِيَّةَ مُطْلَقَةً فَفِي سَمَاعِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ، وَلَوِ ادَّعَيَا عَلَى الولِيِّ فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الَوَليِّ وَتَحْلِيفِهِ وَجْهَانِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميع ما تقدم فيما إذا تصادقوا في كيفية جريان العقد، أما فرض
الجزء: 8 - الصفحة: 7
نزاع فَزَعَمَ كُلُّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ أَنَّ نِكَاحَهُ سابق وأنها زوجته فينظر إن لم يوجَّها الدعوى عليها فلا عبرة بقولهما ولا تسمع دعوى أحدهما على الآخر، ولا يُحَلِّفَ أحدهما الآخر؛ لأن الْحُرَّةَ لا تدخل تحت اليد، وليس في يد واحد منهما ما يدعيه الآخر، هذا ما قاله أكثرهم.
وعنِ الصَّيْدَلاَنِيَّ -وهو جواب العبادي في "الرَّقْمِ": أنهما يحلفان فلعله يظهر الْحَقُّ.
قال الإِمَامُ: وهذا لاَ مَجَالَ لَهُ إن كانا يزعمان علم المرأة بالحال، بل تراجع هي، نعم لو اعترفا بأنها لا تعلم فهو محتمل وينقدح 295 في البداية تخير القاضي أو الإقراع، فإن حَلَفَا أو نكلا، فهو كما لو اعترفا بالإِشكال ولو حلف أحدهما دون الآخر قضى للحالف، وإن ادَّعيا على المرأة، فذلك يصور على وجهين:
أحدهما: أن يَدَّعِيَا عليها العلم بالسبق، فإن كانت الصيغة أنها تعلم سبق أحد النكاحين لم تسمع الدعوى للجهل، وإن قال كل واحد: هي تعلم أن نكاحي سابق ذكر صاحب "التَّقَرِيبِ" والشيخ أبو مُحَمَّدٍ وغيرهما من الأئمة، أنه يبني على القولين في أن إقرار المرأة بالنكاح هل يقبل؟.
وفيه قولان قدمناهما فإن قلنا: لا يقبل لم تسمع الدعوى عليها لأن غاية ما في الباب أن تُقِرَّ وهو غير مَقْبُولٍ على هذا الْقَولِ، وإن قلنا: يقبل -وهو الصحيح- فتسمع الدَّعْوَى عليها، وحينئذٍ فإمَّا أن تنكر أو تُقرُّ.
الحَالَةُ الأُوْلَى: إذا أنكرت العلم بالسبق، فتحلف عليه، ويكفي يمين واحدة أم لا بدّ من يمينين؟ -أطلق في "التَّهْذِيبِ" أنها تحلف لكل واحد يميناً.
وعن القَفَّالِ: أنهما إن كانا حاضرين في مجلس الحكم وادَّعيَا حلفت لهما يميناً واحدة، وهذا ما يَدُلُّ عليه كَلاَمُ القَاضِي ابنِ كَجٍّ ويطابقه إيراد الإِمام، إِلاَّ أنه اعتبر مع الحضور الرِّضَى فقال: إن حضرا ورضيا بيمين واحدة حلفت يميناً واحدة وإن حضر أحدهما وادعى فحلفت له، ثم حَضَرَ الآخَرُ وَأَرَادَ تَحْلِيفَهَا.
هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ حكى فيه وجهين:
وجه أحدهما: تَمَيُزُ حق كل واحد منهما عن الثَّانِي، ووجه الآخر أن الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةً، ونفي العلم بالسبق يشملهما جميعاً، فلا معنى للتكوير، وأجرى هذا الْخِلاَفَ في كُلِّ خِصْمَينِ يدعيان شَيْئاً واحداً، ثم إذا حلفت كما ينبغي، فَمِنْهُم مَنْ قَالَ: لا تحالف بين الزوجين وقد أَفْضَى الأَمْرُ إلى الإِشْكَالِ، واستضعفه الإِمَامُ وقال: إن حلفت هي على نفي العلم بالسَّبْقِ، ولم تنكر جريان أحد العقدين على الصحة، فوجب أن يبقى التداعي والتحالف بينهما، وإنَّما الَّذِي أنكرناه التَّحَالُفَ ابتداء من غير رَبْطِ الدَّعْوَى بها، وهذا هو المذكور في الكتاب، وإن نكلت هي رددنا اليمين عليهما، فإن حلفا أو
الجزء: 8 - الصفحة: 8
نكلا جاء الإِشكال وإلاَّ قضى للحالف، وإذا حلفا أو نكلا، فلا شيء لهما على المرأة.
وفي كتاب الحَنَّاطِيَّ ذِكْرُ وَجْهٍ: أنهما إذا حلفا واندفع النِّكَاحَانِ فلكل واحد منهما عليها مَهْرُ الْمِثِلِ، ويمينها حلفت أو نكلت تكون على البت دون العلم، ولا حَاجَةَ إلى التعرض لعلمها.
الحالة الثانية: إذا أقرت لأحدهما بالسبق، فيثبت النِّكَاحُ للمقَرِّ له وهل تسمع دعوى الثاني عليها -وهل له تحليفها؟.
فيه قولان مبنيان على أنها لو أَقَرَّتْ للثَّانِي بعد ما أَقَرْت لِلأَوَّلِ.
هل تَغرُمِ للثاني شيئاً؟.
وفيه القولان المعروفان فيما إذا قال: هذه الدَّارُ لِزَيْدٍ، لا بل لِعَمْرٍو، وقد مرا بشرحهما فإن قلنا: تغرم سمعت دعوى الثَّانِي وله التحليف رجاء أن يُقِرُّ فيغرمها وإن لم تحصل له الزوجية، وإن قلنا لا يغرم فقولان مبنيان على أن يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه، كإقرار المدعى عليه، أو كإقامة البيَّنَةِ من جهة المدعي، وفيه قولان يذكران في موضعهما إن قلنا كالإِقرار لم تسمع دعواه؛ لأن غاية ما في الباب أنْ يقر أو ينكل فترد اليمين عليه فيحلف فيكون كما لو أقَرَّتْ، ولا فائدة فيه على الْقَوْلِ الذي عليه يقرع، وإن قلنا: كَالْبَيِّنَةِ فله أن يدعي وتحلف فإذا حلفت، فإما أن تحلف فتسقط دعوى الثاني، أو تنكل فترد اليمين عليه، فإن نكل فكذلك، وإن حلف فيبنى على أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كالإقرار، أَوْ كَالْبَيِّنَةِ إن قلنا كالإِقرار، وهو الأصح فوجهان:
أحدهما: أَنهُ يَنْدَفِعُ النِّكَاحَانِ لتساويهما في الْحُجَّة.
أما الأول فقد أقرت له، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فلأنه حلف اليمين المردودة، وهي كالإِقرار، فَصَارَ كما لو أقرت لهما معاً، وهذا حكاه القاضي أَبُو حَامِدٍ والشيخ أبو مُحَمَّدٍ عن نصه في "الْقَدِيمِ".
وأصحهما: استدامة النِّكَاح الأول؛ لأنه قد مَضَى الْحُكْمُ به بإقرارها، فلا يرفع بِنُكُولِهَا المحتمل للتورع عن اليمين الصادقة، فيكون كما لو أقرت للاول، ثم للثاني، وإن قلنا: إنها كَالْبَيِّنَةِ، فقد قيل بحكم النِّكَاحِ الثاني؛ لأن البينة تقدم على الإِقرار، وهذا هو المذكور في "الْمُهَذَّبِ" وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ وآخرون: إنها منكوحة الأول؛ لأن اليمين المردودة إنما تُجْعَلُ كالبينة في حَقِّ الْحَالِفِ وَالنَّاكِل لاَ في حَقِّ غيرهما، وإذا تركت الأصل المبنى عليه، واقتصرت قلت: يندفع النكاحان أم تسلم للأول أو للثاني؟.
فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ:
إن سلمت للأول غرمت للثانى، وحيث تغرم، فالواجب عليها هو الواجب على شهود الطلاق إذا رجعوا، وفيه خِلاَفٌ يجيء في موضعه إن شَاءَ اللهُ -تَعَالَى-.
الجزء: 8 - الصفحة: 9
فَرْعٌ: لو كانت خَرْسَاءُ، أو خَرَسَتْ بَعْدَ التَّزْوِيج، فأقرت بالإشارة بسبق نِكَاحِ أَحَدِهِمَا لزمها الإِقرار، وإلا فلا يمين عليها، والحال حال الإِشكال.
يحكى هذا عن نَصِّهِ.
آخر: لو حلفت لأحد المدعيين أنها لا تعلم سبق نكاحه لم تكن مقرة بسبق نكاح الآخر، ولو قالت لأحدهما: لم يسبق نكاحك تكون مُقِرَّةٌ: لِلآخَرِ.
ذكره الاِمام وصاحب "التَّهْذِيبِ" وكان الْمُرَادُ إذا جرى ذلك بعد إقرارها بسبق أحدهما، وإلاَّ فَيَجُوزُ ألا يسبق هذا، ولا هذا بأن يقعا معا.
الوجه الثاني: أن يدعيا عليها زوجية مطلقة، ولا يتعرضا للسبق، ولا يعلمها بالسبق، فهذا ينبني على أنْ دَعْوَى النِّكَاح هَلْ يَشْتَرَطُ فَيهَا التَّفْصِيلُ وذكر الشرائط؟ وأنه هل يفرق بين أن يدعي ابتداء النِّكَاحِ فيقول: نكحت هذه.
أو دوامه فيقول: هذه زوجتي وبيانه موكول إلى كتاب "الدَّعَاوَى" والله ييسره فإن سمعنا دعوى النِّكَاح مطلقة، أو فصل القدر المحتاج إليه، ولم يتعرضا للسبق، فعليها الجوابُ البَاتُّ، ولا يكفيها في هذه الْمَسْألَةِ نَفْيُ الْعِلم بالسَّابِقِ من النِّكَاحِينِ، لكنها إذا لم تعلم فَلَهَا الْجَوَابُ البَابُّ وَالْحَلِفُ على أَنَّهَا ليست زوجته، وهذا كما أَنه لو ادعى على إنسان أنَّ أَبَاهُ أتلف عليه كَذَا، وَأَرَادَ تَغْرِيمَهُ من الْتِّركَةِ.
قالوا فالوارث يحلف على أَنَّهُ ما يعلم من أبيه إتْلاَفاً.
وَلَوِ ادَّعَى أنَّ عليه تسليم كذا من التركة، فيحلف أَنَّهُ لا يلزمه التسليم، وعدم العلم يجوز له الْحَلِفُ الْبَاتُّ، هذا كُلُّهُ فيما إذا كانت الدَّعْوَى عَلَى الْمَرأَةِ.
فَأمَّا إذا ادعيا على الولي نظر إن لم يكن مجبراً لم تسمع الدعوى عليه، ولم يحلف؛ لأنه لو أقرَّ لم يقبل إقراره، وإن كان مجبراً فوجهان:
أحدهما: أنَّ الجواب كذلك؛ لأنه عاقد كالوكيل والعقد لغيره.
وأظهرهما: سَمَاعُ الدَّعْوَى عليه؛ لأن إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ كما مَرَّ، ومن يقبل إقراره يتوجه عليه الدَّعْوَى واليمين، وَعَلَى هذا إن كانت المدعي نكاحها بكراً صغيرة، فيحلف الأب، وَإِن كَانَتْ بِكْراً بَالِغَةً فوجهان:
أَحَدُهِمَا: لا يحلف؛ لأنا نقدر على تحليفها، وهي أَوْلَى بِالْيَمِينِ.
وأشبههما: نَعَمْ، ثم إنْ حَلَفَ الأَبُ كان للمدعي أن يحلف البنت أيضاً، فإن نكلت حَلَفَ الْيَمِينَ المردودة، ويثبت النِّكَاحُ.
وفي "التَّهْذِيبِ": أنَّ الْمَرْأَةَ إن كانت بالغة بكراً، أو ثَيِّباً تكون الدعوى عليها، -واللهُ أعلم-.
وقوله: "وعليها أن تحلف"، أي: على نَصّ الْعلمِ إِنْ أَنْكَرَتْ.
الجزء: 8 - الصفحة: 10
وقوله: "نَفْيُ التَّداعِي بينهما" معلم بالواو.
وقوله: "على أَصَحَّ القولين؛ لأنها لو أقرت للهاني لغرمت له"، فيه إشارة إلى مبني القولين كما بَيَّنَّا، ويجوز إعلام قوله: "لغرمت لما" للقول الثاني.
وقوله: "وكأن إقرارها إنما أوجب الحقَّ بشرط أن تحلف للثاني" معناه أنا إذا حكمنا بالنكاح للثاني عند حلفه اليمين المردودة لم يفد إقرارها للأول حق النكاح مطلقاً، بل يشترط ألاَّ تنكل عن يمين الثاني قوله: "وفي سَمَاع هَذِهِ الدَّعْوَى" إشارة إلى أنَّ الْخِلاَفَ في سماع دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ مطلقة مطرداً لا اختصاص له بصورة جريان العقدين وقوله: "فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الْوَلِيِّ" يعني: الْوَلِيَّ المُجْبَرَ.
وقوله: "وجهان على الإِطلاق" -المقصود منه: بيان أنَّ الْخِلاَفَ في الدَّعْوَى على الولي لا يختص بما إذا فُرِضَ عقدان ومدعيان، وهذا تمام الباب الأول.
البَابُ الثَّاني في المَوْلِيِّ عَلَيْهِ
قَالَ الغَزَالِيٌّ: وَلاَ يُوَلَّى في النِّكَاحِ إلاَّ عَلَى نَاقِصٍ بِصِغَرِ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ رقٍّ أَوْ أُنُوثَة وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ الأُنُوثَةِ وَالصِّغَرِ (أمَّا المْجنُونُ الكَبِيرُ) فَللأَبِ التَّزْوِيجُ مِنْهُ عِنْدَ ظُهُورِ الحَاجَةِ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ لَه أنْ يُزَوِّجَ مِنَ الصَّغِيرِ العَاقِلِ أَرْبعاً (و)، وَلاَ يُزَوِّجُ مِنَ المَجْنُونِ الصَّغِيرِ في وَجْهٍ.
"
نقصان الولاية ونكاح المجنون
"
قال الرَّافِعِيُّ: لاَ شَكَّ أَنَّ الشَّخْصَ إنما يُوَلَّى عَلَيْهِ لِنْقْصَانٍ فيه، وَقُصُورٍ في النَّظَرِ والأهلية، والنقصان المقتضي لنصب الولي خمسة: الصِّغَرُ، والأُنُوْثَةُ، والْجُنُونُ والسَّفه والرِّقُ، وقد سبق حكم الأَوَّلَيْنِ [و] الثالث: الجنون.
وَالْكَلاَمُ في التزويج من المجنون، وفي تزويج المجنونة.
أمَّا المجنون فإن كَانَ كبيرًا، فلا يزوج منه إن لم تدعُ الحْاجَةُ إليه، لما فيه من لُزُومِ الْمَهْرِ والنفقة عليه من غَيْرِ حَاجَةٍ تدعو إليه، وليس كالصغير؛ لأَنَّ للصَّغِيرِ غاية يتوقع بعدها كماله، فلا يُرَاعَى في نكاحه إِلاَّ المْصَلَحَةُ، فإن دعت إليه حاجة فتزوج منه.
والحاجة تقع من وجهين:
أحدهما: أن تَظْهَرَ رَغبَتُهُ في النِّسَاءِ بأن يَحُومَ حَوْلَهُنَّ وَيَتَعَلَّقَ بِهِنَّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
والثاني: أنْ يحتاج إلى امرإة تتعهده وتخدمه، ولا توجد من محارمه من يقوم بهذا الشُّغْلِ، وتكون مؤنة النِّكَاحِ أَخَفَّ من مؤنة شراء أَمَةٍ.
الجزء: 8 - الصفحة: 11
هكذا ذكر صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وآخرون، ولك أن تقول: إذا لم يجب على الزوجة خدمة الزوج وتعهده، فكيف تزوج منه لهذا الغرض، وربما تمتنع المرأة من أن تخدمه، ولا تفي وإن وعدت وربما يلحق بالوجهين ما إذا توقع شفاؤه بالنِّكَاحِ، وإذا جاز التزويج من تولاه الأَبْ أو الجَدُّ، فَإِنْ لم يكونا فالسلطان دون سائر العصبات كما أنه يلي ماله.
وأما المجنون الصغير: ففي وجه يزوج منه كما يزوج من العاقل، وعلى هذا فلا
يتولاه إلاَّ الأَبُ وَالْجَدُّ، وَالمْذْهَبُ الظَّاهِرُ مَنْعُ التَّزْوِيجِ منه؛ لأنه لاَ حَاجَةَ إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يدري كيف يكون الأمر، بخلاف الصغير العاقل فإن الظاهر حاجته إلى النِّكَاحِ بعد البُلُوغِ، وَلاَ مَجَالَ لِحَاجَةِ التَّعَهُّدِ والخدمة فإن الأجنبيات يجوز أن يَقُمْنَّ بخدمته.
وعن الشَّيخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه خرّج على هذين الوجهين التزويج من الصغِيرِ الْمَمْسُوحِ، ومتى جَازَ التَّزْوِيجُ مِنَ الُمَجْنُونِ فَلاَ يزوج منه إلا امرأة واحدة؛ لأن الْحَاجَةَ تندفع بها.
وفي الصغير العاقل وجهان:
أحدهما: أنَّ الحُكْمَ كَذَلِكَ كيلا تكثر المؤنة عليه مع وقوع الكفاية بالواحدة.
وأظهرهما: جَوَازُ الزِّيَادَةِ، وهو الْمَذْكُورُ في "الْكِتَابِ"؛ لأنَّ المَرْعيَّ في نكاحه المصلحة، وقد تكون له فيه مصلحة وَغِبْطَةٌ، والمختل كالمجَنون في النِّكَاح، وَهُوَ الَّذِي في عَقْلِهِ خَلَلُ، وَفِي اعْضَائِهِ اسْتِرْضَاءُ، وَلاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ غَالِباً.
وقوله في "الْكِتَاب": "فللأب التزويج منه عند ظُهُورِ الْحَاجَةِ" ليس للتخصيص بالأب بل الجد والسُّلْطَاَنُ في معناه كما تبين، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيٌّ: وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَيُزَوَّجُهَا بِمُجَرَّدِ المَصْلَحَةِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً بِكْراً كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً، وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يُزوِّجُهَا وَاِذَا بَلَغَتْ عَاقِلَة ثُمَّ جُنَّتْ عَادَتِ الوِلاَيَة للأبِ في الأصَحِّ، وَاليَتِيمَةُ البَالِغَةُ الْمَجْنُونَة يُزَوِّجُهَا (و) السُّلْطَانُ عِنْدَ ظُهُورِ الحَاجَةِ، وَيُشَاوِرُ أَقَارِبَهَا، وَالمُشَاوَرَةُ وَاجِبَةٌ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: يُزَوِّجُ بِمجَرَّدِ المَصْلَحَةِ دُونَ الحَاجَةِ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذهَب أَنَّ الأَبَ وَالْجَدَّ عِنْدَ عَدَمِهِ يزوجان المجنونة، كما يزوجان الصغيرة، ولا فَرْقَ بين أن تَكون صَغِيْرَةً، أَوْ كَبِيْرَةً بِكرًا، أَو ثَيِّباً ووراءه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ الأبُ بتزويج الْكَبِيْرَةِ الثَّيِّبِ، بَل يَفْتَقِّرُ إِلَى إِذْنِ السُّلْطَانِ بَدَلاً عَنْ إِذْنِهَا.
الجزء: 8 - الصفحة: 12
والثَّانِي: أنَّهُ لا يزوج الثيب الصغيرة كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةٌ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أنَّ لِلْبُلُوغِ غَايَةً ترتقب، فيمكن انتظارها لتأذن، وَالإفَاقَةُ بخِلاَفِهِ، ثمِ لا يشترط في تزويجها ظهورَ الحاجة، بل يكفي ظُهُورِ الْمَصْلحَةِ بخلاَف الْمَجْنُونِ؛ لأَنَّ النَّكَاحَ يفيدها المهر والنفقة، ويغرم المجنون، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الَّتِي بَلَغَتْ مَجْنُونَةً، وَبَيْنَ الَّتِي بَلَغَتْ عَاقِلَةً، ثم جُنَّت بناءً على أن من بلغ عاقلاً، ثم جُنَّ تكون الولاية في ماله لأبيه، وَهُوَ الأَصَحُّ.
وإن قلنا: إِنَّهَا تكون للسُّلْطَانِ فكذلك أمر التزويج، والخلاف المبني عَلَيْهِ مَذْكورٌ في " [كتاب] 296 الْحِجْرِ".
وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ التِي لاَ أَبَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لم تزوج؛ لأنه لاَ حَاجَةً في الْحَالِ، وغير الأب، والجَدُّ لا يملك الإِجبار، وَإنْ كَانَتْ بَالِغَةً، ففي مَنْ يَلِي تَزْوِيجُهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: القريب من الأخ والعم؛ لأَنَّ النَّسيبَ [أَشْفَقُ] 297 وَأَوْلَى مِنَ السُّلْطَانِ.
وَأَظْهَرُهُما: وَهُوَ الْمَذْكُورُ في الكِتَاب: السُّلْطَانُ؛ لأنَّهُ ليس في أقاربها من له كمال الشفقة فيفوض الأَمْرُ إِلَى مَنْ لَهُ الْوَلاَيَةُ الْعَامَّةُ.
وأيضاً فَإنَّهُ الذِي يَلِي مَالَهَا في هذه الحالة، فكذلك أمر التزويج فإن قلنا بالوجه الأول، فَلاَ ينفرد القريب، ولكنه يحتاج إلى فرَاجَعَةِ السُّلْطَانِ، فيقوم إِذْنُ السُّلْطَانِ مَقَامَ إِذْنِهَا، فإن المتنع القريب زوج السلطان كما في صورة الفضل، وإن قلنا بالْوَجْهِ الثَّانِي، فالسلطان يراجع أقاربها، وَهَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ واجبة أو مستحبة؟.
فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: مستحبة وفاءً بتفويض الأمر إلى السُّلْطَان، وإنما يراجعهم تطييباً لقلوبهم.
وهذا كما أنَّ الشَّافِعِيَّ -رِضَي اللهِ عَنْهُ- استحب في صورة غيبة الولي، وسائر صُوَرِ تزويج السُّلْطَانِ أن يشاور ذوي الرأي من أقاربها، فإن لم يكن فيهم وَلِيٌّ شاور خَالَهَا، وأبا أُمِّهَا.
والثاني: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ لأنَّ الأقارب أعرف بحالها، وأحرص على طلب الحظ لها، فإن شاورهم فلم يشيروا بشيء استقل السلطان، وهذا الوجه استضعفه الإِمام وذكر في "التَّهْذِيبِ" أنَّهُ الأَصَحُّ، والوجهان في وجوب المشاورة جَارِيانِ في التَّزْويجِ من المجنون، ثم من يَلِي أمْرَ نِكَاحِهَا من السُّلْطَانِ، أو القريب يزوج عند ظهور الْحَاجَةِ،
الجزء: 8 - الصفحة: 13
وذلك بأن يتبين فيها مَخَايَلُ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، أو يشير أرباب الطِّبِّ بأن في تزويجها توقع الشفاء، أمَّا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ وَأَرَادَ التَّزْوِيجَ لكفاية النفقة، أَوْ لمَصْلَحَةٍ أُخْرَى فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أَنَّهُ يَجُوز كَمَا أنَّ الأَبَ يزوج بمجرد المصلحة.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّ تزويجها يقع إجباراً وغير الأَبِ وَالْجَدِّ لا يملك الإِجبار أيضاً؛ لأن الإجبار إنما يُصَارُ إليه للحاجة النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ حَتَّى قَالَ اْلإمَامُ: وكنت أَوَدُّ لو استنبط مستنبطِ من الخلاف في أن الثيب الصغيرة المجنونة هل يزوجها أبوها؟ أنه هل يكتفي بمجرد المصلحة كما في البالغة أم تعتبر الحاجة؟.
لكن اتفق الأصحاب على الاكتفاء بالمصلحة.
وقوله في الكتاب: "وَالْيَتِيمَةُ الْبَالِغَةُ الْمَجْنُونَةُ" لا يخفى أَنَّ الْمُرَادَ من اليتيمة التي لا أَبَ لَهَا ولا جَدَّ، لكن الجمع بين الوصف باليتم والبلوغ غير مستحسن مع ما اشتهر "أَنَّهُ لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلْمٍ" 298.
وقوله: "يزوجها السلطان" -معلم بالواو.
فَرْعٌ: البالغ المنقطع جنونه لا يجوز التزويج منه إلى أن يفيق فيأذن ويشترط وُقُوعَ الْعَقْدِ في وقت الإِفاقةِ، حَتَّى لو عاد الجنون قبل العقد لُغِيَ الإذن كما تُبْطلُ الوَكَالَةُ بالجنون، وكذلكَ الثَّيِّبُ المنقطع جنونها، وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِمَرَضٍ أَصَابَهُ ينتظر إفاقته، فإن لم نتوقع الإِفاقة، فهو كالمجنون.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا السَّفِيهُ) فَلاَ يُجْبَر لأَنَّهُ بَالِغٌ وَلاَ يَسْتَقِلُّ لأَنَّهُ سَفِيهٌ لَكِنْ يَتَزَوَّجُ بِإذْنِ الوَلِيَّ بَعْدَ تَعَيْينِ الوَلَّي المَرْأَةَ، ثُمَّ يَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ المِثِل، وَلَوْ قَدَّرَ الوَلِيُّ المَهْرَ وَزَادَ السَّفِيهُ سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ وَصَحَّ العَقْدُ (و)، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنِ المَرْأَةَ صَحَّ الإِذْنُ فِي وَجْهٍ، ثُمَّ عَلَيْهِ أن يَنْكِحَ بِمَهْرِ المِثْل بِشَرْطِ (و) أَنْ لاَ يَنْكِحَ عَلَى خِلاَفِ المَصْلَحَةِ شَرِيفَةً يَسْتَغْرِقُ مَهْرُ مِثْلِهَا مَالَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: السَّفِيْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لايستقل بالتزويج 299 لأن
الجزء: 8 - الصفحة: 14
النَّكَاحَ يشتمل على مُؤَنٍ مَالِيَّةِ، ولو استقل به لم يؤمن أن يفني ماله في الْمَهْرِ والنفقة، فلا بُدَّ له من مُرَاجَعَةِ الْوَلِيِّ وحينئذٍ فَإِمَّا أَنْ يَتَزَوَّجَ بإذن الْوَلِيِّ، أو يقبل له الولي النِّكَاحَ.
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: تزويجه بإذن الولي وهو جَائِزٌ؛ لانَّهُ مُكَلَّفٌ صَحِيْحٌ العبارة، وإنما حَجَرَ عَلَيْهِ حِفظاً لِمَالِهِ.
وفي شرح "مُخْتَصَرِ الْجَويْنِيِّ" عن أبي الطَّيِّبِ بنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ: أنه لا يأذن له الوَليُّ في النِّكَاحِ؛ لأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فأشبه الصَّبِيَّ.
والمذهب الأَوَّلُ: وحينئذٍ فَإِمَّا أَنْ يُعَين له امرأة ذاتا بأن يقول: تزوج بفلانة أو نوعًا بأن يقول: تزوج من بني فُلاَنٍ، أو إحدى بَنَاتِ زَيْدٍ أو يقدر مهراً، أو يجمع بين تعيين الْمَرْأةِ، وتقدير الْمَهْرِ، وإما أن يطلق الإِذن.
القسم الأول: الإذن المقيد، فإن عين امرأة لبم يجز له نكاح غيرها، ولينكحها بِمَهْرِ الْمِثْلِ أو بِمَا دُونَهُ، فإن زَادَ، فَعَن ابْنِ الْقَطَّانِ: أنَّ بَعْضَ الأَصْحَاب خَرَّجَ قَوْلاً: أنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، والمذهب الصحة، والخلل في الصداق لا يوجب الخَلل في النِّكَاحِ، وَعَلَى هَذَا فتسقط الزِّيَادَةُ الّتِي لا يملك التصرف فيها، وَيجِبُ مَهْرُ الْمِثْلُ.
وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: القياس بُطْلاَنُ الْمُسَمَّى، والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ وَالْفَرْقُ أنَّ على التَّقْدِير الأوَّلِ تستحق الزَّوْجَةُ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ من المعين، وعلى الثَّانِي يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ في الذِّمَةِ.
وَلَوْ قَالَ: انكح امرأة من بني فُلاَنٍ نكح وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بمَهْرِ الْمِثْلِ هكذا ولو قدر المهر فقال: انكح بألف، ولم يعين امرأة، فنكح امرأة بألف، فإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا ألفاً، أو أكثر فَالنِّكَاحُ صَحِيْحٌ، بالمسمى.
= الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها إلا ربع دينار وإن رآه غبطة وسداداً تعين عليه إمضاؤه.
والشافعية على أنه باطل، ويفرق بينه وبين زوجته أو لو دخل بها علمت الزوجة أو لم تعلم؛ لأنها إن لم تعلم فقد فرطت في الكشف عن حاله وإن علمت فقد رضيت.
وللحنابلة في نكاح السفيه روايتان: إحداهما توافق الحنفية، والأخرى وهي الصحيحة عندهم توافق الشافعية "ووجهة الحنفية" أنه تصرف غير مالي، وهو إنما منع من المال فيصح منه، وكونه يلزم منه مال لا يقتضي عدم الصحة، لأنه ليس مقصوداً أصلاً من النكاح وإنما هو تبعي.
"ووجهة الآخرين" أنه تصرف يؤول إلى مال فلا يصح منه بدون إذن الولي كالبيع والشراء.
وما ذهب إليه الشافعية ومن معهم أنظر؛ لأن النكاح في الواقع يؤول إلى التصرف في المال الذي منع السفيه منه، ولو أطلق له الحبل على الغارب لأصنع كل ماله في الزواج وما يتبعه من الولائم إلى غير ذلك فمنعه من النكاح ناهض دليلاً ونظراً.
الجزء: 8 - الصفحة: 15
وإن كان أقل من ألف صح النِّكَاحُ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ؛ لأَنَّهَا [تبرع] 300 وَلاَ مَجَالَ لِلتبَرُّعِ في مَالِ السَّفِيْهِ.
وَإِنْ نَكَحَ امْرَأَةً بألفين، فَإنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَلفٍ لَمْ يَصِحِّ النِّكَاحُ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ لم يأذن في الزيادة على الألف، وفي الرَّدِّ إلى الألف إضْرَارٌ بالمرأة؛ ولأنه دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفاً، أو أقل صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وعن تخريج ابنِ الْقَطَّانِ وابن خيران: أنَّهُ إذا زاد على ما أذن الولي بطل بِكُلَّ حَالٍ كَمَا لَوْ قَالَت لِلْوَكِيلِ: خَالِعْنِي بِعَشْرَة فَخَالَعَ بَعِشْرِينَ، فإنه يبطل الْخُلْعُ.
ولو جمع بين تعيين المرأة وتقدير المهر وقال: انكح فلانة بألف، فإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا دون الألف، فالإذن بَاطِلٌ، وإن كان مهر مثلها ألفاً، فإن نكحها بألف، أو أقل صَحَّ النِّكَاحُ بالْمُسَمَّى، وإن زاد سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ، وإنْ كان مهر مثلها أكثر من ألفٍ، فإن نَكَحَ بِألْفٍ صَحَّ النِّكَاحُ بِالمُسَمَّى، وإن زَادَ لَمْ يَصِحِّ النِّكَاحُ، قاله في "التَّهْذِيبِ".
القسم الثاني: الإِذن المطلق، وفيه وجهان:
أحدهما: ويُروى عن أبوي علي بن خيران والطَّبَرِيِّ وَعَنْ أبي الْقَاسِمِ الدَّارِكِيِّ: أنه يلغو، وَلاَ بُدَّ من تعيين امرأة أَو مِنْ نساء قبيلة، أو من يقدر المهر، واحتج له بأن لو اعتبرنا الإذْنَ الْمُطْلَقَ لَمْ يَأْمَنُ أن يَنْكِحَ شَرْيفَةً يَسْتَغْرِقُ مَهْرُ مِثْلِهَا مَالَهُ، وَذَلِكَ يعكر عَلَى مَقْصُودِ الْحَجّرِ بالإِبطال.
وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ ابنُ الْقَطَّانِ: أنه يكفي، وَلاَ حَاجَةَ إلَى التَّقْييدِ كَمَا لَوْ أَذَنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في النِّكَاح يَكْفِي الإِطْلاَقُ وفي بَعْضِ "التَّعَالِيقِ" حِكَايَة طَرِيْقَةٍ قَاطِعَةٍ بالوجه الأول، وإذا قُلْنَا بالثَّاَنِي فلو تزوج امْرَأَةً بِأكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ النِّكَاحُ، وسقطت الزِّيَادَةُ، وإذا تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَو أَقْلَّ صَحَّ النِّكَاحُ بِالمُسَمَّى.
نَعَمْ لَوْ نكَحَ شَرِيفَةً يستغرق مَهْرَ مِثْلِهَا ماله.
ففيه وجهان حكاهما القاضي ابنُ كَجٍّ اختيار الإِمام منهما، وهو الْمْذْكُورُ في "الْكِتَابِ": المنع وأنه لا يَصِحُّ نِكَاحُهُ إلاَّ إذا وَافَقَ الْمَصْلَحَةَ.
وَذَكَرَ ابنُ كَجٍّ أيضاً تفريعًا على اعتبار الإذْنِ المطلق وجهين فيما لو عين [الولي] 301 امرأة، فَعَدَلَ السَّفِيْهُ إلى غيرها، ونكحهَا بمثل مهر المعينة؛ لأنه لا غرض للولي في أعيان الأزواج.
الجزء: 8 - الصفحة: 16
فرعان
:
الأول: لو قال: انْكَحْ مَنْ شِئْتَ [بما شئت] 302 ذكر بعضهم أنه يبطل الإِذن؛ لأنه رَفَعَ الْحَجْرَ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثاني: قال ابنُ كَجٍّ: الإِذن للسَّفِيهِ في النِّكَاحِ لا يفيده جَوَازُ التَّوكِيلِ؛ لأنه لم يَرْفَعِ الْحِجرَ إلاَّ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ.
الطريق الثاني: قَبُولُ الْوَلِيِّ النِّكَاحَ له هَلْ يشترط فيه إذن السفيه؟ قال قائلون: لا؛ لأنه فَوَّضَ إليه رعاية مصالحه فإذا عَرَفَ حاجته زوجه كما يكسوه ويطعمه وعلى هذا ينطبق كَلاَمُ الشَّيخِ أبي حَامِدٍ، وَأَصْحَابِنَا العراقيين.
وقال آخرون: نعم؛ لأنه حر مُطَلَّقٌ، فلا بدّ من استئذانه، وهو الأصح واعلم أنَّ الشَّافِعِىَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذَكَرَ في "الْمُخْتَصَرِ" أنَّ السَّفِيْهَ يزوجه وليه، وَرُبَّمَا استأنس الأولون بظاهره والآخرون يحملونه على أصل التزويج، ثُمَّ تراعى شرائطه وقد نقل عن رواية الربيع أنه لا يزوجه وليه، واتفعَوا على أنَّهُ لَيْسَ اخْتِلاَفُ قَوْلٍ، ولكن حَمَلَ بَعْضُهُمْ مَا فِي رِوَايَةِ الرَّبِيع على القيّم الذي لم يأذن له الحاكم في التزويج، وبعضهم على ما إذا لم يحتج السَّفِيْهُ إلى النِّكاح، وإذا قبل الولي النِّكَاحَ له، فليقبل بمهر المثل، أو دونه، فإن زاد كما لو قبل الأب لابنه بأكثر من مَهْرِ الْمِثْلِ.
ففي قول: يَبْطُلُ النِّكَاحُ وفي آخَرَ يَصِحُّ [بمهر المثل] 303 وهو الأصَحُّ.
وإذا عَرَفْتَ جميع ذلك [عَلِمْتَ] 304 قَوْلَهُ في الكتاب: "فلا يجبر" بالواو.
وكذا قوله: "ولكن يتزوج بإذن الولي".
وقوله: "وصح الْعَقْدُ".
وقوله "بِشَرْطِ إلاَّ يُنْكِحَ عَلَى خِلاَفِ الْمَصْلَحَةِ" إِلَى آخِرَهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ نَكَحَ بِغَيْر إِذْنٍ فَسَدَ، وَلَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِوَطْئِهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئاً وَأُتْلِفَ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَبُّداً، وَقِيلَ يَجِبُ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، فَإِذَا الْتَمَسَ النِّكَاحَ فَأَبَى الوَلِيُّ أَذِنَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَحَّ اسْتِقْلاَلُهُ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُ أَنْ يُطَلِق بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَجْرِ طَلاَقٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ مَسَائِلَ نَشْرَحُهَا، ونضم إليها ما لا غنى عن معرفته.
الجزء: 8 - الصفحة: 17
إحداها: الأولى: إذا نَكَحَ السَّفِيْهُ بغير إذنِ الولي بَطَلَ النِّكَاحُ، ويفرق بينهما 305، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بها فَلاَ حَدَّ لِلشُّبْهَةِ، وفي الْمَهْرِ أَوْجُهٌ:
أصحها: أنه لا يجب كما لو بِيْعَ منه شيءٌ فأتلفه، وهذا؛ لأن مُعَاقَدَتَهُ والتسليم إليه تسليط له على التصرف في الإتلاف، وفي هذا إِشْكَالٌ من جهة أن الْمَهْرَ حَقُّ الزوجة، وقد تزوج وَلاَ شُعُورَ لَهَ بحالَ الزَّوْجِ، فكيف يبطل حَقُّها.
والثاني: يَجِبُ مهر المثل؛ لأن تَعُرِيَةَ الوطء عن الحد والمهر جميعاً، لا سبيل إليه.
والثالث: يجب أقل ما يتمول رعاية لحق السَّفِيهِ، ووفاءً لحق التعبد إِذْ بِهِ يتميز عن السَّفَاحِ.
الثانية: ذكر الأكثرون أنَّهُ يُشْتَرَطُ في نكاح السَّفِيهِ حاجته إليه، وإلاَّ ففيه إتلافُ مَالِهِ، فيما لا يحتاج إليه، وبنوا على هذا أنه لا يُزَوَّجُ منه إلاَّ واحدة، كما مَرَّ في المجنون.
قالوا: والحاجة إلى النِّكَاحِ بأن تغلب شهوته، ويلحق به ما إذا احتاج إلى من تخدمه ولم تقم بخدمته محرم، وكانت مَؤُنَةُ الزَّوْجَةِ أَخَفَّ من ثمن جارية، ومؤنها ولم يكتفوا في الحاجة يقول السفيه لأنه قد يقصد إتلاف المال، بل اعتبر ظهور الأمارات الدالة على غلبة الشَّهْوَةِ.
وروى الإِمَامُ وَجْهاً: أنه يجوز التزويج منه بِالْمَصْلَحَةِ كالصَّبِيِّ؛ لأن العاقل لا يبعد أن تحنكهَ التجارب بخلاف المجنون، فَإِنَّ إِفَاقَتَهُ بعِيْدَةٌ، ولم يعتبر ظهور أمارات الشهوة، واكتفى فيها يقول السفيه وتابعه صاحب "الكِتَابِ" فيما ذكره، ولك كَلِمَاتٌ:
إحداها: لو اعتبرت الحاجة في نِكَاحِهِ لما اعتبر إذنه كالمجنون كما لو عرف جوعه فإنه يطعم، وإن لم يطلب الطعام لخبله.
الثانية: إذا اعتبرنا إذنه ومراجعته، وجب أن يكتفي بقوله: ولا يعتبر ظُهُورُ الأمارات؛ لأنه صحيح العبارة في الجملة فصار كالمرأة إذا التمست التزويج.
الثالثة: في التزويج لغرض الخدمة إشكال سبق، ثم قضيته أن تجوز الزِّيَادَةُ على وَاحِدَةٍ إذا لَمْ تَكْفِ واحدة للخدمة.
إذا تقرر ذلك فإذا التمس السفيه النِّكَاحَ مع ظُهُورِ أَمَارَةِ الْحَاجَةِ إن اعتبرناه، أو
الجزء: 8 - الصفحة: 18
دونه إن لم نعتبره، فعلى الولي الإِجَابَةُ فإن امتنع فتزوج السفيه بنفسه أطلق الأصحاب فيه وجهين:
أصحهما: عن الشَّيْخ الْمُتَوَلِّي: أنه لا يصح النِّكاحُ، كما لو تزوج العبد بنفسه إذا لم يأذن له السَّيِّدُ.
والثاني: يَصِحُّ؛ لأنه حَقٌّ ثبت على الولي، فإذا لم يوفه استقل صَاحِبُ الْحَقِّ باستيفائه، كالدَّيْنِ على المديون، واستدرك الإِمام وتابعه صاحب "الْكِتَاب" فقالا: "إذا امتنع الولي، فيجب على السَّفِيْهِ مراجعة السلَطان، كالمرأة إذا عضِل وليها فإن خفت الحاجة وتعذرت مراجعة السلطان، فحينئذٍ في استقلال السَّفِيْهِ الوجهان".
المسألة الثالثة: للمحجور عليه أن يطلق، وهي مذكورة مرة في "الْحَجْرِ" فإن كان مطلاقاً سُرِيَ بِجارِيَةٍ.
[المسألة] الرَّابعَةُ: الكلام في الَّذِي يَلِي أمر السَّفِيْهِ [و] قد سَبَق في "بَاب الْحَجْرِ" وذكر أبو الفرج الزاز أنَّهُ إن بلغ رشيداً، ثم طَرَأَ السَّفَهُ، فَأَمْرُ نِكَاحِهِ يتعلق بالسُّلْطَانِ، وإن بلغ سَفِيْهاً، فيفوض إلى السلطان، أو إلى الأب والجد، فيه وجهان.
وأطلق القاضي ابنُ كَجٍّ أنه يُزَوِّجَهُ الحاكم، وأنه إِنْ جَعَلَهُ في حِجْرِ إنْسَانٍ زوجه الَّذِي هُوَ في حِجْرِهِ.
وقال الإِمَامُ: إنْ فوض إلى القيم التزويج زُوَّجَ، وإلاَّ فَلاَ.
فَرْعَان:
الأول: قال في "التَّهْذِيبِ": إقرار السَّفِيْهِ عَلَى نَفْسِهِ بالنَّكَاحِ لا يصح؛ لأَنَّهُ لَيْسَ ممن يباشر بنفسه، وهذا قد يشكل بإقرار الْمَرْأَةِ وما فيه من التفصيل.
والخلاف الثاني: المحجور عليه [بالْفَلَس لَهُ] 306 أن ينكح لكن ما في يده كالمرهون بحقوق الْغُرَمَاءِ، فلا يصرف لمؤن النِّكَاحِ وَإِنَّمَا هي فيما تكتسب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الرَّقُّ فلِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ الأَمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ (م ح) إِجْبَارُ العَبْدِ فِي قَوْلٍ وَإِنْ كَانَ صَغِيراً فَإذَا طَلَبَ الرَّقِيقُ النِّكَاحَ لَمْ يَجِبِ الإِجَابَةُ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَالصَّحِيحُ هَذَا: التَّصَرُّفِ الْمِلْكُ حَتَّى يُزَوِّجَ الفَاسِقُ أَمَتَهُ، وَيُزَوِّجَ المُسْلِمُ أَمَّتَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخامس الرِّقُّ، فنكاح الْعَبْدِ بغير إذن السَّيِّدِ بَاطِلٌ.
الجزء: 8 - الصفحة: 19
وقال مَالِكٌ: يَصِحُّ وَللسَّيِّدِ فَسْخُهُ.
وأبو حنيفة يقفه على إجازة السَّيِّدِ.
لنا: مَا رُوِيَ أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أيُّمَا مَمْلُوكٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ" 307.
وُيرْوَى: "هُوَ عَاهِرٌ" 308 ولو نكح بإذن السيد، صَحَّ؛ لأنَّ عبارته صَحِيحَةٌ.
وإنما المنع، لتحصيل رضا السَّيِّدِ، حَتَّى لو أذنت المرأة لِعَبْدِهَا في النِّكَاحِ، فَنَكَحَ، صَحَّ، وإن لم يكن لَهَا عِبَارَةٌ في النِّكَاح، ويجوز أَنْ يَكون إذن السَّيِّدِ مُقَيَّداً بأمْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا، أو بِوَاحِدَةٍ من الْقَبِيلَةِ أو البلدة، ويجَوز أن يكون مُطْلقاً، وإذا قيَّد، فعدل العبد عن النِّكَاحِ المأذُونِ فيه، لَم يصحَّ.
وَحَكَى الْحَنَّاطيُّ وجْهاً: أنه لو كان قد نَصَّ على المهر فنكح غير المعينة بذلك المهر، أو أَقَلَ؛ صَحَّ النِّكَاحُ، وإذا أطلق الإِذن، فله نكاح حُرَّةٍ أو أمَةٍ في تلْكَ البلدة أو غيرها، لكن للسيد مَنْعُهُ عن الخروج إلى الْبَلْدَةِ الأُخْرَى، ولو قَدَّرَ مَهْراً، فزاد، فالزِّيَادَةُ تكون في ذِمَّتِهِ يُتبَعُ بها، إذا أعتق، ولو نكح بما قدَّرَ امرأةً بمهر مِثْلِهَا أو دونه.
فقد ذَكَرَ الحَنَّاطيُّ فيه ثَلاَثَ احْتِمَالاَتٍ:
أظهرها: صِحَّةُ النِّكَاحِ ووجوب الْمُسَمَّى في الحال.
والثَّانِي: أن الزيادة على مهْر المثل يتبع بها إذا أعتق.
والثالث: بُطْلاَنُ النِّكَاحِ، ولو رجع عن الإِذن، ولم يعلم به العبد حَتَّى نكح، فهو على الخلاف في الوكالة، ذكره ابنُ كَجٍّ، ولو طَلَّقَ الْعَبْد بَعْدَ مَا نَكَحَ بإذن السَّيِّدِ، لم ينكح أُخرى إلاَّ بإذنٍ جَدِيدٍ، ولو نكح نكاحاً فاسداً، فهل له أن ينكح أخْرَي؟.
فيه خلافٌ مبنيّ على أن الإِذن، هل يتناول الْفَاسِدَ، أم يختص بالصحيح، وهذا أصْلٌ سيأتي، إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
الجزء: 8 - الصفحة: 20
إذا تقرَّر ذلك ففي الفصل مسائل:
المسألة الأولى: هل للسَّيِّد إجبارُ الْعَبْدِ الْبَالِغِ على النِّكَاحِ؟.
فيه قولان:
أحدهما: وهو القديم: نعم، وهو قَالَ أبو حنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِمَا- لأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فأشبه الأُمَةَ.
والجديد: المنع، وبه قال أَحْمَدُ؛ لأنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما يملك رفْعَه، وأيضاً، فإنَّ النكاح عقد يلزم ذمة العبدْ مالاً، فلا يجبر عليه كالكتابة، ويخالف الأمة؛ فإنه يملك منفعة بُضْعَها، فيورد العقْد علَى ما يملكه فهاهنا بخلافه، وإن كان العبد صَغِيراً فَطَريقَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
والثَّانِي: القطع بجواز الإِجبار، وهو اختيار الْقَاضِي ابنِ كَجٍّ.
وإن شئت، قلت: إِن أجبر العبد البالغ، فالصغير أولى، وإلاَّ فقولان أَو وجهان:
والفرق: أن الإِجْبَارِ بحال الصّغَبر أَلْيَقُ كما في حَقِّ البنين، ومن طرد الخلاف في الصغير، فقد يثبته على المعنيين المذكورين في أَن البالغ لا يجبر، إِنْ علَّلنا أنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فالصَّغِيرُ لا يملكه، فيجبر، وإن علَّلنا بأَنه يُلْزمُ ذمته مالاً، فلا فَرْق، وقد يقول الْمُخْتَصَرُ في إجبار الْعَبْدِ ثَلاثَةُ أَقوالِ، ثالثها الفرق بين الصغير والكبير، والعبد والمجنون كالصغير، وإذا فرَّعنا على جواز الإِجبار للسيد، فللسيد أن يقبل النِّكَاحَ للعبد الْبَالِغِ، وله أنْ يكرهه على القبول، ويصح؛ لأنَّهُ غير مبطل في الإِكراه، قاله في "التَّهْذِيبِ".
وفي "التتمة" إن قبوله بالقهر لا يصحُّ، ويقبل إقرار السيد على العبد كإِقْرار الأب في حق ابنته، ويجوز أن يزوِّج أمته من عبده الصغير، أو البالغ، وحينئذ، فلا مهر، وفي استحباب ذكْرِهِ قولان، الجديد أنَّه لا يستحب ويقال وجهان ولو طلب العبد النكاح من السيد [هل يجب الإِجابة؟.
فيه قولان، ويقال وجهان] 309:
أَحدهما: نعم، وبه قال أَحْمَدُ، كما يجب إجابة السَّفِيهِ إذا طلب، ولأنَّ في المنع توريطاً له في الحرام.
الجزء: 8 - الصفحة: 21
وَأَصَحُّهُمَا: المنع، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَحِمَهما اللهُ تَعَالَى- لأنه يُشَوِّشُ عليه مقاصد المِلْك وفوائده، وإذا قلْنا بالأول، فلو امتنع السيد، زوَّجَه السلطان كما لو عضل عن نكاح موْلاته، ولو نكلح بنَفْسه، قال الإمام هو 310 كما لو طلب السَّفِيهُ، وامتنع الوليُّ، فَنَكَحَ بِنفْسِهِ.
واعلم: أنّ أبا الفرج السَّرْخَسِيَّ بني الْخِلاَفَ في جواز إِجبار العبد على النِّكاحِ على الْخِلاَفِ في وجوب الإِجَابَةِ على السَّيِّدِ، إذا طلب العبد، إن أوجبنا الإِجابة، جعلنا النِّكَاحَ حَقَّ الْعَبْدِ، فلا يجبر عليه، وإلاَّ، أُجْبِرَ كالأَمَةِ، ومنهم منْ عكسَ الأمر، فبني الخلاف في وجوب الإِجابة على السَّيِّدِ على الخلاف في جواز إجبار العبد، إن أجبر حيث لم يجب إجابته [وإلا، وجبت] 311 وأشار بَعْضَهُمُ إلى تَخْصِيصِ الخِلاَفِ في وجوب الإِجابة بقولنا: إنَّ السَّيِّدَ لا يُجْبرُ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاح، أما إذا أجبره، فيبْعُدُ أن يقال: إنَّ العبد أيضاً يجبر السيد، والأصحّ ترك البناء منْ الَطرفَيْنِ وإجراء الخلاف في وجوب الإِجابة سواءٌ قلْنا بوجوب الإِجبار، أو لم نقل، ولا يبعد الإِجبار منْ الطرفينٍ، كما يجبر الأب ابْنَتَهُ الْبِكْرُ، وهي أيضاً تطلب، ويجب عليه الإِجابة والمُدَبَّرَةُ والمعلَّق عتقُهُ، بصفةٍ كالقن، ومَنْ بَعْضُه حرٌّ، وبعضه رقيقٌ لا يُجْبَرُ علىَ النكاح، لبعضه الحر، ولا يستقلُّ به لبعْضِهِ الرَّقيق، وهل يجاب إذَا طلَبَ؟ فيه الْخِلاَفُ المذكور في القن والمُكَاتِبُ لا يستقل بالنكاح، ولا يجبره السيد؛ لخروجه عن تصرفه، ولو نكح بِإِذْنِ السَّيِّدِ فطريقان:
أحدهما: أنَّه على الخلاف في تبرُّعاته بإذن السَّيِّدِ.
وأصحُّهما: القطْعُ بالصحة؛ لأن مُؤَنَ النكاح، وإن تعلَّقت بكسبه، فلها عوض ينتفع به، فصار كالطَّعَام يشتريه، ويأكله وعلَى هذا، فلو طلب من السيد النكاح، فوجوب الإِجابة على الخلاف في القنِّ وأولَى بأن يجب، لأنه لا يتضرَّر بنكاحه؛ لانقطاع حقِّه عن اكتسابه في الحال، والعبد المشترك هل لسيِّدَيهِ واجبارُهُ، وهل عَلَى سيدَيْهِ إِجابَتُه؟ فيه الخلاف المذكور في الطرفين.
ولو دعاه أحدُهُما إلى النكاح وامتنع الآخر والعبد، فلا إجبار، ولو طلب أحدُهُما مع العبد وامتنع الآخر؟ فعن الشيخ أبي حَامِدٍ، أنَّ جنبته قَوِيَتْ بموافقة أحد الشريكين السّيِّدَيْنِ، فيكون كالمكاتَبِ.
وقال ابنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا يَبْطُلُ بمَنْ نصفُهُ حرٌّ، إذا طَلَبَ النِّكَاحَ، فَإِنْ الحُرِّيَّةَ فيه آكَدُ مِنْ مُوَافَقَةِ الآخر.
الجزء: 8 - الصفحة: 22
المسألة الثانية: للسيِّدِ إجبار الأمة على النِّكَاح صَغِيرَةً كانت أو كَبِيرَةً، بِكْراً كانت أو ثَيِّبٍّ، عَاقِلَةً [كانت] أو مَجنُونَةً؛ لأن النَّكَاحَ يَرِدُ عَلى منافع البُضْعِ، وهي مملوكة له، وبهذا يفارق العبد، وأيضاً، فإنه ينتفع بنكاح الأَمَةِ باكتسْابِ الْمَهْرِ والنفقة، وإن الْتمسَتِ الأمة النِّكَاحَ، لم يجب على السيِّد الإِجابةُ، إن كانت ممَّن تحْلُّ له، لما في نكاحها من نقصان قيمتها، وَتَفْوِيْتِ الاستمتاع عليَه، وإنْ كانَتْ ممَّنْ لا تحل له، بأن كانَتْ أختَهُ من الرَّضَاعِ، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: الوجوب؛ لأنها لا تتوقع منه قضاءَ الشَّهْوَة، ولا بدّ من إعفافها، والأصحُّ المنع؛ لما فيه منْ نقصان القيمة، ولو ملك اختين، ووطئَ إحداها فطلبت الأخرَى تزويجَهَا، لم تَجِبِ الإِجابَة، وإن كانت مُحَرَّمَةٌ عليه؛ لأن تحريمها عارِضٌ، والمُدَبَّرَة والمعلَّق عتْقُهَا بصفة كالقِنَّةِ، وفي تزويج أم الولد خِلاَفٌ مَذكُورٌ في "كتاب أَمِّهَات الأَوْلاَدِ" والظاهر أنها تجبر أيضاً، ومَنْ نصفُها حرٌّ لا تجبر، وإذا طلبت النكاح، فالظاهر أنها لا تجاب، والمكاتَبَةُ لا يجْبُرُهَا السيد، ولا تنكح دون إذنه، وإذا طلبتْ، ففي وجوب الإِجابة وجهان:
وجه الوجوب تمكينُها منْ اكتساب المَهْرِ والنفقة.
والوجه الآخر: أنها ربما عَجَزَتُ نَفْسُهَا، فتعود إليه ناقصة القيمة، وفيها وجهٌ أَنَّها لا تزوَّج أصلاً؛ لأن ملْك المولَى محتملٌ، وهي غير مالكة لأمرها.
فَرْعٌ: لا يزوِّج السيد أمة مُكَاتِبَهِ ولاَ عَبْدِه، ولا يزوجها المكاتَبُ والعبْدُ بغير إِذْنِ السَّيِّدِ فإنْ توافقا، فقولان كما في تبرعاته.
فَرْعٌ آخرٌ: إذا كان لعبده الماذُونِ له في التجارة أمةٌ، فإما إلاَّ يكون عليه دَيْن، يكون، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ، فهل له تزويجُها بغير إذن العَبْد؟.
فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم.
والثاني: لا إلاَّ أن يعيدَ السَّيِّد الحَجْرَ عليه.
قال الشَّيخُ أبُو مُحَمَّدٍ: وهذا الخلاَفُ مَبْنِيٌّ على أنَّ السيد لو أعتق عبده المستأجر في أثناء مدة الإِجارة، هل يرجع على السيد بأجرة بقية المدة؟ إن قلْنا: لا يرحع؛ لأن العقْدُ كان في زمان الملك فههنا له التزويجُ بغير إذن العبْدِ، إن قلْنا: يرجع؛ لأنَّ منافعه في باقي المدَّة تتلف عليه في حريته، فليس له التزويجُ هنا بغير إذن العبد؛ لأن النِّكَاحَ ينقص قيمتها، فربما لا يفي ما في يده بذمته، إن حَدَثَ دَيْنٌ، فيطالب ببقيَّة العين، إذا عتق، وإن كان عليه دين، فإن زوَّجها بِإِذْنِ العبد والغرماء، صح، لأنّ الْحَقَّ لا
الجزء: 8 - الصفحة: 23
يعدوهم، وَإِنْ زَوَّجَهَا بإذن العبد دون الغرماء، أو بإذن الغُرَمَاءِ دون الْعَبْدِ، لم يصحَّ؛ على أصح الوَجْهَيْنِ؛ لأنهم يتضرَّرون به، أما العبد، فَلأنَّ التزويجَ ينْقُصُ قيمتها، فالباقي من الدَّيْن يتعلَّق بذمته، وأما الغرماء؛ فلأنهم مَا رَضُوا بتأخُّر حقوقهم وتعلُّقها بذمته إلَى أن يُعْتِقَ، وبيعُ السيد وهبته، ووطْؤُهُ هذه الجارِيةَ كالتزْوِيجِ في حالة قيام الدَّيْن وعَدَمَهِ، وإذا وطئَ بِغَيْرِ إذن الغرماء، فَهَلْ عَلَيْهِ الْمَهْرِ؟ فيه وجهان:
في وجه: لا يجب، كما لو وطئ الراهنُ المرهونة.
وفي الثاني: يَجِبُ؛ لأن منفعة المَرْهُون للرَّاهن، ومنفعة رقيق المأذون الذي عليه دَيْنٌ لا تكون للمالِكِ.
ولَوْ أَحْبَلَهَا، فالولد حُرٌّ، والجارية أم ولد، إن كان مُوسِراً، وإن كان مُعْسِراً، لم تَصِرْ أمَّ ولد، وتباع في الدَّيْن، فإن ملكها بَعْدَ ذلك، فالحكم كما مَرّ في المرهونة، وكذا الحكم في استيلاد الجارِيةِ الْجانِيَةِ، وفي استيلاد الوارث جاريةَ التَّرِكَة إذا كان على الموروث دَيْن، وإِذا لم نحكم بثبوت الاستيلاد في الحال وجب قيمة الولد في جارية العَبْدِ المأذون، وفي جارية التركة، ولا يجب في الجارية، المرهونة وَالْجَانِيَةِ؛ لأَنَّ حَقِّ المجنيِّ عليه والْمُرْتَهَنِ لا يتعلَّق بالولد.
ولو أعتق عبده المأذون، وعلى المأذون دَينٌ، أو أَعْتَقَ الوارثُ عَبْداً منْ التركة، وعلى المَوْرُوث دَيْن.
قال صاحب "التَّهْذِيب" قيل في نفوذ العِتْقِ قولان، كما في إعتاق الْمَرْهُونِ، والمذهب أنه، إن كان معسراً لم يَنْفُذِ العتق، وإن كان مُوسِراً، نَفَذَ، كالاستيلاد، وعليه أَقَلُّ الأمرين من الدَّيْنِ وقيمة العبد، كما في إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وتزويج الَّتِي تعلَّق المال برقبتها دون إذن المجنيِّ عليه، لا يجوز إن كان السيدُ مُعْسِراً، وَإِنْ كَانَ مُوسِراً فأحد الوجهين: أنه يجوز، ويجعل اختيارًا للفداء واللهُ أَعْلَمُ.
المَسْأَلَةُ الثالثة: تزوج السيد أمته بالمِلْك أو بالولاية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه بالمِلْكِ؛ لأنه يملك الاستمتاع بها، كما يَمْلِكُ تزْويجهَا والتصرُّف فيما يملك استيفاءه وَنَقْلُهُ إلى الغَيْر يكون بحُكْم الملك كاستيفاء المنافع ونقلها بالإِجَارَة.
والثاني: أنه بالولاية؛ لأن عليه النَّظَرَ ورعَايَةَ الْحَظِّ لها؛ ألا ترى أنه لا يجُوزُ تزوْيجُها من مجنون بغَيْر رضَاها.
وَيتَفَرَّعُ علَى هذا الأصلِ صُوَرٌ.
منها: إذا سَلَبْنَا الْوِلاَيَةَ بالفسْق، فالفاسقُ لا يزوج أمَتَهُ، إذا جعلنا هذا التزويجَ
الجزء: 8 - الصفحة: 24
بالولاية، فإن قلنا: إنه بالمِلْك، فيزوِّجها كما يبيعها.
ومنها: إذا كان للمسلم أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَب أنَّ له تزويجها بالملك، كما أنَّ له بَيْعَها وإجارَتَهاَ، هَذَا، مَا نَصَّ عَلَيْه في "الْمُخْتَصَرِ" فقال: ولا يكون المُسْلِم ولياً لكافرةٍ، إلا على أمتِهِ.
وفيه وجه: أنَّه لا يجوز له تزويجُهَا، كما لا يجوز له تزويجُ ابنته الكافرة، والقائل به أَوَّلَ النَّصِّ من وجهين:
أحدهما: أنَّ المعنَى "ولا على أمته، لقوله تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً﴾ يعني "ولا خطأ".
والثَّاني: أنَّ المعنَى "إلا على أمته" في البيع والإِجارة ونحوهما" لا في النِّكَاحِ وإذا قُلْنَا بالظاهر، فهي لا تصلح للحُرِّ الْمُسْلِمِ وإنما تزوجَها من الحُرِّ الكتابي، أو من العبد الْمُسْلِمِ، وهذا إذَا جوَّزنا لهما نكاحَهَا على ما سيأْتِي بيانُ الخلاف فيه، فإن لم نجوِّز لم يُتصوَّر من المسلم تزويجُها، وهذا في تزويج الأمة الكتابية، أما المجوسية والوثنية، فسنتكلم فيهما.
وَمِنْهَا: إذا كان للكافرِ أمةٌ مسلمةٌ أو أمّ ولدٍ، فَوَجْهَانِ:
أحدهما: وَبِهِ قَالَه ابنُ الْحَدَّادِ: أنَّه يزوِّجها بحقِّ الملك كما يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ.
وأظهرهما: المنْعُ، والفرق من وجهين:
أحدهما: أنَّ حقَّ المسلم في الولاية آكَدُ، ألا ترَى أنَّه يثبَتُ له الولايةُ على الكافراتِ بالجِهَة العامَّة.
والثاني: أنَّ الْمُسْلِمَ يملك الاستمتاع ببُضْعِ الْكَافِرَةِ، فيملك تزويجَهَا والعَكْسُ بخلافه.
ولو كان للمسْلِم أمَةٌ مَجُوسِيَّةٌ أو وَثَنِيَّةٌ، فهل له تزويجُهَا فيه وجهان مبنيان على الفرقَيْنِ إن قلنا بالأول، فله تزويجها أيضاً، وإن قلنا بالثاني، فلا، وهذا هو المذكور في "التَّهْذِيب" والأولُ أصَحُّ عند الشَّيخِ أبي عَلِيّ، واستشهد عليه بأن مَنْ ملك أخته من الرَّضَاعة، أو النَّسب، كان له تزويجها، وإن لم يكن له الاستمتاعُ بها.
قَالَ الإِمَامُ ورأيْتُ لبعض الأصحاب تشبيبَا بمنعه أيضاً، وما ذكرناه من الخلافِ في أن تزويج الأَمَةِ بحق الملك أو بالولاية لا يجري في تزويج العبد، إذا قلنا: إنَّ للسيد أنْ يجبره، قلو كان لكافر عَبْدٌ مُسْلِم، ورأينا الإِجبار، ففي إجباره إيَّاه الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ في أنَّه، هل يزوج أمته المسلمة؟ وإن لم نَرَ الإِجبار لم يستقل العبد، ولكن يأذن له السيد؛ ليسقط حقه، فيستقل العبد، حينئذٍ، كما أنَّ الْمَرْأةَ تأذَنُ لعبدها، فيتزوج، وإن لم تكُنْ هي من أهلِ التَّزْوِيجِ.
ومنها: قال في "التتمة" للمكاتَبِ تزويجُ أَمَتِهِ، إن قلنا: إنَّهُ تصرُّفٌ بالمِلْك، وإن
الجزء: 8 - الصفحة: 25
قلنا: بالولاية، فلا؛ لأنَّ الرقَّ يمنع الولاية.
وقوله في "الكتاب" وليس له إجْبارُ "الْعَبْدِ" معلَمٌ بالحاء والميم، وقوله "لم يجب الإجابة" بالألف؛ لما عرفت من الشرْحِ، وَيجوز أن يعلم قوله "على الأصح" بالواو؛ لأَن في بعض "التعاليق" طريقَةً قَاطِعَةً بأنه لا يَجِبُ علَى السيد الإِجابةُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَللوَلِيِّ تَزْوِيجُ رَقِيقِ الطِّفْلِ بِالمَصْلَحَةِ فِي أَحَدَ الوَجْهَيْنَ، وَأَمَةُ المَرْأَةِ يُزَوِّجُهَا وَليُّهَا بِرِضَاهَا، وَقِيلَ: السُّلْطَانُ يُزَوِّجُهَا، وَلاَ يَكْفِي سُكُوتُ البِكْرِ فِي حَقِّ أَمَتِهَا، وَالْمُعْتَقَةُ فِي المَرَضِ يُزَوَّجُهَا قَرِيبُهَا، وَقِيلَ: لاَ تُزَوِّجُ لإِمْكَانِ عَوْدِهَا رَقِيقَةً بِالمَوْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة ثَلاَثُ صُوَرٍ:
إحداها: عبد الصبي والمجنون والسَّفِيْه لا يجبره وليُّهم؛ لما فيه من انقطاع أكسابه وفوائده عنهم.
وفيه وجه: أنه يجوز؛ لأن المصلحة قد تقتضيه، والظاهر الأول، وإن طلبتْ عندهم التزويجَ، فإن لم نوجِبُ على السيد الرشيدِ الإِجابةَ، لم يجز لوليهم الإجابةُ، وإن أوجبناها، فعلَى وليهم الإجابة، فإن الوليَّ قائمٌ مقام الموليَّ عليه، وأما أمةَ الصبيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ، فهل يزوِّجَها أوليائهم؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ينقص قيمتها، وقد تَحْبَلُ، فتهلك.
وأظهرهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وأبو إسْحَاقَ: نَعَم، إذا ظَهَرَت الغِبْطَةُ اكتساباً للمهر والنفقة، وفي بعض "الشُّرُوحِ" وجه: أن أمة الصبية تزوَّج، وأمة الصبي لا تزوَّج؛ لأنه قد يحتاج إليها بعد البلوغ، فإن جوَّزْنا، قَالَ الإِمَامُ: يجوز تزويج أمة الثيب الصغيرة، وإن لم يجز تزويجُها، ولا يجوز للأبِ تزويجُ أمة ابنته البكرِ البالغةِ قَهْراً، وإن كان يزوجُها قَهْراً، ويجوز للسلطان تزويجُ أمَةِ الصغير، إذا ولي ماله، وهذا يوافق وجهاً للأصحاب في أنَّ وليَّ المال يزوّج أمة الصغير والمجنون، نسيباً كان أو وصياً أو قيماً، كسائر التصرُّفات المالية، والأظهر وَجْهٌ آخرُ، وهو: أن الذي يزوِّجها وليُّ النِّكَاح الذي يلي المالَ، وعلى هذا؛ غَيْرُ الأب والْجَدِّ لا يزوجها؛ لأنه لا يزوِّج الصغيرةَ والصغيرَ، والأبُ لا يزوِّج أمة الصغيرة، وإن كانت مجنونةً تزوَّج، وإن كان لسفيه، فلا بدّ من إذنه.
وقوله في الكتاب: " [وللوليَّ تزويج رقيق الطفل] " 312 اللفظ ينظم العبد والأمة، وهو
الجزء: 8 - الصفحة: 26
مستمرٌّ على ظاهره؛ لثبوت الخلاف فيهما، ثم الظاهرُ في العَبْدِ المنع، وفي الأَمةِ الجوازُ.
الثَّانِيَةُ: أمَةُ المرأة، يُنْظَر في حالها، إن كانت مالكتها محْجُوراً علَيْها، فقد سبق، وإلاَّ، فيزوجها وليُّ المرأة تَبَعاً لولايته على المالكة، ولا فرْقَ بين الوليِّ بالنسب وغيره، ولا بَيْن أن تكون الأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ عَاقِلَةً أو مَجْنُونَةً، كَبِيرَةً أو صَغِيرَةً.
وذكر الإِمام؛ أن صَاحِبَ "التَّلْخِيصِ" قال: لا يزوِّجها الأولياءُ بالأسباب الخاصَّة؛ لأنه ليس بينهمَا وبينهم سَبَبٌ، ولا نسب، ولكن يزوِّجها السلطان بالولاية العامة، وهذا غَيْرُ مَشْهُورٍ عنه، ولا مذكور في "التَّلْخِيصِ"، وإنما المشهور والمذكُور أن معتقة المرأة يزوِّجها السلطان، وَقَد حكَيْنا ذلك عنه من قبل، ثم لا حَاجَة في نِكَاح الأمة إِلَى إذنها، ولا بُدَّ منْ إذْن المالكة لفظًا، ولا يكفي ثبوت الْبِكْر في نكاح أمتها؛ لأنها لا تستَحِي في نكاح أمتها 313.
الثالثة: أعتق في مرضه أمَة، قَالَ: ابن الْحَدَّادِ: لا يجوز لوليِّها الْحُرِّ من الأب والأخ أو غيرهما تزويجُها، حَتَّى يَبْرَأَ أو يموت، وتخرج هي من الثلث؛ لأنها إنما تَعْتِقُ بتمامها على هذَيْن التقديرَيْنِ، فلا يجوز نكاحُهَا حَتَّى تعرف حريتها، وهذا كما لو أسْلَمَ الكافر وتخلفت زوجته، نَصَّ الشَّافِعِي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- على أنه لا يجوز له أن ينكح أختها لاحتمال أن المتخلفة تُسْلِمُ قبل انقضاء العدة، وساعده بَعْضُ الأصحاب عَلَى ما ذكره، وهو الذي أورده القاضي ابنُ كَجٍّ.
وقال الأكثرون، منْهم ابن سرَيجٍ وأبو زَيدٍ: يجوز لوليِّها تزويجُها؛ لأنا في ظاهر الحالِ نحْكُم بحريتها، فلا يمتنع العقْدُ بالاحتمال، ولهذا لَوْ مَاتَ، وخرجت من الثلث، نحكم بعتقها، ويجوز تزويجها، وإن كان يحتمل أن يظهر عليه دَيْنٌ، يمنع خروجها من الثلث، وليس هذا كَنِكَاحِ أختِ المُشْرِكة، فإن الظَّاهِرَ هناك بقاءُ النِّكَاحِ، ولهذا لو أسلَمَتْ في العدَّة، تبين دوام النِّكَاح، وهنا المريض هو المالِكُ والأصل بقاؤه، ويعود العتقُ، علَى أن أبا زيد جعل نِكَاَحَ أختِ المشركة على قولَيْن، فيسوي بين الصورتَيْن، ويقرب بين المسألتَيْن نكاح المرتابة بالحمل، وسيأتِي في كتاب "العِدّةِ" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فإن حكمنا بالصحَّة، فهو حكم بالظاهر، وحقيقة الأمر تتبين آخراً، فإن تحققنا نفوذ العتْق، تحقَّقنا مضيَّ النِّكَاح على الصحَّة، وإلاَّ، فينظر في إجازة الورثةِ ورَدَّهم، إن ردُّوا بَانَ فَسَادُ النِّكَاحِ، وانَ أجازوا، فإن جعلْنا الإِجازة
الجزء: 8 - الصفحة: 27
إنشاءَ [تَبَرُّع] (1) منهم، فكذلك الجواب؛ لأن العتْقَ كان متبعِّضاً إِلَى أن أجازوا وإن جَعَلْنَاهَا تَنْفِيذاً، فهو كما لو خرجَتْ منْ الثُّلُثِ، ثم في الْمَسْأَلَةِ كَلاَمَانِ:
أَحَدُهُمَا: صَوَّرَ الإمَامَ -رَحِمَهُ اللهُ- الْمَسْأَلَة فيما إذا لم يكُنْ للمعتِقِ مالٌ سواها، ثم قال: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَمٌّ، بَقِيَ ثُلُثُهُ بقيمتها، يجوز أن يُقَالَ؛ على قياس كلام ابنِ الْحَدَّادِ: النِّكَاحُ مَحْمُوْلٌ عَلَى الصِّحَّةِ بِنَاءً على كَثَرَةِ الْمَالِ، ويجوز خلافُهُ لضَعْفِ ملك المريض، وكون الْمَالِ عرضةً للأقَارِبِ، وهذا ما يقتضيه كَلاَمُ ابنِ الْحَدَّاد في المولَّدات، وَعَامَّةُ النَّاقِلِينَ، فَإنهم أرسلوا التصوير، ولم يقيِّدوا بما إذا لم يكن له مَالٌ سِوَاها.
والثاني: ادَّعَى الإِمَامُ أَنَّ الشَّيْخَ أبا عَلِيٍّ ذكر في "الشَّرْحِ" أن فحوى كلام ابنِ الْحَدَّاد يدل على أَنَّ السَّيِّدَ لو أعتقها كما صوَّرنا وتزوَّجها بنَفْسِه، نفذ ذلك؛ لأنها، إنْ رقت، فهو سيِّدها، وَإلاَّ، فله ولاؤها، واعترض عليه بأنَّا إذا قدَّرنا نفذ العتق، فالمعْتِقُ لا يملك التزويج بالولاء مع وجود الأب أو الأخ، وهذا الذي ادعاه شَيْءٌ سَبَقَ إليه الْوَهْمُ والنِّسْيان، وإنما ذَكَرَ الشَّيْخُ ذلك فيما إذا لم يكُنْ لها وليٌّ نسيبٌ، فقال: ومفهوم ما قاله ابنُ الْحَدَّاد؛ أنه إذا لم يكُنْ لها وَلِيٌّ غير السيد، فزوَّجها هو، صح؛ لأنها إن لم تخرج من الثلث، فهو وليُّ ما عتق بالولاء، ومالِكُ ما لم يُعْتَقْ، هذا لفظه في "الشَّرْح" فَأَمَّا إذا زوَّجها السيِّد، ولَهَا وليٌّ نسيبٌ، وجب ألاّ يصح على الوجهين، وإن كان بإِذْنِ النَّسِيبِ، وجب أن يَصِحَّ على الوجهين والله أعلم.
وهذا وقت الفَرَاغ مِن القسم الثاني منْ كتاب النكاح -بتوفيق الله تعالى-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّالِثُ) مِنَ الكِتَابِ في المَوَانِعِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ (الأَوَّلُ): المَحْرَمِيةُ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ (أَمَّا القَرَابَةُ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا سَبعَة: الأُمَّهَات وَالبَنَاتُ وَالأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الإخْوَةِ وَالأخَوَاتُ وَالعَمَّاتُ وَالخَالاَتُ، وَلاَ يَحْرُمُ أَوْلاد الأَعْمَامِ والأَخْوَالِ، وَأُمُّكَ كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إلَيْهَا نَسَبُكَ بِالوِلاَدَةِ وَلَوْ بِوَسَائِطَ، وَبَنُوكَ مَنْ يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَسَبُهُمْ وَلَوْ بِوَسَائِطَ، وَالضَّابِطُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَإِنْ عَلاَ (ح و)، وَلاَ يَحْرُمُ الوَلَدُ (ح) مِنَ الزِّنَا إلاَّ عَلَى الأُمِّ، وفي المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ وَجْهَانِ.
"
القول في موانع النكاح
" قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصْل القولُ في "موانع النكاح" وترجمتها المعدودة في314
الجزء: 8 - الصفحة: 28
الركن الثاني من القسم الثاني وتبلغَ سَبْعَةَ عَشَرَ، ثم منها ما هو أوضَحُ منْ أن يفتقر إلى تطويل؛ لكونها منكوحة الغير ومنها ما نتكلَّم فيه في غير هذا الباب لكونها ملاعنة، ومعظمها المحتاجُ إلَى الشَّرْحِ والْبَسْطِ يَقَعُ في هذا القسم، وقد حَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ في أربعة أَجْنَاسٍ:
أَحَدُهَا: المَحْرَمِيَّةُ، وهي الوصلة المُحَرِّمَة للنكاح أبداً، وَلَهَا ثَلاثةُ أَسْبَابٍ القَرَابَةُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْمُصَاهَرَةُ.
السَّبَبُ الأَولُ: القَرَابَةُ، ويحرم منها سبعةٌ، وهي الْمَذْكُورَاتُ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] ولا يحرم بنات الأعمام وَالْعَمَّاتِ والأخْوَال والخالاتِ، قَرُبْنَ أم بَعُدْنَ، وأمُّك كلُّ أنْثَى ولدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ منْ ولَدَتْكَ، ذكراً كان أو أُنْثَى، بواسطة أو بغَيْر واسطة، وإن شِئْتَ قلتَ: كلُّ منْ ينتهي إلَيْها نسبُكَ بالولادة، بواسطة أو بغير واسطة 315، وبنتك كل أنثى ولدتها، أو ولدت من ولدها ذكراً كان أو أنثى بواسطة، أو بغير واسطة، وإن شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ أُنْثَى ينتهي إليك نَسَبْهَا بالولادة بواسطة، أو بَغَيْرَ واسِطَةٍ.
وأختُكَ: أنثى وَلَدَهَا أبَوَاكَ أَو أحدُهُما، وبنتُ أختِك منْهما [كبنتك] 316 منك، وعمَّتُكَ: كل أنثى هي أختُ ذكَرٍ وَلَدَكَ بواسِطة، أو بغير واسطة، وقد تكون من جهة الأم كأختِ أبِ الأمِّ، وخالتُكَ: كُلُّ أنثَى هي أخت أنثَى ولدتْكَ بواسطة، أو بغير واسطة، وقد تكون منْ جِهَةِ الأب، كأخت أم الأب، وضبطهن الأصحاب بعبارتين:
إحداهما: قال الأستاذ أَبُو إسْحَاقَ الإسْفَرايِينيُّ: يحرم على الرجُلِ أصولُهُ وفصولُهُ وأصولُ أوَّلِ أصوله؛ وأوَّلُ فصْلٍ منْ كَل أصل بعده، أي: بعد أول الأصول، فالأصول: الأمهاتُ، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول: الأخواتُ وبناتُ الأخِ والأختِ، وأوَّلُ فصْلِ من كل أصل بعد الأصل الأول: العماتُ والخالاتُ، وَهَذهِ العِبَارَةُ هِي الْمَذْكُورَةُ في الكتاب، لكنه قال: "وَأَوَّلُ فَصْلٍ منْ كُلِّ أصْلٍ وإن عَلاَ"، وهذا يدخل فيه الأخواتُ مرةً أخرَى؛ لأن الأبَ والأمَّ منْ الأصول، وهن أول فصولهما، فالأحْسَنُ التقييد كما ذكره سائر الأئمة.
الجزء: 8 - الصفحة: 29
ولو حمل قوله "وكل أصل، وإن عَلاَ" عَلَى كُلِّ أَصْلٍ عَالٍ، خَرَجَ الأَبُ وَالأُمُّ، فَإنَّهُمَا أصلاَنِ سافِلاَنِ، وليسا بعالِيَيْنِ، وَحِيْنَئذٍ يتوافَقُ الَّلفْظَانُ في إفادَةِ الْغَرَضِ.
وَالعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الأُسْتاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِي أَنَّ نِسَاءَ الْقَرَابَاتِ مُحَرَّمَات إلاَّ مَنْ دَخَلَ في اسْمِ وَلَدِ الْعُمُومَةِ، وولد الخُئُولَةِ، ثُمَّ قف عَلَى فَوَائِدَ:
إحداها: ذكرنا في "الوقفْ" خِلاَفاً في دخول بَنَاتِ الأَوْلاَدِ في اسْم الْبَنَاتِ، وفي الْوَصِيَّةِ خِلاَفاً في دخُولِ جَمِيع الْجَدَّاتِ في اسْم الأُمَّهَاتِ فَإِن قلْنا بالدخول، فالذي ذكرنا الآن في تفسير البنات والأَمهات حقيقةُ اللفظَيْن وإن لم نَقُلْ بالدُّخُولِ، فهو تعريف المُرَادِ ثُمَّ يَقَعُ اللَّفْظُ عَلَى بَعْضِهِنَّ حقيقة، وعلى بعْضِهِنَّ مجازاً، وعلَى هذا جرى أَئِمَّتُنَا العراقيُّون، فقالوا: تحرم البنت بالحقيقة والمجاز، وكذا سائر المذكورات إلاَّ الأخت، فلا مجازَ فِيهَا، وإذا قلْنا بهذا، فيمكن أن يقال: المراد من الآية التفسيرُ المذكورُ، ويمكن أن يُقَالَ: المراد الحقيقةُ، وصوَرُ المجاز مقيسةٌ بها.
الثانية: إذا قُلْنَا بوقوع اسم الأب على الأجداد، احتجنا أن نقيِّد تفسير الأخت، فنقول: هي التي ولَدَهَا أبواك الأدْنيانِ أَو أبواك بلا وَاسِطَةٍ.
الثالثة: فَسَّرَ مُفَسِّرُونَ العمَّة والخالَةَ بما لا تشْمَلُ المحرَّمات من الصِّنْف، وهذا الإِمام يقول: كلُّ من ولَدَها أجدادُكَ وجدَّاتُكَ مِن قِبَلِ الأب، فهي عمَّةٌ، ومن ولَدَها أجَدادُكَ وجدَّاتُكَ من قِبَل الأم، فهي خالَةُ، فتخرج عن الأول عمة الأم، وهي أخت أبي الأم، وعن الثاني خالة الأب، وهي أخت أم الأب، وهما مُحَرَّمَتَانِ.
الرابعة: لك أن تُرَجِّحَ مِنَ الْعِبَارَتَينِ الثانية بإيجازها، وبأن الأولى لا تنصُّ على الإِناث، فإن لفظ الأصول والفُصُول يقع على المذكور والإِناث، وبأنَّ اللائق بالضابط أنْ يكَون أقْصَرَ المضبوط، ليَسْهل حفظه، والأمر في العبارةَ الأُولَى بخلافه، ثم في الفصل فَرْعَانِ:
الأَوَّلُ: إذا زنا بِامْرَأَةٍ، فولدَتْ بنتاً، فيجوزُ للِزَّانِي تَزَوُّجُهَا ويُكْرَهُ، أما الجواز، فلأنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عنْه، بدليل أَنَّهُ لا يثبت سائر أحكَامِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ، فقد اختلف الأَصْحَابُ في سبَبِها، فمنهم مَنْ قال: سببها الخروجُ منَ الخلاف بيْنَ العلماء، ومنْهم مَنْ قال: السببُ احتمالُ كَوْنِهَا مخلوقةً من مائه، فعلى المَعْنَى الثَّانِي، لو تَيَقَّنَ أنها مَخْلُوقَةٌ من مائه، حُرِّمَ عليه أن ينْكحِهَا، وهذا اختيار جَمَاعَةٍ، منْهم الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ، وعلى الأول؛ لا تَحْرُمُ مع التيقن، وهو الأَصَحُّ من المذهب، وعن ابن القاص وَجْهٌ مُطْلَقٌ أنه لا يَجُوزُ للزَّانِي نِكَاحُهَا، وهو قَوْلُ أبي حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدَ، وَسَاعَدَنَا مَالِكٌ على الْجَوَازِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتِ ابْناً حُرَّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَها.
الجزء: 8 - الصفحة: 30
الثاني: البنْت المنفيَّةُ باللِّعان لا يجوز للملاعِنِ أن ينكحها إن كان قد دخل بالْمُلاَعَنَةِ؛ لأنها ربيبة امْرَأَةٍ مَدْخُولٍ بها، وإن لم يَدْخُلْ بها، فوجهان، وحكايةُ الوجهين في "الْكِتَابِ" وإن كانت مطْلَقَةً، لكنِ المرادُ هذه الحالة:
أحدهما: الجوازُ كَبْنِتِ الزِّنَا؛ لأنها منفيَّة أيضاً.
وأصحهما: الْمَنْعُ؛ لأنَّهَا لا تنتفي عنْه قَطْعاً؛ ألا تَرَى أنه لو أَكْذَبَ نَفْسَهُ لحقتْهُ قال في "التَّتِمَّة" وعلَئ هذا، ففي وُجُوبِ القِصَاصِ بِقَتْلِهَا، والحَدِّ بِقَذْفِهَا، والْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا وَجْهَانِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيْحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَرْجِعُ نَسَبُكَ إِلَيْهِ فَهِيَ أُمُّكَ، وَكَذَلِكَ كُلّ امْرَأَةٍ يَرْجِعُ نَسَبُ المُرْضِعَةِ إلَيْهَا، وَأُخْتُ المُرْضِعَةِ خَالَتُكَ، وَأَخُوهَا خَالُكَ، وَكذَلِكَ في سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَلَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُ رَضَاعِ بِأهْلِ قَرْيَةٍ جَازَ أنْ يَنْكِحَ وَاحِدةً مِنْهُنَّ، وَإِنْ كُنَّ مَحْصُورَاتِ العَدَدِ في العَادَةِ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
"
القول في الرضاع
"
قال الرَّافِعِيُّ: السَّبَبُ الثَّانِي: الرِّضَاعُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] وَعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" 317 ويُرْوَى "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
ولْنبيِّنِ الأصْنَافَ السَّبْعَةَ مِن الرَّضَاعِ، فَكُل: امْرَأَةٍ أَرضعتْكَ، أو أَرْضَعَتْ مَنْ أرضعَتْكَ، أو أَرْضَعَتْ مَنْ وَلَدَكَ بواسطة أو بغير واسطة، فهي أمُّكَ، وكذا كُلُّ امْرَأَةٍ وَلَدَت المرضعة أو الفحل، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِكَ أو بلبن من ولدته، أو أرضعتها امرأةٌ ولدتها، أنت فَهِي بنتُكَ، وكذلك بناتُها مِنَ النَّسَب والرَّضَاعِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْهَا أمُّكَ وأرضعت بلبن أبيك، فهي أختك، وكذلك كُلُّ امْرَأَةٍ ولدتْهَا المرضعة، أو الفحلُ أو أَخَوَاتُ الْفَحْلِ، والمرضعةُ وأخواتُ منْ ولدهما من النَّسَبَ وَالرَّضَاع، عماتُكَ وخالاتُكَ، وَكِذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ أرضعَتْها واحدةٌ من جداتك أو أرضعَتْكَ بلبنٍ وَاحدٍ مِنْ أجْدَادِكَ مِنَ النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وبناتُ أَوْلاَدِ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بِناتُ
الجزء: 8 - الصفحة: 31
أَخيكَ وأختكَ، وكذلك كُلُّ أُنْثَى أَرْضَعَتْهَا أُخْتُكَ أو أرْضِعَتْ بلبن أُخْتِكِ وبناتها بنات أولادها من الرَّضَاع وَالْنَّسَبِ بناتُ أخيك وأختِكَ، وبناتُ كُلِّ ذَكرٍ أَرْضَعَتهُ أُمُّكَ أو أرْضَعَتْ بلَبَنِ أَخِيكَ وبناتِ أَولادِهِ منْ الرَّضَاع والنَّسَب بناتُ أَخيكَ، وبناتُ كُلِّ امْرَأةٍ؛ أَرْضَعْتَهَا أمُّكَ أو أرْضِعَتْ بلبن أبيكَ وبناتِ أولَادِهَا منَ النَّسَبِ والرَّضَاعِ بناتُ أخيكَ.
وأربعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ في النَّسَبِ، وَفي الرَّضَاعِ قَد يَحْرُمْنَ، وَقَدْ لا يحْرمَن.
إحداهن: أم أم الأخ والأخت من النَّسَب حَرَامٌ؛ لأنها أمُّ، أو زوِجة أب، وفي الرَّضَاعِ، وإن كانت كذلك حَرُمت أيضاً، وإن لم تكُنْ كما إذا أرضعَتْ أجْنَبِيَّةٌ أَخَاكَ أو أُختَكَ، لم تحْرُمْ.
الثانية: أم نافلتك في النسب حَرَامٌ؛ لأنها إما بنتك أو زوجةُ ابنِكَ، وفي الرَّضَاع قد لا تكون بنتاً ولا زوجة ابن بِأنْ أَرْضَعَتْ أجنبيةً نافلتك.
الثالثة: جَدَّهُ وَلَدِكَ في النَّسَبِ حَرَامٌ؛ لأنها أم أمك أو أمُّ زوجتك، وفي الرَّضَاعِ قَدْ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ كما إذا أرضعت أجنبيةٌ ولدَكَ، فإنَّ أمَّها جدتُهُ، وليسَتْ بأمك ولا أُمَّ زوجتك.
الرابعة: أختُ ولَدِكَ في النَّسَبِ حرامٌ عليك؛ لأنها إما بنتك أو ربيبَتُكَ، وإذا أرضعتْ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَدَكَ، فبنتها أختُ وَلَدِكَ، وليستْ بنتك ولا ربيبةً ولا تحرم أخت الأخ في النَّسَبِ، ولا في الرَّضَاعِ وصورته في النَّسَبِ أن يكون لك أخٌ لأب وأختٌ لأمٍّ، فيجوز لأخَيك منْ الأبِ نكَاحُ أختِكَ من الأم، وهي أختُ أخيه، ومن الرَّضَاع امرأةٌ أرضعْتكَ وأرضعَتْ صَغَيرةً أَجْنَبِيَّة مِنْكَ، يجوز لأخيك نِكَاحُهَا، وهي أختك من الَرَّضَاع والصُّوَرُ الأَرْبَعُ مستثناةٌ من قولنَا "إنَّهُ يَحْرُمُ منْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ 318 ثُمَّ الفَصْلُ
الجزء: 8 - الصفحة: 32
مَخْتُومٌ بِمَسْألةٍ تَجْرِي في المحارم بالنَّسَبِ والمصاهرة جَرَيَانَهَا في الرَّضَاعِ، وهي أنَّهُ إِذَا اختلَطَ محرمة باجنبيات، هَلْ لَهُ أن يَنْكِحَ واحِدَةً مِنْهُنَّ.
قَالَ الأَصْحَابُ: إن كان الاختلاطُ بعُذْرِ لا ينحصر، كنِسْوَة بَلَدٍ، أو قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فله نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإلاَّ انحسم عليه بَابُ النِّكَاحِ، فإنه، وإن سَافَرَ إلى بَلْدَةٍ أُخْرَى، لم يؤْمَنْ مسافرتها إلَى تلك الْبَلَدَةِ أيْضاً، وهذا كما إذَا اختلط صَيْدُ مَمْلُوكٍ بِصُيُودٍ مبَاحَةٍ لا تنحصر، لا يَحْرُم الاصْطِيَادِ.
وقال الإِمَامُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ، إِنْ عَمَّ الالْتِبَاسُ، فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَهُ نِكَاحُ امْرَأَةٍ لا يتمارَى فيها، فيحتمل أن يُقَالَ: لا ينكح اللواتي يَرْتَابُ فِيهِنَّ، والظَّاهِرُ أنه لا حَجْر؛ ولو كان الاختلاطُ بنسوة معدُوداتٍ، فليجتنبهن؛ لأن بَابَ النِّكَاحِ لا ينحسم هاهنا، وأيضاً، فاحتمالُ أن تكون المحرمة هي التي نَكَحَهَا لا يَبْعُد هنا بعده فيما إذا كنَّ غير محصُوراتٍ، فلو خَالَفَ، ونَكَح إحْدَاهُنَّ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنه يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأن النِّكَاحَ قَدْ وُجِدَ ظَاهِراً، وسَبَبُ الْمَنْعَ في الْمَنْكُوحَةِ مَشْكُوكٌ فِيْهِ.
وَالأَصَحُّ: المنع تَغْلِيباً للتحريم، ولا مدْخلَ للتَّحَرِي في الباب على ما مرَّ في "الطَّهَارَاتِ".
قوله في الْكِتَاب "وإن كُنَّ مَحْصُورَاتِ الْعَدَدِ في العادة" فيه إِشَارَةٌ إلى ما ذكره الإِمَامُ أنَّا نَعْنِي بِعَدَمِ الانْحِصَارِ عُسْرَ عَدِّهِن على آحاد الناس، وإلاَّ، فَلَو أرَادَ وَالي بَلْدَةٍ كَبِيْرَةٍ أن يَعدَّ سُكَّانَهَا، منه وَقَالَ المُصَنِّفُ في "الإِحْيَاءِ": كُلُّ عَدَدٍ لو اجتمعوا منْ بَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَعْسُرُ على النَّاظِرِ عدُّهم بمجرَّد النَّظَرِ، كَالألْف وَالألْفَينِ، فهو غَيْرُ مَحْصُورٍ، وإِنْ سَهُلَ؛ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَهُوَ مَحْصُورٌ، وبين الطرفين أَوساطٌ يلحق بأحدهما بالظَّنِّ، ما وقع لك فيه الشكُّ فلتستفْتِ فيه الْقَلْبَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُصَاهَرَةُ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ الصَّحيحِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبَ وَزَوْجَةِ الابْنِ وَالحَفَدَةِ وَزَوْجَةُ الأَبِ وَالجَدِّ، وَيَحْرُمُ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ بِالوَطْءِ لاَ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ، وَالوَطْءُ بالشُّبْهَةِ يُحَرِّمِ الأَرْبَعَ دُونَ الزِّنَا، وَيكْفِي الاشْتِبَاهُ عَلَى الزَّوْجِ في وَجْهٍ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّة بِالاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ المَهْرُ بِالاشْتِبَاهِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَكُونُ اللَّمْسُ كَالْوَطْءِ في الْمُصَاهَرَةِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 33
"
القول في المصاهرة
"
قال الرَّافِعِيُّ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ الْمُصَاهَرَة، وَيحرُمُ مِنْهَا عَلَى التَّأْييدِ أربعٌ:
إحداهن: أُمُّ الزَّوْجَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وأم زوجتك منها كَأُمَّكَ مِنْكَ، وَقَد عَرَفْتَ تَفسِيرَ "الأُمِّ" ويستوي في التَّحْرِيمِ أُمَّهَاتُ النَّسَبِ والرَّضَاعِ.
والثانية: زَوْجَةَ الابْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] ويشمل التحريم حَلاَئِلَ الأَحفَادِ وإن سَفَلُوا، وسواءٌ كانوا من النَّسَبِ، أو مِنَ الرَّضَاع، والمقصود منَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23] بَيَانُ أنَّه لا يَحْرُمُ عَلَى الإِنْسَانِ زَوْجَةُ مَنْ تَبَنَّاهُ.
والثالثة: زَوْجَةُ الأَب، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وما في معنَاها زوجاتُ الأَجْدَادِ، وَإِنْ عَلَوْا من قِبَلِ الأُمَ وَالأَبِ جَمِيعاً، وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ الأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ أيضاً.
الرَّابِعَةُ: بنت الزَّوْجَةِ، وبنتُ زوجَتِكَ منها كبنتك منْكَ، وسواءٌ كُنَّ منْ النَّسَبِ أو من الرَّضَاعَ، وتحرم الثلاثُ الأُولَيَاتُ بمجرَّد النِّكَاحِ؛ بشرط أن يَكُونَ صَحِيحاً فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاَسِدُ فَإنَّهُ لا يتعلَّق به الحُرْمَةُ؛ لأَنَّهُ لا يفيد الحل في الْمَنْكُوحَةِ والحرمة في غيرها فرع الحل فيها.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: وهي بِنْتُ الزَّوجَةِ، فلا تَحْرُمُ بالنِّكَاحِ، وإنَّما تَحْرُمُ إذَا دخل 319 بالزَّوْجة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وذكر الحجور جرياً على الْغَالِبِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 34
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أن يَدْخُلَ بِهَا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أمَّهَاتُهَا، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَلَيهِ بِنْتُهَا" 320.
وَعَنِ مَالِكٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الربيبة إنما تَحْرُم إذا رُبِّيَت في حِجْرِهِ.
وَيَجُوزُ أنْ يُعْلَمَ قوله في الْكِتَابِ "ويحرم منها بمجرَّد النِّكَاح الصحيح أمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ"؛ بالواو لأن الشَّيْخِ أَبا عَاصِمٍ الْعَبَّادِيَّ وابنه أَبَا الْحَسَنِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- رَوَيَا ذهاب أبي الحَسَن أحمد بن مُحَمَّدٍ الصَّابُونِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلى أَنَّ أُمَّ الزوجة لا تحرم إلاَّ بالدْخُولِ كالربيبة.
ولا يحرم على الرَّجُلِ بِنْتُ زوج الأُمِّ، ولا أُمُّهُ، ولا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ، ولا أمُّه، وَلاَ أُمُ زَوْجَةِ الأَبِ ولا بنتُها وَلاَ أُمُّ زَوْجَةِ الابْنِ، ولا بِنْتُهَا لأولا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ، ولا زَوْجَةُ الرَّابِّ.
ثم فيه مَسَائِلُ:
المَسْأَلَةُ الأُولَى: [تجرد ملك اليمين لا يثبت نسباً منْ هذه المحرمات لكن الوطء] 321 يثبتها حَتَّى تَحْرُمَ الْمَؤْطُوءَةُ عَلَى ابْنِ الْوَاطِئِ وأبيه، وَتُحْرَمَ عَلَيْهِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ وبنتها، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأنَّ الوطء في مِلْكِ اليَمِينِ نَازِلٌ مَنزِلَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ وطء الأختين في المِلْك، كما يَحْرُمُ الْجَمْعُ في النِّكَاح، وَلاَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ في مِلْكِ الْيَمِينِ والوطء بِشُبْهَة، والنِّكَاحُ الفَاسِدُ والشراء الْفَاسِدُ ووَطء الْجَارِيَةِ المشتركةَ، ووطء جارية الابن يثبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، كما يُثْبِتُ النَّسَبَ، ويوجب العدَّةَ، وفي "شَرْح الفُرُوعِ وغيره قَوْلٌ ضعِيفٌ أنَّ الوطء بالشُّبْهَةِ لاَ يُثْبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهرَةِ؛ كالزِّنَا، وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ، وذلك إذا شملت الشبهةُ الواطِئَ والمَوطوءة، وَأمَّا إذَا اخْتَصَّتِ الشُّبْهَةُ بِأحَدِهِمَا، والآخَرُ زانٍ، بأن أَتَى الرَّجُلُ فِرَاشٍ غَيْرِ زَوْجَته غَلَطاً فَوَطِئَهَا، وَهِيَ عَالِمَةٌ،
الجزء: 8 - الصفحة: 35
وَأتَتْ غَيْرَ زَوْجِهَا غَالِطَةً، وَهُوَ عَالِمٌ، أَوْ كَانَتْ هي جاهلةً أو نَائِمَةً أو مُكْرَهَةً، وَهُوَ عَالِمٌ، أو مَكَّنَتِ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ مَجْنُوناً أو مُرَاهِقاً، فَوَجْهَانِ:
أَصَحُّهمَا: أن الاعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ، حَتَّى تَثبُتَ حُرْمَةِ المُصَاهَرَةِ، إِذَا اشْتَبَهَ الْحَالُ عَلَيْهِ، كَمَا يَثبُتُ النَّسَبُ وتجب العِدَّةِ ولا يثبت، إِذَا لَم يَشْتَبِه عَلَيْهِ، كَمَا لا يثبت النَّسَبُ والْعِدَّةُ.
والثَّانى: أَنَّ الشُّبْهَةَ في أيهِمَا كَانَتْ تُثْبِتُ حُرْمَةَ المُصَاهَرَةِ، عَلَى هَذَا فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّها تختصُّ بمَنِ اختصَّتُ به الشُّبْهَةُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الاشْتِبَاهُ عَلَيْهِ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أمَّهَا وابنتها وبنْتَهَا، ولا تحرم [هي على أبيه وابنه] 322 ولو كان الاشتباه عليها، حُرِّمَتْ على أبيه وابنه، ولا تَحْرُمُ عليه أُمُّهَا وابنتُها.
والثاني: أنها تعمُّ الطرفين كالنَّسب ثم الوطء في النكاح، وملْك اليمين، كما يوجب الْحُرْمَةَ، يوجب الْمَحْرَمِيَّة، حَتَّى يَجُوزَ للواطِئِ المسافرةُ بأمِّ الْمَوْطُوءَةِ وابنتها، ولابنه وأبيه الخلوةُ بها والمُسَافَرَةُ بها، وفي وطءِ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلاَنِ:
أَحَدُهِمَا: أنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ؛ لأن الوطْءَ بالشُّبْهَةِ يثبت النسب، ويوجب الْعِدَّةَ، فكذلك المحرميةُ.
والثاني: الْمَنْعُ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ له الخُلْوَةُ والمسافَرَةُ بالموطوءة، فبأمِّها وابنتها أولَى، وليس كالوطء في النِّكَاحِ وملك اليمين؛ لأنَّ أم الموطوءة وبنتها يدخلان عليها، ويشقُّ عليها الاحتجاب عن زوجها، ومثل هذه الحاجة مفقودةٌ هُنَا، والأصحُّ الأوَّلُ عند الإِمام، والثاني عِنْدَ عَامَّةِ الأصحاب، وحَكْوه عن نَصِّه في "الإِملاَءِ".
المسألةُ الثانيَةُ: الزِّنَا لا يُثْبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، حَتَّى يجوز للزاني أن ينكح أمَّ المزنيِّ بها وينتها، وحتى يجوز لابنه وأبيه أن يَنْكِحَها؛ لأنَّ حرمة المصاهرة نعمةٌ من اللهِ تَعَالَى، فلا تثبت بالزنا، كما لا يثبت به النَّسَبُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحمَدُ -رَحِمَهُمَا اللهُ- يثبتها، وَلَوْ تَلَوَّطَ بِغُلاَمٍ، لم يحُرُم على الفاعِلِ أمُهُ وابنتُهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: خلافُهُ، ولو ملك جاريةً محرمةً عليه برضاعٍ أو مصاهرةٍ، فوطئها، فإن لم نوجبْ به الحدَّ، أثبتنا حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وإنْ أوجبناه، فهو كَالزِّنَا، واللهُ أعْلَمُ.
المسألة الثالثةُ: المُفَاخَذَةُ وَالتَّقْبِيلُ واللمس، هل هو كالوطء، حَتَّى يُثْبِتَ حِرمةَ المصاهرة عند الشبهة، وحتَّى يُحَرَّمَ الربيبةَ في النِّكاح؟.
الجزء: 8 - الصفحة: 36
فيه قولان:
أَحَدُهِمَا: وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَمَالِكٌ: نعم؛ لأنه تلَذُّذ بمباشرة فأشْبَهَ الوطء، ولأنه استمتاعٌ يوجبُ الْفِدْيَةَ على المُحْرِم؛ فكان كالوطء، وهذا أَصَحُّ عند صاحب "التَّهْذِيبِ" واختاره القاضي الرُّويَانِيُّ.
والثاني: لاَ، وبه قَالَ أَحْمَدُ؛ لأنه لا يوجِبُ العدَّة، فكذلك لا يثبت الحُرْمة، وأيضاً، فقد قَالَ تَعَالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] شرط الدخول في التحريم، وهذا أَصَحُّ عند الإِمام، وَيُحْكَى عن اختيار ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وابْن القَطَّانِ وغيرهما، والقولان فيما إذا جَرَى ذلك بشَهْوَةٍ فأما اللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فإنه لا أَثر له في التحريم نَصَّ علَيْه المُعْظم.
قَالَ الإِمَامُ: ومنْهم منْ أرسل ذِكْرَ الْمُلُاَمَسَةِ، ولم يقيَّده بالشَّهوة، فيجوز أن يُقَالَ: يكفي صورة الملامسة، كما يَكْفِي في نقض الطَّهَارَةِ، والنَّظَرُ بالشهوة لا يقتضي حرمة المصاهرة، ومنهم مَنْ حَكى فيه قولاً آخَرَ ضعيفاً، ثم خصَّصه بَعْضُهُم بالنظر إلى الْفَرْجِ، وهو مَذْهَبُ أَبِي حَنْيِفَةَ، ومنهم منْ لم يفرِّقْ بين الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ.
ويثبت المصاهرةَ إذا اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ماء زَوْجِها، أو ماءَ أجْنَبيٍّ بالشُّبْهة 323، كما يثبت النَّسَب، وتجب العدة، ولكن لا يَحْصُل به الإِحْصَانُ والتحْلِيل، وفي تقرير الْمَهْرِ ووجوبه للمفوِّضة وثبوت الرجْعة ووجوب الْغُسْلِ ووجوب الْمَهْر في صورة الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهِمَا: المنع 324، وإن أنزل الأجنبيُّ بزناً، لم يثبت النسب باستدخال مائه، ولا حرمَةُ المصاهرة، وإن أنزل الزوْج بالزِّنَا حَكَى صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" أنه لا يثبت النسب، وَلاَ حُرْمَةُ المصاهرة، ولا تجب العدَّةُ، وقال من عند نفسه: وجب أن تثبت هذه الأحكام، كما لو وطئ زوجته عَلَى ظَنِّ أنه يَزْنِي، وَأعْلَمْ أَنَّ ما يُثْبِتُ التحريمَ المؤبَّدَ، إِذا طَرَأَ على النِّكَاح، قطَعَه، حتى لو نكح امرأةٌ، ثم وطِئَها أبُوه أوابنه بشُبْهَةٍ، أو وطئ
الجزء: 8 - الصفحة: 37
هو أمَّها وابنَتَها بشبهة، انفسخ نِكَاحُهَا.
وفي "المولَّدات" فرعان؛ يتعلَّقان بهذا الأَصْلِ:
الأول: نكح الرجل امرأةً، ونكح ابنُهُ بنْتَها، ووطئ كلُّ واحدٍ منهما زوجةَ الآخَرِ غالطاً، فينفسخ النِّكَاحَانِ؛ لأن زوجة الأب موطوءةُ ابنِهِ، وأمُّ موطوءته بالشُّبْهة، وزوجةَ الابْنِ موطوءةُ أبِيه، وبنتُ موطوَءتِهِ بالشبهة، وهذا جَوَابٌ على الصَّحيح في أنَّ الوطء بِالشُّبْهَةِ في الملك، وَيجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ منْهما مَهْرُ الْمِثْلِ للَّتِي وَطِئَها بالشبهة، ثُمَّ لا يخلو، إما أن يترتب الوطآن أو يقعا معاً، إنْ ترتَّبا، نُظِرَ، إن سبق وطء الأب، فعليه لزوجته نصْف المسمَّى؛ لأنَّه الذي رفَعَ نكاحَهَا، فهُو كَما لو طلَّقها قبل الدخول، وهلْ يجب عَلَى الابن لزوجته شيْء؟.
قال ابنُ الْحدَّادِ: لا؛ لأن نكاحها لم يرتفعْ بسببِ منْ جهته، وَإِنَّما ارتفع بوَطْءِ الأَبِ السَّابقِ.
وقال آخرون من الأصحاب يجب عليه نِصْفُ ما سَمَّى لَهَا؛ لأنه إن لم يكُنْ للزوج صُنْعٌ غير في النكاح، فلا صُنْعَ لها فيه أيضاً، فلا ينبغي أن يَسْقُطَ مهرها.
وتوسَّط الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، فقال: إنْ كانَتْ زوجةُ الابْنِ نائمةً أو مُكرَهَةً أو صَغِيرَةً لا تعْقِل، فلها نصْفُ المسمَّى على الزوج؛ لأن الانفساخ، والحالةُ هذه، غير منسوب إليها، فصارت كما لو كانت تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ، ينفسخ نكاحها، والصغيرةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى على الزَّوْج، وإن كانتْ زوجةُ الابنِ عاقلةً، وطاوعت الأب ظانَّة أنه زوْجُها، فلا مَهْرَ لَهَا، كَمَا لو اشترت الحرَّةُ زوْجَها قبل الدخول يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وإذا أوجبنا على الابْن نِصْفَ الْمُسَمَّى، فيرجع على أبيه؛ لأنه فوَّت نكاحها عليه، وبم يرجع بمَهْرِ المثل أَو بنصفه أو بما غرم فِيْهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ؛ تُذْكَرُ في "الرَّضَاعِ" إن شاء الله -تَعَالَى-، وإن سبق وطء الابن، فعليه لزوجة نِصفُ المسمَّى، وَهَلْ يجِبُ عَلَى الأب لزوجته نِصْف الْمُسَمَّى؟.
فيه الاختلافُ السابقُ، فإن قلتا: نَعَمْ، فله الرجوع كما ذكرنا، وإن وقع الوطآن معاً، فعلى، كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ ما سمَّى لزوجته، وهل يرجع على الآخر بشيء؟.
عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَفَّالِ أن زوجة كُلِّ واحد منهما [حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بفِعْله وفعْل صاحبه، فيرجع كلٌّ منهما] 325 عَلَى صاحبه بنصْفِ ما كان يَرِجْعُ به، لو انفرد، ويهدر نصف كما في الاصطِدَام.
وقال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ، لا يرجع واحدٌ منهما علَى الآخر؛ لأن النكاحَ ارتفَعَ بفعلهما جميعاً، فينسب الفراقُ إلى الزوج، كما لو اشترى
الجزء: 8 - الصفحة: 38
امرأته، أو خالعها، وليس كالاصطدام؛ لأن فعل كُلِّ واحد منهما، هاهنا لو انفرد، لحَرُمَت به زوجتُه وزوجةُ صاحبه، ولا يمكننا أن نقول في الاصطدام: لو انفرد كل واحد منهما بفعله، لحصل ذلك الأثَرُ.
الفرع الثاني: نكح امرأتَينِ في عَقْدٍ واحِدٍ، ثُمَّ بَانَ أنَّ إِحداهما أُمُّ الأخرى، فالنكاحان باطلان، ولا يجب المسمَّى، ولا شيء منه لواحدةٍ منهما، نعم، لو وطئها أو واحدةً منهما، وجب مهر المثل، ولو نكحهما فِي عقدَيْنِ، ووطئ إحداهما، ثم بَانَ أن إحداهما أُمّ الأُخْرَى، فينظر؛ أسبق نِكَاحُ الأُمِّ، أَمْ نِكَاحُ البِنْتِ، إن سبق نكاح الأمِّ، فإن كانت هي المَوْطُوءَةَ، فنكاحُهَا بحاله والأخرى ربيبةٌ محرمةٌ، وإنْ كانَتِ البنتُ هي الموطوَءةَ، فالنكاحَانِ باطِلاَنِ، أما نكاحُ البنتِ، فلأنَّهُ نكَحَها، وتحته أمها، وأما نكاح الأم؛ فلأنها أم مَوْطُوءَتِهِ بالشُّبْهَةِ، وله أن ينكح الْبِنْتَ مَتَى شَاءَ؛ لأنها ربيبة امرأة لم يدخُلْ بها، ويجب للبنت مَهْرُ الْمْثِلِ، وللأمِّ نصفُ المُسَمَّى؛ لأن النكاح ارتفع بصنع الزوج، وإن كان السَّابِقُ نِكَاحَ الْبِنْتِ، فإن كانتْ هي الموطوءةَ، فنكاحُها بحاله، والأمُّ مُحَرَّمَةٌ على التأبيد، وإن كانت الموطوءةُ الأمَّ، بَطَلَ النكاحان، وحُرِّمَنَا على التأبيد، أما الأمّ، فبنكاح البنت، وأما البنتُ فبوطء الأم بشُبْهَةِ النِّكَاح، ويجب للأمِّ مَهْرُ المثل، وللبنت نِصْف المسمَّى، وإن اشتبهت الموطوءةُ، وعرفت التي سَبَقَ نِكَاحُهَا، فنكاح الَّتَي سبق نكاحُها ثابتٌ؛ لأنه يحتمل أن تكون السابقةُ هي الموطوءةَ، ولا يؤثر الوطء في نكاحها، ويحتمل أن تكون الموطوءةُ الأخْرَى، فيفسد نكاح الأوَلى، وإذا وَقَعَ الشَّكُّ، فالأصل الاستمرارُ، وليس له نكاحُ الثانية؛ لأن الأُولَى، إن كانت بنتاً، فالثانيةُ أمُّ امرأته، فتَحْرُم على التأبيد، وإن كانَتْ أُمَّاً، فليس له نكاحُ البنْتِ، والأمُّ تحته، فإن كان ارتفع نكاحُ الأم بطلاقٍ أو غيره، لم يحلَّ له نكاحُ واحدةٍ منهما؛ لأن إِحداهما محرَّمةٌ على التأبيد، فأشبه ما إذا اختلطت أخته من الرضاع بامرأةٍ أخرَى لا ينكح واحدةً منهما، وإن اشتبه السابقُ منْ النكاحَيْن، وعرفت الموطؤةُ، فغَيْر الموطؤءةِ محرَّمة أبداً؛ لأنها أم الموطوءة بالشبهة أو بنت الموطوَءةِ، وأما الموطوءة، فإن كانت هي المنكوحة أولاً فَنِكَاحُها مستمرٌّ، وإن كانت المنكوحةُ أولاً الأخْرَى، فنكاحها غير منعقد، فيوقف أمرها، ويمنع منْ نكاح غيره، وإن طلبت الفسخ للاشتباه، فُسِخَ النكاح كما في تزويج الوليَّيْن، وإن اشتبه السابِقُ من النكاحَيْن، واشتبهت الموطوءةُ أيضاً، فيوقف عنهما؛ لاحتمال أنه سَبَقَ نكاحُ البِنْت، وقد دَخَل بالأمِّ، فيحرَّمان عليه، وليس له أن يَنْكِحَ وَاحِدَةً منْهُما؛ لأن إحداها محرّمةٌ عليه على التأبيد، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بحالها، [لَكَانَ وَطِئْهِمَا] 326 جميعاً، بطَلَ نكاحهما ويُحَرَّمَان على التأبيد، ثم إن وطئ أولاً الَّتي نكَحَها
الجزء: 8 - الصفحة: 39
أولاً، فللأولَى، مهرها المسمَّى، وللثانية مَهْرُ المِثل، وإن وطئ أولاً التي نكَحَها آخراً، فلها مَهْرُ مثلها؛ لأنَّه لم ينعقد نِكَاحُهَا وللمنكوحةِ أولاً نصْفُ مهرها المسمَّى وجميع مهْرِ المثل، أما نصْفُ المسمَّى، فلارتفاع نكاحها بسبب من جهة الزَّوْج، وهو وَطْءُ المنكوحة آخراً، وأما جميع مهْرِ المثل؛ فلأنه وَطِئَها بعد ارتفاع النِّكَاح وطءَ شبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): مَا لاَ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَيَّدَةً وَيَتَعَلَّقُ بِعَدَدٍ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: (الأَوَّلُ): نِكَاحُ الأُخْتِ عَلَى الأُخْتِ لاَ يَجُوزُ مَا لَمْ يُطَلِّق الأُولَى طَلاَقاً بَائِناً وَلاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ بَيْنَ امْرَأَتيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعْ لَوْ كَانَ أَحَدُهَمَا ذَكَرَاً حَرُمَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ المَرْأَةَ وَأُمَّ زَوُجِهَا أَوْ بِنْتَ زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهِمَا ذَكَراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنا في المحْرَمِيَّة المقتضية للتحْرِيم المؤبَّد، وأمَّا ما يقتضي التحريم لا بصفة التأبيد، فَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بعددٍ، ومنه ما يتعلَّق بصفةٍ؛ كالرِّقِّ والكُفْر، والَّذِي يتعلَّق بالعدد ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
الأول: الجمع بين الأختين من النَّسَب أو الرَّضَاع سواءٌ كانتا أختين من الأبوين أو من أَحَدِ الأبوين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] فلو نكح أختين معاً، فالنكاحان باطلان، وإن نكحهما على الترتيب، فنكاح الثَّانِيَة باطلٌ، فَإِنْ وطئها جاهلاً بالحكم، فلها مَهْرُ الْمِثْل، وعليها العدة، ويجوز أن يَطَأ الأُولَى والثانية في العدة، لكن الأَوْلَى ألاَّ يفعل، رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:"منْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ" 327.
وَإِذَا طَلَّقَ الأُولَى طَلاَقاً بَائِناً، فَلَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ؛ لأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ فَجَازَ له العقْدُ على أختها، كما لو طلَّقها قبل الدخول.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأحْمَدُ -رحمهما الله- تعالى: لا يجوز له نكاح أُخْتِها ما دامَتْ هي في العدة، وكذا لو وطئَ امْرَأَةً بالشُّبْهَةِ، فما دامت في العِدَّةِ لا يجوز التزويج بأختها عِنْد أَبِي حَنِيْفَةَ، ولو كان الطَّلاَقُ رَجْعِيَّاً، لم يجز نكاح أختها ما لم تنقض عدتها؛ لأن الرَّجْعِيَّةَ في حكم المنكوحات، ألا تَرَى أنه يجري التوارث بينهما، ويلزمها
الجزء: 8 - الصفحة: 40
عدة الوفاة إذا مات عنها ويصح، إيلاؤه عنهما، والظهارُ منها.
لو ادَّعى الزَّوجُ أنَّها أخبرته بانقضاء العدة، والوقتُ محتمل وَأَنَكَرَتِ المرأة، وقالت: لم تنقضِ عدتي بعد، فله نِكَاحُ أختها؛ لزعمه انقضاء عدتها، ولو طلَّقها، لا يقع الطَّلاَقُ، ولو وطئها يجب الحد.
وعن الْحليميِّ وَالْقَفَّالِ: أنه ليس له نكاح أختها؛ لأن القول قولها في بقاء العدة، وعلى هذا، فلو طلقها يقع، ولو وطئها، لا يحدُّ، والأول أظهر، وهو المحكيُّ عن نَصِّهِ في "الإِملاء" وتجب النفقة لا محالة، ولا يقبل قوله في سُقُوطِ حَقِّهَا؛ ولو طلق زوجته الرقيقة طلاقاً رجعياً، ثم اشتراها، فَلَهُ نِكَاحُ أختها في الحال، وكذا لو اشتراها قبل الطلاق؛ لأن ذلك الفراش قد انقطع، وكما يحرم الجَمْعُ بين الأختين، يَحْرُم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أختها، وكذلك بَيْنَ المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أختها، سواءٌ كانَتِ العمومةِ والخُئُولَة من النسب أو الرضاع.
وَرُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيْهَا، وَلاَ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلاَ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلاَ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى" 328 وأراد الكُبْرَى والصغرى في الدرجة، لا في السن، والصغرى بنت الأخ وبنت الأخت، والكبرى العمة والخالة، وضبط تحريم الجمع بعبارات:
الجزء: 8 - الصفحة: 41
إحداها: وهي المذكورة في الكتاب: "يحرم الجمع بين كلِّ امرأتين بينهما قَرَابَةٌ أو رَضَاعٌ، لو كانت إحداهما ذكراً، لَحَرُمَتِ المناكحة بينهما".
والثانية: تحريم الجَمْع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاعٌ يقتضي المحرمية.
والثالثة: يحرم الجمع بين كُلِّ امرأتين بينهما وصلةُ قرابةٍ أو رضاعٍ، لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة، لَحَرُمَتُ عليك، وقصَدُوا بقيد القرابة والرضاعِ الاحترازَ عن الجَمْع بين المرأة وأم زوجها وبنت زوجها وإن شئت قُلت: بين الْمَرْأَةِ وزوجة ابنها، وعن الجمع بين المرأة وبنت زوجها، وإن شئت قلت: بين المرأة وزوجة أبيها، فإنَّ هذا الجمع غير مُحرَّم، وإن كانت يَحْرُم النكاح بينهما، لو كانت إِحداهما ذكراً؛ لأنا لو قدَّرنا أم الزوج ذكراً، حَرْمَتُ عليه زوجة الابن، ولو قدرنا بنت الزوج ذكراً حرمت عليه زوجة الأب، لكن ليس بينهما قرابةً، ولا رضاع، وإنما ذلك التحريم بِسَبب الْمُصَاهَرَةِ، والمعنى أن سبب تحريم الجمع ما فيه من قطيعة الرحم المُوحِشَة، والمنافسَة القوية بين الضرتين رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنَّهَ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ إِذَا فَعْلْتُمْ ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَهُنَّ" 329 والرَّضاع في معنى القرابة؛ لأنه يُثْبت اللحم وُينْشِزُ العظم، وأما المصاهرةُ، فليس فيها رحم، حَتَّى يُفَوَضَ قطعه، وقد يستغنَى عن قيد القرابة والرضاع؛ بأن يقال: يحرم الجمع بين كل امرأتين أيهما قدرت ذَكَراً حرمت الأخرَى عليه، فتخرج الصورتان المذكورتان؛ لأن أيَّتَهُمَا قدرت ذكراً لا تحرم عليه الأخرَى؛ لأن أم الزوج، وإِن كان تحرم عليها زوجة الابن لكن زوجة الابن لو قدرت ذَكَراً لا تحرمِ عَلَيْهِ الأُخْرَى، بل تكون أَجْنَبِيَّةً عنه، وَيجُوزُ الجَمْعُ بِيْنَ بِنْتِ الرَّجُلِ وَرَبِيْبَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْأةِ وَرَبيْبَةِ زَوْجِهَا مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وبين أخت الرَّجُلِ من أبيه وأخته من أمِّهِ؛ لأنه لا يحرم المنَاكحة بتقدير ذكورة إحداهما، ويحرم الجمعِ بين الأمِّ وابنتها قضيِّةً للضابط المذكور، حَتَّى لو نكحهما مَعاً، بَطَلَ النِّكَاحَانِ، ولو نَكَحَهُمَا في عقْدَيْن فالثاني باطل، ثُمَّ لَوْ كَانَتِ الثَّانِيَّةُ البنْتَ، ولم يدخلْ بالأم، جاز أن يعقد على الثَّانِيَّةِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 42
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو اشْتَرَى أُخْتَيْنِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحْرِّمَ المَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِبَيْعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ (ح) أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ (ح)، وَلاَ يَكْفِي طَرَيَانُ تَحْرِيمِ الحَيْضِ وَالعِدَّةِ والإحْرَامِ، وَهَل يَكْفِي الرَّهْنُ وَالبَيْعُ بِشَرْطِ الخِيَارِ؟ فِيهِ خَلاَفٌ، وَلَوْ وَطئَ أَمَةً وَنكَحَ أُخْتَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَحُرِّمَتِ المَوْطُوءَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كُلُّ امرأتين لا يَجُوزُ الْجَمْعُ بينهما في النِّكَاح؛ لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين، ولكن يَجُوزُ الْجَمْعُ بينهما في نفس الملك، أمَّا أنه لا يَجُوزُ الْجَمْعُ في الوطء فَلَمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ في رَحِم أُخْتَيْنِ" وَيُرْوَى: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَجْمَعُ مَاءَهُ في رَحِم أُخْتَيْنِ" 330 وأيضاً فإن الوطء في ملك اليمين بمثابة النكاح في حرمة المصاهرة، وكذَلك هاهنا أيضاً، فإنها بالوطء، تصير فراشاً له، فيمتنع استفراش الأخرى، كما أنه إذا صارت إحداهما فراشاً بالنكاح، امتنع نكاح الأخرى، وأما أنَّه يجوز الجمع في المِلْك، فَلأنَّ الملك قد يقصد به غير الوطء ولهذا يجوز أن تملك من لا تحل له، كالأخت من النَّسَبِ، وَالرَّضَاعِ والنِّكَاح، وإنما يقصد به الوطء ولهذا لا يجوز أنْ يَنْكِحَ من لا تحل له، وإذا لم يتعيَّن الملكَ للوطء لم يُفْضِ الجمع فيه إلى التباغض والتقاطع، وإذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
[المسألة الأولى] 331: لو اشْتَرَى أختين، أو امرأةً وعمتها، أو خالتها معاً، أو على التعاقب، صح الشراء وله وطءُ أيتهما شاء، وإذا وطئ إحْدَاهُمَا، حُرِّمَ عليه وطء الأخرى، لكن لا يجب به الحدُّ لقيام الملك وكونه بسبيل من استباحتها بخلافٍ ما لو وطئ أَمَتهُ الَّتِي هي أخته من الرضاع؛ حَيْثُ يجب الحدُّ على أحد القولَيْن؛ لأنه لا سبيل إلى استباحتها بحال، ثم الثانية تبقى حراماً كما كانت، والأولَى حَلاَلاً كما كانت، ولا يحرِّم الحرامُ الحَلاَلَ، لكن يُسْتَحبُّ ألاّ يطأ الأُولَى، حَتَّى تستبرئ الثانية.
وعن أبي مَنْصُورِ بنِ مِهْرَانَ إسناد الأوْدَنِي، أنه إذا أحْبَلَ الثَّانِيَّةَ، حلَّت وحرُمَتِ الموطوءة، ولا تزال غير الموطوءة محرَّمة عليه، حتى تحرم الموطوءة على نفسه، أما إزالة الملك ببيع كلها أو بعضها، أو بالهبة، أو مع الإقباض، أو بالعتق، أو بإزالة الحل بالتزويج، أو بالكتابة، وَعَنْ أَبِي حَنِيْفَة -رَحِمَهُ اللهُ- أنه لا يكفي التزويج والكتابة، ولا يكفي عروض الحيْضِ والإِحرام والعدة عن وطء شبهة؛ لأن هذه الأسبابَ عارضةٌ، ولم يَزُلِ المِلْكُ ولا الاستحقاق، وكذا عروض الردة لا يفيد حِلَّ الأخرى، وفي الرَّهْنِ وَجْهَانِ:
الجزء: 8 - الصفحة: 43
أحدُهُما: أَنَّهُ يَكْفِي كَالْكِتَابَةِ والتَّزْوِيجِ.
وأصحُّهما: وبه أجاب في "الشَّامِلِ" المنْع؛ لأنه لا يفيد استقلالاً، كما لا يفيده الكتابة ولا حلاًّ، للغير كما يفيده التزويج، ولا يزيل الْحِلّ، ألا ترى أنه لو أذن فيه المرتهن، جاز مع بقاء الرَّهْن، وَلَوْ بَاعَ بشرط الْخِيَارِ، فحيث يجوز للبائع الوطء، لا يُحِلُّ به الثَّانِيَةَ، وحيث لا يجوز، فوجهان، قَالَ الإِمَامُ: الوجه عندي القطْعُ بحل الأخرى، لثبوت الملك للمشتري ونفوذ تصرفاته، ولا يكفي لِحِلَّ الأخرَى الاستبراء عن الأولى؛ لأنه لا يزيل الفراش.
وقد رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -عليه السَّلاَمُ- أنه قال: "من وَطِئَ إحدى الأختين، فلا يَطَأَ الأخرَى، حَتَّى تخرج الموطوءة عن ملكه" وعن القاضي الحسَيْنِ -رحمه الله- أن القياس يقتضي الاكتفاءَ بالاستبراء لِحِلِّ الأخَرى؛ لأنه يدل على براءة الرحم، وذكر القاضي ابنُ كَجٍّ؛ أن القاضي أبا حَامِدٍ قال: غَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فقال: إذا قَالَ حَرَّمْتهَا عَلَى نَفْسِي، حرمت عليه، وحلَّت الأخرَى، وإذا حرمها بالأسباب المعتدِّ بها، ثم عاد الحل، كما إذا باعها فرُدَّتْ عليه بعيب أو إقالَةٍ أو زَوَّجهَا، فطلَّقها الزوج أو كاتَبَها، ثم عجَزَتْ، لم يجز له أن يَطَأَهَا قبل أن يستبرئها لملكه الحادث، وإذَا استبرأها، فَإن لم يَطَأَ الثانية بعد تحريم الأولَى، فيطأ الآن أيتهما شاء، وان كان قد وطئها، لم يكن له أن يطأ التي عادت إليه، حَتّى يحرم الأخرَى على نفسه؛ لأن الثانية، والحالةُ هذه، كالأولَى في الحالة الأولَى.
فروع: الإثنان في المَوْضِع المكروه كالوطء في أن الأخرَى تحرم به، وفي اللمس والقبلة والنظَرِ بشهوة، مثل الخلاف المذكور في حُرْمَةِ المُصَاهَرَةِ، ولو ملك أختين، إحداهما مجوسيةٌ أو أخته من الرَّضاع، فوطئها بشبهةٍ، جاز له وطء الأخرَى؛ لأن الأولى محرمة، ولو ملك أُمَّاً وابنتها، ووطئ إحداهما حرمت الأخرَى على التَّأْبِيدِ، فَلَوْ وَطَئَ الأخْرَى بَعْدَهُ نُظِرَ؛ إن جهل التَّحْرِيمَ، حُرِّمَتِ الأولَى أيضاً على التَّأْبِيدِ، وإن كان عالماً، فهل عليه الحد لو وطئ الثانية قولان:
إن قلْنا: لا حُرِّمَت الأولى [أيضاً] 332 على التَّأْبِيدِ، وَإِلاَّ، فَلاَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا ملك إحدى الأخْتَينِ، وطئها، أو لم يَطَأْهَا ثُمَّ نَكَحَ أختها أو عمتها أو خالتها صَحَّ النِّكَاحُ، وَحَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ، وحرمت المملوكة، واحتَجَّ له، بأنَّ الاسْتَفْرَاشَ وَالاسْتِبَاحَةَ في باب النِّكَاحِ أقوى؛ ألا ترى أنه يتعلق به الطَّلاَقُ، والظِّهَارُ، والإِيْلاَء واللّعَانُ، والميراثُ، وسائر الأحكام وإذا كان فراش النِّكَاحِ أَقْوَى، لَمْ يَنْدَفِعْ بالأضعف، وكذا لو كانت في نكاحه إحدْى الأختين، فملَكَ الأخرَى، فالمنكوحةُ
الجزء: 8 - الصفحة: 44
حَلاَلٌ، كما كانت، والتي ملكها حَرَامٌ عليه؛ لأن الأقوى يدفع الأضْعَفَ، وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في إحدى الروايتين: أن النِّكَاحَ لا يَصِحّ، إذا تَقَدَّمَ الملك، وبه قَالَ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَ أَبُو حَنِيْفَةَ النِّكَاحَ، لكنه قال: لا تحل المنكوحةُ حتى تُحرَّم الموطوءة على نفسه، وليُعْلَمْ لذلك قوله في الكتاب "صَحَّ النِّكَاحُ" بالحاء والميم والألف.
فرع: إذا ارتدَّتِ المنكوحةُ بعد الدخول، لم يجز نكاح أختها، ولا أربعٌ سواها إلى أنْ تنقضي العدةُ كالرَّجْعِيَّة.
قال ابنُ الْحَدَّادِ: ولو قال لها، وقد ارتدت: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً، فله في الحال نكاح أختها، الحصول البينونة بكل حَالٍ وكذا الحكم، لو ارتدت، وخالعها في الردة.
ولو كانت تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ مدخولٌ بها، فارتدَّتِ الكبيرةُ وأُرْضعت أمُّها في عدتها الصغيرةَ وقف نكاح الصغيرة، فإِن أصرَّت الكبيرةُ، وانقضت العدة، بقي نكاح الصغيرة بحاله، وإن رجَعَتْ إلى الإِسلام، بطَلَ نكاح الصغيرة؛ لأنها صارت أختاً للكبيرة، واجتمعت معها في النكاح وفي بطلان نكاح الكبيرة قولان؛ يأتي ذكرهما في نظير المسألة في "باب الرَّضَاعِ":
أظهرهما: عند الشَّيخ أبي عليٍّ: أنه لا يبْطُل، بل هوكما لو نكح أختاً على أختٍ، لا يبطل نكاح الأُولَى، وكذلك الحكم لو كانت المرضعة أختاً للكبيرة، لاجتماعها مع الخالة في النِّكَاح، وعلى الزوج للصغيرةِ نصف الْمُسَمَّى، وللكبيرة تمامُهُ، ويرجع الزوْجُ على المرضعة بنصف مَهْرٍ مثل الصغيرة على أظَهْرِ الأَقْوَالِ، وتمامه على الآخر، وبِجَمِيعِ مهر مثل الكبيرة على أظهر القَوْلين، إذا قلنا ببطلان نكاحها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَتَحِلُّ الخَامِسَةُ بِطَلاَقٍ بِائنِ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الأَرْبَع دُونَ الرَّجْعِيِّ، وَالعَبْدُ لاَ يَزِيدُّ (م) عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ نَكَحَ الحُرُّ خَمْساً في عَقْدَةٍ وَفِيهِنَّ أخْتَانِ بَطَلَ فِيهِمَا، وَفِي البَوَاقي قَوْلاً تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: النوع الثاني: الزيادة على أَرْبَع نِسْوَةٍ، فلا يجمع الحرُّ في النكاح بين أكثر من أربع نسوة، روي أن غَيْلاَنَ أسلم وتحته عَشْرُ نُسْوَةٍ، فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- "اخْتَر أَرْبَعاً وَفَارِقُ سَائِرَهُنَّ" 333، وأن نَوْفلَ بْنَ مُعَاوَيةَ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوةٍ فَقَال: "أَمْسِكْ
الجزء: 8 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا الحديث غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه شعيب عن الزهري قال: حدثت عن محمَّد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم، الحديث.
قال البخاري: وإن حديث الزهري عن سالم عن أبيه، فإنما هو أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لترجعن نساءك، أو لأرجمنك، وحكم مسلم في التمييز على معمر بالوهم فيه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: المرسل أصح، وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة، وقد أخذ ابن حبان [1277 موارد] والحاكم [2/ 192] والبيهقي [7/ 182] بظاهر هذا الحكم، فأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه، قال الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئاً، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذ رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن المديني والبخاري وأبي حاتم ويعقوب ابن شيبة وغيرهم، وقد قال الأثرم عن أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، وأعلمه بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا، وقال ابن عبد البرّ: طرقه كلها معلولة، وقد أطال الدارقطني في العلل تخريج طرقه، ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلاً، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، وقد وافق معمراً على وصله بحر بن كثير السقا عن الزهري، لكن بحر ضعيف، وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك، ويحيى ضعيف قاله الحافظ.
فائدة: قال النسائي أنا أبو بريد عمرو بن يزيد الجرمي أنا سيف بن عبد الله عن سرار بن مجشر، عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشرة نسوة -الحديث- وفيه فأسلم وأسلمن معه، وفيه: فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر: راجعهن، ورجال إسناده ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني، واستدل به ابن القطّان على صحة حديث معمر، قال ابن القطّان: وإنما اتجهت تخطئتهم حديث معمر؛ لأن أصحاب الزهري اختلفوا عليه، فقال مالك وجماعة عنه بلغني فذكره وقال يونس عنه عن عثمان بن محمَّد بن أبي سويد، وقيل عن يونس عنه بلغني عن عثمان بن أبي سويد، وقال شعيب عنه عن محمَّد بن أبي سويد، ومنهم من رواه عن الزهري قال: أسلم غيلان فلم يذكر واسطة، قال: فاستبعدوا أن يكون عند الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً، ثم يحدث به على تلك الوجوه الواهية، وهذا عندي غير مستبعد، والله أعلم قلت: ومما يقوي نظر ابن القطّان أن الإِمام أحمد أخرجه في مسنده عن ابن علية ومحمد بن جعفر جميعاً عن معمر بالحديثين معاً، حديثه المرفوع، وحديثه الموقوف على عمر، ولفظه: أن ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: اختر منهن أربعاً، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله.
بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلاً، وأيم الله لتراجعهن نساءك، ولترجعن مالك، أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم تبر أبي رغال، قلت: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته، عن الزهري عن سالم عن أبيه، بخلاف أول القصة، والله أعلم وفي الباب عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس عند أبي داود وابن ماجة، وعن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية، ذكرهما البيهقي قاله الحافظ.
الجزء: 8 - الصفحة: 46
أَرْبَعاً وَفَارِقِ الأُخْرَى" 334.
ولو جمع بين خَمْسٍ، فصاعداً، نُظِرَ؛ إِن نكحهن في عَقْدٍ وَاحِدٍ، بَطَل نِكَاحُ الكل، وإن نكحهن على الترتيب، بطَل نكاحُ الزائدات على الأربع الأوليَّات، ولو نكح خمساً في عقد، وفيهن أختان، بَطَل فيهما، وفي البواقي قوْلاً تفريقِ الصَّفقةِ، وقد مَرّ شَرْحُهُمَا في "البيع"، والأظهر الصحَّةُ؛ لأن الأَظْهَرَ في البيع الصحَّةُ فيما يحل، والنكاح أولى بالصِّحَّةِ لِمَا سَبَقَ هُنَاكَ.
ولو نكح سَبْعاً فيهن أُخْتَانِ، بَطَلَ نِكَاحُ الْكُلِّ، وكذا لو نكَحَ أرْبَعاً أختَيَنْ وأختَيْن، وإذا كان في النكاح أَرْبعٌ، فأبانهن، فله أن ينكح أربعاً بَدَلَهُنَّ، وإن كُنَّ في الْعِدَّةِ، ولو أبان واحدةً، فَلَهُ نِكَاحُ أخرَى، وإِنْ كانتِ المبانةُ في عدته، وكذا لو وطئ امرأةً بالشبهة، له أن ينكح في، عدتها أرْبعاً، وخالف أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ فيه على ما ذكرنا في نِكَاحِ الأُخْتِ في عدة الأخْتِ، ولا خلاف في المنع إذا كانت الْمُفَارَقَةُ رَجْعِيَّةً.
وَالْعَبْدُ ينكح اثنينِ، ولا يزيد، وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنه يجوز له أن يَنْكِحَ أَرْبَعاً.
لنا: ما روي عن الحَكَم بن عُيَيْنَةَ، قَالَ: أَجْمَعَ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ألاَّ ينكح الْعَبْدُ أكْثَرَ من اثنتين 335.
فرْعُ: لابن الْحَدَّادِ إذا نكح سِتَّ نسْوَةٍ ثلاثاً في عَقْدٍ، واثنتين في عَقْدٍ، وواحدةً في عقد، ولم يُدر أن المتقدِّم من العقود ماذا، فنكاح الواحدة صَحِيْحٌ لاَ مَحَالَةَ، أما إذَا سَبَقَ نِكَاحُهَا، فَظَاهِرُ وأما إذا سبق إحدى العقدين نكاحها، فإنها تكون ثالثة أو رابعةً، فيصح نِكَاحُهَا، وأما إذا سَبَقَ العقدان معاً نكاحهما، فإن العقدة الثانية تَبْطُلُ لزيادة المجموع على الأربع؛ وحينئذٍ يصحُّ نكاحُ الواحدةِ بعدهما؛ لأنها إما ثالثةُ أو رابعةٌ، وأما البواقي، فَقَدْ قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: لا يثبت نكاحهن؛ لأن كل واحدة من عقدتي الاثنتين والثلاثِ يحتمل أن يكون بعد العقدة الأُخُرَى، فيبطل، وإذا وَقَعَ الشَّكُّ، فالأَصْلُ العَدَمُ، وأطنب الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ في "الشَّرحِ" فقال: أولاً: ما ذكره ابن الْحَدَّادِ
الجزء: 8 - الصفحة: 47
غَلَطٌ عند عَامَّةِ الأصْحَابِ، بل يصح مع نكاح الواحدة نكاحُ الاثنتين أو الثلاث؛ لأنه إن سَبَقَ نِكَاحُ الاثنتين على الثلاث، يصحُّ سواءٌ كان قبل الواحدة أو بعدها، وإنْ سَبَقَ نِكَاح الثَّلاَثِ على الاثنتين، فكذلك، لكن لا يعرف أَنَّ الصَّحِيحَ هذا أم ذاك فيوقف الأمر، ويسأل الزوج، فإنِ ادّعى سبق نكاح الاثنتين وصدقناه، يثبت نكاحهما مع الواحدة، وَإنِ ادَّعى سبق نكاح الثلاث، وصدقناه، فكذلك، وإن قَالَ الزَّوْجُ: لا أَدْرِي أو لم يبيِّن، فلهن طلب الفسخ، وإنَ رضيْنَ بالضرر ينفسخ، وعلى الزوج نفقةُ جميعهن في مدة التوقُّف، فإنْ مَاتَ قبل البيان، اعتدت من لم يدخل بها عدَّةَ الوفاة، ومن دخل بها أقصَى الأجلَيْن من عِدَّةِ الْوَفَاةِ أو الأقراء، ويدفع إلى المفردة رُبُعَ ميراث النَّسْوَةِ من الربع أو الثمن؛ لأنَّ غاية الممكن صحة نكاح الثلاث معها، ثم يجوز أن يكون الصحيحُ مع نكاحها نكاحَ [فلا يستحق إلاَّ الربع الذي أخذت ويحتمل أن يكون لصحيح نكاح الثلاث] 336 ويحتمل صحة نكاح الاثنين فيستحق الثُّلُث من نصيب النِّسْوَةِ، فيتوقف ما بين الثلث إلى الرُّبعِ، وهو نصف السدس من الواحدة، والثلث لا حق للاثنتين فيه، ويوقف الثلثان مَن نصِيبِ النُّسْوَةِ بين الاثنتين، والثلاثُ لا حق للواحدة فيه، فبان الصلْحَ قبل البيان، فالصلح في نصف السدس بين الواحدة، والثلاثُ لا حَاجَةَ إلى رضا الاثنتين، وفي الثلثين بين الاثنتين والثلاث لا حَاجَةَ إلى رضا الْوَاحِدَةِ فيه.
وأمَّا المهر، فللواحدة المفردة المسمَّى، والبواقي، إِن دخل بهن جميعاً قابلنا المسمَّى لأحد الفرقتين ومهر المثل للأخرَى بالمسمى للفرقة الأخرَى، ومهر المثل للأُولى، وأخذنا أكثر القدرين من التَّرِكَةِ، وَدَفَعْنَا إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الأَقْلَّ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرُ الْمِثْلِ، ووقفنا الباقي.
مثاله سمى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةً، ومهر مثل كلِّ واحدةٍ خمسون، فالمسمى للثلاث، ومَهْرُ المثل للاثنتين أربعمائة، وهي أكثر من المسمى للاثنتين ومهر مثل الثلاث، فتأخذ أرْبَعَمائة، وَنَدْفَعُ إلى كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسِينَ مِنْها، ونوقف الباقي وهو مِائَةٌ وخمسون منْها مِائَةٌ بين الخمس، وخمسين بين الثلاث والورثة، فإن بَانَ صحَّة نكاح الاثنتين، فالمائة لهما والخمسون للورثة، وإن بَانَ صِحَّةُ نكاح الثلاث، فلهن المائة والخمسون، وإن لَمْ يَدْخُلْ بواحدة منهن، فنأخذ من التَّرِكَةِ أكثر المسمَّيَيْن، ولا يدفع في الحال شَيْئاً إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، والأكثر في المثال المذكور ما سُمِّيَ للثلاث، فنأخذ، ونقف منه مائتين بين الثلاث والاثنين، ومائة بين الثلاث وللورثة، وإن دَخَلَ بإحدى الفرقتين، أخذنا الأكْثَر من مسمَّى المدخول بهن وحْدَه، ومن مهر مثْلِهِن مع مسمَّى اللواتي لم يدخل
الجزء: 8 - الصفحة: 48
بهن، ويدفع إلى اللَّوَاتي دَخَلَ بِهِنَّ الأقلَّ من المسمى ومَهْرَ المثل، ففي المثال المذكور، وإن دخل بالاثنتين، فمهر مثلهن مع مسمَّى الثلاث أربعُمائة، وذلك أكثر من مسمَّى الاثنتين، فنأخذ أربعمائة، ويدفع منها إلى كُلِّ واحدةٍ من الاثنتين خمسين، ويقف مائة بينهما وبين الثلاث، ومائتين بين الثلاث وبين الورثة، وَإن بَانَ صَحَّةُ نِكَاحِ الاثنتين، دفعنا إليهما المَائَةَ، والباقي للورثة، وإن بَانَ صَحَّةُ نِكَاحِ الثَّلاَثِ، دفعناها مع المائتين إليهن، وإن دَخَلَ بالثلاث، فمهر مثلهن مع المسمى للاثنتين ثلثمائة وخمسون، وذلك أكثر من المسمى للثلاث، فيأخذ ثلثمائة وخمسين، فيدفع إلى كُلِّ وَاحِدَةٍ من الثَّلاَثِ خمسين، ويقف الباقي، وهو مائتان، منها مِائَةٌ وخمسون بين الاثنتين والثلاث، والباقي بين الاثنتين والورثة، إن بَانَ صحة نكاح الثلاث، دَفَعْنا إليهن مِائَة وخمسين، والباقي للورثة، وإن بَانَ صَحَّةُ نكاح الاثنين، دَفَعْنَا إِلَيْهِنَّ المائتين.
قَالَ الشَّيخُ: فَإنْ كَانَتِ الْمَسْألَةُ بحالها، ونكح أربعاً أُخَرَ في عقد رَابعٍ ولم يعرف الترتيب، فلا يحكم بثبوت نكاح الواحدة، لجواز وُقُوعِهِ بَعْدَ الأَرْبَعِ، وإَن مَاتَ قَبْلَ البيان، وقفنا الربع والثمن، ولم ندفع شيئاً منه إلى واحدة منهن، وأما المهر، فَإنْ دَخَلَ بِهِنَّ جَمِيْعاً، أَخَذنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ منْهُنَّ الأَكْثَرَ من مُسَمَّاهَا وَمهْرَ مِثْلِهَا، وَدَفَعَنَا إِلَيْهَا الأَقَلَّ مِنْهُمَا، وَوَقَفْنَا الْبَاقِيَ بينهما وبين الورثة، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فيحتمل أن يكون الصحيحُ نكاحَ الأَرْبَعَ، ويحتمل أن يكون الصحيحُ نكاحَ الواحدة مع الثلاث، أو مع الاثنتين، [فَيُنْظَر إلى مهر الأربع وحده وإلى مهر الواحدة مع الثلاث، ثم مع الاثنتين] 337 فيؤخذ أكثر المقادِيرِ الثلاثة، ويوقف، وإن دخل ببعضهن دون بعض، فيؤْخَذُ لمن دَخَل بها أكْثر مهريها، ويدفع إليها أقلّهما، ويوقف الباقي بينهما وبين الورثة، ولمن لَمْ يدخلْ بها مهرها المسمَّى، ويوقَف بينهما وبين الورثة، هذا مُخْتَصَرُ كَلاَمِ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ الله تَعَالَى-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالمُطَلَّقَةُ ثَلاَثاً لاَ تَحِلُّ حَتَّى يَطَأَهَا زوْجٌ آخَرُ في نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلاَ يَكْفِي وَطءُ الشُّبْهَةِ، وَيكْفِي إيلاجُ الحَشَفَةِ أَوْ مِقْدَارُهَا من مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ، وَيكْفِي وَطْءُ الصَّبِيِّ وَالعِنَّينِ، وَلاَ يَشْتَرَطُ انْتِشَارُ الآلَةِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الزَّوْجُ مِنْ عَبْدِهِ الصَّغيرِ فَاسْتَدْخَلَتْ آلَتَهُ ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا لِيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ جَازَ في قَوْلٍ جَوَازُ إِجْبَارِ العَبْدِ عَلَى النِّكَاحِ وَحَصَلَ بِهِ دَفْعُ الْغِيْرَةِ، وَلوْ نُكِحَتْ بِشَرْطِ الطَّلاَقِ فَسَدَ العَقْدُ في وَجهٍ وَلَمْ يَحْصُلِ التَّحْلِيلُ (و)، وَهَلْ يَفْسُدُ النِّكاحُ بِشَرْطِ عَدَمِ الوَطْءِ؟ فِيهِ خِلافٌ، وَيفْسُدُ إِذَا تَزوَّجَ بِشَرْطِ أَلاَّ يَحِلَّ، وَلَيْسَ
الجزء: 8 - الصفحة: 49
الشَّرْطُ السَّابِقُ عَلَى العقْدِ كَالمُقَارِنِ فِي الإِفْسَادِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثالث: استيفاءُ عدد الطلاق، فإذا طَلَّقَ الْحُرُّ زوجته ثلاثاً في نِكَاحٍ وَاحِدٍ، أو أكثر دَفْعَةً وَاحِدَةً، أو أكثر قبل الدخول، أو بعده لم يحل له نكاحها، حتى تَنْكِحَ زوجاً غيره، ويدخل بها، ويفارقها وتنقضي عِدَّتُهَا 338 منه، قَالَ اللهُ تَعَالَى جَدُّهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] والمُرَادُ الطّلقة الثالثة.
وقالت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- "جَاءَت امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَّظِيَّ إِلَى رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ القُرظِيَّ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرحْمَنِ بْنَ الزُّبَيرَ -رَضِي الله عنهما- وإنما مَعَهُ مِثْلُ هَدْبَةِ الثَوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: "تُرِيْدِينَ أنْ ترْجِعِي إلى رِفَاَعةَ، لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" 339.
والعبدُ، إذا طلَّق زوجته طلقتين، كالحرِّ، إذا طلق ثلاثاً؛ لأنه استوفَى ما يملكه من الطَّلاَقِ، ولو عرضت الحريةُ بعد ذلك، لم تؤثر، هذه قاعدةٌ.
الفصل: وَفِيهِ مَسَائِلُ مذكورةٌ في الكتاب وغير مذكورة.
المسألة الأولى: يشترط أن تكون الإِصابةُ في نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَالوطْءُ بملك اليمين لا يحلل، وفي الوطء بالنكاح الفاسد قولان.
أصحُّهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يحلِّل أيضاً؛ لأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصَّحيحِ.
والثّاني: ويُحْكَى عن القديم: أنه يحلل؛ لأنه حُكْمٌ من أحكام الوطء يتعلَّق بالوطء في النكاح الصحيح، فيتعلَّق الوطء في النِّكاح الفاسد؛ كَالْمَهْرِ والعدة، وقرب
الجزء: 8 - الصفحة: 50
هذا الخلاف من الخلاف في أنَّ السَّيِّدَ إذا أذِنَ لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً، ووطئ فيه، هل يتعلق المهر بكسبه؟.
وحكَى أبو الْفَرَجِ الزاز طريقةً قاطعةً بالقول الأول، والوطء بالشُّبهَةِ من غير نِكَاح بأن ظنَّها ظانٌّ أنها زوجَتُه، فوطئها لا تحلِّل؛ لأن اللهِ تَعَالَى قَالَ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] ولم يوجدْ نكاحٌ صحيح [ولا فاسد، وطرد لشيخ أبو حاتم القزوينيُّ وآخرون القوْلَ فيه] 340 وربما بني ذلك على أنا، إذا أثتبنا الحلَّ بالوطء في النِّكَاحِ الفاسد، لم نثبْتُه، وفيه معنيان:
أحدهما: شمولُ اسْم النكاح.
والثاني: مشاركة الوطء في النكاح الفاسد للوطء في النكاح الصحيح في الأحكام، فعلى الأول الوطءُ بالشبهة لا يحلل، وعلى الثَّانِي يحلل.
المسألة الثانية: الْمُعَتَبرُ في التَّحْلِيلِ تِغْييب الْحَشَفَةِ وبه تناط أحكام الوطء كُلُّها وقال في "المُهَذَّبِ" إن كانت بِكراً، فأقلُّ الإِصابةَ الافتضاض بآلته، ومقدارُ الحشَفَةِ من مقطوع الحشفة بمثابة الحَشَفةِ.
قَال الإمَامُ: وعلى هذا، فالمعتبرُ الحشَفَةُ الَّتي كانتْ لهذا العضْو المخصوص، وحكَى عن رواية العراقيين وجهاً أن جميع الباقي من مقطوع الحشفة بمثابة الحشفة] 341 فلا بدّ من الإيقال، وإذا كان الباقي أقلَّ من قدر الحشفة، لم يحصل به التحليل، كالسليم إذا غيب بعض الحشفة، ولا فرق بين أن يكون الزوجُ قويَّ الانتشار، أو ضعيفه، فاستعان بإصبعه أو بإِصْبَعِها، أمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِشَارُ أَصلاً، إمّا لِعُنَّةٍ أو لشَلَلٍ في الذِّكَر، فَعَنِ الشَّيخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وغيره؛ الاكتفاء به، لحصول صورة الوطء وأحكامه، وهذا ما أورده في الكتاب، والمشهور في كتب الأصْحَاب الْمَنْعُ، لعدم ذوق العسَيْلَة، واسْتِدْخَالُ الذَّكَرِ يفيد الحلَّ سواء كان الرجلُ نائماً أو منتبهاً، واستدخال الماء لا يفيد الحل 342.
المسألة الثالثة: لا فرق بين أن يكون الزوجُ الثانِي عاقلاً أو مجنوناً حُرَّاً أو عبداً خصيّاً، أو فَحْلاً مسلماً أو ذِمِّيّاً، إذا كانت المطلَّقة ذمية سواءٌ كان المطلَّق مسلماً أو ذمياً والمعتبر أن يكون وطء الذمي في وقت، لو ترافعوا إلَيْنا لقَرَّرَّناهم على ذلك النكاح 343، والمراهقُ والصبيُّ الذي يَتَأتَّى منه الجماع، كالبالغ خلافاً لمالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي
الجزء: 8 - الصفحة: 51
"التتمة" أن للشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قولاً مثلَهُ، وأما الطفل الذي لا يتأتَّى منه الجماع، ففي الاكتفاء بتغييبه وجهان:
المذكور في الكتاب الاكتفاء، يحكى عن اختيار 344 القَفَّالِ؛ والأصح المنع، وهما كالوجهين في اشتراط الانتشار، أو هما هما.
وحكى الإمام عن اتفاق الأئمة على الاكتفاء بوطء الصبي، كما إن وطئ الصبية المطلقة في الصَغر يكتفي 345 به، ولكن الشَّيخَ أَبا الْفَرَجِ حَكَى الوجهين في الصَّبيَّة الَّتِي لا تْشُتهَى أيضاً.
ويتعلَّق بهذا الأصل ما قال الأئمة: إنَّ أسْلَمَ طريقٍ في البابِ وأدْفَعَهُ للعارِ والغيرة أن تُزَوّج من عبد مراهق، أو طفلٍ للزوج، أو غيره، وتستدخل حشفته، ثم تتملكه ببيع أو هبة، فينفسخ النِّكَاحُ، ويحصل التحليل، إذا اكتفينا بوطء الصغير، ويتعلَّق بأصل آخر، وهو إجبار العبد على النكاح، فإن لم نجوِّز للسيد أن يزوِّج من العبد الصغير، امتنع ذلك وإنما كان أسلم الطرق؛ لأنه لا يوثَقُ بطلاقِ الزوج؛ ولأن البالغ قد يُحْبِلُها، فيطول الانتظار، وأما أنه أدفعُ للعار والغيرة، فظاهر.
المسألة الرابعة: وطء الزوج الثاني في إحرامه أو إحرامها أو حيضها أو في نهار رمضان، أو على ظن أنه يطأ أجنبيةً يفيد الحلَّ؛ لأنه أصابه زوج في نكاح صحيح، وكذا لو وطئها بَعْدَ مَا حُرِّمَتْ عليه بالظِّهَارِ والعود، وكذا لو وطئها، وهي في العدة عن وطء شبهة، وقع بعد نكاحه إياها في أصحِّ الوجهين، ووطئه بعد ارتدادها أو ارتداده.
نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- على أنه لا يفيد الحِلَّ، وإن فُرِضَ الرجوعُ إلى الإِسلام؛ لاضطراب النِّكاح بخلاف سائر أسباب التحريم، فإنَّها لا توجب اختلال النَكاح، واعترض المُزَنِيُّ بأنه، إنْ دخل بها قبل الردة، فقد حصل الحل، وإلا، فتبين بنفس الردة، فلا معنى للرجوع، وأجاب الأصحاب بتصوير العدة من غير فرض الدخول، إما بالخلوة على القديم، أو بأن يطأ فيما دُوَن الْفَرْجِ، فيسبق الماء إلى الفرج؛ بأن تستدخل ماءه أو بأن يأتيها في غير المأْتَي، فتجب العدة بهذه الأسباب، ولا
الجزء: 8 - الصفحة: 52
يحصل 346 الحِلُّ.
المسألة الخامسة: إذا نكحها الزوج الثاني بشرط أنه إذا وطئها بَانَتْ منه، أو نكحها إلى أن يطأها أو على ألاَّ نكاح بينهما إذا وطئها، فهذا النِّكاحُ بَاطِلٌ؛ لأنه ضرب من نكاح المتعة، وقد روي أنه عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ المُحَلَّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ".
فإن نكحها على شرط أنه، إذا وطئها، طلَّقها، ففيه قولان فيما روى الجمهورُ، وقال صَاحِبُ "الكتاب" وَجْهَانِ:
أصحهما: أنه باطل؛ لأنه شرط يمنع صحة دوام النكاح، فأشبه التأقيت.
والثّاني: يصح العقد، وبه قَالَ أَبُوحَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويفْسُدُ الشرط، كما لو نكحها بشَرْطِ ألَّا يتزوَّج عليها، أو لا يسافر بها، وعلى هذا يسقط المُسَمَّى، ويجب مَهْرُ الْمِثْلِ، وإن لم يجر شرط، ولكن كان في عزمه أن يطلقها، إذا وطئها كره، وصح العقد خِلاَفاً لمالك وأحمد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ولو نكحها على ألاّ يطاها إلا مرَّةً، أو على أن لا يطأها نهاراً، فالحكاية عن نَصَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- في مواضعَ: أنه يصح النكاح، ويلغو الشرط، وفي موضع آخر: أنه لا يصح النكاح، وللأصحاب طريقان، نقلهما الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ في "السِّلْسلَةِ".
أحدهما: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ على قولَيْن، وجْهُ الأولِ القياسُ عَلَى ما إذا شرط إلاَّ يتزوج عليها، ولا يسافر بها، ووجْهُ الثاني إخلاُل هَذَا الشَّرْطِ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ.
وأصحُّهما: وبه قال الرَّبِيعُ أَنهُمَا محمولانِ عَلَى حالتين، فَحَيْثُ قال: يَبْطُلُ النكاح، أراد ما إذا شرطَتِ الزوجةِ ألاَّ يطأها، وحيث قال: يصح، أراد ما إذا شرط الزوج ألا يطأها، والفرق أن الوطء حَقٌّ له، فله تركه، والتمكين حقٌّ عليها، فليس لها تركُهُ.
ولك أن تقول: إذا شرط أحد المتعاقدين شرطاً، فإن لم يساعده صاحبُه، لم يتمَّ العقد، وإن ساعده، فالزوج بالمساعدة تاركٌ لحقه، فهلا كَانتْ مُسَاعَدَتُهُ كاشتراطه، وَهِيَ بالمُسَاعَدَةِ مَانَعِةٌ حَقَّهُ فَهلاَّ كانتْ مساعدتها كاشتراطها لحقها، ولو تزوّج امرأةً عَلَى أَلاّ تحل له، ففي "النهاية" أنه يجب أن يلتحق ذلك بالخلاف في شرط الامتناع عن
الجزء: 8 - الصفحة: 53
الوطء، وقال في "الْوَسِيْطِ" ينبغي أن يفسد؛ لما فيه من التناقض 347، وجميع ما ذكرناه فيما إذا جرتْ هذه الشروطُ في نفس العقد، فأما إِذا تواطأ عَلَى شيءٍ منها قبل العقد، وعقدا على ذلك القصد، فهل هو كالمقرون بالعقد؟.
فيه وجهان؛ أخذاً من مسألة مَهْرِ السِّرِّ والعلانية، والأصحُّ المنعُ، وَعَنْ مالِكٍ -رضي الله عنه- أنه كالمَشْرُوط في العَقْد.
المسألة السادسة: إذا قالَتِ المطلَّقةُ ثلاثاً: نكَحْتُ زوجاً آخر، ووطِئَني وفارقني، وانقضت عِدَّتِي منه، فيقبل قولها عند الاحتمال، وإن أنكر الزوْجُ الثاني 348، وصُدِّق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهْرِ، وذلك؛ لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة، والوطء مما يُتعذَّر إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عليه، ثُمَّ إن غلب على ظَنَّهِ صدْقُها، فله نكاحها من غير كراهة، وإنْ لم يَغْلِب، فالأَوَلى ألا ينكحها، وإنْ قال: هي كَاذِبَة، لم يكن له نكاحُهَا، فإن قالَ بعد ذلك: تبيَّنْتُ صدْقَها، فله نكاحها 349 لأنه ربما انْكَشَفَ له خلافُ ما ظنه.
المسألة السابعة: طلق زوجته الأمة ثلاثاً ثم ملكها، لم يحل له وطؤها بملك اليمين إلا بعد زوجٍ، وإصابة لظاهر 350 الآية، وفيه وجه؛ أنها تحل؛ لأن الطَّلَقَاتِ الثَّلاَثَ لا تمنع المِلْك، فلا تمنع الوطء بالملك بخلاف النكاح، واللهِ أعْلَمُ.
ثُمَّ لا بَأْسَ بالتَّنْصِيصِ على المواضع المستحقة للعلامات على ما هو رسْمُ الكتاب، فقوله: "ولا يكفي نكاح الشبهة" معلم بالواو، والمرادُ منه النكاح الفاسد.
الجزء: 8 - الصفحة: 54
وقوله: "أو مقدارها" معلم بالواو.
وكذا قوله "ويكفي وطء الصبي والعنين".
وكذا قوله "ولا يشترط انتشار الآلة"، والظاهر خلاف ما في الكتاب على ما مَرَّ، وقوله "ولو زوجها الزوْجُ" أي: تسبب في التزويج، وحمل أولياءها عليه.
وقوله: "فسد العقد" مُعْلَمٌ بالحاء.
وقوله: "في وجه" بالواو؛ لأن أبا الفَرَجِ السَّرْخَسِي حَكَى عَنْ بَعْضِ الأصْحَابِ الْقَطْعَ بِالْفَسَادَ.
وقوله "ولم يحصل التحليل" جواب على الأصح، وهو أن الوطء في النكاح الفاسد لا يفيد الحِلِّ.
وقوله "فيه خلاف" مُعْلَمٌ بالواو إحدى الطريقتين المذكورتين من قبل، وكذا قوله "يفسد إذا تزوج".
وقوله "وليس الشرْطُ السابق علَى العقد كالمقارن في الإِفْسَادِ" معلم بالواو والميم.
قَالَ الغَزَاليُّ: (الْجنْسُ الثَّالثُ) مِنَ المَوَانِعِ المِلْكُ وَالرِّقُّ فَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْكحَ أَمَتَهُ وَلَوْ مَلَكَ مَنْكُوحَتَهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلاَ لِلْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ عَبْدَهَا، وَلَوْ تَمَلَّكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْجِنْسُ الثَّالِثُ من الموانع رقُّ المرأة، وهِيَ إما أن تكون له، وهو الذي أراد بِإِطلاَقِ "المِلْك" أو لغيره، وَهُوَ الَّذِي أرَادَ "بالرِّقِّ".
أمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ: فَلَيْسَ للرَّجُلِ أن ينكح أَمَتَهُ؛ ولا الَّتِي يَمْلِكُ بعضها، ولو ملَكَ زوجته أو بعْضَها، انفسخ النكاح، واحتجوا له بأنَّ مِلْكَ اليمين أَقْوَى النِّكَاحِ؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة، والنِّكَاحُ لا يملك به إلاَّ ضرباً من المنفعة، فيسقط الأضعفُ بِالأَقْوَى، وَهَذَا القدر من التوجيه يُشْكِل بما إذا بَاعَ المستأجِرُ من المستأجر، فإنه لا تنفسخ الإِجَارَةُ عَلَى الأَصَحِّ مع وجود هذا المعنى، لكن ذَكَرْنَا في الإِجَارَةِ ما فَرَّقوا به بين البابَيْن، ولا يجوز للْمَرْأةِ أنْ تَنْكِحَ عَبْدَهَا، وَلَوْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ.
والمِلْك تَتَنَاقَضُ؛ لأَنَّهَا تُطَالِبُهُ بِالسَّفَرِ إِلَى الشَّرْقِ؛ لأنه عَبْدُهَا، وَهُوَ يُطَالِبُهَا بالسَّفَرِ مَعَهُ إِلَى الغَرْبِ؛ لأنها زوجته، وَإِذَا دَعَاهَا إِلَى فِراشِهِ بِحَقِّ النِّكَاحِ بعثته في بعض أشْغَالها بحقِّ الملكَ، وإذا تعذر الْجَمْعُ بينهما بَطَلَ الأَضْعَفُ، وَثَبَتَ الأَقْوَى.
قَالَ الغَزَاليُّ: وَلاَ يَنْكِحُ الحُرُّ المُسْلِمُ مَمْلُوكَةَ الغَيْرِ إِلاَّ بِأَرْبَعِ شَرَائِطَ وفَقْدِ الْحُرَّة تَحْتَهُ، وَفَقَدْ طَوْلِ الحُرَّةِ (ح)، وَخَوْفُ العَنَتِ (ح)، وَكَوْنُ الأَمَةِ مُسْلِمَةً (ح)، فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ رَتْقَاءُ أوْ هَرِمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ كِتَابيَّةٌ أَوْ غَائِبَةٌ لَمْ ينْكِحِ الأَمَةَ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى نِكاحِ حُرَّةٍ رَتقَاءَ أوْ غَائِبَةٍ غَيْبَةً بَعِيدَةً نَكحَ الأَمَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ في
الجزء: 8 - الصفحة: 55
وَجْهٍ، فَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً فغَالَتْهُ في المَهْرِ بِمِقْدَار يُعَدُّ قَبُولُهُ إسْرَافاً نكَحَ الأَمَةَ (و)، وَللْمفْلِسِ نِكَاحُ الأَمَةِ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً تَرْضَى بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ فَإنْ قَنِعَتْ بِدُونِ مَهْرِ المِثْلِ لَمْ يَنْكِح الأَمَةَ عَلَى الأَصَحِّ إِذ المِنَّةُ فِيهِ هَيَّنَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: مَمْلُوكَةُ الغَيْرِ، إِنَّمَا يَنْكحُهَا الْحُرُّ بِشُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: إلاَّ تكون تحته حُرَّةٌ فإن كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ نَظِرَ؛ إنْ تَيَسَّرَ الاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الأِمَةِ مُسْلِمَةً كَانَت الحُرَّةُ أو كِتَابيَّةً؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نَهَى أنْ تُنْكَحَ الأَمَة عَلَى الْحُرَّةِ" ويروى ذلك عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ موْقوفاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- 351.
وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ في وُجُودِ الْحُرَّةِ الكتابية، هَل يُمْنَعُ نِكَاحُ الأَمَةِ؟.
وهما كالوجهين الآتيين في أنَّ الْقدْرَةَ عَلَى نِكَاحِ الكِتَابيَّةِ الْحُرَّةِ، هل يمنع نِكَاحَ الأمَةِ؟ وإن لم يتيسَّر الاستمتاع بها، كما إذا كانت صغيرةً أو هرمة أو غائبةً أو مَجنُونَةً أو مجذومة، أو بَرْصَاءَ، أَؤ رَتْقَاءَ، أَو مُضْنَاةً لا تتحمَّلُ الجماع فوجهان:
أَحَدُهِمَا: أَنه يصح نِكَاحُ الأَمَةِ؛ لأَنَّهُ لا غناء في الحُرَّةِ الَّتِي تَحْتَهُ، ولا استغناء بها، وَهَذَا أَصَحّ عند صاحب "الْمُهَذَّبِ" وبه أجاب ابنُ الصَّبَّاغِ وطائفة من العراقيين، واختَارُهُ الْقَاضِي حسين.
والثاني: المنع؛ لظاهر النَّهْي؛ ولأن نكاح الصَّغيرة والغائبة كنكاح البالغة والحاضرة في منع نكاح الأخت، فكذلك في مَنْع نِكَاح الأَمَةِ، وهذا هو المذكور في "الْكِتَاب" وفي "النَّهَايَةِ" "والتَّهْذِيبِ" وعلى هذا، فَلاَ يَصِحُّ نِكَاحُ الأَمَةِ، حَتَّى تُطلَّقُ الحُرَّةُ طَلاَقاً بَائِناً أو رَجْعيّاً، وَتَبِيْنَ مِنْهُ.
الثاني: ألاَّ يقدر على نِكَاحِ حُرَّةٍ، إما لأنه لا يوجد صداقها أو أنه لا يجد حُرَّةً ينكحها، فإن قدر لم يحلَّ له نكاح الإِماء، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا
الجزء: 8 - الصفحة: 56
أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] الآية والطَّوْلُ: السَّعَةُ وَالْفَضْلُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضي اللهُ عَنْهُمَا- وَلَمْ يعْتَبرْ هَذَا الشَّرْطْ أبو حَنِيْفَةَ وَفِيهِ مَسَائِلُ.
المسألة الأولى: الْقَادِرُ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ رَتْقَاءَ أَوْ قرْنَاءَ هَلُ لَهُ نِكَاحُ الأمَةِ.
فِيْهِ وَجْهَانِ يوجه إحدهما بِحُصُولِ بَعْضِ الاسْتِمْتَاعَاتِ.
والثَّانِي: بِأَنَّ مَا هُوَ الأصْلُ لاَ يَحْصُلُ، وفي "التَّتِمَّة" أَنَّ هذا الخلاف مبنيٌّ على الخلاف فِيْمَا إِذا كانت رَتْقَاءَ أَوْ قُرْنَاءَ، إن قلنا إن وجودها يمنع نكاح الأمة، فكذا الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ على استعمال الْمَاءِ يمنع التَّيمُّمَ، فإن قُلْنَا: إنَّ وجودَهَا لا يمنع القدرة عليها أولَى ألاَّ يُمْنَعٍ، لكنَّ الجواب في "الْكِتَاب" وَالتَّهْذِيب" أنه يَجُوزُ نِكَاحُ الأمَةِ هاهنا مع الجواب بأنَّ وجودَهَا يمنعه، وَيجْرِي الْخِلاَفُ فيما لو قدر على نكاح مرة وضيعة، وأولَى بَجَوَازِ نِكَاحِ الأَمَةِ لِفَوَاتِ الاسْتِمَتَاعِ بتوابعه، ويجري في المجنونة والمجذومة، وأولى بالمنع لإِمْكان الاستمتاع، ولو كانت الحرةُ الَّتِي يقْدِرُ على نكاحها معتدَّةً عن الغير.
حَكَى الْقَاضِي الرُّوَيانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الأَمَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجهَين والله أعْلَمُ.
وفرّع المتولِّي على الوجهَيْن في هذه المسائل أن المستَجْمِعَ لشرائط نكاح الأَمَةِ هَلْ يَنْكِحُ أمَةً صَغِيرَةً؟.
إن قلنا: إن وجود الحرَّةِ الصغيرة في نكاحِهِ لا يمنع نكاح الأَمَةِ، فلا ينكح الأَمَةَ الصَّغِيرَةَ؛ لأنه لا يأْمَنُ بها من العنت، وإن قُلْنَا: إنهُ يَمْنَعُ نِكَاحَ الأَمَة، فله أن ينكحها إلحاقاً للصَّغِيرَةِ بِالكبِيرَةِ في الجواز كما أُلْحِقَتْ بها في المنع.
قَالَ: والأوَّلُ أظهر.
ولو قدر على نكاح حرَّةٍ غائبةٍ عن بلده، فقد أطلق في "الْكِتَاب" أن له نكاحَ الأَمَةِ، وفصل أكثر أصحابنا، فقالوا: إن كان يخاف الْعَنَتَ في مدَّةِ قطع المسافة أو يلحقه مشقة ظاهرةٌ بالخروج إلَيْها، فله نِكَاحُ الأَمَةِ، وإلاَّ، فَلاَ، وضبط الإِمام المشقَّة المعتبرة بأن ينسب متحمِّلَها في طلب زوْجَّةٍ إلى الإِسراف ومجاوزة الحد.
المسألة الثانية: لو قدر على صَدَاقِ حُرَّةٍ كِتَابيَّةٍ، فَوَجْهَانِ عن حِكَايَةِ أَبِي إسْحَاقَ أو وتخريجه:
أحدهما: أنه يجوز له نِكَاحُ الأَمَةِ؛ لأن الشَّرْطَ في الآية ألا يستطيع طَوْلَ المؤمنات، وقد يحصل.
وأصحهما: المنع؛ لأنه مستغنٍ بها عن إرقاق وَلَدِه؛ ولهذا لو كان تحته كتابيةٌ،
الجزء: 8 - الصفحة: 57
لم يجز له نِكَاحُ الأَمَةِ، كما لو كان تحته مسلمة، وذكر المؤمنات في الآية الأخرى جرياً على الأغلب، فإنَّ الغالب أنَّ المسلم، إنما يرغب في المؤمنات، وأيْضاً، فالغالب أنَّ من لا يَقْدِرُ عَلَى طَوْلِ المؤمنة لا يَقْدِرُ عَلَى طول الْكِتَابيَّةِ؛ لأن الكتابيَّة لا ترضَى بالمسلم إلاَّ بِمَهْرٍ كَبِيرٍ، وعن أبِي الطَّيِّبِ الساوي أن أَبا إسْحَاقَ قَطع آخراً بالوَجْه الثاني.
المسألة الثالثة: لو لم تَرْضَ الحُرَّةُ التي يَجِدُها إلا بأكثر من مَهْر مثلها، وهو واحدٍ لما يغَالى به، فالمنقول في "التَّهْذِيب" أنه لا ينكح الأمة وفي "التَّتِمَّةِ" أنه ينكحها، كما لو بيع الماء بأكثر من ثمنِ المِثْلِ، لهَ العدول إلى التّيمم.
وَتَوَسَّطَ الإمَامُ وصاحب "الْكِتَاب" فقالوا: إن كانت المغالاةُ بقدر كبيرٍ يُعَد بَذْلُهُ إسْرَافاً، فله نِكَاحُ الأمَةِ، وإلا، فَلاَ، وفَرَقُوا بين مسألة التَّيَمُّمِ، وبين ما نَحْنُ فيه من وجهين:
أحدهما: أنّ الحاجة إلى الماء تتكرَّر.
والثاني: أن النكاح تتعلَّق به أعراضٌ كليةٌ لا يعدُّ باذلُ المالِ في مثلها مَغْبُوناً 352، ولو بِيعَتِ الرقبةُ بثمنَ عالٍ، والمكفِّر واجد له، فَهَلْ يعْدِلُ إِلَى الصَّومِ؟.
اختلف فيه كَلاَمُ صَاحِبِ "التَّهْذِيب" قال: هاهنا لا يعدل، وَقَالَ في الكفارات يعدل، وذكر ما أورده هاهنا ذكر من ينقل وجهاً بعيداً، أو تخريجاً غريباً.
المسألة الرابعة: إذا لم يَجِدِ المهر، لكن هناك حرةٌ ترضى بمهر مؤجَّلٍ، وهو يتوقَّع القدرة عليه عند الحُلُول، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له نكاحُ الأَمَةِ، لتمكنه من نكاح حُرَّةٍ.
أظْهَرُهُمَا: الجواز، وهو المذكور في "الْكِتَاب" وفي "الشَّامِلِ"؛ لأن ذمَّته تصيرُ مشغولةً في الحال، وقد لا يصدق رجاؤُهُ عند توجُّه الطلب عليه، ويجري الوجْهَان فيما لو بِيعَ منه نسيئه ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجْرَةٍ معجَّلةٍ وأجراهما مُجْرُونَ فيما إِذَا أقرض مهر حرة، والأَوْلَى ما نقله صاحب "التَّتِمَّةِ" وهو القَطْع بأنه لا يجب القبول؛ لأن القرض لا يلحقه الأجل، وربما يطالب في الحال، ولو رضيت حُرَّةٌ بأن ينكحها بلا مهر، لم 353 يمتنع به نكاح الأَمَةِ؛ لأنها تطالبه بالفرض.
وفي شرح الشيخ أَبِي عَلِيٍّ وَجْهٌ آخَرُ أنه يمتنع، ولو رَضِيَتْ بدون مهر المثل،
الجزء: 8 - الصفحة: 58
وهو يجده فوجهان: أصحهما: وبه قطع بعْضُهِم: أنه لا يجوز له نكاح الأَمَةِ لقدرته على نكاح الحرة، وهذا كما أنَّه لا يتيَّمم، إذا وَجَدَ الماء بثمن بَخْسٍ.
والثاني: يجوز؛ لِمَا فيه من المنَّةِ، وَمَنْ قَالَ بالأوَّل، قَالَ: الْمهْرُ مما يُتسامَحُ فيه، ولا يتعلَّق به كَبيرُ مِنَّةٍ، ولو وُهِبَ له مالُ أو جاريةٌ.
لم يلزمه القبول 354، وجاز له نكاحْ الأمة، ولْيُعْلَمَ من لفظ "الكتاب" قوله "فَقْدُ طَوْلِ الحُرّةِ" بالحاء، وكذا قوله: "وخوفِ العنت" لما سنذكره، وقوله: "لم ينكح الأمة بالواو، وكذا قوله: نكح الأمة بالواو وقوله: وللمفلس نكلاح الأمة، وقوله: على الأصح لقطع بعضهم بأنه لا ينكحها".
فَرْعٌ: ذَكَرَ القاضي ابنُ كَجٍّ وجهَيْن في أنه، هَلْ يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُ الإِماء مع ملْكِ المسكن والخادم أم عليه بَيْعُها وصرْفُها إَلى طَوْلِ الحُرَّةِ 355؟.
والمال الغائبُ لا يمنع من نكاح الأَمَةِ، كما لا يمنع ابن السبيل من أخذ الزكاة، والمُعْسِر الذي له ابنٌ مُوسِرٌ يجوز له نِكَاحُ الأَمَةِ، إِن لم نوجتْ على الابنِ الإِعفاف، وإن أوجبناه، فوجهان؛ لأنه مستغن بِمَالِ الابن 356.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأمَّا خَوْفُ الْعَنَتِ فَإنَّمَا يَتِمُّ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَضَعْفِ التَّقْوَى، فَإنْ قَوَيَتِ التَّقْوَى وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ ينْكِحْ، وَالقَادِرُ عَلَى سِريَّةٍ لاَ يَخَافُ العَنَتَ فَلاَ يَتَرَخَّصُ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشرطُ الثالث خوف الْعَنَتِ 357، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ
الجزء: 8 - الصفحة: 59
الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] والعنت؛ المشقَّة الشديدة، ويقال: إنَّه الهلاك، والمراد هاهنا الزنا سمي به؛ لأنه سبب المشقَّة والهلاك بالحد في الدنيا، والهلاك في الآخرة بالعقوبة.
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا يشترط خوف الْعَنَتِ، وفي الفصل مسألتان:
الأولى: في أنَّ هذا الشرطَ بم يتحقَّق.
قال الإِمام: ليس الذي يَخَاف الزنَا، هو الذي يغلب على ظنه الوقوعُ فيه، بل المرادُ الَّذِي يتوقَّعه لا عَلى سبيل الندور وليس غَيْرُ الخائف هو الذي، يعْلَم الاجتناب عنه، لكن غلبة الظن بالتقْوَى والاجتنابِ ينافي الخوْفَ، فمن غلبت شهوته [ورق تقواه، فهو خائف، ومن ضعفت شهوته، وهو] 358 يستبدع الوقوع في الزنا لدين، أَو مروءةٍ أَو حياء، فهو غير خائف، وإن غلبت شهوته، وقوى تقواه، ففيه احتمالان للإِمام أظهرهما وهو المذكور في "الكتاب" أنه لا يجوز له نكاح الأَمَةِ؛ لأنه لا يخاف الزنَا، فلا يجوز له أن يَرِقَّ ولده لقضاءِ وطَرِ أَو كَسْرِ شهوة.
والثاني: إِنْ كان تَرْكُ الْوُقاع يجرُّ ضَرَراً أَوْ مَرَضاً يَجُوزُ لَهِ نِكَاحُ الأَمة، والْمَجْبُوبُ لا يتصورُّ الوطء منه مُبَاحاً، ولا حراماً، ففي "النِّهَايَة" و"التتمة" أنه لا ينكح الأمة، وذكر صاحب "التَّتِمَّةِ" تفريعاً عليه أنه، لو نكح حُرٌّ أمَةً، فوجدتْهُ مجبوباً، وأرادت الفسخ، فقال الزوج: جُبَّ ذكرى بعد النكاح، فإن لم يكن ما يقولُهُ محتملاً، بأن كان الموضع مُنْدَملاً، وقد عقد النكاح أمس، فالنكاح فاسدٌ، وإن كان محتملاً، فإن صدقته فذاك، وإنْ كذبته، بطل دعواه؛ لأن قضيَّة قولها فسادُ النكاح من أصله، وقال الْقَاضِي الرُّوَيانِيُّ في "البحر" [أن] للخصيَّ والمجبوب نِكَاحَ الأَمَةِ عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم به؛ لأن العنت هو المشقَّةُ 359.
الثانية: في القادر عَلَى شراء أَمةٍ يتسرّى بها وجهان:
أحدهما: أنَّ له نكاحَ الأمَة؛ لأنه لا يستطيعُ طَوْلَ الْحُرَّةِ؛ وهذا هو المذكور في "التَّتمَّةِ" "وَالتَّهْذِيبِ" ويحكى القَطْعُ به عن القاضي الحسين.
ولو كانت في ملكه أمةٌ لَمْ ينكح الأمة، وفي كتاب الحَنَّاطِيَّ الخلافُ فيه، وإذا قلْنا بالصحيح، فلو كانت الأمة التي يملكها غَيْرَ محلَّلة له، نُظِرَ، إن وفت قيمتها بمهر حرة أو ثمن أمة يتسراها، لم ينكح الأمة، وإلاَّ، نكحها، واللهُ أعْلَمُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 60
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإذَا تَرَخَّصَ فَلاَ ينْكحُ إلاَّ مُسْلِمَةً، أمَّا الكِتَابِيَّة فَلاَ تَحِلُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكحَ أَمَةً مُسْلِمَةً لِكَافِرٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَالحُرُّ الكتَابِيُّ ينْكِحُ الأَمَةَ الكتَابِيَّةَ، وَالعَبْدُ المُسْلِمُ لاَ يَنْكِحُهَا، فَقِيلَ في الْمَسْأَلَتَينِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لفظ الترخيص يشير إلى أَن نكاح الأمةِ، إنما يجوز عند الضَّرُورَةِ، أو شدَّةِ الحاجة، علَى ما هو سبيلُ الرُّخَص، وأراد بقوله: فإذا ترخص الحرَّ المسلم، وقد سبق ذكره عند قوله: "ولا ينكح الحرُّ المسلمُ مملوكةَ الغَيْرِ إلا بأَرْبَع شَرَائِطَ"، والشرط الرَّابعُ أن تكون الأَمَةُ المنكوحةُ مسلمةً، أما الكتابيةُ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ نِكَاَحُهَا خِلاَفاً لأَبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
واحتج الأصْحَابُ بأن اللهَ تعالَى شرط في نكاح الأَمَةِ الإِسلامَ، حيثُ قَالَ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] وفي نكاح الكتابية الحُرّيَّةُ حيث قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] فدلَّ على أَنه لا ينكح الأمة الكتابية، وبأنه اجتمع فيه نقصان [لكل واحدة منهما أثر في المنع من النكاح] 360 ولا يجوز للحر المسلمِ نكاحُها كالحرَّة المجوسية والوثنية، والزيادةُ والنقصانُ في الفَرْع الكُفْرُ والرِّقُّ، وفي الأصل الكُفْرُ، وأنه لا كتاب لها، وهل يجوز [له] أن ينكح أَمَةً مُسْلِمَةً لِكَافِرٍ؟.
فيه وجهان منقولان في "النَّهَايَةِ":
أصحهما: الجوازُ، لحُصُولُ الإِسَلام في المنكوحة.
والثاني: المنع؛ لما فيه من إرقاقِ الولَدِ المسْلِمِ للكافر، وفي نِكَاحِ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ الأَمَةَ الكِتَابيَّةَ وَجْهَانِ، ويقال: قولان:
أحدهما: المنع، كما يمنع الحرُّ المسلمُ من نكاحها.
وأصحهما: الجوازُ، كما أن الحرَّ المسلمَ ينكح الأمة المسلمة، وظاهر المذهب، وهو نصّه في "الْمُخْتَصَرِ" أن العبد المسلم لا ينكحها؛ لأن المنع من نكاحها الكفر، فيستوي فيه الحرُّ والعبدُ، كالمرتدة والمجوسية، وفيه قَولٌ آخَّرُ، أنَّ له نكاحُهَا؛ لأنه لا تفاوُتَ بينهما في الرِّقِّ والحُرِّيَّة، وإنما يتفاوتان في الدِّين، وأنَّه لا يمنع النكاح؛ ألا ترَى أن الحرَّ المسلِمَ ينكح الحرَّةَ الكتابية، وينسب هذا القول إلى رواية صاحب "الإِفْصَاح" عن القول القديم، ورواية ابن أبي هريرة، والأستاذ أبي طَاهِرٍ الروياني، وهو في الجديدِ أشهرُ، ورأَيت الاِمام نقل الخلافَ في الصورتَيْن في حكاية أسندها إلى أبي الحسن
الجزء: 8 - الصفحة: 61
الْمَاسرْجَسِيَّ عن تخريج ابن أبي هُرَيْرَةَ تارةً، وابن خيران أخرى، واللهُ أَعْلَمُ ووجهه بعضهم الجواز في الصورتَيْن بأنه لم يجتمع النقصانُ بالإضافة إلى الناكح؛ لأن الكفر ليس نقصاً في حق الكافر، وكذا الرقُّ في حق العبيد، وَالعبْدُ الكتابيُّ هَلْ يَنْكِحُ الأَمَةَ الْكِتَابيَّةَ، إن قلْنا: للحر الكتابيِّ أن ينكحها، فنعم بطريق الأوْلَى، وإلا، فوجهان، والأصح الجواز 361 أيضاً لتَكَافِئِهِمَا فأَمَّا القول في نكاح العبْدِ المسْلِم الأمةَ المسلمة، فنذكره في "باب نكاح المشركات" حيث قال: "لأن الأمة في حَقّه كالحرَّةِ".
ويجوز للمسلم وطءُ كتابيَّةٍ بمِلْكِ اليمين دُونَ المجوسيَّة والوثنية اعتباراً بالنِّكَاحَ، ولْيُعْلَم قوله في "الكتاب" "فلا ينكح إلا مسلمة" بالحاء؛ لما سبق.
وكذا قوله: "والعبد المسلِمُ لا ينكحها"؛ لأنه إذا جوز للحرِّ نكاحَها، فالعبد أولَى بالتجويز.
وقوله: "والحر الكتابيُّ ينكح الأمة الكتابية، والعبد المسلم لا ينكحها" أراد به أن الشَّافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نَصَّ في المسألتَيْن هكذا، أما أنَّ العبْدَ لا ينكحها، فمصرح به في "المختصر" وأما أنَّ الحرَّ الكتابيَّ ينكحها، فمأخوذٌ من قوله في "باب الولادة" ولا يكون المسلم وَلِيّاً لكافر إلا علَى أمته، فإن تزويجها من المسلِمِ ممتنع، ولا بُدَّ وأن تكون ولايته في التزويج من الكافر، والأولى أن يقرأ قوله بعد ذلك فقيل: في المسألتين "قولان" بالفاء؛ ليكون ذلك إشارةً إِلَى تصرُّف الأصْحَابِ في النصَّيْن، وجعل المسألتين على قولَيْن، ولو"وقيل" قرئ بالواو؛ لاقتضى إثبات طريقين.
أَحدهما: يحرُمُ بالنفْيِ في المسألة الثانية، وبالإِثْباتِ في الأُولَى.
والآخر: يُثبِتُ قولَيْن في المسألتين، وليس في كتب الأَئمَّةِ ذِكْرُ طَرِيْقَةٍ جَازِمَةٍ، نَعَمْ، ربما اقتصروا على النفْيِ في الثانية، والإِثباتِ في الأُولَى؛ لأن السكوتَ عن الخلافِ ليس جزماً بنفيه.
فَرْعٌ: التي تبعض فيها الحريَّة والرق، كالرقيقة الَّتِي لا يَنْكِحُها الحرُّ إلا عند اجتماع الشرائط المذكورة، إذا قَدَرَ عَلَى نكاحها، فهل له نكاحُ التي تمحضَّت رقيقةً؟ تردَّدَ فيه الإمام؛ لأن إرْقَاقَ بَعْضِ الولد أهونُ من إرقاق كُلِّه 362.
الجزء: 8 - الصفحة: 62
وَحُكِيَ عَنْ بعض الأصحاب أنَّ من تُبعَض فيه الحُرِّيَّة والرق كالرقيق، حَتَّى يَنْكِحَ الأَمَةَ مع القُدْرة عَلى نِكَاحِ الْحُرَّةِ؛ لأن ما فيه من الرِّقَّ أخْرَجَه عن الولاية والنَّظر للولد.
آخر ولد الأمة المنكوحةِ رقيقٌ لمالكها سواءٌ كان الْحُرُّ الذي نكَحَها عربياً، أو غيرَ عربيّ، وفي "القديم" قولٌ أن الرِّقَّ لا يجْرِي على العَرَب، فإنْ كان الناكح عَرَبِيَّاً، يكون الولَدُ حُرّاً، وهل على الناكِحِ قيمته، كما في صورة الغُرورِ، أم لا شيء عَلَيْهِ؛ لأنَّ السَّيِّدَ رَضِيَ بِهِ، حيث زوَّجها من العربيِّ؟ فيه قولان، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أَمَةً ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الحُرَّةِ وَنكَحَهَا لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الأَمَةِ بَلْ لاَ يُرْعَى الشَّرْطَ إِلاَّ في الابْتِدَاءِ، وَلَوْ جَمَعَ القَادِرُ حُرَّةً وَأَمَةً في عَقْدٍ، بَطَلَ نِكَاحُ الأَمَةِ، وَفِي الحُرَّةِ قَوْلا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
الأول: إذا نَكَحَ الحُرُّ أمَةً [بشروطه] ثم أَيْسَرَ لا ينفسخ نكاحُ الأمة؛ لأن قضية الآية اشتراطُ الإِعْسَار في الابتداء، ولا يلزمُ من كونه شرطاً في الابتداء، أن يكون شرطاً في الدوام لقوَّة الدوام، وهذا كما أنَّ خوْفَ العنَتِ يُشترطُ في الابتداء دون الدَّوَام، وكما أن العِدَّةَ والرِّدَّةَ والإِحرام يمنع ابتداءَ النِّكَاح دون دوامه، وكما أنَّ الإِسلام يمنع ابتداء السبْي دون دوامه، وكذلك لو نكح حُرَّةً بعْدَ ما نكح الأمة، لا ينفسخ نكاح الأَمَة.
وَقَالَ المُزَنِيُّ: ينفسخُ النكاح في الصورتَيْن، وعن أَحْمَدَ في الصورة الثانية مِثْلُهُ.
الثانية: لو جمع الحرُّ بين حرة وأمة في عقد واحدٍ، نُظِرَ؛ إن كان مِمَّنْ لا يحل له نكاحُ الإِماء، فنكاح الأمة باطلٌ، وفي نكاحِ الحُرَّةِ قولان مذكوران في الجديد:
أصحهما: وهو المنصوص في "القديم": أنه يصحُّ، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ، والْمُزَنِيُّ، واختاره ابنُ الْحَدَّادِ، والقولانِ مرتَّبانِ على القولَيْن، فيما إذا بِاع عبده، وعبْدَ غيره صفقةً واحدةً، ومبنيَّان على أنه، إنْ بَطَلَ في بيع عبده 363 بَطَلَ؛ لأن العقْدَ الواحد لا يتبعض، أو لجهالة العوض، وكل ذلكَ قد بيَّنَّاه في "باب تفريق الصَّفْقَة".
وإن كان ممن يحِلُّ له نكاحُ الإِماء بأن وَجَدَ حُرَّةً [تَسْمَحُ] 364 بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، أو بما دُونَ مَهْر المثل، أو بدون الْمَهْرِ، أو وَجَدَ طَوْلَ حُرَّةِ كِتَابيَّةٍ، وقلْنا: إنَّ هذه المعانِيَ لا تمنع صحَّةَ نكاح الأَمَة، فمثل هذا الشخْصِ، إذا نكحَ حُرَّةَ وَأَمَةً في عقْدٍ، لم يصحَّ نكاح الأمة أيضاً؛ لأنه لو صحَّ، لصحَّ نكاحُ الحرَّة، والأمةُ لا تُقارَنُ بالحرَّة، كما لا تدخل عليها، وفي نكاحِ الحرَّة طريقان:
الجزء: 8 - الصفحة: 63
أظهرهما: عند الإِمام، وبه قال صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ": أنَّه على قَولَيْن، كما في القسم الأول، وَقَالَ ابنَ الْحَدَّادِ، وأبو زيد وآخرون: يَبْطُلُ جزماً؛ لأنه جمع بين امرأتين، لا يجوز له الجمْعُ بينهما، ويجوز له نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ منهما وحْدَها، فيبطل النكاحان، كما لو جمع بين الأختين.
وقال مَنْ نصر الأول: قال ليس هذا كنكاح الأختَيْن؛ لأنه ليس نكاحُ أخْتٍ بأَقْوَى من نكاح أخت، هاهنا نكاحُ الحُرَّة أقوى؛ ألا تَرَى أن نكاحها إذا سبَقَ مَنَعَ نكاحَ الأمةِ، والعكْسُ بخلافه، ولو جَمَعَ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ، وَوَثَنِيَّةٍ، أوْ أجنبيةٍ ومحرم، أو خَلِيَّة، ومعتَدَّة أو منكوحةٍ، فهو كما لو جَمَع بين حُرَّةٍ وَأَمَةٍ، وإذا صَحَّحْنَا نكاحَ مَنْ تحِلُّ له، فَقَدْ قدَّمنا في "تفريق الصفقة" روايةٍ قَوْلٍ أنها تستحِقُّ جميع المسمَّى، ويعزى هذا إلى أبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذكرنا هناك أن المذْهَب أنها لا تستحِقُّ جميعه، ولكن تستحِقُّ مهْرَ المثلِ في أحد القولَيْن، وما يخصُّ مهر مثلها من المسمَّى إذا وزع على مهر مثلها ومهْر مثل الأخرَى في القول الثاني، وبَنْوا هذَيْن القولَيْن على القولين في أن مَنْ نَكَحَ امْرَأَتَيْنِ على صَدَاقٍ وَاحِدٍ، يجب لكلِّ واحدةٍ منهما مهْرُ مثلها، أو يوزَّع المسمَّى على مهرَيْهما، وسيأتيان في "كتاب الصداق" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى فإن قلنا: إنها تستحقُّ جميع المسمَّى، فللزوج الْخِيَارُ في فسخ الصداق، والرجوع إلى مَهْرِ المثل، كما ذكرنا في "باب التفريق"، وإن قلْنا: تستحقُّ مهْرَ الْمِثْلِ، فلا فسخ لَلزوج؛ [إذ لا فائدة فيه] لأنه، وإن فسخ، فالرجوع إلى مَهْرِ المثل، وإنْ قلنا: تستحقُّ حصَّةَ مَهْرِ المثلْ من المسمَّى، فعن الشيخ أبي عليٍّ: أنَّه، إنْ كان المسمَّى مما تمكن قسمتُهُ كالحبوب، فلا خيار، وإن كان ممن لا تمكن قسمته؛ كالعبد والدابة، فله الخيار؛ لتضرُّره بالتشْقيص، وإن فَسَخَ، فَعَلَيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاعْلَمْ أنَّ الجَمْع بيْنَ من تَحِلّ له، وبين من لا تحِلُّ له، قد يُصوَّر فيما إذا كان الزوْجُ وَلِياً لَهُما، كما إذا زوج أمته وابنته، وفيما إذا كان وَكِيلاً من جهة [الوِليَّيْن، وفيما إذا كان ولياً لإِحداهما وكيلاً من جهة] 365 وليَّ الأخرَى، وموضع الخلاف فيما إذا قال: زوَّجْتُكَ هذه وهذه بكذا، فقال: قبلْتُ نكاحهما بكذا، فأما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي هذه، وزوَّجْتُكَ أَمَتِي هذه، فَقَالَ قَبِلْتُ نِكَاحَ ابْنَتَكَ، وقبلتُ نكاح أَمَتِكَ، أو اقتصر عَلَى قبول نكاحِ البنْتِ، فنكاحُ البنتِ صحيحٌ لا محالة، ولو فصَّل المزوِّج، وقال: الخاطبُ قبلتُ نكاحَهُما، فالحكم كما لو فصَّلا جميعاً أو كما لو جَمَعَا جَميعاً؟ وفيه اختلاف للأصحابُ والأصح عند الإِمام الأول، والخلافُ جارٍ فيما لو جمع المُوجب، وفصَّل
الجزء: 8 - الصفحة: 64
القابل، ولو جمع بين أختَيْن وَأَمَةٍ، وهو مِمَّن يِحْلُّ له نكاح الأَمَةِ، فنكاحُ الأَختَيْنِ بَاطِلٌ، وفي نكاح الأمَةِ الخلافُ، ولو قال: زوجتك بنتي، وبعتك هذا الزق من الخمر بكذا فقبلهما، فمنهم من طَرَدَ القولين في النكاح، والأصح القطع بالصحة؛ لأنهما عقدان مختلفان، وصفتان مختلفان ولو قال: زوجتك ابنتي وابني، أو فرسي، أو زوجتك ابنتي، وهذا الزق من الخمر، فمنهم من طرد القولين في نكاح البنت، والأصح القطع بالصحة؛ لأن المضموم لا يقبل النكاح فلغا ذكره، وإذا قلنا بصحة نكاح البنت فلها مهر المثل إن قلنا فيما إذا جمع بين امرأة محللة وأخرى محرمة أنَّ الواجب للمحللة مهر المثل، وإن قلنا: إن الواجب هناك حصة مهر المثل من المسمى، ففي "التَّهْذِيبِ" أن هاهنا يجب جميع المسمى لتعذر التوزيع 366 والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الجِنْسُ الرَّابعُ) الكُفْرُ وَهُمْ ثَلاَثةُ أَصْنَافٍ (الكِتَابِيُّ)، وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَبُقرُّونَ بِالجِزْيَةِ وَالوَثَنِيّ وَالمُعَطِّلُ وَالزَّنْدِيقُ لاَ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلاَ يُقرّونَ بِالجِزْيَةِ، وَالمَجُوسُ لاَ يَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ لَكِنْ يُقرُّونَ بِالجِزْيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجنس الرابع: من موانع النكاح الكفر والكفار ثلاثة أَصْنَافٍ: أحدها: الكتابيون، فيجوز للمسلم مناكحتهم 367 لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الذينَ أُوتُوْا
الجزء: 8 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = علة النهي المقتضية للتحريم وتحقق فيها الوصف الذي نعتت به المشركات في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾.
ونوقشت الآية: -نمنع كون الكتابية مشركة من وجوه: أولاها: أن يصرف ما ورد من وصفهم بالشرك إلى غير الحقيقة بأن يقال أطلق لفظ الشرك عليهم باعتبار فعلهم كما صح أن يطلق على المرائي بفعله -أما الوجه الثاني: -أن يوجه الوارد بأن اليهود والنصارى لما ابتدعوا الشرك من عندهم مع أنه ليس في أصل دينهم شرك -إذ الأصل فيه اتباع الكتب المنزلة التي وردت بالتوحيد- صح إطلاق اسم الشرك عليهم.
وكون العلة المذكورة في عجز الآية المحرمة للمشركات متحققة في الكتابية لا تجعلهما متحدثان في الحقيقة فالفرق بينهما فيها مقرر معروف فضلاً عما في المشركة من الاشتهار بالعداوة الدينية والتظاهر بالمخالفة.
وليست الكتابية كذلك لأنها رضيت بالقهر والغلبة على أمرها ودفعت الجزية نظير أمانها.
ولو جرينا على القول القائل يكون قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ علة لقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ تخرج العلة المذكورة عن دلالتها إذ تكون علة للأفضلية والخيرية لا للتحريم وعليه فلا اشتراك بين المشركة والكتابية في العلة فلا تحرم الكتابية.
واستدلوا ثانياً من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وجه الدلالة أن الله حرم على المؤمنين تمسكهم بالكافرات وجعلهن في عصميتهم وذلك مقتضى النهي الوارد في الآية فكان هذا دليلاً على تحريم ابتداء نكاحهن لأنه مغض إلى المنهي عنه.
ونوقشت بتلك الآية بمناقشتين:
أولاهما: أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ اللام في الكوافر لتعريف العهد والمعهودات كن مشركات عبدة أوثان إذ الآية نزلت في مشركات الحديبية.
وعليه فلا تتناول الآية الكتابيات.
وعلى أن الخطاب متوجه لمن كان في عصمة كافرة مشركة تاركاً لها بدار الحرب تخرج الآية عن الدلالة.
وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم منها ذلك فطلق عمر امرأتين كانتا مشركتين بمكة حين نزلت الآية بالحديبية.
وثانيتهما: أن الآية نزلت بالحديبية حين هاجر رسول الله إلى المدينة وأنزل الله سورة الممتحنة وفيها الأمر بامتحان المهاجرات فهي واردة في ذلك.
ثم أنزل الله حل الكتابيات بعد ذلك في آية أخرى في سورة المائدة هي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
دفعهم عنهم بخلاف الذمة.
اعلم أنه لا بدّ من التنبيه على أمرين:
أحدهما: لو قهر ذمي حربية أو حربي ذمية ما حكمه.
والجواب أن ذلك خارج من العلة ففي الصورة الأولى يصح إن اعتقدا ذلك نكاحاً وإلا فلا.
وفي الثانية لا يصح لأن على الإِمام أن يدفع أهل الحرب عن أهل الذمة وعلى هذا ترد نِكَاحُهُنَّ، وَلَكِنْ أَنْتَزِعْهُنَّ مِنْكُمْ" دل هذا على عدم جواز نكاح الكتابيات للمسلمين لأنه لو كان نكاحهن حلالاً جائز لما غضب عمر ولأنكر عليه الصحابة.
ولصحح طلاقهن فتفريقه وعدم إجازته الطلاق دليل على الحرمة.
نوقش: أن المروي عن عمر غير جيد قاله ابن عطية بل قيل إنه غريب.
والذي بإسناد جيد عنه أنه قال للدَّين تَزَوّجوا من الكتابيات طَلِّقُوهُنَّ فَطَلَّقُوهُنَّ إلا حذيفة فقال له عمرُ طَلِّقهَا قَالَ تَشْهَد أَنَّها حَرامٌ قَالَ هِيَ خمرة طَلِّقهَا قَالَ: تَشْهَدَ أَنَّها حَرَامٌ قال هي خمرة قال: =
الجزء: 8 - الصفحة: 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = طلقها فلما كان بعد طلقها فقيل له ألا طَلَّقتَهَا حِيْنَ أَمَرَكَ عُمَرُ قال كرهت أن يَرى النَّاسُ أَنّي رَكَبْتُ أَمراً لاَ يَنْبَغِي لِي" نطق هذا الأثر في نهايته بعدم حرمة الكتابية ودل على عدم التحريم أيضاً طلبُ عمرُ الطلاق من المتزوجين.
ويؤيده ما نقل ابن وهب وابن المنذر نقلاً صحيحاً عن عمر قوله بجواز نكاح الكتابيات.
واستدلوا بالمعقول من وجهين:-
أولهما: أن الكتابية امرأة تعارض دليل حلها وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مع دليل تحريمها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وفي مثل هذا يلزم الرجوع إلى الأصل وهو التحريم لأن الأبضاع مما يلزم الاحتياط فيها فيحرم نكاح الكتابية لذلك.
ونوقش:
بتسليم كون الأصل في النكاح الحرمة وأنه لا بدّ من نص دال على الحل لكن قوله تعالى بعد تعداد محرمات النكاح في سورة النساء ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ -لا يخلو من أن تكون نازلة بعد تحريم المشركات أو قبلها.
فإن كانت بعدها صح القول بأنها ناسخة لآية البقرة.
وإن كانت متقدمة عنها وآية البقرة متأخرة تكون المشركة مستثناة من العموم في آية الحل وعلى كل حال فالكتابيات داخلات في عموم آية الحل غير مخرجات منها لما سبق بيانه من أن اسم المشرك لا يتناول الكتابي.
وتكون آية المائدة وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ جاءت مؤكدة للحل الوارد في العموم.
دافعة لتوهم حرمتهن كما فهم بعض الصحابة.
وثانيهما: -أن الكتابية متمسكة بكتاب دار أمر القول فيه بين حالين هما التغيير أو النسخ.
والمغير تزول عنه صفة الكتاب والمنسوخ ترتفع أحكامه.
وحينئذٍ يكون لا فرق بينه وبين ما لم يكن.
وعليه تكون الكتابية في حكم من لا كتاب لها.
ومن هذا شأنها لا يحل نكاحها لتحقق النقص الفاحش فيها فساوت عابدة الوثن.
ونوقش:-
بأن من لها كتاب مغير أو منسوخ يصح أن تندرج تحت من لها شبهة كتاب نظراً لكتابها المغير وصحة دينها في أصله فلا مساواة بينها وبين من لا كتاب لها أصلاً.
وتفرقة الشارع بينهما في الأحكام دليل على ذلك.
فقد حقن دماء الأولى دون الثانية.
وكذا أحل ذبيحتها دون الأخرى فناسب أن يفترقا في حكم النكاح.
واستدل المجوزون: بالكتاب والسنّة:-
أولاً: الكتاب: -وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ عطف الله المحصنات في الآية على الطيبات المصرح بحلها في صدر الآية.
والمحصنات معناها الحرائر أو العفيفات فتكون الآية دليلاً على حل الحرانر أو العفيفات من أهل الكتاب.
لأن قضية العطف التشريك في الحكم.
وهذه الآية محكمة ليس بمنسوخ حكمها على القول بعدم تناول آية البقرة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ -للكابيات.
إذ تكون كل من الآيتين جار على أفراده.
وعليه فلا نسخ ولا تخصيص.
وعلى أن آية البقرة متناولة للكتابيات تكون هذه الآية مخصصة للعموم أو ناسخة له على الخلاف المعروف في علم الأصول.
فإن ورد على هذا -عدم تسليم تفسير المحصنات بالحرائر أو العفيفات.
وتفسيرها بالمسلمات لأن المراد بهن الَّلاتي كن كتابيات فأسلمن.
استناداً إلى قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ =
الجزء: 8 - الصفحة: 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ -وإلى أن الصحابة قبل نزول آية المَائدة كانوا يتحرجون عن الزواج بالكتابيات اللاتي أسَلمن فأنزل الله هذه الآية بياناً لحلهن أجيب عن ذلك:
بأن تفسير المحصنات بالمسلمات غير صحيح من وجوه متعددة الوجه الأول: إن الله تعالى قد ذكر المؤمنات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قبلها فانتظم هذا سائر المؤمنات ممن كن كتابيات أو مشركات فأسلمن ومن نشأن على دين الإِسلام.
فإذا عطف بعد ذلك المحصنات من الذين أوتوا الكتاب لم يكن من الجائز أن يراد بالجملة المعطوفة ما أفادته الجملة قبلها إذ المؤمنات اللاتي كن كتابيات أن كن قد انقرضن فلا فائدة لأنه لا يتصور الخطاب بحل الأموات.
للمخاطبين الأحياء وإن كن أحياء ودخلن في دين الإِسلام فالحل معلوم من الجملة قبلها ولا حجة إلى التكرار ولا إلى خلو الكلام عن الفائدة لأنه عبث عليه تعالى محال.
الوجه الثاني: أن في القول بهذا التأويل الذي ذهب إليه ابن عمر صرف اللفظ عن ظاهره بلا مقتض وهو غير جائز.
الوجه الثالث: أن تفسير المحصنات بالمسلمات تفسير إرادة الإِلفة أما تفسيرها بالعفيفات فتفسير لغة.
لأن الإحصان في اللغة عبارة عن المنع ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح كما يحصل بالحرية والإِسلام والنكاح إذ الكل مانع للمرأة عن ارتكاب الفاحشة فيتناولهن عموم المحصنات.
ومما يرجح تفسيرها بالعفيفات وورد الإِحصان بمعنى العفة في كلام الله قال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
الوجه الرابع: عدم قول أحد من أهل العلم بأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ طعام من كانوا أهل كتاب فأسلموا مرجح لعدم تفسير المحصنات من الذين أوتوا الكتاب بمن كن أهل كتاب فأسلمن وكيف يراد ذلك وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تفيد حصول الوصف في حال الإِباحة وهو منفي علي تلك الإرادة.
أما تأييد المدعي دعواه بما ورد في الآيتين ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، فلا يفيده لأن تقييدهما بالإِيمان دليل على أنه لم يرد بهم أَهل الكتاب عند الإِطلاق بل أراد بهم طائفة معينة منهم ذلك لأن لفظ أهل الكتاب إذا أطلق من غير تقييد انصرف إليهم من غير إرادة من أسلم منهم.
فإن أريد نوع آخر جاء اللفظ مقيداً دون إطلاق كما في الآيتين المذكورتين.
وعليه فذكر آية المائدة مطلقة لا مقيدة يدل على أن المراد بأهل الكتاب فيها حقيقة اللفظ عند الإِطلاق.
وإن ورد على دليل الجمهور ثانياً:
إن آية المائدة منسوخة بآية البقرة فقد روى جعفر بن مجاشع قال سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول في آية البقرة وجه ذهب إليه قوم جعلوا التي في البقرة هي الناسخة والتي في المائدة هي المنسوخة يعني فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية.
أجيب عن ذلك:
يمنع نسخ آية المائدة بآية البقرة لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل بها.
والمتأخر ينسخ المتقدم.
وعلى تسليم كون آية المائدة منسوخة لا يتم الدليل إلا إذا كانت آية البقرة الناسخة عامة في الوثنيات والكتابيات وليست كذلك لورود العطف المقتضي للمغايرة في غير آية من القرآن مثل ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: {لَمْ يَكُنْ =
الجزء: 8 - الصفحة: 68
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] ولا فرق في الجواز بين أن تكون الكتابية حربية، أو ذمية، أو مستأمنة، لكن يكره نكاح الحربية 368؛ لأن الإِقامة فيما بين أهل الحرب = الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} -وحتى على القول بالعموم تكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة أو ناسخَة والعكَس ممتنع.
ثم لا يعكر ذلك على الدليل لانه لما لم يكن سبيل إلى التوفيق بين تلك الآيتين إلا بذلك وجب المصير إليه.
واستدل المجوزون ثانياً بالسّنة: وهي ما رواه جابر بن عبد الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ "تَزوَّجُوا نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ يَتَزوَّجُونَ نِسَاءَنَا" أخرجه أبو داود في سننه وعن عبد الرزاق، وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: "الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانيَّةً وَلاَ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِي الْمُسْلِمَةُ".
دل ما تقدم على حل الكتابية للمسلم وَأيَّدَهُ فعل بعض الصحابة فقد تزوجوا بكتابيات ولم ينكر بعضهم على بعض -روى الخلال بسنده أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن الجارود بن المعلى، وأذينة العبدي تَزَوَّجُوا النِسَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كما روي عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة القول، بإباحتهن.
ونوقش: بأن الرواية عن عمر مضطربة ففي بعضها القول بالحل وفي أخرى تفريقه بين من تزوج بكتابيات وبين أزواجهن.
ومع هذا الاضطراب لا يأخذ بقوله.
ويمكن تأويل الحديث الأول: بأن ذلك كان في زمن قلة النساء المؤمنات في ابتداء الإِسلام.
وأجيب.
بأن الرواية الصحيحة عن عمر هي الناطقة بحل تزوج المسلم للنصرانية وهي نص فلا يعارضها غيرها.
والدليل على ذلك أن بعضاً من الصحابة قدموا على التزوج بكتابيات منهم طلحة وكعب ابن مالك وعثمان بن عفان.
وكذا خطب المغيرة بن شعبة هندا بنت النعمان بن المنذر وكانت تنصرت.
وثبت عن الصحابة طلاقهم للكتابيات وهو دليل على حل نكاحهن.
والقول: بأن ما ورد عن الصحابة محمول على زمن قلة النساء المؤمنات لا يستند إلى دليل وإنما يعتمد عليه لو لم يكن كتاب أو سنّة واردين بالحل.
وغاية ما يفيد هذا العمل هو كراهية الكتابيات لا حرمتهن على المسلمين وقد قال بالحل مع الكراهة.
وبأنه خلاف الأولى المالكية والحنفية وعللوا الكراهة بأن الكتابية تشرب الخمر وتكل الخنزير فلا تؤمن على تربية أولادها.
وبالنظر في أدلة الفريقين وما ورد عليها يترجح مذهب الجمهور القائل بحل تزوج الكتابية الحرة للمسلم.
وتكون تسمية اليهود والنصارى مشركين من باب إرادة الشرك الاصطلاحي لا الشرك اللغوي المعروف.
لانه لا يبعد أن لا يكون هذا اسماً إسلامياً أريد به غير حقيقته اللغوية ونظر ذلك لفظ مؤمن في الأصل اللغوي مِنْ آمن إذا صَدَقَ بَأيّ شَيْءٍ.
فصار اسماً إسلامياً لا يطلق إلا على من آمن بمحمد.
وأمثلة لفظ المنافق.
وثسمية ما أسكر كثيره خمراً.
أو يقال إنه سبحانه وتعالى راعى في مقام التوبيخ والتسفيه لأهل الكتاب ناحية الشرك الطارئة فوصفهم بها وأما في مقام الأحكام وما يربط المسلمين بهم فقد راعى فيهم الناحية الاصلية وهي كونهم أهل كتاب.
وما معنا من الثاني فتكون اليهابيات حلال للمسلمين.
الجزء: 8 - الصفحة: 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بالحل مع الكراهة.
استدل ابن عباس: أولاً:-
يقول تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وجه الدلالة له من الآية أنه سبحانه أحل نكاح الكتابيات والمراد بهن الذميات دون الحربيات لأنهن اللاتي يتمكن المسلمون من الركون إليهن وتطمئن نفوسهم إلى الزواج بهن.
واستدل ثانياً:-
بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وجه الدلالة أن من لم يؤد الجزية من الكفار للمسلمين فهو محارب لهم منهي عن محبته ومودته.
ولما كان النكاح نوع مودة ومحبة فيحرم.
ونوقش:-
بأن تخصيص الآية الأولى بالذميات تخصيص بلا دليل.
وبأن الآيتين المستدل بهما على تحريم النكاح لم يتعرضا لذلك بل الأولى أفادت حله والثانية دعت إلى قتال من أبي دفع الجزية.
وعدم قتل من دفعها مع صغار وذلة حيث لا علاقة دفع الجزية وحل النكاح لا يبين عدم دفعها وحرمته فلا دلالة في الآية على تحريم الكتابية الحربية أو حلها.
بل لقد أحل الشارع أخذ الجزية من المجوسية مع تحريمه نكاحها قال -صلى الله عليه وسلم-: "سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِيْ نِسَائَهُمْ وَلاَ آكلِي ذَبَائَحَهُمْ".
واستدل ثالثاً:-
بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
وجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى شدد النكير على قوم آمنوا بربهم وباليوم الآخر يتحببون إلى من ناصب المسلمين العداء وعصوا الله واعتصموا بدارهم متربصين بالمسلمين الدوائر.
وإذا كانت هذه الصفات موجودة في الكتابية المحاربة كانت مندرجة تحت ما نهى عن مودتهم ومحبتهم.
فكان ذلك نهياً عن نكاحها لما فيه من المودة قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ونوقش:-.
بأن الآية اقتضت النهي عن مودة أهل الحرب ولم تتعرض لتحريم النكاح وهو لا يثبت بالقياس فلا دلالة فيها.
وكون عقد النكاح طريقاً إلى المودة لا يلزم منه تحريم النكاح بل كراهة وقد قال بها جمهور الفقهاء.
واصتدل الجمهور على الحل:- أولاً:-.
بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلت الآية بعمومها على حل الكتابية مطلقاً ذمية أو حربية.
واستدلوا ثانياً:-.
بأن اختلاف الدار لا تأثير له في تحريم النكاح ولا حله فلا يكون استيطان الكتابية لدار الحرب محرماً لها: بعد الحل وهي بدار الإِسلام كما لم تحرم المسلمة إذا كانت بدار الحرب اتفاتاً.
الجزء: 8 - الصفحة: 70
يكثر سوادهم، وأيضاً فيخاف من الميل إليها الفتنة في دينه وَأيضاً، فقد تُستَرَقُّ وهي حَامِلٌ منه، ولا يقبل قولها في أن حملها من مسلم، وإن كاتب ذمية، فالكراهية أخفُّ، لفقدان بعض هذه المعاني.
وفيه وجهٌ: أنَّه لا كراهية في نكاح الذمِّيَّة، وهذا ما أورده الإِمام وصاحب "التَّتِمَّةِ": أيْضاً، والظاهر الأول، وُيرْوَى عن مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مثله، والمراد من الكتابيين اليهودُ والنصارى، فأما الذين يتمسَّكون بكتب سائر الأنبياء -عليهم السلام- الأَوَّلِينَ كَصُحُفِ شيث وإدرِيسَ -عليهم السلام- وإبراهِيمَ -عليه السلام- أو بالزَّبُورِ، فلا تحلّ مناكحتهم، واختلفوا في سببه، فمن قائل إنها لم تنزل عليهم بنظم يُدْرَسُ ويُتْلَى، وإنما أوحى إليهم معانِيهَا، ومن قائل: إنَّها كانت حكماً ومواعظَ، ولم تتضمَّنْ أحكاماً وشرائع.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ نذْكُره في "الجزية" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
= واستدلوا على الكراهة:-.
بأن نكاح الكتابية المقيمة بدار الحرب مفض إلى أمور -منها- تكثير سواء الكفار وفتح الطريق لإِجراء أحكامهم على المسلمين إذ لا يبعد أن يهيم المسلم بزوجته الكتابية الحربية فيستدعيه ذلك إلى المقام معها والبقاء بجانبها.
وفي ذلك ما تقدم آنفاً.
وسببٌ في براءة الرسول عليه السلام منه أن يقول: "أنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لاَ تُرَاءَى نَارَاهُمَا" ومعناه أنه عليه السلام متبرئ من المسلم المستكين بدار الحرب الذي لا يدافع عن الإِسلام وَيرْضَى بالخضوع لسلطان المشركين -وكان مقتضى هذا الحديث تحريم الكتابية الحربية لكن العمومات التي وردت بالحل أفادت حرف الحديث إلى الكراهة.
ومن الأمور التي تترتب على التزوج بالكتابية الحربية احتمال تعريض ولد المسلم للرق وتنشئته على عادات الكفار وتخلقه بأخلاقهم، وتعليمه طقوس دينهم وعباداتهم بسبب اختلاطه الشديد بهم مع تعذر تحوله بعد ذلك.
وبيان هذا -أنه قد يَفْرِض للزوج المسلم أن يترك زوجته الكتابية بدار الحرب ويهاجر إلى دار الإِسلام المهمة.
وقد يحدث في تلك الآونة أن يتغلب المسلمون على الكفار وتقع الزوجة أسيرة في يد المسلمين وهي حامل.
وقد لا يصدقها المسلمون أن حملها من مسلم.
فمن هنا يولد الولد رقيقاً مملوكاً لمن وقعت أمه في يده.
حتى لو لم تقع المرأة في النبي وترك المسلم زوجة بدار الحرب ترتب ما قدمنا.
وفيه تفكيك الوحدة الإِسلام وتمزيق الجماعة المسلمين.
هذه وجهة الفريقين.
بالنظر فيها نرى أن الراجح مذهب الجمهور القائل بالحل مع الكراهة- وعندي- أن يتقيد هذا الحل برأي إمام المسلمين بمعنى أنه ينظر في سلوك الزوج فإن خيف منه إفشاء أسرار الدولة وتعريضها للخطر لم يُمضِ هذا النكاحَ ومنَعه من مباشرته.
وفي تلك الحالة يكون التزوج بالحربية هان كانت كتابية محرمًا.
أما إذا أَمِنَ الإِمام جانبه وعَرِفَ منه المحافظة على بلاء الإِسلام والمسلمين فلا يحرم عليه التزوج.
الجزء: 8 - الصفحة: 71
والصِّنْفُ الثاني: الذين لا كتابَ لهم، ولا شبهةَ كتاب؛ لَعَبَدَةِ الأوْثَانِ والشمس والنجوم والصور التي يستحسَنونها ومعطلة والزنادقة، والباطنية، لَعَنَهُمُ اللهُ، فلا تحلُّ مناكحتهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221] قَالَ صَاحِبُ "الكتاب" في "الإِحْيَاءِ": ومن هذا الصِّنْفِ المعتقدون لمَذْهَبِ الإِباحة، وكلِّ مذهبٍ يَكْفُرُ معتَقِدُه.
والصِّنْفُ الثالث: الَّذينَ لا كتابَ لهم، ولكنْ لهم شبهةُ كتاب، وهم المجوس، وَهَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أحدهما: لا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّة أَهْلِ الْكِتَابِ" 369 وَهَذَا يشعر بأنَّهم ليسوا بأهل كتاب.
وأشبههما: نَعَمُ، لِمَا رُوِيَ عن عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه كان لهم كتاب، فبدلوه، فأصْبَحوا، وقد أُسْرِيَ به 370، وعلى كلا القولين لا تَحِلُّ مناكحتهم، أما علَى
الجزء: 8 - الصفحة: 72
الأوَّل، فظاهر، وأما على الثَّانِي، فَإنَّهُ لا كِتَابَ بأيديهم اليوم، ولا نتيقَّنه من قبل، فنحتاط، وأيضاً، قد رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَوْفٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أنه قَالَ: "سُنُّوْا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَاب، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ، وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" (1). وعن أبي إسْحَاقَ وأبي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْه؛ أنه تحلُّ مناكحتهم على قولنا: إنه كان لهم كِتَابٌ، وهذا ضَعيفٌ عند الأصحاب، وإنما ينقدح على ضعفه، إِذا قال: من أثبت لهم كتاباً أنه كان متلواً، أو متضمناً للأحكام، وإن قنع من قال به بأصل الكتاب، لزمه مثله في صُحُف إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وما في معناها.
فُرْوعٌ:
في نكاح الكتابية هي كالمسلمة في النفقة والقَسْم والطلاق وعلمة أحْكَامِ النِّكَاح، نعم لا توارُثَ بينهما، ولا تُغَسِّل الزوَج، إذَا اعتبرنا النِّيَّة، في غُسْل الميت بناءً على أنه لا يصحُّ منها النية، وإذا طهْرَتْ عن الحيض والنفاس، أَمَرَهَا الزَّوْجُ بالاغتسال، فإن امتنعت، أجبرها عليه 372، واستفاد الحلَّ، وإن لم يوجَدُ منها النية للضرورة، كما تجبر371 = عن عيسى بن عاصم.
قال الشَّافعي: وحديث علي هذا متصل وبه تأخذ، وهذا كالتوثيق منه لسعيد بن المرزبان وهو أبو سعد البقال، وقد ضعفه البخاري وغيره، وقال يحيى القطّان: لا أستحل الرواية عنه، ثم هو بعد ذلك منقطع، لأن الشَّافعي ظن أن الرواية متقنة، وأنها عن نصر ابن عاصم، وقد سمع من علي وليس كذلك، وإنما هي عن عيسى بن عاصم كما بيناه وهو لم يلق علياً ولم يسمع منه، ولا ممن دونه كابن عباس وابن عمر، نعم له شاهد يعتضد به أخرجه عبد بن حميد في تفسيره في الحسن الأشيب عن يعقوب العمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال علي: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا متمسكين به، فذكر القصة وهذا إسناد حسن، وحكى ابن عبد البرّ عن أبي عبيد أنه قال: لا أرى هذا الأثر محفوظاً، قال ابن عبد البرّ: وكثر أهل العلم يأبون ذلك، ولا يصححون هذا الحديث، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية قاله الحافظ.
الجزء: 8 - الصفحة: 73
المسلمة المجنونة، وعن الحليميَّ تخريجٌ على الإِجبار على الغُسْل؛ أن للسيد إجبار أَمَتِهِ المجوسية، والوثنية على الإِسلام؛ لأنَّ حل الاستمتاع يتوقَّف عليه، والمذهَبُ خلافه؛ لأن الرقَّ أفادها الأمانَ من القَتْل، فلا تُجْبَرُ كالمستأمنة، وليس كالاغتسال، فإنه لا يعظم الأمر فيه، ولا يعتبر فيه تبديلُ الدِّين، وأيضاً، فإن غسلها غسلُ تنظيفٍ لا غسلُ عبادة؛ ألا ترى أنَّها، إذا أسْلَمْتْ، لا تصلِّي بذلك الغسل؛ والتنظيفُ حقُّ الزوج، فَجَازَ أن يجبرها عليه، والإِسلامُ ليس حَقّاً له، حَتَّى يجْبُرَها عليه، وفرَّق الشيخ أبو عَاصِمٍ بأن المجوسيَّة دخَلَتْ في ملكه، ولأجْله فاشبه ما لو اشترَى جاريةً قد أحرمت، أو شرَعَتْ في الصوم بأْذَنُ السَّيِّدُ، ليس له تحليلها، وههنا كانت الزوجة الكتابيةُ حلالاً له، ثُمَّ طَرَأَ الحيضُ المُحَرِّم، فأمرت برفع أَثَرِه، لكن هذا يخدشه ما إذا نكحها، وهي حَائِضٌ، واختلف كَلاَمُ الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في أنَّه هل يَجْبُر زوجتَهُ الكتابيَّةَ على الغسل من الجنابة، فقال أكثر الأصحاب: هما قولان؛ في قول: يجْبُرها عليه، كما يجبرها على إزالة النجاسات، وفي قَوْلٍ: لا؛ لأنها لا تتعدَّى، ولا يمنع الاستمتاع، ومنْهم من حمل الإِجبار على ما إذا طَالَتِ الْمُدَّةُ، وكانَت النفسُ تعافُهَا، والمنعُ على غير هذه الحالة، وأَما المُسْلِمة فهِيَ مجْبُورةٌ على الغسل من الْجَنَابَةِ، هكذا أطلقه في "التَّهْذِيبِ" 373 وتجبر المسلمة والكتابية على التنظيف بالاستحداد، وقلم الظفر، وإزالة شعر الإِبِطِ والأوْسَاخِ، إذا تفاحش شَيءٌ من ذلك، حَتَّى نفر التواق، وإذا كان بحيث لا يمنع أَصْلَ الاسْتِمْتَاع، ولكن يمنع كمالَهُ، فقولان، كما في غسل الجنابة، ويجرِيَانِ في منْع الكتابيةِ مِنْ أكْلِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ للاستقذار، وفي كل ما يمنع كَمَالَ الاستمتاع، والأصحُّ أنَّ للزوج المَنْعُ منه، وعلى هذا الخلاف المَنْعُ من أكل كل ما يَتَأَذَّى برائحته، كالثّوم والكرَّات، ومنْهُمْ من قَطَع بجواز المَنْع منه، وله المَنْعُ من شرب ما تَسْكَرُ به؛ لأنها حينئذٍ لا تردُّ يدَ لامِسٍ، وتلتحقُ بالمجنونة، فيختل الاستمتاع، وفي القَدْر الذي لا يُسْكُرِ القولان، ويجريان في منع المسلمة من هذا القَدْر من النبيذ، إذا كانت تعتقد إباحته، ومنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بجواز المنع مُطْلَقاً؛ لأنَّ ذلك القَدْرَ لا ينضبط، فإنَّ مِنَ الناس من يتأثر باليسير منه، ومهما تنجس فمها أو عضو آخر، فلا خلاف أنه يجبرها على غسله، ليمكنه [من] الاستمتاع، ويمنعها من لُبْسِ جلد الميتة قبل الدباغ، ولبس مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيْهَةٌ كَأَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ويمنع الكتابيةُ من البِيعَ والكنائِسِ، كما تُمْنَعُ المسلمةُ من الجماعات = يجبرها على ذلك لاعتقاد الحل عند الانقطاع لكن قال القاضي أبو الطيب: لا أعرف أحداً من أصحابنا فرق بين الشافعي والحنفي.
قال البلقيني: ووجه أن هذا لا يتوقف عليه كمال الاستمتاع.
الجزء: 8 - الصفحة: 74
والمساجِدِ، قوله في الكتاب "والمجوس لا تحل مناكحتهم" أُعْلِم بالواو، وقد ذكر هناك من يقر بالجزية من الأصناف الثلاثة، ومن لا يقر، وهذا سيعود في "كتاب الجزية" إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ نِكَاحُ كِتَابِيَّة هِيَ مِنْ أَوْلاَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَآمَنَ أَوَّلُ آبَائِهَا قَبْلَ التَّحْرِيفِ، فَإنْ فَقِدَ النَّسَبُ فَفِيهَا قَوْلاَنِ، وَلَوْ آمَنَ آبَاؤُهَا بَعْدَ التَّحْرِيفِ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ، وَإِنْ آمَنَ بَعْدَ المَبْعَثِ أَوْ شُك فِيهِ لَمْ تُنْكَحُ، والتَّهَوُّدُ بَعْدَ بَعْثِ عِيسَى صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَهُوَ بَعْدَ مَبعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهٍ، وَالصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ إِنْ كَانُوا مُلْحِدَة عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارِى لَمْ يُنَاكَحُوا، وإنْ كَانُوا مُبْتَدِعَةً حَلَّ نِكَاحُهُمْ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ مُطْلَقاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: في صفة الكتابية الَّتي يَنْكِحُها المسلم، الكتابية؛ إما ألاّ تكون من أولاد بني إِسرائيل، أو تكون منهم.
القسم الأول: الكتابيَّةُ التي ليست من أولاد بني إسرائيل ولها أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون من قَوْمٍ يعلم دخولهم في ذلك الدين قبل تَطَرُّقِ التحريف والنَّسْخ إليه، ففي نكاحها قولان، بَنوْهَما على أن الإِسرائيليَّاتِ يُنْكَحْنَ لفضيلتَي الدِّينِ، والنسب جميعاً، أو لفضيلة الدِّين وحدها، والأصحُّ الجوازُ؛ لتمسُّكهم بذلك الدين حين كان حقًّا، ومنهم من قطع بهذا، ولم يُثُبِت الخلاف، وهؤلاءِ يقرُّون بالجزية لا محالة، وحلُّ الذبيحة يجري مجرى المناكحة.
الحالةُ الثانية: إذا كانتُ من قومٍ يُعْلَمُ دخولَهُم في ذلك الدِّينِ بعد التحريف وقبل النسخ، فإن تمسَّكوا بالحق منه، وتجنّبوا المحرَّف، فكما في الحالة الأُولَى، وإن دخَلُوا في المحرَّف، فمنهم من قال: في نكاحها قولان أو وجهان، وجه الجواز؛ أن الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- تزوَّجوا مِنْهُنَّ، ولم يبْحَثُوا 374، وجه المنع بطلانُ الفضيلةِ
الجزء: 8 - الصفحة: 75
بالتحريف، ومنْهُم: من قطع بالمنع، والظاهرُ المنع، ثبت الخلاف، أو لم يثبت، وهل يُقَرُّ هؤلاء بالجزية قَالَ في "التَّهْذِيبِ" لا، وقال غيره: نعم، كالمجوس، وهو أوْلَى للشبهة.
الحالة الثالثة: إذا كانَتْ من قومٍ يُعْلَمُ دخولُهم في ذلك الدِّين بعد التحريف والنسخ، فلا يُنْكَح؛ لسقوطِ فضيلته وحرمته بالنسخ، فالَّذينَ تهوَّدوا أو تنصَّروا بعد بعثة نَبيِّنا محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- لا يناكَحُون، وفي المتهوِّدين بعد بعثة عيسَى -عليه السلام- وجهان:
أصحهما: أن الحكم كذلك، ومن قال بالثاني، فإنه يزعم أنا لا نعْلَمُ كيفية نَسْخ شريعةِ عيسَى -عليه السلام- شريعةَ مُوسَى -عليه السلام- وأنها نُسِخَتْ كلّها أو بعْضُها؟ وهؤلاءِ كما لا يناكحون لا يُقَرُّون بالجزية.
الحالة الرابعة: إذا كانتْ من قوم لا يُعْلَمُ أنهم دخَلُوا في ذلك الدِّينِ بعد التحريف أو قبله، أو قبل النسخ أو بعده، فيُؤْخَذ في نكاحهم بالأغلظ، ويجوز تقريرُهُم بالجزية تغليباً للحُقَن، وبذلك حكمت الصَّحَابَةُ -رضي الله عنهم- في نصارَى العَرَب، وهم بهراء وتنوخ وتغلب هذا شرح ما ذكره في الكتاب، وكذلك أطلقه عامَّةُ الأَصْحَابِ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، وتركوه عَلى إطلاقه وفيه شيْءٌ لا بُدَّ من معْرفته، لكنْ موْضِع بيانه الفصل التالي لِهَذَا الفَصْلِ.
القسم الثاني: الْكِتَابيَّةُ الإسْرَائِليَّةُ، والذي تناقله الأصْحَابُ في طرقهم جواز نكاحها على الإِطلاق من غير نظرَ إلى آبائها أنَّهُم دخَلُوا في ذلك الدِّينِ قبل التحريف، أو بعده، وليس ذلك لأنه ليس كل إسرائيلية يفرض آباؤها 375 داخِلُون في دِينِهَا قبل التحريف، وإن أشعر به كلام جماعةٍ من الأئمة -رَحِمَهمَ اللهُ- وذلك؛ لأن إسرائيلَ هو يعقوبُ -عليه السَّلامُ- وبيْنَه وبيْنَ صاحب التوراة موسَى -عليه السلام- زمانٌ طويلٌ، ولا نحيطُ علماً بأنَّ بني إسرائيل عَلَى كثرتهم دخَلَ كلهم في زمانِ مُوسَى، أو بعده قَبْلَ التحريف، بل في القصص ما يدُلُّ على استمرار بعْضِهِم على عِبَادة الأوثان والأديان الفاسدة، وبتقدير أنْ يستمَّر هذا في اليهوديَّات، فلا يستمرُّ في النَّصْرانيَّات؛ لأنَّ بنِي إِسرائيلَ بعد بعثة عيسَى -عليه السلام- افترقوا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، ومنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ = أيضاً بسند لا بأس به، عن شقيق قال: تزوج حذيفة امرأة يهودية فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه إن كانت حراماً فعلت، فكتب عمر: إني لا أزعم أنها حرام، لكني أخاف أن تكون مومسة، وفي البيهقي عن أبي الحويرث: أن طلح نكح امرأة من كلب نصرانية.
(فاندة) قال أبو عبيد: نكاح الكتابيات جائز بالإِجماع، إلا عن ابن عمر قاله الحافظ.
الجزء: 8 - الصفحة: 76
فأصر على دِينِ موسَى -عليه السلام-، ثم من المصرين من تنصر على تعاقب الزمانِ قبل التحْريف وبعده، ولكن كأْنَّ الأصحابَ اكْتَفْوا بشرف النَّسَب، وجعَلُوه جابراً لنُقْصَانِ دخُول الآباء في الدِّين بعد التحريف، حتى فَارَقَ حُكْمُهُنَّ حكْمَ غير الإِسرائيليات، إذاَ دَخَل آباؤهن في الدِّين بعد التحريف واللهُ أَعْلَمُ.
وأما الدخول فيه بَعْدَ النَّسْخ وبعثة نبيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلا يُفْرَّقُ فيه بين الإِسرائيليةً وغيرها، على ما سيَتَّضِح بعد هذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
وقوله في الكتاب: "إنما يَجُوْزُ نِكَاحُ كتابيَّةٍ هي من أولاد بني إسرائيل" ظاهره يقتضي النظر إلى حال الآباء في الإسرائيليَّات أيضاً، حتى يكونُ نكاحُ الإِسرائيلية التي دَخَلَ أولُ آبائها في ذلك الدِّينِ بعد التحريف علَى قولين، كنكاح غير الإِسرائيلية التي دَخَل آباؤها فيه قبل التحريف ونظم "الوسيط" يقتضي مِثْلَ ذلك أيضاً، لكنُ كلامُ الأصحاب لا يوافِقُه، فاعرفه، وانْظُرْ؛ كيف يمكنك تنزيلُ لفظ الكتاب على منقول الأصحاب، وأرادُوا بقوله "أول أبائها" الآباءَ الداخلين في ذلك الدِّين، ويجوز أن يُعْلَم قوله "فإن فُقِدَ النسب"، ففيها قولان للطَّرِيقَةِ القاطعة بالجواز، وكذا قوله: "في الصورة الأخرَى قولانِ" للطريقة القاطعة بالمنع.
المسألة الثانية: الصابِئُونَ طَائِفَةَ تُعَدُّ من النصارى، والسامرة 376 طائفة تُعَدُّ من اليهود، وقد نقل عن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- توقف [في جواز مناكحتهم، وليس ذلك عند جماهير الأصحاب باختلاف قول لكن أمرهم على] 377 التفصيل، والمنصوص عليه في "الْمُخْتَصَرِ" أنه إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصل دينهم، ولا يُبَالُونَ بنصِّ كتابهم، فلا يناكَحُونَ كالمجوسي، وإن كانوا يخالفونهم] 378 في الفروع دُونَ الأُصول، ويُؤَوِّلون نصوصَ كتابهم، فيجوزُ مناكحتهم، وحيث توقف إنما تُوقف، ليعرف مقالتهم، والصابِئُونَ 379 على ما نقل فِرْقَتان؛ فرقةٌ توافقُ النصارَى في أصول
الجزء: 8 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = غيرهم.
ولبيان ذلك نقول: الصابئ لغة: قيل إن هذا لفظ ليس بعربي وقيل إنه عربي.
وعلى الأخير اختلف فيه.
فقيل إنه من صبا معتلاً بمعنى مال.
وسمي الصابئ به لخروجه عن الدين الحق إلى الدين الباطل وقيل إنه من صبأ المهموز إذا خرج ومن صبأت النجوم من مطالعها إذا خرجت ومن هنا سمت العرب كل من خرج عن دينه إلى غيره صابئاً.
تحديد مذهب الصابئة:-
اضطربت أقوال العلماء فيه.
فأقر بها ما حكاه الإِمام "الجصاص" في تفسيره أحكام القرآن قال "الصَّابئون الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين بحران والذين بناحية البطائح في سواد واسط وأصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعيادتها واتخاذها آلهة وهم عبدة أوثان في الأصل إلا أنه منذ ظهر الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة الصابئين وكانوا نبطاً لم يجروا على عبادة الأوثان ظاهراً لأنهم منعوهم من ذلك.
كذلك الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول في النصرانية فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت ودخلوا في غمار النصارى بني الظاهر.
وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان.
فلما ظهر الإِسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا كاتمين لاعتقادهم مستخفين بعبادة الاوثان.
ومن الكلام السابق نلمح أن هذه الفرقة: أصلها عبدة أوثان ثم كتمت وثنيتها تقيه وأظهرت التمسك بالنصرانية خوفاً من القتل واضطرت لذلك إبقاء على نفسها.
وقد وردت عن السلف أقوال أخرى في مذهبهم نورد أهمها فروي عن مجاهد وعطاء أنهم قوم لا دين لهم.
وعن قتادة والحسن أنهم قوم يعبدون للملائكة.
وعن جماعة آخرين أنهم قوم يعبدون الكواكب.
وانقسم هؤلاء إلى فريقين فريق يقول إن خالق العالم هو الله سبحانه وتعالى إلا أنه أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للدعاء.
وفريق آخر قال بأن الله سبحانه هو الخالق لهذه الكواكب وهي مع ذلك المدبرة لما في العالم من خير وشر وصحة ومرض بل أنها الخالقة لها فوجب على البشر لهذا تعظيمه.
وقال قوم: إن الصابئة جماعة تعصيوا للروحانيات واتخذوها واسطة ولما لم يتيسر لهم التقرب يأعيانها.
والتلقي منها بذواتها فزعوا إلى هياكلها.
وترك جماعة منهم الهياكل وتقربوا إلي الأشخاص.
فمن هنا كانت الفرقة الأولى عبدة كواكب والثانية عبدة أصنام.
وقال السدي وجماعة: الصابئة طائفة من أهل الكتاب تلك أشهر أقوال السلف في الصابئة بتدبرها يمكن القول بأن من ذهب إلى أنهم قوم لا دين لهم قد يكون مستندة في ذلك.
كون الصابئة لم يثبتوا على عقيدة واحدة.
وملة منفردة بل تقلبوا في الدين مع الأهواء، وخضعوا لضغط الظروف فأشبهوا المرتدين والمرتد لا دين له -ومن قال أنهم عبدة كواكب أو ملائكة أو تعصبوا للروحانيات.
إن أراد أنهم عبدوها حقيقة فهم شركون على الأقوال الثلاثة.
وإن أراد أنهم تقربوا بها إلى خالقهم فهم ليسوا بمشركين.
ولقد وجدت بالبحث في فرق الصابئة أن منهم فرقة تقربت وأنجرى عبدت.
ومَنْ حَدَّد مذهبهم بأحد الرأيين لعله عرف أمر فرقة وخفي عليه أمور أخرى.
أما من قال إن الصابئة جماعة تقربت بالاشخاص والأصنام ونعتهم بأنهم عبدة أصنام فقول إنما =
الجزء: 8 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يمكن أن صدق على فرقة ثالثة منهم اتخذوا أصنامهم على صور الهياكل السبعة وجعلوها قبلة لعبادتهم.
ويحتمل أن يكون القائل إنهم أهل كتاب يبني رأيه على ما ظهر لهم من دخولهم في النصرانية خيفة البطش بهم مع كتمانهم مذهبهم الأصلي.
ثم إذا ما رجعنا إلى أرباب الملل والنحل نجد أبا الفتح الشهرستاني يقول في كتابه الملل والنحل في بحث الصابئة أن مدار مذهب الصابئة على التعصب للروحانيات كما أن مدار مذهب الحنفاء على التعصب للبشر الجسمانيين" ولعله يعني بذلك أنه أصل مذهبهم الذي امتازوا به أولاً وحفظوه في صدورهم.
هذا ومن العسير جداً تتبع أطوار مذهب هذه الطائفة لفقدان بحضن حلقاتها في بعض الأزمنة والعصور التي مرت عليهم.
الأمر الذي يجعل الباحث يركب متن الظن والاحتمال لعدم تمكنه من القطع -ثم إذا ما تصفحنا كتب المذاهب الفقهية لنتعرف منها أقوال الفقهاء في الصابئة نجد أن الإِمام أبا حنيفة يرى أنهم قوم من النصارى يقرؤون الزبور ويعظمون الكوكب كتعظيم المسلمين للكعبة.
لكنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم.
وأما المالكية وأبو يوسف ومحمد ابن الحنفية فذهبوا إلى أنهم عبدة أوثان.
والشافعية فصلوا فيهم تفصيلاً حاصلة -أنهم إن وافقوا النصارى في أصل الاعتقاد وخالفوهم في الفروع فهم منهم.
وإن خالفوهم في الاعتقاد ووافقوهم في الفروع أو شُكَّ في ذلك فليسوا منهم- وفي رواية عن الشَّافعي أنه توقف فيهم.
ولم يقطع برأي لأنه رأى أو مذهبهم مشتبه فعلَّق القرار منهم -والحنابلة لهم فيهم قولان- قول كأبي حنيفة.
وآخر مفصّل كتفصيل الشافعية.
وقد انبنى على الخلاف السابق بين الفقهاء في مذهب الصابئة اختلافهم في مسألتنا.
حكم تزوج المسلم بالصابئة:-
فذهب الإِمام أبو حنيفة والحنابلة في أحد قوليهم إلى جواز مناكحتهم متى كانوا يؤمنون بنبي ويقرون بكتاب -وذهب الصاحبان من الحنفية والمالكية إلى عدم جواز ذلك.
أما الشافعية والحنابلة في قولهم الآخر فذهبوا إلى التفصيل فيهم فإن كانوا يوافقون أهل الكتاب في أصل دينهم ويخالفونهم في الفروع فهم منهم تحل مناكحتهم- وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين فلا تحل.
تمسك من قال بالحل: بأن الصابئة كأهل الكتاب إلا أنهم خالفوهم في بعض الفروع فلا يكون ذلك مانعاً لهم من أخذهم حكمهم في حل نسائهم.
ولا تكون مخالفتهم مخرجة لهم من دائرتهم.
فهم أشبه بأهل البدع من المسلمين لم تكن بدعهم مانعة لهم من صدق الإِسلام عليهم واعتبارهم مسلمين.
وتمسك القائل بالتحريم:-
بأنهم كالمشركين في عبادتهم الأصنام فتحرم نساؤهم لأن المشركات محرمات بالنص.
واحتج المفصلون: بأن الصابئة إذا خالفوا أهل الكتاب في الاعتقاد كانوا مشركين لتوحيد أهل الكتاب دونهم فتحرم نساؤهم كالمشركين.
وأما إن خالفوهم في الفروع دون الاعتقاد فلا يضر ذلك في أخذهم حكم أهل الكتاب في حل النساء.
إذ مخالفتهم غير معتبرة في حق حكم التزوج فإن شك في أمرهم غلب جانب الحرمة على جانب الحل فتحرم نساؤهم احتياطاً في حق الأبضاع.
وقد أجيب عن دليل القائلين بالتحريم.
=
الجزء: 8 - الصفحة: 79
الدِّين، وأُخْرَى تخالفهم، فتعْبُدُ الكواكب السبعة، وتضيف الآثار إليها، وتنفي الصانِعَ المخْتَارِ، وهم الذين أَفْتَى الإصْطَخْرِيّ بقتلهم؛ لَمَّا استفتى الْقَاهِرُ الْخَلِيْفةُ الْفُقَهَاءَ فيهم.
وعن رواية الشيخ أبي عَلِيٍّ: أن بعض الأصحاب أطْلَقَ قولَيْنِ في مناكحةِ الصابِئِينَ والسَّامِرة، وهذا ما أورده في الكتاب بقوله: "وقيل قولان مطْلقا" قال الإِمامُ -رحمه الله-: ولا مجال للتردُّد في الذين يُكَفِّرُهُمُ اليهود والنصارى، ويخرجُونَهُم من جُمْلَتِهم، نعمْ يمكن التردُّد في الذين ينزلونهم منْزِلَةَ المبتدعة فِينَا، ولا يكفِّرونهم.
قال: ولَيْسَ هذا تَعْرِيضاً بتحريم نكاح المبْتدعَةِ فِينَا لكوْننا لم نكفِّرْهم بالسَّمْع ولم يثبت سمع في المبتدعة الأوَّلِينَ، وإذا شَكَكْنا في جماعةٍ أنهم يخالفونَهُمُ في أصول الدِّينِ، أو فروعه، لم نناكِحْهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) لَوْ تَنَصَّرَ يَهُوديٌّ يُقَرُّ فِي قَوْلٍ، وَلاَ يُرْضَى مِنْهُ إلاَّ بِالسَّيْفِ (ح) أَو الإِسْلاَمِ في قوْلٍ، وَيُرْضَى بِالإسْلاَمِ أَوِ العَوْدِ إِلَى التَّهَوُّدِ فِي قَوْلٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُقَرُّ فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَأْمِنَهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَثَّنَ يَهُودِيُّ تَجْرِي الأَقْوَالُ إِلاَّ أنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى التَوَثَّنِ بِحَالِ وَيُقْنَعُ مِنْهُ بِالتَّنَصُّرِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَوْ تَنَصَّر وَثَنِيٌّ فَلاَ يُقْنَعُ مِنُهُ إلاَّ بِالإِسْلاَمِ، وَلَوِ ارّتَدَّ مُسْلِمٌ فَلاَ يُقْنَعُ مِنْهُ إلاَّ بِالإِسْلاَمِ أَو السَّيْفِ، وَتَتَنَجَّزُ الفُرْقَةُ بِهَا قَبْلَ المَسِيسِ (ح)، وَيتَوقَّفُ بَعْدَ المَسِيسِ إِلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، فَإِنَّ أسْلَمَ قَبْلَهَا دَامَ النِّكَاحَ وَإلاَّ فَتَتَبَيَّنُ الفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ.
380
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ في الانتقال من دِينٍ إلى دِينٍ، وذلك، وإنْ لم يختصَّ بالنكاح، لكن للنكاح مَنْهُ حَظُّ ظَاهِرٌ، فنَذكره في بيان حظِّ النكاح منه، فنقول: الانتقال؛ إما أن يفرض من دِينٍ باطِلٍ إلى دين بَاطِلٍ، أو من الحَقِّ إلى الباطل، أو بالعكس.
= بأن الصابئة ما عظموا الكواكب واستقبلوها في دعائهم وعبادتهم تعظيم عبادة لها.
ولكن تعظيم احترام وإحلال.
وليس هذا بمدخلهم في الشرك.
ومثلهم في ذلك المسلمون في تعظيم الكعبة والاستقبال إليها عند الدعاء لم يكن ذلك بمخرجهم عن دائرة الإِسلام.
هذا: ويظهر لي أن اختلاف الفقهاء ليس باختلاف حقيقي إذ يمكن أن نقول: إن الإمام أبا خيفة قال بحل تزوج النساء الصابئات بناءً على ما ظهر له من حال فرقة وقف على أمرها كانت تقطن العراق -أما الفقهاء القائلون بالتحريم فيمكن أن يقال إنهم ذهبوا إلى ذلك بناءً على ما اطلعوا عليه من أمر فرقة أخرى توافق عبدة الأوثان.
وقد يجوز أن تكون نقل إليهم شيء عن حالهم حكموا بناءً عليه -ولا يبعد أن تلك الطائفة التي نقلت إليهم أو اطلعوا عليها أن تكون خلاف الطائفة التي عرفها الإِمام أبو حنيفة.
لو أنهم اطلعوا على طائفة واحدة لاتفق حكمهم في الصابئة.
الجزء: 8 - الصفحة: 80
أما القسم الأوَّل: الانتقال من دينٍ باطِلٍ إلى دِينٍ بَاطِلٍ فإمَّا أنْ يَكُوَن الانتقالُ من دينٍ يُقَرُّ أهله عليه إلى دين يُقَرُّ أهله عليه، أو ممَّا يُقَرُّ عليه إلى ما.
لا يقر، أو بالعَكْسِ، فهذه ثَلاثةُ أَضْرُبٍ، ولا غرض لَنَا في الرابع الذي يُؤدِّي إليه التقسيم.
أمَّا الضَّرْب الأوَّلُ: فَإذَا تنصَّر يهوديٌّ، أو تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، فَهَل يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ، على ما انْتَقَلَ إليه؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أحَدُهُمَا: لا؛ لأَنَّهُ أَحْدَثَ دِيناً بَاطِلاً بعد اعترافه ببطلانه، فلا يُقَرّ عليه، كما إذا ارتدَّ المسلم.
والثَّانِي: يُقَرُّ، لتساوي الدِّيَنَيْنِ بالتقْرير بالجزية، وفي كونهما على خِلاَفِ الْحَقَّ، وليس كالمسلم يرتد؛ لأنه تَرَكَ الدِّينَ الْحَقَّ، وهذا أَصَحُّ عند القاضي أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ "التَّهْذِيبِ" وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهو نصه في "الْمُخْتَصَرِ" والقولان فيما ذَكَرَتْ طائفةٌ، منهم صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" مبنيان عَلى أن الكفْرَ ملةٌ واحدةٌ، أو مِلَلٌ مختلفةٌ، إنْ قُلنَا: مَلِلٌ، لم يُقَرَّ، وإن قُلْنَا: مِلَّةٌ واحدةٌ، أُقِرَّ كما يقر المسلم، إذا انتقل من مذْهَب إلى مَذْهَبٍ، ولك أن تَقُولَ: لو كان هذا أصْلاً لِمَا بَنَى عليه هذان القولان، لأَثْبَتْنَا مثْلَهُمَا قولَيْن في التوارُثِ بين اليهود والنصارى، وليس كذلك على ما بيَّنَّا في "الفرائضِ"، ثمَّ حكَيْنا هُنَاكَ أنَّ بعْضَهم خَرَّج وَجْهاً في منْع التوارث من قوْلِنا: أنه لا يقر واستدل به على أن الكفر ملل مختلفة، وفرق بين أن يستدل بقولنا لا يُقَرُّ على اختلاف، وبين أن يبني قولنا لاَ يُقَرّ على الاختلاف، ويُجْعَلُ ذلك أصلاً راسخاً.
التفريع: إن قلنا يُقَرّ فذبيحته حَلالٌ، ولو كان هذا الانتقالُ من امرأة، حلَّ للمسلِمِ نكاحُها، ولو انتقلتُ في دوامِ نكاحِ مسلمٍ، فلا يتأثر به، وإن قلنا: لا يُقَرُّ، لم تحلَّ الذبيحة، ولا النكاح، ولو انتقلت في دوام نَكاح فسلم، فهي كالمسلمة ترتد فتتنجز الفرقة، إن كان قبل الدخول وتتوقَّف على انقضاء العدة، إن كان بَعْدَه، وعلى هذا فقولان:
أَحَدُهُمَا: أنَّه لا يقبل منه إلا الإسلاَمُ لأنه أقرَّ ببطلان المنتقل عنه، وكان مقرا ببطلانِ المُنْتَقَلِ إِلَيهِ.
والثاني: أنه، لو عاد إلَى ما كان عليه قيل: لتساوي الدينين في الحكم، والأولُ أظهرُ عند الإمام؛ توجيهاً بأن ذلك الدِّينَ قد زال، فعَوْدُه إليه انتقالُ منه إليه، فلو منَعْنا منْه بالانتقالَ إليه، لأَقْرَرْنَاهُ عَلَى ما انتقل إلَيه أولا، فإن أبى الإسلامَ على القول الأول، أو الإِسلام وَالعَوْدَ على ما كان علَيْه جميعاً على القول الثاني، فقولان، ويقال: وجهان:
أَحَدُهُمَا: أنَّه يقتل كالمُسْلِم يرتد، ويشهد له ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
الجزء: 8 - الصفحة: 81
وأشبههما: لا، بل يُلْحَق بِمْأمَنِهِ كَمَنْ نَبَذَ الْعَهْدَ إِلَيْنَا، ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ لَنَا، إِن ظَفِرْنَا بِهِ، قَتَلْنَاهُ، وإنْ انْتَقَلَ يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌّ إلى المجوسية، هَلْ يُقَرُّ بالجزية.
فيه القولان، وَحَكَى أَبُو الفَرَجِ الزاز طَرِيْقَةَ قَاطِعَةً بالمنع لكون المُنْتَقَلِ إلَيْه دون الأَوَّل، فَإِنْ قلْنا: لا يُقَرُّ، ففي القناعة منه بالعود إلى ما كان عليه القولان، وإذا أَبَى، ففي القَتْلِ أو الإِلحاقِ بِالْمَأمَنِ، الِقولان، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ، ولا النِّكَاحُ، إن كان هَذَا الانتقال من امْرَأَةٍ، ولو كانت في نكاح مسلم، تنجزت الفرقة، إن كان قبل الدخول، وَإِلاَّ، فَإِنْ أسلمت قبل انقضاء العدة، أو عادت إلى ما كانت عليه وقنعنا به دام النكاح بينهما، وإلاَّ، بانَ حُصُولِ الفُرْقَة من وقت الانتقال، ولو تمجَّست كتابيةٌ تحت كتابي، فَإِنْ كانوا لا يعتقدون جوازَ نكاحِ المجوس، فكما لو تمجَّسَت تحْت مسْلِم، وإلاَّ، فنقرِّرُهما، إِذَا أسْلَمَا، ولو تهوَّد أو تنصَّر مَجُوسِيٌّ، ففي التقرير القولان، وإذا لم نقرَّر، فالتفريع كما سبق، ولا تحلّ ذبيحته، ومناكحَتُهُ بحال؛ لأن الانْتِقَالِ، من دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ لا يفيد فَضْيِلَةَ لم تكن، وعند أَبِي حَنِيْفَةَ يفيدها.
الضرب الثاني: لو [توثن] 381 يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، لم يُقَرَّ عليه؛ لأن الانتقالَ من دينٍ، بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ، يُبْطِلُ الفضيلة التي كانَتْ، وهل يقنع منه بالعَوْد إِلَى ما كان عليه أم لا يُقْبَلُ منه إلا لإِسلام؟ فيه القولان السابقان، وهاهنا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وهو أنه يُقْنَعُ منه بالانتقال إلَى دِينٍ آخَرَ يساوِي المنتقل عنه؛ بِأَنْ كان يهودياً، فَتَنَصَّرَ الآن، أو بالعَكْس، وإذا وجد هذا الانْتِقَالَ من كتابيَّة تحت مسْلِم، انفسخ النكاح، إِن كان قبل الدخول، وإن كان بعْده، فإن رجَعَتْ إلى الإِسلام قبل انقضاء العدة، أو إلَى ما انتقلتْ عنه في القوْلِ الثاني، أو إلَى ما يساويه في القول الثالث، [استمر] 382 النكاح، وتبين الفراقُ من وقْت الانتقال، ولو تَوَثَّنَ مَجُوسِيٌّ، لم يُقَرَّ عليه، وفي القناعة منه بالعَوْد إلى ما كان عليه القولان، وقِيَاسُ الْقَولِ الثَّالِثِ في الصورة الَّتي مَضَتْ أنْ يقنع منه بالتَّهَوّدِ، والتَّنَصّرِ؛ لأن كُلاًّ عنهما خَيْرٌ من التمجُّس.
الضرب الثالث: لو تهوَّد أو تنصَّر أو تمجَّس وَثَنِيٌّ، لم يُقَرُّ عليه، يُقْبَلْ مِنْهُ إلا الإِسْلاَمُ؛ كالمرتد 383؛ لأنه كان لا يُقرُّ، فلا يستفيدُ هذه الفضيلةَ من الدِّين الباطلِ الذي انتقل إِليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 82
وإِذا تأمَّلْتَ حكم هذه الأَضْرُب عَرَفتَ أنَّ الانْتِقَال من دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ، يُبْطِلُ الفضيلة التي كانت في الأول ولا يفيد فضيلة لم تكن في الأول ولكن تبقى الفضيلة الَّتي يشرّك فيها الدينان على قوْلنا بالتقرير، وعرفت أن كلامَهُم المطْلَقَ في الفصل الذي تقدَّم أنَّ مَنْ دَخَلَ في التهوُّد والتنصُّر بعد النَّسْخ والتَّبْدِيل لا يناكح، ولا يُقَرُّ بالجزية، غَيْرُ مستمِرٍّ على إطلاقه؛ لأن من تهوَّد أو تنصَّر اليوم، فَقَدْ دَخَلَ في ذلك الدِّينِ بعْد الفسخ والتبديل، فقد بَانَ الْخِلاَفُ في أنَّه هل يناكح؟ وهل يُقَرُّ بالجزية مهْما كان الُدُّخُول في دِينِ يُقَرُّ أهلُه عليه؟ فإذن إطلاقهم هناك وجزمهم بالمنع محمولٌ على ما إذا كان الدُّخُولُ منه في دِينٍ لا يُقَرُّ عليه، كالتَّوَثُّنِ، وهذا هو البيانُ الذي سبق الوَعْدُ به.
وقوله: في الكتاب "ولا يرضى منه إلا بالسيف أو الإِسلام"، مُعْلَم بالحاء، لما مَرَّ أَنَّ أبَا حَنِيْفَةَ يقول بالقول الأوَّل.
وقوله: "ونرضى بالإِسلامِ أَو بالعَوْد إلى التهوُّد" معناه أنا نقْنَع، ونكفُّ عنه بالعود إلى التَّهوُّدِ، وإلا، فكيفَ نرضى بالكفر، ولا نقول في شيء من هذه الصور: أسْلَمْ أو عُدْ إلَى ما كنت عليه، بل لا نأمُرُهُ إلاَّ بالإِسلام، لكن نتركه لو عاد إلى غيره.
القسم الثاني: الانتقالُ من الدين الْحَقَّ إلى دين باطل بأَن يرتدُّ المسلم، والعياذ بالله عَزَّ وَجَلَّ، فلا يُقْبَلُ منه إِلاَّ الإِسلامُ، فإن أبَي، قُتِلَ علَى ما سيأْتي في الجنايات، إن قَدَّرَ اللهُ عزّ وجلّ، ولا يحلُّ نكَاج المرتدة لا لِلْمُسْلمين ولا للكفار، أمَّا للمسلمين؛ فلأنها كافرةٌ لا تُقَرُّ، وأَمَّا للكفار؛ فلبقاء عُلْقَة الإِسلام فيها، وإذا ارتَدَّ في دوام النكاح أَحدَّ الزوجَيْنِ نُظِرَ إنْ كان قبل المَسِيسِ تنجَّزت الفُرْقة، وإِن كان بعده يُوقَف النِّكَاح على انقضاء العدة، فإِن جمعهما الإِسلام قبل انقضائها، استمر النِّكاحُ، وإلاَّ، تبين الفرقة من وقت الردة، وبهذا قَالَ أَحْمَدُ وقال أَبو حَنِيْفَةَ -رحمه الله- تنجز الفُرْقة، سواءً كان ذلك قبل المسيس، أو بعده وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- روايتان كالمذهبين.
لنا: أَنه اختلافُ دِين طرأ بعد المَسِيسِ، فلا يوجب الفسْخَ في الحال؛ كإِسلام أحد الزوجَيْنِ الكافرَيْنِ، ولو ارتدَّا معاً، فالحكم كما لو ارتد أَحدهما، وبه قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
وَقَالَ أبو حَنِيْفَةَ -رَحِمَه اللهُ- يستمر النِّكَاحُ بينهما، كما لو أَسلم الزوجان الكافران.
واحتجَّ الأَصْحَابُ بأَنها ردَّةٌ طَرَأَتَ على النكاح، فتعلّق بها الفسخُ كارتداد أَحدهما، وبأنَّ ردَّتهما أفحشُ من ردَّة أحدهما، فَأولَى أَن يتأثر بها النكاح.
الجزء: 8 - الصفحة: 83
قالوا: وليْسَتُ رَدَّةُ الزوجين كإسْلاَمهما؛ لأنَّهما إذا أسْلَما، مكنا من الوطء بخلاف ما إِذا أَسلم أَحدهما، وإذا ارتدَّا، لم يمَكَّنا، كما لو ارتدَّ أَحدهما، فخالف حكم إسلامهما حكم إِسلامِ أَحدهما، ولم يخالفْ حكم [ردتها حكم ردة أحدهما] 384.
إذا عرف ذلك، فمهما حَكْمنا بالتوقُّف، لم يجز الوطء لكن لو جَرَى، لم يجب الحدُّ، ووجبتِ العِدَّةِ، وهما عدتان من شَخْصٍ وَاحِدٍ، فهو بمثابة ما لو طَلَّقَ امْرَأةٌ، ثم وطئها في العِدَّةِ، وسيأتي حكْمُهُ في "باب العدة" إن شاء الله تعالى، وليكنِ اجتماعُهُمَا في الإِسْلام ههنا بمثابة الرجعة هناك، حَتَّى يَسْتَمِرَّ النكاح إذا جمعهما الإِسلام في الحالات التي يحكم فيها بثبوتِ الرَّجْعة هناك، والقولُ في أنه، هل يجب مَهْرٌ بهذا الوطء في حكم مهْرِ النكاح، إذا انفسخ بالردَّة، قد تعْرِض له في الكتاب في غير هذا الموضع، ولو طلَّقها في مدة التوقّف، أو ظاهر منْها أَو آلي تَوَقَّفْنَا، فإِنْ جمَعَها الإسْلامُ قبل انقضاء مدة العدة، تبيَّنَّا صحَّتَها، وإِلاَّ، فَلاَ، وليس للزَّوْج، إِذا ارتدَّتِ الزوجة أَن ينكح في مدة التوقُّف أختها، ولا أَربعاً سواها ولا أَن ينكح أَمَةً، وإن كان ممَّن يجوز له نكاح الإِماء؛ لاحتمال عودها إلى الإِسْلاَمِ واستمرار النكاح، فإِن طلَّقها ثلاثاً في مدة التوقُّف، أَو خالَعَها، جاز له ذلك لأنها إِن لم تعُدْ إِلى الإِسلام فقد بانت ينقض نكاحها من وقت الرِّدَّةِ، وإنْ عادَتْ، فمن وقت الطلقات الثلاث، أَو الخُلْعِ.
القسم الثالث: الانتقالُ من دِينٍ بَاطِلٍ إِلى دينٍ حق، وفيه يقَعُ "بَابُ نِكَاحِ المشركات" الَّلاتِي عَلَى الأثَر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَجُوسِيِّ وَيَهُودِيِّ وَلَدٌ لَمْ يُنْكَحْ في قَوْلٍ؛ لِغَلبَةِ التَّحْرِيم، وَنُظِرَ إلَى جَانِبِ الأَبِ فِي قَوْلٍ، وَيَتَصِّلُ بِهَذَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: منَ أَحدُ أَبويه كتابِىُّ، والآخرُ وثنيٌّ أو مجوسي يَقَرُّ بالجزية على الصحيح من خلاف سيأْتِي في "كتاب الجزية" إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، أَمَّا مناكحته، أَو مناكحة مَنْ أَحَدُ أَبويه يهوديُّ أَو نصرانيٌّ، والآخر مجوسيٌّ، فيُنْظر؛ إِن كان الأَبُ كتابياً، فقولان:
أحدهما: ويُحْكَى عن مَالِكٍ - (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) - أَنَّها تَحِلُّ؛ لأَن الانتساب إلى الأبِ، والأبُ كتابيّ.
وأصحهما: المنع، وبه قال أَحمد؛ تغليباً للتَّحْرِيم، كما أَن المتولِّد بين المأَكول وغير المأكول حرامٌ وإِنْ كانَتِ الأُمُّ كتابيَّةً، لم تحلَّ؛ قولاً واحدًا وبه قال أَحَمْد.
وقال أَبو حنيفة: تحلُّ، سواءٌ كان الأَب كتابياً، والأُمُّ كتابيةً، ويجعل تبعاً لخير
الجزء: 8 - الصفحة: 84
الأَبوين دِيناً، كما لو كان أَحدُ الأَبَوْيِن مُسْلماً يحكم بإسلامِ الوَلَد.
[و] قال الأَصحاب: الِفرْق أَن الإِسلام يعْلو ويغلب سائر الأديان، وسائر الأَديان تتقاوم، ولا تَغْلِبُ بعَضُها بعضاً، ولهذا قُلْنا: إِنَّ الكفر كلَّه ملةٌ واحدةٌ، وعبر الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن هذا المعْنَى بأنَّ الإِسْلامَ لا يَشْرَكُه الشَّرْك، والشَّرْكُ يشركه الشرك، والحُكْمُ في حلِّ الذبيحة كهو في حل المناكحة، ثم ما ذكرنا من المنع جزماً، فيما إذا كانت الأَمُّ كتابيَّة، وعلى أَحد القولين، إِذا كان الأَب كتابياً في صفر المتلوِّد منهما، أمَّا إِذا بلغ وتَديَّن بدِينِ الكتابيِّ من أَبويه، فعن الشَّافِعِيَّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنه يحلُّ مناكحته وذبيحته، واختلف فيه الأَصحاب على ما نقله صاحب "التَّهْذِيبِ" منْهم من أثبته قولاً، ووجَّهه بأَن فيه شعبةً مِنْ كلِّ واحد منهما، لكنَّا عَلْينا التحريمُ ما دام تبعاً لأَحدِ الأبَوَيْنِ، فإذا بلغ واستقل، واختار الكتابية، قَوِيَتْ تلك الشعبة.
ومنهم من قَالَ: لا تحلُّ ذبيحته ومناكحته بعْد البلوغ أيضاً، كالمتولِّد من المجوسيَّيَن وحَملوا مَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: -رَضِي اللهُ عَنْه- على ما إذا كان أَحد أبَوْيِهِ يهوديّاً، والآخَرُ نصرانياً، فبلغ، واختار دِينَ أَحدهما، والمتولِّدُ من يهوديِّ ومجوسية، إذا بلغ واختار التمجس، فالحكاية عن القَفَّالِ أَنه يُمَكَّنُ منه، ويجري عليه حكْمُ المجوس، بخلاِف من تولَّد من مسلمٍ ويهودية؛ حيث يلزمه التمسُّك بالإِسلام بعد البلوغ.
وقَالَ الإِمام: لا يُمنع أَن يقال: إِذا أثبتنا حكم اليهود في الذبيحة والمناكحة، فنِمنعه من التمجُّس، إذا منعنا الكافر من الانتقال من دين إِلى دِينٍ.
وقولهُ في الكتاب: "ولو تولد من بين مجوسية ويهوديٍّ ولَد من كذا" هو في بعَض النسخ، وفي بعضها من "بين مجوسيٍّ ويهوديٍّ" وهما صحيحان.
أَما الأَول فظاهر وأَما الثاني، فالتقدير من بين شخصٍ مجوسيٍّ، والآخر يُهوديٌّ، وذلك يشمل ما إِذا كان الأَبُ يهودياً وما إِذا كانت الأُمُّ يهوديَّةً، وَنَحْنُ في قَوْلٍ نحكم بالتحريم في الطَّرَفين، وفي قول، ننظر إلى الأَب، ونثبت حكْمَه في الولد، واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ويتصلُ بهذا:
بَابُ نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ،
وَفِيهِ فُصُولٌ (الأَوَّلُ فِيمَا يُقَرُّ عَلَيْهِ الكَافِرُ مِنَ الأنْكِحَةِ) وَمَهْمَا أسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى كِتَابِيَّةٍ قرَّرَ عَلَيْهِ، وَإنْ أَسْلَمَ عَلَى وَثَنيَّةٍ أَوْ مَجُوسيَّةٍ، فَإِنْ أسْلَمَتْ مَعَهُ قَبْلَ المَسِيسِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وَكذَلِكَ (م ح) إنْ أسْلَمَتْ بَعْدَ المَسِيسِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَكذَلِكَ الحُكْمُ لَوْ كَانَتْ هِيَ السَّابِقَةَ إِلَى الإِسْلاَمِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 85
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْتَ كيفيَّة اتصالِ الباب بما سبق، وترجمته بـ"نكاح المشركات" ليست أَولَى من ترجمته نكاح المشركين، والشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأكثر الأصحاب ترجموه بـ"نِكاح المشرك" ومقصوده مُودَعٌ في فصولٍ:
الفصل الأول: فيما يُقَرُّ عليه الكافرُ، إِذا أسلم من الأَنكحة الجارية في الكفر، فإِذا أَسلم كافِرٌ، وتحته كتابيةٌ أَو اثنتان إلى أربع، استمر النكاح؛ لجواز نكاح الكتابية في الإِسْلاَم ابتداءً، ولا فرق في ذلك بين اليهوديِّ والمجوسي ولا بين الحربىِّ والذميِّ.
وِإن أَسلمَ، وتحته مجوسية أَو وثنية، أَو مَنْ لا يجوز له نكاحُها من الكافرات، وتخلَّفت هي، نُظِرَ؛ إِن كان ذلك قبل المسيس، تنجزَّتَ الفرقة بينهما، وإِن كان بعْده، فإِن أَسلمتُ قبل انقضاء مدة العدة، استمر النكاح، وإِلاَّ تَبَينَ حصول الفرقة من وقْت إِسْلام الزوج.
ولو أَسلمتِ المرأْةُ، وأَقَرَّ الزوج على الكفر، أيَّ كفر كان، فالحكم كما لو أَسلم الزوج، وأَصرَّتْ هي على التمجُّس أو التوثُّن، فقيل: المسيس تتنجز الفرقة، وبعده يُنْظَر؛ إن أَسلم الزوْجُ قبل أَن تنقضي مدة العدة، استمر النكاح، وإلاَّ تبينَّ حصول الفرقة من وقت إِسْلاَمها.
ولو أَسلم الزوجَانِ الكافران معاً، لم يقْتَضِ تبديلُهُما الدِّين ارتفاعَ النكاح، ويَسْتَوِي فيه جميعُ أنواع الكُفْر وما قبل المسيس وما بعده، والاعتبارُ في الترتيب والمعيَّة بآخر كلمة الإِسلام لا بأولها.
وقال مالك - (رضي الله عنه) -: إِن سبقَتِ المرأَةُ إِلى الإِسْلامِ، فالحكم على ما ذكرنا، وإنْ سبَقَ الرجُلُ عرض عليها الإِسْلام في الحال، فإن أَسلمت، استمَرَّ النكاح، وِإلا، انفسخ في الحال.
وعند أَبي حَنِيْفَةَ: إِذا أَسلم أَحدهما، وهما في دار الإِسلام، يُعْوَضُ الإِسلام ثلاثاً على المتخلِّف منهما، فإِن أَبي، فُرِّقَ بينهما، ويتكون الفُرْقة طلاقاً إِن كان الإباء من الزَّوجِ؛ وفسخاً، إِن كان من الزوجة، وإِن كانا في دار الحرب، وقف إِلى انقضاء ثلاثِ حيضٍ، إِن كانت المرأةُ من ذوات الأقراء أَو ثلاثة أَشهرٍ، إِن لم تُكُن، وإن لم يجتمعا على الإِسلامِ إِلى انقضائها، حَصَلَت الفرقة وتستأنف العدة، إن كان مدخولاً بها، وإذا دَخَلَ الذي أسْلَم منْهما دار الإِسلام، والمتخلف في دار الحرب، حَصَلَتِ الفُرقةُ في الحال؛ لاختلاف الدارَيْن، وكذَا، لو كانا في دار الإِسْلام، فالتحق الكافرُ بدارِ الحرب.
قال: وكذلك، لو الْتحَقَ الذميُّ بدار الحرب ناقضاً للعَهْد؛ وامرأته في دار الإِسلام، حصَلَتِ الفُرْقة بينهما، وكذلك لو كانَ الزوْجَان في دار الحربِ، فدخل الزوج
الجزء: 8 - الصفحة: 86
دار الإِسلام، وعقد الذمة لنفسه، والمرأةُ في دار الحَرْب، تحصُل الفرقة بينهما، ولا فَرْقَ عنده فيما قبل المسيسِ، ولا ما بَعْده، وعن أَحْمَدَ روايتان:
أَظهرهما: مساعَدَتُنا.
والثانية: انه إِذا أَسلم أَحدهما دون الآخر، انفسخ النكاح؛ سواءٌ كان ذلك قبل الدخول أَو بعده، واحتج الأَصحابُ علَى مَالِكٍ - (رَضِي الله عَنْهُ- بالقياسِ علَى إِسلام الزوجة، وعلَى أَبي حنيفة بما رُوِيَ أَن أَبا سفيانَ وحَكِيم بْنَ حزام أَسْلَمَا بِمَرَّ الظَّهْرَانِ، وَهُوَ مُسْكَرُ المُسْلِمِينَ، وَامْرَأَتَاهُمَا بِمَكَّةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ ثُمَّ أَسْلَمَنَا مِنْ بَعْدُ وَأُقرَّ النِّكَاحُ، وبَأَنَّ صفوانَ بْنِ أَمِيَّة، وَعِكْرَمَة بْنَ أَبِي جَهَل -رضيَ الله عنهما- هَرَبَا كَافِرَيْنِ إِلَى السَّاحِلِ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَت امْرَأتَاهُمَا بِمَكَّةَ وأخذتا الأَمَانَ لِزوْجَيْهِمَا، فَقَدِمَا، وَأَسْلَمَا، فَرَدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَتَيْهِمَا" 385.
ولو نكح الكافر لابنه الصغير صغيرة، فإسلام الأبَوَيْنِ أَو أَحدهما قبل بلوغهما فهو كإسلام الزوجَيْن أو أحدِهِما.
ولو نكَحَ لابنه الصغير بالغةً، وأَسْلَمَ أَبو الطِّفْل والمرأةُ معاً؛ قال في "التَّهْذِيبِ": يَبْطُلُ النكاح؛ لأَن إِسْلاَمَ الولَدِ يَحْصُلُ عَقِيبَ إِسلام الأَب، فتقدّم إِسلامهما إِسلام الزوج، لكنْ ترتُّبُ إِسلام الابن عَلى إِسلام الأَب لا يَقْتَضِي تقدُّماً ولا تأخُّراً بالزمان، فلا يظهر تقدُّم إِسلامهما عَلى إسلام الزوج 386.
قال: وإن أَسلَمَتْ عَقِيبَ إِسلام الأَب يبطل أَيضاً؛ لأَن إِسلام الولد يحصل حكماً وإسلامها يحصل بالقول، والحُكْمِيُّ يكون سابقاً على القوليّ، فلا يتحقَّق إسلامهما معاً.
وحيث توقَّفنا في النكاح، وانتظرنا الحال إِلى انقضاء مدَّة العدَّة، فلو طلَّقها قبل
الجزء: 8 - الصفحة: 87
تمام العدة، فالطَّلاق موقوفٌ أَيضاً، فإن اجتمعا على الإِسْلام في العدَّة، تبيَّن وقوعه، وتعتدّ من وقت الطلاق، وإلاَّ، فلا طلاق.
وَحَكَى الأَمَامُ أَن من الأَصحاب مَنْ جعَل الطلاقَ عَلَى قولَيْ وقْفِ العُقُود، وقال: لا يقَعُ في قول، وإنِ اجتَمَعَا على الإِسْلاَم [قبل انقضاء العدة] وأَجراهُمَا فيما إِذا أَعْتَقَ عبد أبيه على ظنِّ كَوْنِهِ حَيًّا، فَبَانَ ميتاً، كما لو باع عَلَى ظنِّ أنه حيٌّ فَبَانَ ميتاً، والمذهب الأَول، فإِنَّ الطَّلاَقَ والعتاق يقبلان صريحِ التعليق، فأوَلى أَن يقبلا تقدير التعليق، وكذا يتوقَّف في الظهار وفي الإِيلاء، ولو قذَفَها، فإن لم يجْتَمِعا على الإسْلاَم في مدَّة العدَّة، لم يلاعن، وَيُعَزَّر إن كَان التخلّف من الزوجة، ويُحَدُّ إِنْ كان هو المتخلَّف وإِن اجتمعا عَلَى الإسْلاَم، فله أَن يلاعِنَ لدَفْع الحد أَو التعْزِيرِ ولو أَن الزوْجَ حين سَبَقَ إِلى الإِسَلام، والزوجةُ وثنيةُ نَكحٌ في زمان التوقُّف أُختها المسلمة أَو أَربعاً سواها، لم يصحَّ، وكذا لو كان طلَّقها طلقةً رجعيةً في الشِّرْكِ، ثم أسْلَم، ونكح في العدَّة أُختها المسلمة أَو أَربعاً سواها؛ لأَنَّ زوال نكاحها غير متيقن، فلا ينكح من لا يجوز له الجمعُ بينهما وبين المتخلِّفة.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يتوقَّف في نكاح من ينْكِحُها، كما يتوقَّف في نكاح المتخلِّفة، فإن أَسلمتِ المتخلِّفة، تبيَّن بطلانُ نكاح الثانية، وإِن أَصرَّتْ، حتى انقضتِ العدَّة، تبيَّن صحَّتُهُ، وتوافقه طريقةٌ حكاها الإمام عن بعْضِ الأَصحاب، وهي أَنَّا نجْعل هذا النكَاحَ على قولَيْ وقْفِ العقود، فإن قلْنَا بالتوقُّف، توقَّفنا، كما ذكره الْمُزَنِيُّ، والمشهورُ منْ كَلام الأَصحاب القطْعُ بالمِنعَ، وهو نَصُّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفرَّقوا بينه وبين ما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ أَو زوَّج جاريته [على ظن أنه حيُّ] 387، ثم بَانَ ميتاً؛ بأن هناك المغنَى المجَوِّزُ للتصرُّف قائمٌ في الحال، لكنْ لم يعلَمْه المتصرِّف، وإصرار المتخلِّفة إِلى انقضاء العدَّة ليس حاصلاً في الحال، وإنَّما هو متعلِّق بالاستقبال والله العالمِ به وهذا المعنى، إن اقتضى الفرق بين ما نحن فيه، وبين ما إذا باع مالَ أَبيه علَى ظن أنه حيٌّ، فإنه لا يقتضي الفرق، وبين ما إِذا باع مال الغير، [فإنا نوقفه] 388 على الإِجازة في قول، وهي أَمرٌ يتعلَّقِ بالاستقبال، ويُشْبِه أَن يكون الذي ذكره الأَصْحَابُ مُفَرعاً عَلَى ظاهر المَذْهَب، وهو أن العْقُود لا تتوقَّف على الإِجَازَةِ ولو سَبَقَتِ المرأةُ إِلى الإسْلاَمَ، ونكح الزوْجُ في تخلُّفه أَختها المُشْرِكَة، ثم أَسلم مع الثانية، فإن كان ذلك بعد انقضاءَ عدةِ السَّابقة، أُقِرَّتِ الثانيةُ تحته، واِن أَسلم قبل انقضاء عدتها، فله أن يختار منْهما ما شاء.
الجزء: 8 - الصفحة: 88
كما لو أَسلَمَ، وتحْته أُخْتان أَسلمتا، معه، ولَيْسَ كالصورة السَّابقة، فإنه مُسْلمٌ عند نكاحِ الثانية، فلا ينكح الأُخت على الأَخت، وههنا النكاحان وَقَعَا في الشِّرْك، ويمكن أن يُعْلَم قوله في الكتاب، "وكذلك إن أَسلمت بَعْدَ الْمَسِيس وقبل انقضاء الْعِدَّةِ" بالميم والألف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاِذَا أسْلَمَا لَمْ نَبْحَثْ عَنْ شَرْطِ نِكَاحِهِمَا بَلْ نُقرُّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودِ وَفِي العِدَّةِ إِلاَّ إِذَا أسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقَضَاءِ العِدَّةِ فَإنَّ المفْسِدَ قَدْ قَارَنَ الإِسْلاَمَ فَيَنْدَفِعُ النِّكَاحُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمُّهُ أَوِ ابْنَتُهُ، وَنُقَرِّرُهُمْ عَلَى النِّكَاحِ المؤَقَّتِ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مؤَيَّداً، وَإِن اعْتَقَدُوهُ مُؤَقَّتاً أَوْ فَاسِداً لَمْ نُقِرَّهُمْ، وَلاَ نُقِرُّهُمْ عَلَى مَا هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ إِلاَّ إِذَا كَانَ صَحِيحاً عِنْدَنَا، وَلَوُ اعْتَقَدُوا غَصْبَ المَرْأَةِ نِكَاحَاً قَرَّرْنَاهُمْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَكَأنَّهُم إِذَا أسْلَمُوا لاَ يُؤَاخَذُونَ بِشَرْطِ الإسْلاَمِ رُخْصَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِفَيْرُوزَ الدَّيْلَمِي وَقَدْ أسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: "اخْتَرْ إِحْدَاهُمَا" فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّن الأوُلَى لِلصِّحَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل السابق هُوَ الكلامِ الجُمَلِيُّ في مواضعِ استمرارِ النِّكَاح، والتقريرُ عليه بَعْدَ الإِسلام، وفي مواضع عدم الاستمرارِ، كما بيّن، والمقصود الآن بَيَانُ شرط الاستمرار، فَنقول: إِن لم يقترن شيء من مفسدات النكاح، فالعقد البخاري في الشرك باقٍ بحاله، ولا يقدح فيه عروضُ الإِسلام، فهو مقرَّر عليه مستمرٌّ، وإن كانوا يعتقدون فسادَ شَيْء من ذلك، لم نُبَالِ باعتقادهم، وأَدَ مْنَا ما هو صحيح عندنا في دِينِنا، وإِن اقترن شيءٌ من المفسدات، نُظِرَ؛ إِن كان زائلاً عند الإِسلام، وكانت بحيث يجُوزُ نكاحُها حينئذٍ ابتداءً، فكذلك الحْكُم، إِلا، إِذا كانوا يعتقدون فَسَادَهُ وانقطاعه وإِنَّما حَكْمنا بالاستمرار مع اقتران المُفْسد بالعَقْد على سبيل الرخصة والتخفيف، وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال لِفَيْرُوزِ الدَّيلَمِيَّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أخْتَيْنِ: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" 389 ولو أُخذوا بحكم الإِسلام وشرطه، لبحث كيفية النكاحين، وحكم ببطلانهما إنْ جريا معاً، وبصحَّة الأول، إِن تعاقبا، وإِنْ كان المُفْسِد باقياً وقت الإِسلام، وكانت بحيثُ لا يجوز ابتداءُ نكاحها، فلا تقرير، بل يندفِعُ النِّكاح، ويتخرَّج علىَ هذا الضبْطِ مسائلُ:
المسأَلة الأولى: العقد البخاري في الكُفْر بلا وليٍّ، وَلاَ شُهُودٍ، يُقَرُّ عليه بَعْدَ الإِسْلاَمِ؛ لأنه لا مفسد عند الإِسلام، ونكاحُها ابتداءٌ جائزٌ وكذلك لو أَجبر
الجزء: 8 - الصفحة: 89
[البكر] 390 غير الأَب والجد، أَو أُجبرت الثَّيِّبُ، أَو راجع الرجعيَّة في القرء الرابعِ، وهم يعتقدون امتدادَ الرَّجْعَة إِلَيْه، ولو كان قد نكح أمه أو بنْتَهُ أَو زوجَةَ ابنِهِ أو أبِيهِ، اندفع عنْد الإِسْلام، وكذا لو كان قد نَكَح الَّتي طلقها ثلاثاً قَبْل أَن تنكح زوجاً غيره؛ لأنه لا يجوز ابتداءً نكاحُها وقت الإِسْلاَم.
المسألة الثانية: لو جَرَى العَقْد، وهي في عدة الغَيْر، فإن كانت العدَّةُ باقيةً عند الإِسلام، اندفع، وإِن كانت منقضيةً استمر؛ لأَنها إِذا كانت منقضيةً، جاز ابتداء نِكاحَها، فجاز التقرير، وِإذا كانت باقيةً، لم يجز ابتداء النكاح، فلم يجزِ التقريرُ، وخصص في الرَّقْم هذا التفصيل بعدة النكاح، فأَما إِذا نكح معتدَّةَ عن الشبهة، ثم أَسلم، والعدَّة باقية، قَالَ: [يقرّان] 391 على النكاح؛ لأن الإِسلام لا ينفي دوام النكاح مع عدَّة الشبهة، فلا يُعْترَضُ عليه إِذا لاقاه، ولم يَتعرَّض لهَذا الفرق أكثرُهُمْ، والإِطْلاقُ يوافِقُ اعتبار التقرير بالابتداء كما سبق.
ولو كان قد نكَحَها بشرط الخيار للزوجَيْن، أَو أَحَدِهِما مدَّة قدَّراها، فيُنْظَر عند الإِسلام، هل المدة باقية أَم لا ويكون الحكم كما في العدة، إِن انقضت المدة قبل الإِسلام، استمر النكاح، وإِلا اندفع؛ لأَنهما لم يعْقِدَاه عَلى صفة الدوام في المدة التي شَرَطا فيها الخيار، ونَحْنُ، إِن لم نراعِ في عقودهم الجارية في الشِّرْك شرائطَ الإِسلام، فلا نثبت ما لم يثبتوه، ولا فرْقَ بين أن يقارن بقيةُ العدة، أو مدَّةُ الخيار إِسْلاَمَهمَا أو إِسلاَمَ أَحدِهِما، حتى لو أَسلم أَحدُهما، والعِدَّة أَو مدةُ الخيار باقيةٌ، ثم أَسلم الآخر، وقد انقضَتْ، فلا تقرير، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلانيَّ ووافقه عليه، وبه أَجاب صاحب "التَّهْذِيبِ" والمصنِّف، ووجه بأنَ المفسد لاقى إِسلام.
أَحدهما: فيغلب الفساد.
وعن القاضي الحسين أَن اقترانه بإسلامهما هو المؤثِّر، أَما إِذا لم يقترن إِلا بإِسْلاَم أَحدِهِما، فلا يندفِعُ النكاح؛ لأن وقْتَ الاختيار والإمْسَاكَ هو الاجتماع على الإِسلام، فليكن النَّظَرِ إِلَيْهِ.
المسألةُ الثالثةُ: النكاحُ المؤقَت، إِن اعتقدوه مؤبدَّاَ قرَّروا عليه، وإِن اعتقدوه مؤَقَّتاً لم يقرِّروا عليه، سواءٌ كان الإِسلامُ بعد تمامِ المدَّة أَو قبله، أَما بعْدَهُ؛ فلاعتقادهم أَنه لا نكاح، وَأَمَّا قبله كما لو أَسلما، والعدةُ باقية، وأَيضاً، فإِنهم لا يعتقدون إِلا نكاحاً مؤقتاً ومثل ذلك لا يبدأُ في الإِسلام.
المسألة الرابعة: لو كان قَدْ غَصَب امرأةً، واتخذها زوْجةً له، وهم يعتقدون
الجزء: 8 - الصفحة: 90
غصْبَ المرأة نكاحاً فعن القَفَّالِ أَنه لا يُقَرَّر عليه، إِذ لا عَقْدَ.
والصحيحُ المشهورُ التقْريرُ؛ لأَنه ليس فيها إلا إِقامةُ الفعل مُقَام القَوْلِ، فأَشبه سائر وجوه الفَسَاد، وهو في حَقِّ أَهل الحرب، وأَمَّا الذِّمِّيّونَ، فلا يُقَرُّون، بعد الإِسلام؛ لأَنَّ على الإمام أَن يدفع قهر بعضهم عن بعض، بخلاف أهْلِ الحرب، والمستأمنين 392 ليسوا كأَهل الذمة في ذلك؛ إِذْ ليس على الإمَامَ مَنْعُ بعضهم عن بعض، وإِنَّما يلزمه بحكم الأمان أَن يَمْنَع عنهم من يَجْرِي عليه أَحْكَامُ الإِسلام.
وقوله في الكتاب: "وإذا أَسْلَمَا، لم نَبْحَثْ عن شرط نكاحهما" أَي: في ابتداء العَقْد، ويحتج له بأَنه أَسلم خَلْقٌ كَثْيِرٌ، فلم يسألهم النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن شروط أَنْكحَتِهِمْ وَأقرَّهم عليها، وأَما في حَالِ، الإسْلاَمِ، فالوجه الاحتياطُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُفْسِدُ الطَّارِئُ بَعْدَ العَقْدِ لاَ يُؤَثِّرُ كَمَا لو كَانَتْ عِنْدَ الإسْلاَمِ مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ أوْ سَبَقَتْ وَأَحْرَمَتْ قَبْلَ إِسْلاَمِهِ، وَلَكِنْ لَوْ نَكَحَ أَمَةً ثُمَّ حُرَّةً وَأَسْلَمَ
الجزء: 8 - الصفحة: 91
عَلَيْهِمَا انْدَفَعَتِ الأَمَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أسْلَمَ عَلَى أَمَةٍ وَهُوَ مُوسِرٌ بِيَسَارٍ طَارِئً، وَقيلَ: يَنْدَفِعُ أَيْضاً بِالْعِدَّةِ الطَّارِئَةِ وَالإِحْرَامِ، وَيكُونُ حَالُ الإِسْلاَمِ كَابْتِدَاءِ العَقْدِ مُطْلَقاً، وَلَوْ أسْلَمَتْ وَارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا إن لَمْ تَرْجِعْ قَبْلَ العِدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بيَّنَّا الحكم فيما إِذا لم يقترنْ بالعقد الجَارِي في الشِّرْك، ولا بالإِسلام مفسد، وفيما إذا اقترن بالعقد مفسدٌ، وَهَذَا الفَصْلُ لِبَيَانِ قِسْمٍ ثَالثٍ، وهو ألاَّ يقترن بالعَقْد مُفْسِدِ لكن يطرأ بعْد مُفْسِدٌ ويقترن بالإِسلام، وفيه مَسَائِلُ بناها جماعةٌ من الأئمة على أن الاختيار والإِمساك بعَقْدٍ جرى في الشِّرْك جارٍ مجرى استدامة النكاح، أَو مجرى ابتدائه، قالوا: وفيه قولان مستنبطان:
أَحَدُهُمَا: أنه جَار مَجْرَى الاستدامة؛ بدليل أَنه لا يحتاج إِلَى صيغة النكاح، ولا يشترط فيه الوليُّ ولا الشهودُ ولا رضا المرأة؛ ولأنه استدراك عقْدٍ أَشرف على الزوال، فأَشبه الرجعة.
والثاني: أَنه جَارٍ مَجْرَى الابتداء؛ لأَن حال الإِسْلام هو حالُ التزامهم حُكْمَ الدين، ولم يكونوا مُلْتزِمِينَ للأَحكام عند العَقْد، فيقام حال إسلامهم مقام ابتداء العَقْد، وينظر إلى حصول الشرائط حينئذٍ، ولذلك قلْنا: إِذا نكح الكافرُ معتدَّةً [وأسلم والعدة] 393 باقية يندفع النكاح، كما يمنع ابتداء نكاحها، وهي في العدة.
قال صاحب "التَّتِمَّةِ" وهذه القاعدة في التحْقِيقِ مبنيَّةٌ علَى أَن أنكحتهم في الشِّرْك صحيحةٌ أَم لا، وفيه خلافٌ سيأتي، فإنْ قلْنا: إِنَّها صحيحةٌ، فالاختيار استدامته، وإِلا فهو جار مَجْرى الابتداء، لكن هذا الَبناء يقتضي أن يكونَ جريانُها مَجْرى الاستدامة أَظهر؛ لأَن الصحيح صحَّةُ أَنكحتهم.
والمشْهُورُ في كلام الأَصحاب تَرْجِيحُ جريانه مَجْرى الابتداء، ورَدُّوا على من قال بالاستدامة، ونسبوه إلَى مذهب أبي ثَوْرٍ.
إذا عُرفَ ذلك، [فإحدى المسائل] 394 إِذا أَسلم الرجُلُ، ووْطِئَتِ المرأة بالشبهة ثم أسلمت، فالمشهور والمحكيُّ عن نصه في رواية الربيع استمرارُ النكاح، وكذا لو أَسلمتِ المرأَةُ، فوُطِئَت بالشبهة في زمان التوقّف، ثم أسلم الزوْجُ قبل انقضاء مدة العدة، يستمر النكاح، وإِن كان لا يجوز ابتداءُ نكاحِ المعتدَّة؛ لأَنَّ عدَّة الشبهة إِذا طَرَأت على نكاح المسلِمِين، لم تقطعْه، فأَوَلى ألا تقطع الأَنكحة الجارية في الشِّرْك، وهذا ما قطع به الصَّيْدَلاَنِيُّ.
الجزء: 8 - الصفحة: 92
ومن أَصحابنا من قال: يندفع النكاحُ، لا يجوز ابتداءُ النكاح في العدَّة، وينسب هذا إِلى القَفَّالِ، ويُرْوى عنه نزَاعٌ في عروضِ عدَّة الشبْهة من جهةِ أَن أحد الزوجَيْن، إذا أَسلم، والآخر متخلِّف، جَرَتِ الْمَرْأةُ في عدَّة النكاح، وعدة النكاح تتقدَّم على عدة الشبهة.
وإِذا أَسَلم الآخر، كان إِسلامه في عدة النكاح، لا في عدة الشبهة، نعم، أحبلها الواطئُ بالشُّبْهَة تقدمت عدة الشبهة، وأمكن اقترانها بإِسلام الآخر، وحينئذٍ، فيندفع النكاحُ؛ اعتباراً بالابتداء، وأَجابُوا عن هذا النزاع بوَجْهين:
أَحدهما: أَن عُرُوضَ هذه الشُّبْهة لا يختصُّ تصويره بما إذا أَسْلَم أَحَدُهُما قبل الآخر، بل لو وُطِئَتْ في الشبهة، وشَرَعَتْ في العدة، ثم أَسلما معاً، كان ذلك صورةَ المسألة.
والثَّانِي: أَن أَحَدَ الزوجَيْنِ إذا أسلم، وتخلَّف الآخر، فإنا لا نستيقن جريانها في عدَّة النكاح؛ لأنه لو أَسلم المتخلِّفَ قبل انقضاء مدَّة العدة، يستمر النكاح، وتبيَّن أَن ما مضَى، لم يكن عِدَّةَ عن النكاح، وحينئذٍ، تكون في عدة الشُّبْهة، نعم، لو أصر المتخلِّف، تبين أَن تلْك العدَّة كانت عدة النكاح، وعليها أَن تعتدَّ للشبهة، إذا تصرَّمت تلك العدة.
المسألة الثانية: لو أَسلم الرجُلُ، وأَحرم، ثُمَّ أَسلمت المرأة في العدَّة، فعن النَّصِّ يجوز إِمساكها في حال الإحرام، وَكَذَا لو أَسلم، وتحْتَه أَكثر من أَربعِ نُسْوَةٍ، ثم أَسْلَمْنَ وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ له اختيار أَربعٍ منهن، واختلف الأصْحَابُ على طريقين:
أَحدهما: القطع بالمنع، كما لو أَسلم، وتحْتَه أمة، وهو موسِرٌ لا يجوز له إمساكها، كما سيأتِي، وهؤلاء حملوا النصَّ على ما إِذا أسلما معاً ثم أَحرم الزوِجُ، له الاختيار؛ لأَنَّ الاختيار هاهنا يَثْبُت قبل الإحرام، وممن رُوِيَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلُ الأنْمَاطِيُّ وابن سَلَمَة.
وعن القَفَّالِ: أَنِ أَنكر هذا النص مِنْ أَصله، وقال: تَفَحَّصْتُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- فَلَمْ أَجِدْهُ.
وأَشْهَرُهما: أَن المسألة على قولَيْن، مختار أَكثر الأَصحاب منْهما الأَخَذُ بظاهِر ما نُقِل عن النص توجيهاً بأَن عُرُوض الإِحرام لا يؤْثَرُ، كما في أَنكحة المسْلِمِين، وبأَنَّ الإِمساك استدامةٌ للنكاح، فجاز مع الإِحْرام كالرَّجْعَةِ.
والثاني: المنع، إِلحاقاً للدَّوَام بالابتداء، ويُحْكَى هذا عن اختيار صاحب "الإِفْصَاحِ".
المسأْلة الثالثة: نكح في الكفر حُرَّةً وَأَمةً، ثم أَسلم، وأسلمتا معه، فظاهر المذهب أَن الحرَّة تتَعيَّن للنكاح، ويندفع نكاحُ الأَمة، ولا فرْقَ في ذلك بين ما إِذا نكَحَهما معاً، وبيْن ما إِذا نكح إحداهما قَبْلَ الأخرَى؛ لأَنا لا ننْظُر في نكاح الأَختَيْن
الجزء: 8 - الصفحة: 93
حال التقدم والتأخر وكذلك في نكاح الحرة والأَمة، وكما يندفع نكاحُ الأَمة بالحرَّة الطارئة، يندفع باليسار الطارئ، إذا قارن الإِسلامَ، ولو اقترنَ اليَسَارُ بالعَقْدِ الجاري في الشِّرْك، ودام إِلى الإِسلام، فالاندفاع أولَى، وخرَّج بعضهم اندِفَاع [نكاح] 395 الأمة على القولَيْن، بناءً علَىَ هَذا الأَصل السابِقِ، وينسب هذا إِلى اختيار القاضِي الحسين، والظاهرُ الأَولْ؛ لكنه مخالفٌ لما مرَّ من تجويز الإِمساك في العدة والإحرام الطارئَيْنِ، فإنَّ ذلك تنزيلُ الإِمساك منزلةَ الاسْتدامة، وهذا تنزيلٌ له منْزلَةَ الابتداء، وفرق بين الفصلَيْن بأَنَّ الإمساكَ فيه مشابهةُ الاستدامة، ومشابهة الابتداء، فرجَّحنا في العدَّة والإِحرامِ مشابهةَ الاسْتدامة، كما في نكاح المُسْلم، إِذا طرأَ عليه أَحْدُهما وههنا راعَيْنا مشَابهة الابتداء، لأَن نكاح الأَمة بدَلٌ يُعْدَل إلَيْه عند تعدُّر نكاح الحرة، والابدال أضيق حكمَاً من الأَصول، فجرينا على [التضييق] 396 اللائق به، والحاصلُ للفَتْوَى أنه متى أَسَلَم الكافرُ، وتحته أمة، وأسلمت معه، أو جمعت العدَّة إسلامهما، وهي مدخول بها، فإن كان مِمَّنْ يَحِلُّ له نكاحُ الإماء، أَمسكها، وإن كان ممَّنْ لا يحل له نكاحُهُنَّ، إِما لليسَار، وإِما للأَمْنِ من العَنَت، اندفع نكاحُها.
المسألة الرابعة: إذا أسلَمَتِ الزوجةُ بعْد الدخول، وارتدَّتْ، نُظر؛ إِن لم يُسْلِمِ الزَّوْجِ، حتى انقضتْ مدَّةُ العدَّة، بانت باختلاف الدِّين أَولاً، وتكون العدة من يومئذٍ، وِإن أسلم قبل انقضائها، سقَطَ حكم العدة من يومئذٍ، ويتوقَّف، إِن عادت إلى الإِسلام قَبْل انقضاء مُدَّة العدة من وقت رِدَّتها، استمر النكاح، وإِلاَّ، انقطع من يوم الردة.
وكذا لو أَسلم الزَّوْج بعد الدخول، وارتدَّ، إن لم تُسْلِم المراة إِلى انقضاء مدَّة العدَّة من يوم إسلامه بانَتْ منه، وإن أَسلمت، توقَّفَنا، إِن عاد الزوْجُ إِلى الإِسلام قبل انقضاء مدَّةِ العدَّة من وقْت ردَّته، استمر النِّكَاحُ، وإلا حصلت الفُرْقَة من يومئذٍ.
وذكر الإِمام أن القَفَّالَ حَكَى عن النصِّ أنه يندفع النكاحُ في إِسلام أَحد الزوجَيْن وارتداده، ولا يتوقَّف، وأَنه احتج بذلك باندفاعه بالعدَّة والإِحرام الطارئين كما حكَيْنا عنه، والظاهر التوقُّف، وعلى هذا قال صاحب "التَّهْذِيبِ" وغيره: الردَّةُ يفترق فيها حكْمُ الابتداء والاستدامةِ؛ لأَن ابتداءَ نكاح المرتد باطلٌ غير منعقدٍ على التوقُّف، وفي الدوام توقَّفنا، فالتحقت الردَّةُ بالعدَّةِ للشبهة والإِحرام، وِإنما قيل بالتوِقُّف في الردة، لم نجوِّز الاختيار فيها، بخلاف الإِحرام والعدة؛ لأَن منافاة الرِّدَّة للنكاح أشدُّ؛ ألا تَرَى أنَّها تقطع النكاح على الجملة، وهمَا لا يقطعان النكاح، وكذلك لا يجُوزُ الرَّجْعة في الرِّدَّة، وتجوز في الإِحرام على الأَظهر ولو أَسلم، وتحْته فوق العدد الشرعيَّ؛ وارتد ثم
الجزء: 8 - الصفحة: 94
أَسلمتِ النسوةُ في العدَّة أَو أَسلم، وأسلمْنَ معه، ثم ارتدَّ قبل الاختيار، لم يجُزْ أَن يختار أَربعاً منْهن في الردة فإِن عَادَ إِلَى الإِسلام في العدة، فَلَهُ الاختيار حينئذٍ وليُعْلَمُ قوله في الكتاب "اندفعت الأَمةُ" بالواو وكذا قوله "كذلك لو أَسلم على أمَة" لما بيناه.
قوله "لو أسلمت، ثم ارتدت، وأسلم الزوج، اندفع نكاحها" هذا القدر هو الموجودُ في أَكثر النسخ، وهو يوافق إيراد، "الوسيط" ومنقول الإِمام، وهو الاندفاع المطْلَق، وزيد في بعض النسخ "إن لم ترجع قبل العدة"، وهذه الزيَادة تُشْعِرُ بالتوقُّف، وهو الأَظهر في المسألة، والله أعلَم.
قَال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ هذِهِ المُفْسِدَاتُ إِنْ قَارَنَتْ إسْلاَمَ أَحَدِهِمَا كَفَى (و) إِلاَّ في الْيَسَارِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْدَفِعُ إلاَّ إِذَا وُجِدَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا في الإِسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الواقفُ على ما أَوردناه يتبيَّن له أن المُفْسِدَ للنكاح عند الإِسلام منه ما كان حاصلاً عند العَقْد، واستمر، كما لو نكح معْتدَّةً، وكانت عند الإِسلام بَعْدَ العدة، ومنه ما طرأ بعْد العَقْدِ، كما لو أسلم، وتحته حرةٌ طارئةٌ على أمةٍ، أَو أَسلم على أمَة، وقد طرأ له اليسار هل يُشْتَرط أَن يقارن المفسد إِسلامَهُمَا مَعاً، أَم يكفي للفساد اقترانُه بإِسلام أَحدهما؟ فيه اختلاف.
أَما في الْقِسمِ الأَول: فقد بَيَّنَّا الخلاف فيه، وذكرنا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنه يكفي الاقتران بإسلام أَحدِهِما، وهو الذي ذكره في الكتابِ، حَيْثُ قال منْ قبل: "إِلا إِذا أَسلما أَو أَحدُهُما قبلْ انقضاء العدَّة".
وأما في القسم الثاني، فقد عرفْتَ في الفصل السابق: أَن ظاهر المَذْهَب أَنه إِذا أَسلم، وتحتَه حرةٌ وأمَةٌ، يندفع نكاح الأَمة، وتتعيَّن الحرَّة.
وكذلك يَكُونُ الحكُم أَسلمتِ الحُرَّة المدْخُولُ بها معه أَو بعده قبل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثم أَسلمتِ الأَمةُ قبل انقضاء العِدَّةِ، ولو أَصرَّتِ الأَمَة حَتَّى انقضت العدَّةُ، فاندفاعها بتبديل الدِّينِ، ومنْه تحتسب العدة.
وَلُو مَاتَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ إسْلاَمِهَا أو ارْتَدَّتْ، ثم أَسلمتِ الأمَةُ، اندفع نكاحها أيضاً، وكفى اقترانُ إِسْلامِ الحُرَّةِ بإِسلام الزَّوج.
ولو أَسلمُ وتحْتَه، أَمة، وهو موسِرٌ، ثم تلف ماله، وأَسلمت الأَمة، وهو معسِرٌ، فله إمساكها، وإنما يؤثر اليسار في الدفع، إِذا قارن إِسلامهما جميعاً.
وحَكى الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ نزاعاً في الصورة الأوُلى.
وعن بعضهم في الثانية؛ أَن اقتران اليسار بإِسْلاَمه يكفي للاندفاع، وليس له
الجزء: 8 - الصفحة: 95
إمساكُهَا، وِإن كان معسِراً عند إِسْلامَها، وُيرْوَى هذا عن أَبي يَحْيىَ الْبَلْخيِّ قَالَ: وعلى عكسه، لو أسلم، وهو مُعْسِرٌ، ثم أَسلمتُ، وهو موسِرٌ، فله إِمْسَاكُها، نظراً إِلى وقت إِسلامه.
وعن ابن خَيْران: أَن في اليسار الزائل قَوْلَيْن، فحصل في الصورتين الخلافُ كما ترى، وهو كما ذكر صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" متولد من ضرب جواب إِحدى الصورتين بجواب الأخرى، والظاهر في صورة الحرة والأمة اندفاع نكاح الأَمة وإن ماتت الحرَّةُ وفي صورة 397 زوال اليسار عند إِسلامها عدَمُ الاندفِاع، واعتبارُ اقترانه بإِسْلاَمِهِا جميعاً، والسبَبُ في اعتبار الاقتران بإِسلامهما معاً؛ أن وقت الاجتماع في الإِسلام هو وقْتُ جواز نكاح الأَمة؛ لأَنه، إِن تقدَّم إِسلامه، فالأمَةُ الكافرةُ لا تحلُّ للمسَلم، وِإن تقدَّم إِسلامها، فالمسلمة لا تحلّ للكافر فكان اجتماعهما في الإِسلام شبيهاً بحالِ ابتداءِ نكاحِ الأمة، واليسارُ السابقُ على نكاح الأَمة لا يَمْنَعُ جواز نكَاحها، وهذا المعنَى يقتضي جواز إِمْسَاكِ الأَمة في الصورة الأولى، وهي ما إِذا ماتَتِ الحرَّةُ بعد إِسلامها، ثم أَسلمتِ الأَمةُ، لكنْ فرَّقوا بينهما من وجوه.
منها: أن أَثر نكاح الْحُرَّةِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ أَلا ترى أَنه يرثُها، وأَن له غسلها، وعليه مؤْنةُ تجهيزها على رأْي، فكأنَّ النكاح باقٍ، واليسارُ بخلافه.
ومنها: أَن المرأة، إِذا أَسلمت، وتعيَّنت، حسبتْ على الزوج، ولم يؤَثِّرْ موتها بعد ذلك ألا تَرَى لو أَسلم، وتحته خمس نسوة، وأسلمت واحدةٌ، فاختارها، ثم ماتت، ثم أسلمت البواقي، لم يكن له إِمساكُهُنَّ، وإِنما يُمْسِكُ ثلاثاً منهن.
ومنها: قال الإِمام: الحُرَّةُ لا تنزل منزلة اليَسَار، بل الأَمر فيها، وفي اشتراطِ عَدَمِها لهم وأعظم ألَا ترى أنه لو كان في نكاحه حُرَّةٌ؛ رتقاءُ أَو غائبةٌ، لم ينكح الأَمة، ولو كان مالُهُ غائباً، لا يصل إِليهِ إِلاَّ بعد زمانٍ طويلٍ يجوز له نكاح الأمة والله أعلم.
ولا يَخْفَى بعْدَ ما ذكَرْنا الحاجَةِ إِلَى إِعلام قوله "كفى" بالواو، وكذا قوله "فإِنَّهُ لاَ يَدْفَعُ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاِذَا طَلَّقَ الكَافِرُ زَوْجَتَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَنْكَحِهَا إِلاَّ بِمُحَلِّلٍ فِي قَوْلٍ -وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى المُحَلِّلِ في قوْلٍ فَإِنَّا نُصَحِّحُ أَنْكَحَتَّهُمْ مُطْلَقاً فِي قَوْلٍ، وَنُفْسِدُهَا فِي قَوْلٍ إِلاَّ عِنْدِ الإسْلاَمِ، وَنَتَوقَّفُ فِي قوْلٍ، فَمَا يُقَرَّرُ عَلَيْهِ في الإسْلاَمِ نَتَّبيَنُ صِحَّتَهُ، وَمَا يَدْفَعُهُ نَتَبَيَّنُ فَسَادَهُ حَتَّى لاَ يَثْبُتَ المَهْرُ عَلَى هَذَا الَقْوِلِ لِلَّتي يَدْفَعُ الإِسْلاَمُ نِكاحَهَا، وَلاَ عَلَى قَوْلِ الإِفْسَادِ، وَيَثْبُتُ عَلَى قَوْلِ الصِّحَّةِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 96
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكروا في الأَنكحة الجارِيَةِ في الشِّرْك ثلاث مقالات:
أصحُّهما: أنها محكوم لها بالصحَّة 398، لقوله تعالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 9] وَعَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "وُلِدتُّ مِنْ نِكَاحٍ لاَ مِنْ سِفَاحٍ"؛ ولأنهم لو ترافَعوا إِلينا، لا نبطِلُه، ولا نفرَّق بين رجالهم ونسائهم، وأيضاً، فإنه يقرر عليه بعد، الإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحاً بالإِسلام، والتقريرُ على الفاسِد محالٌ.
والمقالة الثانية: أَنها فاسدة؛ لأَنهم لا يراعون حدود الشَّرْع وشروطه، لكن [نفرق] 399 لو ترافَعُوا إِلَيْنا رعايةً للعهد والذِّمَّة، وِإذا أَسلموا، نُقرِّرهم تخفيفاً وعَفْواً.
المقالة الثَّالثة: أنا لا نحْكُم لها بصحَّة ولا فساد، ولكنُ نتوقَّف إِلى الإسْلاَم فما يقرِّر عليه إِذا أسلموا تبين لنا صحته، وما لا يقرر تبين فساد، وُيرَوى عنَ القَفَّالِ ما يَقْرُب من هذا وهذه المذاهب حكاها صَاحِبُ الْكِتَابِ أقوالاً، وأكثر من أَوردها في نقل الوجوه، نعم في "التَّتِمَّةِ" المصيرُ إلى الْفَسَادِ قولٌ قديمٌ، وبه قَالَ مَالِكٌ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- ومِنَ الأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بصحة أَنكحتهم، ونفي الخلافَ في المسأَلة، إِذا ثَبَتَ الخلاف، فهو مَخْصُوصٌ بالعقود التي يَحْكُمُ بفساد مثلها الإِسلامُ أَو يجْرِي في مطْلَقِ عقودهم؟.
قضيَّة كَلام أَبي سعد الْمْتَوَلِّي، وغيْرِهِ الأَولُ في "النهاية" "أَن من يحكم بفساد
الجزء: 8 - الصفحة: 97
أنكحتهم يلزمه ألاَّ يفصل بين ما وَقَعَ منْها عَلَى شرط الشَّرْع، وبين ما يُخَالِفُه، والمصير إِلى أَن نكاحاً يعقدونه على شرط الشرائع كلِّها فاسد مذهب لا يعتقده ذو حاصل" 400 ذكره في تزييف الحكم بالفساد، واستقرب التوقُّف بعْضَ الاستقراب، ويُسْمَى على هذا الأَصْلِ المذكور مسألتان:
إحداهما: إِذا طَلَّقَ الْكَافِرُ زَوْجَتَهُ ثَلاَثاً: ثم أَسْلَما، فعلَى الصحيح، وهو صحَّةُ أَنكحتهم لا تحل له إِلا بمحلِّل، وهذا هو المنصوصُ في "المختصر" وإِنْ قلنا بفسادها فالطَّلاق في النكاح الفاسدِ لا يحوج إِلى المحلِّل، وإِذا قلْنا بالصحيح، فلو نَكَحَتِ المطلَّقةُ في الشِّرْك زوجاً آخر، وأَصابها، وطلَّقها، ثم أسلمت، فتزوجها الأَوَّل بعد إسلإمه حَلَّت لَهُ، وكذلك يحْصُلَ التحليل بوطء الكافر، إذا نكح الذمية التي طلَّقها المسِلُم ثلاثاً، سواءٌ كان حَرْبيّاً أو ذِمِّيّاً.
والثانية: التي تَقَرَّرَ نكاحُها بعْد الإِسلام، لها المهْرُ المسمَّى فإن كان صحيحاً، وِإن كان فاسداً، كخمرٍ أو خنزيرٍ، فسيأْتي حكْمُ مهورهمُ الفاسدةِ والتي يندفعُ نكاحُها بالإِسلام، ينظر؛ إِن لم تكن مدخولاً بها، فإِن صحَّحنا أنكحتهم، وجب نصف المهر، إِنَ كان الاندفاع بإِسلام الزوج، وإِنْ كان فاسداً، وجب نصف مهْرِ المثل، وإِن لم يسمَّ شيءٌ، وجب المتعة، وإن كان الاندفاعُ بإِسلامهما، فلا شيء لها من المَهْر؛ لأَن الفراق جاء من جهتها.
وَعَنِ الشَّافعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في "سِيَرِ الْوَاقِدِيَّ" ما يُشْعِر بوجوب نصْف المهر، وأَقامه بعض الأصَحاب قولاً آخر، ووجِّهه بأنها محسنَةٌ بالإِسلام، فكان من حقِّه أَن يوافِقِها، فإِذا امتنع، انْتسَبَ الفراق إِلى تخلُّفه، والظاهر الأَولُ وإِن لم نحكُمْ بصحة أَنكحتهم، فلا مَهْرَ لها؛ لأَن الْمَهْرَ لا يجب في النِّكَاح الْفَاسِدِ بلا دُخُولِ، وإن كانت مدْخَولاً بها، فإِن صحَّحنا أَنكحتهم، وجب المسمَّى، إِن كان صحيحاً، وإِن لم
الجزء: 8 - الصفحة: 98
نصحِّحْها، وجب مهر المثل، ثُمَّ عن القَفَّالِ: أَنه عدَّ من صور الاندفاع ما إذا نكَحَ المِشْركِ مَحْرَماً له، ثم أسلم، وجعل وجوب نصفْ المهْرُ علي القولَيْن، ورأىَ الإِمَامُ القطْعَ بأَنه لا شيء للمَحْرِم من المهر وقال: لا نقول بأنه انعقد العَقْد عليها، ثم انْدَفَعَ، وانفسخ في الإِسلام، وإنَّما ذلك في الأُختِ المفَارَقَةِ من الأُخْتَيْنِ، وفي الزائداتِ على الأَربع، والمواَفق لإِطلاقُ الكتابِ وغيره الأَول.
وقوله في الكتاب مسألة الطلاق في الأَصل المبنى عليه "في قول" يجوز إِعلامه بالواو؛ لقطع من نفي الخلافُ فيهما.
وقوله "حَتَّى لا يثبت الْمَهْرُ عَلَى هَذَا الْقَولِ أَراد به ما إِذا لم يَجْرِ" دخول.
وقولُه "يثْبُت على قول الصحة" أَي شيء منه، وهو النصف، لا أَنه يثبت كلُّه، ولا يمكن إِجراء اللفظ على إِطلاقه في حالَتَيْ وجودِ الدُّخُول وعدمه؛ لأَنه إِذا وْجِدَ الدخولُ يَثْبُتُ المهر، وصحَّحنا أنكحتهم أو لم نصحِّح، إن صَحْحْنَا فالمسمَّى، وإِلاَّ، فمهر المثل، فكيف نقولُ: لا يثبت المهر إِلى آخره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أُخْتَيْنِ وَطَلَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلاَثاً فَإِذَا أسْلَمُوا فَعلَى قَوْلِ التَّصْحِيحِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ إلاَّ بِمُحَلَّلٍ، وعلَى قَوْلِ الإِفْسَادِ يَخْتَارُ وَاحِدَةً وَلاَ مَهْرِ لِلثَّانِيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ التَّوَقُّفِ يَخْتَارُ وَاحِدَةً فَيَنْفُذُ فِيهَا الطَّلاَق الثَّلاَثُ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُحَلَّلٍ وَتَنْدَفِعُ الثَّانِيَةُ وَلاَ يُجْتَاجُ فِيهَا إلى مُحَلِّلٍ.
قَالَ الرَّافِعِي: هذا فرْعٌ لابنِ الْحَدَّادِ يَدْخُلُ في "مسألة الطلاق" المذكورة في الفصل السابق، وصورته: مشْركٌ نكح أختَيْن، وطلَّقهما ثلاثاً، ثم أسلم وأَسلمتا، قال: يُخيَّر بينهما، كما لو أَسْلَموا، ولا طلاقَ، فإذا اختار إحداهما، يثبت نكاحها، ونَفَذَ فيها الطلقاتِ الثلاثُ، ولا بدّ فيها من المحلِّل، وَاندفعت الأخْرَى بِحَقِّ الإِسْلاَم، ولا يُحتاجُ فيها إِلى المحلِّل.
قَالَ الأصْحَابُ بعده: يُبْنَى الفَرْعُ على أَن أنكحتهم صحيحةٌ أم لا؟ إن صحَّحناها، نفذت الطلقات فيهما، ولم ينكح واحدةً منهما إلا بمحلل، وان أفسدْنَاها، فلا نِكَاحَ، وَلاَ طَلاَقَ، وَلاَ حَاجَةَ إِلى المحلِّل في واحدةٍ منهما، وإن قلنا بالتوقف، فلو لم يكن طلاقٌ، لكان يَخْتَارُ إحداهما ويتبين بذلك صحَّةُ نكاحِهَا، وفسادُ نكاح الأُخرَى، فإِذا طلَّقهما أُمِرَ بالاختيار، لينفُذَ الطلاق في المنكوحَةِ منْهما، فَجَوابُ ابنُ الْحَدَّادِ يتخرَّج علَى قول التَّوَقُّفِ، ولذلك قيل بأن ميله في أنكحتهم إلى التوقُّف، ولو أَنه أسْلَمَ مع الأختين، وهما تحته، ثم طلق كل واحدة منْهما ثلاثاً، فَالجَوَابُ هاهنا التخييرُ لا غير؛ لأَنَّهم لَمَّا أسْلَمُوا، اندفع نكاحُ إحْدى الأختَيْن، وإِنما ينفذ الطلاقُ في المنكوحة، ولو
الجزء: 8 - الصفحة: 99
أسْلَمَ هو دُونِهمَا، أو أسلمتا هما دونه، وكذلك يخير الزوج؛ لأَنه، والحالة هذه، لا يُمْسِكُ إِلا إحْدَاهما وينفسخ نكاحُ الأُخْرَى من وَقْتِ إسْلاَم من تقدَّم إِسْلامُه منهم، ولو كان تحْت الشرك أَكثر من أربع، [و] طلقَّهن ثلاثاً ثَلاثاً ثَم أسلموا، فعلى التصحيح [تَنْفَذُ الطلقات منهن جميعاً على التوقُّف يختار أربعاً منهن فينفذ فيهن] 401 الطلقات الثلاثُ دون البواقي.
وذكر الشيخ أَبُو عَلِيٍّ على قياس الفَرْع؛ أَنه، لو كانت تحته خرَّةٌ، أو أَمَةٌ، فطلَّقها ثلاثاً ثلاثاً، ثُمَّ أَسْلَموا، لم يجُزْ له أن ينكح واحدةً منهما إلا بمحلِّل، ولو أَسلموا، ثُمَّ طلَّقها ثلاثاً، ثلاثاً، وقَع الطَّلاَقُ على الحُرَّة؛ لأنَّها تتعيَّن بالإسْلام، ويندفع نِكَاحُ الأَمة، ولا يحتاج في نكاحها إِلى المحلِّل، وكذا لَوْ أسْلَمَتَا، فطلَّقهما ثلاثاً، ثم أسْلم الزوْجُ أو أَسلم الزوج، وطلَّقها ثلاثاً ثلاثاً، ثم أَسْلَمَتَا؛ لأَن الإِسْلام، لَمَّا جمع الكلَّ، بان اندفاع نكاح الأَمة من وقْتِ إِسلام من تَقدَّم إِسلامه منْهم، واعْلَمْ أن ابنَ الْحَدَّادِ ذَكَرَ فيمَنْ أسلم عَلَى أخْتَينِ، لم يَدْخُلْ بهما، واختار إحداهما أَنه يجبُ للأُخْرَى المفارقة نصْفُ المسمَّى، فإن لم يسم شيئاً، فالمتعةُ، وهذا على ما قدمنا أَن حكْمَ المهْر مبنيٌّ على صحة أَنكحَتهم، وجوابه في مسألة الطلاق خُرِّجَ على قول التوقُّف دون الصحة، فأخذت عليه ذلك.
وقيل: كان من حقِّه أن يجري فيهما على طَرِيقٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمهْمَا أَصْدَقَهَا خَمْراً وَقَبَضَتْ قَبْلَ الإِسْلاَمِ فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْ رَجَعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَإِنْ قَبَضَتِ البَعْضَ رَجَعَ إِلَى بَعْضِ مَهْرِ المِثْلِ بَاعْتِبَارِ قِيمَةِ الْخَمْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا أَصدق الكافر امرأته صداقاً فاسداً كخمر وخنزيرٍ، ثم أَسلما، نُظِرَ، إن أسلما بعْدَ قبض ذلك الفاسدِ، فلا شيْء لها؛ لانفصال الأمر بينهما، وانتهاء النكاح إلى حالة انقطاع الطلبة، وما مضَى في الكفر لا يتبع.
وإِن أَسْلَما قبل قبضْه، وجب مهر المثل؛ لأنَّها لم تَرْضَ إِلاَّ بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإِسلام ممتنعةٌ، فيرجع إِلى مهْر المِثْل، ويُجْعَلُ كما لو نَكَحَ المُسْلِمُ على خَمْر.
وعن صَاحِب "التَّقْرِيبِ" والشيخ أَبي محمد حكايةُ قولٍ فيما إذا أَسْلَمَا بعْد القبض؛ أَن لها مهْرَ المثل، لفَسادِ القبض الجارِي في الشِّرْك، وقول فيما إِذا أسْلَمَا قبل القبض؛ أَنه لا شيْءَ لها؛ لأَنها قد رضِيَتْ بالخمر، فيدَامُ عليها حكم رضاها، وقد تعذَّر قبْضُ الخَمْر بعد الإِسلام، فسقَطَتِ المطالبة، والمذهب المشهورِ الفَرْقُ بين الحالتين
الجزء: 8 - الصفحة: 100
كما تقدَّم، ولا فرق بين أَن يكون المسمَّى خَمْراً في الذمة، أو خمراً معيَّنة، وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه- أَنّ في الخَمْرِ المُعَيَّنَةِ، لَيْسَ لَهَا إلاَّ الْمُسَمَّى، ولا رُجُوعَ إِلى مَهْرِ الْمِثْلِ.
ولو أَصْدَقَها حُرّاً مُسْلِمًا استرقُّوه، ثم أسلَما إما قبل القبض أَو بعده، فلا نقرِّه في يدها، بل يَبْطُل ما جرَى، ويوجب مهْرَ المِثْلِ، هكذا 402 ذكروه، وقياس ما سبق أَن يَخْرُجَ من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة، ولا ترجع بشيء، وإِن قبَضَت بعض الصداق الفاسد دون بعض، ثم أَسلما، وجب من مهر المثْل بقسْطِ ما لم يقبض، ولا يجوز تسليم الباقي من الفاسد، وليس كما لو كاتب الذمَّيُّ عبده علَى عوض فاسد، وقبض بعْضَه، ثم أسلما حيث يُسلِّم إِلى المكاتِبُ ما بقي من الفاسد، ليحصل العتق، فإنَّ العِتْقَ في الكتابة يَحْصُلُ بحصول الصفة، ثم يلزمُهُ تمام قيمته، ولا يحطُّ منها قسْطَ المقبوض في الكفر؛ لأَن العتْقَ يتعلَّق بأداء آخر النجوم، وأنه وقع في الإِسلام، فكان بمثابة ما لو كاتَبَ المُسْلِمُ علَى عوض فاسد يَحْصُل العتْقُ بوجودِ الصِّفَة، ويجب عَلَى المكاتَب القيمةُ، وطريقُ تقسيطِ مهْرِ المثْل على المقبوض، وغير المقبوض أَن ننظر إِن سميا جنساً واحداً، ولم يكنْ فيه تعدُّد، كما لو أَصْدَقَهَا زِقَّ خَمْر، وقبضت نصفه، أَو ثلثه، ثم أسْلَمَا، فيجب نصْفُ المهر، أَو ثلثاه، وإِن تعدَّد المسمَّى، كزِقَّيْ خَمْرٍ، قبضت أَحدهما، فإِن تساوَيَا في القَدْر، فذاك، وإِلا فوجهان:
أحدهما: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنه لا يُنْظَر إِليه، ويعتبر العَدَد.
وأقْيَسُهما: النَّظَرُ إِلى القَدْر، وعلَى هَذَا؛ فالذي يوجَدُ في كلام أكَثرهم أَنَّه يعتبر الكَيْل، وفيه وجه [آخر] 403؛ أَنه يعتبر الوزن؛ لأَنه أَحصر، ولو أَصدقها خِنْزِيرَيْنِ، وقبضت أَحدهما، فإن اعتبرنا العدَدَ، لم يخْفَ [الحكمُ] 404، وإن نظَرْنا في الخَمْر إِلى القَدْر، فههنا تُقدَّر قيمتهما بتقدير ماليتها، ويُقسَّط مَهْرُ الْمِثْل عَلَى الْقِيَمَتَيْنِ، ويرْوَى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وإنْ كانا قد سَمَّيَا جنسَيْنِ، فصاعداً كزِقَّى خمر [وكَلْبَيْنِ] 405 وثلاثة خنازير، وقبضت إحدى الأَجناس فثلاثة أوجه:
أَحدها: أنه يُنْظَر إِلى الأَجناس، ويقال: قد قبضت ثُلُثَ المَهْر.
الجزء: 8 - الصفحة: 101
والثاني: أَن النَّظَر إِلى المعْدُودات، فإِن قبضت الخمر، أَو الكَلْب، جُعِلَتْ قابضةً سُبْعَيِ الصداق، وإِن قبضَتِ الخنازيرَ، كانتْ قابضةً لثلاثة أَسباعه.
والثالث: وهو الأَقرب: أنها تقُومُ بتقْدِيرِ ماليتَّهما، ويقسَّط مهر المثل على القيمة،
وحيث قلْنا بالتقويم، وتقدير المالية، فكيف السبيلَ فيه قيل: يُقدَّر الخمر خَلاًّ، والكلبُ
شاةً، والخنزيرُ بقرة وقيل: يقدَّر الكلبُ، فَهْذا؛ لاشتراكهما في الصيد، والخنزيز حيواناً
يقاربه في الصورة والفائدة.
وقيل: يعتبر قيمتها عند من يَجْعَلُ لها قيمةً، ويقدَّر كأَنَّ الشرْع جعلها مالاً، كما تقدَّر الحرُّ رقيقاً في الحكومات، ويشبه أَن يكون أَولَى من اعتبارهما بجنس آخر من الحيوانات.
وقوله في الكتاب "باعتبار قيمة الخمر" محمولٌ على ما إذا كان هناك تعدُّدٌ، فأما الزق الواحد، فيضبط المقبوض، وغير المقبوض منه بالجزئية، ثم لْيُعْلَمْ بالواو؛ لوجه اعتبار العدد، ولو ترابى كافران، فباع هَذَا دِرْهماً من ذاك بِدْرهَمَيْن، أو أقرضه درْهماً بِدرْهَمَيْن، ثم أسلما، أو ترافعا إِلينا قبله، فإن جرى التقابُضُ من قبلُ، لم نتعرَّض لما جَرَى، ولم يلزم الرد، وإِن كان قبل القبض، أَلْغيْنَاه، وإِن كان بعد قبض الدرهَمَيْنِ، راجعنا المؤَدِّي، وسألنْاه أقصد، أداءه عن الرِّبْح، أو عن رأس المال، وقدْ ذكَرْنا التفْصيل فيه في أواخر "كتاب الرَّهْنِ" وجميع ما ذكرناه، فيما إِذا جرى القبضُ عن تراضٍ، فأما إِذا جرى القَبْضُ بإِجْبَارِ قاضيهم في [ترابيهم] 406 وفي تسلُّم الصداق الفاسد، وفي ثمن الخَمْر، إِذا باعوها، ثم أَسلموا لم نُوجِب الرَّدَّ، فالإِسْلام يَجُبُّ ما قبله، وإِن ترافعوا إِلَيْنا، وهمْ علَى كفرهم، فقولان، ويقال وجهان:
أَحدهما: أَنَّا نكلِّفهم الردَّ؛ لأَن المؤدِّي، كان مُجْبَراً، والترافُعُ لا يَجُبُّ ما قبله.
وأَصحهما: أَنَّ لحكم كما لو جَرَى القبض عن تراضٍ، وكما لو أسلموا.
وعن الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ طَرْدُ الخلاف، فيما إِذا أَسلموا، وقد جرى القبض بإِجبار قاضيهم.
وقال الإِمام: وهو منقَاسٌ؛ لأَن الالتزامَ بالتَّرافُعِ أَضعفُ من الالتزام بالإِسْلاَم، وإِذا ألزمنا المتَرافِعَيْن حكم الإِسلام، فَلأنْ نلزمه للمسلمين، كان أَولَى.
فرع: لَوْ نكح الكافرُ على صورة التفويض، وهم يعتقدُونَ أنْ لا مَهْرَ للمفوّضة بحال، ثم أسلم، فلا مهْرَ، وإِن كان الإِسلام قبل الْمَسِيسِ، لأَنه قد سبق استحقاق
الجزء: 8 - الصفحة: 102
وطء 407 بلا مهر، واللهُ أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهمَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا في أنْكِحَتِهِمْ أوْ غَيْرِهَا جَازَ لَنَا الحُكُمْ بِالحَقِّ، وَهَلْ يَجِبُ؟ قَوْلاَنِ، وَإِنْ تَعلَّقَ الخُصُومَةُ بِمُسْلِمٍ وَجَبَ الحُكْمُ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَي المِلَّةِ وَجَبَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَجِبُ في المْعَاهَدَيْنِ، وَلاَ نَحْكُمُ إِلاَّ إِذَا رَضِيَ الخَصْمَانِ جَمِيعاً بِحُكْمِنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا ترافع إِلينا ذمِّيَّان في نكاح أو غيره، إِن كانا متَّفِقَي الملَّة، ففيه قولان:
أَحدهما: انه يجب الحُكمُ بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] ولأنه يجب على الإِمام [أن] 408 يمنع الظُّلْم عنهم، فيجب أَن يحكُمَ بينهم كالمسلمين، وُيرْوَى هَذَا عن أَبي حَنِيْفةَ -رضي الله عنه- واختيار المُزَنِيِّ.
والثاني: وبه قَالَ مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنه لا يجبُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] وعلى هذا فلا يتركهما علَى النزاعِ، بل يحْكُم أو يردُّهما إِلَى حاكم ملتهم 409، ورجَّح الشَّيخُ أَبو حامد وابن الصَّبَّاغِ القول الثانِيَ، وأَكثرهم علَى ترجيح الأوَّلِ، منْهم الإمام، وصاحب "التَّهْذِيبِ" والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وفي محلِّ القولَيْن ثَلاثَةُ طُرُقٍ:
الجزء: 8 - الصفحة: 103
أَحدها: أنَّ القولَيْن في حقوق الْعِبَادِ، فأَما في حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، فيجب الحكم؛ لئَلاَّ تضيع، فإِنه لا مطالب بها.
والثاني: أَن القولَيْن في حقوق الله تَعَالَى، فأَمَّا في حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَيَجِبُ؛ لبنائها على التضييق.
وأظهرها: على ما ذكره الشيخ أَبو حَامِدٍ: طَرْدُ القولَيْنِ في النوعَيْن، وإِن كانا مختلفَيِ الْمِلَّةِ كاليهوديِّ والنصرانيِّ، فطريقان:
أَحدهما: وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ: طرد القولَيْن.
وأصحهما: وبه قال ابنُ أَبي هُريْرَةَ: القطْعُ بوجوب الحكم؛ لأَنَ كُلَّ وَاحِدٍ منْهما لا يرضى بحاكم ملة الآخر، فيدوم النزاع بينهما، ولو ترافَعَ إِلَيْنا معاهَدَانِ، لم يجب الحكْمُ؛ سواءٌ اتفقت ملتهما أَو اختلَفَتْ؛ لأَنهم لم يلتزموا الأحَكام، ولا [التزمنا] 410 دفع بعضهم عن بعض بخلاف أَهل الذِّمَّة.
وقيل: بِإلْحَاقِهِما بالذِّمِّيَّين.
وقيل: إِنْ كانا مختلفِيَ الملة [وجب] 411 وإِلاَّ، لم يجب، والأَظهرُ الأَول.
ولو ترافع إِلينا ذمِّيٌّ ومعاهَدٌ، فطريقان:
أَظهرهما: أَنهما كالذمِّيينْ، فيعود القولان.
والثاني: القطْعُ بوجوب الحُكُم كالذمِّيَّيْن المختِلَفِي الملة، وِإن كان أَحدُ الخصمين مسلماً، والآخر ذمياً أَو معاهَداً، وجب الحكم لا محالة؛ لمنع الظلم عن المسلم، أو منْعِهِ عن الظلم، وأَيضاً، فإن المسلم لا يمكنه النُّزولُ على حُكْم حاكم الكفار، فلا بُدَّ من فصل الخصومة بحكمنا وقوله في الكتاب "إِنْ كَانَا مختِلَفِي الْمِلَّةِ، وَجَبَ على الأَصَحِّ أي: من الطريقين، ويجوز مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يُرِيدَ على الأصح من القولين، جواباً على إِثبات الخلاف" وقوله: "ولا يجبُ في المعاهِدِينَ" معلم بالواو.
وأَما قوله "لا نحكم إِلا إذاً رَضِيَ الخَصْمَان جميعاً بحكمنا"، فالسابق إلى الفهم منه أنا حيْثُ قلْنا بوجوب الَحكم ف في الصورة السابقة، فذلك، إذا حصَلَ رضا المتخاصِمَيْنِ ولفظه في "الوسيط" يقتضي نَحْوَ ذلك، لكنه لا يلائم نقل [الأصحاب] 412 لأنهم على اختلاف طبقاتهم فرَّعوا على القولَيْن، فقالوا: إِنْ قلنا بوجوب الحُكْم، فإذا استعدَى خصم على خَصْم، وجب إِعداؤه، وِإحْضَارُ الخَصْم؛ ليحكم بينهما، ووجب
الجزء: 8 - الصفحة: 104
على المستعدي عليه الحضورُ، وإِن قلْنا: لا يجب الحكم، لم يجب الإِعداء، [ولا يلزمه الحضور] وإِذا أعدى، كان المستعدي عليه بالخيار في الحُضُور، ولا يحْضُر جَبْراً، وفي "التَّهْذِيبِ" وغيره أَن الذِّمِّيَّ، إِنْ أَقر بالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ جَبْراً، إِن قلْنا بِوُجُوب الْحُكْم بَيْنَهُمْ، وكذا لو سَرِقَ مَالَ مُسْلِمٍ أَو ذِمَّيٍّ، يقطع جبراً، وإن قلْنا: لا يجب اَلحكم بينهم، فلا يقام الحدّ إِلا برضاه، واعتبرا الرِّضَا على قولِ عَدَم الوجوب، وإِن لم يعتبروه علَى قول الوجوب، ويمكن على أَن يجعل قولُه، "ولا نحكم إِلا إِذا رضي الخَصْمَانِ جميعاً بحُكْمنا"؛ من تتمة قوله "ولا يجبُ في المعاهِدِينَ، فيستمر الكلام من غير مخالفةٍ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو طُلِبَتْ نَفَقَةٌ في نِكَاحِ بَلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ حَكَمْنَا، وَإِنْ طُلِبتْ في نِكَاحِ مُحرَّمٍ أَوْ مُعْتَدَّةِ في الحَالِ لَمْ نَحْكُمْ، وَفِي المَجُوسِيَّةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ هذه البقية بَيَانُ أنَّ الْحُكُمَ بينَ أَهل الذِّمَّةِ أَوْجَبْنَاهُ أَو لم نُوجِبْ إِنَّما يكون على مُوجِبِ الإِسْلام، وإِذا ترافَعُوا إِلَيْنا في أَنكحتهم، فنقرِّرهم على ما نقرِّرهم عليه، أو أَسلموا، أَو نبطلْ ما نبطله، لو أسلموا؟ فإذا كان الكافرُ قد نكح امْرَأَةً بلا وَلِيٍّ، ولا شُهُودٍ، أَو ثَيِّباً بغير رضاها، وترافَعُوا إِلينا، قرَّرناهم، وحكَمْنا في هذا النكاح بالنَّفَقَة، وكذا لو نَكَحَ معتدَّةً، والعدَّةُ منقضية عنْد الترافُعِ، وإِنْ كانَتْ معتدَّةً بعدُ، ألغيناه، ولم نحكم بالنفقة ولو نكح المجوسيُّ محرماً، وترافَعَا في طلَبِ النفقة، فكذلك 413، ولو طلبتِ المجوسيةُ النفقة من الزوج المجوسِّي، أو اليهوديِّ، فوجهان، وكذا في تقريرِهِمَا على النِّكَاح.
الظاهر التقريرُ، والحكم بالنفقة، كما لو أسلما، والتزما أحكام الدين.
والثاني: الْمَنْعُ، وَبهِ قَالَ الإِصْطَخْرِيُّ واختاره القاضي حسين، ورجَّحه الإِمام؛ لأنَّ الْمَجُوسِيَّةَ لا يجوز نكَاحُها في الإسْلاَم، فَكَذَلِكَ لا يجوز تقرير نكاحِها، ولو جاءنا كافراً وتحته أُخْتَانِ وَطَلَبَتا فرض النفقة.
قال الإمام: فيه تردُّدٌ؛ لأَنا نحكم بصحَّة نكاحهما، وإِنَّما تندفع إحداهما بالإِسلام، قاَل: والذي أَرى القَطْعَ به المنْعُ؛ لقيامِ المانع، وحيثُ لا نقرِّر في هذه الصورة، فالقاضِي المرفوع إِليه مُعْرِضُ عنهما، أَو يُفرِّق بين الزوجين؟ فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 105
أَرجحُهما: عند الإِمام: الإِعراضُ، وإِنَّما يُفَرِّق، إذا رَضُوا بحكمنا.
وَوَجْهُ الثَّاني: أَنهم بالترافُع أَظْهَرُوا ما خالَفَ الملة، فأَشبه ما إِذا أَظْهَروا خمروهم.
وإذا التمسوا من حاكِم المسلمين ابتداءَ نِكَاحٍ، أجَاب إِنْ كانتِ المرأةُ كتابيةً، ولم يكنْ لها وليٌّ كافرٌ، ولا يزوجّ إِلا بشهود مسلمين.
وعند أَبي حَنْيِفَة -رَحِمَهُ اللهُ- إِنْ كَانَ الْخَاطِبُ ذِمّيّاً، يجوز أن يعقد النكاح بشهادة أَهْلِ الذِّمَّةِ.
فَرْعٌ: من "التَّتِمَّةِ" لو لم يترافَع المجوسيُّ إِلينا، ولكن عَلِمْنا فيهم مَنْ نكح مَحْرَماً، فالصحيحُ، وبه أخذ أَبُو حَنِيْفَةَ أَنه لا يُتعرَّض له؛ لأَن الصحابة عَرَفُوا من حال المجوسيِّ أَنهم ينكحون المحارم، ولم ينقرضوا لهم.
وَحَكى الزُّبَيْرِيُّ قولاً: أَن الإمام، إِذا عَرَفَ ذلك، فَرَّقَ بينهما، كما لو عرف أَن المجُوسِيِّ نكح مسلمةً أو مرتدةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي زَيادَةِ العَدَدِ الشَّرْعِيَّ) فَإِنْ أَسلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ اخْتَارَ أرْبَعاً (ح)، وَانْدَفَعَ نِكَاحُ البَاقِيَاتِ، وَلاَ مَهْرَ لَهُنَّ إِلاَّ عَلَى قَوْلِ التَّصْحِيحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَصْلُ معقودٌ لِبيان الحُكْم فيما إِذا أَسْلَمَ الكافر، وتحْتَه عددٌ من النِّسَوَةِ لا يُجْمَع بينهن في الإِسلام، وفيه صور الأُوَلى: إذا أَسلم، وتحته أَكثر من أَربع نسوة، فأَسلَمْنَ معه، أَو تخلَّفْنَ، وهنَّ كتابياتٌ، اختار أَربَعاً منهن واندفع نكاح البواقي، ولو كنَّ مجوسياتٍ أَو وثنياتٍ، وهنَّ مدخولٌ بهن، فتخلَّفْنَ ثُمَّ أسلَمْنَ قبل انقضاء عِدَّتهن منْ وقْت إسلام الزَّوْج، فكذلك الْحُكْمُ، ولا فرق في ذلك كُلَّه بيْن ما إِذا نكَحَهُنَّ معاً، أو نكحَهُنَّ على الترتيب، إِذا نكحهن على التَّرتِيبِ، فله إِمساكُ الأُخريَاتِ، ومفارقة الأُوَلَيَاتِ، وبه قال مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأَحْمَدُ وقال أَبو حنيفة: إِذا نكحهنَّ معاً، بَطَلَ نكاحُهُنَّ جميعاً، وإِن نكحهُنَّ على التَّرتيب، تعيَّنَت الأُولياتُ.
ودليلنا 414 ما رُوِيَ أَنْ غَيْلاَنَ أَسْلَمَ وَتَحْتُهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمْسِكْ أَرْبَعاً، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" 415.
ورُوِيَ أَنَّ نُوفَلَ بنَ مُعَاويَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فقال النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعاً" قَالَ: "فَعَمَدتُّ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ فَفَارَقْتُهَا" 416 ولو أَسلم عَلى أَكثر من أَربع وهنَّ غيْرُ مدخولٍ بهن وأسلمت معه أَربعٌ تقرَّر نكاحهن، وأرْتَفَعَ
الجزء: 8 - الصفحة: 106
نكاح المتخلِّفات، ولو كان قَدْ دَخَلَ بهن، فاجتمع إِسْلام الزَّوْج مع إسلام أَربعٍ منْهن لا غير في العدة، تعيَّن النكاح، حتَّى لو أَسلمتْ أَربعٌ من ثَمَانٍ تحْته [أو متن في الإِسلام، ثم أسلم الزوج وأسلمت] 417 الباقيات في عدتهن، تعينت الأُخرَيَاتُ، ولو أسلمتَ أرْبَعُ، ثم أَسْلَمَ الزَّوْج قبل انقضاء عدَّتهن، [وتخلفت الباقيات حتى انقضت عدتهن من إسلام وقت إسلام الزوج أو متن على الشرك تعينت الأوليات ولو أسلم أربع] 418 ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن ثم أسلمت أخريات قبل انقضاء عدتهن من وقت إِسلام الزوج اختيار أربعاً من الأوليات والأخريات كيف شاء، فإِن ماتَتْ الأوليات أو بعضُهُنَّ، جاز له اختيارُ المَيْتَات، ويرث منهن.
وقوله: في الكتاب "اختار أربعاً" مُعْلَمٌ بالحاء؛ لأَن عند أَبي حَنِيْفَةَ على الترتيب أو معا على ما تبين 419.
وقوله: "فلا مهر لهن إلاَّ على قول التصحيح" مكررٌ مذكورٌ من قبل.
فرع: قبل الكافر لابنه الصغير نكاح أَكثر من أَربع نسوة، ثم أَسلم، وأسلمن، اندفع نكاح الزيادة على الأربع، لكنَّ الصبيَّ ليس من أهل الاختيار، والوليُّ لا يقوم مقامه فيه، فإِن طريقه التنهي فيه فيوقف إلى أن يبلغ نفقتهن ويكون من ماله؛ لأَنَّهنَّ محبوساتٌ بسببه، وكذا لو أسلم الرَّجُلُ، وجُنَّ قبل أن يختار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا وَكَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا اخْتَارَ إِحْدَاهِمَا في قَوْلٍ، وَتَعَيَّنَتِ البِنْتُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأَنَّ نِكَاحَهَا يَدْفَعُ نِكَاحَ الأُمَّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَطْءٍ البِنْتِ تَعَيَّنَتِ البِنْتُ وَانْدَفَعَتِ الأُمُّ، وإِنْ كَانَ بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ انْدَفَعَتِ البِنْتُ وَبَقِيَ نِكَاحُ الأُمِّ إنْ أَفْسَدْنَا أنْكِحَتَهُمْ وإلاَّ انْدَفَعتْ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الثانيةُ: إِذا أَسلم الكافر، وتحته أُمٌّ وابنتها قد نكَحَهُما معاً، أَو على الترتيب، وأسلمتا معه، أَو لم يُسْلِمَا، وهما كتابيَّتان، فأمَا، إِنْ كان قد دخَلَ بهما، أو لَم يدخُل بواحدةٍ منهما، أَو دخَلَ بالبنْتِ دون الأُمِّ أو بالعَكْس.
الحالة الأولَى: إِذا كان قدْ دَخَل بهما، فهما مُحرَّمتان على التأبيد، أما الأَمُّ؛ فلأنه عقد على البنت، ودخل بها، وأَما البنْتُ، فلأنه دخَلَ بالأَمِّ، ولكل واحدةٍ منهما المسمَّى، إن جرت تسميةٌ صحيحةٌ، وإِلا، فمهْرُ المثل.
الحالية الثانية: إِذا لم يدْخُلْ بواحدةٍ منهما، فقولان.
الجزء: 8 - الصفحة: 107
أَحَدُهُمَا: أنه يختار أيَّتهما شاء، كما لو أسلم، وتحته أُختان، فإن اختار البنت، استقر نكاحُها، وحُرَّمت الأُمّ على التأبيد، وإِن اختار الأُمِّ لم تُحَرَّمِ البنتُ على التأبيد، بل لو فارق الأمَّ قبل الدخول، حَلَّ له نكاح البنت.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِّي: أَن البنْتَ تتعيَّن وتندفع الأم؛ لأن نكاح البنْتِ يدفع نكاح الأُم، ولا ينعكس، وقد يُعبَّر عن الغرض بعبارة أخْرَى، فيقال: له إِمساكُ البنْتِ لا محالة، وهلْ له إمساكُ الأمَ؟ فيه قولان، والقولان مبنيانِ عند أَكثر الأئمَّة على الخلاف في صحَّة أنكحتهم، إن صحَّحناها، تعيَّنتِ البنْتُ، وحرمت الأم أبداً وإِلا تخير وقضية هذا البنَاءِ ترجيحُ القول الذي اختاره المُزَنِيُّ، وهو تعْيِينُ البنت، وإِلَيْه ذهب الشَّيْخَانِ أبُو عَلِيٍّ وَالصَّيْدَلاَنِيِّ، والإِمَامُ، وَصَاحِبُ "التَّهْذِيبِ"، وصاحب "الكتاب" وغيرهم.
ورجَّحِ الشيخ أَبُو حَامِدٍ ومن تابعه قوْلَ التخيير، ووافقهم الشيخ أَبو إِسْحَاقَ الشَّيْرَازِيُّ وفَرَّع ابنُ الحداد حُكْمَ المهر على القولَيْن هنا فقال: إِن قلنا بالتخيير، فللمفارقة نصْفُ المهر؛ لأَنه دفَع نكاحَها بإِمساك الأخَرى وإِن قلْنا بتعيين البنْت، فلا مهر للأم؛ لأنَّ نكاحها انْدفعَ بغَيْر اختياره وصنيعه.
وقال القَفَّالُ وغيره: الحكْمُ بالعكس، إِن خيَّرناه، فلا مهر للمفارقة؛ لأَن التخْيير مبنيٌّ على أَن أَنكحتهم فاسدة، [فالتي] 420 فارقها، كأَنه لم ينكحها قطٌّ، حتَّى جوَّز الأَصْحَابُ لابنه وأبيه نكاحَهَا؛ تفريعاً على هذا القول، وإِذا لم يَكُنْ نِكَاحٌ، ولا دخُولٌ فلا مهر، وإِن عَيَّنَّا البنْتَ، فللأم نصْفُ المَهْرِ لصحَّة نكاحها، واندفاعه بالإِسْلاَم، ومالَ الإِمامُ إِلَى أَنه لا يجبُ المَهْر [على هذا القول أيضاً] 421؛ لأنَّه صحَّ نكاح البنت، فتصير الامُّ محرماً، وإِيجاب المَهْرِ للمحرم بعيدٌ، وقد سبق نظير هذا.
الحالة الثالثة: إِذا دخَلَ بالبنْتِ دون الأُمِّ، فيقرر نكاح البنت؛ لأَنه لم يدْخُلْ بالأم، والعقد عليها لا يُحَرِّمُ البنت، ويحرم الأَم على التأبيد بالعَقْد على البنت أو الدخول، ولا مَهْرَ لها على قَوْله ابنِ الْحَدَّادِ، وعلى طريقة القَفَّالِ: يجِبُ نصف المهر إِن صحَّحنا أَنكحتهم.
الحالة الرابعة: إِذَا دَخَلَ بالأُمِّ دون البنت، حرمت البنت على التأبيد بالدخول بالأَم، وهل له إِمساكُ الأَم؟ يُبْنَى على القولين فيما إِذ لم يدْخُلْ بواحدةٍ منهما، إن خيَّرناه، فله إِمساكُ الأَم هاهنا، وإِن عيَّنَّا البنت، فلا، لأَن نكاح البنْتِ يحرِّمها، قال في "التهذيب": ولها مَهْرُ الْمِثْلِ بالدخول.
الجزء: 8 - الصفحة: 108
وقوله في "الكتاب"؛ لأَن نكاحها يدفع نكاح الأُمِّ وقوله بعد ذلك: "إِن أفسدنا أنكحتهم" بيان لمأخذ القولَيْن، وهو الخلاف في صحَّة أَنكحتهم على ما قدَّمناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإنْ أَسْلَمَ الحُرُّ عَلَى إِمَاءٍ اخْتَارَ وَاحِدَةً إنْ كَانَ عَاجُزاً عِنْدَ الالْتِقَاءِ فِي الإِسُلاَم، فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى ثَلاثٍ وَأَسْلَمَت وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُعْسرٌ وَأَسْلَمَتِ الثَّانِيَةُ وَهُوَ مُوسِرٌ وَالثَّانِيَة وَهُوَ مُعْسِرٌ انْدَفَعَتِ الثَّانِيَةُ وَيُخُيَّرُ بَيْنَ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الثالثةُ: قد مَرَّ أنه لو أَسلم الكافر، وتحته أمَةٌ، وأَسلمت معه، يجوز له إمساكُها، إِن كان ممَّنْ يحل له نكاحُ الإِماء، ولا يجوزُ إِن كان ممن لا تَحِلُّ له، وان تخلَّفت، نُظِرَ؛ إِن كان قبل الدخول، تنجزت الفرقة، سواءٌ كانَت كتابيةً أَو غير كتابية؛ لأن المسلم لا ينكح الأَمةَ الكتابيةَ، كما لا ينكح الوثنيةَ، وإِن كان بَعْدَ الدخول، وجَمَعَتِ العدةُ إِسْلامَهْما، فهو كما لو أَسلَمَتْ معه، وإِن كانَتْ كتابيةً، وَعَتَقَتْ في العدَّة، فله إِمْسَاكها، إِنْ لم تسلم، ولا عتقت أَو كانَتْ وثنيةً، ولم تُسِلْمْ إِلى انقضاء مدَّة العدَّة، فتبيَّن اندفاع النكاح من وقْت إِسلامه وإسلامهن [وإن كان تحته إماء وأسلم وأسلمن معه] 422 فيختار واحدةً مِنْهُنَّ، إِن كان ممن يحل له نكاحُ الإِماء عند اجتماع إسْلامه وإِسلامهن، وإِلا، فيندبع نكاحهن جميعاً، ولا فرق بين أَن يُسْلِمَ أَولاً أَو يسلمن أَوَّلاً، ولو أَسلم، وتحته ثلاثٌ، فأَسلمت معه واحدةٌ، وهو معْسرٌ خائفٌ من العَنَت، ثم أَسلمَتِ الثانيةُ في عدَّتها، وهو مُوسِرٌ، ثم أَسْلَمَتِ الثالثة، وَهُوَ مُعْسِرٌ خائف من العنت، فيندفع نكاحُ الثانية، لِفِقْدان الشَّرْط عند اجتماع إِسْلامه وإِسلامها، ويُخيّر بين الأَولَى والثالثة، وهذا مبنيٌّ على أَن ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ في اليسار أَنه إِنَّما يؤْثَرُ في اندفاع النكاح، إِذا اقترن بإِسلامهما جميعاً، وقد سَبَق أَنَّ من الأَصحاب مَنْ يَنْظُر إلَى وقت إِسلامه، ويكتفي به، فعلَى هذا لا تندفع الثانية أَيضاً [بل تدخل في التخيير] ويجُوزُ لذلك إِعلامُ قوله في الكتاب "اندفعت الثانية" بالواو وأَيضاً فقد حَكَى الإِمَامُ عن أَبيه أَنه إِذا حَلَّ له نكاح أَمة فأمَة أُخرَى في معناها، وإِلَيْه الخيرةُ فيهن جميعاً.
وقوله "وان كان عاجزاً عند الالتقاءِ" أي عن طَوْلِ الحُرَّةِ، ويعتبر مع ذلك خَوْفُ الْعَنَتِ.
فرْعٌ: أَسلم، وتحته إماءٌ، أَو أَسلمتْ معه واحدةٌ منْهنَّ، فله أَن يختار الَّتي أَسلمت، كما لو أَسْلَمْنَ جميعاً، وله أَن يتوقَّف، وينتظر إلى إسْلامِ الباقيات، فقد يكونُ بعضُهُنَّ آثر عنده، ثم إِن أَصْرَرْنَ على الشِّرْك، تبيَّن أَنهن بِنَّ من وقْتِ اختلاف الدِّين، وأَن عدَّتهن قد انقضَتْ، وإِن أَسَلَمْنَ العدَّة، فيُنْظَر؛ إِن كان قَدِ اختار الَّتي أَسْلَمَتْ أَولاً،
الجزء: 8 - الصفحة: 109
فتكون بينونتهن باختياره إِيَّاها، وإِنْ كان متوقِّفاً منتظراً، فأَسْلَمْنَ، اختار واحدةً منهن، وانْدَفَعَ نكاح الأُخْرَيَاتِ، ولو طلق التي أسلمت [أولاً] 423 كان الطلاق متضمِّناً اختيارَهَا، ثم إِنْ أَصرت الباقيَاتُ، حتى انقضتِ العدَّةُ، بأن [أنهُنَّ بِنَّ] 424 باختلاف الدِّين، وإِن أَسلمن في العدَّة، بَانَ أنهن بِنَّ من وقْتِ الطَّلاَقِ، فإنه وقْتُ الاختيار، وإِن فسخ نكاح الَّتي أَسلمتْ أَولاً، لم ينفذ؛ لأنَ الباقياتِ متخلفاتٌ وإنما ينفسخ النكاح، إِذا زدْنَ على العدد الجائِزِ إِمساكُهُ [وليس في الحال زيادة] ثم إِنْ أصررنَ اندفَعْنَ باختلاف الدِّين، ولزمه نكاحُ الأُولَى، وإن أَسلمن في العدَّة، اختار مَن شَاء من الْكُلِّ، وفيه وجه أنه بإِسلام الباقيات تبيَّن نفوذ الفسخ فيها، فلا يخْتَارُها، ولكنْ يختارُ واحدةً من الباقيات، والظَّاهِرُ الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ وَإِمَاءٍ انْدَفَعَ نِكَاحُ الإِمَاءِ إلاَّ إِذَا تَخَلَّفَتِ الحُرَّةُ وَأَصَرَّتْ، فَإنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ عِدَّتِهَا انْدَفَعَ نِكاحُ الإِمَاءِ إِلاَّ إِذَا عَتَقْنَ قَبْلَ إِسْلاَم الحُرَّةِ فَيَلْتَحِقْنَ بِالْحَرَائِرِ الأصْلِيَّاتِ، وَلَوْ أسْلَمَ عَلَى إِمَاءٍ وَتَخَلَّفَتْ وَاحِدَةٌ ثُمَّ عَتِقَتْ وَأسْلَمَتْ قَبْلَ الْعِدَّةِ تَعَيَّنَتْ كَالْحُرَّةِ وَانْدَفَعَتِ الإِمَاءُ السَّابِقَاتُ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَمَتَيْنِ وَتَخَلَّفَتْ أَمَتَانِ فَعَتَقَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ المُتخَلِّفَتَانِ انْدَفَعَ نِكَاحُهُمَا إِذْ تَحْتَ زَوْجِهِمَا عَتِيقَةٌ وَاخْتَارَ وَاحِدَةً مِنَ المُتَقَدِّمَتَيْنِ؛ إِذْ كَانَ عِتْقُهَا بَعْدَ إسْلاَمِهِمَا، وَإِسْلاَمُ الأُخْرَى لاَ يُؤَثِّرُ فِي حَقِّهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصورةُ الرابعة: إذا أسْلَمَ وتحته في نكاحه حُرَّةٌ وأربع إِماء -مثلاً- وأَسَلَمْنَ، نُظِرَ، إِن أَسلمت الحرَّةُ معه، أو كانَتْ مدخولاً بها، فأسلَمَتْ بعده في العدَّة، تعيَّنت الحرَّةُ، واندفع نكاحُ الإِماء، سواءٌ أَسلمن قَبْلَ إِسلامها، أَو بعْده، أَو تبيَّن إِسلامُ الزَّوْج والحُرَّة؛ لأَن القُدْرة على الحرَّة يمنع من اختيار الأمَةِ، وإِذا تأَخَّر إِسلامهن، فإِن أسلَمن في العدة، بِنَّ من وقتِ اجتماع إِسْلاَمِ الزَّوْج والحُرَّة، وعدَّتُهن من ذلك الوقْتِ، وإِن لم يُسْلِمَن، حَتَّى انقضت العدَّةُ، فبينونَتُهْنَّ باختلافِ الدِّين، إن لم يجتمعُ إِسلامُ الحُرَّة مع إِسلامه في العِدَّةَ، بأن أسلم الزوْجُ، وأَصرَّتْ هي إِلى انقضاء العدَّة، أو ماتَتْ في العدَّة، أو أسلمت هي أولاً، وتخلَّف الزوج إِلى أَن انقضَتْ عدتها، أَو ماتَتْ، فالحكْمُ كما لو لم يَكُنْ في نكاحه حُرَّةٌ، فيختار وَاحِدَةٌ من الإِماء على الوجه الذي سَبَقَ، وفي مدَّة تخلُّف الحُرَّة المدْخُول بها، لا يختار واحدة من الإِماء سواء 425 أسلمن
الجزء: 8 - الصفحة: 110
معَهُ، أَو بعْدَهُ في العَدَّة، حَتَّى يَقَعَ الْيَأْسُ منها بالْمَوْتِ أو انقضاء العدة، فإِن اختار واحدةً قبل اليأس، ثم ماتَتِ الحُرَّة، أو انقضَتِ العدَّة وهي مصرَّة 426 فقد نقل الْمُزَنِيُّ - (رَحِمَهُ اللهُ) - ما يُشْعر بنفوذ الاختيار السابق، وبأَنه في الابتداء موقوفٌ إلى أَن يظهر حال الحرَّةِ في الانتهاء.
وحكى الإِمامُ؛ أَن بعض الأصحاب غلَّطه، والصحيحُ تصحيحُ النقل، وحَمْلُهُ على أَحدِ القولَيْنَ في وقْته العقود، كما صوَّرنا في أول البيع، ومنْهم مَنْ يجعل الخلافَ في المسألة وجهَيْن، وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم يَطْرأ على الإماء عِتْقٌ، فإِن طرأَ العتْقُ، قبل اجتماع إِسْلامِهِنَّ وإسلام الزوجِ، بأن عَتَقْن، ثم أسلم الزوج، وأَسلمن، أو أَسلَمْنَ، ثم عَتَقَنَ، ثم أَسلم الزوج، أو أَسلم الزوج ثُمَّ عَتَقْنَ، ثم أسلَمْنَ، فيلحقْنَ بالحرائر الأَصليَّاتِ، حتى لو أسلمتِ الحرَّةُ، ثم أسلمت الإِماء المتخلفات بعدما عَتَقْن، فهو كما لو أسْلَمَ على حرائر، فيختارُ منهنَّ أَربعاً كيْفَ شاء، وفي كتاب القاضي ابنِ كَجٍّ أَنَّ أبا الحسين القطان حَكَى وَجْهاً فيما إذا أَسلم، وتحْتَهُ حرائرُ وإماءٌ، وعتَقَتِ الإِماءُ، ثم أَسلَمْنَ أنه لا يجوز له إلاَّ اختيارُ الحِرائرِ الأصلياتِ، ولو تخلَّفت الحرةُ، واجتمع إِسلامه وإِسلامُهن، وهنَّ عتيقاتٌ، فله أن يختارهن، ثم يُنْظر، إن أَسلمتِ المتخلِّفة في العدَّة، بَانَتْ باختياره الأربع، وإن لم تُسْلِم، بَانَتُ باختلاف الدِّينِ، وإِن أَخَّرَ الاختيار انتظاراً لإِسلام المتخلفة.
ذكر الشيخ أَبُو حَامِدٍ أنه جائِزٌ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغ عنْدِي لا معْنَى لتأَخير اختيار الكُلِّ، فإِنَّه يلزمه نكاح ثلاثٍ منهن لا محالَةَ، فيختار ثلاثاً، ثم إِن أَسلمتِ المتخلِّفة في العدَّة، اختارها، أو الرابعة من العتيقات، وإِنْ لَمْ تُسْلِم، لزمه نكاح الرابعة من العَتِيقات، ولو أسْلَمَ، وليس في نكاحه إِلا الإِماءُ، وتخلَّفْنَ، وَعَتَقْنَ، ثم أَسلَمْنَ في العدَّةِ،.
اختار مِنْهُنَّ أرْبَعاً، كالحرائر الأَصليات، ولو أَسَلَمْنَ معه إلا واحدةً، ثم أَسَلَمَتِ المتخلِّفة في العدَّة بعْد ما عتَقَتْ، تعيَّنت [للنكاح] 427 كالحرَّة الأَصليَّة، وَلُوَ كانتْ تحْتَه أَربعُ إِماء، فأَسَلَمتْ معه اثنتان، وتخلَّفت اثنتان، فعتَقَتْ واحدةٌ من المتقدِّمتين، ثم أَسلمَتِ المتخلِّفات على الرِّقَّ، اندفع نكاحهما؛ لأن تحْتَ زوجهما عتيقةٌ عند اجتماع إِسلامهما وإِسلام الزوج، ولا تندفعُ الرقيقةُ المتقدِّمة؛ لأَن عتْقَ صاحبتها كان بعْد اجتماع إسلامها، وإِسلام الزوج، فلا يَؤثَّر في حَقِّها، بل يختار واحدةً منهما 428.
الجزء: 8 - الصفحة: 111
ولو كانَتْ تحْتَه إماءٌ فأَسلم الزوْجُ مع واحدةٍ، ثم عَتَقَتْ، ثم عتَقَ الباقياتُ، وأسلمْنَ، اختار أَربعاً منهن لالتحاقهن بالحرائر الأَصليات، وليس له اختيار الأُولَى؛ لأَنها كانَتْ رقيقةً عند اجتماع الإِسلاميين، فيدفع الباقيات العتيقات عند اجتماع الإِسلاميين لو كانَتْ تحته أربعُ إماءٍ، فأَسلمت معه اثنتان، ثم عتقتا، وعتقت المتخلِّفتان، ثم أَسلمتا، يتعيَّن الأخُريات للامساك؛ لحريتهما عند اجتماع الإِسلاميين، ولا يجوز إِمْسَاك الأوليين، لِرِقِّهما عند اجتماع الإِسلاميين، واندفاعهما بالعتقين 429.
ولو أسلم الزوْجُ وتخلَّفْنَ، ثم عتَقَتْ الاثنتان، ثم أَسلمتا، وأسلَمَتِ الأخريات، ثم عتقتا، يتعيَّن الأُوليان للإمْسَاك، ويندفعُ بهما الأُخْرياتُ، والنظر في جميع ذلك إِلى حالة اجتماع الإِسلاميين لَأنها حالة إمكان الاختيار، هذا كما أن النَّظَرَ في اليسار والإِعْسار، وفي خوف العَنَتِ، الأَمن منه إِلى حالة اجتماع الإِسلاميين.
وقوله في الكتاب: "اندفع نكاح الإِماء" يمكن إعلامه بالواو؛ بوجه قدَّمناه في أَن نكاح الأَمة لا يندفع بالحرة، وعلى ذلَك الوجْهِ يُمْسِكُ الحرَّة، ويختار واحدةً من الإِماء؛ (والله أعلم).
وقوله: "فإن أَسلمْتَ قبْلَ عِدَّتِهَا، اندفع نكاحُ الإِمَاء" يفيده قولُه أَولاً "اندفع نكاح الإِماء إِلا إِذا تخلفت وأَصرت" وإِنما أَعادهِ لِيَسْتَثْنِي منه؛ ما إِذا أَعْتَقن، كأَنه يقول: وإِنَّما يندفع نكاحُهُنَّ، إِذا استمر رِقّهن، أما إذا أُعْتِقْنَ، فلا.
وقوله: "ولو أسلم على أَمَتَيْنِ، وتخلَّفت أَمتان" وفي بعض النسخ، ولو أَسلم على أربع، وتخلَّفتِ اثنتان وكلُّ واحدةٍ منهما مؤدٍّ للغرض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ خِيَارَ لَهَا إلاَّ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَلَهَا تَأْخِيرُ الْفَسْخِ لِعُذْرِ انْتِظَارِ إسْلاَمِ الزَّوْجِ إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَإنْ فَسَخَتْ نَفَذَ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ = هنا، وفي البسيط والوجيز وليس كذلك اختياراً له تعمده فما هكذا تذكر الاختيارات، وصوابه أنه لا يندفع نكاح المتخلفتين بل يتخير بين الأربع لأن عتق إحدى المتقدمتين كان بعد اجتماعهما على الإِسلام والقاعدة المقررة أن مثل هذا العتق لا يجعلها كالحرائر بل يبقى حكمها حكم الإِماء في حقها وفي حق غيرها وكان منشأ السهو أنه سبق وهمه إلى أنه لما كان عتق المتقدمة واقعاً قبل اجتماع الزوج والمتخلفتين في الإِسلام التحقت بالحرائر في حق المتخلفتين وهذا خطأ لأن الاعتبار في ذلك باجتماع العتيقة نفسها والزوج في الإِسلام لا باجتماع غيرها والزوج وهذه العتيقة كانت رقيقة عند اجتماعها هي والزوج في الاِسلام فكان حكمها حكم الإِماء في حقها وحق غيرها.
انتهى كلام ابن الصلاح وهو الصواب.
الجزء: 8 - الصفحة: 112
فَتَكُونُ عِدَّتهَا مِنْ وَقْتِ الْفَسْخِ فَإِنْ أَجَازَتِ ابْتَنَى عَلَى وقْفِ العُقُود، وَأمَّا العَبْدُ إنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ فَلاَ خِيَارَ لَهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: أَصْلُ الفَصْل أَنَّ عِتْقَ الأَمَّة تَحْتَ الْعَبْدِ من الأسَباب المبيِّنة للخِيَار على ما سيأتي، وقد تعتق المنكوحة في "مسائِلِ المُشْرِكَات" مع عروض الإِسلام، والغرضُ الآن بيان حُكْمه وفيه مسألتان:
الأُولى: إِذا نكح العبدُ الكافرُ أمةً في الكُفْر، ثم دَخَلاَ في الإسْلاَمَ وعتَقت الأُمةُ، فينظر؛ إِن عتقت بعد اجتماع الإِسلاميين، فهي كسائِرِ الإِمَاءِ يُعْتَقْنَ تحْت العبد، وليس ذلك من صُورَ الباب، وإن عتَقَتْ قبل اجتماع الإِسلاميين، فللمسألة حالتان، [والغرض فيما إذا كانَتْ مدخولاً بها] 430.
الحالة الأُولَى: أَن تسلم هي أَولاً، ويتخلَّف الزوج، فلَيْسَ لها الإجازةُ سواءٌ عَتَقَتْ، ثم أَسْلَمَتْ، أَو أَسلمت ثم أَعْتَقَتْ لأَنَّها تعرض البَيْنُونة، فلا يَلِيقُ بِحَالِها اختيارُ الإقامة، لأَنها مسْلِمَةٌ فكيف تقيم تحْتَ كافرٍ، ولا يبْطُلُ بهذه الإِجازة حقُّها ومن الفَسخ، وإِن [اختارت] 431 الفسخ في الحال.
يجوز؛ لأَنه يلائم حالَها، ولا يلزمها الانتظارُ إلَى أَن يظهر حالُ الزَّوْج من الإِسلام والإِصرار على الكُفْر، لأَنَّها، لو أَخرت الفَسْخ إِلَى ما بعد إِسلام الزَّوْج كانت عِدَّتْهَا من يومئذٍ، فيدفع بالتعجيل طُولُ التربُّص، ثُمَّ إِذا فسخت، فإِن أسلم الزوج قبل أَن تنقَضِيَ مدَّة عدتها، فالعدَّةُ من وقْت الفسْخ، وتعتدُّ عدةَ الحرائر، وإِن لم يُسْلِمْ إِلى أَن انقضتِ المدَّة فعدتها من وْقت إِسْلامها، ويلغو الفسْخُ؛ لحُصُول الفِراقِ قبله؛ وتعتدّ عدَّةَ الحَرائرِ، إِن عتَقَتْ، ثم أَسلمت، وِإن أَسلمت، ثُمَّ عتقت، فهذه أمة عتقت في أثناء العدَّة، فتكمل عدَّة الحَرَائر، أَم تقتصر على عدة الإِماء؟ فيه طريقان للأصحاب.
أقربهما: إِلَى قضية نَصَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- وهو الجواب في "الشَّامِلِ" وغيره أَنها كالرجعيَّة تُعْتَقُ في أَثناء العدَّة.
والأظهر: أَنها تكمل عدة الحرائر.
والثاني: أَنها كالبائنة تُعتق في أثناء العدة، والأظهر؛ فيها: الاقتصار على عدَّة الإِماء.
وموضعُ الخلاف فيهما "كتاب العدة ووجه الإِلحاق بالرجعية تمكين الزوج من استيفاء النكاح، واستدراك الأمر بالإِسلام يمكنه هناك بالرجعة، ووجه الإِلحاق بالثانية أن البائنة لا تكونُ بينونتها بانقضاءِ العدَّة، وكذلك هذه التي أَسلَمَتْ، ثم عتقت، وأصر
الجزء: 8 - الصفحة: 113
الزوج، فإنا نحْكُمُ بحصول البينونة من وقْتِ إِسلامها، بخلافِ الرجْعيَّة، فإِنهَّا تَبينُ بانقضاء العدة، ولو أَرادتْ تأْخِيرَ الفَسْخِ إلَى أَن يتبيَّن حال الزوج، يجوز، ولاَ يَبْطُلُ خِيَارُهَا كالرَّجْعِيَّة إِذا عتَقَتْ في العدة، والزوَج رقيق، يجوز لها التأخيرُ، ثم إِن لم يسلم الزوج إِلَى أَن انقضت مدة العدة، سقط الخيار، وعدتُها من وقْتِ إِسلامها، وتعتدُّ عدةَ الحرائر، إِن عَتَقَتْ، ثم أَسلمت، [وإن أسلمت] 432 ثم عتقت، فعدتها عدَّةُ الحرائر أم عدة الإِماء فيه الخلاف السابق، وإِن أَسلم الزوج، فلها الفسخ، وتعتد من وقْتِ الفسخ عدَّةَ الحرائر.
الحالة الثانية: إذا أَسْلَمَ الزَّوْجُ أوَّلاً، وتخلَّفت [وَعَتَقَتْ] 433 فظاهر المذْهَب ثبوتُ الخيارِ لتضررها برق الزوج وفي "التَّتِمَّةِ" أَن من الأَصحاب مَنْ لم يُثْبِتْ لها الخيار؛ لأَن خيار العِتْق من أَحكام الإِسلام، وهي كافرةٌ، فلا يثبت لها حُكْم الإِسْلام، وأما إِذا قلْنا بالظاهر فلها تأخير الفسَخ والإجازة، ثم إن أسلَمَتْ قبل مضيَّ مدَّة العدَّة، وفسختِ، اعتدَّتْ من يوم الفسخ عدَّةَ الحرائر، وإِن لم تسلم، حتى انقضَت عَدَّتها، بانَ حصولُ الفراقِ منْ وقْت إِسلام الزَّوْجِ، وتعتدُّ عدَّة الحرائر أم عدة الإِماء، فيه الخلاف السابق [و] قَالَ الإِمَامُ: والظاهرُ هاهنا إِلحاقُهِا بالبائِنَةِ؛ لأَنه لَيْسَ بيد الَزَّوْج شيءٌ، إِذا كانت هي المتخلِّفَةَ، ولو أَجازتْ قبل أَن تُسْلِمَ، لم تَصِحَّ الإِجازة؛ لأَنها لا تلائم حالَهَا؛ لأَنَّها تَعْرِضُ البينُونَةَ، وفي النِّهاية أَنَّ بعض الأئَمَّة حكى عن صاحب "التَّقْرِيب" أنها صحيحة، قال: ولم أَره في طريقه ولو فسخت فظاهر ما نقله المُزَنِيُّ 434 أَنه لا يصحُّ أَيضاً؛ لأنه حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ولو لم يتقدَّم إِسْلاَمُهُنَّ قبل إِسلامه، واخترن فراقه أَو المقام معه، خُيَّرْنَ حين أَسْلَمْنَ وألغى اختيار الفراق كاختيار المقام، وقد أَخذ بَهَذا الظاهر بعض نَفَرٌ من الأَصحاب، منْهم أبُو الطَّيِّب بنُ سَلَمَةَ ووجوهه بأنه لا حَاجَةَ بِهَا إلى الفْسْخ؛ لأَنها تنتهي إلى البَيْنُونَة، وإسْلاَمَها بيدها، إن أَسْلَمَتْ، فسخت، وإلاَّ، بَانَتْ وَقْتِ إسلامه، وليس كما إذا تخلَّف الزوج، فإن إسلامه لا يتعلَّق باختيارها، فلا يأمنُ أن يُسْلِمَ في مدة العدة.
وَقَالَ أكْثَرُ الأصْحَابِ يَنْفُذ الْفَسْخُ، كما في الحالة الأُولَى.
والإِسْلام وَاجبٌ، عَلْيها في الْحَالِ، فليس لها تأخيرُهُ إِلى انقضاء مُدَّةِ الْعِدَّةِ ثم من هؤلاء من لم يُثبِتِ النَّقْلَ عن الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
الجزء: 8 - الصفحة: 114
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: المسألة مذكورةٌ في "الأم" وليس فيها اختيار الفسخ، وإنما المذكور اختيارُ المقام، فلا أدْرِي مِنْ أَين زاد الْمُزَنِيُّ اختيار الفَسْخ ومنهم من أوّل فقال قد ذكر اختيار الفسخ والمَقَام معاً؛ لكنَّه أجاب عن اختيار المقام خاصَّة وقد يفعل الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِثْلَ ذَلِكَ.
المسألة الثانية: أسلم الزوْجُ الرقيقُ، هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِزَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ؟.
فيه وجهان:
أظهرهما: على ما ذَكَرَ الإمَامُ وَالْمُتوَلِّي: المنعُ، وبه قَالَ ابنُ أبي هُرَيْرَة: لأنها رَضِيَتْ بِرِقِّهِ أولاً، ولم يحدُثْ فيهَا عِتْقٌ.
والثاني: يثبت، وبه قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ؛ لأنَّ الرِّقَّ نَقِصِ في الإِسلام من حَيْثُ إن الرقيق لا يساوي الحرَّ في الإِسلام وفي الشرك يتميز الحرُّ عن الرقيق، وَهَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ؛ لأنه قال "في الْمُخْتَصَرِ": ولو كان عبد عنْده إماءٌ وحرائرُ مسلماتٌ وكتابياتٌ ولمْ يَخْتَرْنَ فراقَهُ، أمْسَكَ اثْنَيْنِ بشَرْطِ ألا يخترن فراقه، ومن قال بالأول، ادَّعَى أنَّ الجواز يرجع إلى الإمَاء خاصَّة، والمراد ما إذا قال الدَّارِكِي: وهذا الخلاف في حَقِّ أهل الحرب، فأما الذِّمَّيةُ مع الذِّمِّيِّ، فَلاَ خِيَارَ لَهَا؛ لأنَّها رَضِيَتْ بأحكامنا، وقوله في الكتاب "وإن جازت ابْتَنَى على وقْفِ العقود" جهة الوقْف أن الإِجازة إنما تفيد بتقدير إسلام الزوج، أما إذا أصر فلا يُتَصوَّر إقامةُ المسلمةِ تَحْتَ الكافر، لكن تُخرَّجُ المسألة على وقْف العقود، ولم يذْكُرْه سائر الأصحاب، ولا تعرَّض له صاحبُ الكتاب في "الْوَسِيطِ" بل أطلقوا القول بِالْبُطلاَنِ عَلَى مَا مَرَّ.
وقولُهُ: "وَأَمَّا الْعَبْدُ، إِنْ أَسْلَمَ عَلَى حُرَّةٍ" قَدْ يُوهِمُ اختصَاصَ الكلام في الحرَّة، وأورد في "الوسيط" الوجهَيْنِ فيما إذا أسلَمَتِ الحُرَّة، ولا اختصاصَ لها بِالحُرَّة ولا بما إذا أسْلَمَتْ، بل هما جاريان في الحرَّة والأمة، وفيما إذا أسَلَمَتِ الزَّوْجة، وفيما إذا لم تُسْلِم، إذا كانتُ كتابيةً، لِذَلِكَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيره، وقوله "ولا خيار لها" معْلَمٌ بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ اثْنَتَيْنِ أبَداً مِنَ الحَرَائِرِ وَالإِمَاءِ؛ لأَنَّ الأَمَةَ في حَقِّهِ كَالْحُرَّةِ، فَإنْ عَتَقَ قَبْلَ إِسْلاَمِهِنَّ الْتَحَقَ بِالحُرِّ فَلاَ يَخْتَارُ مِنَ الإِمَاءِ إلاَّ وَاحِدَةً وَيخْتَارُ مِنَ الحَرَائِرِ أَرْبَعاً، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ انْدَفَعَ نِكَاحُ الإِمَاءِ، وَإِنْ أسْلَمَ مَعَهُ حُرَّتَانِ ثُمَّ عَتَقَ فأسْلَمَتِ البَاقِيَاتُ مِنَ الحَرَائِرِ فَلاَ يَزِيدُ عَلَى اثْنَتَيْنِ، لأَنَّهُ وَجَدَ كَمَالَ عَدَدِ العَبِيدِ قَبْلَ الحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَعَتَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ البَاقِيَاتِ اخْتَارَ أَرْبَعاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ كَمَالُ العَدَدِ قَبلَ الحُرِّيَّةِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَرْبَعِ إِمَاءٍ فَأَسْلَمَتْ ثِنْتَانَ، ثُمَّ عَتَقَ فَأَسْلَمَتِ المُتَخَلِّفَتَانِ
الجزء: 8 - الصفحة: 115
يَخْتَارُ الأُوْليَيْنِ وَلاَ يَخْتَارُ المُتَخَلِّفَتَيْنِ، وَهَلْ يَخْتَارُ وَاحِدَةٌ مِنَ الأَوْلَيَيْنِ وَوَاحِدَةٌ مِنَ الأخْرَيَيْنِ؟ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ الأُخْرَيَيْنِ أَيْضاً إنْ شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العبْدُ الكافرُ، إذا أسلم، وتحْتَه أكثر من امرأتين، وأسلمن معه، أو بعده في العدَّة، إن كان قد دَخَلَ بِهِنَّ يَخْتَارُ اثنتين منهنَّ، سواءٌ كُنَّ حرائر، أو إماءً، وإن كُنَّ حرائرَ وإماءً، فإن شاء، اختار حُرَّتَيْن، وإنْ شاء، أَمَتَيْنِ، وإن شاء، حُرَّةً وأمَةً، ولو سَبَقْنَ إلى الإِسْلام.
ثم أسلم قبل انقضاء عِدَّتِهِنَّ، فكذلك الحكْمُ، ولو طرأ العِتْقُ عليه، وكان قد تزوَّج في الشِّرْك بعدد من النِّسْوة، فيُنْظر؛ إن عتق بعْد اجتماع الإِسلامين، لم يختر إلاَّ اثنتين، ولم يُؤَثِّرِ الْعِتْقُ في اختياره، زيادةً، وإن عَتَقَ قبل اجتَماعَ الإِسلامين؛ بأن عَتَقَ قبل إسلامه وإسلامِهِنَّ، أو بين إسلامه وإسلامِهِنَّ، تقدَّم إسلامه أم تأَخَّر، فحكمه حكْمُ الأَحرار، وللزَّوْجَاتِ أحوالٌ ثلاث:
الحالة الأولى: أن يتمحض حرائر، فيختار أربعاً منْهُنَّ، ولو أسلمتْ منهن ثنتانِ معه ثم عَتَقَ، ثم أَسْلَمَتِ الْبَاقِيَاتُ، فليس له إلا اختيار ثنتين؛ إما الأُوِليين أو ثِنْتَيْنِ من الباقيات، أو واحدةً من الأوليين، وواحدةً من الباقِيَاتِ، وإن أسلمتْ معه واحدةٌ، ثم عَتَقَ، ثم أسْلَمَ الباقياتُ، فله اختيارُ أربعٍ مِنْهُنْ، والفرقُ: أَنَّه إذا لم يُعْلِمْ معه إلاَّ واحدةٌ لم يكمل عدد العبيد، وإذا أسلمتُ اثنتان، ثم عَتَقَ، كَمْلَ عدد العبيد قَبْل العِتْق فحدوث الحرية من بعْد لا تفيد زيادةً عليه، وشبَّهوا الصورتَيْنِ بما إذا أطلَّق العبْدُ امرأة طلقَتَيْنِ، ثم عَتَقَ لم يملكْ بالعِتْق طلقةً ثالثةً، ولم يَجُزْ لَهُ نِكَاحُهَا إلاَّ بِمْحَلِّلٍ، ولو طلقها طَلْقَةً، ثم عَتَقَ، ونكحها، أو راجَعَها، ملَكَ طلقتين، وبما إذا عتقتِ الأمةُ في القرءين تُكْمِلُ ثلاثة أقراء، وإن عتَقت بعْد تمامها، لم يلزمْها شيْءٌ آخرُ، وبما إذا كانَتْ تحته حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، يقسم للحرَّةِ لِيلَتَيْنِ، وللأمة ليلَةً، ثم عَتَقَتِ الأمةُ، إن عتقت بعْد تمام ليلتها، لم تستحقْ زيادةً، وإن عَتَقَتْ قبل تمامِهَا، كمَّل لها ليلَتَيْنِ.
وذكر الأصحاب عِبَارَةً جامعةً لهذه المسائِلِ، فقالوا: الرِّقُّ والحُرِّيَّةُ، إذ تبدَّل أحدهما بالآخر، فإنْ بَقِيَ من العدَدِ المعلَّق بكل واحد من الزائِلِ والطَّارئ شيْءٌ، أثَّر الطارئُ، وكان الثابتُ العددَ المعلَّقَ به زائداً كان أو ناقصاً، وإن لم يَبْقَ شَيْءٌ منهما جميعاً، لم يؤثِّر الطارئُ، ولم يغيِّر حكماً، فإذا أسْلَم معه حُرَّتَانِ، ثم عَتَقَ، لم يبْقَ من العدَدِ المعلَّق بالزائدِ شيْءٌ، وبقي العدَدُ المعلَّق بالطارئ اثنتان، فلم يَثْبُتِ العددُ المعلَّق بالطارئ، وإذا أسلَمَتْ معه واحدةٌ، بَقِيَ من العدد المعلَّق بالزَّائِلَ شيْءٌ ومن العدد المعلَّق بالطارئ شيْءٌ، فأثَّر العتْقُ، وثبَتَ حكْمُه، وعلَى هذا قياسُ باقي المسائِلِ، وعلَى هذا الأصْلِ؛ قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: لو طلَّق الذِّمِّيُّ زَوْجَتَة طلْقَتَيْنِ، ثم الْتَحَقَ بدارِ
الجزء: 8 - الصفحة: 116
الحَرْب ناقضاً للْعَهْد، فسُبِيَ واسْتُرِقَّ، ونكح تلْكَ المرأة بإذْن مالكه، يَمْلِكُ عليها طلْقةً؛ لأنه بَقِيَ من عدد الزائل شيْءٌ، ولم يبْقَ من العدد الطارئ شيْءٌ، فلم يؤثِّرِ الطارئُ، ولو كانَ قَدْ طلَّقها طلقةً، فإذا نَكَحَهَا، لا يَمْلك عليها إلا طلْقةً؛ لأنه قد بقي من العددِ الزائلِ طلْقَتَانِ، ومن العدَدِ الطارئ طلقةٌ، فكان للثابت حكمُ الطَّارئ، وهو الرِّقُّ هاهنا، وهذه الصورةُ مع صورة حدُوثِ العِتْق بعْد تطليق العَبْد طلقةً أو طلقتيْن مذكورتان في الكتاب في كتاب "الطلاق"، واعْرِفْ بعد هَذَا شيئَيْنِ:
أحدهما: أنَّ القاضِيَ ابْنَ كَجٍّ ذَكَرَ أن أبا الحُسَيْن، حَكَى وَجْهاً؛ أنَّه إذا أسلَمَتْ معه واحدةٌ، ثم عَتَقَ، ثم أسْلَمَتِ الباقياتُ لا يختار إلا اثنتين، كما لو أسلَمَتْ معه اثنتان، وفي شَرْحِ الشَّيْخِ أبي عليٍّ حكايةُ وجهٍ في صُورَةِ ابنِ الْحَدَّادِ؛ أنه إذا طلَّق طلقتين، ثم سبق واسترق لم يكن له أن ينكحها إلاَّ بمحلِّل، وَهُمَا غَرِيبَانِ.
الثَّانِي: قال الإِمام -رَحِمَهُ الله-: المسائلُ المستَشْهَدُ بها قَدْ تنفصل في نظَرِ الفقيه عن هذه الْمَسْألَةِ، وذَلك؛ لأن العبد إذا طلَّق طلقتين، وقع الحكمُ بالتحريم المحْوِج إلى المحُلِّل، فحصولُ العتق بعْده لا يؤثِّر في رفْعِهِ فإذا مضَى قرءان، وقع الحكْمُ ببراءة الأمة، وبحلِّها للأزواج، وكذا في باقي النَّظَائِرِ، وههنا لا يَصِيرُ مستوفياً لحقِّه بإسلام اثنتين معه، وإنَّما يصير مُتَمَكِّناً من الاستيفاء، والتمكن من الشيء، لا يحلُّ محلَّ الشيء لكن المنقولُ ما تقدَّم.
الحالةُ الثَّانيةُ: أن يتمحَّضْنَ إماءً، فإنْ كُنَّ قد عَتَقْنَ عنْد اجتماع الإِسْلامين، اختار مِنْهُنَّ أَرْبَعاً، وإلاَّ، فَلاَ يَخْتَارُ إِلاَّ وَاحِدَةً بِشَرْطِ الإعْسَار وخوْفِ الْعَنَتِ، ولو كان تحْتَه أربعُ إماءٍ، فأسلمَتْ معه اثنتانِ، ثم عَتَق، ثم أسلمتِ المتخلِّفتان، لم يكن له إلاَّ اختيار اثنتين؛ لأنه وجد كمال عدد العَبِيد قَبْل العتق، ويجُوزُ اخْتِيَار الأُوليين؛ لأنَّه كانَ رقيقاً عنْدَ اجتماع إسْلامه وإسْلاَمِهِما، ولا يَجُوزُ اخْتِيَارُ المتخلِّفتَيْن؛ لأنه كان حُرّاً عنْد إسْلاَمِهِما، ولا يجُوز للحُرِّ إمساكُ الأمة، وفي حكْم نكاحِهِ حرَّةٌ، وَهَلْ يختار واحدةً من الأُوَلييْنِ وواحدةً من الأُخريين؟.
حَكَى الْفُورَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْن:
أصحهما: المنع، وعن القاضي حُسَيْن؛ أنَّه يجوز اختيارُ الأخريين أيضاً؛ لأنَّهُما اجتمعتا معَهُ في الإِسْلام قَبْل انقضاءِ العدَّة، فأشبهتِ الأوليين، ولو أن المتخلِّفتين عَتَقَتَا بعْد عتقه، ثم أسْلَمَتا، فله اختيار الأخريين، وله اختيارُ واحدةٍ من الأوليين وواحدةٍ من الأخريين؛ لأنهما، والحالةُ هذه، حرَّتانِ عند اجتماع إسْلامه وإسْلاَمِهِما، فصار كما لو كانَتْ تحته أربعُ حرائر، وأسلمتْ معه اثنتانِ، ثم عَتَق، ثم أسلَمَتِ الأُخريان، يختارُ اثنتَيْنِ، كيف شاء، ولو أسلمتْ معَه واحدةٌ من الإِمَاءِ الأَرْبَعِ، ثم عَتَقَ، ثم أسلَمَتِ
الجزء: 8 - الصفحة: 117
البواقي قَالَ في "التَّتِمَّةِ" لا يختار إلاَّ واحدةً على ظاهِرِ المذْهَب، وهذا هو الجواب في "التَّهْذِيبِ" لكن قياس الأصْلِ الذي سبق أن يجُوزَ له اختيارُ اثنتين؛ لأنه لَمْ يَسْتَوْفِ عدد العبِيدِ قبل العتق.
وإذا قلْنا: إنه لا يختار إلاَّ واحدةً، فيتعيَّن الذي سبَقَ إسلامها.
كذا ذَكَرَ صَاحِبُ "التَّهذِيبِ" "والتَّتِمَّة".
قَالَ في "التَّتِمَّةِ" وعلَى طريقَةِ القاضي؛ يختار في الجُمْلة واحدةً، وعكَسَ الإمام فحكى عن القاضي أن الأُوَلى تتعيَّن، وعدها هَفْوةً منه.
وعن سائر الأصْحَاب: أنه يختار من الجُمْلة واحدةً، ولو عتَقَتِ البواقِي في صُورة إسْلام الواحدةِ معه، ثم أَسْلَمْنَ؟ قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ": له إمساكُ الكلِّ؛ لأنَّه لم يستَوْفِ عدد الرِّقِّ قبل العتق، فله إمساك الأُولَى؛ لأنه كَانَ رَقِيقاً عند اجتماعِ إِسْلاَمِهِ وإِسْلامِهِنَّ، والبواقي كُنَّ حرائِرَ عند اجْتماعِ إسْلاَمِهِ وإسْلاَمِهِنَّ، فله إمساكُهُنَّ؛ لأنَّ إدخالَ الحَرَائِرَ عَلَى الإِماء جائز.
الحالة الثالثة: إذا كُنَّ حَرَائرَ وإماءً، فيندفع نكاح الإِماء، ويختار من الحَرَائر أربعاً، إن زدْنَ على أربعٍ، وإلاَّ، فَيُمْسِكُهنَّ، ولو كان قد نَكَحَ حُرَّتَين [وأمتين] 435 وأسلَمَتْ معه حُرَّة [وأمة] 436 ثم عَتَق، ثم أسلَمَتِ المتخلِّفتان، فلا يختارُ إلاَّ اثْنتَيْنِ؛ لاستيفاء العدَدِ قبل العتق، وله اختيار الحرَّتَيْنِ، واختيار الأمة الأولَى مع حرَّة، وليس له اختيارُ الثانية معَ حُرَّة؛ لأنَّه كان رَقِيقاً عند اجتماع إسلامه وإسلام الأولى وحراً عند اجتماع إسلامه وإسلام الثانية، ولا يجوز له اختيارُ الأمة، وفي حُكمِ نكاحِهِ حرةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْفَصْلُ الثَّالِث في الاخْتِيَارِ) وَلَهُ طَرَفَانِ: (أَحَدُهُمَا: أَلْفَاظُهُ) وَلاَ يَخْفَى صَرِيحُهُ، وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً تَعَيَّنَتُ للِنِّكَاحِ، وَلَوْ ظَاهَرَ أَوْ آلَى لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَلَوْ قَالَ: فَسَخْتُ نِكاحَهَا وَفُسِّر بِالطَّلاَقِ تَعَيَّنِ للِنِّكَاحِ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى تَعْيينَها لِلْفِرَاقِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَقَدِ اخْتَرْتُكِ لِلنِّكَاحِ أَوْ لِلِفِرَاقِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، فَلَوْ قَالَ: فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ وَحَصَلَ الاخْتِيَارُ ضِمْناً، وَالوَطْءُ هَلْ يَكُونُ كَتَعْيينِ النِّكَاحِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: حَصَرْتُ الْمُخْتَارَاتِ في سِتَّةٍ مِنَ الجَمَاعَةِ انْحَصَرَتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَقَد الفصل؛ لبيان ألفاظ الاختيار وأحْكَامِهِ.
أما الألفاظ، فمثل أن يقول: اخْتَرْتُ نِكَاحَكِ، أو تقريرَ نكاحِكِ، أو حَبْسَكِ، أو
الجزء: 8 - الصفحة: 118
عَقْدَكِ، أو اخترتُكِ، أو أمسكْتُ نكاحَكِ، أو [أمْسَكْتُكِ] 437 أو ثَبَتَ نكاحُكِ، أو ثَبَّتُّكِ، أو حَبَسْتُكِ على النِّكَاح، وإيراد الأئمة يُشْعر بأنَّ جميع ذلك صريحٌ، لكنَّ الأقرب أن يُجْعَلَ قوله: اختَرْتُكِ، وأَمسَكْتُكِ من غير تعرُّض للنكاح كِنَايَةٌ 438، وإذا كان تحته ثَمَانِ نِسْوَةٍ مثلاً، وأسلمن معه، فاختار أَرْبَعاً منْهنَّ للفسخ، وهو يريدُ حلَّه بلا طلاقٍ، لزم نكاح الأربع البواقي، وإن لم يتلفَّظْ في حَقِّهِنَّ بشيءٍ ولوْ قَالَ لأربعٍ: أريدُكُنَّ، أو لأربعٍ: لا أريدُكُنَّ، قَالَ في "التَّتِمَّةِ": يحصُلُ التعْيينُ بذلك، وقياسُ ما سبَقَ حصُولُ التعْيين بمجرَّد قوله: أريدُكُنَّ 439، ثم فيه صورٌ:
الأولَى: إذا طلَّق واحدةً أو أربعاً مِنْهُنَّ، كان ذلك تَعْييناً للنكاح؛ لأن المنكوحة هي الَّتي تخاطَبُ بالطَّلاَق، ويقع عليها الطَّلاق، وينقطعِ نكاحُ الأرْبَعِ المطلَّقات بالطَّلاق، ويندفع نكاحُ الباقياتِ [بالفسخ] بالشَّرْع، ولو طلَّق أرْبعاً لا على التَّعْيينِ، أُمِرَ بالتعيين، وإذا عيَّن، فالحكم ما ذَكرْنا، هذا هو المشهور.
وفي "التَّتِمَّةِ" وَجْهٌ آخَرُ: أنَّ الطلاق ليْسَ تَعْييناً للنِّكاح؛ لأنه روى في قصة فيروز الدَّيْلَمِيِّ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ: "طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" 440 ولو كان الطَّلاقُ تعييناً للنكاحِ، لَكَانَ ذلك تَفْوِيتاً لنكاحهما علَيْه.
ولو ظَاهَر آلَى من واحدةٍ أو عَدَدٍ، فوجهان:
أحدُهما: أَنَّ ذلك تعيينٌ للنكاح؛ لأنهما تصرُّفان مخْصُوصان بالنكاح كالطَّلاَق.
وأصحُّهما: وهو المذْكُور في الكتاب: المَنْع؛ لأن الظِّهَارَ وَصْفُ، بالتحريم، والإِيلاء حلف على الامتناع من الوطْءِ وكُلُّ واحدٍ من المعنَيَيْنِ بالأجنبية ألْيَقُ منه بالمنْكُوحة، وعلى هَذَا، فَإِنِ اخْتَارَ التي ظاهَرَ منْها أو آلَى للنكاح، صَحَّ الظِّهارُ والإِيلاَءُ، وَيكُونُ ابتداءُ مدَّة الإِيلاَءِ من وقْتِ الاختيار، وحينئذٍ، يصيرُ عائداً، إن لَمْ يفارقها.
ولو قذَفَ واحدةً منهنَّ، فعلَيْه الحدُّ، إن كانتْ محْصَنَةً، ولا يسقط إلا بالبينة، إن اختار غَيْرَ الْمَقْذُوفَةِ، وإنِ اختارها، سَقَطَ بِالْبَيِّنَةِ وباللِّعَان.
الثانية: لو قال: فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذه، أَوْ نِكَاحَ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ، وَأَرَادَ الطَّلاَقَ، فهو
الجزء: 8 - الصفحة: 119
اختيارٌ للنكاح، وإنْ أَرَادَ الفراق، أو أطْلَقَ حُمِلَ على الاختِيار للفراق، وأُلْحِق بما إذا قال: فسَخْتُ نكاحَ هذا قوله "اخترت هذه للفسخ".
وقوله: "هذه للفسخ" من غير لفظ الاختيار، ولو قال لواحدة: "فارقتك" 441 فَعَنِ القاضي أَبِي الطَّيِّب أنَّهُ كقوله "طلقتك"؛ لأن الْفِرَاقَ صَرِيحٌ في الطَّلاَقِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يكون فَسْخَاً، كما لو قال: اخترتُ فراقَهَا أو لا أريدُهَا وهذا أظهر عند صاحب "الشَّامِلِ" والْمُتَوَلِّي وغيرهما، واحتجوا له بما رُوِيَ أَنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِغَيْلاَنَ "اخْتَرْ أَرْبَعاً وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ".
فَرْعٌ: لو اختار الجميعَ للنِّكاح، فهو لغْوٌ؛ لامتناع الجمع بَيْن الزيادَةِ عَلَى أربع، ولو اختار فَسْخَ نكاح الجَمِيعِ، فكذلك؛ لأنَّ النكَاحَ مقرَّرٌ في أربع لا سبيل إِلَى فسخه، مندفعٌ في البواقي، وإنما الذي إليه التَّعْيين، ولو خاطَبَ الجميعَ بالطَّلاق، وقَع الطَّلاق على الارْبَع المنكوحاتِ، وتبْقَى الحاجَةُ إلى التَّعْيين.
الثالثة: إذا قال إن دخلْتِ الدَّارَ، فقد اخترتُكِ للنكاح أو الفَسْخِ، لم يَصِحَّ؛ لأن تعليق الاختيار لا يجوز؛ لأنَّه، إن نُزِّلَ منزلة الابتداء، كان تعليقه كتعَليق النكاح، وإن نزل منزلة الاستدامة، فإن تعليقه كتَعْلِيقِ الرَّجْعَةِ، وأيضاً، فإنه مأمور بالتَّعْيين، والاختيار المعلَّق ليس بتعيين.
وحكَى أَبُو الْفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ وَجْهاً أن تَعْليقَ الاختيار للفَسْخ يجوز تَشْبِيهاً بالطَّلاَقِ، فإنَّ كلَّ واحدةٍ منهما سببُ الفراق، والظاهر الأول، ولو قال: إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فَأنْتِ طَالِقٌ، فقد ذُكِرَ وجهٌ: أنه لا يجوز؛ لأن الطلاق اختيارٌ للنكاح، وتعليق الاختيار ممتنعٌ، والصحيحُ جوازُه، تغليباً، لحكم الطلاق، والاختيار يحصل ضمناً، وقد يُحْتَمَل في العقود الضمنية ما لا يُحْتَمَل عند الانفراد والاستقلال، وهذَا كما أن تعليق الإِبْرَاء لا يجوز، ولو علَّق عتق المكاتب، يجوز، وإن كان ذلك مُتَضَمِّناً للإبراء، وكما أن تعْلِيقَ التمليك لا يجوز، ولو قَالَ: اعْتِقْ عبدك، إذا جاء الغدُ على كذا، ففعل، صحَّ، وإن كان ذلك متضمناً للتمليك، ولو قال: إنْ دخلْتِ الدَّارَ، فنكاحُكِ مَفْسُوخٌ، إن أراد الطلاق، نفَذَ، وإلا، ونظيرُ هذه الصورة ما إذا أسلم الزَّوْجُ، وهنَّ متخلِّفاتٌ، فقال: كلَّما أسلمتْ واحدةٌ مِنْكُنَّ، فقد اخترتها للنِّكَاحِ، لَمْ يَصِحَّ، ولو قال: فقد طلَّقْتها، يجُوزُ على الأَصح، ولو قال: فقد فسخْتُ نكاحَهَا، فإن أراد حلَّه بلا طلاق لم يجُزْ؛ لأنَّ تعليق الفسخ لا يجوز، وأيضاً، فإنَّ التعْيينَ للفَسْخُ، قبل استيفاء العدَدِ الجائزِ غيرُ جائز، وإن أراد الطلاقَ، جاز، وإذا أسلمتْ واحدةٌ طُلِّقت، وحصل
الجزء: 8 - الصفحة: 120
اختيارها ضِمْناً، وهكذا إلَى تمام الأرْبَع، ويندفع نكاح الباقيات.
وحكى الإِمَامُ وَجْهاً آخَرَ؛ أن تفسير الفسخ بالطلاق غيرُ جائز 442.
الرابعة: الوطْء، هل يكون اختيارًا للموطوءة؟.
حَكَى الشَّيخُ أبُو عَلِيٍّ فيه طريقين:
أظهرهما: أنه علَى وجهين كالوجهين أو القولين فيما إذا طلَّق إحدَى زوجتَيْهِ، علَى الإِبْهَامِ، ثم وَطِئَ إحداهما، هل يكون ذلِكَ تعييناً للنِّكاح فيها، وللطلاقِ في الأخْرَى.
والثاني: القطع أنَّه لا يكونُ اختياراً؛ لأنَّ الاختيارَ في "باب نكاح المُشْرِكات" حكمُهُ حُكْمُ الابتداء، ولا يصحُّ ابتداءُ النكاح إلاَّ بالقول، بل إمساكه واستدامته لا تحصل إلا القَوْلِ؛ ألا تَرَى أن الوطْء لا تحصل به الرجعة، والظاهر أنَّه ليس باختيارٍ، وإنْ أثبت الخلاف، ولو وَطِئَ الجميع، وجعلْنا الوطْءَ اخْتِياراً، كَانَ مُخْتاراً للأُوَلَيَاتِ، وعليه المهْرُ للأُخْرِيَاتِ، وإن لم نجعلْه اخْتياراً، اختار منْهُنَّ أَرْبَعاً، ويغرم المهر للباقيات.
الخامسة: إذا قال: حصَرْتُ المختاراتِ في هؤلاءِ السِّتِّ أو الخمْسِ انْحَصَرْنَ وهذا، وإن لم يكنْ تعييناً تامّاً، لكنه يُقيدُ ضَرْباً من التَّعْيين، ويزول به بعْضُ الإبهام، وَينْدَفِع نكاحُ الباقيات، وهذا كما أنه لو أبْهَم الطَّلاق بَيْن أَرْبَعِ نِسْوة، ثم قال: الَّتي أردتُّهَا بالطلاق إحدَى هاتين، يعتبر هذا القوْلُ، وتتعيَّن به الأخريات للزوجيَّة، والمواضع التي تستحِقُّ العلامة بالواو من الفَصْل لا تخفى على المتأَمِّل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ وَتَخَلَّفَ أَرْبَعٌ فَعَيَّنَ الأَولَيَاتِ للِنِّكَاحِ صَحَّ، وَلِلْفَسْخِ لاَ يَصِحُّ إِذَا كَانَتِ المُتَخَلِّفَاتُ وَثَنِيَّاتٍ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مَوْقُوفاً، وَلَوْ عَيَّنَ المُتَخَلِّفَاتِ لِلفَسْخِ يَصِحُّ، وَللنِّكَاحِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِ، وَلَوْ أَسْلَمَتِ الثَّمَانِيَةُ عَلَى تَرَادُفٍ وَهُوَ يُخَاطِبُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِالْفَسْخِ عِنْدَ إِسْلاَمِهَا تَعَيَّنِ للِفَسْخِ الأَرْبَعُ المُتَأَخِّرَاتُ، وَعَلَى وَجْهِ الوَقْفِ يَتَعيَّنُ الأَرْبَعُ المُتَقَدِّمَاتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا أسْلَمَ، وتحته ثمانِ نسوةٍ وثنيات، وأسلَمَتْ معه أربعٌ منهن، وتخلَّفَت الباقيات، فعيَّن الأوليات للِنّكاح، صحَّ التعْيين، والمتخلِّفات إنْ أصرَرْنَ، اندفعنْ مَنْ وقت إسلامه، وإن أسْلَمْنَ في العدَّة، فلَفْظُ صاحِب "التَّهْذِيب" أن الفُرْقَة تقَعُ بيْنَه وبيْنَهُن بالاختيار الأُولَيَات، وقال الإِمام: يتبيَّن أيضاً اندفاعُ نكَاحِهِنَّ باختلاف
الجزء: 8 - الصفحة: 121
الدِّين؛ لكن يتبيَّن تعيينُهنَّ من وقْت تعْيينِهِ للأوائل، وهذَا هو الموافِقُ لأُصُولِ الباب، وإن طلَّق الأولَيَاتِ، صَحَّ، وتضمَّن اختيارهن، وينقطع نكاحُهُنَّ بالطَّلاق، ونكاح الأخْرَيَات، [بالفسخ] 443 بالشَّرْعِ، وإنْ قال: فسختُ نكاحَهُن، فإن قال أردتُّ به الطلاق، فكذلك، وإن أراد به حلاً بلا طلاق، فهو لَغْوٌ؛ لأن الحِلَّ هكذا إنَّمَا يجُوزُ فيما زَادَ على الأربع، وعدد المسلمات لم يَزدْ على أربع فإنْ لم يُسْلِم المتخلِّفاتُ، تعيَّنت الأوليات، وإنْ أسلَمْنَ، أختار من الكُلِّ، أَرْبَعاً، وللمُسْلِمات أنْ يَدَّعين؛ أنك أردت الطلاق وبِنَّا منك ويحلِّفْنَهُ، وللمتخلِّفات أيضاً أن تدَّعين إرادةَ الطَّلاق [وبينَونتهنَ] 444 بالَفسخ بالشَّرْع، ويحلفنه وفيه وجه أنَّ الفسْخَ لا يلغو، ولكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وإن أَصْرَرْنَ على الكُفْر إلى انقضاء العدَّة، لَغَا وَإِنْ أسلَمْنَ في العدَّة، تبيَّن نفوذ الفسْخ في الأُولَيَات، وتعيَّنت الأُخْرَيَاتُ للنكاح، وهذا مأخوذٌ من الخلاف في وقْفِ العُقُود، ولو عيَّن المتخلِّفات للفَسْخ، صحَّ، وعُيِّنت الأوليَاتُ للزوجيَّة، وإن عيَّنهن للنكاح، لم يَصِحَّ لأنهنَّ وثنياتٌ، وقدْ لا يُسْلِمْن، وعلى وجْه الوَقْف؛ ينعقد الاختيارُ موقوفاً، فإن أسلمن، بانت صحته، ولو أسلم، وتحْته ثمانِ وثنياتٍ، فتخلَّفْنَ، ثم أسلمن على تعاقبٍ في عُدَدِهِنَّ، وهو يقول: لكلِّ واحدةٍ تُسْلِمُ: فسخَتُ نكاحَكِ، فإنْ أرادَ الطَّلاقَ، صار مختاراً لِلأُوَليَاتِ، وإن أراد حِلاًّ بلا طلاق، فَهُوَ علَى ظاهِرِ المَذْهَب لغوٌ في الأربع الأوائل، نافذٌ في الأربع الأواخر؛ لأن فسْخَ نكاحِهِنَّ وقَعَ وراء العدد الكامل، فنفذ، وعلَى وجه الْوَقْفِ، إذا أسلَمَتِ الأواخر يَبيَّنَ نفوذ الفسْخِ في حقِّ الأوائل، ولو أسلمَتْ معه من الثمان خَمْسٌ، فقال: فسخْتُ نكاحَهُنَّ، فإن أراد الطَّلاَقَ، صَارَ مُخْتَاراً لأربع مِنْهُنَّ، وَبِنَّ بالطلاق، فعليه التعْيين وإن أراد حلَّه بلا طلاق، انْفَسَخَ نكاحُ واحدةٍ لا يعينها، فإذا أسلمتِ المتخلِّفات في العدَّة، يختار من الجميع أرْبَعاً، ولو قال: فسخْتُ نكاحَ واحدةٍ منكن، وإن أراد الطلاق، صَارَ مَخْتَاراً لواحدةٍ لا يعينها، فَيُعَيِّنُها، ويختارُ للنِّكاح من الباقيات ثلاثاً، وإنْ أراد حِلَّهُ بلا طلاقٍ، يُعَيِّنُهَا، ويختار من الباقيات أربعاً، وإن فسخ نكاح اثنتين منهن لا على التَّعْيين، وأراد حلَّة بلا طلاق، انْفسَخَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ، فَيُعَيِّنها، ويختار ممَّنْ عداها أَرْبعاً وإنْ عين اثنتين منْهن، انفسخ نكاحُ واحدةٍ منهما، [فيُعيِّنها]، وله اختيارُ الأخْرَى مع ثلاث أخَرَ، ولو اختار الْخَمْسَ جميعاً، تعيَّنت المنوحاتُ فيهن فيختارُ منهن أَرْبعاً.
وقوله في الكتاب "والفسخ لا يصح إذَا كَانَتِ المتخلِّفاتُ وثنياتِ" يعني أَنَّهُنَّ قَدْ لاَ يُسْلِمْن في العِدَّةِ، فلا يصلُحْنَ لنكاحه بخلاف ما إذا كانتِ المتخلِّفاتُ كتابيابٍ، وفي بعض النَّسْخِ إلاَّ إذا كانت المتخلِّفات غيْرَ وثنياتٍ، والمعنى واحدةٌ قال: الطرف الثاني
الجزء: 8 - الصفحة: 122
في وجُوبِ الاختيار، وإذا أسلم الرجُلُ على ثمانِ نسوة، مثلاً وأسلمن معه تعين عليه الاختيار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ التَّعْيينِ حُبِسَ، فَإِنْ أَصَرَّ عُزِّرَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيينِ اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِأَقْصَى الأَجَلَيْنِ وَوُقِفَ رُبُعُ الْمِيرَاثِ أَوِ الثُّمُنُ لَهُنَّ إلَى أَنْ يَصْطَلِحْنَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ بِالسَّويَّةِ لاسْتِوَائِهِنَّ وَحُصُولِ اليَأْسِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْتَبَسَ عَلَيْنَا فَإِنَّ الوَاحِدَةَ في عِلْمِ اللهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْفِرَاقِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ لاَ يُوقَفُ شَيْءٌ، مِنَ الْمِيرَاثِ لَهُنَّ لأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتِ المُفَارَقَاتُ المُسْلِمَاتِ فَلاَ يَتَعَيَّنُ حَقّ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ وَمُسْلِمَةٌ فَقَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَمَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنُ لَمْ يُوقَفْ لَهُمَا مِيرَاث للِشَّكِّ في الأَصْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه اللفظة أَعْنِي قولَنا الطرف الثاني في جوب الاختيار ألحق بالكتاب؛ لأنه قال في أول الفصْلِ وفيه طرفان، ثم لم يَنُصَّ على الطَّرف الثاني، وإن أتَى بمسائله، والفقه: أنَّ مَنْ أَسْلَمَ على أكثرَ من أربعِ نسوةٍ، وأسلمن معه، أو بعده في العدَّة، أو أصرَرْنَ، وهُنَّ كتابياتٌ، تقع الفرقة بينه وبين الزيادة على الأربع بالإِسلام، وعليه الاختيار والتعيين، فإن امتنع حبس، وإن أصر، ولم يُغْنِ الحبس، غُرَّرَ بَمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنَ الضَّرْبِ وغيره.
وَحَكَى أَبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيُّ عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ لا يُضَمُّ الضَّرْبِ إلى الحَبْسِ، ولكنْ يشدَّد عليه الحَبْسُ، فَإِنْ أَصَرَّ عُزِّرَ ثانياً وثالثاً إلَى أن يختار، فإنْ جُنّ أو أُغْمِيَ عليه في الحَبْس، خُلِّيَ إلَى أن يفيق، ولا يختار الحاكِمُ على الممتنع بخلاف المُوْلِى، إذا امْتَنَعَ من الطلاق، والفيئة حيث يطلق القاضي عليه على الصحيح؛ لأن هذا اختيارُ شهوة، ولا يَدْرِي القاضي أنَّه إلى أيتهن أميل؛ ولذلك لا يَجُوزُ التوكيلُ فيه، ولو مَاتَ قبل الاختيار لا يقوم وارثُهُ مَقَامَه، وأيضاً، فإن حَقَّ الفراقِ لاَ يَثبُتُ لمعيَّنه، وهُنَاكَ، يثبت الحقّ لمعيَّنة فينُوبُ القاضي عنه في توفيته.
قَالَ الإِمَامُ: وإذَا حبس، فلا يعزَّر على الفَوْر، فلعلَّ له، في التَّعْيينِ فِكْراً، وأقْرَبُ مُعْتَبَر فيه مدَّةُ الاستتابة، واعتبر القَاضِي الرُّوَيانِيُّ في "الإمْهَالِ" الاستنظار، فَقَالَ ولو استنظر، أنظره الحاكِمُ إِلَى ثلاثةِ أيَّامٍ، ولا يَزِيدُ ويجبُ عليه نفقتُهُنَّ جميعاً إلى أن يختار؛ لأنَّهنَّ في حبسه وخيالته، ثم في الفصل مسألتان:
المسألة الأولى: إذا ماتَ قَبْلَ التَّعْيينِ، فإن لم يكنْ قَدْ دخل بِهِنَّ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ أن تعتدَّ بأربعة أَشْهُرٍ وعَشْر؛ لأن كلَّ واحدةٍ تحتملُ أن تكونَ زوجةً، وإنْ كان قدْ دخَلَ بِهِنَّ، فمَنْ هي حاملٌ منْهن، فعدَّتها بوضع الحمل، والتي هي حائلٌ، ينُظْرَ فيها، إن
الجزء: 8 - الصفحة: 123
كانتْ من فوات الأشهر، فتعتدُّ بأربعة أشهر وعشر، وإن كانتْ من فوات الأقراء، فعليها أن تعتدَّ بأقصى الأجلَيْنِ من أربعة أشهر وعشرٍ أو ثلاثةِ أقراءٍ، فإن رأتِ الأقراءَ قبل تمام هذه المدَّةِ، أكملت المدَّة، وإن مضت المدة قبل تمام الأقراء، فتصير إلى انقضاء العدة بالأقراء، وذلك؛ لأن كلَّ واحدة تحتملُ أنْ تكونَ زوْجَةً، فعلَيها عدَّةُ الوفاة، ويحتمل أن تكونَ مفارقةً في حال الحياة، فعَليْها أن تعتدَّ بالأقراء والأشهُرُ تعتبر من وقت المَوْت، وفي الأقراء وجْهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنَّهَا تعْتَبَرُ من وقْتِ المَوت أيضاً؛ لأنَّها لاَ تتيقَّن قبل ذلك [شروعها] 445 في العِدَّة.
وأصحهما: الاعتبارُ مِنْ وقْت إسْلاَمِهِما، إن أسلما معا، ومنْ وقْتِ إسلامِ مَنْ سَبَق إسلامه، إن أسلما على التعاقُبِ؛ لأن الأقراءَ إنَّما تجب لاحتمال أنَّها مفارقةً منفسخة النكاح، والانفساخُ يَحْصُلُ من يومئذٍ.
المسألة الثانية: إذا مَاتَ قَبْلَ التعيين، وقَفَ لَهُنَّ رُبُعَ الْمِيرَاثِ أو الثُّمُنَ عائلاً، أو غَيْرَ عَائل، على ما يقتضيه الحالُ إِلَى أن يصطلِحْنَ، فيقسم بينهن على حسب اصْطِلاَحهنَّ من التساوِي أو التَّفَاضُل، وفي "النَّهَايَةِ" أنَّ صاحب "التَّقْرِيبِ" حَكَى عَن ابْنِ سُرَيجٍ أن الرُّبُع أو الثمُنَ يوزَّع بينهن؛ لأن البَيَانَ غيْرُ متوقع، وهنَّ جَميعاً معترفاتٌ بشمولِ الإِشْكَال، وبأنه لا مَزِيَّة لبعضْهِنَّ على بعض، ولَيْسَ هذا كما إذا قال لإحدى زوجَتَيْهِ إنْ كان هذا الطَّائِرُ غُرَاباً، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وقال للأخرَى إن لم يكن غراباً فأنت طالق، وأشكل الحال، فإن هناك الالتباس علينا، واللهُ تَعَالَى يَعْلُمُ حَالَ الغُرَابِ، ويعلم الطَّالِقَ مِنْهُمَا، وهاهنا لا يمكن أن يقال إنه يعلم المختارات مع أنه لم يوجد منه اختيار، نعم يعلم أنه من كان يختار لو اختار، وإلى هذا الوجْهِ مَيْلُ الإمام، والمشّهُورُ الأول، وإنْ كان تَحْتَه ثمانِ نسوةٍ مثلاً، وَفِيْهِنَّ صَغِيرَةٌ، أو مَجْنُونَةٌ، صَالَحَ الولِيُّ عنها، ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لا يصالِحُ على ما دُونَ رُبُعِ الموقوف؛ لاحتمال أَنَّها زَوْجَةٌ.
وأصحهما: أنه يجوز أن يَنْقُصُ عن الربع؛ لأنا لا نَتيقَّنَ لَهَا حَقَّاً، لكنَّها صاحبةُ يدٍ في ثمن الموقوف، فإنه موقوف بين ثَمَانٍ، فلا يجوز أن ينقص عن الثمن؛ وهذا إذا اصْطَلَحْنَ جميعاً، وَلَوْ طَلَبَ بعضهن شيئاً، ولم يصْطَلِحْنَ جميعاً، فلا يدفع شيئاً إلى الطَّالِب إلاَّ [باليقين] 446، ففي ثمانِ نِسْوَةٍ، لو طلبت واحدةٌ لا يدفع إلَيْها شيْء،
الجزء: 8 - الصفحة: 124
وكذلك، لو طلبتِ اثنتانِ أو ثَلاَث أو أربعٌ 447؛ لاحتمال أن الزَّوجات غَيْرُهن، فإن طلبت خمس، دَفَعَ إليهن رُبْعَ الموقوف؛ لعلمنا بأن فيهن زوجة، وإن طلبتْ ستٌّ، فالنصف، ولهن قِسْمَةُ ما أخذْتَهُ والتصرُّف فيه، وهل يُشترطُ في الدفع أن يبرأْنَ عن الباقي؟.
فيه وجهان عن القاضي وغيره:
أحدهما: وَقَدْ نَسَبَهُ الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ إلى النص نعم، وإنما يتجزأ شيئاً من الموقوف؛ لقَطْع الخصومة عاجلاً وآجلاً، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بالإِبْرَاء.
وأصحُّهما: لا؛ لأنا نَتيقَّن أنَّ فيهن مَنْ يستحقُّ القَدْرَ المدْفُوعَ، فكيف نكلِّفُهنَّ بدَفْع الحقِّ إلَيْهنَّ إسقاطَ حقٍّ آخر، إن كان، وإذا قلْنا بالوجه الأول، فيدفع الباقي إلَى الثلاث ويرتفع الوَقْفُ، وكأنَّهنَّ اصطَلَحْنَ على القسمة هكذا، وجميع ما ذكرناه فيما إذا عرف استحقاق الزوجات الميراث إما إذا أسلَمَ عَلَى ثَمَانِ نُسْوَةٍ كِتَابيَّاتٍ وأسلمت معه أربعٌ، أو كانتْ تحته أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ وأربع وثنيات، وأسلَمَتْ معه الوَثنياتُ، وماتَ قَبْلَ البيانِ والاختيار فَوَجْهَانِ:
أظهرهما: وهو المنصوصُ، والمذكور في الكتاب: أنه لا يوقَفُ شيء للزوجات، بل تقسم التركةُ بين سَائِرِ الورثة؛ لأن استحقاقَ الزَّوْجات للإِرْثِ غَيْرُ مَعْلُوم [لجوازِ أن تكونُ الزَّوْجَاتُ الْكِتَابِيَّاتُ.
والثَّانِي: يُوقَفُ؛ لأن اسْتِحَقَاقَ سَائِرِ الورثة قَدْرَ نصيب الزَّوْجَاتِ غَيرُ مَعْلُومٍ] والشَّكُّ في أصْل الاسْتحقاق لا يمنع الوقْفَ بدليلِ مسائلِ الحَمْل ونحوها، وهذا ما ارتضاه ابنُ الصَّبَّاغِ، وهو قريب من القياس ويجري الوجهانِ فيما إذا كان في نكاحِ الرَّجُل مسلمةٌ وكتابيةٌ، فقال: إحْداكما طالق، ومات قبل البيان، وعن صاحب "التَّقْرِيب" تخصيصُ الخلاف بهذه الصورة، والجزم بأن لا وقف في "مسألة الكتابيات" قال الإِمام: ولا يَتَوقَّعُ الفقيهُ فرقاً بينهما.
وقوله في الكتاب "بخلاف ما إذا طلق واحدة" ليس المرادُ ما إذا أبْهَمَ، فقال: إحدى زوجاتِي طالقٌ، وإنما المراد مسألةُ الغرابِ ونَحْوِها، وقوله "لا يوقف" معلم بالواو، [وكذا قوله بعده "كم يوقف"] 448.
فَرْعٌ: مَاتَ الذِّمِّيُّ عن أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَع نِسْوَةٍ، خرَّج صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ" أن الربع أو الثمن لهن جميعاً.
وقال آخرون: لا يرثُ منهن إلا أربعٌ، فيوقَفُ بينهن إلى أن يصطَلِحْن، ويجعل
الجزء: 8 - الصفحة: 125
الترافُعُ إلينا بِمَثَابَةِ ما إذا أسلموا.
وعن القَفَّالِ: أنَّه بني الخلاف على صحة أنكحة الكفَّار، إن صحَّحْناها، ورث الكل، وإلا، لم يَرِث إلا أربعٌ.
وَلَو نَكَحْ الْمَجْوسِيُّ أُمَّهُ أو ابْنَتَهُ، ومات قال في "التَّهْذِيبِ": منهم من بني التوارُثَ على هذا الخلافِ، والمذهبُ الجَزْمُ بالمنع؛ لأنه ليس بنكاح في شيْءٍ من الأديان، ولا يُتصوَّر التقرير عليه في الإِسلام.
فرع آخر: المتعيِّنات للفراقِ، إذا أسْلَمَ عَلَى أكْثَرَ من أَرْبَع، تحسب عدَّتُهُن من وقْتِ الاختيار، أو مِنْ وقت إسْلام الزوجَيْن، إن أسلما معاً، وإسْلاَم متقدم الإِسلام منهما إنْ أسلما على التعاقب؟ فيه وجهان، قَرَّبَهُمَا في "التَّهْذِيب" مِن الوجْهَيْنِ فيَما إذا طلَّق إِحْدَى امرأَتَيْهِ، لا يُعَيِّنُهَا، ثم عيَّنها، تكونُ عدَّتُها من وقْتَ التَّعْيين، أو من وقْتِ التلَفُّظ بالطلاق.
وذُكِرَ أنَّ الأَصَحَّ الاعتبارُ منْ وقْت الاختيارِ، لكنَّ الرَّاجِحَ عنْدَ عامَّةِ الأَصْحَابِ الاعتبارُ من وقْتِ الإِسلام؛ لأنَّ سَبَبَ الفُرْقَة اختلافُ الدِّينِ، فتعتبر مدة العدَّة منه من وقْت الإِسلام، قالوَا: والاعتبارُ من وقْت الاختيارِ أُخِذَ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- فيمن نَكَحَ نكاحاً فاسداً، ووطئَ أن العدة تُحْسَب من وقْت التفْرِيقِ بيْن الزوجَيْن لا من الوطأة الأخيرة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ في النَّفَقَةِ) وَإذَا تَخَلَّفَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةِ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ عَلَى الْجَدِيدِ؛ لأَنَّهَا أَسَاءَتْ، وَلَوْ سَبَقَتْ ثُمَّ أسْلَمَ اسْتَحَقَّتْ لِمُدَّةِ التَّقَدَمُ عَلَى المَذْهَبِ؛ لأَنَّهَا أَحْسَنَتْ، وَلَوْ أَصَرَّ الزَّوجُ لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ الْعِدَّةِ لأَنَّهَا بَائِنَةٌ، وَقِيلَ: تَسْتَحِقُّ كالرَّجْعِيَّةِ لأَنَّ لِلزَّوْجِ قدْرَةً عَلَى تَقْرِيرِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عقد الفصل للكلام في النفقة عند تجدد الإِسلام، ثم خَلَطَ به طرفاً مِنَ الْكَلاَمِ في الْمَهْرِ، أما النَّفقةُ، فإن أسلم الزوجانِ مَعاً، استمرَّتِ 449 النفقةُ كما يستمر النكاح، وإن أسْلَمَا على التعاقب بعد الدخولِ، والفَرْضِ فيما إذا كانت الزوجةُ مجوسيةً أو وثنيةً، فأما أن يُسْلِمَ الزَّوجُ أو هي أولاً:
الحالة الأولى: إذا أَسْلَمَ الزَّوجُ أَوَّلاً، وتخلَّفت هي، فإن أَصَرَّتْ إلى انقضاء عدتها، فلا نفقة لها؛ لأنها نَاشِزَةٌ بالتخلف ممتنعةٌ 450 من التمكين، وإن أَسْلَمَتْ في الْعِدَّةِ، اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ من وقت الإِسْلام؛ لاستمرار النِّكَاحِ، وفي نفقة زمانِ التخلّف قولان:
الجزء: 8 - الصفحة: 126
القديم: أنَّهَا تسْتَحِقُّهَا؛ لأنها ما أحدثَتْ شيئاً والزوجُ هو الذي بَدَّلَ الدِّينَ.
وأصحُّهما: وهو الجديد 451: الْمَنْعُ؛ لأنَّها أساءَتْ بالتخلُّف والامتناع عمَّا هو فرضٌ عليها، فأشبه ما إذا سافَرَ الزوْجُ، وأراد مسافَرَتَهَا، فتخلَّفت، وعلَى هذا فلو اختلفا، فقال الزوج: أسلَمْتِ الْيَوْمَ أو منذ عشرة أيام، وقالت: بل أسلَمْتُ منذ شهر [فعلَيْكَ نفقةُ شهرٌ] 452 فالقول قول الزَّوج مع يمينه؛ لأنَّ الأصْلَ استمرارُ كُفْرِها، وبراءةُ ذمَّته عن النفقة، وكذا إذَا فرَّعنا على القدَيم، واختلفا، فقال الزَّوْج: أسَلَمْتِ بعد العدَّة، فلا نَفَقَةِ لَكِ، وقالَتْ: أسلَمْتُ في العدَّة، فالقولُ قولُه مع يمينه.
الحالة الثانية: إذا أسلمتِ الزوجَةُ أولاً، نُظِر، إن أسلم الزوْجُ قبل انقضاء مدة العدَّة، فلها النفقة لمدَّة التخلُّف، ولما بعدها؛ لأنها ادَّتْ فرضاً مضيَّقاً عليها، فلا يَسْقُطُ به النفقة، كما لو صلَّتْ وصامَتْ شهر رمضان، وَحَكَى ابنُ خيران قولاً وصاحب "الإفصاح" وغيره وجهاً أنَّه لا نفقةَ لها مدَّةِ تخلُّفه؛ لأنَّهُ استمرَّ علَى دينه، وهي الَّتي أحْدَثَتِ الْمَانِعَ مِنَ الاسْتِمْتَاع، والمذهب الأول، وإن أَصَرَّ الزوج إلَى انقضاءِ العدَّة، فهلْ تستحقُّ نفقة مدَّة العدة؟.
فيه وجهان:
أحدُهُما: المنع؛ لأنه إذاً أصرَّ الزوْجُ، تبيَّن حصول البينونةِ منْ وقْت إسلامِهَا.
والثانية: لا تستحقُّ النفقة.
والثاني: أنها تستحقُّ؛ لأنها أحْسَنَت بالإِتيانِ بما عَلَيْهَا، والزوْجُ قَادِرٌ عَلَى تَقْدِيرِ النِّكَاحِ بِأَنْ يسلم، ونزلت منزلة الرجعية.
قال في "التَّتِمَّةِ": ويخالفُ ما إذا سبَقَتْ إلى الإِسْلاَم قبل الدخول، حيث يسقُطُ المَهْر، وإن أحسنت؛ لأن الْمَهْرَ عوَضُ العقد، والعِوَضُ يسْقُط بتفويت العَاقِدِ المعقود عليه، إن كان معذوراً، كما لَوْ بَاعَ طَعَاماً، ثُمَّ أَكَلَهُ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ إليه، والنفقةُ في مقابلَةِ التمكين، وإنما تسْقُط عند التعدِّي، ولا تعدِّي ههنا ثم إيرادُ صاحب الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ وَجْه الْمَنْعِ، وإليه ذَهَبَ الإِمَامُ، لكن الأكثرين رجحوا الاستحقاق، وهو الذي نص عليه في "الْمُخْتَصَرِ".
الجزء: 8 - الصفحة: 127
وإذا اختلفا في سبق الإِسلام، فَقَالَ الزَّوجُ: أسلَمت أَوَّلاً، فلا نَفَقَةَ لَكِ، وقالَتْ هي: بَلْ أَسْلَمت أَوَّلاً، فوجهان:
أحدهما: أنَّ القوْلَ قوْلُ الزَّوْج مع يمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ براءةُ ذمَّته عن النفقة، ويُحْكَى هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وأصحُّهما: وهو المذكور في "التَّهْذِيبِ" والْمَحْكِيُّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن القوْلَ قوْلُ الزوجة مع يمينها؛ لأَنَّ النَّفَقَةَ كانت واجبةً، وهو يَدَّعِي المُسْقِطَ، فأشبه ما إذَا ادَّعَى عَلَيْهَا النُّشُوزُ وأنكرت، هذا حكْمُ النفقة عند تجدُّدِ الإِسْلاَمِ.
أما حكْمُها عِنْدَ الرِّدَّةِ، فيُنْظَر؛ إن ارتدَّتِ المرأة بعد الدُّخُول، فلا نَفَقَةَ لهَا في زَمَانِ الرِّدَّةِ؛ لإِساءتها ونشوزها، ولا فرق بين أَنْ تَعُودَ إِلَى الإِسْلاَمِ في العِدَّةِ أو لا تعود ولا يجيء فيه الْقَولُ الْقَدِيمُ الْمَذْكُورُ 453 فيما إذا أسلمت بعد إسْلاَم الزَّوْج؛ لأنَّها أقامَتْ عَلَى دينها هناك، ولم تُحْدث شيئاً، وههنا أحدثت الردة، وإن ارتدَّ الزَّوجُ، فعليه النفقةُ لمدَّة العدة 454، وإن ارتدَّا معاً، قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" هو كما لو ارتدَّت المرأة، ويشبه أن يجيء فيه الخلاف، كما لو ارتدَّا معاً قبل الدخوَل، فَفِي وَجْهٍ يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ 455 كما لو ارتدَّ لزوج، وفي وجه: لا يجب شيْءٌ كَمَا لَوِ ارْتَدَّت هِيَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ سَبَقْتِ بِالإِسْلاَمِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَأَنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ المَهْرِ، وَلَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعَاً وَالنِّكَاحُ بَاقٍ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ: لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: بَلِ القَوْلُ قَوْلُهَا؛ لأَنَّ التَّسَاوُقَ في الإِسْلاَمِ نَادرٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حُكْمُ الْمَهْرِ، إِذَا أَسْلَمَ أحدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، قدْ ذَكَرْنَاه عند الكلام في أنَّ أنكحة أَهْلِ الشِّرْكِ، هل يحكم لها بالصحة أم لا؟.
فلو اختلفا، فَقَالَ الزَّوْجُ: سَبَقْتِ إلى الإِسلام قبل الْمَسِيسِ، فَلاَ مَهْرَ لَكِ.
وقالتْ: بل أَسْلَمْتُ أولاً، فعلَيْكَ شَطْرُ المهر، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مع يمينها؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ شَطْرِ الْمَهْرِ، ولو قالت في جَوَابِهِ: لا أدري أيُّنا سبق إلى الإِسلام أَوَّلاً، لا تتمكَّن من طَلَب المَهْر، فإن عادت، وقالت: قد تبيَّنت أنه أسلم أولاً، صُدِّقَتْ بيمينها، وطَلَبت شَطْرَ الْمَهْرِ، ولو اعترف الزوْجَانِ بالجَهْل بمن سَبَقَ إِلَى الإسْلاَمِ، فَلاَ نِكَاحَ
الجزء: 8 - الصفحة: 128
بَيْنَهُمَا؛ لاتفاقهما على تعاقُب الإِسلامِ قبل الدخول، ثم إنْ كَانَ ذلك قبل قبْضِ الصَّدَاقِ، لم تتمكَّنْ من طلبة؛ لاحتمال أنَّهَا السَّابِقَةُ وإن كان بَعْدَ الْقَبْضِ، لم يتمكَّنِ الزوج إلاَّ من اسْتِرْدَادِ الشَّطْرِ؛ لاحْتِمَالِ أَنَّهُ السابقُ، والنِّصْفُ الآخر يُقَرُّ في يدها إلى أن يتبيَّن الحال، ولو اختلفا في بقاء النِّكَاح، فقال الزوج: أسلمْنَا معاً، فالنكاح بَاقٍ وقالت: بل أسْلَمْنا على التعاقُبِ ولا نكاح، فقولان:
أصحهما: على ما ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، وَصَاحِبُ "التَّهْذِيبِ": أن القول قَولُ الزَّوجِ، لأَنَّ الأصل بَقَاءُ النِّكَاحِ، وهذا ما اختاره المُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ.
والثاني: أن القوْلَ قولها؛ لأن الظاهر 456 مَعَها، فإنَّ وقوع الإِسلامين معاً بعيدٌ نادرٌ ومِنْ هذه المسْأَلة، استُنْبِطَ حدُّ المدَّعِي والمدَّعَى عليه، والمسألة وكيفية الاستنباط يأتيان بالشرح في كتاب "الدعاوى"، إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وإن قلنا: إنَّ القولَ قولُها فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَج الزاز: أنه يُنْظَر في كيفية دعْوَاها، إن قالَتْ للزوج: أسْلَمْتَ قبْلِي، حَلَفَتْ على الْبَتِّ؛ أنَّهِا ما أسلمت يوم إسلامه ولو قالت: أسلمْتُ قَبْلَكَ، حَلَفَتْ علَى نفي العلم بإسلامه يوم إِسْلاَمِهَا، ولو اختلفا على العكْسِ، فقالت: أسلَمْنَا معاً وقال: بَلْ عَلَى التَّعَاقُب، فلا نِكَاحَ لقوله، وهي تدَّعي نِصْفَ الْمَهْر، وفي المصدَّق منهما القولان، ولو قالا: لا نَدْرِي؛ أوَقَعَ إسلامُنا معاً أمْ على التعاقُبِ أَسْتَمَرَّ النِّكَاحُ بينهما.
ولو أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوجُ، وأخْتَلَفَا، فادعى الزَّوجُ أَنَّ إسْلامَهُ سبق انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَادَّعَتْ هي أن انقضاءَ العدَّة سبق إسلامه، فهذا يفْرضَ على وُجُوهٍ:
أحدها: أن يتفقا علَى وقْتِ انقضاء العدَّة [كغُرَّة] 457 رَمَضَانَ مَثَلاً.
وَقَالَ الزَّوجُ أسلمْتُ في شَعْبَانَ، وقالتْ: بَلْ في الْخَامِسِ من رَمَضَانَ، فالقولُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يمينها؛ لأنَّهما اتَّفَقَا عَلَى وقْت انقضاء العدَّة، والاختلافُ في تَقَدُّم الإِسْلاَمِ وتَأخُّر، والأصل بَقَاءُ الْكُفْرِ.
والثاني: أن يَتَّفِقا علَى وقْت الإسْلاَم كغرة رمضان.
وَقَالَ الزَّوُج: انقضتْ عِدَّتُكِ في الخامِسِ من رمضان.
وَقَالَتْ: بَلْ في شَعْبَانَ، فالقوْلُ قولُهُ مع يمينه؛ لأَنَّ وقْت الإِسلام مُتَّفَقٌ عليه، والْخِلاَفُ في أَن الْعِدَّةَ، هل انقضت قبله والأصلُ بَقَاؤُهَا.
الجزء: 8 - الصفحة: 129
والثالث: إذا لم يتَّفِقا علَى شَيْءٍ، واتفق الزوْجُ علَى أن إسلامي سبق، والزوجة على أنَّ انْقِضَاءَ عِدَّتِي سَبَقَ، فالنَّصُّ أن الْقَولُ قولُ الزوج، ونص فيما إذا ارتدَّ الزوج، ثم عَادَ إلَى الإسْلاَمِ واختلفا، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ عَادَ في الْعِدَّةِ، وادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ قبل عوْدِهِ إِلىَ الإِسْلام، وفيما إذا اختلف الزَّوْجَانِ في الرجْعَة وانقضاء العدَّة.
فقال: راجَعْتُكِ في عدَّتِكِ.
وقالت: بَلْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِي؛ أن القوْلَ قول الزوجة.
وللأصحابِ طَرِيقَانِ:
أحدهما: التَّصَرُّفُ في الجوابَيْنِ، وجعل المسائل على قولَيْن، وَبِهِ قَال الْقَاضِيَانِ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيَّبِ:
أحد القولَيْن: تصديق الزوج، وَالأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
والثَّاني: تصديق الزوجة؛ لأن الأصْلَ عدم الإِسْلاَم والرَّجْعَة.
وأصحُّهما: تنزيلُ النَّصَّيْن علَى حَالَيْن، واختلف القائِلُونَ به.
قَالَ بَعْضُهُم: حيثُ قال: القول قول الزوج، أراد ما إذا اتفقا على وقت الإِسلام، واختلفا في أنَّ الْعِدَّةِ، هل انقضَتْ قبله؟ وكذلك الْحُكْمُ في المسألتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ.
وحيث قال: القولُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ أَرَادَ ما إِذَا اتَّفَقَا علَى وقت [انقضاء العدة] 458، وَاخَتَلَفَا في أَنَّه هَلْ عَادَ إِلَى الإسْلاَم، أو راجَعَ قبله؟ وكذلك الحكم في المسألة التي نحْنُ فيها، وقال آخرون: حيثُ قَالَ: القول قول الزوج؛ أرادَ ما إذا كَانَ هُوَ السَّابِقَ إِلَى الدَّعْوَى وَحَيث قَالَ: الْقَولُ قَوْلُهَا؛ أَرَادَ مَا إِذَا كانت هي السَّابِقَةَ، ويُحْكَى هذا عن ابنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إسْحَاقَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، أنه لا يجيء على الْمَذْهَبِ غيره، ووجَّهوا هذا التفصيل من وَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّها إذا قالَتْ أولاً: انْقَضَت عِدَّتي، فَلاَ بُدَّ من تَصْدِيقها، فَإِنَّهَا مؤتمَنَةٌ في رَحِمِها، فإذا صدَّقْناها، لم يُلْتفتْ إِلَى مجرَّد دعْوَى الإِسْلام، والرجْعة بعد الَحكم بانقضاء العدَّة، وإذا قال الزَّوْجُ أولاً: أسلمْتُ قبل انقضاء العدَة أو راجَعْتُ، فنصدِّقه ونديم النكاح بينهما ظاهراً؛ لأن الأصل بقاءُ العدَّة، فمجرَّد دعواها بعْدَ ذلك لا يُغيِّر الْحُكْمَ.
والثاني: وبه قَالَ أبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي: أن من أَقَرَّ بشيْءٍ، يُجْعَل كأنه أنشأه حينئذٍ، وكذلك يُشْترطُ في قَبُولِ الإِقْرَارِ كونُهُ أهلاً للإنْشَاء، فَقْولُ الزَّوْج أولاً: أسلَمْتُ، كأنه
الجزء: 8 - الصفحة: 130
أَنْشَأَ الإِسلام في الحال، وقولها بعد ذلك انقضتْ عدَّتي من قبلُ، يقتضي الحُكْمَ بانقضاء العدَّة في الحال، فيتأخَّر انقضاءُ العدَّة عن الإسْلاَم، وقول المرأة أولاً: أنْقضتْ عدتي قَبْلَ إسْلاَمِهِ، يقتضي الحكْمَ بانقضاء العدَّة في الحال، وقولُه بَعْدَ ذلك: أَسْلَمْتُ من قبلُ، كأنه أنشأ الإِسلام في الحال، فيقع بعد العدة، وليس هذا بخَلِيٍّ عن الإِشْكال، وهذا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِيَ رَضِيَهُ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيره جواباً في المسائل الثلاث، وزاد في "التَّهْذِيبِ" شيئاً آخر، فيما إذا سبق دعْوَى الزوج، فقال: إنْ مَضَى زَمَان من دعْوى الزَّوْج، ثُمَّ ادَّعَت المرأةُ انقضاءَ العدَّة من قَبْل، فالقول قول الزَّوْج، فأمَّا إذا اتَّصَل كلامها بكلامه، فالْقَوْلُ قَوْلُها، أيضاً لأنَّ إنْشَاء الإِسْلام والإِقرار به قولاَنِ، فيمكن أنْ ينزل الإقْرَار منزلةَ الإِنْشَاء، وقولها: انقضت عدَّتِي؛ لا يمكن أنْ يكون إنشاءً؛ لأن انقضاءَ العدَّة ليس بقَوْلٍ، وإذا لم يكُنْ إنشاءً، كان إجباراً، فيتقدَّم الانقضاء عليه، وحينئذٍ، فيكون مقارناً لقوله: أسلمتُ أو متقدماً عليه، ولا يكون الإِسلام وَاقِعاً في العِدَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ طُرُقٌ: وَفَوَائِدُ أُخَرُ نُورِدُها في "كتاب الرّجْعَةِ" إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
فَرْعَان: فَرْعٌ:
الأوَّل: عَنِ الشَّافِعِيّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنَّه لو أَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدَيْنِ على أنَّهما جميعاً أسْلَمَا حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ كَذا، أو حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قُبِلَت شهادَتُهما، وحُكِمَ بَقاءِ النِّكَاح، ولو شَهِدَا بأنَّهما أسلما مَعَ طُلُوع الشَّمْس، أو مَعَ غروبها، لَمْ يُحْكَمْ بهذه الشَّهَادَةِ، وَفَرَقُوا بينَهُما بأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْس، أو غربتُ، يتناولُ حالَ تمامِ الطُّلُوع، أو تمامِ الغَروب، وأنَّها حالَةٌ واحدةٌ، وقوله "مع الطُّلُوعِ أو مع الغروب" يصدق من حين تأخذ الشمس في الطُّلُوعِ أو الغُرُوب، فيجوز أنْ يكُونَ إسْلاَمُ أَحدِهِما مقارناً لطُلُوع أوَّلِ القُرْصِ، وإسلام الآخر مقارناً لطلوع آخره 459، واللهُ أَعلَمُ.
الفرع الثاني: نَكَحَتْ في الكُفْرِ زوجَيْن، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فإن ترتَّب النكاحان، فهي زوجةُ الأوَّل، وإن مَاتَ الأَوَّلُ، ثم أسلَمَتْ مع الثاني، وهمْ يعتقِدُون جَوَازَ التَّزْوِيجِ
الجزء: 8 - الصفحة: 131
بزوجَيْن، ففي جواز التقرير وجهان 460، وإن جرى النِّكَاحَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ تقر مع وَاحِدٍ مِنْهُمَا، سواءٌ اعتقدوا جوازَهُ، أو لم يعتَقِدُوا، وفيما إِذا اعتقَدُوا وجه أنه تُخيَّر المرأةُ حَتَّى تَخْتَارَ أَحَدَهُمَا، كما لو أسلم الكافِرُ علَى أُختين، وَهَذَا آخِرُ الْكَلاَمِ في الْبَابِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْقِسْمُ الرَّابعُ مِنَ الْكِتَابِ في مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ) وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْعَيْبُ وَالْغُرُورُ وَالْعِتْقُ وَالْعُنَّةُ (السَّبَبُ الأَوَّلُ: العَيْبُ) وَيَثْبُتُ (ح) لِكُلِّ واحد مِنَ الزَّوْجَينِ الْخِيَارُ بِالْبَرَص وَالجُذَامِ وَالجُنُونِ، وَيثْبُتُ (ح) لَهَا بِجَبِّهِ وَعُنَّتِهِ، وَلَهُ بِرَتْقِهَا وَقَرَنِهَا، وَفِي الرَّدِّ بِالبَخَرِ أَوِ الصُّنَّانِ وَالعَذْيوطِ الَّذِي لاَ يَقْبَلُ العِلاجَ خِلاَفٌ، وَكَذَلِكَ في جُمْلَةٍ مِنْ آحَادِ العُيُوبِ الَّتِي تُنَفِّرُ تَنْفِيرَ الْبَرَصِ وَتَكْسِرُ سَوْرَةَ التَّوَّاقِ، لَكِنَّ المَشْهُورَ أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ إلاَّ بِالعُيُوبِ السَّبْعَةِ المَذْكُورَةِ أَوَّلاً، وَفي رَدِّ الْخُنْثَى أَيْضاً خِلاَفٌ.
[القول في موجبات عيوب الخيار]
قال الرَّافِعِيُّ: السببُ الأَوَّلُ: الْعَيبُ، وَيَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ من الزوجَيْنِ الخيارُ بالبَرَصِ، والجُذَامِ، والجُنُونِ، ويثبت لها بجبِّهِ، وُعُنَّتِهِ، وله بِرْتْقِهَا، وَقَرَنِهَا، وفي البَخَر والصُّنَانِ، والعَذْيوطة الذي لا يقبل العلاجَ خلافٌ، وكذلك في جُمْلةٍ من آحادِ العْيُوب الَّتِي تُنَفِّرُ تنفير البَرَصِ، وتكسر شهْوة التوَّاقِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لا يُرَدُّ إلاَّ بالعُيُوبِ السبعةِ المذْكُورةِ أولاً، وفي رد الْخُنْثَى أيضاً خلافٌ.
عَرَفْتَ أوَّلِ "كتاب النكاح" وقوعَ مسائِلِهِ في خَمْسَةِ أَقسَام، وقد فَرَغْنَا من ثَلاثة أَقْسَامٍ، مِنْهَا وَهَذَا القِسمُ الرَّابعُ في مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ وَعَدَّهَا أَرْبَعَةَ وَهِيَ: الْعَيبُ، والْغرُورُ، والعِتْقُ، والْعُنَّةُ، وَفِيهِ كَلاَمَانِ:
الأَوَّلُ: أن الْعُنَّةَ أَحَدُ الْعُيُوب المثبتة لِلْخِيَار إلاَّ أَنَّهَا تختصُّ بأحكام؛ كضَرْب المدَّة وغيره، فبيّن الأَصْحَابُ في "فَصْلِ الْعُيُوب" أَنَّهَا أَحَدُ أَسْبَابَ الْخِيَارِ، وأفرْدَوُا لها مَوْضِعاً للكلام في أحكامِهَا الخاصَّة.
والثَّاني: يمكن أن يقال: موجباتُ الخيارِ تَريدُ عَلَى هذه الأَرْبَعَةِ؛ أَلاَ تَرَى أنَّ الْلأَبَ والجَدَّ، إذا زَوَّجَا الْبِكْرَ منْ غير كُفْءٍ، وصحَّحنا النكاح ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وكذا لو نَكَحَ الصَّغِيرُ مَنْ لا تكاَفِئُهُ، ثبت له الخيارِ، إذَا بَلَغَ، حَيْثُ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وكذا لو ظنها مُسْلِمَةً، فإذا هِيَ كِتَابِيَّةٌ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ علَى رَأْي.
السببُ الأَوَّل الأوَّلُ الْعَيْبِ، والعيوبُ المثبتةُ للخِيَارِ: مِنْهَا ما يشترك فيه الرِّجَال
الجزء: 8 - الصفحة: 132
والنِّسَاء، وهي ثلاثة: الْبَرَصُ، ولا يلتحق به الْبَهَقُ، والجُذَامُ، وهو عِلَّةٌ صَعْبَةٌ، يحمُّر منها الْعُضْوُ، ثم يَسوَدُّ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ ويتناثر 461، نسأل الله العَافِيَةَ، وتُتصوَّر ذلك في كلِّ عُضْوٍ، لكنَّه في الوجْهِ أغلبُ.
ثمَّ حَكَى الإِمَامُ عن شيخه -رَحِمَهُ الله- أنَّ أوائل البَرَصِ والجُذَامِ لا يثب الخيار، وإنَّما يثبت الخيار، إذا استحكمها، وأنَّ اسْتِحْكَام الجُذَامُ إِنَّمَا يَحْصُل بالتَّقطُّع، وتردد في هذا وَقَالَ: يجوز أن يكتفي باسْوِدَادِ العُضْو، وحكم أهل الْبَصَائِرِ باستحكام العلة 462.
والجُنُونِ منقطعاً كان أو مطبقاً، ولا يلحق به الإِغماء بزوال العَقْل بالمَرَض إلاَّ أَنْ يزول المرض، وَيَبقَى زَوَالُ الْعَقْلِ.
قال الإِمامُ: ولم يَتعرَّضوا في الجنون؛ لاستحكامِهِ، ولم يُرَاجِعوا أَهْلَ الْبَصِيرَةِ، أهو مرجو الزوالِ أم لا؟.
ولو قيل به، لكان 463 قريبًا، فإذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوجَيْنِ بالآخر أَحَدَ هذه العُيُوب ثَبَتَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، قَلَّ ذلك العَيْبُ أو كثر، وإذا تَنَازَعَا في قُرْحَة، هَلْ هِيَ جُذَامٌ أوَ في بياض، هَل هو بَرَصٌ، فالقول قول المنكِر، وعلى الْمُدَّعِي الْبيِّنَةُ، ويشترط أن يكون الشَّاهِدَان عالَمَيْنِ بِالطِّبِّ.
ومنها: ما يختص بالرجل وهو الْجَبُّ 464،
الجزء: 8 - الصفحة: 133
والعُنَّة 465، وإنما يُؤَثِّر الجَبُّ إذا لَمْ يَبْقَ ما يَمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ علَى ما سنبينه في فصل العُنَّة إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.
ومنها: ما يختصُّ بالمرأة وهو الرتَّقْ والْقَرَن 466، والرَّتق إرْتَاقُ مَحَلِّ الْجِمَاعِ بِاللَّحْم، ويخرج بَولُ مِثْلِ هَذهِ من ثقبة ضيقة كَإحْلِيلِ الرَّجُلِ، والقَرَن عَظْمٌ في الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ، وَيُقَالُ: هو لَحْمٌ ينبت فيه، والدَّائِرُ على أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ في لَفْظ القَرَنِ، بتحريك الراء، وهو في كُتُب اللُّغَةِ بالتَّسْكين 467، وليس للزوج إجبار الرَّتْقَاءِ على شَقِّ المَوْضِع، ولو فعلت هي، وَأَمَكَنَ الَوطء، فلا خيار، هكذا أطلقوه، ويمكن أن يجيء فيه الخلافُ المذكُورِ، فيما إذا اطَّلعَ على عَيْب المَبِيِعِ 468، بَعْدَ زواله فجملة هذه العيوب سَبْعَةٌ، والممكنُ فرْضُه في كلِّ واحدٍ من الزوجين خَمْسَةٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ لا يفسخ النِّكَاحُ بشيء من هذه العيوب، إلاَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذا وَجَدَت زَوْجَهَا مجْبُوباً أو عِنِّيناً تَرْفَعُ الأمْرَ إلى الْحَاكِمِ، حَتَّى، يُفَرَّقَ بَينَهُمَا بطلقةٍ، وساعدنا على قولنا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ -رَضِي اللهُ عَنْهُمَا-.
دليلُنا ما رُويَ عَنِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ تزوَّج بامرأةٍ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ
الجزء: 8 - الصفحة: 134
رأَى، بكَشْحِهَا بياضاً، فَرَدَّهَا إلى أَهْلِهَا، وقال: "دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ" 469 وأيضاً فالنكَاحُ معاوضةٌ تَقْبَلُ الانفِساخ، فَجَازَ فَسْخُهَا بالعَيْب، كالعيب بالبَيْعِ إلاَّ أن المقْصُود في البَيْع الماليَّةَ، فيؤثِّر فيه كُلُّ عَيْبٍ يقْدَحُ في المالية، والمقصود ههنا الاستمتاع، فيعتبر ما يحلُّ به إما بأن يمنع منه حقيقةً؛ كالجَبِّ والرَّتْقِ أو يُنفِّر نفرةً قويةً، إمَّا للخَوْفِ على النَّفْس والمال، وَذَلِكَ بسبب الجُنُونِ، أو لعيافةِ الطَّبْع، وخوفِ التعدِّي، كما في الجُذَامِ ثُمَّ في الْفَصْلِ مَسْألَتَانِ:
الأولَى: ظاهر المذهب أن ما سِوَى هَذَهِ الْعُيُوب المذكورة لا يُثْبتُ الخيارُ 470، وعن الشَّيخِ زَاهِرِ السَّرْخَسِيِّ 471: أن البَخَرَ والصُّنَانَ إَذا لم يَقْبَلاَ [العَلاج] 472 يُثْبِتَانِ الخيار؛ لأنهما يُوْرثَانِ النُّفْرَةَ، ويجري الخلافُ، فِيْمَا إِذا وَجَدَهَا عَذْيُوطَة، أو وجدته، عِذْيُوطاً، والعِذْيُوطُ هو الذي يَخْرَى عِنْدَ الْجِمَاعِ وزاد القَاضِي حُسْيْنُ وَغَيْرُهُ، فأثبتوا الخِيَارَ بالاسْتِحَاضَةِ، والعُيُوبُ الَّتِي [تجتمع؛ فتنفِّر تنْفِيرَ] 473 البَرَصِ، وتكسر شهوة التَّائِقِ؛ كالقرُوحِ السَّائِلَةِ، وما في مَعْنَاهَا، ويقال: إنَّ الشَّيخَ أَبَا عَاصِمٍ حَكَاهُ قَوْلاً عَن الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ-.
الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوجَينِ الآخَرَ خُنثَى؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أحَدُهُمَا: أنَّ لَهُ الخِيَارَ لتعيره بالمقام معه، ولنفرة الطَّبْعِ.
وأصحهما: على ما ذكره المحَامِلِيُّ وغيره: أنه لا خِيَارَ؛ لأنه لا يفوِّت مقصود النكاح، وَذَلِكَ سلْعةٌ أو ثُقْبة زائدةٌ.
وفي مَحَلِّ الْقَولَينِ طُرُقٌ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّ القولَيْن فيما إذا اختار الذكورة، فَنَكَحَ امرأةَ أو الأنوثةَ، فَنَكَحَتْ رَجُلاً، فَإِنَّهُ قد تبيَّن خلافُ الاختيار، أمَّا إِذَا اتَّضَحَ الْحَالُ بِالْعَلاَمَاتِ الدَّالَّةِ على الذكورة أو الأنوثة، فَلاَ خِيَارَ.
الجزء: 8 - الصفحة: 135
والثَّانِي: أنَّ القولَيْن جاريانِ أيضاً، فيما إِذَا اتَّضَحَ الْحَالُ بِعَلاَمَةٍ مَظْنُونَةٍ، فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعاً بها كالولادَةِ، فَلاَ خِيَارَ.
والثالث: طرد القَوْلين، وإنْ كَانَتِ الْعَلاَمَةِ مَقْطُوعاً بها لمَعْنَى النُّفْرة، ولا يثبت الخيار بكَوْنِها عَقِيماً، ولا بكَوْنِهَا مُفْضَاةً، والإِفْضَاءُ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ومحل مدخل الذَّكَرِ.
فَرْعَانِ:
الأولُ 474: إِذَا ظَهَرَ بكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوجَينِ عَيْبٌ 475 مِنَ الْعُيُوب المثبِتَة للخيار، فإن كَانَا من جنسَيْن، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منْهما الخِيَارُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَجْبُوباً، والْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ، فَهُمَا كالجِنْسِ الواحِدِ، كذلك ذَكَرَهُ الحَنَّاطِيُّ والشَّيخ أبُو حَامِدٍ وَالإِمَامُ.
وَحَكَى فِي "التَّهْذِيبِ" طَرِيقَةً أخرى قَاطِعَةً بأنَّهُ لا خيار؛ لأنه، وإنْ فَسَخَ، لا يصل إلَى مقصود الوطء، وقضيَّةُ إيرادِهِ ترجيحُ هذه الطريقة، وإنْ كَانَا من جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لتساويهما.
وَأَصَحُّهِمَا: ثبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منْهما؛ لأنَّ الإِنْسَانَ يَعَافُ من غيره ما لاَ يُعَافُ من نَفْسِهِ، وهذا في غير [الجنون] 476 أمَّا إِذَا كَانَا مجنونَيْنِ، فَلاَ يمكن إثباتُ الخيارِ لِوَاحِدٍ منهما، ثم ليكن الوجْهَانِ، فيما إذا تَسَاوَى العَيْبَانِ في القَدْرِ والفُحْش، فإِنْ كَانَ في أَحَدِهِمَا أكْثَرَ أو أفْحَشَ، وجب أن يثبت الخيارُ للآخَرِ مِنْ غير خِلاَفٍ.
الثاني: لو نكَحَها، وهوَ عالِمٌ بعَيبِها، أو نَكَحَتْه، وَهِي عَالِمَةٌ بعَيبِهِ، فَلاَ خِيَارَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى [شيئاً]، وهو عالم بعيب المبيع وَهَذَا في غير العُنَّة، وفي العُنَّة كَلاَمٌ سيأتِي من بَعْد، فَلَوِ ادَّعَى من بِهِ الْعَيْبُ عِلْمَ الآخر به، فأنكر فالمصدَّق المُنْكِر، [بيمينه] وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ وَجْهٌ، أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ هَذَا الاخْتِلاَفُ بعد الدُّخُول، فالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ 477.
الجزء: 8 - الصفحة: 136
فَرْعٌ ثالثٌ: لو جَبَّتِ المَرأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا، هَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ؟.
فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: لا، كما لو عَيَّب المشتري المبيعَ قَبْل القبض.
وَأصَحُّهِمَا: نَعَمْ، كما لو [خرب] 478 المستأجر الدَّارَ المستأجرة، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وهذا؛ لأن الْمَرْأَةَ بالجَبِّ لا تصير قابِضَةً لحقِّها، كالمستأجِرِ لا يصيرُ قابضاً لحقِّه بالتَّخْرِيبِ، والمشتري بالتعيب قَابضٌ لحَقِّهِ واللهُ أَعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهَذَا فِيمَا يُقَارِنُ العَقْدَ، وَإِنُ طَرَأَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ثَبَتَ لَهَ الخِيَارُ، وَبَعْدَ المَسِيسِ وَجْهَانِ، إِلاَّ العُنَّةَ فَإنَّهَا لاَ تؤَثِّرُ بَعْدَ المَسِيسِ، وَيَثْبُتُ للِزَّوْجِ أَيْضاً بعَيْبَها الطَّارِئِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ العَيْبُ مقارناً لعقْدِ النِّكَاح، فالحُكْم ما بيَّنَّاه، وإنْ حَدَثَ بعْد العَقْد ما يثبت الخيارُ، لو كان مقارناً، فأما أن يحدُث بالزوج أو بالزوجَة، إن حدث بالزوج، فيُنَّظر، إن كان قبل الدخول، فَلَهَا الْخِيَارُ، لحصول الضرر، كما لو كان مقارناً، وإن كان بعد الدُّخُول، فإن كان الحادِثُ الجُنُونَ أو الجُذَامَ أو البَرَصَ.
فقد حَكَى صَاحِبُ الكتاب فيه وجهَيْن، وَكَأَنَّ الدُّخُولَ في وجه ينزل منزلة قبض المبيع، والعَيْبُ الحادِثُ بعد القرض لا يثبت الخيار، ولم نَرَ لغيره نقل الوجهين في المَسْألة، لكن أَطْلقوا الْجَوَابَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ.
وقالوا: حَقُّ الاستِمتَاع يُشْبِه حَقَّ الانِتِقَاعِ في الإِجارةِ، والعَيْبُ الحادِثُ في العَيْن المستأجَرَةِ يُثْبِت الخيار، فكَذلك، ههنا، وإنْ حَدَثَتِ العُنَّةُ، فَلاَ خِيَارَ لها؛ لأنَّهَا عَرَفَتْ قُدْرَتُهُ، ووصَلَتْ إلى حَظِّهَا، وإن حدث الجَبُّ، فوجهان، ويقال: قولان:
أَحَدُهُمَا: أنه كالعُنَّة.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يثبت الخيار؛ لأن الجَبَّ يُورِثُ الْيَأْسَ عن الْوَطْءِ والعُنَّةُ قد يُرْجَى زوالُهَا، وإن حدث العَيْبُ بالزوجة، إمَّا قبل الدُّخُول أو بَعْده، فقولان:
الجديد: أنه يثبت للزَّوْج الخيار، كما يَثْبُتُ لَهَا إذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بِهِ.
والقديمُ: المنْعُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنه لا تدليس منها، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ من تَخْلِيصِ نَفْسِهِ بالطَّلاَقِ، وغيرُ [مضطرٍّ] 479 إلى الْفَسْخِ، واللهُ أَعْلَمُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 137
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَوْلِيَاءُ فَلاَ خِيَارَ لَهُمْ بِالْعَيْبِ الطَّارِئِ، وَيَثْبُتُ فِي المُقَارِنِ بِالجُنُونِ، وَلاَ يَثْبُتُ بِالجَبِّ وَالعُنَّةِ، وَفِي البَرَصِ وَالجُذَامِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: في الجَمِيعِ عَارٌ فَيَثْبُتُ لَهُمُ الخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أوْليَاءُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهُمْ [خيار الفسخ] 480 بالعيوب الْحَادِثَةِ بالزَّوج، لأنَّ حَقَّهُم في الكفاءة، إنما يُرَاعَى في ابتداء الْعَقْدِ دون الدَّوَامِ؛ أَلاَّ تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَو رَغِبَتُ في نِكَاح عَبْدٍ، كان لأوليائها المَنْعُ، ولو عَتَقَت أَمَةٌ، تَحْتَ عَبْدٍ، ورَضِيَتْ بالمقام مَعَهُ، لم يكن للأولِيَاء الفسْخُ.
وأما والعيوب المقارِنَة للعَقْدِ، ففي الْجُنُونِ، لَهُمْ الْفَسْخُ، وإن رضيتِ المرأة؛ لأنهم يتعيَّرون به، وفي الجَبِّ والعُنَّةِ لا فَسْخَ لَهُمْ؛ لأنه لا عَارَ عَلَيْهِمْ بجبِّه وعُنَّته، وإِنَّما الْفَائِت بِذَلِكَ الاستمتاع، وضَرَرُه يعود إليها، وفي الجُذَامِ والبَرَصِ وجهان:
أحدهما: أنه لاَ خِيَارَ لَهُمْ؛ لأنَّ جهة الضَّرَرِ فِيهِمَا صُحْبَةُ مَنْ تعافُ النفسُ منه، وهذا المعنى يختص بها.
وَأَشْبَههُمَا: ثُبُوتُ الْخِيَارِ كَمَا في الْجُنُونِ؛ لأنَّ فيهما نُقْصَاناً ظَاهِراً، ويتعيَّرون بمواصلة مَنْ به ذلك؛ ولأن العلَّةَ قد تَتعدَّى إلَيْها وإلَى نسلها، وَمِنَ الأَصْحَابِ مَنْ حَكَمَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ في جميع العيوب المقارنة، [وَادَّعَى] 481 أنهم يتعيَّرون بجميع ذَلِكَ.
وحُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّ هَذَا أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ، وَعَلَى هَذَا؛ يُخَرَّجُ حُكْمُ ابْتِدَاءِ التَّزْوِيِجِ، فَإِنْ دَعَتْ إلَى تَزْوِيجِهَا من مَجْنُونٍ، فَلَيْسَ عَلَى الأَوِليَاءِ الإِجَابَةُ وإن دَعَتْ إلَى تزويجها من مَجْبُوبٍ أو عِنِّينٍ، فعليهم الإجابة، فإِن امتنعوا، فَهُمْ عَاضِلُونَ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى تَزْوِيجِهَا من مَجْذُومٍ أَوْ أبْرَصٍ فَعَلَى الَوجهَيْنِ.
وعلَى ما حُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ: لَيْسَ عليهمُ الإِجَابَةُ في شَيْءٍ من هَذِهِ الْعُيُوبِ، وإِذَا أطلقت الكلام، ولم تفصل، قلْت: فيه ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لَهُمْ إلاَّ يُجِيبُوا.
والثاني: لَيْسَ لَهم الْمَنْعُ إلاَّ في الْجُنُونِ.
والثالث: لهم المنعُ في الجُذَامِ والبَرَصِ أيضاً، وَيُحْكَى هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
والثاني: عن أَبِي إِسْحَاقَ، ونَقَلَ الحَنَّاطِيُّ في العَيْبِ الحادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَجْهاً غَرِيباً أَنَّ لِلأَوْلِيَاءِ إجبارها على اختيار الفراقِ، حَيْثُ قُلْنَا: الْمَنْعُ في الابْتِدَاءِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 138
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلِهَذَا الخِيَارُ عَلَى الفَوْرِ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلمَهْرِ قَبلَ الْمَسِيسِ وَإِنْ كَانَ الفَسْخُ مِنْهُ، وَفِيمَا بَعْدَ الْمَسِيسِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنَ الرِّدَّةِ أَنَّ المُسَمَّى يَتَقَرَّرُ، وَفِي الرِّدَّةِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِنْ هَهُنَا، وَمَهْمَا كَانَ العَيْبُ طَارِئاً كَانَ تَقْرِيرُ المُسَمَّى أَوْلَى، وَلاَ رُجُوعَ (م) بِالمَهْرِ المَغْرُوم عَلَى الْوَلِيِّ عَلَى الجَدِيدِ وَلاَ نَفَقَةَ وَلاَ سُكْنَى لَهَا في الْعِدَّةِ كَمَا لاَ مَهْرَ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَلَهَا النَّفَقَةُ إنْ قُلْنَا: إنَّهَا لِلحَمْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْكَلاَمَ الآنَ في أحْكَامِ هَذَا الخِيَارِ، [والغَرَضُ] 482 يتهذَّب بِرَسْمِ مَسَائِلَ:
الأُولى: هَذَا الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ في البيع ولا ينافي كَوْنُهُ على الْفَورِ ضَرْب الْمُدَّةِ في العُنَّةِ، فإنَّها حينئذٍ تَتحقَّق، وإنَّمَا يُؤْمَرُ بالمُبَادَرَةِ إِلَى الَفَسْخِ بَعْدَ تَحَقُّقِ [العَيبِ] 483، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَن الشَّيخِ أبِي عَلِيٍّ في شَرْح "التَّلْخِيصِ": أن مِنَ الأصْحَابِ مَنْ أجْرَى فِيْهِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ، كَمَا في خِيَارِ العِتْق:
أَحَدُهُمَا: أَنَّه يَمْتَدُّ ثلاثة أَيَّامٍ.
والثاني: أنَّهُ يبقَى إلى أن يوجَدَ صريح الرِّضَا بالمقام معه، أو ما يَدُلَّ عليه، وفرق على الطريقة الأُولَى بِأنَّ الأئمة تَحْتَاجُ إلى النَّظَرِ والتَّرَوِّي، وههنا، يختص النقصان بِالإطَّلاعَ عَلَى الْعَيبِ فلا يحتاج إلى مُهْلَةِ النَّظَرِ، وليس هَذَا الْفَرْقُ بِوَاضِحٍ، وَهَلْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَينِ بالفسخ، أم لاَ بُدَّ من [الرفع] 484 إلى الْحَاكِم.
أما العُنَّةُ، فَلاَ بُدَّ فِيْهَا من الرَفع إلى الْحَاكِمِ، [وَفيمَا] 485 سِوَاهَا من العُيُوبِ فيه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الانفرادُ بالفَسْخ كفَسْخِ البيعِ بالعَيْبِ، وَهَذَا مَا أَجَابَ بهِ الإِمَامُ، وَرَجَّحَهُ مُرَجِّحُونَ.
والثانى: لاَ بُدَّ من الرفع؛ لأنَّهُ مجتهدٌ فيه فَأَشْبَهُ الْفَسْخَ بالإعسار، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَهُوَ الَّذِي أوْرَدَهُ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ "الشَّامِلِ" قَالَ فِيَ "التَّهْذِيبِ" [وعلي الوجهين] 486 لو أخر إلى أن يَأْتِيَ الْحَاكِمُ، ويفسخ بحضرته، يجوز، ولو وطئها الزَّوجُ، وَظَهَر بِهَا الْعَيْبُ، فَقَالَت: وُطِئْتُ مع العلم، وَأَنْكَرَ أَو كان العَيْبُ به، فقال: مكنت مع العِلْمِ، وأنكرت، فالقول قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وعن أبي الْحُسَيْنِ بنِ القَطَّانِ: أنَّ الْقَولَ قَوْلُ
الجزء: 8 - الصفحة: 139
صَاحِبِهِ؛ لأن المُنْكِرَ يبغي الفسخ، والأَصْلُ دَوَامُ النِّكَاحِ.
الثانية: الفسخ بالعيب المقارن للعقد، إِمَّا أنْ يَتَّفِقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، إِنِ اتَّفَقَ قبل الدخول، فليس لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، ولا متعة؛ لأنه، إنْ كان العَيْبُ به، فهي الفاسخةُ للعَقْد، وَإِنْ كَانَ الْعَيبُ بِها فَسَبَبُ الْفَسْخِ معْنًى وُجد فيها، فكأنَّها هي الفاسِخَةُ، وإن اتفق الفسخُ بعْد الدخول، فَالنَّصُّ وَظَاهِرُ الْمَذْهَب أَنَّ لَهَا مَهْرَ المِثْلِ، ويسقط المسمَّى، لمعنيين:
أَحَدُهُمَا: أن الفسخ كمعنًى مقرونٌ بالعقد، فيرفع التسمية من أصْلِها؛ لأنَّ الزوج إنَّما بَذَلَ المُسَمَّى عَلَى ظَنِّ السَّلاَمَةِ، ولم تحصل، فكأن العقْدُ جرى بِلاَ تسمية، فيجب مَهْرُ المثل.
والثاني: أَنَّ قضية الفسْخ أن يرجع كُلُّ واحدٍ من المتعاقِدَيْنِ إلَى عين حَقِّهِ، إِنْ بَقِيَ، وإلى بَدَلِهِ إنْ تَلِف، والعَقْدُ جرى على البُضْعِ بالمسمَّى، فعند الفسخ يرد إلَى الزوج عين حقِّه، ويدفع إليه بَدَل حَقِّهَا، وهو مَهْرُ المثل؛ لفوات الحق بالدخول، وفيه قَولُ، مخرَّجٌ أنه يستقر المسمَّى، ولا رُجُوعَ إلَى مَهْرِ المثل، لأَنَّ الدُّخولَ جَرَى في عقْدٍ صحيحِ مشتملٍ على تسميةٍ صحيحةٍ، فأشبه الردَّةَ بعد الدخول، ومنْها خُرِّجَ هذا القَوْلُ.
قَالَ الأَئِمَّةُ: وَهَذَا قريبٌ من القياس، فإنَّ الفسْخَ عندنا لا يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ، وفي "التَّتِمَّةِ" وَجْهٌ: أنه إن فَسَخ الزَّوْج بعيبها، فعليه مَهْرُ المثل، وإنْ فسخت هي بعَيْبِهِ، فالواجبُ المسمَّى، والفرْقُ إِذَا كان العَيْب بها، فالزوْج يقول: كنْتُ أبذلُ المسمَّى؛ ليكون لي البُضْعُ سليماً، فهذا لم يسلم، لا أبذله، وأُغْرِمَ ما فَوَّت، وإذا كان العيْبُ به، فقد سلمت ما يقابل العِوَضَ سليماً، فيسلم لها العِوَض، وَأَمَّا الفسْخُ بالعَيْبِ الحادثِ بعْد العقد، فإنْ كان قَبْل الدُّخُول، فلا مَهْرَ، وإن كان بعده.
فإن قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ عند الفَسْخ بالعَيْب المقارِنِ المسمَّى، فكذلك ههنا وإنْ قلنا: إنَّ الواجِبَ هناك مَهْرُ المِثْلِ، فههنا ثَلاثة أَوْجْهٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ الواجب مَهْرُ المِثْلِ أيضاً؛ لأنه لم يسلم له ما طَمِعَ فيه، فلا يكلَّف ما التزمه.
والثاني: أَنَّ الواجِبَ المسمَّى؛ لأن المثبت للخيار حَدَثَ بعْد العقد، ووجوب المسمَّى [بالعقد] فلا يُؤَثِّرُ فيه.
الثالث: وهو الأصح: أنَّه، إنْ حَدَثَ قبْلَ الدُّخُول، ثُمَّ دَخَلَ بها، وهُو غَيْرُ مطَّلِع على الحال، وجَب مَهْرُ المِثْل، وجعل اقترانه بالوطء المقرَّر للمَهْر، كالاقترانِ بالعَقْد، إن حَدَثَ بعْد الدخول، فالواجِبُ المسمَّى؛ لأنَّ الدخول قد قرَّره قبل أن يُوْجَد سَبَبُ
الجزء: 8 - الصفحة: 140
الْخِيَارِ 487 وَقَولُه في "الكِتَاب وفيما بعد المسيس قول مُخرَّج من الردة: أنَّ المسمَّى يتقرَّر ولا يرجع إلى مهر المثل" اكْتفى بالقَوْل المُخرَّج عن ذِكْرِ المنْصُوص؛ لأنَّ فيه إشْعاراً بأنَّ المنْصُوصِ عكسه.
وقولهُ: في الردة قولٌ مخرَّج من ههنا التخريج من هذا الطرف لم يتعرَّض له أكثرهم، وقالوا: الردَّةُ لا تستند إلَى ما تقدَّم بحالٍ، فلا يُؤثِّر فيما سبَقَ وجُوبُهُ، نعم، قَالَ الإمَامُ: [رَأَيْتُ] 488 في تعليقي عن شَيْخِي، وفي تعليقِهِ عَنْ شَيْخِهِ، ذكر وجه في الردَّة أنَّه يسقط المسمَّى، ويجب مهْرُ المثل، ثم استبعدَهُ، وقال: [أخشى] 489 ألاَّ يصح فيه نقل.
فرع: حَكَى الحَنَّاطِيُّ فِيمَا إذا اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوجَينِ على عَيْبِ الآخَرِ وَمَاتَ الآخَرُ قَبْل الْفَسْخِ وجهَيْن في أنَّه، هَلْ يَفْسَخ بَعْد الموت، والظَّاهِرُ: أنَّه لا يَفْسَخ، ويتقرَّر المسمَّى بالمَوْتِ، ولو طلَّق زوْجته قَبْل الدخول، ثم أطَّلَعَ على عيْبٍ بها، لم يسقط حَقُّهَا من نصْف المَهْر؛ لأَنَّ الفرقة حَصَلَتْ بالطلاق.
الثالثة: إذا فَسَخ النِّكاح بعَيْبُ الزَّوجة، وغرم المهر، فَهَلْ لَهُ أن يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ.
فيه قولان:
الجديد: المنع، وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- لأنَّهُ شَرَع في النِّكَاح عَلَى أنَّ يتقوَّم عليه البُضْع، فَإذا استوفَى منفعته، تَقَرَّرَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ.
والقديم: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ -رَضِي الله عَنْهُ-: أنّ له الرجُوعَ عليه، لما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنه قَالَ: أيُّمَا رَجُل تَزَوَّجَ أمْرَأَةً، وَبهَا جُنُونٌ، أو جُذَامٌ، أو بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا وذلك لزوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وليِّهَا 490، ومحلُّ القولَيْن ما إذا كان العَيْبُ موجوداً عند العقْد، أمَّا العيب الحادثُ بعْد العقْد إذا فسخ به، فَلاَ رجُوع بالمَهْر بحالٍ؛ لأنه لا تدْلِيسَ منه، وفي "التَّتِمَّة" أنَّ محلَّهما ما إذَا كان المغْرُومُ مهْرَ
الجزء: 8 - الصفحة: 141
المثلِ أما إذا أوجبنا المسمَّى غرمه، فلا رجوع به؛ لأنَّ المسمَّى، بدل ما ملك بالعقد، وسلم له، وهو الوطأة الأولَى، فَإِنَّ الْمُسمَّى تَقَرَّرَ بِهَا.
والأشبه ما في "التهذيب" وهو التسوية بين أنْ يكون المغْرُوم مهْرَ المثل، وبين أنْ يَكُونَ المغروم المسمَّى، ورأى الإمَامُ ترتيبَ القولَيْن ههنا على القولَيْن في الرجوع عنْد التَّغْرِيرِ بالحُرِّيَّة علَى ما سنذْكُرُهما، فإنْ قُلْنا: لا رُجُوع ثَمَّ، فههنا أَوْلَى، وإن قُلْنَا بالرجوع هناك، ههنا قولان: وجه التَّرْتِيب: أن التغرير هناك بالاشتراط، فههنا اشتراط، بَلْ غَايَةُ ما يفرض السكوتُ والكتمانُ على ما ستعرفه، والاشْتِرَاطُ أَبْلَغُ في التغرير، فإنْ قُلْنَا بالرُّجُوعِ، ونُظِرَ؛ إن كان التغرير والتدليسُ منها دون الوَلِيِّ، فالرجوعُ علَيْها دُونَ الْوَلِيِّ.
وصَوَّر في "التَّتِمَّةِ" التغرير منْها بأنْ خطب الزوْجُ إليها، فلم يتعرَّض لما بها من العَيْب، والْتمسَتْ من الوَلِيَّ تزْويجَهَا منْه، وأظْهَرَتْ لَهُ أَنَّهُ عرف الزَّوْج حالها، وَصَوَّرَهُ الشَّيخُ أَبُو الْفَرَجِ الزاز فيما إذا عقَدَتْ بنَفْسِها، وحكمَ حاكِمٌ بصحَّته، ولفظ [الرجوع] 491 الَّذِي استعمله الأَصْحَابُ يُشْعِرُ بالاسترداد منْها بعْد الدَّفْع إليها، لكن ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالإمَامُ: أَنَّهُ لا معْنَى للدَّفْع إلَيْها والاسْتِرْدَادِ مِنها، ويعُودُ مَعْنَى الرُّجُوع إلَى أنَّه لا يغرم لها، وهلْ يجبُ لها أَقَلُّ ما يَصْلُحُ صَدَاقاً؟ فيه وجهان، ويقال: 492 قَوْلانِ؛ كَيْلاَ يخلو الوطء عن المهر، وإن كان التغرير من الولِيِّ بأن خَطَبَ إلَيْه، فأجابه إلى التزويج، وهو مجبر أو غير مجبر، فاسْتأذَنَها، ولم يظهر للخاطب ما بها، فإن كَانَ عَالِماً بالعَيْب، رَجَعَ عَلَيْه بجميع ما غرم، وإن كَانَ جَاهِلاً، فَوَجْهَانِ، يُوجَّه أَحَدَهُمَا؛ بأنَّه غير مقصِّر.
والثاني: بأن ضَمَانَ [المال] 493 لا يختلف بالعلْم والجهل، فإنْ قلْنا: لا رجوع عليه، إِذَا جَهِل، فذلك إذا لم يكن مَحْرَماً: لَهَا؛ كابن الْعَمِّ، والمعْتِقِ، والقاضِي، فحينئذٍ، يكونُ الرجُوعُ على المرأة فأما إِذَا كَانَ مَحْرَماً، فلا يخْفَى الحالُ عبيه غالباً، وإن خَفِيَ، فهو لتقْصِيرِهِ [بترك] 494 البحْثِ، فيرجع عليه، وفيه وَجهٌ، أنَّه لا رجُوعَ على المحْرَم أيضاً عنْد الجَهْل.
وَذَكَرَ الحَنَّاطِيُّ: أنَّهُ لا رُجُوعَ على الحاكم بحالٍ عند الجَهْل، فإنْ قُلْنَا: لاَ رُجُوعَ عَلَيْه، إذا جَهَلَ، فعَلَى الزَّوْج إثباتُ العِلْم بأن يقيم الْبَيِّنَّةَ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْعِلْم، وَإنْ غَرَّهُ جَمَاعَة مِنَ الأَوْليَاء؛ فَالرَّجُوعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ جهل بعضُهم، وَقُلْنَا: لا رَجُوع علَى
الجزء: 8 - الصفحة: 142
الجاهِل، رجَعَ عَلَى مَنْ عَلِمَ، وإن وُجِدَ التقرير منها، ومن الولِّي، فيكون الرُّجُوعُ عليها؛ لأنَّ جانبها أَقْوَى من حيث إِن [العيب] 495 بها أو يرجع على كُلِّ وَاحِدٍ منهما بالنصف؟ فيه وجهان مذكوران في "التَّتِمَّة" وإن غَرَّتِ الْمَرْأَةُ الوَلِيِّ، والولِيُّ الزوْجَ، رجَعَ الزوْجُ على الوليِّ، والوليُّ عليها، ولم يتعرَّضوا لما إذا كانت الْمَراْةُ جَاهِلَةً بعَيْبِها، ولا يبْعُد مجيء الخِلاَف 496 فيه.
الرَّابعَةُ: المفْسُوخُ نكاحُها بعْدَ الدُّخول لا نَفَقَةَ لَهَا في العِدَّةِ، ولا في السُّكْنَى، إنْ كَانَتْ حَائِلاً؛ لانقطاع أَثَرِ النِّكَاحِ بالفَسْخ، وإن كانَتْ حَامِلاً، فَإِنْ قلْنَا: إن [نفقة المطلقة] 497 الحاملِ للحَمْل، وجبت ههنا أيضاً؛ لحق القرابة، وإن قلنا: إنَّها للحامل، وَهوَ الأصَحُّ، لم تجب، وإيراد الإمَام وَصَاحِب "التَّهْذِيبِ" يقتضي كَوْنَ السُّكْنَى عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، وَصَرَّحَ بهِ الحَنَّاطِيُّ، ثُمَّ حَكَى طَرِيقَةً أُخْرَى قَاطِعَةً، بأنه لا يجب السُّكْنَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ في الْمَسْأَلَةِ، ومنْهم مَنْ جَعَلَ استحقاق الحامل للسكْنَى على قولَيْنِ، وَقَدْ نَقَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ صَاحِبُ "الْكِتَاب" في "باب العِدَّةِ" ويمكن أن يُبْنَى الخلافُ على أَنَّ الْوَاجِبَ لها مَهرُ المِثْل، أو المسمَّى إن أوجبنا مَهْرَ المثْل، جَعَلْنَا النِّكَاحَ كالمفسُوخ من أصْلِهِ؛ لاقتران سبَبِ الفَسْخ به، ونزلناه منزلة النكاح الفاسد، وإن أَوْجَبْنَا المسمَّى نزل الفسخ منزلةَ رَفْعِ النكاح بالطَّلاق، فينبغِي أنْ تجب السكْنَىِ، وأن تجب النفقة، إذا كانت حاملاً، وَذَكَرَ الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ؛ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ بْنَ سَلَمَةَ خرَّجَ فِيْمَا إذَا كان الفسخ بالعَيْب الحادثِ أنَّها تستحقُّ السُّكْنَى، وهذا ذَهَابٌ منه إلى الفَرْق بين الفَسْخ بالعَيْب الموجود عنْدَ العَقْد، والفَسْخ بالعَيْب الحادِثِ، وقد سبق في المَهْر نظيرُهُ، وإذا لم نوجِبْ لها السكْنَى، فلو أراد الَزوْجُ أنْ يُسْكِنَها تحصيناً لِمَائِهِ، قال أبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيِّ: لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهَا أنْ تَسْكُنَ.
وَقَوْلُهُ في الكتاب: "كما لا مَهْر" يجوز أن يريد، به المسمَّى، ويجوز أنْ يكونَ المَعْنَى كما لا مَهْرَ قبل الدخول.
"فرع": إذا رَضِيَ أَحَدُ الزوجَيْنِ بِعَيْب الآخر، ثُمَّ حدَثَ بمَنْ به العَيْبُ عيْبٌ آخَرُ، ثبت له الخيار بالعيب الحادث، وإن ازْدَادَ الأَوَّلُ؛ فلا 498 خيار؛ لأنَّ رِضَاهُ بِالأَوَّلِ رِضاً
الجزء: 8 - الصفحة: 143
بِمَا يَحْدُثُ منه ويتولَّد، وفيه وجُه آخَرُ.
وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وجهَيْن: في أنه إِذَا فُسِخَ النِّكاحُ بِالْعَيْب، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْبٌ، هَلْ يُحْكَمُ ببُطلاَنِ الْفَسْخِ وَاسْتِمْرَارِ النِّكَاح 499؟ ولَو قال: عَلِمْتُ عَيْبَ صاحبي، ولكني لم أعلم أنَّ الْعَيبَ يُثْبِتُ الْخِيَارِ، ففيه طَريقان:
أشبههما: أَنَّهُ على القولَيْنِ في نظيره من خِيَارِ العِتْق، وسنذكرهما.
والثَّانِي: القطْعُ بأنَّهُ لا يُعْذَرُ، والفَرْقُ أن الخِيَار بالعَيْبِ مشهورٌ في جنْسِ العُقُود، وخيار العتْق بخِلاَفِهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي: الغُرُورُ) ومَهمَا شُرطَ في العَقْدِ إسْلاَمُهَا أَوْ نَسَبُهَا أَوْ حُرِّيَّتُهَا أَوْ نَسَبُهُ أَوْ حُرِّيَّتُهُ فَاخْتَلَفَ الشَّرْطُ فَفِي صِحَّةِ العَقْدِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ صَحَّحْنَا فَفِي خِيَارِ الخُلْفِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السبب الثاني من أسباب الخيار الغرور بالاشتراط، فإذا شُرِطَ في
العقد إسلامُ المنكوحة، فَبَانَ أنَّهَا ذِمِّيَّةُ، أو شُرِطَ نسبٌ، أو حريَّةٌ في أَحَدِ الزوجَيْن، فَبَانَ خِلاَفُ الْمَشْرُوطِ، فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلاَنِ:
أصحهما: وبه قَالَ أبُو حَنِيْفَةَ واخْتَارَهُ المُزَنِيُّ: أنه صَحِيحٌ؛ لأنَّ الْخُلف في الشَّرْطِ لا يُوجِبُ فسادَ البَيْع مع أنَّه عرضة للفَسَادِ بالشُّروط الفاسدة، فأولَى ألا يوجب فَسَاد النكاح؛ وهذا لأنَّ المعقود علَيْه فيهما جميعاً عينٌ معينةٌ، وأنَّها لا تتبدَّل بالخُلِف في الصِّفَة.
والثاني: المنع؛ لأن النِّكَاحَ يعتمد الصفاتِ والأسماءَ دُون التْعِيين والمُشَاهَدَةِ، فيكون اختلاف الصفة فيه كاختلافِ العَيْن، ولو اختلفَ العَيْنُ بِأنَ قَالَت زَوِّجْنِي منْ زَيدٍ، فزوَّجها مِنْ عَمْرو، لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، وكذلك ههنا، وقرب بعضهم القَوْلين من الخلاف، فيما إذَا قال: بعتك هذه الرَّمَكَةَ، والإشَارَةُ إلى بَقَرَةٍ، قال الإِمام: وتلك الصورة بعيدةٌ عن المسألة الَّتي نحْنُ فيها؛ لأن الرَّمَكَةَ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لموصوفٍ بصفاتِهِ، ليْسَ تعرّضاً لمجرَّد الصفة، والقولانِ فيمَا إذَا شَرَطَتْ حريته، فَبَانَ عَبْداً، مفروضانِ فيما إذا كان السيِّدُ قد أذِنَ لَهُ في النِّكَاحِ، وإلاَّ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لِعَدَمِ الإذْنِ، وفِيمَا إذَا شَرَطَ حُرِّيَّتَهَا، فَخَرَجَت أَمَةً، مفروضانِ فِيمَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أذِنَ في نِكَاحِهَا، وكان الزَّوْجُ = كان في أحد اليدين فانتقل إلى الأخرى.
وقال الشيخ البلقيني: جزم في البيان فيما إذا كان في يد فانتقل لاخرى بثبوت الخيار وهو ظاهر.
الجزء: 8 - الصفحة: 144
مِمَّنْ يَحِلُّ له نِكَاحُ الإِماء، فَإِنْ فَقَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ بِلاَ خِلاَف، ويجْرِي القولان في كُلِّ وَصْفٍ شرط، ثم تبيَّن خلافه، سواءٌ كان المشروط صفةَ كمالٍ؛ كَالْجَمَالِ وَالْيَسَارِ وَالشَّبَاب وَالْبَكَارَةِ، أو صفةَ نقصٍ، كأضدادِها، أو كان ممَّا لا يتعلَّق به كمالٌ ونقصانٌ، هذ هوَ الظَّاهِرِ، وفي "شَرْحِ مُختَصَرِ الْجُوَينِيِّ" أنَّهُمَا لا يجريان في جميع الصفات، وإنَّما هو في النسب والحرية، وما يُؤثِّر في الكفاءة.
التَّفْرِيعُ: إذا قُلْنَا ببطلان النكاح، وفرَّقَنا بينهما، فَلاَ شَيْءٍ على الزوْج، إِذَا لَمْ يَجْرِ دخولٌ، وإن جَرَى، فَلاَ حَدَّ؛ لشُبْهَةِ اختلاف العلماء، وعليه مَهْرُ المِثْل، ولا سُكْنَى لها، ولا نفقة في العدَّةِ، إِن كانت حائلاً، وإنْ كانتْ حاملاً، فعلى القولَيْنِ في أن النفقة للحَملِ أو للحَامِل، إن جعلْنَا هَذَا للحَمْلِ وَجَبَتْ، وَإِلاَّ، فَلاَ، وإنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاح، فإن بَانَ الْموصُوف خَيْراً مِمَّا شَرَطَ فِيهِ، فَلاَ خِيَارَ، وَهَذَا كَمَا لو شرط أنها كتابيَّةٌ، فَبَانَتْ مسلمةً، أو أمةٌ، فَبَانَتْ حُرَّةً أو ثَيِّباً، فَبَانَتْ بِكْراً، وإن بَانَ دَوْنَ الْمَشْرُوطِ، فَقَدْ أطْلَقَ صَاحِبُ الْكِتَاب قولَيْن في ثُبُوتِ خِيَارِ الخُلف، ووجَّه في "الْوَسِيطِ" قولَ الثبوتِ بالقياس على البيع.
والقولَ الآخر، بِأَنَّ النِّكَاحَ بعيدٌ عن قبول الخيار، ولذلك لا يثْبُتُ فيه خيار الشرط، و [لا] خيار الرؤية، وسائر الأصحاب لم يطْلِقوا القولَيْن هكذا، وفصَّلوا، فقالوا: إذا شرط في الزوْج نسبٌ شريفٌ، فبان خلافُهُ [نُظِرَ] 500 ولو إِنْ كان نسَبُه دون نَسَبِها، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإن رَضِيَتْ هي، فلأوليائِهَا الخيارُ؛ لفَوَاتِ الكفاءة، وإنْ كان نسَبُهُ مثْلَ نَسَبِهَا، أو فَوْقَه إلاَّ أنَّهُ دونَ المَشْرُوطِ، ففِيه قولان:
أصحُّهما: على ما ذكر في "التَّهْذِيبِ" أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا؛ لأنها لا تتعيَّر به.
والثاني: يثبت؛ للتغْرِير، وَطَمَعِهَا في زيادة شرفه، وعن القاضي أبي حَامِدٍ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ: بأنَّه لا خيار لها، ولا خيارَ للأولياءِ؛ لأن الكفاءَةَ حاصلةٌ، والشرْطُ لا يؤثر في حقِّهم، وإن شُرِطَ في الزوجة نَسَبٌ، وبَانَ خلافُه، فطريقان.
أظهرهما: إثبات الخِيَارَ لَهُ، على ما ذكرنا في جانب الزَّوْجة، حَتَّى يكُونَ له الْخِيَارُ، إِذَا كان نَسَبُها دون نَسَبِهِ، ويجيءُ فيه القَوْلاَنِ فِيمَا إِذَا كَانَ نَسَبُهَا مِثْلَ نَسَبِهِ أو فَوْقَهُ.
والثَّاني: وهو اختيار الرُّوَيانِيِّ: أنه لا خِيارَ للزَّوْج، ووجَّهوه بمعنَيَيْنِ:
أحدهما: أنَّ الزوج متمكِّنٌ من تخليصِ نَفْسه بالطَّلاق، وإنَّما يثبُتُ الخيارُ في النِّكَاحِ عنْد الضَّرُورة.
الجزء: 8 - الصفحة: 145
والثَّاني: أنه لا يتضرَّر ولا يتعيَّر بدَناءة نسب الزوجة، بخلاف [العكس] 501 وإذا شرطت حريَّة الزَّوْج، فَخَرَجَ الزوج عبداً، فإنْ كانتِ الزوجةُ حُرَّةٌ، فَلَهَا الخيارُ، وكذلك لوليِّها؛ لعَدَمِ الكفاءة، وإن كانت أمةً، فوجهان:
أحدهما: ثبوتُ الخيارِ للغرور.
والثَّاني: المَنْعُ؛ لأنَّهما متكافِئَان، ولا، عار وحكَى الْقَاضِي ابنُ كَجِّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ طَرِيقَةً أُخرَى قَاطِعَةً بثبوتِ الخِيَارِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: أنَّ الخِيَارَ، إن ثَبَتَ، فإنَّما يثبت للسيِّد دون الأمة، فإنَّ له أن يجْبُرَها على أن تَنْكِحَ عبداً؛ بخِلاَف ما إِذَا ظهر بالزَّوج عيب يكون لها الخِيَار؛ لأنه لَيْسَ للسيِّد إجبارُها علَى نكاح من به أحَدُ العيوب المثبِتَةِ للخيار، وإن شَرَطَ حريَّةَ الزَّوجة، فخرجت أَمَةً هَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ للِزَّوج ترتب ذلك على التغرير بالنسب، إن أثبتنا الخيار هناك، فكذلك ههنا، وإلاَّ وجهان، إن عَلَّلْنَا بالتمكين من الطَّلاَقِ، فكذلك ههنا، وإن علَّلنا بأنه لاَ عاَرَ، ولا ضرَرَ، فههنا، يتضرر بِرِّقِ، الأولاد، وبِنُقْصَانِ الاستمتاع؛ لأن السَّيِّد يستخدِمُها، هذا إذا كان الزَّوْج حُرَّاً فإن كان عبداً وقلْنا بثبوت الخيار للحرَّ، فقولان:
قَالَ فِي "التَّهْذِيبِ":
أَصحُّهُمَا: أَنَّه لا خيار له لتكافُئِهما.
وإن كان المشروطُ صفة أخرَى، فَإِنْ شُرِطَتْ في الزوْج، فَبَانَ خِلاَفهُ، والموجودُ دون المَشْرُوط، فلها الخيارُ، وإن شُرِطَتْ في الزَّوجَةِ، فَفِي ثُبُوتِ الخيار للزوج قولان: لتمكُّنه من الطَّلاَقِ 502، ذكره في "التَّتِمَّةِ".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو ظَنَّنْهُ كُفْئاً فَإِذَا هُوَ غَيْرُ كُفْءٍ فلاَ خِيَارَ، وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هِيَ كِتَابِيَّةٌ فَلَهُ الخِيَارُ، فلَوْ ظَنَّهَا حُرَّةٌ فَإذَا هِيَ رَقِيقَةٌ فَلاَ خِيَارَ، وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ مَأخَذهُمَا أَنَّ الكُفْرَ وَالرِّقَّ هَلْ يَلْتَحِق بِالعُيُوبِ الخَمْسَةِ؟ وَقِيلَ: بَلْ مَأْخَذُهُمَا أَنَّ الْغُرُورَ بِالْفِعْلِ، هَلْ هُوَ كَالغُرُورِ بِالقَوْلِ؟، وَقيلَ: إِنَّ الكِتَابِيّةَ لاَ تَلْتَبِسُ بِالمُسْلِمَةِ إِلاَّ بِقَصْدٍ فَهُوَ تَغْرِيرٌ بِخِلاَفِ الأَمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسأَلْتَانِ:
الأولَى: إذا ظَنَّتْ أن زيداً كُفْء لها، فأذِنَتْ في تزويجها منْه، ثم بَانَ أنَّه ليس
الجزء: 8 - الصفحة: 146
بِكُفْءٍ لها فَلاَ خيار لها؛ لأنه لم يُجْرَ شرط، والتقصير بينهما ومن الوليِّ، حيث لو بحثنا، وليس هذا كظنِّ السَّلاَمَةِ عن العُيُوب؛ لأن الظَّنَّ هناك يَنَّبني علَى أنَّ الغالِبَ السلامةُ، وههنا لا يمكن أن يقالَ: إِنَّ الغالِبَ كفاءةُ الخاطِب هَكَذَا أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ صَاحِبُ "الكتاب" وينبغي أن يُفَصَّل، فيقال: إن كان فواتُ الكفَاءةِ [الدناءة] 503 نَسبَه أو حِرْفَتِهِ أَوْ لَفْسْقه، فالجواب: ما ذكرنا، وإن كان فَوَتُهَا لعيْبٍ، ثبت الخيار، وإِن كَانَ فواتُهَا لِرِقِّهِ، فليكن الحكمُ كما سنذكر على الأثر فيما إذا نَكَحَ امْرأةً على ظَنِّ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فإذا هي رقيقةٌ، بل كانت المرأة أولَى بإثبات الخيارِ من جانب 504 الرَّجُلِ.
الثانية: نكح امرأةً عَلى ظَنِّ أنَّها حُرَّةٌ، فخرجَتْ أَمَةً، وهو مِمَّنْ يحلُّ له نكاح الإماء، فالنَّصُّ أنه لا خِيَارَ 505، ولو نكح امرأةً علَى ظَنِّ أنَّهَا مُسْلِمَة، فخرجت كتابيةً، فالَنَّصُّ أنَّ لَهُ الخيار، وللأصحاب طريقان، منْهم من نَقَلَ وخَرَّج، وجَعَلَ الصورتَيْن على قَوْليْن:
أحَدُهُمَا: أنه يثبُت الخيارُ؛ لأنَّ الظاهِرَ في دَارِ الإسْلاَمِ الإسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ، فصار ذَلِكَ بمثابة المَشْرُوط.
وَالثَّانِي: أنَّهُ لاَ خِيَارَ في وَاحِدَةٍ من الصورتَيْنِ لِبُعْدِ النِّكَاح عَنِ الْخِيَارِ، وضَعْفِ تأثيرِ الظَّنِّ، ولهَذَا لَوِ اشتَرى عبداً عَلَى ظَنِّ أنه كاتبٌ، فلم يكن، فلا خيار له، وذكروا للقولين وراء هذا مأخذَيْن:
أَحَدُهُمَا: أنَّ الكَفْرَ والرِّقَّ هَل يلتحقان بالعُيُوب الخمسة أم لاَ؟.
وَجْهُ الالْتِحَاقِ أنَّ الْكُفْرَ يوجب النُّفْرة عن الاستمتاع، كما أنَّ الْبَرَصَ والجُذَامَ يورِثَانِهمَا، والرق يتعدَّى إلى الولَدِ تخفيفاً كما أن الْبَرَصَ والجُذَامَ يُخَاف منهما التعدِّي.
والثاني: أنَّ هذا الظَّنَّ يَنْشِأُ غَالِباً من فعْل وإبْهَامٍ صَادِرٍ من الوليِّ، أو من الزوْجَة، وإن لم يجر شَرْطٌ، فَهَلْ ينزل [التغرير بالفعل] 506 التغرير بالقول والاشتراط، وَجْهُ تنزيلِهِ منزلِتَه حصولُ التلبيس به ولهذا يثبت الخيارُ بالتصْرِيَةِ، كما يثبت بالخُلْفِ في الشَّرْطِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 147
والطَّرِيقُ الثَّاني: تقرير [النصيين] 507 والفرق من وجهين:
أَشْهَرُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنَّ وليَّ الْكَافِرَةِ يكُونُ كافراً، وللكافرِيْنَ علاماتٌ يتميَّزُونَ بها من الغيار وغيره، فخفاء الحالِ عَلَى الزَّوْج إنَّمَا يكون بتدليس الوليِّ وتغْرِيرِه، ووليُّ الرقيقةِ لا يتَميَّز عن وَلي 508 الحُرَّة، فَلاَ تَغْرِيرَ، بل الزَّوْجُ هو المصر، حيْثُ لم يبْحَثْ عن الحال، وذكر في "الْوَسِيطِ" أنَّ ما جَرَى في صورة خُروجِهَا كتابيةً وإنْ أمْكَنَ أنْ يحْصُلَ بتَغْرِيرٍ، أثبتنا الخيار، فلو نَكَحَها وظَنَّ بكارتها، فإذا هي ثَيِّبٌ، لم يبعد إثباتُ الخيار؛ لأن النفرة ههنا أعظم، هذا لفظه، لكن تغيير الهيئة هناك أورث ظنَّ الإِسلام، ولم [يوجد] 509 ههنا ما يُورِثُ ظنَّ البكارة، نعم، قد يحْصُلُ السكوتُ عن بيان حالِهَا تصويراً، كما سموا السُّكُوتَ عن بيان العَيْبِ تغريراً.
والوجه الثاني: أنَّ الْكُفْرَ مُنَفِّرٌ للمُسْلِم، فألْحق بالعُيُوب، والرِّق لا ينفر، ولا يمنع من الاستمتاع، فذلك افترقا في إثْبَاتِ الخيار، والأشبه طريقةُ القولَيْن، والأصحُّ على ما ذكره صَاحِبُ "التَّهذِيبِ" وغيره؛ أنَّه لا خيار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ تَغْرِيرِ سَابِقٍ عَلَى العَقْدِ فلاَ يُؤَثِّرُ (و) في صِحَّةِ العَقْدِ، لَكِنْ يُؤَثِّرُ فِي الرُّجُوعِ بِالمَهْرِ إِذَا قَضَينَا بِالرُّجُوعِ عَلَى الغَارِّ فِي قَوْلٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخُلْفُ في الشرط، إذا قلْنا: إنَّه لا يُفْسِرُ العقد، وُيثْبِتُ الخِيَارِ، فمَنْ له الخيارُ وإن أجاز العَقْد، كان للزوْجَةِ المهْرُ المسمَّى، وإن فسخ، نُظِر، إن كان قبل الدخول، لم يجِبْ نصف المَهْر، ولا المُتْعة، وإنْ كان بَعْدَ الدُّخول، ففي المهْرِ الواجِب قولان، كما في خيار العيب:
أظهرهما: وهو المنصوص: أنَّ الواجِبَ مهْرُ المثل.
والثاني: وهو مخرَّج: أن الواجِبَ المسمَّى، ونقل أَبُو الْفَرَجِ في "أمَالِيهِ" وَجْهاً: أنَّ الْوَاجِبَ أقَلُّ الأَمرَيْنِ من المسمَّى أو مهْر المثل؛ لأنَّه إن كان المسمَّى أَقَلَّ فَقَدْ رضِيَتْ به في العَقْد، وإنْ كان مَهْرُ المِثْلِ أقلَّ، فلا مَزِيدَ عليه؛ لأن المعوَّض، لم يُسلَّم للزوج، فلا يسلم لها العوض الملتزم، وهل يرجع الزوْجُ، إذا غُرِّمَ المَهْرُ علَى من غرَّهُ؟ فيه التفصيل والخلاف المثبتان في خيار العيب، والحُكْمُ في الكسْوة والنَّفَقة في مدة العدة على ما تقدَّم، إذا تقرَّر ذَلِك قَالَ الأَصْحَابُ: التغريرُ المؤَثِّر هُوَ الَّذِي يكُونُ مقروناً بالعقد على سَبِيلِ الاشتِرَاطُ أما إذا كَانَ سَابِقاً عليه، فَلاَ اعتبارَ به، وفيه وَجْهٌ أَنَّ السَّابِقَ
الجزء: 8 - الصفحة: 148
أيضاً يؤَثِّر علَى ما ذكرنا في نكاح المحلِّل، وَهَذَا الخلافُ في تأثيره في فسادِ العَقْد، وفي إثبات الخِيَار، فأمَّا في الرُّجُوع بالمهر، إذا قضينا بالرجوع على الغَارِّ [فالتغرير] 510 السابق كالمقارن هكذا نقل صَاحِبُ الْكِتَاب وَحَقَّقَهُ الإِمَامُ فَقَال: لاَ يُشْتَرَطُ في تصوير التَّغْرِيرِ دُخُولُ الشَّرْطِ بَيْنَ الإيجَابِ والقَبُول، ولا صُدُورُهُ مِن العَاقِد؛ أَلاَ تَرَى أنَّنا نضمْنَ [الكتابية] 511 والأمة إذا كان التغرير منْهما، وليْسَا بعاقِدين، ولكن يُشْتَرط إتصِاله بالعَقْد، فلو قال: فلانةٌ حُرَّةٌ في معْرِض الترغيب في النِّكَاحِ، ثُمَّ تزوَّجها على الاتصال إما بالوكالة أو بالولاَيَةِ، فهذا تغريرٌ ولم يقصد بما قاله تحريض السامع، واتَّفَقَ بعد أَيَّامٍ أَنَّهُ زوَّجها من سمع كلامه، فلَيْسَ مَا جَرَى بتغرير، وإن ذَكَرَهُ لا في مَعْرِض التحريض، وجرى العَقْدُ على الاتصال، أو ذكره في مَعْرِضِ التَّحْرِيضِ، ولكن جَرَى الْعَقْدُ بَعْدَ زَمَانٍ فَاصِلٍ، ففي كونه تَغْرِيراً تردُّدٌ، ويشبه ألاَّ يعتبر الاتصالُ بالعَقْدِ عَلَى ما يقتضيه إطلاقُ صَاحِب "الكِتَابِ" وكان سببُ الفَرْقِ بين التأثير في الفساد أو في إثبات الخيار، وبين التَّأثِيرِ فِيَ الرُّجوعِ أَنَّ تعلُّق الضَّمَانِ بالتَّغرِيرِ أَوْسَعُ بابًا؛ وَلذَلِكَ ثَبَتَ الرُّجُوعُ علَى قولنا بمجرَّد السكوت عن عيب المنكوحة، إذا قدّم [الطعام إلى المالك، فأكله، وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُقدِّم] 512 في قول واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا غُرَّ بِحُرِّيةِ أَمَةٍ فَوَلَدَتْ انْعَقَدَ الوَلَدُ حُرّاً وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ للِسَّيِّدِ إِذْ فَاتَ رِقُّهُ بِظَنِّهِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرّاً أَوْ عَبْداً وَيرْجِعُ به (و) عَلَى الغَارِّ قَوْلاً وَاحِداً، وَإنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا غَرِمَ، وَإِنْ كَانَ المَغْرُورُ عَبْداً تَعَلَّقَ القِيمَة بِرَقَبَتِهِ فِي قَوْلٍ، وَبِذِمَّتِهِ في قَوْلٍ، وَبِكَسْبِهِ في قَوْلٍ، وَالمُسَمَّى مِنَ المَهْرِ إِذَا لَزِمَ تَعَلَّقِ بِكَسْبِهِ، وَحَيْثُ لاَ يَلْزَمُ فَمَهْرُ المِثْلِ تَجْرِي الأَقْوَالُ الثَّلاَثةُ فِي مُتَعَلَّقِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الغَارَّةُ هِيَ الأَمَةَ تَعَلَّقُ عُهْدَةُ الزَّوجِ بِذَمَّتِهَا (و)، وَالمُكَاتَبَةُ كَالأَمَةِ إِلاَّ أَنَّ لاَ مَهْرَ لَهَا فَإنَّهَا الغَارَّةُ المُسْتَحِقَّةُ وَالسَّيِّدُ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّغْرِيرُ لأَنَّهُ إِنْ قَالَ: إنَّهَا حُرَّةٌ عَتِّقَتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَرْع الكلامُ في ولَدِ المغْرُورِ بالحُرِّيَّة، فإِذا غَرَّ الرَّجُلُ بِحُرِّيَّةِ امرأة، فَبَانَتْ أَمَةً، وحكمنا بصحة النكاح 513، فأولادُه الحاصِلُون منْها قبْلَ العِلْم بالحالِ، أحرارٌ؛ لظَنِّهِ الحرِّيَّة، كما لو وطئَ أَمَةَ الغَيْرِ علَى ظَنِّ أنها أَمَتُهُ، أو زوجَتُه الحُرَّةُ، ولا فَرْقَ في ذلك بيْن أن يجيز العقْدَ أو يفْسَخَ، إذا أثبتنا له الخيار، وكذلك لا فرق بين أن يكونَ الزَّوْج المغْرُورُ حُرَّاً أو عَبْداً؛ لاستوائهما في الظَّنِّ، وعند أَبِي حَنِيْفَةَ إنْ كان الزوْجُ
الجزء: 8 - الصفحة: 149
عبداً، فالأولادُ أَرِقَّاءُ، واحْتَجُّ الأَصْحَابُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالُوْا: مَنْ تَلِدُ لَهُ الْحُرَّةُ حُرَّاً تَلِدُ لَهُ الرَّقِيقَةُ عِنْدَ الغرور حُرّاً كالْحُرِّ، ثُمَّ يجبُ على المَغْرُور قيمةُ الأولادِ لسَيِّد الأمة؛ لأن رِقَّ الأم يقتضي رِقَّ الولد، وإنَّما انْعَقَدُوا أحْرَاراً بِظَنِّهِ، فكأنه فوَّت على السيد رِقَّهم.
وَحَكَى الحَنَّاطِيُّ قَوْلاً: أنه لا يجبُ قيمةُ الولدِ، والمغرورُ معذورٌ في ظَنِّ الحرِّيَّة، وعلى الأوَّلِ، وهو المذْهَبُ: إن كان المغرور حُرَّاً، فالقيمةُ في ذمته مستقرةٌ مأخوذةٌ من مَالِهِ، وإِن كَانَ عَبْداً، ففي [متعلَّق] 514 القيمةِ ثلاثةُ أَقْوَالٍ، حَكَاهَا صَاحِبُ "الكِتَابِ" وابْنُ الصَّبَّاغِ وغيرهما:
أحدهما: أنه يتعلَّق برقبته؛ لأن ظَنَّهُ فوَّت الرقَّ، فَصَارَ كَمَا لَو أَتْلَفَ مَالاً.
والثّاني: يتعلَّق بكسبه؛ لأنه غُرْمٌ لَزِمَ في النكاح، فَأشْبَهَ المهْرَ والنفقةَ.
وأصحهما: وهو المذْكُور في "التَّهْذِيبِ" أَنَّها تتعلَّق بذمته؛ لأنه لا جنايةَ منْه، وإنَّمَا أوهم شيئاً، فتوهَّمه، والحرِّيَّة تثبتُ بحُكْم الشرْعِ، والقيمةُ ليْسَتْ من قضايا النِّكَاح ولوازِمِه، حَتَّى يتعلَّقَ بالكَسْب بخلافِ المَهْر والنَّفَقَةِ، وتُعْتبر قيمةُ الأولادِ يَوْمَ الولادة، فإنَّه أول حالاتِ إِمكانِ التقْويم، وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ يُعتبر فيه يوم المرافعة إلى الحَاكِم، حَتَّى لوَ ماتُوا قَبْلَه، لم يجبْ شيْءٌ، وأما الأولادُ الحاصِلُون بعْد ظُهُور الحالِ، فهُمْ أرِقَّاءُ نعَمْ، لو كان الرجلُ عربياً، ففِي استرقاقِ العَرَب خلافٌ يذكر في موضعه، والظاهر أَنَّهُ لا فرْقَ بين العربِّي، وغيره، ثم في الفصل مَسَائِلُ:
المسألة الأولى 515: في الرُّجُوعِ بالمَهْر المغروم على الغارِّ قولان، كما ذكرنا في الْفَسْخِ بالعَيْب، وأما قيمة الأَولادِ فيرجع الزَّوْج بها على الغارِّ قولاً واحداً؛ لأنه لم يدخل في العقْدِ على أن يَضْمَنَها؛ ولأنَّ المهر وجَب في مقابَلَةِ ما أتْلَفَ من منْفَعَة البُضْع، وغرامة المُتْلَف تستقرُّ على المُتْلِف.
وعن ابنِ خَيْرَانَ وَابْنِ الْوَكِيلِ: أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ قولاً آخَرَ: أنه لا يرجع بقيمة الأولاد، كما لا يرجع المهر في قول، وإذا قُلْنَا بالرجوع، فإنما يرجع، إذا غرم، كالضامن [وقد ذكرنا في الضامن] 516 وجهاً أنَّ له أن يرجع قَبْل أن يغرم فيجيء مثله ههنا، والظاهرُ المنع، وُيبنى عليه أنَّ المغْرُور، إنْ كان عبداً، وعلَّقنا القيمة، بذمته فإنَّما يرْجع على الغارِّ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لأنه حينئذٍ يغرم، أمَّا إذا علَّقناها بِكَسْبه، أو برقبته، وغرم سَيِّدُهُ من كسبه، أو من رقبته، فيرجع في الْحَالِ، وللمَغرُور مطالبةُ الغَارِّ [بتحصيله] 517 علَى ما ذكرنا في الضَّمَانِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 150
المسألة الثانية: إذَا كَانَ المغرورُ عَبْداً، وَقَدْ دَخَلَ بالمنكوحة، فحيث يَجِبُ المُسَمَّى يتعلَّق بكسبه؛ لأنه دَيْنٌ ثابتٌ في معاقدةٍ عَلَى ما يوجب إذْن السَّيِّدِ، ولوجوب المسمَّى تقريران:
أحدهما: أن نقول: الخلف في الشرْطِ لا يُفْسِدُ العقد، ولاَ يثبت الخيارَ للعَبْد.
والثاني: أنْ يثبت الخيار، ويجبر العَبْد.
[والثالث] 518 أن يفسخ، ونقول بالقول المخرَّج، وهو وجوب المسمَّى، وحيث يجب مَهْرُ المِثْلِ، فيتعلَّق برقبته بكسبه أو بذمَّته فيه ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ، ولوجُوب المَهْر تقديران:
أَحَدُهُمَا: أن يحكم بفساد العَقْد، والأقوالُ الثلاثةُ، والحالةُ هذه، مبنيةٌ على أنَّ إذْن السَّيِّدِ في النكاح يتناولُ الصَّحيحَ والفاسدَ منْه، أو يختصُ بالصحيح إنْ قلنا بالأول، فالمهر في كسبه، كما في النكاحِ الصحيحِ، وإِنْ قُلْنَا: يختص بالنِّكَاحِ الصَّحِيح، وَهُوَ الأصَحُّ، فَهَذَا نكاح بغير إذنُ السيِّد، جرى فيه دخولٌ، ومهْر المِثْلِ في مثل هذاَ النكاحِ يكونُ في ذمَّة العبد، أو يتعلَّق برقبته؟ فيه قولان:
أظهرهما: أوَّلُهما.
التقدير الثاني: أن يحكم بصحَّةِ العَقْدِ، وثبوتِ الخِيَار، ووجوب مَهْرِ المِثْلِ عنْد الفسخ، فإذا فسخ، ففي متعلَّق مهْرِ المثل الأَقْوال الثلاثَةُ: لأنَّا إذا أوجَبْنا مَهْرَ المِثْل أَلْحَقْنا النِّكَاح [المفسوخ بسبب مقارن للعقد بالنكاح] 519 الفاسد، وكان الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ يُقَوِّي في هذا التصويرِ قَوْلَ التعليق بالكسب؛ لأنه مَهْرٌ واجبٌ في نكاحٍ صحيحٍ مأذونٍ فيه.
المسألة الثالثة: لا يُتصوَّر الغرور بالحرِّيَّة من السَّيِّدِ؛ لأنه إذا قال: هِيَ حُرَّةٌ وزوَّجها، أو قَالَ: زوَّجتها علَى أنها حُرَّةٌ عَتَقَتْ، وخرجَتَ الصورةُ عن أن يكون نكاحَ غُرُورِ، وإنما يُتصوَّر ذلك من وكيل السَّيِّدِ في التزويج، أو مِنَ المنكوحَةِ نَفْسِها، أو منْهما ولا عِبْرَةَ بقول من ليس بعاقد، ولا معقود 520 عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 151
الصورة الأُولَى: إذا كان الغُرُورُ من الوكيلِ، رَجَع المغْرُور عليه بالقيمة إذا غرمها، وبالمهر إذا أثبتنا الرجُوعَ بالمَهْر.
الصورةُ الثانيةُ: إذا كانَ الغُرُور من الأمةِ المَنْكُوحَة، كان الرجُوعُ عَلَيْها، ولكنْ لا يرجِعُ في الحال، بل يتعلَّق الغُرْم بذمَّتها يُطَالِب به بعْدَ العِتْق.
قَالَ الأَصْحَابُ: ولا يتعلَّق بكسبها؛ لأن الحقوق المتعلِّقة بالكَسْب هي الَّتي يأذن السيد فيها، كدَيْن المعاملة والضَّمَان، ولا إذن ههنا، ولا يتعلَّق برقبتها؛ لأن المتعلِّق بالرقبة بَدَلُ المتلفات، ولم يوجَدْ منها إتلافٌ، وإنَّما نُسِبَت إلى إثبات ظَنٍّ في نفس الزَّوْج، واندفع الرِّقُّ بظنه على موجب المعاقَدَة، لا على سبيل الإتْلاَف، هَذَا هو المَشْهُور، وحكى المُوفَّق بنُ طَاهِرٍ وَجْهاً غَرِيباً: أنَّ حَقَّ الرُّجُوع يتعلَّق برقبتها؛ لأنَّا نزلنا اندفاع الرِّقِّ بظنه منزلة تفويته، حَتَّى غرَّمناه، وكانت هي متسبِّبَّةً إلى التفويت، وفي الصورتَيْن يكون الرجُوع بكمال المهر؛ لأن المَهْر للسّيِّد، وقد أَخَذَهُ، وخرَج الوطء عن صورة الإِباحة.
الصورة الثالثة: إذا غُرَّا جَمَيعاً، فالرُّجُوع عليهما، وفي كيفيَّته وجهان:
أقريهما: وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاق أنه يرجع بالنصف على الوكيل في الحال، وبالنِّصف عليها بعد العِتْقِ.
والثاني: له أن يرجع بالكلِّ على من شاء منْهما على الوكيل في الحَالِ، وعليها بعد العِتْق، ثم إذا رَجَعَ هَكَذَا، قَالَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" يرجع المأخوذُ منْه بالنِّصْف على الآخر، وقَالَ الحَنَّاطِيُّ وغيره؛ لا يرجع وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الآخر؛ لأنَّ التغْرِيرَ كاملٌ من كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا، وَلَو ذكرت للوكيل حرِّيتها، وذكر الوكيلُ للزَّوْج، فيرجع المغُرور عَلَى الْوَكِيلِ في الحَالِ، وَالْوَكِيلُ عليها بعْد العتق، وَإنْ ذكرتْ للوكيل حُرِّيَّتَهَا، ثم ذكَرَتْ للزَّوْج، فَالرُّجُوعُ عليها، وَإِنْ ذَكَرَ الوكيلُ للزْوجِ أيضاً؛ لأنَّها لما شَافَهَتِ الزَّوْجِ، خرَجَ الوكيل من الوَسَط، هكذا ذكره في "التَّهْذِيبِ" [واللهُ أَعْلَمُ] وعلى هذا فصُورةُ تغريرِهِما ما إذا ذَكَرَا معاً، والله أعلم.
المسألة الرابعة: التي غُرَّ، [بحريتها] 521 إنْ خرجت مدَبَّرةً، أو مكاتَبَةً، أو أمَّ ولدٍ، = الثانية: لو كان مفلساً محجوراً وأذن له الغرماء.
الثالثة: لو كان سفيهاً وزوجها بإذن وليه.
الرابعة: إذا قال زوجتك ابنتي ولو ينوِ به العتق وظن الزوج حريتها بناءً على أن أباها حُر.
ذكر هذه ابن أبي الدم.
الخامسة: تزويج المشتري قبل القبض إذا فرعنا على الضعيف أن العتق قبل القبض لا ينفذ.
الجزء: 8 - الصفحة: 152
أو معْتَقَةً أو معتقة بصفة، فالكلامُ في صِحَّةِ النِّكَاحِ، ثم في إثْبَاتِ الخيار كما سبق فيما إذا خرجت قِنَّةً، نَعَمْ، إذا خرجَتْ مكاتَبةً، وفُسِخَ النكاحُ، فلا مَهْرَ لَهَا، إذا كان الغرورُ منْها؛ لأن المهر للمكاتَبَةِ، فلا مَعْنَى [للغرم] 522 لها، والاسترداد منْها، وَهَلْ يَجِبُ لَهَا أقلُّ ما يصلح مَهْراً فيه الخلافُ المذكورُ في العُيُوب، والأولادُ الحاصِلُونَ قبل العلم بالحال أحرارٌ، وعلى المَغْرور قيمتُهُمْ، ولمن تكون القيمةُ؟ يبنى ذلك على أنَّ وَلَدَ المكاتبَة قِنٌّ للسيد، أو مُكَاتَبٌ، تبعاً للأُمِّ، حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِها؟ فيه قولان، وإذا قُلْنَا مكاتَبٌ، فلو قتل فللقيمة للسيد، أو للمكاتَبَة تستعين بها في أداء النُّجُوم فيه 523 قولان، مَوْضِعُ بيانهما "كتاب الكتابة" وإنْ قُلْنَا: إنه قِنٌّ للسيد، أو قلْنا: إنَّ القيمةَ له، وإن تَكَاتَبَ، فالمغرور ههنا يغرم قيمة الأولاد للسيد، ويرجع بها على الوكيل، وعليها، وإن غرت، فتأخذ من كسبها، فإن لم يكن لها كَسْبٌ، فهو في ذمَّتها إلَى أن تعتق.
وإنْ قُلْنَا: إنَّ القيمة لَهَا فَإِنَّ صدر الغرور منْها، لم يغرم القيمة لها، كالمَهْر، وإنْ صَدَر مِنَ الوكيل، غرم لها، ورجَع على الوَكيل.
فَرْعٌ: إذا حَكَمْنَا ببُطلانِ النِّكَاح للخُلْف في الشرط، فالرُّجُوع بالمَهْر، إذا غرم الزوج مَهْرَ الْمِثلِ، لجريان الدخول، والرجُوع بالقيمة إذا أولدها، وغرم قيمة الولد؛ على ما ذكرنا تَفْريعاً على تصحيح النِّكَاحِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو انْفَصَلَ الوَلَدُ مَيَّتاً فَلاَ قِيمَةَ لَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ جَانِ فَيُغَرَّمُ عَاقِلَةُ الجَانِي الغِرَّةِ لِوَرَثَةِ الجَنِينِ، وَيُغَرَّمُ المَغْرُورُ عُشْرَ قِيمَةِ الأَمَّ للسَّيِّدِ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ يُغَرَّمِ أَقَلِّ الأَمْرَيْنِ من عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ أَوْ مَا سُلِّم لَهُ بِالوِرَاثَةِ مِنْ غِرَّةِ الجَنِينِ، لأَنَّهُ لَوْلاَ الغِرَّةُ لَمَا غُرِّمَ المَيِّتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا من وجوب قيمةِ الولدِ موْضِعُه ما إذا انفصل الجَنِينُ، حَيّاً، فأَمَّا إذا انْفَصَل مَيِّتاً، فيُنْظر؛ إن انفصلَ من غير جناية؛ لم يلزمه شيء؛ لأن حَيَاتَهُ غير متعينة، وحكَيْنا فيما إذا وطِئَ الغاصب، أو المشتَرِي منه الجاريةَ الْمَغْصُوبَةَ عن جَهْلٍ بالتحريم وأحبلها، وانْفَصَلَ الولَدُ ميتاً وجهاً: أنه تجبُ قيمته، ولو كان حَيّاً؛ لأن الظَّاهِرَ الحياة، فَلْيَجْرِ ههنا، وإِنِ انْفَصَلَ ميتاً بجنايةِ جانٍ؛ بأن ضَرَبَ ضَارِبٌ بَطْنَهَا، فأجهضت، فتُصوِّر ذلك على وجوه:
أحدها: أن تَصْدُر الجنايةُ من أجنبيٍّ، فَيَجِبُ علَى عاقلته غرة الجنينِ؛ لانعقاده
الجزء: 8 - الصفحة: 153
على الحرِّيَّة، وإذا انفصَلَ مضموناً، غرمه المغرور؛ لأنه يغرم له [فيغرمه] 524 عليه، كما أن العبْدَ الجانِيَ، إذا قَتل، تعلَّق حَقِّ المجنيَّ عليه بقيمته، ولو مات، لم يكُنْ على السيد شيْءٌ، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن أبَا إِسْحَاقَ ذَكَر وجهاً آخَر: أنَّه لا يُغَرَّمُهُ؛ لأنه لا قيمة للميِّت.
والظَّاهِرُ: الأول [وضمانه عشر قيمة الأم] 525 فإن الجنينَ الرقيقَ يُضْمَن بهذا القَدْر، فإن كان قيمة الغرة مثْلَ عُشْر قيمة الأم، أو كانَتْ أكْثَرَ منه، فالمستحقُّ للسيد عُشْرُ القيمة، وإن كان العُشْرُ أكْثَرَ، فَوَجْهَانِ:
أظهرهما: عند الإِمام، وهو اختيار القاضي حسين ونسبه صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" إلى الْعِرَاقِيِّينَ: أنه يستحقُّ العُشْر؛ لأنه لو انفصل رقيقاً، والحالةُ هذه، لَوَجَبَ على اَلجانِي عُشْرُ قيمة الأم، فإذَا فوَّت على السيد ذلك، فله غُرْمه، وهذا كما أنه يستحقُّ قيمته عند انقصاله حَيّاً، وإن زادَت عَلَى قَدْرِ الدية.
والثَّانِي: أنَّه ليْسَ له إِلاَّ قدْرُ الغرَّة؛ لأن سبب غرامة الميت تقوُّمه، بالجناية، وَإِنَّمَا تقوم بالغرة، فلا يرتد الواجِبُ عليها، ويُعَبَّرُ عن هذا بأنَّ المستحقَّ أقلُّ الأمرَيْنِ من الغرَّة وعشر قيمة الأم، إلى هذَيّن الوجهَيْن يرجع ما حكاه أبو الفرج الزاز من اختلافِ الأصْحَابِ في محل الغُرْم المستحقُّ.
فمنهم من قال: إنّه على المغرور، والغرَّة تُسلَّم لورثة الجنين، وهذا بناءً على أن السَّيِّدَ يستحقُّ العُشْرَ، بسبب ما فوَّته المغرورُ عليه بظنِّه، وعلى هَذَا لا يُتوقَّف تغريمه على حصول الغرَّة له.
ومنهم من قال: إنما لم يستحقَّه السيد بتعلُّق بالغرة فيأخذ منها حقُّه، فإِن فضل شيء، كان لورثةِ الجَنِين، وهذا بناءً على أَنَّ ما يستحقُّه يستحقُّه بسبب الغرة فيتمسك بها، كما أن العبَد الجانِيَ إذا قَتَلَ، يتعلَّق حقُّ المجنيِّ عليه بقيمته، وعلى هذا، لا يغرم المغرور، حَتَّى يَأْخُذَ الغرَّة، وُينْظَر إِلَى ما يحْصُل له من الغِرَّة [فَإنْ كَانَ يجوز ميراث الجنين، فَذَاكَ، وَإلاَّ فيغرم أقل الأمرين من حصته من الغرة] والعُشْر، ولا يُتصوَّر أَنْ يَرِثَ مَعَ الأَبِ المَغْرُورِ إِلاَّ الجَدَّة أمِّ الأم، ولا تَسْقُط بالأمِّ؛ لأنَّها رَقِيقَةٌ، والظاهرُ الوجْهُ الأول.
وقوله في الكتاب: ["فتغر] 526 عاقلة الجاني الغرَّة لورثة الجنين" يوافقه، وقرَّب بعضهم الوجهين في أَنَّ الواجِبَ عُشْرُ قيمة الأم، أو أقلُّ الأمرَيْنِ من القولَيْنِ في أنَّ
الجزء: 8 - الصفحة: 154
السَّيِّدَ، إذا أراد فداء العبد الجانِي يفديه بالأَرْش بالغاً ما بَلَغ، أو بأقلِّ الأمرين واستبعد الإِمام أخْذَ ما نَحْنُ فيه من فداء العبد الجانِي؛ لأن الأَرْشَ هناك متعلِّق بالعبد، والسيِّدُ يريد استيفاءه، فيتجه ألا يلزم أكثر من قيمته، فَإِنَّه سلَّمَه للبَيْع، لم يَحْصُل إلاَّ قَدْرُ ثمنه ظَاهِراً، وَالَّذِي يضمنه المغرور ههنا سَبَبُهُ التفويتُ، فيغرَّم قيمة المفوّت.
والثاني: أنْ تصدر الجنايةُ من المغْرُور نفسه، فَعَلَى عاقلته الغرَّة، وَيجِبُ عَلَى الْمَغْرُور عشْرُ قيمة الأم، إن اعتمدنا التفْويتَ، وأوجبنا تمام العُشْر، فإن زَادَ على الغرَّة، وتسلم الغرة للورثة، وإن قصَّرنا النَّظَر على الغرة، وأوْجَبنا أقلَّ الأمرين، فيتعلَّق حَقُّ السَّيِّدِ بالغرَّة، فيؤدّي منْها، وما فَضُلَ يكون للورثة، وعلى التقديرَيْن لا يَرِثُ المغرور شيئاً منْها؛ لأنَّه قاتل، ولا يَحْجُبَ مَن بَعدَهِ مِنَ العَصَبات، فإنْ كان المَغْرور عَبْداً، فالغرَّة تتعلَّق برقبته، ثُمَّ إِنْ نَظَرْنَا إِلى الغرة، ولم نوجِبْ زيادةً عليها، فهذا حصلَتِ الغرَّةُ صُرِفَ إلى السَّيِّدِ منْها عُشْرُ قيمة الأم، فإنْ فَضُل شيء، فهُوَ للورثة، وإن اعتمدنا التفويت، سلمت الغرَّةُ للورثة، وَحقُّ السَّيِّدِ يتعلَّق بذمَّة المَغْرُور، [و] الثالث: أن تصدر الجناية من عَبْدِ المَغرُورِ فإنِ اعتمدنا التفْوِيت، فَحَقُّ سيِّدِ الأمة على المَغْرُور، ولا تتعلَّق الغرَّةُ برقبته، إن كان المغَرورُ حائزاً لميراثِ الجَنِين؛ لأنَّه لا يستحِقُّ علَى عبده شيئاً، وَإنِ اجْتَمَعَتْ جدةِ الجَنِينِ معَه تعلق نصيبها برقبته، وإنْ قَصَرْنا النَّظَر علَى الغرَّة، تعلَّقت الغرةُ برقبته، ليؤدّي منْها حقّ السيد، فإنْ فضل شيء، فَعَلَى ما بَيَّنَا.
والرَّابعُ: أن تصْدُر الجنايةُ من سيد الأمة، فَعَلَى عاقلته الغرَّة، ثُمَّ إن اعتمدنا التفويت، سلمت الغرة للورثة، وغرِّم المغرورُ للسيِّدِ عُشْرَ قيمةِ الأم.
قَالَ الإمَامُ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: ويجوز أن يُقَالَ: انفصالُه بجناية السيِّد كانفصاله بلا جنايةٍ، فَلا يغرَّم المغرور له شيئاً، وإن قصَرْنا النَّظَر على الغرة، فإذا حصَلَتْ، يُصْرَفُ منْها العُشْر إلى السيِّد، فإن كان قد فضل شيْءٌ، فهو للورثة.
قال الإِمام وإذا كانَتِ الغرَّةُ قدْر العشر أو أقلَّ وصرَفْنَاهَا إلى السيد، كان الحاصل إيجابَ مالٍ عَلَى عاقلة الجانِي للجانِي، وهو مستبْعَدٌ، والله أَعْلَمُ قال.
فرعان
:
الأول: حَكَى الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ وغيره طَرِيقَيْنِ في خيار الغُرُور، هَلْ هُوَ على الفَوْر؟.
أشبههما: نَعَمْ، كَخِيَارِ العَيْب.
والثَّانِي: أنه على الأقْوَال الَّتِي [سنذكرها] 527 في خيار العِتْق، وفي "التَّهْذِيبِ" إنَّا
الجزء: 8 - الصفحة: 155
إذا أثبتنا الفَسْخ ينفرد مَنْ له الخيارُ بالفَسْخ، ولا يُحْتَاج إلى الحاكِم، كفَسْخ البيع بالعيب ولكنْ هذا الخيارُ مختلفٌ، فيه فإنا نُبْطِلُ العقْدَ علَى رأي، وبتقديَرِ الصحَّة، ففي الخيار اختلافٌ، فليكن كفسخ النِّكَاحِ بالعَيْبِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْعِتْقُ) وَإِذَا عَتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الخِيَارُ، وَإِنْ عَتِقَتْ تَحْتَ حُرٍّ فَلاَ خِيَارَ (ح).
وَإِنْ عَتَقَ نِصْفُهَا فَلاَ خِيَارَ (ز)، وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ مَنْ نِصْفُهُ رَقِيقٌ فَلَهَا الخِيَارُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الفَسْخِ طَلاَقاً رَجْعِيّاً فَلَهَا الفَسْخُ لِيَنْقَطِعَ سُلْطَانُ الزَّوْجِ، وَإِنْ أَجَازَتْ لَمْ يَنْفُذْ؛ لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَقِبلَ: يُخَرَّجُ عَلَى وَقْفِ العُقُودِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ بَائِناً بَطَلَ خِيَارُهَا، وَلَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ فَلاَ خِيَارَ لَهُ (و)، وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ المَسِيسِ، فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وإنْ فَسَخَتْ بَعْدَ المَسِيسِ فَلسَّيِّدِ كَمَالُ المُسَمَّى قَوْلاً وَاحِداً، وَهَذَا الخِيَارُ أَيْضاً عَلَى الفَوْرِ (ح)، وَفِي قَوْلٍ يَتَمَادَى إلَى ثَلاثةِ أَيَّامٍ، وَفِي قَوْلٍ لاَ يَسْقُطُ (ح) إلاَّ بِإسْقَاطٍ أَوْ تَمْكِينٍ (ح) مِنَ الوَطْءِ، فَلَوْ مَكَّنَتْ ثُمَّ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِالْعِتْقِ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا إِذَا حَلَفتْ، وَلَوِ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِأَنَّ الخِيَارَ عَلَى الفَوْرَ لَمْ تُعْذَرْ، وَلَوِ ادَّعَتِ الجَهْلِ بِثُبُوتِ أَصْلِ الْخِيَارِ فَتُعْذَرُ عَلَى قَوْلٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من أسبابِ الخيار حدوثُ عتْقِ المنكوحة، فهذا عَتَقَتِ الأَمَةُ تحْتَ عبْدٍ، ثَبَتَ لها الخيار، لِمَا رُوِيَ أن بَريرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 528 - وَكَانَ زَوْجُهَا عَلَى مَا رُويَ عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنْهُمْ- عَبْداً 529.
الجزء: 8 - الصفحة: 156
وِإَنْ عَتَقَتْ تحْتَ حُرٍّ، فَلاَ خِيَارَ لَهَا، وبه قَالَ أحْمَدُ ومَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَهَا الْخِيَارُ، دليلُنا أنَّ الكمالَ الحادِثَ لَهَا حاصلٌ للزَّوْج، فأشبه ما إذا أسلمتُ كتابيةٌ تحْتَ مسْلِمٍ، وليسَ كَمَا إذا أُعْتِقَتْ تحْتَ عبد؛ لأنها تتضرَّر هناك من حَيْثُ إِن سيِّدَهُ يمْنَعُه عنها، ولا نفقَة لولدها عليه، ولا ولايَةَ له علَى ولدها، ولا يَرِثُ منه، وههنا بخلافه، وإنما يثبت الخيار، إذا عُتَق كلُّها، فأَمَّا إِذَا عتق بعضها، فَلاَ خيارَ لبَقَاءِ النّقْصَان، أو أحكامِ الرِّقِّ خِلاَفاً لِلْمُزَنِيِّ فيما رَوَى الْموفق بنُ طَاهِرٍ.
ولو دُبِّرَت أو كُوتَبَتْ، أو عُلِّق عَتْقُها بصفةٍ، فكذلك لا خيار، ولو عَتَقَت تحْت من بعْضُه رقيقٌ، أو تحْتَ مكاتَبِ، أو مدَبَّرِ، ثبت لها الخيارُ؛ لوجود النقصان فيه، ولا فَرْقَ في ثبوت الخيار بَيْن أن تطرأ الحريةُ، قِنَّةٌ وهي، أو تطْرأَ، وهيَ مكاتَبةٌ، أو مدَبَّرةٌ، ولو عَتَق الزوْج، وتحته أمةٌ ففيه وجه أو قول أنَّ لَهُ الْخِيَارِ، كما في الطَّرف الآخر، ولهذا يُسوَّى بينهما في خيارِ العَيْب، والظَّاهِرُ المنْعُ؛ لأن معتمدَ هَذا الخيار الخَبَرُ، وليستِ الصورةُ في معْنَى صورة النصِّ؛ لأنه لا يتعيَّر باستفراش النَّاقِصَة، ويمْكِنَه التخلُّص بالطَّلاق، ولو عَتَقَا معاً، فلا خِيَارَ.
ويثبت خيار العِتْق للصَّبيَّة والمجْنُونة عنْد البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ، ولا يقوم الوليُّ مقامهما في الفسخ والإِجازة؛ لأنه خيارُ شهوةٍ وطبعٍ، ولو عتَقَ اَلزَّوْج قبل أن تفسخ العتيقةُ، فقولان:
أظهرهما 530: وهو المنصوص في "الْمُخْتَصَرِ": أنه يبطل خيارُها؛ لزوال الضَّرَر، والخلافُ في المسألة كالخلافِ في الرَّدِّ بعْد زوال العَيْب، وفي الأخْذِ بالشُّفْعَةِ بعْد بَيْع ما تستحقُّ به الشُّفْعَةُ، ثم فيه مَسَائِلُ.
المسألة الأولى: لو طلَّقها الزوج طلاقاً رجعياً، فعَتَقَت في العدة، فلها الفسْخُ؛ لتقطع سلْطنةَ الرَّجْعة، وتدفع تطويل الانتظار؛ لأنَّها لو أَخَّرَتِ الْفَسْخَ إلَى أن يراجع = عائشة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: إن شئت أن تثوي تحت العبد، قال المنذري: روي عن الأسود أنه قال.
كان عبداً، فاختلف فيه عليه، مع أن بعضهم يقول قوله: كان حراً من قول إبراهيم، وقيل: من قول الحكم وأما رواية ابن عمر: فرواها الدارقطني والبيهقي من حديث نافع، عن ابن عمر قال: كان زوج بريرة عبداً، وفي إسناده ابن أبي ليلى، وقد رواه البيهقي من رواية نافع عن صفية بنت أبي عبيد، وإسناده أصح، وهو في النسائي أيضاً، وأما رواية ابن عباس: فرواها البخاري من رواية القاسم بن محمد عنه: أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث، كأني انظر إليه يطوف خلفها يبكي، الحديث.
ورواه أحمد وأبو داود [2231 - 223] والترمذي والطبراني، وفي رواية الترمذي: أن زوج بريرة كان عبداً أسود لبني المغيرة يوم أعتقت.
الجزء: 8 - الصفحة: 157
كانَتِ العدَّة من يومئذٍ، وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ وجْهٌ عن صاحب "التَّقْرِيبِ" أن الفسْخَ موقوفٌ، إن راجعها، نَفَذَ، وإلاَّ، فَلاَ، وإِذَا فسَخَتْ، فتستأنف عدةً أخَرى، أم يكفي بقيَّةُ تلك العدة؟ فيه قولان، كما لو طلَّق الرجعيَّةَ، طلقةَ أخرَى، وإذا قُلْنَا بالبناء، فتكمل عدَّةَ الحرائرِ، أم تكْفِي عدة الإِمَاءِ؟ فيه خلافٌ وموضع بيان ذلك "كتاب العدة" ولو أخَّرت الفسخ، فلَهَا ذلك، ولا يبطُلُ خيارُها؛ لأنها بصدَدِ البينونة، وقد لا يراجِعُها، فَيَحْصُل الفراقُ من غير أن تُظْهِرَ من نَفْسِها الرغْبةٍ عنه، ولو أجازَتْ، لم تنفذ الإِجازة؛ لأنَّها محرمةٌ منتهيةٌ إلى البينونةِ، والإِجازةُ لا تلائمُ حالها.
قَالَ الإمَامُ: ولم يخرِّجوه على وقْف العقود؛ لأنَّ شرط الوقْفِ أن يَكُونَ موردُ العقْد قابلاً لمقصودِ العَقْدِ؛ ألاَ تَرَى أن بيع الخمر لا يوقَفُ إلى أن يتخلَّل، وهي على حالتها غَيْرُ مستحيلةٍ، وَحُكِيَ عَن الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ حكايةُ وجهٍ في نفوذ إجازتها وصاحب "الكتاب" نقله عن بعْضِهِم تخريجاً على وقْفِ العقود، فإنْ راجعها، نفَذَت، وإِلاَّ لَغَتْ.
ولو ثبت لَهَا خِيَارُ العِتْقِ، فطَّلقها قبل أن تفسخ، فإنْ كان الطلاقُ رَجعِياً بقي حقّها في الفسخ، والحكم كَمَا إذا أُعْتِقَتْ في العدة، وإن كَانَ الطَّلاَقُ بَائِناً، فَعَنْ نَصِّهِ في "الأم": أنه موقوف [إن فسخت] 531 بَانَ أنَّ الطَّلاَقَ لم يَقَع، وإن لم تفْسخ، بَانَ أن الطلاقَ وقع؛ لأن تنفيذه في الحالِ يُبْطِل حقاً من الفسخ فليمتنع، وأيضاً، فإِنَّه، إذا طلَّق في الردَّة يكون الطَّلاَقُ مَوْقُوفاً، فكذا ههنا، وَالأَصَحُّ المذكورُ في "الكتاب"، وهو المنقول عن نصِّه في "الإِملاء": أَنَّه يقع الطلاقُ؛ لمصادفته للنكاح، وَيبْطُلُ الخيار، وليس كَالطَّلاقِ في الرِّدَّة؛ لأن الانفساخَ بالرِّدَّة يَسْتَنِدُ إَلَى حالةِ الرِّدَّة، فتبيَّن أَنَّ الطَّلاَقَ لَمْ يصادف النكاح، والفَسْخُ بالعتْق لا يستندُ إلَى ما قبله، ومنهم مَنْ لَمْ يُثْبِتِ الْقَوْلَ الأوَّلَ، ولو طَلَّقَ الزوْج المعِيبُ قبل فسْخِ الزوجة، ففي نفوذ الطَّلاَقِ أو وَقْفِه هذا الخلاف 532، ويجوز إعلامُ قوله في "الكتاب" "وإن أجازت لم ينفذ" بالواو؛ للوجْه الذاهب إلى أن تنفيذها مطْلَقاً.
المسألة الثانية: إنْ فَسَخَتِ العتيقةُ النِّكَاحَ قبل الدخول، سَقَطَ الْمَهرُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا منْعُها من الفسخ؛ فإنه مشروع لدَفْع الضَررِ عن نفسها، وإن فَسَخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ، نُظِرَ؛ إن تقدَّم الدخولُ على العتْق، وجب المسمَّى، وإن تأخَّر عن العتق، وكانتْ هي جَاهِلَة بالحال، فيجب مهْرُ المثل أو المسمَّى جعله صاحب "التَّهْذِيبِ" على الخلاف المذكور فيما إذا حدَث العَيْبُ، ثم جرى الدُّخُول، ثم فُرِضَ الفسخ.
الجزء: 8 - الصفحة: 158
وقال: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَهْرِ المثل؛ لأن سبَب الفَسْخ قد يقدَّم على الدخول، فكأنه وُجِدَ يوْمَ العَقْد، وعلى هَذَا، جرى أئمَّتنا العراقيُّون، وربَّما اقتصروا عَلى وجوب مهر المثل، ولم يذْكُروا فيه خلافاً، ورجَّح جماعة قولَ وجُوب المُسمَّى وزاد الإِمام، وَصَاحِبُ "الْكِتَابِ" فقالا: "إذا جرى الفَسْخُ بَعْدَ الدخول يجب المسمَّى، ولا يجري فيه القولُ المنصوصُ في العُيُوب أنه يجِبُ مَهْر المثْل فيه" ووجَّهاه بأنَّ المهْر للسيد لاَ لها، وهو بالإِعتاق محْسِنٌ إليها، فلا ينبغي أنْ يُرَدَّ إلى مهر المثل، وقد يعترض عليه الأولون، بأنَّ مهْرَ المِثْل قد يزيدُ علَى المسمَّى، وبتقدير أن يزيد المسمَّى، فلا يبعدُ أن يجب الردُّ إلى مَهْرِ المثْل قضية للفسخ، وإن لم يكن المهرُ لَهَا، كما يسْقُطُ جميعه، إذا فَسَخت قَبْل الدخول، وسواءٌ وَجَبَ مهْر المثل أو المسمَّى، فإنَّه للسيد، وكذا لو اختارَتِ المُقَامَ معه، وجرَى في العقد تسمية صحيحة أو فاسدة، فَالْمَهْرِ للِسَّيِّدِ، لأنَّه وجَبَ بالعقْد، وإن كان السيد زوَّجَها على صور: التفويض، فإن دخل بها الزوْج، أو فرض لها قبل العِتْق، فهو للسيد أيضاً، وإن عتقت، ثم دخل بها، أو فرض لها فقولان: في أن الْمَهْرَ لها، أو للسيِّد؛ بناءً على أنَّ مَهْرَ المفوِّضة يَجِبُ بالعَقْد، أو بالفَرْض، أو بالدخول.
المسألة الثالثة: خيارُ العِتْقِ على الفَوْر في أظهر القولَيْن، كخيار العَيْبِ في البيع وغيره.
وَالثَّانِي: على التَّرَاخِي؛ لأنه رُوِيَ أن زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ يَطُوفُ خَلْفَهَا، وَيبْكِي؛ خَوْفاً: مِنْ أَنْ تُفَارِقَهُ، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَشْفَعَ إِلَيْهَا، فَلَمْ تَقْبَلُ، وَفَارَقَتْهُ 533، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرَ، لَبَطَلَ حَقُّهَا بِالتَّأْخِيرِ، واسْتغنَى عن الشَّفاعة، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلاَنِ:
أحدهما: أنه يمتدُّ ثلاثَةَ، أيام: لأنَّها قد تحتاجُ إلَى نَظر وَتَأمُّلٍ، لتَعْرِفَ المصلحةَ، ومدة الثَّلاَثِ قريبةٌ، وهي مدةُ التروِّي في الشَّرْع.
والثَّاني: تمتدُّ إلى أن تصرِّح [بإسقاطه] 534 أو تُمَكِّنَ من الوطء طائعةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِبَرِيرَةَ: "إِنْ كَانَ قَرَبَكِ، فَلاَ خِيَارَ لَكِ" 535 وعن حَفْصَةَ -
الجزء: 8 - الصفحة: 159
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- مِثْلُ ذَلِكَ، وقد يُتركُ التنْزِيل، ويقال: في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ، كما في "الكتاب" وفي "الشَّامِلِ"؛ أن بعض الأصحاب ذَهَبَ إلى أنَّ خِيَارَهَا مقدَّرٌ بالمجْلِس.
التفريع: إن قُلْنَا: إنَّه على الفَوْر، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا في الرَّدِّ بالعَيْب، وفي الشُّفْعَة، وذكر الإمام -قَدَّسَ اللهُ رَوحَهُ- تفريعاً على القَوْل الثاني؛ أن ابتداء الأيَّام الثَّلاَثَةِ تُحسبُ من وقْت تخييرها، وَذَلِكَ إذا علمت بالعِتْق، وبتأثيره في الخيار، ولاَ تُحسبُ من وقْت العِتْق، وذكر تفريعاً على القول الثالث: أنَّها لو مَكَّنت، ولكن لم يُصِبْهَا الزوْجُ لا يبطلْ حَقِهَا؛ لأن التمكين من الوطء لا يتحقَّق إلا عند حصول الوطء، وإنَّه لو أَصَابَهَا الزوج قَهْراً، ففي سقوط الخيار تردُّد؛ لأنها كانت متمكِّنة من الفَسْخ عند الوطء فإن كانَ قد قبض علَى فيهَا، فلا تردُّد في بقاء حَقِّهَا وحكى القاضِي ابنُ كَجٍّ تفريعاً علَى [هذا القول] 536 وجهين فيما إذا قال: أصبتها، وأَنْكَرَتْ، في وجْه يُصدَّقُ الزوج؛ لأن الأصْلَ بقاء النِّكَاحِ، وفي وجْهٍ: تُصدَّق الزوجة؛ لأن الأَصْلَ عدَمُ الإِصابَةِ، وبقاءُ الخيار، ولو تمكَّنت من الفسخ، ولم تَفْسَخ وقلْنا بالقول الأوَّل؛ أو مضتْ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، ولم تفْسَخ، وقُلْنَا بالْقَولِ الثَّانِي، أو مكَّنت من الوطء وقلْنا بالقول الثالث، ثم ادَّعت الجَهْلَ بالعِتْق، فالَقولُ قولُها مع يمينها، إن لم يُكَذِّبْها ظاهرُ الحال؛ بأن كان السيِّدُ غائباً وقْتَ العِتْق، وإن كذَّبها ظاهرُ الحال؛ بأن كانت معه في بيته، وبعُدَ خفاءِ العِتْق علَيْها، فالمصدَّق الزوج، ومنهم من أَطْلَقَ في الْمَسْأَلَةِ قولَيْن، ويحْكَى ذلك عن أبي إِسْحَاقَ، والظاهرُ الأول، وإنِ ادَّعَتِ الجَهْلَ؛ بأن العتق يُثْبِتُ الخِيار، فقولان:
أحدهما: أنها لا تصدَّق ويبطل الخيار، كما إذا قَالَ الْمُشْتَرِي لم أعلم أنَّ العَيْبَ يُثْبِت الخيار.
وأصحُّهما: التصْدِيقُ؛ لأن الأصل عدَمُ العِلْم، ويخالف خيار العيب؛ لأنه مشهور يعرفه كلُّ أحد، وهذا خفيٌّ لا يعرفه إلا الخواصُّ.
وحكَى أبو الفرج الزاز طَرِيقةً قَاطِعَةً بالقول الأول، وهي بعيدةٌ وأما قوله في الكتاب: "ولو ادَّعَتِ الجَهْلَ بَأَنِ الخيارَ عَلَى الفَوْرِ لم تْعْذَر" 537 فيجوز أن يُوجَّه بأن الغالِبَ أنَّ مَنْ علم أصْلَ ثبوت الخيار يَعْلَم كونه أيضاً على الفَوْر، وإذا علمتْ أن ههنا خياراً، بسبب النقصان أشبه أن تعرف التحاقه به، ولم أَرَ تعرُّضاً لهذه الصورة في سائِرِ كتب الأصحاب، نعم، صوَّرها العَبَّادِيُّ في "الرقم" وأجاب بأنَّها، إن كانت قديمة العهد
الجزء: 8 - الصفحة: 160
بالإِسْلاَم، وَخَالَطَتْ أَهْلَهُ لَمْ تُعْذَر، وإنْ كانتْ حديثةَ العَهْد، أو لم تخالط أهلَهُ، فقولان، وإذا عَرَفْتَ جميع ما ذكرنا، أَعْلَمْتَ قوله في "الكتاب قولاً واحد" بالواو، وكذا قوله "لم يسقط خيارها"، وقوله: "لم تعذر".
وقوله "آخراً "على قول" ويجوز أن يُعْلَم الحكْمُ في الأقوال، الثلاثة بالحاء؛ لأن عند أَبِي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يجب لها الخيارُ [ما دامت] 538 في المجلس، كالوجه المنقول عن "الشَّامِلِ" وحينئذٍ، فلا يكون على الفَوْر، ولا يتقدَّر بثلاثة أيام، ويسقط من غير إسقاط وتمكين من الوطء.
فَرْعُ: هذا الفسْخُ لا يحتاج إلَى مراجعة الحاكم، والمرافعة إلَيْه؛ لأنه ثابت بالنص والإِجماع، فأشبه الردَّ بالعيب والشُّفْعة 539.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الرَّابعُ: العُنَّةُ) وَمَهْمَا وَقَعَ اليَأْسُ عَنِ الوَطْءِ بجَبِّ أَوْ عُنَّةِ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ ثَبَتَ لَهَا الخِيَارُ، وَفِي إِلْحَاقِ الإِخْصَاءِ بالجَبِّ قَوْلاَنِ، وَالعُنَّةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَ الوَطْءِ لاَ تُؤَثِّرُ، ولَوْ عُنَّ عَنِ امْرَأَةٍ دُونَ غَيْرِهَا فَلَهَا الخِيَارُ، وَلَوْ عُنَّ عَنِ المَأْتَى وَقَدَر عَلَى غَيْر المَأْتَى فَلَهَا الخَيارُ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَدْ مَرَّ في فَصْل العيوب أن العُنَّة من أسباب الخيار؛ لأنها تُفوِّت الجماع، وتوجب اليَأْس منْه، والجَبُّ أيضاً يثبت الخيار، إن لم يَبْقَ ما يمكن الجماع به؛ بأن اسْتُؤْصِلَ العُضْو، وكان الباقي دُونَ قَدْر الحَشَفَةِ، فإنْ بقيَ قَدْر الحَشَفة أو أكثر، فلا خِيار بسبب الجب وفي كتاب القاضي ابنِ كَجٍّ أن أبا الطَّيِّب بْنَ سَلَمَةَ خرَّجه على قولين، كَمَا في الخصَاء، والمذهبُ الأولُ، لكن لو عَجَز عن الجِمَاع به، فهُو كالسَّليم، إذ عَجَز، فتضرب له المدة.
وعن الشَّيخِ أبي حَامِدٍ: أنه يثبت الخيارُ في الحالِ؛ لأنَّ العيْبَ متحقِّقٌ، والظَّاهِرُ دوام العَجْز، وفي معناهما المَرَضُ المِزْمنُ الذي لا يتوقَّع زواله، ولا يمكنُ الجماعُ معه ذَكَرَهُ الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ وغيره، وإذا وجدت المرأة زوجَها خصيّاً مَوْجُؤ الخِصْيَتَيْنِ أو مسلولَهِما، فَهَلْ لَهَا الْخِيَارُ فيه قولان:
أحدهما: نَعَمْ؛ لأن في المقام تحته عاراً عليها؛ ولأنه لا يَلِدُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 161
وأصحُّهما: المنع، وقد قطَع به بَعْضُهم 540، لبقاء آلة الجماع، وقدْرَته عليه، ويقال: إنَّه أقدر عليه؛ لأنه لا يُنْزل، ولا يعتريه فُتورٌ، ويُنْسَب الأول إلى القديم، والثاني إلى الجْدَيد، والعُنَّة الطارئة بعد الوطء لا تُؤثِّر؛ لأن القدْرةَ قد تحقَّقت بالوطء، فيكون العجْزُ بعده لعارضٍ، والمسألةُ مكررةٌ قد ذكرها مرةً في العيوب، ولو كان تحته امرأتان مَثَلاً، فَعُنَّ عن واحدةٍ دون الأخرَى، ثَبَتَ الخيار للَّتي عُنَّ عنها؛ لفواتِ الاستمتاعِ عليها.
قَالَ الأَصْحَابُ: وقد يتَّفقُ ذلك لانحباس الشَّهْوة عن امرأةٍ معينةٍ بسبب نُفْرة عنها أو حَيَاءٍ منها وَيقْدِرُ علَى غيرها للمَيْل إليها، والأُنْسِ بها، فأما العَجْز المحقَّق لضعْفٍ في الدماغ، أو في القَلْب، أو في الكَبِد، أو لخَلَلٍ في نفس الآلة، فإنه لا يختلفُ بالنِّسْوة، وكذلك قد يُفْرَض العجْز عن المأتى، والقدرة على غير المأتى لاعتيادٍ خَبِيثٍ، فيثبت الخيار.
وَحَكَى الحَنَّاطِيُّ فيه وَجْهاً آخَرَ بعيداً ولو عجَزَ عن افتراع زوجته البكْر، وهو يأتي الثيب، فلها الخيارُ، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ امْتَنَعَ مَعَ القُدْرَةِ فَلاَ خِيَارَ، وَلَكِنْ لَهَا المُطَالَبَةُ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْرِيرِ المَهْرِ وَتَحْصِيلِ التَّحْصِينِ، فَإنْ عَلَّلْنَا بِالمَهْرِ كَانَتِ المُطَالَبَةُ للسَّيِّد في الأَمَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا بَعْدَ الإِبْرَاءِ، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ بِإيَلاجِ الحَشَفَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: [والمرأة إذا اعترفت] 541 بقدرته على الوطء وقالت: إنَّه يمتنعُ منه، فلا خيارَ لها، كما لا خيار للبَائِعِ، إذا امتنع المشتَرِي من تسليم الثَّمَن مع القدرة، وللمرأة إذا امتنع الزوجُ مِنَ الإِنفاقِ مَعَ القُدْرة، وهلِ للمرأة المطالبة بوطأةٍ واحدة، وهل يُجْبَرُ الزوْجُ عليها؟ فيه وَجْهَانِ:
أصحهما: لا؛ لأن الاستمتاعَ حقُّه، فلا يُجْبَر على استيفائه كسائر الوطآت.
والثاني: نعم، ورأيتُ في مجموع أبي الحَسَنُ بن القطَّان أن أَبا سَعِيدٍ ذَهَبَ إليه، وذكروا في توجيهه معنيَيْن:
أحدهما: استقرارُ المَهْر لتأمن من سقوط نصْفِه بالطَّلاق، وكلِّه بالفسخ.
الجزء: 8 - الصفحة: 162
والثاني: حصولُ الاستمتاع؛ لأنَّ النكاحَ شُرع لإعفاف الزوجَيْن، [وتحصينهما] 542 معاً، وإليه إشارة بقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] وفي "سلسلة" الشيخ أبي محمَّد أن الوجهَيْن مبنيان عَلَى قولَيْن ذكرهما بعض الأصحاب، فيما إذا نكح امرأةً بشرط ألا يطأها، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟.
إِن قلْنا: لا يصحُّ النكاح؛ لأَنه خلافُ قضيَّة العقد، وجبت وطأةٌ واحدة للاستمتاع وإن قلنا: يصحُّ، لم يجب.
وإن قلْنا بالوجه الثاني، فلو كانت المنكوحةُ أمةً، فالطلب للسيد عند من علَّل باستقرار المهْر، ولها عند من علَّل باستحقاق الاستمتاع، ولو أبرأ عن المهر، فلاَ مطالبة لها بالمهر عنْد من علَّل بالاستقرار، ولها المطالَبَةُ على المعنى الثَّاني، ولا يرْهَق إلى الوطء بلْ يمهل حَتَّى يستعد له على العادة.
قال الإِمام: وكان يليقُ بالقياس أن يمهل مدَّة الإِيلاء، إذا قُلنَا: إنَّ الطلب؛ لاستحقاق الَاستمتاع، ولو كان به مرضٌ أو عذرٌ، فلا بدّ من الإِمهال إلَى أنْ يرتفع العُذْرُ، وإن أَصَرَّ علَى الامتناع من غير عذْرٍ، حبس، ولم يستبعد الإمام أن يخرَّج من الإِيلاء أن القاضي يُطَلِّق عليه، ولكن لم يخرِّجوه 543.
وأما قوله في الكتاب "تسقط الطلب بإيلاجٍ الحشَفَة"، فيجوز أن يجعل من تتمَّة المسألة، إلا إذا قلْنا: إنَّه يجبر على وطأةٍ واحدة، فيكفي منه تغييب الحَشَفة، وبه يُشْعر نظم "الوسيط" ويجوز أن يُجْعل كلاماً مبتدأً، ويقال: معناه أنَّه يسقط مطالبة [العنين بالفسخ وغير العنين إذا أوجبنا وطأة] 544 بتغييب الحشفة، فإنَّ أحكام الوطء، كُلَّها منوطةٌ به، كالتحصين، والتحليل، ووجوب الحَدِّ، والكفَّارة، وفسادِ العَبَادَة، وتحْريم المصَاهَرة وغيرها.
قال الإمام -قَدَّس الله روحَهُ-: وسببه بعد الاتباع أن الحشَفَة هي الآلَةُ الحسَّاسةُ
الجزء: 8 - الصفحة: 163
لتِلْك اللَّذِّةِ.
قال: ويعني بغيبوبة الحَشَفة أن يشتمل الشفران، وملتقاهما عليها أمَّا إذا انقلب الشَّفْرَان إلى الباطن، وكانتِ الحَشَفة تُلاقَي ما انْعَكَسَ من البشرة الظاهرة، ففيه ترُّدُ؛ لأنَّها حصَلَتْ في حيِّز الباطن، وذكر في "التهذيب"؛ أن أَقَلَّ ما يزول به حكْمُ العُنَّة، إن كانت بكراً أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً أن تَغييبَ الحَشَفة، وهذا يدل على أن الافتضاض لا يحْصُل بتَغيبب الحشفة، ومن جُبَّ بعضُ ذَكَره، فغَيَّب من الباقي قَدْرَ الحشفة، فهو كتَغْييب السليم الحَشَفَة، ومنْهم من اعتبر تغييب الكُلِّ؛ لأنَّه ليس بعد الحشَفَة حدٌّ مرجوعٌ إليه، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" ورجَّحه بعْضهم، والظَّاهر الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإذَا ثَبَتَتِ العُنَّةُ إِمَّا بِإقْرَارِهِ أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نكُولِهِ ضَرَبْنَا المُدَّةَ سَنَةً (و) للامْتِحَانِ إن طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَإِنْ سَكَتَتْ لَمْ تُضْرِبْ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَنَّه غَيْرُ عِنِّينِ لَمْ نُطَالِبهُ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِالوَطْءِ، وَمُدَّةُ العَبْدِ كَمُدَّةِ الْحِرِّ (م)، وَمَهْمَا تَمَّتِ الِسَّنَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِزَالِ مِنْهَا إيَّاهُ قَصْداً رَفَعَتِ الأَمْرِ إِلَى القَاضِي لِيَفْسَخَ القَاضِي النِّكَاحَ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ يُسَلِّطَهَا علَى الفَسْخِ علَى الفَوْرِ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي، وَلَوْ سَافَرَ الزَّوجُ فَفِي احْتِسَابِ المُدَّةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
الأولى: إذا وجدتْ زوْجَها عنيناً، فرفعتْه إلى القاضي، وادَّعتْ عُنَّته، نُظِر؛ إن أَقَرَّ بها، أو أقامت بينةً علَى إقراره، ثبتت العُنَّة، وإن أنكر، حلف [فإن حلف لم يطالب] 545 بتحقيق ما يقوله بالوطء، وامتنع الفسخ، ويعود ما مر أنَّه، هلْ يطالَبُ بوطأةٍ واحدة، وإن نكل فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ: لا تردُّ اليمين عليها؛ لأن الامتناع عن الجماع قد يكون لعجز، وقد يكون لغيره، ولا اطِّلاع لها عليه، ولذلك لا تسمع الشهادة عَلَى نفس العُنَّة، وعلى هذا، فعن الإِصطخريِّ فيما حكاه أبو الفرج السرخسيُّ؛ أنه تضرب المدَّة [وتجعل الصورة] 546 من الصُّورة التي يُحْكَم فيها بالنكول.
وأصحُّهما: أنها تُردُّ، ولها أن تَحْلِفَ إذا بانَت لها عُنَّته بقرائِنِ الأحوال وطُول الممارسَة، ويخالف الشَّهادة، فإنَّ الشهود لا يعْرِفون ما تعرفه، وهذا إذا ادَّعَتْ أنه نوى الطَّلاق ببعض الكنايات، وأنكر، ونكَل، تحْلِف المرأة، وعلى هذا الوجْهِ يَسْتمرُّ قوله في الكتاب: "وإذا ثبتت العُنَّة" إلى آخره، وحكى أبو الفرج؛ أن تحليف الزوج لا يُشْرع
الجزء: 8 - الصفحة: 164
أصلاً بناءً على أن اليمين لا تُرَدُّ عليها، ثم ثبوت العُنَّة لا يفيد الخيار في الحال، ولكن القاضي يضرب للزوج مدَّة سنة يمهله فيها، رُوِيَ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه أجلُ العِنِّينِ سنَةٌ، وتابعه العلماءُ عليه، وقالوا: تَعَذُّر الجماعِ قد يكون لعارِض حرارةٍ، فتزول في الشتاءِ، أو برودةٍ، فتزولُ في الصيف، أو يبوسةٍ فتزولُ في الربيع، أَو رطوبةٍ، فتزول في الخريفِ، فإذا تمَّت السنة، ولم يصبها، عَلِمْنَا أنه عجزٌ خِلْقيٌّ، وابتدأءُ المدَّة من وقت ضرب القاضي لا من وقْت إقراره: لأنه مجتَهَدٌ فيه، فَإِنَّ من العلماء مَنْ قال: لا تُضْرَب المدة للعِنِّين، ولا يثبت بالعُنَّة خيارٌ، ومنهُم دَاوُدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويخَالِفُ مدة الإيلاء.
حيث تحسب من وقْت اليمين؛ لأنها منصوصٌ عليها، وشبه ذلك بحَجْر المُفْلِس والسَّفيه يثبت من وقْت قضاء القاضي، وحجْر الصبيِّ، والمجنون، لا يتفقر إلى قضاءِ القاضي، وإنَّما تُضْرَب المدةُ، إذا طلبتِ الزوْجَةُ، أما إذا سكَتَتْ، فلا تضرب، نعم، إذا حمل القاضي سكُوتَها علَى دهْشة، أو جَهْل، فلا بأْسَ بتنبيهها وقولها: إِنِّي طالبةٌ حقي علَى موجِب الشِّرْع [كافٍ] 547 في ضرْب المدَّة، وإن جهِلَتِ الحُكْم على التفصيل، ولا فرق في المدة بين الحرِّ والعبْدِ؛ لأنها مشروعةٌ لأمر يتعلَّق بالطبع والجبلَّة، فأشبه مدَّة الحيض والرِّضاع، وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه تُضْرَبُ للعبد نصفُ سنةٍ.
المسألة الثانية: إذا تمَّتِ السنةُ، ولم يصبْها، لم ينفسخ النكاح، ولم يكن لها أنْ تفْسَخَه بل ترفعه ثانياً إلى القاضي، وفي "أمالي" الشيخ أبي الفرج عن الإصطخريِّ أن لها الفسْخَ بعْد مضيِّ المدة، ويكفي ضرب المدة من جهة القاضي، والمشهور الأول؛ لأن مدار الباب على الدعْوَى والإِقرار والإِنكار واليمين، فيحتاج إلَى نَظَر القاضي واجتهاده وإذا رفعته إليه، فإن ادَّعَى الإِصابة في المدَّة، حلَف، فإن نكَلَ، رُدَّت اليمين على المرأة، وفيه الخلافُ الذي سَبَق، وإذا حلَف أو أقرَّ الزوج بأنَّه لم يُصِبْها في المدَّة، فقد جاءَ وقْت الفسخ، فإن استمهل ثلاثاً، فهل يُمْهَل؟ فيه الخلاف المذكور في الإِيلاء، ثم استقلالها بالفَسْخ وجهان:
أقربهما: وذكر في "التتمة" أنه المذهَبُ: الاستقلال، كما يستقل [المشتري] 548 بالفسخ، إذا وجد بالمبيع تغيُّراً، وأنكر البائع كَوْنَه عَيْباً، وأقام المشتَرِي علَى ذلك بيِّنةً عند القاضي.
والثَّاني: أن الفسخ إلى الحاكم؛ لأنه محلَّ النظر والاجتهاد، فيفسني بنفسه أو يأمرها بالفَسْخ، وهذان الوجْهَان في الاستقلال بعْد المرافعة والوجْهَان المذْكُوران في
الجزء: 8 - الصفحة: 165
فصل العيوب مفْرُوضان في الاستقلال دُون المرافعة، وإذا قُلْنَا: إِن لها أنْ تَفسَخ بنَفْسها، فَهَل يكْفِي لنفوذ الفَسْخ إقرارُ الزَّوْج، أم لا بدّ وأن يقول القاضي [ثبتت العنة أو] 549 يثبت حق الفسخ، فاختاري فيه وجهان:
أشبههما: الثاني، وهو الحكاية عن القاضي حسين ورأيتُ في "المجموع" لأبي الحُسَيْن بن القطَّان نقْلَ وجهَيْن فيما إذا قالَتِ: اخترتُ الفسخ، ولم يقُلِ الحاكمُ: نفَّذْتُه، ثم رجعَتْ، هل يصحُّ الرجوع، ويبطل الفسخ.
الأصح: المنع 550، ويشبه أن يكون هذا الخلافُ مفرَّعاً على استقلالها بالفَسْخ، أما إذا فسَخَتْ بإذنه، كان الإذن السابقُ كالتنفيذ اللاَّحق؛ وإنَّما تحسب المدةُ، إذا لم تَعْتَزِل عَنْه، فإن اعتزلَتْ، لمَ تُحْسَب، قال في "المجموع" وكذلك مرَضُها وحبْسُها يمنع الاحتساب، ومرضه وحبْسُه لا يمنع، وكذلك حيْضُها وفي سَفَره وجهان:
أظهرهما: أنه لا يَمْنَع [الاحتساب] 551 أيضاً؛ لئلا يدافع بذلك، وإذا عرض ما يمنع الاحتساب في بعض السنة وزال، فالقياس أن يستأنف السنة، أو ينتظر مضيَّ ذلك الفصل من السنة الأُخْرَى، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهَذَا الفَسْخُ عَلَى الفَوْرِ، فَإِنْ رَضِيَتْ فَلاَ اعْتِرَاضَ لِلوَلِيِّ، وَلا رُجُوعَ لَهَا إلَى الفَسْخ بِخِلاَفِ الإِيَلاءِ، وَإِنْ فَسَخَتْ فِي أَثْنَاءِ المُدَّةِ لَمْ يَنْفُذْ، وَإِنْ أَجَازَتْ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ رَضِيَتْ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا لَمْ يَعُدْ حَقَّهَا، وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ وَطِئَهَا في النِّكَاحِ الأَوَّلَ وَعُنَّ عَنْهَا في النِّكَاحِ الثَّانِي فَلَهَا الخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبيل الفسْخ بالعُنَّة بعْد ثبوتها سبيلُ الفَسْخ بسائر العُيُوب، والظاهر: أنَّه على الفَوْر، ويجيء فيه الطريقةُ المذكورةُ في الفسخ بسائِرِ العيوب، وقوله: "فإن رَضِيَتْ فَلاَ اعتراض للولي" مكرَّر، وقد ذكره مرةً في فصْل العيوب، ويجوز أن يُعْلَم
الجزء: 8 - الصفحة: 166
بالواو لما مَرَّ، وإذا رضيت بالمقام تحته بعد مضيِّ المدة، سقَط حقُّها من الفسخ، ولا رجوعَ لها إلَيْه، كما إذا رضِيَتْ بسائر العيوب، أو رَضِيَ المشتري بالعَيْب، وليس كما [لو تركت] 552 المطالبةَ في الإيلاء، لها أن تعود إلى المطالبة، وكذا لو رَضِيَتْ بإعسار الزوج، ثم بدا لها أن تَفْسَخ، فلها الفسخ؛ لأن الضَّرَرَ يتجدَّد كلَّ يوم لبقاء اليمين، وقصد المضارَّة، والنفقة تَجِبُ يوماً يوماً، فالرِّضَا في الحال لا يؤثر في النفقات المستقبلَةِ، والعُنَّة عيْبٌ واحدٌ لا يتوقَّع زوالُها إذا تحققَّت، وإذا قسمّت في أثناء المُدَّة لم ينفذ، وَإِلاَّ، لم تتحقق فائدةُ الإِمهال، فإن أجازت ورَضِيَت بالمقام في المدَّة، أو قبل ضرْب المدَّة، فقولان:
أحدُهُما: وُينْسَب إلى القديم: أنه يبطل حقُّها من الفسخ؛ لأنها تزعم العِلْم بالعيب.
وأصحُّهما: المنْع وثبوتُ الخيار بعد المدة؛ لأن الحقَّ حينئذٍ يثبت فالرضا قبله، كإسقاط الشفْعة قبل جريان البَيْع، وإن رَضيت بعْد انقضاء المدَّة، ثم طلَّقها الزوج طلاقاً رجعياً، ثم راجَعَها، لم يعُدْ حق الفسخ؛ لأنها قد رضيت بعنته في ذلك النكاح، واعترض المزنيُّ بأن الرجْعَةَ تعْتمدُ العدَّةَ، والعدةَ تعتمد الوطءَ، وبالوطءُ يزول حكم العُنَّة، وأجاب الأصحاب، بأن العدَّة قد تجبُ من غير جريان الوطء المزيلِ للعُنَّة، وذلك بأن يستدخل ماءَه، أو يأتيها في غير المَاْتَى، فتجب العدَّة، وتثبت الرَّجعة، وحكم العُنَّة باقٍ، وكذا الخلوة توجِبُ العدة، وتثبت الرجْعَةَ عَلَى قوله القديم فلعل المسألة مفرَّعة على القديم، ولو بانَتْ بانقضاء العدَّة، أو كان الطَّلاق بائناً، أو فسَخَتِ النكاح، ثم نكَحَتُه ثانياً، ففي تجدُّد حقِّ الفسخ قولان:
أحدهما: لا؛ لأنها نكحته عالمةً بالعُنَّة.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه نكاحٌ جديدٌ، فيتوفر عليه، حكمه وتضرب المدَّة ثانياً، ويقال: إِن الأول من القولين قديمٌ، والثاني جديد، وبنى القولين جماعةٌ على قولَيْ عود الحِنْث، ولم يرتضه المحقِّقون؛ لأن هناك جرى في النكاح الأوَّل تعليقٌ أو ظهارٌ أو إيلاءٌ [ووقعت آثارها] 553 وعواقبُها في النكاح الثَّاني، وههنا أسقطت الزوجَةُ حقَّها في النكاح الأوَّل، واستوفَتْه بالفَسْخ، ولم يبْق منه عُلقْة أصلاً، وأجرى صاحب "الشامل" وغيره القولَيْن فيما إذا نكح امرأةً ابتداءً، وأعلمها أنه عِنِّينٌ وفي "التهذيب" حكايةُ طريقَيْن فيما إذا نكح امرأةً ابتداءً، وهي تَعْلَم أنه حكم بُعنَّته في حق امرأة أخْرَى.
أحدهما: إجراء القولَيْن.
الجزء: 8 - الصفحة: 167
والثاني: القطْعُ بثبوت الخيار؛ لأنه قد يَعْجز عن امرأة، ويَقْدِر على أخْرَى، ولو نكح امرأةً وأصابها، ثم أبانها، ثم نكَحَها وعُنَّ عنْها، فلها الخيار بلا خلافٍ؛ لأنها نكحته غَيْرَ عالمةٍ بعُنَّتهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا تَنَازَعَا فِي الإِصَابَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، وَلأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِصَابَةِ إِلاَّ في مَوْضِعَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) فِي مُدَّةِ العُنَّةِ وَالإِيلاَءِ فَإِنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ إِذْ تَعَسَّرَ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَى الوَطْءِ، فَإِنْ أَقَامَتِ البَيِّنَةَ عَلَى البَكَارَةِ رَجَعْنَا إِلَى تَصْدِيقِهَا باليَمِينِ (الثَّانِي) لَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتَنِي بَعْدَ المَسِيسِ وَلِي كَمَالُ المَهْرِ فَأَنَكَرَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، إلاَّ إِذَا أَتَت بِوَلَدٍ لِزَمَانٍ مُحْتَمَلٍ فَإِنَّا نُثْبِتُ النَّسَبَ فَيَتَأكَّدُ بِهِ جَانُبُهَا فَنَجْعَلُ القَوْلَ قَوْلَهَا، إِلاَّ إِذَا لاَعَنَ فَنَرجِعُ إِلَى تَصْدِيقِهِ إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الوَطْءِ،
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأئمة؛ إذا اختلَفَ الزَّوْجان في الإِصَابَة، فالقَوْل قولُ من يَنْفِيها أخْذاً بأصْل العَدَم إلاَّ في ثلاثة مَوَاضِعَ:
أحدها: إذا ادَّعَتْ عُنَّته، وقال الزوْج: قد أَصَبْتُها، فالقولُ قولُه مع يمينه، سواءٌ كان ذلك بعد مضيِّ المدة أو قبله، ووجْهُ ذلك بِأنَّ إقَامَةَ البيِّنة على الوطء عسيرةٌ، والأصل سلامة الشخْص ودوام النكاح، وهي تدَّعي قيام ما ترْفَعُه، فاقتضَى مجْموعُ ذلك تصدِيقَه، ولا فَرْقَ في ذلك بَيْن أن يكون الرجُلُ خَصيّاً، أو مقْطُوعَ بعْض الذَّكَر، والباقي بحَيث يُمكَنَّ من الجماع به؛ لكنها ادَّعتْ عجْزَه، وبين أن يكون سليماً، وعن أبي إِسْحَاقَ في الخصيِّ ومقطوعِ بعْضِ الذَّكَر؛ أن القول قولُ المرأة مع يمينها إلا أن النقصان الذي لَحِقه يُورث ضَعْف الذَّكَر، ويقوي جانبها، ولو اختلفا في أن الباقِيَ من الذَّكَر، هل يمكن الجماعُ به فالذي ذكره الأكثرون القَطْعُ بأنَّ القول قولُها؛ لزوالِ أصل السلامة، وقال في "الشامل": ينبغى أنْ يرى أهل الخبرة، ليعرفوا قدره ويخبروا عن الحال، كما لو ادَّعت أنَّه مجنون، وَأنْكر، قال في "التتمة": وهو الصحيح، فلو أَدَّعت عَجْزه بعد مضيِّ السَّنَّةِ، وَادَّعى الزَّوْجُ أنَّهَا امْتَنَعَتْ، ولم تُطَاوْعه، فإِنْ كَانَ لأَحدهما بينة، حكم بها، وإلاَّ فَاَلْقَوْلُ قول الزوْج؛ لأَنَّ الأَصَلِ دوام النكاح، فإذا حلف، ضَرَب القاضي المدَّة ثانياً.
وأسكنهما في دار قوم ثقات يتفقدون حالهما، فإذا مضت السنة اعتمد القاضي قول الثِّقات، وجرى [عليه كذا] 554 ذكره الشيخ المتولي.
الثاني: إذا طالبته في الإِيلاءِ بالفيأه أو الطَّلاَقِ، فقال: قد أصبتها، فالقول قوله: استدامةً للنكاح ولو أنها في الَموضعَيْن قالت: أنا بكْرٌ كما كنْتُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ
الجزء: 8 - الصفحة: 168
اللهُ عَنْهُ-: أُرِيهَا أربعاً من النساء عدولاً، وذلك دليلٌ على صدقها، وإن شاء، أحلفها، ثم فُرِّقَ بينهما، وظاهرُ هذا النَّظْم هو قولُ جماعةٍ من الأصحاب تَعْرِيضاً وتصْريحاً؛ أنه إذا قامت البينةُ، فشهد أربعُ نسوةٍ على أنَّها بكْرٌ يحكم بعد الإِصابة، ولا حاجة إلى تحليفها، وتكفي البكارة دليلاً على تصْدِيقها، قال هؤلاء: وقوله: "إن شاء أحلفها" معْنَاه؛ أنَّه لو قَالَ بعْد قيام البينة: قد أصبتُهَا لكنْ لم أبالغ، فعادَتِ البكارةُ، وطلَبَ يمينها، تُسْمَع دعواه، وتَحْلِف، فإن لم يدع شيئاً، لم تحلف، وقال أبو علي في "الإِفْصاح" وأبو الحُسَيْن في "المجموع" والقاضي ابنُ كَجٍّ في شرحه: تحلف الزوجةُ مع قيام البينة على البكَارَة؛ لأنَّ البكارة، وإن ثبتت بالبينة، فاحتمالُ الزوال والعَوْدِ قائمٌ، وإن لم يدَّع الزوج، فلا بدّ من الاحتياط، وبهذا أخذ الإِمام وصاحب الكتاب وغيرهما.
فإذا حلفت بعد دعواه أو دُونَها، فتحلف على أنه لم يُصِبْها، أو على أنَّ بكارتها هي البكارةُ الأصليَّة، ولها حقُّ الفسخ بعْدَ يمينها، وإن نكَلَتْ، حلف الزوج، وبَطَلَ الخيارُ، وإن نكل الزوج أيضاً، ففيه وجهان، خرَّجهما الشيخ أبو عليٍّ صاحب "الإِفصاح":
أصحهما: أن لها الفسخ، ويكون نكولُه كحلفها؛ لأن الظاهر أن بكَارَتَها هي البكارةُ الأصليَّةُ.
والثاني: المنع؛ لأنّ ما قاله يحتمل، والأصل دوام النكاح.
الموضع الثالث: إذا قالتِ المرأة: طَلَّقَنِي بعد المسيس، ولي كمالُ المهر، وقال الزوْج بل قبله، وليس لك إلاَّ شطْرُ المهر، فالقول قولُ الزوْج جرياً على الأصل، وعليها العدَّةُ مؤاخذةً لها بقولها، ولا نفقة لها، ولا سُكْنَى، وللرجلِ أن ينكح ابْنَتَهَا وأخْتَهَ وأرْبَعاً سواهَا في الحال، ثم لوِ أتت بولدٍ لزمانٍ محتملٍ يُثْبِتُ النسب، وُيقَوِّي ذلك جانبها، فيرجع إلَى تصديقها، وتطالِبُ الزوْجَ بالشطْر الثاني، ولا بدَّ من يمينها؛ على ما ذكره الإمام والعبَّاديُّ؛ لأن ثبوت النسب لا يُورِث يقين الإِصابة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاَفُ المذكُورُ فيما إذا ظَهَرت البَكَارَةُ، وهذه الصورة هي محلُّ الاستثناء عن تصديق النافي، فإن لاَعَنَ الزوجُ، ونفي الولدُ، فقد زال المرجِّح، فيعود إلى تصديقه، [ويستمر الأمر] 555 على ما تقدَّم، وحيث قلنا: إِن القول قولُ مَنْ ينفي الإِصابة، فذلك إذا لم يُسلِّم جريان الخلوة، فإن سلَمه فقولان:
أَصَحُّهُمَا: أن الجواب كذلك: والثَّانِي: أنَّه يصدق المثبتُ ترجيحاً بالخلوة، فَعَلَى هذا؛ تنضم هذه المسألة إلى مواضع الاستثناء عن تصدْيق النافي، وتصير
الجزء: 8 - الصفحة: 169
المسائل 556 أربعةً.
وقوله في الكتاب "إلاَّ في موضعَيْن" لا يخالف ما حكيناه عن الأئمَّة، وهو استثناءُ ثلاثة مواضعَ لكنه جمع بين الأول والثاني في قرن واحد.
وقوله: "إنَّ القوْلَ قوْلُه" يجوز أن يعلم بالميم؛ لأن ابن المنذر حكَى عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في العُنَّة؛ أنه يجمع بينهما في بَيْتٍ وتراقبها امرأةٌ من وراء حجاب، فإذا قام الرجُل عنها، نظَرَت المرأةُ إليها، فإن وجدت رطوبةَ المنيِّ، فحينئذٍ يُصدَّق في الرجلُ، وبالأَلِفِ؛ لأن عن أحمد ثلاثَ رواياتٍ:
أحدها: أن يجمع بينهما في بَيْتٍ، ويؤمر بأن يُرِيَنَا ماءه على قُطْنة ونحوها، فإن فعل، فحينئذٍ نصدِّقُه.
والثانية: أن القول قول الزوجة مطلقاً.
والثالثة: مثل مذهبنا.
ونختمُ فصْل العُنَّة بصور امرأة الصبيِّ والمجنونِ، إذا ادَّعت العُنَّة، لم تسمع، ولم تضرب المدَّة؛ لأن الصبيَّ لا يجامع لِصِغَرِه غالباً ولأن الفسخ يعتمد إقرار الزَّوْج بالعُنَّة أو نكوله عن اليمين، ولا اعتبار بقولهما؛ ولأن الصبيَّ ربما يدعي الإِصابة بعْد البلوغ، والمجنون يدَّعيها بعْد الإِفاقة.
ونقل المُزَنِي: أن، إن لم يجامعها الصبيُّ، أُجِّلَ، ولم يثبْتُه عامة الأصحاب قولاً آخر، وقالوا: إنه غَلَطٌ، والذي قاله الشَّافِعِيُّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- في "الأم" والقديم؛ فإن لم يجامعها الخَصِيُّ، أُجِّل، فوقع في اللفظ تحريفٌ، وما اذكره في الخصيِّ جواب على أن الخصاء لا يثبت الخيار أو مفروض فيما إذا رضِيَتْ بكونه خَصِيَّاً، ووجدتُهُ مع ذاك عِنِّيناً، وإلاَّ، فالخيار في الخصاء، لا تأجيل فيه كخيار الجَبِّ.
وحكى الحَنَّاطِيُّ وجهاً: أن المراهِقَ الذي يتأتَّى منه الجماعُ تُسْمَع دعوى العُنَّة عليه، [وتضرب] 557 له المدَّة، وبه قال المزنيُّ، وهو ضعيفٌ، ولو جُنَّ الزوجُ في أثناء
الجزء: 8 - الصفحة: 170
السنة، ومضتِ السنَةُ، وهو مجنون، وطلبت الفرقة، لم تُجَب؛ لأنَّه لا يصحُّ منه الإقرار، وإذا مضتِ السنةُ، فقالت: قد أجَّلْته شهراً أو سنةً أخرَى، ذكر بعض الأَصحاب، منْهم أبو الحُسَيْن بنُ القطَّان؛ أنَّ لها ذلك، ولها أن تَعُود إلى الفسخ متى شَاءَتْ، كَما إذا أمهل بعد حلول الأجل، لا يلزم الإِمهال، والصحيحُ أنه يبطل حقُّها بهذا التأخير؛ لأنه على الفور.
ولا مهر عند الفسخ بالعُنَّة، فإنه فسخ قبل الدخول على ما بيَّناه في الفسخ بسائر العيوب، وعن صاحب "التقريب": أن الإصطخريَّ حكى قولاً آخر؛ أنه يجبُ عليه كمالُ المهر؛ لأنَّها كانت تستحقُّ عليه أن يكون بصفةِ من يُتصوَّر منه تكميلُ المهر، وقولاً آخر؛ أنه يجب نصْفُ المهر، وهذا تمامُ القِسْمِ الرَّابع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْقِسْم الَخَامِسُ مِنَ الْكِتَابِ في فُصُولٍ مُتَفَرِّقَةٍ) وَهِيَ سِتَّةٌ:
(الْفَصْلُ الأوَّلُ فِيمَا يَحِلُّ للِزَّوْجِ) وَيَحِلُّ لَهُ كُلُّ اسْتِمْتَاعِ إلاَّ الإتْيَانِ في الدُّبُرِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ العَزْلِ، وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِ في الحُرَّةِ دُونَ الأَمَةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَحِلُّ بِرِضَاهَا، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ فِي السُّرِّيَةِ، ثُمَّ الإتْيَانُ في الدُّبُرِ فِي مَعْنَى الوَطْءِ في جَمِيعِ الأحْكَامِ إلاَّ في التَّحْلِيلِ (و) وَالإِحْصَانِ، وَاختَلَفُوا في تَعَلّقِ النَّسَبِ وَتَقْرِيرِ المُسَمَّى وَوجُوبِ الْحَدِّ وَفِي اسْتِنْطَاقِهَا في النِّكَاحِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في وُجُوبَ مَهْرِ المِثْلِ في النِّكَاحِ الفَاسِدِ، وَكَذَا في العِدَّةِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: معْظَمُ مسائِلِ الفصل قد اندرج في معاقد الأَقسام الأربعة، وبقِيَتْ فصولٌ شاذَّةٌ فجمعها في القسم الخامس:
الفصل الأوَّل: فيما يحلُّ للزوج من الاستمتاعات، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: لا يمنع من شيء من الاستمتاعات إلا النَّظَر إلى الفرج، ففيه خلاف مذكور في "كتاب النكاح" وإلاَّ والإِتيان في الدُّبُر، فإنه حرامٌ؛ لما رُوِيَ أَنه سُئِلَ رَسُولُ الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "في أَيِّ الخَرْمَيْنِ؛ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا في دُبُرِهَا، فَلاَ، إِنَّ الله تَعَالى لا يَسْتَحْيي مِنَ الْحَقِّ، [لاَ تأتوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنْ] 558 والخرمة، الثقبة، وقوله "لا يستحْيي من
الجزء: 8 - الصفحة: 171
الحق"] 559 أي: لا يَتْرُكُ شَيْئاً منه؛ لأن من اسْتَحْيَا من شيء تركه.
وقيل: إِنَّه لا يستبْقِي شيئاً منْه من قوله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: يستبقونهن، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى أمْرَأةً في دُبُرِهَا" 560 وحكى ابنُ عبد الحكَمِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: لم = (تنبيه) الخربتين تثنية خربة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، والخرزتين تثنية خرزة، بوزن الأول لكن بزاي بدل الموحدة، والخصفتين تثنية خصفة بفتحات والخاء معجمة أيضاً، والصاد مهملة بعدها فاء، وقال الخطابي: كل ثقب مستديرة خربة، والجمع خرب بضمة ثم فتح، وقال الأزهري: أراد بالخربتين المسلكين، وقال ابن داود: خرب الفاس ثقبه الذي فيه النصاب، والخرزتين تثنية خرزة وهي الثقب الذي يثقبه الخزاز ليخرز كني به عن المأتي والخصفتين تثنية خصفة من قولك خصفت الجلد على الجلد إذا خرزته مطابقاً، وفي هذا الإسناد عمرو بن أحيحة وهو مجهول الحال، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وقد أطنب النسائي في تخريج طرقه، وذكر الاختلاف فيه، وهو من رواية عبد الله بن علي بن السائب يرويه عنه محمد بن علي بن شافع، ورواه عن محمد بن علي: الشَّافعي الإمام، وابن عمه إبراهيم بن محمد بن العباس، وقد روى الدارقطني في فوائد أبي الطاهر الذهلي من طريق إبراهيم بن محمد هذا، عن محمد بن علي قال: جاء رجل إلى محمد بن كعب فسأله عن هذه المسألة فقال: هذا شيخ قريش فاسأله، يعني عبد الله بن علي بن السائب، فسأله فقال عبد الله: اللهم قذراً ولو كان حلالاً، انتهى.
وقد اختلف فيه على عبد الله بن علي بن السائب، فرواه النسائي من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبي هلال عن عبد الله بن علي بن السائب، عن حصين بن محصن عن هرمي بن عبد الله عن خزيمة ابن ثابت، ومن طريق هرمي أخرجه أحمد [2/ 213 - 214 - 215] والنسائي وابن حبان [1299 - 1300] وهرمي لا يعرف حاله أيضاً، وقد قال الشَّافعي غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة، يعني حيث رواه، وقال البزار: لا أعلم في الباب حديثاً صحيحاً لا في الحظر ولا في الإطلاق، وكلما روى فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه فغير صحيح، انتهى.
وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاري.
الجزء: 8 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لا يحتج به وما انفرد به فليس بشيء، وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال حمزة الكناني الراوي عن النسائي: هذا حديث منكر، ولعل عبد الملك بن محمد الصنعاني سمعه من سعيد بن عبد العزيز بعد اختلاطه، قال: وهو باطل من حديث الزهري والمحفوظ عن الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهي عن ذلك، انتهى.
وعبد المالك قد تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وغيرهما، وله طريق رابعة أخرجها النسائي أيضاً من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة بلفظ: من أتى شيئاً من الرجال أو النساء في الأدبار، فقد كفر، وبكر وليث ضعيفان، وقد رواه الثوري عن ليث بهذا السند موقوفاً، ولفظه: إتيان الرجال والنساء في أدبارهم كفر، وكذا أخرجه أحمد عن إسماعيل عن ليث، والهيثم بن خلف في كتاب ذم اللواط من طريق محمد بن فضيل عن ليث، وفي رواية: من أتى امرأته في دبرها فتلك كفرة، وله طريق خامسة رواها عبد الله بن عمر بن أبان عن مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: ملعون من أتى النساء في أدبارهن، ومسلم فيه ضعف، وقد رواه يزيد بن أبي حكيم عنه موقوفاً، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد والبزار، من طريق كريب عن ابن عباس، قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناده أحسن من هذا، تفرد به أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان عن كريب، وكذا قال ابن عدي، ورواه النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفاً، وهو أصح عندهم من المرفوع، وعن ابن عباس طريق أخرى موقوفة رواها عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: تسألني عن الكفر، وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن معمر وإسناده قوي، وسيأتي له طريق أخرى بعد قليل، وفي الباب أيضاً عن علي بن طلق أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان بلفظ: إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه أحمد بلفظ: سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، فقال: هي اللوطية الصغرى، وأخرجه النسائي أيضاً وأعله، والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله، كذا أخرجه عبد الرزاق غيره، وعن أنس أخرجه الإِسماعيلي في معجمه، وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وعن أبي بن كعب في جزء الحسن بن عرفة بإسناد ضعيف جداً، وعن ابن مسعود عند ابن عدي بإسناد واهي، وعن عقبة بن عامر عند أحمد وفيه ابن لهيعة، وعن عمر أخرجه النسائي والبزار، من طريق زمعة ابن صالح عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن الهاد عن عمر، وزمعة ضعيف، وقد اختلف عليه في وقفه ورفعه، قوله: وحكى ابن عبد الحكم عن الشَّافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحريمه ولا في تحليله شيء، والقياس أنه حلال، قلت: هذا سمعه ابن أبي حاتم من محمد، وكذلك الطحاوي، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في مناقب الشَّافعي له، وأخرجه الحاكم في مناقب الشَّافعي عن الأصم عنه، وأخرجه الخطيب عن أبي سعيد بن موسى عن الأصم، وروى الحاكم عن نصر بن محمد المعدل عن محمد بن القاسم بن شعبان الفقيه، قال ثنا الحسن بن عياض ومحمود بن أحمد بن حماد قالا نا محمد بن عبد الله يعنيان ابن عبد الحكم، قال: قال الشَّافعي كلاماً كلم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن، فقلت له: إن كنت تريد المكابرة، وتصحيح الروايات وإن لم تصح، فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك، قال: على المناصفة، قلت: فبأي شيء حرمته، قال بقول الله عزّ وجلّ:
الجزء: 8 - الصفحة: 173
يَصِحَّ عن النَّبِيِّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تَحْرِيمِهِ وَلاَ تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ" والقياسُ أنه حلاَلٌ، قال الربيع: كَذِبٌ والَّذي لا إله إلا هو قد نصَّ الشافعيُّ علَى تحريمه في ستِّ كتُبٍ، هذا هو الصحيح، وفي "شرح مختصر الجويني": أن بعْضَهم أقام ما رواه قولاً، وروَي عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تحليلَهُ، وأصحابه العراقيُّون لم يثبتوا الرواية، ثم الإِتيان في الدُّبُر كالإِتيان في القُبُل، في أكثر الأحكام، كفساد العبادة به، ووجُوبِ الغُسْل من الجانبَيْن، ووجوب الكفَّارة، في الحجِّ والصوم وغيرهما، لكن لا يحصل به التحليلُ للزوْجِ الأول؛ احتيَاطاً للتحليل، وأيضاً فقد قال -عليه السلام-: "لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" 561 وههنا لا يحصل من جهتها ذوق العُسَيْلَة، قال الإِمام: وقد حُكِيَ قولٌ؛ أن التحليلَ يحْصُل بالإصابة في النِّكاح الفاسد، فكان يبُعُد أن يلحق الإِتيان في هذا المأْتَى في النكاح الصحيح بالإِتْيَان في المأتى المستقيم في النِّكَاح = ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث لا يكون إلا في الفرج، قلت: أفيكون ذلك محرماً لما سواه، قال: نعم، قلت: فما تقول: لو وطئها بين ساقيها، أو في إعكانها أو تحت إبطها أو أخذت ذكره بيدها، أي ذلك حرث؟ قال: لا، قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا، قلت.
فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآية، قال فقلت له: إن هذا مما يحتجون به للجواز، إن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته، وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته ومما ملكت يمينه قال الحاكم: لعل الشَّافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في الجديد فالمشهور أنه حرمه، قوله: قال الربيع: كذب والله الذي لا إله إلا هو، قد نص الشَّافعي على تحريمه في ستة كتب، هذا سمعه أبو العباس الأصم من الربيع، وحكاه عنه جماعة منهم الماوردي في الحاوي، وأبو نصر بن الصباغ في الشامل، وغيرهما وتكذيب الربيع لمحمد لا معنى له؛ لأنه لم ينفرد بذلك، فقد تابعه عبد الرحمن بن عبد الله أخوه عن الشَّافعي، أخرجه أحمد بن أسامة بن أحمد بن أبي السمح المصري عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن فذكر نحوه عن الشَّافعي، وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع، قال مال الشَّافعي: قال الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ احتملت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها، لأن أنى شئتم، يأتي بمعنى أين شئتم، ثانيهما أن الحرث إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه.
فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب كلاً من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدلالة من السنّة، فوجدنا حديثين مختلفين، أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة في التحريم، قال: فأخذنا به، قوله: وفي مختصر الجويني أن بعضهم أقام ما رواه أي ابن عبد الحكم قولاً، انتهى.
وإن كان كذلك فهو قول قديم، وقد رجع عنه الشَّافعي كما قال الربيع، وهذا أولى من إطلاق الربيع تكذيب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، وإنما اغتر محمد بكون الشَّافعي قص له القصة التي وقعت له بطريق المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ولا شك أن العالم في المناظرة يتقذر القول وهو لا يختاره، فيذكر أدلته إلى أن ينقطع خصمه، وذلك غير مستنكر في المناظرة والله أعلم قاله الحافظ في التلخيص.
الجزء: 8 - الصفحة: 174
الفاسد، ولا يَحْصُل به الإِحصان؛ لأنه فضيلة، فلا يثبت إلا بوطءٍ كاملٍ، ولا تحصُلُ به الفيئة في الإِيلاء، ولا يزول به عنه حكم العُنَّة، وفيهما وجْهٌ ضعيفٌ، وهل يثبت به النَّسَب؟ فيه وجهان: أصحُّهما: نعم؛ لأنه قد يَسْبِق الماء إلى الرَّحِم من غير شعور به، وإنما يظهر الوجهان فيما إذا أتَى السيِّدُ أمَتَه في هذا المأْتَى، أو فرض ذلك في النكَاحِ الفَاسِد، فأما في النكاح الصحيح، فإمكان الوطء كافٍ في ثبوت النسب، ويستقر به المسمَّى في النكاح الصحيح على أصح الوجهَيْن؛ لأنه وطْءٌ: في محل الاستمتاع، ومنْهم مَنْ قطع به، كما يقْطَع بوجوب مهر المثل به في النكاح الفاسد، وإذا قلْنا بالوجه الثاني؛ وهو ألاَّ يستقر به المسمَّى، فقد قال أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ: [و] يجب لها مهْرُ المثل، وينظر بعد ذلك، إِن وَطِئَها، فلها المسمَّى وترد مهْر المثل، وفيه وجْهٌ أنَّ لها المسمَّى ومهر المثل، وإن لم يطأْها، وطلَّقها، فقد حصل لها مهْر المثل، وللزوج عندها المسمَّى، فإن كانا من جنْس واحد، جرى أقوال التقاصِّ، [وهذا كلام مظلمٌ لا يعتدي إليه] 562 وإذا أوجبنا الحد في اللواط، فإذا أتى أمته أو منكوحته في غير المأْتَى، فالصحيح: أنه لا يتعلق به الحدُّ 563 لوقوعه في المملوك الذي هو محلُّ الاستمتاع، وفيه وجه: أنه يجب الحدُّ، وقَرُب ذلك من القول المنقولِ في وُجُوب الحدِّ، إذا وطئ أمته المحرَّمة عليه، وفي استنطاق المصابة في غيْر المأتَى وجهان قدَّمْنَاهما، والأصحُّ؛ أنه لا يشترط في تزويجها؛ لبقاءِ العذرة، وتجب به العِدَّة، كما يجب الغسل والكفارة، وسائر ما فيه تغليظٌ، ونَقَلَ أبو الحسن العَبَّاديُّ فيه وجهاً آخر، ويثبت به الرجعة، كما يثبت النسبُ، ويتقرَّر المهر، وفي الرجْعة وجهٌ آخرُ، كما في صورَتَي الاستشهادِ، وهلْ تثبت به حرمةُ المُصَاهرة؟ فيه وجهان مذْكُوران في "التهذيب" وغيره: أصحُّهما: الثبوت؛ لأنه أعظَمُ من المفاخَذَة والتقبيل واللَّمْس بالشَّهوة، وهي تثبت حرمة المصاهرة في قول قوي ويجوز التلذُّذ بما بين الألْيَتَيْنِ، والإِيلاج في القبل
الجزء: 8 - الصفحة: 175
من جانب الدبر، ويجوز أن يُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "إلاَّ الإِتيان في الدُّبُر" بالميم، لما روي عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- 564 وقوله: "وتقرير" المسمى بالواو لقطع من قطع بالتقرير.
الجزء: 8 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رواية محمد: فأخرجها الطبراني في الأوسط عن علي بن سعيد عن أبي بكر الأعين، عن محمد ابن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما نزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ رخصة في إتيان الدبر، وأخرجه الحاكم في تاريخه من طريق عيسى بن مثرود عن عبد الرحمن بن القاسم، ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع، ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق زكريا الساجي عن محمد ابن الحارث المدني عن أبي مصعب، ورواه الخطيب في الرواة عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي، ورواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، والدارقطني أيضاً من طريق إسحاق بن محمد الفروي، ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان من طريق محمد بن صدقة الفدكي كلهم عن مالك، قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك، وأما زيد بن أسلم فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عنه، عن ابن عمر: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر: فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان عنه: أن ابن عمر كان لا به بأساً، موقوف، وأما سعيد بن يسار: فروى النسائي والطحاوي والطبري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك.
إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فخمض لهن، والتحميض الإتيان في الدبر، فقال: أف أو يفعل هذا مسلم، قال ابن القاسم: فقال لي مالك أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، فقال: لا بأس به، وأما حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في تفسيره، والطبري والطحاوي من طرق، عن عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا ثفرها، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب، عن هشام بن سعد ولفظه: كنا نأتي النساء في أدبارهن، ويسمى ذلك الإِثفار، فأنزل الله الآية، ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام، ولم يسم أبا سعيد قال: كان رجال من الأنصار، قلت: وقد أثبت ابن عباس الرواية في ذلك عن ابن عمر، وأنكر عليه في ذلك، وبين أنه أخطأ في تأويل الآية، فروى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر والله يغفر له أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم من العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتي على حرف، فاصنع ذلك إلا فاجتنبني، فسرى أمرهما حتى بلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد، وله شاهد من حديث أم سلمة، قال الإِمام أحمد نا عفان نا وهيب نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن فقلت: إني سائلك عن أمر، وأنا أستحيي أن أسألك، قالت: فلا تستحي =
الجزء: 8 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء، وكانت اليهود تقول.: إنه من جبى امرأته كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها، وقالت: لن نفعل ذلك، حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أم سلمة رسول الله فقال: ادع الأنصارية: فدعيت فتلا عليها هذه الآية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ صماماً واحداً.
تنبيه: روى النسائي من طريق بكر بن مضر عن يزيد بن الهاد عن عثمان بن كعب القرظي عن محمد بن كعب القرظي: أن رجلاً سأله عن المرأة تؤتى في دبرها فقال: إن ابن عباس كان يقول: اسق حرثك من حيث نباته، كذا في بعض النسخ، وفي بعضها من حيث شئت، وكذا رواه أبو الفضل بن حنزابة عن محمد بن موسى المأموني عن النسائي، والأول أشبه بمذهب ابن عباس، وروى جابر: أن سبب نزول الآية المذكورة، أن اليهود كانت تقرل: إذ أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزلها الله تعالى، أخرجه الشيخان في الصحيحين وغيرهما، وفي رواية آدم عن شعبة عن محمد بن المنكدر، سمعت جابر بن عبد الله يقول في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته باركة، كان الولد أحول، فأكذبهم الله عَزَّ وَجَلَّ فأنزل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول: كيف شئتم في الفرج، يريد بذلك موضع الولد للحرث، يقول: أئت الحرث كيف شئت، ومن قوله يقول كيف شئتم، يحتلم أن يكون من ذلكم جائزاً ومن دونه.
فائدة: ما تقدم نقله عن المالكية، لم ينقل عن أصحابهم إلا عن ناس قليل، قال القاضي عياض: كان القاضي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي يجيزه ويذهب فيه إلى أنه غير محرم، وصنف في إباحته محمد بن سحنون ومحمد بن شعبان، ونقلا ذلك عن جمع كثير من التابعين، وفي كلام ابن العربي والمازري ما يومي إلى جواز ذلك أيضاً، وحكى بن بزيرة في تفسيره عن عيسى ابن دينار أنه كان يقول: هو أحل من الماء البارد، وأنكره كثير منهم أصلاً، وقال القرطبي في تفسيره وابن عطية قبله: لا ينبغي لأحد أن يأخذ بذلك، ولو ثبتت الرواية فيه لأنها من الزلات، وذكر الخليلي في الإِرشاد عن ابن وهب أن مالكاً رجع عنه، وفي مختصر ابن الحاجب عن ابن وهب عن مالك إنكار ذلك، وتكذيب من نقله عنه، لكن الذي روى ذلك عن ابن وهب غير موثوق به، والصواب ما حكاه الخليلي، فقد ذكر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك أنه أباحه، روى الثعلبي في تفسيره من طريق المزني قال: كنت عند ابن وهب وهو يقرأ علينا رواية مالك فجاءت هذه المسألة، فقام رجل فقال: يا أبا محمد اروِ لنا ما رويت، فامتنع أن يروي لهم ذلك، وقال: أحدكم يصحب العالم، فإذا تعلم منه لم يوجب له من حقه ما يمنعه من أقبح ما يروى عنه، وأبى أن يروي ذلك، روي عن مالك كراهته، وتكذيب من نقله عنه من وجه آخر، أخرجه الخطيب في الرواة عن مالك من طريق إسماعيل بن حصن عن إسرائيل بن روح، قال: سألت مالكاً عنه، فقال: ما أنتم قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون ذلك، قال: يكذبون علي، والعهدة في هذه الحكاية على إسماعيل فإنه واهي الحديث، وقد روينا في علوم الحديث للحاكم قال نا أبو العباس محمد بن يعقوب نا العباس بن الوليد البيروتي نا أبو عبد الله بشر بن بكر، سمعت الأوزاعي يقول: يجتنب أو يترك =
الجزء: 8 - الصفحة: 178
وقوله: "ولم يختلفوا" إلى آخره يقتضي القطع بوجوب العدة وثبوت حرمة المصاهرة، لكن الخلاف ثابت فيهما، كما عرفت، فأما أن يُحْمَلَ ما ذكره على طريقة أخرى، وإما أن يتأول.
المسألة الثانية: العزل أن يجامع، فإذا جاء وقْتُ الإِنزال، نزع، فأنزل خارج الفَرْج، والأَوْلَى تركه على الإِطلاق، وأطلق في "المهَّذب" أنه مكروه، ولا خلاف في جوازه في السَّرِيَّة صيانةً للملكَ، وفي الحرَّةِ المنكوحةِ طريقان:
إحداهما: أنها إنْ لم تأذَنْ، لم يُجْز، لما رُويَ عن ابن مسْعُود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "تُسْتَأْذَنُ الْحُرَّةُ فِي العَزْلِ" 565 وَإِنْ أَذِنَتْ، فوجهان:
أحدهما: المنع أيضاً؛ لما رُوِيَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قَالَ في الْعَزْلِ "إِنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ" 566. = من قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس، من أقوال أهل الحجاز: استماع الملاهي، والمتعة.
وإتيان النساء في أدبارهن، والصرف، والجمع بين الصلاتين بغير عذر، ومن أقوال أهل العراق: شرب النبيذ، وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، والفرار من الزحف، والأكل بعد الفجر في رمضان، وروى عبد الرزاق عن معمر قال: لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة: في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، ويقول أهل مكة: في المتعة، والصرف، وبقول أهل الكوفة: في المسكر، كان شر عباد الله، وقال أحمد بن أسامة التجيبي نا أبي سمعت الربيع بن سليمان الجيزي لقول: أنا أصبغ قال: سئل ابن القاسم عن هذه المسألة وهو في الجامع، فقال: لو جعل لي ملء هذا المسجد ذهباً ما فعلته، قال ونا أبي سمعت الحارث بن مسكين يقول: سألت ابن القاسم عنه فكرهه لي، قال: وسأله غير فقال: كرهه مالك.
الجزء: 8 - الصفحة: 179
والثاني: الجواز؛ لما رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يَنْهَنَا" 567.
وأظهرهما: أنه يجوز، إن رضيت لا محالَة، وإلاَّ، فوجهان:
أحدهما: المنعُ، لكيلا يتنغص عليهما الاستمتاعُ.
والثاني: الجواز؛ لأن حقَّها في الوطء دون الإنزال؛ ألا تَرَى أنه يقطع المطالبة في دعْوَى العُنَّة بمجرَّد الوطء، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، وإن كانتِ المنكوحةُ أمةً، فإن جوَّزنا العزل في حق الحُرَّة، ففي حقِّها أولَى، وإن منعناه في حقها، فوجهان:
أحدهما: أنها مستفرشةٌ بالنكاح صاحبةُ حقٍّ في الاستمتاع، فتكون كالحرَّة.
وأصحُّهما: الجوازُ تحُّرزاً عن رِقِّ الولد، وإذا اختصَرْتَ، قلتَ: في [العزْلِ] 568 أوجهٌ: الجوازُ المطلق، [و] تخصيص الجواز بالأمة، [و] تخصيص الجواز بحالة الإِذْن، وهذه الثلاثةُ مذكورةٌ في الكتاب.
والرابع: المنْعُ المطْلَقُ.
والمستولدة، رتَّبها المرتِّبون على المنكوحة الرقيقة، وهذه أولَى بالمنع؛ لأنَّ الولد حرٌّ، وآخرون على الحُرَّة والمستولدة أَوْلَى بالجواز؛ لأنَّها ليْسَتْ راسخةً في الفراش، ولهذا لا تستحقُّ القسم، وهذا أظهر، قال الإِمام -قدس الله رُوحَهُ-: وحيث قلْنا بالتحريم، فَذَاكَ، إذا نزع على قصْدِ، أن يقع الإِنزال خارجاً؛ تحرُّزاً عن الولد، فأمَّا إذا عنَّ، له أنْ ينزع لا علَى هذا القصد، فيجب القَطْع بأنه لا يحْرُم.
هذا شرح ما يشتمل عليه الكلام في الفصل.
المسألة الثالثة: الاستمناءُ بالْيَدِ، نُقِلَ عن أَحْمَدَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الترخيصُ فِيه، وذكر القاضي ابن كج أنَّ فيه توقفاً في القَدِيم، والمذْهبُ الظاهرُ تحريمُه؛ لما رُوِيَ أنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ من نَكَحَ يَدَهُ" 569 واحتج له أيضاً بقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ إلَى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] وهذا مما وراء ذلك، ويجوز أن يَسْتَمِنْيَ بيد
الجزء: 8 - الصفحة: 180
زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ، كما يستمتع بسائر بدَنِها، ذكَره في "التتمة" وحكاه القاضي الرُّويَانِيُّ في "التجربة" والله أعلم.
المسألة الرابعة: القول في تحريم الوطْء بالحَيْض والنِّفاس، وفي تحريم سائر الاستمتاعات على ما مَرَّ في الحيض، وعن أبي عُبَيْد بن حَرْبَوْيهِ فيما نقل القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه يتجنَّب الحائض في جميع بَدِنها؛ لظاهر قوله تعالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 570 [البقر ة: 222].
ولا بأْس بأنْ يطُوف على إمائه بغسلٍ واحدٍ، نعم، يُستحبُّ أن يخلِّل بين كل وَطْئَتَيْنِ وضوءاً أو غسل فرج، كما ذكَرْنا في "الطهارات" ولا يتأتَّى ذلك في المنكوحات 571 إلا بإِذنهن؛ لأنَّ القسْم واجبٌ فيهن، ولا يجوز أن يأْتي أخرَى في نوبة واحدةٍ إلا بإذنها، وما رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ" 572 محمولٌ عند من قال: كان القسْمُ واجباً عليه على أنَّهن كُنَّ أَحْلَلنَه، ومن قال:
الجزء: 8 - الصفحة: 181
لم يَجِب عليه القسْمُ، نزلهن في حقِّه -عليه السلام- بمنزلة الإماء، ويكره أن يَطَأ زوجته 573، أو أمته، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في وَطْءِ الأَبِ جَارَيةَ الابْنْ) وَهُوَ حَرَامٌ وَلَكِنْ لَهُ شُبْهَةٌ وُجُوبِ الإعْفَافِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيجِبُ المَهْرُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الابْنِ بَالْمُصَاهَرَةِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيَنْعَقِدُ الوَلَدُ عَلَى الحُرِّيَّةِ، وَتَصِيرُ مُستَوْلَدَةَ الأبِ عَلَى القَوْلِ المَنْصُوصِ، وُيقَدَّرُ انْتِقَالُ المِلْكِ إِلَيْهِ مَعَ العُلُوقِ حَتَّى يَنْتَفِيَ قِيمَةُ الوَلَدِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَسْقُطُ المَهْرُ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يحْرُمُ على الأب وطء جارية الابن، إذا كان عالماً بالحال؛ لأنَّها ليس بزوجةٍ له، ولا مملوكةٍ، وإذا وطئها فيُنْظر، أهي موطوءة الابن أم لا؟.
الحالة الأولى: أَلاَّ تكونَ موطوءةَ الابن، وفيها مَسَائِلُ:
المسألة الأولى: لا يجب الحد على الأب لشبهة المِلْك، [و] رُوِيَ أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ" وأيضاً، فإِنَّ الأب يستحقُّ على الابن جنس ما استوفاه، إذْ يجبُ عليه إعفافُ الأبِ، فأشبه ما إذا سَرَق مالَ الابن، لا يجبُ علَيه القطْعُ؛ لأنه يستحق النفقة عليه عنْد الحاجة، ووُجِّه أيضاً بأنَّ الوالد لا يُقْتَلُ بولده، فيبعُد أن يرجم بوطء جاريته، وفي "أمالي" أبي الفرج أن الإصطخريَّ خرَّج قولاً في وجوب الحد عليه من قولٍ رُوِيَ في وجوب الحدِّ على من وطَئ جاريته المحرَّمَة عَلَيْه برضاعٍ أو نسبٍ، وفرق على ظاهر المذهب بأنَّ هناك ليست تلْك الجاريةُ محلَّ حلَّة بحال، وهذه محلُّ حل الأب، وقد تمكَّنت الشبهةُ فيها، وشبهة الملك كحقيقة الملك في درْء الحد، وإذا لم نوجب الحدَّ، ففي وجوب التعزير وجهان:
أحدهما: المنعُ؛ كيلا يصير الابن ومالُه سبباً لعقُوبة الأب.
وأصحهما: الوجوبُ؛ كركوب سائر المحظُورات، ويشبه أن يكون هَذَا في التعْزير لحقِّ الله تعالى لا لِحَقِّ الابن.
الجزء: 8 - الصفحة: 182
المسألة الثانية: إن فرَّعنا على التخريج المذْكُور في الحدِّ، فهو كما إذا زنَى بأمة الأجنبيَّ، فإن كانت مكرهةً، وجب مهرها، وإن كانت مطاوعةً، فعلى وجهَيْن، وإن قلْنا بظاهر المذْهب نزلناه منزلةَ وطء الشبهة، وأوجبنا علَيْه المهر للابن، فإن كان موسراً أخذ منه، وإلا، فهو في ذمته إلى أن يُوسِر، وعن أبي الحُسَيْن حكايةُ وجهٍ ضعيفٍ؛ أنه إذا كان معسْراً، لم يتبع به.
المسألة الثالثةُ: كما يسقط الحدُّ، ويجب المهر للشُّبهة تثبت حرمة المصاهرة، فتحرم الجاريةُ علَى الابن أبداً، ويستمرُّ ملكه عليها، إذا لم يوجد من الأب إحبالٌ، ولا شيءٌ على الأبِ بتحريمها؛ لأن مجرَّد الحلِّ في ملْك اليمين لَيْس بمتقوَّم، وإنما المقْصِد الأعظم فيه المالية، وهي باقيةٌ، وله تزويجُها، ويحْصُل المهر، وممَّا يدل علَى أن الحلَّ فيه غير متقوَّم أنه إذا اشترَى أمة، فخرجت أختَهُ من الرضاع لا يتمكَّن من الردِّ، ولم اشترى جاريةً صغيرةً، فأرضعَتْها، أمُّ البائع، وحَرُمت عليه، ثم اطَّلَع المشتري علَى عيْبٍ قديمٍ أو اشترتْ زوْجةُ الرجُلِ جاريةً رضَيعةً منْهُ، وأرضعتْها، فحُرِّمت على الزَّوْج، ثم اطَّلعَت علَى عيبٍ قديم يجوز الردُّ، والحرمةُ الحادثةُ لا تُجْعَل كالعيوب الحادثة، وليس ما نحْنُ فيه كتفويت حليِّ النكاح بالرضاع أو بوطء الشبهة بأن وطئ زوجة أبيه أو ابنه بالشبهة، حيث يُغَرَّمُ المهْرَ؛ لأن هناك تفويتَ المِلْكِ والحلِّ جميعاً، ولأن الحلَّ هو المقصد هناك فيقوم، ولذلك يجوز أن يشتري أخته من الرضاع، ولا يجوز أن يَنْكِحَها.
المسألة الرابعة: إذا أحْبَلَها بوطئه فالولد نسيب حر، كما لو وطئَ جاريةَ الغير بالشبهة، وهل تصير الجارية أمَّ ولدٍ للأبِ؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: نعَم، للشبهة الَّتي اقتضتِ انتفاء الحدِّ ووجوب المَهْر.
والثَّاني: وبه قال المزني: لأنها ليس ملكاً له وقْتَ الإِحبال، فصار كما لو استولَدَ جاريةً بالنكاح، وحكى الحناطيُّ في موضع القولَيْن اختلافاً، ملخَّصُ المفهوم منْه ثلاثة طرق:
أحدها: تخصيص القولَيْن بما إذا كان الأَب معسِراً، والجزم بالاستيلاد عنْدَ يساره.
والثاني: تخصيصُ القولَيْن بما إذا كان مُوسراً، والجزمُ بالنفْي عند إعساره.
والثالث: وهو الأظهرُ: طَرْدُ الخلاف، ويخرَّجُ من هذه الطرق قولٌ فارقٌ بين أن يكون موسراً أو معسراً، على ما يُحْكَى عن صاحب "التقريب" كما إذا استولَدَ أحد الشريكَيْن الجارية المشتركة، فإنه ينفذ الاستيلادُ في نصيب الشريك، إن كان مُوسِراً، ولا ينفذ، إنْ كان معْسِراً، وَضعَّفَ الأئمةُ الفرْقَ من جهة أنَّ الاستيلاد هاهنا إنما يثبت
الجزء: 8 - الصفحة: 183
الحُرْمة الأبوة وشبهة الملك، ولا يختلفُ هذا المعْنَى بالإِعسار واليَسَارَ، وهناك يثْبُت الاستيلاد في نصيب الشَّريك لدفْع الضَّرَر عنه، فلو نفَّذناه في حالة الإِعْسَار، لعلَّقنا حقه بذمة ضر أب وهو ضرر أيضاً، فلم يَزُلِ الضررُ بالضرَرِ.
التفْريعُ: إنْ فرَّقنا بين أن يكون مُوسِراً أو مُعْسِراً، فإذا كان موسراً، قال الإِمام: يجب أن يخرَّج عَلى الأقوال الثلاثة في تعجيل الاستيلاد أو تأخيره إلَى أداء القيمة، أو التوقُّف كما في سراية العتْق من نصيبٍ إلى نصيبٍ، وإن قلْنا: لا يثبتُ الاستيلاد فَعَلَى الأَب قيمةُ الوَلَد باعتبار يَوْم الانفصال، إنِ انفصل حيّاً؛ لأن الرِّقَّ اندفَعَ بسببه، وإنِ انفصل ميِّتاً، فلا شيْء فيه، وهذا كما قدَّرنا في ولد المغْرُور، ولا يجوز للابن بيع الجارية، ما لَمْ تضَعِ العمل؛ لأنَّها حامل بحُرٍّ، وهل على الاْب قيمتُها في الحال، ثم يستردُّ عند الوضْع؟.
فيه وجهان:
أحدهما: نعَمْ للحيلولَة الحاصِلَة.
وأصحُّهما: على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنَّ يده محتويةٌ عليها، وهو منتفعٌ بها بالاستخدام وغيره، بخلاف ما إذا أبق العبدُ من يد الغاصب، وهذا الحكْمُ في الجارية المغرورِ بحُرِّيَّتها، والموطوءة بشبهَة إذ أَحْبِلتَا، ولو ملك الأب هذه الجاريةَ يوماً من الدهر، هل تصير أمَّ ولدٍ؟ فيه قولان معْروفان، فإنْ جعلْناها أمَّ ولد، فيجب على الأب قيمةُ الجارية مع المهر، كما إذا استولد أحَدَ الشريكَيْن الجارية المشتركة، يجِبُ عليه نصف القيمة مع نصْف المهر، وعند أبي حنيفةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا مهْرَ على الأب إذا وجبت القيمة، وإذا اختلفا في قيمة الجارية فالقَوْل قول الأب الغارم، ومنْهم من جعله على قولَيْن، كما [لو اشترى] 574 عبدَيْن، وتلف أحدُهما، ووَجَدَ بالآخر عيباً، وقلْنَا له: ردّه، واختلفا في قيمة التالف، ومتَى ينتقل الملك في الجارية إِلى الأب؟ فيه وجوه:
أحدها: أنه ينتقل قبيل العُلُوق؛ ليكُونَ مسْقط مائه ملكاً له، صيانةً لحُرْمَتِهِ، وهذا ما أورده في "التَّهْذِيبِ".
والثاني: وهو الذي ارتَضَاه الإِمَامُ؛ أنه ينتقلُ مع العُلُوق؛ لأن العُلُوق هو علَّة نقْلِ المِلْك، والمعلولُ يساوق العلة.
والثالث: ينتقل إلَيْه بعد العُلُوق؛ لأن الضرورة حينئذٍ تتحقَّق وعلى هذا، فوجهان نَقَلَهُمَا الحَنَّاطِيُّ:
الجزء: 8 - الصفحة: 184
أحدهما: أنه ينتقل المِلْك إليه عند الولادة.
والثاني: ينتقل عند أداء القيمة بعْدَ الولاَدة 575.
ثمَّ الكلام في ثلاثة أمور:
الأول: في وجوب قيمَة الوَلَد على الأَب وجهان بَنَوْهما على الخلاف في وقْت انتقال الملْك، إن قلنا: ينتقل الملكُ بعْد العلوقَ، وجَبَت القيمة، وإن قلنا: ينتقل قبله، لم تجب، وإن قلنا: معه، فقد قيل: قضيته وجوبُ القيمة أيضاً.
وقال الإِمَامُ: العلوقُ علَى هذا التقدير يصادفُ الملك، فكيف يقتضي إيجاب القيمة؟ ورأىَ الأولى بناء الخلاف في وُجُوب الْقِيمَةِ على الخلاف في ثبوت الاستيلاد، إن أثْبتناه، لم نوجِبْ قيمة الولد، وإنْ نَفَيْناه أَوْجَبْنَاهَا.
الثاني: قال الإِمامُ لو فرض نزولُ الماء مع تغْييب الحَشَفة، فقد اقترن مُوجِب المَهْر بالعُلُوق، فينبغي أن ينزل المَهْر منزلةَ قيمة الوَلَد، والذي أطلقه الاصحابُ منْ لزوم المهْر محْمولٌ على ما إذا تأخَّر الإِنزال عنْ موجِب المَهْر على ما هو الغَالِب.
الثَّالِثُ: في "التهذيب" أنَّا إذا أثبتنا الاستيلاد فلا ولاء على الوَلَد، وإن لم نثْبِتْه، فوجهان:
أصحُّهما: أن الجواب كذلك.
المسألة الخامِسَةُ: إذا استولد الأبُ جاريةً مشتركةً بين الابن وبين أجنبيِّ، فثبوت الاستيلاد في نصيب الابن علَى القولَيْن السابقَيْن، وإذا أثبتناه، فإنْ كان موسراً، سَرَى إلى نصيب الشَّريك، والولدُ حرٌّ، وعلى الأب كمالُ المهر، وكمال القيمة للابن والأجنبيِّ، وإن كان معسراً، لم يثبت الاستيلادُ في نصيب الشريك والولد نصْفُه حرٌّ، ونصفه رقيقٌ في أصحِّ القولَيْن.
وحكى القاضي أبو سعْدٍ الهَرَوِيَّ وجْهاً آخر: وهو أن الاستيلاد لا يَثْبُتَ في نصِيبِ الشَّريك .. بحال، ولا يُجْعَل حقّ الملك وشبهته كحقيقة المِلْك، ولو كان نِصْفُ الجارية للابن، ونصفُها حرٌّ، اقتصر الاستيلاد على نصيب الابن لا محالة.
ولو كان الأب المستولد رقيقاً لم يجب عليه الحد، ولا تَصيرُ الْجَارية أُمَّ ولَدٍ، له؛ لأنه لا يملك، والولدُ نسيبٌ، وفي حرية الولد وجهان: فتوى القَفَّال فيها: أنه حرٌّ،
الجزء: 8 - الصفحة: 185
كولد المغرور وقيمته في ذمته إلَى أنْ يعتق، والمَهْرُ يتعلَّق برقبته، إن كانت مكرهة، وإن كانت طاوعته، فقولان في أنَّه يتعلَّق برقبته أو بذِمَّته، كما لو وَطِئَ العبْد أجنبيةً بالشبهة، ولو كان الأب المستولد مكَاتباً، ففي ثُبُوت الاستيلاد وَجْهَانِ؛ بنَاءً على القولَيْن في ثبوته، إذا أولد جاريةَ نَفْسِهِ، ولو كان بعْضُه حراً وبعْضُه رقيقاً؛ لم يثبتْ الاستيلاد، ويكونُ نصْفُ الولَدِ حُرّاً، وفي نصْفه الآخر وجهان.
قال في "التَّهْذِيبِ": إن قلنا: أَنَّهُ حُرٌ أيضاً، فعليه كمالُ قيمةِ الوَلَد، نصْفُها في كسبه، ونصْفُها في ذمَّته، وإن قلْنا: إن النِّصْف الآخر رقيقٌ، فعليه [قيمة نصفه] 576 في كَسْب.
ولا فرق في الأحْكَام المذكورة بَيْن أن يكون الأبُ مُسْلماً أو ذِمَّيّاً، ويجري القَوْلاَن في ثُبُوت الاستيلاد في الذمِّيِّ، وإن كان الكافر لا يشتري المسلم؛ لأن الملك في الاستيلاد حُكْمِيٌّ، كما في الإِرث.
ووطء الأبِ جاريةَ البنْت والحَفَدة كوطْئِه جارية الابْن، ولا فَرْقَ، وأما لفظ الكتاب، فقوله: "فلا يجب الحد، ويجب المهر" مُعْلَمان بالواو، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وينعقد الولد على الحرية" أيضاً؛ لأن من يقول بثبوت الوَلاَء علَيْه لا يُسَلَّم انعقاده على الحرية.
وقوله: "وتصير مستولدة الأب" أعلم بالزَّاي، وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرخْسَيِّ أنه لا يثبت الاسْتِيلاَد عند مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فليعلم بالميم أيضاً، وقوله: "على القول المنصوص" يشيره الى كون القول الآخر مُخرَّجاً، وكذلك ذكر بعض الأصحاب، قَالَ القاضي ابن كجٍّ: نص ههنا على أنها تصير أمَّ ولد له، ونص فيما إذا أحبل أحد الغانِمَيْن جاريةً من المغنم أنَّها لا تصير أمَّ ولد له، فمن الأصحاب من جَرَى على النَّصَّيْنِ، فرقاً بأنَّ الأب له شبهةٌ في مال الابن، ويجب علَى الابن إعفافه، وهذا المعْنَى لا يوجدُ في الغانمين بعضهم مع بعض، ومنْهُمْ منْ جَعَل المسلِمِينَ علَى قولَيْن، وهذا ذهاب إلى أن قول المنع مُخرَّج ههنا، ومن الأصحاب من قال: هو منصوصٌ، وربَّما نسب إلى القديم، فعلى هذا قولُه: "على المنصوص" يعني في هذا الباب أو على الجديد، وقوله: "ويقدر انتقال الملك إليه مع العلوق" لا يخفى أنه مفرَّعٌ علَى ثبوت الاستيلاد.
وقوله: "علَى أظهر الوجهين" يمكن أن يرجع إلَى قوله "ويقدر انتقال الملك إليه مع العُلُوق" ويقابله الوجْهُ الذاهِبُ إلَى تقْدِيم الانتقال على العُلُوق، والوجه الذَّاهِب إلَى تأخره عنه تعليلاً بأنَّ المعْلُول يترتَّب على العلَّة بالرُّتْبة لا بالزمان، ويمكن أن يتعلَّق بقوله: "حتى ينتفي قيمة الولد"؛ لما مَرّ أن بعضهم قال: "قضية المساوقة وجوبُ القيمة" والاحتمال الأول أقرب إلى ما ذكره في "الوسيط" [وعلى هذا الاحتماله يُحْسُن
الجزء: 8 - الصفحة: 186
أن يُعْلَم قوله: "حتى ينتفي" قيمة الولد بالواو] 577 وقوله: "ولا يسقط المهر" معلَمٌ بالحاء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ كَانَتِ الجَارِيةُ مَوطُوءَةَ الابْنِ مَلَكَهَا الأَبُ بِالاسْتِيلاَءِ وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِوَطْءِ الابْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالةُ الثانية: إذا كانتِ الجاريةُ موطوءةَ الابنِ، ووَطِئَها الأبُ، وهو عالم بالحال، ففي وجوب الحدِّ وجهان أو قولان مأخوذانِ من القولَيْن في وجوبِ الحدِّ على من وطئ جارَيتُه المَحرَّمة عليه برضَاعٍ أو مصاهرةٍ أو نسبٍ:
أَصَحُّهُمَا: وهو الجديد: أنه لا حدَّ للشبهة، وخصص القاضي الرّوَيانِيُّ في "التجربة" الخلاف بما إذا كانتْ موطوءة الابْنِ من غَيْر استيلاد، فأما إذا كان قد استولَدَها، فحكايته عن الأصْحَاب: وجوب الحد قَطْعاً؛ لأنه لا يُتصوَّر أن يمْلِكهَا بحالٍ بخلافِ ما إذا كانتْ موطوءةً غيْرَ مستولَدَةٍ 578، فإن قلْنا بوجوب الحدِّ على الأَبِّ، فلا تَحْرُم الجاريةُ على الابن، ويجب المهر، إن كانَتْ مكرهةً، وإنْ كانت مطاوعةً، فوجهان:
أصحُّهما: المنعْ، ولو أولَدَها، لم تصِرِ الجاريةُ أمَّ ولد له، وكان الولَدُ رقيقاً غيْرَ نسيب، وعلى هذا القياس إذا وطئ جاريتَهُ المحرَّمَة عَلَيْهِ برضاعٍ وغيره، وأولدَهَا، لا تفسير أمَّ ولد له، إذا أوجبنا الحَدَّ، قال الإِمام: وارتاع بعْضُ الأصحاب، فلم يستجز أن
الجزء: 8 - الصفحة: 187
يطأ الإِنسانُ مملوكته، وتحْبَلَ منْه، ولا تفسير أمَّ ولد له، فحكم بثبوت النَّسَب والاستيلاد مع القَوْل بوجُوب الحد، وطرد هذا القائلُ كلامه في إيلاد جارية الابن، والظاهرُ الأولُ، وفي إيلاد أحد الشريكَيْن الجاريةَ المشتركةَ يَثْبُت الاستيلادُ والنسبُ، وإن طرد القول القديم، وقيل بوجوب الحدِّ؛ لأن وطأه يصادف ملكه وملْكَ غيره حقيقةً، فكانَتِ الشبهةُ أقوَى تمَكُّناً، وإنَّما أوجبنا الحدَّ صيانةً لِمِلْك الغير، وأما إذا قلْنا: إنه لا حدَّ عليه، فهو كما لو كان جاهلاً، فيلزمه المَهْر، وتكون الجاريةُ محرمةً عليهما أبداً، وإذا أولَدَها، فإن كانت مستولَدةَ الابن، لم تَصِيرْ مستولدةً له؛ لأنَّ أمَّ الولد لا تقبل النقل، وإن لم تكن مستولدةً له، فَهَلَ تَصِيرُ مُستَوْلَدَةَ الأَبِ فِيهِ الْقَولاَنِ المذْكُوران في الحالَةِ الأولَى بتفريعها.
وقوله في الكتاب "ملكها الأب بالاستيلاد" أي: إذا فرَّعنا على القَوْل الأظْهَر في الحالة الأولَى، ولو وطئ الأبُ مكاتبة ابنه وأولَدَها، فوجهان:
أحدهما: أنها لا تصيرُ مستولَدة له لأنَّ المكاتبة أَيْضاً لا تنتقل من مالك إلى مالك.
والثَّاني: تصيرُ مستولَدةً؛ لأن الكتابة تَقْبَل الفسخ بخلاف الاستيلاد، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والأول هو الذي أورده القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ، قال: ولَيْس هذا كما إِذا استولدت مكاتبته، حيْثُ ينفذ الاستيلادُ؛ لأنه لا نقل هناك، ولا تحتاج إلَى فسخ الكتَابَة، بل الكتابةُ والاستيلادُ يجتمعان ولا منافاة.
فَرْعٌ: لو كانتُ جارية الابنِ منكوحَة الغَيْر، وأولَدِها الأب، جرى القولان في ثُبُوت الاستيلاد، ويستمرُّ النكاح، وإن أثبتناه، كما لو استولَدَها سَيِّدها، ولا يجُوز للزَّوْج غشيانها في مدَّة الحمل، هذا تمام الكلام في وطء الأب جاريةَ الابْن.
ولو وطئ الابْنُ جاريةَ الأب، فهو كما لو وطئ الأَجنبيُّ، فإن كان بشبهة، نُظر؛ إن ظَنَّها، أمته أو زوجته الحرَّة، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته للأب، وإن ظنَّها زوجته الرقيقَة، فينعقد الولدُ رقيقاً، ثم يعتقُ على الجدِّ، ولا يجب علَى الابن قيمته، وإنْ وطئها عالماً بالتحريم، فهو زناً يتعلَّق به الحدُّ بخلاف وطء الأب جاريةَ الابْن؛ لأنَّ له في مال الابن شبهة الإعفاف، [ولا ينعكس] 579 وليس هذا كالسَّرقةِ، حيث لا يجبُ القطْع، سواءٌ سرق الأب مالَ الابن، أو الابْنُ مالَ الأبِ؛ لأن شبهة وجُوبِ النفقة تشْمَل الطرفَيْن، ويجبُ على الابن المهر، إن كانت مكرهة، فإن كانت مطاوعةً، لم يجب على أصح الوجهين، فلو أتتْ بولدٍ، فهو رقيقٌ للأب، ولا يعتق عليه؛ لأنه لا نسب له، والله أعلم.
الجزء: 8 - الصفحة: 188
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي إِعْفَافِ الأَبِ) وَيَجبُ عَلَى أَشْهَرِ القَوْلَيْنِ أَنْ يُعِفَّ أبَاهُ الفَاقِدَ للمَهْرِ المُحتَاجَ إِلَى النِّكَاحِ وَالجَدَّ وإنْ عَلاَ فَهُوَ في مَعْنَى الأَبَ، فَإِنِ اجْتَمَعَ جَدَّانِ في رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَقْدِر إِلاَّ عَلَى إِعْفَافِ أَحَدِهِمَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا عَلَى وَجْهٍ وَعَيَّنَ القَاضِي أَحَدَهُمَا عَلَى وَجهٍ، وَمَهْمَا أَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ صُدِّقَ بِغَيْرِ يَمِين لَكِنْ لاَ يَحِلُّ لَه بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى طَلَبُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا صَدَقَتْ شَهْوَتَهُ بِحَيْثُ يَخَافُ الْعَنَتَ أَوْ يَشُقُّ المُصَابَرَةُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ الإعْفَافُ بِأنْ يُزَوِّجَ مِنْهُ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّة أَوْ يُمَلِّكَهُ جَارِيَةً أَوْ يُسَلِّمَ ثَمَنَهَا إِلَيْهِ أَوْ مَهْرَ امْرَأَةٍ، وَلَيْسَ للأَبِ تَعْيِينُ امْرَأَة رَفِيعَةِ المَهْرِ، وَإذَا تَعَيَّنَ المَهْرُ فَتَعْيينُ الزَّوْجَةِ إِلَى الأَبِ، وَلَوْ مَاتَت فَعَلَيْهِ التَّجْدِيدُ، وإنْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا أَوِ انْفَسَخَ وَجَبَ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجِبِ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل مشتمل على مسألتين:
المسألة الأولى 580: ظاهر المذهب أنه يجبُ علَى الابن إعفافُ الأب، ويُحْكَى ذلك عن نصِّه في "كتاب الدَّعاوَى والبينات" وفيه قول مخرَّج أنه لا يجبُ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَالْمُزَنِيُّ، وُينْسَب هذا القولُ إلَى تخريج ابن خَيْرَانِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ أبُو حَامِدٍ، وأبُو عَلِيٍّ قال ابن خيران: لَمَّا ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- في النفقات نفقةَ الأقارب، ولم يذكر الإعفافَ دلَّ على أن له قولاً أنه لا يجب، وهذا إشارةٌ إلى طريقة التخريج، ووجْهُهُ الإلحاقُ بإعفافِ الولَد، فإنه لا يجب على الوالد، وكذا لا يجب الإِعفافُ في بيْتِ الَمال، ولا عَلَى المسْلِمِين، ووجْه ظاهرِ المذْهَب أنَّ في ترك الإِعفاف تعريضاً للزِّنَا، وذلك لا يليقُ بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمَعْروف، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وأيضاً، فإن فوات نفْس الابن محتَمِلٌ لبقاء نفس الوالد، فأوْلَى أن يحتمل فواتَ ماله، ولو اترك إعفافَهُ، فربما يقع في الزنا، ويتعرَّض للرجْم، ولأنه من وجُوه حاجاته المهمَّة، فيجب على الابن القيامُ به كالنفقة والكسْوة، ويتفَّرع على القول بالوُجُوب مسائلُ:
[المسألة الأوُلَى] 581: إحداهما اختلفوا في موْضع وجُوب الإِعفاف علَى ثلاثة طُرُقٍ:
أشبههما: أن سبيله سبيلُ النفقة، فيجبُ إعفاف المعْسِر الزَّمِن، وفي المعْسِر الصحيحِ البَدَنِ قولان، كما في النفقة؛ لأنه لسدِّ الخلة ودفْعِ الحاجة كالنفقة.
الجزء: 8 - الصفحة: 189
والثاني: أنَّ الإعفاف أَوْلَى بالوجوب، فيجبُ في المُعْسِر الزَّمِن، وفي المعْسِر الصحيح، إن أوجبنا النفقة، فإِن لم نوجْبها، ففي الإِعفاف قولان؛ وجْه الفرق: أن النفقة إذا لم تجبْ عليه، تجب في بيت المال، فيندفع حاجته، والإِعفاف، لا يُتوقَّع من جهة أخرَى، وبهذا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ.
والثالث: أنه حيث لا تجبُ النفقة، لا يجبُ الإعفاف، وحيثُ يجبُ، ففي الإِعفاف قولان، والفرْق أن الحاجة إلى النفقة أهمُّ ولذلَك يجُوزُ للمضطَرِّ أكل طعامِ الغَيْر، ولا يُفْرَض مثل ذلك في الجِمَاع، وحيثُ وجَب الإِعْفاف استوى فيه الابن والبنت كالنفقة.
[المسألة] الثانية: اعتبر صاحبُ الكتاب فيمن يُعَفُّ ثلاثة قيود، وهي الأبوة، وفِقْدَان المهر، والحَاجَةُ إلى النكاح.
الأول: الأبوةُ، والمراد من يقع عليه الاسمُ بالحقيقة أو المجاز، فيدْخُل فيه الجدُّ، وإن علا، سواءٌ كان من قبل الأب أو من قبل الأم، وفي وجوب إعفاف الأب الكافر، وجهان:
أشبههما: الوجوب.
فإذا اجتمع أصلان محتاجَانِ، فإن وَفَّى مال الولد بإعفافهما جميعاً، وجب، وإن لم يَفِ، فيُنظر؛ إن اختلفا في الدرجة، فالأقربُ أولَى، إذا استويا في العصوبة أو عدمها.
مثالُه: الأب أولَى من أب الأب، وأبو الأم أولَى من أبي أبي الأم، وأبِي أمِّ الأمِّ، وإن كان للأبعد عصوبة دون الأقرب؛ وكأبي أبي الأب مع أبي الأم، فالأول أولَى، وحكى الشيخ أبو عليٍّ؛ أنهما سواءٌ؛ لتعارض المعنَيَيْن، وإن لم يكن لواحدٍ عصوبةٌ كأبي أم الأب، وأبي أبي الأمِّ، فهما سواءٌ، وحيث حكمنا بالاستواء، فلا تقسم مؤنة الإِعفاف عليهما، ولكن يخصَّص أحدهما به، وفي طريقته وجهان:
أقربهما: يحُكْم القرعة 582.
ولو اجتمع عدَدٌ ممن يجب عليهم الإِعفافُ، كالأولاد والأحفاد، فليكن الحكُم عَلى ما سيأتي في النفقة.
القيد الثاني: فِقْدَان المهْر، فالغَنِيُّ القادرُ علَى إعفاف نفْسِه بماله، لا يجب على الولَدِ إعْفَافُهُ، وكذا الكسوب الذي يستغنى بكَسْبه عن غيره، ذكرها شيخ أبو عليٍّ،
الجزء: 8 - الصفحة: 190
وينبغي أن يجيء فيه الخلافُ المذكورُ في النفقة، ولو وجَدَ قدْرَ النفقة، ولم يجدْ مؤنة الإِعْفَاف، فوجهان:
أحدهما: أنه إذا سَقَطَتِ النَّفَقَةُ سَقَطَ الإِعْفَافُ.
وأظهرهما: أنه يجب إعفافه؛ لأنه محتاجٌ إليه، وِإن كان مستغنياً عن النَّفَقة، وصار كما لو وجد النفقة دون الكسْوة، [فإنه يستحق الكسْوَةِ] 583 ولو سقط وجوب النفقة أياماً بعارضٍ، قال الإِمام: ما ينبغِي أن يكون ههنا الخلاف في وجُوب الإعفاف، ولو قدر علَى سرية، ولم يقَدِرْ على مهْرِ حُرَّة، فالوَجْه أنه لا يجب إعفافه؛ لأنهَ لا يَتعيَّن في إعفافه تزويجُ حُرَّةٍ، كما سيأتي، وبهذا يَتبيَّن أنَّ فِقْدان المهر بخصوصه غيرُ معتبرٍ، وإنما المعتبر ألا يجد ما يتمكَّن به من الاستمتاع.
[القيد] الثالث: الحاجة إلى النِّكاح، وإذا أظهر الحاجة إلَى قضاء الشهوة والرغْبَةِ في النكاح، فيُصدَّق من غير يمين؛ لأن تحليفه في هذا المقام لا يليقُ بحرمته، ولكن لا يحلُّ له طلب الإعفاف إلا إذا صدَقَتْ شهوته بحَيْث يخاف العنت أو يضرّه التعزُّب، ويشقُّ عليه الصَّبْر.
قال الإِمام: ويُحْتمل أن يشترط خوْفُ العنت، كما في نكاح الأَمَة، لكن الأول أظْهَرُ.
المسألة الثالثة: المرادُ من الإِعفاف أن يُهَيِّئَ له مستمتعاً بأن يعطيه مهر حرة ينكحها، أو يقول له: انْكَحْ، وأنا اْعَطي المهر أو يباشرُ النكاحَ عن إذْن الأب، ويعطي المَهْر أو بأن يملكه جاريةً لم يطأها، أو يُعْطِيه ثمنَ جاريةٍ، ولا فرْقَ بين أن تكون الحُرَّةُ المنكوحةُ مسلمةً أو كتابية، وأومأَ القاضي الرَّوَيانِيُّ إلى أن من الأصحاب من لم يكتف بالكتابيَّة، وليس للأب أن يعيِّن النكاح، ولا يرضى بالتسِّري، ولا إذا اتفقا على النكاح أن يعيِّن امرأةً رفيعةَ المهْر؛ لفضيلة جمالٍ أو شرفٍ، وإذا اتفقا على قدْر المهْر، فتْعِيين المرأة بعد ذلك إلى الأب، ولا يجوز أن يُملِّكه أو يزوجه عجوزاً أو شوهاء، كما ليس له أن يطعمه في النفقة طعاماً فاسداً لا ينساغ، ثم يَجِبُ عليه أن ينفق علَى زوجة الأب أو أمتِهِ [ويقوم] 584 بمؤنتها ولو أيسر الأبُ بَعْد ما ملكه الابنُ جاريةً أو ثمنها، لم يكن لَه الرجوع، كما لو دفع له النفقة، فلم يأكْلها، حتى أيسر، ولو كانتُ تحته صغيرةٌ، أو عجوزةٌ أو رتْقاءُ، ولم تندفعْ حاجَتُه، فالقياسُ وجوبُ الإعفاف، وأَنَّه لا يجتمع عليه نفقتان، وإذا ماتتِ الأمةُ التي ملكها أو الحُرَّة التي تزوجها، أو فَسَخ النكاح بعيبها، أو فسخت بعيبه، أو انفسخ النكاحُ بِرِدَّة أو رضاعٍ، بِأَنْ أرضعت التي نكَحَها صغيرةً كانت
الجزء: 8 - الصفحة: 191
زوجتَهُ، فصارت أمَّ زوجته، فيجب علَى الابن تجديدُ الإعفاف، كما لو دفَع إلَيْه النفقةَ، فسُرِقَتْ منه، حكى الشيخ أبو حامد وجهاً آخر: أنه لاَ يجب؛ لأنَّ النكاح عقد عمر، وإذا تحمَّل مؤنته مرةً، فقد حافَظَ على حرمة الأبوة، فنقنع منه بذلك، والظَّاهر 585 الأولُ، وإذا قلنا به: فلو طلَّقها أو خَالَعها أو عتق الأمة، نظر؛ إن كان بعُذْر من شقاقٍ أو نشوزٍ أو غيرهما، ففيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه يجب التجديد، كما في المَوْت، وإِذا كان [بغير] 586، عذر لم يجب؛ لأنه المقصِّر والمفوِّت على نفسه.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه إذا طَلَّقَ، فعليه أن يزوِّجه مرَّة أخرَى، أو يسريه، فلو طلَّق الثانية، لم يزوِّجه بعد ذلك، ولكنْ يسرِّيه، ويسأل الحاكم أن يحجر عليه، حتَّى لا ينفذ إِعتاقه بعد ذلك، وإذا وجَب التجديد، فإن كانت بائنه فعليه التجديد في الحال، وإنْ كانتْ رجعيَّةً، لم يجبْ إلا بعْد إنقضاء العدَّة.
فَرْعٌ: إن قلنا: لا يجبُ الإِعفافُ، فللأبِ المحتاجِ أن ينْكِحَ أمة، وإن أوجَبْناه، فوجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه غيْرُ مستطيعِ للطَّول خائفٌ من العَنَت.
وأصحهما: المنع؛ لأنه مستغنٍ بمال ولده عن نكاح الأمة، فإن قلْنا بالأول، حَصل الإِعفاف بأن نزوِّجه أمةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ لِلأَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ جَارِيَةَ الابْنِ، فَإنْ مَلَكَ الابْنُ زَوْجَتَهُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلأَب وَلَدٌ فِي مِلْكِ الابْنِ، وَلاَ يَتَزَّوَجُ جَارِيَةَ نَفْسِهِ، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلاَ يَتَزَّوجُ جَارِية مُكَاتَبَة، وَلَوْ مَلَكَ الْمُكَاتِبُ زَوْجَة سَيِّدِهِ فَفِي الانْفِسَاخِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الثانيةُ الحكايةُ عن نصِّه في كتاب "الدَّعَاوَى": أنه لا يجوز للأب أن يتزوَّج بجارية ابنه، ونقل المزنيُّ في "المختصر" جوازه، وهو قول أبي حنيفة، وعن أَبِي إِسْحَاقَ أن ابن سُرَيْج قَالَ: وجدتُّ الشافعيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- ما نقله المزنيُّ، والأصحابُ اختلفوا على طريقين في المسألة:
أحدهما: إثبات قولَيْن فيها مبنيَّة على القولَيْن في وجوب الإِعفاف، إن لم نوجبْه،
الجزء: 8 - الصفحة: 192
جاز للأب أن يتزوَّج جاريةَ ابنه، كما يجُوز للابْنِ أن يتزوَّج أمة أبيه، وإن أوجبْنَاه، لم يُجْز لاستغنائه عن نكاح الأمة بمالِ ابْنه.
والثاني: القطْعُ بالمنع، وإلَيْه ذهب الأكْثَرون، وقالوا فيما نقله المزنيُّ: إِن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: يجوز للرَّجُل أن يتزوَّج بجارية أبيه، فوقع في لفظة أبيه تصحيف؛ لأنها في الصورة تشبه ابنه، ومنْهم من أوَّله، وحمل ما نقله على ما إذا كان الابنُ معْسِراً لا يجد مؤنة الإِعفاف، وكانت له جاريةٌ يحتاج إلَى خِدْمتها، فيجوز له أن يتزوجها منه، أو كان الأب مع إعساره صحيحَ البَدَن، فإنَّا لا نوجبُ إعفافه ونفقته علَى قول، فيجوز له أنْ يتزوَّج بجارية ابنه.
والصحيح في هاتَيْن الصورتَيْن أن يُبْنَى جواز النِّكَاح علَى أنَّه إذا أولد جاريةَ ابْنه، هل تفسير مستولدةً له إن قلنا: نعم، لم يجزْ له نكاحُها، كما لا يجوزُ لهُ أن ينكح جاريةَ نَفْسه، وإن قلنا: لا، جاز له نكاحها، وكذا الحكْمُ على قولنا: إنَّه لا يجبُ الإِعفاف، هذا كلُّه فيما إذا كان الأب حراً، أما إذا كان رقيقاً، فله أن ينكْحَ جاريةَ ابنه؛ لأنه لا يجبُ عليه إعفافُه ولا نفقُته، وإذا استولد الرقيقُ جاريةَ ابنهِ، لم تصر أم ولد له على ما تقدَّم، ولو نكح الأبُ جارية أجنبيِّ، حيث يجوزُ له نكاحُ الأمة، ثم ملكها الابنُ والأبُ بحيث لا يجوزُ له نكاحُ الأمة ابتداء، هل يُفْسَخ النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما أنه لما لم يجُزْ للرجُل أن ينكح جاريةَ نَفْسِه، فلو نكح جاريةَ غَيْره، ثم ملكها، ينفسخ النكاح.
وَأَصَحُّهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يَنُفَسِخ؛ لأن الأصْلَ في النكاحِ الثابتِ الدوامُ، وللدَّوام، من القوة ما لَيْس للابتداء عَلى ما سبق نظائِرهُ، وأُجْرِيَ الوجهان فيما لو نَكَح جاريةَ ابْنِه، ثم عَتَق، هل ينفسخ النكاح؟ فإن قلْنا: لا ينفسخ النكاح، أو جوَّزنا له أن ينكح جارية ابْنِه ابْتِدَاء، فَأوْلَدَها، قال الشيخ أبو حامد والعراقيون وتابعهم الشيخ أبو عليٍّ وصاحب "التهذيب" وغيرهم: لا تصير أمَّ ولد له، لأنه رضي بِرِقِّ ولده حين نكَحَها؛ ولأن النكاح حاصلٌ محقَّقٌ، فيكون واطئاً بالنكاح لا لشبهة المِلْك بخلاف ما إذا لم يكُنْ نكاحٌ، وعن الشيخ أبي محمد، وإليه ميلُ الإِمام: أنه يثبت الاستيلاد، وينفسِخُ النكاح وهذا قوله في "الْكِتَابِ" ما لَمْ يحْصُل للأب ولَدٌ في ملك الابْن.
ولا يجُوز للسيِّد أن ينكح جاريةَ مكاتَبِهِ؛ لأن للسيِّد في رقبة المكاتَب وما في يده شبْهَةَ المِلْك، وإذا أولد جاريةَ مكاتَبِهِ، فصارت أمَّ ولدٍ للسيد، فلو كان قدَ نكح جارية، فملكها مكاتَبُهُ، ففي انفساخ النِّكاح وَجْهَانِ، قَالَ في "التتمة": هما كالوجهَيْن في صورة ملك الابن، قضيَّةُ هذا الإطلاق ترجيحُ عدَمِ الانفساخ، وبه قَالَ القاضي أبو سَعْدٍ
الجزء: 8 - الصفحة: 193
الهرويُّ -رحمه الله- ومنهم من رجَّح الانفساخ ههنا وهو الأشبه؛ لأن تعلُّق السيد بمال المكاتَب فوق تعلُّق الأب بمال الابن، فحدُوثُ ملك المكاتَب يقرب إذا ملك زوجة نَفْسه والله أعلم.
ثم لا يخفى مواضع العلامات في الفصْل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي تَزْوِيجِ الإِمَاءِ) وَللسَّيِّدِ أنْ يَسْتَخدِمَهَا نَهَاراً، وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الزَّوْجِ لَيْلاً، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُبوِّئ لَهَا بَيتاً في دَارِهِ، أَمْ للِزَّوْجِ أن يَخْرُجَ بِهَا لَيْلاً؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَتْ مُحْتَرِفَةً وَأَمْكَنَهَا ذَلِكَ في يَدِ الزَّوْجِ فَهَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا نَهَاراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ المُسَافَرَةَ بِهَا لَكِنْ لاَ يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنَ الخُرُوج لِيَصْحَبَهَا لَيْلاً، وَإذَا لَمْ يُسَلِّمْهَا إلاَّ بِاللَّيْلِ فَالوَاجِبُ شَطْرُ النَّفَقَةَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ أَصلاً، وَقِيلَ: يَجِبُ الجَمِيعُ، وَمَهْمَا سَافَرَ بِهَا السَّيِّدُ سُقَطَتْ نَفْقَتُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ [ثَلاَثُ] مَسَائِلَ:
الأُولَى 587: السيد إذا زوَّج أمته، لم يلزمه تسليمها إلى الزَّوْج ليلاً ونهاراً، لكن يستخدمها نهاراً، ويسلِّمها إلى الزوج ليلاً؛ وذلك لأنَّ السيد يملك منفعتَيْن من أمته؛ منفعةَ الاسْتِخدام ومنفعةَ الاستمتاع، وإذا زوَّجها، فقد عقد علَى إحدى منفعتَيْها، وبقيَتِ المنفعةُ الأخْرَى، فيستوفيها في وقْتِها، وهو النَّهار، وهذا كما أنَّه إذا أجر أمته يسلِّمها إلى المُسْتأجر نهاراً، ويُمْسِكُها لاستيفاء المنفعة الأخْرَى في وقتها، وهو الليلُ، ويتبيَّن من هذا؛ أنه لو أراد السيد أن يسلِّمها نهاراً بدلاً من الليل، لا 588 يجوز؛ لأن اللّيلَ وقْتُ
الجزء: 8 - الصفحة: 194
الاستراحةِ والاستمتاعِ، وعليه التعويلُ في القسم بيْنَ النساء، ولو قال السيِّدُ: لا أُخْرِجُها من داري، ولكن أُبوِّيءُ لَكَ بيتاً لتدخله، وتَخْلُوَ بها، حكى الإِمام فيه قولَيْن:
أظهرهما: أنه ليس له ذلك، فإنَّ الحياء والمروءة يمنعانِهِ من دْخُول داره، وعلى هذا، فلا نفقة على الزوج، كما إذا قالَتِ الحرةُ: ادْخُل إِلى بيتي، ولا أخرج إلَى بيتك.
والثاني: أن للسيد ذلك لتدوم يدُهُ علَى ملكه مع تمكُّن الزوج من الوصول إلى حقِّه، وعلى هذا فيلزمه النفقةُ، فإن قلْنا بالأول، فلو كانت محترفةً، فقال الزوجُ: دعُوها تحترفُ للسيد في يدي وبيتي، فهل يجاب؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، وللسيد أن يرتَبِطَها عنده؛ لأنه قد يبْدُو له في الحِرْفة، ويريد أن يستَخْدِمها.
والثاني: وبه قال أبو إِسحَاقَ المَرْوَزِيُّ: يجاب محافظةً على الجانَبْين.
الثانية: للسيِّد أن يسافر بها؛ لأنه مالكُ رقبتها، فيقدَّم جانبه على جانب مالك المنفعةِ، ولا يمنع الزوْجُ من المسافرة معَها، ليستمتعَ بها ليلاً، ولا يكلَّف أن يسافِرَ مَعها، وينفق عليها، وإذا لم يسافِرْ معَها، لم يكنُ عليه نفقتها، وأما المَهْر، فيُنْظر؛ إن كان قد 589 دخل بها، فقد استقر وعليه تسليمه، وإن لم يكنُ دخَل بها، لم يلزْمه تسليمه، وإن كان قدْ سلمه، فله أن يسترده.
الثالثة: إنْ سامَحَها السيِّد، فسلمها ليلاً ونهاراً، فعلى الزوْج تسليمُ المهْر وتمَامُ النفقة، وإن لم يسلِّمها إلا بالليل، ففي النفقة وجوه:
أظهرها: عند جمهور العراقيين وصاحب "التهذيب": أنَّه لا يجبُ شيْءٌ منها، وبه قال أبو إِسْحَاق؛ لأنه لم يوجد التسليمُ والتمكينُ التامُّ.
والثاني: ويحكَى عن ابن أبي هريرة: أنَّه يجب شطر النفقة، توزيعاً لها على الزمان، وبهذا قال أبو محمَّد أحمد بنُ ميمونٍ الفارسيُّ من أصحابنا فيما حكى الشيخُ أبو عاصمٍ في "الطبقات" ونظْمُ الكتاب يقتضي ترجيحَ هذا الوجْه، وإليه مال ابنُ الصَبَّاغِ.
والثالث: عن الشيخ أبي محمَّد: أنه يجبُ تمام النفقة؛ لأنه وجد التسليمُ الواجب، ويرُوَى هذا عن المُزَنِّي في "المنثور" وأجرى الوجهين الأوَّلين فيما إذا سلمت الحرَّة نفْسَها ليلاً، واشتغلت عن الزَّوْج نهاراً 590.
وأما المهْرُ فعن الشيخ أبي حامد؛ أنه لا يجب تسليمُهُ كالنفقة.
الجزء: 8 - الصفحة: 195
وذكر القاضي أبو الطيِّب، أنه يجب.
قال ابنُ الصَّبَّاغ: وهذا أصحُّ؛ لأن التسليم الذي يتمكَّن معه من الوطْء قد حَصَل، وليس كالنفقة، فإنَّهاَ لا تجب بتسليم واحدٍ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المَهْرُ فَإنَّما يَجِبُ للسَّيِّدِ، فَلَوْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ قَبلَ المَسِيسِ فَالنَّصُّ سُقُوطُ المَهْرِ، وَلَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيُّ أَوْ قَتَلَتِ الحُرَّةُ نَفْسَهَا فَفِي السُّقُوطِ وَجْهَانِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَن المَهْرُ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ وَلاَ بِقَتْلِ الأجْنَبِيِّ الحُرَّةَ، وَإِذا بَاعَ الأَمَةَ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ وَيسَلَّمُ الْمَهْرُ لِلبَائِعِ لأَنَّهُ وَجَبَ بِالعَقْدِ فِي مِلْكِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا لأَجْلِ سَوْقِ الصَّدَاقِ، وَلاَ لِلمُشْتَرِي أَيْضاً ذَلِكَ فَإنَّهُ لاَ مَهْرَ لَهَا، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فلاَ مَهْرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاثُ مسائلَ تتعلَّق بمَهْر الأَمَةِ المنكوحَةِ:
المسألة الأُولَى: لا شكَّ أن هلاك المنكوحَةِ بعْد الدخول حرَّة كانت أو أمة، لا يسقط المهر، ولا شيئاً منه، سواءٌ هلَكَت بالموت أو بالقَتْل، وإنْ هلكَتْ قبل الدُّخول، فينظر، إن حصل الهلاكُ بفعْلِ مستحِقِّ المهر أولاً بهذا الطريق.
أما القسم الأول: فإذا قتل السيد أمته، فالنصُّ في "المختصر" أنه لا مَهْر، وعن نصِّه في "الأم" أن الحرة إذا قتلت نفْسَها، لا يسقط شيء من المَهْر، وللأصحاب فيه طريقان:
أشهرهما: أن المسألة على قولَيْن بالنقل والتخْريج، وبه قال ابن سُرَيْج:
أحدهما: يسقط المهر في الصورتَيْن؛ لانقطاع النكاح قبل الدخُول من قِبَلِ مستحِقِّ المهر، فأشبه الردَّةَ قبل الدخول.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها فرقةٌ حصَلَتْ بانتهاء العُمر، فكانت كالمَوْت.
والطريقة الثانية: تقرير النَّصَّينِ، والفَرْق أن الْحُرَّةَ كَالْمُسْلِمَةِ إلى الزوج بالعَقْد؛ أَلاَ تَرَى أنَّ له أن يمْنَعَها من المسافرة، والأمة لا تصير مسلمةً بالعقد بدليلِ أن للسَّيد أن يسافر بها، ولا يستقرَّ مهْرُها إلا بالدُّخول، وأيضاً، فإنَّ المقصود الأصليَّ من نكاح الأمة الاستمتاعُ، ولهذا لا يجوزُ إلا عنْد الحاجة، وفي نكاحِ الحُرَّة المقصودُ الوصلةُ، وتشابكُ العشائر، وأيضاً، فإن الحرةَ إذا قتلَتْ نفْسَها غَنِمَ زَوْجُهَا مِيرَاثَهَا، فجاز أن يغرم مهرها، وفي قتل الأمة لا ميراثَ له، وعلى الطريقة الأولَى قولُ وجوب المهرِ فيما إذا قتل السيد أمته مخرج ومنْهم من حكاه عن النصِّ أيضاً، وإذا قلْنا بسقوط المهرْ فيما إذا قتلها السيد، فلو قتلت هي نفْسَها، فالحُكمُ كذلك، وإن لم تكن مستحقَّةً للمهر، فإن المهْرَ يسقط بُضْعَها، كما لو ارتدَّت قبل الدخول،
الجزء: 8 - الصفحة: 196
أو أرضعتِ الزوجَ، هذا هو 591 النص، والظاهرُ فيه وجه: أن قَتْلَها نفْسَها كموتها.
والقسم الثاني: إذا حصل الهلاكُ لا يفعل المستحِقِّ أما الأَمةُ إذا قتلها أجنبي أو ماتت، فظاهر المذهب وجوبُ المهر، وعن الإِصطخري سقوطُه؛ بناءً على أن السيد يزوِّج بحكْم الملك، فهلاَكُهَا قبل الدخول كهلاكِ المبيع قبل القَبْض، ولو قتلها الزوْجُ، فالحكم ببقاء المهر أظهر، وفيه وجه أنَّه يسقط أيضاً، وقتل الزوج لا يتضمِّن القبض كالمستأجر إذا قتل العبد المستأجر، وأما الحرَّة، إذا قتَلَها الزوج أو أجنبيٌّ، أو ماتت، لم يسقط المهر بحال، والظاهرُ في قتل السيدِ الأَمةَ سقوطُ المهر، وفي سائر الصُّوَر وجوبه، وقال أبو حَنِيْفَة: إذا قتل السيدُ الأمةَ، سَقَط المهر، وإذا قتلت الأمةُ نفْسَها، لا يسقط، وفي قَتْلِ الأمةِ نَفْسَها روايتان، وبقي المسألة شيئان أحدهما حكى جماعة من الأصحابُ خلافاً في أن المهر على النصِّ لم يَسْقُط إذا قتل السيدُ أمته، قَالَ بَعْضُهُم: إنما يسقط؛ لأن المقصودَ بالعَقْدِ الْوَارِدِ على المِلْك، قد فَاتَ قبل التسليم، فأشبه فوات المبيع قبل القَبْض، وهَذَا أظهر، إن قلْنا: إن السيد يزوِّج بحكم الملك.
وقال آخرون: إن المستحِقَّ هو الذي فوَّت المعقود علَيْه، فلا يتمكَّن مِن الْمَطَالَبَة بعِوَضِهِ، وكان تفويته رضاً منه بالسقوط، وخرَّجوا سائر الصور على هذَيْن الْمعنَيَيْن، فَأما إذا ماتَتِ الأمة أو قتلها أجنبيٌّ، سقط الْمَهرُ على المعنَى الأوَّل، ولا يسقط على المعنَى الثانِي، وكذلك لو قتَلَتِ الأمةُ نفْسَها، وإذا قتلتِ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا، فعلى المعْنَى الأول؛ لا يسقط المهر، وعلى الثاني يسقط الثاني.
قال صاحب "التهذيب": إذا قلنا: إن السيد إذا قتل أَمَتَهُ، سقط المهر، ولو تزوَّج رجلٌ أمة [أبيه] 592، فوطئها الأب قبْل أن يَدْخُلَ الابْنُ بِهَا، وجب أن يسقط المهر؛ لأن قطع النِّكَاحِ حصَلَ من مستحِقِّ المهر قبل الدخول.
الجزء: 8 - الصفحة: 197
وقوله في الكتاب: "ولا خلاف في أن المهْرَ لا يسقط بموت الحُرَّة والأمة" الأمر في موت الحرة كما ذكره، وأما في موت الأمة، فقد عرفت الخلافَ فيه، فإن كان ذلك طريقة أخرَى، فليعلم قوله: "والأمة" بالواو" لذلك.
المسألة الثانية: إذا باع الأمةَ المزوَّجة، لِم ينفسخ النكاحُ؛ لما رُوِي عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- "اشْتَرَتْ بُرَيْرَةَ وَلَهَا زَوْجٌ فَأعْتَقَتْهَا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ولو انفسخ النكاح، لَمَا خيَّرها، ويكون المهر للبائع، إن سمَّى في العقد صداقاً صحيحاً أو فاسداً، سواءٌ جرى الدخولُ قبل البيعِ أو بعْده؛ لأنه وجَب بالعقْدِ، والعقْدُ كان في ملكه، ولو طلَّقها الزوجُ بعْد البيع وقبل الدخول يكُون نصْف المهر للبائع، وإنْ كان قد زوَّجها على صورة التفْويض، ثم جرى الغرض أو الدُّخُول قبل البيع، فالمفروضُ أو مهر المثل للبائع أيضاً، وكذلك، إنْ أوجبنا المهر في المفوِّضة بالعقد، وإن جرى الفرض أو الدخول بعد البيع، فالمفروضُ أو مهرُ المثل للبائِع أو للمشترِي؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أنه على وجهَيْن؛ بناءً على أن الوجوب بالفرض والدخول، أو نتبين بالفرض والدخول وجوبَ المفروض أو مهْر المثل بالعقْد، وفيه قولان، إن قلْنا بالأول، فهو للمشتري، وإنْ قلْنَا بالثاني، فهو للبائِعِ.
والطريقُ الثَّاني: القطع بأنه للبائع؛ لأن العقْدَ هو السبَب الأول، وبه دخَل البُضْع في ضمان الزَّوْج، وإنما جرى العقْد في ملك البائع، ولو مات أحدُ الزوجَيْن بعد البيع، وقبل الفرض والدخول، وحكمنا بوجوب المهر، [ففيمن] 593 له المهرُ، مثْلُ هذا الخلاف، ولو طلَّقها بعد البيع وقبل الفرض والدخول، فالمتعة للمشتري؛ لأنها تجب بالطلاقِ، والطلاقُ وقع في ملكه، ولو أعتق أمته المزوَّجة، فالقول في المهر على التفصيل المذكور في البيع، فحيث قلْنا: إنه للبائع، فههنا يكون للمعتق، وحيثُ قلنا هناك: إِنَّه للمشتَرِي، فههنا يكون للمعتقة، وحيث حكمنا بأن المهر للبائع أو للمعتق، ولم يجر الدخول، فليس له حبْسُها لتسوق الصداق؛ لأنها خرَجَت عن ملكه وتصرُّفه، وليس للمشتري، ولا للمعتقة الحَبْس أيضاً؛ لأنهما لا يملكان المَهْر، وحيث حكمنا بأنه للمشتري، أو للمعتقة، فلهما الحبس لاستيفائه، ولو أعتقها وأوصَى لها بصَدَاقها، فليس لها حبْسُ نفسها لاستيفائه؛ لأن الاستحقاق ههنا بالوصيَّة لا بالنكاح، ولو تزوج أمة ولده، ثم مات، وَعَتَقَتْ، وصار الصداقُ للوارث، ولم يكن له حبْسُها؛ لأنه لا ملك له فيها.
الجزء: 8 - الصفحة: 198
هذا في النكاح الصحيح، أما إذا زوَّجها تزويجاً فاسداً، ثم بَاَعَها، ووطِئَها الزوج بعد البَيْع فمهر المثْلِ للمشتَرِي؛ لأنه وجب بالوطءْ الواقع في ملكه، وإن وطئ قبْلَ البيع، فهو للبائع.
المسألة الثالثة: ذكَرْنا من قبل أنه يجُوز أن يزوّج أمته من عبده، وأنه لا مَهْر؛ لأن السيد لا يَثْبُت له دَيْنٌ علَى عبده؛ ألا تَرَى أن جنايته عليه لا تثبت له أرشاً، وإتلافه ماله لا يقتضي ضماناً لا في الحال، ولا بعْد العتق، وحكى الشيخ أبو عليٍّ وجهين؛ في أنه يجب المهر، ثم يسقط أو لا يجب أصلاً ووجه الأولُ ألاَّ يعزي النكاح عن المهر، فالنكاحُ بلا مهْر من خصائص رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ووجْه الثاني: أن المعنى المسقِطَ للمهر كونُه 594 ملكًا، وأنَّه مقترنٌ بالعقد، فيدفع الوجوب، ولو أعتقهما السيد أو أحدهما، لم يلْزَمِ أيضاً لا للسَّيِّد، ولا للمعتَقة، وإن جرى الدخول بعد العِتْق؛ لأن المهْرَ لم يثبت في الابتداء، فلا يثبت بعْدَه، وكذا لو باعها، ودخَل الزوْج بها في ملْك المشتري، لا يجب المهر؛ لأنه ملك بضْعَها بغير عِوَضٍ في الابتداء.
وقال الشيخ أبو عليٍّ: ويجوز أن يُقَالَ: إذا أعتقها أو أعتق الزوج، ثم دَخَل بها يجبُ المهر، فإن لم يجبْ في ابتداء العقْد، كما في المفوَّضة، يجب المهر، إذا جرى الدُّخُول، وإن لم يجب، في الابتداء، قال: وهذا إذا قلْنا: لا يجب المهرُ بالعقد، أما إذا قلْنا: إنه يجب، ثم يسقط، فلا يجيء هذا الاحتمالُ، وتكون كما لو أبرأَتْ عن المهر، ثم دخل بها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ تَنْكَحِينِي لَمْ تُعْتَقَ إلاَّ بِالْقَبُولِ، ثُمَّ لاَ يَلْزَمُهَا الوَفَاءُ، وَعَلَيْهَا قِيمَتْهَا، فَإنْ نَكَحَهَا بِقِيمَتِهَا الَّتِي عَلَيْهَا وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَفِي صِحَّةِ الصَّدَاقِ وَجْهَانِ، فَلَوْ أَتْلَفَتْ عَبْداً عَلَى رَجُلٍ فَنَكَحَهَا بِالقِيمَةِ المَجْهُولَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَتِ السَّيِّدَةُ لِعَبْدِهَا أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْكِحَنِي عَتَقَ بِغَيْرِ قَبُولٍ عَلَى الأَظهَر، كَمَا لَوْ قَالَ للِزَّوْجَةِ: طَلَّقْتُكِ عَلَى أَنْ لاَ تَحْتَجِبِي عَنِّي وَعَلَى أَنْ أُعْطِيَكِ شَيْئاً، وَسَبِيلُ السَّيِّدِ الرَّاغِبِ فِي نِكاحِهَا أَنْ يَقُولَ: إنْ يَسَّرَ الله بَيْنَنَا نِكاحَاً صَحِيحاً فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهُ ثُمَّ يَنْكِحُهَا فَيَصِحُّ النِّكَاحُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لأمته: أعتقتُكِ على أن تَنْكِحِيني، أو على أن أنْكِحَكِ، لم تُعْتَق إلا بالقَبُول على الاتصال، ولا فرْقَ بين أن يَقُولُ مع ذلك: وعتقك وصداقك أو لا
الجزء: 8 - الصفحة: 199
يقول، ولو قالت أولاً: أعتقْتَنِي علَى أن أنْكِحَكَ، فأجابها إليه، فكذلك الحكْمُ، ثم لا يلزمها الوفاءُ، فإن النكاح لا يصحُّ التزامه في الذمَّة؛ ألا ترَى أنه لو أسلم إلَيْها دراهم في نكاحها، لم يصحَّ، وفي "شرح مختصر الجوينيِّ" حكايةُ وجْهٍ عن أبي إِسْحَاقَ المروزِّي: أنه يجب عليها الوفاء بذلك، ولا اعتماد عليه، وعن أحمد في أظهر الروايتَيْن: أنها تُعْتَق، وتصير زوجةً له بالمخاطبة التي جَرَت بينهما، إن حضرها شاهدان، ويجب عليها للسيد قيمتُها؛ لأنه أعتقها علَى عوض لا مجَّاناً؛ لكنه عوضٌ فاسدٌ، فصار كما لو أعتقها علَى خمرٍ أو خنزيرٍ، ولا فرق في لزوم القيمة بين أن يَفِيَ بالنكاح المشروط، أو لا يفي، وإذا رغبتْ في النكاح، فللسيِّد أن يمتنع، ولا تسقط القيمة بذلك، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: إن وقت، فلا قيمةَ عليها، وعن مالك أنَّه لا قيمة عليها بحال، ولو تَرَاضَيَا على النكاح، وأصْدَقَها غير القيمة الواجبة علَيْها، فلها ما أصْدَقَها، وعليها القيمةُ له، وقد يقعُ في التَّقَاصِّ، وإن أصدقها القيمةَ الواجبةَ عَلَيْها، فإن كانا عالمَيْن عند العقْد، صحَّ الإِصداق، وبرئت ذمتها، وإن جهلا أو أحدهما، فوجهان:
أحدهما: وهو الأصح: الفسادُ، كما لو أصْدَقها سائِرَ المجاهيل، فلها مهْرُ المثْل، وَعَلَيْهَا الْقِيمَةُ.
والثاني: وبه قال ابن خيران: أنه يصحُّ؛ لأن القيمةَ لمْ تَثْبُت مقصودةً، إنما كان مقصودُ السيد أن يَنْكِحَها، وإذا ثبت، فالغَرَضُ مِنْ جعله صَدَاقاً بَرَاءَتُها، وأيضاً، فإن القيمة بدلُ الرقبة، ولو أَصْدَقَهَا عَبْداً، وَجهِلا قيمته، يصح، فكذلك هاهنا ولو أتلفت امرأةٌ عبداً علَى رجل، ولزمتها قيمته، ثمَ نَكَحَها الرجلُ بالقيمةِ المجهولةِ، فسد الصَّدَاقُ، ورَجع إلَى مهر المثل قَالَ الإِمَامُ: ولو طرد طاردٌ الوجهَيْنِ في هذه الصورة، فهوَ قياسٌ، وإن نكحها على أن يكون صداقها عتقها صداقاً لها، فسد الصَّداق؛ لأن العتْقَ قد حَصَل وتقرَّر، فلا يصح أن يكون صداق النكاحِ متأخِّراً.
وفي "رقْم العباديِّ" وجه آخر: أنه يصح، وكأنه بالشرط السابق جَعَل رقبتها صَداقاً لها، والمستولدةُ، والمدبَّرة، والمكاتَبةُ، والمعتَقُ بعْضُها حكمُهن في الإِعتاق على أن تَنْكِحْنَهُ حكْمُ القِنَّة.
وعن رواية أبي الحُسَيْن بْنِ الْقَطَّانِ وجه: أنه لا قيمة على المستولَدَة؛ لأنَّهَا لا تبَاعُ وَلاَ تُشْتَرَى، ولو قال لغيره: أَعْتِقْ عبدك علَى أن أُنْكِحَكَ ابنتي، فأجاب أو قالت له امرأة؛ أَعْتِقْهُ علَى أن أنْكِحَك، ففعل، عَتَق العبد، ولم يلزم الوفاءُ بالنِّكَاحِ، وفي وُجُوبِ قيمة العبد وجهان، بناءً على القولين فيما إذا قال: أَعْتِقْ عبدك عنك على ألْفٍ؛ علَى أنه، هل يلزمه الألف؟ والأصحُّ عند الشيخ أبي حامد وصاحب"التهذيب" وغيرهما: أنه لا يلزمه؛ لأنه لا يعود إليه منفعةٌ بعتقه، ولو قال لأمته: أعتقْتُكِ على أنْ
الجزء: 8 - الصفحة: 200
تنكحي زَيْداً، فقبِلَتْ، ففي وجوب القيمة وجهانِ أيضاً حكاهما الحَنَّاطِيُّ، ثم في الفصْل وراء ما شرَحْناه مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الأولى: لو قالتِ السيدةُ لعبْدِها: أعتقْتُكَ على أن تَنْكِحَنِي، ففي افتقار العِتْق إِلى القبول وجْهَان:
أحدهما: الافتقار، كما إذا قاله السيد لأمته؛ وهذا لأن المرأة قَدْ تقصِد نكاح رجل بعينه، وتبذل عليه المال، كما يقْصِد الرجل نكاحَ امرأةٍ بعينها، ويبذُل عليها المال، وَعَلَى هَذَا؛ فَإِذَا قَبِلَ، عَتَقَ، ولزمه قيمته، ولا يلزمه الوفاء.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يعتق من غير قبول، ولا شيء عليه؛ لأنَّها لم تشترطْ عليه عوضاً، وإنما وعدَّتْه وعداً جميلاً، وهو أن تصير زوجَتَه، فصار كما لو قال لعبْدِه؛ أعتقتُكَ عَلَى أن أعطيك ألْفاً، ولزوجته طلَّقتُكِ عَلَى أن أعطيك كذا، ينْفُذ العتق.
والطلاق من غير قَبُول وليس كما لو قال لأمته: أعتقتُكِ على أن تنكحيني، فإنَّ بضْعَ المرأة يتقوَّم شرعاً مقابلَ بالمال، ونكاحُ الرجل ليس متقوماً على المرأة، ولا عبرة بقول الأول: إن المرأة قد تقصُد نكاح رجل بعينه، فإن ذلك، وإن كان يتَّفِق في العُرْف لا يصلح عوضاً في الشرع، كما لو قال: طلقتكِ على ألا تحتجبي عني، فإنَّه لا يكُون عوضاً، حَتَّى يَقَعَ الطَّلاَقُ من غير قَبُول، وإن كان يقْصِده بعْض الناس في العرف.
[المسألة] الثانية: إذا لم يَأْمَنِ السيد وفاءها بالنكاح، ولم يُرِد العتق، إن لم تنكحْه، فَهَلْ لذلك من طريقٍ يَثِقُ به فيه وجهان:
أحدهما: نعم، قال ابن خيران: وطريقُهُ أن يقول: إنْ كان في علْمِ الله أنِّي أنكِحُكِ أو تنكحيني بعد عِتْقِكِ، فأنتِ حرةٌ، فإن رغبتُ، وجرى النكاحُ بينهما، عَتَقَت، وحصَل غرَضُ السيد، وإلا، استمر الرقُّ، ونسب الإِمام هذا الوجه إلَى صاحب "التقريب" وعبارته في هذا التعليق: إن يسَّر الله عَزَّ وَجَلَّ -بَيْنَنَا نكاحاً فأنْتِ حرةٌ قبله بيوم، فإذا مضَى يومٌ ونكحتْه انعقد النكاح، وتبين حصول العتق قبله بيوم، وذكر اليوم جَرى على سبيل التمثيل والإِيضاح، ويكفي أن يقول: فأنْتِ حرة قبله، كما ذكره في الكتاب، ولفظ الصحيح في قوله "إن يسَّر الله بيننا نكاحاً صَحِيحاً" لا حَاجَةَ إليه، فإنَّ لفظ البيع والنكاح والعتق وسائر العقود يختصُّ بالصحيح منها على الظاهر، كما سيأتي في "باب الأيمان".
والثاني: وبه قال الأكثرون من الأصحاب: لا يصحّ النِّكَاحُ في هذه الصورة، ولا يحْصُل العتْق؛ لأنه في حالة النكاح شاكٌّ في أنها حرةٌ أو أمةٌ، كما إذا قال لأمته: إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ حرةٌ قبله بشهر، وأراد أن ينْكِحَها في الحال لا يصح.
الجزء: 8 - الصفحة: 201
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في تَزْوِيجِ العَبِيدِ)، وَالمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ لاَزِمَانِ وَمُتَعَلِّقَانِ بِكَسبْهِ وَبِالرِّبْحِ مِنْ مَالِ تِجَارَتهِ، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِرَأْسِ المَالِ وَجْهَانِ، وَالْقَوْلُ الجَدِيدُ أَنَّ السَّيِّدَ لاَ يَكُونُ ضَامِناً للِمَهْرِ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ لَكِنْ عَلَيْهِ أن يُمَكِّنَهُ حَتَّى يُؤَدِّي المَهْرَ مِنَ الْكَسْبَ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنْ اسْتَخْدَمَهَ يَوْماً لَزِمَهُ كَمَالَ الْمَهْرِ وَنَفَقَة العُمُرِ عَلَى وَجْهِ إِذْ رُبَّمَا كَانَ يَكْتَسِبُ مَا بَقِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَنَفَقَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ وَهُوَ الأَصَحُّ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أُجْرَةُ المِثْلِ كَمَا في الأجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس كلامُ الفصْل في كيفية التَّزْويج ومن يزوِّج، وإن كانت الترجمة تقتضي ذلك، وإنَّما الكلامُ في المهْر والنفقة وغيرهما من أحكام النكاح، وهكذا كان الأمر في الفصْل الرابع المتَرْجَم بتَزْويج الإِماء، والفقْهُ يقع في مسألتين:
[المسألة الأُولَى] 595: أنَّ المهر والنفقة لازِمَانِ في نِكَاح العبد لزومهما في نكاح الحرِّ، وبم يتعلقان ينظر في العبد أهو محجور عليه أو مأذونٌ له في التجارة.
الحالة الأولَى: إذا كان محجُوراً عليه؛ فأما أن يكون مكتسباً [أو لا يكون؛ إِن كان مكتسباً] 596 فهما متعلقان بكسبه؛ لأنهما من لوازم النكاحِ، وكسبُ العبد أقربُ شيء يصرف إليهما، فالإذْنُ في النكاح إذنٌ في صرف مكاسبه أو مؤناته، ويتعلَّقان بالأكساب العامَّة كالاصطياد، والاحتطاب، وما يحَصِّلُه بصنعة وحرفة، وبالأكساب النادرة الحاصلةِ بالهِبَة، والوصية.
وفيه وجهٌ: أنهما لا يتعلَّقان بالأَكسَاب النَّادِرَةِ بناءً على أنها لا تدخل في المهايأة، ولا تلحق بالأكساب العامَّة، وإنما يتعلَّقان بَالمكتسب بعد النكاح، فأما المكتسب قبله، فهو خاصٌ للسيد كسائر أمواله، ولو كان المهرُ مؤجَّلاً، فالمصروفُ إليه مما يكتسبه بعْد حلول الأجل دون المكتسب قبله، وهل للعَبْد أو مؤجر نفْسَه للمهر والنفقة فيه وجهانِ بناءً على القولَيْن في بيع المستأجر، إن منعناه، لم يكن لَهُ أن يؤجِّر نفسه، كيلا يفوت البيع على السيد، وإلا، فله ذلك قَالَ أَبُو سَعْدِ المتولِّي؛ هذا في إجارة العَيْن، أما إذا التزم عملاً في الذمَّة، فالمذهب جوازه؛ لأنه دَيْنٌ في الذمة، لا يمنع البيع، وطريقُ الصرف إلَى المَهْر والنفقة أن يَنْظُرَ إلى الحاصل كلَّ يوم، فيؤدي منه النفقة، إن وَفَّى بها، فإن فضَل شيْءٌ، صرف إلى المهر، [و] هكذا كلَّ يوم، حتى يتم المهر، فإذا تَمَّ، صرف الفاضل من النفقة إلى السيد، ولا يَدَّخر النفقة، وإن لم يكُنْ مكتسباً، فقولان، ويقال: وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 202
أحدهما: أنه على السيد؛ لأن الإِذْنَ في النِّكَاحِ لِمن هذا حاله التزامٌ للمؤنات.
وَأَصَحُّهُمَا: أنَّه في ذمته؛ لأنه دَيْنٌ وجَب برضا المستحِقِّ، فصار كما لو استقْرَضَ شيئاً، وأتلفه وحكى القاضي ابن كج قولاً: أنه يكون في رقبته تَنْزيلاً له منزلة أُرُوش الجنايات، وأنَّ القاضِيَ أبا حَامدٍ طَرَدَ هَذَا الْقَوْلَ فيما إذا كان العبْدُ مكتسباً أيضاً.
الحالة الثانية: إذا كان مأذوناً في التجارة، فالمهرُ والنفقةُ يتعلَّقان بربح ما في يده فإنَّه كسْبُه، وفي رأس المال وَجْهَانِ:
أحدهما: المنْعُ، كسائر أموال السيد من رقبة العبد وغيرها.
وأظهرهما: التعلّق؛ لأنه دَيْن لزمه بعَقْدٍ مأذونِ فيه، فكان كَدَيْنِ التِّجَارَةِ؛ وهذا لأنَّ العبد، إذا كان مَاذُوناً، وكان في يده مالٌ، فأطماع المعامِلِينَ تمتدُّ إلى ما في يده، وإذا أَذِنَ له في النكاح، كأنه التزم صرْفَ ما في يده إلى مؤناته، والربح الذي يتعلَّقان به هو الحاصلُ بعد النكاح أم الحاصِلُ قبله وبعده؟.
فيه وجهان:
أحدهما: الحاصلُ بعْده خاصَّةً، كما ذكرنا في كَسْبِ غير المأذون.
وأظهرهما: الجمْعُ؛ لما ذكَرْنا في التعليق برأْس المال، وإطلاقُ لَفْظ الكتاب يُوافِقُ هذا الوجه، هذا كلّه في المهْر الذي يتناولُه الإِذْن، أما لو قَدَّر السيد المهر، فزاد العَبْد، فالزيادَةُ لا تتعلَّق إلا بالذمَّة كما سبق.
المسألة الثانية: يجبُ على السيد تخليةُ العَبْد ليلاً للاستمتاع، وله أنْ يستخدمه نهاراً، إذا تكفَّل بالمهر والنفقة، وإلاَّ، فعليه أن يخليه؛ ليكتسب، فإن استخدمه، ولم يلتزِمْ شيئاً، فعلَيْه الغُرْم لما استخدم؛ لأنَّه لما أَذِنَ في النكاح، فكأنه أحال المُؤَن علَى كسبه، فإذا فوَّته طولبَ بها من سائر أمواله، كما أنه إِذَا بَاعَ الْعَبْدُ الْجَانِي، وصحَّحنا البيع، يلزمه للفداء 597، بل أولَى؛ لأن الجناية هنا صدَرَتْ من العبد من غير أن ينتسب إلَيْها السيد، وفيما يغرمه وجهان:
أصحُّهما: أنه يغرم أقل الأمْرَيَنْ من أجرة المثل وكمال المهر أو النفقة.
والثاني: كمالُ المَهْر والنفقة وبنَوْهما على القولَيْن في أنه يفدي العبْد الجاني [بأقلِّ] 598 الأمرين من قيمته، وأرش الجناية أو بأرش الجناية بالغاً ما بلغ؟ وزاد الإمَام -قدس الله روحه- نظراً فقال: استخدامه إتلافٌ لمنفعته، وإذا أَتْلَفَ السَّيِّدُ العبدَ الجَانِيَ، فمنهم من طرد القولَيْن فيما يلزمه، والصحيحُ أنه لا يلزمه زيادةٌ على القيمة [قطعاً] 599؛
الجزء: 8 - الصفحة: 203
لأنه لم يُتْلِفْ إلا قدْرَ القيمة، فلتكنْ صورة الاستخدام كإتلافِ العبْد الجاني، وحكَى وجهين تفريعاً علَى قولِ وجُوب المَهْر والنفقة؛ يعتبر نفقة مدةِ الاستخدام، أو نفقةَ مدَّةِ النكاح ما امتد؛ لأنه ربما كان يكْتَسِب ما بقي بجميع ذلك والأظهرُ الأول، ويجيء مثل هذا الخلاف علَى قول إيجاب الأقلِّ في النفقة المنظُور إليها، وإن استخدمه أجنبيٌّ، لم يلزمه إلا أجرة المثل؛ لأنه لم يوجدْ منه إلا إتلاف، ولم يسبق، منه ما سبَقَ من السيد، وهو الإذْنُ المقتضي لالتزام مؤن النكاح في كسبه، وإذا اختصر الخلاف في استخدام السيِّد، حصَلَت ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
وللسَّيِّد أن يسافر بالعبد، وإن تضمَّن ذلك المنع له من الاستمتاع؛ لأنه مالك الرقبة، فيقدَّم حقُّه، كما أن له أن يُسَافِر بالأمة المزوَّجة، ثم للعبْدِ أن يسافر بها معَه، قال في "التهذيب" ويكون الكراء في كسبه، فإن لم تخرُجْ معه أو كانَت رقيقةً، فمنَعَها سيِّدُها، سقطت النفقة، وإن لَمْ يُطَالِبْهَا الزوج بالخروج، فالنفقةُ بحالها، والسيدُ يتكفل بها، فإن لم يفعلْ، ففيما يغرمه لمدة السفر الخلافُ السابقُ، هذا هو المنقول في الطُّرق وقد رواه الْمُزَنِيُّ عن نصفه في "الْمُخْتَصَرِ" وحكى الإمامُ عن العراقِيِّين؛ أنه ليس للسيد استخدامُه في الحَضَر، ولا أن يسافر به ما بَقِيت عَليه مؤنةُ النكاح، وجعل المسألة مختَلَفاً فيها بين الأصحاب، ولا يكاد يُتحقَّق فيها خلاف.
واعلم أن أكثر ما ذكَرْنا في المسألَتَيْن متفرع على القول الجديد، وهو أنه إذا جرى النكاح بإذن السيِّد، لا يكون السيد ضامناً للمَهْر والنفقة بالإِذْن، ووجْهه: أنه لم يلتزمْ تصريحاً ولا تعريضاً، والتعلُّق بالكسب يحتاجُ فيه إلَى ضربٍ من التكليف، فما ظنك بالإلزام المطْلَق والتعلّق بجميع أموال السيد، وقال في القديم: يصير بالإذْن ضامناً ملتَزماً للمَهْر والنفقة؛ لأنَّ الإذْنَ يقتضي الالْتِزام، وليس فيه تخصيصٌ بالكَسب، فلا يفترق الحال بين مالٍ ومالٍ، وإذا قلْنا بالجديد، فلو أذن بشرط الضمان، لم يصر ضامناً أيضاً، إذا جرى النكاح؛ لأنه لا وجُوبَ عند الإِذْن، وإذا قلْنا بالقديم، فقد حكى أبو الفرج الزاز وجهَيْن: في أن الوجُوبَ يثبت علىَ السيد ابتداءً أو يلاقي العَبْد، ويتحمَّل عنه السيد، فَعَلَى الأول لا تتوجَّه المطالبة إلا على السيد، ولو أبرأت العبد، فهو لغْوٌ، وعلى الثاني تتوجَّه المطالبة عَلَيْهما جميعاً، ويصحّ إِبراء العبد، ويبرأ به السيد على قاعدة الضمان، قال أبو الفرج: وَالأَصَحُّ الوجْهُ الثاني؛ لأن العوض يحْصُل للعبد بخلاف ما إذا اشترى بإذْن السيد، يكون الثمن عليه ابتداءً؛ لأن الملْك في المنْع يحْصُل له، وصاحب "التهذيب" أجاب بالوجْه الأول، ويقْرُب منه ما ذكره الإمَام؛ أن هذا وإنْ سُمِّيَ ضماناً على القديم، فليس هو بمثابة ما يلتزم بعَقْد الضمان، ولكَن القولَيْن راجعان إلى أن أثر الإِذْن ينحَصِر في الكسب أم يعم جميع أموال السيد، وهو قريبُ المأخذ من الخلاف في أَن عُهْدة تصرفات العبد المأذون تنحصرُ فيما في يده أم تتعلَّق بالسيد أيضاً
الجزء: 8 - الصفحة: 204
فعلى رأي الإذْن في التجارة، فَمَا سلمه إلَيْه حاصرٌ عهدة التصرُّف في المُسَلَّم إليه، والإِذن ههنا في النِّكَاحِ حاصر 600 الالتزام في أقرب شيء إلى العبد، وهو كسبه، وعلَى رأي: لا تخصيص، وهذا تقريبٌ حسنٌ، لكنا ذكرنا أن الظاهر هناك التعلُّق بالسيد أيضاً، وههنا الأصحُّ الجديدُ باتفاق الأصحاب خلافه، هذا حكْمُ المَهْر في النكاح الصحيح، وأمَّا الْمَهْرُ في النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، ففيه مسألتان:
المسألة الأوُلَى: إذا فسد نكاحُ العبْد لجريانه من غير إذْن السيد، فيفرّق بينه وبين زوجته، فَإِنْ دَخَلَ بها قبْلَ التفريق، فلا حَدَّ للشبهة، ويجب مهر المثل وبم يتعلَّق؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: أنه يتعلَّق بذمة العبد؛ لأنه وجب برضا المستحِقِّ، فصار كَمَا إذا اشترى أو استقرض بغير إذْن السيِّد وأتلف.
والثاني: أنه يتعلق برقبته؛ لأنَّ الوطء إتْلافٌ، فبذله لعلها فبدله كدُيُون الإِتْلاَفات، وهذا القول مِنْهُمْ من نسبه إلى [القول] 601 القديم، ومنهم مَنْ قال: هو مخرَّجٌ من قولنا: إِنَّ السَّفِيهَ إذا نكَح بغَيْر إذْن الوليِّ ووطئ يلْزَمه المهْر، والقول الأول يوافق قولَنا هناك: لا يلزمُهُ شَيْء؛ لأن المرعيَّ هُنَاكَ حقَّ السفيه فينتفي الوجوب أصلاً، والمرعيُّ ههنا حقُّ السيد، ولا ضَرَرَ عليه في التعلُّق بالذمة، فعلَّقناه بها وفي "النهاية": أن من الأصحاب من لم ينسبه قَولاً للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقال: إنَّه حكَى مذهب الغير.
وإن جرى النكاح من غير إذن مستحِقِّ المهر بأن نكح أَمةً دون إذْن سيِّدها، ودخل بها، فطريقان:
أحدهما: وبه قال ابن الحدَّاد: القطْعُ بأنَّ مهر المثل يتعلَّق بالرقبة، كما لو أكْره أمةً أو حرةً على الزنا.
والثاني: طَرْد القولَيْن، ومن قال به، قال: المهر، وإن كان حقاً للسيد، إلا أنَّها بسبيل من إسقاطه في الجملة؛ بدليل ما إذا ارتدَّتْ أو أرضعتِ الزوجَ، وهو صغير، فإذا جاز أن يَسْقُطَ بفِعْلها، جاز أن يتأخَّر برضاها.
قال الشيخ أبو عليٍّ: ويقْرُب من هذا الخلاف ما إِذَا زَنَتْ طَائِعَةً، هل يسقط المهر؟.
المسألة الثانية: إذا أذِنَ السيدُ في النكاح، فنكح نِكَاحاً فَاسِداً، ودخَل بها قبل أن يُفرَّق بينهما، فبمَ يتعلق مهر الْمِثْلِ؟ يبني ذلك على أن الإِذْن في النكاح يتناول الصحيح
الجزء: 8 - الصفحة: 205
والفاسد أم يختص بالصحيح؟ وقد نقلوا فيه قولَيْن:
أحدهما: أنه يتناولُهما؛ لوقوع الاسْم على الفاسد؛ ولأن النكاح الفاسدَ يُشَارك الصحيح في كثير من الأحْكَامِ، فَعَلَى هذا يتعلَّق بكسبه، كالمهر في النكاح الصحيح.
وأصحُّهما: أنه يختصُّ بالنكاح الصحيح؛ لأن مطْلَق الاسم ينْصَرِف إليه، ولذلك نقُول: لو حلف أَلاَّ ينكح، فنكح نِكَاحاً فَاسِداً، لا يحنث، والأَحْكَامُ المذكورة هي أحكام الوطء لا أحكام النكاح، فعلَى هذا هو كما لو نكَحَ بغَيْر إذْنٍ، فيعود القولان في التعلُّق بالدم أو الرقبة، ويحْصُل عنْد الاخْتِصَار ثلاثةُ أقوالٍ، كما أشار إِلَيْها صاحب الكتاب في "فصْل الغرور" ولو نكح بالإِذْن نكاحاً صحيحاً، ولكن فسَدت التسمية.
قال الصيدلانيُّ: يتعلَّق مهر المْثل بالكسب لا محالة، [ولو صرح] 602 بالإذْن في النكاح الفاسدِ، ووجب مهر المثل، فقياس هذه المسائل تعلُّقه بالكسب أيضاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا اشْتَرَتِ الحُرَّةُ زَوْجَهَا أوَ اتَّهَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى قَوْلٍ، وَجَمِيعُهُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي ضَمِنَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ إن فَرَّعْنَا عَلَى سُقُوطِ جَمِيعِ الْمَهْرِ، لأَنَّ تَصْحِيحَّهُ يُؤَدي إِلَى إِبْطَالِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَقَطَ العِوَضُ بِحُكمِ الفَسْخِ عَرِيَ البَيْعُ عَنِ الْعِوَضِ، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْمَسِيسِ وَقُلْنَا: إِنَّ طَرَيَانَ المِلْكِ عَلَى الرَّقِيقِ يُبرِئُ ذِمَّتَهُ عَنْ دَيْنِ السَّيِّدِ المُتَمَلِّكِ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ أَيْضاً لأَنَّ العَبْدَ إِذَا بَرِئَ بَرِئَ السَّيِّدُ الَّذِي هُوَ الكَفِيلُ فَيُعَرَّى عَنِ الْعِوَضِ، وإنْ قلْنَا: الْمِلْكُ الطَّارِئُ لاَ يُسْقِطُ الدَّيْنَ صَحَّ الشِّرَاءُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ في "قسم الموانع" أن الزوج لو ملَكَ زوجته أو شيئاً منْها، أو ملَكَتِ الزوجةُ زوْجَها، أو شيئاً منْه، انفسخ النكاح، ولو كان للرجُلِ عبدٌ في نكاحه أمةٌ، فدفع إليه مالاً، وقال: اشتَرِها لي، ففعل، صح، واستمرَّ النكاح، كما يجوز أن يزوِّج عبده من أَمَتِهِ، ولو ملَّكَه المال، وقال اشترها لنَفْسِكَ، ففعل، فيبنَى على أن العبد، هل يملك بتمليك السيد إن قلنا: نعم، انفسخ النكاح، وإن قلْنا: لا، فالملك للسيد، ويستمر النكاحُ، واقتصر صاحب "الشَّامِلِ" -رحمه الله- في التصويرَ علَى ما إذا دفع إلَيْه المال، وقال: اشتريها لنفْسِك، ففعل، وأجاب بهذا البناءِ، كأنه جعل ذلك تمليكَاً ضمناً، وإلاَّ، فكيف يشتري لنفْسِه بمال غيره؟! ويجوز أن يُقَالَ: قد ذَكْرنا في البيع وجهَيْن، فيما إذا اشْتَرَى بمالِ نفْسه لغيره بإذْنِ ذلك الغير، هَلْ يَصِحُّ، فَإِذَا جَوَّزْنَا أن يشتريَ بمالِ نفْسه لغيره عن إذْنه، لم يبْعد أن يشتري لنفسه بمال غيره، وإذا قيل به،
الجزء: 8 - الصفحة: 206
فقد ذكرنا وجهين في أن المالَ يكون قرضاً أو هبةً، فإن جعلْناه قرضاً، فههنا يقع الشراء للسيِّد، والسيدُ لا يقرض عبده، وإن جعلْناه هبةً، فيجيء الخلافُ في أن العبد، هل يملك بتمليك السيد.
ولو اشترى مَنْ بعْضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ زوجَتَه؛ نُظِر؛ إن اشتراها بالكسب المشترك بينهما، وأذن له السيدُ ملَك قسْطاً منْها، وانفسخ النكاحُ، وإنْ لم يأذنِ السيدُ، لم يصحَّ في نصيبه، وفي نصيب العبْد قولاً تفريقُ الصفقة، إن صحَّ، انفسخ النكاح، وإن اشْتَرَاهَا بخالصِ مَالِهِ من كسبه، فإن جرتْ بينهما مهايأةٌ، انفسخ النكَاحُ، وإنِ اشتراها بخَالِصِ مالِ السيد من كسبه بإذنه، لم ينفسخ النكاح وكذا الحكم لو اشترتِ التي بعْضُها حرةٌ، وبعضُها رقيقٌ زوْجَها، إذا تقرَّر ذلك، فمقصودُ الفصل مسألتان:
المسألة الأُولَى: في حُكْمِ المهر، إذا انفسخ النِّكَاحُ بحدوث الملك، وكتابُ الصداق أحقّ بهذه المسألة، لكن الأصحاب أوردُوها ههنا، وإذا ملكتِ الزوجةُ زوْجَها بشراء أو اتِّهَاب، أو غيرهما، نُظِر؛ إن كان ذلك قبْلَ المسيس، حكى الإِمام وصاحبُ الكتاب فيه قولَيْن:
أحدهما: أنه يسقط نصْفُ المهر؛ لأن الانفساخ حصل بالعقد الجاري بين البائع، وبين الزوَّجة، والبائعُ قائمٌ مقامَ الزوْج من حيثُ إِنه سيده، والفراق إذا حصل بصنع الزوجَيْن، غُلِّبَ جانب الزوج، ويُشطَّر المهر، كما لو خالَعَها قبل المسيس.
وأصحُّهما: أنه يسقط جميعه؛ لأنَّ الفرقة حصلَتْ بالزوجة، والسيدُ لا اختيار للزَّوْج فيها؛ ولأن الزوْجَة هي المتملِّكة، والمِلْكُ هو الذي ينافي الزوجية ويقْطَعها، وصار كما لو ارتدَّت، فعلى هذا تردُّ المهر، إن قبضته، وعليها الثمن، وعلى الأول تردُّ النصف، وعليها الثمنُ، وقد يتحد الجنس، فيقع في التقاص، والعراقيُّون من الأصحاب، والشيخ أبو عَلِيٍّ، وغيرهم نقَلُوا في المسألة بدَلَ القولَيْن وجهَيْن، والأمر فيه قريب؛ لأن أبا الفَرَج السَّرْخَسِيِّ قال: ظاهر لفْظِ في "المخْتَصَر" ههنا سقوطُ جميع المَهْر، وقال فيمن اشترَى زوجته الأمة إنه يجب نصْف المهر، والصورتان متشابهتان من حيث إِن الفَسْخ فيهما حصلَ بعقْدٍ جرى بين مستحقِّ المهر وبين مَنْ عليه فمنهم من جعلها على قولَيْن تصرّفاً في النصَّيْن، ومنهم مَنْ فَرَّقَ بأنَّ هناك حصَلَ الفراقُ بالزوْج وغيره، فغلَب جانبُ الزَّوْج، كما في الخُلْع، وههنا لا صنع للزوج في سبب الفِرَاق، فهذا أصحُّ فأفاد كلامه شيئَيْن:
أحدهما: تولُّد الخلاف في التصرُّف في النصَّيْن، وقد بيَّنَّا أن مثل ذلك قد يسمَّى وجهاً، وقد يسمَّى قولاً.
والثَّاني: قطَع بعضهم بسقوط جميع المَهْر في المسألة.
الجزء: 8 - الصفحة: 207
ولو ملكتْ زوْجهَا بعد المسيس، فلا يسقط المهرُ بالانفساخ، ولا يردُّ شيئاً، إن قبضته، وإنْ لم تقبض، فقد ملكَتْ عبداً لها في ذمَّتِه دَيْن، وفيه وجهان، سَبق ذكْرُهما في "كتاب الرَّهْن" وغيره:
أحدهما: أنه يسقطُ، كما لا يثبت له دَيْنٌ على عبده ابتداءً.
وأصحهما: أنه يبقى كما كان، وللدوام من القوَّة ما ليس للابتداءِ، فإنْ قلنا: يسقط، برئت ذمة العبد من المهر، وللبائعِ الثمنُ عليها وإن قلنا: يبقى، فلها مطالبةُ العبد، إذا عتَقَ، وللبائع الثمنُ علَيْها في الحال، فإن كان السيدُ البائع قد ضمن لها المهر، فلها المهر عليه بحكم الضمان، وله عليها الثّمن، وقد يَقَع في التَّقَاص، هذا حكم المهر، إذا ملكت الزوجةُ زوْجَها.
أما إذا ملَك الزوْجُ زوجته بالشراء، نُظِر؛ إن ملكها بعد المسيس، فعليه المهر للبائع مع الثَّمن، وإن ملكها قبله، فالنصّ وجوب نصف المهر، والأصحابُ مختلفون منْهم من أثبت وراءه قولاً آخر: أنه يسقط جميع المهر؛ إمَّا أخْذاً من القَوْل بسُقُوط جميع المهر، إذا ملكت هي زوْجَها علَى ما حكاه السَّرْخَسِيِّ، وإمَّا أخذاً من نصه فيما إذا كانتْ مفوّضةً، وملكها الزوج قبل المسيس؛ لأنه لا متعةَ، فخرج منه أنه لا مَهْر، إذا لم تكن مفوضة، ومنْهم مَنْ قطع بالقول الأول، ولم يُخرِّج قولاً آخر، والفرق بيْنه وبيْن ما إذا ملكت زوْجَها قد مَرَّ، والفرق بين المسمَّى وبين المتعة أن المسمَّى وجب بالعقدُ، والعقد جرَى في ملك البائع، وإذا تملَّكها الزوج، كان له الشطْرُ، والمتعةُ إنَّما يجب بالفراقِ، والفراقُ حَصَل في مِلْك الزوج، فكيف نوجبُ له علَى نفسه المتعة، ولذلك قلْنا: إنَّه لو باعها من أجنبيٍّ، ثم طلقها الزوج قبل المسيس يكون نصْفُ المهر للبائع، ولو كانتْ مفوضةً تكون المتعة للمشتَرِي، ولو نكح جاريةَ مورِّثه كأبيه وأخيه، ثم ملك بالإرْث بعْضَها أو كُلَّها، فإنْ كان ذلك بعد الدُّخُول، لم يسقط المهر بالانفساخ؛ لاسَتقراره، وهو تركة الميت، فإن احتيج إلى استيفائه لقَضَاء الدُّيُون.
وتنفيذ الوصايا، فعل، وإلاَّ، سقط، إِنْ كَانَ النَّاكِحُ حَائِزاً؛ لأن ما كان عليه قد صار له، وإِنْ لم يكن حائزاً، فلغيره من الورثة استيفاء نصيبه، وإن كان قبل الدخول، ففيه وجهان.
قال ابنُ الْحَدَّادِ: يسقط جميعُ المهر؛ لأنه لا صنْعَ من قِبَل الزَّوْج في سبب الفراق، وعلى هذا يستردُّ من التركة، لو كان قد قبضه، وقال غيره، وهو الأظهر، لا يسقط إلا النِّصْف؛ لأنه لا صُنْع من قبلها أيضاً، وهذا يكْفِي لبقاء نصْف المهر؛ ألا تَرَى أنه لو كان تحْتَه زوجتان صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ، وانفسخ نكاحهما، يجب للصغيرة نصْفُ المهْر، وإن لم يكن من جهة الزَّوْج صَنْعٌ فيه؛ لأنه لا صنْعَ من جهتها، فعلَى هذا، إن كان حائزاً، سقَطَ النصْفُ الآخر؛ لأنه المستحِقُّ له،
الجزء: 8 - الصفحة: 208
وإن كان معه غيْرُه، سقَط نصيبُه، وللآخَر أخْذُ نصيبه، ولو زوَّج الرجُل ابنته من عبده بإذْنها، ثم مات، فورثَتْ بعْضَ زوْجِها، فإن كان بعد الدخول، فَقِسط ما ورثته من المهر، دَيْنٌ لها على مملوكها، ولها المطالبةُ بالباقي مِن كَسْبه مما ترث منه، وإن كان قبل الدُّخُولِ، فعلَى قول ابن الحدَّاد، يسقط جميع المهر، وعلى قولِ غيره؛ لا يَسْقُط إلا النصف، وحكم النصف الباقي حكْمُ الكلِّ بعد الدخول.
المسألة الثانية: ليعلم أن ما ذكرنا في المسألة الأولَى فيما إذا اشترت زوْجَها مصوَّرٌ فيما إذا جرى البيع بعين الصَّدَاقِ، فيتصور أن يجري البيع بعين الصداق، والغرض الآن الكلام فيه، فنُقدِّم عليه مقدِّمَتَيْنِ:
إحداهما: إذا نكح العبْدُ نِكَاحاً صَحِيحاً، وقلنا: لاَ يَصِيرُ السيِّدُ ضَامِناً للمهْر بالعقد، فلو ضمن عنه، جَازَ؛ لأنه ضمانُ دَيْنِ لازم، ثم يُنْظر؛ إن كان العبدُ كسوباً، فللزوجة مطالبةُ العبد والسيِّدِ جميعاً، وإلاَّ، فلا يطالب إلاَّ السيِّدُ، وكذا الحكم لو طلَّقها بعْد الدخول، والمهر غير مقبوض، وإن طلَّقها قبل الدخول، سَقَطَ نصف المهر عنْها، ومطالبتُها بالنصفِ الآخر على التَّفْصيل المذكور، فإن كانَتْ قد قَبَضَت المهر، فيردُّ النصف على السيد، إن بقي الزوج على الرِّقِّ عند الطلاق، وإن كان قد أعتقه، فعلى الزوج؛ لأنه مكتسبٌ بالطلاق، ذكره الشيخ أبو حامد.
والثانية: صورةُ البيع بعَيْن الصداق: أن يلتزم السيِّد الصداق، إمَّا بأصْل العقْد على القديم أو بالضَّمان اللاَّحِقِ على الجديد، فيصرِّح المتبايعان بالإِضافة إلَيْه؛ بأن يقول سيد العبد لزوجته الحرَّة بَعْتُهُ لك بِصدَاقِكِ الذي يلزمني، وهو كذا، فتشتري، أما إذا صرَّحا بالمغايرة، أو أطلقا فهو بيْعٌ بعين الصداق.
مثاله: كَانَ الصَّدَاقُ ألْفَ درْهمٍ، وقال: بعْتُكِ بِألْفٍ غَير الصداق أو بألفين أو أطْلَقَ، وقال: بعْتُكِ بألفٍ أو بألفَيْن، وإذا اختلَفَ جنْسُ الصداق والثمن، فلا شَكَّ في المغايرة، ولو دفع عيناً إلى عبده، وأذنَ له في أن يَنْكِح امرأةً، ويُصْدِقها تلْك العين، ففعل، ثم باع العبد لها بتلك العين، فلا شَكَّ في أنه بيعٌ بعين الصداق.
إذا عرفت ذلك، فالبيع بعَيْن الصداق، إما أنْ يجري قبل المَسِيس أو بعْدَه.
الحالة الأُولَى: إذا جرى قبل المسيس، فإنْ فرَّعنا علَى سقوط جميع المهْر، إذا تملكت زوجها قبل الْمَسِيسِ، وهو الصحيح، لم يصحَّ البيع، ويستمرُّ النكاح؛ لأنه لو صحَّ، لملكت الزوجَ وانفسخ النكاح، وإذا انفسخ، سقط المهرُ، وعرى البيع عن العوض، وإذا على البيعُ عن العوض، بَطَلَ، فتصحيحه يجر إلى بطلانه، [و] هذا ما نصَّ عليه الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وجمهور الأصحاب، وقال: الشيخ أبو عليٍّ: يجب عندي أن يصحَّ البيع، ويبطل النكاح؛ لأن البيع وارتفاع النكاح لا يقَعَانِ معاً، بل
الجزء: 8 - الصفحة: 209
يكون الفسْخُ بعد البيع، وحصُول الملْك، حتَّى لا يحكم بانفساخ [النكاح] 603 ما دَامَا في المجْلِس، إنْ قُلْنَا: إن الخيار يمنع حصول الملْك للمشتري، وإن كان الانفساخ عَقِيبَ البيع والملك، فيكون ملْكُها عن الصداق زائلاً مع حُصُول ملْكها في الرقبة، فلا يَبْطُلُ الثمن بالانفساخ بل أثر الانفساخ الرجُوعُ إلَى بدل الصَّداق، وهذا كما لو وكَّلت رجلاً بأن يشتري لها عَيْناً من الزَّوج بالصَّداق قبل المسيس، فاشترى، وارتدَّتْ هي عَقِيب الشراء، ويرجع الزوْجُ عليها بَبَدل الصَّدَاق، والتصرُّف الذي بَاشَرَهُ الوكيلُ لا يَبْطُلُ، وَهَذَا الذي أَوْرَدَهُ الشَّيخُ أقامه صاحب "التتمة" وجهاً من غير أن ينْسُبه إليه، فإن فرَّعنا على أن تَمَلُكَهَا الزوْجَ قبل المسيس يقْتَضِي التَّشْطير، فينبني هذا على خلافِ سنذكره في الحالة الثانية، وهي: إذا جرى البيعُ بعْد المسيس، فإنْ لم يصحَّ البيع هناك، فكذلك هاهنا، وإن صحَّحنا هناك، فالذي يلزم ههنا من صحَّة البيع وانفساخ النكاح، سقوطُ نصف الصداق، فلا يَسْقُط إلا نصْفُ الثمن، فيبطُلُ البيع في نصْف العبد، ويخرج في الباقي علَى تفريق الصفقة، فإن فرقنا، ينفسخ النكاح، هذا هو الجوابُ على المشهور، وعلى تخريج الشَّيْخ أبي عليٍّ؛ يصحُّ البيعُ في جميعه لا محالة.
الحالة الثانيَةُ: إذا جرى البيع بعين الصَّداق بعد المسيس، فيبنَى على الخلاف في أن مَنْ ملك عبداً له عليه دَيْن، هَل يَسْقُطُ ذَلِكَ الدَّيْنُ للمِلْك الطارئ إن قلْنا: لا يسقط، يصحُّ البيع، وتصيرُ مستوفيةً للمهر المستقر بالدخول، ولا شيءْ لواحدٍ من المتبايعَيْن على الآخر، وإنْ قلنا: يسقط وتبرأ ذمة العبد، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يصحُّ البيع؛ لأنه لو صَحَّ، لملكته وبرئت ذمته، وإذا برئَ العَبْد، وهو أصيلٌ، برئ السيد الذي هو كفيلٌ، فيعرى البيعُ عن العوض، كما في الحالة الأُولَى.
وأظهرهما: وبه أجاب الشيخ أبو حامد: أنه يصحُّ، وليس كما قيل المسيس، فإنَّ سقوط المهر هناك بانفساخِ النِّكَاح بدليلِ أنَّه لو كان مقبوضاً، يجبُ رده، فَلاَ يمكن جعله ثمناً، وههنا سبب السقوط حدوث الملْك، وإذا جعَلَه ثمناً، فكأنها استوفَتِ الصداق قبل لزوم البَيْع، فليس لها بَعْدَ ما ملكَت الزوْجَ صدَاقٌ في رقبته 604، حَتَّى يسْقُطَ، وهذا قريبٌ مما ذكره الشيخ أبو عليٍّ في توْجيهه تخْريجه، ويُروَى أن القفال كان يحْفَظُ عن شيوخ الأصحاب صحَّة البيع في المسأَلة، ثم إِنه رَأى في المنام أنه سُئِل عنْها، فأجاب بالفَسَاد، وعلَّل سقوط الدين بحُدُوث الملك، ثم رأى الوجهَيْن بعد ما أثبته في كلام الأئمة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وجميع ما ذكرنا فيما إذا اشتَرتِ الزوجةُ زوْجَها
الجزء: 8 - الصفحة: 210
مصوَّرٌ فيما إذا كانت الزوجَةُ حرةً.
أما إذا كانت أمةً، واشترتِ الزوجَ بإذْن سيدها، أو كانت مأذوناً لها في التِّجَارة، فاشترته للتِّجارة، فيصحُّ البيع، ويستمرُّ النكاح؛ لأن الملْك ههنا للسيد، ولا فَرْقَ في ذلك بين ما قبل المسيس أو بعْده، ولا بين أن يكون الشراءُ بعَيْن الصداق أو غيره، ولكن لو اشترتْه بعَيْن الصداق، يبرأ السيد، ويبرأُ العَبْد أَيْضاً؛ لأنَّ الكفيل، إذا أدَّى الدَّيْن، برئ الأصيل عن حقِّ المكفول له، ولا رجوعَ للسَّيِّد على العبد، كما لو ضمن عن عبده، دينًا آخَرَ، وأداه في رقِّه، وإن اشترته بعين الصداق، ففي سقوطِ الصَّداق عن العبد؛ لأن سيِّدَها ملكه وله علَيْه دَيْنٌ، الخلافُ الذي تكرَّر، فإن سقط، برئ سيده البائع عن الضمان؛ لبراءة الأصيل، ويبقَى الثمنُ بحُكْم الشراء، فإن لم يُسْقُطْ، فلسيد الأمة على بائع العبد الصدَاقُ، وللبائعِ عليه الثمن، وقد يقع في التقاص فإذا تقاصا بَرِئتْ ذمة العبْد عن حقِّ المشتري؛ لأنه بالتقاص استوفَى حقَّه عن البائع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَللدَّوْرِ الحُكْمِيِّ نَظَائِرُ (إِحْدَاهَا): لَوْ كَانَتْ أَمَتُهُ ثُلُثَ مَالِهِ فَأعْتَقَهَا وَنَكَحَهَا وَمَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ المَهْرِ لأنَّ ذَلِكَ يُلْحِقُ الدَّيْنَ بِالتَّرِكَةِ وَيُبْطِلُ الْعِتْقَ وَالنِّكَاحَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "وللدَّوْرِ الحُكْمِيِّ" يريد به الإِشارة إلى أَن المسائل التي فيها الدَّوْرُ نوعان:
أحدهما: ما ينشأ الدَّوْرُ فيه من محض حكْمِ الشرع، كما ذكَرْنا فيما إذا اشترتُ زوْجَها قبل المسيس من السَّيِّد بالصَّدَاق الذي ضَمِنَه، فإنَّه إذا صَحَّ الْبَيعُ، ثَبَتَ الْمِلْكُ، وإذا ثبت الملكُ، انفسخ النكاحُ، وإذا انفسخ النِّكاح، سَقَطَ المهْرُ المجْعُول ثمناً، وإذا سَقَطَ فَسَد البيع، فَهَذِهِ الأَحْكَامُ المترتِّبة، ولدَّت الدَّوْرَ.
والثَّاني: ما ينشأ الدَّورْ فيه من لفْظةٍ يأتي بها الشَّخْص، كما في مسألة دَوْر الطَّلاَقِ وعنْدها نذكر أكثر صُوَر الدَّوْر اللفظِّي، ولَمَّا جرى ههنا بيان المسألة التي هى من الدَّور الحكميُّ، أورد خمس مسائل من نظائرها، وكذلك اعتماد الأئمة.
المسألة الأولَى: أعتق أمةً له في مرضِ موتِهِ، ونكَحَها على صدَاقٍ سمَّاه، فيُنظر؛ إِن لم تخرج من الثلث [فحكمه ما بيناه في المَسَائل الدَّوْرِيَّةِ في "كتاب الوصايا"، وإذا خرجَتْ من الثلث، فيُنْظَرُ؛ إن كان قدر الثلث بلا مزيد، لما إذا كانتْ قيمتها مائةً، وهو يملك مائتَيْن سواها] 605 فالنِّكَاحُ صحيح، ثم إنْ لم يجر دخولُ، فلا مهر لها؛ لأنه لو
الجزء: 8 - الصفحة: 211
ثبت، كان دَيْناً على الميِّت، وحينئذٍ، فلاَ يخْرُج عن الثلث، ويرقُّ بعضها، وحينئذٍ، يَفْسُد النكاح، ويبْطُل المهر، فإذن إثباته يؤدِّي إلى إسقاطه، فيسقط، وهذه هي الحالةُ التي أوردها صاحب الكتاب، وإن أطلق اللفظ إطلاقًا، ولم يذْكُرْ في التصوير وقُوعَ الإِعتاق والنكاح في مَرَض الموت، ولكنْ في التقييد بكَوْنها ثلث ماله ما ينبه عليه، وإن جرى الدُّخُول فقَدْ ذكرنا حكمه في "باب الوصايا"، وسواءٌ جرَى الدخولُ أو لمْ يَجْرِ، فلا ترث بالزوجيَّة؛ لأن عتْقَها وصيَّة، والوصيةُ والميراثُ لا يجتمعان 606، فلو أثبتْنا الميراثَ، لَزِم إبطالُ الوصيَّة، والوصيَّةُ ههنا الإعتاق، وإذا بَطَلَ، بطَلَت الزوجية، وحينئذٍ، فيبطل الميراثُ، وَإِنْ كانتِ الأمةُ دون الثُّلُث، فقد يمكْنِها المطالبةُ بالمَهْر؛ لخروجها من الثلث بعْد الدَّيْن، وهذا كلُّه مبنيٌّ علَى أنه يجوز له نِكَاحُهَا في مرَضِ الموت، وهو الظاهر، وحكَى أبو عليٍّ والْحَنَّاطِيُّ وجهاً؛ أنه لا يَجُوزُ، وهو ما حكَيْنا من قَبْلُ عن ابن الحدَّاد؛ أن المعتقة في مرض المَوْت لا يجوز لقريبها تزويجها لإِمكان ألاَّ تخرج من الثلث عند الموت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) إِذَا زَوَّجَ المَرِيضُ أَمَتَهُ عَبْداً وَقَبَضَ صَدَاقَهَا وَأَتْلَفَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فلاَ خِيَارَ لَهَا إِذْ لَوْ فَسَخَتْ لارْتَدَّ الْمَهْرُ وَلَمَا خَرَجَتْ عَنِ الثُّلُثِ فَيَبْطُلُ الْعِتْقُ وَالخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: زَوَّج أمتَهُ من عبْدِ غيره، وقبَضَ الصَّدَاق، وأتلفه بإتْفَاق وغيره، ثم أعتْقَهَا في مرض موته أو أوصَى بعِتْقِها، فعَتَقَتْ، وهي ثُلثُ ماله، وكان ذلك قبْلَ الدخول، فلَيْسَ لها خيارُ العِتْق؛ لأنها لو فسَخَت النكاحَ، لوجب ردُّ المهر من تركة السيد، وحينئذٍ، فلا تخرُجُ بتمامها من الثلث، وإذا بقي الرِّقِّ في البعضْ لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلَى سقوطه، وكذا الحْكُم، ولو لم يتلف الصداق، وكانت الأَمَةُ ثُلُثَ أمواله مع الصداق، ولو خرجتْ من الثلث دون الصداق أو اتفق ذلك بعْد الدُّخول واستقرارِ المَهْر، فلها الخيارُ، ولو كَانَتِ الْمَسْألَةُ بحالها إلا أنَّ الإعتاقَ وُجِدَ مِنْ وارثه بعد موته، فينظر؛ إن كان الوارثُ معسِراً، فلا خيار لها؛ لأنها لو فسَخَت النكاح، لزم رد المهر من تركة المَيِّت، وإذا كان على الميت دَيْنٌ، لم ينفذ إعتاق الوارث المعسِرِ على الصحيح، وإذا لم ينفُذِ الإعتاق، لم يثبت الخيار وإن كان الوارثُ موسِراً، فقد ذكَرْنا في الرَّهْن خلافاً في أن الوَارث الموسِرَ، إذا أعتق عبد التركة، وعلى الميت دينٌ، ينفذ العتْقُ في الحال، أو يتوقَّف نفوذه على وُصُول دَيْن الغرماء فإن قلنا: ينفذ في الحال، وهو الأظهرُ، عتَقَتْ، ولها الخيار، فإن فسَخَت، غُرِّم الوارثُ لسيِّد العبد أقلَّ
الجزء: 8 - الصفحة: 212
الأمرين من الصدَاق وقيمة الأمة، كما لو مَاتَ، وعليه دَيْنٌ، وله عبدٌ، فأعتقه وارثُه الموسر، يلزمه أقلُّ الأمرين من الدَّيْن وقيمة العبد، ولو كان على الميِّت دَيْن، فالقيمةُ التي يُغَرَّمُها الوارثُ يتضارب فيها سيِّدُ العبد والغرماء.
وقوله في الكتاب: "إذا زوج المريض أمته عبداً" فيه تقييد بما إذا وَقَعَ التزويج في المرض، وذلك لَيْسَ بشَرْط في صورة المسألة، وكذلك لا يُشْتَرَط وقوع الاتفاق في المرض، وإنما المعتبر وقوع الإِعْتَاق في المرض، ولا بدّ أن تكون الأمة ثُلُث الْمَالِ أو أقلَّ، وأن يكونَ ذلك قبل الدُّخُول، ولم يتعرَّض لذلك في اللفظ.
وَقَولُهُ: "فيبطل العتق" أي: عَتَقَ جميعها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ أَخاً وَعَبْدَيْنِ فَأعْتَقَهُمَا فَشَهَدَا بِأنَّ لِلمَيِّتِ ابْناً مِنْ زَوْجَتِهِ فَإنَّهُ يُثْبِتْ الزَّوْجيَّةَ وَالنَّسَبَ دُونَ المِيرَاثِ؛ لأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ الابْنُ أَبْطَلَ العِتْقَ وَالشَّهَادَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَاتَ عَنْ أخٍ وعَبْدَيْنِ، والأخُ هو الوارثُ في الظاهر، فأعتق الأخُ العبْدَيْن، ثم ادَّعتِ المَرْأةُ أنَّها زوجةُ المَيِّت، وابنها أنه ابنُ الميت، فشهِدَ المُعْتَقَان لهما ثبتت الزوجية والنَّسَب، ولا يَرِثُ الابن؛ لأنه لو وَرِثَ، لحَجَب الأخ، وإذا صار محجوباً، بَطَلَ إِعتاقه، وإِذَا بَطَلَ الإعتاق، بطَلت الشهادة، وإذا بَطَلَتِ الشهادة بَطَلَتِ الزوجيةُ والنسبُ، وفيه وجه: أنه لَا يثبت النسب أيضاً؛ لأنه لو ثَبَتَ، لثبت الإِرث، ولا يمكن ثبوتهُ، والمذهب الأول، ولو شهدا بنسب، نُظِر؛ إن كان الأخُ مُعْسِراً يوم الإِعْتَاق، لم تَرِثْ أيضاً؛ إذ لو ورثت لرقِّ نصيبها، ولبطَلَت الشهادة؛ لأن مَنْ بعضُه رقيقٌ، لا تقبل شهادته، وإن كان موسراً، فإن عجَّلنا السراية بنفس الإِعتاق، وَرِثتْ، لكمالِ العتْق يوم الشهادة، وإن قُلْنَا؛ إنها لا تحْصُل إلاَّ بأداء القيمة، لم ترث؛ لأنَّ توريثها يمنع كمال العتْق يوم الشهادة، وحكم الزوجية في الإرْث حكْمُ البنت، فيُنْظَر إلى إعتاقِ إعسارِ الأخ ويسارِهِ، كما بيَّنَّا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَة) لَوْ أَوْصَى لَهُ بِابْنِهِ فَمَاتَ وَخَلَّفَ أَخاً فَقَبِلَ الوَصِيَّةَ عَتِقَ الابْنُ وَلَمْ يَرِثْ لأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الأَخَ وَبَطَلَ قَبُولُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: صورة المسألة أن يكون ابن الرجل مملوكاً لغيره، فيوصِي له مالكُهُ بابنه، ويموت الموصَى له بعْد موت الموصِي وقبل القبول، ووارثُه أخُوه، فيقْبَل الوصية، وهذه المسألة مكرَّرةٌ قد ذكرها في آخر الباب الأوَّل من "كتاب الوصايا" وشرحناها هناك، وُيعْرَفُ مما ذكرنا هناك الحاجة إلى إِعلام قوله "عَتَقَ الابْنُ" بالواو.
وقوله: "ولم يرث؛ لأنه لو وَرِثَ، لَحَجَب الأَخَ، وَبَطَلَ قَبُوله" هذا التوجيه مبنيٌّ
الجزء: 8 - الصفحة: 213
على قولنا: إنَّ الحُرِّية تحْصُل عند الموت، أما إذا قلْنا: إنَّها تحْصُل عند القَبُول، فليس عدَمُ الإِرْث للدَّوْر، بل لاستمرار الرِّقِّ بعد الموت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) لَوِ اشْتَرَى المَرِيضُ أَبَاهَ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ كَيْلاَ يَصِيرَ الْعِتْقُ وَصِيَّةً لِوَارِثِ فَيَبْطُلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو اشترَى في مرض المَوْتَ مَنْ يُعْتَقُ عليه، ولم يرث؛ وابنه، عتق من الثلث؛ لأنه لو وَرِثَ، لكان العتْقُ والنسبُ إلَيْه بالشراء وصيةً للوارث، فيبطُل، وإذا امتنع العتْقُ، امتنع الإِرْثُ، هذا هو الظاهرُ، وحكى الأستاذ أبو منْصُور وجهاً: أنه يرثُ، ووجهاً آخر أنه لا يصحُّ الشراء مِنْ أصله؛ لأنَّ عِتْقَه وصيةٌ، والوصية موقوفةٌ على الخروج من الثُّلُث أو إجازة الورثة والشراء لا يُوقَف، فيجوزُ أن يعلم بهذا قوله في الكتاب "عتق" بالواو؛ للوجه السابق، وقوله: "ولم يرث" يجوز أن يُعْلَم بالحاء والميم؛ لأن الرواية عن أبي حنيفة ومالك أنَّه يرث، ولو ملَك المريضُ مَنْ يعتق عليه بغَيْر عوض كهبةٍ وإرثٍ، فهل يَرِثُ منه؟ فيه وجهان؛ بناءً علَى أنه يعتق من الثلث أو من رأس المال، وقد ذكَرْنا ذلك في "الوصايَا" وإلى التوْرِيث، ذهَب ابن سُرَيْج، واختاره الشَّيْخ أبو حامد.
وقال أبو الحسن العباديُّ؛ والوجهان مبنيان على أنَّ في الشراء يُعْتبر خُرُوجُ القيمة من الثّلث أو خروج الثمن، ونختم الكلام في هذه الصّور بِفَصْلَيْن:
الفصل الأوَّل: في صور أُخَرَ تنخَرط في هذا السِّلْك، ذكر الأستاذ أبو إسْحَاقَ الإِسفرايينيُّ في "مختصر" جمعه في المسائل الدَّوْريَّة، أنه لو شَهِد شاهدان على عِتْقِ عبد، وحكم الحاكم بشهادتهما، ثم جاءَ العبْدُ مع آخر، فشَهِدا على جُرْح الشاهدَيْن، لم يقبل، ولو أنه أعتق عبدَيْن في مرض موته، وهما ثلث ماله، فشَهِد المعْتَقَان على الميِّت بوصية أو بإعتاق ومات، وعليه دَيْن أو زكاة، لم يقبل، ولو شهدا عليه، أنه نَكَح امرأة علَى صَدَاقِ كذا حُكِي عن بعض الأصحاب؛ أنه لا تُقْبَلُ شهادتُهما، قال: ويحتمل أن تُقْبَل في النكاح، ولا تقبل في المَهْر، وأنه لو أعتق عبدَيْن له، فشهِدَا على أنه كان محجوراً عليه بالسَّفَهِ، لم تقبل شهادتهما، وأنه لو ادَّعَى أنه ابن فلان، وقد مات ووارِثُه في الظاهر أخوه، فأنكر ونكَل، فحَلف المدَّعِي، ثبت النسب، ولا يثبت الإرْثُ، وهذا جوابٌ على أن اليمين المردودة عند نكول المدَّعَى عليه كالإقرار، أَمَّا إذا قُلْنا: إنَّها كالبينة، فيثبت الإرْث أيضاً، وأنَّه لو ورث عبدَيْن يعتقان عليهَ، ثم مات وورثاه ثم أقرَّ بدَيْن على الميت الأول يستغرق تركته، لم يثبت الدّيْن بإقرارهما، وأنه لو أعتق أمةً في مرضِ موته، هي ثلثُ ماله فادعت أنه وطئها بشُبْهَةٍ أو أنه استأجرها، وعليه أجرتها، لم تُسْمَعْ دعواها، وأنَّه لو وَرِث من زوجته عبدَيْن، وأعتقهما، ثم شَهِدا بالفرقة قبل الموت
الجزء: 8 - الصفحة: 214
بردَّة أو طلاقٍ، لم تقبل شهادتهما، وأنه لو كان له في يَدِ عبْدِهِ مالٌ، فأخذه واشترى به عبدَيْن، وأعتقهما، فشهدا عليه بأنَّه كان أعتقه قبل ذلك، لم يُقْبَل، وأنه لو مات ووارثُه في الظاهر أخوه، فأعتق عبداً من التركة، وولي العتيق القضاء، فجاءَ مجهولُ النسب، وادعى أنه ابنُ الميت، وأقام شاهَدْين، لم يَقْبَلْ هذا الحاكمُ شهادَتَهما، ولم يحكم بقولهما، هكذا ذَكَره، وكان يجُوز أن يقال: يحكم بشهادتهما، وَيثْبُت النسب، ولا يثبت الإِرث، كما لو أعتق الأخُ في هذه الصورة عبدَيْن، وشهدا ببنوَّة المدَّعِي، وحينئذٍ، فلا يؤثر نسبه في العتْق والقضاء، وأنه لو وَرِث عبداً من موِّرثه المقتول، وأعتقه، وولى العتيق القضاء، وجاء الوارثُ إليه وادَّعَى على قاتله القصاصَ، فقال: قتلته، وهو مُرْتَدُّ، وأقام عليه شاهدَيْن، لم يحكم هذا الحاكم بشهادتهما، ومِنْ هَذَا القبيل، لو أعتق عبدَيْن، فجاء إنسان، وادَّعى أنه كان قد غَصِبَ العبدَيْن، وشهد لهما بذلك، لم تُقْبَل شهادتهما، وفي "التهذيب": أنه لو ملَكَ رجُلٌ أخاه، ثم أقرَّ في مرض موته أنَّه كان قد أعتقه في الصحة، كان العتق نافذاً، وهل يَرِث إن صحَّحنا الإقْرَارَ للوارث؛ فنعم، وإلاَّ، لم يرث؛ لأنَّ توريثَه يبطل الإِقرار بحرِّيته، وإذا بَطَلَتِ الْحُرِّيَّةُ، سقط الإِرث.
الفصل الثاني: قال صاحب الكتاب في مجموعة "غاية الغور في دراية الدَّوْر" المسائلُ الدَّائِرةَ لا بدَّ فيها من قطْع الدَّور، وفي قطْعِه ثلاثة مسالك؛ تارةً يُقْطَعُ الدَّوْر فيها مِنْ أوَّله، وتارةً مِنْ وسَطِهِ، وتارةً من آخره، وذلك بحَسَب قوَّة بعْض الأحكام وبُعدْه عن الدفع، وضعف بعضها وقربه للدَّفْع.
مثالُ القَطْع من الأول: بيعُ العَبْد لزوجته الحرَّة قبل الدُّخُول بصَدَاقها الثابت في ذمَّة السيد، فإنَّا حَكْمنا بفساد البَيْع، وقَطْعنا الدَّوْر من أصله، ولم نَقُل: يصحُّ البيع، ولا ينفسخ النكاح، أو يَنْفَسخِ ولا يسقُطُ الصَّداق، وسببه أن البَيْعَ اختيارِيٌّ، وحصول الانفساخ بالمِلْك قهريٌّ، وكذا سقوطُ الصَّداق بالإنفساخ، وما يختاره الاِنسان من التصرُّفات يصحُّ تارةً، ويفْسُد أخْرَى وما يثبت قهراً يبْعُد دفْعُه بعْد حصُول سببه، فكان البيع أولَى بالدفع من غيره.
ومثال القطْع من الوسَط الصورةُ الثَّانية مِنَ الصُّور الخَمْس المذكورة في الكتاب، فإنا لم نقْطَعِ الدَّوْرَ من أوَّله، بأن نقول: لا يحْصُل العتق، ولا من آخره؛ بأن نقول: لا يرتد المهرُ حتى لا تَضِيقَ التركة، ولكنْ قطَعْناه، من وَسْطِه، فقلْنا: لا يثبت الخيارُ، وسببه أن سقوط المهر عند حصُول الفَسْخ قهريٌّ يَبْعد دفعُه، والخيار أولَى بالدفع من العِتْق؛ لأن العتق أقوَى؛ أَلاَ تَرَى أنَّه لا يسقط بعد ثبوته، والخيارُ يسقطُ بعد ثبوته بالإسْقَاطِ وبالتقصيرُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 215
ومثال القطع من الآخر الصورة الأولَى من الصور الخَمْس، فإنَّا لم نقطع الدَّوْر من الأول؛ بأن نقول: لا يحْصُل العتق، ولا من الوسَطِ؛ بأن نقول: لا يصحُّ النِّكَاحُ، ولكن قطَعْنا من الآخر، فقلنا: ليس لها المهرُ، وَيُمْكن أن يقال: سببه أن العِتْقَ له قوةُ السُّرعة والسراية؛ فلا يدفع، والنكاحُ أقوَى من المهر المسمَّى فيه، فإنَّ ثبوت النكاح يستغنى عن المهْر بدليل المفوّضة والمسمى مهراً لا يثبت من غير ثبوت النكاح، وأيضاً فخطر النكاح وقدره فوق خَطَر المال، فَكَانَ المال أولَى بالدفع، وعُدَّ من هَذَا القسم الثالثِ ما إذا قَالَ لزوجته: إنِ انفسَخَ النكاحُ بينِي وبينَكِ، فأنت طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم اشتراها أو جرَى رِضَاع أو رِدَّةٌ، فلا يُقْطَع الدوْرُ من أوله؛ بأن نقول: لا ينفسخ النكاح، ولَكِنْ يقْطَعُه من آخره؛ بأن يقول: ينفسخ، ولا يقع الطلاق، وربَّما نعود في هذه الصور في "مسائل الطلاق" والدَّوْرُ فيها لفظيٌّ، واللهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: لا يجوز للعبْدِ التسرِّي، وإن جاز له النكاح؛ لأنه لا يملك، فإنْ ملَّكه السيِّد جاريةً، وقلنا بالجديد؛ وهو أنه لا يملك، فلا يحل له وطؤها، وإن أذن السيِّد، وإن استولدها، وإن الولد ملكاً للسيد، فإن قلْنا بالقديم؛ وهو أنه يملك، فقد ذكرنا في البيعُ أنَّ الظاهر أنه يتسَّرى، إن أذن السيد، وأنه ليس له التسرِّي، إن لم يأذن، لكن، لا يحدُّ لو وطئ لشُبْهة الملك، وإذا استولَدَها، فالولد ملك له، لكن لا يُعْتَق عليه؛ لضَعْف ملكه، وتعلُّق حق السيد به، فإن عَتَق، عَتَق الولد أيضاً، وحكم المدَّبر والمعلَّق عتقه بصفة حَكْمُ القِنِّ في ذلك، ومن بعض حرٌّ وبعضه رقيقٌ، إذا اشْتَرى جاريةً بما اكتسبه ببعْضه الحرِّ، يملكها، لكن لا يطأها دون إذْنِ السيِّد؛ لأنَّ بعْضَه مملوكٌ، والوطء يقع بجميع بدَنه لا يختص بالبعض الحرّ، ومال ابْنُ الصَّباَّغ إلَى أنه لا حاجة إلَى إذْن السيد، كما أنه لا يحتاج في الأكل من كسبه والتصرف فيه إلى إذن السيِّد، وإن أَذَنَ السيد له في الوطء، وفرعنا علَى أنه لا بدّ من إذْنه، فَعَلَى القديم؛ يجوز، وَعَلَى الجديد؛ لا يجوز؛ لأن ما فيه من الملك يمنع من التسرِّي، والمكاتَبُ لا يتسرَّى من غير إذن السيد وبإذْنه قولان؛ بناء على الخلافِ في تبرُّعاته بإذن الْمَوَلى، واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْل السَّادِسُ في النِّزَاعِ) وَدَعْوَى الرَّجُلِ الزَّوْجِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى؛ لأَنَّ إقْرَارَهَا مَقْبُولٌ وَدَعْوَاهَا المَهْرَ صَحِيحَةٌ، وَأَمَا دَعْوَاهَا مجَرَّدَ الزَّوْجِيَّةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، لأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ حَقٌّ عَلَيهَا وإنْ كَانَ مُتَعَلَّقَ حُقُوقٍ لَهَا، ثُمَّ إن سَكَتَ الزَّوْجُ أَقَامَتِ البَيِّنَةَ، وإنْ أَنْكَرَ فَإنْكَارَهُ طَلاَقٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَلاَ مَعْنَى للِبَيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفصْل الكلامُ في طَرَفٍ من دَعْوَى النكاح والتنازع فيه، والنكاحُ إما أن يدَّعِيَه الرجُلُ أو المرأة.
الجزء: 8 - الصفحة: 216
إِن ادَّعَاهُ الرجُلُ، سُمِع دعواه لِمَالَهُ من الحقِّ الظاهر في النكاح، ويتوجَّه على المرأة، وإنْ كَانَ العاقدُ الوليَّ؛ لأن إقرارها بالنكاح مقبولٌ، وفيه خلافٌ، ذكرناه مع حكم الدعْوَى على الوليِّ في آخر الباب الأوَّلِ في "بيان أحكام الأولياء" في أول النِّكَاحِ، وينبغي أن يُعْلَم قوله هناك في الكتاب "ويتوجَّه عليها الدعوى"، وكذا قوله: "لأنَّ إقرارها مقبولٌ، وأما المرأة، فإن ادَّعَتِ الْمَهْرَ في النِّكاح أو ادَّعَتِ النِّكَاحَ، وطلبت حقاً من حقوقه سمعت دعْوَاها أيضاً، وإن ادَّعت مجرَّد الزوجية، فوجهان، قد أعادَهُما في "كتاب الدعاوى والبينات" إن سمعت هذه الدعْوَى فتقيم البينة، وإن أَنْكَرَ، فَهَلْ يَكُونُ إِنْكَارُهُ طَلاَقاً؟ فيه وجهان قد أعادهما هناك، إن جعلْناه طلاقاً، اندفع ما يدعيه، ولا معْنَى لإقامة البينة، واعلم أن "كتاب الدعاوى" أحقُّ بالمسألة، وقد ذكرها صاحبُ الكتاب هناكَ، فيؤخَّر الشرْحُ إليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإِذَا زَوَّجَ إِحْدَى ابْنَتَيهِ وَمَاتَ وَعَيَّنَ الزَّوْجُ إِحْدَاهُمَا وَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنَا المُتَزَوِّجَةُ فَالمُعَيَّنَةُ مَنْكُوحَة وَالثَّانِيَةُ تَدَّعِي لِنَفْسِهَا زَوْجِيَّةً مُجَرَّدَةً، وَإِنْ قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ: صَاحِبَتِي مُزَوَّجَة فَالَّتِي لَمْ يُعَيِّنْهَا الزَّوْجُ لاَ خُصُومَةَ مَعَهَا إِنَّمَا الدَّعْوَى عَلَى الأُخْرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا زوج إحدى ابنتَيْه [بعينها] من رجُلٍ، ثم تنازعتِ الابنتان، فتنازُعُهُما يُتصوَّر عَلى وجهَيْن:
أحدهما: أن تقول كلُّ واحدةٍ منهما: أنا المزوَّجة، فأيتهما صدَّقها الزوْجُ، ثبت نكاحُها؛ لتقارهما، والأخرى تدَّعي أنها امرأته، وهو منكرٌ وفيه، طريقان للأصحاب.
أحدهما: أن في تحليفه قولَيْن كالقولَيْن فيما إذا ادَّعَى اثنان نكاحَ امرأةٍ، وأقرت لأحدهما، هل تحلف للثاني ووجه الشبه أنَّ أحد النكاحَيْن يثبت بالإِقرار، وذلك يمنع من الإِقرار بالثاني، فلا يجري التحليفُ فيما لو أقر به، لم يُقْبَل.
وأصحُّهما: القطع بأنَّه يحلف؛ لأن النكاح ينْدَفِعْ بإنكار الزَّوْج، والمقصودُ المهْرُ، فلا بُدَّ من التحليف بخلافِ ما إِذَا ادَّعَى اثنانِ نكاحَ امرأةٍ، وأقرت لأحدهما، فإنَّ الثاني لا يدعي عليها مَهْراً، وإنَّما يقْصِد النكاح، وينبغي أن يُفَصَّل، فيُنْظَرَ إلى صيغة دعْواها، إن ادَّعت الزوجية وطلبت المهْرَ، فالوجه التحليفُ، وإِنِ ادَّعَتْ مجرَّد الزوجيَّة فيجئ في سماع الدعوى الخلافُ المذكُور في الفصل السابق، إن سمعت، فالصورةُ قريبةٌ من صورة الاستشهاد، وإذا قُلْنَا: إنه يحْلِف، فيُنْظر؛ إِن حلف، سقَطَت الدعوى الثانية، وإن نكل، فحَلَفتْ، ففي تنزيل اليمين المردودَةِ عنْد النكول منزلةَ البينة، أو الإِقرارِ قولان مشْهُوران، إنْ قلنا: إنَّها كالبينة، فوجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 217
أحدهما: أنَّه يثبتُ نكاحُ الثانية دُون الأُولَى، كما لو أقامتْ بينةً، فإنَّ البينة أقوَى من الإِقرار؛ قَالَ الإِمَامُ -رحمه الله-: هذا القائل يقول ينتفي نكاح الأولَى، ويحكم بانقطاع نكاح الثانية؛ لإِنكار الزوج.
وأصحُّهما: استمرار نكاح الأُولَى؛ لأن اليمين المردودةَ إنَّما تجعل كالبينة في حقِّ المدَّعِي والمدعَى عليه لا في حقِّ غيرهما، وقد ثبت نكاح الأولَى بتقارِّهما، فلا يتأثر بالتنازع بين الزوج والثانية ويمينها وإن قلنا: إنَّها كالإِقرار، فوجهان:
أحدهما: أنه يحكم ببطلان النكاحَيْن؛ لأن الإقرار للأُولَى أبْطل نِكَاح الثانية، فكذا ما ينزل منزلة الإِقرار للثانية، يبطل نكاح الأولَى.
وأصحُّهما: استمرار نكاحِ الأولَى كما لو أقرَّ للأولَى ثم أقرَّ للثانية، وعلى هَذَا، فهَلْ تستحق الثانية عليه شيْئاً؟ فيه قولان شَبَّههما الشيخ أبو عليٍّ بالقولَيْن فيما إذا قَالَ: هذا الثَّوبُ لفلانٍ، لا بل لفلانٍ، هل يغرم للثاني، والأصحُّ: أنها تستحقُّ من المهْر ما يليقُ بتصْدِيقها، وهو نصفُ المهْر، لارتفاع النِّكَاح بإنْكار الزَّوْج قبل أن يفرض مسيس، وأبدى الإِمامُ -رحمه الله- احتمالاً آخر، وهو ألاَّ يجعل إنكار الزَّوج ارتفاعَ فراقٍ ويقال لها: طلبُ لمهر.
والوجه الثاني: من التصوير: أن تقول كلُّ واحدةٍ: لسْتُ بالمزوَّجة، وصاحِبَتِي هي المزوَّجة، فيقال للزوج: عَيِّن زوْجَتَكَ منْهما، فَإِذَا عيَّن، فقد أَقَرَّ بأن الأخرَى ليْسَتْ زوْجةً له، فلا خصومةَ له مَعها، والقولُ قول الأخْرَى، مع يمينها، وإن لم تحْلِفْ، حلف الزوج، وثبت النكاح، وفيه وجهٌ ضعيفٌ أن القول قولُ الزوْج مع يمينه؛ لأن إِحداهُما منكوحةٌ بالاتفاق، وهو أعرفُ بمحَلِّ حِقِّهِ، واعلم أن المسألة من فُرُوع ابن الحدَّاد، وأنه قيدها بما إذا مات الأَبُ بعْد التزْوِيج، وكذلك فعل صاحب الكتاب، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا القيد لا فائدة فيه في الوجْه الأول من وجْهَيِ التصوير؛ لأنه لو كان حياً، وعيَّن إحداهما، لم يقبل قولُه على الزوْج، ولكنه مفيدٌ في الصورة الثانية؛ لأنه إذا كان الأبُ حياً، والحالُ بعدُ حال الإِجبار، فيراجع، فإذ أقرَّ بالنكاح على إحداهما، يقبل، ولا يضر الزوْجَ إنكارُها.
قال الإِمام: ويظْهَر في القياس ألاَّ يقبل إقرارها، ومعها مَنْ يتمكن من إجبارها؛ حَذَراً من اختلاف الإقرارَيْنِ، فإنْ قبلنا إقرارها، واختلف إقرارها وإقرارُ الوليِّ، فيجوز أن يقال: الحكْمُ للسابق، ويجوز أن يقال؛ ببُطلاَنهما جميعاً، ورَويْنا وجْهَيْن في أوَّل النكاح عن القَفَّال الشَّاشِيِّ والأودَنِيِّ أنَّ المقبول إقرارُها أو إقرارُه، فحصلتْ أربعة احتمالاتٍ، ولو زوَّج ابنته من أحد ابني رجلٍ، وادعت هي على أحدهما أنه هو الذي زوَّجها منه، فإن جردت دعوى النكاح، فعلَى ما سبق، وإن ادَّعت المهْرَ، حلَّفته، فإن
الجزء: 8 - الصفحة: 218
نَكَل، حلفت، وأخذَتْ نصْف المهر، وإن ادَّعى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّها امرأته، فأقرَّتْ لأحدهما، ثبت نكاحه، وهلْ للثاني تحْلِيفها؟ فيه قولان، على ما ذكرناه في المرأة، إذا زوَّجها وليَّاها من شخصَيْن.
وقوله في الكتاب "والثانية تدَّعي لِنَفْسِها زوجيَّةً مجرَّدةً" عرفت مما أجريناه في خلال الكلام أن دعواها الزوجيَّة المجرَّدة غيْرُ لازمةٍ في هذه الحالة، بل قد تدَّعِي زوجيَّةً مجرَّدةً، وقد تدَّعي المهْرَ في النكاح أو حقّاً من حقوق النكاح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى النِّكَاحَ وَآخَرُونَ عَلَى الإِصَابَةِ وَآخَرُونَ عَلَى الطَّلاَقَ وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِلنِّكَاحِ ثُمَّ رَجَعُوا وَقُلْنَا: بَجِبُ الغُرْمُ بِالرُّجُوعِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى شُهُودِ النِّكاحِ وَشُهُودِ الإصَابَةِ في النِّكَاحِ لاَ عَلَى شُهُودِ الطَّلاِقِ فَإنَّهُمْ وَافَقُوا الزَّوْجَ فِي إِنْكَارِهِ لَكِنَّ الأَصَحَّ أَنَّ شُهُودِ النِّكَاحِ وَإِنْ رَجَعُوا لاَ يُغَرَّمُونَ؛ لأَنَّهُم أَثْبَتُوا حَقاً في مُقَابَلَةِ مَا خَسِرُوا بِخِلاَفِ شُهُودِ المَالِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ مَا خَسِرُوهُ أكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ كَانَ غُرْمُ الزِّيَادَةِ خَارِجاً عَلَى قَوْلِي الغُرْمِ بِالحَيْلُولَةِ فِي شُهُودِ المَالِ إِذَا رَجَعُوا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسألةُ من فروع ابن الحدَّاد أيضاً، ولْيُعْرَف في مقدِّمتها أصلان:
الأصل الأول 607: أنه لو شهد شهودٌ علَى رجلٍ بنكاحِ امرأةٍ على صداقٍ معلومٍ، وهو منكرٌ، فحكم بشهادتهم، ثم رجعوا، هل يُغَرَّمون له فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنَّهم أثبتوا له حقَّ النكاح، وأدخَلُوا البُضْع في ملكه في مقابلة ما ألْزَمُوه من المَهْر، فصار كما لو شَهِدُوا علَيْه بأنه اشترَى هذا العبْد بكذا، ثم رجَعُوا لا يُغرَّمون.
والثَّانِي: أنهم يغرَّمون؛ لأنها إذا ادَّعتِ النكاح، وهو منكرٌ، فلولا شهادتهم ما أخذْنا منه شيئاً، وإِذَا شَهِدُوا، نأخذ منه نصْف المهر، وكأنهم فوتوه عليه، ولا يحْصُل له، وهو منكرٌ في مقابلة ما فات شيءٌ بخلافِ صورة الشراء، فإنه، وإن كان منكراً، يُحْكَم بدخُول المبيع في ملْكه، ويؤْخِذَ منه الثمن، هكذا نقل الوجهَيْن الشَّيخُ أبو عليٍّ وغيره قَالَ الشيخ: ويجوز أن يكونا مبنيَّيْن على أن الشُهودَ في المال، إذ رجَعوا هل يُغرَّمون؟ لأن فَائِدَةَ شَهَادَتِهِمْ ههنا ترجع إلى المال أيضاً؛ إذ لا يبقَى النِّكاح مع إنكاره، ولو ساعدتْهم المرأةُ على الرُّجوع، لأمرناها بردِّ المال، فكانت الشهادةُ في الصورتَيْن واقعةً على ما يُمْكِن تداركُه، ويحْسُن أَنْ يرتَّب فيقال: إن لم يغرَّم شهودُ المال، فههنا
الجزء: 8 - الصفحة: 219
أولَى ألا يغرم الشهود، وإن غُرِّم شهود المال، ففي هؤلاء وجهان؛ لأنهم أثبتوا لَهُ حَقاً في مقابلة ما فَوَّتوا، وسنتكلَّم من بعدُ في أيِّ الوجهَيْن أرجح؟ فإذا غرَّمْنَاهم، فإنما يغرَّمون ما فوَّتوا على الزَّوْج، وهو نصْفُ المسمَّى، فإن قلنا: لا يغرَّمون، فالترتيبُ المذكور، وكذلك في قدْر مهْر المثل، فَإِنْ زَادَ المسمَّى علَى مهْر المثل، فحكم الزيادة في الغُرْم، كما في شُهُود المالِ بلا فَرْق.
والثاني: شهودُ الطَّلاق، إذا رجَعُوا يغرَّمون جميع مهْر المِثْلِ أو نصفه أو غير ذلك، وفيه اختلافُ موضعٍ بيانه باب الرجُوعِ في الشَّهادات.
إذا تقرَّر ذلك، فصورة المسألة إذا ادَّعت المرأةُ [أنها] في نكح رجلٍ بصداقٍ معلومٍ، وشهد لها شاهدانَ، ثم ادَّعَتِ الإِصابة لتكميل المهر، فشَهِدَ على الإصابة، أو على الإِقرار بالإِصابة آخران، ثم ادَّعَتْ أَنه طلَّقها، وشَهِدَ لها بذلك آخران، وحكَمْنا بموجب الشهادات، وأخذنا منه المَهْر، ثم رجع الشهود جميعاً، قال ابن الحدَّاد: لا غُرْم على شهود النِّكَاح، ولا على شهود الإِصابة، وعلى شاهَدِي الطلاق نصْف مهر مثلها، واختلف سائر الأصحاب فيما ذكره، والقائلون بأنَّ شُهُودَ النكاح إذا رجَعوا، لا يغرَّمون ساعَدُوه علَى جوابه في شهود النكاح، وكذا في شهود الإِصابة؛ لأنهم شَهِدوا أنه استمتع بملكه، ولم يفوتوا عليه شيئاً، والمهر يجب العقْد لا بالإِصابة، واختلفوا في شهُودِ الطَّلاق، فمنْهم من ساعده في تغريمهم، وقال: إنهم فوَّتوا عليه النكاح الَّذي ثبَتَ بشهادةِ الأوَّلَيْنِ، والقولُ أنهم يغرَّمون نصْف المَهْر جوابٌ على أحد القولَيْن في شهود الطَّلاَقِ قَبْل الدخول، إِذَا رجعوا، فيه قول آخر: أنَّهم يغرَّمون جميعه.
ومنهم من قال: لا يغرَّم شهود الطلاق أيضاً؛ لأن الزوج منكر أصْلَ النكاح، فشهادتهم لا تفوِّت عليه حقاً يزْعمه؛ لأنه إنْ كان هناك نكاحٌ، فقد ارتفع بإنكاره قبل أنْ يشهدوا؛ ولأنهم وافقوا الزَّوْج في إنكاره من حيْثُ إن قوله وقولهم يرجع إلى أنه لا نكاحَ بينهما في الحال، وأما الدين قالُوا بوجوب الغرمِ علَى شهود النكاح، إذا رجَعُوا، فإنهم غلَّطُوه في تقويم شهُود الطَّلاقِ من حيثَ إن الزَّوْجَ ينكر أصل النكاح، فكيْفَ يطالبهم بضمان التفْوِيت؟ بل النكاحُ لا يثبت مع إنكاره، فلا ينبغي أنْ تُسمعَ بينةُ الطلاقِ، ثم قالوا: إن كانتُ شهادةُ شهودِ النكاح وشهودِ الإِصابةِ مؤرخة، فشهد هؤلاءِ أنه نكَحَها في المُحَرَّم، وهؤلاءِ أنه أَصَابَهَا في صفر، فيغَرَّم الصنفان ما غُرِّم الزوْج بالسَوِيَّة؛ لأنَّ فواتَ النصْفِ الثاني على الزَّوْج سبَبُه شهادةُ شهود الإِصابة، وإن أطلق شهودُ الإصابة شهادَتَهم، فنْصفُ الغُرْم على شهود النكاح، ولا شيْءَ على شُهُود الإِصابة؛ لجواز وقُوعِها في غيْر النكاح، وكونها زناً، ولو شهد شهودُ الإصابة علَى أنه أصَابَها في النِّكاح، فقد أَلْحَقَ ذَلِك بما إِذَا أُرِّخَتِ الشَّهادتان، وفي "النَّهَايَةِ"؛ أنهم إن
الجزء: 8 - الصفحة: 220
شَهِدوا على النِّكاح، ثم على الإِصابة بعْده، اشترك الصنفان في غُرْم نصف المهر، والنصف الآخر يختصُ بغرمه شهود الإِصابة، والصورتان متقارِبَتَان، ولا يبعد التسويةُ بينهما في الحُكْم، وحاصلُ الخلاف في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا غُرْمَ على واحدٍ من الشهود.
والثاني: وهو جوابُ ابن الحدَّاد: أنه لا غُرْم إلاَّ عَلى شهود الطَّلاَقِ.
الثالث: أنه يُغرَّم شهودُ النكاح، ولا يغرَّم شهود الطلاق، وفي شُهُودِ الإِصَابَةِ التفصيلُ المذكور، أما لفْظ الكتاب فقوله وقلنا: "يجب الغرمُ بالرُّجوع" يمكن أن يقال: أراد به الخلافَ في أن شُهُود النكاحِ، هل يغرَّمون، إذا رَجعوا أو يكون المعنى أنَّا إذا غرَّمناهم، لو انفردتْ شهادتهم، ففي هذه الصُّورة يكون الغُرْم عليهم، وعلَى شهود الاِصابة جميعاً، ويمكن أن يُقَالَ: أرادَ به مبْنَى هذا الخلاف، وهو القولان في أنَّ شهود المال، إذا رجَعُوا هل يغرَّمون؟ وقوله: "فإنَّما يجب" معلم بالواو، وكذا قوله: "لا على شهود الطلاق"، وقوله: "لكن الأصحّ أن شهود النكاح، وإن رجعوا لا يغرَّمون" الغرض منه بيان الأظهر من الخلاف إن حملنا قوله: "وقلنا: يجب الغرم بالرجوع" على الخلاف في شهود النكاح، إذا رجعوا، وإنْ حملناه على الخلاف في شهود المال، فالغرضُ بيانُ الخلاف في شهود النكاح، إذا رجعوا مع بيان الأصحِّ، وقوله "نعم، لو كان ما خَسِروه" إلى آخره معناه: إنْ بقي الغرْمُ في قدْر مهر المثل، صَحَّ، لمَا ذَكرْنا من المعْنَى الفارق بينه، وبين المالِ المغرَّم في شهادة شُهُود المال، وأما الزيادةُ علَى مَهْر المِثْل، فسبيل غرمها سبيلُ غُرْم سائر الأموال، فلا نقولُ فيها: إِن ففي الغرم أصحّ، وقد يُشْعِر سياق الكتاب بتخصيص الغُرْم بشهود الإِصابة؛ لأنه قَالَ: "فَإنَّا يجبُ علَى شهود النكاح، وشهود الإِصابة"، ثم قال: "لكنَّ الأصحَّ أن شهود النكاح، وإن رجعوا لا يغرَّمون"، فيفهم منهَ أنه لو ثبت غُرْم، لثبت عليهما، لكن لا يُثْبت علَى شهود النكاح للمعنى المذكور، فيبقى علَى شهود الإِصابة، ولكنْ لم نروجها صائراً إلى تخصيص الغرم بشهود الإصابة، بل من لا يوجب الغُرْم على شهود النكاح، لم يوجِبْه علَى شهود الإِصابة [أيضاً، فلا ينبغي أنَ يُحْمَلَ عليه، وإذا لم يُحْمَلُ عليه، كان المعْنَى أنَّه لو كاَن غرْمٌ، لكان على هذَيْن الصِّنْفَيْن، لكن الأصحُّ أنه لا غُرْمَ علَى شهود النكاح، ويلْتَحق بهم شهودُ الإصَابة] 608 وعلى هذا، فيكونُ ما ذَكَره ترجيحاً للوجْه الذاهب إلى أنَّه لا غُرْمَ علَى واحدٍ من الشهود، وكلام أكثر من أورد المسألة ميالٌ إلَى وجوب الغُرْم علَى شهود النكاح، وعلَى شهود الإِصابة أيضاً بالتفصيل المذكور فيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 221
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ مُحَرْمِيَّةً أَوْ رَضَاعاً بَعْدَ أَنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا لَمْ تُقْبَلُ دَعْوَاهَا إِلاَّ إِذَا ذَكَرَتْ عُذْراً لِنسْيَانَهَا، وَإِنْ كَانَت مُجْبَرَةً قُبِلَتْ دَعْوَاهَا، فَقِيلَ القَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَالأَصَحُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ قَالَ: كُنْتُ مَجْنُوناً أَوْ مَحْجُوراً عِنْدَ العَقْدِ فَإنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ لَهُ فَالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَإِنِ ادَّعَى الصِّبَا أَوْ عُهَدَ لَهُ الجُنُونُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ في وَجْهٍ، وَقَوْلُ الزَّوْجِ في الوَجْهِ الثَّانِي لأنَّهُ اعْتَرَفَ الوَليُّ بِالعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الوَليُّ بُعْدَ التَّوْكِيلِ بِالنِّكَاحِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الوَكيلَ زَوَّجَ بَعْدَ الإِحْرَامِ فَالنَّصُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا زُوِّجتِ المرأةُ، ثم ادَّعْتُ أن بيْنَها وبيْن الزَّوجْ محرميَّةَ بأنْ قالت: هو أخِي من الرِّضاعة، أو قالت: كنت زوجة أبيه أو ابنه أو وطأنِي أحدُهما بالشُّبهة، فيُنْظَر؛ إن وقع التزويج برضاها أو دون رِضَاهَا.
الحالة الأولَى: إذا زُوِّجت برضاها؛ إما لأنَّها ثيِّبٌ أو لأنَّ المزوِّج أخٌ أو عمٌ أو زوَّجُ المجبْر بإذِن المجبرة، وإن لم يحتج إليه، فلا تُقْبل دعواها، والنكاحُ ماضٍ على الصحَّة؛ لأن إذْنَهَا السابقَ يتضمَّن الإقرار بأنها حلالٌ له، فلا يُقْبَل بعد ذلك ما يناقضُه، نعم، لو ذكَرت عُذْراً من غَلَطٍ ونسيانٍ، فيجيء في سماع الدَّعوى الخلافُ المذكورُ فيما إذا قَالَ: وهبت أُوِ قبضت، ثم زعم أنَّه لم يقبض، وأنه أقر اعتماداً علَى كتابِ وكيلِهِ، ثم تبيَّن خلافه قَالَ الإِمَامُ: والسَّماع ههنا أولَى؛ لأن الغلط والنسيان في مثله مما يغلب في العُرْف، وهذا ما أورده في الكتاب.
[الحالة] الثانية: إذا زُوِّجت بغير رضَاها بكونها مجبرة، فوجهان:
أحدهما: وهو جوابُ ابنِ الحدَّاد: أنه يُقْبَل قولُها في ذلك مع يَمِينها، ويُحْكَم باندفاع النكاح من أصله؛ لأن ما تَدَّعيه محتملٌ، ولم يسبقْ منْها ما يناقِضُه، وهذا كما أنَّها إذا قالَتْ في الابتداء: فلانٌ أخي من الرِّضاع، لا يجوز تزويجُها منْه.
والثاني: عن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه لا يُقْبَل قولُها استدامةً للنكاح الصحيح الجارِي على الصحَّة ظاهراً؛ ولأنَّا لو فتَحْنا هذا الباب، لاتخذه صواحبُ القُصُود الفاسدة ذريعةً إلى الخروج عن قَيْد الأزواج، وهذا أصحُّ الوجهَيْن عند صاحب الكتاب، ويقال: إنه اختيار ابن سُرَيْج وفي "النهاية": أنَّ معظم الأصحابِ علَى موافقة ابن الحدَّاد، وذكر الشيخ أبو عليٍّ أنه الأصحُّ، وحكي عن نصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه لو باع الحاكمُ عبداً أو عَقَاراً على مالكه الغائبِ بسبب اقتضاه، ثم جَاءَ المالكُ وقال: كنت أَعتقت العبد أو وقَفْتُ العقار أو بِعْته، يصدق بيمينه، وينتقض البيع، ويردُّ الثمن على
الجزء: 8 - الصفحة: 222
المشترِي، بخلاف ما لو باعه بنفسه أو بوكيلِهِ، ثُمّ ادَّعَى ذلك، فإنه لا يقبل؛ لأنه سبَق منْه ما يناقضه، وقضيةُ حكايته: أنه لا خلاف في صورة بيع الحاكم، لكنَّ الإِمَامَ طرد الخلافَ، وحكَى فيها قولَيْن 609، ولو زوَّج ابنته أو أمته، ثَمَّ ادَّعى على السيدِ والأبِ محرميةً بينها وبين الزوج، لم يُلْتَفَت إلى قوله؛ لأن النكاح حقُّ الزوجَيْنَ، وإن كان الوليُّ هو الذي يعْقِد، ولذلك قلنا: يثبت النكاح بتقارِّهما، وإن أنكر الوليُّ.
قَالَ الشّيخُ أبو عليٍّ: ولو قال بعْدَ تزويج أمته، كنتُ أعتقتُها، حكم عليه بالعتق، ولا يُقْبَل قوله في النكاح، وكذا لو أجَّر العَبْدُ، ثم قال: كنت أعتقته، ويُغرَّم للعبد أجرة مثله؛ لأنه أَقَرَّ بإتلاف منافِعَه، عليه متعدياً، كمن باع عبداً، ثمَّ قال: كنت غصبته، لا يُقْبَل قوله في البيع، ويُغرَّم للمقرِّ له، واعلم أن الخلافَ في الحالة الثانيَة في أنَّها، هلْ تصدَّق بيمينها، ولا خلاف في أنه يسمع دعْوَاها، ولو أقامَتْ بيِّنة، حكم بها، والكلام في الحالة الأولَى في ردِّ الدعوَى من أصلها، وأن الرضا والإذْن بالتزويج إنما يؤثر إذا أذِنَت بتزويجها من شخْصِ بعينه، أما إِذَا أذِنَتْ في النكاح مَطلقاً، وفرَّعنا على أنه لا حاجة إلَى تعيين الزوج، فزوجها الوليُّ من رجل، ثم ادَّعت محرميةً، فالحكم كما إذا زوّجت مجبرةً؛ لأن الإِذن في التزويج المطْلَقِ لا يكون إقراراً بأنَّها حلالٌ لذلك المعيَّن، ولو زوج الأخُ البكرَ، وهي ساكتةٌ اكتفاءً بصُمَاتِهَا على أحد الوجهين، ثم ادَّعَتْ محرميَّة قال الإِمام: الذي ارتضاه العراقيُّون؛ أنَّ دعْوَاها مسموعةٌ، قال: ولكنْ لا تصدَّقُ باليمين.
المسألة الثانية: إذا زوّج أمته من إنسان، ثم قَالَ: كنْتُ مجنوناً، أو محجوراً يوْمَ زوَّجتها، وأنكر الزوْج، وقال: تزوَّجْتُها تزويجاً صَحِيحاً، فإن لم يعهد للسيد ما يَدَّعيه ولا بَيِّنَة، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر جريانُ النكاحِ على الصَّحَّة، وكذا لو قال: زوَّجْتُها وأنا مُحرِم، أو قال: لم تكنِ مِلْكِي يومئذٍ، ثم ملكتها، وكذا الحكْمُ، لو بَاعَ عبداً، ثم قال: بِعْد البيع: بعتُه، وأنا محجورٌ عليّ أو لم يكن مِلْكِي، ثم ملكته، وعن نصِّه في "الإِملاء" أنه لو زوَّج أخته، ومات الزوج فَادَّعَى ورثته أن أخاها زوَّجَها بغَيْر إذْنها، وقالت: بل زوَّجني بإذني، فالقول قَولُهَا ولك أن تقول: قد سبق ذكْرُ وجهَيْن فيما إذا ادَّعَى أَحَدُ المتعاقدَيْن صحَّةَ العقد، والآخرُ فسادَهُ في كتاب البيع، فليجيء في هذه الصورة ذلك 610 الخلافُ، ولو ادَّعَتِ المنكوحةُ، وهي ممن يُعْتَبَرُ إذْنُها
الجزء: 8 - الصفحة: 223
أنَّها زُوِّجت من غير إذْن، ففي فتاوى صاحب "التَّهْذِيبِ" أنه لا يُقْبَل قولُها بعد ما دخلت عليه، وأقامَتْ معه، كأنه جعل الدخُولَ والإِقامة قائماً مقام الرضا 611 في المسألة الأولَى من مسألتَي الفصل، وإن عُهِدَ بالسيد المزوَّج حجرٌ أو جنونٌ أو قال زوّجْتُها وأنا صبيٌّ، فعن الشيخ أبي زيد تخريجُ قولَيْن:
أحدهما: أن القولَ قوله مع يمينه؛ لأن الأصلَ عدمُ النكاح ودوامُ الحالةِ التي كانَتْ.
وأصحُّهما: عند الشيخ أبي عليٍّ وغيره: أن القول قولُ الزوج؛ لأنَّهما اتفقا على جريانِ العَقْد، والغالب في العقود إنْشَاؤُها على الصحَّة؛ ولأنه حكم بصحَّة النكاح ظاهراً، والأصلُ دوامه، ورأى الإِمام بناءَ الخلافِ علَى أن النكاح المعتَرَفَ به مطلقاً يُحْمَلُ على الصحيح، أم يتناولُ الصحيح والفاسدَ، ولو زوج أخته برضاها، ثم ادَّعتْ هِيَ أنها كانتْ صغيرةً يومئذٍ، ففي فتاوى القفَّال، والقاضي حسين أن القول قولُها، وبهذا أجاب صاحب "التَّهْذِيب" في فتاويه، وإن أقرت يومئذٍ بأنَّها بالغةٌ، كما إذا أقرَّ بمالٍ، ثم قَالَ: كنتُ صغيراً يوْمَ الإقرار، وهذا يمكن أن يكون جواباً على الوجْه الأول، ويمكن أن يفْرَقَ بأن العقْدَ المَنْشَأ بين المسلمين الغالِبُ فيه الصحةِ، وهذه لم يصدر منها العقد [نفسُهُ.
ولو وكّل الوليُّ بالتزويج، ثم أحرم، ثم جرى العقد] 612 وادعى الوليُّ وقوعه في حال إِحرامه، وأنكر الزوج، فالرواية عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن القولَ قولُ الزوْج بناءً على [أن الظاهر فيما جَرَى الصحة، ولم يحْكِ الشيخُ أبو عليٍّ تردُّداً في هذه الصُّورة.
قال الإِمامُ -رحمه الله وسببه] 613 أن الإِحرام لا حقٌ، والأصل استناد العقد إلى الحلِّ المتقدِّم، لكن الشيخ أَلْحَقَ بمسألة الإِحْرَام المنقولة عن النص ما إذا أوْكَلَ رجلاً بقَبُول النكاح، ثم أحرم، وقَبِلَ الوكيل، ثم اختلف الزوجانِ، فقال الزوج: قَبِلَ قَبْلَ أن أحرمت أو بعْد ما خرجَتْ من الإِحرام، وَقَالَتْ: بَلْ في حالِ الإِحرام، قال فالقول قول الزوج، فلم يَفْرِقْ بين أن يدَّعِي سبق النكاح على الإِحرام، أو سَبْقَ الإِحرام على النِّكَاح، واعْلَمْ أنَّ قضيَة ما سبَق في المسألة الأولَى أن الوليَّ، إِذَا زَوَّجَ، ثُمَّ ادَّعَى المحرمَيَّةَ بين الزوجَيْن، لا يلتفت إلَى دعواه، إذ لا يفرض [النزاع] 614 في مسألة النصِّ
الجزء: 8 - الصفحة: 224
بين الولي والزوج، بل يفرض بين الزوجين، ولو زوج أمته، ثم ادَّعَى أنَّ الزوْجَ كَانَ واجداً لطوْلِ، الحرة وأنكر الزوْجُ، فالقول قوله، ولو زوَّج ابنته، ومات وادَّعَتِ المرأة أن أباها كَانَ مَجْنوناً يوم العقد، فيُنْظَر، أجرى التزويجُ برضَاها أم بغَيْر رضاها، ويكون الحكمُ علَى ما ذكرنا في المسألة الأولَى.
وقوله في الكتاب: "وإذا ادَّعَتِ المرأةُ محرميَّةً أو رضاعاً"، كان الأحسن أن يقول: محرميةً برضَاعٍ أو غيره أو يقول "رضاعاً أو محرميَّةً بجهة أخرَى فإن الرضاع جهةٌ من جهات المحرميَّة لا شيء خارج منها.
وقوله: "إلاَّ إذا ذكرت عذراً كنسيانها" مُعْلَمٌ بالواو والله أعلم فهذه فروعٌ وصُوَرٌ يقْطَع على ذكرها الكلام في "كتاب النكاح".
ادَّعى رجلٌ نكاح امرأة وأقام عليه بينةً، وادَّعتِ المرأة أنَّها زوجةُ غيره، وأقامت عليه بينة، قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: يعمل ببينة الرجُلِ؛ لأن حقَّه في النكاح آكد وأقْوَى؛ ألا تَرَى أن التصرُّف في النكاح إليه، إنْ شاء أمسكها، وإن شاء فارقها، وإذا كان جانبه أقوَى، كان العمل ببينته أولَى؛ كصاحب اليد مع غيره، وعلى هذا جرى أكثر الأصْحاب، ووراءه كلامان:
أحدهما: قال الشيخ أبو عليٍّ: يُحْتمَلَ أن يقال: يُنْظَر في جواب من ادَّعت أنها زوجته، إن أنكر، فلا نكاح مع إنكاره فتعمل ببينة الرجل، كما ذكر ابن الحَدَّاد، وإن سكت، فهما بينتان تعارَضَتَا؛ لأنَّ كل واحدةٍ منْهما معمولٌ بها، لو سَلِّمَتْ عن معارضة الأخرى فصار كسائر صور التعارض.
والثَّاني: أنَّهم لم يتعرَّضوا في تصوير المسألة لدعواها المَهْر أو حقّاً من حقوق النكاح، وقد ذكرنا في دعْوَى الزوجية المجرَّدة خلافاً أنها هل تسمع؟ إنْ سمعت وأنكر الزوج، ففي إقامة البينة خلافٌ أيضاً، وإن ادَّعتِ الزوجيةُ المجَّردةُ، أيضاً وأنكر الزوجُ، فإنما تفرض إقامة البينة من جانِبها تفريعاً علَى سماع هذه الدعْوَى، وعلَى سماع البينة مع الإنْكَار، إذا قال الخاطبُ لوليِّ الزوجة: زوجتُ نفْسِي من بنْتِكَ فقبل قال في "التَّتِمَّةِ": يبنى انعقاد النكاح على أن كلَّ واحدٍ من الزوجَيْن معقودٌ عليه أم لا؟ قيل: نعم؛ لأنَّ بقاَءَ كلِّ واحدٍ منْهما شرطٌ لبقاء العقْدِ، فنزلا منزلة العوضَيْن في البيع، وقيل: الزوجُ ليس معقوداً عليه؛ لأن العِوَضَ من جانبه المهْرُ لا نفْسُه، ولهذا لو كانَ تحْته ثلاثُ نسوةٍ، جاز له نكاحُ رابعةٍ، ولو كان منكوحاً، لما جاز، كما أن المنكوحةَ لا تنكح زوجاً آخَرَ، فإنْ قلْنَا: إنه ليس الرجُلُ منكوحاً، لم ينعقد النكاح، وإن قلنا: إنه منكوحٌ، فعن أبي عاصم العبَّاديِّ وأبي سَهْل، الأبيوردي: أنه ينعقد النكاح، كما لو أضاف إلى المرأة، وعن القاضي الحُسَيْن مَنْعُهُ؛ لأن إضافة التزويج إلى المرأة غيْرُ معْهُود فصار كما لو استعَمَلَ في النكاح لفظاً لا يُعْهَد فيه، وفيما جُمِعَ من "فتاوى
الجزء: 8 - الصفحة: 225
القَفَّالِ" وغيره: أنه إذا تزوَّج أمةً على ألا يملك الاستمتاع ببُضْعها، لا يصحُّ النكاح، إذا قلنا: إنه لو تزوَّجها على ألا يطأها، لم يصح النكاح، ولو تزوَّجها على ألا يملك بُضْعَها، فإن أراد ملك الاستمتاع، فكذلك الجواب، وإنْ أَرَادَ ملْك العَيْن، لم يِضرَّ، وأنَّه لو خطب البِكْر خاطبٌ فمنعها أبوها، فذهبَتْ هي، وزوَّجت نفسها منْه، وأقَامَتْ عِنْدَه، ثم زوَّجها الأب من غيره، فإن لم يُصِبْهَا ذلك الخاطبُ، صحَّ النكاح، وإن أصابها، لم يصحَّ النكاح؛ لأنها لم تأذَنْ، وقد بانت بالشبهة، وذكر تفريعاً على أن العضْو المبان المتصل في حكْم النَّظر أن من حَلَق عانَتَه، ينبغي أن يُخْفِيَ الشعر حتَّى لا ينظر إلَيْه أحدٌ، وفي فتاوى القاضي الحُسَيْنِ: لو زوج ابنته البكْرَ عَلَى صداق، وهو مهر مثلها مِنْ مُعْسِر بغَيْر رضاها، فالمذهبُ أنه لا يصحُّ النكاح؛ لأنه بَخْسٌ لحقِّها، كما لو زوَّجها من غير كفء، وأنه لو زوج أمته من قادِرٍ علَى طَوْلِ حُرَّةٍ، وحصل له منها أولاد، فهم أرقاءِ؛ لأن شبهة النكاح تجْرِي مجْرى النكاح الصحِيح، ولو جَرَى نكاحٌ صحيحٌ، كانوا أرقاء، وأنه لو اختلف السيد والعبد في الإِذْن في النِّكاح، فَقَالَ السَّيِّدُ: ما أذِنْت، فالوجه أن تدَّعِيَ المرأة على السيِّد أنَّ كسْبَ هذا العبْد مستحَقٌّ لي بمهْرِي ونفقتي؛ ليسمع القاضي البينة 615، وأنه إذا زوَّج أمته من عبده، فنفقة الأمة على السيد كنفقة العَبْد، فلو أعتقها السيِّد وأولادها، سقَطَتْ نفقتهم عنه، وتعلقت نفقتها بكَسْب العبد، ونفقةُ الأولاد عليها، إن كانتْ موسِرةً، وإن لم تكن موسرة ففي بيت المال، وإن أعتق العبد دونها، سقطت نفقتُها عنه، ونفقة الأمة على العتيق كَحُرٍّ تزوَّج بأمة الغير، فإنه إذا علمت البكْرُ أن خاطِبَها ليس بكفء واستؤْذِنَت في التزويج منْه، فسكتت يصحُّ النكاح، ويكون سكُوتُها كنْطْقها، وَأنَّ وَكِيلَ المصلّي يزوج بخلاف وكيل المَحْرَم؛ لأن عبارة المحرم غير صحيحةٍ في النكاح، وعبارة المصلِّي صحيحةٌ، حَتَّى لو زوَّجها في خلال الصَّلاةِ نَاسياً يصحُّ النكاح، ولا تبطل الصَّلاة، وأنه إِذَا استُؤْذِنت المرأة في التزْوِيج من رجُلٍ، فأذِنَت، ولم يُعْلَم فسقه، وكان فاسقاً، يصح النكاح؛ لوجود الإِشَارَةِ إِلى عينه، قال الشَّيخْ الْفَرَّاءُ: لكن لها حَقُّ الْفَسْخُ، كما لو أذِنت في التزويج من رجُل، ثم وجدَتْ به عيباً، وفي "فتاوى الفَرَّاء": أنه لو أبين داهن شَعْرَ الأَمَةِ، أو قَلِّمَ ظُفُرْهَا، ثم عَتَقَتْ، ينبغي أن يجوز النَّظَرُ إِلَيْه، وإن قلْنا: إن العضو الْمُبَانُ في النظر كالمتصل؛
الجزء: 8 - الصفحة: 226
لأنه انفصل عنْها حين لم يكن عورةٌ، والعتْقُ لا يتعدَّى إِلَى المنفصل؛ ولذلك لو أضاف العتقَ أو الطلاق إلى الْمُبَانِ لا تعتق ولا تطلَّق، وأنه لو أراد أن ينكح ابنةَ عمِّه، وهو وليُّها وغائبٌ عنها، يزوِّجها منْه قاضي بلدة المرأة لا قاضي بلدة الرجُل، وأنَّ التي يعتبر إذنُها في تزويجها، إذا قالَتْ لوليها، وهي في نكاح أو عدةٍ: أذِنْتُ لك في تزويجي، إذا فارقني زوجي أو انقَضَتْ عدَّتي، وجب أن يصح الإِذن، كما لو قال الوليُّ للوكيل: زَوِّجِ ابنتي، إذا فارَقَها زوجُها أو انقضَتْ عدَّتها، [يصح النكاح] وفي صحة التوكيل وجْهٌ آخر مذكورٌ في "الوكالة" وأنه لو قيل للبكر: رَضِيتِ بما تفْعَلُه أمُّكِ، وهي تعرف أنَّهم يعْنُونَ النكاح، فقالتَ: رَضِيتُ، لا يكون هذا إذْناً؛ لأن الأم لا تعقد بخلافِ ما إِذَا قالَتْ: رَضِيتُ بما يفعله الْوَلِيُّ ولو قَالَتْ: رَضِيتُ بالتَّزويج ممن تختارُهُ أمي، يجوز، ولو قالت: رَضِيتُ إنْ رَضِيَتْ أمِّي، لا يجوز؛ لأنه تعليقٌ لا إذْنٌ جازمٌ، ولو قالت: رضِيتُ إن رَضِيَ وَلِيِّ، فإن أرادت التعليق، فكذلك الجَوَابُ، وإن أرادتْ أنِّي رضيتُ بما يفعلُه، ولم تقصد التعليقَ، كان إذناً، وأن الوليَّ، إذا وُكِّلَ بالتزويج، ثم حضَر عقَد الوكيل شاهداً مع رجُل آخَرَ، لم يصحَّ النكاح؛ لأن الوكيل نائبٌ عنه، والعاقدُ في الحقيقة هو، والعاقدُ لا يكون شاهداً، وهذا قد سبَق في رُكْن الشهود.
ولو كَانَ لَهَا إِخوةٌ، فزوَّجها أحدهم، وحضر الآخَران شاهدين، ففي صحة النكاح جَوَابانِ، وجهُ المنْع: أن الشرع جعَلَ المباشر نائباً عن الباقِين في أداءِ ما توجَّه عليهم، وأنَّه إذا أقرَّت المرأةُ بالنكاح لغَيْر كفء، فلا اعتراض للوليِّ؛ لأنه ليس بإنشاءِ عقْدٍ، فلا يقبل قوله: ما رَضِيَتْ بالعقد، كما لو أَقَرَّتْ بالنِّكَاحِ، وأنكر الوليُّ، لا يقبلِ إنكاره، وأَنَّهُ إِذَا زوجت المرأة بالوكالة، ثم أَنْكَرَ الوليُّ التوكيل، والمرأة ساكتةٌ، فالقول قولُ الوليِّ، وِإنْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاح، يقبل قولها، وأنَّه إذا قال الوليُّ للخاطب "دخترم إنكاح كن بحندير مهر" 616 فقال الْخَاطِبُ: "نكاح كردم" 617 انعقد النكاح، وإن لم يقل الولي "بنو ذادم" 618 كما لو قال: تَزَوَّجْ بنتي، فقال: تزوْجتُها، وَأنَّهُ إذا لم يكن لها وليٌّ سوى الحاكم، فأمر قبل أن يستأذنها رجُلاً بتَزْوِيجِها، فَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الرجُلُ بإذْنها هل يصح؟ ينبني علَى أن إنابة القاضي في شُغُل معيَّن؛ كتحْلِيفٍ، وسماعِ شهادةٍ جاريةٍ مجْرَى الاستخلاف أم لا؟ إن قلنا: إِنَّهَا تجري مجراه، حتَّى يجيء فيها الخلافُ في الاستخلاف، فيجوز قبل الاستئذان، وينعقدُ النكاح، وَإلاَّ، فلا يَصِحُّ النِّكَاحُ على الأصحَّ، كما لو وكَّل الوليُّ قبل الاستئذان، وزوَّج الوكيلُ بالإِذْن، لا يصحُّ على الأصحِّ، وأنه إِذَا زوَّج القاضي امرأةً، غابَ وَلِيُّهَا، ثم قدم الوليُّ بعد العقد بحيث يَعْلَم،
الجزء: 8 - الصفحة: 227
أنه كان قريباً من البَلَد عندْ العقْد، لم ينعقِد النكاح، وأنها إذا أَذِنَتْ في التزويج بألف، ثم قيل لها عنْد العقد: نعْقِد بخَمْسِمائة، فسكتَتْ، وهي بكْرٌ، كان سكوتها إذناً إلي العقْدِ بخَمْسَمائة، ولو قيل ذلك لأُمِّها، وهي حاضرةٌ تسمع، فسكتَتْ، لم يكن ذلك إذناً، وإنما يكون سكوتُها إذْناً، إِذَا كان الخطاب معها، وأنه يجوز أن يُوْكِّلُ المسلمُ نصْرانياً في قَبُولِ نِكَاحِ نَصْرَانِيَّةٍ، ولا يجوزُ في قبول نكاحِ المسْلمة، وكذلك توكيلُه المجوسيَّ، وَيَجُوزُ توكيلُ النصرانيِّ المسْلِمَ في قبول نكاح النصرانيَّة، ولا يَجُوزُ في قبول نكاح المجوسيَّة؛ لأن المسلم لا يجُوز له نكاحُها، وليس هذا كتوكيل المعسِرِ الموسِرَ فيَ قَبُول نكاح الأَمَةَ، حيث يجوز؛ لأنه من أهل نكاح الأمة في الجملة وليس المسلم أَهْلاً لنكاح المجوسيَّة بحالٍ، فَإنَّهُ إِذَا كانت تحته مسلمةٌ وذمِّيةٌ، ولم يدخلْ بواحدةٍ منْهما، فَقَالَ للمسلمة: ارتددت، وللذمية أسلمتِ، وأنكرتا، ارتفع نكاحُهما بزَعْم الزوج، وأنه إذا نَكَحَ أَمَّ وَلَدِ الغَيْر، فولدُه منها للسَّيِّد، وحكمه حكم الأمِّ، فإِنْ كَانَ يظُنُّ أن أمَّ الولدِ تكون حرةً، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته للسيد، وأنه إِذَا قال الوليُّ للوكيل: لا تزوِّجها إِلاَّ بشَرْطِ أن يرهن بالصداق عيناً، أو يتكفل به فلان، يصحّ، وَعَلَى الْوَكِيلِ الاشتراطُ، فإنْ أهمله، لم يصحَّ النكاح، وَلَوْ قَالَ زوجها بكذا وخذيه كفيلاً، فزوَّجها بلا شرط، يصح النِّكَاحُ؛ لأنه أمره بأمَرْين، وقد امتثل أحَدَهما، ولوَ قَالَ: لا تزوَّجها، إِذْ لَمْ يَتَكَفَّل فلانٌ، وجب ألا يصح التوكيل؛ لأن الكفالة تتأخَّر عن النكاح، وقد منع من العقْد قبلها وَأَنَّه إذَا قَالَ للوكيل: زَوِّجْهَا بألْفٍ وجاريةٍ، ولم يصف الجاريةَ، فزوَّجها الوكيل بألْفٍ، ولم يذكر الجارَية، لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، كما لو قال: زوِّجها بألف، فزوَّجَها بأقلَّ من ألف، ولو قَالَ: زوِّجها بخمر أو خنزيرٍ، أو ذَكَرَ مجهولاً، فزوَّجَها بألْفِ درهمٍ، فَإِنْ كان ذلك نَقْدَ البلد، وكان قدْرَ مهْر المثل أو أكْثَرَ، صح النكاح والمسمَّى، وَإِلاَّ، فَلاَ، وأنه لو أعتق جاريةً وأعتقت هي جاريةً، وللمعتقة ابن، فولاء الثانية لمعْتِقِ الأولَى؛ لأنه وليُّ الوليِّ، وأَنَّهُ إذا تَزَوَّجَ امرأةً على أنها بكرٌ، فلم تكن، يصحُّ النكاح على أَصَحِّ القولَيْن، وله الخيار، ولو قالت: كُنْتُ بِكراً، فزالتِ البكارةُ عنْدك، وقال: بل كُنْتِ ثَيِّباً، فالقولُ قولُهَا مع يمينها لدَفْع الفَسْخ ولو قَالَتْ: كنت بكراً فافْتَضَضْتَنِي، وأنْكَرَ فالقَوْلُ قولُهَا مع يمينها لدَفْع الفسْخ والقولُ قولُه مع يمينه لدَفْع كمالِ المَهْر واللهُ أَعْلَمُ [بالصَوَابِ.
تَمَّ، وَالْحَمْدُ لله وَحْدَهُ، وصلواتُهُ علَى سيِّدِنَا محمَّدَ وآلِهِ وصَحْبِه وسلَّم تسليماً كثيراً وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
يَتْلُوهُ "كِتَابُ الصَّدَاقِ" إنْ شَاءَ اللهُ] 619.
الجزء: 8 - الصفحة: 228