كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَجَامِعُ الخُصُومَاتِ تَدُورُ عَلَى خَمْسَةٍ: الدَّعْوَى وَالجَوَاب وَاليَمِينُ وَالنُّكُولُ وَالبَيِّنَةُ، الأَوَّلُ: الدَّعْوَى وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى فِيمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَى، وَمَنْ غُصِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ قَهْراً مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَلزَمْهُ الرَّفْعُ إِلَى القَاضِي، فَإِنْ كَانَ حَقُّهُ عُقُوبَةً فَلاَ بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى القَاضِي، وَإنْ كَانَ حَقُّهُ دَيْناً وَمَنْ عَلَيْهِ مُقِرٌّ مُمَاطِلٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ رَفْعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ رَفْعُهُ بِتَعَزُّزِهِ أَوْ تَوَارِيهِ فَإنْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقال: ادَّعَيْتُ على فلان كذا ادِّعَاءً.
والاسْمُ الدَّعْوَى، والادِّعَاءُ: افتعالٌ 1 من الدَّعْوَةِ؛ كان المُدِّعِي يَدْعُو المدِّعي 2 إلى نَفْسِهِ 3، ولا يُشْتَرَطُ في وقوع اسْمِ المُدِّعي على الشَّخْصِ من جهة اللُّغَةِ أن يكون المُدَّعَى في يَدِ غيره، أو في ذِمّتِهِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 144
بل يقع الاسْمُ عليه مع كون الشَّيْءِ عنده.
ومنه الادِّعَاءُ في الحَرْبِ، وهو الاعتزاز بأن يقول: أَنا فلان ابن فلان.
وقيل: الدَّعْوَى في اللغة التَّمَنِّي؛ ومنه قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 31].
وأما لَفْظَةُ البَيِّنَةِ فهي بَيِّنَةٌ، والأحاديث التي هي أُصُولُ الباب مَشْهُورَةٌ، نحو ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" 4 ويُرْوَى: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالَهُمْ" 5.
ويُرْوَى أن رَجُلاً من "حَضْرَمَوْتَ" وآخَرَ مِن "كِنْدَةَ" أَتَيَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الحَضْرَميُّ: يَا رَسُولَ الله: إن هذا غَلَبَنِي على أَرْضٍ لي كانت لِأَبِي، فقال الكِنْدِيُّ: هي أَرْضِي في يَدِي أَزْرَعُهَا، ليس له فيها حَقٌّ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا.
قال: "فَلَكَ يَمِينٌ".
قال: يا رَسُولَ الله: إن الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا يُبَالِي على ما حَلَفَ عليه -قال: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاَّ ذَلِكَ" 6.
هذا تَمْهِيدُ الكتاب.
قال حُجَّةُ الإِسلاَم: "وَمَجَامِعُ الخُصُومَاتِ تَدُورُ على خمسة: الدعوى، والجَوَاب، واليَمِينُ، والبَيِّنَةُ، والنُّكُولُ".
وذلك لأن المُتَخَاصمين في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، أحدهما طالب، وطَلَبُ الحَقِّ هو: الدَّعْوَى، وحُجَّتُهُ عليه: البَيِّنَةُ، والآخر مَطْلُوبٌ منه، فإن أجاب بالإقْرَارِ فذاك، وإن أَنْكَرَ فَحُجَّتُهُ اليَمِينُ، وإن نكَلَ لم يُقْنَعْ منه بذلك، بل تُرَدُّ اليَمِينُ على الطَّالِبِ، وكلام الكتاب في بَيَانِ هذه الأمور الخَمْسَةِ، وأحكامها.
الأول: الدَّعْوَى -وفيه مَسَائِلُ:
الجزء: 13 - الصفحة: 145
إحداها: في أن المستحقّ متى يَحْتَاح إلى المُرَافَعَةِ والدَّعْوَى، والحَقُّ إما عُقُوبَةٌ أو مَالٌ؛ إن كان عُقُوبَةً كالقِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، فَلاَ بُدَّ فيه من الرَّفْعِ إلى الحَاكِمِ، لعظم خَطَرِهِ، والاحتياط في [إثباته] 7 أَوَّلاً 8، واسْتِيفَائِهِ على ما تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ من وجوه الناس ثانياً.
وإن كان مَالاً، فهو إما عَيْنٌ، أو دَيْنٌ؛ إن كان عَيْناً، فإن قَدَرَ على اسْتِرْدَادِهَا من غير تَحْرِيكِ فتنة، اسْتَقَلَّ به، وإلا فَلاَ بُدَّ من الرَّفْعِ 9.
وأما الدَّيْن فإن كان مَنْ عليه مُقِرّاً غَيرَ مُمْتَنِعٍ من الأداء، فَيُطَالِبُهُ لِيُؤَدِّيَ، وليس له أن يَأْخُذَ شَيْئًا من مَالِهِ؛ لأن الخِيَارَ في تَعْيِينِ المال المَدْفُوعِ إلى مَنْ عليه، فإن خَالَفَ وَأَخَذَ شَيْئًا من مَالِهِ رَدَّهُ، فإن تَلِفَ عنده وَجَبَ ضَمَانُهُ، فإن اتَّفَقَا جاء خِلاَفُ التَّقَاصِّ، وإن لم يكن كذلك، فإمَّا أن يُمَكَّنَ من تحصيل الحَقِّ منه بالقَاضِي، أَوْ لا يُمَكَّنَ.
إن لم يمكن بأن كان مُنْكِراً ولا بَيِّنَةَ لصاحب الحَقِّ، فله أن يأخذ جِنْسَ حَقِّهِ من مَالِهِ، إن ظَفِرَ به، ولا يَأْخُذُ غَيْرَ الجِنْسِ، وهو ظَافِرٌ بالجنس.
وفي "التهذيب" وَجْهٌ: أنه يجوز، وإن لم يَجِدْ إلا غَيْرَ الجنس.
حَكَى جَمَاعَةٌ من الأصحاب منهم الفَوْرَانِيُّ [والإمام] 10، وصاحب الكتاب في جواز
الجزء: 13 - الصفحة: 146
الأَخْذِ قولين 11: أحدهما: المنع؛ لأنه لا يَتَمَكَّنُ من تَمَلُّكِهِ، وليس له أن يَبِيعَ مَالَ غَيْرِهِ لنفسه.
والثاني: الجَوَازُ -وهو الَّذِي أَوْرَدَهُ عَامَّةُ الأَصْحَاب -رحمهم الله- لما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ هِنْداً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ -إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجْلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لاَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرّاً وَهُوَ لاَ يَعلَمُ- فَهَل عَليَّ في ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" 12 جَوَّزَ لها الأخْذَ من غير فَرْقٍ بين الجِنْسِ وغير الجنس.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يأخذ جِنْسَ حَقِّهِ، ولا يَأْخُذُ غَيْرَ الجِنْسِ، إلا أن يكون حَقُّهُ الدَّرَاهِمَ، فيأخذ الدَّنَانِيرَ، وبالعكس.
وعن أحمد أنه لا يَأْخُذُ الجِنْسَ، وهذه رواية عن مَالِكٍ، والأَشْهَرُ عنه، أنه [إن] 13 لم يكن على المَدْيُونِ دَيْنٌ آخر، فله أَخْذُهُ، وإن كان فلا يأخذ إلا قَدْرَ حِصَّتِهِ، وإن أَمْكَنَ تحصيل 14 الحق بالقاضي؛ بأن كان مُقِرّاً، لكنه يَمْتَنِعُ من الأَدَاءِ، أو كان مُنْكِراً، وللمستحق بَيِّنَةٌ، فهل يَسْتَقِلُّ بالأخذ، أم تجب 15 المُرَافَعَةُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: المَنْعُ من الاسْتِقْلاَلِ، كما لو أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ الحَقِّ بالمُطَالَبَةِ والتَّقَاضِي.
ومن قال بهذا، قال: لو كان مُنْكِراً ولا بَيِّنَةَ، ولكن صاحب الحق يَرْجُو إِقْرَارَهُ لو أحضره عند القَاضِي، وعَرَضَ عليه اليَمِينَ، وجب إِحْضَارُهُ أيضاً.
وأصحهما: على ما ذكر القَاضِيَانِ: أبو الطيب، والروياني ويُحْكَى عن أبي إسحاق وابن أبي هُرَيْرَةَ أنه يَجُوزُ الاسْتِقْلاَلُ 16، لحديث هِنْدٍ بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَأْمُرْهَا بالمُرَافَعَةِ؛ لأن في المرافعة مُؤْنَةً ومَشَقَّةً وتَضْيِيعَ زَمَانٍ، والمذكور في الكتاب هو الوَجْهُ الأول.
وقوله: "وإن تَعَذَّرَ رَفْعُهُ بِتَعَزُّزِهِ، أو تَوَارِيه، فإن ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، فله أخذه".
الحكم على ما ذَكَرَهُ مَنُوطٌ بِتَعَذُّرِ رَفْعِ الخَصْمِ إلى القاضي.
وعلى هذا فالغَائِبُ كالمُتَعَذِّرِ والمُتَوارِي، وكذلك هو في كلام الإِمَامِ ونَاَطَ صاحب "التهذيب" وغيره الحُكْمَ بِتَعَذُّرِ
الجزء: 13 - الصفحة: 147
تحصيل الحَقِّ لا بتعذر رفع الخصم، وقَضِيَّتُهُ أن يكون الغَائِبُ والمُتَوَارِي والمتعذر كالحاضر المقر؛ لإمْكَانِ تَحْصِيل الحَقِّ منهم، بإقامة البَيِّنَةِ عند القَاضِي.
ولا بَأْسَ لو أعلم قوله: "فله أخذه" بالميم والأَلف؛ لما سَبَقَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُ فَيَرْفَعُهُ إلَى القَاضِي حَتَّى يَبِيعَ فِي حَقِّهِ بَعْدَ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ عَلَى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ المَالَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالبَيْعِ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَقِيلَ: بَلْ يَتَمَلَّكُ مِنَ العَيْنِ بِمِقْدَارِ حَقِّهِ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ البَيْعِ وَالتَّمْلُّكِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَادِر إِلَى البَيْعِ حَتَّى نَقَصَتِ القِيمَةُ، فَهُوَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْفَر إِلاَّ بِمِتَاعٍ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ لَمْ يَضْمَنِ الزِّيَادَةَ وَإِنْ تَلِفَ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي حَقِّهِ فِي أَخْذِهِ حَتَّى لَوْ نَقَّب الجِدَارَ لِيَأْخُذَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْبِ، وَفيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ دَرَاهِمَ صِحَاحاً فَأَخَذَ المُنْكَسِرَةَ وَرَضِيَ بِهَا جَازَ، وَإِنْ كَانَ بالعَكْسِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّنَانِيرِ وَيَشْتَرِيَ بِهَا جِنْسَ حَقِّهِ، وَلَوْ جَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الحَقُّ وَلَهُ عَلَى المُسْتَحقِّ مِثْلُهُ جَازَ لَهُ أَيْضَاً أَنْ يَجْحَدَ وَيَحْصُلَ التَّقَاصُّ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مهما جَازَ للمستحق أن يَأْخُذَ مَالَ مَنْ عليه، فلو لم يَصِلْ إلى المال إلا بِكَسْرِ الباب، وثُقب الجِدَارِ، مُكِّنَ مِنه، ليصل إلى حَقِّهِ، ولا يضمن ما فَوَّتَهُ، كمن لم يَقْدِرُ على دَفْعِ الصَّائِلِ إلا بإتلاف 17 ماله، فَأتْلَفَهُ لا يَضْمَنُ.
ونقل بَعْضُهُمْ وَجْهاً: أنه يَضْمَنُ، ثم إذا كان المَأْخُوذُ من جِنْسِ الحق، فله تَمَلُّكُهُ 18، وإن لم يكن من جِنْسِهِ، لم يكن له التَّمَلُّكُ.
وحكى الإِمام وَجْهاً: أنه يَتَمَلَّكُ منه بقَدْرِ حَقِّهِ، ويَسْتَقِلُّ بِالمُعَاوَضَةِ، كما يستقل بالتَّعْيِينِ عند أَخْذِ الجِنْسِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 148
والمشهور الأول، وما الذي يفعل به؟ أَيَرْفَعُهُ إلى القاضي لِيَبِيعَهُ، أو يَسْتَقِلُّ؟
فيه وجهان 19 ويُقَالُ: قولان 20.
أحدهما: أنه يرفع الأَمْرَ إليه، وإلا فكيف يلي التَّصَرُّف في مال غيره لنفسه.
والثاني: أن له أن يَبِيعَهُ بِنَفْسِهِ، وامْتِنَاعُ مَنْ عليه يُسَلِّطُهُ على البيع، كما يسلّط على الأَخْذِ.
وإيرَادُ الكتاب يَقْتَضِي تَرجِيحَ الأَوَّل، إلا أن العِرَاقِيِّينَ، والقاضي الرُّويَانِيَّ، وأَبَا الحسن العَبَّادِيِّ ذكروا أن الأصَحَّ الثاني.
وبه أجاب صاحب "التهذيب"، ولكن فيما إذا كان القاضي جَاهِلاً بالحال، ولا بَيِّنَةَ للأخذ 21.
وأما إذا كان القَاضِي عَالِمَاً، فَظَاهِرُ المذهب أنه لا يَبِيعُهُ إلا بِإذْنِهِ.
وبنى الشَّيْخُ أبو محمَّدٍ في "السلسلة" الخِلاَفَ في المسألة على الخِلاَفِ في أن مُلْتَقِطَ اللَّقِيطِ إذا وَجَدَ معه مَالاً مَشْدُوداً على ثَوْبِهِ، وأراد إِنْفَاقَهُ عليه، هل يرفع الأَمْرَ إلى القاضي أم يَسْتَقِلُّ به؟ هكذا وضع الخلاف في الإِنْفَاق.
ويُحْكَى مِثْلُ هذا عن القَفَّالِ، لكن المذكور في باب اللَّقِيطِ، أنه لا يَسْتَقِلُّ بالإِنْفَاقِ من غير التَّعَرُّض لخلافٍ فيه، وإنما الخِلاَفُ في أنه، هل يَسْتقِلُّ بالحِفْظِ؟
فإن أَلْزَمْنَاهُ الأَخْذَ، ورفع الأمر إلى القاضي، فهل للقاضي أن يَأْذَنَ له في بَيعِهِ، أو يفوضه 22 إلى غيره؟ حكى الشيخ أبو حَاتِم القزويني فيه وجهين، والأَشْبَهُ الأَوَّلُ.
وكيف طريقه عند الرفع؟ ذُكِرَ في الكتاب، أن القَاضِي يَبِيعُهُ عليه بعد إِقَامَةِ البَيِّنَةِ على اسْتِحْقَاقِ المال، وهذا يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَجْوِيزِ البَيْعِ عند العَجْزِ عن البَيِّنَةِ.
وقيل: يُوَاطِئُ رَجُلاً يُقِرُّ له بالحَقِّ، ويمتنع من الأداء ويقر له الأَخْذ بالمال حتى يَبِيعَهُ القاضي، وهذا إِرْشَادٌ إلى الكَذِبِ من الطرفين.
ويضعف التَّفْرِيع على وُجُوبِ الرَّفْع، يُقَوِّي وَجْهَ الاستقلال بالبيع ثم عند البَيْع إن كان الحَقُّ من جِنْسِ نَقْدِ البلد، فيباع المَأْخُوذُ به، وإن لم يكن، فإن ظَفِرَ بثَوْبٍ، وَالدَّيْنُ حِنْطَةٌ، فيباع الثوب بنقد البلد، ويشتري به الحِنْطَة.
وحكى الإمَامُ -قَدَّسَ الله رُوحَهُ- عن مُحَقِّقِي الأصحاب -رحمهم الله- أنه يجوز أن يَشْتَرِيَ الحِنْطَةَ بالثَّوْبِ، ولا يَتَوَسَّط النقد 23 بينهما، وقد سَبَقَ نَظِيرُهُ وهل يكون
الجزء: 13 - الصفحة: 149
المَأْخُوذُ مَضْمُوناً على الآخِذِ حتى إذا تَلِفَ قبل البَيْعِ والتملك، تَلِفَ من ضمانه؟
فيه وجهان: في وجه نعم 24؛ لأنه أَخَذَهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، فأشبه المُسْتَامَ وبل أَوْلَى؛ فإن المَالِكَ لم يَأْذَنْ فيه، ولأن المُضطَرَّ إذا أخذ ثَوْبَ الغَيْرِ لدفع الحَرِّ، وتَلِفَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ وكذلك هاهنا وفي آخر: لا؛ لأنه مَأْخُوذٌ للتَّوثُّقِ والتَّوَصُّلِ به إلى الحَقِّ، فأشبه الرَّهْنُ
وإذن الشرع في الأَخْذِ، يَقُومُ مَقَامَ إِذْنِ المالك.
وهذا أَصَحُّ عند القاضي الرُّوياني، والأول أَقْوَى في المعنى، وهو الذي أَوْرَدَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ، والإمام، وصاحب الكتاب -رحمهم الله [وايَّانا] 25 -. وإذا قِيل به ينبغي أن يُبَادرَ إلى البَيْعِ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ فإن قصر، فَنَقُصَتْ قِيمَتُهُ ,ضَمِنَ النُّقْصَانَ.
وإذا فرض في القيمة انْخِفَاضٌ وارْتفَاعٌ، وتَلِفَ، فهي مَضْمُونَةٌ عليه بالأكثر، كذلك ذكره في "التهذيب".
ولو اتَّفَقَ ردّ العين، لم يضمن نُقْصَانَ القيمة، كالغَاصِبِ ولو باعه، وتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، ثم وفَّي المُسْتَحَقّ دَيْنَهُ عليه، ففيما علق عن الإِمام: أنه يجب أن يَرُدَّ إليه قِيمَةَ المَأْخُوذِ؛ كما إذا 26 ظَفِرَ المالك بغير جِنْسِ المَغْصُوب من 27 مال الغاصب 28، وأخذه، وبَاعَهُ، ثم رَدَّ الغَاصِبُ المَغْصُوبَ، كان على المَالِكِ: أن يَرُدَّ قِيمَةَ ما أَخَذَهُ وباعه، لكن أَخْذَ المستحقِّ، وبَيْعَهُ، وتَمَلُّكَهُ بالثمن، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ دَفْعِ المستحق عليه.
وما دام المَغْصُوب باقياً، فهو المُسْتحقّ، والقيمة تؤخذ لِلْحَيْلُولَةِ، فإذا رَدَّ العين، فَتُرَدُّ القيمة؛ كما لو دفع القِيمَةَ بِنَفْسِهِ.
وهاهنا المستحق الدَّيْن، فإذا باع وأخذ، فما ينبغي أن يَرُدَّ شيئاً، ولا أن يُوفّر عليه بعد ذلك شَيْءٌ -والله أعلم-.
الجزء: 13 - الصفحة: 150
وليس له الانْتِفَاعُ بالعَيْنِ المَأْخُوذَةِ.
فإن انْتَفَعَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
ثم في باقي الفصل صُوَرٌ:
إحداها: لا يأخذ المُسْتَحِقُّ أَكْثَرَ من حَقِّهِ؛ إذا أَمْكَنَهُ الاقْتِصَارُ عليه، فإن زاد، فالزِّيَادَةُ مَضْمُونَةٌ عليه، فإن لم يمكنه، بأن يُوفّر عليه بعد ذلك شَيْءٌ -والله أعلم-.
وليس له الانْتِفَاعُ بالعَيْنِ المَأْخُوذَةِ.
فإن انْتَفَعَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
ثم في باقي الفصل صُوَرٌ:
إحداها: لا يأخذ المُسْتَحِقُّ أَكْثَر من حَقِّهِ, إذا أَمْكَنَهُ الاقْتِصَارُ عليه، فإن زاد، فالزِّيَادَةُ مَضْمُونَةٌ عليه، فَإِن لم يمكنه، بأن لم يَظْفَرْ [إلا] 29 بِمَتَاع تزيد قِيمَتُهُ على حَقِّهِ 30، فإن قلنا: لو كان المأخوذ قَدْرَ حَقِّه كان مضمُوناً عليه.
ففي الزِّيَادَةِ وجهان:
أحدهما: أنها مَضْمُونَةٌ كالأصل.
وأرجحهما: على ما يَقْتَضِيهِ نظم الكتاب: المنع؛ لأنه لم يأخذه بحَقِّهِ، وهو مَعْذُورٌ في أخذه؛ إن قلنا: إن المَأْخُوذَ بقدر الحَقِّ لا يضمن، فكذلك الزِّيَادَةُ.
وإن كان المأخوذ أَكْثَرَ من الحق، فإن كان مما لا يتجزأ 31، بَاعَ منه بقدر حَقِّهِ.
وينبغي في رَدِّ الباقي إليه بِهِبَةٍ ونحوها.
وإن كان مما لا يتجَزَّأ 32 فإن قَدَرَ على بَيْعِ البَعْضِ، مما هو حِصَّتُهُ لو بيِع الكل؛ باعه، ويسعى في رَدِّ الباقي على ما ذكرنا، وإن لم يَقدر عليه، باع الكل، وأخَذَ من ثمنه قَدْرَ حَقِّهِ، ويُحْفَظُ الباقي إلى أن يرد عليه, ذكره ابْنُ الصَّبَّاعِ, والقاضي الروياني.
الثانية: لو كان حَقُّهُ دَرَاهِمَ صِحَاحًا، وظَفِرَ بالمُكَسَّرِ، فله أن يَأْخُذَهَا، ويتملكها بحَقِّه.
وإن استحق المُكَسَّرَةَ، وظَفِرَ بالصِّحَاحِ، حكى الإِمام فيه طريقين:
الجزء: 13 - الصفحة: 151
أحدهما: جَوَازُ الأَخْذِ لاتحاد (1) الجِنْسِ.
والثاني: أنه على الخِلاَف المَذْكُور فيما إذا ظَفِرَ بغيرِ الجِنْسِ, لاخْتِلاَفِ الغَرَضِ باخْتِلاَفِ الصِّفَاتِ، كاخْتِلاَفِهِ باختلاف الأَجْزَاءِ.
وإذا كان أخذها لم يكن له أن يَتَمَلَّكَهَا, ولا أن يَشْتَرِيَ بها المُكَسَّرَةَ، لا مع التَّفَاضُلِ لما فيه من الرِّبَا ولا بِصِفَةِ التسَاوِي؛ لاختلاف المالية، والإِجْحَافِ بالمَأْخُوذِ منه، ولكن يَبِيعُ صِحَاحَ الدَّرَاهِمِ بالدِّنَانِيرِ يَشْتَرِي بها الدَّرَاهِمَ المُكَسَّرَةَ.
الثالثة: شخصان، ثَبَتَ لكل واحد منهما على الآخَرِ مِثْلُ ما للآخر عليه.
ففي حصول التَّقَاصِّ, أَقْوَالٌ معروفة، أَوْرَدَهَا صاحب الكِتَابِ في كتاب الكتابة.
فإن قلنا: لا يحصل التِّقَاصُّ، وجَحَد أحدهما حَقَّ الآخر فهل للآخر أن يَجْحَدَ حَقَّةُ؟
قال في "الوسيط" فيه وجهان يلتفتان (2) إلى الظَّفَرِ بغير جِنْسِ الحَقِّ [كان اختلاف] (3) الدينين بمَثَابَةِ اختلاف الجنس (4)؛ كما ذكرنا في اخْتِلاَفِ المَالَيْن في الصِّحَّةِ والتَّكْسِيرِ.
والمذكور في الكتاب؛ أن له أن يَجْحَدَ، ويحصل التِّقَاصِّ لِلضَّرُورَةِ، وهو مُوَافِقٌ لما مَرَّ في تَجْوِيزِ الأَخْذِ عند الظَّفَرِ بغير الجِنْسِ، ومَوَاضِعِ العَلاَمَاتِ من (5) الفصل لا تخفى.
فرع
: كما يجوز الأَخْذُ من مال الغَرِيمِ الجَاحِدِ، أو المماطل، يجوز الأخْذُ من مال غَرِيمِهِ، كما إذا كان لِزَيْدٍ على عَمْرو دَيْنٌ، ولعمرو على بَكْرٍ مِثْله، يجوز لزيد أن يَأْخُذَ مَالَ بَكْرٍ بِمَالِهِ على عمرو، ولا يمتنع من ذلك رَدّ عمرو إِقْرَار بَكْرٍ له، ولا جُحُود بَكْرٍ استحقاق زيد على عمرو 38. آخر: جحد دَيْنَهُ، وله عليه صَكٌّ بِدَيْنٍ آخْر قد قَبَضَهُ، وشهود الصَّكِّ لا يعلمون3334353637
الجزء: 13 - الصفحة: 152
القَبْضَ؛ قال القاضي أبو سَعْدٍ: يَدَّعِي ذلك، ويقيم البَيِّنةَ، ويقبضه بِدَيْنِهِ الآخر.
وفي فتاوى القَفَّالِ: أنه ليس له إِقَامَةُ أولئك الشهود؛ لأنهم لو شَهِدُوا، وقال المدعى عليه؛ إني قَضَيْتُ ما شهدوا به، واسْتَحْلَفَهُ، لم يكن له الحلف، وذلك يَدُلُّ على أن ما يَشْهَدُونَ به غير ما يَدَّعِيهِ 39. والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ فِي حَدِّ المُدَّعِي وَفِيهِ قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ الَّذِي يُخَلَّي وَسُكُوتَهُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ الَّذِي يَدَّعِي أَمْراً خَفِيّاَ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ فَلَوْ أَسْلَمَا قَبْلَ المسِيسِ فَقَالَ: أَسْلَمْنَا مَعَاً وَالنِّكَاحُ دَائِمٌ بَيْنَنَا وَقَالَتْ: بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ فَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي خُلِّيَ وَسُكُوتَهُ لَكِنَّ المَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَدَّعِي أَمْرَاً ظَاهِراً، فإنَّ تَسَاوُقَ الإِسْلاَم بَعِيدٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُخَرِّجُ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَأَمَّا المُوَادَعُ إِذَا ادَّعَى رَدّ الوَدِيعَةِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِلرُّخْصَةِ، وَلِأَنَّهُ اعْتُرِفَ لَهُ بِالأَمَانَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْنا بالخَبَرِ، أن البَيِّنَةَ على المُدَّعِي، واليَمِين على من أَنْكَرَ.
واستُنْبِطَ سَبَبُهُ؛ فقيل: جانب المُنْكِرِ أقْوى، لمُوَافَقَتِهِ الظاهر، والبَيِّنَةُ أَقْوَى من اليمين لِبَرَاءَتِهَا عن تُهْمَةِ جَلْبِ النفع.
فَجُعِلَتِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي لتجبر قوة الحجةِ ضعفَ الجَنَبةِ، وَمُنِعَ من المنكر بالحُجَّةِ الضعيفة، لقوة جَنَبته، وهذه القاعدة تُحْوِجُ إلى مَعْرِفَةِ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه.، ليُطَالَب هذا بِحُجَّتِهِ، وهذا بحجته، إذا تَخَاصَمَا، فجعل صاحب الكتاب المسألة الثانية: في حَدِّ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه وفيه قولان:
أحدهما: أن المدَّعِي من المُتَخَاصمين هو الذي لو سَكتَ خُلِّيَ، ولم يُطَالَبْ بشيء، والمُدَّعَى عليه من لا يُخلَّي ولا يُقْنعُ منه بالسُّكُوتِ.
والثاني: أن المُدَّعِي من يذكر أَمْراً خَفِيّاً يخالف الظَّاهِرَ، والمُدَّعَى عليه من يُوَافِقُ قَوْله الظاهر.
فإذا ادَّعَى زيد دَيْناً في ذِمَّةِ عمرو، أو عَيْناً في يَدِهِ، وأنكر، فزيد هو الَّذِي لو سكت ترك، وهو الذي يذكر خلاف الظاهر؛ لأن الظَّاهِرَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ عَمْرِو، وفَرَاغُ يَدِهِ عن حَقِّ الغَيْرِ.
وعمرو هو الذي لا يترك وسكوته، ويوافق قوله الظاهر.
فزيد مُدَّعٍ بموجب العِبارَتَيْن.
وعمرو مُدَّعَى عليه، ولا يَخْتَلِفُ موجبهما في الأَغْلَب؛ وقد يختلف: كما إذا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ قبل المَسِيسِ، واختلفا، فقال الزوج: أَسْلَمْنَا معاً،
الجزء: 13 - الصفحة: 153
والنِّكَاحُ بَاِقٍ بَيْنَنَا، وقالت المَرْأَةُ: بل على التَّعَاقُب، ولا نكاح بيننا.
فإن قلنا: إن المُدَّعِي من لو سَكَتَ تُرِكَ.
فالمَرْأَةُ المدَّعِيَةُ، والزوج مُدَّعَى عليه؛ لأنه لا يُتْرَك لو سكت؛ فإنها تَزْعُمُ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ.
فيختلف، ويحكم باسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ إذا حلف.
وإن قلنا: إن المدَّعَى، من يخالف قوله الظاهر، فالزَّوْجُ، هو المُدَّعِي؛ لأن التساوق 40 الذي يَزْعمُهُ، خِلاَفُ الظاهر، والمرأة: مُدَّعَى عليها لِمُوَافَقَتِهَا الظَّاهِرَ، فتحلف، وإذا حَلَفَتْ، حُكِمَ بارتفاع النكاح.
ولو قال الزوج: أَسْلَمَتْ قبلي، فلا نِكَاحَ، ولا مَهْرَ.
وقالت: بل أَسْلَمْنَا معاً، وهما بحالهما، فقوله في الفراق يلزمه 41.
وأما المَهْر: فالقول قَوْلُ الزَّوْجِ، إن قلنا: إن المُدَّعَى عليه، مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ.
لأن التَّعَاقُبَ الذي يدعيه، هو الظَّاهِرُ.
وقول المرأة إن قلنا: إن المُدَّعَى [عليه] 42، من [لا] 43 يترك لو سكت؛ لأنها لا تُتْرَك بالسكوت؛ إذ الزوج يزعم سقوط المَهْرِ.
فإذا سكت ولا بَيِّنَةَ، جُعِلَتْ نَاكِلَةً.
وحلف الزَّوْجُ، وحُكِمَ بالسُّقُوطِ، وقد يوهم إِيرَادُ الفوراني؛ أن القَوْلَيْنِ في حَدِّ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه مَنْصُوصَانِ.
لكن المُعْتَمَدُ المَشْهُور، أنهما مُسْتَننْبَطَانِ من اختلاف قول الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- في مسألة إسْلاَمِ الزوجين.
وقد ينبه الخلاف في الفَرْعِ على الخلاف في الأصْل المَبْنِيِّ عليه، والأظهر منهما على ما يُشْعِرُ به لَفظُ "المختصر" ويقتضيه كلام أكثر 44 الأصْحَابِ.
وصرح به الروياني أن المُدَّعِي مَنْ يخالف الظَّاهِرَ، والمُدَّعَى عليه من يُوافِقُهُ.
قال الأئمة: والأُمَنَاءُ الذين يصدقون في الرَّدِّ بيمينهم مُدَّعُونَ؛ لأنهم يَزْعَمُونَ الرَّدَّ الذي هو خِلاَفُ الظاهر.
لكن اكتفى منهم باليمين؛ لأنهم أَثْبَتُوا أيديهم لغرض المَالِكِ، وقد ائْتَمَنَهُمْ، فلا يَحْسُنُ تكليفهم بينة على الرد.
وتَكَلَّفَ أبو الحسن العَبَّادِيُّ فقال: إنهم يَدَّعُونَ ما يوافق الظَّاهِرَ؛ لأن المَالِكَ قد سَاعَدَهُمْ على الأَمَانَةِ، حيث ائْتَمَنَهُمْ، فهم يَسْتَبْقُونَ الأمانة، وهو يزعم ارْتِفَاعَهَا، فكان الظَّاهِرُ معهم.
قال: وأما على الحَدِّ الآخر، فهم المدعى عليهم؛ لأن المَالِكَ هو الذي لو سَكَتَ ترك، قال القاضي الروياني وغيره: وقد يكون الشَّخْصُ مُدَّعِيًا ومُدَّعى عليه في المُنَازَعَةِ الواحدة؛ كما في صورة التَّحَالُفِ.
هذا منقول الأصحاب في هذا المَوْضِعِ، وَوَرَاءَهُ كَلِمَاتٌ:
الجزء: 13 - الصفحة: 154
أحدها: يمكن أن يعكس ما ذكروه من البناء ويُقَال: إن قلنا: إن المُدَّعِي من تُرِكَ وسكوته، والمُدَّعِي في مسألة اختلاف الزوجين، إنما هو الزَّوْجُ.
لأن النكاح حقه، فلو تركها ولم يطالبها، تُرِك، وهي لا تُترَك لو سكتت، وأعرضت، فإن 45 قلنا: إن المدعي: من يخالف الظَّاهِر، فهي المدعية؛ لأنها تزعُمُ ارْتفَاعَ النِّكَاحِ، والظاهر دَوَامُهُ.
والثانية: ما المعنى بالظَّاهِرِ في قولنا: إن المُدَّعِي من يُخَالِفُ الظاهر أيعني به مُطْلَقَ ما يَدُلُّ عليه دَلِيلٌ؟ أم يعني الظَّنَّ الأَرْجَحَ والأَغْلَبَ؟ استصحاب 46 ما كان من وُجُودٍ، أو عدم؟ إن عَنَيْنَا الأَوَّلَ، لَزِمَ أن يكون كُلُّ واحد من المُتَدَاعِيَيْنِ أبداً؛ لأن دليلاً ما يَدُلُّ على صِدْقِ هذا، وآخر يَدُلُّ على 47 بَرَاءَةِ هذا.
وإن عَنَيْنَا الظَّنَّ الأغلب والأرجح، فهذا يختلف بالأَشْخَاصِ، والأَحْوَالِ، والقرائن الوَاقِعَةِ في الحَادِثَةِ.
فَتَارَةً؛ يغلب على الظَّنِّ صِدْقُ الطالب، وأخرى صِدْقُ المنكر.
وإن عَنَيْنَا استصحاب ما كان فلم تجعل المَرْأَةُ مُدَّعى عليها: إذا قلنا: إن المدعى عليه، من يُوافِقُ الظَّاهِرَ، وهي لا تستصحب شيئاً، بل ينزل 48 اسْتِصْحَابُ الأصل الذي كان.
والثالثة: لا شَكَّ أن التَّنَازُعَ في كيفية الإِسْلاَمِ ليس مُعَيّناً لِعَيْنِهِ، وإنما الزَّوْجُ يبغي اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ، وهي تَزْعُمُ ارْتِفَاعَهُ، فيشبه أن يقال: كُلُّ واحد منهما مُدَّعٍ بشيء.
فأما الزوج: فإنه في اسْتِدَامَةِ النكاح، وطَلَبِ طَاعَتِهَا، كَطَالَبِ مَالٍ من غيره.
وأما هي: فَدَافِعَةٌ كمن يقول: إنك أَبْرَأْتَنِي، أو إني أَدَّيْتُهُ.
فإن قلنا: يَحْلِفُ الزَّوْجُ فهي على قِيَاسِ دَعْوَى الدوافع.
وقد ذُكر في "التهذيب": أنه الأصح.
وإن قلنا: تحلف المَرْأَةُ، فيشبه تَقَوِّي جانِبِهَا بظَاهِرِ الحال، وان كانت مُدَّعِيَةً؛ كما يحلف المُودِعُ على الرد والهَلاَكِ.
وان كان مُدّعياً للمعنى الذي سَبَقَ، وهذا طريق يغني عن تَخْرِيجِ القَوْلَيْنِ على الأصْلِ المذكور.
واعْلَمْ أن المُرَادَ من قولهم: إن المُدَّعَى عليه: من يُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، أو من يَدَّعِي أَمْرًا جَلِيّاً، أنه لو أنكر ونَازَعَ الطَّالِب، كان كذلك.
لأنه 49 يَتَوَقَّفُ كونه مُدَّعى عليه، على أن ينكر، ويُنَازع.
وقوله في الكتاب في حق المودع؛ "يصدق بيمينه للحاجة" وفي بعض النسخ: "للرخصة" معناه: أنه يُسْتَثْنَى من قولنا: إن المُدَّعِي يحتاج إلى البَيِّنَةِ، فإنه مُدَّعٍ للرد،
الجزء: 13 - الصفحة: 155
وسببه ما تقدم ومسألة اختلاف الزَّوْجَيْنِ، قد سبق حكمها 50 في النِّكَاحِ.
وإنما أَعَادَهَا ليُبَيِّنَ أن الخِلاَفَ فيها مَبْنِيٌّ على الأَصْلِ المَذْكُورِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ حَدُّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُلْزِمَةً، فَلَوْ قَالَ: عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ قَالَ وَهَبَ مِنِّي أَوْ بَاعَ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ وَيَلْزَمُةُ التَّسْلِيمٌ إِلَيَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلم في الدَّعْوَى نَفْسِهَا، أَرْدفَهُ بالكَلاَمِ في شرط صِحَّتِهَا، وهي أن تكون مَسْمُوعَةً، مُحْوِجَةً إلى الجواب.
فاعتبر في صِحَّتِهَا وَصْفَيْنِ:
أحدهما: العِلْمُ بالمُدَّعَى، والأَصْلُ اعْتِبَارُ العلم به، كَاعْتِبَارِ العلم بالمَشْهُودِ به، والمَعْقُودِ عليه بالبيع وغيره، وهذا لأن المَقْصُودَ فَصْلُ الأَمْرِ واتصال الحَقِّ إلى المُستَحِقِّ، وذلك يَسْتدْعِي العِلْمَ.
فإن كانت الدَّعْوَى في الأَثْمَانِ، فَلاَ بُدَّ من ذكر الجِنْسِ، والنوع، والقَدْرِ.
قال في "الشامل": وإن اختلف الصِّحَاحُ والمُكَسَّرَةُ بين أنها صِحَاحٌ، أو مُكَسَّرَةٌ، ومُطْلَقُ الدِّينَارِ يَنْصَرِفُ إلى الدينار الشَّرْعِيِّ، فلا حاجة إلى بَيَانِ الوَزْنِ، ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ.
وإن كانت في غير الأثْمَانِ، نظر: إن كان يَدَّعِي عَيْباً، وهي مما تُضْبَطُ بالصفة؛ كالحُبُوبِ، والحَيَوانِ، والنَّبَاتِ، فيصفها بصفات السَّلَمِ، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ القِيمَةِ على الأَصَحِّ، وإن كانت العَيْنُ تَالِفَةً، كَفَى الضَّبْطُ بالصفات، إن كانت مِثْلِيَّةً، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ القِيمَةِ، دمان كانت مُتَقَوِّمَةً، فَلاَ بُدَّ من ذِكْرِ القِيمَةِ؛ لأنها الوَاجِبَةُ عند التَّلَفِ.
وإن ادَّعَى عليه شَيْئاً مُحَلى، قال في "الشامل": لا بدَّ مِنْ ذِكْرِ القِيمَةِ، ويُقَوَمُهُ، بِالذَّهَب، إن كان مُحلَّى بالفِضَّةِ، وبالفِضَّةِ إن كان مُحَلَّى بالذَّهَبِ، وان كان مُحَلَّى، بهما 51 قومه بأحدهما للضَّرُورَةِ 52.
وفي الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ المَغْشُوشَةِ يدعى عشرة دَرَاهِمَ من نَقْدِ كذا، قيمتها كذا ديناراً، أو دِينَاراً من نَقْدِ كذا، قيمته كذا دِرْهَماً ذكره الشيخ أَبُو حَامِدٍ وغيره، وكأنه جَوَابٌ على أن الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيرَ المَغْشُوشَةَ مُتَقَوِّمَةً، فإن جعلناها مِثْلِيَّةً، فينبغي ألا يشترط التَّعَرُّض 53 لقيمتها.
الجزء: 13 - الصفحة: 156
وفي العَقَارِ يَتَعَرَّضُ للناحية، والبَلْدَةِ، والمَحِلَّةِ، والسّكة ويبين الحُدُودَ، وقد مَرَّ بعض هذه التَّعْرِيفَاتِ في باب القَضَاءِ على الغائب، والمذكور هاهنا أَتَمُّ، وأَوْفَى.
ويُسْتثنى عن اعتبار العلم صور:
إحداها: إنما يُتَصَوَّرُ اعْتِبَارُهُ إذا كان المَطْلُوبُ مُتَعَيّناً، فأما من حضر ليعين ويَفْرِضُ له القاضي كالمُفَوِّضَةِ؛ تطلب الفَرْضَ على قولنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، وكالوَاهِبِ؛ يطلب الثَّوَابَ إذا قلنا: إن الهِبَةَ تَقْتَضِيهِ، ولم يقدر الثَّوَاب، فلا يُتَصَوَّرُ منه إِعْلاَمٌ وتَعْيِينٌ 54.
الثانية: ادَّعى [على إنسان] 55 أن مُوَرِّثَهُ أَوْصَى له بثوب، أو بِشَيْءٍ سُمِعَتِ الدَّعْوَى؛ لأن الوَصِيَّةَ تحتمل الجَهَالَةَ، فكذلك دَعْوَاهَا.
وأَلْحَقَ مُلْحِقُونَ دَعْوَى الإقْرَارِ بالمَجْهُولِ بِدَعْوَى الوَصِيَّةِ بالمجهول.
ومنهم من تَنَازَعَ كلامه فيه 56، ويثبت الاختلاف الخِلاَفَ في أن دَعْوَى الإقرار بالمال تُسْمَعُ، أم يجب أن يَدَّعِي نَفْسَ المال؟ وكذا تَصحُّ دعوى الإبْرَاءِ عن المَجْهُولِ ان صَحَّحْنَا الإِبْرَاءَ عن المجهول.
الثالثة: ادَّعى أن له طَرِيقاً في مِلْكِ الغَيْرِ، وادَّعَى حق إِجْرَاءِ الماء، فالأَشْهَرُ فيما حكى القَاضِي أبو سعدٍ: أنه لا يحتاج إلى إعْلاَمِ مِقْدَارِ الطريق والمجرى ويكفي لِصِحَّةِ الدَّعْوَى تَحْدِيدُ الأرض التي يَدَّعِي فيها الطَّرِيقَ والمجرى، وكذا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ المُرَتَّبة عليها.
الجزء: 13 - الصفحة: 157
وعن أبي علي الثقفي: أنه لا بُدَّ من إِعْلاَمِ قَدْرِ الطريق والمجرى.
قال: وكذا لو باع بَيْتاً من دَارٍ، وسَمَّى له طريقاً، ولم يُبَيِّنْ قَدْرَهُ لا يصح.
قال القاضي: والذي عندي، أنه لا يُشْتَرَطُ هذا الإِعْلاَمُ في الدعوى، ولكن يُؤْخَذُ على الشُّهُودِ إِعْلاَمُ الطريق، ومسيل 57 الماء بالذّرْعَانِ؛ لأن الشَّهَادَةَ أعلى شَأْناً، فإنها تَسْتقِلُّ بإيجاب الحُكْمِ، بخلاف الدَّعْوَى.
ولو أحضر المُدَّعِي قِطْعَةَ بَيَاضٍ حَرَّرَ فيها 58 دَعْوَاهُ، وقال: أَدَّعِي ما فيها، وادَّعَى ثَوْباً بالصِّفَاتِ المكتوبة في تِلْكَ القِطْعَةِ، هل يكفي ذلك لِصِحَّةِ الدَّعْوَى؟ فيه وجهان 59.
الوصف الثاني: كون الدعوى مُلْزِمَةً، فلو قال: وَهَبَ مِنِّي كذا، أو باع، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، حتى يقول: ويلزمه التَّسْلِيم إلَيَّ؛ لأنه قد يَهَبُ ويرجع، ويبيع ويفسخ.
هكذا نَقَلَ الفَوْرَانِيُّ وغيره، وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
ويَقْرُبُ منه مَا ذَكَرَ القاضي أبو سَعْدٍ؛ أنه يقول في دَعْوَى الدَّيْنِ: لي في ذِمَّتِهِ كذا، وهو يَمْتَنِعُ من الأدَاءِ الواجب عليه.
قال: وإنما يتعرَّضُ لوجوب الأَدَاءِ , لأن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يجب أَدَاؤُهُ في الحال، وكأن هذا فيما إذا قَصَدَ بالدَّعْوَى تَحْصِيلَ المدعى، ويجوز أن يكون المَقْصُودُ بالدعوى دَفْعَ المُنَازَعَةِ، فلا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لوجوب التَّسْلِيمِ.
وذكر في "الشامل" أنه لو قال: هذه الدَّارُ لي، وأنه مَنَعَنِي منها، تَصِحُّ الدعوى، ولا يُشْتَرَطُ أن يقول: إنها في يَدِهِ؛ لأنه يَجُوزُ أن يُنَازِعَهُ، وان لم تكن في يَدِهِ 60.
وإذا ادَّعى، ولم يقل للقاضي مُرْهُ بالخُرُوجِ عن حَقِّي، أو سَلْهُ جَوَابَ دَعْوَايَ، فهل يُطَالِبُهُ القاضي؟
الجزء: 13 - الصفحة: 158
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لِلْعِلْمِ بأنه الغَرَضُ من الحضور، وإِنْشَاءِ الدعوى.
وهذا أظهر عند ابن الصَّبَّاغِ.
والثاني: لا؛ لأنه حَقُّهُ، فلا يُسْتَوْفَي إِلاَّ بسُؤَالِهِ، واقْتِرَاحِهِ، كاليمين.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيْفَةَ، فيما حكى القاضي أبو سَعْدٍ، وذكر أنه الأَصَحُّ، فإن أصل الوَجْهَيْنِ المُعَاطَاةُ في البيع، والخلاف في أنه إذا جَلَسَ بين يدي حَلاَّقٍ فَحَلَقَ، هل يَسْتحِقُّ الأُجْرَةَ؟
وعلى الثاني فطلب الجَوَاب أيضاً شَرْطٌ في صِحَّةِ الدعوى، وسواء شَرَطْنَا هذا الاقْتِرَاحَ من المدعى، أو لم نشترطه، لكنه اقْتَرَحَهُ.
فيمكن أن يُقَالَ: يغني ذلك عن قوله: ويلزمه التسليم إِلَىَّ.
وإن مَنْ شَرَطَ التَّعَرُّضَ له، شَرَطَهُ جَوَابًا على أنه لا يُشْتَرَطُ الاقْتِرَاحُ المَذْكُورُ من الدعوى.
فرع
:
لا يُشْتَرَطُ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى أن يُعْرَفَ بينهما مُخَالَطَةٌ أو مُعَامَلَةٌ، ولا فرق فيه بين طبقات الناس.
وعن مالك: أنه لا تُسْمَعُ دعوى الدَّنِي على الشَّرِيفِ، إذا لم يُعْرَفْ بينهما سَبَبٌ.
وعن الإصْطَخْرِيِّ: أنه إذا شهدت قَرَائِنُ الحال بكَذِب المدعى، لم يلفت إلى دعواه؛ مثل أن يَدَّعِي الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الأَمِيرِ، أو الفقيه لِعَلَفِ دَوَابَّهِ، وكَنْسِ بَيْتِهِ، ومثل دعوى المعروف بالتعنُّت، وجَرَّ ذَوِي الأَقْدَارِ إلى مجلس القُضَاةِ، [واستحلافهم] 61 ليفتدوا بشيء.
آخر: ادَّعى مَالاً مَعْلُوماً على إِنْسَانٍ، وأقام شَاهِدَيْنِ على إقراره بشيء، أو قالا 62: يعلم أن له عليه مَالاً، ولا نعرف قَدْرَهُ.
هل تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمَا هكذا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، ويُرْجَعُ في التفسير إلى المَشْهُودِ عليه، كما لو أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ.
وأشبههما: المَنْعُ؛ لأن من شَأْنِ البَيِّنة أن تُبَيِّنَ، وليست كالإِقْرَارِ؛ إذ يُشْتَرَطُ فيها ما لا يُشْتَرَطُ في الإِقْرَارِ؛ حكى الوجهين صاحب "التهذيب" في بَاب الإِقْرَارِ، وذكرها غَيْرُهُ أيضاً.
وعلى هَذا الخِلاَفِ ما إذا شَهِدَا على غَصْبِ عَبْدٍ، أو ثَوْبٍ، ولم يَصِفَاهُ 63.
الجزء: 13 - الصفحة: 159
الثالث: عن فَتَاوَى القَفَّالِ: ادَّعَى دَرَاهِمَ مَجْهُولَةً، لا يسمع القاضي دَعْوَاهُ.
ويقال له: بَيِّنِ الأَقَلَّ الذي تَتَحَقَّقُهُ.
وإن ادَّعَى ثوباً ولم يصفه أَصْلاً، لم يُصْغ إليه فإن قال: هو كِرْبَاسَ 64 ولم يَصِفْهُ، أمره أن يأخذ بالأَقَلِّ، وفي هذا أولاً إِرْشَادٌ وضَرْبُ تَلْقِينٍ، ثم الأَخذ بالأَقَلِّ في قَدْرِ الدَّرَاهِمِ مُسْتَقِيمٌ، لكن الأَخْذَ بالأَقَلِّ من صِفَةِ الثوب المدعى عينه لا وَجْهَ له.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يحَلِّفَ المُدَّعِيَ مَا لَمْ يُقدِّمْ دَعْوَى صَحِيحَةً كَبَيْعٍ أَوْ إبْرَاءٍ، فَلَوِ ادَّعَى فِسْقَ الشُّهُودِ وَعَلِمَ الخَصْمُ بِهِ فَهَلْ يُحَلِّفُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكذَا لَوِ ادَّعَى أنَّهُ أَقَرَّ لِأَنَّ الإِقْرَارَ لَيْسَ عَيْنَ الحَقِّ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ اليَمِينُ بِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ مَرَّةً وَأَرَادَ يَمِينَهُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ وَجْهَانِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنِ الحَقِّ لَكِنْ يَنْفَعُ فِي الحَقِّ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ وَالقَاضِي وَإنْ كَانَ يَنْفَعُ تَكْذِيبُهُمُ أَنْفُسُهُمُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو قامت البَيِّنَةُ على المُدَّعى عليه فطلب من القاضي تَحْلِيفَ المُدَّعَى [عليه] 65 على اسْتِحْقَاقِ ما يَدَّعِيهِ، لم يجبه إليه؛ لأنه تكليف حُجَّةٍ [بعد قيام حُجَّةٍ] 66، ولأنه كالطَّعْنِ في الشُّهُودِ.
وإن ادَّعَى إِبْرَاءً، أو أَدَاءً في الدَّيْنِ، أو بَيْعاً، أو هِبَةً أو إقباضاً في العَيْنِ، نُظِر إن ادعى حُدُوثَ شَيْءٍ من ذلك بعد إِقَامَةِ البَيِّنَةِ، حلف المُدَّعِي على نَفْيِ ما يقوله إن مضى زَمَان إِمْكَانِهِ، وإلا لم يُلتَفْ إلى قوله.
وإن ادَّعَى جريانه قبل أن يَشْهَدَ [الشُّهُودُ] 67. فإن لم يَحْكُمِ القَاضِي بعد حَلف المدَّعي على نَفْيِهِ، وإن حَكَمَ فوجهان:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لاحْتِمَالِ ما يَدَّعِيهِ، وجواب 68 اعتماد الشهود ظَاهِر الحال.
والثاني: المَنْعُ لِثُبُوتِ المال عليه بالقَضَاءِ.
وذكر في "التهذيب" أن هذا أَصَحُّ، ويمكن أن يُبْنَى على هذين الوجهين الخِلاَفُ في أن تَحْلِيفَ المُدَّعِي على الغَائِبِ مُسْتَحَبٌّ، أو واجب؟
الجزء: 13 - الصفحة: 160
إن قلنا: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بعد الحكم، فهو مُسْتَحَبٌّ.
وإن قلنا: لا تُسْمَعُ فواجب، كيلا يُفَوِّتَ بالحُكْمِ عليه الدَّعْوَى وبالتحليف، ألا يحصل العيب عُذْراً مَانِعاً من الفَوَاتِ.
ولو قال المُدَّعَى عليه: إن الشهود فَسَقَةٌ، أو كَذَبَةٌ، وزَعَمَ أن الخَصْمَ عَالِمٌ بذلك، فهل له تَحْلِيفُهُ على أنه لا يعلم؟
فيه وجهان:
أحدهما: نعم , لأنه لو أَقَرَّ به لَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
والثاني: لا، ويكتفى بِظَاهِرِ العَدَالَةِ، وتَعْدِيلِ المزكين، وطرد هذا الخلاف في كُلِّ صورة ادّعى ما لو أَقَرَّ به الخَصْمُ لنفعه لكن لم يكن المدعى عين حَقّ له؛ كما لو قال المُدَّعَى عليه في الجواب: إنه أَقَرَّ لي بما يَدَّعِيهِ، وكما إذا ادَّعَى على إنسان، إنك أَقْرَرْتَ لي بكذا، وما إذا تَوَجّهت اليمين عليه، فقال: إن المُدَّعِي قد حلفني مرة، وأراد تَحْلِيفَهُ، وفيما إذا قذف إِنْسَاناً، فَأُرِيدَ منه الحَدُّ، وادَّعَى أن المقذوف زَنَا، وأراد تَحْلِيفَهُ، ففي وجه -لا يُسْمَعُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يمكَّن من التَّحْلِيفِ، ويُشْبِهُ أن يكون الأظهر الثاني- ليصدق الخَصْم، فينتفع به، أو ينكل فَيَحْلِفُ، ويؤيده ما مر من قَوْلِ الأَصْحَاب: إن دَعْوَى الإقْرَارِ بالمجهول صَحِيحَةٌ، وإن جواب الأكثر في مَسْألَةِ القَذْفِ، أنه يحلفَ المَقْذُوف علىَ أنه لم يَزْنِ، وإن كان المقذوف مَيِّتاً، وأراد القَاذِفُ تَحْلِيفَ الوَارِثِ على أنه لا يَعْلَمُ زنا مورثه.
فكذلك يحلف، وهذه الصورة تُحْكَى عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- لكن ذكره صاحب "التهذيب" فيما إذا ادَّعى فِسْقَ الشهود، أو كَذِبَهُمْ، أن الأَصَحَّ أنه لا يحلف المُدَّعِي.
وأما تحليف القَاضِي والشاهد، فلا يجوز، وإن كان ينفع تَكْذِيبُهُمَا أنفسهما؛ لما مَرَّ أن مَنْصِبَهُمَا يَأْبَى التحليف؛ وقد يُقَالُ: الضبط الذي ذَكَرُوهُ لِصِوَرِ الوجهين، يقتضي اطِّرَادَهُمَا فيما إذا ادَّعَى الأَدَاء؛ لأنه ليس الأَدَاءُ في نفسه حَقّاً، ولكن ينفعه في انْدِفَاعِ المُدَّعى عنه.
والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ لَوْ قَالَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ: أمْهِلُوني فَلِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ، أُمْهِلَ ثَلاثَةَ أَيَّام، وَقِيلَ: يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي فَحَلَّفُوهُ يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأنِي مُوَكِّلُكَ وَكَذَّبَهُ اسْتَوفِيَ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأنِي عَنِ الدَّعْوَى فَهَذَا لاَ يُسْمَعُ إذْ لاَ مَعْنَى لإِبْرَاءِةِ عَنِ الدَّعْوَى.
الجزء: 13 - الصفحة: 161
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قامت البَيِّنَةُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ، وادعى أن المُدَّعِي باع منه العَيْنَ المُدَّعَاةَ، أو بَاعَهَا من بائعه، أو ادَّعَى أنه أَبْرَأَ عن الدَّيْنِ المدعى، وأنكر، فلا يَخْفَى أن القَوْلَ قوله، وأن المُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّع فيما يذكره، يحتاج إلى البَيِّنَةِ، فإن استَمْهَلَ ليأتي بالبَيِّنَةِ، أُمْهِلَ ثَلاثَةَ أيام؛ لأن هذه مُدَّةٌ قريبة، لا يَعْظُمُ الضَّرَرُ فيها، ومقيم البَيِّنَةِ يَحْتَاجُ إلى مِثْلِهَا، لاسْتيثَاقِ الشُّهُودِ، والفَحْصِ عن غَيْبَتِهِمْ، وحضورهم، واسْتِحْضَارِ الغائب منهم.
وقد ذكرنا في باب القَضَاءِ على الغائب نَحْوَ ذلك، وعن القاضي الحُسَيْنِ وَجهٌ آخر: أنه لا يُمْهَلُ أَكْثَرَ من يَوْمٍ وَاحِدٍ، وهذا يَقْتَضِي أن يُعَلَّمَ قوله في ذلك الباب: "ويمهل ثلاثة أيام" بالواو.
ولو ادَّعَى الإِبْرَاءَ، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ، وقال: حَلِّفُوهُ أنه لم يُبْرِئْنِي، فَيُجَابُ إليه، ولا يُكَلَّفُ تَوْفِيَةَ الدَّيْنِ أَوَّلاً.
وعن القاضي وجه: أنه يُسْتَوْفَى منه الدَّيْنُ أَوَّلاً، ثم إن شاء حَلَفَ، فإنه دَعْوَى جَدِيدَةٌ.
والظاهر الأول، وليس كما إذا قال لوكيل المُدَّعِي: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ، حيث يُسْتَوْفَى الحَقُّ منه، ولا يؤخر إلى حُضُورِ الموكّل، وحلفه لِعِظَم الضَّرَرِ في التأخير؛ وهاهنا التحليف مُتَيَسِّرٌ في الحال، وكان التَّعَرُّضُ لِدَعْوَى إِبْرَاءِ المُوَكّل هاهنا، الإشارة إلى الفرق، وإلا فقد ذكر المَسْأَلَةَ مَرَّةً في القضاء على الغائب.
ولو قال: أَبْرَأَنِي عن هذه الدعوى، فهل يُسْمَعُ وَيُحَلَّفُ المُدَّعي؟ فيه وجهان عن الإصْطَخْرِيِّ:
[أحدهما] (1): نعم، ويحلف أنه لم يُبْرِئْ.
والثاني: المنع؛ لأن الإِبْرَاءَ عن نَفْسِ الدعوى، لا مَعْنَى له، إلا بِتَصْوِيرِ صُلْحٍ على الإِنْكار، وأنه بَاطِلٌ، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب، واختاره القَفَّالُ.
وادعى الروياني في "التجربة": أن المذهب الأَوَّل، ووجّه بأنه لو أَقَرَّ أنه لا دَعْوَى له عليه، بَرِيءَ.
فرع
: مُدَّعِي الدَّفْع إن قال: قَضَيْت، أو أبرأني 70، فذاك، إن أَطْلَقَ، وقال: لي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ، كما هو لَفْظُ الكتاب، فَيُشْبِهُ أن يستفسر 71؛ لأنه قد يُتَوَهَّمُ ما ليس بِدَافِعٍ دَافِعَاً، إلا أن يعرف فِقْهَةُ، ومعرفته، وإذا عَيَّنَ جِهَةً، ولم يأت بالبَيِّنةِ عليها، وادعى عند انقضاء69
الجزء: 13 - الصفحة: 162
مُدَّةِ المُهْلَةِ، جهة أخرى، واسْتُمْهِلَ، فما ينبغي أن يُجَابَ، وإن ادّعى في المُدَّةِ، أو في آخِرِهَا، جهة أخرى، وأقام البَيِّنَةَ عليها، وجب أن يُسْمَعَ 72.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: يَنْبَغِي أن يَدَّعِيَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ وَرِضَاهَا، فَإِنْ أَطْلَقَ فَالنَّصُّ أَنهُ لاَ يُسْمَعُ (ح م)، وَفِي البَيْعِ يُسْمَعُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَلَوْ قَالَ: هي زَوْجَتِي كفَاهُ الإِطْلاَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَدَعْوَى القِصَاصِ لاَ بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا، لاَ بُدَّ من أن يَدَّعْيَ بَيْعاً صَحِيحاً فَيَذْكُرَ الصَّحَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدَّعْوَى أَنْوَاعٌ:
منها: دَعْوَى الدَّمِ، ولاَ بُدَّ فيها من التَّفْصِيلِ على ما هو مُبَيَّنٌ في القَسَامَةِ.
ومنها: دَعْوَى النكاح، والبَيْعِ، وسائر العقود.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: ولو ادَّعَى أنه نكح امْرَأَةً، لم أَقْبَلْ منه، حتى يقول: نَكَحْتُهَا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
والأصحاب -رحمهم الله- فيه مُختَلِفُونَ؛ فمنهم من اكْتَفَى في دَعْوَى النكاح بالإطْلاَقِ، ولم يَشْتَرِطِ التَّعَرُّضَ لهذا التَّفْصِيلِ، كما يُكْتَفَى في دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ المال بالإطْلاَقِ، وكما أنه لا يجب في دَعْوَى النِّكَاحِ التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ المَوَانِعِ، كالرِّدَّةِ، والعِدَّةِ، والرِّضَاعِ، وحمل هؤلاء نَصَّهُ 73 على الاسْتحْبَابِ , والتأكيد.
ومنهم من قال: إن ادَّعى ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وجب التَّفْصِيلُ، وإن ادَّعَى دَوَامَهُ، لم يجب؛ لأن الشُّرُوطَ لا تُعْتَبَرُ في الدوام، وبه قال أبو علي الطَّبَرَيُّ.
وأخذت عامة الأصحاب بظاهر النَّصِّ وأوجبت 74 التفصيل، والتَّعَرُّضَ للشروط، سواء كان المُدَّعَى ابتداء نكاح، أو دَوَامَهُ؛ لأن أَمْرَ الفُرُوجِ، مَبْنِيٌّ على الاحتياط، كَأَمْرِ الدِّمَاءِ والوطء 75 المستوفى يتدارك 76 77 كالدَّمِ المِهْرَاقِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 163
وأما استشهاد الأَوَّلين بِدَعْوَى استحقاق المال؛ فإن كان المُدَّعَى نَفْسَ المال، فإنما اكتفى بالإطْلاَقِ؛ لأن الأَسْبَابَ التي يستحقّ بها المال تَكْثُرُ، وَتَتَكَرَّرُ، وفي ضَبْطِ الأَقْدَارِ الحَاصِلَةِ بتلك الأَسْبَابِ حَرَجٌ شَدِيدٌ، فَأَغْنَى عنه، بخلاف النِّكَاحِ.
وإن كان المُدَّعِي عَقْداً يرد على المال، كالبَيْعِ، والهِبَةِ، والإِجَارَةِ، فثلاثة أوجه:
أحدها: وينسب إلى ابن سُرَيْجٍ أنه لاَ بُدَّ من التَّفْصِيلِ، والتَّعَرُّضِ لِلشَّرَائِطِ كالنكاح.
والثاني: الفَرْقُ بين أن يَتَعَلَّقَ العَقْدُ بِجَارِيَةٍ، فيجب التَّفْصِيلُ 78 احْتِيَاطاً للبُضْعِ.
وبين أن يَتَعَلَّقَ بغيرها، فلا يَجِبُ.
والثالث: وهو الأصح: أنه لا حَاجَةَ إلى التَّفْصِيلِ؛ لأن المَقْصُودَ، المال.
والعُقُود المالية أَخَفُّ حُكْماً من عَقْدِ النكاح، ولذلك لا يُشْتَرَطُ فيها الإشهاد، وإن تَعَلَّقَ العَقْدُ بِجَارِيَةٍ، والنكاح بخلافه.
وأما أنه لا يجب التَّعَرُّضُ للموانع، ففيه -نزَاعٌ؛ لأن الشيخ وأَبَا عاصم رويا عن الأستاذ أن محمد بن إبْرَاهِيمَ العَبَّادي 79 من أَصْحَابِنَا -رحمهم الله- أَوْجَبَهُ، والصحيح التسليم.
وفَرَّقُوا بأن الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ وجودها 80، ليصحَّ العَقْدُ، والموانع يُعْتَبَرُ عَدَمُهَا، والأصل العَدَمُ، فَاكْتُفِيَ به، ولأن المَوَانِعَ كَثيرةٌ، وعَدُّهَا عَسِيرٌ.
التفريع: إن شرطنا التَّفْصِيلَ في النكاح، فنقول: نكحها 81 بِوَليِّ وشَاهِدَيْنِ.
والأشهر: أنه لاَ بُدَّ من وَصْفِهِمْ بالعَدَالَةِ.
قالوا: وإنما لم يَتَعَرَّضِ الشَّافعي -رضي الله عنه- لِعَدَالَةِ الوَلِيِّ في النص 82 المَنْقُولِ في أَوَّلِ الفصل، بِنَاءً على أن الفَاسِقَ ليس بِولِيٍّ، أو أراد رد لفظ العَدْلِ إلى الوَلِيِّ، والشاهدين جميعاً.
وحكى ابن الصَّبَّاغِ وَجْهاً آخر: أنه لا حَاجَةَ إلى التَّعَرُّضِ [للعدالة، وقياس = إسلام الزوج، فلا يحتاج أن يقول: ولي، بل يقول زوجنيها مالكها الذي يصح منه إنكاحها، وهي مسلمة، وإنما يشترط التعرض لفقد الطول وخوف العنت إذا كان الزوج حراً مسلماً، فإن كان فيه رق لم يشترط ذلك ولم يذكروا في الشاهدين سوى العدالة، وينبغي أن يتعرض لحال الشهود المشترط وجودها لصحة النكاح، ومقتضى اعتبار تفصيل الشهود أن يقول نكحتها بولي وشاهدين فيهما الصفات المعتبرة في شاهدي النكاح، ويقول في الولي إذا كان مجبرًا نكحتها بولي مجبرًا أب وجد في حال بكارتها أو في حال جنونها، وقد يقال: منعني ذكر الولي غير ذلك وفي نفسه يقول: إن كان سفيهأ أو عبداً تزوجتها بإذن ولي، ويقول العبد بإذن مالكي، وضابط ذلك اعتبار الشرط دون التعرض لانتفاء الموانع.
الجزء: 13 - الصفحة: 164
وجوب التَّعَرُّض للعدالة وُجُوبُ التعرض] 83 لسائر الصِّفَاتِ المُعْتَبَرَةِ في الأَوْليَاءِ، ولا يجب تَعْيِينُ الشَّاهدين.
والمَفْهُومُ مما أَوْرَدَهُ الأئمة حكمًا 84 وتوجيهاً، أنه لا حَاجَةَ إلى تَعْيِينِ الوَلِيِّ أيضاً، والغرض؛ أن يُعْتَرَفَ أن النكاح لم يَعْرُ عن الوَلِيِّ والشهود، ولاَ بُدَّ من التعرض لِرِضَاءِ المرأة، إن كانت مِمَّنْ تُزَوَّجُ بِرِضَاهَا.
وفي نكاح الأَمَةِ: هل يُشْتَرَطُ التعرض لِلْعَجْزِ عن الطَّوْلِ وَلِخَوْفِ العَنَتِ؟
قال في "الشامل": فيه وجهان:
أقيسهما: الاشْتِرَاطُ.
وإذا شرطنا التَّفْصِيلَ في دعوى البيع، ذكروا أنه يقول: تَعَاقَدْنَاهُ بِثَمَنٍ معلوم، ونحن جَائِزَا الأَمْر، وتَفَرَّقْنَا عن تَرَاضٍ، ويُشْتَرَطُ في الشَّهَادَةِ على النِّكَاحِ التفصيل، إذا قلنا باشتراطه في دعوى النِّكَاحِ.
وفي فَتَاوَى القَفَّالِ: أنه يجب أن يَقُولُوا بعد تَفْصِيلِ النكاح؛ في ابتدائه، ولا نَعْلَمُ أنه فَارَقَهَا، أو وهي اليوم زوجته.
والإقْرَارُ بالنِّكَاحِ يكفي فيه الإِطْلاَقُ فان كفى الإطْلاَقُ في الشَّهَادَةِ والدَّعْوَى، إن شَرَطْنَا التَّفْصِيلَ فيهما، ففي الإِقْرَارِ وجهان في "الوسيط".
[إن] 85 أظهرهما؛ الاكْتِفَاءُ بالإطْلاَقِ، والفرق؛ أن المُقِرَّ لا يُقرُّ إلا عن تَحْقِيقِ، وتَثَبُّتٍ، وفي الشهادة على إِقْرَارِهَاَ [لا يشترط] 86 أن يقولوا: ولا نَعْلَمُ أنه فَارَقَهَا.
ولتكن الشَّهَادَة على البَيْعِ، والإقرار، إذا أوجبنا التَّفْصِيلَ في البيع، على قياس ما ذكرنا في النِّكَاحِ.
ونقلوا في اشْتِرَاطِ تَقْيِيدِ النكاح والبيع 87 , المدعيين بالصحة وجهين:
وجه الاشْتِرَاطِ وُقُوعُ الاسْمِ على الصَّحِيح والفاسد.
ووجه الثاني: انْصِرَافُ المُطْلَقِ إلى الصحيح.
وبالأول أَجَابَ صاحب الكتاب.
وذكر في "الوسيط": أن الوجه القَطْعُ باشتراطه في النِّكَاح، وأشار إلى أن الوجهين، مُفَرَّعَانِ على قولنا: إنه لا يُشْتَرَطُ تفصيل الشرائط، فإيراد القاضي أبي سَعْدٍ يقْتَضِي اطِّرادَهُمَا، مع اشْتِرَاطِ التفصيل، لِيَتَضَمَّنَ ذكر الصحة نَفْيَ المَوَانِعِ 88.
الجزء: 13 - الصفحة: 165
وقوله في الكتاب: "فالنص أنه يُسْمَعُ" ليُعَلَم بالحاء والألف؛ لأن عندهما تُسْمَعُ، ولا حَاجَةَ إلى التفصيل.
وقوله: "وفي البيع يُسْمَعُ"، يُشْعرُ ظاهره بأن النَّصَّ في البيع السَّمَاعُ، وبأن الأَصْحَابَ، تفرقوا 89 في النصين تَقْرِيراً من البعض، [ونَقْلاً، وتَخْرِيجاً، من البعض] 90 على المَشْهُودِ من مسائل النَّقْلِ، والتخريج.
لكن الكتب المَشْهُورَةَ سَاكِتَةٌ عن ذلك.
نعم في كتاب القَاضِي ابْنِ كَجٍّ: أن نَصَّهُ في البيع ونحوه جَوَازُ الإطلاق.
وقوله: "ولو قال: هي زَوْجَتِي، كَفَاهُ الإطْلاَقُ".
هذه صورة الدَّوَام، وتَرْجِيح الاكتفاء بالإطلاق، لا يُوَافِقُ اخْتِيَارَ المعظم.
وقوله: "ولا بُدَّ من ادَّعى بيعاً 91 صحيحاً، فيذكر الصحة" معلم بالواو.
واعلم أن دعوى النكاح؛ تَارَةً تكون على المَرْأَةِ، وأخرى على الوَلِيِّ؛ إذا كان مُجْبَراً، كما بَيَّنَّاهُ في كتاب النِّكَاحِ، في مسألة تزويج الوَلِيَّيْنِ من شخصين، وذكرنا هناك، أن الأَئِمَّةَ قالوا: إن ادَّعى كُلُّ وَاحِدٍ من الزوجين سبق نكاحه، وعلم المرأة به، فَيُبْنَى على أن إِقْرَارَ المَرْأَةِ بالنكاح هل هو مَقْبُولٌ؟ إن قلنا: إنه غير مَقْبُولٍ، فلا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا عليها؛ لأن غَايَتَهَا أن تُقِرَّ وإن قلنا: إنه مَقْبُولٌ، وهوِ الصحيح فَتُسْمَعُ، وهذا يَقْتَضِي أن يكون سماع دعوى النكاح على المرأة، [أبدأ] 92 مُخَرَّجاً على ذلك الخِلاَفِ، فكأنهم لم يذكروه هاهنا، اقْتِصَاراً على الصحيح.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: دَعْوَاهَا الزَّوْجِيةَ لاَ تُسْمَعُ عَلَى الأَصَحِّ مَا لَمْ بَتَعَرَّضْ لِمَهْرِ أَو نَفَقَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يسْمَعُ فَهَلْ تَنْدَفِعُ بِمُجَرَّدِ إنْكَارِهِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ مَأْخَذُهُ أَنَّ الإِنْكَارَ طَلاَقٌ أَمْ لاَ حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَلِّمُ الزَّوْجَةَ إِلَيْهِ وَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: دَعْوَى المَرْأَةِ النِّكَاحَ؛ إما أن يَقْتَرِنَ بها طَلَبُ حَقٍّ من حُقُوقِ النكاحِ، كَصَدَاقٍ، ونَفَقَةٍ، وقَسْمٍ، ومِيرَاثٍ بعد موته، فهي مَسْمُوعَةٌ لا مَحَالَةَ.
وإما ألا يَقْتَرِنَ، وتَتَمَحَّض دَعْوَى الزوجية، ففي سَمَاعِهَا وجهان:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأن بَقَاءَ النِّكَاحِ حَقُّ الزوج عليها، فكأنها تَدَّعِي كَوْنَهَا رَقِيقَةٌ، وهذه دَعْوَى غير مُلْزِمَةٍ.
والثاني: أنها تُسْمَعُ؛ لأن النِّكَاحَ وإن كان حَقّاً له فهو مَقْصُودٌ لها من تَعَلُّق حقوق فَيُثْبِتُهُ، ويُتَوَسَّلُ به إلى تلك الحُقُوقِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 166
وذكر صَاحِبُ الكتاب: أن الأَوَّلَ أَصَحُّ، والأئمة جَايحُونَ إلى تَرْجِيح الثاني.
وكذلك فعل صَاحِبُ الكتاب في "الوسيط"، في باب النكاح، فإن سَمِعْنَا دَعْوَاهَا، نظر، إن سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وأَصَرَّ على السكوت، وأقامت (1) البينة عليه، وإن أنكر، فَإنْكَارُهُ طَلاَقٌ أم لا؟
فيه وجهان، كما ذكرنا فيما إذا جرى نكاح، ثم قال الزَّوْجُ: كان الشَّاهِدَانِ فَاسِقَيْنِ، وأنكرت المرأة والأصح منهما على ما ذكره الإِمَامُ أنه ليس بِطَلاَقٍ، فإن جَعَلْنَا إِنْكَارَهُ طَلاَقاً سقط ما يدعيه، ولها أن تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ، ولو رَجعَ عن الإنْكَارِ (2) وقال: غلطت في الإِنْكَارِ، لم ينفعه الرُّجُوعُ، وإن لم يَجْعَلهُ طَلاَقًا، فَإِنْكَارُهُ كَسُكُوتِهِ، حتى يقيم البَيِّنَةَ عليه، ولو رَجَعَ قبل رُجُوعِهِ، وسُلِّمت الزَّوجَةُ إليه وهذا ما اخْتَارَهُ القَفَّالُ، وشَبَّهَهُ بما إذا قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قبل الرَّجْعَةِ، ثم قالت: غَلطت، وسلمت صحة الرجعة، فإنه يُقْبَلُ رُجُوعُهَا, ولو لم تكن بَيِّنَةٌ، وحَلِفَ الرَّجُلُ, فَلاَ شَيْءَ عليه, وله أن يَنْكِحَ أُخْتَهَا وأَرْبَعاً سِوَاهَا, وليس لها أن تَنْكِحَ زَوْجاً غيره، إذا لم تجعل الإِنْكَارَ طَلاَقاً.
وإن انْدَفَعَ النكاح ظَاهِراً، إلى أن يُطَلِّقَهَا، أو يموت.
قال في "التهذيب": أو يفسخ بإعْسَارِهِ، أو لامْتِنَاعِهِ، إذا جعلنا الامْتِنَاعَ مع القُدْرَةِ مُمَكِّناً من الفَسْخِ، وليكن هذا مَبْنِيَّاً على أن لِلْمَرْأَةِ أن تَفْسَخَ بِنَفْسِهَا، أما إذا أَحْوَجْنَاهَا إلى القاضي، فما لم يظهر له النِّكَاح، كيف [يفسح أو] (3) يَأْذَنُ في الفَسْخِ (4)؟
وينبغي أن يَرْفُقَ الحَاكِمُ به حتى يقول: إن نَكَحْتها فقد طلقتها ليحلَ (5) لها النكاح، فإن نَكَلَ الرَّجُلُ، حَلَفَتْ هي، واسْتَحَقَّتِ المَهْرَ، والنَّفَقَةَ.
فرعان
:
عن "التهذيب" وغيره:
أحدهما: امْرَأَةٌ تحت رَجُلٍ، ادَّعَى آخَرُ أنها زَوْجَتُهُ، فالصَّحِيحُ: أن هذه الدَّعْوَى عَلَيْهَا، لا على الرجل؛ لأن الحُرَّةَ لا تَدْخُلُ تحت اليَدِ.
ولو أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، لم تُقدم بَيّنة من هي تحته، بل هما كاثنين 98، أقام9394959697
الجزء: 13 - الصفحة: 167
كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، على نكاح خَلِيَّةٍ، فَيُنْظَرُ: إن كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ واحد، أو مُطَلَّقَتَيْنِ، فقد تَعَارَضَتَا ولا يَجِئُ قَوْلاَ القُرْعَةِ، والقِسْمَةِ.
وإن كانتا مؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين، قدمت البَيِّنَةُ التي سَبَقَ تَارِيخُهَا، بخلاف ما إذا كان هَذَا التَّعَارُضُ في الأَمْلاَكِ؛ ففي التَّرْجِيحِ بالسَّبْقِ، قولان؛ لأن الانْتِقَالَ، وتَدَاوُلَ الأَيْدِي، غَالِبٌ في الأموال، دون المَنْكُوحَاتِ.
ولو قامت بَيِّنَةُ أحدهما على النِّكَاحِ، وبَيِّنَةُ الآخر على إِقْرَارهَا بالنكاح، فالأول 99 أَوْلَى، كما لو أقام هذا بَيِّنَةً على أنه غَصَبَ منه كذا، وآخَرُ بَيِّنَةً 100 على أنه أقر [له] 101 بذلك.
وإن أقرت لِأَحَدِهِمَا، فعلى ما ذكرنا، فيما إذا زَوَّجَهَا وليان من شَخْصَيْنِ، وادَّعَى كُلُّ واحد منهما سَبْقَ نِكَاحه.
الثاني: ادَّعَتِ امْرَأةٌ ذات وَلَدٍ، أنها منكوحة، وأن الوَلَدَ منه، وسمعنا دَعْوَى النِّكَاحٍ منها، فإن أنكر النِّكَاحَ، والنَّسَبَ، فالقول قوله، مع اليمين وإن قال: هذا وَلَدِي من غَيْرِهَا، أو اقْتَصَرَ على قوله: هذا وَلَدِي، لم يكن مُقِرّاً بالنِّكَاحِ.
وإن قال: هو وَلَدِي منها، وَجَبَ المَهْرُ؛ لأن الاعْتِرَافَ بالنَّسَبِ, اعتراف بالإِصَابَةِ ظَاهِراً ,والإصَابَةُ تَقْتَضِي المَهْرَ.
وإن أَقَرَّ بالنكاح, فعليه المَهْرُ, والنَّفَقَةُ, والكُسْوَةُ
فإن قال: كان نكاح تَفْوِيضٍ، فلها مُطَالَبَتُهُ بالفرض 102، إن لم يَجْرِ دُخُولٌ، وإن جرى، فقد وجب المَهْرُ بالدخول، ولا معنى لإنْكَارِهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّابِعَةُ العَبْدُ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ حُرُّ الأَصْلِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَاِنِ ادَّعَى الإِعْتَاقَ فَعَلَيْهِ البَيِّنةُ، وَالصَّغِيرُ المُميِّزُ هَلْ يَقْبَلُ دَعْوَاهُ الحُرِّيَّةَ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُسْمَعُ فالصَّحِيحُ أنَّهُ إِذَا بَلَغَ سُمِعَتْ وَصُدَّقَ بِيَمِينِهِ وَلاَ تَأثِيرَ لِلْيَدِ وَلإِبْطَالِ الدَّعْوَى السَّابِقَةِ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ العَبْدِ البَالِغِ اعْتِمَادَاً عَلَى ظَاهِرِ اليَدِ مَعَ سُكُوتِ العَبْدِ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ إِقْرَارِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ، وقال البَالِغُ: أنا حُرُّ الأَصْلِ، فالقول قوله 103،
الجزء: 13 - الصفحة: 168
وعلى المُدَّعِي البَيِّنَةُ، ولا فَرْقَ بين أن يكون إِنْكَارُهُ مَسْبُوقاً باستخدام 104 المُدَّعِي؛ وتَسَلُّطِهِ عليه، أَوْ لا يَكُونَ، ولا بين أن تَتَدَاوَلَهُ الأَيْدِي، ويَجْرِيَ عليه البَيْعُ، والشِّرَاءُ مِرَاراً، وبين ألا يكون كذلك فإن كان قد اشْتَرَاهُ من غيره، وحَلَفَ على نَفْسِ الرِّقِّ، فهل يرجع المشتري على بائعه بالثَّمَنِ؟ هذا سنذكره في المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ من الرُّكْنِ الثاني.
فإن قال البالغ 105 لمن في يَدِهِ: إنك أعتقتني 106، أو أَعْتَقَنِي مَنْ بَاعَنِي منك، فَيُطَالَبُ بالبيِّنَةِ.
ومن ادَّعَى رِقَّ صَغِيِرٍ؛ فإن لم يكن في يَدِهِ، لم يُصَدَّقْ، إلا ببَيِّنَةٍ، وإن كان في يَدِهِ، نُظِرَ: إن أسندت إلى التقاطٍ 107، فكذلك الحُكْمُ في أَصَحِّ القولينَ.
والثاني: أنه يُقْبَلُ قوله، ويُحْكَمُ له بالرِّقِّ، وإن لم يُعْرَفْ إِسْنَادٌ ما إلى الالتقاط، فَيُصَدَّقْ، ويُحْكَمُ له، كما إذا ادَّعَى المِلْكَ في دَابَّةٍ، أو ثوب في يده، فلو كان الصَّغِيرُ مميزاً، فأنكره، فهو كَإِنْكَارِ البَالِغِ، حتى يحتاج مُدَّعِي الرِّقِّ إلى البَيِّنَةِ، أو لا عِبْرَةَ بإِنْكَارِهِ، كما لو كان [غير] 108 مُمَيِّزٍ، حتى يُحْكَمَ بِرِقِّهِ؟
فيه وجهان:
أصحهما: الثاني.
وإذا جَرَيْنَا على قَوْلِ المُدَّعِي، ثم بلغ الصَّغِيرُ، وأنكر الرِّقَّ، فهل يحتاج المُدَّعِي إلى البَيِّنَةِ ويُصَدَّقُ مُنْكِرُ الرِّقِّ إذا لم تكن بَيِّنَةٌ، أو يَسْتَمِرُّ الرِّقُّ، إلا 109 أن تقوم بينة على حُرِّيَّتِهِ؟ فيه وجهان:
أصحهما: الثاني.
وكل ذلك مذكور بالشَّرْعِ في باب اللَّقِيطِ، ولا فَرْقَ بين أن يَدَّعِي في الصغير مِلْكَهُ، ويستخدمه، ثم 110 يبلغ، وينكر، وبين أن يَتَجَرَّدَ الاسْتِخْدَامُ، والاستئجار إلى البُلُوغِ، ثم يَدَّعِي مِلْكَهُ، وينكر المستخدم في جَرَيَانِ الوجهين.
كذلك ذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره، واليَدُ على البَالِغِ المُسْترقّ، وإن لم يُغْنِ عن البَيِّنَةِ عند إنكاره، فهي غير سَاقِطَةِ الاعْتِبَارِ بالكلية، بل يجوز الاعْتِمَادُ عليها في الشِّرَاءِ.
وإن سَكَتَ المسترق اكْتُفِيَ بان الظاهر أن الحر لا يُسْتَرَقُّ.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه كما لا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ مع الإِنْكَارِ للرِّقِّ، لا يجوز شِرَاؤُهُ مع سُكُوتِهِ، بل يُسْأَل أولاً، فإن أَقَرَّ، اشْتُرِيَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 169
وقوله في الكتاب: "والصغير المميز، هل يُقْبَل دعواه الحرية"؟ أي: هل يُؤثر كلامه حتى يحتاج مُدَّعِي الرِّقِّ إلى البَيِّنَةِ؟ أو يُجْعَل لَغْواً؟ وقد يُبْنَى الوَجْهَانِ على الخلاف، في صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ، وتَدْبِيرِهِ.
وقوله: "فالصَّحِيحُ أنه إذا بَلَغَ سُمِعَت، وصُدِّقَ بيمينه"، يعني أنه يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، حينئذ، فيحتاج المُدَّعِي إلى البَيِّنَةِ، فإن لم تكن بَيِّنَةٌ، حلف، وحُكِمَ بِحُرِّيَّتهِ.
وهذه المسألة مُكَرَّرَةٌ؛ قد ذكرها مَرَّةً في كتاب اللَّقِيطِ، لكنه أَرْسَلَ ذِكْرَ الوجهين هناك وهاهنا رَجَّحَ اعتبار إنْكَارِهِ، وتصديقه بيمينه، والأَرْجَحُ عند أكثرهم خلافه.
وقوله: "ولا تأثير لليد"، أي: ليَدِ المدعى [ولا لإبطال الدعوى] 111 السابقة الجَارِيةِ في حال التَّمْيِيزِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّامِنَةُ: الدَّعْوَى بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ فِيهِ وَجْهَانِ؟ لِأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ فِي الحَالِ، وَدَعْوَى الاسْتِيلاَدِ تُسْمَعُ، وَدَعْوَى التَّدْبِيرِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ كَالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في سَمَاعِ الدَّعْوَى بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ وَجْهَانِ:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأنه لا يَتَعَلَّقُ بها إِلْزَامٌ في الحال، ومُطَالَبَةٌ.
والثاني: يُسْمَع، ليثبت في الحَالِ، ويُطَالَبُ في الاستقبال، وقد يَمُوتُ مَنْ عليه فيتعجل 112 الطَّلَبَةُ، وبهذا أَجَابَ بَعْضُ أصحاب الإِمَامِ.
والأول هو الجواب في فَتَاوَى القَفَّالِ.
وذكر القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ: أنه الأصح.
وفيه وَجهٌ ثالث: وهو أنه إن كانت له بَيَّنَةٌ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، ليُسجَّل، فيأمن غيبتها وقولها، وإن لم يكن، فلا تُسْمَعُ.
وفي دعوى الجَارِيةِ الاسْتِيلاَد، والرَّقيق والتَّدْبِير وتَعْلِيقِ العِتْقِ بالصِّفَةِ، فيه طريقان:
أحدهما: أنها تُسْمَعُ؛ لأنها حُقُوقٌ نَاجِزَةٌ تَرْتَبِطُ بها الدَّعْوَى.
والثاني: أنها على الخِلاَفِ في دَعْوَى الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ؛ لأن المَقْصُودَ منها العِتْقُ في المستقبل، والاسْتِيلاَدِ، أولاها بأن تُسْمَعَ دعواه، لتتنجز آثَارُهُ من انتفاع 113 البيع، والرَّهْنِ، وغيرهما.
ولذلك اخْتَارَهُ في الكتاب وفي الاسْتِيلاَدِ بالطَّرِيقَةِ الأُولى، وفي التَّدْبِيرِ وتَعْلِيقِ
الجزء: 13 - الصفحة: 170
العِتْقِ، وطريق التخريج، على الخلاف في الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، إذا لم نجوز الرُّجُوعَ عن التَّدْبِيرِ، فإن جَوَّزْنَاهُ، فإنكار السيد (1) رجوع يُبْطِلُ مَقْصُودَ المدعي (2).
فروع
: من ادُّعِيَ عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ قبل المَحَلِّ، فله أن يَقُولَ في الجواب: لا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شيء إليه الآن، ويَحْلِفُ عليه، وهل له أن يقول: لا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقاً؟ عن القَفَّالِ، فيه وجهان مَبْنِيَّانِ على وجهين ذُكِرَا في أن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ؛ هل يُوصَفُ قبل الحُلُولِ بالوجوب 116؟114115
الجزء: 13 - الصفحة: 171
وعنه: أن من أُقِيمَ عليه البَيِّنَةُ بألف.
فقال: عَلَيَّ أَلْفٌ، لكنه مُؤَجَّلٌ، فَحَلَّفُوهُ أنه مُعَجَّلٌ، فقد سقط أَثَرُ الشهادة.
وهذا شخص أَقَرَّ لغيره بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، ففي قَبُولِ قَوْلِهِ في الأَجَلِ قولان؛ إن قبلناه، فله تَحْلِيفُ المُدَّعِي على نفي الأَجَلِ 117.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّاسِعَةُ لَوْ سَلَّم ثوْباً قِيمَتُهُ خَمْسَةً إلَى دَلاَّلٍ لِيَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ فَجَحَدَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لي عَلَيْه ثَوْبٌ إِنْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ خَمْسَةٌ وَإِنْ بَاعَ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ إنْ كَانَ قَائِمَاً فَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّوْبِ وَيَقْبَلُ مَعَ التَّرَدُّدِ لِلحَاجَةِ، وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَيِّنَ كُلَّ قَسَمٍ فِي دَعْوَى، ثُمَّ إِذَا نَكَلَ عَنْ وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بنُكُولِهِ عَلَى كَذِبِهِ فَيَحَلَّفَ فِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألة الدّلال هذه قد ذكرناها مع أختها التي أَوْرَدَهَا في الكتاب في آخر الرّكْنِ الرابع من "باب القَضَاءِ على الغَائِبِ"؛ وهي أن يَتَرَدَّدَ في بقاء العَيْنِ، ولا يدري، أَيُطَالبُ بالعَيْنِ أو القيمة؟ وبَيَّنَّا أن أَقْرَبَ الوجهين أنه يَجُوزُ أن يدعي على التمثيل فيقول: غُصِبَ مِنِّي كذا.
فإن بقي، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، إلا قيمته، أو مِثْلُهُ.
ويقول في هذه المسألة: أخذ مني ثَوْباً، فعليه رَدُّهُ، أو ثمنه، أو قِيمَتُهُ.
والوجه الثاني: أنه لا بد في الدَّعْوَى في طلب جَازِمٍ؛ فيفرد لكل وَاحِدٍ من المطالب دَعْوَى بِرَأْسِهَا.
فإن قلنا بالأول، فإنما أنكر المُدَّعَى عَلَيْه، ولا بَيِّنَةَ، يحلف على نَفْي الجميع، وإن نكل ردت اليَمِينُ على المُدَّعِي، فيحلف على التَّرَدُّدِ.
كما إذا ادَّعَى على التَّرَدُّدِ، أم لا بد في الحَلِفِ من التعيين؟
حكى الإِمام فيه وَجْهَيْنِ.
فإن قلنا: نفرد لكل مَطْلَبٍ دَعْوى، فإذا ادَّعَى ما رآه أقرب، ونكل الخَصْمُ، فنكوله يُؤَكِّدُ ظَنّ المدعى بكذبه، فهل له أن يَحْلِفَ اليمين المَرْدُودَةَ بذلك؟
فيه وجهان:
أشبههما: نعم اسْتِدْلاَلاً بنكوله على كَذِبهِ، كما يُسْتَدَلُّ بِخَطِّ أبيه.
وأُجْرِيَ الوجهان فيما إذا أنكر المودع التَّلَفَ وتأكد ظَنُّهُ بَنكول المودع، هل يَحْلِفُ اليَمِين المردودة؟ وفي فَتَاوَى القَفَّالِ: أنه لو ادَّعَى ثَوْباً، فقال: كان في يَدِي، وقد هَلَكَ فأغرم القيمة -فقال المدعى للحاكم: قد أَقَرَّ بالثَّوْب، فحلفه، أنه لا يلزمه تَسْلِيمُ الثوب إلى حَلِفِهِ، فإن حلف، مُنِعَ منه بالقيمة، وإن نَكَلَ وحلف المدعى على بَقَاءِ الثوب، طُولِبَ بالعَيْنِ، والله أعلم.
الجزء: 13 - الصفحة: 172
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: جَوَابُ المُدَّعَي عَلَيْهِ
وَهُوَ إِقْرَارٌ أوْ إِنْكَارٌ إذ السُّكُوتُ كَالإِنْكَارِ، وَقَوْلُهُ: لِي عَنْ دَعْوَاكَ مَخْرَجٌ أوْ لِفُلانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ اسْتِهْزَاءٌ وَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُدَّعَى عَلَيْهِ: إما أن يُجِيبَ بِالإِقْرَار، أو بالإِنْكارِ، أو يَسْكُتَ.
وإنما قال: السُّكُوتُ كالإِنْكَارِ؛ لأن المُدَّعَى عليه، إذا أَصَرَّ على السكوت، جُعِلَ كالمُنْكِرِ الناكل.
وتُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فهو في الحُكْمِ كالإنكار 118، والكلام في الإِقرَارِ وصِيغَتِهِ، ما مَرَّ في باب الإقرار.
وقول المُدَّعى عليه: لي عن دعواك مَخْرَجٌ، ليس بإقْرَارٍ، يجوز أن يزيد المَخْرج بالإنكار.
وكذا قوله لفلان: عَلَيَّ أَكْثَرُ مما لك، ليس بِإقْرَارٍ للمخاطب، فيما ادَّعَاهُ؛ لأنه يحتمل أن يزيد الاستهزاء، وأيضاً يحتمل أن يُريدَ: لفلان عَلَيّ حُرْمَةٌ، وحَقٌّ أكثر مما لك.
وقد ذكر القاضي أبو سَعْدٍ أنه لو قال: لك عَليَّ أَكْثَرُ مما ادَّعَيْتَ، لم يكن إِقْرَاراً؛ لاحْتِمَالِ أن يريد: لك من الحق عِنْدِي، ما يستحق له أكثر مما ادعيت.
وكما لا يَكُونُ قوله: لفلان عَلَيَّ أَكْثَرُ مما لك إقْرَارَاً للمخاطب، فلا يكون إِقْراراً لفلان أيضاً، لاحْتِمَالِ أن يزيد معي الحق والحُرْمَة، نعم لو قال: لفلان مَالٌ أكثر مما ادَّعَيْتَ، فهذا يكون إِقْرَاراً لفلان، إلا أنه يقبل تفسيره بما دُونَهُ في القَدْرِ؛ تَنْزِيلاً على كَثرَةِ التَّرِكَةِ، أو الرَّغْبَةِ على ما أوضحناه في الإقرار.
وقوله في الكتاب: "استهزاء وليس بإقرار".
أي هو يحتمل الاسْتِهْزَاءَ.
ولا شَكَّ
الجزء: 13 - الصفحة: 173
أنه لو فَسَّرَهُ بما هو إقرار، يكون إِقْرَاراً.
ولو قال: الحَقُّ أَحَقُّ أن يُؤَدِّى، لم يكن إِقْرَاراً؛ لأنه المعنى حيث يكون حقاً فأما أنا فبريء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ عَشَرَةٌ فَقَالَ: لاَ يَلزَمُنِي العَشَرَةُ لَمْ يَكْفِهِ اليَمِينُ مُطْلَقاً بَلْ يَحْلِفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ وَلاَ شَيْءٌ مِنْهَا، فَإِنِ اقْتَصَرَ كَانَ نَاكِلاً عَنِ اليَمِينِ فِيمَا دُونَ العَشَرَة، وَلِلمُدَّعِي أنْ يَحْلِفَ عَلَى العَشَرَةِ إلاَّ شَيْئاً إلاَّ إِذَا أَضَافَ إِلَى عَقْدٍ بِأَنْ قَالَتْ: نَكَحْتَنِي بِخَمْسِينَ فَحَلَفَ أنَّهُ نكَحَ لاَ بِخَمْسِينَ فَلاَ يُمْكِنُهَا الحَلِفُ عَلَى مَا دُونَ الخَمْسِينَ لِمُنَاقَضَةِ الدَّعْوَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى عَشَرَةً على إِنْسَانٍ فقال: لا يَلْزَمُنِي العشرة، لم يكن هذا جَوَاباً تَامّاً، وإنما الجواب أن يضيف إليه ولا شيء منها، أو ولا بعضها وهكذا يحلف، إن حلف؛ لأن مدعي العشرة، مُدَّعٍ لكل جزء منها، فلا بد وأن يطابق الإِنْكَار واليمين دَعْوَاه.
وعن القاضي الحسين: أنه لا يكلف في الإِنْكَارِ أن يَقُولَ ولا شَيْءَ منها وإنما يُكَلَّفُ ذلك في اليمين، وإذا حَلَّفَهُ القَاضِي، على أنه لا يَلْزَمُهُ العَشَرَةُ، ولا شَيْءٌ منها] 119، فحلف على نَفْي العشرة، واقْتَصَرَ عليه، فلا تَلْزَمهُ العشرةُ، بتَمَامِهَا، [وهو] 120 نَاكِلٌ عما دُونَ العشرة، [فَلِلْمُدَّعِي أن يَحْلِفَ على اسْتِحْقَاقِ ما دون العَشَرَةِ] 121 بشيء قليل، ويأخذه 122. ولو نَكَلَ المُدَّعَى عليه عن مُطْلَقِ اليَمِينِ، وأراد المدعي أن يَحْلِفَ على بعض العشرة.
قال في "التهذيب": إن عَرَضَ القاضي عليه اليَمِينَ، على المُدَّعَى، وعلى كل جُزْءٍ منه، فله أن يَحْلِفَ على بَعْضِهَا، وإن عَرَضَ عليه اليَمِينَ على المدعى وحده، لم يكن له الحَلِفُ على البَعْضِ [بل تُسْتَأْنَفُ الدَّعْوَى للْبَعْضِ الذي يريد الحَلفَ عليه، وحيث جَوَّزْنَا للمدعي الحَلِفَ على بعض المُدَّعَى، وذلك إذا لم يسند المُدّعى إلى عَقْدٍ] 123.
أما إذا أَسْنَدَهُ؛ كما إذا قالت المَرْأةُ: نَكَحْتَنِي بخمسين، وطَالَبَتْهُ به، ونَكَلَ الزَّوْجُ، فلا يُمْكِنُهَا الحَلِفُ على أنه نَكَحَهَا ببعض الخمسين؛ لأنه يَتَنَاقَضُ ما ادَّعَتْهُ أَوَّلاً.
ولو ادَّعَى أن الدَّارَ التي في يَدِ هذا مِلْكِي، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيَّ، فالمُدَّعَى عليه إذا أَنْكَرَ، يَحْلِفُ أنها ليست مِلْكاً له، ولا شَيْءَ منها، وأنه لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إليه، ولا تَسْلِيمُ شَيْءٍ منها.
الجزء: 13 - الصفحة: 174
ولو ادَّعَى أنه بَاعَهَا منه، يَكْفِيهِ أن يَحْلِفَ أنه لم يبعها، على القِيَاسِ الذي تَمَهَّدَ في الفصل.
وقوله في الكتاب: "فَأقَرَّ أنه نَكَحَ لا بالخمسين، التقييد بإقراره بالنكاح، كالمُسْتَغْنَى عنه، فإن المَرْأَةَ إنما تَدَّعِي، وتطلب الصَّدَاقَ، وذلك فيما يرجع إلى الحَلِفِ، والتَّحْلِيفِ، ولا يختلف بين أن يُقِرَّ بالنِّكَاحِ، أو لا يقر.
وقوله: "فلا يُمْكِنُهَا الحَلِفُ على ما دُونَ الخمسين".
أي: على النِّكَاحِ بما دُونَ الخمسين، فإن اسْتَأنَفَتْ وادَّعَتْ عليه بَعْضَ الخمسين الذي جَرَى النِّكَاحُ عليه، فيما زَعَمَتْ، ونَكَلَ، وجب أن يَجُوزَ لها الحَلِفُ عليه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ لَوْ قَالَ: مَزَّقْتَ ثَوْبِي وَلِي عَلَيْكَ الأَرْشُ فَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: لاَ يَلْزَمُنِي الأَرْشُ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّعَرُّضُ لِلتَّمْزِيقِ، وَكَذَا إذا ادَّعَى مِلْكاً أَوْ دَيْناً فَيَكْفِي أنْ يَقُولَ: لاَ يَلْزَمُنِي التَّسْلِيمُ، فَإِنْ كَانَ المِلْكُ فِي يَدِهِ بِإجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَخَافَ إِنْ أَقَرَّ أنْ يُطَالَبَ بِالبَيَّنَةِ فَقَد قِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ اليَدَ تُصَدِّقُهُ فِي الرَّهْنِ وَالإِجَارَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: القَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ فَحِيلَتُهُ أنْ يُفَصِّلَ الجَوَابَ وَيَقُولَ: إِنِ ادَّعَيْتُ مِلْكاً مُطْلَقًا فَلاَ يَلْزمُنِي التَّسْلِيمُ، وَإِنِ ادَّعَيْتُ مَرْهُونَاً عِنْدِي فَحَتَّى أُجِيبَ، وَقِيلَ: هَذَا لاَ يُسْمَعُ مُرَدَّدَاً وَلَكِنَّ حِيلَتَهُ أَنْ يُنكِر مِلْكَهُ إِنْ أَنْكَرَ هُوَ دَيْنَهُ وَيَلْتَفِتَ إِلَى الظَّفَرِ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى مَالاً، وأَسْنَدَهُ إلى جِهَةٍ؛ بأن قال: أَقْرَضْتُ مِنْكَ كذا، وطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ، أو قال: غَصَبْتَ عَبْدِي، وتَلِفَ عِنْدَكَ، فعليك [كذا, ضماناً] 124. أو قال: مَزَّقْتَ ثَوْبِي، فعليك كذا أَرْشاً، أو اشتريت منك كذا، وأَقْبَضْتُكَ ثمنه، فعليك تَسْلِيمُهُ، أو اشْتَرَيْتَ مِنِّي كذا، فعليك ثَمَنُهُ، وطالبه بالمُدَّعَى، فليس على المُدَّعَى عليه أن يَتَعَرَّضَ في الجواب لتلك الجِهَةِ، بل يَكْفِيهِ أن يقول: لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئاً, ولا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شيء إليك، وكذا يَكْفِيهِ في جَوَاب طَالِبِ الشُّفْعَةِ: لا شُفْعَةَ لك عندي، أَوْ لا يَلْزَمُنِي تسليم هذا الشِّقْصِ إليك وذلكَ لأن المُدَّعِي قد يكون صَادِقاً في الإِقْرَاضِ، والغَصْبِ، والشِّرَاءِ، والبيع.
وتعرض ما يُسْقِطُ الحقَّ من أَدَاءٍ، أَوْ إِبْراءٍ، أو هِبَةٍ، فلو نفى الإِقْرَاض، وما في معناه، كان كَاذِباً.
ولو اعترف، طُولب بإقامة البَيِّنَةِ على ما يَزْعُمُ عُرُوضَهُ، فقد لا يساعده، فَاقْتَضَتِ الحَاجَةُ قَبُولَ الجَوَابِ المُطْلَقِ 125.
الجزء: 13 - الصفحة: 175
وعلى هذا، إذا قالت المَرْأَةُ: طَلَّقْتَنِي.
فقال: أنتِ زَوْجَتِي.
كَفَاهُ هذا الجَوَابُ.
وإذا اقْتَصَرَ المدعى عليه على الجواب المُطْلَقِ؛ فَأَفْضَى الأَمْرُ إلى الحَلِفِ، حلف على ما أجاب، ولم يُكَلَّف التَّعَرُّض في نَفْي الجِهَةِ المُدَّعَاةِ.
ولو حَلَفَ على نَفْي الجهة اَلمُدَّعَاةِ بعد الجواب المُطْلَقِ؛ جاز.
قاله في "التهذيب".
ولو تَعَرَّضَ في الجواب للجهة المُدَّعَاةِ، فقال: ما بعت، أو ما أَقْبَضْتَنِي، أو ما مَزَّقت.
فالجواب صَحِيحٌ أيضاً، ثم إن حَلَفَ على وَفْقِ الجواب، فذاك، وان أَرَادَ أن يَقْتَصِرَ في الحَلِفِ، على أنه لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فيمكن، كما لو أجاب في الابْتِدَاءِ كذلك، أو لا يمكن، لِتُطابِقُ اليَمِينُ الإِنكارَ؟
فيه وجهان مذكوران في مَسْألَةِ اخْتِلاَفِ المُتَبَايعَيْنِ في قِدَم العَيْب وحُدُوثِهِ في مواضع سواها.
والأَظْهَرُ الثاني، ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- وعن أبي حَنِيْفَةَ أيضاً، وعلى قِيَاسِ البَاب، لو كان في يَدِهِ مَرْهُونٌ، أو مُسْتَأْجر، وادَّعَاهُ مَالِكُهُ، فيكفيه في الجَوَابِ أن يقول: لاَ يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ، ولا يجب التَّعُرُّضُ لِلْمِلْكِ، فإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً عَلى المِلْكِ، نُقِلَ في "الوسيط" عن القاضي: أنه يجب عليه تَسْلِيمُهُ، واعْتُرِضَ عليه، بأنه قد يصدق في الشهود، ولا يجب التَّسْلِيمُ، لإِجَارَةٍ، أو رَهْنٍ، ولو أنه اعترف بالمِلْكِ، وادعى رَهْناً، أو إِجَارَةً، وكَذَّبَهُ المُدَّعِي، فمن المُصَدَّقُ منهما؟ 126
فيه وجهان، وهما اللذان سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في الرَّهْنِ، في باب الاخْتِلاَفِ، فإن صُدَّقَ صَاحِبُ اليد، فذاك، وإن صُدِّقَ المَالِكُ، وهو المذهب، فَمُدَّعِي الرَّهْن، والإِجَارَةِ، يحتاج إلى البَيِّنَةِ 127، فإن كانت لا تُسَاعِدُهُ البَيِّنَةُ، وخاف على جُحُود الراهن، لو اعترف
الجزء: 13 - الصفحة: 176
له [بالمِلْكِ] 128، فما حِيلَتُهُ؟
فيه وجهان، عن القَفَّالِ: أن حِيلَتَهُ، أن يُفصل الجواب؛ فيقول: إن ادعيت مِلْكاً مُطْلقاً، فلا يَلْزَمُنِي التسليم، إن ادعيت مَرْهُوناً عندي، فحتى أجيب.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أن الجواب، لا يُسْمَعُ مع التَّرَدُّدِ.
ولكن حِيلَتَهُ، أن يَجْحَدَ مِلْكَهُ، إن جحد صَاحِبُهُ الدَّيْنَ، والرَّهن، وعلى عكسه، لو ادَّعَى المرتهنُ الدَّيْنَ، وخاف الرَّاهِنُ جُحُودَ الرَّهْن، لو اعترف بالدَّيْنِ، فعلى الوجه الأول، يُفَصَّلُ فيقول: إن ادَّعَيْتَ ألفاً لي عندك به كذا رَهْناً؟ فحتى أُجِيب، وإن ادَّعَيْتَ ألفاً مُطْلقاً فلا يَلْزَمُنِي.
وعلى الثاني: صارت العَيْنُ مَضْمُونَةً عليه بالجُحُودِ، فلمن عليه الدَّيْنُ أن يَجْحَدَ، ويجعل هذا بذاك، ويُشْتَرَطُ التَّسَاوِي.
ونَظمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوجه الأول، وهو الذي أَوْرَدَهُ الفوراني.
وذكر أن المُدَّعَى عليه يُفَصِّلُ الجَوَابَ أبَداً، ولا يكون ذلك إِقْرَاراً بشيء، كما إذا ادَّعَى عليه أَلْفاً فقال: إن ادَّعَيْتَ عن ثَمَنِ كذا، فحتى أجيب.
وإن ادَّعَيْتَ عن جِهَةٍ أخرى، فلا يَلْزَمُنِي.
هذا ما بَلَغَنِي في هذا المَوْضِعِ، ووراءه كَلاَمَانِ:
أحدهما: أنا إذا سَمِعْنَا الجَوَابَ المُرَدَّدَ، كما ذكره الفوراني، لَزِمَنَا أن يَقْنَعَ منه بذلك، ويحوج المُدَّعِي إلى تعيين 129 أحد القسمين، وحينئذ فإما 130 أن يُحْوِجَهُ إلى بَيِّنَةٍ، وينص على تلك الجِهَةِ، أو يُكْتَفَى بِبيِّنَةٍ مطلقة، [إن اكتفينا ببَيِّنَةٍ مطلقة] 131 لم ينتفع المُدَّعَى عليه بالتَّفْصِيلِ، وإحواج المدعى إلى تَعْيينِ أَحَدِ القسمين إن أَحْوَجْنَا إلى بَيِّنَةٍ معينة، تَضَرَّرَ المدعى به؛ لأنه قد ساعده 132 البَيِّنَة على إِقْرَارِ الخَصْم بألف مُطْلَقٍ، ولا يساعده على الجهَةِ، وقد يَجِدُ شُهُوداً، يَعْرِفُون أنه كان [له] 133 علَيه أَلْفَانِ بِجِهَتَيْن، وعَرَفُوا أنه أَدَّى ألْفًا عن إِحْدَاهمَا، ولم يعرفوها بِعَيْنِهَا، فيمكنهم أن يَشْهَدُوا بالألف 134 , ولا يمكنهم تَعْيِينُ الجِهَةِ، وكما اكْتَفَيْنَا بالجواب المُطْلَقِ من المدعى عليه، كيلا يَلْزَمُهُ ما ليس بِلاَزِمٍ، ولو عين [الجهة] 135 وعجز عن البَيِّنَةِ الدَّافِعَةِ، وجب أن يكتفي بإطلاق المدعى [من جهة المدعى] 136 ولا يُحْوِجُهُ إلى تَعْيِينِ الجِهَةِ، كيلا يُفَوِّتَ عليه ما هو فَائِتٌ للعجز عن البَيِّنَةِ المعينة.
الجزء: 13 - الصفحة: 177
والثاني: أن الوَجْهَ الثَّانِي على ما أَشَارَ إليه في الكتاب، مَأْخُوذٌ من مسألة الظَّفَرِ بغير الجِنْسِ، وحينئذ فالحُجُودُ بناء على جعل شيء، في مُقَابِلِهِ شيء، كأنه مُصَّورٌ، فيما إذا عرف المرتهنُ في الصُّورَةِ الأولى جُحُودَ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ، والدين، قيل: إن ادعى الرَّاهن عليه أن له في يَدِهِ كذا، وعَرَفَ الرَّاهِنُ في الصورة الثانية، جحُودُ المرتهنِ كَوْنَ العَبْدِ في يده قبل أن يَدَّعِيَ العَبْدُ عليه، فأما إذا لم يَعْرِفِ الحجود من قبل، فربما لا يَجْحَدُ صَاحِبُهُ، لو أقر فكيف يَجُوزُ له الإِنْكَارُ بالوَهْمِ؟ وكيف نعرف شيئاً بشيء ولم نعرف جحود الخَصْمِ، وتعذر حصول (1) الحق منه.
فرع
:
ادَّعَتْ على رَجُلٍ أَلْفاً صَدَاقاً، يكفيه أن يَقُولَ في الجَوَابِ: لا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إليها، قيل لِلْقَفَّالِ: هل للقاضي أن يَقُولَ: هل هي زَوْجَتُكَ؟ فقال: ما للقاضي ولهذا السؤال.
لكن لو سأل فقال: نعم.
قَضَى عليه بِمَهْرِ المِثْلِ، إلا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ، أنه نَكَحَهَا بكذا.
ولا يلْزَمُهُ أَكْثَرُ منه 138.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثةُ: إِذَا ادَّعَى علَيْهِ مِلْكاً فَقَالَ: لَيْسَ لِي إنَّمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى الفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى وَلَدِي أَوْ هُوَ مِلْكُ طِفْلِي انْصَرَفَتِ الخُصُومَةُ عَنْهُ وَلاَ يُمْكِنُ تَحْلِيفُ الطِّفْلِ وَلاَ وَليُّهُ وَلاَ يُنْجِي إلاَّ البَيِّنَةُ، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لِي أَوْ هُوَ لِمَنْ لاَ أُسَمِّيهِ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ الخُصُومَةُ، وَقِيلَ: يَأْخُذُهُ القَاضِي إِلَى أَنْ يُقِيمَ حُجَّةً لِمَالِكٍ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ لِفُلاَنٍ فَيَحْضُرُ فَإِنْ صَدَّقَهُ انْصَرَفَتِ الخُصُومَةُ عَنْهُ وَلَوْ كَذَّبَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ القَاضِيَ يَأْخُذُهُ لِيَتَبَيَّنَ مُسْتَحَقَّهُ، وَقِيلَ: يُسَلَّمُ إِلَى المُدَّعِي إِذْ لاَ مُنَازعَ لَهُ، وَقِيلَ: يُتْرَكُ فِي يَدِهِ إِلَى قِيَامِ حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى عَقَاراً، أو مَنْقُولاً على إنسانٍ؛ فقال المدعى عليه: إنه ليس لي، فينظر؛ أيقتصر 139؟ أو يضيفه إلى مَجهُولٍ؟ أو يضيفه إلى معلوم؟
الحالة الأولى والثَّانية أن يَقْتَصِرَ عليه، أو أَضَافَهُ إلى مَجْهُولٍ، فإن قال: هو لرجل لا أَعْرِفُهُ، أو لا أُسَمِّيهِ، ففي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه، وانْتِزَاعِ المال من يَدِهِ، وجهان عن ابن سُرَيْجٍ:137
الجزء: 13 - الصفحة: 178
أحدهما: يَنْصَرِفُ؛ لأنه تَبَرَّأَ من المُدَّعى، وينتزع الحاكم المَالَ من يَدِهِ.
فإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً على الاسْتِحْقَاقِ فذاك، وإلا حفظه إلى أن يظهر مالكه.
وأصحهما: أنها لا تَنْصَرِفُ، ولا يُنْتَزَعُ المَالُ من يده؛ لأن الظَّاهِرَ أن ما في يده مِلْكُهُ، وما صَدَرَ عنه ليس بِمُزِيلٍ، ولم يظهر لغيره اسْتِحْقَاقاً، وعلى هذا؛ فإن أَقَرَّ بعد ذلك لِمُعَيَّنٍ قُبِلَ، وانْصَرَفَتِ الخصُومَةُ إلى ذلك المُعَيَّنِ، وإلا فيقيم 140 المدعي البَيِّنةَ عليه، أو يحلفه، وهل يمكن من أن يعود فيه لنفسه؟ ذكروا فيه وجهين 141.
وفي المسألة وَجهٌ ثالث، وهو أنه يُسَلّمُ المَال إلى المُدَّعِي؛ لأنه لا مُزَاحِمَ له في دَعْوَاهُ.
ولو قال في الجواب: نِصْفُهُ لي، والنِّصْفُ الآخر لا أدري لمن هو؟ ففي النصف الآخر الوجوه الثلاثة.
الحالة الثالثة: إذا أَضَافَهُ إلى مَعْلُومٍ، فالمُضَافُ إليه ضَرْبَانِ:
أحدهما: من يمتنع مُخَاصَمَتُهُ وتحليفه؛ كما إذا قال: هو وَقْفٌ على الفُقَرَاءِ، أو على مَسْجِدِ كذا، أو على ابني الطِّفْلِ، أو هو مِلْكٌ له، فالجَوَابُ في الكتاب: أن الخُصُومَةَ تَنْصَرِفُ عنه، ولا سَبِيلَ إلى تَحْلِيفِ الوَلِيِّ، ولا طِفْلِهِ، ولا يغني إلا البَيِّنة.
وكذلك ذكر الشيخ أبو الفَرَج، وقال: إذا قضى القَاضِي له بالبَيِّنَةِ، كتب صورة الحال في السِّجِلِّ، ليكون الطِّفْلُ علَى حُجَّتِهِ إذا بلغ.
وقال في "التهذيب": لو قال في الجواب: إنه لابنْي الطِّفْلِ، أو وَقْفٌ عليه، فلا تَسْقُطُ الدَّعْوَى بهذا، فإن أقام بَيِّنَةً أخذها، وإلا حَلَفَ المُدَّعَى عليه؛ أنه لا يَلْزَمُةِ تَسْلِيمُهَا إليه، إذا كان هو قَيِّمُ الطفل 142
والضرب الثاني: مَنْ لا يمتنع مُخَاصَمَتُهُ، وتَحْلِيفُهُ، كما إذا أَضَافَ إلى شخص مُعَيّنٍ، فهو إما حَاضِرٌ في البلد، أو غَائِبٌ عنه.
القسم الأول: الحَاضِرُ في البلد فَيُرَاجَعُ، فان صدق المدعى عليه، انصرفت الخُصُومَةُ عنه إلى المُقِرِّ له، وإن كذّبه، ففيه ثلاثة أوجه على ما سبق ذِكْرُهَا في الإِقرار.
ففي وجه: يُتْرَكُ في يد المُدَّعَى عليه، وفي وجه -ينتزع 143 ويُحْفَظُ، إلى أن يظهر
الجزء: 13 - الصفحة: 179
مَالِكُهُ، ويُحْكَى هذا عن ابن سُرَيْجٍ.
وفي وجه: يُسَلَّمُ للمدعى؛ لأنه لا مُنَازعَ له، ويُحْكَى هذا عن أبي إِسْحَاقَ.
وفي "الشامل" وجه: أنه يقال للمدعى [عليه] 144. من أقررت له كذبك؛ فإما أن تَدَّعِيَهُ لنفسك، فتكون الخَصْمَ، أو لمن يصدقك، فيكون هو الخَصْمَ.
فإن امتنعت، جَعَلْنَاكَ نَاكِلاً، وحلفنا المُدَّعِي.
وأما لفظ الكتاب، فقوله: "انصرفت الخصومة عنه".
وقوله: "ولا وليه"، يمكن إِعْلاَمُهَا بالواو، لما نَقَلْنَاهُ عن "التهذيب".
وقوله: "وهو لفلان فيحضر" 145 أي: في البلد.
وقوله: "ولو كذبه، فالصحيح "إلَى آخره".
الوجه الأول: وهو أن القاضي يأخذه؛ ليَتَبَيَّنَ مُسْتَحِقَّهُ.
والثالث: وهو أن يُتْرَكَ في يَدِهِ، قد ذكرهما في باب الإِقْرَارِ، وإذا كذب المقر، ولم يُرَجَّحْ وَاحِدٌ منهما هناك، وهاهنا رُجِّحَ وَجهُ الانتزاع والحفظ، وكذلك فعل صاحب "التهذيب" و"التتمة"، والأَكْثَرُونَ على ترجيح التَّرْكِ في يَدِ المُقرِّ على ما بَيَّنَّا هناك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَضَافَ إِلَى غَائِبٍ فَفِي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عَنْهُ وَجْهَان، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْصَرفُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ اليَمِينُ حَتَّى يَسْتَفِيدَ المُدَّعِي بِنُكُولهِ اليَمِينَ وَانْتِزَاعَ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ أَوْ يُقِيمَ البيِّنَةُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ، ثُمَّ الغَائِبُ إِنْ رَجَعَ كَانَ هُوَ صَاحِبَ اليَدِ فَيَسْتَأْنِفُ الخُصُومَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْصَرِفُ عَنْهُ فَلَوْ كَانَ لِلمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَهُوَ قَضَاءٌ علَى الغَائِبِ فَيَحْتَاجُ إِلَى يَمِينٍ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ لِصَاحِبِ اليَدِ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ لِلغَائِبِ سُمِعَتْ إِنْ أَثْبَتَ وَكَالَةَ نَفْسِهِ وَقُدِّمَتْ علَى بَيِّنَة المُدَّعِي، فَإنْ لَمْ يُثْبِتِ الوَكَالَةَ فَهَلْ يُسْمَعُ إِنْ قُلْنَا إِنَّ للمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ فَيُغْرَمَ بِالحَيْلُولَةِ فَلَهُ غَرَضٌ فِي إِقَامَةِ البَيِّنَةِ لِيَصْرِفَ هَذِهِ اليَمِينَ عَنْ نَفْسِهِ ففِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ إِذْ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلاَ وَكِيلٍ، فَإنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ عُلْقَةَ رَهْن أَوْ إِجَارَةٍ فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُسْمَعَ، فَإنْ سُمِعَتْ لِصَرْفِ اليَمِينِ عَنْهُ فَبَيِّنَةَ المُدَّعِي فِي الحَالِ مُقَدَّمَةٌ، فَإِنْ رَجَعَ الغَائِبُ وَأَعَادَ البَيِّنَةَ قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ، وَإِنْ سَمِعْنَا لِعُلْقَةِ الإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَأَيُّ البَيِّنتَيْنِ يُقَدَّم؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني -الغائب:
الجزء: 13 - الصفحة: 180
فإِذا أَضَاف المُدَّعى إلى غَائِبٍ، ففي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه فيه وجهان: المذكور في "التهذيب"، و"الرقم"، وظاهر لفظ "المختصر": لا يَنْصَرِفُ؛ لأن المِلْكَ في يَدِهِ، والظاهر أنه له، فلا يُمَكَّنُ من صَرْفِ الخُصُومَةِ عن نفسه [بالإضافة] 146 إلى غَائِبٍ، قد يرجع، وقد لا يرجع [ويخالف] 147 ما إذا أَضَافَ إلى صَبِيٍّ أو مَجْنُونٍ، فإن هناك يمكن مُخَاصَمَةُ وَليِّهِ.
وأظهرهما، وهو جَوَابُ أكثرهم: أنها تَنْصَرِفُ؛ لأن المَالَ بِظَاهِرِ الإقرار لغيره.
ألا ترى أن الغَائِبَ إذا عاد وصَدَّقَهُ، أَخَذَهُ، وإذا كان لغيره، وَجَبَ أن تكون الخُصُومَةُ معه، ثم عن أبي عَاصِمٍ العَبَّادِيِّ: أن الوجهين فيما إذا قَال: إنه لفلان، وَهُوَ في يَدِي بِإِجَازةٍ، أو إِعَارَةٍ، أو وَدِيعَةٍ، أو غيرها، فأما إذا اقْتَصَرَ على أنه ليس لي، وإنما هو لفلان، ولم تذكر ليده جِهَة، لم تَنْصَرِفِ الخُصُومَةُ عنه بِحَالٍ، والجمهور لم يُفَرِّقُوا بين الحالتين.
التفريع: إن قلنا: لا تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عنه، نظر: إن لم يكن لِلْمُدِّعي بَيِّنَةٌ، فله تَحْلِيفُ المُدَّعَى عليه، على أنه لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إليه، فإن نَكَلَ، حلف المدعى، وأخذ المَالَ من يَدِهِ، ثم إذا عاد الغَائِبُ، وصدق المقر، فيُردُّ المال عليه بلا حُجَّةٍ؛ لأن اليَدَ له بإقرار 148 صاحب اليَدِ، والمدعى يَسْتَأْنِفُ الخُصُومَةَ معه، وإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً على الحاضر، أخذ المَالَ أيضاً، ثم هو قَضَاءٌ على الحاضر، الذي تجري الخُصُومَةَ معه، أو على الغَائِبِ؛ لأن المَالَ له بِمُوجَبِ الإِقْرَارِ؟
فيه وجهان نَقَلَهُمَا صاحب "التهذيب" وغيره، المستمر 149 منهما على الوَجْهِ الذي عليه، يُفَرَّعُ أنه قَضَاءٌ على الحاضر، حتى لا يَحْتَاجُ المدعى مع البَيِّنَةِ إلى اليَمِينِ، ويكتب القاضي في السِّجِلِّ، أنه قَضَى له بالبَيِّنَةِ، بعدما أَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أنه لفلان الغَائِب؛ ليكون الغَائِبُ على حُجَّتهِ فإذا عاد، وأَقَامَ البَيِّنَةَ فيقضي 150 له لترجح جانبه باليد، وإن لم يُقِمْ، أُقِرَّ المَالُ في يد المُدَّعِي، فإن الْتَمَسَ من القَاضِي، أن يزيد 151 في التَّسْجِيلِ، أن الغَائِبَ قد قَدِمَ، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ، أجابه إليه.
وإن قلنا: تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عنه، فإن لم يكن لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فيوقف الأَمْرُ إلى أن يحضر الغَائِبُ.
وإن كانت له بَيِّنَةٌ، فيقضي له بالمَالِ.
وهذا قَضَاءٌ على الغائب، أو على الحاضر الذي تَجْري الخُصُومَةُ معه.
الجزء: 13 - الصفحة: 181
ذكر العراقيون وغيرهم فيه وجهين:
أحدهما: أنه قَضَاءٌ على الغائب، فيحتاج معه إلى اليَمِينِ.
وثانيهما: أنه قَضَاءٌ على الحاضر، فلا حَاجَةَ إلى اليَمِينِ، وبه قال أبو إِسْحَاقَ، ورَجَّحَ العراقيون والروياني هذا الوَجْهَ، لكن الأول أَقْوَى، وأَلْيَقُ بالوجه المُفَرَّعِ عليه، وهو المَذْكُورُ في الكتاب؛ واخْتِيَارُ الإِمام وهذا كله، فيما إذا لم يُقِمِ المُدَّعَى [عليه] 152 بَيِّنَةً، على أن المَالَ لِلْغَائِب، [فإن أقام عليه بَيِّنَةً، نظر: إن ادَّعَىَ أنه وَكِيلٌ من جِهَةِ الغائب، وأَثْبَتَ الوِكَالَةَ، فَبَيِّنَتُهُ على أن المَالَ لِلْغَائِب] 153 مَسْمُوعَةٌ، وهي حُجَّةٌ على بَيِّنَةِ المدعى.
وإن لم يثبت الوِكَالَةُ، فقد 154 حَكَى الإِمَامَ فِي سَماع بَيِّنَتِهِ ثلاثة أوجه:
أحدها: وبه قال الشيخ أبو محمد: أنها لا تُسْمَعُ؛ لأنه ليس بِمَالِكٍ، ولا نَائِبٌ عنه، وإِقَامَةُ البينة فُضُولٌ منه.
فعلى هذا الحُكْمُ، كما لو لم يُقِمْ بَيِّنَةً.
والثاني: أنها مَسْمُوعَةٌ لدفع التُّهْمَة عنه بالاحتيال 155 في الإِضَافَةِ إلى الغائب.
والثالث: إن اقْتَصَرَتِ البَيِّنَةُ على أنه لفلان الغَائِبِ، لم تُسْمَعْ، وإن تَعَرَّضَتْ مع ذلك لكونه في يَدِ المُدَّعَى عليه، بعارية، أو غيرها، من الجِهَاتِ، سُمِعَتْ.
وهكذا نقل الوجوه صاحب الكتاب في "الوسيط"، وبنى هاهنا سماع البَيِّنَةِ على أن المُدَّعِي، هل يحلفه؟
إذا قلنا: بانصراف الخُصُومَةِ عنه، لِيُغَرِّمَهُ القِيمَةَ، إن أَقَرَّ له، على ما سنذكره إِثْرَ هذا الفَصْلِ وفيه خلاف.
إن قلنا: لا نُغَرِّمُهُ، فلا يحلفه، ولا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، وإن حكمنا بالتَّغْرِيمِ، والتحليف، ففي سَمَاعِ البَيِّنَةِ وجهان:
أظهرهما: على ما ذكره: المنع؛ لأنه ليس بِمَالِكٍ، ولا وَكِيلٍ.
ووجه الثاني: أنه يستفيد بالبَيِّنَةِ صَرْف اليمين عن نَفْسِهِ.
قال الإِمام وصاحب الكتاب: وإذا قلنا: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ المُقَامَة على أن المَالَ لفلان، فلو ادَّعَى لِنَفْسِهِ فيه حَقاً لازِماً، كَرَهْنٍ، وإِجَارَةٍ، وتعرضت البَيِّنَةُ لذلك أيضاً، ففي السَّمَاعِ وجهان؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ به.
وإذا سمعنا [بَيِّنَتهُ] 156 تصرف اليَمِين عنه، فنحكم لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 182
فإن رجع الغائب، وأعاد البَيِّنَةَ، قُدَّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
وإذا سمعناها لِعُلْقَةِ الرِّهْنِ، والإجارة، فَتُقَدَّمُ هذه البَيِّنَةُ، أو بينة المدعى؟
فيه وجهان: قال في الوسيط.
أظهرهما: تقديم بَيِّنَةِ المدعى، وتَصِيرُ فائدة بَيِّنَتِهِ صَرْفَ اليمين عنه.
هذا ما ذكراه، والذي فَهِمْتُهُ من كلام الأصحاب، وينبغي أن يفتي 157 بموجبه؛ أن المدعى، وقد أَضَافَ المدعى عليه المَالَ إلى الغائب، خصومة معه، وأخرى مع الغائب.
فإذا أَقَامَ البَيِّنَةَ انصرفت الخُصُومَةُ عنه، لا مَحَالَةَ، ولا يجيء فيه الوَجْهَانِ المذكوران، فيما إذا اقْتَصَرَ على الإقْرَارِ للغائب، فَتُسْمَعُ البَيِّنَةُ التي يَضُمُّهَا في حَقِّهِ، ليصرف الخصومة عنه، لدفع التُّهْمَةِ [عنه] 158 أيضاً، ولِدَفْعِ اليَمِينِ أيضاً.
إذا قلنا: إن المُدَّعِي يُتَمَكَّنُ من تحليفه، وبنوا 159 على انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه، أن المدعي لو أقام البَيِّنَةَ، والحَالَةُ هذه، فَلاَ بُدَّ له من اليَمِينِ، والقَضَاءُ قَضَاءٌ على الغائب وَجْهاً واحداً.
وأما بالإضافة إلى الغائب، فهي غير مَسْمُوعَةٍ، حتى لا يُحْكَمَ للغائب بالمِلْكِ، بالبَيِّنَةِ التي يَضُمُّهَا الحَاضِرُ، على أنه للغائب.
فإن تَعَرَّضَ الشهود مِع ذلك لِكَوْنهِ في رَهْنِ الحاضر، أو إِجَارَتِهِ، فيه وجهان عن أبي إِسْحَاقِ: أن من الأصْحَاب من قال: تُسْمَعُ هذه البَيِّنَةُ للغائب أيضاً؛ لأن الحَاضِرَ يَدَّعِي حَقّاً، ويقيم البَيِّنَةَ عَليه، فَلاَ بُدَّ من إِثْبَاتِهِ، ولا يَثبُتُ حَقُّهُ إلا بِثُبُوتِ مِلْكِ الغائب.
وعلى هذا فَتُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ على بَيِّنَةِ المدعي، لتقويمها باليَدِ.
والثاني: أنه لا يَتَمَكَّنُ من إِثْبَاتِ المِلْكِ للغائب مَقْصُوداً ولا يَتَمَكَّنُ منه في ضِمْنِ إثبات الحَقِّ لنفسه.
وعلى هذا فالعَمَلُ بِبَيِّنَةِ المدعي.
والناقلون رَجَّحُوا الوَجْهَ الثاني، ولا بَأْسَ بالأول، وبِتَوْجِيهِهِ.
وقوله في الكتاب: "وإن قلنا ينصرف عنه" يجوز أن يُعَلمَ لَفْظُ الانصراف بالحاء؛ لأنه يُحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنها لا تَنْصَرِفُ.
وقوله "فهو قضاء على الغائب".
وقوله: "فيحتاج إلى يمين معه" مُعَلمَانِ بالواو لما بَيَّنَّاهُ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَيْثُ تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عَنْهُ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ بِنَاءً عَلَى الأصَحِّ فَإِنَّهُ لَو أَقَرَّ الثَّانيْ غَرِمَ لَهُ القِيمَةَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 183
فَالَ الرَّافِعِيُّ: إن حَكَمْنَا بانْصِرَافِ الخُصُومَةِ عن المُدَّعَى عليه، إما بإقْرَارِهِ لحَاضِرٍ، أو بإقراره لِغَائِبٍ، أو مَجْهُول على أحد الوجهين، فهل للمدعي تَحْلِيفُهُ؟
وفيه قولان مبنيان (1) على أنه لو أَقَرَّ له بعد ما أَقَرَّ لغيره، هل يُغَرَّمُ القِيمَةَ؟ وفيه خلاف مَشْرُوحٌ في موضعه.
إن قلنا: نعم، يحلفه؛ فلعله يُقِرُّ، فَيُغَرِّمُهُ القِيمَةَ.
وإن قلنا: لا، فإن قلنا: النُّكُول، ورَدُّ اليمين، كالإِقْرَار، فلا يُحَلِّفُهُ؛ لأنه وإن أقر، أو نَكَلَ، وحلف المدعي -لم يَسْتَفِدْ شيئاً.
وإن قلنا: كالبينة، فله التَّحْلِيفُ؛ لأنه قد يَنْكُلُ، فيحلف المدعي، وإذا حلف، أخذ القِيمَةَ، وكأن العَيْنَ تَالِفَةٌ.
وفيما علق عن الإِمام وجه: أنه يسترد العين من (2) المقر له، وَفَاءً بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ البينة.
وإذا قلنا بوجوب القِيمَةِ، وأخذها بِإقْرَارِ المُدَّعَى عَلَيْهِ ثانياً، أو بِيَمِين المُدَّعِي بعد نُكُولِهِ، ثم سُلِّمَتْ له العَيْنُ بالبَيِّنَةِ، أو بيمينه بعد نُكُولِ المُقِرِّ له، فعليه ردُّ القيمة؛ لأنه إنما أخذ القِيمَةَ، لِلْحَيْلُولَةِ وقد زَالَتْ.
فروع
:
ادَّعى أن هذه الدَّارَ وَقْفٌ عَلَيَّ، وقال مَنْ في يَدِهِ: هي مِلْكٌ لفلان، وصَدَّقَهُ فلان، وانتقلت الخُصُومَةُ إليه.
قال في "التهذيب" 162: ليس له طَلَبُ القِيمَةِ من المُقِرِّ؛ لأنه يَدَّعِي الوَقْفَ، ولا يُعْتَاضُ عن الوَقْفِ، وكان لا يبعد طَلَبُ القيمة؛ لأن الوَقْفَ مَضْمُونٌ عند الإِتْلاَفِ، والحَيْلُولَةُ في الحال كالإِتْلاَفِ.
ولو رجع الغَائِبُ، وكذب المُدَّعَى عليه في إِقْرَارِهِ، فالحكم كما ذكرنا، فيما إذا أَضَافَ إلى حَاضِرٍ وكذبه.
ولو أقام المُقِرُّ له الحاضر، أو الغائب بعد رجوعه، البَيِّنَةَ على المِلْكِ، لم يكن للمدعي تَحْلِيفُ المقر لِيُغَرِّمَهُ.
فإن المِلْكَ اسْتَقَرَّ بالبينة، وخرج بالإقرار 163 عن أن يكون لِلْحَيْلُولَةِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ إِذَا خَرَجَ المَبِبعُ مُسْتَحَقّاً فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى البَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ صَرَّحَ فِي نِزَاعِ المُدَّعِي بِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَ البَائِعِ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أنَّهُ يَرْجِعُ، وَلَوْ أَخَذَ جَارِيَةً بِحُجَّةٍ فَأَحْبَلَهَا ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ فَالوَلَدُ حُرٌّ والجَارِيَةُ مُسْتَوْلَدَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا للمُقِرِّ160161
الجزء: 13 - الصفحة: 184
لَهُ مَعَ المَهْرِ، وَقيلَ: إِنَّ الجَارِيَةَ لِلمُقِرِّ لَهُ إنْ أَقَرَّتْ بِصِدْقِهِ فِي الرُّجُوعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اشْتَرَى ثَوْبَاً، أو عَبْداً من إِنْسَانٍ، فجاء آخر، وادَّعَى أنه له، نظر: إن سَاعَدَهُ المُشْتَري، وأَقَرَّ له بما ادَّعَاهُ، لم يكن له أن يَرْجِعَ بالثمن على بَائِعِهِ؛ لأن إِقْرَارَهُ لا يلزم البائع عرفاً, ولا ينهض حُجَّةً عليه.
وإن اسْتُحْلِفَ، فَنَكَلَ، وحلف المُدَّعِي، وأخذ المَالَ، قال الشيخ أبو عَلِيِّ: ليس له الرُّجُوعُ بالثَّمَنِ أيضاً، وَجْهاً واحداً، لِتَقْصِيرِهِ بالنُّكُولِ، وحلف المدعي بعد نُكُولِهِ قائم مَقَامَ إقراره.
ويجوز أن يفرض في هذا الخلاف 164 بِنَاءً على أنه كالبَيِّنَةِ 165.
وإن أَثْبَتَ المدعي الاسْتِحْقَاقَ بالبينة، وأخذ المال، فَيُنْظَرُ: إن لم يُصَرّح في مُنَازَعَةِ المدعي، بأنه كان مِلْكاً لبائعي، ولا بأنه مِلْكٌ لي، بأن سَكَتَ، فأقيمت البَيِّنَةُ عليه، فله الرجوع بالثَّمَنِ لا مَحَالَةَ، وإن صَرَّحَ بذلك فوجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأن المُدَّعِي ظَالِمٌ باعترافه، والبائع غير مُقَصِّرٍ، فلا يظلمه المشتري، بأن ظَلَمَهُ.
وأصحهما: الرُّجُوعُ مَهْمَا قال ذلك على رَسْمِ الخُصُومَةِ، واعتمدت 166 ظاهر اليد، ثم تَبَيَّنَ خِلاَفُ ذلك الظاهر بالبَيِّنَةِ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا قال في الابْتِدَاءِ، يعني هذا العَبْد، فإنه مِلْكُكَ.
ثم قامت البَيِّنَةُ على الاستحقاق ولا يَجْرِيَانِ فيما إذا كان المَوْجُودُ مُجَرَّدَ الشراء [وإن كان الشراء] 167 إقراراً للبائع بالملك.
وفَرَّقُوا بان ذلك إِقْرَارٌ، تضمنه الشِّرَاءُ، فيبطل بِبُطلاَنِ المُبَايَعَةِ، والإِقْرَارُ المستقل بخلافه.
ومن اشْتَرَى عَبْداً في الظَّاهِرِ، فقال: أنا حُرُّ الأصل، فقد [مرَّ أن] 168 القول قوله، وأن على المشتري إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على رِقِّهِ، أو على إِقْرَارِهِ بالرق له، أو الذي باعه 169 منه.
فإذا حلف، حُكِمَ في الظاهر بحُرِّيَّتِهِ، ثم أَطْلَقَ ابن الحَدَّادِ، أنه لا يرجع المُشْتَري على البَائِعِ بالثمن.
الجزء: 13 - الصفحة: 185
وفَصَّلَ أكثرهم فقالوا: إن لم يُصرِّحْ في مُنَازَعَتِهِ، بأنه رَقِيقٌ، فيرجع.
كما لو أقام بَيِّنَةً على الحُرِّيَّةِ؛ لأنه لم يوجد (1) منه ما يبطل الرُّجُوع، وإن صَرَّحَ بذاك، فعلى الوَجْهَيْنِ.
وقَطَعَ الشيخ أبو عَلِيٍّ: بأنه لا يرجع، وفَرَّقَ بينها وبين البَيِّنَةِ، لقوة البينة.
فروع
:
مَنقُولَةٌ عن كلام القاضي أبي سَعْدٍ الهَرَوِيِّ:
إذا أَقَرَّ المُشْتَرِي للمدعي بالمِلْكِ، ثم أراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على أنه للمدعي، ليرجع بالثَّمَنِ على البائع، لم يُمَكَّنْ؛ لأنه [لم] 171 يثبت المِلْك لغيره، من غير نِيَابَةٍ، ولا وِكَالَةٍ.
كيف والمدعي لو أَرَادَ إِقَامَةَ البَيِّنَةِ -والحالة هذه- لم يُلْتَفَتْ إليه؛ لاسْتِغْنَائِهِ عن البَيِّنَةِ بالإِقْرَارِ.
ويجوز له تَحْليفُ البائع؛ لأنه ربما يُقِرُّ فيرجع , فإن نَكَلَ, فهل يَحْلِفُ المشتري يَمِينَ الرد؟ وإن قلنا: النُّكُولُ واليمين كالإِقْرَارِ، فنعم.
وإن قلنا: كَالبَيِّنَةِ، فلا.
المسترق المشتري، إذا ادَّعَى أنه حُرُّ الأصل، واعْتَرَفَ به المُشْتَرِي، ثم أراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ على أنه حُرُّ الأَصْلِ، مُكِّنَ؛ لأن الحُرِّيَّةِ حَقُّ الله [تعالى] 172، ولكل أحد إِثْبَاتُهَا.
وإذا ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ، ثبت الرُّجُوعُ، ولا يكفي للرجوع إقَامَةُ البَيِّنَةِ على مُطْلَقِ الحُرِّيَّةِ، لاحْتِمَالِ أن المُشْتَرِي هو الذي أَعْتَقَهُ، ولو أقام المُشْتَرِي بعدما أَقَرَّ المدعي البَيِّنَةَ على إقْرَارِ البائع بالمال للمدعي؛ فهي مَقْبُولَةٌ، ويثبت بها حَقُّ الرجوع؛ لأنه لما تَبَيَّنَ إِقْرَارُ الَبَائِعِ من قبل، لُغِيَ إِقْرَارُ المشتري.
هكذا ذكره الشَّيْخُ أبو عَاصِمٍ.
قال أبو سَعْدٍ: وهو الظَّاهِرُ وغيره مُحْتَمَلٌ؛ لأن إِقْرَارَهُ في الابتداء تَقْصِيرٌ، ولو أقام مُدَّعِي الاسْتِحْقَاقِ البَيِّنَةَ، وأخذ المال، ثم قَامَتْ بينة 173 على أن البَائِعَ، كان قد اشْتَرَاهَا من هذا المُدّعِي، سُمِعَتْ، ورد الحُكْمُ الأَوَّلُ، وكانت الجَارِيَةُ للمشتري بالمُبَايَعَةِ السَّابقة.
هذا هو الكلام في إِحْدَى صُورَتَي الفَصْلِ.
والثانية: جَارِيةٌ في يَد رَجُلٍ ادَّعى مُدَّعٍ أنها له، وأنكر صَاحِبُ اليد، فأقام المدعي البَيِّنَةَ، أو حَلَفَ بعد نُكُولِ صَاحِبهِ، فَحُكِمَ له بها، فأخذها وعاد بعدما غَشِيَهَا، فقال: كَذَبْتُ في دَعْوَايَ، ويميني، والَجَارِيةُ للذي كانت في يَدِهِ، فعليه أن يَرُدَّهَا، ويُغَرَّمَ مَهْرَهَا، وأَرْشَ النَّقْصِ إن حَدَثَ فيها نَقْصٌ، ولا يُقْبَل قوله: إنها كانت زَانِيَةً؛ لأنها تنكر ما يقول.170
الجزء: 13 - الصفحة: 186
وإن أَوْلَدَهَا، ثم كَذَّبَ نَفْسَهُ، لم يُقْبَلْ قوله في إِبْطَالِ حرية 174 الولد، وفي الاسْتِيلاَدِ؛ لأن إِقرَارَة لا يلزم غيره، ولكن عليه قيمة 175 الوَلَدِ والأم مع المَهْرِ، وليس له وَطْؤُهَا بعد ذلك، إلا أن يَشْتَرِيَهَا منه، وتُعْتَقُ بموته، وَوَلاَؤُهَا مَوْقُوفٌ.
وإن وَافَقَتْهُ الجَارَيةُ في الرجوع، ففي بطلان الاسْتِيلاَدِ وجهان:
أظهرهما: المنع، ولا يَرْتَفِعُ الاسْتِيلاَدُ المَحْكُومُ به برجوع محتمل.
والثاني: يبطل؛ لأنهم تَوَافَقُوا عليه، والحَقُّ لا يَعْدُوهُمْ، ولو أن صاحب اليد أَنْكَرَ، وحلف، وأَوْلَدَ الجَارَيةَ، ثم عاد وقال: كنت مُبْطِلاً في الإِنْكَارِ، والجَارِيَةُ للمدَّعِي، فالكَلاَمُ في المَهْرِ، وقيمة الوَلَدِ، والجارية، والاستِيلاَدِ، على ما ذكر في طَرَفِ المدعي.
وقوله في الكتاب: "فلو صُرِّح في نِزاعِ المُدَّعِي بأنه كان مِلْكاً لِلْبَائِعِ، ففي الرجوع وجهان"؛ الوَجْهَانِ لا يَخْتَصَّانِ بما إذا قال: كان مِلْكاً للبائع، بل يَجْرِيَانِ فيما إذا قال: هو مِلْكِي، ولا فَرْقَ بينهما، على ما بَيَّنَّاهُ.
وقوله: "ولو أخذ جَارِيةً بِحُجَّةٍ"، أطلق لفظ الحُجَّةِ، لِيَنْتَظِمَ ما إذا أخذَ بالبينة.
وفيه صُوَرٌ في "الوسيط"، وما إذا أُخِذَ باليَمِينِ بعد النُّكُولِ، وفيه صُوَر ابن الحَدَّادِ وأكثر من تَكَلَّمَ في المسألة.
واعلم: أن الصُّورَةَ الثانية، لا اخْتِصَاصَ لها بالرُّكْنِ الذي فيه الكَلاَمُ، وهو جَوَابُ المُدَّعَى عليه، وكذا الصورة الأُولَى، إلا من جِهَةِ أنه فرض التصريح، بكونه لِلْبَائِع في جواب المدعي، والنِّزَاعُ معه، لكن عرفت أنه لا فَرْقَ بين أن يكون هذا التَّصْرِيحُ في جواب المُدَّعِي؛ أو في ابْتِدَاءِ الشِّرَاءِ.
والوجهان جَارِيَانِ في الحالتين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: جَوَابُ دَعْوَى القِصَاصِ عَلَى العَبْدِ يُطْلَبُ مِنَ العَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ يُطْلَبُ جَوَابُهَا مِنَ السَّيِّدِ وَلَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ العَبْدِ لِيَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ إِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَسَمِعْنَا الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ المُؤَجَّل أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يقبل إقرار العَبْدِ فيه؛ كالقِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، فالدَّعْوَى فيه تكون على العَبْدِ، والجواب يكون منه، وما لا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فيه؛ وهو الأَرْشُ، وضَمَانُ الأَمْوَالِ، فَلِتَوَجُّهِ الدعوى فيها على السَّيِّدِ، فإن الرَّقَبَةَ التي هي مُتَعَلَّقُهَا، حَقُّ السيد، فإن وجهت الدعوى على العَبْدِ، فَمَفْهُومُ ما نقل الأَئِمَّةُ -رحمهم الله- فيه طَرِيقَانِ:
أحدهما: وهو الذي يَشْتَمِلُ عليه الكتاب -المَنْعُ؛ لأن إِقْرَارَهُ بها غير مقبول.
الجزء: 13 - الصفحة: 187
نعم، هل للمدعي تَحْلِيفُهُ؟ يُبْنَى ذلك على أن الأُرُوشَ 176 المتعلقة بالرَّقَبَةِ، هل يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ أيضاً؟ وفيه قولان مَذْكُورَانِ في موضعهما.
فإن قلنا: يَتَعَلَّقُ، فلا طلبة، ولا إِلْزَامَ في الحال، وإنما هو شَيْءٌ يتوقع 177 من بعد فيكون كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، ويجيء الخِلاَفُ الذي مَرَّ في سَمَاعِ الدَّعْوَى، بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، فإن سَمِعْنَاهَا، فله تَحْلِيفُ العَبْدِ، فإن نَكَلَ وحَلَفَ المدعى اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، لم يكن التعلق 178 بالرَّقَبَةِ؛ لأن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وإن جُعِلَتْ كالبَيِّنَةِ، فلا تُؤَثِّرُ إلا في حَقِّ المُتَدَاعيَيْنِ، والرَّقَبَةُ حق السَّيِّدِ، وفيه وجه: أن له التَّعَلُّقَ بالرَّقَبَةِ، إذا جعلناها كالبَيِّنَةِ.
هذا ما حكاه صَاحِبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط".
وذكر الإِمام نَحْواً منه.
والثاني: وهو المذكور في "التهذيب" في باب مُدَايَنَةِ العَبِيدِ، أن الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ على العَبْدِ 179 إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ، وإن لم يكن له بَيِّنَةٌ، فإن جَعَلْنَا النُّكُولَ ورَدّ اليمين كالبينة، سُمِعَتْ أيضاً.
فلعله يَنْكُلُ فيحلف المدعي.
وإن قلنا: إنها كالإِقْرَارِ، فلا تُسْمَعُ.
وفي 180 كل واحد من الطريقين حيلة 181.
أما الأول؛ فلان قَضِيَّةَ البناء على الأَصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أن يسمع الدَّعْوَى عليه لإِقَامَةِ البَيِّنَةِ، والتَّحْلِيفِ جميعاً، ولا يَخْتَصُّ التحليف بالنظر والكلام، وهم إنما تَكَلَّمُوا في التَّحْلِيفِ.
وأما الثاني: فلأن ظَاهرَهُ تَعَلُّقُ الأَرْش بالرَّقَبَةِ بإقامة البَيِّنَةِ في وجه العبد، لكن الرَّقبةَ للسَّيِّدِ، فينبغي أن تُقَامَ البَيِّنَةُ في وجهه، أو وجه نائبه.
والمتوجه أن يُقَالَ: تُسْمَعُ الدَّعْوَى [عليه] 182 لإِثْبَاتِ الأَرْشِ في ذِمَّتِهِ، تَفْرِيعاً على الأَصْلَيْنِ المذكورين؛ ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ عليه، لِتَعَلُّقِهِ بالرَّقَبَةِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَى وَلَمْ يَحْلِفْ وَقَالَ: لِيَ بَيِّنَةٌ فَاطْلُبُوا مِنْهُ كَفِيلاً لَمْ يَلْزَمْهُ (و) ذَلِكَ وَإِنْ جَرِيَ بِهِ رَسْمُ القُضَاةِ، وَإِذَا أَقَامَ فَلَهُ طَلَبُ الكَفِيلِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ادَّعَى على إِنْسَانٍ عَيْناً، أو دَيْناً ولم يحلفه 183، وطلب كَفِيلاً منه، ليأتي بالبَيِّنَةِ، لم يَلْزَمْهُ إِعْطَاءُ كَفِيلٍ، وإن اعتاد 184 القضاة خلافه، هذا هو المَشْهُورُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 188
ورأيت لبعض المُتَأَخِّرِينَ أن الأَمْرَ فيه إلى رَأْي الحاكم، وإن أقام شَاهِدَيْنِ، وطلب الكَفِيل إلى أن يعدلا طُولِبَ به؛ لأنه أَتَى بما عليه، والنظر في حَالِ الشُّهُودِ من وَظِيفَةِ القاضي، والظاهر العَدَالَةُ، فإن امْتَنَعَ من إِعْطَاءِ الكَفِيلِ، حُبِسَ لهذا الامتناع، لا لثبوت الحق والامْتِنَاعِ منه، هكذا أَطْلَقَ الإِمَامُ وصاحب الكتاب لكن يجيء فيه الخِلاَفُ من وجوه:
أحدها: أن في أَصْلِ كَفَالَةِ البَدَنِ قَوْلاً مذكوراً في باب الضَّمَانِ، أنها لا تَصِحُّ.
والثاني: أن في فَتَاوَى القَفَّالِ: أنَّه لا يَلْزَمُهُ أن يعطي كَفِيلاً؛ لأن الحَقَّ لم يَثْبُتْ بعد، لكن للحاكم أن يُطَالِبَهُ به، إذا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إليه، وخاف منه الهرب.
والثالث: أنا ذكرنا في آخر الباب من الشهادات المُدَّعَى إذا كان عَيْناً فَيُنْزَعُ في هذه الحالة، وإن كان دَيْناً فَيحْبَسُ المدعى عليه على أحد الوجهين، وكل واحد من الانتزاع والحبس، فيجوز ألا يُجَابَ أيضاً لما المَكْفُولِ ببدنه من تحمل منه الكفيل، ولا يخفى أن المَسْأَلَةَ لا اخْتِصَاصَ لها بِرُكْنِ الجواب والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الحَلِفِ:
وَالنَّظَرُ فِي الحَلِفِ وَالحَالِفِ وَالمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالحُكْمِ أَمَّا الحَلِفُ فَيَجْرِي فِيهِ التَّغْلِيظُ إِلاَّ فِيمَا هُوَ دُونَ نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ أَنْكَرَ السَّيِّد عِتْقَ عَبْدٍ خسيسٍ لَمْ تُغَلَّظ يَمِينُهُ، فَإِنْ نكَلَ غُلِّظَ عَلَى العَبْدِ لِأَنَّهُ مُدَّعِي العِتْقِ، وَكُلُّ مَا لاَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ يَجْرِي في التَّغْلِيظِ، وَيَجْرِي أَيْضَاً في عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَكَيفِيَّتُهُ وَكَوْنُهُ مُسْتَحَقاً أَوْ مُسْتَحَبَّاً ذَكَرْنَاهُ فِي اللِّعَانِ، وَيُغَلَّظُ عَلَى المُخَدَّرَةِ بِحُضُورِ الجَامِعِ، وَلاَ تَذَرُ بِالتَّخَدُّرِ، وَشَرْطُ اليَمِينِ أَنْ يُطَابِقَ الإِنْكَارَ وإنْ يَقَعَ بَعْدَ عَرْضِ القَاضِي، فَلوْ بَادَرَ قَبْلَ طَلَبِ القَاضِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَحَدُ الأَرْكَانِ التي تَدُورُ عليها الخُصُومَاتُ الشرعية، [اليمين] 185 على ما مَرَّ، وقد تَكَلَّمَ في هذا الرُّكْنِ في أربعة أَطْرَافٍ: نفس الحلف، وما يُحْلَف عليه، ومَنْ يحلف، وما يُحْلَف له.
وهو فائدته، وحكمه.
فأما ما يحلف به؛ فَمَوْضِعُ بَيَانِهِ، كِتَابُ الأَيْمَانِ.
وأما من يحلف له، فهو الخَصْمُ، وأمره ظاهر.
أما الطرف الأول، فهو نَفْسُ الحلف فصيغ اليمين مُسْتَوْفَاةٌ في موضعها، والقصد 186 الآن بَيَانُ قاعدتين:
إحداهما: للتغليظ 187 مدخل في الأَيْمَانِ المَشْرُوعَةِ في الدَّعَاوَى، مبالغة للزجر، وتأكيد الأمر.
وفيه مسائل:
الجزء: 13 - الصفحة: 189
[إحداها]: التَّغْلِيظُ يَقَعُ بوجوه:
أحدها: التَّغْلِيظُ اللفظي، وهو على ضَرْبَيْنِ:
أحدهما: التعديد، والتكرير.
وهو مَخْصُوصٌ بالقَسَامَةِ، واللّعَانِ، وواجب فيهما.
والثاني: زَيادَةُ الأسماء، والصِّفَاتِ، بأن يقول: وَاللهِ الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يَعْلَمُ من السِّرِّ ما يعلم من العَلاَنِيَةِ.
ويقول: بالله الطَّالب، الغالب، المدرك، المهلك، الذي يعلم السِّرَّ وأَخْفَى.
وهذا الضَّرْبُ مُسْتَحَبٌّ.
فلو اقْتَصَرَ على قوله: بالله، كفى.
واسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- أن يَقْرَأَ على الحَالِفِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] وأن يحضر المُصْحف ويوضع في حِجْرِ الحَالِفِ.
وذكر بعض الأصحاب أنَّه يحلف قائماً زِيادَةً في التَّغْليظ 188.
والوجه الثاني: التغليظ بالمَكَانِ.
والثالث: التَّغْلِيظُ بالزَّمَانِ.
وهما بِتَفْصِيلِهِمَا مَذْكُورَانِ في باب اللعان.
والتغليظ بالمكان، مُسْتَحَبٌّ، أو وَاجِبٌ، حتى لا يُعتَدَّ بالحَلِفِ في مكان آخر، فيه قولان:
أصحهما: الأول.
وفي التَّغْلِيظِ بالزَّمَانِ، طريقان: منهم من جعله على القولين، ومنهم من قَطَعَ فيه بالاسْتِحْبَابِ.
وعن ابن القَاصِّ: القطع بالاسْتِحبَابِ في التَّغْلِيظِ بالمكان أيضاً.
ورأى الإِمام طَرْدَ الخِلاَفِ في الضَّرْبِ الثاني من التَّغْلِيظِ اللفظي أيضاً 189 ومن وجوه التغليظ المذكور في اللعان، التَّغْلِيظ بحضور جَمْعٍ، ولم يذكروه هاهنا.
ويشبه أن يُقَالَ: الأَيْمَانُ التي تَتَعَلَّقُ بإثبات حد أو 190 دفع حدٍ، يكون التغليظ فيه بالجمع.
كما في اللّعَانِ.
ثم التَّغْلِيظُ، يكون بطلب الخصم.
أم يغلظ القاضي وإن لم يطلب الخَصْم؟
حكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين، وذكر أن الأَصَحَّ منهما الثَّاني، ويُشْبِهُ أن يكونا جَارَييْنِ، سواء قلنا بالاسْتِحْبَابِ، أو بالإيجَابِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 190
المسألة الثانية: يجري التَّغْلِيظُ في دَعْوَى الدَّم، والنِّكَاحِ، والطَّلاَقِ، والرجعة، والإِيلاَءِ، واللّعَانِ، والعِتْقِ، والحَدِّ، والوَلاَءِ، والوِكَالَةِ، والوِصَايَةِ، وكل ما ليس بمال، ولا القصيد 191 منه المال 192؛ حتى يَجْرِيَ في الوِلاَدَةِ، والرِّضَاعِ، وعُيُوبِ النِّسَاءِ.
وليس قَبُولُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فيها، لِقِلَّةِ خَطَرِهَا؛ ولكن لأن الرِّجَالَ لا يَطَّلِعُونَ عليها غَالِباً.
وتَوَقَّفَ الإِمام في الوِكَالَةِ [وقال: الوِكَالةُ] 193 في دَرَاهِمَ خَسِيسَةٍ، أَحْسَنُ من ملكها؛ فإن تَصَرُّفَ المُلاَّكِ، أقوى من تَصَرُّفِ الوُكَلاَءِ.
والتغليظ إنما يَلِيقُ بما يعظم خَطَرُهُ، وليس اشْتِرَاطُ الذُّكُورَةِ في شهود الوِكَالَةِ لِشَرَفِ الوِكَالَةِ؛ لكن للشَّارعِ تَعَبُّدٌ في [نصاب] 194 الشهادات فيتبع.
وأما الأموال، فَيَجْرِي التَّغْلِيظُ في كثيرها دون قَلِيلِهَا على مَا وَرَدَ في الآثارِ.
رُوِيَ أن عَبْد الرَّحمن بْنَ عوف -رضي الله عنه- رأى قَوْماً يَحْلِفُونَ بين المَقَامِ والبيت، فقال: أَعَلَى دَمٍ؟ قالوا: لا.
قال: أفعلى عظيم 195 من المال؟.
قالوا: لا.
قال: خَشِيتُ أن يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بهذا البَيْتِ ويُروى أن يَبْهَأ النَّاس بهذا البَيْت.
يقال: بَهَأْتُ بالشيء، إذا أَنِسْتَ به حتى سَقَطَ هَيْبَتُهُ قليله 196 والكثير من المال ما يَبْلُغُ عَيْناً، أو قيمة نِصَاب الزَّكَاةِ؛ وهو عشرون دِينَاراً، أو مائتا دِرْهَمٍ 197، والقليل ما دُونَ ذلك، فلا تُغَلَّظُ فيه، إلا أن يَرَى القاضي التَّغْلِيظَ [لجرأةٍ: يجدها في الحَالِفِ، فله التغليظ] 198.
الجزء: 13 - الصفحة: 191
وعن مَالِكٍ: أن الضَّبْطَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، فيجري التَّغلِيظُ فيما بَلَغَ رُبُعَ دينار، ولا يَجْرِي فيما دُونَهُ، وأما أبو حَنِيْفَةَ، وأحمد، فلا تَغْلِيظَ عندهما بالمكان، ولا بالزَّمَانِ أَصْلاً.
الثالثة: ما يجري [فيه] 199 التَّغْلِيظُ يَسْتَوي فيه يَمِينُ المدعى عليه، واليَمِينُ المَرْدُودَةُ، واليمين مع الشَّاهِدِ.
[وقد يقتضي] 200 الحال تَغْلِيظَ اليَمِينِ في أحد الطَّرَفَيْنِ دُونَ الآخر، كما إذا ادَّعَى العَبْدُ على سَيِّدِهِ عِتْقاً، أو كتابة، فأنكر السيد؛ فإن بلغت قِيمَتُهُ نِصَاباً، فيغلظ عليه في اليَمِينِ؛ لأنه ينفي اسْتِدَامَةَ مَالٍ كثير، فإن لم يبلغ قِيمَتُهُ نِصَاباً، فلا يغلظ عليه؛ فإن نَكَلَ السيد، فالعَبْدُ يُغَلَّظْ عليه بكل حَالٍ؛ لأنه يَدَّعِي العِتْقَ.
والوَقْفُ من جانب المدعى عليه لا تَغْلِيظَ فيه، إلا إذا بلغ نِصَاباً، وكذلك مِنْ جَانِبِ المدعي إن أثبتناه بشاهد ويَمِينٍ، وإن لم نُثْبِتْهُ فيغلظ فيه كالعِتْقِ.
وعن حكاية صاحب "التقريب" 201 وجه: أن ما يُغَلَّظُ فيه من أَحَدِ الطرفين يُغَلَّظُ من الآخر، تَسْوِيةً بين الخَصْمَيْنِ.
وإذا ادَّعى الزَّوْجُ الخُلْعَ على مَالٍ، وأنكرت الزَّوْجَةُ فالبينونة حَاصِلَةٌ بقوله، وتُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ في إنكار المَالِ بيمينها، ويُنْظَرُ في التَّغْلِيظِ إلى قَدْرِ المال: أهو كَثيرٌ أم قليل؟ فإن ردّت اليمين، وحَلَفَ الزَّوْجُ، فكذلك؛ لأن مَقْصُودَهُ المال.
وإن ادعت هي الخُلْعَ، وأنكر الزَّوْجُ، فتغلظ اليَمِينُ عليه؛ لأن مَقْصُودَهُ اسْتِدَامَةُ النكاح.
وإن نَكَلَ، وحَلَفَتِ الزَّوْجَةُ، فكذلك؛ لأن مَقْصُودَهَا الفِرَاقُ.
الرابعة: من به مَرَضٌ أو زُمَانَةٌ، لا تُغَلَّظُ عليه في المكان لِعُذْرِهِ.
وكذا الحَائِضُ، إذ لا يُمْكِنُهَا اللّبْثُ في المسجد، والمَرْأَةُ المُخَدَّرَةُ فِي إِحْضَارِهَا مَجْلِسَ الحكم، خِلاَفٌ سَبَقَ، فإن أُحْضِرَت، فهي كالرجل في التَّغْلِيظِ.
وإن قلنا: لا تَحْضُرْ؛ بل يَبْعَثُ القاضي إليها من يَحْكُمُ بينها وبين خَصْمِهَا، فهذا أفْضَى الأَمْرُ إلى تَحْلِيفِهَا، فهل تُغَلَّظُ عليها بالمكان، وتُكَلَّفُ حضور الجامع؟
فيه وجهان مَحْكِيَّانِ في "الشامل" وغيره:
أحدهما: نعم؛ ويُرَاعَى التَّغْلِيظُ من هذا الوجه، كما يُرَاعَى باللفظ.
والثاني: لا؛ لأنا أَلْحَقنَا التَّحَذُّر بالمَرَضِ في حضور مَجْلِسِ الحكم، فكذلك 202، في حضور الجَامِعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 192
والأول هو المَذْكُورُ في الكتاب، وبه أجاب الشيخ أبو حَامِدٍ، ومن تابعه، ولكن قيل يبتنى (1) هذا الخِلاَفَ على الخِلاَفِ في أن التَّغْلِيظَ مُسْتَحَقٌّ، أو مُسْتَحَبٌّ.
وقَضِيَّةُ هذا البناء تَرْجِيحُ الوجه الثاني.
فرع
:
من تَوَجَّهَتْ عليه اليمين، لو كان 204 قد حَلَفَ بالطَّلاَقِ ألا يحلف يَمِيناً مُغَلَّظَةً، فإن جعلنا التَّغْلِيظَ مُستحقّاً، فعليه أن يَحْلفَ اليمين المُغَلَّظَةَ، والحنث، وإذا امتنع، جُعِلَ نَاكِلاً، وإن جعلناه مُسْتَحَبّاً، فلا يحنث.
القاعدة الثانية: يُشْتَرَطُ في اليمين أن تكون مُطَابِقَةً للإنكار، فإذا ادَّعَى عليه إِتْلاَفَ ثَوْبِ قيمته عشرة، فإن قال في الجَوَابِ: ما أَتْلَفْتُ، حلف كذلك.
وإن قال: لا يَلْزَمُنِي شَيْءٌ، حَلَفَ كذلك.
وهذا قد مَرَّ.
والشرط أيضاً وُقُوعُهَا بعد تَحْلِيفِ القاضي، فلو حلف [قبله] 205 لم يُعْتَدَّ به، واحْتُجَّ له، بأن رُكَانَةَ 206 طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ.
وقال: وَاللهِ ما أردت إلا وَاحِدَةً.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَرَدْتَّ إِلاَّ وَاحِدَةً؟ " فقال: والله، ما أردت إلا وَاحِدَةً 207.
فقيل: كانت امرَأَتُهُ تَدَّعِي أنَّه أراد أكثر من طَلْقَةٍ، فكان 208 عليه أن يَحْلِفَ، فلم يُعْتَدَّ بيمينه قبل التَّحْلِيفِ، وأعاد عليه ولو قال الحَاكِمُ في تَحْلِيفِهِ: قل: بالله.
فقال: بالرَّحْمَن، لم يُحْسَبْ، وكان نُكُولاً.
ولو قال: قل: باللهِ، فقال: وَاللهِ، أو تالله، فوجهان 209:
أحدهما: أنهُ نُكُولٌ؛ لأنه حَلَفَ، لا على الوَجْهِ الذي حُلِّفَ، فَأَشْبَهَتِ الصورة الأولى.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه حَلَفَ بالاسْمِ الذي حُلِّفَ به، والتَّفَاوُت في مُجَرَّدِ الصِّلَةِ.
ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا غُلِّظَ عليه باللَّفْظِ، فامتنع واقْتَصَرَ على أن قال: بالله.
وفيما إذا أراد التَّأْكِيدَ عليه بالزَّمَانِ، أو المكان، فامْتَنَعَ.
وقد حَكَى الخِلاَفَ في التَّغلِيظِ203
الجزء: 13 - الصفحة: 193
اللَّفظي القاضي الرُّوَيانِيُّ عن القَفَّالِ، وذكر أن الأَصَحَّ: أنَّه يكون نَاكِلاً؛ لأنه ليس له رَدُّ اجتهاد القاضي، وقطع بعضهم في الامْتِنَاعِ من التغليظ اللَّفْظِيِّ، أنَّه لا يكون [ناكلاً] 210.
وفي التغليظ الزَّمَانِيِّ والمكاني، أنَّه يكون نَاكِلاً.
والفرق؛ أن التَّغْلِيظَ اللَّفْظِيَّ من جِنْسِ المأتي به، وهو ذِكْرُ الله -تعالى الذي هو 211 مناط الحُرْمَة، والتعظيم، والتَّغْلِيظ الزماني، والمكاني، ليسا من جِنْسِ المأتى به، فلم يكن له الامْتِنَاعُ منهما 212.
ولْيُعَلَّمْ قوله في الكتاب: "إلا في مَالٍ دون نِصَاب الزكاة" بالميم، لما عرفت من مَذْهَبِهِ أنَّه يَجْرِي التَّغْلِيظُ فيما دون نِصَاب الزكاة، إذا لمَ يكن دون نصَاب السرقة وبالواو أيضاً؛ لأن القاضي ابْنَ كَجٍّ حَكَى عن أَبي الحُسَيْنِ وَجْهاً: أن المال الوَاجب بالجِنَايَةِ، عَمْداً كان، أو خَطَأً، يجري فيه التَّغْلِيظُ، وإن كان دون نِصَابِ الزكاة.
وقوله: "لم تغلظ يمينه"، وقوله: "وتغلظ على المُخَدَّرَةِ"، مرقومان بالواو لما تَقَدَّمَ، ويمكن إِعْلاَمُ قوله: "وشرط اليمين أن يطابق الإنكار" أيضاً بالواو؛ لأنا أَسْلَفْنَا وَجْهَيْنِ في أن المُدَّعَى عَلَيْهِ، لو أنكر الجِهَةَ التي أَسْنَدَ المدعى إليها دَعْوَاهُ من إِقْرَاضٍ، أو إتْلاَفٍ، ثم أراد أن يَقْتَصِرَ في يَمِينِهِ على نَفْي اللزوم، ولا يَتَعَرَّضُ لتلك الجِهَةِ، هل يُمَكَّن منه؟ فإن مَكَّنَّاهُ، لم يكن من شَرْطِ اليمين أن يطابق الإِنْكَارَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ عَلَى البَتِّ فِي كُلِّ مَا يَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْي أَوْ إِثبَاتٍ وَيَحْلِفُ عَلَى البَتِّ فِي الإِثْبَاتِ المَنْسُوبِ إِلَى غَيْرِهِ كَبَيْعٍ، وَفي النَّفْي يَكْفِي الحَلِفُ عَلَى نَفْي العِلْمِ فَيَقُولُ: لاَ أَعْلَمُ عَلَى مُوَرِّثي دَيْناً وَلاَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِتْلاَفاً وَبَيْعاً، وَهَلْ يَثْبُتُ فِي نَفْي أَرْشِ الجِنَايَةِ عَنِ العَبْدِ وَجْهَانِ، وَفِي نَفْي الإتْلاَفِ عَنْ بَهِيمَتِهِ الَّتِي قَصَّرَ بِتَسْرِيحِهَا يَجِبُ البَتَّة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالف تَارَةً يَحْلِفُ على البَتِّ، وأخرى على العِلْمِ، ومَقْصُودُ الفَصْلِ، بَيَانُ موضع القَسَمَيْنِ؛ فإن كان يَحْلِفُ على فعل نَفْسِهِ، فيحلفَ على البَتِّ، سواء كان يُثْبِتُهُ، أو يَنْفِيهِ؛ لأنه يَعْرِفُ حَالَ نَفْسِهِ، ويطلع عليها.
وإن كان يَحْلِفُ على فعل الغَيْرِ، فإن كان في إِثْبَاتٍ، فيحلف على البَتِّ؛ لأنه يسهل الوُقُوف عليه، وهذا كما أنَّه يَشْهَدُ به.
وإن كان [يحلف] 213 على النفي، فيحلف على أنَّه لا يَعْلَمُهُ؛ لأن النَّفْيَ المُطْلَقَ
الجزء: 13 - الصفحة: 194
يَعْسُرُ الوُقُوفُ على سَبَبِهِ.
ولهذا لا تجوز الشَّهَادَةُ على النفي، وقد يُعَبَّرُ عن الغَرَضِ بِعِبَارَةٍ أخرى فيقال: إن كان الحَلِفُ على الإِثْبَاتِ، فيجب البَتُّ، سواء كان المثبت فعل نفسه، أو غيره.
وإن كان على النَّفْي، فإن نَفْي فِعْلَ نَفْسِهِ، حلف على البَتِّ أيضاً، وإن حَلَفَ على فِعْلِ غيره، حَلَفَ على العِلْمِ وقد يختصر 214 فيقال: اليَمِينُ على البَتِّ أَبَداً، إلا إذا حَلَفَ على نَفي فِعْلِ الغير 215، إذا تقرر ذلك، فمن ادُّعِيَ عليه مال، فأنْكَرَ، حلف على البَتِّ.
وإن ادَّعى إبراءً، أو قضاءً، وأنكر المُدَّعى، حَلَفَ على البَتِّ.
ولو ادعى وَارِثٌ على إنسان، أن لِمُوَرِّثي عليك كذا، فقال المُدَّعَى عَلَيْهِ: إنه قد أَبْرَأَنِي، أو قَبَضَهُ، حلف المدعي على نَفْي العِلْمِ بإبراء المُوَرّثِ، وقبضه [ولو كان] 216.
في يده دارٌ، وجاء مُدَّعٍ، وقال: غَصَبَهَا مِنِّي أبوك، أو بَائِعُكَ، فأنكر، حُلِّفَ على نفي العِلْمِ بأنهما غَصَبَا.
ولو ادعى إنسان على وَارِثِ مَيِّتٍ دَيْناً على المَيِّتِ، لم يكفِ ذِكْرُ الدَّينِ وَوَصْفُهُ، بل يذكر مع ذلك مَوْتَ مَنْ عليه، وأنه حَصَلَ في يَدِهِ من التَّرِكَةِ ما يَفِي بجميعه، أو ببعضه، وأنه يَعْلَمُ دَيْنَهُ على مورثه.
وهكذا كل ما يَحْلِفُ المنكر فيه على العلم، يُشْتَرَطُ
الجزء: 13 - الصفحة: 195
في الدعوى 217 عليه التَّعَرُّضُ، فيقول: إن مُوَرِّثَكَ غَصَبَ كذا، وأنت تَعْلَمُ أنَّه غَصَبَهُ، ثم إذا تَعَرَّضَ لجميع ذلك، فإن أَنْكَرَ الوَارِثُ الدَّيْنَ، حَلَفَ على نَفْي العِلْمِ، فإن نَكَلَ، حَلَفَ المُدَّعي على البَتِّ، وإن أَنْكَرَ مَوْتَ مَنْ عليه، فثلاثة أوجه:
أحدها: عن ابن القَاصِّ، والشيخ أبي عَاصِمٍ: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأن الظَّاهِرَ اطِّلاَعُهُ عليه.
وأصحُّهما: أنَّه يَحْلِفُ على العِلْم، كما لو أَنْكَرَ غَصْبَهُ وإِتْلاَفهُ، وقد يكون موته في الغَيْبَةِ، فلا يَطَّلِعُ الوَارِثُ عليه.
وثالثها: عن الشيخ أبي زَيْدٍ الفَرْقُ بين من عُهِدَ حاضرًا، أو غائباً، وإن أنكر حُصُولَ التَّرِكَةِ عنده، حَلَفَ على البَتِّ، وإن أَنْكَرَ الدَّيْنَ وحُصُولَ التَّرِكَةِ معاً، وأراد أن يَحْلِفَ على نَفْي التَّرِكَةِ وَحْدَهُ، وأراد المدعي تَحْلِيفَهُ على نَفْي التركة، وعلى نَفي العِلْمِ بالدَّيْنِ معاً، فعنَ ابن القَاصِّ: أنَّه يَحْلِفُ عليهما؛ لأن للمُدَّعِي غَرَضًا في إثْبَاتِ الدَّيْن، وإن لم يكن عند الوَارِثِ شَيْءٌ، فلعله يَظْفَرُ بوديعة، أو دَيْنٍ له على إنسان، وأخذ منه حَقَّهُ.
ولو ادَّعى على رجل، أن عبدك جنى عَلَيَّ بما يُوجِبُ كذا، وأنكر، فوجهان:
أحدهما: وهو المذكور في "الشامل": أنَّه يَحْلِفُ على نَفي العِلْم؛ لأنه حَلِفٌ يَتَعَلَّقُ بفعل الغَيْرِ.
وأصَحُّهُمَا: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأن عَبْدَهُ ماله، وفِعْلَهُ كفعل نَفْسِهِ، ولذلك سمعنا الدَّعْوَى (2) عليه.
وربما بُنِيَ الوَجْهَانِ على أن أَرْشَ الجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْضِ الرقبة؟ أم يَتَعَلَّقُ بالرَّقَبَةِ والذِّمَّةِ معاً، حتى يتبع بما فعل بعد العِتْقِ؟ فإن قلنا بالأَوَّلِ، حلف على البَتِّ؛ لأنه يَحْلِفْ ويُخَاصِمُ لنفسه.
وإن قلنا بالثاني 218 فعلى العِلْمِ؛ لأن لِلْعَبْدِ على هذا ذِمَّةً تَتَعَلَّقُ بها الحُقُوقُ، والرَّقَبَةُ؛ كالمرتهن 219 بما عليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 196
وإذا ادَّعَى عليه أن بَهِيمَتَهُ أَتْلَفَتْ زَرْعاً، وغيره، بحيث يَجِبُ الضَّمَانُ بإتْلاَفِ البَهِيمَةِ، فأنكر، يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأنه لا ذِمَّةَ لها والمالك لا يَضْمَنُ بفعل البَهِيمَةِ، وإنما يَضْمَنُ بالتَّقْصِير في حِفْظِهَا.
وهذا أَمْرٌ يتعلق بنفس الحَالِفِ، ولو نَصَبَ البائع وَكِيلاً ليقبض 220 الثمن، ويسلم 221 المبيع، فقال له المشتري: إن مُوَكِّلَكَ أَذِنَ في تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وأَبْطَلَ حَقَّ الحَبْسِ، وأنت تعلم، فقولان عن حكاية ابن القَاصِّ:
أحدهما: أنَّه يَحْلِفُ على نَفْي العلم، ويُدِيمُ الحَبْسَ إلى اسْتيفَاءِ الثَّمَنِ.
والثاني: وهو اخْتِيَارُ أبي زَيْدٍ: أنَّه يَحْلِفُ على البَتِّ؛ لأنه يثبت لنفسه اسْتِحْقَاقَ اليَدِ على المبيع.
وعن ابْنِ القَاصِّ: أنَّه إذا طُولِبَ البَائِعُ بتسليم المَبِيع، فادعى حُدُوثَ عَجْزٍ عنه، وقال المُشْتَرِي: أنت 222 عالم به، فأنكر، يَحْلِفُ على الَبَتِّ؛ لأنه يستفيد 223 بيمينه وُجُوبَ تَسْلِيم المَبِيع إليه، وأنه لو مات عن ابنٍ في الظَّاهِرِ، فجاء آخر وقال: أنا أَخُوكَ، والمِيرَاثُ بَيْنَنَا، فأنكر، يَحْلِفُ على البَتِّ أيضاً؛ لأن الأخُوَّةَ رَابِطَةٌ جَامِعَةٌ بينهما، فهو حَالِفٌ في نفسه، ونَازَعَهُ منازعون في الصُّورَتَيْنِ، وقالوا: يَحْلِفُ على العلم 224 والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ يَحِلّ لَهُ اليَمِينُ البَتُّ بِظَنٍّ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ خَطٍّ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ مِنْ نُكُولِ خَصْمٍ وَغَيْرِهِ، وَيُنْظَرُ فِي اليَمِينِ إلَى نِيَّةِ القَاضِي وَعَقِيدَتِهِ فَلاَ يَصِحُّ تَوْرِيَةُ الحَالِفِ وَلاَ قَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ الله بِحَيْثُ لاَ يَسْمَعُ القَاضِي، وَلاَ يَحِلُّ لِلشَّفْعَويِّ أن يَحْلِفَ عِنْدَ القَاضِي الحَنَفِيِّ عَلَى نَفي اللُّزُومِ في شُفْعَةِ الجَارِ بِتَأْوِيلِ اعْتِقَادِ نَفْسِهِ بَلْ إِذَا أَلْزَمَهُ القَاضِي صارَ لاَزِمَاً ظَاهِرَاً وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِف، وَهَلْ يَلزَمُهُ بَاطِناً؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُجْتَهِدَاً لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّداً يَلْزَمُهُ بَاطِناً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: ما يحلف فيه على البَتِّ، لا يُشْتَرَطُ فيه اليَقِينُ، بل يجوز البَتُّ على ظَنٍّ مؤكد، [منشأ] 225 من خطِّهِ، أو من خطِّ أبيه، أو نُكُولِ خَصْمِهِ على ما سبق.
ولو اسْتَحْلَفَ القَاضِي على البَتِّ، حيث تجب فيه اليَمِينُ على العِلْمِ، وقد عَدَلَ عن نَهْجِ الصَّوَابِ، والعَدْلِ، إلا أن اليَمِينَ يُحْسَبُ، وتُحْمَلُ على نَفْي العلم، كما إذا
الجزء: 13 - الصفحة: 197
شَهِدَ الشُّهُودُ أنَّه لا وَارِثَ له، وإلا فلا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وتُحْمَلُ على أنَّه لا يعْلَمُ وَارِثاً غيره.
الثانية: النَّظَرُ في اليَمِينِ إلى نِيَّةِ القَاضِي المُسْتَحْلِفِ وعَقِيدَتِهِ.
[و] 226 أما النية فالتَّوْرِيَةُ، والتَّأْوِيل على خلاف قَصْدِ القاضي لا يُغْنِي، ولا يَدْفَعُ إِثْمَ اليمين الفَاجِرَة.
ولو اسْتَثْنَى، أو وصل باللَّفْظِ شَرْطاً بِقَلْبِهِ، ونيَّتِهِ، أو فَعَل ذلك بِلِسَانِهِ، ولكن لم يسمعه الحَاكِمُ، فكذلك.
وإن سمعه الحَاكِمُ، عَزَّرَهُ، وأعاد عليه اليَمِينَ 227.
وإن وَصَلَهُ بكلام لم يَفْهَمْهُ القاضي، مَنَعَهُ [منه] 228، وأَعَادَ اليمين عليه، كذلك ذكره في "التهذيب".
فإن قال: كُنْتُ أَذْكُرُ الله تعالى، قيل له: ليس هذا وقتاً له.
وأما العَقِيدَةُ؛ فإذا ادَّعى حنفي 229 على شَافِعِيٍّ، شُفْعَةَ الجَوَازِ.
والقاضي يرى إِثْبَاتَهَا، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فليس له أن يَحْلِفَ، بِنَاءً على اعْتِقَادِهِ في شُفْعَةِ الجار، بل
الجزء: 13 - الصفحة: 198
عليه اتِّبَاعُ القَاضي ويلزمه 230 في الظاهر [ما ألزمه القاضي] 231 وهل يَلْزَمُهُ في الباطن؟
حكى المُصَنِّفُ فيه وَجْهَيْنِ.
وهذا الخلاف كالخِلاَفِ المَذْكُورِ في الباب الثَّانِي من "أدب القَضَاءِ"، أن الحَنَفِيَّ إذا حكم للشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الجَارِ، هل يَحِلُّ له، أو هو هو؟
وَمَيْلُ الأكثرين إلى الحِلِّ، كما ذكره في الكتاب هُنَاك، وهو الجَوَابُ في فَتَاوَى القَفَّال ويوافقه 232 ما اتفقوا عليه هاهنا من تَرْجِيحِ اللُّزُومِ بَاطِناً.
وعن صاحب "التقريب": أن القَضَاءَ في المُجْتَهَدَاتِ يَنْفُذُ في حَقِّ المُقَلِّدِ ظاهراً، وباطناً، ولا يَنْفُذُ في حَقِّ المُجْتَهِدِ بَاطِناً، حتى لو كَانَ الحَالِفُ مُجْتَهِداً وحلف على مُوجَب اجْتِهَادِهِ، لم يَأْثَمْ 233. هذا ما يَتَعَلَّقُ بالطرف الثاني 234 وهو المَحْلُوفُ عليه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الحَالِفُ فَهُوَ كُلُّ مَنْ تُوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوى صَحِيحَةٌ فَيَحْلِفُ (ح م) فِي إِنْكَارِ النَّسَبِ وَالوَلاَءِ وَالرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالإِيلاَءِ، وَلاَ يَحْلِفُ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى إِذْ لاَ نِزَاعَ فِيهَا، وَلاَ يَحْلِفُ القَاضِي وَالشَّاهِدُ، وَيَحْلِفُ القَاضِي بَعْدَ العَزْلِ، وَلاَ يَحْلِفُ الصَّبيُّ إِذَا ادَّعَى البُلُوغَ بَلْ يُصَدَّقُ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبيٌّ لَمْ يَحْلِفْ بَلْ يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ، إلاَّ الصَّبيَّ المُشْرِكَ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ اسْتَنْبَتَ الشَّعْرَ بِالعِلاجَ فَإنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْلِف قُتِلَ، وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ ثُمَّ يَحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ قُتِلَ، وَلاَ يَحْلِفُ الوَصِيُّ وَالقيِّمُ إِذ لاَ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُمَا
الجزء: 13 - الصفحة: 199
أَعْني بالدَّيْنِ عَلَى المَيِّتِ، وَلاَ يَحْلِفُ (ح ز و) مَنْ يُنْكِرُ الوَكَالَةَ بِاسْتِيْفَاءِ الحَقِّ، فَإنَّهُ وَإِنْ عَلِمَ أنَّهُ وَكِيلٌ فَيَجُوزُ جُحُودُ المُوَكِّلِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَى وَكَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الخَصْمِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَرَف الثالث: الحَالِفُ؛ وهو كُلُّ من تَتَوَجَّهُ عليه دَعْوَى صَحِيحَةٌ.
وقيل 235: من تُوجِّهَتْ عليه دَعْوَى [صَحِيحَةٌ] 236 لو أَقَرَّ بمَطْلُوبِهَا، أُلْزِمَ به، فإذا أنكر، يَحْلِفُ عليه، وتُقْبَلُ منه.
وَلاَ بُدَّ من اسْتِثْنَاءِ صُوَرٍ عن هذا الضَّبْطِ، فنوردها 237 مع ما يَخْرُجُ منه، ويدخل فيه مسائل:
إحداها: يجزئ التَّحْلِيفُ في النِّكَاح، والطَّلاَقِ، والرَّجْعَةِ، والفيئة في الإِيلاَءِ، وفي العِتْقِ، والاسْتيلاَدِ، والوَلاءِ، والنَّسَبِ.
قال أبو حَنيْفَةَ: لا يحلف المُدَّعَى عليه في هذه الأَبْوَاب، [بناء على أن المَطْلُوبَ من التَّحْلِيفِ الإِقْرَارُ، أو النكول، ليحكم بالنُّكُولِ.
والنَكول نَازِلٌ مَنْزِلَةَ البَذْلِ، والإِبَاحَةِ.
ولا مدخل لِلْبَذْلِ، والإبَاحَةِ في هذه الأبواب] 238. وقال مالك، وأحمد: يَجْرِي التَّحْلِيفُ فيما لا يَثْبُتُ [إلا] 239 بشاهدين ذَكَرَيْنِ إلحاقاً له بالحُدُودِ.
وعن أحمد رواية أخرى: [لا] 240 يجري التَّحْلِيفُ في القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، والطَّلاَقِ، والعِتَاقِ.
لنا مُطْلَقُ قوله -صلى الله عليه وسلم-[: "وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
وحديث رُكَانَةَ حيث حَلَّفَهُ -صلى الله عليه وسلم- 241] 242 في الطَّلاَقِ، وأيضاً فإنه أَنْكَرَ ما تَوَجَّهَتْ به الدعوى، فيحلف كَسَائِرِ ما يَحْلِفُ فيه.
والثانية: حُدُودُ الله تَعَالَى، لا تُسْمَعُ فيها الدَّعْوَى، ولا يُطْلَبُ الجَوَابُ؛ لأنها ليست حَقّاً للمُدَّعِي، ومن له الحَقُّ، لم يَأْذَن في الطَّلَبِ، والإِثْبَاتِ، بل أمر فيه بالإِعْرَاضِ، والدَّفْعِ بما أَمْكَنَ.
نعم لو تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ، كما إذا قَذَفَ غَيْرَهُ، وَطَلَبَ المَقْذُوفُ حَدَّ القَذْفِ، فقال القَاذِفُ: حَلِّفُوهُ على أنَّه لم يَزْنِ، فالظاهر أنَّه يَحْلِفُ، كما ذكرنا في شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثالثة من ركن 243 الدعوى، فإن حَلَفَ، أقيم الحَدُّ على القَاذِفِ، وإن نَكَلَ، وَحَلَفَ
الجزء: 13 - الصفحة: 200
القَاذِفُ، سَقَطَ حَدُّ القَذْفِ عنه، ولم يَثْبُت بحلفه حَدُّ الزِّنَا على المَقْذُوفِ، ولو ادَّعَى سَرِقَةَ مال 244، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ للمال، وحَلَفَ المُدَّعَى عليه، فإن نَكَلَ، حَلَفَ المدعى، واسْتَحَقَّ المَالَ، ولم يقطع المُدَّعَى عليه؛ لأن حُدُودَ اللهِ -تعالى- لا تَثْبُتُ باليمين المَرْدُودَةِ، وإذا 245 أقر بما يُوجبُ الحدَّ، وادَّعى شُبْهَةً، كما إذا وَطِئَ جَارِيةَ ابْنِهِ، وقال: ظَنَنْتُهَا تَحِلُّ لي، وهو ممن يَجُوزُ أن يُشْتَبَهَ عليه مثْلُهُ، حَلَفَ، وسقط بِحَلفِهِ الحَدُّ، ولَزِمَ المَهْرُ، وسمع الدعوى.
ويجري التَّحْلِيفُ في القِصَاصِ، وحَدِّ القذف، وكذا في الشَّتْمِ، والضَّرْبِ الموجِبَيْنِ للتعزير.
الثالثة: لو ادَّعى على القاضي: أنَّه ظَلَمَهُ في الحُكْمِ، أو على الشَّاهِدِ أنَّه تَعَمَّدَ الكَذِبَ، أو غَلِطَ، أو ادَّعى عليه ما يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِ، فهذا شَيْءٌ لو اعترف القَاضِي، أو الشَّاهِدُ، لَأَفَادَ اعترافهما التَّغْرِيمَ، وانتفع به المدعى.
لكن مَنْصِبَهُمَا يَأْبَى التَّحْلِيفَ على ما تَقَدَّمَ في آخر الباب الأَوَّلِ من "أدب القضاء".
ومرة أخرى في كتاب الدَّعَاوَى.
ولو ادعى على المَعْزُولِ أنَّه حكم أَيَّامَ قَضَائِهِ عليه ظُلْماً، وأَنْكَرَ، فقد ذكرنا وَجْهَيْنِ في أنَّه يحلف، أو يُصَدَّقُ بغير يَمِين.
والذي 246 أجاب به في الكتاب هاهنا؛ أنَّه يحلف، فَيُعَلَّمُ بالواو للوجه الآخر.
والكَلاَمُ على ما تَبَيَّنَ هناك مَائِلٌ إلى ترجيحه، وهذا في الدعوى التي تَتَعَلَّقُ بالحكم.
أما ما لا يَتَعَلَّقُ بالحكم كَدَعْوَى الأَمْوَالِ وغيرها، فَسَبيلُهُ سَبِيلُ سَائِرِ الناس في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، ويُحْكَمُ فيها بينه وبين المُدَّعِي خَلِيفَتُهُ، أَو قَاضٍ آخر.
الرابعة: [الصبي] 247 إذا ادَّعَى البُلُوغَ بالاحْتِلاَم في وَقْتِ الإمْكَانِ، صُدِّقَ، ولا يَحْلِفُ على ما بَيَّنَّاهُ في الإِقْرَارِ.
ومن ادُّعِيَ عليه شَيْءٌ فقال: أَما صَبِيٌّ بَعْدُ، وهو محتمل، لم يَحْلِفْ ووقفتَ الخُصْومَةُ إلى أن يُتَحَقَّقَ بُلُوغُهُ.
وإن وقع في السَّبْي من أَنْبَتَ، وقال: اسْتَنْبَتُّ الشَّعَرَ بالعِلاجَ، وأنا غير بَالِغ، فهذا يُبْنَى على أن إِنْبَاتَ العَانَةِ عين البلوغ، أو عَلاَمَتُهُ، وفيه قولان قد سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في الحَجْرِ.
فإن قلنا بالأَوَّلِ، فلا حَاصِلَ لكلامه، وإن قلنا بالثاني -وهو الأَصَحُّ- فالمشهور، والمنقول عن النص: أنَّه يَحْلِفُ، وفيه إِشْكَالٌ من جهَةِ أنَّه يدعي الصبا، وتحليف من يدعي الصبا لا وَجْهَ له على ما تَقَرَّرَ في الإقْرَارِ.
فعَن أبي الحُسَيْنِ [بن القَطَّانِ] 248 أن هذا التَّحْلِيفَ نَوْعُ احْتِيَاطٍ، واسْتِظْهَارِ، وكَذلك، ذكره القَفَّالُ في "شرح التلخيص".
الجزء: 13 - الصفحة: 201
وقَضِيَّةُ كَلاَم الأكثرين أنَّه وَاجِبٌ، وصَرَّحَ به القاضي الروياني، ونَفَى الخِلاَفَ فيه، واعتمد هؤلاَء في تَحْلِيفِهِ على دَلِيلِ الإِنْبَاتِ، وقالوا: كيف يترك 249 الدليل الظَّاهِرِ بزَعْمٍ مُجَرَّدٍ؟ وإذا حَلَفَ، فإن حلف أُلْحِقَ بَالذَّرَارِي وَحُقِنَ دَمُهُ، وإن نَكَلَ، فالذي حَكَاهُ ابن القَاصِّ عن النَّصِّ: أنَّه يُقتَلُ وَعَدَّهُ في جملة صُوَرٍ، ادَّعَى أنَّه يحكم فيها بالنُّكُولِ على خِلاَفِ المشهور من مَذْهَب الشَّافعي -رضي الله عنه- وقال غيره: ليس هذا حُكْماً بالنُّكُولِ، ولكن قام الدليل عَلى البلوغ، ولم يَظْهَرْ دَافِعٌ، فَأُجْرِيَ عليه حُكْمُهُ.
وفي المسألة وراء 250 المنقول عن النص وجوه:
أحدها: أنَّه يُخَلَّى 251 ولا يقضى عليه بالقَتْلِ.
والثاني: أنَّه يُحْبَسُ حتى يَحْلِفَ، أو يقر.
والثالث: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يُحْبَسُ إلى تَحَقُّقِ بُلُوغِهِ، ثم يحلف على ما ادَّعَاهُ من الاسْتِعْجَالِ، فإن لم يحلف فيقتل وهذا يحترز 252 من تحليف من يدعي أنَّه صَبِيٌّ.
واعلم أَنَّ صُورَةَ دَعْوَى الاسْتِنْبَاتِ بالعِلاجَ، قد جرى لها ذِكْرٌ في باب السّير، إلا أن المذكور هناك: أنَّه إذا حَلَفَ، يُصَدَّقُ.
والمذَكور هاهنا الطَّرَفُ الآخَرُ، وهو أنَّه إذا نَكَلَ، ماذا يفعل؟
الخامسة: ادَّعَى مُدَّعٍ دَيْناً على مَيِّتٍ، أو ادَّعَى أنَّه أوْصَى له بِشَىْءٍ، وللميت وَصِيٌّ في قَضَاءِ الدُّيُونِ، وتَنْفِيذِ الوَصَايَا، فأنكر، نُظِرَ، إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وإن لم يكن له بَيِّنَةٌ، وأراد تَحْلِيفَ الخَصْمِ على نَفْي العلم بذلك، لم يمكن 253 لأن مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ، أن يُصَدَّقَ الخَصْمُ، فيقر إن كان المدعي مُحِقاً.
والوصي لا يُقْبَلُ إقراره بالدَّيْنِ، والوَصِيَّةِ، فلا معنى لِتَحْلِيفِهِ 254.
نعم، لو كان وَارِثاً فحلف 255 بحقِّ الوِرَاثَةِ، وقَيِّمُ القاضي في ذلك كالوَصِيِّ، ومن عليه حق إذا طالبه به مُطَالِبٌ، وزَعَمَ أنَّه وَكِيلُ صَاحِبِ الحق، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ وأراد
الجزء: 13 - الصفحة: 202
تَحْلِيفَهُ على نَفْي العلم بالوِكَالَةِ، لم يُمَكَّنْ؛ لأنه وإن اعترف بالوكَالَة، لا يَلزَمُهُ التَّسْلِيمُ من حيث إنه لا يَأْمَنُ جحود صاحب الحَقِّ الموكل 256. هذا ما أَطْلَقَهُ في الكتاب، وهو مُسْتَمِرٌّ على ظاهر المذهب، لكن قد مَرَّ في آخر كتاب الوكَالَةِ نقل خلاف في أنَّه هل يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إذا اعترف بالوِكَالَةِ؟ وبَيَّنَا أنَّه إن لَزِمَهُ، كان للمُدَّعي تَحْلِيفُهُ، وأنه وإن لم يَلْزَمْهُ التسليم يُمَكَّنَ من تحليفه أيضاً.
إذا قلنا: إن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كالبَيِّنَةِ.
فيجوز أن يُعَلَّمَ لذلك 257 قوله هاهنا: "ولا يحلف من ينكر الوِكَالَةَ" بالواو وقياس ما نَقَلْنَا هناك إعلامه بالحاء، والزاي، أيضاً.
ثم هذه المَسَائِلُ مَخْتُومَة بِفَرْعٍ، وهو أن الوَكِيلَ بالخُصُومَةِ، هل له إِقَامَةُ البَيِّنَةِ على وِكَالَتِهِ من غير حُضُورِ الخصم؟ فيه وجهان:
حكى الإِمَامُ عن القاضي الحُسَيْنِ، أنَّه لاَ بُدَّ منه؛ لأنه حق عليه، وعن غيره، أنَّه لا حَاجَةَ إليه؛ لأنه يثبت وِلاَيَةَ لنفسه.
وذكرنا في الوِكَالَةِ أن الإمَامَ حكى عن القَاضِي، إذا كان الخَصْمُ غَائِباً عن البَلَدِ، ينصب القاضي مسخراً عنه، كان المُرَادُ هاهنا ما إذا كان حَاضِرَاً في البَلَدِ، وهناك ما إذا كان غَائِباً عن البَلَدِ، والأَظْهَرُ سَمَاعُ البَيِّنَةِ، وأنه لا حَاجَةَ إلى حضوره، ولا إلى نَصْبِ مسخّرٍ.
ولو وكل بالخُصُومَةِ في مَجْلِسِ الحكم، استغنى عن حُجَّةٍ يُقِيمُهَا، إن كان الخَصْمُ حَاضِراً هناك، وإن لم يكن، فَلْتُبْنَ 258 على أن القاضي هل يقضي بعلمه؟
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا حُكْمُ اليَمِينِ فَهُوَ انْقِطَاعُ الخُصُومَةِ فِي الحَالِ لاَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بَلْ لِلمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ وَيَعْتَذِرَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لاَ بَيِّنَةَ لَهُ حَاضِرَةً وَغَائِبَةً فَفِي القَبُولِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: كَذَبَ شُهُودِي بَطُلَتِ البَيِّنَةُ، وَفِي بُطْلاَنِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلنَا: لاَ تَبْطُلُ فَادَّعَى الخَصْمُ إِقْرَارَهُ بِكَذِبِ الشُّهُودِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيهِ شَاهِدَاً وَيَحْلِفَ مَعَهُ لِيُسْقِطَ البَيِّنَةَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ مَقْصُودَه الطَّعْنُ، وَإِنْ قُلْنَا: تَبْطُلُ دَعْوَاهُ جَازَتِ الحُجَّةُ النَّاقِصَة لإسْقَاطِ الدَّعْوَى بِالمَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَرف الرابع: فَائِدَةُ اليَمِين وحُكْمُهَا، وهو انْقِطَاعُ الخصومة، والمُطَالَبَة في الحال، ولا سُقُوط الحق، وبَرَاءَة الذِّمَّةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 203
رُوِيَ عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ رَجُلاً بعدما حَلَفَ بالخروج من حَقِّ صَاحِبِهِ 259، كأنه عَرَفَ أنَّه كاذبٌ، فَدَلَّ أن اليمين، لا تُوجِبُ البَرَاءَةَ.
فلو أقام المُدَّعِي بَيِّنَة بعدما حلف المُدَّعَى عليه، سُمِعَتْ، وقُضِيَ بها.
وكذا لو رُدَّتِ اليمين على المُدَّعِي، ونَكَلَ، ثم أقام بَيِّنَةً.
وهذا إذا لم يتعرض وقت التحليف للبَيِّنَةِ، وإن كان قد قال حينئذ: لا بَيِّنَة لي حَاضِرَةٌ، ولا غائبة، فهذه الصُّورَةُ قد ذكرنا في شرح الفصل الثَّانِي من الباب الثاني من "أدب القضاء"، مَضْمُومَة إلى الصورة التي أَوْرَدَهَا هناك، وهي أن يقول: لا بَيّنَةَ، واقتصر عليه.
وفيهما جَمِيعُ الخلاف.
والأَظْهَرُ السماع أيضاً، وَبَيَّنَّا هناك أنَّه لو قال: لا بَيِّنَةَ لي حَاضِرَةٌ، ثم جاء ببينة سمعت فَلَعَلَّهَا حضرت.
وأنه لو قال: لي بَيِّنَةٌ، ولكن لا أُقِيمُهَا، وأريد يمينه، يُجِيبُهُ القاضي إليه، ويحلفه.
هذا هو المَشْهُورُ.
وفي فتاوى القَفَّالِ: أنَّه لا يَجِبُ على القاضي تَحْلِيفُهُ، بل يقول: أَحْضِرِ البَيِّنةَ.
هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: لو أن مُدَّعِياً أقام على ما يَدَّعِيهِ شُهُوداً، ثم قال: كَذَبَ شُهُودِي، أو شَهِدُوا مبطلين، فلا شَكَّ في سقوط بَيِّنَتِهِ، وامتناع الحكم.
وفي بُطلاَنِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ عن صاحب "التقريب": تبطل، وينزل تَكْذِيبُهُ الشُّهُودَ مَنزِلَةَ تكذيبه نَفْسَهُ، وليس له أن يُقيمَ بعد ذلك بَيِّنَةً أخرى.
وأظهرهما: المَنْعُ، لاحتمال أن يكون هو مُحِقّاً في دَعْوَاهُ، والشهود مبطلين؛ لِشَهَادَتِهِمْ بما لا يحيطون به عِلْماً، وفي مثل ذلك يقول الله تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ
الجزء: 13 - الصفحة: 204
لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
وبُنِيَ على الوجهين، ما إذا أَقَامَ المُدَّعِي شُهُوداً، فزعم المُدَّعَى عَلَيْهِ أن المدعي أَقَرَّ بأن شُهُودَهُ كَذَبَةٌ، وأقام عليه شاهداً وَاحِداً، وأراد أن يَحْلِفَ معه، هل يُمَكَّنُ؟ وهل يُحْكَمُ بشاهده ويمينه؟ إن قلنا: هذا الإِقْرَارُ لا يُبْطِلُ أَصْلَ الدعوى، فلا؛ لأن المَقْصُودَ حينئذ الطَّعْنُ في الشهود، وإخْرَاجُ شهاداتهم عن أن يُحْكَمَ بها، وجرح الشهود، والطَّعْنُ فيهم، لا يَثْبُتُ بشاهد وَيمِينٍ، وإن كانت الشهادة في مَالٍ.
وإن قلنا: إنه يبطل أصل الدعوى، مُكِّنَ؛ لأن المَقْصُودَ، والحالة هذه، إِسْقَاطُ الدعوى بمالمال، فهو بِمَثَابَةِ، ما لو ادَّعَى الإِبْرَاءَ؛ فإنه يثبت بشاهد ويمين.
فروع
:
مما جمع في "فتاوى القَفَّالِ" وغيره:
أقام شَاهِدَيْنِ في هذه الحَادِثَةِ؛ أنهما اسْتَبَاعَا الدَّار منه، واندفعت شَهَادتهما 260، ولو أقام شَاهِدَيْن على أن هذه الدَّار مِلْكُهُ، فأقام المَشْهُودُ عليه شَاهِدَيْنِ، على أن شاهدي المدعي 261 قد قالا: لا شَهَادَةَ لنا في ذلك، فسألهما الحاكم: متى قال ذلك شَاهِدَا المُدَّعِي؟ فإن قالا: قالاه أَمْسِ، أو منذ شهر، لم يندفع بشهادتهما بذلك؛ لأنهما قد لا يَكُونَا شَاهِدَيْنِ، ثم يَصِيرا شَاهِدَيْنِ.
وإن قَالاَهُ حين قَصَدْنَا لإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، اندفعت شَهَادَتُهُمَا.
ولو أقام المَشْهُودُ عليه شَاهِدَيْنِ، أن المدعي أَقَرَّ بأن شاهديه شَرِبَا الخَمْرَ وَقْتَ كذا، فإن طَالَتِ المُدَّةُ بينه وبين أَدَاءِ الشهادة، لم يَقْتَضِ ذلك رَدَّ الشَّهَادَةِ.
وإن كانت المُدَّةُ يَسِيرَةً، رُدَّتْ، شهادتهما.
وإن شَهِدَا أنَّه أَقَرَّ بأنهما شَرِبَا الخَمْرَ من غير تَعْيِينِ وَقتِ، سُئِلَ المدعي عن وَقْتِهِ، وحُكِمَ بما يَقْتَضِيهِ تعيينه.
ولو أَقَامَ المدَّعِي بَيِّنَةً، ثم قال للقاضي: لا تَحْكُمْ بشيء حتى تُحَلِّفَهُ، كانت بَيِّنَتُهُ
الجزء: 13 - الصفحة: 205
بَاطِلَةَ، ووجه ذلك بأنه كالمعترف بأن بَيَّنَتَهُ مما لا يَجُوزُ الحكم بها 262 263.
وقوله في الكتاب: "ويعذر بأنه لم يَعْلَمْ أن له بَيِّنَةً".
هذا الاعْتِذَارُ ليس بِشَرْطٍ لإقامة البَيِّنَةِ، على ما تَقَرَّرَ من أصلنا.
نعم، حُكِيَ في "التهذيب": أن مالكاً قال: إن كان عالماً عند التَّحْلِيفِ أنَّه له بَيِّنَةً، بَطَلَ حَقُّهُ عن البينة، يجوز أن يُعَلمَ لذلك قوله: "بل للمدعي بعد ذلك أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ" بالميم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: حَلِّفْنِي مَرَّةً فَلْيَحْلِف عَلَى أَنَّهُ ما حَلَّفَنِي سُمِعَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَلَوْ أَجَابَهُ بِأنَّهُ حَلَّفَنِي مَرَّةً عَلَى أَنَّنِي مَا حَلَّفْتهُ فَلْيَحْلِف عَلَى أَنَّهُ مَا حَلَّفَنِي لَمْ يُسْمَعْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلب المُدَّعِيَ يَمِينَ المُدَّعَى عليه، بين يَدَي الحَاكِمِ، فقال المُدَّعَى عليه للحاكم: قد حَلَّفَنِي مَرَّةً على هذا بالْتِمَاسِهِ، وليس له تَحْلِيفِي، فإن كان القاضي يَحْفَظُ ما يقوله، لم يحلفه.
ومنع المدعي مما يَبْغِيهِ، وإن لم يحفظه، حَلَّفَهُ، ولا تَنْفَعُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ فيه؛ لما مَرَّ أن القاضي متى يذكر حكمه، أَمْضَاهُ، وإلا لم يعتمد على البَيِّنَةِ.
وعن ابن القَاصِّ: يجوز سَمَاعُ البَيِّنَةِ فيه، حكاه القاضي أبو سَعْدٍ الهروي.
وحَقُّهُ الطَّرْدُ في كل باب.
وإن قال حَلَّفني عند قَاضٍ آخر، أو أطلق، وأراد تَحْلِيفَهُ عليه، فوجهان عن أبي سعيدٍ الإصطخري:
أحدهما: المنع؛ ويُحْكَى هذا عن ابن القَاصِّ، وذلك لأنه لا يَأْمَنُ أن يَدَّعِيَ المُدَّعِي أنَّه حَلَّفَهُ على أنَّه ما حلفه.
وهكذا يَدُورُ الأَمْرُ، ولا ينفصل.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" وغيره: أنه يُمَكَّنُ منه؛ لأنه محتمل غير مستبعد، ولا يُسْمَعْ مِثْلُ ذلك من المدعي، كيلا يَتَسَلْسَلَ، وعلى هذا، فإن كانت له
الجزء: 13 - الصفحة: 206
بَيِّنَةٌ، أقامها، وتخلص عن الخُصُومَةِ، وإن استمهل ليقيم (1) البَيِّنَةَ، فقياس البَيِّنَاتِ الدَّوَافِع أن يُمْهَلَ ثلاثاً (2). وعن القاضي الحسين: أنَّه قال: أَرَى ألا يُمْهَلَ أَكْثَرَ من يوم؛ لأنه كالمُرَاوغِ المُتَعَنِّتِ.
وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، حلف المدعي: انه ما حَلَّفَهُ، ثم يُطْلَبُ المَالُ (3).
وإن نَكَلَ، حَلَفَ المُدَّعَى عليه، وسَقَطَتِ الدعوى، فلو أراد أن يَحْلِفَ يمين (4) الأصل، لا يمين التحليف المَرْدُودَة عليه.
قال في "التهذيب": ليس له ذلك، إلا بعد اسْتِئنَافِ الدَّعْوَى؛ لأنهما الآن في دَعْوَى أخرى.
ولو قال المدعي في جَوَاب المُدَّعَى عليه: قد حَلَّفَنِي مَرَّةً على أني ما حَلَّفْتُهُ مَرَّةً، وأراد تَحْلِيفَهُ، لم يجب؛ لأنه يُفْضِي إلى ما لا يَتنَاهَى.
ولو ادَّعَى مالاً على رَجُلٍ، فأنكر، وحلف، ثم جاء المُدَّعِي بعد أيام، وقال: حَلَفْتُ يومئذ لأنك كنت مُعْسِراً، ولم يلزمك تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيَّ، فقد أَيْسَرْتَ الآن فهل تُسْمَعُ؟
فيه وجهان:
في وجه: تُسْمَعُ، ويحلف المدعى عليه لإمْكَانِهِ.
وفي وجه: لا؛ لأنه لا يَتَنَاهَى، ويفضي إلى ألا ينفَصِلَ الأَمْرُ بينهما بحال (5).
فروع
:
إنما يحلف المُدَّعَى عليه إذا طلب المُدَّعِي يَمِينَهُ، فإن لم يطلب فلم يقلع عن المُخَاصَمَةِ، لم يحلفه القاضي، ولو حلفه، لم يُعْتَدَّ بتلك اليَمِينِ.
وحكى أبو الفَرَج الزَّازُ وَجْهاً آخر: أنَّه لا يَتَوَقَّفُ التَّحْلِيفُ على طلبه؛ لأن للمدعى عليه عِوَضاً عن 269 اليمين، وهو سُقُوطُ المُطَالَبَةِ والمُلاَزَمَةِ، وادعى أن هذا الوَجْهَ أَصَحُّ، ونقله القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ عن القَفَّالِ الشاشي والمشهور الأَوَّلُ، وإن امتنع من تحليفه بالدعوى264265266267268
الجزء: 13 - الصفحة: 207
السَّابِقَةِ، جاز؛ لأنه لم يسقط حَقّه عن اليمين (1). فإن قال: أَبْرَأتُكَ عن اليمين، سقط حَقُّهُ من اليمين في هذه الدَّعْوَى، وله اسْتِئْنَافُ الدعوى، وتحليفه، ذكره في "التهذيب" (2).
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ: النُّكُولُ
وَلاَ يَثْبُتُ الحَقُّ به وَلَكِنْ تُرَدُّ علَى المُدَّعِي إِذَا تَمَّ نُكُولُهُ، وَيَتِمُّ بِأَنْ يَقُولَ لاَ أَحْلِفُ أَوْ أَنَا نَاكِلٌ أَوْ سَكَتَ وَقَالَ القَاضِي: قَضَيْتُ بالنُّكُولِ أَوْ قَالَ لِلمُدَّعِي: احْلِف، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ القَاضِي اليَمِينَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وَيَشْرَحَ لَهُ حُكْم النُّكُول، فَإِنْ لَمْ يَشْرَحْ وَقَضَى بِالنُّكُولِ فَرَجَعَ وَقَالَ: لَمْ أَعْرِفْ حُكْم النُّكُولِ فَفِي جَوَازِ الحَلِفِ خِلاَفٌ، وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ فَلَوْ رَضِيَ المُدَّعِي بِيمِينِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكر المُدَّعَى عليه، واسْتُحْلِفَ، فَنَكَلَ عن اليمين، لم يُقْضَ عليه بالنُّكُولِ، ولكن تُرَدُّ اليَمِينُ على المدعي، فإذا حَلَفَ قُضِيَ له.
وعند أبي حَنِيْفَةَ، وأحمد: يُقْضَى على المدعى عليه بنُكُولِهِ.
واستثنى أبو حنيفة القِصَاصَ في النَّفْسِ، ووافقنا مَالِكٌ على: أنَّه لا يُقْضَى بالنكول، لكن قال: ما يثبت بشَاهِدٍ وَيمِينٍ، يردّ فيه اليمين على المُدَّعِي، وما لا يثبت بشاهد ويمين، لا تُرَدُّ فيه اليَمِيَنُ؛ بل يُحْبَسُ المُدَّعَى عَلَيْهِ حتى يحلف أو يقر.
واحتج الأَصْحَابُ بما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ اليمين على طَالِبِ الحَقِّ.
[وعن عمر -رضي الله عنه- تحويلُ اليَمِينِ إلى المُدَّعِي،] 272 قالوا: والنكول، كما يُحْتَمَلُ أن يكون تورعاً 273 عن اليمين الكَاذِبَةِ، يُحْتَمَلُ أن يكون تَوَرُّعاً عن اليمين الصَّادِقَةِ؛ فلا يُقْضَى به مع التَّرَدُّدِ، والاحتمال إذا عرف ذلك، فلو لم يعرف المدعي270271
الجزء: 13 - الصفحة: 208
تَحْوِيلَ اليمين إليه بنكول 274 المدعى عليه، عَرَّفَهُ القاضي، وبين أنَّه إن حَلَفَ، استحق، وإنما يَحْصُلُ النكول، بأن يعرض القاضي اليَمِينَ عليه، فيمتنع، وفُسِّرَ العَرْضُ؛ بأن يقول: قُلْ: واللهِ، والامْتِنَاعُ، بأن يقول: لا أَحْلِفُ، وأنا نَاكِلٌ.
قال الإِمام: وقوله: قل: والله، ليس أَمْراً جَازِماً، وإنما المُرَادُ بأنه 275 وَقْت اليمين المُعْتَدِّ بها للمدعى عليه.
ولو قال: احلف، فقال: لا، فهذا ليس بنكول.
ولو ابْتَدَرَ حين سَمِعَ هذه الكلمة، وحَلَفَ لم يعتد به؛ لأنه استخبار لا اسْتخلاَفٌ.
ولو قال: احْلِفْ، فقال: لا أحلف، ففي "التهذيب": أنَّه ليس بِنُكُولٍ أيضاً.
وقال الإِمام: هو نكول، وهو وَاضِحٌ، ولا فَرْقَ بين قوله: قل: باللهِ، وبين قوله: احلف بالله 276. ولو اسْتُحْلِفَ فلم يحلف، ولا تَلَفَّظَ بأنه نأكل [أو] 277 ممتنع، فسكوته نكول، كما أن السُّكُوتَ عن الجواب في الابْتِدَاءِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الإنْكَارِ ثم ذكر الإِمام وغيره: أنَّه إن صرح بالنُّكُولِ، فلا حَاجَةَ إلى حكم القاضي بأنه نَاكِلٌ، وإن سكت فَيَحْكُمُ القاضي بأنه نَاكِلٌ، ليثبت 278 عليه [رد] 279 اليمين.
وقول القاضي لِلْمُدَّعِي: احلف، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قوله: حَكَمْتُ بأن المدعى عليه نَاكِلٌ، وهذا ما أَرَادَهُ بقوله، ويتمّ بأن يقول: لا أَحْلِفُ، أو أنا نَاكِلٌ، [أو] 280 سكت، فقال القاضي: قَضَيْتُ بالنُّكُولِ، أو قال للمدعي: احلف، فقوله: "أو سكت" مُتَعَلِّقٌ بقوله، "بأن يقول: لا أَحْلِفُ".
وقوله: "أو قال للمدعي": احلف مُتَعَلِّق بقوله: "أو قال القَاضِي: قَضَيْتُ بالنكول".
وإنما يَحْكُمُ القاضي بأنه نَاكِلٌ، إذا لم يَظْهَرْ كون السُّكُوتِ لِدَهْشَةٍ، أو غَبَاوَةٍ، ونحوهما ويُسْتَحَبُّ للقاضي أن يَعْرِضَ اليَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلاَثَ مرات؛ والاسْتِحْبَابُ فيما إذا سَكَتَ، أكثر منه فيما إذا صرّح بالنكول.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن العَرْضَ ثَلاَثاً، شرط.
فهذا تفرس فيه سلامة جانب، شرح له جكم النُّكُولِ، فإن لم يَشْرَحْ، وحكم بأنه نَاكِلٌ.
قال المدعى عليه: لم أَعْرِفْ حُكْمَ النكول، ففي نفوذ الحكم احْتِمَالاَنِ:
قال الإِمام: أظهرهما: النفوذ، وكان من حَقِّهِ أن يبحث، ويعرف قبل أن يَنْكُلَ، ولو أراد المُدَّعَى عَلَيْهِ بعد الامْتِنَاعِ أن يعود، فيحلف، نظر: إن كان ذلك بعد أن حَكَمَ
الجزء: 13 - الصفحة: 209
القاضي بأنه نَاكِلٌ، أو قال لِلْمُدَّعِي: احلف، لم يكن له الحَلِفُ.
وإن أَقْبَلَ عليه يحلفه، ولم يقل [له] 281 بعد: احلف، فهل هو كما لو قال: احْلِفْ؟ فيه وجهان عن القاضي الحُسَيْنِ.
وإن لم يَجْرِي شيء من ذلك، فله الحَلِفُ حتى لو هَرَبَ المُدَّعَى عَلَيْهِ قبل أن يَحْكُمَ القاضي عليه؛ بأنه نَاكِلٌ وقبل أن تُعْرَضَ اليَمِينُ على المُدَّعِي، لم يكن للمدعي أن يَحْلِفَ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وكان للمدعى عليه الحَلِفُ، إذا عاد.
هكذا أَطْلَقَ صاحب "التهذيب"، وغيره.
وقضيته؛ التَّسْوِية بين التَّصْرِيحِ بالنُّكُولِ، وبين السُّكُوتِ، حتى لا يمتنع 282 من العَوْدِ إلى اليمينِ في الحَالَتَيْنِ إلا بعد الحُكْمِ بأنه نَاكِلٌ، أو بعد عَرْضِ اليمين على المُدَّعِي.
وقد يُفْهَمُ مِنْ قول من قال: إنه لا حَاجَةَ عند التَّصْرِيحِ بالنُّكُولِ إلى حكم الحاكم، امْتِنَاعُ العَوْدِ إلى الحَلِفِ عند التَّصْرِيحِ بالنكول، وإن لم يُوجَدْ حكم ولا عَرْضُ يَمِينٍ، وحيث مَنَعْنَاهُ من العَوْدِ إلى الحلف، فذاك 283، وإذا لم يرض المدعي.
فإن رَضِيَ فوجهان:
أحدهما: أن حَقَّ حَقِّهِ قد بَطَلَ، فلا يُؤَثِّرُ فيه الرِّضَا.
وأظهرهما: أن له العَوْدَ إليه، فإن الحَقَّ لا يَعْدُوهُمَا.
وقال في "الرقم": وإذا رَضِيَ بأن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه -والحالة هذه- ثم إنه لم يَحْلِفْ، لم يكن للمدعي أن يَعُودَ إلى يَمِينِ الرَّدِّ؛ لأنه أَبْطَلَ حَقَّهُ، حيث رَضِيَ بيمين المدعى عليه.
وليُعَلمْ قوله في الكتاب: "ولا يثبت الحق" -بالحاء والألف والميم- لما مَرَّ من مَذَاهِبِهِمْ.
وقوله: "ويتم النكول ... " إلى آخره في لفظه إِشْكَالٌ؛ فإنه جَعَلَ أَحَدَ طرفي تمام النُّكُولِ حُكْمَ القَاضِي بالنُّكُولِ، ومَعْلُومٌ أن القاضي إنما يَحْكُمُ بالنُّكُولِ، إذا تَمَّ النكول، فكيف يكون تَمَامُ النُّكُولِ بالحكم المَوْقُوفِ على تمام النكول؟ وأراد أن حُكْمَ النُّكُولِ يَثْبُتُ بالتَّصْرِيحِ بالنكول، أو بالسُّكُوتِ، وحكم القاضي.
وقوله: "ففي جَوَاز الحَلِفِ خِلاَفٌ".
أي هل يُنَفَّذُ الحكم بأنه نَاكِلٌ من غير عِلْمِهِ بحكم النُّكُولِ، أو لا يُنَفَّذُ حتى يجوز له الحَلِفُ؟ وعبْر بالخلاف 284 عن الاحْتِمَالَيْنِ اللذين نَقْلَنَاهُمَا عن الإِمَامِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 210
فرع
:
نقل القاضي الرُّوَيانِيُّ في "جَمْع الجَوَامِعِ": أن قَوْلَ القاضي لِلْمُدَّعِي: أتحلف أنت؟ كقوله: احلف حتى لا يَتَمَكَّنَ الَمُدَّعَى عليه من الحَلِفِ بعد ذلك.
قال: وعندي فيه نَظَرٌ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ المُدَّعِي إِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ كَحَلِف المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ حَلَفَ فَهُوَ كَإقْرَار الخَصْم أَوْ كَبَيِّنَتِهِ فِيْهِ خِلاَفٌ، وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَقَّ بِهِ، وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: أَمْهِلُونِي أَمْهَلْنَاهُ ثَلاَثاً لِأَنَّهُ عَلَى اخْتِيَارِه فِي تَأْخِيرِ الطَّلَبِ، أَمَّا المُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يُمْهَلُ، فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ ثَلاَثٍ بَطُلَ حَقُّهُ مِنَ اليَمِينِ كَانَ كَنُكُولهِ، وَفيهِ وَجهٌ أَنَّهُ عَلَى خِيرَتِهِ أَبَدَاً، وَكَذَا الكَلاَمُ فِيْمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدَاً وَأَرَادَ أن يَحْلِفَ مَعَهُ ثُمَّ نَكَلَ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلاَّ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُدَّعِي إذا رُدَّتِ اليَمِينُ عليه؛ إما أن يَحْلِفَ، أو يَمْتَنِعَ.
الحالة الأولى: أن يَحْلِفَ فَيَسْتَحِقُّ المُدَّعَى، ويَمِينُهُ بعد نُكُولِ المُدَّعَى عليه بمنزلة بَيَّنَةٍ يُقِيمُهَا، أو بمنزلة إِقْرَارِ المُدَّعَى عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنها كالبَيِّنَةِ؛ لأن الحُجَّةَ اليَمِينُ، واليَمِينُ وُجِدَتْ منه.
وأصحهما: وهو المَنْصُوصُ في "المختصر" ثم بَاب النُّكُولِ: أنها بِمَثَابَةِ إِقْرَارِ المدعى عليه؛ لأنه بنكوله تَوَصَّلَ إلى الحَقِّ؛ فَأشْبَهَ إِقْرَارَهُ 285.
وللقولين فُرُوعٌ كثيرة مَذْكُورَةٌ في مَوَاضِعِهَا.
ومنها: أن المُدَّعَى عليه لو أقام بَيِّنَةً على أَدَاءِ المَالِ، أو على الإِبْرَاءِ عنه بعدما حَلِفَ المُدَّعِي؛ فإن جعلنا يَمِينَهُ كبينة 286 سمِعَتْ بَيِّنَةُ المُدَّعَى عليه، وإن جَعَلْنَاهَا كإقْرَار المُدَّعَى عليه، لم تُسْمَعْ، لكونه 287 مُكَذِّباً لِلْبَيِّنَةِ بالإِقرار 288.
الجزء: 13 - الصفحة: 211
وحكى القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيِّ اخْتِلاَفاً للأصحاب في: أنَّه يَجِبُ الحَقُّ بفَرَاغِ المُدَّعِي من اليمين المَرْدُودَةِ، أم لا بد من حكم الحاكم؟ ويمكن أن يُبْنَى هذا على القَوْلَيْنِ، إن جَعَلْنَاهَا كالبَيِّنَةِ.
فلا بُدَّ من الحكم، وإن جعلناها كَإِقْرَارِ المُدَّعَى عليه؛ فلا حَاجَةَ إليه.
على أن في الإقرار أيضاً خِلاَفاً قد مَرَّ في "أدب القضاء".
[الحالة] 289 الثانية: أن يمتنع 290 عن الحَلِفِ، فيسأله القَاضِي عن سَبَبِ امْتِنَاعِهِ، فإن لم يَتَعَلَّلْ بشيء، أو قال: لا أريدُ أن أَحْلِفَ، فهذا نُكُولٌ، ليسقط حَقَّهُ من اليَمِينِ، وليس له مُطَالَبَةُ الخَصْم وَمُلاَزَمَتُهُ 291، ثم قَضِيَّةُ قوله في الكتاب: "أن نكوله كَحَلِفَ المدعى عليه"، إلاَّ يَتَمَكَّنَ من اسْتِئْنَافِ الدعوى، وتحليفه في مَجْلِسٍ آخر، كما لو حَلَفَ المُدَّعَى عليه، فلا ينفع بعد ذلك إلا البَيِّنَةُ.
وكذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وصَرَّحَ به الإمَامُ، ووجّه بأنا لو لم نَقُلْ بهذا، لرفع 292 خصمه كل يومِ إلى القَاضِي، والخَصْمُ نَاكِلٌ وهو لا يَحْلِفُ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، فيعظم الخَطْبُ، ولا يَتَفرَّغُ القاضي من 293 خُصُومَتِهِ إلى شُغلٍ آخر.
والذي ذكره العِرَاقيُّونَ، والقاضي الروياني أنَّه لو جَدَّدَ الدعوى في مجلس آخر، ونَكَلَ المُدَّعَى عليه ثانياً يُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، وهذا ما أَوْرَدَهُ القاضي أبو سَعْدٍ الهروي وَلاَ شَكَّ أن الأَوَّلَ أَحْسَنُ، وأَقْوَى، وإن ذَكَرَ المُدَّعِي لامْتِنَاعِهِ سَبَباً، فقال: أريد أن آتِيَ بالبَيِّنَةِ، أو أَسْأَلَ الفُقَهَاءَ، أو أَنْظُرَ في الحِسَابِ، تُرِكَ، ولم يبطل حَقّهُ من
الجزء: 13 - الصفحة: 212
اليمين 294. وهل يُقَدَّرُ لإمْهَالِهِ مُدَّةٌ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند الإِمام وصاحب الكتاب: يُمْهَلُ ثَلاثةَ أيام، ولا يُزَادُ، إلا لم يُؤْمَنُ من الملاحة، والمرافعة مَرَّةً بعد أخرى، وقد يتعب الخَصْم والقاضي.
والثاني: أنَّه لا تَقْدِيرَ؛ لأن اليَمِينَ حَقُّهُ، فله تأخيره إلى أن يَشَاءَ كالبَيِّنَةِ يَتَمَكَّنُ من إِقَامَتهَا متى شاء 295، وهذا ما أَوْرَدَهُ في "التهذيب".
ولمن قال بالأَوَّل: أن يُفَرِّقَ بأن البَيِّنَةَ قد لا تُسَاعِدُهُ، ولا تحضر، واليَمِينُ إليه.
ولم يذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- فيما إذا امْتَنَعَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ أنَّه يسأل عن سَبَبِ امْتِنَاعِهِ.
فعن ابْنِ القَاصِّ: أن قياس ذكره 296 امْتِنَاع المدعي، أن يسأل المُدَّعَى عَلَيْهِ عن سبب الامْتِنَاعِ أيضاً.
وامتنع عَامَّةُ الأَصْحَاب من هذا الإِلْحَاقِ فارقين بأن امْتِنَاعَ المُدَّعَى عليه يثبت لِلْمُدَّعِي حَقَّ الحَلِفِ 297، والقضاء بيمينه؛ فلا يُؤَخَّرُ حَقُّهُ بالبحث [وامْتِنَاعُ المُدَّعِي لا يُثْبِتُ حَقّاً لغيره، ولم يَضُرَّ السؤال] 298 عن سبب الامتناع.
وكان يجوز أن يُقَالَ: إن امْتِنَاعَ المدعى عليه، إنما يُثْبِتُ الحَقَّ للمدعي، إذا امتنع بلا سَبَبٍ، فأما إذا تَعَلَّلَ بِعُذْرٍ، كما سَنَذْكُرُهُ على الأَثَرِ، فلا يَنْتَقِلُ حَقُّ اليَمِينِ من جَانِبِهِ إلى جانب المُدَّعِي، وإذا لم يكن الامْتِنَاعُ المُطْلَقُ نَاقِلاً للحق، لم يكن السُّؤَالُ تَأْخِيراً لِلْحَقِّ، ولو أن المُدَّعَى عليه حين اسْتُحْلِفَ قال: أَمْهِلُوني لأَنْظُرَ في الحِسَابِ، أو أَسْأَلَ الفُقَهَاءَ؛ فوجهان:
أشهرهما 299: وهو المَذْكُوُر في الكتاب: أنَّه لا يُمْهَلُ، إلا أن يَرْضَى المدعى؛ لأنه مَجْبُورٌ 300 مَحْمُولٌ على الإِقْرَارِ، واليَمِينُ بخلاف المُدَّعي؛ فإنه مُخْتَارٌ في طَلَبِ حَقِّهِ، وفي تأخيره.
والثاني: وبه قال صاحب "الإفصاح": أنَّه يُمْهَلُ؛ للْحَاجَةِ، ولا يُزَادُ على ثلاثة أيام، كيلا يَتَضَرَّرَ المُدَّعِي.
واختار القاضي الرُّوَيانِيُّ وَجْهَ الإِمْهَالِ، وقال فيما إذا اسْتُمْهِلَ لِيَسْأَلَ الفقهاء 301:
الجزء: 13 - الصفحة: 213
إن قُضَاةَ بَلَدِنَا اسْتَحْسَنُوا الإمْهَالَ يوماً، ولو اسْتُمهِلَ المُدَّعَى عليه في ابتداء الجَوَابِ، لينظر في الحساب.
ذكر القَاضي أبو سَعْدٍ: أنَّه يُمْهِلُهُ إلى آخِرِ المَجْلِسِ إن شاء، وإذا عَلَّلَ المدعي امْتِنَاعَهُ بِعْذرٍ، كما بَيَّنَّا، ثم عاد بعد مُدَّةٍ ليَحْلِفَ، مُكِّنَ منه.
قال في "التهذيب": فإن لم يذكر القَاضِي نُكُولَ خَصْمِهِ، أَثْبَتَهُ بالبَيِّنَةِ، وكذا لو أَثْبَتَ عند قَاضٍ آخر نُكُولَ خَصْمِهِ، له أن يحلف، وكذا، لو نَكَلَ المدعى عليه في جواب وَكيلِ المدعي، ثم حَضَرَ الموكّل، له أن يحلف ولا يَحْتَاجُ إلى اسْتِئْنَافِ 302 الدَّعْوَى، ومن أَقَامَ شَاهِداً وَاحِداً ليَحْلِفَ معه، إنه لم يَحْلِفْ، فهو كما لو ردت 303 اليَمِينُ إلى المُدَّعِي، فلم يَحْلِفْ، وإن عَلَّلَ الامْتِنَاعَ بعُذرٍ، عاد الوَجْهَانِ في أنَّه على خِيرَتِهِ أَبَداً، أو لا يُزَادُ إِمْهَالُهُ على ثلاث 304.
وإن لم يَتَعَلَّل بشيء، أو صَرَّحَ بالنُّكُولِ، فعلى ما في الكتاب و"التهذيب"، يبطل حَقُّهُ من الحَلِفِ، وليس له العَوْدُ إليه، واستمر العِرَاقِيُّونَ على ما ذَكَرُوهُ هناك 305.
قال المُحَامِلِيُّ في "التجريد": ولو امْتَنَعَ من الحَلِفِ مع شَاهِدِهِ، واستحلف الخَصْم، انتقلت اليَمِينُ من جَانِبِهِ إلى جَانب صَاحِبِهِ، فليس له أن يَعُودَ فَيَحْلِفَ، إلا إذا عاد في مَجْلِسٍ آخر، واسْتَأْنَفَ المُدَّعِي الدَّعْوَى، وأقام الشَّاهِد، له أن يَحْلِفَ معه.
فإن قُلْنَا بالأول، لم تَنْفَعْهُ إلا بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "فنكوله كحلف المدعى عليه"؛ يجوز إعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن من قال بِرَدِّ اليَمِينِ عند تَجْدِيدِ دَعْوَى ونكول، لا يكون نُكُولُهُ كحلف 306 المدعى عليه.
وقوله: "وإن قال المُدَّعِي: أَمْهِلُوني، أمهلناه ثلاثاً"، مَحْمُولٌ على ما إذا قال: أَمْهِلُونِي لِأُطَالِعَ الحِسَابَ، أو أُرَاجِعَ القَضِيَة، فأما إذا اقْتَصَرَ على قوله: أَمْهِلُونِي، فيشبه أن يقال: هو كما إذا لم يذكر عذراً 307 وقوله: "وأما المُدَّعَى عليه فلا يُمْهَلُ"، مُعَلَّمٌ بالواو.
وقوله: "فلو لم يرجع" أي المدعي فلفظ النكول في قوله: "أقام شاهداً وأراد أن يَحْلِفَ معه، ثم نَكَلَ"، ما ينبغي أن يُحْمَلَ على النُّكُولِ المُطْلَقِ، والامتناع بلا عُذْرٍ، بل يُحْمَلُ على الاسْتِمْهَالِ، والتَّمَسُّكِ بِعُذْرٍ.
فإن ذلك هو صُورَةُ الوجهين في الامْتِنَاعِ عن اليمين المَرْدُودَةِ، لا مُطْلَق الامتناع، وحينئذ فقوله: "لا تُقبَلُ منه بعد ذلك إلا ببينة 308 كاملة" [أي] 309 إلا بعد الثلاث لينظر
الجزء: 13 - الصفحة: 214
[ولي] 310 الحاكم 311 على المذكور في اليمين المَرْدُودَةِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَتَعَذَّرُ رَدُّ اليَمِينِ حَيْثُ يَكُونُ المُدَّعِي السُّلْطَانَ، فَإِنْ نَكَلَ رَبُّ مَالِ الزَّكَاةِ لَمْ يَحْلِفِ السَّاعِي، بَلْ يَقْضِي بالنُّكُولِ عَلَى وَجْهٍ، وَيُحْبَسُ عَلَى وَجهٍ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَقِرَّ، وَالذِّمِّيُّ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ، ثُمَّ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ، فَيُحْبَسُ عَلَى وَجْهٍ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَلاَ يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى وَجْهٍ، وَوَلَدُ المُرْتَزِقَةِ إِذَا ادَّعَى البُلُوغَ وَاتُّهِمَ وَنَكَلَ لَمْ يَثْبُتِ اسْمُهُ إِلَى أنْ يُعْلَمَ بُلُوغُهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ فَادَّعَى القَاضِي لَهُ دَيناً عَلَى إِنْسَانٍ فَنَكَلَ حُبِسَ عَلَى وَجْهٍ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالمَالِ عَلَى وَجْهٍ، وَيُتْرَكُ عَلَى وَجْهٍ، وَهوَ أَبْعَدُ هَهُنَا مِنْهُ فِي الذِّمِّيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكرنا: أنَّه تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فلا يُقْضَى بالنُّكُولِ، هو الأصل المُقَرَّرُ في المذهب 312، لكنه قد يَتَعَذَّرُ رَدُّ اليمين، وحينئذ فمن الأصحاب من يَذْهَبُ إلى القَضَاءِ بالنكول، وبَيَانُهُ بصِور -منها إذا طُولِبَ رَبُّ المَالِ بالزَّكَاةِ، فقال: بَادلْتُ النِّصَاب في أثناء الحَوْلِ، أو دَفَعْتُ الزَّكَاةَ إلى سَاعٍ آخر، أو غَلِطَ الخَارِصُ في الخَرْصِ، أو أَصَابَتِ الثِّمَارَ جَائِحَةٌ، واتَّهَمَهُ السَّاعِي، فيحلف على ما يدعيه إيجَاباً واسْتِحْبَاباً، على اختِلاَفٍ مذكور في الزَّكَاةِ؛ فإن نَكَلَ، لم يُطَالَبْ بشيء إن قلْنَا بالاسْتِحْبَاب، وإن قلنا بالإيْجَاب، فإن انْحَصَرَ المَوْصُوفُونَ بصفات الاسْتِحْقَاقِ في البلد، وقلناَ: بامتناع النَّقْلِ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عليهم، إلا يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ إلى الساعي والسُّلطان.
وما الذي يُفْعَلُ؟
فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّه تُؤخَذُ منه الزَّكَاةُ، وكيف سَبِيلُهُ؟
رأى ابن القَاصِّ هذا حُكْماً بالنكول، ورواه عن ابن سُرَيْجٍ، وسَبَب تَجْوِيزِهِ دُعَاءُ الضَّرُورَةِ إليه.
وقال أكثرهم: ليس هذا حكماً بالنكول، ولكن قَضِيَّةَ مِلْكِ النِّصَاب، ومضي الحَوْلِ الوُجُوبُ.
فإذا لم يثبت دافع أَخَذْنَا الزكاة.
والوجه الثاني: أنَّه لا يُطَالَبُ بشيء؛ لأنه لم تَقُمْ عليه حُجَّةٌ.
والثالث: أنَّه يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، فَتُؤْخَذُ منه الزَّكَاةُ، أو يحلف فَيُعْرضُ عنه.
ومنهم
الجزء: 13 - الصفحة: 215
من فَرَّقَ بين أن يكون رَبّ المال على صُورَةِ المدعى؛ بأن يقول: [أديت في بلدة أخرى أو إلى ساعٍ، فتؤخذ منه الزَّكَاةُ إذا لم يحلف، وبين أن يكون على صُورةِ المدعى عليه بأن يقول:] 313 ما تَمَّ حَوْلي، أو ما في يدي لفلان المُكَاتِبِ، فلا يُؤْخَذُ منه شيء.
وهذا وجه رَابعٌ، وقد نَسَبَهُ صاحب "التهذيب" في باب الزَّكَاةِ إلى ابن سُرَيْجٍ ورَجَّحَهُ.
ومنها: الذِّمِّيُّ إذا مات في أَثْنَاءِ السَّنَةِ، يلزمه في الجِزْيَةِ قِسْطُ ما مضى؟ أو لا يَلْزَمُهُ شيء؟
فيه قولان مَذْكُورَانِ في موضعهما؛ فإن غَابَ ذِمِّيٌّ، ثم عاد وهو مُسْلِمٌ فقال: أَسْلَمْتُ قبل تمام السَّنَةِ، فليس عَلَيَّ تَمَامُ الجِزْيَةِ، أو ليس عَلَيَّ شَيْءٌ منها.
فقال عَامِلُ الجِزْيَةِ: بل أَسْلَمْتَ بعدها، وعليك تَمَامُ الجِزْيَةِ، فيحلف الذِّمِّيُّ اسْتِحْبَاباً على وَجْهٍ، وإيجَاباً على وجه.
فإن قلنا: بالإِيجَاب، فَيُقْضَى عليه بالجزْيَةِ، أو لا يُطَالَبُ بشيءٍ، أو يَجْلِسُ ليقر، فتؤخذ منه الجِزْيَةُ، أو يَحلف ويترك 314؛ فيه الوجوه الثلاثة المذكورة في الصورة السابقة 315.
قال الإمَامُ: وَقَيَّدَ صَاحِبُ "التخليص" المسْألَةَ بما إذا غاب، ثم عَادَ وهو مُسْلِمٌ، وظاهر هذا -أنَّه لو كان عندنا، فَصَادَفْنَاهُ مُسْلِماً في آخر السَّنَةِ، فادَّعَى أنه أَسْلَمَ قبل تَمَامِهَا، وكَتَمَ إِسْلاَمَهُ، لا يُقْبَلُ قوله؛ لأن الظَّاهِرَ أن من أَسْلَمَ في دَارِ الإسْلاَمِ، لا يكتم إِسْلامه.
ومنها: ولد المُرْتَزِقَةِ؛ إذا ادَّعَى البُلُوغَ بالاحْتِلاَمِ، وطلب إِثْبَاتَ اسْمِهِ في الدِّيوَانِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه يُصَدَّقُ من غير يَمِينٍ؛ لأنه وإن كان كَاذِباً، فكيف يُحَلِّفُهُ وهو صَبِيٌّ؟ وإن كان صَادِقاً وجب أن يُجَابَ.
وأظهرهما: أنَّه يَحْلِفُ عند التُّهْمَةِ، فإن نَكَلَ، فلا يُجَابُ، ولا يُثْبَتُ اسْمُهُ إلى أن يَظْهَرَ بُلُوغُهُ.
وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
ويَقْرُبُ منه أن بَعْضَ من شَهِدَ الوَقْعَةَ من المُرَاهِقِينَ، إذا ادَّعَى الاحْتِلاَمَ، وطلب سهم المقاتلة 316، يُعْطَى إن حَلَفَ، وإن لم يحلف، فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أنه يُعْطَى ويُوَجَّهُ هذا بطريقين:
أحدهما: أنَّه يُصَدَّقُ بغير يَمِينٍ؛ لأن احتلامه 317 إنما يُعْرَفُ من جِهَتِهِ، فأشبه ما إذا
الجزء: 13 - الصفحة: 216
عُلِّقَ العِتْقُ، أو الطَّلاَقُ بالمَشِيئَةِ، فقال: شئت، يُصَدَّقُ بلا يَمِينٍ.
والثاني: أن شُهُودَ الوَقْعَةِ، وحصول الغناء به، يقتضي استحقاق السهم.
وأظهرهما: أنَّه لا يُعْطَى إذا لم يَحْلِفْ، وجعل صاحب "التلخيص" 318 هذا حُكْماً بالنكول.
وقال غيره: إنما لم يُعْطَ؛ لأن حُجَّتَهُ إذا قلنا: إنه يحلفه، إنما هي اليَمِينُ، فإذا [لم يحلف] 319 لم يُقْضَ له بعدم الحجَّةِ، لا أنَّه قضى عليه بالنُّكُولِ.
ومنها: إذا مات ولا وَارِثَ له؛ فَادَّعَى القاضي، أو مَنْصُوبُهُ دَيْناً له على إنسان وَجَدَهُ في تذكرته، فأنكر المُدَّعَى عليه، و: نَكَلَ عن اليَمِينِ، ففيه وجوه:
أحدها: أنه يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ، أو يَحْلِفَ.
والثاني: أنَّه يُقْضَى عليه بالنكول، فَيُؤْخَذ منه المالُ؛ لأن وَرَثَتَهُ المسلمون، وَرَدّ اليمين عليهم مُتَعَذِّرٌ.
والوجه الثالث: أنَّه يُعْرَضُ عنه، ولا يُتَعَرَّضُ له.
نعم لو كان [مُعَانداً] 320، فهو عَاصٍ آثمٌ.
وقوله في الكتاب: "وهو أَبْعَدُها هنا منه في الذِّمِّيِّ"، إنما ذكر ذلك؛ لأَنَّ هذا الوَجْهَ مَشْهُورٌ في مسألتي الزَّكَاةِ، وإسْلاَمِ الذِّمِّيِّ، وهو غريب ههنا.
لم يُحْكَ إلا عن الشَّيخِ أبي محمَّدٍ.
وسبب الفَرْقِ أنَّه مَبْنِيٌّ هناك على اسْتِحْبَاب اليمين، و [اليمين] 321 هاهنا مُسْتَحَقَّةٌ على المدعى عليه، فالإِعْرَاضُ عنه بنكوله إِسْقَاطٌ لليَمين، وإبْطَالٌ لفائدته.
ويجري الخِلاَفُ المذكور فيما إذا ادعى وَصِي مَيِّتٍ على وَارِثِهِ: أنَّه أوْصَى بثلثه للفقراء، وأنكر الوَارِثُ، ونَكَلَ.
[ولو ادَّعَى وَليُّ الصبي، والمجنون دَيْناً له على إنسان، فَأنْكَرَ، ونَكَلَ،] 322 ففي الرَّدِّ على الوَلِيِّ وُجُوهٌ:
أحدها: أن اليَمِينَ تُرَدُّ عليه؛ لأنه المستوفي، والصَّبِيُّ والمَجْنُونُ ليس لهما أَهْلِيَّةُ اليمين.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن إِثْبَاتَ الحَقِّ للإنسان بيَمِينِ غيره مُسْتَبْعَدٌ.
والثالث: أنَّه إن ادَّعَى ثُبُوتَهُ لسبب بَاشَرَهُ بنفسه رُدَّ عليه، وإلا فلا، وَأُجْرِيَ هذا الخِلاَف فيما إذا أَقَامَ شَاهداً وَاحِداً، هل يَحْلِفُ معه؟ وفيما إذا ادَّعَى على الوَليِّ دَيْناً في ذِمَّةِ الصَّبِيِّ، هل يُحَلَّفُ إذا أنكر؟ والوَصِيّ والقَيِّمُ في ذلك كالوَلِيِّ.
الجزء: 13 - الصفحة: 217
ويجري في قَيِّم المسجد، ومُتَوَلِّي الوَقْفِ إذا ادَّعَى للمسجد، أو الوَقْفِ، وأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، ونَكَلَ.
وتَحْلِيفُ الولي والصبي (1) لَهُ ذِكْرٌ في الكتاب في الباب الأخَيرِ من الصَّدَاقِ فَلْيَتَذَكَّر.
ثم مال المذهبيون إلى تَرْجِيح المَنْعِ من الوُجُوهِ الثلاثة، ولا بَأْسَ بوجه التفصيل (2) ولقد رَجَّحَهُ أَبُو الحَسَنُ العَبَّادِيُّ، وبه أجاب السَّرَخسِيُّ في "الأمالي".
فإن منعنا رَدِّ اليمين إلى الوَليِّ والوصي (3)، فَيُنْتَظَرُ بلوغ الصَّبِيِّ، وإفَاقَةُ المَجْنُونِ.
ويكتب القاضي المحضر بنكول المدعى عليه، وصَيرُورَته اليمين مَوْقُوفة على البُلُوغ، والإفَاقَةِ، ويعود في المدّعى (4) للمسجد والوقف الوجهان في أنَّه يُقْضَى عليه بالنكوَل؛ أوَ يُحْبَسُ ليَحْلِفَ، أو يقر.
والأصح في هذا الخلاف في مَسْأَلَةِ لا وَارِثَ له، أنَّه لا يُقْضَى بالنُّكُولِ، ولكن يُحْبَسُ ليحلف، أو يقر، وإنما حَكَمْنَا فيما قَبْلَ ذلك من الصُّوَرِ بالمال؛ لأنه قد سَبَقَ أَصْلٌ يقتضي الوجوب، ولم يَظْهَر دَافِعٌ فأخذنا بذلك الأصل، وهاهنا لا مُسْتَنَدَ إلا النكول، والنكول المَحْضُ لا اعْتِمَادَ عليه، على أصلنا.
وقَيِّمُ المَحْجُورِ عليه إذا ادَّعَى له، ونَكَلَ المدعى عليه ليحلف (5) المَحْجُورُ أنَّه يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هذا المَالِ.
ولكن لا يقول: إليّ (6). وقيّمه يقول في الدَّعْوَى: يلزمك تَسْلِيمُهُ إِليَّ.
ومنها للقاذف: أن يُحَلِّفَ المَقْذُوفَ على أنَّه لم يَزْنِ، كما مَرَّ، فإن نَكَلَ، حكى القاضي أبو سَعْدٍ وَجهاً: أنَّه يَسْقُطُ بنكوله حَدُّ القَذْفِ عن القاذف، فلا ترَدُّ اليَمِينُ عليه؛ لأن قَضِيَّةَ يمينه إِثْبَاتُ حَدِّ الزِّنَا على المَقْذُوفِ، ولا يمكن إِثْبَاتُ الحد باليمين.
والمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ: أنَّه تُرَدُّ اليَمِينُ على القَاذِفِ، وَأَثَرُ يمينه انْدِفَاعُ حَدِّ القذف عنه، لا إِثبَاتُ حَدِّ الزِّنَا على القاذف، كما أن اليصين تُرَدُّ على مُدَّعِي السرقة، وتؤثر يمينه في إِثبَاتِ المال دون القَطْعِ.
[والله أعلم] (7).
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الرُّكْنُ الخَامِسُ: البَيِّنَةُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا شُرُوطَهَا، فَإِنْ تَعَارَضَتَا وَلاَ تَرْجِيح فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أنْ يَكُونَ المُدَّعَى فِي أَيدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ فَالبَيِّنَتَانِ يَتَسَاقَطَانِ (ح) عَلَى قَوْلٍ،.
وَتُوجَبُ القِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قوْلٍ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلٍ فَيُسَلَّمُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَيَتَوَقَّفُ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى قَوْلٍ، وَلاَ يَجْرِي قَوْلُ القِسْمَةِ323324325326327328329
الجزء: 13 - الصفحة: 218
وَالصُّلْحِ فِي الزَّوجَةِ المُتَنَازَعَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَفِي جَرَيَانِ قَوْلِ القُرْعَةِ خِلاَفٌ، فَإذَا تَكَاذَبَتِ البَيِّنَتَانِ صَرِيحاً لَمْ يَتَّجِهْ إِلاَّ التَّهَاتُر كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى القَتْلِ فِي وَقْتٍ وَشَهِدَ الآخَرُ عَلَى الحَيَاةِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ بَقِيَّةِ الأَقْوَالِ أَيْضَاً، وَلَوْ أَقَرَّ الثَّالِثُ لأَحَدِهِمَا فَهَل يَنْزِلُ إِقْرَارُهُ مَنْزِلَةَ اليَدِ حَتَّى تَرْجِيح البَيِّنَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحد الأركان في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ البَيِّنَةُ فيها يظْهرُ الحقّ، وينفصل الأَمْرُ، فالقول في شرط الشهود مَفْرُوغٌ منه في الشَّهَادَاتِ، والقَصْدُ هاهنا بيان الحكم عند تَعَارُضِ البَيِّنَتَينِ، فإذا تَعَارَضَتَا فإما أن تفقد أَسْبَابُ الرُّجْحَانِ، أو يُوجَدَ مرجِّح:
القسم الأول: إذا لم يُوجَدْ مُرَجِّحٌ، فأما أن يكون المُدَّعَى في يَدِ ثَالِثٍ، أو في أيديهما 330 جميعاً.
ولا يَدْخُل في هذا القِسم ما إذا كان في يد أحدهما؛ لأن ذلك من أَسْبَابِ الرُّجْحَانِ على ما سيأتي.
وهذا القَسْمُ مَفْقُودٌ فيما إذا فُقِدَتِ الأَسْبَابُ.
الحالة الأولى: إذا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْناً في يدِ ثالث فلا يَخْفَى أنَّه يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه يَمِيناً لكل وَاحِدٍ منهما، إن ادَّعَاهَا لنفسه، ولا بَيِّنَةَ لواحد منهما، وأنه إن اخْتَصَّ أحدهما بِإِقَامَةِ البَيِّنَةِ على ما يدعيه، يُقْضَى له، وإن أَقَامَ كل واحد بَيِّنَةً، فقولان:
أصحهما: ويُنْسَبُ إلى القَدِيم: وبه قال أحمد، وكذلك مَالِكٌ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ: أنهما يَتَسَاقَطَانِ؛ لأنهما مُتَنَاقِضَتَا الموجب، ولا تَرْجِيحَ، فَأشْبَهَ الدليلين إذا تَعَارَضَا، ولا تَرْجِيحَ، فعلى هذا كأنه لا بَيِّنَةَ، ويُصَارُ إلى التَّحْلِيفِ.
والثاني: أنهما يُسْتَعْمَلانِ، صِيَانَةٌ لهما عن الإِسْقَاطِ، والإبْطَالِ، بِقَدْرِ الإمْكَانِ، وتُنْتَزَعُ العَيْنُ من صاحب اليد؛ لأنه قَضِيَّةُ كل واحدة من البَيِّنَتَيْنِ [ثم] 331 فيما يفعَل ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن العَيْنَ المُدَّعَاةَ تُقَسَّمُ بينهما، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وكذلك مالك، ما رُوِيَ عن أبي مُوسَى: أن رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في بَعِيرٍ، فأقام كل واحد [منهما] 332 البَيِّنَةَ أنَّه له، فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهما نِصْفَيْنِ 333.
الجزء: 13 - الصفحة: 219
وأيضاً فالبَيِّنَةُ حُجَّةٌ كاليَدِ.
ولو تَدَاعِيَا، والشَّيْءُ في أيديهما، يُجْعَلُ بينهما نِصْفَيْنِ، فكذلك هاهنا.
وأيضاً: فلو أن رَجُلَينِ أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على أنَّه أوصى له بهذه الدَّارِ؛ تُجْعَلُ بينهما، فكذلك هاهنا.
والثاني: أنَّه يُقْرَعُ بينهما، ويُرَجَّحُ جانب من خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ 334؛ لما رُوِيَ؛ أن خَصْمَيْنِ أَتَيَا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأتى كُلُّ واحد منهما بِشُهُودٍ، فَأسْهَمَ بينهما، وقَضَى لمن خَرَجَ السَّهْمُ له 335. = فقد رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك، عن أبي هريرة ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في صحيحه، واختلف فيه على سعيد بن أبي عروبة، فقيل: عنه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى، وقيل عنه عن سماك بن حرب رواه عن ابن ماجه [2330] عن تميم بن طرفة، قال: أنبئت أن رجلاً، قال البخاري قال سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث، فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه، ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبي بردة مرسلاً قال حماد: فحدثت به سماك بن حرب فقال: أنا حدثت به أبا بردة، وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب: الصحيح أنَّه عن سماك مرسلاً، ورواه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن سماك عن تميم بن طرفة: أن رجلين ادعيا بعيراً، فأقام كل واحد منهما البينة أنَّه له، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- به بينهما، ووصله الطبراني بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين، في أحدهما حجاج بن أرطاة، والراوي عنه سويد بن عبد العزيز، وفي الآخر ياسين الزيات، والثلاثة ضعفاء.
الجزء: 13 - الصفحة: 220
وأيضاً فالقُرْعَةَ [مرجحة] 336 عند اسْتِوَاءِ الجانبين كما في العِتْقِ، والقِسْمَةِ، والمُسَافَرَةِ بإحدى النساء، وما يُشْبِهُهَا، وهل يَحْتَاجُ على هذا من خرجت قُرْعَتُهُ إلى اليمين؟ فيه قولان في رواية أَكْثَرِهِمْ، ووجهان عن رِوَايَةِ القَفَّالِ، أَوْقَفهُمَا لظاهر لفظ الكتاب: أنَّه لا حَاجَةَ إلى اليمِينِ، والقُرْعَةُ ترجح بينته.
والثاني: أنَّه لاَ بُدَّ من اليمين، والقُرْعَةُ تَجْعَلُ أحدهما أَحَقَّ باليمين.
وعلى هذا حكى القاضي الروياني: أنَّه يَحْلِفُ من خَرَجَت قُرْعَتُهُ؛ إن شهوده شَهِدُوا بالحَقِّ، ثم يُقْضَى له.
والقول الثالث: أنَّه يُوقَفُ إلى أن يُتَبَيَّنَ الأَمْرُ، أو يَصْطَلِحَا؛ لأنه أشْكِلَ الحال فيما يُرْجَى انْكِشَافُهُ، فَيُوقَفُ، كما لو زوجها وليان ونسيا 337 السابق من العَقْدَيْنِ.
وأيضاً فإن أحدهما مُسْتَحِقٌّ، وإلا فالبَيِّنَتَانِ كَاذِبَتَانِ، والمُسْتَحِقُّ منهما غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَيُوقَفُ؛ كما لو طَلَّقَ إحدى امْرَأتَيْهِ، ومات قبل البيان، يُوقف 338 المِيرَاثُ إلى الاصطلاح.
واعْتَذَرَ الناصرون لِلتَّسَاقُطِ عن حَدِيثِ أبي مُوسَى -رضي الله عنه- أنَّه يُحْتَمَلُ أنَّه كان المدعي 339 في أيديهما، فأبطل البَيِّنَتَيْنِ، وقسم 340 بينهما.
وعن الحديث الآخر: أنَّه لما كان التنَازعٌ في قِسْمَةٍ، أو عِتْقٍ.
وعما احْتُجَّ به للتوقف، بأن كونها زَوْجَةً لأحدهما، وكَوْنَ المِيرَاثِ لأحدهما مَعْلُوماً، واستحقاق أحدهما غير مَعْلُومٍ هاهنا، فلا يَلْزَمُ من التَّوَقْفِ هناك التَّوَقُّفُ هاهنا.
واعترف بعد هذا: أنَّه قد يُضَمُّ أَقْوَالُ الاستعمال إلى قول التَّسَاقُطِ، ويُقَالُ في المسألة أَرْبَعَةُ أقوال.
كما نَسَّقَهَا في الكتاب، وأنه إذا كان التَّسَاقُطُ مَنْسُوباً إلى القديم، وكان هو الأَظْهَرَ عند الأصحاب، كانت المَسْأَلَةُ من المَسَائِلِ التي يرجّح فيها القديم.
وإن الإِمام، وصاحب الكتاب، حَكَيَا في مَحَلِّ القولين [في] 341 التَّسَاقُط والاستعمال طَرِيقَيْنِ:
أحدهما: أن القولين فيما إذا لم تَتَكَاذَب البَيِّنَتَانِ 342 صَرِيحاً، فإن تَكَاذَبَا 343 صَرِيحاً، تَسَاقَطَ لاَ مَحَالَةَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 221
والثاني: طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْن، وهذا أَشْهَرُ، والأول أَرْجَحُ عند صاحب الكتاب، والمُرَادُ من صَرِيحِ التَّكَاذُبِ؛ ألاَ يَتَأتَّى الجَمْعُ، ولا يَنْقَدِحَ فيه تَأْوِيلٌ، كما إذا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ على القَتْلِ في وقت [معين] 344 والأخرى على الحَيَاةِ في ذلك الوقت.
فإن تُوُهِّمَ الجَمْعُ بِضَرْبٍ من التأويل، فليس ذلك بصريح التَّكَاذُبِ.
وذلك، كما إذا شَهِدَتْ هذه، على مِلْكِ زيد، وهذه على مِلكِ عَمْرو؛ فإنه يجوز أن يقال: عرفت كل واحدة سبباً كشراء، أو وصية، واستصحب حكم العَقْدِ الذي عرفته.
وكما إذا شَهِدَت هذه، على أنَّه أوْصَى بهذه العَيْنِ لِزَيْدٍ، وهذه على أنَّه أوْصَى بها لِعَمْرو؛ فإنه ربما أوْصَى بها مَرَّتَيْنِ.
وإن القاضي الروياني نَقَلَ في "جمع الجوامع" طريقين من وَجْهٍ آخر:
أحدهما: أن القولين فيما إذا لم يمكن الجَمْعُ، فإن أَمْكَنَ، قُسِّمَ بينهما لا مَحَالَةَ.
والثاني: طَرْدُ القولين في الحالتين، فَتَحَصَّلَ من النقلين ثَلاثَةُ طُرُقٍ؛ القَطْعُ بالتَّسَاقُطِ فيما إذا لم يمكن الجَمْعُ، والقَطْعُ بالاستعمال إذا أمكن طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْنِ، وأن إِيرَادَ أبِي الحَسَنُ [العبادي] 345 يَنْسَاقُ إلى طريقة أخرى تَنْفِي الخِلاَفَ، ويقطع بالتَّسَاقُطِ عند اسْتِيقَانِ الكَذِبِ في إحداهما، وبالاستعمال عند إِمْكَانِ صِدْقِهِمَا كما في الوَصِيَّةِ.
وإن أبا الفَيَّاضِ حكى؛ أن من الأصحاب من لم يُثْبِتْ قول التوقيف 346، وأن القاضي ابن كَجٍّ رَوَى عن أبي حَامِدٍ القَاضِي، أن الأقْوَالَ الثلاثة لا تجتمع، بل موضع 347 قول القِسْمَةِ، ما إذا أمكن الجَمْعُ، وموضع قول القُرْعَة، ما إذا لم يمكن.
وأُعْلِمَ من لفظ الكتاب ما سوى قول التَّسَاقُطِ بالزاي 348؛ لأن اخْتِيَارَ المُزَنِيِّ هو التَّسَاقُطُ، ولْيُعَلمْ بالألف أيضاً، لما بَيَّنَّاهُ، وما سوى قَوْلِ القِسْمَةِ بالحاء.
ثم في الفصل صورتان: إحداهما إذا كان التَّنَازُعُ في زَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، وأقام كل واحد بَيِّنَةً، وتَعَارَضَتَا، فقول التَّسَاقُطِ بحاله 349، ولا مَجَالَ لِلْقِسْمَةِ، وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط"، أن قَوْلَ الوَقْفِ لا يجري أيضاً تَعْلِيلاً بأن الصُّلْحَ غير مُمْكِنٍ، وهذا ما أراد بقوله هاهنا.
ولا يَجْرِي قَولُ القِسْمَةِ والصلح، فعبر عن الوَقْفِ بالصلح.
والذي رواه صاحب
الجزء: 13 - الصفحة: 222
"التهذيب" وغيره جَرَيَانُ قَوْلِ الوَقْفِ، وهو الوجه كما يُتَوَقَّفُ في التي أَنْكَحَهَا وَلِيَّاهَا، وليس الصُّلْح مقصورًا 350 على أن يأخذ هذا شَيْئًا من المدَّعَى، وهذا شَيْئًا آخر منه، بل من الصُّلْحِ أن يَتُوبَ الكَاذِبُ، ويُصَدَّقَ الصَّادِقُ.
وأما قول القُرْعَةِ، ففي جَرَيَانِهِ وَجْهَانِ منقولان في الكتاب وغيره:
أحدهما: تجري كما في بينتي المَالِ.
وأصحهما: وهو الجواب في "التهذيب": المنع، كما لا تَجْرِي القُرْعَةُ في التي أَنْكَحَهَا وَليَّاهَا.
وفيما 351 إذا طَلَّقَ إحدى زَوْجَتَيْهِ، ومات 352.
الثانية: أقر صَاحِبُ اليَدِ لأحدهما بعدما أقام 353 البينتين، إن قلنا: بالتَّسَاقُطِ قُبِلَ إقراره وحُكِمَ به، وإن قلنا بالاسْتِعْمَالِ، فوجهان:
أحدهما: أن المُقَرَّ له يصير كَصَاحِبِ اليد حتى تُرَجَّحَ بَيِّنَتُهُ.
والثاني: لا؛ لأن يَدَهُ بعد البَيِّنةِ مستحقة الإِزَالَةِ 354، فلا تَأْثيرَ لها، ولا اعْتِبَارَ بإقرار صاحبها، وإن أَقَرَّ تَمَام البينتين، قُبِلَ إِقْرَارُهُ.
وصَار المُقرُّ له صَاحِبَ يَدٍ.
والوجهان في الكتاب وإن كانا مُطْلَقَيْنِ، ولكن قوله: "فهل ينزل 355 إقراره منزلة اليد، يُفْهِمُ أنهما مُفَرَّعَانِ على قَوْلِ الاسْتِعْمَالِ.
فأما على قول التَّسَاقُطِ، فلا نقول: الإِقْرَارُ يرجح البَيِّنَةَ بِحَالٍ، ولكن كأنهما لم يقيما بَيِّنَةً، فَيُقْضَى بموجب الإِقْرَارِ والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِمَا، وَلاَ يَخْفَى إِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ أَنْ تَجْرِيَ الأَقْوَالُ، وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِالتَّهَاتُرِ فَهَهُنَا تَبْقَى الدَّارُ فِي أَيْدِيِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّع فِي النِّصْفِ مُدَّعَىَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْي مَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّعَرُّضُ لِلإِثْبَاتِ بِخِلاَفِ التَّحَالُفِ فِي البَيْعِ إِذِ النِّصْفُ هَهُنَا مُمَيَّزٌ عَنِ النِّصْفِ وَثَمَّةَ لاَ يَتَمَيَّزُ المُدَّعِي عَنِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ فِي وُجُوبِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ فِي المَسْئلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، ثُمَّ إِنْ حَلَفَ الأوَّلُ عَلَى النَّفْي فَنَكَلَ الثَّانِي رُدَّ عَلَيْهِ اليَمِينُ فَيَحْلِفُ عَلَى الإِثْبَاتِ، وَإِنْ نَكَلَ الأَوَّلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ القَاضِي تَحْكِيمَاً أَوْ
الجزء: 13 - الصفحة: 223
بِالقُرْعَةِ اجتَمَعَ عَلَى الثَّانِي يَمِينُ النَّفْي لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَيَمِينُ الإِثبَاتِ لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يدِ شَرِيكِهِ فَيَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ يَمِينَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكَلَّمْنَا فيما إذا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْناً في يَدِ ثَالِثٍ، فأما إذا كانت في يَدِهِمَا، وادَّعَاهَا كُلُّ واحد منهما، فإن أَقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، قالت طَائِفَةٌ من الأَصْحَاب؛ منهم الفوراني، وصَاحِبُ الكتاب: يَجْرِي فيه قَوْلاً [التساقط والاستعمال، إن قلنا: بالتساقط] 356 والتهاتر، فيبقى المَالُ في أيديهما كَمَا كَانَ.
وإن قلنا بالاسْتِعْمَالِ، فعلى [قول] 357 القِسْمَة تُجْعَلُ بينهما مِلْكاً.
قال الفوراني: ولا يَجِيءُ قَوْلُ الوَقْفِ، إذ لا معنى لِلتَّوَقُّفِ مع ثبوت اليَدِ.
وحكى وجهين في مجيء قول القُرْعَةِ.
وقال آخرون؛ منهم ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب"، إذا أقاما البَيِّنَةَ، يُجْعَلُ المَالُ بينهما؛ لأن بَيِّنَةَ كل واحد منهما تَرَجَّحَتْ [باليد] 358 في النِّصْف الذي هو صاحب يَدٍ فيه 359 وكأن هؤلاء امْتَنَعُوا من إجْرَاءِ [هذه] 360 الأَقْوَالِ.
وقالوا: مَوْضِعُ الأقوال ما إذا خَلَتِ البَيِّنَتَانِ عن التَّرْجِيحِ، واليَدُ من أَسْبَاب الترجيح، والحاصل لِلْفَتْوَى على الطريقين معاً إِبْقَاءُ المال في أيديهما كما كان، ولكَن الطَّرِيقَتَانِ معاً، فيما إذا شهد شُهُودُ كُلِّ واحد منهما بأن جَمِيعَ المال له، فأما إذا شَهِدَ شُهُودُ كُلِّ واحد منهما بالنِّصْفِ الذي [هو] 361 في يَدِ صَاحِبِهِ، فالبَيِّنَتَانِ لم تَتَوَاردا على شيء واحد حتى يَجِيءَ أَقوَالُ التَّعَارُضِ، ولا يَدَ لِلْمُدَّعِي في المَشْهُودِ به حتى يرجح جانبه.
ولكن يَحْكُمُ القاضي لزيد، بما كان في يد عمرو، ولعَمْرو بما كان في يَدِ زيد، ويكون المَالُ في يَدِهِمَا أيضاً كما كان؛ ولكن [لا] 362 بجهة التَّسَاقُطِ، ولا بجهة التَّرْجِيحِ [باليد] 363، ثم قال الأَئِمَّةُ: من أقام البَيِّنَةَ أَوّلاً، وتعرض شُهُودُهُ للكل، لم تَضُرَّ، فإن كان صاحب يَدٍ في النِّصْفِ، وقلنا: إن بَيِّنَةَ صاحب اليَدِ لا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً على مَا سَيَأتِي الخِلاَفُ فيه؛ لأنه مُسْتَغْنَى هناك عن البَيِّنَةِ، وههنا لا يُسْتَغْنَى عن البَيَّنَةِ للنصف الذي يَدَّعِيهِ، ثم إذا أَقَامَ الثَّانِي البَيِّنَةَ على الكل، سُمِعَتْ، وتَرَجَّحَت بَيِّنَتُهُ في النِّصْفِ الذي [هو] 364 في يده، [فيحتاج الأول إلى إِعَادَةِ البَيِّنَةِ لِلنِّصْفِ الذي هو في يَدِهِ] 365.
الجزء: 13 - الصفحة: 224
وقال في "الوسيط": لا يبعد أن يُتَسَاهَلَ في الإعَادَةِ، وإن كان لأحد المدعيين 366 بَيِّنَةٌ دُونَ الآخر، فَيُقْضَى له بالكُلِّ، وشُهُودُهُ قد يَشْهَدُونَ بالنِّصْفَ الذي في يد صاحبه، وقد يَشْهَدُونَ بالكُلِّ، ولا يَضُرُّ كونه صَاحِبَ يَدٍ في النصف على ما تبين.
وإن لم يكن لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّع في النصف، مُدَّعَى عليه في النِّصْفِ، فَيَحْلِفُ كُلُّ واحد منهما على نَفْي مَا يَدَّعِيهِ الآخَرُ، ولم يَتَعَرَّضْ واحد منهما في يَمِينِهِ لإثْبَاتِ ما في يَدِهِ، بل يُقْتَصَرُ على أنَّه لا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فيما في يَدِهِ.
نَصَّ عليه، وذَكَرَ في بَاب التَّحَالُفِ في البَيْع، أن ظَاهِرَ النَّصِّ، أن كُلَّ واحد منهما في التَّحَالُفِ يجمع بين النَّفْي والإِثْبَاتِ، وبَيَّنَّا أن لِلأَصْحَاب فيهما طريقين:
أصحهما: تَقْرِيرُ النَّصَّينِ؛ لأن [النِّصْفُ] 367 الذي يَنْفِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ منهما يَتَمَيَّزُ عن النِّصْفِ الذي يَثْبِتُهُ، وهناك العَقْدُ واحد، والنِّزَاعُ في صِفَتِهِ.
فكأن الدعوى واحدة، ولا يَتَمَيَّزُ المُدَّعِي عن المُدَّعَى عَلَيْهِ.
والثاني: أنهما غير مُقِرَّيْنِ بحالهما، ولكن يخرح من نصه 368 في هذه المَسْأَلَةِ قول [في] 369 التَّحَالُفِ، وفي التَّخْرِيجِ من التَّحَالُفِ اخْتِلاَفٌ لأصحاب الطَّرِيقَةِ الثانية؛ فإن قلنا: تخرج، حَصَلَ فيهما قَوْلاَنِ بالنَّقْلِ، والتخريج، على ما ذَكَرَهُ في الكتاب.
وكل ذلك 370 قد أَوْضَحْنَاهُ في باب التَّحَالُفِ.
وإذا قلنا بالأَصَحِّ، فإن حَلَفَا، أو نَكلاَ، تُرِكَ المُدَّعَى في يَدِهِمَا كما كان.
وإن حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخر، قُضِيَ للحالف بالكُلِّ، ثم إن حَلَفَ الذي بَدَأَ القاضي بتَحْلِيفِهِ، وَنَكَلَ الآخَرُ بعده، فَيَحْلِفُ الأَوَّلُ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وإن نَكَلَ الأَوَّلُ، وَرَغِبَ الثاني في اليمين فقد اجْتَمَعَ عليه يَمِينُ النَّفْي لِلنِّصْفِ الذي ادَّعَاهُ صَاحِبُهُ، وَيمِينُ الإِثْبَاتِ للنصف الذي 371 ادَّعَاهُ هو؛ فهل يكفيه الآن يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، يجمع فيها بين النَّفْي والإثْبَاتِ؛ لأن كُلاًّ منهما قد دَخَلَ وقته أم لاَ بُدَّ من يَمِينٍ للنَّفْي، وأُخْرَى للإثبات؟ فيه وجهان: لفظ الكتاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيح أَوَّلهِمَا، وهو الذي أوْرَدَهُ أبُو الفَرَجِ الزَّازُ، وحينئذٍ فيحلف: إنَّ الجَمِيعَ له، لا حَقَّ لصاحبه فيه.
أو يَقُولُ: لا حَقَّ له في النِّصْفِ الذي يَدعِيهِ، والنِّصْفِ [الآخر] 372 لي.
الجزء: 13 - الصفحة: 225
وقوله في الكتاب في خِلاَلِ الكَلاَمِ الذي بَدَأَ به القَاضِي: "تحكيماً (1) أو بالقرعة"، المُرَاد بالتحكيم (2) رأي القَاضِي، واجتهاده، وظاهر اللَّفْظِ، تَخْيِيرُ القاضي بين أن يُقْرِعَ، وبين أن يَعْمَلَ بما تعِنُّ له ولا يُقْرعْ، وبه يُشْعِرُ لفظه في "الوسيط"؛ فإنه [قال] (3): يَبْدَأُ القاضي بمن يَرَاهُ، أو بالقُرْعَةِ، ويمكن أن يُحْمَلَ ذلك على وَجْهَيْنِ؛ ذكرناهما (4) في باب التَّحَالُفِ، تَفْرِيعاً على أنَّه لا يَبْدَأُ بالبَائِعِ، ولا بالمُشْتَرِي، بل يَتَسَاوَيانِ.
أحدهما: أن القاضي يَتَخَيَّرُ فَيُقَدِّمُ من يَرَاهُ.
والثاني: أن المُعْتَبَرَ بالقُرْعَةِ.
ويجوز أن يقال: كل واحد منهما مُدَّعٍ، ومُدَّعى عليه هاهنا، فينبغي أن يُنْظَرَ إلى السَّبْقِ؛ فمن سَبَقَ دَعْوَاهُ، بُرِئَ بتحليف صَاحِبِهِ.
فروع
:
الأول: ادَّعَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ، والآخَرُ كُلَّهَا، وأَقَامَ كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، والدَّارُ في يَدِ ثَالِثٍ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ في النِّصْفِ، فإن قلنا بالتَّهَاتُرِ، فهما سَاقِطَتَانِ في النِّصْفِ الذي فيه التَّعَارُضُ.
وأما النِّصْفُ الآخَرُ؛ فعن ابْنِ سُرَيْجٍ، وأبي إِسْحَاقَ، وغيرهما أنَّه على قَولَيْنِ في تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، فإن لم نُبَعِّضْهَا، بَطَلَتْ في ذلك النِّصْفِ أيضاً، وصار كما لو لم يَكُنْ لواحد منهما بَيِّنَةٌ، وإن بَعَّضْنَاهَا، سُلِّمَ النِّصْفُ لمدعي الكُلِّ.
وامْتَنَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ من تَخْرِيجِهِ على ذلك الخِلاَفِ، وقال: مَوْضِعُ الخِلاَفِ ما إذا كان الرَّدُّ في البَعْضِ لِتُهْمَةٍ من عَدَاوَةٍ وغيرها.
فأما إذا كان الرَّدُّ في البَعْضِ بِسَبَبِ التَّعَارُضِ فما ينبغي أن يَتَأثَّرَ به الثاني.
ألا ترى أنا إذا قُلْنَا بالقِسْمَةِ عند التَّعَارُضِ، تُرَدُّ كُلُّ بَيِّنَةٍ في بَعْضِ ما شهدت به؟ ولا يُخَرَّجُ الثَّانِي على ذلك الخِلاَفِ، وهذا أَصَحُّ عند الشيخ أبي علِيٍّ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فَيُسَلَّمُ النِّصْفُ لمدعي الكُلِّ، ويُقَسَّمُ النِّصْفُ الآخر.373374375376 = وسبق هناك إلى المنسوب في الحاوي والبحر إلى الجمهور أنَّه يحلف على الجمع؛ لأنه يحلف على ما يدعيه وهو يدعي جميعه.
قال في الذخائر: وهو الصحيح، وقال ابن أبي الدم هنا يحلف كل واحد منهما أنَّه مالك لنصفها، لأن كان مدعياً لجميعها، وفيه وجه أنَّه يحلف على الجميع اعتباراً بالدعوى، هكذا ذكره الماوردى وذكر القاضي أبو الطيب في التعليق أنَّه يحلف على النصف ولا يجوز أن يحلف على الكل.
قال: ومن صار إلى أنَّه يحلف على الكل فقد أخطأ.
الجزء: 13 - الصفحة: 226
إن قلنا بالقِسْمَةِ، فيكون لِمُدَّعِي الكل ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا.
وإن قلنا بالقُرْعَةِ، فَيُقْرَعُ للنِّصْفِ، وإن قلنا: بالوَقْفِ، فيوقف، ولو أنهما تَدَاعَيَا كذلك، والدَّارُ في يدهما، فالقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي النِّصْفِ في النصف الذي في يَدِهِ، فإن أقام مدعي الكل بينة، قُضِيَ له بالكل، وإن أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً على ما يَدَّعِيهِ، بَقِيَتِ الدَّارُ في يدهما، كما كانت.
ولكن التَّصْوِيرَ فيما إذا أَقَامَ مُدَّعِي الكُلِّ أَوَّلاً؛ لأن الآخَرَ لا يَدَّعِي إلا النِّصْفَ، وهو صَاحِبُ يَدٍ فيه، وسيأتي أَنَّ صاحب اليَدِ لا يَحْتَاجُ إلى البَيَّنَةِ في الابْتِدَاءِ على اخْتِلاَفٍ فيه، فإذا أقامها 377 أقام مدعي 378 النصف بينته فيرجح 379 باليد، ولا يَضرُّ تعرض شهود مدعي الكل للكل، وإن كان مُسْتَغنياً عن البَيِّنَةِ في النِّصْفِ الذي في يَدِهِ لما تَقَدَّمَ.
ولو اقْتَصَرُوا على أَنَّ النِّصْفَ الذي في يَدِ صَاحِبِهِ له، حصل الغَرَضُ [أيضاً] 380.
ولو ادَّعَى أَحَدُ المدعيين الثُّلُثَ، والآخَرُ الكُلَّ، فإن كانت الدَّارُ في يد ثالث، فعلى قول التَّهَاتُرِ يَتَسَاقَطَانِ في الثُّلُثِ.
وهل تَبْطُلُ بَيِّنَةُ الكُلِّ في الثلثين؟
فيه ما سَبَقَ من التَّخْرِيجِ على الخِلاَف في تَبْعِيضِ الشهادة.
وإن اسْتَعْمَلْنَاهُ، فعلى قول القِسْمَةِ، يحصل لمدعي الكل خَمْسَةُ أسْدَاسِهَا.
ولا يخفى القولان الآخران.
وإن كانت الدَّارُ في يدهما، وأَقَامَ كل واحد بينة تثبت عند مدعي 381 الثلث [في] 382 الثلث، ويكون الباقي لمدعي الكُلِّ.
والثاني: دارٌ في يَدِ إِنْسَانٍ، ادَّعَى زَيدٌ نِصْفَهَا، فَصَدَّقَهُ، وعمرو نِصْفَهَا، فَكَذَّبَهُ صَاحِبُ اليد، وزَيْدٌ معاً، ولم يَدَّعِهِ واحد منهما لِنَفْسِهِ، فالنصف الذي يدعيه المكذب، يُسَلَّمُ إليه، أو يُوقَفُ في يَدِ صَاحِب اليَدِ، أو ينتزعه 383 القاضي ويحفظه إلى ظُهُورِ مَالِكِهِ، فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ حَكاهَا الفوراني 384.
الثالث: ادَّعَى واحدٌ دَاراً، وآخَرُ ثلثيها، وآخَرُ نِصْفَهَا، وآخَرُ ثُلُثَهَا، والدار في يد خَامِسٍ، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ من الأربعة بَيِّنَةً، فلا تَعَارُضَ في الثُّلُثِ الذي يَخْتَصُّ بمدعي الكل بِدَعْوَاهُ، وفي الباقي، يَقَعُ التَّعَارُضُ في السُّدُسِ الزَّائِدِ على النصف، يتعارض بَيِّنَةِ
الجزء: 13 - الصفحة: 227
مُدَّعِي الكل و [بينة] 385 مُدَّعِي الثلثين.
[و] في 386 السُّدُسِ الزائد على الثلث بتَعَارُضِ بينهما وبينة مُدَّعِي النِّصْفِ، وفي الثلث الباقي تَتَعَارَضُ بَيِّنَاتُ الأَرْبَعَةِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ، سَقَطَ البَيِّناتُ في الثلثين، وفي الثلث يَعُودُ الكَلاَمُ في تبعيض الشَّهَادَةِ.
والظَّاهِرُ -أنَّه يسلم لمدعي الكل.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فإن قَسَّمْنَا فالسدس 387 الزائد على النصف لمدعي الكل، ومُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ بالسَّوِيَّةِ، والسُّدُس الزائد على الثلث لهما، ولمدعي النِّصْفِ أَثْلاَثاً، والثُّلُثُ الباقي لِلأَرْبَعَةِ أَرْبَاعاً، فَتُجْعَلُ الدَّارُ ستة وثلاثين سَهْماً، لحاجتنا إلى عَدَدٍ يَنْقَسِمُ سدسه على اثنين، وعلى ثلاثة فَيُضْرَبُ اثنين في ستة، ثم في ثَلاثةٍ، لمدعي الكُلِّ ثلثها، اثنا عشر ونصف السدس الزائد على النِّصْفِ ثلاثة، وثلث السُّدُس الزَّائد على الثلث اثنان، وربع الثلث الباقي وهو ثَلاثَةٌ، فالمَبْلَغُ عشرون.
وهي 388 خمسة أَتْسَاعِ الدَّارِ، ولمدعي الثُّلُثَيْنِ ثَلاثةُ أَسْهُمٍ من السدس الزَّائِدِ على النصف، [وسهمان من السدس الزائد على الثلث وثلاثة من الثُّلُثِ الباقي فالمَبْلَغُ ثَمَانِيَةٌ وهي تُسْعَا الدَّارِ، ولمدعى النصف] 389 سهمان من السُّدُسِ الزَّائِدِ على الثلث، وثَلاثَةٌ من الثُّلُثِ الباقي، فالمبلغ خَمْسَةٌ وهي تُسْعٌ ورُبُعُ تُسْعٍ، ولمدعي الثلث ثَلاثَةٌ من الثُّلُثِ الباقي لا غير.
وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، فَيُقْرَعُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؛ مَرَّةً في السدس الزائد على النصف بين مُدَّعِي الكُلِّ ومُدَّعِي الثُّلُثَينِ، وأخرى في السُّدُس الزائد على الثلث بينهما وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ، وأخْرَى في الثلث بين الأَرْبَعَةِ.
وإن قلنا بالوَقفِ تَوَقَّفْنَا، وإن كانت الدَّارُ في يد المُتَدَاعِيينَ الأربعة، وأقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، جُعِلَتِ الدَّارُ بينهم أَرْبَاعاً؛ لأن بَيِّنَةَ كُلِّ واحد تُرجَّحُ في الرُّبُعِ الذي في يَدِهِ باليد.
وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قَوْلُ كل واحدٍ منهما 390 في الرُّبُعِ الذي في يَدِهِ.
فإذا حَلَفُوا، كانت بينهم أَرْبَاعاً أيضاً.
الرابع: دَارٌ في يَدِ ثلاثة؛ ادَّعَى أحدهم نِصْفَهَا، والثاني ثُلُثَهَا، والثالث سُدُسَهَا، = قال في الخادم: والذي يتخيل في الفرق بينهما أن هناك صرح بأنه ليس له وهنا لم يكفه عن نفسه صريحًا ويجوز أن يكون النصف له بسبب لم يقر به ثم يظهر له بعد ذلك من وصية أو ميراث عن ميت لم يعرفه ذلك الوقت فهو إذن أو غيره في احتمال هذا النصف له سواء فينزع من يده إلى أن يبين حاله.
الجزء: 13 - الصفحة: 228
ولا بَيِّنَةَ، تُجْعَلُ بينهم أَثْلاَثاً.
نصَّ عليه في "المختصر" 391، واعْتُرِضَ عليه بأن مُدَّعِي السُّدُسِ، لا يَدَّعِي إلا السُّدُسَ، فكيف تجعل له الثلث؟ وأجاب الأَصْحَابُ بأن صُورَةَ مَسْألَةِ النص، ما إذا كان يَدَّعِي كل واحد منهم اسْتِحْقَاقَ اليَدِ في جميعها، إلا أن يكون الأَوَّلُ يقول: النِّصْفُ مِلْكِي، والنِّصْفُ [الآخر] 392 لفلان الغَائِبِ، وهو في يَدِي عَارِيَةٌ، أو وَدِيعَةٌ.
والآخران يقولان نحو ذلك، فكل 393 واحِدٍ منهم يُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ في الثُّلُثِ، وتَبْقَى الدَّارُ في أيديهم، كما كانت، ثم يُجْعَلُ بعض 394 الثُّلُثِ الذي هو في يَدِ مُدَّعِي السُّدُس، لذلك الغَائِبِ، بحكم الإقرار 395.
فأما إذا اقتَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما على أن لي منها كذا، فلا يُجْعَلُ لمدعي السُّدُسِ إلا السدس، ولا يَتَحَقَّقُ بينهم 396 والحالة هذه، تَنَازُعٌ وتَنَاكُرٌ.
وهذا التَّصْوِيرُ وإن أَزَاحَ الاعْتِرَاضَ المَذْكُورَ، ففيه إِشْكَالٌ آخر؛ وذلك أن مُدَّعِي النِّصْفِ، ومُدَّعِي الثلث، ليس في يَدِهِمَا إلا ما يَدَّعِيَانِهِ.
فقدلهما: أن البَاقِيَ لفلان الغَائِب، ليس إِقْرَاراً، ولكنه دَعْوَى لِلْغَائِب؛ فيحتاج إلى وِكَالَةٍ من جهته، فإذا لم يَتَعَرَّضَا لِلْوِكَالَةِ، أو لم يُثْبِتَاهَا، أَشْبَهَ أن يقال: الحُكْمُ كما لو اقتصر 397 كل وَاحِدٍ منهما على أن لي كذا.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد منهم بَيِّنَةً على ما يَدَّعِيهِ لنفسه، فَيُحْكَمُ لمدعي الثلث بالثلث؛ لأن له فيه بَيِّنَةً ويدًا ولمدعي السدس بالسدس لمثل ذلك، وبما يُحْكَمُ لمدعي النِّصْفِ فيه وجهان:
أحدهما: النصف؛ لأن له في الثُّلُثِ يَدًا وَبَيِّنَةً، وفي السُّدُسِ الباقي بَيِّنَةٌ، والآخران لا يَدَّعِيَانِهِ.
والثاني: يُحْكَمُ له بالثُّلُثِ ونِصْفُ السدس؛ لأن السُّدُسَ الزَّائِدَ على ما في يَدِهِ لا يَدَّعِيهِ على مُدَّعِي السدس خَاصَّةً، إنما يَدَّعِيهِ شائعاً 398 في بَقِيَّةِ الدَّارِ.
وهي في يدهما جَمِيعاً، ولذلك يَسْتَحْلِفُهُمَا لو لم تكن بَيِّنَةٌ، وإن كان السُّدُسُ مدعى 399 على الشُّيُوعِ؛ فنصفه المُدَّعَى على مُدَّعِي [الثلث عَارَضَتْ فيه بَيِّنَتُهُ بَيِّنَةَ مُدَّعِي النصف، وتَرَجَّحَتْ باليَدِ، ونِصْفُهُ المدعى على مدعي] 400 السدس، يُحْكمُ به لِمُدَّعِي النِّصْفِ [بَيِّنَتِهِ؛ لأن
الجزء: 13 - الصفحة: 229
بَيِّنَةَ مُدَّعِي السدس لا تُعَارِضُهَا، فَيَحْصُلُ لمدعي النِّصْف] 401 ثُلُثٌ، ونِصْفُ سُدُسٍ.
ولمدعي الثلث ثلث، والباقي يقولون: لمدعي السُّدُسِ سُدُسٌ، ونصف، والَّلائِقُ بالتَّصْوِيرِ المَذْكُورِ أن يقال: ويَبْقَى في يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ سُدُسٌ ونصف، وهذا الوَجْهُ الثاني قَرِيبٌ من الطَّبْع، لكن بالأَوَّلِ أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، وهو المَحْكِيُّ عن القَفَّالِ، وذكر الروياني: أنَّه المَذْهَبُ.
وأجرى أبو الفَرَجِ البزّازُ الوَجْهَيْنِ في أن المدعي في السُّدُس الزائد على مدى السدس وَحْدَهُ، أو عليهما جَمِيعاً.
واعْلَمْ أن مُدَّعِي الثلث ومدعي السدس، لا يحتاجان 402 إلى إِقَامَةِ البَيِّنَةِ في الابْتِدَاءِ، ولكن مُدَّعِي النِّصْفِ يَحْتَاجُ إلى إِقَامَةِ البَيِّنَةِ؛ للسدس 403 الزَّائد على ما في يَدِهِ، فَلْيُصَوَّرْ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ من جهَتِهِمْ، فيما إذا أَقَامَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَوَّلاً، ثم أقام الآخَرَانِ على نحو ما ذَكَرْنَا في الفَرْعِ الأول.
وإنه يجوز أن يُفْرَضَ من مُدَّعِي السُّدُسِ إِقَامَةُ البَينة على السُّدُسِ للغائب، مع إِقَامَةِ البينة على أن السدس له؛ بِنَاءً على أن المُدَّعَى عَلَيْهِ إذا أقر بما في يَدِهِ لغائب، يَجُوزُ له إِقَامَةُ البَيِّنَةِ على أنَّه لِلْغَائِبِ، وقد بيناه 404 من قَبْلُ.
الخامس: دَارٌ في يَدِ ثلاثة: ادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا، والثاني نِصْفَهَا، والثالث ثُلُثَهَا؛ وأقام كُلُّ وَاحِدٍ من الأولين البَيِّنَةَ على ما ادَّعَى، دون الثالث، فلمدعي الكُلِّ الثلث، بالبَيِّنَةِ واليد، ولمُدَّعِي النصف كذلك، ولمدعي الكل نِصْفُ ما في يَدِ الثالث أيضاً بِبَيِّنَتِهِ السَّلِيمَةِ عن المعارض.
وفي النصف الآخر تَتَعَارَضُ بَيِّنَتُهُ وبَيِّنَة مدعي النصف؛ فإن قلنا بالتَّسَاقُطِ؛ فالقول قَوْلُ الثالث في السدس، وفي بُطْلانِ البَيِّنَتَيْنِ.
فيما عدا السُّدُسِ، بِنَاءً على تَبْعِيضِ الشهادة ما مَرَّ.
وإن قلنا بالاستعمال، لم يَخْفَ التَّوَقُّفُ والإِقْرَاعُ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، قُسِّمَ بينهما.
فيحصل لمدعي الكُلِّ نِصْفٌ ونِصْفُ سُدُسٍ؛ ولمدعي النِّصْفِ ثُلُثٌ وَنِصْفُ سُدُسٍ.
هكذا أورد المَسْأَلَةَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وغيره.
وقد يُقَالُ: مدعي النصف لا يَدَّعِي السُّدُسَ الزَّائِدَ على ما في يَدِهِ على الثَّالِثِ خَاصَّةً، لكن يَدَّعِيهِ شَائِعاً على الآخرين معاً، فَنِصْفُ السُّدُس الذي يَدَّعِيهِ على مُدَّعِي الكُلِّ، يَنْدَفِعُ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الكُلِّ ويده، والنِّصْفُ الآخَرُ الذي يَدَّعِيهِ على الثَّالِثِ هو الذي يَقَعُ فيه التَّعَارُضُ؛ وهو الذي يَنْبَغِي أن يُقَسَّمَ إذا قلنا بالقِسْمَةِ، والباقي مما في يَدِ الثَّالِثِ وهو الربع 405 يُسَلَّمُ لمدعي الكل ببينته 406. وعلى
الجزء: 13 - الصفحة: 230
هذا فَالحَاصِلُ لمدعي الكل ثُلُثٌ، وربع، وربع سدس.
ولمدعي النصف البَاقِي.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا وُجِدَ التَّرْجِيحُ فَمَدَارِكُ التَّرْجِيحِ ثَلاَثَةٌ المَدْرَكُ الأَوَّلُ قُوَّةُ الحُجَّةِ فَيُقَدَّمُ شَاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، فَلَوِ اقْتَرَنَتِ اليَدُ بِالحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ فَوَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا:) أَنَّ اليَدَ أَوْلَى (والثَّانِي:) أنَّهُمَا يَتَعَادَلاَنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ شُهُودُ أَحَدِهِمَا أكْثَرَ أَوْ أَعْدَلَ فَلاَ تَرْجِيحَ بِهِ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ أَصْلاً بِخِلاَفِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا لاَ تَرْجِيحَ عَلَى رَجُلٍ وَأمْرَأتينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: إذا تَعَارَضَتِ البَيِّنَتَانِ، وهناك ما يُرَجِّحُ إحداهما، فَيُعْمَلُ بالرَّاجِحَةِ؛ وللترجيح 407 أسباب:
منها: أن تُختَصَّ إِحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بمزيد قُوَّةٍ، وفيه صور:
إحداها: لو أقام أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ، والآخَرُ شَاهِداً، وحَلَفَ معه، فقولان:
أحدهما: أنهما يَتَعَادَلاَنِ؛ لأن كُلَّ واحد منهما حُجَّةٌ كَافِيَةٌ في المال.
وأصحهما: على ما ذكره الإِمَامُ، وصاحب الكتاب: يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ؛ لأن شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ بالإجْمَاعِ، والشاهد واليمين، مُخْتَلَفٌ فيه.
وأيضاً فالَّذِي يَحْلِفُ مع شَاهِدِهِ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ، والذي يقيم 408 شاهدين يُصَدِّقُهُ غيره؛ فهو أَقْوَى جَانِباً، وأَبْعَدُ عن التُّهْمَةِ.
وعلى هذا فلو كانت اليَدُ مع صَاحِبِ الشَّاهِدِ واليَمِينِ، فوجهان:
أحدهما: أن اليَدَ وقُوَّةَ الحُجَّةِ الأخرى يَتَقَابَلاَنِ.
وأشبههما: أن جَانِبَ صَاحِبِ اليَدِ يُرَجَّحُ؛ لاعْتِضَادِهِ باليد المَحْسُوسَةِ.
هكذا نَقَلَ الإِمَامُ وصَاحِبُ الكتاب، وحُكِيَ في "التهذيب" الخِلاَفُ في المسألة قولين، ولم يحل 409 التعادل، لكن قال: أَحَدُ القَوْلَينِ تَرْجِيحُ صَاحِبِ اليد.
والثاني: تَرْجِيحُ الآخَرِ لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ قال: ويمكن بنَاءُ القَوْلَيْنِ على أن صَاحِبَ اليد، هل يَحْلِفُ مع البَيِّنَةِ، أم لا؟
وسيأتي الخلاف فيه.
إن قلنا: يَحْلِفُ، فيمينه كَشَاهِدٍ آخر، فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ باليد.
وإن قلنا: لا يَحْلِفُ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الآخر؛ لأن جَانِبَ صَاحِب اليد على هذا إنما يرجح إذا انضمت اليَمِينُ إلى البَيِّنَةِ الكَامِلَةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 231
الثانية: لو زاد عَدَدُ الشُّهُودِ في أَحَدِ الجانبين، فَنَصُّهُ -رضي الله عنه- في "المختصر": أنَّه لا تَرْجِيحَ.
وعن القديم نقل 410 قَوْل فيه 411، وللأصحاب -رحمهم الله-[فيه] 412 طريقتان:
أشبههما، وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أن المَسْأَلَةَ على قَوْلَيْنِ:
الجديد: أنَّه لا ترجيح لكمال 413 الحجة من الطَّرَفَيْنِ، والقديم؛ ويُحْكَى عن مالك: أنَّه يُرَجَّحُ جَانِبُ من زَادَ عَدَدُ شُهُودِهِ؛ لأن القَلْبَ إلى قولهم أميل.
والثاني: القَطْعُ بالقَوْلِ الأَوَّلِ، وحمل ما نُقِلَ عن القديم على حكاية مذهب الغَيْرِ.
ولو اخْتَصَّتْ إحدى البَيِّنتَيْنِ بزيادة ورع، أو فِقْهٍ، جَرَى الطريقان.
قال في "الوسيط": وعلى هذا الخِلاَفِ لو كان في أحد الجَانِبَينِ شَهَادَةُ أحد الخُلَفَاءِ الأربعة -رضي الله عنهم- وفي الرواية يَثْبُتُ الرُّجْحَانُ بهذه الأُمُور، وفَرَّقُوا بأن لِلشَّهَادَةِ نِصَاباً مُقَدَّراً، فيتبع.
وليس للرواية ضَبْطٌ فمنهم من رجح بأغلب الظَّنَّيْنِ.
ومنهم من أَلْحَقَ الرواية بالشَّهَادَةِ، والظاهر الأول.
الثالثة: لو أقام أَحَدُهُمَا رَجُلَيْنِ، والآخر رَجُلاً وامْرَأتَينِ، فالمَشْهُورُ أنَّه لا تَرْجِيحَ لقيام الحُجَّةِ، وكُلُّ واحد منهما بالاتِّفَاقِ.
وعن المَاسَرْجَسِيِّ رِوَايَةُ قَوْلٍ آخَرَ، وهو تَرْجِيحُ الرجلين؛ لزيادة الوُثُوقِ بقولهما.
ولذلك يَثْبُتُ بقول رَجُلَيْنِ، ما لا يَثْبُتُ بقول رَجُلٍ وامرأتين.
ونقل الفوراني مِثْلَ ذلك أيضاً.
ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله في الكتاب: "ولا ترجيح به" بالميم.
وقوله: "في القَوْلِ الجديد" بالواو، لِطَرِيقَةِ من نَفَى الخِلاَفَ.
وقوله: "فخلاف الرواية" بالواو؛ للوجه المَذْكُورِ فيها 414.
وقوله: "وكذا لا يُرَجَّحُ رَجُلاَنِ على رجل وامرأتين"، أراد 415 على أحد القولين على ما بَيِّنَهُ في "الوسيط".
ولم يُرِدِ القَطْعَ بعدم التَّرْجِيحِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 232
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَدْرَكُ الثَّانِي: اليَدُ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الخَارجِ وَلَكِنْ إِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ بَيِّنَةِ الخَارجِ، وَلَوْ أَرَادَ إقَامَتَهَا قَبْلَ دَعْوَى مُدَّعِي التَّسْجِيلِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أقَامَ بَعْدَ الدَّعْوَى لإسْقَاطِ اليَمِينِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ أَقَامَ بَعْدَ بَيِّنَةِ الخَارجِ وَقَبْلَ التَّعْدِيلِ فوَجْهَانِ، أَمَّا إِذَا أَقَامَ بَعْدَ إزَالَةِ يَدِهِ بَيِّنَةِ الخَارجِ أَوْ ادَّعَى مِلْكاً سَابِقاً فَهَلْ يُقَدَّمُ بِسَبَبِ يَدِهِ الَّتِي سَبَقَ القَضَاءُ بِإزَالَتِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ،.
وَلَوْ أَقَامَ بَعْدَ القَضَاءِ وَقَبْل التَّسْلِيمِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقَدَّمَ، ثُمَّ إِذَا قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى أن يَحْلِفَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَسْتَعْمِل بَيِّنَتَهُ إلاَّ فِي إسْقَاطِ بَيِّنَةِ الخَارجِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ اليَمِينُ كَمَا كَانَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ: اليَدُ، فإذا ادَّعَى عَبْناً في يَدِ غَيْرِهِ، وأقام البَيِّنَةَ على أنها مِلْكُهُ، وأقام مَنْ هي في يَدِهِ بَيِّنَةً أنها مِلْكُهُ، تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وتُرَجَّحُ على بَيِّنَةِ الخارج 416. وبه قال مَالِكٌ.
وقال أبو حنيفة لا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ اليد، ولا يُحْكَمُ بها إلا في ثَلاَثِ صور:
إحداها: دَعْوَى النِّتَاجِ وهو أن يَتَنَازَعَا [دَابَّةً، وَأَقَامَ كُلُّ واحد بَيِّنَةٌ على أنها مِلْكُهُ هو نَتَجَهَا.
والثانية: أن يَتَنَازَعَا] 417 ثوباً لا يُنْسَجُ إلا مرة، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةً [على] 418 أنَّه مِلْكُهُ، هو نَسَجَهُ، ومن المَنْسُوجَاتِ ما يُنْسَجُ أَكْثَرَ من مَرَّةٍ، كالخَزِّ والنسيج.
والثالثة: أن يُسْنَدَ المِلْكُ إلى شَخْصٍ واحد؛ بأن أَقَامَ كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ على
الجزء: 13 - الصفحة: 233
أنه اشْتَرَى من زَيْدٍ أو اتَّهَبَ.
ففي هذه الصُّوَرِ سَاعدنا على أنَّه تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الداخل، ويُحْكَمُ بها.
وعن أحمد ثَلاَثُ روايات:
إحداها كمذهبنا.
والأخرى كمذهب أبي حَنِيْفَةَ، إلا أنَّه لم يُفَرِّقْ في بَيِّنَةِ النَّسِيجِ بين ما لا يُنْسَجُ إلا مَرَّةً، وبين غيره.
وأظهرهما: أنَّه لا تُسْمَعُ بَيِّنةُ الداخل، ولا يُحْكَمُ بها على الإطلاق.
واحتج الأصحاب على أبي حَنِيْفَةَ بالقِيَاسِ على ما سَلَّمَهُ، وبأنهما تَسَاوَيا في البَيِّنَةِ.
وانفرد صاحب اليَدِ باليد، فَحُكِمَ له، كما لو انْفَرَدَ باليد ولا بَيِّنَةَ.
وعلى أحمد بما روِيَ أن رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً، وأقام كل واحد منهما بَيِّنَةً أنها دَابَّتُهُ نَتَجَهَا، فقضى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للذي هي في يَدِهِ.
وهل يُشْتَرَطُ في سَمَاعِ بَيِّنَةِ الداخل أن يُبَيَّنَ سَبَبَ المِلْكِ، من شراء، أو إِرْثٍ، أو غيرهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنهم ربما اعْتَمَدُوا ظَاهِرَ اليد.
وأصحهما: أنها تُسْمَعُ وإن كانت مُطْلَقَةً كَبَيِّنَةِ الخَارج، فإنها تُقْبَلُ مُطْلَقَةً، مع احتمال أن الشُّهُودَ اعْتَمَدُوا يَداً سَابِقَةً، ولا فَرْقَ في تَرْجِيح بَيِّنَةِ الداخل، أن يبين الخارج والداخل سَبَبَ المِلْكِ، وبين أن يُطْلِقَا.
وكذا لا فَرْقَ بين إِسْنَادِ البَيِّنَتَيْنِ، وإطلاقهما، إذا سمعنا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مع الإِطْلاَقِ.
وإذا وقع التَّعَرُّضُ للسبب؛ فلا فَرْقَ أن يَتَّفِقَ السَّبَبَانِ، أو يَختَلِفَا، ولا بين أَن يُسْنَدَ المِلْكُ إلى شَخْصٍ واحد؛ بأن يقول: هذا اشْتَرَيتُهُ من زيد، وهذا مِثْلُ ذلك.
أو تقول المَرْأَةُ وهي أَحَدُ المُتَدَاعيين: أصْدَقَنِيهِ زَوْجِي.
ويقول خَصْمُهَا: اشتريتها من زَوْجِكِ.
وبين أن يُسْنِدَ أحدهما إلى شَخْصٍ، والآخَرُ إلى آخر.
وحكى الفوراني وَجْهاً: أنَّه إذا أَقَامَ كل واحد منهما البَيِّنَةَ على الانْتِقَالِ من شخص معين يَتَسَاوَيانِ؛ لأنهما اتَّفَقَا على أن اليَدَ كانت لِثَالِثٍ، وكل واحد منهما يَزْعُمُ الانْتِقَالَ إليه، ثم في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: في أن بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ متى تُسْمَعُ؟ ولها أحوال:
إحداها: أن يقيمها قبل أن يُدَّعَى عليه شَيْءٌ، فظاهر المَذْهَبِ أنها لا تُسْمَعُ؛ فإن الحُجَّةُ إنما تُقَامُ على شَخْصٍ، فإذا لم يكن خَصْمٌ، فلا حَاجَةَ إلى حُجَّةٍ.
وفيه وجه: أنها تُسْمَعُ؛ بغرض التَّسْجِيلِ.
والثانية: أن يُقِيمَهَا بَعْدَ الدعوى، وقبل أن يُقِيمَ المدعي البَيِّنَةَ؛ فإن سَمِعْنَا في الحالة الأولى، فهاهنا أَوْلَى.
وإلاَّ فوجهان:
الجزء: 13 - الصفحة: 234
أظهرهما: أنها لا تُسْمَعُ أيضاً؛ لأن الأَصْلَ في جانبه اليَمِينُ، فلا معدل 419 عنها ما دَامَتْ يكتفي 420 بها.
وعن ابن سُرَيْجٍ: أنها تُسْمَعُ؛ ليُسْقِطَ اليَمِينَ عن نَفْسِهِ، كالمُودِع تُسْمَعُ البَيِّنَة منه على الرَّدِّ والتَّلَفِ، وإن كانت يَمِينُهُ كافية.
الثالثة: أن يقيمها بعد أن أَقَامَ الخَارجُ البَيِّنَةَ، ولكن قبل أن يعدل، فإن سمعنا في الحالة الثانية، فهاهنا أَوْلَى.
وإلا فوجهان:
أحدهما: لا تُسْمَعُ؛ لأنه مُسْتَغْنٍ عنها بعد.
وأصحهما: أنها تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأن يَدَهُ بعد إِقَامَةِ البَيَّنَةِ مُشْرِفَةٌ على الزوال، فَتَمسُّ الحَاجَةُ إلى تأكيدها، ودَفْعِ الطَّاعِنِ فيها.
الرابعة: إذا أَقَامَهَا بعد بَيِّنَةِ المدعي، وتَعْدِيلِهَا، فقد أَقَامَهَا في أَوَانِ إقامتها، وإن لم يُقِمْهَا حتى قَضَى القَاضِي للمدعي، وسَلَّم المَالَ إليه؛ فإن لم يُسْنَدِ المِلْكُ إلى الأوَّلِ، فهو الآن مُدَّعٍ خارج.
وإن ادَّعَى مِلْكاً مُسْتَنِداً إلى ما قبل إِزَالَةِ اليَدِ، واعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ الشهود ونحوها، فهل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؟ وهل تقدم باليد 421 المزالة بالقَضَاءِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن تلك اليَدَ مَقْضِيٌّ بزوالها [وبطلان حكمها] 422 فلا ينقض القَضَاء.
وأصحُّهما: أن بَيِّنَتَهُ مَسْمَوعَةٌ كبينة حتى يُقِيمَهَا بعدما قَضَى القاضي للمدعي، ويُنْقَضُ القَضَاءُ الأول؛ لأنه إنما أزيلت لعدم الحُجَّةِ، وقد قامت الحُجَّةُ الآن.
وإن أقام البَيِّنَةَ بعد القضاء للمُدَّعِي، وقبل الانْتِزَاعِ والتسليم إلى المدعي، فوجهان: مرتبان وأَوْلَى بأن تَسْمَعَ بَيِّنَتُهُ، ويقدم جانبه لبقاء اليد حساً 423.
وإلى الوَجْهِ الآخر ذَهَبَ القاضي الحُسَيْنُ، فإن أبا سعد الهَرَوِيُّ قال: قال القاضي الحسين: أُشْكِلَتْ عَلَيَّ هذه المَسْأَلَةُ نَيِّفًا وعشرين سَنَةً؛ لما فيها من نَقْضِ الاجْتِهَادِ [بالاجتهاد] 424، وتَرَدَّدَ جوابي فيها؛ فذكرت مَرَّةً: أنَّه إن تَأَكَّدَ الحُكْمُ بالتسليم، لم
الجزء: 13 - الصفحة: 235
يُنْقَضْ، وإن لم يَتَأكَّدْ، فوجهان: ثم اسْتَقَرَّ رَأْيي على أنَّه لا يُنْقَضُ، سواء كان قبل التَّسْلِيمِ، أو بعده.
المسألة الثانية: هل يَحْلِفُ الدَّاخِلُ مع بَيِّنَتِهِ ليُقْضَى له 425 فيه وجهان أو قولان:
أصحهما، ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في القديم: أنَّه لا يَحْلِفُ، كما لا يحلف الخَارجُ مع البَيِّنَةِ، وهذا ما حُكِي عن أبي حَنيفَةَ؛ حيث قال: يُقْضَى للداخل.
والثاني: يحلف لاحْتِمَالِ أن الشُّهُودَ شَهِدُوا بظاهر اليَدِ وبنوا 426 هذا الخِلاَفَ على أن القَضَاءَ للدَّاخِلِ باليَدِ، أم بالبينة المُرَجّحة باليد، أحد المأخذين؛ أن القَضَاءَ باليد؛ لأن البَيِّنَتَيْنِ إذا تَعَارَضَتَا تَسَاقَطَتَا، وصار كأنه لا بَيِّنَةَ، فعلى هذا لا بُدَّ من اليمين.
والثاني: أن القَضَاءَ بالبَيِّنَةِ، وأنها 427 تَرَجَّحَتْ باليَدِ، كما يَتَرَجَّحُ الدَّلِيلُ في الأحكام الشَّرْعِيَّةِ على مُعَارَضَة.
وإنما تسقط البَيِّنَتَانِ إذا تَعَارَضَتَا بلا تَرْجِيحٍ.
فعلى هذا لا حَاجَةَ إلى اليمين.
وقوله في الكتاب عَقِيبَ ذِكْرِ الوجهين.
"وقيل: إنه لا يَسْتَعْمِلُ بَيِّنَتَهُ إلا في إِسْقَاطِ بَيِّنَةِ الخارج، فيبقى اليَمِينُ عليه، كما كان" يمكن حَمْلُهُ على طريقة جازمة بالتَّحْلِيفِ؛ بِنَاءً على ما ذكر في "الوسيط"؛ أن الأَصْحَابَ -رحمهم الله- اخْتَلَفُوا في أن بَيِّنَتَي الداخل والخارج يَتَهَاتَرَانِ، أو تتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ الدَّاخل باليَدِ، وإن قلنا بالأَوَّلِ؛ فلا بد من التَّحْلِيفِ.
وإن قُلْنَا بالثاني، ففي التَّحْلِيفِ وجهان يَقْرُبَانِ من الخلاف في التَّحْلِيفِ.
وإذا قلنا بالقُرْعَةِ وتَرَجَّحَتْ إحدى البَيِّنَتَينِ بها.
وإن قدرنا ما 428 ذكره تَوْجِيهاً لأحد الوَجْهَيْنِ وهو التَّحْلِيفُ، وتعبيراً عن مَأْخَذِ التَّهَاتُرِ، لا طريقة أخرى [فليقرأ] 429 قبيل بالياء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعَانِ: الأَوَّلُ: الدَّاخِلُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ البيِّنةُ فَادَّعَى الشِّرَاءَ مِنَ المُدَّعِي أَوْ ثَبَتَ الدَّيْنُ فَادَّعَى الإبْرَاءَ، فَإنْ كَانَتِ البَيِّنةُ حَاضِرَةً سُمِعَتْ قَبْلَ إزَالَةَ اليَدِ وَتَوْفِيَةِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً طُولِبَ فِي الوَقْتِ بالتَّسْلِيمِ، ثُمَّ إِذَا أَقَامَ اسْتَرَدَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أطلق الخَارجُ دَعْوَى المِلْكِ، وأقام عليه البَيِّنَةَ.
[وقال الداخل: هو ملكي اشتريته منك، وأقام عليه البينة] 430 فالداخل أولى؛ لأن مع بينته زَيادَةُ عِلْمٍ؛ وهي الانْتِقَالُ الحَادِثُ، ولأن الدَّاخِلَ مقدم 431 عند إطْلاَقِهِمَا الدَّعْوَى
الجزء: 13 - الصفحة: 236
والبينة، فإذا قُيِّدَ، كان أَوْلَى بالتقديم.
ولو قال الخارج: هو مِلْكِي وَرِثْتُهُ من أبي، وقال الدَّاخِلُ: هو مِلْكِي اشْتَرَيتُهُ من أبيك، فكذلك الحكم.
ولو انعكست 432 الصورة؛ فقال الخارج: هو مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ منك، وأقام عليه بَيَّنةً، وأقام الداخل بَيِّنَةً [على] 433 أنَّه مِلْكُهُ، فالخارج أَوْلَى؛ لزيادة علم بينته 434 435.
ولو قال كل واحد [منهما] 436 لصاحبه: اشتريته منك، وأَقَامَ عليه بَيّنَةً، وخَفِيَ التَّارِيخُ، فصَاحِبُ اليَدِ أَوْلَى.
حكاه القاضي الرُّوياني وغيره.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: مُسَاعَدَتُنَا في هذه الصُّورَةِ إذا عرف ذلك، ففي الصُّورَةِ الأولى وهي أن يُطْلق الخارج، ويقول الدَّاخِل: اشْتَرَيْتُهُ منك لا تُزَالُ يده قبل إِقَامَةِ البَيِّنَةِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها تُزَالُ، ويُؤْمَرُ بالتسليم إلى المُدَّعِي؛ لاعْتِرَافِهِ بأنه كان له، ثم يثبت ما يَدَّعِيهِ من الشراء.
الظَّاهِرُ الأول؛ لأن البَيِّنَةَ إذا كانت حَاضِرَةً، فالتَّأَخُّرُ إلى إِقَامَتِهَا سهل.
فلا مَعْنَى للانْتِزَاعِ، والرد.
نعم، لو زعم أن بَيِّنَتَهُ غائبة 437؛ فلا يَتَوَقَّفُ، بل يُؤمَرُ في الحال بالتَّسلِيمِ، ثم إن أَثْبَتَ ما يدعيه، اسْتردّ، [ويجري الخِلاَفُ فيما إذا ادَّعَى دَيْناً، فقال المدعى عليه: أَبْرَأَنِي، وأراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ، لا يُكَلَّفُ تَوْفِيَة الدَّيْنِ على قول الأكثرين.
وعلى ما ذكر القاضي يُكَلَّفُ، إذا ثَبَتَ ما يقوله استردَّ] 438 وهذا كما ذُكِرَ في أول كتاب الدعاوى: أنَّه لو قال: أَبْرَأَنِي، فَحَلَّفُوهُ، يَحْلِفُ قبل أن يُسْتَوْفَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرهِ بِمِلْكٍ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَ دَعْوَاهُ حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَقِّيَ المِلْكِ مِنَ المُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ فَهَلْ يَحْتَاجُ بَعْدَهُ فِي الدَّعْوَى إلَى ذِكْرِ التَّلَقِّي مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالأَجْنَبِيُّ لاَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ إِذِ البَيِّنَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ فَلَهُ دَعْوَى المِلْكِ مُطْلَقاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من أَقَرَّ بعَيْنٍ لإنسان، ثم ادَّعَاهَا، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، إلا أن يذكر
الجزء: 13 - الصفحة: 237
تَلَقِّيَ المِلْكِ عنه، وذلك لأن المُقرَّ مُؤَاخَذٌ بِإقْرَارِهِ في المستقبل.
ألا ترى أن من أَقَرَّ أَمْس يُطَالَبُ به اليَوْمَ؟ ولولا ذلك، لم يكن في الإِقْرَارِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ.
وإذا كان كذلك، فَيُسْتَصْحَبُ ما أَقَرَّ به، إلى أن يثبت الانْتِقَالُ.
ومن أُخذَتْ منه بينة قامت، ثم جاء يَدَّعِيهَا، فهل يحتاج إلى ذِكْرِ التَّلَقِّي منه؟ فيه وجهان:
وجه قولنا: نعم، إنه صار مُلْزَماً بتلك الحُجَّةِ، فَيُؤَاخَذُ بموجبها، كما لو أَقَرَّ.
ووجه الثَّانِي: إِلْحَاقُهُ بالأَجَانِب، ولا خِلاَفَ أنَّه لو ادَّعَى عليه أَجْنَبيٌّ وأَطْلَقَ يُسْمَعُ.
وما الأَظْهَرُ من هذين الوجهين؟؟ ذَكَرَ بَعْضُ أصحاب الإِمام ذَهَابَ الأَكثرين إلى أنَّه لاَ بُدَّ من ذكر التَّلَقِّي، لكنا حَكَيْنَا عن الأصحاب -رحمهم الله-: في أحوال، إِقَامَة الداخل البَيِّنة أنَّه لو أقامها بَعْدَ ما انْتُزِعَتِ العَيْنُ منه، هل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؟ وهل يُقْضَى له؟ وبَيَّنَّا أن الأَصَحَّ، السَّمَاعُ، والقَضَاءُ، وذلك الاختِلاَفُ مَفْرُوضٌ فيما إذا أَطْلَقَ دعوى المِلْكِ، ولم يذكر التَّلَقِّي.
فأما إذا ادَّعَى التَّلَقِّي، فلا بد أن تسمع دعواه، وقد صَرَّحَ به أبُو الحَسَنِ العبادي.
وإذا كان الاخْتِلاَفُ في إطْلاَقِ الدَّعْوَى، ورجَّحْنَا وَجْه السَّمَاع، لَزِمَ أن يكون الرَّاجِحُ هاهنا أنَّه لا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ التَّلَقِّي.
فروع
:
أكثرها عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أقام الخَارجُ بَيِّنَةً على أن هذه العَيْنَ مِلْكِي، غَصَبَهَا منى الدَّاخِلُ.
أو قال: أَجَّرْتُهَا منه، أو أَوْدَعْتُهَا إياه، وأقام الداخل بَيِّنَةً على أنَّه مِلْكهُ، فَأَحَدُ الوجهين: أنَّه يُقْضَى لصاحب اليد.
هذا ما صَحَّحَهُ صاحب "التهذيب".
والثاني: وهو المَنْقُولُ عن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُقْضَى للخارج.
وهذا ما ارْتَضَاهُ العراقيون، وبه أجاب القاضي أبو سَعْدٍ.
ولو لم تكن بَيِّنَةٌ، ونَكَلَ الدَّاخِلُ عن اليمين، فَرُدَّتْ على الخارج، وحُكِمَ له، ثم جاء المُدَّعَى عليه ببَيِّنَةٍ، تُسْمَعُ.
كما لو أَقَامَهَا بعد بَيِّنَةِ المدعي.
وفيه وجه: أنها لا تُسْمَعُ، بِنَاءً على أن النُّكُولَ، وَردَّ اليمين، كالإقرار 439.
الجزء: 13 - الصفحة: 238
ولو تَنَازَعَا شَاةً مَذْبُوحَةً؛ في يد أحدهما رَأْسُهَا وجلدها وسَوَاقِطُهَا، وفي يد الآخر باقِيها، وأَقَامَ كل واحد منهما بَيِّنَةً على أن الشَّاةَ له، يُقْضَى له بما في يَدِهِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يُقْضَى له بما في يَدِ صَاحِبهِ، بِنَاءً على أن بَيِّنَةَ الخارج مقدمة.
ولو قالت 440 كل بَيِّنَةٍ: الشاة [له] 441، نَتَجَتْ في مِلْكِهِ، وذُبِحَتْ في ملكه، قُضيَ لكل وَاحِدٍ منهما بما في يَدِهِ بالاتِّفَاقِ؛ لأن البَيِّنَةَ قد تَعَرَّضَتْ لِلنِّتاجِ، فَيُقَدَّمُ الدَّاخِلُ.
ولو كانت في يَدِ كُلِّ واحد منهما شَاةٌ، فادَّعَى كُلُّ واحد؛ أن الشَّاتَيْنِ له، وأن التي في يَدِ صاحبه نَتَجَتْ من التي في يَدِهِ، وأَقَامَا عليه البَيِّنَةَ، فهما مُتَعَارِضَتَانِ؛ فلكل وَاحِدٍ منهما التي في يده؛ لاعْتِضَادِ بَيِّنَتِهِ بيده.
وإن أقام كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ على أن التي في يَدِ الآخر مِلْكُهُ، قُضِيَ لكل وَاحِدٍ منهما بما في يَدِ الآخر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَدْرَكُ الثَّالِثُ: اشْتِمَالُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادةٍ وَهِيَ أَقْسَامٌ: الأَوَّلُ زِيَادَةُ التَّارِيخِ فَإذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنهُ مُلْكَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَالأُخْرَى مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَفِي تَقْدِيمِ السَّابِقِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالأُخْرَى مُؤَرَّخَةً أَوْ مُضَافَةً إلَى سَبَب مِنْ نِتَاجٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ زِرَاعَةٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يُرَجَّحَ المُقَيَّدُ، فَإِنْ جَعَلْنَا لِلسَّبْقِ أَثَرَاً فَكَانَ السَّبْقُ في جَانِبٍ وَاليَدُ فِي جَانِبٍ قُدِّمَ اليَدُ عَلَى وَجْهٍ، وَالسَّبْقُ عَلَى وَجْهٍ، وَيَتَعَادَلاَنِ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَرْجَمَ هذا المَدْرَكَ بالزِّيَادَةِ في البَيِّنَةِ، وأراد اخْتِصَاصَ الشَّهَادَةِ، يَتَأيَّدُ بأصل أو بِزِيَادَةِ عِلْمٍ.
والمَدْرَكُ الأول بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وأراد اخْتِصَاصَ الشُّهُودِ بصفة تفيد 442 زَيادَةَ الوُثُوقِ بقولهم.
وفي ترتيب الكتاب من هاهنا إلى آخر الباب نَوْعُ اضطراب؛ فإنه قال وهي أقسام:
الأول: زِيَادَةُ التَّارِيخ، ثم قال: الطَّرَفُ الثاني في العُقُودِ، والثالث في المَوْتِ، والرابع في العِتْقِ، والوَصِيَّةِ، وزيادة التَّارِيخِ تَدْخُلُ في العقود، كما تدخل في الأَمْلاَكِ المُطْلَقَةِ.
ولا ينبغي أن تَدْخُلَ بعض أَقْسَام التقسيم في بعض، ويَنْتَظِمُ أن يُقَالَ: في أول الرُّكْنِ تَعَارُض البَيِّنَتَينِ، وقد تقع في الأَمْلاَكِ، وقد تَقَعُ في غيرها، كالعُقُودِ، والموت في الوصية.
فهذه أَطْرَافٌ تحتاج إلى النَّظَرِ فيها.
الأول، في الأَمْلاَكِ؛ فأما أن تَخْلُوَ البَيِّنَتَانِ المُتَعَارِضَتَانِ منها عن التَّرْجِيحِ، أو يكون هناك تَرْجِيحٌ.
الجزء: 13 - الصفحة: 239
وللترجيح أَسْبَابٌ ثلاثة: ثالثها -اشْتِمَالُ إحدى البَيِّنَتَيْنِ على زَيادَةِ التَّارِيخِ، فيسلك التاريخ مَسْلَكَ المَقْصُودِ من رُكْنِ البَيِّنَةِ إلى آخر الباب في هذا التَّرْتيبِ.
وَفِقْهُ الفصل: أنَّه إذا أَرَّخَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ المِلْكَ بتاريخ، نظر، إن تَوَافَقَ التَّارِيخَانِ، فلا تَرْجِيحَ، وإن اختلفا، كما إذا قَامَتْ بَيِّنَةُ هذا على أنَّه مَلَكَهُ منذ سَنَةٍ، وبَيِّنَةُ هذا على أنَّه مَلَكَهُ منذ سنتين، ففيه طريقان؛ المشهور منهما: أن في تَرْجِيح أَسْبَقِهِمَا تَارِيخاً 443 قولين:
أحدهما: ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في البُوَيْطِيِّ: أنَّه لا تَرْجِيحَ؛ لأن مَنَاطَ الشَّهَادَةِ المِلْكُ في الحال.
وقد اسْتَوَيا فيه، فَأشْبَهَ ما إذا كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ.
وثانيهما: ويُحْكَى عن رواية الرَّبِيع -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المزني: أنَّه يُرَجَّحُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخاً؛ لأنها تثبت الملكَ في وقت لا تُعَارِضُهَا البَيِّنةُ الأُخْرَى فيه، وفي وقت تَعَارُضِهَا الأخرى يتساقطان في مَحَلِّ التَّعَارُضِ.
وتثبت موجبها 444 فيما قبل مَحَلِّ التعارض.
والأصل في الثابت دَوَامُهُ، وأَصَحُّ القولين، الأَوَّلُ عند القاضي ابن كَجٍّ وشِرْذِمَةٍ -رحمهم الله-.
والثاني عند أَكْثَرِهِمْ؛ منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ، وسالكو طريقته، وصَاحِبَا "المُهَذَّب"، و"التهذيب" -رحمهم الله وإِيِّانَا-.
والطريق الثاني: نقل القاضي ابْنُ كَجٍّ عن ابن سُرَيْجٍ، وابن سلمة، وابن الوكيل؛ أَنهم قَطَعُوا بنفي التَّرْجِيحِ، ولم يُثْبِتُوا القَوْلَ الآخر، والمثبتون 445 للخلاف، طَرَدُوه في بَيِّنَتَي شخصين يَتَنَازَعَانِ في نِكَاحِ امرأة، وإذا أُرِّخَتَا بتاريخينِ مُخْتَلِفَيْنِ، وأيضاً فيما إذا
الجزء: 13 - الصفحة: 240
تَعَرَّضَتَا مع اختِلاَفِ التَّارِيخ لسبب المِلْكِ، كما إذا أَقَامَ أحدهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد مُنْذُ سَنَةٍ، والآخر بَيِّنَةً علَى أنَّه اشْتَرَاهُ من عمرو منذ سنتين، ولو نَسَبَا العَقْدَيْنِ إلى شَخْصٍ وَاحِدٍ، فأقام هذا بَيِّنَةً على أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد من سَنَةٍ، وهذا بَيِّنَةً على أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد منذ سنتين.
فالسَّابِقُ أَوْلَى لا مَحَالَةَ 446.
وطَرَدُوهُ أيضاً، فيما إذا تَنَازَعَا أرضاً مَزْرُوعَةً فأقام 447 أحدهما بَيِّنَةً أنها أرْضُهُ زَرَعهَا، والآخر بَيِّنَةً أنها مِلْكهُ مُطْلَقاً؛ لأن البَيِّنَةَ التي تَشْهَدُ بالزَّرْعِ، تثبت المِلْكَ من وقت الزِّرَاعَةِ.
هكذا ذكر صاحب "التهذيب" تَصْوِيراً، وتَوْجِيهاً.
وفيه ما تبين 448 أن سَبْقَ التَّارِيخ لا يُشْتَرَطُ أن يكون بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ، حتى لو قامت بَيِّنَةٌ على أنَّه مَلَكَهُ منذ سَنَةٍ، وأخرى على أنه مَلَكَهُ أكثر من سَنَةٍ؛ كان موضع الخلاف، فإن رَجَّحْنَا أَسْبَقَ البَيِّنَتَيْنِ تَارِيخاً قَضَيْنَا بها، ولصاحبها الأُجْرَةُ، والزِّيَادَاتُ الحَادِثَةُ من يومئذ، وإن لم نُرَجِّحْهَا، ففيها الخِلاَفُ السَّابِقُ في تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ.
وإن كانت إحدى البَيِّنَتَينِ مُطلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةً، فمن قطع من مختلفي التَّاريخِ بأنه لا تَرْجِيحَ فههنا أَوْلَى، ومن أَثبَتَ الخِلاَفَ هناك تَحَزَّبُوا فمن طَارِدٍ للقولين هاهنا بوجه تَرْجِيح المُؤَرَّخَةِ 449؛ بأنها تثبت المِلْكَ من وقت مُعَيَّنِ، والأخرى لا تَقْتَضِي إلا إِثْبَاتَ المِلْكِ الحال.
والتَّسْوِيَةُ بينهما فإن المطلقة، كما لا تَقْتَضِي الإثْبَاتَ قبل الحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لا تَنْفِيهِ أيضاً، ولَعَلَّهُ لو بحث عنها أثبت المِلْكَ قبل ذلك الوقت.
ومِنْ قَاطِعِ بالتَّسْوَيةِ، وكيف فرض؟ فالظاهر التَّسْوَيةُ هاهنا.
ثم احتج المُزَنِي للقول الذي اخْتَارَهُ: بأنهما لو تَنَازَعَا دَابَّةٌ؛ أقام أَحَدُهُمَا بَيِّنَةٌ على أنها مِلْكُهُ، والآخر بَيِّنَة أنها مِلْكُهُ، وهو الذي نَتَجَهَا، تُقَدَّمُ البيِّنةُ المتعرضة لِلنِّتَاجِ، واخْتَلَفَ الأَصْحَابُ.
ولم يُسَلِّم له أكثرهم ما ادَّعَاهُ، وحكموا 450 بأن المَسْأَلَةَ على القولين.
أو أَجْرَوْهُمَا في كل بَيِّنَتَيْنِ؛ أَطْلَقَتْ إحداهما [الملك] 451 ونَصَّتِ الأخرى على المِلْكِ، وسببه من الإرْثِ، والشِّرَاءِ، وغيرهما.
الجزء: 13 - الصفحة: 241
ومنهم من سَلَّمَ له ما ذَكَرَهُ في صورة النِّتَاجِ، [وفَرَّقُوا بينها وبين بَيِّنَتَي المِلْكِ المطلق؛ بأن بينة النِّتَاجِ] 452 تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ المِلْكِ له، والتي هي أَسْبَقُ تَارُيخاً لا تثبت ابتداء المِلْكِ.
فهذا التَّوْجِيهُ يقتضي اطِّرَادَ الطريقتين فيما إذا تَنَازَعَا ثَمَرَةً، أو حِنْطَةَ، فشهدت بَيِّنَةٌ بأنها حَدَثَتْ من شجرته أو بذره.
ولا يَقْتَضِي جَرَيَانَ الثَّاييَةِ فيما إذا تَعَرَّضَتْ إحداهما للشِّرَاءِ، وسائر الأسباب؛ فإنها لا تُوجِبُ ابتِدَاءَ المِلْكِ.
واعْلَمْ أن المَسْأَلَةَ من أصلها مَفْرُوضَةٌ فيما إذا كان المُدَّعَى في يَدِ ثَالِثٍ.
فأما إذا كان في يَدِ أحدهما وقامت بَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَا التَّاريِخِ، فإن كانت بَيِّنَةُ الداخل أَسْبَقَ تَارِيخاً، فهو المُقَدَّمُ لا مَحَالَةَ.
وإن كانت بَيِّنَةُ الآخَرِ أسْبَقَ تاريخاً فإن لم نجعل سَبْقَ التَّاريخِ مُرَجِّحاً، فكذلك يُقَدَّمُ الداخل.
وإن جَعَلْنَاهُ مُرَجّحاً، فثلاثة أوجه:
أصحها: ترجيح اليد؛ لأن البَيِّنَتَيْنِ تَتَسَاوَيَانِ في إِثْبَاتِ المِلْكِ في الحال، فَيَتَسَاقَطَانِ فيه، ويَبْقَى من أَحَدِ الطرفين اليَدُ، ومن الآخر إِثْبَاتُ المِلْكِ السَّابِقِ.
واليد أقوى من الشَّهَادَةِ على المِلْكِ السابق؛ ألا ترى أنها لا تُزَالُ بها؟
والثاني: تَرْجِيحُ السَّبْقِ؛ لأن مع أَحَدِهِمَا تَرْجِيحاً من جِهَةِ البَيَّنَةِ، وسع الثاني تَرْجِيحاً من جهة اليَدِ، والبَيِّنَةُ تَتَقَدَّمُ على اليَدِ، فكذلك التَّرْجِيحُ من جهة البَيِّنَةِ مقدم 453 على التَّرْجِيحِ من جهة اليَدِ.
والثالث: أنهما يَتَسَاوَيانِ، لِتَعَارُضِ المَعْنيَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "ففي تَقْدِيم السَّابِقِ قَوْلاَنِ".
يجوز أن يُعَلَّمَ لفظ القولين منه بالوَاوِ للطريقة القَاطِعَةِ.
وقوله في تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ؛ المطلقة، والمؤرخة، والمطلقة، والمضافة إلى النتاج، والشراء: قولان مرتبان، وأَوْلَى بألاَّ يرجح المُقَيّد" القولان في المُطْلَقَةِ والمُؤَرَّخَةِ، وترتيبهما ظَاهِرٌ، وهذا الإيراد، وما ذكرناه من الطَّرِيقَتَيْنِ في هذه الصُّورَةِ، يرجعان إلى مَعْنَى وَاحِدٍ.
وأما في المُطْلَقَةِ والمضافة إلى الشِّرَاءِ والنِّتَاجِ، فالتَّرْتِيبُ على ما ذكره.
لم يَتَعَرَّضْ له الأصحاب -رحمهم الله-.
وإن فُرِضَ تَرْتِيبٌ، فهو بالعَكْس فيما ذكره، ألا تَرَى أن في صُورَةِ النِّتَاج طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بالتقديم 454؟ فليحمل قوله: "وأَوْلَى بأن لا ترجيح للمقيد" 455 على المُقَيَّدِ بزِيَادَةِ التَّارِيخِ دون المُقَيَّدِ بالإضافة إلى السَّبَبِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 242
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: لَوْ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بِمِلْكِهِ بِالأَمْسِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلحَالِ لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ: هُوَ مِلْكهُ فِي الحَال أَوْ لاَ أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلاً، فَإنْ قَالَ: لاَ أَدْرِي زَالَ أَمْ لاَ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ الاسْتِصْحَابِ فَفِي قَبُولِهِ خِلاَفٌ، أَمَّا لَوْ شَهِدَ بِأنَّهُ أَقَرَّ لَه بِالأَمْسِ ثَبَتَ الإِقْرَارُ وَيُسْتَصْحَبُ مُوجِبُ الإِقْرَارِ وإنْ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّاهِدُ لِلْمِلْكِ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْهِ: كَانَ مِلْكَكَ بِالأَمْسِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ لأنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيُسْتَصْحَبُ بِخِلاَف الشَّاهِدِ فإنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَخْمِينٍ حَتَّى لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: هُوَ مِلْكُهُ بِالأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بِالأَمْسِ فَيُسْمَعُ فِي الحَالِ؛ لأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى تَحْقِيقٍ، وَلاَ خِلاَف أنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ في يَدِ المُدَّعِي بِالأَمْسِ قُبِلَ وَجُعِلَ المُدَّعِي صاحِبَ يَدٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى دَاراً، أو عَبْداً في يدي رجل، فَشَهِدَتْ له البَيِّنَة بالمِلْكِ في الشَّهْرِ الماضي، أو بالأَمْسِ، ولم تَتَعَرَّضْ للحال.
نقل المُزَنِيُّ والربيع أنها لا تُسْمَعُ، ولا يُحْكَمُ بها.
وعن رِوَايَةِ البويطي: أنها تُسْمَعُ، ويُقْضَى بها.
وللأَصْحَابِ -رحمهم الله- فيه طَرِيقَانِ:
أشهرهما -وبه قال ابن سُرَيْجٍ: أن المسْأَلَةَ على قولين:
أحدهما: أنَّه يُسْمَعُ؛ لأنها تُثْبِتُ المِلْكَ سَابِقاً، والشيء إذا ثَبَتَ، فالأصل فيه الدَّوَامُ والاسْتِمْرَارُ.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأن دَعْوَى المِلْكِ السَّابِقِ لا تُسْمَعُ، فكذلك البَيِّنَةُ عليه.
ولأن ثُبُوتَ المِلْكِ سَابِقاً إن اقْتَضَى بَقَاءَهُ قيد المدعى عليه، وتصرفه يَدُلُّ على الانْتِقَالِ إليه، ولا يَحْصُلُ ظَنُّ المِلْكِ في الحال.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي إِسحَاقَ: القَطْعُ بأنها لا تُسْمَعُ، وحَمَلَ هؤلاء المَحْكي عن البُوَيْطِيِّ على أنَّه ذَكَرَهُ من عند نَفْسِهِ، وَيَجْرِي الخِلاَفْ فيما إذا ادَّعَى اليَدَ، وشَهِدَ الشُّهُودُ على أنَّه كان في يَدِهِ أَمْسِ.
واعلم أن للَقَوْلَيْن في هذا الفَرْعِ تَعَلُّقا بالقولين، فيما إذا أَرَّخَتِ البَيِّتَتَانِ المِلْكَ بتاريخين مختلفين؛ هل يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَاريخاً؛ أم يتساويان؟ ثم منهم من يَبْنِي القَوْلَيْنِ هاهنا على القَوْلَيْنِ هناك، ومنهم من يعكس البنَاءَ.
وقربا من الوَجْهَيْنِ فيما إذا قال: كان لِفُلاَنٍ عَلَيَّ كذا، أو كانت هذه الدَّارُ لفلاَن.
هل يكون إِقْرَاراً؟
وإذا قلنا: بأن الشَّهَادَةَ لا تُسْمَعْ على المِلْكِ السابق، فينبغي أن يَشْهَدَ الشَّاهِدُ على المِلْكِ في الحال.
أو يقول: كان مِلْكاً له ولم يزلْ.
الجزء: 13 - الصفحة: 243
أو يقول: لا أَعْلَمُ له مُزِيلاً، ويجوز أن يَشْهَدَ بالمِلْكِ في الحال؛ اسْتِصْحَاباً [لحكم ما] 456 عرفه من قبل، كشراء، وإرْثٍ، وغيرهما 457؛ لأن كان يَجُوزُ له زَوَالُهُ، ولو صرح في شهادته: أنَّه يَعْتَمِدُ الاسْتِصْحَابَ فوجهان.
حكى في "الوسيط" عن الأصحاب: أنَّه لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّضَاع على امْتِصَاصِ الثَّدْي، وحَرَكَةِ الحُلْقُومِ.
وعن القاضي الحسين: القَبُولُ؛ لأنا نَعْلَمُ أنَّه لا مستند له سواه، بخلاف الرَّضَاعِ، فإنه يُدْرَكُ بِقَرَائِنَ لا تدخل في العبارة.
ولو قال: لا أَدْرِي، أزال مِلْكَهُ أم لا؟ لم تُقْبَلُ؛ لأن هذه صِيغَةُ المُرْتَابينَ، وهي بَعِيدَةٌ عن أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
ولو شهدت البَيِّنَةُ على أنَّه أَقَرَّ أَمْسِ للمدعى بالمِلْكَ، قُبِلَتِ الشهادة، واسْتُدِيمَ حُكْمُ الإقْرَارِ، وإن لم يُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بالمِلْكِ في الحال.
ومما علق عن الإِمام أن منهم من طَرَدَ القَوْلَيْنِ فيه.
والظاهر الأول، وَلَوْلاَهُ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الأَقَارِيرِ.
ولو قال المدعى عليه: كان ملكك 458 بالأَمْسِ.
فوجهان:
أحدهما: أنَّه لا يُؤَاخَذُ به، ولا يُنْتَزَعُ المَالُ من يَدِهِ، كما لو قامت البَيِّنَةُ على أنَّه كان مَلَكَهُ أَمْسِ.
وأظهرهما: الانْتِزَاعُ كما لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ على أنَّه أَقَرَّ أمس، ويفارق الإِقْرَارُ البَيِّنَةَ من جِهَةِ أن المُقِرَّ لا يُقِرُّ إلا عن تَحْقِيقٍ؛ والشَّاهِدُ قد يَتَسَاهَلُ، ويبني على التَّخْمِينِ.
فإذا لم يَنْضَمَّ إليه الجَزْمُ في الحال، ضعف، حتى لو اسْتَنَدَتِ الشَّهَادَة إلى التَّحْقِيقِ أيضاً، بأن قال الشَّاهِدُ: هو ملكه بالأمس، اشْتَرَاهُ من المُدَّعَى عليه بالأَمْسِ، أو أَقَرَّ له المُدَّعَى عليه بالأَمْسِ، قُبِلَتِ الشهادة.
وكذلك نقله صَاحِبُ الكتاب هاهنا.
وفي "الوسيط": ولم يثبت الشَّيْخُ أبو نَضْرِ بنُ الصَّبَّاغ الوجهين فيما إذا قال المُدَّعَى عليه: كان ملكك بالأمس.
وحكى القَطْع بأنه يُؤَاخَذُ بِإقْرَارِهِ.
وردّ الوجهين إلى ما إذا قال: كان في يَدِكَ أمس.
وفَرَّقَ بين المِلْكِ واليد؛ بأن اليَدَ قد تكون مُسْتَحِقَّةً، وقد لا تكون؛ فإذا كانت قَائِمَةً، أخذنا بأن الظَّاهِرَ منها الاسْتِصْحَابُ، فهذا زَالَتْ ضَعُفَتْ
الجزء: 13 - الصفحة: 244
دلالتها وإذا عرفت ما يَحْتاج الشَّاهِدُ إلى التَّعَرُّضِ له على قولنا: إن الشَّهَادَةَ عن المِلْكِ السابق لا تُسْمَعُ، فكذلك إذا قلنا: إنَّ الشِّهَادَةَ على اليَدِ السَّابقَةِ لا تُسْمَعُ، فينبغي أن تَتَعَرَّضَ الشَّهَادَةُ لِزِيَادَةٍ، بأن يقول: كان في يدِ المُدَّعِي، وأَخَذَهُ المدعى عليه منه، أو غَصَبَهُ، أو قَهَرَهُ عليه، أو بَعَثَ العبد في شغل، أو أَبَقَ منه، فاعْتَرَضَهُ هذا، وأخذه.
فحينئذ تقبل (1) الشهادة، ويُقْضَى بها لِلْمُدَّعِي، فَيُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ.
وقوله في الكتاب: "لم تُسْمَعْ حتى يقول: وهو ملكه"، يمكن حَمْلُهُ من جِهَةِ اللفظ، أن يجعل جَوَاباً على الطرِيقَةِ القَاطِعَةِ، ويمكن أن يُجْعَلَ جَوَاباً.
على الأَصَحَّ، على طريقة إثْبَاتِ الخِلاَفِ.
وعلى التَّقْدِيرَينِ فَلْيُعْلَمْ بالواو.
وكذا قوله: "ويُسْتَصْحَبُ موجب الإقرار" لما حكيناه من الخِلاَفِ، ونقل في "الوسيط" أن القاضي مَالَ إلى ذلك الوَجْهِ.
وقوله: "أَو أَقَرَّ له المدعى عليه بالأمس"، يجوز أن يُعَلَّمَ بالواو؛ لأن هذه الصُّورَةَ بعينها هي الصُّورَةُ السابقة (2) وهي قوله: "أما لو شهدت (3) بأنه أَقَرَّ له بالأَمْسِ ... " إلى آخره.
وقوله: "ولا خلاف أنَّه لو شَهِدَ على أنَّه كانَ في يَدِ المدعي أمس قُبِلَ، وجُعِلَ المُدَّعِي صَاحِبَ يَدٍ".
هذا غير مُسَلَّم، بل طُرُقُ الأصحاب نَاصَّةٌ على أنَّه كما لو قامت البَيِّنَةُ على المِلْكِ بالأمس، بلا فَرْقٍ، بل في صُورَةِ اليَدِ.
تكلم الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وحكم بِعَدَمِ القَبُولِ.
فرع
:
ذكرنا أن الشُّهُودَ على المِلْكِ السابق، لو قالوا: لا نَعْلَمُ زَوَالَ مِلْكِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
ثم عن ابن المُنْذِرِ: أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: يَحْلِفُ المُدَّعِي مع البَيِّنَةِ، فإن ذَكَرُوا مع ذلك أنَّه غَاصِبٌ، فلا حَاجَةَ إلى اليَمِينِ.
قال القاضي أبو سعد: وهذا غَرِيبٌ 462، وَوَجَّهَهُ: أن البَيِّنَةَ قامت على خِلاَفِ الظَّاهِرِ، ولم يَتَعَرَّضْ لإسقاط ما مَعَ المُدَّعَى عليه من الظاهر فَأُضِيفَ إليها اليَمِينُ.459460461
الجزء: 13 - الصفحة: 245
آخر: دَارٌ في يد رجل ادَّعَاهَا آخران 463، وأَقَامَ أحدهم البَيِّنَةَ؛ أن الدَّارَ له، غَصَبَهَا المُدَّعَى عليه منه، وأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ أن من في يَدِهِ أَقَرَّ له، فليس 464 بين هَاتَيْنِ البَيِّنَتَيْنِ منافاة، فيثبت المِلْكُ والغَصْبُ بالبَيِّنَةِ الأُوْلَى، وإذا ثَبَتَ ذلك، لُغِيَ إقرار الغاصب، لغير المَغْصُوبِ منه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَرْعُ الثَّانِي: البَيِّنَةُ المُطْلَقَةُ لاَ تُوجِبُ تَقَدُّمَ زَوَالِ المِلْكِ عَلَى مَا قَبْلَ البَيِّنَة حَتَّى لَوْ شَهِدَ عَلَى دَابَّةٍ فَنِتَاجُهَا قَبْلَ الإِقَامَةِ لِلمُدَّعى عَلَيْهِ، وَالثَّمَرَةُ البَادِيَةُ عَلَى الشَّجَرَةِ أَيْضَاً كَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الجَنِينَ حَالَ الشَّهَادَةِ لِلمُدَّعَى عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَإِنْ أَمْكَنَ انْفِصَالُة بِالبَيْعِ وبِالوَصِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَالمذْهَبُ أَنَّ المُشْتَرِيَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطلَقَةٍ رَجَعَ عَلَى البَائِعِ، بَل لَوْ أَخَذَ مِنَ المُتَّهِبِ أَوْ مِنَ المُشْتَرِي رَجَعَ الأَوَّلُ أَيْضَاً، وَيُحْمَلُ مُطلَقُهُ إِذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى المُشْتَرِي قَبْلَ إزَالَةِ مِلْكِهِ منْهُ عَلَى أَنَّ المِلْكَ سَابِقٌ فَيُطَالِبُ البَائِعَ بالثَّمَنِ، وَعَجِيبٌ أنْ يُتْرَك فِي يَدِهِ نِتَاجٌ حَصَلَ قَبْلَ البَيِّنَةِ وَبَعْدَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ وَلَكِنْ أَطْلَقَ الأَصْحَابُ الكَلاَمَ كَذَلِكَ فَلاَ يَبْعدُ أنْ يُقَالُ: لاَ يُرْجَعُ إلاَّ إِذَا ادَّعِيَ مِلْكٌ سَابِقٌ عَلَى شِرَاِئهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَيِّنَةُ المُدَّعِي لا تُوجِبُ ثُبُوتَ المِلْكِ له، ولكنها تُظْهِرُهُ، فيجب أن يكون المِلْكُ سَابقاً على إِقَامَتِهَا.
ولكن لا يُشْتَرَطُ السَّبْقُ بزمان طَوِيلٍ، بل يكفي لِصِدْقِ الشُّهُودِ بلحظة لَطَيفَةٍ، فلا يُقَدَّرُ ما لا ضَرُورَةَ إليه حتى لو أَقَامَ البَيِّنَةَ على مِلْكِ دَابّةٍ، أو شجرة، لم يَسْتَحِقَّ النِّتَاجَ، والثمرة، الحاصلتين قبل إِقَامَةِ البَيِّنَةِ.
والثمرة الظَّاهِرَةُ عند إِقَامَةِ البينة تَبْقَى للمدعى عليه 465، وفي الحَمْلِ الموجود عندها وجهان:
أظهرهما: أن المُدَّعِي يَسْتَحِقُّهُ، ويكون تَبَعاً للأُمِّ كما في العُقُودِ.
والثاني: المنع، ويجوز أن يكون الحَمْلُ لغير مَالِكِ الأُمِّ بسبب وَصِيَّةٍ بالحمل 466.
وقَضِيَّةُ هذا الأَصْلِ أن يقال: من اشْتَرَى شَيئاً فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ، وأخذ منه بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، لم يكن له أن يَرْجِعَ على بَائِعِهِ بالثَّمَنِ، لجواز أن يكون المِلْكُ مُنْتَقِلاً من
الجزء: 13 - الصفحة: 246
المُشْتَري إلى المُدَّعِي، فتكون المُبَايَعَةُ صَحِيحَةً مُصَادِفَةً مَحَلَّهَا، لكن المَشْهُورَ في المَذْهَبِ ثُبُوتُ الرُّجُوع إذا انتزع المال منه بالحُجَّةِ المطلقة، بل لو باع المُشْتَرِي، أو وهب، وانْتُزعَ من المُتَّهب، أو من المشتري منه، كان لِلْمُشتَرِي الأَوَّلِ الرُّجُوعُ أيضاً.
وسَبَبُهُ مَسِيسُ الحَاجَةِ إلَيه في عُهْدَةِ العقود، وأيضاً فإن الأَصْلَ أن لا مُعَامَلَةَ بين المشتري والمدعى، ولا انتقال منه فَيَسْتَنِدُ المِلْكُ المَشْهُودُ به إلى ما قبل الشِّرَاءِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ إِبْدَاءُ وَجْهٍ: أنَّه لا رُجُوعَ إلا إذا كان المُدَّعَى مِلْكاً سَابِقاً، وَفَاءً بِالأَصْلِ المذكور، وَحُمِلَ ما أطلقه الأصحاب عليه.
وذكر القاضي أبو سَعْدٍ الهرَوِيُّ: أن الفَقِيهَ أبا نَصْرٍ البَلْخِيَّ من أصحاب الرَّأْي، حَكَى عن أصحابنا: أن قِيَامَ البَيِّنَةِ تَقْتَضِي سَبْقَ المِلْكِ حتى يكون النِّتَاجُ لِلْمُدَّعِي.
ولما كان الجَمْعُ بين إِبْقَاءِ النِّتَاج في ملكه، وبين تَمَكُّنِهِ من الرُّجُوع باليمين 467 بعيداً تأباه الطِّبَاعُ، دفع تَارَةً بأن قيل: لاَ رُجُوعَ.
وأخرى بأن قِيلَ: لا يَبْقَى النِّتَاجُ له.
ولْيُعَلمْ لهذا الوجه قوله في الكتاب: "فَنتَاجُهَا قبل الإِقَامَةِ للمدعى عليه" بالواو.
وكذلك قوله: "والثَّمَرَةُ البَادِيَةُ على الشجرة أيضاً" بذلك.
وقوله: "وتُحْمَلُ مطلقة إذا لم يَدَّعِ على المشتري قبل إِزَالَة مِلْكِهِ عنه، على أن المِلْكَ سَابقٌ"، أَشَارَ به إلى أن ظَاهِرَ المَذْهَبِ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ، سواء قَيَّدَ المِلْكَ المُدَّعَى بما قبل الشراء، أو أَطْلَقَ الدَّعْوَى.
وإنما يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ إذا ادَّعَى على المُشْتَرِي أنَّه نَقَلَ المِلكَ إليه، وأقام البَيِّنَةَ كذلك.
وعلى الوجه الآخر إنما يَثْبُتُ الرُّجُوعُ إذا ادَّعَى مِلْكاً سَابِقاً على الشِّرَاءِ، وأقام البَيِّنَةَ عليه.
وقوله: "وعَجِيبٌ أن يُتْرَكَ في يَدِهِ نِتَاجٌ حَصَلَ قبل البَيِّنَةِ، وبعد الشراء، ثم هو يَرْجِعُ على البائع".
أراد الاسْتِبْعَادَ الذي بَيَّنَّاهُ.
وقد حُكِيَ عن القاضي الحسين: أنَّه أَكْثَرَ البَحْثَ عنه، وأنه قال: لم أَجِدْ عند أَحَدٍ من الجواب ما يَسْتَحِقُّ أن يُحْكَى؛ إلا أني سَأَلْتُ عنه فَقِيهاً من أَصْحَاب أبي حَنِيْفَةَ، إنما يثبت الرُّجُوع؛ لأن البَائِعَ بالبَيْع كأنه ضَمِنَ سَلاَمَةَ المَبِيع للمشتري، وإذا لم يسلم وأُخِذَ منه، كان له أن يَرْجِعَ بحكم الضَّمَانِ الذي تَضَمَّنَهُ البيع.
وقوله: "فلا يَبْعَدُ أن يقال: لا يُرْجَعُ إلا إذا ادَّعَى مِلْكاً سابقاً على شرائه".
ذَكَرَ هذا الكَلاَمَ ذِكْرَ من هو مُبْتَدِئٌ بالشيء، لكنه قد حَكَاهُ في "الوسيط" عن القاضي الحُسَيْنِ.
وكذلك الإِمَامُ وغيرهما -رحمهما الله-.
الجزء: 13 - الصفحة: 247
فرع
:
المُشترَى من المُشْتَرِي إذا اسْتَحَقَّ المَالَ في يَدهِ وانْتُزعَ منه ولم يَظْفَرْ ببائعه، هل له أن يُطَالِبَ الأَوَّلَ بالثمن؟ في فَتَاوَى القاضي الحُسَيْنِ أن الأصَحَّ، أنَّه لا يُطَالِبُهُ، ويُشْبِهُ ذلك مَنْ مَاتَ، وعليه دَيْنٌ، وادَّعَى وَارِثُهُ دَيْناً له على غيره، وأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، ونَكَلَ الوارث، هل يَحْلِفُ الغَرِيمُ؟
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ إِذَا ادَّعَى مِلْكاً مُطْلَقاً فَذُكِرَ الشَّاهِدُ المِلْكَ وَسَبَبَهُ لَمْ يَضُرَّ، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادَ التَّرجِيحَ بِالسَّبَبِ وَجَبَ إِعَادَةُ البَيَّنَةِ بَعْدَ الدَّعْوَى لِلسَّبَبِ، وَلَوْ ذَكَرَ الشَّاهِدُ سَبَباً آخَرَ سِوَى مَا ذَكَرَهُ المُدَّعِي تَنَاقَضَتِ الشَّهَادَةُ وَالدَّعْوَى فَلاَ تُسْمَعُ عَلَى أَصْلِ المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا ادَّعَى مِلْكَاً مُطْلَقاً فَشَهِدَ الشُّهُودُ بالمِلْكِ، وذكروا سَبَبَهُ، لم يَضُرَّ، بخلاف ما إذا ادَّعَى أَلْفاً، فَشَهدَ الشُّهُودُ بِأَلْفَيْنِ، حيث تُرَدُّ شَهَادَتُهُم في الزيادة على الألْفِ، وفي الألف [الأخرى] 468 اختلاف مَذْكُورٌ في باب الإِقْرَارِ.
والفَرْقُ؛ أن ذِكْرَ سَبَبِ المِلْكِ تابع لِلْمِلْكِ، وليس مقصوداً في نَفْسِهِ، بخلاف الأَلْفِ مع الأَلْفِ، فلو أراد المُدَّعِي تَقْدِيمَ بَيِّنَتِهِ بذكر السَّبَب، بِنَاءً على أن ذِكْرَ السَّبَبِ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ، لم يَكْفِ للترجيح تَعَرُّضُهُمْ للسبب؟ [أَولاً] 469 لوقوعه قبل الدَّعْوَى والاسْتِشْهَادِ، بل يدعي الملك وسببه، وهم يُعِيدُونَ الشَّهَادَةَ، فحينئذ تُرَجَّحَ بَيِّنَتُهُ.
وفيه وجه: أنَّه لا حَاجَةَ إلى إِعَادَةِ البَيَّنَةِ، ويكفي أن تكون الشَّهَادَةُ على ما هو المَقْصُودُ، وَاقِعَةً بعد الدعوى والاسْتِشْهَادِ.
ولو ادَّعَى المِلْكَ، وسَبَبَهُ، وشَهِدَ الشُّهُودُ بالملك، ولم يذكروا السَّبَبَ، قُبِلَتْ شهادتهم؛ لأنهم شَهِدُوا بالمقصود.
ولا تَنَاقُضَ.
ولو ادَّعَى المِلْكَ، وسَبَبَهُ، وذكر الشهود سَبَباً، سِوَى ما ذكره.
فالوَجْهُ الصحيح، إِبْطَالُ شَهَادَتِهِمْ؛ لما بَيْنَهَا وبين الدعوى من التَّنَاقُض.
وقيل: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ على أَصْلِ المِلْكِ، ويَلْغُو ذكر الشهود السبب.
ولو شهد شَاهِدٌ بِأَلْفٍ عن ثَمَنِ مَتَاعٍ، وشاهد بِألْفٍ عن قَرْضٍ، والدعوى مُطْلَقَةٌ، فقد ذكرنا في الإِقْرَارِ؛ أنَّه لا يَثْبُتُ بشهادتهما شَيْءٌ.
وقِيَاسُ الوَجْهِ الثاني على ضَعْفِهِ ثُبُوتُ الألف 470.
الجزء: 13 - الصفحة: 248
فرع
:
دَارٌ في يد إنسان، وقد حَكَمَ له حَاكِمٌ بِمِلْكِيَّتِهَا، فجاء خارج وادَّعَى انْتِقَالَ المِلْكِ منه إليه، وشَهِدَ الشُّهُودُ على انْتِقَالِهِ إليه بسبب صحيح، ولم يُبَيِّنُوهُ.
قال القاضي أبو سَعْدٍ: وقعت هذه المَسْأَلَةُ، فأفتى فيها فُقَهَاءُ "همذان" بِسَمَاعِ هذه البَيِّنَةِ، والحُكْمِ بها لِلْخَارج، كما لو عَيَّنُوا السَّبَبَ.
ورأيت في فَتَاوَى المَاوَرْدِيِّ، والقاضي أبي الطيب بخَطِّهِمَا كذلك، قال: وَمَيْلِي إلى أنها لا تُسْمَعُ، ما لم يُبَيِّنُوا، وهو طريقة القَفَّالِ وغيره؛ لأنَ أسباب 471 الانْتِقَالِ مُختَلفٌ فيها بين أهل العِلْمِ، فصار كالشَّهَادَةِ.
على أن فُلاَنًا وَارِثٌ لا تُقْبَلُ ما لم يُبَيِّنُوا جهة الإِرْثِ.
هذا تَمَامُ الكلاَم في تَعَارْضِ البَيِّنَتَيْنِ في الأَمْلاَكِ المُطْلَقَةِ.
والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي العُقُودِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: إِذَا قَالَ: أكْرَيْتُكَ البَيْتَ بِعَشَرَةٍ وَقَالَ المُكْتَرِي بَلْ كَرَيتَ الدَّار بِالعَشَرَةِ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَالأَصَحُّ أَنْ لاَ تَرْجِيحَ لِأَن هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي المَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الكِرَاءَ عَشَرَةً وَالآخَرُ عِشْرِينَ فَيَتَعَارَضَانِ وَلاَ يَجْرِي إِلاَّ قَوْلُ التَّهَاتُرِ أَوِ القُرْعَةُ، أَمَّا القِسْمَةُ فَلاَ يُمْكِن إِذِ الزِّيَادَةُ يَدَّعِيهَا أَحَدُهُمَا وَيَنْفِيهَا الآخَرُ وَلاَ يُثْبِتُهَا لِنَفْسِهِ، وَقَوْلُ الوَقْفِ لاَ يُمْكِنُ إِذْ تَفُوتُ المَنَافِعْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال المُكْرِي: أَكْرَيْتُكَ هذا البَيْتَ من الدَّارِ شَهْرَ كذا بعشرة، وقال المُكْتَرِي: بل اكتريت جَمِيعَ الدَّارِ بالعشرة.
فهذا اخْتِلاَفٌ بين المُتَكاريين في قَدْرِ المكري، فإن لم يَكُنْ لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فَيَتَحَالَفَانِ، ثم يُفسخ العَقْدُ، أو ينفسخ، على ما تَبَيَّنَ في باب التَّحَالُف، وعلى المُكْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِ ما سَكَنَ من الدَّارِ، أو البيت.
وإن أَقَامَ أحدهما البَيِّنَةَ على ما يَقُولُهُ دُونَ الآخر، قُضِيَ بالبَيِّنَةِ المُقَامَةِ.
وإن أقام كل واحد منهما البَيِّنَةَ، فقولان، ويُقَالُ: وَجْهَانِ؛ لأن الأَوَّلَ منهما من تَخرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ:
أحدهما: ويُحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ: أن بَيِّنَةَ المُكْتَرِي أَوْلَى؛ لاشْتِمَالِهَا على زَيادَةٍ، وهي اكْتِرَاءُ جميع الدَّارِ.
واسْتُشْهِدَ لذلك بما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بألفٍ، وبَيِّنَةٌ بألفين، يَثْبُتُ الألفان.
وأصحُّهما: وهو المنصوص: أن البَيِّنَتَينِ مُتَعَارِضَتَانِ، والزِّيَادَةُ المُرَجِّحَةُ هي المُشْعِرَةُ بِمَزِيدِ عِلْمٍ، وُوُضُوحِ حَالٍ في أحد جَانِبَيْ ما فيه التَّنَافي، كاستِنَادٍ إلى سَبَبٍ
الجزء: 13 - الصفحة: 249
وسَبْقٍ وانْتِقَالٍ عن استصحاب أصل، والزِّيَادَةُ فيما نحن فيه لَيْسَتْ كذلك، وإنما هي زيَادَةٌ في المشهود به.
ويُفَارِقُ بَيِّنَةُ الألف وبَيِّنَةُ الألفين، فإنهما لا يَتَنَافيَانِ؛ لأن التي تَشْهَدُ بالألف لا تَنْفِي الألفين 472. وههنا العَقْدُ وَاحِدٌ، وكل كيفية تُنَافِي الكَيفِيَّةَ الأُخْرَى، فيثبت التَّعَارُضُ، فعلى هذا تُخَرَّجُ المسألة على القَوْلَيْنِ في التَّعَارُضِ.
فإن قلنا بالتَّهَاتُرِ، سَقَطَتِ البَيِّنَتَانِ، ورجعتا إلى التَّحَالُفِ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فيجيء قَوْلُ القُرْعَةِ، وفي الحَلِفِ معها مَا مَرَّ في موضعه.
وعن أبي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: أنَّه لا يُقْرَعُ؛ لأن القُرْعَةَ إنما يُصَارُ إليها عند تَسَاوِي الجَانِبَيْنِ، ولا تَسَاوِىَ، بل جَانِبُ المُكْرِي أَقْوَى؛ لملك الرَّقَبَةِ، وأما قَوْلاَ القِسْمَةِ والوقوف، فالمشهور أنهما لا يَجِبَانِ.
أما القِسْمَةُ فلوجهين:
أحدهما: أن النِّزَاعَ هاهنا في العَقْدِ، والعَقْدُ لا يُتَصَوَّرُ أن يُقَسَّمَ، بخلاف المِلْكِ.
والثاني: وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أن القِسْمَةَ إنما تَجْرِي، إذا ادَّعَى كل واحد منهما الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ.
وهاهنا الزِّيَادَةُ يَدَّعِيهَا أَحَدُهُمَا، وَيَنْفِيهَا الآخَرُ، ولا يُثْبِتهَا لنفسه.
وأما الوَقْفُ؛ فلوجهين أيضاً:
أحدهما: وهو الذي ذكره أَكْثَرُهُمْ: أن العُقُودَ [لا] 473 توقف على أَصْلِنَا، والنِّزَاعُ هاهنا في العَقْدِ.
والثاني: وهو المَذْكورُ في الكتاب: أن المَنَافِعَ تُفَوَّتُ في مُدَّةِ الوقف، وفي هذه التَّوْجِيهَاتِ تَرَدُّدٌ.
أما الوجه الأول في القِسْمَةِ، فالعَقْدُ غير مَقْصُودٍ في نفسه، وإنما المَقْصْودُ، المعقود عليه، فجاز أن تُرَدَّ القِسْمَةُ على ما فيه التَّنَازُعٌ من المَعْقُودِ عليه، كما لو تَنَازَعَا في مِلْكٍ، وذكر كل واحد منهما: أنَّه اشْتَرَاهُ من فُلاَنٍ وَقْتَ كذا، وأقاما بَيِّنَتَيْنِ.
وأما الثاني: فالقول بأن الزِّيَادَةَ يَنْفِيهَا أَحَدُهُمَا، ولا يُثْبتُهَا لنفسه -ممنوع، بل كُلُّ واحد منهما يَدَّعِيها.
هذا بحكم الإِجَارَةِ، وهذا بحكم ملك 474 الرَّقَبَةِ، وانحصار الإِجَارَةِ في البيت، فلم لا يَكْفِي هذا القدر لِلْقِسْمَةِ؟ وأما الوجه الأول في الوَقْفِ، فإن الوَقْفَ الذي لا نَقُولُ به -هو أن تَتَخَلَّفَ بَعْضُ شُرُوطِ العَقْدِ، فيحكم بانْعِقَادِهِ مَوْقُوفاً إلى أن
الجزء: 13 - الصفحة: 250
يوجد ذلك الشرط، كَإذْنِ المَالِكِ في بيع الفُضُولِيِّ، وليس هذا الوَقْفُ كذلك، بل معنى الوَقْفِ هاهنا: أنا نَتَوَقَّفُ، ولا نُمْضِي حُكْماً، إلى أن ينكَشِفَ الحال، أو يَصْطَلِحَا.
ومثل هذا مَعْهُودٌ في أصولنا.
وأما الثاني: فإنما تفوت المنافع لو عُطِّلت، ويمكن أن يُقَالَ: إن الزِّيَادَةَ تؤجر، وتُوقَفُ الأُجْرَةُ إلى الانْكِشَافِ، والاصْطِلاحَ.
وربما تَوَلَّدَ من هذه الإِشكَالاَتِ قَوْلٌ نَقَلَهُ المَوَفَقُ بْنُ طَاهِرٍ عن رواية المَاسَرْجَسِيِّ: أنَّه تجوز القِسْمَةُ في المِلْكِ، والوَقْفِ في الأُجْرَةِ، وإن 475 اختلف المُتَكَارِيانِ، والزيادة في جَانِبِ المُكْرِي.
بأن قال: أَكْرَيتُكَ كذا بِعِشْرِينَ، وقال المُكْتَرِي: بل أَكْرَيْتَنِيهِ بَعْشَرَةٍ، فقول التَّعَارُضِ بحاله.
وعلى المَحْكِيِّ عن ابن سُرَيْجٍ بَيِّنَةُ المكتري 476 رَاجِحَةٌ للزيادة، ويطرد 477 ما ذكره فيما إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، وأقام كل واحد منهما بَيِّنَةً، وفي إحداهما زَيادَةٌ.
ولو وجدت الزِّيَادَةُ في كل واحد من الجَانِبَيْنِ؛ بأن قال المُكْرِي: أَكْرَيْتُكَ هذا البَيْتَ بعشرين، وقال المُكْتَرِي: بل جَمِيعَ الدَّارِ بعشرة فلابن سريج رأيان 478:
أحدهما: الرُّجُوعُ إلى التَّعَارُضِ لِتَقَابُلِ الزيادتين.
وأضعفهما: أنَّه يَأْخُذُ بالزيادة الجانبين، فتجعل جميع الدار تُكْرَى بالعشرين.
وهذا خِلاَفُ قَوْلِ المتداعيين والشُّهُودِ جميعاً.
ثم قال العِرَاقِيُّونَ، والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وغيرهم: هذا كُلُّهُ فيما إذا كَانَتِ البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ.
فأما إذا كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين؛ بأن أَقَامَ أحد المُتَكَارِيَيْنِ بَيِّنَتَهُ على أن كذا مكرى سنة 479 من أَولِ رمضان، وأَقَامَ آخر بَيِّنته على أن كذا مكرى سنة من أول شوال، فأيهما يُقَدَّمُ؟ حكى القَاضِي أبو سَعْدٍ فيه قولين:
أحدهما، وهو جَوابُ العراقيين والروياني؛ أن التي هي أَسْبَقُ تَارِيخاً، أَوْلَى؛ لأن السَّابِقَ من العَقْدَينِ صَحِيحٌ لا مَحَالَةَ، فإنه إن سَبَقَ العَقْدُ [على الدار، صح، ولُغِي العَقْدُ الوَارِدُ على البيت بعده.
وإن سَبَقَ العَقْدُ على] 480 البيت صَحَّ، والعقد الوَارِدُ على الدار بعده يَبْطُلُ في البيت، ويُخَرَّجُ في باقي الدَّارِ على الخِلاَفِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فرجح الأولى بذلك.
الجزء: 13 - الصفحة: 251
والثاني: أن البَيِّنَةَ الأُخْرَى أَوْلَى، وقد يُوَجَّهُ بأن العَقْدَ الثاني نَاسِخٌ للأول، وربما تخللتها 481 إِقَالَةٌ وعن صاحب "التقريب" وغيره: أن مَوْضِعَ هذين القولين ما إذا لم يَتَّفِقَا على أنَّه لم يَجْرِ إلا عَقْدٌ وَاحِدٌ، فإن اتَّفَقَا عليه، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ أيضاً.
ولك أن تَقُولَ: وجب أن يُقَالَ: مَوْضِعُ التَّعَارُضِ في البَيِّنَتَيْنِ المُطْلَقَتَيْنِ، وفي اللَّتَيْنِ إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ أيضاً -ما إذا اتَّفَقَا على أنَّه لم يَجْرِ إلا عَقْدٌ واحد، فإن لم يَتَّفِقَا عليه، فلا تَنَافِيَ بين البَيِّنَتَيْنِ؛ لجواز أن يكون تَارِيخُ المطلقتين مُخْتَلِفاً.
وأن يكون تَارِيخُ المُطْلَقَةِ غَيْرَ تَارِيخِ المُؤَرَّخَةِ، وإذا لم يكن تَنَافٍ، ثبت أَكْثَرُ الزِّيَادَةِ بالبَيِّنَةِ الزائدة.
وقوله في الكتاب: "فالأصح ألا ترجيح" مُعَلمٌ بالحاء لما سبق.
وقوله: "وكذلك إذا ادَّعَى أحدُهمَا الكراء 482 بعشرة ... " إلى آخره، يعني الأَصَحَّ في هذه الصورة أيضاً، أنَّه لا تَرْجِيحَ، بل يَتَعَارَضَانِ في الصورتين.
وقوله: "أو القرعة" مُعَلمٌ بالواو، لما ذكرنا عن ابْنِ سَلَمَةَ.
وأيضاً فالذَّاهِبُونَ إلى القِسْمَةِ، أو الوَقْفِ في صورة التَّعَارُضِ، منهم من يرجح 483 إلى التَّسَاقُطِ عند تَعَذُّرِهِمَا لا إلى القُرْعَةِ.
وقوله: "أما القِسْمَةُ فلا يمكن".
وقوله: "وقول الوَقْفِ لا يمكن" مُعَلَّمَانِ بالواو، لرواية المَاسَرْجَسِيِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ ادَّعَى رَجُلاَنِ دَاراً فِي يَدِ ثَالِثٍ يَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَوَفَّرَ الثَّمَنَ، فَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا قُدِّمَ، وَإِلاَّ جَرَتِ الأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنَ الدَّارِ إمَّا بِقرْعَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ رُجِعَ إلَى الثَّمَنِ إِذْ لاَ تَضَادَّ فِي اجْتِمَاعِ الثَّمَنَيْنِ، فَلَوْ قَضَيْنَا بِالقِسْمَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ خِيَارُ الفَسْخِ فَإذَا فُسِخَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ إلَى الثَّمَنَ وَكَانَ لِلآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِ الدَّارِ، وَفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ أنَّهُ يَسْتَعْملُ البَيِّنَةَ فِي فَسْخِ العَقْدَيْنِ لِتَعَذُّرِ الإِمْضَاءِ، فَيَرْجَعَانِ إلَى الثَّمَنَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: دَارٌ في يد رجل، جاء اثْنَانِ، ادَّعَى كُلُّ واحد منهما أَنِّي اشْتَرَيْتُهَا من صَاحِب اليَدِ بكذا، وَوَفَّرت الثَّمَن، وطَالَبَهُ بتسليم الدَّارِ، فَيُنْظَرُ: إن أَقَرَّ لأحدهما سُلِّمَتِ الدَّارُ إليه، وهل للآخر تَحْلِيفُهُ؟
قال الشيخ أبو الفَرَجِ: إن قلنا: إن إِتْلاَفَ البَائِعِ كَآفَّةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فليس له
الجزء: 13 - الصفحة: 252
تَحْلِيفُهُ 484؛ لأن قَضِيَّةَ قوله: إن البيع قد انْفَسَخَ بِتَفْوِيتِ البَائِعِ عليه.
وإن قُلْنَا: [إنه] 485 كَإِتْلاَفِ الأَجْنَبِيِّ، وأَثْبَتْنَا الخِيَارَ فأجاز، وأَرَادَ أن يَطْلُبَ من البائع قِيمَتَهُ، فَيُبْنَى التَّحْلِيفُ على الخِلاَفِ في أنَّه لو أَقَرَّ لِلثَّانِي بعد الإِقْرَارِ الأَوَّلِ، هل يُغَرَّمُ؟ وقد سَبَقَ نظيره، ولا تَمْتَنِعُ دَعْوَى الثَّمَنِ على الآخر؛ فإنه كهَلال المبيع قبل القَبْضِ في زَعْمِهِ، وإن أَنْكَرَ ما ادَّعَيَا، ولا بَيِّنَةَ، حلف لكل وَاحِدٍ منهما يَمِيناً، وقُرِّرَتِ الدَّارُ في يده 486. وإن أقام أحَدُهُمَا بَيِّنَةً سُلِّمَتِ الدَّارُ إليه، وليس للآخر تَحْلِيفُهُ، لِتَغْرِيم العَيْنِ؛ فإنه لم يفوتها عليه، وإنما أُخِذَت بالبينة 487 وله دَعْوَى الثَّمَنِ.
وإن أقام كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، نظرنا، فإن كانا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتَارِيخَيْنِ مختلفين، قُضِيَ بأسْبَقِهِمَا تَارِيخاً؛ لأنه إذا بَاعَ من أحدهما، لم يَتَمَكَّنْ من البَيْع من الثاني، وإن لم يكونا كذلك، فأما أن يَسْتَمِرَّ صَاحِبُ اليد على الإِنْكَارِ والتَّكْذِيبِ، أوَ يُصَدَّقَ بعد قِيَامِ البَيِّنَتَيْنِ.
أحدهما الحالة الأولى: إذا اسْتَمَرَّ على التَّكْذِيب، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ سَقَطَتَا، وحَلَفَ المُدَّعَى عَلَيْهِ لكل وَاحِدٍ منهمَا، كما لو لم يكن بَيِّنَةٌ، وهل لهما اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ؟ .. فيه وَجْهَانِ مَنْقُولاَنِ في "الإِبَانَةِ":
أحدهما: لا؛ لحكمنا بِسُقُوطِ البَيِّنَتَيْنِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأن بَيِّنَةَ كُلِّ واحد منهما شَهِدَتْ بِتَوَفُّرِ الثمن، وإنما يَسْقُطَانِ فيما فيه التَّعَارض، وهو رَقَبَةُ الدَّارِ دون الثَّمَنَيْنِ، وهذا إذا لم تَتَعَرَّضِ البَيِّنَةُ لقبض المَبِيعِ.
فإن فُرِضَ التَّعَرُّضُ له، فلا رُجُوعَ بالثَّمَنِ؛ إذ العَقْدُ قد اسْتَقَرَّ بالقَبْضِ، وليس على البَائِعِ عُهْدَةُ ما يحدث بعده.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فالأَشْهَرُ، أنَّه لا يجيء قَوْلُ الوَقْفِ، بِنَاءً على أن النِّزَاعَ في العَقْدِ والعُقُود لا توقف.
الجزء: 13 - الصفحة: 253
والأَوْجَهُ، وهو المذكور في الكتاب مَجيئُهُ لأنا لا نُوقِفُ نَفْسَ العَقْدِ، وإنما نحن نَتَوَقَّفُ؛ ليَنْكَشِفَ الحَالُ على مَا مَرَّ.
وعلى هذا تُنْتَزَعُ الدَّارُ منه.
قال الإِمَامُ: وكذا الثَّمَنَانِ، ويُوقَفُ الكل.
وإن قُلْنَا: بالقُرْعَةِ، فمن خرجت له القُرْعَةُ تُسَلَّمُ إليه الدَّارُ بالثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، والآخَرُ يسترد الثَّمَنَ الذي أَدَّاهُ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، فلكل واحدٍ منهما نِصْفُ الدَّارِ بنصف الثَّمَنِ الذي سماه، ولكل واحد منهما خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنه لم يُسَلِّمْ له جَمِيعَ ما اشْتَرَاهُ، فإن فَسَخَا جَمِيعاً، اسْتَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهما جَمِيعَ الثَّمَنِ المَشْهُودَ به.
وإن أَجَازَا [جميعاً] 488 اسْتَرَدَّ كُلُّ واحد منهما نِصْفَ الثمن المَشْهُودِ به؛ بِنَاءً على الصحيح.
وهو أن الإجَازَةَ بالقِسْطِ، لا بجميع الثَّمَنِ.
ويجوز أن يُجِيزَ أَحَدُهُمَا، ويَفْسَخَ الآخر، وَيَسْتَرِدَّ جميع الثمن، ثم إن سَبَقَتِ الإِجَازَةُ الفَسْخَ، رَجَعَ المُجِيزُ بنصف الثَمَنِ، ولم يكن له أن يَأْخُذَ النِّصْفَ المَرْدُودَ، ويَضمه إلى ما عنده؛ لأنه حين أَجَازَ، رَضِيَ بالنصف.
وإن سَبَقَ الفَسْخُ الإِجَازَةَ، فهل لِلْمُجِيزِ أَخْذُ الجميع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنا نَتَكَلَّمُ على قَوْلِ القِسْمَةِ، [ولا يَأْخُذُ كُلُّ واحد منهما إلا ما تَقْتَضِيهِ القِسْمَةُ] 489، والمَرْدُودُ يَعُودُ إلى البَائِعِ.
وأظهرهما: وبه أجاب العِرَاقِيُّونَ: له ذلك؛ لأن بَيِّنَتَهُ قد قَامَتْ على الكُلِّ، وإنما لم يأخذ الكل لِمُزَاحَمَةِ الآخر، فإذا انتفت 490 زحمته أخذ، وليس كالصُّورَةِ السَّابِقَةِ؛ فإنه قَنَعَ هناك بالنِّصْفِ، وانفصل أمره 491.
وبالقول الآخَرِ وهو القِسْمَةُ، أجاب الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في هذه المسألة، ورَوَى الرَّبِيعُ قَوْلاً آخَرَ في المسألة: وهو أن البَيْعَيْنِ مَفْسُوخَانِ ويرجع إلى قول المدعى عليه، فيقضي [بموجب قوله] 492 وامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ من الأَصْحَاب مِن إِثْبَاتِهِ قَوْلاً للشافعي -رضي الله عنه-، منهم من خَطَّأَهُ، ومنهم من قال: هو من كيسَه وتخريجه.
الحالة الثانية: إذا صَدَّقَ صَاحِبُ اليد أَحَدَ المُتَدَاعِيَيْنِ وشهوده، فعلى قول التَّهَاتُرِ، تُسَلَّمُ الدَّارُ إلى المُصَدّقِ، وهو كما لو لم تكن بَيِّنَةٌ، وأقر لأحدهما.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فوجهان -قال ابن سُرَيْجٍ يقدم من صدقه البائع؛ لأن الدَّارَ
الجزء: 13 - الصفحة: 254
في يَدِهِ، فمن صدقه كأنه نَقَلَ إليه يده، فَتَجْتَمِعُ البَيِّنَةُ واليد.
والأصَحُّ المَنْعُ؛ لاتِّفَاقِ البَيِّنَتَيْنِ على إِسْقَاطِ يده، وانْتِزَاعِ المَالِ منه باتِّفَاقِ الأَقْوَالِ.
واليد المُزَالَةُ لا تَقْتَضِي تَرْجِيحاً، فعلى هذا الحُكْم كما لو لم يصدق وَاحِد [منهما] 493 وَقَدَّمَاهُ، ثم اعرف شيئين:
أحدهما: أن الأَصْحَابَ لم يُفَرِّقُوا فيما إذا لم تَكُنِ البَيِّنَتَانِ مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين وبين أن يكونا مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ واحد، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ، بل صَرَّحُوا بالتَّسْوِيَةِ.
إلا أن أبا الفَرَجِ الزَّاز اسْتَدْرَكَ فقال: هذا إذا لم نُقَدِّمِ البَيِّنَةَ المُؤَرَّخَةَ على المُطْلَقَة، فإن قَدَّمْنَاهَا، قَضَيْنَا لصاحب البَيِّنَةِ المُؤَرَّخَةِ، ولا تجيء الأَقْوَالُ 494.
والثاني: خَصَّصُوا الوَجْهَيْنِ في أن تَصْدِيقَ صَاحِب اليد، هل يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ؟ بما إذا فرغنا على قَوْلِ اسْتِعْمَالِ البَيِّنتَيْنِ.
وأما على قول التَّهَاتُرِ، فلم يُفَرِّقُوا بين أن يصدق، أو لا يصدق.
كما حَكَيْنَا، ولكن قِيَاسُ جَعْلِ التصديق مَرَجِّحاً، أن يُقَالَ: يترجح 495 جانب من صَدَّقَهُ، وليست حَالَهُ التَّصْدِيقِ مَوْضِعَ خِلاَفِ التَّهَاتُرِ والاستعمال، كاليَدِ وسَائِرِ ما يوجب التَّرْجِيحَ.
ولْنَعُدْ إلى لفظ الكتاب قوله: "إذا ادَّعَى رجلان دَاراً ... " إلى آخره، وليس في التَّصْوِيرِ ذِكْرُ إِقَامَةِ كل واحد منهما البَيِّنَةَ على ما ادَّعَاهُ، فلا بد من تقديره 496. وقوله: "وإذا جَرَتِ الأقوال الأربعة"، يريد بها التَّسَاقُطَ، والوَقْفَ، والقُرْعَةَ، والقِسْمَةَ.
ولْيَعْلَمْ بالواو لما حكينا في الوَقْفِ.
وأيضاً فَعَنِ الشَّيْخ أبي محمد أن قول القُرْعَةِ، لا يجري، إلا إذا تَحَقَّقْنَا صِدْقَ أحدهما، وكَذِبَ الآخر؛ بأن أُرِّخَا بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ.
فأما إذا احْتُمِلَ أن يكونا صَادقين، فإن أَطْلَقَا، أو أطلق أَحَدُهُمَا، وأَرَّخَ الآخر، فإنه لا يَجْرِي.
وأيضاً فقد ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ رُكْنِ البَيِّنَةِ طُرُقاً في موضع الأقوال؛ منها ما ينفي 497 اجتماع الأَقْوَالِ الأرْبَعَةِ هاهنا وقوله: "فإذا فسخ 498 أحدهما رَجَعَ إلى الثَّمَنِ، وكأن الآخَرَ، أخذ جَمِيعَ الدار"، المراد منه ما إذا تَقَدَّمَ الفَسْخُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 255
وقوله: "أخذ جَمِيعَ الدَّارِ" مُعَلَمٌ بالواو؛ للوجه الذي ذَكَرْنَاهُ.
وقوله: "في المسألة قول خامس"، مُعَلَمٌ بالواو؛ لما عَرَفْتَ أن من الأَصْحَابِ من لم يُثْبِتْهُ.
ولفظ الكتاب في حكايته هذا القَوْلِ مُصَرَّحٌ بِفَسْخِ العَقْدَيْنِ، لكن الأَثْبَتَ من رواية هذا القَوْلِ، بُطْلاَنُ العَقْدَيْنِ، لا إنشاء الفسخ.
قال الفَارِسِيُّ في "عيون المسائل": قال الربيع في موضع آخَرَ: إن البَيْعَ فَاسِدٌ، وهو أَوْلَى.
فأطلق لفظ الفَسَادِ، وهو الذي أَرَادَ من نقله؛ أنَّه مَفْسُوخٌ.
والشافعي -رضي الله عنه- كثيراً ما يُطْلِقُ لَفْظَ المَفْسُوخِ، ويريد به البَاطِلَ.
فرع
: عن الشيخ أبي عَاصِمٍ: أنَّه لو تَعَرَّضَتْ إحدى البَيِّنتَيْنِ لكون الدَّارِ مِلْكاً للبائع وَقْتَ البيع، أو لكونها مِلْكاً للمشتري اليَوْمَ، كانت مُقَدَّمَةً، وإن لم يَذْكُرَ تَارِيخاً، وأنه لو كانت في إِحْدَى البَيِّنَتَيْن ذِكْرُ نَقْدِ الثَّمَنِ دون الأخرى، كانت مُقَدَّمَة على الأخرى، سَوَاءً كانت سَابقَةً، أو مَسْبُوقَةً 499؛ لأن التي تَتَعَرَّضُ لِنَقْدِ الثَّمَنِ تُوجِبُ التَّسْلِيمَ، والأُخْرَى لا تُوجِبُهُ؛ لِبَقَاءِ حَقِّ الحَبْسِ للبائع، فلا تَكْفِي المُطَالَبَةُ بالتسليم.
فرع:
دَارٌ في يد إِنْسَانٍ جاء اثْنَانِ يَدَّعِيَانِهَا، قال أحدهما: اشْتَرَيْتُهَا من زيد، وهو يَمْلِكُهَا.
وقال الآخر: اشْتَرَيتُهَا من عمرو، وهو يَمْلِكُهَا، [وكان] أو نَسِيَا معاً الشِّراء إلى شَخْصٍ وَاحدٍ، وأَقَامَ كُلُّ واحد بَيِّنَةً على ما يقوله، فهما مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قُلْنَا: بالتَّسَاقُطِ، فكأنه لا بَيِّنَةَ، ويحلف صَاحِبُ اليد لكل واحد يَمِيناً.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، ففي مَجِيءِ قَوْلِ الوَقْفِ الخِلاَفُ الذي سَبَقَ، ويجيء قَوْلاَ القُرْعَةِ، والقِسْمَةِ، والتفريع كما سبق، إِلاَّ أَنَّ على قَوْلِ القِسْمَةِ إذا اختار أَحَدُهُمَا فَسْخَ العَقْدِ، والآخر إِجَازَتَهُ.
لم يكن لِلْمُجِيزِ أَخْذُ النصفِ الآخر [سواء] 500 تقدم الفَسْخُ، أو تَقَدَّمَتِ الإِجَازَةُ، إذا ادعيا الشِّرَاءَ من شخصين؛ لأن المَرْدُودَ يَعُودُ إلى غير من يَدَّعِي المُجِيزُ الشِّرَاءَ منه؛ فكيف يَأْخُذُهُ.
وحيث قلنا بِثُبُوتِ الخِيَارِ على قول القِسْمَةِ، فذلك إذا لم تَتَعَرَّضِ البَيِّنةُ لقبض المَبِيعِ، ولا اعْتَرَفَ به المُدَّعِي، إلا فإذا جَرَى القَبْضُ، استَقَرَّ العَقْدُ، وما يحدث
الجزء: 13 - الصفحة: 256
بعده، فليس على البَائِع عُهْدَتُهُ 501، وإنما شَرَطْنَا في صُورَةِ الفَرْع أن يقول كل واحد منهما وهو يَمْلِكُهَا؛ لأن من ادَّعَى مَالاً في يَدِ إِنْسَانِ، وقال: اشْتَرَيْتُهُ من فلان، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حتى يقول [اشتريته منه] 502 وهو يملكه، ويقوم مقامه، أن يقول: وتَسَلَّمْتُهُ منه، أو سَلَّمَهُ إِلَيَّ؛ لأن الظَّاهِرَ أنَّه إنما يَتَصَرَّفُ بالتسليم فيما يَمْلِكُ.
وفي دَعْوَى الشراء من صَاحِبِ اليَدِ لا يحتاج أن يقول: وأنت تملكه، ويكتفي بأن اليد تَدُلُّ على المِلْكِ 503، وكذلك يشترط 504 أن يقول الشَّاهِدُ [في الشهادة] 505: اشْتَرَاهُ من فُلاَنٍ، وهو يَمْلِكُهُ، أو اشْتَرَاهُ، وتَسَلَّمَهُ منه، أو سَلَّمَهُ هو إليه.
قال الإمَامُ: ويجوز أن يُقِيمَ شُهُوداً على أنَّه اشْتَرَى من فُلاَنٍ، وآخرين على أن فُلانَاً كان يَمْلِكُهُ، إلى أن بَاعَ منه، لكن الآخرين إنْ شهدوا هكذا، فقد شَهِدُوا على البَيْعِ والمِلْكِ.
وكان المُرَادُ، ما إذا أقام شُهُوداً على أنَّه اشْتَرَى منه وَقْتَ كذا، وآخرين على أنَّه كان يَمْلِكُ إلى وَقْتِ كذا.
وإذا أَقَامَ أحد المدعيين 506 بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَى الدَّار من فلان، وكان يَمْلِكُهَا، وأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ على أنَّه اشْتَرَاهَا من مُقِيمِ البَيِّنَةِ الأولى، يُحْكَمُ ببينة 507 الثاني، ولا يحتاج أن يقول المقيم البَيِّنَةِ وأنت تَمْلِكهَا.
كما لا يحتاج أن يقوله لِصَاحِبِ اليَدِ؛ لأن البَيِّنَةَ تَدُلُّ على المِلْكِ، كما أن اليَدَ تَدُلُّ عليه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ أَلفاً مِنْ ثَمَنِ دَارٍ فِي يَدِهِ، فَالصَّحِيحُ (و) أَنْ لاَ تَعَارُضَ وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ في ذِمَّتِهِ، إلاَّ إِذَا عَيَّنَّا وَقْتَاً يَسْتَحِيلُ فِيهِ تَقْدِيرُ عَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المَسْأَلَةُ غير الثانية؛ هناك ادَّعَى اثْنَانِ شِرَاء ما في يَدِهِ منه، وكل [يطالب به هاهنا ادَّعَى اثْنَانِ بَيْعَ ما في يَدِهِ منه، وكُلُّ] 508 يُطَالِبُهُ بِالثَّمَنِ؛ وصورتها دَارٌ في
الجزء: 13 - الصفحة: 257
يَدِ إِنسان، جاء اثْنَانِ، فقال كُلُّ واحد منهما: بعْتُ منك هذه الدَّارَ، وكانت مِلْكِي بكذا، فَأَدِّ الثَّمَنَ.
فإن أَقَرَّ لهما، طُولِبَ بالثَّمَنَيْنِ.
وإن أَقَرَّ لأحدهما، طُولِبَ بالثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، وحَلَفَ الآخَرُ 509. وإن أنكر ما ادَّعَيَاهُ، ولا بَيِّنَةَ، حلف لهما يَمِينَيْنِ.
وإن أَقَامَ أحدهما البَيِّنَةَ، قُضِيَ له، وحَلَفَ للآخر.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ، فَيُنْظَرُ إن أُرِّخَتَا بتَارِيخَيْنِ مختلفين، فعليه الثَّمَنَانِ؛ لإِمْكَانِ اجتماعهما.
وإن أُرِّخَتَا بتَارِيخٍ وَاحِدٍ، بأن عُيِّنَا أَوَّلَ الطُّلُوع، أو الزَّوَالِ، فهما مُتَعَارِضَتَانِ؛ لامتناع كَوْنِ الشيء الوَاحِدِ مِلْكاً في وَقْتٍ واحد، لهذا وحده، ولهذا وحده، فعلى قول التَّهَاتُرِ كأنه لا بَيِّنَةَ.
وعلى قول القُرْعَةِ، يُقْرَعُ، فمن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، قُضِيَ له بالثَّمَنِ الذي شَهِدَ به شهوده، وللآخر تَحْلِيفُة لا مَحَالَةَ؛ لأنه لو اعْتَرَفَ به بعد ذلك، لَزِمَهُ.
وعلى قول القِسْمَةِ لكل واحد منهما نِصْفُ الثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، وكأن الدَّارَ كانت لهما، فَبَاعَاهُ بِثَمَنَيْنِ مختلفين، أو مُتَّفِقَيْنِ.
وفي مجيء قول الوقف الخِلاَفُ السَّابِقُ، والظاهر مَجِيئُهُ.
وإن كانت البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ، فوجهان:
أصحهما: عند صاحب الكتاب والإمَام: أنهما كالمُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين، ويلزمه 510 الثَّمَنَانِ؛ لأن التَّنَافِيَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والَعَمَلُ بكل واحد من البَيِّنَتَيْنِ مُمْكِنٌ.
والثاني: أنهما كالمُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَاريخٍ واحد؛ لأنهما رُبَّمَا شهدا 511 [على] 512 البيع في وَقْتٍ وَاحِدٍ، والأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ المُشْتَرِي، فلا يُؤَاخَذُ إلا باليَقِينِ.
قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: وبهذا قال القَاضِي أبو حَامِدٍ، وأبو الحسين وغيرهما، وَوَجَّهَهُ أيضاً: بأن المدعيين مُتَّفِقَانِ [على أنَّه] 513 لم يَجْرِ إلا بَيعَةٌ واحدة منهما، وكُلٌّ منهما يقول: أنا صَاحِبُهَا.
فعلى هذا يَعُودُ خِلاَف التَّعَارُضِ.
وحكى الشيخ أبو حَاتِمٍ القزويني طَرِيقَةً أُخْرَى قَاطِعَةً بالوجه الأول؛ وذكر هو، وأبو الفَيَّاضِ: إن مِنَ الأصحاب
الجزء: 13 - الصفحة: 258
من قال: إن شهدت البَيِّنَتَانِ على الإقباض مع البَيْعِ، وجب الثَّمَنَانِ لا مَحَالَةَ.
ولو قامت البينتان على إقْرَارِ المدعى عليه بما ادَّعَيَا، فالأَظْهَرُ أن الحُكْمَ كما لو قَامَتَا على البيعين نفسهما.
فَيُنْظَرُ أَقَامَتَا على الإِقْرَارِ مُطْلَقاً، أو على الإِقْرَارِ بالشِّرَاءِ من زَيْدٍ في وَقْتٍ، ومن عمرو كذلك؟ وقيل يجب الثَّمَنَانِ، وإن كانتَ الشَّهَادَةُ على الإِقْرَارَيْنِ مطلقاً، بخلاف الشَّهَادَةِ على البَيْعَيْنِ مطلقاً؛ لأن الشَّهَادَةَ على الإِقْرَارِ [مطلقاً] قد يثبت بها ما لا يَثْبُتُ بالشهادة على نَفْسِ المُقَرِّ به، ألا تَرَى أنَّه لو قَامَتْ بَيِّنَةٌ على إِقْرَارِهِ بالغَصْب من زيد، وأُخْرَى على إِقْرَارِهِ بالغَصْبِ من عمرو يَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ؟ ولو قامتا على نَفْسِ الغَصْبِ من زيد، والغَصْب من عمرو كانتا متعارضتين (1)؟ فإذا اسْتَعْمَلْنَاهُمَا، لم يجب إلا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ.
وقوله في الكتاب: "فالصحيح ألا تَعَارُضَ ... " إلى قوله: "يستحيل فيه تقدير عَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ".
أشار إلى أن التَّعَاقُبَ المُلْزِمَ للثمنين، يَفْتَقِرُ إلى زَمَانٍ يُفْرَضُ فيه العَقْدُ الأول، ثم الانْتِقَالُ من المشتري إلى البَائِع الثاني، ثم العَقْدُ الثاني، فإذا عين الشُّهُودُ وَقْتاً، لا يَتَأتَّى فيه ذلك.
لم يُتَصَوَّرْ لُزُومُ الثَّمَنَيْنِ، وحَصَلَ التَّنَافِي، وفيما عدا ذلك حُكِمَ بِلُزُومِ الثَّمَنَيْن.
[ويدخل فيه ما إذا أُرِّخَتَا بِتَارِيخيْنِ ولا خلاف في لزوم الثَّمَنَيْنِ] (2) فيه، وما إذا أُطْلِقَت إحداهما، وأُرِّخَتِ الأخرى، وفيه الخِلاَفُ الذي سَبَقَ.
قال الإِمام: ولو شهد شَاهِدَانِ على أنَّه بَاعَ من فُلاَنٍ سَاعَةَ كذا، وشَهِدَ آخران على أنَّه في تلك الحَالَةِ كان سَاكِناً، أو شَهِدَ اثْنَانِ على أنَّه قَتَلَ فلاناً سَاعَةَ كذا، وشهد آخر على أنه كان [سَاكِناً] (3) في تلك السَّاعَةِ، لا يَتَحَرَّكُ، ولا يَعْمَلُ شَيْئاً، ففي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثانية خِلاَفٌ للأصحاب؛ لأنها شَهَادَةٌ على النَّفْي وإنما تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على النَّفْي في المَضَايِقِ، وأَحْوَالِ الضَّرُورَاتِ، فإن سَمِعْنَاهُ فَيتصف (4) التعارض بهذا الطَّرِيقِ أيضاً.
فرعان
:
أحدهما: ذكر الأكثرون في صُورَةِ المَسْأَلَةِ: أن يقول كل واحد منهما: بِعْتُ منك كذا، وهو مِلْكِي.
وكذلك لَفْظُ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهو مُوَافِقٌ لما مَرَّ؛ أنَّه إذا ادَّعَى الشِّرَاءَ عن صَاحِب اليَدِ، يقول: اشْتَرَيْتُهُ منه، وهو ملكي 518. وفي "تتمة الجامع الصغير" لأبي الفَيَّاضِ، أنَّه لا فَرْقَ بين أن يَقُول كل واحد: [و] 519 هو مِلْكِي، أو لا يقول.514515516517
الجزء: 13 - الصفحة: 259
والثاني: إذا قلنا بالقِسْمَةِ عند تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ في المَسْأَلَةِ فقسم الثمن، لم يكن لصاحب اليد الخِيَارُ؛ لأنه يَحْصُلُ له تَمَامُ البَيْع، ولا غَرَضَ له في عين 520 البائع.
وعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ ثُبُوتُهُ؛ لأنه قد يَرْضَى بِمُعَامَلَةِ وَاحِدٍ، ولا يرضى بِمُعَامَلَةِ اثْنَيْنِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّ مَوْلاَهُ أَعْتَقَهُ وَادَّعى آخَرُ أَنَّ مَوْلاَهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ وَلاَ يُقَدَّمُ (ز) جَانِبُ العَبْدِ بِتَقْدِير أنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ القِسْمَةِ يُعْتَقُ نِصْفُ العَبْدِ وَلاَ يَسْرِي (و) لأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ قَهْراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَبْدٌ في يَدِ رَجُل؛ ادَّعَى أن مَوْلاَهُ أَعْتَقَهُ، وادَّعَى آخر أنَّه باعه منه بكذا، وأَنْكَرَ صَاحِبُ اليد ما ادعياه 521، ولا بَيِّنَةَ، حَلَفَ لهما يَمِينَيْنِ، وإن أَقَرَّ بالعِتْقِ، ثَبَتَ العِتْقُ، ولم يكن للمشتري تَحْلِيفُهُ، إن قلنا: إن إِتْلاَفَ البائع كَالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ؛ لأنه بالإِقْرَارِ بالعِتْقِ مُتْلِفٌ قبل القبض، فَيَنْفَسِخُ البَيْعُ.
نعم لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، حَلّفَهُ له.
وإن أقر بالبيع قُضِيَ به، ولم يكن لِلْعَبْدِ تَحْلِيفُهُ؛ لأنه وإن اعْتَرَفَ به، لم يُقْبَلْ، ولم يلزمه غُرْمٌ.
قال القاضي الروياني: ولا يوجد مَوْضِعٌ يقر لأحد المُدَّعِيَيْنِ، ولا يَحْلِفُ للآخر قَوْلاً واحداً، إلا هذا 522.
وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، نُظِرَ؛ إن أُرِّخَتَا بِتَاريخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قُضِيَ بِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخاً.
وإن أُرِّخَتَا بتاريخ واحد، فهما مُتَعَارِضَتَانِ، وفيهما القَوْلاَنِ، فإن قُلْنَا: بالتَّهَاتُرِ، فالحُكْمُ كما لو لم تكن بَيِّنَةٌ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، ففي مَجِيءِ قَوْلِ الوَقْفِ الخِلاَفُ السابق.
وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، قُضِيَ لمن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ.
وعن ابن سُرَيْجٍ أنَّه يُقَوَّى في هذه الصُّورَةِ قَولُ القُرْعَةِ؛ لاشْتِمَالِ الخُصُومَةِ على دَعْوَى العِتْقِ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، عُتق نِصْفُ العَبْدِ، ونصفه لمدعي الشراء بنصف الثَّمَنِ.
وله الخِيَارُ؛ لأنه لم يسلم له جميع ما اشتراه.
فإن فَسَخَ، فالمَشْهُورُ أنه يعتق النِّصْفُ الآخر أيضاً؛ لأن البَيِّنَةَ قامت على أنه أَعْتَقَ الجَمِيعَ.
وإنما لم يُحْكَمْ بموجبها لِزَحْمَةِ مُدَّعِي الشراء، فإذا انْقَطَعَتْ زَحْمَتُهُ، حُكِمَ به.
الجزء: 13 - الصفحة: 260
وفيه وَجْهٌ آخر، أنه لا يعتق؛ لأن قَضِيَّةَ القِسْمَةِ اقْتِصَارُ العِتْقِ على النصف.
وإيراد "التهذيب" يُشْعِرُ بِتَرْجِيح هذا الوجه وإن أَجَازَ مُدَّعِي الشراء، فإن كان المُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِراً، لم يَسْرِ العِتْقُ إليه، وإن كان مُوسِراً فقولان؛ أو وجهان:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لأنه عِتْقٌ مَحْكُومٌ به قَهْراً، كما إذا وَرِثَ بعض قريبه 523 يُعْتَقُ عليه، ولا يَسْرِي.
والثاني: لقيام البَيِّنَةِ على أنَّه أَعْتَقَ باختياره.
والأوَّلُ هو المَذْكُورُ في الكتاب.
والثاني -أَصَحُّ عند القَاضِي الروياني.
ونقل أبو الفَيَّاضِ وغيره وَجْهاً؛ أن قَوْلَ القِسْمَةِ لا يَجْرِي هاهنا تَحَرُّزاً من تَبْعِيضِ العِتْقِ.
وقال المزنى: القِيَاسُ عندي، تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ العِتْقِ؛ لأن العَبْدَ في يد نَفْسِهِ، وَبَيِّنَةُ صاحب اليد مُقَدَّمَةٌ، وخرج هذا قَوْلاً للشافعي -رضي الله عنه-.
لكن الأصحاب ضَعَّفوهُ، وامْتَنَعُوا من إِثبَاتِهِ قَوْلاً، وقالوا: إنما يكون في يَدِ نَفْسِهِ، أن لو ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، والكَلاَمُ فيه؛ لأنه لو كَانَ في يَدِ نَفْسِهِ، لكانت الدَّعْوَى عليه على السَّيِّدِ، ولو كانت البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَانِ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ.
فالحكم كما لو أُرِّخَتَا بِتَارِيخٍ واحد.
وحكى الإِمام طَرِيقَةً قَاطِعَةً؛ بأنه لا يَجْرِي قَوْلُ التَّهَاتُرِ؛ لأن صِدْقَهُمَا ممكن، بأن باع صاحب اليَدِ من مدعي الشِّرَاءِ، ثم انْتَقَلَ منه إلى صَاحِبِ اليَدِ، ثم أعتق.
وهذا حدُّ الطرق المذكورة من قَبْلُ في موضع أقوال التَّعَارُضِ.
وتصديق صَاحِبِ اليَدِ بعد قِيَامِ البَيِّنَتَيْنِ ولا يوجب الرُّجْحَانَ؛ خِلاَفاً لابن سُرَيْجٍ على ما تَقَدَّمَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي المَوْتِ وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولَى ابْنٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ نَصْرَانِيٌّ ادَّعَى المُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَالقَوْلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ وَالمُقَدَّمُ بَيِّنَةَ المُسْلِمِ إِنْ تَعَارَضَتَا لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَوْلَى مِنَ المُسْتَصْحَبَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الإِبْنُ الإرْثَ فِي دَارِ وَادَّعَتْ زَوْجَةُ الأَبِ أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا أَوْ بَاعَهَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَة نَصْرَانِيِّ أنَّهُ نَطَقَ بِالتَّنَصُّرِ وَمَاتَ عَقِيبَهُ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ وَيَجْرِي (و) قَوْلُ القِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَشْتَرِك مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فِي إرْثٍ، وَلَوْ كَانَ المَيِّتُ مَجْهُولَ الدِّينِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ فَلاَ تَرْجِيح (ح و) لِبَبِّنَةِ الإِسْلاَمِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآخَرِ بِالتَّصْدِيقِ
الجزء: 13 - الصفحة: 261
فَيُجْعَلُ كَأَنَّ المالَ فِي يَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا لَمْ يُخَصَّ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الإِرْثِ، وَيُصَلَّى عَلَى هَذَا المَيِّتِ احْتِيَاطاً فَلَعَلَّهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ هذا الطَّرَفِ، الكَلاَمُ في التَّدَاعِي وَتَعَارُض البَيِّنَتَيْن في المَوْتِ، والمِيَراثِ فمن مسائله:
مات رجل عن اثْنَيْنِ، مُسْلِمٍ ونَصْرَانِيٍّ مَثَلاً، واختلفا، فيما مَاتَ عليه الأب؛ فقال المُسْلِمُ: مات مُسْلِماً، فَلِي المِيرَاثُ.
وقال النَّصْرَانِيُّ: مات نصرانياً، فلي المِيرَاثُ.
فإما أن يكون الأَبُ مَعْرُوفَ الدِّينِ، أو لا يكون، الحالة الأولى -إذا كان الأَبُ مَعْرُوفاً بالتَّنَصُّرِ، فقال المُسْلِمُ: أَسْلَمَ، ثم مات.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل مات على ما كان عليه.
فالقَوْلُ قول النَّصْرَانِيِّ، مع يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ كُفْرِهِ.
وإن أَقَامَ كل واحد منهما بَيِّنَةً؛ نُظِرَ، إن أُطْلِقَتَا؛ فقالت بَيِّنَةُ المُسْلِم: إنه مات مُسْلِماً.
وقالت بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ: إنه مات نَصْرَانِياً، فَبَيِّنَةُ المُسْلِم مُقَدَّمَةٌ؛ لأن معها زِيَادَةُ عِلْمٍ، وهي انْتِقَالُهُ من النصرانية إلى الإِسْلاَم، والبينة الأخرى اسْتَصْحَبَتْ، وشَهِدَتْ بالأصل، والنَّاقِلَةُ أَوْلَى من المُسْتَصْحِبَةِ.
ولمثل ذلك قَدَّمْنَا بَيِّنةَ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ.
ولو مات رَجُلٌ عن ابْنٍ، وزوجة؛ فقال الابن: دَارُهُ هذه مِيرَاثٌ بيننا، وقالت الزَّوْجَةُ: بلى هي لي أَصْدَقَنِيهَا أبوك، أو بَاعَهَا مِنِّي.
وأقام كل واحد بَيِّنَةً، فَبَيِّنَتُهَا أوْلَى.
ولو ادعى مَجْهُولٌ أنك عَبْدِي، وأقام عليه بَيِّنَةً، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً أنَّه كان مِلْكاً لفلان، فَأعْتَقَهُ.
تُقَدَّمُ البَيِّنَةُ الثانية؛ لِعِلْمِهَا بالانْتِقَالِ من الرِّقِّ إلى الحُرِّيَّةِ.
وعلى هذا قِيَاسُ المَسَائِلِ؛ فلو قُيِّدَتِ البَيِّنَتَانِ؛ بأن تَكَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بكلمة فقال: الابن المُسْلِمُ، كانت تلك الكَلِمَةُ كَلِمَةَ الإِسلام، وأقام عليه بَيِّنَةً.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل كانت كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ، وأقام عليه بَيِّنَةً.
فإن قلنا بِالسُّقُوطِ، يَسْقُطَانِ، ويصير كأن لا بَيِّنَةَ، ويُصَدَّقُ النصراني بِيَمِينِهِ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فعلى قَوْلِ الوَقْفِ تُوقَفُ التَّرِكَةُ، لا مَحَالَةَ؛ لأن المُدَّعَى مَالٌ.
وعلى القُرْعَةِ يُقْرَعُ، فمن خرج له القُرْعَةُ، فله التَّرِكَةُ، وعلى قَوْلِ القِسْمَةِ، تُقَسَّمُ؛ فيجعل النِّصْفُ لهذا، والنصف لهذا.
كما لو كان التَّنَازُعُ في غَيْرِ المِيرَاثِ.
وقال أبو إِسْحَاقَ: لا يَجِيءُ قول القِسْمَةِ هاهنا؛ لأن الحُكْمَ بالقِسْمَةِ حكم بالخَطَإ يَقِيناً، ولأن الشَّخْصَ لا يَمُوتُ كَافِراً مُسْلماً وفي غير صورة الميراث.
ليست القِسْمَةُ حكماً بالخطأ يَقِيناً؛ لجواز أن يكون المُدَّعَى مُشْتَرَكاً بينهما، كما قَسَّمْنَا، ولأن الكَافِرَ والمُسْلِمَ لا يشتركان في المِيرَاثِ، والظَّاهِرُ الأول.
وليست القِسْمَةُ حكماً منا بأنه مَاتَ كافراً مُسْلِماً، ولا تَشْرِيكاً منا في الإِرْثِ، ولكن بَيِّنَةُ كل واحد منهما
الجزء: 13 - الصفحة: 262
اقتضت 524 أن يَكُونَ جَمِيعُ المَالِ له، إلا أن البَيِّنَةَ الأخرى عارضتها، فعملنا 525 بكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما، بِحَسَبِ الإِمْكَانِ.
قال العراقيون: وليس صَرْفُ النِّصْفِ إلى كل واحد منهما خَطَأً يقيناً؛ لاحتمال أنَّه مَاتَ نَصْرَانِيّاً، وهما نَصْرَانِيَّانِ، فورث مَالَهُ، ثم أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، وادعى موته مُسْلِماً؛ ليَفُوزَ بالجَمِيعِ.
الحالة الثانية: إذا لم يكن الأَبُ مَعْرُوفَ الدِّين، وادَّعَى كُلُّ واحد من الاثْنَيْنِ أنَّه كان على دِينِهِ، فإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، نُظِرَ؛ إن كان المَالُ في يَدِ غيرهما، فالقَوْلُ قوله، وإن كان في يَدِهِمَا، فَيَحْلُفُ كُلُّ واحد منهما لِصَاحِبِهِ، ويُجْعَلُ بينهما.
وإن كان في يَدِ أحدهما، فالذي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وجماعة: أن القول قَوْلُهُ، مع يَمِينِهِ، ونَسَبَ الإِمام هذا الوَجْهَ إلى القاضي الحُسَيْنِ، كأنه أَجَابَ بِمِثْلِ جوابهم.
والصحيح، وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يُجْعَلُ بينهما أَيْضاً، ولا أَثَرَ لِلْيَدِ بعد اعْتِرَافِ صَاحِب اليد بأنه كَانَ لِلْمَيِّتِ 526، وأنه يأخذه إِرْثاً، وإن أقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، ولا فَرْقَ في هذه الحَالَةِ بين أن يكونا مطلقتين، أو مقيدتين.
ويجيء في جَرَيَانِ قَوْلِ القِسْمَةِ خَلاَفُ أبي إِسحَاقَ، وفيه وجه: أن بَيِّنَةَ الإِسْلاَمِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأن الظَّاهِرَ من حال مَنْ [في] 527 دار الإِسْلاَمِ، إنما هو الإِسْلاَمُ.
والمَشْهُورُ الأول، ويُصَلَّى على هذا المَيِّتِ المَشْكُوكِ في دِينِهِ، وَيدْفِنُهُ في مقابر المسلمين.
وتعتد النية 528 في الصَّلاةُ فيقول: أُصَلِّي عليه إن كان مُسْلِماً، كما لو اخْتَلَطَ مَوْتَى المُسْلِمِينَ بموتى الكُفَّارِ، وقد مَرَّ ذكره في الجَنَائِزِ.
ونَخْتِمُ المَسْأَلَةَ بِفَوَائِدَ عن الشيخ أبي عَاصِم: أنه فَسَّرَ كلمة "التَّنَصُّرِ" فيما إذا شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ على آخر ما تَكَلَّمَ به، بأن يقول: لا إله إلا الله، عيسى رَسُولُ الله.
قال القاضي أبو سَعْدٍ: وفيه إِشْكَالٌ ظَاهِرٌ، فإن المسلمين يُثْبِتُونَ نُبُوَّةَ عيسى عليه السَّلاَم -وإثبات نُبُوَّتِهِ لَيْسَ نَفْياً- لِنُبُوَّةِ [نبينا] 529 محمد -صلى الله عليه وسلم-، سيما عند مُنْكِرِي المفهوم
الجزء: 13 - الصفحة: 263
فيجب أن تُفَسَّرَ كلمة التَّنَصُّر بما يَخْتَصُّ به النَّصْرَانيُّ، كقولهم: إن الله ثَالِثُ ثَلاثةٍ.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهين: في أنه هَلْ يَجِبُ على الشهود تَفْسيرُ كلمة الإِسْلاَم؛ لأنهم [قد] (1) يَعْتَقِدُونَ ما لَيْسَ بإسلام إِسْلاَماً؟ وجهين في أن على قول القِسْمَةِ، هل يَحْلِفُ كُلُّ واحد من الاثنين (2) للآخر؟ والأَصَحُّ المنع.
ووجهين في كَيْفيَّةِ القِسْمَةِ إذا مات عن ابْنٍ وبِنْتٍ، وتَنَازَعَا في دِينِ الأب، وقلنا بالقِسْمَةِ، عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة: أنه يُقَسَّمُ المَالُ بينهما نصْفَيْنِ.
وعن غيره أنه يُقَسَّمُ أَثْلاَثاً: قِسْمَةَ الميراث.
وليسا ولا واحد منهما بِقَوِيمٍ، بل يجب أن يُقَالَ: هما كَشَخصَيْنِ يَدَّعِي أحدهما جَمِيعَ الدار، والآخر نِصْفَهَا، وأقاما بَيَّنَتَيْنِ.
وقد مَرَّ على أن قول القِسْمَةِ للأول ثَلاثةُ أرباعها، وللثاني رُبْعُهَا.
ولْيُعْرَفْ وراء ما حَكَيْنَا شيئان:
أحدهما: أن المَوْتَ على كلِمَةِ الإِسْلاَمِ يوجب الإِرْثَ للابن المُسْلِم، لكن المَوْتَ على كلمة التَّنَصُّرِ بِمُجَرَّدِهِ ولا يُوجِبُ الإرْثَ للابن النَّصْرَاني؛ لاحتمال أنه أَسْلَمَ، ثم تَنَصَّرَ.
وحينئذ فلا يُورث عنه، وكان الغَرَضُ فيما إذا تَعَرَّضَ الشُّهُودُ لاسْتِمْرَارِهِ على النَّصْرَانِيَّةِ إلى أن جَعَلَهَا آخر كلامه؛ أو اكتفوا باسْتِصْحَابِ ما عرف من دِينِهِ، مَضْمُوماً إلى الحكم عليه، وإن لم يَتَعَرَّض له الشهود.
والثاني: أن تَقْييدَ البَيَّنَتَيْنِ معاً؛ بأن آخر كَلاَمِهِ كان كذا، غير مُحْتَاجٍ إليه؛ لِزَوَالِ التَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ العِلْمِ، بل تَقْيِيدُ بَيَّنةِ النصراني بأنه تَكَلَّمَ آخراً بكلمة التَّنَصُّرِ كافٍ (3) فيه.
وقوله في الكتاب: "ادَّعى المُسْلِمُ أن أَبَاهُ أَسْلَمَ، ثم مات"، تبين أن التَّصْوِيرَ أولاً، فيما إذا كان المَيِّتُ مَعْرُوفاً بالكُفْرِ، فإن كان مَجْهُولَ الدِّينِ، فقد ذكر من بَعْدُ.
وقوله: "فهما مُتَعَارِضَتَانِ"، يجوز إِعْلاَمُهُ بالحاء؛ لأن الحِكَايَةَ عن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يُغَلِّبُ بَيِّنَةَ الإِسلام بكل حال.
وقوله: "يَجْرِي قَوْلُ القِسْمَة" بالواو؛ لوجه أبي إِسْحَاقَ.
وقوله في مجهول الدِّينِ: "فلا تَرْجِيحَ"، بالحاء، والواو؛ للوجه الذي ذكرناه آخراً.
وكذا قوله: "لم يَخْتَصَّ بالتَّصْدِيقِ".
فرع
: مات رَجُلٌ عن زوجة، وأخ، مُسْلِمَينِ، وعن أَوْلاَدٍ كَفَرَةٍ، فقال المسلمان: مات530531532
الجزء: 13 - الصفحة: 264
مُسْلِمًا، وقال الأَوْلاَدُ: بل كَافِراً.
فإن كان أَصْلُ دِينِهِ الكُفْرَ، فالقول قَوْلُ الأَوْلاَدِ.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد من الطَّائِفَتَيْنِ بَيِّنَةً؛ فإن أطلقنا قدمت 533 بَيِّنَةُ الزَّوْجَةِ والأخ، وإن قيدنا فعلى الخِلاَفِ في التَّعَارُضِ، وإن لم يُعْرَفُ أَصْلُ دِينِهِ، وَقَفَ المَالُ حتى يَنْكَشِفَ الحَالُ، أو يَصْطَلِحُوا.
وإن أقام كل واحد بَيِّنَةً، فعلى الخِلاَفِ في التَّعَارُضِ، ويعود خِلاَفُ أبي إِسْحَاقَ في جَرَيَانِ قول القِسْمَةِ.
وإذا رجحنا طائفة، قُسِّمَ المَالُ بينهم، كما يُقَسَّمُ لو انْفَرَدُوا.
كان جَعَلْنَا المَالَ بين الطَّائِفَتَيْنِ تَفْرِيعًا على القِسْمَةِ مَثَلاً فالنصف للزوجة والأخ، والنِّصْفُ للأولاد، وفيما تَأْخُذُ الزوجة من النصف؟ وجهان:
أحدهما: تأخذ رُبُعَهُ، وكأنه كُلُّ التَّرِكَةِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ أَبُو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
والثاني: تأخذ نِصْفَهُ؛ ليكون لها رُبُعُ التَّرِكَةِ، فإن الأخ معترف به والأولاد لا يُحْجَبُونَ بقولها.
وهذا ما أَوْرَدَهُ الإِمَامُ -رحمه الله- 534.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: مَاتَ نَصْرَانِي فِي رَمَضَانَ فَاَدَّعَى أَحَدُ ابْنَيْهِ أنَّهُ أَسْلَمَ في شَوَّالٍ فَيَرِثُهُ، وَقَالَ الآخَرُ بَلْ في شَعْبَانَ فَلاَ تَرِثُهُ فَبَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ أَوْلَى لأنَّهَا نَاقِلة، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلِمِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الكُفْرِ، وَلَوْ أَسْلَمَ الابْنُ فِي رَمَضَانَ لَكِنْ ادَّعَى أَنَّ الأَبَ مَاتَ فِي شَعْبَانَ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ لَكِنَّ القَوْلَ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ الأَصْلَ دَوَامُ الحَيَاةِ إِلَى شَوَّالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ابنا مَيِّتٍ: نَصْرَانِيٌّ ومُسْلِمٌ تَنَازَعَا.
فقال المُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ بعد مَوْتِ أبينا، فالمِيرَاثُ بَيْنَنَا.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل قبله، فلا ترثه.
فلهما ثَلاَثُ أحوال:
إحداهما: أن يَقْتَصِرا على هذا القَدْرِ، ولا يَتَعَرَّضَا لتاريخ مَوْتِ الأب، ولا لِتَارِيخِ إِسْلاَمِ المسلم.
والثانية: أن يَتَّفِقَا على تَارِيخ مَوْتِ الأب كَرَمَضَانَ مَثلاً، فقال المسلم: أَسْلَمْتُ في شَوَّالٍ.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل أَسْلَمْتَ في شعبان.
ففي الحَالَتَيْنِ إن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قَوْلُ المُسْلِمِ؛ لأن الأَصْلَ اسْتِمْرَارُهُ على دِينِهِ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، ويَشْتَرِكَانِ في المَالِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 265
وإن أقام أحدهما بَيِّنَةً قُضِيَ بها.
وإن أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بيَّنَةً، فَبَيِّنَةُ النصراني أَوْلَى؛ لأنها تُنْقِلُهُ من النَّصْرَانِيَّةِ إلى الإِسْلاَم في شعبان، والأخرى تستصحب دينه إلى شوال فمع الأُولَى زِيادَةُ عِلْمٍ.
والثالثة: أن يَتَّفِقَا على تَاريخِ إِسْلاَمِ المسلم؛ بأن اتَّفَقا على أنه أَسْلَمَ في رَمَضَانَ، لكن ادَّعَى المُسْلِمُ أن الأَبَ مَاتَ في شعبان، وقال النَّصْرَانِيُّ: بل مات في شَوَّالٍ، فالقول قَوْل النَّصْرَانِيَّ؛ لأن الأصل دَوَامُ الحَيَاةِ.
وإن أقاما بَيِّنَتَيْنِ، فَبَيِّنَة المُسْلِم أَوْلَى؛ لأنها تنْتَقِلُ من الحَيَاةِ إلى المَوْتِ في شعبان، والأخرى تَسْتصْحِبُ الحَيَاةَ إلىَ شوال، فمع الأولى زَيَادَةُ عِلْمٍ.
واعترض الإِمام: بأن بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيُّ تُثبِتُ الحَيَاةَ في شعبان؛ لأنها تَشهَدُ على المَوْتِ في شوال، والموت إنما يكون عن حَيَاةٍ، والحَيَاةُ صِفَةٌ ثابتة يُشْهَدُ عليها كالمَوْتِ، فليحكم بتَعَارُضِهِمَا، وجريان أقوال التعارض.
لكن هذا الكَلاَمَ لا اخْتِصَاصَ له بهذه الحَالَةِ، بل يمكن أن يُقَالَ في الحَالَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وقد قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيِّ؛ أن بَيِّنَةَ المُسْلِمِ تُثْبِتُ النَّصْرَانِيَّةَ في شعبان؛ لأنها تَشْهَدُ على الإسْلاَمِ فِي شوَّالِ، والإِسْلاَمُ إنما يكون عن كُفْرٍ، فليحكم بالتَّعَارُضِ.
والوَجْهُ؛ أن يُرَاعَى كَيْفِيَّةُ الشهادة، فإن أُطْلِقَتِ البَيِّنَتَانِ، فَتُرَجَّحُ التي تنقل، ويعرض حدوث يُبْنَى على ما سَبَقَ.
وإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ في الحَالَةِ التي نحن فيها؛ بأنهم عَايَنُوهُ حَيّاً في شَوَّالٍ، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ المُسْلِم في الحالتين الأوليين؛ بأنهم كَانُوا يَسْمَعُونَ كلمة التَّنصُّرِ منه إلى انْتِصَافِ شوال مَثَلاً؟ فَتَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ.
ولو مَاتَ مُسْلِمٌ، وله ابْنَانِ؛ أسلم أَحَدُهُمَا قبل مَوْتِ الأب بالاتِّفَاقِ، وقال الآخَرُ: أَسْلَمْتُ أيضاً قبله.
وقال المُتَّفَق على إسلامه: بل أَسْلَمْتَ بعد مَوْتِهِ، فعلى الأَحْوَال الثلاث؛ إن اقْتَصَرُوا على ذلك، أو اتَّفَقَا على أن الأب مات في رَمَضَانَ، وقال قَدِيمُ الإِسْلاَم: أسلمت في شوال.
فقال: بل أَسْلَمت في شعبان، فَيُصَدَّق قَدِيمُ الإِسلام.
وإن أقاما البَيِّنَةَ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الآخر، وإن اتَّفَقَا على أن الآخر أَسْلَمَ في رمضان؛ فقال قَدِيمُ الإِسْلاَم: إن الأب مَاتَ في شعبان، وقال الآخَرُ: بل في شَوَّال، فالمُصَدَّق الآخَرُ، والمُقدَّمُ بَيِّنةُ قَدِيمِ الإِسلام.
وفي هذه الصورة تَكَلَّمَ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وعَامَّة الأصْحَابِ -رحمهم الله- لا في صورة الكِتَابِ والمقصود واحد.
الجزء: 13 - الصفحة: 266
وعلى هذا يُقَاسُ نَظَائِرُهُمَا، كما لو مات الأبُ حُرّاً.
واحد الابنين حُرٌّ بالاتفاق، واخْتَلَفَا في أن الآخَرَ عُتِقَ قبل موته، أو بعده.
ولو أَنَّهُمَا في صُورَةِ "المختصر" اتَّفَقَا في حَقِّ أحدهما؛ أنه لم يَزَلْ مُسْلِماً.
وقال الآخَرُ: لم أَزَلْ مُسْلِماً أيضاً، ونَازَعَهُ الأَوَّلُ، وقال: كنت نَصْرَانِيّاً، وإنما أَسْلَمْتَ بعد موت الأب، فالقول قوله في: أني لم أَزَلْ مُسْلماً؛ لأن ظَاهِرَ الدَّارِ يَشُهَدُ له، وليس مع صاحبه أَصْلٌ يُسْتصْحَبُ.
ولو قال كُلُّ واحد منهما: لم أَزَلْ مُسْلِمًا، وكان صَاحِبِي نَصْرَانِيّاً أَسْلَمَ بعد مَوْتِ الأب، فعن القَفَّالِ تَخْرِيجُهُ على وجهين:
أحدهما: أنه لا يُصْرَفُ شيء إلى وَاحِدٍ منهما؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الاسْتِحْقَاقِ.
وأصحهما: أنه يَحْلِفُ كُلُّ واحد منهما، ويُجْعَلُ المَالُ بينهما؛ لأن ظَاهِرَ الدَّارِ يَشْهَدُ لكل واحد منهما فيما يَقُولُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ.
ولو مات رَجُلٌ، وخَلَفَ أبوين كَافِرَيْنِ، وابنين مُسْلِمَيْنِ، فقال الأَبُوَانِ: إنه مَاتَ كافراً، وقال الابْنَانِ: بل مسْلِمًا.
قال ابن سُرَيْجٍ: فيه قولان (1):
أَشْبَهُهُمَا بقول العلماء: أن القول قول الأبوين لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء تبعاً للأبوين فَيسْتَصْحَبُ إلى أن يعلم خلافة.
والثاني: أنه يُوقَفُ المَالُ إلى أن يَنْكَشِفَ الأَمْرُ، أو يصْطَلِحُوا.
والتبعية تُرْفَعُ بالبُلُوغِ، وحصول الاسْتِقْلاَلِ.
وفيه وجه آخر: أن القَوْلَ قول الابْنَيْنِ؛ لأن ظَاهِرَ الدَّار يَدُلُّ على ما يقولانه (2).
فرع
:
رجل له زَوْجَةٌ، وابن، فماتا، فاختلف الرجل، وأخ الزوجة؛ فقال الرَّجُلُ: مَاتَتِ الزَّوْجةُ أَوَّلاً، فَوَرِثْتُهَا أنا وَابْنِي، ثم مات الابن، فَوِرثْتُهُ.
وقال الأخ: مَاتَ الابْنُ أولاً، فَوَرِثْتُهُ مع أختي، ثم مَاتَتِ الأخت فَوَرِثْنَاهُ.
فإن لم يكن لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قول الأخ في مَالِ أُخْتِهِ؛ وقول الرجل في مَالِ ابنه.
فإن حَلَفَا، أو نَكَلاَ فهي صورة استبهام المَوْت، فلا يُوَرَّثُ أَحَدُ الميتين من الآخر، بل مال الابن لأبيه، ومال الزَّوْجَةِ للزوج والأخ.535536
الجزء: 13 - الصفحة: 267
وإن أقام كل واحد بَيِّنَةً تَعَارَضَتَا، وجاء أقْوَالُ التَّعَارُضِ، هذا إذا لم يَتَّفِقَا على وَقْتِ مَوْتِ أحدهما، فإن اتَّفَقَا عليه، واخْتَلَفَا في أن الآخَرَ مَاتَ قبله، أو بعده، فالمُصَدَّقُ من يَقُولُ: مات بعده؛ لأن الأَصْلَ دَوَامُ الحَيَاةِ.
كان أقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ من يقول: مَاتَ قبله؛ لأن معها زِيَادَةُ عِلْمٍ.
ولو مات رجل عن زَوْجَةٍ، وأولاد، فقالوا لها: كُنْت أَمَةً فعتقت بموت أَبِينَا.
أو ذِمِّيَّةً، فَأسْلَمْتِ بعد موته 537 وقالت: بل عتقت، أو أَسْلَمْتُ قبل موته، فهم المُصدَّقُونَ.
وإن قالت: لم أَزَلْ مُسْلِمَةً، أو حُرَّةً، فهي المُصَدَّقَةُ؛ لأن الظَاهِرَ ما تقوله.
وعن رواية الرَّبِيع قول: إنها تُصَدَّقُ في الحُرِّيَّةِ دُونَ الإِسلامِ؛ لأن الأَصْلَ في الناس الحُرِّيَّةُ، فإنهم يُخْلَقُونَ أَحْرَاراً، وفي الذين يُخْلَقُونَ مُنْقَسِمِينَ؛ إلى مُسْلمين، وكفار.
وخرج قول: أنهم المصدقون جميعاً؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ وِرَاثَتِهَا والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ لَوْ قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَامَتْ بَيِّنَةُ الوَارِثِ أَنَّهُ مَاتَ حتفَ أَنْفِهِ وَبيِّنَةُ العَبْدِ أَنَّهُ قُتِلَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: التَّسْوِيَةُ، وَالآخَرُ: تَقْدِيمُ بيِّنَةِ القَتْلِ لِمَا فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَيِّدٌ قال لِعَبْدِهِ: إن قُتِلْتُ، فأنت حُرٌّ، وتَنَازَعَ بعده العَبْدُ والوَارِثُ، فأقام العَبْدُ بَيِّنَةً؛ أنه قُتِلَ، والوَارِثُ بَيِّنَةً؛ أنه مات حَتْفَ أَنْفِهِ.
فقولان:
أحدهما: أنهما يتعارضان 538، لما بَيْنَهُمَا من المُنَافَاةِ.
والثاني: أن بَيِّنَةَ العَبْدِ أَوْلَى؛ لأن عنده زَيادَةَ عِلْمٍ 539 بالقَتْلِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ فكأنه لا بَيِّنَةَ [فيحلف الوَارِثُ] 540 ويَسْتَمِرُّ الرِّقُّ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، عتق نِصفه، وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، عتق، إن خرجت له القُرْعَةُ، ورُقَّ إن خَرَجَتْ لِلْوَارِثِ.
والوَقْفُ لا يَخْفَى، والظَّاهِرُ من القولين في المَسْأَلَةِ على مَا ذَكَرَ أبو الحَسَنِ العبادي تَقْدِيمُ بيِّنَةِ العَبْدِ، ونَقْلُ طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ به، قال: ولا شَكَّ أن القِصَاصَ لا يَجِبُ؛ لأن الوَارِثَ مُنْكِرٌ لِلْقَتْلِ، فإن ادَّعَى الوَارِثُ القَتْلَ، وأقام المُدَّعِي بَيِّنَةً؛ أنه مات حَتْفَ أَنْفِهِ، جرى القَوْلاَنِ.
ولو قَال: إن مت في رمضان، فعبدي حُرٌّ، وأقام العَبْدُ بَيِّنَةً؛ أنه مات في رَمَضَانَ، والوارث بَيِّنَةً؛ أنه مات في شوال.
فَعَلَى القولين:
أحدهما: التَّعَارُضُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 268
والثاني: تقديم بَيِّنَةِ العَبْدِ؛ لزيادة العِلْمِ بِحُدُوثِ المَوْتِ في رَمَضَانَ.
وعن المُزَنِيِّ: تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الوَارِثِ؛ لأن معها زَيادَةَ عِلْمٍ؛ وهي اسْتِمْرَارُ الحَيَاةِ إلى شوال.
ومن شرطه 541 أن يطرده في نَظَائِرِ المسألة من قَبْلُ، ومن بَعْدُ.
ولو أقام الوَارِثُ البَيِّنَةَ على أنه مَاتَ في شعبان، فالقِيَاسُ مجيء التَّعَارُضِ، وانْعِكَاسُ القول الثاني والمَحْكِيُّ عن المزني.
ولو حكم القَاضِي بشَهَادَةِ شَاهِدَيْ رمضان، ثم شَهِدَ شُهُودٌ على أنه مات في شوال، فهل يُنْقَضُ الحُكْمُ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ما لو شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ معاً؟
وعن ابن سُرَيْجٍ تَخْرِيجُ قَوْلَيْنِ فيه كما لو بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ بعد الحكم 542. ولو قال لِسَالِمٍ: إن مِتُّ في رمضان، فأنت حُرٌّ، وقال لِغَانِمٍ: إن مِتُّ في شوال، فأنت حُرٌّ، وأقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً على ما يَقْتَضِي حريته، فقولان:
أحدهما: التَّعَارُضُ.
والثاني: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سالم؛ لأن معها زِيَادَةَ عِلْمٍ؛ وهي حُدُوثُ المَوْتِ في رمضان.
وعن المُزَنِيِّ وابن سُرَيْجِ: تقديم بَيِّنَةِ غَانِمٍ.
وإن قلنا بالتَّعَارُضِ، فعلى التَّهَاتُرِ، يُرَقُّ العَبْدَانِ.
وعلى القِسْمَةِ، يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
ولو قال لِسَالِمٍ: إن مِتُّ من مرضي، فأنت حُرٌّ.
وقال لغانم: إن بَرِئْتُ منه، فأنت حُرٌّ، فأقام سَالِمٌ بَيِّنَةً على المَوْتِ فيه، وغانم بَيِّنَةً على البرء منه، ففي وجه البَيِّنةُ الأُولَى، أَوْلَى؛ لزيادة عِلْمِهَا بالموت.
وفي وجه الثانية، أَوْلَى؛ لعلمها بالبُرْءِ.
ويُحْكَى هذا عن ابن القَطَّانِ، والصحيح التَّعَارُضُ؛ لِتَقَابُلِ الزيادتين 543. وإذا
الجزء: 13 - الصفحة: 269
تَعَارَضَتَا، جاء الخلاَفُ السَّابِقُ.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ عن بعض الأَصْحَابِ: إنه إذا وُجِدَ التَّعَارُضُ في مثل هذا، غلبتِ الحرية 544.
خاتمة لهذا الطرف: من ادَّعَى وِرَاثَةَ إنسان، وطلب تَرِكَتَهُ، أو شَيْئًا منها، فَلْيُبيِّنْ جِهَةَ الوِرَاثَة؛ من بنوة، وأخوة 545، وغيرهما.
وذكر أبو الفرج السَّرَخْسِيُّ: إنه لا يكفي لِطَلَبِ التَّرِكَةِ ذِكْرُ الجِهَةِ على المذهب، بل يَتَعَرَّضُ مع الجهة لِلْوِرَاثَة؛ فيقول: أنا أَخُوه، وَوَارِثُهُ.
وإذا شهد عَدْلاَنِ، وهما من أَهْلِ الخِبْرَةِ بباطن حَالِ المَيِّتِ، أن هذا ابنه، لا نعرف له وَارِثاً سِوَاهُ، دُفِعَتْ إليه التَّرِكَةُ.
وإن شهدا لصاحب فَرْضٍ دُفِعَ إليه فَرْضُهُ، ولا يُطَالَبانِ بضَمِينن؛ فإنَّ طَلَبَ الضَّمِينِ مع قِيَامِ البَيِّنَةِ كالطَّعْنِ في الشُّهُودِ.
وحكى الفوراني: أنه لاَ بُدَّ من ثَلاَثةِ شُهُودٍ هاهنا، كما ذكره في شَهَادَةِ الإِفْلاَسِ.
والمشهور الأَوَّلُ.
وإذا لم يكن الشهود من أَهْلِ الخِبْرَةِ، أو كانوا من أَهْلِ الخِبْرَةِ، ولم يقولوا: لا نَعْلَمُ وَارِثاً سِوَاهُ، فالمَشْهُودُ له؛ إما أن يكون له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، أوَ لا يَكُون.
فإن لم يكن له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، فلا يُعْطَى في الحال، بل يَتَفَحَّصُ القَاضِي عن حَالِ المَيِّتِ في البِلاَدِ التي سَكَنَهَا، أو طَرَقَهَا؛ فيكتب إليها للاسْتِكْشَافِ، أو يأمر من يُنَادِي فيها: أَلا إن فلاناً قد مَاتَ، فإن كان له وَارِثٌ، فَلْيَأْتِ القَاضِي، أو ليبعث إليه.
فإذا تفحص [في مدة] 546 يغلب على الظَّنِّ في مِثْلِهَا، أنه لو كان له وَارِثٌ هناك، لظهر، ولم يظهر، فحينئذ يُدْفَعُ المَالُ إليه.
ويكون البَحْثُ والتَّفَحُّصُ قائماً 547. مقام خِبْرَةِ الشهود.
وفي "أَمَالي" أبي الفرج حِكَايَةُ قول: أنه لا يُدْفَعُ المَالُ إليه بعد التَّفَحُّصِ أيضاً، ويُشْتَرَطُ قِيَامُ البَيِّنَةِ على النَّسَقِ الذي سبق.
وفيه وجه: أنه يُفَرَّق بين أن يكون المَشْهُودُ له مِمَّنْ يَحْجُبُهُ غيره؛ كالأخِ، فلا يُدْفَعُ إليه المَالُ بعد التَّفَحُّصِ، وبين أن يكون مِمَّنْ لا يَحْجُبُهُ غيره؛ كالابن.
فَيُدْفَعُ.
والظاهر عند الأكثرين الأَوَّلُ.
وإذا دُفِعَ المَالُ إليه.
فهل يُؤْخَذُ منه ضَمِينٌ؟ ظاهر لفظه -رضي الله عنه- في "المختصر"، أنه يُؤْخَذُ، ولاَ بُدَّ منه.
وقال -رضي الله عنه- في "الأم": وأُحِبُّ أن يُؤْخَذَ منه ضَمِينٌ، فاختلف الأَصْحَابُ على طريقين:
أشهرهما: أن المَسْأَلَةَ على قولين:
الجزء: 13 - الصفحة: 270
أحدهما: أنه لاَ بُدَّ من أَخْذِ الضَّمِينِ، احْتيَاطاً واسْتِكْشَافاً.
وأظهرهما: أنه لا حَاجَةَ إليه، اكْتِفَاء بأن الظَّاهِرَ أنه لا وَارِثَ سواه.
نعم، هو مُسْتحب.
والثاني: نَفْيُ الخِلاَفِ، واختلف هَؤُلاَءِ؛ فقطع قَاطِعُونَ بِنَفْي الوجوب، وحملوا ما في "المختصر" على الاسْتِحْبَاب، وحملهما آخرون على مَحْمَلَيْنِ؛ فمنهم من قال: حيث ذكر: أنه لاَ بُدَّ منه.
أَرَادَ الأَخ، ومن يجوز 548 أن يحجب وحيث ذكر الاسْتِحْبَاب أراد الابن ومن لا يُحْجَبُ.
ومنهم من حَمَلَ الأَوَّلَ على ما إذا لم يكن [ثِقَةً] 549 مُوسِراً.
والثاني: على [الثِّقَةِ] 550 المُوسِرِ، وإن كان ممن لهم سَهْمٌ مُقَدَّرٌ فإن كان ممن لا يُحْجَبُ دُفِعَ إليه أَقَلُّ فَرْضِهِ، عَائِلاً قبل البَحْثِ والتَّفَحُّصِ.
فإنه مستيقن، فالزَّوْجَةُ يُدْفَعَ إليها رُبُعُ الثمن، عَائِلاً على تَقْدِيرِ أنه تَرَكَ أبوين، وبِنْتَيْنِ، وأربع زَوْجَات.
والزوج يُدْفَعُ إليه الرُّبُعُ، عَائلاً على تقدير أنها تَرَكَتْ أبوين، وبنتين، وزَوْجاً.
والأبوان يُعْطَيَانِ السُّدُسَ، عَائِلاً:
أما الأب، فعلى تقدير أن الوَرَثَةَ أبوان، وبنتان، وزوج، أو زوجة.
وأما الأم، فعلى تَقْدِيرِ أن الوَرَثَةَ أختان لأب وأختان لأم وزوج، أو زوجة.
بل لو حضر مع الزوجة ابن، دُفِعَ إليها رُبُعُ الثَّمَن، غير عائل؛ لأَنَّ المَسْألَةَ لا تَعُولُ إذا كان فيها ابن.
ثم إذا تَفَحَّصَ، ولم يَظْهَرْ غيره، أُعْطِيَ تَمَامَ حَقِّهِ.
وفيه وجه: [أنه لا يُعْطَى تَمَامَ حَقِّهِ] 551 إلا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ.
بخلاف الأَخ؛ فإنه لم يَأْخُذْ شيئاً.
فلو لم يُعْطَ بعد التَّفَحُّصِ، كان مَحْرُوماً بالكلية.
والصحيح، الأول.
ولا يؤخذ لِلْمُسْتَيْقِنِ ضَمِينٌ، وفي أَخْذِهِ للزيادة الخِلاَفُ.
وإن كان ممن يُحْجَبُ، لم يدْفَعْ إليه قَبْلَ التفحص شَيْءٌ، وبعد التفحص يُدْفَعُ.
وفيه الوجه 552 المذكور فيمن ليس له سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، وهو ممن يَحْجُبُهُ غيره.
ولو قَطَعَ الشهود بأنه لا وَارِثَ سِوَاهُ، فقد أخطئوا بالقطع في غير مَوْضِعِ القَطْعِ، ولا تبطل به شَهَادَتُهُمْ.
الجزء: 13 - الصفحة: 271
ولو قال الشُّهُودُ: هذا ابنه، ولم يذكروا كَوْنَهُ وَارِثاً، فقد أَطْلَقَ في "التهذيب": أنه لا يُحْكَمُ بشهادتهم، حتى يذكروا: أنه وَارِثٌ؛ لأنه قد يكون ابْناً، ولا يكون وَارِثاً.
والعراقيون جَعَلُوا هذه الصُّورة كما لو لم يَكُنِ الشهود من أَهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ، أو كانوا من أَهْلِ الخِبْرَةِ، ولم يذكروا: أنه لا وَارِثَ سِوَاهُ.
وقالوا: يُنْتَزَعُ المَالُ من يده بهذه الشَّهَادَاتِ، ويُدْفَعُ المَالُ إليه بعد التّفَحُّصِ المذكور.
ونقلوا عن ابن سُرَيْجٍ فيما إذا شَهِدُوا أنه أَخُوهُ.
ولم يَتَعَرَّضُوا لِلْوَرَثَةِ: أنه لا يُصْرَفُ إليه شَيْءٌ بعد التَّفحُّصِ؛ لأن الابن لا يحجبه غيره، فَقَرَابَتُهُ مورثه.
والأخ يَحْجُبُهُ غيره، فَقَرَابَتُهُ غير مَوْرُوثَةٍ على تَجُّرُدِهَا وأجاب (1) الإِمام في الابن بما ذَكَرَهُ العراقيون.
وحكى في الأَخِ وجهين فَحَصَلَ فيهما وجهان.
فرع
: قال القاضي الروياني: القِيَاسُ، أنه لا يَصِحُّ الضَّمَانُ ما لم يدفع المال، وهكذا هو في ضَمَانِ العُهْدَةِ.
فرع:
لو قال الشُّهُودُ: لا نعرف له في البلد وَارِثاً سِوَاهُ، لم يُدْفَعْ إليه شَيْءٌ، خِلاَفاً لأبي
حَييفَةَ، وأحمد فيما رَوَاهُ ابن الصَّبَّاغِ -رحمهم الله [وإيانا] 554 -.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابعُ فِي العِتْقِ وَالوَصِيَّةِ وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولَى إِذَا ثَبَتَ عِتْقُ عَبْدَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِ المَرِيضِ المُعْتَقِ عُتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ إِذِ الغَالِبُ أنَّهُمَا مُتَعَاقِبَانِ فَيُعْتَقُ السَّابِقُ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآخَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا أَشْكَلَ السَّابِقُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اجْتَمَعَا عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ كَمَا فِي الجُمْعَتَيْنِ وَالنِّكَاحَيْنِ، فَإِنْ جُعِلَ كَالإِجْتِمَاعِ فَيُقْرَعُ لَكِنْ لَوْ كَانَ أَحَدُ العَبْدَيْنِ سُدُسَ المَالِ وَخَرَجَتْ لَهُ القُرْعَةُ عُتِقَ وعُتِقَ مِنَ الآخَرِ نِصْفُهُ لِتكْمِلَةِ الثُّلُثِ، وَإِنْ رَأَيْنَا القِسْمَةَ فَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَاهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يُعْتَقُ مِنَ النَّفِيسِ ثَلاَثةُ أَرْبَاعِهِ وَمِنَ الخَسِيسِ نِصْفُهُ لِأنَّ نِصْفَ النَّفِيسِ حُرٌّ بِكُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَإِنَّمَا الزَّحْمَةُ في النِّصْفِ الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأصول المُمَهّدةِ، أن المَرِيضَ مَرَضَ الموت، إذا أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، كل واحد منهما ثُلُثُ مَالِهِ على الترتيب.
ولم يُجز الوَرَثَةُ يَنْحَصِرُ العِتْقُ في الأول، وإذا أعْتَقَهُمَا معاً يُقْرَعُ بينهما أيضاً، ولو عُرِفَ سبق أحدهما، ولم يُعْلَمْ عَيْنُ السابق، فقولان:553
الجزء: 13 - الصفحة: 272
أحدهما: أنه يُقْرَعُ كما لو أَعْتَقَهُمَا معاً، وهذا لأن مَعْرِفَةَ السَّبْقِ من غير أن يُعْرَفَ السَّابق، لا تَنْفَعُ شيئاً.
والثاني: أنه يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ؛ لأنا لو أقرعنا 555، لم نَأْمَنْ خروج الرِّقِّ على السابق، فللسابق حَقُّ الحُرِّيَّةِ، فيلزم منه إِرْقَاقُ حُرٍّ، وتَحْرِيرُ رَقِيقٍ، وأيضاً فلو أَوْصَى لهذا بثلث مَالِهِ، ولهذا بِثُلُثِهِ، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، يُجْعَلُ بينهما نِصْفَيْنِ.
فكذلك هاهنا.
والقَوْلاَنِ على ما ذكر جماعة من الأَئِمَّةِ كالقولين في الجمعتين، والنكاحين مثل هذه الحالة، فإن قلنا بِبُطْلاَنِ الجمعتين 556، والنكاحين، أَقْرَعْنَا بينهما، كما لو وَقَعَا معاً.
وإن تَوَقَّفْنَا في النكاحين، وأَمَرْنَا الجميع بالظهر، أَعْتَقْنَا من كل واحد نِصْفَهُ.
ولو عُرِفَ من سبق إِعْتَاقُهُ بعينه، ثم اشْتَبَهَ -فطريقان:
أحدهما: طَرْدُ القولين.
والثاني: وهو الذي أَوْرَدَهُ أبو الفَرَج السَّرَخْسِيُّ، وغيره: أنه يُعْتَقُ من كل [واحد] 557 نصفه، وهو المُوَافِقُ لما هو الظَّاهِرُ في مِثْلِ هذه الحالة من الجمعتين، والنِّكَاحَيْنِ.
ولو علَّقَ عَبْدَيْن بالموت، أو أَوْصَى بِعِتْقِهَا، ومات، وكل واحد [ثُلُثُ] 558 مَالِهِ، فَيُقْرَعُ، سَوَاءً وَقَعَ التَّعْلِيقَانِ، أو الوَصِيَّتَانِ معاً، أو فرض بينهما ترتب 559، إذا تَقَرَّرَ ذلك.
فلو قامت بَيِّنَةً على أن المَرِيضَ أَعْتَقَ سَالِماً، وأُخْرَى على أنه أَعْتَقَ غَانِماً، وكل وَاحِدٍ منهما ثلث ماله، فإن أرَّخَتَا بِتَارِيخَيْنِ مختلفين، عتق من أعتقه أولاً، وإن أُرَّخَتَا بِتَاريخٍ وَاحِدٍ، أُقْرِعَ بينهما.
وإن [أُطلِقَتا، أو] 560 وأُطْلِقتْ إحداهما، ففي "التهذيب": أنه يُقْرَعُ [بينهما] 561 أيضاً؛ لاحتمال التَّرْتِيبِ، والمَعيَّةِ.
وقال جماعة -منهم صاحب الكتاب والإمام -رحمهم الله-: احتمال التَّرْتِيبِ أَقْرَبُ، وأغلب 562 من احتمال المَعِيَّةِ.
والسابق منهما غير مَعْلُومٍ، وإذا كان كذلك، وتَعَارَضَتِ البينتان 563، وأطلقتا، عرفنا أن أحد المُعْتَقَيْنِ سَابِقٌ، ولم نعرفه بِعَيْنِهِ، فَيَجِيءُ فيه القولان في أنه يُقْرَعُ بينهما، أو يُعَتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 273
ثم في لفظ الكتاب شَيْئَانِ؛ أحدهما: أن نَظْمَهُ يُشْعِرُ بِتَرْجِيح قول القِسْمَةِ، وقد رَجَّحَهُ القاضي الروياني وغيره، وهو يُوَافِقُ قَوْلَ الذاهب في الجُمْعَتَيْنِ إذا علمت السَّابِقَةُ، ولم يَتَعَيَّنْ إلى أنهم يُصَلُّونَ الظُهْرَ جميعاً؛ لِصِحَّةِ الجمعة السابقة.
وقد بَيَّنَّا في الجُمُعَةِ مَيْلَ الأصحاب [إليه] 564 وقولهم: إنه القياس.
وَرَجَّحَ آخرون قول القُرْعَةِ، وهو يُوَافِقُ ما ذكرنا في النكاحين؛ أن ظَاِهرَ المَذْهَب والصورة مثل هذه؛ أن الحُكْمَ فيما إذا لم يُعْرَفِ السَّبْقُ، ولا المَعيَّةُ.
والثاني: سياق الكتاب يَقْتَضِي إِثْبَاتَ طريقتين:
إحداهما: القَطْعُ بالقِسْمَةِ.
والثانية: إِثْبَاتُ قولين:
أحدهما: القِسْمَةُ.
والثاني: القُرِعَةُ.
لكنه لم يَرِدْ ذلك، وإنما حكى قَوْلَ القسمة المَنْصُوصِ عليها، ثم بَيَّنَ أنهم كيف خَرَّجُوهُ، وذكر المأخذ 565 الذي ينزل عليه هذا القول مع قول القُرْعَةِ.
ويعرف ذلك عند التَّأَمُّلِ في لفظ "الوسيط".
وفرع على القولين ما لو قَامَتِ البيِّنَتَانِ كذلك، لكن أحد العَبْدَيْنِ سدس المال، فإن قلنا بالقُرْعَةِ، فإن خرَجَتِ القُرْعَةُ للعبد الخسيس عتق، وعتق نصف الآخر؛ ليكمل الثلث.
وإن خرجت لِلنَّفِيسِ، انحصر العِتْقُ فيه.
وإن قلنا هناك: يعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ، فهاهنا وجهان:
الذي أَوْرَدَهُ أكثرهم: أنه يُعْتَقُ من كل واحد ثُلثَاهُ؛ لأن مَا زَادَ على الثلث من التَّبَرُّعِ يُنْسَبُ إلى جميع التَّبَرُّعِ، وينقص بتلك النسبة 566 من كل واحد منهم.
وإذا نَسَبْنَا الزَّائِدَ على الثلث؛ وهو السُّدُسُ هاهنا إلى جميع التَّبَرُّع؛ وهو النِّصْف، كان ثلثه.
فَيُردُّ العِتْقُ في ثلث كل واحد منهما، ويُنَفَّذُ [في ثلثيه] 567، وصار كما لو أَوْصَى لواحد بِثُلُثِ مَالِهِ، ولآخر بسدسه [يكون] 568 لكل واحد منهما ثُلُثَا ما أوصى له.
والثاني، ويحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يُعْتَق من النَّفِيسِ ثلاثة أرباعه، ومن الخَسِيسِ نِصْفُهُ؛ لأنه إن سَبَقَ إِعْتَاقُ النَّفِيسِ، فجميعه حر، وإن سَبَق إِعْتَاقُ الآخر، فنصفه حُرٌّ.
فَأَحَد نصفيه على التَّقْدِيرَيْنِ حر.
وإنما الزَّحْمَةُ في النصف الثاني، وهو قَدْرُ سدس
الجزء: 13 - الصفحة: 274
المال، فَيُقَسَّمُ بينهما، فَيُعْتَقُ من النفيس رُبُعُهُ، ومن الخَسِيسِ نِصْفُهُ.
ولو قامت البَيِّنَتَانِ على تَعْلِيقِ عِتْقِ عبدين بالمَوْتِ، أو الوصية بِعِتْقِهِمَا، وكل وإحد منهما ثلث المال، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ، فَيُقْرَعُ بينهما، سَوَاءٌ أُرِّخَتِ البَيِّنَتَانِ، أو أُطْلِقَتَا؛ لأن العِتْقَيْنِ المُعَلَّقَينِ بالموت كالواقعين [معاً] 569 في المَرَضِ.
هذا هو الظاهر، وفيه خلاف نذكره على الأثَرِ.
واعلم أن المُزَنِيَّ روى في "المختصر": أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: ولو شَهِدَ أجْنَبيَّانِ بأن فُلاَناً المُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ، وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، وشهد وَارِثَانِ لعبد غيره، بأنه أَعْتَقَهُ وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَسَوَاءٌ، ويُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ.
ثم قال المُزَنِيُّ: قِيَاسُ قوله: أن يُقْرَعَ بينهما.
وأطال الأصحاب نَفَسَهُمْ في شَرْحِ المَسْأَلَةِ، ونحن نُورِدُ منه ما يتهذب 570 به المَقْصُودُ:
أما الفرض، فيما إذا كان شَاهِدَا أَحَدِ العَبْدَيْنِ أَجْنَبِيَّيْنِ، وشاهدا الآخر وارثين، فسيأتي في الفَصْلِ التالي لهذا الفصل بَيَانُ ما يفترق 571 فيه شَهَادَةَ الأَجَانِبَ والوَرَثَةِ، وما لا يفترق 572. ثم تَحَزَّبَ الأَصْحَابُ فيما هو المُرَادُ من صورة المسألة.
فقال حِزْبٌ منهم: المراد العِتْقُ [في المرض] 573 المنجز: لأنه قال: أَعْتَقَهُ.
وقوله: "في وَصِيَّتِهِ"؛ أي: في مَرَضِهِ الذي هو وَقْتُ الوصية، وأثبت هؤلاء قوْلَيْنِ -ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه-، وما خَرَّجَهُ المزني، وهذا ما اختاره 574 أَصْحَابُنَا العِرَاقيُّونَ.
وقال الحِزْبُ الثَّاني -ومِنهُمْ أبو إسْحَاقَ: المُرَادُ، العِتْقُ المُضَافُ إلى ما بعد الموتِ لقوله 575: أَعْتَقَ في وَصِيَّتِهِ؛ أي أمضى 576 بِعِتْقِهِ، ثم اخْتَلَفُوا؛ فقال قائلون: الجَوَابُ، ما قاله المُزَنِيُّ، وحُكِيَ عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم"، ثم مِنْ هؤلاء مَنْ يُحَاوِلُ تَأْوِيلَ المنقول [عن الشَّافِعِيِّ] 577 -رضي الله عنه-.
ومنهم من يقول: إنه غَلِطَ من ناقل.
وذهب بعضهم إلى إِثْبَاتِ القَوْلَيْنِ مع
الجزء: 13 - الصفحة: 275
التَّصْوير في الوَصِيَّةِ بالعتق، وأشَارَ القاضي ابْنُ كَجٍّ إلى طريقة أُخْرَى قَاطِعَةٍ بالقِسْمَةِ تشبهاً 578 بالوَصِيَّةِ لشخصين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: شَهِدَ أجْنَبِيَّانِ أنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمَاً وَهُوَ ثُلُثٌ وشَهِدَ وَارِثَانِ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَأعْتَقَ سَالِمَاَ وَهُوَ ثُلُثٌ رُقَّ غَانِمٌ وَعُتِقَ سَالِمٌ إِذْ لاَ تُهْمَة عَلَى الوَارِث لِمَا ذُكرَ لِلرُّجُعِ بَدَلاً، فَإِنْ كَانَ سَالِمٌ سُدُسَ المَالِ صَارَ مُتَّهَمَاً فَيُعْتَقُ غَانِمٌ بِالشَّهَادَةِ ويُعْتَقُ سَالِمٌ بِالإِقْرَارِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقْرَعُ أَيْضاً وَيْلْغُو شَهَادَةُ الرُّجُوعِ وَتَبْقَى شَهَادَةُ العتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لاَ فَرْقَ في شُهُودِ العِتْقِ والوصية بين أن يَكُونُوا أَجَانِبَ، أو وَارِثِينَ؛ إلا أن الوَارِثَ قد يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعاً إلى نَفْسِهِ فلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وإلا أن شَهَادَةَ الوَارِثِ قد تَتَضَمَّنُ إِقْرَاراً للمشهود به، فيؤاخذ بها فلو 579 شَهِدَ أَجْنَبيَّانِ، أنه أَوْصَى بعِتْقِ غَانِمٍ، وهو ثُلُثُ مَالِهِ، وشهد وَارِثَانِ، أنه رَجَعَ عن تلك الوَصِيَّةِ، وأوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وهو ثلَث مَالِهِ أيضاً، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا على الرُّجُوعِ عن الوصية الأُولَى، وتثبت 580 بها الوَصِيَّة الثانية؛ لأنهما أَثْبَتَا للرجوع 581 عنه بَدَلاً يُسَاوِيهِ فارتفعت التُّهْمَةُ، ولا نَظَرَ إلى تَبْدِيلِ الوَلاَءِ.
وقد يكون الثاني أَهْدَى إلى الكَسْبِ وجَمْعِ المال [، فإنه] 582 قد لا يُتَّفقُ أَخْذُ شيء بالوَلاَءِ، ومُجَرَّدُ هذا الاحتمال لو أَوْجَبَ رَدّ الشهادة، لما قُبِلَتْ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِقَرِيبٍ يَرِثُهُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ ومَالِكٍ: أنه لا تُقْبَلُ شهادتهما على الرُّجُوعِ، ويُعْتَقُ العَبْدَانِ معاً.
هذا إذا كان الوَارِثَانِ عَدْلَيْن.
فإن كانا فَاسِقَيْنِ، لم يثبت الرُّجُوعُ بقولهما، ويُحْكَمُ بعِتْقِ غَانِم بشهادة الأَجْنَبِيَّيْنِ؛ لأَن الثلث يَحْتَمِلُهُ، ويُعْتَقُ من سَالِمٍ قَدْر ما يحتمله ثُلُثُ الباقي من المَالِ بعد غَانِمٍ، وهو ثلثاه.
وكأنّ غَانِماً [هَلَكَ، أو] 583 غَصِبَ من التَّرِكَةِ، فإن قال الوَارِثَانِ: أوصى بِعِتْقِ سالم، ولمِ يَتَعرَّضَا لِلرُّجُوعِ عن وصية غَانِمٍ، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا كَانَ رِجَالُ البيِّنَتَيْنِ كلهم أجَانِبَ، فالظاهر القُرْعَةُ، ويجيء فيه الخِلاَفُ المذكور في الفَصْلِ السابق.
ولو كانت المسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ولكن سَالِماً سُدُسُ المَالِ، فالوَارِثَانِ مُتَّهَمَانِ بِردَّ العِتْقِ من الثلث إلى السدس، فلا تُقْبَلُ شهادتهما على الرُّجُوعِ في النصف الذي لم يثبتا له بَدَلاً.
وفي الباقي الخِلاَفُ في تبعيض 584 الشهادة؛ فإن قلنا: إنها لا تُبعَّضُ، وبه أجاب
الجزء: 13 - الصفحة: 276
الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في هذه الصورة، فَتُرَدُّ شهادتهما فيه أيضاً، ويُعْتَقُ الأوَّلُ بشهادة الأجنبيين، ويُعْتَقُ الثاني بِإِقْرَارِ الوارثين؛ لأن شَهَادَتَهُمَا تَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بأنه مُسْتَحِقُّ العِتْقِ.
فإن لم يَكُونا جائزين عتق منه قَدْرُ ما يَسْتَحِقَّانِهِ ومنهم من يَقُولُ: يُعْتَقُ من الثاني بِقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الباقي من المال.
وليس هذا خِلاَفاً في المعنى؛ فإن كل 585 الثاني وهو سُدُسُ المَالِ، يحتمله 586 ثلث الباقي بعد الأوَّلِ.
وإن قلنا: إنها تبُعَّضُ، فَيُعْتَقُ نِصْفُ الأول، وجميع الباقي؛ وهو قَدْرُ الثلث.
وفيه وجه آخر: أن الرُّجُوعَ المَشْهُودَ به لا يَتَبَعَّضُ.
فهذا لم يَثْبُتْ في البعض، لا يَثْبُتْ في الباقي، وتَبْقَى الشَّهَادَةُ على الوَصيَّةِ بِعتق الباقي 587، فَيُقْرَعُ بينهما على مَا مَرَّ.
وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن في التَّرِكَةِ وَصيَّةٌ أخرى.
فإن كان قَدْ أوْصَى بثلث ماله لإِنْسَانٍ، وقامت البَيِّنَتَانِ لغَانِمٍ وسَالِم هكذا، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَارِثِينَ على الرُّجُوع عن الوصية بِإِعْتَاقِ غَانِم؛ لأن للورثة 588 رَدَّ الزِيَادَةِ على الثلث، فَلَيْسَ في الشهادة على الرُّجُوع تُهمَةٌ عليهم.
وإذا ثبت الرجُوعُ بِشَهَادَتِهِمْ، جُعِلَ الثُّلُثُ أَثْلاَثاً بين الموصى له بالثلث، وبين عِتْقِ سَالِمٍ؛ فَيُعْطَى الموصى له ثُلُثَا الثلث، ويُعْتَقُ منه ثلثاه، وهو ثُلُثُ الثلث.
هكذا ذكروه.
لكن رَدَّ الزَّائِدِ على الثلث لا يُوجِبُ جَرَيَانَ بَعْضِ أرباب الوَصَايَا، بل يُوزَّع عليهم الثُّلُثُ.
وقبول الشهادة الرجوع يوجب إِرْقَاقَ غَانِمٍ وحِرْمَانَهُ عن التَّبَرُّعِ، وهو مَحَلُّ التُّهمَةِ؛ لِتَعَلُّق الأغْرَاضِ بأعيان العَبِيدِ والأمْوَالِ، بل قَبُولُ شهَادَةِ الرُّجُوع من الوَرَثَةِ، وإن أَثْبَتُوا بَدَلاً مُسَاوِياً لا يصفو عن الإِشْكَالِ؛ لأنه قد يَتَعَلَّقُ الغرض باستبقاء 589 غَانِمٍ، وإن كان سَالِماً مِثْلَهُ في القيمة.
وإن كان الوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ عتق غَانِمٌ بشهادة الأجْنَبيَّيْنِ، وعتق سَالِمٌ بِإِقْرَارِهِمَا؛ وهو دون ثلث الباقي من المال بعد غَانِمٍ، ولو كانت قِيمَةُ من شَهِدَ له [الأجنبيان سدس المال، وقِيمَةُ من شهد له] 590 الوَارِثَانِ ثلث المال، قُبِلَتْ شهادتهما على الرُّجوعِ.
وعتق الثاني.
فإن كانا فَاسِقَيْنِ عتق الأول، وعتق ثلث الباقي من المال بعد الأَوَّلِ؛ وهو خمسة أسداس الثاني 591 وكأنه غصب 592 الأَوَّل.
الجزء: 13 - الصفحة: 277
ولو شَهِدَ أَجْنَبيَّانِ أنه نَجَّزَ عِتْقَ غَانِمٍ في المَرَضِ، ووارثان أنه نَجَّزَ عِتْقَ سالمٍ، وكل واحد مهما ثُلُث المال فَيُنْظَرْ إن كذب الوَارِثَانِ الأجْنَبيَّيْنِ وقالا: لم يعتق غَانِماً، وإنما أَعْتَقَ سالماً، فَيُعْتَقُ العبْدَانِ جميعاً.
أما غَانِمٌ فَبِشَهَادَةِ الأجنبيين، وأما سالم فبشهادة 593 الوارثين أن العَتِيقَ سَالِمٌ دون غَانِمٍ.
فإن لم يكونا جائزين عتق منه حِصَّتُهُمَا، واستدرك بعض المتأخرين فقال: قياس ما سَبَقَ ألا يُعْتَقَ من سَالِمٍ إلا قَدْرُ ما يحتمله ثُلُثُ الباقي من المَالِ بعد غَانِمٍ 594، وكأن غَانِماً غُصِبَ من التركة.
وهذا جيد.
وإن لم يكذباهما، بل قالا: أَعْتَقَ سَالِماً، ولا ندري هل أَعْتَقَ غَانِماً أم لا؟ فإن كان الوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ، فالحكم كما ذَكَرْنَا فيما إذا كان شُهُودُ العَبْدَيْنِ معاً أَجَانِبَ.
وإن كانا فَاسِقَيْن، فَيُعْتَقُ غَانِمٌ بشهادة الشهود، وأما سَالِمٌ، فقد ذكر الشيخ أبو حَامِدٍ، وتابعه كَثِيرٌ من الأَصحاب -رحمهم الله-: أنه يُعْتَقُ منه نِصْفُهُ إذا فَرَّعْنَا أنه يُعْتَقُ من كل واحد نِصْفُهُ لو كانا عَدْلَيْنِ؛ لأن الوارثين معترفان في ضمن الشهادة باسْتِحْقَاقِهِ عتق النصف، فَلَزِمَهُمَا ما اعْتَرَفَا به.
وقال ابن الصَّبَّاغ: هذا سَهْوٌ؛ لأن غَانِماً أيضاً لا يَسْتَحِقُّ بقَوْلِ الوَارِثينَ إلا عِتْقَ النصف.
وقد حكمنا 595 بِعِتْقِ جميعه فنصفه كالمَغْصُوبِ، أو الهَالِكِ في حَقِّ الوَرَثَةِ، ونِصْفُهُ سدس التركة فينبغي أن يُعْتَقَ عَبْدٌ إلا سُدُسَ عَبْدٍ.
وقد أَعْتَقْنَا نِصْفَ عَبْدٍ، فيبقى ثلث عبد بلا مَزِيدٍ.
لكن العبدين سَوَاءٌ في اسْتِحْقَاقِ العتق، فلا يَجُوزُ أن يُعْتَقَ من أحدهما أَكْثَرُ مما يُعْتَقُ من الآخر.
ويَلْزَمُ من ذلك أن ينقص ما عتق من الأول عن النِّصْفِ، وأن يزيد ما يعتق من الثَّانِي على الثُّلُثِ.
وسنبين 596 ذلك بأن يُقَالَ: عتق من الأول شَيْءٌ، والباقي مَغْصُوبٌ.
وعُتِقَ من الثاني شَيْءٌ، والباقي لِلْوَرَثَةِ مع الثلث الكَامِلِ من التَّرِكَةِ.
فمعهم إذن ثُلُثَانِ سِوَى شَيْءٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 278
وذلك يَعْدِلُ ضِعْفَ ما عتق؛ وهو أربعة أَشْيَاءَ فيجبر.
ويقابل فثلثا التركة تَعْدِلُ خمسة أشياء، فالشَّيْءُ خمس ثلثي التَّرِكَةِ، وخمس الثلثين خُمُسَا الثلث، وكل عَبْدٍ ثلث، فَيُعْتَقُ من الأول خُمُسَاهُ، والباقي مَغْصُوبٌ، ومن الثاني خُمُسَاة، يبقى ثَلاثةُ أخماسه لِلْوَرَثَةِ مع الثلث الكَامِلِ، وهي ثمانية أَخْمَاسٍ، ضعف ما عتق.
ولو شهد أَجْنَبِيَّانِ لِغَانِمٍ وَوَارِثَانِ لِسَالِمٍ كما ذكرنا، إلا أن سَالِماً سدس المال، فإن كَذَّبَ الوَارِثَانِ الأجنبيين 597 عتِقا جميعاً، وإن لم يُكَذِّبَاهُمَا، فإن كانا عَدْلَيْنِ، وكما إذا كان شهود العَبْدَيْنِ أَجَانِبَ.
والأول ثُلُثُ المال والباقي سدسه، وقد مَرَّ حُكْمُهُ في الفصل السَّابِقِ.
وإن كانا فَاسِقَيْنِ، نقل صاحب "التهذيب": أن الأَوَّلَ حُرٌّ بشهادة الأَجْنَبيَّيْنِ، ويُقْرَعُ بينهما، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ له، انْحَصَرَ العِتْقُ فيه.
وإن خَرَجَتْ للثاني، عُتِقَ الأول بالشَّهَادَةِ، وعُتِقَ من الثَّانِي ثُلُثُ ما بَقِيَ من المال؛ بإِقْرَارِ الوارثين.
قال في "التهذيب": وقياس هذا أن يُقْرَعَ أيضاً إذا كان كُلُّ واحد من العَبْدَيْن ثُلُثَ المال، وكان الوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ، وكان هذا جَوَابَاً على قول القُرْعَةِ، فيما إذا كان الشُّهُودُ كلهم أَجَانِبَ.
وما نَقلْنَا عن الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره على قَوْلِ القِسْمَةِ -والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأنَّهُ أَوْصَى لِزَيْدٍ بالسُّدُسِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأنَّهُ أَوْصَى لِبكْرٍ بِالسُّدُسِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِحْدَى الوَصِيَّتَيْنِ، فَعَلَى وَجْهٍ تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ بِالرُّجُوعِ المُبْهَمِ وَيُسْلَّمُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدُسٌ، وَعَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِتَعَيُّنِ المَشْهُودِ لَهُ وَالمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمَا سُدُسٌ وَاحِدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شَهِدَ اثنان بأن فُلاَناً المَيِّتَ أوصى لِزَيْدٍ بالثُّلُثِ وآخران 598 بأنه أَوْصَى لِبَكْرٍ بالثلث، فلا يَخْفَى أنه يُجْعَلُ الثُّلُثُ بينهما بالسوية؛ فإن ذكر الآخران: أنه رَجَعَ عن الأَوَّلِ، وأَوْصَى لِبَكْرٍ بالثلث، سُلِّمَ له الثلث، ويَسْتَوي في الرجوع شَهَادَةُ الوَارِثِ، والأجنبي، إذا جَرَى ذِكْرُ البَدَلِ.
ولو شهد اثْنَانِ: أنه رَجَعَ عن وَصِيَّةِ بَكْرٍ أيضاً، وأَوْصَى بالثلث لِعَمْرِو سُلِّمَ الثُّلُثُ لعمرو ولو شهد اثنان أنه أوصى بالثلث لزيد أو اثنان أنه أَوْصَى به لِبَكْرٍ، ثم شَهِدَ اثنان أنه رَجَعَ عن إحدى الوَصِيَّتَيْنِ، فإن عينا الرُّجُوعَ عنها، ثَبَتَ الرُّجُوعُ وكان الثُّلُثُ كُلُّهُ للآخر.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كَجٍّ: أن أبا الحُسَيْنِ قال: لا يكون للثَّانِي إلا السُّدُسُ؛ لأنه إذا أوْصَى بالثلث لهذا، وبالثلث لهذا، فَكَأَنَّهُ أوصى بالسُّدُسِ لكل واحد منهما.
الجزء: 13 - الصفحة: 279
وإنما يُسَلَّمُ الثلُثُ للآخر، إذا ثَبَتَ أن وَصِيَّتَهُ وَقَعَتْ بعد الرُّجُوع عن الوَصِيَّةِ الأخرى.
وإن لم يُعَيِّنْ شَاهِد الرجوع الوصية المَرْجُوع عنها، نصَّ في "المختصر" -رضي الله عنه-: أن الثُّلُثَ يكون بينهما.
ولِمَ ذلك؟
قال أكثر الأصحاب: لأنهما أَبْهَمَا الرُّجُوعَ، والإِبْهَام يمنع قَبُولَ الشهادة؛ كما لو شهدا: أنه أَوْصَى لأحد هذين، أو لفلان كذا على أَحَدِ هذين.
وإذا لم تُقْبَلْ شَهَادَةُ الرجوع والوَرَثَةُ لا تجيز أكْثَرَ من الثلث، يكون الثُّلُثُ بينهما.
وقال بعضهم، واخْتَارَهُ القَفَّالُ: هذه الشهادة مَقْبُولَةٌ؛ لتعيين الوارث المشهود له، وعين المشهود عليهما.
وإن وَقَعَ الإِبْهَامُ، فالوَصِيَّةُ تحتمل الرُّجُوعَ، والإِبْهَامَ، ويَنْقَسِمُ الرجوع 599 بينهما، ويُجْعَلُ كأنه رَدّ وصية كل واحد منهما إلى السُّدُسِ.
وتظهر فَائِدَةُ الخِلاَفِ فيما إذا شَهِدَتْ بَيَّنَةٌ: أنه أَوْصَى لِزَيْدٍ بالسدس، وأخرى أنه أَوْصَى لِبَكْرٍ بالسدس، وأُخْرَى أنه رَجَعَ عن إِحْدَى الوصيتين، وهي الصُّورَةُ المَذْكُورَةُ في الكتاب، فعلى ما ذَكَرَهُ أكثرهم، لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرُّجُوع المبهم.
ويُدْفَعُ إلى كُلِّ واحد منهما السدس.
وعلى ما اخْتَارَهُ القَفَّالُ، تُقْبَلُ، ويُجْعَل كأنه رَجَعَ عن نِصْفِ كل وصية.
فَيُدْفَعُ إلى وَاحِدٍ منهما [نِصْفُ] 600 سدس.
واعْلَمْ أنَّ هذه الكُتُبَ الثلاثة أدب القَضَاء، والشَّهَادَات، والدَّعَاوَى والبَيِّنَات، يَتَعَلَّقُ بعضها بِبَعْضٍ.
وقد يَتَّفِقُ ذلك 601 المداخلة في مَسَائلها.
وإذ يَسَّرَ الله -تعالى- الفَرَاغَ من شرح ما في الكتاب [من ثلاثتها] 602 فإنا نرى خَتْمَهَا بِبَابَيْنِ:
أحدها: في مسائل وَصُوَرِ تَدْخُلُ في هذه الكُتُب؛ منها ما هي كالشَّهَادَةِ عن الأصُولِ المذكورة [فيها] 603 ومنها ما هي مُسْتَخْرَجَةٌ عليها.
لكن التَّنْصِيصَ عليها يفيد الدُّرْبَةَ ويهذب الأُصُولَ.
والباب الثاني في دعوى 604 النَّسَب؛ وقد أَوْرَدَهُ في الكتاب، وله ارْتِبَاطٌ بهذه الكتب من حيث إنه نوع ادِّعَاء.
لكنه لا يحتاَج إلى البَيِّنَةِ 605 من حيث إن القَائِفَ شَبِيهٌ بالحاكم.
أمَّا البَابُ الأَوَّلُ: فيأتي بالمسائل مَنْثُورَةً؛ ونقول مُسْتَوْفِقِينَ بالله تَعَالى جَدُّهُ.
يوم الجمعة كَسَائِرِ الأيَّامِ في إِحْضَارِ من يُطْلَبُ إِحْضَارُهُ مَجْلِسَ الحكم.
نعم، إذا صَعَدَ الخطيب المِنْبَر، فلا يحضر أَحدٌ إلى الفَرَاغِ من الصَّلاةِ، واليهودي يحضر يوم
الجزء: 13 - الصفحة: 280
السَّبْتِ ويكسر عليه سبته.
شَهِدَ اثْنَانَ: أنه غَصَبَ كذا، أو سَرَقَهُ غُدْوَةً، وآخران: أنه سَرَقَهُ، أو غصبه عَشِيَّةً، فَتَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ، ولا يُحْكَمُ بواحدة منهما، بِخِلاَفِ ما لو شَهِدَ شَاهِدٌ هكذا، وآخر هكذا، حيث يَحْلِفُ المُدَّعِي مع أحدهما، ويأخذ الغَرِيمُ؛ لأن الشَّاهِدَ ليس بِحُجَّةٍ حتى يفرض تَعَارُضٌ 606.
شَهِدَ شَاهِدٌ على إِتْلاَفِ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وآخر على إِتْلاَفِ ذلك الثوب بعينه، وقال: قِيمَتُهُ ثَمَنُ دِينَارٍ يثبت للأقَلُّ، وللمدعي أَن يَحْلِفَ مع الآخر.
ولو شَهِدَ اثْنَانِ على إِتْلاَفِ ثَوْب قِيمَتُهُ رُبُعٌ، وشَهِدَ آخران على أنه أَتْلَفَ ذلك الثَّوْبَ وقيمته ثمن يثبت الأَقَلُّ أيضاً؛ لأنه المُتَّفَقُ عليه.
وأما الزِّيَادَةُ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ فيها.
وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حَييفَةَ: الأكْثَرُ عليهما.
ولو شَهِدَ اثْنَانِ على أن وَزْنَ الذهب الذي أَتْلَفَهُ دِينَارٌ، وآخَرَانِ على أن وَزْنَهُ نِصْفُ دِينَارٍ، يثبت الدِّينَارُ؛ لأن مع الشَّاهِدَيْنِ به زِيادَةَ عِلْمٍ، بخلاف الشَّهَادَةِ على القِيمَةِ، فإن مدركَهَا الاجْتِهَادُ، وقد يَقِفُ شَاهِدُ القليل على عَيْبٍ به.
ادَّعى عَبْداً في يَدِ رَجُلٍ، وأقام بَيِّنَةً: أنه وَلَدُ أَمَتِهِ، لم يُقْضَ له بهذه البَيِّنَةِ.
فربما وَلَدَتْهُ قبل أن مَلَكَهَا.
وإن قال: إنه وَلَدُ أَمَتِهِ، وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ، نص -رضي الله عنه-: أنه يُقْضَى له بهذه البَيِّنَةِ، لكنها شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ، وهو المِلْكُ يوم الوِلاَدَةِ.
وقد سبق أن البَيِّنَةَ على أنه مِلْكُهُ لا يُقْضَى بها في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
فَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلاً هاهنا أيضاً، وامْتَنِعَ سائر الأَصْحَاب عنه، وفَرَّقُوا بأن النَّمَاءَ تَابعٌ للأصل.
فإذا تَعَرَّضَتِ البَيِّنَةُ لِمِلْكِ الأَصْلِ، تبعه النَّمَاءُ في المِلْكِ.
ألا ترى أنه إذا قامت البَيِّنَةُ على مِلْكِ الشيء منذ سَنَةٍ يَأْخُذُهُ المُدَّعِي مع زِيَادَةٍ في البَينة 607؟ وهناك الشَّهَادَةُ على الأَصْلِ، فاعتبر التَّعَرُّضُ لِلْمِلْكِ في الحال، [لكن صورة الاسْتِشْهَادِ قامت الشَّهَادَةُ على مِلْكِ الأَصْلِ في الحال] 608، وأرخت الملك وليس قولهم: وَلَدَتْهُ في مِلْكِهِ، إِثْبَاتَ مِلْكِ الأَصْلِ في الحال.
ولو شَهِدُوا: أن هذه الشَّاةَ نَتَجَتْ في مِلْكِهِ، وهذه الثَّمَرَةُ حَصَلَتْ من شجرته، في مِلْكِهِ، فهو كقولهم: وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ في مِلْكِهِ، ولا تكْفِي أن يَقُولُوا: هذه نِتَاجُ شَاتِهِ، وثَمَرَةُ
الجزء: 13 - الصفحة: 281
شَجَرَتِهِ.
ولو شَهِدُوا: أن هذا الغَزْلَ من قُطْنِهِ، والفَرْخَ من بَيْضِهِ، أو الدَّقِيقَ من حِنْطَتِهِ، أو الخُبْزَ من دَقِيقِهِ، كفى؛ لأن ذلك عَيْنُ مِلْكِهِ.
تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، بخلاف وَلَدِ الجَارِيةِ، وثَمَرَةِ الشجرة.
أقام بَيِّنَةً على رِقِّ شخص، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً على أنه حُرُّ الأَصْلِ فَبَيِّنَةُ المُدَّعِي أَوْلَى؛ لأن معها زِيادَةَ عِلْمٍ؛ وهي إِثْبَاتُ الرِّقِّ 609.
ادَّعَى دَيْناً على إِنْسَانٍ، وشَهِدَ شَاهِدَانِ، لكن ذكر أحدهما موصولاً بشهادته: أنه قَضَاهُ، أو أن المُسْتَحِقَّ أَبْرَأَهُ، فشهادته باطلة لِلتَّضَادِّ.
وإن ذِكْرَهُ مَفْصُولاً عن الشهادة.
فإن كان بَعْدَ الحُكْمِ، لم يُؤَثِّرْ للمدعى عليه أن يَحْلِفَ معه على القَضَاءِ، أو الإبْرَاءِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 282
وإن كان قبل الحكم سُئِلَ: متى قَضَاهُ؟ فإن قال: قبل أن شَهِدت، فكذلك الجَوَابُ عند صاحب "التلخيص".
وذكر فيما إذا شَهِدَ على إِقْرَارِهِ بالدَّيْنِ شَاهِدَانِ، ثم عاد أَحَدُهُمَا، وقال: إنه قَضَاهُ، أو أَبْرَأَهُ المستحق، بعد أن شهدت: أن شَهَادَتَهُ لا تَبْطُلُ.
بل يُقْضَى بالدَّيْنِ، ويُؤْخَذُ، إلا أن يَحْلِفَ المدعى عليه مع شَاهِدِ القَضَاءِ، والإِبراء.
والفَرْقُ: أن هناك شَهِدَ على نفس الحَقِّ، والقَضَاءِ، والإِبْرَاءِ، يُنَافِيَانِهِ، فَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ.
وهاهنا شهد على الإِقْرَارِ، والقَضَاءِ، والإِبْرَاءِ، لا يُنَافِيَانِهِ، فلا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ.
وعن أبي زيد وَجهٌ: أن شَهَادَتَهُ على نفس الحَقِّ، لا تبطل أيضاً.
والظاهر، الفرقُ وَيَقْرُبُ من هذا الخِلاَفِ فيما إذا ادعى أَلْفاً، وشَهِدَ له شَاهِدَانِ بألف مُؤَجَّلٍ، ولكن قال أحدهما قُضَيَ منه خمسمائة.
ففي وَجْهٍ: لا تَصِحُّ شهادتهما إلا في خمسمائة، نعم لِلْمُدَّعِي أن يَحْلِفَ للخمسمائة الأخرى مع الشَّاهِدِ الآخر.
وفي وجه: تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا على الأَلْفِ، وللمدعى عليه أن يَحْلِفَ مع شاهد القَضَاءِ.
وذكر الفوراني وَجْهاً آخر: أنه لا يثبت بشهادتهما شَيْءٌ؛ لأنهما لم يَتَّفِقَا على ما ادَّعَاهُ.
ويقرب من الخِلاَفِ قولان لابن سُرَيْجٍ، فيما إذا شَهِدَ اثْنَانِ: أن فلاناً وَكَّلَ فُلاَناً، ثم عَادَ أحدهما، وقال: إنه عَزَلَهُ بعد أن شَهِدت 610.
ففي قول: تَبْطُلُ شهادته.
وفي قول: قد تَمَّتْ شَهَادَةُ الوِكَالَةِ، فَيُعْمَلُ بها، والعَزْلُ لا يثبت بواحد.
ادَّعَى شريكان فَصَاعِداً حَقّاً على إنسان، فَأَنْكَرَهُ، يحلف لكل 611 واحد يَمِيناً، فإن رَضِيَ الكُلُّ بيمين وَاحِدَةٍ، فوجهان:
في أحدهما: يجوز؛ لأن الحَقَّ لهم.
وفي الثاني: لا يجوز [كما لا يجوز] 612 الحكم بشاهد وَاحِدٍ، كان رضي الخَصْمُ 613. شهد اثْنَانِ على أن المَيِّتَ أَوْصَى بعِتْقِ غَانِمٍ، وهو ثُلُثُ مَالِهِ، فحكم الحاكم بِعِتْقِهِ، ثم رَجَعَا عن الشَّهَادَةِ، وشَهِدَ آخَرَانِ: أَنه أوصى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وهو ثلث [ماله] 614
الجزء: 13 - الصفحة: 283
أيضاً، ولم يُجِزِ الوَرَثَةُ إلا الثُّلُثُ.
حُكِيَ في "التهذيب": أنه يُقْرَعُ بينهما؛ فان خَرَجَتْ للأول، رُقَّ الثَّانِي، والراجعان يُغرَّمَانِ قِيمَةَ الأَوَّلِ لِلْوَرَثَة؛ لإقرارهما بأنهما أتْلَفَاهُ عليهم.
وإن خرجت للثاني، عُتِقَ، وَرُقَّ الأَوَّلُ، ولا غُرْمَ على الرَّاجعين؛ لأنهما لم يتلقياهُ 615، إذ أرفقناه.
قال: وعندي يُعْتَقَ الثَّانِي بلا قُرْعَةٍ وعلى الراجعين قِيمَةُ الأَوَّلِ لِلْوَرَثَةِ؛ لأنا لو أَقْرَعْنَا فخرجت القُرْعَةُ للأول، وأرفقنا 616 الثاني، لم يذهب من التَّرِكَةِ شَيْءٌ في الوصية.
شهد أَحَدُ الشاهدين: أنه وَكَّلَهُ بكذا، والآخر أنه 617 فَوَّضَهُ إليه، أو سَلَّطَهُ عليه، تَثْبُتُ الوِكَالَةُ.
ولو شهد أحدهما: أنه قال: وَكَّلْتُكَ بكذا، والآخر أنه أقر بوكالته لم يثبت.
ولو شهد أحدهما: أنه وَكَّلَهُ بالبيع والآخر أنه وَكَّلَهُ بالبيع، وقَبْض الثَّمَن، يثبت البَيْعُ.
ادَّعى رَجُلٌ على رَجُلٍ: أنه اشْتَرَى منه هذا العَبْدَ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ، وأَعْتَقَهُ، وأقام عليه بَيِّنَةً.
وادعى آخَرُ: أنه اشْتَرَاهُ، ونَقَدَ الثَّمَنَ، وأقام عليه بينة؛ فهما مُتَعَارِضَتَانِ.
وذِكْرُ العِتْقِ لا يقتضي تَرْجِيحاً.
وفيه وجه [آخر] 618: لأن العِتْقَ كالقَبْضِ.
وعن نَصِّهِ في "الأم": أنه لو ادَّعى دَابَّةً في يَدِ غيره، وأقام بَيِّنَةً أنها له منذ عَشْرِ سنين، فنظر الحَاكِمُ في سِنِّ الدَّابَةِ، فإذا لها ثَلاَثُ سنين، لم تُقْبَلْ هذه البَيِّنَةُ؛ للعلم بأنها كاذبة 619.
وإن المسنّاة الحَائِلَةَ بين نَهْرِ شَخْصٍ، وأرض آخر في يَدِهِمَا كالجِدَارِ الحَائِلِ؛ لأن الأَوَّلَ يجمع بها المَاءَ في نَهْرِهِ، والثاني يمنع بها المَاءَ عن أَرْضِهِ.
ادَّعَى مِائَةً دِرْهَمٍ على إِنْسَانٍ فقال: قضيت خمسين [لم يكن مُقِرّاً بالمائة.
وكذا لو قال: قَضَيْتُ منها خمسين] 620؛ لجواز 621 أن يَزِيدَ من المائة التي يَدَّعِيَها، وليس على غَيْرِ الخمسين.
اختلف الزَّوجَانِ في مَتَاعِ البيت، إن كان لأحدهما بَيِّنَةٌ قُضِيَ بها، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فما اخْتَصَّ أحدهما باليدَ عليه حسّاً 622، أو حُكْماً؛ بأن كان في مِلْكِهِ، فالقول قَوْلُهُ، مع يَمِينِهِ.
وما كان في يَدِهِما حِسّاً، أو كان في البَيْتِ الذي يَسْكُنَانِهِ، فَلِكُلِّ واحد منهما تَحْلِيفُ الآخَرِ فيه، فإن حَلَفَا، جُعِلَ بينهما.
وإن حَلَفَ أحدهما دون الآخَرِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 284
قُضِيَ لِلْحَالِفِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ الاخْتِلاَفُ في دَوَامِ الزَّوْجِيَّةِ، أو بعد الفِرَاقِ، ولا بَيْنَ أن يختلفا هما، أو ورثتهما، أو أحدهما، وَوَرَثَةُ الآخر، ولا بين ما يصلح للزوج كالسَّيْفِ، والمِنْطَقَةِ، أو للزوجة كالحُلِيِّ، والغَزْلِ، أو لهما.
وساعدنا أبو حَنِيْفَةَ فيما في يدهما [حِسّاً] 623، وقال في في يدهما حُكْماً: إِن ما يصلح للرَّجُلِ، يُجْعَلُ في يَدِ الرجل، وما يَصْلُحُ للمرأة، يُجْعَلُ في يَدِ المرأة، وما يصلح لهما، فَيُرْوَى أنه يُجْعَلُ في يدهما، ويُرْوَى أنه يُجْعَلُ في يَدِ الزَّوْجِ.
هذا في حال بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، وبعد الفِرَاقِ يُجْعَل للزوج، وإذا مات أَحَدُهُمَا يُجْعَلُ لِلْحَيِّ.
مَالِكُ الدار وسَاكِنُهَا بالإجارة اخْتَلَفا في مَتَاع الدَّارِ، القول فيه قول السَّاكِنِ، فإن تَنَازَعَا في رفّ فيها، نُظِرَ؛ إن كان مُسَمَّراً، مُثبتاً 624. فالقول، قَوْلُ المالك؛ لأنه من أَجْزَاءِ الدَّارِ، وإن لم يكن مثبتاً، نصَّ -رضي الله عنه- أنه يُجْعَلُ بينهما، بخلاف الأَمْتِعَةِ؛ لأن مَالِكَ الدار إذا أَكْرأ الدَّار، تُنْقَلُ الأمتعة ظَاهِراً، والرَّفُّ تَارَةً يُنْقَلُ، وتَارَةً يُتْرَكُ، وكلٌّ محتمل 625.
تَنَازَعَا أرْضاً، ولأحدهما فيها زَرْعٌ، أو بِنَاءٌ، أو غِرَاسٌ، فهي في يَدِهِ، أو دَابَّةً، أو جَارَيةً حَامِلاً، والحَمْلُ لأحدهما بالاتِّفَاقِ، فهي في يَدِهِ، أو داراً ولأحدهما فيها مَتَاعٌ، فهي في يَدِهِ.
فإن لم يكن المَتَاعُ إلا في بَيْتٍ، لم يُجْعَلْ في يَدِهِ، إلا ذلك البَيْتُ.
هكذا ذكروه.
ولو تَنَازَعَا عَبْداً، ولأحدهما عليه ثِيَابٌ، لا يُجْعَلُ صَاحِبَ يد في العَبْدِ؛ لأن مَنْفَعَةَ الثَّوْبِ المَلْبُوسِ تَعُودُ إلى العَبْدِ، لا إلى المُدَّعِي.
مدعيان، قال أحدهما: اسْتَأْجَرْتُ هذه الدَّارَ من زيد سَنَةً في أول رَمَضَانَ، وقال الثَّانِي: اسْتَأجَرْتُهَا منه سَنَةً من 626 أول شوال، وأقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً.
قال في "الإبانة": فيه قولان: أظهرهما -وهو المذكور في "التهذيب"، وغيره: أن بَيِّنَةَ رمضان أَوْلَى؛ لأنها أَسْبَقُ تاريخاً.
والثاني: بَيِّنَةُ شوال أَوْلَى؛ لأنها نَاسِخَةٌ للأول.
ويُحْتَملُ أنهما تَقَابَلاَ، واسْتَأْجَرَ الثاني في شوال، وليجيء هذا في بينتي 627 البَيْعِ على ضعفه.
قامت بَيِّنَةٌ على أن هذا ابْنُهُ، لا يعرف له وَارِثاً سواه، وبَيِّنَةُ الآخر على أن هذا ابْنُهُ، لا يعرف له وَارِثاً سواه، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا؛ فلعل كل واحدة اطَّلَعَتْ على ما لا تَطَّلِعُ عليه الأُخْرَى.
الجزء: 13 - الصفحة: 285
وفيما جمِعَ في فَتَاوَى القَفَّالِ، وغيره: أن الضَّيْعَةَ إذا كانت مَعْلُومَةً بثلاثة حُدُودٍ، جاز الاقْتِصَارُ على ذكرها، وهذا خِلاَفُ ما نَقَلْنَاهُ في "باب القَضَاءِ على الغائب" عن إطلاق ابْنِ القَاصِّ.
[قال]: لكن لو ذكر الشُّهُودُ الحُدُودَ الأَرْبَعَةَ، وأَخْطَئُوا في واحد، لا تَصِحُّ شهادتهم.
وترك الذِّكْرِ، خير من الخَطَإِ؛ لأنهم إذا أخطئوا لم تكن بتلك 628 الحدود ضَيْعَةٌ في يد المدعى عليه.
وإذا غَلِطَ المدعي، فقال المُدَّعَى عليه: لا يلزمني تَسْلِيمُ دار بهذه الصِّفَةِ، كان صَادِقاً، ولو حلف كان بَارّاً، كان لم يُنْكِرْ، وقال [لا] 629 أمنعه الدار التي يَدَّعِيَها، سَقَطَ دَعْوَى المدعي، وإن ذَهَبَ إلى الدَّارِ التي في يده ليدخلها، فله أن يَمْنَعَهُ، ويقول: [هي] 630 غير ما ادَّعيت.
فأما عند الإِصَابَةِ في الحُدُودِ، إذا قال: لا أَمْنَعُكَ منها، لم يكن له المَنْعُ إذا ذهب لِيَدْخُلَهَا.
فإن قال: ظَنَنْتُ أنه غَلِطَ في الحدود، لم يُقْبَلْ.
وإن قال: إنما قلت: لا أَمْنَعُكَ؛ لأن الدَّار لم تكن في يَدِي يومئذ، ثم صَارَتْ في يدي، وملكي، قُبِلَتْ منه، وكان له المَنْعُ إذا حَلَفَ عليه.
وفيه أن دعوى العبد على سَيِّدِهِ: أنه أَذِنَ له في التِّجَارَةِ، لا تُسْمَعُ إن لم يَشْتَرِ، ولم يَبعْ شيئاً.
وإن اشترى ثَوْباً، وجاء البائع يَطْلُبُ الثَّمَنَ من كَسْبِهِ، فأنكر السَّيِّدُ الآذِنُ، فللبائع أن يُحَلِّفَهُ على نَفْي الإِذْنِ، فإن حلف، فَلِلْعَبْدِ أن يُحَلِّفَهُ مَرَّةً أخرى؛ ليسقط الثَّمَن عن ذِمَّتِهِ.
وإن باع العَبد عَيْناً [لِلسَّيِّدِ،] 631 وقبض الثمن، وهَلَكَ في يَدِهِ، وجاء المُشْتَرِي يَطْلُبُ تلك العَيْنَ، فقال السَّيِّدُ: لم آذَنْ له في البيع، حُلِّفَ، فإن حَلَفَ، حُكِمَ بِبُطْلاَنِ البيع، وللعبد تَحْلِيفُهُ؛ لإسقاط الثَّمَنِ عن ذمَّتِهِ.
وإنه لو ادَّعَى أَلْفاً [على] 632 غيره، وأقام شَاهِداً، وأَرَادَ أن يَحلِفَ معه، وأقام المدعى عليه شَاهِداً بأن المُدَّعِي أَقَرَّ أنه لاَ حَقَّ له عليه، له أن يحلف مع شَاهِدِهِ، وإذا حلف، سَقَطَ دعْوَى المدعي.
وإنه يجوز لِلْمَالِكِ أن يدعي على الغائب 633، وعلى الغاصب من الغَاصِبِ، فإن ادعى على الأَوَّل؛ أنه يلزمه رَدُّ الثَوْبِ بِصِفَةِ كذا، أو قيمته 634 كذا، فليس لِلْغَاصِبِ أن
الجزء: 13 - الصفحة: 286
يحلف على أنه لا يلْزَمُهُ؛ لأنه إن قدر على الانتزاع، [لزمه] 635 الانْتِزَاعُ، والرد، وإلا فعليه القِيمَةُ.
وإنهم لو شَهِدُوا على أن هَذِهِ الدَّارِ اشْتَرَاهَا المدعي من فلان، وهو يَمْلِكُهَا، ولم يقولوا: إنها الآن مِلْكُ المدعي، ففي قَبُولِ هذه الشَّهَادَةِ قَوْلاَنِ؛ كما لو شهدوا: أنها كانت مِلْكَهُ بالأمْسِ، والمفهوم من كلام الأكثرين أنها مَقْبُولَةٌ كَافِيَةٌ.
وأنه إذا ادَّعَى على إنسان حَقَّ القِصَاصِ لِقَتْلِ نَسَبَهُ إليه، وكان عند الحاكم أن لا قِصَاصَ بذلك، فجاء رَجُلٌ، ورَوى خَبَراً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه يوجب القِصَاصَ، فاقتص الحَاكِمٌ منه، ثم رجع الرَّاوِي وقال: كذبتُ، وتَعَمَّدْتُ، لم يجِبِ القِصَاصُ عليه، بخلاف الشَّهَادَةِ؛ لأن الرِّوَايَةَ لا تَخْتَصُّ بالواقعة.
وأنه إذا غُصِبَ المَرهُونُ من المُرْتَهِنِ، كان لكل واحد من الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ أن يَدَّعِيَهُ على الغَاصِبِ، والراهن يقول في دَعْوَاهُ: إن لي ثَوْباً كنت رَهَنْتُهُ من فلان، وإنه غُصِبَ منه، ويلزَمُهُ الرَّدُّ إلَيَّ.
ولو اقتصر على قوله: إن لي عنده ثَوْباً صِفَتُهُ كذا، ويَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلىَّ، جاز.
ولا بُعْدَ في أن يقول: ويَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِليَّ.
فإن يَدَ المُرْتَهِنِ يَدُ الرَّاهِنِ، ولهذا لو نَازَعَهُ مُنَازعٌ في المَرْهُونِ، كان القَوْلُ قَوْلَ الراهن.
وإن كان المَرْهُونُ في يد المُرْتَهِنِ؛ لأن يَدَهُ يَدُهُ.
وإن الغريب الذي دَخَلَ البلد لا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ على أنه حُرُّ الأَصْلِ، إنما تَجُوزُ الشَّهَادَةُ على أن فلاناً حُرُّ الأصل، إذا عُرِفَ حَالُ أبيه وأمه، وعرف النِّكَاحُ، وحُدُوثُهُ بينهما.
وتَجُوزُ الشَّهَادَةُ وإن لم يشاهد الوِلاَدَةَ، كما تجوز الشَّهَادَةُ على أنه ابْنُ فُلاَنٍ.
وأنه إذا ادَّعى دَاراً في يدي رجل، وأقام بَيِّنَةً؛ أنه اشْتَرَاهَا منه، وأقام صَاحِبُ اليد بَيِّنَةً أنه وَهَبَهَا منه، ولم تَتَعَرَّضِ البَيِّنَتَانِ لِتَأْرِيخٍ، فَيَتَعَارَضَانِ.
ولهذا الاختلاف أَثَرٌ عند ظُهُورِ الاسْتِحْقَاقِ، وإذا وجدَ عَيْباً، وأراد رَدَّهُ، واسْتِرْدَادَ الثمن
وأنه إذا ادعى دَاراً في يَدِ إنسان، وأقام بَيِّنَةً؛ أنها مِلْكُهُ، فادعاها آخر 636، وأقام بَيِّنَةً على أنه اشْتَرَاهَا من فلان؛ رجل آخر يوم كذا، ولم يَقُولُوا: إنه كان يَمْلِكُهَا يومئذ، ولكن أَقَامَ بَيِّنَةً أخرى؛ أنه كان يَمْلِكُهَا.
يومئذ سُمِعَتْ هاتان البَيِّنَتَانِ، وصارتا كَبَيِّنَةٍ واحدة، فيحصل التَّعَارُضُ بينها وبين بَيِّنَةِ المُدَّعِي الأول.
وأنه إذا ادعى دَاراً، وأقام بَيِّنَةً [على] 637 أنها مِلْكُهُ، وانْتَزَعَهَا من يدي المدعى
الجزء: 13 - الصفحة: 287
عليه، وجاء آخَر بعد مُدَّةٍ طويلة، أو يَسِيرةٍ [و] 638 يدعيها، وأقام بَيِّنَةً على أنه اشتراها من المُدَّعَى عليه، الذي كانت الدَّارُ في يده، وكان يَمْلِكُهَا يومئذ، يُقْضَى بالدار للمدعي، وكان كما لو أَقَامَ صاحب اليد البَيِّنَةَ قبل الانْتِزَاعِ منه.
وأنه إذا ادَّعَى اثْنَانِ دَاراً في يد ثَالِثٍ، وأقام أحدهما بَيِّنَةً أنها مِلْكُهُ، ثم أقام الثاني بَيِّنَةً على أنه اشْتَرَاهَا من المُدَّعي الأول؛ فإن قامت بَيِّنَةُ الثاني بعد القَضَاء للمدعي الأَوَّل بِبَيِّنَةٍ، فيُقْضَى 639 للثاني على الأَوَّلِ، ولا نشترط أن يقول شُهُودُهُ: اشْتَرَاهَا من الأول، وهي مِلْكُهُ، فإن قامت قبل القَضَاءِ للأول، فإن قالوا: اشْتَرَاهَا منه وهو يَمْلِكُهَا، انْتُزِعَتِ الدَّارُ من صاحب اليَدِ، وقُضِيَ بِهَا للثَّاني [وإن لم يَتَعَرَّضُوا للْمِلْكِ، فلا يُقْضَى بها للثاني] 640 ما لم يُقْضَ للأول بالمِلْكِ ولكن تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الثاني على الأَوَّلِ.
وإن لم يُقْضَ له بعدُ.
وهذه المَسْأَلَةُ قد حَكَيْنَاهَا من قَبْلُ، وهذا التَّفْصِيل كالشرح، والإيضاح [لما مرَّ] 641. وأنه لو كانت في يد رَجُلٍ دَارٌ، فَادَّعَى إِنْسانٌ أنه اشْتَرَاهَا من ثالث بعدما اشْتَرَاهَا الثالث من صاحب اليَدِ، وأنكر صَاحِبُ اليد، فله أن يُقِيمَ بَيِّنَةً على البَيْعَيْنِ، وله أن يُقِيمَ على هذا بَيِّنَةً، وعلى هذا بَيِّنةً، ولا بَأْسَ بما يَتَّفِقُ من التقديم، والتأخير.
وأنه إذا أَرَادَ الشُّهُودُ إِقَامَةَ الشهادة على شراء دَارٍ قد تَبَدَّلَتْ حُدُودُهَا في يوم الشراء، فَيَشْهَدُونَ: أنه اشترى دَاراً منذ عشر سنوات 642 مثلاً من فُلانٍ، وهو يَمْلِكُهَا، وكان يومئذ ينتهي أحد حُدُودِهَا إلى كذا، والثاني إلى كذا، ثم على المُدَّعِي أن يقيم بَيِّنَةً على كيفية تَبَدُّلِ تلك الحُدُودِ، فيشهد الشهود؛ بأن الدَّارَ التي كانت في يد فلان قد انْتَقَلَتْ إلى فُلاَنٍ، والتي كانت في يَدِ فلان [قد] انْتَقَلَتْ إلى فلان، حتى يُقْضَى له.
وأنه إذا ادَّعَى دَاراً في يَدِ غيره، وأقام بَيِّنَةً على أنها مِلْكُهُ، وقال القاضي: عُرِفَتْ هذه الدَّارُ مِلْكاً لفلان، وقد مات، وانْتَقَلَ إلى [فلانٍ] 643 وارثه فأقيم 644 بينة على تَمَلُّكِهِ [فيه] 645 فله ذلك، وتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ.
وليكن هذا جَوَاباً على أنه يُقْضَى بعلمه.
وأنه لو ادَّعى دَاراً في يد غيره، فقال المُدَّعَى عليه: ليست الدَّارُ في يدي، ولا أَحُولُ بَيْنَكَ وبينها.
فقد أَسْقَطَ الدَّعْوَى عن نفسه، فيذهب المُدَّعِي إلى الدار.
فإن لم يَدْفَعهُ أحد، فذاك، وإن دَفَعَهُ ادعى على الدَّافع، فإن قال المدعي: إنه يَكْذِبُ في قوله:
الجزء: 13 - الصفحة: 288
إن الدَّار ليست في يدي، وإني غير حَائِلٍ، لم يلْتَفَتْ إليه.
وأنه لو بَاعَ دَاراً، ثم قَامَتْ بَيِّنَةُ 646 الحسبة، أن أبا البائع قد وَقَفَهَا، وهو يَمْلِكُهَا على ابنه البَائِع، وبعده على أَوْلاَدِهِ، ثم على المسَاكِين، انْتُزِعَتِ الدار من المشتري 647، وُيرْجَعُ بالثمن على البائع.
والغَلَّةُ الحاصلة في حَيَاةِ البائع تُصْرَفُ إلى البائع إن كَذَّبَ نَفْسَهُ، وصدق الشهود.
وإن أَصَرَّ على الإنكار 648، الوَقْف لم يُصْرَفْ إليه، بل يُوقَفُ، فإذا مات صُرِفَ إلى أَقْرَبِ الناس إلى الوَاقِفِ.
ولو ادعى البَائِعُ: أنه وقف، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ.
والتقييد 649 بالبينة يُشعِرُ بأنه تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وله أن يُحَلِّفَ الخَصْمَ 650. وذكر العراقيون: أنه تُسْمَعُ بَيِّنتُهُ أيضاً، إذا لم يُصَرِّح بأنه ملكه، بل اقْتَصَرَ على البيع.
وفي "التجربة" للروياني: أنه لو بَاعَ شَيْئاً، ثم قال: بعته، وأنا لا أَمْلِكُهُ، ثم ملكته بالإرث 651 من فلان.
فإن قال حين باع: أنه ملكه [أي قال: إنه ملكي] 652 لم تسمع دعواه، ولا بَيِّنَتُهُ.
وإن لم يقل 653 ذلك، بل اقْتَصَرَ على قوله: بِعْتُكَ، سُمِعَتْ دعواه.
وإن لم تكن بَيِّنَتُهُ، حلف المُشْتَرِي: أنه باعه وهو يَمْلِكُهُ، قال: وقد نص -رضي الله عنه- في "الأم"، وغَلَّطَ من قال غيره، وكدا لو ادعى: أن المَبِيعَ وقف عليه.
سُئِلَ القاضي الحسين عن كَيْفِيَّةِ الشهادة على التَّحدِيدِ، فقال بالفَارِسيَّةِ: (نهفته دانم ادرا بكرمارت وقصها ونظارة ويناز أو يرون) 654 إلا عند الحاجة والضَّرُورَةِ.
وفي "فتاويه": أنه لو ادَّعَى عليه عشرة، فقال: لا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ هذا المَالِ اليوم، لا يُجْعَلْ مُقِرّاً به؛ لأن الأَقَارِيرَ لا تَثْبُتُ بالمفهوم.
وإن بَيِّنَتَي المِلْكِ والوَقْفِ تَتَعَارَضَانِ كبينتي الملك.
الجزء: 13 - الصفحة: 289
وأنه إذا ماتت امْرَأَةٌ، وخلفت زَوْجاً [وأخاً] 655، وأختاً، فَادَّعى الزوج: أن التَّرِكَةَ كُلَّهَا له، يُجْعَلُ المَالُ نِصْفَينِ: أحدهما: للزوج بحكم اليد، والثاني: للميتة، إلا أن النِّصْفَ الذي يُجْعَلُ في يد الزَّوجِ، إنما يُجْعَلُ بعد اليمين لاحتمال أنها لو كانت حَيَّةً، لادعت الكُلَّ، وحَلَفَ الزَّوْجُ.
فإن كان الأخ غَائِباً، والأُخْتُ حَاضِرَةٌ، يحلف في حَقِّ الأخت، فهذا رجع الأَخُ، حلف أيضاً، فإن أقَامَتِ الأخت بَيِّنَةً على أن الكُلَّ لها، ولأخيها، سُمِعَتْ بينتها، وثَبَتَ حَقُّ الأخ.
وإن من حبسه القاضي لم يَجُزْ إطْلاقُهُ إلا بِرِضَاءِ خَصْمِهِ، أو ثبوت إِعْدَامِهِ وإذا ثبت، أَطْلَقَهُ وإن لم يَرْضَ الخَصْمُ، وإن أطلقه بِرِضَا الخَصْم، فأراد إقامة البَيِّنَةِ على إِعْدَامِهِ، لم تُسْمَعْ؛ لأنه لا حَبْسَ عليه، والحالة هذه، بخَلاف ما إذا كان الحَبْسُ مستحقاً عليه.
وإن حَقَّ إِجْرَاءٍ المَاءِ في أَرْضِ الغير، أو على سَطْحِهِ، أو طَرْح الثَّلْجِ في ملكه، تَجُوزُ الشهادة عليه، إذا رآه مُدَّة مَدِيدَةً من غير مَانِع 656، ولا يكفي أن يقول الشهود: رَأَيْنَا ذلك سِنِين وإن 657 كان ذلك [مستند شهادتهم] 658.
سُئِل الشيخ أبو إِسُحَاقَ الشّيرازيُّ عن رجلين تَنَازَعَا في حِصَّةٍ، ادعى أحدهما: أنها مِلْكٌ له، وأقام بَيِّنَةً عليه، وادعى الآخر 659 أنها وَقْفٌ [عليه] 660 ولم يقيم [عليه] 661 بينة، فحكم الحاكم لمدعي المِلْكِ، ثم تَنَازَعَ فيها مُدَّعِي المِلْكِ، وآخر يدعي وَقْفَهَا، فأقام مُدَّعِي المِلْكِ البَيَّنَةَ على حُكْمِ الحاكم له [بالملك فيها] 662.
وأقام مُدَّعِي الوَقْفِ البَيِّنَةَ على الوَقْفِيَّةِ، فَرَجَّحَ الحَاكِمُ بَيِّنَةَ المِلْكِ، ذَهَاباً إلى أن المِلْك الذي حكم به، يَتَقَدَّمُ على الوَقْفِ الذي لم يحكم به، ثم تَنَازَعَ مُدَّعي المِلْك فيها مع آخر؛ يدعي وَقْفَهَا، وأقام مُدَّعِي الملك البَيِّنَةَ على حُكْمِ الحاكم له بالمِلْكِ، وتقديم جَانِبِهِ، وأقام الآخَرُ البَيِّنَةَ على أن الوَقْفَ الذي يدَّعِيهِ، قد قُضِيَ بِصحَّتِهِ قَبْلَ الحُكْمِ
الجزء: 13 - الصفحة: 290
بالملْكِ، وترجيحه على الوَقْفِ، هل يرتد حُكمُ الحاكم بذلك؟ فقال: نعم، يُقَدَّمُ الحُكْمُ بالوَقْفِ على الحكم بالمِلْكِ 663، [ويُنْقَضُ الحكم بالوَقْفِ للحكم بالملك] 664.
وسُئِلَ عمن اشْتَرَى ضَيْعَةً، وبَقِيَتْ في يده مُدَّةً، فخرجت الضَّيْعَةُ وَقْفاً، وانْتُزِعَتْ، هل عليه أُجْرَةُ المِثْلِ للمدة التي كانت في يده؟ فقال: نعم.
وسُئِلَ عن رجل وَقَفَ مِلْكاً، وأَقَرَّ أن حاكِماً حكم بِصحَّتِهِ، ولم يُسَمّ الحاكم، ولا عينه، ثم رجع عنه، ورَفَعَ الأَمْرَ إلى حَاكِمٍ يرى جَوَازَ الرُّجُوعِ.
هل له الحكم بِنُفُوذِ الرُّجُوعِ؟ فقال: لا.
وفي فَتَاوَى صاحب الكتاب: أنه إذا ادَّعى دَاراً في يَدِ غَيْرِهِ؛ فقال المدعى عليه: اشْتَرَيْتُهَا من زيد، فَأقَامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً على إِقْرَارِ زيد له بالدار قبل البَيعِ، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً على إقْرَارِ المدعي لزيد بها قبل البَيْعِ، وجُهِلَ التَّارِيخُ قررت الدَّارُ في يد المُدَّعَى عليه.
وأنه إذا خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتحقّاً، فادعى المُشْتَرِي على البَائِع، وقال: سلمته إليه في مجلس العَقْدِ، فأنكر، وأراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ بأنه لم يقبض منه شَيْئاً في مَجْلِسِ العَقْدِ، لم تُسْمَعْ هذه البَيِّنَةُ؛ لأنها على النَّفْي، وإنما تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على النَّفْي في مواضع الحَاجَةِ؛ كالإِعْسَارِ، وقد يقع التَّسْلِيمُ على غَفْلَةٍ منه في لَحْظَةٍ يَسِيرةٍ.
وأنه إذا ادعت المَرْأَةُ أنه نَكَحَهَا، ثم طَلَّقَهَا، وطلبت شَطْرَ الصَّدَاقِ، أو أنها زَوْجَةُ فلان المَيِّتِ [وطلبت المِيرَاثَ] 665 فَمقْصُودُهَا المال؛ فَيَثْبُتُ بشاهد ويمين، وبِشَاهِدٍ وامرأتين.
في فَتَاوَى الشيخ الحُسَيْنِ الفَرَّاءِ: أنه إذا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امرأة، فأقرت 666 بأنها زَوْجَتُهُ منذ سَنَةٍ، ثم جاء آخر، وأقام بَيِّنَةً: أنها زَوْجَتُهُ؛ نَكَحَهَا منذ شهر.
يُحْكَمُ لِلْمُقرِّ له؛ لأنه قد يَثْبُتُ بإقرارها النِّكَاحُ للأول.
فما لم يثبت الطَّلاَقُ لا حُكْمَ للنكاح الثاني، وأنه إذا تَحَاكَمَ رجل وامرأة بِكْرٌ إلى فَقِيهٍ لِيُزَوِّجَهَا منه، وجَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ فيه، فقال المُحَكَّمُ: حكمتني 667 لِأزَوِّجَكَ من هذا؟ فَسَكَتَتْ، كان سُكُوتُهَا إِذْناً.
كما لو اسْتَأْذَنَهَا الوَلِيُّ فَسَكَتَتْ.
الجزء: 13 - الصفحة: 291
وأنه إذا حَضَرَ عند القَاضِي رَجُلٌ وامْرَأَةٌ، واسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا من الرجل، وذكرت: أنها زَوْجَةُ فلان، وطَلَّقَهَا، أو مات عنها، فلا يُزَوِّجُهَا القاضي ما لم تَقُمْ حُجَّةٌ على الطَّلاَقِ، أو الموت؛ لأنها أَقَرَّتْ بالنكاح لفلان.
وعن ابن القَاصِّ: أن من أَنْكَرَ الحَلِفَ بالطَّلقات الثَّلاَث، يحلف أنه ما قَالَ لها: إن دَخَلْتِ الدَّارَ، فأَنْتِ طَالِقٌ ثلاثاً.
ولا هي بَائِنٌ منه بثلاث.
[وعن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه يكفيه الاقْتِصَارُ على أنها لم تَبِنْ بثلاث].
ووجه الأول؛ بأنه قد يَحْلِفُ متأوّلاً على قول حَجَّاحِ بن أَرْطَأَةَ، ومن تَابَعَهُ -رحمهم الله-: أن الطلقات الثلاث لا تَقَعُ مَجْمُوعَةً، أو على قول من يُصَحِّحُ اليَمِينَ الدائرة.
فتسدد عليه ليعرض للحادثة.
ويجوز أن يُقَالَ: يُنْظَرُ إلى جَوَابهِ إذا ادعت الطَّلاَقَ؛ فإن قال: لم تَبِنْ مني، كَفَاهُ اليَمِينُ عليه.
لكان قال: لم أَحْلِفْ بِطَلاَقِهَا، حلف عليه.
حكى القاضي أبو سَعْدٍ عن العبادي: أن من ادّعى عليه وديعة فقال: لا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إليه، لم يكن هذا جَوَاباً؛ لأن المُودِعَ لا يلزمه الدَّفْعُ، وإنما عليه التَّخْلِيَةُ.
والجواب الصَّحِيحُ؛ أن ينكر أَصْلَ الإِيدَاع، أو يقول: هَلَكَتْ في يدي، أو رَدَدْتُهَا.
وهذا يُخَالِفُ ظاهر كَلاَمِ الأئمة -رحمهم الله-؛ أَلاَ تَرَى أنا نقول: فيمن جَحَدَ الوَدِيعَةَ، فقامت بَيِّنَةٌ على الإِيدَاعِ، فادعى تَلَفاً، أو رَدّاً قبل الحجود، يُنْظَرُ؟ إن كانت صِيغَةُ جُحُودِهِ، إِنْكَارَ أَصْلِ الوَدِيعَةِ، فالحكم كذا، وإن كانت صِيغَةُ جُحُودِهِ: لا يلزمني تَسْلِيمُ شَيْءٍ إليك، فالحكم كذا؟
فأما أن يُقَدَّرَ خلاف، أو يؤوَلُ ما أَطْلَقُوهُ 668 وأنه لو أقام بَيِّنَةً أنه أَجيرُ فلان لِحِفْظِ سَفِينَتِهِ هذه بعشرة دَرَاهِمَ، وأقام صاحب السَّفِينَةِ بَيِّنَةً: أنه أَجَّرَهَا إياها 669 بعشرة دَرَاهِمَ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن بَيِّنَةَ الأَجِير أَوْلَى أنه لو 670 شهد شَاهِدَان بأن الكَلْبَ وَلَغَ في هذا الإِنَاءِ، ولم يَلْغُ في هذا [الإناء] 671 وآخران على ضد ذلك، تَتَعَارَضُ البَيِّنَتَانِ، ولو لم يقولوا: لم يَلْغُ في هذا، فالإِنَاءَانِ نَجِسَانِ.
وهذه شَهَادَةٌ على إثبات، ونفي.
ويمكن
الجزء: 13 - الصفحة: 292
أن يُصَوَّرَ التَّعَارُضُ من غير التَّعَارُضِ.
للنفي؛ بأن عَيَّنَا وَقْتاً لا يمكن فيه إلا وُلُوغٌ وَاحِدٌ (1). وإنه لو شهد شَاهِدَانِ بِالقَتْلِ على رَجُلٍ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وآخران بأنه لم يَقْتُلُ في ذلك الوَقْتِ؛ لأنه كان مَعَنَا، ولم يَغِبْ عنا تَتَعَارَضُ البَيِّنَتَّانِ.
وقد سبق من نَظَائِرِ هذا ما يُخَالِفُهُ (2).وإن من أَرَادَ أن يَدَّعِي ويُقِيمَ البَيَّنَةَ من غَيْرِ أن يَعْتَرِفَ للمدعى عليه باليد، فطريقه (3) أن يقول: المَوْضِعُ الفُلاَنِيُّ مِلْكِي، وهذا يَمْنَعُنِي منه تَعَدّياً، فَمُرْهُ يُمَكِّنِّي منه.
بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ وَإلْحَاقِ القَائِفِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَهُ أرْكَانٌ: (الأَوَّلُ: المُسْتَلْحَقُ) وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الحُرِّ وَالعَبْدِ وَالمُعْتَقِ، وَفِي العَبْدِ وَالمُعْتَقِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَثْبِتُ نسَبُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الوَلاَءِ، وَيَصِحُّ اسْتلْحَاقُ المَرْأَةِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَفيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إلاَّ إِذَا كَانَتْ خَلِيَّةً مِنَ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مُعْظَمُ مَقْصُودِ الباب، الكلام في القَائِف، وشرطه.
فأما الاسْتِلْحَاقُ، وما يُعْتَبَرُ فيه في المُسْتَلْحِقِ، [والمُسْتَلْحَقِ] 675 فالقول فيها، قد مَرَّ بَعْضُهُ في كتاب اللَّقِيطِ، وأكثره في باب الإِقْرَارِ بالنَّسَبِ.
وصَدَّرَ الشَّافعي -رضي الله عنه- الكَلاَمَ في القِيَافَةِ بما رُوِيَ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعرف السُّرُورَ في وجْهِهِ.
فقال: "أَلَمْ تَرَيْ [أَنَّ] 676 مُجَزِّزَا المُدْلِجِيَّ نَظَرَ إِلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا وبَدَتْ أقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقدَامَ بعْضُهَا مِنْ بَعْض" 677.672673674
الجزء: 13 - الصفحة: 293
ثم احتج بعض الرواة 678 فقال: لو لم تَكُنِ القِيَافَةُ عِلْماً، لم يكن لها اعْتِبَارٌ، ولا عليها اعْتِمَاد، لمنعه من المُجَازَفَةِ.
وقال له: لا تَقُلْ مِثلَ هذا؛ فإنك إن أَصَبْتَ في شيء، أَخْطَأتَ في غيره، وكان في خِطَابِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ، وَنَفْيُ نَسَبٍ.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُقِرُّ إلا على الحَقِّ، ولا يُسَرُّ إلا بالحَقِّ.
قال الأَئمَّةُ -رحمهم الله-: وسَبَبُ سُرُورِهِ بما قال مجزز؛ أن المشركين كانوا يَطْعَنُونَ في نَسَبِ أُسَامَةَ؛ لأنه كان طَوِيلاً، أَفْتَى الأَنْفِ، أَسْوَدَ، وكان زيد قَصِيراً، أَخْنَسَ الأَنْفِ، بين السَّوَادِ والبياض، وقصد بعض المُنَافِقِينَ بالطَّعْنِ، مغايظة 679 رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهما كانا حِبَّيْهِ.
فلمّا قَالَ المُدْلَجِيَّ ذلك، وهو لا يرَى إلا أَقْدَامَهُمَا، سُرَّ به.
ورُوِيَ أن عمر -رَضِيَ الله عنه- دعا قَائفَاً في رَجُلَيْنِ، ادعيا مَوْلُودًا 680، [وشَكَّ أَنسُ بْنُ مالك -رضي الله عنه-[في ابن له] 681، فدُعِيَ له القَائِفُ 682. وساعدنا مالك، وأحمد -رحمهم الله- فيما رَوَى الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره على اعْتِبَارِ قول القَائِفِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: لا اعْتِبَارَ به، ومما يُتَعَجَّبُ منه في شَأْنِ القِيَافَةِ، ما حكى الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره عن القَفَّالِ عن الشيخ أبي زَيْدٍ عن أبي إِسْحَاقَ قال: كان لي جَارٌ بـ"بغداد"، له مَالٌ ويَسَارٌ، وكان له ابن يَضْرِبُ إلى السَّوَادِ، ولون الرجل لا يُشْبِهُهُ، فكان يُعَرَّضُ بأنه لَيْسَ منه.
قال: فَأَتَاني، وقال: عَزَمْتُ على الحَجِّ، وأكثر قَصْدِي أن أَسْتَصْحِبَ ابني، وأُرِيَهُ [بعض] 683 القَافَةِ، فَنَهَيْتُهُ، وقلت: لَعَلَّ القَائِفَ يقول بَعْضَ مَا تَكْرَهُ، وليس لك ابْنٌ غيره.
فلم يَنْتِهِ، وخرج.
فلما رجع قال لي: اسْتَحْضَرْتُ مدلجياً، وأَمَرْتُ بِعَرْضِهِ عليه في عدة 684 رجال، كان فيهم الذي يُرمى 685 بأنه منه، وكان معنا في الرُّفْقَةِ، وغِبْتُ عن المَجْلِسِ، فنظر القَائِفُ فيهم، فلم يُلْحِقْهُ بأحدهم، فَأُخْبِرْتُ بذلك، = أبيض، وكان أسامة أسود، ونقل عبد الحق عن أبي داود أنه قال: كان زيد شديد البياض، وقال إبراهيم بن سعد كان زيد أشقر، وكان أسامة أسود كالليل، وأما كونهما كانا حبه، ففي صحيح مسلم [2426] من حديث ابن عمر في بعث أسامة وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته: وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي، وان هذا لمن أحب الناس الي بعده، ونقل عياض: أن زيداً كان أزهر اللون، وكان ابنه أسامة أسود.
قاله الحافظ في التلخيص.
الجزء: 13 - الصفحة: 294
وقيل لي: احْضِرْ، فلعله يُلْحِقُهُ بك، فأقبلت على نَاقَةٍ يَقُودُهَا عَبْدٌ لنا أَسْوَدُ كبير، فلما وقع بَصَرُهُ علينا قال: اللهُ أكبر، ذاك الرَّاكبُ، أبو الغُلاَم.
والقائد الأَسْوَدُ أبو الرَّاكِبِ، فَغُشِيَ عَلَيَّ من صُعُوبَةِ ما سَمِعتُ، ولما رجعت، ألْحَحَتُ على والدتي لِتُخْبِرَنِي، فأخبرتني: أن أبي طَلَّقَها ثلاثاً، ثم نَدِمَ.
فأمر هذا العَبْدَ بنكاحها؛ للتحليل، ففعل، فَعَلِقْتُ منه، وكان ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، قد بلغ الكبر 686، وليس له وَلَدٌ فاستلحقك، ونكحني ثانية.
وقوله في الكتاب: "وله ثلاثة أركان"؛ أي الباب بترجمته، ولا يحسن رَدُّ الكتابة إلى إِلْحَاقِ القَائِفِ؛ لأنه جعل أَحَدَ الأركان المستلحق، والاسْتِلْحَاق.
ولا يُشْتَرَطُ في إِلْحَاقِ القَائِفِ، بل الولد قد يُعْرَضُ على القَائِفِ، ويلحقه القَائِفُ من غير اسْتِلْحَاقٍ، على ما سَيَأْتي.
والاسْتِلْحَاقُ لا يحوج إلى إِلْحَاقِ القَائِفِ في الأَغْلَبِ.
وهل يُعْتَبَرُ في المستلحق الحرية؟ فيه خلاف قد ذكرناه في باب اللَّقِيطِ.
والأصح، أنه لا يُعْتَبَرُ، بل يَصِحُّ اسْتِلْحَاقِ العَبْدِ كاسْتِلْحَاقِ الحُرِّ.
ويجري الخِلاَفُ في المعتق 687 بالترتيب.
وكيف الترتيب؟ ذكرنا في [باب] 688 اللَّقِيطِ أن المُعْتَقَ أَوْلَى.
بأن يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ؛ لأنه قَادِرٌ على النكاح والتَّسَرِّي اسْتِقْلالاً.
ومنهم من عَكَسَ، وقال: اسْتِلْحَاقُهُ أَوْلَى بالمنع؛ لأن الوَلاَءَ حَاصِلٌ عليه في الحال، وهو بالاسْتِلْحَاقِ يقطعه، والعَبْدُ لاَ وَلاَءَ عليه في الحال.
وقوله: "وفي العَبْدِ والمُعْتَقِ وجه".
المشهور في المَسْأَلَةِ اختلاف القول، لا اخْتِلاَفُ الوجه.
ويمكن أن يُعْلَمَ بالواو؛ لطريقتين ذكرناهما في باب اللَّقِيطِ.
وقوله: "لا يثبت نسبه بِمُجَرَّدِ الدعوى"، يعني أنه لا يَكْفِي لِلإِسْتِلْحَاقِ وحده، بل لا بد من ظُهُورِ نِكَاحِ أو وَطْءِ شُبْهَةٍ؛ ليثبت النَّسَبُ.
وهل يُشْتَرَطُ الذكورة في المستلحق أم يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ المَرْأَةِ؟ فيه ثلاثة أوجه قد ذكرها، وذكرناها في اللَّقِيطِ، وهي مُكَرَّرَةٌ هاهنا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: المُلْحِقُ:) وَهُوَ كُلُّ مُدْلِجيَّ مُجَرِّبٍ أَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ، وَفِي غَيْرِ المُدلِجِيِّ إِذَا تَعَلَّمَ القِيَافَةَ وَجْهَانِ، وَتَجْرِبَتُهُ بِأَنْ يُعْرَضَ وَلَدٌ بَيْنَ ثَلاثةِ أَصْنَافٍ مِنَ النِّسْوَةِ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ فِي صِنْفٍ رَابعٍ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الكُلِّ قُبِلَ قَوْلهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُشْتَرَط فِي القَائِفِ الذُّكورَةُ وَالحُرِّيَّةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ العَدَدُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 295
قَالَ الرَّافِعِيُّ: [المُلْحِقُ: هو القَائِفُ،] 689 وليكن فيه صِفَاتٌ؛ منها ما اتَّفَقُوا على اعْتِبَارِهَا، ومنها ما اخْتَلَفُوا فيه، فمنها كونه مُدْلجيّاً؛ وفيه وجهان: أحدهما: أنه شَرْطٌ؛ لأن الصَّحَابةَ -رضي الله عنهم- رَجَعُوا إلى بني مُدْلج دون سَائِرِ الناس 690. وقد يَخُصُّ الله -تعالى جَدَّه- جَمَاعَةً بنوع من المَنَاصِبِ، والفَضَائل، كما خَصَّ قُرَيْشاً بالإمامة.
والثاني: أنه ليس بشَرْطٍ، وسَائِرُ الناس من العَرَبِ، والعَجَمِ، يشاركونهم فيه، لأن القِيَافَةَ نَوْعٌ من العِلْمِ، فمن تَعَلَّمَهُ، عَمِلَ بِعِلْمِهِ.
والأول، أصحُّ عند الإِمام، وصاحِبِ الكتاب.
والثاني أَصح، عند العراقيين، وأكثر الأصْحَابِ -رحمهم الله-.
إن بني 691 مدلج على ما ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ بَطْنٌ من خُزَاعَةَ، ويُقَالُ: من أَسدٍ.
ومنها كونه مُجَرِّباً، فمن لم يُعْرَفْ علمه في هذا النوع، لا يُعْتَمَدُ قوله، كما أن من لم يُعرَفْ عِلْمُهُ بالأحكام، لا يُجْعَلُ قَاضِياً.
وكيفية تجربته 692؛ التي أَوْرَدَهَا في الكتاب: أن يُعْرَضَ عليه وَلَدٌ في نِسْوَةٍ، ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في نِسْوَةٍ ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في نسوة ليست فيهن أُمُّهُ، ثم في صِنْفٍ رابع فيهن أُمُّهُ، فإذا أصاب في الكل، قُبِلَ قوله بعد ذلك.
وفي هذه الكيفية شَيْئَانِ:
أحدهما: عَرْضُ الأَمْرِ، هل يَخْتَصُّ التجربة؟ أم يجوز أن يُعْرَضَ عليه المَوْلُودُ مع أبيه؟ فيه وجهان:
الذي ذكره القَفَّالُ، وأَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب"؛ الاختصاص، وامْتِنَاعُ التجربة بالأب؛ لأن لُحُوقَ الوَلَدِ بالأب، لا يُعْلَمُ يَقِيناً.
وهذا يوافق سِيَاقَ الكتاب.
وأشبههما: وبه أجاب العِرَاقيُّونَ، وغيرهم: أنه يجوز التَّجْرِبَةُ، بعرض الوَلَدِ عليه مع أبيه، إلا أن العَرْضَ مع الأُمِّ أَوْلَى.
وحكوا هذا عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
والثاني: تَكْرِيرُ العَرْضِ ثلاثاً.
واختلف النَّاقِلُونَ فيه؛ فمنهم من قال: يُعْرَضُ عليه مَوْلُودٌ مع أبيه في رجال، أو مع أُمِّهِ في نِسْوَةٍ؛ فيقال: ألحقه بأمه.
أو يُعْرَضُ عليه أولاد 693 نسوة وامرأة منهن؛ فيقال: ألْحِقْ ولدها به ولم يَشْتَرِطُوا
الجزء: 13 - الصفحة: 296
التكرير.
ومنهم من قال: لا يكفي العَرْضُ مَرَّةً واحدة؛ فإنه قد يُصِيبُ فيها اتِّفَاقاً؛ ولكن يُعْرَضُ عليه ثَلاَثَ مرات.
وإليه ذَهَبَ الشيخ أبو حَامِدٍ وأصحابه.
وذكر الإمَامُ: أنه لا مَعْنَى لاعتبار التَّكْرَارِ ثَلاَثاً؛ بل المُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، بأن ما يقوله، [يقوله] 694 عن خِبْرَةٍ، وبَصِيرَةٍ، لا عن وِفَاقٍ، والظَّنُّ قد يَحْصُلُ بما دون الثلاث.
وهذا كالتَّوَسُّطِ بين الوَجْهَيْنِ الأولين.
وإذا حصلت التَّجْرِبَةُ اعْتُمِدَ على إِلْحَاقَاتِهِ، ولا تُجدَّدِ التجربة لكل إِلْحَاقٍ.
ومنها أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، فيجب أن يكون القَائِفُ مُسْلِماً، عَاقِلاً، بَالِغاً، عَدْلاً.
وفي اشتراط الحُرِّيَّةِ والذُّكُورَةِ وجهان:
أصحهما: الاشْتِرَاطُ كما في القاضي.
والثاني: يجوز الرُّجُوع إلى العَبْدِ والمرأة، كما في الفَتْوَى، وبناهما 695 في "الإبانة"، على أن القِيَافَةَ كالحُكْم، أو كالقِسْمَة.
ووجه مشابهتها القِسْمَةَ، اشْتِمَالُهَا على التمييز بالنَّفْي، والإِثْبَاتِ.
وإنما يُتَصَوَّرُ فرْضُ الرِّقِّ في القَائِفِ على تَقْدِيرِ اخْتِصَاصِ القِيَافَةِ ببني مدلج، إذاً لجوزنا 696 اسْتِرْقَاقَ العرب، وإلا فالمُدْلِجيُّ لا يكون إلا حُرّاً.
وذكر القاضي ابْنُ كجٍّ بِنَاءً على اعتبار أَهْلِيَّةِ الشهادة؛ أن قِيَافَةَ الأَعْمَى، والأَخْرَسِ، لا تجوز، وأنه إذا كان القَائفُ من أَحَدِ المتداعيين:
فإن أُلْحِقَ الولد بغير أبيه، قُبِلَ، وإن ألحقه 697 بأبيه لم يُقْبَلْ.
وإذا كان بين القَائِفِ وأحدهما عَدَاوَةٌ، فإن أَلْحقَهُ بالعَدُوِّ، قُبِلَ.
وإن ألحقه بغير العَدُوِّ لم تقبل؛ لأنها كالشَّهَادَةِ على العدُوِّ.
وفي اشتراط العَدَو وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لاَ بُدَّ من قَائِفَيْنِ، كما في التَّزْكِيَةِ والتقويم.
وأصحهما: الاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ الوَاحِدِ، كما في القَضَاءِ، والفَتْوَى.
ويُحْكَى هذا عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
وربما احْتُجَّ له بحديث المدلجي.
ولو كان القاضي قَائِفاً، فهل يَقْضِي بِعلْمِهِ؟ فيه الخِلاَفُ في القضاء بالعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: مَحَلُّ العَرْضِ عَلَى القَائِفِ) فَالمَوْلُودُ إِذَا تَدَاعَاهُ اثْنَانِ لَمْ يَلْحَقْهُمَا بَلْ يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ إِذَا كَانَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا مُمْكِناً شَرْعاً، وَذَلِكَ بِأنْ يطَأَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ وَطِئَ الثَّانِي بَعْدَ تَخَلُّلِ حَيْضَةٍ انْقَطَعَ الإمْكَانُ عَنِ الأَوَّلِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ
الجزء: 13 - الصفحة: 297
الأوَّلُ زَوْجاً فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدِ فَفِي انْقِطَاعِ إِمْكَانِهِ قَوْلاَنِ، وَمَنِ انْفَرَدَ بِدَعْوَةِ مَوْلُودٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ لَحِقَهُ، فَإِنْ بَلَغَ فَانْتَفَى عَنْهُ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المَقْصُودُ الآن بَيَانُ أن الوَلَدَ متى يُعْرَضُ على القائف؟ وله موضعان:
أحدهما: أن يَتَدَاعَى اثنان مَوْلُوداً مَجْهُولاً من لَقِيطٍ وغيره، فيُعرَض على القَائِفِ [على ما سبق شرحه في اللَّقِيطِ.
والثاني: أن يَشْتَرِكَ اثنان، فَصَاعداً في وطءِ امْرَأَةٍ، فَأتَتْ بولد، لَزِمَ أن يُمْكِنَ أن يكون منهما، وادَّعَاهُ كل واحد منهما، فَيُعْرَضُ على القَائِفِ] 698. وعند أبي حَنِيْفَةَ في أحد المَوْضِعَيْنِ يُلْحَقُ الوَلَدُ بهما، أو بهم.
ولا اعْتِبَارَ بقول القَائِفِ.
[واحتج الأَصْحَابُ -رحمهم الله- لاعتبار قول القَائِف] 699 بما سَبَقَ، ولامْتِنَاع الإلْحَاقِ باثنين فَصَاعِداً، بأن الولد لا يَنْعَقِدُ من [مَاءِ] 700 شَخْصَيْنِ؛ لأن الوَطْءَ لا بد وأن يَكُونَ على التَّعَاقُب، وإذا اجتمع مَاءُ الأول، مع مَاءِ المَرْأَةِ، وانْعَقَدَ الوَلَدُ منه، حَصَلَتْ عليه غِشَاوَةٌ تمنع من اخْتِلاَطِ مَاءِ الثاني بِمَاءِ الأول وَمَائِهَا.
وأيضاً فإنه لو تداعى الوَلَدَ، مُسْلِمٌ، وكافر، لا يُلْحَقُ بهما بالاتِّفَاقِ.
فكذلك إذا تَدَاعَاهُ مسلمان، ثم الاشْتِرَاكُ في الوطء على الوجه المذكور يُفْرَضُ من وجوه:
منها أن يَطَأَ كل واحد منهما بالشُّبْهَةِ؛ بأن يَجِدَهَا على فِرَاشِهِ فَيَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، أو أَمَتَهُ.
ولو كانت في نِكَاحٍ صحيح، فَوُطِئَتْ بالشُّبْهَةِ؛ فعن القاضي أبي الطَّيِّب -وهو الذي أَوْرَدَهُ [صاحب] 701 "الشامل": أن الولد يُلْحَقُ بالزوج؛ لأنها فِرَاشُهُ، وَالفِرَاشُ أقوى من الشُّبْهَةِ، كما إنه إذا طلقها زَوْجُهَا، وانقضت عِدَّتُهَا، ونَكَحَهَا زوج آخر، فأتت بِوَلَدٍ، يُلْحَقُ بالثاني.
وإن أَمْكَنَ أن يكون من الأَوَّلِ؛ لأنها فِرَاشُ الثاني.
والأظهر، على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره، وهو الذي أَوْرَدَهُ الإِمام: أنه لا يَتَعَيَّنُ الزَّوْجُ لِلإِلْحَاقِ، بل الموضع مَوْضِعُ الاشْتِبَاهِ، والعَرْضُ على القَائِفِ.
وليس كالصورة المُسْتَشْهَدِ بها؛ لأن العِدَّةَ أمَارَةٌ ظاهرة في حُصُولِ البَرَاءَةِ عن الأول، وهاهنا بخلافه.
ومنها أن يَطَأَ الرجل زَوْجَتَهُ في النكاح [الصحيح، ثم يُطَلِّقُهَا فَيَطَؤُهَا غيره بالشُّبْهَةِ، أو في النكاح 702 الفَاسِدِ] بأن ينكحها في العِدَّةِ، وهو جاهل بكونها في
الجزء: 13 - الصفحة: 298
العِدَّةِ.
وعن مالك: أن الوَلَدَ يُلْحَقُ بالزوج؛ لأنه وَطِئَ في نكاح صَحِيحٍ، فهو أَقْوَى جانباً.
حكاه ابن الصَّبَّاغِ عنه.
ومن قال بهذا، وقد طَلَّقَهَا الزَّوْجُ، فَأوْلَى أن يقول به، والنِّكَاحُ مُسْتَمِرٌّ بينهما.
ومنها: أن يَطَأَ كل واحد منهما في نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
ومنها: أن يَطَأَ الشريكان الجَارِيَةَ المُشْتَركَةَ بينهما.
ومنها: أن يَطَأَ أَمَتَهُ، ويَبِيعَهَا فَيَطَؤُهَا المشتري.
ولم يَسْتَبْرِء واحد منهما.
فإذا وَطئ اثنان على بَعْض هذه التصويرات في طُهْرٍ واحد، وأتت المرأة بِوَلَدٍ لأقل من أربع سنين، و [أكثر من] 703 سِتَّةِ أشهر من الوطئين، وَادَّعَيَاهُ جميعاً، رُوجِعَ القَائِفُ.
وإن تَخَلَّلَ بين الوَطْئَيْنِ حَيْضَةٌ، فهي أَمَارَةٌ ظاهرة في حُصُولِ البَرَاءَةِ عن الأول.
فَيُقْطَعُ تَعَلُّقُهُ، إلا أن يكون الأَوَّلُ زَوْجاً في نِكَاحٍ صحيح، والثاني وَاطِئاً بالشُّبْهَةِ، أو في نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ فلا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الأول؛ لأن إِمْكَان الوطء مع فراش النكاح قائم مَقَامَ نفس الوطء، والإمْكَانُ حَاصِلٌ بعد الحَيْضَةِ.
وإن كان الأول زَوْجاً في نكاح [فاسد] 704، ففي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ بِتَخلُّلِ الحَيْضَةِ قولان:
أحدهما: أنه كالنِّكَاحِ الصحيح.
وأظهرهما: خلافه؛ لأن المَرْأَةَ في النِّكَاحِ الفاسد لا تَصِيرُ فِرَاشاً، ما لم توجد حَقِيقَةُ الوطء.
هكذا نقل الصُّورَتَيْنِ الإِمام وصاحب الكتاب.
ولا فَرْقَ بين أن يكون المُتَدَاعِيَانِ مُسْلِمَيْنِ، أو أحدهما مسلماً والآخر ذِمِّيّاً.
ولا بين أن يكونا حُرَّيْنِ، أو أحدهما حُرّاً، والآخر عَبْداً.
على ما سبق في اللَّقِيطِ.
وكذلك لا فَرْقَ بين أن يكون الوَاطِئَانِ مُسْلِمَيْنِ، وحُرَّيْنِ، أو مختلفي الحال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ بَالِغٍ فَأَنْكَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ وَإِنْ أَلْحَقَهُ القَائِفُ، وَإِنْ سَكَتَ أَلْحَقَهُ القَائِفُ، وَإِنْ أَقَرَّ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى القَائِفِ، وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ مَوْلُودٍ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِأَنِ ادَّعَى وَطْئاً بِالشُّبْهَةِ لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ وَافَقَهُ الزَّوْجَانِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى الوَطْءِ لحَقِّ المَوْلُودِ، وَإِنْ تَدَاعيَا صَبِيّاً وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدُهُمَا لَحِقَ بِصَاحِبِ اليَدِ خَاصَّةً، وَمَنِ اسْتَلْحَقَ وَأَنْكَرَتْ زَوجَتُهُ وِلاَدَتَهُ فَهَلْ يَلْحَقُهَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الأَبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ صُوَرٌ مُكَرَّرَةٌ، وغير مكررة.
فمن المكررة: اسْتَلْحَقَ صَبِيّاً مَجْهُولاً في يَدِهِ، أو لا في يَده، وأَلْحَقْنَاهُ به ثم بلغ
الجزء: 13 - الصفحة: 299
وانْتَفَى عنه، هل يَنْدَفِعُ نَسَبُهُ؟.
قال: فيه قولان: والمسألة مشهورة بالوَجْهَيْنِ.
وقد ذكرها مَرَّةً في الإِقْرَارِ، وأخرى في اللَّقِيطِ.
ومنها: اسْتَلْحَقَ بَالِغاً، فَأْنْكَرَ، لا يلحقه.
وقد أَوْرَدَهَا في البابين المذكورين أيضاً.
وإلْحَاقُ القَائِفِ والحالة هذه، ليس بحُجَّةٍ عليه، وإن سَكَتَ البَالِغُ، فقد ذكر صاحب الكِتَابِ: أنه يُلْحِقُهُ القَائِفُ.
وهذا لمَ أَجِدهُ لغيره: وليس هناك إلا وَاحِدٌ يدعيه.
نعم، لو ادعاه اثنان في مَوَاضِعِ الاشْتِبَاهِ، وهو سَاكِتٌ، يُعْرَضُ على القَائِفِ.
وكذلك ذكره في "الوسيط".
قال: فإن وافق أحدهما، لَحِقَهُ، ولم يُقْبَلْ قَوْلُ القَائِفِ؛ على خلافه.
ومنها: لو تَدَاعَى اثنان صَبيّاً مَجْهُولاً، فقد أُطْلِقَ هاهنا؛ أنه يُلْحَقُ بصاحب اليد.
كذلك نَقَلَهُ القاضي الروياني عن القَفَّالِ، والأَشْبَهُ بالمذهب، تفصيل ذكره في اللَّقِيطِ؛ وهو أنه إن كان يده عن الْتِقَاطٍ، لم يُؤَثِّرْ، وإن لم يكن عن الْتِقَاطٍ، فَيُقَدَّمُ صَاحِبُ اليد، إن تقدم اسْتِلْحَاقُهُ على اسْتِلْحَاقِ الآخر، وإلا فوجهان.
وأما غير المُكَرَّرِ فصورتان:
إحداهما: إذا ادَّعَى نَسَبَ مَوْلُودٍ على فِرَاشِ غيره بسبب وطء شُبْهَةٍ اتفق، فإن قلنا: إن وَطْءَ الشُّبْهَةِ، إذا كانت المَرْأَةُ فِرَاشاً للزَّوْج، لا أَثَرَ له، والولد يُلْحَقُ بالزَّوْج، فلا اعْتِبَارَ بقوله.
وإن جعلناه مُؤَثِّرَاً، فلا يكفي اتِّفَاقُ الزوجين عليه، بل لاَ بُدَّ من البَيِّنَةِ على الوطء؛ لأن لِلْمَوْلُودِ حَقّاً في النَّسَبِ واتفاقهما ليس بِحُجَّةٍ عليه.
فإذا قامت البَيِّنَةُ، عُرِضَ على القَائِفِ.
فإن كان المُدّعي نَسَبُهُ بَالِغَاً، واعْتُرِفَ بِجَرَيَانِ وطء الشبهة، وجب أن يكفي.
الثانية: إذا استلحق مَجْهُولاً، وله زوْجَةٌ، فأنكرت وِلاَدَتُهُ، فهل يلحقها باسْتِلْحَاقِهِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن وَلَدَهُ منها ظاهراً.
وأصحهما: المنع؛ لِجَوَازِ أنه من وطء الشبهة 705، أو زوجة أخرى.
وهما كوجهين ذَكَرْنَاهُمَا في اللَّقِيطِ، في أَنَّ المَرْأَةَ إذا اسْتُلْحِقَتْ، وقبلنا 706 استلحاقها، هل يلْحَقُ الوَلَدُ زوجها؟ ولو استلحق مَجْهُولاً، وله زَوْجَةٌ، فأنكرت وِلاَدَتَهُ، واستلحقته امرأة لها زَوْجٌ، فَأَنْكَرَهُ، حكى في "الوسيط": فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أُمَّهُ التي استلحقها دون المنكرة، وربما اتَّفَقَ بينها وبين صاحب اليد وطء شُبْهَةٍ.
والثاني: أن أُمَّهُ زَوْجَةُ صاحب اليَدِ، فإنها فِرَاشُ زَوْجِهَا.
الجزء: 13 - الصفحة: 300
والثالث: يُعْرَضُ على القَائِفِ، فأيتهما ألحقه [بها] 707، فهي أُمُّهُ.
ولو كانت الصورة بِحَالِهَا، وأقام كُلُّ واحد البَيِّنَةَ.
فعن ابْنِ سُرَيْجٍ أربعة أوجه:
أحدها: أن بَيِّنَةَ الداخل أَوْلَى؛ لأنا لو أَلْحَقْنَاهُ بالمرأة، لالْتَحَقَ بالزَّوْجِ مع إِنْكَارِهِ، فيصير الرَّجُلُ تَبَعأ لِلْمَرْأَةِ.
ثم إذا لحقه، لحق امْرَأَتَهُ.
والثاني: بَيِّنَةُ المرأة أَوْلَى؛ لأن وِلاَدَتَهَا مَحْسُوسَةٌ، ثم لا يلزم من أن يلحقها أن يَلْحَقَ زَوْجَهَا.
والثالث: أنهما يَتَعَارَضَانِ.
والرابع: أنه يُعْرَضُ على القَائِفِ، فإن لحق الوَلَدُ بالرجل، لَحِقَ، ولحق زوجته.
وإن أَلْحَقَهُ بالمرأة، لَحِقَهَا دون زَوْجِهَا.
حكى الأَوْجُهَ هكذا، القاضي الروياني عن رواية الصيدلاني.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا لَمْ يَجِدْ قَائِفَاً أَوْ تَحَيَّر، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبيُّ حَبَسْنَاهُ حَتَّى يَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدهِمَا، وَيَكُونَ اخْتِيَارَهُ كَإِلْحَاقِ القَائِفِ حَتَّى لاَ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ كَمَا لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُ القَائِفِ، وَلاَ يُلْتَفَت إِلَى انْتِسَابِ الصَّغِيرِ المُمَيِّزِ، وَإِنْ وَطِئَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَحَبَلَتْ لَكِن ادَّعَى أَحَدُهُمَا الوَلَدَ، وَسَكَتَ الآخَرُ، فَفِي قَوْلٍ يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ، وَفِي قَوْلٍ: يَخْتَصُّ بِالمُدَّعِي، وَنَفَقَةُ الوَلَدِ قَبْلَ إلْحَاقِ القَائِفِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعُ مَنْ قَطَعَ القَائِفُ نَسَبَهُ، وَإِنْ مَاتَ الوَلَدُ عُرِضَ عَلَى القَائِفِ قَبْلَ أن يَتَغَيَّرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البَقِيَّةِ مَسَائِلُ:
احداها: إذا لم [يجدِ] 708 قائِفاً، أو تَحَيَّرَ ولم يَجِدْ جَوَاباً، أَوْ ألحق الوَلَدُ بهما، أو نَفَاهُ عنهما، وَقَفْنَا إلى أن يَبْلُغَ، فإذا بلغ، أَمَرْنَاهُ بالانْتِسَاب إلى أحدهما بحسب المَيْلِ الذي يَجِدُهُ، فإن امْتَنَعَ، حُبِسَ لِيخَتْارَ، وإذا اختار، كان اخْتِيَارُهُ كإلحاق القَائِفِ.
وإن قال: لا أَجِدُ مَيْلاً إلى أحدهما، بَقِيَ الأَمْرُ مَوْقُوفاً، ولا عِبْرَةَ بإخباره قبل البُلُوغِ.
وإن كان مُمَيِّزاً، وفيه وجه؛ أنه يُخَيَّرُ إذا صار مُمَيِّزاً، كما يُخَيَّرُ بين الأبوبن في الحَضَانَةِ.
وكل هذا مذكور بالشرح في اللقيط.
وعن أحمد: أنه إذا ألحقه 709 القَائِفُ بهما جَمِيعاً، أُلْحِقَ بهما.
الثانية: إذا أَلْحَقَهُ القَائِفُ بأحدهما، ثم رجع، وأَلْحَقَهُ بالآخر، لم يُقْبَلْ على ما مَرَّ في اللَّقِيطِ.
وكذا لو أَلحَقَهُ قَائِفٌ بِأَحَدِهِمَا، فجاء بِقَائِفٍ آخر، فألحقه به؛ لأن الاجْتِهَادَ
الجزء: 13 - الصفحة: 301
لا يُنْقَضُ بالاجتِهَادِ.
وهذا هو المَشْهُورُ في الصورتين.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه إذا ألْحَقَهُ قَائِفٌ بهذا، وقَائِفٌ بهذا، تَعَارَضَا، وصار كأن لا قَائِفَ.
وأنه إن رَجَعَ القَائِفُ بعد تَنْفِيذِ الحكم بقوله، لم يُلْتَفَتْ إلى رُجُوعِهِ.
وإن رجع قبل أن يُنَفِّذَ الحاكِمُ الحُكْمَ، قيل: رُجُوعُهُ كرجوع الشُّهُودِ، لكن لا يُقْبَلُ قوله في حَقِّ الآخر؛ لسقوط الثِّقَةِ بقوله، ومعرفته.
وإذا أَلْحَقَهُ القَائِفُ بهما؛ فعن القَفَّالِ، وغيره: أنه يُسْتَدَلُّ بذلك على أنه لا يَعْرِفُ الصّنْعَةَ، فلا يُعْتَدُّ بقوله من بَعْدُ, إلا أن يَمْضِيَ زَمَانٌ، يمكن العِلْمُ فيه، فَيُمْتَحَنُ حينئذ، ثم يُعْتَمَدُ.
وكذا لو كانا توأمين، فالحق القائِفُ [أحدهما] 710 بأحدهما، والآخَرَ بالآخر فهو كما لو ألحق الواحد بهما فإذا انْتَسَبَ المَوْلُودُ إلى أحدهما، يَثْبُتُ نَسَبُهُ منه، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عنه.
وإن انْتَسَبَ إليهما، لغى، وأُمِرَ بالانْتِسَابِ إلى أحدهما.
ولو اختلف التوأمان في الانْتِسَاب، لم يُعْتَبَرْ قولهما، فإن رجع أحَدُهُمَا إلى قول الآخر، قُبِلَ.
الثالثة: إذا وَطِئَا في طُهْرٍ واحد، وأَتَتْ بولد، يمكن [أن يكون] 711 منهما.
كما سبق تَصْوِيرُهُ، فادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا، وسَكَتَ عنه الآخَرُ، أو أنكره، فقولان:
أحدهما: أنه يَخْتَصُّ بالمدعى كما لو كان في يد اثنين ادَّعَاهُ أحدهما دون الآخر، يُجْعَلُ له.
وأظهرهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه يُعْرَضُ على القَائِفِ؛ أن الوَلَدَ صَاحِبُ حَقٍّ في النَّسَبِ، فلا يَسْقُطُ حَقُّهُ بالإِنْكَارِ، وترك الدعوى.
وإن أَنْكَرَاهُ معاً، يُعْرَضُ على القَائِفِ، ولا يُعَطَّلُ نَسَبُهُ 712.
الرابعة: نَفَقَةُ الوَلَدِ إلى أن يُعْرَضَ على القَائِفِ، وفي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ إلى الانْتِسَاب عليهما، فإذا الْتَحَقَ بأحدهما، رَجَعَ الآخَرُ عليه بما أَنْفَقَ.
وهل تجب النَّفَقَةُ في حَالِ الاجْتِنَانِ؟ بُنِيَ ذلك على أن الحَمْلَ؛ هل يُعْلَمُ إن قلنا: نعم فنعم، وإلا فلا إن أوجبناها فكان أحد المدعيين زَوْجاً قدْ طَلَّقَهَا، والآخر وَاطِئاً بالشُّبْهَةِ؟
فإن قلنا: إن النَّفَقةَ للحامل 713، فهي على المُطَلِّقِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 302
وإن قلنا: للحمل، أُخِذَا بها إلى أن يَظْهَرَ الأَمْرُ.
وإن أوصى للطفل في وقت التوقف، فليقبلا الوَصِيَّةَ جميعاً.
الخامسة: إذا مات المَوْلُودُ قبل العَرْضِ على القَائِفِ، فإن تَغَيَّرَ، فقد تَعَذَّرَ العَرْضُ.
وإن لم يَتَغَيَّرُ، فَيُنْظَرُ، إن دُفِنَ، لم يُنْبشْ، وإن لم يُدْفَنْ، فوجهان:
أظهرهما: ويُحْكَى عن أبي إِسحَاقَ: أنه يُعْرَضُ؛ لأن الشبه لا يَبْطُلُ بِالمَوْتِ.
والثاني: المنع؛ لأن القَائِفَ قد يَبْنِي على الحَرَكَةِ، والكلام.
وما يبطل بالموت.
وإذا مَاتَ أحد المتداعيين، عُرِضَ أبوه، أو أخوه، أو عمه مع المولود؛ قاله في "التهذيب" (1).
فروع
:
في الرُّعَاةِ مَنْ يَلْتَقِطُ السَّخَالَ في ظُلْمَةِ الليل، ويُلْقِيهَا في وِعَاءٍ معه، فإذا أَصْبَحَ، أَلْقَى كل سَخْلَةٍ بين يدي أُمِّهَا.
ولا يُخْطِئُ؛ لمعرفته بها وبأمها.
فعن الإصْطَخْرِيِّ: أنه يُعْمَلُ بقول مِثْلِ هذا الرَّاعِي، إذا تَنَازَعَ اثنان في سَخْلَةٍ، والظاهر خِلاَفهُ.
وإنما عُمِلَ بقول القَائِفِ، لِشَرَفِ الآدَمِيِّ كيلا يَضِيعَ نَسَبُهُ.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ الدَّيْنَوَرِيُّ عن تخريج أبي الحَسَيْنِ وجهين في أن القِيَافَةَ أَوْلَى بالرِّعَايَةِ بعد بُلُوغ المَوْلُودِ؛ أو الانْتِسَابِ.
وادعى أن الظَّاهِرَ [الثاني، وأنه لا رُجُوعَ إلى القَائِفِ بعد بُلُوغِ المولود، والظاهر] 715 خَلاَفهُ، على ما سَبَقَ في اللَّقِيطِ.
وأنه لو أَلْحَقَ المَوْلُودَ قَائِفٌ بأحد المتداعيين بالأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ، وآخر بالثاني بالأَشْبَاهِ الخَفِيَّةِ؛ كالخلق وتَشَاكُلِ الأَعْضَاءِ، فأيهما أَوْلَى؟
فيه وجهان: أظهرهما: الثاني؛ لأن فيهما زِيَادَةَ حَذَقٍ وبَصِيرَةٍ.
وإذا تَدَاعَاهُ مسلم، وذِمِّيٌّ، وأقام أحدهما بَيِّنَةً، تَبِعَهُ نَسَباً ودِيناً.
وإن ألحقه القَائِفُ بالذِّمِّيِّ، تَبِعَهُ نَسَباً، لا دِيناً.
ولا تُجْعَلُ حَضَانَتُهُ للذِّمِّيِّ.
وإذا تَدَاعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ، وألحقه القَائِفُ بالعبد، يثبت النَّسَبُ، وكان حُرّاً؛ لاحْتِمَالِ أنه وُلدَ من حُرَّةٍ.
هذا تَمَامُ الكَلاَمِ في هذه الأَبْوَابِ.714
الجزء: 13 - الصفحة: 303