كِتَابُ الشَّهَادَاتِ،
وَفِيهِ أَبْوَابٌ سِتَّةٌ
البَابُ الأَوَّلُ فِيمَا يُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ التَّكلِيفُ وَالْحُرِّيِّةُ وَالإِسْلاَمُ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ أَصْلاً، وَلاَ عَلَى كَافِرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَعَرُّضُ الكتابِ والسنَّة للشهادَةِ 1 وأحْكَامِه مستفيضٌ واضحٌ؛ كقوله
الجزء: 13 - الصفحة: 3
تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة:283] وقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] وكما رُوِيَ أنه -صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم- سُئِلَ عَنِ الشَّهادة، فقَالَ لِلسَّائِلِ: تَرَى الشَّمْسَ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ فَدَعْ" 2 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: أَكْرِمُوا الشُّهُودَ 3، وأنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لِبَعْضِ الْمُدَّعِينَ: لَيْسَ لَكَ إِلاَّ شاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ 4 ولا يخفَى أنه لا تقبل شهادةُ كلِّ من شهد، وأنَّه ليس للشَّاهِدِ أن يجازِفَ ويشهد بما شاء، بلْ لا بدَّ في الشاهد من صفاتٍ، والشاهِدُ من عَلِمَ ما يشْهَدُ به، والصفاتُ المعتبرةُ في الشاهد تنقسمُ إلَى معتبرةٍ في العمومِ، كالحرِّيَّةِ، وإلَى معتبرةٍ في بعْضِ الأُمور؛ كالذكورة، وإذا شَهِد واحدٌ، فمن اجتمعتْ فيه الصفاتُ المعتبرةُ، فقد يحكم بقوله، وقد يُحْتاج إلَى ضميمة أخرَى، وهو الأغلبُ، وتلك الضميمة، إما قوْلُ شاهدٍ حرٍّ أو أكثرَ، وإما يمينُ المدعِي، ثم الشاهدُ قد يشهد الواقعةَ نفْسَها، وقد يشهد بشهادةِ من شهد بها وعلى التقديرَيْن، فإمَّا أن يستمرَّ على ما يشهد به أو يَرْجِع عنْه، فقيد المصنف لبيان هذه الفصولِ سِتَّةَ أبوابٍ:
أحدُهَا: في الصفات المعتَبَرَةِ في الشَّاهد على العُمُوم.
وثانِيهَا: في الذُّكُورة المعتبَرَةِ على الخُصُوص، وفي العدد المرعيِّ في الشهود.
= وقولنا: في مجلس القضاء: يخرج إخباره في غير مجلس القضاء فلا يعتبر، وإنما قيدنا: بمجلس القاضي، وإن كان المحكم كذلك؛ لأن المحكم لا يتقيد حكمه بمجلس بل كل مجلس حكم فيه كان مجلس حكمه أي بخلاف القاضي فإنه يتقيد بمجلس حكم المعين من الإِمام ومحل ولاية.
وقولنا: بلا دعوى؛ لإِدخال شهادة الحسبة، كما في عتق الأمة، وطلاق الزوجة، فليس الدعوى شرط صحتها مطلقاً.
وقد عرفها بعض الفقهاء بقوله: وفي اصطلاح أهل الشرع: عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة فالإِخبار كالجنس.
وقوله: صادق يخرج الأخبار الكاذبة، وما بعد يخرج الأخبار الصادقة غير الشهادات، ويرد عليه قول القائل في مجلس القضاه: أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات، فالأولى أن يزاد لإِثبات حق، كما في التعريف الأول.
الجزء: 13 - الصفحة: 4
وثالِثُهَا: فيما تستند إلَيْهِ الشهادة.
ورابِعُهَا: في الشَّاهِدِ واليَمِين.
وخامسِهَا: في الشَّهَادة على الشَّهادة.
وسادِسُهما: في الرُّجُوع.
أما البابُ الأول: فمِنَ الصفاتِ المعتبرةِ على العُمُوم التكليف، فلا تُقْبَلُ شهادةُ مجنونٍ ولا صبيٍّ، وقال مالكٌ: تقبلُ شهادةُ الصبيانِ في الجراحَاتِ الحاصِلَةِ بيْنهم في اللَّعِب ما لم يتفرَّقوا، وعن أحمد ثلاثُ رواياتٍ كمذْهَبنا ومذْهَب مالكٍ، والثالثةُ قبولُ شهادتهم مطلقاً بشرط التمييز، واحتجَّ الأصحابُ بأن الصبيَّ لا يقبل قولُه عَلَى نفسه بالإِقْرَار فأولَى ألاَّ يقبل على غيره بالشهادة، وبقوله تعالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، وقالوا: لفظ الرجالِ لا يقَعُ علَى الصبيان.
ومنْها: الحرية؛ فلا يُقْبَلُ شهادةُ الرقيق قِنَّا كان أو مُدَبَّراً أو مكاتباً أو أمَّ وَلَدٍ، وقال أحمد -رحمه الله-: تُقْبَلُ.
لَنَا: أنَّ القوْلَ على الغَيْر نوعُ ولايةٍ، فيعتبرُ فيها الحريَّةُ، كما في سائر الولايات، وأيضاً، فالرقيقُ لاشتغالِهِ بخدمة السَّيِّد لا يتفرغ لتحمل الشهادة، ولا لآدائها.
ومنها: الإِسلام فلا تُقبل شهادةُ الكافر ذمياً كان أو حربياً شهد على مسلم أو كافر، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يُقبل شهادة الكافر على الكافر اتحدت ملتهما أو اختلفت، وعن أحمد فيما رواه صاحبُ الشامل أنه تُقبل شهادته على المسلم في الوصية إذا لم يكن هناك مسلم لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "قال لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ إِلاَّ الْمُسْلِمُونَ فَإنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ" 5.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَوَرَاءَ هَذِهِ ثَلاَثُ صِفَاتٍ: الأُولَى: العَدَالَةُ: وَمَنْ يُقْدِمُ عَلَى كَبِيرَةٍ أَوْ يُصِرُّ عَلَى صَغِيرَةٍ فَهُوَ فَاسِقٌ لاَ تُقْبَلُ (ح) شَهَادَتُهُ، وَأَمَّا الإِلْمَامُ بِكَذْبَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ جَرَى عَنْ هَفْوَةِ أَوْ فَتْرَةٍ مَعَ اسْتِشْعَارِ نَدَمٍ وَخَوْفٍ فَلاَ تَبْطُلُ الثِّقَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما كانتِ الصفاتُ الثلاثُ الَّتِي سبَقَتْ خفيقةَ المؤنةِ، سَرَدَها سَرْداً
الجزء: 13 - الصفحة: 5
ثم صَرَفَ العنايَةَ إِلَى بيانِ صفاتٍ أُخَرَ، فطَوَّل النَّظَر فيها، فقال: ووراء هذه ثلاثُ صفات:
إحداها: العدالةُ، فهي شرطٌ القَبُولِ الشهادة، قال الله تعالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وقال تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2] وقال عزَّ أسمه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]، والفاسقُ ليْسَ بمرضىِّ الحال، ورُويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلاَ خَائِنَةٍ وَلاَ زَانٍ وَلاَ زَانِيَةٍ" 6 والقولُ في أنَّ العدْلَ مَنْ هو يحتاج إلَى تقديم أصْلٍ، وهو أن المعاصِيَ تنقسِمُ إلَى كبائِرَ وصغائِرَ، قال الله تعالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: [النساء:13] وقال تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [الشورى: 37] ثم قال الإِمام -رحمه الله-: مِنْ أئمَّتنا مَنْ يقول: لا صغيرةَ في الذُّنُوب، وهو اختيارُ الأستاذِ أبيَ إسْحَاق، والظاهر المشهور الأوَّلُ، ثم اختلفتِ الصحابةُ فمن بعْدهم في الكبائِرِ، وفي الفَرْق بينها وبيْن الصغائر، وللأصحابِ في تفسير الكبيرة وجوهٌ:
أحدها: أنَّها المعصيةُ الموجِبَةُ للحدِّ.
والثَّاني: أنَّها الَّتي يلْحَق صاحبَهَا الوعيدُ الشديدُ بنصِّ كتاب أو سُنَّةٍ، وهذا أكثر ما يوجَدُ لهمْ، وهم إلَى ترجيح الأول أميلُ، ولكنَّ الثاني أوفقُ لما ذكروه عنْد تفْصيل الكبائر.
والثالث: قال الإِمَامُ في "الإِرشاد" وغيره: كلُّ جريمةٍ تُؤْذِنُ بقلَّة اكتراثِ مرتكبها بالدِّين ورقَّةِ الديانة، فهي مبطلةٌ للعَدالة.
والرابع: ذكر القاضي أبو سعْدٍ الهرويُّ -رحمه الله- أن الكبيرةَ كلُّ فعلٍ نصَّ الكتابُ علَى تحريمه، وكلُّ معصيةٍ توجِبُ في جنْسها حدّاً من حبسٍ أو غيرِهِ وَترْكُ كُلِّ فريضةٍ مأمورٍ بها عَلَى الفوْرِ والكَذِبُ في الشهادة والروايةِ واليمينِ، هذا ما ذكروه على سبيل الضَّبْط، وفصل القاضي الرويانيُّ، فقال: الكبائرُ سَبْعٌ؛ قتلُ النفْسِ بغَيْرِ الحقِّ، والزنا، واللِّواطُ، وشُرْبُ الخَمْر، والسرقةُ، وأخذ المالِ غَصْباً، والقذْفُ وشُرْبُ كُلِّ
الجزء: 13 - الصفحة: 6
مسكر ملحِقٍ بشُرْبِ الخمْرِ، ولا فَرْقَ في الخمر بين القدر المسْكِر 7 واليسير الذي لا يُسْكِر، قال أبو سعدٍ: وفي الشرب من غير الخَمْر خلافٌ، إذا كان الرَّجُل شافعيّاً، وشرط في غصب المال أن يبلغ دِيناراً، وضم في "الشامل" إلى السبع المذكورة شهادةَ 8 الزورِ، وأضاف إليها "صاحبُ العُدَّة" أكْلَ الرِّبَا، والإفطْارَ في رمَضَان بلا عذر، واليمينَ الفاجِرَةَ، وقطْعَ الرحِمِ، وعقوقَ الوالِدَيْنِ، والفرَارَ من الزَّحْف، وأكْلَ مالِ اليتيم، والخِيَانَةَ في الكَيْل، والوَزْنِ، وتقديمَ الصَّلاةِ عَلَى وقْتها وتأخِيرَها عنْ وقتْها بلا عذر، وضرْبَ المسلِمِ بغَيْر حقٍّ 9، والكَذِبَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَمْداً، وسبَّ الصحابة -رضي الله عنهم 10 - وكتمانَ الشَّهادة بغير عذر وأخْذَ الرّشْوة، والدِّياَنةَ، والقيادةَ بيْن الرجالِ والنساءِ، والسعايةَ عنْد السلطان، ومنْعَ الزكاة، وترْكَ الأمرِ بالمعْرُوف والنَّهْي عن المنكر مع القدرة، ونسيانَ القرْآنِ بعْدَ تعلُّمه، وإحراقَ الحيوانِ، بالنَّار، وامتناعَ المَرْأة من زوْجِهَا بلا سَبَبٍ، واليأْسَ من رحمة الله تعالَى، والأمن منَ مكْرِهِ، ويُقَالُ: الوقيعةَ 11 في أهل العلم وَحَمَلةِ القرآن، وممَّا يُعَدُّ من الكبائر الظهارُ وأكلُ لحمِ الخنزيرِ، والميتةِ من غَيْرِ ضرورةٍ، وللتوَّقفِ مجالٌ في بعْض هذه الخصال؛ كقطْع الرحمِ وترْكِ الأمْرِ بالمعروف علَى إطلاقها، ونسيانِ القرآنِ، وإحراقِ مطْلَقِ الحيوان بالنَّار، وقد أشار صاحب الكتاب في "الإِحياء" إلى مثْلِ هذا التوقُّف، وفي "التهذيب" حكايةُ وجهٍ: أن ترك الصَّلاة الواحدَةِ إلَى أن يخْرُجَ وقْتُها ليس بكبيرة، وإنما
الجزء: 13 - الصفحة: 7
تُرَدُّ الشهادة به، إذا اعتاده 12، قال في "العُدَّة"؛ ومن الصغائرِ النظر بالعَيْن إلَى ما لا يجوز، والغيبة 13 والضَّحِكُ من غَيْر عُجْبٍ، والكذبُ الذي لا حدَّ فيه، ولا ضرر والاطلاعُ علَى بيوتِ النَّاس، وهجْرةُ المسلم فوْقَ ثلاثٍ وكثْرةُ الخصومات، وإن كان الشخْصُ مُحِقًّا والسكوتُ على الغِيبة، والنِّياحةُ، والصياحُ، وشقُّ الجَيْب في المصيبات، والتَبَخْتُر في المَشْي، والجُلُوسُ مع الفُسَّاق إيناساً لهم، والصلاةُ المكْرُوهة في الأوقات المكروهة المنهيَّة، والبيعُ والشراءُ في المسْجِد، وإدْخَالُ الصغار والمجانِينِ والنجاساتِ المسْجَد، وإمامةُ القَوْم، وهم كارهونَ لَهُ لعَيْبٍ به، والعبَثُ في الصَّلاة، والضَّحِكُ فيها، وتخطِّي رقاب الناس يوْمَ الجُمُعة، والكلامُ والإِمامُ يخطب، والتغَوُّطُ مستقبلَ القبْلَة، وفي طريق المسلمين، وكشف العورة في الحمَّام، ولك أن تتوقَّف في كثرة خصومات المحِقِّ، وتقولَ: ما ينبغي أن يكونَ معصيةً أصلاً إذا راعَى حدَّ الشرْع، وفي تخطِّي رقاب النَّاس يوم الجمعة، فإنه معدودٌ من المكروهات دون المحرَّمات 14، وكذا
الجزء: 13 - الصفحة: 8
الكلام وإلا فلا يخطبُ، على الأصحِّ.
إذا تقرِّر ذلك، قال الأصحاب: يُعتبر في العدَالَةِ الاجتنابُ عن الكبائرِ، فمَنِ ارتكب كبيرةً، فَسَقَ ورُدَّتْ شهادته، وأما الصغَائِرُ، فقليلاً ما يَسْلَم الإِنْسانُ منْها، حتَّى اشتهر في الخَبَر "مَا مِنَّا إلاَّ مَنْ عَصَى أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةِ إِلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا" 15 فلا يشترط تجنبها بالكلية، لكنّ الشرْطَ ألا يُصِرَّ عليها، فإن أصرَّ، كان الإِصرارُ كارتكاب الكبيرة، وأما الإِصرارُ السالبُ للعدالةِ أهُوَ المداومةُ عَلَى نوْعٍ من الصَغائرِ أم الإكثارُ منْها، سواءٌ كانتْ من نوعٍ واحدٍ أو منْ أنواعٍ مختلفةٍ منهم من يُفْهِم كلامُه الأول ومنهم من يفهم كلامه الثانِيَ ويوافقه قول الجمهور من تَغْلِبُ طاعتهُ معاصِيَهُ، كان عدلاً، ومن تَغْلِبُ معاصيه طاعته، كان مردودَ الشهادة، ولفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" قريبٌ منه، وإذا قلْنا به، لم تضرَّ المداومةُ على نوعٍ واحدٍ من الصغائر، إذا غلبتِ الطاعاتُ، وعلى الاحتمال الأول يَضُرُّ.
وقوله في الكتاب "لا تُقبل شهادتُه" أُعْلِمَ بالحاء؛ لأن في "النهاية" أن أبا حنيفةَ يَقْبَلُ شهادة الفاسِق الذي يَغْلِبُ على الظنِّ احترازُهُ عن الكذب.
وقولهُ: "وأما الإِلمام بكذْبَةٍ أو غيبةٍ" إلى آخره فيه مع بيانِ الحُكْم وهو أن ارتكابَ الصغيرة لا يُبْطلُ العدالةَ، أشار إلَئ سببه، وهو أن الإِنسان غالباً لا يَخْلُو عن الابتلاء بالصغائر، ويُقْدِمُ عليها أحيانًا لفتْرة تقع، وشهوةٍ تَغْلِب، فلا يدلُّ ذلك على قلَّة الديانةِ والمبالاة، لا سيَّما إذا كان المُقْدِم عليها نادماً خائفاً، بخلاف الكبيرةِ، فإنَّها عظيمةُ الوقْع، ارتكابها مشعر بقلَّة المبالاة، فأسْقَطَ الثقةَ بقَوْل مرتكبها والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاللَّعِبُ بالشِّطْرَنْجِ (ح م و) والحَمَامِ (ح م) وَسَمَاعُ الغِنَاءِ وَالرَّقْصِ وَنَظْمُ الشِّعْرِ الَّذِي لاَ هَجْوَ فِيهِ وَلاَ فُحْشَ وَلاَ تَشبِيبَ بامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَسَمَاعُ الدُّفِّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلاَجِلُ وَكَذَا سَمَاعُ الطَّبْلِ إِلاَّ طَبْلَ المُخَنِّثِينَ كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامِ، لَكِنَّ المُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا قَدْ تَخْرمُ المُرُوءَةَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ فَيَقْدَحُ، وَأَمَّا النَّرْدُ وَسَمَاعُ الأَوْتَارِ وَالمَعَازِفُ وَالمِزْمَارِ العِرَاقِيِّ وَمَا هُوَ شِعَارُ الشُّرْبِ وَنَظْمُ الهَجْوِ وَإِنْشَادُهُ وَلُبْسُ الحَرِيرِ وَالجُلُوسُ عَلَيْهِ
الجزء: 13 - الصفحة: 9
وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَلَكِنْ لاَ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِالمَرَّةِ الوَاحِدَةِ بَلْ بالإِصْرَارِ إِلاَّ فِي بَلْدَةٍ يَعْظُمُ عِنْدَهُمْ سَمَاعُ الأَوْتَارِ، وَالإِقْدَامُ مَرَّةً يُشْعِرُ بالانْحِلاَلِ، وَلاَ يَخْلُو الإِنْسَانُ عَنْ غِيبَةٍ وَكَذِبٍ وَنَمِيمَةٍ وَلَعْنٍ وَسَفَاهَةٍ فِي غَضَبٍ فَلاَ يرَدُّ شَهَادَتُهُ بِسَبَبِهَا إِلاَّ عِنْدَ الإِصْرَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسائل:
إِحداها: اللعبُ بالشِّطْرَنج 16 مكروهٌ؛ لما رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنَّه مرَّ بقوم
الجزء: 13 - الصفحة: 10
يلْعبون به، فقال "مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" 17 ولأنَّه صَرْفٌ للعمر إلى ما لا يُجْدِي، وفيما عُلَّقَ عن الإِمام وجْهٌ: أنه مباحٌ لا كراهَةَ فيه.
والصحيح: إثبات الكراهة، إلا أنه ليس بمحرَّم؛ رُوي اللعبُ به عن ابْن الزُّبَيْر وأبي هُرَيْرة -رضي الله عنهما- وعن سعيدِ بن جبيرٍ -رضي الله عنه- أنه كان يلْعَبُ به استدباراً 18، وعن أبي حنيفَة ومالكٍ: أن اللعبَ بالشِّطْرنج حرامٌ، وإليه ميل الحليمي، واختاره القاضي الرويانيُّ، وإذا قلنا: بظاهر المذْهب، فلو اقترن به قمارٌ أو فُحْشٌ في الكلام أو إخراجُ صلاةٍ عن الوقْت عمداً، رُدَّت شهادتُه بتلك القرينة، وإنَّما يحْصُل القمار، إذا شُرِطَ المالُ من الجانِبَيْن، وكان كلُّ واحد منهما بَيْن أن يَغْلِبَ، فيغنَمَ أو يُغْلَبَ، فيغرم، أمَّا إذا أخرج أحدُهُما شيئاً؛ ليَبْذُلَه، إن غُلِبَ، ويمسكه، إن غَلب، لم يكن قِمَاراً، ولم تُرَدَّ به الشهادةُ، ولكن عقد مسابقةً فيما ليس من آلاتِ القتالِ، فلا يصحُّ، ولو لم يُخَرْجِ الصلاةَ عن الوقْت عَمْداً، ولكنْ شغَله اللَّعِب به، حتى خرج الوقْتُ، وهو غافلٌ، فإن لم يتكرَّر منه ذلك، لم تُرَدَّ شهادته، وإن كَثُر وتكرَّر، فسق ورُدَّت شهادتُه بخلاف ما إذا تَرَكَها مراراً ناسياً؛ لأنَّهُ شغَل نفْسَه هاهنا بما فات به الصَّلاة، هكذا ذكروه، وفيه إشكالٌ لما فيه من معصية الغافِلِ واللاهِي، ثم قياسُه الطَّرْدُ في شغْل النفس بسائر المباحات 19، وأشار القاضي الرويانيُّ إِلَى وجْهٍ أنه يفْسُقُ مطلقاً تكرَّر أو لم يتكرَّر، وفي "المهذب" اشتراطُ التَّكْرَار في إخراجها عن الوقْت، وإن كان ذلك مع العِلْم، وهو خلافُ ما قدَّمنا، أنَّ إخراج الفريضة عن الوقْتِ عمداً من الكبائر، وعبر الأستاذ أبو إسحاق الإِسفرايينيُّ عن سلامته عن القرائِنِ الفاسدةِ؛ بأن قال: وقد سُئِلَ عن اللَّعِب بالشطرنج إذا سلم المال عن الخسران، والصلاة عن النسيان، واللسان عن البهتان أرى ذلك أنسا بين الخلال وحكاه القاضي الروياني في جمع الجوامع ورأيته بخط والدي منسوباً إلى الصعلوكي.
وأما النرد ففي اللعب به وجهان:
أحدهما: أنه كاللعب بالشطرنج لكن الكراهية فيه أشد وَيُحْكَى هذا عن ابن خيران وأبي إسحاق المَرْوَزِيِّ والإِسفرايينيِّ، وهو ظاهر إيراده في "الأم" واختاره القاضي أبو الطَّيِّب.
الجزء: 13 - الصفحة: 11
وأصحُّهما: التحريمُ، وبه قال ابنُ أبي هريرة وابنُ القاصِّ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدِ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" 20 وروي "مَنْ لَعِب بالنَّرْدَشِيرِ، فكأنَّمَا غَمَسَ يَدْيِهِ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ" 21 وفرق بينه وبيْن الشِّطْرنج في شدَّة الكراهية على وجْه الأول، وفي التحريم على الثاني؛ بأن التعويل في النَّرْدِ عَلَى ما يُخْرِجُه الكعبان، فهو كالأزلام، وفي الشِّطْرنج يُبنَى الأمرُ علَى الْفِكْرِ والتأمُّلِ، وأنه ينفع في تدابير الحَرْب، وعلى الثاني، فقد حَكَى الإِمَامُ عن الشيخ أبي محمَّد: أَنه من الصَّغَائر، قال: والصحيحُ أنَّه من الكَبَائر.
فَرْعٌ: قال في "الأم" وأكره اللَّعِب بالحَزّة 22، والقرق، والكلام في تفسيرهما، ثم في الحُكْم أما التفسيرُ فالحَزّة: قطعةٌ من خشَبٍ يحفر فيها حفْرٌ في ثلاثة أسْطُر، ويُجْعل في الحفر حصَى صغارٌ يُلْعب بها، وقد يُسَمَّى الأربعةَ عَشَر.
والقرق: أن يُخَطَّ على الأَرْض مربعٌ يجعل في وسْطِه خطَّان، كالصَّليب، ويُجْعل علَى رؤوس الخط حصّى صغارٌ يلعب بها، والقرق فيما رأيتُ بخطِّ القاضي الرويانيِّ، بفتح القاف والراء، وبعْضُهم قيَّد "القِرْق" بكسر القاف وتسكين الراء، ولم أجدْها في كُتُب اللغة بهذا المعنَى، نعم، في الصِّحَاح 23 أنَّ القَرْقِ، بكسر الراء: المكان المستوي، ومعلوم أنَّ الخطَّ لِلَّعِب غالباً يقع في المكان المستَوِي، فيمكن أن يكون ما نَحْنُ فيه مِنْ هذا، وأنْ يكون اللفْظُ كما كره، وأما الحُكْم ففي "الشامل": أن اللَّعِبَ بهما كاللعب بالنرد، وفي تعليق أبي حامد: أنه كالشِّطْرنج 24، ويمكن أن يُقَالَ: ما
الجزء: 13 - الصفحة: 12
يعتمد فيه على إخراج الكعبين، فهو كالنرد، وما يُعْتَمَدُ فيه على الفِكْر، فهو كالشِّطْرَنْج.
الثانيةُ: اتِّخاذُ الحَمَام للبَيْض، والفرخ، وللأنس بهالأولحمل الكُتُب جائزٌ بلا كراهة، وأما اللعبُ بها بالتطيير والمسابقة، ففيه وجه أن حكمه كذلك؛ لأنَّ فيه تعليمَهَا، وترشِيحَها؛ لإِنهاء الأخبار، والظاهرُ أنه مكْروهٌ، كالشِّطْرنج، وهذه الفائدةُ تتعلَّق بتطييرها دون المسابقة واللعب بها، ثم لا تُردُّ الشهادة بمجرَّدة، فإن انضم إليه قِمَارٌ وما في معناه رُدَّت الشهادة، وقال مالكٌ وأبو حنيفة -رحمهما الله- تُردُّ الشهادة بمجرَّدة.
الثالثة: غِنَاءُ الإِنسان، إِما أن يُفْرَض بمجرَّد صوته، أو بِآلةٍ من آلات الغناء.
أما القسْمُ الأوَّلُ، فهو مكْروهٌ:، وسماعُه مكروهٌ، وليسا بمحرَّمَيْن، أما أنهما مكروهان؛ فلقَوْل الله تعالَى؛ ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6] قال ابنُ مسعود -رضي الله عنه-: هو الغناء 25، وَرَوِي أنه -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "الْغِنَاءُ 26 يُنْبِتُ النِّفَاقَ في الْقَلْب، كَمَا يُنْبتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ" 27 وأما أنهما ليسا بمحرَّمَيْن؛ فلأن عائشةَ -رضي الله عنها- قالَتْ: دَخَلَ أبو بْكر -رضي الله عنه- وَعِنْدِي جَارِيتَانِ مِنْ جَوَارِي الأنْصَارِ يُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَلَيْسَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أبُو بَكْر -رَضِيَ الله عَنْهُ-: أَمَزَامَيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَذَلَكِ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ: "يَا أبَا بَكْرٍ، لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ، وَهَذَا عِيدُنَا 28 " ويُرْوَى أنَّ عُمَرَ -رضي الله عنه- "كَانَ دَاخِلاً فِي دَارِهِ يَتَرَنَّمُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَينِ" 29 وَعَنْ عُثْمَانَ -رضي الله عنه-: "أَنَّ جَارِيةً = عشر المفوضة إل الكعاب وما ضهاها فهي في حكم النرد في التحريم وقضية هذا وكلام الرافعي في تحريم اللعب بما تسميه العامة الطاب والدك فإن الاعتماد فيه على ما يخرجه القضبان الأربع وفي النفس منه شيء إذا خلا عن القمار والسخف، لكنه قد يجر إليهما.
وقال في الخادم: إن الظاهر التحريم، قال ومثله الكنجفة.
الجزء: 13 - الصفحة: 13
لَهُ كَانَتْ تُغَنِّي باللَّيْلِ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ، قَالَ: أَمْسِكِي، فَهذَا وَقْتُ الاسْتِغْفَارِ" 30 وحيث ثبتت الكراهةُ، فالسماعُ في الأجنبية أشدُّ كراهةً، وحَكَى القاضي أبو الطيِّب تحْرِيمَهُ، وهذا هو الخلافُ الَّذي سبقَ في أنَّ صوتها هل هو عورةٌ؟ فإن كان في السَّماع منْها خوفُ فتنةٍ، حَرُم لا محالَة، وكذا السماعُ من صبيٍّ يُخَافُ منه الفتنة، هذا هو المشْهور في الغناء وسماعه وحَكَى أبو الفرج الزاز وراءَهُ وجهَيْن:
أحُدَهُمَا: أنه يحْرُم كثيرُه دون قليله.
وثانيهما: أنه حرامٌ على الإِطلاق والحداء وسماعه مباحان، لما فيه من إيقاظ النَّوَّام وتنشيط الإِبل للسير، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ -رضي الله عنه-: حَرِّكْ بالْقَوْم فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ 31 وتحسينُ الصوْتِ لقراءةِ القرآن جائزٌ، بل مندوبٌ إلَيْهِ، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "زَيِّنُوا القُرْآنَ بِاَصْوَاتِكُمْ" 32 وسمع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ يقرأ، فقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَاراً مِنْ مَزْامِيرِ آلِ دَاوُد 33، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" 34 وحمله الشافعيُّ -رضي الله عنه- علَى تحْسين الصوْت دون الاستغناء، به وتحسينُ الصوت للقرآن بالترتيلِ، وهو التأنِّي في التلاوةِ، وبالحَدْرِ والتَّحْزِين، قال أبو الفرج الزاز: والحَدْر أن يرْفَعَ الصوْتَ مرةً، ويخفضه أخرَى، والتحزينُ أنْ يلين الصوْتَ، وأما القراءةُ بالألْحَان، فقد قَالَ في "المختصر": لا بأس بها، وعن رواية الربيع بن سليمان = وغيره، ورواه المعافى النهرواني في كتاب الجليس والأنيس، وابن مندة في المعرفة في ترجمة أسلم الحادي في قصة، وروى أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب شيئاً من ذلك في قصة.
الجزء: 13 - الصفحة: 14
الجِيزِيِّ: أنها مكروهةٌ، ولَيْس في هذا اختلافُ قولٍ عند عامة الأصحاب، ولكن موضع الكراهيَّة أن يُفْرِطَ في المد، وفي إشباع الحركات حتَّى يتولَّد من الفتحة ألفٌ ومن الضمة واوٌ، ومن الكسرة ياءٌ، أو يدغم في غير موضع الإِدغامِ، فإن لم ينته إلَى هذا الحدِّ، فلا كراهة، وفي "أمالي" أبي الفرج وجهٌ أنه لا كراهة، وإن أفرط 35؛ احتجاجاً بمطلَقِ قوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ".
والثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء ممَّا هوُ من شعارِ شارِبِي الخَمْر، وهو مطربٌ كالطُّنبور، والعود، والصُّنج، وسائر المعازف، والأوتارِ فيَحْرُم استعماله، والاستماع إلَيْه، قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: 6]: إنه الملاهِي، وفي اليْرَاعِ وجهان:
أحدُهِمَا: أنَّه حرامٌ، كالمزمار.
والثاني: المنْعُ؛ لأنه ينشِّطُ على السَّيْرِ في الأسفار ويُرْوَى أن داوُدَ -عليه السلام- كان يضربه في أغنامه، وعن الصحابة الترخيصُ فيه، والأصحُّ الأولُ عند صاحبِ "التهذيب" وعند صاحب الكتاب، وهو الأقرب، وليس المرادُ من اليراع كلَّ قصب، بل المزمارُ العراقيُّ، وما يُضْرب به الأوتار حرامٌ بلا خلاف 36، وأما الدُّفُّ فَضْربه مباحٌ في الإملاك والختان، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَأضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ" 37 يريد الدُّفَّ، وعن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّه كانَ إِذَا سَمِعَ الدُّفَّ بعَثَ، فإنْ كان في النِّكاحِ
الجزء: 13 - الصفحة: 15
والخِتَانِ، سَكَتَ، وإنْ كَانَ في غَيْرِهِمَا عَمِلَ بالدَّرَّة وأمَّا في غير الإِمْلاك والختان:
ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: إطلاقُ القول بأنه حرامٌ، ويدل عليه أثر عُمَرَ -رضي الله عنه-.
ومنهم: من أطلق حلَّه، وعلَى ذلك جرَى الإِمَامُ، وصاحبُ الكتابِ، وقد رجَّح له ما رُوِيَ أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَتْ: إنِّي نذَرْتُ أن أضرِبَ بالدُّفِّ بين يدَيْك إِن رجعت من سَفَرك سالماً، فقال -صلى الله عليه وسلم- "أَوْفِي بِنَذْرِكَ" 38 وأيضاً، فقد يُراد إظهار السرور؛ لأسباب حادثة، كما يراد للإِملاك والختانِ، وحيث قلْنا بالحلِّ، فذلك، إذا لم يكُنْ فيه جلاجلُ، وإن كان، فوجهان:
أشْبَهُهُمَا: الحِلُّ أيضاً، وبه أجاب صاحبُ الكتاب هاهنا، وفي "الإِحياء" ولا يحرم ضرب الطبول إلا الطبلَ الَّذي يُسمَّى الكوبة، فإنه حرامٌ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الله حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ" 39 في أشياءَ عدَّها، والكُوبةُ الطَّبْل المتَّسِع الطرفَيْن الضيِّقُ الوَسَط، قال الإِمام: وليس فيه من جهة المعْنَى ما يميِّزه عن سائر الطُّبول إلاَّ أن المخنثين يعتادُون ضَرْبَه ويتولَّعون به، قال: والطبولُ الَّتي تهيَّأ لمَلاَعب الصبيان، وإن لم تُلْحق بالطبول الكبارِ، فهي كالدُّفِّ، وليست كالكوبة بحالٍ، والضربُ بالصفافيرِ حرامٌ كذلك ذكره الشيخ أبو محمَّدٍ وغيره؛ لأنه من عادة المخنَّثين، وتوقَّف الإِمام فيه؛ لأنه لم يرد فيه خبر بخلاف الكوبة، وفي ضَرْب القضيب على الوسائط وجْهان؛ الذي أورده العراقيون: أنه مكروةٌ غيْرُ محرَّم؛ لأنه لا يفرد عن الغناء، ولا يضْرب وحده بخلاف الآلاَت المُطْرِبة، وأشار صاحبُ "التهذيب" إلَى ترجيح التحريم، والرقْص غُيْرُ محرَّمٍ، فإنه مجرَّد حركاتٍ على استقامةٍ، ومشْهُوَرٌ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وقَفَ لعائِشَةَ -رضي الله عنها- يَسْتُرها حتَّى نظَرتْ إلى الحبَشَةِ، وهمْ يلعبون، وَيزْفِنُون 40، والزَّفَن هو الرقْصُ، نعم، قال الحُلَيْميُّ الرقْصُ الذي فيه تكسُّرٌ وتثَنِّ، ويشبه أفعالَ المخنَّثين، حرامٌ على الرجاله والنِّسَاءِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 16
الرابعة: إنشاءُ الشِّعْر في الجملة وإنشادُهُ والاستماعُ إِلَيْه جائزٌ، كيف لا، وكان للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- شعراءُ يَصْغِي إِلَيْهمْ، حَسَّان بْنُ ثابتٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ -رضي الله عنهما- واستنشد الشريد شعر أمية بنِ أبي الصَّلْت، واستمع إليه، وفي حفْظ دواوين العَرَب أبلغُ معونةٍ عَلَى دَرْك أحكام الكتاب والسنّة ومعانيهما، وقال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "الشِّعْرُ كَلاَمٌ، فَحَسَنُهُ كَحَسَنِهِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبيحِهِ" وفضله على الكلام أنَّه سائرٌ، وإنْ هجا الشاعِرُ في شعْرِه بما هو صادقٌ فيه أو كاذبٌ رُدَّتْ شَهَادَتُه؛ لذلك قال القاضي الرويانيُّ: وليس إثمُ حاكِي الهَجُو كإِثْمِ مَنْشِئِهِ 41، ويُشْبِه أن يكون التعريضُ هجْواً كالتصْريح، وقد يزيد بعض التعْريض على التصريح، وقال القاضي ابن كج: لا يكونُ التعريضُ هجواً 42، وكذلك تُرَدُّ شهادة الشاعِرِ، إذا كان يفحش أو يشبِّب بامرأةٍ بعَيْنها لِمَا فيه من الإِيذاء والإِشهار والقَذْف إنْ صَرَّح، وإن كان صادِقاً في أنَّه فعل كذا، فلفِسْقه بما أخْبَر عنه أيضاً، وكذا تُرَدُّ شهادَتُه، لو كان يصف الأعضاء الباطنة؛ لما فيه من هَتْك السِّتر، فإن كانَتِ التي شَبَّب بها جارَيتَهُ، أو زوجَتَه، فمن الأصحاب من قال بأنه يجُوز، ولا تُرَدُّ شهادَتُه، وهذا القائل يقول: لو لم تكن المرأةُ معينةً لا تردُّ شهادته لجواز أن يريدَ من تحِلُّ له، ومنهم من قال: تُردُّ شهادتُهُ إذا كان يذْكُر جاريته أو زوجته بما حقُّه الإِخفاء؛ لأنه ساقِطُ المروءة، وهذا هو الحقُّ، عَلَى ما سيأتي في "فصْل المروءةِ" ولو كان يشبِّب بغلامٍ، ويذْكُر أنه يعْشَقُه، قال القاضي الرويانيُّ يفسق، وإن لم يعين؛ لأن النظَر بالشَّهْوة إلى المذكور حرامٌ بكل حال، وفي "التهذيب" وغيره: اعتبارُ التعْيِين في الغُلام، كما في المرأة، وإذا كان يمْدَحُ الناسَ، ويُطْرِي نُظِر؛ إن أمكن حمْلُه على ضَرْب مِبالغةٍ، فهو جائز، ألاَ تَرَى أن رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَمَّا مُعَاوَيةُ، فَصُعْلُوكٌ؛ لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ 43 ومعلومٌ أنه كان يضَعُ كثيراً، وإن لم يكُنْ حملُه على المبالغَةِ، وكان كذباً محْضاً، فهل هو كسائر أنواع الكَذِبِ، قال عامة الأصحاب -رحمهم الله- وهو ظاهر كلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه-: نعم، حتَّى إذا أكثر منه، رُدَّتْ شهادته، كما إذا أكثر الكَذِبَ في غَيْر الشِّعْر،
الجزء: 13 - الصفحة: 17
وعن القفَّال والصيدلانِّي: لا يلتحق بالكذب؛ لأن الكاذبَ يَرَى الكَذِبَ صدْقاً، ويروِّجه، ولَيْس غَرضَ الشَّاعِر أن يَصْدِق في شِعْره، وإنَّما هو صناعة، وعلَى هذا، فلا فَرْق بين القليل والكثير، وهذا حسنٌ بالغٌ، وينبغي أن يُقَالَ على قياسه: إن التَّشْبِيب بالنِّساء والغلمان من غير تَعْيين لا يخلُّ بالعدالة، وإن أكثر منه؛ لأن التَّشْبِيب فَنٌّ وغَرَضُ الشاعر إظهارُ الصنعة في هذا الفَنِّ تحقيق المذكور، وكذلك ينبغي أن يكونَ الحُكْم لو سمَّى امرأةً لا يدْري من هي.
الخامسة: القولُ في تحْريمُ لُبْسِ الحرير وتحريم الجلوس علَيْه والتحلِّي بالذهب قد سبق في صلاةِ الخَوْف والعِيدَيْن والزكاةِ، فلا نعيدُه، بقي في الفَصْل بعْدَ هذه المسائِلِ كلامان:
أحدُهُمَا: ما حكَمْنا بإباحته في هَذِهِ الصُّورة يقتضي الإِكْثَار منْه ردَّ الشهادةِ، لكَوْنِه خَارِماً للمروءة فمن داوم على اللَّعِب بالشِّطْرنج والحَمَام، رُدَّتْ شهادته، وإن لم يقترن به ما يوجِبُ التحريم؛ لِمَا فيه من ترك المروءة، وكذا من داوم علَى سماع الغناء أو على الغناء، وكان يأتي النَّاسَ ويأتيه الناسُ لذلك، وكذا، لو اتخذ غلاماً أو جارية ليغنيا للنَّاس، وكذا المداومةُ على الرقْص وضرْبِ الدفِّ، فإنَّ الإِكثار من جميع ذلك إعراضٌ عن الجِدِّ ودخُولٌ في زمرة الهازلين الذين تشوبُهُم الظُّنون، ولا يوثَقُ بقولهم، وكذا إنشاءُ الشِّعْر وإنشادُهُ، إذا أكثر منه، فترك به مُهِمَّاتِه، كان خارقاً حجابَ المُرُوءة، كذا ذكره الإِمامُ، قال: وكذا الشاعرُ يكتسب بشِعْره، والمَرْجِعُ، في المداومة والإِكثارِ إِلى العادَةِ، ويختلف الأمر فيه بعادات النَّواحِي والبلادِ، ويُسْتَقْبَحُ قدر من شخْصٍ لَا يُستقبحُ من غيره، وللأمكنة تأثيرٌ فيه أيضاً، فاللعب بالشِّطْرنج في الخلوة مراراً لا يكون كاللَّعِب مرَّةً في السوق علَى ملأ من الناس، وقد ينساق هذا إلَى أن يُقَالَ: لما استمرت العادةُ بأن الشَّاعر يكتسب بشِعْره وعدّ صنعة الغناء المباح حرفةً ومكسباً، فالاشتغالُ به ممن يليق بحاله لا يكون تركاً للمروءة، وكلامُ الأصحاب محمُولٌ على من لا يليق بحالهِ وقدْ رأيتُ ما ذكرته في الشَّاعر يكتسب بشِعْره لابن القاصِّ، والله أعلم.
وقوله في الكتاب يخرم المُروءة في حق بعض الناس "فيه إشارة إلى ما ذكرنا.
الثاني: ما حكمنا بتحريمه في هذه المسائل كالنَّرْد، وسماع الأوتار، ولُبْسِ الحرير، والجُلُوسِ عليه، فهو من الكبائر حتَّى تردَّ الشهادة بالمرَّة الواحدة أو من الصَّغائر حتى يُعْتَبَر المداومةُ والإِكثارُ منْه وجهان؛ ميل كلام الإِمام إلَى ترجيح أولهما، والأشبه الثانِي، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره، وزاد الإِمامُ شيئاً آخرَ، فقال: لِيُنْظَر أولاً إلى عادة القُطْر والناحية، فحيثُ يستعظمون النَّرْد، وَسماع الأوتار، تُرَدُّ الشهادةُ بالمرَّة الواحدة؛ لأن الإِقدامَ في مثْل تلْك الناحيةِ لا يكونُ إلاَّ من جَسُور منحلِّ عن ربقة
الجزء: 13 - الصفحة: 18
المروءة، فتسقط الثقة بقوله، وحيث لا يستعظمون، لا يكُونُ مطْلَقُ الإِقدام مُشْعِراً بتَرْكِ المبالاةِ، وسقطِ "المروةِ" فحينئذ يقع النظر في أنه من الصَّغائر أو الكبائر، وهذا ما عناه صاحبُ الكتاب بقوله "إلا في بلدة يَعْظُم عندهم" إلى آخره أي فتردُّ شهادته، وإن لم يَفْسُق وقوله: في أول الفصل "واللعب بالشطرنج" ليعلم "الشطرنج" بالحاء والميم والواو، "والحمام" بالحاء، والميم و"سماع الغناء" بالواو، وكذا قوله: "وإن كان فيه جلاجلُ" وكذا لفظ "النّرد" والمعازفُ هي الملاهِي التي يُلْعَبُ بها يُقَالُ: عَزَفَ عَزْفاً، واسْمُ المعَازِفِ تشْمَل الأوتار، والمزامِيرَ.
وقوله: "وما هو من شِعَار الشُّرْب" الشَّرب جمع شَارِبٍ كصَاحِبٍ وصَحْبٍ، ويمكن أن يقرأ بضم الشِّين أي شِعَار شُرْب الخمر.
وقوله: "ولكن لا تُرَدُّ الشهادة بالمرَّة الواحدة" يعلم بالواو.
وقوله: "وليس يخلو الإِنسانُ عن كِذْبَةٍ" إلى آخره محْضُ تكرارٍ، وقد ذكر في الفصل السابق ما يفيد معناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّصُ أَنَّ الحَنَفِيَّ إِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ حُدَّ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ، وَوَجْهٌ أنَّهُ لاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخَمْرُ العِنَبِيَّةُ التي لم يَشبْهَا ماءٌ ولا طُبِخَتْ بنارٍ محرَّمةٌ بالإِجماع، ومن شربها عالماً بحالها، فهو محدودٌ مردود الشهادةِ، سواءٌ شرِبَ قدراً يُسْكِرَ أو قدراً لا يسكر، قال أصحابنا العراقيون: وكذلك حُكْمُ بائِعِها ومُشْتَرِيها في ردِّ الشهادة ولا تُردُّ الشهادة باتِّخَاذها وإمساكها، إن قصد به التخلل أو التخليل، والمطْبُوخ من عصير العنب المختلَفِ في تحريمِهِ وسائرُ الأنبذة، إِن شَرِب منها القدْرَ المُسْكِر، يُحَدُّ وتردُّ شهادته أيضاً، وإنْ شرب منها القَلِيلَ، فإِما أن يعتقدَ إباحَتَه، كالحنفيِّ، أو يعتقدَ تَحْرِيمه، أما الأولُ، ففيه ثلاثة أوْجُه:
أحدُها: أنَّه لا يحدُّ، لشبهة اختلاف العلَماءِ، ولا تردُّ شهادته؛ لأنه لم يرتكبْ ما يعتقدُهُ محظوراً حتَّى يسقط الوثُوقُ به.
والثاني: وبه قال مالكٌ: أنه يُحَدُّ وتُردُّ شهادته، أما الحدُّ، فلُقوَّةِ أدلَّة التحريم والحاجَةِ إلى الزَّجْر، وأما ردُّ الشهادة؛ فلأنه شَرِبَ ما يُسْكِر، فتردُّ شهادَتُه، كما لو سكر.
وثالثُها: وبه قَالَ أحمدُ: أنه يُحَدُّ ولا تُرَد شهادَتُه، وهو الأظْهَر عند عامَّة الأصحاب -رحمهم الله-، واستبعده المُزَنِيُّ، فقال: الحد أعظمُ من ردِّ الشهادة، فكيف يحَدُّ ولا تردُّ شهادته، قيل: هذا ذهابٌ منه إلَى أنه تردُّ شهادته، قيل كما يحدُّ، وقيل: بل إلَى أنه لا يحدُّ كما لا تردُّ شهادته، وأجاب الأصحاب بأن الحد إلى الإِمامِ، فاعتبر
الجزء: 13 - الصفحة: 19
فيه اعتقاده، وردُّ الشهادةِ يَعْتَمِد عقيدةَ الشَّاهد، ولهذا لو غَصَب جاريةً وَوَطِئَها على اعتقادِ أنه يَزْنِي ثم تبيَّن أنَّها كانتْ مملوكتَهُ يفْسُق وتردُّ شهادته، ولو وطئَ جاريةَ الغَيْر عَلَى ظنِّ أنها جاريتُهُ لا تردُّ شهادته، وأيضاً، فإنَّ الحدَّ للزجْرِ، وشرْبُ النبيذ يحتاج إلى الزجر ورد الشهادة لسقوط الثقة بقوله إذا لم يعتقد التحريم، لم تسقط الثقة، وأما إذا كان الشاربُ ممَّن يعتقدُ تحريمه، فإن قلْنا يُحَدُّ معتقِدُ الحِلِّ، فهذا أولَى، وإن قلْنا لا يُحدُّ، فوجهان.
أظهُرهما: المنْعُ أيضاً؛ لشبهة الاختلاف، وأما ردُّ الشهادة، فإنْ ردَدْناها هناك، فهاهنا أولَى، وإن لم نردَّها، فوجهان:
أحدهما: أن الجوابَ كَذَلك؛ لأنَّ استحلال الشَّيْء أشدُّ من فعله، وإذا لم تردَّ شهادة مستحلِّ الشُّرْب، فشهادة الشارب أولَى، وعلى هذا فإنما نحكم بالفسق وردِّ الشهادة، إذ ارتكب مُجْمعاً على تحريمه.
والثاني: أنها تردُّ؛ لأنه، إذا لم يرتكبْ ما يعتقده محْظوراً، لم تؤْمَنْ جرأته علَى شهادة الزور وسائِرِ المحْظُورات، والأظْهَرُ من الوجْهَيْن الأول عنْد ابن الصَّبَّاغ وصاحب "المهذب" وَيُحْكَى عن ابن أبي هُرَيرْة، والثاني عند القاضي أبي الطيِّب الرويانِّي وغيرهما، ويحكى، عن أبي إسحاق، وهو الذي أورده الإِمامُ ويوافقُه ما حَكَى الرويانيُّ في "جمع الجوامع" عن القفَّال أنَّ من نكح بلا وليِّ، ووطئ، لا تُرَدُّ شهادتُه، إن اعتقد الحِلَّ، وتُردُّ، إن اعتقد التحريمَ، وعلى هذا قياسُ سائر المجتهدات، لكنْ قد حُكِيَ عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه لا تُردُّ شهادةُ المستحلِّ لنكاحِ المُتْعَة، والمفْتي به والعَامِل به، ونقل أبو الفيِّاض مثْلَه 44 في تتمة "الجامع الصغير" لأبي حامد القاضي، والفَرْقُ في الحدِّ حيث أوجبناه في شرْب النبيذ على الظاهر، ولم نوجبْه في الوطء بالنكاح بلا وليٍّ مذكورٌ في النكاح.
وقوله في الكتاب "إذا شرب النبيذَ" يعني القدْرَ الذي لا يسكر، فأما إذا شرب ما أسْكَره، فَسَق بلا خلاف، وأَعْلِم قولَهُ "وقُبِلَتْ شهادَتُه" بالميم، وقوله "لا يحدُّ" بالألف؛ لما عرَفْتَهُ، والله أعلم.
الجزء: 13 - الصفحة: 20
قَالَ الغَزَالِيُّ: الوَصْفُ الثَّانِي: المُرُوءَةُ: فَمَنْ يَرْتَكِبُ مَا لاَ يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ مِنَ المُبَاحَاتِ بِحَيْثُ يُسْخَرُ بِه كالفَقِيهِ يَلْبسُ القَبَاءَ وَالقَلَنْسُوَةَ وَيَأْكُلُ وَيَبُولُ فِي الأَسْوَاقِ أَوْ أَكَبَّ عَلَى اللَّعبِ بالشِّطْرَنْجِ أَوِ الحَمَامِ أَوِ الرَّقْصِ أَوِ الغِنَاءِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى خَبَل في عَقْلِهِ أَوْ قِلَّةِ مُبَالاَةٍ فِيهِ فَتَسْقُطُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالأَشْخَاصِ وَالأحْوَالِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَهَادَةَ الكَنَّاس والدَّبَّاغ وَالحَجَّامِ وَالحَائِكِ وَذَوِي الْحِرَفِ الخَسِيسَةِ مَقْبُولَةٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صنْعَةِ آبَائِهِمْ، فأَمَّا اخْتِيَارُ ذَلِكَ مِمَّنْ لاَ يَلِيقُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى خَبَل فِي العَقْلِ وَيَخْرُمُ المُرُوءَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأشْهَرُ والأحْسَنُ من اصطلاح الأصحاب -رحمهم الله- إخراجُ المروءة عن حدِّ العدالةِ، وعدُّ المروءة صفَةً برأسها، وعلَى ذلك جَرَى في الكتاب، ومنْهم مَنْ يُدْرج المروءة في العدالة، وكذلك السابقة، وهي التكليفُ، والإِسلامُ، والحريَّةُ، ويقولُ: العدل هو الذي تعتدلُ أحواله دِينًا ومُروءة وأحكاماً، فالاعتدال في الدِّين أن يكونَ مُسْلِماً عفيفاً، وفي المُروءة ما يبينه هذا الفصلُ، وفي الأحكام: ألاَّ يكونَ نَاقِصَ الحكْمِ بِصِباً أو جنونٍ أو رِقٍّ، والفقهُ أنه لا يُقْبَلُ شهادةُ من لا مُروءة له، لأن طرح المُروءة، إما أن يكون بخبَلٍ ونقصانٍ أو لقلَّة مبالاةٍ وحياءٍ، وعلى التقديرَيْن تَبْطُل الثقَةُ والاعتمادُ بقوله: أما المُخَبَّل، فظاهر، وأما من لا حياء له فيصنع ما شاء على ما ورد معناه في الحديث 45، وفي ضَبْط المروءةِ عباراتٌ متقاربةٌ، قيل: صاحبُ المروءةِ هو الذي يَصُون نفْسَه عن الأدناس، ولا يشينها عنْد الناس، وقيل: الذي يتحرَّز عما يُسْخَر منه ويُضْحك به، وقيل: الذي يسير سيرةَ أمثاله في زمانه، وكأنه ممن ترك المروءة لبس ما لا يليق بأمثاله كما إذا لبس الفقيهُ القَبَاء والقَلنسُوة وتردد فيهما في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب كما إذا لبس التَّاجرُ ثَوْب الجمَّالِين، أو تعمَّم الجَمَّال، أو تَطَيْلَسَ، أو ركِبَ البغْلَة الثمينة، وتطوَّف في الأسواق مكشُوفَ الرأس، ويتخذ نفْسه ضحكةً، ومنه المشْيُ في الأسواق مكشوفَ الرأْس والبدن، إذا لم يكُنِ الشخصُ ممَّن يليق به مثلُه، وكذا مدُّ الرِّجلَيْن في مجالس الناس، ومنه الأكلُ في السوق، والشُّرْب من سقايات السوق، إلا أن يكون الشخصُ سُوقيّاً أو شَرَبِ لغَلَبة عَطَش، ومنه أن يُقَبِّلُ الرجلُ زوجتَهُ أو جاريتَهُ بيْن يدَي الناس، وحَكَى لهم ما يجري في الخَلْوة، وأن يكثر من الحكايات المضْحِكَة، ومنْه: أن يخرج عن حسن العشْرة مع الأهْل والجيران، والمعامِلِينَ، ويضايق في اليسير الذي لا يستقصى فيه،
الجزء: 13 - الصفحة: 21
ومنه الإِكباب على اللَّعِب بالشِّطْرنجِ والحَمَامِ والغناءِ علَى ما سبق، ومنه أن يبتذل الرجُلُ المعتبرُ بنقل الماء والأطعمة إلَى بيته، إذا كان ذلك عن شحِّ وضنَّة وإذا كان عن استكانةٍ واقتداء بالسَّلَف التارِكِينَ للتكليف، لم يقدح ذلدُ في المُروءة، وكذا لو كان يلبس ما يجدُ وياكل حيث يجدُ؛ لتعلُّله وبراءته من التكلُّفات العاديَّة، وهذا يعرف بتناسب حال الشخص في الأعمال والأخلاق وظُهُورِ مخايِلِ الصِّدْق ولا يبديه، وقد يُؤثِّر فيه الزيّ واللبسة وأهل الحِرَفِ الدنيَّة؛ كالحجَّام والكنَّاس والدَّبَّاغ والقَيِّم في الحمام والحَارِس والنَّخَّال، قال صاحبُ "التهذيب" وغيره: والإِسكافُ والقَصَّاب في شهاداتهم وجهان:
أحدهُمَا: أنها لا تُقْبَل؛ لأن اشتغالهم بهذه الحِرَف ورضَاهُمْ بها يُشْعِر بالخسَّة وقلَّة المروءة.
فأصحهما: القَبُول؛ لأنَّهَا حرفٌ مباحةٌ، والناسُ محتاجون إلَيْها، ولو ردَدْنا شهادتهم، لم يُؤْمَن أن يتركُوها، فيعمَّ الضررُ، وفي الحياكة طريقان:
أحدُهُمَا: القطْع بالقبول، واختاره القفَّال، توجهاً بأن محلَّ عملهم ما هو محلّ عمل الخياط، إلا أن هذا منسوج وذلك غير منسوج.
وأشبَهُهُمَا: طرد الوجهَيْن، لإِزراء الناس بهِمْ، وعدِّهم النسبة إلى الحياكةِ سبّاً وإيذاءً، وَحَكَى أبو العباس 46 وجْهاً فارقاً بْين ما يُحْوِج إلَى مخامَرَةِ القاذورات، والنجَاسَات وبَيْن ما لا يحوج إلَيْه، فيقع الحارسُ والنَّخَّالُ والحائِكُ في القسْم الثانِي، والباقُونَ في الأَوَّل، وفي كتاب القاضي ابن كج أنَّ بعْضَ الأصحاب ألحقَ الصَّبَّاغِينَ والصَّوَاغِينَ بمَنْ تُردُّ شهادتهم، والصَّحيحُ القطعُ بالقبول، نعم، من يكثر منهم ومن سائر المحترفة الكذب والخُلْفَ في الوعد، تُردُّ شهادته لذلك، ثم الكلام في موضع الوجهَيْن من وجهَيْن:
أحدُهُما: قال صاحبُ الكتاب: الوجهان فيمن يليقُ به هذه الحِرَفُ، وكان ذلك من صنعة آبائه، فأما غيره، إذا اختارهاَ، واشتغل بها، سقَطَت مُرُوَّته، وهذا حَسَنٌ، وقضيته أن يُقَالَ: الإِسكافُ والقَصَّاب، إذا اشتغلا بالكَنْس بَطَلَتْ مروءتهما بخلاف العَكْس 47.
والثاني: الَّذِينَ يخامِرُون النَّجَاساتِ، إنَّما يجري فيهم الوجْهان، إذا حافَظُوا على الصلوات، واتخذوا لها ثياباً طاهرةً، وإلا، فتردُّ شهادتُهم بالفِسْق 48.
الجزء: 13 - الصفحة: 22
فَرْعٌ: الذي يترك السُّنَنَ الرواتِبَ وتسبيحاتِ الرُّكوع والسُّجودِ أحياناً، لا تُرَدُّ شهادته، وإن اعتاد ترْكَها رُدَّتْ شهادتُهُ؛ لتهاونه بالسُّنَنِ، ذكره في "التهذيب" وسببه إشعارُ هذا التهاوُنِ بقئةِ المبالاةِ والاهتمام بالمهمَّات، وحَكَى الشيْخُ أبو الفَرَجِ في غير الوتر وركعتَي الفجر من الرواتِب وجْهاً، أنه لا تردُّ الشهادة باعتياده ترْكَها، وعن نصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أن المَستحِلَّ للأنبذة، إن كان يديم المقاومة علَيْها والحُضُورَ مع أهل السَّفَه، رُدَّتْ شهادته؛ لطرْحِهِ المروءة، وإن لم يفسق المستحلُّ وشهادةُ الطوافِ على الأبواب وسائر السؤال مقبولةٌ إلا أن يُكْثِرَ الكذبَ في دعوى الحاجة، وهو غيرُ محتاجٍ أو يأخذ مَا لا يحِلُّ له أخذه، فيفسق لذلك، وعن أبي حنيفة ردُّ الشهادة بسبب الطَّوْفِ على الأبواب، وهو قضية الوجْه الذاهب إلَى ردِّ شهادة أصحاب الحِرَفِ الدنيئة؛ لأن اختيارَ ذلك يدلُّ على الخسة.
وقوله في الكتاب "أو أكبَّ على اللَّعِبِ بالشطرنج أو الحَمَام، أو الرقْصِ، أو الغناءِ" مكرره، قد ذُكِرَ من قبلُ ما يفيده.
وقوله: "والحائك" يجوز إعلامه بالواو؛ لطريقة مَنْ قَطَع بقبول شهادَتِه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الوَصْفُ الثَّالِثُ: الانْفِكَاكِ عَنِ التُّهْمَةِ: وَلَهَا أَسْبَابٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَجُزَّ إِلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعاً كَمَنْ يَشْهَدُ أَنَّ فُلاَنًا جَرَحَ مُوَرِّثَهُ، أَوْ يَدْفَعُ كَالعَاقِلَةِ إِذَا شَهِدَتْ بفِسْقِ شُهُودِ القَتْلِ الخَطَأ فَلاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ بِمَالٍ آخَرَ لِمُوَرِّثِهِ المَجْرُوحِ أَوِ المَرِيضِ قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدَا لِرَجُلَيْنِ بِوَصيَّةٍ لَهُمَا مِنْ تَرِكَةٍ فَشَهِدَ لِلشَاهِدَيْنِ أَيْضاً بِوَصِيَّة فِيهَا قُبِلَتِ الشَّهَادَاتُ (ح)، وَكَذَا رُفَقَاءُ القافِلَةِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلاَ خَصْمٍ" والظنين المتهَّمُ، وللتُّهمة أسبابٌ:
منها: أن يجر إلى نفسه بشهادته نفْعاً أو يَدْفع بها ضرراً، فلا تُقْبَلُ شهادةُ السيد لمكاتَبِهِ ولعبده المأذُون 49 بدَيْنٍ ولا عَيْنٍ، ولا شهادةُ الوارثِ لِمَنْ يرثه، ولا شهادةُ الغريمِ للميِّت، ولا للمفْلِسِ المحْجُور عليه، وتُقْبَلُ شهادةُ الغريم لمديونه الموسِرِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 23
وكذا المعْسِرِ قبل الحجْرِ في أصحِّ الوجهين؛ لأن قبل الحجْرِ يتعلَّق الحقُّ بذمته لا بعَيْن أمواله.
والثاني: المنع؛ لأن المِعْسر لا مطالبة عَلَيْه، فإذا أثبت له شيئاً، أثبت لنفسه المطالبة، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الضَّامِن للمَضْمُون عنْه بالأداء أو الإِبْرَاء ولا شهادة الوكيل للموَكِّل فيما هو وكيلٌ فيه، ولا شهادةُ الوصِّي والقيِّم في محلِّ تصرُّفهما، ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريكٌ فيه بأنْ يقولَ: هذه الدارُ أو العبْدُ بَيْنَنَا، ويجوز أن يشهد بالنصْف لشريكه، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الشريك لشريكه ببَيْع الشِّقْصِ ولا للمشْتَرِي من شريكه؛ لأن شهادتَهَ تتضمَّن إثباتَ الشُّفْعَة لنَفْسِه، فإن لم يَكُنْ فيه شفعةٌ بأن كان ممَّا لا ينقسم، قال الشيخ أبو حامد: يُقْبَل، وكذا لو عفا عن الشفعة، ثم شَهِد، ولو شَهِد أن فلاناً جرح مورثه، لم يُقْبَل للتهمة، ولو شَهِدَ بم الآخر لمورثه المجروح أو المريضِ، نُظِر؛ إن شهد بعد الاندمال، قُبِلَ، إلا أن يكون من الأصول أو الفروع، وإن شَهِدَ قبل الاندمال، فوجهان:
أحدُهُما: وبه قال أبو إسحاق: لا تُقْبَلُ كما لو شَهِدَ أن مورثه جرح.
وأصحُّهُمَا: القبول، والفرق أن الجرح سببُ المَوْتِ الناقل للحقِّ، فإذا شهد بالجرح، فشهادته بالسبب الناقل للحق، وهاهنا بخلافه، وهذا الوجْهُ هو الذي أورده صاحبُ الكتاب هاهنا، وذكر الوجهين معاً في كتاب "دعوى الدم" وفي شرح "أدب القضاء" لأبي عَاصم العبَّاديِّ أنه لا تُقبلُ شهادة المودع للمودع، إذا نازعه أجنبيٌّ في الوديعة؛ لأنه يستديم اليَدَ لنفسه وتنقل للأجنبي في الوديعة وكذا شهادة المرتهن للرَّاهن، لا تُقبلُ، ويقبلُ للأجنبيِّ، وأنَّ شهادة الغاصِب على المَغْصُوب منْه لا تقبل لفسْقه، ولأنه ينقل الضمان الثابِتَ علَيْه من المستحقِّ إلَى غيره، ويدفع مؤنة الرِّدِّ، فإِن شهد بعد الردِّ، قُبِلَتِ الشَّهَادة، وإنْ شَهِدَ بعْد التلف، لم تُقبلْ، لنقل الضمان، وأنَّ شهادة المشتري شراءً فاسداً بعْدما قبض لا تُقْبل للأجنبيِّ؛ لمثل ذلك، وأنَّ شهادةَ المشتَرِي شراءً صحيحاً بعْد الإِقالَةِ والرَّدِّ بالعَيْب لا تُقْبَل للبائع؛ لأنه يستبقي لنفسه الغلاَّتِ والفوائَد، إذا كان المدَّعِي يدعي المِلْكَ من تاريخ متقدِّمٍ على البيع، ولو شهد بعد الفسخ بخيارِ الشرطِ أو المجلسِ، فوجهان؛ بناءً على أنه يرفع العقْدَ من أصله وترتد الفوائدُ إلى البائع لا مِنْ حينه، أَمْ من حينه ولا ترتدُّ، وأنه لو كان لميت دَيْنٌ على شخصَيْن، فشهد أجنبيان لرَجُلٍ بأنه أخو الميِّت، ثم شهد الغريمان لآخر بأنَّه ابْنُهُ، لم تُقْبل شهادة الغريمَيْن؛ لأنهما ينقلان ما وجَب للأخِ عليهما إلَى من يشهدان له بالبنوَّة بخلاف ما لو تقدَّمت شهادة الغريمَيْن، وأنه لا تُقْبَلُ شهادة الوارثين عَلَى موت المورِّث وشهادة المَوصَى لهما على موت المُوصِي، وتُقبل شهادةُ الغريمَيْن علَى موت من له
الجزء: 13 - الصفحة: 24
الدَّيْن؛ لأنهما لا ينتفعان بهذه الشهادةِ، ولا ينظر هاهنا إلى نقل الحق من شخص إلى شخص لأن الوارث خليفةُ المورِّث، فكأنه هو، ذكَر ذلك كلَّه القاضِي أبو سعْدٍ الهرويُّ شارحه، وإذا شهد شهودٌ بقتل الخطأ، فشهد اثنانِ من العاقلة بِفِسْقِ الذين شَهِدُوا بالقتل لم يُقْبَلُ شهادَتُهما؛ لأنهما يدْفعَانَ ضَرَر التَّحمُّل، وكذا لو كان أحدُهُم مزكياً بجُرْح شهودِ القَتْل، وكذا لو شهد اثنانِ عَلَى مِفْلِسٍ بدَيْن، فشهد غرماؤه الظاهرون بفسقهما، لم يُقْبَلْ شهادتهم؛ لأنهم يدْفَعُون بها ضَرَر مزاحمةِ المدَّعِي ولو شهد اثنانِ لاثنين بوصيَّة من تركةٍ، فشهد المشهودُ لَهُمَا للشاهدَيْن بوصيَّةٍ من تلْك التركةِ أو شَهِدَ الواحدُ فشهد المشهود له مع آخر بوصيَّة للشاهدَيْن، فعن صاحب "التقريب": أنها لا تُقْبَلُ لتهمة المواطأَة، ويُقال: إنه رواه الربيع عن النصِّ، ومذهب أبي حنيفَة، وليكن المنعُ المطْلَقُ فيما إذا شَهِد الآخران قبل أن يحكم القاضي بشهادة الأوَّلَيْن، فإِنْ حكم ثُمَّ شهد الآخران، فيجوز أن يختص المنعُ بالآخَرين، ويجوز أن يُجْعَل بمثابةِ ما إِذَا بانَ فِسْقُ الشهود بَعْد الحكم، والصحيحُ قبولُ الشهادَتَيْنِ؛ لأنَّ كلَّ بينةٍ منفصلةٌ عن الأخرَى، ولا يجرُّ شاهد بشهادته نَفْعاً إلَى نفسه ولا يدفع بها ضرراً؛ ولذلك نقول: رفقاءُ القافلة يجُوزُ أن يَشْهَدَ بعضْهُم لبعضٍ في قطْع الطريق، إذا قال كلُّ واحد منْهم: أخذ مالي فلانٌ، ولم يقلْ: مالَنَا، على ما هو مذكورٌ في "باب قاطع الطريق".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: البَعْضِيَّةُ: فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ وَالوَالِدِ، بَلْ لِلْفُرْوعِ وَالأُصُولِ وَكُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَتَقْبَلُ (ح م) شَهَادَةُ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ للآخَرِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا مَعَ ثَلاَثةٍ مِنَ العُدُولِ، وَتُقْبَلُ عَلَى الوَلَدِ وَعَلَى الوَالِدِ وَإِنْ كَانَتْ بِعُقُوبَةٍ.
وَفِي حَبْسِ الوَالِدِ بِدَيْنِ وَلَدِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَ بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ وَلَدِهِ وَأَجْنَبِيِّ رُدَّ فِي حَقِّ وَلَدِهِ، وَفِي حَقِّ الأَجْنَبِيِّ وَجْهَانِ لِتَبْعِيضِ اللَّفْظِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التهمة البعضيةُ، فلا يُقْبَلُ شهادةُ الوالدِ لولدِهِ، ولا لوَلَدِ ولدِهِ، وإن سَفَل، ولا شهادةُ الولَدِ لوالدِهِ، ولا لواحِدٍ من أصولِهِ، وإن علا؛ لأن المشْهُود له بعضُهُ، فشهادته له كشَهَادَتِه لنفسه، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ" 50 ورُوِيَ في الخَبَرِ "لاَ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلِدِ، وَلاَ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ" وعن ابن القاصِّ رواية قولٍ عن القديم: أَنَّ شهادة كلِّ واحدٍ منهما للآخِرَ مقبولةٌ، وبه قال المُزَنِيُّ واختاره ابْنُ المُنْذِرِ -رحمهما الله- والمَذْهَبُ الأَوَّلُ وساعدنَا عليه أبو حنيفةَ -رحمه الله- وكذلك مالكٌ فيما نقله ابنُ الصَّبَّاغ -رحمهما الله- وغيره، وفي "التهذيب" أن عنده تُقْبَلُ شهادة الولَدِ للوالِدِ، ولا تُقْبِلُ شهادة الوالِدِ للولد؛
الجزء: 13 - الصفحة: 25
لأن الولَدَ ومالَهُ لأبيه 51، وهذه رواية عن أحمدَ -رحمه الله- وعنه روايةٌ أخرَى كمذهبنا روايةٌ ثالثة أنها تقبل من الطرفَيْن، إذا لم يظهرْ تهمةٌ بأن شهِدَ بالنكاح أو الطلاق أو شَهِدَ بالمال، وهو غنيٌّ، ولا تُقْبَلُ شهادةُ الوالِدِ للولَدِ وبالعكس، ولا تُقْبَلُ الشهادة لمكاتَبِ الولَدِ والوالِدِ وما دونَهُما، ولو شهِدَ اثنانِ أنَّ أباهما قذَفَ ضرَّةَ أمِّهِما، ففي قبول شهادَتِهما قولانِ، ويُقَالُ: إن المُزنيَّ نقلهما في "الجامع الكبير":
أحدُهُما: المنع؛ لأن القبول يُحْوِجُه إلى اللِّعان، وأنه سببُ الفرقة فشهادَتُهما تجرُّ نفعاً إلَى أمهما.
وأصحُّهُمَا: القبولُ ولا عبرةَ بمثل هذا الجرِّ وذكر في "المهذَّب"؛ أن الأول من القولَيْن القديمُ.
والثاني: الجديدُ، ويجربان فيما لو شهد أنَّه طلَّق ضَرَّةَ أمِّهما وخالَعَها، ولو ادَّعت امرأةٌ بالطلاق، وشهد لها ابناها، لم تُقْبَلْ شهادتُهما، ولو شهِدَا حسبةً ابتداءً قُبِلَتْ، وكذلك الرِّضاع، ولو شهِدَ الأبُ مع ثلاثةٍ على زوجة ابنه بالزنا، فإن سبق من الابن
الجزء: 13 - الصفحة: 26
قَذْفٌ، فطُولِبَ بالحدِّ، فحاول إقامة البينة، لدفع الحدِّ عن نفْسه، لم تُقبْل شهادتُهُ للابن، وإن لم يقذف أو لم يُطَالِبْ بالحدِّ، وشهد الأبُ حسبةً، قُبِلَتْ شهادتُه، وهل تُقْبل شهادةُ أحَد الزوجين للآخر؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، وبه قال أبو حنيفة، ويُرْوَى عن مالكٍ وأحمدَ أيضاً -رحمهم الله- لأنَّ كل واحدٍ منهما وارثٌ لا يُحْجَب، فأشبه الأب والابن.
وأصحُّهما: القَبُول؛ لأنَّ الحاصلَ بينهما عقْدٌ يطرأ ويزولُ، فلا يمنع قَبُولَ الشهادة، كما لو شهد الأجيرُ للمستأجر، وزاد بعضهُم قولاً آخر فارقاً، وهو ردُّ شهادة الزوْجَة لزوْجها دون شهادة الزوجِ لزوجته؛ لأنَّها تستحقُّ النفقة علَيْه، فهي متهمةٌ، والأقوال كالأقوال في قطْع أحدهما بسَرَقِة مالِ الآخرِ، وحَكَى صاحبُ "التهذيب" طريقةً قاطعةً بالقَبُول ورجَّحها، وتُقْبَلُ شهادة أحد الزوجَيْن على الآخر إذ لا تهمة، إلا أن الزَّوْج لا تُقبل شهادتُه عَلَى زوجته بالزنا؛ لأنه ينسبها إلَى خيانةٍ في حقه، فلا يُقْبَلُ قوله، كما إذا ادَّعى المالكُ خيانةً علَى المودَع، ولأنه خَصْمٌ لها فيما يقوله وتقبل شهادةُ الوالد على الولد، وبالعكس، فإنَّه لا تهمة، ولا فَرْقَ بَيْن أن تَكُونَ الشهادةُ بمالٍ أو عقوبةٍ، وفيه وجه أنَّه لا تُقْبَلُ شهادةُ الوَلَد على الوالد بالقصاص وحدِّ القذف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الابنُ سبباً لعقوبة الأب، كما لا يقتصّ به، ولا يحدّ بقذفه، والظاهرُ الأوَّل ثم في الفصل فرعان:
أحدُهُما: وقد ذكره في "التفليس": في حبس الوالد بدَيْنِ الولد وجهان، وقد ذكرنا هناك أن الأصحَّ، عند صاحب الكتاب، الحَسْنُ، ويُقَالُ: إنَّه اختيار أبي زيْدٍ، وأنَّ الأصحَّ عند صاحب التهذيب، المَنْعُ قال الإِمامُ، وإلَيْه صارَ مُعْظَمُ أئمتنا -رحمهم الله- ونَقَلَ وجهاً ثالثاً، وهو أنَّهُ يحبس في نفقة ولَده، ولا يحبس في سائر الدُّيون، وهذا اختيار صَاحِبِ "التلخيص" وهو قريبٌ مما حكينا عن أبي حنيفةَ هناك.
الثاني: شَهِدَ بأن هذا العَبْد أو الدار لولَده ولفلانٍ الأجنبيِّ، فشهادته في حقِّ الولد مردودةٌ، وهل تُردُّ في حق الأجنبي؛ لأن الصيغة مُتَّحِدَةٌ، وقد اختلَّت برد بعض مقتضاها أو لا تُردُّ؛ لاختصاص المانع بالولد؟ فيه وجهان، ويُقال: قولان، والخلافُ كالخلافِ المشهورِ في تفريق الصفقة بل هو هو، وقد تعرَّضنا لهذا النَّوْع في مواضع.
وإذا عرفْتَ ما ذكرنا، أعْلَمْتَ قوله في الكتاب "فلا تُقْبَلُ" بالواو والزاي والألف.
وقولهُ: "والولد" بالميم؛ لرواية صاحب "التهذيب".
وقوله: "وتقبل شهادة أحد الزوجين" بالحاء والألف والميم.
وقوله: "على أحد القولَيْن" بالواو؛ للطريقة القاطِعَة.
الجزء: 13 - الصفحة: 27
وقوله: "وإن كانَتْ بعقوبةٍ" بالواو.
وقوله: "وكلُّ من يستحق النفقة لاَ حَاجَةَ إِلَيْه" لأن المقصود هاهنا الاستحقافُ بجهة القرابة.
وفي قوله: "بل الأصول والفروع" ما يفيد الضبْطَ.
فرع: عَبْدٌ في يد زيدٍ ادَّعَى مدعٍ أنه اشتراه منْ عَمْرو بعْدما اشتراه عمْروٌ من زيد صاحب اليد، وقبضه، وطالبه بالتسليم، وأنكر زيْدٌ جميعَ ذلك، فشهد ابناه للمدَّعِي بما يقوله، حكى القاضي أبو سعْدِ فيه قولَيْن.
أَحَدُهُمَا: ردّ شهادتهما؛ لتضمُّنها إثباتَ المِلْك لأبيهما.
وأصحُّهُما: القَبُولُ؛ لأن المقصود بالشهَادَةِ في الحال المدَّعِي، وهو أجنبيٌّ عنهما، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثُ: العَدَاوَةُ: فَلاَ تُقْبَلُ عَلَى العَدُوِّ وَتُقْبَلُ لَهُ، وَالعَدَاوَةُ هِيَ الَّتِي تُظْهرُ الغَضَبَ وَتَحْمِلُ عَلَى الفَرَحِ بِالمُصِيبَةِ وَالغَمِّ بِالسُّرُورِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِلصَّدِيقِ وَالأَخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التُّهمة العداوةُ، فلا تُقْبَلُ شهادة العدُوِّ على العدُوِّ، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا مَا رويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولا خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غُمْرٍ عَلَى أَخِيهِ" 52 وَيُرْوَى "لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلاَ ظَنِينٍ" 53 قيل: المرادُ من الخَصْم العدُوُّ، والعداوةُ التي تُردُّ بها الشهادةُ هي التي تَبْلُغُ حداً يتمنَّى هذا زوالَ نعْمة ذاك، ويَفْرَح بمصيباته، ويحْزَنُ بمسراته، وذلك قد يكون من الجانبَيْنِ، وقد يكون من أحدهما،
الجزء: 13 - الصفحة: 28
فيختصُّ بردِّ شهادته على الآخر، فإن اقتضت العداوةُ إلى ارتكاب ما يوجِبُ الفسق، فهو مردودُ الشهادة على الإِطْلاق، وإذا عادَاهُ من يريد أن يشْهَد عليه، وبالغ في خصومه، فلَمْ يُجِب، وسكَتَ، ثَم شهد عليه، قُبِلتْ شهادته، وإلا اتخذ الخصماءُ ذلك ذريعةً إلَى إسقاط الشهادات، هكذا حكاه القاضي الرويانيُّ عن القَفَّال، وذكره جماعة، منْهم صاحبُ "التهذيب" وأورد في "باب اللِّعَان" بأنَّ شهادة المقْذُوف على القاذِفِ قَبْل طلب الحَدِّ مقبولةٌ، وبعْد الطلب غيرُ مقبولة؛ لظهورِ العداوة، وأنه لو شهد بعْدَ الطَّلَب، ثم عما، وأعاد تلْكَ الشهادة، لا يُقْبَل؛ كالفاسق، إذا شَهِد، ثم تَاب، وأعاد تلْكَ الشَّهَادة 54 وأنه لو شَهِد قبل الطلب، ثُمَّ طلب قبل الحكم، لم يحكم بشهادته، كما لو فَسَق الشاهِدُ قبل الحكم، لكنْ في "تعليق الشيخ" أبي حامد وغيره: أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- صَوَّر العدَاوَةَ الموجبة للرِّدِّ فيما إذا قذَفَ رجلٌ رجلاً، وادَّعَى عليه أنَّه قطَع الطريقَ علَيْه، وأخذ مالَهُ، فقال: يصيرانِ عدُوَّيْنِ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ واحد منهما على الآخرِ، فاكتفى بالقَذْف دليلاً على العدَاوَة، ولم يَتعرَّض لطلب الحد، قال القاضي الرويانيُّ: ولعل القفَّال أرادَ غَيْر صورة القَذْف، ثم على ما ذكره في "التهذيب": الحكم غير منوط بأن يطلب المقذوفُ الحدَّ بل بأن يظهر العداوة؛ لأنه قال: لو شهدَ رجُلٌ عَلَى رجلٍ، وقال: قذفني، وقذف زوجَتِي، وفلاناً، ثم تُقْبَلْ شهادتَهُ لفلان؛ لأنه أظْهَرَ العداوةَ بقوله: قذفَنِي وقذف 55 زوْجَتِي، بيْنه وبين المشهودِ عَلَيْه، ولو قال: قذف أمِّي وفلاناً، لم تُقْبَلْ شهادته للأم، وفي قبولها لفلانٍ قَوْلاَ التَّبْعِيضِ، قال: لأن سبب الردِّ في الصورة الأولَى العداوةُ بينه وبينْ المشهود عليه، فيعمُّ أثرها، وسبب الرد في الصورة الثانيةِ البعضيَّةُ، فجاز أنْ يختصَّ أثرُهَا بالأمِّ والردُّ هنا للبعضيَّة، فلا يورث تهمة في غير الأم بالأم.
وقد يقول الناظِرُ: لِمَ كان قولُه: "قذَفَ زوْجَتِي" إظهاراً للعداوة، ولم يكُنْ قوله: "قذَف أمِّي" إظهاراً لها، وقد يقُول: إن كان قول المقذوف "قذفني" دليلاً على العَدَاوَةِ، فنَفْسُ قذْفِ القاذِفِ أدلُّ عليها، فهلاَّ اكتفى به كَمَا دلَّ عليه النصُّ، ولا شك أنه لو شَهِدَ عَلَى إنسان، فقذَفِ المشْهودُ علَيْه، لم يَمْنع ذلك من الحُكْم بشهادته، وقد نصَّ عليه.
والعداواتُ الدينيَّةُ لا تُوجِبُ ردَّ الشهادة، بل تُقْبَلُ شهادة المسلم عَلى الكافِرِ والسُّنَّيِّ على المبتَدِع، وكذا من أبغض الفاسِقَ لِفِسْقه، لم تُرَدِّ شهادته عليه، ولو قال العالم الناقد: لا تسْمَعُوا الحديثَ منْ فلانٍ فإنه مخلِّطٌ ولا تَسْتَفْتُوا منْه، فإنه لا يُحْسِن الفتوى لم تردَّ شهادته لأن هذا نُصْحٌ للناسِ، نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وتقبل
الجزء: 13 - الصفحة: 29
شهادةُ العدُوِّ تهمَة، والعصبيةُ: نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وتقبل شهادةُ العدُوِّ لعدوه إذ لا تهمةَ، والعصبيةُ: هو أن يَبْغَضَ الرجل؛ لأنه من بَنِي فلان إنِ انضم إليها دعوةُ الناس وتألُّفهم للإضْرار به، والوقيعةِ فيه، فيقتضي ردَّ شهادته عليه، ومجرَّدها لا يقتضيه، ولَيْسَ من العصَبية أن يُحبُّ الرجُلُ قومه وعمرته، فيقبل شهادته لهم وعليهم، ويقبل شهادة الصَّديق للصديق، كما يقبل للأخِ والعمِّ وغيْرِ الاْصول والفروع، وقال مالكٌ: لا تُقْبَلُ شهادةُ الصديقِ للصَّديقِ، وكذا شهادةُ الأخِ للأخِ، إذا كان منقطعاً إلَيْه بصلةٍ وَيبُّرُهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةَ المُبْتَدِعَةِ إِذِ الصَّحِيحُ أنَّهُمْ لاَ يُكَفِّرُونِ، وَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَطْعَنُ عَلَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ وَيَقْذِفُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لأنَّها مُحْصَنَةٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جلُّ الفقهاء من أصحابنا وغير أصحابنا يَمْتَنِعُونَ من تكفير أهل القبلة، نعم اشتهر عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- تكفيرُ الَّذِينَ ينْقُونَ علْمَ الله تعالَى بالمعدوم، ويقولون: لم يعلَمْ إلا الأشياء حتَّى يَخْلُقَها، وَرَوَى العراقيُّون عنه تكفير النافين للرُّؤْيَة، والقائلين بخَلْق القرآن، وأولَّه الإِمام -رحمه الله- وقال: ظنّي أنه نَاظَر بعْضَهم، فألزمه الكُفْر في الحِجَاجِ، فقيل: إنه كَفَّره فيمَنْ 56 يكفر، ولا تُقْبَلُ شهادته، ومن لا يُكَفَّر من أهل البدَع وإهواء، نصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "الأم والمختصر" علَى قبول شهادتهم، إلا شهادةَ قَوْم يَرَوْنَ الكَذِبَ كفراً، ويشهد أحدُهُم لصاحبه، إذا سمعه يقول: لي على فلانٍ أو عنْده كَذَا، فيصدقه بيمينٍ أو بغَيْر يمينٍ، ويشهد له اعتماداً عَلَى أنه لا يكذب وهؤلاء يُسَمَّوْنَ الخَطَّابِيَّةَ، والأصحابُ فيه عَلَى ثلاثةِ فِرَقٍ، ففرقةٌ جرَتْ على نصِّه في الكتابَيْن، وقبلت شهادةَ جَمِيعهم، وهم الأكثرون، منهم ابن القاصِّ، وابن أبي هريرة، والقفَّال، والقضاةُ ابن كج، وأبو الطيِّب، والرويانيّ -رحمهم الله- ووجَّهوه بأنَّ هؤلاء مُصِيبُون في زعْمهم، ولم يظْهَر منهم ما يسقط الثقة بقولهم، وفيهم طوائفُ يشدِّدون أمر الكذب، فيتأكد الظَّنُّ بصدقهم، وإلى هذا أشار الشافعيُّ -رضي الله عنه- بقوله: وشهادةُ من يَرَى كِذَبْه شِرْكاً بالله ومعصيةً يَجِبُ بها
الجزء: 13 - الصفحة: 30
النارُ أولَى أنْ يطيب النَّفْسُ بقبولها مِنْ شهادة من يخفِّف المأثم فيه وقبل هؤلاء شهادة من يسب هؤلاء الصحابة والسَّلف -رضي الله عنهم- فإنه يقدم عليه عَنِ اعتقادٍ لا عَنْ عداوةٍ، قالوا: ولو شَهِدَ خطابىٌّ، وذكر في شهادته ما يَقْطَع احتمالَ الاعتمادِ عَلَى قول المدَّعِي؛ بأن قال: سَمِعْتُ فلاناً يقر بكذا لهذا ورأيته أقره، قُبِلَتْ شهادته.
وفرقة أخرَى منْهم الشيخ أبو حامد ومن يحذو حذوه حملوا النصَّ على المخالِفِينَ في الفُرُوع، وردُّوا شهادة أهل الأهْوَاء كلِّهم، وقالوا: إذا ردَدْنا شهادَة من نفسِّقه، فأولَى أن نرُدَّ شهادَةَ من نضلِّله، وننسبه إلى البدعة.
وفرقةٌ ثالثةٌ توسَّطوا، فردَّت شهادةَ بعْضهم دون بعض، فعنْ أبي إسحاق أنه قال: من أنكر إمامةَ أبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- رُدَّتْ شهادتهُ؛ لمخالفة الإِجْمَاع ومن فضّل عليًّا على أبي بَكْر -رضي الله عنهم- لم تُرَدَّ شهادته، وردَّ الشيخ أبو محمَّد شهادةَ الذين يسُبُّون الصحابة -رضي الله عنهم- ويقْذفُون عائشةَ -رضي الله عنها- فإنَّها محصَنَةٌ على ما نطَقَ به القرآنُ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23] وقَذْف سائر المحصنات يُوجِبُ رَدَّ الشهادة، فقَذْفُها أولَى، وعلى هذا جَرَى الإِمامُ وصاحبُ "التهذيب" والمصنِّف -رحمهم الله- وخَيْرُ الأمور أوساطها، وفي "الرقْم" أن شهادة الخَوَارجِ مردودةٌ؛ لتكفيرهم أهل القبلة 57، ووافق أبو حنيفةَ الفَرقَةَ الأولَى من الأصحاب، ومالكٌ الثانية، وأحمدُ ردَّ شهادة ثلاثةِ أصنافٍ؛ القدريَّةِ، والجهمَّيةِ والروافضِ، فيجوز إعلام قولُه في الكتاب "وتُقْبَلُ شهادةُ المبتدعة" بالميم والألف والواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: بالتَّغَافُلُ: فَرُبَّ عَدْلٍ يَكْثُر سَهْوُهُ وَوَهَمُهُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ تَحَفُّظُهُ وَضَبْطُهُ فَلاَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلاَّ إِذَا عُلِمَ أنَّهُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التُّهْمَةِ الغفْلَةُ وكَثْرَةُ الغَلَطِ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ المغفَّل
الجزء: 13 - الصفحة: 31
الذي لا يحفظُ ولا يَضْبِطُ؛ لأنه لا يُوثَقُ بقوله، فإن شهد مُفَسِّرًا وبَيَّن وقْتَ التحمّل ومكَانَهُ، فزالَتِ الريبةُ عن شهادته، قُبِلَت، ولا تُقْبَلُ أيضاً شهادةُ منْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ ونِسْيَانُهُ، وأما الغلَطُ القليل، فإنَّه لا يقْدَحُ في الشَّهَادة؛ لأنَّ أحداً من النَّاس لا يَسْلَمُ منه، قال الإمامُ -رحمه الله- ومُعْظَمُ شهادات العَوامِّ ويشوبها جهلٌ وغرَّةٌ، فيحوج إلى اسْتفصاله، كمَا مرَّ في "أدب القضاء".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: دَفْعُ عَارِ الكَذِبِ: فَمَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ: بِفِسْقِ فَتَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُة إِلاَّ إِذَا أَعَادَ تِلْكَ الشَّهادَةِ لأَنَّهِ يَدْفَعُ بِذَلِكَ عَارَ الْكَذَبِ، وَتُقْبَل الشَّهَادَة المُعَادَةُ مِنَ الْعَبْدَ وَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ إِذَا زَالَ نُقْصَانُهُم، وَهَلْ تُقْبَلُ الْمُعَادَةُ مِنَّ الْفَاسِقِ المُعْلِنِ وَالْعَدُوِّ والسَيِّدِ إِذَا شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ فِيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب التهْمَةِ: أن يدفع بالشهادَةِ عَارَ الكَذِب عَنْ نفسه، فإذا شهد فاسقٌ، فرد القاضِي شهادَتَه، ثم تاب، كما سنَصِفُ التوْبَةَ، فشهَاداتُهُ مقبولةٌ بعد ذلك، لكن لو أعاد تلْكَ الشَّهادة، لَمْ يُقْبَلُ، خلافاً للمزُنِّي، ولو شهد عبد أو كافرٌ أو صبيٌ، فلم يعتدَّ بشهادتهم ثم عَتَقَ العَبْدُ وأسْلَم الكافرُ وبلغ الصبيُّ، فأعادوا شهاداتِهِم، قُبِلَتْ، خلافاً لِمَالكٍ وأحْمَدَ -رحمهما الله- والفرق من وجهين:
أحدُهُما: أنَّ العدالَةَ والفسْقَ يدْرَكَانِ بالنَّظَر والاجتهادِ، والظاهرُ من حال المِسْلم العدالةُ، لكنَّ القاضِيَ بعْد البَحْث قد يؤدِّي اجتهادُهِ إِلَى فِسْق الشاهد، فيحكم بردِّها، وما حكم بردِّه لا يحكم بقوله؛ كعقدٍ أبطله لَيْس له أن يصحِّحه، والعبْدُ والصبيُّ والكافرُ ليس لهم أهليَّة الشهادَةِ، وما أتَوْا به لَيْسَ بشهادةٍ حتى يُقْبَلَ أو يُرَدَّ، ولو علم القاضي حالَهُم، لم يَصْغَ إَلى كلامهم، وهذا الفَرْقُ هو الذي أشار إليه الشافعيُّ -رضي الله عنه-.
والثاني: قال الأصحاب: العَبْدُ والكافر والصبىُّ لا يتعيَّر بردِّ الشهادة، أما العَبْدُ والصبيُّ، فليس إلَيْها نُقْصَانهُما، وأما الكافِرُ، فلا يعتقد كُفْره نقْصاً بل يفتخر به، ولا يبالي بردِّ شهادته، لتمسُّكه بدينه، والفاسقُ يتعيَّر بالردِّ؛ لأن الردَّ يُظْهِرُ فسْقَه الذي يسعَى في إخفائه ويعرف بأنه نقص، ولأنَّه متهمٌ بالكذب والمجازفة، إذا رُدَّت شهادته، فإذا أعاد تلْكَ الشهادة، فقد يريدُ دفْعَ غضاضةِ الكَذِب، أو يَرَى أنه كان القاضِي مخْطِئاً في ظن الفسْق به فلمَّا تبيَّن له خلافُه، قيل شهادته، وقد يتوهَّم أنه على فسْقه، لكن أظهر التوْبَة ليعيد الشهادةَ، ويدْفَع العَارَ ومثْلُ هذا لا ينقدحُ في بلوغ الصبي وما في معناه، فإن كان الفاسقُ مُعْلِناً بالفسْقِ حين شهد، ففي قَبُول شهادته المعادةِ بعْد التوبة وجْهَان، والأئمةُ إلَى أنَّها لا تقْبَل أيضاً أميلُ، واختاره القاضي الرُّوَيانيُّ، ويُنْسَبُ إلَى ابْن أبي هْرَيْرة، واختيارُ القاضي أبي الطيِّب القبولُ، ويُنْسَبُ إلَى أبي إسحاق، والوجهانِ
الجزء: 13 - الصفحة: 32
يُخرجَّان على الفَرْقَيْن إن قلْنا بالثاني، فرد شهادته لا يُظْهِر فسْقَه، فإنه ظاهرٌ، وهو غير مبالٍ بفسقه يعدُّه عاراً، كالكافر، فوجب أن يُقْبل وإن قلْنا بالأول، فقد جرى الحكم بردِّ شهادته لكن بفسقه هذا إنَّما يتضحّ أن لو أصغى القاضي إلَى شهادته مع ظهور فِسْقه، فإنَّه ظاهرُ، وهُوَ غَيْر مبالٍ بفسْقِهِ ثم ردَّها وفيه وجهان، الذي ذكره الشيخ أبو محمَّد، واستحسنه الإِمامُ -رحمهما الله- أنه لا يصغى إليها كشهادة العبدِ والصبيِّ، ولو كان الكافرُ مستسِرّاً بكُفْره، وردَّتْ شهادته، ثم أسلم، وأعادها حكى القاضي ابنُ كجِّ في قَبُولها وجهَيْن، لكنَّ قياس الفريقين جميعاً ألاَّ يقبل، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّ شهادته تَحْتَاج إلى النَّظَر والاجتهاد؛ لاستسراره، فإذا جرى الحُكْم بردِّها، وجب ألاَّ يقبل، وأما على الثاني، فلأنَّ ردَّ شهادته يُظْهِر دينه، فيفتضح به ويتغيَّر، فيكون متهماً في الإِعادة.
ولو شهِدَ عَلى إنسان، فردَّت شهادتُه لعداوةٍ بينهما، ثم زالت العداوةُ فأعاد تلْك الشهادة، فوجهان أيضاً.
وجْهُ القَبُول: أن العداوة سَبَبٌ ظاهرٌ، فالرد بها لا يُورثُ عاراً، ووجه المنع: أنها شهادةٌ رُدَّتْ للتهمة، فإذا أعيدَتْ، لم يُقْبَلُ شهادة الفاسِقِ، وهذا أصحُّ؛ على ما ذكر صاحبا "المهذب" و"التهذيب" -رحمهما الله- ويجري الوجهان فيما لو شَهِدَ لمكاتَبهِ بمالٍ أو لعبْدِهِ بنكاحٍ، فردت شهادته، فأعادها بعْدَ عَتْقِهِما، والذي أجابَ به ابنُ القاصِّ في هذه الصورة القَبُولُ، ويجريان فيما إذا شَهِدَ اثنان من الشفعاء بعفوِ شفيعٍ ثالثاً قبل أن يعفو فردَّت شهادتُهما ثم أعادها بَعْدَ ما عَفَوَا وفيما إذا شهد اثنان يرثان من رجُلٍ بجراحةٍ عليه غيره مندملةٍ، فردت شهادتُهما، ثم أعادها بعد اندمال الجِرَاحَة.
فرع: عن "أمالي" أبي الفَرَج: شهد فَرْعَانِ على شهادة أصْلٍ، فردت شهادتُهما بفسق الأصلِ، فقد صارت شهادة الأصل مردودةً، فلو تاب، وشهدَ بنَفْسه، وأعاد الفرعان شهادتهما على شهادته أو شَهِدَ عَلَى شهادته فرعان آخرانِ، لم تُقْبَلْ، ولو رُدَّت شهادة الفرعين، لفسقهما، لم تتأثَّر به شهادةُ الأصْل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ بالمُبَادَرَةِ قَبْلَ الدَّعْوَى فَلاَ تُقْبَلُ، وَبَعْدَ الدَّعْوَى وَقَبْلَ الاسْتِشْهَادِ وَجْهَانِ، فَإنْ لَمْ تُقْبَل فَهَلْ يَصِيرُ بِهِ مَجْرُوحًا فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ جَلَسَ مُخْتَفِياً فِي زَاوِيَةِ لَتَحَمُّلِ شَهَادَةِ قُبِلَتْ (م و) وَلاَ تُحْمَلُ عَلَى الحِرْصِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمِنْ أَسبَاب التُّهْمَةِ الحِرْصُ عَلى الشَّهَادة بالمَبَادَرة، واعلم أن الحقوق على ضربَيْن، ضَرْبٍ لَا يَجُوز المبادَرَةُ إلَى الشَّهادة عَلَيْهِ، وضرب يجُوزُ، وتُسمَّى الشهادةُ عليه عَلى وجه المبادرة شهادةَ الحِسْبة، وستعرف أنواعها في الفَصْل التالي لهذا الفصْل: فحيث لا يجُوزُ، فالمبادُرِ متَّهم، فلا تُقْبلُ شهادته، وفي الخبر أنه -
الجزء: 13 - الصفحة: 33
صلى الله عليه وسلم- قال في مَعْرِضِ الذَّمِّ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُعْطُونُ الشَّهِادَةَ قَبْلَ أنْ يُسْأَلُوهَا 58 وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا" 59 فَجُمِعَ بين الحديثين بحَمْلِ الثاني على ما يجُوز المبادرةُ إليه وحُمِلَ الأولُ عَلَى ما لا يجوز، والمبادرةُ أن يشهد من غير تقدُّم دعوى، فإِن شهد فِي غَيْر موضْح الحاجة بعْد الدعْوَى، وقبل أن يستشهد، فوجهان:
أحدُهِما: القبول؛ لأنَّه شهِدَ وقْتَ الحاجة إلَى إقامة البيِّنة، والأظهرُ المَنْع للتُّهمة، ولفظ الخَبَر الأوَّل شهد له، وهو الذي أورده في "التَّهْذيب" وإذا ردَدْنا شهادة المُبَادر، ففي صيرورته مجروحًا وجهان مشهوران في كَلاَم الأصحاب -رحمهم الله- أشبههما المنع ويحكى القطع عن أبي عاصم العبادي إن كانت المبادرة عن جهل منه وظاهر هذا الإِيراد كون الخلاف في سقوط عدالته على الإِطلاق ويؤيده أن القاضي أبا سعد الهروي قال: الوجهان مبنيان على أن المبادرة من الصغائر أو الكبائر لكن منهم من يفهم كلامه وقوع هذا الخلاف في قبول تلك الشهادة وحدها إذا أعادها لا في سقوط العدالة مطلقاً -هذا صاحب الكتاب يقول في الوسيط في باب دعوى الدم في وجه لا تقبل تلك الشهادة منه إذا أعادها كالشهادة المردودة بعلة الفسق وعلى وجه تقبل وعلى وجه إن تاب عن المبادرة تقبل، وفي التهذيب أن إذا قلنا يصير مجروحاً فلا يشترط استبراء الحال حتى لو شهد في حادثة أخرى تقبل فأشعر ذلك في اختصاص الخلاف في تلك الشهادة لا غير.
وتقبلُ شهادة من اختبأ وجلس في زاوية مستخفياً لتحمل الشهادة ولا تحمل على الحرص إذ الحاجة قد تدعو إليه بأن يقر مَنْ عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا
الجزء: 13 - الصفحة: 34
حضر غيره، وعن مالك أن المشهود عليه إن كان جلداً لا ينخدع فتقبل هذه الشهادة، وإن كان ممن يخدع فلا تقبل، وحكى الفوراني عن مذهب مالك أن شهادة المختبئ لا تقبل أصلاً، وأن للشافعي -رضي الله عنه- قولاً مثله في القديم، وأن على المذهب الصحيح يستحب أن يخبر الخصم أني شهدت عليك حتى لا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد فيعذره القاضي، ولو قال رجلان لثالث توسط بيننا لنتحاسب ونتصادق على ألا تشهد علينا بما يجري، فهذا الشرط لاغٍ وله بل عليه أن يشهد بما علم 60.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الحِسْبَةِ ابْتِدَاءَ فِيمَا لِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ كَالطَّلاَقِ وَالعِتَاقِ وَالخُلْعِ وَالعَفْوِ عَنِ القِصَاصِ وَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَفِي النَّسَبِ وَفِي شِرَاءِ القَرِيبِ المُوجِبِ لِلْعَتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل بيان ما تقبل فيه شهادة الحسبة وهو ما يتمحض حقاً لله تعالى أو له فيه حق مؤكد لا يتأثر برضى الآدميين فمنه الطلاق وهل تقبل شهادة الحسبة في الخلع؟ أطلق في التهذيب المنع، وقال الإِمام تقبل في الفراق ولا تثبت في المال، قال: ولا أُيعيرُ ثبوته تبعاً، ولا أن يثبت الفراق دون البينونة، ومنه العتاق ويستوي فيه العبد والأمة.
وقال أبو حنيفة: تقبل في عتق الأمة دون العبد.
تقبل في الاستيلاد قال في التهذيب ولا تقبل في التدبير وفي تعليق العتق به كان شيخي القاضي يقول: تقبل كالاستيلاد؛ كان الفرق عند من فرق أن الاستيلاد يفضي إلى العتق لا محالة وهما بخلافه، قال: وكذا لا تقبل شهادة الحسبة في الكتابة وإن أدى النجم الأخير شهدوا على العتق وفي شراء القريب وجهان: في وجهه تقبل شهادة الحسبة بحق العتق والأشبه وهو جواب القاضي الحسين المنع لأنهم يشهدون على الملك والعتق شيء مرتب عليه وليس كالخلع إذا قلنا يثبت بشهادتهم الفراق دون المال لأن المال في الخلع تابع وفي الشراء مقصود، فإثباته دون المال محال ومنه العفو عن القصاص فالصحيح وهو المذكور في الكتاب أن شهادة الحسبة مقبولة فيه وحكى القاضي أبو سعد الهروي فيه وجه آخر لأن ترك القاضي الدعوى مع الحرص على الحياة يورث التهمة في شهادتهم، ومنه تحريم الرضاع، ومنه الوقف فإن كان على جهة عامة فتقبل فيه شهادة الحسبة وكذا الوصية للفقراء، وفي الوقف على الجهات الخاصة وجهان عن الصيدلاني أن الجواب كذلك وهذا ما أورده الروياني في "جمع الجوامع" وحكى
الجزء: 13 - الصفحة: 35
الإِمام عن المعظم المنع لتعلقه بحظوظ خاصة قال صاحب الكتاب في الوسيط وهو الصحيح، ومنه النسب فعن القاضي الحسين أنه لا تقبل فيه شهادة الحِسْيَة، وحَكَم المصنِّف في الباب: الثالث بأنَّه الأصحُّ، الذي أورده الصَّيْدلانيُّ وصاحب "التهذيب" القَبُولَ، وهو الأظهر؛ لأنه متعلِّق بحقوق الله تعالَى، كالطلاق والعَتَاق، ومنه بقاءُ العدَّة وانقضاؤُهَا وتحريمُ المصاهرة، وكذا الزَّكَواتُ والكفاراتُ والبلوغُ والكُفْر والإِسُلام والحُدُود التي هي حقُّ الله تعالى، كحد الزنا، وقطع الطريق، والسرقة، لكن الأولَى فيها السْتُر، وفي حد السرقة وجهٌ آخر مذكورٌ في "باب السرقة" قال القاضي أبو سَعْدٍ، ومنه الإِحصانُ والتعديلُ، وقد ذكرناه في "التزكية" وأما ما هو حقُّ العباد كالقِصَاصِ وحدِّ القذف والبُيُوع والأقاريرِ، فلا تُقْبَلُ فيه شهادةُ الحسبة، فإن لم يعلم صاحب الحق بالحق أخبره الشُّهُود حتَّى يدعي، ويستشهدهم، فَيَشْهَدُوا، فإن هذا هو المذهبُ المشْهُور، وفيه وجهان آخران، ذكرهما الإِمامُ في "دعْوى القتل".
أحدهما: أنه يقبل في الدِّماء؛ لحظرها.
والثاني: يُقْبل في الأموالِ أيضاً، وذكر أن "صاحبَ التقريب" خرَّجه من الوجهين في جواز انتزاع المغصُوب من الغاصب ليوصله إلى المالك، وإلَى هذا أشار في الكتاب بقوله في "باب دعوى الدم": "وشهادة الحِسْبَةِ لا تُقْبَلُ في حَقُوقِ الآدمَيِّين في أصح الوجهَيْن" ثم القائلون بالقبول، منْهم من أطلق، وعن الأستاذ أبي طاهر تخصيصُ القَبُول بما إذا لم يعلم المستحِقُّ بالحق، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُه في الكتاب "فلا تُقْبَلُ" في الفصل السابق بالواو.
فروع: ما تُقبل فيه شهادةُ الحِسْبَة هل تقبل فيه دعوى الحسبة فيه وجهان:
أحدُهُما: لا؛ لأنَّ الثبوت بالبيِّنة، وهي غنية عن الدْعوَى، وهذا هو الجوابُ في "فتاوى القفال".
والثاني: عن القاضي الحُسَين: أنها تُسْمَع؛ لأن البينة قَدْ لا تساعده، ويراد استخراج الحقِّ بإِقرار المدَّعَى عليه 61.
الجزء: 13 - الصفحة: 36
وشهودُ الحسبة يجيئون إلى القاضي، ويقولون: نَشْهَد علَى فلانٍ بكذا، وأحضروه لنشهد عليه، وإن جاءوا وقالوا: إن فلاناً زَنَا، فهُمْ قذفةٌ، وفي الفتاوى أنَّه لو جاء رجُلانِ، فشهدا بأن فلاناً أخُو فلانةٍ في الرَّضَاع لم يكْفِ حتى يقولان: وهو يريد أن ينكحها، وأنه لو شَهِدَ اثنانِ بالطَّلاق، وقضى القاضِي بشهادَتِهما، ثم جاء آخران يَشْهَدان بأخُوَّة الرضاع بين المتناكحَيْن، لم تقبل هذه الشهادة، إذْ لا فائدة لها في الحالِ بقولهما ولا عبرة بكونها يشهدان لئلا يتناكَحَان من بعْد، وأنَّ الشهادة علَى أنه أعتق إنما تُسْمَعُ، إذا كان المشهودُ علَيْه يسترقُّ من أعتقه، وهذه الصورةُ تُفْهِمُ أنْ شهادة الحسبة إنَّما تُسْمَع عند الحاجة، ولو جاء عبدا إنسان إلى القاضي، وقالا: إن سيِّدَنا أعتق أحَدَنا، وقامَتْ على ما يقولان بيِّنةٌ، سُمِعت، ولو كانتِ الدعْوَى فاسدةً؛ لأن البينةَ علَى العتْق مستغنيةٌ عن تقدُّم الدعْوَى.
وليُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "والعتاق" بالحاء، وقوله: "والعفو عن القصاص" بالواو؛ لمَا بيَّنَّاه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَقْبَلُ شَهَادَةُ البَدَوِيِّ عَلَى القَرَوِيِّ وَالقَرَوِيِّ عَلَى البَدَوِيِّ، وَشَهَادَةُ المَحْدُودِ فِي القَذْفِ إِذَا تَابَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلم في الصفات المعتبرة في الشهود وبَيَّنَ في خلالها ما يمنع قبول الشهادة تكلم في أمور ظن ظانون أنها من موانع القبول.
منها: شهادة البدوي على القروي وبالعكس مقبولة، وقال أحمد: لا تُقبل شهادة البدوي على القروي وبه قال مالكٌ إلا في القتل والجراجات، قالا؛ لأن القروي لا يدخل إلى البادية للإِشهاد لكن البدوي قد يدخل القرية فيشهد والأمر في هذا لا ينضبط.
ومنها: شهادة المحدود في القذف وغيره بعد التوبة مقبولة في جنس ما حدَّ به وفي غيره، وعند أبي حنيفة شهادةُ المحدود في القذف لا تقبل وإن تاب، وقال مالكٌ كل من حد في معصية لم تُقبل شهادتُه فيما حد فيه، ومن هذا القبيل شهادة ولد الزنا مقبولة ويجوز أن يكون قاضياً ولكن لا يمكن أن يكون إماماً؛ لأن النسب مشروط في الإِمامة وقال مالكٌ لا تُقبل شهادة ولد الزنا، واعلم أن شهادة الأخرس الذي لا يعقل الإِشارة لا اعتبار بها، وإن كان يعقل الإِشارة فقولان عن تخريج ابن سريج:
أحدهما: أنها مقبولة اعتماداً على الإِشارة كما في عقوده ويُحْكَى هذا عن مالكٍ واختيار الحناطي والقاضي أبي الطيب -رحمهم الله-.
والثاني: المنع؛ لأن الإِشارة لا تصرح وإنما تفيد ظناً، ونحن في غنية عن شهادته
الجزء: 13 - الصفحة: 37
بشهادة غيره، ويخرج عليه عقوده، وهذا أظهر عند الأكثرين منهم ابنُ القاص والشيخُ أبو حامد وبه قال أبو حنيفةَ وأحمدُ -رحمهم الله- وإيانا وعلى هذا فيعتبر في الشاهد وراء الصفات المذكورة في أول الباب أن يكون ناطقاً، وذكر أبو القاسم الصيمري في مختصر جمعه في أحكام الشهادات أنه لا يجوز شهادة المحجور عليه بالسفه فإن كان كذلك زادت صفة أخرى 62 والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ تُبْت وَلاَ أَعُودُ إِلاَّ إِذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بالكَذِبِ فَهُوَ فَاسِقٌ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهُ كَكُلِّ فَاسِقٍ يَقُولُ: تُبْتُ فَإِنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ مُدَّةٍ فَيَعْلَم بِقَرَائِنِ الأَحْوَالِ صَلاَحَ سَرِيرَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أخذ في الكلام في توبة القَاذِف، ثم اختلط به الكلامُ في التوبةِ علَى سائر أنواع الفِسْقِ، ووجهُ الحاجة إلَيْه بيِّنٌ، فإنَّ من لا تُقْبَلُ شهادَتُهُ لِفِسْق، إذا تَابَ، وظَهَر اعتراضه عَمَّا كان فيه، فيجبُ معرفةُ أنَّ التوبة ما هيَ وبم تَحْصُل؟.
قال علماء الأصحاب -رحمهم الله-: التوبةُ تنقسم إلَى ما هي بَيْن العبْد وبيْن الله تعالَى جدُّه وهي التي يندفعُ بها الإِثْم، وإلى توبةٍ في الظاهِرِ، وهي التي تتعلَّق بها عوْدُ الشهادات، والولايات:
أما التَّوبةُ الأولَى: فهي أن ينْدَمَ علَى ما مضى ويترك وعله في الحال ويعزِمَ علَى ألا يعود إليه 63، إن كانت المعصية لا يتعلق بها حقَّ الله تعالَى ولا للعبادِ، كوطء الأجنبية فيما دون الفَرْج وتَقْبلُها، فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلَّق بها حقٌّ ماليٌّ، كمنع الزكاة، وكالغَصْب، والجنانات في أموال الناس، فيجب مع ذلك تبرئةُ الذمَّة عنْه؛ بأن يؤدِّي الزكاة، ويردَّ أموال النَّاس، إن بقيت ويغرم بدَلَها، إن لم تبق، أو يستحلَّ، فيبرئه المستحقُّ ويجب أن يخبر المستحق، وإن لم يعلم به وأن يوصله، إليه، إذا كان
الجزء: 13 - الصفحة: 38
غائباً، إن كان قد غَصَبه منْه هنالك، ونقله، فإن.
مات سلَّمة إلَى وارثه، فإن لم يكن وارثٌ أو غَابَ، وانقطع خبره، دفَعَه إلَى قاضٍ تعرف سيرته وديانته، فإِن تعذَّر، تصدَّق به على الفقراء بنيَّة الغرامة له، ذكره العباديُّ في "الرقْم" وصاحب الكتاب في غير الكُتُب الفقهيَّة، وإن كان مُعْسِراً، نوى الغرامة، إذا قدر، فإن مات قبل أن يقْدِر، فالمرجُوُّ من فضل الله تعالَى جدُّه المغفرةُ 64.
وإن تعلَّق بالمعصية حقٌّ ليس بماليٍّ، فإن كان حدّاً لله تعالَى كما لو زنا أو شَرب فإن لم يظهر، فيجوزُ أن يظهره ويقرّ به ليُقَامَ علَيْه الحدُّ، ويجوز أن يستُرَ علَى نفْسه، وهو الأولَى، وإنْ ظهر، فقد فات السِّتْر، فيأتي الإِمامَ ليقيمَ علَيْه الحدَّ، قال في "الشامل": إلا إذا تقادم العهد، وقلْنا: إنه يسْقُطُ الحد، وإن كان حقاً للعباد؛ كالقِصَاصِ وحدِّ القذف، فيأتي المستحِقَّ، ويمكِّنه من الاستيفاء، فإِن لم يعلَم المستحِقُّ، فيجب في القِصَاص أن يُخْبِره، ويقول: أنا الذي قتلْتُ أباك، ولزمني القصَاصُ، فإِن شئتَ، فاقتص، وإن شئت فاعف، وفي حدِّ القذْفِ، هل يخبره، ذكر في الكتاب في أَول الباب تردُّداً في أنه، إذا أتى، ببَعْضِ كنايات القذف، وأراد القذف، ولم يحلفه المقذوفُ على البينة، فيخبر المقذوف أو يخْفِيه، ولا يؤديه، وجواب العباديُّ وغيره هاهنا أنه يخْبِرهُ عن القَذْف، كما في حقِّ القصاص وفي مثله في الغَيْبة رأيت في فتاوى الحنَّاطِيِّ؛ أنها إذا لم تبُلغِ المغتابَ، كفى الندمُ والاستغفارُ، وإذا بلغته أو طَرَد طارِدٌ قياسَ القصاص والقذف فيها، فالطريق أن يأْتِيَ المعتابَ ويستحلَّ منه، فإن تعذَّر بموته، أو عسر لغيبته الشاسِعَة، فيستغفر الله تعالَى جدُّه، ولا اعتبار بتحليل الوَرَثَةِ، كذلك ذكره الحناطيُّ وغيره، قال العباديُّ: والحسد كالغِيبَةِ، وهو أن يهوَى زوالَ نِعْمَةِ الغير، ويُسَرَّ ببليته، فيأتي المحسودَ، ويخبره بما أضمره، ويستحلُّه، ويسأل الله تعالَى أن يزيل عنْه هذه الخلَّة، وفي إِلزام الإِخبار عن مجرَّد الإِضمار بُعْدٌ 65.
فَرْعٌ: سُئِلَ أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ عمن قصَّر فيما عليه من الدَّيْن والمَظْلَمة، ومات
الجزء: 13 - الصفحة: 39
المستحِقُّ، واستحَقَّه وارثٌ بعد وارثٍ يتعلَّق به في الآخرة صاحبُ الحقِّ أولاً أو الأخير من ورثته وورثة ورثته، فقال: يرثه الله تعالَى، بعْد موت الكلِّ، ويُرَدُّ إليه في القيامة، وحَكَى وجهاً آخر عن الأصحاب لآخر مَنْ مَات من الوارِثِينَ، وفي "الرقم": أنه يُكْتَبُ الأجْرُ لكل وارِثٍ مدةَ عَمْرِهِ، ثم يكون الثوابُ لمَنْ بعده، ولو دفَع إلَى بعض الوارِثين عندْ انتهاء الاستحقاقِ إليه، خَرَج عن المظلمة إلا بما سَوَّفَ ومَاطَلَ.
وأما التوبةُ الظاهرةُ، فالمعاصي تنْقسم إلَى فعليَّة وقوليَّة، أما الفعليَّة؛ كالزنا والسرقة والشرب، فإظهار التوْبة عنْها لا يكفي في قَبُول الشهادة وعود الولاية؛ لأنه لا يؤمَنُ أن يكون له في الإِظهار غائلةٌ وغرضٌ فاسدٌ، فيختبر لمدَّة يغلب على الظنِّ فيها أنه قد أصلح عملَهُ وسريرته، وأنه صادقٌ في توبته، وهل تتقدَّر تلْك المدة قال قائلون: لا، إنَّما المعتبرُ حصولُ غلبة الظَّنِّ بصدْقِهِ، ويختلف الأمر فيه بالأشخاص وأمارات الصدق، هذا ما اختاره الإِمام، والعبَّاديُّ وإلَيْه أشار صاحبُ الكتاب بقوله: حتى يُسْتبْرَأَ مُدَّةً فيعلم إلى آخره، وذهب آخرون إلَى تقديرها، وفيه وجهان، قال أكثرهم: يستبرأ سنةً، فإنَّ لمعنى الفصولِ الأربعةِ تأثيراً بَيِّناً في تهيْيج النُّفوس وانبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلامة أشْعَرَ ذلك بحُسْن السريرة، وقال جماعةٌ: يكفي ستة أشهر؛ لظهور عَوْده، وإن كانت ونَسَبوا ذلك إلى النصِّ، وأما القوليَّة، فمنْها القذْفُ، ولا بدّ من التوبة عنْه بالقول، كما أن التوبة عن الرِّدَّة بكلمتَي الشهادة، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وتوبةُ القاذِفِ إكذابُهُ نفْسَه، فأخذ الإِصطخريُّ بظاهره وشَرَط أن يقول: كذبْتُ بما قذفته به، ولا أعودُ إلَى مثله؛ لما رِوُيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تَوْبَةُ الْقاذِفِ إِكْذَابُهُ نَفْسَه" 66 ويُحْكَى هذا عن أحمد -رحمه الله- وقال ابن أبي هريرة والجمهورُ -رحمهم الله- لا يكلَّفُ أن يقُولَ: كذبْتُ، فإنَّه قد يكون صادقاً فكيف نأمُرُه بأنْ يكَذْب، ولكن يقول: القذْفُ باطلٌ، وإني نادمٌ على ما فعلْتُ ولا أعود إلَيْه أو يقول: ما كنْتُ مُحِقّاً في قِذْفي، وقد تبتُ منْه، وما أشبه ذلك، والخبرُ محمولٌ على الرُجوع والإِقرار ببطلانِ ما صدَر منْه، فإنه نوعُ إكذاب، وكذلك لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وقد قَالَ عَقِيبَ ما حكَيناه: والتوبةُ منه أن يقُولَ: "القذفُ باطلٌ" كأنه جعل هذا اللفظ توبةً ولا فرْقَ في ذلك بين القذْف على سبيل السَّبِّ والإِيذاءِ وبيْن القذْفِ على صورة الشَّهَادة، إذا لم يتمَّ عدد الشُّهود، إن قلْنا: بوجوب الحدِّ على من شهد، فإن لم نوجِبْ، فلا حاجة بالشاهد إلى التوبة، ويشبه أن يشترط في هذا الإِكذابِ جريانُهُ بيْن يدَي القاضي، ثم إذا تاب
الجزء: 13 - الصفحة: 40
بالقول، فهل يستبرأ المدَّة المذكورة، إذا عُرِفَ عدلاً إلى أن قَذَف، يُنْظَر؛ إن كان القذفُ على صورة الشهادَةِ، فلا حاجة إلَيْه وحَكَى الإِمامُ طريقة أخرَى؛ أنه على قولَيْن، كما سنذكر في القذْفِ علَى صورة السبِّ والإِيذاءِ، والظاهرُ الفرقُ، فإن ذلك فسقٌ مقطوعٌ فيه، والفسق عند الشهادة غيرُ مقطوع به، ولهذا تُقْبل روايةُ من شهد بالزنا، وإن لم يتعب؛ ألا ترى أنهم كانوا يَرْوُنَ عن أبي بَكرة الثقفيِّ -رضي الله عنه- ولم يتب وروايةُ مَنْ قَذَفَ سباً غير مقبولة وبتأيد ذلك بقَوْل عمر -رضي الله عنه- في القصَّة المشْهُورة لأبي بَكْرَةَ تُبْ أَقْبَلَ شَهَادَتَكَ 67 وإن كان قَذْفَ سَبٍّ وإيذاءٍ فظاهر نصِّ "المختصر": أنه لا يُشترطُ الاستبراء وتُقبل شهادته في الحَال، وعن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يُشترطُ، وفيهما طريقان؛ الأشهر أن المسألة على قولَيْن:
أحدُهُمَا: لا يُشْترط؛ لأن القاذفَ يحتمل أن يكون صادقاً، فلا حاجة فيه إلى التشديد والاحتياط، ويُحْكَى هذا عن أحمد -رحمه الله-.
وأصحُّهما: الاشتراط؛ على ما قال تعالَى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] وصار كما في سائر المعاصِي، وتركهما منزلون على حالَيْن، وذكروا للتنزيل وجوهاً:
أَحَدها: حمل ما في "المختصر" على ما إذا لم يصرِّح بتكذيب نفْسه، وحمل ما في "الأم" على ما إذا صَرَّح.
والثاني: حمل الأوَّل عَلَى ما إذا طال الزمانُ بعْد القذف، وحسنت السيرة، ثم تاب بالقول، وحمل الثاني على ما إذا لم يطل.
الجزء: 13 - الصفحة: 41
والثالث: حمل الأول علَى ما إذا جاء شاهداً، ولم يتمَّ العدَوُ، وحمل الثاني علَى ما إذا قذف على سبيل السبِّ والإِيذاء.
واعلم أن اشتراطَ التوبة بالقَوْل في القذْفِ لا وضوحَ لَهُ، وإِلحاقَهُ بالردَّة تشبيه مجرَّد لا توجيه مقنع، ولَيْسَ اشتراطُ كلمتَي الشهادة مخصوصاً بالردَّة القوليَّة، فإن الردة الفعليَّة كإلقاء المصْحَف في القاذُورات يُشْتَرطُ فيها كلمتا الشهادة أيْضاً، وبالجملة، فلَمْ يشترطْ في القَوْل أن يقولَ: ما كنتُ مُحِقاً في قَوْلِ كذا، فلا يُشْتَرَطُ في الفعل أن يقول: ما كنت مُحِقاً في فعْلِ كذا، وما السَّبَبُ الفارقُ، ثم قضيَّة ما يقول في القذفْ أنْ يُشترطَ التوبةُ بالقول في سائر المعاصِي القوليَّة، كشهادة الزور، والغِيبة، والنَّميمة، وقد صرح صاحبُ "المهذب" بذلك في شهادة الزور، فقال: التوبة عنْها أن يقول: كذَبْتُ فيما فعَلْتُ، ولا أعودُ إلَى مثله، والله أعلم.
وأَعْلم قوله في الكتاب "ويكفيه أن يقول: تبْتُ" بالواو؛ لوجه الإِصطخرِّي؛ حيث لم يكتف بذلك، واعتبر أن يقول: كذبْتُ.
وقوله يجب "استبراؤه" بالألف لما تقدَّم.
فروع: حَكَى الإِمام وجهاً فيمن قَذَف، وأتى بالبينة علَى زنا المقذوف: أنه لا تُقْبَل شهادته؛ لأنه ليس له أن يقْذِفَ ثم يأتي بالبينة، بل كان ينبغي أن يجيء مجيء الشهود، والأصح أنها تُقْبَل؛ لأن صدقَهُ قد تبيَّن بالبينة، وكذا الحكمُ لو اعترف المقذوف، وكذا لو قذف زوجَتَه، ولا عن ولا فَرْقَ في ردِّ الشهادة وكيفية التوْبَة بيْن أن يقذف محصناً أو غير محصَنٍ، حتى لو قذَف عبْدَ نفْسِه، ترد شهادته، ويكفي تحريم القذف سَبباً للردِّ، وشاهد الزور يُسْتبرأ كسائر الفَسَقة، فإذا ظهَر صلاحُه، قُبِلَتْ شهادته في غير تلك الواقعة ومن غلط في الشهادة، فلا حاجَةَ إلى استبرائه، وتُقْبَلُ شهادته في غَيْر واقعة الغلطِ، لا تُقْبَلُ فيما ذكره في "التهذيب" 68.
الجزء: 13 - الصفحة: 42
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ ظَهَرَ لِلقَاضِي بَعْدَ الحُكْمِ أَنَّهُ قَضَى بِقَوْلِ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَينِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نَقَضَ الحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ بِقَوْلِ فَاسِقَيْنِ نَقَضَ أَيْضاً عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ، إِلاَّ أنْ يَفْسُقَ بَعْدَ الحُكْمِ فَلاَ يُقَدَّرُ اسْتِنَادُ الفِسْقِ إِلَى المَاضِي عَلَى أَصَحِّ الرَأْيَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حكم القاضِي بشهادةِ اثنين، ثم بان له أنهما كانا عَبْدَيْنِ أو كافِرَيْن، أو صبِيَّيْنِ، أو امرأتَيْنِ، فينتقض حكمه، لأنه تيقَّن الخطأ في الحكْم، كما لو حكم باجتهاده، ثم بان النصُّ بخلافه، ولو تبيَّن لقاضٍ آخر أنه حكَمَ بشهادَتِهما، نفَضَ حكمه أيضاً، واعترض عليه بأنَّ العلماء اختلفوا في قَبُول شهادةِ العَبِيد، فلم ينقض الحكْم في محَلَّ الاختلاف والاجتهاد، وأجيب عنه بأنَّ الفرْضَ فيمن لا يعتقدُ الحكْم بشهادة العبْدَين وحكم بشهادة اثنين ظنَّهما حرَّيْن، ولا اعتداد بمثل الحكم، وأيضاً فإنَّما لا ينقض الحُكْم، إذا لم يخالف القياس الجليَّ، وهذا يخالفه، فإن العبد ناقص في الولايةَ، وسائرِ الأحكامِ، فكانت الشهادةُ في معناها، وإنْ بان أنه حكَم بشهادة فاسقَيْن، نصَّ في "المختصر" على أنه ينقض أيضاً 69، قال المُزَنِيُّ: وقال في موضع آخر: إن المشهودَ عَلَيْه، إذا طلب الجرح مكَّنه منه، وأمْهَلَه مدةً قريبةً، فإنْ لم يأتِ بالجرح في المُدَّة وأتى به بعْدَها، لم يرد الحُكْم عنه، وهذا يُشْعِر بأنه لا تُقبل البينة القائمة على الفِسْق بعْد ذلك، فلا ينقض الحكم الأول، وللأصحاب فيها طريقان:
أشْهَرهُما: أن المسألة على قولَيْن، وبه قال ابنُ سُرَيْجٍ.
أحدُهُما: أنه لا ينقض الحكم الأول، فإِن فسقهم إنَّما يعرف ببينة تقوم عليه = مستهيناً بها، وذلك ينافي الندم.
واختار إمام الحرمين أنه لا يجب، ولا يلزم من ذكرها بلا ندم الاستهانة، بل قد يذكر، ويعرض عنها.
قال القاضي: وإذا لم يجدد التوبة كان ذلك معصية جديدة، والتوبة الأولى صحيحة؛ لأن العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد فراغها، قال: فيجب تجديد توية عن تلك المعصية، وتجب توبة من ترك التوبة إذا حكمنا بوجوبها.
قال الإِمام: وإذا أسلم الكافر، فليس إسلامه توبة عن كفره، وإنما توبته ندمه على كفره، ولا يتصور أن يؤمن ولا يندم على كفره، بل تجب مقارنة الإِيمان للندم على الكفر، ثم وزر الكفر يسقط بالإِيمان، والندم على الكفر بالإِجماع، هذا مقطوع، وما سواه من ضروب التوبة، فقبوله مظنون غير مقطوع به، وقد أجمعت الأمة على أن الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره، صحت توبته، وإن استدام معاصي أخر، هذا كلام الإِمام، وهذا الذي قاله إن القبول مظنون هو الصحيح.
وقال جماعة من متكلمي أصحابنا: هو مقطوع.
الجزء: 13 - الصفحة: 43
وعدالة تلك البينة لا تُدْرَكُ إلا بالاجتهادِ، والاجتهادُ لا ينقض بالاجتهاد، وهذا يوافِقُ مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا يسمع بينة الفسْقِ على الشاهدَيْنِ.
وأصحَّهُمَا: النقض، كسائر المسائل المذكورة وبل أولَى؛ لأن اعتبار العدالةِ منصوصٌ علَيْه، قال تعالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] والقول بأن عدالة الشهود تُدْرَكُ بالاجتهاد لا تَقْدَحُ كما أن خبر الواحِدِ العَدْلِ يُنْقَضُ به الحُكْم، وإن كانتْ عدالته لا تدْرَكُ إلا بالاجتهاد، وكما لو بان كون الشاهدَيْن صبيَّيْن أو كافرَيْن.
والطريق الثاني: القطعُ بالنقض، وحمل ما قاله في الموضع الآخر علَى ما إذا شهدوا على الفسْق مطلقاً، ولم ينصُّوا على فسْقِه يوْمَ الحكم، فلا ينقض به الحكم؛ لاحتمال حدوثه بعد الحكم أو علَى ما إذا شَهِدُوا علَى فِسْقٍ مجتَهَدٍ فيه، كشُرْب النبيذ، ولو سمع القاضي شهادةَ شاهدَيْن عدلَيْن، ثم فُسِّقَا قبل أن يحكم بشهادتهما، لم يجُزِ الحكم؛ لوقوع الريبة، فإن الفسْق يَخْفَى غالباً، فربَّما كانا فاسقَيْن يوم الشهادة، ولو ارتدَّا، فكذلك؛ لأن الردَّة توقع الريبة أيضاً، وتُشْعِر بخبثٍ كامِنٍ، وفيها وجهان آخران:
أحدهما: أن حدوثَها لا يمنع الحكْمَ بشهادتهما المَسْمُوعة.
والثاني: عن الداركيِّ: الفرق بين أن يرتدَّ إلى كُفْرِ يستسر أهله به فيكون كالفسق، أو إلَى غيره.
ولو شهدا عنْده في حدٍّ أو مالٍ، ثم ماتا، أو جُنّا أو عَمِيَا أو خَرِسَا، لم يمنع حدوث هذه الأحوال الحُكْمَ بشهادتهما؛ لأنها لا تُوقِعُ ريبة فيما مضى، ويجوز أن يقع التعديلُ بعد حدوثها، وألحق المُزَنِيُّ ظهور الفِسْقِ والرّدَّة بعُرُوض هذه الأحوال، ولم يَجْعَلْهُمَا مانِعَيْنِ من الحكم، ولو فسق الشاهدان، أو ارتدَّا بعْد الحُكْم والاستيفاء، لم يؤثِّر بحال، ولو فَسَقا، أو ارتدَّا بعْد الحكم وقبل الاستيفاء، فهو كرجوع الشاهدَيْنِ بعد الحكم وقبل الاستيفاء، وفيه تفصيلٌ واختلافٌ، يُذْكَرُ في "باب الرجوع" والأصحُّ أنه لا أثر له في المال، بل يستوفي ولا يُقَدَّر استنادُ الفسْق بعْد نفوذِ الحُكْم إلى القاضي، وهذه الصورة هي التي عنَاهَا في الكتاب بقوله: "إلا أن يَفْسُقَ بعْد الحكم، فلا يقدر" إلى آخره.
وأصحاب الطريقة القاطعة بالنَّقْض فيما إذا بان أنَّه حكَمَ بشهادة فاسقَيْن، منهم مَنْ يُنْزِل الخلافَ على هذه الصورة.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "نقض" بالحاء.
وقوله: "على أظهر القولين" بالواو، لما بيَّنَّاه.
فُرُوعٌ: قال القاضي بعد الحُكْم بشهادة شاهدَيْن قد بان لي أنهما كانا فاسَقْين، ولم يظْهَر بينة تشْهَد بفسقهما، قال صاحب الكتاب في "الفتاوى": إذا لم يتهم في قضائه
الجزء: 13 - الصفحة: 44
بعلمه مُكِّن من ذلك أيضاً ولو قال: أكرهني السلطانُ على الحُكْم بقولِهِمَا، وكنت أعرفُ فِسْقَهما، قُبِل قولهُ مِنْ غيْر بيِّنة الإِكْرَاه، ولو بان بالبينة أن الشاهدَيْن كانا والدَيْنِ للمشهود له، أو ولَدَيْن، أو عدُوَّيْنِ للمشهود عليه، فكذلك ينقض الحكم، والله أعلم.
الْبَابُ الثَّانِي فِي العَدَدِ وَالذُّكُورَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ إِلاَّ فِي هِلاَلِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْي، وَلَكِنْ لِلشَّهَادَات ثَلاَثُ مَرَاتِبَ: الأُولَى: الزِّنَا: وَبَجِبُ فِيهِ أَرْبَعَةَ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كالمِرْوَدِ فِي المُكْحُلَةِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَدْلِ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَةِ قَصْداً لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ لاَ يَجُوزُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا، وَيَجُوزُ فِي عُيُونِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا، وَهَلْ يَثْبُتُ الإِقْرَارُ بِالزِّنَا بِشَاِهدَيْنِ أَمْ لاَ بُدَّ من أَرْبَعَةٍ فِيهِ قَوْلاَنِ، وإِنْ لَمْ يُوجَبْ بِاللِّوَاطِ إِلاَّ التَّعْزِيرُ فَهَلْ يُحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيَّ: مَقصودُ البَاب بيانُ العدَدِ المُعتَبَر في الشَّهَادات، ومواضِع اعتبارِ الذكورة، وعدَمِ اعتبارها.
واعْلَمْ أن قول الشاهِدِ الواحِدِ لا يكفي للحُكْم به، نعم، قدم الخلاف في أن هِلاَلَ رَمَضان، هَلْ يثبت بواحِدٍ 70 أم لا؟ وأنَّه إِنْ ثبت، فسبيله سبيلُ الشَّهادات، أم
الجزء: 13 - الصفحة: 45
سبيل الروايات؟ فإنْ قلْنا: لا يثبت، أو ثبت، وسبيلُه سبيلُ الروايات، فلا استثناء في اعتبارِ العدَدِ في الشهادات وإنْ أثبتناه، وجعلْنا سبيلَهُ سبيلَ الشَّهادات، وهو الأصَحُّ، فهذه الصورة مستثناةٌ عنه.
ومسألة الشاهِدِ واليمين ينقض قولنا: إن قول الشاهِد الواحِد غَيْر مكتفٍ به للحُكْم، وإنْ قِيل عَلَى وجه: إنَّ القضاء هناك بالشَّاهد علَى ما سيأتي؛ لأنَّ ذلك القائل لا ينازع في كون اليمين شرطاً؛ لجواز الحُكْم بالشاهد، فلا يكون قول الشاهد مكتفٍ به.
وإذا عُرِفَ ذلك، فإنَّ صاحب الكتاب رتَّب الشهاداتِ عدَداً وصفةً علَى ثلاث مراتب:
إحداها: الشهادةُ على الزنا، وإنَّما يثبت الزنا بشهادةِ أربعةٍ من الرجالِ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] قال تعالَى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ﴾ [النور: 13] وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساَء: 15] وَقَالَ سَعْدُ بْن أَبِي وَقَّاصٍ -رَضَىَ اللَّهُ عَنْهُ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَتُّ مَعَ امْرَأتِي رَجُلاً، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ فَقَالَ: نَعَمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتِ السُّنَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالخَلِيفَتَيْنِ بَعْدِهِ أَلاَّ تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ 71 وَفِي الإِقْرَارِ بِالزِّنَا قَوْلاَنِ:
أحدهما: أَنَّهُ لاَ يثبُتُ إلا بأربعة أيضاً؛ لأنه يتعلق به إقامةُ الحَدِّ، فأشبه نفْسَ الزنا.
والثاني: يثبت بشاهِدَيْن؛ لأنَّ المشهود علَيْه قولٌ، وإقرارٌ، فأشبه سائر الأقوالِ والأقارير، قال القاضي الرُّويانيُّ: وهذا أصحُّ، وعن الشيخ أبي عاصم نقلُ قولٍ غريبٍ: أن القذف إنَّما يثبتُ بشهادة أربعةٍ؛ لأَنَّه نسبةٌ إلى الزنا، فكان كالإِقرار، والصحيحُ خلافُه؛ واللواطُ وإتيانُ البهيمةِ، إنْ أوجبنا بهما الحدَّ، فلا يثبتان إلاَّ بأربعةٍ، وإنْ لم نوجِبْ إلاَّ التعزيرَ، فوجهان: وقال صاحب الكتابَ: قَوْلاَن:
أحدهما: الثبوت بشاهَدَيْنِ كسائر الجنايات، وبهذا قال ابن خيران، ويُحْكَى عن المُزَنيِّ أيضاً.
وأصحُّهما: المنْعُ، ووجَّهوه بأنَّه إيلاجُ فَرْجٍ في فرجٍ، فكانتِ الشهادة علَيْه كالشهادة على الزِّنَا.
= الشاهد الواحد على القول بالحيلولة والوقف به لا يثبت به الحق المدعي إنما هي حيلولة ووقف وليس من الحكم في شيء.
الجزء: 13 - الصفحة: 46
ثم الفصْلُ يشتمل على مسألتَيْنِ:
إحداهما: وقد تعرَّض لها مرَّةً في الكتاب في باب السرقة، وليس لها اختصاصٌ بهذا الموضع: يُشْترطُ في الشهادة عَلَى الزِّنا أَنْ يذْكُروا التي زَنَا بهَا، وأَنْ يذكُروا الزِّنَا مفسراً، فيقولوا: رأيناه أَدْخَلَ فرْجَهُ في فَرْجِهَا؛ كالمرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، أو كالرُّشَا في البِئْرِ، ولا يكفي إطلاق الزنا؛ فإنَّهم قد يظنون المفاخذَةَ زِناً، فقد ورد في الخَبَرِ "زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرِ" 72 وقد تكون الموطوءة أمَةً مشتركةً بَيْنَةُ وبين غيره أو جاريةَ ابْنِهِ، فالشاهدُ يظنُّ إصابتها زناً، وليس كما إذا ادَّعت وطء شبهة، وطالبت بالمَهْر حيث يكفي شهادةُ الشُّهُود على الوطء، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يقولوا: رأينا ذلك منْه في ذلك منْها؛ لأن المقصود هناك المالُ، فلم يلزم هذا الاحتياط.
الثانية: هل يجوزُ النَّظَر إلى الفَرْج، لتُحَمُّل شهادة الزِّنَا والشهادة على الولادة، أو شيء من العُيُوب الباطنيَّة أو لا يجوز وإنَّما يشهدُ عليها عند وقوع النَّظَر عليه اتفاقاً فيه وجوه؛ ذكرناها في أول النكاح، وأصحُّهما: الجواز، وهو الذي أورده صاحب الكتاب هناك في شهادة الزنا، ويُحكَى هذا عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "أحكام القرآن" وغيره، وبه قال أبو إسحاق، وابن القاصِّ.
والثاني: المنع مطلقاً.
والثالث: لا يجوز؛ كشهادة الزنا ويجوز لغيرها.
وهذه الثلاثة أوردها هُنَا.
والرابع: أنَّه يجوز للزِّنَا، ولا يجوز لغَيْره؛ لأنَّ الزانِيَيْنِ هتكا حُرْمَتَهما بالزِّنَا، ويُقَالُ: إنَّ أبا الطيِّب بْنَ سلمة كان يقول بهذا، ثم رجَع إلى الأول.
وقوله في الكتاب: "إلاَّ في هلال رمضان" لو أعلم بالميم؛ لما مر في الصوم، جاز.
وقوله: "للشهادات ثلاثُ مراتب؛ الأولَى الزنا" قال: "الثانية: ما عدا الزنا" يعني الشهادة في الزنا والشهادة فيما عدا الزنا، فحذف لوضُوُحه.
وقوله: "أَدْخَلَ فرجه في فرْجِها" لا يخفى أنَّ الحكم منوطٌ بقدْر الحشفة لا بجميع الفَرْج، وأنَّ الشاهد يتعرَّض مع ذلك؛ لكونه على سبيل الزنا، ولم يعدَّه في كلام الشهود؛ اكتفاء بأنَّ الكلام في الزنا، والتشبيه بالمِرْوَدِ والمُكْحُلَة زيادةُ بيان، وليس بَشْرط، كذلك ذكره القاضي أبو سَعْدٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 47
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: مَا عَدَا الزِّنَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلاَ يَؤولُ إِلَى مَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَة وَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ وَالإسْلاَمِ وَالرِّدَّةِ وَالبُلُوغِ وَالوِلاَدَةِ وَالعِدَّةِ وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالعَفْوِ عَنِ القِصَاصِ حَتَّى الوَصَايَا وَالوِكَالَةِ فَيَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ، وَلاَ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، أَمَّا مَا لاَ يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ كَالوَلاَدَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ وَالرَّضَاعِ فَإِنَّه يَثْبُتُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَلاَ تَثْبُتُ الوِلاَدَةُ بِقَوْلِ القَابِلَةِ وَحْدَهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرتبة الثانيةُ للشهادَةِ فيما ليس بمالٍ، ولا يُقصَدُ منه المالُ، وهو إمَّا عقوبة أو غيرُها.
أمَّا قسم العقوبات، فإنَّها لا تَثْبُت إلاَّ برجلَيْن يستوي فيه حقُّ الله تعالَى؛ كحد الشرب، وقَطْع الطريقِ، والقَتْل بالردَّة، وحقُّ العباد، كالقصاص في النَّفْس، والطَّرَف، وحدِّ القذف، والشهادةُ على الإِقْرار بها كالشهادةِ بنَفْسها، والتعزيرُ كالحدِّ، فلا مدْخَلَ لشهادة النساء فيها، لما مر من حديث الزّهْرِيِّ -رضي الله عنه-.
والقسم الثاني: في غير العُقُوبات، فإمَّا أَنْ تطلع عليه الرجال غالباً أو لا يطلع، ويختص معرفته بالنساء غالباً.
الضرب الأول: ما يطلع عليه الرجالُ غالباً، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعَتَاق، والإِسلام، والردة، والبلوغ، والولاء، وانقضاء العدة وجرح الشهود، وتعديلهم، والعفو عن القصاص، وكل ذلك لا يَثْبُتُ إلا برجلين أيضاً، ولا تُقْبَلُ فيه شهادةُ رجُلٍ وامرأتين؛ خلافاً لأبي حنيفة.
واحتج الأصحابُ بقياسها على القصاص، لجامع أنَّ ذلك ليس بمال، ولا المَقْصِد منه المال، وهو مما يطَّلع عليه الرجال، ومن هذا الضرْب الوكالة، والوصاية، وإن كانتا في المال؛ لأن كل واحدةٍ منهما في نفسها ولايةٌ وسلطنةٌ، ومن ادَّعاهما فإنَّما يدَّعي ويثبت قولاً للغير لا مالاً؛ ومنه الإِيلاءُ، والظِّهار، والموتُ، والإِعسار، والخُلْعُ من جانب المرأة، والكتابةُ، والتدْبيرُ، والاستيلادُ، إذا ادعاها المملوك، وحكى القاضي ابن كج في الكتابة وجهاً: أنه يثبت برجلٍ وامرأتَيْنِ، والشركةُ والقِرَاضُ معدودانِ في "التهذيب" مما نحن فيه؛ لأن كلَّ واحد منهما توكيل وتفويض يُصْرَفُ إلَى الغير، وأُدرجَ في "الوسيط" الشركة فيما يثبت برجل وامرأتين، والأول أظهر، ومنه القضاء والولايةُ إن أحوجنا فيهما إلى البينةِ، والشهادة على الشهادةِ، والإِحصانُ، وكفاله البدن، والشهادة برؤية هلال غير رمضان.
والضرب الثاني: ما لا يَطَّلع عليه الرجال غالباً، يختصُّ بمعرفته النساء، فتُقْبَلُ فيه شهادتهن على انفرادِهِنَّ، لما رُوِيَ عن الزُّهْريِّ -رضي الله عنه- أنه قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ
الجزء: 13 - الصفحة: 48
بِأنْ يَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ لاَ يَلِيهِ غَيْرُهُنَّ" 73 وذلك كالولادة، والبَكَارة، والثِّيَابَةِ، والرِّتْقِ، والْقَرَنِ، والحَيْضِ، والرِّضَاعِ 74، واستهلال المَوْلُود؛ وفي الاستهلال قولٌ آخرُ عن رواية الربيع، والظاهرُ الأولُ، وعيْب المرأة من برصٍ، وغيره تحْت الإِزار، حرةً كانت، أو أمةً من هذا القبيل.
قال في "التهذيب": والعيبُ في وجه الحُرَّة، وكفِّها، لا يثبت إلا برجلَيْن، بناءً على أنهما ليسا من العورة وفي وجْه الأمة، وما يبدو منها عند المهنة، يثبت برجل وامرأتيْنٍ؛ لأن المقصود منه المالُ، والجراحةُ التي تصيب فرج المرأة لا تُلْحَقُ بالعيب؛ لأن جنْس الجراحَةِ مما يَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالباً كذلك ذكره، لكن جنْس العَيْب أيضاً مما يطَّلع عليه الرِّجَال غالباً إنما الذي لا يَطَّلِعون عليه العيْبُ الخاصُّ 75، وذلك الجراحة الخاصة، وكل ما هو من هذا الضَّرْب فلا يثبت بأقلَّ من أربع نسوة، تنزيلاً لاثنتين منْهُنَّ منزلة رجلٍ، وما يثبت بهن، يثبتُ برجلٍ وامرأتَيْنِ، وبرجلَيْن بطريق الأولَى.
وقال أبو حنيفة: تثبت الولادةُ بشهادةِ القابلةِ وحْدها في حقِّ الزوجة عنْد ظهورِ الحَمْل ولا يثبُتُ في حق المطلقة، قال: ولا يثبت الرضاعُ بشهادة النساء المنفرداتِ، وعند أحمد: يثبت الرضاع بشهادة المِرْضَعة وحدها، وعند مالك: يكفي شهادة امرأتَيْن في هذا الضرْب.
ويجوز أن يُعْلَم قولُه في الكتاب: "فإنَّه يثبت بأربع نسوة" بعلاماتهم، لمذاهبهم.
وأن يُعلَم قوله: "ولا تثبت الولادة" بالحاء.
وكذلك قوله من قبل "ولا تثبت برجل وامرأتين".
وقوله في أول الفصل: "ولا يؤول إلَى مالٍ" محمول على ما قاله الأصحاب، وهو أنه ليس المقصد منه ومِنْ إثباته المَالَ والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: الأَمْوَالُ: وَحُقُوقُهَا كَالأَجَلِ وَالخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالإِجَارَةِ وَقَتْلِ الخَطَأِ وَكُلِّ جُرْحٍ لاَ يُوجِبُ إِلاَّ المَالَ فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، وَكَذَا فَسْخُ العُقُودِ وَقَبْضُ
الجزء: 13 - الصفحة: 49
نُجُومِ الكِتَابَةِ إِلاَّ النَّجْمَ الأَخِيرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِتَرَتُّبِ العِتْقِ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرتَبَةُ الثالثةُ الشهادةُ فيما هو مالٌ، أو المقصودُ منه المالُ، كالأعيان، والديون، والعقود، والمالية، فتثبت بشهادةِ رجُلٍ وامرأتَيْنِ ثبوتَهَا بشهادة رجلَيْن، قال الله تعالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] فلا يثبت بشهادة النساء وحْدَهُنَّ، فمن هذه المرتبة البَيْعُ، والإِقالةُ، والردُّ بالعيب، والإجارةُ، والوصيَّةُ بالمال، والحوالةُ والضمانُ، والصلحُ، والقَرضُ، والشُّفْعةُ، والمُسَاَبقةُ، وخيولُ السَّبْق 76 والصَّدَاقُ في النكاح، وفي الوطء بالشُّبهة، والغَصْب، والإِتلاف، والجناياتِ التي لا توجِبُ إلا المال، كالقتلِ الخَطَأ، وقتل الصبيِّ، والمجنونِ، وقَتْل الحرِّ بالعَبْدِ، والمسلِمِ بالذميِّ، والوالِدِ بالولدِ، والسَّرقةِ التي لا قَطْعَ فيها.
وكذلك حقوقُ الأموال، والعقود؛ كالخيار، وشرطِ الرهْنِ، والأجَلِ، وفي الأجَلِ وجْهٌ توجيهاً بأنه ضرب سلطنةٍ فكأنه كالوكالة.
ومنها: قبض الأموال، ومن جملتها نجومُ الكتابة، وفي النجم الأخير وجهان:
أحدُهِما: أنه لا يثبت إلا برجلَيْن؛ لتعلُّق العتق.
وأصحُّهما: علَى ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه كسائر النجوم، والعتقُ يحصُلُ بالكتابة وأدرك جميع النجوم لا بالنجم الأخير.
ومنها: الإِبراء، والرهنُ على المشهود، وفي شرح الموفَّق بن طاهر: أن الربيع قال: لا يثبت الإِبراءُ إلا برجلَيْن، وحكى القاضي ابن كج في الرهنْ وجهاً مثله.
ومنها: طاعة المرأة؛ لاستحقاق المنفعة، وقتلُ الكافر؛ لاستحقاقِ السَّلب، وإدمان الصيدُ لتملكه وعجز المكاتب عن النجوم.
ومنها: الوقف، وفي ثبوته برجل وامرأتَيْن عَلَى ما سنذكر، إن شاء الله تعالى، في ثبوته بالشاهد واليمين في الباب الرابع 77.
ومنها: لو مات سيِّدُ المُدبَّر، فادَّعَى الوارث؛ أنه كان قد رجَع عن التدبير، إذا قلْنا يجوز الرجوع ثبت دعواه برجل وامرأتَيْن.
ولو ادَّعَى رِقَّ شخص، أو ادَّعَى جاريهً في يد الغير؛ أنها أم ولده، ثبت دعواه
الجزء: 13 - الصفحة: 50
برجُلٍ وامرأَتَيْنِ؛ لأنه يدَّعِي مالاً، ولو توافق الزوجان على الطَّلاق، وقال: طلقتُكِ على كذا، وقالت: بل مَجَّاناً؛ ثبت دعْوَى الزوْج برجل وامرأَتَيْن وكذا لو قال لعبد: أعتقتُكَ على كذا، وقال: بل مجَّاناً.
ولو توافق الزوجان على النكاح، واختلفا في قدْرِ الصَّدَاق، أو صفته، أو على الخُلْع، واختلفا في قَدْر العوض، أو صفته، ثبت برجل وامرأتين، وكذا لو توافق السيد والعبدُ على الكتابة، واختلفا في قدْر النجوم، أو صفَتِها، والإِقرارُ بكلٍ ما يثبت برجلين يثبت برجلٍ وامرأتينِ.
وقوله في الكتاب "وكذا فسخ العقود" يعني العقود المالية، فأما فسوخُ النِّكَاح، فهي كالطَّلاق.
فَرْعٌ: شهادة الخُنْثَى المُشْكِل كشهادةَ المرأة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا شَهِدَ عَلَى السَّرِقَةِ أَوِ العَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ ثَبَتَ المَال وَإِنْ لَمْ تَثْبُت العُقُوبَةُ، وَبثْبُت مَهْرُ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُت النِّكَاحُ بِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلاَقَهَا عَلَى الوِلاَدَةِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهَا الغَصْبُ بِشَهادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَقَالَ الزَّوْجُ: إِنْ كُنْتِ غَصَبْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ بِخِلاَفٍ مَا لَوْ تَقَدَّم التَّعْلِيقُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو شهد على السَّرقة رجلٌ وامرأتانِ، ثبت المال، وإن لم يثبت القَطْع؛ لأن المالَ يثبتُ برجُلٍ وامرأَتَيْنِ، والعقوباتُ لا تثبت، ومنْهم من حَكَى في المال قولاً آخَر، كما لو شَهِدَ على القَتْل العَمْدِ رجُلٌ وامرأتان؛ فإنَّه لا يثبتُ الدِّية، كما لا يثبت القصاص، والظاهر الأولُ، وفَرَّقوا بأن السرقة توجِبُ القطْعَ والمالَ جميعاً، فما تمَّت حجته، ثبتت، وما لم يتم، لا يثبت، والقتل لا يوجِبُهما معاً، إِما أن نوجِبَ القصاص بعينه، ولم تقمْ حجَّته، فإذا لم يثبت، لم يثبت بدلُه، وإما أن نوجِبَ أحدَهُما لا بعينه، وإنَّما يتعيَّن الاختيار، فلو أثبتنا المالَ على التعْيِين، لم يفِ بموجبه.
ولو شهد رجلٌ وامرأتانِ علَى صداقٍ في نكاح ادَّعَتْه امرأة، ثبت الصَّدَاق، وإن لم يثبت النكاح، فإن الصداق هو الذي يقْصده، ولو علَّق طلاق امرأته، أو عِتْقَ عبده على الولادة، فشهد بالولادة أربعُ نسوةٍ، ثبتت الولادة، ولا يقع الطلاقُ، والعتْقُ، وكذا لو علَّقهما على الغَصْب أو الإِتْلاَف فشهد بهما رجلٌ وامرأَتَانِ، ثبت الغصْبُ والإتلاف، ولم نحكم بوقوع الطلاق، ولا بحصولِ العِتْق، نصَّ عليه.
وهو كما مرَّ في الصوم؛ أنا إذا أثبتنا هلالَ رمَضَان بشاهدٍ واحدٍ، لم نحكم بوقوع الطَّلاق والعتْق المعلَّقين برمضان، ولا بحلول الدَّيْن المؤجَّل به، وهذا إذا تقدَّم التعليق وذكر ابن سُرَيْج ووافقه عامة الأصحاب -رحمهم الله-: أنه لو ثَبَت الغصْب أولاً بشهادة
الجزء: 13 - الصفحة: 51
رجُل وامرأتين، وحكم الحاكم به، ثم جرى التعليقُ؛ فقال لزوجته: إن كُنْتِ غصبْتِ، فأنت طالقٌ وقد ثبت عليها الغصْبُ، كما وصفنا، وقع الطلاق، بخلافِ ما لو تقدَّم التعليق على الشهادة والحكم، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، وقياسُه أن يكون الحُكْمُ كذلك في التعليق برمضان، وحكَى الإِمَامُ أن شيخه حكَى وجهاً آخر: أنه لا يقع، كما لو تقدَّم التعليق، وقد يُفْرَق بينهما بأن التَعليق بعْد حُكْم القاضي واقعٌ بعْد ثبوت الغَصْب في الظاهر، فَيُنَزَّلُ عليه، وإلاَّ، فهو مراغمةٌ يحكم القاَضي، وقد صرَّح فيه، والتعليقُ قبله منصرفٌ إلى نفس الغصب، فإذا شهد رجلٌ وامرأتان، لم يقع الطلاق، وإن ثبت الغصبْ.
كما لا ثبت القطْع في السرقة، وإن ثبت المال، وذكر القاضي الرويانيُّ في تقرير كلام ابن سُرَيْج؛ أنه قد يترتب على البينة ما لا يثبت بتلك البينة؛ ألا ترى أن النَّسَب والميراث يترتَّبان على الولادة وثبتت الولادةُ بشهادة النساء وحْدَهُنَّ، ولا يثبتان بشهادة النِّساء وحْدَهُن؟ ولكن هذا يدْفع الفَرْق، ويقتضي وقوع الطَّلاَق والعتْق، وإن تقدَّم التعليق على الشَّهادة، وحكم الحاكم، ويؤيِّده أنا إذا قَبلْنا شهادة الواحِدِ في هلال رمضان، وصُمْنا ثلاثين، نفطر، وإن لم نر الهِلاَل على أظهر الوجهين، كما مَرَّ في موضعه.
وفي هذه الصورة انتشار واضح ظاهرٌ، وربما أمكن لمُّ بعضِ الشَّعَث بأن يقال: ما شَهِدَ به رجلٌ وامرأتانِ، لم يخل؛ إِما أن يكون نفسه مما تثبت بشهادتهم، أو لا تثبت، إن لم تثبت، كالسرقة، والقتل، فإن كان له موجب يثبت بشهادتهم كالمال الذي هو أحدُ موجِبَيِ السرقة، يثبت، والقاضي، والحالةُ هذه، لا يحكم بالسَّرقة، وإنما يحكم بالمال في سرقةٍ شَهِدوا بها، وإن لم يكُنْ له موجبٌ بشهادتهم، لم يثبت شيءٌ؛ كالقصاص الذي هو موجِبُ العمد، على أحد القولَيْن، وكأحد الأمرَيْنِ، إذا قلنا: إنه موجبة أحد الأمرين.
فإن شهادة رجل وامرأتين، إنَّما تصلح للدِّيَة على التعْيين، لا لأحدهما علَى الإِطلاق الذي جعَلْنَا موجباً علَى هذا القول، وإِن ثبت نفس المشهود به بشهادتهم، فاَلمرتَّب عليه، إما شرعيٌّ، أو وضعىٌّ، إن كان شرعيّاً كالنسب، والميراثِ، المرتَبيْن على الولادة، فيثبتان؛ تبعاً للولادة؛ لأن الترتيب الشرعيَّ يُشْعر بعموم الحاجة، وتعذَّر الانفكاك، أو تعسّره.
ومِنْ هذا القبيل الإِفطارُ بعد الثلاثين، وإن كان وضعيّاً، كترتيب الطلاق، والعتق بالتعيْين، وترتُّب الحلول بالتأجيل، فلا ضرورة في ثبوت الثاني بثبوت الأول، فإن علق به بعد ثبوته، ألْزَمْناه ما أثبتناه، كما ذكره ابن سُرَيج، والله أعلم.
وقوله في الكتابِ "إذا شهد على السرقة، أو العمد رجلٌ وامرأتان، ثبت المال، وإن لم تثبت العقوبة" فيه تسويةٌ بين أن يشهدوا على السرقة وبيْن أن يَشْهَدوا على القتل
الجزء: 13 - الصفحة: 52
العَمْد، في أن يثبت المال، ولا تثبت العُقُوبَة، وهذا الحكمُ صحيحٌ في السرقة، وقد ذكره مرةً في السرقة أما في القَتْل العمد، فهو خلافُ ما نصَّ عليه الأصحابُ على ما بيَّنَّاه، وليس له في "الوسيط" ذكْرٌ، بل فَرق في "باب السرقة" بين شهادتهم على السرقة، وشهادتهم على القتل، كما فعل غيره، ولا محمل لمَا جرَى هاهنا إلا السهو.
وليُعْلَمْ قوله: "يثبت" بالواو؛ للوجْه المذكور في السرقة.
وقوله: "وقع" بالواو؛ للوجه المسوِّي بين أن يتقدَّم التعليق أو يتأخر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: مَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَقبل التَّزْكِيَةُ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الحَيْلُولَةَ إِنْ كَانَ المَالُ مُشْرِفاً عَلَى الْهَلاَكِ أَوِ النَّقْلِ، وَفِي العَقَارِ وَجْهَانِ، وَلِلعَبْدِ طَلَبُ الحَيْلُولَةِ عِنْدَ إِقَامَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْعِتْقِ، وَفِي الأَمَةِ يَجِبُ عَلَى القَاضِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ، وَهَلْ لَهُ طَلَبُ الحَجْرِ في دَعْوَى الدَّيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ هَلْ يَنْزِلُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مَنْزِلَةَ شَاهِدَيْنِ فِي إِيجَابِ الحَيْلُولَةَ فِيهِ قَوْلاَنِ، ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِهِ فَلاَ نَزِيدُ عَلَى ثَلاَثةِ أَيَّام، وَإِنْ لَمْ يتِمَّ البَيِّنَةُ رُفِعَ الحَيْلُولَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعى مالاً عَلَى إنْسَانٍ، وَشَهِدَ له بِذَلِك شاهدان نُظِر.
إن كان عيناً، وطلب المدَّعِي الحيلولةَ بَيْن المال المدَّعَى، وبين المدَّعَى عليه، ووقَفَها إلَى أن يُزَكَّى الشاهدان، أجيب إليه، إن كان المالُ مما يُخَاف عليه التعيُّب والضَّيَاع، وإن كان عقاراً، ففيه وجهان حكاهما الإِمام:
أشْبَهُهما: وهو قضية إطلاق أكثرهم أنَّه لا فرق.
والثاني: لا يُجَابُ؛ لأنه مأمونُ الضياع.
وحكى الشيخ أبو الفرج عن الإِصطخري: أنه لا ينْزَع العين أصلاً، وإن كان المدعَى دَيْناً، فلا يُستَوفَى قبل التزكية، وذكر القاضي ابن كج أن أبا الحُسَيْن بن القطَّان روى وجْهاً، أنه يُسَتْوفَى ويُوقَفُ، والظاهر الأولُ، ولو طلب المدَّعَى أن يحجر القاضي عليه، ففيه وجهان أوردَهُما الإِمام.
نقل عن الأكثرَين أنه لا يجيبه، لأن ضرر الحَجْر في غير المشْهُود به عظيمٌ، وعن القاضي الحُسَيْن؛ إن كان يُتَوَهَّم فيه الحيلة، حجر عليه، كيلا يَضِيع مالُه بالتصرُّفات، والأقاريرِ، وسكت عامة حامِلِي المذْهَب عن الحَجر، لكن قالوا: هل يُحْبَسُ المدَّعَى عليه، إذا كان المدَّعَى دَيْناً؟ فيه وجهان، قال صاحب "التهذيب":
أصحُّهما: أنه يُحْبَسُ؛ لأن المدَّعِي أتَى بما عليه، فالبحْثُ بعد ذلك من وظيفة القاضي، وظاهر الحالِ العدالةُ، وبهذا قال أبو إسحاق.
الجزء: 13 - الصفحة: 53
والثاني: ويُحْكَى عن الإِصطخري المنع؛ لأنَّ عدالة الشاهدَيْن غيرُ معلومةٍ، والأصل براءة الذمَّة، وعلى هذا؛ قيل: إنْ تكفَّل، فللمدَّعِي ملازمَتُه إلَى أن يُعْطِيَه كفيلاً، وأجرة من يبعثه القاضي معَهُما للتكَّفيل علَى المدَّعِي، وإنْ كان المدَّعَى قصاصاً، أو حد قذفٍ، يُحْبَسُ المشهود عليه، لأن الحقَّ متعلِّق ببدنه، فيحتاط له 78 وفي حدود الله تعالَى لا يُحْبَسُ.
وفي دعْوَى النكاح تُعْزَل المرأة عند امرأةٍ ثقةٍ، وتمنع من الانتشار والخُروج، وفيه وجه ضعيفٌ وعلى هذا؛ هلْ يُؤْخَذ منها كفيلٌ؟ فيه وجهان عن صاحب التَّقْريب، قال القاضي أبو سَعْد: فإِنْ كانت المرأَةُ تحْت زوْجٍ، لم يمْنَعْ منْها الزوج قبل التعديل؛ لأنه ليس مدعى عليه، وليس البُضْع في يده، فلا معنى لإِيقاع الحَجْر علَيْه قبل التعديل، ولو شهد شاهِدَان لعَبْدٍ بأن سيِّدَه أعتقه، وطلَبَ العَبْدُ الحَيلولة قَبْل التزكية، فيجيبه القاضي إليه ويحول بينه وبين سيِّده، ويؤخِّره، وينفق علَيْه، فما فضل، فهو موقوفٌ بينه وبيْن سيِّده فإن لم يكُنْ له كسْبٌ، أنفق عليه مِنْ بيْت المال، ثم يُرّجَعُ عَلَى سيِّده، إنْ بان جرح الشهود واستمر الرقُّ، وكذلك الأعيان المنتزعة يؤجرها وهل يتوقَّف الحيلولةُ على طلب العَبْد؟ فيه وجهان، الذي أوْرَدَه، الإِمام أنَّه إذا رأَى القاضي أن يحول بينهما.
فَعَلَ، ولا حاجة إلَى طلب العبد وفي الأمَّة تنحتم الحيلولةُ، احتياطاً للبُضْع وكذا لو ادَّعَتِ المرأة الطَّلاق، وأقامت شاهدَيْن، ففَرَق الحاكمُ بينهما قَبْلَ التزكية، والوجهان في أنَّ طلب العبْد، هل يُشْترط للحيلولة جاريان في انتزاعِ العَيْن المدَّعاة، ويقْرُب منهما وجهان حكاهما القاضِي ابن كج في أنَّ إجارة العبد تفتقر إلَى طلب اليد أو العبد أو يؤجِّره القاضي، وإن لم يطلُبْ واحدٌ منهما، والثاني أقرب إلى ظاهر النصِّ، هذا كلّه فيما إذا أقام المدَّعِي شاهدَيْن.
ولو أقام شاهداً واحداً، وطلب الانتزاع قَبْل أن يأْتي بآخر، هل يُجَابُ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كما لو تمَّ العدَدُ، وبَقِيتِ الحاجةُ إلَى التَّزْكية.
والثاني: لا؛ لأنَّ الشاهِدَ الواحدَ لَيْسَ بحُجَّة، وهناك قد تمَّت حُجَّته، وليسَتِ التزكية جزءاً من الحجَّة، وإنَّما تبين بها قيام الحجَّة، وهذا أصحُّ عند عامة الأصحاب، واختار القاضي الروياني الأول.
وعن أبي إسحاق: أنه قطعَ بِهِ؛ لأنَّ المال يَثْبُت بشاهدٍ ويمينٍ، وله أن يحلف معه متَى شاء، فكأَنَّ الحجَّةَ تَامَّةٌ، وحكى أبو الفرج طريقة قاطعة بالثاني؛ لأنه متمكِّن من إتمام حجَّته بالحَلِف، فإذا لم يفعل، كان مقصِّراً، وله يُحْبَسُ المدَّعَى عليه في القذْف
الجزء: 13 - الصفحة: 54
والقِصَاص بشاهدٍ واحدٍ؟ فيه القولان، ولا يجيء الطريقان، ويجري الخلاف في دعْوَى النكاح تعديلاً ثم تكفيلاً، إن لم يعدل.
وفي دعوى العتق والطلاق، هل يحتال؟ فيه القولان، ثم ذكر العراقيُّون والقاضي الرويانيُّ؛ أن الحيلولة والحَبْس قَبْل التعديل يبقيان إلَى ظهور الأمْرِ للقَاضِي بالتزكية والجَرْح، ولا يقدر له مدة، والحيلولة والحَبْس بشاهدٍ واحدٍ، إذا قلْنا به لا يزدادان على ثلاثةِ أيامٍ، وعن أبي إسحاق أنَّ قول تأثير الشَّاهد الواحِدِ موْضِعُه ما إذا أقام شاهداً، وقال: إِنَّ الشاهدَ الآخر قريبٌ، وإن قال: إنه غائبٌ لا يحْضُر إلَى ثلاثة أيام، فلا حيلولَةَ ولا حَبْسَ بحال.
وعلى هذا يُنَزَّل قوله في الكتاب وإذا قلْنا به، فلا يزيد على ثلاثة أيام إلى آخره، أي: إذا أوجبنا الحيلولة بشاهدٍ واحدٍ، يجوز أن يُعْلَمَ قولُه في الكتاب "قولان" بالواو، للطريقتَيْن القاطعتَيْن في دعْوَى المال، وكذلك في أول الفَرْع له، إن بَطلت الحيلولة، لما سبق.
واعلم أن هذا النَّوْع لَيس له كثيرُ اختصاصٍ بالباب بل هو بـ"أَدَب القاضي" أو بـ"الدَّعَاوَى والبينات" أليقُ، وإنما أوْرَدَه هاهنا عَلَى ما يشعر به سياقُ "الوسيط" لأنَّه تبيَّن في الباب أن العددَ معتبرٌ في الشهادة، وأنَّ شهادة الواحدِ غَيْرُ محكوم بها، فأراد أن يتكلَّم في شهادة الواحِدِ، له تُعْتَبَرُ في شيْء؟ وإن لم يَكْفِ الحكم؟ ثم إنه قدَّم عليه أثَر إقامة الشاهدَيْن قبل التزكية.
فَرْعٌ: قال في "التهذيب": إذا حال القاضِي بيْن العَبْد والسَّيِّد، وانتزع العَيْن المدَّعاة بعد شهَادَة الشاهدَيْن، وقبْل التَّزْكية، لم ينفذ تصرُّف المتداعِيَيْن فيه، نعم، لو أقر أحدهما بالوقوف لإِنسان، أو أوصَى به أو دَبَّر، أو أعْتق، انتظرْنا ما يستقر الأمرُ علَيْه آخِراً وحكى القاضي أبو سعْدٍ وجهَيْن في نفوذ التصرُّف، وصوَّر فيما إذا أوقع القاضِي الحَجْر على المشْهُود عليه في المشْهُود به، فإنْ أراد بإيقاع الحَجْر علَيْه نفْس الحيلولة، فقد تحصُّلنا من نقله على خلافٍ، وإن أراد التلفُّظ بالحجْر، أشعر ذلك باعتبار الحجر القوليّ لامتناع التصرُّف، قال: وإذا قامَتِ البينة، وحصَل التعدِيلُ، والقاضي ينْظُر في وجْه الحُكْم، فينبغي أن يوقع الحجْرَ عليه في مدة النَّظَر، وإذا وقع، لم ينفذ تصرُّفِ، قال صاحب "التهذيب": وقبل الحيلولة والانتزاع لا ينفُذُ تصرُّف المدَّعِي، وينفُذُ تصرُّف المدَّعَى عليه، إن قلْنا: إنَّ طلب المُدَّعِي شرطٌ في الوقْف، وإِلا فوجهان:
آخر: الثمرة والغلَّة الحادثتان بعْد شهادة الشاهدَيْن وقبل التزكِيَة للمدَّعِي، وبين شهادة الشاهد الأول والثاني لا يكون للمدعي إلا إذا أرخَّ الثاني ما شهِدَ به بيوم شهادة
الجزء: 13 - الصفحة: 55
الأول، أو بما قَبْلَه، فإن استخدم السَّيِّدُ العَبْدَ المدَّعِيَ للعتْقِ بين شهادَةِ الأول والثاني عَلَى قولنا، لا يُحَالُ بينهما، وشهد الثاني هكذا، فعليه أجْرَةُ المثل والله أَعْلَمُ.
البَابُ الثَّالِثُ فِي مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالأَصْلُ فِيهِ اليَقِينُ الوَاضِحُ كَالشَّمْسِ، وَذَلِكَ بِالإِبْصَارِ المُجَرَّدِ فِي الأَفْعَالِ، وَبِالسَّمْعِ وَالبَصَرِ جَمِيعاً فِي الأَقْوَالِ، فَيَقْبَلُ شَهَادَةَ الأَصَمِّ عَلَى الأَفْعَالَ، وَلاَ يَقْبِلُ شَهَادَةَ الأَعْمَى عَلَى الأَقْوَالَ وَلاَ عَلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي يَطَؤُهَا فَإنّ الأَصْوَاتَ تَتَشَابَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّق بِالمُقِرِّ ويَجُرَّهُ إِلَى القَاضِي فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُقْبَلُ، وَفِي رِوَايَةِ الأَعْمَى وَجْهَانِ، أَمَّا ما سَمِعَهُ قَبْلَ العَمَى فَيُرْوَى، بَلْ يَشْهَدُ أَيْضاً عَلَى مَعْرُوفِ النَّسَبِ بِمَا أَبْصَرَهُ قَبْلَ العَمَى، وَفِي المُتَرُجِمِ الأعْمَى وَجْهَانِ، وَالقَاضِي إِذَا عَمِيَ بَعْدَ سَمَاعِ البَيِّنَةِ فَفِي القَضَاءِ بِهَا وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب شيئان:
أحدهما: بيانُ ما تستند إلَيْه الشَّهَادة.
والثاني: القولُ في حكم تحملها أولاً، وأدائِها آخراً، إلاَّ أنَّه لم يتعرَّض للثاني في ترْجَمَة الباب، والشهادةُ تحْتَاجُ في مستَنَدِها تارةً إلى الإِبْصَار، وتارةً لا تحتاج إلَيْه، بل يكفي لها السماعُ، فرتَّب الباب على ثلاثة فصول:
أحدُها: فيما يحتاج إلى الإِبْصَار.
والثاني: فيما يَكْفِي فيه التَّسَامُع.
والثالث: في التحمُّل والأداء، إلاَّ أنه ترك التَّفْصِيل ولم يصرح بالفصل الأول ثم اندفع الفصل الثاني والثالث ولا بأْس لو ألحق بأول الباب، وفيه فصول:
الأولُ: فيما يحتاج إلى الإِبْصَار، والأصلُ في الشهادة البناءُ على العلْم واليقين، قال الله تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإِسراء: 36] وقال تعالَى: ﴿إِلاَّ من شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] ونقَلْنا في أول الشهاداتِ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ أَوْ فَدَعْ" ولهذه اللفظة، قال في الكتاب "اليقينُ الواضحُ كالشَّمْس" إلا أَن من الحقوق ما لا يحْصُل اليقين فيه، ولا يستغنَى، عن إقامة البينة علَيه، فأقيم الظنُّ المؤكَّدُ فيه مقام اليقين وجُوِّزت الشهادة بناءً على ذلك الظنِّ كما سيأتي، وقد قسم الشَّافعي والأصحابُ -رحمهم الله- المشْهُود به عَلَى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكفي فيه السماع، ولا يحتاج إلى الإِبْصَار، وموضع بيانه الفصْلُ الثاني من الباب.
الجزء: 13 - الصفحة: 56
والثاني: ما يكْفِي فيه الإِبصارُ، وهو الأفعالُ، كالزنا، والشرب، والغصْب، والإِتْلاَف، والوِلاَدَة، والرَّضَاع، والاصطياد، والإِحياء، وكون المال في يد الشخص؛ فيُشْتَرَط فيها الرؤْيَة المتعلِّقة بها وبفاعليها، ولا يجوز بناءُ الشَّهادة فيها على السَّمَاع من الغَيْر، وتُقْبَل فيها شهادةُ الأصَمِّ، والثالث: ما يحتاج إلى السَّمْع والبَصَر معاً؛ كالأقوال، فلا بدَّ من سماعها، ومن مشاهدة قائِلِهَا، وذلك كالنكاح 79 والطلاق، والبيع، وجمِيع العقودِ، والفُسُوخِ، والإقْرَارِ بها، فلا تُقْبَلُ فيها شهادةُ الأصمِّ الذي لا يسمع شيئاً، ولا تَقْبَلُ شهادةُ الأعمَى فيمَا يحتاج إلى الإِبْصَار 80، ولا يصحُّ فيه التحميلُ؛ اعتماداً على الصوت، فإن الأصواتَ تتشابه، ويتطرَّق إليها التخيُّل والتلْبِيس، وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: له التحمُّل والشهادَةُ، اعتماداً على الصوتْ، كما له أن يطأ زوْجته، ويميِّز بينها وبين غَيْرها بالصَّوْت ونحوه، وأجاب الأصحاب بأنَّ الشهادة مبيَّنةٌ على العِلْمُ ما أمكن، والوطء يجوز بالظنِّ، وأيضاً، فالضرورة تدْعو إلَى تجويز الوطْء له، ولا تَدْعو إلى الشهادة؛ فإنَّ في البَصَر غنية عنه، ويُستَثْنَى عن هذه القاعِدة صورة الضبط، وهي أن
الجزء: 13 - الصفحة: 57
يضع رجُلٌ فمه على أذنه، ويد الأعمى علَى رأسه يتيقن أنه يسمع منه، فيقرَّ بطلاقٍ، أو إعتاقٍ، أو لرجُلٍ معروفِ النَّسب والاسم بمال، وتعلَّق به الأعمى، ولا يزال يضبطه حتى يَشْهَد بما سمع منْه عنْد القاضي، وأصحُّ الوجهين قبولُ الشهادة منه، والحالةُ هذه، لحصول العلم والثاني اطرادُ المنع؛ لأن التصوير المذكور فيه عسْرٌ وتدقيقٌ، واللائقُ حسُمُ الباب كما أنَّا لا نقبَلُ شهادةَ الفاسِق علَى الإِطْلاَق، وإن كان يغْلِبُ على ظَنِّنا صدْقُه، وأما روايةُ الأعمى، ففيها وجهان:
أحدهما: المنْعُ؛ لأنه قد يُلْبَس عليه وقتُ السماع.
والثاني: انَّها مقبولةٌ، إذا حصل الظنُّ الغالب، واحْتُجَّ له بأن عائشة وسائر أمهات المؤمنين -رضي الله عنهنَّ- كنَّ يرْوِينَ من وراء السِّتر، ثم يروى السامعُونَ منْهنَّ، ومعلوم أن البُصَراء، والحالةُ هذه، كالعميان، والأول أظهر عند الإِمام، وبالثاني أجاب الجُمْهور، وقالوا: يُحْتَمَلُ في الرواية ما لا يُحْتَمَلُ في الشَّهادة على ما تقدَّم.
وهذا الخلاف فيما سُمِعَ بعد العَمَى، أما ما سمعه قبل العمَى، فله أن يرويه بلا خلافٍ، ولو تحمَّل شهادةً تحتاج إلى البَصَر، وهو بصيرٌ، ثم عَمِيَ، فَيُنْظَرُ، إن تحمَّل على رجل معروفِ الاسم والنسب، يقر لرجُلٍ بهذه الصفة، فله أن يشهد بعدما عَمِيَ؛ لحُصُولِ العِلْم بالمشْهُود عليه، وَبالمَشْهُود له، وكذا لو عَمِيَ، ويد المقر في يده، فشَهِد لِمَعْروف الاسمِ والنسبِ، وإن لم يكن كذلك، لم تُقْبَلْ شهادته، لانَّه لا يمكنه تعيينُ المشْهود عليه، أو الإِشاَرة إلى المَشْهود له.
وفي المتَرْجِمِ الأعمى وجهان عن صاحب "التقريب":
أصحُّهما: أنه يجوز الاعتمادُ علَى قوله، وقد ذكرنا المسألة من قَبْل.
ولو عمي القاضِي بعد سماع البينة وتعْدِيلها، فهل يَنْفذ قضاؤُه في تلْك الواقعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لانعزاله بالعَمَى كما لو انعزَلَ بسببٍ آخَرَ.
وأشبههما: وبه أجاب القاضي الحُسَيْن: أنه ينفذ، إنْ لم يحتج إلى الإِشارة، كما لو تحمَّل، وهو بصير، ثم عمي، وأما شهادة الأعمَى فيما يثبت بالتسامع، فنذكرها في فصْل التسامح.
وقوله في الكتاب "ولا تُقْبَلُ شهادةُ الأعمَى في الأقوال" معلمٌ بالميم والألف، ويجوز أن يُعْلَمَ بالواو؛ لوجْهٍ ضعيفٍ حكيناه في "أدب القضاء" أن العمَى لا يَقْدَح في القضاء، وذلك الوجْهُ على ضعّفه يطَّرد في الشهادة.
وليس قوله: "في الأقوال" للتخصيص، بل كما لا تُقْبَلُ شهادته في الأقوال، لا
الجزء: 13 - الصفحة: 58
تُقْبَلُ شهادته في الأفْعَال؛ فإنَّ الاعتماد فيها على البَصَر وحْدَه.
وقوله: "على زوجته التي يطأها" أشار به إلَى أن شهادته كما لا تُقْبَلُ على الأجانِبِ، لا تُقْبَلُ على زوجته الَّتي يجُوز له وطؤها؛ لما سبق، وعن القفَّال: أنَّ مالكاً سُئِلَ ببَخارَى على شهادة الأعمَى، وقصدوا التشنيع عليه، فقال: ما قولُكُمْ في أعمَى يطَأُ زوجته، وأقرَّتْ تحته بِدْرهَم، فشَهِدَ عليها، أتصدِّقونه في أنه عرَفَها؛ حتى استباح بُضْعَها؟ ويقولون: إنه لم يَعْرِفْها للإِقرار بدرهم، فانعكس التشْنِيعُ إلَى أنْ يحقق الأمر.
وقوله: "يُقْبَلُ في مسألة الضبط" معلم بالحاء، وكذا قوله: "بل يشهد أيضاً على معروف النسب" فإن عند أبي حنيفة لا تُقَبَلُ شهادةُ الأعمَى بحال وقوله: "بل يشهد على معروف النسب" أي لمعروف النسب، وإلا فيحتاج إلى الإشارة إلى المشهود له، وهو غير متمكّن منها والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ يُعْرَفْ نَسَبُهُ فَلاَ بُدَّ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهِ، فَإنْ مَاتَ أُحْضِرَ مَجْلِسَ الحُكْمِ، فَإِنْ دُفِنَ فَلاَ يُنْبَشُ قَبْرُهُ وَقَدْ تَعَذَّرَتِ الشَّهَادَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شاهد فعْلَهُ من إنْسَان، أو شاهَدَهُ، وسَمِع منه قولاً، فإنْ كانَ يَعْرِفُه بعَيْنه واسمه ونَسَبه، فيشهد علَيْه عنْد حضوره بالإِشَارَة إلَيْه، وعند غيبته ومَوْته باسمه ونَسَبه، فإنْ كانَ يعْرِفه باسمِه واسْمِ أبيه دُونَ جدِّه، قال في "الوسيط" يُقْتَصَرُ عليْه في الشِّهَادة، فإن عرفه القاضي بذلك، جاز، وكان يجوز أن يُقَالَ: هذه شهادةٌ على مجْهُول؛ فلا يُعْتَدُّ بها كما ذكرنا في "باب القضاء على الغَائِب" أن القاضِيَ، لو لم يَكْتُبْ إلا أنِّي حكمْتُ عَلَى محمَّد بن أحمد، فالحكْمُ باطل.
وقد ذكر الشيخ أبو الفرج؛ أنه إذا لم يَعْرِف نسبه قدْرَ ما يحتاج إلى رفعه، لم يحلَّ له أن يشْهَد إلا بما عرف، لكن الشهادة، والحالةُ هذه لا تفيد، وقال الإِمام: لو لم يَعْرِفْه إلا باسمه، لم يتعرَّض لاسم أبيه، لكنَّ الشهادةَ علَى مجرَّد الاسم، قد لا تنفع في الغيبة.
وبالجملة فلا يَشْهد ولا يُجْزِئ على ما لا مَعْرفةَ له به، فلو سمع اثنين يَشْهدان، أن فلاناً وكَّل هذا الرجل ببيع دارِهِ، وأقرَّ الوكيلُ بالبيع، شهد على إِقْرَاره بالبيع، ولم يشْهَد على الوكالة، وكتب القفَّال مثله؛ أنَّه يَشْهَد علَى شهادة شاهدي الوكالة، وكأنهما كانا أشهداه على شهادتهما؛ ولو حَضَر عقْدَ نِكَاحٍ زعم الموجب أنَّه وليُّ المخطوبة، أو وكيلُ وليِّها، وهو لا يعرفه وكيلاً، أو ولياً، أو عَرَف الولاية، والوكالة، لكنْ لم يَعْرِفْ رضا المرأة، وهي ممَّن يُعْتَبَرُ رضاها، فلا يَشْهَد على أنَّها زوجته، ولكنْ يشهد أن فلاناً زَوَّجَ فلانةً من فلان، وقيل: فلان، فإن لم تُعْرَفِ المرأةُ بنَسبِها، لم يشهد
الجزء: 13 - الصفحة: 59
إلا أن فلاناً قال؛ زوَّجت فلانةً من فلان، ويُقَالُ: إنَّه ورد على القفَّال من القاضي؛ ليزوج فلانة من 81 خاطبها من أحمد بن عبيد الله، وكان الخاطب من جيران القفَّال، فقال: إنما أعْرِفُكَ بأحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لا بأحمَدَ بْنِ عبيد اللَّهِ، فلم يزوِّجْها منه.
وفي مثل هذه الصورةِ لَيْس للمكتوب إلَيْه أن يسمع الشهادة علَى أنه أحمد بن عبيد الله؛ لأن القاضي لم يفوِّض إليه سماع البينة، وإن كان يعرف المشهود عليه بعَيْنه دون اسمه ونسبه، ويشهد عليه حاضراً، لا غائباً ولا ميتاً، وإذا مات أُحْضِرَ ليشَاهِدَ صورته، ويَشْهَد على عينه، فإن دُفِنَ، فعن القاضي الحُسَيْن: أنه لا يُنْبَشُ، وقد تعذَّرت الشهادة، وهذا ما أورده في الكتاب، وما استُثْنِيَ عنْه في "الوسيط" ما إذا اشتدت الحاجة، ولم يطُلِ العهدُ بحَيْث بتغيَّر المنْظَر، وهذا ما أورده الإِمامُ علَى سبيل الاحتمال، وقال: الأظهُر ما ذكره القاضي.
ومن لا يعرف اسم المشهود عليه ونسبه، لم يكن له أن يُعْتَمَد قوله، أنه فلانُ بنُ فلانٍ، فيشهد على اسمه ونَسَبه، لكن لو تحمَّل الشهادة، وهو لا يَعْرِف اسْمَه ونسبه، ثم سمع الناسَ من بعد يقولون: إنَّه فلانُ بنُ فلان، واستفاض عنه ذلك، فله أن يشهد في غيبته علَى اسمه ونَسَبه، ويكون كما لو عَرَفَها عند التحمل 82.
ولو قال عدلان عند التحمُّل أو بعده: هو فلانُ بن فلانٍ، قال الشيخ أبو حامد: له أن يعْتَمِد عليه، ويشهد على اسْمِه ونَسَبه، وهذا مبنيٌّ علَى أنه يجُوز الشَّهَادة على النسب بالسماع من عدلَيْن، وفيه خلافٌ سيأتي في "فصل التسامح" وكما أن المشهود عليه تارة تقع الشهادةُ علَى عينه، وأخرَى على اسمه ونسبه فكذلك المشْهُود له فتارة يُشْهَد على أنه أقرَّ لهذا، وتارةً علَى أنه أقر لفلانِ بْنِ فلان.
وكذلك عند غيبة المشهودِ له وإذا شهد الشاهدانِ علَى أنَّ لهذا علَى فلانِ بنِ فلانٍ
الجزء: 13 - الصفحة: 60
الفلانِيّ كذا، فقال الخَصْم: لسْتُ فلانَ بْنَ فلانٍ الفلانيَّ وفي فتاوى القفَّال: أن عَلَى المدَّعِي البيِّنَة على أن اسمه ونسبه ما ذكراه، فإن لم تكُنْ بينة، حلَّفه، وإن نكل، حَلَف، واستحقَّ، وإن سلم ذلك الاسم والنَّسَب، وادعى؛ أن هناك من يشاركه فيهما، لم يُقْبل منْه حتَّى يقيم البينة على ما يدَّعيه، فإِن أقامها، احتاج المدَّعِي إلَى إثبات زيادة، يمتاز بها المدَّعَى عليه عن الآخر.
وهذا كما ذُكِرَ في كتاب القاضي إذا بلغ المكتوب إليه، وأحضر من زعم المدَّعِي أنه المحْكُوم عليه، وليكن التصويرُ فيما إذا ادَّعَى أنه يستحِقّ علَى هذا الحاضِر كذا، واسمه ونسبه كذا، وأنه يستحق على من اسمه ونسبه كذا، وهو هذا الحاضر، وأقام البينة على الاستحقاق على فلانِ بنِ فلانٍ، فيستفيد بها مطالبةَ الحَاضِر، إن اعترف بذلك الاسم والنسب، أو يقيم بينة أخرَى على الاسم والنسب، إن أنكر، ثم يطالبه، وإلا، فكيف يدَّعي علَى فلانِ بنِ فلانٍ من غير أن يربط الدْعَوى بالحَاضر؟.
وفي الفتاوى أيضاً: أنه لو أحضر رجلاً عند القاضِي، وقال: إن هذا أقرَّ لفلانِ ابْنِ فلانٍ بكذا، وأنا ذلك المُقَرُّ له، فقال الرجل: نَعَمْ، أقرَرْتُ، ولكن هاهنا، أو بموضعٍ آخرَ رجلٌ بهذا الاسم والنَّسَب، وإنما أقررتُ له، فعليه إقامةُ البينة على ما يدَّعيه، فإذا أقامها سُئِلَ ذلك الآخَرُ، فإن صدَّقه، دُفِعَ المُقَرُّ به إليه، ويحلفه الأولُ علَى أنه لا شيء عليه.
وإن كذَّبه، فهو للمدَّعِي، وإن قال: هاهنا رجلٌ آخرُ بهذا الاسم والنسب، وأنا أقررتُ لأحدهما، لا أثبت عينه، وأقام البينة علَى رجلٍ آخَر، فَيُسْأَلُ ذلك الآخر، فإن قال: لا شيء لي على المُقِرِّ، فينبغي أن يجب عليه التسليمُ إلى الأول، كما لو كانت عنده وديعةٌ فقال: هي لأحدكما؛ ولا أدْرِي أنَّها لأيِّكما، فقال أحدهما: إنَّها ليستْ لي، تكون للآخر، وإن صدَّقه الآخر، فهو كما في صورة الوديعة، إذا قال كلُّ واحد منهما: إنَّها لِي.
واعلم أنا في الوكالة ذكَرْنا فيما لو وكَّل رجلاً بالخصومة عنه، ثم غاب الموكِّل، والقاضي لا يعرفه، وأراد الوكيل الخصومة عنه، بناءً على اسمٍ ونَسَبٍ ذكره أنه لا بدّ من البيِّنة علَى أنه وكلَّه فلانُ بن فلانٍ، أو على أن الذي وكلَّه عند القاضي هو فلانُ بنُ فلانٍ، وحكينا عن القاضي الحُسَيْن أن هذه البينة يكتفي القضاة فيها بالعدَالة الظاهرة، ويتساهَلُون في البحْث والاستزكاء، وعن القاضي أبي سعد الهرويِّ: أنه يجوز الاكتفاءُ فيه بتعْريف واحد وكلُّ واحدٍ من هذَيْن الكلامَيْن ينبغي أنْ يعود هاهنا حيث احتاج إلى إثباتِ أنَّه فلانُ بن فلانٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 61
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ تَحمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلى المَرْأَةِ المُتَنَقِّبَةِ إِلاَّ أن يُكْشَفَ وَجْهُهَا وَيُمَيِّزَهَا عِنْدَ الأَدَاءِ عَنْ أَمْثَالِهَا بِالإِشَارَةِ وَالمَعْرِفَةِ المُحَقَّقَةِ، وَإِنْ عَرَفَهَا رَجُلاَنِ فَلاَ يُشْهَدُ عَلَيْهَا بَلْ عَلى شَهَادتِهِمَا بِأَنَّ فُلاَنَةً أَقَرَّتْ وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَتِهَا لِأَنَّهُ فَرْعُهُمَا، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا لِحَاجَةِ التَّحَمُّلِ، وَإِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا بِدَيْنٍ وَزَعَمَتْ أنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِالنَّسَبِ وَلاَ إِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهَا بنتُ زَيْدٍ إِذِ البَيِّنَةُ عَلَى النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى لاَ يُسْمَعُ عَلَى الصَّحيْحِ، وَلَكِنْ لِلْقَاضِي أنْ يُنَصِّبَ مَنْ يَدَّعِي عَلَى بِنْتِ زَيْدٍ دَيْنَاً وَتنْكِرَ هِيَ أنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ فَيُقَامُ البَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِالنَّسَبِ ثمَّ إِذَا ثَبَتَ سَجَّلَ وَيَجُوزُ هَذِهِ الحِيلةُ لِلْحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: المرأة المُتَنَقِّبَةُ؛ لا يجوز [تَحَمُّلُ] 83 الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، اعْتِمَاداً على الصَّوْتِ؛ فإن الأَصْوَاتَ تَتَشَابَهُ، كما لا يجوز أن يتحمل الأَعْمَى، اعتماداً على الصوت.
وكذا البَصِيرُ في الظُّلْمَةِ، ومن وَرَاءِ حائلٍ صَفِيقٍ، وفي الحَائِلِ الرَّقِيقِ، وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ في العِدَّةِ:
أَصَحُّهُمَا: أنه يجوز؛ لأنه لا يمنع المُشَاهدة؛ وإذا لم يَجُزِ التَّحَمُّلُ بالصوت، فإن عرفها مُتَنَقِّبَةً باسمها، ونَسَبِهَا، أو بِعَيْنِهَا، لا غير، جاز التَّحَمُّلُ، ويشهد عند الأَدَاءِ بما يعلم.
وإن لم يعرفها، فيكشف 84 عن وجهها، ليراها الشَّاهِدُ، وبضبط حِلْيَتَهَا، وصُورَتَهَا، لِيَتَمَكَّنَ من الشَّهَادَةِ عليها عند الحاجة إلى الأَدَاءِ؛ ويُكْشَفُ وَجْهُهَا حينئذ أيضاً.
ولا يجوز التَّحَمُّلُ، بتعريف عَدْلٍ أو عَدْلَيْنِ أنها فلانة بنت فلان، وإذا قَالَ عَدْلاَنِ: نَشْهَدُ أن: هذه فُلانَةُ بنت فلان تقر بكذا، فهما شَاهِدَا الأَصْل.
والذي يسمع منهما شَاهِدٌ، فرع يشهد على شَهَادَتِهِمَا عند اجتماع 85 الشَّرَائِطِ.
ولو سَمِعَهُ من عَدْلٍ وَاحِدٍ فَيَشْهَدُ على شَهَادَتِهِ.
والشَّهَادَةُ على الشَّهَادَةِ، والحالة هذه، تكون على الاسْمِ، والنَّسَبِ، دون العَيْنِ.
هذا ما ذكره أَكْبَرُ المُتَكَلِّمِينَ في المَسْألَةِ.
وَحَكَوْا عن القَفَّالِ: أنه كتب في صورة المَسْاَلَةِ شَهَادَتَهُ على شهادة المعرفين ثم
الجزء: 13 - الصفحة: 62
أُحْضِرَا لِلأَدَاء، فامتنع، وقال: كيف أَشْهَدُ؟ والشَّاهِدَانِ في السُّوقِ، ووراء ذلك وجوه:
أحدها: عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: يكفي [له] 86 لتحمل الشَّهَادَةِ عليها مُعَرِّفٌ وَاحِدٌ سُلُوكاً به مَسْلَكَ الإِخْبَارِ.
وعلى ذلك، جرى جَمَاعَةٌ من المُتَأَخِّرِينَ، منهم القاضي ابن كج والروباني.
والثاني: أنه يجوز التَّحَمُّلُ إذا سمع من عَدْلَيْنِ أنها فُلاَنَة بنت فلان، ويَشْهَدُ على اسْمِهَا، ونَسَبِهَا، عند الغيبة.
وهذا، ما حكيناه عن الشيخ أبي حَامِدٍ؛ بِنَاءً على أنه: تجوز الشَّهَادَةُ على النَّسَبِ بالسَّمَاعِ من عَدْلَيْنِ.
والثالث: عن الإِصْطَخْرِيِّ: أنه إذا كان يَعْرِفُ نَسبَ امْرَأَةٍ، ولا يعرف عَيْنَهَا، فدخل دَارَهَا، وفيها نِسْوَةٌ سِوَاهَا، فقال لابنها الصَّغِيرِ: أيتهن أُمُّكَ، أو لجاريتها: أيتهن سَيِّدَتُك، فأشارت [إلى] 87 امرأة، فسمع إقْرَارَهَا، جاز له أن يَشْهَدَ: أن فلانة بنت فُلاَنٍ أَقَرَّتْ بكذا.
حَكَاهُ القاضي ابن كَجِّ، ولم يقم قَوْلُ شَاهِدَيْنِ، على قول الإِصْطَخْرِيِّ مَقَامَ إِخْبَارِ الصغير، والجارية، وادَّعَى: أن ذلك أَشَدُّ وَقْعاً في القَلْبِ، وأَثْبَتُ.
ولك أن تقول: مَا يَنْبَغِي أن يَتَوَقَّفَ جَوَازُ التَّحَمُّلِ على كَشْفِ الوَجْهِ، ولا على المعرف 88؛ لأن حُضُورَ امْرَأَةٍ، أو شَخْصٍ تحت النِّقَاب، وإقرار ذلك الحاضر مُتَيَقَّنٌ، فإذا رفعت المَرْأَةُ إلى القاضي، والمُتَحَمِّلُ يُلاَزِمُهَا، يتمكَن من الشهادة على عَيْنِهَا، بأنها أَقَرَّتْ بكذا، وهو نظير صورة الضبطة، في شهادة الأَعْمَى.
وقد يحضر قَوْمٌ، يُكْتَفَى بإخبارهم في التَّسَامُعِ، قبل أن تَغِيبَ المَرْأَةُ، إذا لم نَعْتَبِرْ في التَّسَامُعِ طولَ المُدَّةِ.
كما سيأتي، فيخبرون عن اسْمِهَا، ونَسَبِهَا، فيتمكن من الشَّهَادَةِ على اسْمِهَا، ونَسَبِهَا، بل ينبغي أن يقال: لو شَهِدَ اثْنَانِ، تَحَمَّلاَ الشَّهَادَةَ على امْرَأَةٍ لا يَعْرِفَانِهَا، أن امرأة حَضَرَتْ
الجزء: 13 - الصفحة: 63
يوم كذا، مَجْلِسَ كذا، فَأَقَرَّتْ لفلان بكذا، وشهد عَدْلاَنِ أن المَرْأَةَ المُحْضَرَةَ يومئذ في ذلك المَكَانِ، كانت هذه، يَثْبُتُ الحَقُّ بالبَيِّنَتَيْنِ.
أَلَيْسَ لو قَامَتْ بَيِّنَةٌ على أن فُلاَنَ بن فلان الفُلاَنِيَّ أقر بكذا، وقامت أُخْرَى على أنَّ هذا الحَاضِر، هو فلان بن فلان يَثْبُتُ الحق؟ فما الفَرْقُ بين 89 تعريف المَشْهُودِ عليه المُطْلَق باسم، ونَسَبٍ، وبين تَعْرِيفِهِ بِزَمَانٍ ومكان؟ وإذا اشْتَمَلَ التَّحَمُّلُ على هذه الفوائد، وَجَبَ أن يَجُوزَ مُطْلَقاً، ثم إن لم يعرض ما يُفِيدُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ على العَيْنِ، أو على الاسْمِ، والنَّسَبِ، أو لم يَنْضَمَّ إليه ما يتم 90 به الإِثْبَاتُ، فَذَاكَ شَيْءٌ آخر.
وقوله في الكتاب: "ولا يجوز تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ على المَرْأَةِ المُتَنَقِّبَةِ، إلا أن تكشف وجهها، غير مُجْرى على ظَاهِرِهِ، بل لو عَرَفَهَا في النِّقَابِ، لم يفتقر إلى الكَشْفِ على ما [مر] 91 صرح به صاحب العِدَّةِ وغيره.
وقوله: "وتميزها عند الأَدَاءِ عن أَمْثَالِهَا"، لا يمكن أن يكون شَرْطاً في التَّحَمُّلِ، فإن الأَدَاءَ يَتَأَخَّرُ عن التَّحَمُّلِ، فكيف يَجُوزُ أن يُقَالَ: لا يجوز التَّحَمُّلُ ما لم يتميز عند الأداء؟ لكن المُرَادَ، أنه لا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ، ما لم تكْشِفْ وَجْهَها، ليتمكن من التَّمْيِيزِ عند الأَدَاءِ، وما أَشْبَهَ ذلك.
وقوله: "فلا يشهد عليها" مُعَلَّمٌ بالواو، لما عَرَفْتَ.
وقوله: "ويجوز النَّظَرُ إليها لحاجة التَّحَمُّلِ"، يعني النَّظَرَ إليها، إلى وجهها.
وذكر الصميري: أنه لو نَظَرَ إلى أَكْثَرِ وَجْهِهَا، وسمع كَلاَمَهَا، جَازَ أيضاً.
وفي لَفْظِ الكتاب، تَعْلِيلُ جَوَازِ النظر لِحَاجَةِ التَّحَمُّلٍ.
لكن ذكرنا في أول النِّكَاح وَجْهَيْنِ، وإنما يَنْتَظِمُ ذلك على الوَجْهِ الآخَرِ، وأما عند خوْفِ الفِتْنَةِ، فيَحْرُمُ النَّظَرُ إلىَ وَجْهِهَا، بلا خِلاَفٍ.
ويشبه أن يُقال: من يخاف الفِتْنَةَ، لا يَنْظُرُ لِلتَّحَمُّلِ؛ لأن في غَيْرِهِ غُنْيَةً عنه.
فإن تَعَيَّنَ، فينظر وَيحْتَرِزُ.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا قامت البَيِّنَةُ على عَيْنِ رَجُلٍ، وامْرَأَةٍ، بِحَقٍّ، وأراد المُدَّعِي أن يُسَجِّلَ له القَاضِي، فالتَّسْجِيلُ على العَيْنِ ممتنع، لكن يجوز أن يُسَجِّلَ بالحلية 92، ولا
الجزء: 13 - الصفحة: 64
سَبِيلَ إلى التَّسْجِيلِ بالاسْم، والنَّسَبِ، ما لم يثبتا.
ولا يَكْفِي فيهما قَوْلُ المُدَّعِى، ولا إِقْرَارُ مَنْ قامت عليه البَيِّنَةُ؛ فإن نسبَ الشَّخص، لا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ.
ولو قامت بَيِّنَةٌ على نَسَبِهِ، على سبيل الحِسْبَةِ، فيبنى على أن شَهَادَةَ الحِسْبَةِ في النَّسَبِ، هل يُقْبَلُ إن قَبِلْنَاهَا؟ أثبت القَاضِي النَّسَبَ، وسَجَّلَ.
وإن لم يقبلها، وهو اختيار الَقَاضِي الحُسَيْنِ؛ فقد قال هاهنا: الطَّرِيقُ أن يُنَصِّبَ القَاضِي مَنْ يَدَّعِي على فلان ابن فلان دَيْناً، أو على فَاطِمَةَ بنت زَيْدٍ، أو يدعي 93 على زيد، ويقول: هذه ابْنَتُهُ، [وتَرِكَتُهُ عندها] 94، وينكر المُدَّعِي عليه فيقيم 95 المدعي البَيِّنَةَ عليه.
قال: وتَجُوز هَذِهِ الحِيلَةُ لِلْحَاجَةِ، كما أَمَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامل "خَيْبَرَ" بِبَيْعِ الجمع بالدراهم، وشراء الجنيب 96 بها.
واعْتَرَضَ الإِمَامُ بأن الدَّعْوَى البَاطِلَةَ، كَلاَ دَعْوَى؛ فكيف تجوز بناء الشهادة عليها؟ وكيف يَأْمُرُ القاضي بها؟ وأَنَّى يشبه 97 هذا، قِصَّةَ "خَيْبَرَ"، والنبي -صلى الله عليه وسلم-، أمر بِبَيْعٍ، وشِرَاءٍ صَحِيحَيْنِ.
لكن الوجه: أن يُقال: وُكَلاَءُ المَجْلِسِ يتفطنون 98 لمثل ذلك، وإذا نَصَبُوا مُدَّعِيَاً، لم يَتَفَحَّصِ القاضي، ولم يضيق، بل يُصْغِي إلى الدَّعْوَى والبَيِّنَةِ للحاجة، ولو أمر المُدَّعِي الذي ثَبَتَ له الحَقُّ بالبَيِّنَةِ، بأن ينقل الدَّعْوَى عن العَيْنِ، إلى الدَّعْوَى على بِنْتِ زَيْدٍ، فيقيم البَيِّنَةَ على النَّسَبِ، كان أقرب من نصب مُدَّعٍ جَدِيدٍ وأمره بدعوى باطلة.
وقوله في الكتاب: "لا يسمع على الصَّحِيح"، إشَارَةٌ إلى الخِلاَفِ الذي سَبَقَ في أن النَّسَبَ، هل يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الحِسْبَةِ؟ وترجيح المَنْعِ، غير مُسَاعد عليه، على ما بَيَّنَّا هناك، ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: "ولكن للقاضي أن ينصب" بالواو لاِعْتِرَاضِ الإِمَامِ.
وكذا قوله: "ويجوز هذه الحيلة، للحاجة".
وقوله: "وتنكر هي، أنها بنت زيد"، = وكذا إن كان الغرض الاعتماد عليها عند الحاجة إلى الإثبات والحكم تاماً ولا أحسب أحداً يقوله ولا شك أنه لا يقضى بما بعد الموت والدفن لحصول التقيد، وتنزيل إطلاقهن على الحالة الأولى يأباه كلامهم في أدب القضاء فإنهم جعلوا الحلية في المجهول كالاسم والنسب في المعروف لكن فيه نظر.
والمقصود بالحلية التذكر خاصة، وبذلك صرح الماوردي والروياني في باب التحفظ في الشهادة فقالا: إن تحلية المشهود عليه إذا كان مجهولاً قال قوم: يجب لأنه يؤدي إلى المعروف قاله في الخادم.
الجزء: 13 - الصفحة: 65
يُشْعِرُ بأنه لاَ بُدَّ من إِنْكَارِهَا.
وكان التَّصْوِيرُ فيما إذا لم تعرف 99 قَبْلُ بأَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ، وإلا، فكيف يُؤْمَرُ بأن يرجع عما أقرتِ؟ وقد تبين مما أجْرَينَاهُ، أنه لا فَرْقَ في المَسْألَةِ بين الرجل والمَرْأَةِ.
فَرْعٌ:
عن فَتَاوَى القَفَّالِ: شهد الشُّهُودُ على امْرَأَةٍ بِاسْمِهَا، ونَسَبِهَا، ولم يَتَعَرَّضُوا لمعرفة عَيْنِهَا، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ.
فإن سألهم الحَاكِمُ: هل تعرفون عَيْنَهَا؟ فلهم أن يَسْكُتُوا، ولهم أن يَقُولوا: لا يلزمنا الجَوَابُ عما تقوله والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّسَامُعِ: وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ مِنْ قَوْمٍ لاَ يَنْحَصِرُونَ عِنْدَ الشَّاهِدِ فَيُشْهَدُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَفِي النَّسَبِ مِنَ الأُمِّ وَجْهَانِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَالأَصَحُّ ثُبُوتُهُ، وَاخْتَلَفُوا في الوَلاَءِ وَالعِتْقِ وَالوَقْفِ وَالنِّكَاحِ وَمَا يَتَوَفَّرُ الطِّبَاعُ عَلَى إِشَاعَتِهِ أنَّهُ هَلْ يُلْحَقُ بِالنَّسَبِ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ المَوْتَ كَالنَّسَبِ لاَ كَالعِتْقِ، ثُمَّ لاَ يَحْصُلُ التَّسَامُعُ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ، بَلْ مِنْ جَمَاعَةٍ لاَ يَجْمَعُهُمْ رَابِطَةُ التَّوَاطُؤ إِلاَّ أَنْ يُشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَلاَ يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّسَبِ بِأَنْ تَسْمَعَ رَجُلاً يَسْتَحْلِفُ صَبِيَّاً أَوْ كَبِيراً سَاكِتَاً لاَ يُنْكِرُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عقد الفَصْل لِبَيَانِ مَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ فيه بالسماع 100؛ فمنه النَّسَبُ؛ فيجوز أن يَشْهَدَ بالتَّسَامُعِ، أن هذا الرَّجُلَ ابن فلان، أو أن هذه المَرْأَةَ، إذا عرف عَيْنَهَا بنت فُلاَنٍ، أو أنها من قَبِيلَةِ كذا 101؛ لأنه أَمْر لا مَدْخَلَ لِلرُّؤَيةِ فيه، وغَايَةُ المُمْكِنِ، رُؤْيَةُ الوِلاَدَةِ على فِرَاشِ الإنسان، لكن النَّسَبَ إلى الأجْدَادِ المُتَوَفَّيْنِ، والقَبَائِلِ القَدِيمَةِ، لا تَتَحَقَّقُ الرُّؤْيَةُ فيه، ومعرفة الفراش.
فدعت الحَاجَةُ إلى اعْتِمَادِ التَّسَامُعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 66
وفي النَّسَبِ من الأُمِّ وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لا يجوز الشَّهَادَةُ عليه بالسَّمَاعِ، لإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الوِلاَدَةِ.
والثاني: يجوز، كما في [جَانِبِ] 102 الرَّجُلِ، وهذا أَصَحُّ عند صَاحِبِ الكتاب.
وحُكِيَ في "الوسيط"، القَطْعُ به عن بعضهم.
ثم ذكر الشَّافِعِىُّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رضي الله عنهم- في صِفَةِ التَّسَامُع: أنه يَنْبَغِي أن يسمع الشَّاهِد المَشْهُود بِنَسَبِهِ؛ فيُنسب 103 إلى ذلك الرَّجُلِ، والقبيلة.
وسمع الناس يَنْسِبُونَهُ إليه.
وهل يُعْتَبَرُ فيهما التَّكْرَارُ وامْتِدَادُ مُدَّةِ السَّمَاعِ؟
قال كثيرون: نعم، فَالظَّنُّ حينئذ يَتَأَكَّدُ، وبهذا أجاب القاسم الصَّيْمَرِيُّ، وقال آخرون: لا، بل لو سَمِعَ انْتِسَابَ الشَّخْصِ، وحضر جَمَاعَةٌ، لا يُرْتَابُ في صِدْقِهِمْ، فأخبروه 104 بِنَسَبِهِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً، جَازَ له الشَّهَادَةُ.
وهذا ما رأى القاضي ابْنُ كَجِّ القَطْعَ به، وهو جَوَابُ صاحب "التهذيب" في انْتِسَابِهِ نَفْسِهِ 105. وإذا قُلْنَا بالأول، فليست المُدَّةُ مَحْدُودَةً بسنة، ويعتبر مع انْتِسَابِ الشَّخْصِ، ونسبة الناس ألاَّ يعارضهما ما يورث التُّهْمَةَ والرِّيبَةَ.
فلو كان المَنْسُوبُ إليه حَيَّاً، وأنكر، لم تَجُزِ الشَّهَادَةُ.
وإن كان مَجْنُوناً، جازت الشَّهَادَةُ، كما لو كان مَيِّتاً.
وفيه وجه؛ لأنه قد يُفِيقُ، فَيُنْكِرُ.
وطَعْنُ مَنْ يَطْعَنُ مِنَ النَّاسِ في ذلك الانْتِسَابِ، والنَّسَبِ، هل يَمْنَعُ جَوَازَ الشهادة؟ فيه وجهان:
أَشْبَهَهُمَا، أنه يَمْنَعُ، لاخْتِلاَلِ الظَّنِّ.
وهل تجوز الشَّهَادَةُ في الوَلاَء، والعِتْقِ، والوَقْفِ، والزَّوجِيَّةِ بالتسامُع 106، فيه
الجزء: 13 - الصفحة: 67
وجهان، وهما في الشَّهَادَةِ على أنه مَوْلَى فلان، أو أعتق، أو وقف أو أنها زَوْجَةُ فلان، لا على الإنشاءات 107. قال أبو إسْحَاقَ: لا تَجْوزُ الشَّهَادَةُ عليها بالتَّسَامُعِ؛ لأن أَنْسَابَهَا غير مُتَعَدِّدَةٍ، ومُشَاهَدَتُهَا مَقِيسَةٌ 108.
وقال الإصْطَخْرِيُّ: يجوز؛ لأن هذه أُمُورٌ مُؤَبَّدَةٌ، وإذا طَالتْ مُدَّتُهَا، عسِرَ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ على ابْتِدَائِهَا، فَتَمَسُّ الحَاجَةُ إلى إثباتها بالتَّسَامُع، ولأنها شَهَادَةٌ على الحَاصِل بالعَقْدِ، فأشبهت الشَّهَادَةَ على المِلْكِ المُطْلَقِ.
وبهذا قال أَحْمَدُ، وابن القَاصِّ، وأبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ، والطُّبَرَيُّ، وَرَجَّحَهَا ابن الصَّبَّاغِ، وبه أجاب القَاضِي ابن كَجٍّ، في الوَلاَءِ.
والأول هو الجَوَابُ في فَتَاوَى القَفَّالِ، والأَصَحُّ ما ذكره الإِمام، وأبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ، والقاضي الرُّوَيانِيُّ، في "جمع الجوامع" قال هؤلاء: لا يمكن الإِثْبَاتُ بالشَّهَادَةِ على شُهُودِ الأَصْلِ، واسْتَحَبُّوا للحاكم أن يجدد شُهُودَ كُتُبِ الوَقفِ، مهماَ خَافَ انْقِرَاضَ الأُصُولِ، وفَرَّقُوا بينها، وبين المِلْكِ، بأن أسْبَابَ المِلْكِ مُتَعَدِّدَةٌ، وتَعَدُّدُهَا يُورِثُ عُسْرَ الوُقُوفِ عليها، فلذلك جَوَّزنَا الإِعْتِمَادَ على التَّسَامُعِ، وأما هذه فَأَسْبَابُهَا مُتَّحِدَةٌ.
وذكر صاحب العدَّةِ أن هذا ظَاهِرُ المَذْهَبِ، لكن الفَتْوَى الجَوَاز؛ للحاجة 109.
الجزء: 13 - الصفحة: 68
وفي جَوَازِ الشَّهَادَةِ على المَوْتِ بالاسْتِفَاضَةِ، طَرِيقَانِ عن القاضي الحُسَيْنِ [أنه على الخلاف] 110 في الوَلاَءِ، وما في مَعْنَاهُ، لأنه 111 يمكن فيه المُعَايَنَة.
والصحيح المَشْهُورُ، القَطْعُ بالجَوَازِ كالنَّسَبِ؛ لأن أَسْبَابَ المَوْتِ مما يَكْثُرُ، منها مَا يَخْفَى، ومنها مَا يَظْهَرُ، وقد يَعْسَرُ الاطِّلاعُ عليَها، فجاز أن يَعْتَمِدَ على الإِسْتِفَاضَةِ؛ ولأنه [قد يقع] 112 في الأَفْوَاهِ، وينتشر كالنَّسَبِ، [ثم] 113 في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: في العَدَدِ المُعْتَدِّ به في التَّسَامُعِ؛ وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز الاعْتِمَادُ، فيه على خَبَرِ عَدْلَيْنِ، كما يجوز لِلْحَاكِمِ الحُكْمُ بشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وهذا ما اخْتَارَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ، وأبو حَاتِمٍ القَزْوِينيُّ، وإليه مَيْلُ الإِمَامِ 114 -رحمهم الله [وإيانا] 115.
والثاني: لاَ بُدَّ من جَمْع كَثِير يقعِ العِلْمُ، أو الظَّنُّ القَوِيُّ بِخَبَرِهِمْ، ويُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ على الكَذِبِ، ولا يكفي قَوْلُ عَدْلَيْنِ، نعم، لو أَشْهَدَاهُ، شَهِدَ على شَهَادَتِهِمَا.
وهذا ما اخْتَارَهُ أَقْضَىَ القُضَاةِ -المَاوَرْدِيُّ، وابن الصَّبَّاغِ أيضاً، وهو أشبه بكَلاَمِ الشَّافعي -رضي الله عنه-، وبه أجاب صَاحِبُ الكتاب.
وحكى أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ وغَيْرُهُ وَجْهاً ثَالِثاً: وهو جَوَازُ الاعْتِمَادِ على خَبَرِ = جماعة معينين أو جماعة متعددة قسمت الغلة بين الجميع بالسوية، وإن كان على مدرسة مثلاً وتعذرت معرفة الشروط صرف الناظر الغلة على ما يراه من مصلحتها، وذكر في المهمات أن الأرجح ما في فتاوى ابن الصلاح أنه إن شهد بها منفردة لم يثبت أو ذاكراً لها في شهادته بأصل الوقف في معرض بيان شرط الواقف سمعت لرجوعه إلى بيان كيفية الوقف ونقل من خط ابن الصلاح أنه لو شهد بالنظر على الوقف الفلاني لزيد من لم يذكر مستنده حمل على أن مستنده الاستفاضة والشرط لا يثبت بمثل ذلك.
قال الشيخ البلقيني: محل الخلاف في غير حدود العقار، فإن الحدود لا تثبت بالاستفاضة كما ذكره ابن عبد السلام في تسجيل له في تركة الجيش كما وقفت عليه وفيه: ولم يثبت حدودها إذ الحدود لا تثبت عنده بالاستفاضة.
الجزء: 13 - الصفحة: 69
الشَّخْصِ الواحد، إذا سكن القَلْبُ إليه، ولا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشهادة، كما لا يُعْتَبَرُ، لَفْظُ الشهادة.
وإذا قلنا بالوَجْهِ الثاني، فينبغي ألا تُعْتَبَرَ العَدَالَةُ، ولا الحُرِّيَّةُ، ولا الذُّكُورَةُ 116.
الثانية: إذا سَمِعَ رَجُلاً يقول لآخَرَ: هذا ابني، وصَدَّقَهُ الآخَرُ، أو: أنا ابن فُلاَن، [وصَدَّقَهُ فُلاَنٌ] 117.
قال كَثِيرٌ من الأَصْحَابُ 118: يَجُوزُ أن يَشْهَدَ به على النَّسَب، وكذا لو اسْتَلْحَقَ صَبِيّاً، أو بَالِغاً، وسَكَتَ؛ لأن السُّكُوتَ في النَّسَب كالإِقْرَارِ.
ألا ترى أنه لو بُشِّرَ بولده 119 فَسَكَتَ عليه لحقه؟ بخلاف ما إذا أَنّكَرَ المُسْتَلحَق، فَإنْ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ حينئذ.
وفي "المهذب" وجه: أنه [لا] 120 يَشْهَدُ عند السُّكُوتِ، إلا إذا تَكَرَّرَ عنده الإِقْرَارُ.
والسكوت، والذي أَجَابَ به الإِمَامُ، وصاحب الكتاب: أنه لا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ على النَّسَبِ، بذلك، وإنما يَشْهَدُ الشَّاهِدُ والحَالَةُ هذه على الإقْرَارِ، والاسْتِلْحَاقِ.
وهذا قِيَاس ظاهرٌ، وربما أَمْكَنَ تَنْزِيلُ إِيْرَادِ بعض النَّاقِلِينَ عليه، وبتقدير ألا يكون مَكَان النَّسَب، فارق سائر الأموال 121 المقر بها سَعْيَاً في إثْبَاتِهِ، وقد وُجِّهَ بأن الوَقْفَ على تَوَافُقِ المُسْتلحق آكدُ في إشَارَةِ الظَّنِّ في السَّمَاعِ من غيرهما، ولا يَخْفَى أن قوله في الكتاب: "إلا أن يشهد على شهادتهما"، ليس باسْتِثنَاءٍ مُحَقّق.
ويمكن أن يُعلمَ قوله: "ثم لا يحصل التسامع بقول عدلين".
وقوله: "بل بجماعة" [بالحاء] 122؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ تجوز الشَّهَادَةُ على المَوْتِ بقول عَدْلٍ واحِدٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المِلْكُ فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ اليَدُ وَالتَّصَرُّفُ وَالتَّسَامُعُ جَازَتِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ لاَ يُبْصِرُ وَهُوَ مُنْتَهَى الإِمْكَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ اليَدِ وَالتَّصَرُّفِ يَكْفِي دُونَ التَّسَامُعِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 70
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّسَامُعِ لاَ يَكْفِي، ثُمَّ نَعْنِي بِالتَّصَرُّفِ البِنَاءَ وَالهَدْمِ أَوِ البَيْعِ وَالرَّهْن وَهُوَ تَصَرُّفُ المُلاَّكِ، أمَّا مُجَرَّدُ الإِجَارَةِ وَإِنْ تَكَرَّرَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ إِذْ قَدْ يَصْدُرُ ذَلِكَ مِمَّنِ اسْتَأْجَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَأَمَّا الإِعْسَارُ فَإِنَّمَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِخِبْرَةِ البَاطِنِ وَشَهَادَةِ القَرَائِنِ كَصَبْرِهِ عَلَى الضّرِّ وَالجُوعِ فِي الخَلْوَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْألَتَانِ:
إحداهما: فيما يتعلق بالتَّسَامُعِ المِلْكُ، فإن نَفْسَ المِلْكِ ليسَ ممَّا يبصر أو يسمع، والشَّهَادَةُ عليه تُبْنَى على ثَلاَثَةِ أمور وهي: اليَدُ، والتَّصَرُّفُ، والتَّسَامُعُ.
أما اليد: فهي بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُفِيدُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ على المِلْكِ، لكن إذا رَأَى الشَّيء في يَدِ إِنْسَانٍ، جاز أن يَشْهَدَ له بِاليَدِ.
وفي "التهذيب": أنه إنما يشهد إذا رَآهُ في يده مُدَّةً طَوِيلَةً.
وحكى الإِمَامُ في إِفَادَةِ اليَدِ وَحْدَهَا، جَوَازَ الشهادة على المِلْكِ [قولاً آخر 123. والظَّاهِرُ المَنْعُ، والتَّصَرُّفُ المُجَرَّدُ، كاليَدِ المُجَرَّدَةِ، لا يفيد جَوَازَ الشَّهَادَةِ على المِلْكِ] 124. وإن اجتمع اليَدُ والتَّصَرَّفُ نُظِر؛ إن قَصُرَتِ المُدَّةُ، فالحُكْمُ كما في اليَدِ المُجَرَّدَةِ.
وإن طَالَتْ، فوجهان قال أبو إِسْحَاقَ: لا تجوز الشَّهَادَةُ له بالمِلْكِ؛ لأن الغَاصِبَ، والوَكِيلَ والمستأجر، أَصْحَابُ يَدٍ، وتَصَرُّفٍ.
وقال الإِصْطَخْرِيُّ: يجوز؛ لأن امْتِدَادَ اليَدِ والتَّصَرُّفِ من غير مُنَازَعَةِ [منازع] 125 يغلب ظَنّ المَلْكِ.
وبهذا قال أبو حَنِيْفَةَ، وكذلك أَحْمَدُ، وهو الأصَحُّ عند صاحب "التهذيب"، وحكاه الإِمَامُ عن اختيار الجُمْهُورِ.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: القَطْعُ به، فإن انْضَمَّ إلى اليَدِ والتصرف الاستفاضة، ونسبة الناس الملك إليه، جَازَتِ الشَّهَادَةُ بالمِلْكِ على الوَجْهَيْنِ، وهو غَايَةُ ما تُبْنَى عليه هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
ونقل القاضي الرُّوَيَانِيُّ عن "المنهاج" قَوْلاً: أنه لا يَجُوزُ الشَّهَادَة على المِلْكِ، حتى يُعْرَفَ سَبَبُهُ.
والصَّحِيحُ المشهور الأوَّل.
الجزء: 13 - الصفحة: 71
قال الأَصْحَابُ: ومُشَاهَدَةُ السَّبَب؛ لا يفيد مَعْرِفَةَ المِلْكِ، فإنه وإن رآه يَشْتَرِي، فقد لا يكون المَبِيعُ مِلْكاً للبائع.
وإن رآه يَصْطَادُ، فربما اصْطَادَ غَيْرَهُ.
ثم أَفْلَتَ، وأما التَّسَامُعُ وَحْدَهُ فهل يَجُوزُ به الشَّهَادَةُ على المِلْكِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالنَّسَبِ، والمَوْتِ، [وهذا؛ لأن أَسْبَابَ المِلْكِ كَثِيرَةٌ، ومنها ما يخفى، ويَعْسَرُ الوُقُوفُ عليه] 126 وهذا أَقْرَبُ إلى إِطْلاَقِ الأكثرين.
والثاني: لا يجوز، ما لم تَنْضَمَّ إليه اليَدُ والتَّصَرُّفُ، كما لا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بالتَّسَامُعِ على أَسْبَابِ المِلْكِ.
ويُحْكَى هذا عن نَصِّه في حَرْمَلَةَ 127، واختاره القاضي الحُسَيْنُ، والامام، وصَاحب الكِتَابِ -رحمهم الله وإيَّانا-.
وهو الجَوَابُ في "الرَّقْمِ"، ويوافقه مَذْهَبُ أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله-.
واعْلَمْ أن جَوَازَ الشَّهَادَةِ على الأمْلاكِ بالتَّسَامُعِ، مشهور في المَذْهَبِ.
فلعل من لا يَكْتَفِي به، يكتفي بانْضِمَام أَحَدِ الأَمْرَيْنِ، من اليَدِ أو التَّصَرُّفِ إليه.
أو يعتبرهما جميعاً، ولكن لا يُعْتَبَر طُولُ المُدَّةِ فيهما، إذا انْضَمَّا إلى التَّسَامُعِ، وإلا فهما إذا طَالَتْ مُدَّتُهُمَا، كَافِيَانِ [في جَوَازِ الشَّهَادَةِ على الأَظْهَرِ.
فلا يبقى للتُّسَامُعِ أَثَرٌ، ويُشْتَرَطُ] 128 في جوَازِ الشهادة، بِنَاءً على التَّسَامُعِ، أو على اليَدِ والتَّصَرُّفِ، ألاَّ يعرف له مُنَازِعاً فيه، فإن الظَّنَّ حينئذ يَتَأَكَّدُ.
ونقل القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ في أن مُنَازَعَة من لا حُجَّةَ معه هل تَمْنَعُ 129 من الشَّهَادَة؟ ثم الكلام في شَيْئَيْنِ:
أَحدهما: طول المُدَّةِ والتَّصَرُّف، لا يَتَقَدَّرُ، بل الرُّجُوعُ فيه إلى العَادَةِ كذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره.
وكان المُعْتَبَرُ مُدَّةً يحصل فيها غَلَبَةُ الظَّنِّ.
وفيه وجه: أن أَقَلَّ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ سَنَةٌ، وهذا كَوَجه ذَكَرْنَاهُ في مدة التَّسَامُعِ، إذا اعتبرنا امْتِدَادَ مُدَّتِهِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 72
وعن الشيخ أبي عَاصِم أن في ما دون عَشْرَةِ أيام وجهين: وإذا زَادَتِ المُدَّةُ على عَشْرَةِ أَيَّامٍ، جازت الشَّهَادَةُ.
والقَوْل في عَدَدِ المُخْبِرِينَ هاهنا، وامْتِدَادِ المدة كما مَرَّ في النَّسبِ.
ونقل القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجهَيْنِ في أنه: هل يُشْتَرطُ أن يَقَعَ فِي قَلْبِ السامع صِدْقُ المُخْبِرِينَ؟ ويُشْبِهُ أن يكون هذا عَيْنَ الخِلاَفِ المَذْكُورِ في أنه، هل يُعْتَبَرُ خَبَرُ عَدَدٍ يُؤْمَنُ منهم التَّوَاطُؤُ، وذَكَرَ أنه تجوز الشَّهَادَةُ على اليَدِ بالاسْتِفَاضَةِ.
وقد تَنَازَعَ فيه لإِمْكَانِ مُشَاهَدَةِ اليد.
ولا يكفي أن يَقُولَ الشَّاهِدُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يقولون: أنه لفلان، وكذلك في النَّسَبِ.
وإن كانت الشَّهَادَةُ مَبْنِيَّةً عليه، بل يُشْتَرَطُ أن يقول: أشهد بأنه له، وبأنه ابنه، لأنه قد يَعْلَمُ خِلاَفَ ما سَمِعَهُ من الناس.
لكن عن الشيخ أبي عَاصِمٍ: أنه لو شَهِدَ شَاهِدٌ بالمِلْكِ، والآخر بأنه في يَدِهِ من مُدَّةٍ طويلة، يَتَصَرَّفُ فيه بلا مُنَارعٍ، تَمَّتِ الشَّهَادَةُ.
وهذا على ما ذكره الشَّارحُ لكلامه مصير منه إلى الاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ، والظاهر الأول 130.
ولا فَرْقَ في الشَّهَادَةِ على المِلْكِ بالتَّصَرُّفِ، والتَّسَامُعِ بين العَقَارِ، وبين العَبْدِ، والثوب 131، إذا كان يتميز المشهود به عن أمثاله.
الثاني: التَّصَرُّفُ المُعْتَبَرُ في الباب، وهو تَصَرُّفُ المُلاَّكِ من السُّكْنَى، والدُّخُولِ، والخروج، والهَدْمِ، والبِنَاءِ، والبَيْعِ، والفَسْخِ بعده، والرَّهْنِ، وفي مُجَرَّدِ الإِجَارَةِ وجهان:
وجه عدم الاكتفاء؛ أنها وَإن تَكَرَّرَتْ، فقد تَصْدُرُ ممن اسْتَأْجَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً ومن 132 الموصى له بالمَنْفَعَةِ، ولْيَجْرِ هذا الخلاف في مُجَرَّدِ الرَّهْنِ؛ لأن الرَّهْنَ قد يَصْدُرُ من المستعير، والأوفق لإطلاق 133 الأصحاب الاكْتِفَاءُ بهما، واعْتِمَادُ أن الغالب صُدُورُ هذه التَّصَرُّفَاتِ من المَالِكِينَ، ولا يكفي التَّصَرُّفُ مُدَّةً وَاحِدَةً؛ فإنه لا يُثِيرُ الظَّنَّ 134.
الجزء: 13 - الصفحة: 73
المسألة الثانية: الإعْسَارُ ليس مما يُشَاهَدُ، وَيعْسَرُ الاطِّلاَعُ عليه، فتبنى الشَّهَادَةُ فيه على القَرَائِنِ، ومُرَاقَبَةِ الشَّخْصِ في الخَلَوَاتِ، لِيُعْرَفَ صَبْرُهُ على الضُّرِّ والإضَافَةِ.
والمسألة بشرحها مَذْكورَةٌ في التَّفْلِيسِ ويُعْتَبَرْ فيمن يَشْهَدُ به، الخبرة الباطنة، كالشَّهَادَةِ على أن لا وَارِثَ لِفُلاَنٍ إلا فلان، بِخلاَفِ الشَّهَادَةِ على المِلْكِ؛ لأن الأَسْبَابَ المُفِيدَةَ لِلظَّنِّ هاهنا خَفِيَّةٌ، يَخْتَصُّ بها من مُخَالَطَةِ الرجل، ومُجَالَسَتِهِ، وأَسْبَابُ المِلْكِ ظَاهِرَةٌ، لا يَخْتَصُّ فيها المُخَالِطُونَ.
فروع:
أحدها: حكى القاضي أبو سعد الهَرَويُّ وجْهاً استغربه 135 في الدَّيْنِ: أنه تجوز الشَّهَادَةُ به بالسَّمَاعِ، والاسْتِفَاضَة كالعين 136 ولابن الصَّبَّاغِ إِلْمَامٌ بما ذَكَرَهُ.
الثاني: في قَبُولِ شَهَادَةِ الأعْمَى، فيما تَجُوز الشَّهَادَةُ فيه بالاسْتِفَاضَةِ والسَّمَاعِ وجهان مَنْقُولاَنِ في "جمع الجوامع".
أحدهما: وبه قال ابن سُرَيْجٍ: أنها تُقْبَلُ؛ لأن الاعْتِمَادَ فيه على السَّمَاعِ، وهو في السَّمَاعِ كالبَصِيرِ.
والثاني: المَنْعُ، لأنه لاَ بُدَّ من مُشَاهَدَةِ المُخْبِرِينَ، ومعرفة أحوَالِهِمْ، ليحصل العِلْمُ.
وهذا أَصَحُّ عند القاضي، والأول هو جَوَابُ معظم الأَصْحَاب؛ إلا أن شَهَادَتَهُ، إنما تُقْبَلُ، إذا لم يحتج إلى تعْيِين، وإشَارَةٍ, بأن يكون الرجل مَعْرْوفاً باسْمِهِ، ونَسَبِهِ الأَدْنَى.
ويَحْتَاجُ إلى إثباتِ 137 نَسَبهِ الأَعْلَى؛ ككونه هَاشِمِيّاً، أو عَلَوِيّاً، فيشهد الأَعْمَى بِنَسَبِهِ الأعْلَى.
وصور أيضاً في النَّسَبِ الأدنى، بأن يَصِفَ الشَّخْصَ، فيقول: الرجل الذي اسْمُهُ كذا، وكُنْيَتُهُ كذا، وسُوقُهُ، ومُصَلاَّهُ، ومَسْكَنُهُ، وكذا [بأنه] 138 فلان ابن فلان، ثم يقيم 139 الرجل بَيِّنَةً أُخْرَى، على أنه الذي اسْمُهُ كذا، وكُنْيَتُهُ كذا، إلى آخر الصِّفَاتِ.
وصورته في المِلكِ، أن يَشْهَدَ الأَعْمَى في دارمَعْرُوفَةٍ، أنها لفلان ابن فلان.
ويمكن أن يُقَالَ: الوجه الذَّاهِبُ إلى أن شَهَادَتَهُ لا تُقبَلُ، مَخْصُوصٌ بما إذا كان =الثاني: أن منعه الاكتفاء بالمدة الواحدة هو خلاف قضية كلام الذخائر ويظهر أن ذكر المدة لا مفهوم له بل والمدتين كذلك ولا سيما مع قرب زمان الثاني من الأول.
الجزء: 13 - الصفحة: 74
السَّمَاعُ من عَدَدٍ لا يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ، كشخصين، وثلاثة، فأما إذا حَصَلَ السَّمَاعُ من جَمْعٍ كَثِيرِ، فلا حَاجَةَ فيه إلى المُشَاهَدَةِ، ومَعْرِفَةِ حال المُخْبِرِينَ.
الثالث: ما يجوز الشَّهَادَةُ به اعْتِمَاداً على السَّمَاع، والاسْتِفَاضَةِ، يجوز الحَلِفُ به اعْتِمَاداً عليهما وبل أولى لما مر، أنه يجوز الحَلِفُ اعْتِمَاداً على خَطِّ الأَبِ، ولا تجوز الشَّهادَةُ 140.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي التَّحَمُّل وَالأَدَاءِ وَيَجِب الأَدَاءُ عَلَى كُلِّ مُتَعَيِّنٍ لِلشَّهَادَةِ مُتَحَمِّلٍ لَهَا إِذَا دُعِيَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ العَدْوَى، فَإِنْ دُعِيَ مِنْ فَوقِهَا وَدُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ أَو لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنَاً أو لَمْ يَتَحَمَّلْ قَصْداً لَكِنْ وَقَعَ بَصَرَهُ فَفِي الوُجُوبِ وَجْهَانِ، ولوْ تَعَيَّنَا فَامْتَنَعَ أحَدُهُمَا وَقَالَ: أَحْلِفُ مَعَ الآَخَرِ أَثِمَ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَامْتَنَعَ جَمِيعُهُمْ أَثِمُوا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في بيان 141 أحكام الشَّهَادَةِ آخراً، وتَحَمُّلِهَا أَوَّلاً.
أما الأَدَاءُ، فهو وَاجِبٌ في الجُملَةِ، والكتمان ممنوع منه -قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283].
وذكر صاحب الكتاب لِضَبطِ مَوْضِعِ الوجوب قُيُوداً، فقال: "ويجب الأَدَاءُ على كل مُتَعَيَّنِ للشَّهَادَةِ، مُتَحَمِّلٍ لها، إذا دُعِيَ من دون مَسَافَةِ العدوى".
أحدها: التعين، فإن لم يكن في الوَاقِعَةِ إلا شَاهِدَانِ؛ بأن لم يَتَحَمَّلْ سِوَاهُمَا، أو مات البَاقُونَ، أو جُنُّوا، أو غَابُوا، فيجب عليهما الأدَاءُ، ومن أبى عَصَى.
ولو شهد أحَدُهُمَا، وامْتَنَعَ الآخَرُ، وقال: أَحْلِفُ مع الذي شَهِدَ، فهو عَاصٍ أيضاً، فإن من مَقَاصِدِ الإِشْهَادِ، التَّوَرُّعُ عن اليَمِينِ.
قال الإِمام: وكذا الشَّاهِدَانِ على رَدَّ الوَدِيعَةِ؛ إذا امْتَنَعَا، وقالا للمودع: احْلِفْ على الرَّدِّ.
ولو لم يكن في الوَاقِعَةِ إلا شَاهِدٌ واحد، فإن كان الحَقُّ مما يَثْبُتُ بشاهد، وَيمِينٍ، فعليه الأَدَاءُ، وإلا، لم يجب؛ لأن المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ به.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً آخر: أنه يجب؛ لأنَّهَا أَمَانَةٌ لَزِمَتْهُ، والمُدَّعِي يَنْتَفِعُ بأدائها في انْدِفَاعِ بعض تُهْمَةِ الكَذِبِ، وإن لم يَنْتَفِعْ في ثُبُوتِ الحَقِّ، وإن كان في
الجزء: 13 - الصفحة: 75
الوَاقِعَةِ شُهُودٌ، فالأَدَاءُ فَرْضٌ على الكِفَايَةِ، إذا قام به اثْنَانِ منهم، سَقَطَ الفَرْضُ عن البَاقِين.
وإن طُلِبَ الأَدَاءُ من اثنين، ففي وجوب الإِجَابَةِ عليهما وَجْهَانِ، وعن ابن القَاصِّ؛ قولان:
أحدهما: لا يجب، كما أن من دُعِيَ للتَحَمُّلِ، لا يجب عليه الإِجَابَةُ، إذا لم يَتَعَيَّنْ.
وبهذا أجاب الصيمري.
وأصحهما: وبه قال أبو إِسْحَاقَ: يجب، وإلا، لأَفْضَى إلى التواكل 142. ولأن من عَيَّنَهُ، قد يكون أَظْهَرَ عَدَالَة، فيسارع القَاضِي إلى قَبُولِ قَوْلِهِ، وليس كالتَّحَمُّلِ؛ لأن هناك يُطْلَبُ منه تَحَمَّلُ أَمَانَةٍ، وهاهنا يُطْلَبُ أَدَاءُ أَمَانَةٍ تَحملَهَا.
قال الإِمَامُ: وموضع الوَجْهَيْن، ما إذا عَلِمَ المُدَّعون، أن في الشُّهُودِ من يَرْغَبُ في الأَدَاءِ، أو 143 لم يعلم من حالهم رغبة، ولا إباءً 144.
أما إذا عُلِم إبَاؤُهُمْ، فليس ذلك مَوْضِعَ الخلاف.
القَيْدُ الثاني: كونه مُتَحمِّلاً لها عن قَصْدٍ.
أما من سمع الشيء، أو وقع عليه بَصَرُهُ اتِّفَاقَاً، ففي الوُجُوبِ وَجْهَانِ مذكوران في "النِّهَايَة":
أحدهما: لا يجب؛ لأنه لم يُوجَدْ منه الْتِزَامٌ، وإذا تَحَمَّلَ قَصْداً، كان مُلْتَزماً، فجعل كَضَمَانِ الأمْوَالِ، وأَوْفَقُهُمَا لإِطْلاَقِ أكثرهم؛ أنه كالتَّحَمُّلِ قَصْداً؛ لأنه أمَانَةٌ حَصَلَتْ عنده، فعليه الخُرُوجُ منها 145، وهذا كما أن الأَمَانَاتِ المَالِيَّة، تَارَةً تَحْصُلُ عنده بِقَبُولِ الوَدِيعَةِ، وتَارَةً بتطيير الريح.
القَيْدُ الثَّالِثُ: أن يُدْعَى لأداء الشَّهَادَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبةٍ.
ومهما كان القاضي في البَلَدِ، فالمَسَافَةُ قَرِيبَةٌ، وكذا لو دُعِيَ إلى مسافة، يَتَمَكَّنُ المُبَكِّرُ إليها من الرجوع إلى
الجزء: 13 - الصفحة: 76
أَهْلِهِ، وَجَبَتِ الإِجَابَةُ لِلحَاجَةِ إلى الإِثْبَاتِ، وَتَعَذّر الإثبات بالشهادة على الشَّهَادة، والمسافة هذه وهذه التي تسمى مَسَافَةَ العَدْوَى.
وقد بَيَّنَّا في النكاح سَبَبَ هذه التَّسْمِيَةِ، فإن ادعى إلى مَسَافَةِ القَصْدِ، [لم تجب الإجابة، وإن كانت دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ] 146. ولكن لا يتمكن المُبَكِّرُ إليها من الرُّجُوع، فوجهان؛ بِنَاءً على أن الشَّهَادَةَ على الشهادة في مِثْلِهَا، هل يقبل؟ أقربهما، القبول، وعدم وُجُوب الإِجَابَةِ، للمَشَقَّةِ.
وهذا كُلَّهُ تَفْرِيعٌ على أن الشَّاهِدَ، يجب عليه الحُضُورُ عند القَاضِيَ لأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وهو الصحيح.
وإلا، لَتَعِبَ القَاضِي في الطَّوَفِ على أبْوَابِ الشهود، وسقط وقعه، أو ضَاعَتِ الحُقُوقُ.
وعن القاضي أبي حَامدٍ: أنه ليس على الشَّاهِدِ إلا أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، إذا اجتَمَعَ مع القَاضِي.
وقوله في الكتاب: "فإن دُعِيَ إلى من فوقها"، بعد قوله: "من دون مسافة العدوى"، [ظاهره عود الكتابة إلى مسافة العَدْوَى وحينئذ فحكم مسافة العَدْوَى] 147، يكون مَسْكُوتاً عنه.
ولو قال: فإن دعي من فوقه لعادت الكِتَابَةُ إلى ما دون مَسَافَةِ العَدْوَى، ولدخل فيه مَسَافَةُ العَدْوَى، وما فوقها، فهذه هي القُيُودُ في الكتاب.
ووراءه قَيْدٌ رَابعٌ: وهو أن يكون الشَّاهِدُ عَدْلاً، فإن كان فَاسِقاً، ودعي لأَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ نُظِرَ، إن كان فسقُهُ مُجْمَعاً عليه، إما ظاهِرَاً، أو خَفِياً، لم يَجُزْ له أن يَشْهَدَ، فَضْلاً عن الوُجُوب، وإن كان مُجْتَهَداً فيه كَشُرْب النَّبِيذِ، فعليه أن يَشْهَدَ، وإن عهد من القاضي التَّفْسيق، ورَدَّ الشهادة به؛ لأنه قد يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادهُ.
هذا هو الأَظْهَرُ وفي أمالي أبي الفَرَجِ السَّرَخْسِيِّ وَجْهٌ: أنه لا يجب في الفِسْقِ المُجْتَهَدِ فيه، إذا كان ظَاهِرَاً 148 , لأن الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُهُ على اجْتِهَادِهِ.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ: إِطْلاَقُ القَوْلِ: بأن عليه أن يَشْهَدَ، إن كان فِسْقُهُ خَفِيّاً، وإطلاق وجهين فيما، إذا كان ظَاهِراً وحكى وجهين في أنه، هل لِلشَّاهِدِ أن يَشْهَدَ بما يَعْلَمُ، أن القاضي يُرَتِّبُ عليه ما لا يعتقده الشَّاهِدُ، كالبيع الذي يرتب عليه الشُّفْعَةَ، بالجِوَارِ والشاهد لا يعتقد الجِوَارَ مُثْبِتاً لِلشُّفْعَةِ؟
وإذا كان أحد الشَّاهِدَيْنِ عَدْلاً، والآخر فَاسِقاً فِسْقاً مُجْمَعاً عليه؛ لم يجب على
الجزء: 13 - الصفحة: 77
العَدْلِ الأَدَاءُ؛ تَفْرِيعاً على الصَّحيح، إذا كان الحَقُّ لا يَثْبُتُ بشَاهِدٍ، ويَمِينٍ.
وَقَيْدٌ خَامِسٌ: وهو ألا يَكُونَ مَعْذُوراً بِمَرَضٍ، ونحوه؛ فإن المَرِيض الذي يَشُقُّ عليه الحُضُورُ، لا يُكَلَّفُ أن يَحْضُرَ، ويؤدي، بل إما أن يُشْهِدَ على شَهَادَتِهِ، أو يَبْعَثَ القاضي إليه مَنْ يَسْمَعُ شهادته، والمرأة المَخَدَّرَةُ، كالمَرِيضِ، وفيها الخِلاَفُ الذي سَبَقَ في الباب الثالث من "أدب القضاء".
وغير المُخَدَّرَةِ يَلْزَمُهَا الحُضُورُ وَالأَدَاءُ، وعلى الزوج أن يَأْذَنَ لها: ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ.
وإذا اجتمعت شَرَائِطُ الوُجُوبِ، فلا يُرْهَقُ الشَّاهِد إِرْهَاقاً؛ بل لو كان في صَلاَةٍ، أو حَمَّامٍ، أو على طَعَامٍ، فله التَّأْخَيرُ إلى أن يَفْرَغَ.
وعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ حِكَايَةُ قولين: أنه هل يُمْهَلُ إلى ثَلاَثَةِ أيام 149؟ قال القاضي ابْنُ كَجٍّ والظاهر: المَنْعُ، وذكر أنه لو شَهِدَ، وَرَدَّ القاضي شَهَادَتَهُ بِعلَّةِ الفِسْقِ، ثم طلب المُدّعي منه أن يَشْهَدَ عند قَاضٍ آخر؛ فعليه الإِجَابَةُ.
وعند ذلك القاضي لا يَجِبُ.
وفيه وجه: أنه لو دُعِيَ لأداء الشَّهَادَةِ عند أَمِيرٍ أَوْ وَزِيرٍ، فعند ابن القَطَّانِ لا يَجِبُ عليه أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عندهما، وإنما يلْزَمُ عند مَنْ لهَ أَهْلِيَّةُ سَمَاع الشَّهادة وهو القاضي.
قال: وعندي يَجِبُ إذا عُلِمَ أنه يَصِلُ به الحَقُّ إلى المُسْتَحِقِّ 150.
الجزء: 13 - الصفحة: 78
فرع: حكى الشَّيْخُ أبو الفَرَج وجْهَيْنِ: في أنه هل يَجِبُ الحُضُورُ عند القاضي الجَائِرِ والمُتَعَنِّتِ، وأَدَاء الشهادة؟ لأنه لا يَأْمَنُ الشَّاهِدُ رَدَّ شَهَادَتِهِ جَوْزاً، وتَعتُّتاً؟ فَيَتَعيَّنُ، وعلى هذا فَعَدَالَةُ القاضي واسْتِجْمَاعُهُ الصفات المَرْعِيَّة، شَرْطٌ آخر من شَرَائِطِ الوُجُوبِ 151.
فرع:
إذا امتنع الشاهد عن أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بعد وُجُوبِهِ حَيّاً من المَشْهُودِ عليه، قال القاضي الحُسَيْنُ: يَعْصِي، ولا يجوز للْقَاضِي قَبُولُ شَهَادَتِهِ في شَيْءٍ أَصْلاً، حتى يَتُوبَ، ويُوَافِقَ هذا ما قيل: إن المدعي لو قال للقاضي: لي عند فُلانٍ شَهَادَةٌ، وهو ممتنع 152 من أَدَائِهَا، فأحضره لِيَشْهَدَ، لم يُجِبْهُ القاضي؛ لأنه فَاسِقٌ بالامْتِنَاعِ بِزعْمِهِ، فلا يُنْتَفَعُ بشهادته 153. والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَسْتَحِقُّ الشَّاهِدُ أجْرَةً إِلاَّ أُجْرَةَ المَرْكُوبِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ لاَ يَرْكَبَ، وَالكَاتِبُ يَسْتَّحِقُّ، وَالتَّحَمُّلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ فرُوضِ الكِفَايَاتِ، وَفِي سَائِرِ المُعَامَلاَتِ وَجْهَانِ، إِذْ يَسْتَغْنِي عَنْهَا الانْعِقَادُ دُونَ الإِثْبَاتِ، وَكَذَا كِتَابَةُ الصُّكُوكِ مِنْ فُروضِ الكِفَاياتِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية، التَّعَرُّضُ لثلاثة أُمُور: وهي أن الشَّاهِدَ هل يَأْخُذُ شيْئاً؟ وحُكْمُ تَحَمُّلِ الشهادة في الابتداء، وحُكْمُ كِتَابَةِ الصُّكُوكِ، وأخذ الأُجْرَةِ عليها.
ونحن نَذْكُرُهَا من غير رِعَايَةِ تَرْتِيب الكتاب: أحد الأمور الثلاثة: حكم [التحمل] 154 وهو مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ في النِّكَاح، لِتَوَقُّفِ الانْعِقَادِ عليه، فلو امتنع الكُلُّ عنه، أَثِمُوا، ولو طُلِبَ من اثنين التَّحَمُّلُ، وهناك غَيْرُهُمَا، لم يَتَعيَّنَا، بخلاف ما إذا تَحَمَّلَ جَمَاعَةٌ، وطُلِبَ من اثنين منهم الأَدَاءُ لما مرَّ.
وأما في التَّصَرُّفَاتِ المَالِيَّةِ، والإِقْرَارِ، فهل التَّحَمُّلُ من فُرُوضِ الكِفَايَاتِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وإنما هو مَنْدُوبٌ إليه؛ لأن صِحَّتَهَا واسْتِيفَاءَ مَقَاصِدِهَا، لا يَتَوقَّفُ = ليشهد عند جائر، فإن كان جوره في الحق المشهود به لم يلزمه الإجابة، وإن كان في غيره لزمه.
الجزء: 13 - الصفحة: 79
وأَشْهَدُهُمَا: وبه أجاب العِرَاقِيُّونَ وغيرهم: نعم؛ لأن الحَاجَةَ تَمَسُّ إلى تَأْكِيدِهَا، وتَمْهِيد طَرِيقِ إِثباتها 155 عند التَّنَازُعِ، ومصالح الخلق لا تَتِمُّ إلا بها.
وعن ابن القَطانِ: تخصيص الخِلاَفِ بما إذا لم يَتَقَابَضَا، لِتَأْجِيل، أو غيره.
فأما بعد التَّقَابُضِ، فلا يجب التحمُّلُ بِحَالٍ.
ومنهم من يَقْتَضِي إيْرَادُهُ طَرْدَ الخلاف في النِّكَاحِ أيضاً.
وإذا قلنا بالإِقْرَاضِ، فذلك، إذا أحْضَرَهُ المُحَمَّلُ، أما إذا دُعِيَ للتحمل.
فقد حكى القاضي ابْنُ كجٍّ عن بعض الأَصْحَابِ: أن عليه الإِجَابَة، كما إذا دُعِيَ لِلأَدَاءِ.
وعن القاضي أبي حَامدٍ: أنه لا يَجِبُ، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وأبو الفرج، إلا أن يكون المُحَمّلُ مَعْذُوراً بِمَرَضٍ أو حَبْسٍ، فتجب الإجابة.
وكذا في المرأة المُخَدَّرَةِ إذا أثبتنا التَّخْدِيرِ أَثَراً، وكذا إذا دَعَاهُ القاضي ليَشْهَدَ على أَمْرٍ ثَبَتَ عنده، فعليه الإِجَابَةُ، كيلا يَحْتَاجَ القاضي إلى التَّرَدُّدِ على أبواب الشُّهُودِ، فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُ الناس.
والثاني: إن تَطوَّعَ الشَّاهِدُ بِتَحَمُّل الشهادة، وأَدَائِهَا، فقد أَحْسَنَ.
وإن طَمِعَ في شيء، فذاك؛ إما رِزْقٌ من بَيْتِ المال، أَو شَيْءٌ من مال المشهود له.
وأما الرِّزْق [من بيت المال] 156 فقد ذكر الشيخ أبو حَامِدٍ، وابْنُ الصَّبَّاغِ، وآخرون: أن الشاهد ليس له [أَخْذ] 157 الرِّزْقِ من بَيْتِ المال؛ لِتَحمُّلِ الشهادة.
وقيل له [ذلك] 158: فإن قلنا بالأَوَّلِ، وهو الأَقْرَبُ، فَلَوْ رَزَقَهُ الإِمَامُ من ماله، أو رَزَقَة وَاحدٌ من
الجزء: 13 - الصفحة: 80
النَّاسِ، فيكون الحُكْمُ، كما ذكرنا في القاضي.
وأما مَالُ المَشْهُودِ له، فليس لِلشَّاهِدِ أَخْذُ أُجْرةٍ على أَدَاءِ الشهادة، وَوَجَّهُوهُ، بأن الأدَاءَ فَرْضٌ، فَتَوَجَّهَ عليه، فلا يَأْخُذُ عليه شيئاً 159. وقد يوجَّهُ أيضاً, بأنه كَلامٌ يَسِيرٌ، لا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وأما إتيان القاضي والحضُورُ عنده، فقد أَطْلَقَ صَاحِبُ الكتاب: أن له أن يَطْلُبَ أجْرَةَ المَرْكُوب، من غير فَرْقٍ بين أن يَكُونَ القَاضِي معه في البَلَدِ، أو لا يكون لكنه على مَا حَكَى الإمَامُ، وصاحب "التهذيب"، مَخْصُوصٌ بما إذا لم يكن معه في البَلَدِ، بل كان يَأْتِيهِ من مَسَافَةِ العَدْوَى، فما فوقها.
فأما إذا كان مَعَهُ في البَلَدِ، فلا يأخذ شَيْئَاً.
وضم في "التهذيب" نَفَقَةَ الطَّرِيق، إلى أُجْرَةِ المَرْكُوبِ.
وَحَكَى وَجْهَيْنِ فيما لو دَفَعَ إليه شَيْئاً لِيَصْرِفَهُ إلى نَفَقَةِ الطَّرِيقِ.
وكذا المَرْكُوبُ، وهل له أن يَصْرِفَهُ إلى غَرَضٍ آخَر، ويَمْشِي رَاجِلاً؟ -قال: وهما كالوَجْهَيْنِ، فيما إذا دَفَعَ إلى فَقِيرٍ شَيْئًا، قال: اشتر به لنفسك ثَوْباً، هل له أن يصرفه 160 إلى غير الثَّوْبِ؟
والأشبه: الجَوَازُ، وهو الجَوَابُ في الكتاب.
فهذا ما قيل: [في] 161 أن الشَّاهِدَ يأخذه من مَالِ المشهود له، لم يَتَعَرَّضْ أَكْثَرُهُمْ لما سِوَى ذلك.
نعم، في تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامِدٍ: أنه لو كان الشَّاهِدُ فَقِيراً يَكْتَسِبُ قُوتَه يَوْماً بيوم [وكان] 162 في صرف الزمان إلى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ما يشغله عن كَسْبِهِ، فلا يَلْزَمُهُ الأَدَاءُ، إلا إذا بَذَلَ المَشْهُود له قدر ما يَكْتَسِبُهُ في ذلك الوَقْتِ؛ هذا في طرف الأَدَاءِ.
ولو طلب الشاهد أُجْرَةً، ليَتَحَمَّلَ، فإن لم يَتَعيَّنْ، فله الأَخْذُ، وإن تَعَيَّنَ، فوجهان:
أظهرهما: الجَوَازُ، كما ذكرنا في الإِجَارَةِ.
إذا تَعَيَّنَ شَخْصٌ لِتَجْهِيزِ المَيِّتِ، أو تعليم الفَاتِحَةِ.
= على القضاء إن لم يتعين عليه فإن تعين وكان له كفاية لم يجز وإلا جاز ثم قال: وهكذا الحكم في تحمل الشهادة وأدائها وكذا ذكره أصحاب الشيخ أبي حامد في الموضع المذكور منهم المحاملي في التجريد وسليم في المجرد والقاضي أبو الطيب في التعليق والبندنيجي وغيرهم ونقله في البحر في باب القسمة عن الأصحاب قياساً على القضاء ولا فرق بينهما وحكى في البيان في أول الشهادات وجهين فيمن لم يتعين عليه وجزم بالمنع في المتعين.
وقال في الخادم أيضاً أن قوله فإن قلنا بالأول صوابه بالثاني فإن الرافعي إنما ذكره تفريعاً على الجواز وهو الصواب فإن على قول المنع لا يتجه في المنع بخلاف على قول الجواز فينبغي أن يكون فيه خلاف والقاضي أولى بالمنع .. إلى آخر ما ذكره.
قاله البكري.
الجزء: 13 - الصفحة: 81
قال الشيخ أبو الفَرَجِ: وهذا إذا دُعِيَ لِيَتَحَمَّل، فأما إذا أَتاهُ المحمل، فليس لِلتَّحَمُّلِ، والحالة هذه، أُجْرَةٌ، وليس له أن يَأْخُذَ شَيْئاً.
واعلم أن قَضيَّةَ قولنا: إنه يَطْلُبُ الأُجْرَةَ، [إذا دُعِيَ للتحمل، أن يَطْلُبَ الأُجْرَةَ] 163، إذا دعي للأداء، من غير فَرْقٍ بين أن يكون القَاضِي مَعَهُ فِي البَلَدِ، أو لا يكون.
كما لا فَرْقَ في التَّحَمُّلِ، وأن يكون النَّظَرُ إلى الأُجْرَةِ مُطْلَقاً، لا إلى نَفَقَةِ الطريق، وكذا المركوب خَاصَّةً.
ثم هو يَصْرِفُ المَأْخُوذَ إلى ما يشاء، ولا يَمْنَعُ من ذلك كَوْنُ الأَدَاءِ فَرْضاً عليه، كما ذكرنا في التَّحَمُّلِ مع تَعيُّنِهِ على أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ 164.
والثالث: كتابة الصُّكُوك؛ هل هي من فُرُوضِ الكِفَايَاتِ؟ فيه وجهان:
أشبههما: وهو المَذْكُورُ في أمالي أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ نعم؛ لأنه لا يُسْتَغْنَى عنها في عِصْمَةِ الحُقُوقِ، والأَمْوَالِ، ولها أَثَرٌ ظَاهِرٌ في التَّذَكُّرِ.
وإن لم يَجُزِ الاعْتِمَادُ على الخَطِّ وَحْدَهُ، وهما كالوجهين في التحمل، لكن التَّحَمُّلَ أَوْلَى بالإفْرَاضِ؛ لأن الحُجَّةَ بالشهود 165 لا بالكِتَابِ.
وإن قلنا: لا تجب الكِتَابَةُ أو قلنا: تَجِبُ.
ولم يَتَعيَّن الشَّخْصُ للكتابة، فله طَلَبُ الأُجْرَةِ.
وإن تَعَيَّنَ، فكذلك في أَظْهَرِ الوجهين.
وهذا إذا لم يَرْزُق الإِمَامُ لِكَاتِب الصُّكُوكِ من بَيْتِ المال، فإن رزق، قَنَعَ به، ولا أُجْرَةَ له.
وقوله في الكتاب: "إلا أجرة المركوب"، يجوز أن يُعَلَّمَ بالواو لما نَقَلْنَا من تَعْليقِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ.
وكذا قوله: "ثم له أن [لا] يركب"؛ لأحد الوجهين المَحْكِيَّيْنِ عن "التهذيب".
ويمكن أن يُعَلَمَ قوله: "والكاتب يَسْتَحِقُّ" أيضاً لأنه مطلق، وقد عَرَفْتَ وَجْهاً: أنه لا يَسْتَحِقُّ، إذا قلنا: إن الكتابة 166 فَرْضٌ وتعين.
الجزء: 13 - الصفحة: 82
هذه آدَابُ التَّحمُّلِ والأَدَاءِ، مَنْقُولَةٌ من مختصر أبي القاسم الصَيْمَريِّ في هذا الباب.
لا ينبغي للشَّاهد أن يَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وبه ما يَمْنَعُهُ من الضَّبْطِ، وتَمَامِ الفَهْم، كجُوعٍ وعَطَشٍ، وهَمٍّ، وغَضَبٍ.
كما لا يقضي القاضي في هذه الأَحْوَالِ 167، وإذا أَتَاهُ مَنْ لا يجوز الشَّهَادَةُ عليه، كَصَبيِّ، ومَجْنُونٍ، لم يَلْتَفِتْ إليه.
وإذا أُتِيَ بكتاب، أُنشِئَ على ما لا يَجُوزُ بالإجماع، فكذلك؛ ويتبين فَسَاده.
وإن أُنْشِئَ على ما يَخْتَلِفُ الفُقَهَاءُ فيه، وهو لا يَعْتَقِدُهُ.
فعن بعض الأَصْحَاب: أنه يُعْرِضُ عنه.
قال: وليس كذلك، بل، تَثْبُتُ شَهَادَتَهُ فيه، وَينْقَلُهُ إلى الحَاكِمِ عندَ الحَاجَةِ، فيحكم باجتِهَادِهِ.
وقد مَرَّ هذا الخِلافُ، أو مِثْلُهُ.
وإذا رأى في الكتاب كَلِمَةً مَكْرُوهَةً، أو مُعَادَةً، فلا بَأْسَ بالضَّرْب عليها، سيما إذا لم يَسْبِقْهُ بالشهادة أَحَدٌ، فإن أَغْفَلَ الكاتب 168 مَا لاَ بُدَّ منه، ألْحَقَهُ؛ وإن رأى سَطْراً نَاقِصاً، شَغَلَ مَوْضِعَ النُّقْصَانِ بخط أو خطتين 169.
وإذا قرأ الكِتَاب على المُتَبَايِعَيْنِ مَثَلاً، وقال: عرفتما ما فيه، أشهد عليكما، فقالا: نعم، أو أَجَلْ، أو بَلَى، كفى للتَّحَمُّلِ 170. ولا يَكْفِي أن يقول المحمل: الأَمْرُ إِلَيْكَ، أو إن شِئْتَ، أو كما ترى، أو أَسْتَخِيرُ الله، والله أعلم.
وإذا سمع إقْرَاراً بدَيْنٍ، أو عِتْقٍ، أو طَلاَقٍ، فله أن يَشْهَدَ به ولكن لا يَقُولُ، ولا يكتب؛ أَشْهَدَنِي بذلك.
ويُثْبِتُ الشَّاهِدَ في الكتاب الذي يَتَحَمَّلُ فيه اسْمَهُ، واسْمَ أبيه، وجَدِّهِ، ويجوز أن يَتْرُكَ اسْمَ الجَدِّ، وأن يَتَخَطَّى إلى جَدٍّ أَعْلَى؛ لِشُهْرَتِهِ.
ولا يُثْبِتُ الكُنْيَةَ إلا أن يكون في الشُّهُودِ من يشاركه في الاسْمِ، والنَّسَبِ فيميز بالكنية.
ويُسْتَحَبُّ الاسْتِعَانَةُ بما يفيد التذكر 171 كما قَدَّمْنَاهُ في الباب الثاني من "أدب القضاء".
الجزء: 13 - الصفحة: 83
وإذا أَشْهَدَهُ القاضي على شَيْءٍ، سَجَّلَ به كتب الشهادة على إنْفَادِ القاضي ما فيه، أو حكمه بما فيه، ولا يكتب الشَّهَادَةَ على إقْرَارِهِ، كأنه يَعْنِي إذا حَضَرَ الإنشاء، والأَوْلَى في كتاب الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، أن يُقرِّرَ مَنْ له الدَّيْنُ، أَوَّلاً بأن يقول: ما الَّذِي لَكَ على هذا؟ فإذا قال: كذا مُؤجَّلاً.
قَرَّرَ مَنْ عليه الدَّيْنُ؛ لأنه لو أَقَرَّ مَنْ عليه الدَّيْنُ أَوَّلاً، فقد يُنْكِرُ صَاحِبُهُ الأَجَلَ، فيقع في الخِلاَفِ.
وفي السَّلَم يقرر المُسَلَّمَ أولاً؛ خَوْفاً من أن ينكر السَّلَم، لو أقر صَاحِبُهُ أَوَّلاً، ويطَالِبُهُ بالمَدْفُوعِ إليه.
وإذا أتى القاضي الشَّاهِدُ، لأداء الشَّهَادَةِ، أَقعَدَهُ عن يَمِينِهِ.
وإذاكانت شَهَادَتُهُ مُثْبَتَةً في كتابٍ، أَخَذَهُ، وتَأمَّلَهُ.
فإذا سأله المشهود له، اسْتَأْذَنَ القاضي ليصغي إليه.
وعن أبي عَاصِم العبَّادِيِّ أن الشَّهَادَةَ قبل اسْتِئْذَانِ القَاضِي، أو سؤاله لا تَصِحُّ.
والظاهر الأول: نعم، لو شهد (1) من غير اسْتِئْذَانِهِ.
وقال القاضي: كنت ذَاهِلاً (2) لم أسْمَعْ، لم يُعْتَدَّ بما جَرَى والله أعلم.
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ وَاليَمِينِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكُلُّ مَا يُثْبَتُ بِرَجُلٍ وَأمْرَأتَيْنِ يَثْبتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ إِلاَّ عُيُوبَ النِّسَاءِ وَبَابَهَا، إِلاَّ أَنَّ الأُنُوثَةَ احْتُمِلَتْ فِيهَا لِحَاجَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ القَضَاءُ بالشَّاهِدِ أَوْ بِاليَمِينِ أَوْ بِهِمَا فِيهِ ثَلاَثةُ أوْجُهٍ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الغُرْمِ عِنْدَ الرُّجُوعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوز القَضَاءُ في الجُمْلَةِ بشَاهِدٍ وَيمِينٍ، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ، خِلاَفاً لأبي حَنِيفةَ -رحمهم الله-.لنا ما رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ، وأبي هُرَيرَةَ -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[قَضى بالشَّاهِدِ واليَمِينِ 174.172173
الجزء: 13 - الصفحة: 84
ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-] قضى بالشَّاهِدِ الوَاحِدِ، مع يمين الطَّالِبِ 175.
ثم الكلام في ثلاثة فُصُولٍ:
أحدها: في مَوْضِعِهِ -وفيه عِبَارَتَانِ:
إحداهما: المذكورة في الكِتَاب: أن ما يَثْبُتُ برَجُلٍ وامرأتين، يَثْبُتُ بشاهد وَيمِينٍ، إلا عُيُوبَ النِّسَاء وما في معناها 176، وما لا يَثْبُتُ برجل وامرأتين، لا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ.
والثانية: أن الثَّابِتَ بالشَّاهِدِ واليمين هو الأمْوَالُ؛ بأَعْيَانِهَا، ودُيُونها، وما يقصد 177 منه المال، كالبُيُوع، والهِبَاتِ، والقِرَاضِ، والمُسَاقَاة، وكَإتْلاَفِ الأموال 178، والجِنَايَاتِ = رواية الراوي عمن روى عنه، بل إذا روى الثقة عمن لا ينكر سماعه منه حديثاً واحداً وجب قبوله، وإن لم يروه عنه غيره، على أن قيساً قد توبع عليه، رواه عبد الرزاق عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار، أخرجه أبو داود، وتابع عبد الرزاق، أبو حذيفة، وقال الترمذي في العلل: سألت محمداً، عن هذا الحديث، فقال لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس، قال الحاكم: قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثاً، وسمعه من بعض أصحابه عنه، وأما رواية عصام البلخي وغيره ممن زاد فيه بين عمرو وابن عباس طاوساً فهم ضعفاء، قال البيهقي: ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء.
قاله الحافظ في التلخيص.
الجزء: 13 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .179180181182 = رضي الله عنهم وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والشعبىُّ، والنخعي، وزيد بن علي، وابن شبرمة، والإِمَامُ يحيى إلى عدم جواز الحكم بشاهد ويمين.
وقال محمد بن الحسن من قضى بشاهد ويمين نقضت حكمه.
وقال الحكم: القضاء بشاهد ويين بدعة وأول من حكم به معاوية.
الأدلة: استدل المجوزون بما يأتي:
الجزء: 13 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .183184185186187 = رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِن البَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَاليَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ... " بدل قوْل النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- "البينة على من ادَّعَى، واليمين على من أنكر على التفريق بين البينة واليمين، وغير جائز أن تكون اليمين بينة، إذ لو جاز، لكان بمنزلة قول القائل "البينة على المدعي، والبينة على المدعى عليه" وحيث إنِّ اليمين خلافُ البينة.
وقد قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الخَصْميْنِ فجعَلَ عَلَى المُدَّعي البينة، وعلى المنكر اليمين، فلا يجوز الحكم بشاهد ويمين.
وأيضاً جعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جنس البينة على المدعى، وجنى الأيمان على المنكر.
وحينئذ تكون جميع أفراد البينة على المدعين، وجميع أفراد اليمين على المنكرين.
فلو حلف المدعى مع الشاهد كان مخالفاً للنص.
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ... الخ".
يدل على بطلان القول بالشاهد واليمين.
إِذ إِنَّ اليمين هي دعواه؛ لأنه مخبرها ومخبر دعواه واحد فلو استحق بيمينه كان مستحقاً بدعواه.
وقد منع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك.
الجزء: 13 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .188 = بالمفهوم، والمانعون لا يقولون به فضلاً عن مفهوم العدد.
ويرد على قولهم أَنَّ الزيادة نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر.
أن النسخ رفع الحكم ولا رفع هنا؛ لأن الذي ثبت بالأخبار حكم سكت عنه الكتاب قبيلة السنة، وأيضاً فإنَّ الناسخ والمنسوخ لا بد أَنْ يتوارد على محل واحد، وهذا غير متحقق في الزيادة على البعض، ثم لو كانت كل زيادة نسخاً للزم على المانعين أن يبيحو الجمع بين البنت، وعمتها؛ لأن التحريم زيادة على النص.
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ,ولكنهم لا يقولون بِإبَاحَةِ الجمع، وحيث كان كذلك علم أنه السنة الصحيحة إِذَا أثبتت حكماً سكت عن الكتاب، وجب قبوله.
وعلم أنه ليس بنسخ إِذ ليس في السنة الصحيحة ما يخالف كتاب الله.
قال ابْنُ الْقَيِّمِ في "الطرق الحكمية": "والذي يجب على كل مسلم اعتقاده أَنَّ ليس في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله.
بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل: المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة.
المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه وتقيد مطلق.
المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب قبيلته بياناً مبتدأ، ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.
ويرد على قولهم إِذَا كان يكتفي بشهادة شاهد، ويمين المدعي ما كان هناك حاجة لأن تذكر إحدى المرأتين الأخرى.
أن الحاجة إِلى إِذكار إحداهما الأخرى، إِنَّمَا هو فيما إِذَا شهدتا، فأما إِذَا لم تشهدا قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة.
ويرد على الاستدلال بالحديث البينة على من ادعى.
أن الحكمة التي من أجلها جعلت البينة على المدعي واليمين على المنكر أن جانب المدعي ضعيف, لأن يقول خلاف الظاهر.
فكلف الحجة القوية وهي البينة لأنها لا تجلب لنفسها نفعاً، ولا ترفع عنها ضرراً.
فيقوى بها ضعف المدعي.
وجانب المدعى عليه قوي؛ لأن الأصل فراع ذمته فاكتفى منه باليمين، وهي حجة ضعيفة, لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويرفع عنها الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة.
فإذَا ما شهد شاهد فقد قوى جانب المدعي فتكون اليمين من جهته.
إِذْ إِنها تكون من جانب أقوى المتداعيين.
ويرد على استدلالهم بقول الرسول -صلى الله تعالى عليه وسلم-: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ" إن لم يعط بدعواه، وَإِنَّما أعطى بالشاهد، واليمين تقوية لهذا الشاهد، ولذا لو رجع الشاهد كان الضمان كله عليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المتضادين.
ثانيهما حمله على صورة مخصوصة، وهي أنَّ رجلاً اشترى عبداً فادعى المشتري أَنَّ به عيباً، وأقام شاهداً واحداً فقال البائع: بِعْتُهُ بالبراءة فيحلف المشتري أن ما اشتراه بالبراءة، ويرد العبد.
وتعقبه بأنها صورة نادرة، ولا يحمل الخبر على النادر.
هذا ما أجيب به عما ورد على أدلة المجوزين، ولم تجب أحد فيما نعلم عما ورد على أدلة المانعين.
وانتصار المذهب المجوزين.
قال أبو عبيد أَنَّ القضاء بشاهد، ويمين هو الذي يختاره اقتداء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقتصاصاً لأثره.
وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه.
والسنة مفسرة للكتاب ومترجمة عنه.
وعلى هذا كثير من الأحكام التي أخذنا بها نحن، ومن خالفنا في الشاهد واليمين كقوله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" والرجم على المحصن، والنهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، والتحريم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وقطع الموارثة بين أهل الإسلام، والكفر، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعدم قتل الوالد بالولد ... في شرائع كثيرة لا يوجد لفظها في ظاهر الكتاب، ولكنها سنة شرعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعلى الأمة اتباعها كاتباع الكتاب، وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهما.
وإِنَّمَا في الكتاب فرجل وامرأتان، فعلم أَنَّ ذلك إِذَا وجدتا فإِذَا عدمتا قامت اليمين مقامهما.
كما علم حين مسح النبي -صلى الله عليه وسلم- على الخفين أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معناه: أن تكون الأقدام بادية، وكذلك لما رجم المحصن في الزنى علم أن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ للبكرين، وكذلك ما ذكرنا من السنن فما بال الشاهد، واليمين ترد من بينها.
وقال ابْنُ تَيْمِيَّةَ والقرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم وإِنَّما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه.
ثم قال: وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء آخر.
فَإِنَّ طرق الحكم أوسع من الشاهدين والرجل والمرأتين فإنَّ الحاكم يحكم بالنكول ولا ذكر له في القرآن.
فإِنْ كان الحكم بشاهد ويمين مخالفاً لكتاب الله فالحكم بالنكول أشد مخالفة.
وقال الرَّبِيعُ: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولاً أسرف فيه على نفسه قال: أَرُدُّ حكم من حكم بهما؛ لأنه مخالف للقرآن.
فقلت له: الله أمر بشاهدين، أو شاهد وامرأتين، قال نعم.
فقلت أحتم من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته.
قلت فقله.
قال قد قلته.
قلت: وتجد في الشاهدين اللَّذَيْن أمر الله بهما حداً.
قال نعم.
حران مسلمان بالغان عدلان.
قلت: ومن حكم بدون ما قلت، خالف حكم الله.
قال: "نعم" قلت له: إنْ كان كما زعمت فقد خالفت حكم الله قال وأين؟ قلت: أجزت شهادة أهل الذِّمَّةِ وهم غير الذين شرط الله إن تجوز شهادتهم.
وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذا إن وجهان أعطيت بهما من جهة الشهادة، ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها، قلت: والقضاء بالشاهد، واليمين ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم الله إِذْ فرض الله طاعة رسوله فاتبعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبحانه وتعالى قبلت كما قبلت عن رسوله.
وقال الشوكاني: إنَّ جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين.
غير نافق في سوق المناظرة عند من له إلمام بالمعارف العلمية.
وأقل نصيب من إنصاف.
فالحق أن أحاديث العمل بشاهد ويمين زيادة على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
وعلى ما دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: شاهداك أو يمين.
غير منافية للأصل.
فقبولها متمتم، وغاية ما يقال على =
الجزء: 13 - الصفحة: 89
التي توجب المَالَ؛ كالخَطَأ، وشِبْهِ العَمْدِ، وكالجَوَائِفِ، وكذلك حُقُوقُ الأموال؛ كالرَّهْنِ، والأَجَلِ، والخِيَارِ على مَا تَبَيَّنَ، فيما يثبت بشهادة رَجُلٍ وامرأتين.
وإنما اخْتَصَّ القَضَايَا بالشَّاهِدِ واليَمْين بالأموال وحقوقها؛ لأن عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَاوِي الخَبَرِ عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- لما روى الخَبَرَ قال: وذلك في الأَمْوَالِ، وقول الرَّاوِي مُتَّبَعٌ في تَفْسِيرِ ما يَرْوِيهِ، وتَخْصِيصه.
وأيضاً فقد رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ عليه السلام في الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ، فَأَشَارَ عَلَيَّ بِذَلِكَ في الأَمْوَالِ لاَ = فرض التعارض.
وإن كان فرضاً فاسداً أن الآية والحديث المذكورين يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد واليمين، والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكْثَرِ الأصوليين لا يعارض المنطوق، وهو ما ورد في أحاديث العمل بشاهد ويمين على أن يقال العمل بشهادة المرأتين مخالف لمفهوم شاهداك أو يمين.
فَإنْ قالوا: قَدَّمْنَا على هذا المفهوم منطوق الآية الكريمة قلنا: ونحن قدمنا على ذلك المفهوم منطوق أحاديث الباب هذا على فرض أَنَّ الخصم يعمل بمفهوم العدد، فَإِنْ كان لا يعمل به، فالحجة عليه أوضح وأتم.
وبعد أن ذكرنا أدلة الطرفين وما نوقشت به.
لا يسعنا إلا أن نقول أن الحكم بشاهد ويمين جائز.
إذ يبعد كثيراً أن يختلق أولئك الرواة العديدون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشاهد ويمين.
وأيضاً فقد يحصل أن يتعامل بعض الناس ولا يحضره إلا شاهد واحد.
أفي مثل هذه الصورة نقول للمدعى أنك قصرت حيث لم تستشهد شاهدين؟ ولذلك قد ضاع حقك.
وذهب مالك إلى أن العدل كل العدل أن يقضي بالشاهد واليمين في مثل هذا اقتداء برسول الله.
نعم إن الزهري قال في الشاهد واليمين أن هذا بدعة.
وأول من أجازه معاوية والزهري من أعلم أهل المدينة في وقته.
فلو كان خبر الشاهد واليمين ثابتاً لما خفي عليه.
ولكن العقل يجوز أن يخفي الخبر على الزهري مع مكانته العلمية ولا يجوز أن يخطأ نيف وعشرون صحابياً منهم الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم.
الحق كما يبدو لنا أن الحكم بشاهد ويمين جائز.
والمصلحة داعية إلى الأخذ بهما هذا ومما نستنكره أن من الأئمة الأجلاء والعلماء الباحثين في هذا الموضوع من وجه إلى مخالفيهم الحنفية ومن وافقهم ألفاظاً تنقص من مكانتهم العلمية.
قال الإِمام مالك بعد أن سرد أن الحكم بشاهد ويمين حكم به الصحابة.
قال وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة أترى هؤلاء تنقض أحكامهم.
ويحكم ببدعتهم هذا غفال شديد ونظر غير سديد.
ويقول القرطبي رداً على المانعين وهذا كله غلط وظن لا يفنى من الحق شيئاً وليس من نفي وجهل كمن أثبت وعلم.
ويقول ابن العربي أنه جهل باللغة.
ولئن جاز في عرف البسطاء أن ينالوا من مخالفيهم.
وأن ينقصوا من أقدارهم.
أثتاء بحثهم ونقاشهم.
ما كان يجوز مطلقاً أن يحصل هذا ممن لهم منزلتهم ومكانتهم.
الجزء: 13 - الصفحة: 90
تَعْدُو ذَلِك" 189.وإنما امْتَنَعَ القَضَاءُ بشَاهِدٍ ويَمينٍ في عُيُوب النِّسَاء, وما في معناها؛ لأنها أُمُورٌ خَطِيرةٌ، بخلاف الأَمْوَالِ، وقَبُولُ شهادة النساء فيها، من جِهَةِ أن الرِّجَالَ لا يَطَّلِعُونَ عليها غَالِباً، وهل يجوز القَضَاءُ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ مع اليمين؟
أما في الأمْوَالِ فلا، خِلاَفاً لمالك، واحتج الأَصْحَابُ بأن المُنْضَمَّ إلى اليمين، إذا شَهِدَتِ امْرَأتَانِ، أضعف شَطْرَي الحُجَّةِ، فلا يقنع بانضمام الضعيف إلى الضَّعِيفِ، كما لا يُقْنَعُ بانْضِمَامِ شهادة امرأتين إلى شهادة امرأتين.
وأما فيما يَثْبُتُ بشهادة النساء وَحْدَهُنَّ، فإن أبا الفرج السَّرَخْسِيَّ حكى عن طَائِفَةٍ منهم الشيخ أبو عَلِيٍّ: أنه يَجُوزُ؛ لأن المُنْضَمَّ حينئذ، شَطْرٌ تَامٌّ لأضعف الشَّطْرَيْنِ.
وعن آخرين: المنع؛ لأنه لم يَنْضَمَّ إليها أَقوَى الشَّطْرَيْنِ، فلم يكن في معنى المَنْصُوص.
وهذا أَوْفَقُ لإطلاَقِ عامة النَّاقِلِينَ رحمهم الله.
والثاني: هل القَضَاءُ بالشَّاهِدِ، أو باليمين، أو بهما، فيه ثلاثَةُ أوجه:
أحدها: أنه بالشاهد؛ لأَنَّ إِثْبَاتَ الحَقِّ باليَمِينِ بَعِيدٌ، لكن يُؤكَّدُ بها الحجة، كالحجة المُقَامَةِ على الغائب والمَيِّتِ.
والثاني: باليمين والشَّاهِدِ يقوى جَانِبَ المُدَّعِي، كاللَّوثِ في القَسَامَةِ؛ لأن الشاهد الواحد ليس بِحُجةٍ، واليمين حُجَّةٌ في الحُكْم، وربما اسْتَأْنَسَ صاحب هذا الوجه بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: أنه قَضَى بالشَّاهِدِ الوَاحِدِ مع يَمِينِ الطَّاَلِبِ، وجعلا ما دخل عليه كلمة "مع" شَرْطاً.
وأصحهما: أن القَضَاءَ يَقَعُ بهما جَمِيعاً، كما يقع بالشَّاهِدِ.
وفائدة الاخْتِلاَفِ تظهر فيما لو رجع الشَّاهِدُ، فعلى الأول؛ يغرم، إذا جعلنا الرُّجُوعَ سَبَباً لِلْغُرْمِ.
وعلى الثاني, لا يُغَرَّمُ، وعلى الثَّالث؛ يُغَرَّمُ النِّصْفَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَحْتَمِلُ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي أَنْ يُخَرَّجَ الغُرْمُ عَلَى الخِلاَفِ فِي أَنَّ المُزَكِّي هَلْ يُغَرَّمْ؛ لأَنَّ القَضَاءَ وَإنْ كَانَ بِاليَمِينِ، فَقَوْلُ الشَّاهِدِ هُوَ الَّذِي نَفَّذَهُ, ويُجْزِئُ مِثْلُ هَذَا فِي النِّصْفِ عَلَى الوَجهِ الثَّالِثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثَّالِثُ: في كيفيته:
وإنما يَحْلِفُ المُدَّعي بعدِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَتَعْدِيلِهِ، فإن جَانِبَهُ إنما يَتَقَوَّى حينئذ، وإنما يَحْلِفُ مَنْ قَوِيَ جَانِبُهُ، وكذلك يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه، فإن الأصل يقوى جَانِبَهُ، ويحلف المُدَّعِي إذا نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لأن النُّكُولَ قَوَّى جَانِبَهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 91
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ: أنه يجوز تَقْدِيمُ اليَمِينِ، كما يجوز أن تَتَقَدَّمَ شَهَادَةُ المَرْأَتَيْنِ على شَهَادَةِ الرَّجُلِ.
حكاه عنه القَاضِي أبو حَامِدٍ، فيما ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ.
وللإمام: احتمال التَّقْدِيمِ على تَعْدِيلِ الشَّاهِدِ، ويجب أن يَتَعرَّضَ المُدَّعِي في اليَمِينِ بِصِدْقِ الشاهد، فيقول: وَاللهِ إن شَاهِدِي لَصَادِقٌ، وإني مستَحِقٌّ لكذا.
قال الإِمام: ولو قَدَّمَ ذِكْرَ الحَقِّ، وأَخَّرَ تَصْدِيقَ الشَّاهِدِ، فلا بَأْسَ ولم أجد أحداً يُضَايقُ فيه، وَوَجَّهُوا اشْترَاطَ التَّعَرُّضِ لِصِدْقِ الشاهد؛ بأن اليمين والشهادة حُجَّتَانِ مختلفتا 190 الجنس، فاعْتُبِرَ ارْتِبَاطُ أحدهما بالآخر، ليصيرا كالنَّوْعِ الوَاحِدِ.
وهذا التَّوْجِيهُ قَوِيٌّ أم ضعيف؟ إنما يَنْتَظِمُ على قول من يقول باسْتِنَادِ القَضَاءِ إليهما جَميعاً.
وإذا فَسَقَ الشَّاهِد بعد القضاء لم يُنْقَضِ الحُكْمُ، وإن فَسَقَ قَبْلَهُ صار كَأَنْ لا شَاهِدَ، فيحلف المُدَّعى عليه، فإن نَكَلَ رُدَّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، ولم يعتد بما مَضَى، ولو لم يَحْلِفْ المُدَّعي مع شَاهِدِهِ، وطَلَبَ يَمِينَ الخَصْمِ، فله ذلك، فإن حَلَفَ سَقَطَتِ الدَّعْوَى.
قال ابن الصَّبَّاغِ: وليس له أن يَحْلِفَ بعد ذلك مع شَاهِدٍ، بخلاف ما لو أقام بَيِّنَةً بعد يَمِينِ المدَّعَى عَلَيْهِ، حيث يسمع؛ لأن البَيِّنَةَ قد يتَعذَّرُ عليه إِقَامَتُهَا [بعُذْرٍ] 191، واليمين إليه بعد شَهَادَةِ الشاهد الواحد فلا عُذْرَ له في الامْتِنَاع، وإن نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ 192، فأراد المُدَّعِي أن يَحْلِفَ يمين الرَّدِّ، فقولان:
أصحهما: أنه يُمَكَّنُ منه، وهذه الصُّورَةُ مَذْكُورَةٌ في الكتاب؛ في "باب دَعْوَى الدَّم"، ويجريان فيما إذا ادَّعى مَالاً، ونَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، ولم يَحْلِفِ المدعى يمين الردّ، ثم أقام شاهداً واحداً، وأراد أن يحلف معه، فإن قلنا: ليس له أن يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ، فالمَنْقُولُ؛ أنه يحبس المُدَّعَى عَلَيْهِ حتى يَحْلِفَ، أو يقر لأن يمينه حَقُّ المُدَّعِي، فلا يتمكن من إِسْقَاطِهِ.
لكن على هذا القول التَّقْصِير منه حيث لم يَحْلِفْ مع شَاهِدِهِ، فيما ينبغي أن يحلف المُدَّعَى عليه 193.
الجزء: 13 - الصفحة: 92
وقد ذكر صاحب "الشامل" نَحْواً من هذا 194.
وعند مَالِكٍ: إذا نَكَلَ المُدَّعَى عليه، قضى عليه، ولا حَاجَةَ إلى يَمِينِ المُدَّعِي، وليس ذلك؛ لأنه يذهب 195 إلى القَضَاءِ بالنُّكُولِ، لكنه جعل نُكُولَ المُدَّعَى عليه، مع شَاهِدِ المُدَّعِي كَنُكُولِ المُدَّعَى عليه، مع يمين المُدَّعِي، واحتج الأَصْحَابُ بأنه، لو نَكَلَ المُدَّعَى عليه، ولو أن المُدَعي بعدما امْتَنَعَ عن الحَلِفِ مع شَاهِدِهِ، واستحلف الخصم، أراد أن يَعُودَ، ويَحْلِفَ مع شَاهِدِهِ، حكى المُحَامِلِيُّ: أنه ليس له ذلك؛ لأن اليَمِينَ قد انقَلَبَ من جَانِبِهِ إلى جانب صَاحِبِهِ، إلا أن يَعُودَ إلى مَجْلِسٍ آخر، فَيَسْتَأْنِفُ الدَّعْوَى، ويقيم الشَّاهِدَ، فحينئذ يَحْلِفُ معه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَو ادَّعَى عَبْداً فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ فأَعْتقَهُ فَلاَ يَكْفِيهِ شَاهِدٌ وَيمِينٌ لأَنَّهُ يُثْبِتُ الحُرِّيَّةَ دُونَ المِلْكِ، وَلَوِ ادَّعى فِي جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا أنَّهَا مُسْتَوْلَدَتُهُ وَالوَلَدُ مِنْهُ وَحَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ ثَبَتَ مِلْكُ المُسْتَوْلَدَة وَعُتِقَتْ عِنْدَ مَوْتِهِ بِإِقْرَارِهِ، وَلاَ يَثْبِتُ نَسَبُ الوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ إِذْ لاَ مَعْنَى لِتَبَعِيَّتِهِ فِي الحُجَّةِ وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ، وَهَذِهِ الحُجَّةُ لاَ تَكْفِي لِلحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان، تَرْتَبِطُ إحْدَاهُمَا بالأخرى، وتدخل فيها فَنُؤَدِّيهُمَا، على ما لهما من المُدَاخَلَةِ، والارْتِبَاطِ، ونقول: جَارِيَةٌ وولدها في يَدِ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّهَا، فجاء مُدَّعٍ، وقال: هذه مُسْتَوْلَدَتِي، والوَلَدُ مني، عَلِقَتْ به في مِلْكِي، فإن أقام عليه شَاهِدَيْنِ، يَثْبُت ما يَدَّعِيهِ.
وإن أقام شَاهِداً وَاحِداً وحَلَفَ معه، أو رَجُلاً وامْرَأَتَيْنِ، يثبت الاسْتِيلاَدُ؛ لأن المُسْتَوْلَدَةَ ومَنَافِعَهَا لِلسَّيِّدِ، وسَبِيلُهَا سَبِيلُ الأموال الثابتة بالحُجَّةِ النَّاقِصَةِ، فَتُسَلَّمُ إليه، وإذا مات حُكِمَ بِعِتْقِهَا، بإقراره 196، وهل يُحْكَمُ له بالوَلَدِ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنا حكمنا له بالجَارِيَةِ، والوَلَدُ فَرْعُهَا، فَأَشْبَهَ ما إذا أثبت غَصْبَ الجارية، يُحْكَمُ له بالوَلَدِ الحَاصِلِ منها في يَدِ الغَاصِبِ، وأيضاً فإن الوَلَدَ في دَعْوَاهُ
الجزء: 13 - الصفحة: 93
حُرٌّ، كما في الجَارِيةِ، وبه يَثْبُتُ الاسْتِيلاَدُ، فهذا اخْتَصَّ بالجارية على صِفَةِ أُمِّيَّةِ الولد تَعَدَّى الاخْتِصَاصُ إلى الوَلَدِ، هكذا وَجَّهُوهُ.
وعلى هذا، فَيُنْتَزَعُ الوَلَدُ، ويكون حُرّاً نِسْبِياً بإقرار المدعي.
والثاني: المنع؛ لأنه لا يَدَّعِي مِلْكَ الوَلَدِ، وإنما يَدَّعِي نَسَبَهُ، وحُرَّيَّتَهُ، وهما لا يثبتان 197 بهذه الحُجَّةِ، فعلى هذا؛ يبقى الوَلَدُ في يد صَاحِبِ اليد.
وهل يثبت نَسَبُهُ بإقرار المُدَّعِي؟ فيه ما ذكرناه في الإقرار، واللقيط في اسْتِلْحَاقِ عَبْدِ الغير.
واختار المُزَنِيُّ من القولين الأوَّلَ، واحْتَجَّ بأن الشافعي -رضي الله عنه- نَصَّ فيما لو كان في يَدِ رجل عَبْدٌ بزعمه، يَسْتَرِقُّهُ، فجاء آخر، وَادَّعَى أنه كان له، وأنه أَعْتَقَهُ، وصاحب اليد ظَالِمٌ باسْتِرْقَاقِهِ، وأقام عليه شَاهِداً وَاحِداً، وحَلَفَ مَعَهُ، أو رجلاً وامرأتين، أنه يُنْتَزَعُ من يَدِ صَاحِبِ اليد، ويُحْكَمُ بأنه عتيق على المُدَّعِي، بإقْرَارِهِ.
وموجب قَوْلِ المُدَّعِي هاهنا الحُرِّيَّةُ، كما أن موجب قوله هناك حُرِّيَّةُ الوَلَدِ، وكما انْتَزَعَ المُدَّعِي، وقَضَى بكونه مَوْلى له، وجب أن يُنْتَزَعَ الولد، ويُقْضَى بكونه ابناً له.
وللأصحاب في صُورَةِ الاحْتِجَاجِ طريقان:
أحدهما: أن فيها قولين أيضاً:
أحدهما: أنه لا يُنْتَزَعُ، ولا تُقْبَل بَيِّنَةٌ؛ لأنه يَشْهَدُ بملْكٍ مُتَقَدِّمٍ، فصار كما إذا ادَّعَى مُدَّع مِلْكاً في الحَالِ، وشهد شُهُودُهُ بأنه كان مِلْكاً لَه من قَبْلُ.
والثاني: يُنْتَزَعُ، وتُقْبَلُ بَيِّنتُهُ؛ لأنها مُوَافِقَةٌ للدَّعْوَى، بخلاف ما إذا ادَّعَى المِلْكَ في الحَالِ، وشهد الشُّهُودُ بالمِلْكِ المتقدم، وعلى هذا فنحكم بحريته بإقراره.
فمن قال بهذه الطَّرِيقَةِ، قال: أجاب الشافعي -رضي الله عنه- على أَحَدِ القولين فلا احْتِجَاجَ.
والثاني: القَطْعُ 198 بالقَبُولِ، والانْتِزَاعِ، وبه قال أبو إسْحَاقَ، وفَرَّقَ الصَّائِرُونَ إليه بين هذه الصورة، وصورة المُسْتَوْلَدَةِ، بأن المُدَّعِي يدعي هاهنا مِلْكاً مُتَقَدِّماً في العَبْدِ، وحُجَّتُهُ تَصْلُحُ لإِثْبَاتِ المِلْكِ، وإذا ثبت المِلْكُ، تَرَتَّبَ العِتْقُ عليه بإقراره.
وفي صورة الاسْتِيلاَدِ، إنما قُدِّمَتِ الحُجَّةُ على مِلْكِ الأُمِّ، لا جَرَمَ أَثْبَتْنَاهُ وَرَتَّبْنَا عليه العِتْقَ، إذا جاء وَقْتُهُ بإقْرَارِهِ.
وأما الولد، فقضية الدَّعْوَى في الحُجَّةِ كونه حُرّ الأَصْلِ نِسبياً، والحرية والنَّسَبُ لا يثبتان بهذه الحُجَّةِ، فلذلك افْتَرَقَا.
الجزء: 13 - الصفحة: 94
ولو أن المُدَّعِي في مَسْأَلَةِ الاسْتِيلاَدِ قال لصاحب اليد: اسْتَوْلَدْتُهَا في مِلْكِكَ، ثم اشْتريتها مع الولد، فعُتِق الوَلَدُ عَلَيَّ، وأقام عليه حُجَّةً نَاقِصَةً، فالعِتْقُ الآن تَرَتَّبَ على المِلْكِ الذي قامت به الحُجَّةُ الناقصة، فتكون على الطريقتين؛ كذلك حُكِيَ عن القَفَّالِ، هذا كلام الأصحاب على طَبَقَاتِهِمْ -رحمهم الله [وإيانا] 199 - في الصورتين.
والأَشْبَهُ في مسألة الاسْتِيلاَدِ، وبه أجاب الروياني في "الحلية"، أن الوَلَدَ لا يُنْتَزَعُ، والأظهر في صورة العَبْدِ، أنه يُنْتَزَعُ، ويُحْكَمُ بأنه عتيق بإقراره، وبه أجاب صاحب "التهذيب"، والروياني، وانْحَازَ الإِمَامُ، وصاحب الكتاب، عن الأصحاب.
فحكيا أن اختيار المُزَنِيِّ، أن حُرِّيَّةَ الولد لا تَثْبُتُ، ولا تُقْبَلُ هذه الحُجّة في حق الولد، وأن النَّصَّ الذي نقله في مسألة العَبْدِ، أن المدعى لا يثبت، ويقر العبد في يد المدعى عليه، وأنه رَجّح، وقال: إذا لم يَثْبُتِ العِتْقُ هناك مع أن قصر دَعْوَاهُ وحجَّته ترتبه على المِلْكِ، وتَوَاردُهُمَا على شخص واحد، فلأِنْ لا تَثْبُتَ في الولد، وهو شَخْصٌ مُسْتَقِلٌّ بقيام الحُجَّةِ على المِلْكِ في الأم، كان أَوْلَى، ثم نَقَلاَ عن الأصحاب طريقين:
أحدهما: طَرْدُ القولين في مسألة العَبْدِ.
ثانيهما: القَطْعُ بأنه لا يثبت المُدَّعي، ولا يُنْتَزَعُ العَبْدُ، ولا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ؛ لأن صورة الاسْتِيلاَدِ الحُجّةُ صَالِحَةٌ للاسْتِيلاَدِ، والاسْتِيلاَدُ يَقْتَضِي وَلَداً، وفي العتق لا متَشَبِّثَ تَتَعَلَّقُ بها الحُجَّةُ، وهذا كله مُحَالٌ عن وجهه فان شئت 200 فراجع "المختصر" تتيقَّن أن الأمْرَ على ما حَكَيْنَا.
وأَعْلِمْ قوله في الكتاب: "فلا يكفيه شاهد" بالواو.
واعْلَمْ أن الأَظْهَرَ عند الأَصْحَاب أنه يَكْفِي شاهد وَيمِينٌ، لثبوت المِلْكِ السابق، ثم يَتَرَتَّبُ عليه الحُرِّيَّةُ بإقراره.
ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: "على أَقيَس القولين" بالواو؛ لأن أبا الفَرَجِ حَكَى طَرِيقَةً قَاطِعَةً بثبوت النَّسَبِ والحرية.
وتأثير هذه الحجة في الولد، وهي غَرِيبَةٌ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ إِذَا حَلَفَ الوَرَثَةُ مَعَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى دَيْنٍ لِلمُوَرِّثِ اسْتَحَقُّوا، فَإِنْ حَلَفَ وَاحدٌ اسْتَحَقَّ الحالِفُ نَصِيبَهُ دَونَ النَاكِلِ، ولَيْسَ لِولدِ الناكِلِ بعد مَوْتِهِ أَنْ يَحْلِفَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ النُّكُولِ فلِوَلَدِهِ أنْ يَحْلِفَ، وَفِي وُجُوبِ إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَكَلَ الوَارِث وَللْمَيِّتِ غَرِيمٌ فَهَلْ يَحْلِفُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهمْ غَائِبٌ
الجزء: 13 - الصفحة: 95
حَلَفَ إِذَا حَضَرَ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ، وَكَذَا إِذَا بَلَغَ صَبِيٌّ، وَلَوْ كَانَ النِّزَاعُ فِي وَصِيَّةٍ لِشَخْصَيْنِ، فَإذَا قَدِمَ الغَائِبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ إِعَادةِ الشُّهُودِ لاَ كَالمِيرَاثِ فإِنَّهُ كَالمُسْتَجِدِّ وَلذَلِكَ يَخْرُجُ بِحَلِفِ أَحَدِ الوَارِثينَ نَصِيبُ الغَائِبِ مِنْ يَدِ الخَصْمِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ بِخِلاَفِ شَرِيكِ الوَصِيِّةِ إِذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ اسْتَوْفَى نَصِيبُ المَجْنُونِ وَالصَّبِيّ الَّذِي لَمْ يَدَع البُلُوغَ وَيُؤْخَذُ نَصِيبُ الغَائِبِ إِنْ كَانَ عَيْناً، وَيَكْفِي دَعْوَى الحَاضِرِ، وَإِنْ كَانَ دَيْناً فَوجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مَنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ بِدَيْنٍ أَنَّ القاضِيَ هَلْ يَسْتَوفِيهِ أَمْ يَتْرُكُهُ؟ وَمَا يَسْتَوفِيهِ الحَاضِرُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ لاَ يُسَاهِمهُ الغَائِبُ فِيهِ إِذَا رَجَعَ، وَإنْ كَانَ عَيْناً يُسَاهِمُهُ لأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ شَائِعٌ بَيْنَهُما، وَأمَّا الدَّيْنُ فَإِنَّمَا يتعَيَّن بِالتَّعْيِينِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: اللَّفْظُ في أكثر النَّسَخ "فُرُوعٌ" بالجَمْعِ، ولكن لم يَنصَّ على الثالث وكأنه نَقَضَهُ، صورة وَقْفِ التشريك المذكورة آخراً.
فإنه جعلها في "الوسيط" مَسْأَلَةَ بِرَأْسِهَا، والأخريين في هذا والفقه أنه إذا ادَّعَى وَرَثَةُ مَيِّتٍ دَيْناً لمورثهم، أو عَيْناً، فإنما يُحْكَمُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ إذا ثبت لهم ثَلاثَةُ أَشْيَاءَ: الموت، والوِرَاثَةُ، وأصل المال 201.
والأول والثاني لا مَدْخَلَ فيهما للشَّاهِدِ واليَمِينِ، بل طريق ثُبوتهما إقَامَةُ شَاهِدَيْنِ، وإقرار المُدَّعَى عليه.
وأما المال، فللشاهد واليمين مَدْخَلٌ فيه، فإن حَضَرَ جَمِيعُ الوَرَثَةِ، وهم كَامِلُونَ، وأقاموا شَاهِداً وَاحِداً، وحَلَفُوا معه، اسْتَحَقُّوا، والمَأْخُوذُ تَرِكَةٌ يُقْضَى منها 202 دُيُون المَيِّتِ، وينفذ وَصَايَاهُ، وإن امتنع جَمِيعُهُمْ.
وعلى الميت دَيْنٌ، فهل لِلْغَريمِ أن يَحْلِفَ؟
ذكرنا في التفليس أنه على قولين:
الجديد منهما، المَنْعُ.
والقولان جَارِيانِ فيما إذا كَانَ قد أَوْصَى لإنْسَانٍ، ولم يَحْلِفِ الوَرَثَة، هل يحلف الموصى له؟ فإن كانت الوَصِيَّةُ بِعَيْنٍ، وادعاها في يد الغَيْرِ، فلا ينبغي أن يكون هذا مَوْضِعَ الخِلاَفِ، بل يجوز لا مَحَالَةَ.
وإن حلف بعض الوَرَثَةِ دون بعض، وأخذ الحالف نَصِيبَهُ، والنص أنه لا يُشَارِكُهُ فيه من لم يَحْلِفْ.
ونص في كتاب الصُّلْح: أنهما لو ادَّعَيَا دَاراً إِرْثاً، فصدق المُدَّعَى عليه أحدهما في نَصِيبِهِ يشاركه المُكَذّب.
فعن ابن القَاصِّ وغيره: أن بَعْضَ الأَصْحَاب خرج فيما ذكر في الصُّلْحِ قَوْلاً هاهنا: أن ما أَخَذَهُ الحَالِفُ يُشَارِكُهُ فيه من لم يحلَف؛ لأن الإِرْثَ يثبت على الشُّيُوعِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 96
وامتنع عَامَّتُهُمْ من هذا التَّخْرِيجِ، وقَطَعُوا بأنه لا شَرِكَةَ هاهنا، كما نَصَّ عليه، ولما افْتَرَقَتِ الصُّورتَانِ، نقل الإمَامُ فيه طريقين، عن الأصْحَابِ.
قال قوم: لأن صُورَةَ كتاب الصُّلْحِ مُصَوَّرَةٌ في العين 203، وأعيان التَّرِكَةِ مشتركة بين الوَرَثَةِ، والمُصَدِّقُ مُعْتَرِفٌ بأنه من التركة، والتَّصْوِيرُ هاهنا في الدين، والدَّيْنُ إنما يَتَعَيَّنُ بالتعيين، والقبض.
فالذي أخذه الحَالِفُ تَعَيَّنَ لنصيبه بالقَبْضِ، فلم يشاركه الآخر 204 فيه، ومن قال بهذا قال: لو فرضت مسألة الصُّلْح في الدَّيْنِ، لم تثبت الشَّرِكَةُ، ولو فرض الشاهد ويمين بعض الوَرَثَةِ في العَيْنِ، تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ.
وقال آخرون: بل السَّبَبُ ما يَثْبُتُ هاهنا، يثبت بالشَّاهِدِ واليمين، فلو أثبتنا الشَّرِكَةَ، لَمَلَّكنَا النَّاكِلَ بيَمِينِ غَيْرِهِ، وبعيد أن يَمْتَنِعَ الإِنْسَانُ من الحَلِفِ، ونحن نملكه بِحَلِفِ غيره، مع أن اليَمِينَ لا تجرى فيها النِّيَابَةُ، وهناك ما ثبت ثَبَتَ بِإِقْرَارِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، ثم ترتب على ما أَقَرَّ به إقرار المصدق، بأنه إِرْثٌ، وعلى هذا فلا فَرْقَ هاهنا بين العَيْنِ والدَّيْنِ، ولا في صورة إقرار المدعى عليه.
وهذا الطريق الثانِي هو الذي أَورَدَهُ جمهور الأصحاب، وصَحَّحَهُ الإِمام، وخَالَفَهُمْ صاحب الكِتَابِ في "الوسيط" من وجهين:
أحدهما: أنه أشار إلى إِثْبَاتِ الخِلاَفِ في الصورتين، بالنَّقلِ، والتخريج في مَسْأَلَةِ الصُّلْح مما نحن فيه، ولم يَتَعَرَّضُوا له.
والثاني: أنه اعتمد في طَرِيقَيِ الفَرْقِ على معنى العَيْنِ، والدَّيْنِ.
وهل يقضى من نصيب الحَالِفِ جميع الدَّيْنِ؟ أم يقضى بالحصَّةِ؟
قال في "الشامل": يبنى على أن الغَرِيمَ، هل يحلف؟ إن قلنا: يحلف، لم يَلْزَمْهُ إلا قَضَاءُ حصته.
وإن قلنا: لا يَحْلِفْ، فيبنى على أن من لم يَحْلِفْ من الوَرَثَةِ، هل يشارك الحَالِفُ؟ إن قلنا: نعم، فيقضى منه جميع الدَّيْنِ؛ لأنا أَعْطَيْنَاهُ حكم التَّرِكَةِ.
وإن قلنا: لا، [لم] 205 يلزم إلى الحِصَّةِ هذا هو الكلام في نَصِيبِ الحَالِفِ.
أما من لم يحلف؛ فإن كان حَاضِراً، كَامِلَ الحال، وَنَكَلَ، ذكر الإِمام: أن حَقَّهُ يَبْطُلُ بالنُّكُولِ، ولو مات، لم يكن لِوَارِثِهِ أن يَحْلِفَ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ ما ينازع فيه، وقد تَوَجَّهَ بأنه حَقُّهُ، فله تَأْخِيرُهُ.
قال الإِمَامُ: ولو أراد وارثه أن يُقِيمَ شَاهِداً آخر لِيَحْلِفَ معه، لم يَتَمَكَّنْ من الحَلِفِ أيضاً.
الجزء: 13 - الصفحة: 97
لكن هل يُضَمُّ هذا الشَّاهِدُ إلى الشَّاهِدِ الأَوَّل لِيُحْكَمَ له بالبَيِّنَةِ؟ فيه احْتِمَالاَنِ جَارَيانِ، كما لو أقام مُدَّعٍ شاهداً في خُصُومَةٍ، ثم مات، فأقام وَارِثُهُ شَاهِداً آخر، يجوز أن يُقَال: له البناء عليه.
ويجوز أن يُقَالَ: عليه تَجْدِيدُ الدَّعْوَى، وإِقَامَةُ البَيِّنَةِ الأولى 206، وأنه لو أقام الوَرَثَةُ شَاهِداً، وحلف معه بعْضُهُمْ، ومات بعضهم، قبل أن يَحْلِفَ أو ينكل، كان لوارثه أن يَحْلِفَ.
لكن هل يحتاج إلى إعادة الدَّعْوَى، والشاهد؟ فيه التَّردُّدُ المذكور.
والأَشْبَهُ أنه لا يحتاج، وإن كان الذي يَحْلِفُ غَائِباً، أو صَبِيّاً، أو مَجْنُوناً, فقد نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في المَجْنوُنِ: أنه يوقَفُ نَصِيبُهُ، واختلفوا في معناه.
قال أبو إِسْحَاقَ وعَامَّةُ الأصحاب: المراد؛ أنا نَمْتَنِع عن الحُكْمِ في نَصِيبِهِ، ونَتَوَقَّفْ إلى أن يُعْتَق، ويحلف، أو يَنْكَلُ، ولا يُؤْخَذُ نصيبه.
ومنهم من قال: أراد يؤخذ نصيبه، ويوقف.
وهذا أَحَدُ قَوْلَيْهِ في أنه، هل تثبت الحَيْلُولَة بشاهد واحد؟ لأن الشَّاهِدَ الذي يُقِيمُهُ أَحَدُ الوَرَثَةِ مَقَامَ الكُلِّ؟ وقد يُطْلَقُ لهذا الاخْتِلاَفِ في المَسْأَلَةِ وَجْهَان، أو قولان.
والصَّبِيُّ والغائب مُلْحَقَانِ بالمجنون 207، وينبغي 208 أن يكون الحَاضِر الذي لم يشرع في الخُصُومَةِ، أو لم يشعر بالحال، كالصَّبِيِّ، والمَجْنُونِ، والغائب، في بقاء حَقِّهِ، بخلاف ما سَبَقَ في النَّاكِلِ.
وإن فَرَّعْنَا على الأَظْهَرِ، وهو أنه لا يُؤْخَذُ نصيب المَعْذُورِينَ، فإذا زَال عُذْرُهُمْ، حلفوا، وأخذوا نَصِيبَهُمْ، ولا حَاجَةَ بهم إلى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ، بخلاف ما لو كَانَتِ الدَّعْوَى، لا عن جهَةِ الإِرْثِ.
فإن قال: أوصى لك، ولي، ولأخي الغَائِبِ [أو الصبي] 209 أبوك بكذا، أو اشتريت مع أخي الغائب منك كذا، وأَقَامَ شَاهِداً، وحَلَفَ معه، فإنه إذا قدم الغَائبُ، وبلغِ الصَّبِيُّ، يَحْتَاجَانِ إلى تجديد الدَّعْوَى، وإِعَادَةِ الشهادة، أو إقامة شَاهِدٍ آخر، فلا يُؤْخذُ نصيبهما قبل ذلك؛ لأن الدَّعْوَى في المِيرَاثِ عن شَخْصٍ واحد وهو المَيِّتُ، وكذلك يُقْضَى دَيْنُهُ [من] 210 المأخوذ، وفي غير المِيرَاثِ الدَّعْوَى وألحق لأَشْخَاصٍ، فليس لأحد أن يَدَّعِيَ، ويُقِيمَ البَيِّنَةَ عن غيره، من غير إذْنٍ، ولا ولاية.
الجزء: 13 - الصفحة: 98
وما ذكرنا في أن المِيرَاثَ، أنه لا حَاجَةَ إلى إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ، مفروض فيما إذا لم يَتَغَيَّر حَالُ الشَّاهِدِ، فإن تَغَيَّرَ قال الشَّيْخُ أبو الفَرَجِ: فيه وجهان:
أحدُهمَا: وبه قال القَفَّالُ: لا يَقْدَحُ، وللصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والغَائِبِ إذا زال عُذْرُهُمْ، أن يحلفوا؛ لأنه قد اتَّصَلَ الحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، فلا أَثَرَ للتغيير بعده.
وثانيهما: وهو اختيار الشَّيْخ أبي عَلِيٍّ: أنهم لا يَحْلِفُونَ؛ لأن الحكم اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ في حَقِّ الحالف دون غَيْرِهِ 211. ولهذا لو رجع، لم يكن لهم أن يَحْلِفُوا.
ولو مات الغائِبُ، أو الصِّبِيُّ، فلوارثه أن يَحْلِفَ، ويأخذ حِصَّتَهُ.
فإن كان وارثه الحَالِف لم تُحْسَبْ يَمِينُهُ الأُولَى, وبهذا يَتَأَكَّدْ أخذ الاحتمالين المذكورين، فيمن مَاتَ قبل أن يَحْلِفَ وينكل.
ولو ادَّعَى إِنْسَانٌ على وَرَثَةِ رجل: أن مورثكم أَوْصَى لي ولأخي، أو لأجنبي بكذا، وأقام شَاهِداً، وحَلَفَ معه، فأخذ نَصِيباً لا يُشَارِكُهُ الآخر فيه، بلا خلاف، لكن سَبَقَ في الصُّلْحِ؛ أنه لو قال رجلان: اشْتَرَيْنَا منك معاً كذا، وصدق أحدهما دون الآخر، يكون الحُكْمُ كما في الإِرْثِ، في أظهر الوجهين.
فعلى ذلك الوَجهِ، إذا قال: أَوْصَى لنا معاً بكذا، ينبغي أن يَعُودَ فيه، ما في دَعْوَى الإرْثِ، ثم ذكر الشيخ أبو الفَرَجِ: أن من يَحْلِفُ من الوَرَثَةِ على دَيْنٍ، أو عَيْنٍ للمورث، يحلف على الجميع، لا على حِصَّتِهِ، سواء حلف كلهم، أو بعضهم، دون بعض.
وكذا الغَرِيمُ والموصى له، إذا قلنا: إنهما يَحْلِفَانِ، وفي كَلاَمِ غَيْرِهِ ما يُشْعِرُ بخلافه، ويُؤَيِّدُهُ قولنا: إن من لم يَحْلِفْ، لا يُشَارِكُ الحالف، فإذا خَصَّصْنَا المأخوذ به، ولم نُعْطِهِ حكم التَّرِكَةِ، فأشبه ما إذا ادَّعَى قَدْرَ حِصَّتِهِ، ولم يَتَعَرَّضْ لِلإرْثِ.
وجميع ما ذكرنا فيما إذا أَقَامَ بَعْضُ الوَرَثَةِ شَاهِداً وحَلَفَ معه.
وأما إذا أَقَامَ بَعْضُهُمْ شَاهِدَيْنِ، فيثبت المُدّعى.
فإذا حضر الغَائِبُ من الوَرَثَةِ، أو بلغ صَبيُّهُمْ، أو أفاق مَجْنُونُهُمْ، أخذ نصيبه، ولا حَاجَةَ إلى تَجْدِّدِ دَعْوى، وإقامة بَيِّنَةٍ، وانْتَزَعَ القاضي بعد تَمَامِ البَيِّنَةِ نَصِيبَ الصبي، والمَجْنُونِ، دَيْناً كان المُدَّعَى أو عَيْناً.
ثم يأمر بالتَّصَرُّفِ فيه بالغِبْطَةِ؛ كيلا يَضِيعَ عَيْنُ مَالِهِ [وأما نَصِيبُ الغائب، فإن كان عَيْناً انْتَزَعَهَا] 212.
الجزء: 13 - الصفحة: 99
وقال أبو حنَيفَةَ: إن كان المَشْهُودُ به، مما لا يُنْقَلُ لم ينتزع نصيب الغائب، ممن في يَدِهِ، [ثم] 213 الذي يُشْعِرُ به إِيرَادُ النَّاقِلِينَ، أن هذا الانْتِزَاعَ وَاجِبٌ عليه، وهو الظَّاهِرُ.
لكن ذكرنا في باب الوَدِيعَةِ: أن الغَاصِبَ، لو حمل المَغْصُوبَ إلى القاضي، والمَالِكُ غَائِبٌ، ففي وجوب قَبُولِهِ وَجْهَانِ: فيجوز أن يعود ذلك الخِلاَفُ هاهنا، وإن قامت البَيِّنَةُ، وإن كان المُدَّعَى دَيْناً، ففي انْتِزَاع نَصِيب الغائب وَجْهَانِ جَارَيانِ، فيمن أقر لغائب بِدَيْنٍ، وحمله إلى القاضي، هل على القاضي أَن يَسْتَوفِيَهُ؟
وهذه الصورة قد سَبَقَتْ في الوَدِيعَةِ، وبَيَّنَّا أن أَظْهَرَ الوَجْهَيْنِ فيهما عَدَمُ الوجوب، وكذلك ذكره القَاضِي ابْنُ كَجٍّ فيما نحن فيه، وحكاه عن النِّصِّ.
واعلم أنه قد سبق في كتاب الشَّرِكَةِ، أن أَحَدَ الوَارِثِينَ لا ينفرد بِقَبْضِ شَيْءٍ من دَيْنِ التركة، ولو قبض، شَارَكَهُ الآخَرُ فيه.
وهاهنا قالوا: يأخذ الحَاضِرُ حِصَّتَهُ، كأنهم جَعَلُوا غَيْبَةَ الشريك عذراً ومَكَّنُوا الحَاضِرَ من الانفراد حينئذ، ولو ادَّعى على رجل؛ أن أباه أوْصَى له ولفلان بكذا، وأقام عليه شَاهِدَيْنِ، وفلان غائب، أو صَبِي، لم يُؤْخَذْ نصيب فلان بِحَالٍ، وإذا حضر أو بلغ، فعليه إِعَادَةُ الدَّعْوَى، والبَيِّنَةِ، لما ذكرنا أن الدعوى في الإِرْثِ عن شخص وَاحِدٍ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "وفي وجوب إعادة الشهادة وجهان"؛ هما الاحتمالان المنقولان عن كلام الإِمام أقامهما وجهين.
وقوله: "وإن كان النِّزَاعُ فِي وَصِيَّتِهِ لِشَخْصَيْن"؛ أي: ادعى على وَرَثَةِ مَيِّتٍ؛ أن مورثهم أَوْصَى له، ولفلان الغَائِبِ.
وقوله: "وما يَسْتَوفِيهِ الحَاضِرُ من حِصَّتِهِ من الدَّيْنِ لا يُسَاهِمُهُ الغَائِبُ فيه إذا رجع؛ وإن كان عيناً، مساهمة ... " إلى آخره.
ذكره بعد صورة إِقَامَةِ الشَّاهِدَيْنِ، لكنه أراد ما إذا أَقَامَ الحَاضِرُ شَاهِداً واحداً، وحَلَفَ معه، على ما هو مُبَيَّنٌ في ترتيب "الوسيط".
والذي أجاب به هو مَا رَجَّحَهُ في "الوسيط" 214 كما أسْلَفْنَاهُ.
وأَعْلم قوله: "لم يساهمه" وقوله: "ساهمة" بالواو، للخلاف الذي سَبَقَ.
والظاهر عند الأَصْحَاب في العَيْنِ، أنه لا يُسَاهِمُهُ، بخلاف ما أَوْرَدَهُ.
وأما في صورة إِقَامَةِ الشَّاهِدَيْن، فإن كَان المدعى عَيْناً، فقد ذكرنا: أنه يُنْزَعُ نَصِيبُ الغائب، وإذا رجع وهو طَالِبٌ، أَخذه .. ولا معنى لمُسَاهَمَتِهِ للحاضر في نَصِيبه، وإن كان دَيْناً، وقلنا: إنه يُؤْخَذُ نصيبه فكذلك.
وإن قلنا: لا يُؤْخَذُ، فينبغي أن يَأْخُذَهُ من المُدَّعَى عليه، ولا يُسَاهِمُ الحاضر فيما أخذه لنفسه.
الجزء: 13 - الصفحة: 100
فرع:
لو كان للغائب من الوَرَثَةِ وَكِيلٌ، وقد أقام الحاضر البَيِّنَةَ ذكر الشَّيْخُ أبو عَاصِمٍ: أن الوكيل هو الذي يَقْبِضُ نَصِيب الغَائِبِ، دون القاضي، وإن لم يكن، فالقاضي يَقْبِضُ، ويؤجر كيلا يُفَوِّتَ المنافع والله أعلمَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي) لَوِ ادَّعَيَا أَنَّ أَبَاهُمَا وَقَفَ عَلَيْهِمَا ضَيْعَةً وَقْفَ تَرتِيبٍ ثَبَتَ الوَقْفُ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، فَإنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ وَاسْتَحَقَّ الآخَرُ، فأَمَّا إِذَا مَاتَا فَنَصِيبُ الحَالِفِ لاَ يَسْتَحِقُّهُ البَطْنُ الثَّانِي بِغَيْرِ يَمِينِ تَفْريعاً عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ وَهُوَ أَنَّ البَطْنَ الثَّانِيَ يَأْخُذُ الحَقَّ مِنَ الوَاقِفِ لاَ مِنَ البَطْنِ الأَوَّلِ، ونَصِيبُ النَّاكِلِ يَثْبُتُ لِلبَطْنِ الثَّانِي أيْضاً إِذَا حَلَفُوا، وَإِذَا نَكَلُوا جَمِيعَاً حَلَفَ البَطْنُ الثَّانِي إِذَا مَاتُوا، وَإِنْ حَلَفُوا أَخَذَ البَطْنُ الثَّانِي بِاليَمِينِ، وَلَوْ مَاتَ الحَالِفُ وَحْدَهُ صُرِفَ نَصِيبُهُ إِلَى النَّاكِلِ فِي وَجْهٍ، وَإِلَى وَلَدِ الحَالِفِ فِي وَجْهٍ، وَيُحْكَمُ بَأَنَّهُ تَعَذَّرَ مَصْرِفُهُ فِي وَجْهٍ، وَيَبْطُلُ الوَقْفُ فِيهِ أَو يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يثبت الوَقْفُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؟
إن قلنا: إن المِلْكَ فيه لِلْوَاقِفِ، أو المَوْقُوفِ عليه، فنعم.
وإن قلنا: لله تَعَالَى -فوجهان، أو قَوْلاَنِ:
أحدهما: وبه قال المُزَنِيُّ وأبو إِسْحَاقَ: لا، كالعِتْقِ.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْجٍ، وأبو الطيب بن سَلَمَةَ، نعم؛ لأن المَقْصُودَ منه اسْتِحْقَاقُ المَنَافِع، والفَوَائِدِ، فأَشبه [استئجار] 215 بَدَنِ الحُرِّ، وليس كالعتق؛ لأن المَقْصُودَ هناك تَكْمِيلُ الأَحْكَامِ، وإِثْبَاتِ الوِلاَيَاتِ، ولأن الوَقْفَ لا يَنْفَكُّ عن أحكام المِلْكِ، ألا ترى أنه إذا أَتْلَفَ وجبت قِيمَتُهُ بخلاف العِتْقِ؟ والعِرَاقِيُّونَ يَمِيلُونَ إلى تَرْجِيحِ الأول، ويَنْسِبُونَهُ إلى عَامَّةِ الأصحاب، لكن الثَّانِي أقوى في المعنى، وهو المَنْصُوصُ عليه للشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-.
والأصح عند الإمَامِ، وصاحب "التهذيب"، وغيرهما، والمذكور في الكتاب 216.
الجزء: 13 - الصفحة: 101
ولو ادَّعى وَرَثَةُ مَيِّتٍ على رجل؛ أنه غَصَبَ هذه الدَّارَ، وقالوا: كانت لأَبِينَا، وَقَفَهَا علينا، وعلى فلان، فَدَعْوَى الغَصْبِ، تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ ويمين، [وتثبت أيضاً بهما -إن أَثْبَتَا- الوَقْفَ، بشاهد ويمين،] 217 وإلا، فيثبت بإقرار الوَرَثَةِ، كما ذكرنا، فيما إذا ادعى على رَجُلٍ أن هذا الذي يَسْتَرِقُّهُ كان عبدي، غَصَبَهُ بعدما أَعْتَقْتُهُ، أو أن هذه الجَارَيةَ أُمُّ ولدي، إذا عُرِفَ ذلك، فلو ادَّعَى ثَلاثَةُ بَنِينَ من وَرَثَةِ مَيِّتٍ؛ أن أَبَاهُمْ وَقَفَ عليهم هذه الدَّارَ، وأنكر سَائِرُ الوَرَثَةِ، وأقاموا شَاهِداً وَاحِداً، لِيَضُمُّوا إليه اليَمِينَ، تَفْرِيعاً على ثبُوتِ الوَقْفِ بالشاهد واليمين، فالوَقْفُ المُدَّعَى يُصَوَّرُ على وجهين:
أحدهما: أن يَدَّعوْا وَقْفَ التَّرْتِيب؛ فيقولوا: وَقَفَ علينا، وبعدنا على أولادنا، أو على الفُقَرَاءِ، فلهم بعد إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، أَحْوَالٌ ثلاث؛ لأنهم إما أن يَحْلِفُوا جميعاً، أو يَنْكُلُوا، أو يَحْلِفَ بعضهم، وَيَنْكُلَ بَعْضٌ.
الحالة الأولى: أن يحلفوا جَمِيعاً؛ فيثبت لهم الوَقْفُ، ولا حَقَّ لِسَائِرِ الوَرَثَةِ في الدَّارِ.
ثم إذا انْقَرَضَ المُدَّعُونَ؛ إما معاً، أو على التَّعَاقُب، فالبَطْنُ الثاني يأخذون الدَّارَ وَقْفاً بغير يَمِينٍ، أم يَأْخُذُونَهَا باليمين؟ فيه وجهان، ويُقَالُ: قولان: وهما على ما ذكر القَفَّالُ، وطرائف الأَصْحَاب، ينبنيان 218 على أن البَطْنَ الثاني يأخذون الحَقَّ من البَطْنِ الأول، [أو من الواقف، إن قلنا: من البَطْنِ الأَوَّلِ] 219، فلا حَاجَةَ إلى اليَمِينِ، كما إذا أثبت للوارث مِلْكاً بالشَّاهِدِ واليمين، ثم مات، يأخذه وَارِثُهُ بغير يمين؟
وإن قلنا: من الواقف، لم يَأْخُذُوا إلا باليَمِين، كالبَطْنِ الأَوَّلِ.
وبه قال ابن سُرَيْجٍ، وقضية هذا البِنَاءِ.
أن يكون الأَصَحّ، أنهم يَأْخُذُونَ باليَمِينِ؛ لأن الأصَحَّ، أنهم يَتَلَقَّونَ من الواقف.
وسنذكر فيما بعد هذا الفَصْلِ ما يُؤيِّدُهُ، لكن الشيخ أبا حَامِدٍ، وطَبَقَتَهُ، [والقاضيين أبا] 220 الطَّيِّب، والروياني -وغيرهم -رحمهم الله- اسْتِغْنَاؤُهُمْ عن اليَمِينِ، وهو ظَاهِر نَصِّهِ في "المختصر"، وبه قال أبو إسْحَاقَ، وجّهُوهُ، بأنه قد يثبت كَونُهُ وقْفاً؛ بِحُجَّةِ يثبت بها الوَقْفُ، فَيُدَامُ، كما لو ثبت بالشَّاهِدَيْنِ، وبه حق يثبت لمستحق، فلا يفتقر المُسْتَحِقُّ بَعْدَه، إلى اليَمِينِ، كما لو كان المُدَّعَى مِلْكاً، وبأن البَطْنَ الثاني، وإن كانوا يَأْخُذُونَ عن الواقف خلفاً عن المستحقين، أَوَّلاً، فلا يَحْتَاجُونَ إلى اليمين، كما إذا أَثبَتَ الوَاثُ مِلْكاً للميت بشاهد، ويمين، وللميت غَريمٌ، فإن له أن يَأْخُذَهُ من غير يَمِينٍ، فإذا انتهى الاسْتِحْقَاقُ إلى البَطْنِ الثالث، والرابع، عاد هذا الخِلاَفُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 102
فإن قلنا: يَأْخُذُونَ باليَمِينِ، فلو كان الاسْتِحْقَاقُ بعد الثلاثة المُدَّعِينَ، للمساكين، أو الفُقَرَاءِ، يُنْظَرُ، إن كانوا مَحْصُورينَ [كفقراء قَرْيةٍ، أو مَحِلَّةٍ، فكذلك الجواب.
وإن لم يكونوا مَحْصُورِين] 221، فيبطل الوقْفُ، وتعود الدَّارُ إِرْثَاً، أو يصرف إليهم بغير يَمِينٍ.
فيه وجهان.
وعن "المجرد"، للقاضي أبي الطَّيِّب؛ أنه يُصْرَفُ إلى أَقْرَب النَّاسِ، إلى الواقف، بناء على أنه تَعَذَّرَ مَصْرِفُهُ، كالوَقْفِ الذي يَقَعُ فيه انْقِطَاعٌ، وفيه اخْتِلافٌ مذكور في الوَقْفِ 222. فلو مات أحد الحَالِفِينَ، فيصرف نَصِيبُهُ إلى الآخرين، فإن مات ثَانٍ، صُرِفَ الكُلُّ إلى الثَّالِثِ؛ لأن اسْتِحْقَاقَ البَطْنِ الثاني بعد انْقِرَاضِ الأولين، وأخذ الآخرين يكون بيمين، أو بغير يمين.
إن أَغْنَيْنَا البَطْنَ الثاني عن اليَمينِ، فهما أَوْلَى، وإن أَحْوَجْنَاهُمْ إليها، فوجهان: في أحدهما -يحلفان لانْتِقَالِ الحَقِّ إليهما من غيرهما، وفي أظهرهما- لا يَحْلِفَانِ؛ لأنهما قد حَلَفَا مَرَّةً، وصارا من أَهْلِ الوَقْفِ، فَيَسْتَحِقَّانِ بحسب شَرْطِ الوَاقِفِ تَارَةً أقل، وتارة أكثر.
الحالة الثانية: إذا نَكَلُوا جميعاً عن اليَمِينِ مع الشَّاهِدِ، فالدار تَرِكَةٌ، تقضى منها الدُّيُونُ، والوَصَايَا، ويُقَسَّمُ الباقي على الوَرَثَةِ، ويكون حِصَّةُ المدعين وَقْفاً، بإقرارهم، وحِصَّةُ سَائِرِ الوَرَثَةِ طلقاً لهم، فإذا ماتوا، فالذي ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، والإمام، وصاحب "التهذيب"، في كتبهم: أنه لا تُصْرَفُ إلى أولادِهِم بغير يَمِينٍ، يعنون على سبيل الوَقْفِ، ولا يكون إقرار الأوّلين [لأنها لهم] 223.
وفي "الشامل"، وأمالي أبي الفَرَجِ: أن حِصَّتَهُمْ تكون وَقْفاً على أولادهم، حَسَبَ ما أَقَرُّوا به.
ولا حَاجَةَ بهم إلى اليَمِينِ.
ويمكن أن يكون هذا الاخْتِلاَفُ مَبْنِياً على؛ أن البَطْنَ الثَّانِي يأخذون من الوَاقِفِ، أو من البَطْنِ الأول، فإن أَرَادَ الأَوْلاَدُ أن يَحْلِفُوا، ويأخذوا جَمِيعَ الدَّارِ وَقْفاً، فهل لهم ذلك؟ فيه قولان:
سواء قلنا: إنه لو لم يَحْلِفُوا ألا يكون شَيْءٌ منها وَقْفاً أو قلنا: إن حصة الأولين تبقى وقفاً وإن لم يحلفوا، واختلفوا في مَحَلِّ هذين القَوْلَيْنِ.
فمن قائل: هما مُتَأَصِّلاَنِ.
غير مبنيين على شَيْءٍ، يُوَجَّهُ أحدهما بأن البَطْنَ الثَّانِي تبع 224 الأول، وإذا لم يَحْلِفُوا، لم يحلفوا.
الجزء: 13 - الصفحة: 103
والثاني: وهو الأَصَحُّ؛ فإنهم أصحاب حَقٍّ، كالأولين، فإن أبْطَلَ الأَوَّلُونَ حَقَّهُمْ بالنُّكُولِ، فلهم ألا يبطلوا حقوقهم.
ومن ذاهب إلى أنهما مَبْنِيَّانِ على أَصْلٍ، واختلف هؤلاء على طريقتين:
أظهرهما: بِنَاؤُهُمَا على أن البَطْنَ الثاني يَتَلَقَّوْنَ من البَطْنِ الأول، أم من الواقف؟
فإن قلنا: من البَطْنِ الأول، لم يَحْلِفُوا، وإلا حلفوا.
والثاني: بِنَاؤُهُمَا على أن الوَقْفَ المُنْقَطِعَ الابتداء متصل 225، أم لا؟ إن قلنا: لا، حَلَفَ البَطْنُ الثاني، ولم يَضُرَّ انْقِطَاعُ أَوَّلهِ بِنُكُولِ الأولين، وإن قلنا: يَبْطُلُ، لم يَحْلِفُوا، ثم حكى القاضي ابن كَجٍّ، والشيخ أبو حَامِدٍ خلافاً في أن القولين، هل يَجْرِيَانِ في حياة الأَوَّلين إذا نَكَلُوا؟ فمن الأصحاب من أَجْرَاهُمَا؛ لِبُطْلاَنِ حَقِّهِمْ، وتَعَذُّرِ الصَّرْفِ إليهم، بنُكُولِهِمْ، كما لو ماتوا.
ومنهم من خَصَّصَ القولين فيما بعد مَوْتِ الأولين؛ لأن اسْتِحْقَاقَ البَطْنِ الثاني [مشروط] 226 بانْقِرَاضِهِمْ.
وإليه مَالَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ.
الحالة الثالثة: إذا حلف بَعْضُهُمْ دون بعض.
فإذا حلف وَاحِدٌ ونَكَلَ اثْنَانِ، فيأخذ الحَالِفُ الثُّلُثَ وَقْفاً، وأمَّا الباقي فهو تَرِكَةٌ؛ تُقْضَى منها الدُّيُونُ، والوَصَايَا، فما فضل؛ ففي "الشامل": أنه يقسم بين جميع الوَرَثَةِ، فما يَخُصُّ البَنِينَ الثَّلاثَةَ يكون وَقْفاً على النَّاكِلِينَ؛ لأن الحالف يعترف لهم بذلك.
والذي ذكره المُحَامِلِيُّ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: أنه يُقَسَّمُ الفَاضِلُ بين المنكرين من الوَرَثَةِ، والذين نَكَلُوا دون الحالف؛ لأنه مُقِرٌّ بانْحِصَارِ حَقِّهِ فيما أخذه؛ وأن البَاقِي لإِخْوَتِهِ وَقْفاً، ثم حصَّةُ الناكلَيْنِ تكون وَقْفاً بِإِقْرَارِهِمَا.
وإذا مات النَّاكِلاَنِ، والحالف حَيٌّ، فَنَصِيبُهُمَا للحالف، على ما شَرَطَ الواقف بإقرارهم [و] 227 في حَاجَتِهِ إلى اليَمِينِ، ما سبق من الوجهين.
فإذا مات الحَالِفُ، فالاسْتِحْقَاقُ للبطن الثَّانِي.
وفي حلفهم الخِلاَفُ الذي مَرَّ، وإن كان الحَالِفُ مَيِّتاً عند مَوْتِ النَّاكِلِينَ، فأراد أولادهما أن يَحْلِفُوا، فعلى القولين المَذْكُورَيْنِ في أَوْلاَدِ الجميع إذا نَكَلُوا الأَصَحُّ -أن لهم الحَلِفَ، وما حكم نصيب الحَالِفِ المَيِّتِ قبلهما؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يُصْرَفُ إلى الناكلين قَضِيَّةً لِلْوَقْفِ، وعلى هذا ففي حَلِفِهِمَا الخِلاَفُ
الجزء: 13 - الصفحة: 104
الذي مَضَى، فإن قلنا: يَحْلِفَانِ، فَنَكَلاَ، سقط هذا الوَجهُ.
والثاني: أنه يُصْرَفُ إلى البَطْنِ الثاني؛ لأنهما لما نَكَلاَ، أبطلا حَقَّهُمَا وصارا كالمَعْدُومين.
وإذا عُدِمَ البَطْنُ الأول، كان الاسْتِحْقَاق للثاني، والثالث.
أن هذا وَقْفٌ، تَعَذَّرَ مَصْرِفُهُ؛ لأنه لا يمكن الصَّرْفُ إلى الآخرين لِنُكُولِهِمَا, ولا إلى البَطْنِ الثاني؛ لأن شَرْطَ اسْتِحْقَاقِهِمْ انْقِرَاضُ الأولين.
وإذا تَعَذَّرَ مَصْرِفُ الوَقْفِ، فيبطل، أو يبقى، وإذا بقي، فَيُصْرَفُ إلى أَقْرَبِ الناس إلى الواقف، أم كيف الحال؟ فيه خلاف مَذْكُورٌ بتوجيهه 228، وتفريعه في الوَقْفِ.
والأَصَحُّ أنه يبقى وَقْفاً، ويصرف إلى أَقْرَب النَّاسِ إلى الواقف، وعلى هذا فإذا زَالَ التَّعَذُّرُ، بأن مات النَّاكِلاَنِ، فَيُصْرَفُ إلى البطن الثاني.
قال الإِمام: ويجيء في حَلِفِ أَقْرَبِ النَّاسِ، إذا قلنا: إنه يُصْرَفُ إليهم، الخلاف، وأبْعَدُ الأوجه الثلاثة في المَسْأَلَةِ عنده، الصَّرْفُ إلى البَطْنِ الثَّانِي، وهو أَصَحُّهُمَا عند الأكثرين، ونَقَلُوهُ عن إِشَارَةِ نَصِّهِ في "الأم" -والله أعلم.
وأما لَفْظُ الكتاب، فإنه صور فيما إذا ادَّعَى الوَقْفَ اثنان، والغَرَضُ لا يختلف، لكنه لم يَفِ بموجب التَّصْوِيرِ، بل قال [بعد ذلك: إذا نكلوا ثم قال] 229 وإن حلفوا، لم يبن ولْيعَلَّمْ قوله: "ثبت الوَقْفُ بشاهد ويَمِينٍ" بالواو، لما سَبَقَ.
وقوله: فيما إذا حلف أحدهما، ونَكَلَ الآخر: "فإذا ماتا، فَنَصِيبُ الحَالِفِ، لا يَسْتَحِقُّهُ البَطْنُ الثاني بغير يَمِينٍ، تَفْرِيعاً على أَصَحِّ القولين، إلى آخر جَوَابِ مَنْ يقول: إنهم إذا حَلَفُوا جميعاً، يحتاج البَطْنُ الثَّانِي إلى اليَمِينِ، وهو الرَّاجِحُ عند من [بنى] 230 الخِلافَ في أَنَّ البَطْنَ الثاني عمن يَتَلَقَّوْنَ الوَقْفَ، كما فعله صاحب الكتاب.
وقد ذكرنا: أن مِنْهُمْ مَنْ لا يبني الخِلاَفَ على ذلك الخلاف، ويُرَجّح اسْتِغْنَاؤُهُمْ عن اليمين.
وقوله: "ونصيب النَّاكِلِ يثبت للبطن الثَّانِي أيضاً إذا حلفوا"، يجوز إعْلاَمُهُ بالواو، لما بَيَّنَّا أنه على الخلاف المذكور، فيما إذا نَكَلَ البَطْنُ الأَوَّلُ جميعاً، هل يحلف البَطْنُ الثاني بعد موتهم؟ وكذا قوله: "فيما إذا نكَلُوا جميعاً حلف البطن الثاني".
وكذا قوله: "باليمين فيما إذا حلفوا جميعاً الخلاف في أنهم هل يَحْتَاجُونَ إلى اليَمِينِ؟ وقوله: "ولو مات الحالف وَحْدَهُ" يعني في الصورة التي ابتدأ بِذِكْرِهَا؛ وهي أن يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا، وَيَنْكُلَ الآخر.
الجزء: 13 - الصفحة: 105
وقوله: "وإلى ولد الحَالِفِ في وجه" ظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ وَلَدِ الحَالِفِ به، ولا مَعْنَى للتخصيص؛ لأنا على هذا الوَجْهِ نُلْحِقُ الناَّكِلَ بالمَعْدُومِ، فليثبت الاستحقاق لجميع البَطْنِ الثاني.
وقد صَرَّحَ الإِمَامُ بهذا، فَقَالَ: لا فَرْقَ على هذا الوَجْهِ بين وَلَدِ الحَالِفِ، وولد النَّاكِلِ في الاسْتِحْقَاقِ.
واعلم أن قوله في أول الفَرْع: "لو 231 ادعيا أن أَبَاهُمَا وَقَفَ عليهما ... " إلى آخره، وإن كان مُطْلقاً في دَعْوَى الابْنَيْنِ، ولكن المُرَادَ [ما] إذا كان مَعَهُمَا وَارِثٌ آخَرُ، وأنكر.
وأما إذا كانا جَائِزَيْنِ، فيكفي تَصَادُقُهُمَا لِثُبُوتِ الوَقْفِ، فلا حَاجَةَ إلى شَاهِدٍ ويمين 232.
" فرع":
ادّعَوْا على رجل دَارَاً في يَدِهِ؛ أنه وَقَفَهَا عليهم، أو على وَرَثَةِ رَجُلٍ، أن مورثهم وَقَفَهَا عليهم، وأقَامُوا شَاهِداً وَاحِداً؛ فَيُنْظَرُ، أَيَحْلِفُونَ مع شاهدهم؟ أم ينكلون؟ أم يحلف بَعْضُهُمْ وَيَنْكُلُ بعضهم؟ والأحوال على ما ذكرنا في المَسْأَلَةِ المَشْرُوحَةِ، لكن حيث جَعَلْنَا كُلَّ المُدَّعَى، أو بَعْضُه تَرِكَةً هناك، فيترك هاهنا في يَدِ المُدَعَى عَلَيْهِ والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإنْ كَانَ الوَقْفُ بِالتَّشْرِيكِ فَحَلَفَا ثُمَّ وُلِدَ لِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ وَجَبَ إِخْرَاجُ ثُلُثِ الوَقْفِ مِنْ يَدِهِمَا، فَإنْ بَلَغَ الطِّفْلُ وَحَلَفَ اسْتَحَقَّ، وَإنْ نَكَلَ فَقَدْ تَعَذَّرَ مَصْرِفَهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يُرَدُّ إِلَيْهِمَا والنَّاكِلُ كَالمَعْدُومِ، وَلاَ خِلاَفَ أنَّهُ لاَ يُرَدُّ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ أَوَّلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن دَعْوَى الوَقْفِ تُصَوَّرُ على وَجْهَيْنِ، وقد فَرغْنَا من أحدهما، وهو دَعْوَى وَقْفِ التَّرْتيبِ.
الوجه الثاني: دَعْوَى وَقْفِ التَشرِيك بان يقول البَنُونَ الثَّلاثَةُ فِي المِثَالِ المذكور: إنه وَقَفَ علينا، وعلى أَوْلاَدِنَا، وأَوْلاَدِ أَوْلاَدِنَا، ما تَنَاسَلْنَا، فإن انْقَرَضْنَا، فعلى الفُقَرَاءِ، وأقاموا على ذلك شَاهِداً وَاحِداً، فَيُنْظَرُ، إن حَلَفُوا معه، أخذوا الدَّارَ وَقْفاً.
الجزء: 13 - الصفحة: 106
ثم حَدَثَ لأحدهم وَلَدٌ، فَقَضِيَّةُ الوَقْفِ شركته 233، فيوقف ربع 234 غَلَّةِ الوقف إلى أن يَبْلُغَ، فَيُصْرَفُ إليه، إن حلف ولم يَجْعَلُوهُ على الخِلاَفِ المَذْكُورِ في أن البَطْنَ الثاني، هل يَحْتَاجُونَ إلى اليَمِينِ إذا حَلَفَ البَطْنُ الأَوَّلُ، وأَحْوَجُوة إلى اليَمِينِ بعد البُلُوغِ.
وَأَبْدَى ابْنُ الصَّبَّاغِ بجوابهم في هذه الصورة، قول ابن سُرَيْج، ومن ساعده: أن البَطْنَ الثاني يَحْتَاجُونَ إلى اليمين؛ لأن الثَّلاثَةَ الحالفين هاهنا وَاسِطَةٌ [بين الولَدِ الحَادِث وبين الوَاقِفِ، وإن كان الثَّانِي منه.
كما أن البطن الأول وَاسِطَةٌ] 235 بين البَطْنِ الثاني، وبين الوَاقِفِ.
وأجرى أبو الفرج السَّرَخْسِيُّ وَجْهاً في هذه الصُّورَةِ أيضاً، ونقل وَجْهَيْنِ في أن الريع الموقوف [يُوقَفُ] 236 في يد البَنينَ الثلاثة؛ أم يُنْتَزَعُ، ويُجْعَلُ في يَدِ أَمِينٍ؟
والأقرب الثاني، وإن نَكَلَ بعدمَا بَلَغَ، صُرِفَ المَوْقُوفُ إلى الثلاثة، وجُعِلَ كأنه لم يَلِدْ.
هذا هو النص، واعترض المُزَنِيُّ تَفرِيعاً على أَنَّ الوَقْفَ يَثْبُتُ بشاهد وَيمِينٍ، بأنهم مُعْتَرِفُونَ بأن المَوْقُوفَ له، فكيف يَجُوزُ لهم [أخذه] 237 بامْتِنَاعِهِ من اليمين؟ بل يجب أن يُوقَفَ إلى أن يَحْلِفَ، أو يَمُوت، فيقوم وَارِثُهُ مُقَامَهُ.
والناصرون للنَّصِّ أجابوا بوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أن صورة النَّصَّ ما إذا شَرَطَ الوَاقِفُ شَرِكَةً من يحدث، إن رَغِبَ في الوقف ولم يَرُدَّهُ، وإذا لم يَحْلِفْ مع الشاهد، فكأنه رَدَّ.
فإن أطلق، حكى الشيخ أبو حَاتِمٍ القَزَوِينِيُّ عن بَعْضِ الأصحاب -رحمهم الله- أن الجَوَابَ، كما ذكر المزني.
وعن آخرين أن الحُكْمَ لا يختلف، ويُحْمَلُ الوَقْفُ عليه وإن أطلق وهذا أشهر، وبالأول أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ.
والثاني: أن الوَاقِفَ جعل الثلاثة أَصْلاً في الاسْتِحْقَاقِ، ثم أدخل من يحدث على سَبِيلِ العول 238، فإذا سَقَطَ الدَّاخِلُ، فالقِسْمَةُ على الأصول كما كانت.
وشَبَّهَهُ في "التهذيب" بما إذا مات إِنْسَانٌ عن ألْفٍ، وجاء ثلاثة، وادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ألْفاً على المَيِّتِ، وأقام شَاهِداً، فإن حَلَفُوا معه فَالألْفُ بينهم، وإن حَلَفَ اثْنَانِ فَهُوَ
الجزء: 13 - الصفحة: 107
لهما، وإن حَلَفَ وَاحِدٌ، فكذلك الوَاحِدُ، [لكن] 239 قال الإِمَامُ: إن المزني لا يُسَلِّمُ المَسْأَلَةَ، ويقول: ليس لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الأَوَّلِ إذا لم يحلف الثَّاني إلا أَخْذُ حِصَّتِهِ.
نعم، لو أَبْرَأَ الثَّاني، كان للأول أَخْذُ الجميع؛ لأن الثاني أَبْطَلَ حَقَّهُ، والنُّكُولُ لا يُبْطِلُ الحَقَّ.
ألا ترى أنه لو لم يَحْلِفْ مع الشَّاهد ثمَّ أتم البَيِّنَةَ، تسمع، ويُحْكَمُ بها؟ وكيف ما قدر الجواب.
فالظَّاهِرُ عند الأَصْحَابِ مُوَافَقَةُ النَّصِّ.
ورأى الإِمام أن يجعل ما اعترض به المُزَنِيُّ قَوْلاً مُخَرَّجاً؛ لقوته، واسْتَحْسَنَهُ.
وإذا قيل به، فَنَصِيبُ المَوْلُودِ وَقْفٌ تَعَذَّرَ مَصْرِفُهُ، فيجيء فيه الخِلاَفُ السَّابِق.
ولو مات المَوْلُودُ قبل بلوغه، أو بعد بُلُوغِهِ، وقبل النكول، قام وَارِثُهُ مَقَامَهُ، فَيَحْلِفُونَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الغَلَّةَ المَوْقُوفَةَ.
ولو مات بعد البُلُوغِ والنُّكُولِ، لم يَسْتَحِقُّوا الغَلَّةَ؛ لأنه أَبْطَلَ حَقَّهُ بالنكول، وهذا في الغَلَّةِ المَوْقُوفَةِ.
فأما رَقَبَةُ الوقف، وغَلَّتُهَا من بعدُ فقضية 240 الشرط عند مَوْتِهِ، أن يستغرقها الثلاثة الحالفون، وهل عليهم تَجْدِيدُ اليمين؟ قال الإِمَامُ: إن فَرَّعْنَا على ما قال المُزَنِيُّ، ففيه الخِلاَفُ المَذْكُورُ، فيما إذا مَاتَ بَعْضُ البَطْنِ الأَوَّلِ في وقف الترتيب، وقد حَلَفَ الكُلُّ، هل يحتاج البَاقُونَ إلى التَّجْدِيدِ؟
وإن فَرَّعْنَا على النص، فلا حَاجَةَ إلى التجديد، فإنا نُقَدِّرُ أن المَوْلُودَ لم يكن، ولو مات وَاحِدٌ من الحَالِفِينَ في صِغَرِ المَوْلُودِ، وقف من يوم موته للمولود ثلث الغَلَّةِ؛ لأن المُسْتَحِقَّينَ عَادُوا إلى ثَلاثَةٍ، فإن بلغ وحَلَفَ أخذ الربع، والثلث المَوْقُوفين، [وإن نَكَلَ صرف الربع إلى الابنين الباقيين] 241، وإلى وَرَثَةِ المَيِّتِ، وصرف الثلث إلى الباقين خَاصَّةً، ويعود فيه كَلاَمُ المزني.
ولو أن المَوْلُودَ بَلَغَ مَجْنُوناً، أَدَمْنَا الوَقْفَ طَمَعاً في إِفَاقَتِهِ، فإن ولد له قبل أن يضيق وقف له الخُمس، وللْمَجْنُونِ من يوم ولادة ولده الخُمُسُ؛ لأن المُسْتَحِقِّينَ صاروا خَمْسَةً.
فإن أَفَاقَ المَجْنُونُ وبلغ وَلَدُهُ، وحَلَفَا أخذ المَجْنُونُ الرُّبُعَ من يوم وِلاَدَتِهِ إلى يوم وِلاَدَةِ وَلَده الخمس من يومئذ، وأخذ وَلَدُهُ الخُمُسَ من يومئذ.
ولو مات المجنون في جنونه بعدما ولد له، فالغَلَّةُ الموْقُوفَةُ لِوَرَثَتِهِ، إذا حلفوا، ويُوقَفُ لِوَلَدِهِ من يوم مَوْتِهِ ربع الغَلَّةِ.
هذا كُلُّهُ، إذا حَلَفَ المدعون الثلاثة أولاً.
وإن نَكَلُوا عن اليَمِينِ مع الشَّاهِدِ، فلمن يَحْدُثُ بعدهم أن يَحْلِفَ بلا خلاف 242؛
الجزء: 13 - الصفحة: 108
لأنه شَرِيكُ الأولين بتلقي من الوَاقِفِ لا مَحَالَةَ.
وإن حلف بَعْضُهُم دون بعض، أخذ الحَالِفُ نَصِيبَهُ، وبقي الباقي على مَا كَانَ.
فأما لَفْظُ الكتاب، فإنه فرض فيما إذا ادَّعَى اثنان، كما فعل في وَقْف الترتيب.
ولْيُعَلَّمْ قوله: "وَجَبَ إخْرَاجُ ثُلُثِ الوَقْفِ من يديهما" [بالواو] (1) لوجه حكيناه؛ أنه يُوقَفُ في يَدِهِمَا ولا يخرج.
وقوله: "وإن نكل فقد تَعَذَّرَ مصرفه"، هذا هو الذي ذكره المُزَنِيُّ، وإيراد الكتاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ.
والظَّاهِرُ ما ذَكَرَهُ آخراً، وهو أنه يَرُدُّهُ إليهما كما تَبَيَّنَ.
وأما قوله: "ولا خِلاَفَ أنه لا يردُّ على المُدَّعَى عَلَيْهِ أولاً" فالمُرَادُ منه، أنه لو قال لِلْمُدَّعَى عليه: إذا بلغ المَوْلُودُ، ونَكَلَ، رُدُّوا عَلَيَّ ما وَقَفْتُمْ له، فإن الحُجَّةَ لم تَتِمَّ؛ لاعتراف المُسْتَحِقِّينَ بأنهم لا يستحقونه، فلا يُجَابُ [إليهما] (2).
وقال الإمام: كما لا يُجَابُ في وَقْفِ الترتيب، إذا حلف البَطْنُ الأول، ونكل الثَّانِي، وسببه، أن يَدَهُ [أزيلت] (3) بحُجَّةٍ قامت عليه، وانقطع تَعَلُّقُهُ عنه، فلا يَعُودُ بما يفرض من تَعَذُّرِ المصرف، وكأنه أرَادَ تَصْوِيرَ المسألة فيما إذا ادَّعَوْا على رَجُلٍ؛ أن مورثه وَقَفَ الدَّارَ التي في يَدِهِ على المدعين، وعلى أوْلاَدِهِمْ دون أن يدعي بَعْضُ الوَرَثَةِ على بعض في دَارِ التَّرِكَةِ، وإلا، فإذا لم يَثْبُتِ الوَقْف.
تكون الدار تَرِكَةً، فلا معنى في تركها في يد المُدَّعَى عليه والله أعلم.
البَابُ الخَامِسُ في الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَجْرِي فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِعُقُوَبَةٍ، وَفِي العُقُوَبَاتِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَجْرِي فِي عُقُوبَاتِ الآدَمِيِّينَ دُونَ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ لِأنَّهَا بَدَلٌ، وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِي كِتَابِ القَاضِي اِلى القَاضِي وَفِي التَّوْكِيلِ باسْتِيفَاءِ القِصَاصِ، فَإِذَا مَنَعْنَا لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى بِالقِصَاصِ عَلَى غَائِبٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشَّهَادَةُ على الشَّهَادَةِ مَقْبُولَةٌ؛ لدعاء الحَاجَةِ إليها، فإن شُهُودَ الوَاقِعَةِ قد يَغيبُونَ، أو يَمُوتُونَ، وأيضاً فإن الشَّهَادَةَ [حَقٌّ لاَزِمُ الأَدَاءِ، أفتجوز الشَّهَادَةُ] 246 عليه كَسَائِرِ الحُقُوقِ؟
وأيضاً فإن الشَّهَادَةَ طريق يُظْهِرُ الحَقّ كالإقْرَارِ، هذا في غير العُقُوبَاتِ؛ وتدخل243244245
الجزء: 13 - الصفحة: 109
فيه الأَمْوَالُ، والأنْكِحَةُ، والبُيُوعُ، والرَّهْنُ، وسَائِرُ العُقُودِ، والفُسُوخ، والطَّلاَقُ، والعِتَاقُ، والرِّضَاعُ، والوِلاَدَةُ، وعُيُوبُ النِّسَاءِ؛ ولا فرق [في ذلك] 247 بين حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقِ الله تعالى؛ كالزَّكَوَاتِ، وَوَقْفِ المَسَاجِدِ، والجِهَاتِ العَامَّةِ.
وأما العُقُوبَاتُ؛ فحكم الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ فيها على مَا بَيَّنَّا في كتاب القَاضِي إلى القَاضِي، والأَصَحُّ؛ المنع في حُدُودِ الله تعالى، والقَبُول في القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ 248.249
الجزء: 13 - الصفحة: 110
وعن ابن القَاصِّ: أن الشَّهَادَةَ على الشَّهَادَةِ فِي الإحصان تُخَرَّجُ، على الخِلاَفِ في أن الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ؛ هل تُقْبَلُ في الحُدُودِ.
ولو شَهِدَ شَاهِدَانِ على شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ أنَّ الحاكم حَدَّ فلاناً، فلا خلاف في القَبُولِ؛ لأنه حَقٌّ الآدَمِيِّ، فإنه يسقط الحكم عن نَفْسِهِ.
قاله في "الشامل"250251252253254 = تقبل إلا في الغيبة البعيدة.
لا في ثلاثة أيام.
ويجوز اليومان في غير الحدود.
وقال سحنون إن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة أو الستين ميلاً جاز النقل ولم يفرق بين حد ومال ولكنا نقول أن هذا تساهل غير مقبول ولا يتفق والحكمة التي من أجلها جازت الشهادة على الشهادة.
وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا أن يموت شاهدا الأصل لأنهما إذا كانا حيين رجى حضورهما فكانا كالحاضرين.
وهذا الرأي ليس بسديد إذ يلزم عليه ضياع الحقوق.
ولا سيما إذا كان شاهد الأصل في مكان بعيد.
الجزء: 13 - الصفحة: 111
ولْيُعَلَّمْ قوله في الكتاب: "وعُقوبات الآدَمِيِّينَ" بالحاء, لأن عند أبي حَنِيفَة لا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الشهادة في القِصَاصِ في النَّفْس، كما في حقوق الله تَعَالَى.
وقوله: "دون حُدُودِ الله تَعَالَى" بالميم, لأن عند مَالِكٍ تُقْبَلُ فيها الشَّهَادَةُ على الشهادة.
وقوله: "لأن فيها شُبْهَةً, لأنها بدل" يعني؛ أن [شهادة الفرع] 255 بدل عن شَهَادَةِ الأَصْلِ؛ وذلك يُورِثُ الشُّبْهَةَ؛ لانْضِمَامِ احتمال الخِيَانَةِ في الفُرُوعِ إلى احْتِمَالِهَا في الأُصُولِ.
وقوله: "ويجري الخِلاَفُ في كتاب القاضي إلى القَاضِي، وفي التوكيل باسْتِيفَاءِ القِصَاصِ" أشار به أن الخِلاَفَ في الصورة مَبْنِيٌّ على معنى البَدَلِيَّةِ، وتَأْثيرِهِ في زِيادَةِ الشُّبْهَةِ.
وقوله: "فإذا منعنا" -يعني كتاب القاضي- "لم تُسْمَع دعوى القصاص على غائب"؛ لأنه لا يَتَمَكَّنُ من اسْتِيفَائِهِ، ولا يجوز أن يكتب به إلى موضع [الغائب] 256 المُدَّعَى عليه والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ النَّظَرُ فِي أَرْبَعَة أُمُورٍ: (الأوَّلُ): أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ إلاَّ إِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدتُّكَ عَلَى شَهَادَتِي أَو رَآه الفَرْعُ وَقَدْ شَهِدَ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَلَوْ قَالَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ: لِفُلاَنٍ عَلَى فُلانٍ حَقٌّ وَعِنْدِي بِهِ شَهَادَةٌ لَمْ يَجُزِ التَّحَمُّلُ، لِأَنَّهُ يَتَسَاهَلُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الحُكْمِ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ مَجْزُومَةٌ لِفُلاَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا لَمْ يَتَحَمَّلْ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ الوَعْدَ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ لِفُلاَنٍ أَلْفٌ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الوَعْدِ وَجَازَتِ الشَّهَادَةُ إِذْ لاَ يَتَسَاهَلُ فِي الإقْرَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَدْرَجَ مَسَائِلَ البَاب بعدما بَيَّنَ أن الشَّهَادَةَ [على الشهادة] 257 فيم تجري، وفيم لا تجري، في أربعة فُصُولٍ:
أحدها: في تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ؛ وإنما يجوز التَّحَمُّلُ، إذا عرف أن عند الأَصْلِ شَهَادَةً جَازِمَةً بحق ثَابِتٍ.
ولمعرفته أسباب:
أحدها: أن يَسْتَرعِيَهُ الأصل، فيقول: إنِّي شَاهِدٌ بكذا، وأَشْهَدْتُكَ على شَهَادَتِي، [أو يقول: أشهدك، وأشهد على شهادتي بكذا،] 258 أو يقول: إذا استشهدت 259 على شهادتي، فقد أَذِنْتُ لك في أن تَشْهَدَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 112
أما إذا سمع إنْسَاناً يقول: لفلان على [فلان] 260 كذا، أو أَشْهَدُ أن لفلان على [فلان] كذا، لا على صُورَةِ أداء 261 الشَّهَادَةِ، فلا يجوز أن يَشْهَدَ على شَهَادَته؛ لأنه قد يريد عِدَةً كان قد وَعَدَهَا، وقد ليشير بكَلِمَة "عليَّ" أن مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ الوَفَاءُ بها، وتنزيلها منزلة الدُّيُونِ، وأيضاً قد يَتَسَاهَلُ بإطلاق ذلك، لِغَرَضٍ صحيح، أو فَاسِدٍ، فإذا آلَ الأَمْرُ إلى [إِقَامَةِ] 262 الشهادة أَحْجَمَ.
وكذا لو عندي شَهَادَةٌ بكذا, ولكن لو قال: عندي شَهَادَةٌ مَجْزُومَةٌ، أو شهادة أديتها ولا أماري فيها وما أَشْبَهَ ذلك، ففي جَوَازِ التَّحَمُّلِ وجهان؛ نقلهما الإِمَامُ، والموافق فيهما لإِطْلاَقِ الأكثرين المَنْعُ أيضاً، وَلاَ بُدَّ من تَعَرُّضِ الأَصْلِ للفظ الشَّهَادَةِ، فلو قال: أَعْلَمُ، أو أخبر، أو أَسْتَيْقِنُ، لم يَكْفِ، كما لو أَتَى الشَّاهِدُ عند إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بهذه الألْفَاظِ، فإنه لا يَحْكُمُ بها القاضي.
قال الإِمام: وأَبْعَدَ بعض أصحابنا، فأقام اللَّفْظَ الذي لا يُتَردَّدُ فيه، مَقَامَ لَفْظِ الشهادة، ولا يُشْتَرَطُ أن يقول في الاسترعاء: أشهدك على شَهَادتي [أو عن شهادتي] 263 لكنه أتم بقوله: أشهدك على شهادتي تحميل.
وقوله: "عن شهادتي إِذْنٌ في الأَدَاء كأنه يقول: أَدِّهَا عَنِّي، ولإذنه أثر في الطرفين، ألا تَرَاهُ لو قال له بعد التَّحْمِيل: لا تُؤَدِّ عني تلك الشَّهَادَةَ امْتَنَعَ عليه الأَدَاءُ وفي "الشامل" أن بعض الأصحاب شَرَطَ في الاسْتِرْعَاءِ ذلك، وإذا حصل الاسْتِرْعَاءُ لم يختص التحمل بمن اسْتَرْعَاهُ كأنه يقول لِلْفَرْعِ: اقبل على شهادتي وتحملها؟
والثاني: إذا سَمِعَهُ يَشْهَدُ عند القَاضِي أن لفلان على فلان كذا، فله أن يشهد على شهادته، وإن لم يَسْتَرْعِهِ؛ لأنه لا يتصدَّى إِقَامة الشهادة عند القاضي إلا بعد تَحَقُّقِ الوُجُوبِ.
وللقاضي أيضاً أن يَشْهَدَ على شهادته عند قَاضٍ آخر، والشَّهَادة عند المُحَكِّمِ، كالشهادة 264 عند الحَاكِم، سواء جَوَّزْنَا التحكيم، أَو لم يُجَوِّزهُ؛ لأنه لا يَشْهَدُ عند المُحَكِّمِ أيضاً إلا وهو جَاَزِمٌ بثبوتِ المشهود به.
وعن الإصْطَخْرِيِّ: أنه إنما تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عند المُحَكِّمِ، إذا جَوَّزنَا التَّحْكِيم.
أما على القول الآخر، فلا.
والثالث: إذا بَيَّنَ تثبيت الوُجُوب، فقال: أَشْهَدُ أن لفلان على فلان كذا في ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو قَرْضٍ، أو أَرْشِ جِنَايَةٍ، فتَجوز الشَّهَادَةُ على شَهَادَتِهِ، وإن لم يَشْهَدْ عند
الجزء: 13 - الصفحة: 113
القاضي، ولا وُجِدَ منه اسْتِرْعَاءٌ؛ لأن الإسْنَادَ إلى السَّبَبِ، يَقْطَعُ احتمال الوَعْدِ، والتَّسَاهُلِ.
هذا ما يوجد لِعَامَّةِ الأصْحَابِ.
وحكى الإِمَامُ وَجهاً آخَرَ: أَنَّ الإِسْنَادَ إلى السَّبَب لا يكفي لِلتَّحَمُّل؛ ورآه أَظْهَرَ، وهذا الوَجْهُ قد رَوَاه الشَّيْخُ أبو حَاتِم القزويني أيضاً، [وروى] 265 وجهاً آخر: أن الشَّهَادَةَ عند القاضي لا تَكْفِي أيضاً، بل لاَ بُدَّ من الاسْتِرْعَاءِ.
ويُحْكَى عن أبي حَنيفَةَ مِثْلُ ذلك.
فيجوز أن يُعَلَّمَ قوله في الكتاب: "أو رآه الفرع، وقد شهد بين يدي حاكم" بالحاء والواو.
وقوله: "ولو قال: أَشْهَدُ أن له عليه كذا، لم يتحمل، فلعله أراد الوعد".
يمكن حَمْلُهُ على ما ذكرنا أن المَشْهُودَ عليه ربما أراد الوَعْدَ، ويمكن حَمْلُهُ على أن القَائِلَ ربما أراد الوَعْدَ بالشَّهَادَةِ، لا أن عنده شهادة في الحال، فَيَنْضَمُّ هذا إلى معنى التَّسَاهُلِ الذي ذَكَرَهُ، فيما إذا قال: عندي شهادة بكذا؛ والحُكْمُ فيها وَاحِدٌ.
وأما قوله: "ولو قال: عَلَيَّ لفلان ألف، لم يحمل على الوَعْدِ، وجَازَتِ الشَّهَادَةُ.
فاعلم أن الأَصْحَابَ -رحمهم الله- لما ذَكَرُوا في هذا المَوْضِع؛ أنه لا يجوز التَّحَمُّلُ، بأن يُسمع من الأصل: أني أَشْهَدُ بكذا، أو عندي شَهَادَةٌ بكذَا، تَكَلَّمُوا في أنه: هل يكفي لِلتَّحَمُّلِ أن يسمعه يقول: لفلان عليَّ كذا؟
وعن أبي إِسْحَاقَ: أن هناك أَيْضاً لا يجوز التَّحَمُّلُ بهذا القَدْرِ، بل لاَ بُدَّ مع ذلك من قَرِينَةٍ تُشْعِرُ بالوجوب، بأن يسنده إلى سَبَبٍ؛ فيقول: من ثَمَنِ مبيع، أو يسترعيه فيقول: فاشهد علي به.
والصحيح، وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أن مُجَرَّدَ الإقْرَارِ كَافٍ لِلتَّحَمُّلِ، وفَرَّقُوا بينه وبين تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ من وجهين:
أحدهما: أن الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فيها ما لا يُعْتَبَرُ في الإقْرَارِ، ألا تَرَى أنه لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الفَاسِقِ والمُغَفَّلِ؟ والشهادة بالمَجْهُولِ والإِقْرَار يخالفهَ فجاز أن يُعْتبَرَ في تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ما لا يُعْتَبَرُ في تَحَمُّلِ الإِقْرَارِ.
والثاني: أن المقر مُخْبِرٌ عن نفسه، والشَّاهِد مُخْبِرٌ عن غيره، والمُخْبِرُ عن نفسه بما يَضُرُّ به لا يخبر إلا عن تَحْقِيقٍ، ولا يكاد يَتَسَاهَلُ، والمخبر عن غيره قد يَتَسَاهَلُ، فَيُحْتَاجُ فيه إلى الاحتياط.
فرع: الفَرْعُ عند أَدَاءِ الشَّهَادَةِ يُبَيِّنُ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، فإن اسْتَرْعَاه الأصل، قال: أشهد أن فُلاَناً، شَهِدَ أن لفلان على فلان كذا، وأَشْهَدَنِي على شَهَادَتِهِ، وإن لم يَسْتَرعِهِ، بين أنه
الجزء: 13 - الصفحة: 114
شهد عند القَاضِي، أو أنه أَسْنَدَ المَشْهُود به إلى سَبَبهِ.
قال الإمَامُ: وذلك لأن الغَالِبَ على النَّاسِ الجَهْلُ بطريق التَّحَمُّلِ، فإن كان ممن يَعْلَمُ، وَثِقَ به القاضي، [جاز أن يَكْتَفِيَ بقوله: أَشْهَدُ على شهادة فُلاَنٍ بكذا، ويُسْتَحَبُّ للقاضي أن] 266 يسأل: بأي سَبَبٍ ثَبَتَ هذا المال 267؟ وهل أخبرك به الأَصْل؟ وهذا إذا لم يُبَيَّن السبب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي فِي الطَّوَارِئِ وَلاَ بَأْسَ بِمَوْتِ شَاهِدِ الأَصْلِ وَغَيْبَتِهِ وَمَرَضِهِ، وَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الفِسْقُ أَوِ العَدَاوَةُ أَوِ الرِّدَّةُ امْتنَعَ شَهَادَةُ الفَرْع، وَلوْ طَرَأَ الجُنُونُ فوَجْهَانِ، وَلَوْ طَرَأَ العَمَى فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلى بِأَنْ لاَ يُمْنَعَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لاَ يُمْنَعَانِ، أَمَّا إِذَا كَذَبَ الفَرعُ امْتَنَعَتِ الشَّهَادَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثَّانِي -في صفات شَاهِدِ الأَصْلِ، وما يَطْرَأُ عليه.
لا يَصِحُّ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ على شهادة الفَاسِقِ، والكَافِرِ، والعَبْدِ، والصَّبِيِّ، والعَدُوِّ؛ لأنهم غير مَقبُولِي الشَّهَادَةِ.
وان تحمل والأصل بصفات الشهود، ثم عَرَضَ ما يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ، أو الوُصُول إليها، فإن كان العَارِضُ المَوْتَ، أو الغَيْبَةَ، أو المَرَضَ، فلا أَثَرَ له، بل شَهَادَةُ الفَرْعِ حينئذ يُحْتَاجُ إليها، كما سَيَأْتِي.
وإن عَرَضَ فِسْقٌ، أو عَدَاوَةٌ، أو رِدَّةٌ، لم تُقْبَلْ شهادة الفَرْع، وبالأصل هذه الأحوال.
وَوَجَّهَهُ الإِمَامُ: بأن هذه الحَالاَتِ لا تهجم دفعةً وَاحِدَةً، بل الفِسْقُ يورث الرِّيبَةَ فيما تَقَدَّمَ، والرِّدَّةُ تُشْعِرُ بِخُبْثٍ في العَقِيدَةِ سَابِقٍ، والعَدَاوَة لضَغَائِنَ كانت مُسْتَكِنَّة، وليس لمدة [الرِّيبَةِ] 268 من قَبلُ ضَبْطٌ فتنعطف 269 إلى حالة التَّحَمُّلِ، فإن زَالتْ؛ فهل لِلْفَرْعِ أن يشهد بالتَّحَمُّلِ الأول؟ أم يحتاج إلى تحمُّلٍ جَدِيدٍ؟
[عن ابن سُرَيْجٍ فيما حكى أبو العَبَّاسِ الروياني: أنه يحتاج إلى تَحَمُّلٍ جديد] 270 وهذا ما صَحَّحَهُ الإمَامُ بِنَاءً على انْعِطَافِ الرِّيبَةِ إلى حالة التحمُّلِ، ورَوَى وَجْهاً آخر: أنه لا حَاجَةَ إليه، وهذا قَضِيَّةُ إِيرَادِ "التهذيب"، ولو حدث الفِسْقُ، أو الرِّدَّةُ بعد الشَّهَادَةِ، وقبل القَضَاءِ، امتنع القَضَاءُ.
كما لو شهد الأَصْلُ وفَسَقَ قبل القَضَاءِ، ولو
الجزء: 13 - الصفحة: 115
حدث بالأصل جُنُونٌ؛ فوجهان مَنقُولاَنِ في "النهاية":
أحدهما: امْتِنَاعُ شَهَادَةِ الفرْعِ، كما في الفِسْقِ، وإنما قَبِلْنَا في المَوْتِ والمَرَضِ للحاجة.
وأصحهما: جواب الجُمْهُورِ: أنه لا أَثَرَ له كالمَوْتِ؛ لأنه لا يُوقِعُ رِيبَةً [فيما مضى] 271. والوجهان جَارِيانِ فيما لو عَمِيَ، وأولى بألاَّ يؤثر لأن العمى لا يبطل أهلية الشَّهَادَةِ بالكُلِّيَّة.
ولو أغمي عليه، قال الإِمام: لم يُؤَثِّرْ إن كان غائِباً، وان كان حَاضِراً، لم يَشْهَدِ الفَرْعُ، بل ينتظر زَوَالُهُ؛ فإنه 272 قريب الزَّوَالِ.
وقَضِيَّتُهُ؛ أن يكون الجَوَازُ كذلك، في كل مَرَضٍ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ، كتوقِّع زَوَالُ الإغْمَاءِ 273، ولا أَثَرَ لحدوث شَيْءٍ من هذه المَعَانِي بعد القضاء 274 وكذا لو شهد الفَرْعُ في غَيْبَةِ الأَصْلِ، ثم حَضَرَ بعد القَضَاءِ لم يؤثر، وإن حضر قَبْلَهُ، امتنع القَضَاءُ، لحصول القُدْرَةِ على الأَصْلِ، وكذا لو كذب الأَصْلُ الفَرْعُ قبل القَضَاءِ، امتنع القَضَاءُ.
والتَّكذِيبُ بعده لا يُؤَثِّرُ.
ولو قضى القاضي، ثم قامت البَيَّنَةُ على أن الأَصْلَ قد كَذَّبَ الفَرْعَ قبل القضاء؛ فالقَضَاءُ مَنْقُوضٌ: ذكره الإِمام 275، هذا هو القول في صفات الأَصْلِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 116
وأما الفَرْعُ فلو تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وهو فَاسِقٌ، أو عَبْدٌ، أو صَبِيٌّ، أو أَخْرَسُ، صح تَحَمُّلُهُ، كَتَحَمُّلِ الأَصْلِ الشَّهَادَةَ في هذه الأحوال، ثم الأَدَاءُ يكون بعد زَوَالِهَا, ولا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الشَّهَادَةِ، إلا من الرِّجَالِ، ولا مَدْخَلَ فيها لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وإن كانت الأُصُولُ أو بَعْضُهُم إِنَاثاً، وكانت الشَّهَادَةُ فِي وِلاَدَةٍ، أو رِضَاعٍ، أو مَالٍ، لما سنذكره -إن شاء الله تعالى- أن شَهَادَةَ الفَرع تُثْبِتُ شَهَادَةَ الأَصْلِ، لا ما شَهِدَ به الأَصْلُ.
ونَفْسُ الشهادة ليس بِمَالٍ، ويَطَّلِعُ عليها الرجال.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الشهادة في النِّسَاءِ، فيما يُقْبَلُ فيه شَهَادَةُ النساء.
ونقل القاضي ابن كَجٍّ وَجْهاً مِثْلَهُ في الوِلاَدَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالثُ: العَدَدُ وَلْيَشْهَدْ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ شَاهِدَانِ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا جَمِيعَاً، جَازَ علَى أَقْيَس القَوْلَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُ شَاهِدَي الأَصْلِ، مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ، عَلَى شَهَادةِ الأَصْلِ الثَّانِي، وَشَهَادةُ الزِّنَا كَالإِقْرَارِ بِالزِّنَا، فَتثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ أَمْ بِأربَعَةٍ؟ فِيهِ قَوْلاَن، وَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذهِ الاخْتِلاَفَاتِ فِي شُهُودِ الفَرْعِ فِي الزِّنَا، إِنْ قَبِلنَاهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، فَيَجِبُ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَة، أَوْ أَربَعَةٌ، أَوِ اثْنَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثالث: في عَدَدِ الشهود 276.
الفرع:
فإن شَهِدَ شَاهِدَانِ على شَهَادَةِ أَصْلٍ وآخران على شهادة الثاني، فقد تَمَّ النِّصَابُ بلا كلام، ولا يجوز أن يَشْهَدَ فَرْعٌ على شهادة أَصْلٍ، وآخر على شهادة الثاني، خِلاَفاً لِأَحْمَدَ.
واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بأن الفرع يَثْبُتُ بشهادة الأصل، ولا يكفي وَاحِدٌ لإثبات شَهَادَةِ كل أصل؛ كما لو شَهِدَ اثْنَانِ على شَهَادَةِ مقرين.
كذلك لو شَهِدَ اثنان على شَهَادَةِ الأَصْلين معاً، ففيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أنه لا يجوز؛ لأنهما إذا شَهِدَا على شَهَادَةِ أحد الأصلين، كانا كَشَاهِدٍ وَاحِدٍ قام شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ، فلا يقوم بها الشَّطْرُ الثاني، كمن = الثانية: أن يسافر الأصل عن بلد الفرع إلى بلد آخر ثم اتفق سفر القاضي هناك فشافهه الأصل بتكذيب الفرع فيه من عمل القاضي فله العمل بتكذيبه قولاً واحداً وإلا كان على قولي العلم وهذه الصورة أغوص من الأولى.
انتهى والظاهر أن الإِمام جمع بين الحضور والتكذيب لأنهما مانعان قطعاً بخلاف الحضور المجرد ففيه خلاف، ولهَذا قال في البسيط: ومن الموانع قطعاً حضور شهود الأصل.
وتكذيبهم شهود الفرع، فإن قامت البينة على تكذيبهم وهم غيب فذلك يمنع.
الجزء: 13 - الصفحة: 117
شَهِدَ مَرَّةً على شيء، لا يَشْهَدُ مرَّةً أخرى.
وكما لو شهد أَصَالَةً، ثم شَهِدَ [الثَّاني] 277 مع فَرْعٍ على شَهَادَةِ الأَصْلِ، الثاني -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، ومالك، وأحمد -رحمهم الله-: يجوز؛ لأنهما شَهِدَا على قَوْلِ اثنين، فصار كما لو شَهِدَ على إِقْرَارِ رَجُلَيْنِ.
والقولان فيما ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ، وطَبَقَتُهُ مَبْنِيَّانِ على أن الفروع يقومون مَقَامَ الأُصُولِ؛ ويثبت الحَقُّ بِشَهَادَتِهِمْ ثُبُوتَهُ بِشَهَادَةِ الأصول، أو الفروع يثبتون شهادة الأصول، والحَقُّ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ.
وفيه قولان، نُوَجِّه أولهما -بأن الوَاحِدَ، لا يجوز أن يَشْهَدَ أَصَالَةً مع فَرْعٍ، على شهادة الأصل الثاني، ولَوْلاَ قِيَامُ الفروع مَقَامَ الأصُولِ في إثبات الحَقِّ، لجاز؛ لأن شهادتهما 278 [حينئذ] 279 تَتَوَجَّهَانِ نحو شَيْئَيْنِ مختلفين.
وثانيهما: وهو الأصح: بأنهم مُصَرِّحُونَ بالشَّهَادَةِ على شهادة الأصول، ولم يَشْهَدُوا فِغلاً، ولا سَمِعُوا قَوْلاً.
فإن قلنا بالأول، فمن قام بأحد شَطْرَي البَيِّنَةِ، لا يَقُومُ بالثاني كالأصُولِ.
وإن قلنا بالثاني، فلا بَأْسَ، كما لو شَهِدَ على إقرار شَخْصَيْنِ.
ويمكن أن يكون الخِلاَفُ الذي مَرَّ في أن التَّسَاهُلَ لَهُنّ مَدْخَلٌ في الشهادة على الشهادة مَبْنِيّاً على هذا الأَصْلِ؛ وقضيته 280 إِثْبَات خِلاَفٍ في أنه هل يَجُوزُ أن يَشْهَدَ فَرْعٌ على شهادة هذا؟ وفَرْعٌ على شهادة هذا؟ لكن لم يَذْكُرُوا فيه خِلاَفاً.
ثم في "التهذيب" أن أَصَحَّ القولين: أنه لا يجوز أن يَشْهَدَ اثْنَانِ على شهادة الأصلين معاً، وكذا ذكره أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
وربما سموه الجديد ومقابله القديم، ولكن أصحابنا العِرَاقِيُّونَ رَجَّحُوا الجَوَازَ، وإليه ذهب الإِمام، وصاحب الكِتَابِ، والرُّويانيُّ، وصاحب العدة -رحمهم الله-.
فإن قلنا بالمَنْعِ، فلو أقام شَاهِدَيْنِ على شهادة الأصلين معاً، فله أن يجيب على أيهما شاء وَيَحْلِفَ معه، ولو شَهِدَ أَرْبَعَةٌ على شهادة الأصلين فوجهان:
أحدهما: المَنْعُ أيضاً؛ لأنهم جميعاً إذا قاموا مقام شَاهِدٍ واحدٍ، لا يَقُومُونَ مَقَامَ الثَّانِي.
والثاني: يجوز, لأنه قد شَهِدَ اثنان منهم على شَهَادَةِ زَيْدٍ، واثنان على شَهَادَةِ عمرو، فلا يَضُرُّ تَعَرُّضُ شَاهِدَيْ زيد، لشهادة عمرو، وبالعَكْسِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 118
قال الإِمام: وهذا هو الذي لا يَجُوزُ غيره، وجَمِيعُ ما ذكرنا فيما إذا شَهِدَ الفُرُوعُ على شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فإن شَهِدُوا على شَهَادَةِ رجل وامرأتين، فعلى القول الأول، لاَ بُدَّ من سِتَّةٍ؛ يَشْهَدُ كل اثنين منهم على شَهَادَةِ وَاحدٍ، وعلى الثَّاني، يكفي شَهَادَةُ الاثنين على شهادة الكُلِّ؛ وإن شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ أربع نِسْوَةٍ فِي وِلاَدَةٍ، أو رِضَاعٍ، فعلى الأول، لاَ بُدَّ من ثمانية؛ يَشْهَدُ كُلُّ اثْنَيْنِ على شَهَادَةِ واحدة، وعلى الثاني، يكفي اثْنَانِ للكل.
وعلى الوَجهِ الثَّاني، نقله القَاضِي ابْنُ كَجٍّ في أن شَهَادَةَ النِّسَاءِ على [شهادة] 281 النساء مَقْبُولَةٌ في الوِلاَدَةِ.
وحكى وَجْهَيْنِ في أنه يكفي شَهَادَةُ أربع على شَهَادَةِ أربع، أم لاَ بُدَّ من سِتَّ عَشَرَةَ؟ ليشهد كُلُّ أربعَ مِنْهُنَّ على واحدة، ولو شهد على شَهَادَةِ الفُرُوعِ فُروعٌ، واعتبرنا أن يَشْهَدَ فَرعانِ على شَهَادَةِ أَصْلٍ، وآخران على شَهَادَةِ الأصل الثاني، فيجب أن يَشْهَدَ على شَهَادَةِ كُلِّ فَرْعٍ من الفروع الأربعة الثْنَانِ، [فيجتمع] 282 ثمانية ثم شهادتهم لا تَثْبُتُ إلا بِسِتَّةَ عَشَرَ.
وعلى هذا القِيَاسُ.
وإذا قلنا: بِجَرَيَانِ الشَّهَادَةِ على الشهادة في حدود الله تَعَالَى، فتثبت شهادة الزِّنَا بأربعة؟ أم يكفي اثنان؟ فيه قولان كالقَوْلَيْنِ في الإقْرَارِ بالزِّنَا.
ووجه الشَّبَهِ، أن كُلّ واحد منهما قَوْلٌ يَثْبُت به الزِّنَا، وَيتَوَلَّدُ من ازْدِوَاج هذا الأَصْلِ، والأصل السابق، وهو أنه هل يُعْتَبَرُ أن يَشْهَدَ على شَهَادَةِ كُلِّ أصل فَرْعَانِ؟
أربعة أقوال في عَدَدِ الفُرُوعِ في الزِّنَا.
فإن قلنا: تَثْبُتُ شَهَادَةُ الزنا باثنين، وقلنا: تجوز شَهَادَةُ فَرْعَيْنِ على شهادة الأصْلَيْنِ مَعاً، كفى اثنان.
وإن قلنا: تَثْبُتُ شَهَادَةُ الزِّنَا باثنين، ولكن يُعْتَبَرُ أن يشهد على شَهَادَةِ كل أصل فَرْعَانِ، فلا بد من ثَمَانِيَة.
وإن قلنا: إن شَهَادَةَ الزِّنَا لا تَثْبُتُ إلا بأربعة، فإن قلنا: تجوز شَهَادَةُ فَرْعَيْنِ على شهادة الأَصْلَيْنِ معاً، كفى هاهنا أن يَشْهَدَ أَرْبعَةٌ على شهادة الأربعة الأُصُولِ فإن قلنا: يُعْتَبَرُ أن يَشْهَدَ على شهادة كُلِّ أصل فَرعَانِ، فهاهنا يجب أن يَشْهَدَ على شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ من الأربعة أَرْبَعَةٌ.
فيجتمع سِتَّةَ عَشَرَ.
وهذا إذا فَرَّعْنَا على جَرَيَانِ الشهادة على الشَّهَادَةِ في الحدود، والأَصَحُّ المَنْعُ على ما تَقَدَّمَ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: أنَّه لاَ يَسْمَعُ شَهَادَةَ الفَرْعِ إِلاَّ إِذَا مَاتَ الأَصْلُ أَو مَرِضَ مَرَضَاً يَشُقُّ عَلَيْهِ الحُضُورُ أَوْ غَابَ فَوْقَ مَسَافَةِ القَصْرِ، فَإنْ كَانَ دُونَهَا وَفَوْقَ مَسَافَةِ العَدْوَى فوَجْهَانِ، وَخَوْفُ الغَرِيمِ وَكُلّ مَا تُتْرَكُ بِهِ الجُمْعَةُ كالمَرَضِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 119
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الرَّابعُ في أن شَهَادَةَ الفرع 283، متى تُسْمَعُ؟ وإنما تُسْمَعُ شَهَادَةُ الفرع، إذا تَعَذَّرَ الوُصُولُ إلى شَهَادَةِ الأَصْلِ، أو تَعَسَّرَ، وإلا ازداد احْتِمَالُ الخَطَإ والخَلَلُ من غير ضَرُورَةِ حاجة حاقة.
ويخالف الرواية, فإنها أَوْسَعُ بَاباً.
وحكى القاضي أبو سَعْدٍ الهَروِيُّ وَجْهاً عن نقل صاحب "التلخيص" 284، أنه تُقْبَلُ شَهَادَةُ الفُرُوعِ، وإن حَضر الأصول، والمَذْهَبُ المَشْهُورُ الأَوَّل.
فمن وجوه التَّعَذُّرِ مَوْتُ الأَصْلِ، وأُلْحِقَ به العَمَى، ومن وجوهه المَرَضُ، ولا يشترط ألا يمكنه الحضور، وإنما المُعْتَبَرُ، أن يَنَالَهُ في الحضور مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، ويلحق خوف الغَرِيمِ وسائر ما يترك به الجمعة بالمرض، هكذا أَطْلَقَ الإِمَامُ، وصاحب الكتاب.
ولكن ذلك في الأَعْذَارِ الخاصة 285 دون ما يَعُمُّ الأُصُول، والفروع، كالمَطَرِ، والوَحْلِ الشَّدِيدِ 286.
ولا يكلّف القاضي أن يحضر عند شاهد الأصل، أو يبعث إليه نَائِبه، لما فيه من الابْتِذَالِ.
ومنها الغَيْبَةُ إلى مَسَافَةِ القَصْرِ، وإن كانت دون مَسَافَةِ القَصْرِ، فمنهم مَنْ أَطْلَقَ وجهين، وكذلك، يُحْكَى عن ابن القَطَّانِ.
والأَشْبَهُ، أنه إن كانت المَسَافَةُ بحيث لو خَرَجَ الأَصْلُ بُكْرَةً لأداء الشَّهَادَةِ، أمكنه الرجوع إلى أَهْلِهِ ليلاً فلا تُسْمَعُ شَهَادَةُ الفرع.
وتُسَمَّى هذه المَسَافةُ، مَسَافَةَ العَدْوَى.
وإن كانت بحيث لا يمكنه الرُّجُوعُ، فهو مَوْضِعُ الوجهين، والتَّفْصِيلُ هو المَذْكُورُ في الكتاب.
الجزء: 13 - الصفحة: 120
والطَّرِيقَانِ كما ذَكَرْنَا من الطريقين فيما إذا غاب الوَلِيُّ الأَقْرَبُ، إلى ما دون مَسَافَةِ القَصْرِ أنه هل يكون ذلك كالغَيْبَةِ إلى مَسَافَةِ القَصْرِ؟ لكن الأَظْهَرَ هاهنا فيما فَوْقَ مَسَافَةِ العَدْوَى، قَبُولُ شَهَادَةِ الفَرْعِ؛ لأن الوَلِيَّ إذا رُوجِعَ، لم يحتج إلى الحُضُورِ، بل يوكل.
والشاهد يَحْتَاجُ إلى الحُضُورِ، وأيضاً فالخَصْمُ قد يَهْربُ، فيفوت الحَقُّ، والنكاح لا يَفُوتُ غالباً بهذا القَدْرِ من التأخير.
وعِبَارَةُ جَمَاعَةٍ من الأصحاب: أن الغائب إن كان يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ غَلِيظَةٌ في المجيء إلى مجلس الحُكْمِ، لم يُكَلَّفْ، وسُمِعَتْ شَهَادَةُ الفروع.
وهذا يجوز أن يُحْمَلَ على المَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بالمجيء فيما فوق مَسَافَةِ العَدْوَى، ويجوز أن يجعل أَعَمَّ من ذلك، وإلى المَحَلِّ الأَوَّلِ، مَيْلُ ابن الصَّبَّاغ.
وقوله في الكتاب: "أنه لا تُسْمَعُ شهادة الفرع ... " إلى آخره، يمكن أن يُعْلَّمَ بالواو؛ لأن ما نقله صاحب "التلخيص"، يسمعها وإن لم يوجد شيء من الحالات المستثناة 287.
وقوله: "أو غاب فَوْقَ مَسَافَةِ القصر"، كلمة "فوق"، لا حَاجَةَ إليها، بل مَسَافَةُ القَصْرِ كَمَا فَوْقَهَا في الحُكْمِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى شُهُودِ الفَرْعِ تَزْكِيَةُ الأَصْلِ، لَكِنْ لَوْ زُكُّوا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ وَشَهَادَتُهُمْ بِقَوْلِ الفَرْعِ، وَلَبْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى صِدْقِ شُهُودِ الأَصْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الفُرُوعِ تَسْمِيَةُ شُهُودِ الأصل، وتعريفهم؛ لأنه لاَ بُدَّ من مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمْ.
وما لم يعرفوا، لا 288 تعرف عدالتهم، ولو وَصَفُوا الأُصُولَ بالعَدَالَةِ، ولم يُسَمُّوهُمْ؛ بأن قالوا: يشهد على شهادة عدلين، أو عُدُولٍ، لم يَجُزْ؛ لأن القَاضِيَ قد يعرفهم بالجرح 289 لو سموا, ولأنه يَسُدُّ باب الجرح على الخَصْمِ، ولا يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الفرْع تَزْكِيَةُ 290 شهود الأصل، بل لهم إِطْلاَقُ الشَّهَادَةِ، ثم القاضي يبحث عن عَدَالَتِهِمْ.
ويُروَى عن أبي حَنيفَةَ ومَالِكٍ -رحمهما الله- اشتِرَاطُهَا، ونقله صاحب "التهذيب" وَجْهاً للأصحاب -رحمهم الله- أيضاً.
وفي "الجُرْجَانِيَّاتِ" لأبي العَبَّاسِ الرُّوَيانِيِّ تَفرِيعاً على مَا مَرَّ، أنه لو فَسَقَ شَاهِدُ الأَصْلِ، ثم تَابَ، لم يكن لِلْفَرْعِ أن يَشْهَدَ على شهادته إلا بإشهاد جديد 291 أنه لا بد لِلْفُرُوعِ من أن يقولوا: أَشْهَدَنَا عَلى شَهَادَتِهِ، وكان عَدْلاً إلى اليَوْمِ، أو إلى أن مَاتَ،
الجزء: 13 - الصفحة: 121
[إن كان قد مَاتَ] (1). وإذا قلنا بعدم الاشْتِرَاطِ، فلو أنهم زَكَّوْهُمْ وهم بِصِفَاتِ المُزَكَّيْنِ، فالمَشْهُودُ أنه تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمْ والمشهور فيما إذا شهد اثنان في وَاقِعَةٍ، وزَكَّى أَحدُهُمَا الثاني، أنه لا تثبت عَدَالَةُ الثاني، فمنهم مَن جَعَلَهَا على وجهين، كأنه خَرَّجَ في كل صورة من الأخرى.
والصحيح الفرق، وَوُجِّهَ: بأن تَزْكِيَةَ الفُرُوع الأُصُولَ مِن تَتِمَّةِ شهادتهم، ولذلك شَرَطَ شَارِطُونَ تَعَرُّضَهُمْ لها، وهناك قَامَ الذي يزكّي بَأحد شَطْرَي الشَّهَادَةِ، فلا يجوز له القِيَامُ بالثاني، ولا يجب أن يَتَعَرَّضَ الفروع في شَهَادَتِهِم لِصِدْقِ الأصول؛ فإنهم لا يعرفونه.
بخلاف ما إذا حَلَفَ المُدَّعِي مع الشاهد الوَاحِدِ، حيث يَتَعَرَّضُ لِصِدْقِهِ؛ لأنه يعرفه.
ولْيُعَلَّمْ لما ذكرنا قَوْلُهُ في الكتاب: "وليس على شهود الأصل" بالحاء، والميم، والواو.
وقوله: "تثبت عدالتهم" بالواو.
والله أعلم.
الْبَابُ السَّادِسُ في الرُّجُوعِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي العُقُوَبةِ وَالبُضْعِ وَالمَالِ (أَمَّا العُقُوبَةُ): فَالرُّجُوعُ قَبْلَ القِصَاصِ يَمْنَعُ القَضَاءُ، وَيجِبُ حَدُّ القَذْفِ إِنْ شَهِدُوا بِالزِّنَا، وَإِنْ قَالُوا: غَلِطْنَا، فَفِي الحَدِّ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَلَكِنْ قَالَ لِلقَاضِي: تَوَقَّفْ ثُمَّ عَادَ.
وَقَالَ: اقْضِ، فَفِي جَوَازِ القَضَاءِ بِهِ وَجْهَانِ، فَإنْ جَازَ، فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةَ وَجْهَانِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ القَضَاءِ، فَفِي الاِسْتِيفَاءِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ يُسْتَوْفَى حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ دُونَ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى، أَمَّا المَالُ فَيُسْتَوفَى قَطْعاً، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ القَتْلِ، وَجَبَ عَلَيْهِ القِصَاصُ إِنْ قَالَ: تَعَمَّدتُّ، وَلَوْ رَجَعَ وَليُّ القَاضِي، وَهُوَ الَّذِي بَاشرَ فَعَلَيْهِ القِصَاصُ، وَالشَّاهِدُ مَعَهُ كَالمُمْسِكِ أَوْ كَالشَّرِيكِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالمُزَكِّي إِذَا رَجَعَ كَالمُمْسِكِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْ كَالشَّرِيكِ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَخْطَأَت فَلاَ قِصَاصَ عَلَى العَامِدِ؛ لأنَّهُ شَرِيكٌ خَاطِئٌ، وَلَوْ قَالَ كُلَّ وَاحِدٍ: تَعَمَّدتُّ وَأَخْطَأَ شَرِيكِي، فَفِي القِصَاصِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: تَعَمَّدتُّ، وَلَكِنْ مَا عَلِمْتُ أَنَّه يُقْتَلُ بِقَوْلِي، فلاَ قِصَاصَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَاً يَقْتُلُ المَرِيضَ دُونَ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مَرِيضٌ، وَجَبَ القِصَاصُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافعِيُّ: رُجُوعُ الشُّهُودِ عن الشَّهَادَةِ؛ إما أن يُفْرَضَ قبل القَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ، أو بعده:292
الجزء: 13 - الصفحة: 122
الحالة الأولى: إذا رجعوا قبل القَضَاءِ؛ فيمتنع القَضَاءُ, لأنه لا يَدْرِي أنهم صَدَقُوا في الأول، أو في الآخر، فلا يَبْقَى ظَنُّ الصَّدْقِ.
ثم إن اعْتَرَفُوا بأنهم تَعَمَّدوا الكَذِبَ، فهم فَسَقَةٌ يستترون، وإن قالوا: غلطنا 293، لم يَفْسُقُوا 294، لكن لا تُقْبَلُ تلك الشَّهَادة لو أَعَادُوهَا.
وقد ذكرنا هذا من قَبْلُ، ولو كانوا قد شَهِدُوا بالزِّنَا، فَرَجَعُوا، واعترفوا بالتَّعَمُّدِ، فَسَقُوا، وحُدُّوا حَدَّ القَذْفِ.
وإن قالوا: غَلِطْنَا، ففي حَدِّ القَذْفِ وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن الغَالِطَ مَعْذُورٌ.
وأظهرهما: الوجوب؛ لما فيه من التغيير.
وكان من حَقِّهم التَّثَبُّتُ، والاحْتِيَاطُ، وعلى هذا تُرد شهادتهم.
وإن قلنا: لا حَدَّ، فلا رَدَّ.
ولو قال الشُّهُودُ للقاضي بعد الشهادة: تَوَقَّفْ في القَضَاءِ، وجب التوقيف فإن قالوا بعد ذلك: اقضِ فنحن على شَهَادَتِنَا، ففي جَوَازِ القَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ وجهان:
المنع؛ لأن قولهم: تَوَقَّفْ، يورث الرِّيْبَةَ، والتُّهْمَةَ، في شهادتهم، ولأنه طَرَأَ على الشَّهَادَةِ ما يَمْنَعُ الحُكْمَ بها، فَأشْبَهَ ما لو طَرَأَ الفِسْقُ.
وأقربهما، وبه أجاب بَعْضُ أصحاب الإِمام؛ الجَوَازُ لأنه لم يَتَحَقَّقْ رجوع.
ولا بطلت 295 أَهْلِيَّةٌ، وإن عَرَضَ شَكٌّ، فقد زَالَ.
وعلى هذا فهل يجب إِعَادَةُ الشهادة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لِبُطْلاَنِ تلك الشَّهَادَةِ بما عَرَضَ من التوقف.
وأَوْلاَهُمَا: لا؛ لأنها صَدَرَتْ من أهل الشهادة، جازم بها، والتوقف الطَّارِئُ قد زَالَ، وكأنه لم يَكُنْ.
الجزء: 13 - الصفحة: 123
الحالة الثانية: إذا رَجَعُوا بعد القضاء، فَرُجُوعُهُمْ؛ إما أن يكون قَبْلَ الاسْتِيفَاء أو بعده.
وإن رَجَعُوا قبل الاستِيفَاء, نُظِرَ: إن كانت الشَّهَادَةُ في مال فَيُسْتَوْفَى؛ لأن القَضَاءَ قد نَفَذَ به، وليس هو مما يُسْقِطُ الشُّبْهَةَ، حتى يَتَأثَّرَ بالرجوع.
هذا هو المَنْصُوصُ.
والأصح، وفيه وجه؛ أنه لا يُسْتَوْفَى إذ الحُكْمُ لم يسْتَقِرَّ بعد، والظَّنُّ قد اخْتَلَّ بالرجوع.
وعلى هذا، فلو كانت الشهادة في القِصَاصِ، أو حَدِّ القَذْفِ، فعدم الاسْتِيفَاءِ أَوْلَى، لكونهما عُقُوبَتَانِ تسقطَان بالشبهة.
وعلى الأول، فيه وجهان: أصحهما المنع، أيضاً لما ذكرنا.
وَوَجهُ جَوَازِ الاستيفاء؛ أن حُقُوقَ الآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ على الضّيق، وإن كانت الشَّهَادَةُ في حدود الله تعالى؛ فَأَوْلَى بألاّ يُسْتَوْفى.
وإن كانت الشَّهَادَةُ في شيء من العُقُودِ، فتُمضَى على الأصَحِّ، كما أن الأَمْوَالَ تُسْتَوْفَى.
ومنهم من جعل النكاح كَحَدِّ القَذْفِ، والقِصَاصِ.
ويخرج من الخلاف المَنْقُولِ في العُقُوبَاتِ، فمطلقها، ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
ثالثها: الفرق بين عُقُوبَاتِ الآدَمِيِّين، وبين حُدُودِ الله تَعَالَى.
وحيث قارنا بالاسْتِيفَاءِ بعد الرُّجُوعِ، فَاسْتَوْفَى، فالحُكْمُ كما لو رجعوا بعد الاسْتِيفَاءِ، وإن رَجَعُوا بعد الاسْتِيفَاءِ، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ، خلافاً لمالك فيما يُحْكَى.
ثم لا يخلو ما إن كانت الشَّهَادة فيما يُتَعَذَّرُ رَدُّهُ، وتَدَارُكُهُ، أو فيما لا يُتَعَذَّرُ.
القِسْمُ الأول: ما يُتَعَذَّرُ تَدَارُكُهُ؛ وهو نوعان:
أحدهما: العُقُوبَاتُ؛ فإذا شهدوا بالقَتْلِ، فاقْتُصَّ من المَشْهُودِ عليه، ثم رجعوا، وقالوا: تَعَمَّدنَا قَتْلَهُ، فعليهم القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ، مُوَزَّعَةً على عدد رُؤُوسِهِمْ، على ما هو مذكور، مع خِلاَفِ أبي حَنِيْفَةَ في الجِنَايَاتِ.
وكذا الحُكْمُ لو شَهِدُوا بالرِّدَّةِ، فَقُتِلَ، أو على المُحْصَنِ بالزنا فرُجِمَ، أو على غير المُحْصَنِ، فَجُلِدَ، ومات منه، أو على إِنْسَانٍ بالسَّرِقَةِ، أو بالقَطْعِ، فَقُطِعَت يَدَهُ 296 أو بالقَذْفِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَجُلِدَ وَمَاتَ منه، ثم رجعوا؛ ويُحَدُّون في شهادة الزِّنَا كَحَدِّ القَذْفِ أو لا ذكر أبو الحسن العَبَّادِيُّ احْتِمَالَيْنِ في أنهم يُرْجَمُونَ، أو يُقْتَلُونَ بالسَّيْفِ، والأظهر الأَوَّل.
ثم الكَلاَمُ في صُوَرٍ:
إحداها 297، لو رجع القَاضِي دُونَ الشُّهُودِ، واعترف بالتَّعَمُّدِ، فعليه القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ بِكَمَالِهَا.
الجزء: 13 - الصفحة: 124
ولو رجع القاضي والشُّهُودُ جميعاً، فعليهم القِصَاصُ.
وإن قالوا: أَخْطَأْنَا، أو عفى عنهم، فالدِّيَةُ مُنَصَّفة 298؛ نِصْفُهَا على القاضي، والنِّصْفُ على الشهود.
هكذا أَوْرَدَ المَسْألَةَ صَاحِبُ "التهذيب"، وغيره، وقِيَاسُهُ: ألاَّ يجب كَمَالُ الدِّيَة عند رُجَوعِهِ وَحْدَهُ، كما لو رجع بَعْضُ الشُّهُودِ 299. ولو رجع وَليُّ الدَّمِ وَحْدَهُ، فعليه القِصَاصُ، أو كَمَالُ الدِّيَةِ.
ولو رجع مع الشهود فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أن القِصَاصَ، أو الدِّيةَ بِكَمَالِهَا، على الوَلِيِّ؛ لأنه المُبَاشِرُ، وهم معه.
كالمُمْسِكِ 300 مع القاتل 301، ولا قِصَاصَ، ولا دِيَةَ، وهذا أَظْهَرُ عند الإِمَامِ.
والثاني: وهو الأَصَحُّ، عند صاحب "التهذيب"، أنهم معه كالشَّرِيكَيْنِ، لتعاونهم على القَتْلِ، ولَيْسُوا كالمُمْسِكِ مع القاتل؛ فإنهم صَوَّرُوهُ بصُورَةِ المحصن 302، وعلى هذا، فعليهم جميعاً القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ مُنَصَّفَةً؛ نِصْفُهَا على الوَليِّ، والنِّصْفُ على الشهود.
ولو رجع القَاضِي معهم فالدِّيَةُ مُثَلَّثَةٌ؛ ثُلُثُهَا على القاضي، وثُلُثُهَا على الوَليِّ، وثُلُثُهَا على الشهود.
وينبغي ألا يجب على هذا الوجه، كمالُ الدِّيَةِ على الوَليِّ؛ إذا رجع وَحدَهُ 303.
الجزء: 13 - الصفحة: 125
الثانية: رجوع المزكي هل يَتَعَلَّقُ به ضَمَانٌ وَقِصَاصٌ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا, لأنه لم يَتَعَرَّضْ للمشهود عليه، وإنما أَثْنَى على الشَّاهِدِ، والحكم إنما يقع بِشَهَادَةِ الشاهد، فكان كالمُمْسِكِ مع القَاتِلِ.
والثاني: نعم؛ لأن التَّزْكِيَةَ تُلْجِئُ القَاضِى إلى الحُكْم المُفْضِي إلى القَتْلِ.
والأول، أصح عند صاحب "التهذيب"، ولكن الثاني أوْفَقُ لكلام أكثرهم، وهو الذي أَوْرَدَهُ أبو الحسن العبادي.
وفيه وَجهٌ ثالث: أنه يَتَعَلَّقُ به الضمان دون القِصَاصِ.
ثم عن القَفَّالِ -رضي الله عنه- أن الخِلاَفَ فيما إذا قال المُزَكِّيَانِ: عَلِمْنَا أن الشَّاهِدَيْنِ كانا كَاذِبَيْنِ.
أما إذا قالا: عَلِمْنَا أنهما كانا فَاسِقَيْنِ، فلا شَيْءَ عليهما؛ لأنهما قد يَكُونَانِ صَادِقَيْنِ مع الفِسْقِ، وطَرَدَ الإِمَامُ الخِلاَفَ في الحالتين 304.
الثالثة: ما ذكرنا في وجوب القِصَاص على الشُّهُودِ الراجعين، فيما إذا قالوا: تَعَمَّدْنَا.
أما إذا قالوا: أَخْطَأْنَا، وكان القَاتِلُ، أو الزَّانِي غيره، فلا قِصَاصَ، وتجب الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً، لكن في ما لهم؛ لأن إِقْرَارَهُم لا يلزم العَاقِلَة، فإن صدقهم العَاقِلَةُ، فهي عليهم.
قال الإِمَامُ: وقد يرى 305 القاضي، والحالَةُ هذه، تَعْزِيرَ الشُّهُودِ، لتركهم التحفظ.
ولو قال أَحَدُ شَاهِدَي القَتْلِ: تَعَمَّدتُ، ولا أَدْرِي أن صَاحِبِي تَعَمَّدَ، أم لا؟ أو اقتصر على قوله: تَعَمَّدْتُ، وقال صاحبه: أَخْطَأْتُ.
فلا قِصَاصَ على واحد منهما.
أما من قال: أخْطَأْتُ، فظاهر، وأما الآخر، فلأنه شَرِيكٌ مُخْطِئٌ، وشريك المُخْطِئِ لا يُقْتَلُ في الجُرْحِ، وقسط المخطئ من الدِّيَةِ يكون مُخَفَّفاً، وقِسْطُ التعمد مُغَلَّظاً.
ولو قال كل واحد منهما: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ صَاحِبِي، ففي القِصَاصِ وجهان:
أحدهما: يجب القِصَاص، لاعتراف كُلِّ واحد منهما بالعَمْدِيَّةِ، وثبوتها باعترافه.
الجزء: 13 - الصفحة: 126
وأصحهما: المنع؛ لأن كُلَّ واحد منهما لا يُقِرُّ إلا بِقَتْل صَدَرَ من شريكين؛ أحدهما، مُخْطِئٌ، وأنه لا يوجب القِصَاصَ.
ولا خِلاَفَ في أن الدِّيَةَ تجب عليهما مُغَلَّظَةً.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ صَاحِبِي، أو قال: لا أَدرِي أن صاحبي تَعَمَّدَ، أو أَخْطَأَ، وصاحبه غَائِبٌ، أو مَيِّتٌ، لا يمكن مُرَاجَعَتُهُ، فلا قِصَاصَ عليه.
وإن قال: تَعَمَّدْتُ، وتَعَمَّدَ صَاحِبِي، وصاحبه غَائِبٌ، أو ميت، فعليه القِصَاصُ.
وإن قال: تَعَمَّدْتُ، ولا أدري حَالَ صَاحِبِي، وقال صاحبه مِثْلَ ذلك، أو اقْتَصَرَ على قوله: تَعَمَّدْتُ، فالجَوَابُ في "التهذيب" وغيره، وُجُوبُ القِصَاصِ عليهما.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ أنا وصاحبي، وقال صَاحِبُهُ: أَخْطَأتُ، أو أَخْطَأْنَا معاً، فلا قِصَاصَ على الثاني، وفي الأَوَّلِ وجهان:
أصحهما: الوجوب؛ لإِقْرَارِه بِتَعَمّدِهِمَا جميعاً.
ووجه الثاني: أن قول الثاني في أنه مُخْطِئٌ مَقبُولٌ، فيكون الأول شَريكَ المُخْطِئِ.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ أنا وصاحبي، وقال صَاحِبُهُ: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ هو، فيجب القِصَاصُ على الأول.
وفي الثاني وَجْهَانِ: الأصح -المنع؛ لأنه لم يَعْتَرِفْ إلا بِقَتْلٍ، شَرِيكُهُ فيه مُخْطِئٌ.
ولو رجع أحد الشَّاهِدَيْنِ، وأَصَرَّ الآخَرُ، وقال الرَّاجِعُ: تَعَمَّدْنا، فعليه القِصَاصُ.
وإن اقْتَصَرَ على قوله: تَعَمَّدْتُ، فلا.
الرابعة: ما ذكرنا من وجوب القِصَاصِ على الشُّهُودِ، والرَّاجِعين فيما إذا قال: تَعَمَّدْنَا، وعَلِمْنَا أنه يقتل بما شَهِدْنَا عليه.
أما إذا قالُوا: تَعَمَّدْنَا, ولكن لم نعلم أنه يُقتل، فإن كان ممن لا يَخْفَى عليهم [ذلك،] 306 وجب القِصَاصُ، ولا اعْتِبَارَ بما يقولون؛ كمن رَمَى سَهْماً إلى إنسان، واعْتَرَفَ بأنه قَصَدَهُ، ولكن قال: لا 307 أعلم أنه يبلغه.
وإن 308 كانوا ممن يجوز خَفَاؤهُ عليهم، لِقُربِ عَهْدِهِمْ بالإِسلام، فالمَشْهُورُ: أنه شِبْهُ عَمْدٍ، لا يُوجب القِصَاص.
ومَالَ الإِمام إلى وُجُوبِهِ؛ أَخْذاً مما لو ضُرِبَ المَرِيضُ ضَرْباً يَقْتُلُ المَرِيضَ دون الصحيح، وهو لا يَعْلَمُ أنه مَرِيضٌ، فيجب القِصَاصُ 309 على الأَظْهَرِ، كما هو مُبَيَّنٌ في الجِنَايَاتِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 127
وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ نحو ذلك، وقال: سَمِعْتُهُ من بَعْضِ أصحابنا في النَّظَرِ.
هذا حكم القصاص.
وأما الدِّيَةُ؛ فالذي أَوْرَدَهُ عَامَّةُ الأصحاب: أنها تجب مُثلَّثَةً، مُؤَجَّلَةً، لكن في مَالِهِمْ، إلا أن تصدقهم العَاقِلَة، فتكون عليهم.
وحكى الفَوْرَانِيُّ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه-: أنها تَجِبُ حَالَّةً، وأن صاحب التقريب 310 حمل النَّصَّ على ما إذا كان قد مَضَى من قبل القَتْلِ ثَلاَثُ سنين.
وإن القَفَّالَ قال: تجب حَالَّةً بكل حَالٍ؛ لِتَعَدِّيهِمْ، وتَعَمُّدِهِمْ.
ولنعد إلى ما يَخْتَصُّ بلفظ الكتاب.
قوله: "والنظر في العقوبة والبضع، والمال"، يَرْجِعُ في المعنى إلى التَّقْسِيم الذي قَدَّمْنَاهُ، وهو أن المَشْهُودَ به، إما أن يَتَعَذَّرَ تَدَارُكُهُ، أو لا يَتَعَذَّرَ، والمُتَعَذِّرُ العُقُوَبَاتُ، والأَبْضَاعُ.
وغَيْرُ المُتَعَذِّرِ الأَمْوَالُ.
لكن قوله: "فالرجوع قبل انقضاء" إلى قوله: "ففي وجوب الإعادة وجهان"؛ لا اختصاص له بالعُقُوبَةِ، بل هو شَامِلٌ لكل مشهود 311 به.
وقوله: "وإن رَجع بعد القَضَاءِ"؛ يعني في العُقُوبَاتِ، وذلك بَيِّنٌ من تخصيصه 312 على المَالِ من بَعْدُ، حيث قال: "أَمَّا المَالُ فيستوفى قطعاً" فكان الأَحْسَنُ أَلاَّ يُدْرجَ المَسَائِلَ في قِسْمِ العُقُوبَاتِ؛ بل يذكرها قبل الشُّرُوعِ في الأَقْسَامِ، ثم يخُوضُ في الأقسام، ويُورِدُ في كُلِّ واحدٍ ما يَخْتَصُّ به.
وقوله: "ثلاثة أوجه"، يجوز إِعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن من الأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بأن حُدُودَ الله، لا يجوز استيفَاؤُهَا بعد الرُّجُوعِ.
وقوله: "ويُسْتَوْفَى قَطْعاً" كذلك لما سبق.
وقوله: "وجب عليه القصاص"، مُعَلَّمٌ بالحاء.
وقوله: "أنه كالممسك، أو كالشريك، فيه وجهان"؛ [الوجهان] 313، يَشْمَلاَنِ القِصَاصَ، والدِّيَةَ؛ لأن المُمْسِكَ، ليس عليه قِصَاصٌ، ولا دِيَةَ.
والشريك، يَتَعَلَّقُ بفعله القِصَاصُ، والدِّيَةُ.
ثم ذكر الوجه الثالث الفارق بين القِصَاصِ، والدِّيَةِ.
وقوله: "ولو قال: تعمدت، ولكن ما علمت أنه يُقْتَلُ بقَوْلِي".
هذا يَدْخُلُ فيه ما إذا قال: لم أعلم أنه يقتل بما شَهِدْتُ عليه؛ بل ظَنَنْتُ أنه يحبس، أو يؤخذ منه المال وهي الصُّورَةُ التي ذَكَرْنَاهَا، وفَرَّقْنَا بَيْنَ أن يكون قَرِيبَ العَهْدِ بالإِسلام، أو بَعيدَهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 128
ويَدْخُلُ فيه، ما إذا قال: لم أعلم أنه يُقْتَلُ بِقَولِي؛ لأنني ظننت أني أجرح 314 بأسباب تَقْتَضِي الجرح، ويمكن أن يجعل هذا خَطَأً.
قوله: "ولو ضربه ضَرْباً يقتل المَرِيضَ دون الصحيح".
هذه الصُّورَةُ مُكَرَّرَةٌ، وغرض الاسْتِشْهَادِ على ما حَكَيْنَا عن الإِمام دعى إلى إعادتها.
فرع:
حكى القاضي ابنُ كَجٍّ: أن أبا الحُسَيْنِ قال: لو رجع المَشْهُودُ، وقالوا: أَخْطَأْنَا، وادَّعَوْا: أن العَاقِلَةَ تَعْرِفُ أنهم أَخْطَأوُا، وعليهم الدِّيَةُ، فقالت العَاقِلَةُ: لا نَعْلَمُ، ليس للمشهود تَحْلِيفُهُم، وإنما يُطالب العاقلة، إذا قامت البَيِّنَةُ قال القاضي: ويُحْتَمَلُ أن يُقَالَ: لهم تَحْلِيفُهُمْ؛ لأنهم لو أَقَرُّوا، لَغَرِمُوا.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي البُضْعِ فَإذَا رَجَعُوا بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلاَقِ، وَبَعْدَ القَضَاءِ، نَفَذَ الطَّلاَقُ، وَعلَيْهِمُ الغُرْمُ، وَكَذَا فِي العِتْقِ وَالرَّضَاعِ المُحَرَّمِ.
قَالَ الرَّافعِيُّ: النوع الثَّانِي مما يَتَعَذَّرُ تَدَارُكُهُ غير العُقُوبَاتِ، فمنه الأَبْضَاعُ، فإذا شَهِدَ على طَلاَقٍ بَائِنٍ، كالطَّلاَقِ بالعِوَضِ، والطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، أو على رَضَاعٍ مُحَرَّمٍ، أو لِعَانٍ، أو فَسْخٍ بِعَيْبٍ، أو غيرها من جهات الفِرَاقِ، وقضى القاضي بشَهَادَتِهِمَا، ثم رَجَعَا، لم يُرَدَّ الفِرَاقُ؛ لأن قولهما في الرُّجوعِ محتمل، فلا يُرَدُّ القَضَاءُ بِقَوْلٍ محتمل.
لكن يجب الغُرْمُ على الشَّاهِدِينَ، سواء كان قَبْلَ الدُّخُولِ، أو بعده؛ لأنهم فَوَّتَا عليه ما يَتَقَوَّمُ، فَيُغَرَّمَانِ، كما لو شَهِدَا بِعِتْقِ عَبْدٍ، ثم رجعا.
وقال أبو حَنِيْفَةَ، ومالك، وأحمد -رحمهم الله-: لا غُرْمَ عليهما بعد الدُّخُولِ، ثم الذي يُغَرَّمَانِ عندنا بعد الدخول، مَهْرُ المِثْلِ بِتَمَامِهِ؛ لأنه قِيمَةُ مَا فَوَّتَاهُ، وفيه قول: أنهما يُغَرَّمَانِ المُسَمَّى؛ لأنه الذي فَاتَ على الزَّوجِ مُتَقَوّماً، والبُضْعُ ليس بِمُتَقَوِّمٍ في الحقيقة.
وأما قبل الدخول، فَرِوَايَةُ المُزَنِيِّ: أنهما يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ بتَمَامِهِ، ويُحْكَى مِثْلُهُ عن رواية حَرْمَلَةَ، وروى الربيع: أنهما يُغَرَّمَانِ نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ.
ونص فيما إذا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الكبيرة زَوجَتَهُ الصغيرة، وانْفَسَخَ النكاح: أن الكَبِيرَةَ تُغَرَّمُ نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ للصغيرة.
وللأصحاب -رحمهم الله- طُرُقٌ في مسألة الشهود:
أظهرهما: إثبات قولين: إما أَخْذَاً بِرِوَايَةِ راويي المَذْهَبِ، الربيع والمزني -رضي
الجزء: 13 - الصفحة: 129
الله عنهما-، وإما تَصَرُّفاً من نَصِّهِ هاهنا، ونصه في الرَّضَاعِ بالتَّحْرِيمِ، وإليه ذهب الإصْطَخرِيُّ:
أحدهما: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أن الشَّاهِدَيْنِ لا يُغَرَّمَانِ إلا النِّصْفَ؛ لأنه الذي فَاتَ على الزَّوْجِ، والنصف الثاني عَادَ إليه سَلِيماً، فصار كما لو شَهِدَ على المُشْتَرِي بالإقَالَةِ، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا لا يُغَرَّمَانِ شَيْئًا؛ لأنهما وإن فَوَّتَا عليه السِّلْعَةَ، ردًّا إليه الثَّمَنَ.
وأصحهما: أنهما يُغَرَّمَانِ جميعه؛ لأنه بَدَلَ ما أَتْلَفُوهُ.
والنظر في الإتْلاَفِ، إلى المُتْلف، لا إلى ما قام به على المُسْتَحقّ، ولهذا لو أَبْرَأَتْهُ عن الصَّدَاقِ، وشهَد الشَّاهِدَانِ بالطلاق، ورجعا، يُغَرَّمَانِ، وإن لم يَفُتْ على الزوج شيء.
واْصحاب الطريق افْتَرَقُوا؛ فمن مثبت للقولين في صورة الرَّضَاعِ أيضاً، مخرج لإحداهما من هاهنا، ومن قَاطِع بوجوب النِّصْفِ هناك.
والفَرْقُ أن الرَّضَاعَ يقطع النِّكَاحَ حَقِيقَةً، كالطلاق، ولا يُفَوِّتُ عليه من المَهْرِ إلاَّ النِّصْفَ، فلا يُغَرَّمُ له، إلا النِّصْفَ.
وهاهنا اعترف الشَّاهِدَانِ بالكَذِب.
ولا فِرَاقَ في الحقيقة كما يَزْعُمَانِ، لكن حَالا بينه وبين حَقِّهِ، فيُغَرَّمَانِ تَمَامَ القِيمَةِ، كَالغَاصِبِ، يَحُولُ بين المالك ومِلْكِهِ.
والطريق الثاني: القَطْعُ بأن الشاهدين يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ.
والثالث: القطع بأنهما يُغَرَّمَانِ النِّصْفَ، وجعل ما قاله المزني غَلَطاً: حَكَاهُ الشيخ أبو علي.
والرابع: إن كان الزَّوْجُ قد سَلَّمَ إليها الصَّدَاقَ، فيُغَرَّمُ الشَّاهِدَانِ جَمِيعَ مهر المثل؛ لأنه لا يتمكن من اسْتِرْدَادِ شيء، لِزَعْمِهِ أنّها زَوْجَتُهُ، وأنها تَسْتَحِقُّ جميع الصَّدَاقِ,.
[و] عليه يُحْمَلُ مَنْقُولُ المزني.
وإن كان قبل التَّسْلِيمِ، فلا يُغَرَّمَانِ إلا النِّصْفَ؛ لأنها لا تُطَالِبُهُ إلا بالنِّصْفِ، وعلى هذا، يُحْمَلُ مَنقُولُ الربيع.
وحُكِيَ في المسألة على طَرِيقَةِ إثبات الخلاف، قَوْلاَنِ آخران:
أحدهما: عن القديم، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: أنهما يغرمان 315 نصف المسمى؛ لأنه الفَائِتُ على الزَّوْجِ [لا مَهْرَ المِثْلِ، ولا نصفه.] 316
والثاني: يُغَرَّمَانِ جَمِيعَ المُسَمَّى؛ لأنه قد بذل، والتَّشَطُّرُ أمر يَخْتَصُّ بالزَّوْجَيْنِ، فَيُجْعَلُ في المسألة أربعة أقوال، كما هي مَذْكورةٌ في الكتاب في باب الرَّضَاعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 130
ولو كان النِّكَاحُ قد جرى على صُورَةِ التَّفْوِيضِ، وشهدا بالطلاق قبل الدخول، والفرض.
وقضى القاضي بالطَّلاَقِ والمُتْعَةِ، ثم رَجَعَا، فالخلاف في أن الشَّاهِدَيْنِ يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ، أو نِصفَهُ، كما في غير صورة التَّفْوِيضِ.
وعلى ما حُكِيَ عن القديم: أنهما يُغَرَّمَانِ المُتْعَةَ التي غَرِمَهَا الزَّوْجُ، وهو مذهب أبي حَنيفَةَ، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ.
قال الأَصحَابُ: وهو خَطَأٌ، إلا أن يريد التخريج على القَدِيمِ.
هذا كله فيما إذا شَهِدَا على الطَّلاَقِ البَائِنِ أما إذا شَهِدَا على طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، ثم رجعا، نُظِر: إن رَاجَعَهَا، فلا غرم 317، إذا لم يَفُتْ عليه بشهادتهما شَيْءٌ، وإن لم يُرَاجِعْهَا حتى انْقَضَتِ العِدَّةُ، الْتَحَقَ بالطَّلاَقِ البَائِنِ، ووجب الغُرْمُ.
هكذا ذكره صاحب "التهذيب".
وحكى أبو الفَرَج السَّرَخْسِيُّ عن القاضي الحُسَيْنِ وَجْهاً: أنه لا غُرْمَ، إذا لم يراجع لتقصيره بِتَرْكِ التَّدَارُكِ، وأَطْلَقَ القاضي ابن كَجٍّ وجْهَيْنِ في أن الشَّهَادَةَ على الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، والرجوع عنها، هل يقتضي غُرْماً؟ ومَالَ إلى المَنْعِ، وحكاه عن ابن أبي هُرَيْرَةَ.
فرعان:
أحدهما: شَهِدَا بالطلاق، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا، وقامت بَيِّنَةٌ على أنه كان بينها وبَيْنَهُ رضاع مُحَرِّمٌ، أو شُهِد له بأنه طَلَّقَهَا اليَوْمَ، ورَجَعَا، وقامت بَيِّنَةٌ على أنه طَلَّقَهَا ثَلاَثاً أمس، فلا شَيْءَ على الراجعين؛ لأنا بَيَّنَّا: أن شهادتهما لم تُفَوِّتْ عليه شَيْئًا، ولو غُرِّمَا قبل تَمَامِ البَيِّنَةِ، استردا المَغْرُومَ.
الثاني: شهدا على امْرَأَةٍ: أنها زَوْجَةُ فلان بأَلْفٍ، وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رَجَعَا، فالجَوَابُ في "التهذيب": أنه لا غُرْمَ عليهما.
وحكى ابن الصَّبَّاغ: أنه إن كان بعد الدُّخُولِ، غرِّمَا ما نَقَصَ عن مَهْرِ المِثْلِ، إذا كان الألف دُونَهُ، [قال] 318: وعلى هذا، لو كان قبل الدخول، ثم دَخَلَ بها، يَنْبَغِي أن يُغَرَّمَا ما نقص.
وهذا ما أطلقه القاضي ابن كَجٍّ 319.
الجزء: 13 - الصفحة: 131
ولو شَهِدَا على أنه طَلَّقَهَا على ألف، ومَهْرُهَا ألفان، فعن ابن الحَدَّادِ، وهو الذي ذكره في "التهذيب": عليهما ألف.
وقد وَصَلَ إليه من المرأة أَلْفٌ، وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن عليهما مَهْرَ المِثْلِ بعد الدخول، ونِصْفَهُ قبل الدخول، كما لو لم يذكرا عِوَضاً.
والأَلْفُ إن قبضه، مَحْفُوظٌ عنده للمرأة؛ لأنه لا يَدَّعِيهِ، وإن لم يقبضه فيقر عند المَرْأةِ إلى أن يَدَّعيه.
ومن النوع الثاني العِتْقُ؛ فإذا شَهِدَا على عِتْقِ عَبْدٍ، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا غُرِّمَا قِيمَةَ العَبْدِ، ولم يرد العتق، ولا فَرْقَ بين أن يكون المَشْهُودُ بِعِتْقِهِ قِنّاً، أو مُدَبَّراً، أو مُكَاتَباً، أو أُمَّ وَلَدٍ، أو مُعَلَّقَ العِتقِ بِصِفَةٍ 320، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ في أُمِّ الوَلَدِ حيث قال: لا غُرْمَ.
ولو شهدا على تَدْبِيرٍ، أو اسْتِيلاَدِ جَارِيةٍ، ثم رجعا بعد القضاء، لم يُغَرَّمَا في الحَالِ؛ لأن المِلْكَ لم يَزُلْ، فإذا مات غُرِّمَا بالرجوع السَّابِق.
قال في "التهذيب".
وهكذا لو شهدا على تعليق 321 العِتْقِ، أو الطَّلاَقِ بصفة، ثم رَجَعَا، وفيهما وجه: أنه لا غُرْمَ؛ لأنهما لم يَشْهَدَا بما يُزِيلُ المِلْكَ.
ولو شهدا بِكِتَابَةِ عَبْدٍ، ثم رَجَعَا، وأَدَّى العَبْدُ النُّجُومَ، وعتق ظَاهِراً، ففيما يُغَرَّمَانِ وجهان 322:
أحدهما: ما بين قِيمَتِهِ وبين النُّجُومِ.
= على المذهب قال: وسواء دخل بها الزوج أم لا لأن الشهود لم يوجد منهم إلا الشهادة بالنكاح وإتلاف منافع البضع حصل بفعل الزوج بخلاف ما لو شهدوا بالطلاق ثم رجعوا حيث يغرمون لأن نفس الشهادة تضمنت الإتلاف، فإن قيل إتلاف منافع البضع وإن حصل من الزوج لكن شهادته تضمنت إباحته فوجب أن يغرموا كما لو شهدوا بالقتل فاستوفى منه ثم رجحوا أغرموا وإن وجد الإتلاف من ولي الدم.
قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما أن مباشرة القتل وإن وجد من الولي فهو ملجأ إليه والشهود ألجؤوا القاضي للحكم، فإذا لم يجب على الولي وجب على الملجئ، وهو الشاهد، وأما هاهنا فالواطئ غير ملجأ إلى الوطء بل مختار فيه وقد غرم الموطوءة، فإذا وجب على المباشر لا يجب على الشهود شيء.
والثاني: أنهم وإن أتلفوا عليها منافع البضع بشهادتهم فقد حصلوا بأدائها المهر في ملكها فالتفريط من جهتها حيث أنكرت النكاح ولم تأخذ المهر بخلاف شهود القتل.
قاله في الخادم.
الجزء: 13 - الصفحة: 132
والثاني: جميع القِيمَةِ؛ لأن المُؤَدَّى من كَسبِهِ، وكَسْبُهُ للسَّيِّدِ.
ولو شهدا: أنه أعْتَقَهُ على مَالٍ هو دون القِيمَةِ، فقد سَوَّى بينه وبين ما إذا شَهِدَا على أنه طَلَّقَهَا على أَلْفٍ، ومَهْرُ مِثْلِهَا ألفان.
ويمكن أن يُفَرَّقَ؛ لأن العَبْدَ يُؤَدِّي من كَسْبِهِ، [وأنه للسيد] 323 والزَّوْجَة بخلافه.
ومنه إذا شَهِدَا على أنه وَقَفَ عَلَيَّ مَسْجِدٍ، أو جِهَةٍ عَامَّةٍ، ورجعا بعد القَضَاءِ، غُرِّمَا قِيمَتَهُ، ولم يُرَدَّ الوَقْفُ.
وكذا لو شهدا على أنه جعل هذه الشَّاةَ ضَحِيَّةً.
ويمكن أن يعلم قوْلُهُ في الكتاب: "وعليهم الغُرْمُ" بالحاء، والميم، والألف؛ لأنه أَطْلَقَ، وهم لا يُوجِبُونَ الغُرْمَ، إذا كان بعد الدُّخُولِ على ما تبين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى المَالِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ أَو عشْرٌ، فَنِصْفُ الغُرْمِ عَلَى المَرْأَةِ، وَنِصْفُهُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى رَضَاعٍ مُحَرَّم وعَشر نِسْوَةٍ، وَرَجَعُوا، فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسٌ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ، وَيُنَزَّلُ كُلُّ امْرَأتَيْنِ مَنْزِلَةَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ هَدا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ شَطْرُهُ عَلَى الرَّجُل، وَلَوْ رَجَعُوا إلاَّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فَالصَّحِيحُ أَنْ لاَ غُرْمَ لِقِيَامِ مَا يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، وَقِيلَ: يَجِبُ حِصَّتُهُم، وَلَوْ رَجَعُوا إلاَّ ثَلاَثَ نِسْوَةٍ، فَفِي وَجْهٍ تَجِبُ حِصَّتُهُمْ، وَعَلَى الصَّحِيحِ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الرَّاجِعِينَ رُبُعُ الغُرْمِ، إِذْ لَمْ يَبْطُل إلاَّ رُبُعُ الحُجَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل والذي بَعْدَهُ، لا اخْتِصَاصَ له بهذا الطرف.
ولو ذكر حكم الغُرْمِ في الأَطْرَافِ الثَّلاثةِ جَمِيعاً، ثم أتى بهذا الفَصْلِ، والذي بعده، كان أَحْسَنَ في النَّظْمِ.
والفِقْهُ: أن الرجوع المُغَرَّمَ؛ إما أن يفرض والمحكوم بشهادتهم على الحَدِّ المُعْتَبَر [في الباب، أو يفرض وهم أَكْثَرُ عَدَداً منه.
فإن كانوا على الحَدِّ المُعْتَبَرِ] 324، كما لو حكم في العِتْقِ، أو القَتْلِ بشهادة رَجُلَيْنِ، ثم رجعا، فعليهما الغُرْمُ بالسَّوِيَّةِ.
وإن رَجَعَ أحدهما، فعليه النِّصْفُ.
وكذا لو رُجِمَ في الزِّنَا بشهادة أربعة، فإن رَجَعُوا جَمِيعاً، فعليهم الدِّيَةُ أَرْبَاعاً، وإن رجع بَعْضُهُمْ، فعليه حصته منها، وإن زَادُوا على الحَدِّ المُعْتَبَرِ، كما لو شهد بالعِتْقِ، أو القَتْلِ ثَلاثَةٌ، أو بالزِّنَا خمسة، فإن رجع الكُلُّ، فالغرم مُوَزَّعٌ عليهم بالسَّوِيَّة؛ وإن رجع البَعْضُ، فإما أن يثبت العدد المُعْتَبَرُ على الشهادة، أو لا يَثْبُتَ إلا بعضهم.
الجزء: 13 - الصفحة: 133
الحالة الأولى: إذا ثبت العَدَدُ المُعْتَبَرُ، كما لو رجع من الثَّلاَثةِ في العِتْقِ، أو من الخمسة في الزِّنَا واحد، فوجهان، ويقال: قَوْلاَن:
أصحهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وابن سُرَيجٍ، والإصْطَخْرِيُّ، وابنُ الحَدَّادِ: لا غُرْمَ على الراجع؛ لأنه بقي 325 من تَقُومُ به الحُجَّةُ، ولو لمَ يَشْهَدُ في الابتداء سِوَى من بَقِيَ، لاكتفينا بِشِهَادَتِهِ، فكأن الرَّاجِعَ لم يَشْهَد.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِيُّ، وأبي إِسْحَاقَ: أن على الراجع حِصَّتَهُ من الغُرْمِ، إذا وزع عليهم جَمِيعاً؛ لأن الحُكْمَ وَقَعَ بشهادة الجَمِيعِ، وكل منهم قد فَوَّتَ قِسْطاً، فَيُغَرَّمُ ما فوَّتَ.
قال في "التهذيب": لا خِلاَفَ أن القِصَاصَ لا يجب، والحَالَةُ هذه، لكن قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ في "الفروق": حكى [لي] 326 من أَعْتَمِدُهُ عن الشيخ القَفَّالِ: إنه إذا رَجَعَ وَاحِدٌ من شهود القَتْلِ، وقال: تَعَمَّدْنَا جَمِيعاً، فعليه القِصَاصُ 327.
وإن ثبت من تَقُومُ به الحُجَّةُ؛ لأن الرَّاجِعَ اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بالقَتْلِ، والمال إنما 328 يلزم الراجع، إذا أثرت شهادته تَفْوِيتاً.
وإذا ثبت من يُكْتَفَى بشهادته للحكم، يَتَحَقَّق التَّفْوِيتُ في شهادته الثانية، إذا لم يَثْبُتْ في العَدَدِ المُعْتَبَرِ، إلا بعضهم، كما إذا رجع من الثَّلاَثةِ أو الخمسة اثْنَانِ، فعلى الوَجْهَيْنِ في الحالة الأولى: إن قلنا: لا غُرْمَ على الرَّاجعين هناك؛ فَيُوَزَّع الغُرْمُ هاهنا على العَدَدِ المُعْتَبَرِ، وحِصَّةُ من نقص عن العدد المُعْتَبَرِ تُوَزَّع على مَنْ رَجَعَ بالسَّوِيِّةِ، ففي صُوَرِهِ الثلاثة، يكون نِصْفُ الغُرْمِ على الراجعين، لبقاء نصف الحُجَّةِ.
وفي صوره الخمسة عليهما رُبْعُ الغُرْمِ، لبقاء ثلاثة أَرْبَاعِ الحُجَّةِ، وإن أَوْجَبْنَا الغُرْمَ على من رَجَعَ هناك، فعلى الرَّاجِعِينَ من الثَلاثة ثُلُثَا الغُرْمِ، وفي الخمسة خمساه.
الجزء: 13 - الصفحة: 134
ورَجَّحَ صاحب "التهذيب" وغيره من هذين الوجهين وُجُوبَ النِّصْفِ على الراجعين من الثلاثة، وفاء برجحان 329 الأصل المَبْنِيّ عليه، وهو أنه لا غُرْمَ هناك.
وفي "الشامل": أن الأَصَحَّ وُجُوبُ الثلثين عليهما؛ لأن البَيِّنَةَ إذا نقص عَدَدُهَا، زَالَ حُكْمُهَا، وصار الضَّمَانُ مُتَعَلِّقَاً بالإِتْلاَفِ، وقد استوفى فيه.
وهذا كله فيما إذا كان جميع الشُّهُودِ ذُكُوراً، أو إِنَاثاً، كما في الرَّضَاعِ، وما يثبت بشهادة النِّسَاءِ المُتَمَحِّضَاتِ.
أما إذا انْقَسَمُوا إلى الذُّكُورِ، والإنَاثِ، فإن لم يَزِيدُوا على أقل ما يكفي، كَرَجُلٍ وامرأتين في الرَّضَاع، أو في الأَمْوَالِ، فنصف الغُرْمِ على الرَّجُلِ عند الرجوع، وعلى كُلِّ وَاحِدَةٍ منهما الرُّبُعُ.
وإن زادوا على الأَقَلِّ، فالمشهود به: إما أن يثبت بشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، أو لا يثبت.
القسم الأول: ما يَثْبُتُ بشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، كالرَّضَاعِ، وهو مؤخر 330 في نَظْمِ الكتاب.
فإذا شَهَدَ أربع نِسْوَةٍ مع رجل، وَرَجَعُوا جميعاً، فعلى الرَّجُلِ ثُلُثُ الغُرْم، وعليهن ثُلُثَاهُ، وإن رجع الرَّجُلُ وَحْدَهُ، فلا شَيْءَ على أصح الوجهين؛ لبقاء الحُجَّةِ.
وكذا لو رجعت امْرَأَتَانِ.
وعلى الثاني عليه أو عليهما ثُلُثُ الغُرْمِ.
ولو شهد رَجُلٌ وعشر نِسْوَةٍ، ورجعوا، فَعَلَيهِ سدس الغُرْمِ، وعلى كل واحدة نِصْفُ سدسه.
وإن رجع 331 الرجلَ وَحْدَهُ، أو مع واحدة، أو اثْنَتَيْنِ، أو ثلاث، أو أربع، أو خمس، أو سِتّ، فلا غُرْمَ على الأصح؛ لبقاء الحُجَّةِ.
وعلى الثاني -يجب على من رجع حِصَّتُهُ، وإن رَجَعَ مع سَبْعٍ، فعلى أظهر الوجهين السَّابقين، عليهم رُبُعُ الغُرْمِ؛ لِبُطْلاَنِ رُبع الحجة، وإن رجع [مع ثمان، فَنِصْفُهُ؛ لبطلان نِصْفِ الحُجَّةِ، وإن رجع] 332 مع تسع، فعليه ثَلاثةُ أَرْبَاعٍ؛ فيكون ما على الذَّكَرِ مِثْلُ ما على الأُنْثَيَيْنِ.
وعلى الوجه الثاني -عليهم ما هو حِصَّتُهُمْ، لو رجعوا جَمِيعاً.
ولو رجع النساء وَحْدَهُنَّ، فعليهن نِصْفُ الغُرْمِ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
وخمسة أسداسه في الثاني.
والقسم الثاني: ما لا يَثْبُتُ بشَهَادَةِ النِّسَاءِ المُتَمَحِّضَاتِ، كالأَمْوَالِ؛ فإذا أوجبنا الغُرْمَ فيها بالرُّجُوعِ، فشهد رَجُلٌ وأربع نسوة، ورَجَعُوا، فوجهان:
أحدهما: أن على الرجل ثُلُثَ الغُرْمِ، وعليهن ثُلُثَاهُ، كما في الرّضاعِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 135
والثاني: أن نِصْفَ الغُرْمِ عليه، ونصفه عليهن، بخلاف الرَّضَاع؛ لأن المَالَ لا يَثْبُتُ بشهادة النِّسَاءِ -وإن كَثرن - فنصف الحُجَّةِ.
تقوم بالرجل مَعَهُنّ كم كُنّ.
ويُحْكَى الوَجْهُ عن أبي حَنِيْفَةَ، ومالك، وأبي إِسْحَاقَ، وابن القَاصِّ، وبه أجاب كَثِيرٌ من العِرَاقِيِّينَ.
لكن الثاني -أَقْوَى من جهة المعنى- ويُرْوَى عن ابن سُرَيْجٍ، واختيار القَفَّالِ، والشيخ أبي عَلِيٍّ، والإمام، وصاحب "التهذيب"، وهو المذكور في الكتاب، وإذا قلنا به، فلو رَجَعَ النِّسَاءُ، فعليهن نِصْفُ الغُرْمِ.
ولو رجعت امْرَأتَانِ، فلا شَيْءَ عليهما لِبَقَاءِ الحُجَّةِ على الأَصَحِّ، كما 333 حكينا عن اختيار المُزَنِي، وأبي إِسْحَاقَ، عليهما ربع الغُرْمِ.
ولو شهد رَجُلٌ وعشر نسوة، ورجعوا، فعلى الرجل نِصْفُ الغرم، وعلى النسوة النصف، إذا قلنا بالأصح، وعلى الوجه الآخر، على الرجل سُدُسُ الغرم، والباقي عليهن.
ولو رجع الرجل دُونَهُنَّ، فعلى الرجل النِّصْفُ على الأَصَحِّ، وعلى الآخر عليه السدس.
ولو رجع النساء دُونَهُ، فعليهن نِصْفُ الغرم [على الأصح] 334 وعلى الوجه الآخر، خمسة أسداسه، وإذا عَلَّقْنَا نِصْفَ الغُرْم برجوع الرجل، فلو رَجَعَ مع ثَمَانِ نسوة، فعليه النصف، ولا شَيْءَ عليهن؛ بنَاءً على أنه لا يثبت بشهادتهن إلا نصف الحق، وقد بَقِيَ من النساء من يتم 335 به الحَقُّ، وعلى ما اختاره المُزَنِيُّ، عليهن أربعة أخماس النِّصْفِ، كما لو رَجَعُوا جميعاً.
ولو رجعوا 336 مع تِسْعِ نسوة، فعليه النِّصْفُ، وعليهن الرُّبُعُ، لبقاء ربع الحُجَّةِ، وعلى ما اخْتَارَهُ، عليهن تِسْعَةُ أعشار النصف.
وإن رجع ثَمَانِ نسوة لا غَيْرَ، فلا شَيْءَ عليهن؛ لبقاء نِصْفِ الحُجَّةِ التي تتعلق بهن، وعلى ما اخْتَارَاهُ عليهن أربعة أخماس النِّصْفِ.
وقوله في الكتاب: "ولو شهد على المال رجل وامرأتان، أو عشر"، إنما قال: "أو عشر"، إِشَارَةً إلى أنه لا فَرْقَ على وَجْهِ التنصيف [بين] 337 أن يَقِلَّ عَدَدُ النساء، أو يَكْثُر.
ويجوز أن يُعَلَّمَ بالواو لِلْوَجْهِ الآخَرِ المذكور في صورة العشر، أما في صورة الرجل والمرأتين، لا يَخْتَلِفُ تَفْرِيعُ الوجهين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي وُجُوبِ الغُرْمِ عَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ مَعَ شُهُودِ الزِّنَا ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): لاَ يَجِبُ شَيْءٌ (والثَّانِي): أَنَّهُ يَجِبُ الشَّطْرُ عَلَيْهِمْ (وَالثَّالِثُ:) أنَّهُ يَجِبُ الثُّلُثُ
الجزء: 13 - الصفحة: 136
عَلَيْهِمْ إِذْ أقَلُّ شَهَادَةِ الإِحْصَانِ اثْنَانِ وَأَقَلُّ شَهَادَةِ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ، فلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا وَالإِحْصَانِ اجْتَمَعَ مِنَ الأُصُولِ أَقْوَالٌ لاَ تَخْفَى، وَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ فِي أَنَّ شُهُودَ التَّعْلِيقِ فِي الطَّلاَقِ هَلْ يُغْرَمُ مَعَهُمْ شُهُودُ الصِّفَةِ أَوْ يَنفَرِدُ شُهُودُ التَّعْلِيقِ بِالغُرْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يَتَعَلَّقُ الغُرْمُ برجوع شُهُودِ الإِحْصَانِ؟ فيه وجهان في رِوَايَةِ جماعة؛ منهم المُحَامِلِيُّ، وصاحب "التهذيب"، وقولان في رواية آخرين؛ منهم الإِمام، وصَاحِبُ الكتاب، والقَاضِي الرُّوياني -رحمهم الله-:
أحدهما: نعم؛ لأن الرَّجْمَ يَتَوَقَّفُ على ثبوت الزِّنَا, والإِحْصَانِ جميعاً، وعلى هذا، فلو قالوا: تَعَمَّدْنَا جَمِيعاً، لَزِمَهُمُ القصاص 338، كشهود الزِّنَاَ.
والثانيِ: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: لا؛ لأنهم لم يَشْهَدُوا بما يُوجِبُ عليه عُقُوبَةً، وإنما وَصَفُوهُ بِصِفَةِ كَمَالٍ، والخِلاَفُ جَارٍ في أن شُهُودَ الصفة مع شهود تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ، أو العِتَاقِ، هل يُغَرَّمُونَ إذا رَجعوا؟ أم يختص الغُرْمُ بشهود التعليق؟
والصحيح على ما ذكر صاحب "التهذيب": أن رجوع شهود الإِحْصَانِ، وشهود الصِّفَةِ لا يَقْتَضِي غُرْماً.
وعن بعض الأصحاب: أنه يُفَرَّقُ في شهود الإحْصَانِ، بين أن تَتَقَدَّمَ شهادتهم على شهَادَةِ الزنا، فلا غُرْمَ إذا رجعوا، وبين أن يَتَأخَّرَ، فَيُغَرَّمُونَ؛ لترتب الرَّجْمِ على شهادتهم.
وإذا قلنا: يَتَعَلَّق [بتعلق] 339 الغرْمِ برجوعهم، فكيف يُوَزَّعُ عليهم، وعلى شهود الزِّنَا؟ وجهان:
أصحهما: أنه يُعْتَبَرُ نِصَابُ الشهادتين؛ فيكون ثُلُثَا الغُرْمِ على شهود الزنا، وثلثه على شهود الإِحْصَانِ.
والثاني: أن نِصْفَه على شُهُودِ الزِّنَا، ونِصْفَهُ على شهود الإحْصَانِ؛ لأنهما صنفان 340 مُخْتَلِفَانِ، فَأشْبَهُ ما إذا رَجَعَ القاضي، والشُّهُودُ، يكون نصف الدِّيَةِ عليه، ونِصْفُهَا عليهم، ولا يَجِيءُ في شهود الصِّفَةِ، إذا علقنا الغُرْمَ برجوعهم، إلا النصف.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو شَهِدَ أربعة بالزِّنَا، واثنان سِوَاهُم بالإحْصَانِ، وَرَجَعُوا جميعاً بعدما رُجِمَ، فَالضَّمَانُ على شُهُودِ الزنا، إن لم يُغَرَّمْ شهود الإحْصَانِ.
وعلى الصنفين 341 جميعاً، إن غَرَّمْنَاهُم بالسَّوِيَّةِ إن نَصَّفْنَا، أو أَثْلاَثاً إن ثَلَّثْنَا.
وإن رجع وَاحِدٌ من شهود الزِّنَا، وواحد من شَاهِدي الإحْصَانِ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإِحْصَانِ، فعلى الراجع من شُهُودِ الزنا، [رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فإن نَصَّفنَا،
الجزء: 13 - الصفحة: 137
فعلى الراجع من شُهُودِ الزنا] 342 ثُمُنُ الغُرْمِ، وعلى الآخر رُبُعُهُ.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى كل واحد منهما سُدُسُه.
وإن رجع واحد من أحد الصِّنْفَيْنِ لا غير، ففيما عليه هذا الخِلاَف.
ولو شهد أربعة بالزِّنَا، والإحصان جميعاً، ثم رَجَعَ أَحَدُهُمْ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإحْصَانِ، فَعليه رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فقد بقي هاهنا من تَقُومُ به حجة الإحْصَانِ، فإَن غَرَّمْنَا الراجع مع ثَبَاتِ من تَقُومُ به الحُجَّةُ، فعليه الرُّبْعُ أيضاً، كما لو رَجَعُوا جميعاً، وإن لم يُغَرَّمْ، فلا ضَمَانَ بِسَبَبِ الإِحْصَانِ، وأما بسبب الزِّنَا؛ فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثُمُنُ الغُرْمِ، وإن ثَلَّثْنَا فَسُدُسُهُ، وإن رجع ثلَاثة، وثَبَتَ واحد، فقد بَطَلَ ثَلاثة أرباع حُجَّةِ الزنا، ونصف حجة الإِحْصَانِ.
فإن لم نغرم 343 شُهُود الإحصان، فعليهم ثَلاثَةُ أرباع الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فعلى كل وَاحِدٍ إن نَصَّفْنَا للرجوع عن شهادة الزِّنَا ثمن الغُرْمِ، والرجوع عن شهادة الإِحْصَانِ نصف سُدُسِهِ، بِتَوْزِيعِ نِصْفِ غُرْمِ الإحصان عليهم.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى كل واحد الرُّجُوعُ عن شَهَادَةِ الزِّنَا سدس الغُرْم، تَوْزِيعاً للثلثين على الأَرْبَعَةِ؛ ولِلرُّجُوع على شَهَادَةِ الإحصان ثلُث سُدُسِهِ، تَوْزِيعاً لنصفَ غُرْمِ الإِحْصَانِ على الراجعين.
ولو شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بالزنا، واثنان منهم بالإِحْصَانِ، ورَجَعُوا بَعْدَما رُجِمَ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإحصان في المَسَائِلِ السابقة، فكذا هاهنا, ولا أَثَرَ لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ.
وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فهل يُغَرَّمُ شُهُودُ الإِحْصَانِ هاهنا زِيادَةٌ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما في الصورة السابقة.
والثاني: لا؛ لأن الشَّهَادَةَ، والرجوع، كَجِنَايَةٍ على جانيين 344 يستوون في الدِّيَةِ، وإن قلنا: بالأَوَّلِ عاد الخِلاَفُ، إن نَصَّفْنَا على اللذين شَهِدَا بالإحصان ثلاثة أرْبَاعِ الغُرْمِ؛ النصف لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ، والربع لشهادة الزِّنَا وعلى الآخرين الرُّبُعُ.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى الذين شهدا بالإِحْصَانِ الثلث، لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ، والثلث لِشَهَادَةِ الزِّنَا.
وعلى الآخرين الثلث.
فإن رَجَعَ وَاحِدٌ منهم، فإن لم يُغَرَّمْ شهود الإِحْصَانِ، فعليه رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُم، فإن الرَّاجِعَ من اللَّذَيْنِ شهدا بالإحْصَانِ، فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثَلاثَةُ أَثْمَانِ الغُرْمِ، ثمن لشهادة الزنا، والباقي 345 لشهادة الإحْصَانِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 138
وإن ثَلَّثْنَا، فعليه ثُلُثُ الغُرْمِ، سدس لهذه، وسدس لهذه، وإن كان الرَّاجِعُ من الآخرين، فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثُمُنُ الغُرْمِ.
وإن ثَلَّثْنَا فالسُّدُسُ.
ولو شهد ثَمَانِيَةٌ بالزنا والإحصان، ثم رجع أحدهم، فلا غُرْمَ على الأَصَحِّ؛ لبقاء الحُجَّتَيْنِ.
وكذا لو رجع ثَانٍ، وثالث، ورابع، وإن رجع خامس؛ فقد بَطَلَتْ حُجَّةُ الزِّنَا، ولم تبطل حُجَّةُ الإحصان، فإن لم يُغَرَّمْ شهود الإِحْصَانِ، فعلى الخَمْسَةِ رُبُعُ الغُرْمِ؛ لبطلان ربع الحجة، وإن غَرَّمْنَاهُمْ فلا غُرْمَ هاهنا، لِشَهَادَةِ الإحْصَانِ على الأصح؛ لبقَاء حُجَّتِهِ.
ويُغَرَّمُ الراجعون، رُبُعَ غُرْمِ الزنا، والسدس، إن ثَلَّثْنَا وَالثمن، إن نَصَّفْنَا.
وإن رجع ستة، فعليهم نِصْفُ غُرْمِ الزنا، وهو الثلث إن ثَلَّثْنَا، والربع إن نَصَّفْنَا، وإن رجع سَبْعَةٌ، فقد بَطَلَتِ الحُجَّتَانِ، ولا يخفى قِيَاسُهُ مما ذكرنا.
وقوله في الكتاب: "اجتمع في الأصول أقوال لا تَخْفَى" أحد الأصول المشار إليها، أن شُهُودَ الإِحْصَانِ، هل يُغَرَّمُونَ؟
والثاني: أنهم إن غرموا، كم يُغَرَّمُونَ؟
والثالث: أنه إذا رجع بَعْضُ الشهود، وبقي من تَقُومُ به الحُجَّةُ، هل يُغَرَّمُ مَنْ رجع؟ وقد عرفت هذه الأُصُولَ والأَقْوَالَ الحَاصِلَةَ منها.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ: الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالٍ يُتَوَقَّع رُجُوعُهُ بِإقْرَارِ الخَصْمِ هَلْ يُوجِبُ الغُرْمَ فِي الحَالِ لِلْحَيلُولَةِ؟ فيه قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تقدم أن المَشْهُودَ به؛ إما أن يَتعَذَّرَ تَدَارُكهُ، أَوْ لا يَتَعَذَّرَ.
وقد فَرَغْنَا من القَوْلِ فيما يتعذَّرُ تَدَارُكهُ.
والقسم الثاني: ما لا يَتَعَذَّرُ؛ وهي الأَمْوَالُ، أَعْيَانُهَا، ودُيُونُهَا، وإذا شهد الشُّهُودُ لإنسان 346 بمال، ثم رجعوا بعد دَفْعِ المال إليه، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ، ويُرَدُّ المَالُ إلى المُدَّعَى عليه، لاحتمال أنهم كَاذِبُونَ في الرُّجُوعِ.
وفي "العدة" حكاية وَجْهٍ: أنه يُنْقَضُ الحُكْمُ، ويُرَدُّ المال إلى المَحْكُومِ عليه، والمذهب الأول، وهل يُغَرَّمُ الشُّهُودُ للمحكوم عليه؟
نقل المزني: أنهم لا يُغَرَّمُونَ، وقد قَطَعَ به من الأَصْحَاب طَائِفَةٌ؛ منهم: ابن خَيْرَانَ، وتوجها بأن الشُّهُودَ لم يثبتوا 347 اليَدَ على المال، ولم يَتَلَقَّوْهُ، فلا يضمنون.
وإن أَتَوْا بما يُفْضِي إلى الفَوَاتِ، كمن حَبَسَ المالك 348 عن مَاشِيَتِهِ حتى ضَاعَتْ،
الجزء: 13 - الصفحة: 139
وليس كالشَّهَادَةِ على الطَّلاَقِ، والعِتْقِ؛ لأن هناك وُجِدَ التَّفْوِيتُ حَقِيقَةً، فإنهما لا يريدان، وإن صَدّقَ العَبْدُ والمرأة الشُّهُودَ في الرجوع، وهاهنا لم يوجد تَفوِيتٌ حَقِيقَةً؛ لأن المَشْهُودَ عليه لو صدقهم في الرُّجُوعِ، لَزمَهُ رَدُّ المَالِ، وَأكْثَرُ الأصحاب، وفيهم ابن سُرَيْجٍ، وأبو إِسْحَاقَ.
قالوا: في المسألة قولان:
أحدهما: أنهم لا يُغَرَّمُونَ؛ لما ذكرناه.
والثاني: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، ومالك، وأحمد -رحمهم الله-: أنهم يُغَرَّمُونَ، لِحُصُولِ الحَيْلُولَةِ بشهادتهم.
وما يضمن بالتَّفْوِيتِ [بغير الشهادة، ينبغي أن يُضْمَنَ بالتَّفْوِيتِ] 349 بالشهادة، كالنَّفْسِ.
وهذا القول عند العراقيين، والإمام، وغيرهم، أرْجَحُ.
وذُكِر في "العدة": أن الفَتْوَى عليه وأن ظاهر المَذْهَب: أَنَّهُمْ لا يُغَرَّمُونَ، واخْتَلَفُوا في حَالِ القَوْلَيْنِ فذكر الشيخ أبو حَامِدٍ ومن اتَّبَعَهُ: أنهما 350 مَنْصُوصَانِ، والتَّغْرِيمُ فيهما للقديم 351 وقيل: المَنْصُوصُ، أنهم لا يُغَرَّمُونَ، والآخر مُخَرَّجٌ.
وقيل: هما مَبْنِيَّانِ على القولين فيما إذا قال: غصبت هذه الدَّارَ من فلان، [بل من فلان] 352، تُدْفَعُ الدَّارُ إلى الأول.
وهل يُغَرَّمُ الثَّاني؟ على قولين فينزل رجوع الشاهد مَنْزِلَةَ رُجُوعِ المقر.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ: أن النَّصَّ فيما إذا شَهِدُوا بِعَيْنٍ، ثم رجعوا، أنهم لا يُغَرَّمُونَ.
وفيما إذا شَهِدُوا بِدَيْنٍ، ثم رجعوا، أنهم يُغَرَّمُونَ، فحصل القَوْلاَنِ من تَخْرِيجِ كُلِّ واحد منهما في صورة الآخر.
ويجوز أن يُعَلَّمَ لَفْظُ "القوْلَيْنِ" في الكتاب بالواو لطريقة مَنْ قَطَعَ بنفي الغُرْمِ.
فروع:
شهد الشُّهُودُ على أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ في الرَّقِيقِ؛ أنه أَعْتَقَ نَصِيبَه، وهو مُوسِرٌ، فقضى القاضي بِعِتْقِهِ، وبالسِّرَايَةِ، ثم رجعوا، فعلى الشُّهُودِ قِيمَةُ نَصِيبِ المشهود عليه.
وفي قِيمَةِ نَصِيب الشريك الخِلاَفُ، في غُرمِ المال، وشُهُود القَتْلِ الخَطَإِ، إذا رجعوا بعدما غرم العاقلَة، هل يُغَرَّمُونَ؟ فيه الخلاف.
ولو حكم القاضي بِشَهَادَةِ شهود الفرع، ثم.
رجعوا، غُرِّمُوا.
ولو رجع شُهُودُ الأَصْلِ، وقالوا: كذبنا، فكذلك يُغَرَّمُونَ، خِلاَفاً لأبي حَنيفَةَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 140
ولو رجع الأُصُولُ، والفُرُوعُ جميعاً، فالغُرْمُ على شهود الفَرْعِ؛ لأنهم يُنْكِرُونَ إِشْهَادَ الأُصُولِ، ويقولون: كذبنا فيما قلنا، والحُكْمُ وقع بِشَهَادَتِهِمْ، وحيث وَجَبَ على الرَّاجِعِ عُقُوبَةٌ من قِصَاصٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، دخل التَّعْزِيرُ فيها.
فإذا لم تجب عُقُوبَةٌ، واعترف بالتعمد، فَيُعَزَّرُ.
ولو شَهِدَ أَرْبَعَةٌ على إِنْسَانٍ بأربعمائة، ثم رَجَعَ وَاحِدٌ منهم عن مائة، وآخَرُ عن مائتين، وثالِثٌ عن ثلاثمائة، والرَّابعُ عن الجَمِيع؛ فالبَيِّنَةُ بَاقِيَةٌ بِتَمَامِهَا في مائتين، وأصح الوَجْهَيْنِ: أنه لا يجب غُرْمُهُمَا، وَيجِبُ على الأربعة غُرْمُ المائة.
المَرْجُوعِ عنها باتِّفَاقِهِمْ، وعلى الثاني، والثالث، والرابع، ثَلاثةُ أرباع المائة التي اختَصُّوا بالرُّجُوعِ عنها.
والوجه الثاني: أن عَلَى كُلِّ رَاجِعٍ حِصَّته فيما رجع عنه، فعلى الأَوَّل، خمسة وعشرون، وعلى الثَّاني خمسون، وعلى الثالث خمسة وسبعون، وعلى الرابع، مِائَةٌ.
والشَّهَادَةُ على الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، والرجوع عنها، هل تَقْتَضِي غُرْماً؟ فيه تفصيل، وخِلاَفٌ أَسْلَفْنَاهُمَا.
قال أبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ: إن أَوْجَبْنَا الغُرْمَ في الحال، وغرم الشهود، ثم راجعها الزَّوْجُ، فهل عليه رَدُّ ما أخذ؟
فيه احتمالان؛ بِنَاءً على ما إذا وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، ثم رَاجَعَهَا -هل يَلْزَمُهُ المَهْرُ؟
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا ظَهَرَ كَوْنُ الشَّاهِدِ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ بَانَ بُطْلاَنُ القَضَاءِ وَانْدَفعَ الطَّلاَقُ وَالعِتَاقُ، وَإِنْ كَانَ فِي قَتْلٍ وَجَبَ الغُرْمُ عَلَى القَاضِي لِخَطَئِهِ، وَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الشُّهُودِ كَلامٌ سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَضَى القاضي بشَهَادَةِ اثنين، ثم بَانَ أنهما كَانَا عَبْدَيْنِ، أو كافرين، أو صَبِيَّيْنِ مُرَاهِقَيْنِ، [فقد] 353 مَرَّ في آخر الباب الأول من الشَّهَادَاتِ، أنه [يُنْقض] 354 حُكْمُهُ، وكذا لو [بانا] 355 فاسِقَيْنِ في أَصَحِّ القولين.
وقوله هاهنا: "بان بُطْلاَنُ الحكم" إِشَارَةً إلى ما ذكره الإِمَامُ؛ أن القَضَاءَ ليس أَمْراً يعقد ويحلّ، وإنما المُرَادُ تَبَيُّنُ الأَمْرِ على خلاف ما ظَنَّهُ، وحَكَمَ به 356، فإن كان المَشْهُودُ
الجزء: 13 - الصفحة: 141
به طَلاَقاً، أو عتاقاً، أو عَقْداً من العقود, فقد بَانَ أنه لا طَلاَقَ، ولا عِتَاقَ، ولا عَقْدَ.
فإن كانت المَرْأَةُ قد ماتت [فقد ماتت] 357 وهي مَنْكُوحَتُهُ، فإن 358 مات العَبْدُ، مات وهو رَقِيقٌ، ويجب ضَمَانُهُ على ما سنذكره في ضَمَانِ الأَمْوَالِ؛ وإن كان المَشْهُودُ به قَطْعاً، أو قَتْلاً، أو حَدّاً، واستوفي وتَعَذَّرَ التَّدَارُكُ، فَضَمَانُهُ في بَيْتِ المَالِ على أَحَدِ القولين، وعلى عَاقِلَةِ القاضي في أَظْهَرِهِمَا على ما هو مُقَرَّرٌ في باب ضَمَانِ الوِلاَدَةِ، وإنما تَعَلَّقَ الضمان بالقاضي؛ لأنه أَهْلَكَهُ بحكمه الذي أَخْطَأ فيه، وكان من حَقِّهِ أن يَتَفَحَّص، وَيثبَّتَ، ولا يجب الغُرْمُ على المَشْهُودِ له؛ لأنه يقول: استَوْفَيْتُ حَقِّي.
ولا يضمن الشهود؛ لأنهم ثَابِتُونَ على شَهَادَتِهِمْ، زَاعِمونَ صدقهم، بخلاف ما في صُورَةِ الرُّجُوعِ.
وإذا غرم العاقلة، أو بيت المال، فهل يَثْبُتُ الرُّجُوعُ على الشُّهُود؟
فيه خلاف، وتفصيل مَذْكُورَانِ في باب ضَمَانِ الولاة.
والذي أَجَابَ به أَصْحَابُنَا العراقيون: أنه لا رُجُوعَ عليه.
قالوا: وكذا لا رَجُوعَ على المزكيين؛ لأن الحُكْمَ غير مَبْنيٍّ على شهادتهم.
وعن القاضي أبي حَامِدٍ: أن الغَارِمَ يرجع على المزكين 359، ويَسْتقِرُّ عليهم الضَّمَانُ، بخلاف الشُّهُودِ؛ لأنه يثبت عند القاضي، أن الأَمْرَ على خلاَفِ ما ذكره المزكون، ولم يَثْبُتْ أنه على خلاف ما ذكره الشُّهُودُ، وإلى هذا مال القَاضِيَانِ -أبو الطَّيِّبِ، والرُّوَيانِيُّ- ومَفْهُوم ما ذكروه: أنه يجوز تَغْرِيمُ المزكي أَوَّلاً، ثم لا رجُوعَ له على القاضي.
وأَلَمَّ الإِمَامُ بِمِثْلِ ذلك في الشهود، إذا قُلْنَا بِثُبُوتِ الرُّجُوعِ عليهم، ولا فَرْقَ فيما ذكرناه في تعليق الضَّمَانِ؛ بالقاضي 360 بين أن يكون الحُكْمُ في حَدِّ الله تعالى، أو في قِصَاصِ الآدَمِيِّ، ولا إذا كان 361 في قِصَاص بين أن يَسْتَوْفِيَه المُدَّعِي، وبين أن يَسْتَوْفِيَهُ القاضي بنفسه، أو يفوض استيفاء بإذن المُدَّعِي إلى غيره.
وقد مَرَّ في "أدب القضاء" عن الإصْطَخْرِيِّ: أن المُدَّعِي إن اسْتَوْفَاهُ بنفسه،
الجزء: 13 - الصفحة: 142
فالضَّمَانُ عليه، وإنما يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بالقاضى، إذا بَاشَرَ الاسْتِيفَاءَ، أو فَوَّضَهُ إلى غير المُدَّعِي بإذنه.
وإن كان المَحْكُومُ به مالاً؛ فإن كان بَاقِياً عند المَحْكُومِ له، انْتُزع وَرُدَّ، وإن كان تَالِفاً، أُخِذَ منه ضَمَانُهُ.
وحكى الشيخ أبو حَاتِمٍ القزويني وَجْهاً: أنه إذا كان التَّلَفُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، لم يلزمه الضَّمَانُ، والمَشْهُورُ الأول، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبين [الإتلافات، حيث] 362 قلنا: لا غُرْمَ عليه، فيها بأن [الإتلافات] 363 إنما تُضمن إذا وقع على وَجْهِ التَّعدِّي، وحكم القاضي أَخْرَجَهُ عن أن يكون مُتَعَدِّياً، وأما المال فإذا حَصَلَ في يد إنسان بغير حَقٍّ، كان مَضْمُوناً، وإن لم يُوجَدْ منه تَعَدٌّ، فإن كان المَحْكُومُ له مُعْسِراً، أو غَائِباً، فللمحكوم عليه مُطَالَبَةُ القاضي، ليغرم له من بيت المال على أحَدِ القولين، ومن خَالِصِ ماله على الثاني؛ لأنه ليس بدل النَّفْسِ حتى يَتَعَلَّقَ بالعَاقِلَةِ، ثم الحاكم يرجع على المحكوم له، إذا ظَفِرَ به مُوسِراً، وهل له الرُّجُوعُ على الشهود؟ جعله الإمَامُ على الخِلاَفِ.
والتفصيل المُشَارُ إليه في الإِتْلاَفاتِ ويجيء 364 أن يُقَالَ على قِيَاسِ مَا مَرَّ؛ أن المَحْكُومَ عليه يَتَخَيَّرُ في تغريم القاضي، وتَغْرِيمِ المَحْكُومِ له.
والله أعلم بالصواب.
الجزء: 13 - الصفحة: 143