كِتَابُ الصِّيَامِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي الصَّوْمِ وَالفِطْرِ (أَمَّا الصَّوْمُ) فَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَسُنَنِهِ (أَمَّا السَّبَبُ) فَرُؤْيَةُ الهِلاَلِ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةَ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِ احْتِيَاطاً لِلْعِبَادَةِ بِخِلاَف هِلاَلِ شَوَّالٍ، وَيثْبُتُ بِمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ عَلَى قَوْلٍ سُلُوكاً بِهِ مَسْلَكَ الأَخْبَارِ، فَإِنْ صُمْنَا بِقَوْلِ وَاحِدٍ وَلَمْ نَرَ هِلاَلَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلاَثِينَ لَمْ نُفْطِر بِقَوْلهِ السَّابِقِ، وَقِبلَ: نَفْطِرُ لِأَنَّ الأخِيرَ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِثُبُوتِ الأَوَّلِ لاَ قَصْداً بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: قال الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ 1 الآيات، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" 2 الحديث، وذكر للأعرابي الذي سأله عن الإسلام: "صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ" 3.
وقوله: في صدر الكتاب: (والنظر في الصوم والفطر) لم يعن به مطلق الصَّوْمِ والفِطْر، وإنما عني بهِ صَوْمَ رَمَضَان، والفطر الواقع فيه، ألا ترى أنه قال في آخر الكتاب: (أما صَوْمُ التطوع فكذا) أشار إلى أن ما سبق كلام في الصَّوم المفروض، وأيضاً فإنه قال: (والنظر في سببه) ومعلوم أن المذكور سَبَبُ صَوْمِ رَمَضَان لا سبب مطلق صَوْمِ الفَرْضِ وهو أعم منه، وهو الصوم.
وأيضاً فإن القسم الثاني معقود في مبيحات الإفْطَار وموجباته، وهي مخصوصة = ولو كان نصفه مكاتباً حيث يتصور ذلك في العبد المشترك، إذا جوَّزنا كتابة بعضه باذن الشريك، وجب نصف صاع على مالك نصفه القن، ولا شيء في النصف المكاتب، ومثله عبد مشترك بين معسر وموسر، يجب على الموسر نصف صاع، ولا يجب غيره ينظر الروضة (168، 169)
الجزء: 3 - الصفحة: 172
بِصَوْمِ رَمَضَانَ، إلا أن معظم الكلام المذكور في نَظَرِي الركن، والشرط لا اختصاص له بصومَ رمضان، وكان الأحسن في الترتيب أن يبين صفة الصَّوْم مُطْلَقاً ثم يذكر رُكْنَيهِ وَشُرُوطَهُ ثم يتكلم فيما يخص كل واحد من نوعي الفرض والنفل.
وفقه الفصل: أن صوم رمضان يجب بأحد أمرين:
إما استكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال؛ لما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان فقال: "لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" 4.
أما استكمال شُعْبَان فظاهر.
وأما رؤية الهِلاَل فالنَّاسُ ضربان: من رأى الهلالَ فيلزمه الصَّوْمُ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ" 5 ومن لم يَرَهُ فِيمَ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّه؟ إن شهد عَدْلاَنِ تثبت، وإن شهد واحد فقولان:
أحدهما -وبه قال مَالِك وهو رواية البويطي-: أنها لا تثبت؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ يَومًا إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ" 6 ولأنه لا يحكم في هلال شَوَّال إلاَّ بقول عَدْلَيْن فكذلك في هِلاَلِ رَمَضَان.
وأصحهما -وهو الذي نَصَّ عليه في أكثر كتبه، وبه قال أحمد في الرواية الصحيحة عنه-: أنها تَثْبُت؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن أعرابياً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أن مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأذِّن فِي النَّاسِ يَا بلاَلُ فَلْيَصُومُوا غَداً" 7. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَلَ، فأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَام" 8. والمعنى فيه الاحتياط لأمر الصّومِ، قال عَلِي -رضي الله عنه-: "لأن أصومَ يَوْماً مِنْ شَعْبَانَ أَحَبَّ إِلَّيَ مِنْ أن أفطر يوماً مِنْ
الجزء: 3 - الصفحة: 173
رَمَضان" 9. ونقل الشَّيخ أبو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي إِسحَاقَ طريقةً قاطعة بقبول قول الواحد، والمشهور طريقة القولين:
التفريع: إن قلنا: لا بد من اثنين فلا مدخل لِشَهادة النِّساء فيه، ولا اعتبار بقول العبيد، ولا بد من لفظ الشهادة، وتختص بِمَجْلس القَضَاء، لكنها شهادة حسبة 10 لا ارتباط لها بالدَّعاوي، كذلك حَكَاهُ الإمام.
وإن قبلنا قول واحد فهل هو على طريق الشَّهَادة أم على طريق الرواية 11؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 174
أصحهما: أنه شهادة إلا أن العَدَد سُومِحَ بِهِ، والبينات مختلفة المراتب.
والثاني -وبه قال أبو إسحاق-: أنه رواية، لأن الشَّهادة ما يكون الشَّاهِد فيها بَرِيئاً، وهذا خبر عما يستوي فيه المخبر وغير المُخْبِرِ، فأشبه رواية الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فعلى الأول لا يقبل فيه قَوْلُ المرأة والعَبْدِ، ويحكى ذلك عن نصه في "الأم"، وعلى الثاني يُقْبل.
وهل يشترط لَفْظُ الشَّهادة 12؟.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ وَغَيْرُهُ: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقاً عليه.
واحتج به الوجه الأول، وهل يقبل قول الصّبي المميز الموثوق به على الوَجْهِ الثاني؟ قال الإمام فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصِّبيان، وجَزَمَ في "التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور، وذكر الإمام وابن الصَّبَّاغ تفريعاً على الوَجْهِ الثَّانِي أنه إذا أخبره مَوْثُوقٌ بِهِ عن رؤية الهِلاَل لزم اتباع قوله وإن لمَ يذكر بين يدي القاضي.
وقالت طائفة: يجب الصَّوْمُ بِذَلِكَ إذا اعتقد المخبَر صَادِقاً، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابْنُ عَبْدَانَ وَصَاحِبُ "التهذيب" وكذلك ذكره المصنف في "الإحياء" -والله أعلم-.
وعلى القولين جميعاً لا يقبل قول الفاسق، لكن إن اعتبرنا العدد اعتبرنا العَدَالَة البَاطِنَة، وهي التي يرجع فيها إلى أقوال المُزَكِّيين.
= الراوي: وأما الأحكام الي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر: الأولى: العدد لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة.
الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقاً بخلاف الشهادة في بعض المواضع.
الثالث: لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقاً.
الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.
الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية، ولو كان داعية.
ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقة.
السادسة: تقبل شهادة التأنيس من الكذب دون روايته وغير ذلك من الفروق التي ذكرها السيوطي، فارجع إليها إن شئت.
تدريب الراوي (1/ 331 - 334) الفروق (1/ 4).
الجزء: 3 - الصفحة: 175
وإن لم نعتبر العدد، ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان جَارِيان في قبول رواية المَسْتُور.
قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعَدَالَة الظَّاهِرَة، وهو بعيد.
نعم، قد نقول يأمر القَاضِي بالصَّوْمِ بمظاهر العَدَالَة كَيْ لاَ يفوت الصَّوْمُ ثم نبحث بعد ذلك، ولا فرق على القولين بين أن تكون السَّمَاءُ مصحية أو متغيمة 13.
وعند أبي حنيفة: يثبت هلالُ رمضانَ في الغَيْم بِوَاحِدِ وفي الصَّحْوِ يعتبر الاستفاضة والاشتهار، ويختلف ذلك باختلاف صِغَرِ الْبَلْدَةِ وَكِبَرِهَا.
قال الرُّوَيانِي: وربما قالوا: يعتبر عدد "القسامة" خَمْسُون رجلاً.
وإذا صمنا بقول واحد تفريعاً على أصَحِّ القولين ولم نَرَ الهِلاَلَ بَعْدَ ثَلاَثِينَ فهل نفطر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنا لو أَفْطَرنَا لَكُنَّا مفطرين بقول وَاحِدٍ، والإفطار بقول واحد لا يَجُوزُ، ألا ترى أنه لو شَهِدَ على هِلاَلِ شوال ابتداء لم نفطر بقوله:
والثاني: يفطر؛ لأن الشَّهْرَ يتم بمضي ثلاثين، وقد ثبت أوله بقول الواحد، ويجوز أن يثبت الشيء ضِمْنًا بما لا يثبت به أصْلاً ومقصوداً، ألا ترى أن النَّسَبَ والمِيرَاثَ لا يثبتان بِشَهَادَةِ النِّسَاء، ويثبتان ضِمْناً لِلْوِلاَدَةِ إذا شَهِدْنَ عَلَيْهَا.
واعترض الإمام عليه، بأن قال النسب لا يثبت بقولهن، لكن إذا ثبتت الولادة ثبت النسب بحكم الفِراش القائم، وهاهنا بخلافه.
وللمحتج أن يقول: لا معنى للثّبوت الضمني إلا هذا، وخذ مني مثله هاهنا عندي لا نفطر بقوله، لكن إذا ثبت أول الشَّهْر انتهى بمعنى ثلاثين يوماً وجاء العيد ولا صَوْمَ يَوْمَ العِيدِ.
وما موضع الوجهين؟ نقل في "التهذيب" فيه طريقين:
أحدهما: أن الوجهين فيما إذا كانت السَّمَاءُ مصحيةً، إما إذا كانت متغمية فنفطر بلا خلاف، وهذا ما أورده صَاحِب "العدة"، وأوفقهما لكلام صاحب الكتاب، والأكثرين أن الوجهين شَامِلاَن للحالتين، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوَجْهِ الأَوَّلِ، لكن المعظم رَجَّحُوا الثَّانِي، وحكوه عن نصه في "الأم" وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
ولو صُمْنَا بقول عَدْلَيْنِ، ولم نَرَ الهِلاَل بَعْدَ ثلاثين فإن كانت السماء متغيمة أَفْطَرْنا وَعَيَّدْنَا؛ وإن كانت مصحية فكذلك عند عامة الأصْحَاب، وحكاه في "الشامل" عن نَصِّه في "الأم" وحرملة؛ لأن العدلين لو شهدَا ابتداء على هلال شَوَّال لقبلنا شهادتهما وأفطرنا؛ فلأن نفطر بناء على ما أثبتناه بقولهما أولاً أَوْلَى، وقال ابن الحَدَّادِ: لا نفطر،
الجزء: 3 - الصفحة: 176
وينسب إلى ابْنِ سُرَيجٍ أيضاً، وبه قال مالك؛ لأنا إنما تتبع قولهما، بناء على الظَّنَّ وقد تَيَقَّنَا خِلاَفه، وقد عرفت بما ذكرنا أن في الصُّورتين وجهين إلا أن الإفطار في الثَّانِيَة أظهر منه في الأولى، وفرَّع بعضهم على قول ابن الحدَّادِ فقال: لو شهد اثنان على هِلاَل شَوَّال، ثم لم ير الهِلاَل والسَّماء مصحية بعد ثلاثين قَضَيْنَا صَوْمَ أَوَّلِ يَوْمٍ أفطرنَا فِيهِ؛ لأنه كان كَوْنُه لأنه بَانَ كَونُه من رمضان، لكن لا كفارةَ على من جَامَع؛ لأن الكفارة تَسْقُط بِالشُّبْهَةِ، وعلى ظَاهِر المَذْهب لاَ قَضَاءَ ولا كَفَّارة.
ويتعلَّق بالقولين في اعتبار العَدَدِ مسألة أخرى، وهي: أن الْهِلاَل هل يثبُتُ بالشَّهَادة عَلَى الشَّهَادَة 14؟ وقد حكى الشَّيْخُ أبو عَلِي فيه طريقين:
أحدهما: أنه على القَوْلَين في أن حدودَ اللهِ تعالى هَل تَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادة.
وأصَحُّهُمَا: القَطْع بثبوتِه كالزَّكاة، وإتْلاَفَ بواري المَسْجِدِ، والخلاف في الحُدُودِ المبنية على الدفع والدرء.
وعلى هذا فعدد الفُروع مَبْنِيٌّ على القول في الأُصُول إن اعتبرنا العَدَدَ في الأصُولِ فحكم الفُرُوع هاهنا حكمهم في سائر الشَّهَادَات 15، ولا مَدْخَل فيه لِشَهَادَةِ النِّسَاء والعَبِيدِ.
وإن لَم نعتبر العدد فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية فوجهان:
أحدهما: أنه يَكْفِي واحد كرواية الأخبار.
والثاني: لا بُدَّ من اثنين.
الجزء: 3 - الصفحة: 177
قال في "التهذيب" وهو الأصح؛ لأنه لَيْسَ بخبر من كُلِّ وجه بدليل أنه لا يَكْفِي أن يقول: أَخْبَرَنِي فلانٌ عن فلانٍ أنه رأى الهلاَل، وعلى هذا فهل يشترط إخبار حُرَّيْنِ ذكرين أم يكفي امرأتان وعبدان؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول.
ونازع الإمامُ في أنه لا يَكْفِي قوله: أخبرني فلان عن فلان على قولنا أنه رواية.
وإن قلنا: إن طريقه طَرِيقُ الشَّهادة، فهل يكفي واحد أم لا بد من اثنين؟ فيه وجهان، المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني.
ولنعد إلى ما في لفظ الكتاب.
قوله: (أما السبب فرؤية الهلال) يشعر ظاهره بالحصر، لكن الحصر غير مراد منه بل استكمال شعبان في معنى رؤية الهلال على ما بَيّناه، والتحقيق أن السَّبب شهود الشهر لا هَذَا ولا ذَاك، ولكنهما طَرِيقان لمعرفة شهود الشَّهْرِ ولا يلحق بهما ما يقتضيه حساب المنجم، فلا يلزمه به شَيْءٌ لا عليه وَعَلَى غَيْرِه.
قال القاضي الرّويَانِي: وكذا من عَرَفَ مَنَازِلَ القمر لا يلزمه الصَّوْمُ بِهِ في أصح الوجهين.
وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حِسَابه لا في الصوم ولا في الإفْطَار.
وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان: وفرض الرُّويَانِي الوجهين، فيما إذا عرف نازل القمر، وعلم به أن الْهِلاَل قد أَهَلَّ وذكر أن الجواز اختيار ابْنِ سُرَيْج والقَفَّالِ وَالْقَاضِي الطَّبَرِي، قال: ولو عرفه بالنُّجُوم لم يجز أن يَصُومَ بهِ قولاً وَاحِداً.
ورأيت في بعض المُسْوَدَّاتِ تعديَةَ الْخِلاَف في جَوَازِ العَمَل بهِ إلى غَيرِ المنجم، -والله أعلم-.
وسنذكر فائدة الجواز حيث حكمنا به من بعد.
وقوله: (وإن كانت السماء مَصْحِيَّة) مُعَلَّم بالحاء.
وقوله: (يَثْبُتُ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ) بالميم.
وكذا قوله: (ويثبت بمن تقبل روايته) بما سبق والأغلب على الظَن أنه قصد أن يورد الخلاف في المسألة كما أورده في "الوسيط" وهو حكاية ثلاثة أقوال في قبول قَوْلِ الواحد:
أحدها: أنه لا يقبل.
والثاني: بِشَرْطِ أن يكون من أهْلِ الشَّهَادة.
والثَّالث: يُقْبَلُ إذا كان من أهل الرواية، ثم إنه أغفل الأول وأرد الأخيرين، وهما مفرعان على قبول قَوْل الواحد، ولو أعلما بالواو لمكان الأول جاز، ثم الجمهور أوردهما وجهين لا قولين نعم ذكر الصَّيْدَلاَنِي أنهما قولان عن تخريج ابْن سُرَيْج، فيجوز تنزيلهما عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 178
وقوله: (بخلاف هلال شَوَّال) يجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن أبا ثور قال بثبوته بقول واحد، فإن له مذهباً تفرد به، ولكن لأنه حكى عن صاحب "التقريب" أنه ميل القول فيه.
وقال بعد رواية مذهب أبي ثور: وهذا لو قلت به أكُنْ مبعداً.
ووجهه أنه إخبار عن خروج وقت العبادة فَيُقْبَلُ فيه قول الواحد كالإخبار عن دخول وقتها.
وقوله: (لم نفطر) مُعَلَّم بالحاء؛ لما سبق، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (فنفطر) في الوجه الثاني بالميم؛ لأن مالكاً منع من الإفطار إلا إذا صُمْنَا بقول عَدْلَين، ولم نَرَ الهِلاَل، فأولى أن تمنع إذا صُمْنَا بقول وَاحِدٍ وَلم نره.
واعلم أن صاحب "التهذيب" -رحمه الله-، ذكر تفريعاً على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به العِتْقَ والطَّلاق المُعَلَّقَينِ بِهِلاَلِ رَمَضَانَ، ولا نحكم بِحُلُولِ الدَّيْنِ المُؤَجَّل بهِ، ولو قال قَائِلٌ: هَلاَّ ثبت ذلك ضمنًا كَمَا سَبَقَ نَظيرِه لَأَحْوَجَ إِلَى الفَرْقِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: فَإذَا رُؤيَ الهِلاَلُ في مَوْضِعٍ لَمْ يَلزَمِ الصَّوْمُ فِي مَوضِع آخَرَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ القَصْرِ إِذَا لَمْ يُرَ فِيهِ، وَقِيلَ: يَعُمُّ حُكْمُهُ سائِرَ البِلاَدِ، فَعَلَى الأَوَّلِ لَوْ سافَرَ الصَّائِمُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُرَ فِيهِ الهِلاَلُ بَعْد ثَلاِثينَ صَامَ مَعَهُمْ بِحُكْمُ الحَالِ، وَلَوْ كَانَ أَصْبَحَ مُعَيِّداً وَسَارَت بِهِ السَّفِينَةُ إِلَى حَيْثُ لَمْ ير الهِلاَلَ كَانَ الأَوْلَى أَن يُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ وَيَبْعُد إِجَابُهُ فَإِنَّ فِيهِ تَجزِئَةِ اليَوْمِ، فَإذَا هِلاَلُ شَوَّالِ قَبلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ (ح) الإفْطَارُ إِلاَّ بَعْدَ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: في الفَصلِ مسألتان:
إحداهما: إذا رُئي الهلالُ فِي بَلْدَة ولم يُرَ في أخرى نظر: إن تقاربت البَلْدَتَانِ فحُكْمُهُمَا حُكْمُ البَلْدَةِ الوَاحِدَةِ، وإن تَبَاعَدَتَا فوجهان:
أظهرهما -وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو اختيار الشَّيخ أبي حامد-: أنه لا يجب الصَّوْم على أهْلِ البلدة الأخْرَى؛ لما روي عن كريب قال: "رَأَيْنَا الْهِلاَلَ بِالشَّام لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلاَلَ؟ قُلْتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَاهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَينَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ.
فَلاَ تَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعَدَدَ أَوْ نَرَاهُ، قُلْتُ أَوْ لاَ تَكْتفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوَيةَ؟ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 16.
الجزء: 3 - الصفحة: 179
والثاني: يجب 17 وهو اختيار القاضي أبِي الطَّيِّبِ، ويروى عن أحمد؛ لأن الأرض مسطحة، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في غيرِه شَيْءٌ عَارِض؛ لأن الهِلاَلَ ليس بِمِحَلِّ الرُّؤْيَةِ.
وبم يضبط تباعد البلدتين؟ اعتبر في الكتاب مَسَافة القَصْرِ، وكذلك نقله الإمامُ وصَاحِب "التهذيب".
قال الإمام: ولو اعتبروا مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجهاً في المعنى، وقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها، ولكن لا قائل به، هكذا ذكره، لكن العراقيين والصَّيْدَلاَنِي وغيرهم اعتبروا ما قلناه، وضبطوا التَّبَاعُدَ بِأَنْ يكون حَيْثُ تختلف المَطَالِعُ كـ"العراق" و"الحجاز" و"خراسان" والتَّقارب بأن لا تختلف كـ"بغداد" و"الكوفة" و"الري" و"قزوين"، ومنهم من اعتبر اتحاد الإقليم واختِلاَفه 18.
ويتفرَّعُ على الوَجْهين فرعان:
أحدهما: لو شرع في الصَّوْم فِي بلدٍ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لم ير الهِلاَل فيه في يَوْمِهِ الأول فإن قلنا: لكل بَلْدَةٍ حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القَفَّال وهو المذكور في الكتاب: أنه يَصُومَ مَعَهُمْ؛ لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، وقد روي أن ابن عباس -رضي الله عنهما- أمر كريباً بأن يقتدى بأهل المدينة" 19.
والثاني: أنه يفطر؛ لأنه التزم حكم البلدة الأُولى، فَيَسْتَمِر عليه، وشبه ذلك بمن
الجزء: 3 - الصفحة: 180
اكترى دَابَّةَ يجب الكِرَاء بِنَقْد البلد المُنْتَقَلِ عَنْهُ وأوهم في "التهذيب" ترجيح هذا الوجه.
وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلى أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البَلْدَة المنقل عنها إما بقوله لَعَدَالَتِهِ أو بطريق آخر، وعليهم قَضَاءُ اليَوْم الأول، ولك أن تقول، قياساً على هذا: لو سَافر من البلدة التي رُئي فِيهَا الهِلاَلُ ليلةً الجُمُعَةِ إلى التي رُؤي فيها الهِلاَلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ورؤي هِلاَلُ شَوَّالٍ ليلة السَّبْت، فعليهم التعبد معه وإن لم يصوموا إلا ثَمَانيَةَ وَعِشْرِينَ يوماً ويقضُونَ يوماً.
وعلى قياس الوجه الأول لا يلتفتون إلى قوله: رأيت الهلال، وإن قبلنا في الهلال قول عَدْل وعلى عكسه لو سافر من حيث لم يُرَ فيه الهلال إلى حيث رُوئيَ فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فإن عممنا أو قلنا له حكم البلد المنتقل عنه فليس له أن يفطر.
الثاني: رُوئي الهلالُ في بَلَدِ فأصبح الشَّخْصَ معيداً، وسارت به السَّفينة، وانتهى إلى بلدةٍ على حد البُعْدِ فصادف أهلَها صائمين، فعن الشيخ أبي محمد أنه يلزمه إمْسَاك بقية اليوم إذا قلنا: إن لكل بلدة حكمها.
واستبعده 20 الإمام من حيث أنه لم يرد فيه أكثر، ويجزئه اليوم الواحد وإيجاب إمساك بعضه بعيد، وتابعه صاحب الكتاب فقال: "ويبعد إيجابه ... " إلى آخره وللشيخ أن يقول: لم لا يجوز أن يجب إمساك بَعض اليوم، ألا ترى أن من أصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطراً ثم قامت البينة على رؤية الهلال يجب عليه إمساك بَقِيَّة النَّهَار.
وقوله: (الأولى إمساك بقية النهار) إنما حسن منه، لأنه نفى الوجوب، أما من يوجبه فلا يقول: للمحتوم أنه أولى، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو لقوله.
واعلم أن هذه المسألة يمكن تصويرها على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك اليوم يوم الثَّلاثين مِنْ صَوْمِ أهل البَلْدَتَينِ، لكن أهل البلدة المنتقل إليها لَمْ يروا الْهِلاَل.
والثاني: أن يكون اليوم التاسع والعشرين لأهل البلدة المنتقل إليها لتأخر ابتداء صومهم بيوم وإمساك بَقِيَّة اليوم في الصُّورتين إن لم تعمم الحكم على ما ذَكَرْنَا.
وجواب الشيخ أبي محمد كما هو مبني على أن لكل بلدةٍ حكمها، فهو مبني أيضاً على أن للمنتقل حكم المنتقل إليه، وإن عممنا الحكم فأهل البَلَدِ المنتقل إليه إذا كانوا
الجزء: 3 - الصفحة: 181
يعرفون في أثناء اليوم أنه يوم العيد فهو شبيه بما إذا شَهِد الشهود على رؤية الهلال يوَمَ الثَّلاثين، وقد سَبَقَ بَيَانُهُ في "صلاة العيد" وإن اتفق هذا السفر لعدلين وقد رَاييَا الهلالَ بِنَفْسَيْهِمَا وَشَهِدَا في البلدة للمنتقل إليها فهذا عين الشَّهادة برؤية الهلال في يوم الثَّلاثين في التصوير الأول.
وأما في التصوير الثاني، فإن عَمَّمْنَا الحكم جميع البلاد لم يبعد أن يكون الإصغاء إلى كلامهما على ذلك التفصيل أيضاً، فإن قبلوا قضوا يوماً، وإن لم نعمم الحكم لم يلتفت إلى قولهما.
ولو كان الأمر بالعكس فأصبح الرجل صائماً وسارت به السَّفينة إلى حيث عبدوا فإن عممنا الحكم أو قلنا: له حكم البلدة المنتقل إليها أفطرا وإلا لم يفطر، وقضى يوماً إذ لم يصم إلا ثمانيةً وعشرين يوماً.
المسألة الثانية: إذا رُئي الهلالُ بالنَّهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة، سواء رُئي قبل الزوال أو بعده 21، فإن كان هلال رمضان لم يلزمهم إمْسَاك ذلك اليوم.
وإن كان هلال شَوّال، وهو المذكور في الكتاب لم يكن لهم الإفطار حتى تَغْرُبَ الشمس.
وعند أبي يوسف: إن رُئي قبل الزوال فهو لليلة المَاضِية.
وبه قال أحمد فيما إذا كان المَرْئِي هِلاَلَ رَمَضَان، وإن كان المَرّئِيُّ هِلال شوال فعنه روايتان.
لنا: ما روي عن [شقيق] بن سلمة -رضي الله عنه- قال: "جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ -رَضِيَ الله عَنْهُ- وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ أَنْ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ نَهَاراً فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا" 22. وفي رواية: "فَإِذَا رَأَيْتُم الْهِلاَلَ مِنْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ" 23.
إذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: (قبل الزوال) ليس لتخصيص الحكم به، لكنه موضع الشَّبهة والخلاف، فلذلك خَصه بالذَّكْرِ فأما بَعْدَ الزَّوَال، فهو متفق عليه، وقد أعلم في النُّسخ قوله: (لم يجز الإفطار) بالحاء؛ لأن الإمام والمصنف في "الوسيط" نسبا قول أبي يوسف إلى أبي حنيفة -رحمهم الله- وهو غير ثابت، نعم يجوز إعلامه بالألف لأحدى الروايتين عن أحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: القَوْلُ في رُكْنِ الصَّوْمِ وَهُوَ النِّيَّةُ والإمْسَاكُ، أَمَّا النِّيَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمٍ (م) نِيَّةً مُعَيَّنَةَ (ح و) مُبَيَّتةٌ (ح) جَازِمَةً، وَالتَّعْيينُ أَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ رَمَضَانَ غداً، وقِيلَ: لاَ يتعَرَّضُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقِيلَ: يتعَرَّضُ لِرَمَضَانِ هذِهِ السَّنَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 182
قال الرافعي: ذكرنا اختلاف الأصحاب في أن النية ركن في الصَّلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هاهنا والأليق بمن اختار كونها هناك شرطاً أن يقول بمثله، ومنهم صاحب الكتاب، وحينئذ يتمحض نفس الصَّوم كفئاً.
إذا عرفت ذلك، فقوله: (أن ينوي لكل يوم نية معينة مبيتة جازمة) ضابط أدرج فيه أموراً:
أحدها: قوله: (أن ينوي) فالنية واجبة في الصَّومُ إذ لا عمل إلا بالنية، ومحلُّها القلب، ولا يشترط النّطق في الصوم بِلاَ خِلاَف.
والثاني: قوله: (لكل يوم) فلا يكفي فيه صوم الشَّهْرِ كله في أوله خلافاً لمالك.
وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.
لنا: أن صوم كل يوم عبادة برأسها ألا ترى أنه يتخلل اليومين ما يُنَاقِضُ الصوم، وإذاكان كذلك وَجَبَ إفرادُ كُلِّ وَاحِدٍ بنيةٍ كالصَّلوات.
وإذا نَوَى صوم جميع الشهر هل يصح صوم اليوم الأول بهذه النية؟ فيه تردُّدٌ لِلشَّيْخ أبي محمد، ورأيت أبا الفَضْلِ بنَ عَبْدَان أجاب بصحته، وهو الأظهر.
الثالث: التعيين وهو واجب في صَوْم الفرض، وبه قال مَالِك وأحمد في أصَحِّ الروايتين، خِلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط التعيين في النذر المعين، ولا في صَوْمِ رَمَضَانَ، بل لو نوى صَوم الغد مطلقاً في رمضان، أو نوى النفل أو النذر أو القضاء أو الكفارة وقع عن رمضان إن كان مقيماً، وإن كان مسافراً فكذلك إن أطلق النفل، وإن نوى النذر أو الفضاء أو الكفارة وقع عما نَوَى، وإن نوى النَّغل فروايتان.
لنا: القياس على الكفارة والقضاء، وتعينه شرعاً لا يغني عن تجديد المكلف قَصْده إلى ما كُلِّف به، وكمال التعيين في رمضانَ أن ينوي صَوْمَ الغَدِ عن أداء فَرْضِ رَمَضَانَ هذه السنة لله تعالى.
أما الصوم والتعرض لكونه من رمضان، فلا خلاف في اعتبارهما.
وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى، ففيها الخلاف المذكور في الصَّلاة، وقد أعاد ذكر الخلاف في الفريضة هاهنا.
وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام وجهاً أنه لا بد من اعتباره وتابعه المصنف، ويقرب منه حكاية صاحب "التهذيب" وجهين في أنه هل يجب أن يقول: من فَرْضِ هَذَا الشَّهْرِ أَم يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الأول، والإمام زيفه بأن معنى الأداء هو القصد، فإذا خطر الأداءُ بالبَالِ فقد خطر التعرض لِلْوَقْتِ المعين، وقد يزيف أيضاً بأن التعرض لليوم المعين لاَ بُد منه، وأنه يغني عن كونه من هذاس الشَّهر، وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك، بل إذا وقع التعرض لليوم المعين لم يَضُر الخَطَأُ في أوصافه.
قال الرّويَانِي في "التجربة" لو نوى لَيْلَةَ الثلاثاء صَوْمَ
الجزء: 3 - الصفحة: 183
الغَدِ، وهو يعتقده يوم الاثنين أو نوى رَمَضَان السنة التي هو فيها وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة اثنتين صح صومه، بخلافِ ما إذا نَوى صَوْمَ يوم الثلاثاء ليلةَ الاثنين، أو رمضان سنة ثلاث في سنة اثنتين لا يصح، لأنه لم يعين الوَقْت.
واعلم: أن لفظ الغد قد اشتهر في كلام الأصحاب في تفسير التعيين، وكيفيته وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، وإنما وقع ذلك من نظرهم إلى التبييت، ولا يخفى مما ذكرناه قياس التعيين في القضاء والنَّذْرِ والكفارة.
وأما صوم التطوع فيصح بنية مُطْلَق الصَّوْمِ كما في الصَّلاة.
فرع: قال القاضي أبو المكارم في "العدة": لو قال أتسحر لأقوى على الصَوْم لم يَكْف هذا في النية، ونقل بعضهم "عن نوادر الأحكام" لأبي العباس الروياني أنه لو تسحر للصَّوْم أو شَرِبَ لدفع العطش نهاراً أو امتنع من الأكل والشُّرب والجماع مخافة الفجر كان ذلك نيةً للصوم، وهذا هو الحقُ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم صوم كذا، فقد قصده والله أعلم.
وقوله في الكتاب: (معينة) يجوز أن تقرأ بكسر الياء؛ لأنها تعين الصوم ويجوز أن تقرأ بالفتح كان الناوي يعينها، ويخرجها عن التَّعَلقِ بمُطْلق الصَّوْمِ، ويجوز إعْلاَم هذه اللفظة مع الحاء بالواوْ؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن الحليمي أنه قال: يَصِحّ صوم رمضان بنية مطلقة وبالألف لأن عن أحمد رواية مثله.
قال الغزالي: وَمَعْنَى التَّبِيْيتِ أَنْ يَنْوِيَ لَيْلاً، وَلاَ بالنِّصْفِ الأَخيرِ (و)، وَلاَ يَجِبُ تَجْدِيدُهَا (و) بَعْدَ الأَكْلِ وَلاَ بَعْدَ التَّنَبُّه مِنَ النَّوْمِ، وَيَجُوزُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ (م ز)، وَبَعْدَهُ قَوْلاَنِ، وهَذَا بِشَرْطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ مِنَ الأكْلِ، وَفِي اشْتِرَاطِ خُلُوِّ أَوَّلِ اليَوْمِ عَنِ الكُفْرِ وَالجُنُونِ وَالحَيْضِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الرابع: التبييت وهو شرط في صوم الفرض 24.
وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "لا يجب التبييت في صَوْمِ رمضان والنَّذْرِ المُعَيَّنِ، بل يَصِحَّان بنية قبل الزوال".
لنا: ما روي عن حفص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ
الجزء: 3 - الصفحة: 184
صِيَامَ لَهُ" 25. ويروي: "مَن لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ".
ولو نوى مع طلوع الفجر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز لاقتران النية بأول العبادة، وبهذا أجاب ابْنُ عَبْدَانَ.
وأصحهما: المنع؛ لظاهر الحديث، وهذا هو قضية قوله في الكتاب: (أن ينوي ليلاً) ويتبين به أيضاً أن نية صوم الغد قبل طلوع الشمس لا تصح، وهل تختص النية بالنِّصْفِ الأخير من الليل؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ: نعم، كما يختص رمي جمرة العقبة ليلة النحر بالنصف الأخير، والمعنى فيه تقريب النية من العِبَادة.
وأصحهما: لا؛ لإطْلاَقِ الخَبَرِ، وهذا هو المذكور في الكتاب صَرِيحاً، ودلالة.
أما الصَّريح فظاهر.
وأما الدلالة فقوله: (أن ينوي لَيْلاً) وإذا نوى ثم أكل أو جامع 26 هَلْ تَبْطُلُ نيته، حتى يَحْتَاجَ إلى تجديدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الأصل اقتران النِّية بالعبادة، فإذا تَعَذَّر اشتراطه فلا أقل من أن يحترز عن تخلل المناقض الذي لا ضرورة إليه بينهما.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى التجديد؛ لأن الله تعالى أَباحَ الأكْلَ والشَّرَاب إلى طلوع الفجر، ولو أبطل الأكل النيةَ لامْتَنَعَ إلى طلوع الفجر، وينسب الوجه الأول إلى أبي إسحاق، وفيه كلامان:
أحدهما: أن الإمام حكى أن أبا إسحاق رجع عن هذا عام حَجَّ، وأشهد على نفسه 27.
والثاني: أن ابنَ الصَّبَّاغ قال: هذه النسبة لا تثبت عنه، ولم يذكر ذلك في الشَّرح.
فإن لم يتنقل الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين الكلامين، فلا خلاف في المسألة.
الجزء: 3 - الصفحة: 185
ولو نوى ونام وَتَنَّبَه من نومه، واللَّيْلُ بَاقٍ هل عليه تجديد النية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم تقريباً للنية من العِبَادة بقدر الوسع؛ ونسب ابْنُ عَبْدَانَ وغيره هذا إلى الشيخ أَبِي إِسْحَاقَ أيضاً.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا حاجة إلى الجديد، لما سبق.
قال الإمام: وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هَلْ هِيَ كالنوم؟ وكل ذلك مطرح.
هذا حكم صوم الفرض في التبييت.
أمّا التطوع؛ فتصح نيته من النَّهَار.
وبه قال أحمد، خلافاً لمالك والمزني، وأبي يحيى البَلَخِي.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَيَقُول "هَلْ مِنْ غِذَاءِ فَإنْ قَالَتْ لاَ قَالَ إِنِّي صَائِمٌ وَيُرْوَى: إِنِّي إِذًا أَصُومُ" 28. وهذا إذا كانت النِّية قبل الزَّوَال 29، فإن كانت بعده ففيه قولان:
أحدهما: وهو رواية حَرْمَلَة: أنه يصح 30؛ تسويةً بين أجزاء النَّهَار، كما أن أجزاء الليل مستوية في محلية نية.
وأَصَحَّهُمَا: وهو نَصُّهُ في عامة كُتُبِهِ، أَنَّهُ لاَ يَصِحّ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأن النقلَ لاَ يَنْبغِي أن يُخَالِفَ الفَرْضَ، كما في سائِرِ العِبَادَاتِ، إلا أَنا جَوَّزْنَا التَّأْخِيرَ بِشَرْطِ أن يَتَقَدَّمَ عَلَى الزَّوَالِ لِلْحَدِيث، فإنه وَرَدَ في النية قبل الزَّوَالِ، ألا ترى أنه يطلب الغذاء وفرقوا بين ما قبل الزوال وما بعده بأن النية إذا نشأت بعد الزوال فقد فات مُعْظَم النَّهَار، وإذا نشأت قَبْلَهُ فَقَد أَدْركت معظمه، وللمعظمَ تأثِيرٌ إدراكاً وفواتاً كما في إدراك المسبوق الرَّكعَة، وهذا الفرق إنَّما ينتظم ممن يجعله صائماً من أول النَّهَار، أما من يَجْعَله صَائِماً عن وَقْتِ النِّيَّةِ فالنِّيَّةُ عنده مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيع العِبَادَةِ، فَاتَه مُعْظَمُ النَّهَارِ، أو لِم يَفُتْ، وفيه شيْءٌ آخر ذكره الإمام وهو: أن النَّهَار إذا حُسِبَ مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ فالزَّوَال مُنْتَصفه، فتكون النِّية المتقدِّمَة عليه مدركَةُ مُعْظَمَةُ، لكن النَّهَار الشَّرْعِي مَحْسُوبٌ مِنْ طُلُوع الفَجرِ، فيتقدَّم متتصفه على الزَّوَالِ وَلاَ يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد التَّقَدُّم عَلَى الزَّوالِ وُجُود النية في المُعْظَم، ثم إذا نوى قبل الزَّوالِ أو بعده، وجَوَّزنَاه فَهُوَ صَائِمٌ من أول النَّهَارِ حتى يَنَال ثَوَاب صَوْمِ الكُلِّ أَوْ مِنْ وَقْتِ النية، فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 186
أظهرهما: عند الأكثرين أنه صَائِمٌ من أول النَّهَار فَإنَّ صَوْمَ الْيَوْم الواحد لاَ يَنْبَغي، وشبه ذلك بما إذا أدرك الإمَامَ في الرَّكوع يكون مدركاً لثوَاب جَمِيع الرَّكْعةِ.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَائِمٌ من وقت النية؛ لأن النية لاَ تَنْعَطف على مَا مَضَى، ولا عَمَلَ إِلاَّ بِالنية، ويقال: إن هذا هو اختيار القَفَّالِ.
فإن قُلنا بالوجه الأوَّلِ فلا بُدَّ من الإِمْسَاك واجتماع شَرَائط الصَّوْمِ في أول النَّهَار.
وإن قلنا: بالثاني، فَفِي اشْتِرَاط خُلُوِّ الأَوَّلِ عن الأَكْلِ وَالجِمَاعِ وَجْهَان:
أحدهما: لا يشترط؛ لأن الصَّوْمَ إذا كان مَحْسوباً مِنْ وقت النِّية، كَانَ بِمَثَابَةِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ وُينْسَبُ هَذَا إِلَى ابْنِ سُرَيجٍ، وأَبِي زَيْدٍ، وزاد في "العدة" محمد بن جرير الطبري.
وأصَحُّهُمَا: وهو المذكور في الكتابَ: أنه يُشْتَرط وإلاَّ بَطَلَ مَقْصودُ الصَّوْم، ويجوز أن يتقدمَ شْرطُ الشَّيءِ عليه، ألا ترى أنه يُشْتَرط تقدّم الخُطْبَة على صَلاة الجُمُعَةِ، وهل يشترط خُلُو أَوَّلِهِ عَنِ الْكُفرِ وَالْحَيْضِ وَاَلْجُنُونِ أم يجوز أن يَصْومَ الكَافِرُ إِذَا أسلم اليوم الذي أَسْلَم فيه ضُحَى، والحَائِضُ في اليوم الذي طَهُرت، والجنونُ في اليوم الذي أفاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع أيضاً لكون النية مسبوقة في اليَوْمِ بما يُنَاقِضُ الصَّوْم، ويجوز أن يُرَتّب الخِلاَف في اشتراط الخُلُوّ عن هذه المعاني على الْخِلافَ في اشتراط الخُلُوِّ عن الأَكْلِ، فإن لم يشترط تَرْكُ الأكْلِ فهذَا أوْلَى، وإنْ شَرَطْنَاه فَوَجْهَانِ والفرق اخلالُ الأكْلِ بِمَقْصُودِ الصَّوْمِ، وهو كسر النَّفس بالتَّجْوِيعِ.
قال الغزالي: وَالمَعْنيُّ بِالجَازِمَةِ أَنَّ مَن نَوَى ليْلَةَ الشَّكّ صَوْم غَدانْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ (ح ز) لأَنَّهَا غَيْر جَازِمةٍ، نَعَمْ لاَ يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بشَهَادةٍ أَو اسْتِصْحَاب كمَا في آخِرِ رَمَضَانَ، أَوِ اجْتِهَادٍ في حَقِّ المَحْبُوسِ في المَطْمُورَة، ثُمَّ إِنْ غَلِطَ المَحْبُوسُ بالتَّأخِيْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ، وَإن غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ لَزَمَهُ القَضَاءُ، وَإنْ لَمْ يتبَينَّ إِلاَّ بَعْدَ رَمَضَانَ لمْ يَلْزمْهُ القَضَاءُ على أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكَانَ الشَّهْرُ بَدَلاً في حَقِّهِ لِلضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ كَفَاهُ وإنْ كَانَ رَمَضَانُ ثَلاَثِينَ
قال الرافعي: الخامس: كَوْنُ النية جَازِمةً.
ويتعلق بهذا القيد مَسَائِلُ: منها: إذَا نَوَى لَيْلَة الثلاثين من شَعْبَان أن يَصُوم غداً مِنْ رَمضَان لم يخْلُ إما أن يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ مِنْ رَمَضَان أو لاَ يَعتقده، فإن لم يعتقده نظر إن ردَّد نيته فقال: أصومُ عَنْ رمضان إِنْ كانَ مِنْهُ وإلا فأنا مفطره أو أنا مُتَطَوِّعٌ لم يقع صَومُه عَنْ رَمَضان إذا بَان أنه مِنْه؛ لأنه لم يَصُمْهُ على أنه فَرْضٌ وإنما صَامَ عَلَى الشَّك.
الجزء: 3 - الصفحة: 187
وقال أَبو حنيفة، والمُزنَي: يقع عن رَمَضَان إِذَا بَانَ الْيوم منه، كما لو قال: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الغَائِب، إِنْ كَانَ سَالِماً، إلا فَهُوَ تَطَوُّعٌ، فبَانَ سَالِماً يُجْزئه.
قال الأَصحَاب: الفرق أن الأصْلَ هُنَاكَ سَلاَمَة المَالِ، فَلَهُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ الأَصْلِ وهاهنا الأَصْلُ بَقَاءُ شَعبَان، ونَظِير مسألة الزَّكاة مما نحن فيه أن ينوي ليلة الثَّلاثين من رمضان صوم الغَدِ، إن كان من رَمضَان، إلا فهو مفطر، فيجزئه، لأن الأصْلَ بَقَاءَ رَمَضَان.
ولو قال: أصوم غداً مِنْ رمضان، أو تطوعاً أو قال: أصوم أو أفطر، لَمْ يصح صَوْمه، لا في الأول ولا في الآخر، كما إذا قال: أصوم أولاً أصوم، وإن لم يُرَدِّدْ نِيَّتَه وجزم بالصَّوْم عن رمضان [لم يصح أيضاً] فإنه إذا لم يعتقد كَونَه مِنْ رَمضَان لمَ يتَأت مِنْهُ الجزمُ بالصَّوْم عن رمضان حقيقة، وما يعرض حَدِيث نَفْس لا اعتبار به.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أنه يَصِح صَومُه، هذا إذا لم يعتقد كَونَه من رمضان.
وإن اعتقد كونه من رمضان نظر: إن لم يستند عَقْدُه إلى ما يُثير ظناً فَلاَ عِبْرَة به، وإن استند إلى ما يثير ظنًا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حُرٍّ أو عبد أو أمرأَة أو حبيبين ذَوِي رُشْدٍ، ونوى صومه عن رمضان أجزأَهُ إذا بَانَ أنه من رمضان 31؛ لأن غلبة الظَّن في مِثْلِ هذا لَهُ حكم اليَقِين، كما في أوقات الصلاة، وكما إذا رأى الهلالَ بنَفْسه، وإن قال في نيته والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن من رمضان فهو تَطَوُّع، فقد قال الإمام: ظاهر النَّصِّ أنه لا يعتد بِصَوْمه، إذا بَانَ اليوم من رمضان لمكان التَّردُّدِ، قال: وفيه وجه آخر وبه قال المُزَنِي: أنه يصح لاستناده إلى أَصْلٍ ثم رأى طَرْدَ الخِلاَف فيما إذَا جَزَمَ أيضاً، ويدخل في قسم استناد الاعتقاد إلى ما يثير ظنًا بناء الأمر على الحِسَاب، حيث جوزناه على التَّفصيل الذي سبق -والله أعلم-.
ومنها إذا حكم القَاضِي بشهادة عدلين أو وَاحدٍ إذا جَوَّزنَاهُ وَجَبَ الصَّوْمُ، ولم يقدح ما عساه يبقى من التردد والارتياب.
ومنها: المحبوس في المطمورة إذا - اشتبه عليه شَهْرُ رمضان اجتهد وصامَ شهراً بالاجتهاد، كما يجتهد لِلصَّلاة في القبلة والوقت 32، ولا يغنيه أن يصوم شهراً من غير اجتهاد إن وافق رمضان 33.
الجزء: 3 - الصفحة: 188
ثم إذا اجتهد وصَام شهراً نظر: إن وافق رمضانَ فَذَاك، وإن غلط بالتأخير أجزأه ذلك، ولم يلزم القَضَاء، ولا يضر كونه مأنباً به على نِيِّة الأداء، كما إذا صَلَّى الظهر بنية الأداء على ظَنِّ بقاء وقتها، ثم تبين أن صَلاَته، وقعت في وقت العصر، لا قضاء عليه، وهل يكون صومه المأتى به قَضَاءً أو أداء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه قضاء لوقوعه بعد الوقت.
والثاني: أنه أداء؛ لمكان العذر، والعذر قد يجعل غير الوقت وقتاً، كما في الجمع بين الصَّلاتين.
ويتفرع على الوجهين، ما لو كان ذلك الشَّهْرُ نَاقِصاً وكان رمضانُ تاماً.
إن قلنا: إنه قضاء لزمه يوم آخر، وإن قلنا: أداء فلا، كما لو كان رمضانَ نَاقِصاً، وإن كان الأمر بالعكس فإن قلنا: إنه قضاء فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء فلا، وإن وافق صَوْمُه شَوَّال فالصحيح منه تسعة وعشرون إن كان كاملاً، وثمانية وعشرون إن كان ناقصاً، فإن جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصاً، فلا شيء عليه على التقدير الأول ويقضى يوماً على التقدير الثاني وإن كان كاملاً قَضَى يوماً على التقدير الأَوَّل، وَيوْمَيْنِ على التَّقدِير الثَّاني، وإن جعلناه أداءً فعليه قضاء يَوْمٍ بكل حَالِ.
وإن وافق ذا الحجة، فالصحيح منه سِتَّة وعشرون يوماً إن كان كاملاً، وخمسة وعشرون يوماً إن كان ناقصًا، فإن جعلناه قضاءً، وكان رمضان ناقصًا قَضَى ثلاثة أَيَّام على التقدير الأوَّلِ، وَيوْمَيْنِ عَلَى التقدير الثَّاني، وإن كان كاملاً قضى أَرْبَعَة أَيَّامٍ على التَّقْدِير الأول، وثَلاَثةً على الثاني، وإن جعلناه أداءً قضى أَرْبَعة أَيَّامٍ بكل حالٍ، وهذا مبني على ظاهر المَذْهَب في أن صوم أيَّامِ التَّشْرِيق غير صحيح بحَالٍ، فإن صححناه على أن للمتمتع أن يَصُومها وأن من له سبب في صومها بمثابة الَمُتَمَتِّع، فذوا الحجة كـ"شوال" ذكر هذا المستدرك ابْنُ عَبدَانَ -رحمه الله-، وإن غلط بالتقديم على رَمَضَان نظر إن أدرك رمَضَان عند تَبَيُّنِ الحَالِ لهُ فعليه أن يَصُومَه بِلاَ خِلاَفٍ، وإن لم يتبين له الحال إلا بعد مُضِيِّ رمضان فقولان:
القديم: أنه لا يقضى، كالحجيج إذا أخطأوا فَوقَفوا اليومَ العَاشِرَ يجزئهم.
والجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنه يقضى؛ لأنه أتى بالعبادة قَبْلَ وقتها، فلا يجزئه كالصَّلاة، وبنى القفال وأخرون القولين على أنه لو وَافق شَهْراً بَعْدَ رَمَضَانَ وإنَ قَضاءَ أو أداء، إن قلنا: بالأول فعليه القَضَاءِ، لأن القَضَاء لا يسبق الوقت، وإن قلنا بالثاني فلا قضاء؛ لأن ما بعد الوقت إن جاز أن يجعل وقتاً للعذر، = المجموع أنه يلزمه التحري، والصوم ولا قضاء عليه، فلو ظهر أنه كان يصوم الليل ويفطر النهار وجب القضاء كما صرح به في الكفاية عن الأصحاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 189
فكذلك ما قبل الوقت يجوز أن يجعل وقتاً للعذر، كما في الجمع بين الصلاتين وعن أبي إسحاق طريقة أخرى قاطعة بوجوب القضاء وإن تبين بعد مُضِيِّ بَعْضُ رمضان، فقد حكى في "النهاية" طريقين:
أحدهما: طرد القولين في إجزاء ما مضى.
والثاني: القطع بوجوب الاستدراك إذا أدرك شيئاً من الشَّهر والأول أظهر والطريقان للقائلين بالقولين في الصورة الأولى، فأما أبو إسحاق فَلاَ يفرق بينهما.
إذا عرفت ما ذكرناه فارجع إلى لفظ الكِتَاب.
وأعْلَمْ أَنَّ قوله: والمعنى بالجازمة ... الخ) أراد به أنه المقصد من التقييد بهذا القيد، تَفْسِير اللفظ، وأن قوله: (لم يجز) معلم بالحاء والزاي.
وأن قوله: (نعم لا يضر التردد بعد حُصولِ الظَّن)، إشارة إلى أن القادح هو التردد الذي لا يستند احتمال الرمضانية فيه إلى دليل، ولا يترجح في ظَنِّه فأما التَّجْويز الذي يجامع الظَّن بكونه من رمضان فلا عبرة به.
وقوله: "لم يلزمه القضاء" مُعَلَّمٌ بالحاء، والميم، والألف.
وقوله: (على أحد القولين) بالواو، لطريقة أبي إسحاق.
وقوله: (كان الشهر بدلاً في حقه) أراد به المنقول عن القَفَّال معناه أن الشهر المأتى بصومه على هذا القول، إذا أقيم مقام رَمضَان وليس المراد منه أنه قضاء يصير بدلاً عن الفائت؛ لأنا إذا فرعنا عليه، لا نقول بأنه يكفيه شَهْرَه النَّاقص إذَا كَمُلَ رمضان.
ومن المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَة بِقَيْد الجزم ما إِذَا نوت الحائض صَوْمَ الغد قبل أن ينقطع دَمُهَا، ثم انقطع بالليل هل يَصِح صومُها؟ إن كانت مبتدأة يتم لها بالليل أكثر الحيض أو معتادة عادتها أكثر الحيض، وهو يتم بالليل صح إذا كانت معتادة عادة دون أكثر، وكانت تُتِم يالليل فوجهان:
أظهرهما: أنه يَصِحّ؛ لأن الظَّاهِرَ استمرار عَادتها.
والثاني: لا؛ لأنها قد تَخْتَلِف.
وإن لم يكن لها عادة وكان لا يتم أكثر الحَيْضِ بالليل، أو كان لها عادات مختلفة، لم يصح الصَّوم.
وأعلم أن ركن النّية، وإن كان لا يختص بصوم الفرض، إلا أن المذكور من مسائلة في الكتاب مخصوص به، لأنه قال: (أما النية فعليه أن ينوي لكل يوم ...) إلى آخره ومعلوم أن النية بالقيود المذكورة مخصوصة بالفرض.
فرعان:
الجزء: 3 - الصفحة: 190
أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم 34، لم ينتقل إليه، وهل يبطل ما هو فيه، أم يبقى نفلاً؟ على وجهين، وكذا لَو رفض نية الفَرْض عن الصَّوْم الذي هو فيه 35.
الثاني: لو قال إذَا جاء فُلاَنٌ خرجت من صَوْمِي فهل هو خَارجٌ عن الصَّوْم عند مجيئه؟.
فيه وجهان فإن قلنا: نعم، فهل يخرج في الحَال؟ فيه وجهان وكل ذلك كما في الصَّلاة، أورده في "التهذيب" وغيره.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الإمْسَاكُ عَنِ المُفَطِّرَاتِ، وَهِيَ الجِمَاعُ وَالاسْتِمْنَاءُ وَالاسْتِقَاءُ.
قال الرافعي: لا بد للصًائِمِ مِنَ الإمسَاكِ عَنِ المُفْطِرَاتِ، وهي أنواع:
منها: الجماعُ وهو مبطلٌ للصَّومِ بالإِجْمَاع.
ومنها: الاسْتِمنَاء 36، وسيأتي الكلام فيه.
ومنها: الاسْتِقاءة فمن تَقَيَّأَ عامداً أَفْطَر، ومن ذَرَعَهُ الفَيْءُ لَمْ يُفْطِر.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن ذَرَعَهُ الفَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيُقْضِ" 37. وربما روي ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- موقوفاً 38.
وعن أبي الدَّرْدَاء -رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قَاءَ فَأفْطَرَ أَي: اسْتَقَاءَ،
الجزء: 3 - الصفحة: 191
قَالَ ثَوْبَانُ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ الْوُضُوءَ" 39. واختلفوا في أنه لِمَ أفطر عِنْد التقيء عمْداً.
قال بعض الأصحاب: إنما أفطر؛ لأنه إذا تقيأ رجع شَيْءٌ مما خرج وإن قَلَّ، فذلك هو الذي أوجب الفطر، إلا لما أفطر؛ لما روي عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "أَنَّ الفِطرَ مِمَّا دَخَلَ وَالْوُضُوءَ مِمَّا خَرَجَ" 40.
ومنهم من قَالَ إن عينه مفطر كالإنزال تحويلاً على ظاهر الخَبَرِ.
قال في "العدة": وهذا أصح، وعليه يتفرع، عد صاحب الكتاب الاسْتِقَاء مفطرة بِرأْسِهَا 41، وإلا فَلَوْ كانت مفطرة من جهة تضمنها رجوع شيء، لكانت من قبيل دخول الدَّاخل؛ وعلى الوجهين يبنى ما إذا تقيأ مَنْكُوساً، أو تحفظ حتى استيقن أنه لم يرجع منه شيء إلى جَوْفِهِ هل يفطر؟
قال الإمام: ولو استقاء عمداً، أو تحفظ جُهْدَه فَغَلَبهُ القيء ورجع شيء، فإن قلنا: الاستقاءة مفطرة وإن لم يرجع منه شيء فهاهنا أولى، وإن قلنا لا يفطر إذا لم يرجع شَيْء، فهو كما في صُورَةِ المبالَغَةِ في المضمضة إذا سَبَقَ الماء إلى جَوْفِه.
ويجوز أن يعلم قوله: (والاستقاءة) بالحاء، لأن عنده الاستقاءة بإطلاقها لا تفطر بل يُشْتَرط أن يكون الخارج مِلْءِ الفَمِ.
قال الغزالي: وَدُخُولُ دَاخِلٍ، وَحَدُّ الدُّخُولِ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ وَصَلَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَهُوَ مُفَطِّرٌ، أَمَّا البَاطِنُ، فَهُوَ كُلُّ جَوْفٍ فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَبَاطِنِ الدِّمَاغِ وَالبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ فَيُفْطِرُ بِالْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ، وَلاَ يُفْطِرُ بِالاكْتِحَالِ (م) وَالتَّقطِيرِ (م ح و) فِي الأُذُنَيْنِ، وَفِيمَا يَصِلُ إلَى الإِحْلِيلِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُقْطِرُ بالفَصْدِ والحِجَامَةِ.
قال الرافعي: من أسباب الفطر دخول الشَّيءِ جَوْفَه، وقد ضَبَطُوا الدَّاخِلَ الذي
الجزء: 3 - الصفحة: 192
يفطر بالعَيْنِ الوَاصِلِ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى البَاطِنِ فِي مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ عَنْ قَصْدٍ مَعَ ذِكْرِ الصَّوْم، وفيه قيود: منها: البَاطِنُ الوَاصِلُ إِلَيْهِ، وفيما يُعْتَبر فيه وجَهان: مَفْهُومانِ، مِنْ كَلَاَمِ الأَئِمَّة -رحمهم الله- تغريضاً وتصريحاً.
أحدهما: أن المُعْتَبر ما يقع عليه اسْم الجَوْف.
والثاني: يُعْتَبر مَعَهُ أن يكون فيه قوة تحيل الوَاصِل إليه من غذاء، أو دَوَاءٍ، وهذا هو الذي أوردَهُ في الكتاب، ولكن الموافق لتفريع الأكْثَرِين هو الأول على ما سيأتي، ويدُلُّ عليه أنهم جَعَلوا الحَلْقَ كالجَوْفِ في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بوصول الوَاصِلِ، ذكره في "التهذيب" وحكاه الحَنَّاطِيُّ عن ابن القاص وأورده الإمَام أيضاً أنه إذا جاوز الشَيْءَ الحلقوم أفطر، ومن المعلوم أنه ليس في الحلق قوة الإحالة، وعلى الوجهين معاً باطن الدماغ والبَطْن والأَمْعَاء والمثانة مما يفطر الوَاصِلُ إِلَيْهِ، حتى لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ "مَأمُومَةٌ" أو على بطنه "جَائِفَة" 42 فَوَضَعَ عَلَيْهَا دَوَاءً فوصل إلى جَوْفِهِ، أو إلى خَرِيطَةِ دِمَاغِهِ بَطَلَ صَوْمُه.
قال الإمام وصاحب "التهذيب"؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء وإلى بَاطِنِ الخَرِيطَةِ، ولا فرق بين أن يكون الدَّوَاءُ رَطِباً، أو يَابِساً.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يبطل باليَابِسِ، ولم يجعل المثانة مما يفطر الوَاصِل إِلَيْهِ، وفي: "المعتمد" حكاية وجه يوافق في المثانة.
لنا مطلق مَا رُوِي: "أنَّ الْفِطرَ مِمَّا دَخَلَ".
وقياس المثانة على سَائِرِ الأَجْوَافِ، وفيها قوة إِحَالَةِ الدَّوَاءِ.
ثم في الفَصْلِ صُوَرُ:
إحداها: الحقنة مُبْطِلَة لِلصَّوْمِ؛ لحصول الوُصْولِ إلى الجَوْفِ المُعْتَبَرِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها لا تُبْطِلُهُ وهو غريب، وفيها اختلاف رواية عن مالك.
الثانية: السَّعُوطُ مُبطِلٌ لِلصَّوْمِ أَيْضًا، إِذَا وَصَلَ إِلَى الدِّمَاغ.
وعند مالك: لا يبطل إلاَّ إِذَا نَزَلَ إِلَى الحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ، واعلم أن ما جاوز الخَيْشُومَ في الاستعاط، فقد حَصَل فِي حَدِّ البَاطِنِ، ودَاخِلُ الفَم وَالأَنْفِ إِلَى مُنْتَهَى الخَيْشُوم، والْغَلْصَةِ 43 له حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، حتى لوَ خرج إليه القَيْء أو ابتلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَوْ أَمْسَكَ فِيهِ شَيْئاً لم يَبْطُل، ولو نجس وجب غسله، وله حكم البَاطِن مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لو ابتلع منه الرِّيق لا يَبْطُلُ صَومُه، ولا يجب غسله على
الجزء: 3 - الصفحة: 193
الجُنُب.
الثالثة: لا بَأْسَ لِلصَّائِم بالاكتحال 44 إذ ليست العَيْنُ مِنَ الأَجْوَافِ، وقد روي أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ" 45 ولا فرق بين أن يجد في الحَلْقِ مِنْهُ طَعْماً، أو لا يجد، فإنه لا منفذ من العَيْنِ إلى الحَلْق، وما يَصِل إليه يَصِلُ مِنَ المَسَامِ.
وعن مالك وأحمد أنه إذا وجد في الحَلْقِ طَعْماً مِنْهُ أَفْطَرَ.
الرَّابِعَةُ: في بُطْلاَنِ الصَّوْمِ بالتَّقْطِيرِ فِي الأُذُنِ، بحيث يَصِل إلى البَاطِن فيه وجهان: أحَدهما: وبه قَالَ الشَّيْخَ أبُو مُحَمَّدٍ: أنه يَبْطُلُ كَالسّعُوطِ.
والثاني: لاَ يَبْطُل؛ لأنه لا منفذ من الأُذُنِ إِلَى الدِّمَاغ، وما يصلُ يصل من المَسَام فأشبه الإكْتِحَال، ويروي هذا الوجه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، والفَورَانِيّ والقاضي الْحُسَيْنِ، وهو الذَي أورده صاحب الكتاب، لكن الأول أظهر عند أكثر الأصْحَاب، ولهم أن يقولوا: هَبْ أَنَّ الأذُنَ لاَ مَنْفَذَ مِنْهَا إِلَى دَاخِلِ الدِّمَاغ، لكنه نافذ إلى دَاخِلِ قحف الرَّأسِ لا مَحَالَة، والوصول إليه كَافٍ فِي البُطْلاَن، وبَنَى الإمَام هذا الخِلاَف على الوَجْهَيْنِ السَّابقين فيما يعتبر في البَاطِن الذي يصل إليه الشيءَ فإن دَاخِل الأُذُنِ جَوْفٌ لكن ليس فيه قوة الإحالة، وعلى الوجهين تتفرع الصُّورة الخَامِسَة، وهي ما إذا قطر في إحليلة شيئاً، ولم يَصِلْ إلى المثانة، ففي وَجْهٍ يبطل صَوْمُه، وهو الأظْهَرُ، كما لَوْ وَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ، ولم يَصِل إلى المعدة.
وفي وجه، لا يَبْطُل كَمَا لو وضع فِي فمه شَيْئاً، وبهذا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ
الجزء: 3 - الصفحة: 194
القَفَّالِ -رحمهما الله- وتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأخِّرِي الأَصْحَاب، فقال: إن وَصَلَ إلى ما وَرَاء الحَشَفَةِ أفْطَر، وإلا لم يفطر تشبيهاً بِالفَمِ والحَلْقِ.
السَّادِسَة: لا يفسد الصَّومُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامة، لكن يكره خِيفَة الضَّعْفِ.
وقال أحمد: يفسد بالحِجَامة.
وبه قال ابن المنذر وابْن خُزَيمَة مِنْ أَصْحَابِنَا.
لَنَا: ما روي: "أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- احْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ" 46.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثْ لاَ يُفْطِرنَ الصَّائِمَ القَيْءُ وَالْحَجَامَةُ وَالاحْتِلاَمَ" 47.
وأما لفظ الكتاب، فقوله: (وهو الداخل) هو المستقيم وفي كثير من النسخ (وحد الدخول)، وذلك يحوج إلى إلحاق وإضْمَار.
وقوله: (فيه قوة محيلة) يجوز إعْلاَمُه بالواو، إشارةً إلى الوجه المكتفي يكون البَاطِن الوَاصِل إليه جوفاً، حتى لو داوى خراجه على لَحْمِ السَّاقِ، والفخذ فأوصل الدَّواء إلى دَاخِلِ اللَّحْمِ، أو غرز فيه حديدة لا يبطل صومه؛ لأنه ليس بجوف، وكذا لو انتهى طرف السِّكين إلىَ مَكَانِ المُخّ، فإنه لا يعد عضواً مجوفاً.
وقوله: و (المثانة) مُعَلَّمٌ بِالحَاءِ، والْوَاوِ، و (الحقنة، والسعوط) والاكتحال بالميم والألف، و (التقطير في الأذن) بالواو و (الحجامة) بالألف، والواو، وقد بَيَّنَّا وجه ذلك كله، -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بَتَشَرُّبِ الدِّمَاغِ الدُّهْنِ (ح) بِالمَسَامّ، وَيُفْطِرُ إِذَا وُجِئَ بَطْنُهُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السِّكّينِ خَارِجاً.
قال الرافعي: من القيود المذكورة في الضَّابِط كون الوَاصِل، وَاصلاً من منفذ مفتوح، والقصد به الاحتراز عما إذا طلى رأسه، أو بطنه بالدّهن فوصل إلى جَوْفِهِ بتشرب المسام، فإن ذلك لا يبطل الصَّوم؛ لأنه لم يَصِل من مَنفَذٍ مَفْتُوحٍ، كما لا يبطله الاغتسال والانغماس في الماء، وإن وجد له أثر في بَاطِنِهِ، ولو وجأ نفسه، فَوَصَل السِّكين إلَى جَوْفِهِ، أو وَجَأَه غَيْرُه بِإِذْنِهِ أَفطر، سواء كان بعض السكين خارجاً، أو لم يكن، وكذا لو ابتلع طرف خَيْطٍ، وطرفه الآخر بَارِز يفطر بوصول الطَّرف لوَاصِل، ولا يعتبر الانفصال من الظَّاهِرِ بِالكُلِّيَّةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 195
وخالف أَبو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْألَتَيْنِ وَنَظَائِرِهَا، ورأيت الحَنَّاطِي حَكَى وجهين فيمن أَدْخَل طَرَفَ خَيْطٍ في دُبُرِهِ أو في جَوْفِهِ، وبعضه خَارجٌ، فعل يفطر، فيجوز أن يعلم لهذا قوله: (وإن كان بعض السكين خارجاً) مع الحاء بـ (الواو).
فرع: لو ابتلع طرف خيط باللَّيْلِ وطرفه الآخر خارج وأصبح كذلك فإن تركه لم تَصِحّ صَلاتُه، وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صَوْمُه، فينبغي أن يبادر غيره إلى نَزْعَةِ وَهوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يتفق فالمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلاَةِ، بنزعه، أوِ ابْتِلاعِهِ أولى 48؛ لأن الصَّوْمِ يُتْرَك بِالْعُذْرِ، وَيُقْضَى بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ، وذكر في "التتمة" وجهاً آخر، وهو أن الأولى: أن يتركة كذلك، ويصلِّي على حسب حاله؛ لأنه شَارعٌ فِي الصَّوْمِ، فلا ينبغي أن يفسده.
قال الغزالي: (أَمَّا القَصْدُ) فَنَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَو طَارَت ذُبَابَةٌ إِلَى جَوْفِهِ أَوْ وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقِ إِلَى بَاطِنِهِ أَوْ أُوجِرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ يُفْطِرُ إِلاَّ أَنْ يُوجَرَ المُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ومن القيود كَوْنُ الوُصول عن قصد منه، فلو طَارَت ذُبَابَةٌ أو بَعُوضَةٌ إِلَىِ حَلْقِهِ، أو وَصَلَ غُبَارُ الطَّرِيقَ، وَغَرْبَلَةَ 49 الدَّقِيقِ إِلَى جَوْفِهِ، وغير ذلك لم يكن مُفْطِراً، وإن كان إطباق الفَمِ، واجتناب المطروق، ومفارقةُ مَوْضِع الطَّرِيقِ مُمْكِناً، لكن تكليف الصَّائِم الاحتراز عن الأفعال المعتادة التي يحتاج إليها يَجُرُّ عُسْراً شَدِيداً، بل لو أفتح فاه حتى وَصَلَ الغُبَار إِلَى جَوْفِهِ، فقد قال في "التهذيب": أصَحُّ الوَجْهَيْن أنه يقع عفواً، وشَبَّهُوا هَذَا الخِلاَف بالخلاف فيما إذا قَتَلَ البَرَاغِيث عَمْداً، وَتَلَوَّثَتْ يَدُهُ أَنَّهَا هَلْ يَقَعْ عَفواً، ولو ربطت المرأة ووطئت أو أوجر بِالسِّكِّينِ، أو وجئ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلاَ إِفْطَارَ، ونقل الْحَنَّاطِي، وجهين فيما لو أوجر بِغَيْرِ اختياره وهو غَرِيبٌ بمرة.
نعم، لو كان مغمى عليه، فأوجر مُعَالجةً وإصْلاَحاً ففيه وجهان، وفي "النهاية" قولان:
أحدهما: أنه يفطر؛ لأن هذا الإيجار لمصلحته فكأنه بإذنه واختياره.
الجزء: 3 - الصفحة: 196
وأصحهما: أنه لا يفطر كإيجار غيره بغير اختياره.
واعلم أن هذا الخِلاَف مُفَرَّعٌ على أَنَّ الصَّوْمَ لاَ يبطل بمطلق الإغْمَاء، إلا فَالإِيجَاء مَسْبُوق بالبُطْلاَن، وهذَا الخِلاَف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عُولج بدواءٍ فيه طِيبٌ، هَل تلزمه الفِدْية.
قال الغزالي: وَلَو ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ سِنِّهِ أَوْ سِتاً أَفْطَرَ بِخِلاَفِ الرِّيق إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ الرِّيقُ بِالعَلَكِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو رَدَّ النُّخَامَةَ إلَى أَقْصَى الفَمِ ثُمَّ ابْتَلَعَ أَفْطَرَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِهِ مِنْ مَجْرَاهُ فَتَرَكَ حَتَّى جَرَى بنَفْسِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ سَبَقَ المَاءُ فِي المَضْمَضَةِ إِلَى بَاطِنِهِ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ بَالَغَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالإِفْطَارِ، وإنْ جَرَى الرِّيقُ بِبَقِيَّةِ طَعَامِ فِي خِلاَلِ الأَسنَانِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي تَخْلِيلِ الأَسْنَانِ فَهُوَ فِي صُورَةِ المُبَالَغَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَهُوَ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، وَالمَنِيُّ إِنْ خَرَجَ بِالاسْتِمْنَاءِ أَفْطَرَ، وَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ الفِكْرِ وَالنَّظَرِ فَلاَ، وَإنْ خَرَجَ بِالقُبْلَةِ وَالمُعَانَقَةِ مَعَ حَائِلٍ فَهُوَ كَالمَضْمَضَةِ، وَالمُضَاجَعَةِ مُتَجَرِّداً كَالْمُبَالَغَةِ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِلشَّابِّ الَّذي لاَ يَمْلِكُ إرْبَهُ، وَخُرُوجُ القَيْءِ كَالْمَنِيِّ، وَلَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ مَخْرَجِ الحَاءِ فَفِي إِلْحَاقِهِ بِالاسْتِقَاءِ وَجْهَانِ، وَمَخْرَجُ الخَاءِ مِنَ الظَّاهِرِ، وَفِي إِفْسَادِ القَصْدِ شَرْعاً بِالِإكْرَاهِ قَوْلاَنِ: أصحهما: أَنَّهُ يُفْطِرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمِ.
قال الرافعي: الفصل يجمع مسائل:
إحداها: ابتلاع الريق لا يفطر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وبه يحيى الإنسان، وعليه حمل بَعْضُ المُفَسِّرِين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ 50 وَإنَّمَا لاَ يفطر بِشُرُوطٍ:
أحدها: أن يكون الرِّيق صرفاً، أما لو كان مخلوطاً بغيره مُتَغَيِّراً فإنه يفطر بابتلاعه، سواء كان ذلك الغير طاهراً، كما لو كان يَقْتل خيطاً مصبوغاً، فتغير ريقه، أو نجساً كما لو دميت لثته 51 وتغير ريقه، فلو أبيض، ولم يبق تغيره، فهل يفطر بابتلاعه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند الحَنَّاطِي، والقَاضِي الرّوَيانِي لا؛ لأن ابتلاع الرِّيق مباحٌ، وليس فيه عين آخر، وإن كان نَجِساً حكماً.
الجزء: 3 - الصفحة: 197
والثاني: وهو الأظهر عند الأكثرين، أنه يفطر؛ لأنه لا يَجُوزُ لَهُ ابْتِلاَعُه، وَإِنَّمَا يَجُوز لَهُ ابتلاع الطَّاهِرِ.
مِنْهُ، وعلى هذا لو تناول باللَّيْلِ شَيْئاً نَجِساً ولم يغسل فَمَهُ حَتَّى أَصْبَح فابتلع الرِّيق بطل صَوْمُهُ.
الثاني: أن يبتلعه مِنْ معدنه، فلو خرج إلى ظَاهِرِ فمه ثُمَّ رده بِلِسَانِهِ، أو غَيْرِ لِسانِهِ، وابتلعه بَطَل صَوْمُه.
ولو أخرج لِسَانه وعليه الرّيق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان:
أظهرهما -وهو المذكور في "النهاية"-: أنه لا يبطل صَوْمُه، لأَنَّ اللِّسَانَ كيفما تَقلَّبَ معدودٌ مِنْ دَاخِل الفم، فلم يفارق ما عليه معدته، ولو بَلَّ الخَيَّاطُ الخَيْطَ بالريق ثم رده إلى الفم على ما يعتاد عند الفتل فإن لم يكن عليه رطوبة تنفصل، فلا بأس 52، وإن كانت وابتلعها ففيه وجهان: عن الشَّيْخِ أبي محمد: أَنه لا يَضُرّ؛ لأن ذلك القدر أقل مما يبقى من المَاءِ في الفم بعد المضمضة.
وقال الأَكثَرونَ: إنه يَبْطُلُ الصَّوْم؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعْدة، وخص في "التتمة" الوجهين بما إذا كان جَاهِلاً بأن ذلك لاَ يَجُوز، فأما إِذَا كَانَ عَالِماً يَبْطُلُ صَوْمُه بِلاَ خِلاَف.
الثالث: أن يبتلعه، وهو على هيئته المعتادة، أما لو جَمَعَه ثم ابتلعه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل صَوْمُه، لأن الاحتراز عنه هين.
وأصحهما: أنه لا يَبْطُل، وبه قال أبُو حنيفة -رحمه الله- لأنه مِمَّا يَجُوزُ ابتلاعه ولم يخرج من مَعْدته فأشبه ما لو ابتلعه متفرقاً.
فإن قلت: هذان الوَجْهَان إِنْ جَرَيَا في مُطْلِق الجَمْعِ، فَلِمَ قال: إلا أن يجمع الريق بالعلك، وإن اختصا بالجمع بالعلك فلم أطلقتم نقلهما؟
فالجواب: أنهما جاريان في مطلق الجَمْع نقلاً، وتوجيهاً، ولَعَلَّه إنما تعرض للعلك؛ لأن الإمام قد ذكر أن الوجهين في سورة الجمع نَاشِئان مِنْ لفظ الشَّافِعيّ -رضي الله عنه- حيث قال: "وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم"، وكأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة، وهذا شيء قد قاله بعض الشَّارِحِين.
وقال آخرون: أراد بقوله: (يحلب الفم أنه يطيب النَّكْهَة، ويزيل الخَلُوف؛ فَلِذَلِكَ كَرِهَهُ، ولو كان العلك جديداً مفتتاً فَوَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إلى الجوف بطل صَوْمُه، كما لو
الجزء: 3 - الصفحة: 198
وضع سُكَّرَةً فِي فِيه وابتلع الرِّيق بعد مَا ذَابَتْ فيه، وما قدَّمْنَاه فيما إذا كان مغسولاً مستعملاً، أو صلباً لا ينفصل منه شيء.
وقوله: (ولو ابتلع دماً خرج من سنه، أو سناً أفطر) ظاهرٌ، وفيه إشارة إلى أن دَاخِل الفم له حكم الظَّاهِر في هذا، وأن احتمال ابتلاع الريق ليس لمجرد ابتلاعه من الفم، بل لدعاء الضرورة إليه.
المسألة الثانية: النخامة 53 إن لم تحصل في حد الظَّاهِرِ 54 من الفم فلا مبالاة بها، وإن حصلت فيه بانصبابها من الدِّمَاغ في الثُّقْبَةِ النَّافِذَةِ منه إِلَى أقْصَى الفَم فوق الحُلْقُوم نظر إن لم يقدر على صرفه ومَجَّهُ حتى نزل إلى الجَوْفِ لم يضره، وإن رَدَّه إلى قَضَاءِ الفَمِ، أو ارتد إليه ثم ابتلعه أفطر 55، وإن قدر على قطعة من مجراه وَمَجَّه فتركه حتى جرى بنفسه ففيه وجهان حَكَاهُمَا الإِمَام:
أحدهما: أنه لا مُؤَاخَذَةَ؛ لأنه لم يفعل شيئاً، وَإنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الفِعْلِ وأوفقهما لكلام الأئمة إن تركه في مَجْرَاه مَعَ القُدْرَةِ عَلَى مَجِّهِ لتقصيره فيفطر.
ونقل عن "الحاوي" وجه مطلق في الإفطار بالنُّخَامة، والوجه تنزيلهما على الحَالَةِ التي حَكَى الإمامُ الخِلاَفَ فِيهَا.
الثالثة: إذا تَمَضْمَضَ فسبق المَاءُ إلى جَوْفِهِ، أو استنشق فَوَصَلَ المَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ فقد نَقَلَ المُزَنِيّ أَنَّه يفطر، وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى -رحمهما الله- أنه لا يفطر إلا أن يتعمد الأزدراد، وللأصحاب فيه طريقان:
أصحّهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والمزني -رحمهم الله-: أنه يفطر؛ لأنه وَصَلَ الماء إلى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ، فإنه الذي أدخل الماء فيه وَأَنْفه.
والثاني: وبه قال أحمد وهو اختيار الربيع -رحمهما الله-: أنَّه لا يفطر؛ لأنه وصل بغير اختياره، فأشبه غبار الطَّرِيق.
والثاني: القَطْع بأنه لا يفطر، حكاه المسعودي وغيره ثم من القائلين به من حمل منقول المزني على ما إذا تَعَمَّد الازدراد، ومنهم منَ حَمَلهُ على ما إذَا بَالَغ، وحمل النَّصّ الثَّاني على ما إذا لم يبالغ، ونفى الخِلاف في الحالتين، وإذا قَلنا بطريقة القولين فما محلهما؟ فيه ثلاثة طرق.
الجزء: 3 - الصفحة: 199
أصحها: أن القولين فِيمَا إِذَا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق فأما إذا لم يبالغ أفطر بلا خلاف.
وثانيها: أن القَوْلَينِ فيما إذا بالغ، أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف.
والفرق على الطَّرِيقين أن المُبَالَغَةَ مَنْهِيٌ عَنْهَا، وأصْلُ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاق مَحْثُوثٌ عَلَيْهِ، فلا يحسن مؤاخذته بما يتولد منه بغير اختياره.
والثالث: طرد القولين في الحالتين، فإذا مَيَّزنَا حَالَةَ المُبَالَغَةِ عن حالة الاقتصار على أصل المَضْمَضَةِ والاستشاق حَصَلَ عِنْدَ المُبَالَغَةِ قولان مُرَتَّبَانِ كما ذكر في الكتاب، وظَاهِرُ المَذْهَب ما ذكرنا عند المُبَالِغَةِ الإفطارُ، وعند عَدَمِ المُبَالَغَةِ الصِّحَةُ،
ولا يخفى أن مَحَل الكلام فيما إذا كَانَ ذاكر للصَّوْمِ، أما إذا كان ناسياً، فلا يفطر بحال، وسَبْقُ المَاءِ عند غسل الفَم لنجاسة، كسبقة المضَمضة، والمُبَالَغَة هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ ينبغي أن تكون كالسَّبق في المَضْمَضَةِ بِلاَ مُبَالَغَةٍ، ولو سبق الماء من غسله تَبَرُّداً، أو مِنَ المَضْمَضَةِ في الكَرَّةِ الرابعة فقد قال في "التهذيب": إن بالغ بَطَلَ صَوْمُه، وإلا فهو مُرَتَّبٌ على المَضْمَضَةِ، وأولى بالإفطار، لأنه غير مأمور به 56.
الرابعة: لو بقي طعام في خَلَلِ أَسْنَانِهِ فابتلعه عمداً، أفطر خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- فيما إذَا كانَ يسيراً، وربما قدر بـ"الحمصة"، وإن جرى به الريق من غير قصد منه فمنقول المزني أنه لا يفطر، ومنقول الربيع أنه يفطر، واختلف الأصْحَاب فمنهم من قال: فيه قولان كما في سورة المَضْمَضَة؛ لأن الطَّعَام حصل في فمه بسبب غير مكره، وهو الأكل باللَّيل فأشبه المضمضة، ومنهم من نفى كون المسألة على قولين، وهو الأَصَح، ثم مِنْ هَؤُلاَءِ من حمل النص على حالين، حيث قال: لا يفطر أراد به ما إذا لم يقدر على تمييزه، ومَجّه، وحيث قال: يفطر أراد ما إذا قدر عليه، فابتلعه، وَتَوَسَّط الإمام من وجه آخر وتابعه صاحب الكتاب، فقال: "إن لم يتعهد تنقية الأسنان، ولم يُخَلّل، فهو كصورة المُبَالَغَةِ في المَضْمَضَةِ"، لأن الغالب في مثله الوُصول إلى الجَوْف، وإن نقاها على الاعتياد في مثله فهو كغبار الطريق، ولك أن تقول: تَركُ التَّخْلِيل إِمَّا أن يكون مَكْرُوها أو لا يكون، وإن لم يكن مكروها فلا يتوجه
الجزء: 3 - الصفحة: 200
إلحاقة بصورة المبالغة، لأن الوصولِ هناك تَوَلَّدَ مِنْ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ، وإن كان مكروهاً فالفرق ثابت أيضاً لأن ما بين الأسنان أقْرَبُ إلى الظَّاهِرِ من الماءِ عند المُبَالَغَةِ، وربما يثبت في خلالها فلا ينفصل، وبتقدير أن ينفصل فالتمكن من أخذه ومَجِّه مما لا يبعد، والماء سَيَّالٌ إِذَا وَجَدَ مُنْحَدَراً أَسْرَع في النفوذ، فكان وصوله إلى الجوف أقرب.
وليكن قوله: (فهو كصورة المبالغة) مُعلماً بالحاء، لأنهما مفترقان عنده فيفطر في صورة المبالغة، ولا يفطر هاهنا.
الخامسة: المَنِي إنْ خَرَج بالاستمناء أفطر؛ لأن الإِيلاَجَ من غَيْرِ إنزال مُبْطِل، فالإنزال بَنَوْع شَهْوَةٍ أولى أن يكون مُفْطِراً، وإن خَرَج بمجرد الفكر 57 والنظر لشهوة لم يكن مفطراً خَلافًا لمالك في النَّظَرِ، وعن أصْحَابِهِ في الفِكْر اختلاف، ولأحمد حيث قال: إن كَرَّرَ النظر حتى أنزل أَفْطَر.
لنا: أنه إنزال من غير مُبَاشَرة، فأشبه الاحتلام، وإن خَرَجَ بمباشرةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ أو لمس، أو قبلةٍ أفطر، لأنه أنزل بمباشرة، هذا ما ذكره الجُمهُور، وذكر الإمام أن شَيْخَهُ حكى وجهين فيما إذا ضَمَّ امرأة إلى نفسه وبينهما حائل، قال: "وهو عندي كسبق الماء في سورة المضمضة، وإن ضاجعها متجرداً فالتقت البشرتان، فهي كَصُورة المبالغة في المَضْمَضة واقتدى صاحب الكتاب به، فأورد هذا الترتيب.
وتكره القُبْلَةُ للشباب الذي تحرك القبلة شهوته، ولا يأمن على نفسه، ولا تكره لِغَيْره وإن كان الأولى الاحتراز "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ" 58 وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ 59، ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك على سبيل التحريم 60 أو التنزيه؟ حكى في "التتمة" فيه وجهان، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله: (وخروج القيء كالمني)، إشارة إلى ما قدمنا أنه لو
الجزء: 3 - الصفحة: 201
استقاء أفطر، وإن خرج بغير اختياره فلا، ولو اقتلع نخامه من بَاطِنِهِ ولفظها، فقد حكى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فيه وجهين:
أحدهما: أنه يفطر به، إلحاقاً له بالاستقاءة.
والثاني: لا، لأن الحَاجَة إليه مما تَكْثُر، فَلْيُرَخَّص فِيهِ، وَبِهَذَا أجاب الحَنَّاطِيّ، وكثير من الأَئِمَّة ولم يذكروا غيره، ثم ذكر صاحب الكتاب أن مخرج "الحاء" من البَاطِن، ومخرج "الخَاءِ" من الظَّاهِر، ووجهه لاَئِح، فإن "الحاء" تَخْرُج من الحَلْقِ، والحَلْقُ من الباطن، و"الخاء" تخرج مما قبل الغَلْصَمه إلا أن المقصد في مثل هذا المقام الضابط الفارق بين الحدَّيْنِ، ويشبه أن يكون قدر مما بعد مخرج الخاء من الظَّاهرِ أيضاً، والله أعلم.
السادسة: ذكرنا من قبل أنه لو أُوجِرَ مكرهاً لَمْ يفطر، فلو أكره حَتَّى أكل بنفسه ففيه قولان.
أحدهما: وبه قال أحمد: لا يفطر، لأن حكم اختياره ساقط، وأكله ليس منهياً عنه، فأشبه النَّاس.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يفطر، لأنه أتى بضد الصَّوْم ذَاكِراً له، غايته أنه أتى به لدفع الضَّرر عن نفسه، لكنه لا أثر له في دفع الفِطْر، كما لو أَكلَ أو شرب لدفع الجوع، أو العَطَشِ، وهذا أَصَحُّ عِنْد صَاحِب الْكِتَابِ، ويجري القَوْلاَن فيما لو أكرهت المرأة حتى مكنت، وكذلك فيما إذا أُكْرِه الرَّجُل حَتَّى وَطِئ.
إن قلنا بتصور الإكراه على الوطء.
نعم، لا تجب الكفارة، وإن حَكَمْنَا بالإفْطَار للشُّبْهَة.
وإن قلنا: لا يتصور الإكراه على الوطء بَطَلَ صَومه، ولَزِمَه الكَفَّارة.
وعثد أحمد: يحصل الإفطار بالوَطْءِ مكرهاً، بخلاف مَا قَال في الأكل.
وقوله: (وفي فساد القصد شرعاً) أشار به إلى أن قيد القصد لا بد منه على ما ذكرناه في الضابط والقصد من حيث الحس موجودٌ في حَقِّ المُكْرَه، ولكن في إِلْحَاقِهِ بالعَدَمِ شَرْعاً، وإفساده الخلاف المَذْكُور.
وقوله: (لأنه ليس بصائم) معناه أن الإكراه إنما يؤثر في دَفْع الإثم على ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رُفِعَ عَنْ أمَّتِي الْخَطَأ، والنِّسْيَانُ" 61 الخبر، وحصول الفِطْر لا يتعلق به إثم.
= قال الربيع: فسألت الشافعي كيف أفتى بهذا.
فقال: هذا رجل قد أعرس في هذا الشهر شهر رمضان، وهو حديث السن، فسأل هل عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطء فأفتيته بهذه الفتيا ولعل الشافعي غلب على ظنه أن ذلك لا يحرك شهوته.
الجزء: 3 - الصفحة: 202
واعلم أن هذا التوجيه يتركَّب على مُقَدِمتين.
إحداهما: أن الإِكْرَاه إنما يُؤَثِّر في دَفْعِ المأثم.
والثانية: أن هذا ليس بمأثم، واقتصر هاهنا على ذكر الثانية، وفي "الوسيط" على ذكر الأولى -والله تعالى أعلم-.
قال الغزالي: فَأمَّا ذِكْرُ الصَّوْم احْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ النَّاسِي لِلصَّوْمِ فَإنَّهُ لاَ يُفطِرُ بأكْلٍ وَلاَ جِمَاعٍ (م و)، وَالغَالِطُ الَّذِي يَظُنُّ عَدَمِ طُلُوعِ الفَجْرِ أَوْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَفْطَرَ وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ في الآخِرِ.
قال الرافعي: ومن القيود المُدْرَجَة في الضَّابِطِ الَّذِي سَبَقَ كَونُ الوصولِ مع ذِكْرِ الصَّوم، فأما إذا أكل ناسياً نظر إن قَلَّ أكله لم يفطر خلافاً لمالك.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ فَليُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" 62. وإن كَثُر ففيه وجهان كالوَجْهِيْنِ في بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالْكَلاَمِ الكَثِير، وَإِنْ أَكَلَ جَاهِلاً بِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وكان قريب العَهْدِ بالإسْلاَمِ، أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل ذلك، لم يبطل صَوْمُهُ، إلا فَيَبْطُلُ، ولو جَامَع نَاسياً للصَّومِ فقد نقل المُزَني أن صَوْمَه لاَ يَبْطُلُ، وللأصْحَابِ فيه طريقان:
أصَحُّهُمَا: القطع بأنه لا يَبْطُلُ، كما نقله اعتبار بالأكل 63.
والثاني: أنه يخرج على قولين كما في جماع المُحْرِمِ نَاسِياً، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا أنكر مَا نَقَلَهُ المُزَنِي، وقال: لا نَصَّ لِلشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- فيه.
ولو أكل على ظَنِّ أن الصُّبْحَ لَمْ يطلع بَعْدُ، أو إن الشَّمْسَ قد غَرُبَتْ، وكَانِ غَالِطاً، فقد روى المُزَنِي أنه لا يجوز صَوْمُه، ووافقه الأصْحَابُ على رِوَايَتِهِ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وأما في الأولى فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ما رواه، وقال: لاَ يُوجَدُ ذَلِكَ في كُتُب الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- ومذهبه: أنه لاَ، يَبْطُلُ الصَّوْمُ إِذَا ظَنَّ أن الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعَ بعد؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وهو معذورٌ في بِنَاء الأَمْرِ عليه، بخلاف مَا في آخر النَّهَار فإن الأَصْلَ بقاء النَّهار، فالغالطِ فيهِ غَيْرُ مَعْذُور.
ومنهم من صحح ما رواه، وقال: لعلهُ نقله سَمَاعاً، ووجهه بأنه تحقق خلاف ما ظنه، واليقين مُقَدَّمٌ عَلَى، الظَّنِّ، ولا يبعد استواء حكم الغَلَطِ في دخول الوَقْتِ وخروجه
الجزء: 3 - الصفحة: 203
كما في الجُمُعة، وهذا هو الأَصَح [والأشهر] 64 في المذهب.
قال الإمام: فإن قيل: هَلاَّ خرج ذلك على القولين في خطأ القبلة.
قلنا: المخطئ آخراً لا يَكَادُ يُصَادِفُ أمارةً ظَاهِرَةٌ في هُجُوم اللَّيْلِ، واسْتِصْحَابِ النَّهَارِ في معارضة ما يَعِن لَهُ، وهو مع ذلك مُتَمَكِّنٌ مِنَ الصَّبْر إلى درك اليقين، فاقتضى ذلك الفرق بين البابين.
إذا عرفت ذلك وَعُدت إلى لفظ الكتاب فأعْلِمْ قوله: (فإنه لا يفطر) بالميم، وقوله: (ولا جماع) بالألف، لأن عند أحمد جماع النَّاسِي يُفْسِدُ الصَّوْمَ وبالواو، إشارةً إلى طريقة القَوْلَيْنِ، فقد تعرض لِلْخُلاَف فيه في الكتاب في "فَصْلِ الكَفَّارَةِ" وإن لم يذكره في هذا الموضع، ولو جعلت "الواو" على قوله: (لا يفطر) ليشمل الأكل أيضاً لم يبعد، لأنه أطلق القول بأنه لا يفطر النَّاسِي به، وفي الكثير منه الخِلاَف الذي سبق.
وقوله في مسألة الغالط: (فمفطر)، يجوز أن يُعَلَّم بالزَّاي والواو.
أما الزاي فلأن أبا سعيد المتولي حكى ذهاب المزني إلى أنه لا يفطر في الصُّورة الأُولَى، ومنهم من نقل ذِهَابَهُ إِلَيْهِ في الصُّورتين.
وأما بالواو فلأمرين:
أحدهما: ما حَكَيْنَا عن بعض الأصحاب في الصُّورة الأولى.
والثاني: أن الموفق بن طَاهِرَ حَكَى عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنه يجزئه الصَّوم في الطَّرفين.
وقوله: فمفطر، "ويلزمه القضاء" الجمع بينهما ضرب تأكيد، ولا ضرورة إليه، ثم لا يخفى أن الحكم بلزوم القضاء في الصَّوْمِ الواجب، أما في التطوع فيفطر ولا قَضَاء.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْبَغِي أنْ يَأكُلَ في آخِرِ النَّهَار إِلاَّ بِيَقِينٍ، فَأمَّا بِالاجْتِهَادِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَجُوزُ بِالاجْتِهَادِ، وَلَوْ هَجَمَ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الخَطَأ لَزِمَهُ القَضَاءُ في الآخِرِ وَلَمْ يَلْزَمْ في الأَوَّلِ.
قال الرافعي: لما تَكَلَّم في الغالط الذي أَكلَ، ثم تَبَيَّن خلاف ما ظَنَّه أراد أن يبين أن الأكْلَ ثم يجوز.
أما في آخر النَّهار بالأحوط ألا يَأْكُلُ إلاَّ بِتَيَقُّنِ غروب الشَّمْسِ، لأن الأصْلَ بقاء النَّهَار، فيستصحب إلى أن يستيقن خِلافَه، ولو اجتهد وغلب على ظَنِّه دخولُ اللَّيْلِ بِوِرْدٍ وغيره ففي جواز الأكْلِ وَجْهَان:
أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إِسحَاقَ الإِسْفَرايني: أنه لا يجوزِ، لقدرته على دَرْكِ اليَقِين بالصَّير.
الجزء: 3 - الصفحة: 204
وأصحهما: الجواز؛ لما روي "أَنَّ النَّاسَ أَفْطَرُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ -رضي الله عنه- ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ، وَظَهَرَتِ الشَّمْسُ".
وأما في أول النَّهار، فيجوز الأَكْل بالظَّنَّ والاجتهاد؛ لأن الأصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، ولو هجم وأكل من غير يقين ولا اجتهاد نظر إن تبين الخَطَأ فالحكم ما ذكرنا في الفَصْلِ السَّابق، وإن تبين الصَّواب فقد استمر الصوم على الصِّحة وليس لأحَدٍ أن يقول إذا أكل شَاكّاً في الغروب، وتبين الغروب، وجب ألا يَصِح صَوْمُه كما لو صَلَّى شاكاً في الوقت، أو في القبلة من غير اجتهاد، وتبين له الصَّواب لا تصح صلاتهُ، لأن هناك ابتداء العبادة وقع في حال الشك فصنع الانعقاد، وهاهنا انعقدت العبادة على الصِّحة، وشك في أنه هل أتى بما يفسدها ثم تبين عدمه ذكر هذا الفرق صَاحِبا "التتمة" و"المعتمد"، وإن لم يتبين الخَطَأ، ولا الصواب، واستمر الإشْكَال، فينظر: إن اتفق ذَلِكَ في آخرِ النَّهَار وَجَبَ القَضَاء؛ لأن الأصْلَ بقاؤه، ولم يبن الأكل على أمر يعارضه، وإن اتفق في أوه فلا قَضَاءِ، لأن الأصْلَ بقاء اللَّيْلِ وجوازُ الأَكْلِ.
وروى بعض أصحابنا عن مالك وجوبَ القَضَاءِ في هَذِه الصُّورة، وتردد ابن الصَّبَّاغ في ثبوتها عنه، ولو أكل في آخر النهار بالاجتهاد وقلنا لا يجوز الأكل بالاجتهاد كما لو أكل من غير يقين ولا اجتهاد 65.
قال الغزالي: وَلَوْ طَلَعَ الصُّبْحُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ انْعَقَدَ (ز) الصَّوْمُ وَلَوِ اسْتَمَرَّ فَسَدَ.
قال الرافعي: إذا طلع الصُّبْحُ وفي فِيهِ طَعَامٌ بأكله فليلفُظُه، فَإِن ابتَلعه فَسَدَ صَوْمُه، ولو لفظها في الحال لكن سبق مِنْه شَيْءٌ إِلَى جوفه بغير اختياره فقد نُقِل عن
الجزء: 3 - الصفحة: 205
"الحاوي" فيه وجهان مخرجان من سَبْق المَاءِ في المَضْمَضةِ 66.
ولو طَلَعَ الصُّبْحُ، وهو مجامع فنزع في الحال صومه، نَصّ عليه في "المختصر"، والمسألة تصور على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يحس وهو مجامع بتباشير الصبح، فينزع بحيث يوافق آخر النَّزْعِ ابتداءَ الطُلُوعِ.
والثاني: أن يطلع الصُّبْحُ، وهو مجَامِعٌ ويعلم بالطُّلُوع كما طَلَع وينزع كما علم.
والثالث: أن يمضي زمان بَعْدَ الطُّلُوعِ، ثم يعلم به.
أما هذه الصُّورة الثَّالِثة، فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِالنصّ، بل الصَّوم فيها بَاطِل، وإن نزع كما علم؛ لأن بعض النَّهار قد مضى وهو مشغول بالجماع، فأشبه الغَالِط بالأكل هذا ظَاهِر المَذْهَب، والخلاف الذي مر فيما إذا أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد فبَانَ خلافِه عَائِد هَاهنا بلا فرق، وعلى الصَّحيح لو مكث في هذه الصورة فلا كَفَارَةَ عَلَيهِ، لأن مُكْثَهُ مَسْبُوقٌ بِبُطْلاَنِ الصَّوْمِ.
وأما الصورتان الأوليان، فقد حكى الموفق بن طَاهِر أن أبا إِسْحَاقَ قال "النص محمول على الصُّورة الأولى، إما إذا طلع، وأخرج فَسَد صومه"، ولا شَكَّ في صِحَّة الصَّوْم في الصُّورة الأُولَى، لكِن حمل النَّصِ عَلَيْهَا، والحُكْمَ بِالْفَسَادِ فِي الثَّانِيَةِ مُسْتَبْعَدٌ لاَ مُبَاَلاةَ بهِ؛ بل قضية كلام الأئمة نقلاً وتوجيهاً، أن المراد من مسألة النَّص الصُّورة الثَّانية، وحكوا فيها خلاف مالكٍ وأحمد، والمزني -رحمهم الله- واحتجوا عليهم أن النزع ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع، كما لو حلف ألا يلبس ثوباً هُوَ لابسه فانتزعه في الحال لا يحنث.
وقوله: في الكتاب: (انعقد صومه) أُعْلِمَ بالميم والألف والزَّاي، إشارة إلى مذاهبهم، ويجوز أن يُعَلَّمَ "بالواو" أيضاً للمنقول عن أَبي إسْحَاقَ، وقد روى الحَنَّاطِي أيضاً وجهاً في المَسْألة، ولو طلع الفَجْر، وعلم به كما طَلعَ ومكث ولم ينزع فَسَدَ صَوْمُه، وهل عليه؟ الكفارة؟ نَصَّ في "المختصر" على أنَّهَا تَجِب، وأشار فيما إذا قال لامرأته: إن وَطَأْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثلاثاً فَغَيَّبَ الحَشَفَة، وطلقت، ومكث إلى أنه لاَ يَجِب المَهْرُ واختلف الأصحاب على طريقين:
أحدهما: أن فيها قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: وجوب الكفارة هاهنا، والمهر، ثم كما لو نزع وأولج ثانياً.
الجزء: 3 - الصفحة: 206
والثاني: لا يجب وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لأن ابتداء الفِعْلِ كَانَ مُبَاحاً.
وأصحهما: القطع بوجوب الكفارة، ونفي المهر.
والفرق: أن ابتداء الفعل لم تتعلق به الكفارة، فتتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماعُ في نَهَارِ رَمَضَانَ عمداً عن الكَفَّارة والوَطْءِ، ثم عير خَالٍ عن المقابلة بالمَهْرِ؛ لأن المَهْرَ في النِّكَاحِ يقابل جميع الوَطْئَات، وعند أبي حنيفة لا تَجِب الكَفَّارة بالمُكْثِ، واختاره المزني وساعدنا مالك وأحمد على الوجوب، والخلاف جَارٍ فيما إذا جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ تذكر الصَّوْم واستدَام، ثم تكلم الأئمة في هذه المَسَائِلِ، في أن أول الفجر كيف يدرك وَيُحَس، ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي متقدماً عليه فكيف ليستمر فَرْضُ العِلْمِ بِهِ، كما طلع، وللشيخ أبي محمد في الجواب عنه مَسْلَكَانِ حَكَاهُمَا الإمَام عَنْهُ.
أحدهما: أن المسألة موضوعة على التَّقْدِير كدأب الفُقَهَاءِ في أمْثَالِهَا.
والثاني: أنا تَعَبَّدْنَا بِمَا نطلع عليه، ولا معنى للصّبح إلا ظهور الضوء للنَّاظرِ، وما قبله لا حكم له، فإذا كان الشَّخْصُ عَارِفاً بالأوقات ومنازل القمر وكان بحيث لا حائل بينه وبين المطلع وترصد فمتى أدرك فهو أول الصُّبح المعتبر.
قال الغزالي: القَوْلُ في شَرَائِطِ الصَّوْمِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: ثَلاَثةٌ في الصَّائِم وَهِيِ النَّقَاة عَن الحَيْض والإِسْلاَم وَالَعقْلُ في جَمِيعِ النَّهَار، وَزَوَال العَقْلِ بالجُنُونِ مُفسِدٌ وَلَوْ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، وَاسْتِتَارُه بِالنَّوْمِ لَيْسَ بِمُفْسِد وَلَوْ في كُلِّ النَّهَارِ (و)، وَانْغِمَارُهُ بالإِغْمَارِ فِيهِ أَقْوالٌ أنَّهُ كالنَّوْمِ أَوْ كالْجُنُونِ، وَأَصَحَّ الأَقْوَالِ أنَّهُ إنْ أَفَاقَ في أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يَضُرَّهُ بَعْدَهُ الإِغْمَاءُ.
القول في شروط الصوم
:
قال الرافعي: يشترط في الصَّائِمِ ثلاثة أمور.
أحدها: النَّقعاءُ من الحَيْضِ والنّفَاسِ، فلا يصح صوم الحائض والنفساء على ما قدمناه في الحَيْض.
والثاني: الإسْلاَم، فلا يصح صَوْمُ الكَافِرِ أصلياً كان أو مرتداً، كما لا يصح مِنْهُ سائر العِبَادات، وهذان الشَّرْطَان معتبران في جميع النَّهَار، وحتى لو طَرَأَ حيض، أو ردة في آخِرِ النَّهَار بَطَلَ الصَّومُ.
والثالث: العقل، فلا يصح صوم المجنون، ولو جُنَّ في أثناء النَّهَارِ فَظَاهِرُ
الجزء: 3 - الصفحة: 207
المَذهب بُطْلاَنُ صَوْمِهِ، كما لو جُنَّ في خِلاَل صَلاَتِهِ تَبْطُلُ صَلاتُه.
وفيه وجه: أن عُروضَ الجُنُون كَعروضِ الإغْمَاء، وسيأتي حُكْمُه، وعَبَّر الشَّيْخُ أبُو إِسْحَاقَ عَنْ هَذَا الخِلاَفِ في "المهذب" بقولين:
الأول: الجديد.
والثاني: القديم.
ولو نوى من الليل، ونام جَمِيعَ النهار صَحَّ 67 صومه وعن أبي الطيب بْنِ سلمة، والإصْطَخْري: أنه لا يصح، كما لو مغمى عليه جميع النَّهار، واحتجا على ذلك بقوله في "المختصر: فإن أفاق في بَعْضِ النَّهَارِ، فَهُوَ صَائِمُ يعني المغمى عليه، ثم قال: وكذلك إِنْ أَصْبَحَ رَاقِداً، ثم استيقظ، فأشعر كلامه باشتراط الاستيقاظ في بَعْضِ النهار، والمَذْهَبُ الأَول.
والفرق بين النَّوْم والإغْمَاء إن سلمنا أن مستغرقه مُبْطِل وأن الإغماء يخرجه عن أهْلِيَّة الخِطَاب، ويلحقه بالمَجْنُون، والنَّائِم إذا نبه تنبه، ولهذا لا يسقُط قَضَاءُ الصَّلوَاتِ بِالنَّوْمِ، ويسقط بالإغْمَاء، ولو نوى من الَليل ثم عرض له الاغْماء، فقد نَصَّ في "المختصر" في "باب الصَّوْم" أنه إذا كان مَفِيقاً في جزء من النَّهَار صَحَّ صومُه، وفي "باب الظّهار" أنه إن كان مفيقاً في أول النَّهار صَحَّ صومُه 68، ويحكى مثله عن البويطي، وفي بعض كتبه أن المرأة إذا كانت صَائِمَةً فحاضت، أو أغمي عليها بَطَل صَوْمُهَا، وذلك يقتضي اشتراط الإفاقة في جميع النَّهَار.
وقال المُزَنِي: إذا نوى من اللَّيْلِ صَحَّ صومُه، وإن استغرق الإغماء جميع النَّهار كالنوم، وخرّج ابْن سُرَيْجٍ من نَصِّه في الظهار أنه يشترط الإفافة في طَرَفَي النَّهار، وقت طلوعِ الفَجرِ، ووقت غُروبِ الشَّمْسِ، وللأصحَاب في المسألة طَرِيقان، إثبات الخِلاَف ونفيه.
أما المُثْبِتُون لِلْخِلاَف فَلهُمْ طرق:
أظهرها: أن المسألة على ثلاثة أقوال:
أصحها: نصه في "المختصر" في "باب الصوم" وبه قال أحمد، ووجهه الإمام بأن
الجزء: 3 - الصفحة: 208
الدَّليلَ يقتضي اشتراط النِّيَّة، مقرونةً بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ العِبَادَةِ، إلاَّ أن الشَّرْع لَمْ يشترط ذَلِكَ، واكتفى بتقديم العَزْم دَفْعاً لِلْعُسْرِ، فلا بد من أن يقع المعزومُ عليه بحيث يتصور القَصْد إليه، وإمسَاك المَغمى عليه لا يقع مقصوداً، فإذا استغرق الإغماءُ امتنع التَّصحيح، وإذا وجدت الإفاقة في لَحْظة أَتْبَعْنَا زمان الإغماء، زمان الإفاقة.
والثاني: اشراط الإفاقة في أول النَّهار.
وبه قال مالك -رحمه الله- ووجهه: أنه حالة الشُّروع في الصَّوْم، فينبغي أن تجتمع فيه صفات الكمال، ولهذا خُصَّ أول الصَّلاَة باشتراط النِّية فيه.
والثالث: اشتراط الإفاقة في جَمِيع النَّهار كالإفاقة عن الجُنون، والنّقاء عن الحيض.
والطريق الثاني: أنه ليس في المَسْألَةِ إلا قَوْلاَن الأول والثاني.
وأما نصه الثَّالث فهو محمولٌ على ما إذا كان الإغماءُ مستغرقاً، أو على إغماء الجُنون، أو على أن جوابه رَجَع إلى الحَيْض دون الإغْمَاء، وقد يقع مثل ذَلِك في كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- حَكَى هذا الطريق والذي قَبْلَه الشَّيخ وأبو حَامِدٍ وغيره.
والثالث: أن المسألة عَلَى خمسة أقوال، هذه الثَّلاثة المَنْصُوصة، وقولان آخران مُخَرَّجَانِ.
أحدهما: ما ذكره المُزَنِيّ جعله بعض الأصحاب قولاً مخرجاً من النَّوْمِ، وبه قال أبُو حَنِيفة.
والثَّاني: ما ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ، ووجهه بأن الصَّلاَة لما اعتبرت النية فِيهَا ولم تعتبر في جَمِيعِهَا اعتبرت في طرفيها، كذلك حُكْمُ الإفاقة في الصَّوْمِ، واستضعفت الأئمة هذا القول حتى غلط صَاحِب "الحاوي" ابْنُ سُرَيجٍ في تخريجه، وقال: لا يعرف للشَّافِعِي -رضي الله عنه- ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأما النَّافون للخلاف فلهم طريقان:
أحدهما: أن المَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في أول النَّهَار، وما ذكره في الصَّوْمِ مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ على مَا بَيَّنَهُ فِي الظّهَارِ.
وأظهرهما: أن المسأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وهو اشتراط الإفاقة في جُزْءِ مِن النَّهَارِ، وَتَعيْين أَوَّل النَّهَارِ فِي نَصِّه في الظِّهار وقع على سبيل الاتفاق.
وأما النَّصُ الثَّالِثُ فقد قدَّمنا تأويله.
ولو نوى باللَّيل، ثُمَّ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عقْلُهُ نَهَاراً فقد قال في "التهذيب" يُرَتَّبُ على ذلك الإغماء.
إن قلنا: لا يَصِح الصَّوم في الإِغْمَاء فهاهنا أولى وإن قلنا: يصح فوجهان: والأصح: أن عليه القَضَاءِ؛ لأنه كان بِصُنْعِهِ، ولو شرب المُسْكِر لَيْلاً، وبقي سُكُرهُ فِي جَمِيع النَّهَار، فعليه القَضَاء، وَإِنْ بَقِيَ النَّهَارِ، ثُمَّ صَحَا فَهُوَ كَالإغْمَاءِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، قاله في "التتمة".
وأما لفظ الكِتَاب فمسألتا الجُنون، والنَّوْمُ معَلَّمَتَانِ بالواو؛ لما حكينا من الوجهين.
الجزء: 3 - الصفحة: 209
وقوله: (في الإغماء أقوال) يجوز إعلامه "بالواو" للطريقة النافية للخِلاَف، وما أَطْلَقه من الأقْوَال محمولٌ على طَريقة إِثْبَات الأَقْوَال الخَمْسَة، لكنه ذكر منها ثلاثة:
أحدها: المُخَرَّج الَّذِي اختاره المُزَنِي، وهو قوله: "كالنوم".
والثَّاني: منصوصة في بعض كتبه، وهو قوله: (كالجنون).
والثَّالث: منصوصه في "باب الظِّهَار".
وأما القولان الباقيان فلم يذكرهما، ولو حملنا ما أطلقه على الأقوال الثَّلاثة التي ذكرها وقدرنا حصره خلاف المسألة فيها لكان صَاحب الكتابِ منفرداً بنقل هذه الطريقة.
وقوله: (كالنوم أو كالجنون) التشبيه بهما مَبنِيٌّ عَلى ظَاهِرِ المَذْهَبِ فِيهِمَا، وجعله القول الثالث أصح الأقوال خلاف ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وإنما الأَصَح عِنْدَهُمْ ما قدَّمْنَا ذِكْره، وما أطلقه من عبارات الزَّوال والانغمار والاستتار فإنما أخذه من الإمام حيث جعل لاختلال العقل مراتب:
أحدها: الجنون، وهو يسلب خواص الإنسان، ويكاد يلحقه بالبَهَائم.
والثانية: الأغماء، وهو يُغْشِي العقل، ويغلُب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار.
والثالثة: النوم وهو مزيل للتمييز، لكنه سَهْلُ الإزَالَةِ، والعقل معه كالشَّيْءِ المَسْتُور الَّذِي يَسْهُلُ الكَشْفُ عنه، قال: ودونها مرتبة رابعةٌ وهي الغَفْلَة، ولا أثر لَهَا فِي الصَّوْمِ وِفَاقاً.
قال الغزالي: الرَّابعُ الوَقْتُ القَابِلُ لِلصَّومِ وَهُوَ جَمِيعُ الأَيَّامِ إلاَّ يَوْمِ العِيدَيْنِ (ح) وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (و) وَلاَ يصحُّ صَوْمُ المُتَمَتَّع فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقَ عَلَى الجَدِيدِ، وَصَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ صَحِيحٌ إنْ وَافَقَ نَذْراً أَوْ قَضَاءاً أَوْ وِرْداً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ فَهُوَ مَنهِيٌّ (م ح) وَفِي صحَّتِهِ وَجْهَانِ كَالصَّلاَةِ فِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ، وَيوْمُ الشَّكِّ أَنْ يَتَحَدَّث بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ مَن لاَ يَثْبُتُ الهِلاَلُ بِشِهَادَتِهِ كَالعَبِيدِ وَالفُسَّاقِ.
قال الرافعي: أيام السَّنَةِ تنقسم إلى الشَّك وغيره، وغيره ينقسم إلى يَوْمَي العِيد، وأيَّام التَّشْرِيق، وغيرها.
فأما غيرها من الأيام فهو قابلٌ للصوم بلا استثناء.
وأما يومَا العيد فلا يقبلانه خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-؛ لأن عنده لو نَذَرَ صومهما كان له أن صَوْمَ فيهما.
لنا: أنه روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَومِ
الجزء: 3 - الصفحة: 210
الأَضْحَى، وَيوْمِ الْفِطْرِ" 69.
وأما أيَّام التَّشْرِيق فهل يجوز للمتمتع العَادِم لِلْهَدْيِ أن يصومها عن الثَّلاثَةِ أيام اللاَّزِمة في الحج؟ فيه قولان:
القديم -وبه قال مَالِك-: أنه يجوز؛ لما روى عن عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أرْخَص للْمُتَمَتِّع إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ فِي الْعَشْرِ أَنْ صَوْمَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ" 70. وإلى هذا ميل الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
والجديد: أنه لا يجوز، بل هما في عدم قبول الصَّوْمِ كالعبدين؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَصُومُوا فِي هَذِهِ الأيَّام فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" 71 فإن فرعنا على القديم، فهل يجوز لغير المتمتع صَوْمُهَا؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن تجويز صَوْمِهَا للمتمتع إنما كان لأنه صَوْمٌ لَهُ سَبَبٌ، فيجوز مِثْلُ هذا الصَّوْمِ لكل أَحَدٍ دون التَّطوعات المحضة.
وقال الأكثرون: لا يجوز؛ لأن النَّهْيَ عَامٌّ، والرُّخْصَةُ وَرَدَتْ في حق المتمتع خَاصَّة 72، وذكر الإمام أن القاضي الحُسَيْنَ سلك مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد مُنْزَلة يَوْمِ الشَّكِ، قال: وما تراه قاله عن عقد.
وأما يوم الشَّكِّ 73 فقد روي عن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -رضي الله عنه- أنه قال: "مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكَّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ" 74 فلا يصح صَوْمُه عَنْ رَمَضَانَ خلافاً
الجزء: 3 - الصفحة: 211
لأحمد، حيث قال في رواية: إن كانت السماء مصحية كُرِه صَوْمُهُ، وإلا وَجَبَ صَوْمَهُ عَنْ رَمَضَانَ.
وفي رواية: إن صام الإمام صَامُوا، وإلا أفطروا، وعنه: رواية أخرى مثل مَذْهَبِنَا.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، وَلاَ تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعبَانَ" 75. ويجوز صَوْمُه عن قَضَاءٍ وَنُذُورٍ وكَفَّارَةٍ 76، وكذا إذا وافق وِردَهُ فِي التَّطوُّعِ بلا كراهية.
روي عن أبي هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لاَ تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صِيَاماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ" 77.
وعن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ، أنه يكره صَوْمُه عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ.
قال ابْنُ الصَّباَّغِ: وهذا خلاف القياس؛ لأنه إذا لم يكره منه مالَه سَبَبٌ من التَّطوع، فلأن لا يكرهَ فيه الفرض كَانَ أولى، ولا يجوز أن يصوم فيه التَّطوع الذي لا سبب له خلافاً لأبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- حيث قالا: "لا كراهية في ذلك".
لنا حديث عمار وأيضاً فقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَحَدُهَا الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ" 78. وهل يَصِحّ هذا الصَّوْم؟ فيه وجهان كَالْوَجْهَيْنِ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ.
أصحهما: لا؛ لأنه مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَيَوْمِ العِيدِ.
والثَّاني: نعم؛ لأنه قَابل للصَّومِ فِي الجُمْلَةِ.
ولو نذر صومه فهو عى هَذينِ الوَجهَينِ؛ فإن قلنا: يصح فليصم يوماً آخر، ولو صَامَه خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ، قاله في "التهذيب" ولا يخفى أن اليوم الموصوف بكونه يوم الشك هو الثلاثون من شَعْبَان، ومتى يَتَّصِفْ بهذه الصِّفَة؟ إن طبق الغيم ليلته فهو من شعبان، وليس بيوم شك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" 79 ولا أثر لِظَنِّنَا الرُّؤْيَةَ لَوْلاَ السَّحَاب لِبُعْد الهلال عن الشَّمْسِ، وإن كانت السَّمَاءُ مصحية وتراءى النَّاسُ الهِلاَلَ فلم يَرَوْهُ، فليس بيوم شكٍّ بطريق الأَوْلى إن لم يتحدث برؤية الهِلاَل أَحَدٌ، وإن وقع في ألْسِنَة النَّاس أنه رؤي، ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قاله عدل، وفرعنا على أنه لا يَثْبُت بِقَوْلِ وَاحِدٍ، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 212
قاله عَدَدٌ من النسوة، أو العبيد، أو الفُسَّاق، وَظُنَّ صِدْقُهُمْ، فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ 80، وحكى الموفق بْنُ طَاهِرِ عن أبي مُحَمَّد الباقي، أنه إذا كانت السَّمَاء مصحية ولم ير الهلال فهو يَوْم شَكٍّ، وعن الأستاذ أَبي طَاهِرٍ، أن يوم الشَّكِّ ما تردد بين الجائزين، من غير ترجيح، فإذا شهدت امْرَأَةُ، أو عبد، أَوْ صِبِيّ فقد تَرَجَّحَ أَحَدُ الجَانِبَيْنِ، وخرج اليوم عن كونه يَوْمَ شَكٍّ، والمشهور ما تقدم.
ولو كان في السماء قِطَعُ سَحَابٍ يمكن أن يرى الهلالُ مِنْ خِلاَلِهَا، وأن يخفى تَحْتَهَا، فقد قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ: إنه يَوْمُ الشَّكِّ، وقال غيره: إنما يكون كَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَدُّثِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَتَوَسَّطَ الإمَام بينهما، فقال: إن كان في بَلَد يستقل أهلها بطَلَبِ الهلال، فلم يتحدثوا برؤيته، فالوجه أن لا يُجعل الغَدُ يومَ شَكٍّ، وإن كان في سَفَرٍ، ولم يبعد رؤية أهل القُرَى فيحتمل أن يجعل الغَدُ يَومَ شَكٍّ، -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فارجع إلى لفظ الكتاب، وأعلم قوله: (إلا يوم العيدين، وأيام التَّشريق) بالحاء و"الميم" و"الألف".
أما "بالحاء" فلأن عنده صَوْمَها صَحِيحٌ عند النذر، فتكون قَابلَة للصَّوْمِ.
وأما بالميم؛ فلأن عنده يجوز للمتمتع صَوْم أيام التَّشريق، وهو رواية عن أحمد.
وقوله: (ولا يصح صوم المتمتع في أيام التشريق) إن قرئ "بالواو" كان مقطوعاً عَمَّا سبق، وأحوج إلى إعلام ما سبق بالواو للقول القديم، فإنها قابلةٌ للصَّوْمِ على ذلك القول، وإن قُرِئَ فلا يصح بالْفَاء ترتيباً له على ما سبق، كان أحسن، وأغنى عن الإعلام بالواو، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (على الجديد) بالواو، ولأنه يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن القول القديم في المسألة مَرْجُوعٌ عَنْه، فلم يثبت بَعْضُ الأَصْحَاب فيها خِلافاً.
وقوله: (فَهُوَ مُنْهِيٌّ) معلم بالميم والحاء.
وقوله: (أن يتحدث برؤية الهِلاَل) يجوز إعلامه بالواو.
أما لما روينا عن الشيخ فإنه لا يعتبر التحدث في تفسير يوم الشَّك، أو عن الأُسْتَاذِ، فإنه يجعل خبر العبيد ونحوهم مخرجاً له عن كونه يَومَ شَكٍّ.
قال الغزالي: القَوْلُ فِي السُّنَنِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: تَعْجِيلُ الفِطْر بَعْدَ تَيَقُّنِ الغُرُوبِ بِتَمْرٍ أَوْ مَاءٍ، وَالوِصَالُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَتَأخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَا إِكْثَارُ الصَّدَقَاتِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 213
الْقُرْآنِ، وَالاعْتِكَافُ لاَ سِيَّمَا فِي العَشْرِ الأَخِيرِ لِطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَكَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الهَذَيَانِ، وَكَذَا كَفُّ النَّفْسِ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَهُوَ سِرُّ الصَّوْمِ، وَتَرْكُ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَقْدِيمُ غُسْلِ الجَنَابَةِ علَى الصُّبْحِ.
قال الرافعي: من سنن الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الفِطْر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" 81. وإنما يستحب التعجيل بعد تَيَقُّنِ غُروبِ الشَّمْسِ، والسنة أَن يفطر على تَمْرٍ، فإن لم يجد فَعَلَى "ماء"، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ" 82.
وذكر القاضي الرّوَيانِي أنه يفطر على التَّمْرِ، فإن لم يجد فَعَلَى حَلاَوةٍ أُخرَى، فإن لم يجد فَعَلَى المَاءِ، وعن القاضي حُسَيْن أن الأولى في زَمَاننا أن يفطر على "مَاءٍ" يأخذه بكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ.
وقوله في الكتاب: (على تمر أَوْ ماء) ليس لَلتخيير، بل الأمر فيه على الترتيب كما بيناه.
ومنها: التَّسحر فهو مَنْدُوبٌ إليه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةٌ" 83.
ويستحب تأخيره ما لم يقع في مَظنة الشَّك.
روي: "أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ تَسَحُّرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَدُخُولِهِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً" 84.
ومنها: تَرْكُ الوِصَالِ فهو مكروهٌ لِغَيْرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" 85.
قال المَسْعُودِيُّ: أَصَحُّ ما قيل في معناه أني أعطى قوة الطاعِمِ وَالشَّارِبِ.
والوِصَالُ أن يصوم يَوْمَيْنِ فَصَاعِداً، ولا يتناول باللَّيْلِ شَيْئاً، وكَرَاهِيَةُ الوِصَالِ كَرَاهِيَةُ تَحْرِيمٍ أو تنزيه؟ حكى عن صاحب "المهذب" وغيره فيه وجهين:
الجزء: 3 - الصفحة: 214
أحدهما: أنها كراهية تَحْرِيم؛ لظاهر النَّهْيِ، ومبالغة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فِي مَنْعِ مَنْ وَاصَلَ.
والثاني: أَنَّهَا كَرَاهِيَةُ تَنْزِيه؛ لأن النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ مَخَافَة الضَّعْفِ، وهو أمر غَيْرُ متحقق وظاهر كلام الشافعي -رضي الله عنه- هو الأَوَّلُ، فإنه بعد ما روى خبر الوصال قال: "وفرق الله -تعالى- بين رسوله وبين خلقه، في أمور أباحها له، وحظرها عليهم"، فأشعر ذلك بِكَوْنِه مَحْظوراً، وأطلق في "التهذيب" أن المواصل يَعْصى، وذلك يُشْعِرُ بالحظر أيضاً.
ومنها: الجود والإفْضَال، فهو مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان آكد استحباباً اَقتداءً بِرَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه: "كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بالْخَيْرِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ" 86. والمعنى في تخصيص رمضانَ بِزِيادة الجُود، وإكثار الصَّدقات تَفْرِيغ الصَّائمين، والقائمين للعبادة بدفع حَاجَاتِهِمْ.
ومنها: كثرة تِلاَوَةَ القُرآنِ والمُدَارَسَةِ بهِ، وهو أن يقرأ على غيره، ويقرأ عليه غيره: "كَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَلْقَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانِ فَيَتَدَارَسَانِ الْقُرْآنِ" 87. ومنها: الاعْتِكَافَ، لا سِيَّمَا في العُشْر الأخير من رمضان لطلب ليلةِ القدر: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُوَاظِبُ عَلَيْهِ" 88.
ومِنْها: أَنْ يصَوْمَ الصَّائِم لِسَانَهُ عَنِ الكَذِب، والغِيبَةِ، والمُشَاتَمَةِ، ونحوها، ويكف نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ بِكَفِّ الجَوَارِحِ، فَهُو سِرُّ الصَّوْمِ، والمقصود الأَعْظَمُ مِنْهُ، روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ" 89.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ، وَلاَ يَجْهَلْ، فَإنْ امْرؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ" 90 قال الأئمة: معناه فَلْيقل في نفسه ولينزَجر.
ومنها: ترك السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لما ذكرنا في "سُنَنِ الوضوء" وأيضاً فقد روي عن خباب -رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلاَ تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالعشي إِلاَّ كَانَتَا نُوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَومَ
الجزء: 3 - الصفحة: 215
الْقِيَامَةِ" 91. وإذا استاك فَلاَ فرق بين الرطب واليابس بشرط أن يحترز عن ابتلاع شظية وتجرع رطوبة، وقد روي عَنْ عَلِي، وابْنِ عمر -رضي الله عنهم-: "أَنَّهُ لاَ بَأْسِ بالسِّوَاكِ الرَّطْب" 92. وقوله في الكتاب: (ترك السِّواك) معلم بالميم والحاء؛ لأنهما لا يكرهانه بعد الزَّوال، وبالألف؛ لأن المسعودي في آخرين حكوا عن أحمد أنه لا يُكْرَه بعد الزَّوال في النَّفْلِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ فِي الفَرْضِ وبالواو؛ لأن صاحب المعتمد حكى عن القَاضي حسين مِثْلَ مذهب أحمد.
ومنها: يستحب تقديم غسل الجَنَابة عَنِ الجِمَاع، والاحتلام عَلَى الصُّبْحِ، ولو أَخَّرَهُ عَن الطُّلُوعِ لَمْ يفسد صومه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصْبحُ جُنُباً مِنْ جِمَاع أهْلِهِ، ثُمَّ يَصُومُ" 93 وما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أَصْبَحَ جُنُباً فَلاَ صَوْمٌ لَهُ" 94 محمول عَند الأئَمِة على ما إذا أَصْبَحَ مُجَامِعاً واسْتِدَامَهُ، ولو طَهُرَت الحَائِضُ لَيْلاً، وَنَوَتْ الصَّوْمَ، ثم اغتسلت بعد طُلُوعِ الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهَا أيضاً.
هذا شَرْحُ السُّنَنِ الثَّمَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ، ولا يخفى أن منها ما يعم الصَّوْم، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ صَوْمَ رَمَضَانَ، وِللصَّوْمِ وَرَاءَهَا سُنَنٌ.
منها: أن يقول عند الفِطرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكِ أَفْطَرْتُ" 95.
ومنها: أن يُفَطِّرَ الصَّائِمِينَ مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عن عَشَائِهِمْ أَعْطَاهم ما يفطرون به مِنْ شربه، أو تمره، أو غيرهما.
ومنها: الاحتراز عن الحِجَامة، والقُبْلَة، والمُعَانقة، والعِلْك، وقد سبق ذِكْرُها، وكذا الاحتراز عن ذَوْقِ الشيء ومَضْغِ الطَّعَامِ للطِّفْلِ، وإن كان لا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِذَلِكَ.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي فِي مُبِيحَاتِ الإِفْطَارِ وَمُوجِبَاتِهِ، أَمَّا المُبِيحُ فَهُوَ المَرَض
الجزء: 3 - الصفحة: 216
وَالسَّفَرُ الطَّوِيلُ، وَطَارِئُ المَرَضِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مُبِيحُ، وَطَارِئُ السَّفَر لاَ يُبِيحُ، وَإذَا زَالاَ وَهُوَ غيْرِ مُفْطِرٍ لَمْ يُبَحِ الإفْطَار، وَالمُسَافرُ إِذَا أَصْبَحَ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ فَلَهُ الإفْطَارُ، وَالصَّومُ أَحَبُّ مِنَ الفِطْرِ فِي السَّفَرِ لِتَبْرِئَةِ الذِّمَّة إلاَّ إِذَا كَانَ يَتَضَرَرُ بِهِ.
قال الرافعي: كلام هذا القسم في مُبِيحَاتِ الإِفْطَار، ثُمَّ في أحكامه.
أما المبيح فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع، والنص، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 96 الآية، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمِ، وَشَطْرَ الصَّلاَةِ" 97.
وَشَرْطُ كَونِ المَرَضِ مُبيحاً، أن يجهده الصَّوْم مَعَه، ويلحقه ضَرَرٌ بشق احتماله على ما عَدَدْنَا وجوه المَضَار في التَّيَمُّم، ثم المرض إن كان مُطْبِقاَ فَلَهُ تَرْكُ النِّية باللَّيْلِ، وإن كان يُحَم وتنقطع نظر إن كان مَحْمُوماً وَقْتَ الشّروع، فله تَرْكُ النية، وإلا فَعَلَيِه أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ، ثم إنْ عَاد واحتاج إلَى الإفْطَار أفطر، وشرط كُوْنِ السَّفَرِ مُبِيحاً أَنْ يَكُونَ طَوِيلاً مباحاً كما سبق في القَصْر.
ثم في الفَصْل مسائل:
إحداها: لو أَصْبَح صَائِماً وهو صَحِيح، فمرض في أَثْنَاء النَّهَارِ، كان له أن يفطر لوجود المعنى المُحْوِج إلَى الإفْطَارِ مِنْ غَيْرِ اختياره، ولو أصبح صَائِماً مقيماً، ثُمَّ سَافَر لم يَجُزْ لَهُ أن يفطر في ذَلَكَ اليَوْمِ خلافاً لأحمد في رواية، وللمزني.
لنا: أن الصَّوْمَ عِبَادة تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا أنشأَها فِي الحَضَر، ثم سافر غَلَب حكم الحضر، كالصلاة، واحتج المزني بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَامَ فِي مَخْرَجِهِ إلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى بَلَغ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ أَفْطَرَ" 98. وبنى هذا الاحتجاج على ظنه أن ذلك كان في يَوْمٍ وَاحِدٍ.
قال الأصحاب: وهو وَهْمٌ فإن بين المدينة وكراع الغميم مَسِيرةَ ثَمَانِيَة أَيَّام، والمراد من الحَدِيث أَنَّهُ صَامَ أَيَّاماً فِي سَفَرِهِ، ثم أفطر، وقد قيل: إن المزني تَبَيَّن لَهُ ذَلِكَ، ثم رجع عن هَذَا الاحْتِجَاجِّ، وإن لم يرجع عن مذهبه.
وقوله في الكتاب: (وطارئ السفر لا يبيح)، يجوز أن يُعَلَّم مَعَ الألف والزاي بالوَاوِ؛ لأن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً أن المَسْأَلة عَلَى وَجْهَيْنِ، وأيضاً فإن الموفق ابن طاهر زعم أن ابن خَيْرَانَ أشار إليه، وعلى المذهب الصَّحيح لو أفطر بالجِمَاعِ لزمه الكفارة
الجزء: 3 - الصفحة: 217
خلافاً لِأَبِي حَنِيفة، ومالك ولأحمد في إحدى الروايتين.
ولو نوى المقيم بالليل، ثم سَافَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَإِنْ فَارَقَ العُمْرَان قَبْلَ الطُّلُوعِ فَلَهُ أن يفطر، وإن فارقة بعد الطُّلُوعِ فَلاَ، لأن ابتداء صَوْمِهِ وَقَعَ في الحَضَرِ.
الثَّانِية: لَوْ أصْبَحَ المُسَافِرِ صَائِماً، ثُمَّ أَقَام في خِلاَلِ النَّهَار، فهل له أن يفطر؟ ظاهر المذهب وبه قال أبُو إسْحَاق أَنَّهُ لَمْسَ لَهُ ذَلِك، كما لو افتتح الصَّلاَة في السَّفَرِ، ثم نوى الإِقَامة في أَثّنَائِهَا، أَوْ سَارَت بهِ السَّفِينة فَدَخَل البَلد، وهذا هو الَّذِي ذَكَرَه في الْكِتَاب، وعن ابْنِ أبي هُرَيْرَة أن له الفِطْر لأن الفطر مُبَاحٌ لَهُ في أَوَّلِ النَّهَارِ مع العلم بحال اليوم، فكذلك في آخره، كما لو استدام السَّفر.
ونقل عن "الحاوي" أن هذا هو المنصوص في حرملة.
ولو أصبح المريض صائماً ثم برأ في خلال النهار، فقد قطع كثيرون بأنه لا يجوز له الإِفْطَار، وطرد صاحب "المهذب" حكاية الوجهين فيه ولعله الأولى.
الثالثة: المسافر إذا أَصْبَح على نِيَّةِ الصَّوْمِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الفطر جاز له أن يفطر لدوام العذر، وقد روي أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِقَدَح مَاءٍ، لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ" 99.
وأبدى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحاق، والإمام في المسألة احْتِمَالاً، وَوَجْهاً.
بأنه شَرَعَ في فرض المقيمين فَلْيَلْزَمه، كَمَا لَوْ شَرَعَ في الصَّلاَةِ مُتِماً ثم أراد القَصْرَ، وإذا قلنا: بالمُشْهُور، فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحُسَيْنِ.
الرابعة: لِلْمُسَافِر أنْ يَصُوم، وله أن يفطر لِما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "غَزَوْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَن صَامَ، وَمِنَّا مَن أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ المفْطر عَلَى الصَّائِمِ" 100. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحمزة بن عمرو الأسْلَمِي -رضي الله عنه-: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" 101. وأيهما أفْضَلُ؟ إن كَانَ لاَ يَتَضَّررُ بِالصَّومِ، فالصَّوْمُ أَفْضَلُ.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقد ذكرنا وَجْهِه، وما يُحْكَى فِيهِ من الخِلاف في صلاة المُسَافِرين، وإن كَانَ يتضرر بالصَّوْم فالْفِطرُ أَفْضَلُ لَه، لِما روي عن جَابِرِ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَمَاَنَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَرَّ بِرَجُلٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَا بَالُ هَذا؟ قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي
الجزء: 3 - الصفحة: 218
السَّفَرِ" 102. وذكر في "التتمة" أنه لو لم يتضرر في الحَالِ لكنه كان يخاف الضَّعْفَ لو صام، وكان السَّفرُ سفرَ حَجٍّ، أو غَزْوٍ فالأولى أَنْ يفطر أيضاً، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر النَّاس بالفِطْرِ عام الفَتْحِ، وقال: "تَقْوُوا لِعَدُوَّكُمْ" 103.
وقوله: (إلا إذا كان يتضرر) ضبط الإمام التّضرر بخوف المرض، ولا شك أن خَوْفَ الهَلاَك في معناه.
واعلم: أن أصل المسأَلة قَدْ ذَكَرَة مَرَّة في صَلاَة المُسَافِرِينَ، لكن زاد هنا شيئين:
أحدهما: بيان علة أَفْضَلِية الصَّوْمِ.
والثاني: استثناء حَالَة التضرر ولو لم يذكرها، واقتصر على ما أورده في هذا الموضع لَكَفى.
وقوله: في أول الفصل: أما المبيح فهو المرض والسّفر يشعر ظاهره بحصر المبيح فيهما، لكن من غلبه العَطَشُ حَتَّى خَافَ الهَلاَك فَلَهُ الفِطْر، وإنْ كَانَ مُقِيماً صَحِيحَ البَدَنِ 104.
قال الغزالي: أمَّا مُوجِبَاتُ الإِفْطَارِ فَأَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ القَضَاءُ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَي كُلِّ تَارِكٍ برْدَةٍ (ح) أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ حَيْضٍ، وَلاَ يَجِب عَلَى مَنْ تَرَكَ بِجُنُونٍ أَوْ صِباً أَوْ كُفْرٍ أَصْلِيٍّ، وَمَا فَاتَ مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ في أَيَّامِ الجُنُونِ لاَ يُقْضَى (ح)، وَلَوْ أَفَاقَ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَفِي قَضَاءِ ذلكَ اليَوْمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُع في قَضَاءِ رَمَضَانَ.
قال الرافعي: مقصود الفَصْلِ الكَلاَمُ فِيمَنْ يَلْزَمه قَضَاءُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ النِّية الوَاجبةَ عمداً، أو سهواً فَعَلْيهِ القَضَاءُ، وكذلك كلُّ مَنْ أَفْطَرَ
نعم، لو كان إفطاره بحيث يوجب الكفارة، ففي القضاء خلاف سيأتي ذِكْرُه مِنْ بعد، وما فات بسبب الكُفْر لاَ يَجِبْ قَضَاؤه عَلَى الكَافِرِ الأَصْلِي، قال الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 105 الآية، ويجب على المرتد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- على ما مَرَّ في الصَّلاَة والمُسَافِر والمريض إذا أَفْطَرا قَضَيَا، قال الله
الجزء: 3 - الصفحة: 219
تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 106. وما فَاتَ بَالإغْمَاء يَجِبُ قَضَاؤُه، سواء استغرق جَمِيعَ الشَّهْرِ، أو لم يستغرق، لأنه نَوْع مرض يَغْشَى العَقْلَ بخلاف المجنون، ولهذا يَجُوزُ الإِغْمَاء عَلَى الأنبياء عليه السلام ولا يجوزُ الجُنُون عَلَيْهم، ويخالف الصَّلاةَ حيث يُسْقِطُ الإغْمَاءُ قَضَاَءَهَا؛ لأن الصَّلاَة تَتَكَرَّرُ، والإِغْمَاء قد يَمْتَّدُّ وَيَتكَرَّر، فوجوب القَضَاء يَجْرُّ عُسْراً وَحَرَجاً، ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابْنِ سُرَيْجٍ أن الإغْمَاء إذا استغرق أَسْقَطَ القَضَاءَ، ويجب على الحَائِضِ قَضَاءُ أَيَّام الحَيْضِ، كما مَرَّ في الحَيْضِ، ولا يجب الصَّوْمُ عَلَى الصَّبِي، والمَجْنُونَ، ولاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ولا فرق في إسْقاط الجُنُونِ، القضاءَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَغْرِقَ النَّهار، أو لا يستغرقه، ولا بَيْنَ أن يستغرق الشَّهر، أو لا يستغرقه.
وقال مَالِكٌ: الجنُونُ لا يسقط القَضَاء كالإغماء، وهو إحدى الرِّوايتين عن أَحْمَد، فَلْيَكُنْ قَوْلُه (بجنون) مُعَلَّماً بالميم والألف وبالحاء أيضاً، لأن اللَّفظ يشمل ما إذا ترك بِالْجُنون جَمِيعَ أَيَّامِ الشَّهْرِ، وما إذَا تَرَكَ بَعْضَهَا.
وَعِندَ أبي حنيفة -رحمه الله- إذا أفاق المَجْنُونُ فهي أثِناء الشَّهْر، فعليه قضاءُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ 107.
الجزء: 3 - الصفحة: 220
ويجوز أن يُعَلَّم بِالْوَاو أَيحضّ لِأُمورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدهَا: أن فيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي محمد رحمه الله حكاية قول مثل مذهب مالك.
والثاني: أن المُحَامِلِي ذكر أن المُزَنِي نَقَل في "المنثور" عن الشافعي -رضي الله عنه- مِثْل قول أبي حنيفة.
والثالث: أن المُحَامِلِيّ في آخرين حَكَوا عَنِ ابْنِ سُرَيجٍ مثل مَذْهَبِ مَالِكٍ، وهذا ينافي ما نقل عنه في الإغْمَاء، ويشبه أن يكون أَحَدُهُمَا غَلَطاً، وهذا أقرب إليهِ، لأن كل من نقله ضَعَّفَه.
وقوله: (وما فات من بعض الشهر في أيام الجنون لا يقضى) جَارٍ مَجْرَى التوكيد، والإِيضَاح، وإلا فقوله (على من ترك بجنون) يتناوله بإطلاقه، ولو أعدت العلامات على قولِهِ (لا يقضى) لأصبت.
أما علامة أبي حنيفة فظاهرة وأما غيرها فلأن من يأمر بالقضاء إذا استغرق الجُنون الشَّهْر أولى أن يأمر به عِنْدَ عَدَم الاسْتِغْرَاق، وما ذكرنا كله في الجُنُونِ الذِى لَمْ يَتَّصِلْ بسبب يَقْتَضِي القَضَاء، فأما إِذَا ارتَدَّ ثُمَّ جُنَّ، أو سكر، ثم جُنَّ، فقد روى الحَنَّاطِيّ فيه وجهين في لزوم القَضَاء، ولَعَلَّ الظَّاهِرَ الفرق بين اتصاله بالرِّدَّةِ واتصاله بالسُّكْرِ كَمَا مَرَّ في الصَّلاة.
وقوله: (ولو أفاق في أَثْنَاء النَّهَارِ ففي قضاء ذلك اليَوْمِ وَجْهَانِ) هذه الصُّورة معادة في درج زوال سَائِرِ الأعذار في أَثْنَاءَ النَّهَارِ، حيث قال: (وفي وجوب قضاء هذا اليوم تردد).
وسنشرحه.
ولا يجب التَّتابِع في قضاء رمضان، لما روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "سُئِلَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فقال: "إِنْ شَاءَ فرَّقَهُ، وإنْ شَاءَ تَابَعَهُ" 108 ويستحب ذلك، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: قال "مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلاَ يَقْطَعْهُ" 109.
واعلم قوله: (ولا يجب) بالميم، لأن الإِمام نقل عن مالك -رحمهما الله- إيجاب التَّتابع فيه، وتابعه المُصَنِّف، لكَن الذي رَوَاه الأكْثَرُونَ عن مالك: أنه لا يجب التَّتابع فيه، وإنما حكوا هَذَا المَذْهَب عَنْ دَاودَ، وبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهر، وذكروا أنهم وإن أوجبوه لَمْ يشرطوه للصِّحَّة.
= والثاني: أن النائم والمغمى عليه عاجزان عن استعمال العقل، ولا فرق بين العديم والعاجز في حق الاستعمال، وأما المجنون المستوعب -قلنا: وجوب القضاء امتنع لمانع وهو الحرج، وإن كان ما ذكرنا من المقتضى موجوداً، أما ههنا بخلافه.
ينظر طريقة الخلاف 69، 70.
الجزء: 3 - الصفحة: 221
قال الغزالي: الثَّانِي: الإمْسَاكُ تَشبهاً بالصَّائِمينَ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُتَعَدِّ بالإِفْطَارِ في شَهْرِ رَمَضَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ الفِطْرُ إِبَاحَةً حَقِيقِيَّةً كالمُسَافرِ (ح) والمَرِيضِ (ح) بَعْدَ القُدُومِ وَالبُرْءِ في بَقِيَّةِ النَّهارِ، وَبجِبُ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً إِذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: الإمساكُ تشبيهاً بالصَّائِمِينَ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، كالكفارة، فلا إمساك على من تَعَدَّى بِالإفْطَارِ في نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ.
قال الإمام: والأمر بالأمساك مشبه بالتَّغْلِيظ وطرف من العقوبة، ومضادة القَصْد، ثم الممسك متشبه وليس في عبادة بخلاف المُحْرِم إذا أَفْسَد إِحْرَامَه، ويظهر أثره في أن المُحْرِم بَعْدَ فَسَادِ إِحْرَامه لَو ارْتَكَب مَحْظوراً لزمته الفدية، والممسك لو ارتكب محظوراً لا يلزمه شَيْءٌ سوى الإِثم، وفي الفصل صور.
إحداها: يجب الإمساك على كل من تَعَدَّى بالإِفْطَار في رَمضَان، وكذا لو ارتد أو نوى الخُروجَ مِنَ الصَّوْمِ.
إن قلنا إنه يبطل بنية الخروج، ويجب أيضاً على من نَسِي النِّيَّة من اللَّيْل، وكان نسيانه يُشْعِرُ بِتَرْكِ الاهتمام بأمْرِ العِبَادَةِ، فهو ضَرْبُ تَقْصِيرٍ، ويجوز أن يوجه الَأمر بالأمساك بأن الأكل في نَهَارِ رمضان حَرَام على غير المعذور، فإن فاته الصَّوْم بتقصير أو غير تقصير لَمْ يرتفع التحريم.
الثانية: لو أقام المسافر أَوْ بَرَأَ المريضُ اللَّذان يباح لَهُمَا الإِفْطَار في أثناء النَّهار، فلهما ثلاث أحوال:
إحداها: أن يُصْبِحَا صَائِمَيْن، وداما عليه إلى زَوَال العُذْرِ، فقد ذَكَرْنَا المَذْهَب، وخلاف ابن أبِي هُرَيْرَة فيه.
والثانية: أن يزول عُذْرُهُمَا بَعْدَمَا أَفْطَرَ، فيستحب لَهُمَا الإِمْسَاكُ لِحُرمةِ الوَقْتِ، ولا يجب.
وبه قال مَالِكٌ خلافاً لِأَبي حنِيفَة -رحمه الله- حيث أوجبه.
وبه قال أحمد في أصح الروايتين.
لنا أن زَوَالَ العُذْرِ بَعْدَ التَّرَخُّصِ، لا يؤَثِّر كما لو قَصَر المُسَافِرُ، ثم أقام والوقت بَاقٍ، وإذا أكلا فَلْيُخْفِيَاه كَيْلاَ يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَة، وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَهُمَا الجِمَاع بعد زَوال العُذْرِ إذا لم تكن المرأةِ صَائِمةً بأن كانت صَغِيرةً، أو طهرت من الحَيْضِ ذَلِك اليَوْم.
والثالثة: أن يُصْبِحَا غَيْر نَاوِيَيْن، وَيزولُ العُذْرُ قَبْل أن يأْكُلاَ، فَهَل يَلْزَمُهُمَا الإِمْسَاكُ؟ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: نعم، كما لو يصل المُسَافِرُ حَتَّى أَقامَ، لاَ يَجُوزُ لَهُ القَصْرُ.
وأصحهما: أنه لا يَلْزِمَهُ، لأن من أَصْبَحَ تَارِكاً للِنِّية فَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِراً، وكان كما
الجزء: 3 - الصفحة: 222
لو أكَلَ، والوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ ظَاهِر المَذْهَب في المَذْهَب في الحَالَةِ الأُولَى، فأمَّا مَن جَوَّزَ لَهُ الأكْلَ ثُمَّ فهاهنا أولى أَنْ يَجُوز.
الصُّورة الثَّالثة: إِذَاَ أَصبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً، ثم ثبت أنه من رمضانَ فلاَ يخفى أنه يلزمه قَضَاؤهُ، وَهَلْ يجب عليه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ فيه قَوْلاَن: أصحهما: نعم؛ لأن الصَّوْمَ واجِبٌ عليه إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَعْرِفُه، فَإِذَا بَانَ لَزِمَهُ الإمْسَاك.
قال الإمامُ -رحمه الله- وتخريجه على القَاعِدة التي ذَكَرنا أن الأَمْر بالإمْسَاك تغليظ وعقوبة، أنا قد ننزل المُخْطِئ منزلة العَامِد؛ لانتسابه إلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ، ألَا ترى أنا نحكم بحرمان القَاتِل خَطَأ عن المِيرَاث.
والثاني: قاله في البويطي: لاَ، لأنه أفْطرَ بعذر فلم يلزمه إمساك بقية النَّهَارِ كَالمُسَافِرِ إِذَا قدم بعد الإفطار، وفرض أبو سَعْد المُتَولِّي هذين القولين فيما إذا بَانَ أنه من رَمَضَانَ، قَبْل أن يأكل شيئاً، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما إذا بَانَ بَعْدَ الأكْلِ، فَقَالَ إن لم نوجب الإِمْسَاك ثم فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
أَظْهَرْهُمَا: الوُجُوب أيضاً.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (في شهر رمضان) ينبه على ما قَدَّمنا أن وجوب الإمساك من خَوَاصِّ رمضان.
وقوله: (غير واجب على ما أبيح له الفطر) مُعَلَّمٌ بالْحَاء، والألف، ثم اللفظ متناول للحالة الثَّانية، والثَّالثة من أَحْوَال مَسْألة المُسَافِرِ والمريض على ما فَصَّلْنَا، فيجوز أن يُعَلَّم "بالواو" أيضاً للخلاف في الحالة الثالثة، وأيضاً فإنه حكى عن "الحاوي" وجهاً في أن المريض إذا أفطر ثم بَرَأَ هَل يلزمه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ وذكر أن الوُجُوبَ طريقه أصحابنا البغداديين، والمَنْع طريقة البصريين.
والفرق بين المَرِيضِ والمُسَافِرِ أَنَّ المَرِيضَ إِنَّمَا يفطر لِلْعَجْزِ، فإذا قدر وجب أَنْ يُمْسِك، والمُسَافِر يَفْطر رُخْصَة؛ وإن أطاق الصَّوْم.
وقوله: (إباحة حقيقية) فيه إشارة إلى الفَرْق بين صُورَةِ المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، وصورة يوما الشَّكِّ فإن أصح القولين وجوب الإمْسَاكَ يَومَ الشَّكِّ، وذلك لأن المُسَافِرِ والمريض يُبَاح لَهُمَا الأكْلُ مع العِلْمِ بِحَالِ اليَوْمِ، وَكَونه مِنْ رَمضَانَ حقيقة، وفي يوم الشَّكِّ إِنَّما أُبِيحَ الأَكْلُ، لأنه لم يتحقق كَوْنه من رمضان، فإذا تَحَقَّق لَزِمَه الإمْسَاك.
وقوله: (بعد القدوم) لا يخفى رجوعه إلى المُسَافر، وإن تَخَلَّلَ بينهما ذكر المريض، ثم هو في أكثر النُّسَخِ بَعْدَ القُدُوم وقبله، وطرح بعضهم قبله، لأنه أوضح من أن يَحْتَاج إلَى ذكره، والممكنَ فيه أن يقال: إنما ذكره كيلا يتوهم أن المُسَافِرَ إذا أَكَلَ وتقوى يلزمه الاقتصار عليه تقديراً لِلأكْلِ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وثبت أن بعض المعتنين بهذا الكتاب جعل مكانه "والبرء" وَهُو حَسَنٌ.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّبَا وَالجُنُونُ وَالكُفْرُ إِذَا زَالَ لَمْ يَجِبِ الإمْسَاكُ عَلَى وَجْهٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 223
ويجِبُ في وَجْهٍ، وَيجِبُ عَلَى الكَافِرِ دُونَهُمَا في وَجْهٍ، وَبَجَبُ عَلى الصَّبيِّ وَالكافِرِ دُونَ المَجْنونِ في وَجْهٍ لأنَّهُمَا مَأْمُورَانِ عَلَى الجُمْلَةِ، وَفي وُجُوبِ قَضَاءِ هَذَا اليَوْمِ أَيْضاً تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: إذا بلغ الصَّبِيُّ، أَو أَفَاقَ المجنونُ، أو أسلم الكَافِرُ في أَثْنَاء يَوْمٍ -مِنْ رمضانَ، فَهَلْ- يَلْزَمُهُم إمْسَاكُ بقية اليَوْم؟ فيه أربعة أوجه:
أصحهما: لا؛ لأنهم لم يدركوا وقتاً يَسَعُ الصَّوم، ولا أمروا به، والإمساك تَبَعٌ لِلصَّوْمِ، ولأنهم أفطروا بِعُذْرٍ فأشبهوا المُسَافِر والمريض.
والثاني: نعم؛ لأنهم أَدْرَكُوا وَقْتَ الإِمْسَاك وإن لم يدركوا وَقْتَ الصَّوْمِ.
والثالث: أنه يجب على الكافر دون الصَبِيِّ والمجنُونِ، فَإنَّهُمَا مَعْذُورَانِ، لَيْسَ إِلَيْهِمَا إِزَالة مَا بِهِمَا، والكافر مأمورٌ بِتَركِ الكُفْرِ، والإتْيَانِ بِالصَّوْمِ.
والرَّابعُ: أنه يجب عَلَى الصَّبِيِّ، والكَافِر دُونَ المَجْنُون.
أما الكَافِرُ فَلِمَا ذكر.
وأما الصَّبِيّ، فلأنه مُتَمَكِّن مِن الإِتْيَان بالصَّوْمِ، مَأمُور به أمر تدريب على مَا مَرَّ في الصَّلاة بخلاف المَجْنُون.
وقوله في الكتاب: (لم يجب الإِمسَاك) مُعَلَّم بالْحَاء، لأن مذهب أَبِي حنيفة -رحمه الله- مثل الوَجْهِ الثَّانِي بِالأَلِفِ؛ لأنه أَصَحّ الرِوَاَيَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وقوله: (ويجب) بالميم؛ لأن مذهب مالك كَالْوَجهِ الأول.
وإذا فهمت هذه الوجوه عرفت أن الكافر أولاهم بالوُجُوب والمَجْنُونُ أَوْلاَهُم بِالمَنْعِ، والصَّبِيّ بَيْنَهُمَا، ذلك أن ترتب فتقول، في وجوب الَإمْسَاك على الكَافِرِ وَجْهَان: إن أوجبنا فَفِي الصَّبي وجهان: إن أوجبنا ففي المجنون وجهان، ولك أن تعكس، فتقول: في وجوبه على المجنون وجْهَان.
إن لم يَجِبْ ففي الصَّبِيِّ وجْهان.
وإن لم يَجِبْ فَفِي الكَافِرِ وجْهَان، ولهذا الترتيب نَقَلَ صَاحِبُ "المُعْتَمد" طريقةً قاطعةً بالوُجُوب عَلَى الكَافِرِ.
هذا بَيَانُ الخلاف في وُجوب الإمْسَاك، وهل عليهم قَضَاءُ اليَوْمِ الَّذِي زَالَ العُذْرُ في خِلاَلِهِ؟ أما الصَّبِيّ إذا بلغ في حِلاَل النَّهَارِ، فينظر إن كان نَاوياً من اللَّيْلِ صَائِماً فظاهر المَذْهَبِ أنه لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَيلزَمه الإِتْمَام.
ولو جَامَعَ بَعْدَ البُلُوغِ فِيه فعليه الكَفَّارة، وفيه وجه: أنه يُسْتَحب الإِتْمَام ويلزمه القَضَاء؛ لأنه لم ينو الفَرْض، ويحكى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وإن أصبح مُفْطِراً فَفِيه وَجْهَان: وقال في "التهذيب" قولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُه القَضَاءُ كما إِذَا أدْركَ شيئاً مِنَ الوَقْتِ يَلْزِمَهُ الصَّلاة.
وأَصَّحهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -رحمه الله-: لا يَلْزَم، وَقَدْ ذَكَرنَا الفَرْق بين
الجزء: 3 - الصفحة: 224
الصَّوْمِ والصَّلاَةِ، في "كِتَاب الصَّلاَةِ" مَعَ طرف من فِقْهِ الْمَسْألَةِ وهذا الخِلاَفُ مُفَّرعٌ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ في أنه إذا بَلَغ صَائِماً فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فأما من يُوجِب القَضَاء ثُمَّ فهاهنا أوْلَى بِأَنْ يُوجِب.
وأما إذا أفاق المَجْنُون أو أَسْلَم الكَافِرُ فَفِيهمَا طَرِيقَانِ.
أحدُهما: طَرْدُ الخِلاَفِ، وهذا أَظْهَرُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والأَظْهَرُ مِنَ الخِلاَفِ أنه لاَ قضاء ويحكى ذَلِكَ فِي الكَافِرِ عَنْ نَصِّه في القَدِيم، "والأم"، والبويطي.
والثاني: القطع بالمنع في حق المَجْنُونِ، لأنه لم يكن مأموراً بالصَّوْمِ في أول النَّهَار، وبالإيجَابِ في حق الْكَافِرِ، لأنه مُتَعَدّ بِتَرْكِ الصَّوْمِ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ صَاحِبِ "التهذيب".
ويجوز أن يُعَلَّم قوله فيما سبق، (ولو أفاق في أثناء النهار، ففي وجوب قضَاء هذا اليوم وجهان) بالواو إشارة إلى الطَّرِيقة القَاطِعةِ بالمَنْعِ، وكذلك قوله هاهنا (تردد) لهذه الطريقة، والطَّريقة الجازمة بالإيجَاب في الكَافِرِ، فإنه أَجَابَ عَنْ طَرِيقَة طَرْدِ الخِلاَفِ في الصُّوَرِ إلا أن يفسر التردد الذي أَبْهَمَهُ بتردد الطَّريق في بَعْضِ الصّور، والقول أو الوجه في بَعْضِهَا، وهل لِلْخِلاَف في القضَاءِ تَعَلُّق بالْخِلاَف فهي الإمْسَاك تَشَبُّهاً؟ نقل الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيّ أن من يوجب التَّشَبه يعتكف به، ولا يُوجِب القَضَاء، ومن يُوجِب القَضَاء لاَ يُوجِبُ التَّشَبّه.
وعن غيره من الاصحاب أن الأمر بالقَضَاء فرع الأمر بالإِمْسَاك، فمن التزم الإِمْسَاك التزم القَضَاء، ومن لاَ فلاَ، وبنى صاحب "التهذيب"، وغيره الخلاف في وجوب الإمساك على الخِلاَفِ في وجوب القضاء إن أوجبنا القَضَاءَ أَوْجَبْنَاهُ، وإلاَّ فَلاَ، فهذه ثَلاثةُ طُرُقٍ، وهي على اختلافها متفقة على تعلق أحد الخِلاَفين بالآخر، والطَّريق الثَّانِي والثَّالِث يشكلان بالحَائِض والنّفَسَاء إذا طُهَرنَا في خِلاَل النَّهَار، فَإِنَّ القضاء واجبٌ عَلَيْهِمَا لاَ مَحَالَةَ؛ لأن مستغرق الحيض لا يسقط القضاء فمتقطعه أولىَ، والإمساك غَيْرُ وَاجب عَلَيْهِمَا إما بلا خلاف على ما رواه الإمام.
وإما على الأظهر، لأن صاحب "المعتمد" حكى طرد الخِلاَف فيهما، وإذا كان كذلك لم يستمر قولنا بأن القَضَاء فرع الإمْسَاك، ولا بأن الأمْسَاك فرع القَضَاء، والطَّريق الأول يشكل بصورة يوم الشَّكِّ، والمتعدي الإِفْطَار فَإِنَّ القَضَاء لاَزِمٌ مع التَّشَبه والله أَعْلَم.
قال الغزالي: وَمَنْ نَوىَ التَّطَوُّعَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرِ لِتَعَيُّنِ الوَقْتِ.
قال الرافعي: أيام رَمَضَانَ مُتَعينة لَصَومَ رَمَضَانَ، فإن كان الشَّخْصُ معذوراً بسفر أو مرض، فإما أن يَتَرَخَّص بالفطر، أو يصوم عن رَمَضَانَ، وليس له أن يصوم عَنْ فَرْضٍ آخر، أو تطوع.
وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وقال أَبُو حَنِيفَة: للمسافر أن يَصُوم عن القَضَاء، والكَفَّارة.
الجزء: 3 - الصفحة: 225
ولو صام عن تَطَوُّع ففي رواية يقع تطوعاً، وفي رواية يَنْصرف إلى الفرض.
وحكى الشيخ أبو محمد تردداً عن أصحابه في المريض الذي له الفِطْر إذا تَحَمَّل المَشَقَّة، وصام عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، وأعلمت المَسْألة بالواو؛ لأن الإمام حكى خلافاً فِيمَنْ أصبحَ فِي يَوْم رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوى التَّطوع قَبْلَ الزَّوَالِ فمذهب الجماهير أنه لا يَصِح تطوعه بالصَّوْمِ، وعن أبي إسْحَاق أنه يصح، قال: فعلى قياسه يجوز للمسافر التَّطَوُّع به.
قال الغزالي: الثَّالِثُ الكَفَّارَةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ (ح) فَلاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي إِذَا جَامَعَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي غيْرِ رَمَضَانِ.
قال الرافعي: الأَصْلُ في كَفَّارَةِ الصَّوْم مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتُ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً، قَالَ: لاَ؛ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
قَالَ: لاَ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً.
قَالَ: لاَ، قَالَ: اجْلِسْ فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ- فَقَالَ: خُذْ هذَا فَتَصَدَّقُ بهِ قَالَ: أَعْلَى أَفْقَر مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ" 110.
والكلام في مُوجِبِ الكَفَّارَةِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتهَا.
أَما الأَوَّلُ فقد قَالَ: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَن أَفْسَدَ صوم يوم من رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ، لِأَجْلِ الصَّوْمِ) وفي الضابط قيود.
مِنْهَا: الإفْسَاد، فمن جامع نَاسِياً لاَ يَفسُدُ صَوْمُهُ، عَلَى الصَّحِيحَ، كما قَدَّمْنَاه، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن قُلْنا: يفسد صَوْمُه وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وأحمد، فَهَل تُلْزَمُه الكَفَّارَةُ؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أَحْمَدُ-: لانتسابه إلى التَّقْصِير.
وأظهرهما -وبه قال مالك-: لا؛ لأنها تتبع الإثم.
وإذا عَرفت ذلك وَسَمْتَ قَوْلَ (فلا تجب) بالألف، وقوله: (لم يفطر) به وبالميم، وقوله: (على الصحيح) أي: من الطريقين:
الجزء: 3 - الصفحة: 226
ومنها: كون اليَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ فلا كفارة بإفساد التَّطَوّع، والنَّذْرِ، والقَضَاءِ، والكَفَّارَةِ؛ لأن النَّصَّ ورد في رمَضَانَ، وهو مَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لا يشركه غيره فيها.
قال الغزالي: وَلاَ علَى المَرْأَةِ لأنَّهَا أَفْطَرَتْ بِوُصُولِ أَوّلِ جُزْءٍ مِنَ الحَشَفَةِ إلَى بَاطِنِهَا، وَفيهِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الوُجُوبَ لاَ يُلاَقِيهَا، وَقِيلَ: يُلاَقِيهَا، وَالزَّوْجُ يَتَحَمَّلُ، وَلاَ يتَحَمَّلُ الزَّانِي، ولاَ الزَّوْجُ المَجْنُونُ وَلاَ المُسَافِرُ إذْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَلاَ عَنِ المُعْسِرَة فإنَّ وَاجِبَهَا الصَّوْمُ فَلاَ يُقْبِلُ التَّحَمُّلُ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ (ح م) بِغَيْرِ جِمَاعٍ مِنَ الأكْلِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ، وَيجِبُ بِالزِّنَا وَجِمَاعِ الأَمَةِ وَوَطْءِ البَهِيمَةِ (ح م) وَالإِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى (و).
قال الرافعي: نُوَضِّحُ فِقْهُ الفَصْلِ ثم نبين أنَّ مَسَائله بأيّ قيد تتعلّق.
المسألة الأولى: المرأة المَوْطُوءة إِن كانت مُفْطِرَةَ بِحَيضِ، وغيره، أو كانت صَائِمَة، ولم يبطل صومها لِكَوَنهَا نَائِمَةً مثلاً، فلاَ كَفَّارة عَلَيْهَا، وإن مكنت طَائِعة حَتَّى وطئها الزَّوْجُ، فقولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُهَا الكَفَّارة، كما يلزم الرّجل؛ لأن الكَفَّارة عَقُوبَة تَتَعَلَّق بِالْوَطْءِ، فيستويان في لُزُومِهَا كَحَدِّ الزِّنَا، وهذا أَصَحُّ الرْوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيفة، ويروى مِثلُه عَنْ مَالِكٍ، وَابنِ المُنْذِرِ، وهو اختيار القاضي أَبِي الطَّيِّب.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يختص الزَوْج بِلُزُومِ الكَفَّارَة.
واحتجوا له بأُمُورٍ: أحدهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأَعرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ إِلاَّ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مع مِسَاسِ الَحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ.
والثَّاني: حكى الكرَابِيسي أنه قال: صَوْم المرأة نَاقِص؛ لأنه يعرض أن يبطل بعروض الحَيْضِ، وإذا كَانَ كَذَلِكَ، لم يكن كَامِلَ الحُرْمَةِ، فَلَمْ تتعَلَّق بِهِ الكَفَّارَةُ.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وسنتكلم فيه.
التفريع: إن قلنا بالأول: فلو لَمْ تَجِبْ الكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وَجَبَتْ الكَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وكذا لو لم يبطل صَوْمُه، بأن كَانَ نَائِماً، فَاسْتَدخَلت ذَكَره، أو كَانَ نَاسِياً، وَهِيَ ذاكرة.
ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليَسَارِ والإعْسَارِ، وإن قلنا بالقول الأصَحِّ، فالكفارة التي يخرجها الزَّوج تختص به، ولا يلاقيها، أم تقع عنهما جميعاً، وهو يتحمل عنها؟ فيه قولان مُسْتَخْرِجَانِ من كَلاَمِ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- وقد يعبر عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنها تختص به، ولا يلاقيها؛ لأنه لَو تَعَلَّق الوَاجِبُ بِهَا لَأُمِرَتْ بِإخْرَاجِهِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 227
والثَّاني: أنها يُلاَقِيهَا، وهو متحمل.
ووجهه صَاحِبا "التهذيب" و"التتمة" بإلحاق الكَفَّارة بثمن ماء الاغتسال، كأنهما قَدَّرَاه متَفقاً عليه، لكن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً آخر قَاطِعاً بأن ثمن مَاءِ الاغْتِسَال عَلَيْهَا، لا عليه، وأشار إلى تَرْجِيحِهِ، ثم الأَصَح من هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عند صاحب الكِتَاب هو الأولُ، وبه قال الحَنَّاطِيّ وآخرون، وذكر الامَامُ أن ظاهر المَذْهَبِ هو الثَّاني، وقد يحتج له بقوله في "المختصر": "والكفارة عليه واحدة عنه"، لكن من قال بالأول حمله على أنها تجزئ عن الفعلين جميعاً، ولا يلزمها كفارة خَاصَّة خلاف ما قاله أبو حَنِيفة، ويتفرع على هَذين القَوْلَين صِوَر:
إحداها: إذا أفطرت بالزِّنا، أو بالوطء بالشُّبْهَة.
فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيها، فلا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وإن قلنا بالثاني؛ فعليها الكَفَّارة؛ لأن رابطة التَّحَمُّل الزَّوجِيَّة، ونقل عن "الحَاوِي" أن القَاضِي أَبا حَامِدٍ قَالَ: تجب الكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَالِ.
الثَّانية: لو كان الزَّوْجُ مَجْنوناً وقلنا بالأول فلا شيء عليها وإن قلنا بالثاني: فوجهان:
أظْهَرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يَلزَمُهَا الكَفَّارَةُ؛ لأن التَّحَمّل لاَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلهَذَا لَمْ تَجِبْ عليه الكفارة لِنَفْسِهِ.
والثَّاني: أنه يلزمه الكَفَّارة لَهَا: لأن مَالَه يَصْلُح لِلتَّحَمُّل، وإنْ كَانَ مُرَاهِقاً، فهو كَالْمَجْنُونِ؛ لأن المذهب أن فِعْلَه لا يُوجب الكَفَّارة، وخرج بَعْضُ الأَصْحَاب من قولنا: إن عمد الصبي عمد أنه يلزمه الكَفَّارة، فعلى هَذَا هُوَ كَالْبَالِغ، ولو كَانَ الزَّوْجُ نَاسِياً أو نائماً فاسْتَدخَلَت ذَكَرَه، فالحكم كما ذَكَرنا في المَجْنُون.
الثالثة: لو كان الزَّوْجُ مسافِراً، والمرأة حَاضِرة، وأفطر بالجِمَاع على قَصْد التَّرَخُّصِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن لم يقصد التَّرَخُّص فوجهان في لزوم الكَفَّارة.
أصحهما: أنَّهَا لاَ تَلْزَم؛ لأن الإفْطَار مُبَاحٌ له، فيصير شبهه في دَرءِ الكَفَّارَةِ، وهذا حُكُمُ المَرِيضِ، الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ صَائِماً، ثُمَّ جَامَعَ، وَالصَّحِيح إذَا مرض في أَثْنَاء النَّهَار، ثُمَّ جامع فحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوب الكَفَّارَةِ، فهو كَغَيْرِه، وحكم التَّحمُّلِ كَمَا سَبَقَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لاَ كَفَّارَةَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا العراقيون فيما إذا قَدِم المُسَافِر مفطراً، فأخبرته بأنَّها مفطرة وكانت صَائِمَةٌ أن الكَفَّارة عليها، إذا قلنا: إن الوُجوبَ يُلاَقِيها، لأنها غَرَّته وهو مَعْذُورٌ، ويشبه أن يكون هَذا جواباً على قولنا: إن المَجْنُونَ لاَ يَتَحَمَّل، وإلا فَلَيْسَ العُذْرِ هاهنا أوضح من العُذْرِ في المَجنُون، -والله أعلم-.
الرابعة: إذا فرعنا على القول الثاني وهو أن الوجوب يُلاَقيها، وجب اعتبار حَالِهِمَا، ولا يخلو إما أن يُتَّفِق حَالُ الزَّوْجِ والمرأة أو يختلف.
الجزء: 3 - الصفحة: 228
فإن اتفق حَالُهُمَا، نظر إن كَانَا مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَالإطْعَامِ أَجْزَأَ المخرج عَنْهُمَا وإن كانا من أَهْلِ الصِّيَام إِمَّا لِلإعْسَار بالعتق، أو لِكَوْنهِمَا مَمْلوكَينِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما صَوْم شَهْرَين؛ لأن الصَّومَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، ولا مَدْخَل للتحمل في عِبَادَاتِ الأبدان، وإن اختلف حَالُهُمَا لَمْ يَخُل إما أن يكون الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً مِنها، أو تَكُون هِى أَعْلَى حَالاً مِنْه، فإن كان الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً نُظِر إِنْ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِعْتَاقِ وَهِيَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ، وَالإِطْعَامِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أظهرهما -ولم يذكر العراقيون غَيْرَه-: أنه يُجْزِئ الإِعْتَاق عَنْهُمَا جَمِيعاً؛ لأن مَنْ فَرْضَه الصِّيَام، أو الإِطْعَام يُجْزِئه التَّكْفِير بِالْعِتْقِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى.
نعم، لو كانت أمةً فعليها الصَّوم؛ لأن الإعْتاق لاَ يُجْزِئ عَنْهَا.
قال في "المهذب": إلاَّ إذا قلنا: إن العبد يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ، فتكون الأمة كَالحُرَّة المُعْسِرة.
والثاني: لا يُجْزِئُ عَنْهَا لاختِلاف جِنْسِ الوَاجِب، وعلى هذا فعليها الصِّيام في الصُّورة الأُولَى وعَلَى مِنَ الإطْعَام فِي الصُّورة الثَّانيَة؟ فيها وجهان:
أظهرهما: أنه على الزَّوج، فَإِنْ عَجَزَ فِي الحَالِ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر؛ وذلك لأن الكَفَّارة على القَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ نفرع معدودة من مؤنات الزوجة اللاَّزِمَةِ عَلَى الزَّوْجِ.
والثاني -ذكره في "التهذيب"-: أنه عليها؛ لأن التَّحمل كالتَّداخُلِ لا يجزئ عِنْدَ اخْتِلاَف الجِنْس، وإن كان هُوَ مِنْ أهْلِ الصِّيَام، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الإِطْعَام فَالَّذِي قَالَه الأَئِمَةُ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ نَفْس، وَيُطْعِمُ عَنْهَا؛ لأن الصَّوم لا يتحمل بهِ، وقضية قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِجْزَاء الإعْتَاقِ عَنِ الصِّيَام فِي الصورة السَّابقة إِجْزَاء للصِّيَامَ عَنِ الإطْعَام؛ لأن مَنْ فَرْضُهُ الإطعَام لَوْ تحمل المَشَقَّة، وَصَامَ أجزأه، والصَّوْم كَمَا لا يتحمل به لا يتحمل وإن كانت الزَّوْجَةُ أَعْلَى حَالاً مِنْه، نظر إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَام صَامَ عَنْ نَفْسِهِ، وأعتق عنها إذا قَدِر، وإن كَانَتُ مِنْ أَهلِ الصِّيَامِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الإِطعَامِ صَامَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وأطعم الزَّوج عَنْ نَفْسِه.
المسألة الثَّانية: إذا أَفْسَدَ صَوْمَه بغير الجماع كالأكل، والشُّرب، والاستمناء، والمُبَاشرات، المفضية إلى الإنزال فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأن النَّص وَرَدَ فِي الجِمَاعِ وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاه، وَهَلْ يلزمه الفِدْيَة؟ فِيه خِلاَفٌ سَيَأْتِي مِنْ بَعْد.
وقال مالك: تجب الكَفَّارة بِكُلِّ إِفْسَاد يعصى به، إِلاَّ الرِّدَّة والاسْتِمنَاء والاستقاءة.
وقال أبو حنيفة: تَجِب الكَفَّارَة بتناول مَا يقصد تناوله، وَلاَ تَجِب بابتلاع الحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ، وَلاَ بِمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 229
وقال أحمد: لا تَجِبْ بالأكل والشُّرب، وتَجِب بالمُبَاشَرَاتِ المُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ.
الثَّالثة: تجب الكفارة بالزِّنَا وَجِمَاع الأَمَةِ، وكذلك بإتْيَانِ البَهِيمَةِ، والإتيان في غَيْر المأتى، ولا فرق بين أن ينزل أو لاَ يَنْزِل.
وذَهَبَ بَعْضُ الأَصْحَابِ إِلَى بناء الكَفَّارة فيها عَلَى الحَدِّ، إن أوجبنا الحَدَّ فيهما أو أوجبنا الكَفَّارة، وإلا فوجهان:
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إِتْيَان البَهِيمَةِ إنْ كَانَ بِلاَ إنْزَال لَمْ يتعلق بِهِ الإِفْطَار فَضْلاً عَنِ الكَفَّارَةِ، وإن كانَ مَعَ الإنْزَال أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَفِي اللّواطِ هَلْ يتوقف الإِفْطَار عَلَى الإِنْزَال؟ فِيهِ رَوَايَتَانِ، وإذا حَصَلَ الإِفْطَار فَفِي الكَفَّارَةِ روايتان.
والأظهر: أن الإِفْطَار لاَ يتوقف عَلَى الإنْزَالِ، وأَنَّ الكَفَّارَةَ تَجِب.
وعند أحمد تَجِب الكَفَّارَةُ فِي اللَّوَاطِ، وَكذَا فِي إِتْيَانِ البَهِيمَةِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوايتين.
واعلم أن المَسَائِلَ الثَّلاث في الفَصْل متعلقة بالقَيْدِ الثَّالِثِ في الضابط، وهو كون الإفساد بِجماع تَامّ فيدخل فيه صور المسأَلة الثالثة، ويخرج صور الثّانية، وأما الأولى قَقَدْ قَصَدَ صَاحِبُ الْكِتَاب بِوَصْفِ الجِمَاعِ بِالتَّمَام لِلاحْتِرَازِ عَنْهَا؛ لأن المرأة إِذَا جُومِعَت حَصَلَ فَسَادُ صَوْمِهَا قَبل تَمَام حَدِّ الْجِمَاع بِوُصُولِ أَوَّلِ الحَشَفَةِ إِلَى بَاطِنِهَا، فالجماع يَطْرَأُ عَلَى صَوْمٍ فَاسِدٍ، وَبِهَذَا الَمَعْنَى عَلَّلَ أصح القولين، وهو أن المرأة لا تؤمر بِإخْرَاجِ الكَفَّارة، ويروى هذا التَّعْلِيل عَنِ الأُسْتَاذِ أبِي طَاهِر، وَطَائِفَةٍ، لكن الأكثرين زَيَّفُوه، وقالوا: يتصور فَسَاد صَوْمِهَا بِالْجمَاعِ، بأن يولج وهي نائمةٌ أو نَاسِيَة، أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تُطَاوعُ بَعْدَ الإيلاَجِ وتستديمه، والحكم لا يختلف على القولين، فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهَا والوجوب لا يلاقيها مثنى عن الضابط.
وقوله: (وفيه قول قديم) أراد به القول الثاني، وهو أنها تُؤْمَر بإخْرَاجِ الكَفَّارة، كَالرَّجُلِ وهذا قد نقله الإمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" عن "الإملاء"، وليس تسميتة قديماً من هذا الوَجْه، فَإِنَّ "الإِمْلاَء" محسوب من الكتب الجَدِيدة، ولكن رأيت بعض الأئمة روايته عن القَديم، و"الإملاء" معاً، ويشبه أن يكون به في القديم قولان:
أحدهما: كالجديد؛ لأن المُحَامِلِيّ حَكَى القول الصَّحيح عَنِ الكُتُبِ الجَدِيدَةِ والقَدِيمة جميعاً.
وقوله: (ولا يتحمل الزاني) أي على قَوْلِنا: أن الوُجُوبَ يُلاَقِيهَا، والزوج يتحمل.
وأما مواضع العَلامات.
فقوله: (ولا على المرأة) مَرْقومٌ بالحاء والميم.
وقوله: (ولا الزوج المجنون، ولا المسافر) كلاهما بالواو لما قدمنا، وليس قوله: (إذ لا كفارة عليهما) خالياً في حق المسافر عن التفصيل، والخلاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 230
وقوله: (ولا عن المُعْسِرة) يشمل ما إذا كَانت معسرةً، وهو قادر على الإعْتَاق، وفي هذه الصُّورة خلاف تقدم، فلا يبعد إعلامه بالواو.
وقوله: (ولا كفارة على من أفطر بغير جماع) معلم بالميم، والحاء، والألف، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو أيضاً لأمور:
أحدها: أنه نقل عن "الحاوي" أن أبا علي بن أبي هريرة قال: "تجب بالأكل والشُّرب كفارة فوق كفارة المُرضع، والحَامِل، دُونَ كَفَّارَةِ المُجَامِعِ.
قال: أَقْضَى القُضَاة: وهذا مذهب لا يستند إلى خبر، ولا أثر، ولا قياس.
والثاني: أن أبا خلف الطَبَرِي 111، وهو من تلاميذه القَفَّالُ اختار وجوب الكفارة، بكل ما يأثم بالإفطار به.
والثالث: أن الحَنَّاطِيّ ذكر أن عبد الحكم روى عنه إيجاب الكَفَّارة فيما إذا جَامع فِيمَا دونَ الفرج، فأنزل.
ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتى معلّمان بالحاء والواو.
قال الغزالي: وَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَن الصَّبْحَ غَيْرُ طَالِعٍ فَجَامَعَ (ح).
قال الرافعي: إذا ظَنَّ أنَّ الصُّبْحَ غير طَالِعٍ فَجَامع، ثم تَبَيَّن خلافه، فحكم الإِفْطَار قد مر، ولكن لا كفارة عليه؛ لأنه غير مأثُومٍ بما فعل، فلا يَسْتَحِق التَّغْلِيظ.
قال الإمام -رحمه الله-: ومن قال بوجوب الكَفَّارة على النَّاسِي بِالْجِمَاع يقول بمثله هاهنا، لتقصيره بِتَرْكِ البَحثِ، ولو ظَنَّ أن الشَّمْسَ قد غربت فجامع، ثم بأن خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة عليه أيضاً، لأنها تَسْقُط بالشُّبهة، وهذا ينبغي أن يكون مفَرَّعاً عَلَى تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكَفَّارة وفاء بالضَّابِطِ المَذْكُور، ولما يوجب الكفارة.
ولو أكل الصَّائِم نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلاَنَ صَومه فَجَامع، فهل يفطر؟ فيه وجْهَان:
أحدهما: لا، كما لو سَلَّم عن ركعتين من الظُّهْرِ ناسياً، وتكلم عَامِداً لا تبطل صلاتُه.
وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر، كما لو جَامَع على ظَنِّ أن الصبح لم يطلع فَبَانَ خِلافُه، وعلى هذا فَلاَ تَجِب الكَفَّارة؛ لأنه وطئ وهو يعتقد أنه غَيْرُ صَائِم.
وعن القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أنه يحتمل أن تجب الكفَّارة؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوَطْءَ، ولو أفْطر المسافرُ بالزِّنَا مترخصاً فلا كَفَارَةٌ عَلَيْه لأنه وإن أثم بهذا الجِمَاع
الجزء: 3 - الصفحة: 231
لكن لم يأثم به بِسَبَب الصَّوْم، فإن الإفطار جائزٌ له، ولو زنا المقيمُ نَاسياً للصَّوم وقلنا: إن الصوم يفسد بالجَماع نَاسِياً، فلا كَفَّارة عليه أيضاً على الوَجْه الأصح؛ لأنه لم يأثم بسبب الصوم، فإنه كَانَ ناسياً له.
وإذا تَأمَّلْتَ هذه الصور عرفت اشتراكها في شيء واحد، وهو أن المجامع فيها مَأْثُوم بالجِمَاع بسبب الصوم، ثم منها ما لا إثم فيه، ومنها ما فيه إثم، ولكن لا بِسَبَب الصوم، وهي متعلّقة بالقيد الذي ذكره آخراً، وهو قوله: (أثم به لأجل الصوم) وهذا يجوز أن يقدر وصفاً واحداً به يحصل الاحتراز عن الصور كلها فحيث لا إثم، لا إثم بسبب الصَّوم، ويجوز أن يقدر وصفين:
أحدهما: كونه مأثوماً به.
والثاني: كونه مأثومًا به بسبب الصوم، فبالأول يحصل الاحتراز عن الصور التي لا إثم فيها وفيها جِمَاع المُرَاهِقِ والمُسَافر والمَرِيض على قصد الترخص كما سبق، وبالثَّاني يحصل الاحتراز عن الصّور التي يأثم فيها لا بالصّوم.
قال الغزالي: وَتَجِبُ عَلَى المُنْفَرِدِ (ح) بِرُؤْيةِ الهِلاَلِ، وَعَلَى مَنْ جَامَعَ مِرَاراً كَفَّارَاتٌ (ح)، وَتَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ ثُمَّ أنْشَأَ السَّفَر (ح).
وَلَوْ طَرَأَ بَعْدَ الجِمَاعِ مَرَضٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ سَقَطَ فِي قَوْلٍ وَلَمْ يَسْقُطْ فِي قَوْلٍ، وَتَسْقُطُ بِالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ (م) دُونَ المَرَضِ (ح) فِي قَوْلٍ.
قال الرافعي: في الفَصْلِ ثلاث مسائل:
إحداها: إذا رأى هلالَ رمضانَ وحده وَجَبَ عليه صَوْمُه، وإذا صامه وأفطر بالجِمَاع فعليه الكَفَّارة.
وبه قال مَالِكٌ وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أنه هتك حُرْمَةَ يوم من رمضانَ بإفساد صَوْمِهِ بالجماع، فأشبه سائر الأيام.
ولو رأى هلال شَوَّال وحده، وجَبَ عليه أن يفطر ويخفي إفطاره عن النَّاس كيلا يُتَّهم.
وعن أبي حنيفة وأحمد: أنه لا يفطر برؤيته وحده.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتَهِ" 112 وإذا رُؤي رجل يأكل يوم الثَّلاثين من رمضان بلا عذر عزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال لَمْ يقبل؛ لأنه متهم يريد إِسْقَاط التعزير عن نفسه، بخلاف ما إذا شَهِد أولاً فَرُدَّت شهادة، ثم أكل لا يعزر.
الثانية: لو أفطر بالجماع ثم جامع في ذلك اليومِ ثَانياً، فلا كَفَّارة عليه إذ الجماع الثَّاني لم يقع مفسداً، ولو جامع في يومين، أو في رمضانين فعليه كَفَّارَتَان، سواء كَفَّر عن الأول، أو لم يُكَفِّر، وبه قال مالك.
قال أبو حنيفة: إذا جامع في يومين، ولم يُكَفِّر عن الأول لم يلزمه إلا كفارةٌ واحدة.
وعنه فيما إذا كَفَّر روايتان، ولو جَامَعَ في
الجزء: 3 - الصفحة: 232
رمضانين فالمشهور أنه يلزمه كفارتان بِكُلِّ حال، وعنه رواية أخرى: أنه كاليومين.
وقال أحمد: إذا وَطِئَ في يومين فَكَفَّرَ عن الأول فعليه كَفَّارَةُ أخرى؛ وإن لم يُكَفِّر فلأصحابه فيه اختلاف.
لنا أن صوم كل يوم عبادة برأسها، فلا تتداخل كفارتاهما كالحجتين إذا جَامَع فيهما.
الثالثة: إذا أفسد صومه بِالْجِمَاع ثم أنشأً سَفراً طويلاً في يَومِهِ لم تسقط عنه الكَفَّارة؛ لأن السفر المنشأ في أثناء النَّهار لا يبيح الفطر فيه فعروضه لا يؤثر فيما وَجَب مِن الكَفَّارة، وعن صاحب "التقريب" والحَنَّاطِيِّ أن سقوط الكفارة مُخَرَّجٌ على خِلاَفٍ سنذكره في نَظَائِرِهِ، ويروى عن أبي حنيفة -رحمه الله- في المسألة روايتان:
أصحهما: أنها لا تسقط، وصاحب الكتاب لم يرو عنه في "الوسيط" إلا السقوط؛ ولذلك أعلم قوله في الكتاب: (وتجب على من جامع) بالحاء مع الواو.
ولو جامع ثم مرض، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه لا تسقط الكفارة أيضاً كالسفر.
أظهرهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تَسْقُطِ لأنه هتك حرمة الصَّوم بما فعل.
والثاني: تسقط؛ لأن المرض الطَّارئ يبيح الفطر، فيتبين به أن الصَّوم لم يقع مستحقاً، وبهذا قال أبو حنيفة، ولو طرأ بعد الجِمَاع جنون أو حيض فقولان أشار إليهما في "اختلاف العراقيين".
أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: أنها تسقط؛ لأن الجنون والحيض يُنَافِيان الصَّوم، فيتبين بعروضهما أنه لم يكن صائماً في ذلك اليوم.
والثاني: لا تسقط لَقَصْدِه الهَتْكَ أولاً، والمسألة في الحيض مُفَرَّعةٌ على أن المرأة إذا أفطرت بالجِمَاع تلزمها الكَفَّارة، وعروض الموت كعروض الحَيْضِ والجنون.
وإذا جمعت بين المرض والجنون والحيض انتظم فيها ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب، فإن ضممت السفر إليها، وتعرضت للطريقة البعيدة، حصلت أربعة أقوال، رابعها أنه يسقط بها دون السفر، والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ كَفَّارَة مُرَتَّبَةٌ ككَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفي وُجُوب القَضَاءِ وَجَوَازِ العُدُولِ مِنَ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ بِعُذْرِ شِدَّةِ الغُلْمَةِ، وَجَوَازِ تَفْرِيقِ الكَفَّارةِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ عِنْدَ الفقْرِ، واسْتقرَار الكَفَّارَة في الذِّمَّةِ عَنْدَ العَجْزِ عَنْ جَمِيع هَذِهِ الخِصَالِ وَقْتَ الجِمَاعِ خِلاَفٌ، فَفِي وَجْهٍ نَمِيلُ إِلَى القِيَاسِ وَنَحْمِلُ هَذِهِ القَضَايَا في حَدِيثِ الأعْرَابِيِّ عَلَى خَاصِّيتهمَا، وَفي وَجْهٍ نَعْمَلُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 233
قال الرافعي: القول في كيفية الكَفَّارة إنما يستقصى في "باب الكَفَّارات" 113، والكلام الجملي أن هذه الكفارة مرتبة كَكَفَّار الظِّهار، فيلزم عتق رقبة، فإن لم يجد فَصِيام شَهْرين، فإن لَمْ يَسْتَطع فإطعام سَتِّين مسكيناً لما ذكرنا في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وقال مالك: يَتَخَيَّرُ بين الخِصَال الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، والأصح عنه مثل مذهبنا.
ثم في الفصل صور:
إحداها: إذا أفسد صَوْمَه بالوقاع ولزمته الكفارة، هل يلزمه قَضَاء اليوم الذي أفسده معها؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنهم من يقول قولان: ووجه للأصحاب، لأنه حكى عن الإمام أنه قال: يحتمل أن يجب القَضَاء، ويحتمل أن يَدْخُل في الكَفَّارة، ولكل وجه.
أحدهما: أنه لا يجب القَضَاءِ؛ لأن الخَلَلَ الحَاصِلَ قد انجبر بالكَفَّارة، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأعرابي [بالقضاء مع] الكفارة.
وأصحهما: أنه يَجِبِ، لأنه روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل:"وَاقْضِ يَوماً مَكَانَهُ" 114.
وثالثها: أنه إن كفر بالصَّوم دخل فيه القضاء، وإلا فلا لاختلاف الجنس، قال: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكَفَّارة، ولا يتحمل الزَّوج، فإن الكَفَّارة إذا كَانَتْ صوماً لم تتحمل فما ظَنُّك بالقضاء.
الثانية: شدة الغلمة هل يكون عذراً في العُدولِ مِنَ الصِّيَامِ إلى الإِطْعَام؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي الذي جاءه، وقد واقع: "صُمْ شَهْرَيْنِ"، قال: هل أتيت إلا من قبل الصوم؟ فقال: "أَطْعِم سِتِّينَ مِسْكِيناً" 115.
والثاني: لا، لِمكان القدرة على الصَّوْمِ، وسنذكر ما الأظهر منهما.
الثالثة: لو كان من لزمته الكَفَّارة فقيراً، فهل له صَرْفُ الكَفَّارةَ إِلى أَهْلِهِ وأولاده؟ فيه وجهان.
أحدها: نعم لقوله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَعِيَالَكَ" 116.
الجزء: 3 - الصفحة: 234
وأصحهما: لا، كالزَّكَوات، وَسَائِرِ الكَفَّارَاتِ.
وأما الحديث فلا نسلم أن الَّذِي أمره بصَرْفِهِ إلى الأَهْلِ والعِيَال كَانَ كَفَّارة، وهذا لأنه يحتمل أنه لم يملكه ذلك، وإنما أراد أن يملكه لِيُكَفِّر، فلما أخبره بحاجته صَرَفَهُ إليه صدقة، ويحتمل أنه مَلَّكَهُ وأمره بالتَّصَدُّق به، فلما أخبره بحاجته أَذِنَ في أَكْلِهِ وإطعامه عِيَاله ليبين أن الكفارة إنما تجب إذا فضل عن الكفاية، وإن سلمنا أنه كان كفارة ولكن يحتمل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تَطَوَّع بالتكفير عنه، فسوغ له صرفه إلى الأهْلِ والعيال، فيكون فائدة الخبر أنه يجوز للغيفر التَّطَوع بالكَفَّارة عن الغير بإذنه، وأنه يجوز للمتطوع صَرْفُه إلى أَهْلِ المكفر عنه وَعِيَاله، وهذه الاحتمالات بأسرها منقوله عن "الأم".
الرابعة: إذا عجز عن جميع الخِصَال فهل تستقر الكفارة في ذمته؟ قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لِلَّه تنقسم إلى مَا تَجِب لاَ بِسَبَبٍ يباشره العبد، وإلى ما تجب بسبب يباشره، فالأول كزكاة الفِطْر إن كان قادراً وَقْتَ وُجُوبِهَا وجبت، وإلا لم تستقر في ذمته إلى أن يقدر.
والثاني: على ضربين: ما يجب على وجه البَدَل، كجزاء الصَّيد فإن كان قادراً عليه فذاك، وإلاّ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر تَغْلِيباً لمعنى الغرامة، وما يجب لا على وَجْهِ البَدَل ككفارة الوقَاع واليَمِين والقَتْلِ والظِّهار ففيها قولان:
أحدهما: أنها تَسْقُط عند العَجْزِ، كَزَكَاةِ الفِطْرِ، وبه قال أحمد:
وأصحهما: أنها لا تسقط كَجَزاء الصَّيْدِ، فعلى هذا مَتَى قدر على إحدَى الخِصَال لزمته.
واحتج للقول الأول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لَمَّا أَمَرَ الأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ لَمْ يَأمُرُهُ بِالإخْرَاجِ فِي ثَانِي الْحَالِ" 117، ولو وجب ذلك لأشبه أن يبين له.
ولمن رجح الثاني أن يقول: لم قلت: إن المصرف إلى الأهل والعِيال لم يقع تَكْفِيراً، فإنا روينا وجهاً مجوزاً له عِنْدَ الفقر إن سلمنا ذلك، ولكن يحتمل أن يكون الغرض باقياً في ذمته ولم يبين له ذلك؛ لأن حاجته إلى معرفة الوُجوب إنما تمس عند القدرة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهذا الذي ذَكَرْنَاه يوقفك على أنه لا يمكن الاستدلال بخبر الأعرابي في هذه الصورة، والتي قبلها على الجَمْعِ، وإنما يمكن الاستدلال به في إحداهما؛ لأن المأمور بصرفه إلى الأهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون.
إن كان لم يصح الاستدلال به في هذه الصورة.
وإن لم يكن لم يصح في الصورة السابقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 235
وأعرف بعد هذا في لفظ الكتاب شيئين:
أحدهما: أنه أطلق ذكْر الخِلاَف في الصور الأربع وفَسَّره بوجهين، وهو مسلم في الصورة الثانية والثالثة.
وأما الأولى فقد ذكرنا أن من الأصحاب من يجعل الخِلاَف فيها قولاً، وكذا ذكره القفال في "شرح التلخيص".
وأما الرابعة فالجمهور حكوا الخلاف فيها قولين، وإنما أطلق صاحب الكتاب فيها الوجهين تقليداً للإمام.
والثاني: أنه بين أن أحد طرفي الخلاف في الصّور جميعاً يوجه بالقياس.
والثاني: بظاهر الخبر وإذا جرينا على القياس حملنا قِصَّة الأَعْرَابِي عَلَى خاصيته، وخاصية أهله.
قال الإمام: وكثيراً ما كان يفعل ذَلِك رسول -صلى الله عليه وسلم- كما في الأضحية، وإرْضَاع الكَبير ونحوهما، وهذا وإن كان على بُعدٍ فهو أهْوَن من تشويش أصول الشَّرِيعة.
واعلم أن مثل هذا التأويل إنما يصار إليه عند الاضطرار، ولنا عنه مندوحة أما في غير الصّورة الثانية فقد بَيّنَّاه، وأما في الثَّانية فإنما يحتاج إلى تأويل الخبر، فيهما من يجعل الأظهر امتناع العدول إلى الإطعام بعذر شدة الغلمة، ومنهم صاحب الكتاب، فإنه أعاد المسألة في آخر "كتاب الكَفَّارات" وَرجَّحَ وجه الامتناع، وقضية كَلاَمِ الأكثرين التجويز، ولم يورد صاحب "التهذيب" غيره، فإذا صِرْنَا إليه عملنا بِظَاهِرِ الخَبَرِ، واستغنينا عن التأويل.
قال الغزالي: الرَّابعُ: الفِدْيَةُ وَهِيَ مُدٌّ مِنَ الطَّعَامِ مَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ.
قال الرافعي: الأصل في الفِدْية الخبر والأثر على ما سيأتي ذكرهما (وهي مُدٌّ مِنَ الطَّعام) لكل يوم من أيام رَمَضَان، وجنسه جنس زكاة الفِطْر، فيعتبر على الأصح غالب قُوتِ البَلَدِ، ولا يجزئ الدقيق والسويق كَمَا مَرَّ.
وقوله: (مصرفها مصرف الصدقات) ليس المراد من الصّدقات هاهنا الزكوات، فلا تصرف الفدية إلى الأصناف الثمانية، وإنما المراد التَّطوعات، وهي في الغالب مصروفه إلى الفُقَراء والمَسَاكِين، وكلُ مدٍّ بمثابة كَفَّارة تامة، فيجوز صَرْفُ عَدَدٍ منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكَفَّارة الواحدة، يجب صرف كل واحد مِنْها إلى مسكين، كما سيأتي في موضعه، ويجوز أن يعلم قوله: (مد) بالحاء والألف؛ لأنه روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنها مُدٌّ من بُرٍّ أو صاعٌ مِنْ تَمْرٍ.
وعن أحمد -رحمه الله- أنها "مدّ" مِنْ بِرٍّ أو نصف صَاعٍ من تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 236
قال الغزالي: تَجِبُ بِثَلاثةِ طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) فَوَاتُ نَفْسٍ الصَّوْمِ فِيمَنْ تَعَدَّى بِتَرْكِهِ وَمَاتَ قَبْلَ القَضَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ تُركتِهِ مُدٌّ، وقَالَ في القَدِيم: يَصُومُ عَنْهُ وَليُّه، وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَن فَاتَة بالمِرَضِ، وَيجِبُ عَلَى الشَّيْخِ الهَرِمِ عَلَى الصَّحِيح.
قال الرافعي: فقه الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان ومات قَبْلَ القضاء فله حالتان:
إحداهما: أن يكون موته بعد التمكن من القَضَاء، فلا بد من تَدَارُكِهِ بعد موته، وما طريقه؟ فيه قولان:
الجديد: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: أن طريقه أن يطعم من تركته لكل يَومِ مُدّ؛ لما روي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوُمٌ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ" 118، ولا سبيل إلى الصوم عنه، لأن الصوم عبادة لا تدخلها النِّيَابة في الحَيَاة، فكذلك بَعْدَ المَوْتِ كالصَّلاة.
والقديم: وبه قال أحمد: أنه يجوز لِوَلِيِّه أن يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَومٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" 119 وإذا فرعنا على القديم فلو أمر الولي أجنبياً بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة جاز، كما في الحج، ولو استقل به الأجنبي ففي إجزائه وجهان:
أظهرهما: المنع، والمعتبر على هذا القول الوِلاَية، على مَا وَرَدَ في لفظ الخَبَرِ، أو مطلق القَرَابة، أو بشرط العصُوبة، أو الإِرثْ توقف الإمام -رحمه الله- فيه، وقال: لاَ نَقْلَ عِنْدي في ذَلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرْث 120، والله أعلم.
ولو مات وعليه صَلاَة، أو اعتكاف لم يقض عنه وَلِيُّه، ولا 121 يسقط عَنْهُ الفِدْية، وعن البويطي: أن الشافعي -رضي الله عنه- قال في الاعتكاف: يعتكف عَنْهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 237
وليه.
وفي رواية: يطعم عنه وليه قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصَّلاة؛ فيطعم عن كل صَلاَةٍ مُدّاً، وإذا قلنا بالإطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمد اعتكاف يَوْمٍ بليلته، هكذا حَكاه الإمام عن رواية شيخه قال: وهو مشكل، فإن اعتكاف لحظة عبادة تَامة، وإن قيس على الصوم، فالليل ثم خارج عن الاعتبار 122.
الحالة الثانية: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء، بأن لا يزال مريضاً من استهلال شول إلى أن يموت، فلا شيء في تركته ولا على ورثته 123، كما لو تلف ماله بعد الحَوْل وقبل التَّمَكُّن من الأدَاء لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
المسألة الثانية: الشَّيْخ الهَرِم الذي لا يَطِيق الصوم أو يلحقه مشقه شديدة فلاَ صَوْمَ عليه، وفي الفدية قولان:
أحدهما: ويحكى عن رواية البويطي وحرملة: أنها لا تجب عليه.
وبه قال مالك، كالمريض الذي يرجى زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت، وأيضاً فإنه سقط فرض الصوم عنه فأشبه الصَّبِيَّ والمجنون.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنها تَجِب، ويروى ذلك عن ابن عمرو ابن عباس وأنس وأبي هريرة -رضي الله عنهم- وقرأ ابن عباس "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديِةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" 124، ومعناهُ: يُكَلَّفُونَ الصَّوْم فلا يطيقونه، والقولان جَارِيان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
الجزء: 3 - الصفحة: 238
وحكم صَوْم الكفارة والنذر حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولو نذر 125 في حال العجز صَوْماً، ففي انعقاده وجهان، وإذا أوجبنا الفدية على الشَّيخ، فلو كان معسراً هل تلزمه إذا قَدِر؟ فيه قولان كما ذَكَرنا في الكَفَّارة، ولو كان رقيقاً فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الإِعْسَار، وأولى بأن لا يجب، لأنه لم يكن من أهل الفدية عند الإفطار.
ولو قدر الشيخ بعدما أفطر على الصَّوْم هل يلزمه الصوم قضاء؟ نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه، لأنه لم يكن مخاطباً بالصَّوْمِ، بل كان مخاطباً بالفِدْية، بخلاف المَعْضُوب إذا أَحَجَّ الغيرَ عَنْه، ثم قد يلزمه الحَجُّ في قولٍ، لأنه كان مخاطباً، بالحَجِّ ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدى عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية، فيحتمل أن يكون كالحج، لأنه كان مخاطباً بالفدية على توهم أن عذره غَيْر زَائِلِ، وقد بانَ خِلافُه.
واعلم: أن في كون الشَّيْخِ مخاطباً بالفِدْيَة دون الصوم كَلاماً، فإن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافاً، في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصَّوم ثم ينتقل للعجز إلى الفدية أم يخاطب بالفِدَاء ابتداء 126؟ وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره.
وإذا كان كذلك فلصاحب "التهذيب" أن يمنع قول من قال إنه لم يكن مُخَاطباً بالصَّوْمِ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (فوات نفس الصوم) إنما أطلق اللفظ هكذا ليشمل القَضَاء، والأداء، فإن الفدية قد تجب مع القَضَاء على ما سيأتي، ثم ليس الفَوَات موجباً للفِدْية على الإطْلاَق بدليلِ الصَّبي، والمجنون، ومن لم يتمكن مِنَ القضاء؛ بل في بعض المواضعَ، وهو ما إذا أخر القضاء مع الإمكان، وفي حَقِّ الشيخ الهرم، فلذلك قال فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه، ثم قوله فيمن تعدى بتركه ينبغي أن يحمل على تَرْك الصَّوم نفسه، لا على ترك الأداء؛ والتعدي بترك نَفْسِ الصَّوم بعد ترك الأداء، إنما يكون بالتعدي في ترك القَضَاء، وقد يسبق إلى الفهم من لفظ صَاحِب الكِتَاب هاهنا، وفي "الوسيط" أن المراد التعدي بترك الأداء لكن القولين المَذْكُورين في أنه يصام عنه أو يطعم غير مخصوص به، بل الأكثرون من أصحابنا العراقيين إنما نقلوا القولين في المعذور بترك الأداء إذا تمَكَّن من القضاء، ولم يقض.
وقوله: (يصوم عنه وليه) في الحكاية عن القديم، ليس المراد منه أنه يلزمه ذلك، وإنما القول القديم أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا، أورده في "التهذيب"، وحكاه
الجزء: 3 - الصفحة: 239
الإمام عن الشيخ أبي محمد، وهو كالمتردد فيه.
ثم قوله: (يصوم) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم لِمَا سبق، وبالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يَصُوم عنه في قضاء رمضان، وفيه كلام الكتاب، ولكن لو كان عليه صَوْم نذر، صَامَ عنه وَليّه، وعندنا لا فرق على القولين.
وقوله: (ولا يجب على من فاته بالمرض) المراد منه الحالة الثانية، وهي أن يستمر المرض، ويمنعه من القَضَاء، ولو أفطر بعذر السَّفر ودام السَّفَر إلى الموت فلا شيء عليه أيضاً.
قال الغزالي: الثَّاني: مَا يَجِبُ بِفَضِيلَةِ الوَقْتِ، وَهِيَ في حَقِّ الحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَإذَا أَفْطَرَنَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا قَضَتَا وَافْتَدَتَا عَنْ كُلِّ يَوْم مُدّاً، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أنَّهُ لاَ يَجِبُ كالمَرِيضِ، وَهَلْ يُلْحَقُ بهمَا الإِفْطَارُ بِالعُدْوَانِ؟ وَمَنْ أَنْقَذَ غَيْرَهُ مِنَ الهَلاَكِ وَافْتَقَرَ إلَى الإفْطَارِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الحامل والمرضع إن خَافتا على أنفسهما أَفْطَرَتَا 127 وقَضَتَا ولا فدية عليهما كالمريض، وإن لم يَخَفَا من الصَّوم إلا على الولد فَلَهُمَا الإِفْطَار وعليهما القَضَاء.
وفي الفدية ثلاثة أقوال:
أصحها: وبه قال أحمد: أنها تجب؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ 128 أنه منسوخ الحكم إلا في حق الحامل والمرضع، وعن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الحامل والمرضع: "إذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَافْتَدَتَا" 129. والثاني: أنه تستحب لهما الفدية، ولا تجب، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، واختاره القاضي الرّوَيَانِي في "الحلية"، ووجهه تشبيه الحامل بالمريض لأن الضرر الذي يصيب الولد يتأدى إليها، وتشبيه المرضع بالمسافر لأنهما يفطران، لئلا يمنعهما الصَّوْم عما هما بصدده وهو الإرضاع في حَقِّ هذه، والسَّفَرُ في حق ذاك، وقد يشبهان معاً بالمريض والمسافر من حيث إن الإفطار مَانِعٌ لما والقضاء يكفي تداركاً.
والثالث: وبه قال مالك: أنها تجب على المُرْضع دونَ الحَامِلِ، لأن المرضع لا تخاف على نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف على الولد، فكانت كالمريض،
الجزء: 3 - الصفحة: 240
ويحكى القول الأول عن "الأم"، والقديم، والثاني عن رواية حرملة، والثالث عن البويطي، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد في أصح الوجهين، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها، أو غيره بإجارة أوغيرها 130؟ نفى صاحب "التتمة" الفرق، وقال: تفطر المستأجرة وتفدى؛ كما أن السفر لما أفاد جواز الإفطار لا يفترق الحال فيه بين أن يكون لِغَرض نَفْسِهِ أو غرض غيره 131.
وأجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى" بأن المستأجرة لا تفطر بِخِلاَف الأم، لأنها متعينة طبعاً، وإذا لم تفطر فلا خيار لأهل الصبي، ولو كانت الحامل أو المرضع مُسَافِرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض والسفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع.
ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: إذا أفطر بغير الجماع عمداً في نهار رمضان هل تلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنها واجبة على الحامل، والمرضع مع قيام العذر، والترخيص في الإفطار، فلأن تجب عليه، مع أنه غير معذور كان أولى.
وأظهرهما: لا، لأنه لم يرد فيه توقيف، وحيث وَجَبَت الفدية إنما وجبت جابرة، وهي لا تجبر ما تعدى، ولا يليق بعظم جريمته، ويخالف الحامل والمرضع، لأن هناك ارتفق بالإفطار شخصان فجاز أن يتعلق بهما بدلان وهما القضاء والفدية كالجماع، لما ارتفق به الرجل والمرأة تَعَيَّن القضاء والكفارة العظمى، وهاهنا بخلافه، وقَرَّب الإمام الوَجْهين في المسألة بالوجهين في أن من تعمد بترك الأبعاض هل يَسْجُد للسَّهْو؟
الثانية: لو رأى مشرفاً على الهُلاَك بغرق وغيره وهو بسبيل من تخليصه ولكن
الجزء: 3 - الصفحة: 241
افتقر في تخليصه إلى الإفطار فله ذلك 132 ويقضي، وهل تلزمه الفدية فيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القفال: نعم لأنه فِطْرٌ ارتفق بهِ شَخْصَان، كما في حق المرضع.
والحامل.
والثاني: لا، لأن إِيجَاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف، والوجهان فيما ذكر الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مبنيان على الخلاف في وجوب الفدية على الحامل والمرضع إن أوجبناها فكذلك، هاهنا، وإلا فلا، وأشار مُشِيرُون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفِدْيَة ثُمَّ وفرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نَفْسٍ عاجزة عن الصَّوْم خِلْقة، فأشبه إفطار الشَّيْخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصَّوم، -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (ما تجب بفصيلة الوقت) معناه: أن الفدية قد تَجِبْ جَبْراً، لفوات فضيلة الوقت من تدارك أصل الصَّوْمِ بالقضاء، وليس ذلك مُوجِباً على الإِطْلاق بدليل المسافر والمريض، وإنما تجب في المواضع التي عدها، فلذلك قال: وهو في حق الحامل ... " إلى آخره وقوله: و (افتدتا) معلم بالحاء والزاي، ويجوز أن يعلم بالميم أيضاً، وكذا قوله: (لا يجب عليهما)، لأن مالكاً يُفَصِّل، فلا يقول بوجوبها عليهما ولا بنفيها عنهما.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ لِتَأْخِيرِ القَضَاءِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ أُخِّرَ قَضَاؤُهُ عَنِ السَّنَةِ الأوُلَى مَعَ الإِمْكَانِ مُدٌّ، وَإِنْ تَكَرَّرتِ السِّنُونَ فَفِي تَكَرُّرِهَا وَجْهَانِ.
قال الرافعي: من عليه قضاء رمضان وأَخَّرَهُ حتى دَخَل رمضان السَّنةِ القَابِلة، نظر أن كان مسافراً أو مريضاً فلا شيء عليه بالتّأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جَائِز فتأخير القضاء أولى بالجواز، وإن لم يكن وهو المراد من قوله: (مع الإمكان) فعليه مع القَضَاء لِكُل يَومٍ مُدّ.
وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، والمزني.
لنا الأثر عن ابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ، ثُمَّ صَحَّ، وَلَم يَقْضِهِ حَتَّى أَدْرَكَ رَمَضَانَ آخَرَ، صَامَ الَّذِي أَدْرَكَ، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً" 133. ولو أخر حَتَّى مضى رمضانَانِ فَصَاعداً، ففي تكرر الفِدْية وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 242
أحدهما: أنها لا تتكرر، "بل تتداخل كالحدود؛ لأن الفدية إنما وجبت في السَّنَةِ الأولى، لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين وهذا لا يتكرر.
والثاني: أنها تتكرر.
قال في "النهاية" وهو الأصح، لأنه يجب عليه فدية لتأخير سنة، فيجب فديتان لتأخير سنتين، والحقوق المالية لا تَتَداخل، ولو كان قَدْ أفطر عدواناً، وعلقنا به الفدية فأخر القضاء فعليه لِكُلِّ يَوْمٍ فديتان واحدة للإفطار وأخرى للتأخير ولا تداخل لاختلاف الموجب، ورأيت فيما علق عن إبراهيم (المروروزي) ترتيبه على ما لو أخر القضاء حتى مضى رمضانان إن عددنا الفدية ثم فهاهنا أولى، وإلاّ فوجهان لاختلاف جنس الموجب، وإذا أخر القَضَاء مع الإمْكان ومات قبل أن يقضي وقلنا؟ الميت يُطْعَمُ عنه، فوجهان: أصحهما: أنه يخرج من تركته لكل يوم "مُدَّان" أحدهما لتأخير القَضَاء، والآخر لفوات أصْلِ الصوم.
والثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يكفي مُدّ.
وأما إذا قلنا: إن المَيِّت صَام عنه فصوم الولي يَحْصُلُ به تدارك أصل الصَّوْم، ويفدى عنه للتأخير، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح وهو إخراج "مُدَّين" فلو كان عليه قضاء عشرة أيام فمات قبل أن يَقْضِي ولم يبق من شَعْبَانَ إلاَّ خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مُداً، عشرة لأصل الصَّوْمُّ، وخمسة للتَّأْخِيرِ؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قَضَاء خمسة؛ ولو أفطر بغير عذر أوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان السنَةِ الثانية ومات قبل أن يقضي فالظاهر وجوب ثلاثة أمدادٍ لكل يومٍ، فإن تكررت السّنون زادت الأمداد، وإذا لم يبق بينه وبين رمضان السَّنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء الفَائِتِ فهل يلزمه في الحال الفِدْية عما لا يسع الوقت أم لا يلزم إلا بعد مَجِيء رمضان؟ فيه وجهان مشبهان لما إذا حلف لَيَشْرَبَنَّ ماء هذا الكوز غداً فانصب قبل الغد يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ ولو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجيء رمضان السنة القابلة ليؤخر القضاء مع الإمْكَان، ففي جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكَفَّارة عن الحِنْث المحظور 134، فهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 243
شرح الطّرق الثلاثة الموجبة للفدية على ما فيها من الخِلاَف، وإذا أردت حَصْرَها فقل: لا شك أن الفدية إنما تجب عِنْدَ فوات الأداء وإذا فات الأداء فإما أن نوجب القضاء أيضاً، وهو في حَقِّ من مات قبل القَضَاء، وفي الشيخ الهرم أولاً يفوت، فإما أن يقع مؤخراً عن رمضان السَّنة القابلة وهو الطريق الثَّالث، أو لا يقع، فتجب لفضيلة الوقت في المواضع المذكورة في الطَّرِيق الثَّانِي.
قال الغزالي: فَأمَّا صَومُ التَّطوعِ فَلاَ يَلْزَمُ (م ح) بِالشُّرُوعِ، وَكَذَا القَضَاءُ (م ح) إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الفَوْرِ.
"
القول في صوم التطوع
":
قال الرافعي: من شَرَع في صَوْمِ تطوع أو في صَلاَة تطوع لم يلزمه الإتمام 135 ولا قضاء عليه لو خرج من صومه، وصلاته، وبه قال أحمد.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يجوز الإفطار بِغَيْر عذر، ويجب القضاء، سواء أفطر بعذر أو بغير عذر.
وقال مالك: إن خرج بغير عذر لزمه القضاء، وإلا فلا.
لنا: ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: إِنَّا خَبَّأْنَا لَكِ حيساً، قَالَ: "أَمَّا أَنا كُنْتْ أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيه" 136. وعن أم هانئ - رضي الله عنه- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا صَائِمَةٌ؛ فَنَاوَلَنِي فَضْلَ شَرَابِهِ، فَشَرِبْتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: "إِن كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَصُومِي يَوْماً مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعاً، فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِيهِ، وَإِنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِيهِ" 137. وعندنا يستحب الإتمام، وإن لم يجب، ولو أفطر فيستحب القضاء؛ ولا يكره الخروج منه بعذر، وإن كان بغير عذر فوجهان:
أظهرهما: أنه يكره.
ومن الأعْذَار أن يَعزّ على من أضَافه امتناعه من الأكل، ولو شرع في صوم القضاء، هل له الخُروجُ مِنْه؟ نظر إن كان على الفور فلا، وإن كان على التَّراخي ففيه
الجزء: 3 - الصفحة: 244
وجهان: أحدهما: ويحكى عن القفَّال: أنه يجوز، لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافر يشرع في الصوم، ثم يريد الخروج منه.
والثاني: لا يجوز، لأنه صار متلبساً بالفَرْضِ، ولا عذرَ بهِ، فيلزمه إتمامه كما لو شرع في الصَّلاة في أول الوقت، والأول هو الذي أورده المصنف، وصاحب "التهذيب"، وطَائِفَةٌ، وقضية كلام الأكثرين ترجيح الثاني، وبه أجاب الرّويَانِي في "الحلية"، وحكاه صاحب "المعتمد" عن نصه في "الأم" وصوم الكفارة اللاّزمة بسبب حرام كالقضاء الذي هو على الفور، وما لزم بسبب غير مُحَرَّم كالقتل الخطأ فهو كالقضاء الذي هو على التَّراخي، وكذا النذر المطلق، وهذا كله مبنى على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور، إلى ما هو على التراخي، وهو الأشهر، فالأول ما تعدى فيه بالإفطار لا يجوز تأخير قضائه؛ لأن جواز التأخير ترفيه لا يليق بحاله.
قال في "التهذيب" وليس له الحالة هذه التأخير بعذر السَّفر.
والثاني: ما لم يتعد به، كما في حق الحائض، والإفطار بعذر السَّفر، والمرض، فقضاؤه على التَّرَاخِي ما لم يدخل رَمَضانُ السَّنَةِ القابلة، وفي كلام بَعْضِ أصحابنا العراقيين ما يرفع هذا الفَرْق المُحَامِلِي يقول في "التجريد"، ومن أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر فطراً لا تجب به كفارة فالقضاء يلزمه، ووقته موسع إلى شَهْرِ رمضانَ الثَّاني، ويمكن تأييد ما ذكروه بأنه قال في "المختصر": "ومن صام متفرقاً أجزأه، ومتتابعاً أحب إلي" والاستدلال أنه أطلق القول باستحباب التتابع في القَضَاء، ولو كان أحد نوعيه على الفَوْرِ لكان التّتابع فيه وَاجِباً لا محبوباً.
وقوله في الكتاب: (وكذا القضاء إذا لم يكن على الفور).
قد عرفت مما سبق أنه يجب إعلامه بالواو، ثم فيه شَيْءٌ من جهة اللفظ وهو أن هذا الكلام معطوف على قوله: (أما صوم التطوع فلا يلزم بالشروع)، فيكون أن القضاء إذا لم يكن على الفور لا يلزم بالشروع أيضاً، وإنما كان يحسن هَذَا أن لو كان ما هو على الفور يلزم بالشروع، وليس كذلك؛ بل هو لازم من ابتدائه إلى انتهائه.
قال الغزالي: وَصَوْمُ التَّطُوُّع في السَّنَةِ صَوْمُ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاء وسِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ عِيدِ رَمَضَانَ، وَفي الشَّهْرِ الأَيَّام البيض وَفِي الأُسْبُوعِ الاثْنِيْنَ وَالخَمِيس، وَعَلَى الجُمْلَةِ صَوْمُ الدَّهْرِ مَسْنُونٌ بِشَرْطِ الإِفْطَارِ يَومَ العِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق.
قال الرافعي: الأيام التي يستحب التطوع بصومها تنقسم إلى: ما يتكرر بتكرر السِّنين، إلى ما يتكرر بتكرر المشهور، وإلى ما يتكرر بتَكّرر الأسابيع.
أما القسم الأول: فمنه يَوْمُ عرفة، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ
الجزء: 3 - الصفحة: 245
سَنَتَيْنِ" 138. وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج.
فأما الحجيج فينبغي لهم أَلاَّ يَصُوموا، كي لا يَضْعُفُوا عن الدُّعاء وأعمالِ الحج، ولم يصمه النبي -صلى الله عليه وسلم- "عرفة"، وأطلق كَثِيرٌ من الأئمة كونه مكروهاً؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ" 139. فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصَّوْمِ فقد قال أبو سَعْدٍ المتولي الأول: أن يصوم حيازة للفَضِيلَتَينِ، ونسب غيره هذا إلى مذهَب أبي حنيفة -رحمه الله- وقال: الأولى عندنا ألا يَصُومَ بِحَالِ 140.
ومنه يوم عَاشُوراء روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَة" 141. ويوم عَاشُوراء هو العاشر من المحرم، وَيُسْتَحب أن يَصُومَ معه تَاسُوعاء، وهو التاسع منه، لِما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ، لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ" 142.
وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
أحدهما: الاحتياط فإنه ربما يقع في الهِلاَل غلط 143، فيظن العَاشِر التَّاسع.
والثاني: مخالفة اليهود، فإنهم لا يصومون إلا يوماً واحداً، فعلى هذا لَوْ لَمْ يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحَادِي عشر.
ومنه ستة أيام مِنْ شَوَّالٍ، يستحب صَوْمُها.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ" 144.
وعن مالك: أن صومَها مكروهٌ، والأفضل أن يصومها متتابعةً وعلى الاتصال، ليوم العيد مبادرة إلى العبادة، وإياه عني بقوله: (بعد عيد رمضان).
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن الأفضل أن يفرقها في الشَّهر.
وأما القسم الثاني فمنه أيام البيض، وهي الثَّالِث عشر، والرابع عشر والخامس
الجزء: 3 - الصفحة: 246
عشر 145 لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "أوْصَى أَبَا ذَرَ رضِيَ الله عَنْهُ بِصِيَامِهَا" 146 وإنما يقال أيام البيض على الإضافة، لأن المعنى أيام الليالي البيض.
وأما القِسْم الثَّالث فمنه يوم الاثنين والخميس، روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمُهَما" 147. وروي أنه قال: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثنين وَالْخَمِيس، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأَنَا صَائِمٌ" 148.
ويكره 149 إفراد يوم الجمعة بالصَّوْمِ، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" 150. وكذا إفراد يوم السَّبْتِ، فإنه يوم اليَهُودِ، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ" 151.
وأما قوله: (على الجملة صوم الدهر مسنون).
فاعلم أن المسنون يطلق لمعنيين.
أحدهما: ما واظب عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا شك أن صَوْمَ الدَّهْرِ ليس مسنوناً بهذا المعنى.
الجزء: 3 - الصفحة: 247
والثاني: الندوب، وفي كون صَوْمِ الدَّهْرِ بهذه الصفة كَلاَم أيضاً، فإن صاحب "التهذيب" -رحمه الله- في آخرين أطلقوا القول بِكَوْنِهِ مكروهاً، واحتجوا بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الله بْنِ عمر -رضي الله عنهما- "وَلاَ صَامَ مَنْ صام الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ" 152. وبما روي أَنَّه "نَهَى عَنِ صِيَامِ الدَّهْرِ" 153.
وفصَّل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضرراً أو يُفَوِّتُ به حقاً فيكره وإلا فَلاَ، وحملوا النَّهْيَ عَلَى الحالة الأولى، أو على ما إذا لم يفطر العيدين وأيام التشريق.
وقوله: شرط الإفطار يوم العيدين وأيام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط، لأن إفطار هذه الأيام يخرج الموجود عن أن يكون صَوْم الدَّهر، وإذا كان كذلك لم يكن شرطاً لاستثنائه، فإن استنان صوم الدهر يستدعي تحققه، وإنما المراد منه أن صوم سوى هذه الأيام مسنون، -والله أعلم-.
ولو نذر صوم الدهر لزم، وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة عنه، وكذلك شَهْر رمضَان، وقضاؤه إذا فرض فواته بعذر أو بغير عذر، وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القَاسِم الكَرَخِي فيه جهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب" أنه لا فدية، ولو نذر صوماً آخر بعد هذا النَّذْرِ لم ينعقد، ولو لزمه صَوْم كفارة صام عنها، وفدى عن النَّذر، ولو أفطر يوماً من الدَّهْرِ فَلاَ سَبِيلَ إلى القَضَاءِ، ولا فدية إن كان بعذر وإلاّ فتجب الفدية.
ولو نذرت المرأة صوم الدهر، فللزوج مَنْعها، ولا قضاء ولا فدية، وإن أذن أو مات فلم تصم؛ لزمها الفدية 154، -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 248