العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الجِرَاحِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قَالَ الْغَزَالِيُّ: القَتْلُ كَبِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا الكَفَّارَة وَالقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، وَالنَّظَرُ في القِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَمِنَ النَّفْسِ فِي المُوجِبِ وَالوَاجِبِ، وَالمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ لَهُ ثَلاثةُ أَرْكَان

ٍ: الرُّكْنُ الأَوَّلُ: القَتْلُ

وَهُوَ كُلُّ فِعْلٍ عَمْدٍ مَحْضٍ عُدْوَانٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُزْهِقَاً لِلرُّوحِ.
قَالَ الرَّافِعِيَّ: هذا الكتاب يُتَرْجَم تارةً بكتاب "الجِرَاح" وأخرى بكتاب "الجِنَايَاتِ" والغَرَضُ لفظ يَشْمَل القتل والقَطْع والجرُوحَ الَّتي تُزْهِقُ، وَلَاَ تُبِينُ، فإِنَّ للقصاص والدية مدخلاً فيها جميعاً ولا شبهة في شمول لفْظ الجنايات لجميعها، وأما الجِرَاحُ، فهي جمْعُ جِرَاحَةٍ بالكسر، فتتناول الجراحة المزهقة، والمبينة والتي لا تُزْهِقُ ولا تُبِينُ، والقتل، وإنْ كان لا ينحصر طريقه في الجراحة، لكنها أغلب طُرُقِهِ، فحسنت الترْجَمَة بذلك، ويقال جَرَحَهُ جَرْحاً، والجُرْح بالضم الاسم، والجمع جروح، وقَتْلُ النفسِ من غير جريحة محرَّمٌ، بل هو من أعظم الكبائر 1. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] وسُئل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّ الذَّنْب أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ -عزَّ وجلّ- فَقَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً، وَهُوَ خَلَقَكَ قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: أَنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 117

تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ" 2. وعن عثمان -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"لاَ يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، وزِنَاً بَعْدَ إِحْصَان، وَقتلَ نفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" 3. وفي الخَبَر: "لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ زَوَال الدُّنْيَا" 4 أيضاً "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِم، وَلَو بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقَى الله -تَعَالَى- وَهُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ" والإجماع منعقِدٌ عليه، ويتعلَّق بالقتل المحرَّم وراء العقوبة الأخروية مُؤَاخَذَاتٌ في الدنيا.
إحْداها: القِصَاصُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وقال عز اسمه: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى﴾ [البقرة: 178] وقال -عزَّ وجلّ-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] قال الأصحاب - رحمهم الله-: هذا، وإن كان خَبَراً عما في التوراة، لكنْ شرْعُ من قبلنا شَرْعٌ لنا، إذا لم يَردْ نَاسخ له، على رأْي الأصوليين، وبتقدير أن لا يكون كذلك، فإن وَرَدَ ما يقرِّره، فهو شرعٌ لنا، لا مَحالة وقد رُوِيَ أن: الرُّبَيَّعَ بنْتَ النَّضْرِ عمَّةَ أنس بن مالك -رضي الله عنهما- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارَيةٍ فأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالِقصَاص، فَقَالَ: "أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّع، لا، واللهِ، فقالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "كِتَاب اللهِ القِصَاصُ" وليس في كتاب الله تعالى ذكْرُ قِصَاصِ إلا في هذه الآية.
والثانية: الدِّيَة.
والثالثة: الكفَّارة ولهما بابان مفردان سيأتيان في موضعهما -إن شاء الله تعالى- والمقصود الآن الكلامُ في القصاص، وأشار بقوله في الكتاب: "والقصاص أو الدية" إلى أنهما لا يجتمعان لا وجوباً ولا استيفاء، وقد يوجَدُ في النسخ "والقِصَاصُ وَالدِّيَةُ" هو صحيحِ أيْضاً أي يتعلَّقان بالقتل في الجملة، وقدَّمَ الكفارة عليهما في الذِّكْر؛ لأنهما أعم مجالاً، وتجامع كلاً منهما [وقد تنفرد عنهما] 5.

الجزء: 10 - الصفحة: 118

ثم القِصَاصُ لا يختص بالنَّفْس، بل يجري في غير النفس من الأطراف وغيرها، والكلام فيه فَنَّانِ: أحدهما: في المُوجِب للقِصَاص.
والثاني: في حكم القصاص الواجب استيفاءً تارةً وعفْواً أخْرَى.
أما الفَنُّ الأول: فهو مرتَّب على نوعين: قِصَاصِ النَّفْسِ، وقِصَاصِ الأطراف والجراحات.
أما النوع الأول: فللموجب فيه ثلاثةُ أركانٍ، وهي: القَتْلُ والقَتِيلُ، وَالْقَاتِلُ، وإذا كانت هذه الأركان بالصفات المفصَّلة من بعد، تعلق بها القصاص، هذا هو الترتيب المسبوق في الكتاب، وكان من حقِّه أن يقول: "والنَّظَر في القِصَاصِ في المُوجِب والوَاجِبِ، ومِنَ الموجِبِ في النفس والطرف"، وكذلك فعل في "الوسيط".
وقوله هاهنا: "والنظر في القصاص في النفس والطرف، ومن النفس في الموجب والواجب" لا يلائم موضع التفصيل.
الركن الأول: القَتْلُ قال: "وهو كل فعل عمد محْض عدوان مِنْ حيْثُ كَوْنُهُ مَزْهِقاً للروح" ومعناه أن القتل الَّذِي هو ركْنٌ وجوب القصاص ومتعلّقه هذا لا أنَّ كل قتل هذا، وإنما قال فِعْل ليشمل الجُرْح وَغيره، واحترز بقوله: "عمد محْض" عمَّا ليس بِعَمْد أصْلاً، وعما هو عَمْدٌ من وجه دون وجه، ويُسمِّى شبْهَ العَمْد، وبقوله: "عدوان" عن أنواع القتل الجائز.
وقوله: "من حيث كَونُهُ مُزهِقاً للروح" يبَّين أن هذا الفعل لا بُدَّ وأن يكون مزهقاً، والتقدير: فعل مزهق عدوان، من حيث هو مزهق، وفي هذا القيْدِ الآخر احتراز عما إذا غَرَزَ فيه إبرةً، ومات في الحال من غير استعقاب ألَمٍ وورمٍ، فإنه لا يتعلَّق به القِصَاص؛ لأنه ليس بعدوان مِنْ حيث هو مُزْهِقٌ؛ لأنه ليس بمزهق، أو لا يدري هل هو مُزْهقٌ أم لا، وعما إذا استحق حزَّ رقبته قِصَاصاً، فَقَدَّهُ بنصفَينِ، فإنه لا يتعلَّق به القصاص، وإن كان ذلِك عدْوانًا؛ لأنه ليس بعدوان من حيث إنه مزهق، وإنما هو عدوان من حيثُ إنه عَدَلَ عن الطريق المستَحَقِّ إلى غيره، ولَمَّا كانت الحاجة تَمَسُّ في الضبْطِ المذكور إلى تمييز العمْد عن غيره، وإلى معرفة الفعْل المُزهِق الذي يتعلُّق به القصاص مباشرةَ وتسبُّياً، فإن اسم المزهق يقع على الطريقين جميعاً، وإلى معرفة الحكم، فيما إذا اجتمع الطريقانِ المباشرةُ والسَّبَبُ، وما إذا اجتمعت مباشرتان، وعقد السلام في هذه المقاصد أربعة أطراف: = المال ثم يجب ولا تجب الكفَّارة بقتل المرتد بحال، وقس على هذا ما إذا قتل الزاني المحصن مثله ونحوه فإنه لا تجب الكفَّارة وإن وجب القصاص.

الجزء: 10 - الصفحة: 119

أحدها: في العَمْدِ به.
والثاني: في بَيَانِ المُزْهِق، وتعلُّق القصاص بالمباشرة والسَّبَب.
والثالث: في اجتماع السَّبَبِ والمباشرة.
والرابع: في اجتماع المباشرتين وأما إذا اجتمع سببان، فالقول فيما يُرَجَّحُ منهما مذْكُورٌ في "كتاب الدِّيَاتِ".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَطْرَافٍ الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي العَمْدِ المَحْضِ وَالخَطَأُ مَا لاَ قَصْدَ فِيهِ إِلَى الفِعْلِ كَمَا لَوْ تَزَلَّق رِجلُهُ فَسَقَطَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ مَا لاَ قصْدَ فِيهِ إِلَى الشَّخْصِ كَمَا لَوْ رَمَى إلى صَيْدٍ فَأصَابَ إِنْسَاناً، وَالعَمْدُ الَّذِي قُصِدَ بِهِ الشَّخْصُ وَكَانَ مَا قُصِدَ بِهِ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِباً وإنْ كَانَ بِمُثَقَّلٍ لاَ يَجْرَحُ (ح) أَوْ مَا يَقْتُلُ كثِيراً وإنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبَاً إنْ كَانَ بِجَارحٍ، أمَّا مَا لاَ يَقْتُلُ غالِباً وَإِنْ قَتَلَ كَثِيراً كَالسَّوْطِ وَالعَصَا، أَوْ يقْتُلُ نَادِرَاً كَغرْزَةِ الإِبْرَةِ الَّتِي لاَ تُعْقبُ أَلَمًا ظَاهِرَاً فلاَ قِصَاصَ فِيهِ، وَإِنْ أعْقَبَ وَرَماً وَأَلَماً حَتَّى مَاتَ عَقِيبَهُ وَجَبَ القِصَاصُ، وإنْ لَمْ يُعْقب وَرَماً وَمَاتَ عَقِيبَهُ فوَجْهَانِ، وَلَوْ سَقَى غَيْرَهُ دَوَاءً يَقْتُل كَثِيراً لاَ غَالِبَاً فَالظَّاهِرُ (و) أنَّهُ كَغَرْزِ الإبْرَةِ لِأَنَّ أَغْشِيَةَ البَاطِنِ دَقِيقَةٌ فَتَنْقَطِعُ بِالدَّوَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا صَدَر منْه فعلٌ قَتَلَ غيره، وإن شِئْتَ قلْتَ أهْلَكَهُ، نُظِرَ؛ إن لم يقصد أصل الفعل، كما لو تَزْلَقُ رجْلُه، فسقط على غيره، فمات أو لم يَقْصِد الشخص المتأثّر، وإن قَصَدَ الفعل، كما إذا رمى إلى صَيْدٍ، فأصاب إنساناً، أو قصد إنساناً فأصاب غيره، فهذا خطأٌ محْضٌ لا يتعلَّق به قصاص، وإن قصد الفِعْل والشخص معاً، فقد يكون ذلك عمداً محضاً، وقد يكون شبه عمْد، وفي التمييز بينهما عباراتٌ وطرقٌ للأصحاب -رحمهم الله-.
أحدها: أنه إذا وجد القَصْدَانِ معاً، وعلِمْنا أن الموت حَصَلَ بفعله، فهو عمد موجِبٌ للقصاص، سواءٌ قصد الإهلاك أو لم يقْصِدْه، وسواء كان الفعْل مهلكاً غالباً أو نادراً؛ كقطع الأنملة، وإن تردَّدنا في أن الموت هلْ حَصَل به، فهو شبْهُ عمْدٍ.
والثاني: أنه إن ضربه بجارحٍ، فالحكم كما ذكرنا، وإن ضربه بمثقل، فيعتبر مع ذلك أن يكون مهلكاً غالباً، فإن لم يكن مهلكاً غالباً، ومات به، فهو شبْهُ عَمْدٍ، واعترض في "الوسيط" على الطريقة الأولَى؛ بأنه لو ضرب كوعه بعصاً، فتورم الموضع، ودام الألَمُ، حتى مات فإنا نعْلَم حصول الموت به، ولا يجب القصاص، وإنما الواجب فيه الدية على ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قَتِيلُ السَّوْطَ والعَصَا فِيهِ مَائَةٌ مِنَ الإِبِل".

الجزء: 10 - الصفحة: 120

وعلى الثاني: بأن العمديَّة قضيَّة حسِّيَّة لا تختلف بالجارح والمثقل، وكما يُؤَثِّر الجارح في الظاهر بالشَّقِّ والتخريب، يؤثِّر المثقل في الباطن بالهدِّ والترضيض، وفي كلام الإِمام -رحمه الله- نحو من ذلك، واختار في "الوسيط" بعد الاعتراض طريقةً ثالثةً، وهي التي أوردها [ها] هنا، وهي مشتملة على الفارق بين الجارح والمثقل بالمُعْتَرَضِ عليه، وشرْحُها أن إفضاء الفعْلِ إلى الهلاك عَلَى ثلاث مراتِبَ غَالِبٍ وكثيرٍ ونادرِ، والكثيرُ مرتبةٌ متوسطةٌ بين الغالب والنَّادِرِ، ومثَّل ذلك بالصحَّة والمرض والجذام مثلاً، فالصحَّة هي الغالبة في الناس، والجذام نادرٌ ومطلق المَرَضِ ليس غالباً ولا نادراً، فهو الذي نسميه كثيراً، فإن ضَرَبَه بما يُهْلِك غالباً، جارحاً كان أو مثقلاً، فهو عَمْد يتعلَّق به القصاصُ، وإن كان يهلك كثيراً، فكذلك الحُكْمُ، إن كان جارحًا كالسِّكِّين الصغير، وإن كان مثقلاً، كالسوط والعَصَا، لم يتعلَّق به القصاص، وإن كان يهلك نادراً، فكذلك لا يتعلَّق به القصاص، وإن كان جارحاً كغرز الإبرة التي تعقب ألماً، ولا ورماً، وفرق بين الجارح وغيره؛ بأن الجراحات لها نكاية في الباطن، وتأثيراتٌ خفيةٌ يَعْسُر الوقوف عليها، وقد تهلك الجراحةُ الصغيرةُ، ولا تهلك الكبيرةُ الواسعةُ، فنعتبر نفس الجراحة وصلاحيتها، وبأن الجرح هو الطريق الذي يسلكه من يَقْصِد الإهلاك غالباً، فيناط به القصاص، وإن لم يكُنْ قدر ذلك الجرح مهلكاً غالباً وما لا يجرح، ليس طريقاً غالباً، فيعتبر فيه كونُهُ مهلكاً لمثل هذا الشخص غالباً، فيحتاج فيه إلى النَّظَر والاجتهاد؛ لاختلافه باختلاف الأشخاص والأحوال، والعبارَةُ الدائرة في كلام أكثر الأصحاب أنَّه إنْ ضَرَبَهُ عمْداً، بما يموت منه غالباً، فمات منه، فقد قتله عمْداً، وإن ضربه عمْداً بما لا يموت منه غالباً، فمات منه فهو شبْهُ 6 عَمْدٍ؛ ويمكن ردُّ هذا وما أورده في الكتاب، واختاره إلى شيْءٍ واحدٍ.
إذا تقرَّر ذلك، فلو جَرَحَه بمحدّد من حديد أو خشب أو حجر أو قصب أو زجاج أو نحاس وغيرها، فمات في الحال أو بَعْد مدَّةِ بِسِرَايَةِ تلْكَ الجراحةِ، وجَب القصاصُ، والطَّعْنُ بالسَّنَان وغَرْزُ المَسلَّة كالضرب بالسيف، وهذا في الجراحات الَّتِي لها وقْعٌ وتأثيرٌ، فأما إبانة فَلْقَة خفيفة مِنَ اللحم، فهو كغَرْز الابرة كذلك، ذكره الإِمام -رحمه الله-، ولو غرز فيه إبرةً، فمات، نُظِرَ؛ إن غرزها في مَقْتَلٍ، وجب القصاص؛ لِخَطَرِ الموضع، وشدة تأثره، ومما عُدَّ من المقتلِ الدماغ والعينان، وأصول الأذُنَيْن، والحَلْقُ،

الجزء: 10 - الصفحة: 121

وثُغْرَةُ النَّحْرِ، والأخْدْعُ، وهو عرق في العْنُقِ، والخاصرة، والإحليل، والأنثيان والمثانة، والعجان 7، وإنْ غَرَزَهَا في غَيْرِ المقتل، نُظِرَ؛ إن ظهر أثَرُ الغَرْز؛ بأن تورَّم الموضع للإمعان في الغرز، والتوغل في اللحم، وبقي متألماً ضمناً إلى أن مات، وجب القصاص بظهور أثر الجناية وسرايتها إلى الهلاك، وإن لم يَظْهَر له أثر وتورم، ومات في الحال، ففيه وجهان: أحدهما، وبه قال أبو إسحاق وأبو الطيَّب بن سلمة: يجِبُ القصاص كالجراحات الصغيرة بغير الإبرة؛ وهذا لأن الجراحات لا يُضْبَط مورها ونكايتها في الباطن؛ فَيُدَار على ظاهر الجرح، ولأن في البَدَن مقاتل خفية سوى المقاتل الظاهرة، فالمَوْتُ بعْدَ الغرز يشعر بإصابة الجِرَاحَةِ بعْضَ تلك المقاتل، ويُرْوَى هذا عن أبي حنيفة، وذكر القفَّال أنه الأصح.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْج والإصطخريُّ، وأبو علي بن خيران، والطبري: أنه لا يجب القصاصُ؛ لأنه لا يُقْضِي إلى الهلاك غالباً من غير سراية وتورُّم، فأشبه السوط الخفيف، وهذا ما اختاره القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ، وذكر في "العدة": أنه المذهب، وطرد طارِدُون؛ متهم القاضي ابن كج وابن الصباغ الوَجْهَيْنِ فيما إذا تورَّم الموضع، ودام الألم إلى الموت، وقالوا: الفعل في نفسه لَيْسَ مما يقصد به الهلاك، فإنه دون الفَصْد والحجامة اللَّذَيْنِ يُقْدِمُ عليهما الناس بالاختيار، ولا يَعُدُّونهما قتلاً، والوجهان في وجوب القصاص جاريانِ في الدية أيضاً فيما ذكر صاحب "العدة" وغيره، وذكر في "التهذيب" على الوجه الذاهب إلى نفْي القِصاص: أنه شبْهُ عَمْدٍ وهو أوْلَى وفي "الرقم" للعبادي: أن الغرز في بدن الصغير والشيخ الهم وَنضْوِ الخلقة، يوجب القصاص بكل حال، وأن الفرق بين المقتل وغير المقتل في حقِّ الكامل المعتَدِل الحال والأعضاء، ولو غرز الإبرة في جلدة العقب ونحوها، ولم يتألَّم به، فلا قصاص 8 ولا دية، للعِلْم بأنه لم يمت منه، والموت عقيبه موافقةُ قَدَرٍ، فهو كما لو ضربه بقلم أو ألْقَى عليه خرقةً، فمات، ولو ضرب إنساناً بمثقل كبير يهلك غالباً؛ كالحجر والدبوس الكبيرين، أو حرقه أو صلبه أو هَدَمَ عليه جداراً أو سقفاً أو أوطأه دابة أو دفنه حياً أو عصر خصيتيه عَصْراً شَديداً، فمات، فعليه القصاص، وبه قال مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: لا قصاص، إلا إذا جرحَهُ بمحدَّد أو حرقه.

الجزء: 10 - الصفحة: 122

لنا: ما روي أن يهوديّاً رضَّ رأسه جارية بين حجَرَيْنِ، فَقَتَلَهَا فأَمَرَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برض رَأْسِهِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وأيْضاً، فقد تعمد إهلاكه بما يهلك غالباً، فأشبه القتل بالمحدَّد، وأيضاً، فلو أسقطنا القِصَاص لاتخذه أولو العرامة والفساد ذريعةً إلى إهلاك [الناس]، وإن ضربه بسوطٍ أو عصاً خفيفةٍ أو رماه بحَجَرٍ صغيرٍ، فإن وَالَى الضرباتِ، حتى مات أو اشتد الألم وضعف، وبَقِيَ ضمنًا إلى أن مات، وجب القصاص 9، وإن لم يوال واقتصر على سوط أو سوطَيْنِ، فإن ضربه في المقتل، أو في شدة الحَرِّ أو البرد المعينَيْن على الهلاك، أو كان المضروبُ صغيرًا أو ضعيفاً بأصْل الخلقة، أو بعارض علَّةً، فكذلك؛ لأنه يهلك غالباً في هذه الأحوال، ولهؤلاء الأشخاص، وإن لم يكن شيْءٌ من ذلك ومات، فهو شبه عمد، ولو خَنَقَهُ أو وَضَع يده عَلَى فيه أو مخدة ونحوها، حَتَّى مات بانقطاع النفْسِ، فعليه القصاص، وإن خلاَّه وهو حيٌّ، فكذلك، إن انتهى إلى حالة حركة المذبوح أو ضَعْف، وبقي متألماً إلى أن مات، فإن زال ما أصابه من الضعف والألم، ثم مات فقد انقطع أثر ذلك الفعْل، وإن كانت مدَّة الإمساك [على الفم] قصيرةً، لا يموت مثلُه في مثْلِها غالباً، فهو شبه عمد، وألحق الضَّرْب بجمع الكَفِّ بالضَّربْ بالعصَا الخفيفة.
وقوله في الكتاب: "كما لو تَزْلَقُ رجلُهُ" في بعض النسخ زلق وهما واحد، وفي معناه ما إذا تولَّد مِنَ اضطرابِ يَدِ المرتعش هلاك.
وقوله: "وإن كان بمثقل لا يجرح" أعلم بالحاء؛ لأن المقصود ضبط العَمْد الذي يتعلَّق به القصاص، ونفى أبو حنيفة تعلُّقه بالمثقل.
وقوله: "أما ما لا يقثل غالباً وإن قتل كثيراً" يعني من غير الجارح.
وقوله: "أو يقتل نادراً" أي من الجارح.
وقوله: "كَغَرْزَة الإبرة الَّتِي لا تُعْقِبُ أَلَمَاً ظَاهِرَاً" أي التي لا يعقب غَرْزُها، ولو قال: "الذي لا يعقب" لرجع إلى الغرز المتلفظ به، كان أَوْلَى وأشار بقوله: "لا تعقب ألماً ظاهراً" إلى الغرز في الجِلْد الخَشِن الذي لا يُؤْلِم، والمراد من الظاهر الشَّديدُ، ولا عبرة بالألم الخفيف الذي لا وقْع له ولا تأثير.

الجزء: 10 - الصفحة: 123

وقوله: "وإن أَعْقَبَ ورماً وألماً حتى مات عَقِيبَهُ وجب القصاص" يجوز إعلامه بالواو؛ لطريقة من طَردَ القولَيْنِ مع ظهور أثر الغرز بالتورم، ولو لم يتعرض للألم، لم يَضُرَّ؛ لأن الورم لا يَخْلُو عن الألَمِ بخلاف عكْسه.
وقوله: "وإن لم يعقب ورماً ومات عقيبه" هكذا صور في المسألة، ويُشبه أن لا يفترق الحال بين أن يتألم، ويموت في الحال، وبين أن يستمر التألُّم، ويموت بعد مدة، بل وجوب القصاص، إذا توالت الآلام أوْلَى؛ لتأثيرها في الضعف والسراية، وكان سبب التصوير فيما إذا ماتَ في الحال؛ أنه إذا لم يمُتْ، والألم دائمٌ، فالغالب حدوثُ التورُّم ويتبين الألم على البَشَرَةَ، فتكون عين الصورة السابقة، وأما قوله: "وإن سَقَى غَيْره دواءً يقتل كثيراً لا غالباً" إلى آخره فالمقصود منه أن الأئمة تكلَّموا في أنه لو سقاه دواءً أو سُمّاَ لا يُوحَّي ولا يقتل غالباً، لكنه يقتل كثيراً، فيكون ذلك كالضرب بالمثقل، أو كالجارح.
قال الإِمام: والذي حصَّلْته من قول الأصحاب: أنه كغرز الإبرة في غير المقتل؛ لأنه يلقى في الباطن أغشية رقيقة يجْرَحُها، وتنقطع هي به، فيشبه تأثيره تأثير الجارح في ظَاهِر البَدَن، ووجه إلحاقه بالمُثْقلات سلامةُ الظَّاهِرِ عن الخراب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَبَسَهُ وَجَوَّعَهُ حَتَّى مَاتَ وَجَبَ القِصَاصُ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْر (ح و) وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غَالِباً، وَإِنْ قَالَ: يَقْتُلُ نَادِراً فَلاَ قِصَاصَ، وَالكَثِيرُ غَيْرُ النَّادِرِ وَالغَالِبِ إِذِ المَرَضُ كَثِيرٌ وَلَيْسَ بِغالبٍ وَلاَ نَادِرٍ، وَلَوْ كَانَ بِهِ بَعْضُ الجُوعِ وَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعاً فَإِنْ عَلِمَ جُوعَهُ لَزِمَهُ القِصَاصُ كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضاً ضَرْباً يَقْتُلُ المَرِيضَ دُونَ الصَّحيحِ، وإنْ كَانَ جَاهِلاً بِجُوعِهِ وَجَبَ القِصَاصُ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ (و)، فَإِنْ لَمْ يُوجَبِ القِصَاصُ وَجَبَ كُلُّ الدَيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَنِصْفُهَا فِي قَوْلٍ إِحَالَةً للْهَلاَكِ عَلَى الجُوعَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إذا حبسه في بيْت، فمات جوعاً أو عطَشاً، نُظِرَ؛ إن كان عنده الطعامُ والشرابُ، لكنه لم يتناونهُ خوفاً أو حزناً، أو أمكنه طلبه، ولو بالسؤال؛ فلم يفعل، لم يجب على مَنْ حبسه قِصاصٌ ولا ضمانٌ، والمحبوسُ هو الذي قَتَل نفْسَه، وإن منعه من الطعام والشراب ومنعه منَ الطلب، حتى مات، نظر؛ إن مضت مدة يموت مثله فيها غالباً من الجوع أو العطش، فعليه القِصَاص، وتختلف المدة باختلاف حال المحْبُوس قوةً وضعفاً، والزمان حرّاً وبَرْداً، [فإنَّ] فقد الماء في الحرِّ ليس كهو في البرد، وإن لم تمْضِ هذه المدَّةُ، ومات، فإن لم يكن به جوعٌ وعطشٌ سابقٌ، فهو شبه عمد، وإن كان به بعضُ الجوع أو العطش، ففيه طريقان:

الجزء: 10 - الصفحة: 124

أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه إن علم الحابس جوعه السابقَ، لزمه القصاص؛ لظهور قصد الإهلاك، وإن لم يعلمه، فقولان: أحدهما: أنه يجب أيضاً كما لو ضرب مريضاً ضرباً يهلكه، ولا يهلك الصحيح، وهو جاهل بمرضه.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" [وغيره]: المنع؛ لأنه لم يَقْصِد إهلاكه، ولا أتى بما هو مُهْلِك وشبه ذلك بما إذا دَفَع إنساناً دفعاً خفيفاً، فسقط على سِكَّينٍ وراءه، وهو جاهلٌ، لا يلزمه القصاص، وفي مسألة ضرب المريض: وجهٌ يأتي مِنْ بَعْدُ، وبتقدير التسليم، وهو الصحيح، فقد فُرِّق بينهما بأن الضَّرْب ليس من جنْس المرض، فيمكن إحالة الهلاك عليه، والجوعُ من جنس الجوع، والقدر الذي يتعلَّق منه بصنعه، لا يمكن إحَالَةُ الهلاكِ علَيْهِ، حتى لو ضعُفَ من الجوع، فضربه ضرباً يقتل مثْلَهُ، وجب القصاص.
والطريق الثاني: أنه إن كان جاهلاً، فلا قصاص قطعاً، وإن كان عالماً، ففيه قولان، فإن أوجبنا القِصَاصَ، فتجب الدية بتمامها، دية العمد إن كان عالماً ودية شبه العمد، إن كان جاهلاً، وإن لم نوجَبِ القصاصُ، فقد حكى صاحب الكتاب وغيره في الدية قولين: أحدهما: أنها تجب بتمامها، وإنما أسقطنا القصاص للشبهة.
والثاني: تجب نصْفُ ديةِ العَمْدِ أو شبْه العمد؛ لحصول الهلاك بالجوعَيْن معاً، وخروج أحدهما عن صنعه، وهذا ما أورده أكثرهم؛ تفريعاً على أنه لا يجب القِصَاصُ، وشُبِّهَ الخلاف بالخلاف فيما إذا وَضَعَ في السفينة المُشْرِفَةِ على الغرق لثقلها متاعاً زائداً فَغرقت، يجب علَيْه كلُّ الضمان أو بعْضُه.
ولو منعه الشرابَ دون الطعام، فلم يأكل المحبوسُ خوفاً من العطش، فمات، فلا قصاص، وحكى أبو الحَسَنُ العَبَّاديُّ عن القفَّال: أنه يجب الضمان، وعن غيره: المنع؛ لأنه المُهْلِكُ لنفسه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" ولو راعى المحبوسَ بالطعام والشراب؛ لكنه مات في الحبس، فإن كان عَبْداً ضَمِنَهُ باليد، وإن كان حرّاً، فلا ضمان، سواءٌ مات حتْفَ أنْفِهِ أو بانهدامِ سَقْفٍ أو جدارٍ عليه أو بِلَسْعِ حيَّةٍ أو عَقْرَبٍ.
وعن أبي حنيفة: أنه يجب الضمان، إن كان صغيراً أو كان الموت بسببٍ؛ كانهدام أو لَسْعٍ، ولو حبس إنساناً وعراه حتى مات برْداً، فهو كما لو حبسه ومنعه الطعام والشراب، ذكره القاضي الحُسَيْن 10 -رحمه الله- ولو أخذ زَادَهُ أو ماء أو ثيابه في

الجزء: 10 - الصفحة: 125

مفازة، فمات جوعاً أو عطَشاً أو بَرْداً، فلا ضمان؛ لأنه لم يُحْدِث فيه صُنْعاً.
المسألة الثانية: إذا سحر الساحر إنساناً، فمات، سئل عن سحْره، فإن قال: قَتَلْتُهُ بسِحْري، وسِحْرِي يقتل غالباً، لزمه القصاص 11، وإن قال: قد يقتل، لكنِ الغالبُ أنه لا يَقْتُلُ، فهذا إقرارٌ منْه بشِبْهِ العمد، وإن قال: قصدتُّ غيره، فتأثر به؛ لموافقة الاسم الاسْمَ، فهذا إقرارٌ منْه بالخَطَأ، وفي الحالتين ديةُ شبه العمد أو الخَطأ تكون في ماله، لاَ على العاقلة، إلا أن يُصدِّقوه، فإن إقْرَارَه لا يلزمهم، وسنعود إلى الكلام في القَتْل بالسِّحْر في "كتاب الديات" ثم في "كتاب دعوى الدم" إن شاء الله تعالى، وفي "المختصر" باب مفرَدٌ به هنالك.
وقوله في الكتاب: "وكذا لو قتله بالسحر" يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن عنده لا قصاص في القتل بالسحر؛ بناء على أصله في القتل بغَيْر الجارح، ويجوز أن يُعْلَم بالواو، لوجه مذكور في الموضع المُحَالِ عليه ذَاهب إلى أن السِّحْر لا حقيقةَ له، [فلا قصاص فيه] وإنما قال واعترف بأن سحره يقتل غالباً؛ لأن القتل بالسحر لا يثبت إلا بالإقرار، ولا مَدْخَل فيه للشهادة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: "والكثير غير النادر والغالب" إلى آخره، قد ذكَرْناه في الفصْل السابق، وكان إيراده هناك أوْلَى من تأخيره إلى هَذَا الموضع.
وقوله: "فإن علم جوعه لزمه القصاص" وقولُه: "في أحد القولين" فيما إذا كان جاهلاً، يجوز أن يُعْلَمَا بالواو؛ للطريقة المثبتة للخلاف في حالة العِلْمِ القاطعةِ بنَفْي القصاص في حالة الجَهْل.
وقوله: "كما لو ضرب مَرِيضاً ضرباً يقتل المريض دون الصحيح" فليس عليه حالة العلم ولا خلاف في وجوب القصاص، إذا علم الضاربُ أنه مريضٌ، فأما إذا جهل مرضه، فقد ذكره في الكتاب من بعد، ومسألة التجْوِيع أورد بعْضَها قَبْل مسألة السِّحْر، وبعضها بعْدها، ولو لَفَّق بينهما ولم يُخَلَّلْهما بمسألة السِّحْر، لكان أحسن.
فَرْعٌ: لو ضربه اليوم ضَربةً وغداً ضربةً أُخْرَى وهكذا؛ فَرَّق عليه الضرباتِ، حتى مات، فقد حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن؛ لأن الغالب السلامة عند تفريق الضربات، وعن المسعوديِّ: أنه إذا ضربه ضربةً واحدةً، ولم يكن على قصْدٍ أن يزيد عليها، فشتمه فضربه ضربةً أخْرَى، ثم شتمه فضربه ضربةً أخْرَى، حتى قتله، فلا ضمان؛ لعدم الموالاة، وينبغي ألا ينظر في الباب إلى صورة الموالاة، ولا تُقدَّر مدة

الجزء: 10 - الصفحة: 126

التفريق، ولكن يُنْظَر إلى بقاء أثر الضَّربةِ السابقَةِ والآلام الحاصِلَةِ بها، فإن بَقِيَتْ، وضَرَبَ ضربةً أخْرَى، فهو كما لو وَالَى، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي بَيَانِ المُزْهِقُ وَهُوَ إمَّا شَرْطٌ مَحْضٌ كَحَفْرِ البِئْرِ بالنَّسْبَة إِلَى التَّرَدِّي إِذِ التَّرَدِّي عِلَّتُهُ التَّخَطِّي وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الحَفْرِ لاَ بِالحَفْرِ، وَإِمَّا عِلَّةٌ كَالجِرَاحَاتِ القَاتِلَةِ فَإنَّهَا تُوَلِّدُ السِّرَايَةَ وَالسِّرَايَةُ سَبَبُ المَوْتِ، وَإمَّا سَبَبٌ فَلاَ يَتَعلَّقُ القِصَاصُ بِالشَّرْطِ وَيَتَعلَّقُ بِالعِلَّةِ، وَالسَّبَبُ هُوَ الَّذِي لَهُ أَثَرٌ مَا فِي التَّوْلِيدِ كَمَا لِلْعلَّةِ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ الشَّرْطَ مِنْ وَجْهٍ فَهَذَا عَلَى ثَلاَثِ مَرَاتِب.
الأُولَى الإِكْرَاهُ فَإِنَّهُ يُولِّدُ في المُكْرَهِ دَاعِيَةَ القَتْلِ غَالِبَاً فَيَتَعلَّقُ بِهِ القِصَاصُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفعل الذي له مدخل في الزهوق إما أن لا يُؤَثِّر في حصول الزهوق، ولا في حصول ما يُؤَثِّر في الزهوق ويُحَصَّلُه، هاما أن يؤثر في الزهوق، ويحصله، وإما أن يُؤَثِّر في حصول ما يؤثر في الزهوق ويحصله أما الأول، فَكحَفْر البئر، مع الرَدى، أو التردية أو كالإمساك مع القتل، فإنَّ الحفر له مدْخَلٌ في الهلاك، ولولاه، لَمَا حَصَلَ الهلاك بهذا الطريق، لكنه لا يُحَصِّل الزهوقَ ولا ما يحصل الزهوق، فإن المُحَصِّل للزهوقِ التَّردِّي في البئر ومصادفتها، والحفْرُ لا يؤثر فيه، إنما المُؤَثِّر فيه التخطِّي والحركةُ في ذلك الصوب.
وأما الثاني: وهو الذي يؤثِّر في الزهوق ويَحَصِّله؛ كالقَدِّ والحَزِّ والجراحات السارية.
وأما الثالث: فالإكراه المؤثِّر في القَدِّ والحَزِّ وعبر صاحب الكتاب عن القسم الأول بـ"الشرط" وعن الثاني بـ"العلة"، وعن الثالث بـ"السبب"، ولا يتعلَّق القِصَاص بالشَّرْط ويتعلق بالعلَّة، وكذا بالسبب على تفْصِيل واختلافٍ سيظهر، وهاهنا كلامان: أحدهما: ذكَرْنا في "باب الغصب" أن صاحب الكتاب لم يَفِ برعاية هذا الإصطلاح في الشرط والسبب، وسمي الحَفْر سبباً في غير هذا الموضع من الكتاب.
والثاني: قال في "الوسيط" ما يَحْصُلُ الموت عقيبه ينقسم إلى علَّةٍ وشَرْطٍ وسببٍ، وليحمل على ما يَحْصُل الموت عقيبه من الأفعال التي لها مدخل في الزهوق، وله تعلُّق بها وإلاَّ، فالقسمة غير حاضرة، ثم قال: العلة ما تُوَلِّدُ الموْتَ، إما بغير واسطة، كحز الرقبة، وإما بوسائط؛ كالرمْي؛ فإنه يُولَّد الجُرْح، والجُرْح يولِّد السراية، والسرايةُ تولِّد الموت، ولك أن تقول: الروح غير متناوَلٍ باليد ولا بالسَّيْف والسَّهْم، والجراحةُ الحاصلةُ بسهم الرامي كالجراحةِ الحاصلةِ بسَيْف المجيل والمُحَرِّك، [له] فَإِن صدَقَ القَوْلُ بأن الرمْيَ يولَّد الجُرْحَ، والجرحُ السرايةَ، والسرايةُ الموْتَ، وكان ذلك

الجزء: 10 - الصفحة: 127

مولداً للموت بوسائط صدَقَ القوْلُ بأن تحريك السيف في جهة الشخص، وإصابته تولِّد الجراحة، والجراحةُ السرايةَ والسرايةُ الموت، حتى يكون ذلك مولداً للموت بوسائط.
ولا فَرْق بينهما إلاَّ أن الجراحة بالحَزِّ أوحى، ثم إذا كانت العلَّة ما تُولِّد الموت بوسائط أو بغَيْر واسطة، دَخَلَ في تفسيرها ما عَدَّه سبباً، لا علَّةً، كالإكْرَاه؛ فإنه يولد الضرْبَ بالسيف أو الرمْيَ من المكره، وهو مولدُّ للموت.
وقوله في الكتاب: "في بيان المزهق" ليُحْمل لفْظُ المُزْهِقِ على ما له مَدْخَلٌ في الزُّهُوق إلا على حقيقته، وهو الفعْل المفيد للزهوق، وإلا لم يدْخُل الحَفْر فيه.
وقوله: "والسبب هو الَّذِي له أَثَرٌ مَا في التَّوْلِيدِ كما للعلة ولكنه يشبه الشَّرْط من وجْهٍ" معناه أن السبب يُشَارِك العلة في مُطْلَق توليد الموت، إلا أن توليد السبب بواسِطَةٍ، وتوليد العلة بلاَ واسِطَةٍ ويُشْبه الشَّرْطَ من حيث إنه لا يولد الموت نفسه، وقد يوجد ويتخلف عنه الموت، ويمكن أَن يفرق بين السَّبَب والمباشرة؛ بأن المتسبب إلى القتل هو الذي يصْدُقُ أن يقال فيه إنه ما قَتَل، لكنه أَمَرَ به أو حَمَلَ عليه أو سَلَكَ الطريق المفضي إليه، وما أشبه ذلك، والمباشِرُ هو الذي لا يصْدُق فيه هذا الكلام، ثم إنه جَعَلَ السبب على ثلاث مراتب.
إحداها: الإكراه، فإذا أكره إنساناً على قتل آخر بغير حق، فقتله، وَجَب القصاص على المُكْرِهِ؛ ووُجِّه بأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك غالباً، فأشبه ما إذا رَمَى إلى إنسانٍ فقتله؛ وهذا؛ لأن الإكراهُ يولِّد داعية القتل في المُكْرِه غالباً؛ ليدفع الهلاك عن نفسه، فيتعلَّق به القصاص.
وحكى الشيخ أبو عاصم العبَّادِيُّ، عن شيخه الأستاذ أبي طاهر عن شيخه الأستاذ أبي الوَلِيدِ عن شيخه ابن سُرَيْجٍ -رحمة الله عليهم-: أنه لا قِصَاصَ عليه؛ لأنه متسبِّب، والمُكْرَهُ مباشرٌ مأثومٌ بفعله، والمباشرة تتقدَّم على السبب، وقد يوقف هذا على أبي الوليد، والمذهب المشهور الأوَّل، والكلام فيما يكون إكراهاً قد قدمناه في الطلاق وأوردنا فيه طرفاً، والذي مال إليه المعتبرون هاهنا ورجَّحوه أن الإكراه في القَتْل لا يَحْصُل إلا بالتخويف بالقَتْل أو ما يُخَاف منه التَّلَفُ؛ كالقطع والجرح والضرب الشديد، بخلاف الطلاق، فإنَّ الإكرَاه فيه لا ينْحَصِر في ذلك، على الأظهر، وحكْمُ الإكراهِ الصادرِ من الإِمام أو نائبه، والصادرِ من المتغلب واحدٌ فيما ذكرناه.
وعن أبي حنيفة أن الإكراه لا يتحقَّق إلاَّ من السلطان.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الزُّورِ فَإنَّهَا تُوَلِّدُ فِي القَاضِي دَاعِيَةَ القَتْلِ غالِباً مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَيُنَاطُ (ح) بِهَا القِصَاصُ عِنْدَنَا إلاَّ إِذَا أعْتَرَفَ الوَلِيُّ بِكوْنِهِ عَالِماً بِتَزْوِيرِهِمْ.
فَلاَ يَجِبُ القِصَاصُ إلاَّ عَلَيْهِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 128

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهدوا على إنسانٍ بما يُوجِب القتْل إما قصاصاً أو بالرِّدَّة أو بالزِّنَا، وهو مُحْصَن، فحَكَمَ القاضي بشهادتهم، وقتل بموجبها، ثم رَجَعُوا، وقالوا: تعمَّدنا، وعلِمنا أنه يُقْتَل بشهادَتِنا، لَزِمَهم القصاص 12 خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أنهم تَسبَّبُوا إلى قتله بما يفضى إليه غالباً، فيلزمهم القصاص كالمُكْرِهِ؛ وهذا لأنَّ الشهادة تُولِّد في القاضي داعيةَ القتْل شرعاً كما أن الإكراه تُولِّدُ الداعية حِسّاً.
قال الإِمام: بل الشهادة أبْلَغُ من الإكراه؛ لأن المُكْرَه قد يتحرَّز وُيؤْثِر هلاك نفْسِهِ على سَفْك دَمٍ مُحَرَّم، والقاضي لا محيص له عن الحُكْم بشهادة العُدُول، ولو شهدوا بما يوجِبُ القطْع قصاصاً أو سرقة، فقَطَعَ، ثم رجَعْوا، فعليهم القَطْع، فإن سرى، فعليهم القِصَاصُ في النفس.
وقد رُوِيَ أن رجلَيْن شهدَا عنْد عليٍّ -كرم الله وجهه- على رَجُل بسرقةٍ، فقطعه ثم رَجَعَا عن شهادَتِهما، فقال: لو أعلم أنكما تعمَّدتما، لقَطَعْت أيديكما 13. وإنْ رَجَع الشهود، وقالوا: لم نعلم أنه يُقْتل بقولنا، أو رجع المزكي أو رجع القاضي، إما مع الشهود أو دونهم أو رجع الوَلِيُّ إما وحده أو معهم، فكُلُّ ذلك سيأتِي في "كتاب الشهادات" إن شاء الله تعالى.
وإنما يجب القصاص على الشهود، إذا أخرجت شهادتهم مباشرة [الولي] القتل عن أن يكون عدواناً، أما إذا اعترف الوليُّ بكونه عالماً بكذبهم، فلا قصاص 14 عليهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 129

قال في "الوسيط": لأنهم لم يلجئوه حِسّاً، ولا شرعاً، فصار قولُهُم شرطاً محضاً، كالإمساك.
وقوله في الكتاب: "شهادة الزور" المراد ما إذا شهدوا ورَجَعُوا، والقصاص يُنَاط برجُوعِهم واعترافهم بالتعمُّد لا يكذبهم، حتى لو تَيَقَّنَّا كذبهم؛ بأن شاهدنا المشْهُود بقتله حَيّاً فلا يظهر وجُوبُ القِصَاص عليهم؛ لجواز أنهم لم يتعمَّدوا.
وقوله: "فيناط به القِصَاصُ عندنا" كلمة "عندنا" على خلاف عادة الكتاب، ثم هي غير مغنية عن الإعلام بالحاء؛ لأنه لا يعرف مِنَ الملفوظ أنه عنْد مَنْ لا يُنَاطُ بها القصاص؟ وقوله: "إلا إذا اعترف الوليُّ بكونه عالماً بتزويرهم" هاهنا يكفي الاعتراف بكذبهم، ويقتضي ذلك وجوبَ القِصَاص عليه، رجَعُوا أو لم يَرْجِعُوا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: ما يُولِّدُ المُبَاشرَةَ تَوْلِيداً عُرْفِيًّا لاَ حِسِّياً وَلاَ شَرْعِيّاً كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ المسْمُومِ إلَى الضَّيْفِ وَحَفْرِ بِئْرٍ فِي الدَّهْلِيزِ وَتَغْطِيَةِ رَأسِهِ عِنْدَ دَعْوَةِ الضَّيْفِ، وَفِي ارْتبَاطِ القِصَاصِ بِهِ قَوْلاَنِ لِأَنَّ الضَّيْفَ مُخْتَارٌ لَيْسَ مُلْجَأً حِسّاً وَشَرْعاً، فإِنْ قُلْنَا: لاَ قِصَاصَ وَجَبتِ الدِّيَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا كان التوليد في المرتبة الأُولَى، وهي الإكراه حسيّاً، وفي المرتبة الثانية، وهي الشهادة شَرعيّاً، أشار إلى ذلك بقوله في هذه المرتبة.
"توليداً عرفيّاً لا حسيّاً ولا شرعيّاً" والمقصود أنه إذا أوجر غيره سُمّاً صِرْفاً أو مخْلُوطاً، وهو مما يقتل غالباً موجباً أو غير موح، فمات، لَزِمَه القصاص، وإن كان لا يقتل غالباً، وقد يقتل، فهو شبه عمْدٍ لا يتعلَّق به القِصَاص، لكن لو كان المُوجَرُ ضعيفاً لمرض أو غيره ومثْلُهُ يَقْتُلُ مثْلَه غالباً، وجب القصاص؛ هذا هو الظاهر المعروف.
وفي كتاب القاضي ابن كج قوْلٌ أن السمَّ، وإن كان مما لا يَقْتل غالباً، فإذا مات الموجَرُ به، وجب القِصاص؛ لأن السموم لها نكايات في الباطن؛ كالجراحات، فالموت به كالموت بالجراحة الخفيفة التي لا تَقْتل غالباً.
ولو قال الموجِر: الذي أوجرته كان ممَّا لا يقتل غالباً، ونازعه الوليُّ، فالقول = وكذب الشهود في رجوعهم.
قال الشيخ البلقيني: فلا قصاص على الشهود قال: ولم يذكر الأصحاب هذه الصورة وإنما ذكروا اعتراف ولي القتيل.
الخ.
وهو ظاهر لاعتراف مستحق القصاص بإسقاطه بل بعدم وجوبه.

الجزء: 10 - الصفحة: 130

قول الموجَر مع يمينه، فإن ساعدته بينة على ما يقولُه، حُكِمَ بها، ولا يمين عليه، وإن أقام الوليُّ بينة عَلَى ما يقوله، وجب القصاص، ولو اتفقا على أنه كان من هذا السم الحاضر، وشهد عدلان بأن هذا يقتل غالَبَاً، تمَّتِ البينة، ولو قال: لم أعلم كونَه سُمّاً أو كونه قائلاً غالباً، ونازعه الوليُّ، فقولان: أحدهما: أنه لا يُلْتفت إلى قوله، ويلزمُهُ القِصَاص، كما لو جَرَحه، وقال لم أعلم أنه يَمُوتُ من هذه الجراحة.
والثاني: المنع؛ لأنه مما يشتبه ويَخْفَى بخلاف الجراحة ورأى القاضي الرويانيُّ الأولَ أظْهَرَ فيما إذا قال: لم أعلم كونَة قاتلاً غالباً.
ولو لم يُوجِره السمَّ القاتلَ ولكن أكرهه عليه حتى شرب بنفسه، فعن الداركيِّ وغيره: أن في وجوب القصاص عليه قولين، قال في "العدة": أصحُّهما: وجوب القصاص والوجه أن يكون هذا كما لو أكرهه، على أن يقتل نَفْسَه، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
ولو نَاوَلَهُ الطعامَ المسْمُومُ، وقال: كُلْه، أو قَدّمه إليه وأضافه به، فأكله ومات، فإن كان صبياً أو مجنوناً، لزمه القصاص، سواء قال لهما: إنه مسموم قاتِلٌ، أو لم يقل، وبمثله أجابوا في الأعجميِّ الذي يعتقد أنه لا بُدَّ من الطاعة في كلِّ ما يشار عليه به، ولم يفوقوا بين الصبيِّ المميِّز وغيره، ولا نَظَروا إلى الخلاف في أن عَمْدَ الصَّبيِّ عمْدٌ أو خطأٌ، وللنَّظَرَيْن مجالٌ وإن كان بالغاً عاقلاً، فإن بَيَّن له حال الطعام، فلا شيء على المُنَاوِل والمقدِّم، والآكِلُ هو الذي أهْلَك نفسه، وإن لم يبيِّن، ففي القصاص قولان مرويَّان عن "الأم" وهما جاريان فيما إذا غطَّى رأْسَ البئر في دهليزه، ودعا إلى داره ضيفاً، وكان الغالب أنه يَمُرُّ على ذلك الموضع، إذا أتاه، فأتاه، وهلك به.
أحد القولين: أنه يلزمه القِصَاصُ؛ لأنه تغرير يفضي إلى الهلاك غالباً في شخْصٍ معيَّنٍ، فأشبه الإكراه.
والثاني: المنْع؛ لأنه فعل ما هلك به باختياره من غير إلجاء حسَّيٍّ ولا شرعيٍّ، ورجَّح القاضي الرويانيُّ وغيره الأول من القولين، ومال الإِمام وغيره إلى ترجيح الثاني، وهو قياس ما سبَقَ في مسائل التغرير والمباشرة في "كتاب الغصب" وغيره وطرد في "التهذيب" القولَيْنِ فيما إذا قال: كُلْ، وفيه شيْءٌ من السُّمِّ، لكنه لا يَضُرُّ، وفيما إذا جعل السُّمَّ في دَنِّ ماءٍ على الطريق، فشرب منه إنسانٌ، ومات، وليكن الفرض فيما إذا كان طريقَ شخصٍ معيَّنِ إما مطلقاً أو في ذلك الوقْت، إلا لم تتحقَّق العمدية به، وإذا قلْنا: لا يجب القِصاص، ففي الدية قولان، حكاهما الشيخ أبو حامِدٍ والقاضي أبو الطيِّب والإمام عن رواية شيخه:

الجزء: 10 - الصفحة: 131

أحدهما: لا يجب أيضاً تغليباً للمباشرة على السبب.
والثاني: يجب لأن تقديم الطعام المسموم يُعَدُّ قتْلاً في مستقر العادة، وهو على كل حال أقوَى من حفر البئر، فلا يمكن إحباطه، والقصاص إنما اندفع للشبهة، والأوَّل هو الذي أورده في "التهذيب".
والثاني: أظهر عند الإِمام، وهو المذكور في الكتاب، ويقال إن القاضي الحُسَيْن قطع به، وقد يعبر عن الغرض؛ بأن في الدية طريقَيْن: أحدهما: أنها على قولَي القِصَاص.
والثاني: القطع بوجُوبِها، ولو دَسَّ السُّمَّ في طعامِ إنسانٍ، فأكله صاحبه جاهلاً بالحال ومات، فطريقان.
أظهرهما: أنه على القولَيْنِ في تقديم الطعام، إذا كان الغالبُ أنَّه يأكل منه، والثاني: القطْع بالمنع؛ لأنه لم يوجَدْ منه تغرير، وحمل على الأكل وإنما الذي وجد منه إتلاف طعامه، فعليه ضمانه، ولو دسه في طعام نَفْسه، فدخل عليه إنسان داره بغير إذنه فأكله، فلا ضمان عليه، فإن كان الرجل ممَّن يدخل دارَهُ، ويأكل انبساطاً، فيجري القولان في القِصَاصَ، أو يُقْطَع بنفيه حكى الإِمام فيه طريقين.
ولْيُعْلَم قوله في الكتاب: "فإن قلنا: لا قِصَاصَ، وجبت الدية" بالواو؛ للخلاف الذي بيَّنَّاه، وقد ذَكَر الخلاف في الضمان صاحب الكتاب في مسألة الدهليز في "الديات"، وإن لم يورده هاهنا، وفي "الشامل" وغيره نقل طريقةً قاطعةً في مسألة الدهليز تَمْنَعُ القصاص؛ لأنه تتيسر معرفة البئر بخلاف السُّمِّ، ويجوز أن يعلم قوله: "وفي ارتباط القصاص به قولان" بالواو لذلك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَرَى سَبَبٌ وَقَدَرَ المَقْصُودُ عَلَى دَفْعِهِ فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مُهْلِكاً وَالدَّفْعُ غَيْرَ مَوْثُوق بِهِ كَتَرْكِ مُعَالَجَةِ الجُرْحِ وَجَبَ القِصَاصُ عَلَى الجَارحِ، وَإِنْ فُقِدَ المَعْنَيانِ كَمَا لَوْ فَتَحَ عِرْقَهُ فَلَمْ يَعْصِبْ حَتَّى نَزَفَ الدَّمُ، أَوْ تَرَكهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَبَقِيَ مُسْتَلْقِياً حَتَّى غَرِقَ فَلاَ قِصَاصَ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مُهْلِكاً لَكِنَّ الدَّفْعَ سَهْلٌ كَمَا لَوْ أَلْقَى مَنْ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَلَمْ يَسْبَحْ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُدْهَشُ عَنِ السِّبَاحَةِ، وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ فَوَقَفَ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ القِصَاصِ لِأَنَّ الأَعْصَابَ قَدْ تَتَشَنَّجُ بِإلقَائِهِ فِي النَّارِ فَتَعْسُرُ الحَرَكَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْلُ ثلاثُ مسائلَ نذكرها ثم نعود إلى ما يَتعلَّق بترتيبها وتنزيلها منازِلَها.

الجزء: 10 - الصفحة: 132

الأُوْلَى: إذا جَرَحَه جراحةً مُهْلِكةً، فلم يعالجْها المجروح، حتى ماتَ، وجَبَ القصاص على الجارح؛ لأن البُرْء غيْرُ موثوق به ولو عالج، والجناية في نفسها مهلكةٌ، وليس كما إذا حَبَسه في بيت، والطعامُ حاضرٌ، فلم يأكلْه حتى مات؛ لأن الحبس بمجرَّده ليس بمُهْلك.
الثانية: لو غرَّقه في ماء فإن أمسكه فيه، حتى مات أو خلاَّه، وفيه حياةٌ، ولكن تألَّم به وبقي ضمناً إلى أن مات، وجَب القصاص، وإن ألقاه في الماء، فمات به نظر؛ إن كان الماء بحيث لا يتوقَّع الخلاص منه كَلُجَّة البَحْر التي لا يمكن الخروجُ منها، ولا تنفع فيها السباحةُ، وَجَبَ القصاص سواءٌ، كان المُلْقى مِمَّنْ يُحْسِنُ السباحة أو لا يُحْسِنها، وإن كان بحيث يتوقَّع الخلاص منه، فإن كان قليلاً، لا يعد مثله مغرقاً، كما لو كان واقفاً في موضع منبسطٍ، فمكث الملقَى فيه مضطجعاً أو مستلقياً حتى هَلَك 15، فلا قصاص ولا دية؛ فإنه الذي أهْلَكَ نفسَه، والإلقاء في مثله يجري على سبيل المداعبة 16، فلا يعد إهلاكاً.
نعم، لو كَتَّفَه، وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص، فعليه القِصاص، وإن كان يعد مغرقاً؛ كالأنهار الكبيرة التي لا يتخلَّص منها إلا بالسِّبَاحةِ، فإنْ كان الملْقَى مكتوفاً أو صبيّاً أو زَمِناً أو ضعيفاً، وجب عليه القصاص؛ لأنه مُهْلِكٌ لمثله، وكذا إن كان قوياً لكن لا يحسن السباحة، وإن كان يحسنها، فمَنَعَهُ من ذلك عارضُ موج أو ريحٍ، فلا قصاصَ، والحاصِلُ شبْهُ عَمْدٍ، وإن امتنع من السباحة، ولا مانع حزناً أو لجاجاً، ففي وجوب الدية وجهان أو قولان: أحدهما: يجب؛ لأنه قد يمنعه من السباحة دهْشَةٌ وعارضٌ باطن وأيضاً، فالإلقاء في الماء المُغْرِق مهلِكٌ، والسباحة حيلةٌ دافعةٌ له، فأشبه ما إذا امتنع من معالجة الجُرْح.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: المنع؛ لأنه بتَرْكِ السباحة مُعْرِضٌ عما ينجيه يقيناً، متلف نفسه، فصار كإعراض المحبوس عن أكل الطعام، وفيه طريقتان أخريان: إحداهما: حكى الشيخ أبو محمَّد وآخرون، القطع بعَدَمِ الوجوب.
والثانية: نقَلَها القاضي الرويانيُّ عن القفَّال: القطْع بالوجوب، وتنزيل ترك السباحة منزلةَ ترْك المعالجة، وهذا في الضمان، أما القِصَاصُ، فالمشهور منْعُه، وحكى

الجزء: 10 - الصفحة: 133

الإِمام وجهاً: أنه يجب على القَوْل بوجوب الضَّمَان؛ لأنا إذا أوجبنا الضَّمان، ألحقنا تارك السباحة الذي يُحْسِنها بمَنْ لا يحسن السباحة في الضمان، فكذلك في القصاص.
الثالثة: لو ألقاه في نارٍ لا يمكنه التخلُّص منها إما لعظمها أو لكونها في بئر أو وهْدَةٍ، أو لكونه مكتوفاً أو زَمِناً أو صغيراً، فمات فيها أو خرج منْها متأثراً متألماً، وبقي ضَمَناً إلى أن مات، فعليه القِصاصُ، وإن أمْكَنَه التخلُّص والخروج منْها، فلم يفعل حتى هَلَك، ففي الدية قولان منسوبان إلى رواية الرَّبيع، والأصحُّ منهما على ما ذكره القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهم -رحمهم الله-: المنع، كما سبق في مسألة الماء، وإذا لم نوجب الدية بتمامها، وجب ضمان ما يتأثر بالنار بأول الملاَقَاة إلى تقصيره وتقاعُدِه عن الخروج من أرش عضْوٍ أو حكومةٍ لا محالة، وأما القِصَاصُ، فالمشهور أنه 17 لا يَجِبُ كما ذكرنا في الماء، وفيه وجهٌ حكاه القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن وجماعةٍ عن القفَّال، ومن تابعه: أنه يجب، وإن لم يجب في مسألة الماء، وفرَّقوا بأن النار تُؤثِّر، وتقرح بأول المس، والقُرُوح الحاصلةُ بها جراحات قاتلة، بخلاف ملاقاة الماء، ولذلك يَرُدُّ الإنسانُ الماءَ اختيارًا، ولا يرد النار، وبأن لفح النار يورث دهشة وحيرة تمنع من الخروج، بخلاف الوقوع في الماء القَليلِ، وهذا ما أجاب به أبو الحسن العباديُّ في "الرقم" وادعى أن بعض البغدادية من الأصْحَاب، نَقَل هذا الجواب إلى "مسألة الماء"، فأوجب فيه القِصَاص، والجواب المعروف في "مسألة الماء" إلى هذه فمنعه وجعلهما على قولَيْن، والجمهور على التسوية بيْن الصورتين، وإلَيْه ذهب القاضي الحُسَيْن ومنع الإِمام قال: ولو كانَتِ النارُ بحَيْث تُؤثِّر بأوَّل المس، ويمنع من الخروج، فليست الصورة كالصورة التي يتكلم فيها، وقد يُتصوَّر الإلقاءُ في النار؛ بحيث لا يَتأثَّر البدَنُ في أول الأمر؛ لكثافة الملبوس وغيرها والله أعلم، وأما لفظ الكتاب وترتيب المسائل فاعلم أنه أدرج المسائلَ الثلاثَ في جملةٍ واحدةٍ، فقال: "إذا تسبب إلى ما أفضى إلى هلاك الغير، وتَمَكَّن المقصودُ من الإتيان بما يتوقَّع [منه] دفْعَه، فلم يفعل" فله ثلاث مراتب: إحداها: أن يكون السبب ما يُقصَد به الهلاكُ غالباً، ولم يكن طريقُ الدفع موثوقاً به كترك معالجة الجُرْح، فيجب القصاص.

الجزء: 10 - الصفحة: 134

والثانية: أن يُفْقَدَ المعنيان؛ بأن لا يكون السبب مهلكاً، ويكون الدفع موثوقاً به، كما إذا تَرَكَ المحبُوس تناوُلَ الطَّعَامِ الحاضرِ أو قَصَدَه فلم يَعْصِب العرق، حتى مات أو ألقاه في ماء قليل، فلم يَخْرُجْ، فلا قصاص.
والثالثة: أن يكون السَّبب مهلكاً، والدفْعُ سهلاً موثوقاً به، كما إذا ألقاه في ماءٍ مُغْرِقٍ، أو نارٍ، فلم يخرج مع سهولته، ففيه الخلاف.
وقوله: "حتى نزف الدم" يجوز نَزَفَ، ونُزِفَ، ويقال: الدم نَزَفَ الدم يَنْزِفُ، إذا خرج منْه دمٌ كثيرٌ، حتى ضَعُف، ونزف دمه وعقْلُه، ويقال نَزَفَتِ البئْرُ، إذا أخرجت ماءها كُلَّهُ، ونزفت تتعدى ولا يتعدى.
وقوله: "رُبَّمَا يُدْهَش" أو يدهش يقال دَهِشَ دَهَشاً، إذا تحيَّر ودُهِشَ يُدْهَشُ على ما لم يُسَمَّ فاعله.
وقوله: "فلم يسبح، فوجهان" يعني في القصاص، وإن كان الخلاف جَارِياً في الدية، على ما بيناه؛ لأن المذكور في الصورةِ السابقةِ القِصَاصُ، حيث قال: "فَلاَ قصاص" ولأنه أورد الخلاف في "الوسيط" في الدية، ثم رتَّبَ عليه الخِلاَفَ في القصاص.
وقوله: "فالظاهر وجوب القصاص" اختيارٌ للوجهِ المحكيِّ عن القفَّال -رحمه الله-، والراجح عند أكثرهم المَنْعُ على ما بيَّن.
فَرْعٌ: قال الملقى: كان يمكنه الخروجُ مما ألقيته فيه من الماء أو النارِ، فقصر، وقال الوليُّ: لم يمكنه، فالمُصدَّق بيمينه المُلْقِي؛ لأن الأصل براءة ذمته أو الوليُّ؛ لأن الظاهِرَ أنَّه لو أمكنه الخروج لخرج فيه وجهان 18، ويقال قولان: آخَرُ كتَّفَه وطَرَحَه على السَّاحل، فزاد الماءُ وهَلَكَ، إن كان في موضع يُعْلَم بزيادة الماء فيه، كالمد بالبَصْرة، وجب القَود، وإن كان قد يَزيد وقد لا يزيد، فهو شبه عمد، وإن كان بحيث لا يتوقَّع الزيادة، فاتفق سيلٌ نادرٌ، فهو خطأ محْضٌ 19. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالمُبَاشَرَةِ أمَّا الشَّرْطُ فَلاَ يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ مَعَ المُبَاشَرَةِ كَالمُمْسِكِ مَعَ القَاتِلِ وَالحَافِرِ مَعَ المُرْدِي، وَأَمَّا المُبَاشَرَةُ وَالسَّبَبُ فَعَلَى مَرَاتِبٍ: الأُولَى أَنْ يَغْلِبَ السَّبَبُ المُبَاشَرَةَ وَهُوَ إِذَا لَمْ تَكُنِ المُبَاشَرَةُ عُدْوَاناً كقَتْلِ القَاضِي وَالجَلاَّدِ مَعَ شَهَادَةِ الزُّورِ فَالقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 135

قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقْصُود الطَّرَفِ الكلامُ فيما إذا اجتمع سَبَبٌ ومباشرةٌ، وقَدَّمَ عليه أن الشرط والمباشرة إذا اجتمعا، فالمُؤَاخذة بالقِصَاص، والضمانُ يَكُون على المباشِرِ، لا على صاحب الشرط، حتى إذا حفر بئراً في محَلِّ عدوان أو غيره، فرَدِي غيره فيها إنساناً، فالقِصَاصُ أو الضَّمانُ على المُرْدِي دون الحافر، ولو أمسك إنساناً، فقتله آخرُ، فالقِصَاص أو الضَّمانُ على القاتل، ولا شَيْءَ على المُمْسِك إلا أنه يأثم، إن أمسكه؛ ليقتله الآخر، ويُعزَّر عليه، واحْتُجَّ له بما رُوِيَ أنه -عليه السلام- قال: "يُقْتَلُ القَاتِلُ، وَيُصَبرُ 20 الصَّابِرُ" قيل معناه: أنه يُحْبَس تعزيراً، أو بأنه لو أمْسَكَ امرأة حتى زَنَى بها غيره، يكون الحدُّ على الزاني دون المُمْسك، قال مالك: إن أمسكه للقَتْل، فهما شريكان، وعليهما القصاص.
وهذا الذي ذكرناه في الحُرِّ، أما إذا كان المَقْتُول عبداً، فيطالب المُمْسك بالضَّمان لليَدِ والقرارُ على القاتل، ولو أمسك محرمٌ صيْداً، فقتله مُحْرِمٌ آخر، فقرار الضمان على القاتل وتتوجه المطالبة على المُمْسِك، وُينَزَّل إمساكُ الصيْدِ منزلةَ إمساك العبد.
قال الإِمام وغيره: هذا هو الظاهر، وقد ذكَرْنا المسألة والخلافَ في "الحَجِّ".
ولو قدَّم صبيّاً إلى هدَفٍ، فأصابه سهْمٌ [كان أرسله الرامي قبل تقديم الصبي]، فقتله، فالرامِي كالحَافِرِ، والمقدِّم كالمرْدِي، فالقصاص علَيْه، فأما إذا اجتمع السببُ والمباشرةُ، فقد رتَّبَه على ثلاثة مراتب؛ لأنه إما أنْ يَغْلِبَ السببُ المباشرةَ أو المباشرةُ السببَ أو يعتدلان.
المرتبة الأولى: إذا غَلَبَ السببُ المباشرةَ؛ بأن أخرجها عن كونها عدواناً، مع توليده لَهَا، كما إذا شَهِدوا على إنسانٍ بما يُوجِب الحَدَّ، فقتله القاضي، أو جلده أو بما يوجب القِصَاص، فقتله الوليُّ أو وكيلُهُ، فالقِصَاص على الشُّهُود دون القاضي والوليِّ، لأن شهادتهم ولَّدتِ المباشرة، كما سبق، وأخرجَتْها عن أن تكون عدواناً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ أَنْ يَصِيرَ السَّبَبُ مَغْلُوباً كَمَا إِذَا أَلْقَاهُ مِنْ سَطْحٍ فَتَلَقَّاهُ إِنْسَانٌ بِسَيْفِهِ فَقدَّه بِنِصْفَينِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى المُلُقِي عَرَفَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يعْرِفْ، وَلَو ألْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَجَبَ القِصَاصُ عَلَى المَنْصُوصِ لِأَنَّ فِعْلَ الحُوتِ لاَ يُعْتَبَرُ فَهُوَ كَنَصْلٍ مَنْصُوبٍ فِي عُمْقِ البِئْرِ إِذْ حُصُولُ الجُرْحِ بِهِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ عَلَى

الجزء: 10 - الصفحة: 136

المُرْدِي، وَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلاً أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الحَيَوَانِ شُبْهَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرتبة مسألتان: إحداهما: لو رَمَاه إنْسَانٌ من شاهقِ جبلٍ، فتلقَّاه إنسانٌ بسيفه، فقده بنصْفَيْن، أو ضرب رقبته -قبْل أن يصيب الأرض، فالقِصَاصُ على المُتَلَقَّي دون المُلْقِي، سواء عرف الملْقِي الحالَ أو لم يعرفْه، ووجَّه بأن الإلقاء إذا طرأتْ عليه مباشرةٌ مستقلةٌ، صار شرْطاً محْضاً، وكما لا يجب القِصَاصُ على الملْقِي، لا يجب عليه الضمانُ أيضاً، وعن الشيْخِ أبي حامد حكايةُ وجهٍ: أنه يجب عليه الضَّمَان، والظاهر الأول.
الثانية: لو ألقاه في ماءٍ مغْرِقٍ؛ كلجة البحر، فالتقمه الحوتُ، ففيه قولان منصوصٌ وَمُخَرَّجٌ للربيع.
المنصوص، وهو الأصح: أنه يجب عليه القصاصُ على المُلْقِي؛ لأنه ألقاه في مهلكة، وقد هلك بسبب إلقائه، فلا يُنْظَر إلى الجهة التي بها هَلَك، ووجه أيضاً بأن لُجَّة البحر مَعْدِن الحوت، فالإلقاء فيها إلقاءٌ إلى الحوت، فصار كما لو كتَّفه وعَرَضَه للسَّبُع.
وتخريج الربيع أنه لا قِصَاصَ، كما في "مسألة الإلقاء من الشاهق"؛ لأن الهلاك حَصَلَ بغير ما قصد به المُلْقِي الإهلاكَ، وإذا لم يكن بسبب الهلاك متعلَّق قَصْدِه، صار ذلك شبهةً دارئة للقصاص، إلا أنه تلزمه الدية المغلَّظة من حيث إنَّه تسبَّب إلى الإهلاك، وما جرى من الهلاك منسوبٌ إلى إلقائه، والناصرون للنص أجابوا بأنه إذا قَصَد الإهلاكَ، وأتى بالفعل المهلك، لم يكن حصُولُ الهلاك بغَيْر ذلك السبب دافعاً للقِصَاص؛ ألا ترى أنه لو جَرَحَه بسكِّين مسمومٍ، فمات، وتبيَّن أن موته كان بالسُّمِّ، ولم يعْلَم الجارح حالَ السكين، يلزمه القصاص؛ لقَصْده الإهلاك وإتيانه بالجُرْح المهلك، وفرقوا بين مسألة تلقي القادِّ والتقام الحُوتِ؛ بأن الدية لا تجب على المُلْقِي هناك، وقد سلَّم الربيع وجوبَها في "مسألة الحوت"، وذكروا من حيث المعنى وجوهاً: أحدها: أن الإلقاء من الشاهِقِ، غَيْرُ مهلِكٍ ما لم ينصَدِم المُلْقَى بالأرض، وفعْلُ القَادَّ طَرَأ قبل الانصدام، وإصابة الجناية بدنه وقضية هذا الفَرْقَ أن يقال لو رفع الحوتُ رأسَهُ، والتقمه قَبْل أن يصِلَ إلى الماء، لا يجب القصاص [على الملقي، وأن يخصَّص النَّصَّ بالالتقام بعد الوصول] 21، وكذلك ذكر بعضُهم، وحكاه أبو الحسن العبَّاديُّ عن القفَّال، لكن في "التهذيب" وغيره: أن الصحيح أنه لا فرْقَ بيْنَ الحالَتَيْنِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 137

الثاني: أن الإلْقاء من الشَّاهِق قدْ لا يُهْلِك، فإن الريح ربما رفعت الملْقَى إلى الماء، وعظمته فيصيب الأرض لا بشدَّة ولا صدْمة، فيَسْلَم، فهذا طرأ عليه القَدُّ أبطل أثره، والإلقاء في الماء المُغْرِق مهلِكٌ، لا محالة، فلا ينْظَر إلى ما يَحْدُث بعده، وقد يفْهِمُ هذا الفرق تخصيصَ القولين؛ بما إذا كان الالتقام قبل وصوله إلى الماء، والقطع بوجوب القصاص، إذا كان بعده، وفي إيراد الشيخ أبي حامد وغيرِهِ مِنْ أئمة العراقيين ما يُشْعِرُ به.
والثالث: قال الإِمام: القَدُّ قتل صدَرَ مِنْ فاعلٍ مختارٍ يفعل برأي ورؤْيَةٍ، فيقطع أثر السبب الأول، والحوت يلتقم بطَبْعِهِ، كالسبع الضاري، فجاز أن لا يَقْطَعَ أثرَ السَّبَبِ الأول، ولذلك نقول: لو أمسك إنساناً، حتى قَتَله غَيْرُه، فالقصاص على القاتل دون الممُسِك، ولو أمسكه وهدَّفَه لوثبة صبع ضارٍ، فافترسه، فالقصاص على المُمْسك المُهَدِّف، وهذا لأن الحيوان الضَّارِيَ بطَبعه يفعل فعْله عنْد التمكُّن، فكأنه آلة لصاحب السبب الأول، نازلٌ منزلة ما لو ألقاه في بئر، وكان في عُمْقها نصول منصوبة، فأصابته، ومات، يجب القصاص على المُلْقِي، ولم يمنَع حصولُ الهلاك بها، وإن لم يقْصِد وجوبَ القصاص، بخلاف ما إذا كان الطارئ فعلاً صادراً عَنْ رأْي ومشيئة، فإنه يبعد تنزيله منزلة الآلات، ويُبْنَى على هذا أنه إذا كان في أسفل البئر حية عادية بطبعها، أو نمرٌ ضارٍ، فأهلكه، يجب الضمان على المُرْدِي، ولو كان هناك مجْنونٌ ضار على طباع السباع، فكذلك، وإن لم يكن ضارياً، كان كالعاقل في إسقاط الضمان عن الملقي، ولم يُجْعَل الهلاكُ الحاصلُ بالسبع الضارِي بمثابة التلقِّي بالسيف والقد بنصفين، وأطلق في "التهذيب" نفْيَ الضمان، إذا افترسه سَبْعٌ قبل أن يصيب الأرضَ، ولا فرْقَ في مسألة القَادِّ بين أن يكون القادُّ ممَّن يضمن أو ممَّن لا يضمن، كالحَربيَّ، ولو رفع الحوتُ رأْسه، فألقمه فَاهُ، فعليه القصاص بلا خلاف، ولو ألقاه في ماء غير مُغْرِقٍ، فالتقمة حوتٌ، فلا قصاص؛ لأنه لم يقصد إهلاكه، ولم يشعر بسبب الهلاك 22 الذي حَصَل، فأشبه ما إذا دفَعَ رجلاً دفعاً خفيفاً، وألقاه، فجَرَحَه سكِّينٌ كان هناك، ولم يَشْعُر به الدافع، لا يلزمه القصاص، ولكن يجب الضمان في الصورتَيْن، وتكون الديَةُ الواجبة دية شِبْهِ العمد، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وابن الصباغ وغيرهما، وحكاه القاضي ابن كج 23 عن الأصحاب واستنكره، وقال: ينبغي أن لا يتعلَّق به ضمان، كما لا يتعلَّق به قصاص.

الجزء: 10 - الصفحة: 138

وقوله في الكتاب: "أن يصير السبب مغلوباً" إلى آخره يتضمَّن جعْلَ الإلقاءِ من الشاهِق سَبَباً، وتلقي المتلقي وقدَّهُ مباشرةً، وليس ذلك بواضحٍ كلَّ الوضوح على ما ذكرنا في تمييز المباشرة والسَّبَبِ.
وقوله: "لأن فعل الحوت لا يعتبر فهو كنصل منصوب" المراد يه ما حكيناه عن الإِمام: أن الحوت يلتقم بطَبْعِهِ، فينزل فعْلُه منزلة النصل الخارج ونحوه.
وقوله في تخريج الربيع: "لأن اختيار الحيوان شبهة" إشارة إلى الفرق بين التقام الحُوتِ والجِرَاحةِ الحاصلةِ بالنَّصْل، فإن النَّصْل لا اختيارَ لَهُ ولا شعور، وللحَيَوان قصْدٌ واختيارٌ، وإن كان عادياً ضارباً، فكان ما يفعله الحيوان بالطبع متردَّداً بين الأثر الحاصل من غير الحيوان، وبَيْن فعل الحيوان بالاختيار والمشيئة، فاختلف القول في أنه بم يلحق؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَة: أَنْ يَعْتَدِلَ السَّبَبُ وَالمُبَاشَرَة كَالإِكْرَاهِ عَلَى القَتْلِ، وَالقِصَاصُ عَلَيْهِمَا (ح) في أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي قَوْلِ يَخْتَصُّ بِالمُكْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي الدِّيَةِ قَوْلاَنِ، فَاِنْ أَسْقَطْنَا الدِّيةَ إِحَالَة عَلَى المُكْرِهِ فَفِي الكَفَّارَةِ وَجْهَانِ لِأَنَّ الإِثْمَ بَاقٍ، فَإِنْ أَسْقَطْنَا الكفَّارَةَ فَفِي حِرْمَانِ المِيْرَاثِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: المكرِه على القتل يلزمه القصاص على ما مر، وفي المُكْرِهِ قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: "أنه لا يلزمه القِصَاص؛ لأنه قتله دفعاً عن نَفْسه، فأشبه قَتْلَ الصائل وأيضاً، فإن المُكْرَهَ آلةٌ للمُكْرِهِ"؛ ولذلك وجب القصاص على المُكْرِهِ، فصار كما لو ضَرَب به المُكْرِهِ على قَتْلِهِ، فقَتَله، وأصحُّهما: الوجوب، وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه قتله عُدْواناً لاستبقاء نفسه، فصار كما لو قَتَل المُضْطَرُّ إنساناً، فأكَلَه، يلزمه القصاص، ولا يشبه قَتْل الصائل؛ لأنه بالصيال متعدٍّ مُمَكَّنٌ من دفْعه، ولهذا لا يأثَمْ بقتل الصائلِ، والمُكْرَهُ يَأْثَمُ كما المختارُ، وبهذا يَبْطُل كونه آلةً، وفي موضع القولَيْن طريقان: أظهرهما: أنهما يَطَّردان فيمَنْ أكرهه السلطانُ، ومن أكرهه المتغلب.
والثاني: تخصيصُهما بمن أكرهه السلطانُ، والقَطْع بوجوب القصاص على من أكرهه المغلِّب، والفرق أن السلطانَ واجبُ الطاعة في الجملة، فأمْرُه وإكراهُهُ يُورث شبْهةً تَدْرأ القصاص.
التفريع: إن أوجبنا القصاص، فإذا آل الأمر بالعفو إلى الدية، فهي موزعة

الجزء: 10 - الصفحة: 139

علَيْهِمَا، وهما كالشريكَيْن، وللوليِّ أن يقتص من أحدهما، ويأْخذ نصْفَ الدية من الآخر، وان لم نوجب القصاص على المُكْرَهِ ففي الدية وجهان: أحدهما: أنها لا تجب أيضاً؛ تنزيلاً له منزلة الآلة.
والثاني: تجب نصْفُ الدية، والقِصَاصُ إنما يسقط لشبهة الإكراه، والديَةُ لا تَسْقُطُ بالشبهة.
والأول: أصحُّ عند صاحب "التهذيب" والثاني، وهو المنصوص، وهو الذي أورده الأكثرون، وقد يُقَال: في الدية قولان مرتَّبَان على القَوْلَيْن في القصاص؛ وهي أوْلَى بالوجوب.
التفريع: إن أوجبنا على المُكْرَهِ نصْفَ الدية، فعليه الكفَّارة، ويتعلق بقتله حرمانُ الميراث.
ونصْفُ الدية الواجبةِ يكونُ عَلَى عاقلته أو في ماله قال الإِمام: فيه 24 تردُّد عندي، يجوز أن يقال: في ماله؛ لأنه قاصِدٌ للقتل آثِمٌ، ويجوز أن يجعل على عاقلته ويُجْعَل الإكراه مبطلاً لاختياره وتعمده.
وان قلْنا: لا دية علَيْه، ففي الكفَّارة وجهان: أحدهما: المَنْع؛ لمعنى الآلة.
وأصحُّهما: الوجوبُ؛ لحصول الإثْم المُحْوج إلى التكفير، فإن أوجبنا الكفَّارة، تَعلَّق به حرمان الميراث، وإلا، ففي الحرمان وجهان: أظهرهما: ثبوته على ما يقدَّم بيانُ الخلاف فيه في "الفرائض"، وهو قضيةُ ما أورده هنالك، وعند أبي حنيفة: لا دية ولا كفَّارة على المُكْرَهِ، كما لا قِصَاصَ.
وقوله في الكتاب: "أن يعتدل السبب والمباشرة كالإكراه" إنما يجعل الإكراه على القتل مع مباشرة القتل في مرتبة الاعتدال؛ لأنه لا يخرج المباشرة عن كونها عدواناً، فلا يصير غالباً عليها، وهو المولِّد للمباشرة، والمؤثِّر فيهما، فلا يصير مغلوباً.
وقوله: "فإن أسقطنا الدية إحالةً على المُكْرِهِ" أي إحالةً للقتل علَيْه، وتنزيلاً للمُكْرَهِ منزلةَ الآلة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَى الثَّانِي لأِنَّ شَرِيكَ غَيْرَ المُكَافِئِ يُقْتَلُ وهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ كُفْئاً، وَلَوْ أَكْرَهَ إنْسَاناً عَلَى أَنْ يَرْمِيَ إِلَى ظُلَلٍ عَرَفَهُ المُكْرِهُ إنْسَاناً فَظَنَّهُ الرَّامِي جُرْثُومَةَ فَهوَ شَرِيكُ الخَاطِئِ وَلَكِنْ فِي وُجُوبِ القِصَاصِ

الجزء: 10 - الصفحة: 140

وَجْهَانٍ لأنَّ هَذَا خَطَأٌ هُوَ نَتِيجَةُ تَلْبِيسِهِ وَإكْرَاهِهِ فَفِي حَقِّهِ عَمْدٌ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ إِذَا كَانَ المُكْرَه المَحْمُولُ صَبِيّاً وَقُلْنَا إِنَّ فِعْلَهُ خَطَأٌ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَتَزْلَقُ رِجْلُهُ وَمَاتَ وَجَبَ (و) القِصَاصُ وَلَمْ يُجْعَل شَرِيكٌ خَطَأَ، وَلَوْ أكْرَهَهُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى المُكْرِهِ إِذْ لاَ مَعْنَى لِهَذَا الإِكْرَاهِ، وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي وَإلاَّ قَتَلْتُكَ فَلاَ قِصَاص لِلإِذْنِ وَالإِكْرَاهِ، وَقِيلَ: تَجِبُ القِصَاصُ إِذْنُهُ لاَ يُعْتَبَرُ لأَنَّ القِصَاصَ لِوَارِثهِ لاَ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: اقْتُل زَيْداً أَوْ عَمْراً وَإلاَّ قَتَلْتُكَ فَقَتَل أَحَدُهُما فَلاَ إِكْرَاهَ لأِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي التَّعْيِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِي الفصْلِ صورٌ: إحداها: إذا أوجبنا القِصَاصَ على المُكْرِهِ والمُكْرَهِ جميعاً، وكان أحدهما مكافئاً للمكره على قتله دون الآخر وجب القصاص على المكافئ دون الآخر؛ لما ذكَرْنا أنهما كالشريكَيْن، وشريك غير المكافئ يلزمه القصَاصُ؛ بدليل شريك الأب، فإذا أَكْره عبدٌ حرّاً على قَتْل عبدٍ أو ذميٌّ مسلماً على قتل ذميٍّ، وجب القصاص على المكرِه دون المكره، ولو أكره حرُّ عبداً على قتْلِ عبْدٍ أو مسلمٌ ذمياً على قتل ذميٍّ، انعكس الحكم، وفي "الرقم" للعباديِّ أن بعض النُّظَّار ضايق في تصوير إكراه الذميِّ المُسْلِمَ، وقال: إنه إذا أكرهه، انتقض عهْدُهُ، وصار حربياً، ولو أكره الأبُ الأجنبيَّ على قتل وَلَدِهِ أو الإجنبيُّ الأبَ، فالقصاص على الأجنبي دون الأب.
الثانية: لو أكره بالغ صبياً مراهقاً على قتْل إنسان، فقتله فلا قصاص على المُكْرِه، وأما المُكْرهُ، فوجوب القصاص عليه يُبْنَى على أن عمد الصبيِّ عمدٌ أو خطأٌ؟ إن قلنا إنه عمد، وهو الأصح فعليه القصاص 25، وإن قلنا: خطأ، فلا قِصَاصَ عليه؛ لأنه شريك خاطِئٌ.
قال الإِمام -رحمه الله-: هذا إذا فرَّعنا على أنه يجب القصاص على المكرِه والمُكْره، وتنزيل المكرِه والمكره منزلة الشريكين.
أما إذا قلنا: لا قصاصَ على المُكْرَه، ففي وجوب القصاص على المُكْرِه مع الحُكْم بأن عَمْد الصبيِّ خطأٌ وجهان [اثنان]، أشار إليهما القاضي الحُسَيْن.
وجه الوجوب: أن إكراهه هو الذي وَلَّد هذا الخطأ وأنتجه، وهذا الوجه هو الذي رأى صاحب "التهذيب" الجوابَ به، إذا لم نُوجِب الديةَ على المُكْرَه، ونزَّلناه منزلةَ الآلة وأما الديَةُ فجميعُها على المُكْرِه، إن لم نُوجب الدية على المُكْره وإن أوجبْنَا علَيه نصْفَها، فنصف الدية على المُكْرِهِ، ونصفها في مال الصبيِّ، إن جعلنا عمْدَه عمداً وعلى عاقلته، إذا جعْلناه خطأً، ولو أكره صبيٌّ مراهقاً بالغاً، فلا قصاص على المُكْرهِ، وفي

الجزء: 10 - الصفحة: 141

المكره القولان، إن جعلنا عمْدَ الصبيِّ عمْدًا وإن جعلناه خطأً، فلا قصاص، عليه أيضاً؛ لأنه شَريكٌ خاطئٌ.
ولو أكره إنسانٌ إنساناً على أن يَرْمِيَ إلى طَلَلٍ عرفه المُكْرِهُ إنساناً، وظنه المُكْره جرثومةً أو صيْداً أو أن يَرْمَي إلى سِتْرٍ وراءه إنسانٌ وعرفه المُكْرِهُ دون المُكْرَهِ، فقد ذكر الإِمام وصاحب الكتاب: أن في وجوب القصاصِ على المُكرِهِ وجْهَيْن كالوجهين المذكورَيْن، فيما إذا أكره صبياً على القَتْل، وجعلْنا عمْدَ الصبى خَطَأً.
وجه الوجوب أن هذا الخطأ نتيجة تلبيسه وإكراهه، فيجعل عمداً في حقه ومال صاحب "التهذيب" إلى القطْع به توجيهاً بأن المُكْرَهَ جاهل بالحال ظانٌّ حل الفعل، فكان كالآلة للمُكْرِه، فأشبه ما إذا أمر صبياً لا يَعْقِل، أو عبْداً أعجمياً بقتل إنسانٍ، فقتله، يجب القصاص على الآمر، وإذا آل الأَمْرُ إلى الدِّيَّة، فرَوَى صاحب "التهْذيب" أَنَّا إذا أوجَبْنا الضَّمان على المُكْرِهِ، فنصْفُ الدية على عاقلة المُكْرِهِ، ونصفها في مال المُكْرِهِ، وإن لم نُوجِب عليه الضَّمانَ، فكلُّ الدية على المُكْرِه، ورأى أن يقطع به، وأن لا يجب شيْء على المُكْرَه بحال؛ لمَا ذكرنا في القصاص، ولو أكرهه على أن يرْمِيَ إلى صيدٍ، فَرَمَى وأصاب إنساناً، فقتله، فلا قِصَاصَ عَلَى واحدٍ منهما؛ لأنهما لم يتعمَّدا قتله، وأما الدية، فجَمِيعُها على عاقلة المكرِه، إن لم نوجب الضمان على المُكْره وإن أوجبناه عليه، فنِصْفُها على عاقلة هذا، ونصفْها على عاقلة ذاك، وإن أكرهه على صعود شجرةٍ أَوْ على أن ينزل في بئْرٍ أو مُنْحَدَرٍ، ففعَلَ، وزَلِقَتْ رجْلُه، وهلَكَ، فالجواب في الكتاب: أنه يجب على المُكْرِهِ القصاصُ، ولا يُجْعَلُ شريكَ خاطئٍ.
قال في"الوسيط": ولا يجيْء فيه الوجهان المذكوران في الصبى المُكرِهِ وجَهْله، والأظهر ما ذكره الفوراني وصاحب "التهذيب" وحكاه القاضي الرويانيُّ واستقر به أنه عمْدُ خَطَأ لا يتعلَّق به القصاص؛ لأن الفعْلَ ليس مما يُقْصَد به الهلاك.
وقوله في الكتاب: "وهما كالشَّرِيكَيْن" وقوله: "فهو شريكُ لخاطئ" مبني على أن المُكْرِه والمكره، كَالشريكَيْن على ما قدَّمنا، لكنْ ذكر الإِمام -رحمه الله- أن حقيقة الخلافِ المذكورِ، فيما إذا أَكْرَهَ صبيّاً عَلَى القَتْل، وجعلْنا عَمْدَه خطأً أنه هل يجب القصاصُ على المُكْرِهِ، يرجع إلى أننا ننقل فعْلَ المُكْرهِ إلى المكْرِهِ على صفته، أم نَجْعل المُكْرِه كالمباشر للقَتْل، ولا يُنْظَر إلى صفة فِعْل المُكْرَه، فهذا قد يَقْدَحُ في معْنَى الشَّركة.
وقوله: "وعليه يُخَرَّجُ" أي على الخلاف، أو على التوجيه المذكور.
وقوله: "وقلنا: إن فعله خطأٌ" لفظ "الفعل" يشمل العَمْد والخَطَأ، والمراد فعْلُه العَمْد، والمشْهُور في الاستعمال أن عمده عَمْد أو خطأ، أي يُعْطَى حكم هذا أو ذاك وإن كان عمداً في الحقيقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 142

الثالثة: لو كرهه، على قَتْل نفْسِهِ؛ بأن قال: اقْتُلْ نَفْسَكَ، وإلا قَتَلْتُكَ، فَقَتَل نَفْسَه، ففي وجوب القصاص على المُكْرِهِ قولان مشهوران منقولان في "التهذيب": أحدهما: يجب؛ لأنه بالإكراه على القَتْل والإلْجَاء إلَيْه قاتلٌ له.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه أجاب القفَّال: المَنْع، وما جرى ليس بإكراه حقيقةً؛ لأَنْ المُكْرَه من يتخلص بما أمر به عما هو أشَدُّ عليه، وهو الذي خوفه لمكره به وهاهنا المأمور به القتل والمخوف به القتل، ولا يتخلَّص بقتل نفسه عن القتل، فلا معنى لإقدامه علَيْهِ، فإن قلْنا: يجب القصاص عليه، فلو فُرِضَ العفْوُ، وجب كمال الدية، وإنْ قلنا: لا تجب، فعَلَيْهِ نِصْفُ الدية، إن أوجبْنا الضمَانَ على المُكْرِهِ، وجميعه، إن لم نوجبْهُ 26، ويجري القولان فيما لو أكرهه على شُرْب سُمٍّ [قاتل] فشربه، وهو عالمٌ به، وإن كانَ جاهلاً، فعلى المُكْرِهِ القصَاصُ ولو قال: لَتَقْطَعَنَّ يَدَكَ أو أُصْبُعَكَ وإِلاَّ قتَلْتُكَ، كان ذلك إكراهاً، بخلاف ما إذا قال لتقتلن نَفْسَكَ، أو لأَقْتُلَنَّكَ ذكره أبو الحَسَنِ العباديُّ -رحمه الله-.
الرابعة: إذا قال: اقتلني، وإلاَّ قتلْتُكَ، فهذا إِذْنُ منه في القتْلِ، وإكراهٌ، ولو تجرَّد الإذْن، فقتله المأذونُ له ففي وجوب الدية قولان مبنيَّان على أن الديَّةَ، تجب للورثة ابتداءً عقيب هلاك المقْتُول، أو تجب للمقتول في آخِرِ جزْءٍ من حياته، ثمَّ تَنْتَقِلُ إلَيْهم، إن قلنا بالأول، وجبت ولم يؤَثِّرْ إذْنُه وإن قلْنا بالثاني، لم تجبْ، وهذا الثاني أصحُّ على ما ذكره صاحب "التهذيب" وصاحب الكتاب في "الوسيط" وغيرهما، واحتجُّوا عليه بأنه يَنْفُذ منه وصاياه، وتقضى ديونه، ولو ثبتت للورثة ابتداءً، لَمَا كان كذلك، وفي

الجزء: 10 - الصفحة: 143

القصاص طريقان، المشهورُ منهما القطْعُ بنفيه، وجَعْل الإذْنِ شبهةً دارئةً.
والثاني: تخريجُ الخلافِ فيه، وقد نُسِبَ التخريجُ إلى الإِمام سهْلٍ الصعلوكيِّ، وتوجيه الوجوب بأن القصاص أيضاً يثبت للورثة ابتداءً وبأن القتل لاَ يباح بالإذن، فأشْبَهَ إذْنَ المرأة في الزِّنَا، ومطاوعتها لا تُسْقِط الحَدَّ ولو قال: اقطعْ يدي، فقطعها، فلا قصاص ولا دية؛ لأنه إتلافٌ مأذونٌ فيه، فصار كما أو أتُلَفَ ماله بإذنه، وقد يقتضي المعْنَى الثاني في توجيه وجوب القصاص على الطريق الثاني تخريجَ خلافٍ فيه، وعن أبي حنيفة أنَّ الإذن في القتل لا يُسْقِط الديةَ، وسلَّم في الإذن في القطع السقوطَ، ولو أذن عبْدٌ في القتل أو القطع، لم يَسْقُط الضمان؛ لأنه حق للسيد، وفي القصاص إذا كان الماذونُ له عبداً وجهان 27: وجْه المنعٍ: أن القِصَاص يَسْقُط بالشبهة، وقول العبد فيه مقبولٌ، إذا أقرَّ عَلَى نفيه، فكذلك يُؤثِّر رضاه في سقوطه، ومسألة الإذْنِ في القَتْل معادةٌ في الكتاب "في باب العفو"، فأما إذا انضمَّ الإكراهُ إلى الإذْن، فسقوطُ القصاصِ أَوْجَهُ وأَوْلَى.
وقوله: "للإذن والإكراه" إن قُدِّرَ الإكراه ضميمة مقويةً لشبهة الإذْن، فَذَاكَ والمُسْقِط معنى واحدٌ، وإن قدر الإكراه مسقطاً برأسه، فذلك يتفرع على القول بأن المُكْرَهَ لا قصاص عليه، وأما الدية، فإن لم نوجبها عند تجُّرد الإذْن، فمع الإكراه أَوْلَى وإن أوجبْنَاها، فيُبْنَى على أن المُكْره هل عليه نصْفُ الدية، إن قلْنا: نعم، فعليه نصفُها، وإلا، فلا.
وهاهنا كلام، وذلك أنَّ الأئمة -رحمهم الله- نَقَلوا أنَّ المُكْرَهَ على قَتْلِهِ يجوز له دفْعُ المُكْرِهِ والمُكْرَهِ جميعاً، وأنه لا شيْء علَيْهِ إذا قتلَهُما، وأن للمُكْرِهِ أيضاً دفْع المُكْرِهِ ولا شيء عليه، إذا أتى الدَّفْع على نفْسه، وعلى هذا، فإذا قتله دفْعاً، فينبغي أنْ يُحْكَم بأنه لا قصاص، ولا دِيَة عليه بلا تفصيل ولا خلاف، وقد أشار إلى هذا الشيخ أبو الحسين العبادي، فقال: إذا قال: اقْتُلْنِي، وإلاَّ قَتَلْتُكَ، فإنْ لم يقتلْه، فهو استسلام، وإنْ قتله، فهُوَ دَفْعٌ، ويمكِنُ أنَّ يقال: موْضِعُ التفصيل والخلافِ ما إذا أمكنه الدَّفْع بغير القَتْل، والدافِعُ بالقَتْل إنَّما لا يلزمه شيْءٌ، إذا لم يمكِنه الدَّفْع بغَيْره، ولو قال اقْذِفْنِي وإلا قتلْتُك، فقذفه، ففي وجْهٍ: لا حدَّ عليه، كما لو قال: اقْطَعْ يَدِي، فقطعها.
قال في "التهذيب": والصحيح وجوبه، بخلاف القصاص؛ لأنه يستعين بغيره في

الجزء: 10 - الصفحة: 144

قَتْل نَفْسِهِ وقطعه، ولا يستعان بالغَيْر في القَذْف، فيُجْعَلُ القاذف مبتدِئاً 28. الخامسةُ: لوْ قال: اقْتُلْ عمراً أو زيداً، وإلا قَتَلْتُكَ، فهذا تخْييرُ لا إكْرَاه، ومن أقْدَم على قتلهِ منهما، كان مُخْتاراً في تعيينه، وَالمُكْرَهُ هو المحْمُول عَلَى قَتْل معيَّن، لا يَجِدُ عنه محيصاً، وهذا أظهر فيما إذا قال: اقْتُلْ واحداً من أهْل البَلَد، وإلاَّ قتلْتُك، وقد سبق نظيره فيما إذا قال: طلِّقْ إحدى زوجاتك وإلا قتلْتُك، وفي "الرقم" نقل وجْه أنَّه يكون إكراهاً؛ لأنه لا يتخلص إلاَّ بقتل إحداهما، وهو ملْجَأٌ إليه، وفي "التتمة" نسبته إلى اختيار القاضي الحُسَيْن، وليجيءْ مثله في الطَّلاق، وإذا قلْنا بالمشهور، فمَنْ قتله منْهما، لزمه القصاص، ولا شَيْء على المُكْرِهِ سِوَى الإثم، ولو أُكْرهَ إنْساناً على أن يُكْرِه ثالثاً على قَتْل رابع فأكره الثانِي، وقتل الرابع، وجب القصاصُ عَلى الأوَّل، وفي الثاني والثالثِ قولاَنِ؛ لأنهما مُكْرَهَانِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَمَرَهُ مُتَغَلِّبٌ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ السَّطْوُ.
عِنْدَ المخُالَفَةِ فَهُوَ كَالإِكْرَاهِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَمَرَهُ سُلْطَانٌ وَاجِبُ الطَّاعَةِ عَلَى الجُمْلَةِ فَقَتَلَ مَنْ عَلِمَهُ المَأْمُورُ ظُلْماً فَفِي الْتِحَاقِهِ بِالإكْرَاهِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ القَتلَ فَسَادٌ وَالخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ أَيْضاً مُهَيِّجٌ لِلفَسَادِ وَالفِتْنَةِ فلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةَ، بِخِلاَفِ العَبْدِ إِذَا قَتَلَ بِأمْرِ سَيِّدِهِ فالقِصَاصُ عَلَى العَبْدِ إِذْ لَيْسَ فِي مُخَالَفَتِهِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ مَا يَفْتَحُ بَابَ الفِتْنَةِ، وَإِنْ كَانَ العَبْدُ أَعْجَمِيّاً ضَارَيًا بِطَبْعِهِ فَالسَّيِّدُ بِأمْرِهِ كَالمُغْرِي لِلسَّبْع فَعَلَيْهِ القِصَاصُ، وَفِي تَعَلُّقِ الدِّيَة بِرَقَبَتِهِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالبَهِيمَةِ، وَكَذَا المَجْنُون الحُرُّ إِذَا كَانَ هَذَا طَبْعَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصْل: الكلام فيما إذا أَمَر بقَتْل إنسان بلا إكْرَاه، وفيه مسألتان: إحداهما: إذا أمر السلطانُ أو نائبه الجلاَّدَ أو غيْرَهُ بقَتْل إنسانٍ ظلماً، فقتله المأمورُ، نُظِرَ؛ إنْ ظَنَّ المأمورُ أنَّه يقْتُله بحقِّ، فلا شيْءَ على المأمور؛ لأن الظاهر أنه لا يأمر بالقَتْل إلا بالحَقِّ، ولأن الطاعة للسلطانِ واجبةٌ فيما لا يعلمه معصيةً، واستَحَبَّ الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- له أن يُكَفِّر لمباشرته القَتْلَ، وأما الأمر، فعليه القصاص أو الدية والكفارة، وإن عَلِم المأمورُ أنه يقتله ظُلْماً، فهل ينزل أمره منزلة الإكراه؟ فيه وجهان، ويقال قولان:

الجزء: 10 - الصفحة: 145

أحدهما: لا وإنَّما يحْصُل الإكراه بالتخويف والتهديد صريحاً كما في غير السُّلْطان، فعلَى هذا لا شيْء على الآمر سوَى الإثْم، والقصاص أو الدِّيَة والكفَّارة على المأمور.
والثاني: أنه ينزل منزلة الإكراه، ووُجِّه ذلك بمعنَيَيْنِ: أحدهما: أنَّ الغالِب من حالة السطوة عند المخالفة، وحالُ الخوف عند التصريح بالوعيدِ أشدُّ ولك أنَّ تقول: السلطانُ قدْ يَعْفُو كما يسطو وقد يترجَّح عفْوه على سطوته، ثم المكروه المخُوفُ قد يكون مما يحْصُل به الإكراه على القتل، وقد يكون مما لا يحصل كالحبس، فحَقُّ هذا المعنى ألا يحصل الأمر كالإكراه، إلا في حقِّ السلطان الذي تَغْلب منه السطوة بما يكون إكراهاً في القتل، ولا يُعَمَّم.
والمعنى الثاني: أنَّ طاعة السلْطَانِ واجبةٌ في الجُمْلَةِ، وفي مخالفته إثارةُ الفتنة، وتجرئة الناس عليه، وفيه فساد عظيمٌ، ولدفع هذا المحذور، قلنا: إنه لا ينْعَزل بالفِسْق، إذا خيف من الاستبدال به الفتنة، فكأنه ازدحم على القَتْل موجبٌ ومحرِّمٌ، فانتهض شبهة دأرته للقصاص، وإذا نزَّلْناه منزلة الإكراه، فعلى الآمِرِ القِصَاصُ، وفي المأمور القولانِ في المكره، واعلم أنَّ المنقول عن نصِّ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: في "الأم": أنَّ المأمور بالقتل لو كان يَعْلَم أنَّ الإِمام أمر بقتله ظُلْمَاً، كان عليه، وعلى الإِمام القود، واختلفوا في هذا النصِّ، فمن جعل أمر السلطان إكراهاً، يجيء على قوله إجراؤه على ظاهره، وجعله في المأمور جواباً على أصح القولَيْنِ في المكره ويقرب من هذا حكايةُ القاضي ابن كج عن القيصري والقاضي أبي حامد -رحمهما الله- والذين لم يجعلوا أمر السُّلطان إكراهاً اختلفوا، فعن أبي إسحاق وغيره: حمله على ما إذا أكره مع الأمْرِ وضُعِّفَ ذلك؛ لأنه نص على صورة الإكراه عقيب هذه الصورة، وعن رواية أبي عليٍّ الطبري -رحمه الله-: حمله على ما إذا قال المأمور: عَلِمْتُ أنَّه ظلمٌ، لكني جوَّزْت أن يكون ذلك على قوْلِ بعض الفقهاء، وأن الإِمام أدى اجتهاده إليه، فيجب القصاصُ، والحالةُ هذه، عليهما، أما الإِمام، فلأنه ألجأه إليه لوجوب طاعته في الظاهر، وأمَّا المأمور، فلأنه أقْدَمَ على قتل محرَّم عن اعتقاد التحريم.
وصاحب الشوكة من أهل البغْي أمره كامر إمام أهْل العَدْل 29؛ لأن أحكامه نافذة، وأما إذا أمَرَ غيْرُ السلطان بالقتل بغير حتى، كالزعيم والمتغلِّب، وقَتَل المأمورُ، نُظِرَ إن لم يخَفْ من مخالفته المحذور، فعلى المأمور القِصَاصُ والدية والكفارة، وليس على الأمر إلا الإثْمُ ولا فرق بين أن يعتقده حقاً أن يعْرِف كونه ظلماً؛ لأنه ليس بواجب

الجزء: 10 - الصفحة: 146

الطاعة، ولا في مخالفته إثارة فتنة، بخلاف الإِمام، وإن كان يخاف من مخالفته المحذور، بأن اعتيد منه ذلك، ففيه الخلاَفُ المذكور في حقِّ الإِمام: لأن المعْلُوم هَلْ يُجْعَل كالملفوظ المصرَّح به، والقياس جعْلُه كالملفوظ، إلى ترْجِيحه مالَ صاحِبُ الكتاب وغيره.
وفي أمر السلطان، قضية ما أورده الجمهور تصريحاً ودلالةً: أنه لا ينزل منزلةَ الإكْرَاهِ، فيخرج من هذا أن أمر السلطان من حيث إنَّه سلطانٌ لا أثر له، وإنَّمَا النَّظَر إلى خَوْفِ المحْذُور.
الثانية: لو أمر السَّيِّد عبْدَهُ بقتل إنسانٍ ظلماً، فقتله، فإنْ كان العَبْد مميزاً، لا يرى طاعة السيد لازمةً في كل ما يأمره به، فالقصاصُ على العبد، وليس على السيد إلا الإثمُ، فإن عفا أو كان مزاهقاً، تعلَّق الضمان برقبته، وكذا لو أمره بإتْلاَفِ مال، فأتلفه، وإن كان صغيراً لا يُميَّز أو مجنوناً ضارياً أو أعجميّاً يرى طاعة السَّيِّد لازمةً في كل ما يأمره به، ويبادر إلى الامتثال، فهو كالآلةِ، والقصاصُ أو الديةُ على السَّيِّد، وفي تعلُّق المال برقبة مثل هذا العبد وجهان.
أحدهما: التعلُّق؛ لأنه عبْدٌ صدَر منه الإتلاف.
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه كالآلة 30 المستعملة، فأشبه ما إذا أغرى بهيمةً صائلةً على إنسان، فقتلته، لا يتعلَّق بها الضمان، ولو أمر عبد غيره، فكذلك الحكْمُ، إن كان العبد لا يفرِّق بين أمر السيد وأمر غيره، ويسارع إلى ما يؤمر به، ثم إن قلْنا: يتعلَّق الضمانُ برقبته فبيع فيه، فعَلَى الأمر قيمته للسيد، وإذا لم تفِ قيمته بالواجب، فعلَى الأمر الباقي، وكذا لو كان الآمر السَّيِّدَ وليس هذا التعلُّق كتعلق الأَرْش برقبة سائر العبد، ولو أمر الأجنبي مثل هذا العبد بقتل نفسه، ففعل، فعلى الآمر الضمانُ، إن كان صغيراً أو مجنوناً، ولا يجب إن كان أعجميّاً؛ لأنه لا يعتقد لزوم الطَّاعة في قتْل نفسه بحال.
نعم، لو أمره بِبَطِّ جراحة أو فتح عِرْقٍ على مقتل، وجب الضمان؛ لأنه لا يظنه قاتلاً فيجوز أنَّ يعتقد لزوم الطاعة فيه، هكذا حكَى عن النص، فإن كان الأجنبيُّ الآمِرُ عبداً، فليكنِ القصاصُ على هذا التفصيل، كما سيأتي، نظيره 31 -إن شاء الله تعالى-.
ولو أمر صبياً حرّاً أو مجنوناً حراً بقتل إنسان، فَقَتَلاَ، قال في "التهذيب": إن كان لهما تمييز، فلا شيْء على الآمر سوى الإثم، وتجب الدية مغلَّظَةً، أو مخففة؛ بناء على

الجزء: 10 - الصفحة: 147

الخلاف في أن عمدهما عمدٌ أو خطأٌ؟ وإن لم يكن لهما تمييز، وكانَا يسارعان إلى ما أُغْرِيَا به أو كان المجنون ضارياً، فالقصاص أو كمالُ الدية على الآمِرِ، وليّاً كان أو أجنبيَّاً، ولو أمر أحدهما بقَتْل نفسه، فعلى الآمر القصاصُ، ولو قَتَلَ مثلُ هذا الصبيِّ أو المجنونِ أو أتلفا مالاً من غير حَثٍّ من أحدٍ، فهل يتعلَّق الضمان بما لهما؟ عن الشيخ أبي محمد تخريجه على الخلاف المذكور في التعلق برقبة العبد؛ لأنه يشبه إتلاف البهيمة 32 العادية، وإذا وَقَفْتَ على ما أودْرنَاه لم يَخْفَ عليك أن قوله في الكتاب: "ولو أمره متغلِّب، علم مَنْ عادته السَّطْوُ عند المخالفة" المراد منه السطوة بما يحْصُل به الإكراه، وأن الحكم لا يختص بالمتغلِّب بل السلطان، إذا عُرِفَ ذلك من عادته، كان كالمتغلِّب بطريق الأوْلَى.
وقوله: "بخلاف العبد إذا قتل سَيِّده" المراد من الإذنِ الأَمْرُ لا مجرَّد الترخيص؛ ألا تَرَاه يقول: "إذْ ليس في مخالفته" وليس للترخيص المجرد مخالفة.
وقوله: "على وفق الشرع" لا يتعلَّق بذكره كبيرُ حاجة، فإنَّ مخالفة السيد على أي وجْهٍ كانت، لا تفتح باب الفتنة التي تعرض مثلها في مخالفة السلطان.
وقوله: "فالسيد يأمْرِهِ كَالمُغْرِي للسَّبُع" المراد الصورة التي يتَعَلَّق القصاص فيها بإغراء السبع، ولا يَتعلَّق بالقصاص بمُطْلَق إغرائه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وقوله: "وكذا المجنونُ الحرُّ إذا كان هذا طبعه" يعني أنه يجري الخلاف في تعلُّم الدية والضمان بِمَالِهِ إذا قتل من غير حثٍّ وإغراء.
فَرْعٌ: العبد الصغير المميز، ولو أُكْرِه على القَتْل، فقَتَل، هل تتعلَّق الدية برقبته؟ قال الإِمام: يبنى على أن المُكْره الحُرَّ هل تلزمه الدية، إن قلنا؛ نعم، فنعم، وإن قلنا: لا، ففي التعلُّق برقبته الخلافُ المذكورُ في التعليق برقبة العبد الأعجميِّ؛ لنزوله منزلة الآلة آخر: أمره الإِمام بصُعُود شجرة أو النزول في بئر، فامتثل، وهَلَكَ به، فإن لم نجْعَلْ أمره إكراهاً، فلا ضمان، كما لو أمره واحِدٌ من الرعية، وإن جعلْناه إكراهاً، فإن كان يتعلق بمصلحة المسلمين، فالضمان على عاقلة الإِمام أو في بيت المال فيه قولان، نذكرهما في نظائرهما، وإن كان يتعلق به خاصةً، فالضمان على عاقلته، قاله في التهذيب، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يُبَاحُ بِالإكْراهِ الزِّنَا وَالقَتْلُ، وَيُبَاحُ بِهِ شُرْبُ الخَمْرِ وَالإِفْطَارُ

الجزء: 10 - الصفحة: 148

وَإتْلاَفُ مَالِ الغَيْرِ بَلْ يَجِبُ، وَيُبَاحُ بِهِ كَلِمَةُ الرِّدَّةِ، وَهَلْ يَجِبُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإكراه عَلَى القتل المحرَّم لا يبيحه بل يبقى مأثوماً به، كما كان 33 بالاتفاق، وكذا للإكراه على الزِّنَا 34 وهذا في الزنا يتفرَّع على الصحيح، وهو أنه يتصور الإكراه في الزِّنَا، ومن الأصحاب من أحاله، وقال: الانتشار لا يتحقَّق إلا مع نشاط النفس وانبساط الشَّهْوة، وذلك لا يحصل مع الإكراه، وقيل في الجواب عنه: هَبْ أنه كذلك، لكن الانتشار ليْسَ بشرْطٍ في الزنا، وإنما يعتمد في الزنا الإيلاج، والإكراهُ لا ينافيه.
وأما أنَّ الإكراه هل يُسْقِط الحدَّ، فسيأتي -إن شاء الله تعالى- "في باب حد الزنا" بحسن تيسيره.
ويباح بالإكراه شربُ الخمر استبقاء للمهجة، كما إذا غصَّ بلقمة، ولم يجدْ ما يسيغها، سوى الخمر، [كان]، له أنَّ يسيغها بالخمر، وكذلك الإفطارُ في نهار رمضان واتلاف مال 35 الغير يباحان بالإكراه، وفي معنى الإفطار الخروجُ من صلاة الفرض، ويباح بالإكراه أيضاً كلمةُ الردَّة على ما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وهل يجب التلفُّظ بها فيه؟ وجهان: أحدهما: نعم حفظاً لنفسه كما يجب دفع الهلاك بتَنَاوُلِ الميتة.
وأصحُّهما: المنع مصابرةً وثباتًا على الدين، كما يعرض النفس للقتْلِ جهاداً أو ذَبَّاً عن الدين، وعلى هذا فالأفضل أن يثبت ولا يتكلَّم بكلمة الردَّةِ، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَانَ الرَّجُلُ ممن كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فيه فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيَشُقُّ نِصْفَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وعَصَب، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ" 36. ومن الأصحاب من قال: إن كان ممَّن يَتَوقَّع منه النكاية في العدوِّ أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضل أن يتكلّم بها، ويدفع القتل عن نفس هـ؛ لما في بقائه من الصلاح،

الجزء: 10 - الصفحة: 149

وإلا، فالأفضل أن يمتنع، وهل يجب شرْبُ الخَمْر عند الإكراه؟ في "الوسيط": أنه على وجْهَيْن مرتَّبيْنِ على الوجهَيْنِ في كلمة الردة، وهو أولن بمنع الوجوب 37، ويمكن أن يجيْء مثله في الإفطار في نهار رمضان، ولا يكاد يجيء في الإكراه على إتلاف المال.
وقوله في الكتاب: "بل يجب" يجوز أن يعلم بالواو، إن رجع إلى شرب الخمر وما بعْده، ولم يختص بالإتلاف وعن الأودي في ضَبْط هذه الصور: إنَّ ما يسقط بالتوبة، يَسْقُط حكمه بالإكراه، وما لا يسقط بالتوبة، لاَ يَسْقُطُ حكمه بالإكراه.
وإذا أَتْلَفَ مال الغير مُكْرَهاً، كان للمالك مطالبة المُكْرِه بالضمان؛ لأنَّ الإكراه تَسبَّب إلى الإتلاف، وهذا القدر مذكور في الكتاب في أول "الغصب" حيث قال: "فيجب الضمان على المكره على إتلاف المال" وفي مطالبة المُكْرهِ وجهان: أحدهما: لا يُطالب؛ لأن الإتلاف مباح له عند الإكراه.
وأصحهما: المطالبة، لكنه يرجع بما يُغَرَّم على المكْرِه؛ لعُدوانه، ويعبر عن هذا الغرض بأن القرار على المُكْرِهِ لا محالة وفي مطالبة المُكْره وجْهان، هذا هو الطريق الظاهر، ووراءه وجهان: أحدهما: أن الضمان على المكره المتلف وإنما تعلق الضمان والقصاص بالإكراه على القَتْل؛ لِعِظَمِ خَطَرِ النفس.
والثاني: عن القاضي أبي الطيِّب: أنَّ الضمان يتقرر عليهما بالسوية، ويُجْعَلاَن كالشريكَيْن، كما في الإكراه على القتل، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الغصب: "فيجب الضمان على المكره" بالواو، والقولِ في جزاء الصيد إذا قتله المُحْرِم مكْرَهَاً، كالقول في ضمان المال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةٌ يَقْتُلُ مِثْلُهَا غَالِبَاً فَالحَيَّةُ كَالسِّكِّينِ، وَإِنْ قَتَلَ نَادِراً فَكَالإِبْرَةِ، وَإِنْ أَلْقَى عَلَيْهِ الحَيَّةَ وَكَانَ مِنْ طَبْعِهَا النَّفَارُ فَلاَ قِصَاصَ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَيْتٍ، وَلَوْ جَمَعَهُ فِي بَيْتٍ مَعَ سَبُع فَافْتَرَسَهُ وَجَبَ القِصَاصُ إِذ السَّبُعُ فِي المُضِيقِ يقْصدُ، وَإِنْ أَغْرَى بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ إلاَّ إِذَا كَانَ السَّبُعُ ضَارِيَاً وَالهَرَبُ غَيْرَ مُمْكِنٍ، وَالمَجْنُونُ الضَّارِي كَالسَّبُعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَنْهَشَهُ حَيَّةٌ أو ألدغه عقْرباً؛ بأن ضبطها وأدنى ذَنَبَهَا منْه مع ضَغْطٍ، أو كره فقتلته، نُظِر؛ إن كانت تقتل غالباً كأفاعي مكَّةَ وثعابين مصر، وعقارب

الجزء: 10 - الصفحة: 150

نَصِيبينَ، وجب القصاص، وإن كانت مما لا تقتل غالباً، فقولان.
أحدهما: أنه شبه عمْدٍ؛ لأنه لم يظهر منه قصْد القتل.
والثاني: أنه يتعلَّق به القصاص؛ لأن نهشها يشق الجلْدَ، فيرتقب منه الغور والنكاية والجراحة، وإن صغرت، يتعلَّق بها القصاص، كما تقدَّم في غرز الإبرة، وهذا ما أورده الإِمام وصاحب الكتاب، والأول أصحُّ عند صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ، وعنهما: إن لم يُنْهِشْهُ، ولكن ألقى الحية عليه، أو ألقاه عليها أو قيَّده وطَرَحَه في موْضِع فيه حيَّات وعقاربُ، فقتله، فلا قصاص ولا ضمان، سواءٌ كان الموضع ضيقاً أو واسعاً؛ لأنه لم يُلْجئْها إلى القتل 38، وإنما قتلَتْه هي باختيارها، فَفِعْلُهُ مع قتْلِها كالإمساك مع مباشرة القَتْلِ، ولو عرضه لافتراس السَّبُع الذي يقتل غالباً، كالأسد والذئب، هدفه له، حتى صار السبع كالمُضْطَر إليه، لزمه القصاص 39، كما في انتهاش الحيَّة، حكاه القاضي ابن كج عن النصِّ، فإن كان السَّبُع مما لا يقْتُل غالباً، فليكن كالحية التي لا تَقْتلُ غالباً، وإن أرسل إليه السبع أو أغْرَى عليه كَلباً عَقُوراً في موضعٍ واسعٍ؛ كالصحراء، فقتله، لا يجب القصاص، وكذا لو طرحه في مسبعة أو بَيْن يدَي السبع في الصحراء مكتوفاً أو غَيْرَ مكتوف؛ لأنه لم يُلْجِئْه إلى القَتْل، والذي وُجِدَ منه ليس بمهلك كما لا قصاص لا ضمان، كما في المُمْسِك مع القاتل، ولا فرْق بين أن يكون المطرُوح صغيراً أو كبيراً، وفي الصبى وجه: أنه يجب الضمان، وبه قال أبو حنيفة، وقد ذكر صاحب الكتاب الخلافَ فيه في الغصْب، ولو أغراه به في موضعٍ ضيقٍ أو حبَسه معه في بِئْرٍ أو بيت، فقتله، وجب القصاص مكتوفاً كان أو لم يكن؛ لأنه ألجأ السبع إلى عقره وقَتْلِه، وليس السَّبُع كالحية حيث لم يفرق فيها بين الموضع الواسع والضيق؛ لأن الحية، تنفر من الآدمي، والسبع يقصده في المضيق، ويتوثب عليه، وفي الموضع الواسعِ لا يقْصِده قصْدَه في المضيق، إنما يقصد قصد الدافِعِين، ويمكن التحرز والقرار منه، فهذا هو المشهور والمنقول عن النص، وعن القاضي الحُسَيْن وغيره: أن الحية، إن كانَتْ تقصده ولا تنفر، كانت كالسَّبُع، وأنها أنواعٌ مختلفةُ الطباع، وأن السَّبُع، إذا كان ضارياً شديد العَدْو، وكان لا يتأتى الهَرَبُ منه في الصحراء، وجب القصاص، وهذا جعله الإِمام كالبيان والاستدراك لما أطلقه الأصحاب، وأرسلوه وصاحب "التهذيب" وغيره من أصحاب القاضي جعَلُوا المسألة مُخْتَلَفاً فيها، وأقاموا هذا وجهاً آخَرَ، وعليه جرى صاحب الكتاب كيفما قدر، فقيد صورة الحية بما إذا كان من

الجزء: 10 - الصفحة: 151

طبْعِها النفار، واستثنى من صورة السبع ما إذا كان ضارياً، والهَرَبُ غَيرَ مُمْكِنٍ، وقد وُجِّه ذلك بأن عَقْر السبع المُغْرَى يضاف إلى فعل المُغْرِي، وإن كان في الصحراء، ولذلك يحل به الصيد، وأجيب عنه: بأن الحيوان عُلِّمَ الاصطياد، والحاجة إلى الصيد حملَتْ على الإضافة إلى المُغْرِي، وهذا بخلافه، وحيث قلنا: بوجوب القصاص في الحية والسبع، فذاك، إذا قتل في الحال أو جرح جراحة تقتل في الغالب، أما إذا جرحه جراحة لا يقتل مثلها غالباً، فالحاصل شبْهُ عمْدٍ، فكأنه صدَرَت تلك الجراحة من المُغْرَى، وإذا تمكَّن المُغْرَى عليه من الفرار، فلم يفعل؟ قال الإِمام: هو كترك السباحة، والمجنون الضاري في ذلك كالسبع 40، هكذا أطْلَقَ، ومقتضاه الفرق بين أنَّ يُغْرَى وُيبْعَث في المضيق أو الصحراء، لكن إن أمكن أنَّ يقال: إن طبع السبع أن ينفر من الآدميِّ في الصحراء، ولا يقصده، فلا يتضح أنَّ يُدَّعَى مثله في المجنون؛ فالجنون فنون، ولو رَبَطَ في دِهْلِيز داره كلباً عقوراً، ودعا إليه غيره، فافترسه الكلب، فلا قصاص ولا ضمان، ولم يُجْعَل على الخلاف الذي سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأْسِها؛ لأن الكلْب يفترس باختياره، ولأنه ظاهرٌ يمكن دفْعه بالعَصَا 41 والسلاح.
ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب: "وكذا لو جمع بينهما في بيت" واحد بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكَى قولان: الجمع بينه وبين الحية في البَيْت، كالجمع بينه وبين السَّبُع، وكذا قوله: "فافترسه وجب القصاص" لأنه حكى قولاً: أنه لا يجب، وبحال الهلال على اختيار الحيوان، وأشار فيهما إلى النقل والتخريج، وإذا جعل ما ذكره القاضي وجهاً وأثبت الخلاف، فلا بأس لو أعلم قوله: "إلا إذا كان السبع ضارياً" بالواو أيضاً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي طَرَيَانِ المُبَاشَرَةِ عَلَى المُبَاشَرَةِ وَحُكْمُهُ تَقْدِيمُ الأَقْوَى فَلَوْ جَرَحَ الأَوَّلُ وَحَزَّ الثَّاني فَالقَوَدُ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَنْهَى الأوَّل إلَى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ وَقَدَّ الثَّانِي بِنِصْفَيْنِ فَالقَوَدُ عَلَى الأوَّلِ، وَلَو قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوعِ وَالثَّانِي مِنَ المِرْفَقِ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَالقَوَدُ (ح) عَلَيْهِمَا، وَلَو قَتَل مَرِيضاً مُشْرِفَاً وَجَبَ القَوَدُ، وَلَوْ قَتَلَ

الجزء: 10 - الصفحة: 152

مَنْ نُزِعَ أَحْشَاؤُهُ وَهُوَ يَمُوتُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثةٍ لاَ مَحَالَةَ وَجَبَ القَوَدُ لِأَنَّهُ أَزْهَقَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً بِخِلاَف حَرَكَةِ المَذْبُوحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا صدر فِعْلاَنِ مُزْهِقَانِ من شخصَيْن، نُظِرَ؛ إن وجدا معاً، فهما قاتلان سواء كانا مُذَفِّفَيْن كما إذا حَزَّ أحدهما رقبته، وَقَدَّه الآخر نصفَيْن، أو لم يكونا مُذَفِّفيْن، كما إذا أجاف كل واحد منهما جائفةً أو قَطَع عضواً، ومات منهما، وإن كان أحدهما مُذَفِّفاً دون الآخر، فقياس ما سنذكر أن يكون القاتل صاحبَ الفِعْل المُذَفّف، وإن طرأ فعْلُ أحَدِهما على فعل الآخر، فله حالتان: إحداهما: أن يوجد فعل الثاني انتهاء المجنيِّ عليه إلى أنْ صارَتْ حركته حركةَ المذْبُوحين، إما عَقِيبَ الفعل الأول؛ لكونه مذففاً أو لسرايته وتأثيره مدَّةً، فيكون القاتلُ الأَولَ ولا شيْءٌ على الثاني إلاَّ التعزير؛ لأن المُنْتَهِي إلى الحالة الثانية مقتول والثاني: هاتك حرمة مَيِّت، فَيُعذَّر، كما لو قَطَع عضواً من ميِّت أو حَزَّ رقبته، والمراد من حركة المذبوح الذي لا يبقى معها الإيْصَار والإدراك والنطق والحركة، والاختياريان وقد يقد الشخص وتترك أحشاؤه في النِّصْف الأعْلَى، فيطرف ويتكلَّم بكلماتٍ لكنها لا تَنْتَظِم، وإن انتظمت، فليستْ صادرةً عن رؤية واختيار، والحالةُ المذكورةُ هي التي تُسَمَّى حالة اليأس لا يصحُّ فيها الإِسلام ولا شيءٌ من التصرّفات، وتصير فيها المالُ للورثة، ولو مات قريبٌ لِمَنْ انتهى إلَيْها لم يُورث منه، ولو أسلم له ابن كافرٌ، أو أعتق رقيق، لم يُزَاحم سائر ورثته، وكما لا يصحُّ الإِسلام في تلْك الحالة، لا تصح الردة، هذا هو المشهور.
وفي كتاب القاضي ابن كج: أنها تصحُّ؛ لأنَّ الكافِرَ يُؤْمن ويوقن حينئذٍ، فإعراض المؤمن جحودٌ 42 قبيحٌ، واعلم أنَّ مَنْ قطع حُلْقومَهُ ومريئه أو قلعت حشوته وأبينَتْ من جوفه، فقدإنتهى إلى حركة المذبوح 43، وفي بعض نسخ "المختصر": ولو قطع حُلْقُومَهُ أوْ مَرِيئهُ، ثم ضَرَبَ عنُقَهُ آخرُ فالقاتل الأول دون الثاني، ونسب القفَّال وغيره المُزَنِيَّ إلى الإخلال، وقالوا: إنما قال الشَّافعي -رضي الله عنه- حلقومه ومريئه بالواو وقطع أحدهما قد لا ينتهي إلى حركة المذْبُوح في الحال.
قال القاضي الرُّويانيُّ: ورأيته في كثير من النسخ بالواو على الصحَّة، ويمكن أن يطلق أو بمعنى الواو.

الجزء: 10 - الصفحة: 153

والحالة الثانية: أن يوجد فعل الثاني قبْل انتهائه إلى حركة المذبوحين، فيُنْظَر؛ إن كان الثاني مُذْففًا كما لو جرحه واحدٌ، ثم جاء آخر وحَزَّ رقبته، أو قَدَّهُ بِنصفَيْن، فالقاتل الثاني؛ لأن الجراحة كانَتْ تؤثِّر بالسراية والحَزُّ أبطل أثرها ومرايتها، وإنما يجب على الأول القصاصُ في العضْو المقطوعَ أو المال على ما يقتضيه الحال، ولا فَرْقَ بين أن يَتوقَّع البرء من الجراحة السابقة لو لم يَطْرَأ الحَزُّ، وبيْنَ أنَّ لا يَتوقَّع، ويسْتَيْقن الهَلاَك بعد يومين أو أيام؛ لأن له في الحال حياةً مُسْتَقِرَّةً، والتصرّفات فيها نافذةٌ، وقد عهد عمر -رضي الله عنه- وأوصى في هذه الحالة، فعمل بعهده ووصاياه.
وعن مالك: أنه إذا تيقن هلاكاً بالجراحة السابقة، فالقاتل الأوَّلُ دون الثاني، وإن لم يكن الثاني مذففًا أيضاً، ومات بسرايتهما جميعاً كما لو أجاف الأول ثم أجاف الثاني، أو قطع الأوَّل يده من الكُوع، ثم قطع الثاني السَّاعِدَ من المِرْفق، فمات، فهما قاتلان لأنَّ القطْع الأوَّل قد انتشرت سرايته وألمه، وتأثرت به الأعضاء الرئيسية، وانضم إليها آلام الثاني، فأشبه ما إذا أجاف واحد منهما جائفةً، وجاء آخر، ووسَّعَها، فمات، يحب القصاص عليهما، وعند أبي حنيفة القِصَاصُ في الصورة الثانية على الذي قَطَعَ من المرفق دون الأوَّل، وإذا شك في الانتهاء إلى حركة المذبوحين، روجع فيه أهل الخبرة، وعُمِلَ بقولهم.
والمريضُ المُشْرِف على الوفاة إذا قُتِلَ، وجب القصاص على قاتله، قال القاضي الرويانيُّ وغيره: سواء انتهى إلى حالة النَّزْع، وصار عيشه عَيْشَ المذبوحين، أم لا ولفظ الإِمام: أن المريض لو انتهى إلى سَكَرَاتِ الموْتِ، وبَدَتْ مخائِلُه، وتغيَّرت الأنفْاس في الشَّراسيف، فلا يُحْكَم له بالمَوْت، بل يلزم قاتله القصاص وإن كان يُظَنَّ أنه في مثل حالة المقدود، وفرَّقوا بأن انتهاء المريض إلى تلْك الحالة أن موته غير مقطُوع به، وقد يُظَنُّ به ذلك، ثم يُشْفَى بخلاف المقدود، ومَنْ في معناه، وأيضاً بأن في المريض لم يَسْبِقْ فعْلٌ يحال القتل وأحكامه علَيْه، حتى يهدر الفعْل الثاني، وهاهنا بخلافه.
وقوله في الكتاب: "ولو جَرَحَ الأَولُ وحَزَّ الثاني" وقوله على الأثر: "فَقَدَّ الثانِي بِنِصْفَيْن" ليس لتخصيص الحَزِّ بالصورة الأولَى، والقَدِّ بالثانية، بل حكمهما واحدٌ في الصورتين، وقوله: "ولو قَتَلَ مَنْ نُزعَ أحشاؤُه" ظاهره يفهم التصوير فيمن أبينت حشوته، وأخرجت من جوفه، لكن مَنْ فُعِلَ به ذلك مقبول منته إلى حركة المذبوح لا محالة.
نعم، لو أصاب الحشو خرق وقطْعٌ، وكان يتيقن موته بعْد يوم أو يومين، فهو الذي يجب القصاص بقَتْلِه، وكان عمر -رضي الله عنه- كذلك على ما رُوِيَ أن الطبيب سقاه لبناً، فخرج من جوفه لما أصاب أمعاؤه من الخَرْق، فقال الطبيب: اعهد يا أمير

الجزء: 10 - الصفحة: 154

المؤمنين، والصورتان [الإبانة والخرق بلا إبانة] 44 منصوصتان مثبتتان في "المختصر" وكتب الأصحاب فَلْيُؤَوَّل لفظ النزع على التَّخْريق، والنزع عَنِ الموضع الأصليِّ، وما أْشبهه، وموضع الإعلام بالحاء والميم؛ في الفصل لما ذكرنا مِنْ مذهب أبي حنيفة ومالك ظاهرٌ.
قَالَ الَغَزَالِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: ظَنُّ الإِبَاحَةِ هَلْ يَكُونُ شُبْهَةً؟ قُلْنَا: مَنْ قَتَلَ رَجُلاً فِي دَارِ الحَرْبِ عَلَى زِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ فَإذَا هُوَ مُسْلِمُ فَلاَ قِصَاصَ وَتَجِبُ الكَفَّارَةُ، وَفِي الدِّيَةِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ قَتَلَ مَنْ عَهِدَهُ مُرْتدّاً فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ فَإذَا هُوَ عَادَ إِلَى الإِسْلاَمِ فَقَولاَنِ إِذْ لَيْسَ لَهُ قَتْلُ المُرتَدِّ بَلْ هُوَ إلى الإِمَامِ، وَلَو ظَنَّهُ قَاِتلَ أَبِيهِ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ قَالَ: تَبَيَّنْتُ أَنَّ أَبِي كَانَ حَيّاً وَجَبَ القَوَدُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضاً ظَنَّهُ صَحِيحاً ضَرْباً يُهْلِكُ المَرِيضَ وَجَبَ القَوَدُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذورِ إِذْ ظَنُّ المَرَضِ لاَ يُبِيحُ الضَّرْبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرَضُ الفَصْلِ: البحثُ عمَّا إذا قَتَل إنساناً قَصْداً على ظنِّ في حالة المقتول، ثم تبيَّن خلافه، وفيه صورتان.
إحداهما: إذا قَتَل شخصاً على ظَنِّ أنَّه كافرٌ، فإن كان علَيْه زِيُّ الكفَّار، قال في "التهذيب".
أو رآه يعظم آلهتهم، فبان أنه كان مسلماً، فَيُنْظَرُ؛ إن اتفق ذلك في دارِ الحَرْب، فلا قصاص، وعليه الكفَّارة وفي الدية قولان: أحدهما: تجب؛ لأنها تَثْبُت مع الشبهة.
وأصحُّهما: المنع؛ للجعل ووضح العذر فيما فعل هناك، وإن اتفق في دَارِ الإِسلام، وجبت الدية والكفارة، وفي القصاص قولان: أحدهما: لا تجب، كما في دَارِ الحَرْب، وعلى هذا؛ فتَكونُ الديَةُ مغلَّظة أو مخففة على العاقلة؟ فيه قولان، والثاني، وهو الذي رُجِّحَ منهما أنَّه يجب [عليه] القصاص؛ لأن الظاهر من حال مَنْ في دار الإِسلام العِصْمَة.
الثانية: قَتَلَ من ظنه مرتداً أو حربياً فلم يكن، لزمه القصاص؛ فإن عَهِدَهُ مرتدّاً، فظن أنه لم يُسْلِمْ، وكان قَدْ أسْلَمَ، فالنَّصُّ وجوب القصاص، ونص فيما إذا عهده ذِمِّيّاً أو عبْداً وقَتَلَه على ظنِّ أنه لم يُسْلِم، ولم يعتق، فبان خلافُه: أنه لا يجب القصاص، وللأصحاب طريقان: أحدهما: طرْدُ القولَيْن في الصور.

الجزء: 10 - الصفحة: 155

وجْه الوجوب: أنه قتل عمداً شخصاً مضموناً بالقصاص، ووجه المَنْع شبهةُ ظَنِّه المعتضد باستصحاب مَا عَهِدَ.
والثاني: القطْعُ بالوجوب في المرتدِّ، وفرقٍ بينه وبين الصورتين الأخْرَيَيْنِ بأن المرتدَّ يُحْبَس في دار الإِسلام، ولا يُخْلَّى فقاتله وهو مخلَّى مقصِّر، بخلاف الذميِّ والعبْد، وفي كلام بعضهم ما يُشِير إلى طريقة قاطعةٍ بوجوب القِصَاصِ في قتلهما؛ لأنه ظنُّ لا يُنْتِج القتْلَ، ولا يقتضي إلا هدْرًا، والظاهر في الصُّوَر وجوبُ القصاص، وإن أثبت الخلاف، وقد يُوجُّه بأنه ظنٌّ لا يقتضي الإباحة، أما في العبد والذميِّ، فظاهر، وأما في المرتدِّ، فلأن قتله إلى الإِمام لا إلى آحاد الناس، فأشبه ما إذا زنى عالماً بالتحريم، جاهلاً بوجوب الحدِّ، حيث يلزمه الحَدُّ، وإن عهده حربيّاً، فظن أنه لم يُسْلِم، فمنهم مَنْ جعله كالمرتدِّ، ومنهم مَنْ قطع بأنه لا قصاص، وفَرَّقَ بأن المرتد لا يُخلَّى، والحَرْبِيُّ قد يُخَلَّى بالمهادنة وفُرِّق بينه وبين الذمِّيِّ والعبْد بأن الظن هناك لا يقتضي الحل والإهدار، وهاهنا بخلافه، ولو ظنه قاتل أبيه، فقتله، فبان خلافه، فقد حكى صاحب الكتاب وغيره فيه قولين: أحدهما: أنه لا يجب القصاص؛ لأنه ظنَّ إباحةَ القَتْل له.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأنه كان من حقِّه التثبت، ولم يعْهَدْه قاتلاً حتى يستصْحِبه والمفهوم مما أورده إذا ظَنَّه مرتداً أو حربيّاً من غير أن يعْهَدَه كذلك، ولم يكن كما ظنَّه القطْعُ بوجوب القصاص، والوجه التسوية بينهما، وبَيْنَ ما إذا ظنه قاتِلَ أبيه، إمَّا في القطع أو في إثبات القولَيْن، وقد يُرجَّح القطع بأن من أثبت القولين سلَّم القطْعَ بالوجوب فيما إذا قال: تَبَيَّنْتُ أن أبي كان حَيّاً حين قتلته مع أن أصْل الظنِّ والشبهة قائمٌ، وحيث قلنا: إنه لا قِصَاص في هذه الصور، فلو قال الوليُّ، عرفت إسلامه وحريته، وقال القاتل: ظننته كافراً أو رقيقاً، فالقول قوله؛ لأنه أعرف بحاله، ونقل صاحب الكتاب في "الوسيط" طريقين في موضعِ القولَيْن، فيما إذا ظنه قاتِلَ أبيه.
أحدهما: أن موضع القولين ما إذا تنازعا أما إذا صدَّقه وليُّ الدم، فلا قصاصَ بلا خلاف.
والثاني: طرد القولَيْن؛ لأنه ظنٌّ مِنْ غير مُسْتَندٍ شرعيٍّ.
الثالث: إذا ضرب المريض ضرباً يَقْتل المريض دون الصحيح، فمات منه، نُظِرَ؛ إنْ علم أنه مريض، فلا خلافَ في وجُوبِ القصاص، وقد سبق ذكره في الكتاب استشهاداً في مسألة "التجويع"، وإن كان جاهلاً بمرضه، فالصحيح وجوب القصاص أيضاً؛ لوجود القتل بصفة التعدَّي، فإنَّ ظنَّ الصحة لا يُبِيحُ الضرب، وفيه وجه: أنه لا يجب؛ لأن ما أتى به ليس بمهلك غيره، فلم يتحقَّق قصْدُ الإهلاك، وذكر أن هذا الوجه مأخوذٌ من

الجزء: 10 - الصفحة: 156

الخلاف فيما إذا شَهِدُوا على إنْسانٍ بما يوجب القتْلَ، ثم رجَعُوا، وقالوا: تَعمَّدْنا، ولم نَعْلَم أنه يُقْتَل بقولنا، وأقرَبُ منه أخْذُه من الخلاف في الصورة السابقة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب: "فقولان" في مسألة المرتد بالواو، وكذا قوله: "فقولان" فيما لو ظن أنه قاتل أبيه؛ لما بيَّنَّا من اختلاف الطرق، وكذا قوله: "وجب القود" في مسألة المريض للوجه الآخر، وقد أعاد المسْألةَ في "باب الرجوع عن الشهادة" من "كتاب الشهادات" وذكر فيها الخلاف هناك واقتصر هاهنا على إيراد الصحيح.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: القَتِيلُ

وَشَرْطُ كَوْنِهِ مَضْمُوناً بِالقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُوماً، وَالعِصْمَةُ بِالإِسْلاَمِ وَالحُرِّيَّةِ وَالأَمَانِ، وَالحَرْبِيُّ مُهْدَرُ الدَّمِ، وَكَذَلِكَ المُرْتَدُّ لَكِنْ فِي حَقِّ المُسْلِمِ، وَفِي حَقِّ الذِّمِّي وَالمُرْتَدِّ خِلاَفٌ، وَمَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ مَعْصُومُ فِي حَقِّ غَيْرِ المُسْتَحِقِّ، وَالزَّانِي المُحصَنُ يَجِبُ القِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ الذِّمِّيِّ وَفِي المُسْلِم وَجْهَانِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ المُرْتَدِّ وَمَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْتَرَط لوجوب القصاص كَوْنُ القتيل مَحْقُونَ الدَّم مَعْصُوماً، إما بالإِسلام أو بعَقْد الحرية أو بالعَهْد والأمان 45، فالحربيُّ مهدر؛ لأنه لا إيمانَ له، ولا أمان، وكذلكَ المرتدُّ مُهْدَرٌ، إنْ قَتَله مسلمٌ، وإن قتله ذمي أو مرتد، ففيه خلافٌ سيعود عن قريب وهناك نشرحه -إن شاء الله تعالى- فإن قيل بوجوب القصاص عليهما، فإما أن يقال: هذا مستثنًى عن قولنا: إن شرْطَ وجوب القصاص عصمةُ المقتول بأحد الوجوه الثلاث، وإما أن يقال: [إن] المرتد: معصومٌ عن الذميِّ والمرتدِّ بِمَا لَهُ من عُلْقة الإِسلام، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ومَنْ عليه القِصاصُ، لو قتله غَيْرُ المستَحِقِّ يلزمه القصاص؛ لأنه ليس بمباح الدم، وإنما ثبت عليه حقٌّ قد يُتْرك، وقد يُسْتَوْفَى، والزَّاني المحصَنُ لو قتله ذميٌّ يلزمه القصاص؛ لأنه لا تسلُّط له على المسلم، ولا حق له في الواجب عليه، ولو قتله مسلمٌ، فوجهان: أحدهما: يجب القصاص؛ لأن الرجْم إلى الإِمام، وأيدِي الآحادِ مصروفةٌ عنه، فأشبه ما إذا قَتَلَ مَنْ عليه قصاصٌ غَيْرُ مُستحِقِّه.

الجزء: 10 - الصفحة: 157

والثاني: المنع؛ لأنه مباح الدمِ، فصار كالمرتدِّ، وربما بُنِيَ الخلافُ على أن الحدَّ لله تعالى، أو للمسلمينَ، والإمامُ نائب عنهم في الاستيفاء.
إن قلنا: لله تعالى، فإذا قتله غير المستحِقَّ ونائِبِه، لزمه القصاصُ، كما لو قَتَل مَنْ عليه القصاصُ غيرُ المستحِقِّ ونائِبِه، وإن قلْنا: للمسلمين، فقد قتله أحد المستحِقِّين، فلا قصاص، والظاهر من الوجهَيْنِ على ما اختاره الإِمام، ورواه عن المراوزة ورآه صاحب "التهذيب": أنه لا يجب القصاصُ، ويُعزَى ذلك (1) إلى النص، وفي فتاوى القَفَّال: أن مَنْ ترك الصلاة عمْداً حتى خرج وقْتُها، وكان يُؤْمر بفعلها، فلا يفعَلُها، فلو قتله إنسان فلا قصاص عليه، وليكن هذا جواباً عَلَى وجْهِ المنعِ في الزاني المُحْصَن.
قال: فلو جُنَّ قبل فعْلِها لا يُقْتَل في حال الجنون، فلو قتله قاتلٌ حينئذ، وَجَب عليه القصاص، وكذا لو سَكِر، ولو جُنَّ المرتدُّ أو سَكِرَ، فقتله قاتل، فلا قِصاص لقيام الكُفْر.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: القَاتِلُ

وَشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُلْتَزِمَاً لِلأَحْكَامِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالحَربْيِّ، وَيجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَفِي السَّكْرَانِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجب القصاصَ على الصبيِّ والمجنونِ؛ لأن القَلَم مرفوعٌ عنهما، كما لا قِصَاص على النائم، إذا انقلب على إنسان؛ فقتله، ولأنهما لا يُكلَّفان بالعبادات الدينية، فأوْلَى أن لا يؤاخذا بالعقوبات البَدَنيَّة، والمنقطع جنونُه كالعاقل في وقْتِ إفاقته، وكالمُطْبِق جنونه في وقْت جنونه، ومَنْ وجب عليه القصاص، ثم جُنَّ، استوفى منه القصاص، سواءٌ ثبت موجب القصاص بإقراره أو بالبَيِّنة، بخلافِ ما إذا أَقرَّ بما يُوجِبُ الحدَّ ثم جُنَّ حيث لا يُسْتَوفى منه الحَدُّ في جنونه؛ لأن الإقرار هناك يقْبَل الرُّجُوع.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يقتص، منه في الجنون، وعن بعض أصحابه: أنه إن جُنَّ حين قَدِمَ للقصاص، اقتص منه، وإن جُنَّ قبله، لم يقتص منه، وفي وجوب القِصَاص على السكران طُرقٌ مختلفةٌ، على ما مرت في "الطلاق"، والظاهِرُ وجوبُه وألْحَق به المتعدِّي بتناول الأدوية المزيلة للعقل.
ولو قال القاتل: كنت يوم القتل صغيراً، وقال الوارث: كنت بالغاً، فالمصدَّق باليمين القاتل؛ لأن الأصل بقاءُ الصَّغَر، ولا يخفى أن هذا بشَرْط الإمكان، ولو قال: أنا صغير، فلا قصاص، ولا يُمْكن تحليفه؛ لأن التحليف لإثبات المحلوف عليه، ولو ثبَتَ صباه، لبطلت يمينه، ولو قال: كنت مجنوناً عند القتل، وكان قَدْ عُهِدَ له جنونٌ،46

الجزء: 10 - الصفحة: 158

فكذلك هو المصدَّق.
وحكى القاضي الرويانيُّ وجهاً: أنَّ المصدَّق الوارثُ، إن كان الجنونُ الذي عُهِدَ له منقطعاً، وفي"الشامل" وجه مُطْلَقٌ: أنه المصدَّق لأن الأصل السلامة، ولو اتفقا على أنه كان زائلَ العَقْلِ، وقال القاتل: كنتُ مجنوناً، وقال الوارث: بل سكران، فالمُصدَّق القاتل، ولو أقام الوارثُ بينةً على أنَّ القاتل كان عاقلاً يومئذ، وأقام القاتل بينةً على أنه كان مجنوناً، تعارضتا ولا قصاص على الحربيِّ؛ لأنه غير ملتزم للأحكام، ويجب على المرتد الذميِّ لالتزامه الأحكام والانقياد لها، هذا ما قاله الجمهور.
وحكى الشيخ أبو الحَسَن العبَّادِيُّ، أنَّ أبا إسحاق الإسفراييني ذهب إلى أنه يجبُ على الحربيِّ ضمانُ النفسِ والمال تخريجاً من أن الكفار يُخَاطَبُون بالشرائع، قال: ويُعْزَى هذا إلى المزنيِّ في"المنثور" فيمكن أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "والحوبي" بالواو.
وقوله: "أنَّ يكون ملتزِماً للأحكام" جعل الالتزام قيْداً يخرج به الصبيُّ والمجنونُ والحربيُّ جميعاً، أما الحربي، فإنه لم يلْتَزِمْ، وأمَّا هما، فليس لهما أهليَّةُ الالتزام.
قَالَ الْغَزَاليُّ: وَقَدْ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي سِتِّ خِصَالٍ يَفْضُلُ بِهِ القَاتِلُ القَتِيلَ الخصْلَةُ الأوُلَى الدِّينُ فَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وُيقْتَلُ اليَهُودِيُّ بِالنَّصْرَانِيِّ، وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذمِّيّاً ثُمَّ أَسْلَمَ القَاتِلُ اسْتُوفِيَ القَوَدُ، وَلَوْ أَسْلَمَ بَيْنَ الجُرْحِ وَالمَوْتِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ عَبْداً مُسْلِماً لِكَافِرٍ لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المُسْتَحِقَّ كَافِرٌ عِنْدَ القَتْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا تَكلَّم فيما يُشْتَرَط في القاتل والقتيل، تَدَرَّج منه إلى الكَلامِ، فيما فَضَلَ القاتل القتيل، وهذه نسبةٌ تقوم بالطرفين، لا تَخْتَصُّ بأحدهما، ومن المعلوم: أن الخِصَال التي قد يَفْضُل بها القاتلُ القتيلَ كثيرةٌ، وأنها بأسْرِها لا تُؤَثِّر في [منع] القصاص، فتكلَّم في ستِّ خضال، فالثلاث الأولَى منها تُؤثِّر في منْع القَصاصِ عندنا، والثلاث الأخيرةُ قد جَعَل بعض العلماء لها أثراً فَيَمسُّ الحاجةُ إلى النَّظَر فيها، وذكر الأصحاب -رحمهم الله- لضبط الثلاث: الأُولى: أنه تعتبر الكفاءة مِن القاتل والمقتول في الإسْلام، أو في الكُفْر، إذا كان الكافران محقونَي الدَّم، وفي الحرية أو الرق، وفي انتفاء ولادة 47 أحَدِهما للآخر، فإن لم يكن الشخصان متكَافِئَيْنِ في ذلك، قتل المفضولُ بالفَاضِل، ولم ينْعَكِسْ، ولو قيل: الشرْطُ أن لا يفْضُلَ القاتل القتيل بالإِسلام والحرية والولادة، لكان مؤدياً للغرض، وذكر

الجزء: 10 - الصفحة: 159

بعض الأصحاب للضَّبْط: إن من يُحدُّ بقَذْفِ الغَيْر، يُقْتَل بقتله، ومن لا، فلا.
إذا تقرَّر ذلك، فالخصْلة الأُولَى الدِّين فلا يقتل المُسْلم 48 بالكافر، حربيّاً كان، أو معاهَداً، أو ذميّاً.
وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة في الذميِّ، وعنْه في المُعَاهَدِ أيضاً روايةٌ غير مشهورة.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" والقياس على المُعَاهَدِ بجامع أن المقتول ناقصٌ بالكفر وَيقْتَل الذميُّ والمعاهَدُ بالمُسْلِم، والذِميِّ بالذميُّ، وإن اختلفت الملل كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لأن الكفر كله كالملة الواحدة، ولو قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذميّاً، ثم أسْلَم القاتلُ، فيُسْتَوْفَى منه القَوَدُ؛ لأنهما كانا متكافِئَيْنِ حال الجناية، والاعتبارُ في العقوبات بحالِ الجنايات، ولا يُنْظَر إلى ما يَحْدُث بعدها؛ ألا تَرَى أنَّ العبْدَ إذا زَنَى أو قَذَفَ، ثم أُعتِق، يقام عليه حدُّ العبد.
ولو جَرَحَ ذِميٌّ ذميّاً أو معاهداً، وأسلم الجَارحُ ثم مات المجروح بالسِّراية، ففي وجوب القصاص وجهان.
أحدهما: يجب؛ لأنه وُجِدَ التكافؤ حالة الجرح، والاعتبار بتلْك الحالة، فإنَّه [وقت] الفعْل الداخل تحْت الاختيار، ولذلك نقول: لو جُنَّ الجارح ثم مات المجروح يجب القصاص.
والثاني: المنْع؛ اعتباراً بحالة الزهُوق؛ فإنَّ القصاص إنَّما يجِبُ بسَبَبِ الزهوق؛ ولذلك نقُول: لو جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِماً، فارتدَّ المخروح، ومات لا يوجب القِصَاص، وهذا أصحُّ عند الإِمام وجماعةٍ، والأكثرون رجَّحوا الأوَّل ورُبَّما لم يذكر غيره، وهذا الخلاف في قِصَاص النَّفْس، أما إذا كانت الجراحة بحَيْث يَجِب فيها القصاصُ، كما إذا قطع ذميٌّ يَدَ ذميٍّ، وأسلم القاطع ثم سَرَى القَطْعُ، وجب القصاص في الطرف لا محالة، ثم القصاص فيما إذا طرأ إسلام القاتل بعد القتل وفيما إذا طرأ الإِسلام بيْن الجرح والموت، وإن أوجبناه يستوفيه الإِمام بطلب الوارث، ولا يفوضه إليه تحرزاً من

الجزء: 10 - الصفحة: 160

تسليط الكافر على المُسْلم إلاَّ أن يُسْلِم، فيفوِّضه إليه، ولو قَتلَ مسلمٌ ذمِّيّاً، ثم ارتدَّ أو جرَحَه وارتَدَّ، ثم مات المجْروحُ، فلا قصاص؛ لعدم التكافؤ حالَةَ الجناية، ويمكن أن يُقدَّر في الصورة الثانية خلافٌ، ولو قَتَل ذميٌّ مسلماً، ثم أسلم، لم يَسْقُط عنه القصاص، ولو قتل عبْدٌ مسلماً عبْداً مسلماً لكافرٍ، ففي وجوب القصاص وجهان: أحدهما: المنْع؛ لأن فيه إثباتَ ابتداء القصاص لكافر على مسلِمٍ.
وأظهرهما: يجب؛ لأن العبدَيْنِ متكافئان متساويان في سبَب العِصْمَة، والسَّيِّد كالوارث، ولو مات وليُّ القتيلِ الذمّي وقد طرأ إسلام القاتل بعد القتل ثبت القصاص لوارثه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" والعبَّاديُّ في "الرقم" وللخلاف نَظَرٌ إلى أن القصاص يثبت للوارث ابتداءً أو تَلَقِّياً، ولا فرق بين أنَّ يكون العبد القاتلُ لمسلمٍ أو لكافرٍ، وإذا قلْنا: بالوجوب، فيستوفيه الإِمام بطَلَب السيِّد المستَحِقِّ، كما سبق، ولو قَتَل عبْدٌ كافرٌ عبْداً كافراً لمُسْلِمٍ، فعن القاضي الحُسَيْن فيه احتمالان: وقوله في الكتاب: "عند القتل" مِنَ الكافِرِ في الفصْل الذي بلغته الدَّعْوة وفي الذي لم تَبْلُغْه الدعوةُ وجْهٌ أن المُسْلِم يُقْتَل به، وسيأتي ذلك في"الديات" إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ مُرْتَدَّاً فَلاَ قِصَاصَ، وَلَوْ قَتَلَهُ مُرْتَدٌّ فَالظَّاهِرُ الوجُوبُ لِلتَّسَاوِي وإنْ كَانَ الحَرْبِيُّ لاَ يُقْتَلُ بالحَرْبِيِّ، وَلَوْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ القِصَاصُ أَوِ الدِّيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَلَمْ يَجَبْ شَيْءٌ فِي قَوْلٍ لأَنَّهُ مُهْدَرٌ، وَيجِبُ القَتْلُ فِي قَوْلٍ دُونَ الدِّيَةِ لِأنَّهُ مُهْدَرٌ لَكِنَّهُ مَعْصُومٌ عَنِ الذِّمِّيِّ، وَفِي قَتْلِ المُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ قَوْلاَنِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ فِيهِ عُلْقَةَ الإِسْلاَمِ وَيجِبُ القِصَاصُ سِيَاسَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: وهي موجزة في الكتاب: لو قتل مرتدٌّ ذميّاً، ففي وجوب القصاص عليه قولان: أصحهما: وهو اختيار المزنيِّ: يجب؛ لتساويهما في الدِّين، ولأن المرتد أسوأ حالاً في الذميِّ؛ لأنه لا تحل ذبيحته، ولا يُقَرُّ بِالجِزْية، فأوْلَى أن يُقْتل بالذميِّ.
والثاني: المنع، ويحكى ذلك عن اختيار ابن سُرَيْج -رحمه الله- لأن عُلْقَةَ الإِسلام باقيةٌ في المرتد؛ ألا ترى أنه يجب عليْهِ قضاء الصلوات، وَيحْرُم استرقاقه، ولا يُمَكَّنُ الذميُّ مِنْ نكاح المرتدَّة، وإذا قلنا: بوجوب القصاص، فلو جَرَحَ مرتدٌّ ذميّاً، وأسلم الجارحُ، ثم مات المجْروح، فعلى ما ذكرنا فيما إذا جَرَح ذميٌّ ذميّاً، وأسلم الجارحُ، ثم مات المجروح، ويُقدَّم القتل بالقصاص على القَتْل بالرِّدَّة، فإن عفا

الجزء: 10 - الصفحة: 161

المستَحِقُّ، قُتِلَ بالردة، وتُقْضَى الديةُ من ماله وكذا الحكم إذا قلْنا: لا يجب القصاص.
الثانية: لا قصاصَ على المُسْلِم بقتل المرتدِّ، ولو قتل مرتدٌّ مرتداً، ففي وجوب القصاص عليه وجهان: الصحيح منهما: الوجوب، كما لو قتل ذميٌّ ذميّاً.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن المقبول مباحُ الدَّمِ، وأجرى الخلافُ فيما لو قتل الزاني المحصنُ مثلَهُ، أو قتل المرتدُّ زانياً محصَنًا، ولَا خلاف في أنه لا يجب القصاص على الزاني المحْصَن، إذا قتل ذميّاً أو مرتدّاً، وإن كان يستحقُّ القتْلَ لاختصاصه بفضيلة الإِسلام، ولو قتل ذميٌّ مرتدّاً، ففي وجوب القصاص قولان أو وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه مباح الدم، ولا يجب القصاص بقتله، كالحربيِّ، وكما لو قتله مسلِمٌ.
والثاني: يجب؛ لأن استحقاق قتْلِه للمسلمين، فإذا قتله غيرهم، كان كما قَتَل مَنْ عليه القصاصُ غيرُ المستحِقِّ، وعن القفَّال وغيره: بناء هذا الخلاف على القَوليْن في المسألة الأُولى، فإنْ قلنا يقتل المرتدِّ بالذميِّ؛ لأنه أسوأ حالاً منه، فلا يُقتل الذميُّ بالمرتدِّ؛ لأنه معصومٌ، وإن قلْنا: لا يُقتل المرتدُّ بالذميِّ؛ لبقاء عُلْقة الإِسلام فيه، فيُقْتل الذميُّ به، وفي "التهذيب" طريقة أخرَى قاطعة بِمَنْعِ القصاص.
تفريعٌ: إن قلْنا بوجوب القصاص، فقد ذكر الإِمام: أن الشيخ أبا عليٍّ -رحمه الله- قال: يستوفيه الإِمام أو مَنْ يَنُوب عنْه، وأنه حَكَى قولاً غريباً: إن حقَّ الاستيفاء لقريبه المسلم الذي كان لو كان مسلماً، وإذا عفا المستحِقُّ واختار الدية، أو كان القتْلُ خطأً، ففي وجوب الدية وجهان: أحدهما: تجبُ الدية كما يجب القصاص.
والثاني: المنْع؛ لأنه لا قيمة لدمه، وإنما أوجَبْنا القصاص؛ لأن الذميَّ يقتله عناداً لا تديُّناً؛ فإنه يعتقده محقون الدم، بخلاف المُسْلِم، فقتلْنَاه به زجْرًا وسياسةً، وقد يقال: هذا المعنى إنْ كان يَقْتَضِي الفرْقَ بين الذميِّ، والمسلمِ في القصاص فكذلك يقتضي الفَرْق بينهما في الدية، حتى يقال: لا قيمة لدمه في حَقِّ المسلم دون الذمي، كما لا يقال: لا قِصَاصَ بقتله في حق المسلم دون الذمي، وليس في التوجيه المذكور ما يوجِبُ الفَرْق بين القصاص والدية، وإذا جمعنا بين القصاص والدية، واختصرْنا، حَصَلَتْ ثلاثةَ أوجه أو أقوالٍ، كما في الكتاب.
أحدهما: يجب القصاص في العَمْد والدية في الخَطَأ، وبه قال ابن أبي هُرَيْرة.
وأصحُّهما: لا يجب واحدٌ منهما، وبه قال أبو إسحاق.

الجزء: 10 - الصفحة: 162

والثالث: الفرق بين القصاص والدية وبه قال أبو الطيِّب بن سلمة، وحكاه صاحب "التهذيب" والإمام عن الاصطخريُّ.
وإذا فرَّعنا على وجوبِ القِصاص فيما إذا قَتَل مرتدٌّ مرتدّاً، فيجيْء في وجوب الدية مثْلُ هذا الخلاف، وفيَ الديةِ الواجبةِ يُقْتل المرتدُّ تفريعاً على قولِ مِنْ أوجبها؟ وجهان حكامهما القاضي الرويانيُّ أحدهما: دية المُسْلمين؛ لبقاءُ عُلْقة الإِسلام.
والثاني: أخسُّ الديات، وهي دية المجوسيِّ؛ لأنه لا دِينَ له، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
وقوله في الكتاب: "والظاهر وجوبه للتساوي وإن كان الحربيُّ لا يقتل بالحربيِّ" يعني أنهما متساويان في الدِّين، متكافئان فلْيُقْتَل أحدهما بالآخر، بخلاف الحوبي مع المرتد، فإن الحربيَّ لم يلتزمْ أحكام الإِسلام، والمرتدّ التزمه فأديم حكمه عليه.
وقوله: "فيما إذا قتله الذمي "في قول" "وفي قول" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للطريقة القاطعة بِمَنْعِ القصاص.
وقوله: "ويجب القصاص سِيَاسَةً" أبدل في بعض النسخ لفظ "القصاص" بالقتل إشارةً إلى أنه يقتل به زجراً، وليس سبيلُه سبيلَ القصاص الذي تَخْلُفه الدية، لكن قضيَّة هذا إلحاقُه بالحُدُود وإخراجه عن أنَّ يكون حقُّ الوليِّ وأن لا 49 يؤثر عفوه فيه، وليس الأمر كذلك عند مَنْ يقتله به، فيَجُوز إبقاء لفْظِ "القصاص" بحاله وكذلك هو في "الوسيط".
وقوله: "لأنه مهدر" و"لكنه معصوم عن الذميِّ" لِيُحْتُلْ على ما قدَّمنا أن إهداره بالإضافَةِ إلى المُسْلِم دون الذِّمِّيِّ على ما فيه من الإشكال.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخُصْلةُ الثَّانِيَةُ: الحُرِّيَّةُ فَلاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِرَقيقٍ كَمَا لاَ يُقْطَعُ يَدُهُ بِيَدِهِ، وَيُقْتَلُ الرَّقِيقُ بالرَّقِيقِ وَبالحُرِّ، ويَقُتَلُ المُسْتَوْلَدَةُ وَالمُكَاتَبُ بِالقِنِّ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ عَبْدٌ لاَ يُقْتَلُ بِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّ تَخْصِيصَ جُزْءِ الحُرِّيَّةِ بِمِثْلِهَا غَيْرُ مُمْكِنِ، وَالإِشَاعَة تُؤَدِّي إلَى اسْتِيفَاءِ الحُرِّ بِالرَّقيقِ، وَلاَ قِصَاصَ بَيْنَ العَبْدِ المُسْلِمِ وَالحُرِّ الذِّمِّيِّ إِذِ الفَضِيلَةُ لاَ تُجْبَرُ بِالنَّقِيصَةِ، وَلَوِ اشْتَرَى المُكَاتَبُ أَبَاهُ ثُمَّ قَتَلَهُ فَفِي القِصَاصِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ غَيْر أَبِيهِ مِنْ عَبْدِهِ فَلاَ قِصَاصَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يُقْتَل حرٌّ برقيق ولا قِنٌّ ولا مُدَبَّرٌ ولا مكاتَبٌ ولا أمُّ ولَدٍ ولا مَنْ بعضُه رقيقٌ، سواءٌ كان هؤلاء له أو لغيره، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يُقْتَل الحرُّ بعبد الغير، واحتج الأصحاب بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- أن

الجزء: 10 - الصفحة: 163

النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يُقْتَلُ حُرٌّ بعَبْدٍ" 50 وبأن حرمة النفس أعظم من حرمة الطَّرَف، وبالاتفاق لا يُقْطَع طَرَف الحرِّ بطًرَف العبد، فأوْلَى أن لا يُقْتَلَ به، ويقتل القِنُّ والمكاتَبُ والمُدَبَّر وأمُّ الولد بعضُهم ببعضٍ، وعن أبي حنيفة: أنه لا يُقْتل القِنُّ بالمُكَاتَب إذا خلَّف وفاء ووارثاً، ولو قَتَل عبدٌ عبداً، ثم عَتَق القاتلُ، أو جَرَحَ وعَتَقَ، ثم مات المجْروح، فعلى ما ذكرنا فيما إذا قَتَل ذميٌّ ذميّاً أو جرَحَهُ، ثم طرأ الإِسلام، ولو عَتَق بعْد إرسال الحر السَّهْم وقبل الإصابة، فلا قصاص، وكذا في إسلام الذميِّ عقيب إرسال المسلم السَّهْمَ، ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره، ولو قَتَلَ مُسْلِمٌ حُرٌّ مَنْ لا يَعْلَمُ أنه مُسْلِمٌ أو كافرٌ أو مَنْ لاَ يعْرِفُ أنه حُرٌّ أو عَبْدٌ، فلا قصاص للشبهة قاله في "البحر" وحكى القاضي ابن كج: أنه لو حَكَم حاكمٌ بقتل حُرٍّ بعبدٍ، لم يُنْقَضْ حكمه، وأنه لو حكم بقَتْل مسْلِمٍ بذميٍّ، نقض حكمه قال: ويحتمل أن لا ينقض أيضاً وهو الوجه.
ثم في الفصل الثالث صور: إحداها: مَنْ بعضه حرٌّ وبعضه رقيقٌ؛ إذا قَتَل مَنْ بعْضُه حرٌّ وبعضُه رقيقٌ، نُظِر؛ إن كان القَدْرُ الحرُّ من القاتل أكْبَرَ، فلا قصاص، وإن تساوى القَدْران، أو كان ما هو حُرٌّ من المقتول أكْبَر، ففيه وجهان: أشهرهما: عند المتقدِّمين وبه قال الشيخ أبو حامد والقاضي الماورديّ: أنه يجب القصاص، أما في الصورة الأُولَى؛ فلتساويهما في الرِّقِّ والحرية.
وأما في الثانية: فلأن المفضول يُقْتَلُ بالفاضل.
وأظهرهما: عند المتأخرين، وهو اختيار القاضي أبي الطيِّب والقفَّال، المنع؛ لأنه لا يُقْتَل ببغضِه الحرِّ البَعْضُ الحرُّ وبالرقيق الرقيق، بل يُقتَل جميعُه بجميعه 51؛ ولهذا لو كان القتل خطأً أو آل الأمْرُ إلَى المال، تفريعاً على أنه يجب القصاصُ، أوجبنا نصْف الدية ونصْفَ القيمة مثَلاً، فلا نقول: نصْف الدية في مال القاتل، ونصْفُ القيمة يتعلَّق

الجزء: 10 - الصفحة: 164

برقبته بفدية السيِّد، إن شاء، بل يجب ربُعُ الديةِ وربُعُ القيمة في ماله، ويتعلَّق ربع الدية وربع القيمة برقبته، وإذا وقع الاستيفاء شائعاً، لزم قتل البعْضِ الحرِّ بالبعض الحرِّ والرقيق معاً، وشُبِّهَ هذا بما إذا بَاعَ شِقْصاً وسيفاً قيمةُ كلِّ واحدٍ عَشَرةٌ بعَبد، وثوب قيمةُ كل واحد عَشَرةٌ، فإنه لا يجعل الشِّقْصَ مثلاً في مقابلة العبد أو الثوب بل المقابل له النصْفُ من هذا والنصْفُ من ذاك.
الثانية: إذا قَتَل عَبْدٌ مسلمٌ حرّاً ذميّاً، فلا قصاص؛ لأن المسلم لا يُقْتَل بالذميِّ هاذا قتل حرٌّ ذميٌّ عبْداً مسلماً، فلا قال الإِمام: قصاص؛ لأن الحرَّ لا يُقْتَل بالعَبْد، القول في كفاءة النكاح: إن الفضيلة تجبر بالنَّقِيصَة، فلا يجيْء مثْلُها هاهنا، وكذلك لو قَتَل الكافرُ ابْنَهُ المُسْلِمَ أو الابْنُ المُسْلِمُ قَتَلَ أَبَاهُ الكَافِرَ فلا قصاص؛ لاختصاص القاتل بما يَمْنَعُ القصاص.
الثالثة: لو قتل المكاتَبُ أباه، وهو في مِلْكِهِ ففي القصاص وجهان: أشبههما: المنع؛ لأنه مملوكه، والسيد لا يُقْتَلُ بعبده.
والثاني: وَيُحْكَي عن إشارة النص: أنه يجب؛ لأن أباه إذا دخل في مِلْكه تكاتب عليه، ويثبت له حقُّ الحرية، كما يثبت للمكاتَبِ، فأشبه ما إذا قَتَل الحرُّ أباه، ولو قتل المكاتَبُ سائرَ عَبيدِهِ، فلا قصاص، كما قول قَتَلَ الحرُّ عبْدَهُ، هذا هو المذهب المشهور وفي "البحر" حكاية وجه آخر بناءً على أن المكاتَبَ عبد ما بَقِيَ عليه درْهَمٌ 52. وقوله في الكتاب: " وتُقْتَلُ المستولدةُ والمكاتب بالقِنِّ" خصهما بالذِّكْر بعد قوله: "ويقتل الرقيق" لِيُعْرَف أن توقُّع الحرية واستحقاقَهَا في المستقبل لا يَمْنَع القصاص، وإنَّما المؤثِّر الحريةُ النَّاجِزَة عنْد القتل، حتى لو قتلت مستولدةٌ قِنّاً، ولم يُقْتَصَّ منها، حتى عَتَقَتْ، لم يَسْقُطِ القصاص، ولو قتل ذميٌّ عبداً ثم التحق بدار الحرب فسُبِيَ وأُرِقَّ لم يُقْتَصَّ منه؛ لأنه كان حرّاً يَوْمَ القتل.
وقوله: "ولو اشترى المكاتَبُ أباه" التصوبر في الشراء إنما يصحُّ فيما إذا اشترى بإذن السيد على أحَدِ القولين فأما بغير إذنه فلا يصحُّ بلا خلاف.
قَالَ الْغَزَاليُّ: الخَصْلَةُ الثَّالِثَة: الأُبُوَّةُ وَلاَ يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَكَذَا الأَجْدَادُ

الجزء: 10 - الصفحة: 165

وَالجَدَّاتُ، إِذْ لاَ يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ مُعْدِماً لِسَبَبِ وُجُودِهِ وَكَذَلِكَ لاَ يَقْتُلُ الجَلاَّدُ أبَاهُ وَلاَ الغَازِي، وَلَوْ قَتَلَ زَوْجَةَ ابْنِهِ فَلاَ قِصَاصَ إِذْ ابْنُهُ وَارِثٌ فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ، فَلَوْ تدَاعَى رَجُلاَنِ مَوْلُودًا فقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا تَوَقَّفْنَا فَإِنْ أَلْحَقَهُ القَائِفُ بِهِ فَلاَ قِصَاصَ، وإنْ أَلْحقَهُ بِالثَّاني اقْتَصَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا قصاص على الوالد بقَتْل الولَدِ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وعن مالك: أنه إن تعمَّد قتله، فعليه القصاص، وُيرْوَى أنه إن أضْجَعَه وذبحه، فعليه القِصاص، وإن حذفه بالسيف، فلا؛ لاحتمال أنه قَصَد التأديب.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ" 53 ولأن الوالد سبب لوجود الولد، فلا يَحْسُنُ أن يَصِيرَ الولَدُ [سبباً معدماً له، ولا يليق ذلك بحرمة الأبوة، ولرعاية حرمته، قلنا: إنه لا يُحَدُّ بقذف ابنه، وكرِهْنا للجلاَّد أن يقتل أباه حدّاً وقصاصاً، وللغازِي أن يَقتل أباه الكافِرَ، وستعود صورة الغازِي في " [كتاب] السير".
والأمُّ كالأب، وكذا الجدات والأجداد لا يُقْتلُون بالأحفاد، سواءٌ قَربُوا أو بَعدُوا، وسواء كانوا من قبل الأب أو من قبل الأم.
وعن صاحب "التلخيص" وأبي الطيِّب بن سلمة روايةُ قول في الأجداد والجدات، قال الإِمام وهذا لا يقبله الأصحابُ منْصوصاً ولا مُخرَّجاً، ولعله أخِذَ من قول الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في أن الرجُوعَ في الهبة تختص بالأبَويْنِ، وليس هذا على وجهه، فإن اللائق بالهبة منْعُ الرجوعِ والاقتصار على مورد الخبر، واللائق بالقِصَاصِ إذا عهد ما يَدْرَأ العقوبة ألاَّ يخصّص وحَكَى خلافاً ذُكِرَ في أن القصاص لا يَجِبُ على الأبِ أو يجِبُ ثم يسقُط؛ لتعذُّر الاستيفاء؟ قال: وهذا من حشْوِ الكلامِ، والمانعُ من الاستيفاء مانعٌ من الوجوب، ولو قضى قاضٍ بقتل الوالد بولده قال القاضي ابن كج: يُنْقَضُ حكمه، وليكُنْ هذا في الموضع

الجزء: 10 - الصفحة: 166

الذي يساعدنا فيه مالك، ويُقْتَلُ الولدُ بالوالِدِ، وكذا سائرُ المحارِم يُقْتَل بعضُهم ببعض، ولو قَتَل الأبُ الرقيقُ عَبْدَ ابنه، فلا قصاص العبد لأن قصاص العبد لسيده والابن لا يقتص من أبيه، [ولو قَتَلَ الابْنُ الرقيقَ عبد الأب فله أن يقتصَّ] 54. ثم في الفصْل مسألتان: إحداهما: لو قَتَل مَنْ يرثه ولَدُ القاتل، لم يجب القصاص، كما لو قتل زوجةَ ابنه، أو زوجته ولها منه ولدٌ أو قتلت أم الولد سيِّدَها، وورثه ولدُها منه، ولو ثبت القصاص لغَيْر ولدِ القاتل، ثم انتقل أو بعْضُه إليه، كما إذا قَتَل أبا زوجته، ثم ماتَتِ الزوجة، ولها منه ولد، أو قَتَلَ ابْنُ معتق ابنه، ثم مات المُعْتَق، وورثه ابنه، فلا قِصَاص، وكذلك الحُكْم، لو ورث القاتلَ مستَحِقَّ القصاص الواجب عليه، كما إذا قتل أباه، وثبت القصاص لأخيه، ثم مات الأخ، ولم يُخلِّف إلا القاتل أو خَلَّف معه بنتاً.
قال الإِمام -رحمه الله-: والوجه هاهنا أن يُقَال: ورث ولده القِصَاصَ ثم قتل أو وَرِث القصاص الواجب عليه، ثم سقط لأنه لو لم يرث القصاص، لورثه غيره، ولَمَا سقط، وقد يتعلَّق بهذا من يقول: يجب القصاصُ على الأب بِقَتْلِ الابن، ثم يسقط، لكن سبب السقوط هاهنا استحقاقُ الولَدِ واستحقاقُه قصاصُ نفسه، مما لَمْ يَثْبُت الاستحقاق، لا يتوجه السقوط، فهو كما لو اشترى قريبه الذي يُعْتَق عليه، لَمَّا لم يتصوَّر العتق، إلا في المِلْك، ثبت الملك ثم زال، وإذا اشترى نفسه من سَيِّده، ملك نفسه، ثم ترتَّب العِتْق عليه.
المسألة الثانية: إذا تداعَى رجلان مولوداً مجهولاً ثم قَتَله أحدهما أو قتلاه، فلا قصاص في الحال؛ لأن أحدهما اْبوه ثم إن ألحقه القائف بأحدهما، فإن كانا قد اشتركا في قتله، فلا قصاص على الذي ألْحَقَ به، ويُقْتَصُّ من الآخر فإنه شريكُ الأب، وحكَى القاضي ابن كج وجهاً: أنه لا يقتص من الآخر أيضاً، ووجَّهه بأن إلحاق القائف، مبني على الإمارات وهو ضعيف، فلا يُنَاط به القصاص الذي يَسْقُط بالشبهات، بخلاف الإلحاق بالفراش، وإن كان قد قتله أحدهما، فإن ألحقه بالقاتل، فلا قصاص، وإن ألحقه بالآخر، اقُتُصَّ من القاتل، وكذا لو ألحقه بغيرهما، وينْبَغِي أن يَعُودَ الوَجه الذي حكاه القاضي 55 [ابن كج].
وإن رَجَعا عن الدعوة، لم يُقْبَل رجوعهما؛ لأنه صار ابناً لأحدهما، وفي قَبُول

الجزء: 10 - الصفحة: 167

الرجُوعِ إبطالُ حقِّه من النسب، وإن رجع أحدهما، وأصر الآخر، فهو ابن الآخر، فيُقْتَصُّ من الواجع، إن اشتركا في قتله، أو كان هو القاتلَ هذا إذا لَحِقَ المولودُ أحدَهما بالدعوة، أما إذا لَحِقَ بالفراش، كما إذا نَكَح معتَّدةَ، فأتت بولد يتصوَّر أن يكون من الزوج الأول، وأن يكون من الثاني، أو فرض وطء شبهة، فإنما يتعيَّن أحدهما بإلحاق القائف أو بانتساب المولود بعْدَ البلوغ فلو نفاه أحدهما، فيتَعيَّن للثاني، أو يبقى الإبهام حتى يُعْرَض على القائف أو يَنْتَسب؟ فيه قولان مذكوران في باب القائف، والأصح الثاني، وإذا ألحقه القائف بأحدهما، [وقد قتلاه، فيقتص من الآخر، وإنْ قتله أحدهما، لم يَخْفَ الحكم، وإن ألحقه بأحدهما،] 56 أو انتسب بعد البلوغ إلى أحدهما، ثم قتله الَّذي لَحِقَه، لم يقتص منه، فإن أقام الآخر بَيِّنةً على نسبه لحقه، واقْتُصَّ من الأول وحيث فرضْنا إلحاق القائف بعْد القتل، فذاك مُفَرَّعٌ على جواز عرْضِ المولود بَعْدَ موته على القائف وهو الصحيح، وفيه وجه آخر يذكر في موضعه ويمكن أنْ يُفْرَض العَرْض في حياته، وتأخيرُ الإلحاق إلى ما بعد المَوت.
وقوله في الكتاب: "ولا يُقْتَل والدٌ بولَدِه" مُعْلَم بالميم.
وقوله: "وكذا الأجْدَاد والجدَّات" ويجوز أنَّ يقرأ وكذلك باللام وقوله: "ولذلك لا يَقْتُل الجَلاَّد أباه" يجوز أن يقرأ "لذلك" ويجوز أن يقرأ "ولذلك" بالواو وقوله: "وإن ألحقه بالثاني اقْتَصَّ" قياس ما حكاه القاضي ابن كج إعلامه بالواو، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ أَخَوَانِ؛ أبوَيْهِمَا مَعاً أَحَدُهُمَا الأَبُ وَالآخَرُ الأُمُّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قِصَاصَ صاحِبِهِ فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا إلى الاقْتِصَاصِ سَقَطَ قِصَاصُهُ لِأنَّهُ وَرِثَ مِنْ أَخِيهِ قِصَاصَ نَفْسِهِ إِذَا قُلْنَا: القَاتِلُ بِالحَقِّ لاَ يُحْرَمُ المِيرَاثَ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الأَبَ أوَّلاً ثُمَّ قَتَلَ الثَّانِي الأُمَّ سَقَطَ القِصَاصُ عَنْ قَاتِلِ الأَبِ لِأنَّهُ وَرِثَ مِنَ الأُمِّ حِصَّةَ قِصَاصِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرِثْ قَاتِلُ الأُمِّ مِنَ الأُمِّ لأنَّ القَاتِلَ مَحْرُومٌ هَذَا إِنْ كَانَتِ الأُمُّ زَوْجَةَ الأبَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَكُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قِصَاصَ صاحِبِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أخوانِ لأَبٍ ولأُمٍّ، قَتَل أحدُهما الأَبَ، والآخَرُ الأمَّ، فإما أن يقْتُلاَهما معاً أو عَلَى التعاقُبِ، والاعتبار في المعيَّة، والتعاقبُ بزهوق الرّوح لا بالجُرْح.
الحالَة الأُولَى: إذا قتلاهما معاً، فكلُّ واحدٍ منهما يستحقُّ القصاص على الآخَرِ، فإنْ عفا أحدهما، فللمعفو عنه أن يقتصَّ من العافي يُقَدَّم لاستيفاء القصاص مَنْ خرجَتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 168

قرعته، وإذا استوفَى أَحَدُهُما القِصاصَ بالقرعة، أو بادر إليهِ مِنْ غير قرعة، فإنْ قلْنا: القاتل بالحَقِّ لا يُحْرَم الميراث، ولم يكن للمقتصِّ منه مَنْ يحجبه سَقَطَ القِصَاصُ عن المُبَادِرِ؛ لأنه ورث القصاص المستَحقَّ على نفسه أو شيئاً منه، وإن قلْنا يحرم الميراث، وهو الأظهر أو كان هناك من يَحْجّبه، فللوارث المقتَصِّ منه أن يقتص من المُبَادِرِ.
الحالة الثانية: إذا وَقَعَ القَتْلان على التعاقُب، فإن كانت الزوجية قائمةً بين الأبوين، فلا قصاص على مَنْ قَتَل أولاً؛ ويجب على من قَتل آخراً؛ وذلك لأنه إذا سَبَق أحدُهما إلى قتْل الأب، لم يَرِثْ من الأب، وكان حقُّ القصاص للابْنِ الآخِر، وللأم بالزوجية، فهذا قَتَل الآخرُ الأمَّ، كان الأوَّل هو الذي يرثُهَا، فينتقل إليه القِصَاص المستحَقُّ عليه، ويَسْقُطِ، ولو تقدَّم قتْلُ الأمِّ وتأخَّر قَتْل الأب، سقَّطَ القصاص عن قاتل الأم، وَثَبَت على قاتل الأب، وإذا اقتص القاتل الأوَّلُ من الآخر، وقلْنا: القاتل بالحق يحرم عن الميراث، أو كان للمقتصِّ منه مَنْ يحجبه، فلورثة المقتص منه نصيب من دية القتيل الأول، يُطَالِبُون به القاتِلَ [الأول]، وإن لم تَكُنِ الزوجيةُ قائمةً بين الأبوين، فلكل واحد منهما حقُّ القصاص على الآخر، ويكون التقديمُ بالقُرْعة أو يقدَّم للقصاص مَنِ ابتدأ بالقَتْل؟ فيه وجهان: ميل الإِمام والقاضي الحُسَيْن إلى الأوَّل منهما، وبالثاني أجاب القاضي الرويانيُّ وغيره 57، ولو بادر الذي أردْنا الاقتصاص منْه، إما بالقرعة أو لابتدائه بالقَتْل، عاد النَّظَر في أن القاتل بالحقِّ، هل يُحْرَمُ الميراث، وأنه هل خَلَّف المقتُول من يحْجُبه على ما بيَّنا وحكى القاضي الرويانيُّ عن الأصحاب فيما إذا وقَع القتلان معاً، وأقْرَعْنا للبداية فخرجَتِ القرعة لأحدهما؛ أنه لو وَكَّل مَنْ خرجَتْ له القرعة جاز؛ لأنه يقتصُّ له في حياته، ولو وكَّل الآخَرَ، لم يَجُزْ؛ لأنه يقتص له بعد قتله ولا تبقى الوكالة حينئذ، قال: وعندي أنَّ توكيله صحيحٌ أيضاً؛ ألا ترى أنَّه لو بادر وكيلُه، فقَتَل، لم يلزمْه شيْءٌ، لكن إذا قتل الموكّل، بطَلَتِ الوكالة 58. وقوله في الكتاب: "كُلُّ واحدٍ منهما يستحق قِصَاص صاحبه" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم ابن كج حكى وجهاً عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي الحُسَيْن بن القطَّان فيما إذا قتل زيد ابناً لعمرو وعمرو ابناً لزيد، وكلّ واحد من الأبوين متفرد بالإرث أنه يقَعُ التقاص، ولا قصاص بينهما وفي "الرقم" للعبَّادِيِّ مثلُه ذلك الوجه

الجزء: 10 - الصفحة: 169

لا بد وأن يجيْء فيما نحْنُ فيه .. وقوله: "لأنه ورث من أخيه قصاص نفسه، إذا قلْنا: القاتل بالحَقِّ لا يُحْرَمُ الميراثَ" التفريعُ على هذا القول لا يكفي لميراثه أنه قصاصُ نفسه بل له شَرْطٌ آخَرُ، وهو أنه لا يخلف المقتص منه مَنْ يحجبه على ما تَبيَّنَ.
وقوله: "هذا إنْ كانت الأم زوجةَ الأب" يرجع إلى صورة تعاقب القَتْلَيْن، فأمَّا في الحالة الأُولَى، وهو وقوع القتلين معاً، فلا فرق بين أن تكون زوجته أو لا تكونُ؛ لأنهما إذا ماتا معاً، لم يرث واحدٌ منهما من الآخر وقد يُؤدَّى مقصود الفصْل في إيراد آخر، فيقال: إن لم تكن الأمُّ زوجةَ الأب، فلكلِّ واحدٍ منهما القصاصُ على الآخر، وإن كانَتْ زوجته، فيُنظَر، أوقع القتلان معَاً أو على التعاقُبِ، والمعنى لا يختلف.
فرْعٌ: أربعة إخوة، قَتلَ الثاني أكْبَرَهم ثم الثالثُ أصْغَرَهُمْ، ولم يُخلِّف القتيلان غير القاتلين، فللثاني أن يقتص من الثالث، ويَسْقُط عن الثاني القصاصُ؛ لأنه لَمَّا قَتلَ الأكبَرَ، كان القصاص للثالثِ وللصغير، فإذا قَتَل الثالثُ الصغيرَ، وَرِثَ الثانِي حقَّ الصغيرِ مِنْ قصاصه.
آخر عن ابن أبي هريرة: شهادةُ الابن علي الأب بما يوجب القَتْل لا تُقْبَل؛ لأنه لا يُقْتَل بقَتْلِه، فلا يُقْتَل بقوله: كيلا يصير سبباً لهلاك الأب، نقلَه عنه القاضي ابن كج، والظاهر خلافُه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَاليُّ: الخُصْلَةُ الرَّابِعَةُ التَّفَاوُتُ فِي تَأْبُّدِ العِصْمَةِ وَذَلِكَ لاَ يُعْتَبَر فَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالمُعَاهَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقتل الذميُّ بالمعاهَدِ، وبالعكس، كما يُقْتَل الذميُّ بالذميَّ والمعاهَدُ بالمعاهدِ لحصول العِصْمة في الحال، ولا أثر للتفاوُتِ في تأبُّدها وتأقيتها، ويشهَدُ له تساوي الذميِّ والمعاهَدِ في الدية.
وعند أبي حنيفة: لا يُقْتل الذميُّ بالمعَاهَدِ، وعنه في قتل المعاهَدِ بالمعاهد روايتان، وأبْدى الإمامُ تردُّداً في قتل الذميِّ بالمعاهد، وإن أطلقه الأصحاب، قال: لأني رأيتُ نصوصاً ثُقِلَتْ في أن المعاهَدَ إذا سَرَق، هل يُقْطع، ويترتَّب عليه تردُّدٌ في أنه لو سَرَقَ ماله، هل يجب القطع، وينشأ منه تردُّد في القِصَاصِ، فإن أقيم ما ذكره وجهاً، فليُعْلَم قوله في الكتاب: "فيقتل الذمي بالمعاهد" مع الحاء بالواو، وبه يُشْعر نَظْم "الوسيط".
فَرْعٌ: إذا أسر الإِمام بالغَاً مِنْ أهل الحرْب، فقتله ذميٌّ قبل أن يرى الامامُ فيه رأَيَهُ مِنَ الإرقاق وغيره، فلا قصاص عليه؛ لأنه باقٍ على حُكْمه الذي كان [حتى] يرقه الإِمام.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَصْلَةُ الخَامِسَةُ فَضِيلَة الذُّكُورَةِ لاَ يُعْتبَرُ فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 170

قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال: ويُقْتل الرجلُ بالمرأة، وبالعكس، والخُنْثَى بهما، وبالعكس، كما يُقْتل العالِم بالجاهِلِ، والشريفُ بالخسيس، والشِّيْخُ بالشابِّ، وبالعكس، ويُرْوَى عن عمرو بن حزم: "أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَتَبَ في كِتَابِهِ إلى أَهْلِ اليَمَنِ أَنَّ الذَّكَرَ يُقْتلُ بِالأُنْثَى" 59 وكما لا يؤثر اختصاص القاتِلِ بفضيلة الذكورة في منْع القصاص لا يؤثِّر

الجزء: 10 - الصفحة: 171

اختصاص القتيل بهذه الفضيلة في ضمِّ شَيْء من الماء إلى القصاص، وعن عطاءٍ والحسَنِ البَصْرِيِّ: أَنه إنْ قتل الرَّجُل المَرْأَةَ يُخَيَّر الوليُّ بين أنَّ يأخُذَ دِيَتَها، وبيْنَ أن يَقْتُلَه ويبْذُل نصْف ديته، وإن قتَلَتِ المرأةُ الرجُلَ يخيَّر الوليُّ بين أنَّ ياًخذ جميع ديته مِنْ مالها، وبين أن يَقْتُلَها، ويأْخُذَ نصْفَ الدية، ويُرْوَى مثلُه عن عليٍّ -كرم الله وجهه- روايةً وإنما ذكَرْنا مذهَبَهم في المسألة؛ لما بينا أنه تَكلَّم في الصفات التي لها أَثَرٌ في القِصاصِ عنْد بعض العلماء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ إِذَا قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَشَفْرَيْهِ فلاَ قِصَاصَ لاِحْتِمَالِ أَنَّ المَقْطُوعَ امْرَأَةٌ، وَلَوْ عَفَا عَنِ القِصَاصِ سُلِّمَ إِلَيْهِ دِيَةُ الشَّفْرَيْنِ وَحُكُومَة أَخْذاً بِأحْسَنِ التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ المُسْتَيْقَنُ، فَإِنْ لَمْ يَعْفُ فَلاَ تُقَدَّرُ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لِأنَّ القِصَاصَ فِيهِ مُتَوَقَّعٌ بَلْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأمْرَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشَّفْرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ، أَوْ دِيَةُ الشَّفْرَيْنِ وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقدِيرِ الأنُوثَةِ، وَإِنْ كَانَ القَاطِعُ امْرَأَةً فَلاَ تُقَدَّرُ دِيَةُ الشَّفْرَينِ بَلْ تُصْرَفُ حُكُومَة الذَّكَرِ وَالأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الأُنُوثَةِ فَإنَّهُ أَقَلُّ مِنْ تَقْدِيرِ حُكُومَةِ الشَّفْرَيْنِ مَعَ دِيَةِ الذَّكَرِ، وَإِنْ كَانَ القَاطِعُ خُنْثَى لَمْ نُصْرِفْ إِلَيْهِ قَبْلَ العَفْوِ شَيْئًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَا مُتَوَافِيَيْنِ فَنُجْرِي القِصَاصَ فِي العُضْوِ الزَّائِدِ مَعَ الأَصْلِيِّ، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَعْفُ عَنِ القِصَاصِ لَمْ يُصْرَفْ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّ المَأْخُوذَ دِيَةٌ أَوْ حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَانَ القَاطِعُ رَجُلاً فَقَالَ: أَقْرَرْتِ بأنَّكِ امْرَأَةٌ فَلاَ قِصَاصَ فِي الذَّكَرِ وَقَالَ المَقْطُوعُ: بَلْ أَقْرَرْتُ بِأنِّي رَجُلٌ فَالقَوْلُ قَوْلُ الجَانِى فِي قَوْلٍ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمَ القِصَاصِ، وَقَؤلُ الخُنْثَى فِي قَوْلٍ لأَنَّا نَحْكُمُ لَهُ بِالذُّكُورَةِ بِقَوْلِهِ مَهْمَا قَالَ إِنِّي رَجُلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَرْعُ يَنْظُر إلى أَصْلَيْنِ: = في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد الكتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: فشهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره والزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما.

الجزء: 10 - الصفحة: 172

أحدهما: أنَّه هلْ يجبُ القِصَاص في شُفْرَي المرأة، وفيه خلافٌ.
وجوابُ الكتابِ: أنه يجب.
والثاني: أن العضْو الأصليَّ لا يُقْطَع بالزائد، ويُقْطع الزائد بالزائد بشَرْط اتحاد المحلِّ، وهل يشترط أن يكون ما للجانِي أكْبَرَ أوْ لا يُنْظر إلى الصغر والكبر فيه وجهان، وسيأتي شرْح الأصلَيْن في موضعهما -إن شاء الله تعالى- إذا عُرِفَ ذلك.
فلو قطع رجلٌ ذكَرَ خنْثَى مشكِل وأنثييه، وشُفَريْه، فلا قصاص في الحال؛ لاحتمال أن المقطُوع امراةٌ، وأن الذكر الأنثيين منْه زائدةٌ، ثم يُنْظَر؛ إنْ صبر المقطوعُ إلى أن ينكشف حاله في الذكورة والأنوثة، فذاك، فإن بأن ذكَرَاً، اقتصر من القاطع في الذكَر والأنثيين، وأخذت حكومة الشُّفْرَين، وإن بأن أنثى، فلا قصاص وتؤخذ دية الشفرين، وحكومةُ الذكر والأنثيين، وإن لم يصبر إلى انكشاف الحال، فإن قال عفَوْتُ عن القصاص، إن كان لي قصاصٌ، وطالب بحقه من المال، فالذي يستحقه بتقدير الذكورةِ مائةٌ من الإبل للذَّكَر، ومائة للأنثيين، وحكومةُ الشَّفْرَيْن معتبرةٌ بهذه الدية وبتقدير الأنوثة خمسون من الإبل للشفرين وحكومة الذكر معتبرة بهذه الدية، وحكومة الأنثيين كذلك فإن حكومة كلِّ عضو بتقدير الأنوثة تعتبر بدية الإناث، والمَبْلَعُ الثاني أقل من الأول بكثير، فيُدْفَعْ إليه هذا المبلغُ المستيقَنُ، ثم إن بأن بعد ذلك أُنْثَى، فقد أخذ حقه، وإن بأن ذكَراً، سُلِّم إليه تتمة المبلغ الأول.
وحكى الإِمام عن بعض الأصحاب أنَّا نوجب في كل عضْوٍ الحكومةَ؛ لأنه يُحْتَمَل أن تكون واجبةَ الحكومة، فلا نوجب الدية بالشك.
قال: وهذا ضعيف؛ لأن استحقاق القدر المذكور مستيقَنٌ، وإن لم تتحقَّق جهَتَه، وإنما يتجه ذلك إذا تعدَّد الجاني، فقطع قاطع ذكره وأنثييه، والآخر شفريه، وعفا المقطوعُ عن القصاص، لا نوجب على كل واحد إلا حكومة ما قطعه، وإن لم يَعْفُ عن القصاص، وقال القصاص غير متوقَّع في جميع ما قَطَعَ منى، وطالب بما يجبُ له مع القصاص، فهل يُعْطَى شيئاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وبه قال ابن أبي هريرة، ويُحْكَى عن القفَّال أيضاً؛ لأنا لا ندري أن الواجب ديةٌ أو حكومةٌ، وأنه إن وجَبَتِ الحكومةُ، فهي حكومةُ الذَكَرِ والأنثيين أو حكومة الشَّفْرَيْن وأيضاً، فإن حكومة الذكر مشكوك فيها لجواز كونه رجُلاً، وكذا حكومة الشَّفْرَيْن؛ لجواز كونه امرأة، نوجب شيئاً بالشَّك.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنا نستيقن وجوب شيْء من المال، وإن اتفق القِصَاصُ، فليعطَ المستيقَنُ، وعلى هذا، ففيما يُعْطَى أوجه:

الجزء: 10 - الصفحة: 173

أحدهما: أقلُّ الحكومَتَيْنِ من حكومة الشَّفْرَيْن على تقدير المذكورة، وحكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة، حكاه الإِمام وغيره.
والثاني: حكومة العضْو المقطُوع آخِراً؛ لأنه قَطَعَه، والدمُ سائلٌ مِنَ الأول، فتكون حكومَتُهُ أقلَّ.
والثالث: حكومةُ الشَّفْرَيْنِ؛ لأنَّ القصاص متوقَّع في الذَّكَر والأنثيين، فلا يقدر لهما مالاً فتردد الشفرَيْنِ بين أن يجب فيهما الديةُ أو الحكومةُ، فتجب الحكومة التي هي أقلُّ، وهذا أصح عند العراقيين وغيرهم، وذكر الإِمام في تهذيب هذا الوجه أن حكومة الشَّفْرَيْنِ [بتقْدير الذكورة قد تزيد على حكُومة الذَّكَر والأنثيين بتقدير الأنوثة؛ لأن حكومة الشَّفْرَيْن] بتقدير الذكُورة تُعْتَبَر بدية الرَّجُل، وقد تزيد على دِيَة المَرْأَةُ هي الواجبة على تقْدِير الذُّكُورة، وعلَى تقْدِير الأنوثة تجب دية الشَّفْرَيْن، وحكومةُ الذكر والأنثيين والمسلك المهذَّب أن يقال: يُعْطَى أوَّلَ الأمرَيْنِ من حكُومَة الشفْرَيْن بتقدير الذكورة وحكومةُ الذكر والأنثيين مضمومةٌ إليها دِيَة الشفرين، وهذا حَسَنٌ سواء قدر تلخيصاً للوجه الثالث أو وَجْهَاً رابعاً، وهو الذي أورده صاحب الكتاب تفريعاً على القول بأنه يُعْطَى شيئاً هذا إذا كان القاطعُ رَجُلاً.
ولو قَطَعَتِ امرأة ذَكَرَهُ وأنثييه وشفرته، فإن صبر إلى انكشاف الحال، توقَّفنا كما يُفْعَل في الرجُلِ، فإن بان ذكراً، فله ديتان للذَّكَرِ والأنثيين وحكومةُ الشفرين، وإن بأن أنثى، فلها حكومة الذَّكَر والأنثيين، ولها القصاص في الشفرين، إن أجرينا فيهما القصاص، وإلا، فلها ديتُهما، وإن لم يصبر إلى انكشاف الحَالِ، فيبنى على أن القصاص هَلْ يجري في الشفْرَيْن، إن قلْنا: نعم، قيست الصورة بما ذَكَرْنا فيما إذا كان القاطعُ رجلاً، فإنْ عفا عن القصاص، سُلِّم إليه دية الشَّفْرَيْن، وحكومةُ الذَّكَر والأنثيين، لأن لم يَعْفُ، ففي وجهٍ: لا يُعْطَى شيئاً أصلاً، وفي وجْهٍ: يُعْطَى أقلَّ الحكومتين، وفي وجه: حكومة المقطوع آخراً وفي وجه: حكومة الذكر والأنثيين؛ ليُوقَعَ القصاصُ في الشفرين وذلك على تلخيص الإِمام؛ لأن حكومة الذكر والأنثيين التي تَجِبُ بتقدير الأنوثةِ أقلُّ لا محالة من ديتي الذَّكَرِ والأنثيين، وحكومة الشفرين الواجبة بتقدير المذكورة، فإنْ قلنا: لا يجري القصاص فيهما، فالحكم كما لو أجريناه، فعفا.
ولو قطَع رجُلٌ ذكَرَه وأنثييه وامرأةٌ شُفْرَيْهِ، ولم يَعْفُ، فلا يطالب واحدٌ منهما بمالٍ؛ لأن توقُّع القصاص ثابتٌ في حقِّهما جميعاً، كذلك ذكره الإِمام وغيره؛ بناء على أن القصاصَ يجري في الشفرين، فإن منع، فلا يوقع في حق المرأة فعليها حكومة الشفرين، ولو قَطَع رجلٌ شفْرَيْهِ وامرأةٌ ذكَرَهُ وأنثييه، فلا مجال للقصاص، ويُطَالَبُ كلُّ واحد منهما بحكومةِ ما قَطَعَ، ولو قطَعَ مُشْكِلٌ جميعَ ذلك من مُشْكِلٍ، فلا قصاص في

الجزء: 10 - الصفحة: 174

الحال، فإن بانا ذكرين أو أنثيين، قطع الأصلىُّ [بالأصليّ] والزائد بالزائدة إن تساويا على ما أشرنا إليه، وإلا، ففي الزائدِ الحكومةُ، وإن بان أحدهما ذكراً والآخر أنثَى، فقد تبيَّن الحكم، ولو عفا المجنيُّ عليه قبل تبين الحال، دُفِعَ إليه مِنَ المستيقن وهو دية الشفرَيْنِ، وحكومة الذكر والأنثيَيْنِ، وإذا لم يَعْفُ، فقد نقل الإِمام وأبو الحَسَن العبَّاديُّ: أنهُ يدْفَع إليه أقلُّ الحكومتين، والصحيح أنه لا يُدْفَع إليه شيْءٌ في الحال، إذ كان القصاص متوقَّعاً في الكلِّ، واعلم أن انكشاف حال الخُنْثَى قد يكون بشَيْءٍ من الإمارات الخِلْفية، كالبول والمَنِيِّ، فالحُكْم على ما بينا، وقد يكون بالرجوع إلى قوله: ليخبر عن ميله إلى الرجال، فيكون امراة أو إلى النساء فيكون رجلاً، فإن أخبر عن حاله، ثم جَرَتِ الجناية، اعتمد قوله حتى إذا كان القاطِعُ رجلاً، وكان قد قال: أنا رجلٌ، استوفى القصاص، وإن جرَتِ الجنايةُ، ثم قال: أنا رجلٌ، فهل يُقْبَل قوله، لإيجاب القصاص، ولإيجاب دية الذكر والأنثيين؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كما يقبَل قبل الجناية؛ ولأنه أعرف بحاله وأظهرهما؛ على ما ذكره القفَّال والإمام: المنْعُ؛ لأنه متَّهَم فيه وشُبِّهَ ذلك بما إذا شَهِدَ برؤبة هلالِ شَوَّال فلم يَقْبَل القاضِي شهادَتَه، ثم رآه يَأْكُلُ، لا يعزره، ولو رآه يأكل، فقال: رأيت الهلال، يعزره؛ لأنه متَّهم بالدفع، ولو ثبت الغَصْب عليه بشهادة رجل وامرأتينِ، ثم قال: إن كنت غَصَبْت، فامرأتي طالقٌ، يقع الطلاق، ولو قال أولاً: إن كنت غَصَبْتُ، فامرأتي طالقٌ، فأقامت رجلاً وامرأتين على أنه غصب، لا يقع الطلاق على الأظهر، ولو اختلف الجاني والمقْطُوع، فقال الجاني قد أقررتِ بِأنَّكِ امرأةٌ، فلا قصاصَ لك، وقال: بل قلْتَ: إنِّي رجُلٌ، فقولان في أن القولَ قولُ من الحكايةُ عنْ نَصه -رضي الله عنه- في مواضع، وهو الذي رجَّح أن القول قولُ الجانِي؛ لأن الأصْل أنَّه لا قصاصَ والمقطوع متهم في قوله.
والثاني: ويُنْسَب إلى رواية ابن سُرَيْج: أن القول قوْلُ المَقْطُوع؛ لأنه أعرف بحاله، واختلاف الجانِي والمقْطُوع يجوز أن يُفْرَض في.
إخباره عن الذُّكُورة والأنوثة قبل الجناية، ويجوز أن يُفْرَض في إخباره بعْد الجناية، إذا قلْنا: إنَّ قوله بعد الجناية مقبولٌ معمولٌ به.
وقوله في الكتاب: " إذا قطع رجلٌ ذكَرَ خنْثَى مشكِل وشفْريْه" يريد قطع الذكر مع الأنثيين وإن لم يتلفَّظ بالأنثيين؛ ألا تراه كرَّر ذكْرَهما في الفَرْع غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقوله: "سُلِّم إليه دية الشفرين" يجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الذي نقل الإِمام أن الواجِبَ في كلِّ واحدٍ منهما الحكومة.
وقوله: "بل يصرف إليه أقلُّ الأمرين" إلى آخره ينازع فيه الوجه الذاهِبُ إلى أَنَّ الواجب أقَلُّ الحكومتين والوجْه الآخر: إن الواجب حكومةُ المَقْطُوعِ آخراً وللإعلام فيه

الجزء: 10 - الصفحة: 175

مجال، وكذا يجوز أن يُعْلَم لفظ "الحكومة" من قوله: "وحكومة الذَّكَر والأنثيين" فيما إذا كان القاطع امرأةً لوجه ذكرناه أن الواجب أقلُّ الحكومتين، ووجّه أنَّ الواجب حكومةُ المقطوع آخراً.
وقوله: "عقيب الكلام فيما إذا كان القاطع خنثى" وقيل: "إذا لم يُعْفَ عن القصاص" إلى آخره يرجع إلى الصورتَيْنِ السابقَتَيْنِ في قطْع الرَّجُل وقطْع المرأة، ويجوز أن يُعْلَم قوله فيما إذا كان القاطع خنثى: "لم تُصْرَف إليه قبل العفو شيئاً" بالواو.
وقوله: "لأنا نحكم له بالذكورة، مهما قال: إنِّي رجُلٌ" هذا لا يسلمه مَنْ يقول: لا يُقْبَل قوله بعد الجناية.
فَرْعٌ: لو قُطِعَتْ يد الخنثى، وجب القصاص، قطَعَها رجُلٌ أو امرأة، لكن لو آل الأمر إلى المال، لم يؤخذ إلا المستيقن وهو نصْفُ دية المرْأَة، وكذا لو قتل، لا يؤخذ لديته إلا المتيقن.
وهو دية المرأة.
آخر: لو قَطَع المُشْكِل ذكَرَ رَجُلٍ وَأُنْثَيَيْه، وقف، فإن بأن أنه ذَكَرٌ اقتص منه، وإن بَانَ أُنثَى، فعليه ديتان، ولا قصاص، وقبل التبين، لو طلب المجنيُّ عليه مالاً، ولم يعْفُ، لا يُجَاب؛ لأن القصاص متوقَّعُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَصْلَة السَّادِسةُ التَّفَاوُتُ فِي العَدَدِ لاَ يُؤَثِّرِ بُلْ يُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ، وَالوَاحِدُ إِذَا قَتَلَ جَمَاعَةً قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَللبَاقِينَ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَّاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إذا قَتَل الجماعةُ واحداً، قُتِلوا به سواءٌ قتلوه بمحدَّد أو مُثَقَّل، أو ألْقَوْه من شاهق أو في بحْر أو جرَحُوه جراحاتٍ مجتمعةً أو متفرِّقة، وهكذا قال أبو حنيفة وأحمد، ويُحْتجُّ له بأن القصاص عقوبةٌ تجب للواحِدِ على الواحِدِ، فتجب للواحد على الجماعة، كحد القذف، وبأن القصاص شُرعَ لحقْنِ الدماء، فلو لم يجبْ عند الاشتراك، لاتُخِذُّ ذريعةً إلى سَفْكِهَا، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ -رضي الله عنه-: "قَتَلَ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً، وقال: "لَوْ تَمَالأ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ، لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعاً 60 " أو كيف التقدير في قتل الجماعة بالواحد، قال الجمهور: دمُ كلِّ واحدٍ منهم مستحَقٌّ للوليِّ، وعن الحليميِّ: أن

الجزء: 10 - الصفحة: 176

القصاص مفروض عليهم، فإذا قَتَل عشرةٌ واحداً، فالمستَحَقُّ لوليَّ العُشْرُ مِنْ دم كل واحد، إلا أنه لا يمكن استيفاؤه، إلا باستيفاء الباقي وقد يَسْتَوْفى من المتَعدِّي غَيْرُ المستَحِقِّ، [إذا لم يمكن استيفاء المستَحقِّ] 61 إلا به، كما إذا أدْخل الغَاصِبُ المغصوبَ في بيْتٍ ضيقٍ، واحتاج في ردِّه إلى قلْع الباب أو هدم الجدار، قال الإِمام: وهذا بعيدٌ، فإنه لو قَطَع يَدَ غَيْره مِنْ نصْف الساعد، لا يجري القصاص فيه خوفاً من استيفاء الزيادة على الجناية بجُزْء يسيرِ، فكيف يُريقُ تسْعة أعْشَار الدَّمِ من غير استحقاقٍ لاستيفاءِ عُشْرِ واحدٍ، ولا يمكن اعتبار القصاص بالدية حَيْثُ لا يجب على كلِّ واحد إلا العُشْر، كما أن الرجل يُقْتَل بالمرأة، وإذا آل الأمر إلى المال، لم يلزمه إلا نصْف دية نفْسِه، فهذا هو المشهور في قتل الجَمَاعة بالوَاحِد، ووراءه شيئان: أحدهما: عن أبي حفص وعن ابن الوكيل إثبات قولٍ: إن الجماعة لا يُقْتَلُون بالواحدِ؛ أخْذاً مما قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- في "الأم" "لو قَتَلَ عَشَرَةٌ رجُلاً، فَقَتَل ولي المَقْتُولِ أحدَهُمْ وَعَفَا عَنِ البَاقِينَ كَانَ لَهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يَقْتُلُ الجَمَاعَةَ بِالوَاحِدِ" فأشعر بأن له قولاً آخر.
والثاني: نقل الماسرجسي والقفَّال قولاً عن القديم: أن الوليَّ يَقْتل واحداً من الجماعة، أيَّهم شاء، ويأخذ حصَّة الآخرين من الدية، ولا يَقْتل الجميع، ويَكْفي للزَّجْر كوْنُ كلِّ واحدٍ منهم على وَجَلٍ من القتل، ويُرْوَى هذا عن مالك، ويُرْوَى عنه مثْلُ مذهبنا المشهور، والأشهر الرواية الثانية.
وقال الرويانيُّ: الأصح الرواية الأولَى، وليُعْلَمْ؛ لما بيَّنا قوله في الكتاب: "ويقتل الجماعة بالواحد" بالميم والواو، وإذا قلنا بظاهر المذهب، فللوليِّ أن يقتل جميعهم، وله أن يقتل بعْضَهم، ويأخذ حصَّة الباقين من الدية، وإن اقتصر على الدية، فتكون الدية موزَّعة على عدَدِ رؤوسهم سواءٌ كانت جراحةُ بعْضِهم أفحَشَ أو عدد الجراحات من بعضهم أكْثر، أو لم يكن كذلك؛ لأن تأثير الجراحات لا تضبط، وقد تزيد نكاية الجراحةِ الواحدةِ على نكايات جراحات كثيرةٍ، فلا نظر إلى أعدادها، وكذلك لا فَرْقَ بين أن يكون لجراحة بعْضِهم أرْشٌ مقدَّر أو لا يكون.
الثانية: إذا قَتَل الواحدُ جماعةً، قُتِلَ بواحدٍ منهم، ووجَبَتْ دية الباقين في ماله، والقول في أنه مَنْ يَقْتُل منهم؟ مذكور في "الفن الثاني" ولو قطع واحدٌ أيدِيَ جماعة، فكذلك، يُقْطع بواحد، وللباقين الدية.
وعند أبي حنيفة ومالك: يُقْتل الواحدُ بالجماعة، ولا يَجب شيْءٌ من الدية، وإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 177

بَادَرَ واحدٌ من الأولياء، فقتله، سقَطَ حقُّ الباقين، وقال في الطَّرَف: إذا قطَعَ واحدٌ يدَيْ رَجُلَيْنِ، يُقْطَع بهما، ولكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ دية اليد، فقاس الأصحاب النفْسَ على الطَّرَف في أنه لا يتأدَّى بالشيء الواحد حقوقُ الجماعة التي يتأدَّى بها الواحد منهما عند الانفراد، والطَّرَف على النفس في أنه لا يُجْمَع في حقِّ الواحد بين القصاص والدية.
وقال أحمد: إن اجتمع أولياءُ القتيل على طلب القصاص، قُتِلَ بالكل، وإنْ طَلَب بعضُهم القصاص، والبَعْضُ الديةَ، قُتِل بمَنْ طَلَب وليُّه القصاص، وللباقين الدِّيَة فقال الأصحاب: إذا كان لواحدٍ منهم أن يقتص عند إنفراده بالمطالبة، فإذا ازدَحَمُوا على المطالبة، لم تتداخَلْ حقوقُهم كما في سائر الحقوق، ولْيُعْلَم لمذاهبهم.
قوله في الكتاب: "قُتِلَ بواحد وللباقين الرجوع إلى الديات بعلاماتهم، ويجوز أن يُعْلَم بالواو، أيضاً؛ لأن القاضي الرويانيَّ حَكَى في "جمع الجوامع" أنه إذا وقَعَتِ الجنايات دفعةً واحدة يُقْتَلُ أو يُقَطَعُ بهم جميعاً، وَيرْجِع كلُّ واحد من المستحِقِّين إلى حصته من الدية، واعْلَمْ أنَّ ما ذكرناه فيما إذا كان القاتِلُ حرَاً، وقتل جماعة لا في المحاربة، فأما إذا كان القاتِلُ عبْداً أو قَتَل الحرُّ جماعةً في المحاربة، فسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ قصَاصَ عَلَى شَرِيكِ الخَاطِئِ، وَيَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الأَبِ، وَشَرِيكُ كُلِّ عَامِدٍ ضَامِنٌ، وَفِي شَرِيكِ الحَرْبِيِّ وَشَرِيكِ الجَلاَّدِ وَمُسْتَوْفِي القِصَاصِ وَالجَارحِ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ وَكُلِّ عَامِدٍ لَيْسَ بِضَامِنٍ قَوْلاَنِ، وَالسَّبُعُ مُلْحَقٌ بِالخَاطِئِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ لاَ بِالحَرْبِيِّ، وَشَرِيكُ السَّيِّدِ كَشَرِيكِ الأَبِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْن؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الكفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الدَّيَةَ، وَشَرِيكُ مَنْ جَرَحَ بِنَفْسِهِ كَشَرِيكِ السَّيِّدِ إِنْ قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ الكَفَّارَة بِقَتْلِ النَّفْسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناياتُ الصادِرَةُ من الجماعة الواردة عَلَى الواحد المستعقبة للموت، إن كان بحَيْثُ يجب القصاص بكل واحدٍ منها، لو انفردت، فيجبُ القصاص على الشركاء؛ كما ذكرنا، وإلا فإما أن لا يجبَ القصاصُ بواحدٍ منها، إما لتقاعُدِ الفعل عن إيجاب القصاص، كما إذا قَتَل اثنانِ أو جماعةٌ واحداً خطأً، أو لعَدَمِ الكفاءة إذا قَتَل حران عبداً ومسلمان ذميّاً، فلا قصاص على واحدٍ منهم، وإما أن يجبَ القصاصُ ببعْضها دون بعْضٍ، ولعدم الوجوب في حقِّ البعْضِ أسبابٌ.
أحدهما: أن تكونَ جنايةُ بعضهم ضعيفةً لا تؤثِّر في الزهوق؛ كالخدشة الخفيفةِ، فلا اعتبار بها وكأنه لم توجدْ سوى الجناياتِ الباقِيَةِ.
والثاني: أن يُغَلَّبَ بعضُها؛ لقوته بحيث يقطع نسبة الزهوق إلَى سائر الجنايات، كما إذا جَرَحَ اثنانِ أو جماعةٌ ثم جاء آخرُ، وَحَزَّ الرقبةَ، فقِصَاص النفْسِ عَلَى الحَازِّ،

الجزء: 10 - الصفحة: 178

والأولون جارحون يتعلَّق بفعلهم مقتضاه من قصاص أو ديةٍ مغلَّظة أو مخفَّفة وقد سبق ذكْر ذلك في الطَّرَفِ الرابعِ من الركنِ الأول، وعُدَّ من نظائره أن يصْعَد به على كرسيِّ ويربط في عنقه حبلاً ويشده إلى فوق، فيجيء الآخر فيُنحِّي ما تحْتَ قدميه عنه، فالقاتل الثاني.
والثالث: أن تندمل بعضُ الجراحاتِ، ثم يوجد سائرُ الجراحات، فعلى مَنِ اندملت جراحتُه ما تقتضيه الجراحة، ولا يلزمُه قصاصُ النفسِ والقتل، وهو الجراحة الساريةُ، وإذا جَرَح اثنان على التعاقب، وادَّعى الأولُ الاندمال، وأنكر الوليُّ، فلا قصاص على الأوَّل بقَوْلِ الوليِّ، وإذا عفا عن الثاني، لم يأخذ منه إلا نصْفَ الدية، ولا يُقْبل قولُه عليه، وإنما يأخذ كمالَ الدية، إذا قامت بيَّنَة: على الاندمال.
والرابع: أن يكون امتناعُ القصاصِ على بعْضِهم لكَوْن فعله خطأً، كما إذا جرحه أحدُهما عَمْدَاً، والآخَرُ خطأ، فلا قصاص على واحدٍ منهما، وعلى عاقلة الخاطئ نصف دية الخطَأ، وفي مال العامِدِ نصْفُ دية العَمْد، إن كانتْ جراحتُه لا توجِب قصاصاً، أو آل الأمر إلى الدية، وعليه قصاصُ الطَّرَفِ، إن كانَ قَدْ قطعَ طَرَفاً، وكذا لو جرح أحدَهُما عمْداً، والآخر شبه عمْدٍ، لا قصاص على واحدٍ منهما، ويجب نصف دية شبه العمد على عاقلة صاحِبِهِ وقال مالك: يجب القصاصُ عَلَى شريكِ الخاطئِ وشريك الجارح شبْه العَمْد، وبه قال أحمد في رواياته واختاره المزنيُّ ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ولا قصاص على شريك الخاطئ" مع الميم والألف والزاي بالواو؛ لأن القاضي أبا المحاسِنِ الرويانيُّ ذكر في "جمع الجوامع" مع أنه قد قيل: إنه قول للشافعيِّ -رضي الله عنه- وذكره المزني في "العقارب"، وهذا لم ينقلْه الإمامُ، ولكن تمناه فقال: وَدِدتُّ أن يكون هذا قولاً معدوداً في المذْهَب، وقد يوجَّه ذلك بأن العامد لو انفرد بقتله، قُتِلَ فإذا شارك غيره، قُتِلَ، كالأجنبي، إذا شارك الأب، واحتج لظاهر المذْهب بأنَّ الزهوقَ حَصَل بجراحَتَيْن عمْد وخطأ، فلا يجب القصاص، كما لو جرحه واحدٌ جراحَتيْنِ إحداهما عمْدٌ والأخرَى خطأٌ.
الخامسُ: أن يكون امتناعُ القصاصِ على بعْضِهم لمعنًى في نفسه، فله حالتان: إحداهما: أن يكون فعْل مَنْ لا قصاصَ عليه مضموناً، كما إذا شارك الأبُ أجنبيّاً في قَتْل الابن، فعلى الأبِ نصْفُ الدية المغلَّظة، وعلى الأجنبيَّ القصاصُ، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا قصاصَ علَيْه.
لنا: أنه لو انفرد بقَتْله، وجَبَ عليه القصاص، فإذا شارَكَ مَنْ لا يقتص منْه لا لمعنى في فعله، وجب أيضاً كما لو كانا عامِدْينِ، فعفا الوليُّ عن أحدهما، وأيضاً، فإن الزهُوق حصَلَ بجنايتَيْن عمْدَيْن مضمونَيْنِ، فامتناعُ وجوب القِصاص عَلَى أحدهما، لا يمنع الوجوب على الآخَرِ، كما لو رَمَى اثنانِ سهْماً إلَى واحدٍ، ومات أحَدُ الراميَينِ قبل

الجزء: 10 - الصفحة: 179

الإصابة، يجب القِصَاصُ على الآخر، وليس شريكُ الأب كشريكِ الخاطِئِ، فإنَّ الخطأ شبهةٌ في فعل الخاطئ، والفعلان مصادِفَان لمحلٍّ واحدٍ فأورث الخطأ في أحدهما شبهةً في القصاص، كما لو جرح واحدٌ جراحتين إحداهما 62 عمدٌ والأخرى خطأٌ، وشبهة الأبوة في نَفْسِ الأب لا في الفِعْل، وذات الأب يتميز عند ذات الأجنبيِّ، ولا تُؤثِّر شبهة في حقِّه وعلى هذا القياس، لو شارك حر عبداً في قتل عبد أو مسلمٌ ذميّاً في قتل ذميٍّ، لا قصاص على الحرِّ والمُسْلِم، ويجب على الذميِّ والعبْد.
وأبو حنيفة: يوجب القصاص عليهما جميعاً.
ولو جرح ذميٌّ ذمياً ثم أسلم المجروح، فجرحه مسلمٌ، أو عبدٌ عبداً، ثم عَتَق المجروح، فجَرَحَه حرَّ ومات منهما، فيجب القصاص عليهما جميعاً؛ لأن القصاصَ يجبُ عَلَى كلِّ واحدٍ منهما بتقدْير الانْفِرَادِ.
والثانية: ألا يكون مضموناً، كما إذا جرح حربىٌّ مسلماً، وجرحه مسلمٌ أيضاً، ومات منهما أو قُطِعتْ يَدُ إنسان في سرقة أو قصاصٍ ثم جرَحَه جارحٌ متعدَّياً أو جرح مسْلمٌ مرتدّاً أو حربيّاً، فأسْلَم فجرحه غيْره أو ذميٌّ حربياً، ثم عقَدَتِ الذمة للمَجْرُوح، فجَرَحَه ذميٌّ آخَرُ أو جَرَح الصَّائِل عليه ثم جرحه آخر، ففي وجوب القصاص على الشَّرِيك في الصور قولان: أصحُّهما: على ما ذكر الرويانيُّ وغيره: أنه يجبُ؛ لحصول الزهوقِ بفعلَيْن عَمْدين، وامتناع القصاصِ على الآخر؛ لمعنى يَخُصُّه، فصار كشريك الأب.
والثاني: لا يجبُ؛، بل عليه نصْفُ الدية؛ لأن مَنْ لا يضْمَنُ أخفُّ حالاً من الخاطئِ الَّذي فعْلُه مضمونٌ بالدية، فهذا لم يجبْ على الشريك الخاطئِ، فأَوْلَى أن لا يجبَ عَلَى الشريكِ في هذه الصورة وفي شريك الجلاَّد ومستَوْفِي القصاصِ طريقة قاطعة بالوجوب؛ لأن فعلهما في مقابلة ما سبق من جناية المقطُوع، فهو كالمضمون به.
ولو جرحه سَبُعٌ أو لدغته حيَّةٌ أو عقرب، وجرحه مع ذلك آدَمِيٌّ، ففي وجوب القصاص عليه طريقان: أشهرهما: طرد القولَيْن.
والثاني: القطْع بأنَّه لا قصاص 63 علَيْه؛ لأنه لا تكْليفَ على السَّبُع، فكان شريكه

الجزء: 10 - الصفحة: 180

كشريك الخاطِئِ، ولأنَّ فعْل السَّبُع لا يَصْدُر عن فِكْر وَرَويَّة، فلا يوصف بالعمدية، وهذا الأصحُّ عند القاضي الحُسَيْن والإمام وصاحب الكتاب، وهذان الطريقان على ما يقتضيه كلامُ الإِمام فيما إذا قصد السبعُ الجُرْحَ، ففي طريق يجيْء في شريكه الخلافُ المذكورُ، فيمن شارك عامداً غيْرَ ضامن، وفي طريقٍ لا يُنْظَر إلى صفة فعله، ويُجْعَل عمْدُه كالخطأ، وأما إذا وَقَع السبُع عليه من غير قصد، فليس ذلك مَوْضِعَ الخلاف [فلا قصاص قطعاً].
وفي "التهذيب" أنَّا إذا أوجبْنا القصاصَ على شريك السَّبُع، فلا فرق بين أن يقْصده السبعِ بالجرح، أو لا يقصده، وهذا ذَهَابٌ إلى تنزيل خطئه منْزلةَ العَمْد على خلاف ما حَكاه الإِمام وعلى كل حَالٍ، فالخلاف فيما إذا كان جُرْح السَّبُع بحَيْث يَحْصُل منه الموت غالباً فإن كان لا يُفْضِي إلى الموْت غالِباً، فشريكه كشريك الجارح شبهه، العمْد ولو جرح رجُلٌ عبْدَه، وجرحه عبد أيضاً وعتق فجرحه عبْدٌ أو حرٌّ، ومات من الجرحَيْن ففي وجوب القصاص على الجارحِ الآخَرِ طريقان.
أشهرهما: طرد القولين.
والثاني: القطْع بالوجوب؛ لأن فعل السيد مضمونٌ بالكفارة، فشريكه شريكُ عامدٍ ضامنٍ، كشريك الأب، والخلافُ راجعٌ إلى أن المُعْتَبَر مُطْلَقُ الغُرْم أو كون الفِعْل مضموناً بالدِّيَة، فإنَّها التي تتعلَّق بحقِّ القتل، والكفَّارة تجبُ لحَقِّ الله تعالَى ولو جَرَحَ نفْسَه وجَرَحَهُ غيره، فوجوب القِصَاصِ على الشَّريك ينبني عَلَى أن قاتل نفسه هل تلزمه الكفَّارة إن قلْنا: نعم، فهو كشريك السيِّد، وإن قلنا: لا، فكشريك الحربي، وكيفما كان، فالظاهر الوجوب، ولو رمى اثنان سهمَيْنِ إلى صَفِّ الكفار، وأصابا مسلماً في الصفِّ وقد علم أحدهما أن هناك مسلماً، ولم يَعْلَمِ الآخرُ، فوجوب القصاص على الذي عَلِمَ يبنى على الخلافِ في شَرِيك السَّيِّد؛ لأن فعْل الجاهل مضمونٌ بالكفارة.
وقوله في الكتاب: "وشَرِيكِ الجلاَّد و [شريك] مستوفي القصاص" يجوز إعلامهما بالواو إشارةً إلى الطريقةِ القاطعةِ بوُجُوب القِصَاصِ عَلَى الشريك في الصورتَيْنِ.
وقوله: "والسبع ملحَقٌ بالخاطئ في أصح الوجهين" الوجهان محمولان على الطريقين الذين بيَّناهما.
وفي قوله: "لا بالحربي" بيان أن المقابل للأصح أنه كالحربيَّ، فيكون في شريكه القوْلاَن المذكور أن في شريك الحربيِّ، وكذا الحال في قوله: "وشريك السيد كشريك الأب على أحد الوجهين"، والوجه والطريق قَدْ يقام أحدُهُما مقامَ الآخر.
فَرْعٌ: وجوب القصاص على شريك الصبيِّ والمجنونِ العامدين يُبْنَى على الخلاف في أن عمْدَهُما عمْدٌ أو خطأٌ، إن قلْنا: عمد، وجَبَ، وهو الأصح، وإن قلْنا خطأٌ،

الجزء: 10 - الصفحة: 181

فلا، كشريك الخاطئ، وبه قال أبو حنيفة، هكذا أطْلَق مُطْلِقون، وعن القفَّال وغيره: أن الخلاف في الصبيِّ الذي يعقل عقْلَ مثله، وفي المجنون الذي له نوْعُ تمييز فأما من لا تمييز له بحال، فعَمْده خطأٌ، وشريكه خاطئٌ، لا محالة، وهذا ما جرى عليه الأئمة منهم صاحب التهذيب رحمه الله وإيانا والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذَا صَدَرتْ جِرَاحَتَانِ مِنْ وَاحِدٍ وَإِحْدَاهُمَا غَيْرُ موجِبةٍ فَلاَ قِصَاصَ كمَا لَوْ جَرَحَ عَمْداً وَخَطَأ، أَوْ جَرَحَ حَرْبيّاً ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَرَحَهُ ثَانِياً، أَوْ جَرَحَ مُسْتَوفِي القِصَاصِ والحَدِّ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحد الفروع، إذا صدَرَتْ جراحتان مِن شخص، إِحداهُمَا عَمْدٌ، والأخرى خَطَأٌ، ومات المجْرُوحُ منْهما، لم يلزمْه قصاصُ النَّفْسِ؛ لأن الزهوق لم يَحْصُل بالعمْد المحضِ، ولكن يجبُ نصف الدية المخففة على العاقِلة، ونصف الدية المغلَّظة في ماله، وقد يتعلَّق القصاصُ بجراحة العَمْد، كما إذا قطع طَرَفاً، وكذلك لو جرح حربيّاً أو مرتدّاً، فأسْلَم وجرَحَه ثانياً أو قطع يَدَ إنسانٍ قصاصاً أو في سرقة، ثم جرحه، أو قَطَع يده الأخْرَى، ظُلْماً أو قَطَع يد الصائل عليه دفعاً، فلما وَلَّى، جرَحَه أو قطَع يده الأخرى ظُلماً، لا يجب قصاص النفْس ويثبت موجِب الجراحةِ الواقعةِ في حال العصمة من القصاص أو الدية المغلَّظة وكذا لو جَرَح العادِلُ الباغِيَ في القِتَال ثم جَرَحَه بعد انقضاء القِتَال أو السيدُ عبْدَه ثم جرَحَه بعد ما عَتَقَ، أو جرح حربيٌّ مسلماً ثم أسلم القاطع، فجرحه ثانياً، ولو قطَع مسلمٌ يَدَ ذميٍّ، فأسلم، فقطع يده الأخرى، أو حز يد عبْدٍ، فعَتَق، فقطع يده الأخرى، ومات بالسراية، لم يجبْ عليه قصاصُ النفْس، ويجب قصاصُ الطَّرَف المقطوع بعْد الإِسلام والحرية، فإن اقتصَّ المستحِقُّ الطرَفِ، أخذَ نصف الدية، وإنْ عفا أخَذَ دية حُرٍّ مسْلِّم، ولو قَطع ذميٌّ يَدَ ذِمِّيِّ، فأسلم الجارحُ، ثم قطع يده الأخرى، ومات بالسراية، لمَ يجب القصاص في النفس، ويجب قصاصُ الطَّرَف المقطوع أولاً فإن عفا المستحقُّ، أخذ دية ذمِّيِّ.
قال الإِمام: "وقد انتظم من هذه المسائل أن الجراحتين من شخص واحد، إذا أفْضيا إلى الزهُوق وأحدَهُما ممَّا لا يتعلَّق به القصاص لا يجب القصاص قولاً واحداً، يستوي فيه ما إذا كان أحدُهما عمداً، والآخر خطأ، وما إذا كان العمْدُ الذي لا يتعلَّق به القصاص موجباً للضمان، أو لم يكنْ وإذا كان الجُرْحان من شخصَيْن، فَرَّقْنَا بين ما إذا كان أحدُهما عمْداً، والآخر خطأ فنفينا القصاص عنهما، وبين ما إذا كانا عمْدَيْن فقلْنا: إذا كان الذي لا يتعلَّق به القصاص موجباً للضمان، وجب القصاص على الشريك، وإذا لم يكن موجباً للضمان، ففي القصاص على الشريك قولان، ولم يجعلوا الإنسانَ بأحَدِ فعْلَيْهِ شريكاً لنفسه في الفعْل الآخر.

الجزء: 10 - الصفحة: 182

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ دَاوَى المجْرُوحَ بِنَفْسِهِ بِسُمٍّ مُذَفَّفٍ يَسْقُطُ القَصَاصُ عَنِ الجَارحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفَّفاً صَارَ الجَارحُ شَرِيكَ النَّفْس، وَكَذَا إِذَا خَاطَ المَجْرُوحَ جُرْحَهُ فِي لَحْمِ حَيٍّ، وَقِيلَ: إِنَّ المُتَدَاوِيَ مُخْطِئٌ فَهُوَ شَرِيكُ الخَاطِئِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قُرُوحٌ أَوْ بِهِ مَرَضٌ وَالجَارحُ لاَ يَصِيرُ بِهِ شَرِيكًا لِأنَّ ذَلِكَ لاَ يُضَافُ إلى الاِخْتِيَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفرْع الثانِي فيه صورتان: إحداهما: إذا داوَى المَجْرُوحُ نفْسَه بسُمٍّ قاتلٍ، إما بأن شربه أو وضعه على الجراحَةِ، فإما أن يكون مذفَّفاً أو لاَ يَكُون، وحينئذ فإما أن لا يَقْتُل غالباً أو يَقْتل غالباً، فهذه أحوالٌ ثلاثةٌ.
إحْداها: إذَا كانَ مَذَفَّفاً، فالمجروح قاتِلُ نَفْسه، كما لو جرحه إنسانٌ، فَذَبَح المجروحُ نفْسَه، ولا يجبُ عَلَى الجارح، قصاصُ النفْسِ، وإنما الذي عليه أرْش الجراحَةِ أو القصَاص، إن تعلَّق بها قصاصٌ كما لو قطعَ طَرَفًا.
والثانية: إذا لم يَقْتُل غالباً، فهو شبْه عمد، والجارح شريكٌ لصاحب شبْه العَمْد، فلا قصاص عليه، وإنما الذي يلزمه نصْف الدية المغلِّظة أو القصاصُ إن كانتِ الجراحةُ ممَّا يجب فيها القصاصُ.
الثالثة: إذا كان السمُّ قاتلاً غالباً، فإن لم يَعْلَم المجروجُ أنَّه كذلك، فكما في الحالة الثانية، وإن عَلِمهُ، ففِي وجوب القصاصِ على الجارحِ طريقان: أحدهما: أنه كشريك منْ جرَح نفْسَه، وقدْ مرَّ حكمه، وهذا أظهر عند ابن الصباغ، وهو قضية إيراد الكتاب.
والثاني: القَطْع بنفي القصاص؛ لأنه قصد التَّداوي والإصلاح دون الهلاك والإفساد، فشريكه شريك خاطئ.
الثانية: إذا خاطَ جَرْحَه في لَحْمِ ميِّتٍ، لم يُؤَثِّر؛ لأنه لم يُؤْلِم وعلى الجارح القصاصُ أو كمالُ الدية، وإن خاطَه في لحْمِ حيٍّ تدَاوَيا، وكان ذلك ممَّا يُهْلِك غالباً، ففي وجوب القِصَاص على الجارح الطريقان المذكوران في التَّداوِي بالسَّمِّ الذي يَقْتل 64 غالباً، وفي الصورتَيْن لا فَرْقَ بين أن يَفْعَل المجروحُ ذلك بأمْر نفسه أو يَأْمُر به غيره، ولا شيء على المأمور، ولو استقل به الغير، فهُوَ والأول جارحان متعدِّيان ولو تولاه الإمامُ فِي مجْرُوحٍ، فإن كان بالغاً رشيداً، فكذلك؛ لأنه لا ولاية للإمامِ علَيْه وإنْ كان

الجزء: 10 - الصفحة: 183

صغيراً أو مجنوناً، ورأى المصلحَةَ فيه، فمات، ففي وجوب القصاصِ قولانِ، كما لو قَطَع سلعةً مِنْ صغيرٍ أو مجنونٍ، فمات منْه، فإن قلْنا: لا قصاص، وجَبَ نصْفُ دية مغلَّظة، ويكون على عاقلة الإِمام أو فِي بَيْت المال؟ فيه قولان يُذْكَران في موضعهما، وحُكُم الجَارِحِ يُبْنَى على الخلافِ فيما إذا تولاَّه المجْرُوح بنَفْسه، إن جعَلْنا وجوبَ القِصاصِ عليه على الخلاف، فيما إذا شَارَكَ عامداً غيْر ضامِنٍ، فهاهنا يجب القصاص عليه؛ لأنه شارَكَ مَنْ فِعْلُه مضمونٌ بالقصاص أو الدية، فإن نزَّلْنا المجروحَ منزلة الخاطئ لقصده التداوي، ولم يوجب القصاص على شريكه فلذلك هاهنا؛ لأن الإِمام أيضاً قصد الإصلاح والتداوي، ولو قصد [الخياطة] 65 في لحْم ميتٍ، فغلط، وخاط في لحْمِ حيٍّ، فالجارح شريكُ الخاطئ لا محالة، قال القفَّال: وَكذلك، لو قَصَد الخياطَةَ في الجِلْد، فغلظ، وأصابت الإبرة اللحْم، والكيُّ كالخياطةِ، فيُنظر أَكَوَى لحْماً ميتاً أو حيًّا يُؤْلِم، ويَكُون له سرايةٌ ونكايةٌ ولا اعتبار بالمداواة بما لا يضُرُّ ولا يخْشَى منه الهلاك، وكذلك لا اعتبار بما على المَجْرُوح من القروح، وبما به من المرض والضَّنَى، فإن ذلك لا يضاف إلَى أحَدٍ، ولا يَدْخُل تحْت الاختيار.
ولو قطع أصبع رَجُلٍ فتآكل موضع القطع فقطَعَ المقطوعُ كفَّة خوفاً من السراية، نُظِر؛ إن لم يتآكل إلا موْضِعُ القَطْعِ، فليس على الجَارحِ، إلا القصاص في الأصبع أو أرشها، إن لم يَسْرِ إلى النفسِ، وإن سَرَى، ففي وجوب القصاص على الجانِي في النفس الخلافُ المذكورُ في الخياطة، فإن سرَتِ الجراحةُ إلى الكفِّ ثم قطعها، فيُنْظَر أقطع من لحمٍ حيٍّ أو من لحْمٍ ميِّتٍ، ويكون الحُكْم كما ذكَرْنا في الخياطة ولو جَرَح عضواً فداواه المجْرُوحُ فتآكل العُضْو، وسقط فإن كان ما داواه به مما لا يورثُ التآكل، فعَلَى الجارحِ ضمانُ العُضْو، وإنْ كان ممَّا يورث التآكل، فليس عليه إلا أرْش الجراحة، ولو قال الجاني: داوَيْتُه بما حدث منه التآكل، وأنكر المجنيُّ عليه، فهو المصدَّق بيمينه؛ لأنَّ الجناية معلومةُ الأسباب وغَيْرُها من الأسباب غير مَعْلُومٍ.
قال صاحب "التهذيب": ويُحْتَمَلُ أن يقال: القول قول الجانِي بيمينه لأن الأصْل براءة ذمَّتِهِ عمَّا سوى أرْش الجراحةِ، كما لو قَطَع يد إنْسانٍ، فمات، وقال الجانِي: إنَّه قتل نفْسَه، فليس عليَّ إلا نِصْف الدِّيَة، وقال الوارث: بل ماتَ بالسرايةِ، فمَنِ المصدَّق منهما فيه وجهان: أحدهما: يُصدَّق الوارثُ، وهو الحكاية عن نصِّهِ في "الأم" فيما إذا قال الجارح: داوي نفسه بما يهلك، وقال الوارثُ: بل بمَا لا يَضُرُّ ولا يُهْلِكُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 184

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَمَالَأَ جَمْعٌ عَلَى وَاحِدٍ وَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ سَوْطاً سَقَطَ القِصَاصُ فِي وَجْهٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ خَاطِئٌ، وَوَجَبَ فِي وَجْهٍ حَسْماً للذَّرِيعَةِ، وَوَجَبَ فِي الثَّالِثِ إِنْ كَانَ عَنْ تَوَاطُؤٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثالث: إذا ضرب جماعةٌ واحداً بِسُيُوطٍ أو عصِيٍّ خفيفةً حتى قتلوهُ نُظِر؛ إن كانت ضرباتُ كلِّ واحد منهم قاتلةً، لو انفرد، فعليه القصاص، وإذا آل الأمر إلى الدية، فتُوزَّع عليهم جميعاً.
ويكون التوزيع على عدَدِ الرؤوس أو على عدد الضربات؟ فيه قولان: أحدهما: على عدد الرؤوس كما في الجراحات، لو جرَحَه واحدٌ جراحةً، والآخر جراحاتٍ توزع الدية على عدد الجارحين دون الجراحات.
والثاني: على عدد الضربات؛ لأن الضربات تُلاَقِي الظاهر، ولا يَعْظُم فيها التفاوتُ، والجراحاتُ تؤثِّر في الباطِنِ، ونكاياتُ الباطنِ كبيرةُ التفاوت لا يمكن ضبْطُها، فقَصَرْنا لذلك النظَرَ على الجارحين، وهذا الخلاف كالخلافِ فيما إذا زاد الجلاَّد على المائة، أو على الثمانين في الحدِّ يكون عليه نصْف الدية أو يُوَّزع على عَدَدِ الجلدات، وكالخلاف فيما لو استأْجَرَ دابَّة لحمل مائة مَنٍّ مثلاً، فزاد على المائة، وهو غير منفرد باليد، فتلفت الدابَّة؛ أن الضمان ينتصف أو يتوزَّع على مقدار المحمول، وقد سبق في الإجارَةِ ذكْرُ المسألتين، وأن الشيخ أبا محمد رجَّح قول التنْصيف، وأن الأقرب مقابِلُهُ، وإن لم يكن ضَرْبُ كلِّ واحدٍ منهم قاتلاً، كما لو اجتمع عددٌ كبيرٌ وضربه كلُّ واحدٍ ضربةً، فمات فقَدْ أطلق الإِمام وصاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا قصاص على واحدٍ منهم؛ لأن فِعْل كل واحد منهم ليس عمدًا مقتضياً للقصاص، ومَنْ عداه شركاؤه، ولا قصاص على شركاء الخاطئ، ولا شركاء صاحب شبه العمد.
والثاني: يجب؛ لئلا يصير ذلك ذريعةً إلى سفْكِ الدماء.
والثالث: أنهم إن تَوَاطَؤوا على أن يضربوا تلْكَ الضربات، لَزِمَهم القصاص، وإن وقَعَت اتِّفاقاً، لم يلزم، وتخالف الجراحات لا يُشْتَرط فيها التواطُؤُ لأن نفْسَ الجُرْح قَصْدٌ إلى الإهلاك والضرب بالسوط الخفيف لا يَظْهر فيه قصد الإهلاك إلا بالموالاة مِنْ واحدٍ أو المواطأةِ مِنْ جماعة، وهذا ما اختاره القاضي الحُسَيْن، وأورده أصحابُهُ، منهم صاحب "التهذيب" ثم رأى الإِمام طرْحَ الوجه الذاهب إلى وجُوبِ القِصَاص على الإطلاق، وقال: الوجه القَطْع بنفيه، إن لم يكن تواطؤٌ، وإن كان، فوجهان، وأيد وجه الوجوب؛ بأن هذه الضرباتِ إذا والَى عليها الواحِدُ، لزمه القصاص، وإن لم تكنْ واحدةٌ منهما عمْداً مقتضيًا للقصاص وكما لا يجب القصاص على شريك غير العامد، لا

الجزء: 10 - الصفحة: 185

يجب القصاص على مَنْ قَتَلَ بفعلين عَمْدٍ وغيرِ عمْدٍ، وكما جُعِلَ الواحدُ عامداً بموالاته عليها، جُعِلَتِ الجماعةُ عامدِينَ بموالاتهم.
قال: وإذا لم يجب القصاصُ، فيجب الضمان لا محالة، وإن كان فعلُ كلِّ واحدٍ لا يقتضي ضماناً لو انفرد، وذكر في "التهذيب": أنه لو ضَرَب واحدٌ سوطين أو ثلاثةً، وجاء آخر وضرَبَ خمسين أو مائةً قبل أن يزُولَ ألمُ الضَّرْب الأوَّل ولا تواطؤ، فلا قصاص على كلِّ واحد منهما؛ لأن ضرب الأول شبْهُ عَمْدٍ، وَالثاني شريكٌ له، ويجب بضَرْب الأوَّل نصفُ دية شبْهِ العمد، وبِضَرْب الثانِي نصْفُ دية العمد، وأنه لو ضَرَبَ واحدٌ أولاً خمسين، ثم ضرب آخرُ سوطَيْن أَو ثلاثةً قَبْل أن يزول ألَمُ الأول، فإن كان الثاني عالمَاً بضَرْب الأولِ، فعليهما القصاصُ؛ لظهور قصد الإهلاك 66 منهما، وإن كان جاهلاً، فلا قصاص على واحدٍ منهما؛ لأنه لم يَظْهَرْ قصد الإهلاك من الثاني، والأولُ شريكه، ويجب بضَرْب الأول نصْفُ دية العمْدِ، وبِضَرْبِ الثاني نصْفُ دية شبْه العمد.
وفرق بينه وبيْن ما إذا ضَرَب مريضاً سوطَيْن أو ثلاثةٍ، وهو جاهل بمرضه؛ حيث يُوجَبُ القصاصَ؛ بأنَّ هناك لم يَجِدْ من يُحَيَّل القتل عليه سوى الضارب، وليكن القول بتنصيف الديةِ في الصورتين جواباً على أن التوزيع على عَدَدِ الضارِبِينَ دون الضرَبَاتِ.
وقوله في الكتاب: "ولو تمالأ جمْعٌ على واحدٍ وضَرَبَ كلُّ واحدٍ سوطاً، سَقَطَ القصاصُ" التمالُؤُ التعاون، وقد يُظَنَّ اختصاص "لفظ التعاون" بما إذا كان هناك تواطُؤٌ، فإن كان كذلك، كان التصويرُ فيما إذا تواطأ، وحينئذ، فلا يحسُن إيرادُ الوجوه الثلاثة فيه.
وقوله: "وسقط القصاص" لا يخفى أن المراد أنه لم يَجِبْ؛ لأن ما هناك سقُوطٌ بعد ثبوتٍ، ويجوز أن يُعَلَم [الثاني] 67 من الوجوه الثلاثة بالواو، لقطع الإِمام بنفيه، وأن يُعْلَم قوله: "ووجب" في الوجهين الآخرين بالحاء؛ بناء على أصله في القتل بالمثَقَّل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَرَحَهُ وَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَهُ مَعَ ذَلِكَ سَبُعٌ فَعَلَيْهِ ثلُثُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: النِّصْفُ وَلاَ يُنْظَرُ إلى عَدَدِ الحَيَوَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو جرحه إنسان ونهشَتْه حيَّة، ومات المجروح منهما، فالجارح شريكُ الحية، وقد سبَق حُكْم القصاص، وإذا آل الأمر إلى المَالِ، فعليه نصْف الديةَ، ولو جَرَحَه مع ذلك سبُعٌ، ففيه وجهان: أحدهما: أن عليه ثلُثَ الدية؛ لأنه شارك حيوانَيْنِ مختارَيْنِ؛ فأشبه ما إذا جَرَحَه

الجزء: 10 - الصفحة: 186

ثلاثةُ أشخاصٍ، وهذا أصحَّ عند صاحب "التهذيب"، وبترجيحه يُشْعِرُ إيرادُ الكتابِ.
والثاني: أن عليه النصْفَ ويُجْعَل غير الآدمي جنساً واحداً، فيصير كما لو جَرَحَه رجُلٌ، وجرحه سَبْع جَرَّاحتين.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: فصْلٌ فِي تَغْيِيرِ الحَالِ بَيْنَ الجُرْحِ وَالمَوْتِ

وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَال

ٍ: الحَالَةُ الأُولَى فِي طَرَيَانِ العِصْمَةِ

فَلَوْ جَرَحَ مُرْتَدّاً أَوْ حَرْبِيّاً فأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَالأَصَحُّ السُّقُوطُ، وَلَوْ جَرَحَ عَبْدَ نفْسِهِ وَأعْتَقَ ثُمَّ مَاتَ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأوْلَى بِالوُجُوبِ، فَإن قُلْنَا: لاَ يَجِب فَلَوْ رَمَى اِلَى مُرْتَدٍّ أَوْ عَبْدٍ ثُمَّ طَرَأَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ فَفِي الوُجُوبِ وَجْهَانِ لِأنَّ العِصْمَةَ قَارَنَتْ أَوَّلَ الإِصَابَةِ وَإن لَمْ تُقَارِنِ الرَّمْيَ، فَإِنْ حَفَرَ بِئْراً فَتَرَدَّى فِيهِ مَنْ كَانَ مُرْتَدّاً عنْدَ الحَفْرِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَإِذَا أَوْجَبنَا فِي جُرْحِ الحَرْبيَّ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ المَوْتِ فَهُوَ عَلَى العَاقِلَةِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ بِالإِضَافَةِ إِلَى عِصْمَةِ الإِسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْل معقود للكلام فيما إذا تَغَيَّر حالُ المجْرُوح من وقْت الجُرْح إلى المَوْت إمَّا بالعصْمة أو الإهْدَار، وإما في القَدْر المضْمُون به، واعلم أن المجْرُوح إمَّا أن يكون مُهْدَراً في حالة الجُرْح والموت أو مهدراً في حالة الجرح [و] أن يتخلل المهدر بينهما أو لا يتخلل وحينئذ فإما دون الموت.
أو بالعكس أو معصوماً فيهما، وحينئذ، فإما أن تخْتَلف قدْر الضمان في الحالَتَيْن أو لا يختلف، فهذه أحوالٌ ستٌّ، والأُولَى والسادسةُ ظاهرتا الحُكْم، فطرحهما لوضوحهما، وبقيت الأربعةُ المذكورةُ في الكتاب.
أما الحالة الأولى: ففيها صور: إحداها: إذا جَرَح مرتدّاً أو حربيّاً بقطع يد أو غيره، ثم أسلم، أو عُقِدت الذمَّة للحربيِّ، ثم مات من تلْك الجراحة، فلا قصاص؛ لأن قطع المرتدَّ غير مضمون بالقصاص، فسرايته لا تكون مضمونةٌ كقطع يد السارق، ولأن الجراحة إذا وقَعَتْ في حالةٍ لا توجبُ القصاص، لم يَجِبِ القصاص بما يحْدُث بعْدها أَلاَ تَرَى أنه لو جرح صبيٌّ إنساناً ثم بلغ الصبيُّ، ومات المجروحُ، لا يجب القصاص، ولأن الكفاءة تعتبر حالة الجراحة دون الموت؛ ولذلك نقول: لو قطع عبْدٌ يدَ عَبْدٍ، فأُعْتِقَ القاطعُ، ثم مات المقْطُوعْ فيقتل به اكتفاءً بالكفاءة عند الجراحة، وهل تجبُ الدية؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا؛ لأنه قطْع غير مضمون، فسرايته لا تكون مضمونةً كسراية القطْع قصاصاً أو بالسرقة، وكما لو جرح الصائل عليه، دفْعاً، ثم أعرض، فسَرَتِ الجراحة.
والثاني: وينسب إلى أبي إسحاق، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي محمَّد الفارسي: أنه تجب الدية اعتباراً بحالة استقرار الجناية، وربما وُجِّه في المرتد بأنَّه جُرْحٌ

الجزء: 10 - الصفحة: 187

ممنوع منه، فإن المرتد، وان كان تضرب رقبته فإنما يجوز ذلك للإمام لا للآحاد، وإذا كان ممنوعاً مته، جاز أن تكون سرايته مضمونةً، والأول هو الصحيح المنصوص، وهو الذي أورده كثيرٌ من الأصحاب، وحكى الإِمام القطْعَ به عن الشيخ أبي عليٍّ وغيره المراوزة، ولحكاية القطْع يجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وجهان" بالواو.
ولو جرح حربىٌّ مسلماً ثم أسلم الجارحُ أو عُقِدَتْ له الذمَّةُ، ثم مات المجروحُ، فالجواب في "التهذيب" أنه لا شيْء على الجارح، ونقل بعْضهم أنه يلزمه الضمان؛ لأن المجنيَّ عليه مضمونٌ في 68 الحالتَيْنِ.
الثاني: إذا جَرَح عبْدَ نَفْسِهِ ثم أعتقه فمَاتَ بالسراية، فظاهر المذْهَب، وهو الحكاية عن النص: أنه لا ضمان على السيِّد أيضاً، وعن نصِّه في "عيون المسائل" أن الجارية الحامِلَ بوَلَدٍ رقيقٍ من نكاح أو زنا إذا كانت مشتركةً بيْن اثنيين، فضَرَب أحدهما بطْنَها؛ ثم أعتق نصيبه، وسَرَى العِتْق، ثم أجهضت جنيناً مَيِّتاً، يجب للجنين غُرَّة كاملةٌ، وقياس النصِّ الأولِ، أن لا يجب إلا نصْفُ غُرَّة، وقياس النص الثاني وجُوبُ الضمان على السيد؛ اعتباراً بحالة الجراحة، وللشيخ أبي عليٍّ روايةُ طريقَيْن في النَّصَّيْنِ: أحدهما: إثبات قولَيْنِ بالنقل والتخريج، أحدهما: أنه لا تجب الدية، ولا يجب إلا نصْفُ الغُرَّة؛ اعتباراً بحالة الجراحَةِ.
والثاني: تجب الدية وكمالُ الغُرَّة اعتباراً بحالة استقرار الجناية، والجراحةُ في نَفْسها محظورةٌ لورودها على معْصُومٍ بخلاَفِ جَرَاحَةِ الحَرْبيِّ والمرْتَد المُهْدَرَيْنِ.
والثاني: تقرير النصين، وفرق بأن الجراحة صادفَتْ مملوكةً حقيقةً، ثم طرأ العتق، وفي الضرب إنَّما تتحقَّق إضافة الجناية الولَدَ عند الانفصال فجُعِلَتْ حالة الانفصال كحالة إصابة السَّهْم، وما قبلها كالرمْيِ على ما سنَذْكُر في صورة الرَّقْيِ والولد عند إلانفصال حُرٌّ، وإنما قال في الكتاب في هذه الصورة: "وأولى بالوجوب" لأنه، وان لم يجب عليه في عبْده قصاصٌ ولا ديةٌ، فهو معصومٌ مضمونٌ بالكفارة، بخلاف المرتد والحربي، وكذلك تَصرَّف القاطعون بنفي الوجوب في المرتدِّ والحربيِّ هذا التصرُّفَ المذكور هاهنا وأثبتوا الطرفين.
الصورة الثالثة: إذا رمَى إلى حربيِّ أو مرتدٍّ، فأسلم، ثم أصابه، فلا قصَاصَ؛ لأَنه لم توجَدِ الكفاءة في أوَّل أجزاء الجناية، وأما الضمان، فإن قلْنا: يجب الضمان، إذا أسْلَمَ بَعْد الجَرْح، ثم مات، فهاهنا أولَى وإن قلنا: لا تجب هناك، فهاهنا ثلاثة أوجه:

الجزء: 10 - الصفحة: 188

أصحهما: وهو المنصوص، أنه تجب؛ اعتباراً بحال الإصابة؛ لأنها حالة اتصال الجناية والرَّمْيِ كالمقدمة التي يتسبب بها إلى الجنايه.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة، لا تجب اعتباراً بحالة الرمْي، فإنه الداخِلُ تحت الاختيار.
والثالث: عن رواية القفَّال: أنه يجب في المرتدِّ دون الحربيِّ، والفرْقُ أنه يجوز لكل أحد قتلُ الحربيِّ والرمْيُ إليه، وقتلُ المرتدِّ إلى الإِمام، فيفوَّض إليه حتى لو كان الرامِي إلى المرتدِّ هو الإِمام فعَنِ القاضي الحُسَيْن: أنه لا شيْء عليه، وهكذا أورده صاحب "التهذيب".
69 وقال الإِمام: المرتدُّ يُقْتَل بالسيف صبْراً، ولا يُرْشَقُ بالنشاب، فالرَّمْيُ إليه ضَرْبٌ من المُثْلة غَيْر سائغٍ، وقضية هذا الكلام أن لا نُفرِّق بيْن الإِمام وغيره ونسب أبو الفرج الزاز هذا الوجْه الثالث إلى ابن سُرَيْجٍ وفي "الشامل" نسبته إلى أبي جعفر التِّرْمِذِيِّ، والأشْهَرُ عن الترمذيِّ الوجهُ الثاني، وكذلك روي عن الداركيُّ عن أبي محمدٍ الفارسيِّ عنه، وقد يعبر عما ذكَرْنا من كيفية الخِلافِ؛ بأن يقال: الوجهان في صورة الرمْي مرتَّبان على الوجهَيْن فيما إذا جَرَحَ حَرْبِياً أو مرتدّاً، ثم أسلم، وهي أولَى بوجوب الضمان؛ لأن الجرح الذي هو سبب الهلاك وُجِدَ في حالة الإهْدَارِ، والرمْيُ إنما يتمُّ بالإصابة، وقد حصَلَتْ في حال العصمة، وقد تَرتَّب الوجهان في الرمْي إلى المرتدِّ على الوجهين في الرمْي إلى الحربيِّ ويقال: المرتد أَوْلَى بالوجوب، وقد يعكس، ويُجْعَل الحربيُّ أَوْلَى بعَدَمَ الوجوب، ويجري الوجهان فيما إذا رَمَى إلى قاتل أبيه، ثم عفا عنه قَبلِ الإصابة، وهو أولَى بوجوب الضمان من صورة المرتَدِّ؛ لأن إهدارَ المرتَدِّ أعظمُ من إهدار من عليه القصاص، وفيما إذا رَمَى إلى عبْدِ نَفْسِهِ، ثم أعتقه قبل الإصابة، وهذا أولَى الصور بوجوب الضمان؛ لأن العبد معصومٌ مضمونٌ بالكفارة.
ولو حَفَر بئراً في محلِّ عدوانٍ، فتردَّى فيها مسْلِمٌ، كان مرتداً وقْت الحَفْر أو حُرٌّ كان رقيقاً يومئذٍ، وجبتِ الديةُ، بلا خلاف؛ لأن الحفْر ليس سبباً ظاهراً للإفضاء إلى الهلاك، ولا يتَّجه نحو شخص بعينه ولا يؤثر وقوعُهُ في حالة الإهْدَار، بخلاف الرمْيِ.
قال في "التهذيب" ولو تغيَّر حال الرمْيِ بأن رمى حربيٌّ إلى مسْلِمٍ، ثم أسلَمَ قبل الإصابة، ففي وجوبِ الضمانِ 70 وجهان.

الجزء: 10 - الصفحة: 189

وقوله في الكتاب: "فلو رمى إلى مرْتَدٍّ كان الأَوْلَى أن يقول: "إلى عَبْدِهِ" فإنه المقصود كما ذكر في صورة الجُرْح، "وَلَوْ جَرَحَ عَبْدَ نَفْسِهِ" فأما إذا جرح عبْد الغَيْر أو رمى إلَيْه ثم عَتَقَ، فليس ذلك من صُوَرِ هذه الحالة.
وقوله: "ثم طرأَتْ هذه الأحوال ذكر لفظ "الأحوال" بالجمع، والمذكور من قبل ما إذا طرأ الإسْلام أو العِتْق لا غير، فلو قال: "ثم طرأ ما ذكرنا أو طرأت الحالتان" لكان أوضَحَ على أن الأمر فيه هَيِّنٌ.
الرابعة: إذا قلْنا بوجوب الضمان فيما إذا جرح حربيّاً فأسْلَم، ثم مات، وفيما إذا جَرَحَ عبْدَ نفْسِهِ، ثم أعتقه، فمات، فالواجب ديةُ حُرٍّ مسلِمٍ، وكذلك في مثلهما من صورة الرمي ثم الذي رأَى الإمامُ القطْعَ به، وجرى عليه صاحب الكتاب: أن الديةَ فيما إذا طرأ الإسلاَم أو العِتْق بعْد الجرح تَكُون مخفَّفةٌ مضروبة على العَاقِلة، وتكون الجناية ملْحَقَةٌ فالخطأ المحْضِ منزلة منزلة ما إذا رَمَى إلى صَيْدٍ، فأصاب إنساناً، ويكون عروض عصمة الإِسلام، كاعتراض الآدمي في مورد السَّهْم إلى الصيْد، فأما إذا طرأ الإسْلام أو العِتْق بعْد الرمْيِ، ففي كيفية الدِّيَة الواجبة الخلافُ المذكورُ في "كتاب الديات" (1).

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أنْ يَطْرَأَ المُهْدِرُ

كَمَا لَوْ جَرَحَ مسْلِماً فَارْتَدَّ وَمَاتَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ أرْشُ الجِنَايَةِ لِأَنَّ السَّرَايَةَ مُهْدَرَةٌ، وَلوَليَّهِ المُسْلِمِ القِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ أوْلَى بِالتَّشَفِّي مِنَ الإِمَامِ، وَقِيلَ: الاِمَامُ أوْلَى بِهِ لِأَنَّ المُرْتَدَّ لاَ يُورَثُ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَارْتَدَّ وَمَاتَ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لوْ مَاتَ مُسْلِمَاً، وَقِيلَ: دِيَتَانِ لِأنَّا لَوْ أَدْرَجْنَا لَأَهْدَرْنَا، وَقِيلَ: لاَ شَيْءَ لِأَنَّ القَطْعَ صَارَ قَتْلاً وَصَارَ مُهْدِراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جرَح مسلماً، فارتد، ثم مات بالسراية أو ذميّاً، فنقض العَهْد، ثم مات، لم يجبْ قصاص النفْسِ ولا ديتها ولا الكفَّارة؛ لأنها تلفت وهي مُهْدَرةٌ، وأما ما يتعلَّق بالجراحة ففيه مسألتان: إحداهما: إذا كانَتِ الجراحةُ منْ جنْس ما يوجب القصاصَ كالمُوَضَّحة وقَطْع اليد، فالنصُّ في "المختَصَر" أنه يجب فيه القِصَاص، وعن نصه في "الأم" أنَّه لا يجبُ فمِنْهُم مَنْ نقله في عيْن هذه الصورة، ومنْهم مَنْ رَوَى أنَّ ذلك النصَّ فيما إذا قطع ذميٌّ يدَ مستأمَنٍ، ثم لحِقَ المستأمَنُ بدار الحربِ، ومات، قال: لا قصاص عليه في القطْع؛71

الجزء: 10 - الصفحة: 190

وجعل الصورتَيْنِ على قولَيْن بالنقل والتخريج، ووجْه المنع كيفما فرض القولان؛ بأن الطَّرَفَ يَتْبَع النفس، إذا صارت الجناية قتْلاً، لماذا لم يجِبْ قصاصُ النفس، لا يجب قصاص الطَّرَف، وكذلك، لو قطع طَرَف إنسان، فمات منه، فعفا وليه عن قصاص النفس، لم يكن له أن يقتصَّ في الطرف، ويُحْكَى هذا عن اختيار ابن سُرَيْج.
ووجه الوجوب، وهو الأصحُّ عند الجمهور: بأن القصاص في الطَّرَف ينفرد عن القصاص في النفْس ويستقر، فلا يتغير بما يَحْدُث بعْده؛ ألا تَرَى أنه لو قَطَع طرَفَه؛ وجاء آخَرُ، وَحَزَّ رقبته يجب على الأولِ قِصاصُ الطَّرَف، ولو جاء آخر، وقطع طرفاً آخر خطأ، ومات منْهما، يجب على الأول قصاصُ الطَّرَف، وإن لم يجبْ عليهما قصاص النَّفْس، وإذا قلْنا بالأصح، فلفظ "المختصر": أن لوليه المسْلِم أن يقتص، واعترض المزنيُّ بأن قريبه المسْلِمَ لا يأخُذُ ماله، وأن المرتدَّ لا يُورَثُ، فكيف يقتص عنه بل الوجْهُ أن يستوفيه الإِمام، واختلف الأصحاب في المُسْتَوْفِي، فقال قائلون: مستوفيه الإمامُ كما قاله المزنيُّ، وصوبوه في الحكم والتوجيه، وغلطوه في فهم كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الاعتراض، وقالوا: أراد الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- بالوليِّ الإمامَ، وذَكَرَ عَلَى هذا أن القول بأن السلْطَانَ يستَوْفِيه مبنيٌّ على أصح القولَيْن في أنَّ مَنْ قُتِلَ ولا وارِثَ له يَستَوْفِي قِصَاصَهُ السلطانُ، كما مر في "اللقيط"؛ فإن المرتدَّ لا وارث له [يستوفي قصاصه السلطان] قال آخرون يستوفيه قريبُهُ الذي كان يرثه لولا الردَّة؛ لأن القصاص للتشفِّي ودرك الغَيْظ، وذلك يتعلَّق بالقريب دون الإِمام، وأجابوا عن فَصْل المالِ بأنه يجوز أن يَسْتَوْفِي القصاصَ غَيْرُ مَنْ يأخذ المال، إذا آل الأمر إلى المال، ألا تَرى أنه إذا قُتِل مديون يقتص وارثه وإذا عفا، أخَذَ الغرماءُ المالَ، وعن تأويل النَّص بأنه لو أرادَ الإِمام، لم يَحْتَجْ إلى لَفْظ المُعْلِم، ولم يَحْسُنَ موْقِعُه، وبأنه قال في "الأم": "يقتص منه أولياؤه" بلفظ الجمع والإمامُ واحدٌ، وربما حَكَى "ورثَتَهُ" صريحاً، وهذا أظهر في المذهب والآخذون به أكثر، لكن الإِمام اسْتَبْعَدَهُ مِنْ جهة المَعْنَى، ولم يتهيَّأْ له، ما انفصلوا به عن قَصْد المال، وادعى القاضِي ابن كج أنَّ الأكثرين عَلَى أنه يستوفيه الإِمام كما قال المُزَنِيُّ، وأبو سعيد الإصطخريُّ وحْده ذهب إلى أنه يستوفيه القَرِيبُ، ثم إذا قلْنا: يستوفيه القريبُ، فلو كان صغيراً أو مجنوناً، يُوقَفُ إلى أن يبْلُغَ أو يُفِيقَ فيستَوْفي.
المسألة الثانية: لو كانت الجراحةُ من جنس ما يُوجِب المالَ دُون القصاص كالجائفة والهاشمة أو من جنس ما يُوجِبُ القِصاصَ، وقلْنا: لا يجب القصاصُ أو عفا عنْه، فهل يجِب لها المالُ؟ فيه وجهان، ويقال قولان: أحدهما: لا، وبه قال أبو الطيِّب بن سلمة؛ لأن الجراحة إذا سَرَتْ، صارَتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 191

قتلاً، وصارت الأطراف تابعة للنفس، والنفس مهْدَرةٌ، فكذلك ما يتبَعُها.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه وجب بالجناية أرْشٌ، والرِّدَّةُ تمنع وجوبَ شَيْءٍ بعدها، ولا يسقط ما وَجَب قبْلها، وهذا كما لو قَطَع طَرَف رَجُل، وقتل الرجل نَفْسَه، فإنه لا يَسْقُطُ ضمان الطرف، وإذا قلْنا بالأصح، ففيما يجب وجهان.
أصحُّهما: ويحكى عن النصِّ: أنه يجب أقَلُّ الأمرين من الأرْشِ الذي تقتضيه الجراحة ودية النفس، فإن كان الأرش أقلَّ كالجائفة وقطع اليدِ الواحدةِ، لم يزد بالسراية في الردة، وإن كانت ديَةُ النفس أقلَّ، كما إذا قَطَع يَدَيْهِ ورجْلَيهِ، فارتدَّ، ومات، فلو ماتَ بالسِّراية مُسْلماً، لم يجب أكثر منها، فإذا مات مرتدّاً، فأَولَى أن لا يجب أكْثَرُ منْها.
والثاني: وبه قال الإصطخريُّ: أن الواجب أرْشُ الجراحات بالغاً ما بلغ، فيجب فيما إذا قطع يدَيْه ورجلَيْه وديتان؛ لأن الأُرُوشَ إنَّما تنْدَرج في الدية، إذا وجَب ضمانُ النَّفْسِ بتلْك الجراحة، والنفسُ هاهنا تلفَتْ مهدَرَةً، فلو أدرجنا لأهْدَرْنا فجُعِلت الردة قاطعةً للإدراجِ، قائمةً مَقَام الاندمالِ، وعلى كل حال، فالواجبُ فَيْءٌ لا يأخذ القريب منه شيئاً.
هذا، إذا طرأت الردةُ بَعْد الجَرْح، فلو طرأتْ بعْد الرمْي، وقبل الإصابة، لم يجبْ شَيْء؛ لأنَّه مرتدٌّ حين تأثَّر بالجناية وعند أبي حنيفة: يجب الضمان اعتباراً بحالة الرمْي، واحتج الأصحاب بأن اعتبار وقْتِ الإصابة أولَى؛ لأنها وقْت اتصال الجناية بالمجني عليه ولذا لو رمى صحيح، فَشَلَّتْ يَدُهُ قبل الإصابة، تجب قيمته حالَ الإصابة، وقد ذكَرْنا فيما إذا رمَى إلى مرتَدٍّ، فأسْلَم قبْل الإصابة وجْهاً: أنه يعتبر وقْتُ الرمْي، فيمكن أن يُقَدَّر مثله هاهنا، كما قال أبو حنيفة، ولم يذكروه.
وقوله في الكتاب: "فليس علَيْهِ إلا أرْشُ الجناية؛ لأن السرايا مهْدَرَةٌ" الغَرَضُ مِنْ تمهيده أن السراية لا شَيْءَ فيها بحالٍ، ولو وجب فيها شيْءٌ، لكان الواجِب ما يختصُّ بالجراحة، ثم الكلامُ في واجبها قصاصًا وأرْشًا يفصل ويُمْكِنُ أن يُعْلَم قوله: "إلا أرش الجناية" بالواو؛ للوجه الذي ذكَرْنا؛ أنه لا يجب شيْء من المال أصلاً، وهذا الوجْه هو الذي تعرَّض له في الكتاب آخراً، لكنَّه من جهة النَّظْم مخصوصٌ بما إذا قَطَع يدَيْه ورجْلَيْه.
وقوله: "ولوليه المُسْلِم القصاص" أي في الطَّرَف المقطوع، وأردْنا بالوليِّ المُسْلم القريبَ على ما هو الأظْهَر مَمَّا فُسَّرَ به لفْظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- ويجوز أن تعْلَمَ هذه اللفظة بالواو؛ لأنَّا إذا قلْنا: لا قصاص، لا يكون للقَريب القصاصُ، ولا يكون الإِمام أوْلَى به، والوجهانِ في الكتاب مُفَرَّعان على وجُوبِ القِصاصِ.
فَرْعٌ: قَطَعَ يَدَهُ ثم ارتدَّ المَقْطُوعُ، واندمَلَ الجُرْح، فله قصاص اليَدِ، فإنْ مات قبل أن يقتصَّ، واقتص وليه، ومَنْ الوليُّ؟ فيه الاختلافُ المذكورُ، فإن كانَتِ الجنايةُ ممَّا توجب المال، قال في "التهذيب" إن قلنا إن ملْكهُ باقٍ أخَذَه، وإن قلْنا: إنه زائلٌ،

الجزء: 10 - الصفحة: 192

وقف، فإن عاد إلى الإِسلام أخَذَهُ، وإلا أخذه الإمَامُ.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الحَالَةُ الثَّالِثَة لَوْ تَخَلَّلَ المُهْدِرُ بَيْنَ الجُرْحِ وَالمَوْتِ

كَمَا لَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَفِي القِصَاصِ قَوْلاَنِ إِنْ قَرُبَ الزَّمَانُ لمُقَارَنَةَ الإهْدَارِ بَعْضَ أَجْزَاءِ السَّبَبِ، وَإنْ طَالَ الزَّمَانُ فَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ فَفِي حَالَةِ الإِسْلاَمِ إِذ الجِرَاحَةُ تَسْرِي فِي الرِّدَّةِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا القِصَاصَ وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ إِنْ كَانَ خَطَأَ، وَقِيلَ: ثُلُثُ الدِّيَةِ تَوْزِيعاً عَلَى الأَحْوَالِ الثَّلاَثِ، وَقِيلَ: نِصْفُ الدِّيَةِ تَوْزِيعاً عَلَى العِصْمَةِ وَالإِهْدَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو تخلَّل المُهْدِر، إذا جرح مسلم مسلماً، فارتد المجْرُوح، ثم عاد إلى الإِسلام، ومات بالسراية، وجَبَتِ الكفَّارة، والنصُّ في "المختصر" و"الأم" أنه لا يجب القِصَاصُ، وفيما إذا جرح ذميٌّ ذميّاً أو مستأمَناً، فنقض المجروح العَهْدَ، والتحق بدار الحرب، ثم جدد العَهْد، ومات بالسراية عن رواية الصيدلانيِّ وغيره: أن النصَّ أنه يجب القصاص، وحكى القاضي ابن كج والامامُ فيهما طريقَيْن عن الأصحاب.
أصحُّهما: أن في الصورتَيْن قولَيْن، وكذلك نقل الأكْثَرُون عن "الأمِّ" النصَّ على القولين في صورة نقْض العهد: أحدهما: يجب القصاص؛ لأنه مضمونٌ بالقصاص في حالَتَي الجرح والموْت، ولا نَظَر إلى ما يتخلَّلُها.
والثاني: لا يجب؛ لأنه انتهَى إلَى حالةٍ لو ماتَ فيها، لم يجِبِ القِصاص، فصار ذلك شبْهةً دارئةً للقصاص.
والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالَيْن؛ حيث قال: "لا يجب القصاص" فذلك إذا طالت مدة الإهدار، بحيث يظهر أثر السراية، ويُجْعَل له وقْعٌ واعتبارٌ، وحيث قال: "يجب" فذاك إذا قصرت المدة بحيث لا تجعل للسراية فيها اعتبار، وَوَقْعٌ، وإذا قلْنا بطريقة القولَيْن، ففي موضعها طريقان: أحدهما: تخصيصهما ما إذا قصرت المدَّة، فإن طالَتْ، لم يجِب القصاصُ بلا خلاف؛ لأن القصاص يتعلق بالسراية والجناية معاً، أَلاَ ترى أنَّه لو جرح مُسْلماً، فارتد أو مرتدّاً فأسْلَم، لا يجب القصاصُ، وإذا حصَلَتِ السرايةُ المُؤثِّرة في زَمَان الإهْدَار، كان كما لو جرح جراحةً في الإِسلام، وأُخْرَى في الردَّة، وصورة القولَينْ في نقْض العهد عند هؤلاء ما إذا كان في جوار، دَارِ الحرْبِ فالتحق بها، وعاد، وجدَّد العهْد في زمانٍ خفيفٍ.
والثاني: طرْد القولين في الحالتين، حكاه القاضي ابن كج عن ابن سُرَيْج وابن

الجزء: 10 - الصفحة: 193

سلمة وابن الوكيل، والأصَحُّ من الطريقتين عنْد المُعْظَم تخْصِيص القولَيْن، بما إذا قَصُرت المدَّةُ، والراجح من القولَيْنِ عند صاحب "المهذب" قول الوجوب، وعند الشيخ أبي حامِدٍ والإمام وغيرهما قول المنْعِ، هذا حكْم القصاص، وأما الدِّيَة ففيها قولانِ وثالث مخرج عن ابن سُرَيْج، وقد يعبر عنْها بالوجوه.
أصحها عند أكثرهم: أنه يجب كمالُ الدية؛ لوقوع الجرح والمَوْت في حال العصْمة؛ ولأن في الدية يُنْظَر إِلى آخر الأمر.
وأصحُّهما: عند صاحب "التهذيب"، وجوب النصف توزيعاً على العصمة والإهدار، ويجعل حالة العصمةِ حالةً واحدةً، كما لو جرح مسلماً فارتدَّ وجرح آخَرَ في الردة، ثم عاد إلى الإِسلام، ومات يَجِبُ على الأول نصْفُ الدية، وهذان القولان كقولين نُقِلا عن الإِمام 72 فيما إذا قَطَع مسْلِمٌ يدَ مسلم خطأً، وارتدَّ القاطع، ثم عاد إلى الإِسلام، ومات المقْطُوع بالسراية، أن العاقلة تَحْمِلُ كُلَّ الديةِ أو نصْفَها، والنِّصْفَ في مال القاطع.
والثالث: منسوبٌ إلى ابن سُرَيْجٍ أنَّه يجب ثُلُثَا الديةِ توزيعاً على الأحوال الثلاثِ حالَتَي العصمة وحالة الإهدار، وعن القاضي الطبريّ قول محوَّج: أن الواجبَ أرْشُ الجراحة لا غير؛ لأن الردة تقطع تأثير السراية، فتقرر الأَرْش كالبرء.
نعم، لو زاد الأرْش على قدْر الدية، لم يجب إلا قدْر الدية، وحاصله إيجابُ أقلِّ الأمرين منْهما، ثم الكلام في موضع هذا الخلاف من وجْهَيْن: أحدهما: قال أكْثَرُهم: موْضع الخلاف ما إذا طالَتْ مدة الإهْدار، أما إذا قَصُرَتْ، فلا خلاف في وجوب كمال دية، وحكى الإِمام طريقةً طاردةً للخلاف في الحالَتَيْن.
والثاني: قال الإِمام [إن أوجبنا القِصَاصَ،] 73 فلو آل الأمرُ إلى المال، ففيه الوجوه، وهذا يُشْعِر بما إذا عفا عن القصاص، وقد يشير به إلى ما إذا كان الجُرْح خطَأً أيضاً، وكذا صوَّر صاحب الكتاب الخلافَ فيما إذا كان خطأً، تفريعاً على وجُوبِ القصاص، وفي "التهذيب" أنا إذا أوجبْنا القصاصَ، فعفا، وجب كمال الدية بلا خلاف، وإنما يجيءُ التفصيل والخلافُ في الدية إذا لم نُوجِب القصاص، وهذا أوجَهُ، ولْتَكُنْ كذلك صورة الخطأ، إذا قلْنا بوجوب القصاص في العَمْد، ولْيُعْلَم قوله في الكتاب: "ففي القصاص قولان" للطريقة المنزلة للنصين على الحالَتَيْن، فإنها لا تثبت الخلاف.
وقوله: "لمقارئة الإهدار بعض أجزاء السبب" يعني أن سببَ الهلاكِ الجراحةُ

الجزء: 10 - الصفحة: 194

والسراية شيئاً فشيئاً، فهذا قارن الإهدارُ بعْضَ أجزاء السَّبَب وأورث الشبهة، وليُحْمَلْ قوله: "فالصحيح السقوط" على الصحيح من الطريقَيْن على ما بيَّنّاه، ويقابله الطريق الطارد للقولَيْنِ في الحالَتَيْنِ.
فَرْعٌ: لو رمى إلى مسْلِم، فارتدَّ، وعاد إلى الإِسلام، ثم أصابه السهْم، فالمشهور أنه لا قِصَاص، وإنما يجبُ القصاص إذا وُجِدَ الإِسلامُ في طرفَي الرمي والإصابة، وفي المُدَّة المتوسِّطة بينهما، قال الإِمام: ويجيْء فيه قولٌ آخر؛ لأمرين: أحدهما: أن الشيخ أبا عليٍّ حكى قولاً فيما إذا رمَى سهماً إلى صيْدٍ وارتدَّ، وعاد إلى الإِسلام، ثم أصاب السهْمُ إنساناً؛ بأن الدية تُضْرَب على عاقلة المسلمين، ويكتفي بإسلامه في الطرفَيْن، والحكْمُ يَتحمَّل العقْل والقصاصَ يجريان مَجْرًى واحداً؛ لأنَّه معدول عن القصاص، فيحتاط فيه كما في القصاص.
والثاني: أنا ذكرناهما، إذا تخلَّل المُهْدِر بين الجُرْحَ والمَوْتَ قولاً إنه يجب القصاص مع أن الجراحة تؤثِّر وتُؤْلِم في حالة الإهدار، فصورة الرمْي أولَى بإثبات الخلاف.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الحالة الرابعة: طَرَيانُ مَا يُغَيِّرُ مقْدَارَ الدِّيَةِ

كَمَا لوْ جَرَحَ ذِمِّياً فَأسْلَمَ أَوْ عَبْداً فَأُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ وَالنَّظَرُ فِي القَدْرِ إِلَى حَالَةِ (ح) المَوْتِ، وَلَوْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَتَانِ مِنَ الأِبلِ فَعَتَقَ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ وَيُصْرفُ إِلَى السَّيِّدِ كَيْلاَ تَضِيعَ الجِنَايَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ فَعَتَقَ فَمَاتَ فَالمَصْرُوفُ إلَى السَّيِّدِ فِي قَوْلٍ أَقَلُّ (ح) الأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدَّيَةِ أَوْ كُلِّ القِيمَةِ، وَعِبَارَتهُ أَنَّ الوَاجِبَ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ ممَّا لَزِمَهُ آخِراً بِالجِنَايَةَ عَلَى المِلْكِ أوَّلاً أَوْ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ القِيمَةِ، وَفِي القَوْلِ الثَّاني يُصْرَفُ إِلَيْهِ أَقَلُّ (ح) الأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ القِيمَةِ، وَعِبَارَتُهُ أَنَّ المَصْرُوفَ إِلَيْهِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ مِمَّا لَزِمَهُ آخِراً بِالجِنَايَةِ عَلَى الملْكِ أَوَّلاً أَوْ مُجَرَّدُ أَرْشِ الجِنَايَة عَلَى المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طرأ ما يغير مقدار الدِّيَة، فالواجب القَدْر، الذي يقتضيه يَوْمَ المَوْت؛ لأَنَّ الضمانَ بَدَلُ التالف فيُنْظَر فيه إلَى حَال التَّلَف، وقَدْ يكونُ التغَيُّر من الأكثر إلَى الأقل، وقد يكْونُ بالعكْس، أما الأوَّل فكما لو جَنَى على نصرانيٍّ، فَتَمَجَّس، ثم مات، فإن قلْنا: يُقَرَّ النصرانيُّ إذا تمجَّس على التمجُّس، فعَلَى الجانِي ديةُ مجُوسِيٍّ؛ اعتباراً بالآخِرِ، فإن قلْنا: لا يُقَرُّ عليه، فهو كما لو ارْتدَّ المجْرُوحُ، ومات، فعلى أصحِّ الوجهين يجِبُ الأقل من أرْش الجناية على النصرانيِّ أو دية نفسه وعَلَى ما ذكره الإصطخريُّ: يجب الأرْش بالغاً ما بَلَغ، ولو جرحِ نصرانيٌّ نصرانيّاً، ونقض المجروح، العهْدَ، والْتَحَقَ بدارِ الحَرْب، ثم سبي واسْتُرِقَّ، ومات بالسراية، فلا قِصَاصَ في النَّفْس؛ لتَخلُّل حالة الإهْدَار؛ ولأن الحُرَّ لا يُقْتَل بالعَبْدِ، ويجب قصاص الطَّرَفِ، إنْ

الجزء: 10 - الصفحة: 195

كانَتِ الجراحةُ بقَطْعِ طَرَفٍ، وإنْ أراد المستحِقُّ المَالَ، ففيما يجب على الجاني قولان: أحدهما: أقلُّ الأمرين من أرْش جنايته حرّاً، وكمالُ قيمته عبداً؛ لأنه بالالتحاق بدار الحرب صار مهْدَرَاً، فأشْبَهَ ما إذا ارتدَّ المُسْلِم؛ وعلى هذا، فهو لورثته النصارى سواءٌ كانوا عنْدنا أو في دار الحَرْبِ، كذلك حكاه القاضيان ابن كج والرويانيُّ، وفيه قول آخِر: أنَّه يكون لبَيْتِ 74 المال.
وأصحُّهما: على ما قال في "التهذيب": أن الواجب قيمته بالغةً ما بلَغَت؛ اعتباراً بالمال بعْد كونه مضموناً وقْت الجناية، فعَلَى هذا إن كانَتِ القيمةُ والأرْشُ سواءً أو كانتِ القيمةُ أقلَّ، فالواجب للوارث، وإن كانتِ القيمةُ أكبَرَ فقَدْر الأرشِ للوارثِ، والباقي للسيِّد، ولو أن الذي ملكه أعتقه وماتَ حرّاً، فقولان في أن الواجب أقلُّ الأمرين منَ الأرض ودية حرٍّ ذميٍّ أو دية حرٍّ ذمي، وعلى القولَيْن فَالوَاجِبُ لورثته، ولو أسلم، وعَتَقَ، ومات، ففي القصاص قولان، وفي المال الواجِب قولان، أهُوَ ديةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ أو أقلُّ الأمرَيْنِ منَ الأرْشِ ودية حرٍّ مُسْلِمٍ، وعلى القولَيْن فهو لورثته المسلمين.
وأما بالعكس ما إذا جَرَحَ ذميّاً فأسْلَمَ أو عبْداً لغيره فعَتَقَ، ثم مات، نُظِر؛ إن ماتَ بعْد الاندمال، وجَبَ أرْش الجناية، وبكون الواجبُ في العَبْد للسيد، فلو كان قَدْ قطع يديه، أو فقأ عينيه، وجب كمال قيمته، ولا فَرْق بين أن يكون العِتْق قبل الاندمال أو بعده؛ لأن الجراحَةَ إذا اندمَلَتِ، استقرَّت وخرَجَتْ عن أن تكون جنايةً عَلَى النفس، فيُنْظَر إلى حال الجناية على الطَّرَف، وكان مملوكاً حينئذ، فيجب أرشها للسيد، وهو كمال القيمة، وهذا بناءً على الصحيح، وهو أنَّ جراحةَ العبْدِ مقدَّرةٌ، وفي كتاب القاضي ابن كج حكايةُ وجهٍ فيما إذا كان الاندمال بَعْد العتق: أن الواجبَ فيه ديةُ حُرٍّ اعتباراً بحال الاستقرار، والمشهور الأوَّل، وإن مات بالسراية، لم يَجِبْ قصاص النفْس، إذا كان جَارح الذمِّيِّ مسلماً، وجارحُ العَبْد حُرّاً؛ لأنه لم يَقْصِد بالجناية من يكافئه، وبجب فيه دية حُرٍّ مسلمٍ؛ لأنه كان مضموناً في الابتداء، وهو في الانتهاء حُرٌّ مسلِمٌ فوجب

الجزء: 10 - الصفحة: 196

بدله وعن أبي حنيفة أن العتْقَ يقطع السراية حتَّى لو قطع يدَ عَبْدٍ فعَتَق، ثم سرى القَطْع لم تجِبْ إلا ديةُ اليدِ، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونةٌ فتكون سرايتها مضمونةً، كما إذا جَنَى على ذميٍّ فأسْلَم، ثم مات، ولا فَرْق بين أن تكون القيمة أقلَّ من الدية أو أكثرَ حتى لو فقأ عيْنَ عبد تساوي قيمتُه مائتَيْن من الإبل أو قَطَعَ يدَيْه، لم يجب إلا قدْر مائة، ثم إن كانت الديَةُ مثل القيمة، أو أقَلَّ فالكُلُّ للسيد؛ لأنه قد استحَقَّ هذَا القَدْرَ بالجناية الواقعةِ في مِلْكه، وإن كانَتْ أكثر فالزيادةُ على القيمة للورثة؛ لأنها وجَبَتْ بسبب الحرية، وذهب المزنيُّ إلى أنه إذا كانَتِ القيمةُ أكثَرَ وجبَتْ بكمالها، وصُرِفَتْ إلى السَّيِّد؛ قال الإِمام كأنه يقول: لا سبيل إلى صرْف دية الحُرِّ إلى السيِّد، ولا سبيل إلى حرمانه، فالوجه أن يقطع أثر الحرية، ويصرف إليه أرْشُ ما جَرَى في الرق، وهذا كالوجْه الذي ذكرَه الإصطخريُّ فيما إذا قَطَع يديْ مسلمٍ ورجلَيْه، فارتدَّ وماتَ بالسراية أنَّه تجب ديتان، ولا يُنْظَر إلى السراية بعد الردَّة، وعن الشيخ أبي محمَّد أنَّ مَنْ سلك مسْلَك الإصطخريِّ هنالك، لا يبعد أن يوافق المزنيَّ هاهنا، وإذا قطَع إحدَى يدَيْ عبْدٍ أو فقأ إحْدَى عينيه، فعَتَق، ومات بالسراية، وأوجبْنَا كمال الدية ففيما للسَّيِّد قولان: أحدهما: أنه يُصْرَف إلَيْه أقلُّ الأمرين مِنْ كل الدية، أو كلُّ القيمة؛ لأن السراية حصَلَتْ بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حَيْث أوجَبْنا ديةَ النَّفْس، فلا بُدَّ من النظر إلَيْها في حقِّ السيد، فيقدَّر موته رقيقاً أو موته حرّاً، ويوجب للسيد أقلّ العِوَضَيْن، فإن كانتِ الديةُ أقلَّ، فليس على الجانِي غيرها، ومِنْ إعتاقِ السيِّد جاء النقصان؛ فإن كانت القيمة أقلَّ، فالزيادة وجبَتْ بسبب الحُرِّيَّة، فليس للسيِّد إلا قدْر القيمة الَّذي كانَ يأْخُذُه لو ماتَ رقيقاً.
وأصحُّهما: أن المصروف إليه أقلُّ الأمرين من كل الدية، ونصْف القيمة، وهوٍ أرْشُ الطَّرَف المقطوع في ملْكه لو انْدَمَلَتِ الجراحةُ؛ لأن السرايةَ لَمْ تحصل في الرِّقِّ حتى تُعْتبر في حقِّ السيد، فإنْ كان كلُّ الدية أقلَّ، فلا واجب غيره، وإن كانَتْ نصْف القيمة أقلَّ، فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه، وهذا القول الثاني هو المنصوصُ في المسألة، وعن صاحب التقريب، وأبي يعقوب الأبيوردي والقفَّال: أن الأول مخرَّج من صورة نوردها في الفصْل الثاني لهذا الفصل قد نص فيها على القولَيْن وفي تعليق بعْض المرورذيين نسبة القول الأول إلى القديم، والثاني: الأصحُّ إلى الجديد وعبروا عن القولَيْنِ بعبارتين تُخَرَّج عليهما الصورة المذكورةِ مِن بعْد، فقالوا: للسيد على القوْلِ الأول الأَقلُّ ممَّا يلزم الجانِي آخِراً بالجناية على المِلْك أولاً، ومن مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأصحُّ الأقلُّ مما يلزم الجانِيَ آخر بالجناية على الملْك أولاً، ومِنْ أرْش الجناية، لو وقعت، فلو قطَع أُصْبُع عَبْدٍ، فعتقه، ثم سرى فعلى الأوَّلِ: للسَّيِّد الأقلُّ من كمال الدية الذي يلزم آخراً، ومن كمال القيمة، وهو مثل نسبته من الدية، وعلى الأصحِّ

الجزء: 10 - الصفحة: 197

الأقلُّ مِنْ كمالِ الدية، وعشر القيمة وهو أرْش الجنَايَة.
وقوله في الكتاب: "والنظر في القدْر 75 إلى حالة الموت" ليعلم بالحاء؛ لما ذكرنا أن عبْده لا ينظر إذا عَتَق إلى حالة الموت، وإنَّما الواجبُ أرْشُ الجناية.
وقوله: "ولو فقأ عينيْ عبد قيمته مائتان من الإبل" هذا لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه-، وتصويره ولا يخفى أن عين الإبل لا تقويم بها وإنما التقويم بالنقد، وإنما المراد أن قيمته قدر ما يساوي مائتين من الإبل، وكذا قوله: "فعليه مائةً من الإبل" أي قدْرُها، وأما أن المأخوذ منه عين الإبل أو تؤخذ الدراهم، فسيأتي، وليُعْلَمْ بالزاي؛ لما بينا.
وقوله: "أقل الأمرين" في القولين يمكن أن يُعْلَمَا بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة المَصْروف إلى السَّيِّد أرْشُ الجناية في ملْكه لا الأقل من هذَيْن، ولا من هذين.
وقوله: "من كل الدية أو كل القيمة" الأغلب في لسان أهل الفقه في مثل هذا الموضع كلمة " [أو] ولو قلْتَ: مِنْ كل الدية، وكل القيمة بالواو: صَحَّ وكان أوضح، وكذا الخلاف الحال في قوله: "أن نصف القيمة، وكذا قوله في العبارتين المترجمتين حيث قال أو "مثل نسبه من القيمة أو مجرَّد أرش الجناية".
وقوله في العبارة الأولى "الواجب أقل الأمرين" أي للسيد، وهو مَعْنَى قوله في الأخرى "المصروف إلى السيد" فقد يُخْتَصَر، فيقال "المصروف إلى السيد في القول الأول الأقل من الواجب على الجاني، وما يناسبه من القيمة، وفي الثاني الأقلُّ من الواجب وأرش الجناية".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ جرَحَهُ وَجُلاَنِ آخَران فَعَلَى جَميعِهِمْ دِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَى الجَانِي فِي الرَّقِّ الثُّلُثُ، وَلِلْسَّيِّدِ فِي قَوْلٍ أَقَلُّ (ح) الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أوْ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ القِيمَةِ وَهُوَ ثُلُثُ القيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ القيِمَةِ وَهُوَ أَرْشُ جِنَايَةِ المِلْكِ، المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَادَ وَهُوَ فِي العِتْقِ وَجَرَحَ جُرْحاً ثَانِياً فَالوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَلَكِنْ بجِرَاحَتَيْنِ حِصَّةُ جِنَايَةِ الرِّقِّ نِصْفُهُ وَهُوَ السُّدُسُ فَالمَصْرُوفُ إِلَى السَّيِّدِ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ سُدُسُ القِيمَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ هُوَ الأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ نصْفُ القِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان تُقدَّم علَيْهِما أنه لو قطع يد عبد، فحتق، [ثم] جاء

الجزء: 10 - الصفحة: 198

آخر، وقطع يده الأخْرَى أو رجْلَه، فيُنْظَر؛ إن اندملتِ الجراحتانِ، فلا قصاص على الأول، إن كان حُرّاً، وعليه نصْفُ القيمة للسيِّد، وعلى الثانِي القصاصُ أو نصْفُ الديةِ للمقطُوع، وإن مات منهما، فلا قصاص على الأول، لا في النفس، ولا في الطَّرَف إذا كان حرّاً وأما الثاني، فللوارث أن يقتص في الطرف النفْسُ؛ لأن سقوطه عن الأوَّل كان لِمَعْنى يختصُّ به، وهو عَدَم الكفاءة.
والثاني: كُفْءٌ هو أشبه شريك الأبِ، وفيه طريقان آخران: أحدهما: أنه على القولَيْن في شريك السَّبُع.
والثاني: أنَّه لا قصاص عليه؛ لأنه مات مِنْ جُرْح صادَفَ رقاً وحرية، فأشْبَه ما إذا جرح مَنْ نصْفُه حرٌّ ونصْفُه رقيقٌ، ونسب القاضي ابن كج إلى أبي الطيِّب بن سَلمَةَ طريقة القولَيْن، والأكثرون نسَبُوا إليه الثاني، لماذا أوجبْنا القصاصَ، فلو عفا المستحقُّ، فعليه كمال الدية، وللسيِّد الأقلُّ من نِصْف الدية، ونصف القيمة على القولَيْن جميعًا؛ لأنه مات بجنايَتَيْن حصةُ كلِّ واحدةٍ مع سرايتها نصْفُ الدية، فيكون حقه فيما وجب عَلَى الأول، ولا حَقَّ له فيما يجب على الثانِي؛ لأن جنايته لم تكُنْ في ملكه، وإن اقتص الوارث مِنَ الثاني، بقي على الأول نصْفُ الدية، فإنْ كانَ قَدْرَ نصْفِ القيمةِ أو أقلَّ، أخَذَه السيد، وإن كان أكْثَر، فالزيادة للوارث، ولو قطع حُرٌّ يدَ عَبْدٍ، فعَتَقَ، ثم عاد، وقطع يده الأخْرَى، فمات منهما، فللوارث القصاص في الطرف الثاني دون الأول، ولا يجب عليه قصاص النفس؛ لأنه مات بجراحتين إحداهما موجِبَةٌ للقصاص، والأخرَى غير موجبة، وقد ذكرنا أنه لا قصاص في مثْل ذلك، وحكى القاضِي ابن كج وجهاً ضعيفاً: أنه يجب، إذا عفا المستحقُّ عن قصاص الطَّرَف، فعليهما الدية، وإن استوفاه، بقي على الجاني نصْفُ الدية، وحُكْمُ ما للسيد في الحالتين على ما ذكَرْنا فيما إذا كان القَاطِعُ غيره، ولو قطع أصبع عبْدٍ فعَتَق، ثم جاء آخر فقَطَع يده، ومات منهما، فعليهما الدية للسيد على أحد القولَيْن؛ الأقل من نصْفِ الدية، ونصْفِ القيمة، وعلى الأصحِّ الأقلُّ من نصْف الدية وعُشْر القيمة، فهذا ما نُقدِّمُه.
أما صورتا الكتاب، فإحداهما.
قَطَع إحدى يدَيْ عبْدٍ فعَتَقَ، ثم جرحه رجلانِ آخران بأن قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجلَهُ، ومات منهما، فلا قصاص على الأوَّل لا في النفس ولا في الطَّرَف، إذا كان حرّاً، وعلى الآخرين القصاصُ في الطَّرَف، وكذلك في النفس، وفيه خلاف ابن سلمة.
وأما الديةُ، فيجب موزَّعةً على الجُنَاة الثلاثة على كل واحدٍ ثلثها، ولا حقَّ للسيد فيما يجب على الآخرين، وإنما يتعلَّق حقُّه بما يجب على الجاني في الرِّقِّ، وفيما

الجزء: 10 - الصفحة: 199

يستحقه القولان، وهما منصوصٌ عليهما في هذه الصورة في "المختصر" فعلى القول الأول: للسيد أقلُّ الأمرين من ثُلُثِ الدية، وثُلُث القيمة، وهو مثل نسبته من القيمة، وعلى الثاني الأقلُّ من ثلث الدية، وأرْش الجناية في مِلْكِه وهو نصْف القيمة.
والثانية: الصورةُ بحالها، وعاد الجانِي في الرِّقِّ، وجرح بعد العتق جراحةً أخرَى، ومات بسراية الكل، فالدية موزَّعة عليهم [أثْلاثاً لما مَرَّ أَنا ننْظُر إلى عدَدِ الجارِحِينَ دون الجِرَاحَاتِ، والثلث الواجبُ على الذي جَنَى في الرِّقِّ واجبٌ بجنايتين؛ إحداهما: في الرق، والأخرى: في العتق، فتقابل الجناية الواقعةَ في الرقِّ سُدُس الدية، فللسيِّد على القوْل الأول الأقلُّ من سدُس الدية الواجب بالجناية في ملْكه ومثْل نسبته مِنَ القيمة، وهو سدُسُها، وعلى الثاني: الأقل من سُدُس الدية ونصْفُ القيمة، وهو أرْشُ الجناية الواقعة في المِلْك، ولو قَطَع يد عبد فعَتَق، فجرحه آخر جراحةً، وعاد الأوَّل وجرَحَه جراحةً أخْرَى، فعليهما الديةُ بالسوية، والنصْف الواجبُ عَلَى الأول وجَبَ بجنايتي [الرق] 76 والحرية، فحصة الجناية الأولَى رُبْع الدية، فللسيد في القول الأوَّل الأقلُّ منْ ربع الدية، وربع القيمة وعلى الثاني: الأقل من رُبْع الدية [ونصف القيمة] 77 وبه أجاب ابن الحدَّاد في هذه الصورة، وذكر القاضي أبو الطيِّب: أنه الصحيح، ولو جنى اثنان على عبْدٍ، فعَتَق، ثم جَنَى عليه ثالثٌ، ومات بالسراية، فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيِّد في القول الأول الأقلُّ من ثلُثَي الدية، وثُلُثَي القيمة، وفي الثاني: الأقلُّ من ثُلثَي الدية، وأرْشٍ جنايتي الرقِّ، ولو جنى ثلاثَةٌ في الرَّقَّ، وعتَقَ فجَنَى رابعٌ وماتَ منْهما، فعلَيْهم الدية أرباعاً وللسيِّد في القوْلِ الأوَّل الأقلُّ من ثلاثة أرباع الدية، وثلاثة أرباع القيمة، وفي الثَّانِي الأقلُّ مِنْ ثلاثةِ أرباع الدِّية، وأرْش الجنايات، ولو جَنَى اثنانِ في الرِّقِّ، وثلاثةٌ بعد ما عَتَقَ، فالديةُ عليهمَ أخماساً، وللسيِّد في القول الأول الأقل من خمسي الدية وخُمْسَي القيمة.
وفي الثَّانِي: الأقلُّ من خُمْسَي الدية، وأرش جنايتي الرق، ولو أوضَحَ عبْداً، فعَتَق، ثم قَطَع قاطعٌ يده، ومات منهما، فعليهما الدية، وللسيد على الأول أقلُّ الأمرين من نصْف الدية، ونصف القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من نصْفِ الدية، ونصف عشر القيمة، وهو أرش جناية الملْك، ولو أوضحَهُ فَعَتَق فجاء تسعة، فجرحوه، ومات من الجراحات كلِّها، فتوزَّع الدية عليهم أعشاراً، وللسيد على القوْل الأولِ: الأقلُّ من عشر الدية وعشر القيمة، وعلى الثاني، الأقلُّ من عشر الدية ونصْف عشر القيمة، وهو أرش المُوَضِّحَة، ولو جرحه الأول جرْحاً ثانياً مع التسعة، فالدِّية موزَّعةٌ عليهم كذلك، وللسيِّد الأقل من نصْف عُشر الدية، ونصف عشر القيمة على القولَيْن؛ لأنه لم يجب

الجزء: 10 - الصفحة: 200

بالجناية واقفة وسارية إلا نصْف عشر الضَّمان، وهكذا يتفق القولاَنِ إذا اتفَقَ قدْر الضمان على التقديرَيْن كما إذا جنَى خمسةٌ في الرِّقِّ وأرش جناياتهم نصْف القيمة، وخمسة بعد العتْق، فللسيِّد على القولَيْن، الأقلُّ من نصْف الدية ونصْف القيمة.
ولو جَنَى تسعة في الرقِّ وواحدٌ بعد العتق، ومات منهما، فللسيد على القوْل الأول: الأقلُّ من تسعة أعشار الدية، وتسعة أعشار القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من تسعةِ أعشار الديةِ، وأرش الجنايات، وإنْ كان أرشُ الجناياتِ تسعة أعشار القيمة اتَّفَقَ القوْلاَن، ولو قطع يدَيْ عبْدٍ، فعَتَق، وجرَحَه رجلانِ آخرانِ، ومات مِنَ الجراحات، فعليه الدية أثلاثاً وللسيِّد على القول الأول الأقلُّ من ثلث الدية، وثلث القيمة، وعلى الثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية وكل القيمة، وهو أرش الجناية في المِلْك، ولو كان قد قطع يدَيْه ورجلَيْه، فكذلك الجواب في "التهذيب"، ووَجْهُه أن الأطراف إذا صارَتْ نفْساً، لا تُضْمَن بأكثر من القيمة ولك أن تقول: كما أن الأطْراف لا تُضْمَن بأكثر من القيمة إذا صارت نفساً، فاليد الواحدة لا تُضْمَن بنصف القيمة، إذا صارتْ نفساً فكما أن نصْفَ القيمة يجعل أرْش اليد الواحدة يجوز أن يُجْعَل أرش اليدَيْنِ والرجلَيْنِ قيمتَيْنِ أَخذاً بتقديم عَدَم السِّرَاية.
ولو قطع حرٌّ يَدَ عبدٍ فعَتَقَ، فجاء آخر وحز رقبته، فقد أبطل الحَزَّ السراية، وعلى الأولِ نصْف القيمة للسيِّد، وعلى الثاني القصاصُ أو كمالُ الديةِ للوارث، ولو قطَع حرٌّ يَدَ عبْدٍ فعَتَق، فقطع آخر يده الأخرَى، ثم قُتل حزّاً فإما أن يقتله؛ ثالثٌ أو الأول أو الثاني، فإن قتله ثالثٌ، فقد بطَلت سراية القطعَيْن، وكأنَّهما اندملاَ، فعلى الأَوَّلِ نصْف القيمة للسيد، وعلى الثاني القصاص في الطرف أو نصْف الدية للوارث، وعلى الثالث القصاص في النفس أو كمال الدية، كان قتله الأوَّل، نُظِر؛ إن قتله بعد اندمال قطْعه، فعليه نصف القيمة للسيد، والقصاص في النَّفْس أو كمال الدية للوارث، وعلى الثاني: نصف الدية، وإن قتله قبل الاندمال، فعليه القصاص في النفْس، ثم إن قلْنا بظاهر المَذْهب، وهو أن بَدَلَ الطَّرَفِ يدْخُل في النفْس، فإن اقتص الوارثُ، سقَطَ حقُّ السيد، وان عفا، وجَبَ كمال الدية، وللسيِّد منْها أقلُّ الأمرين من نصْف الدية ونصف القيمة، على أحد القولَيْن، كما سبق، هذا هو الظَّاهر.
وقال القاضي الطبَرِيُّ: عندي يَسْقُط حقُّ السيِّد، كان عما مستحِقُّ القصاص؛ لأنه إذا سَقَط حكْم الطَّرَف، وصار الحُكْم للنفْس، كان المأخوذ بَدَل النفس المفوتة بعد زوال مِلْك السيد، وعلى قول ابن سُرَيْج والإصطخريِّ: أن بَدَل الطَّرَف لا يدْخل في النفس، ويكون للسيد عليه نصف القيمة، وللوارث القصاصُ في النفْس أو كمالُ الدية، كما لو قُتل بعْد الاندمال، كان قتله الثاني، بَطَلت سرايةُ الأول، فعلَى الأول نصْف القيمة للسيد.

الجزء: 10 - الصفحة: 201

والثاني: قَطَع طَرَف حُرٍّ ثم قتَلَه، فإن قتله بعْد الاندمال، فللوارث أن يقتص منه في الطرف والنفس، وله نصْف الدية لليد، وكمالُ الدية للنفس، فإن شاء استوفَى القصاص فيهما وإن شاء أخذ بدلهما، وإن شاء استوفَى في أحدهما وبدل الثاني، وإنْ قتله قبل الاندمال، فللوارث القصاص في النفس، بقطع اليد، وله دية النفس فَقَطْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ حَقُّ السَّيِّدِ فِي الدَّرَاهِم، وَالوَاجِبُ عَلَى الجَانِي الإِبِلُ وَالخيَرَةُ إِلَى الجَانِي، فَإنْ سَلَّمَ الإِبِلَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإنْ سَلَّمَ الدَّرَاهِمَ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ الامْتِنَاعُ لأنَّهُ حَقُّهُ، وَقِيلَ: الإِبِلُ هُوَ الوَاجِبُ لأَنَّهُ المُتَعَيِّنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرَفْت أن الواجبَ فيما إذا جنَى على عبد فعَتَق، وسَرَت الجناية إلى نفسه، إنما هو الدية، والدية الإبِلُ، فقال الأصحاب: تُؤْخَذُ الإبل، وتصرف إلى السيد حِصَّته على التفصيل الذي سَبَق من الإبل، وليس للوارث أن يقول: أسْتَوْفِي الإبل، وأدفع إليه ما يستحِقُّه من الدراهم أو الدنانير، فإنه إنما يستحِقُّ القيمة بحقِّ المِلْكِ، والقيمة الدراهم أو الدنانير؛ لأن ما يستحقه يستحقه من عين الدية التي هي الواجبة في الواقعة، وليست هي مرهونةً بحقه بخلاف الدَّيْن مع التركة، حيث يتمكَّن الوارث من إمساك التركة؛ لأن صاحب الدَّيْن لا يستحِقٌّ عينها، وليس للسيد أن يكلِّف الجاني تسليم الدراهم، ولو أتى الجاني بالدراهم، ففي إجبار السيد على القَبُول وجهان، ذكرهما الإِمام: أحدهما: المَنْع؛ لأن الواجب المتعيِّن الإبل، فله أن يقول [له]: سلم حقِّي إلَيَّ.
والثاني: يُجْبَر؛ لأن ما يجب له يَجِب بحَقِّ المِلْك، والواجب بحقِّ الملْك النقْدُ، فإذا أتى به، فقد أتَى بأصْل حقِّه وحاصلُ هَذا الوجّه تخيير الجاني بيْن تسليم الإبل وتسليم الدراهم، وهو أفقه وأغوص عنْد الإِمام، وإيراد الكتاب يُشْعِر بترجيحه أيضاً، ولو أَبرأ السيّد الجاني عمَّا يستحقه من الدية برئ، وليس للورثة المطالبة به.
فرع: رمَى إلى ذميِّ، فأسلم أو عبْد، فعَتَق قَبْلَ الإصابة فيجب دية حرٍّ مسلمٍ، ولا قصاص إذا كان الرامي حرّاً مسلماً، وكذا لو رمى ذميٌّ إلى ذميٍّ أو عبدٌ إلى عبدٍ، ثم أسلَمَ الذميُّ أو عَتَقَ قبل الإصابة، لا يجب القصاص؛ لأنه لا كفاءة عند الإصابة.
وقد يقال، على سبيل الترجمة عن مسائل الفصْل المذكور في تغير الحال بيْن الجرح والمَوْت وبين الرمي والاصابة: كلُّ جُرْحٍ ابتداؤه غيْرُ مضمون، لا ينقلب مضموناً بتغيُّر الحال في الانتهاء، وذلك كما إذا جرح مرتدّاً، فأسْلَم، وكلُّ جرح ابتداؤه مضمونٌ، وانتقل المجروحُ إلى حالة الإهْدار، لم يتعلَّق به إلا ضمان ذلك الجُرْحِ، وذلك كما إذا جرح مسلماً، فارتدَّ، وإن كان مضموناً في الحالتين، اعتبر في قَدْر

الجزء: 10 - الصفحة: 202

الضمان الانتهاءُ، وفي القصاص تعتبر الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك إذا تبدَّل الحال بين الرمْي والإصابة، اعتبر في القصاص الكفاءة في الطرفَيْن والواسطة، وكذلك يعتبر الطرفان والواسطة في تحمُّل العَقْل، على ما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: القِصَاصُ فِي الطَّرَفِ وَهُوَ فِي شَرْطِ القَطْع والقَاطِعِ وَالمَقْطُوعِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَرْطِ القَطْعِ وَالقَاتِلِ وَالمَقْتُولِ لاَ يُفَارِقُهُ (ح) فِي التَّفَاوُتِ فِي البَدَلِ، وَتُقْطَعُ (ح) يَدُ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَالعَبْدِ بِالحُرِّ، وَلاَ تُقْطَعُ السَّلِيمَةُ بِالشَّلاَّءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نِصْفاً مِنْ صَاحِبِهَا، وَالأَيْدي تُقْطَعُ (ح) بِاليَدِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الاِشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ القَطْعِ، وَإِنَّمَا تُفَارِقُ النَّفْسَ في أَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الأَجْسَام لاَ تُضْمَنُ بِالسِّرَايَةِ نَصّاً بِخِلاَفِ الرُّوحِ، وَفِيهِ تَخْرِيجٌ أَنَّهُ كَالرَّوحِ.
(الثَّانِي): أَنَّ الجِنَايَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِلضَّبْطِ حَتَّى يُسْتَوْفَى مِثْلُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّن في أوَّل الكتاب أن القوْل في القِصاص يتعلَّق بطرَفَيْن؛ الوجوب والاستيفاء، وأن القَوْل في الوجُوب في قِصَاص النفْس وقصاص الطَّرف، وقدْ حَصَل الفراغُ من النَّوْع الأوَّل، وأما النوعُ الثانِي، وهو قصاص الطَّرَف، فالوجوب فيه يتعلَّق أيضاً بثلاثة أركانٍ، كما في الأول، وهي القطعُ والقاطعُ والمقطُوعُ، وكما يعتبر في القتل أن يكون عمداً محضاً عدواناً، يعتبر في الطرف حتى لا يتعلَّق القصاص بالجراحات، وإبانةُ الأطراف، إذا وقَعَت خطأً أو على سبيل شِبْه العمْد، ومِنْ صور الخطأ أنْ يَقْصِد بالحَجَر جداراً، فيصيب رأْسَ إنسان، فيوضحه ومن صور شبْه العمد: أن يضرب رأْسَه بلطمة أو بحَجَر لايشج غالباً لغاية صِغَره، فيتورم الموضع ويتضح العَظْم، وقد يكون الضرب بالعَصَا الخفيفة، والحجر المحدَّد عمْداً في الشِّجَاج؛ لأنَّه يوضح غالباً، ويكون شبْه عَمْدٍ في النفس؛ لأنه لا يَقْتُل 78 غالباً ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولو أوضحه بما يوضح غالباً، ولا يقتل غالباً، فمات من تلْك الموضحة، فعن الشيخ أبي حامد: أنه يجب القصاصُ في الموضِّحة، ولو مات منها، لم يجب القصاص، واستبعده ابن الصبَّاغ وغيره؛ لأنه إذا كانت هذه الآلة، توضح في الغالب كانت كالحديدة 79، وفقأ العين بالأصبع عَمْدٌ؛ لأنها في العين تَعْمَلُ عَمَل السَّلاح.

الجزء: 10 - الصفحة: 203

وُيعْتَبَر في القاطِع أن يكون مكلَّفاً ملتزماً للأحكام، وفي المقْطُوع أن يكون معصوماً، كما ذكرنا في النفْس، ومن لا يقتل به الشَّخْص، لا يَقْطع طرفه بطرقه، ومن يقتل به الشخْص يقطع طرفه بطرقه، ولا يُشتَرطُ في قصاص الطَّرَف التساوِي في البَدَل، كما لا يشترط في قصاص النفس حتَّى تُقْطَع يدُ العبد بالعَبْد، والرَّجُل بالمرأة، وبالعكْس ويدُ الذميِّ بالمسلم دون العكس، والعبد بالحرِّ دون العكس.
وقال أبو حنيفة: إنما يجري قصاصُ الطَّرَف بين حُرَّيْن أو حُرَّتَيْنِ، ولا يَجْرِي بيْن العبْدِ والحُرِّ ولا بيْن العبْدَيْن، ولا بين الذكَر والأنثَى.
لنا: أن من قُتل بغيره، وجب أن يقطع طرفه بطرقه عند السلامة، كالحرين، ولا يرد على اللَّفْظ ما إذا قطَع صاحبُ اليد السليمة يداً شلاَّء أو ناقصةً بأصبع، حيث لا تقطع به، وإن كان لو قتله يُقْتَل به، والمعْنَى فيه أنَّ قِصَاص النَّفْس لصيانة الروح، وقد استويا في الروح، والشَّلل والنقصان لا يخلاَّن فيها، وقصاص الطرف لصيانة الأطراف، وقد تفاوتا في الطرف، وفرق فارقون بأن اليَد الشَّلاَّء ميتة، والحيُّ لا يُؤْخَذ بالميت، كما لا يُقْتَل الحيُّ بحَزِّ رقبة الميت، وذُكِرَ على هذا وجهان في أن اليد الشلاء من المذَكَّاة، هل تُؤْكَل، وضعَّف القاضي أبو الطيب وجماعةٌ هذا الفرْق، ومنَعُوا كوْنَ اليد الشلاء ميتة، وقالوا لو كان كذلك، لَتَغَيَّرت، ولكانت نجسة.
وكما يقتل الجماعة بالواحد، تقطع الأيدي باليد الواحدة، إذا اشتركوا في القطْع؛ بأن وضعوا السكِّين على اليد، وتحامَلُوا عليها دفعةً واحدةً حتى أبانوها، أو أبانوا بضربة واحدةٍ، اجتمعوا عليها، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تُقْطَع الأطرافُ بطَرَف واحد.
لنا: القياس على النفْس، ويخالف ما لو سرَق رجلانِ نصاباً واحداً، لا يجب القَطْع؛ لأن القطْع في السرقة حق الله تعالى، والحدود مجالُ المساهلات بخلاَف القصاصِ الذي هو حقُّ الآدميِّ ولذلك لو سرَقَ نصْفَ نصاب، ثم عاد، فكمل لا يُقْطَع، وهاهنا لو أبان اليد بدَفْعَتَيْن، يقطع.
ولو تميَّز فعْل الشركاء؛ بأن كان يقطع هذا من جانب، وهذا من جانبٍ، حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعْض اليد، وجاء الآخر فقطع الباقي وأبان، فَلاَ = أبي حامد في أول باب الجنايات يقتضي موافقة بحث ابن الصباح لا نقله عنه، وذكر بعض المتأخرين أنه ليس في كلام أبي حامد ما نقله عنه وأن الماوردي صرح بخلافه وقال هذا إذا مات في الحال من غير سراية كما في غرز الإبرة فإن مات بالسراية وجب القود وقد وضح أن الفتوى على وفق بحث ابن الصباغ.

الجزء: 10 - الصفحة: 204

قصاص على واحِدٍ منهما، ويجب على كلِّ واحدٍ منْهما الحكومةُ على ما يليقُ بجنايته، وينبغي أن يبْلُغ مجموع الحكومتين ديةَ اليد، وعن صاحب "التقريب" حكايةُ قول إنه يقطع من كل واحد منهما بقَدْر ما قَطَعَ إن أمكن 80 ضبْطُه، وذكر الإِمام: أن هذا مأخوذٌ من اختلاف يأتي -إن شاء الله تعالى- في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، وجْه الشَّبَه أن الموضحة يَجْري القصاص فيها كالإبانة، وقطْع بعْضِ اليدِ بعْض الإبانة كما أن المتلاحمة بعْض الموضحة، فليكُنْ حُكْمُه حكْم المتلاحمة، ثم فرق بينهما بأنَّ جلْدة الرأْس وما عليه من اللَّحْم، لا اختلاف في أجزائها، وليس فيها أعصابٌ وعروقٌ، فهي جداولُ الدم والعروقُ الرقيقة لا اعتباريها، فيتأتى رعايةُ القصاص ومعظم اليد تشمل على أعصاب ملْتَفَّة وعروق ساكنة وضارية، ويختلف وضعها في الأيدي، فلا يتأتى رعاية التماثل ولو جرا طرفي الحديدة جر المنشاد، فهذا عدَّهُ أكثرُهم منْ صور تمييز الفعْلَيْن، ومَثَّل به القاضي ابن كج صورةَ الاشْتراك المُوجِب للقصاص، ومحلُّ الإشكال ما ذكَر الإِمام أن الإمْرَار هكذا يُصَوَّر على وجهين.
أحدهما: أن يتعاونا في كل جَذْبَةٍ وإرْسَالَةٍ، فتكون من صور الاشتراك.
والثاني: أن يجذب كل واحد إلى جهة نفْسِهِ، ويفتر عن الإرسال في جهة صاحبه، فيكون البعضُ مقطوعَ هذا، والبعضُ مقطوعَ ذاك، ويكون الجواب على ما قاله الأكثرون، ولا يكاد يجيء فيه ما حكاه صاحب "التقريب" لتعذُّر الضَّبْط.
وقوله في الكتاب: "لا يفارقه في التفاوت في البدل" وقوله: "إذ يقطع" مُعْلَمان بالحاء؛ لما بيَّنَّا، وقوله: "ولا تُقْطَع السليمة بالشَّلاء" المقصد بذكر المسألة في هذا الموْضِعَ ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وإنما جَرَى ذكْره هنا؛ لأنها قد تَوَردُ على قوْلنا: إن مَنْ يقتل به الشَّخص يقطع طرفه على ما بين، وأراد بقوله: "لأنها ليست نصفاً من صاحبها" أنا وإن لم نراع التساوِيَ في البَدَل قدراً ولكن نراعي نسبة تساوي الطرفين إلى الجملَتَيْن، ويعتبر أن يكون طَرَفُ المقْطُوع نصْف جملته، إذا كان طَرَفُ القاطع نصْفَ

الجزء: 10 - الصفحة: 205

جملته، واليد الشلاء ليست نصفاً من صاحبها بخلاف اليد السليمة، فلِذَلك لم نقطع السليمةَ بها.
وقوله: "وإنما تفارق النفس في أمرين" لمّا تبين أن قصاص النفْس والطرَفِ لا يفترقان في اشتراط التَّسَاوِي في البَدَل، ولا في استيفاء العَدَد بالواحِد، أراد أن يبِّين ما يفترقان فيه، فذكر أنهما يفترقان في أمرَيْن.
أحدهما: أن قصاص النفْس يجبُ بسراية الجراحات، وفي الأجسام خلافٌ، وهذا معادٌ على القُرْب، ونشرحُه هناك، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وفيه تخريج" بالواو؛ لما سيأتي وقوله: "كالروح" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يجب القصاص بالسِّرَاية في الأجسام، كما هو النص.
والثاني: أن الجنايَة على ما دُونَ النَّفْس ينبغي أن تكون قابيلة للضَّبْط؛ ليمكن استيفاء مثله بلا زيادة ولا نقصان، فإن الروح مستبقاة، فلا بُدَّ من الاحتياط، ولك أن تقول قصاص النفْس والطَّرَف لا يفترقان في اشتراط ضبْط الجناية، لكن الجناية على النفْس مضبوطةٌ في نفْسها، والجناية على الأعضاء والأطْراف قدْ ينضبط، وقد [لا تنضبط و] 81 ذَكَر في "التهذيب" بدل الأمر الثاني شيئاً آخر؛ وهو أن محل الجناية لا يُراعَى في النفْس حتى لو قطع طَرَفَ إنسان، فمات، كان للوليِّ أن يحز رقبته، وفي الطرف يراعَى المَحَلُّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالجِنَايَاتُ ثلاَثٌ: جُرْحٌ وَإبَانَةُ طَرَفٍ وَإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ أَمَّا الجُرْحُ فَفِي المُوضِّحَةِ الَّتي تُوَضِّحُ العَظْمَ مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الجَبْهَةِ أَوِ الخَدِّ أَوْ قَصَبَةِ الأَنْفِ القِصَاصُ، وَلاَ قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الهَاشِمَةِ لِلعَظْمِ، أَوِ المُنَقِّلَةِ لَهُ، أَوِ الآمَّةِ البَالِغَةِ إِلَى أُمِّ الرَّأْسِ، أَوِ الدَّامِغَةِ الخَارِقَةِ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَلاَ فِيمَا قَبْلَ المُوَضِّحَةِ مِنَ الحَارِصَةِ الَّتِي تَشُقُّ الجِلْدَ، أَوِ الدَّامِيَةِ الَّتِي تُسِيلُ الدَّمَ، وَأمَّا البَاضِعَةُ الَّتِي بِخَرْقٍ يَبْضَعُ اللَّحْمَ أَوِ المُتَلاَحِمَةُ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ عُرْضاً بَالِغاً فَقَوْلاَنِ لِأَنَّ الضَّبْطَ مُمْكِنٌ عَلَى عُسْرٍ وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةَ، فَإذَا قَطَعَ نِصْفَ لَحْمِهِ إِلَى العَظْمِ قَطَعْنَا نِصْفَ اللَّحْمِ إِلَى العَظْمِ، فَإِنْ شَقَّ مَارِنَهُ أَوْ أُذُنَهُ فَقُوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ ضَبْطَهُ أَيْسَرُ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ كُوعِهِ فَقوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَجِبَ لِأنًّ العُرُوقَ وَالأعْصَابَ مُخْتَلِفَةُ الوَضْعِ فِيهِ، وَأمَّا المُوَضِّحَةُ عَلَى الصَّدْرِ وَسَائِرِ البَدَنِ فَلاَ تَتَقَدَّرُ دِيَتُهَا وَلَكِنْ يَجْرِي القِصَاصُ فِيهَا عَلَى أَقْيَس الوَجْهَيْنِ لإمْكانِ الضَّبْطِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 206

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناياتُ فيما دون النفْسِ ثلاثةُ أنواعٍ، جَرْحٌ يَشُقُّ، وقَطعٌ يُبين وإزَالَةُ مَنْفَعَةٍ بِلاَ شَقٍّ ولا إبَانَةٍ.
النوع الأوَّل: الجراحاتُ ويتعلَّق بها القصاص في الجمْلة قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ثم هي تنْقَسِم إلى واقعَةٍ في الرأْس والوجه وإلى غيرها، والتي تقَعُ في الرَّأْس والوَجْه تسمى الشِّجَاج، والمشْهُور منْها عَشَرَة.
أحدها: الحَارِصَة، فهي الَّتِي تشق الجلْدَ قليلاً نحْو الخَدْش، وتسمى الحَرْصَة أيضاً، يقال حَرَصَ القصَّاص الثوْبَ، إذا خدَشَه، وشَقَّه بالمُدُق وعن الأزهري: إذا قصره، ونحى عنه الدَرَنْ، كأنه قشره عنه، وقد يوجد في تفسير الحارصة أن لا يدمي المَوْضع، والثانية: الدامية، وهي التي تدمي موضِعَها مِنَ الشقِّ والخدْشِ، وذكر الإِمام وصاحب الكتاب في تفسيرها سَيلاَنَ الدَّمِ، وهو خلاف ما حُكِيَ عن لفْظِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- واشْتَهَرَ في اللغة، أما لفْظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فقد حكَى القاضي الرويانيُّ أنَّه قال: الدامية هي التي تدمى، ولا يقطر منْها شيْءٌ، وأما أهلْ اللغة، فقد ذكروا أن الدامية الَّتي يظهر دمها ولا يسيل، فإن سَالَ، فهي الدامعة بالعين المهملة من قولهم دمعت العين تدمع دمعاً.
والثالثة: الباضِعَة، وهي التي تبضع اللحْمَ بعْدَ الجلْد، أي تَقْطَعه، يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ وَبَضَعَه ومنه البضع والبضعة القِطْعَة.
والرابعة: المُتَلاَحِمَة، وهي التي تغوص في اللحْم وتغور، ولا تبلغ الجلْدة بين اللحم والعظم، وقد تُسمَّى اللاَّحِمَة.
الخامسة: السِّمْحَاقُ، وهي التي تبْلُغ تلك الجلْدةَ، ويقال لتلك الجلدة السِّمْحَاق، وكل جلدةٍ رقيقةِ فهِيَ سِمْحَاقٌ، وقد تسمَّى هذه الشَّجَّة ثم الملطي والملطاة واللاطئة.
السادسة: المُوَضِّحَةُ، وهي التي تخرق السِّمْحَاق وتوضِّح العظْمَ وتُبْدِي وضحة، والوَضَح الضوء والبياض.
السابعة: الهاشمةُ، وهي التي تهشم العظْم، أي تكسره، ويقال للنبات المتكسر: هَشِيم.
الثامنة: المُنَقِّلَة، وهي التي تُنَقِّل العظْمَ مِنْ موضع إلى موضع، ويقال: هي التي تكَسِّرُ وتُنَقِّل، ويقال: هى التي تكسر العظم، حتى يَخْرج منها فراش العظم، والفراشة كل عظْمٍ رقيق وفراش الرأس عظامٌ رقاقٌ تَلي القحف.
التاسعة: المأْمُومَةُ، وهي التي تبلغ أُمَّ الرأس، وهي خريطةُ الدماغ المحيطة به،

الجزء: 10 - الصفحة: 207

ويقال لها: الآمَّة أيضاً 82. العاشرة: الدَّامِغَة، وهي التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدِّمَاغ، وهي مذفَّفة، فهذه العشرة هي المشْهُورة.
وفي الكتاب ذِكْرُ جميعها سوى السِّمْحَاق، وتترتَّب هي على الترتيب المذكور، وعن "الأُمِّ" تقديمُ المتلاحمة على البَاضِعَة، وتفسير كلِّ ولدٍ بما سبق في تفسير الآخر، والمعنى لا يختلف، ويذكر في الشِّجَاج الجالفة، وعن إبراهيم الحربيِّ: أنها الأَوْلَى من الشِّجَاج، والحارصة تَليها، والأكثرون عكَسُوا، وقالوا: إنها تلي الحارصة، وهي التي تقشر الجلْد مع اللحم من قولهم: "جلفه الدهر" أي أتى على ماله واستأصله، وعلى هذا، فلا تخرج هي عن الشِّجَاج المذكورة؛ لأنها إن قطعت قليلاً من اللحْم، كانَتْ باضعةً وإن غاصت، كانت متلاحمةً، وإن استوعَبَتْه قطْعاً، فهي السِّمْحاق، أو ما بعدها، ويُذْكَر فيه الشجاج المفرشة هي التي تصاع العظم، أي تشقه ولا تكسره، وقد يقال: المقرشة بالقاف، والقاشرة، وهي الحارصة بعَيْنها، والدامعة على ما قدَّمناه، ويجوز أن يُضَاف إلى العشر الجالفة وتجعل بين الحارصة والدَّامية؛ لأنها أخْفَى من الحارصة، ولكن لا تدْمَى الموضِعُ منها، والدامعةُ، وهي بين الدامية والباضعة، والمفرشة وهي بيْن الموضِّحة والهاشمة ولذلك فعل صاحِبُ "المجمل" في جزء صنفه في الشجاج، وجميع هذه الشِّجَاج تُفْرَضُ في الجبهة، كما تفرض في الرأس، وكذلك يُتصوَّر ما سوى المأمومة والدامعة في الخدِّ وقصبة الأنف، واللحْي، الأَسْفل، إذا عرفْتَ ذلك، فيجب القصاصُ منْها في الموضِّحة لتيسير ضبطها واستيفاء مثلها، ولا قصاصَ فيما بعد الموضِّحة: من الهاشمة والمنقلة والمأمومة؛ لأنه لا يُؤْمَنُ الزيادة والنُّقْصَان في طُول الجراحة وعَرْضِها، ولا يوثق باستيفاء المثل؛ ولذلك لا نُوجِب القصاصَ في كسْر العظامِ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وأمَّا ما قبلها، فظاهِرُ لفْظِ "المختصر" وجوبُ القصاصِ في الباضِعة والمتلاحمة، والنَّصُّ في رواية الربيع وحَرْمَلة منْعُه، واختلف الأصحابُ فيهما على طريقين أقربهما إثبات قولَيْنِ في المسألة.
وجه المنع: أنه لا يُمْكِن رعايةُ المماثلة، فإنَّا لو ذهبْنا نَقْطَع من الشاجِّ بقدر ما قطع من المشجوج لم تأَمَنْ أن نوضِّح من مقابلة المتلاحِمَة؛ لغلظ جلْد المَشْجُوج، وكثرة لحمه، ورقة جلد الشاجِّ وقلة لحمه، ولو راعَيْنا نسبة المقْطُوع إلى جملة سُمْك الجلد واللَّحْم حاولنا أن نعرف أنه النصْف أو الثلث، ولم نتمكِّن من معرفته، واللَّحْم باقٍ بعضه والعظم مستترٌ به.

الجزء: 10 - الصفحة: 208

ووجه الوجوبِ: إمكان الوقوفِ على نسبه المقْطُوع إلى الجُمْلةِ، وصَوَّر الشَّيْخ أبو حامِدٍ ذلك فيما إذا كاَن عَلَى رأسِ كلِّ واحدٍ من الشاجِّ والمشجوج موضِّحَةٌ قريبةٌ من موضع الشجة، فيُنْظر في موضِّحة المشجوج ونقيس بها الشجة التي نريد القصاصَ فيها، أهِيَ نصفها أو ثلثها، فإذا عَرَفْنا ذلك نَظَرْنا في موضِّحَةِ الشاجِّ، واستوفَيْنا مثْل نصْفها أو ثلثها.
قال الإِمام: ويمكِنْ ذلك إذا كانت الموضِّحتان طريَّتَيْنِ أما إذا عتقتا وأخذنا في الالتأم، لم يتأتَّ الضبط، ثم اختلف المثبتون للقولَيْن؛ فخصَّص أكثرهم قول الوجوب بالتصوير الذي صوَّره أبو حامد، ولم يذكروا فيما إذا لم يُمْكِن الضبط؛ أنه يقتص في القَدْر المستيقَنِ، كما قالوا: إنه يعتبر أَرْش ما دون الموضِّحة من الشجاج بالموضِّحة، ويُقدَّر بها إذا كانت هناك موضِّحة، وعند الشكِّ، يجب القدْر المستيقَنُ وذكر الإِمام في القصاص مثل ذلك، فقال: إذا لم يُمْكِن معرفة النسبة أجرَيْنا القصاصَ في القدْر المستيقَنِ، وكفَفْنا عن محلِّ الإشكال، وهذا ذَهَاب إلى تعميم القولَيْن، وقد حكاه أبو بكر الطوسيُّ عن بعض الأصحاب، ثم الأظْهَر من القولَيْن عند الأكثرين أنَّه لا قصاص، وعن اختيار القفَّال والشيخ أبي محمَّد وجوبُه عند الإمكان.
والطريق الثاني: امتنع كثير من الأصحاب من إثبات القولَيْن ثم تحزَّبوا، فقطعَ قاطِعُونَ بأنَّه لا يجبُ القصاص ونَسَبُوا المزنيَّ إلى السَّهْو، وعن الماسرجسي أنه كان الشافعيَّ -رضي الله عنه- يُعَلِّق القول في المسألة، ويقول بوجوب القصاص، إن أمكن، ثم بأن له أنه لا إمكانَ، فقَطَع القول بالمنع، وفيما علِّق عن أبي بكر الطوسيِّ أن بعض الأصحاب ترك النصَّيْن على حالَتَي الإمكان وعدمه والخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة جَارٍ في السِّمْحَاق، وكذلك ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ وغيرهما، ولِجَازِم أن يجزمَ بالوجُوب، إن كانَتِ الجلدة بين اللحم والعَظْم المسمَّاة بالسِّمْحَاق متميزةّ، يَقِفُ أهل الخبرة عليها، ويمكن إنهاء القطع إليها بلا مجاوزةٍ كما في الموضِّحة، وحكى الإِمام في الحَارِصَةِ القَطْع 83 بأنه لا قصاص؛ لأنه لا وقع لها، ولا يفُوتُ بها شيْء، وأن الشيخ أبا محمَّد تردَّد في الدامية، وأن مَيْل القفَّال إلى تنزيلها منزِلةَ الحارصة، وفي وجوب القصاص يُقْطَعُ بعض المارن والأذن من غير إبانة، اختلافُه قول رُتِّب على الخلاف في الباضعة والمتلاحمة، والظاهرُ الوجوبُ، لإحاطة الهواء بهما وإمكان الاطلاع عليهما من الجانبيْن، ويُقدَّر المقطوعُ بالجزئية كالثلُث والنصْف، ويستوفَى من الجاني مثلُه، ولا يُنْظر إلى مساحة المقطوع، وقد تختلِف الأذنان صغراً وكبراً، ولو قطع بعْضَ الكُوع أو مفْصَل الساق والقَدَم، ولم يبين، فقد حُكِيَ فيه قولان

الجزء: 10 - الصفحة: 209

مرتَّبان، وهو أولَى بعدم وجوب القصاص، وهو الظاهر؛ لأنَّها مجمع العروق ؤالأعصاب وهي مختلفة الوضع، تسَفُّلاً وتصعُّداً، وقد يؤثر في أوضاعها العبالة والنحافة، فلا يوثق باستيفاء المِثْل بخلاف المارن والأذن، فإنَّهما من جنْسٍ واحدٍ.
هذا حكم القصاص في الشِّجَاج.
والقول فيما يجب فيها مِنْ أرْشٍ أو حكومةٍ سيأتي- إن شاء الله تعالى- فى "الديات"، وأما الجراحات على سائر البدن، فما لا قصاص فيه، إذا كان على الرأْس والوجْه، لا قصاصَ فيه إذا كان علَى غيرهما، وأما الموضِّحة التي فيها القصاص، إذا وقَع مثلُها في سائر البدن، كما إذا أوضحت الجراحةُ عظْمَ الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع، ففي وجوب القصاص وجهان: أحدهما: لا يجب، كما لا يجب فيه أرْشٌ مقدَّر وهذا؛ لأن الخَطَر في الجراحة على الرأْس والوجْه أعظمُ والشِّيْن الحاصل بهما أقبح.
وأصحُّهما: الوجوب لتيسر استيفاء المثل، وهذا ظاهر النصِّ، ولا يعتبر القصاص بالأَرْش؛ ألا ترى أن الإِصبع الزائدة تقتص بمثْلِها، وليس لها أرْشٌ مُقدَّرٌ، وكذلك الساعدُ بلا كفٍّ وعلى عكسه الجائفة لها أرش مقدَّر، ولا قصاص فيها، وإذا اختصرت، وأجيبت في الجراحات بما هُوَ الظَّاهر، قُلْت: يجب القصاصُ في الجراحة عَلَى أيِّ موْضِعٍ كانَتْ بشرط أن تنتهي إلى العَظْم ولا تكسره، وأما لفظ الكتاب، فقوله: "ففي الموضِّحة التي توضِّح العظْمَ إلى آخره ليس الغرض من قوله: "التي توضِّح العَظْمَ تقييد الموضحة أو وصفها وهي التي كذا وكذا وكذا، الحال فيما ذكر في الآمة" والدامعة وفي الحارصة والدَّامية.
وقوله: "مِنَ الهاشِمة للعَظْم أو المنقِّلة أو الآمَّة" لو أدخل فيها "الواو" بدل "أو" لحصل الغَرَض.
وقوله: "أو الدَّامغَةُ الخَارِقَةُ لِخَرِيطَةِ الدِّمَاغ" يعني لا قصاص في عينها، ويتعلَّق بها قصاص النفْس أو كمال الدية؛ لما ذكرنا أنها منفعة ويجوز أن يُعْلَم قوله: "أو الدامية" بالواو لما حكينا من تردُّد الشيخ أبي محمَّد.
وقوله: "التي تسيل الدم" أيضاً لما مر أنَّهم شرَطُوا في الدامية أَلاَّ يسيلَ الدمُ، وقوله في الباضعة والمتلاحمة "فقولان"، يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للطريقة القاطعة بالمَنْع، والمنزلة للنص على الحَالَتَيْنِ.
وقوله: "فإذَا قطَع نصْفَ لحمه إلى العَظْم، قطَعْنا نصف اللحم إلى العظم" يعني إذا كان [على رأس] 84 كل واحد من الشَّاجِّ والمشجوج موضِّحة يتيسَّر معْرفة النسبة

الجزء: 10 - الصفحة: 210

بهما، إن خصَّصنا القولين بتلْك الصورة، وإن عمَّمنا هنا، وهو قضية لفْظ الكتاب، فيمكن أن يقال: يُرَاجَع أهل الخبرة، لِيَنْظُروا في المقْطُوع، والباقي ويَحْكُموا بأنه نصْف أو ثلث بالاجتهاد بعْد غمر رأس الشاج والمشجوج، ويحكمون عند القصاص أيضاً، ويُعْمَلُ بموجبِ اجتهادِهم، فإن شكُّوا في أن المقْطُوع نصْفٌ أو ثلثٌ أخذْنا باليقين، وهذا شيْء كان يعرض.
في الخاطر مدَّةً ثم رأيته مسْطُوراً في "أمالي" الشيخ أبي الفرج الزاز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَطْرَافُ فَيَجِبُ القِصَاصُ فِي جَمِيعِ المَفَاصِلِّ إِلاَّ في أَصْلِ الْمَنْكِبِ وَالفَخِذِ إِذَا لَمْ يُمَكِنْ اِلاَّ بإجَافَةٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَجِبُ لِأَنَّ أَصْلَ الإِجَافَةِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَفِي مَعْنَى المَفَاصِلِ أَبْعَاضُ المَارِنِ وَالأُذُنِ وَالأُنَثَيَيْنِ وَالذَّكَرِ والأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالشَّفْرَيْنِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّقْدِيرَ، وَلاَ قِصَاصَ فِي فَلْقَةِ مِنَ الفَخِذِ لِأَنَّ سُمْكَهُ لاَ يَنْضَبِط، وَالعَجْزُ بَيْنَ انْبِسَاطِ الفَخِذِ وَنُتُوءِ الذَّكَرِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وأما الأطْرَافُ فيجَب القصاصُ في الأطْراف على ما قَالَ الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خبر الربيع بنتَ النَّضِر المذكورة في أوَّل الكتاب: "كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ" والشرط أن يمكن رعاية المماثلة، ويُؤْمَن استيفاء الزيادة، وذلك بطريقين.
أحدهما: أن يكون للعضْو مفصلٌ توضَع الحديدة علَيْه، ويُبَان والمفصل موْضِع اتصال عُضْو بعضو 85 على منْقَطع عظمين برباطَاتٍ واصلة، وقد يكون ذلك على سبيل المُجَاورة المحْضَة، وقد يكون مِعَ دَخُول عضْوٍ في عضوٍ كما في المَرْفِق والرُّكْبَة، فمن المفاصل الأنامل والكُوع والمِرْفَق ومَفْصل القَدَم والركبة، وإذا وقع القطْع على بعضها اقتصَّ من الجاني.
قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيْخِي وجْهٌ بعيدٌ في المرفق والرُّكْبة، وكان سببه أنَّه لا يؤمن من الزيادة؛ لدُخول عَظْم في عَظْم، قال: وهذا أحسبه غلطاً من المُعلِّق، ومن المفاصل أصْل الفخذ والمَنْكِب، فإذا لم يجف الجاني، وأمكن القصاص من غَيْر إجافة اقتص، وإذا لم يمكن القصاص إلا بالإجافة، لم يقتص؛ لأن الجوائف لا تنضبط 86 ضيقاً وسعةً وتأثيراً ونكايةً؛ ولذلك لم يَجْرِ القصاصُ فيها هذا هو المشهور،

الجزء: 10 - الصفحة: 211

ولم يُفرِّقوا فيما إذا لم يُمْكِنِ القصاصُ إلا بالإجافة، بين أن يكون الجاني قد أجاف أو لم يُجِفْ.
وحكى الإمام وجْهاً أنه يجري القصاصُ إذا كان الجاني قد أجاف، وقال أهل البصر: يمكن أن يقطع العُضُو، ويجاف مثل تلْك الجائفة، ووجهه بأن الجائفة هاهنا تابعةٌ غير مقصودةٍ، وبأنه إذا كان المقْصُود إبانةَ اليد، لم يكن للحديدة عوَضٌ في الباطن، ولا يختلف التأثير والنكاية ونسب هذا الوجه إلى رواية الصيدلاني وغيره، والمشْهُور إلى الشيخ أبي محمَّد والتفصيل بين أن يمكن القصاص من غير إجافَةٍ، وبين أن لا يمكن بالإجافة منْهُم مَنْ أطلقه في القطع منْ أصْل المنكب أو الفخذ ومنهم من أطلق جَرَيَانَ القِصَاصِ، فيما إذا قطَعَ مِنْ أصْل الفخذ أو المنكب، وخصَّص التفصيل بما إذا قلع مع قطع اليد عَظْمَ المنكب الذي يقال لها "المشط" وهكذا فعل ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن يكون للعضْو حدٌّ مضبوطٌ ينقاد لآلة القطع والأبانة كالعين يَجِب في فَقْئها القصاص، ويجري القِصَاص في الأذن والجَفْن والمارن والشَّفَة واللسان والذَّكَر والأنثَيَيْنِ؛ لأن لها نهاياتٍ مضبوطةً، وإن لم يكنْ مفصلٌ منقطع عظم وفي اللسان وجه عن أبي إسحاق أنَّه لا قصاصَ، ونقل مثله عن أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بقَطْع غيره، وفي الشَّفَةِ وجه عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وفي الشَّفْرَيْن والألْيَتَيْنِ وجْهَان من الخلاف المذكور في الشَّفَة واللسان، لكن الخلاف فيهما أشهر وأظهر، والعراقيون كالشيخ أبي حامد ومن تابعه جَزَموا بأنَّه لا قصاص في الشُّفْرَيْنِ، وعن المزنيِّ المَنْع في الأليتين وادعى الأمام اتفاق الأصحابِ عَلَيْه في الدِّيَات، لكن الظاهر فيهما جميعاً على ما ذكره صاحب "التهذيب" والأئمة وجوب القصاص، وحكَى ذلك عن نصِّه في "الأم" في الشفتين والشُّفْرَيْنِ وبه قال القفَّال، ولا يجب القِصَاص في إطار الشفة [وهو المحيط بها] لأنه لشى له حَدٌّ مقدَّرٌ 87 والكلام في قدْر الشفتَيْن والشَّفْرَيْن والأليتين سيأتي في الديات -إن شاء الله تعالى-.
ولو قطع فلقةً من الأذن أو المارن أو الشفة واللسان أو الحَشَفة، [وأبانها] وجَبَ القصاص، ويكون الضبط بالجزئية، لا بالمساحة والمقدار، وعن أبي إسحاق المروزيِّ فيما حكاه صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لا يجبُ؛ لأنه لا تؤْمَنُ الزيادة والنقصان، ولا يتحقَّق النسبة بخلاف ما إذا استوعَبَ العضْو وهذا قريب من الخلاف فيما إذا قَطَع بعْض الأذن أو المارن ولم يبنه ولو قطع فلقة من الفخذ، فالجواب في الكتاب: أنه لا يجب

الجزء: 10 - الصفحة: 212

القصاصُ؛ لأن سُمْكَه لا ينضبط ويشبه أن يجْيءَ فيه الخلافُ المذكورُ في الباضعة والمتلاحمة، إذا أوجبْنا القصاصَ في إيضاح العَظْم على سائر البَدَن.
وقوله في الكتاب: "إلا في أصْل المَنْكِب والفَخِذ؛ إذ لا يُمْكِنُ إلا بإجافة" كذلك هو في بعض النسخ، وفي بعْضها "إذ لم يمكن إلا بإجافة"، وهو أحسن وأوفق؛ لما قدَّمناه.
وقوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن [إلى آخرها يجوز أن يكون معناه الأبعاض والأجزاء التي هي المَارِنُ والأُذُن، وكذا] 88 يجوز أن يُريدَ ما إذا قطع البعض من عُضْو من هذه الأعضاء وترتبط كل واحدة من الصورتين بالأخرى، فإنَّ ما يجري القصاصُ فيه من هذه الأعضاء يَجْرِي في بعْضه على الظاهر؛ لإمكان تقديره بالكُلِّ والمحمل الأول أوْلَى وألْيَق بسياق الكلام، والثاني أقْرَبُ إلَى لفظه في "الوسيط" فإنه قال على الأثر: ولا قصاص في فَلْقة من الفَخِذ، وإذا حمل على الثاني، فيجوز أن يُعْلَم قوله: "وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذن" للخلاف المنقول المذْكُور عن أبي إسحاق، وإن حُمِلَ على الأوَّل فيُعْلَم "الشفتان والشُّفْرَان" لا غير.
وقوله: "والعَجُزُ بين انبساط الفَخِذ ونُتُوِّ الذَّكَرِ" يعني أن العَجُز مِنْ حيث إنَّه منبسطٌ يشبه الفخِذَ، فلا يكون فيه قصاص، ومن حيث إنَّه ناتٍ بعض النتو يشبه الذَّكَر، فيجري فيه القصاص، فكان على وجهَيْن، وهذا حكاية الخلافِ الذي سَبَق في الألْيَة، ويُمْكن أن يريدَ ما إذا قَطَع فلقةٌ من العجز، وعلى التقديرين فتخصيصه بذِكْرِ الخلاف فيه كان سبَبُه ما قدَّمناه أن الخلاف في الألْيَة أظْهَرُ؛ ولذلك ذكر الإِمام الخلافَ في الألْيَة، ولم يَذْكُرْ في المارن وغيره.
فَرْعٌ: إذا قطع يد إنسان أو عضوا آخر، وبقي المقطوع متعلقاً بجلدة، وجب القصاص أو كمال الدية؛ لأنه قد بَطَل العضْو وفائدته، وأمكَنَ استيفاءُ مثل الجناية مِنَ الجانِي، ولا يَجِيْءُ فيه الخلافُ الذي سبَقَ فيما إذا قَطَع بعْض الكوع دون بعض، ثم إذا قطَعْنا يد الجاني حتى انتهى القَطْع إلى تلْك الجلدة فقد حصل الاقتصاص ويُراجَعَ [الجاني] أهلُ الخبرة في تلْك الجلدة، ويفعل ما فيه النَّظَر له من القَطْع والتَّرْك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ قِصَاصَ فِي كَسْرِ العِظَامِ لَكِنْ يُقْطَعُ (ح) أَقْرَبُ المَفْصَلِ إِلَيْهِ مَعَ حُكُومَةِ البَقِيَّةِ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مَعَ الهَشْمِ فَالقِصَاصُ (ح) في الْمُوَضِّحَةِ، وَالأَرْشُ فِي الهَشْمِ، وَلَوْ قَطَعَ مِنَ المِرْفَق لَمْ يَجُز لَهُ (و) القَطْعُ مِنَ الكُوعِ، وَلَوْ كَسرَ عَظْمَ العَضُدِ فَفِي القَطْعِ مِنَ الكُوعِ مَعَ تَرْكِ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ، وَإذَا سَقَطَ أَرْشُ السَّاعِدِ فَفِي أَرْشِ

الجزء: 10 - الصفحة: 213

بَقِيَّةِ العَضُدِ عِنْد عُدُولِهِ إلى الكُوعِ عُدْوَاناً وَجْهَانِ، وَلَوْ عَدَلَ إلى لَقْطِ الأَصَابعِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الكُوعِ لَمْ يَجُزْ لِتَعَدُّدِ الجِرَاحَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجري القصاصُ في كسْر العظَام؛ لأنه لا وثُوقَ فيه باستيفاء 89 المِثْل، ولكن للمجنيِّ عليه أن يقطع أقرب مَفْصِل إلى مَوْضِع الكسْر، ويأخذ الحكومةَ للباقي، وله أن يعفو ويعْدِل إلى المال، وعند أبي حنيفة لا يُجْمَع بين القطع والمال، فيسقط القصاص ويجب المال.
ولو أوضَحَ رأسَهُ مع الهشم، فله أن يقتص في الموضِّحة، ويأخذ للهَشْم ما بين أرْشِ الموضِّحة والهاشمة، وهو خَمْسٌ من الإبل ولو أَوْضَح ونقل فللمَجْنِيِّ عليه أن يقتصَّ في الموضِّحة، ويأخُذَ ما بين أرْش الموضِّحة والمُنَقِّلَة، وهو عَشْرٌ من الإبل، ولو أوضَحَ وأَمَّ، فله أن يُوضِّح، ويأخذَ ما بين أرشِ الموضِّحة والمأمومة، وهو ثمانية وعشرون [بعيراً] وثلُثٌ [بعير]، فإن في المأمون ثلُثَ الدية، وخلاف أبي حنيفة عائد في هذه الصور، ثم في الفصل صور: إحْدَاها: لو قطع يده من الكوع، فأراد المجنيُّ عليه أن يلقط أصابعه، لم يمكن؛ لأنَّه قَدَر على وضْع الحديدة على محَلِّ الجناية، ومهْما أمكَنَ رعايةُ المماثلة، لا يعدل عنها، فلو بادَرَ إليه، عزر ولا غُرْم عليه، [لأنه يستحق] 90 إتلاف الجملة، فلا يلزمه بإتلاف البَعْض غُرْمٌ، كما أن مستحِقَّ القصاص في النفس، لو قطعَ طرفاً من الجاني لا يلزمه غُرْمٌ، قال صاحبُ "التهذيب": وهل له أن يَعُودَ، ويقطع الكفَّ؟ فيه وجهان: أصحُّهما: نعم، كما أن مستحِقَّ النفس لو قطع يد الجانِي له أن يعُود ويحزَّ رقبته، ولو ترَكَ قطْع الكف، وطلَب حكومتها لم يجب؛ لأن حكومة الكفِّ تدخل في دية الأصَابع، وقد استوفى الأصابعَ المقابلةَ للدية، فأشبه ما إذا قطَع مستحقُّ القصاص في النفس يَدَي الجانِي له أن يعود فيحز رقبته، ولو عفا، وطلب الديةَ لا يُجَابُ؛ لأنه قد استوفى [ها] هنا ما يقابِلُ الدية، وهذه قواعدُ سَنتكلِّم فيها فيما بعد، ولو قطَع يده من المرفق، فأراد أن يَقْطَع من الكوع، ويأخذ أرْشَ الساعد، أَوْ لا يأخذ، لم يُمْكِنْ لمَا فيه من العدول عن محَلِّ الجناية، مع القدرة عليه، بل لو أراد أن يقْطَع منه أصبعاً واحدةً، وقنع بها قصاصاً ومالاً لا يُمَكنُ منه، وفي "أمالي" أبي الفرج الزاز: أن له أن ينزل من مَفْصِلٍ إلى مَفْصِلٍ دونه، فإنه كالمسامَحَة وترك بعض الحق، والظاهِرُ الأول،

الجزء: 10 - الصفحة: 214

ولو خالَفَنَا، وقطَعَ من الكوع فيعزر، ولا غُرْم عليه؛ لما تَقدَّم، ولو أراد بعْد ذلك أن يقْطَع من المرفق، وقال: كنتُ أستحق ذلك، فمكِّنُوني منْه، قال الإِمام: لا نسعِفُه بذلك أصلاً، وجعله صاحب "التهذيب" على وجهَيْنِ، ولا بد من التسوبة بين الصورتَيْنِ، ولو طلب حكومَةِ الساعِدِ، فالذي نقله الإِمام عن الأصحاب: أنا لا نثبتها له ونقول: إنك بقطعك من الكُوع، تَرَكْتَ بعْض حقك، وقنعْتَ ببعضه، وكذلك نقل صاحب "التهذيب" ثم قال: وعندي له حكومةُ الساعِد؛ لأن الساعد تُفْرَدُ بالحكومة، بخلاف الكفِّ تدخل حكومتها في الأصابع.
الثانية: لو كسر عظْم العضُدِ، وأبان اليد منه، فللمجنيِّ عليه أن يقطع من المِرْفَق، ويأخذ حكومةً لما بَقِيَ من العضُدِ، وإن عفا فَلَهُ الديةُ للكف وحكومةُ الساعد، وأخرى لما بقي من العضُدِ، ولو أراد أن يترك المرفق، ويقطع من الكوع، فهل يُمَكَّن؟ حَكَى الإِمام وصاحب "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: لا؛ لأنه أمكنه وضْعُ الحديدة على الموضع الذي هو أقرب إلى محلِّ الجناية، فلا ينزل عنه، كما لو أمْكَنَ وضْع الحديدة على محلِّ الجناية لا ينزل عنه.
والثاني: يجوز؛ لأنه عاجزٌ عن القطْع في محلِّ الجناية، وهو بالعدول إلى الكوع تاركٌ بعْضَ حقِّه، فلا يمنع منه وفي "التهذيب" ترجيح هذا الوجه، وإيراد الرويانيِّ وغيره يُشْعر بترجيح 91 الأول، ولو أراد لفظ الأصابع، لم يمكن، وَوَجَّهَهُ بأن فيه تعديد الجراحة، وذلك عظيمُ الموقِعِ فإن اقتصر على أصبعٍ واحدةٍ، فالقياس أنه على الوَجهَيْنِ في قطع الكُوع، فإذا قلْنا: إنه ليس له أن يقْطَع من الكوع، فلو قطع، ثم أراد القطع من الِمرْفَق، لم يمكن، ولم يحئْ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا كان الجانِي قد قَطَع من المِرْفَق، واستوفى المجنيُّ عليه من الكوع، وفرق بأن هناك أمكَنَهُ وضْع السِّكِّين على محَلِّ الجناية، وهاهنا لا يُمكن وجوزِّنا قطْع ما دونه للضرورة، فإذا قطَعْنا مرَّةً، لم نكرِّرْه، وليس له حكومةُ الساعد أيضاً؛ لأنه كان يمكنه استيفاؤه، وقد منَعْناه ممِّا فعَل فخالَفَنا، وإن جوَّزنا له القطْع من الكُوع، فقَطَع، هل له حكومة الساعِدِ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن القطْع من الكوع مع القدرة على القطْع من المرفق اكتفاءٌ به وإقامةٌ له مُقَامَ القطع من المرفق، وعن القفَّال: أنه استشهد لذلك بما إذا التمست الثيِّبُ الجديدةُ أن يقيم عندها سبْعاً، فأجابها، فإنَّه يقضي جميع السَّبْع للباقيات، ووَجْه الشبه أن البُعْد عن الحدِّ المستَحقِّ، وهو الثلاث أوجب بطلان الحق هناك، فكذلك هاهنا

الجزء: 10 - الصفحة: 215

وأشْبَهَهُما أنَّ له حكومةَ الساعد؛ لأنه ترك حقَّه في الساعد بلا تَعدٍّ، فكان كما لو عَفَا عن القصاص يثبت له المطالبة بالمَالِ، ولأنَّ حكومة الساعِدِ لا تدخل في دية اليَدِ مع الكوع، فأوْلَى أن لا يدْخُل في قطْعِها من الكوع، وأما حكومة بقية العَضد، فقد ذكرها هاهنا، وفي "الوسيط" في سقوطها وجهَيْنِ، إذا قلْنا بسقوط حكومة الساعد، وقد يُستشهدُ للسُّقوط بمسألة القسم، فيقال: البعد عن القَدْر المستحَقِّ أسقط المستحَقِّ هناك، فكذلك هاهنا، ولم أجدْ لغيره حكايةَ الوجهَيْن في حكومة بقية العضُد، وإنما الذي يوجَدُ أنَّها تجبُ؛ لأن استيفاء تلْك البقية متعذَّر شرعاً، ولم يوجَد، فيها من المجنيِّ عليه تقصيرٌ وعدولٌ.
الثالثة: لو قطع من نصْف الساعد، قطع من الكوع، وأخذت حكومة نصْف الساعد، ولو عفا، فلَهُ ديةُ الكف وحكومةٌ لنصف الساعد، ولو أراد أن يلقط أصابعه، قال الإِمام: لا يمكن؛ لِمَا سبق من تعدد الجراحة، ولو فعل، ثم أراد القطْع من الكوع، لم يمكن، قال في "التهذيب": وليس له حكومة الكَفِّ، وله حكومة نصْفِ الساعد، ويجيْءُ في حكومة نصف الساعد الخلافُ.
ولو قطع يده من نصْف الكف، لم يقتص منه، وله التقاط الأصابع، وإن تعدَّدت الجراحة؛ لأنه لا سبيلَ إلى الإهْمال، وليس بعْد موضع الجراحةِ إلاَّ مفاصِلُ متعدِّدة، وهل يجبُ مع قطْعها حكومةُ نصفِ الكفِّ، أم تدْخُل الحكومة في قطْعها دخولها في استيفاء الدية؟ فيه وجهان يعودان من بَعْدُ، والأصحُّ: الوجوب؛ فليُعْلَمْ لما بيَّنا قوله في الكتاب: "ولكن يُقْطَعُ أَقرَبُ مَفْصِلٍ" بالحاء، وكذا قوله: "والقصاص في المُوضِّحَة".
وقوله: "لم يجز له القطع من الكوع" بالواو، وقوله: " ففي القَطْع من الكُوع مَعَ ترْك أَرشِ السَّاعد وجهان" لا يخفى أن المراد مِنْ "أَرش الساعد" حكومتُها، وكذا قوله: "ففي أرش بقيَّة العضد" وظاهر اللفظ يقْتضي تقييدَ الوجْهَيْن بما إذا قطَع من الكوع تاركاً حكومة الساعد ولم يتعرَّض لذلك الإمامُ ولا غيره، ولكن أطلقوا الوجهَيْنِ، ثم فرَّعوا عليهما حكومة السَّاعد، كما ذكرنا، ويجُوز أن يقال: المراد نفي القطع من الكُوع، وإن ترك أرْش السَّاعد وجهان.
وقوله: "وإذا سقط أرش الساعد" إلى آخره، فيه تقديم وتأخير المعنى، وإذا أسقط أرْش الساعد عنْد عدوله إلى الكُوع عدواناً، ففي أرش بقية العَضُد وجهان أي إذا لم نُجوِّز القطْع من الكوع فقَطَع، وسقَطَت حكومة الساعد، كما مرَّ، ففي حكومة الباقي من العَضَد وجهان، وفي اللفظ إشارةٌ إلى تخصيص الوجهَيْن بما إذا لم نُجَوَّز القطْعَ مِنَ الكُوعِ، ولفظ "الوسيط" يقتضي طردهما فيما إذا جوَّزنا القَطْع، وقلْنا بسقوط حكومة الساعِدِ على أحَدِ الوجهَيْن.

الجزء: 10 - الصفحة: 216

فَرْعٌ عن: "الأم": أنه لو شَقَّ كفَّه حتى انْتَهَى إلى المَفْصِل، ثم قطع من المَفْصِل أو لم يَقْطع اقتص منه، إن قال أهل الخبرة يُمْكِنُ أن يَفْعَلَ به مثْلَه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأمَّا المَعَانِي فَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ يَجِبُ القِصَاصُ فِيهِمَا بالسِّرَايَةِ عِنْدَ إيضَاحِ الرَّأْسِ، وَلَوْ قَطَعَ بعْضَ الأَصَابعِ فَتَأَكَّلَ البَاقِي بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَضْمَنِ الأَجْسَامَ بِالسِّرَايَةِ لِأَنَّهَا لاَ تقْصَدُ، هَذَا نَصُّهُ، وَقِيلَ في المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَفِي إِلْحَاقِ العقْلِ وَالبَطْشِ بِالبَصَر تَرَدُّدٌ لِبُعْدِهِمَا عَنِ التَّنَاوُلِ بِالسِّرَايَةِ، وَلَوْ قَطَعَ مُسْتَحقُّ اليَدِ بعْضَ الأَصَابعِ فَتأَكَّلَ البَاقِي فَفِي تَأْدِّي القِصَاصِ بِهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ خَطَأٌ أوْ كَانَ المُسْتَحِقُّ مَجْنُونَاً، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فأَوْضَحْنَا رَأْسَهُ فَتَمعَّطَ شَعْرُهُ فِفِي وُقُوعِ الشَّعْرِ قِصَاصاً خِلاَفٌ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يَقَعَ لِأَنَّ نَفْسَ الشَّعْرِ لاَ قِصَاصَ فيه، وَوَجْهُ وُقُوعه أنَّهُ تَابعٌ لِلإِيضَاحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يضمن أجرام الأطْراف والأعضاء بالقصاص يضمن قيمة منافِعِها في الجملة، وكيف لا وهي المقصودةُ، وفيها الفائِدَةُ، وقد يكون الجُرْم المعطِّل كَلاًّ على صاحبه، ثم المعاني لا تباشر بالتفويت، وإنما تفوت تبعاً لِمَحَالِّهَا، وقد تَرِدُ الجناية على غير محلِّها، وتفوت هي بالسراية لارْتِبَاطِ بينهما، وبين مورد الجناية، ونَتَدرَّج بهذه المقدِّمة إلى الكلام في مسألتين.
إحداهما: لو أوضَحَ رأسَه، فذهب ضوء عينَيْه فالنصُّ أنه يجب القصاص في الضَّوْء، كما يجب في الموضِّحة، ونَصَّ فيما إذا قطَع أصبعه، فسَرَى إلى الكفِّ إلى إلى أصبع أخرَى بتآكُلِ، أو بشلل؛ أنه لا يجب القصاص في محلِّ السراية، والفرق أن الأجسام تُنَالُ بالجناية، والجناية على غيرها لا تُعَدُّ قصداً إلى تفويتها وضوء البَصَر ونحوه من اللطائف لا يباشر بالجناية، فطريق تفويته بالجناية على محلِّه أو على ما يجاوره، ويتعلَّق به، ويضمن القصاص، كالنفْسِ، فهذه الطريقةُ هي ظاهِرُ المذهب، ووراءها طريقتان: إحداهما: عَن رِوَايَةِ الشيخ أبي عليٍّ وغيره: أن فيهما قولَيْن بالنَّقْل والتخريج.
أحدهما: أنه لا قِصَاص فيهما بالسراية؛ لأنه لا يَقْصِد تفويت جسم بالجناية على غيره، ولا تفويت الضوء بالجناية على غير الحَدَقة، فإذا حصَل بفعْله، كان الشخص كالمُخْطِئ فيه.
والثاني: يجب لتولُّد الفوات من جناية تعمُّدها، ولذلك لو تولَّد الزهوق من قطْع الأنملة، وجب القصاص، كان كان لا يَقْصِد به الزهوق غالباً؛ لأنه لا يُفْضِي إليه غالباً،

الجزء: 10 - الصفحة: 217

ويقال: إن المزنيَّ قال بطريقة القولَيْن، وأن اختياره القولُ الثاني.
والثانية: حكَى أصحابُنا العراقيُّون عن أبي إسحاق تخريجَ قَوْلٍ من نصِّه على أن سراية الأجسام لا تُضْمَن بالقصاص في الضوء، والامتناع من التخريج في الأجسام من الضَّوْء، وإذا أوجبْنا القصاصَ في ضَوْء البصَرِ بالسراية، فالذي صحَّحه الإمامُ روايةً ونقلاً؛ أن السمع كالبصر 92، وحكى فيما إذا بطَل بطْشُ عضو بالسراية تردُّداً عن الأصحاب، منْهم مَنْ ألحقه بلطيفتي السمْع والبصَرِ، وبه قال صاحب "التقريب" ومنْهم مَنْ رأَى البطْش عسر الإزالة كالأجسام، وإلَيه ميل الشيخ أَبي محمَّد، وفي العقل أيضاً؛ لبُعْده عن التناوُلِ بالسراية، وإن كان من اللَّطَائف.
[قال:] ولا يَبْعُد أن يلحق الكلام بالبَصَر ورتبها فجعل البصر والسمع في درجةٍ، ويليهما الكلامُ، ويليه البطشُ، وتليه العقْل، وذكر صاحب "المهذب" في أنه لو جَنَى عَلَى رأسِه، فذهب عقْله، أو على أنْفِهِ، فذهب شمُّه أو على أُذُنِهِ، فذهب سمعه، لم يجب القصاص في العقْل والسمْع والشمِّ؛ لأن هذه المعاني في غير محَلِّ الجناية، فلا يمكن القصاص فيها، وهذا القَدْر من التوجيه يُشْكل بمسالة الضْوء على أن الأقْرَبَ في العقْل منع القصاص؛ لأنَّه لا يوثَقُ بالمعالجة بما يزيله، ويشبه أن يُرَجّح في البطش والشم الوجوب، وفي معناها الذَّوْق 93؛ لأن لها محالَّ مضبوطةً وعنْد أهل الخِبْرة طرق في إبطالها، فإذا ذهب ضَوْءُ العَيْنِ بالموضَّحة، واقتصَصْنا في الموضحة، فلمَ يَذْهَب ضوء عين الجاني، أذهب بأخف ما يمكن من تقريب حديدة محمَّاةٍ من حدَقَتِهِ أو طرْح كافورٍ ونحْوه فيها، وإن ذهَب ضوْء الجاني، حصَل القصاص، وفيه شيءٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى- في المسألة الثانية الآتي ذكرها، ولو هَشَم رأْسَهُ، فذهب ضوء عينه، عولج بما يُزِيل الضوْءَ، ولا يقابل الهشْم بالهشْم، كما تقدَّم، ولو لطمه، فذهب ضوء عيْنَيِه، واللطمةُ بحيث تذهب الضوء غالباً فالحكاية عن نصِّه في "الأم" أنه يُلْطَم مثل

الجزء: 10 - الصفحة: 218

تلْك اللطمة، فإن ذهَب الضوء فعَلَى ما ذكرنا في الموضِّحة وإلا أزيل بالمعالجة وإن ابيضت الحَدَقَةُ، أو شخصت، فعل به ما يقضي إلَيْه إن أمكن، ونسب الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ هذا المنقولَ عن النصِّ إلى بعْض الأصحاب، قال: ويَحْتَمِلُ عنْدِي أن لا يقتص باللطمة، كما لا يقتص بالهاشمة؛ لأنه لا قصاص في اللطمة، لو انفردت كالهاشمة، واحتج له بأثرٍ عن عليٍّ -كرم الله وجهه- أيضاً، وهذا حَسَنٌ وقد أقامه صاحب "التهذيب" وجهاً وحكم بأنه الأصحُّ.
المسألة الثانية: إذا قلنا: لا يجبُ القصاص في الأجسام بالسراية، فلو قطع أصبعه، فسرى القطْع إلى الكف وسقطت، ولم تَجِبِ القصاص إلا في تلْك الأصبع، وعن أبي حنيفة أنه يسقط قصاصُ الأصبع بالسراية إلى الكف، واحتج الأصحاب بأنها جنايةٌ مضمونة بالقصاص [لو لم تَسِرْ، فلا يسقط القصاص] 94 فيها بالسراية، كما لو قطع حامل، فسرى إلى جَنِينها، فسقط ميِّتاً، وإذا اقتصّ في الأصبع، فسرى إلى الكف، فالنص أن السراية لا تقع قصاصاً، حتى يجب على المقتصِّ منه ديةُ باقي اليد، والنصُّ في "المختصر" فيما إذا أوضَحَه، فذهب ضوء عينه، وشَعْرُ رأسِهِ، فاقتص المجنيُّ عليه في الموضِّحة، فذهب ضوء الجاني، وشَعْرُ رأْسهِ أيضاً؛ أنه يكون مستوفياً حقَّه، ولو لم يذهبْ ضوء الجاني، وثبت شعره، فعليه ديةُ البَصَرِ، وحكومةُ الشَّعْر، وفي هذا النصِّ إيقاعُ الشعْر في مقابلة الشعْر، وهو من الأجسام فأشْعَر بأن السراية إلى الجِسْم تقع قصاصاً، واختلف الأصحاب على طريقَيْنِ، فمنهم من قال: هذان قولان في أن السراية إلى الكفِّ هل تقع قصاصاً؟ أحدهما: يقع لتشابه الفعلَيحٌّ، وتولُّد السرايتَيْن من الفعلَيْن، وهذا كما أن السراية إلى النَّفْس تقع قصاصاً بالسراية.
والثاني: المنع؛ لأنا نفرِّع على أن السراية إلى الجِسْم لا تُضْمَن بالقصاص، وإذا لم يكن في السراية إلَيْه قصاصٌ، لم تكن سرايته قصاصاً بخلاف النفْس.
ومنهم مَن قطَع بالقوْل الثاني، ثم هؤلاء القاطِعُون قالُوا في النصِّ الثاني: إن السرايةَ إلى الضَّوْء تقع قصاصاً بناءً على أن السرايَةَ إلَيْه توجِبُ القصاص على الظاهِر، كما سَبَقَ وحكَى القاضي ابن كج التصرُّف في النَّصَّين وإثْبَات قولَيْن في أنَّ السراية إلى الضوء هل يقع قصاصاً أيْضاً حتى يجبَ على الجاني في قوْلٍ ديةُ البصر، إن سَرَتِ الموضِّحة إلى بصَره.
وأما الشَّعْر، فمنهم مَنْ قال: لم يتكلمِ الشافعيُّ -رضي الله عنه- فيه، وإنما هو

الجزء: 10 - الصفحة: 219

من زيادة المزنيِّ ومنْهم مَنْ قال: المراد شَعْر موضِّح الموضِّحة، فإنه يتبع الموضِّحة، كالشعر على اليد والرجْل يتبعها قصاصاً ومالاً، وأماَ إذا تَمَعَّط الشعْر حول الموضِّحة، فتجب فيه الحكومة، كان تَمَعَّط من الجاني أيضاً، لا تقع السراية قصاصاً، وأما المثبتون للقولَيْن في سراية الكفِّ، فقد تحَّزبوا في الشعْر، منهمَ مَنْ قطع بأن السراية فيه لا تقع قصاصاً؛ لأنه لا قصاص في نفْس الشعْر، ففي السراية أولَى ومنهم من أجرى الخلافَ، وقال: تقع سرايته قِصاصاً على رأْي بتبعية الإيضاح الَّذي فيه القصاص، وعلى.
هذا، فلا يُنْظَر إلى مقْدَار الحكومَتَيْن، بل يحصل القصاصُ مع تفاوتهما، كما يجري القِصَاصُ في الأطرافِ مع تفاوُتِ البدل، وسواء ثبت الخلاَفُ أم لم يَثْبُتْ، فالظاهر على ما ذكَره العراقيُّون وصاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهم: أن السرايةَ لا تقَع قصاصاً لا في الكفِّ، ولا في الشَّعْر، ولو عفا المجنيُّ عليه عن قصاص الأصبع، فله أخْذ دية اليد، وإن اقتص، فلم يَسْرِ القطْع إلى غير تلْك الأصبع أو سَرَى، وقلْنا: إنه لا يقع قصاصاً؛ فله أربعةَ أخماسِ الدَّيَة للأصَابع الأربع الذاهبة بالسراية، ولا يجب لمنابتها من الكفِّ حكومةٌ، بل تدخل في ديتها، وفي دخول حكومة خُمْس الكف في قصاص الأصابع وجهان، يعود ذكرهما، وما يجب من الدية، يجب مغلَّظاً في مال الجاني؛ لأنَّه وجَب بجناية عمْد موجبةٍ للقَوَدِ وفي "العدَّة" ذكر وجْه أنَّه على العاقلة؛ لأنه لا يقصد تفويت الجسْم بالجناية عَلَى غيره كما ذكَرْنا من قَبْلُ، فهو كالخطأ، والمشهورُ الأولُ، وله المطالبة به عَقِيبَ قَطْع الأصبَعِ تفريعاً على الظاهر؛ لأنه كان سرَى القطْع إلى الكفِّ، لم يسقط باقي الدية، فلا معنى لانتظار السراية، وفي صورة الموضِّحة المذهِبَة للبَصَر، لو أوضَحَه، فلم يذهب ضوءه في الحَال، لا يطالب بالدية، بل ينتظر فلَعلَّه يَسرِي إلى البَصر، فَيَحْصُلُ الاقتصاصُ وكذا في النَّفْس، لو قطَع أصبعه، فسَرَى إلى نفْسه، فقطع الوليُّ أُصْبَعَ الجاني، ينتظر السراية، ولا يطالب بالدية في الحال.
وقوله في الكتاب: "وأما المعاني فالسمع والبصر" إلى قوله: "هذا نصه" يُشْعِر سياقه بأن النصَّ في السمع والبصر وجوبُ القصاصِ بالسراية، وفي الأجسام المَنْعُ، وليس في السمْعِ نقْلٌ وحكاية نصٌّ، وإنما النصُّ في البصر على ما ذَكرْنا، والسمع مُلْحَقٌ به على ما فيه من الخلاف.
وقوله: "ولو قطع مستحِقُّ اليد بعْض الأصابع" هذا اللفظ لا ينطبق على الصورة الَّتي ذكرناها، وحكَيْنا فيها اختلافَ الطُّرُق، وهي ما إذا قطع أصبعاً فتآكل، فاقتص المجنيُّ علَيْه من الأصبُعُ، فتآكل الباقي، فإنَّ اليد ليست مستحِقَّةُ الاستيفاء في هذه الصُّورة؛ إنما الأصْبُعُ هي المستحقة، والَّذي عليه ينطبق اللفْظ ما إذا استَحَقَّ القِصَاصَ في اليد بالقَطْع من الكوع، فقطع أصبعاً من أصابعه، فتآكل الباقي، ويشبه أن يكون القولان في هذه الصورة مبنيَّيْنِ عَلَى أنَّ السرايةَ هَل توجِبُ القصاص، ورجَّح الإِمام

الجزء: 10 - الصفحة: 220

المصيرَ إلى وقُوعه قصاصاً؛ لأن السراية منسوبةٌ إلى فعْل الجارح، فكانت الجراحة كالسراية، وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخلافُ فيما لو قَتَلَ مستحِقٌّ القصاص الجانِيَ خطأً أو ضربه بسَوْطٍ خفيفِ، فمات؛ لأنه لم يقصد قَتْلَه، لكن الحقّ متعيِّن، وقد استوفاه؛ ولذلك لو وثب الصبيُّ أو المجنونُ على مَنْ قتل مورثه فقتله، هل يكون مستوفياً لحَقِّه؟ فيه وجهان.
أَحَدُهُمَا: نعَمْ، كما لو كانَتْ له وديعة عنْد غيره، فأَتْلَفَها.
وأَصحُّهما: على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنه ليْسَ من أهل استيفاء الحقُوق، ويخالف الوديعةَ، فإنَّها لو تلِفَتْ من غير فعْل أحدٍ يبرأ المودع، وها هنا لو مات الجانِي لا يبرأ، فعَلَى هذا ينتقل حقُّه إلى الدية، ووجبت الدِّيَةُ بقَتْل الجانِي، وتَكُون عليه أو على العاقلة، ينبني على الخلاف في أن عمْدَهما عمْدٌ وخطأٌ، ويجري الخلاف فيما إذا ثَبَتَ قصاصُ الطرَفِ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فوثبت على القاطِع، فقَطَع طرفه، هل يكون مستوفياً لحقِّه؟ وموضع الخلاف ما إذا لم يوجَدْ منه تمكين، فأما إذا أخرج يدَهُ إلى الصبيِّ أو المجنونِ، حتى قطَعَه، لم يكن مستوفياً لحَقِّه بلا خلاف ويكون قطْعُه هدراً.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في المُمَاثَلَةِ،

وَالتَّفَاوُتُ فِي ثَلاثَةٍ التَّفَاوُتُ الأوَّلُ تَفَاوُتُ المَحَلِّ وَالقدْرِ فَلاَ تُقْطَعُ اليُمْنَى بِاليُسْرَى، وَلاَ السَّبَّابَةُ بِالوُسْطَى، وَلاَ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِأخْرَى عِنْدَ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ، وإنْ تَسَاوَتِ الزَّائِدَتَانِ فِي الحُكُومَةِ وَاخْتَلَفَتَا فِي الحَجْمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، إِذْ لَيْسَ لَهُمَا اسْمٌ أَصْلِيٌّ بِخِلافِ يَدِ الصَّغِيرِ مَعَ الكَبِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هجم هاهنا وفي "الوسيط" على ذكْر الفصْل الثاني من غَيْر أن يذكر فصلاً أولاً، وكأنه قصَدَ ترتيبَ مسائِل قصاصِ الطَّرَف بإيداعها في فصْلَيْن.
أحدُهما: فيما يوجب القصاص من الجنايات عَلَى ما دون النَّفْس.
والثاني: في المماثَلَةِ المعتَبَرة فيه، ثم غَفَلَ عن التنْصيص على الأَوَّل، وإن أتى بمقصُوده، والوجه أن يزاد قَبْل قوله: "والجنايات ثلاثة" وفيه فصلان: أحدهما: فيما يُوجِبُ قصاص الطَّرَف أو لا يزادُ هناك شيء ويُجْعَل مكان الفَصْل الثاني: "فصْل في المُمَاثَلَةِ" وقد يقال: قد عقد في فنِّ الاستيفاء مِنْ بعْدُ فصلاً في المماثلة، وهذا الفصْل مترجَمٌ بالمماثلة أيضاً، فهلا جمَعَ بين مسائل الفصْلَيْن، فاعْلَمْ أن غرَضَ الفصلَيْن مختلفٌ؛ فالغرض هناك بيانُ أن المماثلةَ في طرِيقِ الإزْهاق مرعيَّةٌ في الاستيفاء والغرَضُ هاهنا الكلامُ في المماثلة التي هي معتبرةٌ في وجُوب القصاصِ وهي في الطَّرَفِ بمثابة الكفاءة التي تُطلَق في قصاصِ النَّفْس، إذا تقرَّر ذلكَ، فالذي نُقدِّمه

الجزء: 10 - الصفحة: 221

على وضوحه أنَّه لا يُقَابَلَ طَرَفٌ بطَرَفٍ من غَيْر جنسه، كاليد والرِّجْل والعين والأنف، فإذا اتحد الجنْسُ، لم يؤَثِّر التفاوت في الصَّغَر والكبر والطول والقِصَر والقوَّة والضعف والضخامة والنَّحافة، كما لا تعتبر مماثلةُ النفسين في هذه 95 الأمور، والسبب فيه أن مماثلة النفُوس والأطْرَاف فيها وفي نحوها، يكاد تَتَّفِقُ، وفي اشتراطِها إبطالُ مقصودِ القِصاصِ، ولذلك تُقطَع يد الصانع بيد الأَخْرَق، كما يقتل العالِمَ بالجَاهِل، وإنما يُؤثِّر التفاوت في أمور.
أحدها: تفاوتُ المَحلِّ والقدر.
أما المحلُّ، فلا تقطع اليد اليُمْنَى باليُسْرَى، وبالعكس، وكذلك في الرِّجْل والعين والأذن، ولا يقطع الجفن الأعلَى بالأسْفَل، وبالعكس، وكذلك في الشَّفَة، وذلك لاختلافِ المنافع، واختلاف تأثير المحالِّ بالجراحات، وكذلك لا تُقطَع أصبعٌ بأصبعٍ، كالسبابة والوسْطَى، ولا أنملةُ أصبعٍ بأنملةٍ أخْرَى من تلك الأصبع ولا أصبع زائدةٌ بزائدة أخرى، إذا اختلف محلُّهما بأن كانت زائدةُ الجانِي أو المجنيِّ عليه في جانِب الخِنْصِرِ، وزائدةُ الآخر بجنب الإبهام، بل تؤْخَذ الحكومةُ، وأما القدْر فالتفاوت في الحَجْم صغراً وكبراً وطولاً وقصراً لا يُؤَثِّر في الأعضاء الأصليَّة وأما في الأعضاءِ الزائدةِ، كالأصبع والسِّنِّ الزائدتين، فقد أطلق مُطْلِقُون، منهم صاحب "التهذيب" فيه وجهَيْنِ.
أحدهما: وبه قال صاحب "التقريب": أنه لا يؤثر أيضاً كما في الأصلية.
والثاني: يؤثر؛ لأنه ليس لها اسمٌ مخصوصٌ حتى يُكْتَفَى بالاتفاق في الاسم، كما يكتفى في اليمين واليسار وفي السَّبَّابة والوسْطَى، فيُنْظَر إلى القَدْر، وتراعى الصورة، وهذا ما حكاه القاضي ابن كج عن أبي الطيِّب بن سلمة في السِّنِّ، ونسب الأوَّلَ إلى أبي إسحاق، وغيره ينسب إليه الثاني فإذا جعل التفاوت في الحَجْم مؤثراً فإن كانَتْ زائدةُ الجاني أكْبَرَ؛ لم يقتص منْه، وإن كانت زائدةُ المجنيِّ عليه أكبر اقتص، وأُخِذَتْ حكومةٌ تقدر النقصان، ومنْهم مَنْ خصَّص ذكْرَ الخلاف بالسِّنِّ وسكَتَ عنه في الأصبعِ، ثم الوجهان فيما رأى الإِمام مخصوصانِ بما إذا لم يؤثِّر تفاوتُ الحجْم في الحكومة، فإن أَثر، اختلفت نسبتُهما إلى الجُمْلة، وذلك ممَّا يمنع القِصَاص، ولذلك لم تُقْطَعِ الصحيحةُ بالشَّلاَّء؛ لأن الصحيحةَ نصْفُ الجملة، والشلاء ليستْ نصفاً على ما سبق، قال: والاختلاف في اللوْن وسائر الصفات، لا يُؤثِّر بعد التساوي في الحُكُومة، بخلاف التفاوُتِ في الحجْم، وتقطع الزائدةُ بالأصليَّةِ، إذا لم يختلِفِ المحلُّ ولا شيء له

الجزء: 10 - الصفحة: 222

لنقصانِ الزائِدَةِ، كما إذا رَضِيَ بالشلاء عن الصحيحة.
قوله في الكتاب: "وَإنْ تساوت الزائدتانِ في الحُكُومة واختلفتا في الحَجْم، ففيه وجهان إشارةٌ إلى ما ذكَرَه الإمامُ، والمعْنَى ولا أصبع زائدة بأخْرَى عند تفاوت المَحَلِّ أو تفاوت الحكومة وإن تساوَيَا فيهما جميعاً واختلفا في الحجْم، فوجهان، وحَيْثُ جرى الوجْهَان، فالأظهر أنَّه لا أثَرَ للتفاوت وفي الحجم؛ كذلك ذكره القاضي الرويانيُّ وصاحب "العدة" وغيرهما، ونقلوا عن النصِّ، أنه لو كانَتْ زائدةُ الجانِي أتَمَّ بأن كانَت لأصبعه الزائدةِ ثلاثُ مفاصِلَ، ولزائدة المجنيِّ عليه مَفْصِلٌ واحدةٌ أو مَفْصِلان، لا يُقْطَع بها؛ فإنَّ هذا التفاوتَ أعْظَمُ من تفاوُتِ المحلِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالتَّفَاوُتُ فِي المُوَضِّحَةِ يُؤَثِّرُ أَعْنِي فِي بَيْعَتِهَا لاَ فِي عِوَضِهَا، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ اسْتَوْعَبْنَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكمَّلْ بِالقَفَا بَلْ ضَمَمْنَا إلَيْهِ الأَرْشَ، وَلَوْ كَانَتْ نَاصِيَةُ الجَانِي أَصْغَرَ وَقَدْ أَوْضَحَ نَاصِيَةَ غَيْرِهِ كَمَّلْنَا بِمَا حَوَالَيْهِ لِشُمُولِ اسْمِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى ما اسْتَحَقَّهُ قِصَاصَاً فَعَلَيْهِ أَرْشٌ كَامِلٌ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لأنَّهُ فَارَقَ البَقِيَّةَ في الحُكْمِ فَأُفْرِدَ بِحُكْم، وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِسْطُ لِأَنَّ الكُلَّ مُوَضِّحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوِ اشْتَرَكُوا فِي إيْضَاحٍ احْتُمِلَ (و) أَنْ يُوَزَّعَ المِقْدَارُ عَلَيْهِمْ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُوضَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في قصاص الموضِّحة في المساحَة والمَحَلِّ؛ أما المساحة، فمرعيَّةٌ في قصاص الموضِّحة طولاً وعرَضاً، فلا تقابل ضيِّقةٌ بواسعةٍ، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، وتذرع موضِّحة المشجوح بخشَبَةٍ أو خيطٍ، ويُحلَق ذلك الموضِعُ من رأس الشاجِّ، إن كان عليه شعْر، وخِيطَ عليه سوادٌ، أو حمرةٌ، ويضبط الشاج حتَّى لا يضطرب 96، ويُوضَح بحديدة حادَّة كالمُوسَى، ولا يوضَحُ بالسيف، وإن كان قد أوضَحَ به؛ لأنه لا تُؤْمَنُ الزيادة، وكذلك لو أوْضَحَ بحَجَرٍ أو خشَب يوضحُ بالحديدة، ذكره القفَّال وغيره وتردَّد فيه القاضي 97 الرويانيُّ، ثم يفعل ما هو أسهل عليه من الشق دفْعةً

الجزء: 10 - الصفحة: 223

واحدةً، والشق شيئاً فشَيْئاً، ويرفق في موْضِع العلامة، ولا عبرة بتفاوتِ الشاجِّ والمشجوج مِنء غلظ الجلد واللَّحْم؛ لأن اسم الموضِّحة يتعلَّق بإنهاء الجراحة إلى العَظْم والتساوي في قَدْر الغوص قليلاً مَا يتَّفِق، فينقطع النَّظَر عنْه، كما ينقطع النَّظَر عن الصِّغَر والكبر في الأطْراف، وعن أبي إسحاق أنَّه يعتبر التساوِي في العُمْق، ولا يغوص شعيرتين في مقابلة شعيرة، وهذا حمله الأئمة على السهْو منْه أو مِمَّنْ رواه عنه.
وأما محلُّ الموضِّحة، فإن أوْضَحَ مِن إنسان جميع رأْسِه، ورأسُ الشاجِّ والمشجوج متساويانِ في المساحَةِ، أوْضَحَ جميعَ رأْسِه، فإن كان رأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، استوعبْنا رأْسَهُ إيضاحاً ولا نكتفي به، بخلاف اليد الصغيرة، فإنه يكتفى بها في مقابَلَة الكبيرة، وفرق بأن ما به التفاوُتَ بين اليدَيْن على تجرُّده ليْس بِيَدٍ، وما به التفاوت بين الموضِّحتين على تجرُّده موضِّحة، فلا يجعل تابعاً وأيضاً، فالمرعيُّ هناك اسم اليد، وهاهنا المعتبر المساحة؛ ألا ترى أن يد القاطع، لو كانت أكبر قُطِعت، ورأس الشاجِّ لو كان أكبَرَ، لا يستوعب وَلاَ ينزل الإتمام المساحة إلى الوجّه، ولا إلى القَفَا، فإنهما عضوان وراء الرأْس، فلا تقابل موضِّحة عضْوٍ بموضِّحة عضْوٍ، كما لا يقابل عضْوٌ بعضْوٍ، ولكن يُؤْخَذ قسْطُ ما بَقِيَ منَ الأرش، إذا وُزِّع على جميع الموضِّحة فلو كان المستوفَى في إيضاح جميع رأسِهِ قَدْر الثلثينُ، أُخِذَ ثلثُ الأرش، وشبه ذلك بما إذا قطع ناقصُ الأصابعِ يدًا كاملةَ الأصابع، فإنه تقطع يده الناقصةَ، وتؤخذ أرْشُ الأصبع الناقصة، وعند أبي حنيفة: لا يَأْخُذ شيئاً من الأرْش مع القصاص، ويتخيَّر في الابتداء بين أن يقنع بإيضَاحِ رأْسِه، وبين أن يَدَع القصاص، ويأخذ أرشَ الموضِّحة.
وإن كان رأسُ الشاجِّ أكَبَر، لم يُوضَحْ جميع رأسه، بل يُقدَّر ما أوْضَح بالمساحة، والظاهر الذي أورده أكثرهم أن الاختيار في موْضِعِهِ إليه؛ لأن جميع رأسِه محَلُّ الجناية، ووراءه وجهان: أحدهما: أنه يبتدئُ من حيْث ابتدأ الجاني، وَيذْهَب في الصوب الذي ذَهَب إليه إلى أن يتم القدْر، ويقال: إن هذا اختيار القاضِي حُسَيْنَ -رحمه الله-.
والثاني: أن الاختيار إلى المجنيِّ عليه، فإن كان في رأْس الشاجِّ موضِّحة، والباقي يُقدِّر ما نريد القصاص فيه تعيَّن وصار كأنه كلُّ الرأس، ولو أراد أن يستوفِي في بعْض حقِّه من مُقدِّم الرأس، والبعْضَ من مؤخره، فقد حكى صاحب "التهذيب" في تمكينه منه وجهَيْن: أحدهما: يُمَكَّن؛ لأن الموضعَيْن محلُّ الجناية مِنْ رأسه.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه مقابلةُ موضِّحتين بموضِّحة، ومَنِ استحق القصاصَ في موضحة وَتمكَّنَ من استيفائها، فأراد أن يستوفي البعْضَ ويأخُذَ للباقي قَسْطَه من الأرش، هل له ذلك؟ فيه وجهان في "النهاية":

الجزء: 10 - الصفحة: 224

أحدهما: نعم؛ لأن الذي أفرده بالقصاص قائلٌ للقصاص، فأشبه ما إذا قطَع أصبعَيْنِ، فإن للمجني عليه أن يَقْتصَّ في إحداهما، ويأخذ أرش الأخْرَى.
وأصحُّهما: وهو الجواب في "التهذيب": المنع؛ لأنه متمكِّن من استيفاء الكلِّ، والبعض الذي يستوفيه يقابل الأرش التامَّ فليس له أن يأخذ شيئاً آخر، بخلاف ما لو أوضَحَ في موضعين له القِصَاص في أحدهما، وأخذ الأرش من الآخر؛ لأنهما جنايتان منفصلتانِ.
ولو أن الجانِيَ لم يُوضِعْ جميع الرأس، ولكن أوضح طرفاً منْه، كالقَذَال والناصية، فيُوضَح في ذلك المَوْضِع، فإن أوضح ناصيةً فأوضحنا ناصية فلم يبلغ مساحة الموضِّحة التي جنى بها؛ لصغر ناصيته فيكمَّل من باقي الرأْس؛ لأن الرأس كلَّه عضْوٌ واحدٌ، فلا فرق بين مقدَّمة ومؤخَّرة، وعن صاحب "الإفصاح" واختاره القاضي الحُسَيْن: أنه لا يجوز مجاوزةُ ذلك الموضِع، كما لا يجوز النُّزول إلى الوجّه والقفا؛ لتكميل موضِّحة الرأس، والمشهور الأوَّل، وهو المحكيُّ عن نصه في "الأم" ولو أوضَحَ جبهته، وجَبْهَةُ الجانِي أضيقُ، فلا يرتقي إلى الرأْس، وليجيء في مجاوزة موضِعٍ من الوجْه إلى موضِعٍ يلاصقه الخلافُ.
وإذا أوجبنا القصاصَ في الموضِّحة على سائر البَدَن فلو أوْضَح ساعِدَه، وساعدُ الجانِي أصغَرُ، لا يسع لموضحه الجناية، لم يجْرِ النزولُ إلى الكفِّ، ولا الصعود إلى العَضُد كما في الوجْه والرأس، ثم في الفصْل مسألتان: إحداهما: لو زاد المقتص على القدر المستحَقِّ، نُظِر؛ إن زاد باضطراب الجانِي، فلا غُرْم، وإن زاد عمْدًا اقتص منه في الزيادة، ولكن بعد إندمال الموضِّحة التي جَنَى علينا الجانِي بها، وإن آل الأمر إلى المال أو أخطأ باضطراب يَدِهِ، وجب الضمان وفي قَدْره وجهان: أحدهما: وينسب إلى القفَّال: أنه يوزَّع الأرشُ عليهما، فيجبُ قسْط الزيادة؛ لأن الجراحة والجارحَ متحدانِ، وهذا كما ذكَرْنا أنه يجب القسْط فيما إذا كان رأْسُ الشاجِّ أصغَرَ.
وأصحُّهما: أنه يجب أرشُ كاملٌ؛ لأن حكْمَ الزيادة يخالفُ حكْم الأصل، فالأصل عمْدٌ مستحق والزيادةُ خطأ وغير مُسْتَحَقِّه وتغايَرَ الحكْم لتعدّد الجاني على ما سيأتي، ولو قال المقتص: أخطاتُ بالزيادة، وقال المقتص منه بل تعمَّدتَّ، فالمصدَّق المقتص بيمينه، ولو قال: تَوَلَّدَتِ الزيادةُ باضطرابه فأنكر، ففي المصدَّق منهما وجهان؛ لأن الأصل براءة الذَّمة، والأصل عدم الاضْطراب 98.

الجزء: 10 - الصفحة: 225

الثانية: إذا اشترك جماعةٌ في موَضِّحَة؛ بأن تحاملوا على الآلة وأجْرَوْها معاً، ففيه احتمالان للإمام: أحدهما: أنه يوزَّع عليهم القصاص، ويُوضَحُ كلُّ منهم قدْرَ حصته؛ لأن الموضِّحة قابلةٌ للتجزئة، والقصاص جازٍ في أجزائها فصار كما لو أتلفوا مالاً، يوزَّع عليهم الغرم، وعلى هذا، فتعيين الموضح إلى اختيار المقتصِّ أو المقتص منه وجهان: والثاني: أنه يُوضَح من كل واحدٍ منهم مثْلُ تلْكَ الموضِّحة؛ لأنه لا جزء إلاَّ وكُلُّ واحدٍ منْهم جانٍ عليه، فأشبه ما إذا اشتركوا في قَطْع يدٍ، وهذا ما أجاب به صاحب 99 "التهذيب" ويجري الاحتمالان فيما إذا آل الأمرُ إلى المال؛ أنه يجبُ الأرْشُ مَوَزَّعاً عليهم أو يجِبُ على كلِّ واحدٍ منهم أرْش كاملٌ، قال الإِمام: والثاَني أقربُ، والأول هو المذكور في "التهذيب" وقوله في الكتاب: "لا في عِوَضِها" مُعْلَم بالواو وقوله "بل ضممنا إليه الأرش" بالحاء.
وقوله: " كمَّلْنا بما حَوَالَيْه" بالواو، لما بيَّنا، وليس المراد من قوله: "ضممنا إليه الأرشَ" الكاملَ بل قسْطاً من الأرش على ما قدَّمنا، وقد يُفْهَم ظاهر اللفظ خلافُه.
وقوله: "لشمول اسم الرأس" يعني أن اسم الرأْس يقع على الناصية وغيرها، فالكل عضوٌ واحدٌ، وفي بعض النسخ "لشمولِ اسْم الموضِّحةَ في الرأس" وقد يوجد في النسخ اسم الموضحة ولا وجه له.
واعلم أن ما ذكرنا أنه يُخْلَقُ شعْر رأْس الشاجِّ، إذا أُريدَ الاقتصاصُ مفروضٌ فيما إذا كان على رأْس كلِّ واحدٍ منهما شَعَر، أمَّا إذا لم يَكُنْ على رأس الشاجِّ شَعْر فلا حلْقَ، وإن لم يكنْ على رأْسِ المشْجُوج شعْر، فلا يُمْكُنُ القصاص؛ لما فيه من إتْلاف الشعْر الذي لم يتلفه، وحكي ذلك عن نصه -رضي الله عنه- في "الأمِّ" ولا يؤثِّر التفاوُت في خِفَّة الشعْر وكثافته.
وأنه إذا شكَّ في أنه هل أوضَح بالشَّجَّة أم لا، لم يقتصَّ بالشك، ويتفحص عن الحال بالمسمار حتى يعرف، فيَشْهَدَ به شاهدان أو يعترف به الجاني، فإنَّ حكم الإيضاح يتعلَّق بالإنهاء إلى العظْم حتى لو غرز إبرةً حتى انتهتْ إلى العَظْم، كان ما أتى به موضِّحةً، وإن كان لا يظهر العَظْمُ للنَّاظِرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: التَّفَاوْتُ الثَّانِي فِي الصِّفَاتِ وَلاَ تُقْطَعُ اليَدُ الصَّحِيحَة بِالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ

الجزء: 10 - الصفحة: 226

(و) الشَّلاَّءُ بِالصَّحِيحَةِ إنْ قَنِعَ بِهَا وَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهَا أَرْشٌ، وَكَذَا ذَكَرُ الأَشَلِّ، وَشَلَلُ الذَّكَرِ أَلاَّ يَتَقَلَّصَ في بَرْدٍ وَلاَ يَسْتَرْسِلَ فِي حَرٍّ، وَيقْطَعُ ذَكَرُ (ح م) الصَّحِيحِ بِذَكَرِ العِنِّينِ وَالخَصِيِّ وَالصَّبِيِّ إذْ لاَ خَلَلَ فِي نَفْسِ الْعُضْوِ، كمَا تُقْطَعُ أُذُنُ السَّميعِ بِالأَصَمِّ، وَأَنْفُ السَّلِيمِ بِالأَخْشَم وَأَنْفُ الصَّحيحِ بِالمَجْذُومِ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْجُذَامُ فِي الَّتَفَتُّتِ، وَحَدَقَةُ العَمْيَاءِ وَلِسَانُ الأَبْكَم كَالشَّلاَّءِ، وَتُقْطَعُ الأُذُنُ الصَّحِيحَةُ بِالمَثْقُوبَةِ مِنْ أُذُنِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْنٌ، وَلاَ تُستَوْفَى كَامِلَةٌ بِأُذُنِ مَجْذُومَةِ قُطِعَ بَعْضُهَا، وَلَوْ كَانَ أَظْفَارُ المَجْنيِّ مُتَقَرِّعَةَ أَوْ مُحْصَرَةً أَوْ مَقْلُوعَةً قُطِعَ بِهَا الصَّحِيحَة نَظَراً إِلَى كَمَالِ أَرْشِ الأُنْمَلَةِ مِنْ غَيْرِ ظُفُرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَخْفَى أن مُطلَق تفاوُتِ الطَّرَفَيْنِ في الصفات لا يؤثِّر، بل تقطع اليد البيضاءُ بالسوداءِ أو السليمةُ بالبرصاءِ، ويد الصانع بيد الأخرق، وإن أطلق الترجمة إطلاقًا، فالمراد الصفات التي يؤثر التفاوت فيها أو يتخيَّل تأثيره، وفيه صور: إحداها: اليَدُ والرِّجْل الصحيحتان لا تُقْطَعان بالشلاوَيْنِ، وإن رضي به 100 الجاني، وإنما الواجبُ في الطَّرَفِ الأشلِّ الحكومةُ، وهذا كما أنَّه لا يقْتَلُ الحرُّبالعبد، والمسلمُ بالذمِّيِّ وإن رضيَ الحرُّ والمسلمُ، ولو خالف المجنيُّ عليه، وقطع اليد الصحيحة، لم يقعْ قصاصاً، بل عليه نصْفُ الدية، فلو سَرى، فعليه قصاص النفس، فإن قَطَع برضا الجانِي، فلا قصاص عنْد السراية؛ لأنه قطعٌ بالإذْن، ثم يُنْظر، إن كان الجاني قال: اقطع يَدِي، وأطْلَق، جعل المجنيُّ عليه مستوفيًا لحَقِّه ولم يلزمه شيءٌ وإن قال: اقطعها؛ عِوَضاً عن يدك أو قصاصاً، ففيه وجهان: أحدهما: إن على المجنيِّ عليه نصفُ الدية، وعلى الجانِي الحكومةُ؛ لأنَّه لم يبذل يده مجاناً، وهذا ما أجاب به في "التهذيب".
والثاني: أنه لا شيْءَ على المجنيِّ علَيْه وكأن الجاني أدى الجيد عن الرديء، وأخذه المستحِقُّ، وقد يتوقف في كونه مستوفياً لِحَقِّهِ عند الإطلاق فلا يبعد تنزيل الإذن المطلق على الإذن عن جهة القصاص.
وأما اليدُ الشلاَّء والرِّجلْ الشلاء، فهل يُقْطَعان بالصحيحتين، في شرح "المختصر"

الجزء: 10 - الصفحة: 227

للجويني: نقلُ وجهٍ عن أبي إسحاق أن الشَّلاء لا تُقْطع بالصحيحة مطلقاً؛ لأن الشرْع لم يَرِدْ بالقصاص فيها، والمشْهُور أنه يراجع أهل البصر، فإن قالوا: إنَّها لو قُطِعت، لم ينسد فمُ العروق بالحَسْم، ولم يَنْقَطِع الدمُ، فلا يُقْطَع بها؛ لِمَا فيه من استيفاء النفْس بالطَّرَف، وللمجنىِّ عليه الديةُ وإن قالوا: ينقطع، فله قطْعها، ويقع قصاصاً، كقتل الذمىِّ بالمسلم، والعبْدِ بالحر، وليس له أن يَطْلُبَ بسبب الشَّلَل أرْشاً، وَوُجِّهَ ذلك بأن الصحيحة والشَّلَاء متساويتان في الحرمة، والاختلاف بينهما في الصفة والصفة المجرَّدة لا تقابل بالمال، ولذلك إذا قُتِل الذميُّ بالمسلمِ، والعبدُ بالحرِّ، لم يجب لفضيلة الإِسلام والحرية شيْءٌ، وشبه أيضاً بما إذا تعيب العبد في يد البائع، فإن للمشتري إما أن يردَّه ويستردَّ الثمن، أو يرضى به بجميع الثمن، وليس له أن يُمْسِكَ، ويستردَّ بعض الثمن.
وهل تُقْطع الشلاءُ بالشَّلاء في "المهذب" وجّةٌ عن أبي إسحاق أنَّها لا تُقْطع بها لأن الشَّلَلَ علةٌ والعِلَل تختلِفُ مقاديرُها وتأثيرُها في البدن، فلا تتحقَّق المماثلة ويحكى مثْلُه عن أبي حنيفة، والمشْهور أنَّهما إن استويا في الشَّلَل، أو كان الشَّلَل في يدِ المقطوع أكثرَ، فتقطع بها، والشرط أن لا يخاف نزْفُ الدم، على ما ذكَرْنا وإنْ كان الشَّلل في يد المقطوع أكثرَ، فلا يُقْطَع بها، قال الإِمام: لأن تفاوتهما في الشلل يوجب التفاوُتَ في البدل، فلا تتحقق المقابلة، ويحكى مثله عن أبي حنيفة، والمشْهُور أنه إذا اختلفت نسبةُ الطرفَين إلى الجُمْلَتَيْنِ، لم يجب القصاص، وما المراد من الشلل في اليد والرجل؟ عن الشيخ أبي محمد: أن الشلَل زوالُ الحسِّ والحركةِ، ولذلك تُسمَّى اليدُ الشلاءُ ميِّتةً، وقال الإِمام: لا يُشْترط زوال الحسِّ بالكلية، وليست الشلاءُ ميتةً؛ ألا ترى أنَّها لا تنتن، وإنما الشلَلُ بطلانُ العمَلِ حتى تصير اليدُ بحيث لو أعمَلَها صاحبُها كان كإعمال ألةٌ من الآلات.
ولا أثر للتفاوت في البطش بل تُقْطَع يد الأيْد بيد الشيخ الذي ضَعُفَ بطشُه، لكن لو كان النقصانُ بجناية؛ بأن ضرب إنسان على يده، فنقص بطشه، وألزمناه الحكومة، ثم قَطَع تلْكَ اليَدَ رَجُلٌ كاملُ البطش، فقد حكى الإِمام أنه لا يُقْطَع يده بها؛ وأنه لا تجب عليه ديةٌ كاملةٌ على الأصح، وهذا كما مرَّ أن من صار إلى حالة المحتضرين وحَزَّ حازٌّ رقبته، يلزمه القصاص، بخلاف ما لو انتهَى إلى تلْك الحالةِ بجنايةِ جان [فلا قصاص على حازه].
وتقطع يد السليمِ ورِجْلُه بيد الأعسم، ورِجْل الأعرج؛ لأنه لا خَلَل في اليد والرِّجل، والعسم تشنج في المرْفق، أو قِصَر في الساعد أو العَضُد، وقيس به العَرَجَ.
ولا اعتبار باخضرار الأظفار، واسودادها، وزوال نضاَرَيها، فإن هذه الأحوال علَّةٌ ومرضٌ في الظفر، والطرف السليمُ يستوفى بالعليل، وأما التي لا أظفارَ لها، فالَّذي ذكره أصحابنا العراقيُّون وغيرهم: أنه لا تُقْطع بها السليمةُ الأظفار وأنَّها تُقْطَع بالسليمةِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 228

وكذلك حكاه الإِمام عنهم منسوبًا إلى النص، وهو موافق للنصِّ الذي حكيناه فيما إذا اختص رأْس الشاج بالشعر على موضع الموضحة، لكن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يكمل فيها الدية، فقال الإِمام، على سبيل الاحتمال: القياس جريانُ القصاصِ، وإن عدمت الأظفار؛ لأنها زوائدُ ولو لم يَجُزْ القصاصُ، لَمَا تمتْ دية اليد، ولا الأصبع الساقطة الظُّفُر، وجرى صاحب الكتاب على ما أبْدَاه الإِمام احتمالاً وترك المنقول الظاهر، ووَفَّى صاحب "التهذيب" بقياس المنقول عن القصاص، فقال: ينقص عن الدية شيْءٌ وكما لا تُقْطَع اليد الصحيحة بالشلاء، لا تقْطَع بالتي فيها أصبع شلاء، ولا يجير الشَّلَلُ في أصبع بالصحة في أخرى، فلا يجري القصاص في الكُوع بين اليد التي مَسَبِّحَتُها شلاء، والتي وسطاها شلاء، فإن استويا في الشلل، فهما كالشلاوين.
فرْعٌ: سليم اليد إذا قَطَعَ يداً شلاء، ثم شَلَّتْ يَدُهُ، ذكر الإِمام أن شيْخَه قال: خرَّج القفَّال قولَيْن في الاقتصاص منه، ثم رجَعَ، وقطع بالمنع وهو الذي رآه الإمامُ مَذْهَباً والجواب في "التهذيب": أنه يقتص منه، وكذا لو قطع يدا ناقصةٌ بأصبع، ثم سقَطَتْ تلك الأصبع من القاطع، بخلاف ما لو قَطَع ذميٌّ حرٌّ يدَ عَبْدٍ، ثم نقض العهد فسبى، واسترق، لا تقطع، ولو قتله، لا يقتل، وفرق بأن القصاصَ هناك امتنع لَعَدَمِ الكفاءة، والكفاءة تراعي حال الجناية؛ ألاَ تَرَى أنه لوْ قتل ذميٌّ ذميّاً أو عبدٌ عبداً، ثم أسلم القاتل، أو عتق، يقتص منه، والامتناع هاهنا لزيادةٍ محسوسةٍ في يد القاطع والاعتبار فيها بحالة الاستيفاء، فإذا زالَتْ، قطع ولذلك لو قَطَع الأشلُّ يدًا شلاَّء، ثم صحَّت يد القاطع، لا يقتص منه؛ لوجود الزيادة عند الاستيفاء، قال: وكذلك اليدُ بأظفارها لا تُقْطع بالتي لا أظفار لها، فلو سقَطَتْ الأظفار القاطع، قُطِعَتْ بها، واليد التي لا أظْفار لها تُقْطَع بمثلها، فلو نبتَتْ أظفارُ القاطِعِ لم تقطع لحدُوث الزيادة.
الثانية: يجب في قطع الذَّكَر، وفي قطع الأنثيين أو في شَلِّهما القصاصُ، ولو دق خصيتيه، ففي "التهذيب" أنه يقتص بمثله، إن أمكن، وإلا وجَبَتِ الديةُ ويشبه أن يكون الرِّقُّ ككسر العظام، ولو قطع أو أشل إحْدَى الأنثيين 101، وقال أهل البصر: يمكن القصاص من غير إتلاف الأخْرَى اقتص، وذكر القاضي الرويانيُّ: أن الماسرجسيَّ قال: إنه ممكن، وأنه وقع في عهْدِه لرجُلٍ من أهل فراوه وفي قطْع الذكر والأنثيين جميعاً القصاصُ سواء قطْع العضوَيْنِ معاً أو على الترتيب.
وعند أبي حنيفة إِنْ قطعهما معاً أو الذَّكَرَ أولاً، ففيهما القصاص، وإن قطع

الجزء: 10 - الصفحة: 229

الأنثيين أوَّلاً، فلا قصاص في الذَّكَر بناءً عَلَى أن عنْده لا تُقْطع ذكَرُ الفحْل بذَكَر الخصيِّ.
والقول في قطْع ذكَرِ الصحيح بالأشلِّ وبالعكس، والأشل بالأشل على ما ذكَرْنا في اليدِ والرِّجل، وشلَلُ الذكَر بأن يكون منقبضاً لا ينبسط، أو منبسطاً لا ينقبضُ، هذه العبارة هي المتدَاوَلَة في أكثر، ويقالل: الذكَرُ الأشلُّ الذي لا يتقلَّص في البردْ، ولا يسترسلُ في الحَرِّ، وهما راجعانِ إلى المَعْنَى الأول، أي لا يتَأَثر بالبَرْد والحرِّ تقلُّصاً واسترسالاً، بل [يبقى] 102 على هيئة واحدةٍ ولا اعتبار بالانتشار وعدمه، ولا بالتفاوت [في] القوة والضعف، بل يقطع ذكَر الفحْل الشابِّ بذكر الخصيِّ والعِنِّين والشيخ؛ لأنه لا خلَل في نفْس العضْو، وتعذر الانتشار لضَعْف في القلْب أو الدِّمَاغ.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يُقْطَع ذكر الفحل بذَكَر الخصيِّ والعنين، ولا فرق بين الأقْلَفِ والمَخْتُون، والجلْدة الزائدةُ حقُّها أن تكون زائدة زائلَةً.
الثالثة: تقطع أذن السميع بأذن الأصمِّ، وبالعكس؛ لأن السمع لا يحل حرم الأذن، وإنما هو سبيل السمع وآلته، وفي "جمع الجوامع" للرويانىِّ: أن مالكاً ذهب إلى أنه لا تقطع أذن السميع بأذن الأصم، وفي قطْع الأذنِ الصحيحةِ بالمستَحْشَفَة قولان: أحدهما: لا تقطع، كما لا تقطع اليدُ الصحيحةُ بالشلاء.
والثاني: تُقْطَع، البقاء الجمال فيها وبقاء المنفعمة من جمع الصوت، وردِّ الهوامِّ، بخلاف إليه الشلاء 103، قال في "العدة": وهذا أصحُّ، والقول في الاستحسان يعود في الديات، ولا فرق بين المثقوبة وغيرها، إذا كان الثُّقْب للزينة، ولم يورث شيئاً ونقصاناً، فإن أورث نقصاناً، فلتكن المنقولةُ كالمخرومة، فلا تُقْطع الصحيحةُ بالمخرومة، وهي التي قطع بعضها، ولكن يُقْطَع منها بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المخرومة وهذا إذا قلْنا: يجب القصاصُ في بعْضِ الأذنِ، على ما سبق، وإن شُقَّت مِنْ غَيْر أن يبان منها شيْءٌ، فقد نقل الإِمام عن العراقيِّين؛ أنه لا تُقْطَع الصحيحةُ بها أيضاً، لفوات الجمال فيها،

الجزء: 10 - الصفحة: 230

قال: ولست أرى الأمْرَ كذلك؛ لبقاء الجرم بصفة 104 الصحة، وتقطع المخرومة بالصحيحة، ويؤخذ من الدِّية بقدر ما كان قد ذهب من المخرومة.
الرابعة: تُقْطَع أنف الصحيح بانف الأخشم؛ لأن الشم ليس في جرم الأنْفِ وهل يقطع أنفُ السليم بأنف المجذوم قال في "التهذيب": إن كان في حال الاحمرار قُطِع به، وإن اسودَّ، فلا قصاص لأنه دخل في حد البلى وإنما الواجب فيه الحكومة، ولم يفرق وقالوا: عامة الأصحاب بين الاحمرار والاسوداد وقالوا: يجب القصاص مَا لَمْ يسقطْ منه شيْءٌ، ولا يجعل استحكام العلَّة واليأس من زوالها منزلةَ الشَّلَلِ في اليدِ؛ لأن منفعة اليدِ تبطل بالشَّلَل، وأصل الجمال والمنفعة في الأنف باقٍ ما بقيَ جرمه، أما إذا سقط منْه شيْءٌ، فلا يقطع به الصحيح، ولكن يقطع منه بقَدْر ما كان قد بَقِيَ من المجنيِّ عليه إن أمكن، وإن كان بأنف القاطِع نقصانٌ مثْل نقصان أنف المجذوم جَرَى القصاص.
قال الإِمام: وظن بعض الأصحاب أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- أسقَطَ القصاصَ فيه، إذا سقط منه شيءٌ بالجذام، وإن كان نقصان أنْفِ القاطعِ مثْلَ نقصانه وهو غلَطٌ.
الخامسة: لا تؤخذ العيْنُ الصحيحةُ بالحدقة العمياء، والصورة القائمة من الحدقة كاليد الشلاء وتؤخذ القائمة بالصحيحة، إذا رضي المجنىٌّ عليه به، ويقطع جفْن البصير بجفن الأعمى؛ لتساوى العضْوَيْن في الجرم والصحة، وفقد البصر ليس في الجَفْن.
السادسة: لسان الناطِقِ لا يُقْطَع بلسان الأخرس؛ لأن النطق في جرم اللسان، واللسان العاطلُ كاليد الشلاء، والحدقة القائمة كأذن الأصم، وأنف الأخشم، ويقطع لسان الأخرس بلسان الناطق، إذا رضي به المجنيُّ عليه ويقطع لسان المتكلِّم بلسان الرضيع، إن ظهر فيه أثر النُّطْق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا لم يُقْطَع.
وعند أبي حنيفة: أنه لا يُقْطَع به حالٍ، وإن بَلَغ، أو آن المتكلم ولم يتكلَّم، لم يقطع به لسان المتكلم، وقد وقع في ترتيب صور الكتاب بعض التقديم والتأخير للحاجَةِ، وليعلم قولُه: "وتُقطع الشَّلاءُ بالصحيحة" للوجه المُعْزَى إلى أبي إسْحَاق.
وقوله: "ولا يضم إليها أرشٌ" مغنٍ عن قوله: "إن قنع بها"، والشرط أن لا يخاف نزْف الدم، كما بيَّنَّا، ولم يتعرض له.
وقوله: "ويقطع ذكر الصحيح" مُعْلَم بالحاء والميم والألف.
وقوله: "كما تقطع أذُنُ السميع" بالميم.
وقوله: "إلا إذا أخذ الجذام في التَّفتُّت" أي فلا يقطع به الصحيح كلُّه، وإنما

الجزء: 10 - الصفحة: 231

يقطع قِسْطُ الصحيح بما بقي من المجذوم عند الإمكان، وقوله: "وحدقة العمياء" الأقوم بهذه اللفظة "والحدقة العمياء" لا حدقة العمياء وكلٌّ يوجد في النسخ.
وقوله: "كالشلاء" يعني اليد الشلاء.
قوله: "من أُذُنِ النساء" لا اختصاص لمسألة الأُذُن المثقوبة بالنساء، لكنه فيهن أغلَبُ، فلذلك ذكر "أن النساء".
وقوله: "إذا لم يكن شيْنٌ" أي لم يحْدُث به شين ولفظ "الوسيط" وإذا لم يُرِث الثُّقْب شيئاً، كأذن النساء.
وقوله: "قُطِعَ بعضُها" كالتفسير للمجذومة.
وقوله: "ولو كانت أظفار المجني عليه متَقَرَّعَة" قد تقرأ الزاي، يقال: تَقَزَّع القوم أي تفرَّقوا، وهي التي لم تبْقَ ملاستها واستواؤها، وصارت كالقِطَع المتفرِّقة، وقد تُقْرأ بالراء ويجعل "مُتَفَعِّلاً" من القَرْع، وهو الإصابة، كأنه أصَابها شيْءٌ بعْد شيءٍ في الأعمال الشاقَّة، حتى تقرَّعت وتفرجت، والجواب المذكور في المقلوعة خلافُ ظاهرِ المذْهَبِ، كما عرفْتَ، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الكمال" من قوله: "إلى كمال أرش الأنملة من غير ظفر" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قُطِعَ أُذُنُهُ ثُمَّ الْتَصَقَ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ لَمْ يَسْقُطِ القِصَاصُ، وَوَجَبَ قَطْعُهُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَلاَ يُقْلَعُ سِنُّ البَالِغِ بِسِنِّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ، وَكَذَا إِذَا فَسَدَ مَنْبِتُ الصَّبِيِّ لَكِنْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، لِأَنَّ سِنَّ الصَّبِيِّ فَضْلَةٌ فِي الأَصْلِ وَسِنُّ البَالِغِ أَصْلِيُّ، وَإنْ أَعَادَ سِنُّ البَالِغِ فَفِي سُقُوطِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ عَادَتِ المُوَضِحَةُ مُلْتَئمَةً لَمْ يَسْقُطِ القَصَاصُ، وَلَوْ قَطَعَ فلْقَةً مِنْ طُولِ لِسَانِهِ فَعَادَ فَهُوَ مُتَردِّدٌ بَيْنَ المُوَضِّحَةِ وَالسِّنِّ، فَإن حَكَمْنَا بِسُقُوطِ القِصَاصِ وَكَانَ قَدِ استَوْفَاهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَإنْ كَانَ العَائِدُ سِنَّ الجانِي فَهَلْ يَقْلَعُهُ عَلَى هَذَا القَوْلِ ثَانِياً وَثَالِثَاً إلى إفْسَادِ المَنْبَتِ فِيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْألتان: احداهما: إذا قطع أذُن إنسانٍ، فألصقها المجنيُّ عليه في حرارة الدَّمِ، فالتصقت، لم يسقط القصاصُ، ولا الدية عن الجانِي؛ لأن الحُكْم يتعلَّق بالإبانة، وقد وجدتُّ ثَمَّ ذكْرَ الشافعيِّ -رضي الله عنه- والأصحاب: أنه لا بدَّ من قطع المُلْصَق؛ لتصح صلاته، وسببه نجاسة الأذن المبانة في نفسها، إَن قلْنا: إنَّ ما يبان من الآدميِّ نجسٌ، وان لم نقل به، فالسبَبُ أن الدمَ قد ظهر في محلِّ القطع، وثبت له حكْم النَّجاسة، فلا يزول بالاستبطان، ويجيء فيه ما مرَّ في "كتاب الصلاة" في وصْل العَظم النَّجِس بالعَظْم، والتفصيل بين أن ينبت اللحم على موضِعْ النجاسة أَوْ لا ينبت، وبين أن يخاف المُتْلف من القَطْع أو لا يخَاف، ولو قطَعها قاطعٌ، فلا قصاص عليه، إذا كانتْ مستحقة الإزالةِ، وان لم نوجب إزالتها لخوف التلف مثلاً، فسرى قطْع القاطع إلى النفْس، فقد حكى

الجزء: 10 - الصفحة: 232

الإِمام عن المحقِّقين أن علَيْه قِصاصَ النفْسِ، ولم يستبعد خلافه؛ لأن اختلاف العلماءِ في وجُوب القصاص يجوز أن يصير شبهة دارئة للقصاص، ثم هي، وان كانت مستحقَّة القطع، فليس للجاني أن يَقُول: أبينوا أذنه ثم أبينوا أُذُنِي، فإن مِنْ قِبَلِ الأمر بالمعروف، لا اختصاص له به، والنظر.
في مثله إلى الأمام، ولو اقتص المجنيُّ عليه، فألصق الجاني أذُنَه، فالقصاص حاصلٌ بالأبانة، وقَطْع ما أُلْصِقَ بعد الإبانة، لا يختص به المجنيُّ عليه، ولو قطع بعْض إذنه، ولم يُبِنْ، ففي القصاص في ذلك القَدْر خلافٌ سبق، وذلك إذا بقي غيْر ملتصق، أما لو ألصقه المجنيُّ عليه، فالتصق، سقَطَ القصاصُ والديةُ عن الجاني، ورجع الأمر إلى الحكومة كالإفضاء، إذا اندمل، تسقُطُ الدية، ولذلك نقول: لو جاء آخر، وقَطَع الأذن بَعْد الالتصاق، يلزمه القصاصُ أو الديةُ الكاملةُ، هذا أصحُّ الوجهين والمحكيُّ عن النص.
والثاني: عن صاحب "التقريب" أنه لا يسقط القصاص في القَدْر المقطوع، كما لا يَسْقُط قصاص الموضِّحة بالاندمال، ولو وان كان قد أوضَحَ آخَرُ، يلزمه القصاص، ولا يجب قَطْع الملصق قبل تمام الإبانة، هكذا أطلقوه، وهو ظاهِرٌ إن بنينا وجوبَ القطْع على نجاسة المبان بالإبانة، وغير ظاهر، إن بنيناه على ظهور المَوْضِع والدم النجس علَيْه ولو استأصل أذنه، وبقيت متعلِّقة بجلْدة، فلا خلاف في وجوب القَصاص؛ لإمكان رعاية المماثلة، وقد ذكْرنا نحواً مته، لكن لو ألصقَهَا المجنيُّ عليه، فالتصقت، لم يجب قطْعُها، وفي سقوط القصاص عن الجانِي هذا الخلاف، ولو أبان أذنه، فقطع المجنيُّ عليه بعْضَ أذنِه مقتصّاً، فألصقه الجاني، فللمجنيِّ عليه أن يعودَ، فيقْطع؛ لاستحقاقه الإبانَة.
وربط السنِّ المقلوعة في مكانِها وثبوتها كإلصاقِ الأذُن المقطوعة والتصاقها.
المسألة الثانية: في السنِّ القصاصُ، وإنما يجب عند القلْع، فأما إذا كسر سن غيره، فلا قصاص؛ بناءً على الأصْل الذي تقدَّم: أنه لا قصاصَ في كسْر العظام؛ لأنه لا يمكن حفْظ المماثلة فيه؛ ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، وحكى القاضِي ابن كج عن نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه إذا كَسَر بعض سنه، يراجع أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن استيفاء مثله بلا زيادة، ولا صدع في الباقي، اقتص منه، وهذا ما أورده الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" 105 وقد يوجه ذلك بأن السِّنَّ عَظْم مشاهدٌ من أكثر

الجزء: 10 - الصفحة: 233

الجوانب، ولأهل الصنعة آلات قطَّاعة يُعْتَمَدَ عليها في الضَّبْط، فلم تكن كسائر العظام، ولا تُؤْخَذ السنُّ الصحيحةُ بالمكسورةِ، وتُؤْخذ المكسورةُ بالصحيحة" مع قِسْط الذاهب من الأرْش، وتُؤْخَذ الزائدةُ بالزائدةِ بالشرط الذي سبَق، ولو قَلَع سنَّ رجُلٍ، وليس للجاني تلك السنُّ، فلا قصاص، وتُؤْخَذ الديةُ، فلو نبتت بعد ذلك، فلا قصاص أيضاً؛ لأنها لم تكنْ موجودةً يوم الجناية، ونظيرُهُ مَن أوضَحَ، واقتص، واندملت جراحته، ولم تنْدَمِلْ جراحَةُ الشاجِّ، وأوضح في ذلك الموضع ثانياً، ثم اندملت جراحةُ الشاجِّ، قال الرويانيُّ في "التجربة": والذي يجيْء على المذْهَب؛ أنَّه لا يقتض منه؛ لأن مَحَلَّ القصاصِ لم يكُنْ موجودًا يومئذ، ثم إذا قلع سن غيره، فذلك يفرض على وجوه: أحدها: إذا قلَع مثغورٌ سنَّ صبيٍّ، لم يثغر، فلا يوجد في الحال قصاصٌ ولا دية لأنها تنبت وتعود غالباً، فإن نبتتت، فلا قصاص ولا دية، ولكن عليه الحكومة إن نبتت سوداءَ أو معوجةَ أو خارجة عن سمت الأسنان، أو بقي شَيْنٌ آخَرُ بعد النبات، وإن نبتت أطولَ ممَّا كانَتْ أو نبَتَ مَعها ساغية 106، فكذلك في أشبه الوجهَيْن، وإن نبتت أقصر ممَّا كانتْ، وجَب بِقَدْرِ النقصان من الأرْش، فإن جاء وقتُ نباتها بأن سقطت سائر الأسنان، وعادت، ولم تنبت المقلوعة، أُرِيَ لأهلْ البصير، فإن قالوا: يتوقع نباتها إلى وقت كذا، توقفنا تلْك المدة، فإن مضت، ولم تنبت، أو قالوا: قد فسد المنبت، ولا يتوقع النبات، فقد حكى صاحب الكتاب فيه قولَيْن.
أحدهما: لا يجبُ القصاصُ؛ لأن سِنَّ الصبيِّ فضلةٌ في الأصل نازلةٌ منزلةَ الشعْر الذي ينبت مرَّة بعد أخرى، وسن البالغ أصلية.
والثاني: يجب؛ لأنه قَلَع السِّنَّ الحاصلة في الحَالِ، وأفْسَد المنبت، فيقابل بمِثْلِه، وهذا الثاني هو الذي أوردَهُ الجُمْهور مقتصرين علَيْه، وليس لهم ذكْر القولَيْن، حتى لَمْ أره في كتاب الإِمام، إلا أنه يُعَدُّ ما نقل إطلاق الأصحاب من القول بوُجُوبِ القصاص.
قال: وفي القلب منه شيْءٌ، لأن غير السِّنِّ من المثغور عُضْوُ قصاصٍ، ومن غير المثْغُور ليس عُضْوَ قَصاصٍ، فلا يتَّجه فيهما المقابَلَة، ثم إذا أوجبْنا القصاص، فالاستيفاء إنَّما يكون بعْد البلوغ، فإنْ ماتَ الصبيُّ قبل البلوغ، اقتص وارئه أو أخَذ الأرْشَ، وإنْ مات قبل حصول البأس وتبين الحال، فلا قصاص، وفي الأرْشِ وجهان، وهذه الصورة مذكورةٌ في الكتاب في "الديات".
والثاني: إذا قلع مثْغُورٌ سنَّ مثغورٍ، فلا كلام في تعلُّق القصاص به، لَكِنْ لو نبتَت

الجزء: 10 - الصفحة: 234

سنُّ المجنيِّ عليه، ففي سقُوطِ القصاص قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه يسقط القصاص؛ لأن ما عاد قائم مُقَامَ الأوَّل، فكأنه لم يَفُتْ، فصار كما لو عَادَ سن غير المثغور.
والثاني: لا يسقط، وهو اختيار المزني؛ لأنه لم تجر العادةُ بنبات سنٍّ من المثغور، وما اتفق نعمةً وهبةً جديدةً من الله تعالى، فلا يسقط به حقُّه على الجاني، وكلامُ الأئمَّةِ إلى ترْجيح هذَا القوْل أمْيَلُ، وقد صرَّح به صاحب "العُدَّة" وسواء قلْنا: يسقط أوْ لا يسْقُط فلا ينتظر العود بل للمجنىِّ عليه أن يَقْتصَّ أو يأخذ الدية في الحال؛ لأن انتظار ما هو في غاية الندرة مستبعدٌ، ومنهم مَنْ يقول: إن قلْنا بالسقوط، فيراجع أهْل الخبرة، [فإن] قالوا: قد تَعُود إلى مُدَّة كذا ينتظر تلْك المدة، ويكون الحُكْم كما ذكرنا في غير المثْغُور، ولو التأمت الموضِّحة، والتحمَتْ، لم يسقط القصاص ولا الدية؛ لأن العادة المستمرَّة فيها الالتحامُ والغذاء يستحيل لحماً، فلو جعلْنا الالتحام مغيراً لموجبها قَصاصاً ودية؛ لاخْتصَّتِ المؤاخذةُ بما إذا بقي العظْم بارزًا، وصارت مُعْظم المواضِحِ هَدَراً، وكذلك الحُكْم في الجائفة.
وعن صاحب "التقريب" وجْه أنَّها إذا التحمتْ، زالَ حُكْمها، ورأى الإِمام تخصيصَ هذا الوجه على ضعْفه بما إذا نفذَتِ الحديدة في الجَوْف، وحصل الخَرْق من غَير زوالِ لَحْم من البدن دون ما إذا زال شيْءٌ، ونبت لحْمٌ جديدٌ، ورأى طَرْدَه في مثْلِها في الموضِّحةَ أيضاً، ولو قَطَع لسانَ إنسانٍ، فنبت، ففي سُقُوط القِصَاص طريقان.
أحدهما: أنَّه على القولَيْن في عوْد السِّنِّ.
وأصحُّهما: القطع بالمنع؛ لأن عوْده بعيدٌ بمرةِ، فإن اتفق، فهُو محضُ نعمةِ من الله جديدةٍ، وجنسُ السنِّ يعتاد فيه العَوْد، فلا يبعد أن يُلْحَقَ نوع منه بنوع.
التفريع على القولَيْن في عود السن.
إذا اقتصَّ المجنىُّ عليه أو أخذ الأرْشَ، ثم نبت سنَّه، فليس للجاني قلْعُها، وهل يُسترَدُّ الأرْشِ، إن أخذ المجنىُّ عليه الأرش؟ فيه وجهان أو قولان، إن أقمنا العائدَ مُقَامَ الأوَّل، فنعم، وإن جعلْناه هبةً محددةً فلا، وهذه الصورةُ مذكورةٌ في الكتاب في "الديات" كان كان المجنيُّ عليه قد اقتصّ، فهل يطالبه الجانِي بأرْش السنِّ يبنى على هذا الخلاف، وعن رواية صاحب "التقريب" عن أبي الطيِّب بن سلمة: أنه لا يُطالب في صورة الاقتصاص بشَيْء؛ لأن استرداد الأرْش المدْفُوع ممكنٌ بخلاف القصاص المستوفَى، وهو ضعيفٌ، ولو تعدَّى الجاني، فقَلع السنَّ العائدةَ، وقد اقتص منه، فإن أقمْنا العائدَ مُقامَ الأول، فعليه الأرْش بهذا القَلْع؛ لتعذُّر القصاص، وقد وَجَبَ له على

الجزء: 10 - الصفحة: 235

المجنيِّ عليه الأرْشُ بالعود، ففيه الكلام في التقاصِّ، وإن جعلناه هبةٌ مجددةً، فعليه الأرش للقلع في الثاني، وقد استوفى موجِب الأول بالقِصاص، وعلى هذا القَوْلِ؛ لو لم يقتصَّ منه أَوَّلاً أو أخذ الأرش، فللمجني عليه أن يقتص، للقلع الثاني، ولو لم يقتصَّ، ولا أخَذَ الأرش، فعليه قصاصٌ وأرش أو أرشان، وإذا اقتصصنا من الجانِي، فعاد سنُّه دون سنِّ المجنيِّ عليه، فإن أقمْنا العائدَ مُقام الأوَّل، فهل للمجنىِّ عليه القلْع ثانياً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه قابل قلعاٌ بقلع، فلا تُثَنِّى عليه العقوبة، لكن له الأرش، لخُروجِ القلع الأول عن أن يقع قصاصاٌ، وكأنه تعدَّر القصاص بسبب من الأسباب.
والثاني: نعم؛ لأن الجاني أَفْسَدَ منبته فيُكرِّر عليه القلْع إلى أن يفسد منبته، وإن جعلْناه هبة مجددة، فلا شيء للمجنيِّ عليه، وقد استوفَى حقه بما سبق، وهذا هو الأظهر، ولو اقتصَصْنا، وعاد سن الجانِي والمجني عليه معاً، فلا شيء لواحد منْهما على الآخر باتفاق القولَيْن، أما إذا أقمنا العائدَ مُقامَ الأول، فكأنه لا جناية ولا قصاص، وأما إذا جعلْناه هبةً مجددةً، فقد وفَّينا بموجب الجناية بالاقتصاص، ثم إنَّ اللهَ تعالى أنعم عليهم بنعمتَيْنِ جديدَتَيْن.
قال الإِمام: ومَنْ بَدِيعِ التفريع إفضاء قولَيْن مختلفَيْنِ إلى مقْصُودٍ واحدٍ.
والثالث: إذا قلَع غيرُ مثغور سنَّ مثغورٍ، ذكر القاضي ابن كج؛ أن المجني عليه يأخُذ الأرشَ، إن شاء، ويقتص [إن شاء، وليس له مع القصاص شيْءٌ آخر، كما في أخذ الشَّلاَّء بالصحيحة] 107 وهذا، إذا كان غير المثْغُور قدْ بَلَغ، هالا فلا قصاص وفي "أمالي" أبي الفرج: أنَّه يقال له: إن قلعْتَ سنَّه الآن، فالظاهر منها العَوْد، فاصْبِرْ إلى أن يصير مثغوراً، فإن استعجل، أجيب، وشرط عليه أنه لا حَقَّ له [عليه] فيما يعود.
والرابع: إذا قلَع غيرُ مثغورٍ سنَّ من غيرِ مثغورٍ، فلا قصاص في الحال؛ لأن الغالب في السن المقلوعة النبات، فإن نَبَتَتْ، فلا قصاص ولا دَية، على ما ذكرنا في قلْع المثغور سنَّ غير المثغور، وإن لم تَنبت، وقد دخل وقته، فللمجنيِّ عليه أن يأخذ الأرْش، ويقتص، فإن اقتص، ولم يعُدْ من الجانِي، فذاك، وإن عادَتْ، فهل يقلع ثانياً؟ فيه وجهان: أظهرهما: على ما ذكر الإِمام: نعم.
وقوله في الكتاب: "ولا يقلع سن البالغ بسن الصبي الذي لم يَثْغر" ولا يخفى أن

الجزء: 10 - الصفحة: 236

المراد المَثْغُور وَغير المثغور، وأن التعرُّض للبالغِ والصبيِّ جَرَى على العادة الغالبة في الحالَتَيْنِ، ويقال: ثَغَرَ الصبيُّ إذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتَتْ قيل بالتاء على الادغام بعْد قلب الثاء تاء "وأثغْر" إظهارًا للحرف الأصلي وقوله: "ولو قطع فلقة من طول لسانه".
المسألة لا تختصُّ بالفلْقة بل الحُكْم في جميع اللسان كذلك، إلا أنَّ عوْدَ جميع اللسان أبعدُ عن التصوُّر، ففَرَضَ في الفلقة، واتَّبَعَ فيه الإِمام.
وقوله: "وكان قد استوفاه، لزمه الدية" يجوز إعلامه بالواو.
فرُوعٌ: وإن نبتت، قلتَ: أصل المستحبِّ في قصاص الجروح والأطراف التأخيرُ إلى الاندمال واستقرار الجناية، وظاهر المذْهَب أن المستحِقَّ، لو طلب القصاصَ في الحال، يجاب ولا يؤخر إلى الاندمال، والظاهر على ما ذكر صاحب "التَّهذيب" وغيره: أنه لو طالب بالمال، لا يجيبه ويُنْظَر إلى الاندمال، قال: والفرق أن القصاص في تلْك الجراحةِ، وفي ذلك الطَّرَف ثابت للمجنيِّ عليه، وإن سرَتِ الجراحةُ إلى النَّفْس أو شارَكَ غيره في الجُرْح، والمال لا يَتقدَّر، فقد تعود الديتَان فيما إذا قَطَع يديه ورجَلْيه إلى دِيَة واحدةٍ بالسراية، وقد يشاركه واحدٌ أو جمْعٌ، فيقل واجبه، وإذا لم يتيقن قدْر الواجب، لم يؤخذ، وفي كل واحدٍ من القصاص والمال خلافٌ، وفي كيفية الخلاف طرقٌ.
أحدها: أن فيهما جميعاً قولَيْن بالنقل والتخريج، ونَصُّه في القصاص أنَّه يعجِّله وفي المال أن لا يُعجِّل.
أحدهما: أن يُستوفَى ما يطلُبُه المجنيُّ عليه منهما؛ لوجود الجناية الموجِبَة.
والثاني: المنْع إلى أن تستقر الجناية بالاندمال.
والثاني: قَطَع بعضُهم في القَصاص بأنهُ يعجَّل قالُوا: والنص في المال أنه لا يُؤخَذُ قبل الاندمال، ونصَّ فيما إذا جنى السيد على مكاتَبه على أنه يعجِّل الأرش، ليصرفه إلى النُّجُوم، فحصل من النصيْنِ قولانِ في تعجيل المال.
والثالثُ: قطَع آخرونَ بأنَّه يُعجِّل القصاص، ولا يعجل الماء إلا في مسألة المُكَاتَب، والفرْق أن المكاتَبَ يخاف سقُوط المالِ؛ بأن يموت رقيقاً أو يعْجز، والحرُّ لا يخاف سقوطه، وأيضاً فالكتابة موضوعةٌ على تعجيل العتق ما أمكن، وكذلك لو عجَّل المكاتَبُ النجْمَ قبل المحلِّ، يُجْبر السيد على القَبُول، وفي سائر الديون المؤجَّلة تفصيلٌ وخلافٌ، وإذا قلْنا: يعجل المال قَبْلَ الاندمال، ففي قَدْرِهِ وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا يعجِّل إلا ديةَ نفْسٍ؛ لأن احتمالَ السرايةِ قريبٌ ليس بنادرٍ، فبتقدير السراية لا يَجِبُ إلا دية نفْس.
والثاني: تجب أروش الجراحات ودياتُ الأطرافِ، كما كانت؛ لأن أسبابها

الجزء: 10 - الصفحة: 237

حاصلة ونقصانها بالسراية غير محقَّق، فإن اتفقتِ السرايةُ استردَدْنا الزيادةَ، وحكى الإِمام وجهَيْن عن الصائرين إلى التعجيل في "مسألة المكاتَبِ" في أنه هل يخص الحُكْم بما إذا كان المالُ المأخوذُ وافياً بالنجوم أو بما بَقِيَ منها أَو يعمَّم قال: ولو كانتِ الجراحةُ جراحةَ حكومةٍ، فلا بد من التوقُّف إلى تبيُّن العاقبة، وعن بعض الأصحاب فيما رواه الشيخ أبو محمَّد: أنه يُؤْخَذ أقلُّ ما يُفْرض حكومةً لتلْك الجراحة، وعند أبي حنيفة [ومالك وأحمد]: لا يستوفى قصاص الطرف قبل الاندمال، بناءً على أصْلِهِمْ؛ أنه إذا صارت الجنايةُ نفْساً، سقَطَ قصاصُ الطَّرَف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّفَاوُتُ الثَّالِثُ فِي العَدَدِ فَإنْ كَانَ يَدُ الجَانِي نَاقِصاً بِاُصْبُع قُطِعَتْ (ح) وطُولبَ بِالأرْشِ، وإنْ كانَ النَّاقِصُ يَدَ المَجِنيِّ عَلَيْهِ كَانَ (ح) لَهُ لَقْطُ الأَصَابعِ الأَرْبَعِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي أُصْبُعَانِ شَلاَّوَانِ فَلَهُ لَقْطُ الأصَابِعِ الثَّلاَثِ وَلَهُ دِيَةُ الأُصْبَعَيْنِ، وَحُكومَةُ الكَفِّ تَنْدَرجُ تَحْتَ جَمِيعِ الأَصَابعِ قَوْلاً وَاحِداً، وَهَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ قِصَاصِ الأَصَابِعِ، وَهَلْ يَنْدَرجُ بَعْضُهُ تَحْتَ دِيَةِ بَعْضِ الأَصَابع فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ (و) أَنَّهُ لاَ يَنْدَرجُ تَحْتَ حُكُومَةِ الأصْبُعِ الشَّلاَّءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تفاوت العضوَيْن في العدَدِ قد يكون بالنقصانِ في طرَف الجانِي، وقد يكون بالنقصانِ في طرف المجنيِّ عليه، وفيهما صور: إحداها: لو كانَتْ يد الجانِي ناقصةً بأصبعٍ، وقد قطع يداً كاملةً، فالمجنيُّ عليه يأخذ ديةَ اليدان إن شاء، وإن شاء قطع يده الناقصةَ وأخذ الأرش للأصبع، ولو كانت ناقصة بأصبعين فله قطْع يده وأرْشُ أصبعين، وقال أبو حنيفة: لا أرش له مع قطْع اليد.
لنا: أنَّ الجانِيَ قد قطع منه أصبعاً، لم يستوْفِ قِصاصَها، فيكون له أرشُها لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فِي كُلِّ أصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ" 108 وَأَيْضاً، فإن تلْك الأصبع، لو كانت، لكان له استيفاؤُها، فهذا لم توجَدْ، استوفى بدَلَها، كما لو قطع أصبعين، وليست له إلا واحدةٌ [ويخالف] ما إذا كانتْ يد الجاني شلاء، وأراد المجنيُّ عليه قطْعَها، فإنه لا يأخذُ معها شيئاً؛ لأن النقصانَ هناك نقصانُ صفةٍ، وجرمُ الأصابع باقٍ، والنقصان هاهنا نقصانُ جزء، وحكْمُ النقصانين مختلفٌ؛ ألا ترى أنه لو أتلَفَ إنسانٌ عليه صاعَيْ حنطةٍ، ووجد للمتلف صاعاً، كان له أن يأخذُهُ، ويطلب بدل الباقي، ولو أتْلَفَ عليه جيداً، ووجد له رديئاً من جنْس المُتْلف، فأراد أن يأخذه ويطلب أرشاً، لم يكن له ذلك، وكذا لو قطَع

الجزء: 10 - الصفحة: 238

أصبعَيْن من غيره، وله أصبع واحدة، فللمجنيِّ عليه أن يقتصَّ في الموجودة، ويطلب بدل المعدُومة، ولو قطع أصبعًا صحيحةً وتلْك الأصبع منه شلاء، فأراد المجنيِّ عليه قطع الشلاء وأخذ شيء للشل لم يمكن التائية لو كان النقصان في يد المجني عليه كما إذا قطع السليم يداً ناقصةً بأصبعٍ، فليس للمجني عليه قطعُ اليدِ الكاملةِ من الكُوع لما فيه من استيفاء الزيادة، لكنه يلقط الأصابع الأربع إن شاء، ويأخذ ديتها إن شاء، قال الإِمام أبو حنيفة: يأبى هذا النوْع من القصاص، ولا يجيز أن تلقى حديدة القصاص غير الموضع الذي لقيته حديدة الجاني، وقد تقدَّم مثله، فإن لقَطَ الأربع، فقد استبقى كفَّ الجاني مع استيفَائه كله فهل له حكومتها أما حكومة خمسها الذي تقابل منبت أصبعه الباقية، فيجب، وأما حكومة أربع أخماسِها، فوجهان.
أحدهما: لا يجب، وتدخل تحت قصاص الأصابع، كما تدخل تحْت ديتها، فإنه أحد موجِبَي الجناية.
وأصحُّهما: الوجوب، وبه قال أبو إسحاق، ووُجَّه بأن الحكومة من جنْس الدية، فلا يبعد دخولُها فيها، والقصاصُ ليس من جنْسِها، وبأن الدية بَدَل حكمي، فجاز أن يجعل بدلاً عن الكلِّ، والقصاصُ استيفاءُ المثل حسّاً، فلا يمكن أن يجعل الأصابع وحْدَها في مقابلة الأصابع ومنابتها، مع التفاوت المحسُوس بين الجملتَيْن، ويجري الوجهان فيما إذا كانَتْ على يد الجانِي أصبعٌ زائدةٌ، ويد المقطوع بصفة الاعتدال، فلقط الخمس؛ لتعذر القطْع من الكوع بسبب الزائدةِ هل تدخل حكومةُ الكفِّ تحْت قِصاص الخمس؟ وهذه الصورة هي التي ينطبق عليها قولُه في الكتاب: "لكن هل يندرج تحت قصاص الأصابع؟ فأما إذا لقط الأربع في الصُّورة التي قبل هذه، فليس البخاري قصاصَ الأصابعِ، بل قصاصُ بعضِها، ولو أخذ في تلْك الصُّورة دية الأربع، ولم يلقطها، دخَلَت حَكومةُ منابتها فيها، وعلى ظاهر المذهب، كما أن حكومة جميعَ الكفِّ تندرج تحت دية الأصابع، فإنَّ الواجبَ في لقط الأصابع خمْسُونَ من الإبل، وفي القَطْع من الكوع، ولا يجِبُ إلا ذلك، وإذا اندرجَتْ حكومة الكفِّ تحت ديات الأصابع، اندرج بعضها تحت البعض؛ لأن البعْضَ من البعْضِ كالكل من الكل، وحكى الإِمام وغيره وجْهاً أنه لا تندرج، وتختص قوة الاستتباع بالكلِّ وأما حكومة الخمسِ الباقي من الكفِّ، فيجب على الصحيح، وحكي وجهٌ أنَّ كل أصبع تستتبع الكفّ كما تستتبعها كل الأصابع، ورتَّب الإِمام الخلاف في أن دية بعض الأصابع، هل تستتبع قسطاً من حكومة الكفِّ على الخلاف في أن قصاص بعْضها] 109 هل يستتبع؟ إن قلْنا بالاستتباع في

الجزء: 10 - الصفحة: 239

القصاص، ففي الدية أَوْلَى، وإلا ففي الدية وجهان، وإذا وفيت حقَّ التأمل فيما ذكَرْنا، ظهر لك أن الخِلاَفَ في أن القِصَاص في بعض الأصابع، هل يستتبع حكومة مثابتها من الكفِّ؟ يحصُلُ من وجهين: أحدُهما: أن القصاص هل يَسْتتبعُ الحكومة.
والثاني: أن البعض هل يستتبع البعْض.
ولو قطَع كفّاً لا أصابع علَيْها، فلا قصاص إلاَّ أن يكون كفُّ القاطع مثلَها، ولو قطَع صاحبُ هذه الكفِّ يدًا سليمةً، فله قطْع كفِّه ودية الأصابع، حكاه القاضي ابن كج عن النِّصِّ.
الثالثة: إذَا كانَتْ في يدِ الجانِي أصبعانِ شلاَّوان، ويدُ المجنيِّ عليه سليمةٌ فإنْ شاءَ قَطَع يده، وعليه أن يقنع بها، فإنا ذكرنا فيما إذا عمَّ الشلل اليد، أنه إذا قطعَها، يَقْنَع بها، وإذا كان الشَّلَل في بعْضها، فالقناعة أوْلَي وإن شاء، لقط الثلاث السليمة، وأخذ ديةَ أصبعين، ويعود في استتباع القِصاص في الثَّلاَثَ حكومةُ منابتها، وفي استتباع حكومةِ ديةِ الأصبعين حكومة منبتهما الخلافانِ السابقانِ، ولو كانت في يدِ المجنيِّ عليه أصبعان شلاوَانِ، ويدُ الجاني سليمةٌ، لم يجز القصاص من الكوع، ولكن للمجني عليه أخذُ الثلاثِ السليمةِ، وحكومةُ الأصبعَيْنِ الشلاوَين، ويعود الخلاف في استتباع القصاص في الثلاثِ حكومةُ منابتها، وفي استتباعِ حكُومةِ الشلاوين حكومةُ منبتهما وجهان: أحدهما: وهو الذي أورده أصحابُنا العراقيون: أنها تستتبعها؛ لأن حكومتها هي المال الواجبُ فيها فأشبهتْ ديةَ الصحيحةِ.
وأصحُّهما: عند صاحب الكتاب والإمام والحُسَيْن الفراء: المنع؛ لأن الحكومة ضعيفةٌ غيْرُ مقدَّرة، فلا يليق بها الاستتباع، بخلاف الدية، وفي لفْظ "المختصر" ما يوافِقُ هذا الوجْه ويؤيِّده، والوجهان يجِيئَان على قوْلنا: إنَّ ديةَ بعْضِ الأصابع تستتبع قسْطاً من حكومة الكفِّ.
أما إذا قلْنا: إنَّ ديةَ بعْضِها لا تستتبع بعْض الحكومةِ، فحكومةُ بعضها أوْلَى.
فرْعٌ: لو قطع كفَّاً ليست لها إلا أصبع واحدٌ خطأً، وجبت دية تلْك الأصبع، والظاهر أنه تدْخُل حكومة منبتها فيها، وأنه يجب حكومةُ باقِي الكفِّ، وعلى الوجه الذي قلْنا: إن كل أصبع يستتبع كلّ الكف؛ لا يجب شيْءٌ من الحكومة.
آخَرُ في "التهذيب": أنه لو كانتْ أصابعُ إحْدَى يديه وكفها أقْصَرَ من الأخْرَى، فلا قصاص في القُصْرَى؛ لأنها ناقصة 110 وفيها ديةٌ ناقصةٌ بحكومةٍ.

الجزء: 10 - الصفحة: 240

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإنْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي سِتُّ أَصَابِعَ مُتَسَاوِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا زَائِدٌ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْقُطَ خَمْساً وَيُطَالِبَ بِسُدُسِ دِيَةِ اليَدِ وَيُحَطُّ شَيْئٌ بِالاجْتِهَادِ لِأَنَّ كُلَّ سُدُسٍ استَوْفَاهُ كَانَ في صُورَةِ خُمُسٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ بِالفِطْرَةِ الْتَبَسَ عَلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَلاَ قِصَاصَ خِيفَةً مِنْ أَخْذِ الزِّيَادَةِ بِالأَصْلِيَّةِ، فَإنْ بَادَرَ وَلَقَطَ خَمْسَاً فَهُوَ تَمَامُ حَقِّهِ وَلاَ أَرْشَ لَهُ بَعْدَهُ وَإِنِ احْتُمِلَ أَنْ تكُونَ الزَّائِدَةُ هِيَ المُسْتَوْفَاةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن الزائدَ مِن الأعضاء يُقْطِع بالزائد، إذا اتحدَ المحلُّ، وذكَرْنَا خلافاً في اشتراط التساوِي في الحَجْم، فلو فُرِضَ شخصانِ لكلِّ واحدٍ منهما أصبعٌ زائدةٌ، فقطع أحدهما زائدةَ الآخر، اقتص منه، إذا حصل شرطه، وكذا لو قطع أحدُهما يد الآخر، ولو قطع شخص معتدلٌ الخِلْقة يدًا عليها أصبعٌ زائدةٌ تُقْطَع يدُه بها، وتؤخذ الحكومةُ للزائِدَةِ، سواءٌ كانتْ معلومةً بعينها أو لم تكُنْ، وإن شاء المجنيُّ عليه، أخَذَ دية اليد وحكومة الأصبع الزائدة، ولو قطع صاحبُ الأصابعِ السِّتِّ يدَ معتدلِ الخلقة، لم تُقْطع يدُه من الكوع إلا أن تكون الأصبع الزائدة نابتة من الذراع، [فلا يمكن القطْع من الكوع]، وإذا تعذَّر القصاص من الكوع، فللمجنيِّ عليه لَقْطُ الخمس الأصليات، وتعود الوجهان في استتباع قصَاصِها حكومةَ الكَفِّ فإن كانتِ الزائدةُ بجنب أصلية؛ بحيث لو قُطِعت الأصليةُ، لسَقطتِ الزائدةُ، فلا تقطع، بل يقتصر على قطع الأربع، ويأخذ دية أصبع، ولو كانت نابتةً على أصبع، وأمكن قطْع بعضها من الأربع، فَعَل كما إذا كانت نابتةً على الأنملة الوسْطَى أصبعٌ، فيُقْطَع الأنملة العلْيا مع الأربع، ويؤخذ ثلُثَا دية أصبُع، هذا إذا كانتْ في الست الزائدة معلومةً بعينها، ووراءه صورتان، هما المذكورتان في الكتاب.
إحداهما: لو كانت الست كلُّها أصليةً؛ بأن قسمت الطبيعة مادَّةَ الأصابع بتقدير العزيز الحكيم بستة أجزاء متساوية في القوَّة والعَمَل بَدَلاً عن القسمة إلى خمْسة أقسام، هذا لفْظ الإِمام، وكلمتا "الطبيعة والمادة" من اصطلاحات القوْم، وإن أسند إلى تقدير الحكيم الخبير، ومِن الأصحاب من عبر عن الغرض بأنَّ الله تعالَى نقص من جرم كلِّ أصبع من الخمس وقُوَّتها شيئاً، وخَلَق منها أصبعاً تساويها في الصورة والقُوَّة، وبالجملة، فإذَا قال أهل البصير: إنها جميعاً أصليةً، ليست فيها زائدةٌ، فللمجنيِّ عليه أن يلقط خمْساً منها على الولاء من أي جانِبٍ شاء هكذا أطلق، ولك أن تقول: إن لم تكنِ الستُّ المفروضةُ على تقطيع الخمس المعهودة وهيئاتها، فهذا قريبٌ، وإن كانتْ على تقطيعها، فمعْلُومٌ أن صورة الإبهام من الخمس تباين صورة سائرها، كان كانتِ الَّتي تشبه الإبهام على الطرَف، فينبغي أن يلقط الخمس من ذلك الجانب، وإن وقعَتْ ثانية، وكانت التي على الطَّرَف كالملحقة بها، فينبغي أن يلقط الخمْس من الجانِب الآخَرِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 241

قال الإِمام: ويختلج في النفس أن يُقال: ليس له لقط الخمس؛ لوقوع الست على نَظْمٍ يخالف نظم الخمس المعتدلة، وغموض القطْع منها ثم حقُّه لا يتوفر بقطع الخمس منها؛ لأنها خمسة أسداسِ اليد، ويده مقطوعةٌ [بكمالها] 111، فله مع ذلك سدُسُ الدية، لكن يُحطُّ من السدس شيْءٌ لأن الخمس الملقوطة، كان كانت خمسة أسداس، فهي في صورة الخمس المعتدلة، والأمرُ في قدْر المحطوط مفروضٌ إلى رأْي المجتهد ونَظَرِهِ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقَطَع الستَّ، قال صاحب "التهذيب": يعزر، ولا شيْء عليه، ولو قلت: يلزمه شيْء، لزيادة الصورة، لم يَبْعُدْ، وهو القدْر المحطوط من سُدُس الدية لواحدة مع قطْع الخمس، ولو قطع صاحبُ الأصابع الستِّ أصبعًا من معتدل، تقطع أصبعه، ويُؤْخَذ ما يفضل به خمس دية اليد على سُدُسِها، وهو بعيرٌ وثُلُثا بَعِيرٍ؛ لأن خمُسَها عشرة، وسدسها ثمانية وثلث، وقياس ما سبق أن يُقال: يحط من قَدْر التفاوتِ شيْء؛ لأن المستوفَى سُدُسٌ في صورة خُمْسٍ، ولو قطع معتدل اليد التي وصفنا أصابِعَها، قطعت يَدَه ويُؤْخَذ منه شيءٌ للزيادة المشاهدة، كذلك حكاه الإِمام وغيره ولو قطَع أصبعاً منْها، لم يقتص؛ لما فيه من استيفاء الخُمُس بالسُّدُس، ولكن يؤخذ منه سدُسُ ديةِ يَدٍ ولو قَطَع أصبعَيْن، قُطِعت منه أصبعٌ ويؤخَذ فضْل ثلث الدية على خمسها، وهي ستة أبعرة وثلثان، ولو قطع ثلاثًا منها قُطِعَتْ منه أصبعان، ويُؤْخَذ من دية اليَدِ فضْلُ النصْف على الخمسين، وهو خمسة أبعرة، ذكره الشيخ إبراهيم المروروذي وغيره، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطَع بأصبعه المقطوعةِ أصبعاً منها، قال الإِمام: هو عنْدَنَا كَمَنْ قطَع يدًا شلأً، فابتدر المجنيُّ عليه، وقطع بها الصحيحةَ.
الثانية: إذا قال أهل البصر: نعْلَم أن واحدةً منها زائدةٌ، فإن القوَّة لم تقسم اليد إلى أجزاء متساوية، ولكن الزائدةَ ملتبسةٌ علينا، لم يكن للمجنيُ عليه قطْع الخمس؛ لأن الزائدةَ لا تُقْطع بالأصليَّة مع اختلاف المحلِّ، ولا يؤمن أن تكون الزائدةُ إحْدَى المستوفيات، ولو بادرَ، وقطَع خمساً، عُزِّر، ولا شيء عليه [لاحتمال أن] 112 المقطوعاتِ أصلياتٌ، ولا شيء له كان احتمل أن تكون الزائدةُ فيما استوفَى؛ لأنه تَعدَّى بما فعَل، والاحتمالان قائمان، فلا نَجْعَل له شيئاً كما لا نَجْعل عليه شيئاً، ولو بادر، وقَطَع الكلَّ، فعليه الحكومة للزائدة، كان قال أهل البصر: لا نَدْرِي أهي كلها أصلياتٌ، أم خَمْس منْها أصليةٌ، وواحدةٌ زائدةٌ، فلا قصاص أيضاً، ولو قطع جميعَها أو خمساً منه، يعزَّر، ولا شيء له، ولا عليه؛ لأنه إن قَطَع الجميع، فيحتمل أنها أصلياتٌ، وإن قطع خمساً منها، فيحتمل أن تكونَ الأصليات والباقيةُ الزائدةُ [وقوله في الكتاب: "فلا

الجزء: 10 - الصفحة: 242

قصاص خيِفَةٌ من أخذ الزائدة بالأصلية] 113 أي مع اختلاف المحلِّ، فأما إذا لم يختلفِ المحلُّ، فلا يمتنع أخذ الزائدة بالأصلية، على ما مَرَّ، وذلك كما إذا كانَتْ له أربعُ أصابعَ أصليةِ وخامسةٌ زائدةٌ، فقطع يد من أصابعه أصلية، يجوز للمجنيِّ عليه أن يقْطع يده، ويرضى بالزيادة عن الأصليَّة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَسَّمَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرَةُ بِإِذْنِ اللهِ -تَعَالَى- أُصْبُعاً وَاحِدَةً بِأرْبعِ أَنَامِلَ مُتَسَاوِيَةٍ قَقَطَعَ صَاحِبُهَا أُنمُلَةً مِنْ مُعْتَدِلَةٍ قَطَعْنَا وَاحِدَةً وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ، وَإنْ قَطَعَ ثِنْتَيْنِ قَطَعْنَا ثِنْتَيْنِ وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ قَطَعَ ثَلاثَةَ قَطَعْنَا ثَلاَثَةَ وَطَالَبْنَاة بِمَا بَيْنَ الكُلِّ وَثَلاَثةِ أَرْبَاعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "ولو قسمت القوة المدبرة بإذن الله تعالى" عبارة اتبع فيها الإِمام حيْثُ قال في تصوير المسألة: "صادَفَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرة بإذْن الله تعالى مزيدَ مَادَّةٍ، فزادت في الأصبع قِسْماً"، وهو كما حكيناه عنه في تصوير الأصابع الستِّ، والمقصود أنَّ كلَّ أصبعٍ سوى الإبهام منقسمةٌ فيما أجرى اللهُ تعالَى العادَةَ به ثلاثَ أقسام، وهي الأناملُ الثلاثُ، فلو انقسمتْ على خلاف العادَة أصبع بأربعِ أناملَ، فلها حالتان.
إحداهما: وهي المذكورة في الكتاب أنْ تكون الأربعُ أصليةً عند أهل النظر، وقد يستدلُّ عليه بأن تكُون غيْر مُفْرطةِ الطُّول بل قريبة من الاعتدال، وتناسب سائر [الأصابع]، فإذا قطَع صاحبُها أنملةً من معتدلٍ، فيقطع منه أنملة، لكنَّ حقَّ المجنيِّ عليه لا تتأدِّى بها على التمام؛ لأن أنملته رُبُع الأصبعِ، وأنملةُ المجني عليه ثُلُثٌ، فيُطالَبُ بما بين الربع والثلثِ من دية أصبع، وهو خمسة أسداس بِغيرِ؛ لأن [ثلثا] دية الأصبع ثلاثةٌ وثلثٌ، وربُعُها اثنانِ ونصْف، ويقال: إن القفَّال حكى هذه الصورة عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وإن قَطَع أنملتين، قطعنا منه أنملتين، وأنملتَاهُ نصْف أصبعه، وأنملتا المجنيِّ عليه ثلثا أصبعه، فيُطَالَب بما بين نصْف دية أصبع وثلثها، وهو بعير وثُلثَا بعيرِ، وإن قطع أصبع معتدل بتمامها، فهل يقطع أصبعه بها؟ نقل صاحب "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: نَعم، وهو الذي أورده القاضي الرويانيُّ، وصاحب الكتاب في "الوسيط" و [هو الذي] صحَّحه الأمام، لأنه لا تفاوُتَ في أصْلِ الخِلْقة، وإنما التفاوتُ في كيفية الانقسامِ وعدد الأقسام، ويدُلُّ على المقابلة بين الأصبَعيْنِ جَعْل كلِّ أنملةٍ منها مقابلةً بربع ما يقابل به أصبع المعتدل.

الجزء: 10 - الصفحة: 243

وأصحُّهما: عند صاحب "التهذيب": المنع؛ للزيادة في عدد الأنامل، كما لا تقطع اليد التي [فيها] ستُّ أصابع بيد المعتدل؛ للزيادة في عدد الأصابع، وقد يُؤَيَّد ذلك بنصِّ تقدَّم في الأصبع الزائدة، أنه إذا كانت لها ثلاثةُ مفاصِلَ، لا تقطع بالتي لها مَفْصِلان، وعلى هذا يقطع منه ثلاث أنامل، هي ثلاثة أرباع حقِّه، ويطالب بالتفاوت بيْن جميع الدية، وثلاث أرْبَاعها، وهو بعيران ونصْفٌ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطع أصبعه عُزِّر، ولا شيْء عليه.
وقوله في الكتاب: "وإن قطع ثلاثاً قطعنا ثلاثةً" جواب على ما رجَّحه صاحب "التهذيب" لأن قطع الثلاث من المعتَدِل هو قطْع الأصبع كلّها، وليُعْلَم بالواو؛ للوجْه الآخر على أن الأشبه أنه لم يَقْصِد الجوابَ بما ذكَره؛ لأنه لم يذْكُره في "الوسيط" ولا اختاره الإِمام وإنَّما وقع عن غفلةً.
ولو قطع معتدلٌ أنملةَ مَنْ له هذه الأصبع، لم تقطع أنملته، ولكن تُؤْخَذ منه رُبُع دية أصبع، ولو قطع أنملتين، فللمجنيِّ عليه أن يقطع منه أنملةً، ويأخذ ما بين ثلُث الدية ونصْفها، وهو بعيرٌ وثلثان، ولو قطَع ثلاثَ أناملَ، فله أن يقطع أنملتَيْن، ويأخذ ما بين الثلثين، وثلاثة أرباع، وهو خمسة أسداس بعير، ولم يذكروا هَاهُنَا أنه يُحَطُّ من المضموم إلى الأنملة المقطوعة شيْءٌ؛ لأنها ربع في صورة ثلث، كما [فعلوا] في مسألة الأصابع السِّتِّ، ولو قطع الأصبع بتمامه، قُطِعت أصبعه ولم يلزمه شيْء آخر، ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ.
والحالة الثانية: أن تكون الأنملةُ العلْيا زائدةً خارجة عن أصْلِ الخلقة فلو قطع صاحبها أصبُعَ معتدلٍ، لم تقطع أصبعه؛ لما فيها من الزيادة 114، وأُخِذَت منه الدية ولو قَطَعَها معتدلٌ، قُطِعَتْ أصبعه، وأُخِذَت منه حكومة للزائدة، وتختَلِفُ الحكومة بأن تكُون الزائدةُ ساقطةَ العمل أو منقادَة له، ولو قطع المعتدلُ أنملة منْها، فلا قصاص؛ لأن الأصلية لا تُؤخَذ بالزائدة، وتجب الحكومة، ولو قطع منه أنملتين، قطعت منه أنملة، وأخذت الحكومة [للزائدة] 115، ولو قطع ثلاثاً، قطعت منه أنملتان، وأخذ الحكومة.
فرُوعٌ: إذا كان لأنملته طرفانِ؛ أحدهما أصليٌّ عاملٌ، والآخر زائدٌ غير عاملٍ، ففي الأصلي القصاصُ والأرشُ الكاملُ، وفي الزائِدِ الحكومةُ، ولو قطع صاحبُها أنملةً معتدلةً، قُطِع منه الطرف الأصليُّ، إن أمكن إفرادُه بالقَطْع، وإن كانا عاملَيْن مشتدين قال الإِمام: الأمر فيهما قريبَ من القول في الأصابع الستَّة الأصليات، كان قطع معتدلٌ أحد

الجزء: 10 - الصفحة: 244

الطرفيْن، لم تُقْطع أنملتُه، وإن قطَعَهما جميعاً، قُطِعت أنملته، ولزمه لزيادةِ الخِلْقة شيْءٌ وإن قطع صاحبها أنملةً معتدلةً، لم يقطع طرفا أنملته، ويقطع أحدهما، ويتخير فيه المقتص، ويؤْخَذ منه نصف الأرش محطوطاً منه شيْء؛ لأن المقطوع نصْف في صورة الكُلِّ، وجميع هذا فيما إذا نبت طرفا تلْك الأنملةِ عَلَى رأس الأنملة الوُسْطَى، فلو لقى رأسها عَظْم، ثم انشعب الطرفان مِنْ ذلك العَظْم، فإن لبم يكنْ مفْصِل بين العظْم، وبينهما فليس ذلك موضع القصاص، وإن كان لكلِّ طرفٍ مِفْصل هناك، فالعَظْم الحائل بين الشعبتين، والأنملة الوسْطَى أنملة أخرَى، فهي أصبعٌ لها أربع أَنَامِل، والعليا منها ذاتُ طرفَيْن، هكذا رتَّب الإِمام الفَرْعَ، وهو أحسن ترتيب فيه، وأصلُ الفرْع منصوصٌ في "المختصر" وإذا كان على الساعِد كَفَّان، أو على الساق قَدَمانِ، فالحكَم كما في أنملتين على رأْس الأصبع، وسنعود إلى ذلك "في الديات" إن شاء الله تعالى.
ولو [صادفنا] أصبعاً، ليست لها سوى أنملتان، وهي تناسب سائر الأصابع في الطول، فللإمام فيه احتمالان.
أحدهما: أنها ليستْ أصبعاً تامَّةً، وإنما هي أنملتان؛ لأن طول الأنامل لا يقتضي مزيدًا؛ ألا ترَى أن ذات الأنامل لو طالَتْ أناملُها لو لم تزد لها حكومة بالطُّول، ولم يكن الطُولُ كأنملة زائدة.
وأظهرهما: أنها أصبع تامَّةٌ، لكنها ذات قسمين، كما أنه إذا كانتْ فيها أربع أنامل كانت أصبعاً ذات أربعة أقسام، ولو فُرِضَت أصبعٌ لا مَفْصِل لها، قال الإِمام: الأظهر عندي نقصانُ شَيْء من الدية؛ لأن الانثناء، إذا زال بالكلية، سقَط مُعْظَم منافِع الأصبع، وقد ينجر هذا الكلام إلى أن يقتص أصبع السليم بها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ الأُنْمُلَةَ الوُسْطَى مِمَّنْ لاَ عُلْيَا لَهُ وَجَبَ القِصَاصُ وَتَعَذَّرَ الاسْتِيفَاءُ، فَإنْ سَقَطَتْ عُلْيَا الجَانِي بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَة اسْتُوفِيَتِ الوُسْطَى، وَهَلْ يُطَالَبُ فِي الحَالِ بأَرْشٍ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ المَجْنُونَ إِذَا ثَبَتَ لَهُ القِصَاصُ هَلْ يُطَالَبُ لَهُ بأَرْشٍ لِلْحَيْلُولَةِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُطَالَبُ، وَفِي الصَّبِيِّ لاَ يُطَالَبُ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا نَفْيًا وَاِثْبَاتًا تَخْرِيجًا، وَفِي طَلَبِ الأَرْش لِأَجْلِ الحَيْلُولَةِ بِعُذْرٍ الحَمْلِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ؛ عَلَى الصَّبيِّ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يُطَالَبَ لِأَنَّ أَمَدَ الحَمْلِ قَرِيبٌ فَتَوَقُّعُ سُقُوطِ العُلْيَا بِآفَةٍ كتَوَقُّعِ المَجْنُونِ الإِفَاقَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رجلٌ سليمُ اليدِ، قطع الأنملة الوسطَى ممن هو فاقدُ الأنملة العليا، فلا سبيل إلى القِصاص مَعَ بقاء الأنملةِ العلْيَا، فإن سقطَتْ هي بآفة أو جنايةٍ، حصلت القُدرةُ على القصاص من الوسْطَى، فيقتص وفي "الشامل": أن أبا حنيفة قال: لا قصَاصَ في الوسطى إذا تعذَّر الاستيفاء في حال الجناية.

الجزء: 10 - الصفحة: 245

لنا: أن امتناع القصاص كان لاتصالِ محلِّ الجناية بغيره، فإذا زال الاتصالُ، استُوفِيَ القصاصُ، كالحامل إذا وضعتِ الحَمْلَ.
فإن صبر المجنيُّ عليه إلى أن يمكن الاقتصاص أو عفا وطلب الأرش، فذاك وقد حُكِيَ عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- ما يناظرُه، قال: لو قطع كفًّا لا أصابع لها، وليَدِ القاطعِ أصابعُ، قلْنا للمجنيِّ عليه: لا يمكنُكَ القصاص في الكفِّ، لأجل الأصابع، فإن اخترت، فاعف، وإلا فاصبر، فلعل أصابع الجاني تذهب، فتأخذ كفه بكفك، ولو بادر المجنيُّ عليه، فقَطَع الوسطَى مع العليا، فقد تَعدَّى، وعليه أرش العليا، وإن أراد طلَبَ الأرْش في الحال للحيلولة، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقد يُعبَّر عن الخلاف بأن أخْذ المال هل يكون عَفْواً عن القصاصِ، وقد يقال إذا أخذ المال، ثم سقطَتِ العليا، هل يردُّه وَيسْتوفِيَ القصاص؟ قال الإِمام: وكلُّ ذلك راجِعٌ إلى أن الحيلولةَ في القصاص، هل يثبت الرجوعَ إلى المال؟ وشبه الوجهين بالوجهين في أن من أتلف حنطة، وغُرِّم القيمة لإعواز المِثْل، ثم وجد المثْلَ، هل يرد القيمة، ويطالب بالمثل؟ ويالوجهين في أنَّ مَنْ أخذ أرش العَيْب القديم؛ امتنع الرد بالعَيْب الحادث، ثم زال العَيْبُ الحادثُ، هل له أن يرد المبيعَ والأرْشَ، ويستردَّ الثمَنَ؟ وبنى الإِمام وصاحب الكتاب الخلافَ في أنه هل يطالب بأرش الوسطَى في الحال، على أنه إذا ثبت القصاصُ لصبيٍّ أو مجنونٍ، هل لوليِّهما طَلَبُ المالِ في الحالِ؟ وإذا ثبت المّصاص على حاملٍ، هل تُطَالَبُ؛ في الحال بالمالِ؟ فعن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه لو قُتِلَ إنسانٌ، ووارثُهُ مجنونٌ، يجوز لوليه أخذُ الدية، وعن نصه -رضي الله عنه- فيما إذا ثبت القصاص لصبيٍّ: أن وليَّه لا يأخُذ المال، فجرى جَارُونَ على النَّصيْن، والفَرْق أن الجنون ليستْ له غايةٌ منتظرةٌ، فلو لم نُجَوِّز أخْذَ المال، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص، كان ذلك قريبًا من التعطيل، والصبيُّ له غاية منتظرةٌ، وهو البلوغ، وعن بعْضِهم: التصرُّف فيهما، والتخريج من كل واحدٍ منهما في الآخَر، ولو ثبَتَ القِصاصُ على حاملٍ، فعن الصيدلانىِّ: أن في طلب المستحق الديَةَ في الحال مِثْلَ الخلافِ المذكورِ في أن وَليِّ الصبيِّ هل يَطْلُبُ؛ لأن لوضع العمل أمدًا يُنْتظَرُ، كما لزوال الصِبا.
فإذا عُرِفَ ذلك، فزوال العلْيا في مسألة الأُنْملُةِ يشبه بمسألة الجنون؛ لأنه ليس له غاية منتظرةٌ كإفاقة المجنون، والظاهرُ عنْد الأئمة أنه ليس له أخْذُ المال، إذا لم يعْفُ وقالوا: إن أخْذه الديةَ عفْوٌ عن القصاص، والظاهر في المجنونِ أن لوليِّه أخْذَ المال، ولكن لا على الإطلاق، كان حكى الإِمام النصَّ في المجنون مطلقاً، وكذا ذكره القاضي الرويانيُّ عن رواية أبي إسحاق الخرَّاط، بل يشترط أن يكون فقيراً، فإن كان غنياً، فالظاهر أنه لا تُؤْخَذ، وفي الصبيِّ الفقيرِ الظاهرُ أنه لا يَأْخُذ، وقطعوا به فيما إذا كان غنيّاً، أو كان له قريبٌ يُنْفِق عليه، وقد سبق هذا كلُّه في اللقيط، إذا ثبت له القصاصُ

الجزء: 10 - الصفحة: 246

في الطَّرَف وفي الحامل أيضاً الظاهرُ أنها لا تُطالَبُ بالدية، ولو كانتِ العليا مستَحقَّةَ القَطْعِ بالقصاص فتوقع القصاص في الوسْطَى بين التوقع في صورة المجنون والتوقع في صورة الصبيِّ والحمْل؛ لأن استيفاء القصاصِ يُرْتَقَب ويُنْتظر بخلاف الإفاقة من المجنون، لكن ليس له أمدٌ معلومٌ بخلاف زوال الصبا ووضع الحَمْل، والذي رجَّحوه، وإن كانت العليا مستَحَقَّةً بالقصاص؛ أنه لا يطالبه بأرْشِ الوسطَى من غير عفْوٍ، ومن صور استحقاق العلْيا بالقصاص ما نَصَّ عليه في "المختصر" وهو أن تقطع الأنملةَ العلْيا منْ إنسانٍ، والوسْطَى من آخر، وهو فاقدٌ للعليا، فلصاحب العلْيا القصاص فيها أولاً، وإن كان قطعه لاحقاً، فإن جاء طالبا للقصاص، اقتص ويُمَكَّنُ مُستحِقُّ القصاصِ من الوسطى استيفائه، قال أبو بكر الطوسي: ولو اتفقا على وضْع الحديدة على مفْصِل الوسطَىئ، واستوفيا الأنملتَيْنِ بقطعةٍ واحدةٍ، جاز وقد هَوَّنَا الأمر علَيْه، وإن لم يطلب صاحب العلْيا القصاصَ، صبر صاحب الوسطَى، أو عفا كما ذكرناه.
وقوله في الكتاب: "فإن سقطت علْيا الجانِي بآفة أو جناية استُوفِيَتِ الوسطَى" ليُرَقَّمْ بالحاء؛ لما سبق، وبالواو؛ ولأن الشيخ أبا محمَّد في آخرين حَكَوْا أن القفَّال تردَّد في استيفاء 116 الوسطَى، وأن أكثر ميْلِهِ إلى أنَّها لا تستوفى؛ لأن الجناية جرَتْ، والقصاص غير ممكنٍ حالة جريانها، وأنه لو كانتِ العليا مستحَقَّةً بالقصاصِ عند الجناية على الوسطَى، فليس ذلك موْضِعَ ذلك التردُّد، ولأن المستَحقَّة كالملقوطة.
وقوله: "هل يُطَالَبَ له بأرش للحيلولة" أي هل يُطالَبُ الجانِي، وكذلك هو في بعض النسخ.
وقوله: "لأن أمد الحمل قريب" هذا يختلف؛ فقد يكون الباقي من مدَّة الحمل أكْبَرَ مِنَ الباقِي من مدة الصبيِّ إلا أن يريد أن مدَّة الحَمْل أقصرُ من مدة الصِّبَا.
فرْعٌ: قطع الأنملة العليا من أُصْبُع إنسان، والعليا والوسطى من تلْك الأصبع من آخر، نُظِرَ إن سبق قطع الأنملتين، فلِمَقطوع الأنملتين أن يقتصَّ، ويأخذ الآخرُ أرْشَ العليا، وإن سبق قطْعُ الأنملة، فلصاحبها أن يقتص، ثم الآخر يتخيَّر بين أن يقطع الوسطَى، ويأخذ دية العليا، وبين أن يعفو، ويأخذ دية الأنملتين ولو بادَرَ صاحبُ الأنملتين، فقطعهما، كان مستوفياً لحقِّه، ويأخُذ الآخر ديةَ العلْيا من الجانِي، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ قَدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ بِنِصْفَيْنِ فَادَّعَى مَوْتَةُ فَالأَصْلُ عَدَمُ القِصَاصِ مِنْ جَانِبِهِ وَاسْتِمْرَارُ الحَيَاةِ مِنْ جَانِبِ المَلْفُوفِ فَيُخَرَّجُ التَّصْدِيقُ عَلَى تَقَابُلِ

الجزء: 10 - الصفحة: 247

الأَصْلَيْنِ، وَلَوِ ادَّعَى نُقْصَانَ يَدِ المَجْنيِّ عَلَيْهِ بِأصْبُعٍ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ عَدَمُ القَصَاصِ، وَقَوْلُ المَجْنِيِّ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ السَّلاَمَةُ، وَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ العُضْوِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فَيُصَدَّقُ المَجْنِيُّ فِي العُضْوِ البَاطِنِ لِعُسْرِ البَيِّنَةِ، وَالبَاطِنُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ شَرْعَاً عَلَى رَأْيِ، وَمُرُوءَةً عَلَى رَأْيٍ، وَفِي الرَّابعِ يُفْرَقُ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ نَفْيَ السَّلاَمَةِ أَصْلاً، أَوْ زَوَالَهَا طَارِئاً، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فَقالَ وَلِيُّ الدَّمِ: مَاتَ بَعْدَ الاِنْدِمَالِ وَعَلَيْكَ دِيَتَانِ وَقَالَ الجَانِي: بَلْ قَبْلَ الانْدِمَالِ فَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ يُصَدَّقُ أَحَدُهُمَا صُدِّقَ وَإِلاَّ فَهُوَ خَارجٌ (و) عَلَى تَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ إذِ الأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ جَانِبٍ وَعَدَمُ التَّدَاخُلِ مِنْ جَانِبٍ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مُوْضِحَتَيْن فَقَالَ الجَانِي: رَفَعْتُ الحَاجِزَ قَبْلَ الانْدِمَالِ وَعَلَيَّ أَرْشٌ وَاحِدٌ وَقَالَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ بَعْدَهُ وَعَلَيْكَ ثَلاَثة أُرُوشٍ وَاقْتَضَى الحَالُ تَحْلِيفَ المَجْنِيِّ فَحَلَفَ ثَبَتَ الأَرْشَانِ، وَفِي الثَّالِثِ وَجْهَانِ، وَجْة قَوْلِنَا لاَ يَثْبُتُ أَنَّ اليَمِينَ إنَّمَا يَصْلُحُ لِنَفْيِ التَّدَاخُلِ لاَ لإِثْبَاتِ مَالٍ عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه مسائلُ في الاختلافاتِ الواقعةِ، بيْن الجانِي والمجنيِّ عليه أو وليِّه منها لو قدَّ ملفوفاً في ثوْبٍ بنصفَيْن، وقال: إنه كان مَيَّتَاً، وادَّعَى الوليُّ أنه كان حيّاً، فمَنِ المصدق منهما باليمين؟ فيه قولان: أحدهما: أن المصدَّق الجانِي؛ لأن الأصل براءة ذمته عن القصاص.
وأظهرهما: ويحكى عن رواية الربيع: أن المصدَّق [ولي] 117 المجنيِّ عليه؛ لأن الأصل استمرارُ الحياة، وأيضاً، فإنه كان مضموناً، والأصل استمرار تلك الحالة فأشبه إذا قَتَلَ مَنْ عُهِدَ مسلماً، وادعى رِدَّته، وعن بعض الأصحاب: أن يُفْرَق بين أن يكون ملفوفاً على صورة الكفن، وبين أن يكون ملفوفاً في ثياب الأحياء، قال الإِمام: وهذا لا أصل له، ويجري القولان فيما لو هَدَم عليه بيتاً، وادعى أنه كان ميتاً، وأنكر الولي.
وسواء قلْنا: إن القول قولُ الجانِي أو الوليِّ، فلو أقام الوليُّ بيِّنة على حياته [عمل] بها، ويجُوز أن يُصدَّق الشخص تارةً بالبينة، وتارة باليمين، كالمودع في دعْوَى الردِّ، وللشهود أن يَشْهَدُوا عَلَى الحياة، إذا كان قد رأَوهُ يتلفف في الثوب، ويدخل

الجزء: 10 - الصفحة: 248

البيت وإن لم يتيقنوا حياته حالة النقد والانهدام استصحاباً لما كان، ولكن لا يجوز أن يَقْتَصِروا على أنهم أَوْ يدخل البيت، ويتلفف في الثوب قاله صاحب "التهذيب" 118 وغيره.
ولو قتل إنساناً، وادعى رقَّهُ، وأنه ليس عليه إلا القيمة، وقال قريبه: بل كان حرّاً فعن النص أن القول قول القريب، وأنه لو قَذَفَ امرأة، وادعى رقَّها، وأنكرتْ، فالقول قولُ القاذِفِ، وفيهما طريقان: أحدهما: تقرير النصَّيْن، وفرق بأنا إذا لم نوجِبِ الحدَّ، نوجب التعزير، والتعزير زاجر أيضاً، وأما في القتل فهذا لم نُوجبِ القصاصَ، لم نوجب ما يصلح زاجراً.
وأظهرهما: أن فيهما قولَيْن: أحدهما: يُصدَّق الجاني؛ لأن الأصل عدمُ القصاص.
والأظهر: تصديق القريبِ؛ لأن الغالب والظاهر الحرية ولذلك يُحْكَم بحرية اللَّقيطِ المجْهول الحال.
ومنْها قطع طَرَفِ إنسانِ، واختلفا في سلامته، فادَّعَى الجاني نقصاناً، كالشلل في الذكَر واليد والرَّجْل أو نقصان الأصبع فيهما أو الخَرَس في اللسان أو العَمَى في الحدقة، وأنكر المجنيُّ عليه، فالقول قول المجنيِّ عليه، والتصويرُ فيما إذا اختلفا في أن الأنثيين كانتا مرضوضَتَيْنِ أم لا، ونصَّ في "الديات" وإذا اختلفا في سلامة الذَّكَر؛ أن القول قولُ الجانِي، وكذلك إذا اختلفا في شَلَل اليد، وللأصحاب طرق: أظهرها: ويُحْكَى عن أبي إسحاق وَأَبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري، والقاضي أبي حامد وابن القَطَّان: أنه إن كان العضْو ظاهراً؛ كاليد والرِّجْل واللسان والعين، فالمصدق الجاني، إن أنكر أصل السلامة؛ لأن الأصل أنه لا قصاص؛ ولأنه لم يفوت ما يدعيه المجنيُّ عليه والمجنيُّ عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي تدعيها؛ لظهور العضو، وإن اتفقا على أنه كان سليماً، وادعَى الجاني حدوثَ النقصانِ والشَّلَلِ، فقولان: أحدهما: أن الجواب كذلك لأن الأصل البراءة عن القصاص.
وأظهرهما: أن المصدَّق المجنيُّ عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة التي كانت، وإن كان العضْو باطناً، كالذكر والأنثيين، فقولان، سواءٌ أنكر الجانِي أصْل السلامة أو سَلَّمه وادعى زوالها: أصحُّهما: تصديق المجنيِّ عليه؛ لأن الأعضاء الباطنة لا يُطَّلَع عليها، فيعسر إقامة البينة على سلاَمَتِها.

الجزء: 10 - الصفحة: 249

والثاني: طرْدُ القولَيْن في الأعضاء الظاهرة والباطنة، ويُحْكَى هذا عن ابن الوكيل، وطَرَدَهما في إنكار أصل السلامة، وفي تسليمه ودعْوَى الزوال، ووَجْهُ تصديقِ المجنيِّ عليه مع إنكار الجانِي أصْلَ السلامة، بأن الغالب السلامة؛ ولذلك [أثبتنا] الرد بالعيب في البيع.
والثالث: القطع في الأعضاء الظاهرة بتصديق الجاني، وفي الباطنة بتصديق المجنيِّ عليه، والفَرْقُ أن الظاهر يُطَّلَع عليه وتعرف سلامته، فيمكن إقامة البينة عليها، بخلاف الباطن؛ ولذلك قلْنا: إنه لو علَّق طلاق امرأته على الدُّخُول وسائر الأفعال الظاهرة وادعَتْ حصولها لا تصدق فيه، ولو علَّق على الحيض، فادعته صُدِّقَتْ.
والرابع: عن أبي الطيب بن سلمة: أنه إن أنكر الجانِي أصلَ السلامة، فهو المصدَّق بلا خلاف، وإن سلَّم السلامة وادَّعَى حدوث النقصان، فالمصدَّق المجنيُّ عليه بلا خلاف، ويُخرَّج من الطرق عند الاختصَار أقوالٌ، كما في الكتاب جمعها صاحب "التهذيب".
أحدُها: تصديقُ الجانِي على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تصديق المجنيِّ عليه على الإطلاق، وبه قال أحمد.
والثالث: الفرْق بين العضو الباطِنِ والظاهر.
والرابع: الفرْق بين أن يُنْكر السلامة أصلاً، وبيْن أن يعترف بها، ويدعي زوالها، فإن اقتصرت على الجوابِ الظاهِرِ، ولم تتعرض للخلافِ، قلْت: المصدَّق المجنيُّ عليه، إلا في العضْوِ الظاهر عند إنكار أصل السلامة.
وليعرف بعد هذا أمور: أحدهما: ما المعْنِيُّ بالظاهر والباطن اللَّذَيْنِ أطلقناهما؟ قال الإِمام: تلقيت من كلام الأصحاب فيه وجهَيْن: أحدهما: أن الباطِنَ ما يجب ستْرُه عنِ الأعْيُن، وهو العورة والظاهر ما عدا ذلك، وأَلْيَقُهما وبفقه الفصْل: أن الباطن ما يُعْتاد ستْرهُ إقامةً للمروءة، والظاهر ما لا يُسْتَر غَالباً؛ وذلك لأن الفَرْقَ بيْن النوعيْن مبنيٌّ على عُسْر إقامة الشهادة وسهولتها، وما يستر غالباً لا يُطَّلَع على حاله، فيعسر إقامة الشهادة فيه، وعن بعض التعاليق أن الوجهَيْن متولدان من لفْظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- حيث قال فيما إذا اختلفا في سلامة الأنثيين: إن القول قول المجنيِّ عليه؛ لأن هذا مغيَّبٌ عن أنظار الناس، ولا يجوز كشْفُه لهم، فاعتبر بعضهم المعنَى الأول، وآخرون الثانِيَ.
والثاني: إذا صدَّقنا الجانِيَ، فيحتاج المجنيُّ عليه إلى إقامة البينة على السلامة،

الجزء: 10 - الصفحة: 250

وكيف يقيمها؟ قال ابن الصبَّاغ وغيره: يُبنى ذلك على القولَيْن فيما إذا اعترفا بأصْل السلامة، وادعى الجاني زوالَهَا فإن صدَّقْنا الجَانِيَ، فيحتاج المجني عليه إلى أن يقيم البينة عَلَى السلامة عند الجناية، ويستغْنَى عن اليمين، فإن أقامها على أنَّه كان سليماً فتسمع أيضاً، ولكن يَحْلِف مع هذه البينة لجَوَازِ حدُوث الخَلَلِ والشَّلَل.
والأصحُّ عند القاضي الرويانيِّ وغيره: أنَّه يكْفِي قولُ الشهود؛ إنه كان صحيحاً، ولا يشترط التعرض لوقْت الجناية، ويجوز الشهادةُ على سلامة العيْن، إذا رآه يتبع بصره الشيْء زماناً طويلاً ويتوقى المهالك، ولا يجوز بأن يراه وَيُتْبع بصَرَه الشيْءَ الزمانَ اليسير؛ لأن ذَلِكَ قد يوجَدُ من الأعْمَى، وكذلك تجوزُ الشهادةُ على سلامة اليد والذَّكَر برؤية الانقباضِ والانبساطِ.
والثالث: في تعليقِ الشيخِ أبي حامِدٍ وغيره: أن القَوليْن فيما إذا ادَّعى الجانِي زوالَ السلامة التي كانت منصوصان في "الأم" وذهب جماعةٌ إلى أنهما مخرَّجان من القولَيْن في "مسألة الملفوف"، وأنهما متفقان على أصْل الحياة هناك، وعَكَس الإِمام القضيَّةَ؛ فجَعَل الخلافَ في "مسألة الملفوف" مبنيّاً على الخلاف في هذه الصورة.
والرابع: إذا اختلفا في أصْل العضو، فعن بعضهم إطلاقُ الخلافِ في أن المصدَّق أيُّهما؟ واستدرك الإِمام وقال: مَنْ أنكَرَ أصل العضو أنكر الجناية، فيقطع بتصديقه وإنما موضع الخلاف ما إذا اتفقا على أصْل العضْو والجناية عليه، واختلفا في حال العضْو صحةً وشللاً وعمًى وإبصاراً، ومِنْ هذا القبيل ما إذا قَطَع الكف، واختلفا في نقصان أصبع، وليس منه ما إذا ادَّعَى المجنيُّ عليه أنهُ قطَعَ الذَّكَر والأنثييْن، وقال الجاني: لم أقطَعْ إلا أحدهما؛ لأن الأصبع جزءٌ من العضْو الذي وردَتِ الجناية عليه، وقطْع الكفِّ قَطْع الأصبع، بخلاف الذَّكَر والأنثيين.
ومنها: لو قطَع يدَيْه ورجلَيْه، فمات، واختلف الجاني والوليُّ، فقال الجاني: مات بالسراية، فعلَّى دية، وقال الوليُّ: بل مات بعد الاندمال، فعليك ديتان فيُنْظَر؛ إن لم يمكنْ الاندمال في مثل تلْك المدة؛ لقصر الزمان؛ كيوم ويومين، فالقولُ قول الجانِي بلا يمين، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه يحْلِف؛ لجواز أن يكون الموت بسببٍ حادثٍ؛ كَلسْعِ حَيَّةٍ، وشُرْبِ سُمٍّ مذفَّفٍ، ولم يستحسن ما ذكره؛ لأن تنازعهما في الاندمال والسبب الآخر لم يَجْرِ له ذكْرٌ، حتى ينفي، وإنما يجري التحليف بحسب الدعْوَى والإنكار، وإن أمكن الاندمال في تلْك المدَّة، فقد فصل فيه تفصيلان: أحدهما: ذكر جماعة، منْهم ابن الصباغ والقاضي الرويانيُّ: أنه، إن مضتْ مدَّةٌ طويلةٌ لا يمكن أن تبقى الجراحةُ فيها غير مندملة، فالقول قول الوليِّ بلا يمين، وإن أمكن الاندمال وعدمه في تلْك المدة، فالقول قوله مع اليمين، ويشبه أن يقالَ: ليس

الجزء: 10 - الصفحة: 251

لمدَّة الاندمال ضبْطٌ، وقد تبقى الجراحةُ سنين كثيرة، والشخصُ ضمن بسَبَبِهَا إلى أن يَمُوت منْها، فينبغي إلاَّ يكُون التصديقُ عند إمكان الاندمال، إلا باليمين، وهكذا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
والثاني: قال الإِمام: إن أمكن الاندمالُ، لكنه كان بعيداً، وكان الظاهر خلافَه، فالقولُ قول الجانِي؛ بناءً على ظاهِرِ الحالِ، وادعَى وفَاقَ الأصحاب فيه، والذي يوجَدُ للأكثرين أن المصدَّق الوليُّ، وربَّما قطَعُوا به وعن أبي الطيِّب بن سلمة تخريجُ قولٍ من "مسألة الملفوف" أو من الصورة المذكورة مِنْ بَعْدُ: أنه يصدَّق الجانِي؛ لأن ما يقوله محتَمَلٌ، والأصل براءة الذمة، وعلى هذا ينطبقُ قوله في الكتاب، فهو خارج على تَقَابُل الأصلَيْن إلى آخره، ويجوز إعلامه بالواو؛ لقَطْع مَنْ قطع بتصديق الوليِّ.
ولو اختلفا في مضيِّ زمان الاندمال، فالمصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل أنه لم يمْض، ولو قال الجانِي ماتَ بالسراية، أو قتلتُه قبل الاندمال، وادعَى الوليُّ أنه مات بسببٍ آخَر؛ بأن قال: قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سُمّاً مُوحِياً، فوجهان: أحدهما: أن المصدَّق الجاني؛ لأن ما يقوله محتملٌ والأصل براءة الذمة، ويُحْكَى هذا عن أبي إسحاق.
وأظهرهما: وبه قال أبو عليٍّ الطبريُّ، أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاء الديتين الواجبتين بالجنايتين، والأصل عدَمُ السبب الآخر، ولو اقتصر الوليُّ على أنه ماتَ بسببٍ آخَر، ولم يعينه، فعن الصيدلانيِّ: أنه لا يلتفت إلى قوله إن قَصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال؛ لأن تَرْك التعين يُشْعِر بأنه لا سَبَبَ، وأن مراده دعوى الاندمال، وإن أمكن الاندمال، فإن صدَّقناه بيمينه، ولم نُحْوِجه إلى البينة قبل قوله، وحلَف على أنه ماتَ بسبَبٍ غير الجناية، وإن لم نُصدِّقْه وأحوجناه إلى البينة، فلا بد من التعيين؛ لتصوُّر إقامة البينة، قال الإِمام: ولاَ يَبْعُد التخريج على الوجهَيْن، وإن لم يُمْكن الاندمالُ، فلو اتفقا على أن الجانِيَ قتله، ولكن قال: قتلته قبل الاندمال، فعَلَيَّ ديةٌ وقال الوليُّ: بل بعده، فعليكَ ثلاثُ دياتٍ، والزمان يحتمل الاندمال، فيصدَّق الوليُّ في بقاء الديتين، والجاني في نفي الثالثة، ويجيء وجهٌ أنه يصدَّق الجاني على الإطلاق.
ولو قطَع إحْدَى يديه ومات، فقال الجاني: مات بسبب آخَرِ مِنْ قَتْلِ أو شُرْبِ موح، وليس عليَّ إلا نصْفُ دية.
وقال الوليُّ: مات بالسراية، وعليكَ ديةٌ تامةٌ، فوجهان قال في "التهذيب": أصحهما: أن القول قولُ الوليِّ؛ لأن الأصل أنَّه لم يوجَدْ سببٌ آخر.
والثاني: يصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة ذمته، ولو قال الجانِي: مات بعْدَ

الجزء: 10 - الصفحة: 252

الاندمالِ، وليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الوليُّ: مات بالسراية، والزمان زمانٌ محتملٌ للاندمال، فالظاهر أن المصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة الذمَّةِ، ولم يَثْبت ما يوجب الديَة، بخلاف قطع اليدين والرجلين المُوجِب لديتين، وفيه وجه أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاءُ الجناية وسرايتها، ولو اختلفا في مضيِّ زمان الإمكان، فالمصدَّق الوليُّ، إذِ الأصلُ أنه لم يمض، ولو قتله الجاني بعْد القطْع، وقال: قتلته قبل الاندمال، فعليَّ ديةٌ، وقال الولي: بل بعده، وعليك دية ونصْفٌ، فالمصدَّق الجاني.
ولو جرحه بقَطْع يد أو غيره، فمات، فقال الجاني: جاء آخر، فحز رقبته، ليس عليَّ قصاص النفس، وقال الوليُّ: بل مات بسراية جراحتك، ففي المصدَّق منهما وجهان.
أظهرهما: أن المصدَّق الوليُّ، وعن الداركيِّ: القطْعُ، وبه لو قال الجاني: مات بعد الاندمال، وقال الولي: بل بالسراية، قال الإِمام: إنْ طالتِ المدَّةُ، وكان الظاهرُ الاندمالَ، صدِّق الجاني بيمينه؛ لأن الأصل أنْ لا قصاصَ، ولم يظهر ما يوجِبه، وهو الجرح السارِي بخلاف ما إذا تنازَعَا بعْد قطع اليَدَيْن والرِّجلَيْن، فإنَّ موجب الديتين قد وجد هناك، وإن قَصُر الزمان وبعد احتمال الاندمال، فالمصدَّق الوليُّ، وعن القاضي أبي الطيِّب نقْل قولَيْن مطلقَيْن، مهما كانت [المدة] محتملة الاندمال، في قوْلٍ يُصدَّق الوليُّ لأن الأصل بقاء أثر الجناية وفي قول: الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة 119، وإن لم تحتملِ المدةُ الاندمالَ، قال فيصدَّق الوليُّ بلا يمين، وإن لم تحتمل بقاء الجرح، فيُصدَّق الجاني بلا يمين، وحيث صدَّقنا من يدعي الاندمالَ، فلو أقام الآخَرُ بيِّنة على أن المجْروح لم يزل، ضمناً متألماً من الجراحة، حتى مات، قَوِيَ جانبُه ورجَعْنا إلى تصديقه كذلك حكاه الإِمام وغيره.
ومنْها: أوْضَحَ رأْسَه موضحتين، ثم رفع الحاجز بينهما، واختلفا، فقال الجانِي: رفعتُه قبل الاندمال، فليس عليَّ إلا أرشٌ واحدٌ وقال المجنيُّ عليه: بل بعده، وعليك أرشُ ثلاثِ موضحاتٍ، قال الأئمة: إن قَصُر الزمان، صدِّق الجاني بيمينه، وإن طال، صدِّق المجنيُّ عليه بيمينه، كما سبق نظيره، وإذا حلَف المجنيُّ عليه، ثبت الأرشان، وهل يثبت الثالث؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه ثبت رفْع الحاجز باعترافه، وثَبَت الاندمال بيمين المجنيِّ عليه فقد حصَلَتْ مُوضِحَةٌ ثالثةٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 253

وأصحُّهما: أنه (1) لا يَثْبُت، وتصدَّق فيه الجاني؛ لأنه يقول: رفَعت الحاجز، حتَّى لا يلْزَمُني أرشان، بل يعود الأوَّلان إلى واحِدٍ، فإن لم يُقْبَل قوله في الاتحاد، وجَب أن لا يُقْبل في الثالث الذي لم يَنْصُت موجِبهُ، ولو وجدْنا الحاجز بينهما مرتفعاً، وقال الجاني: رفعْتُه أنا أو ارتفع بالسراية، وقال المجنيُّ عليه: بل رفعه آخر أو رفعتُه أنا، فالظاهر تصديق المجنيِّ عليه؛ لأن المُوضِحَتَيْنِ توجبان أرشَيْنِ، والظاهر بثبوتِهِما واستمرارهما، ولو كان الموجود موضحة واحدةً، وقال الجاني: هكذا أوضحْتُ، وقال المجنيُّ عليه: أوضحْتُ موضحتين، وأنا رفعتُ الحاجز بينهما، فالقولُ قول الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يوجد ما يقتضي وجوبَ (2) الزيادة.
وقوله في الكتاب: "فيُخَرَّج التصديق على تَقَابُلِ الأصلَيْن" يعني "فيه قولان" ونحوه قوله: "فهو خارج على تقابل الأصلَيْن".
وهذا تمام الكلام في الفنِّ الأوَّل.

الفَنُّ الثَّانِي في حُكْمِ القِصَاصِ الوَاجِبِ

وَفِيهِ بَابَانِ:

البَابُ الأَوَّلُ فِي الاسْتِيفَاءِ

وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ:

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الاسْتِيفَاءِ

فَإنْ كَانَ القَتِيلُ وَاحِداً فَهوَ لِكُلِّ الوَرَثَةِ عَلَى فرَائِضِ الله تَعَالَى فَإنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ صَغِيرٌ انْتُظِرَ (ح م) تَكْلِيفُهُ، وإنْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ انْتُظِرَ حُضُورُهُ، فَإنْ تَزَاحَمُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلِغَيْرِهِ مَنْعُهُ مِنْ أَصْلِ الاسْتِيفَاءِ، وَيَدْخُلُ فِي القُرْعَةِ المَرْأَةُ وَالعَاجِزُ عَلَى أَحدِ الوَجْهَيْنِ لِيَسْتَنِيبَ إِنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.120121

الجزء: 10 - الصفحة: 254

قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت في أول الجِرَاحِ وقُوعَ الكلام في فَنَّيْنِ: أحدهما: في موجِبِ القِصَاصِ.
والثَّانِي: في حُكْمِهِ بعْد الوجوب، وهو الذي نَخُوضُ فيه، وإذا وجب القصاصُ، فأما أن يُسْتَوْفَى أو يُترَك ويُعْفَى عنه، ففي [الطرفين] بابان: أما الأوَّل، ففيه ثلاثة فصول: أحدها: فيمن يَلِي الاستيفاء.
والثاني: في كيفية الاستيفاء تعجيلاً وتأخيراً.
والثالث: في طريق الاستيفاء، وحفظِ المماثلة فيه ما أمكن.
أما الفصل الأول، فولاية الاستيفاء للمستحِقِّين، والقصاصُ يستحِقُّه جميع الورثة على فرائض الله تعالى، وحكى ابن الصبَّاغ وجهَيْن آخرَيْنِ للأصحاب: أحدهما: أنه للعصباتِ خاصَّةً؛ لأن القصاص [لرفع] العارِ، فيختص بهم كولاية النكاح.
والثاني: أنَّه للوارثين بالنَّسَب دون الوارثين بالسَّبَب؛ لأن السبب ينقطع بالموت، والقصاص للتشفِّي فإذا انقطع السبَبُ، فلا حاجة إلى التشفِّي، والمذهبُ المشهورُ الأوَّل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، ووُجِّه بأن القصاصَ أحدُ بدلي النفْس، فيستحقه جميعُ الورثة، كالدية، وُيروى؛ أن رجلاً قَتَل آخَرَ في عهْدِ عمرَ -رضي الله عنه- فطَالَب أولياؤه بالقَوَد، ثم قالت أخت القتيل، وكانت زوجة القاتِل: قد عَفَوْتُ عن حَقِّي فقال عمر -رضي الله عنه: عَتَقَ 122 الرجُلُ، والأشهر عن مالك أنَّ القصاصَ لا يثبُتُ إلا لِعَصَبات النَّسَب، وعنه رواية أخرى: أنَّه يثبتُ لرجال القرابة، حتى يستحقه الأخ للأمِّ أيضاً ورواية ثالثة: أنه يثبُتُ لرجَال القرابة، والأمُّ من جملة النساء، وإذا قُتِلَ من [ليس] له وارثٌ خاصٌّ، فهل للسلطانِ أن يقْتص من قاتله أو يتعيَّن أخْذُ الدية فيه قولان مذكوران في كتاب "اللقيط" وإن خلَّف بنتاً واحدةً أو جدةً أو أخاً لأم، فإن قلْنا: للسلطان استيفاءُ القصاص، إذا لم يكُنْ وارثٌ، استوفاه مع صاحب الفرض، وإلاَّ فالرجوع إلى الدية، ثم فيه صورتان: إحداهما: إذا كان بعْضُ الورثة غائباً أو كانَ فيهِمْ صبيٌّ أو مجنونٌ انتظر حضورُ الغائِب أو مراجَعَتُه، وبلوغُ الصبيِّ أو إفاقَةُ المجنون، ولم يَكُنْ للحَاضِرِينَ والبالِغِينَ العُقَلاء الانفرادُ بالاستيفاءِ خلافاً لأبي حنيفة ومالك في الصبيِّ والمجنونِ؛ حيث قالاَ:

الجزء: 10 - الصفحة: 255

لا يُنْتظر بلوغُ هذا، وإفاقة ذلك.
وعن أحمد روايتان، [لنا] أن للصبيِّ والمجنون حقّاً في القصاص؛ ألا ترى أنهما يستحقانه بتقدير الانفراد، وإذا ثَبَت لهما حقُّ القصاص وجب أن لا يفُوتَ عليهما بالاستيفاءِ، كما في حق الغائب، وهذا لأن القصاص للتشفِّي ودرك الثأر، فحقُّه التفويض إلى خيرة المستحق.
وإذا انفرد صبيٌّ أو مجنونٌ باستحقاق القصاص، لم يستوفه الوليُّ، والقيِّم يستوي فيه قصاص النَّفْس والطَّرَف 123 وعند أبي حنيفة: للوليِّ استيفاء [القصاصين] وللوصي استيفاء قصاص الطَّرَف، وسلَّم أن القيَّم لا يستَوْفِي واحداً منهما، وقد سبق في: "باب الحجر" أن الوليَّ لا يستوفي قصاصَ الصبيِّ، ولا يعفُو عنه، ولكن لم يذكر مذهب أبي حنيفة هُنَاك ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب هناك: "ولا يستوفي قصاصه" بالحاء.
وأما أن الوليَّ هل يأخذ المال، وهل للمستحِقِّ عند كمال الحالِ، أن يرد المال ويقتص، فقد ذكرناه في باب "الحجر"، وفي "باب اللقيط" ويحبس القاتِلُ إلى أن يبلغ الصبيُّ وبفيق المجنون، ولا يُخَلَّى بالكفيل، فقد يهرب، فيفوت الحق، وكذلك يُحْبَس إلى أن يَقْدُم الغائبُ ضبْطاً لحقِّ القتيل، كما لو وَجَد الحاكمُ مال ميِّت مغصوباً، والوارثُ غائبٌ، فإنه يأخذه حِفْظاً لحقِّ الميت، وذكر ابن الصباغ أنَّ في قصاصِ الطرَف لا يُحْبَسُ الجاني إلى قُدُوم الغائب؛ لأن الحاكم لا ولاية له على الغَائِب المكلف، كما لا يأخذ ماله المغصوب، وفي كلام الإِمام وغيره ما يُنَازع فيه، ويُشْعِر بأنه يأخذ مال الغائِب ويحفظه له، وأن الحاكِمَ يحبس الجانِيَ [في قصاص الطرف] أيضاً، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أنَّ الشيخ أبا عليٍّ قال: لا يُحْبس القاتل، بل يطلب منه كفيلاً؛ لأن الحَبْس ضمُّ عقوبة إلى القصاص المستَحقِّ عليه، وحمل الحبس في كلام الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- على التوقُّف والانتظار، والمشهورُ الأوَّلُ، قال الأصحاب: وإحياؤه محبوساً أهونُ عليه من استعجال القتل، ولا طريق إلى حفْظ الحقِّ سواه.
الثانية: إذا كان القصاصُ لجماعة، وهم حضور كاملو الحال، فليس لهم أن يجتمعوا على مباشرة قتْله؛ لأن فيه تعذيباً وإهانةً، ولكن يتفقون على واحدٍ يستوفيه أو يوكلون أجنبياً، وإن تزاحموا ورام كلُّ واحد منهم أن يستوفي بنفسه، أقرع بينهم، فمَنْ خرجت القُرعةُ له، تولاه، ولكن بأن الباقين، فلو أخَّرُوا، لم يكن له أن يستوفِيَهُ، ويخالف ما إذا تزاحَمَ الأولياء على التزويج، فأقرع بينهم، لا يحتاج من خرَجَتْ له

الجزء: 10 - الصفحة: 256

القرعة إلى إذْن الآخرين؛ لأن القصاص مبنيٌّ على [الإبراء] 124 والإسقاط ولبعضهم تأخيره كإسقاطه، والنكاحُ لا يجوز تأخيرُهُ حتى أنهم لو امتنعوا جميعاً من التزويج، وعَضَلُوا، يزوِّج القاضي، هذا هو الأظهر، ويُحْكَى عن القفَّال بناءً عليه: أنه لا يُقْرع بينهم في الابتداء، إلا بإذنهم، بخلاف القرعة في القسمة، والقُرْعة بين الأولياء.
وروى الإِمام وغيره وجهاً: أنه لا حاجةَ بعد خروج القرعة إلى إذْنِ الباقين؛ لتظهر فائدة القرعة وإلاّ فاتفاقهم على واحِدٍ مغن عن القرعة، ولا شك في أنه لو منع أحدُهم من خرجَتْ له القرعة من الاستيفاء، لم يكن له الاستيفاء، وهل يدْخُل في القُرْعة مَن يعْجز عن الاستيفاء؛ كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان، وقال القاضي ابن كج وأبو الفرج الزاز: أيضاً قولان: أحدهما: نعم؛ لأنه صاحبُ حقٍّ، فإن خرجَتْ له القرعة استناب من يقدر عليه.
والثاني: لا لأنه ليس أهلاً للاستيفاء والقرعة إنما تَجْرِي بين المستوين في الأهلية، والأرجحُ الأول عند صاحب "التهذيب".
والثاني: عند القاضي ابن كج وأبي الفرج، والإمام وغيرهم وعن بعض الأصحاب: طريقةٌ قاطعةٌ به، وإذا قلْنا: لا يدخل العاجزُ في القُرْعة، فلو خرجَتْ لقادرٍ، فعجز، أُعِيدت القرعةُ بين الباقين، وإن قلْنا: يدخل، فلا يعاد ولكن يستنيب.
وقوله في الكتاب: "فإن كان القتيل واحداً" بين به أن الذي نذكره الآن فيما إذا لم يَزْدَحِم على القاتل أولياء قتيلَيْنِ أو قَتْلَى، فأما إذا قتل اثنين فصاعداً وأرادَ وَليُّ كلِّ قتيل قتْلَه به، فسيأتي إن شاء الله تعالى مِنْ بَعْدُ.
وقوله: "فهو لكل الورثة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "انتظر تكليفه" بالحاء والميم والألف.
وقوله: "فإن تزاحموا أُقْرعَ بينهم" أي تزاحموا على الاستيفاء، والمقصود ما إذا استحَقُّوا القصاص في النفْس بضَرْب الرقبة، وأما في قصاص الطَّرَف، وقصاص النفْس المستحَقِّ بقَطْع الطَّرَف ونحوه، فسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: "فلغيره منعه مِنْ أصْل الاستيفاء" أشار بهذه اللفْظة إلى أنَّه ليْسَ له أن يقول لا تستوفي ولكن نقول: لا تستوفِ، وأنا لا أستوفِي أيضاً.
وقوله: "ويدخل في القرعة" إلى آخره [يصح] إعْلاَمُهُ بالواو؛ بطريقة مَنْ قال: "لا يدخل بلا خلاف".

الجزء: 10 - الصفحة: 257

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ وَاحدٌ فَقَتَلَ فَفِي وُجُوبِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ العَفْوِ مِنَ البَعْضِ فَقَولاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ، وَوَجْهُ الإسْقَاطِ شُبْهَةُ خِلاَفِ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ فِي إثْبَاتِ الاسْتِبْدَادِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَإِنْ قُلنَا: لاَ قَصَاصَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَيُغَرَّمُ نَصِيبَ البَاقِينَ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لأَنَّ لَهُ حَقّاً فِي المُسْتَوْفَى بِخِلاَفِ الأَجْنَيِيِّ إِذَا قَتَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسألة توصف بالإشْكَال والاعتبَاضِ، حتى حكى عن الماسرجسي: أنه قال: سَمِعْت أبا بكر الصيرفيِّ يقول: كرَّرْتها علي نِفْسي ألْفَ مَرَّةٍ حتى تحقَّقتُها، وأول ما يذْكُره أنَّ مَنْ عليه القصاصُ، إذا قَتَله أجنبيٌّ عن القصاص، يلزمه القصاصُ، على ما سَبَقَ ويكون ذلك القصاصُ لورثته لا للَّذِين كانُوا يستحِقُّون القصاصَ عليه؛ لأن القصاصَ للتَّشفِّي ودرك الثأر، ووارثه هو الذي يَحْتَاج إليه.
قال في "التهذيب": ولو عفا ورثته عن القِصَاص على الدِّيَة، فالدية للوارِثِ على الصحيح من المَذْهَب، وفيه وجّه أنها لِمَنْ له القصاصُ، كما إذا قُتِلَ العَبْدُ المَرهُون، تكون قيمته مرهونَةً.
وأما المستحِقُّون للقصاص، فليس لبعضهم الانفرادُ بقَتْله، كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية، ولو بادَرَ أحدُ ابْنَيِ المقتولِ الحائِزِينَ، وقَتَل الجانيَ بغَيْر إذْن الآخر، فَيُنْظَر؛ أوقع ذلك قبل عَفو أخيه أو بعْده؟ الحالة الأولى: إذا قتله قبل العَفْو، ففي وجوب القصاص عليه قولان: أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمَدُ، واختاره المزنيُّ: أنه لا يجبُ؛ لأحد معنَيَيْنِ.
أظهرهما: أنه صاحب حقٍّ في المستوفَى، وذلك شبهة دارئة للعقوبة؛ ولذلك لا يجب الحدُّ إذا وطئ الجارية المشتركة بيْنَه وبيْن غيره.
وثانيهما: أنَّ مِنَ علماء المدينة مَنْ ذهَب إلى أنه يجُوز لكلِّ واحدٍ من الورثة الانفرادُ باستيفاء القصاص، حتى لو عفا بعْضُهم، كان لمن لم يَعْفُ أن يستوفيه، ويقال: إنه روايةٌ عن مالك، واختلافُ العلماء في إباحةِ الفِعْل شبهةٌ دارئةٌ للعقوبة، ولذلك لا نوجب الحدَّ بالوطء في الأنكحة المخْتَلَفِ فيها.
والثاني: يجب القصاص؛ لأنه استوفَى أكثر من حقِّه، فيلزمه القصاص فيه، كما لو استحق الطرَفَ، فاستوفَى للنفس، وأيضاً، فإن القصاص لهما، فهذا قتله أحدُهما، فكأنه أتلف نصف النفْس متعديّاً، وأنه سبَبٌ يوجب القصاص بدَلِيل ما إذا قتل اثنان واحداً، والقولان فيما إذا كان القاتِلُ عالماً بتحريم القَتْل، فإن جهلَ، فلا قصاص، بلا خلاف، كذلك ذكر في "التهذيب".
الحالة الثانية: إذا قتلَهُ بعْد عفْو الأخِ، فأما أن يكون عالماً بالعفْو أو لا يكون، إن

الجزء: 10 - الصفحة: 258

كان عالماً، فَيُنْظَر؛ إن لمْ يَحْكُمْ الحاكمُ بسقوط القصاصِ عن الجانِي، ترتب وجوب القصاص على ما إذا قتله قَبْل العَفْو، إن أوجبنا القصاص هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن لم نوجِب، فوجهان، ويقال: قولان مبنيان على المعنَيَيْنِ المذكورَيْنِ هناك إنْ علَّلنا بأنه صاحب حقٍّ، فقد سقط الحق هاهنا بالعَفْو، وقتل من لا قصاص عليه [فيلزمه] القصاص، وهو الأصحُّ، وإن علَّلنا بشبهة اختلاف العلماء، فالاختلافُ قائمٌ هاهنا أيضاً، فلا يجب، وإن حكَم الحاكمُ بسقُوطِ القصاصِ عن الجانِي، فعلَيْه القصاصُ قولاً واحداً؛ لارتفاع الشبهة، وامتناع المخالِفِ من المخالفة بعْد حُكْم الحاكم، هكذا أطلقوه، وإن كان جاهلاً بالعَفْو، ترتب على ما إذا كان عالماً، فإن لم نوجب القصاص عند العلْم فعنْد الجهْل أوْلَى، وإن أوجبناه عند العلْم، فهاهنا وجهان أو قَولان بناءً على الخلاف فيما إذا قَتَلَ مَنْ عرفه مرتدّاً وظن أنه لم يُسْلِم، فبان خلافُه، وقد مَرَّ أن الأظْهَر الوجوبُ، ووجّهُ الشبه بين الصورتين أن المقْتُولَ معصومٌ والقاتل جاهلٌ بحاله، غير معذُور في الإقدام عليه، ولو قتله العافي أو عَفَوَا ثم قتَلَه أحدهما، وجب القصاص بلا خلاف.
التفريعُ: إن أوجبنا القصاصَ على الابنِ القاتلِ، وجبت ديةُ الأب في تركة الجاني؛ لأنه إذا وجب القصاصُ، لم يقع قَتلُ الجانِي قصاصاً، كما لو قتله أجَنبيٌّ، وإذا فات القصاص، وجبَتِ الدية، فإن اقتص وارثُ الجانِي مِنَ الابن القاتِلِ، أخذ وارثُ المقتص، والابنُ الآخرُ الديةَ مِنْ تركة الجاني، وكانت بينهما نصفَيْنِ، وإن عفا مجَّاناً أو أطلَقَ العفْو، وقفنا: العفو المُطلَق لا يوجب الدية، أخذها الأخوان، وإن عفَا على الدية أو أطلَقَ، وجعلْنا العفْو المطلَقَ موجباً للدية، فللأخ الذي لم يَقْتُل نصف الدية في تركة الجاني، وللأخِ القاتِل النصْفُ وعليه ديةُ الجانِي بتمامها، ويقع الكلام في التقاصِّ، وقد يصير النصْف بالنصْفِ قصاصاً، ويأخُذ وارثُ الجانِي النصْفَ الأخير، وقد يختلف القدر بأن يكون المقْتُول أولاً رجُلاً والجانِي امرأةً أو مُسْلِماً، والجاني ذميّاً، فتَحْكُم في كل صورة بما يقتضيه الحَال، وإذا قلْنا بالأصحِّ، ولم نوجب القصاصَ على الابن القاتل، فلأخيه نصْفُ الدية؛ لفوات القصاص بغَيْر اختياره، وممن يأْخُذ أخُ القاتِل النصْفَ الذي وجب له؟ فيه قولان: أحدهما: من أخيه القاتِل؛ لأنه صاحبُ حقٍّ في القصاص، فإذا بادر إلى القتْل، فكأنه استوفَى حقَّ أخيه مع حقِّ نفسه، فصار كما إذا أوْدَعَ إنسانٌ وديعةً، ومات عن اثنيْن، فأخذها أحدهما، وأتلفها، يرجع الآخرُ بضمان نصيبه علَيْه، لا على المُودع.
وأصحُّهما؛ وهو اختيار المزنيِّ: أنه يأخذ مِنْ تركة الجانِي؛ لأن القاتل فيما وراء حقِّه كالأجنبي، ولو قتله أجنبيٌّ، يأخذ الورثة الدية من تركة الجانِي، لا من الأجنبي، فكذلك هاهنا، ويخالف "مسألة الوديعة"؛ لأن الوديعة غير مضمونة على المُودع بحال

الجزء: 10 - الصفحة: 259

حتى لو تَلِفَتْ بآفة، فلا ضمان عليه، ولو أتلفَهَا أجنبيٌّ غرمها للمالك، ونفسُ الجاني مضمونةٌ، حتى لو مات أو قتله أجنبيٌّ، تؤخذ الدية مِنْ تركته، واحتج أبو نصر بن الصَّبَّاغ، لهذا القول؛ بأنه لو كان المقتول أولاً أقلَّ دية من الجانِي؛ بأن كل مسلماً، والجانِي ذميٌّ، فقتله أحدُ ابْنَي المسلم، فالواجب على الابن القاتِل نصْفُ ديةِ الذميِّ، وهو سدُسُ ديةِ المُسْلِم، والثابت لأخي القاتل نصْفُ دية المُسْلِم، فلو قلنا: إنه يأخُذُ حقَّه من أخيه القاتل، لم يمكن أن يأخذ هاهنا نصْفَ دية المُسْلِم، ولا يمكن أن يأخُذَ منْه ومِنْ ورثة الجَانِي؛ لأن أخاه هو الَّذي أتلف جميع حقِّه، وعَلَى هذا القَوْل، فلا رجُوع له على غيره، وعن ابن سُرَيْج فيما حكاه القاضي ابن كج سَماعاً عن أبي الحسين ابن القطَّان عنه قولٌ ثالثٌ مخرَّج: إن الذي لم يَقْتُلُ من الابنين يتخيَّر بَيْنَ أن يأخذ حقَّه من أخيه، وبين أن يأخُذَه من تركة الجاني، وينزلان منزلة الغاصِب والمُتْلِف مِنْ يد الغاصب، وإذا قلنا: إن حقَّ الذي لم يَقْتُل على أخيه، فلو أبرأ أخاه، برئ، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، لم يصحَّ؛ لأنه لا حقَّ له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجاني القاتل عن الدية، لم يسقط النصْف الذِي يَثْبُت عليه لأخيه، وأما النصْف الثابت للوارث، فيُبْنَى على أن التقاصَّ في الديتَيْن 125 هل يحْصُل بنفس الوجوب، إنْ قلْنا: نعم، فالعفو لغْوٌ، وكما وَجَبَا سَقَطَا، وإن قلْنا: لا يحصُل حتى يتراضيا، فيصح الإبراء، ويسقط ما ثبَتَ للوارِثِ على الابْنِ القاتل، ويبقى للابْنِ القاتِل النصْفُ في تَرِكَةَ الجانِي، فإنْ قلْنا: إنَّ حقَّ الذي لم يَقْتُل في تركة الجانِي لا على أخيه، وهو الأصحُّ، فلوارث الجانِي على الابْن القاتِلِ ديةٌ تامةٌ، وله في تركة الجانِي نصْف الدية، فيقع النصْف في التقاصِّ، ويأخذ وارثُ الجانِي منْه النصْفَ.
وإبراءُ الذي لم يقتل أخاه لاغٍ؛ لأنَّه لا شيْء له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، صَحَّ، ولو أسقط وارثُ الجاني الديةَ عن الابن القاتِلِ، فإن قلْنا: يقع التقاصُّ بنفس الوجوب، فقد سقط النصْفُ بالنصف، كما وَجَبَا، ويؤثِّر الإسقاط في النصْف الآخَرِ، فلا يبقى لأحدهما على الآخر شيْءٌ، وإن قلْنا: لا يقع التقاصُّ إلا بالتراضي، سقَط حقُّ الوارث بإسقاطه، وبقَي للابْنِ القاتِل نصْفُ الديةِ في تركة الجاني، وإذا كان الابن القاتلُ جاهلاً بالتحريم، وجبتِ الديةُ بقَتْله، ويكون في ماله لقَصْده القَتْل أو على عاقلته؛ لأنَّ الجهل بالحال كالخطأ؟ فيه قولان؛ فإن قلنا: في ماله، فالابن الذي لم يَقْتُل يأخذ نصْف الدية من أخيه أو من تركة الجاني فيه القولان وتفريعهما.
وإن قلنا على العاقلة يأخذ الابنان الدية من تركة الجاني في الحال ووارث الجاني

الجزء: 10 - الصفحة: 260

أخذ ديته من عاقلة الابْنِ القاتِل، كما تُؤْخَذ الدية من العواقل، هَذَا تفريع القولَيْن في الحالة الأولى، وهو أن يبادر أحد الابنين إلى قَتْل الجانِي قبل عفْو الآخر، فأما إذا قَتَلَه بعْد عَفْوِهِ، فإن أوجبْنا القصاصَ واقتص وارثُ الجانِي، فلورثة المقتص منه نصْف الدية في تركة الجانِي، والعافي لا شيْء له إن عفا مجاناً، وإن عفا على نصْف الدية، فيعود الخلافُ في أنه ممَّنْ يأخذه، وإن لم يقتص منه الوارِثُ، بل عفا، فيُنْظر في حال العفْوَين وما يَقْتَضِيَانِهِ من وُجُوب المال وَعَدَمِهِ، وإن لم نُوجب القصاص، فإن كان الآخر قد عفا عن الدية أو عفا مطلقاً، وقلْنا بوجوب الدية في العفْو المطلق، فللآخرين دية أبيهما وعلى الأخ القاتل دية الجاني، فيقع ماله، وما عليه في التقاص، والآخَرُ يأخذُ النصْف منْه أو من تركة الجانِي؟ فيه الخلاف، وإن عَفَا مجَّاناً أو أطْلَق، وقلْنا إنه لا يوجَب المَالُ، فلا شيء له، وللأخ القاتل نصْفُ دية أبيه من تركة الجانِي، وعليه تمامُ دية الجاني، على ما تبيَّن.
واعلم أن ما ذكرنا في المسألة من صور الوقُوع في خلاف التقاصِّ كذلك أطلقه الأئمة، لكنه لا يصفُو عن التوقُّف والتردُّد من جهة أن مَوْضِع الخلاف في التقاصِّ ما إذا تساوَى الديتان.
في الجنس والصفة، حتى لا يَجْرِيَ فيما إذا كان أحدُهُما حالاً، والآخر مؤجَّلاً أو كانا مختلفَيْنِ في قَدْر الأجل، وهاهنا أحد الديتين تثبت في ذمة الابن القاتل لوارث الجاني، والآخر يتعلَّق بتركة الجاني، ولا يثبت في ذمَّة الوارث، وهذا الاختلاف أشدُّ من الاختلاف في قدْر الأجَلِ 126. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا إذا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً قُتِلَ بِأوَّلهِمْ (ح م) وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَإِنْ قَتَلَهُم مَعَاً خُصِّصَ بِالقِصَاصِ مَنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وَهَلْ يُكْتَفَى بِالعَبْدِ فِي مُقَابَلَةِ الجَمَاعَةِ فِيهِ خِلاَفٌ لأَنَّ حَقَّ الآخَرِينَ يَضِيعُ فِي التَّخْصِيصِ، فَإِنْ تَمَالأَ أَوْلِيَاءُ القَتْلَى وُزِّعَ عَلَيْهِم عَلَى الأَصَحِّ، وَرَجَعَ كُلَّ وَاحدٍ مِنْهُمْ حِصَّةٌ مِنَ الدِّيَةَ، وَقِيلَ: يَكْفِي عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَقِيلَ: يُخَصَّصُ بِالقُرْعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ غَائِبٌ فَفِي تَسْلِيطِ الحَاضِرِ وَالعَاقِلِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ خِلاَفٌ، وَلَوْ اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ قُدِّمَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ مُستَحِقُّ اليَمِينِ وَمُسْتَحِقُّ أصْبُعٍ مِنَ اليَمِينِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الواحدُ، إذا قتل جماعةً، قُتِلَ بواحد، وللباقين الدياتُ، وكذلك لو

الجزء: 10 - الصفحة: 261

قطَع الواحدُ أَطرَافَ جماعةٍ؛ لأنها جناياتٌ، ولو كانت خطأً، لم تتداخل، فعند التعمُّد أولَى وهذا القدْر من المسألة مذكورٌ في الصفات التي يُفْضُل بها القاتلُ القتيل، وحكَيْنا هناك خلافَ مَنْ خالف فيه، ولو رضَي الأولياءُ بأن يُقْتَل بهم جميعاً، وَيرْجِعُوا إلى ما يبْقى لكلِّ واحدٍ من الدية عند [فض] القصاص عليهم، قال الإِمام: لا يُجَابون إلَيْه، لا يختلف المذهب فيه، ثم يُنْظَر؛ إن قتلهم على الترتيب، فيُقْتَل بالأول، وللباقين الدياتُ، فإن عفا وليُّ الأول، قُتِلَ بالثَّاني، وهكذا يُرَاعى الترتيب، وإن لم يَعْفُ وليُّ الأول، ولا اقتص، فلا اعتراض عليه، وليس لوليِّ الثاني أن يَبْتَدِرَ إلى قتله، ولو فعل، عُزِّر، ولا غُرْم عليه، بل يقع قتله قصاصاً عن القصاص المستَحَقِّ له، وينتقل حقُّ الأول إلى الدية، وعنه رواية القاضي الحُسَيْن وجه ضعيفٌ: أنه يُغرَّم للأول ديةَ قتيله، ويأخذ من تركة الجانِي ديةَ قتيل نفسه، وإن كان وليُّ القتيل الأولِ غائباً أو صبيّاً أو مجنوناً، حُبِس القاتلُ إلى أن يَحْضُر وليُّ الأول، أو يكمل حاله، وفي "أبانة الفوراني" قولٌ عن رواية حرملة: أن للثاني أن يقتص، ويصير الحضورُ والكمال مرجِّحاً.
وإن كان قد قتلهم معاً؛ بأن هدَمَ عليهم جداراً أو جرحهم وماتوا معاً، فيُقْرَع بينهم فمَنْ خرجَتْ له القرعة، قُتِل به، ولو خرجَتْ لواحد، فعفا وليُّه أعيدت القُرْعَة بين الباقين، وكذا لو عفا ثان، خرجت القرعةُ له، والمفْهوم من إطلاق أكثرهم؛ أن الإقراع واجبٌ، وعن رواية أبي الفيَّاض وغيره أنَّه مُستحَبٌّ وللإمامِ أن يقتله بمَنْ شاء منهم؛ لثبوت الاستحقاقِ للكلِّ على التساوِي؛ قال القاضي الرويانيُّ: وهو الأصحُّ، وعليه جرى القاضي ابن كج وغيره، وحكَوْا عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه قال: أحببت أن يقرْعَ بينهم، ولو رضُوا بتقديم واحدٍ بلا قرعة، جاز إِذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهم، فإن بدَا لَهُم، رُدَّوا إلى القرعة، ذكره الإِمام، ولو كان وليُّ بعض القتلَى غائباً [أو صبيّاً أو مجنوناً]، فالقياس الظاهر الانتظارُ، إذا قلنا: لا بد من الإقراع، وفي "الوسيط" عن رواية حرملةَ: أن للحاضر والكامل أنْ يقتص ويكون الحضورُ أو الكمالُ مرجِّحاً للقرعة، فإن أشكل الحالُ، فلم نَدْرِ أَقَتَلَهُمْ دفعةً واحدةً أو عَلَى الترتيب، جُعِل كما لو قتلهم معاً، وأُقْرِع بينهم، فإن أقرّ بسَبْق قتلهم بعْضِهم، اقتص منه [وليه]؛ لأنه أقر على نفْسه بحَقٍّ له.
قال أبو الفرجِ السرخسيُّ: ولوليِّ غيره تحليفُه، إن كذَّبه 127.

الجزء: 10 - الصفحة: 262

وإذا وقع القتْل على الترتيب، وجاء وليُّ الثاني يطْلُب القصاص، ولم يجئْ وليُّ الأول، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه قال: أحْبَبْتُ أن يبْعَثَ الإمامُ إلى وليِّ الأول؛ ليعرف أهو طالِبٌ أم عافٍ، فإن لم يبعثْ، وقتله الثاني، كرهتُه، ولا شيْءَ عليه؛ لأن لكلِّهم عليه حقَّ القَوَد، ويشبه أن تكون الكراهةُ كراهةَ التحريمِ، وإلا فليس القتل بالأول، بمستَحقٍّ وَيدُلُّ عليه ما رُوِي عن "الأم" فقد أساء بدل لفظه في "الكراهة".
ولو قتل جماعةٌ جماعةً، فالقاتلون كالشخْص الواحدِ، إن قتلوهم على الترتيب، قُتِلوا بالأول، وإن قَتَلوهم معاً، أُقرع بينهم، فمَنْ خرجَتِ القرعةُ له قُتِلُوا به، وللباقين الدياتُ في تركاتِ القاتلين، ثم الكلام في فروع.
أحدها: العبْد إذا قتل جماعة أحراراً أو عبيداً، هل يُقْتَل بجميعهم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن في تخصيصه يبعضهم تضييع حقِّ الآخرين، ولأن العبْدَ، لو قَتَل جماعةً خطأً، يتضارَبُون في رقبته، فكذلك في القصاص بخلاف الحرِّ، فإنَّ جناياته لا تتداخل، إذا كانت خطأً، فكلذلك في القصاص وهذا ما أورده القاضي ابن كج.
وأصحُّهما: عند الإِمام والقاضي الرويانيِّ وغيرهما: أنه لا يُقْتَل بهم 128 جميعاً، ويكلون بمنزلة الحُرِّ المُعْسِر يُقْتَلُ بواحدٍ، وللباقين الدياتُ في ذمته تلقى الله تعالى بها، فعلى هذا لو قَتَلَهم على الترتيب، يُقْتَل بالأول، وإن قَتَلهم معاً، يقرع بينهم، ويُقْتل بمن خرجَتِ القرعة له، ولو عفا وليُّ القتيل الأول، أو وليُّ من خرجت القرعةُ له على مال، تعلَّق المال برقبته، وللثاني قَتْله، وإن بَطل حقُّ الأول؛ لأن تعلُّق المال لا يَمْنَع القصاص، كما لو جنَى العبدُ المرهونُ، فإن عفا الثاني أيضاً على المال، تعلَّق المالان بالرقبة، ولا يُنْظَر فيه إلى التقدُّم والتأخُّر كما لو أتْلَف مالاً على جماعة في أزمنة مختلفة، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بالقطْع بأنه لا يقتل بهم جميعاً، إذا قتل واحداً بَعْدَ واحد، وتخصيص الوجهين بما إذا قتَلَهم معاً.
والثاني: إذا تَمَالَأَ عليه أولياءُ القتلَى، وقتلوه جميعاً، ففيه ثلاثة أوجه: أصحُّهما: أن القتْلَ يقَعُ عن جميعهم موزَّعاً عليهم، ويرجع كلُّ واحدٍ منهم إلى ما يقتضيه التوزيعُ من الدية، فإن كانوا ثلاثةً، فقد أخذ كلُّ واحدٍ ثُلُث حقِّه، ولو ثلثا الدية، ووجهُه أن القصاصَ ثابتٌ لكلِّ واحدٍ منهم، وأيهم انفرد به، كان مستوفياً حقَّه كما ذكرنا، فإذا اشتركوا، وقَع عنهم جميعاً.

الجزء: 10 - الصفحة: 263

والثاني: أنه يُقْرع بينهم، ويجعل القتْل واقعاً عمَّن خرجتْ له القرعةُ، وللآخرين الديةُ.
والثالث: حكاه الشيخ أبو محمَّد عن الحليميِّ: أنه يكتفي به عن جميعهم، ولا رجوع إلى الدية [ووُجِّه] بأنه لو قَتَل جماعةٌ واحداً متعدِّين، جعلْنا كلَّ واحد منهم كالمنفرِدِ بالقتل، فكما جعلْنا كلِّ واحدٍ كالمنفرد في الاعتداء، كذلك نجعله كالمنفرد في الاستيفاء.
الثالث: إذا قَتَل رجلاً، وقطَع طَرَفَ آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع طرفه أولاً ثم يقتلُ سواءٌ تقدَّم القتْل أو تأخر؛ لأن في القتل على إثْرِ القطع جمعاً بين الحقَّيْنِ، ولو قدَّمْنا قصاص النفْس عنْد تقدُّم القتل، لفَاتَ قصاص الطَّرَف، ولا معْنى لإسْقَاط قصاص مقصودٍ لمجرَّد تقديمٍ وتأخيرٍ، وعن مالك: أنه يكتفَى بالقتل عن القطْع، فإنه يُفَوِّت الطَّرَف ومنافعَهُ، أما تفوت النفْس.
وإن قطَعَ يمين إنسان، ثم قطَع أصبعاً من يمين آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع يمينه للأول، وللآخر ديةُ الأصبع، فإن عفا الأولُ، قُطِعت أصبعه للآخر، وإن قُطِع الأصبع أولاً، قُطِعت أصبعه للأول، والثاني يأخذ ديةَ اليَدِ إنْ شاء، وإن شاء، قَطَع ما بقيَ من يد الجاني، وأخذ دية الأصبع، وإنما يراعى التقديم والتأخير هاهنا، بخلاف القطْع مع القتل؛ لأن نقصان الطَّرَف لا يوجب نقصان النفس؛ ألا تَرَى أن بدَلَها لا يختلف، ونقصان الأصبع يوجب نقصان اليد؛ ولذلك يختلف البدَل، هذا ما ذكره الأئمة، والذي أطْلَقَه صاحبُ الكتاب في هذه الصورة: أنه يُقْرَع بينهما ولتحمل على ما إذا وقع القَطْعانِ معاً لا على الترتيب وحينئذٍ، فإن خرجَتِ القرعةُ لصاحب اليمين، فهو كما لو تقدَّم قطعُ اليمين، وإن خرجَتْ لصاحب الأصبع، فهو كما لو تقدَّم قطع الأصبع.
وقوله في الكتاب: "قُتِلَ بأوَّلهم، وللباقين الديات" ليعلَم، بالحاء والميم والألف؛ لما مرَّ من مذاهبهم في نصِّ الموضِع المحالِ عليه، وبالواو؛ لوجهِ نسَبْنَاه إلى رواية الرويانيِّ؛ أنه يُقتَل بجميعهم، ولكَلِّ واحدٍ قسطٌ من الدية، وهذا الوجه قد نقله الفورانيُّ، وأيضاً، ففي البيان أن بعْضَ أصحابنا الخُراسانِيِّين، قال: يُكْتَفَى بقتل الواحد عن الجماعة، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، ويجوز إعادة العلاماتِ على قوله: "خُصِّصَ بالقصاصِ مَنْ خرجتِ القرعة له".
وقوله: "وُزِّعَ عليهم على الأصحِّ" يعني من الأوجه.
وقوله: "وقيل يَكْفِي عن جميعهم، وقِيلَ: يُخصَّص بالقرعة" هما الوجهان الآخران.
وقوله: "فإن كان فيهم مجنونٌ" إلى آخره، ظاهرٌ في التصوير فيما إذا قتلهم معاً؛

الجزء: 10 - الصفحة: 264

فإنَّ القرعة حينئذ تُسْتعمل، ولكنه لا يختص به، بل يجرِي فيما إذا جرى القَتْل على الترتيب، وفيه صُوَرُ الفورانيِّ كما سبق.
وقوله: "ولو اجتمع مستحِقُّ النَّفْس والطَّرَف" أي مستحقُّ القصاص في النفس والطرف ويجوز أن يُعْلَم قوله: "قُدِّمَ مُستحِقُّ الطَّرَفِ" بالميم؛ لِمَا ذكَرْنا من اكْتِفَائِهِ بالقتل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي لِلمُسْتَحِقِّ أَنْ يَسْتَقِلَّ دُونَ الرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ فَعَلَ عُزِّرَ وَوَقَعَ المُوقِعُ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يُفوِّضَ إلَيْهِ القَتْلَ دُونَ الجَلْدِ في القَذْفِ فَإنَّهُ مُتَفَاوِتٌ وَيُتَّهَمُ فِيهِ، وَفِي القَطْعِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَدِّد الحَدِيدَةَ، وَمَهْمَا أُذِنَ لِلوَليِّ فِي ضَرْبِ الرَّقَبَةِ فَأصَابَ غَيْرَهُ عَمْداً عُزِّرَ وَلَمْ يُعْزَلْ، وَإِنْ أَخْطَأ أُمِرَ بِالاسْتِنَابَةِ لِعَجْزِهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ مَسْمُومٍ يُفَتِّتُهُ قَبْلَ الدَّفْنِ لَمْ يُمَكَّنْ، وَإِنْ كَانَ يُفَتِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَوَجْهَانِ، وَأُجْرَةُ الجَلاَّدِ عَلَى المَقْطُوعِ، وَفِي الحَدِّ عَلَى بَيْتِ المَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِبلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ مَنْشَؤُهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ بِالتَّمْكِينِ أَوِ التَّمْيِيزِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْسَ لِمستحِقِّ القصاص استيفاؤُه دون إذْن الإِمام؛ لأنه يحتاج في إثْباتِ القصاص، واستيفائِهِ إلى النَّظَر والاجتهادِ؛ لاختلاف الناس في شرائط الوجُوب، وفي كيفية الاستيفاء، وأيضاً، فإن أمر الدمِ خطيرٌ، فلا وجه لتسليط الآحاد عليه، وأيضاً فإنه عقوبة تَتَعلَّق ببَدَنِ الآدميِّ، فلا بد من مراجعةِ الحاكِم، كحدِّ القذف، وعن أبي إسحاق ومنصورٍ التميميِّ: أن المستحِقَّ يستقل بالاستيفاء، كالأخذ بالشُّفعة وسائر الحقوق، وظاهرُ المذْهَب الأوَّلُ يستوي فيه قصاصُ النفْس والطَّرَف، وإذا استقل به عُزِّرَ، لكن لا غرم عليه، ويعتد به عن القصاص، ولو استقل المقذُوف باستيفاء صور الحدِّ، إما بإذن القادف أو دونه، ففي الاحتساب به وجهان 129، يقاس في أحدهما على القصاص ويفرق في الآخر بأنه لا يتعلَّق بموضع معيَّن، ولا يَهْتَدِي إليه كلُّ أحد، وإذا لم يحتسب به ترك حتى يبرأ ثم يُحَدُّ، ولو مات منه، وجَبَ القصاصُ، إن جلَدَه دون إذنه، وإن كان بإذنه، فلا قصاص، وفي الدية خلافٌ، كما لو قتله بإذنه.
فإذا طلب المستحِقُّ أن يستوفِيَ القصاصَ بنفسه، فإن لم يَرَه أهلاً له؛ كالشيخ والزمن والمرأة، لم يجب أنه يستنيب وإن رآه أهلاً له، فإن كان المطلوبُ قصاصَ النفْسِ، والطَّالبُ الوليُّ، فيفوضه إليه، بخلاف الجَلْد في القذْف، لا يُفَوَّض إلى المقذُوف؛ لأن تفويت النفْس مضبوطٌ والجَلْدَات تَخْتلفُ موْاقعُها، ويتفاوت تأثيرُها في

الجزء: 10 - الصفحة: 265

النفْس، وقد يريد المقذوف في الإيلام للتشفِّي والانتقامِ، والتعزيرُ كحد القذف، وإن كان المطلوبُ قصاصَ الطَّرَف، والطالبُ المجنيُّ عليه، فوجهان: أحدهما: يفوضه إليه، كقصاص النفْس؛ لأن إبانة الطَّرَف مضبوطةٌ أيضاً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يردِّد الحديدة، ويزيد في الإيلام، فيَسْرِي.
ويُستحب للإمام أن يُحْضِرَ عدلَيْن 130 متيقظيْنِ، ليشهدا، إن أنكر المقتص الاستيفاءَ، ولا يحتاج إلى القضاء بعلمه بتقدير أن يكون [الترافع] إليه، ويتفحَّص عن حال السيْف، ليكونَ الاقتصاصُ بالصارم لا بالكَالِّ المعذِّب، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذاً قَتَلْتُم فَأَحْسِنوا القتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذبحة" 131 وإذا قتل الجانِي بسيفٍ كالٍّ، فيقتل بالكالِّ أو بالصارِمِ؟ فيه وجهان، أشبههما على ما ذكر القاضي الرويانيُّ وغيره: الأولُ 132، ويُحْكَى الثاني عن "المنهاج" للشيخ أبي محمد، وإذا لم تجوز بالكل فإذا بأن بعْد الاستيفاء بأن السَّيْف كان كالاًّ، عُزِّر المستوفِي.
ويُضبَط الجانِي في قصاص الطرف؛ لئلا يضطربَ، فيؤدِيَ إلى استيفاءِ زيادةٍ، ثم في يقية الفصل صور.
إحداها: إذا أُذِنَ للوَلِيِّ في ضرب الرقبة، فأصاب غيرها، واعترف المُسْتَوْفِي بأنه تَعمَّد، عُزِّر، وكذا لو ادَّعى الخطَأ فيما لا يَقَع الخَطَأُ بمثله، كما إذا ضَرَب على رِجْله أو وسَطِه لظهور كذبه، ولكن لا يمنع من الاستيفاء، ولا يعزل لأنه أهْلٌ له، وإن تَعدَّى بما فَعَل وهذا كما أنه لو جرحه قبل الارتفاع إلى مجْلس الحُكْم، لا يُمْنَع من الاستيفاء، ومنهم مَنْ يحكي وجهاً أو قولاً آخر: أنه ينعزل، ويُؤْمَر بالإنابة؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يتعدَّى

الجزء: 10 - الصفحة: 266

ثانياً، ويريد تعذيبه، فلا يسلَّط عليه، ويُنْسَب هذا إلى أبي الحُسَيْن بن القطَّان، وإن ادَّعَى الخطأ فيما يُمْكِن أن يقرع في مثله الخَطَأ، كما لو ضَرَب على الكتف أو الرأْس ممَّا يلي الرقبة، فيحلف ولا يُعزَّر إذا حلف، لكن يعزل؛ لأن الحال يُشْعر بعجزه وخرقه، ويُرْوَى وجْهٌ أو قولٌ: أنه يُعذَّر بالخطأ، ولا يعزل، وذكر الإمامُ مستدرِكاً أن هذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصاً بما إذا لم يتكرَّر منه الخطأ، ولم يظْهر خرقه، وإنْ ظَهَرَ، فليمنع بلا خلاف، [ينبغي] أن يكون الوجه الأظهر، وهو أن يعزل مخصوصاً بمَنْ لم تُعْرَف مهارته في ضَرْب الرقاب، أمَّا الماهِرُ فيه، فينبغي أَلاَّ يعزل بخطأ اتَّفَقَ له، بلا خلاف.
الثانية: أطلق مطْلِقون وجهَيْن في المنْع من استيفاء القصاص بالسيف المسموم، وقالوا، في وجه: لا يُمْنَع؛ لأنه ليس فيه زيادة عقوبة وتفويت.
والأصحُّ أنه يُمْنَع؛ لأنه يُفْسِد البدن، وقد يفضي إلى التقطُّع وعسر الغسل والدفن، والوجهان عنْد الإِمام فيما إذا كان تأثيرُ السُّمِّ في التقطع والتفتت يتأخر عن الدَّفْن، فإن كان يُؤثِّر قبل الدَّفْن، فيمنع منه بلا خلاف لما فيه من هتْك الحرمة، وعلَى هذا جرى صاحب الكتاب، وحيث يمنع، فلو بان بعْد القتل أنَّ الآلة كانتْ مسمومةً، عُزِّر، وفي قصاص الطَّرَف؛ يمنع من المسموم لا محالة، فلو استوفاه بالمسموم، فمات المقتص منه، فلا قصاص؛ لأنه ماتَ مِنْ مستحِقٍّ وغير مستحِقٍّ، ويجب نصْف الدية، ويكون على المستوفِي أو عَلَى عاقلته فيه وجهان: أشبههما الأوَّل: وفي كتاب القاضي ابن كج ذكر وجْهٍ أنه يجب القصاص.
قال: ولو كان السمُّ مُوحِياً 133 وجَب وجهاً واحداً.
الثالثة: لينصب الإِمام من يقيم الحدَّ ويستوفي القصاص 134 بإذْن المستحقين ويرزقه من خمس خمس الفَيْء والغنيمة المُرْصَد للمصالح، فإن لم يكنْ عنْده مِنْ سهم المصالح شيءٌ أو احتاج إلَيْه لما هو أهم منه، فظاهر المَذْهب أن الأجْرَةَ في الاقتصاص على المقتصِّ منه؛ لأنه مؤنة حقٍّ، يلزمه توفيته فتلزمه تلْك المؤنة، كما تلزم أجرة الكيَّال على البائع، وأجرة وزان الثمن على المشتَرِي، وعن صاحب "التقريب" روايةُ وجهٍ أنها على المقتص، كما أن أجرة نقْلِ الطعام المشتَرَى على المشتَرِي المستَوْفِي، وبهذا قال أبو حنيفة، وروي عن مالك أيضاً، وذكَر أن مأخذ الخلافِ، وهو أن التسليمَ يَحْصُل بالإبانة وتميز العضو عن الجملة أو يكفي فيه التخلية وقرَّب صاحبُ التقريبِ

الجزء: 10 - الصفحة: 267

الخلافَ في المسألة من الخلافِ في أن تسليم الثمار المبيعة على رُؤُوس الأشجار، هل تحصل بالتخلية، وفرق الإِمام بين البابَيْن فقال: اليد جُزْءٌ من الإنسان، والتسليمُ فيها لا يَحْصُل إلا بالفَصْل، وليست الثمار كذلك؛ ألا ترى أن الجانِيَ لو فاتَتْ يدُهُ بعْد التمكين يستقر عليه ضمانُ الجناية بلا خلاف، وإذا اجتاحت الثمار بعد التخلية، فمن ضمان من يكون فيه الخلافُ المشهورُ، والخلافُ الذي يشبهه هذا الخلافُ وجهان ذُكِرَا في أن مؤنة الجَذَّاذ على البائع أو المشتري تفريعاً على أن الجوائح من ضمان البائع، وأما أجرة الجَلاَّد في الحدود، والقاطع في السرقة، فيحصل من المنقول فيها وجهان أيضاً أرجحهما فيما يقتضيه إيرادُ الأكثرين تصريحاً وتعريضاً؛ أنها تَجِبُ على المجلُودِ والسارقِ المقطوعِ أيضاً؛ لأنها من تتمة الحدِّ الواجبِ عليه، وبهذا قال الماسرجسي.
والثاني: أنها في بيت المال؛ لأن الحد ليس حقّاً يستقر في الذمَّة استقرار القصاص، وإنما الحدود سياساتٌ يقوم بها السائسُ؛ للمصلحة العامة، فعليه القيامُ بتوابعها ومؤناتها، ومنهم من خصَّص الإيجاب على بيْت المال، بما إذا لم يكُنْ للجاني مالٌ، وفي كلام الأئمة ما يُفْهِم وُيرْشِد إلى ترتيب الخلافِ في أجرة الجَلاَّد في الحدِّ على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: يجب على بيت المال، فأجرة الجلادين في الحدِّ على بيت المال، بطريق الأَوْلَى، فإن قلنا: إنها على المقتص منْه، ففي الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان، والفرْق أن المقتص منه مأمورٌ بالإقرار بالجناية؛ ليستوفى منه موجبها فمؤنة الإيفاء عليه، وفي الجرائم المُوجِبَة للحُدُود، هو مأمورٌ بالستر على نفسه، ونقل جماعة من الأئمة منهم المسعوديُّ والفورانيُّ تولُّدَ الخلاف في الصورتين من ذمَّتيْن نقلوهما عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- قالوا: نصَّ في القصاص على أن الأجرةَ على المقْطُوع والمقتول، وفي الحدود على أن الأُجْرة على بيت المال، فقررهما مقرِّرون وتَصرَّف فيهما آخَرُون بالنقل والتخريج، وأثبتوا فيهما قولَيْن.
أحدُهما: الوجوب على الجاني.
والثاني: أنه تجب في القصاص على المستحِقِّ، وفي الحدُود في بيْت المال، وهذه الطريقةُ هي التي أوردَهَا صاحبُ الكتاب، وأجرةُ الجلاَّد في حدِّ القذف كأجرة الاقتصاص، وإذا قلْنا بالوجوب في بيت المال، والتصويرُ فيها إذا لم يكُنْ في بيت المال ما يُمْكِن صرفُه إليه، فيستقرض الإِمام على بيْت المال إلى أن يَجِدَ سَعَة.
قال القاضي الرويانيُّ: أو يستأجر بأُجْرَة مؤجَّلَة أو يستسخِرَ مَنْ يقوم به على ما يَرَاه، والاستئجار قريبٌ، والتسخير بعيد، وبتقدير أن يَجُوز ذلك فيَجُوز أن يأخذ الأجرة ممَّن يراه من الأغنياء، ويستأجر بهالأولو قال الجاني: اقْتَصَّ من نفْسِي، ولا أُؤَدَّي الأجرةَ، فهَلْ يُمكن؟ فيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 268

أحدهما: وبه قطع الداركيُّ (1): نعم؛ لحصول التفويت.
وأظهرهما: المنع؛ لأن المقصود التشفِّي، وذلك لا يتم بفِعْلِ الجانِي، وأيضاً، فإنه إذا مستْه الحديدة فترت يداه، ولم يحصُل الزهوق، إلا بأن يعذب نفْسَه تعذيباً شديداً، وهو ممنوعٌ منه، وعلى هذا، فلو قتل نفْسَه أو قطَع طَرَفَاً بإذن المستحِقِّ، ففي الاعتداد به عن القصاصِ وجهان: أحدهما: لا يعتد به، كما لو جلَد نفْسَه في الزَنا بإذن الإِمام أو في القَذْف بإذْن المقذوف، فإنَّه لا يُسْقِطُ الحد عنه، وكما أنه لو قبض المبيع من نفْسِه بإذن المشتري، لا يُعْتَدُّ به.
والثاني: يُعْتَدُّ لحصول الزُّهُوق، وإبانة العضو، ويخالف الجَلْد؛ فإنه قد لا يؤْلِم نفسه، ويُرى الإيلام فلا يتحقق حصول المطلوب، وفي البيع، المقصودُ إزالةُ يد البَائِع، ولم تزل قال في "التهذيب": ولو قطع السارق نفسه بإذن الإِمام، اعْتُدَّ به عن الحدِّ، وهل يمكنه إذا قال: أقْطَعُ بنفسي؟ فيه وجهان، يحْسُن ترتيبهما على الخلاف في أنَّه هل يُمَكَّن من الاقتصاص من نفسه، والتمكين هاهنا أوْلَى؛ لأن الغرض هاهنا التنكيل، ويَحْصُل ذلك بفعل السارق أو هو أشدُّ، وهناك الغَرَضُ التشفِّي على ما مَرَّ.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ القَصَاصَ عَلَى الفَوْرِ

فلاَ يُؤَخَّرُ (ح) بِاللِّيَاذِ إلَى الحَرَم بَلْ يُقْتَلُ فِيهِ وَيُخْرَجُ عَنِ المَسْجِد الحَرَامِ فَيُقْتَلُ، وَقِيلَ يُقْتَلُ: فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَيُبْسَطُ الأَنْطَاعُ تَعْجِيلاً، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ قَطْعُ طَرَفِهِ وَحَزُّ رَقَبَتِهِ عَقِيبَهُ إِنْ شَاءَ، وَلَهُ التَّأْخِيرُ، وَلاَ يُؤَخَّرُ قِصَاصُ الطَّرَفِ لِحَرٍّ مُفْرِطٍ وَلاَ لِمَرْضِ الجَانِي، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ المُوَالاةِ فِي قَطْعِ الأَطْرَافِ قِصَاصاً وَإنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ أَطْرَافُهُ بِالجِنَايَةِ مُتَفَرِّقَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمستحِقِّ القِصَاصِ استيفاؤُه على الفَوْر، إذا أمكن؛ لأنَّ القصاص موجبُ الإتلاف، فيتعجَّل، كقيِّم المُتْلفات، ويتعلَّق بهذه القاعدة صورٌ.
إحداها: مَنْ وجَب عليه القصاصُ، إذا التجأ إلى الحَرَم، جاز استيفاؤه منْه في الحَرَم، سواءٌ كان الواجبُ قصاصَ النفْس أو قصاص الطَّرَف، ومثله يُرْوَى عن مالك، وعند أبي حنيفة: لا يُستَوْفَى قصاص النفس في الحرم، إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمْر عليه، فلا يكلَّم ولا يُطْعَم، ولا يُعامَل حتى يخرج، فيُقْتل وسَلَّم أنهُ يستَوْفَى قِصاصُ الطَّرَف في الحرم، سواءٌ أنشأ الجنايةَ فيه أو أنشأها خارجَ الحرم، والتجأ إلَيه،135

الجزء: 10 - الصفحة: 269

وعن أحمد: أنه لا يُسْتوفَى من الملتجئ قصاص النفس، ولا قصاصُ الطَّرَف، واحتجَّ الأصحاب على أبي حنيفة بالقياسِ على ما سلَّم، وأيضاً بأنه قَتْلٌ، ولو وقع في الحَرَم، لم يوجب ضماناً، فلا يمنع منه، كقتل الحية والعقْرب، ولو التجأ إلى المسْجد الحرام أو غيره منَ المساجد، فيُخْرَج مِنْه، ويُقْتَل؛ لأن هذا تأخيرٌ يسيرٌ، وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه أنَّه تُبْسطُ الأنطاع، ويُقْتَل في المسْجِد تعجيلاً لتوفية الحقِّ وإقامة الهيبة 136. الثانية: لو قطع طرفه، فمات بالسراية، فسيأتي أن القصاص يُستوفَى بمثله، فإذا قطع المجنيُّ عليه طرَفَه، فله أن يحز رقبته في الحَالِ، وله أن يُؤخِّر، فإن مات بالسراية، فذاك، وإن لم يمت، حَزَّ رقبته، وذلك؛ لأن المستحَقَّ إزهاق الرَّوح، فإن شاء، عَجَّل، وإن شاء، أَخَّرَ، ويجوز أن يُعْلَم بالحاء قوله: "فللولي قطع طَرَفه" لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثالثة: لا يُؤَخَّر قصاصُ الطرَف لشدَّة الحرِّ والبرْدِ، ولا يُعْذَر المرض، وإن كان مخطراً، وكذلك الجَلْدِ في القذْف، بخلاف قطع السرقة، والجَلْدِ في حدود الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة، وحقوقُ العبادِ على المضايقة، هكذا أورده صاحب الكتاب، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره؛ وفي "جمع الجوامع" للرويانيِّ: أنه نصّ في "الأم" على أنه يُؤَخَّر قصاص الطرَف بهذه 137 الأسباب، ولو قطع من غيره أطرافاً، ووجب فيها القِصاصُ فللمجني عليه أن يقتص على التوالي، سواءٌ قطعها الجاني متفرِّقة أو متوالية؛ لأنها حقوق اجنمعت عليه، وفيه وجه أنه إذا قطَعَها متفرِّقة، يقتص منها كذلك لما في الموالاة من زيادة الخطر، ووجه أنه لا يوالي بينهما، وإن قطَعَها متواليةً، والظاهر الأوَّلُ؛ [لأنها حقوق واجبة في الحال.] قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤَخَّرُ إلاَّ بِعُذْرِ الحَمْلِ عنْدَ ظُهُورِ مَخَايلِهِ، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ دَعْوَاهَا عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يُؤَخَّرُ إلَى الوَضْعِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا مُرْضِعَةً فَإلَى أَنْ يُوجَدَ، وَفِي الحَدِّ يُؤَخَّرُ بَعْدَ الفِطَامِ إلَى أَنْ يَكْفُلَهُ غَيْرُهَا، وَلاَ يُحْبَسُ فِي الحَدِّ، وَلاَ يُتْبَعُ الهَارِبُ، وَيُحْبَسُ فِي القِصَاصِ الحَامِلُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 270

قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرأة الحاملُ لا يقام عليها قصاصُ النفس، ولاَ قَصاص الطرَّفِ، ولا حَدُّ القذف ولا حدودُ الله تعالى قَبْل الوضْع؛ لما في إقامتها من هلاك الجنين أو الخَوْف عليْه، والجَنينُ بريْءٌ لا يُهْلَك بجريرة غيره، ولا فرْق بين أن يكون الولَدُ من حلاَلٍ أو حرامٍ، ولا بين أن يحدث بعد وجُوب العقوبة أو قَبلَه، حتى أن المرتدَّة إذا حبلتْ من الزنا، لا تقتل حتى تَضعَ، وإذا وضَعت، فلا تستوفي العقوبة أيضاً، حتى ترضع الولَد اللبأ؛ لأنَّ الولد لا يعيش إلا به، هكذا أطلَقَ المُعْظم حكماً، وتوجيهاً، والقاضي أبو الطيِّب منَع ما ذكروه، وقال: قد تموت المرأةُ في الطَّلْق ويعيش الولَدُ بلَبَن غيرها، ومال إلى أنَّها لا تُمْهَل لإرْضَاع اللِّبأ، وعلَّق الإِمام القول فيه، وقال: إن تُحقِّق أن الولَد لا يعيش دون اللبأ، فيُمْهَل إلى أن ترضعه، واعلم أن ما ذكره القاض من أن الوَلَد قد يعيش دونَه صحيحٌ معلومٌ بالمشاهدة، ولكن يشبه أن المُطْلِقِين أرادوا الغالبَ أو أنَّه لا يَقوَى ولا تشتد بنيته إلا به، على ما بيَّنَّاه في "النفقات"، وحينئذ، فلا يَبعُد أن يقال: مدة إرضاع اللِّبأ مدة يسيرة، فيحتمل تأخيرُ الاسيتفاء فيها؛ لنزول الخطَر عن المولود، يَكْمُل عيْشُه، ثم إذا أرضعته اللبأ، فإن لم يكُنْ هناك مَنْ تُرْضِع، ولا ما يعيش المولودُ به من لَبَنِ بهيمةٍ أو غيره، فعن ابن خيران: أنه يُسْتَوْفَى فيها القصاص، ولا يبالي بذلك، كما لو كان للقاتل عيالٌ يضيعون ظاهراً لو اقتص منْه، والصحيحُ المشهورُ: أنه لا بد من التأخير إلى أن توجد مرضعة، أو ما يعيش به أو ترضعه هي حوَليْن، وتفطمه؛ لأنه إذا وجَب تأخير العقوبة احتياطاً للحَمْل؛ فَلأنْ يجب، وقد تيقنا بالوضع وجودَه وحياته، كان أَوْلَى ولو بادر مستحِقُّ القصاص، والحالةُ هذه، فقتلها، فمات، ففي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه قاتلُ عَمْدٍ يلزمه القَوَدُ إلحاقاً بما إذا حَبَس رجلاً في بيتٍ، ومنَعَه الطعام والشراب، وكذلك حكاه القاضي ابن كج عن النصِّ عن الماسرجسي، قال: سمعتُ ابن أبي هريرة، يقول: عليه دية الوَلَدِ، فقلت له: أليس لو غصب طعام رَجُل في البادية أو كُسْوته، فمات جوعاً أو بردًا، لا ضمان عليه، فما الفرق؟ فتوقَّف، فلما عَادَ إلى الدرْس، قال: لا ضمان فيهما جميعاً، وهذا مصيرٌ إلى نفي القصاصِ بطريق الأَوْلَى.
فهذا إذا لم يكن هناك ما يعيش به المولود أصلاً، ووراءه حالتان: إحداهما: إذا أمكن تربيةُ المولود بمراضعَ يَتناوبْنَ عليه، أو بلبنِ شاةٍ ونحوه، ولم يوجد مرضعة راتبةٌ، فيُستحبُّ للوليِّ أن يَصْبِر لترضعه هي لِئلاَّ يَفسد خلقه ولا يسوء نشوءه بالألبان المختلفة ولبن البهيمة، ولو لم يصبر وطلب القصاص، أُجِيب، وفي المقدور عليه مما تَحْصُل به التربيةُ بلاغٌ.
والثانية: إذا وجد مرضعةً راتبة، وطلب المستحِقُّ القصاص، استَوْفَى، وإذا كان

الجزء: 10 - الصفحة: 271

هناك مراضعُ، وامتنعْنَ، فيجبر الحاكمُ من يرى منْهن بالأجرة 138، والجَلْد في القذف كالقصاص.
وأما الرَّجْم وسائر حدود الله تعالى، فلا تُستَوْفَى وإن وْجِدت مرضعة، بل ترْضِعُه هي، وإذا انقضت مدة الإرضاع، فلا يُستوفَى أيضاً حتى يوجد للطِّفْل كافلٌ، رُوِيَ أن الغامدية أتتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَاللهِ، إني لَحُبْلَى، قال: اذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْ بالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدّتُه قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ، وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَت: قَدْ فَطَمْتُهُ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجْلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِرَجْمِهَا" 139 قال الإِمام: والفرق بين القصاص وبين الحدِّ ما تحقّق أن [حدود] الله تعالى تُبْنَى على المساهلة؛ ولذلك يُقْبَل الرجوع عن الإقرار فيها، وحقوقُ الآدميين تُبْنَى على التَّضْييقِ.
وتُحْبَس الحاملُ في القصاص، إلى أن يُمْكِن الاستيفاء، على ما ذكرنا فيما إذا كان في المستحِقِّين صبيٌّ أو غائبٌ وفيما إذا كان عليها الرجْم أو غيره من حدود الله تعالى، الظاهر، وهو المذكور في الكتاب: أنها لا تُحْبَس؛ بدليلِ قصة الغامدية، وحكى الإِمام وجْهاً أنها تُحْبَس كما في القصاص، قال الإِمام: وإطلاق هذا بعيدٌ، والأقرب أن يُقيَّد فيقال: إن ثبت بالبيِّنة، فتحْبَس، أما إذا ثبت بالإقرار، فلا معْنَى للحَبْس، مع أنه يعرض للسقوط بالرجوع عن الإقرار، ومما يحقِّق الفَرْق بين الحدِّ والقصاص أن الهارِبَ في الحدِّ لا يُتْبَع على رأي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود" والهاربُ عن القصاص بخلافه.
وجميعُ ما ذكَرْنا فيما إذا ظهرت مخايلُ العمل ودلالاته بالإقرار، أو بشهادة النسوة، ولو ادعَتِ المرأة أنها حامِلٌ، فهل يُمْتَنَع عنها بمجرَّد دعواها؟ فيه وجهان: قال الإصطخري: لا؛ لأن الأصل عدَمُ الحمل، فلا تترك إقامة [الحد] الواجب إلا بينة تقوم على ظهور مخايله، وقال الأكثرون، نعم؛ لأن للحمل أماراتٍ تظهرُ وأماراتٍ تخفى، وهي عوارض تجدها الحامل من نفْسها، وتختص بمعرفتها، وهذا النوع يتعذَّر إقامة البينة عليه، فينبغي أن يُقْبَل قولها، كالحيض، ولأن ما تدَّعيه محتملٌ احتمالاً لا بعد فيه، فلا وجه للهُجُوم على ما يُهْلِك الجنين، إن كانَتْ صادقة.
والأوَّل أصحُّ عند صاحب الكتاب، ورجَّح المعظم 140 الثانِيَ، قال الإِمام: ولا

الجزء: 10 - الصفحة: 272

أدري أن الدين اعتمدوا قولَهَا، يأمرون بالصبر إلى انقضاء مدَّة الحَمْل أو إلى ظهور المخايل، والأظهر الثاني، فإن التأخير أربعَ سنين غير ثبت بعيدٌ، وذكر في "الوسيط" أنَّ على الوجْه الأوَّلَ لا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالِطُها زوْجها، وهذا إن كان المراد ما إذا ادعت الحَمْلَ، فكذلك، وإن أراد أنه يمنع الاستيفاء لِمجرَّد المخالطة والوطء من غير دعواها الحَمْلَ، فهو ممنوعٌ؛ لأن الأصل عدم الحَمْل، وجاز أن يقال: إنما يُعْدَلُ عن الأصل بشهادة تستندُ إلى الأمارات الظاهرة، أو بقولها المستند إلى الأمارات الخفية.
وقوله في الكتاب: "ولا يُتْبَعُ الهارِب" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ الوَلِيُّ فَقَتَلَ الحَامِلَ فَغُرَّةُ الجَنِينِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِذْ لاَ يَتَيَقَّنُ حَيَاةُ الجَنِينِ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَلَو قَتَلَهَا بِتَسْلِيطِ الإمَامِ فَيُحَالُ بِالغُرَّةِ عَلَى الإِمَامِ فِي وَجْهٍ لِتَقْصِيرِهِ فِي التَّسْلِيطِ أَوْ تَرْكِ البَحْثِ، وَعَلَى الوَلِيِّ فِي وَجْهٍ لِمُبَاشَرَتِهِ، وَعَلَيْهِمَا بِالشَّرِكَةِ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ رَابعٍ يُحَالُ عَلَى الإِمَامِ إنْ كَانَ عَالِماً، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً فَلاَ، أَمَّا الجَلاَّدُ فلاَ عُهْدَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قُتِلَتِ الحاملُ على خلاف ما أمرْنا به، نُظر؛ إن بادر إليه الوليُّ مستقلاً، أَثِمَ، ووجبت غُرَّة الجنين، إن انفصل ميتاً، ويكون على العاقلة على ما هو شأن الغرة؛ لأن الجنين لا يُبَاشَر بالجناية، ولا تُتَيَقَّن حياته؛ فيكون إهلاكه خطأً أو شبه عمد، وإن انفصل متألماً، ومات، وجبت الدية، وإن مكَّنَه الإِمام وأذِنَ له في قتلها، فقتلها، فقد رتب الأصحاب 141 الكلام في ثلاثة فصول: أحدها: الإثْمُ، وهو تَبَعٌ للعلم، فإن علم الإِمام والوليُّ أنها حاملٌ، أثِمَا جميعاً، وإن علم أحدُهما دون الآخر، اختص الإثْمُ بمن عَلِمَ وإن جَهِلا، فلا إثْمَ.
والثاني: الضمان؛ فإن لم ينفصل الجنينُ، فلا ضمان، وإن انفصل ميتاً، ففيه الغُرَّة والكفارة، وإن انفصل حيّاً متألماً، ومات كذلك، فعليه دية وكفارة؛ لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، وإن انفصل سليماً، ثم مات، لم يجب فيه شيءٌ؛ لأنه لا يُعْلَم أنه مات بالجناية أم لا.
والثالث: فيمن يَضْمَن، ولا يخلو إما أن يكون الإِمام والوليُّ عالمَيْنِ بالحال، أو جاهلَيْنِ أو كان الإِمام عالماً دون الوليِّ وبالعكس، وهي أربع أحوال:

الجزء: 10 - الصفحة: 273

أحدها: إذا كانا عالمَيْن، فظاهر المذْهب، وهو المنصوص: أن الضمان يتعلَّق بالإمام؛ لأن الاجتهاد والنظر إليه والبحث والاحتياط عليه، وفعل الولي صادر عن رأيه واجتهاده، وهو كالآلة ووراءه وجهان: أحدهما: وهو اختيار المزنيُّ: أن الضمان على الوليِّ؛ لأنه المباشر، والمباشرةُ أقوَى وأولَى بإحالة الهلاك عليْها، وهذا أرجَحُ عند الإِمام وصاحب الكتاب.
والثاني: وعن رواية أبي علي الطبريِّ وصاحب "التقريب": أن الضمان عليهما بالسوية؛ لأن الولي مباشرٌ، وأمر الإِمام كالمباشرة؛ فيشتركان في الضمان.
والثانية: إذا كانا جاهلَيْنِ، ففيمن عليه الضمانُ الوجوة الثلاثةُ المذكورةُ في الحالة الأولَى وفي تعليق الشيخ أبي حامد القطْع بالأوَّل منها.
والثالثة: إذا كان الإِمام عالماً والوليُّ جاهلاً، فإن أوجبْنا الضمان على الإِمام إذا كانا عالمين فهاهنا أولى وإن أوجبناه هناك على الوليِّ، فهاهنا وجهان يَقْرُبَان من الخلاف فيما إذا أضافَ الغاصبُ بالطعامِ المغصوبِ غيرَهُ، على مَنْ يستقر الضمان؟ والرابعة: إذا كان الوليُّ عالماً، والإمامُ جاهلاً، فالمشهور الصحيحُ أن الضمان على الوليِّ؛ لاجتماع العلْم وقوة المباشرة، وعن صاحب "التقريب" وجّه أنه على الإِمام لتقصيره في البحث، ويخرج مما سقْناه أربعة أوجهٍ، وجوب الضمان على الإِمام مطلقاً، ووجوبه على الوليِّ مطلقاً، والشركة مطلقاً، ووجوبه على الإِمام، إذا كان عالماً أو كانَا معاً جاهلَيْنِ، وعلى الوليِّ، إذا اختص الجَهْل، وهذه الوجوه الجارية هي التي ذكرها في الكتاب، إلا أن لفظ الرابع غير وافٍ بالمقصود والوافي ما ذكرناه.
التفريعُ: حيث أوجبْنا الضمان على الوليِّ، فالغرة على عاقلته، والكفارةُ في ماله وحيثُ أوجبناه على الإِمام، فإن كان عالماً، ذكذلك وإن كان جاهلاً، فعلى القولَيْن في أن ما يَلْزم بخطأ الإِمام في الاجتهاد؛ يكون على عاقلته أم في بيت المال، وسيأتي ذكْرُهما: أظهرهما: وهو المنصوص هاهنا أنه على عاقلته، وعن أبي الطيِّب بن سلمة، وأبي علي الطبريِّ: القطع به، وإذا قلْنا: إن الغرة أو الدية تكون في بيت المال، ففي الكفَّارة وجهان 142 لقربهما من القربات وبُعْدِها عن التحمُّل، ولو باشر القَتْل نائب الإِمام أو جلادُه دون الوليِّ، فإن كان جاهلاً، فلا ضمان عليه بحال؛ لأنه سيف الإِمام، وليس عليه البحْث عما يأمره [الإِمام] به وإن كان عالماً ففيه خلاف مرتَّبٌ على الخلاف في الوليِّ، إذا كان عالماً وأذنَ له الامامُ، والجلاَّد أولَى بأن لا يَضْمَن؛ لأنه لا يستَوْفِي

الجزء: 10 - الصفحة: 274

لنفسه شيئاً، وإنما يمتثل مأموراً لمنصب الإِمام؛ ولذلك قيل إنه آلة سياسة الإِمام، وأنه لا كفارة عليه، إذا جرى على يده قَتْلٌ بغير حقٍّ، ونقل أبو الفرجِ السرخسيُّ وجهَيْن في أنه هل يعتبر علْمُ الوليِّ والإمامِ والمباشرِ الجلاَّدِ، وقال: أصحُّهما: أنه يعتبر حتى إذا كان عالماً، وهما عالمان يكون الضمان عليهما أثلاثاً، وهذا كلامُنا في ضمان الجَنين.
وأما الأمُّ، فلا يجب ضمانُها؛ لأنها تَلِفَت في حدٍّ أو عقوبة، وجَبَتْ عليها.
قال في "التهذيب": هذا إذا ماتَت من ألم الضَّرْب، فإن ماتَتْ من ألم الولادة تجب ديتُها، وإن ماتَتْ منهما يجب نصف ديتها، وكأن المراد ما إذا ضربها في الحدِّ فَأَفْضَى إلى الإجهاض والولادة، فماتَتْ من الألمَيْنِ أو من أحدهما.
فَرْعٌ: إذا لم يعلم الإِمام بالحمْل، فأذن للوليِّ في القتل، ثم علم، فرجع عن الإذْن ولم يعلَمِ الوليُّ رجوعه، فقتل، فعَلَى مَنِ الضمان؟ يُبْقَى ذلك على ما إذا عفا الموكِّلُ عن القصاص، ولم يعلَمِ الوكيل، وسيأتي، ذَكَره القاضِي ابن كج.
واعلم أنه ليْس المرادُ فيما أطلقْنا من العلْم بالحَمْل، وعدم العلم حقيقةَ العِلْم، وإنما المراد الظنُّ المؤكَّد؛ لظهور مخايله، وعبر عنه الإِمام بأن قال: إن كان عالماً بالحَمْل عِلْمَ مثله.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّالِث فِي كيْفيَّةِ المُمَاَثَلَةِ

وَهِيَ مَرْعيَّةٌ (ح) فَمَنْ قَتَلَ بِالقَطْع أَوْ بِالإحْرَاقِ أَوْ بِالْتَّغْرِيقِ أَوْ بِالتَّخْنِيقِ قُتِلَ بِمِثْلِهِ إلاَّ إِذَا قَتَلَ باللِّوَاطِ وَإيجَارِ الخَمْرِ فَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إِيْجَارِ، وَقِيلَ: يُوجَرُ خَلاًّ وَيُدَسُّ خَشَبَةً، وَمَهْمَا عَدَلَ المُسْتَحِقُّ إِلَى السَّيْفِ مِنْ غَيْرِهِ مُكِّنَ لأَنَّهُ أَسْهَلُ، فَلَوْ جَوَّعَ الجَانِيَ أَوْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ بِمِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ أَوْ ضَرَبَهُ بالسِّيَاطِ مِثْلَ تِلْكِ الضَّربَاتِ فَلَم يَمُتْ فَيَزِيدُ فِي الضَّرْبِ وَالتَّجْوِيعِ أَمْ يَعْدِلُ إِلَى السَّيْفِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَمُتِ الجَانِي بِقَطْع مِثْلِ الأَطْرَافِ المَقْطُوعِ جِنَايَةً فَلاَ يُقْطَعُ طَرَفٌ آخَرُ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ بِمِثْلِ تِلْكَ الجَوَاِئفِ فَهَلْ يُوَالِى بِالجَوَاِئفِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المماثلة مَرْعِيَّةٌ فِي استيفاء القِصاصِ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ" 143 ويروى: "أن يَهُودِياً رَضَخَ رَأَسَ جَارِيةٍ بِالْحِجَارَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِرَضْخِ رَأْسِهِ بِالحِجَارَةِ" 144 فإذا قتل إنساناً قتْلاً موجباً إما

الجزء: 10 - الصفحة: 275

بمحدَّد من سيف أو غيره، أو بمثقل أو خَنَقَه أو غَرَّقَه في ماء أو ألقاه في نَارٍ، أو جوَّعه حتى مات أو ألقاه من شاهق، فللولي أن يقتله بمثل ما قتل به، وبه قال مالك، وخالف أبو حنيفة فيه، وقال: يتعيَّن القتْل بالسيْف، واحتج الأصحابُ بما سبق، وأيضاً، فإن المقصود من القصاص أو مِنْ مقاصده التشفِّي، وإنما يكمل التشفِّي إذا قُتِلَ القاتِلُ بمثل ما قَتَل، ويُستثنى عن القاعدة ثلاثُ صوَرٍ: إحداها: إذا قَتَل بالسِّحْر، يقتصُّ منه بالسيف؛ لأن عمل السْحر مُحرَّمٌ على أن ذلك مما لا ينضبط، وتختلف تأثيراته.
والثانية: إذا قَتَل باللِّواط، ففيه وجه أنه لا يجب القصاصُ؛ لأنه لا يقصد به الإهْلاَك، وإنما يبغي اللذة وقضاءَ الشَّهْوة فإذا أفضى إلى الهَلاَك، كان خطأً أو عمْدَ خطأٍ، والصحيح وجوبُه إذا كان يقتل غالباً بأن لاط بصغير وعلى هذا؛ ففي كيفية استيفاء القصاص وجهان: أحدهما: ويحكى عن أبي إسحاق والإصطخري: أنه تدس خشبة في دبره قريبة من آلته 145، ويقتل بها تحقيقاً للمماثلة بقَدْر الإمكان.
وأصحُّهما: أنه يقتل بالسَّيف؛ لأنه قَتَل بفعْلٍ محرَّم في نفْسه، فيقتل بالسيف، كما لو قتل بالسِّحْر، قال في "التتمة": وموضع الوجهَيْن ما إذا كان موْتُه متوقَّعاً من المقابلة بمثل ما فعله، أما إذا كان لم يُتوقَّع، وكان موت المجنيِّ عليه لطفولية ونحوها، فلا معنى للمقابلة.
الثالثة: إذا أوجره خمراً، حتى مات، فقد حكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهين: أنه لا يتعلَّق به القصاص؛ لأنه لا يقصد به الإهلاك، والصحيح خلافه، وفي كيفية استيفاء القصاص وجهان: أحدهما: أنَّه يوجَرُ مائعاً آخر من خَلٍّ أو ماء أو شيْء مُرٍّ، والأصح: أنه يُقْتل بالسيف، ولو سقاه البَوْل، حتى مات، فعن القاضي حسين وجهان في أنه يُسقَى مثله أو يكون كالخَمْر، وفرق بين البول والخمر بأن البول يُبَاح للضرورة بخلاف الخَمْر، ولو

الجزء: 10 - الصفحة: 276

أوجره ماءً نجساً، قال صاحب "التهذيب": يُوجَر ماءً ظاهراً.
وكما تراعى المماثلة في طريق القتل، تُرَاعَى في الكيفيات والمقادير، ففي التجويع؛ يُحْبَسُ مثل تلك المدَّة، ويُمْنَع الطعام والشراب، وفي الإلقاء في الماء والنار، يلقى في ماء ونار مثْلِهما، ويترك تلْك المدة، وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء، إن كان يُحْسِن السباحة، وفي التخنيق يُخْنَق بمثل ما خنق مثل تلْكَ المدَّة، وفي الإلقاء من الشاهق يُلْقَى من مثله، وتُراعَى صلابة الموضع أيضاً، وفي الضرب بالمثقل يراعَى الحجْم وعدد الضربات، وإذا تعذَّر الوقوفُ على قدْر الحجر أو قدْر النار أو عدَدِ الضربات، فعن القفَّال أنه يُقْتلُ بالسيْف، وذكر بعضُهم أنه يؤخذ باليقين 146. ومهما عدل المستحِقُّ من غير السيف إلى السيْف، مُكِّنَ منه؛ لأنه أوحَى وأسهلُ، قال في "التهذيب": وهو الأولَى وفي "النهاية": أنه لو قتل بالتخنيق، فأراد الوليُّ أن يقتلَه بالسيف، فقد قطع الشيخ أبو محمَّد بأن له ذلك [و] في الطُّرُق رمزاً إلى خلافه؛ لأن الخنق قد يُظنُّ أنه أقرب إلى إزالة الحسِّ المدْرِك للألَم، والضرْب بالسيْفِ يختلفُ باختلاف الضاربين، والمشهور الأولُ، وإذا جُوِّع الجاني مدَّةَ تجويعه، أو أُلْقِيَ في النارِ مثْلَ تلْك المدة التي ألْقَى فيها، فلم يمت، ففيه قولان: أحدهما: أنه يُزَاد في التجويع، ويدام في النار، حتى يموت؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به، ولا يبالي بزيادة الإيلام والتعذيب، كما لو ضرَبَ رقبة إنسان بضربةٍ واحدةٍ، ولم تُحَزَّ رَقَبَتُهُ إلا بضربتين فصاعداً.
والثاني: يعدل إلى السيف؛ لأنه فعل به مِثْل ما فَعَل، وبقي الإزهاقُ، فيحْصُل بأسهل الطُرقِ، ولا يزاد عليه [العذاب] 147، هكذا أطلقَ مطلِقُون الخلافَ، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب، إلا أنه أبدل القولَيْن بالوجهَيْن، وقد فعله غيره أيضاً؛ لأنه قد قيل: إن قول العدول إلى السيف مخرَّجٌ على ما سيأتي، والأصحُّ عند صاحب "التهذيب" القولُ الأول، وفصَّل الإِمام وغيره فقالوا: إن كان القتلُ بالسيف أسْهَلَ مِنْ زيادة التجويع والإلقاء في النار، فيُقْتل بالسيف، فإن تراضَيَا على الإبقاء في النار، ففيه تردُّد عن الشيخ أبي محمد، والأظهر: أنه لا أثَرَ لتراضيهما، ولا يبقى فيها، وإن كان الإبقاءُ في النار أهْوَنَ فوجهان: أحدهما: يبقى فيها؛ لأنه أسهلُ، ولتتَّحدَ جهةُ العقوبة، فإن النفْس تستشعرُ مزيد العذَاب في الانتقال من جنْس إلى جنْس.

الجزء: 10 - الصفحة: 277

والثاني: يعدل إلى السيف؛ لأنه أوحَى لما فيه من العمل بظاهر ما وَرَدَ أنَّه لا قوَد إلا بالسيف، وعن الشيخ أبي محمَّد مضايقة في تصوير القسْم الثاني، وهو أن يكون الإبقاء في النارِ ونحوه أهونَ من السيف، [وهذا] ذهاباً إلى أن القتْل بالسيْفِ أهْوَنَ بكلِّ حالٍ، وصوَّره الإِمام فيما إذا لم يتأت قتلُهُ بالسيف في النار، وكان يَعْظُم الشقاء في إخراجه منها، ويخرج من التفصيلِ والاطلاقِ المذكورَيْنِ ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه يزاد في ذلك الجنس.
والثاني: يُعْدَلُ إلى السيف.
والثالث: يراعَى الأهونُ منهما، وترجيعُ هذا الثالثِ قريبٌ، فلو قتله بالضرب بالسوْط والحَجَر، ففعل به مثله، فلم يمت، فهل هو على الخلاف المذكورِ في التجْويع، والإلقاء في النار؟ فيه طريقان: أظهرهما: نعم، ووجه الزيادة في الضرْب أنَّه ضَرَبَ إلى الموت، فيضرب إلى المَوْت.
والثاني: القطع بالعدُول إلى السيف؛ لأن السيف أوحى وأسهل منه بكل حال، ولأن كلَّ ضربة منقطعةٌ عما قبلها، فصار كقطع طرَفٍ بعد طَرَفٍ، قال الإِمام: ولو قتل نحيفاً بضرباتٍ تَقتُل مثله غالباً، وتيقَّنَّا أو ظننا ظنّاً مؤكداً أن الجانيَ في جثته وقوته لا يَهْلِكُ بتلك الضربات، فالوجه القطع أنَّه لا يضرب تلْك الضرباتِ؛ لأنها لا تقتله، وإنما تراعَى المماثلة، إذا توقَّعنا حصولَ الاقتصاص بذلك الطريق ثم بدَا لَهُ بالآخر 148 احتمال آخر، هذا هو الكلام في استيفاء القصاص [في] المقتل الموحي.
وأما غير الموحي من القَتْل؛ كالجروح وقطع الأطراف، إذا سرَتْ إلى النفْس، فله حالتان.
إحداهما: أن تكون الجراحَةُ بحَيْث يقتص فيها، لو وقعت كالمُوضِحَة، وقطع اليد من الكوع، فللمجنيِّ عليه أن يحز رقبته، وأن يوضِحَه أو يَقْطَع يده، ثم إن شاء، حَزَّ رقبته في الحال، وليس للجاني أن يقول: أمْهِلُونِي مدةَ بقاء المجنيِّ عليه بعْد جنايتي؛ لثبوت حق القصاص ناجزاً، عن أبي الحسين بن القطَّان أن له أن يقولَ: افعلوا بي مثْلَ ما فعلْتُ؛ لأنه قد يَخْطُر لبعضهم العفْو في مدة التأخير، والمشهور الأول، وإن شاء، أمهله إلى السراية؛ على ما تقدَّم، وليس للجاني أن يقول أريحوني بالقتل أو العَفْو بل الخِيَرةُ إلى المستحِقِّ، وعند أبي حنيفة: يُقْتَصَرَ على حَزِّ الرقبة، ولا يقتص في الجراحة والعُضْو، وسلَّم أنه لو قطع الجاني يَدَه ثم حَزَّ رقبته، كان للوليِّ أن يقطع يده

الجزء: 10 - الصفحة: 278

ثم يَحُزَّ رقبته، وإذا اقتص من مُوضِحَة الجناية أو من الطَّرَف المقطوع، لم يكن له أن يُوضِعَ موضعاً آخر، أو يقطع عضواً آخَر، بل ليس له إلا حَزُّ الرقبة؛ لأن الإيضاح في موضِعٍ آخرَ وقطع عضو آخَرَ عدولٌ إلى غير محلِّ الجناية، فليس له زيادةٌ في إيراد العقوبةِ على محلِّ الجناية بخلاف ما ذكرنا في التجويع والإبقاء في النار.
والحالة الثانية: أن تكون الجراحةُ بحيث لا يقتص منها، لو وقفت كالجائفة وقطْع اليد من نصْف الساعد، فهل يجوز استيفاءُ القصاصِ بهَذَا الطريقِ أم يُعْدَل إلى السيف؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يستوفَى بهذا الطريق تحقيقاً للمماثلة في طريق الإزهاق كَمَا في الحالة الأُولَى وما قبلها.
والثاني: يُعْدَلُ إلى السيْف؛ لأن ما لا قصاصَ فيه لا ينضبط، ولا يوثق فيه بالمماثلة؛ ولذلك لم يَجُزِ القصاصُ فيه إذا وقفت، ومن قال بالأول، قال: يجوز أن لا يجب القصاص في الجناية لو وقفت، ويجري القصاص عند السراية؛ ألا ترى أنه لو ضربه بمثقل، فلم يمُتْ، لم يجب فيه القصاصُ، ولو مات منه وجب القصاص، وضُرِبَ بمثله، وأظهر القولَيْنِ عند صاحب "التهذيب": العدول إلى السيف، وعند الشيخ أبي حامد وغيره من العراقيين والرويانيِّ أيضاً: أنه يستوفَى بذلك الطريق، وإذا قلْنا به، فلو كان قد أجافه، فمات، وأُجِيفَ مثْل جائفته، فلم يمُتْ، فهل يُزَاد في الجوائف؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا، لاختلاف تأثير الجوائف باخْتلاف محالِّها، وهو كقَطْع الأطراف المختلفة.
والثاني: نعم؛ ليكون إزهاق الروح قصاصاً بطريق إزهاقه، عدواناً، وفي "التهذيب": أن هذا مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما، وأن العدول إلى السيف مخرج من هذه المسألة، وأن الصحيحَ الفرْقُ؛ لأن القتل هناك مُوحٍ، فالزيادة من الجنْس الذي بدئ به، لا تطول عليه العذاب والقتل والجراحات هاهنا ليست مُوحِيَة، وقد يخنقه، ولا يموت، ويدع الوليُّ قتلْه، فيكون قد عذبه بما لا قصاصَ فيه، وأنا إذا قلْنا: يستوفى القصاص بطريق الجائفة، فإن قال: أجيفه وأعفو عنه، إن لم يمت، لم يُمَكَّن منه، وإنما يُمَكَّن، إذا قال: أجيفه ثم أحز، وكذا لو قال: أرميه من الشاهق، ثم أعفو عنه؛ فإنه لو أجافه ثم عفا عنه، عُزِّر على ما فَعَل، ولم يُجْبَر على قتله، فإن مات، بأن بطلان العفْو، والقولانِ في أنه، هل يُستوفَى القصاص بالجائفة ونحوها؟ يجريان فيما إذا قطع يداً شلأَ فسرى، ويد القاطع صحيحةٌ أو ساعداً مِمَّن لا كفَّ له والقاطعُ سليمٌ، هل يستوفي القصاص بقطع اليد والساعد؟ واعلم أن المماثلة مرعيةٌ في قصاص الطرف كما هي مرعية في قصاص النفْس، ولكن إذا أمكن

الجزء: 10 - الصفحة: 279

رعايتُها، فلو أبان طرَفاً من أطرافه بمثقل أو أوضَحَ رأسه بحجر، لم يستوف القصاص إلا بالسيف، ولو أوضَحَ رأسه بالسيف، لم يوضح رأسه بالسيف، بل بِحديدةٍ خفيفة، وإن كان الطريقُ موثوقاً به مضبوطاً، قوبل بمثله، كَفَقْءِ العين بالأصبع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنَ الكُوع وَآخَرُ مِنَ المرْفَقِ فَمَاتَ فَهَلْ يقْتَلُ قَاطِعُ المِرْفَقِ بِقَطْعِ مِرْفَقِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَوجْهُ المَنْعِ أنَّهُ قطَعَ سَاعِداً بِلاَ كَفٍّ فَلاَ يَقْطَعُ سَاعِدَاً مَعَ الكَفِّ، فإذَا مَاتَ الجَانِي بِسَرَايَةِ القَطْعِ أَوّلاً ثُمَّ مَاتَ المَجْنِىُّ عَلَيهِ فَفِي وُقُوعِهِ قِصَاصاً وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحداهما: قطَع يَدَ إنسانٍ من الكُوع، فجاء آخرُ، وقطَع الساعِدَ من المِرْفَق قبل اندمال الأول، ومات المقطوع بالسراية، فقد مَرَّ أنه يجبُ عليهما القصاص، وأن أبا حنيفة ذهب إلى أن القصاص على الثاني دون الأوَّل، ثم طريق الاستيفاء من الأول أن تُقْطَع يدُهُ من الكوع، فإن لم يَمُتْ تُحَزُّ رقبته.
وأما الثاني: فإن كان له ساعدٌ بلا كف، اقتص منه بقطع مرفقه، ثم يُقْتَل، وإن كانت يدُه سليمةً، فتقطع من المرفق، ثم يُقْتَل بالحزِّ أو يُقْتصر على الحز؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: أنه يُقتصر على الحز، ولا يقطع مرفقه؛ لأنه لو قطَع من المِرْفَق، فقد يَعْفُو الوليُّ عن القتْل بعْد القطْع، فيكون قد استوفَى ساعداً من الكَفِّ بساعدٍ من غير الكَفِّ.
وأظهرهما: على ما ذكَر الإمامُ، وهو المنصوصُ في "المختصر" أنه يقطع ثُمَّ يقتل؛ لترد الحديدة على موردها في الجناية، ولا عبرة بزيادة الكف الهالِكَة بهلاك النفْس والنفس مستحَقَّة وبنَى أصحابُنا العراقيُّون وغيرهم الخلافَ على الخلافِ في أنَّ مَنْ أجافَ غيره، ومات، فليقتص منه بالجائفة؛ من حيْثُ إنه لا تُقطَع اليد السليمة بساعدٍ لا كفَّ لها، كما لا يقتص من [الجائفة، ولو وقفت] 149 ولم يَرْتَضِ الإِمام هذا البناء؛ لأن سبب الخلاف في الجائفة؛ أنَّها لا تنضبط، ويختلف أثرها ونكايتها باختلاف غَوْصِ الحديدة وترديدها؛ ولذلك لا يَجْرِي فيها القصاصُ بحال، وأما قطْع المِرْفَق، فهو مضبوطٌ والمِرْفَقُ محلُّ القصاص في الجُمْلة، وعن القفَّال نحْو من هذا، وإذا أراد الوليُّ العفْوَ عن الأول بعْدما قطَع يده من الكُوع، قال الأصحاب: لا يجوز أن يعفو على المال؛ لأن الواجبَ عليه نصْفُ الدية، فإنه أحد شريكَيِ القتل، وقد استوفى

الجزء: 10 - الصفحة: 280

النصف باليد التي قطعها، وإن أراد أن يعفُوَ عن الثاني على المال، فله نصف الدية إلا قَدْر أرْش الساعد؛ فإنه لم يُسْتَوْفَ إلا الساعد.
الثانية: إذا اقتص من قاطع اليد، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، فللوليِّ أن يحز رقبته، أنفه، أو قُتِلَ وله أن يعفو، ويأخذ نصف الدية، واليدُ المستوفاةُ مقابلةٌ بالنصف، وإن مات الجاني حتف أنفه أو قُتِل ظلماً، أو في قصاص آخر، وجب عليه أخْذُ نصْف الدية منْ تركته، ولو قطع يد إنسان فقطعت يداه قصاصاً، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، فللوليِّ أن يحز رقبة الجانِي، ولو عفا، فلا دية له؛ لأنه قد استوفَى ما يقابل الدية، وهو اليدان، وهذه صورةٌ يجب فيها القصاصُ، ولا يجوز العفْو عن الدية، ولو اقتص منْ قاطِعٍ اليد، فمات بالسراية، فلا شيْء على المقتص، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: تلزمه الدية.
لنا: أن القطع قصاصاً، قطع بحق، فلا تكونُ سرايته مضمونةً كقطْع السرقة، وقد روي عن عمَر وعليٍّ -رضي الله عنهما- أنَّهما قَالاَ: من مَاتَ من حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، فَلاَ دِيَةَ لَهُ فَإِنَّ الحق قَتْلُه 150 ولو ماتَا جميعاً بالسراية بعد الاقتصاص في اليد، نُظِر؛ إن مات المجنيُّ عليه أولاً أو ماتَا فالمشهور أنَّ اليَدَ باليدِ قصاصٌ، والسراية بالسراية قصاصٌ، ولا شيء على الجاني، وهذا نسبه القاضي ابن كج إلى ابن علي الطبريِّ وحكى عن عامَّة الأصحاب أو لوليِّ المجنيِّ عليه نصْفَ الدية في تركة الجانِي؛ لأن سراية الجاني مهدرةٌ، وسرايةَ المجنيِّ عليه مضمونةٌ، وإن مات الجاني أولاً، ففيه وجهان مشهوران: أحدهما: ويروى عن أبي إسحاق: أنه يحْصُل القصاص بما جرى؛ لأن الجاني مات من سراية بفعل المجنيِّ عليه، وحصَلَت المقابلة.
والثاني: ويروى عن ابن خيران: المنعُ؛ لأن القصاص لا يسبق الجناية، وهذا ما رجَّحه أكثرهم، وادعى القاضي الرويانيُّ: أن الصحيح الأول، وإذا قلْنا: إنه لا يحْصُل القصاص، فلوليِّ المجنيِّ عليه نصْفُ الدية في تركة الجاني، ولو اتفق ذلك القصَاص في الموضِحَة، فتُؤْخَذَ من تركة الجاني تسعة أعشار الدية، ونصْف عُشْرها، وقد أخذ بقصاص الموضِحَة نصْف العُشْر.
فروع: قَطَعَ يدَ إنسانٍ، فحز المقطوعُ يدَهُ رقبةِ الجانِي، فإن ماتَ المقطوعُ بالسراية، صار قصاصاً، وإن اندمل قتل قصاصاً، وفي تركة الجانِي نصفُ الدية؛ لقطعه

الجزء: 10 - الصفحة: 281

اليد، ذكره في التهذيب.
ولو قطع يدَ إنسانٍ، وَقَتَل آخَرَ، ثم مات المقطُوعُ بالسراية، فقد قتل شخصين وحكاية صاحب "الشامل" عن الأصحاب: أنه يُقْتَل بالمقتول دون المَقْطُوع؛ لأن قصاص النفْسِ للمقطوعِ وجب بالسراية، وهي متأخِّرة عن وجوبه للمقتول، لكن لوليِّ المقطوعِ أَن يقتص في الطَّرَف، فهذا قُتِلَ بالآخر، أخذ نصْف الدية من تركته، وتوقف فيما إنه يقتل بالمقتول دون المقطوع.
ولو أنه بعْد ما قطع واحداً، وقتل آخر، قُطِعَت يده قصاصاً، ومات من القطْع، فلوليِّ المقتول الدية في تركته، وإن قَطَعَ قصاصاً، ثم قُتِلَ قصاصاً، ثم مات المقطُوعُ الأوَّل، فلوليِّه في مال الجانِي نِصْفُ الدية.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اسْتَحَقَّ القِصَاصَ فِي اليَمِينِ وَأَخْرَجَ الجَانِيْ يَسَارَة فَقَطَعَهُ فَأمَّا القِصَاصُ فِي اليَسَارِ فَيَسْقُطُ (و) إِنْ قَصَدَ بِإخْرَاجِهِ الإبَاحَةَ لأَنَّهُ فِعْلٌ مَعَ القَصْدِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ سَاكِتٍ فَهَلْ يَكُونُ سُكوتُهُ إِهْدَاراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا حَقُّ القَاطِعِ فِي اليَمِينِ لاَ يَسْقُطُ إلاَّ إِذَا قَالَ: قَصَدتُّ بِقَطْعِ اليَسَارِ أنْ آخُذَهُ عِوَضاً عَنِ اليَمِينِ فَفِي سُقوطِهِ وَجْهَانِ لأَنَّهُ بُنىَ عَلَى ظَنٍّ خَطَأٍ، فَإنْ أَسْقَطْنَا بَقِيَ لَهُ الدِّيَةُ، وَلَو قَالَ المُخْرِج: قَصَدتُّ بِإخْرَاج اليَسَارِ إِيقَاعَهُ عَنِ اليَمينِ فَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنْتُ بالإخراج إبَاحَةٌ فلاَ قِصَاصَ فِي اليَسَارِ لِتَأكُّدِ الظَّنِّ بِالإخْرَاجِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ حَالَة لأَنَّ بَذْلَهُ عِوَضاً عَنِ اليَمِينِ تَسْلِيطٌ، وَأَمَّا حَقُّهُ عَنِ اليَمِينِ لاَ يَسْقُطُ إلا إِذَا قَالَ: أَخَذْتُهُ عِوَضاً عَنِ اليَمِينِ فَيَكُونُ تَطَابُقُ القَصْدَيْنِ مُعَاوَضَةٌ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ المُخْرَجَ يَمِينٌ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ظَنَنْتُهُ قَاِتِلَ أَبِي، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتهُ يُجْزِئُ عَنِ اليَمِينِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَجِبُ القِصَاصُ لأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةُ الإخْرَاجِ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ في السَّرِقَةِ وفُرِضَ دَهْشَتُهُ أَوْ ظُنَّ وَقَعَ عَنْ جِهَةِ الحَدِّ لأَنَّ الحَدَّ مَبْنَاهُ عَلَى المُسَاهَلَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه مسألةٌ كثيرةُ التشعُّب، وحقُّ مثلها التثبت وإحْضارُ الذِّهْن، فيقدم عليها أن اليمين لا تُقْطَع باليسار، والعكس على ما مَرَّ، وإذا وجب القصاصُ في اليمين واتَّفقا على قطْع اليسار بدلاً عن اليمين، لم يكن بدلاً، كما لو قَتَل في قصاص النفْس غيرَ القاتِل برضاه [لم يقع بدلاً] ولكنْ لا قصاصَ في اليسار؛ لشبهة البذْل من صاحبها ورضاه بقطْعها، وتجب ديتُها، ومَنْ عَلِم منْهما أن هذه المصالحةَ فاسدةٌ، لحقه الإثْم بحق اليسار، وهل يسقط قصاص اليمين بما جَرَى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه، إنما رَضِيَ بإسقاط حقِّه في اليمين؛ لتَكُونَ اليسار بَدَلاً عنه، فإذا لم تكُنْ بدلاً، وجب أن يبقى حقُّه في اليمين، كما لو صالح على الإنكار، لم يَسْقُط حقُّه، حيث لم يثْبُت المعوض له.

الجزء: 10 - الصفحة: 282

والثاني: يسقط؛ لأن الرضا بأخْذِ اليسار عوضاً عن اليمين عفْوٌ عن اليمين، قال ابن الصبَّاغ: وهذا أصحُّ؛ لأن ما جعله عوضاً، وهو قطْع اليسار قدْ حَصَلَ، وإن لم يقع بدلاً حكماً، بخلاف عِوَض الصُّلْح، إذا عرَفْتَ ذلك، فلو أن مستحِقَّ القصاص في اليمين طالَبَ الجانِيَ بإخْراج اليمين، فأخرج الجاني يسارَهُ، فقطعها المستحِقُّ فللمخْرِجِ أحوالٌ: إحداها: أن يعْلَمَ أن اليسار لا تُجْزئ عن اليمين، وأنه يخرج اليسار، ويقصد بإخْراجها الإباحةَ للمقتص، فلا قصاص في اليسار ولا دية نص الشافعيُّ -رضي الله عنه- عليه، واتفق عليه الأصحابُ، وقالوا: إن صاحبها قد بَذَلَها مجاناً، وإن يتلفَّظْ بالأباحة، ووجَّهوه بطريقين: أحدهما: أنه وجد فعل الإخراج مقروناً بقصد الإباحة، وقد يقام الفعْلُ مقام النطْق؛ ألا ترى أن تقديم الطَّعَام إلى الضيف نازلٌ منزلةَ الإذْن لفظاً.
والثاني: أن الفعْلَ بعد السؤال والطلب نازلٌ منزلة الإذن في المسؤول حتَّى لو قال: أخرج يدك أقطعْها أو مَلِّكني قطْعَها، فأخرج، كان ذلك إباحةً، ولو قال: ناولْني متاعَكَ، لألقيه في البَحْر، فناوله، كان كما لو نَطَق بالإذن فيه، حتى لا يجب عليه الضمان، إذا ألقاه في البَحْر، ولو قدَّم الطعامَ إلى مَنِ استدعاه، كان كما لو قال له: كُلْ، ولك أن تقول، على الأول: إنما يُقَام الفعْل مقامَ النطْق، إذا انضمت إليه قرينةٌ، كالعادة الغالبة في تقديم الطعام إلى الضيْف، وليس الإخراج، والحالةُ هذه، قرينة دالةٌ على قصْد الإباحة، وعلى الثاني: أن الفعْل بعد السؤال، إنما يكون كالإذْن في المسؤول، إذا لم يختلف المفعول والمسؤُول، كما في الأمثلة المذكورة، وهاهنا المسؤول إخراج اليمين، والموجود إخراجُ اليسارِ، قال الإِمام: وقد ذُكِرَ وجّه ضعيفٌ: أن الضّيفَانَ لا يستبيحون الطعام ما لم يتلفَّظ المقدَّم بالإباحة، ولا نأمن أن يَطْرُد صاحبُ ذلك الوجه مذْهَبَه هاهنا، ولم يعتقد طَرْد ذلك الوجّه هاهنا، بل قال: ينبغي أن يستدل بمواضع الوفاق على فَسَاد الوجُوه الضعيفة، ولا يُعْترضُ بالوجوه الضعيفة على مواضع الوفاق، لكن القاضي ابن كج ذَكَر أن أبا الحُسَيْن بن القطَّان حَكَى وجهاً: أنه يجب الضمان، إذا لم يأذن المُخْرِجُ في القطْع لفظاً، وحَمَل نصَّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- على ما إذا أذن فيه صريحاً، والظاهرُ المشهورُ ما سبَقَ، ولا فرق بين أن يكونَ القَاطِع عالماً بأن ما يقطعه اليسار، وأن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، وبين ألاَّ يكون عالماً بذلك، لكن إذا كان عالماً يُعَزَّرُ وعن أبي الطيب ابن سلمة: أنه يُحتمل أن يجب القصاصُ عند العلْم؛ لأنه قَطَع عضواً لا حَقَّ له فيه عن علْم بالحال، ومَن قصَد قطْع يَدِ الغير ظلماً، فلم يدفعْه المقصود، وسكت حتى قَطع فهل، يكون سكوته إهداراً؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا؛ لأنه لم يؤخَذ منه لفْظٌ ولا فعْلٌ، فصار كما إذا سكت عن إتْلاف مالِهِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 283

والثاني: نعم؛ لأنه سكت في محلٍّ يحرُم فيه السكُوت، فدل على الرضا.
والوجهان؛ على ما ذكر الإِمام، مفرَّعان على أنه لا يجوز الاستسلامُ ومأخوذَانِ من تردُّد الأصحاب في أن الزانية لم لا تستحق المَهْرَ، فَمِنْ قائل إنها لا تستحقُّ؛ لأن الوطء محرَّم، ومن معلِّل بأن التمكين رضاً في العُرْف؛ وعلى هذا، فالتمكينُ من القطْع إباحةٌ، ولو سرى قطْع اليسار إلى النفس، ففي وجوب الدية الخلافُ المذكور، فيما إذا قال: اقتلْنِي، فقَتَلَه، وبنى وجوب الكفَّارة المقْطُوع يساره على الخلاف في أن قاتِلَ النفْس، هل يلْزمُه الكفَّارة؟ هذَا هو الكلام في قطع اليسار في هذه الحالة، وأما قصاص اليمينِ، فإنه يبقى كما كَانَ.
نعم، إذا سرى قطْع اليسار إلى النفس، فات محلُّ القصاص، فيعدل المستحِقُّ إلى الدية، ولو قال: قطعْتُ اليسار على ظَنِّ أنها تجزئُ عن اليمين، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يسقط قصاصُ اليمين؛ لأنه لم يسقطْه ولا اعتاض عنه.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" واختيار الشيخ أبي حامد والقاضِي الحُسَيْن، على ما حكى الإِمام: أنه يسقط؛ لأنه رَضِيَ بسقوطِه اكتفاءً باليسار، وإذا كنَّا نجعلُ الإخراجَ مع قصْد الإباحة كالتصريح بالإباحة، لم يبعد أن يُجْعل قطع اليسار على قَصْد الاكتفاء بها كالتصْريح بإسقاط القصاص في اليمين، وعلى هَذَا فيعْدِلُ مستحِقُّ اليمين إلى الدية، واليسار هدرٌ بالإباحة، ويجري الوجهان فيما إذا جاء الجانِي بالدية، وطَلَب من مستحِقِّ القصاص متضرعاً إليه أن يأخذها وينزل القصاص، فأخَذَها، هل يُجْعَل الأخذُ عفواً، ولو قال: علمت أن اليسار لا تجزئُ عن اليمين شرعاً، لكن جعلتها عوضاً عن اليمينِ من عندي، اطَّرَدَ الخلاف، وجعل الإِمام هذه الصورة أولَى بالسقوط؛ لأن ما صدَرَ منْه، والحالةُ هذه، يَظْهَر حمله على معاوضة فاسدةٍ، وهناك ظَنَّ حكمَها وهو مخطئ فيه، فإسقاط حقِّه بذلك الظنِّ كالمستبعد.
وقوله في الكتاب: "فأما القصاص في اليسار فيسقط" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للاحتمال الذي أبداه ابن سلمة.
وقوله: "وأما حق القاطع في اليمين" يعني قاطع اليسار.
وقوله: "قصدتُّ بقطع اليسار أن آخذه عوضاً عن اليمين يشمل الصورة المرتبة والمرتَّب عليها؛ لأن أخذه عوضاً عن اليمين يجوز أن يكُون لِظَنِّه جوازَ الإبْدَالِ شَرْعاً، ويجوز أن يكونَ لجعله اليسارَ عوضاً منْ عنده مع العِلْم بأنه لا يَجُوز.
الحالة الثانية: إذا قال قصدتُّ بإخراج اليسار إيقاعَها عن اليمين، لظَنِّي أن اليسار

الجزء: 10 - الصفحة: 284

تقوم مقامَ اليمينِ، فنسْألُ المقتص، لِمَ قطَعَ اليسار، ويفرض جوابه من عدة وجوهٍ.
أحدُها: أن يقول: ظننتُ أنه أباحَها بالإخراج، فلا قصاص علَيْه في اليسار؛ لأن ما يقوله محتملٌ، وفي إخراج اليسارِ، والمطلوبُ اليمينُ، ما يوهمه، هكذا يُحْكَى عن القفَّال وغيره، قال الإِمام: وفيه احتمالٌ؛ لأن اللائقَ بالحال الدهشةُ، أو جعْلُها بدلاً عن اليمين، أما الإباحة، فهي بعيدةٌ، والظنونُ البعيدةُ لا تَدْرَأُ القصاصَ، وتحقيقُ الإباحةِ مع اعتراف المُخْرِج بأنه [قصد بإخراجها الإباحة]، فيه تكلف، كما سبق، فكيف، والحالةُ هذِهِ، ويَحْسُنُ أن يقام ما ذكَره وجهاً، ويُعْلَم له قوله في الكتاب: "فلا قصاص في اليسار" وأما قصاص اليمين فإنه يبقى كما كان.
والثاني: وهو غيرُ مذكورٍ في الكتاب: أن يقول: علمتُ أن المخرَجَ اليسارُ، وأنها لا تجزئ عن اليمينُ، ولا تُجْعَلُ بدَلاً عنْها، ففي وجوب القصاص وجهان، قال ابن الوكيل: يجب؛ لأنه قَطَع بلا استحقاق عن علْم بالحال، والأصحُّ: المنع؛ لتسليط المُخْرِجِ عليه؛ بجعله عوضاً وإخراجه على هذا القصْد، ولكن تجبُ الديةُ وعلى الوجهَيْن؛ يبقى قصاصُ اليمين، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
والثالث: أن يقول: قطعتُها عوضاً عن اليمين، وظننتُ أنها تجزئُ عنها، كما ظنَّ المخرِجُ، فقد ذكر الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه لا قصاص في اليسار؛ لما سبق من شبهة تسليطِ المخرِج بقصد الإيقاع عن اليمين، وأن العراقيِّين حكَوْا عن ابن الوكيل: وجوبَ القصاصِ، وأن سقوط القصاص في اليَمينِ يُخَرَّج على الخلاف المذكور في الحالة الأُولَى والظاهرُ سقوطُه تنزيلاً للفعْل مع توافُقِ القصدَيْن على اعتياضٍ فاسدٍ، وكُتُبُ العراقيين ساكتةٌ عن رواية الوجُوب عن ابن الوكيل في هذه الصورة، إنما رووه، إذا قطَع، وقال: علمتُ أن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، على ما قدَّمْنا، والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره في اليمين: سقوطُ [القصاص، وإذا سقط] 151 عن كل واحدٍ منهما، وجبَتِ الديةُ لكل واحدٍ منْهما على الآخر.
والرابع: أن يقول: ظننتُ أن التي أخرجَها اليمينُ، فلا قصاصَ في اليسار؛ لما ذكرنا عن معنى التسليط، وقد نقل الإِمام عن العراقيِّين القَطْعَ به، وصوَّبهم فيه، وفي "التهذيب" وجه آخر: أنه يجبُ القصاص، كما لو قتل إنساناً، وقال: ظننته قاتِلَ أبي، فلم يكن، وإذا قلْنا: يجب، وهو الظاهر، ففي وجوب الدية وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن المخرِجَ قصَّر حيْث لم يتثبت، وسلَّط على القطْع.

الجزء: 10 - الصفحة: 285

وأصحُّهما: الوجوب؛ لأنه ما بذَلَها مجاناً وإنما قصد إيقاعها عوضاً، فهذا لم يقَعْ عوضاً، وجَب بدَلُها، كما لو باع سلعةً بيعاً فاسداً، وسلَّمها إلى المشترِي، وتَلِفَتْ أو دَفَع المُسلَّم إليه الشعيرَ بَدلاً عن الحنْطة، وتَلِف عنْد المُسلّم، يجب ضمان التالف، وأما قصاص اليمين، فإنه يبقى بحالِهِ ويجيْء فيه الخلافُ السابقُ.
الحالة الثانية: إذا قال: دهشتُ، فأخرجتُ اليسار، وظَنِّي أني أُخرج اليمين، فيُسْأَل المقتص عن قصده في قطْع اليسار ونفرض جوابَه من وجوه: أحدها: أن يقول: ظننتُ أن المخرِجَ قصَد الأباحة، فقياسُ مثله في الحالة الثانية؛ أَلاَّ يجب القصاصُ في اليسار والذي قاله في "التهذيب": أنه يجب كمن قتل إنساناً، وقال: ظننتُ أنه أذِنَ لي في القتل، وهذا يوافق الاحتمالَ المذكور هناك، وهو المتَوجِّه في الموضعَيْن.
وثانيها: أن يقول: علمتُ أن المُخرَجَ اليسارُ، وأن اليسار لا تجزئُ عن اليمين، فقد نقل العراقيون فيه الوجهين المذكورين في مثْله من الحالة الثانية، وَجْه ابن الوكيل، ووجه سائر الأصحاب، واقتصر الإمامُ وصاحب "التهذيب" وغيرهما على الحُكْم بوجوب القصاص، وسبب ترجيح الوجوبِ هاهنا؛ أنَّه لم يوجدُ من المُخْرِج بذلٌ وتسليطٌ.
وثالثها: أن يقول: ظننتُ أن اليسار تجزئُ عن اليمين، قال الإِمام: الذي رأيتُه في الكتب: أنه لا يجبُ القصاصُ، وينهض ظنُّه عذراً ويحتمل أنه يجب، ولا يبالَى بهذا الحُسْبَان، كما إذا قتل مَنْ أمسك أباه، حتى قُتِل، وقال: ظننتُ أن القصاص يجبُ على المُمْسك، فإن الرأْي الظاهرَ أن القصاصَ لا يندفع بمثْل ذلك.
ورابُعها: أن يقول: ظننتُ أن المُخْرَجَ يمينٌ، فلا قصاص في اليسار؛ لأن هذا الاشتباه قريبٌ وفيه الوجه المذكور في مثله من الحالة الثانية، وحكى الإمامُ هاهنا أنَّه على الخلافِ المذكورِ فيما إذا قتل إنساناً، وقال: ظننته قاتلَ أبِي، وفي جميع هذه الصُّوَر يبقى القصاصُ في اليمين، إلاَّ إذا قال: ظننت أن اليسار تجزئُ عن اليمين، فيه الخلاف السابق، والظاهرُ سقوطُه، وإذا سقَطَ القصاص من الطرفين فلكلِّ واحدٍ منهما الديةُ على الآخر، ولو قال القاطع: دُهِشْتُ، فلم أدر ما صنعْتُ، قال الإِمام: لا يُقْبَل منه وُيلْزَمه القصاصَ في اليسار؛ لأن الدهشة [السالبة] للاختيار لا تليق بحالة القاطِع، وفي كُتُب الأصحاب لا سيَمَا العراقيين: أن المُخرَج لو قال: لم أسمَعْ من المقتص: أَخْرِجْ يمينك، وإنما وقَع في مَسْمَعِي؛ أخْرِجْ يسارَك، فأخرجتها، فالحُكْم فيه كالحُكْمُ فيما لو قال: دُهِشْتُ، فأخرجت اليسار، وأنا أظن أني أُخْرِج اليمين، لكن قضية ما مرَّ أن الفعْل المطابِقَ للسؤال نازلٌ منزلةَ الإذن لفظاً أن نُلْحق ذلك بصورة الإباحة.

الجزء: 10 - الصفحة: 286

وقوله في الكتاب: "لتأكد الظن بالإخراج، وكذا في كل حالةٍ؛ لأن بذْلَه عوضاً عن اليمين تسليط" كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها لِتَأَكُّدِ الظنِّ بالإخراج، ولأن بذله عوضاً" وطرح قوله: "وكذا في كل حال" فإن طرح، فذاك، وإن أثبت، فالأحوال التي يمكن تنزيل اللفظ عليها هي [الفصول التي فصَّلْناها و] 152 التأويلات التي فصَّلْناها من قوله: "تعمَّدت القطع مع العلْم بأنها يسارٌ وأنها لا تجزئُ عن اليمين" ومِنْ قوله: "قطعتها عوضاً عن اليمين".
وقوله: "ظننت أن المُخْرَجَ اليمين" أعلمت الكلمة بالواو؛ لما ذكرنا من الخلاف في الفصل الثاني والرابع من الترتيب الذي ذكَرْناه، لكنه ذَكرَ على الأَثَر ما إذا قَالَ: "ظننتُ أن المُخْرَجَ يمينٌ، وما إذا قال: "ظننتُ أنها تُجْزِئ عن اليمين" فلا يبقى لقوله: "وكذا في كل حالٍ" كبيرُ فائدةٍ.
وقوله: "ولو قال: ظننتُ أن المخرَجَ يمينٌ، فهو كما لو قال: ظننتُه قاتل أبِي" هذا صحيح في الحقيقة؛ لما ذكرنا في الصورة من الخلاف، لكنه لم يذكر في "الوسيط" الخلافَ في هذه الصورة في الحالة الثانية، وكذا الإِمام، وإنَّما ذكراه في الحالة الثالثة المغفلة في الكتاب، وهي أن يقول المُخْرِج: دُهِشْتُ، وهو في الغالب يَنْحُو نحْو الإِمام، ونحو ما ذكره في سائر كتبه، وإذا كثرت الشعب والأقسام، لم يُؤْمَن مِنْ أن يدخلُ حُكْمُ بعْضها في بعْضٍ، ثم يجوز أن يُعْلَم قوله: "وهو كما لو قال ظننته قاتِلَ أبي" بالواو؛ للقطع الذي حكاه الإِمام وصَّوبه، وكذلك قوله: "ففي هذه الصورة، لا يجب القصاصُ" ليعلم بالواو.
وجميع ما ذكرناه في القصاص، فأما إذا وجب قطْع اليمينِ في السَّرقة، فقال الجلاَّد للسارِق: أَخْرِجْ يمينَكَ، فأخْرَجَ يساره، فقطَعها، فعن القفَّال وغيره حكايةُ قولٍ أن الحُكْم على ما ذَكَرْنا في القصاص، وهذا القولُ يُنْسَب إلى القديم، ويقال أيْضاً: إنه مُخرَّج.
وظاهر المذهب أنه يُكْتَفَى للحدِّ بما جَرَى، ويسقط قطْع اليمين، والفَرْق أن المقصود من الحدِّ التنكيل وتنقيص الآلة الباطشة، وقد حصَل ذلك، والقصاصُ مبنيٌّ على المماثلة، وأيضاً، فالحدود مبنيةٌ على المساهمة، ولليسار مدْخلٌ في قطْع السرقة في الجملة، فجاز أن يكْتفَى بها، وحقوق الآدميين مبنيةٌ على المضايقة، فلا يقطَعُ اليسارُ باليمين بحالٍ، وأيضاً، فقطع القصاصِ أخصُّ بالطَّرَف من قطع السرقة؛ ألا ترى أن مَنْ قَطَع يمين غيره، ولا يمين له، لا تُقطَع يساره بحال، ولو سرق مَنْ لا يمينَ له، فقد تُقطَع يساره واستدركَ القاضي حُسَيْن؛ فحمل ما أطلَقَه الأصحابُ على الحالتَيْن

الجزء: 10 - الصفحة: 287

الأخيرتين من الأحوال الثلاث، وقال في الحالة الأُولَى: وهي أن يُخْرِج يساره على قصْد الإباحة أو البدل، وجَب أن لا يسقط القطْع في اليمين، كما لو قطع السارقُ يسارَ نفْسِه أو قطَعَها غيره بعْد ما وجَب قطع اليمين بالسَّرقة.
ثم في المسألة فروعٌ: أحدها: لو كان المقتصُّ منه مجنوناً، فهو كما لو أخرج اليسارَ مدهوشاً، ولا يتحقَّق منه البذلُ والتسليطُ ولو كان المقتص منه عاقلاً، والمستحِقُّ مجنوناً، فقطع يمين المقتص منه مكرهاً له فهل يكون مستوفياً لحقه؟ فيه خلاف قد تقدَّم، وإذا قلْنا: لا يصير مستوفياً، وهو الصحيح، فينقل حقه إلى الدية، ويجب للجانِي ديةُ يدِهِ، فإن جعلْنا عمْدَهُ عمداً، فالدية في ماله، والصورةُ من صُوَر التقاصِّ، وإن جعلْناه خطأً، فدية اليسار على عاقلته ولا 153 تقاصَّ، ولو قال لمن عليه القصاص: أَخْرِجْ يمينَكَ، فأخرَجَها، فقَطَعَها المجنونُ، قال الأئمة: لا يصح استيفاؤه، وينتقل حقُّه إلى الدية، ولا ضمان عليه؛ لأنه أتلفها ببذْلِهِ وتسليطِهِ، وإن أخرج يسارَهُ، فقَطَعها، فهي مهدرة، ويبقى القصاصُ في اليمين.
الثاني: حيْثُ أوجبْنا دية اليسار فهي في مال القاطِع؛ لأنه قطَع متعمِّداً، وعن نصه في "الأم": أنها تجب على العاقلة.
وحيث يبقى القصاصُ في اليمين فلا يُستوْفَى حتى يندمل قطْع اليسار؛ لما في توالي القطعَيْن من خَطَر الهلاك، نص عليه، ولو قطَع طرَفَيْ إنسانٍ معاً، فيقتص فيهما معاً، ولا يفرق، فعَنْ بعض الأصحاب فيما حكى الفورانيُّ وغيره: أنهما على القولَيْن بالنقل والتخريج، والصحيحُ الفرقُ؛ لأن الخطَرَ هاهُنَا لو والينا لا ينشأ من القَطْع المستَحقِّ، بل منه ومن غيره، فيُؤخَّر إلى أن يزول ما ينشأ من غير المستَحقِّ، ويخالف ما إذا قَطَعَ يمينَ واحدٍ ويسار آخر، حيث لا نُوالي بين القصاصين؛ لأنه يجتمع خطر [عليه، ولم يوجد منْه ذلك، وإذا قَطَعَهَما من واحِدٍ، فقد جَمَعَت جنايتُهُ خطَر القطْعَيْن] 154 على واحدٍ فيقابل بمثله، ويُخَرَّج من النقل والتخريج وجْهٌ أنه لا يُوالَى في قصاص الأطراف، وإن والى الجاني في قطْعها وقد ذكرناه من قبل.

الجزء: 10 - الصفحة: 288

الثالث: قال المُخْرِجُ: قصدت بالإخراج إيقاعَهَا عن جهة اليمين، وقال القاطع: أخرجْتَها على قصْد الإباحة، فالمصدَّق المخرجُ بيمينه؛ لأنه أعرف بقَصْده.
فرْعٌ: نبت له قصاصٌ في أنملةٍ، فقَطَعَ من الجاني أنملتَيْن، سئل فإن اعترف بالتعمد، قُطِعَتْ منه الأنملة الثانية، وإن قال: أخطأتُ، وتوهَّمتُ أني أقْطعُ أنملةً واحدةً، صُدِّق بيمينه، ووجب أرْشُ الأنملةِ الزائدةِ، ويكون في ماله أو على العاقلة؟ فيه قولان أو وجهان، قال الروياني: والأصحُّ الأَوَّلُ:

البَابُ الثَّانِي العَفْوُ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: والنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن: الأَوَّلُ فِي حُكْم العَفْوِ وَهُوَ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ المَحْضُ وَالدِّيَةُ خَلَفٌ عِنْدَ سُقُوطِهِ، أَوْ هُوَ القَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ أَحَدُهُمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الوَاجِبُ أَحَدُهُمَا فَلَوْ عَفَا عَنْهُمَا صَحَّ، وَإِنْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ فَلَهُ القِصَاصُ، وَهَلْ لَهُ مَرْجِعُ إلى الدِّيَةِ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَجْهُ الرُّجُوعِ أنهُ يَبْعُدُ بَقَاءُ قِصَاصٍ مَحْضِ بِلاَ دِيَةِ يُرْغَبُ بِهَا في العَفْوِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَأْثِيرَ العَفْوِ يُلْحِقُ تَفْرِيعَ هَذَا القَوْلَ بِالقَوْلِ الآخَرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ مَرْجِعَ إلى المَالِ فَفِي جَوَازِ التَّرَاضِي وَجْهَانِ، فَإِنْ جَرَى مَعَ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ وَهُو جَارٍ فِي كُلِّ قَصَاصِ يَثْبُتُ بِلاَ دِيَةٍ، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنْكَ نُزِّلَ عَلَى القِصَاصِ في وَجهٍ، وَرُجِعَ إلى نِيَّتِهِ في وَجْهٍ، وَلَو قَالَ: اختَرْتُ الدِّيَةَ يَسْقُطُ القِصَاصُ، وَلَو قَالَ: اخْتَرْتُ القَوَدَ لَمْ يَسْقُطِ الدِّيَةُ عَلَى الأَظْهَرِ لأنَّه تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب الكلامُ في العفْو، وهو مندوبٌ إليه وإذا عفا بعْض المستحِقِّين، سقط القصاص، وإن لم يَرْضَ الآخرون، واحتُجَّ بأنه رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ وابنِ مسعُودٍ -رضي الله عنهما- ولا مخالِفَ لهما في الصحابة -رضي الله عنهم- فكان كالإجْمَاع، وبأن القصاصَ لا يَتَجَزَّأ فيُغلَّب جانبُ السقوط لحَقْن الدماغ، وكذلك نقول: لو عفا عن عُضْو من أعضاء الجانِي، سقَط القصاص كلُّه، كما أن تطليق بعْض المرأة تطليقُ كلِّها، وكذا لو أقَّتَ العفْو، تأبَّد 155، ثم القولُ في العفْو، يقع في طرفين:

الجزء: 10 - الصفحة: 289

أحدهما: في حكْم العَفْو وأثَرِه.
والثاني: في ألفاظه وفي الصحيح منها والفاسد.
أما الأول: فهو مبنيٌّ على أن موجِبَ العمْد في النفْس والطَّرَف ماذا؟ وفيه قولان: أحدهما: أن موجبه القَوَدُ المحْضُ، والديةُ خلَفٌ، يُعْدَل إليه عنْد 156 سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة- 178]، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "العَمْدُ قَوَدٌ" 157 ولأنه بَدلُ متلَف، فيتعين جِنْسه كسائر المتلَفَات.
والثاني: أن موجِبَه أحدُ الأمرين، إما القصاصُ أو الديةُ؛ لما رُوِيَ عن ابن سُرَيْج الكَعْبِيِّ -رضي الله عنه- "أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ثُمَّ أَنْتُم يَا خُزَاعَةُ قَتَلْتُمْ هَذَا القَتِيلَ مِنْ هُذَيْل، وَأَنَّا وَاللهِ، عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلاً، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إِنْ أَحبُّوا، قَتَلُوا، وَإِنْ أحَبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ" وهذا القول أرجَحُ عند الشيخ أبي حامد، والأظهر عند القاضي أبي الطيِّب والرويانيِّ وصاحب "التهذيب" وغيرهم: الأوَّلُ، وعلى القولَيْن جميعاً؛ للوليِّ أن تعفو على الدية، ولا يحتاج إلى رضا الجاني؛ لحديث ابن سُرَيْج، ولو مات أو سَقَط الطَّرَف الذي استحَقَّ قِصاصَه، وجبتِ الديةُ، كما لو سقط القصاص بعفو بعْض الورثة وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يُعْدَل إلى المال إلاَّ برضا الجاني، وإذا ماتَ الجانِي، سقطت الدية، وفي شرْح "مختصر الجُوَيْنيِّ" أن صاحب "الجامع" حكَى عن القديم قولاً مثله، وعن مالك روايتان؛ أشهرهما مساعدة أبي حنيفة والثانية: تخيير الوليِّ، قال الإِمام: إذا كنَّا نخير على القولين الوليَّ، ونرجع إلى الدية عند الموت، ففي العبارة المشهورة لترجمة القولين تكلُّفٌ، والصيغةُ التامة عَلَى الغرض، أن يقال: العَمْدُ = الزمان كقوله عفوت عنك شهراً فالعفو صحيح والحكم فيه كالطلاق وقضيته أن يأتي فيه الخلاف أنه من باب السراية أو من باب التعبير بالبعض عن الكل.

الجزء: 10 - الصفحة: 290

يقتضي ثبوت المال لا محالة، ولكنه يَثْبُتُ معارضاً وموازناً للقصاص، أو يثبت تبعاً وبدلاً لا أصلاً ومعارضاً؟ فيه قولان: التفريع: إن قلْنا: الواجب أحدُهما لا بعينه، فلو عَفَا عن القصاص والدية جميعاً، فلا مطالبة بواحد منهما، ولو قال: عفوْتُ عمَّا وجبَ لِي عليْكَ بهذه الجناية أو عن حَقِّي الثابت عليك، وما أشبهه، فكذلك حكاه القاضي ابن كج عن نصِّه -رضي الله عنه- ولو قال: "عفَوْتُ على أن لا مَالَ لي"، فوجهان: أحدهما: أنه كما لو عفا عنْهما.
والثاني: لا تسقط به المطالبة بالمَال؛ لأنه لم يُسْقِطْه، وإنما شرط انتفاءه، وإلى هذا مال الصيدلاني، ولو عفا عن القصاص، تعينت الديةُ، ولو عفا عن الدية، فله أن يقتص، فإن مات الجاني، فللمستحِقِّ الديةُ؛ لفوات القصاص بغير اختياره، ونقل القاضي ابن كج قولاً آخر أنَّه لا رجوعَ إلى المال بعْد إسقاطه، والظاهرُ الأولُ، وهل له أن يرجِعَ إلى الدية؛ بأن يَعْفُوَ عن القصاصِ على الدية؟ فيه ثلاثة أوجُهٍ؛ الَّذي رجِّح منْها، ونُسِبَ إلى النصِّ، وأورده صاحب "التهذيب": المنعُ، كما أنه إذا عفا عن القصاص، لا يرجع إليه؛ وعلى هذا، لو عفا مطلقاً، لم يجب شيْءٌ من المال.
والثاني: أن لَهُ أن يَعْفُوَ عن القصاصِ على الدية؛ لأن في تمكين مستحِقِّ القصاص من الرجوع إلى الدية ما يدعوه إلى العفْو، ففيه رفْق للجاني والمجني عليه، وحاصل هذا الوجه أن العَفْو عن الدية لغْوٌ والوليُّ على خِيَرَتِهِ، كما كان.
والثالث: واختاره الشيخ أبو محمَّد: أنه إذا عفَا عن الدية، كان الحكم على هذا القول كالحُكْم على القول الآخر، وهو أن الواجب القَوَد المحْضَ يجوز العفو عن الدية، وإذا عفا مطلقاً، فيجيء في وجوب الدية الخلافُ المذكورُ من بَعْدُ، فإن قلْنا: لا رجوع له إلى الدية استقلالاً، فلو رضيَ الجاني وتصالَحَا، على مال، إما مِنْ جنْس الدية أو من غيْر جنْسها بقدرها أو أَقَلَّ منها أو أكثر، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لا تجوز المصالحةُ عن حدِّ القذف على مال.
وأصحُّهما: الجواز؛ لأن الدمَ متقوَّم شرعاً، كالبُضْع بخلاف العِرض، ولو جرى الصُّلْح مع أجنبيٍّ، فقد رُتِّب الخلافُ فيه على الخلاف في الصُّلْح مع الجاني، وجعل الصُّلْح مع الجاني أولَى بالجواز؛ لحاجته إلى الفداءِ، ومع الترتيب، فالأقوى في الأجنبيِّ الجوازُ أيضاً؛ لأن اختلاع الأجنبي جائزٌ، وإذا جاز أنْ يبذل بدَل البُضْع، فلأَنْ يجوز أن يُبْدَل الدَّمُ مع أن الشرْعَ قد رغَّب في إسقاطه، كَانَ أَوْلَى، ولو عفا أو صالح عن القَوَد على مال قَبْل أن يعفو عن الدية، فإن كان المصالَحُ عليه منْ غير جنْس الدمِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 291

جاز، سواءٌ كانتْ قيمته بقدر الدية أو أقلَّ من قدْر الدية أو أكثر، ذكره في "التهذيب" وإن كان من جنْسه، فسيأتِي، ويجري هذا الخلافُ فيما إذا ثبت القصاصُ بلا دية، وصورتُهُ ما إذا قطَع يدَيْ إنسانٍ، فسَرَى القطْع إلى نفْسه، فقُطِعَت يد الجاني قصاصاً أو قُطِعَت يده قصاصاً؛ ثم سرت الجناية إلى نفس المجنيِّ عليه، فإنه يجوز حَزُّ رقبته، ولا يجوز العفْو على الدية؛ لاستيفاء اليدين الموازيتين للدية، وقد قدَّمنا الصورة ولو قال: عفوتُ عنك، ولم يذكر القصاص، ولا الدية، ففيه وجهان عن صاحب "التقريب" وأَلْحَقَ به أبو الفرج السرخسيُّ ما إذا قال: عفوتُ عن أحَدِهما، ولم يعيِّن، أحدَ الوجهَيْن؛ أنه ينزل على القصاص، ويحكم بسقوطه؛ لأن العفو أليقُ به، وهو السابق إلى الفَهْم منه.
وأظهرهما: وبه قطع الشيخ أبو عليٍّ: أنه يرجع إليه؛ لأن اللفظ يحتملهما جميعاً، فهذا بَيَّن ما نواه منهما رتب حكْمَه عليه، وعلى هذا، فلو قال: لم تَكُنْ نية حينئِذٍ، فوجهان: أحدهما: أنه ينزل على القصاص.
وأقربُهما: أنه يقالَ له: اصرف الآن إلى ما شئْتَ منهما، ويخرج عند الاختصار ثلاثةُ أوجه: أحدها: الحمْل على القصاص.
والثاني: اتِّباع نيته في الماضي أو الحال.
والثالث: إنْ نوى الدية، حُملَ عليها، وإلا حُمِلَ على القصاص، ولو قال: اخترتُ الدية، سقَطَ القصاصُ، وثَبَتَ المال، وكان ذلك كقوله: عفوتُ عن القصاص، وهذا هو المشهور المذكور في الكتاب، وعن القفَّال في حكَى أبو الفرج السرخسيُّ في "أماليه": أن اختيِار أحدهما لا يُسْقِط حقَّه من الثاني، ويبقى خياره، كما كان، وشَبَّهه بما إذا أتلف كُرَّ حنطة جيِّدة على إنسان، ولم يوجد هناك إلا عشر حنطة رديئة، فإنه يتخيَّر المُتْلَفُ عليه بَيْن أن يأخذه، وبين أن يَعْدِل إلى القيمة، فلو قال: اخترتُ أحدهما، لم يَبطُل بذلك خيارُهُ، ولو قال: اخترتُ القصاص، فعن المنقول عن "القفال": لا يخفَى الحال، وعلى المشهور، هل له الرجوعُ إلى الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه تركها باختياره، فأشْبَه ما إذا اختار الدِّية لا يرجع إلى القصاص، وهذا أصحُّ عند صاحبُ "التهذيب".
والثاني: نعم؛ لأنه لا يرجع من الأغلظ الأعلَى إلى الأخفِّ، بخلاف العكس، وقد يقصد بقوله: "اخترتُ القصاص" تهديدَ الجانِي، وشُبِّه الخلافُ بالخلافِ فيما إذا نكل عن اليمين مع الشاهد، فعرضت اليمين على المُدَّعَى عليه، فنَكَلَ، هل تُردُّ اليمينُ

الجزء: 10 - الصفحة: 292

على المُدَّعِي، قال الإِمام: وينبغي أن يفرَّع ذلك على أن التصريحَ بإسقاط الدية، هل يمنع الرجوع إلى المال أو يقع لغواً؟ فإن جعلْناه لغواً، فلا معنى لقوله: "اخترت الدية" وإن اعتبرناها، فهل يفيد قوله: "اخترت القصاص" ما يفيده قوله: "فوت عن الدية"؟ فيه الخلاف.
قوله في الكتاب: "تأثير العفو تعجيل القود المحض" لفْظ "التعجيل" محمولٌ على تعجيل تعيينه أو تعينه للاستيفاء، أو نحو ذلك، ولفظ "الوسيط" تأثيره في أن يجعل القَوَد المحْض واجباً، ولو قال: "تأثير العَفْو أن يحلق تفربع هذا القول" لحَصَل الغَرَضُ، وقد يوجب قريب منه في بعض النُّسَخ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ قُلْنَا: الوَاجِبُ القَوَدُ المَحْضُ فَلَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ ثَبَتَ المَالُ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الاِقْتِصَاصِ ثَبَتَ المَالُ، وَإِنْ عَفَا مُطلَقاً فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغْنا عن تفريعِ أحدِ القولَيْن، وهو أنَّ موجِبَ العمْد أحدُ الأمرين، أما إذا قلْنا: إن موجبه القصاصُ بعَيْنه، فلو عفا عنه على الدية، وجَبَتِ الدية، ولو عفا عنْه عَلَى مال آخر، فإن كان من جنس الدية، فسيأتي إن شاء الله تعالَى، وإن عفا أو صالَحَ على غَيْر جنْسها، وقبل الجاني، ثبت المال [وسقط] القَوَد، وإن لم يَقْبَل الجاني، لم يثبت المال، وفي سقوط القَوَدِ وجهان مذكورانِ في "التهذيب" وغيره: أحدهما: أنَّه يسقُطُ؛ لأنه رَضِيَ به، حيث أقدَم على الصُّلْح وطلب العوض.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه رضِيَ به على عوض، ولم يحْصُل العرض، وليس هذا كالصُّلح على الأعواض الفاسدة، فإنَّ الجانيَ هناك قد قبل، والتزم، فرجعْنا إلى بدْل الدم وإذا قلْنا بسقوط القَوَدِ، فهل تثبُت الدية، قال في "التهذيب": هو كما لو عفا مطلقاً، والخلافُ في أنَّه، هل يَسْقُط القصاصُ، إذا عفا على مالٍ، ولم يقبل الجاني، يجري مثله فيما إذا عفا عن الدية على القول الأوَّل، وبقي القصاص، فعفا عنْه على الدية، وقلْنا: لا يجوزُ ذلك، ففي وجهٍ: يسقط لرضاه بالسفوط، وفي وجهٍ: لا؛ لأنه أسقطه على بدل، ولم يسلم، وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا عفا عن الشُّفْعة على مال، هل تسقط الشفْعة، ولو عفا عن القَوَدِ على نصْف الدية، فعن القاضي الحُسَيْن: أنَّه قال: هذه مُعضِلَة أسْهَرَتِ الأَجِلَّةَ، وعن غيره أنَّه بمنزلة ما لو عفا عن القود وعن نصف الدية، فيسقط القَوَدُ ونصْف 158 ولو عفا عن القود مطلقاً، ولم يتعرض للدية ولا إثبات، فهل يجب بالعقو المطلَقِ الديةُ؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولَيْن أو وجهَيْن:

الجزء: 10 - الصفحة: 293

أحدهما: ويُحْكَى عن اختيار المزنيِّ: أنَّه يجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] أي اتباع للمال، وذلك يُشْعر بوجوب المال بالعفْو، ولأنه سقط القصاص بالعفو، فيُعْدَل إلى بدله، كما لو مات الجاني.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن القَتْل لم يوجب الدية على هَذَا القَوْل، والعفْو إسقاطُ ثابتٍ لا إسقاطُ ما لَيْسَ بثَابتٍ، والآيةُ محمولةٌ على ما إذا عفا على الدية، فإذا قلْنا: لا تثبت الديةُ بنفْس العفْو، فلو اختار الديةَ بعْد العفو، قال القاضي ابن كج: تَثْبُتُ الدية، ويكون اختيارها بعْد العفْو كالعفو علَيْها، وحُكِيَ عن النصِّ أن هذا الاختيار ينبغي أن يكون عقيب العفْو، عن بعض الأصحاب أنَّه يجوز فيه التراخِي، ولو عفا عن الدية، فهو لغْوٌ، وعلى قوْلنا: إن الواجب القَوَدُ المحْضُ، فله بعد ذلك العفْو عن القَوَدِ على الدية، ولو عفا مطلقاً، عاد الخلاف في وجوب الدية.
وقوله في الكتاب: "فلو عفا على مال، ثبت المال" يمكن حمْلُه على الدية وغيرها، ولكن يُشْتَرَطَ في غيرها قَبُولُ الجانِي.
وقَوْلُه: "ولو مات قبل الاقتصاص ثبت المال" محمولٌ على الدية.
وقوله: "فقولان" مُعْلَمٌ بالواو؛ للطريقة القاطعة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مُفْلِساً فَلَهُ العَفْوُ عنِ القِصَاصِ، وَلَهُ العَفْو عَنِ الدِّيَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّهُ دَفعٌ لِلوُجُوبِ لاَ إِسْقَاطٌ لِلوَاجِبِ، أَوْ سَبَبُ الوُجُوبِ عَفْوٌ مُطْلَقٌ وَلَمْ يَجْرِ، وَالمُبَذِّرَ كالبَالِغِ في اسْتِيفَاءِ القِصَاصِ وَعَفْوِهِ، وَفِي إِسْقَاطِهِ الدِّيَةَ مَعَ القِصَاصِ كَالصَّغِيرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ كالمُفْلِسِ، وَلَوْ صَالَحَ عَلَى مِائَتَيْنِ مِنَ الإِبِلِ بَطَلَ عَلَى قَوْلِنَا: الوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ الآخَرِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إذا كان مستحِقُّ القصاص مَحْجوراً عليه، نُظِر؛ إن كان مسلوبَ العبارةِ؛ كالصبي والمجنون، فعَفْوهُ لغْوٌ، وإلا، فإن كان الحجْرُ عليه لحَقِّ غيره، كالمحجور عليه بالفَلَسِ، فله أن يقتص، ولو عفا عن القصاص، سقَطَ وأما الدية فإنْ قلْنا: موجب العمد أحدُ الأمرين، فليس له العَفْو عن المال، وإذا تعيَّن المال بالعَفْو عن القصاص صُرِفَ إلى غرمائه، ولا نكلِّفه تعجيل القِصَاص، أو العَفْو؛ يصرف المال إلَيْهِم، وإن قلْنا: موجب العمْد القَوَدُ، فإن عفا على المال، ثبَتَ المال، وإن عفا مطلقاً، فكذلك تثْبُتُ الدية، أن قُلْنَا بأن العفْو المطلَقَ يوجب الدية، وإن قلْنا: لا يوجبها، لم يثبت، وإن قال: عفوتُ على أن لا مال لي، فإن لم يوجب مطلق العفْو

الجزء: 10 - الصفحة: 294

المال، فالمقيد بالنفي أولَى، وإن قلْنا: مطلَقُهُ يوجب المال، فَفِي المقيَّد بالنفْي من المحجور وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه لو أطلَقَ العفْو، لوجب المال، فالنَّفْي كالإسقاط لِمَا لَه حُكْمُ الوجوب.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن العفْو مع نفي المال لا يقتضي مالاً، فلو كلَّفْنا المفْلِس أن يطلق ليثبت المال، كان ذلك تكليفاً بتكسب، وليس على المُفْلِس التكسُّب لمَا علَيْه من الديون، قال الإِمام: ويعبر عن الوجهَيْن بأنَّ العفْو مع نفْي المال إسقاطٌ للواجب أو منْعٌ ودفْعٌ للوجوب، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "أَوْ سَبَب الوجوبِ عفْوٌ مطلَقٌ، ولم يجر" أي سبب وجوب الدية العفْو المطلَقُ عن القصاص، ولم يوجَدْ، وإنما الموجود العفْو المقيَّد بالنفْي، وهو مبنيٌّ على أن الواجبَ القَوَدُ على ما بيَّنَّاه، واقتصر على ذكر وجهين مُخَرَّجان من التفْريع على أن الواجِب بالعَمْد ماذا؟ وعلَى أن العفْو المطلَقَ، هل يوجب الدية، وليس المرادُ من قوله: "وله العفْو عن الدية على أحد الوجهين" ما إذا خصص الدية بالعفْو بعد ثبوتها، فإن عفوه لا ينفذ حينئذ بلا خلاف، وإنما المراد ما إذا نفى المال مع العفْو عن القصاص، كما قال في المُبَذِّر وفي إسْقَاط الدية مع العَفْو عن القصاص، وعفو المريضِ مرَضَ الموْتِ، وعفوِ الورثةِ عن القصاص مع نَفْيِ المال، وفي التركة ديونٌ أو للقتيل وصايا -كعَفْو المُفْلِس، كذلك حكاه الرُّويانيُّ وغيره.
وأما المحجورُ عليه لسفهه وهو المُبذِّر فيصحُّ منه إسقاطُ القصاص واستيفاؤه، وفيما يرجع إلى الدية حُكْمُه حُكْمُ المفلس على أحد الوجهين، وهذا الذي أجاب به أكثرهم.
والثاني: أنه لا يصحُّ عفوه عن المال بحال؛ كالصبيِّ، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيحه، ويُحْكَى عن القفَّال أنَّه قطَع به، وعُلِّل بأنَّا، وإن قلْنا: مطلَقُ العفْو لا يوجبُ المال، وإذا تصدى له مال، لم يجُز له ترْكُه، كما لو وُهِبَ له شيْءٌ أو وُصِّي له بشيْءٍ، فلم يقْبَلْ، فوليُّه يقبل عليه، بخلاف المفْلِس، لا يقبل الغرماء عليه ولا الحاكم، وحكى الإِمام أنَّه لوْ رَدَّ، لم يصح ردُّه، وأنَّ الوليَّ يقبل عليه، ويوقف فيه، وعفْوُ المكاتَب عن الدية تبرُّع لا ينفذ من غير إذن السيد، فإن أَذِنَ، فعلَى الخلاف في صحَّة تبرُّعاته بإذْن السيد.
الثانية: لو جَرَى الصُّلْح عن القصاص عَلَى أكثر من الديةِ من جنْسها، كما لو صالَحَه على مِائَتَيْنِ من الإبِل، يُفَرَّع ذلك على أن الواجِب أخذُ الأمرين أو القَوَدُ بعينه، فإن قلْنا: الواجب أحد الأَمرين، لم يصحَّ الصلْحُ؛ لأنه زيادة على الواجِبِ نازلٌ منزلة الصلْح من ألف على ألفين، وإن قلْنا: الواجبُ القصاصُ، فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن الدية هي التي تخلُفُ القصاصَ عنْد سقوطه، فلا يزاد عليها.

الجزء: 10 - الصفحة: 295

وأصحُّهما: الصحة وثبوتُ المصالِحَ عليه، فإنه مالٌ يتعلَّق باختيار المستحِقِّ والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره، وصار كَبَدَلِ الخُلْع.
فرْعٌ: إذا سقط القصاص بعفو بعْض المستحِقِّين، فللآخرين الديةُ بالحصة؛ لفوات القصاص بغير اختيارهم والعافي، إن عفا على حصَّته من الدية، تنْبُتُ، وإن نفى المال، لم تثبت، وإن أطلَقَ، فعلى الخلاف في أن الواجبَ بالعمْد ماذا؟ إن قلْنا: أحد الأمرين تثبت حصته، وإن قلنا: القَوَد بعينه، فعلى الخلاف في أن مُطْلَقَ العَفْو، هل يوجب الدية؟ فائدة: قد تكرّر في الباب الكلامُ فيما إذا عفا عن القصاص أو عفا عن الدية أو عفا عنْهما جميعاً مع التفريع على أن الواجِبَ أحدُهُما، وقد يقالُ: نحْنُ في هذا القول نصرِّحُ بأن الواجبَ أحدُهما، لا بعينه وحينئذ فالعفو عن القصاص بعينه أو عن الدية بعينها أو عنهما جميعاً عفو على غير الواجب فكيف نصور ذلك؟ وقد يجاب بأنا مع القول بأن الواجب أحدهما لا بعينه نقول بالعفو عن القصاص إسقاط المطالَبةِ به، وحينئذ ينتظم إسقاطَ المطالبةِ بأحدهما على التعيين، وبهما جميعاً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَف الثَّانِي فِي العَفْوِ الصَّحِيحُ وَالفَاسِدَ وَأَحْوَالُ العَفْوِ خَمْسَةٌ الأُولَى إِذَا أُذِنَ فِي القَطْعِ وَالقَتْلِ فَلاَ دِيَةَ، وَفِيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يَجِبُ الدِّيَة إِذَا قُلْنَا: يَثْبُتُ الدِّيَةُ لِلوَارِثِ ابْتِدَاءً لاَ تَلَقِّيا، وَفِي سُقُوطِ الكَفَّارَةِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِاللُّزُومِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرضا بالجناية وترك المؤاخذة بها قد يَتَقدَّم على الجناية، ويسمى إذْناً وإباحةً، وقد يتأخَّر عن أوَّلها أو نهايتها، ويسمى عفْواً وإسقاطاً وإبراءً وعده الإذْنَ من جملة أحوال العفْو، حيث قال: "وأحوال العفْو خَمْسةٌ" فيه توسُّع.
وفقْه الفصْل أنَّه لو قال لغيره: اقطَعْ يدي، والقائل مالكٌ لأمره، فقَطَع المأذونُ يده، لم يجِبْ عليه قصاصٌ ولا دية؛ لأن الإذْن في الإتلاف من مستحق البدل يتضمَّن الإهدار، ألا ترى أنَّه لو أَذِنَ في إتلاف ماله، لم يجب الضمان بإتلافه، وإن لم يقِفِ القطْع بل سَرَى، أو قال: اقتلني، فقَتَله، ففي وجُوب الدية قولاَن بناءً على أن الدية تثبت للورثة ابتداءً أو تلقياً عن القتيل، وفي وجوب القصاص طريقان، وقد سبق ذكْر القولَيْن والطريقَيْن في "فصل الإكراه على القَتْل"، وقد ذَكَرَ في الكتاب الخلافَ في القصاص هناك، وفي الدِّيَة هاهنا، واعترض على قول التَّلَقِّي بأن الدية إذا ثبتت له، وهي عُرْضَة الانتقال إلى الورثة، وجب أَلاَّ ينفذ الأسقاط والإباحة، إلا في ثلثها، وأجيب بأنَّه لا يسقط ثانياً في الحال، وإنما يبيح ما يتضمَّن إتلافه مالاً، لولا الإباحة واعتُرِضَ على القول الآخَر؛ بأنها ثبت للورثة ابتداءً، لَمَا قد قُضِي منها ديونُ القتيل،

الجزء: 10 - الصفحة: 296

ولا نفذت وصاياه وأجيبَ بأن الورثَةَ ملَكُوا الدية من جهته وبدلاً عن نفْسِه، فقُدِّم حقُّه على حقُوقهم، ونظم الكتاب يقتضي ترجيح القولِ الذاهِب إلى نفْي الدية 159، وتلقِّي الورثة من القتيل، وقد سبق أن صاحب "التهذيب" وغيره رجَّحوه، والقاضي الرويانيُّ رجَّح القول المقابلَ له وأشار ابن الصبَّاغ إلى القطْع بنفي الدية، فيمكن أن يُعْلَم لذلك قوله: "وفيه قول" بالواو، وإذا قلنا بوجوب الدية، [فتجب الكفَّارة لا محالة، وإن قلنا: لا تجب الدية،] 160 ففي الكفَّارة وجهان: وأصحُّهما: الوجوب؛ لأنها تجب بالجنايةِ عَلَى حقِّ الله تعالى، والإباحةُ لا تؤثِّر.
والثاني: ويُحْكَى عن تخريج ابن سُرَيْج: أنَّه لا تجب، وحقُّ الله تعالى يتبَعُ في الوجوب والسقوط حقَّ الآدميِّ [فإذا] صار الشخْصُ مُهدَراً فلا كفارة بقَتْله.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: العَفْوُ بَعْدَ القَطْعِ وَقَبْلَ السِّرَايَةِ صَحِيحٌ عَمَّا مَضَى، وَيَسْقُطُ القِصَاصُ عَنْ السِّرَايَةَ فِي المُسْتَقْبَل عَلَى الصَّحِيحِ لأَنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلاَ يَسْقُطُ الدِّيَةُ عَنِ السِّرَايَةِ لأنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْ مَضمُونٍ وَلَمْ يَعْفُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ، وَفِيهِ وَجهٌ أنَّهُ تَسْقُطُ كَالإذْنِ المُقَارِنِ، وَلَوْ قَالَ: عَفَوْتُ عَمَّا سَيَجِبُ فَهُوَ عَفْوٌ قَبْلَ الوُجُوبِ وَبَعْدَ سَبَبِهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ سَرَى إِلَى النَّفْسِ فَعَفْوُهُ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ فَلاَ يَصِحُّ إنْ لَمْ يُصَحِّحِ الوَصِيَّةَ لِلقَاتِلِ، فَإِنْ كَانَ الجَانِي عَبْداً صَحَّ العَفْوُ لأَنَّ فَائِدَتَهُ لِلسَّيِّدِ لاَ لِلقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئاً صَحَّ لأَنَّهُ لِلعَاقِلَةِ، وإن كَانَتِ العَاقِلَةُ مُنْكَراً أَوْ مُخَالِفاً فِي الدِّينِ فَلاَ لأَنَّهُ عَفوٌ عَنِ القَاتِلِ، وَلَو عَفَا عَنِ الطَّرَفِ عَلَى مَالٍ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ لَمْ يَجِبِ القَصاصُ عَلَى أَضْعَفِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّ الحَزَّ لَهُ حُكْمُ السِّرَايَةِ في اتِّحَادِ الدِّيَةِ وَلَوْ سَرَى القَطْعُ لَمَا وَجَبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قطع عضواً من غيره كيد وأصبع، فعفا المجنيُّ عليه عن موجِب الجناية عليه قَوَداً أو أرْشاً، فللجناية أحوال.
أحدها: أن تقف ولا يتعدَّى محلَّها، وتندمل، فلا قصاص ولا أرْشَ؛ لأن المستحِقَّ أسقطَ الحقَّ بعْد ثبوته؛ فيسقط، وبه قال أبو حنيفة.

الجزء: 10 - الصفحة: 297

وقال المزنيُّ: تجب الدية؛ لأن استقرار الجناية باندمالها، فلا يعتبر العَفْو قبل الاستقرار، ولا فرق في هذه الحالة بيْن أن يقتصر على قوله عَفَوْت عن موجبها، وبين أن يزيد فيقول: "وعما يحْدُثُ منها"، فإنه لم يحدُث منها شيءٌ ولو قال: عفَوْتُ عن هذه الجناية، ولم يزد فعن نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنَّه عفو عن القَوَدِ، وعن الأصحاب: أنَّه مفرَّع على قولنا: إن موجِبَ العمْد القَوَدُ، أما إذا قلنا: إن وجبه أحَدُ الأمرين، ففي بقاء الدية احتمالانِ للقاضِي الرويانيِّ.
الثانية: إذا سَرَى القطع إلى النْفس، فلا قصاص في النفْس، كما لا قصاص في الطَّرَف؛ لأن السراية تولَّدت عن معْفُوٍّ عنه، فصارت شبهةً دافعةً، وأيضاً، فقد عفا عن الطَّرف، فلا يمكن استيفاء النفس إلا باستيفاء الطَّرَف، وعن أبي الطيِّب بن سلمة: أنَّه يجب القصاص في النفس؛ لأن المعفُوَّ عنه قصاصُ الطَّرَف دون النفْس، وسقوط القصاص في الطَّرَف لا يوجب سقوطَهُ في النفس؛ ألا ترى أنَّه لو استوفَى قصاص الطَّرَف، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، وجب قصاص النفْس، فليكنِ السقوطُ بالعفْو كالسقوط بالاستيفاء، ويُحْكَى هذا عن تخريج ابن سريج، وعلى هذا قال القاضي ابن كج: لو عفا عن القصاص، لم يكن له إلا نصْف الدية؛ لسقوطِ النصْف بالعفْو عن أرْش اليد، والصحيحُ الأوَّل، وأما المالُ؛ فأما أرْش اليد، فيُنْظَر؛ إن جرى لفْظ الوصية؛ بأن قال: أوصَيْتُ له بأرشِ هذه الجناية، فإذا ماتَ من الجناية، فقد صارت الوصيَّةُ وصيةً للقاتل، وقد سبَقَ الخلافُ فيها، فإنْ لم نصححها فعليه أرش العضْو المقطوع، وإن صحَّحناها، فإن خرج الأرْش من الثَّلُث، سقَطَ، وإلا، نفذَتِ الوصية في قدْر الثلث، وإنْ جرى لفْظُ العفْو أو الإبراء أو الإسقاطِ؛ بأن قال: عفَوْت عن أرْش هذه الجناية أو أبرأتُه أو أسْقَطتُه، فحُكمها حكْمُ الوصية أم لا؟ فيه طريقان: أحدهما: نعم؛ بدليل الاعتبار من الثلُث؛ فعلَى هذا يعود الخلافُ في الوصية للقاتل.
وأصحُّهما: لا؛ لأنه إسقاط حقٍّ ناجز، والوصيةُ هي التي تتعلَّق بحال الموت؛ فعلَى هذا يسقُطُ، ولا يجيء فيه القولاَن، وأمَّا الزيادة على أرْش اليد إلى تمام الدية، فهي واجبة، إن اقتصر على العفْو عن موجب الدية، ولم يتعرَّض لِمَا يتولَّد منها، وإن تُعرَّض لِمَا يتولَّد منها أيضاً، نُظِر إن تعرَّض بلفْظ الوصية؛ بأن قال: أوصيتُ له بأرش هذه الجناية وضمان ما يَحْدُث منها أو يتولَّد أو يسري إليه، فيُبْنَى على أن الوصيَّةَ للقاتل هل تصحُّ، وَيجِيْءُ في جميع الدِّيَة ما ذكَرْنا في دية العضْو المَقْطُوع، وإنْ قال: عفوت عنه، أو أبرأته عن ضمان ما يحْدُث أو أسقطْتُه، ففي اعتبارها فيما يحْدُث قولان نقَلَهما ابن الصبَّاغ وغيره.

الجزء: 10 - الصفحة: 298

وأصحُّهما: أن هذه الألفاظ لاغيةٌ، ويلزمه ضمان ما يَحْدُث [فإن إسقاط الشيْء قبل ثبوته غيْرُ منتظم.
والثاني: أنها تُعْتَبَر، ولا يلْزَم ضمانُ ما يَحْدُث؛] 161 لأن الجناية على الطَّرَف سببٌ لفوات النفْس، فإنَّ النفْس لا تباشر بالجناية، وهذا هو الخلاف الذي سَبَقَ في الإبراء عما لم يَجِبْ، وجرى سبب وجوبه، فإن قلْنا باعتبارها، سقَط الكلُّ وفي طريق حُكْمُ هذه الألفاظ حُكْمُ الوصية، يبنى على القولَيْن في الوصية للقاتل، قال الإِمام: وُيخرَّج مما ذكرنا في أرْش العضْو وضمانُ السراية إلى الروح تفريعاً على الأصلَيْن، وهو الاختلافُ في الوصية للقاتِل، والاختلافُ في الإبراء عمَّا لم يجبْ، وجرى سبب وجوبه ثلاثة أقوال، فإن لم نصحِّح الوصية للقاتل، فتجب الدية بكمالها، وإن صحَّحناها، وصحَّحنا الإبراء عما لم يجِبْ، سقطَتْ بكمالها، إذا وفَّي بها الثلث، وإن صحَّحناها، ولم نصحح الإبراء، سقط الأرش، ووجَب ضمان السراية، هذا إذا كان قدْر الأرش دونَ الدية فأما إذا قطَع يدَيْ إنسان، فعفا المقطُوع عن أرش الجناية، وما يحْدُث منها، فإن لم نصحِّح الوصية، وجبت الدية بكمالها، وإن صحَّحناها سقطَتْ بكمالها، إذا وفَّي بها الثلث، سواءٌ صحَّحنا الإبراء عما لم يجبْ أو لم نصحِّحه؛ لأن أرش اليدين ديةٌ كاملةٌ فلا يزيد بالسراية شيْءٌ.
الثالثة: إذا سَرَى القطْع إلى عُضْوٍ آخر، كما إذا قطع الأصبع، فتآكل باقي اليَدِ، ثم اندمل، فالمنقول: أنَّه لا قصاص [بناءً على أنَّه لا قصاص] 162 في الأجسام بالسرَاية، وقد ذكَرْنا فيه تخريجاً، ويمكن أن يجيْء على ذلك التخريج الخلاف المذكورُ في قصاص النَّفْس في الحالة الثانية، وأما الدِّيةُ، فلا يخفَى سقوطُ دية العضْو المقطُوع بالعَفْو 163، وفي ضمان السراية وَجهَان: أصحُّهما: أنَّه يجب؛ لأنه عفا عن موجِب الجناية الحاصلة في الحال، فيقتصر أثره عليه.
والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقَطَ الضمان بالعفو، صارت الجناية غَيْرَ مضمونة، وإذا لم تكن الجنايةُ مضمونةَ، فلا تكون سرايتها مضمونةً، كما إذا قال لغيره: اقطع يَدِي، فقَطَعها، وسرى القَطْع إلى عضْو آخر، وكما إذا قطَع يد مرتدٍّ، فأسلَمَ، ثم سرَى، هذا إذا اقتصر على العفْو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: عفوتُ عن هذه الجناية، وما

الجزء: 10 - الصفحة: 299

يحدُثُ منها، فسَرَى قطعُ الأصبع إلى الكفِّ، فإن لم نوجبْ ضمان السراية عند الاقتصار، فهاهنا أولَى، وإن أوجبناه، فيُخرَّج هاهنا على الإبراء عمَّا لم يجبْ، وجرى سبب وجوبه، ثم في الفصْل صُوَرٌ: إحداها: إذا جَنَى عبدٌ جنايةً توجب المال؛ إما لكونها خطأ أو لسبب آخرَ، وعفا المجنيُّ عليه عن أرْش الجناية، ثم مات بالسراية أو اندمل الجُرْح، ثم عفا في مرض الموت، فإما أن يطلق العفْو أو يضيفه إلى السيد أو العبْد، فإن أطلق العفْو؛ فصحته تَنْبَنِي على أن أرشَ جناية العبد يتعلَّق برقبته فحسب أم بها وبذمَّتِهِ، حتى يطالب بما فضل بعد العتق؟ وفيه قولان مذكوران في "الديات" فإن قلْنا: يتعلَّق بالرقبة فحسب، فيصحُّ العفو؛ لأنه تبرُّع على غير القاتل، وهو السيد، وإن قلْنا: يتعلق بالذمة أيضاً، ففائدة العفْو ترجع إلى العبد، فيبنى على الوصية للقاتل، إن صحَّحناها، صحَّ العفْو من الثلث، إلاَّ، لم يصحَّ، وحكَى الإِمام اختلافاً للأصحاب، إذا قلْنا: إنه يتعلَّق بالذمة في أن المجنيَّ عليه، هل يملك فك الرقبة عن التعلُّق ورد الحق إلى الذِّمة خاصَّةً كما يملك فكَّ المرهون.
قال: وعلى الوجهَيْن يُبْقَى تعلُّق الأرض بالرقبة، إذا أبطلْنا العفو؛ لكون العبد قاتلاً، أما إذا قلْنا: لا يمكن قطعُهُ، فظاهر، وأما إذا قلنا: يمكن، فِلأَنَّ ذلك إذا جرَّد مستحِقُّ الأرض القصْدَ إلى قطْعه، وهاهنا لم يجرِّد القصد إليه، وإن أضاف العفْو إلى السيد، فقال: عفوت عنك، صحَّ إن قلنا: يتعلَّق الأرش برقبة العبد فحسب، وإن قلْنا: يتعلق بذمة العبد أيضاً، لم يصحَّ العفو؛ لأنه عفْو من غير مَنْ عليه الحقُّ، وإن أضافه إلى العبد، فإن قلنا: يتعلق بالرقبة دون ذمة العبْد، لم يصحَّ، وإن قلنا: يتعلَّق بالذمة، ففيه القولان في "الوصية للقاتل"، وإن كانت الجنايةُ موجبةً للقصاص، فالعفو عن العبد صحيحٌ، فإنه عليه بكل حال.
الثانية: إذا جنى الحرُّ خطأً على إنسان فعَفَا المجنيُّ عليه، ثم سرت الجناية إلى النفْس، فقد خرجَتِ المسألةُ عن أصْل، سيأتي إن شاء الله تعالَى في أن الخاطئَ يلاقيه وجوب الدية، والعاقلةُ يتحملون عنه، أو الوجوبُ على العاقلة ابتداءً، فإن قال: عفوتُ عن العاقلة أو أسقطت الديةَ عنْهم، فهذا تبرُّع على غير [القاتل]، فينفذ، إذا وَفَّى الثلُث به ويبرؤون، سواءٌ قدروا متأصِّلين أو غير متأصلين وكذا لو قال: عفوتُ عن الدية، ولم يضف إلى الجاني ولا العاقلة، وإنْ قال للجاني: عفوتُ عنك، فإن قلنا: إنَّ الوجوب لا تلاقيه، فهو لغْوٌ، وإن قلنا: تلاقيه، وتتحمل العاقلة، فوجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أن الجواب كذلك؛ لأنه لا شيْء عليه عنْد العفْو، فإن الديةَ كما وجبَتْ عليه، انتقلَتْ عنه.

الجزء: 10 - الصفحة: 300

والثاني: أنَّه ينفذ بتقديره أصيلاً وتقدير العاقلة كفيلاً، ثم إذا برئ الأصيل، برئَ الكَفِيل، ومَنْ قال بالأول، قال: هذا الانتقال يُشْبِه الحوالة لا الضمان، هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة أو باعتراف العَوَاقِلِ.
فأما إذا اعترف الجانِي وأنكرت العوامل فالدية تجب على الجاني، ويكون العفو تبرُّعاً على القاتل، ففيه الخلاف في الوصية للقاتل، ولو عفا الوارثُ بعد مَوت المجنيِّ عليه عن العاقلة أو مطلقاً، صحَّ، ولو عفا عن الجاني، لم يصحَّ لأنه لا شيْء عليه، فإن ثبتت الدية بإقراره، صَحَّ.
الثالثة: لو كان الجاني ذِمِّيّاً، وعاقلتُه مسلمونَ، أو من أهل الحَرْب، فتكون الدية في ماله، فإن عفا عنها، فهي وصيةٌ للقَاتِل، وفيه الخلاف.
واعلم، أن الصور الثلاث أوردَهَا المزنيُّ، وحكَى فيها عن النصِّ ما استشهد به لاختياره القول الذاهِب إلى إبْطَال الوصية للقاتل، فقال قائلون من الأصحاب: أجابَ الشافعيُّ -رضي الله عنه- فيها على أحَد القولَيْن، وليس مِنْ شَرْط القولَيْن أن يُذْكَرَا في جميع المواضع.
وقال القاضي الطبريُّ وغيره: الاقتصارُ في بعْض المسائل على أحد القولَيْن اختيارٌ منْه لذلك القَوْل، كما ذهب إليه المزنيُّ.
الرابعة: إذا جنى جنايةً توجب القصاصَ، لو اندملت كقَطْع اليد والأصبع، فعفا المجنيُّ عليه على الدية، ثم سرَتْ إلى النفس، لم يجب قصاص النفس، وفيه الوجه المنسوب إلى أبي الطيِّب بن سلمة على ما مَرَّ ولو جنَى بما لا قصاص فيه كالجائفة، وكسر الذراع، فأخذ المجنيُّ عليه الأرْشَ، ثم سرت الجنايةُ إلى النفْس، فقد قال الإِمام: يحتمل أن يقَالَ: لا يجب القصاصُ؛ لأن الجائفةَ، وإن لم يكُنْ فيها قصاصٌ، فهي سبيلُ القصاص، وأخْذ بالعفو الأرض يُشْعِر فيما يوجب القصاص، والمنقول المشهور أنَّه يجبُ القصاصُ؛ لأنَّ الجناية لم تتولَّد عن معفوٍّ عنه، فإن عفا الوليُّ، أخذ الباقي من الديةَ، ولو كان المجنيُّ، قد قال -والصورةُ هذه-: عفَوْتُ عن القصاصِ، فهو لغْو؛ لأن هذه الجناية لا قصاصَ فيها، ولو عفا المجنيُّ عليه عن قطع اليد ونحوه؛ على الدية، ثم عاد الجاني، فحز رقبته 164، نُظِر؛ إن حزَّ بعد الاندمال، فعليه القصاص

الجزء: 10 - الصفحة: 301

في النَّفْس، ودية اليد، فإنْ عفا الوليُّ عن القصاص، أخذ دية النفس ودية اليد، وإنْ حزَّ قبل الأندمال، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه لا قصاص علَيْه؛ لأنه عفا عن بعْض النَّفْس، وإذا سقط القصَاص في البعْض، سقَط في الكلِّ، ولأن حَزَّ الرقبة بعْد قطْع اليد كسراية الجراحة؛ ألا ترى أن دية اليد تَدْخُل في النفْس على التقْديرين، ولو سَرَى القطع، لَمَا وجَب القصاص على الصَّحيح، فكذلك إذا حَزَّ، وعلَى هذا، فله الباقي من الدِّيَة.
وأصحُّهما: أنَّه يجب القصاص؛ لأن الزهُوقَ حصَل بجناية مستحَقَّة، ولم يتولَّد عن الجنايةِ المعفُوِّ عنها؛ وعلَى هذا، فلو عفا عن القصاص، فوجهان: أصحهما: أنه يأخُذ الباقي من الديةِ، والأطرافُ تدخل في النفس في الدِّية، وإن لم تَدْخُل في القصاص.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْج والاصطخري: أنَّه يأخُذ ديةً كاملةً، بنياه على أصلهما في أنَّ مَنْ قطَع يد رجُل، ثم عاد، وقتَله، وعفا، يلزمه دية النفْس ودية اليد، ولا تتداخل، ولو قطع يدَيْه ورجلَيْه، ثم عاد، فقتله، تلزمُه ديتان مع القصاص وقوله في الكتاب: "ويسقط القصاص عن السراية في المستقبل" حمل على السراية إلى النفس وقوله: "ولا تسقط الدية عن السراية" على ما إذا سَرَى إلى بعض الأعضاء، فاندمل.
وقوله: "فإن سرى إلى النفس" عود إلى الصورة الأُولَى، وهي السراية إلى النفس.
ذكر حكمهما قصاصاً، ثم عاد إلَيْها؛ ليذكر حُكْم الدية، فهذه التنزيلاَتُ توافِقُ كلامه في "الوسيط".
وقوله: "ولو سرى القطْع، لَمَا وجب" توجيه أضْعف القولَيْن، والمعْنى أن الحزَّ كالسراية، ولو سرى القطْع، لم يجبِ القصاصُ، فكذلك لا يجبُ عنْد الحَزِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: عَفْوُ الوَارِثِ صَحِيحٌ، وَإنِ اسْتَحَقَّ الطَّرَفَ وَالنَّفْسَ فَعَفْوُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لاَ يُسْقِط الآخَرَ، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ فَالولِيُّ يَسْتحِقُّ قَطْعَ طَرَفِهِ وَحَزَّ رَقَبَتِهِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الطَّرَفِ فَفِي سقُوطِ حَزِّ الرَّقبةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كانتِ الحالةُ الثانية في عفْو المجنيِّ عليه نفْسه قبلِ السراية، وهذه في عَفْو الوارث بعْد موت المجنيِّ عليه، واستقرار الجناية، ولا تخفى صحَّتُه، وإذا استحقَّ على الجاني قصاصَ النَّفْس وقصاص الطَّرَف، نُظِرَ؛ إن كان مستحِقُّ هنا غيْرَ مستحِقِّ ذاك، فلا شك في أنَّ عفو أحدهما لا يُسْقِط حقَّ الآخر، ومن صُوَرِهِ أن يَقْطَع عبْدٌ يدَ عبْدٍ، فيعتق المجنيُّ عليه، ثم يَسْرِي القطْع إلى نفْسه، فالقصاصُ في الطَّرَف للسَّيد، وفي النفس لورثته الأحْرار، وإن استحقَّهما واحدٌ، فلو عفا عن النفْس، وأراد

الجزء: 10 - الصفحة: 302

القصاصَ في الطَّرَف، فله ذلك؛ لأنهما حقَّان ثبتا له، فالعفْو عن أحدهما لا يُسْقِط الآخَر، كما لو كان الاسْتحقاقُ لشخصَيْن.
وفي "الوسيط" حكايةُ وجه: أنَّه إذا عفا عن النفس، فقد التزم بقَاء الأطْراف، فيسقط فصاحبُ الطَّرَف، ولم ينقل الإمامُ في هذه الصورة خلافاً، وإنما حَكَى في عكسِه، وهو ما إذا عفا عنْ قصاص الطَّرَف وجهَيْن عن رواية صَاحِب "التقريب".
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه لا يَسْقُطَ فصاحب قصاص النفس؛ لِمَا مَرَّ.
والثاني: يسقط؛ لأن العفْو عن الطرَف ضامنٌ لسلامته، وفي قصاص النفْس إتلافُ الطَّرَف.
قال: ولم يُحْكِ صاحبُ "التقريب" خلافاً في أن العفْو عن قصاص النفْس يُسْقِط قصاص الطَّرَف، وإن كان القَطْع قد يَسْرِي، والله أعلمُ بسبب اضطراب روايتهما.
ولو استحقَّ قصاص النَّفْس بقُطْع الطرَف؛ بأن كان الجانِي قد قطَع يد المجنيِّ عليه، ومات بالسراية، ثم عفا الوليُّ عن قصاص النفْس، فليس له قطْع الطَّرَف؛ لأن المستَحقَّ هو القتْلُ، والقطع طريقُه، وقد عفا عن المستَحقِّ، وإن عفا عن القَطْع، فهل له حَزُّ رقبته فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه استحقَّ القتل بالطريق السَّارِي، وقد تركه.
وأقواهما: نعم؛ لأنه يتمكَّن من العدول إلى حَزِّ الرقبة على ما سَبَق، فلعلَّه قصد ذلك، وأيضاً، فله أن يقطع يدَه، ثم يحزَّ رقبته، ففي العفْو عن القطْع تسهيلُ الأمر عليه، وترك لإيلام القطع، ولو قَطَع يده ثم حزَّ رقبته قبل الاندمال، فعفو الوليِّ عن القطْع لا يُسْقِط حز الرقبة، وكذا عفْوُه عن قصاص النفس لا يسقط القَطْع؛ لأن الزهوق حصَلَ بجناية مستحَقَّة، وهما حقَّان مقصودانِ في نفسهما، ليس الأول طريقاً للثاني.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ العَفْوُ بَعْدَ المُبَاشَرَةِ سَبَبُ الاسْتِيفَاءِ كَمَا إِذَا قَطَعَ يَدَ مَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ فَإنِ انْدَمَلَ صَحَّ العَفْوُ وَلَمْ يُضْمَنِ الطَّرَفَ، وَإِنْ سَرَى بَانَ أَنَّ العَفْوَ بَاطِلٌ، وَكَذَا إِذَا عَفَا بَعْدَ الرَّمْي وَقَبْلَ الإِصَابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قتل رجلاً بالقطع الساري، فقطعه الوليُّ، ثم عفا عن النفس مجاناً، فإن سَرَى القطع، بأن بطلان العفْو، وإن وَقف، صحَّ العفو، ولم يلزمه بقطع اليد [شيء] وكذلك، لو كان.
قد قَتَله بغَيْر القطع، وقطع الوليُّ يده متحدياً، ثم عفا عنه، لا ضمان عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا عفا؛ فعَلَيْه دية اليد.

الجزء: 10 - الصفحة: 303

وقال أحمد: عليه ديتها، عفا أو لم يَعْفُ.
وقال مالك: يلزمه القِصَاص في اليد.
لنا: أنَّه قطَع يَدَ مَنْ يباح له دمه، فلا يلزمه القصاص، إلا الضمان كما لو قَطَع يد مرتدٍّ، والعفْو إنما يؤثِّر فيما بقي لا فيما اسْتُوفِيَ، ولو رمى الوليُّ إلى الجاني، ثم عفا عنه قبل الإصابة، ففي نفوذه وجهان نقَلها الإِمام: أحدهما: أنَّه لا ينفُذُ؛ لخروج الأمر عن اختياره.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه كقطْع اليد، فإن لم يُصبْه السهْم، فالعفو صحيحٌ مقيَّد، وإن أصابه، وقتله، بأن أن العَفْو باطلٌ، وفي وجوب الدية على العافِي وجهان سبَقَ ذكرهما في فصْل تغيُّر الحال بين الجرْح والموت.
والأصحُّ، عند صاحب التهذيب، ويُحْكَى عن القفَّال: أنَّه يلزمه الدية؛ لأنه محقُون الدم عند الإصابة، وليُعلَمْ؛ لما حكَيْنا قوله في الكتاب: "ولم [يُضمَن] 165 الطرف" بالحَاء والميم والألف.
وقوله: "وكذلك إذا عفا بعد الرمْي وقبل الإصابة" بالواو.
فَرْعٌ: إذا قطع ذميُّ يدَ مُسْلِم فاقتص منه أو يدَ ذميِّ، فاقتص منه، وأسلم، ثم ماتَ المجْرُوحُ بالسراية فللوليِّ القصاصُ في النفس، فإن عفا على المال، فوجهان: أحدهما: أن له نصْفَ الدية؛ لأن اليد نصْف الجملة، وقد استوفاها، فإذا استُوفيتْ يد الذميِّ بيد المسلم، لم يجب شيء آخر.
وأظهرهما: أن له خمسة أسداس دية مسلم، ويَسْقُط سدسُها باليد التي استوفاها، لأنها نصف جملة الذميِّ التي هي ثُلُث جملة المُسْلم فيما يرجع إلى الدية، ولو قطَع الذميُّ يدَ المُسْلم، فاقتص منه، ومات المُسْلِم بالسراية، فعفا الوليُّ، فعلى الوجه الأوَّل لا شيْء له؛ لأنه استوفَى يدَ الجاني، واليدان مساويتان للنفس، وإذا قوبلت نفْس الذميِّ بيد المسلم، لم يجب شيء آخر، وعلى الأظهر: له ثلثا الدية؛ لأنه استوفَى ما يقابل ثُلثَ دية المسلم، ولو قطَعَت امرأةٌ يدَ رَجُل، فاقتص منْها، ثم مات الرجُل بالسراية، وعفا الوليُّ فعلَى الوجه الأول: له نصْف الدية؛ لأن يدها تُقَابل يَدَ الرجل عند الاقتصاص، وعلى الأظهر: له ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه استوفى ما يقابل ربع دية الرَّجُل، ولو قطَعَتْ المرأة يد الرجُلِ، فاقتص معها، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية وعفا الوليُّ، فلا شيء له على الوجه الأول، ويجبُ نصْف الدية على الوجه الثاني، ولو قَطَع عبدٌ يدَ

الجزء: 10 - الصفحة: 304

حرٍّ، فاقتص منه، ثم عَتَقَ العبْدُ، ومات المجنيُّ عليه بالسراية، ففي وجهِ يسقط نصْف الدية، وعلى السيد الأقلُّ من نصْف دية الحرِّ وكمال قيمة العبد؛ لأنه صار مختاراً للفِدَاء، وفي وجه يسقُطُ من دية الحرِّ بقدر نصْف قيمة العبْد، وعلى السيد الأقلُّ من باقي الدِّيَة، وكمال قيمة العبد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: إذَا عَفَا المُوَكِّلُ فَحَزَّ الوَكِيلُ الرَّقَبَةَ غَافِلاً فَلاَ قِصَاصَ، وَفِي الدِّيَةِ وَالكَفَّارَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ تَجِبُ الكَفَّارَةُ فِي الثَّالِثِ دُونَ الدِّيَةِ، فَإنْ أَوْجَبْنَا فَعَلَى الوَكِيلِ أوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَمَنِ الْتَزَمَهُ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى العَافِي رُجُوعَ المَغْرُورِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالظَّاهِرُ أَن لِلعَافِي الرُّجُوعَ إلَى دِيَةِ قَتِيْلِهِ، وَقِيلَ إِنْ أَهْدَرْنَا دَمَ المَعْفُوِّ عَنْهُ وَكَانَ العَفْوُ لَمْ يُفِدْ فَلاَ دِيَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سَبَقَ في "كتاب الوكالة" أن [التوكيل] باستيفاء القصاص في حضْرة المُوَكِّل جائزٌ، وكذا في غيبته علَى الأصحِّ، وحدُّ القذفِ كالقصاص، وسواءٌ جوَّزنا التوكيلَ به أو لم نجوِّز، فإذا وكَّل، واستوفَى الوكيلُ، صار حقُّ الموكِّل مستوفًى، كما إذا وكَّل ببيع سلعةٍ توكيلاً فاسداً، فباع الوكيلُ، يصح البيع.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو وكَّل بالاستيفاء، وغاب أو تنحَّس الوكيلُ بالجاني، ليقتص منه، فعفا الموكِّل، نُظِر؛ إن لم يُدْر، كان العفْو قبل القتل أو بعْده، فلا شيء على الوكيل، وإن عفا بعْد ما قَتَل الوكيل، فهو لَغْو، وإن عفا، ثم قَتَل الوكيل، فإن كان عالَماً بالعَفْو، فعَلَيه القصاصُ، كما لو قتله غيره، وإن كان جاهلاً، فلا قصاص، وفرق بين ما إذا قَتَل من عهده مرتدّاً أو حربيّاً، فبان أنَّه قد أسْلَمَ حيث يجب القصاص على أحد القولَيْن؛ بأن القاتل هناك مقصِّر؛ لأن المرتدَّ لا يُخْلَى بقي على الردَّة، والحربيُّ لا يجترئ على دخول دار الإِسلام بلا أمان، فكان من حقه التثبت، والوكيل معذورٌ ها هنا بَانٍ على ما يجوز البناء علَيْه، وفي "السلسلة" للشيخ أبي محمَّد: أن في وجوب القصاصِ هاهنا قولاً مخرجاً من "مسألة المُرْتدِّ" والصحيح الأول، فإن ادَّعَى على الوكيل العلْم بالعفْو، وأنكر، صُدِّق بيمينه، فإن نكَل حلَف الوارثُ، واستحق القصاصَ، وأما الديةُ، ففي وجوبها قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه عفا بعْد خروج الأمر من يده، فوقع لغواً؛ ولأن القتل يُبَاح له في الظاهر، فلا يَتَّجه التضمين به.
وأصحُّهما: وهو اختيار المزنيِّ: أنها تجبُ؛ لأنه بأن أنَّه قتَلَه بغير حقٍّ؛ ولأنه لو علم العفْو، وقتله، وجَب عليه القصاصُ، فإذا جهله، تجب الدية، كما لو قتل مَنْ ظنَّه مرتدّاً، فبان رجوعُه إلى الإِسلام، واختلفوا في حال هذين القولين، فقال قائلُونَ: هما

الجزء: 10 - الصفحة: 305

مبنيَّان على أنَّ الوكيل، هل ينعزِلُ قبل بلوغ خبر العَزْل إليه، فإن قلْنا: لا ينعزل، فالوكيل هاهنا قتل بحق، فلا تجب ديةٌ، وإن قلنا: ينعزل، فقد قتل بغير حق، فتجب الدية، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ والصيدلانيُّ وغيرهما، وأنكر الشيخُ أبو محمَّد هذا البناء، وساعدَه الإِمام، وقال الوكيل: وإن قلْنا: [إنه] لا ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، فينعزل إذا تصرَّف الموكَّل بما يتضمن انعزاله، ألا تَرَى أنَّه إذا وكَّل إنساناً يبيع عبده، ثم أعتقه، ينفذ العتق، وينعزل الوكيل، ويكون بيعه بعد إعتاق الموكّل مردوداً لا محالة، وبناهما آخرون على الخلافِ فيما إذا قتَلَ في صفِّ المشركين من حسبه كافراً، فبان أنَّه كان مسلماً أسيراً، ووجه المشابهة أن الوكيل هاهنا قَتَل عَلَى ظن بقاء القصاصِ، وهو ظاهرُ الحالِ، كما أن القتل هناك مبنيٌّ على ظنٍّ ظاهرٍ، وهو كون الواقفِ في صفِّ الكفار كافراً، وعن الشيخ أبي محمَّد وغيره أن القولَيْنِ مَتأصِّلان غير مبنيين على شيْء، ولو عزَلَه، ولِم يعْلَم الوكيل بالعزل، وقَتَله، ففي الدية القولان أيضاً، وإذا قلْنا بوجوب الدية، فلا يخفى وجوب الكفَّارة، وإن لم نوجِبِ الدية، ففي الكفَّارة وجهان.
أصحُّهما: على ما ذكر جماعة من المعتَبَرِين: الوجوب، وبه قال المزنيُّ، ويُنْسَب المنْعُ إلى ظاهر النصِّ، وهو مستمرٌّ على قولنا: إنه لا ينعزل قبل بلوغ الخبر، وإذا جمع بين الكفَّارة والدية، حصَلَتْ ثلاثة أوجهٍ أو أقوالٍ، كما ذكر في الكتاب.
ثالثُها: وجوب الكفَّارة دون الدية.
التفريعُ: إن أوجبنا الديةَ، فهي مغلَّظة؛ لأن القتل عمْدٌ أو شبْه عمْدٍ، وعن رواية أبي الحُسَيْن بن القطَّان قولٌ أنها تجب مخففةً، وعلى هذا، فهيَ على العاقلة، وعلى الصحيح؛ تكون على الوكيل أو على عاقلته؟ فيه وجهان: أحدُهما: وبه قال ابن أبي هريرةَ: أنها على العاقِلة؛ لأنه قتل جاهلاً بالحال، فكان كالمخطِئ.
وأصحُّهما: وبه قال أبو إسحاق: أنها على الوكيل؛ لأنه متعمِّد وإنما سقَطَ القصاص للشُّبْهة، وحَكَى الإِمام وجهَيْن على قولنا: إنها على الجاني؛ أنَّها تكون حالَّة أو مؤجلةً 166، ثم الدِّيَة الواجبةُ بقتل الوكيل، لورثة الجاني لا تعلُّق بها، للموكل بخلاف ما إذا ثبَتَ القصاص لا تبنين، وبادر أحدُهما، وقَتَله، يجبْ عليه نصف الدية للآخر في أحد القولَيْن، وفَرَق بينهما بأن القاتل هنَاك أتلَفَ حقَّ أخيه، فتعلَّق [الأخ] ببدله، والوكيلُ هاهنا قتَل بعْد سقوط حقِّ الموكِّل، ونقل القاضي ابن كج أن بعض الأصحاب جعَلَه على الخلاف في الابنين، وإذا غُرِّم الوكيلُ أو عاقلته الديةَ، فهل يرجع من غرم على العافِي؟ فيه طريقان:

الجزء: 10 - الصفحة: 306

أحدهما: ويُحكَى عن ابن سُرَيْج: إن فيه قولين كما إذا قَدَّمَ الغاصبُ الطعامَ المغْصُوب إلى غيره، فأكَلَه في قرارِ الضَّمَان عليه قولان.
والثاني: القطع بأن لا رجوع عليه 167 لأنَّه محسنٌ بالعفوْ غير ملبس بخلاف التصرُّف في الطعام المغْصُوب.
والظاهرُ المنْع، وإن ثبت الخلافُ، وخصَّص بعضُهم الخلافَ في الرجوع بالدية، إذا غرَّمْناها للوكيل، وقَطَع فيما إذا غرَّمناها العاقلة؛ أنهم لا يرجِعُون بها، وإذا قلْنا بالرجوع بها، فهل لوليِّ الجاني أن يأخُذ الدية ابتداءً من العافِي؟ حكَى الشيخ أبو محمَّد [فيه] وجهين، [وفي الرجوع بالكفارة وجهان] 168 والأصح المنع، كما لا تُضْرب الكفَّارة على العاقلة، بخلاف الدية، وهل للموكِّل العافي دية قتيله، يُنْظر؛ إن عفا مجَّاناً أو عفا مطلقاً، وقلْنا: مُطْلَق العفْو لا يوجب الديةَ، فلا شيْء له، وإن عفا على المال أو مطْلقاً، وقلْنا: إنه يوجب الدية، فله الديةُ في تركة الجانِي مغلَّظة، إن أوجبنا بقتل الوكيل الديةَ، وإن لم نوجبْ، وأهْدَرْنا دَمَ الجانِي، فلا ديةَ للموكّل بخروج العفْو على هذا التقدير عن الإفادة، ووقوعه لغواً، هكذا رتَّب جماعة.
وقال الإِمام: الوجه أن يُقَال: إنْ قلنا: يقع القتْل قصاصاً، ولا ينفذ العفْو من غير علْم الوكيل، فلا دية للموكّل، وإن نفذنا العفْو، ونزَّلنا ما وجد من الوكيل منزلةَ قتل الأسير في صفِّ الكفار، فله الدية، وكأن الجاني مات حتف أنفه، وفي سياق [الكتاب] 169 ما يشير إلى ما ذَكَره الإِمام، ونختمْ الكتابب فروع يتبع بعضُها بعضاً بلا ترتيب ولا تبويب.
إذا جنَى عبد على حرٍّ جنايةً، تعلق الأرشُ برقبته، فاشترى المجنيُّ عليه العبْدَ من سيده بالأرش، فإن جهلاً أو أحدهما عدد الإبل الواجبة أرشاً أو أسنانها، لم يصحَّ الشراء، وإنَّ عَلِمَا العددَ والسنَّ، ولم يبق إلا الجهل بأوصافِها، ففي صحة الشراء الوجهان أو القوْلان في أنَّه هل يجوز أن يُصَالَحَ المجنيُّ عليه عنْ إبل الدية على مالٍ، وقد ذكَرْناهما في "كتاب الصُّلْح"، وإن كانت الجناية موجِبةَ للقصاص، فاشتراه بالأرش، فهو اختيار للمال وإسقاط للقصاص 170، وإذا اطلع المجنيَّ عليه بعد الشراء، حيث صحَّحناه على عيْب بالعبْد، فله الرد، وقد يقال: إذا لم يكن للمجنيِّ عليه إلا

الجزء: 10 - الصفحة: 307

الرقبةُ، فأيُّ فائدة في الردِّ؟ ويُجاب بأنه إذا ردَّ، فله مطالبة العبْد، إن عتق بما يفْضُل عن قيمته على قَوْل، وأيضاً، فحق الردِّ ولاية شرعية، لا يبنى على مثل هذه الأعراض 171، ثم إذا ردَّ، يبقى الأرش متعلقاً بالرقبة، ولا يكون السيِّدُ مختاراً للفداء، فإنه يستَبْقِهِ لنفسه، وله الخيارُ بين أن يفيده وبين أن يسلمه للبيع، ولو اشتراه بمال غَيْر الأرش، صحَّ، ولم يسْقُط القصاص، ولو صالَحَ عن القَوَد على مالٍ، جاز، وإن كانتِ الديةُ مجهولةً، فإن تلف عين المال المُصَالَحِ عليه أو استحقَّت أو ردَّها بعَيْب، فلا رجوع إلى القصاص، ويرجع بقيمة العَيْن أو بضمان الجناية؟ فيه قولان؛ بناءً على أنَّ بَدَل الصُّلْح عن الدَّمِ مضمون ضمان العقد أو ضمان اليد، وقد ذكَرْنا ذلك في البَيْع، وإذا قلْنا: يرجع بضمان الجناية، فهو على السيد؛ لاختياره الفداء، ببذل المال، ويجبُ علَيْه أرْش الجناية بالغاً ما بلغ أو الأقل من قيمة العبْد، وأرش الجناية فيه قولان مذْكُوران في مَوْضِعِهما، ولو كانت الجنايةُ موجِبةً للمال الأقل وصالَح عن الإبل علَى مال، ففي صحته الخلافُ، فإن صححَّناه، فلو هلك المَصَالِحُ عليه، قبل القبض أو خرج مستحقّاً، أو ردّه بعيب، فالرجوع إلى الأَرْش، بلا خلاف؛ لأن الصُّلْح هاهنا عن المال، ويكون السيد مختاراً للفداء، ويلزمُهُ الأرْش أم الأقَلُّ؟ فيه القولان.
ولو جَنَى حُرٌّ على حُرٍّ جنايةً تُوجِبَ القصاصَ، فصالحه المجنيُّ عليه على عيْن عبد أو ثوْب، جاز، وإن لم تكُنِ الديةُ معلومةً لهما، فإن تلِفَت العين قبْل القبض، أو ردَّها بعيب أو خرَجَت مستحقَّةً، فلا رجوع إلى القصاص، وبم يرجع؟ بقيمة العَيْن أو بأرش الجناية؟ يُبْنَى على أن بدل الصُّلْح عن الدم مضمونٌ ضمانَ العقْد أو ضمان اليد، وإن كانتِ الجناية موجبةً للدية، فصالح عنها على عَيْنٍ أو اشترَى بها عيناً إما من العاقلة في الخطأ أو من الجانِي في العَمْد، فيُنْظَر، أعلما عدَدَ الدية وأسنانها، أم لم يعلما، ويكون الحُكْم على ما بيَّنَّنا، وإذا صحَّ، فلو تَلِفَ المصالَحُ عليه، أو ردَّه بالعيب، فالرجوع إلى الأرش قولاً واحداً؛ لأنَّه يمكن الرجُوع إلى المُصَالح عنه، [لأنه مالٌ، وفي الصلْح عن القصاص لا يمكن الرجوع إلى المُصَالح عنه] 172 ولو جنَتِ امرأةٌ على إنسان، فتزوَّجها المجنيُّ عليه على القصاص الثابتِ عليها أو قتلت إنساناً فتزوَّجها وارثه على القصاص، جازَ، وسقط القصاص، وإن طلَّقها قبل الدخول، فيرجع بنصْف أرش الجناية أو بنصْف مهْر المثل؟ فيه قولان: أصحُّهما: على ما ذكَر صاحب "التهذيب": الأوَّل، وإن كانتِ الجنايةُ موجبةً للمال، فنَكَحَها على الأَرْش، صحَّ النكاح، وفي صحَّة الصَّدَاق ما سبقَ في جواز

الجزء: 10 - الصفحة: 308

الاعتياض عن إبل الدية.
[إذا أوجبت الجناية مالاً معلومَ القَدْر والوصف، كما إذا أتلف مالاً أو قتل عبداً أو وجبَت القيمة] فإذا زَجَرَتْ مُصَالَحَةُ المجنيِّ عليه على عيْنٍ، وهما يعلَمان الواجبَ، صحَّ الصلْح بلا خلاف، وإذا فرض تلَفٌ قبل القبض أو رَدَّت بالعيب، فالرجوع إلى الأرش بلا خلاف، وإن كان الجاني، والحالةُ هذه، عبداً فيكون السيد مختاراً للفداء، فإن صالح على رقبته، ثم وجد به عيْباً، فردَّه فلا يكون مختاراً بل الأرشُ في رقبته، كما كان، حتَّى لو مات سقَط حقُّ المجنيِّ عليه.
إذا قطع يدَيْ إنسان ورجلَيْه، فمات، فقطَع الوليُّ يد الجاني، وعفا عن الباقي على الدية، لم يكن له الدية لأنه استوفَى ما يقابلها، ولو عفا على غَيْر جنْسها، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب، كما لا تجب الدية.
والثاني: يجب، ويكون عِوَضاً عن القصاص الذي تركه، ولو قطع إحدَى يديه، وعفا عن الباقي على الدية، لم يكن له إلا نصْف الدية؛ لأنه استوفَى ما يقابِل نصْفَ الدية، وقدْ مرَّت هذه الصورة أو نحوها.
نقل القاضي الرويانيُّ.
عن والده: أنَّه قال: لو قتل مسلمٌ ذميّاً، فقتل وليُّ الذميِّ القاتلَ بغيْر حكْم الحاكم، فعليه القصاصُ بخلاف الوطء في النكاح لا يوجب الحدَّ؛ لأن القصاص لا يُستوفَى إلا بإذن الحَاكِم، وإن كان متفقاً على وجوبه، ومن يبيح الوطء في النكاح لا يعتبر فيه إذناً.
وأنه لو أكره غيره على أن يَرْمِيَ إلى صيْدٍ، فرمى، [فأصاب] آدميّاً، وقتله فهما قاتلان خطأً، فعلى كلِّ واحد منْهما كفارةٌ، وعلى عاقلة كلِّ واحدٍ منهما نصفُ الدية، وهل على العاقلة المكْره الرجوعُ بما يغرّمون على المُكْره؟ يحتمل أن يقال: لا يرجِعُون، وإن كان متعديّاً، وهو الذي أوقَعَهم فيه، كما لا يرجِعُون على القاتل في شبه العمْد، قال: ويحتمل أن يقال: لا شيْء، على المكْره وعاقلته؛ لأن الذي فعله المُكْره غير ما حمله المكره عليه.
قطع يدَيْ رجُلِ عمْداً، فمات منْهما، فقطع الوارثُ إحْدَى يدَي الجاني، فمات قبل أن يقْطع الأخرى، لم يكن للوليِّ أن يأخذ دية الأخرَى؛ لأن كلَّ واحدٍ من قطْع الجاني وقطع الوليِّ، قد صار قتْلاً، وإذا سَرَتِ [الجراحة] 173 إلى النفْس، سقط حُكْمُ الأطراف، وقد صارت النفْس مستوفاةً بالنفس [وقد قتله فصار كحز الرقبة]، ولو لم

الجزء: 10 - الصفحة: 309

يمتِ المجنيُّ عليه، واندمل قطْع يده، فقطع المجنيُّ عليه إحدَى يدَي الجاني، فمات، فله أن يأْخُذ دية اليدِ الأخْرَى؛ لأنه استحقَّ قصاصها، وقد فات القصاصُ بما لا ضمان عليه فيه؛ فأشبه ما إذا سقَطَتْ بآفة.
لو قَطَعَ إحْدَى يدي الجاني، وعفا عن الأخرى على ديتها، وقبضها، ثم انتقضتْ جراحة المجنيِّ عليه، ومات بها، فلا قصاص لورثته؛ لأنه مات من جراحتين؛ إحداهما معفوٌّ عنها، ولا شيء لهم من الدية؛ لأنه قد استوفَى نصف الدية، واليد المقابلة بالنصْف.
عن ابن اللَّبَّان: رجل تحته امرأةٌ، ولهما ابنان، زيدٌ وَعَمْروٌ، قتل أحدُهما الأبَ والآخرُ الأمَّ، ولم يدر قاتل الأب أيهما، وقاتل الأم أيهما، فإن قُتِلَتِ الأم أولاً، فعلى تقدير أن يكون زيدٌ قاتلَها فللزوج رُبْع المال، وباقيها لعَمْروٍ، فإذا قتل عمروٌ الأب، ورثَ زيد جميعَ مالِ الأبِ، وورثَ ربْعَ القصاص، وربْعَ مال الأم اللَّذَيْنِ استحقَّهما الأب، فيسقط عنه القصاصُ، ويثبت له على عَمْرو قصاصُ الأبِ أو جميعُ ديته؟ وعلى تقدير أن يكون عمرو قاتلَ الأم ينعكس الأمرُ، ويسقط القصاص عن عمْرو، وله على زيْدٍ القصاصُ أو جميعُ الدية، فيُدْفَعُ إلى كلِّ واحد منهما ربع مال الأمِّ؛ لأنه يستحقُّه بيقينٍ، ويوقَفُ نصْف مالها حتى يُعْلَمَ قاتلُ الأبِ منْهما، فيُدْفَع إليه، ويوقف جميع مال [الأب] 174 حتى يُعْرَف قاتل الأمِّ، فيدفع إليه، ثم يكون لقاتل الأبِ على قاتل الأم [ثلاثةُ أرباعِ دية الأمِّ، ولقاتل الأمِّ على قاتِل الأَب] 175 القصاصُ على دَية الأب؟ فإن تقاصَّا، بَقِيَ لقاتلِ الأمِّ خمسةُ أثمان دية الأَبِ، وإن قُتِلَ الأبُ أولاً، فيُصْرَفَ إلى كلِّ واحدٍ منهما ثمَنُ مال الأبِ، ويوقَف الباقِي حتَّى يُعْلَم قاتل الأم منْهما، فيُدْفَع إليه، ويوقَفُ جميع مال الأمِّ، حتى يُعْرَف قاتل الأب، فيُدْفَع إليه، ولو قَتَلَ أحدُهما الأبَ، والآخر الأمَّ كما صوَّرنا، وللأبوين ابنٌ ثالثٌ، فيُصْرَف إلى كلِّ واحدٍ من القاتلَين نصفُ ثمن مالِ الأبِ، إلى الثالثِ نصْفُ ماله، ويوقَفُ ثلاثة أثمانه؛ ليظهر قاتل الأم، فيصْرَف إليه، [ويصرف إلى الثالث أيضاً نصْفُ مال الأمِّ، ويوقف نصْفُه؛ ليظهر قاتل الأب، فيُصْرَفُ إليه،] 176 وللثالث على قاتل الأب نصْف دية الأب، ويجوز أن يَدْفَع إليه ذلك من نصْف مالِ الأمِّ الموقوفِ له، وله علىَ قاتِلِ الأمِّ، إن عفا عن القصاص نصْفُ دية الأم، ويجوز أن يَدْفَع إليه ثلاثة أثمان مالِ الأب الموقُوف له، ووُجِّه بأن الحاكِمَ يَعْلَم ثبوت حقِّ الثالث على صاحب المالِ الموقوف، وإن لم يعرْفه بعينه، [فهو] كغائب وجَبَ عليه حقٌّ يباع ماله فيه.

الجزء: 10 - الصفحة: 310

يجوز للمكره على إتلاف المال إتلافه وله ولصاحب المالِ دفْعُ المكرِهِ [بما أمكنهما، وليس لصاحِبِ المال دفْع المُكْره] 177 بل عليه أن يقي رُوحَهُ بمالِهِ، كما يناول المضْطَرُّ طعامه.
عن فتاوى صاحب "التهذيب": أن الموكَّل باستيفاء القصاصِ إذا قال: قتلتُه بشهْوة نَفسِي لا عن جهة الموكِّل، يلزمه القصاص، وينتقل حقُّ الوارث إلى التركة.
وأنه إذا قتل أحدَ عَبْدِي الرجل العَبْد الآخر، فللسيِّد أن يقتص، وأن يعْفُوَ، ولا يثبت له مالٌ على عبْده، فإن أعتقه، لم يسقُطِ القصاص، ولو عفا بعْد العتْق مطلقاً، لم يثبت المال؛ لأن القتل لم يثبته، ولا يخرج على أن العفْو المُطْلَق، هل يوجِبُ المال، وإن عفا بعْد العتق على المال ثبت المال، وأنه لو قطَع يدَيْ إنسانِ إحداهما عمْداً، والأخْرَى خطأً، فمات منهما، لا يجب القصاص في النفْس، ويجب نصْف [ديتها] في مال الجاني، ونصْفُها على العاقلة، فإن استوفَى الوليُّ قصاصَ اليد المقطوعة عمْداً، فمات الجاني منه، يكون مستوفياً لحقِّه، ولا يبقى له الدية على العاقلة، كما لو قَتَل مَنْ له عليه القصاصُ خطأً يكون مستوفياً لحقِّه وإنَّه إذا وجَب القصاصُ على مرتدٍّ، فقتله الوليُّ عن جهة الردةِ، نُظِر؛ إن كان وليُّ القصاص هو الإِمام، فله الدية في تركة المرتدِّ؛ لأن للإمام قتْلَهُ عن الجهتَيْن، وإن كان الوليُّ غير الإِمام، وقع قتله عن القصاص ولا دية له؛ لأن غير الإِمام لا يَمْلك قتله عن جهة الردَّة.
[قال: وكذلك لو اشترى عبداً مرتدّاً، وقتله المشتري قبل القبض عن الردَّة، ينفسخ العقْد، إن كان المشتري الإمامَ، وإن كان المشترِي غيْرَه، صار قابضاً، كما لو قتله ظُلماً محضاً.
وأنه لو ضرَبَ زوجتَهُ بالسَّوْط عشْرَ ضربات فصاعداً على التوالي، فماتت، نُظِر؛ إن قصد في الابتداء العدَدَ المُهْلِك، وجب القصاص، وإن قَصَد تأديبَها بسوطَيْن أو ثلاثة ثم بدا له فجاوز لم يجب لأنه اختلط العمد بشبه العمد فإن اقتصر على سوطين أو ثلاثة فماتْت لا يجب القصاص، ويكون شبه عمدٍ وأنه لو ضرب سنه فزلزلها ثم سقطت بعْد ذلك، يجب القصاص، وكذا لو ضرَب على يده، فاضطربت أو تورمتْ، ثم سقَطَت بعْد أيام، وأنَّه لو أشكلَت الحادثةُ على الحاكم، وكان متوقفاً فروى إنسانٌ خبراً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقتل الحاكم به رَجُلاً، ثم رَجَعَ الراوي، وقال كذَبْتُ وتعمَّدتُّ، ينبغي أن يجب القصاصُ كالشاهد إذا رجَع، والذي ذكره الإمامُ والقفَّال في الفتاوى: أنَّه لا يتعلَّق به القصاص بخِلاَف الشهادة والرجُوع عنهما، فإنها تتعلَّق بالواقعة، والخَبَرُ لا يتعلَّق بها

الجزء: 10 - الصفحة: 311

خاصة وفي فتاوَى صاحب الكتاب: أنَّه لو اقتصد فمنَعَه رجل من أن يعصب العرق حتى مات، فعليه القصاصُ، وإن عصب، فجاء إنسان وحلَّه ومنَعَه من إعادة العصابة، فوجوب القصاص أظهر، وإذا قال المجْرُوحُ خطأً لجارحه: عَفوْتُ عنْك، هل يكون هذا العفْو عفواً عن العاقلة؟ قال الشيخ أبو محمَّد: فيه وجهان مبنيَّان على كيفية وجوبِ الدية، إن قلْنا تَجِبُ على العاقلة ابتداءً، فهو باطلٌ، وإن قلْنا: تجب على الجاني، والعاقلةُ يتحملون، فهو صحيحٌ وفي "التتمة": أنَّه لو قتله بالدُّخَان بأن حبَسَه في البيْت، وسدَّ الباب والكوات حتى اجتمع الدخانُ، وضاق به النَفسُ، وجب عليه القصاص، وأنَّه لو رَمَى إلى شخصَيْن أو جماعةٍ، وقصد إصابةَ واحدٍ منهم أي واحدٍ كان، [فاصاب] واحداً، ففي وجوب القصاص وجهان؛ لأنه لم يَقْصِد عينه وأن [حلمة] الرَّجُل تقطع بحلمة الرجُل، وكذا حلمة المَرْأة بحَلَمَةِ المرأة، والثدْيُ بالثدي، وفيما إذا لم يتدلَّ وجهٌ؛ لأنه لا يتميز عن لحْم الصدْر، وأن في قَطْع حلمة المرأة بحلمة الرجل وجهَيْن؛ بناءً على الخلاف في أن حلَمة الرجُل هل تكمل فيها الدية؟ وأن حَلَمَة الرجُل تُقْطَع بحلمة المرأةِ بلا خلاف، أما إذا كمَّلنا فيها الدية، فكسائر الأطراف، وأما إذا لم تَكْمُل، فلأن الناقصَ من الجنْس يُسْتوفَى بالكامل، كما تُسْتوفَى الشَّلاَّء بالصحيحة.

الجزء: 10 - الصفحة: 312

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل