كِتَابُ الصَّدَاقِ
(1)، وفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي الصَّدَاقِ الصَّحِيحِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَحُكْمِهِ في الضَّمَانِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّقْرِيرِ (الأوَّلُ: حُكْمُ الضَّمَانِ) وَهُوَ مَضْمُونُ في يَدِ الزَّوْجِ ضَمَانَ العَقْدِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَحُكْمُهُ في الاسْتِبْدَالِ حُكْمُ الثَّمَنِ، وَفِي التَّلَفِ وَالتَّعَيُّبِ وَفَوَاتِ المَنَافِعِ وتَفَوْيتِهَا حُكْمُ المَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وقال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَأَى عَبْدَ الرحمن بن عوف، وعليه رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فقال: "مَهْيَم" قال: تَزَوَّجْتُ1
الجزء: 8 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والحكمة في مشروعيته حصول الرغبة والألفة والمحبة بين الزوجين، ووجب عليه: لأنه أقوى منها وأكثر كسباً قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ولأنه رب الأسرة.
وإليه نسب، وهل هو عوض.
أو تكرمة، وفضيلة للزوج؛ قولان: حكاهما المرعشي.
الأول: نظر إلى الظاهر من كونه في مقابل منفعة البضع.
والثاني: نظر إلى الباطن من كونها تستمتع به، كما يستمتع بها.
هذا، وقد كانوا في الجاهلية يأخذون الصداق، ولا يعطون النساء منه شيئًا، فجاءت الشريعة الإِسلامية، فقضت بسوقه إليها بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ والمخاطب بإيتاء المهور إلى النساء الأزواج عند الأكثرين، وهو الظاهر وقيل الأولياء لما تقدم.
ومقدار الصداق لم يحفل الشارع ببيانه، بل جعله منوطاً بحال الزوجين، وقدرة الزوج؛ لأن المعنى فيه تنبيه الزَّوج من أول الأمر إلى ما يجب عليه من الإِنفاق، وتنبيه الزوجة إلى ما يجب لها من الحق على الرجل، لتؤدي له حقه الذي فرضه الله عليها من الطاعة، وقصد نفسها عليه، وهذا التنبيه يحصل بالقليل والكثير، هذا وقد اختلف الأئمة في الحد الأدنى للمهر، فذهب أبو حنيفة، ومالك -رضي الله عنهما- إلى ضرورة تحديد فحده أبو حنيفة بعشرة دراهم، والدرهم يساوي بالعملة المصرية الآن أربعة قروش صاغاً تقريباً، فيكون أقل الصداق عنده أربعين قرشاً صاغاً، وحده مالك بثلاثة دراهم.
وقال الشَّافعي، وأحمد: لا حد لأقله، بل يكفي أن يبذل الزوج أي شيء له قيمة، ولو ملء كفه براً أو أرزاً.
استدل الحنفية بحديث لا مهر أقل من عشرة دراهم رواه ابن أبي حاتم.
واستدل الإِمام مالك بالقياس فقال: أقل نصاب يوجب قطع يد السارق ثلاثة دراهم فضة، أو ربع دينار من ذهب، فقاس الصداق عليه، لكن أصحابه لم يرتضوا هذا القياس, لأنه يخالف نص الحديث، وهو ما تأباه قواعد المذهب، والقياس بهذه الحالة لا يقول به مالك، حتى قال له بعضهم: إنك سلكت في ذلك سبيل أهل العراق، واستَدلَّ الشَّافِعِيَّة بِقَولِهِ -صلى الله عليه وسلم- للِرَّجُلِ الَّذي قَالَ لَهُ زَوُجْنِي الْمَرْأَةَ الَّتِي، وَهَبَتْ نَفْسَها التَمسْ وَلَوْ خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ" ليكون صداقاً، والخاتم الحديد لا يساوي ما قاله الحنفية، والمالكية أجاب الحنفية بأن هذا الحديث صحيح لكن يحمل على مقدم الصداق الذي ينبغي دفعه فورًا، وأما الحد الأدنى للصداق مقدمًا ومؤخراً، فهو عشرة دراهم، كما في حديث ابن أبي حاتم.
وحديث ابن أبي حاتم رواه البيهقي بسند ضعيف، فلم يأخذوا به الشافعية، لكن إن تم ما ذكره ابن حجر من أن ابن أبي حاتم رواه بسند حسن كان الدليل واضحاً.
واستدل الحنابلة بما رواه أحمد، وابن ماجة والترمذي، وصححه عن عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين -فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَرَضِيتِ مِنْ مالِكِ وَنَفْسِكِ بنَعْلَينِ" قالت: نعم "فأَجَازَهُ" وقد يقال: إن النعلين قد يساويان ثلاثة دراهم على الأقل، كما هو رَأي السادة المالكية هذا ومن احتياط الأئمة، وعدم تعصبهم لآرائهم الاجتهادية أو الحنابلة، والشافعية، والمالكية قالوا: يَسن أن لا ينقص المهر عن عشرة دراهم مراعاة للحنفية الذين قالوا ذلك احتياطاً.
=
الجزء: 8 - الصفحة: 230
امْرَأَةً من الأنصار قال: "مَاذَا أَصْدَقْتَها؟ قال: وَزْنَ نَواةٍ من ذَهَبٍ، ويروى: على نَوَاةٍ من ذهب قال: "أَوْلِمْ وَلَوْ بشاةٍ "ردُع الزَّعْفَرانِ" لَطْخُهُ."ومَهْيم" أي: ما شَأْنُكَ وأمرك، يقال: إنها كلمة يَمَانيَّةٌ، "والنَّواةُ" اسْمٌ لخمسة دَراهِمَ، والصَّدَاقُ اسم للمال الوَاجِبِ لِلْمَرْأَةِ على الرَّجُلِ بِالنِّكَاحِ أو الوَطْء 2. = وبعد: فهل قلة الصداق مشروعة، والمغالاة فيه غير جائزة ابتداء والجواب: أن الشافعية والحنابلة قالوا إن المغالاة في المهور غير جائزة ابتداءً, فيسن للناس أن لا يزيدوا في المهور على خمسمائة درهم: أو ثلاثة عشر جنيهاً ونصف جنيه تقريباً للاتباع.
وأما الحنفية والمالكية فقالوا: لا حد لأكثر الصداق، بل هو منه بأمرين قدرة الرجل المالية، وحالة المرأة، وما يليق بها، فلا يكره أن يمهرها بما يحب.
استدل الشافعية والحنابلة على رأيهم بما رواه أبو داود، والترمذي والنسائي وصححه من قول عمر -رضي الله عنه-: "لا تَغلُوا في صَدَاقِ" الخ فَإِنَّهمَا لَوْ كَانَتْ مُكْرَمَةً في الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الآخِرَةِ كَانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد روى مسلم عن عائشة أن صداق النبي -صلى الله عليه وسلم- على أزواجه خمسمائة درهم، وهو القدر المذكور أجاب الحنفية والمالكية بأن قول عمر لا ينبغي إلا الغلو في الصداق، والمبالغة فيه إلى الحد الذي يضايق الزوج، أو يعجزه، وقد اتفق أن الصداق في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان المناسب فيه القدر الذي ذكره مسلم عن عائشة، وليس فيه أي تحديد للصداق وإليك كلمة في أذان الأولياء في المغالاة في المهور -فالمغالاة في المهور ترتب عليها مضايقة الأكفاء، وانصرافهم عن الزواج وعجزهم عن دفع المهر، ويترتب على ذلك بوار النساء، وتعريض الشباب والشابات للخنا، والفساد أو نقص النسل، وانقراض الرجال العاملين في الأمة، وغير ذلك من للفاسد التي تؤذي المجتمع، وتقوص دعائم العمران، فإن ذلك حرام بالإِجماع إذ من الواجب على المسلمين أن يقاوموا المفساد التي تترك آثاراً سيئة تؤذي الأفراد والجماعات، ولعل هذا هو السر في نهي سيدنا عمر -رضي الله عنه- أراد أن يحدد أكثر الصداق في عهده كي لا يتنافس الناس في المغالاة، فيضعوا بذلك العوائق التي تمنع عن الزواج، لكنه لم يستطع إلى ذلك سبيلاً، فَقَدِ احتجت عليه المرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فإن ظاهر الآية أنه يجوز للرجل أن يعطي مهراً ما يشاء، ولو كان قنطاراً من الذهب، فامتنع عمر، وعدل عن رأيه: والآية ليست نصاً، فإن معناها لا يجوز للرجال أن يأخذوا من المهور التي فرضوها لأزواجهم شيئاً بعد الدخول بهن، مهما كانت كثيرة لكن إذا كانت كثرة المهر ترتب عليها ما نرى وما نسمع من مفاسد ورذائل كان تسهيل أمر الزواج الذي يقضي على فوضى الأخلاق واجباً دينياً فإن الدين الإِسلامي مبني على جلب المصلحة، ودرء المفسدة، فيجب على أولياء النساء مراعاة المصلحَة عَمَلاً بقوله -صلى الله عليه وسلم- "إِذَا أَتاَكُمْ مَنْ تَرْضُونَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوَّجُوهُ" الحديث، وفي الأثر: "مَنْ زَوَّجَ كَرِيْمَتَهُ مِنْ فَاسِقٍ فَقْدَ قَطَعَ رَحِمَها".
ويجب على الرجال مراعاة الدين، وعدم التطلع لما اعتاده الناس من المبالغة في أمر الجهاز، والتفنن في الزخارف الكاذبة التي لا تلبث أن تذهب سُدَى، وبذلك يسعد الجميع.
الجزء: 8 - الصفحة: 231
وله أسماء منها الصَّدُقَةُ، والأَجْرُ، كما وَرَد بهما القُرْآنُ في الآيتين.
ومنها: المَهْرُ، كما روي في الخبر: "فَإِنَّ مَسَّها فَلَهَا المَهْرُ بِما اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا" 3.
ومنها: العَلِيقَةُ 4 روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أدُّوا العَلاَئِقَ ". قيل: وما العَلاَئِقُ؟ قال: "ما تَراضَى به الأَهْلُونَ" 5.
ومنها: العُقْرُ؛ روي عن عمر رضي الله عنه: "فَلَهَا عُقْرُ نِسَائِها" 6 ويقال من لَفْظِ الصَّداقِ والصَّدُقَةِ: أَصْدَقْتُها، ومن المَهْرِ مَهرتُها، ولا يقال: أَمْهَرْتُها، ومنهم من جَوَّزَهُ.
قال الأئمة: وليس الصَّداقُ رُكْناً في النِّكَاحِ، كالمَبيعِ والثَّمَنِ في البيع؛ لأن المقصود [الأظْهَرُ] 7 من الاسْتِمْتاعُ وَلَواحِقُهُ، وأنه يَقُومُ بالزوجين، فهما الرُّكْنُ، فيجوز إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عن المَهْرِ 8، ولكن الأَحَبَّ تسميته مهراً كَيْلا يَشْتَبِهَ نِكَاحه الواهِبَةِ نَفْسَهَا للنبي-صلى الله عليه وسلم- وليكون أَدْفَعَ لِلْخُصُومَةِ والمُنازَعَةِ، وليس للصَّداقِ حَدُّ مُقَدَّرٌ، بل كُلُّ ما يجوز أن يُجَعَلَ عِوَضاً في البَيْعِ ثَمَناً أو مُثَمَّناً، أو أُجْرَةً من الإِجَارَةِ، = بالشبهة فيهما ووطء الأب جارية ابنه وإقرار المرأة لزوج بعد إقرارها لزوج قبله وغير ذلك من المواضع المعروفة في أبوابها.
الجزء: 8 - الصفحة: 232
يجوز أن يكون صَدَاقاً 9، فإن انتهى في القِلَّةِ إلى حَدِّ لا يتموَّلُ فَسَدَتِ التَّسْمِيَةُ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: أَقَلُّهُ نِصَابُ السَّرِقَةِ، والنِّصَابُ عند مَالِكٍ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وعند أبي حنيفة عَشْرَةُ دراهم قال يعني أَبا حَنِيْفَةَ-: ولو سَمَّى لها أَقَلَّ من عشر وجبت العَشرَةُ.
لنا: قوله في الخَبَرِ الذي تَقَدَّمَ: "ما تَراَضَى بهِ الأَهْلُونَ"،وروي أنه -صَلَّى الله عليه وسلَّم- قال: "مَنِ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدِ اسْتَحَلَّ" أي: طَلَبَ الحِلَّ، وُيسْتَحَبُّ ألا ينقص عن عشرة، وألا يُغالَى في الصَّدَاقِ، والأَوْلَى ألا يُزَادَ على صَداقِ زَوْجاتِ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وبَناتِهِ -رضي الله عنهن- وهو خَمْسُمَائَةِ دِرْهَمٍ 10؛ روي عن أبي سَلَمَةً، قال: سألت عائِشَةَ رضي الله عنها: "ما كان صَداقُ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: كان صَداقُهُ لأزواجه اثْنَتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً ونَشّاً, أتدري ما النَّشُّ؟ قلت: لا.
قالت: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ" 11، والأوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ درهماً والمجموع ما ذكرناه.
إذا تَمَهَّدَ ذلك، فإِذا جَرَى النِّكَاحَ لم يَخْلُ إما أن يقع بين الزوجين نِزَاعٌ في الصَّدَاق الوَاجِبِ، أو لا يَقَعُ، وإذا وَقَعَ 12، فإما أن يُسَمَّى شيئاً في النِّكَاحِ، أو لم يُسَمَّ، فهو إما صَحِيحٌ، وإما فاسد، وإن لم يسم، فأما إن أُهْمِلَ فهو كَتسْمِيَةِ شيء فاسِدٍ، أو نفي، فهو صورة التَّفْوِيضِ، وعلى التَّقْدِيرَاتِ، فقد يَشَطَّرُ الواجِبُ لِفِراقٍ يقتضيه، وقد لا يَتَشَطَّرُ، فجعل صاحب الكتاب كِتابَ الصَّدَاقِ خَمْسَةَ أبواب نتَكَفَّلُ ببيان هذه الأمُورِ:
الجزء: 8 - الصفحة: 233
أحدها: في حُكْمِ الصَّدَاقِ الصحيح.
والثاني: حُكْمِ الفَاسِدِ وَجِهَانِ الفَسَادِ.
والثالث: من [التفويض] 13.
والرابع: في التَّشْطِيرِ.
والخامس: في التَّنَازُعِ.
أما الباب الأول، فالكَلاَمُ فيه من ثلاثة أَحْكَامٍ.
أحدها: أن الصَّداقَ في يَدِ الزَّوْجِ كيف يضمن عليه، لا شَكَّ أنه إذا أَصْدَقَهَا عَيْناً، تكون تلك العَيْنُ مَضْمُونَةً على الزَّوْجِ إلى أن يسلمها، وكيف تكون مَضْمُونَةً عليه؟ فيه قولان:
أصحهما: أنها مَضْمُونَةٌ ضَمَانَ العَقْدِ؛ لأن الصَّداقَ مَمْلُوكٌ بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ, فكان في يد الزَّوْجِ كالمَبِيعِ في يَدِ البَائِعِ، وهذا قوله الجَدِيدُ، واختيار المزني.
والثاني: وهو القديم أنها مَضْمُونَةٌ عليه ضَمَانَ اليَدِ، كالمُسْتَعارِ والمستام 14؛ لأن النِّكاحَ لا ينْفَسِحُ بتَلَفِ الصَّدَاقِ، وما لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِتَلَفِهِ في يد العاقد يكون مَضْمُوناً ضَمَانَ اليد، كما لَو غَصَبَ البائِعُ المَبِيعَ من المُشْتَرِي بعد القَبْضِ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ اليَدِ، وَيتفَرَّعُ على القَوْلَيْنِ مَسَائِلُ مذكورة في الكتاب، وغير مَذْكُورَةٍ.
المسألة الأولى: إذ قُلْنَا إِن الصَّداقَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ العَقْدِ، لم 15 يجز لها بَيْعَهُ قَبل القَبْضِ، كما سَبَقَ في البَيْعِ.
وإن قلنا: مَضْمُونٌ ضَمَانَ اليد فيجوز.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ -فيما حكاه صَاحِبُ "التتمة"- وأمَّا إذا كان الصَّدَاقُ دَيْناً، فيجوز الاعْتِيَاضُ عنه، إن قلنا: إنه مَضْمُونٌ ضَمَانَ اليَدِ.
وإن قلنا: إنه مضمُونٌ ضَمَانَ العَقْدِ، فهو كالاعْتِيَاضِ عن الثَّمَنِ.
وفيه قولان:
أصحهما: الجَوازُ، ولا نَجْعَلُ ذلك كالاعْتِيَاضِ عن المسلم فيه، ذكره الإِمَامُ وغيره وفي "التتمة" أنه لو أَصْدَقَها تَعْلِيمَ القُرْآنِ، أو تَعْلِيمَ صَنْعَةٍ، وأراد الاعْتِيَاضَ لم يَجُزْ ذلك على قَوْلِ ضَمَانِ العَقْدِ، كالمسلم فيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 234
الثانية: إذا تَلِفَ الصَّداقُ المُعَيَّنُ في يده، فإن قلنا: إنه مَضْمُونٌ ضَمَانَ العقد، فَيَنْفَسِخُ عَقْدُ الصداق، وُيقَدَّرُ عَوْدُ المِلْكِ إليه قُبَيْلَ التَّلَفِ، حتى لو كان عَبْداً، كان عليه مُؤنَةُ تَجْهِيزِهِ، كالعبد المَبِيعِ يتلف في يَدِ البائع، ولها عليه مَهْرُ المِثْلِ؛ لأن النِّكَاحَ مُسْتمِرٌّ، والبُضْعُ كالتَّالِفِ، فيرجع إلى بَدَلِهِ، كما لو رد المبيع بعَيْبٍ، وقد تَلِفَ العِوَضُ في يد البائِعِ، يلزمه بَدَلُهُ إما المِثْلُ، أو القِيمَةُ، وكما لو هَلَكَ الثَّمَنْ في يَدِ المُشْتَرِي بعدما قَبَضَ المَبِيع، وتلف عنده، فإنه يجب على المُشْتَرِي بَدَلُ المَبِيعِ من المِثْلِ، أو القيمة.
وإن قلنا: إنه مَضْمُونٌ ضَمَانَ اليَدِ، فالصَّدَاقُ الذي تَلِفَ تَلِفَ على مِلْك الزَّوْجَةِ، حتى لو كان عَبْداً، كان عليها تَجْهِيزُهُ، ولا يَنْفَسِخُ الصَّدَاقُ على هذا القَوْلِ، ولكن بدل ما وجب على الزوج تَسْلِيمُهُ يُقَوَّمُ مَقامَهُ، فيجب لها عليه مِثْلُ الصَّداقِ إِن كان مِثْلِيّاً، وقيمَتُهُ إن كان مُتَقَوّماً، وُيرْوَى هَذا عَنْ أبي حَنِيْفَةَ، وأحمد ورَجَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، والشيخ أبو حامِدٍ وُجُوبَ بَدَلِ الصَّدَاقِ، والأكثرون على تَرْجِيحِ القَوْلِ الأول، وهو وجوب مَهْرِ المِثْلِ، وإذا أَوْجَبْنَا القِيمَةَ فأية قيمة تجب؟ وجهان أو قولان:
أَصَحُّهما: أنه يجب أَقْصَى القيمة من يوم الإِصْدَاقِ، إلى يوم التَّلَفِ؛ لأنها التَّسْلِيمَ كان مُسْتحقّاً عليه في جَمِيعِ المُدَّةِ، فيلزمه فيه البَدَلُ الأَقْصَى.
والثاني: تجب قِيمَتُهُ يَومَ التَّلَفِ؛ لأنه لم يكن مُتَعَدِّياً في الإِمْسَاكِ.
وفي "التتمة" وجه ثالث: أن الوَاجِبَ قِيمَتُهُ يوم الإِصْداقِ؛ لأنها التي تَناوَلَها العَقْدُ، فإن فرضت زِيَادَةٌ، وجب ألا يَضْمَنَها؛ لأنه غير مُتَعَدٍّ، وبعضهم يحكى أن الواجب أقَلُّ الأمرين من قيمته من يوم الإِصْدَاقِ إلى يوم التَّلَفِ، فهذا وَجْةٌ رَابعٌ، وإذا طالبت المَرْأَةُ بالتَّسْلِيمِ، فامْتَنَعَ فالوَجْهُ الأوَّلُ يجيء لا مَحالَةَ، ولا يجيء سَائِرُ الوُجُوهِ.
وفيه وجه آخر: أنه يَجِبُ أَقْصَى القِيَمِ من وقت المُطالَبَةِ [إلى التلف لأنه] 16 يصير مُتَعَدِّياً، ولو طالبها الرَّجُلُ بالقَبْضِ، فَامْتَنَعَتْ، ففي بقاء الصَّدَاقِ مَضْمُوناً عليه وجهان، نَقَلَهُمَا أبو الفرج السُّرَخْسِيُّ الأصح: البَقاءُ، كما أن البائِعَ لا يخرج عن عُهْدَةِ المَبِيعِ بهذا القدر، هذا إذا تَلِفَ الصَّداقُ بنفسه.
أما إذا أتلف، نُظِرَ إن أتلفته الْمَرْأَةُ جعلت قابِضَةً لِحَقِّها، وبرئ الزَّوْجُ 17 وذكرنا
الجزء: 8 - الصفحة: 235
في البَيْع وَجْهاً: أن المشتري إذا أَتْلَفَ المَبِيعَ في يد البَائِعِ، لا يجعل قَابِضاً لِحَقِّهِ، بل يغرم القَيمَةَ للبائع ويستردُّ الثمن، فعلى قِيَاسِ ذلك الوجْهِ تغرم له الصِّدَاق وتأخذ مَهْرَ المِثْلِ.
وإن أَتلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، فإن قلنا: إِتْلاَفُ الأجنبي المَبِيعَ قبل القبض، كَتَلَفِهِ بالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، فالحكم على مَا مَرَّ، وإن قلنا: بوجوب الخِيَارِ للمشتري، وهو الأَصَحُّ فللمرأة الخِيَارُ إن شاءَت فَسَخَتِ الصَّدَاقَ، وحيئنذٍ تأخذ من الزَّوْج مَهْرَ المِثْلِ إن قلنا: بضمان العَقْدِ، ومثل الصداق أو قيمته إن قلنا: بضمان اليَدِ، والزوج يَأخُذُ الغُرْمَ من المُتْلِفِ، وإن لم يفسخ أخذت من المُتْلِفِ المِثْلَ، أو القيمة إن قُلْنَا بضمان القِيمَةِ ولها أن تُطالِبَ الزَّوْجَ بالغُرْم ليرجع هو على المُتْلِفِ، إن قُلْنَا بضمان [اليد، وإن قلنا بضمان] العقد فليس لها مُطالَبَةُ الزوج، هكذا رَتَّبَ الإِمَامُ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما فأثبتوا لها الخِيارَ على قَوْلَيْ ضَمَانِ العَقْدِ، وضماَن اليد، ثم فَرَّعُوا عليهما وكان يَجُوزُ أن يقال: إنما يثبت الخِيَارُ على قَوْلِ ضمانِ العَقْدِ، فأما على قول ضمان اليَدِ، فلا خِيارَ وليس لها إلا طَلَبُ المِثْلِ، أوالقِيمَةِ، كما إذا أتلف أجنبي المُسْتَعَارَ في يد المُسْتَعِيرِ، وإن أَتْلَفَهُ الزَّوْجُ، فعلى الخِلاَفِ في أن إِتلافَ البَائِعِ للمبيع قبل القَبْضِ، كالتلف بالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، أو كإِتْلاَفِ الأجنبي، والأصح الأَوَّلُ، وقد بَيَّنَّا حُكْمَ الصَّدَاقَ على التقديرين وفَصَّلَ الإِمَامُ الكَلاَمَ في الخِيَارِ هاهنا على قول ضَمَانِ اليَدِ، فقال: إذا قلنا بِضَمَان اليد، وقلَنا: إن الزَّوْجَ يَضْمَنُ ضَمَانَ الغصوب، فلا معنى لِلْفَسْخِ؛ ولها تَغْرِيمُ الزَّوْجِ أَقْصَى القِيَمِ، كيف فرض الأمر، وإن قلنا: إنه يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يوم الإِصْدَاقِ، فإن جعلنا إِتْلاَفَ البَائِعِ كالآفة السماوية، فلا فائِدَةَ في الفَسْخِ؛ إذ ليس لها إلا قِيمَةُ يوم الإِصْدَاقِ كانت أقل أو أكبَر 18.
وإن جعلناه كإِتْلاَفِ الأجْنَبِيِّ، فإن كانت قِيمَتُهُ يوم الإصداق أَكْبَرَ، فلها في الفَسْخِ فائدة؛ لأنها إذا فَسَخَتْ أخذت قِيمَتَهُ يوم الإصداق، ولو لم تفْسِخْ لم يكن لها إلا قِيمَةُ يوم الإتْلاَفِ، وإن كانت قِيمَةُ يوم الإِصداق أَقَلَّ، فلا فائِدةَ في الفَسْخِ؛ لأنها إذا فَسَخَتْ لم يكن لها إلا قِيمَةُ يوم الإِصْدَاقِ، وإذا لم يكن في الفسخ فائدة، فينبغي ألا يَثْبُتَ، وإذا طالبت المَرْأَة بالصَّداقِ، فامتنع الزَّوْجُ من التسليم مُتَعَدِّياً، ثم تَلِفَ في يده، فهذا التلف نازِلٌ مَنْزِلَةَ إِتْلاَفِ البائع، فيجيء فيه الخِلاَفُ المذكور.
الثالثة: إذا حدث في الصَّدَاقِ نُقْصَانٌ في يد الزوج، فهو إما نُقْصانُ جُزْءٍ، أو نُقْصَانُ صِفَةٍ.
الجزء: 8 - الصفحة: 236
أما نقصان الجزء: فهو كما إذا أَصْدَقَها عَبْدَيْنِ، أو ثوبين، فَتَلِفَ أحدهما في يده، فَيَنْفَسِخُ العَقْدِ فيه، ولا ينْفَسِخُ في الباقي، على الصَّحيحِ من الخِلاَفِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ولكن لها الخِيارُ، فإن فَسَخَتْ رجعت إلى مَهْر المِثْلِ، على قول ضَمانِ العَقْدِ، وعلى القول الآخر تَأخذُ قِيمَةَ العَبْدَيْنِ، وإن أجازت الباقي، رَجَعَتْ في التَالِفِ إلى حِصَّةِ قيمته من مَهْرِ المِثْلِ، على قول ضَمانِ العقد، وإلى قيمة التَّالِفِ في القَوْلِ الآخر، وإن تَلِفَ ما تَلِفَ بإتلافٍ، نُظِرَ إن أَتْلَفَتْهُ المَرْأَةُ، جعلت قابِضَةً لِقِسْطِهِ من الصَّدَاقِ، وإن أتلفه أجنبي، فلها الخِيارُ فإن فسخت أَخَذَتِ الباقي، وقِسْطُ قيمة التالف من مَهْرِ المثل، إن قلنا بضَمَانِ العَقْدِ، وقيمته إن قُلْنَا بضمان اليد وإن أَجَازَتْ أخذت من الأجنبي الضَّمَانَ، وإن أَتْلَفَهُ الزوج، فهو كالتَّلَفِ بالآفة السَّمَاوِيَّةِ، على الأصح، وأما نُقْصَانُ الصَّفَةِ، فهو العَيْبُ كَعَمَى العَبْدِ وشَلَلِهِ ونِسْيَانِهِ الحِرْفَةَ، ونحوها، فللمرأة، الخِيَارُ.
وفي "الوسيط" أن أبا حَفْصِ بنْ الوَكِيلِ قال: لا خِيارَ لها على قَوْلِ ضَمَانِ العقد والمذهب الأول، فإن فسخت الصَّدَاق، أخذت من الزَّوْجِ مَهْرَ المِثْلِ على أصح القولين وبَدَلَ الصَّدَاقِ على القَوْلِ الآخَرِ، وإن أَجازَتُ، فعلى الأصِح لا شيء لها، كما لو رَضِيَ المُشْتَرِي بِعَيْبِ المَبِيعِ، وإن قلنا بضمان اليد، فلها أرْشُ النُّقْصَانُ عليه، وإن أَطَّلَعَتْ على عَيْبٍ قديم، فلها الخِيَار أيضاً إن فسخت رَجَعَتْ إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو إلى قِيمَةِ العَيْنِ سَالِمَةٌ، وإن أجازت، وقلنا بِضَمَانِ اليَدِ، فللقاضي الحسين تَردُّدٌ في أنه هل يثبت لها الأَرْشُ من حيث إن يَدَ الزَّوْج لم تَشْتَمِل من يوم الإِصْدَاقِ، إلا على مَعِيبٍ فَتَغرِيمُهُ الأَرْشَ 19 وقد رضيت المَرْأَةُ بالعَيْبِ بَعبدٌ.
والظاهر أن لها الأَرْشَ، وإنما رَضِيَتْ بالعَيْنِ، على تقدير السَّلاَمَةِ 20 وقد فاتَتْ، وإن حصل التَّغْيِيبُ لِجِنايَةٍ، نُظِرَ إن حَصَلَ بفِعْلِ الزوجة، جعلت قابِضَةٌ لقدر النّقْصَانِ، وتأخذ البَاقِي، ولا خِيَارَ، وإن هَلَكَ بعد اَلتَّعْييبِ في يد الزوج، فلها من مَهْرِ المِثْلِ حِصَّةُ قيمة الباقي، من أَصَحِّ القولين، وقيمة الباقي على الثاني.
وإن حصل التَّعْييِبُ بفعل الأَجْنَبِيُّ، فلها الخِيارُ، فإن فَسَخَتْ أَخَذَتْ مَهْرَ المِثْلِ في أصح القولين، وقِيمَتَهُ سَلِيماً في الثاني، والزوج يأخذ الغُرْمَ من الجَانِي، وإن أَجازَتْ عَزَّمَتِ الجانِي، وليس لها مُطالَبَةُ الزَّوْجِ، إن قلنا بِضَمانِ العقد.
وإن قلنا بِضَمانِ اليد، فلها مُطالَبَتُة فينظر إن لم يكن لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، أو كان لها أَرْشٌ مقدر، وكان أَرْشُ النُّقْصانِ أو أكثر، فترجع على من تَشَاءُ منهما، والقَرارُ على الجَانِي، وإن كان القَدْرُ أَقَلَّ تُطَالِبُ بالمقدر من شَاءَتْ منهما، والقَرَارُ على الجَانِي،
الجزء: 8 - الصفحة: 237
وتأخذ قيمة الأَرْشِ من الزَّوْجِ.
وإن حصل التَّعْيِيبُ بجناية الزَّوْجِ، فعلى القولين في أن جِنايَةِ البائع كالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، أو كجناية الأجنبي، إن قلنا بالأول، وفَرَّعْنَا على ضَمَانِ اليد، فعليه ضَمانُ ما نَقَصَ، وإن كان لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كقطع اليَدِ، فعليه أَكْثَرُ الأَمْرَيْنِ من نِصْفِ القيمة، أو أَرْشٌ النُّقْصَانِ "فرعان":
أحدهما: أَصْدَقَها 21 داراً، فانْهَدَمَتْ في يده، ولم يتلف من النقض شيء، فالحاصِل نُقْصَانُ صِفَةٍ، وإن تَلِفَ بعضه، أَوْ كُلُّهُ باحتراق، أو غيره، فالحاصِلُ نُقْصَانُ الصفة 22 وإن كان الغائِبُ جزءاً كما لو سَقَطَتْ أَطْرَافُ العَبْدِ، أو نقصان جزء، كما لو أَصْدَقَها ثَوْبَيْنِ، فتلف أحدهما، فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني، وهما مذكوران في "البيع".
الثاني: أَصْدَقَهَا نَخُيلاً، ثم جعل ثَمَرَهَا في قارُورَةٍ لنَفْسِهِ، وصَبَّ عليها صَقْراً من تلك النَّخِيلِ، وهي بَعْدُ في يده والصَّقْرُ هو السَّائِلُ من الرُّطَب، من غَيْرِ أن يعرض على النَّارِ، وأهل: "الحِجَازِ" يفعلون ذلك اسْتِبْقَاءً لرطوبة الرُّطَب، واسْتِزادَةً لِحَلاَوَتِهِ، فلا يخلو الحَالُ، إما أن تكون الثَّمَرَةُ صَدَاقاً مع النخيل بأن أَصْدَقَهَا نَخْلَةً مُطْلِعَةً، أو مُثْمِرَةً، أو لا تكون الثمرة صَدَاقاً.
الحالة الأولى: إذا كانت صَدَاقاً، فينظر إن لم تدخل الثَّمَرَةُ، ولا الصَّقْرُ نقص، لا بِتَقْدِيرِ النَّزْع من القَارُورَةِ، ولا بتقدير التَّرْكِ فيها، فتأخذهما المرأة ولا خِيارَ لها، بل الزوج كَفَاهَا مُؤنَةَ الجُذَاذِ، وإن حَدَثَ فيهما, أو في أحدهما نَقْصٌ، فذاك إما نُقْصْانُ عَيْنٍ، أو نقصان صفة:
أما نُقْصَانُ العين كما لو صَبَّ عليها مَكليلَتَيْنِ من الصَّقْرِ فشرب الرطب مَكليلَة فلا نجبر نقصان عين الصقر بزيادة قِيمَةِ الرُّطَبِ، ثم إن جعلنا الصَّداقَ مَضْمُوناً ضَمَانَ العقد يَنْفَسِخْ الصَّدَاقُ في قَدْرِ ما ذَهَبَ من الصَّقْرِ إن قلنا جِنايَتُة كالآفة السَّمَاويَّةِ، وهو الأَصَحُّ، ولا يَنْفَسِخُ في الباقي، ولها الخِيَارُ إن فسخت رجعت إلى مَهْر المِثْلِ، وإن أَجَازَتْ في الباقي أَخَذَتْ بقدر ما ذَهَبَ من الصَّقْرِ من مَهْرِ المِثْلِ.
وإن قلنا: جنايةً كَجِنايَةِ الأجنبى لم يَنْفَسِخْ عَقْدُ الصَّدَاقِ في شيء، ولها الخِيَارُ إن فسخت رجعت إلى مهر المثل، وإن أَجَازَتْ أخذت النَّخِيلَ والرُّطَبَ، ومثل ما ذهب من الصقر.
وإن قلنا بِضَمَانِ اليَدِ، تَخَيَّرَتْ أيضاً، إن فَسَخَتْ فلها قيمة النخل، ومِثْلُ الصقر،
الجزء: 8 - الصفحة: 238
وقِيمَةُ الرُّطَبِ، أو مِثْلُهُ، على الخلاف المَذْكُورِ في الغَصْبِ، في أنه مِثْلِيُّ أو مُتَقوَّمٌ.
وإن أرادت أن تأخذ النَّخِيلَ، وتَرُدَّ الثمرة، فعلى الخلاف في تَفْرِيقِ [الصَّفْقَةِ] 23 وإن أجازت، فلها ما بَقِيَ ومِثْلُ الذاهب من الصقر.
وأما نُقْصَانُ الصَّفَةِ إذا انْتَقَصَتْ قِيمَةُ الصَّقر والمَكِيلَتانِ بحالهما، أو قِيمَةُ الرُّطَبِ، فإن كان النُّقْصانُ حَاصِلاً -ترك الرُّطب في القَارُورَةِ، أو نزع-، فلها الخِيَارُ إن فَسَخَتْ، فعلى قول ضَمَانِ العَقْدِ، لها مَهْرُ المِثْلِ، وعلى قول ضَمَانِ اليَدِ لها بَدَلُ النَّخِيلِ، والرُّطَبُ, والصقر، وإذا إن أجازت فإن قلنا بِضَمَانِ العَقْدِ وجعلنا جِنايَتَهُ كالآفة السَّمَاوِيَّةِ، أخذتها بلا أرْشٍ، وإن جعلناها كَجِنايَةِ الأجنبي، أو قلنا بضَمَانِ اليد فعليه أَرْشُ النقصان وإن كان الرُّطَبُ يَتَعَيَّبُ لو نُزعَ من القَارُورَةِ، ولو تُرِك لا يَتَعَيَّبُ، فلا يُجْبَرُ الزوج على التَّبَرُّع بالقَارُورَةِ، ولكن لو تركها أو تبرع بها، فَتُجْبَرُ على القَبُولِ إِمضاء للعقد ويسقط خِيارُهَا.
وعن أبي علي الطَّبَرِيِّ حِكَايَةُ وَجُهٍ أنها لا تُجْبَرُ على القَبُولِ، والظاهر الأول، وهل تَمْلِكُ القَارُورَةَ، حتى لا يَتَمكَّنُ الزَّوْجُ من الرُّجُوعِ، وإذا نزعت ما فيها لم يَجِبُ رَدُّ القَارُورَةِ أو لا تملك، والغَرَضُ قَطْعُ الخُصُومَةِ، حتى يتمكن من الرجوع، وإذا رجع يعود خِيَارُ المرأة، ويجب رَدَّ القارُورَةِ إذا نزعت ما فيها، وفيه وَجْهَان، كما ذكرنا في البيع في مَسْألَةِ النَّعْلِ، ومسألة الحِجارَةِ المَدْفُونَةِ.
وان كان الرُّطَبُ لا يَتَعَيَّبُ بالنزع، وَيتَعَيَّبُ بالتَّرْكِ، فلها مُطالَبَتُهُ بالنَّزْعِ، ولا خِيَارَ، ولو تَبَرَّعَ الرجل بالقَارُورَةِ، فلا تُجْبَرُهِنَ على القَبُولِ؛ لأنه لا ضَرُورَةَ إليه.
الحالة الثانية: إذا لم تكن الثَّمَرَةُ صَدَاقاً، فإن كانت النَّخْلُ حائِلَةً يوم الإِصْدَاقِ، ثم أَثْمَرَتْ في يده، فإن لم يَحْدُثْ نقصان، أو زَادَتِ القِيمَةُ، فالكل لها، وإن حدث نُقْصَانٌ فيهما، أو في أحدهما، فلا خِيَارَ لها؛ لأن ما حدث فيه النُّقْصَانُ ليس بِصَدَاقٍ، ولها الأَرْشُ.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ نَقْلُ وجه -لا وجه له- أنه يثبت لها الخِيَارُ، وإن كان النُّقْصَانُ بحيث لا يَقِفُ، ويزداد إلى الفَسَادِ، فتأخذ الحاصل، وأَرْشَ النقص، أو تَتَخَيَّرُ بينه وبين أن تطالبه بغُرْم الجميع فيه خلاف مذكور في "الغَصْب" فيما إذا بَلَّ الحِنْطَةَ حتى تَعَفَّنَتْ، وفي "العدة" أَنها على القَوْلِ الأوَّل تأخذ أَرْشَ النَّقْصَ في الحال، وكلما ازداد النُّقْصانُ طالبت بالأَرْشِ، ولو كان الرُّطَبُ يَتَعَيَّبُ بالنزع من القَارُورَةِ [ولا يتعيب بالترك
الجزء: 8 - الصفحة: 239
فتبرع الزوج بالقارورة] لم تجبر على القبول؛ لأنه لا حَاجَةَ إليه في إِمْضَاءِ العَقْدِ هاهنا، هذا كله إذا كان الصَّقْرُ من ثمرة تلك النخيلة.
أما إذا كان الصَّقْرُ للزوج، والثَّمَرَة من الصَّدَاقِ، فالنظر [هنا لنقصان] 24 الرُّطَب وَحْدَهُ، إن نَقَصَ فلها الخيار، وإن لم يَنْقُصْ بالنَّزْع، فلا خِيارَ، وتأخذ المرأة الرُّطَبَ، والزوج الصقر ولا شيء فيما تَشَرَّبَهُ الرُّطَبُ، وإن كان يَنْتَقِصُ بالنزع، فلها الخِيَارُ فإن تَبَرَّعَ الزَّوْجُ بالصَّقْرِ والقارورة سقط الخِيَارُ، ولزم القَبُولُ على الظاهر، ويجيء ما مَرَّ في التَّبَرُّع بالقارُورَةِ، هذا هو الكلام في نُقْصانِ الصَّدَاقِ في يد الزوج.
أما إذا زاد، فإن كانت الزِّيَادَةُ مُتَّصِلة، كالسِّمَنِ والكِبَرِ، وتعلم الصّنعَة، فهي تابعة للأصل، وإن كانت مُنْفَصِلَةٌ كالثمرة، والوَلَدِ، وكَسْبِ الرقيق، قال في "التتمة" إن قلنا: إن الصَّدَاقَ مَضْمُونٌ ضَمَان اليد، فهي للمرأة.
وإن قلنا بضمان العَقْد، فوجهان كالوجهين في زَوائِد المَبِيعِ، قبل القبض والأصح أنها لِلْمُشْتَرِي في البيعَ، وللمرأة هاهنا.
وإن قلنا: إنها للمرأة فَهَلَكَتْ في يده، أو زَالَتْ المُتَّصِلَةُ بعد حصولها، فلا ضَمَانَ على الزوج، إلاَّ إذا قُلْنَا بضمان اليَدِ، وقلنا: إنه يضمن ضَمَانَ الغُصُوبَ، وإلا إذا طالبَتْه بالتَّسْلِيم، فامتنع وفي "التهذيب" وغيره ما يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ الوجهين، في أن الزَّوَائِدَ لمن هي بما إذا هَلَكَ الأصْلُ في يد الزوج، وبَقِيَتِ الزَّوائِدُ، أورَدَّتِ الأَصْلَ بِعَيْبٍ، فأما إذا اسْتَمَرَّ العَقْدُ، وقبضت الأَصْلَ، فالزوائد لها 25 قَطْعاً.
الجزء: 8 - الصفحة: 240
المسألة الرابعة: المَنافِعُ الفائِتَةُ في يد الزَّوْج غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عليه إن قلنا بضمان العَقْدِ، وإن طالبته بالتَّسْلِيم، فامتنع 26، وإن قلنا بِضَمَانِ اليد، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ من وقت الامْتِنَاعِ، والمَنَافِعُ التي اسْتَوْفَاهَا وَفَوَّتَها كالركوب واللُّبْسِ والاسْتِخْدَام لا يَضْمَنُهَا أيضاً على قول ضَمَانِ العَقْدِ، إن جعلنا جنَايَةِ البائِع كالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، إن جعلَناها كَجِنايَةِ الأجنبي، أو قلنا بضمان اليد، فَيَضْمَنُها بِأُجْرَةِ المِثْلِ والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَلاَ مَعْنَى لِتَكْثِيرِ الكَلاَمِ بِالتَّفْرِيعَ عَلَى القَوْلَيْنِ فَإنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ ولذَلِكَ يُؤْخَذَ بالشُّفْعَةِ، وإِنَّما لا يَفْسَدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِهِ لأَنَّ إِخْلاَءَ النِّكَاحَ عَنِ المَهْرِ لا يُفْسُدُهُ لأَنَّهُ يُثْبُتُ شَرْعاً في المُفَوِّضَةِ عَلَى الصَّحيحِ فَهُوَ مُسْتَغْنِ عَن الذِّكْرِ، وإنَّما يُؤَثِّرُ ذِكرُهُ في التَّعْيين والتَّقْدِيرِ فَلا جَرَمَ إِنْ فَسَدَ التَّعِيْينُ بِأنْ ذكر حُرّاً أَو خَمْراً أَوْ خِنْزِيراً صَارَ كَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرهُ وَيُرْجِعُ اِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ يَلْغُو تَعْيينُهُ وَلَكِن يُرْجَعُ إِلَى قِيمَتِهِ إِذْ يُعْتَبَرُ الذِّكْرُ فِي تَقْدِيرِ مَبْلَغِ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ في التَّعْيينِ فَيُقَدَّرُ الحُرّ عَبْداً والخَمْرُ عَصِيرًا والخِنْزِيرُ شَاةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لم يُردْ تَطْوِيلَ الكَلاَمَ في تفريع قولي ضمان العقد، وضَمَانِ اليد، فَاقْتَصَرَ على ذِكْرِ أصحهما وتبيين مأخذه واعْتَذَرَ عما يَتَوَجَّهُ عليه إِشْكَالٌ، فقوله:"فإن الصحيح أن الصَّدَاقَ عوَضٌ", إِشارَةٌ إلى ما قاله الأَئِمَّةُ أن القَوْلَينِ مَبْنيَّان، على أن الصَّدَاقَ نِحْلَةٌ أو عِوَضٌ، كالعِوَضِ في البيع، وربما رَدُّوا الكَلاَمَ إلى أن الغَالِبَ عليه مُشَابَهَةُ النِّحْلَةِ أو العِوَضِ، وتُوَجَّهُ جهة النحلة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:4] وأن النِّكَاحَ لا يَفْسَدُ بفَسَادِهِ، ولا يَنْفَسِحُ بِرَدِّهِ، وكونه عِوَضاً، بأن قوله: "زوجتك بكذا"كقوله:"بعْتُكَ بكذا"وبأنها تمكّنُ من الرِّدِّ بالعَيْبِ، وذلك من أحكم الأَعْوَاضِ، وبأنها تحبس نفسها لِتَسْتَوْفِيَهُ، وبأنه لو مَهَرَهَا شِقْصاً، ثبت للشريك الشُّفْعَةُ، كما لو باعها، وهذا أَصَحُّ.
وأجابوا عن الآية بأن النحْلَةَ قد يُرَادُ بها الدِّينُ، يقال: فلان يَنْتَحِلُ كذا، فالمعنى آتوا النساء صَدُقاتِهِنَّ تَدَيُّناً، ويجوز أن يكون المعنى عَطِيِّةً من عِنْدِ الله للنساء.
وأما أن النِّكَاحَ لا يَفْسَدُ بفساده، فَسَبَبُهُ ما سبق أن الصَّدَاقَ ليس رُكْناً في النِّكَاحِ، وإنما الركن فيه الزوجان، ولذلك يجب تَسْمِيَةُ الزوجين في النكاح، كما يجب تَسْمِيَةُ العِوَضِ في البيع، ولا يجب تَسْمِيَةُ المَعْقُودِ لهما البيع إذا بَاشَرَ الوَكِيلاَنِ، فلذلك لم يفسد النِّكَاحُ بفساد الصَّدَاقِ، لكنه إذا ثَبَتَ ثَبَتَ عِوَضاً، على أنه حكى قول عن القديم
الجزء: 8 - الصفحة: 241
أنه يفْسَدُ النكاح بِفَسَادِ الصداق، ويقال: إنه مُخَرَّجٌ من قول سنذكره في مسألة شَرْطِ الخِيارِ في الصَّدَاقِ أنه يَفْسَدُ النكاح، وبه قال مَالِكٌ في رواية مَشْهُورَةٍ
وعن أحمد مثله، ويُخَرَّجُ هذا على قولهم: إن النكاح لا يفسد بِرَدِّ الصَّدَاقِ.
ثم إذا فَسَدَ الصَّداقُ بأن ذكر "حراً" ففيه قولان:
أصحهما: -وبه قال أبو حنيفة- أن الواجِبَ مَهْرُ المِثْلِ 27.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى القديم، وبه قال أحمد: أن الوَاجِبَ قِيمَتُة بتقدير الرِّقِّ، وقد بُنِيَ القولان على أن الصَّدَاقَ إذا تَلِفَ قبل القَبْضِ يكون الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو بَدَلِ الصَّدَاقِ، إن أوجبنا مَهْرَ المثل إذا لم يَبْقَ الصَّدَاقُ، فكذلك نُوجبُهُ، إذا لم يصلح المذكور لأن يكون صَدَاقاً، وإن أوجبنا بدَلَ الصَّدَاقِ هناك، فقد تَعيِّنَّا عَقْدَ الصَّدَاقِ مع فَواتِ العَيْنِ، اعتماداً على المَاليَّةِ، فكذلك في الابتداء يحكم بانْعِقادِ الصَّدَاقِ اعْتِمَاداً على المَالِيَّةِ، وقد تَوَجَّهَ القول الأول بأنه إذا كان العِوَضُ فَاسِداً، وجب رَدُّ العِوَضِ الآخر، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّهُ لصحة النكاح، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، كما إذا اشترى شَيئاً بِعِوَضٍ فاسد، وَتَعَذَّرَ رَدُّ المَبِيع، يجب، قيمته والثاني: بَأنَّهُمَا إذا ذكرا عِوَضاً كان مَقْصِدُهُمَا ذلك العِوَضَ دُونَ قِيمَةِ البُضْعِ، وهي مَهْرُ المِثْلِ، ولذلك المذكور خصوص، وهو عينه، وعموم وهو ماليَّتُهُ، وإذا لم يكن اعْتِبَارُ عينه يعتبر الذكر في المالية فلا يَلْغُو التَّقْدِيرُ بذلك القَدْرِ، وإن لَغَا التعيين، ومن قال بالأول قال: إذا فَسَدَ المَذْكُورُ، فكأن التَّسْمِيَةَ لم تكن، فيوجب مهر المثل، وأيضًا فتقدير المالية فيما لا مالِيَّةَ له بَعِيدٌ، فَيَلْغُو التقدير، كما يَلُغُو التَّعْيِينُ ويفيد الذكر قصد العِوَضِ، وعدم الرَّضا بالتَفْوِيضِ، واختلفوا في مَحَلِّ القَوْلَيْنِ، فعن الشيخ أبي حَامِدٍ، وأبي بكر الصَّيْدَلاَنِيِّ والقاضي الحسين أن مَحَلَّ القَوْلَيْنِ ما إذا قال:"أَصْدَقْتُكِ هَذَا العَبْدَ" إما على ظَنِّ أنه عَبْدٌ, وإما مع العلم بأنه حُرٌّ، أما إذا قال:"أصدقتك هذا الحُرَّ" 28 فالعِبارَةُ فاسِدَةٌ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ قَوْلاً واحِدًا، وعلى هذا جَرَى صاحب "التهذيب" وغيره.
وفي "التتمة" طَرِيقَةٌ أخرى: أنه لا فَرْقَ بين اللَّفْظَيْنِ في جَرَيَانِ القولين، ولو قال: "أصدقتك هذا" واقْتَصَرَ عليه، فلا خَلَلَ في العبارة ففيه القولان ولو ذكر خمْراً، أو خِنْزِيراً أَو مَيْتَةٌ، فطريقان:
أحدهما: القَطْعُ بوجوب مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنه لا مَالِيَّةَ لها، ولا قِيمَةَ، وتَقْدِيرُ القِيمَةِ بتغيير الصِّفةِ، والخِلْقَةِ بَعِيد، بخلاف الرِّقِّ المقدر في الحر، فإنه شيء حُكْمِيٌّ، وإذا
الجزء: 8 - الصفحة: 242
تَعَذرَ التَّقْوِيم، كان كما لو أَصْدَقَها مجهولاً يجب مَهْرُ المِثْلِ قَوْلاً واحدًا.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب أنه على القولين، كما لو ذكر حرّاً 29 وعلى هذا فَيَعُودُ النَّظَرُ إلى العبارة، إن قال: أَصْدَقْتُكِ هَذا الخَمْرَ، أو هذا الخِنْزِيرَ، فالعبارة فَاسِدَةٌ، وإن قال: هذا العَصِيَر، أو هذه النَّعْجَةَ، والمشار إليه خَمْرٍ وخنزير، فهو موضع القَوْلَيْنِ، وعلى هذه الطريقة، فعلى قول الرُّجُوعِ إلى بَدَلِ الصَّدَاقِ، كما يقدر الحر عَبْداً يُقَدَّرُ الخَمْرُ عَصِيراً، ويجب مِثْلُهُ، وقد حكينا في "باب نكاح المُشْركَاتِ" فيما إذا أسلم الزَّوْجَانِ، وقد جرى القَبْضُ في بعض المَهْرِ الفاسد وَجْهاً أنه يُقَدَّرُ الخَمْرُ خَلاًّ، ولم يذكروا هناك اعتبار العَصِيرِ، والوجه التَّسْوِيَةُ، وذكرنا وَجْهاً أنه تعتبر قِيمَةُ الخَمْرِ عند من يَرَى لها قِيمَةً، ولا يَبْعُدُ مجيئه هاهنا، بل ينبغي أن يُرَجَّحَ على ما سَبَقَ في نكاح المشركات، وفي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وأما الخنزير فقد ذكر صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" لا أنه يُقَدَّر شَاة، والمذكور في باب نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ أنه يُقدَّرُ بَقَرَةً، وهو الذي أورده الإِمام، وصاحب "التهذيب".
وفي المَيْتَةِ تُقَدَّرُ مُذَكَّاةً، ثم الواجب فيها، وفي الخِنْزِيرِ القِيمَةُ، وبعد جميع ذلك، واضْطِرابُ كَلاَم الأئمة فيه يُزِيدُ القول الأَصَحَّ قُوَّةً، وهو وُجُوبُ مَهْرِ المثل، وقوله في الكتاب: [ولذلك] يؤخذ بالشُّفْعَةِ يمكن أن يُعَلَّمَ بالحاء، وإن كانت المسألة دَخِيلَةٌ هاهنا مَذْكُورَة للاستشهاد؛ لأن أبا حَنِيْفَةَ لا يثبت الشُّفْعَةَ في الشِّقْص المَمْهُورِ.
وقوله: "وإنما لا يَفْسَدُ النِّكَاحُ بفساده" يُعَلَّمُ بالميم والألف والواو؛ لما بيناه.
وقوله: "لأنه يثبت شَرْعاً في المُفوَّضَةِ على الصحيح" أي: أن أَصْلَ المَهْرِ غير مُحْتَاحٍ إلى الذِّكْرِ بدليل وُجُوبِهِ في صورة التَّفْوِيضِ بالعَقْدِ، وهذا أحد القولين فيه، وترجيحه هذا القَوْلِ غَيْرُ مُسَاعَدٍ عليه، كما سيأتي في التفويض وقوله: "أو خمراً أو خِنْزِيراً" يجوز إعلامه بالواو إِشَارَةً إلى الطريقة الذاهبة إلى أنه لا مَجَالَ لِلْقَوْلَيْنِ في الخمر والخِنْزيِرِ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ لا مَحَالَةَ وقوله:"عصيراً" أو"شاة" يَجُوزُ إِعْلاَمهُمَا بالواو لما عرفته.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّانِي في التَّسْلِيمِ) والبَدَاءَةُ بِتَسْلِيمِ الصَّدَاقِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي قَوْل: لا بَداءَةً بَلْ يُجْبَرانِ مَعاً بِأَنْ يُسَلَّمَ الصَّدَاقُ اِلَى عَدْلِ حَتَّى إِذَا مُكَّنَتْ سُلِّمَ إِلَيْهَا، وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِث لا يُجْبَرَانِ بَلْ يَبْدَأُ مَنْ أَرَادَ أَخْذَ المْعَوَّض، فَإِنْ قُلْنَا: البَداءَةُ بالصَّداقِ فَذَلِكَ إنَّما يَجِبُ إِذَا كَانَتْ مُهَيَّأَةَ للاسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ كانَتْ مَحْبُوسَةً أَو مَمْنُوعَةَ بِعُذْرٍ آخَرَ لَمْ
الجزء: 8 - الصفحة: 243
يَلْزَمْ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ، وَإنْ كانَتْ صَبِيَّة فَفِي وُجُوبِ تَسْلِيمِ المَهْرِ قَوْلاَنَ كَمَا في النَّفَقَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو أَخَرَّ تَسْلِيمَ الصَّدَاقِ بِعُذْرٍ أو غير عُذْرٍ، وطلب منها تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، لم يكن عليها الإِجَابَةُ، بل لها حَبْسُ نفسها إلى أن يُسَلِّمَ الزوج الصداق، بتَمامِهِ، إن كان الصَّدَاقُ عَيناً، أو دَيْناً حَالاًّ 30، وإن كان مُؤَجَّلاً، فليس لها حَبْسُ النَّفْسَ لِرضَاهَا بالتَّأْخِيرِ، وإن حَلَّ الأَجَلُ قبل أن تُسَلِّمَ نفسها، فجواب الشيخ أبي حَامِدٍ وأصحابه: أنه ليس لها الحَبْسُ أيضًا 31؛ لأنها قَدْ رَضِيَتْ أولاً يكون الصَّدَاقِ في ذِمَّتِهِ، ووجب عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ قبل القبض، فلا يرتفع بحُلُولِ الحق، وعلى هذا جَرَى صاحبا "التتمة" و "التهذيب" وأكثر الأئمة، وفيه وجه أَن لها الحَبْسَ لاسْتِحْقاقِهَا المُطَالَبَةَ بعد الحُلُولِ، كما في الابتداء، وهذا ما اخِتاره الحناطِيُّ والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وإليه ذهب القاضي أبو الطَّيِّب، وبالوجه الأول أجَبْنَا، فيما إذا باع بِثَمَنٍ مُؤَجَّل، ثم حَلَّ الأجَلُ قبل تَسْلِيمِ المبيع، ويجيء فيه الوَجْهُ الثاني أيضًا، بل حكى دلك أَيْضاً عن نَصِّ المُزَنِيِّ.
وإذا كانت المرأة صَغِيرَةً أو مَجْنُونَةً، فَلِوَليَّها حَبْسُهَا إلى أن يقبض الصداق الحال ولو رأى المَصْلَحَةَ في التَّسْلِيم، فَلَهُ التَّسْلِيمُ، كما يجوز للْعَاقِلَةِ أن تُسَلِّمَ نفسها قبل القَبْضِ.
وعن مالك: أنه لا يَجُوزُ ما لم يقبض أقل ما يَصْلُحُ أن يكون صَداقاً ولو اختلف الزَّوْجَانِ، فقال الزوج: لا أُسَلَّمُ الصَّدَاقَ حتى تسلمي نَفْسَكِ وقالت هي: لا أُسَلِّمُ نفسي حتى تسلم الصداق، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يُجْبَرُ الزوج على التسليم 32 أولاً، فإذا سلم سَلَّمَتْ 33 نفسها.
وأَصحُّها: أنهما يُجْبَرانِ بأن يُؤْمَرَ الزوج بوضع الصَّدَاقِ عند عَدْلٍ، وتُؤمَر بالتمكين، فإذا مَكَّنَتْ سَلَّمَ العَدْلُ الصَّدَاقَ إليها 34.
والثالث: أنه لا يُجْبَرُ وَاحِدٌ منهما، لكن إذا بَادَرَ أحدهما إلى التسليم أُجْبِرَ الآخر
الجزء: 8 - الصفحة: 244
على تَسْلِيم ما عنده، وهذه الأَقْوَالُ قد سَبَقَ مِثْلُهَا في البيع عند اختلاف المُتَبَايِعَيْنِ في البِدَايَةِ بالتسليم، وذكرنا هناك قَوْلاً رَابِعاً: وهو أن البائِعَ يُجْبَرُ على التَّسْلِيم أَوَّلاً، وهاهنا لا يمكن الابتداء بالمرأة؛ لأن مَنْفَعَةَ البُضْعِ إذا فاتَتْ تَعَذَّرَ اسْتِدْراكُهَا، والمال يمكن اسْتِرْدادُهُ.
وعن ابن الوَكِيلِ، وابن سَلَمَةَ، والقاضي أبي حامد، وغيرهم الاقْتِصارُ على ذِكْرِ القول الثاني، والثالث، وإنكار البِدايَةِ بالزوج، وإذا أثبتنا الأَقْوَالَ فقول البِدايَةِ بالزَّوْجِ مَوْضِعُهُ ما إذا كانت مُهَيَّأَةً للاسْتِمْتَاعِ، أما إذا كانت مَحْبُوسَةً أو ممنُوعَةً بِمَرَضِ، فلا يلزمه تسليم الصَّداقِ 35، وإن كانت صَغِيرَةً لا تَصْلُحُ لِلُجِمَاعِ، فهل يلزمه التَّسْلِيم؟ فيه قولان، وكذا لو سلمت مثل هذه الصغيرة إلى زوجها، هل عليه تَسْلِيمُ المَهْرِ؟ فيه قولان كالقولين في وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وهما مذكوران في النَّفَقَاتِ:
أحدهما: الوجوب كما في المَرِيضَةِ والرَّتْقَاءِ.
وأصحهما: المنع: لأن زَوالَ الصِّغَر له أَمَدٌ مَعْلُومٌ، فالتَّأْخِيرُ إليه لا يكون كالتَّأْخِيرِ لا إلى غَايَةِ، وفي المسألة طريقان آخران:
إحداهما: عن القاضي أبي الطَّيِّب: القطع بأنه لا يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ والفَرْقُ أنَّ النَّفَقَةَ تجب لكونها مَحْبُوسَةً عليه مُمَكِّنةٌ له، بحسب الإِمْكَانِ، وقد تحقق هذا المعنى، والمَهْرُ عِوَضُ الاسْتِمْتَاعِ، وأنه متَعَذِّرٌ.
والثانية: حكى الشيخ أبو حَامِدٍ: القطع بأنه يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ، والفرقُ أن المَهْرَ يجب في مُقابَلَةِ البُضْعِ، ومِلْكُ البُضْع حاصل بالعَقْدِ، والنفقة في مقابلة التمكين من الاسْتِمْتَاعِ، والتمكين من الاسْتِمْتاَع يَسْتَدْعِي إِمْكَانَ الاستمتاع وهو مفقود ويَجْرِي الخلاف فيها إذا كان الزَّوجُ صَغِيراً في مُطالَبَةِ الوَلِيِّ، وإن كان الزوج صَغِيراً وهي كبيرة، فالأَصَحُّ أن لها طَلَبَ المَهْرِ، كما في النَّفَقَةِ، وإذا قلنا: إن البِدايَةَ بالزوج، أو قلنا: إنهما يُجْبَرَانِ، فقالت الزوجة: سَلِّمِ المَهْرِ لأسلم نَفْسِي، فيلزمه النَّفَقَةُ من حينئذٍ؛ لأنها مُمَكِّنَةٌ مُطَاوِعَةٌ.
وإن قلنا: لا يُجْبَرَانِ، فلا نَفَقَةَ لها حَتَّى تُبادِرَ إلى التَّمْكِينِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِذَا بادَرَتْ وَمُكَّنَتْ كَانَ لَهَا طَلَبُ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَطأَها عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، نَعَمْ لَوْ رَجَعَتْ إِلَى الامْتِنَاعِ سَقَطَ طَلَبَها إِلاَّ إِذا وَطِئَها، فَإِنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بِوَطْأَةٍ واحِدَةٍ، وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الوَطْءِ حَبْسُ نَفْسهَا لأَجْلِ الصَّدَاقِ إِذْ بَطُلَ (ح) حَقُّهَا بِالتَّمَكْينِ مِنْ وَطْءٍ واحِدٍ، أَمَّا إِذَا بَادَرَ الزَّوْجُ وَسَلَّمَ الصَّدَاقَ، فَإِنْ قُلْنَا: يُجْبَرُ الزَّوْجُ فَلَهُ الاسْتِرْدادُ إِذَا
الجزء: 8 - الصفحة: 245
امْتَنَعَتْ، وَإنْ قُلْنَا: لا يُجْبَرُ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِالمُبادَرَةِ فَلَيْسَ لَهُ الاسْتِرْدَادُ، وَمَهْمَا سَلَّمَ الصَّدَاقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْهِلَها رَيْثَمَا تَسْتَعِدُّ بِالتَّنَظُّفِ والاسْتِحْدَادِ، وَأَقْصَى المُهْلَةِ ثَلاَثةُ أَيَّامِ، وَلا يُمْهِلُهَا لأَجْل تَهْيِئَةِ الجِهَازِ وَأَعْرَاضٍ أُخَرَ سِوَى التَّنَظُّفِ، وَلاَ يُمْهِلُ لأَجْلِ الحَيْضِ فَإِنْ لَهُ الاسْتِمْتَاعَ بِما فَوْقَ الإِزَارِ، وَإِنْ كانَتْ صَغِيرَة لا تُطِيقُ الجِمَاعَ أَوْ مَرِيضَةً وَجَبَ الإِمْهَالُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام الآن فيما إذا بادَرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلى التَّسْلِيم، وذلك إما أن يكون 36 من المَرْأةِ، أو من الرجل، فإِن بادَرَتْ هي، ومَكَّنَتْ، فلها طَلَبُ الصَّدَاقِ على الأقوال كلها ثم إن لم يجر وَطْءٌ، فلها العَوْدُ إلى الامْتِنَاعِ، إلى أن يسلم الصِّدَاقَ، ويكون الحُكْمُ، كما قبل التمكين، وإن جَرَى فَلَيْسَ لها بَعْدَ ذلك الامْتِنَاعُ وَحَبْسُ النَّفْسِ لاسْتِيفَاءِ الصَّدَاقِ، كما لو تَبَرَّعَ البَائِعُ بتسليم المَبِيعِ، قبل قَبْضِ الثمن، ليس له أَخْذُهُ وحَبْسُهُ.
وقال أبو حَنيفَةَ: لها العَوْدُ إلى الامتناع وفي "شرح القاضي ابن كج" أن أبا مَنْصُورِ الأبنوردي حَكَى عند القَاضِي أبي حَامِدٍ أن للأصحاب وَجْهاً مِثْلَهُ، وإذا وَطِئَهَا مُكْرَهَةً، فهل لها مَنْعُ النَّفْسِ بعده؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم كما لو غَصَبَ المشتري المَبِيعَ قبل تسليم الثمن، يجوز للْبَائِعِ رَدُّهُ إلى حَبْسِهِ.
والثاني: لا؛ لأن البُضْعَ بِالوَطْءِ كالتَّالِفِ، فأشبها ما لو غَصَبَ المشتري المَبِيعَ قبل تسليم الثَّمَنِ، وهَلَكَ عنده، ويجري الوجهان فيما لو سَلَّمَ الوَليُّ الصَّغِيرَةَ، أو المَجْنُونَةَ قبل قَبْضِ الصَّدَاقِ، فبلغت أو أَفاقَتْ بعد الدُّخُولِ، فإن بَلَغتْ أو أَفاقَتْ قبله، فلها الامْتِنَاعُ، وإن بادَرَ الزَّوْجُ، وسلم الصداق، فعليها التَّمْكِينُ، وتَسْلِيمُ النَّفْسِ إذا طلب الزوج، وكذا لو كان الصَّدَاقُ مُؤَجَّلاً، فإن امْتَنَعَتْ من غير عُذْرٍ، فهل له اسْتِرْدَادٌ ما سلم؟ ينبني ذلك على أن الزَّوْجَ هل يُجْبَرُ على تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ؟!.
إن قلنا: نعم، فله الاسْتِرَّدادُ؛ لأن الإجْبارَ بشرط تَسْلِيمِ المعوض إليه، وإن قلنا؛ لا يُجْبَرُ فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يسترد؛ لأنه قد تَبَرَّعَ بالمُبَادَرَةِ، وسلم فلا يتمكَّنْ من الرجوع، كما لو عُجِّلَ المالُ المُؤَجَّلُ.
والثاني: له الاسْتِرْدَادُ؛ لأنه لم يَتَحَصَّلْ على العِوَضِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب "العدة".
الجزء: 8 - الصفحة: 246
وعن القاضي الحسين أنه إن كانت المَرْأَةُ مَعْذُورَةً حين سَلَّمَ، فزال العُذْرُ، وامتنعت يسترد؛ لأنه سلم على رَجَاءِ التمكين، والخلاف في الاسْتِرْدَادِ هاهنا قريب من وَجْهَيْنِ ذُكِرَا فيما إذا سَلَّمَ مَهْرَ الصغيرة التي لا تَصْلُحُ للْجِمَاعِ إما عالماً 37 بحالها، أو غَيْرَ عَالِمٍ وقلنا بالصحيح، وهو أنه لا يَجِبُ تَسْلِيمُ مَهْرِهَا، هل له الاسترداد؟.
وإن اسْتَمْهَلَتْ بعد تسليمه الصَّدَاقِ أُمْهِلَتْ لِتَتَهيَّأَ بالتَّنْظِيف والاسْتِحْدَادِ، وإزالة الأوْسَاخِ على ما يراه الحَاكِمُ من يوم أو يومين 38، وغايَةُ المُهْلَةِ ثَلاثَةُ أيام وقضية لفظ "الوسيط" إِثْباتُ خِلاَفٍ في أنه تُمْهَلُ بِقَدْرِ ما تَتَهَيَّأُ به أو ثلاثة أيام؟.
والأشبه خِلاَفُهُ، ثم المَفْهُومُ من كلام الأكثرين أنه لا بُدَّ من الإِمْهَالِ إذا اسْتَمْهَلَتْ.
وفي "العدة" أن هذا الإمْهَالَ غير وَاجِبٍ، وفي أصل الإمْهَالِ قَوْلٌ آخر مَنْقُولٌ عن "الإِملاء"، كما أن أحد المُتَبَايَعَيْنِ إِذا سَلّمَ ما عنده يُطَالب بالعِوَضِ، بلا مُهْلةٍ، والأظهر الأول ومنهم من قَطَعَ به، ولا تُمْهَلُ لِتَهْيَئَةِ الجهَازِ، ولا لانتظار السِّمَنِ، ونحوهما من الأعْرَاضِ، ولا بسبب الحَيْضِ 39 والنِّفَاسِ، بل تُسَلَّمَ النَّفْسَ لسائر الاستمتاعات كالرَّتْقاءِ والقَرْنَاءِ.
وإن كانت صَغِيرَةٌ لا تحتمل الجِماَعَ، أو كان بها مَرَضٌ، أو هُزَالٌ تَتَضَرَرَّ بالوَطْءِ معه، فَتُمْهَلُ إلى زَوالِ المانع، ويُكْرَهُ للولي أن يُسَلِّمَ مِثْلَ هذه الصغيرة، ولا يجوز لِلزَّوْج وَطُؤُهَا إلى أن تَصِيرَ مُحْتَمِلَة له، ولو قال الزوج: سَلَّمُوا إِلَى الصَّغِيرَةَ والمريضة، ولا أَقْرَبُها إلى أن يَزُولَ ما بها.
قال في "التهذيب": يُجَابُ إليه في المَرِيضَةِ، ولا يُجَابُ في الصغيرة؛ لأن الأَقارِبَ أَوْلَى بالحَضَانَةِ قال وفي "الوسيط" أنه لا يُجَابُ في الصورتين 40؛ لأنه ربما لا يَفِي، فَتَتَضَرَّرَانِ، بخلاف الحائِضِ، فإنها لا تَضَرَّرُ.
وله أن يَمْتَنِعَ من تسلم الصغيرة 41، فإن نَكَحَ للاستمتاع لا لِلْحَضَانَةِ، وفي
الجزء: 8 - الصفحة: 247
المَرِيضَةِ وجهان، قال في "الشامل": الأَقْيَسُ أنه ليس له الامْتِناَعُ، كما ليس له أن يُخْرِجَهَا من داره، إذا مرضت، وإذا تسلمها فعليه النَّفَقَةُ لا كالصَّغِيرَةِ، فإن المَرْضَ عارِضُ (1) متوقع الزوال.
ولو كانت المَرْأَةُ نَحِيفَةً بالجِبلَّةِ، فليس لها أن تَمْتَنعَ لهذا العُذْرِ؛ لأنه ليس شيئاً مُتَوَقَّعَ الزَّوَالِ، فكانت كالرَّتْقَاءِ، ثم إن كانت تَخَافُ الإِفْضَاءَ لو وُطِئَت لعَبَالَةِ الزوج، فليس عليها التَّمْكِينُ من الوَطْءِ.
قال الأئمة: وليس له الفَسْخُ، بخلاف الرَّتْقِ، فإنه يمنع الوطء مُطْلَقاً، والنَّحَافَةُ لا تمنع وَطْءَ نَحِيفٍ مثلها، وليس ذلك بِعَيْبٍ أيضاً.
وفي الكتاب ما يُخَالِفُ هذا في باب الدِّيَاتِ، وإذا وَطِئَ الرجل امْرَأَتَهُ، فَأَفُضَاهَا، فالقول في الدِّيَةِ مَذْكُورٌ في الدِّيَاتِ، وليس له أن يَعُودَ إلى وَطْئِهَا، حتى تبرأ البرء الذي إن عاد لم يَنْكَأْها هذا لفظ الشَّافعي يقال نكأت القرحة أي: خَدَشْتُهَا وأَذمَيْتُهَا وإن اختلفا في حُصُولِ هذا البُرْءِ وأنكرت هي، قال الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه-: القول قَوْلُهَا.
وفي "التتمة" أن موضع النَّصِّ ما إذا سَلَّمَتْ انْدِمَالَ ظَاهِرِ الجُرْحِ، وادَّعَتْ بَقَاءَ الأَلَمِ، فتحلف وتصدق؛ لأن ذلك لا يعرف إلا منها، أما إذا ادَّعَتْ بَقاءَ الجُرْحِ، وأنكَرت أَصْلَ الانْدِمَالِ، فتعرض على أربع نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ، ويعمل بقولهن.
ومنهم من حَمَلَ النَّصَّ على ما إذا لم يَمْضِ من الزَّمَانِ ما يقلب فيه البُرْء فإن مضى راجَعْنَا النِّسْوَةَ ومنهم من أَطْلَقَ القَوْلَ بِمُراجَعَتِهِنَّ عند الاختلاف، وعلى هذا فَصُورَةُ النَّصِّ ما إذا لم يكن هُناكَ نِسْوَةٌ ثِقاتٌ وقوله "في الكتاب": "نعم لو رجعت إلى الامتناع سَقَطَ طَلَبُهَا" أي: الطلب الثَّابِتُ على جميع الأَقْوَالِ، ويصير الحكم كما كان قبل التمكين.
وقوله: "إلاَّ إذا وَطِئَها فإن المَهْرَ يستقر بوَطْأَةٍ واحدة" يعني إذا جرى الوَطْءُ يَسْتَقِرُّ المَهْرُ، فيستمر الطلب وإن فُرِضَ منها امْتِنَاعٌ بعد ذلك.
وقوله: "وليس لها بعد الوَطْءِ حَبْسُ نفسها" مُعَلَّمْ بالحاء والواو وقوله: "إذا بَطَلَ حقها بالتمكين من وَطْءِ" وَاحِدٍ ليس بِتَوْجِيه مقيد، فإن من يقول: لها الحَبْسُ بعد الوَطْءِ مُحَالٌ أن يسلم ببطلان حَقِّ الحبس من الوَطْءِ.
"
فروع
" عن "مُجَرَّدِ" الحناطي إذا اختلف الزَّوْجُ، وأبو الزوجة، فقال أحدهما؛ إنها صَغِيرَةٌ42
الجزء: 8 - الصفحة: 248
لا تَحْتَمِلُ الجِمَاعَ، وقال الآخر: تحتمله، ففي وَجْهٍ: القول قَوْلُ من ينكر الاحْتِمَالَ، وفي وجه ترى أربع نِسْوَةٍ، أو رَجُلَيْنِ من المَحَارِمِ 43.
ولو قال الرجل 44: امْرَأَتِي حَيَّةٌ، وطلب تسليمها، وقال الأب: بل ماتَتْ، فالقول قول الزوج، ولو تَزَوَّجَ رجل بـ"بغداد" امرأة بـ"الكوفة" وجرى العَقْدُ بـ"بغداد" فالاعْتِبَارُ بموضع العَقْدِ فتسلم نفسها بـ"بغداد" ولا نَفَقَةَ لها قبل أن يحصل بـ"بغداد" ولو خرج الزَّوْجُ إلى "المَوْصِل" وَبَعَثَ إليها من يجيء بها من "الكوفة" إلى "المَوْصِلِ" فنفقتها من "بغداد" إلى "الموصل" على الزوج والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّالِثُ: التَّقْرِيرُ) وَلا يَتَقرَّرُ كَمالُ المَهْرِ إِلاَّ بِالوَطْءِ أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلا يَتَقرَّرُ بِالخَلْوَةِ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ المَهْرُ الواجب بالنَّكاحِ، أو القرض يَسْتَقِرّ بطريقين:
إحداهما: الوَطْءَ وإن كان حَرَاماً لوقوعه في الحَيْضِ والإِحرام 45؛ لأن الوَطْءَ بالشُّبْهَةِ يوجب المَهْرَ ابْتَداء، فالوطء في النكاح أَوْلَى أن يقرر المَهْر الواجب، وتكفي الوَطْئَةُ الواحدة للتقرير.
والثاني: الموت، فإذا مات أَحَدُ الزوجين، فالواجب كَمالُ المَهْرِ؛ لأن المَوْتَ لا يُبْطِلُ النَّكَاحَ، بدليل أنهما يَتَوارَثَانِ، وإذا لم يبطل النكاح بالموت، ولم يَبْقَ كان الموت نِهايَةً له، وانْتِهاءُ العَقْدِ كاستيفاء المعقود عليه، بدليل الإِجَارَةِ، ثم حَكَى أبو سَعْدِ المُتَوَلَّي وجهين في أَنَّا هل نُطْلِقُ القول بأن المَهْرَ يَتَقَرَّرُ بالمَوت؟ فمن قائل: لا؛ لأن التقرر إنما يحسن إِطْلاَقُهُ إذا كان يتوقع وُجُود المسقط، ولا يتأثر المَهْرُ به، وبعد الموت لا يَتَوَقَّعُ وُجُودُ المسقط، وهو الطَّلاَقُ والرِّدَّةُ، ومن قائل: نعم؛ إِلْحاقًا لانْتِهَاءِ العَقْدِ باستيفاء المَعْقُودِ عليه، وهذا ما أَطْلَقَهُ صاحب الكتاب ولمن قال به أن يقول ليس المُسْقِطُ مُطْلَقَ الطَّلاَقِ والردة، بل يشترط وقوعهما قبل الدخول، وأنه لا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ
الجزء: 8 - الصفحة: 249
بعد الدخول، كما لا يُتَصَوَّرُ بعد الموت، ثم ذكر المتَوَلِّي أن فائِدَةَ الخلاف تَظْهَرُ في المُفَوَّضَةِ إذا مات زوجها، إن قلنا: إن الموت مقرر، فتستحق مَهْرَ المِثْلِ، وإلا فلا، وليس لهذا البِنَاءِ وضُوحٌ، فإن التقرير إنما 46 يُطْلَقُ عند سَبْقِ الواجب، فلا يلزم من كون المَوْتِ مُقَرَّرًا وُجُوبُ المَهْرِ في صورة التفويض، إذا لم يكن هناك وُجُوبٌ سابق.
واعلم أن القول بأن مَوْتَ أحد الزوجين مُقَرِّرٌ للمهر، وإن كان مُطْلقاً لكن صورة قَتْلِ السَّيِّدِ الأَمَةَ مُسْتَثْنَاةٌ منه على الظاهر.
ومنهم من أَلْحَقَ بهذه الصُّورَةِ غيرها على ما بَيَّنَاهُ في موضعه 47.
وأما الخَلْوَةُ بلا وَطْءٍ، فالقول الجَدِيدُ أنها لا تُؤَثرُ في المَهْر حتى لو طَلَّقَها بعد جَرَيانِ الخَلْوَةِ لم يجب إلا نِصْفُ المَهْرِ؛ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولا مَسِيسَ, ويروى عن ابْنِ مَسْعُودٍ, وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "ليس لهذه إلا نِصْفُ الصَّدَاقِ".
وعلى هذا القول لو اتَّفَقَا على الخَلْوَةِ وادَّعَتِ المَرْأَةُ الإِصَابَةَ لم يَتَرجَّحْ جانبها بِالخَلْوَةِ، ويكون القول قَوْلَهُ مع يمينه.
وعلى القديم الخَلْوَة مُؤَثِّرَةٌ، وفي أَثَرِها قولان:
أحدهما: تصديق 48 المَرْأَةِ إذا ادَّعَتِ الإِصَابَةَ، ولا يتقرر المَهْرُ بمجردها وبهذا قال مالك -رضي الله عنه-، إلا أنه يُرْوَى عنه أن المَرْأَةَ إنما تُصدَّقُ بيمينها إذا جرت الخَلْوَةُ في دَارِه، أو جرت في دَارِهَا، وطال الزَّمَانُ دون ما إذا جرت في دارها، ولم يَطُل الزَّمَانُ، وعندنا لا فَرْقَ على هذا القول.
وأظهرهما: أنها كالوَطْءِ في تقرير المَهْرِ، وكذا في إيجاب العِدَّةِ، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وأحمد -رضي الله عنهما- لما رُوِيَ عن عمر، وعلي -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "إذا أَغْلَقَ باباً وأَرُخَى سِتْراً فلها الصَّدَاقُ كامِلاً، وعليها العِدَّة" وعلى هذا ففي الرَّجْعَةِ وجهان:
أظهرهما: ثبوتها أيضاً.
والثاني: المَنْعُ، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وهل يشترط في تقرير الخَلْوَة المَهْرَ أَلاَّ يَكُونَ
الجزء: 8 - الصفحة: 250
هناك مَانِعٌ شَرْعِيُّ كالصَّوْم والحَيْضِ والإِحْرَام.
أما عند أبي حنيفة فَيُشْتَرَطُ، ومن الأصحاب من وافَقَهُ تَفْرِيعاً على القديم، والمذَكور في "التتمة" أنه لا يشترط، ويقرر المَهْرُ، كما إذا اسْتَأجَرَ دَاراً إِجَارَةً فاسِدَةً، وقبضها يلزمه أُجْرَةُ المِثْلِ، وإن لم يسكنها.
ولو كان هناك مَانِعٌ حِسِيُّ كالرَّتْقِ والقَرَنِ منها، والجَبِّ؛ والعُنَّةِ منه، لم يَتَقَرَّرِ المَهْرِ، ويخالف أبو حنيفة في الجَبِّ والعُنَّةِ وإذا قلنا: إن مجرد الخَلْوَةِ لا يُقَرَّرُ المَهْرَ ففي الوطء فيما دون الفَرْجِ وَجْهَانِ؛ بناءً على القولين في أنه هل تحرم الرَّبيَبةُ وهل تَثْبُتُ حُرْمَةُ المُصَاهَرَةِ، وقد بيناهما في موضعهما.
البَابُ الثَّانِي فِي الصَّدَاقِ الفَاسِدِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلِفَسَادِهِ سِتَّةُ مَدَارِك: (الأَوَّلُ): أنْ لا يَقْبَلَ الِملْكَ كَالحُرِّ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والغَصْبِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ اِلَى مَهْر المِثْلِ عَلَى قَوْلٍ، وإِلَى قِيمَةِ المَذْكُورِ عَلَى قَوْلٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الباب بَيانُ جِهَاتِ الفَسَادِ في الصَّدَاقِ، ورتبها في الكتاب على سِتَّةِ أنواع: 49
أحدها: ألا يكون المَذْكُورُ مَالاً كما لو سَمَيَّا خَمْراً، أو خِنْزيِراً، أو حُرّاً، وهذا قد انْدَرَجَ في تَضَاعِيفِ الكَلاَمِ عند توجيه قَوْلِ ضَمَانِ العَقْدِ واليد، ولو أَصْدَقَهَا عبدًا أو ثَوْباً، فخرج مَغْصُوباً, فالواجب مَهْرُ المِثْلِ في أصح القولين، وقيمة ذلك العبد في الثَّانِي، ولا يحتاج هاهنا إلى تَقْرِيرِ تُبْدِيلِ الصِّفَةِ والخِلْقَةِ وعند أبي حنيفة الوَاجِبُ ها هنا القِيمَةُ على خِلاَفٍ ما حكينا عنه فيما إذا خرج حُرّاً، ولو أَصْدَقَها عَبْدَيْنِ، فخرج أحدهما حُرّاً، أو مَغْصُوباً، أو ثوبين فخرج أحدهما مَغْصُوباً بَطَلَ الصَّدَاقُ في الحُرِّ والمغصوب، وفي الآخر قَوْلاً تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فإن لم نصحح فيه أيضاً فلها مَهْرُ المِثْلِ، أو قيمتهما جميعاً؟ فيه القولان.
وإن قلنا: يصح، فلها الخِيارُ لأن المُسَمَّى بِتَمَامِهِ لم يسلم لها، فان فسخت فعلى القولين، وإن أَجَازَتْ فقولان:
أحدهما: أنها تَرْضَى بالآخر صَدَاقاً، ولا شَيْءَ لها غيره.
الجزء: 8 - الصفحة: 251
وأظهرهما: أنه لا يَلْزَمُها أن تَقْنَعَ به، بل تأخذ معه حِصَّةَ المغْصُوبِ من مَهْرِ المِثْلِ إذا وَزَّعْنَاهُ على القيمتين في أحد القولين، وقيمته في القول الثاني.
وعند أبي حَنِيْفَةَ إذا خرج أحدهما حراً فلا شَيْءَ لها، إلا العَبْد الثاني، وإن خرج مَغْصُوباً، فلها قِيمَةُ المَغْصُوبِ معه.
"
فروع
"
لو أَصْدَقَهَا عَبْداً أو ثَوْباً، ولم تَصِفْهُ، بل أَطْلَق، فالتسمية فَاسِدَةٌ، والواجب مَهْرُ المِثْلِ، كما لو أَصْدَقَها ثَوْباً أو دابَّةٌ وأطلق.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك وأحمد رضي الله عنهم يصح، ويجب عَبْدٌ وَسَطٌ, وإن وصَفَ العَبْدَ والثَّوْبَ، صَحَّت التسمية، ووجب المُسَمَّى.
وعن أبي حنَيفَةَ، وأحمد أنه بالخِيَارِ بين أن يُسَلِّمَ العَبْدَ المَوْصُوفَ، أو قِيمَتَةُ؛ لأن الحيوان لا يثبت في الذِّمَّةِ ثُبُوتاً صَحِيحاً، فيتخير من عليه بينه وبين بَدَلِهِ، كما في الدِّيَةِ.
قال الأصحاب: هذا مَمْنُوعٌ في الدِّيَّةِ أيضاً على القول الجديد.
وعن أبي حنيفة في الثَّوْبِ المَوْصُوفِ اخْتِلاَفُ رواية أنه يجب تَسْلِيمُهُ، أو يكون كالعَبْدِ، وإذا جرت تَسْمِيَةٌ فاسِدَةٌ فالواجب مَهْرُ المِثْلِ بَالِغاً ما بلغ.
وعند أبي حَنيفَةَ الوَاجِبُ الأَقَلُّ من المسمى ومهر المثل.
وقوله في الكتاب: "ألا يقبل الملك" هذا إن جَرَى على إِطْلاَقِهِ في الحر والخَمْرِ والخِنْزِيرِ، ولا يجري في المَغْصُوب، فإنه مَمْلُوكٌ، وكان المراد ألا يقبل تَمْلِيك هذا الشَّخْصِ، وقوله: "في وجب الرُّجُوعَ إلَى مَهْرِ المِثْلِ" وقوله: و"إلى قيمة المذكور" يمكن أن يُعَلَّمَا بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الوَاجِب في المغصوب القِيمَةُ، فيما إذا خَرَجَ حُرّاً مَهْرُ المِثْلِ، والقولان مُطْلَقَانِ في الصور جميعاً، وقد أطلق في الصور وُجُوبَ القِيمَةِ على هذا القول، لكنه لا يعم الصُّوَرَ، بل في صورة الخَمْرِ تقدر هي عصِيراً ويجب مِثْلُهُ، كماسبق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي: الشَّرْطُ) وَلا يَفْسَدُ النِّكَاحُ بِشَرْطِ لا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهِ كَشَرْطِ أن لا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا أَوْ لاَ يَمْنَعَها مِنَ الخُرُوجِ أَوْ لا يَجْمَعَ بَيْنَها وَبَينْ ضَرَّاتِهَا في مَسْكَنٍ أَوْ لا يَقْسِمَ لَهَا أَوْ لا يُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَيَفْسَد بُكُلِّ مَا يُخِلُّ بِمَقْصْودِهِ كَشَرْطِ الطَّلاَقِ وَتَرْكِ الوَطْءِ اِلاَّ عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ، وَإِذَا لَمْ يَفْسَد بِالشُّرُوطِ فَسَدَ الصَّدَاقُ؛ لأنَّ المَشْرُوطَ كَالعِوَضِ المُضَافِ اِلَى الصَّدَاقِ وَيتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ إِلَى قِيمَةِ المَشْرُوطِ فَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 252
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشرط في النِّكَاحِ إن لم يَتَعلَّقُ به غَرَضٌ، فهو لَغْوٌ مَحْضٌ على ما مر في البيع فإن تعلق به غرض، فإما ألا يُخَالِفَ مُوجِبَ النِّكَاحِ، فلا يُؤَثِّرُ ذِكْرُهُ في النكاح، ولا في الصَّدَاقِ، وهو كما إذا شرط أن يُقْسِمَ لها، أوَ أن يُنْفِقَ عليها، أو يَتَسَّرى أو يَتَزوَّجَ عليها إن شاء، أو يُسافِر بها أو لا تَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ وإما أن يخالف موجبه، فهو على ضربين:
أحدهما: ما لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ الأصلي من النكاح، فيفسد الشَّرْطُ سَوَاءٍ كان لها، كما إذا شرط ألا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، أو لا يُطَلِّقَهَا، أو لا يُسَافِرَ بها، أو تخرج متى شَاءَتْ، أو يُطَلِّقَ ضَرَّاتِهَا، أو كان عليها كما إذا شَرَطَ ألا يقسم لها، أو يجمع بين ضَرَّاتِهَا وبينها من المَسْكَنِ، أو لا ينفق عليها.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا شَرَطَ ما يَنْفَعُها صَحَّ الشَّرْطُ، فإن لم يَفِ، فلها الخِيَارُ، واحتج الأصحاب بما روي أنه -صَلَّى الله عليه وسلَّم- قال: "كُلُّ شَرْطٍ ليس في كتاب الله فهو بَاطِلٌ" ثم فَسَادُ الشَّرْطِ لا يؤثر في النكاح؛ لأن فَسَادَ العِوَضِ لا يؤثر فيه، ففساد الشرط أَوْلَى، هذا هو الصحيح.
وحكى الحناطى وَجْهاً آخر، وقَوْلاً أنه يَبْطُلُ النِّكَاحُ، وسيجيء من بعد ما يُوافِقُهُ، وأما الصَّدَاقُ فإنه يَتأَثَّرُ بالشرط الفاسد، ويكون الواجب مَهْرَ المِثْلِ؛ لأنه إن كان الشَّرْطُ لها، فإنما رَضِيَتْ بالمُسَمَّى مع ذلك الرفق وإن كان عليها، وإنما رضي الزَّوْجُ بَبَدَلِ المُسَمَّى ليحصل له ذلك الرِّفْقُ مع البُضْعِ، فإذا فسد الشرط، وليس له قِيمَةُ يرجع إليها، وَجَبَ الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، ولا فَرْقَ بين يَزيدَ على مَهْرِ المِثْلِ، أو ينقص أو لا يزيد ولا يَنْقُص.
وعن ابن خَيْرانَ أنه إن زادَ، والشرط لها، فالوَاجِبُ المْسَمَّى؛ لأنه قد رَضِيَ بِبَدَلِهِ، مع المُسَامَحَةِ بترك حَق، فإذا لم تلزم المُسَامَحَةُ كان أَوْلَى بالرِّضَا، وكذلك إن نَقَصَ، والشرط عليها 50؛ لأنها قد رَضِيَتْ بذلك القَدْرِ مع تَرْكِ حَقٍّ لها، فدونه أَوْلَى.
ومنهم من جَعَلَ هذا قَوْلاً مُخَرَّجاً، وفي كتاب الحناطِيِّ وَجْهٌ مطلق أن الوَاجِبَ في صُورَةِ الشرط لفاسد أَقَلُّ الأمرين من المْسَمَّى، ومَهْرِ المِثْلِ، ووجه آخر أن الشَّرْطَ لا يُؤَثِّرُ في الصَّدَاقِ، كم لا يُؤَثِّرُ في النَّكَاحِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 253
والضرب الثاني: ما يُخِلَّ بمقصود النِّكَاحِ، كما لو نَكَحَهَا بِشَرْطِ أن يُطَلِّقَهَا، أو بشرط ألا يَطَأَهَا، والكلام في الصُّورَتَيْنِ قد مَرَّ في فَصْلِ التحليل، فإن صَحَّحْنا النِّكَاحَ أَثَّرَ الشرط في الصَّدَاقِ، كسائر الشُّرُوطِ الفاسدة.
وقوله في الكتاب: "ولا يَفْسَدُ النِّكَاحُ" يجوز إِعْلاَمُهُ بالواو.
وقوله: "كشرطه ألا يَتَسَّرَى عليها، أو لا يمنعها من الخُرُوجِ" الشرط في هاتَيْنِ الصورتين لها.
وقوله: "أو يجمع بينها وبين ضَرَّاتِهَا في مَسْكَنٍ واحد، أو لا يقسم لها" الشرط في هاتين الصورتين عليها، فتعرض لكل واحد من الطَّرَفَيْنِ.
وقوله: "إلا على وَجْهٍ بَعِيدٍ" يعني في المسألتين شرط الطَّلاَق، وشرط ترك الوَطْءِ, والخِلاَفُ في مسألة الطَّلاَقِ مَشْهُورٌ بالقولين، دون الوجهين، على ما ذكرنا هناك، والقول بالتَّصْحِيحِ في شَرْطِ الطَّلاَقِ بَعِيدً، كما ذكرنا، وأما في مسألة تَرْكِ الوَطْءِ, فالأظهر عند الأَصْحَابِ الفَرْقُ بين أن يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ، وبين أن تشترط الزَّوْجَةُ، فيرجع الخِلاَفُ في المسألة، ويجوز أن يُعَلَّمَ لذلك قوله: "إلا على وَجْهٍ بَعِيدٍ" بالواو، وأيضًا فقد تَقَدَّمَ أن في شَرْطِ الطَّلاَقِ طريقة أخرى قاطِعَةٌ بِبُطْلاَنِ النكاح، ويجوز إعْلاَمُ قوله: "فسد الصَّدَاقُ" بالواو أيضاً، وقوله: "لأن المَشْرُوطَ كالعِوَضِ المُضَافِ إلى الصداق" هذه اللَّفَظَةُ إنما تَنْطَبِقُ على أحد الطرفين، وهو أن يكون المَشْرُوطُ شَيْئاً يَنْفَعُها، دون ما إذا كان المشروط مما يَضُرُّها.
"
فروع
"
لو نَكَحَها على أَلْفٍ إن لم يُخْرِجْهَا عن البَلَدِ، وعلى ألفين إن أخرجها عن البلد، فالصَّداقُ فَاسِدٌ، أخرجها أو لم يخرجها، والواجب مَهْرُ المِثْلِ.
وعن أبي حنيفة إنْ وَفَّى بالمَشْرُوطِ، فالواجب المُسَمَّى، وإلا فَمَهْرُ المثل، وأَوْرَدَ الحناطي أنه لو نَكَحَهَا على ألا يَرِثَ منها، أو لا تَرِثَ منه، أو لا يَتَوارَثانِ، أو على أن النَّفَقَةَ على غَيْرِ الزوج، يبطل النِّكَاحُ، وفي قول: يَصِحُّ النكاح، ويبطل الشرط 51 وأنه لو زَوَّجَ أَمَتَهُ من عَبْدِ غيره، بشرط ألاَّ يكون الأولاد بين السَّيِّدَيْنِ، يصح النِّكَاحُ، ويبطل الشرط، ذكره في "الإِملاء".
وفي قول: "يبطل النِّكَاحُ".
الجزء: 8 - الصفحة: 254
قَالَ الغَزالِيُّ: وَلَوْ شَرِطَ الخِيَارُ فِي الصَّدَاقِ ثَبَتَ عَلَى قَوْلٍ، وَفَسَدَ النِّكَاحُ عَلَى قَوْلٍ، وَفَسَدَ فِي نَفْسِهِ دُونَ النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَوْ قَالَ: نَكَحْتُهَا بِأَلْفٍ عَلَى أنَّ لأبيهَا أَلْفان فَسَدَ الصَّدَاقُ لأَنَّهُ أَضَافَ إِلَى الأبِ اسْتِحْقَاقَ ألْفٍ سِوَى الصَّدَاقِ، وَلَوْ قَالَ: نَكَحْتُهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ أُعْطِيَ أَبَاهَا أَلْفاً صَحَّ الصَّدَاقُ وَمَعْنَاهُ: نَكَحْتُ بِأَلْفَيْنِ أُعْطِي أَبَاهَا بِطَرِيقِ النِّيَابَة عَنْهَا، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا أَيْضاً فاسِدٌ لأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عَنِ الوِكالَةِ في الأدَاءِ بَلْ عَنْ شَرْطِ الإِعْطاءِ، وَقِيلَ: في المَسْئَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافعِيُّ: والفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: شرط الخِيَارِ في النكاح يُفْسِدُ النِّكَاحَ 52، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ، حيث قال: يَصِحُّ النِّكَاحُ، ويلغو الشَّرْطُ.
لنا: أنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لا يثبت فيه خِيَارُ الشرط، فيفسد بشرط الخِيَارِ، كالصَّرْفِ، وأما شرط الخيار في الصَّدَاقِ، ففي بُطْلاَنِ النكاح به قولان:
أحدهما: وُينْسَبُ إلى القديم و"الإِملاء" أنه يَبْطُلُ، وفي سببه وجهان:
أحدهما: أن سَبَبَهُ فَسَادُ الشرط، وتأثيره في فَسَادِ العِوَضِ، وهذا القائل يقول بِفَسادِ النِّكَاحِ في جميع الشروط الفاسدة، والأعواض الفاسدة.
والثاني: أن سَبَبَ الفَسَادِ أحد العِوَضَيْنِ، والخِيَارُ في أحد العِوَضَيْنِ يَتَدَاعَى إلى الثاني، فكأنه شَرَطَ الخِيارَ في المَنْكُوحَةِ.
وأصحهما: صِحَّةُ النِّكَاحِ، كما ذكرنا في سائر الشروط الفَاسِدَةِ، وعلى هذا ففي صِحَّةِ المُسَمَّى قولان:
أحدهما: عن رواية ابن أبي هُرَيْرَةَ وغيره أنه يَصِحُّ؛ لأن الصَّدَاقَ عَقْدٌ يَسْتَقِلُّ بنفسه، والمقصود منه المَالُ، فلا يَفْسَدُ بشرط الخيار، كالبيع.
وأصحهما: أنه يَفْسَدُ، ويجب مَهْرُ المثل؛ لأن الصَّدَاقَ لا يَتَمَحَّضُ عِوَضاً، بل فيه معنى النِّحْلَةِ، فلا يليق به الخِيَارُ، والمرأة لم تَرْضَ بالمُسَمَّى إلا بشَرْطِ الخيار، فإن قلنا بالصحة ففي ثُبُوتِ الخيار وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 255
أصحهما: الثُّبُوتُ، وبه قال أبو حنيفة، كما حُكِيَ عن نَصِّهِ أنه لو أَصْدَقَهَا عَيْناً غَائبة، يصح، ويثبت لها خِيارُ الرُّؤْيةِ، فعلى هذا إن أَجَازَتْ فذاك، وإن فَسَخَتْ رجعت إلى مَهْرِ المِثْلِ.
والثاني: المنع؛ لأن النِّكَاحَ لا يَليقُ به الخِيَارُ، فينزل سُقُوطة شَرْعاً مَنْزِلَةَ إسْقَاطِ الخيار في البَيْع، ويخرج من هذا التَّفْصيل 53 إذا اخْتُصِرَ ثلاثَةُ أقوال، كما في الكتاب، وإذا أثْبَتْنَا الخِيارَ في الصَّدَاقِ، ففي ثبوت خِيارِ المجلس وجهان، نقلهما الشيخ أبو الفَرَجِ.
الثانية: نقل المُزَنِيُّ في "المختصر" أنه إذا عَقَدَ النِّكَاحَ بألف، على أن لأبيها ألفاً، فَسَدَ الصَّدَاقُ، وأنه إذا نَكَحَها على أَلْفٍ، وعلى أن يعطي أَبَاهَا ألْفاً كان جَائِزاً، وفي النصين طُرُقٌ للأصحاب:
أحدها: أن الصَّدَاقَ فاسِدٌ في الصورة الأولى، صَحِيحٌ في الثانية على ظاهِرِ النص 54 والفرق أن قَوْلَهُ: "على أن لأبيها ألفاً" ظَاهِرٌ في اسْتِحْقاقِهِ الألْفَ، وذلك الألْفُ، إما أن يكون من الصَّدَاقِ، فيكون هذا شَرْطُ عَقْدٍ في عَقْدٍ، فَأَشْبَهَ ما إذا قال: "بِعْتُكَ كذا على أن تَهَبَ لفلان كذا".
وأما أن يكون من الصَّدَاقِ، فيكون اشْتِرَاطِ بَعْضِ المَهْرِ لغير الزوجة، فكان كما لو شَرَطَ في البَيْعِ اسْتِحْقَاقَ بعض الثَّمَنِ، لغير البائع.
وأما في الصورة الثانية، فالمَشْرُوطُ الإِعْطاءُ، مَعْطُوفاً على الألف الأولى، فَيُشْعِرُ بأن الصَّدَاقَ الألْفَانِ، والزوج نَائِبٌ عنها في دَفْعِ أحد الألفين إلى الأب، أو الأب نَائِبٌ عنها في القَبْضِ، أو أَحالَتْ الأب عليه في أخذ الألفين.
والثاني: أنه لا فَرْقَ، وَيفْسَدُ الصَّدَاقُ بِشَرْطِ الإعْطَاءِ فَسَادَهُ بشرط الاستحقاق؛ لأنه ليس في اللَّفْظَةِ ما يُشْعِرُ بالنِّيَابَةِ والحِوالَةِ، ولفَظ الإِعطاء يقتضي الاستِحْقَاقَ، والتَّمْلِيكَ أيضاً؛ لأنه لو قال له "بِعْتُكَ هذا على أن تُعْطِيَنيَ عَشَرَةٌ" صَحَّ البَيْعُ، فيكون شَرْطُ الإِعْطَاءِ كَشَرْطِ الاستحقاق، وهؤلاء اختلفوا فيما نَقَلَهُ المزني ثانياً، فمن مُغَلِّطٍ ومؤوِّل.
وللتأويل وجوه:
أحدها: عن ابن خَيْرانَ: أن الشَّافعي -رضي الله عنه- لم يَقُلْ: كان الصداق، وإنما قال: كان جَائِزاً.
والثاني: حَمْلُهُ على ما إذا شَرَطَ ذلك قبل العَقْدِ، ولم يَتَعَرَّضَا له في نفس العَقْدِ.
والثالث: حَمْلُهُ على ما إذا جَرَى ذِكْرُهُ وَعْداً مَضْمُوماً إلى العَقْدِ، لا شَرْطاً فيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 256
والرابع: حَمْلُهُ على ما إذا قَالَ: نَكَحْتُها بألفين، وشرط إِعْطَاءَ الأب أحَدَ الألْفَيْنِ، أو اتَّفَقَا على إِرَادَةِ هذا المَعْنَى، واللفظ ما سبق؛ لأن الصَّدَاقَ ههنا ألْفَانِ، والأَمْرُ في أن دفْعَ الألف إلى الأَب بِمُباشَرَةِ الزوج أو الزوجة سَهْلٌ لا يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ كَبيرٌ، ولا ينقص بسببه المَهْرُ، بخلاف ما إذا كان الصَّدَاقُ أَلْفاً، وشرط أن يُعُطِيَ أباها ألَفاً آخر، وأن الظَّاهِرَ إنما ينْقُصُ المَهْرُ لِيَبْذُلَ هو الألف الزَّائِدَ، وإذا فَسَدَ الشَّرْطُ لا يكون الألْفُ مَرْضِيّاً به، فيجب الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ.
والطريق الثالث: حَكَاهُ الحناطي، وصاحب الكتاب: أن الصورتين على قَوْلَيْن.
وجه الفَسَاد ما بُيَّنَ.
ووجه الصِّحَةَ: أن الألفين ملتزمتان في مُقابَلَةِ البُضْعِ، وهي المالِكَة لِلْبُضْعِ، فتستحقها وَتَلْغُو الإِضافة إلى الأب، والقولان على ما ذكر صاحب الكتاب حَاصِلاَنِ من التَّصْرف في النصين بالنقل والتَّخْرِيج.
وحكى العَراقِيُّونَ من أصحابنا القَوْلَيْنِ في الصورة مَنْصُوصَيْنِ، وقالوا: حكم الثانية حُكْمُ الأُولَى فَنَسَبُوا الصِّحَّةَ إلى القديم، وبه قال مَالِكٌ.
والظاهر من الخِلاَفِ القَوْلُ بالفَسَادِ، ووجوب مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا قلنا بالصحة، فالمَهْرُ في اللفظين ألْفَانِ، وذكر صاحب "التهذيب" أن المراد من الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ما إذا نكَحَها بِأَلْفَيْنِ على أن تُعْطِيَ أباها أَلْفاً، وجرى ذِكْرُ الإعْطَاءِ على سَبِيلِ الوَعْدِ، كأنها وَعَدَتْ أن تَهَبَ ألفاً من أبيها، أو تُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ، أما إذا جَرَى على سَبِيلِ الاشْتِراطِ، لم يصح المسمى.
وحكى وَجْهاً آخر فارِقاً بين أن يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ عليها، فيفسد، أو تشترط هي، فلا يَفْسَدْ.
وقوله في الكتاب: "ولو قال نَكَحْتُهَا بألف على أن [أعطي] 55 أباها ألفاً لم يَدْخُلْ فيه الواو، وفي أكثر نسخ "المختصر" "وعلى أن" بالواو، وذلك أظهر؛ إشْعَاراً بأن الصَّدَاقَ أَلْفَانِ، لما فيه من عَطْفِ إِعْطَاءِ الألف على الألف، فكأنه قال: نَكَحْتُها بألف وألف، وما إذا حذف الواو، كانت الصِّيغَةُ صِيغَةَ الاشْتِرَاطِ، فيكون الفَرْقُ بين الصُّورَتَيْنِ أَبْعَدَ، ثم لَفْظُ الكتاب: "على أن أُعْطِيَ أباها" فلفظ "المختصر": "أن يعطي"، واختلفوا في قراءة اللَّفْظَةِ فمنهم من قَرَأَهَا باليَاءِ، فذلك يُوَافِقُ ما في الكتاب، ومنهم من قَرَأَهَا بالتاء، أي: تعطى هي، وذكر أنها إذا قُرِئَتْ بالتاء، كان وَعْداً بِهِبَة أَلْفٍ منه، وإذا قُرِئَتْ بالياء كان إِنابَةً للزوج.
الجزء: 8 - الصفحة: 257
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: تفَرِيقُ الصَّفْقَةِ) فَإنْ أَصْدَقَهَا عَبْداً يُسَاوِي أَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ تَرَدَّ أَلْفاً فَنِصْفُ العَبْدِ مَبِيعٌّ ونصْفُهُ صَدَاقٌ وَهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ؛ وَفِي جَمْعِهِمَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْلاَنِ، فَإنْ صَحَّحْنَاهُمَا فَلَوْ أَرَادَ إِفْرَادَ الصَّدَاقِ أَوْ المَبِيعِ بِالرَّدِّ بِالعَيْبِ جَازَ عَلَى أَحَدَ الوَجْهَيْنِ، بخِلاَفِ ما لَوْ رَدَّ نِصْفَ العَبْدِ المَبِيعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَصْدَقَهَا عَبْداً، على أن تَرُدَّ عليه مائة أو ألفاً 56، وصورته أن يقول للولي: زوِّج ابْنَتَكَ مِنِّي، وملكني كذا من مالها بولاية أو وِكَالَةٍ بهذا العَبْدِ، فَيُجِيبُهُ إليه، أو يقول الولي: زَوَّجْتُكَ بنتي، ومَلَّكْتُكَ كذا من مالها، بهذا العَبْدِ، فَيَقْبَلُ الزَّوْجُ، وهذا جَمْعٌ بين عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَي الحِكم في صَفْقَةٍ واحدة؛ لأن بعض العَبْدِ مَبِيعٌ، وبعضه صَدَاقٌ، وفيه قولان ذكرناهما في البَيْعِ:
أصحهما: صِحَّة العَقْدَيْنِ، وهذا الخلاف في البَيْع والصَّدَاقِ، وأما النكاح، فإنه يصح لا مَحالَةِ؛ لأنه لا يَفْسَدُ بالجَهْلِ في الصَّدَاقِ، إلا على قول من خَرَّجَ أن فَسَادَ الصَّدَاقِ يُوجبُ فَسَادَ النِّكَاحِ على ما سبق، وإن لم يَصِحُّ العَقْدَانِ، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وإن صححناهما وَزَّعْنَا العَقْدَ علَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وعلى الثَّمَنِ، فإذا كان مَهْرُ المثل أَلْفَ دِرْهَمٍ، والثمن أَلْفاً، والعبد يُسَاوِي ألفين، فَنِصْفُ العَبْدِ مَبِيعٌ، ونصفه صَداقٌ، فإن طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قبل الدُّخُولِ، رجع إليه نِصْفُ الصداق، وهو رُبعُ العَبْدِ، وإن فُرِضَتْ رِدَّةٌ أو فَسْخٌ، رجع إليه جَمِيعُ الصَّدَاقِ، وهو نِصْفُ العبد، ولو تَلِفَ العَبْدِ قبل القبض تَسْتَرِدُّ الألف، ولها للصداق مَهْرُ المِثْلِ، في أصح القولين، ونِصْفُ قِيمَةِ العَبْدِ، في القول الثاني، ولو وجد الزَّوْجُ بِالثَّمَنِ الذي أخذه عَيْباً وَرَدَّهُ اسْتَرَدَّ المَبِيعَ، وهو نِصْفُ العَبْدِ، ويبقى لها النَّصْفُ الآخر، ولو وَجَدَتِ العَبْدَ مَعِيباً، فَرَدَتْهُ اسْتَرَدَّتِ الثَّمَنَ، ويرجع الصداق إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو نصف القيمة؟ فيه القولان.
ولو أرادت أن تَرُدَّ أَحَدَ النصفين وَحْدَهُ، فقد مَرَّ في البَيْعِ أن العَبْدَ المَبِيعَ لو خرج مَعِيباً وأراد المشتري رَدَّ بَعْضَهُ، لم يكن له ذلك، وأنه لو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ في صَفْقَةٍ واحدة، ثم وجد بهما عَيْباً، وأراد إِفْرَادَ أَحَدِهِمَا، ففيه القولان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفقَةِ، وهاهنا طريقان:
أحدهما: فيه قولان، كما في رَدِّ أحد العَبْدَيْنِ.
والثاني: القَطْعُ بالجَوَازِ؛ لأن الانْتِقَالَ حَصَلَ بِعَقْدَيْنِ مختلفين، وقد يختصر، فيقال في إفراد أَحَدِ النَّصْفَيْنِ بالرَّدِّ وَجْهَانِ:
الجزء: 8 - الصفحة: 258
أظهرهما: الجواز لِتَعَدُّدِ العَقْدِ.
والثاني: المَنْعُ لما فيه من ضَرَرِ التَّشْقِيصِ، ولو قال: زوجتك جَارِيَتِي أو بنتي، وبِعْتُكَ عَبْدِي، أو عبدها بكذا، ففي صِحَّةِ البَيْع والصداق قولان: ذكرناهما في تفريق الصَّفْقَةِ (1)، فإن صَحَّحْنَاهُمَا، وُزِّعَ العِوَضُ المذكور على مَهْرِ المِثْلِ، وقيمة العبد فما يَخُصُّ مَهْرَ المِثْلِ يكُونُ صَدَاقاً وإذا وجد الزوج بالعَبْدِ عَيْباً، ورَدَّهُ، يَسْتَرِدُّ الثمن، وليس للمرأة رَدُّ الباقِي، والرجوع إلى مَهْرِ المثل؛ لأن المُسَمَّى صَحِيحٌ، وإن رَدَّ العَبْدَ بِعَيْبٍ، أو فَسَخَ النِّكَاحَ قبل الدخول بِعَيْبٍ، ارْتَدَّ إليه جَمِيعُ العِوَضِ المذكور، وإن خرج العِوَضُ المعين مُسْتَحقّاً، يريد العبد والرجوع للصداق إلى مَهْرِ المِثْلِ، في أصح القولين، وإلى حِصَّةِ الصَّدَاقِ منه في الثاني.
وقوله في الكتاب: "فإن أَصْدَقَها عَبْداً يُسَاوِي ألفين على أن تَرُدَّ ألْفاً فنصف العبد مبيع ونصفه صداق" لا يلزم من أن يُسَاوِيَ العَبْدُ ألفين، ويكون المَرْدُودُ أَلْفاً أن يكون نِصْفُ العَبْدِ مَبِيعاً، ونِصْفُهُ صَدَاقاً، بل يجب مع ذلك أن يكون مَهْرُ المِثْلِ أيضًا أَلْفَاً على ما صَوَّرْنَاهُ، وهو المراد، وإن لم يذكره لفظاً.
"
فرع
"
لِبِنْتِهِ مائة دِرْهَمٍ، فقال لغيره: زَوَّجْتُكَ ابنتي هذه، ومَلَّكْتُكَ هذه الدَّرَاهِمَ، بهاتين المائتين لك، فالبيع والصَّدَاقُ باطِلاَنِ، نَصَّ عليه في "الأم"؛ لأنه قَابَلَ الفِضَّةَ وغيرها بالفِضَّةِ، وهو ربَا وإن كان من أحد الطرفين دَنَانِيرَ، كان ذلك جَمْعاً بين الصَّدَاقِ والصَّرْفِ, ففيه ما سَبَقَ من القولين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَمَعَ في عَقْدٍ وَاحِدٍ بَيْنَ نِسْوَةٍ عَلَى صَدَاقٍ وَاحِدٍ فَفِي صِحَّةِ الصَّدَاقِ قَوْلاَنِ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَجْهَلُ نَصِيبَ نَفْسِهَا، وَكَذَا فِي الخُلْعِ نَصَّ عَلَى أنَّهُ لَوِ اشْتَرَى عَبِيداً مِنْ جَمَاعَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فالبَيْعُ بَاطِلٌ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَ عَبِيدَهُ عَلَى عِوَضٍ وَاحِدٍ صَحَّتِ الكِتَابَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ شَوْبِ العِتْقِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الجَمِيعِ لَكِنَّهُ لا خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ العَبْدَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الألْفِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى قِيمَتِهِ وَعَلَى قِيمَةِ عَبْدِ فُلاَنٍ لَمْ يَصِح البَيْعُ (التَّفْرِيعُ) إِنْ قَضَيْنَا بِصِحَّةِ الصَّدَاقِ وُزِّع عَلَى مُهُورِ أَمْثَالِهِنَّ، وَقِيْلَ: عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِنَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ،57
الجزء: 8 - الصفحة: 259
وَإِنْ قَضَيْنَا بِالفَسَادِ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِلَى قِيمَةِ ما يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيعُ عَلَى قَوْلٍ لأَنَّ هَذَا مَجْهُولٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَجْهُولاً لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّن مَهْرُ المِثْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جمع بين نِسْوَةٍ في عَقْدٍ واحد، وذكر لِلْكُلِّ صَدَاقاً واحدًا، يصح النِّكَاحُ، وفي الصَّدَاقِ قولان، وهذا قد يُصَوَّرُ عند اتِّحَادِ الوَليَّ بأن يكون للِرَّجُلِ بَنَاتُ ابن، أو أخ، أو عم مختلفات الآباء، أو يكون له عَتِيقَاتٌ، وقد يُصَوَّرُ مع التَّعَدُّدِ بأن وَكَّلَ أَوْلِيَاءُ النِّسْوَةِ رَجُلاً، فَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ واحد أَحَدُ القولين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد أنه صحيح؛ لأن الجملة مَعْلُومَةٌ، وستعلم التفصيل بالتَّوْزِيعِ، وإذا علمت الجملة والتفصيل كَفَى ذلك لِصِحَّةِ العَقْدِ؛ ألا ترى أنه لو بَاعَ عَبِيداً له أو شِقْصاً وعَبْداً يجوز، وإن كانت حِصَّةُ كل واحد مَجْهُولَةٌ، ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بدرهم، يصح، وإن كانت الجملة مَجْهُولَةً.
وأصحهما: الفَسَادُ؛ لأن تَعَدُّدَ العاقد يُوجِبُ تَعَدُّدَ العقد، والصَّدَاقُ مجهول في كل عقد، فيفسد، ويجري القَوْلاَنِ، فيما لو خالَعَ نِسْوَةَ على عِوَضٍ واحد، هل يفسد العِوَضُ؟ وتحصل البَيْنَونُةُ لا مَحَالَةَ.
وقطع بعضهم بالفساد في الصورتين، ويحكى ذلك عن أبي إسْحَاقَ، والمَنْقُولُ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه لَو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ أو عبيداً، كُلَّ وَاحِدٍ لمالك صفقة واحدة، إما من المَالِكِينَ، أو من وَكِيلِ لهم، بَطَلَ البَيْعَ، وأنه لو كَاتَبَ عَبِيداً على عِوَضٍ واحد، تصح الكِتابَةُ، واختلف في البيع والكِتابَةِ، الذين أَثْبَتُوا القولين في النِّكَاحِ والخُلْعِ على أربعة طُرُقٍ.
أحدها: إِثْبَاتُ القولين في البَيْعِ والكِتَابَةِ أيضاً؛ إلا أن القَوْلَيْنِ في النكاح والخُلْعِ في صِحَّةِ المُسَمَّى، لا في أَصْلِ النكاح والبَيْنُونَةِ، وهاهنا القولان في أصْلِ البيع، وكذا في الكِتابَةِ؛ لأنها تَفْسَدُ بفساد العِوَضِ، كالبيع، والقولان على هذه الطريقة يُمْكِنُ أخذهما من القَوْلَيْن في النكاح والخُلْعِ، ويمكن اسْتِخْراجُهُمَا من التَّصَرفِ في نَصِّ "البيع" و"الكتابة".
والثانى: إِثْبَاتُ القَوْلَيْنِ في الكتابة، والقَطْعُ بِفَسَادِ البيع، والفرق أن البَيْعَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ، وتَأْثِيرُ فساد العوض والجَهْلِ به في البَيْع أَشَد من تأْثِيرِهِمَا في العُقُودِ الثلاثة؛ لأن البَيْعَ يَلْغُو بفساد العِوَضِ، والجَهْلِ به، والنِّكَاحُ والبَيْنُونَةُ لا يَتأَثَّرانِ بذلك، والكتابة وإن فسدت لا تَلْغُو، بل إذا أَدَّى المُسَمَّى عُتِقَ بموجب التَّعْلِيقِ.
والثالث: إِثْبَاتُ القَوْلَيْنِ في البيع، والقَطْعُ بِصِحَّةِ الكتابة، والفَرْقُ من وجهين:
الجزء: 8 - الصفحة: 260
أحدهما: أن في الكِتَابَةِ شَائِبَة التَّعْلِيقِ، وَيتَعَلَّقُ به العِتْقُ، فيسامح فيها، ويحتمل ما لا يحتمل في العُقُودِ الثلاثة، ولذلك جُوِّزَ أَصْلُ العَقْدِ، وإلا فالقياس فَسَادُهُ؛ لأن السَّيِّدَ يقابل مِلْكَهُ بملكه، والثاني أن العَبِيدَ في الكتابة لِمَالِكٍ واحد.
وعن رَأْيهِ يصدر قبولهم، فصار ما لو باعَ عَبْدَيْنِ من واحد، وسَائِرُ العقود بخلافه.
والطريق الرابع: القَطْعُ بِفَسَادِ البيع، وصحة الكتابة، وتخصيص القولين بالنِّكَاحِ والخُلْعِ، والفَرْقُ ما بُيِّنَ إن أفردت البيع عن الكتابة فالحاصل في البَيْعِ طريقان:
أَقرَبُهُما: إِجْرَاءُ القولين، وبه قال ابن سُرَيْجٍ، وهو الذي أَوْرَدْناهُ في "باب تفريق الصَّفْقَةِ" في "البيع" عند التَّعَرُّضِ لهذه المَسْأَلَةِ.
والثاني: القَطْعُ بالمنع، وبه قال الإِصْطَخْرِيُّ وفي الكتابة طريقان:
أَظْهَرُهُمَا: إِجْرَاءُ القولين.
والثاني: القَطْعُ بالصحة.
وإذا قلنا بصحة الصَّدَاقِ المُسَمَّى فَظَاهِرُ المَذْهَب أن المُسَمَّى يُوَزَّعُ على مُهُورِ أمثالهن، فإن اسْتَوَتِ المُهُورُ اسْتَوَيْنَ فيه، وإن تَفاوَتَتْ، كما لو باع عَبِيدَهُ صَفْقَةً واحِدَةً يُوَزَّعُ الثمن على قِيَم العَبِيدِ، إذا احتيج إلى التَّوْزِيعِ وفيه وجه، أو قول أنه ضعيف يُوَزَّعُ على عَدَدِ رُؤُوسِهِنَّ لِذِكْرِ المَهْرِ في مقابلتهن ويحكى هذا عن ابن القاصِّ، والأُسْتَاذِ أبي طَاهرٍ.
وإن قلنا بفساد الصَّدَاقِ ففيما يجب لهن؟ قولان كالقولين فيما إذا قال: أصْدَقْتُكِ هذا العَبْدَ، فخرج حُرّاً أو مُسْتَحقّاً.
أصحهما: أن لكل واحِدَةٍ منهن مَهْرَ مِثْلِها، ويسقط المذكور بالجَهَالَةِ والثاني: أنه يُوَزَّعُ المُسَمَّى على مُهُورِ أَمْثَالِهنَّ، ولكل واحدة منهن ما يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيعُ، ويكون الحَاصِلُ لهن على هذا القَوْلِ، كالحاصل إذا قلنا بصحة المُسَمَّى 58.
الجزء: 8 - الصفحة: 261
ولو زَوَّجَ أمتيه من عَبْدٍ على صَدَاقٍ وَاحِدٍ، صَحَّ النِّكَاحُ والصداق؛ لأن المستحق واحد، وهو كما لو بَاعَ عَبْدَيْنِ بِثَمَنٍ واحد، ولو كان له أَرْبَعُ بَنَاتٍ، ولآخر أربع بنين، فَزَوجَ أبو البَنَاتِ بَنَاتِهِ من بَنِي الآخر، صَفْقَةً واحدة بِمَهْرٍ واحد، بأن قال: زوَّجْتُ بنتي فلانة من ابنك فلان، وفلانة من فلان بألف، فقد حكى صاحب "التتمة" فيه طريقين:
إحداهما: أن في صِحَّةِ الصَّدَاقِ ما سَبَقَ من القولين.
والثاني: القَطْعُ بالبُطْلاَنِ؛ لأن تَعَدُّدَ العَقْدِ هاهنا أَظْهَرُ لتعدد مَنْ وقع العَقْدُ له من الجانبين.
وقوله في الكتاب في حكاية نصِّ الربيع: لو "اشترى [عبيداً من جماعة" ليس الغَرَضُ التَّقْييدَ بما إذا كان الشِّرَاءُ من جماعة، بل لو اشترى] من وَكِيلِهِمْ، كان الحُكْمُ كذلك على ما مَرَّ.
ويجوز أن يعلم قوله: "فالبَيْعُ بَاطِلٌ " بالحاء؛ لأن عن أبي حنيفة أنه صَحِيحٌ، وقوله بعد حكايته النصين.
"وقيل بِطَرْدِ القولين في الجَمِيع" فيه إِشَارَةٌ إلى أن منهم من قَطَعَ بموجب النصين، ولم يَطْرُدِ القولين وقوله: "لكنه لا خِلاَفَ ... " إلى آخره، تَوْجِيهٌ لقول الفَسَادِ، وبَيَان ترجيحه، وإن حَرَرْنَا القولين، وذلك أنه لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا، بما يَخُصُّهُ من ألف درهم، إذا وزّع على قيمته وقِيمَةِ عَبْدِ فلان، أو قيمة عبدي الآخر فلان؛ فلا خِلاَفَ أنه لا يَصِحُّ البَيْعُ، ولو صَحَّ هناك لَصَحَّ في هذه الصورة؛ لأنه ليس فيها إلا التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى العَقْدِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) أنْ يَتَضَمَّن إِثْبَاتُ الصَّدَاقِ رَفْعَهُ كَمَا إِذَا قَبِلَ النِّكَاحَ لابنه لِعَبْدِهِ وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقَهَا فَيَفْسَدُ النِّكَاحُ لأَنَّهُ ثَبَتَ وَمَلَكَتْ زَوْجَها لانْفَسَخَ، أَمَّا إِذَا زَوَّجَ مِنِ ابْنِهِ امْرَأَةَ وَأَصَدْقَهَا أُمَّ ابْنِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَسَدَ الصَّدَاقُ؛ لأَنَّهَا لا تَدْخُلُ في مِلْكِهَا مَا لَمْ تَدْخُلْ في مِلْكِهِ وَلَوْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ لَعُتِقَتْ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ دُونَ الصَّدَاقِ.
= قال في التوسط بعد نقل كلام المهمات وتغليطه: قد مانع رحمه الله في التغليط والتبجح بما لا طائل تحته، وعلى ما في الوسيط جرى ابن الرفعة وغيره، والحاصل كما أورده المتولي وغيره أنا إذا قلنا بالفساد، ففيهما يجب لكل واحدة قولان أظهرهما مهر مثلها.
والثاني أن المسمى يوقع على مهره وأمثالهن ولكل واحدة منهن ما يقضيه التوزيع من مثله إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً كما لو خرج مستحقاً، فالحاصل لهن على هذا القول كالحاصل لهن على القول بصحة المسمى؛ لأن هذا وإن كان مجهولاً فمعرفته ممكنة بخلاف ما لو أصدقها مجهولاً لا يمكن معرفته حيث يرجع إلى مهر المثل قولاً واحدًا ولا مانع من اتحاد تفريع أحد القولين معها لقول الآخر لمعنى اقتضاه.
انتهى.
وكان صاحب الخادم لم يرَ كلام التوسط فتغ المهمات في التغليظ وقد حرر الاذرعي المسألة نقلاً وحجاجاً قاله البكري في حاشيته.
الجزء: 8 - الصفحة: 262
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَقَدَّمَ على شَرْحِ ما في الأَصْلِ 59 أن الأَبَ إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لابنه الصغير, أو المَجْنُونِ، فإما أن يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ من مالِ الابن، أو من مالِ نَفْسِهِ، إن أَصْدَقَها من مال الابن، فَالكَلاَمُ في أنه هل يَصِيرُ ضَامِناً للصداق، إذا كان دَيْناً؟ وهل يَرْجِعُ إذا عزم على ما تَقَدَّمَ؟ فإن تَطَوَّعَ وأَدَّاهُ من مَالِ نَفْسِهِ، ثم بذل الابن وَطَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فالنَّصْفُ يرجع إلى الأَبِ، أو إلى الابن المُطَلِّقِ؟.
فيه طريقان عن الدَّارِكِيِّ أنه على وَجْهَيْنِ، كالوجهين فيما لو تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بأداء الصَّدَاقِ عنه، ثم طَلَّقَ قبل الدُّخُولِ، يرجع النِّصْفُ إلى المُطَلِّقِ، أو إلى الأجنبي؟.
أحدهما: أنه يَرْجِعُ إلى الزَّوْجِ؛ لأن النَّصْفَ إنما يَحْصُلُ بالطَّلاَقِ، والطلاق وُجِدَ منه.
والثاني: أنه يَرْجِعُ إلى المُتَبَرِّع؛ لأنه بَذَلَ المَالَ لِيَدُومَ النِّكَاحُ بينهما، فإذا لم يَحْصُلْ هذا الغَرَضُ، رجع إلى ما بَذَلَ.
وجَوَابُ عَامَّةِ الأصحاب أنه يَعُودُ إلى الزَّوْجِ، دون الأب، وخَصَّصُوا الوَجْهَيْنِ، بما إذا كان التَّبَرُّعُ من الأجنبي والفَرْقُ أن الأب يَتَمَكَّنُ من تمليكه المَالَ، فيكون قَابِلاً، ومُوجِباً، وقابضاً ومُقْبضاً، وإذا حَصَلَ المِلْكُ للابن، ثم صارَ للْمَرْأَةِ، عاد بالطَّلاَقِ إليه، والأجنبي لا يَتَمَكَّنُ من تمليكه المَالَ؛ لأنه لا وِلاَيَةَ له عليه، فالأَدَاءُ عنه لا يَكُونُ إلا إِسْقَاطَاً وتَبْرِئَةً لِذِمَّتِهِ، فإن كان الابن بالِغاً 60، وأَدَّى الأب عنه، فليكن ذلك كَأَدَاءِ الأجنبي.
وقَضِيَّةُ هذا الكَلاَمِ أن يكون الأَظْهَرُ من الوجهين في الأَجْنَبِيِّ أنه يَعُودُ النِّصْفُ إليه، ولذلك ذَكَرَهُ الإِمَامُ، وقال: إن استبعد مُسْتَبْعِدٌ رُجُوعَ النِّصْفِ إلى غَيْرِ الزوج، فَسَبَبُهُ، أن أَدَاءَ الصَّدَاقِ وُجِدَ من غير الزَّوْج، وإذا قلنا بأنه يَعُودُ إلى الابن المُطَلِّقِ، فإن كان الذي حَصَلَ له بالطلاق يَدُلُّ ما أَخَذَتْهُ المرأة لِتَصَرُّفِهَا فيه، فلا رُجُوعَ للأب فيما حصل، وإن كان من عَيْنِ المأخوذ، فيخرج مما أَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" طريقان:
أحدهما: أنه لا رُجُوعَ أيضاً.
والثاني: أن فيه وجْهَيْنِ، كما لو وهبَ من أبٍ عَيْناً، فزال مِلْكُهُ عنها، ثم عاد، والظَّاهِرُ المَنْعُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 263
وعلى الطريقة الثانية لو كان الابْنُ بَالِغاً، فمنهم من طَرَدَ الوَجْهَيْنِ، ومنهم من قَطَعَ بالمَنْعِ؛ لأنه ليس لِلأَبِ تَمِلْيكُهُ، والأَدَاءُ عنه مَحْضُ إِسْقَاطٍ، فإن أَصْدَقَهَا من مال نفسه، فيجوز، ويكون ذلك تَبَرعاً منه على الابْنِ 61.
قال في "التهذيب": وسواء كان ذلك عَيْناً أو دَيْناً، ثم إذا بَلَغَ الصَّبِيُّ، وطَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، عاد الخِلاَفُ فيمن يرجع إليه النِّصْفُ، وإذا أَجَبْنَا بالظَّاهِرِ، وهو العَوْدُ إلى الابن، فإن كان قد أَصْدَقَها عَيْناً، وبقيت بِحَالِهَا، فيرجع النصف إليه، فهل للأب الرُّجُوعُ فيه الخِلاَفُ المذكور فيما إذا زَالَ [ملك الابن] 62 في المَوْهُوب، ثم عاد، وإن كان قد أَصْدَقَها دَيْناً.
قال في "التهذيب": لا رُجُوعَ للأب، فيما حَصَلَ، كما لو اشْتَرَى الأب لابنه الصَّغِيرِ شَيْئاً بِثَمَنٍ في الذّمَّةِ، ثم أَدَّاهُ من مالِهِ، ثم وَجَدَ الابْنُ بالمبيع عَيْباً, فَرَدَّهُ يَسْتَردُ الثمن، ولا يرجع الأب فيه، بخلاف ما لو خَرَجَ المَبِيعُ مستحقّاً, يعود الثَّمَنُ إلى الأب: لأنه بَانَ أنه لم يَصِحَّ الأدَاءُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 264
وإذا ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ قبل الدُّخُولِ، فالقول فيمن يَعُودُ إليه كُلُّ الصَّدَاقِ، وفي رجوع الأب فيه، إذا عَادَ إلى الابْنِ، كالقول في النِّصْفِ عند الطَّلاَقِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فمن مَدَارِكِ فَسَادِ الصَّدَاقِ أن يَلْزَم من إثْبَاتِ الصَّدَاقِ رَفْعُهُ، وذلك إما أن يكون بتَوَسُّطِ تَأْثِيرِهِ، في رفع النكاح، أو لا يكون بهذا التَّوَسُّطِ، والكتاب يَشْتَمِلُ على مِثَالِ كُلِّ وَاحِدٍ من القِسْمَيْنِ، أما الأول فإذا أَذِنَ لِعَبْدِهِ في أن يَنْكِحَ امْرَأَةً، ويجعل نفسه صَدَاقاً لها، ففعل، لا يَصِحُّ الصَّدَاقُ؛ لأنه لو صَحَّ لملكت زَوْجَهَا، فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، وَيرْتَفِعُ الصَّدَاقُ، ولا يصِح النِّكَاحُ أيضاً؛ لأنه اقْتَرَنَ به ما يُضَادّه، فكان كَشَرْطِ الطَّلاَقِ، ولأن مِلْكَ الزوج لو طَرأَ في دَوَام النِّكَاح أبْطَلَهُ وإذا قارن الابتداء منع الانعقاد، كما أن مَحْرَمِيَّةَ الرِّضَاعِ لما كان طَارِئُهَا مُبْطِلاً للنكاح، كان مُقَارِنُهَا مَانِعًا من الانْعِقَادِ، ومن الأئمة من قال على سَبِيلِ الاحْتِمَالِ 63: يجوز أن يُقَال: يَصِحُّ النِّكَاحُ، ويَفْسَدُ الصَّدَاقُ.
وقوله في الكتاب: "كما إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لعبده، وجعل رَقَبَتَهُ صَدَاقَهَا" قَبُولُ نِكَاحِ العَبْدِ من السَّيِّدِ يجوز أن يُبْنَى على جَوَازِ إِجْبَارِ العَبْدِ على النكاح، ويمكن تَصْوِيرُهُ فيما إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لِعَبْدِهِ البالغ، بإذنه، وهذا إذا كانت المَرْأَةُ حُرَّةً.
أما إذا أَذِنَ له في أن يَنْكِحُ أَمَةً، ويجعل نَفْسَهُ صَدَاقاً لها، ففعل، يَصِحُّ النِّكَاحُ، والصَّدَاقُ؛ لأن المَهْرَ للسيد لا لها، وليس فيه إلا اجْتِمَاعُ الزَّوْجَيْنِ في مِلْكِ شخص واحد، أنه لا يمنع صِحَّة العقد، ثم لو طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قبل الدُّخُولِ، فَيَنْبَنِي على أن السَّيِّدَ إذا باع عَبْدَهُ بعد ما نَكَحَ بِإِذْنِهِ، ثم طَلَّقَ العَبْد المَنْكُوحَةَ، وبعد أَدَاءِ المَهْرِ، وقبل الدُّخُولِ إلى من يَعُودُ النصف؟.
فيه وجوه ثلاثة:
أصحهما: أنه يكونَ لِلْمُشْتَرِي، سَوَاء أَدَّاهُ البائع من مالِ نَفْسِهِ، أو أَدَّى من كَسْبِ العَبْدِ إما قبل البيع أو بعده؛ لأن المِلْكَ في النِّصْفِ إنما يَحْدُثُ بالطلاق، والطَّلاَقُ وقع في ملك المشتري، فالحَاصِلُ به يكون لِلْمُشْتَرِي، كَسَائِرِ الأكْسَابِ بعد الشراء.
والثاني: يَعُودُ إلى البائِعِ، بكل حال: لأنه وَجَبَ في مِلْكِهِ، فما سَقَطَ منه يَعُودُ إليه.
والثالث: إن أَدَّاهُ البائِعُ من عنده أو أدَّى من كَسْبِ العبد قبل البيع، فيعود الشَّطْرُ إلى البائِعِ؛ لأنه مُؤَدّى من ملكه، وإن أَدَّى من كَسْبِهِ بعدَ البيع، فَيَعُودُ إلى المشتري.
الجزء: 8 - الصفحة: 265
ولو فَسَخَ أَحَدُهُمَا النِّكَاحَ بِعَيْبٍ، بعد جَرَيَانِ البَيْع، وقبل الدُّخُولِ، أو ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ، أو عُتِقَتْ، وفسخت بالعتق فتجري الوُجُوهُ في أن كُلَّ الصَّدَاقِ إلى من يَعُود؟.
ولو أنه أَعْتَق العَبْدَ، ثم طَلَّق العبد، قبل الدخول، أو حَدَثَ شَيْءٌ من الأَسْبَابِ المذكورة؛ فحيث نَقُولُ بالعَوْدِ إلى البائع، يعود هاهنا إلى المُعْتِقِ، وحيث جَعَلْنَاهُ للمشتري، فيكون هاهنا للْعَتِيقِ، فإن قُلْنَا بالأَصَحِّ, وهو العَوْدُ إلى المشتري، ففي المَسْأَلَةِ التي كُنَّا فيها تَبْقَى رَقَبَةُ العَبْدِ كُلُّهَا لمالك الأَمَة.
وإن قُلْنَا بالعَوْدِ إلى البائع، فكذلك هاهنا يَعُودُ النِّصْفُ إلى السيد المصدق، في صورة الطَّلاَقِ، ولو فرضت رِدَّةٌ أو فَسْخٌ بِعَيْبٍ، يعود الكل إليه، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ.
ولو عتق مالك الأَمَةِ العَبْدَ، ثم إنه طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ، فعلى المُعْتِقِ نِصْفُ قيمة العَبْدِ، في صورة الطَّلاق، وجميعها في الرَّدَّةِ، والفَسْخُ بالعَيْبِ، ويكون ذلك للزَّوْجِ الذي عتق على الأَصَحِّ، ولسَيِّدِهِ الأول على الوَجْهِ الآخر.
ولو قَبِلَ نِكَاحَ أَمَةٍ لعبده الرَّضيع، على قولنا: إنه يَجُوزُ إِجْبارُ العَبْدِ الصغير على النِّكَاح [وجعله صداقاً] 64 فأرضعت الأَمَةُ زَوْجَهَا، وانْفَسَخَ النِّكَاحُ، لِصَيْرُورَتِهَا أُمّاً له، فالعَبْدُ يَبْقَى لمالك الأَمَةِ، على الأصَحِّ، وعلى الوجه الآخر يَعُودُ إلى سَيِّدِهِ الأول، ولو ارْتَضَعَ الصَّغِيرُ بِنَفْسِهِ، فهو كالطَّلاَقِ قبل الدخول.
ولو بَاعَ مالِكُ الأَمَةِ العَبْدَ، ثم طَلَّقَ العَبْدَ قبل الدخول، أو فُرِضَتْ رِدَّة أو انْفِسَاخٌ، فعلى الوجه المُقَابِلِ للأصح، يجب عليه لِسَيِّدِ العَبْدِ الأول نِصْفُ قيمة العبد في الطلاق، وجميع قِيمَتِهِ في سائر الصُّوَرِ.
وأما على الوجه الأَصَحِّ فقد أطلق في "التهذيب" أنه لا شَيْءَ عليه.
وقال الشيخ أبو عَلِيٍّ: يرجِع مُشْتَرِي العَبْدِ عليه بِنِصْفِ القِيمَةِ، أو بجميعها؛ لأن الصَّدَاقَ على هذا الوَجْهِ يكون أبداً لمن له العَبْدُ، يوم الطَّلاَقِ، أو الفسخ، وهذا هو الصَّوَابُ ولْيؤوَّلْ ما في "التهذيب" على أنه لا شَيْءَ عليه للسَّيِّدِ الأول، ولو أنه بَاعَ الأمةَ ثم طلق أو فسخت فعلى الأصَحِّ يَبقَى العَبْدُ له، ولا شيء عليه، وعلى الوجه الآخر يَعُودُ نِصْفُهُ أو كله إلى السيد الأول.
وأما القِسْمُ الثاني فإذا كانت اُمُّ ابنه الصَّغِيرِ في مِلْكِهِ؛ بأن اسْتَولَدَ أَمَةَ الغير بالنكاح، ثم إنه مَلَكَها وَوَلَدَهَا، يُعْتَقُ عليه الوَلَدُ، ولا تُعْتَقُ الأُمُّ، ولو قَبِلَ له نِكَاحَ
الجزء: 8 - الصفحة: 266
امْرَأةٍ، وأصْدَقَهَا أُمَّةُ لم يَصِحَّ الصَّدَاقُ؛ لأن ما يجعله صَدَاقاً عن ابنه يدخل في مِلْكِ الابن أولاً، ثم يَنْتَقِلُ إلى المَرْأَةِ، ولو دخلت في مِلْكِهِ لَعُتِقَتْ عليه، وامْتَنَعَ انْتِقَالُهَا إلى المرأة صَدَاقاً، فيصح النِّكَاحُ، وَيَفْسَدُ الصَّدَاقُ، وإذا فَسَدَ الصَّدَاقُ، جاء الخلاف في أن الوَاجِبَ مَهْرُ المِثْلِ، أو قيمتها، هذا ما ذكره في هذه الصُّورَةِ، لكن ذكرنا خِلاَفاً فيما إذا أَصْدَقَ الأبُ الصَّغِيرَ من مَالِ نَفْسِهِ، ثم بلغ الابن، وطَلَّقَ قَبْلَ الدخول، في أن نِصْفَ المَهْرِ يَرْجِعُ إلى الابْنِ، أو الأب فمن قال: يرجع إلى الأَبِ، فقد يُنَازعُ في قولنا: لا يَدْخُلُ الصَّدَاقُ في مِلْكِهَا، حتى يَدْخُلَ في ملك الابن.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) أنْ يُزَوِّجَ مِنَ ابْنِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ أَوْ ابْنتِهِ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ المِثْل فَيَفْسَدَ الصَّدَاقُ وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلاَنِ، وَوجْهُ الفَسَادِ أَنَّ الرُّجُوعِ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ دُونَ رِضَاهُمْ وَمَا قَنِعُوا بِهِ بَعِيدٌ، وَلَو أَصْدَقَ زَوجَةَ ابْنِهِ أكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ وَلَكِنْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ في مِلْكِ الابْنِ ضِمْناً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لابْنِهِ الصغير, أو المَجْنُونِ، بمهر المِثْلِ، أو دُونَهُ، أو بعين مال من أمْوالِهِ، هي قَدْرُ مَهْرِ المِثْلِ، أو دونه، صح، وإن قَبلَهُ بأكثر من مَهْرِ المِثْلِ، فالصداق فَاسِدٌ , وكذا لو زَوَّجَ ابْنَتَهُ المَجْنُونَةَ بأقل من مَهْرِ المِثْلِ، أوابنته البِكْرِ الصغيرة، أو البَالِغَةَ، ولم يُرَاجِعْهَا، يَفْسَدُ الصَّدَاقُ، خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد -رضي الله عنهم- حيث قالوا: يَصِحُّ المُسَمَّى.
لنا القِيَاسُ على ما لو بَاعَ مَالَهَا، بما دون ثَمَنِ المِثْلِ، فإذا فَسَدَ الصَّدَاقُ، ففي النِّكاحِ قولان:
أصحها: لأنه يَصحُّ، كما في سَائِرِ الأَسْبَابِ المُفْسِدَةِ للصداق، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، وفيما إذا أَصْدَقَهَا عَيْناً وَجْهٌ لأنه يَصِحّ التَّسْمِيَةُ في قَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
والثاني: لأنه لا يَصِحُّ النكاح؛ لأنه تَرَكَ ما فيه حَظُّهَا وَمَصْلَحَتُهَا، فأشبه ما إذا زَوَّجَها من غير كُفْءٍ وأيضًا فإن الَّتِي قَبِلَ نِكَاحَها، لم تَرْضَ إلا بالزِّيَادَةِ على مَهْرِ المِثْلِ، فإذا رددنا إلى مَهْرِ المِثْلِ، لم يكن النكاح مُرْضِيًا به، والذي زَوَّجَ ابْنَتَهُ منه، لم يَرْضَ إلاَّ بأقَلَّ من مَهْرِ المِثْلِ، فإذا ارْتَقَيْنَا إلى مَهْرِ المثل لم يكن النكاح مَرْضِيّاً به فيمتنع تَصْحِيْحُهُ، وإلى هذا يرجع معنى قوله في الكتاب: "أن الرجوع إلى مَهْرِ المثل دون رِضَاهُمْ وما قَنِعُوا به بَعيدٌ" أي: مَا قَنِعَتْ به المَرْأَةُ التي قَبِلَ نِكَاحَهَا لابنه، ولا أَوْليَاؤُهَا، ولو أَصْدَقَ ابنه من مَالِ نَفْسِهِ أكثر من مَهْرِ المِثْلِ، فقد أَوْرَدَ الإِمَامُ فيه احتمالين:
أحدهما: أنه يَفْسَدُ المُسَمَّى، كما لو أَصْدَقَ من مَالِ الابن، وذلك لأن ما يجعله صَدَاقاً، يدخل في ملك الابن، وإذا دَخَلَ في مِلْكِهِ لم يَجُزِ التَّبَرُّعُ به.
الجزء: 8 - الصفحة: 267
الثاني: أنه يَصِحُّ، وتَسْتَحقُّ المرأة المُسَمَّى, لأن المَجْعُولَ صَدَاقًا لم يكن مِلْكًا للابن، حتى يفوت عليه، وإنما يَحْصُلُ المِلْكُ في ضِمْنِ تَبرُّعِ الأب، فلو لم نُصَحِّحْهُ لَفَاتَ على الابن، ولَزِمَ مَهْر المثل في ماله، وهذا ما أوْرَدَهُ صاحب الكتاب، وصاحب "التهذيب" وفي "التتمة" و"أمالي" أبي الفرج تَرْجِيحُ الاحْتِمَالِ الأول 65، وأَيَّدَ ذلك بأن الصَّبِيَّ لو لزمه كَفَّارَةُ القَتْلِ، فأعتق الوَلِيُّ عنه عَبْداً لنفسه، لم يَجُرْ؛ لأنه يَتَضَّمَنُ دخوله في مِلْكه وإعتاقه عنه وإعتاق عبد الطفل لا يجوز 66، وُيؤَيِّدُهُ أيضاً ما إذا قَبِلَ له نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وجعل أُمَّه صَدَاقَهَا على ما قَدَّمْنَا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا تَوَاطَأَ أَوْلِيَاءُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى ذِكْرِ ألْفَيْنِ فِي العَقْدِ ظَاهِراً
الجزء: 8 - الصفحة: 268
وَعَلَى الاكْتِفَاءِ بِأَلْفٍ باطِنًا فَالْوَاجِبُ مَهْرُ السِّرِّ أَوِ العَلاَنِيَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ، مَأْخَذُهُمَا أَنَّ العِبْرَة بِالاصْطِلاحَ الخَاصِّ أَوِ العَامِّ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: إذا اتَّفقُوا على مَهْرٍ في السِّرِّ 67، وأَعْلَنُوا بأَكْثَرَ من ذلك، فعن الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أنه قال في موضع: إن المَهْرَ مَهْرُ السِّرِّ، وقال في موضع آخر: إِن المَهْرَ مَهْرُ العَلانِيَةِ، وُينْسَبُ هذا إلى "الإِملاء".
وفيها طريقان للأصحاب:
أحدهما: إِثْبَاتُ قولين في المَسْأَلَةِ، وبه قال المُزَنِيُّ، وفي موضعهما طريقان مذكوران في "النهاية":
أحدهما: أن موضع القَوْلَيْنِ، ما إذا اتَّفَقُوا على ألف واصْطَلَحُوا على أن يعبروا عن الألف في العَلاَنِيَةِ بألفين، أَظْهَرُ القولين: أن الوَاجِبَ ألْفَانِ لَجَرَيَانِ العَقْدِ على اللفظ الصَّرِيحِ في معناهما.
والثاني: أن الواجِبَ أَلْفٌ اعْتِبارًا بما تَوَاضَعُوا، واصْطَلَحُوا عليه، والألْفَاظُ لا تعني لأعْيَانِها، وإنما ينظر إلى مَعَانيهَا ومقصودها، فهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب، حيث قال: "إن العِبْرَةَ بِالإصْطِلاَحِ الخَاصِّ أو العَامِّ".
والثاني: إثْبَاتُ قولين مهما اتَّفَقُوا على أَلْفٍ، وجرى العَقْدُ بِألْفَيْنِ، وإن لم يَتَعَّرَضُوا لتعبير اللغة، والتَّعْبِيرُ بالألفَيْنِ على ألف اكْتِفَاءً بما قَصَدُوهُ ورَضُوا به.
قال الإِمام قَدَّسَ الله روحَهُ: وعلى هذه القَاعِدَةِ تَجْرِي الأَحْكَامُ المتَلَقَّاةُ من الألْفَاظِ، فلو قال لزوجته: إذا قُلْتُ: أنت طَالِقٌ ثَلاَثًا، لم أُرِدْ به الطَّلاَقَ، وإنما غَرَضٍ أن تَقُومي وتَقْعُدِي، أو أُرِيدُ بالثلاث واحِدَةً، فالمذهب أن ذلك لا عِبْرَةَ به.
وفيه وجه أن الاعْتِبارَ بما تَوَاضَعَا عليه.
ثم ما المَعْنَى بما أَطْلَقْنَاهُ في الطريقين من الاتِّفَاقِ في السِّرِّ، أهو مُجَرَّدُ التَّرَاضِي، والتَّوَاعد أم المُرَادُ ما إذا جَرَى العَقْدُ بألف في السِّرِّ، ثم عَقَدُوا بألفين في العَلاَنِيَةِ، منهم من يُشْعِرُ كَلاَمُهُ بالأول، وقَضِيَّة لفظ "التهذيب" وغيره إِثْبَاتُ القولين، وإن جرى العَقْدَانِ قال صاحب "التهذيب" وخَرَّجَ بعض أصحابنا من هذا الخِلاَفِ أن المُصْطَلَحَ عليه قبل العَقْدِ كالمَشْرُوطِ في العَقْدِ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذلك.
والطريق الثَّانِي: وهو الأَصَحُّ تَنْزِيلُ النصين على حالين، فحيث قال: المَهْرُ مَهْرُ
الجزء: 8 - الصفحة: 269
السِّرِّ، أراد ما إذا جَرَى العَقْدُ بألف في السِّرِّ، ثم أَتَوْا بلفظ العَقْدِ في العلانية، وذكروا الألفين تَجمُّلاً، وهم مُتَّفِقُونَ على بَقَاءِ العَقْدِ الأول، وحيث قال: المَهْرُ مَهْرُ العلانية، أراد ما إذا تَوَاعَدُوا أن يكون المَهْرُ أَلْفًا، ولم يعقدوا في السِّرِّ، وعقدوا في العلانية، فيكون المَهْرُ ما عُقِدَ عليه العَقْدُ، لا ما سَبَقَ به الوَعْدُ.
ونقل الحناطي وغيره في المسْأَلَةِ نَصًا ثَالِثًا، وهو أنه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، ويفسد المُسَمَّى، وَحَمَلُوه على ما إذا جَرَى العَقْدُ بألفين على شَرْطِ أن يكتفي بألف، أو على ألا يلزمه إلا أدَاءُ الأَلْفِ.
ويجوز أن يُعلَّمَ لما بَيَّنَّاهُ قوله في الكتاب: "قولان" بالواو وقوله: "أَوْلِيَاءِ الزَّوْجَيْنِ" لا يَخُفَى أنه لا يشترط أن يكون الزوج بحيث يَلِي أَمْرَهُ ولِيٌّ، والمعتبر تَوَافُقُ الزوج والوَليّ، وقد يحتاج إلى مُسَاعَدَةِ المرأة.
قَالَ الغَزالِيُّ: (السَّادِسُ) أَنْ يُخَالِفَ الأَمْرُ فَإذَا قَالَتْ: زَوِّجْنِي بأَلْفٍ فَزَوَّجَهَا الوَلِيُّ أَوْ وَكِيلُ الوَلِيِّ بِخَمْسِمِائَة لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي مُطْلقَاً فَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، وَقِيلَ: يَصِحَّ وَيَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ زَوَّجَها مُطْلَقًا فَيَحْتَمِلُ التَّصْحِيحَ لِلْمُطَابَقَةِ، وَيُحْتَمِلُ الإِفْسَادَ؛ لأنَّ مَفْهُومَ المُطْلَقِ ذِكْرُ المَهْرِ عُرْفًا، وَلَوْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي بِمَا شَاءَ الخَاطِبُ فَزَوَّجَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَالوَاجِبُ مَهْرُ المِثْلَ، وَلَوْ عَرِفَ مَا شَاءَ الخَاطِبُ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ بِمَا شِئْتَ صَحَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِخَلَلِ اللَّفْظِ إِذْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: لا يشترط في إِذْنِ المَرْأَة، حيث يعتبر إذنها تَقْدير المَهْرِ، ولا ذكره، ولكن لو قدرت فقالت: زوجني بألف مَثَلًا، فَزَوَّجَها الوَلِيُّ أو وَكِيلُهُ، بخمسمائة لم يَصِحَّ 68، وألحق في "التهذيب" بهذه الصورة ما إذا زَوَّجَهَا الوَلِيّ بلا مَهْرٍ، أو زَوَّجَهَا مُطلقًا، وفي بعض التَّعَالِيقِ عن الإِمَامِ أن منهم من قال في حق الوَليِّ: قولان كالقولين في تَزْوِيجٍ المُجْبَرِ بدون مَهْرِ المِثْلِ؛ لأن غير المُجْبَرِ من الأَوْلِيَاءِ، إذا وجد الإذْنُ الْتَحَقَ بالمُجْبَرِ، وخرج عن رُتْبَةِ الوَكِيلِ الذي يُزوَّجُ بالإذْنِ المُجَرَّدِ، ولو قالت لوكيَل الوَلِيِّ: زوجني مُطْلقًا، ولم تَتَعَرَّضْ لِلمَهْرِ، فَزَوَّجَهَا الَوَكِيلُ بما دون مَهْرِ المِثْلِ، ففي فَسَادِ النكاح [قولان، ذكرهما] 69 الإِمَامِ قدَسَ -الله رُوحَهُ- وغيره.
أظهرهما: عنده وعند صاحب الكتاب القَطْعُ بالفَسَادِ؛ لأن المُطْلَقَ مَحْمُولٌ على مَهْرِ المِثْلِ، فكأنها قدرت به.
فنقص.
الجزء: 8 - الصفحة: 270
والثاني: أنه على قولين:
أحدهما: الفَسَادُ.
والثاني: الصِّحَّةُ والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، وأورد في "التهذيب" هذين الطريقين، فيما إذا وَكَّلَ الوَلِيّ بالتَّزْوِيجِ مطلقًا، فزوج الوَكِيلُ، ونَقَصَ عن مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا قلنا: لا يصح نِكَاحُ الوَكِيلِ لو نَقَصَ، فلو أنه أَطْلَقَ التَّزْوِيجَ، ولم يتعرض لِلْمَهْرِ، ففيه احتمالان للإِمام.
أحدهما: أنه لا يَصِحُّ النِّكَاحُ أيضًا؛ لأن الإِطْلاَقَ يَقْتَضِي ذِكْرِ المَهْرِ عُرْفًا.
وأصحهما: الصحة، والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأن المَأْتِيَّ به يُطَابِقُ الإذْنَ، ولأن المُطْلق إذا اقْتَفَى مَهْرَ المِثْلِ، كان إِطْلاَقُ العَقْدِ كَذِكْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
ولو أنها أَذِنَتْ للْوَلِيَّ في التزويج مُطْلقًا، فَزَوَّجَ مما دون مَهْرِ المثل، فيفسد النكاح أَو يَصِحُّ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ فيه قولان، كما سَبَقَ، وكذا لَوْ زَوَّجَها بلا مَهْرٍ، وفيه طريق آخر أنه يُقْطَعُ بالفَسَادِ، كما في الوَكِيلِ، وهذا يَدُلُّ على أن إِذْنَها في النكاح، والسُّكُوتُ عن المَهْرِ ليس بِتَفْوِيضٍ، وفيه شَيْءٌ سنذكره في أَوَّلِ باب التَّفْوِيضِ، ولو قالت للوكيل أو للولي: زَوَّجْنِي بما شَاءَ الخَاطِبُ، فقال المَأْذُونُ للخاطب: زوَّجْتُكَهَا بما شِئْتَ، فإن لم يَعْرِف ما شاء الخَاطِبُ، فقد زَوَّجَهَا بِمَجْهُولِ، فيصحُّ النِّكَاحُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، وإن عرف ما شاء فوجهان:
أظهرهما: صِحَّةُ الصَّدَاقِ لإِحَاطَتِهَا بالمقصود.
والثاني: وبه قال القَاضِي الحُسَيْنُ -لا يصح الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ لِخَلَلِ اللفظ، وإِبْهَامِهِ 70، ويجوز أن يرجع الخِلاَفُ إلى أن العِبْرَةَ باللفظ أو المَعْنَى.
الجزء: 8 - الصفحة: 271
"
فروع
"
لو قال الوَلِيُّ للوكيل: زوَّجْهَا ممن شَاءَتْ بكم شَاءَت، فَزوَّجَهَا بِرِضَاهَا من غير كُفْءٍ بأقل من مَهْرِ المِثْلِ، يجوز، ولو قال: زَوِّجْها بألف، فَزوَّجَهَا بخمسمائة بِرِضَاهَا قال في "التتمة": المذهب أنه يَصِحُّ النكاح؛ لأن الصَّدَاقَ مَحْضُ حَقِّ المرأة.
وفيه وجه أنه لا يَصِحُّ؛ لأن النِّكَاحَ الذي وَكَّلَهُ غَيْرُ الذي باشَرَهُ.
ولو جاء رجل وقال: أنا وَكِيلُ فلان في قَبُولِ نِكَاح فلانة بكذا، فَصَدَّقَهُ الوِلِيُّ والمرأة، وجرى النكاح وضمن مدعي الوِكَالَةِ الصَّدَاقَ 71، ثم إِن فلانًا أَنْكَرَ وَصَدَّقْنَاهُ باليَمِينِ، فهل يطالب مدعي الوِكَالَةِ بشيء من الصَّدَاقِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن مُطَالَبَةَ الأَصْلِ قد سَقَطَتْ، والضامِنْ فَرْعٌ.
وأصحهما: ويُحْكَى عن نَصِّهِ في "الإملاء" أنه يُطَالَبُ بنصف الصَّدَاقِ؛ لأن المال ثَابِتٌ عليهما بزَعْمِهِ، وصاحبه ظالم في الإِنكار، فصار كما لو قال: لزيد على عَمْرو كذا، وأنا ضَامِنٌ، وأنكر عمرو ويجوز لزيدَ مُطالبة الضَّامِنِ والله أعلم.
[فرع: في "فَتَاوَى البَغَويِّ" أنه إذا قال الوَليُّ للوكيل: لا تُزوّجْهَا إلا بِشَرْطِ أن ترهن بالصَّدَاقِ فلاناً، أو يَتَكَفَّلَهُ فُلاَنٌ، صَحَّ، وعلى الوكيل الاشتراط.
فإن أَهْمَلَهُ، لم يَصِحَّ النكاح.
ولو قال: زَوِّجْها بكذا وخُذْ به كَفِيلًا، فزوجها بلا شَرْطٍ، صح النِّكَاحِ؛ لأنه أمَرَهُ بأمرين امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا.
وإن قال: لا تُزوِّجْهَا إذا لم يَتَكَفَّلْ فلان، ينبغي ألا يصح التَّوْكِيلُ؛ لأن الكَفَالَةَ تَتَأَخَّرُ عن النكاح، وقد منع العَقْد إلا بها، وأنه إذا قال للوَكِيلِ: زَوِّجْهَا بألف وَجَارِيَةٍ، ولم يَصِفِ الجَارِيةَ، فزوجها الوَكِيلُ بألف، لم يَصِحَّ.
ولو قال: زوجها بِخَمْرِ، أو خِنْزِيرٍ، أو مجهول، فَزَوَّجَهَا بألف دِرْهَمٍ، فإن كان ذلك نَقْدَ البَلَدِ، وَقَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو أكثر، صَحَّ النِّكَاحُ والمُسَمَّى، وإلاَّ فلا] = فقال إن صاحب البيان لم يجد ذلك عن الخراسانيين بل حكاه المسعودي ومراده صاحب الإبانة والنقل عن واحد لا يقتضي أن يكون نقل عن الخراسانيين كلهم.
قال في البيان: والطريق الأول أصح.
الجزء: 8 - الصفحة: 272
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي المُفَوِّضَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَنعْنِي بِالتَّفْوِيضِ إِخْلاَءَ النِّكَاحِ عَنِ المَهْرِ بِأمْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ المَهْرَ كَمَا إِذَا قَالَتِ البَالِغَة العاقلة: زَوِّجْنِي بِغَيْر مَهْرِ فَزَوَّجَ وَنَفيَ المَهْرَ أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، وَكَذَا السَّيِّدُ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ مَهْرِ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ السَّفِيهَةِ لا يُعْتَبَرُ في إِسْقَاطِ المَهْرِ، وَكَذَا الصَّبِيَّةُ، ثُمَّ المُفَوَّضَةُ تَسْتَحِقُّ عِنْدَ الوَطْءِ مَهْرَ المِثْلِ، وَهَلْ تسْتَحِقُّ بِالعَقْدِ؟ فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَلا خِلاَفَ أنَّهَا لا تَسْتَحِقُّ الشَّطْرَ عِنْدَ الطَّلاَقِ إِلاَّ إِذَا جَرَى الفَرْضُ بَعْدَ العَقْدِ، وَلَوْ أَصْدَقَهَا خَمْراً تشَطَّر مَهْرَ المِثْلِ لأَنَّهُ كَالمَفْرُوضِ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: التفويض 72 أن يَجْعَلَ الأمْرَ إلى غيره، وَيكِلَهُ إليه، ويُقَال: إنه الإِهْمَالُ، ومنه [البسيط]:
لاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى ... ....................
الجزء: 8 - الصفحة: 273
وتسمى المَرْأَةُ المُفَوِّضَةَ؛ لِتَفْوِيضِها أَمْرَهَا إلى الزَّوْجِ، أو الوَلِيِّ بلا مَهْرٍ، أو لأنها أَهْمَلَتِ المَهْرِ، ومُفَوَّضَةً؛ لأن الوَلِيَّ فَوَّضَ أَمْرَهَا إلى الزَّوْج؛ لأن الأَمْرَ في المَهْرِ مُفَوَّضٌ إليها إن شاءت نَفَتْهُ، وإلا فلا وصَدَّرَ صَاحِبُ الكتاب البَابَ بفصلين:
أحدهما: في تصوير التَّفْوِيض.
والثاني: في بيان حُكْمِ المَهْرِ إذا جَرَى التَّفْوِيضُ.
أما الأَوَّل فقد قال الأصحاب: التَّفْوِيضُ ضَرْبَانِ: تفْوِيضُ مَهْرٍ، وتَفْويضُ بُضْعٍ فتفويض المَهْرِ، أن تقول [لوليها] 73 زوجني بما شِئْتَ [أو ما شئت أنا] 74 أو ما شاء الخَاطِبُ، أو فلان، فإن زوَّجَهَا على ما ذَكَرَتْ من الإبْهَامِ، فالحُكْمُ ما مَرَّ في الفَصْلِ السابق، وإن زوَّجَهَا بما عين المذكور من مَشِيئَتِهِ، صَحَّ المُسَمَّى، وإن كان دون مَهْرِ المِثْلِ، وإن زوَّجَهَا بلا مَهْرٍ، فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ، أو يصح، ويجب مَهْرُ المثل؟.
فيه الخِلاَفُ الذي بَيَّنَّا فيما إذا أَطْلَقَتِ الإِذْنِ، وزوج الوَلِيَّ بما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ، والنِّكَاحُ في هذه الصورة غير خَالٍ عن المَهْرِ، وليس هذا التَّفْوِيضُ بالتَّفْوِيضِ الذي عُقِدَ له الباب.
وأما تَفْوِيضُ البُضْعِ، فالمراد منه إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عن المَهْرِ، وإنما يعتبر إِذْنُهَا إذا صَدَرَ من مُسْتحقِّ المَهْرِ، وذلك بأن تَقُولَ البالغة المالكة لأمرها ثَيِّبًا كانت أو بِكْرًا: زَوَّجْنِي بلا مَهْرٍ، أو على أن لا مَهْرَ لي، فَزَوَّجَهَا الولي، ونَفَى المَهْرَ أو سكت عنه، ولو قالت: زَوَّجْنِي، وسَكَتَتْ عن المهر فالذي ذكره الإِمام وغيره أن ذلك ليس بِتَفْويِضٍ؛ لأن النكاح يُعْقَدُ بالمهر في الغالب، فيحمل الإذْنُ على العَادَةِ الغَالِبَةِ، فكأنها قَالَتْ: زَوِّجْنِي بِالمَهْرِ ويوافقه ما تَقَدَّمَ، وفي بعض كُتُبِ العِراقيِّينَ ما تَقْتَضِي كَوْنَهُ تَفْوِيضًا 75؛ لأن اللفظ لا يَتَعَرَّضُ إلا للنِّكَاحِ، وأنه يَنْعَقِدُ بِمَهْرٍ، وبغير مَهْر، بخلاف
الجزء: 8 - الصفحة: 274
ذكر الثَّمَنِ في البيع لا يُحْتَاجُ إليه؛ لأن البَيْعَ لا يَخْلُو عنه، ومن التّفْوِيض الصحيح أن يقول سَيِّدُ الأمة: زَوَّجْتُهَا بلا مَهْرٍ، أَلْحَقُوا به ما إذا سكت عن ذكر المَهْرِ 76، وقد يقوي بهذا ما ذكره العراقيون.
ولو أَذِنَتْ في التَّزْوِيجِ على أن لا مَهْرَ لها في الحال، ولا عند الدُّخُولِ، ولا غيره، فَزَوَّجَها الولي كذلك، وقلنا بِظَاهِرِ المذهب وهو وُجُوبُ المَهْرِ، عند الدخول، ففي صحة النِّكَاحِ وجهان:
أحدهما: المنع، ويحكى عن ابن أبي هُرَيْرَةِ -رضي الله عنه- لأن لا مَهْرَ لها بحال مَوْهُوبَةٌ، ونكاح المَوْهُوبَةِ مختصٌّ بالنَّبِيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وأشبههما: الصحة وعلى هذا، فهو تفْوِيضٌ فاسِدٌ، فيجب مَهْرُ المثل يُلْغَى النَّفْيُ في المستقبل ويقال: إنه تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ؟ فيه وجهان:
وبالأول: قال أبو إسحاق تَوْجِيهًا بأنّه شَرْطٌ فَاسِدٌ، والشَّرْطُ الفَاسِدُ في النكاح يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ 77، ولو أنكحها الولي، ونَفَى المَهْرَ، من غير أن تَرْضَى هي بِمَهْرِ المِثْلِ، فهو كما لو نقص عن مَهْرِ المِثْلِ 78، فإن كان مُجْبَرًا، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، أو يبطل فيه قولان.
وإن كان غير مُجْبَرٍ، فيجري القولان، أو يُجْزَمُ بالبُطْلاَنِ؟ فيه طريقان وقد سَبَقَ جميع ذلك عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أن يَصِحُّ تفويض الوَليِّ المجبر، إذا صححنا عَفْوَهُ.
ولا يَصِحُّ تَفْوِيضُ السَّفيهَةِ المَحْجُورِ عليها، ولا تَفْوِيضُ الصَّبِيَّةِ، وإن كانت مُمَيِّزَةً، وتَفَّوِيضُهَا في المهر لعدم التفويض.
وأشار في الكتاب بقوله: تَفْويِض السَّفِيهَةِ لا يُعْتَبَرُ في إسقاط المهر" إلى أنها إذا قالت: زَوِّجْنِي بلا مَهْرٍ، يستفيد به الإِذن في النكاح، فلا يَلْغُو قَوْلُهَا على الإِطلاق، وإنما يَلْغُو فيما يرجع إلى المَهْرِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 275
ولو نَكَحَهَا على أن لا مَهْرَ لها، ولا نَفَقَةَ، أو على أن لا مَهْرَ لها، وتُعْطِي زوجها الْفاً، فهذا أبْلَغُ في التفويض، ولو قالت للولي: زوجني بلا مَهْرٍ، فزوجها بالمهر، نظر إن زوَّجَهَا، بِمَهْرِ المِثْلِ من نَقْدِ البَلَدِ، صح المسمى، وإن زَوَّجَهَا بدون مَهْر المِثْلِ، أو بغير نَقْدِ البلد، لم يَلْزَمِ المسمى، وكان كما لو نَكَحَهَا على صُورَةِ التَّفْوِيضِ.
" الفَصْلُ الثَّانِي" "في حُكْمِ المَهْرِ إِذَا جَرَى التَّفْوِيضُ"
وفيه مسألتان:
إحداهما: هل تَسْتَحِقّ المُفوَّضَةُ المَهْرَ بنفس العَقْد؟ فيه طريقان:
أظهرهما: وهو المَذْكُورُ في الكتاب أنه على قولين 79 أنه لا يَجِبُ بِنَفْس العَقْدِ شَيْءٌ؛ لأن المَهْرَ حَقُّهَا، فإذا رَضِيَتْ بأَلاَّ يَثْبُتَ وجب ألا يَثْبُتَ، كما أنها إذا رَضِيَتْ بأَلاَّ ينفي.
والثاني: يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنا نحكم لها بالمَهْرِ عند الوطء، والوطء لا يجوز أن يُوجِبَ المَهْرَ؛ لأَن المَهْرَ إذا لم يجب بالعَقْدِ يكون الوطء تَصَرُّفًا فيما مَلَكَهُ بغَيْرِ بَدَلٍ، والتَّصَرُّفُ فيما يَمْلِكُهُ بغير بدل لا يُوجِبُ ضَمَانًا، كما إذا وَهَبَ منه الطَّعَامَ، فأكله.
والثاني: القَطْعُ بالقول الثاني، وإذا قلنا بالطريقة الأُولَى، فما حال قَوْلِ الوُجُوبِ؟.
أشار الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: إلى أنه مَنْصُوصٌ، والأظهر أنه مُخَرَّجٌ، واختلفوا في أنه مم مخرج من القول بوجوب المَهْرِ، فيما إذا مات أَحَدُ الزوجين في صُورَةِ التَّفْوِيضِ على ما سيأتي.
ووجه التَّخْرِيج أن المَوْتَ لا يَصْلُحُ مُوُجبًا، بدليل الموت في النِّكَاحِ الفَاسِدِ، وإذا لم يَحْصُلُ الوُجُوبُ بالموت [كان سابقًا] 80 عليه، وقيل: هو مُخَرَّجٌ من قولنا: إنه لا بدّ في الفَرْضِ من العِلْمِ بِمَهْرِ المِثْلِ، وذلك يَدُلُّ على أن المَفْرُوضَ بَدَلٌ ينتقل إليه عن المَهْرِ الواجب.
فإن قلنا: لا يجب بالعَقْدِ، فلو وَطِئَهَا، يجب مَهْرُ المثل؛ لأن البُضْعَ لا يَتَمَحَّضُ حَقّاً للمرأة، بل فيه حَقُّ الله -تعالى- ألا ترى أنه لا يُبَاحُ بالإِبَاحَةِ، فَيْصَانُ عن التَّصَوُّرِ
الجزء: 8 - الصفحة: 276
بصورة المُبَاحَاتِ، وأيضًا فإن الزِّنَا لو شرط فيه مَالٌ لا يثبت؛ لأن المَالَ لا يَتَعلَّقُ به شَرْعًا، فكذلك الوطء المحترم إذا نُفِيَ عنه، وجب ألا يَنْتَفِي؛ لأنه يَتَعَلَّقُ به المَالُ شَرْعًا وفيه وجه أنه لا يَجِبُ بالوَطَءِ مَهْرٌ خرجه القاضي الحُسَيَنُ، فيما إذا وَطِئَ المُرْتَهِنُ الجَارِيَةَ المَرْهُونَةَ بِإذْنِ الرَّاهِنِ ظَانًا أنها تُبَاحُ بالإذْنِ، حيث لا يَجِبُ المَهْرُ في أحد القولين، والجامع حُصُولُ الإِذْنِ من مالك البُضْعِ، وصوت التَّفْويِضِ أَوْلَى، بألا يجب فيها المهر؛ لأن الإِذْنَ فيها إِذْنٌ في وَطْءٍ مباح، بخلاف إذن المرتهن، وموضع هذا التخريج على ما حَكَاهُ أكثر من رَوَاهُ.
ومنهم صاحب "التتمة" ما إذا جَدَّدَتُ الإِذْنَ في الوَطْءِ، وصَرَّحَتُ بِنَفْي المَهْرِ، دون ما إذا لم يَجْرِ سوى التَّفْوِيضِ، ودون ما إذا جددت الإِذْنَ ولم تُصَرَّحُ بنَفْيَ المَهْرِ، وقياس مَسْأَلَةِ الرّهْنِ ألا يحتاج إلى التَّصْرِيحِ، والتقييد بنفي المَهْرِ.
قال الإِمام: والقِيَاسُ ألا يُشْتَرَطَ تَجْدِيدُ الإِذْنِ؛ لأن النِّكَاحَ على صُورَةِ التفويض أَثْبَتُ الاستحقاق لِلزَّوْجِ بلا عِوَضِ، والإذْنُ المجرد لا يُصَادِفُ حَقَّهَا، قال: وقد رَأَيْتُ في بعض المَجْمُوعاتِ ما يَدُلُّ على طرد التخريج، وإن لم يُوجَدْ إِذْنٌ جديد.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، وأَوْجَبْنَا مَهْرَ المِثْلِ، فالاعتبار بِحَالَةِ العَقْدِ، أم بحالة الوَطْءِ؟! فيه وجهان أو قولان:
أحدهما: أن الاعتبار بحال الوطء فإن الوطء هو الذي لا يُعَرَّى عن المَهْرِ، أما العَقْدُ فَيُعَرَّى.
وأَصَحُّهُمَا 81: على ما ذكر الرُّوَيانِيُّ، وهو الذي أَوْرَدَهُ ابن الصَّبّاغ أنه يُعْتَبَرُ حَالَةُ العَقْدِ، وَوجِّهُوهُ بأن العَقْدَ هو الذي اقْتَضَى الوجوب عند الوَطْءِ، واسْتَنبَطَ الإِمَامُ من هذا الخلاف مَسْلَكَيْنِ:
أحدهما: أنَّا نَتَبَيَّنُ بجريان الوَطْءِ وُجُوبَ المَهْرِ بالعَقْدِ، وعلى هذا فالأَمْرُ مَوْقُوفٌ إن ارتفع النِّكَاحُ، ولم يجر وطءَ تبينا أن المَهْرَ لم يَجِبْ بالعَقْدِ، وإن جرى بَانَ وُجُوبُهُ بالعَقْدِ.
والثاني: أن يُقْطَعَ بِخُلُوِّ العَقْدِ عن المَهْرِ، ووجوبه بالوطء، ويجعل الخلاف في أن الاعْتِبارَ بحالة العَقْدِ، أم بحالة الوَطْءِ، كالخلاف في أنا إذا أَوْجَبْنَا في الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرَ قيمة الأم، تُعْتَبَرُ قِيمَتُها يوم الجِنَايَةِ، أم يوم الانْفِصَالِ واعلم أن قَضِيَّةَ القَوْلِ باعتبار حَالَةِ العَقْدِ إِيجابُ مَهْرِ ذلك اليوم، سواء كان أقل أو أكثر، لكن ذَكَرَ المُعْتبرون إنه إن كان أكثر أَوْجَبْنَاهُ وإن كان أَقَلَّ لم يقتصر عليه, لأن البُضْعَ دَخَلَ بالعَقْدِ في ضَمَانِهِ، فإذا اقترن به
الجزء: 8 - الصفحة: 277
الإِتْلاَفُ أوجبنا أكثر ما يكون عِوَضًا، كما إذا قَبَضَ شَيْئًا لشراء فاسد، وأَتْلَفَهُ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ قِيمَتِهِ، من يوم القبض إلى الإِتلاف وعلى هذا، فالعِبَارَةُ المُطابِقَةُ لِلْغَرْضِ أن يقال: يجب أكبر مَهْرٍ، من يوم العقد إلى الوطء أو أكبر مَهْرٍ، من يوم العقد، ويوم الوطء.
وذكر الحناطيُّ نحوًا منه.
ولو مات أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قبل المَسِيس، وقبل أن يُفْرَضَ لها مَهْرٌ، فهل يجب مَهْرُ المِثْلِ؟ روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -وقد نُكِحَتْ بغير مَهْرٍ، فمات زوجها [قبل أن يَفْرِضَ لها] 82 -: "بمهر مثيلاتِهَا وبالميراث" 83 ولكن في رُواتِهِ اضْطِرابٌ قيل: رَوَاهُ مَعْقِلُ بن يَسَارٍ.
وقيل: ابن يَسَارٍ.
وقيل: رجل من أَشْجَعَ، أو ناس من أَشْجَعَ، فظهر لذلك تُرَدُّدٌ في كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- وللأصحاب -رحمهم الله- طُرُقٌ:
أحدها: أنه إن ثَبَتَ الحَدِيثُ وَجَبَ المَهْرُ، وإلا فقولان.
والثاني: إن لم يثبت لم يجب، وإن ثَبَتَ، فقولان.
والثالث: إن ثَبَتَ وَجَبَ، وإلا فلا وهو ظَاهِرُ لَفْظِهِ في "المختصر".
وأشبههما وأظهرهما: إِطْلاَقُ قولين في المَسْأَلَةِ، وبه قال أصحابنا العِرَاقِيُّونَ والحَلِيميُّ:
أحدهما: وبه قال مالك -أنه لا يَجِبُ المَهْرُ؛ لأن المَوْتَ فُرْقَةٌ وَرَدَتْ على نِكَاحِ تَفْوِيضٍ، قبل الفرض والوطء، فلا يجب المَهْرُ كالطلاق.
والثاني: يَجِبُ، وبه قال أحمد؛ لأن المَوْتَ بِمَثَابَةِ الوطء في تقرير المُسَمَّى، فكذلك في إيجَابِ المَهْرِ في صورة التَّفْوِيضِ، وهذا يُوافِقُ مَذْهَبَ أبي حَنِيْفَةَ؛ لأنه يقول
الجزء: 8 - الصفحة: 278
بوجوبه بالعَقْدِ، وتقريره بالموت، وما الأظهر من القولين؟.
ذكر المُتَوَلِّي أن الأظهر الوُجُوبُ، ويقال: إنه اختيار صاحب "التقريب"، وأنه صحح الحديث وقال: الاخْتِلاَفُ في الرُّوَاةِ لا يَضُرُّ؛ لأن الصحابة عُدُولٌ كلهم، ولأنه يحتمل أن بعضهم نَسَبَهُ إلى أبيه، وبعضهم إلى جَدٍّ لَهُ قَرِيبٍ أو بَعِيدٍ، وبعضهم إلى قَوْمِهِ وقَبِيلَتِهِ.
والذي رَجَّحَهُ أصحابنا العراقيون أنه لا يجب 84، وبه أخذ الإِمَامُ، وصاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّويَانِيُّ.
وإذا قلنا بالوجوب فيجب مَهْرُ المِثْلِ، باعتبار يوم العَقْدِ، أو يوم المَوْتِ، أو أقصى مَهْرٍ؟ حكى الحناطي فيه ثلاثة أوجه 85.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَة: لو طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ بها، نظر إن لم يَفْرِضْ لها بَعْدُ، فلا تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ، إن قلنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، ولكنها تَسْتَحِقُّ المُتْعَة، على ما سيأتي وإن قلنا: يجب مَهْرُ المِثْلِ بنفس العَقْدِ، فعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وهو المذكور في "التتمة" أنه يُشَطَّرُ كالمُسَمَّى الصحيح في العَقْدِ، وكَمَهْر المِثْلِ، إذا جَرَتْ تسمية فَاسِدَةٌ، والمشهور أنه يَسْقُطُ المَهْرُ إلى المُتْعَةِ، واسْتَثْنَوْا صورة التَّفْويضِ، على القول بوجوب المَهْرِ، عن تَشَطَّرِ مَهْرِ المِثل بالطلاق، وإن طَلَّقَها بعد الغَرْضِ تَشَطَّر المَفْرُوضُ، كالمسمى في العَقْدِ.
وعند أبي حنيفة يسقط المفروض، وتجب المُتْعَةُ.
وقوله في الكتاب: "ولا خِلاَفَ أنها لا تَسْتحِقُّ الشَّطْرَ عند الطلاق" اتبع فيه الإِمَامَ، فإنه قال بعد نَقْل التَّشَطُّرِ عن شيخه: وهذا قِيَاسٌ حكى، لكنه خِلاَفُ ما عليه الأصْحَابُ، فهو غير مُعْتَدٍّ به، ولا يلتحق بالوجوه الضعيفة، فَحَصَلَ في المَسْأَلَةِ طريقان: قاطع بمنع التَّشَطُّرِ، وصَائِرٌ إلى الخلاف.
وقوله: "لو أصدقها خَمْرًا تَشَطَّرَ مَهْرُ المِثْلِ" ليس المُرَادُ منه ما إذا فَرَضَ الخَمْرَ في دوام نِكَاحِ المُفَوِّضَةِ، فهذه الصورة مَذْكُورَةٌ: من بَعْدٌ وإنما المراد ما إذا سَمَّى في الابتداء خَمْرًا، وسبب ذكر هذه المَسْأَلَةِ أنه احتج في "الوسيط" لعدم التَّشَطُر بأن القِيَاسَ سُقُوطُ جميع المَهْرِ بالطلاق، إلا أن الله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فَشَطَّرْنا بهذا النص ما سَمَّى وفرض، ثم بَيَّنَ أن تَشَطُّرَ مَهْرِ المِثْلِ إذا سمي خَمْرًا خارج عن هذه
الجزء: 8 - الصفحة: 279
القَضِيَّةِ؛ لأن تسمية الخمر تُثْبِتُ أَصْلَ المَهْرِ، فالْتَحَقَ بالمسمى المفروض، فبقيت الصُّورَةُ مُدْرَجَةً من خلال هذه المَسَائِلِ، وإن لم يذكر الاحتجاح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَعْنَى الفَرْضِ تَعْينُ الصَّدَاقِ أَوْ تَقْدِيرُهُ وَكَانَ الوَاجِبُ بِالعَقْدِ أَوْ بِالمَسِيسِ المُنْتَظَرِ مَهْرَ المِثْلِ أَوْ مَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ أَحَدُهُمَا لا بِعَيْنِهِ، وَلِلمَرَّأَةِ عَلَى القَوْلَيْنِ طَلَبُ الفَرْضِ لِتَقْرِيرِ الشَّطْرِ أَوْ لِتَعْرِيفِ ما سَيَجِبُ بِالمَسِيسِ، وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِلفَرْضِ لاَ لِتَسْلِيمِ المَفْرُوضِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ العِلْمِ بِمَهْرِ المِثْلِ عِنْدَ الفَرْضِ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ إِثْبَاتُ الأَجَلِ في المَفْرُوضِ؟ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ إِثْبَاتُ زِيادَةٍ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ إِذَا كَانَ الفَرْضُ مِنْ جِنْسِهِ؟ وَجْهَانِ، وَلا خِلاَفَ فِي أنَّهُ يَجُوزُ تَعْيينُ عَرْضٍ يُسَاوِي أَضْعَافَ مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ أَبْرَأَتْ قَبْلِ الفَرْضِ جَازَ عَلَى قَوْلِ الوُجُوبِ بِالعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ بِالوَطْءِ خُرِّجَ عَلَى قولي الإِبْراءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ وَجَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَلَوْ قالَتْ: اسْقَطْتُ حَقَّ الفَرْضِ لَمْ يَسْقُطْ، وَلَوْ فَرَضَ لَهَا خَمْرًا لَغَا الفَرْضَ وَلَمْ يُؤَثِّرْ في التَّشْطِيرِ بِخِلاَفِ المَقْرُونِ بِالعَقْدِ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الفَرْضِ فَرَضَ القَاضِي بِنِيَابَةٍ قَهْريَّةٍ وَلا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ فَرَضَ الأَجْنَبِيُّ صَحَّ وَلَزِمَهُ المَفْرُوضُ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالأَدَاءِ، وَقِيلَ: لاَ يَصِحُّ فَرْضُ الأجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا لم يوجب المَهْرَ لِلْمُفوِّضَةِ بنفس العَقْدِ، وهو الصحيح، فلها مُطَالَبَةُ الزوج بِفَرْضِ مَهْرٍ قبل المَسِيسِ، لتكون على ثَبْتٍ من تسليمِ نَفْسِهَا، وتَعْرِفُ أنها عَلاَمَ تُسَلِّمُ نَفْسَها، وقد تَتَوقَّعُ المَرْأَةُ زِيادَةً على مَهْرِ المثل، وإن أوْجَبْنَاهُ بنفس العَقْدِ، فمن قال: إنه يَتَشَطَّرُ بالطَّلاَقِ قبل المَسِيسِ، قال: ليس لها طَلَبُ الفَرْضِ، ولكن تطالب بالمَهْرِ نَفْسِهِ، كما لو وَطِئَهَا، ووجب مَهْرُ المثل، تُطَالِبُ به لا بالفَرْضِ، ومن قال: لا يَتَشَطَّرُ، قال: لها طَلَبُ الفَرْضِ ليتقرر الشَّطْرُ، فلا يَسْقُطُ لو طلقها قبل المَسِيسِ، وهذا هو الأَظْهَرُ، والمذكور في الكتاب، ويجوز لها أن تَحْبِسَ نَفْسَها لِلْفَرْضِ، وهل لها الحَبْسُ لتسليم المَفْرُوضِ الذي حَكَاهُ الإِمَامُ عند الأصحاب، وأَوْرَدَهُ صاحب الكِتَابِ أنه ليس لها ذَلِكَ؛ لأنها قد سَامَحَتْ بِالمَهْرِ، فكيف يَلِيقُ بها المُضَايَقَةُ في التَّقْدِيم والتأخير.
وقال القاضي الرُّويَانِيُّ: ظَاهرُ المَذْهَب أن لها حَبْسَ نَفْسِهَا حتى يسلم المَفْرُوضَة، كالمسمى في العَقْدِ ابْتِدَاءً، وهذا هو الجَوَابُ في "التهذيب".
واعلم أن الفَرْضَ إما أن يُوجَدَ من الزَّوْجِ، أو من القاضي، أو من أَجْنَبِيٍّ، فهذه ثلاثة أَقْسَامٍ:
الأول: إذا فَرَضَ الزَّوْجُ، ينظر إن لم تَرْضَ به المَرْأَةُ، فكأنه لم
الجزء: 8 - الصفحة: 280
يَفْرِضْ 86 شيئًا، وفيما علق عن الإِمام أنه لا يُشْتَرَطُ القَبُولُ منها، بل يكفي طَلَبْهَا وإسْعَافُهُ، وليكن هذا فيما إذا طَلَبَتْ عَيْنًا، أو ذكرت مِقْدارًا، فأجابها أما إذا أَطْلَقَتِ الطلب، فلا يلزم أن تكون راضِيَةً بما يُعيِّنُهُ أو يُقَدِّرُهُ، وإذا تَرَاضَيَا على مَهْرٍ، فينظر إن كانا جاهلين بقدر مَهْرِ المِثْلِ، أو جَهِلَهُ أحدهما، ففي صحة الفَرْضِ قولان عن "الإِملاء" والقديم: أنه يَصِحُّ، وعن "الأم" 87 أنه لا يَصِحُّ، وذكروا في مَأْخَذِهِما ثَلاثَةَ طرق، عن الشيخ أبي حَامِدٍ أنهما مَبْنيَّانِ على أن المُفَوِّضَةَ تَمْلك بالعقد أن تملك مَهْرَ المِثْلِ، وتملك أن تملك مَهْرًا ما، وفيه قولان، وَجْهُ الأَوَّلِ أن الزوج مَلَكَ بُضْعَهَا، فَتَمْلِكُ مُطالَبَتَهُ بِبَدَلِهِ.
ووجه الثَّانِي أنه لاَ بُدَّ من مَهْرٍ، لكن لا تَقْدِيرَ عند التَّسْمِيَةِ، فكذلك عند الفَرْضِ، فإن قلنا بالأول، [فالمفروض] 88 بَدَلٌ عنه، ولا بدّ من العِلْم بالمُبْدَلِ، وإن قلنا بالثاني، فلا حاجَةَ إليه، وهذه الطَّرِيقَة مُؤسَّسَةٌ على أنه لا يَجِبُ المَهْرُ بالعَقْدِ.
والثاني: بِنَاءُ القَوْلَيْنِ على أن المُفَوِّضَةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ بالعقد أم لا؟.
إن قلنا: نعم، فالمفروض بَدَلٌ عنه فلا بد من العِلْمِ بالبَدَلِ، وإن قلنا بالثاني فلا حَاجَةَ إليه.
والثالث: بِنَاؤُهُمَا على أن المَفْرُوضَ يجب بالفَرْضِ ابْتِدَاءً، أم يَسْتَنِدُ إلى حَالَةِ العَقْدِ؟ وفيه خلاف سبق مِثْلُهُ فيما إذا وَطِئَ، فوجب المَهْرُ، ورَجَّحَ القاضي الرُّويَانِيُّ من القولين اعْتِبارَ عِلْمِ الزوجين، والجُمْهُورُ على خِلاَفِهِ.
وإن كانا عالِمَينِ بَقَدْرِ مَهْرِ المثل صح ما يَفْرِضَانِهِ، نعم هل يجوز إِثْبَاتُ الأَجَلِ في المَفْرُوضِ؟.
نقل فيه وجهان: وجه المنع أن الأَصْلَ مَهْرُ المِثْلِ، ولا مَدْخَلَ لِلأَجَلِ فيه، وكذلك في بَدَلِهِ، والأصح ثبوته كما في المْسَمَّى، وفي الزيادة على مَهْرِ المِثْلِ وجهان أيضًا، بنَاءً على أن مَهْرَ المِثْلِ هو الأصْلُ فلا يُزَادُ البَدَلُ عليه.
والأصح الجَوَازُ، به قطع جَماعَةٌ، والخلاف فيما إذا كان المَفْروضُ من جِنْسِ مَهْرِ المِثْلِ، فأما تَعْيينُ عِوَضٍ يزيد قيمته على مَهْرِ المِثْلِ، فقد نَفَوْا الخَلاَفَ في جَوَازِهِ، وكان سَبَبُهُ أن الزِّيَادَةَ هاهنا غير مُتَحَقَّقةٍ، والقِيمُ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 281
" القِسْمُ الثَّانِي: فَرْضُ القَاضِي"
وذلك إذا امْتَنَعَ الزَّوْجُ من الفَرْضِ فَيَنُوبُ القاضي عنه قَهْرًا، وكذلك لو تَنَازَعَا في القَدْرٍ المَفْرُوضِ فيفرضه القاضي، ولا يَفْرِضُ إلا من نَقْدِ البَلَدِ، حَالاًّ، فإن رَضِيَتْ المَرْأةُ بالتَّأْجِيلِ لم يُؤَجِّلْ أيضًا، وتُؤَخِّرُ هي إن شَاءَتْ، ولا يزيد على مَهْرِ المِثْلِ، ولا ينقص، كما في قِيَمِ المُتَلَفَاتِ 89، نعم الزِّيَادَةُ والنقصان بالقدر اليَسِيرِ الذي يَقَعُ في مَحَلِّ الاجْتِهادِ لا عِبْرَةَ به، ولا بدّ من عِلْمِهِ بِقَدْرِ مَهْرِ المثل حتى لا يزيد ولا ينقص.
قال الشيخ أبو الفَرَج: وإذا فَرَضَ القاضي لم يتوقف لزومه على رضاهما، فإنه حُكْمُ منه، وحُكْمُ القاضي لا يَفْتَقِرُ لُزُومُهُ إلى رِضَا الخُصُومِ.
الثاني: فرض الأجنبي، فإذا جاء أَجْنَبِيٌّ، وفرض لِلْمُفَوَّضَةِ مَهْرًا، يعطيه من مالِ نفسه برضاها، ففي صحته وجهان:.
أصحهما: عند الإِمَامِ وغيره: المنع 90؛ لأنه تَعْيينَ لما يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، وتصرف فيه، فلا يَلِيقُ بِغَيْرِ المتعاقدين، إلا إذا فُرِضَتْ وِكَالَةُ أو وِلاَيَةٌ.
والثاني: يصح؛ لأنه يجوز للأجْنَبِيِّ أن يُؤَدِّي الصداق عن الزوج بغير إذْنِهِ، فكذلك يَجُوزُ أن يفرض، وَيلْتَزِمَ بغير إِذْنِهِ، وقَرَّبَ صاحب "التتمة" هذا الخَلاَفَ من الخِلاَفِ فيما إذا أصْدَقَ عن أَبِيهِ أكثر من مهْرِ المِثْلِ هل يجوز؟.
وذكروا تَفْرِيعًا على الصِّحَّةِ أنها تُطَالِبُ الأَجْنَبِيِّ بالمَهْرِ المَفْرُوضِ، ويسقط طَلَبُ الفَرْضِ عن الزوجِ [وينبغي أن يُشْتَرَطَ للصحة رِضَاهَا، فإنا شَرَطْنَا الرِّضَا في فَرْضِ الزوج] 91 ففي فرْضِ الأجنبي أَوْلَى، ولو طَلَّقَها الزَّوْجُ، قبل المَسِيسِ، فَنِصْفُ المفروض يَعُودُ إلى الزوج، أو إلى الأجنبي؟ فيه وَجْهَانِ، كما ذكرنا فيما إذا تَبَرَّعَ أجنبي بأداءِ المُسَمَّى، ثم طلق الزوج قبل المسيس، ووراء ما ذكرنا في الفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا أَبْرَأَتِ المْفَوِّضَةُ عن المَهْرِ قبل الفَرْضِ والمسيس، فإن قلنا: يجب المَهْرُ بالعقد، صح الإِبْرَاءُ، إن كان مَهْرُ المثل مَعْلُومًا لها، وان كان مَجْهُولًا، ففي
الجزء: 8 - الصفحة: 282
صحة الإِبْرَاءِ عن المجهول قولان مذكوران في الضمَان:
الأصح المنع، وإذا قلنا به، فذلك فيما يَزِيدُ على القَدْرِ المسْتَيْقَنِ، وفي المُسْتَيْقَنِ وَجْهَانِ، ويقال: هما مَأْخُوذَانِ من تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وإن قلنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، فقد قال في الكتاب: إنه إبراء مما لم يجب، وجرى سَبَبُ وجوبه، وفيه قولان كالقولين في ضَمَانِ مِثْلِ ذلك، والأصح الفَسَادُ وقد بَيَّنَّا في الضمان ما ينبغي أن ينزِل عليه.
قوله: "وجرى سَبَبُ وجوبه ولو قالت أسقطت حق الفرض لم يَسْقُطْ" كما لو أَسْقَطَتْ زَوْجَةُ المولى حَقَّهَا من مُطَالَبَةِ الزوج، وهذا لأن ثُبُوتَ المَهْرِ عند العَقْدِ، أو عند الوطء لا يَبْطُلُ بإسْقَاطِهَا، وحق طَلَب الفرض تَابعٌ له، ولو أَبرَأَتْ عن المُتْعَةِ قبل الطَّلاَقِ، فهو إِبْرَاءٌ: قبل الوجوب، وإن أَبْرَأَت بعده، فهو إِبْرَاءٌ عن المَجْهُولِ، ولو نكح إمْرَأةً على خَمْرٍ، أو خنزير، وابْرَأَتْهُ عن المسَمَّى الفاسد، فهو لَغْوٌ؛ لأن الواجب غَيْرُهُ، وإن أَبْرَأتْهُ عن مَهْرِ المِثْلِ، وهي عالمة به صَحَّ.
"
فرع
" يَتَيقَّنَ أن مَهْرَها لا يَنْقُصُ عن أَلْفٍ واحتمل أن يزيدَ عليه إلى ألفين، ورَغباً في البَرَاءَةِ، فينبغي أن تُبْرِئَهُ عن ألفين، قاله في "التهذيب" وإن قَبَضَتْ ألفًا، وأَبْرَأَتْهُ من ألف إلى ألفين، فإن بَانَ أن مَهْرَها ألف، أو فَوْقَ الألف إلى ألفين، فالبَرَاءَةُ حَاصِلَةٌ، وإن بَانَ أنه فوق ألفين، فعليه الزيادة [وحصلت البراءة من ألفين] 92 والقول بحصول البَرَاءَةِ إذا بانَ فوق الألْفِ إلى الألفين -جَوابٌ على أنه إذا قال: ضمنت من واحد إلى عشرة، أو أبرأت، صَحَّ الضَّمَانُ والإبْرَاءُ، وهو الأَصَحُّ، ولو دفع الزَّوْجُ إليها ألفين، وحَلَّلَ لها ما بين ألف وألفين، حَلَّ لها ذلك إن بَانَ فوق الألْفِ إلى الألفين، وإن بَانَ دون الألف، فعليها رَدُّ قَدْرِ قيمة التَّفَاوُتِ بين مَهْرِها، وبين الألف, لأنه لم يَدْخُلْ في التحليل، ويحصل الفرْضُ من جهة [الزوجة بلفظ التَّحْلِيلِ والإبْرَاءِ، أو الإِسقاط والعفو، وأما من جِهَةِ] 93 الزوج، فَلا بُدَّ من لَفْظٍ صَالِح لتمليك الإِعْيَانِ، فإن تصرفت في المَدْفُوعِ، وصار الزَّائِدُ دَيْنًا جَرَتْ فيه الأَلْفَاظُ.
" فرع" قال لمن عليه أَلْفُ درهم: أَبْرَأتُكَ عن ألف دِرْهَمٍ، ثم قال: لم أعلم وَقْتَ الإِبراء أنه كان لي عليه شيء لم يُقْبَلْ قوله في الظاهر، وفي الباطن وجهان.
الجزء: 8 - الصفحة: 283
قال الإِصْطَخرِيُّ: لا يقبل أيضًا؛ لأنه وَرَدَ على مَحَلِّ حَقِّهِ.
وقال غيره: يقبل؛ لأن عنده أَنَّ ما جرى ليس بِإِبْرَاءٍ حَقِيقَةً، والخلاف مَأْخُوذٌ من الخلاف فيما إذا باع مَالَ أبيه على ظَنِّ أنه حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا.
المسْأَلَةُ الثَّانِيَة: ذكرنا أن المَفْرُوضَ فَرْضًا صَحِيحًا كالمُسَمَّى في العَقْدِ، حتى يَتَشَطَّرَ بالطلاق قبل المَسِيسِ 94، أما إذا فرض فَرْضًا فاسِدًا بأن ذَكَرَ خَمْرًا، أو خِنْزِيرًا لَغَا ولم يُؤَثِّرْ في تَشْطِيرِ مَهْرِ المِثْلِ إذا طَلَّقَ قبل المَسِيسِ، بخلاف التَّسْمِيَةِ الفاسدة المقرونة بالعَقْدِ، حيث نوجب مَهْرَ المِثْلِ، وتشطره بالطلاق قبل المَسِيسِ، والفرق أن الحَالَ هناك حَالُ ابْتِدَاءِ مِلْكِ البُضْع، وقد ذكرا في مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا، فلا يمكن إِخْلاَؤُهُ عن العِوَضِ، وإذا وجب العِوَضْ تشَطَّرَ وهنا الحال حَالُ دَوَام المِلْكِ، وقد خلا ابْتِداؤُهُ عن العِوَضِ، فإن وجِدَ فَرْضٌ صحيح، اعْتُبِرَ، وإلا بَقِيَ الأمْرُ على ما كان عليه، وطُولِبَ بالفرْضِ الصحيح، وأما لَفْظُ الكتاب فقوله: "ومعنى الفْرْض تعيين الصَّدَاقِ، أو تقديره" إلى قوله: "أحدهما لا بعينه" أراد به أن البُضْعَ، وإن أبِيحَ بلا عِوَضٍ لا يُبَاحُ إلا بالعِوَضِ، وذلك العِوَضُ إما ما يتراضى به الزَّوْجَانِ، أو مَهْرُ المِثْلِ الذي هو قِيمَةُ البُضْعِ، فكأن الشَّارعَ على قَوْلِ الوجوب بالعَقْدِ، يقول: إن تَرَاضَيْتُمْ، في ابْتِدَاءِ العَقْدِ، على شيء فذاك، وإلا أوجبت مَهْرَ المِثْلِ، وعلى قول آخر يقول: إن اتّفَقْتُمْ على شَيْءٍ قبل الوطء، فهو الوَاجِبُ، وإلا لم أُخَلِّ الوَطْءَ عن المَهْرِ، وأوجبت مَهْرَ المِثْلِ، فالواجب أحدهما لا بِعَيْنِهِ، ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: أحدهما لا بعينه [بالواو؛ لأن في "الوسيط" وغيره ذِكْرُ تَرَدُّدِ في أن الوَاجِبَ أَحَدُهُمَا لا بِعَيْنِه] 95 أو الأصل مَهْرُ المثل، والمفروض بَدَلٌ عنه، كالتَّرَدُّدِ في أن مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ، أو الدية أو موجبه القصاص والدية بَدَلٌ عنه.
وقوله "تَعْيينُ الصَّدَاقِ أو تقديره" يمكن أن يُرِيدَ به تَعْيينَ القَدْرِ، فيكون في المَعْنَى كالتَّقْدِيرِ، والجمع بينهما إيضاح وتأكيد، ويَجُوزُ أن يُرِيد تعيين الذَّاتِ، وَيحْسُنُ على هذا أن يُحْمَلَ التعيين على ما إذا فَرَضَ عَيْنًا، والتَّقْدِيرُ على ما إذا فَرَضَ دَيْنًا.
وقوله: "على القولين" مُعَلَّمٌ بالواو؛ لما حَكَيْنَا أن منهم من يَقُولُ: ليس لها طَلَبُ الفرض 96 على قول الوجوب بالعَقْدِ.
وقوله: "لتقرير الشَّطْرِ" أي: على قول الوُجُوبِ بالعَقْدِ، وهذا التعليل مَبْنِيُّ على
الجزء: 8 - الصفحة: 284
قَوْلِ من لا يقول بالتَّشَطُّرِ لو طَلَّقَ قبل الفَرْضِ، وقوله: "أو لتعريف ما سَيَجِبُ بالمَسِيسِ" أي: على القول الآخَرِ، وهو أنه لا يَجِبُ بالعَقْدِ، وقوله: "لا لتسليم المفروض" مُعَلَّمٌ بالواو لما مَرَّ.
" فَرْعٌ"
قال في "التَّتِمَّة"لو نكح ذِمِّىِّ ذِمِّيَّةَ على أن لا مَهْرَ لها، وَتَرافَعَا إلينا، حكمنا بحكمنا في المسلمين.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: إن اعْتَقَدُوا أن النِّكاحَ لا يَخْلُو عن المَهْرِ، فكذلك، وإن جوَّزُوا إخلاءه عن المَهْرِ، فلا مَهْرَ لها إلاَّ بالعَقْدِ، ولا بالدخول.
قَالَ الغَزالِيُّ: وَمَعْنَى مَهْرِ المِثْلِ القَدْرُ الَّذِي يُرْغَبُ بِهِ فِيهَا والأصْلُ فِيهِ النَّسَبُ، ويعْتَبَرُ فِيهِ الأَخَوَاتُ والعَمَّاتُ لِلأَبِ دُونَ البَنَاتِ والأُمَّهَاتِ، ويُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ العِفَّةُ والجَمَالُ والخُلُقُ وَكُلُّ ما يَتَفاوَتُ بِهِ الرَّغْبَةُ، وَلَوْ سَمَحَتْ واحِدَةٌ مِنَ العَشِيرَةَ لَمْ يَلْزَمِ البَاقِيَاتِ، وَلوْ كُنَّ يُنْكحْنَ بِأَلَفٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَثْبُتِ الأجَلُ بَلْ ينْقُصُ بِقَدْرِهِ مِنَ الألْفِ، وَلَوْ كُنَّ يُسَامِحْنَ العَشِيرَةَ دُونَ غَيْرِهِمْ لَزِمَ ذَلِكَ في العَشِيرَةِ دُونَ غَيْرهِمْ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفصل بَيَانُ ما يُعْتَبَرُ به مَهْرُ المِثْلِ 97 والحَاجَةُ تَمَسُّ إلى
فرع
: لو كانت نساء العصبات ببلدين هي في أحدهما -اعتبر نساء بلدها إن استويا.
ويعتبر ما يخلتف به غرض كسن، وَعَقْلٍ، وَيَسَارٍ، وَبَكَارَةٍ، وثيوبة، وَجَمَالٍ، وعفة وعلم، وفصاحة، فإن اختصت عنهن بفضل، أو نقض: فرض مهر لائق بالحال بحسب ما يراه قاض باجتهاده ولو جرت عادتهن بالتخفيف في المهر للأقارب فقط، أو لعالم، أو شريف اعتبر ذلك في المطلوب مهرها بالنسبة لما ذكر دون غيرهم.
والمفروض الصحيح، كالمسمى فينْتَظِرُ بالطلاق قبل الوطء، ولو طلق قبل فرض ووطء، فلا شطر.
الجزء: 8 - الصفحة: 285
معرفته، في مَوَاضِعَ: منا: المُفَوِّضَةُ، فإنا نوجب مَهْرَ المِثْلِ فيها بالعَقْدِ، أو الوَطْءِ، أو الموت.
ومنها التَّفْوِيضُ الفَاسِدُ، وتسمية الصَّدَاق الفاسد.
ومنها إذا نَكَحَ نِسْوَةً على صَدَاقٍ وَاحِدٍ، وقلنا: يصح، ويُوَزَّعُ على مهور أمثالهن [وفي وطء الشبهة والإِكراه على الزنا] 98 وفيه مسائل:
الأولى: مَهْرُ المِثْلِ هو القَدْرُ الذي يرغب به في أمثالها، والرُّكْنُ الأعظم في الباب النَّسَبُ 99، فينظر إلى نِسَاءِ عَصَباتِهَا، وهن اللَّوَاتِي يَنْتَسِبْنَ إلى من تَنْتَسِبُ هذه إليه؛ كالأَخوَاتِ، وبنات الإِخوة والعَمَّات، وبنات الأَعْمَامِ، ولا ينظر إلى ذَوَاتِ الأَرْحَامِ؛ لأن المَهْرَ مما يقع المُفَاخَرَةُ به، فكان كالكَفَاءَةِ فىٍ النِّكَاحِ، بخلاف ما ذكرنا في الحَيْضِ، أن المُبْتَدِئة تَرُدُّ إلى عادة نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا من الأبَوَيْنِ، على أظهر الوجوه؛ تَفْرِيعاً على الرَّدِّ إلى الغالب؛ لأن ذلك أمْرٌ يرجع إلى الخِلْقَةِ والجبِلَّةِ، والأب والأم يشتركان فيه، ويُرَاعَى في نِسَاءِ العَصَبَات قُرْبُ الدَّرَجَةِ، وأقربهن الأَخوات من الأبوين، ثم من الأَبِ ثم بَنَاتِ الإِخوة من الأَبوَيْنِ، ثم من الأَبِ ثم العمات كذلك، ثم بَنَات الأَعْمَام، فإن تَعَذّرَ للاعتبار بنساء العَصَباتِ، فَيُعْتَبَرُ بِذَوَاتِ الأَرْحَامِ كالجَدَّاتِ والخَالاَتِ، وتُقَدَّمُ القُرْبَى فالقُرْبَى، من الجهات، وكذلك تُقَدَّمُ القُرْبَى فالقربى من ذَوَاتِ الجِهَةِ 100 الواحدة كالجدات، ولا يجيء تَعَذُّرْ الاعْتِبارُ بِنِسَاءِ العَصَبَاتِ بموتهن، بل يُعْتَبَرُ بهن، وإن كن مَيِّتَاتٍ كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" وغيره، وإنما يجيء التَّعَذُّرُ من فَقْدِهِنَّ من الأَصْلِ، وقد يكون لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِ مَهْرِهِنَّ، أو لأنهن لم ينكحن وإن لم يمكن الاعْتِبَارُ بذَوِي الأَرْحَامِ أيضًا، اعتبر بِمِثْلِهَا من نِسَاءِ الأَجَانَبِ، وكذا إذا لم يكن نَسَبُ المَرْأَةِ مَعْلُوماً، وتعتبر مَهْرُ العربية بِعَرَبيَّةِ مِثَلهَا والأَمَةِ بِأَمَةٍ مِثْلِهَا.
وقيل: ينظر إلى شَرَفِ السِّيِّدِ، وخِسَّتِه، ومَهْرِ المعتقة بِمُعْتَقَة مِثْلِهَا.
= وقيل: يجب الشطر بناء على وجوب مهر المثل بالعقد، ولو مات أحدهما قبلهما لم يجب مهر مثل في الأظهر كذا قاله الرَّافِعِيُّ، واعتمد النووي، ووجوبه، لأن الموت كالوطء في تقرير المسمى، فكذا في إيجاب مهر المثل في التفويض، وَقَدْ روى أبو داود، وغيره: أن بروع بنت واثق نكحت بلا مهر، فمات زوجها قبل أن يفرض لها، فقضى لها رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بِمَهْرِ نِسَائِها وَبِالْمِيْراثِ" قال الترمذي: حسن صحيح.
الجزء: 8 - الصفحة: 286
وفي وجه: أنه يُعْتَبَرُ مَهْرُ المعتقة بنساء المَوَالِي، كما اعْتُبِرَ مَهْرُ الحُرَّةِ بنِسَاءِ عَصْبَاتِ القَرَابَةِ.
الثانية: ينظر مع ما ذكرنا إلى البَلَدِ، فيعتبر مهر نساء عَصَبَاتِهَا في تلك البلدة وإن كان بَعْضُهُنَّ في بَلْدَةٍ أخرى، فلا عِبْرَةَ بمن في تلك البَلْدَةِ، ويعتبر أن يكون المَطْلُوبُ مَهْرُهَا مِثْلَ التي يعتبر مَهْرُ نِسَاءِ عَصَباتِهَا في تلك البَلَدِ، وإن كان بَعْضُهُنَّ في بَلْدَةٍ أخرى، فلا عِبْرَةَ بمن في تلك البَلْدَةِ، فإن عَادَاتِ البِلاَدِ في المَهْرِ مُخْتَلِفَةٌ، وإن كان جميعهن بِبَلْدَةٍ أخرى، فالاعْتِبارُ بهن أَوْلَى من الاعتبار بالأجْنَبِيَّاتِ في تلك البلدة، ويعتبر أن يكون المَطْلُوبُ مَهْرُهَا مِثْلَ التي تعتبر بها في الصِّفَاتِ المَرْغُوب فيها كالعِفَّةِ والجَمَالِ؛ لأن الرَّغَبَاتِ في الجميلة أكثر، وليس كما في الكَفَاءَةِ، فإن المَرْعِيَ هناك التَّحَرُّزُ عما يُوجِبُ عاراً.
ومنها السِّنُّ واليَسَارُ والعَقْلُ؛ لأن الرَّغْبَةَ في المُوسِرَةِ أكثر؛ لِتَوَقُّع الرِّفْقِ منها، وانتفاع الأولاد بمالِها، كذا البَكارَةُ وسَائِرُ الصَّفَاتِ التي تختلف بها الأَغْرَاضُ 101، وتزداد الرَّغَبَاتُ كالعِلْمِ والفَصَاحَةِ، والصَّرَاحَةِ، وهي أن يكون الشخص شَرِيفَ الأبَوَيْنِ، والهَجِينُ الذي أبوه شَرِيفٌ دون أُمِّهِ، وفيما علق عن الإِمَام التَّسْوِيَةُ بين البِكْرِ والثَّيِّب إذا كان لها شَرَفُ النَّسبِ، وفيه حكاية وجه أن لا اعْتِبارَ باليَسَارِ، والظاهر ما سَبَقَ ومهما اخْتّصَّتِ المَرْأَةُ بصفةَ مَرْغُوبٍ فيها، زِيدَ في مَهْرِهَا، وإن وُجِدَ فيها نَقْصٌ لم يوجد في النِّسْوَةِ المَنْظُورِ إليهن، فينقص من المَهْرِ بقدر ما يَلِيقُ به.
الثالثة: الاعْتِبارُ بِغَالِبِ حَالِ النِّسْوَةِ المنظور إليهن، فلو سامحت واحدة منهن لم يَلْزَمِ البَاقِيَاتِ التَّخْفِيف، إلا أن تكون المُسَامَحَةُ لِنَقِيصَةٍ دخلت في النَّسَبِ، وفَتَرَتِ الرَّغَباتُ.
ومَهْرُ المِثْلِ يجب حَالاًّ من نَقْدِ البَلَدِ كقيمة المُتْلَفَاتِ، وإن رَضِيَتِ المَرْأَةُ بالتَّأْجِيلِ لا يُوجِبُهُ الحَاكِمُ مُؤَجَّلاً، لكنها تسامح بالتأخير، إن شَاءَتُ، وإن كانت النِّسْوَةُ المعتبر بهن، ينكحن بِمُؤَجَّلٍ، أو بِصَداقٍ بعضه مُؤجَّلٌ، فلا يؤجّلُ الحاكم أيضًا، لكن ينقص بقدر ما يقابل التَّأجِيل، وإن جَرَتْ عَادَتُهُن بالتَّخْفيِفِ، مع العَشِيْرَةِ دُونَ غيرهم خَفَّفْنَا مَهْرَ التي نطلب مَهْرَها في حَقِّ العشيرة، دون غيرهم وكذا لو كُنَّ يخففن إذا كان الخاطِبُ شَرِيفاً، يُخَفَّفُ في حَقِّ الشَّرِيفِ دون غيره.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا يَلْزَمُ التَّخُفِيفُ في حَقِّ العَشِيرَةِ، والشريف، كما أن قِيَمَ الإمْوَالِ لا تختلف بين أن يكون المُتْلِفُ صَدِيقاً أو قَرِيبًا أو غيرها.
الجزء: 8 - الصفحة: 287
ونقل القاضي الرُّوَيانِيُّ عن الشيخ أنه قال: مَهْرُ المِثْلِ الوَاجِبُ بالعقد، يجوز أن يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ، أما الواجب بالإِتْلاَفِ، فلا يبغي أن يَخْتَلِفَ.
قال القاضي: وبهذا أَقُولُ، والفَرْقُ على ظاهر المذهب بينه وبين قِيَم الأمْوَالِ؛ أن المَقْصُودَ الأعْظَمَ من النكاح الوَصْلَةُ، فَيُراعَى فيه ما يكون أَدْعَى إلى التَّآلُفِ، وهناك المَقْصُودُ المَالُ.
" فَرْعٌ"
تَقَادُمُ العَهْدِ لا يُوجِبُ سُقُوطَ مَهْرِ المِثْلِ، كما لا يُسْقِطُ قِيَمَ الأموال وإن احْتِيجَ فيها إلى مَعْرِفَة الصفات وعَسِرَ الوُقُوفُ عليها، إذا تَقادَمَ العَهْدُ عن أبي حنيفة أنه يسقط مَهْرُ المِثْلِ، باعتبار يوم الوَطْء لا يوم العقد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: والوَطْءُ في النِّكَاحِ الفَاسِدِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ باعْتِبَارِ يَوْمِ الوَطْءِ لاَ يَوْمِ العَقْدِ، فَإِذا اتَحَدَتِ الشُبْهَةُ اتَحَدَ المَهْرُ وَإِنْ وَطِئَ مِرَاراً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شُبْهَةٌ كَوَطَآتِ الزَّانِي المُكْرَهِ وَجَبَ بِكُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرٌ، والأَبُ إِذا وَطِئَ جَارَيةَ ابْنِهِ مِرَاراً فَفِي الاكْتِفاءِ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ وَجْهانِ، وَوَجْهُهُ شُمُولُ شُبْهَةِ الإِعْفَافِ، وَإذَا وَجَبَ مَهْرٌ وَاحِدٌ بِوَطَآتِ فَيُعْتَبَرُ عَلَى الأحْوَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الوَطْءُ في النكاح الفَاسِدِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، باعتبار يوم الوَطْءِ 102 بالشُّبْهَةِ، ولا يعتبر يوم العَقْدِ، لأنه لا حُرْمَةَ لِلْعَقْدِ الفاسد، فلا يجب به شَيْءٌ، وإنما يَجِبُ ما يجب بالإِتْلاَفِ، فينظر إلى يوم الإِتْلاَفِ، وليس كما لو وَطِئَ في صُورَةِ التَّفْوِيضِ، حيث يُعْتَبَرُ بيوم العَقْدِ، على رَأْيٍ قدمناه.
الثانية: إذا وَطِئَ مِراراً بشُبْهَةٍ واحدة، أو في نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لم يجب إلا مَهْرٌ وَاحِدٌ، كما أن الوَطَئَاتِ في النِّكَاحِ الصحيح، لا تَقْتَضِي إلا دَهْراً واحِداً وإن وَطِئَ بِشُبْهةٍ، وزالت تلك الشُّبْهَةُ، فَوَطِئَ بِشُبهْةٍ أخرى، وجب مَهْرَانِ، وإذا لم تكن شُبْهَةٌ، كما لو أَكْرَهَ امْرَأَةً على الزِّنَا، وَوَطِئَهَا مِرَاراً، وجب بكل وَطْءٍ مَهْرٌ؛ لأن الوُجُوبَ هاهنا بالإتْلاَفِ، وقد تَعَدُدَ الإِتْلاَفُ، وإذا وَطِئَ الأبُ جَارِيَةَ الابن مِرَاراً من غير إِحْبَالٍ، فقد أَطْلَقَ في الكتاب وجهين:
أحدهما: أنه يَجِبُ بكل وطء مَهْرٌ؛ لِتَعَدد الإِتْلاَفِ في مِلْكِ الغَيْرِ، مع العلم بحقيقة الحال.
الجزء: 8 - الصفحة: 288
وأشبههما: أنه لا يَجِبُ إلا مهْرٌ واحد؛ لأن الشُّبْهَةَ، وهي وُجُوبُ الإعْفَافِ شَامِلَةٌ لجميع الوَطَئَاتِ، وخصص في "التهذيب" الوَجْهَيْنِ بما إذا اتَّحَدَ المَجْلَسُ، وحكم بالتَّكْرارِ عند اخْتِلاَفِ المجلس، وَوَطِئَ أَحَدُ الشريكين الجَارِيَةَ المُشْتَرَكَةَ، وَوَطِئَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَةُ مِرْاراً كَوَطَئاتِ جَارِيَةِ الابن، وإذا وجب مَهْرٌ واحد بِوَطَئاتٍ، فينظر إلى أعلى الأحْوَالِ، ويكون الوَاجِبُ مَهْرَ تلك الحالة؛ لأنه لو لم يُوجَدْ إلا الوَطْئَةُ الوَاقِعَةُ في تلك الحَالَةِ لَوَجَبَ ذلك المَهْرُ، فالوطئات البَاقِيَةُ إذا لم تَقْتَضِ زِيادَةً لا توجب نُقْصَاناً.
البَابُ الرَّابِعُ فِي التَّشْطِيرِ،
وَفِيهِ فُصُولٌ
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأوَّلُ في مَحَلِّهِ وَحُكْمِهِ) وَنَقُولُ: ارتِفاعُ النِّكَاحِ قَبْلَ المَسِيسِ لاَ بِسَبَبِ مِنْ جِهَتِها يُوجِبُ تَشْطِيرَ الصَّدَاقِ الثَّابِتِ، بِتَسْمِيَةِ مَقْرُونَةٍ بِالعَقْدِ صَحِيحَةٍ أَوْ فاسِدَةٍ أَوْ بِفَرْضٍ صَحِيحٍ بَعْدَ العَقْدِ كَمَا فِي المُفَوَّضَةِ، وَيسْتَوي فِيهِ كُلُّ فِرَاقٍ، وإنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ المَهْرِ قَبْلَ المَسِيسِ بِفَسْخِهَا بِعَيْبِهِ أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطلاق قبل الدُّخُول يوجب تَشْطِيرَ الصَّدَاقَ بين الزَّوْجَيْنِ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] ووجه ذلك من جِهَةِ المعنى؛ بأن ارْتِفاعَ العَقْدِ قبل تَسْلِيم المعقود عليه، يُسْقِطُ جميع العِوَضِ، كما في البيع والإِجَارَةِ، إلا أَنَّا قُلْنا بِسُقُوطَ البَعْضِ، دون البعض لتقريبين:
أحدهما: أن الزَّوْجَةَ كالمُسلمة إلى الزوج بنفس العَقْدِ؛ لأن التَّصَرُّفَاتِ التي يَمْلِكُها الزوج تَنْفُذُ من وقت النِّكَاحِ، ولا تَتَوَقَّفُ على القَبْضِ، فمن حيث إنه نَفَذَتِ التَّصَرّفاتُ اسْتَقَرَّ بعض العِوَضِ، ومن حيث إنه لم يتَّصِلْ بالمقصود سَقَطَ بَعْضُهُ.
والثاني: أنا لو حَكَمْنا بِسُقُوط جَمِيعِ المَهْرِ لاحْتَجْنا إلى إِيجَابِ شيء لِلْمُتْعَةِ، فكان إِبْقَاءُ شيء مما هو واجب أَوْلَى من إِثْبَاتِ ما ليس بِواجِبٍ.
وإذا عرفت ذلك فَاعْلَمْ أن كَلاَمَ الباب مُرَتَّبٌ على فصول:
أحدها: في موضع التَّشْطِيرِ، وكيفيته، أما المَوْضِعُ ففيه مسألتان:
إحداهما: الخُلْعُ كالطَّلاَقِ في اقْتِفَاءِ التَّشْطِيرِ؛ لأن الخُلْعَ، وإن كان يَتِمُّ بها فالمْغَلَّبُ فيه جَانِبُ الزوج؛ لأن المَقْصُودَ الأَصْلِيَّ منه الفِرَاقُ، وهو مستقلٌّ به، ولأنه يَتَمَكَّنُ من الخُلْع مع الأجنبي، وكذلك يَتَشَطَّرُ المَهْرُ لو فُوِّضَ إليها، فَطَلَّقَتْ نفسها، أو عَلَّقَ طَلاَقَهَا على دخولها، فدخلت، أو طَلَّقَهَا بعد انْقِضَاءِ مدة الإِيلاَءِ بطلبها، وكذلك
الجزء: 8 - الصفحة: 289
يتَشَطَّرُ المَهْرُ بكل فُرْقَةٍ حصلت قبل الدُّخُولِ، لا بسبب من جِهَةِ المَرْأَةِ، كما إذا أَسْلَمَ الرجل، أو ارْتَدَّ، أو أرضعت أم الزوجة الزَّوْجَ وهو صَغيرٌ، أو أم الزوج، أوأبنته الزوجة، وهي صَغِيرَةٌ أو وَطِئَهَا ابْنُ الزوج، أو أبوه بِشُبْهَةٍ، وهي تَظُنُّهُ زَوْجاً لها، أو قَذَفَ الزوجة ولاَعَنَها 103، فأما إذا كان الفِرَاقُ منها أو بِسَبَبٍ فيها، كما إذا أَسْلَمَتْ أو ارْتَدَّتْ، أو فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِخِيارِ العِتْقِ، أو بِعَيْبٍ في الزوج، أو كانت تحته صَغِيرَةً فأرضعتها، وصارت أُم زوجته، أو فسخ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِعَيْبِها، فيسقط جَمِيعُ المَهْرِ على ما مَرَّ وانفساخ النكاح بشراء الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا، يسقط جَمِيعُ المَهْرِ، على الأَصَحِّ وشراء
الجزء: 8 - الصفحة: 290
الزوج زَوْجَتَهُ يوجب التَّشْطِيرَ على الاصَحِّ 104.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لو طَلَّقَ المُفَوِّضَةَ قبل الدُّخُولِ والفرض، فالقول في التَّشْطِيرِ قد سَلَفَ وأما غير المُفَوِّضَةِ، فكل صَداقٍ وَاجبٍ، وَرَدَ عليه الطَّلاَقُ قبل الدخول شَطَّرَهُ سواء فيه المُسَمَّى الصَّحِيحُ في العقد، والمفروض بعده، ومهر المِثْلِ إذا جَرَتْ تَسْمِيَةٌ فاسِدَةٌ في العقد؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] والفرض في التقدير، وكُلُّ واحد من المُسَمَّى في العَقْدِ وبعده مَفْرُوضٌ مُقَدَّرٌ، فَيَدْخُلُ تحت الآية إذا كانت التَّسْمِيَةُ الفَاسِدَةُ توجب مَهْرَ المِثْلِ كانت كالتقدير بِمَهْرِ المِثْلِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يشطر المَفْرُوض بعد العَقْدِ، ولا مَهْرُ المِثْلِ الوَاجِبُ بالتسمية الفاسدة.
وقوله في الكتاب: "ارتفاع النِّكَاح" يدخل فيه الطَّلاَقُ، وسَائِرُ وُجُوهِ الفِرَاقِ.
وقوله: "وَيَسْتَوِي فيه كُلُّ فراق" كالإِيضَاحِ، وإلا ففي قوله: "ارتفاع النِّكَاحِ" إلى آخره ما يُفِيدُ المَقْصُودَ، وقوله: "وإنما يَسْقُطُ جَمِيعُ المَهُرِ إلى آخره" هذا مذكور مِثَالاً لارْتِفاعِ النِّكَاحِ، بسبب من جِهَتِهَا، وليس الغَرَضُ حَصْرَ السُّقُوطِ فيه، بل الفَسْخُ بالعِتْقِ في معناه، وكذلك شِرَاؤُهَا الزَّوْجَ على الأَصَحِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَعْنَى التَّشْطِيرِ أنْ يَرْجِعَ المِلْكُ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ في النِّصْفِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَها عَلَى كَمَالِ المَهْرِ سَلَّمَ لَهَا وَكأَنهُ رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ، وَلَوْ قَالَ: أَسْقَطْتُ خِيَاري فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَسْقُطَ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ (فَرْعُ): لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الانْقِلاَبِ إِلَيهِ فَفِي الضَّمَانِ عَلَيْها وَجْهَانِ: لأَنَّهُ مِنْ وَجْه كالمَبيعِ، وَمِنْ وجْهٍ كالمَوْهُوبِ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَلَوْ تَلِفَ في يَدِها بَعْدَ رُجُوعِ الكُلِّ بِالفَسْخِ فَهُوَ مَضْمُونٌ لأَنَّ ذَلِكَ بِحُكْمِ تَرَادِّ الْعِوَضَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اعلم أن الفَصْلَ الأَوَّلَ من الباب معْقُودٌ لبيان جملتين:
إحداها: مَحَلُّ التَّشْطِيرِ، وقد تَقَدَّمَتْ.
والثانية: تَرْجَمَها بِحُكمِ التَّشْطِيرِ، ولو ترجمها بكيفية التَّشْطِيرِ، لكان أَلْيَقَ، وذلك لأن في كَيْفِيَّةِ التَّشَطُّرِ بالطَّلاَقِ وجهين معروفين للأصحاب:
الجزء: 8 - الصفحة: 291
أصحهما: أنه يَعُودِ نِصْفُ الصَّدَاقِ إليه 105 بنفس الطَّلاَقِ؛ لقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] أي: فلكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، فهو كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] ولأن ما يؤثِّرُ في كُلَّ الصَّدَاقِ كالرِّدَّةِ والفسخ بالعِتْقِ والعيب يُؤَثِّرُ بنفسه، ولا يَتَعلَّقُ بالاختيار فكذلك ما يُؤَثِّرُ في النصف.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ وفي بعض الشُّرُوح نسْبَتُهُ إلى ابن سُرَيْجٍ أيضًا: أن الطلاق يُثْبِتُ له خِيَارَ الرجوع في النِّصْفِ، فإن شاء تَمَلَّكَهُ، وإلا تَرَكَهُ، كالشَّفِيع تثبت له حَقّ الشُّفْعَةِ بِالشِّرَاءِ، ولا يُشْتَرَطُ لرجوع النصف قَضَاءُ القاضي بأنه له على ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وفي "المختصر" لفظة مُشْكِلَةٌ تُشعر باشتراطه، وذكر العبادي أن أَبَا الفَضْلِ القَاشَانِيَّ الزَّاهِدَ حكاه قَوْلاً عن القديم، ومنهم من حَكَى الاشْتِراطَ وَجْهاً، وامتنع المُعْظَمُ من إِثْباتِهِ قولاً، أو وجهًا وقَطَعُوا بالأَوَّلِ، وأَوَّلُوا تلك اللَّفْظَةَ، فإذا قلنا: إنه يَثْبُتُ الخِيَارُ، ويحصل المِلْكُ بالاختيار، فلو أنه طَلَّقَها على أن يُسَلِّمَ لها كُلَّ الصَّدَاقِ، فهذا إعراض منه عن المَهْرِ، ورضا بسقوط حَقِّهِ، فيسلم لها جَمِيعَهُ، وعلى الوجه الأصح يَتَشَطَّرُ المَهْرُ وِيلْغُو فيه ما ذَكَرَهُ، كما لو أعْتَقَ، ونَفَى الوَلاَءَ، ولو طَلَّقَ، ثم قال: أسْقَطتُ خِيَاري، تَفْرِيعاً على أن الطَّلاَقَ يُثْبِتُ الخِيَارَ، فقد أشار صاحب الكتاب فيه إلى احْتِمَالَيْنِ:
أحدهما: أنه يسقط، كما أن الخِيارَ في البَيْعِ يسقط بالإِسْقَاطِ.
وأَرجَحُهُمَا: أنه لا يسقط، كما لو أسْقَطَ الوَاهِبُ خِيَارَ الرجوع، لا يسقط، ولم يَجْرِ هذا التَّرَدُّدُ فيما إذا طَلَّقَهَا، على أن يُسَلِّمَ لها كُلَّ الصَّدَاقِ؛ تفريعاً على القول بِثْبُوتِ الخِيَارِ، ويجوز أن يسوى بين الصورتين.
ولو حَدَثَتْ زَيَادَةٌ في الصَّدَاقِ بعد الطَّلاَقِ، فعلى الوجه الأول نصفها للزوج 106، وعلى الوجه الآخر إذا حَدَثَتْ قبل اخْتِيَارِ التَّمَلُّك، فالكل للِزَّوْجَةِ، كما لو حَدَثَتْ قبل الطَّلاَقِ، هذا إذا كانت الزِّيَادَةُ مِنْفَصِلَةً، فإن كانت مُتَّصِلَةً، فإن قلنا: يملك النِّصْفَ بنفس الطَّلاَقِ، فالنِّصْفُ مع الزِّيَادَةِ، وإن قلنا: لا يملك إلا بالاخْتِيَارِ فوجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 292
أحدهما: أنه يمنع الرُّجُوعِ, إلاَّ برضا المَرْأَةِ، كالزيادة المتَّصِلَةِ الحادثة، قبل الطلاق.
وأشبههما: أن له أنْ يَرْجِعَ فيه من غير رِضَاهَا؛ لأن هذه زِيَادَةٌ حدثت بعد تَعَلُّقِ حق الزوج به، فصار كثمر الأَشْجَارِ في الشَّقْصِ المَشْفُوعِ بعد البيع، وقبل علم الشفيع، فإن هذه الزِّيادَةَ لا تمنع الأَخْذَ.
وإن حدث فيه نُقْصَانٌ، فإن قلنا: إنه يملك النِّصْفَ بالاخْتِيارِ، فإن شاء أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا، ولا أَرْشَ له، وإن شاءَ تَرَكَهُ، وأخذ بنصف قِيمَتِهِ صَحِيحًا، كما لو حدث قبل الطَّلاَقِ.
وإن قلنا: يَمْلِكُ بنفس الطَّلاَقِ، فإن وجد منها تَعَدَّ، بأن طَالَبَهَا برَدَّ النِّصْفِ بالنصف، فامْتَنَعَتْ، فله النِّصْفُ مع أَرْشِ النقصان، وإن تَلِفَ الكُلُّ، والحاله هذه، فعليها الضَّمَانُ، وإن لم يوجد تَعَدٍّ, فظاهر النَّصِّ أنها تُغَرَّمُ أَرْشَ النُّقْصَانِ إذا نَقَصَ، وجميع البَدَلِ، إذا تَلِفَ؛ لأن القَبْضَ كان عند مُعَاوَضَةٍ، وإذا ارْتَفَعَتِ المُعَاوَضَةُ، كان المَقْبُوضُ مَضْمُونًا عليها، كما إذا بقي المَبِيعُ يَدِ المُشْتَرِي بعد الإِقَالَةِ بهذا، أخذ أصْحَابُنَا العراقيون، وتابعهم القاضي الرُّويَانِيُّ، وربما نَفَوْا الخِلاَفَ فيه.
وفي "الأم" نصٌّ يُشْعِرُ بأنه لا ضَمَانَ عليه؛ لأن عَوْدَ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْجِ ليس على طَرِيقِ الفُسُوخ؛ إذا لو كان كذلك لَعادَ إليه الكُلُّ، كما في البَيْع والإِجَارَةِ، ولكنه ابتداء مِلْكِ حَصَلَ للزوج، والمَمْلُوكُ في يَدِهَا، بلا تَعَدَّ، فيكون أَمانَةً، وبهذا أجاب المَرَاوِزَةُ، فإن قلنا بالأَوَّلِ، فلو قال الزوج: حَدَثَ النُّقْصَانُ بعد الطلاق، فعليك الضَّمَانُ، وقالت: بل قَبْلَهُ، ولا ضَمَانَ، فالقول قولها؛ لأن الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، أو قوله: لأن الأصْلَ عدَمُ النَّقْصِ حينئذٍ.
وحكى صاحب "التَّتمة" فيه وجهين:
والأول: هو الَّذِي أَوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ، وابن الصَّبَّاغِ، ولو رجع كُلُّ الصَّدَاقِ إلى الزوج بالفَسْخٍ بالعَيْبِ، أو بأن ارْتَدَّتْ، وتَلِفَ في يدها، فهو مَضْمُونٌ عليها؛ لأن سَبِيلَهُ سَبِيل البَيْعِ يَنْفَسِخُ بإِقَاَلَةٍ، أو ردٍّ بِعَيْبٍ، فيكون العِوَضُ مَضْمُوناً على مَنْ هو في يَدِهِ.
قال الإِمام: وحُكْمُ النِّصْفِ في صورة رِدَّةِ الرجل حُكْمُهُ عند الطَّلاَقِ؛ لأن ارْتِدَادَهُ إليه ليس على سَبِيلِ الفُسُوخِ؛ إذ لو كان كذلك لارْتَدَّ الكُلُّ.
وقوله في الكتاب: "بِمُجَرِّدِ الطَّلاَقِ" يجوز إِعْلاَمُهُ بالحاء؛ لما يُرْوَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنه يُمَلِّكُ بالاختيار، وقوله: "لأنه من وجْهٍ كالمبيع" يعني إذا تَلِفَ في يَدِ المُشْتَرِي بعد الإِقَالَةِ أوردّ الحوض بالعَيْبِ، ووجه الشَّبَهِ أنه انْتَقَلَ إليها في مُعَاوَضَةِ، فيرجع لارْتِفَاعِ المُعَاوَضَةِ، وقوله: "ومن وَجْهٍ كالمَوْهُوبِ بعد الرُّجُوعِ" وجه الشبه أن عَوْدَ النِّصْفِ ليس على سَبِيلِ الفُسُوخِ، وإِما هو مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ، كالمِلْكِ في المَوْهُوبِ، إذا رجع
الجزء: 8 - الصفحة: 293
فيه، ويمكن أن يُشْبِهَ بالموهوب من جِهَةِ تَغْلِيب معنى النِّحْلَةِ في الصَّدَاقِ.
" فَرْعٌ"
حكى الإِمَامُ تَفْرِيعاً على أن الزَّوْجَ يُمَلَّكُ بالاخْتِيَارِ وجهين، في أن الزَّوْجَةَ، هل تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ قبل الاخْتِيَارِ، قال: والقياس أنها تملكه كما قَبْلَ الطَّلاَقِ، وكما أن المتَّهِبَ يَتَمَكَّنُ من التَّصَرُّفَاتِ قبيل رُجُوعِ الوَاهِبِ.
آخر: إذا كان الصَّدَاقُ دَيْناً سَقَطَ نِصْفَهُ بمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ، على الأصَحِّ وعند الاختيار على الوَجْهِ الثَّانِي، ولو كان قد أدَّى الدَّيْنَ والمؤدي باقٍ، فهل لها أن تُؤَدِّيَ قَدْرَ النِّصْفِ من موضع آخر؛ لأن العَقْدَ لم يَتَعلَّق بِعَيْنِهِ، أم يتعين حقه فيه لِتعَيُّنِهِ بالدَّفْعِ والتسليم فيه وجهان، أَقْرَبُهُمَا الثاني.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في التَّغْيِراتِ قَبْلَ الطَّلاَقِ) وَذَلِكَ إِمَّا بِزِيادَةٍ مَحْضَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ مَحْضٍ أَوْ زِيَادَةٍ مِنْ وَجْهٍ ونُقْصَانٍ مِنْ وَجْهٍ (أمَّا النُّقْصَانُ) كَالتَّعَيُّبِ في يَدِهَا فَيَثْبُتُ لَهُ الخِيَارُ إنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ النِّصْفِ السَّلِيمِ، وإنْ شَاءَ قَنِعَ بِنِصْفِ المَعِيبِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ لَهُ الأَرْشَ، وإنْ تَعَيَّبَ في يَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ نِصْفُ المُعَيَّبِ؛ لأَنَّهُ نَقْصٌ مِنْ ضَمَانِهِ إِلاَّ أنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ جَانٍ فالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ نِصْفَ الأرْشِ، أمَّا الزِّيَادَةُ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً سُلَّمَتْ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً امْتَنَعَ رُجُوعُهُ إِلاَّ بِرِضَاهَا، فَإِنْ أعبَتْ غُرِّمَتْ قِيمَةَ الشَّطْرِ، وَإنْ سَمَحَتْ أُجْبِرَ (و) عَلَى القَبْولِ.
قَالَ الرافِعيُّ: إذا أصْدَقَ امْرَأتَهُ عَيْناً، وطَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فتلك العَيْنُ عند الطَّلاَقِ، إما أن تكون تَالِفَةً، أو باقِيَةً.
إن كانت تالِفَةً فالزَّوْجُ يَرْجِعُ إلى نِصْفِ مِثْلِهَا، إن كانت مِثْلِيَّةً، ونصف قيمتها إن كانت متَقوِّمَةً.
وإن كانت بَاقِيَةً، فإن لم يَحْدُثْ فيها تَغَيُّرٌ رجع إلى نِصْفِ العَيْنِ، كما سَبَقَ، وإن حدث تَغَيُّرٌ، وهو مَقْصُودُ الفَصْلِ وترجمته، فذلك التَّغَيُّرُ إما أن يَكُونَ بِنُقْصَانٍ مَحْضٍ، أو بزيادة مَحْضَةٍ، أو بهما، فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: النُّقْصَانُ المَحْضُ، وهو إما نُقْصَانُ صِفَةٍ، أو نقصان جزء.
النوع الأول: نقْصَانُ الصِّفَةِ: كالتَّعَيُّبِ بالعَمَى، والعَوَرِ، ونِسْيَان الحِرْفَةِ، ينظر إن حدث في يَدِها، فالزَّوْجُ بالخيار، إن شاء رَجَعَ إلى نِصْفِ قِيمَةِ الصَّدَاقِ سَلِيمًا وأَعْرَضَ عن عَيْبِهِ، وإن شاء قَنِعَ بنصف النَّاقِصِ، ولا أرْشَ له، كما إذا تَعَيَّبَ المَبِيعُ في يد البائع، يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي بين أن يَفْسَخَ المبيع، ويُسْتَرِدَّ الثمن، وبين أن يَقْنَعَ بالمَعِيب، ولا أَرْشَ له، وليس ما نحن فيه، كما إذا نَقَصَ الصَّدَاقُ في يَدِ الزَّوْجِ، وأجازت
الجزء: 8 - الصفحة: 294
الزَّوْجَةُ، فإنها تُغَرِّمُهُ الأَرْشَ، على قول ضَمَانِ اليَدِ، وذلك لأن الصَّدَاقَ في يَدِهِ ملك لها، وهو مَضْمُونٌ عليه، فجاز تَضْمِينُهُ الأَرْشَ، وههنا الصَّدَاقُ ملكها في يَدِهَا، فكيف يضمنها أَرْش النُّقْصَانِ، هذا ما يوجد للأصحاب في المَسْأَلَةِ قال الإِمام: ويُحْتَمَلُ أن يقال: عليها الأرْشُ؛ لأنه لو تَلِفَ في يدها لَرَجَعَ الزَّوْجُ إلى نِصْفِ القيمة، ومن يغرم القيمة عند التَّلَفِ، لا يبعد أن يُغَرَّمَ الأَرْشَ، عند النقصان، وكون النقصان في مِلْكِهَا يجوز ألا يمنع التَّغْرِيمَ عند الرجوع، ألا تَرَى أنه إذا اشْتَرَى عَبْداً بِجَارِيَةٍ، وتَقَابَضَا، ثم وجد مُشْتَرِي العَبْدِ بالعبد عَيْبًا فَرَدَّهُ، وبالجارية عَيْبٌ حَادِثٌ.
فإنه يَسْتَرِدُّهَا مع الأرْشِ، على رَأْيٍ.
وإن كان النُّقْصَانُ حَادِثاً في مِلْكِهِ ويده، وأقام صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" هذا الاحْتِمالَ وَجْهاً، وذكره مع ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وإن حدث النُّقْصَانُ في يَدِهِ، قبل أن تقبض المَرْأَةُ، فأجازت فله عند الطَّلاَقِ نِصْفُهُ ناقصاً، وليس له الخِيَارُ، ولا طلب الأرش، فإنه نقص وهو من ضَمَانِهِ، نعم لو حَدَثَ النّقْصانُ بِجِنَايَةِ جَانٍ، وأخذت منه الأَرْشَ فوجهان:
أصحهما: أنه يرجع إلى نِصْفِ الأَرْشِ مع نِصْفِ العَيْنِ؛ لأن الأرْشَ بَدَلُ الفَائِتِ، ولو بقي الصَّدَاقُ بحاله، لأخذَ نِصْفَهُ.
والثانيِ: أنه لا شَيْءَ له من الأَرْشِ؛ لأن الفَوَاتَ كان من ضَمَانِ الزَّوْجِ، وهي أخذت الأَرْش بِحَقِّ الملك، فلا يعتبر في حَقِّهِ، ويجعل ما أخذته كزيادة مُنْفَصِلَةٍ.
النوع الثاني: نُقْصَانُ الجزء، كما إذا أَصْدَقَها عَبْدَيْنِ، وقبضتهما، فَتَلِفَ أحدهما في يدها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، قال في "التهذيب"؛ فيه قولان:
أصحهما: أن الزَّوْجَ يرجع إلى نِصْفِ الباقي، ونِصْفِ قِيمَةِ التَّالِفِ.
والثاني: أنه يَأْخُذُ الباقي بِحَقِّهِ، إن اسْتَوَتْ قيمتهما.
وقول ثالث: وهو أنه يَتَخَيَّرُ بين أن يَأْخُذَ نِصْفَ الباقي، ونصْفَ قيمة التَّالِفِ، وبين أن يأخذ نِصْفَ قيمة العبدين، وَيتْرُكَ الباقي.
" القِسْمُ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ المَحْضَةُ"
وهي إما مُنْفَصِلَةْ كالوَلَدٍ واللَّبَنِ والكَسْب، فيسلم للمرأة، سواء حَصَلَتْ في يَدِهَا، أو في يَدِ الزَّوْجِ، ويَخْتَصُّ الرجوع بنصف الأصْلِ 107.
الجزء: 8 - الصفحة: 295
وعن أبي حنيفة: أن الزِّيَادَةَ إن حَدَثَتْ قبل تَسْلِيم الصَّدَاقِ إليها، رجع الزَّوْجُ في نِصْفِ الأصْلِ، ونصف الزيادة، وإن حَدَثَتْ بعد التسليم، فينظر إن لم تَحْدُثِ الزِّيَادَةُ في العَيْنِ، كالكَسْب والولد، فيسلِّم لها، وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بنصف الأَصْلِ، وإن حَدَثَتْ في العَيْنِ منعت الرَجوع إلى عَيْنِ الصَّدَاقِ، كما ذَكَرَهُ في الرَّدِّ بالعَيْبِ، ثم في "الشامل" و"التتمة" أن الذي قُلْنا: إن الوَلَدَ يبقى لها، ويرجع الزَّوْجُ بِنصْفِ الأَصْلِ مفروض في غير الجَوَارِي، وأما في الجَوَارِي، فليس له الرُّجُوعُ في نصف الأم؛ لأنه يَتَضَمَّنُ التَّفْرِيقَ بين الأم والولد في بعض الزَّمَانِ، لكنه يرجع إلى القِيمَةِ، فإن ساعدته المَرْأَةُ وَرَضِيَتْ برجوعه إلى نِصْفِ الأم، فهو كالتَّفْرِيقِ بين الولد والأُمِّ بالبيع.
وإن كانت الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كالسِّمَنِ، وتَعلَّم القرآنِ، والحِرْفَةِ، فلا يَسْتَقِلُّ الزوج بالرجوع إلى عَيْنِ الصَّدَاقِ، ولكن الخيار لها 108، فإن أَبَتْ لم تُجْبَرْ عليه، ويرجع الزَّوْجُ إلى نِصْفِ القيمة من غير تلك الزيادة، وإن سمحت أُجْبِرَ على القَبُولِ، ولم يكن له طَلَبُ القِيمَةِ.
وفي "المجرد" للحناطي وجه: أنه لا يُجْبَرُ على القَبُولِ؛ لما فيه من المِنَّةِ، والظَّاهِرُ الأول، والزِّيَادَةُ المُتَّصِلَةُ لا تفرد بالتصرف، بل هي تَابِعَةٌ فلا تَعْظُمُ فيها المِنَّةُ.
قال الأصحاب: ولا تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ المتصلة الاسْتِقْلاَلَ بالرجوع، إلا في هذا الموضع، فأما في سَائِرِ الأُصُولِ، فإنها لا تمنع، كما إذا أَفْلَسَ المشتري بالثَّمَنِ يرجع البَائِعُ في المبيع، مع الزِّيَادَةِ المتصلة، وكذا الوَاهِبُ يرجع في المَوْهُوبِ مع الزيادة المُتَّصِلَة، والمشتري إذا ردَّ المَبِيعَ بالعيب، يرجع في العِوَضِ مع الزيادة المُتَّصِلَةِ، فهؤلاء يستقلون بالرجوع معها، وفَرَّقُوا بأن المِلْكَ في هذه المَسَائِلِ يَرْجِعُ بطريق الفَسْخ، والفسخ إما أن يَرْفَعَ العَقْدَ من أصْلِهِ، أو لا يرفع، إن رفعه، فكأنه لا عَقْدَ، وحدثَت الزِّيَادَةُ على مِلْكِ الأَوَّلِ، وإن لم يَرْفَعْهُ، فالفُسُوخُ مَحْمُولَةٌ على العُقُودِ، ومشبهة بها، والزيادة تَتْبَعُ الأصْلَ في العقود، فكذلك في الفُسُوخَ، وعَوْدُ المِلْكِ في الشَّطْرِ بالطلاق، ليس على سَبِيل الفُسُوخ، ألا ترى أنه لو سَلَّمَ العَبْدُ الصَّدَاقَ من كَسْبِهِ، ثم عتق، وطلق قبل الدخول يكون الشَّطرُ له لا للسَّيِّدِ، ولو كان سَبِيلُهُ سَبِيلَ الفسوخ، لَعادَ إلى الذي خرج عن مِلْكِهِ، وإنما هو ابْتَداءُ مِلْكٍ، يثبت فيما فرض صَداقًا لها، قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وليس الزِّيَادَةُ الحَادِثَةُ مما فرض، فلا يعود إليه شَيْءٌ منها، وفرق أبو إسْحَاقَ بين الصُّورَةِ التي نحن فيها، وبين صورة إِفْلاَسِ المُشْتَرِي أن هناك لو مَنَعْنَاهُ من الرُّجُوعِ إلى العَيْنِ، لم يتم له الثَّمَنُ لِمُزاحَمَةِ الغُرَمَاءِ،
الجزء: 8 - الصفحة: 296
وههنا لو لم يَرْجِعْ إلى العَيْنِ لسلم له القِيمَة بتمامها، فلا يَلْحَقُهُ كبير ضَرَرٍ، حتى لو كانت مُفْلِسَة مَحْجُوراً عليها عند الطلاق، ولو تَرَكَ العَيْنَ، لاحتاج إلى المُضَارَبَةِ، قال يرجع في العَيْنِ مع الزِّيَادَةِ، ولا يحتاج إلى رِضَاهَا، وعَوَّلَ الأكثرون على الفَرْقِ الأول، وأبوا اسْتِقَلاَلَهُ بالرجوع، وإن كانت مَحْجُورًا عليها، واعتبروا في الرُّجُوعِ حينئذٍ رِضَاهَا، ورضا الغُرَمَاءِ.
وحكى الإِمام وجهًا أن كونها مَحْجُورًا عليها يمنع الرُّجُوعَ، وإن لم يكن زِيادَةٌ لتعلق حَقِّ الغُرَماَءِ به قبل ثُبُوتِ حق الرجوع له، وحكم الزوائد المُنْفَصِلَةِ والمتصلة فيما سوى الطَّلاَقِ -من الأَسباب المشطرة- حُكْمُهَا في الطَّلاَقِ.
وما يوجب عَوْدَ جميع الصَّدَاقِ للزوج، ينظر فيه إن كان سَبَبُهُ عارضاً، كالرّضَاع والرِّدَّةِ من الزوجة، فكذلك [الحكم] 109 وفي ردَّتِها وجْهٌ: أن الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِ الصَّدَاقِ بالزوائد المُتَّصِلَةِ، ويجعل تسببها إلى قَطْعِ النكاح قَاطِعاً لِحَقَّهَا عن الزِّيَادَةِ، وإن كان السبب مُقَارِنًا لَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا، أو فَسْخِهِ بِعَيْبِهِ، فالجواب المَشْهُورُ أن الصَّدَاقَ يَعُودُ بزيادته إلى الزوج، ولا حَاجَةَ إلى رِضَاهَا، كما في فَسْخُ البيع بالعيب، وبناه في "التتمة" على أنَّ الفَسْخَ إذا اتَّفق بعد الدخول، هل يُسَلّمُ لها المسمى إن قلنا: نعمِ، فهو كما لو كان السَّبَبُ عِارضاً، وإن قُلْنَا بوجوب مَهْرِ المِثْلِ، فقد حكى خِلاَفاً في أنَّا هل نسند الفَسْخَ إلى وَقْتِ العقد، ونقول بارتفاع العَقْدِ من أَصْلِهِ أم لا؟.
إن قلنا: لا، فالحُكْمُ على ما ذكرنا، وإن قلنا: نعم، فيعود الصَّدَاقُ إليه بزِيَادَتِهِ بِزَوَائِدِهِ المُتَّصِلَةِ والمنفصلة.
وقوله في الكتاب: "إن شاء رَجَعَ إلى قِيمَةِ النِّصْفِ السليم" في هذه اللفظة شيء، والعِبارَةُ القَوِيمَةُ أن يقال: "إلى نصف قِيمَةِ السَّليم" وفرق بين نِصْفِ قيمة الكُلِّ وبين قِيمَةِ نِصْفِ الكل، فإنا إذا قَوَّمْنَا النِّصْفَ، نظرنا إلى جُزْءٍ من الجملة، وذلك مما يُوجِبُ النُّقْصَانَ، فإن التَّشْقِيصَ عَيْبٌ، وَيجْرِي هذا الكَلاَمُ في قوله: "فإن أَبَتْ غُرِّمَتْ قيمة الشطر" والأولى أن يقال: شَطْرُ القيمة.
وقوله: "أجبر على القَبُولِ" يجوز أن يُعلَّمَ بالواو؛ لما ذكرناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا زَادَ مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ وَجْهٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الخِيَارُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ عَبْدًا صَغِيرًا فَكَبِرَ فَنْقْصَانُهُ زَوَالُ الطَّرَاوَةِ، أَوْ شَجَرَةً فأَرْقَلَتْ وَنَقَصَتِ الثَّمَرة، وَلا يُشْتَرَطَ فِي الزِّيَادَةُ القِيمَةِ بَلْ مَا فِيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ يُثْبِتُ الخِيَارَ، وَالحَمْلُ فِي
الجزء: 8 - الصفحة: 297
الجَارِيَةِ زِيَادَةٌ مِنْ وجْهٍ وَنُقْصَانٌ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي البَهِيمَةِ زِيَادَةَ مُحَضَةٌ إِلاَّ إِذَا أَثَّرَ فِي إِفْسَادِ اللَّحْمِ، والزِّرَاعَةُ نُقْصَانٌ مَحْضٌ لِلأَرْضِ إِذ الزَّرْعُ يَبْقَى لَهَا، والغِرَاسُ كَذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثالث إذا تغير الصَّدَاقُ بالزِّيَادَةِ والنقصان جَمِيعاً، إما بَسَبَب واحد، كما إذا أصْدَقَهَا عَبْداً صغيراً، فكبر، فإنه نُقْصَانٌ من جِهَةِ نَقْصِ القيمة، ومن جهة أن الصَّغِيرَ يصلح لِلْقُرْبِ من الحُرَم، وإنه أَبْعَدُ عن الغَوَائِلِ، وأَشد تَأَثُّرًا بالتَّأْدِيبِ والرِّيَاضَةِ، وزيادة من جهةَ أنه أَقْوَى علَى الشَّدَائِدِ والأَسْفَارِ، وأحْفظ لما يستحفظ، وكما إذا أَصْدَقَهَا شَجَرَةً فأرفلت وصَارَتْ وذلك بأن يَقِلَّ ثَمَرُهَا لِطُولِ المُدَّةِ، فذلك نُقْصَانٌ من جهة نُقْصَانِ الثمرة، وزيادة من جِهَةِ زَيادَةِ الحَطَبِ، وأما بسببين، كما إذا أَصْدَقَهَا عَبْداً، فَتَعَلَّمَ القرآن، أو تعلم حِرْفَةً وأعور فلكل واحد منهما الخِيَارُ على مَعْنَى أن للِزَّوْجِ ألا يقبل العَيْنَ للنّقْصَانِ، ويعدل إلى نِصْفِ القِيمَةِ، وللزوجة أَلاَّ تَبْذُلَ العَبْدَ، وتعدل إلى بَدَلِ نِصْفِ القِيمَةِ، وإن اتَّفَقَا على الرُّجُوعِ جاز، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وليس الاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ القيمة، بل كُلُّ ما حدث وفيه مَنْفَعَةٌ وفائدة مقصودة، فهو زِيَادَةٌ من ذلك الوجه.
وإن [نقصت] 110 القيمة على ما بَيَّنَّا في كِبَرِ العَبْدِ الصغير, ثم الكَلاَمُ في صورتين:
إحداهما: أَصْدَقَهَا جَارِية حائِلاً، فَحَبِلَتْ في يدها، وطَلَّقَهَا قبل الدخول، فهي زَيادَةٌ من وَجْهٍ لِتَوَقُّع الولد، ونُقْصَانٌ من وجه للَضَّعْفِ في الحال، ولِلْخَطَرِ عند الوِلاَدَةِ، فإن لم يَتَّفقَا على الرجوع إلى نِصْفِ الجَارَيةِ، فالمَعْدُولُ إليه نِصْفُ قيمة الجارية، وليس لأحدهما إجْبارُ الآخر.
وحكَى أبُو عَبْدِ الله الحناطي وَجْهاً: أنه يُجْبَرُ الزوج إذا رَضِيَتْ هي بِرُجُوعِهِ إلى نصف قِيمَةِ الجَارِيَةِ، وهي حامل؛ بناءً على أن الحَمْلَ لا يُعْلَمُ، وقضية هذا أن تُجْبَرَ أيضًا إذ رَغِبَ الزَّوْجُ في الرجوع إلى نصفها حَامِلاً، وأما الحَمْلُ في البَهِيمَةِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ؛ لأنه لا يُخَافُ عليها من الوِلاَدَةِ غالبًا.
وأظهرهما: أنه كما في الجَوَارِي زِيَادَةٌ من وجه، ونُقْصَانٌ من وجه، أما إذا كانت مَأْكُولَةً فلأن لَحْمَهَا لا يَطِيبُ؛ لأن الحَمْلَ ضَرْبُ مَرَضٍ، وأما إِذا لم تكن مَأْكُولَةَ، فلأنه لا يُحْمَلُ عليها مع الحَمْلِ، كما يحمل، ولا حَمْلَ.
وقوله في الكتاب: "إلا إذا أَثَّرَ في إِفْسَادِ اللَّحْمِ" أي: ما كانت مَأْكُولَةَ، وقضية إيراده الفَرْق بين أن تكون مَأْكُولَةً، فيكون الحَمْلُ فيها كَالحَمْلِ في الجَارِيَةِ، أو لا تكون مَأْكُولَةً، فيكون الحمل فيها زِيَادَةً مَحْضَةً، يوافق الوجه الذي ذكرنا أنه أَظْهَرُ في
الجزء: 8 - الصفحة: 298
الْمَأْكُولِ، ويخالفه في غير المَأْكُولِ ويجوز أن يُعَلَّمَ "المستثنى" و"المستثنى منه" بالواو.
الثانية: إذا أَصْدَقَها أرضاً فحرثتها المَرْأَةُ، فهي زيادة مَحْضَةٌ, إن كانت من الأَرَاضِي المُعَدَّةِ للزراعة، وإن كانت مُعَدَّةً للْعِمْارَةِ والبناء، فَنُقْصَانٌ مَحْضٌ وحينئذٍ لو أراد الزَّوْجُ الرُّجُوعَ إلى نِصْفِ عَيْنِها مُكِّنَ, وإن أَبَى رجع إلى نِصْفِ القيمة بلا حِرَاثَةٍ، وإن زَرَعْتَها المَرْأةُ، ثم طَلَّقَهَا، فالزِّرَاعَةُ نُقْصَانَ مَحْضٌ, لأنها تَسْتَوْفِي قُوَّةَ الأرض، ولأن الزَّرْعَ يبقى لها، وتَسْتَحِقُّ الإبْقَاءَ إلى الحَصَادِ، فتنصرف مَنْفَعَةُ المُدَّةِ إلى الزرع، فإن تَوافَقَا على الرُّجُوع إلى نصفَ العَيْنِ، وترك الزرع إلى الحَصَادِ، فذاك قال الإِمام وعليه إِبْقاؤُهُ بلا أُجْرَةٍ؛ لأنها زَرَعَتْ مِلْكَهَا الخَالِصَ، وإن رِغِبَ فيها الزوج، وامتنعت أُجْبِرَتْ عليه، وإن رَغِبَتْ هي، فله أن يمتنع، ويأخذ نِصْفَ قيمة الأَرْضِ، فإن قالت: خُذْ نِصْفَ الأرض، مع نصف الزرع، ففي إِجْبَارِهِ وجهان، كما سنذكرهما في الثِّمَارِ، مع النَّخِيلِ، هذا أحد الطريقين.
وثانيهما: القَطْعُ بالمنع؛ لأن الزَّرْعَ لا يَحْصُلُ من عين الأرض، وإنما يَحْصُلُ مما أَوْدَعَتْهُ فيها، فلا يَلْزَمُ قَبُولُهُ، بخلاف ثَمَرَةِ الشجرة، والظاهر المنع، وإن ثبت الخِلاَفُ، ولو طَلَّقَهَا بعد الحَصَادِ، وبقي في الأَرْضِ أَثَرُ العِمَارَةِ، وكانت تصلح لما لا تَصْلُحُ له قبل الزراعة فهي زيادة محض، فليس له الرجوع إلا بِرِضَاهِا، ولو أنها غَرَسَتْ في الأرْضِ المصدقة، فالحُكْمُ كما في الزَّرْع، لكن لو أَرَادَ أن يَرْجِعَ في نِصْفِ الأرض، ويترك الغَرْسَ، ففيه وجه أنه لا تُجْبَرُ المرَأَةُ عليه؛ لأن الغِرَاسَ للِتَّأبِيدِ، وفي إِبْقَائِهِ في مِلْكِ الغير ضَرَرٌ ولو طلقها، والأرْضُ مَزْرُوعَةٌ، أو مَغْرُوسَةٌ، فابتدرت إلى القَلْعِ، نُظِرَ إن بقي في الأرْضِ نُقْصَانٌ لضعفها بالزرع، والغَرْسِ، وهو الغالب، فالزوج على خِيَرَتِهِ وِإلاَّ انْحَصَرَ حَقُّهُ في الأرْضِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ، الأَوَّلُ) لَو أَصْدَقَهَا نَخْلاً فَأثْمَرَث فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الجَدَادِ فَلَهَا الثِّمَارُ وَيعْسُرُ التَّشْطِيرُ إِلاَّ بِمُسَامَحَة أَوْ مُوَافَقَةٍ إِذْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُكَلِّفَهَا قَطْعَ الثِّمَارِ وَلاَ أَنْ يَسْقِيَ وَيَنْتَفِعَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَلاَ أَنْ يَتْرُكَ السَّقْيَ إِذْ يَتَضَرَّرُ ثَمَرُهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُكَلِّفَهُ تَأْخِيرَ المِلْكِ إِلَى الجِدَادِ وَلاّ السَّقْيَ وَلا تَرْكَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ وَيَقُولَ: إلَيْكِ الخِيرَةُ في السَّقْيَ وَترْكِهِ وَأَنَا لا أَسْقِي؛ لأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ السَّقْيِ وَلاَ يَلْزَمُهَا نَفْعُ شَجَرَةٍ بِالسَّقْي فَإِنْ سَامَحَ أَحَدُهُمَا والْتَزَمَ السَّقْيَ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِجَابَةُ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّهُ وَعْدٌ فَرُبَّمَا لا يَفِي بِهِ، وَإِنْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الثِّمَارِ يَلْزَمُهُ الَقبُولُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَّةٌ لِيَنْدَفِعَ العُسْرُ فَيَشْتَرِكَانِ في الجَمِيعِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ أصْدَقَهَا جَارَيةً فَوَلَدَتْ فَطَلَّقَها وَهُوَ رَضِيعٌ فَقَالَ: أَرْجِعُ اِلَى النِّصْفِ وَأرْضَى أَنْ تَبْقَى مُرْضِعَةً فَإِنَّ هَذَا
الجزء: 8 - الصفحة: 299
وَعْدٌ مَحْضٌ، فَإنْ تَرَاضَيَا عَلَى الرُّجُوعِ بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَسْقِي مَنْ يَشَاءُ فَهُوَ تَوَاعُدٌ فَمَن وَعَدَ بالسَّقْيِ لَمْ يلْزَمْهُ, وَمَنْ رَضِيَ بِتَرْكِ السَّقْي يَلْزَمُهُ لأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أصْدَقَهَا نَخِيلاً حَوائِلَ، ثم طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ، وهي مطلعة، لم يكن له أَخْذُ نِصْفِ الطَّلْعِ قَهْراً، ولا الرُّجُوعُ إلى العَيْنِ قَهْراً، فإن الطَّلْعَ كزيادة مُتَّصِلَةِ، فيمنع الرُّجُوع القَّهْري، فإن رَضِيَتِ المَرْأَةُ أن تأخذ نِصْفَ النَّخْل، مع نِصْفِ الطَّلْعِ أُجْبِرَ عليه، وليس له طَلَبُ نِصْفِ القِيمَةِ ومنهم من نَزَّلَ الطَّلْعِ مَنْزَلةَ الثَّمَرَةِ المُؤَبَّرَةِ، حتى يجيء في الإجْبَارِ الخِلاَفُ الذي نذكره في الإجْبَارِ على قَبُولِ الثمرة المُؤبَّرَةِ، وإن كانت عليها ثِمَارٌ مُؤَبَّرَةٌ عند الطَّلاَقِ، ففيه صور:
إحداها: ليس له أن يُكَلِّفَهَا قَطْعَ الثَّمَارِ، حتى يرجع إلى نصف الأَشْجَارِ؛ لأنها حَدَثَتْ في خَالِصِ مِلْكِهَا، فيتمكَّن من نَزْعِهَا، وإِبقائها إلى الجُذَاذِ، لكن لو بَادَرَتْ إلى قَطْعِهَا، أو قالت: اقطعها لترجع، فليس لِلزَّوج غير الرجوع إلى نِصْفِ الأشجار، إذا لم يَمْتَدَّ زمان القَطْعِ، ولم يحدث بالقَطْعِ نُقْصَانٌ في الأشجار لانْكِسَارِ السَّعَفِ والأَغْصَانِ.
والثانية: إذا أراد أن يرْجِعَ في نِصْفِ النَّخِيلِ، ويترك الثِّمَارَ إلى الجُذَاذِ، وَأَبَتِ المَرْأَةُ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تُجْبَرُ عليه؛ لأنها قد لا تَرْضَى بيده، ودُخُولِهِ البُسْتَانَ.
والثاني: وجه قال أبو إِسْحَاقَ: يُجْبَرُ وتجعل الأشجار في يدهما، كما هو دَأْبُ الأمْلاَكِ الشَّائِعَةِ، وهذا أَصَحُّ عند أَئِمَّتِنا العراقيين وهو الجواب في "التهذيب" ورجَّح أبو سَعْيدٍ المُتَوَلِّي الأَوَّلَ، هذا ما يوجد في كُتُب الأصحاب، وتَعَالِيقِهِمْ، وزاد الإِمام شَيْئاً آخر، فقال: لا يَنْفَصِلُ الأمر بقوله: أرجعَ إلى نِصْفِ الأشجار، وأبْقِي الثِّمَارَ إلى الجُذَاذِ؛ لأنه لا بدّ من تنمية الثِّمَارِ بالسَّقْي في نَصِيبِهَا من الأَشْجَارِ [ولا يمكن تكليفها السقي لأن نفعه غير مختص بالثمر بل ينفع به الشجر أيضًا، ولا يمكن تكليفها ترك السقي لتضرر الثمر والشجر] وَتابَعَهُ صاحب الكتاب على ما ذكره، وكان ما ذَكَرَاهُ ذَهَابُ منهما إلى أَنَّهَا لا تُجْبَرُ على ما يقوله الزَّوْجُ، ويوجبه له لما في السَّقْي من الإِشْكَالِ، ولمن ذَهبَ إلى الإجْبَارِ، أن يقول: ليكن سَبِيلُ السَّقْي هاهنا سَبِيلَهُ فيما إذ اشْتَرَكَ اثْنَانِ في الأشجار، وانفرد أحدهما بالثِّمَارِ، في غير صورة الصَّدَاقِ.
الثالثة: إذا أَرَادَتِ المَرْأَةُ أن ترجع إلى نِصْفِ الأشجار وتترك الثمار إلى الجْذَاذِ، فللزوج أَلاَّ يَرْضَى به، ويطلب القِيمَةَ؛ لأن حَقَّهُ في الأشجار الخَالِيَةِ، وليس لها أنْ تُكَلِّفَة تَأْخِيرَ الرُّجُوع، إلى الجُذَاذِ؛ لأنه يَسْتَحِقُّ العين، أو القيمة في الحال، فلا يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، ولو قال الزوج: أُؤَخِّرُ الرُّجُوعَ، إلى أن تُجْذِيَ الثمرة، فلها أَلاَّ تَرْضَى به؛ لأن نَصِيبَهُ يكون مَضْمُوناً عليها، هكذا وَجَّهُوهُ وهو مَبْنِيٌّ على أن النِّصْفَ الراجع إلى الزوج
الجزء: 8 - الصفحة: 300
بالطَّلاَقِ، يكون مَضْمُوناً عليها، وفيه اختلاف تَقَدَّمَ.
فإن قال الزوج: أَرْجِعُ، ويكون نَصِيبِي من النَّخِيلِ وَدِيعَة عِندَكِ، وقد أَبْرَأْتُكِ عن ضَمَانِهِ، ففي شرح الجُوَيْنِي حكايته وجهين فيه، ولهما الْتِفَاتٌ إلى إِبْراءِ الغَاصِبِ عن الضَّمَانِ، مع بَقَاءِ المَغْصُوبِ في يده، وزاد من نظر إلى أمْرِ السَّقْي، وقال: ليس للمرأة أن تَقُولَ: ارجع واسْقِ؛ لأن فَائِدَةَ السَّقْي تَعُودُ إلى نَصِيبِهَا في الأَشجار، وإلى الثمار، وهي خَالِصَةٌ لها، ولا أن تَقُولَ: ارجع ولا تَسْقِ؛ لأن نَصِيبَهُ من الشجر يَتَضَرَّرُ بترك السَّقْي، ولو قالت: ارْجِعْ وأنا لا أسْقِي، وإليك الخِيَرَةُ في السَّقْي، وتركه، أو قال الزوج: أرْجِعُ ولا أَسْقِي، وإليك الخِيَرَةُ في السَّقْي، وتركه، فلا تَلزم الإِجابة على الآخر؛ لأنه إن تَرَكَ السَّقْيَ تَضَرَّرَ، وإن سَقَى كانت المؤنة عليه، وعَادَ بعْضُ الفائدة إلى صَاحِبِهِ، ولو قال الزوج: أَرْجِعُ إلى النصف وأسْقِي، والتزم مُؤْنَتَهُ، أو قالت المرأة: ارْجِعْ وأنا أسْقِي، فهل على الآخر إجَابَتُه؟ حَكَوُا فيه وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأن المُؤَنَةَ ترتفع عن الآخر، فيندفع العشر.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه وَعْدٌ، وربما لا يَفي به ولأن المُمْتَنِعَ لا يَرْضَى بدخول صاحبه البُسْتَانِ للسَّقْي، فإن قلنا بالأول فلو بَدا لِمَنِ الْتَزَمَ السَّقْيَ، وامتنع منه تَبَيَّنَ أن المِلْكَ لم يَرْجِعْ إلى الزوج، وكأنه مَوْقُوفٌ على الوَفَاءِ بالوَحْدِ، وألْحَقُوا بهذه الصورة ما إِذا أَصْدَقَها جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ في يدها وَلَداً، مَمْلُوكاً، ثم طَلَّقَها قبل الدخول، فقال الزوج: أرْجِعُ إلى نِصْفِ الجارية، وأرْضَى بأن تُرْضِعَ الولد، ففيه الوجهان.
قال الإِمام: ونصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- يَدُلُّ على أنه لا يُجابُ ولو قال: أرْجِعُ وأَمْنَعُهَا من الإرْضَاعِ، لم يجب، بلا خِلاَفٍ، وفي هذه المسألة وَرَاءِ الإرْضَاع، ومُضِيِّ زمانه شَيْءٌ آخر، وهو ما يَقَعُ من التَّفْرِيقِ بين الجارية وَوَلَدِها، وقد نَقَلْنَا ما حَكَاهُ صاحبا "التتمة" ["والشامل"] 111 فيه.
الرابعة: لو وَهَبَ منه نِصْفَ الثمار، ليشتركا في الثِّمَارِ والأشجار جميعاً، ففي وجوب القَبُولِ وجهان وجه الوُجُوب أنها مُتَّصِلَةٌ بالأَشْجَارِ، فأشبهت الطَّلْعَ والسِّمَنَ في الحيوان والأصح ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: المَنْعُ؛ لأن الإِجْبارَ على قَبُولِ مِلْكِ الغير بَعِيدٌ، والثمار المُؤَبَّرَةُ في حُكْمِ المُنْفَصِلِ، ولهذا لا يَدْخُلُ في بيع الأشجار.
الخامسة: إذا تَرَاضَيَا على الرُّجُوعِ إلى نِصْفِ الأَشْجَارِ في الحال أو على تأخير الرجوع إلى الجُذَاذِ مُكِّنَا مما تَرَاضَيَا عليه، وإذا بَدَا لأحدهما في التَّأْخِيرِ.
مُكِّنَ من الرجوع عنه.
الجزء: 8 - الصفحة: 301
وقال المُعَلِّلُونَ بِالسَّقْيِ إذا تَرَاضَيَا على الرُّجُوع في الحال، على أن يَسْقِيَ من شاء منهما مُتَبرِّعاً، أو على أن يَتْرُكَا أو أحدهما السَّقْي، فمن الْتَزَمَ أن يَسْقِي، فهو وَعْدٌ لا يلزمه الوَفَاءُ به، لكنه إذا لم يَفِ تَبَيَّنَ أن المِلْكَ لم يَعُدْ إلى الزوج، ومن تَرَكَ السَّقْيَ لم يمكن من العَوْد إليه.
قال الإِمام: لأن مَضْمُونَ ما تَرَاضَيَا عليه تَعْجِيلُ حَقٍّ، والْتِزَامُ ضَرَرٍ، وألزمنا بأن الضَّرَرَ إذا تَبعَ تَعْجِيلَ حَقٍّ، ولزم هذا مَحْصُولُ المسألة، ولم أَرَ تَعَرُّضًا فيها للسَّقْيِ، إلا الإِمام ومن نَحَا نَحْوَهُ.
وظهور النَّوْرِ في سائر الأَشْجَارِ إذا جعلت صَدَاقًا كَبُدُوِّ الطَّلْعِ النَّخِيلِ، وانعقاد الثمار مع تَنَاثُرِ النَّوْرِ كالتَّأْبِيرِ في النخيل.
أما لَفْظُ الكتاب فقوله: "ويعسر التَّشْطِير" أي: في النخيل "إلا بِمُسَامَحَةٍ" أي: من أحد الجَانِبَيْن "أو مُوَافَقةٍ" وهي التَّرَاضِي من الجانبين، ثم انْدَفَعَ في بَيَانِ جِهَةِ العُسْرِ، وقال: "إذ ليس له أَن يُكَلِّفَهَا" إلى قوله: "ولا تركه"، وقوله: "وليس له أن يرجع، ويقول: إليك الخيرة" هذه صورة من صُوَر المُسَامَحَةِ، وقوله: "فإن سَامَحَ أَحَدُهُمَا، والتزم السَّقْيَ" أي قال لها: أرْجِعُ وأَسْقِي، أو قالت له: ارْجِعْ وأنا أسْقِي، فهذه صورة ثانية.
وقوله: "وإن وهبت منه نِصْفَ الثمار" هذه صورة ثَلاِثَةٌ من صور المُسَامَحَةِ.
وقوله آخراً: "فإن تَرَاضَيَا على الرُّجُوعِ" هو صورة المُوَافَقَةِ، وقد يَتَرَاضَيَانِ على أن يَسْقِيَ من شَاءَ منهما مُتَبَرِّعاً، وقد يَتَرَاضَيَانِ عليه، ويلزم أحدهما، أو كلاهما السَّقْي، أو يَرْضَى أحدهما بِتَرْكِ السَّقْي، أو كلاهما، ولم يُصَرِّحْ بهذه الأحوال فيما إذا تَرَاضَيَا، واقْتَصَرَ على إذا قَالاَ: على أَنْ يَسْقِيَ مَنْ شاء، لكن قوله: "فمن وعدَ بالسَّقْي لم يلزمه، ومن رَضِيَ بِتَرْكِ السَّقْي لزمه" يخرج إلى التعرض لهما، وَيدُلُّ على أنه أَرَادَهُمَا جَمَيعاً على ما هو مُبَيَّنٌ في "الوسيط".
" فَرْعٌ"
لو أصْدَقَهَا نَخُلَةً، عليها ثمار مُؤَبَّرةٌ، وطلقها قبل الدُّخُولِ، فله نِصْفُ الثمار، مع نصف النخلة، جُذَّتِ الثِّمَارُ أو لم تجذ 112. وإن كانت مُطْلِعَةَ فإن طَلَّقَهَا، وهي بعد مطْلِعَةْ أخذ نصْفَهَا مع الطَّلْعِ.
الجزء: 8 - الصفحة: 302
ونقل أبو سَعْدٍ المُتَوَلِّي وَجْهاً أنه إذا امْتَدَّ الزَّمَانُ، بحيث يزداد في مثله الطَّلْعُ لا يجوز له الرُّجُوعُ فيه، هذا لفظه، ولو قال: لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلا بِرِضَاهَا كان أَحْسَنَ، ولو كانت مُؤَبَّرَةً عند الطَّلاَقِ، فهل للزوج حَقٌّ في الثمرة؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين، كالقولين فيما إذا أصْدَقَهَا جَارِيَةٌ حَامِلاً، وولدت قبل الطلاق، وسنذكره في الفصل الآخر، بعد هذا الفَصْلِ.
وأصحهما: القَطْع بِإثْبَاتِ حَقِّهِ في الثمرة لأنها مشاهدة متيقنة بخلاف الحَمْلِ، ولهذا لا يُفْرَدُ الحَمْلُ بالعَقْدِ، وتُفْرَدُ الثمار، وإذا أَثْبَتْنَا له الحَقّ في الثمرة لا يأخذ إلا بِرِضَاهَا؛ لأنها قد زَادَتْ، فإن لم تَرْضَ أخذ نِصْفَ قيمة الطَّلْعِ, مع نصف الأشجار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي) لَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً حَامِلاً فَوَلَدَتْ فَلا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الوَلَدِ إِنْ قُلْنَا: لاَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُقَابِلُهُ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ, وَفِيه وَجْهٌ آخَرُ أنَّهُ لاَ يَرْجِعُ لأَنَّهَا زِيَادَةٌ ظَهَرَتْ بِالانْفِصَالِ.
قَالَ الرَّافِعِي: أَصْدَقَها جَارِيَةٌ حَامِلاً, ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، نظر إن طَلَّقَها، وهي حَامِلٌ بعد، فللزوج نِصْفُهَا حَامِلاً، ويجيء عند امْتِدَادِ الزَّمَانِ الوَجْهُ المذكور فيما إذا أَصْدَقَهَا نَخْلةً مُطْلِعَةً، وطَلَّقَهَا، وهي بعد بجالها لم يؤثر، فإن طَلَّقَهَا، وقد وَلَدَتْ، فالكلام في الأم، ثم في الوَلَدِ أما الأم، فلا يَأْخُذُ نِصْفَهَا إن كان الوَلَدُ رَضِيعاً كيلا يختلَّ أَمْرُهُ، لكن يرجع إلى نِصْفِ القِيمَةِ، فإن كانت فَطِيماً، فإن كان في زَمَانِ التفريق المُحَرَّمِ، فعلى ما تقدَّمَ، وإلا فله نِصْفُها، فإن انْتَقَصَتْ قيمتها بالوِلاَدَةِ، نظر إن وَلَدَتْ في يد الزوج، فعلى ما سَبَقَ من حكم النُّقْصَانِ الحاصل في يد الزوج، وإن وَلَدَتْ في يد الزَّوْجَةِ فله الخِيَارُ إن شاء أَخَذَ نِصْفَهَا، ولا شيء له مع ذلك، وإن شاء رجع إلى نِصْفِ القيمة، وأما الوَلَدُ، فهل يأخذ الزَّوْجُ نصفه؟ ينبني على أن الحَمْلَ هل يُعْرَفُ؟ وهل يقابله قِسْطٌ من الثمن في البيع؟ وفيه قولان مَذْكُورَانِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، فإن قلنا: "لا" فهو كالوَلَدِ الحَادِثِ بعد العَقْدِ، ولا حق للزَّوْجِ فيه.
وإن قلنا: نعم، وهو الأَصَحُّ، ففيه وجهان:
أحدهما: أن للزوج حَقّاً فيه، كما لو أَصْدَقَهَا عَيْنَيْنِ، لكن الولد قد زَادَ بالوِلاَدَةِ، فللمرأة الخِيَارُ إن رضيت بوجوع الزَّوْجِ إلى نِصْفِهِ، مع نِصْفِ الأم، أُجْبِرَ عليه، وإن أَبَتْ قال في "التتمة": لا يرجع في نِصْفِ الجَارِيَةِ للتفريق، ولكن يرجع إلى نِصْفِ قيمتها، وقيمة الولد، وتعتبر قِيمَتُهُ بيوم الانْفِصَالِ؛ لأنه أوَّلُ وَقْتِ إِمْكَانِ التقويم.
والثاني: أنه لا حَقَّ له بسبب الوَلَدِ؛ لأن هذه زِيَادَةٌ ظهرت بالانْفِصَالِ، ولا قِيمَةَ
الجزء: 8 - الصفحة: 303
له حَالَةَ الاجْتِنَانِ 113.
ولو كانت الجَارَيةُ المصدقة حَائِلاً، فطلقها وهي حَامِلٌ، فقد سَبَقَ، وإن وَلَدَتْ، ثم طَلَّقَهَا، فالوَلَدُ لها، والقول في الأم، كما ذكرنا فيما إذا كانت حَامَلاً يوم الإِصْدَاقِ، ووَلَدَتْ، وطلقها قبل الدُّخُولِ، وإن حَبِلَتْ في يد الزوج، ووَلَدَتْ في يد اَلزَّوْجَةِ، فيكون النُّقْصَانُ من ضَمَانِهِ، ويثبت لها الخِيَارُ؛ لأن السَّبَبَ وُجِدَ في يده، ومن ضَمَانِهَا، ويثبت له الخِيَارُ؛ لأن النُّقْصَانَ حَصَلَ عندها، فيه وجهان لا يَخْفَى نَظَائِرُهُمَا.
قَالَ الغَزالِيُّ: (الثَّالِثُ) لَوْ أصْدَقَهَا حُلِيّاً فَكَسَرَتْهُ وَأَعَادَتْهُ صَنْعَةً أُخْرَى فَهُوَ زَيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَنُقْصَانٌ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّنْعَةَ لَمْ يَرْجِعْ إِلاَّ بِرِضَاهَا فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّهَا زِيَادَةٌ حَصَلَتْ باخْتِيَارِهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَصُوغاً، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ مِثْلَ وَزْنهِ مِنَ التَّبْرِ وَأُجْرَةَ الصَّنْعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أصدقها حُلِيّاً فَكَسَّرَتْهُ، أو انْكَسَرَ في يدها، وبَطَلَتِ الصَّنْعَةُ، ثم أَعَادَتِ المُنْكَسِرَ حُلِيّاً، ثم طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قبل الدخول، فينظر إن صاغَتْهُ على هَيْئَةٍ أُخرى، فالحاصل زِيَادَةٌ من وجه، ونُقْصَانٌ من وجه، وليس له أن يَرْجِعَ إلى نصف العين قَهْراً، ولا لها أن تُجْبِرَهُ على قَبُولِ نِصْفِ العَيْنِ، بل الرجوع إلىِ نصْفِ القيمة، مهما أَبَى أحدهما، وإن اتَّفَقَا على الرُّجُوعِ إلى نصفه، جاز، وإن أعَادَتِ الصّنْعَة التي كانت، فوجهان:
أحدهما: أنه يرجع الزَّوْجُ إلى نِصْفِ العَيْنِ، وإن لم ترض؛ لأنه بالصِّفَةِ التي كانت عليها يَوْمَ الإِصْدَاقِ، والتسلم إليها وأظهرهما -وبه قال ابْنُ الحَدَّاد: أنه لا يرجع إلا بِرِضَاهَا؛ لأن الصّنْعَةَ المعادة حَدَثَتْ عندها، والمَوْجُودَة قبلها، فإنها مِثْلُهَا لا عَيْنَهَا، فالزِّيَادَاتُ الحَادِثَةُ عند الزوجة تمنع الرُّجُوعَ القَهْريّ.
واحْتَجَّ بعضهم لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ بما إذا هَزُلَتِ الجارية المَمْهورَةُ في يدها، ثم سَمِنَتْ يرجع إلى نصفها، وإن لم تَرْضَ، وجعلوا هذا مُتَّفَقًا عليها، ثم فَرَّقُوا بين السَّمَنِ، وإِعَادَةِ الصَّنْعَةِ، بأن عَوْدَ السِّمَنِ لا صُنْعَ فيه والصّنْعَةُ عَادَتْ بِصُنْعِها، والْتِزَامِهَا المُؤْنَة، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "لأنها زِيَادَةٌ حَصَلَتْ باختيارها" لكن الذي ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغ وآخرون: أن مسألة السِّمَنِ على الوجهين أيضا، وهو الذي أَبْدَاهُ الشَّيْخُ أبو علي على سبِيلِ الاحْتِمَالِ، وهما كالوَجْهَيْنِ فيما إذا هَزُلَتِ الجَارِيَةُ المَغْصُوبَةُ، ثم سَمِنَتْ، هل يُغرَّمُ الغَاصبُ نُقْصَانَ الهُزَالِ، أو تُقَامُ العائدة مَقَامَ الأَوَّلِ؟ فلا فرق إِذًا بين
الجزء: 8 - الصفحة: 304
المَسْأَلَتَيْنِ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا نَسِيَ الحِرْفَةَ، ثم تَعَلَّمَهَا، ولو طَرَأَتْ في عَيْنِ العَبْدِ غِشَاوَةٌ، فكان لا يُبْصِرُ شَيْئًا، ثم زالت، ثم طلقها قبل الدخول، ففيما علق عن الإِمام أن الزَّوْجَ يَرْجِعُ إلى نِصْفِ العبد، بلا خلاف ويكون كما لو حَدَثَ عَيْبٌ في يدها، وزال، ثم طَلَّقَهَا، وإذا قلنا: إنه لا يرجع إلى نصف الحُلِيِّ المُعادِ عند إِبائِهَا فإلى ما يرجع فيه وجهان:
أحدهما: أنه يرجع إلى نصْفِ قِيمَةِ الحُلِيِّ على الهَيئَةِ التي كَانَتْ.
والثاني: إلى مِثْلِ نِصْفِهِ بالوَزْنِ تِبْراً، وإلى نصف أُجْرَةِ مثل الصّنْعَةِ، وهي قيمتها، ونَظْمُ الكتاب يُشْعِرُ بترجيح الوَجْهِ الأول، وبترجيحه قال الشيخ أبو عَلِيٍّ، وهو جواب ابن الحَدَّادِ، لكن المُوَافِقَ لما مَرَّ في الغَصْبِ فيما إذا أَتْلَفَ حُلِيّاً على إِنْسَانِ بِتَرْجِيح الوجه الثاني.
وإذا قُلْنا بالوجه الأَوَّلِ فيم يقوم الحُليّ به وجهان:
أحدهما: أنه يُقَوَّمُ بغير جِنْسِهِ، وإن كان نَقْدُ البَلَدِ من جِنْسِهِ، إن كان ذَهَباً يُقَوَّمُ بالفِضَّةِ، وإن كان فِضَّةً فَبِالذَّهَبِ؛ لأن التَّقْوِيمَ بالجنس يَتَضَمَّنُ المُقَابَلَةَ مع الفَضْلِ، وهي مُمْتَنِعَةٌ في التقدير، كالمُقَابَلَةِ باَلبَيْعِ.
والثاني؛ أنه يُقَوَّمُ بِنَقْدِ البَلَدِ، وإن كان ذلك من جِنْسِهِ، وبالأول أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، وإلى الثاني ذَهَبَ محمد بن نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ، ويجري الوجْهَانِ في قِيمَةِ الصّنْعَةِ، ففي وجه: يُقَوَّمُ بِغَيْرِ جِنْسِ الحُلِيِّ.
وفي وجه بنَقْدِ البَلَدِ، وهو الأشبه، كما تَقَدَّمَ في الغَصْبِ، ولو صورت المسألة في آنِيَةِ الذَّهَبِ، أَو الفضة، فَيْبُنَى على أَنَّهُ هَلّ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الأَوَانِي من الذَّهَب والفِضَّةِ، وهل لتلك الصّنْعَةِ قِيمَةٌ أم لا؟!.
إن قلنا: لا، فللزوج أن يَرْجِعَ إلى نِصْفِ العَيْنِ، سواء أَعَادَت الصنعة الأولى 114 أو غيرها؛ لأنه إذا لم تكن تِلْكَ الصّنْعَةُ مُتَقَوَّمَةً لم يكن هناك زِيَادَةٌ.
وإن قلنا: نعم، فالحكم كما في مَسْأَلَةِ الحُلِيِّ، وهذا الخِلاَفُ كالخلاف فيما إذا غَصَبَ آنِيَةً من ذَهَبٍ أو فِضّةٍ وَكَسَّرَهَا، هل يُغَرَّمُ مع رَدِّ العَيْنِ قيمة الصنعة؟ وَيلْتَحِقُ به ما إذا غَصَبَ جارِيَة مُغَنِّيَةً، فَنَسِيَتْ عنده الألْحَانَ، هل يَرُدُّ معها ما انْتُقِصَ من قِيمَتِهَا بِنِسْيَانِ الألْحَانِ؟ فيه وجهان 115:
وجه المنع: أنه مُحَرَّمٌ ولا عِبْرَةَ بالنُّقْصَانِ الحَاصِلِ به، وعلى هذا، فلو اشْتَرَى
الجزء: 8 - الصفحة: 305
جَارِيَةً مُغَنِّيَةً بألفينِ ولو لم تكن مُغَنِّيَةً لكانت تشترى بألف، حكى الشيخ أبو عَلِيٍّ فيه ثَلاَثَة أوجه:
أحدها: وهو الذي أَفْتَى به المحمودي 116 "مرو" أنه يبطل؛ لأنه بَذْلُ مَالٍ في مُقَابَلَةِ مُحَرَّمٍ.
والثاني: عن أبي زَيْدٍ أنه إن قَصَدَ بالشراء الفنَاءَ بَطَل؛ لأنه قَصَدَ مُحَرَّماً، وإلا لم يَبْطُلْ.
والثالث: قال الأودني: القِيَاسُ صِحَّةُ البَيْعِ، وما سوى ذلك اسْتِحْسَانٌ 117.
وقوله في الكتاب: "فله نِصْفُ قيمته مَصْنُوعاً"، وفي بعض النُّسَخِ "مصُوغاً"، وهما صحيحان.
وقوله: "وقيل: إن له مثل نِصْفِ وَزْنِهِ" أي: مِثْلَ نِصْفِ وَزْنِهِ، ونصف أُجْرَةِ الصنعة، حذفه لِلْعِلْمِ بالمَقْصُودِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) لَوْ أَصْدَقَ الذِّمِّيُّ خَمْراً وَقَبَضَتْ فَأَسْلَمَا فَطَلَّقَهَا قَبْلَ المَسِيسِ وَقَدْ صَارَ خَلاًّ يُرْجَعُ بِنِصْفِ الخَلِّ عَلَى وَجْهٍ، وَلاَ يُرْجَعُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يُرْجَعُ فَلَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ الخَلُّ قَبْلَ الطَّلاَقِ رَجِعَ بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْه، وَلاَ يُرْجَعُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهٍ؛ لأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بَدَّلَهُ يَوْمَ القَبْضِ وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ مُتَقَوِّماً، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الخَمْرِ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَدَبغَتْهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ وَمَنْعُ الرُّجُوعِ أَظْهَرُ؛ لأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَثَتْ بِاخْتِيَارِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذمي إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ خَمْراً، ثم أَسْلَمَا، أو تَرَافَعَا إلينا، فقد مَرَّ أنه إن اتفق ذلك بعد القَبْضِ، لم نَحْكُمْ لها بشَيْءٍ، وإن كانت غَيْرَ مَقبُوضَةٍ، حكمنا بوجوب مَهْرِ المِثْلِ، ولو صارت الخَمْرُ المُصْدَقَةُ خَلاًّ في يد الزَّوْجِ، ثم أَسْلَمَا، أو أحدهما فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ لا شَيْءَ لها إلا الخَلَّ؛ لأن الصَّدَاقَ بالعَقْدِ يصير للزَّوْجَةِ، وتكون يَدُ الزَّوْجِ يَداً لها، فأشبه ما إذا قَبَضَتْهُ خَمْراً، وصارت الخَمْرُ خَلاًّ في يدها.
وأصحهما: وبه قال القَفَّالُ أن مَهْرَ المِثْلِ؛ لأن الخمر لا يَصْلُحُ أن يكون صَداقاً،
الجزء: 8 - الصفحة: 306
ولا اعْتِبَارَ لِذِكْرِهَا إذا لم يَتَّصِلْ بها القَبْضُ قبل الإِسْلاَمِ، ولهذا لو أَسْلَمَا، أو أحدهما قبل أن تَصِيرَ خَلاًّ يحكم بِوُجُوب مَهْرِ المِثْلِ، ولوَ أصْدَقَهَا عَصِيراً فَتَخَمَّرَ في يده، ثم عاد خَلاًّ، ثم أَسْلَمَا أَو تَرَافَعَا إلينا نُلْزِمُهُ قيمته 118، ولا عبرة بِتَخَلُّلِ الخَمْرِ، ولو قبضت الذِّمِّيَّةُ الخَمْرَ، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، أو أَسْلَمَا، أو تَحَاكَمَا إلينا، فلا رُجُوعَ للزوج؛ لأن الخَمْرَ إن كانت بَاقِيَةٌ، فلا مَالِيَّةَ لها، ولا يجوز قَبْضُهَا في الإِسلام، وإن تَلِفَتْ عندها، فلا قِيمَةً لها حَتَّى يُفْرَضُ رُجُوعٌ، وإن صارت خَلاًّ عندها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، فهذه مَسْأَلَةُ الكتاب، فهل للِزَّوْجِ أن يرجع إلى نِصْفِ الخَلِّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ، نعم: لأن عين الصَّدَاقِ بَاقِيَةٌ، وإنما تَغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهَا.
والثاني: لا يرجع بشيء؛ لأن حَقَّ الرُّجُوعِ إنما يَثْبُتُ إذا كان المَقْبُوضُ مَالاً، وها هنا حدثت المَالِيَّةُ في يدها، فهو كَزِيَادَةِ مُنْفَصِلَةٍ حصلت عندها.
قال في "التتمة": والوجهان كالوجهين فيما إذا غَصَبَ خَمْراً، فَتَخَلَّلَتْ في يد الغَاصِبِ يكون الخَلُّ لِلْمَغْصُوبِ منه، أو لِلْغَاصِبِ، وذكرنا هناك أن الأَصَحَّ أنه لِلْمَغْصُوب منه المُلاَئِمُ له ترجيح الرُّجُوعِ هاهنا، وإذا قلنا به، فلو تَلِفَ الخَلُّ أو أَتْلَفَتْهُ، ثم طَلَّقَهَا، فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن الخُضَرِيِّ -أنه يرجع بِمِثْلِ نِصْفِ الخَلِّ؛ لأنه لو بقي لرجع في نِصْفِهِ، فإذا تَلِفَ كان الرجوع إلى بَدَلِهِ.
والثاني: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ أنه لا يرجع بشيء؛ لأن الرُّجُوعَ إلى بَدَلِ الصَّدَاقِ عند تَلَفِهِ، ينظر فيه إلى يوم الإِصْدَاقِ، والقبض، ألا ترى أنه إذا كان متقوّماً، ينظر إلى قيمته يَوْمَ الإصْدَاقِ، وقيمته يوم القَبْضِ، ويحكم بِوُجُوبِ نِصْفِ الأقل منهما، وهاهنا لم يكن الصَّدَاقُ مَالاً لا عند الإِصْدَاقِ، ولا عند القَبْضِ، فيمتنع الرُّجُوعُ إلى بَدَلِهِ، والأَصَحُّ الأول عند الشيخ أبي عَلِيٍّ.
ولو أصدقها جِلْدَ مَيْتَةٍ، فقبضه ودَبَغَتْهُ ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، ففي رجوعه إلى النِّصْفِ منه وجهان مُرَتَّبَانِ على الوجهين، فيما إذا تَخَلَّلَتِ الخَمْرَةُ، وأَوْلَى بأَلاَّ يرجع، لأن الخَمْرَ انْقَلَبَتْ خَلاًّ بنفسها، لا صُنْعَ لأحدٍ فيه، وهاهنا أَحْدَثَتِ المَرْأَةُ مَالِيَّتَهُ
الجزء: 8 - الصفحة: 307
بالدِّبَاغ، والتزمت مُؤنَاتِهِ، فيكون الحَاصِلُ كَسْباً لها، ومع هذا الترتيب ذَكَرْنَا في الغَصْب أن الأصَحَّ كَوْنُ الجِلْدِ للمغصوب منه، لا لِلْغَاصِب، فَيُشْبِهُ أن يكون الرُّجُوعُ هاهنا أَظْهَرَ أيضاً، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، فإن هَلَكَ الجِلْدُ عندها بعد الدِّبَاغِ قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا رُجُوعَ، كما قاله فيما إذا أَتْلَفَ الخَلَّ، وساعده الشيخ أَبُو عَلِيٍّ هاهنا، وقال: ينبغي ألا يرجع وَجْهاً وَاحِداً، بخلاف ما إذا تَلِفَ الخَلُّ؛ لأن الخَلَّ مِثْلِيٌّ.
فإذا تَلِفَ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ إلى مِثْلِهِ، والجلدُ مُتَقَوَّمٌ، والنظر في المُتَقَوَّمَاتِ إلى وَقْتِ الإِصْدَاقِ والإِقْبَاضِ، ولم يكن له قِيمَةٌ حينئذٍ، ولو ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ قبل الدخول، وانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فالَقول في كُلِّ الجلد وكل الخُلِّ كالقول في النِّصْفِ عند الطَّلاَقِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) إِذَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ القُرْآنِ وَطَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ عَسُرَ تَعْلِيمُ النِّصْفِ لأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ أَوْ نِصْفُ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلاَفِ القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز أن تُجْعَلَ أَعْيَانُ الأَمْوَالِ صَدَاقاً، يجوز أن تُجْعَلَ المَنَافِعُ والأعمال صَدَاقاً، وفي جَعْلِ الأعمال صَدَاقاً مَسَائِلُ لا بدّ من إِيرَادِهَا وهذا الفَرْعُ أَوْلَى مَوْضِعَ بِها؛ لأنه مُصَوَّرٌ في تَعْلِيمِ القرآن، فَنُورِدُ المسائل، وَنُدْرجُ فيها الفَرْعَ المذكور في الكتاب.
واعلم أن كُلَّ ما يَجُوزُ عَقْدُ الإجَارَةِ عليه يجوز جَعْلُهُ صَدَاقاً، وذلك كالخِيَاطَةِ، [والخِدْمَةِ، وَتَعْلِيمِ] 119 القرآن، والحِرَفِ وغيرها.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لاَ يَجُوزُ أن يُجْعَلَ تَعْلِيمُ القرآن ومَنْفَعَةُ الحر صَدَاقاً.
لنا: ما رُوِيَ أن امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالت: يا رَسُولَ الله وَهَبْتُ نَفْسِي لك، وقامت قياماً طَوِيلاً، فقام رجل فقال: يا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إن لم يكن لك بها حَاجَةٌ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ نُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ " فقال: ما عندي إلا إِزَارَي هذا! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ لاَ إِزَارَ لَكَ، الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيد" فلم يجد شَيْئاً فقال -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ " قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا لسور سَمَّاهَا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" 120.
وفي الفَصْلِ مَسَائِلُ:
الجزء: 8 - الصفحة: 308
إحداها: يشترط في تعليم القُرْآن لِتَصبحَّ صَدَاقاً -شيئان:
أحدهما: العِلْمُ بالمَشْرُوطِ تعليمه بأحد طريقين:
الأول: بَيْانُ القَدْرِ المُتَعَلَّمِ، بأن يقول: جَمِيعُ القرآن، أو السَّبْعُ الأُوَلُ أو الأُخَرُ، وفي بعض الشروح إِشَارَةٌ إلى وَجْهٍ آخر أنه لا يُشْتَرَطُ تَعْيينُ السبع، ولو عَيَّنَ بالسُّوَرِ والآيات، فعلى ما ذكرنا في الإِجَارَةِ، وبَيَّنَّا هناك الخلاف في أنه هل يشترط أن يَقُولَ بِقِرَاءَةِ نَافِعٍ، وأبي عَمْرو، أو غيرهما، والذي أَجَابَ به القاضي ابْنُ كَجٍّ هاهنا أنه لا يُشْتَرَطُ، قال: ولو شَرَطُ حَرْفَ أبي عمرو عَلَّمَهَا بِحَرْفِهِ، فإن عَلَّمهَا بحرف الكِسَائِيِّ، فيستحقُّ أُجْرَةَ المِثْلِ، أو لا شيء له حكى فيه وجهين، وحكى قولين في أنها بِمَ تَرْجِعُ على الزَّوْج أحدهما بِمَهْرِ المِثْلِ، والثاني بِقَدْرِ التَّفَاوُتِ بين أُجْرَةِ التعليم بالحَرْفِ المشروط، وأُجْرَةِ التَّعْلِيمِ بالحرف الآخَرِ، فإن لم يكن تَفَاوُتٌ، لم يرجع بشيء، ثم قال: ولا مَعْنَى لهذا الاخْتِلاَفِ، بل الوَاجِبُ، أن يقال يُعَلِّمُهَا حَرْفَ أبي عَمْرٍو، وهو مُتَطَوِّعٌ بما علم، ثم العِلْمِ بذلك يُشْتَرَطُ في حَقِّ الزوج والوَلِيِّ، فإن لم يكن لهما، أَو لأحدهما مَعْرِفَةٌ بالقرآن، وسُوَرِهِ، وأَحْزَابهِ، قال أبو الفَرَج الزَّازُ الطريق التَّوْكِيلُ، إلا فيرى المُصْحَفَ، ويقال: تَعَلَّمْ من هذا المَوْضِعِ إلى هذا الَمَوْضِع، ولك أن تقول: ما يَنْبَغِي أن يكون هَذَا طَرِيقاً؛ لأن لا يفيد مَعْرِفَةً بحال ذلك المُشَارِ إليهَ صُعُوبَةً وسهولة 121 مأخذ.
والثاني: تَقْدِيرُهُ بالزّمَانِ؛ بأن يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ القُرْآنِ شَهْراً أو سَنَةً، فيجوز كما لو اسْتَأْجَرَ خَيَّاطاً ليخيط له شَهْراً، وكما يَخيطُ هناك ما شَاءَ المُسْتَأْجر، يعلمها هاهنا المدة المذكررة ما شاءت المرأة، ولو جَمَع بين الطريقين، فقال: عَلَى أن أُعَلِّمَهَا مُدَّة شَهْرٍ سورة البقرة، فهو كما لو قال: اسْتَأجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هذا الثَّوْبَ اليَوْمَ، وفيه خلاف تقدم في "الإِجارة".
والثاني: أن يكون المَشْرُوطُ تَعْلِيمُهُ قَدْراً، فيه كُلْفَةٌ، فإن لم يكن فيه كُلْفَةٌ، كما إذا شَرَطَ التَّعْلِيمَ لَحْظَة لَطِيفَةً، أو تعليم قَدْرٍ يَسِيرٍ، وإن كان آيَةً واحدة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] وكقوله: ﴿والفَجْرِ﴾ [الفجر: 1] لم يَصِحَّ الإِصْدَاقُ، وهو كبيع حَبَّةٍ من الحِنْطَةِ.
ولو أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الفَاتِحَةِ، وهو متعين للتعليم، ففي صِحَّةِ، الصَّدَاقِ، وجهان، كنظيره في الإِجَارَةِ، والأصَحُّ الصِّحَّةُ، ولو نَكَحَهَا على أدَاءِ شهادة لها عنده، أو نَكَحَ كِتَابِيَّةً على أن يُلَقِّنَهَاَ كَلِمَةً الشَّهَادَةِ لم يَجُزْ قاله في "التهذيب"، ثم في إِصْدَاقِ التَّعْلِيمِ صُوَرٌ:
إحداها: لو كان الزوج لا يُحْسِنُ ما شرط تعليمه، فإن الْتَزَمَ التَّعْلِيمَ في الذِّمَّةِ
الجزء: 8 - الصفحة: 309
جاز، ويأمر غيره بِتَعْلِيمِهَا، أو يَتَعَلَّمُ ويُعَلِّمُهَا، وإن كان الشِّرْطُ أن يُعَلِّمَهَا بنفسه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يَصِحُّ الصَّدَاقُ؛ لأنه يمكنه أن يَتَعَلَّمَ ويُعَلِّمَ، فصار كما لو أَصْدَقَهَا أَلْفاً، وهو لا يملك شَيْئاً.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها غَيْرُ مَقْدُورٍ على تسليمها، ولو شرط أن يَتَعَلَّمَ، ثم يعلمها لم يَجُزْ أيضاً؛ لأن العَمَلَ مستحقٌّ عليه مُتَعَلِّقٌ بعينه، والأَعْيَانُ لا تقبل التَّأْجِيلَ.
وفي "التتمة" تَفْرِيعاً على الوجه الأول أنها إن أَمْهَلَتْهُ إلى أن يَتَعَلَّمَ فذاك، وإلا فهو مُعْسِرٌ بالصَّدَاقِ، ولو أراد الزَّوْجُ أن يُقِيمَ غيره مَقَامَهُ في تعليم المَشْرُوطِ جاز، إن كان الالْتِزَامُ في الذِّمَّةِ، وإلا لم يَجُزْ، ولو أَرَادَتْ هي أن تُقيمَ غيرها مَقَامَهَا في التَّعَلّمِ، ففي إِجْبَارِ الزوج عليه وجهان:
أحدهما: يُجْبَرُ كما لو اسْتَأْجَرَ للرُّكُوبِ، له أن يُرْكِبَ غيره، وهذا أَرْجَحُ عند الإِمام.
وأظهرهما: عند الأكثرين المَنْعُ؛ لتَفَاوُتِ طِبَاع الناس، واخْتِلاَفِهِمْ في التلقُّن سرعة وَبُطئاً، ومنهيم من نَصَبَ الخِلاَف في جَوَازِ الإبْدَالِ مع التَّرَاضِي، فإن فض عَقْدٌ مُجَرِّدٌ، وأُبْدِلَتْ مَنْفَعَةٌ بِمَنْفَعَةٍ جاز لا مَحَالَةَ، كما إذَا اسْتَأْجَرَ داراً أو قَبَضَهَا، ثم اسْتَأْجَرَ بمنفعتها دَابَّةً.
ولو أَصْدَقَهَا تعليم ولدها لم يَصِحَّ الصَّدَاقُ، كما لو شرط الصَّدَاقَ لولدها، وبمثله أَجَابَ صاحب "التهذيب" فيما لو أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غُلاَمِهَا، واسْتَثْنَى ما إذا وجب عليها تَعْلِيمُ الوَلَدِ، وخِتَانُ العَبْدِ، فشرطته عليه صَدَاقاً، قال: يجوز.
وفي "التتمة" أنه يَجُوزُ أن يُصْدِقَهَا تَعْلِيمُ الغُلاَم، ولا يجوز أن يُصْدِقَهَا تعليم الوَلَدِ، وهذا أَوْلَى.
الثانية: إذا تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ بأن تعلمت المَشْرُوطَ من غيره، أو كانت بَلِيدَةً لا تَتَعَلَّمُ، أو لا تتعلم إلا بتكلُّفٍ، عَظِيمٍ، وكان الوَقْتُ يَذْهَبُ في تعليمها فوق ما يُعْتَادُ، أو ماتت هي أو مات الزَّوْجُ، والشَّرط أن يُعَلِّمَهَا بنفسه، ففي الواجب القولان المذكوران، فيما لو تَلِفَ الصَّدَاقُ قبل القَبْضِ، فعلى الأَصَحِّ يجب مَهْرُ المِثْلِ، وعلى الآخر أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ.
ولو اختلف الزَّوْجَانِ، فقال الزوج: عَلَّمْتُكِ ما الْتَزَمْتُ، وأنكرت، فإن لم تُحْسِنْهُ، فالقول قَوْلُهَا وإن أَحْسَنَتْهُ وقالت: تعلمت من غيرك، فالقول قولها؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ الصَّدَاقِ، وربما تَعَلَّمَتُ من غيره.
وقوله: "لأنها تَدَّعِي عليه بَدَلَ الصَّدَاقِ، والأصل عَدَمُهُ" فيه وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 310
أرجحهما: عند ابْنِ الصَّبَّاغِ، والمتولي أولهما، وبناء الوجهين فيما ذكر بعضهم على قول تَعَارُضِ الأَصْلِ والظاهر.
الثالثة: لو أَصْدَقَهَا تعْلِيمَ سُورَةٍ، وعلمها، ثم طَلَّقَهَا، فإن دَخَلَ بها، فَذَاكَ، وإلا رَجَعَ عليها بنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ، كما لو أَصْدَقَهَا عَيْناً وأَقْبَضَهَا، فَتَلِقتْ عندها، ثم طلقها قبل الَدخول يرجع إلى نِصْفِ قِيمَةِ العَيْنِ، وإن طَلَّقَهَا قبل أن يُعَلِّمَهَا، فإنها تَسْتَحِق تعليم الكُلِّ، إن جرى الدخول، وتعليم النِّصْفِ، إن لم يجر، وهل يوفي ذلك أم يقال: إنه فات، وتَعَذَّرَ بالطَّلاَقِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يوفي بأن يُعَلِّمَهَا من وَرَاءِ حِجابٍ من غير خَلْوَةٍ، ويجوز ذلك، كما يجوز سَمَاعِ الحديث كذلك، وهذا ما أورده صاحب "التتمة".
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، والمنصوص عليه في "المختصر" أنه إذا طَلَّقَهَا تَعَذَّرَ التعليم؛ لأنها صارت مُحَرَّمَةً عليه، ولا يُؤْمَنُ الوُقُوعُ في التُّهْمَةِ، والخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، لو جَوَّزْنَا التعليم، وليس كسماع الحديث، فإنَّا لو لم نُجَوِّزهُ لَضَاعَ، وللتعليم بَدَلٌ يُعْدَلُ إليه، فعلى أصح القولين الرجوع إلى جميع مَهْرِ المثال، إن كان الطَّلاَقُ بعد الدُّخُولِ، وإلى نِصْفِهِ إن كان قبل الدخول.
والثاني: الرجوع إلى أُجْرَةِ التعليم، أو نِصْفِهَا 122.
الرابعة: لو نكح كِتَابِيَّةً على أن يُعَلِّمَهَا شَيْئاً من القرآن يَصِحُّ الصَّدَاقُ، إن كان يتوقع منها الإِسْلاَمُ، وإلا فيفسد؛ لأنه لا يَجُوزُ تعليمها خَوْفاً من أن يَصْدُرَ منها ما لا يَليقُ بحرمته، ومال مَائِلُونَ إلى الجَوَازِ مُطْلَقاً، ولو نكح مُسْلِمَةً أو ذِمِّيَّةً على تعليم التَّوْارَةِ والإِنْجِيلِ، لم يجزه؛ لأن ما في أيديهم مُبَدَّلٌ لا يجوز الاشْتِغَالُ به، والوَاجِبُ والحالة هذه مَهْرُ المِثْلِ، إذ لا قيمة للمسمى، ولو نَكَحَ ذمِّيُّ ذِمِّيَّةً على تَعْلِيم التَّوْرَاةِ، أو الإِنجيل، ثم أسلما، أو ترافعا بعد التعليم لم نُوجِبْ شَيْئاً آخر، ولو كان قبل التَّعْلِيم وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، كما في الخَمْرِ المقبوض، وغير المَقْبُوضَةِ إذا جعلت صَدَاقاً.
الجزء: 8 - الصفحة: 311
فإن أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غَيْرِ القرآن من الفِقْهِ والأَدَبِ والطِّبِّ والشِّعْرِ ونحوها، فإن كان غير محظور صَحَّ الصَّدَاقُ، وإن كان مَحْظُوراً لم يَصِحَّ، وذلك كالهَجْوِ والفُحْشِ وفيما روى القَفَّال الشَّاشِيُّ عن أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني أنه سئل المزني هل يجوز النِّكَاحُ على تَعْلِيمِ الشعر؟ فقال: إن كان مِثْلَ قَول القائل [الوافر]:
يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيأْبَى الله إِلاَّ مَا أَرَادَا
يَقُولُ المَرْءُ فَائِدَتِي وَزَادِي ... وَتَقْوَى اللهِ أَكْرَمُ مَا اسْتَفَادَا
الخامسة: فيجوز لو نكح امْرَأَةً على أن يَرُدَّ عَبْدَهَا الآبقَ، أو جَمَلَهَا الشَّارِدَ وكان الموضع مَعْلُوماً، جاز، وإن كان مَجْهُولاً، فعن أبي الطيب بن سَلَمَةَ، وأبي حَفْصٍ الوَكِيلِ إثبات قول إنه يَجُوزُ كما في الجَعَالَةِ، والصَّحِيحُ أنه لا يَجُوزُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، بخلاف الجَعَالَةِ، فإنها عَقْدٌ جائز للحاجة، وإنما احتملت الجَهَالَةُ فيه لذلك، فإن رَدَّهُ في صورة الجَهْلِ، فله أَجْرُ مِثْلِ الرَّدِّ، ولها عليه مَهْرُ المِثْلِ، وإذا صَحَّ الصَّدَاقُ، وطلقها بعد رَدِّ العَبْدِ، وقبل الدخول اسْتَرَدَّ منها نِصْفَ أُجْرَةِ المِثْلِ، وإن طلقها مثل رَدِّهِ، فإن كان الطَّلاَقُ بعد الدخول، فعليه الرَّدُّ، وإن كان قبله فعليه الرَّدُّ إلى نِصْفِ الطريق، ثم يُسَلِّمُهُ إلى الحاكم، فإن لم يكن هناك حاكم، أو لم يكن مَوْضِعاً يمكن تَرْكُهُ فيه، ولم يَتَبَرَّعْ بالرَّدِّ إليها قال في "التتمة": [يؤمر بِرَدِّ إليها، و] 123 له عليها نِصْفُ أجرته، ولو تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِرَدِّ الغير، أو بِرُجُوعِهِ بنفسه، أو بموته، فقد فَاتَ الصَّدَاقُ قبل القَبْضِ، فعلى أَصَحِّ القولين الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، وعلى الثاني الرجوع إلى أُجْرَةِ الرَّدِّ.
السادسة: إذا نكحها على خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَعْلُومٍ جاز، وله أن يَخِيطَهُ بغيره، إذا التزم في الذِّمَّةِ، وإذا نكح [على] 124 أن يخيطَ بنفسه، وعجز عن الخِيَاطَةِ بأن يَدُهُ، أو مات ففيما عليه؟ قولان.
أصحهما: مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: أُجْرَةُ الخِيَاطَةِ، ولو تلف ذلك الثوب، فيتلف الصَّدَاقُ، أو يأتي بثوب مِثْلِهِ؟.
فيه وجهان ذكرناهما في "الإجَازَةِ" قال في "التهذيب": الأَصَحُّ تَلَفُ الصَّدَاقِ، وهو يُوَافِقُ ما سبق في الإِجَارَةِ أن العراقيين مَالُوا إلى تَرْجِيحِهِ، وحينئذٍ فَيَعُودُ القَوْلاَنِ فيما عليه، وإن طلقها بعد الخِيَاطَةِ، وقبل الدخول، فله عليها نِصْفُ أُجْرَةِ المِثْلِ، وإن طَلَّقَهَا قبل الخِيَاطَةِ، فإن دخل بها، فَعَلَيْهِ الخِيَاطَةِ، وإن لم يدخل خَاطَ نِصْفَهُ، فإن تَعَذَّرَ الضَّبْطُ عاد القولان في أنه يجب مَهْرُ المِثْلِ، أو الأجْرَةُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 312
"
فرع
"
قال في "التتمة" لو كان له عليها أو على عبدها قِصَاصٌ، فنكحها وجعل النُّزُولَ عن القِصَاصِ صَدَاقاً لها، يجوز، ولو جعل النُّزُولَ عن الشُّفْعَةِ، أو حَدِّ القَذْفِ صَدَاقاً لم يجز؛ لأن ذلك مما لا يُقَابَلُ بالعِوَضِ، ولا يجوز أن يَجْعَلَ طَلاَقَ امْرَأَةٍ صَدَاقاً لأخرى، ولا أن يَجْعَلَ بُضْعَ أَمَتِهِ صَدَاقاً لمنكوحته.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (قَاعِدَةٌ) مَهْمَا أَثْبَتْتَا الخِيَارَ بِسَبَبِ زَيادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَلاَ مِلْكَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ، وَهَذَا الخِيَارُ لَيْسَ عَلَى الفَوْرِ بَلْ كَخِيَارِ رُجُوعِ الوَاهِبِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا الخِيَارُ فَامْتَنَعَتْ حُبِسَ عَنْهَا عَيْنُ الصَّدَاقِ كَالمَرْهُونِ وَبَاعَ القَاضِي مِنَ الصَّدَاقِ مَا يَفِي بِنِصْفِ القِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ لاَ يُشْتَرِيَ النِّصْفُ بِنِصْفِ القِيمَةِ الوَاجِبَةِ فَيُسَلَّمُ إِلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَبُمَلَّكُ إِذَا قَضَى لَهُ بِهِ، وَإِذّ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ أَقَلُّ قِيمَةٍ مِنْ يَوْمِ الإِصْدَاقِ إِلى يَوْمِ القَبْضِ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ التَّلَفُ في يَدِهَا بَعْدَ الطَّلاَقِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمُ التَّلَفِ.
قَالَ الرَّافِعِي: في القاعدة مَسْأَلَتَانِ يُحْتَاجُ إلى معرفتها في الأُصُولِ المتقدمة.
إحداهما: إذا ثَبَتَ الخِيَارُ للمرأة بِسَبَب زِيَادَةٍ في الصَّدَاقِ، أو الزوج بسبب نقصان فيه أَوْلَهُمَا لاجتماع المعنيين فلا يملك الزَّوْجُ الشَّطْرَ قبل أن يَختَارَ من له الخِيَارُ الرُّجُوعَ بالعين إذا كان الخيار لأحدهما، وقبل أن يَتَوَافَقَا عليه، إن كان الخِيَارُ لهما.
وإن قلنا: إن الطَّلاَقَ يُشَطِّرُ الصَّدَاقَ بنفسه، وإلا لما كان للِتَّخْييِرِ، واعتبار التَّوَافُقِ معنى، وليس هذا الخِيَارُ على الفَوْرِ، بل هو كَخِيَارِ الرجوع في الهِبَةِ لا يَبْطُلُ بالتأخير، لكنه إذا تَوَجَّهَتْ طِلْبَةُ الزوج لا تتمكَّنُ المَرْأَةُ من التَّأْخِيرِ، بل تُكَلَّفُ اخْتِيَارَ أحدهما، والزوج لا يُعَيِّنُ في الطَّلَبِ العَيْنَ، ولا القيمة، فإن التَّعَيْينَ يَنَاقِضُ تَفْوِيضَ الأمر إلى رأيهما، ولكن يُطَالِبُهَا بحَقِّهِ عندها، فإن امتنعت قال الإِمام: لا يَقْضِي القاضي فيها على حَبْسِهَا لِبَذْلِ العين، أَو القيمة، بل يَحُبِسُ عَيْنَ الصَّدَاقِ عنها، إذا كانت حَاضِرَةً، ويمنعها من التَّصَرُّفِ فيها؛ لأن تَعَلُّقَ حَقِّ الزوج بالصداق فوق تَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بالمَرْهُونِ، والغُرَمَاء بالتركة، فإذا أَصَرَّتْ على الامْتِنَاعِ، فإن كان نِصْفُ القيمة الوَاجِبَةِ دون نِصْفِ العَيْنِ للزيادة الحَادِثَةِ، فيبيع ما يَفِي بالوَاجِب من القيمة، وإن لم يَرْغَبْ في شراء البَعْضِ، باع الكل، وصَرَفَ الفَاضِلَ عن القِيمَةِ الواجبة إليها، وإن كان نِصْفُ العَيْنِ مِثْلَ نِصْفِ القيمة الواجبة، ولم تُؤَثِّرِ الزِّيَادَةُ في القيمة، ففيه احتمالان للإِمام:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يُسَلَّمُ نِصْفُ العين إليه، إذ لا فَائِدَةَ في البَيْعِ ظاهراً، فإذا سلم إليه أَفَادَ قَضَاؤُهُ ثُبُوتَ المِلْكِ له.
الجزء: 8 - الصفحة: 313
الثاني: أنه لا يُسَلَّمُ العين له، بل يبيعه فلعله يجد من يَشْتَرِيهِ بِزِيَادَةٍ.
وقوله في الكتاب: "فإن كان لا يَشْتَرِي النصف بنصف القِيمَةِ الواجبة"، لا ينبغي أن يُخَصَّصَ بما إذا باع النَّصْفَ وَحْدَهُ، بل الحكم فيما إذا بَاعَ النِّصْفَ وحده، وما إذا باع الكُلَّ وَاحِدٌ، والنظر إلى عَدَمِ زِيَادَةِ ثَمَنِ النصف على نِصْفِ القيمة الواجبة.
الثانية: إذا وَجَبَ الرجوعُ إلى القِيمَةِ إما لِهَلاَكِ الصَّدَاقِ، أو لخروجه عن مِلْكِهَا، أو لزيادة فيه أو نُقْصَانِ، فالمُعْتَبَرُ الأَقَلُّ من قيمته يوم الإصْدَاقِ.، وقيمته يوم القبض، لأنه إن كان قيمته يَوْمَ الإِصْدَاقِ أَقَلَّ، فالزيادة بعد ذلكَ حَادِثَةٌ على ملكها ولا تَعَلُّقَ للزوج بها، وإن كان قِيمَةُ يوم القَبْضِ أَقَلَّ، فما نَقَصَ قبل ذلك، فهو من ضَمَانِهِ، فكيف يرجع عليها بما هو مَضْمُونٌ عليها نعم لو تَلِفَ الصَّدَاقُ في يَدِهَا بعد الطَّلاَقِ، وقلنا إنه مَضْمُونٌ عليها، فتعتبر قيمته يوم التَّلَفِ؛ لأن الرجوع قد وَقَعَ إلى عين الصَّدَاقِ، ثم تَلِفَ مِلْكُهُ تحت يد مضمنة، وذكر الإِمام احْتِمَالاً فيما إذا كانت العَيْنُ قائمةً، وحدثت زِيَادَةٌ أنه كان يَجُوزُ أن يُعْتَبَرَ قيمة يوم الطَّلاَقِ، لا يوم الإِصداق، ولا يوم القَبْضِ؛ لأنه يوم ارْتدَادِ الشَّطْرِ إليه، فيقال: ما قيمة هذه العَيْنِ اليوم لو لم يكن فيها زِيَادَةٌ؟!.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّصَرُّفَاتِ المَانِعَةِ للِرُّجُوعِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: (إِحْدَاهَا): لَوْ زَالَ مِلْكُهَا بِجِهَةٍ لاَزِمَةٍ كَبَيْع وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ تَعَيَّنَتِ القِيمَةُ، فَإِنْ عَادَ المِلْكُ فَالمِلْكُ العَائِدُ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لاَزَمٌ كَرَهْنٍ وَإِجَارَة تَعَيَّنَتِ القِيمَةُ، فَإِنْ صَبَرَ إِلَى الانْفِكَاكِ فَلَهُ نِصْفُ العَيْنِ وَلَكِنْ لَوْ بَادَرَتْ إِلَى تَسْلِيمِ القِيمَةُ القَبُولُ لِمَا عَلَيْهَا مِنَ الغَرَرَ بفَوَاتِ العَيْنِ بِآفَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفَصْلِ بَيَانُ حكم التَّشْطِيرِ بعد ما تَصَرَّفَتِ المرأة [في الصداق] 125 وفيه مسائل:
إحداها: إذا أزَالَتْ مِلْكَهَا عنه بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ مع القبض، أو إعْتَاقٍ لم يملك الزَّوْجُ بالطلاق قبل الدخول نَقْضَ ذلك التَّصَرُّفِ، بل يكون زَوَالُ مِلْكِهَا كالهَلاَكِ، ويرجع الزَّوْجُ إلى نصف بدله، وهو المِثْلُ إن كان مِثْلِيّاً أو القِيمَةِ إن كانِ مُتَقَوّماً، فإن لم يَزُلِ المِلْكُ، لكن تَعَلَّقَ به حق الغير، فإن لم يكن حَقّاً لاَزِماً، كما إذا أَوْصَتْ به أو رَهَنَتْهُ أو وَهَبَتْهُ من غَيْرِ قَبْضٍ، فللزوج أن يرجع في نِصفه؛ لأن مِلْكَهَا بَاقٍ، وليس للغير فيه حَقٌّ متأكّد.
وفي "الشامل" وغيره نَقْلُ وَجْهٍ أنه لا يَرْجعُ في نِصْفِ الموهوب، وإن لم يوجد قَبْضٌ كيلا يَبْطُلَ تَصَرُّفُهَا في مِلْكِها، وحق هذا أنَ يُطْرَدَ في الرَّهْن والوَصِيَّةِ، ولو باعت
الجزء: 8 - الصفحة: 314
بشرط الخِيَارِ، وطَلَّقَهَا في مدة الخِيَارِ، حكى أبو سَعْدٍ المتولي وغيره أنا إن جَعَلْنَا المِلْكَ للبائع، فهو كالهِبَةِ، قبل القبض، وإن قلنا: للمشتري، فلا رُجُوعَ له العَيْن، وإن كان الحق لاَزِماً، بأن رَهَنَتْهُ، وأقبضته، فليس للزَّوْجِ الرُّجُوعُ إلى نصفه لِتَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بعينه، وإن أَجَّرَتْهُ فقد نَقَصَ الصَّدَاق عما كان لاسْتِحْقَاقِ الغير مَنْفَعَتَهُ، فإن شاء رجع إلى نِصْفِ القيمة في الحال، وإن شاء رجع إلى نِصْفِ العَيْن مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ مُدَّةَ الإِجارة 126. ولو قال: أَصْبِرُ إلى انفكَاكِ [الرَّهْن] 127 أو انقضاء مُدَّةِ الإِجارة، فإن قال: أَتَسَلَّمُهُ، ثم أسلمه إلى المُرْتِهِنِ، أو المستأجرة، فليس لها الامْتِنَاعُ منه، وإن قال: لا أتسلمه، وأصبر، فلها ألا تَرْضَى به، وتدفع إليه نِصْفَ القيمة؛ لما عليها من خَطَرِ الضَّمَانِ، هذا إذا قلنا إن الصَّدَاقَ في يدها مَضْمُونٌ بعد الطلاق، وهو الأَرْجَحُ، وبه أجاب هاهنا.
وإن قلنا: لا ضَمَانَ أو أَبْرَأَهَا عن الضمان، وصَحَّحْنَا هذا الإبْرَاءَ فقد حُكِيَ وجهان، في أنه هل يَجِبُ عليها الإجابة [أم لا] 128 لأنه قد يَبْدُو له، فَيُطَالِبُهَا بالقِيمَةِ، وتخلو يَدَهَا عن القِيمَةِ يومئذٍ، فانَ لم تُوجِبِ الإِجَابَةَ، ولم يطالبها إلى أنه انْفَكَّ الرَّهْنُ أو انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارة، فقد حُكِيَ وجهان، فيَ أنه هل يَتَعَلَّقُ بالعين لزوال المانع أو القيمة لأنه المَانِعَ الذي كان بالعين نقل حقّه إلى القيمة، فلا يرجع إليها.
وتَزْوِيجُ جَارِيةِ الصَّدَاقِ كالإِجارة، ولو زال مِلْكُهَا، وعاد، ثم طلقها قبل الدُّخُولِ، فوجهان:
أحدهما: أن حَقَّ الزَّوْجِ يَتَعَلَّقُ بالعين، وكأنه لم يَزُلْ.
والثاني: أن حَقَّة يَنْتَقِلُ إلى البَدَلِ؛ لأن المِلْكَ الآنَ مُسْتَفَادٌ من جهة أخرى، لا من جِهَةِ الصَّدَاقِ، وهذا كالخلاف في أن المَوْهُوبَ إذا خَرَجَ عن مِلْكِ الولد، ثمِ عاد هل يرجع الوالد فيه؟.
فيما إذا خَرَجَ المَبِيعُ عن مِلْكِ المشتري، ثم عاد، وقد أَفْلَسَ بالثَّمَنِ، واختار ابْنُ الحَدَّادِ انْتِقَالَ حَقِّ الزوج إلى البَدَلِ، وساعده الشيخ أبو عَلِيٍّ.
وقال أكثرهم: الأَصَحُّ هاهنا أن حَقَّ الزَّوْجِ يَتَعَلَّقُ بالعين، بخلاف مسألة الهِبَةِ؛ لأن الرُّجُوعَ في الهِبَةِ يَخْتَصُّ بالعَيْنِ، واختص بذلك المِلْك، ورجوع الزوج لا يَخْتَصُّ بالعَيْنِ، بل يَتَعَلَّقُ بالبَدَلِ، فالعين العائدة أَوْلَى بالرجوع من بَدَلِ الفَائِتَةِ هذا إذا زَالَ المِلْكُ بجهة لاَزمَةٍ، فإن زال بجهة غير لاَزِمَةٍ، كما إذا بَاعَتْ بشرط الخِيَارِ، وقلنا بزوال
الجزء: 8 - الصفحة: 315
المِلْكِ، وفَسْخِ البيع، ثم طَلَّقَهَا، فالخلاف بالتَّعَلُّقَ بالعَيْنِ مُرَتَّبٌ، وأولى بأن يَثْبُتَ.
ولو كاتَبَتْ عَبْدَ الصَّدَاقِ، وعَجَّزَ نَفْسَهُ، ثم طلقها، فعن القاضي الحُسَيْنِ: إجْرَاؤُهُ مُجْرَى الزَّوَالِ اللازم وقال الإِمام: ينبغي أن يُرَتَّبَ هذا على زَوَالِ المِلكِ؛ لأن المُكَاتَبَ عَبْدٌ بقَي عليه دِرْهَمٌ، ولا شَكَّ أن عُرُوضَ الرَّهْنِ، وَزَوَالَهُ قبل الطلاق لا يُؤَثِّرُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْداً فَدَبَّرَتْهُ لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى إِبْطَالَ التَّدْبِيرِ بِحُكْمِ الرُّجُوعِ لأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهِيَ كَزَيادَةِ مُتَّصِلَةٌ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ قَطْعاً وَهْوَ القِيَاسُ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى النَّصِّ فِي أَنَّ تَعْلِيقَ العِتْقِ هُوَ كَالتَّدْبِيرِ وَوَصِيَّةُ العَبْدِ بِالعِتْقِ هَلْ هِيَ كَالتَّدْبِيرِ؟ وَأَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الوَاهِبِ وَرُجُوعَ البَائِعِ؟.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَبْداً فَدَبَّرَتْهُ، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، نقل المُزَنِيُّ عن نصه أنه لا يرجع في نِصْفِ المُدَّبَرِ، بل يَعْدلُ إلى نِصْفِ القيمة، ثم اخْتَارَ تَمْكِينَهُ من الرجوع في نِصْفِهِ.
وللأصحاب في المسألة ثَلاَثَةُ طرق:
أحدها: أن في تَمْكِينِهِ من الرجوع قولين؛ بنَاءً على أن التَّدْبيرَ تَعْلِيقُ عِتْقِ بِصِفَةٍ أو وصية إن قلنا: وصية، فله الرُّجُوعُ إلى نصفه، كما لو أَوْصَتْ به لإِنسان، ثم طَلَّقَهَا.
وإن قلنا: تعليق عتق بِصِفَةٍ.
عدل إلى القيمة؛ لأن التَّعْلِيقَ حَقٌّ لاَزِمٌ لاَ رُجُوعَ عنه، فمنع الارتداد إلى الزَّوْجِ، بخلاف الوصية.
الثاني: قضية نَصِّهِ في "الأم" القَطْعُ بأنه لا يرجع، سواء جعل التدبير وَصِيَّة له، أو تَعْلِيقَ عِتْقٍ؛ لأن التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ، فليس للزوج تَفْوِيتُهَا، كالزيادات المُتَّصِلَةِ، ولأن العَبْدَ بالتدبير قد ثبَتَ له حَقُّ الحرية، والرجوع يُفَوِّتُهُ بالكلية، وإذا لم يرجع الزَّوْجُ إلى العَيْنِ لا يُفَوَّتُ حقه بالكلية، بل ينتقل إلى البَدَلِ.
والثالث: القَطْعُ بأنه يرجع.
أما إذا كان وَصِيَّةً، فظاهر، وأما إذا كان تَعْلِيقاً، فلأن التَّعْلِيقَ يرتفع بإزالة المِلْكِ، والطَّلاَق يَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ المِلْكِ، وأيضاً فإن التَّدْبِيرَ لا يمنع إِزَالَةَ المِلْكِ اختياراً، فَأَوْلَى ألا يمنع الرُّجُوعِ القَهْرِيّ، وحمل هؤلاء قَوْلَهُ: "لا يرجع" عَلى أنه لا يَتعَيَّنُ الرُّجُوعُ إلى نِصْفِ العبد، بل له أن يَعْدِلَ إلى نِصْفِ القيمة، لأن التَّدْبِيرَ يَبْقَى في النصف الآخر، وذلك مما يوجب نُقْصَانَ القِيمَةِ وبهذا أجاب صاحب "التتمة" وغيره، لكن أبا عبد الله الحناطِيَّ ذَكَرَ وَجْهاً آخر: أنه يَرْجِعُ إلى النصف، وينقض التَّدْبِيرُ في الكل، وسواء ثَبَتَ الخِلاَفُ أم لا، فالظاهر ما صَرَّحَ به القاضي الرُّويَانِيُّ، والموفق بن طَاهِرٍ، وَدَلَّ عليه كَلاَمُ غيرهَما: أن التدبير يَمْنَعُ الرجوع؛ لأن ما فيه من غَرَضِ القُرْبَةِ لا يتقاعد عن الزِّيَادَاتِ المُتَّصِلَةِ التي لا تُؤَثِّرُ في القِيمَةِ، وتعلق بها نوع غرض، ثم الحكاية عن شَرْحِ
الجزء: 8 - الصفحة: 316
أَبي إِسْحَاقَ، وغيره: أن الخِلاَفَ فيما إذا كانت المرأة مُوسَرَةً تَتَمَكَّنُ من أَدَاءِ القيمة، فإن لم تكن، فله الرجوع إلى نِصْفِ العبد، لا مَحَالَةَ، وَيتَعَلَّقُ بالاختلاف المذكور.
"
فروع
"
أحلما: إذا مَكَّنَاهُ من الرُّجُوع، فالمَفْهُومُ من كلام عَامَّتِهِمْ أنه يَسْتَقِلُّ به، ولا حَاجَةَ إلى أن تقدم المرأة رُجُوعاً عنَ التَّدْبِيرِ.
وقال الحناطي: يحتمل أن يقال: يُجْبَرُ على الرجوع عنه، وإِعْطَاءِ الزَّوْج النِّصْفَ، فإن امتنعت، تام الحاكم مَقَامَهَا، وفَسَخَ عليها.
والثاني: لو رَجَعَتْ عن التدبير بالقَوْلِ، وجَوَّزْنَا، ثم طلقها، و
فَرَّعْ
نَا على أن التدبير يمنع الرُّجُوعَ، فطريقان:
أحدهما: القَطْعُ بأنه يتمكَّنُ من الرُّجُوعِ إلى نصفه؛ لأن المِلْكَ لم يَزُلْ عنه.
والثاني: أنه كما لو دَبَّرَتْهُ، ثم بَاعَتْهُ ثم ملكته ثانياً، ثم طَلَّقَها الزوج قبل الدخول، وفيه الخِلاَفُ السَّابِقُ في عَوْدِ المِلْكِ بعد زَوَالِهِ والظاهر التمكُّنُ، ومع هذا التمكُّنِ لو تَرَكَهُ، وطَلَبَ نِصْفَ القيمة، أُجِبتَ إليه خَوْفاً من أن يقضي قَاضٍ بِبُطْلانِ الرجوع، والبيع.
وبعض الشارحين لـ"المختصر" ذكر هذا، ولو طَلَّقَهَا وهو مُدَبَّرٌ، وقلنا: إن حَقَّ الزوج في القِيمَةِ، فرجعت عن التدبير بلفظ الرجوع، وجَوَّزْنَاهُ، أو بِإزَالَةِ المِلْكِ عنه، ثم عاد إليها قبل أَخْذِ القِيمَةِ، ففي الرجوع إلى نِصْفِ العَبْدِ وجهان، حكاهما الشيخ أبو حَامِدٍ؛ لأن المانع قد ارْتَفَعَ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا طَلَّقَهَا، والصَّدَاقُ نَاقِصٌ، ثم زال النُّقْصَانُ قبل أخذ القيمة، هل يَعُودُ حَقُّهُ إلى العَيْنِ، وفيما إذا طلقها، ومِلْكُهَا زَائِلٌ عن الصداق، ثم عاد قبل أَخْذِ القِيمَةِ، ففي وجه: هو كما لو زَالَ، وعاد قبل الطَّلاَقِ.
والثالث: رَتَّبُوا تَعْلِيِقَ العِتْقِ بِالصِّفَةِ على التدبير، واختلفوا في كَيْفِيَّةِ الترتيب، فجعل بَعْضُهُم التَّعْلِيقَ أَوْلَى بأن يمنع الرُّجُوعِ، وقال: إن منع التَّدْبِيرُ، فالتعليق أَوْلَى، وإن لم يمنع التَّدْبِيرُ، ففي التَّعْلِيقِ وجهان، والفَرْقُ أن التَّعْلِيقَ لا يجوز الرُّجُوعُ عنه باللفظ، وفي التَّدْبِيرِ خِلاَفٌ، فكان التَّعْلِيقُ أَوْلَى.
وعكس آخرون، فقالوا: [إن لم يمنع التدبير] 129 فالتعليق أَوْلَى بألا يَمْنَعَ الرُّجُوعَ، وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "الفروق" وفرق بأن التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وتعليق العِتْقِ ليس عَقْدَ قُرْبَةٍ، وإنما يقصد به مَنْعُ أو حَثٌّ، وإِيراد الكتاب إلى هذه الطريقة أَقْرَبُ،
الجزء: 8 - الصفحة: 317
وكلام صاحب "التهذيب" يُوافِقُ الأول، وقال: المذهب أنه يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، ولو أوصت للعبد بِعِتْقِهِ، فهل هو كالتَّدْبِيرِ في منع الرُّجُوعِ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لِتَعَلُّقِ العتق به.
وأظهرهما: وبه أجاب الشيخ أبو حَامِدٍ لا؛ لأن الإِيصَاءَ ليس عَقْدَ قُرْبَةٍ، بخلاف التدبير.
والرابع: هل يمنع التَّدْبيرُ رُجُوعَ البائع، فيما إذا بَاعَ عَبْداً بثوب، وتَقَابضا، ودَبَّرَ المشتري العَبْدَ، ثم وَجَدَ البَائِعُ بالثوب عَيْباً، وكذلك هل يَمْنَعُ رجوع الواهب فيه وجهان؛ تَفْرِيعاً على قَوْلَنَا: إنه يمنع التَّشَطُّرَ.
أحدهما: أنه يمنعهما، كما يمنع التشطُّرَ.
وأصحهما: لا، بل له الرجوع، ويَنْتَقِضُ التدبير لِقُوَّةِ الفَسْخِ، ولذلك تمنع الزِّيَادَاتُ المُتَّصِلَةُ التَّشَطُّرِ، ولا تمنع الفَسْخَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) لَوْ أَصْدَقَهَا صَيْداً وَالزَّوْجُ مُحْرِمُ عِنْدَ الطَّلاَقِ لَمْ يَمْتَنِعُ رُجُوعُ النِّصْفِ عَلَى وَجْهِ لأَنَّهُ مِلْكٌ قَهْرِيٌّ كَالإِرْثِ، ثُمَّ إنْ غَلَّبْنَا حَقَّ اللهِ تعَالَى وَجَبَ الإِرْسَالُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سَبَقَ في "كتاب الحج" ذِكْرُ الخِلاَفُ أن المُحْرِمَ إذا اشترى صَيْداً بِرِياً، أو اتَّهَبَهُ هل يملكه، والخِلاَفُ في أن من أَحْرَمَ وفي مِلْكِهِ صَيْدٌ، هل يَزُولُ مِلْكُهُ عنه؟ وأن الإِحرام لا يمنع مِلْكَة بالإِرْثِ، وفيه شيء ضعيفٌ إذا تَذَكَّرْتُ ذلك، فلو أَصْدَقَهَا صَيْداً، ثم أحْرَمَ، ثم ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ، فيعود الصَّدَاقُ إلى مِلْكِهِ؛ لأنه لا اخْتِيَارَ له، فَأَشْبَهَ لإِرْثَ، وليجيء فيه الوَجْهُ المذكور في الإرْثِ، وإن طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، وهو مُحْرِمٌ، وهذه مَسْأَلَة الكتاب، فَيَنْبَنِي على أن نِصْفُ الصَّدَاقِ يَعُودُ إلى الزَّوْجِ ينفس الطَّلاَقِ، أم باختيار التَّمَلُّكِ، وهذا أَصْلٌ قد تَقَدَّمَ.
فإن قلنا باخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فليس له اخْتِيَارُ الصَّيْدِ ما دام مُحْرِماً، وإن فَعَلَ كان كما لو اشْتَرَى صَيْداً.
وإن قلنا بنفس الطَّلاَقِ، ففي عَوْدِ النِّصْفِ إليه وجهان:
أحدهما: لا يَعُودُ وينتقل حَقَّة إلى القِيمَةِ؛ لأن المُحْرِمَ لا يَتَمَلَّكُ الصَّيْدَ بالاختيار، والطَّلاَقُ يَتَعَلَّقُ باختياره.
وأظهرهما: أنه يَعُود؛ لأن الطَّلاَقَ لا يَنْشَأُ لاجْتِلاَبِ المِلْكِ، وإنما العَقْدُ فيه الفِرَاقُ، وعَوْدُ النِّصْفِ إلى الزوج رَتَّبَهُ الشَّرْعُ عليه قَهْراً، فكان كالإِرْثِ.
وفي: "الشامل" "والتتمة": بِنَاءُ عَوْدِ المِلكِ في النصف؛ على أن المِلْكَ في الصَّيْدِ
الجزء: 8 - الصفحة: 318
هل يَزُولُ بالإِحْرَام، إن قلنا: يزول، فلا يَعُودُ النصف إليه، بل يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إلى القيمة، وإن قلنا: لا يَزُولُ، فَيَعُودُ، ولا بدّ من اطِّرَادِ الخِلاَفِ، هذا في عَوْدِ الكُلِّ بالرِّدَّةِ، وإذا عاد الكُلُّ بالرِّدَّةِ، إليه، فيجب عليه إِرْسَالُهُ، فإن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من إِمْسَاكِ الصَّيْدِ هكذا ذكر الشيخ أبو عَلِيٍّ، وغيره في هذه المَسْأَلَةِ، وهو وَجْهٌ قد ذَكَرْنَاهُ في كتاب "الحج"، تَفْرِيعاً على أن المحرم يَرِثُ الصَّيْد باختياره وقد حَكَمْنَا أن بَعْضَهُمْ قال: يَزُولُ مِلْكُهُ، كم ورث، وهو المذكور في الكتاب هُنَاكَ، ولا فَرْقَ بين البَابَيْنِ، وإذا عاد النِّصْفُ بالطَّلاَقِ، وقلنا بوُجُوبِ الِإرْسَالِ، ولم نَقُلْ بِزَوَالِ المِلْكِ، ولا يكن إِرْسَالُ النِّصْفُ إلا بِإِرْسَالِ الكل، فخرج مُخَرِّجُونَ وُجُوبَ الإِرْسَالِ على الأَقْوَالِ، فيما إذا ازْدَحَمَ حَقُّ اللهِ -تعالى- وحق الآدَمِيِّ، إن قَدَّمْنَا حَقَّ الله -تعالى- وَجَبَ عليه الإرْسَالُ، وغُرِّمَ نصف القيمة لها، وإن قَدَّمْنَا حَقَّ الآدَمِيِّ لم يَجُزِ الإرْسَالُ، وعليه نِصْفُ الجَزَاءِ لو تَلِفَ في يده، أو في يدها، وإن سَوَّيْنَا فَالخِيَرَةُ إلهما، فَإِن اتَّفَقَا على الإِرْسَالِ، غُرِّمَ لها النصف، وإلا بقي مُشْتَركاً بينهما، وهو في ضَمَان نِصْفِ الجَزَاءِ، وفيه كَلاَمَانِ:
أحدهما: أنه قد يُسْتَبْعَدُ التخريج على الأَقْوَالِ المذكورة؛ لأن الأَقْوَالَ فيما إذا ازْدَحَمَ حَقُّ الله تعالى -وحَقُّ الآدَمِيِّ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ، كازْدِحَامِ الزَّكَاةِ والدُّيُونِ في التركة، وهاهنا النِّصْفُ الذي تمْلِكُهُ المَرْأَةُ لا ازْدِحَامَ فيه، فإنها غير مُحْرِمَةٍ، وليس على المُحْرِمِ إِرْسَالُ مِلْكِ الغَيْرِ، وإذا تَضَمَّنَ إِرْسَالُهُ مِلْكَ نَفْسِهِ تَفْوِيتَ مِلْكِ الغير، وَجَبَ أن يُمْنَعَ منه، وهذا ما ذكره الشَّيْخُ أبو علي في الشَّرْحِ
والثاني: لأنا إذا أَوْجَبْنَا الإرْسَالَ، كان هذا شبِيهاً بِسِرَايَةِ العِتْقِ إلى نصيب الشريك، فَيَخْتَصّ بالمُوسِرِ كالسِّرَايَةِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي هِبَةِ الصَّدَاقِ مِنَ الزَّوْجِ) وَذلِكَ يَنْفَذُ في الدَّيْنِ بِلَفْظِ العَفْوِ وَالإِبْرَاءِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الَقبُولِ، وَيَنْفَذُ بِلَفْظِ الهِبَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى القَبُولِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَفْظِ العَفْوِ وَالإِبْرَاءِ لاَ يُزِيلُ المِلْكَ في العَيْنِ، وَلَيْسَ لِلوَلِيِّ العَفْوُ عَنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمَ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُجْبِراً وَلَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً وَجَرَى بَعْدَ الطَّلاَقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل مَعْقُودٌ لِبَيَانِ حُكْم الشَّطْرِ، فيما إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ من الزَّوْج، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، وهو مُصَدَّرٌ بِبَيَانِ قاعدتين مُسْتَمَدَّتَيْنِ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237].
ومعنى الآية: أن الصَّدَاقَ يُنَصَّفُ بالطَّلاَقِ قبل الدُّخول، إلا أن تَعْفُو الزَّوْجَةُ
الجزء: 8 - الصفحة: 319
وتَتَبَرَّعَ بحقها، فيعود جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْجِ، واختلفوا فيمن بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فقال في القديم: المُرادُ منه الوَلِيُّ، والمعنى إلا أن تَعْفُو المَرْأَةُ إن كانت من أَهْلِ العَفْوِ، أو وَليُّهَا إذا لم تكن من أَهْلِ العَفْوِ، فيعود جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْج، وبهذا قال مَالِكٌ، ويروى عن ابن عَبَّاسِ -رضي الله عنهما-، وَوُجِّهَ بأن أَوَّلَ الآية خَطَابٌ للأزواج، فلو أراد بمن بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الأَزْوَاجَ، لما عَدَلَ من المُخَاطَبَةِ إلى الغيبة بل قال إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ تعفوا أنتم.
وقال في الجديد: المُرَادُ منه الزَّوْجُ، والمعنى: أو يَعْفُو الزَّوْجُ عن حَقَّهِ فَيَخْلُص لها جَمِيعُ الصَّدَاقِ، ولا يَنْتَصِفُ، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن عَلِيٍّ -كرم الله وَجْهَهُ- ووجه القِيَاسُ البَيِّنُ، وهو أن الوَلِيَّ لا يُسْقِطُ حَقَّ المولى عليه، إذا عُرِفَ ذلك، فالقَاعِدَةُ الأولى في ألفاظ التَّبَرُّع من الزَّوْجِ، أو الزوجة، والواجب عند الطَّلاَقِ قبل الدُّخُولِ، إما أن يكون دَيْناً أو عَيْناً، والدَّيْنُ قد يكون في ذِمَّةِ الزَّوْجِ، بأن أَصْدَقَهَا في الأَصْلِ دَيْناً، وقد يكون في ذِمِّيِهَا بأن أَقْبَضَهَا الصَّدَاقَ، وكان عَيْناً أو دَيْناً، فَتَصَرَّفَتْ فيه، واسْتَهْلَكَتْهُ، فينظر إن تَبَرَّعَ مستحق الدَّيْنِ بإِسْقَاطِهِ، نَفَذَ بلفظ العَفْوِ والإِبْرَاءِ والإِسْقَاطِ والتَّرْكِ.
وحكى الحناطي وَجْهَيْنِ في أن لَفْظَ التَّرْكِ صَرِيحٌ أو كِنَايَةٌ، ولا حَاجَةً [في هذه الألفاظ] 130 إلى قبول مَنْ عليه على المَذْهَب.
وفيه وجه مذكور في باب الضَّمَانِ، وينفذ بلفظ الهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، وفيهما وجه آخر حكاه ابن كج 131 والظَّاهِرُ الأَوَّلُ، وهل يحتاج اللَّفْظَانُ إلى القَبُولِ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو اسْتُعْمِلاَ في الأَعْيَانِ.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" -المَنْعُ؛ اعتماداً على حَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ، وهي الإِسْقَاطِ، وإن تبرع من في ذمته بالنِّصْفِ الآخر، فالطريق أن ينقله ويملكه ويقبله صَاحِبه، ويقبضه، فإنه ابْتِدَاءٌ هِبَةٍ منه، فلا يَنْتَظِمُ لَفْظُ العَفْوِ والإِبْرَاءِ من جِهَتِهِ، نعم لو كان الصَّدَاقُ في ذِمَّةِ الزوج، وقلنا: إِنه لا يَتَشَطَّرُ بنفس الطَّلاَقِ، ولكن له اخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ، فإذا قال: عَفَوْتُ سقط خِيَارُهُ، كما لو عَفَا عن الشُّفْعَةِ تسقط، ويبقى جَمِيعُ الصَّدَاقِ في ذِمَّتِهِ، وأما إذا كان الصَّدَاقُ عَيْناً، فالتَّبرُّعُ فيها هِبَةٌ ممن المَالُ في يده.
فأما إن كان في يد المُتَبَرِّعِ، فلا بدّ من الإِيجَابِ والقَبُولِ والقبض، وإن كان في يَدِ الآخر، فهو هِبَةٌ المَالُ في يده فتعتبر مدة إِمْكَانِ القبض، وهل يحتاج إلى إذْنٍ جَدِيدٍ في القَبْضِ بهذه الجهة؟ فيه خلاف قد سَبَقَ في "كتاب الرَّهْنِ"، وإذا كانت العَيْنُ عند
الجزء: 8 - الصفحة: 320
الطَّلاَقِ في يَدِ الزَّوْجِ، فذلك قد يكون بعد ما قَبَضَهَا، وقد يكون باسْتِمْرَارِ يده التي كانت قَبْلَ الإِصْدَاقِ، وعلى التقدير الثَّانِي يزيد النَّظر في أن تَبَرُّعَهَا كَهِبَةِ المَبِيع من البائع، قبل الَقَبْضِ إذا قلنا: إن الصَّدَاقَ في يده مَضْمُوناً ضَمَانَ العَقْدِ والتبرع في العَيْنِ تَنْفُذْ بلفظ الهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، ولا يَنْفُذُ بلفظ الإِبْرَاءِ والإِسْقَاطِ، وفي لفظ العَفْوِ وجهان:
أحدهما: أنه لا مَجَالَ له في الأَعْيَانِ، كالإِبْرَاءِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب.
والثاني: وهو الأَصَحُّ عند الشَّيْخِ الفَرَّاءِ والمُتَوَلِّي أنه يجوز اسْتِعْمَالُهُ في الصَّدَاقِ، لظاهر القُرْآنِ، فَطَرَدَ الحناطي وَجْهَيْنِ في الإبْرَاءِ والإِسْقَاطِ، وهذا في تَبَرُّعِ الزَّوْجَةِ على الزَّوْجِ، وفي تَبَرُّع الزوج عليها إذا مَلَّكْنَاهُ النِّصْفَ بنفس الطَّلاَقِ، أما إذا قلنا: إن له خِيَارَ التَّمَلُّكِ، فيعتبر لَفَظُ العَفْوِ في إِسْقَاطِ الخِيَارِ، ويبقى الجَمِيعُ على ملكها.
القاعدة الثانية: اختلف قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- في أن الوَلِيَّ هل له العَفْوُ عن صَدَاقِ مُوَلِّيَتِهِ؛ بناءً على الخِلاَفِ السَّابِقِ، في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] فالجديد المنع، والقديم أن له ذلك، ولكن بشروط:
أحدها: أن يكون الوَلِيُّ أباً أو جَدّاً، فأما غَيْرُ الأب والجد، فليس له العَفْوُ؛ لِقَصَوُّرِ شفقته، ولأنه لا يَلِي التَّصَرُّفَ النَّافِعَ في مَالِهَا، فَأَوْلَى ألا يَلِيَ إِسْقَاطَهُ.
والثاني: أن تكون المُوَلِّيَةُ بِكْراً عَاقِلَةً صَغِيرَةً، أما الثَّيِّبُ فلا يجوز العَفْوُ عن صَدَاقِهَا؛ لأن الوَلِيَّ لا يَسْتَقِلُّ بنكاحها، فليست بيده عُقْدَةُ النكاح، وفيه وجه آخر والظَّاهِرُ الأول.
وفي المجنونة وجهان:
أحدهما: الجَوَازُ؛ لإِطْلاَقِ الآية.
وأظهرهما: وهو الجَوَابُ في "التهذيب" وغيره المَنْعُ؛ لأنه يُرْجَى في العَفْوِ عن صَدَاقِ العَاقِلَةِ تَرْغِيب الخَاطِبِينَ فيها، وَتَخْلِيصُهَا ممن هي في نِكَاحِهِ؛ ليَتَزَوَّجَهَا مَنْ هو خَيْرٌ منه، والمجنونة لا تَكَادُ يُرْغَبُ فيها، فلا مَعْنَى، لإِسْقَاطِ حَقِّهَا الثابت لأَمْرٍ لا يكاد يحصل.
قال في "التتمة": وكذا البَالِغَةُ المَحْجُورُ عليها بالسَّنَةِ، وأما العَاقِلَةُ البالغة البِكْرُ، ففيها وجهان:
أحدهما: جَوَازُ العَفْوِ عن صَدَاقِهَا؛ لأن الأب والجَدَّ يَسْتَقِلاَّنِ بنِكَاحِهَا استقلالهما بنكاح الصَّغِيرَةِ.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن التَّصَرُّفَ والنَّظَرَ في مالها إليها، لا إلى الوَلِيِّ، وبنى أبو الفَرَجِ الزاز الوَجْهَيْنِ على اختلاف الأَصْحَابِ، في أنه لو مَلَكَ العَفْوَ في الصغيرة، فمن قَائل إن المَهْرَ مَالٌ اكْتَسَبَهُ لها، فإذا أَسْقَطَهُ فكَأنه لم يكتسب، ومن مُعَلِّل بأن مَالَهَا تحت
الجزء: 8 - الصفحة: 321
يَدِهِ، ونَظَرِهِ، فيأتي فيه بما يَسْتَصْوِبُهُ، ويراه مَصْلَحَةً لها، ويقرب من هذا وَجْهَانِ 132، ذكرهما صاحب "التتمة" فيما إذا زَوَّجَهَا الأَبُ، ومات، وأراد الجَدُّ العَفْوَ، ففي وجه لا يَجُوزُ؛ لأن المَالَ لم يَحْصُلْ بِكَسْبِهِ، وفي وجه يجوز؛ لأنه تحت تَصَرُّفِهِ، وفيه نَظَرٌ.
والثالث: أن يكون بَعْدَ الطَّلاَقِ، أما العَفْوُ قبله، فلا يَصِحُّ؛ لأن الزوج قد يَدْخُلُ بها بَعْدَ العَفْوِ، فيفوت مَنْفَعَةَ البُضْعِ عليها بلا عِوَضٍ، وفيما علق عن الإِمام أن الشَّيْخَ أبا محمد جَوَّزَ العَفْوَ قبل الطَّلاَقِ، إذا رأى الوَلِيُّ المَصْلَحَةَ فيه.
والرابع: أن يكون قبل الدُّخُولِ، أما بعده فلا يجوز العَفْوُ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ البُضْعِ عليها باسْتِيفَائِهِ.
الخامس: أن يكون الصَّدَاق دَيْناً في ذِمَّةِ الزَّوْجِ، أما إذا أَصْدَقَهَا عَيْناً أو دَيْناً وَقَبَضَتْهُ لم يكن له العَفْوُ، لاحْتِوَاءِ اليَدِ عليه، وكَمَالِ الملك في العَيْنِ.
وعن الشيخ أبي محمد التَّسْوِيَةُ بين العَيْنِ والدَّيْنِ، ولو أراد الوَلِيُّ مُخَالَعَةَ الصغيرة على نِصْفِ الصَّدَاقِ الذي يَسْتَحِقُّهُ، فيبنى ذلك على جَوَازِ العَفْوِ، إن جَوَّزْنَاهُ صحت المُخَالَعَةُ هكذا ذكر صاحب "التهذيب" 133 وغيره.
وفي "الوسيط": حِكَايَةُ وجهين في صِحَّةِ الخُلْعِ، مع.
التَّفْرِيعِ على صِحَّةِ العفو.
وقال: الظاهر المَنْع والأشبه الأَوَّلُ.
وقوله في الكتاب: "له ذلك إِن كان مجبراً" يفيد التَّخْصِيصَ بالأب والجد، وبحالة البَكَارَةِ، فإن الإِجْبَارَ حينئذٍ يَتَحَقَّقُ.
وقوله: "ولم تكن مُسْتَقِلَّةُ" أي: بأمر مَالِهَا، وتخرج عنه البِكْرُ البَالِغَةُ، حتى لا يجوز العَفْوُ عن مَهْرِهَا، على ما ذكرنا أنه أَصَحُّ الجوابين فيها، لكن يدخل فيه المَجْنُونَةُ، وقد تَقَدَّمَ أنه لا يجوز العَفْوُ عن مَهْرِهَا أيضاً، ولم يَتَعَرَّضْ في الشروط لكون الطَّلاَقِ قبل الدخول، ولا بدّ منه.
وأما كَوْنُهُ دَيْناً، فيمكن أن يُسْتَفَادَ من لفظ الكتاب فإنه قال: "وفي القديم له ذلك" وهو رَاجِعٌ إلى المذكور أَوَّلاً، وهو قوله: "العفو عن صَدَاقِ الصغيرة"، ولفظ العَفْوِ يَخْتَصُّ بالدَّيْنِ، على الوجه الذي أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِذَا وَهَبَتْ مِنَ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلاَقِ فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ القِيمَةِ
الجزء: 8 - الصفحة: 322
قَوْلاَنِ، وَإِنْ رَجَعَ بِالإِبْرَاءِ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَرْجِعَ، وَإنْ كَانَ دَيْناً فَوَهَبَتْ مِنْهُ فَقَوْلاَنِ وَأَوْلَى بالرُّجُوعِ، فَإنْ مَنَعْنَا الرُّجُوعَ جَعَلْنَا الهِبَةَ كَالتَّعْجِيلِ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ وَيَجْرِي القَوْلاَنِ في الرُّجُوعِ بِحُكمِ الفُسُوخِ بَعْدَ اتِّهَابِ المَرْجُوعِ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ المُعَيّنَ من زوجها، طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فقولان:
القديم: وَاحَدُ قولي الجديد، وبه قال مَالِكٌ، وأبو حنيفة، وكذلك أحمد في أصح الروايتين: أنه لا يَرْجِعُ عليها بشيء 134؛ لأنها عَجَّلَتْ له ما يَسْتَحِقُّهُ بالطلاق، فلا تبقى المُطَالَبَةُ عند الطلاق، فهذا كما أن من عَجَّلَ [الزكاة قبل الحول لا يطالب به عند الحول، وكالمديون إذا عجل] 135 الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يُطَالِبُ به عن المَحَلِّ، وهذا ما اختاره المُزَنِيُّ.
والثاني: أنه يَرْجِعُ عليها بِنِصْفِ بَدَلِهِ، إما المِثْلُ أو القِيمَةُ 136 لأنه مِلْكٌ جديد، حَصَلَ له قبل الطَّلاَقِ، فلا يمنع الرُّجُوعَ عند الطلاق، كما لو انْتَقَل إليه مِنْ أَجْنَبِيِّ، أو باعه منه، ولأنها صَرَفَتِ الصَّدَاقَ بِتَصَرُّفِيهَا إلى جِهَةِ مَصْلَحَتِهَا، فأشبه ما إذا وَهَبَتْهُ من أَجْنَبِيِّ.
وأصح القولين عند صاحب "التهذيب" الأول، وأكثرون على تَرْجِيحِ الثاني؛ منهم العِراقِيُّونَ، والإِمام، والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وهذا إذا [كانت] 137 قد قَبَضَتِ العَيْنَ المُصْدَقَةَ، ثم وَهَبَتْهَا منه، وإن وَهَبَتْ قبل القَبْضِ زاد نظران:
أحدهما: أنا إذا قُلْنَا: الصَّدَاقُ مَضْمُونٌ في يَدِ الزوج ضَمَانَ العَقْدِ [كان ما] 138 وهبته قبل القَبْضِ كَهِبَةِ المَبِيعِ من البائع، وبَيْعِهِ منه قَبْلَ القَبْضِ، وفيه خلاف، ثم هذه تكون هِبَةَ الشَيْءِ ممن في يَدِهِ، وفيما يلزم به هذه الهِبَةُ ما سَبَقَ في موضعه.
والثاني: حَكَى الحناطي طَرِيقَةً قَاطِعَةً في هذه الحَالَةِ أنه لا يرجع عليها بِشَيْءٍ، كما سَنَذْكُرُهُ فيما إذا كان الصَّدَاقُ دَيْناً، فَأَبْرَأَتْهُ عنه؛ لأنه لم يدخل في يدها شَيْءٌ، والظاهر التَّسْوِيَةُ بين حَالَتَيْ وجود القَبْضِ وعدمه في طَرْدِ القولين، ولو كان الصَّدَاقُ دَيْناً، فَأَبْرَأَتْهُ عنه تَرَتَّبَ ذلك على هِبَةِ العَيْنِ إن قلنا: لا يرجع في العَيْنِ فههنا أَوْلَى، وإن قلنا: يرجع هناك، فهاهنا قولان، وإن شئت قلت في صورة الإِبْرَاءِ طريقان:
الجزء: 8 - الصفحة: 323
أحدهما: طَرْدُ قَوْلَي الهِبَةِ.
والثاني: القَطْعُ بعدم الرُّجُوعِ 139، والفرق أنها لم تَأْخُذْ منه مالاً، ولم تَتَحَصَّلْ على شيء، ثم اتفق المُثْبتُونَ للقولين، على أن الظَّاهِرَ هاهنا عَدَمُ الرجوع، ولو وَهَبَتِ الدين منه، فهذه الصُّورَةُ أَوْلَى بالرجوع من صُورَةِ الإِبْرَاءِ نظر إلى لَفْظِ الهِبَةِ، والظاهر اعتبار الحَقِيقَةِ، وأن الحُكْمَ كما في لَفْظِ الإبْرَاءِ، ولو قبضت الدَّيْنَ، ثم وَهَبَتْهُ منه، ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فالحكم كما في هِبَةِ العَيْنِ، قال في "التتمة": هذا إذا قلنا: إنه لو طَلَّقَهَا والمَقْبُوضُ في يدها وملكها، يتعين حقه فيه، أما إذا قلنا: لا يَتَعَيَّنُ، فله الرُّجُوعُ قَوْلاً واحداً.
وعند أبي حنيفة: إن كان ذلك من المِثْلِثَّاتِ، رجع، وإن كان من المُتَقَوّمَاتِ لم يرجع، فَرْقاً بأن المُسْتَوْفَى من المْتَقَوّمَاتِ عَيْبهُ الصداق؛ لأن المتقومات لا مِثْلَ لها، وفي المِثْلِيَّاتِ المُسْتَوْفَى مِثْلُ الصَّدَاقِ لا عَيْنُهُ.
ولو وهبت له الصداق، ثم ارْتَدَّتْ قبل الدُّخُولِ، أو فَسَخَ أَحَدُهُمَا بِعَيْبِ الآخر، قبل الدخول، ففي الرجوع في الكل مِثْلُ الخِلاَفِ المذكور في الرُّجُوعِ في النِّصْفِ عند الطلاق.
ولو باع عبداً بِجَارَيةٍ، ووهب الجَارِيةَ من بائعها، ثم وَجَدَ بَائِعُهَا بالعَبْدِ عَيْباً وأراد رَدَّهُ بالعَيْبِ، ففي تَمَكُّنِهِ منه، ومن المُطَالَبَةِ بقيمة الجَارِيةِ وَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ من مسألة هِبَةِ الصَّدَاقِ قبل الطَّلاَقِ، ويجريان في تمَكُّنِهِ من طَلَب الأَرْشِ، إذا اطَّلَعَ على عَيْبِ العَبْدِ بعد هَلاَكِهِ، أو كان به عَيْبٌ حَادِثٌ مَانِعٌ من الرَّدِّ، ولو أَبْرَأَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَ عنَ النُّجُومِ، وعُتِقَ، فهل له مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ بالإِيتاء؟.
فيه مِثْلُ هذا الخِلاَفِ، وإذا وَهَبَ المشتري المَبِيعَ من البائع، ثم أَفْلَسَ بالثَّمَنِ، فللبائع المُضَارَبَةُ مع الغُرَمَاءِ، بلا خلاف؛ لأن المَوْهُوبَ غير المستحقِّ، وهو الثَّمَنُ، وفي الصورة المتقدمة الموهوب أولاً هو المُسْتحقّ ثَانِياً، فجعلت الهِبَةُ تَعْجِيلاً على قول، وطَرَدَ الحناطيُّ الخِلاَفَ في مسألة المُفْلِسِ.
ولو ادعى عَيْناً في يد إِنْسَانٍ، وأقام شَاهِدَيْنِ، وحُكِمَ له بالمُدَّعَي، وسلم إليه، فوهَبَه من المُدَّعَى عليه، ثم رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عن الشهادة، وقلنا بِتَغْرِيمِ شُهُودِ المَالِ، ففي تَغْرِيمِ المدعى عليه الشَّاهِدَيْنِ، والصورة هذه -طريقان مَنْقُولاَنِ في "التتمة".
أحدهما: أنه على وجهين؛ أَخْذاً من مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ.
الثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأن المدعى عليه لا يَقُولُ بحصول المِلْكِ بالهِبَةِ، بل يَزْعُمُ دَوَامَ المِلْكِ السابق والذي كان، وفي الصداق زَالَ مِلْكُهُ حَقِيقَةَ، وعاد بالهَبَةِ 140.
الجزء: 8 - الصفحة: 324
وقوله: "ففي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ القيمة" أي إن كان الصَّدَاقُ شَيْئاً مُتَقَوّماً، فإن كان مِثْلِيّاً، فالخلاف في الرُّجُوع بِنِصْفِ المثل.
وقوله: "فإن منعنا الرجوع جَعَلْنَا الهِبَةَ كالتعجيل" ليس لِتَفْرِيعِ الحُكْمِ على منع الرجوع، وإنما الغَرَضُ التَّنْبِيهُ على مَأْخَذِ القَوْلِ.
"
فرع
"
حكى أبو سعد المتولي وَجْهَيْنِ فيما إذا وَهَبَتِ الصَّدَاقَ من الزوج على أنه لو طَلَّقَهَا كان ذلك عما يستحق بالطَّلاَقِ.
أحدهما: أنه تَفْسَدُ الهِبَةُ، ويبقى الصَّدَاق على مِلْكِهَا، فهذا طَلَّقَ تَشَطَّرَ.
والثاني: تَصِحُّ الهِبَةُ، ولا رُجُوعَ له [بالطلاق] 141 كما لو عجل الزَّكَاةَ، وقال: هذه زَكَاتِي المُعَجَّلَةُ، وليكن الوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ على أن الهِبَةَ المطلقة، هل تمنع الرُّجُوعَ؟ إن قلنا: تمنع، فهذا تَصْرِيحٌ بمقتضى الهِبَةِ، فتصح، ولا رُجُوعَ وإن قلنا: لا تمنع فَسَدَتِ الهِبَةُ بالشرط الفَاسِدِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا) لَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإنْ قُلْنَا: الهِبَةُ لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهِ بالنِّصْفِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أَنَّ لَهُ النِّصْفَ البَاقِيَ وَتَنْحَصِرُ هِبَتُهَا في نَصِيبِهَا (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يَشِيعُ فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِي وَرَبُعُ قِيمَةِ الجُمْلَةِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نِصْفِ قِيمَةِ الجُمْلَةِ حِذَاراً مِنَ التَّبْعِيضِ، وَإِنْ قُلْنَا: الهِبَةُ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَعَلَى قَوْلٍ انْحَصَرَتِ الهِبَةُ في نَصِيبِهِ فَلاَ رُجُوعَ، وَفِي قَوْلٍ في نَصِيبِهَا فَلَهُ بَاقِي الصَّدَاقِ، وَفِي قَوْلٍ يَشيعُ فَلَهُ نِصفُ البَاقِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وهبت منه نِصْفَ الصَّدَاقِ، ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بني ذلك على ما إذا وَهَبَتِ الكُلَّ، إن قلنا: إن هِبَةَ الكُلِّ لا تمنع الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ فهبة البعض أَوْلَى ألا تَمْنَعَ، إلى ما يرجع؟.
فيه ثَلاَثَةُ أقوال، كما ذكرنا فيما إذا أَصْدَقَهَا عَبْدَيْنِ، وتَلِفَ أحدهما عندها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول.
أحدهما: أن له النِّصْفَ الباقي؛ لأنه اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بالطلاق، وقد وجده، فَيَأْخُذُهُ، وينحصر هاهنا في نصيبها.
وأظهرهما: أن له نِصْفَ الباقي، وهو الرُّبُعُ، وله مع ذلك رُبُعُ بَدَلِ الجملة؛ لأن الهِبَةَ وَرَدَتْ على مُطْلَقِ النصف، فَيُشِيعُ.
الجزء: 8 - الصفحة: 325
والثالث: أنه يَتَخَيَّرُ، إن شَاءَ أخذ نِصْفَ بَدَلِ الجملة، وترك الباقي لها، وإن شاء أَخَذَ نِصْفَ الباقي وهو الربع مع رُبُعِ بَدَلِ الجملة؛ لأنه لا بدّ من الإشَاعَةِ، وهي تفضي إلى تَبْعِيضِ حَقِّهِ، وهذه الأقوال هي بِعَيْنِهَا الأقوال التي جَرَتْ في الزَّكَاةِ، فيما إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَأَخْرَجَتْ واحدة منها للزَّكَاةِ، ثم طلقها قبل الدخول وإن قلنا: إن هِبَةَ الكُلِّ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهاهنا ثَلاَثَةُ أقوال أيضاً:
أصحهما: عند صاحب "التهذيب"، وهو المَنْصُوصُ في "المختصر"، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يرجع بشيء أيضاً، وحَقُّهُ هو الذي عَجَّلته.
والثاني: أن الهِبَةَ تَنْزِلُ على خَالِصِ حَقِّهَا، ويرجع الزوج بجميع النِّصْفِ الباقي.
والثالث: ويُحْكَى عن "الإِملاء"، وبه قال المزني: أنه يرجع عليها بِنِصْفِ الباقي عندها، ويُجْعَلُ النِّصْفُ المَوْهُوبُ مَشاعاً فكأنها عَجَّلَتْ نصف حقه، وَوَهَبَتْ منه نِصْفَ حقها الخالص لها.
والقول الثاني تَفْرِيعاً على أن الهِبَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ كالأول تَفْرِيعاً على أنها لا تَمْنَعُ، فيحصل في المسألة خَمْسَةُ أقوال، فلو كانت قد وَهَبَتْ منه الثُّلُثَ، فإن قلنا: الهبَةُ لا تمنع الرُّجُوعَ، فله من الباقي النِّصْفُ على القَوْلِ الأول، ونِصْفُ الباقي ربع 142 بدل المَوْهُوب على الثاني، وَيتَخَيَّرُ بين نِصْفِ الباقي ربع 143 بَدَلِ الموهوب، وبين نصف بَدَلِ الجملة عَلى الثَّالِث.
وإن قلنا: يمنع، فعلى الأَوَّلِ يرجع بِرُبُع الباقي ليتمَّ له النِّصْفُ، وعلى الثاني يرجع بِنِصْفِ الجملة من البَاقِي، فيحصل علىَ خَمْسَة أَسْدَاسٍ، وعلى الثالث يرجع بنصف الباقي لا غَيْرَ.
وإن كان الصَّدَاق دَيْناً فَأَبْرَأَتْهُ عند نِصْفِهِ، ثم طلقها.
قال في "التتمة": إن قلنا: لو أَبْرَأَتْهُ عن الجَمِيعِ يرجع عليها فهاهنا يَسْقُطُ عنه النصف الباقي أيضاً.
وإن قلنا: لا يرجع بشيء، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أنه لا يَسْقُطُ عنه شيء، فيكون منا أَبْرَأَتْهُ مَحْسُوباً من حقه، كأنها عَجَّلَتْهُ.
والثاني: يبرأ عن نِصْفِ الباقي.
وإذا أَبْرَأَ المشتري 144 عن نِصْفِ الثمن، ثم وَجَدَ المشتري بالمَبِيعِ عَيْباً، وأراد
الجزء: 8 - الصفحة: 326
الرَّدَّ، فالحكم كما ذَكَرْنَا في الإِبْرَاءِ عن نصف الصَّدَاقِ، ولو أَبْرَأَهُ عن عُشْرِ الثمن، وَاطَّلَعَ علي عَيْبِ قديم، ثم حَدَثَ عنده عَيْبٌ وأرش العَيْبِ القديم العُشْرُ، فالظاهر أنه يُطَالِبُ بالأرْشِ، ولا يَنْصَرِفُ ما أبرأ عنه إلا الأَرْشِ.
ولا يخفى أن لفظ "القِيمَةِ" في قوله في الكتاب: "وربع قيمة الجملة" وفيما بعد ذلك مَحْمُولٌ على ما إذا كان الصَّدَاقُ مُتَقَوّماً، وإن كان مُثْلِيّاً، فالرجوع إلى المِثْلِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: اخْتَلَعَتِ المَرْأَةُ قَبْلَ المَسِيسِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ مُطْلَقاً فَفِي قَوْلِ يَنْزِلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَبْقَى لَهَا، وَعَلَى قَوْلٍ يَشِيعُ فَيفَسْدُ نِصْفُ الصَّدَاقِ وَيُبْنَى البَاقِي عَلَى تَفْرِيق الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرَّ في أَوَّلِ الباب أن الخُلْعَ قبل الدُّخُولِ يُشَطِّرُ، فإن خَالَعَ امْرَأَتَهُ قبل الدخول على شيء وَرَاءَ الصَّدَاقِ [فله المُسَمَّى، ولها عليه نِصْفُ المَهْرِ، وإن خَالَعَهَا على جميع الصَّدَاقِ] 145 فقد خَالَعَ على مَالِهِ ومالها لِعَوْدِ النصف إليه بالخلع فتحصل البَيْنُونَةُ، وتَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ في نَصِيبِهِ، وفي نصيبها قَدْ لا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إن لم نُصَحِّحْ، فيبقى لها عليه نِصْفُ الصَّدَاقِ، وفيما له عليها قولان:
أصحهما: مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: مِثْلُ الصَّدَاقِ، أو قيمته، وربما وَقَعَ ذلك في صُورَةِ التَّقَاصِّ، وهذان القَوْلاَنِ المَذْكُورَانِ في أَنَّ الصَّدَاقَ إذا فَسَدَ يكون الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو بَدَلِ المُسَمَّى، لا فَرْقَ في ذلك بين الصَّدَاقِ وبدل الخُلْعِ.
وإن صَحَّحْنَا التَّسْرِيَةَ في نصيبها، قال الإِمام وغيره: يثبت للزَّوْج الخِيَارُ إذا كان جَاهِلاً بالحال من التَّشْطِيرِ والتفريق، فإن فَسَخَ عاد القَوْلاَنِ في أن الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ أو بَدَلِ المُسَمَّى، وإن أجاز، فعلى القَوْلَيْنِ المذكورين في "البيع" في أن المُشْتَرِي إذا أجَازَ البَيْعَ فيما يَصِحُّ العَقْدُ فيه، يُجْبَرُ بكل الثمن أو بالقِسْطِ، إن قلنا: يُجْبَرُ بالكل، فلا شيء له سِوَى النِّصْفِ الذي صَحَّ الخُلْعُ فيه، ولا يرجع عليها بشيء آخَرَ.
وإن قلنا: يجبر بالقِسْطِ، فقد بَطَلَ نِصْفُ البَدَالِ، فيرجع عليها بِنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ في أَصَحِّ القولين، وبنصف مِثْلِ الصَّدَاقِ، أو قيمته في القَوْلِ الآخر، وإن خَالَعَهَا على نِصْفِ الصَّدَاقِ، نظر إن قيد وقال: خَالَعْتك بالنصف الذي يَبْقَى لك بعد الفِرَاقِ، فهو صَحِيحٌ.
وِيبْرَأُ عن جَمِيعِ الصَّدَاقِ إن كان دَيْناً وِيعود إليه المِلْكُ في جَمِيعِهِ، إن كان عَيْناً، وإن أَطْلَقَ، فقولان؛ بناءً على أن تَصَرُّفَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ في النصف المُطْلَقِ من
الجزء: 8 - الصفحة: 327
العين المشتركة بالسَّوِيَّة ينزل على النصف الذي له أو يشيع؟.
أحد القولين: أنه يَنْزِلُ على نصيبها، ويكون الحكم كما لو قَيَّدَ بنصفها.
وأصحهما: عند أكثرهم -أنه يشيع لإِطْلاَقِ اللَّفْظِ، فكأنه خَالَعَهَا على نِصْفِ نصيبها، ونِصْفِ نصيبه، فَيَبْطُلُ في نِصْفِ نصيبه، وفي نِصْفِ نصيبها القولان إن لم نُصَحِّحْ، فيبقى لها عليه نِصْفُ الصَّدَاقِ، وله عليها مَهْرُ المِثْلِ، في أصح القولين ومثل نِصْفِ الصَّدَاقِ، أو قيمته في الآخر، وقد يُتَصَوَّرُ بصورة التَّقَاصِّ.
وإن صَحَّ في نصف نَصِيبِهَا، فلها عليه رُبَعُ الصَّدَاقِ، ويسقط الباقي بحُكْمِ التَّشْطِيرِ، وعوض الخُلْعِ، ثم أحد القولين أنه لا يستحقُّ لِعِوَضِ الخُلْعِ، إلا الربع الذي الخُلْعُ فيه.
وأظهرهما: أن له مع ذلك نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، على أصح القولين، وربع مثل الصَّدَاق، أو قيمته على القول الثَّانِي، وقد يَقَعُ في التَّقَاصِّ، ومن الأصحاب من يحذف النَّظَرَ إلى خِلاَفِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ويقول: كل الصَّدَاقِ لها، إلى أن يحصل الفِرَاقُ [فيصح لها أن تجعل كله أو نِصْفَهُ عِوَضاً، إلا أنه إذا تَمَّ الخُلْعُ، وحصل الفِرَاقُ] (1) يسقط النصف، فهو كما لو خَالَعَهَا على عَيْنٍ، وتَلِفَ نصفها قبل القَبْضِ، فيكون الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ في قول، وإلى بَدَلِ التَّالِفِ في قول، هذا اخْتِصَارُ ما ذكره الأصحاب في المَسْأَلَةِ، وقد تَعَلَّقَتْ بأصول مختلف فيها:
أحدها: القولان في الحَصْرِ والشُّيُوعِ.
والثاني: القولان في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
والثالث: إن فَرَّقْنَاهَا، وأثبتنا الخِيَارَ فيما صَحَّ العَقْدُ فيه، فالإِجَازَةُ تكون بالجَمِيعِ أْو ببعضه.
والرابع: أن بَدَلَ الخُلْعِ إذا فَسَدَ يكون الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، أو بَدَلِ المذكور.
" فَرْعٌ"
عن ابن سُرَيْجٍ أنها لو قالت: خَالِعْنِي على ألا تَبِعَةَ لك في المَهْرِ عَلَيَّ، يَصِحُّ، ويكون معناه على ما سلّم لي من المَهْرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في المُتْعَةِ) وَكُلُّ مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ المَسِيسِ لاَ تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ، وَاِن اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ المَهْرِ بِالمَسِيسِ فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ عَلَى146
الجزء: 8 - الصفحة: 328
أَحَدِ القَوْلَينِ مَهْمَا طُلِّقَتْ، وَفِي مَعْنَى الطَّلاَقِ كُلُّ فِرَاقِ يُوجِبُ التَّشْطِيرَ فَإِذَا لَمْ يُشَطِّرِ اقْتَضَى المُتْعَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُتْعَةُ 147 اسْمٌ للمال الذي يَدْفَعُهُ الرَّجُلُ إلى امْرَأَتِهِ، لِمُفَارَقَتِهِ إياها، والفُرْقَةُ نوعان: فُرْقَةٌ تحصل بالمَوْتِ، فلا توجب مُتْعَةً بالإجْمَاعِ، والمعنى فيه: أن الزَّوْجَ لم يُوحِشْهَا، وإنما اخْتُرِمَ، وسبب وُجُوبِ المتْعَةِ إِيحَاشُهَا وابتدالها.
وفُرقَة تحصل في الحَيَاةِ، كما إذا طَلَّقَهَا، فينظر إن طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، وقد وَجَبَ لها مَهْرٌ بتسمية صَحِيحَةٍ، أو فاسدة في العَقْدِ، أو بِفَرْضٍ بعد العقد، إذا كانت مُفَوِّضَةً، فلا مُتْعَةَ؛ لأنه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَة بُضْعِهَا، وتشطر المهر، كان لما لِحَقَهَا من
الجزء: 8 - الصفحة: 329
الابْتِدَالِ، فلا حَاجَةَ إلى شيء آخر.
وعن ابن سُرَيْجٍ وغيره إِثبات قول آخر: أن لها المُتْعَةَ لإطْلاَقِ قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] وإن لم يجب لها شَيْءٌ بالتَّسْمِيَةِ في العقد، أو الفَرْضِ بعده، فلها المُتْعَةُ قال: الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].
وعن مَالِكٍ أن المُتْعَةَ لا تجب، وإنما هي مُسْتَحَبَّةٌ، فإن طَلَّق بعد الدخول، ففي المُتْعَةِ قولان: القديم: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: أنها لا تجب؛ لأنها تَسْتَحِقُّ المَهْرِ، والحالة هذه، إما المسمى، أو مَهْرِ المِثْلِ، وبه غُنْيَةٌ عن المُتْعَةِ.
والجديد: أنها تَجِبُ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241]. وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿افَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد دخل بهن.
وعن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن لكل مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً، إلاَّ التي فَرَضَ لها، ولم يدخل بها، فَحَسْبُهَا نِصْفُ 148 المَهْرِ، وليست كالمُطَلَّقَةِ قبل المَسِيسِ المُسْتَحِقَّةِ لِشَطْرِ المَهْرِ؛ لأنه لم يسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا، فيكفي شَطْرُ المَهْرِ للإِيحَاشِ والابْتِدَالِ، وهاهنا اسْتَوْفَتْ مَنْفَعَةَ البُضْعِ، والمَهْرِ في مقابلتها، فيجب للإِيحَاشِ شيء آخر.
وعن أحمد رِوَايَتَانِ كالقولين، ومهما حَصَلَتِ الفُرْقَةُ من جِهَةِ الزوج لا بِسَبَبٍ منها، أو حصلت من جهَةِ أجنبي، فهو كالطَّلاَقِ، في اقْتِضَاءِ المُتْعَةِ، وذلك كما إذا ارْتَدَّ أو أسْلَمَ، أو لاَعَنَ أَو أسلم، وتحته نِسْوَةٌ، فَفَارَقَ بعضهن اقْتِصَاراً على العَدَدِ الشَّرْعِيِّ، وكما إذا وَطِئَ أبوه أو ابْنُهُ زَوْجَتَهُ بالشُّبْهَةِ، أو أرضعت أُمُّهُ أو ابنته زَوْجَتَهُ الصغيرة 149، فانْفَسَخَ النكاح والخُلْعُ، وإن كان يَتِمُّ بها، فهو كالطلاق، كما إنه في اقْتِفَاءِ التَّشْطِيرِ كالطلاق.
وحَكَى في "الوسيط" فيه تَرَدُّداً للأصحاب، والمشهور أنها تَجِبُ، وكذا الخُلْعُ مع الأجنبي، وكذا لو فوَّضَ الطلاق إليها، فَطَلَّقَتْ نفسها، أو عَلَّقَ طَلاَقَهَا بفعل لها، فَأَتَتْ
الجزء: 8 - الصفحة: 330
به، أو آلَى منها فَطَلَّقَهَا بعد المُدَّةِ بطلبها (1) وحكى الحناطي وَجْهاً آخر في التَّعْلِيقِ بِفَعْلِهَا، وفي صورة الإِيلاَءِ.
ولو ارْتَدَّ الزوجان مَعاً ففي المُتْعَةِ وجهان كالوجهين في الشَّطْرِ إذا ارْتَدَّا معاً قبل الدخول والأصح: المَنْعُ، وإن كانت الفُرْقَةُ من جِهَةِ المَرْأَةِ، أو بسبب فيها لم تَجِب المُتْعَةُ، كما لا يجب نِصْفُ المَهْرِ قبل الدُّخُولِ، وذلك كَرِدَّةِ المرأة، وِإسْلاَمِهَا، وفسخها بِإعْسَارِ الزوج، أو بِعِتْقِهَا، والزوج رَقِيقٌ، وكَالفَسْخِ بِالغُرُورِ، وفَسْخِهِ بعَيْبِهَا وَفَسْخِهَا بِعَيْبِهِ.
حكى المُزَنيُّ أن لها المُتْعَةَ إذا فَسَخَتْ بالعُنَّةِ، واعترض عليه، فمن الأصحاب من جعله قَوْلاً آخر، وقال: هي مَعْذُورَةٌ في الفَسْخ.
والأكثرون لم يثبتوه، وقالوا: الاعْتِرَاضُ صَوَابٌ، والنقل سَهوٌ.
ولو زوج الذِّمِّي ابنته الصغيرة من ذِمِّيِّ، ثم أسلم أَحَدُ أبويها، وارتفع النِّكَاحُ حكمنا بإسلامها، فلا مُتْعَةَ لها، كما لو أسْلَمَتْ بنفسها، ولو اشترى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، فالنَّصُّ في رواية المزني أنه يسقط المُتْعَة على ما قَدَّمْنَا في الفَصْلِ الخامس من القسم الخامس من "كتاب النِّكاح" وهو الظَّاهِرُ.
وعن "الإِملاء" أن لها المُتْعَةَ؛ لأن سَبَبَ الفُرْقَةِ حَصَلَ من الزوج وغيره، فأشبه الخُلْعَ.
ومن أبي إِسْحَاقَ: أنه إن استدعى الزوج الشراء، وَجَبَتِ المُتْعَةُ، وإن اسْتَدْعَاهُ السيد لم تجب.
ويستوي في المُتْعَةِ المُسْلِمُ والذمي، والحُرُّ والرقيق، والحرة والرقيقة، وهي في كَسْبِ الزوج الرقيق ولسيد الزوجة الرقيقة كالمَهْرِ.
وقوله في الكتاب: "وكل مُطَلَّقَةٍ قَبل المَسِيسِ تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ" هي المُفَوِّضَةُ قبل الفرض.
وقوله: "فَتَسْتَحِقُّ المُتْعَةَ" مُعَلَّمٌ بالميم.
وقوله بعد ذلك: "فتستحق المتعة" مُعَلَّمٌ بالحاء، ويجوز أن يُعَلَّمَ بالألف أيضاً لإِحدى الروايتين عن أحمد.
وقوله: "وفي معنى الطَّلاَقِ كُلُّ فراق يوجب التَّشَطُّرَ" أي: إذا اتَّفَقَ قبل الدخول "فإذا لم يَتَشَطَّرْ" لوقوعه في صورة التفويض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمِقْدَارُهَا كُلُّ مَا جَازَ أنْ يَجْعَلَ صَدَاقاً، وَقِيلَ: مَا يَرَاهُ القَاضِي لاَئِقاً بِحَالِهِمَا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ خَاتَمٍ، وَينْبَغِي أنْ يُحَطَّ عَنْ شَطْرِ المَهْرِ كَمَا يُحَطُّ التَّعْزِيرُ عَنِ الحَدِّ.
" القَوْلُ في قَدْرِ المُتْعَةِ"
قال الرَّافِعِيُّ: الكلام في قَدْرِ المُتْعَةِ: في المُسْتَحَبِّ منه، وفي الوجب أما150
الجزء: 8 - الصفحة: 331
المُسْتَحَبُّ: فقد قال في "المختصر": اسْتُحْسِنَ قَدْرُ ثلاثين درهماً.
وعن القديم أنه يمتعها ثَوْباً بِقَدْرِ ثلاثين دِرْهَماً.
وعن بعض كتبه: أنه يمتعها بخادم وإلاَّ فَبِمِقْنَعَةٍ، وإلاَّ فَبِقَدْرِ ثلاثين دِرْهماً، وليس ذلك اخْتِلاَفَ قول، بل نزلها الأصحاب على دَرَجَاتِ الاسْتِحْبَابِ، وقالوا: أقل القَدْرِ المُسْتَحَبِّ ثلاثون دِرْهَماً، وحملوا المِقْنَعَةَ على الصّنْف الذي يزيد قِيمَتُهُ على ثلاثين، وفي بعض الشروح نص قول آخر، وهو أنه يُمَتِّعُهَا الخَادِمَ، إن كان مُوسِراً، وإن كان مُعْسِراً فبمقنعةٍ، وإن كان مُتَوسِّطاً فبقدر ثلاثين درهماً، والمِقْنَعَةُ في هذا النص مَحْمُولَةٌ على النَّازِلَةِ التي لا تبلغ الثلاثين، وذِكْرُ الثلاثين قد وَرَدَ عن ابن عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهم-.
وأما الواجب، فإن تَرَاضَيَا على شيء فذاك.
وحكى الحناطي وَجْهاً أنه ينبغي أن يُحَلِّلَ كل واحد منهما صَاحِبَهُ، فإن لم يَفْعَلا لم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الزَّوْجِ، ولها رَفْعُ الأَمْرِ إلى الحَاكِمِ ليقدر مُتْعَةً، والظاهر الأول، وإن تَنَازَعَا فوجهان:
أحدهما: أن الوَاجِبَ أَقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ، ويكفي ذلك متْعَةً، كما أنه يَجُوزُ أن يكون صَدَاقاً.
وأصحهما: أن الحاكم يُقَدِّرُهُ باجتهاده؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وبم يعتبر الحاكم وإلام ينظر فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وبه قال أبو إسْحَاقَ أن الاعْتِبَار بحال الزَّوْجِ للآية.
والثاني: بحال المَرْأَةِ؛ لأن المُتْعَةَ كالبَدَلِ للمهر، ألا ترى أن المُتْعَةَ في المُفَوِّضَةَ إنما تَجِبُ إذا لم يجب نِصْفُ المَهْرِ، والمهر مُعْتَبَرٌ بحالها وعَصَبَاتِهَا، فكذلك المُتْعَةُ.
والثالث: أنه ينظر إلى حالهما مَعاً؛ قال في "الوسيط"؛ وهو الصَّحِيحُ 151، ورَجَّحَهُ غيره أيضاً، وهو ظَاهِرُ لفظ "المختصر"، وهل يجوز أن تزيد المُتْعَةُ على شَطْرِ المَهْرِ فيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن صاحب "التقريب" لا؛ لأنها بَدَلٌ عن شَطْرِ المَهْرِ، فلا يزاد عليه.
وأظهرههما: نعم، لإِطْلاَقِ الآية، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره 152.
الجزء: 8 - الصفحة: 332
وحكى الحناطي وَجْهاً ثالثاً وهو أنها لا تبلغ الشَّطْرَ أيضاً، بل تَنْقُصُ عن شَطْرِ المَهْرِ، كما يحط التعزير عن الحَدِّ، ويوافقه قَوْلُهُ في الكتاب: "وينبغي أن يحطَّ عن شَطْرِ المهر" ولم يذكر في "الوسيط" هكذا، لكن قال: لا يُزَادُ على شَطْرِ المَهْرِ ثم قضية ما ذكره في "الوسيط" اعْتِبَارُ نِصْفِ المسمى، وإن لم يسم شيئاً، اعتبر نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ.
وقال أبو حنيفة: تَتَقَدَّرُ المُتْعَة ثلاثة أبواب: دِرْعٌ وخِمَارٌ ومِقْنَعَةٌ، إلا أن يكون نِصْفُ مَهْرِ مِثْلَها أَقَلَّ من ذلك.
وعن أحمد في رواية أنها تَتَقَدَّرُ بما تُجْزِئُ فيه الصلاة، وفيه رواية: يُقَدِّرُهَا الحَاكِمُ.
البَابُ الخَامِسُ في التَّنَازع،
وَفِيهِ مَسَائِلٌ
قَالَ الغَزَالِيُّ: (إِحْدَاهَا): إِذَا تَنَازَعَا في قَدْرِ المَهْرِ أَوْ صِفَتِهِ تَحَالَفَا كَمَا فِي البَيْعِ وَيَجْرِي ذَلِكَ بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّكاحِ وَبَعْدَ المَوتِ؛ لأَنَّ الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ بنَفْسِهِ، وَيَحْلِفُ الوَارِثُ النَّافِي عَلَى نَفْيِ العِلْمِ وَالمُثْبِتُ عَلَى البَتِّ، وَفَائِدَةُ التَّحَالُفِ انْفِسَاخُ الصَّدَاقِ وَالرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَتْهُ أَقَلَ منْ مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوِ ادَّعَتِ التَّسْمِيَةَ وأَنْكَرَ الزَّوجُ أَصْلَ التَّسْمِيَةِ تَحَالَفَا، وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب القَوْلُ في التَّنَازُعِ في الصداق، وَيشْتَمِل على مسائل: منها: إذا اختلف الزَّوْجَانِ في قَدْرِ الصَّدَاقِ، أو في صِفَتِهِ، كالصحة والتكسُّر والحلول والتأجيل، وكَقَدْرِ الأَجَلِ، تَحَالَفَا، كما في البَيْعِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ هَذَا الاختلاف قبل الدُّخُول أو بعده.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: إن كان بَعْدَ الدُّخُولِ، فالقول قول الزوج مع يمينه، وإن كان قبل الدخول، فعن أبي حَنِيْفَةَ القَوْلُ قَوْلُهَا في قَدْرِ المَهْرِ، وقول الزوج فيما زاد.
وعند مالك يَتَحَالَفَانِ، وُيفْسَخُ النِّكَاحُ؛ بناءً على أصله أن فساد الصَّدَاقِ يُوجِبُ فَسَادَ النكاح.
وعن أحمد: أن القول قَوْلُ الزوج، إلا أن يدعي ما يستنكر في العَادَةِ، وكما يجري التَّحَالفُ مع قيام الزوجية يجري التَّحَالُفُ بعد انْقِطَاعِهَا؛ لأن الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ بنفسه، وأثر التَّحَالُفِ يظهر فيه، لا في النكاح.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أن بعد انْقِطَاع النكاح لقَوْل قَوْلُ الزوج مُطْلَقاً، ويجري التَّحَالُفُ فيما إذا مَاتَ الزَّوْجَانِ، واختلفَ الوَارِثَانِ في الصدق، أو أَحَدُ الزوجين، ووقع = فرضه الحاكم، ويشهد له من كلام الأصحاب نظائر، منها أن الحاكم لا يبلغ بحكومة عضو مقدّرة ومنها ألا يبلغ بالتعزيز الحد.
الجزء: 8 - الصفحة: 333
الاخْتِلاَفُ بين وَارِثهِ، وبين الآخر، لكنه إذا كان الاخْتِلاَفُ بين الزَّوْجَيْنِ، فاليمين في طَرَفِ النَّفْيِ والإثبات على البَتّ، والوَارِثُ يَحْلِفُ في النَّفْيِ على نَفْي العِلْمِ، وفي الإِثبات علىَ البَتِّ، كما هو دَأْبُ اليمين على فعل الغير، فيقول وَارِثُ الزوج: وَاللهُ لا أعلم أن مُوَرِّثِ ينكحها بألف، إنما نَكَحَهَا بخمسمائة، ويقول وَارِثُ الزوج: واللهِ لا أعلم لأنه نَكَحَ مورثتي على خمسمائة، وإنما نكحها بألف هذا هو المشهور، وأَحْسَنَ بعض الشارحين، فقال: عندي يَحْلِفُ على البَتِّ في النَّفْيِ والإِثبات جميعاً؛ لأن القَاطِعَ بأن النِّكَاحَ جَرَى بخمسمائة قاطع بأنه ما جَرَى بألف، فإذاَ ثبت بأنه نكح بخمسمائة، فلا معنى لقوله: لا أَعْلَمُ لأنه ما نَكَحَهَا بألف.
وعند أبي حنيفة إن مات أَحَدُ الزوجين، ووقع الاخْتِلاَفُ بين وَارِثهِ، وبين الآخر، فالحكم كما في اخْتِلاَفِ الزوجين.
وإن مَاتَا معاً، فالقول قَوْلُ وَرَثَةِ الزوج بلا تَفْصِيلٍ.
وكَيْفِيَّةُ اليمين ومن به البدَايَةُ على ما مَرَّ في البَيْعِ.
وإذا تَحَالَفَا فيفسخ الصداق، ثم تَرْجِعُ المَرْأَةُ إلى مَهْرِ المثل، وقد ذكرنا في البَيْعِ وَجْهاً أنه يُفْسَخُ البيع بنفس التَّحَالُفِ، فليجيء مثله هاهنا، [وليكن] 153 القول فيمن يَتَوَلَّى الفَسْخَ، وفي الانفساخ بَاطِناً على ما مَرَّ في البَيْعِ، وقد صرح بجميع ذلك الحناطيُّ.
ولا يَخْتَلِفُ الرُّجُوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، بين أن يكون زَائِداً على ما تَدَّعِيهِ المَرْأَةُ، كما إذا ادَّعَتْ أن الصَّدَاقَ ألف، وادَّعى الزوج أنه خمسمائة، ومهر مثلها ألفان، وبين ألا يكون زَائِداً؛ لأن التَّحَالُفَ يسقط ما يَدَّعِيَانِهِ، ويصير كأنه لم يَجُرِ ذِكْرُ هذا، ولا ذاك.
وقال أحمد بن خَيْرَانَ؛ إذا كان مَهْرُ المثل زَائِداً على ما ادَّعَتْهُ، فليس لها إلا ما ادَّعَتْهُ، ويحكى هذا عن ابن الوَكِيلِ أيضاً.
والصحيح الأَوَّلُ هذا في الظاهر.
وأما في الباطن، فإن قلنا: إنه لا يَنْفَسِخُ، لم يَخْفَ ما يحلُّ لها.
ولو ادَّعَتِ المرأة مَهْراً مُسَمَّى، وأنكر الزوج أصل التسمية، فوجهان:
أحدهما: أن القَوْلَ قَوْلُ الزوج مع يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ عدم التسمية.
وأصحهما: وبه قال القاضي الحسين أنهما يَتحَالَفَانِ؛ لأن الزَّوْجَ إذا لم يدع التَّفْوِيضَ، فكأنه يقول: الواجب مَهْرُ المِثْلِ، وهي تقول: الواجب ألف بالتسمية، فَحَاصِلُهُ الاختلاف في قَدْرِ الصَّدَاقِ [فيتحالفان] 154 وإنما يَحْسُنُ وضع المسألة إذا كان ما
الجزء: 8 - الصفحة: 334
تَدَّعِيهِ أَكْثَرَ من مَهْرِ المثل 155. ولو أنكرت هي التَّسْمِيَةِ، وادَّعَى الزوج تَسْمِيَّةَ المهر، فالقول قولها، أو يَتَحَالَفَانِ؟.
القياس مجيء الوجهين.
ولو ادَّعى أحدهما التَّفْوِيضَ، وادعى 156 الآخَرُ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ، فإن أوجبنا المَهْرَ في المُفَوِّضَةِ بالعقد فهو كما لو ادَّعَى أحدهما السُّكُوتَ، والآخر التَّسْمِيَةَ.
وإن لم نوجبه بالعَقْدِ، فالأصل عدم التسمية من جَانِبٍ، وعدم التَّفْوِيضِ من جانب.
ولو ادَّعَى أحدهما التَّفْوِيضَ، وادعى الآخر أنه لم يَجْرِ لَلمهر تعرض، فَيُشْبهُ أن يكون القَوْلُ قول الثاني.
ولو أن المُخْتَلِفَيْنِ في الصَّدَاقِ، حلف أحدهما، ونَكَلَ الآخر، حكمنا بيمين الحَالِفِ، ولو أقام أحدهما البَيِّنَةَ حُكِمَ بموجبها.
ولو أقاما بَيِّنَتَينِ، وهما مختلفتان في قَدْرِ الصَّدَاقِ، فعن ابن سُرَيْجٍ، وجهان 157:
أحدهما: أن بَيِّنَةَ المرأة أَوْلَى لاشتمالها على الزِّيَادَةِ.
والثاني: أنهما مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قلنا بالتَّسَاقُطِ، فكأن لا بَيِّنَةَ، فَيَتَحَالَفَانِ، وإن قلنا: يُقْرَعُ، فهل يحتاج من خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ إلى اليمين ذكروا فيه وجهين.
أما لفظ الكتاب فقدله: "تَحَالَفا" ليعلّم بالحاء والميم والألف.
وقوله: "بعد انْقِطَاع النكاح" بالحاء، وقوله: "ويحلف الوارث النَّافِي على نَفْيِ العلم، والمُثْبِتُ على البَتِّ" إن حُمِلَ على صورة مَوْتِ الزوجين، لم يحسن مَوْقُعُهُ؛ لأنه لا يَخْتَصُّ حينئذٍ أَحَدُ الوارثين بالنفي، والآخر بالإِثْبَاتِ، بل يَكُونُ كل واحد منهما نَافِياً، ومُثْبِتاً، فليحمل قوله: "الوَارِثُ النافي" على صورة مَوْتِ الزوج، واختلاف وَارِثِهِ مع الزوجة.
وقوله الوارث "المثبت على" صورة موت الزوجة، واختلاف وَارِثهَا مع الزوج، ولو قال: ويحلف الوارث في النَّفْي على العِلْمِ، وفي الإثبات على البَتِّ لشمل ما إذا مَاتَ الزَّوْجَانِ، أو مات أحدهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 335
وقوله: "وفائدة التَّحَالُفِ انْفِسَاخُ الصداق" هذا اللَّفْظُ يُوافِقُ القول بالانْفِسَاخِ عند التَّحَالُفِ، والظاهر الفَسْخُ دون الانْفِسَاخِ، لكنه لم يقصد الآن القَوْلَ في أنه يفسخ أو ينفسخ، وإنما قَصَدَ بَيَانَ أَثَرِ التَّحَالفِ، وما يؤول إليه الأمر آخراً، وهو مَهْرُ المِثْلِ، وانْفِسَاخُ التَّسْمِيَةِ، إما بالفسخ، أو دونه.
وقوله: "وإن كان ما ادعته أَقَلَّ من مَهْرِ المثل" مُعَلَّمٌ بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ المَهْرِ أَوْ سَكَتَ وَاعْتَرَفَ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتْ بِحَلِفِهَا مَهْرُ المِثْلِ عَلَيْهِ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ بَلْ يَتَحَالَفَانِ، وَكَذَا مُجَرَّدُ قَوْلهِ: هذا ابْنِي منها لا يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ وإنْ كَانَ ظَاهِراً في الإِقْرَارِ بِالوَطْءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَتِ النِّكَاحَ وَمَهْرَ المثل، واعترف الزَّوْجُ بالنكاح، وأنكر المَهْرَ، أو سَكَتَ عنه، ولم يَدَّعِ التَّفْوِيضَ ولا إِخْلاَءَ النكاح [عن] 158 ذكر المَهْرِ حكى صاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: وُينْسَبُ إلى القاضي الحسين أنه يَثْبُتُ لها المَهْرُ، إذا حلفت؛ لأن الظَّاهِرَ معها، فإن النكاح يوجب مَهْرَ المِثْلِ، إذا لم تَجْرِ تَسْمِيَةٌ صحيحة.
وأَظْهَرُهُمَا: عند صاحب الكتاب: أنه لا يثبت مَهْرُ المِثْل بيمينها، ولكن يَتَحَالَفَانِ أما أنه لا يثبت مَهْرُ المِثْلِ بيمينها فلأن النكاح قد يَجْرِي بِأَقَلّ ما يُتَمَوَّل، وليس من لَوَازِمِهِ وُجُوبُ مَهْرِ المثل وأما التحالف [فلأن إِنْكَارَ أَصْلِ المَهْر أَبْلَغُ من إنكار بَعْضِهِ، وذلك يوجب التَّحَالُفَ] 159 وهذا لا يكاد يُتَصَوَّرُ، فإنا حيث نَقُولُ بالتحالف نُحَلِّفُ كُلَّ واحد منهما على إِثْبَاتِ ما يَزْعمُهُ، ونَفْي ما يَزْعُمُ صاحبه، والمَفْرُوضُ من جِهَةِ الزوج في المسألة إِنْكَارٌ مُطْلَقٌ، فأي معنى للِتَّحَالُفِ، ولم يذكر القاضي الرُّويَانِيُّ هذا الخلاف هكذا، لكن قال: قال مَشَايخُ "طبرستان": القول قَوْلُ الزوج وعليها البَيِّنَةُ، والحق ألا يُسْمَعَ إِنْكَارُهُ؛ لاعترافه بما يَقْتَضِي المَهْرَ، ولكن يُطَلَّقُ البَيَانَ، فإن ذكر قدراً وذكرت زِيَادَةً تَحَالَفَا، وإن أَصَرَّ على الإِنْكَارِ رُدَّتِ اليَمِينُ عليها، وقُضِيَ لها بها قال: ورأيت جَمَاعَةً من المحققين بـ"خراسان" و"العراق" يُفْتُون بهذا، وهو القَوِيمُ.
ولو ادَّعَتْ زَوْجِيَّة ومَهْراً مُسَمَّى يساوي مَهْرَ المِثْلِ وقال الزوج: لا أدري، أو سكت.
قال الإِمام: ظاهر ما ذكره القَاضِي أن القَوْلَ قَوْلُهَا؛ لما مَرَّ أن النِّكَاحَ يَقْتَضِي مَهْرَ المِثْلِ، ولك أن تقول: هب أن النِّكَاحَ يَقْتَضِي مَهْرَ المِثْلِ، إذا لم يكن تسمية، لكنه لا يَقْتَضِي شَيْئاً آخر يساوي مَهْرَ المِثْلِ، فلا يلزم تَصْدِيقُهَا فيه قال: والذي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ
الجزء: 8 - الصفحة: 336
المذهب أن دَعْوَاهَا مُتَوَجِّهَةٌ (1) بذلك المِقْدَارِ، ولا يُسْمَعُ منه التَّرَدُّدُ، بل يَحْلِفُ على نَفْيِ ما تدعيه، فإن نَكَلَ، رُدَّتِ اليَمِينُ عليها، وقُضِيَ بيمينها، وهذا مثل ما سَبَقَ في دَعْوَى مَهْرِ المِثْلِ.
ثم حكى عن القاضي على قِيَاسِ الوَجْهِ المَنْسُوب إليه، أنه إذا قال: هذا ابني من فُلانَةَ، فتَسْتَحِقُّ مَهْرَ المِثْلِ، إذا حَلَفَتْ؛ لأنه أقر بالوَطْءِ ظاهراً؛ لأن اسْتِدْخَالَ المَاءِ بعيد، والوطء المُحْتَرَمُ هو الذي يَحْصُلُ منه الوَلَدُ النسيب (2) ظاهراً، وأنه يَقْتَضِي المَهْرَ، وقياس ظاهر المذهب أن يُؤْمَر بالبيان، إذا أنكر ما تدعيه، وإن أَصَرَّ على الإِنْكَارِ رُدَّتِ اليمين عليها.
" فَرْعٌ"
عن "التتمة" مات الزوج، وادَّعَتِ الزَّوْجَةُ على الوَارِثِ أن الزوج سَمَّى لها أَلْفاً، فقال الوارث: لا أعلم كم سَمَّى؟ فلا يَتَحَالَفَانِ، ولكن يحلف الوَارِثُ على نَفْي العلم، وإذا حلف قُضِيَ لها بِمَهْرِ المِثْلِ 162.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا تَنَازَعَ وَلِيُّ الصَّبِيَّةِ وَالزَّوْجُ في مِقْدَارِ المَهْرِ تَحَالَفَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الوَلِيَّ مَقْبُولُ الإِقْرَارِ فَلاَ بُعْدَ فِي أَنْ يَحْلِفَ، وَكَذَا الوَصِيُّ وَالقَيِّمُ وَالوَكِيلُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ، وَلَو ادَّعَى عَلَى رَجُل أنَّهُ أَتْلَفَ مَالاً لطفْلٍ فَأَنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ وَنَكَلَ لَمْ يُرَدَّ اليَمِينُ عَلَى الوَلِيِّ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ لَكِنْ يَتَوقَفَّ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَحْلِفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَقَعَ الاخْتِلاَفُ بين وَلِيِّ الصغيرة والمجنونة، وبين الزوج، فقال الوَلِيَّ: زَوَّجْتُهَا بِألْفٍ، وقال الزوج: بل بخمسمائة فوجهان:
أظهرهما: في المذهب، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أنهما يَتَحَالَفَانِ 163؛ لأن160161
الجزء: 8 - الصفحة: 337
الوَلِيِّ هو المَالِكُ لِلْعَقْدِ، والمُسْتَوْفِي لِلصَّدَاقِ، فكان اخْتِلاَفُهُ مع الزوج كاختلاف البَالغَةِ مع الزوج، ولأن إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ في النكاح والصداق، وإذا قُبِلَ إِقراره لم يَبْعد تحليفه.
والثاني: أنهما لا يتحالفان؛ لأنا لو حَلَّفْنَا الوَلِيَّ، لكان مُثْبِتاً حتى الغير بيمينه، ورَتَّبَ الإِمَامُ [الخلاف] في المَسْأَلَةِ، على قولين، حكاهما فيما إذا باعِ الوَلِيُّ مَالَ الطِّفْلِ، واختلف الوَلِيُّ والمشتري في كَيْفِيَّةِ البيع، هل يتحالفان وقال: الأصَحُّ المَنْعُ، ويعللُ القول الآخر بمعنيين:
أحدهما: أن الولي يثبت بالحَلِفِ قَوْلَ نفسه.
والثاني: أنه يَتَعَلَّقُ به العُهْدَةُ، فإن الولي في عُهْدَةِ ما تبِيعُ للصبي، فإن قلنا: لا يَحْلِفُ في البَيْعِ، ففي النكاح أَوْلَى وإن قلنا: يحلف هناك، ففي النِّكَاحِ خِلاَفٌ مَبْنِيٌّ على المعنيين، إن عَلَّلْنَا بأنه يثبت قَوْلَ نفسه، فكذلك هاهنا، وإن عَلَّلْنَا بالمعنى الثاني، فلا؛ لأن النِّكَاحَ ليس عَقْدَ عُهْدَةٍ، فإن قلنا: لا يحلف الوَلِيُّ، فيوقف إلى أن تَبْلُغَ الصبية، فَيَتَحَالَفَانِ، ويجوز أن يَحْلِفَ الزوج، ويوقف يمينها إلى بلوغها.
وإن قلنا: يحلف الوَلِيُّ، فذلك إذا ادِّعَى زِيَادَةً على مَهْرِ المِثْلِ، والزوج مُعْتَرِفٌ بمهر المثل بأن كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفاً، والزوج يَزْعُمُ أنه نَكَحَهَا بألف، وقال الولي: بألفين.
وأما إذا ادَّعَى النِّكَاحَ بما دُونِ مَهْرِ المثل، فلا حَاجَةَ إلى التَّحَالُفِ؛ لأنه يثبت مَهْرَ المثل، وإن نَقَصَ الوَليُّ، ولو ذكر الزوج قَدْراً يزيد على مَهْرِ المِثْلِ، وادعى الولي أَكْثَرَ من ذلك، فلا يَتَحَالَفَانِ كيلا يَرْجِعَ الوَاجِبُ إلى مَهْرِ المثل، بل يأخذ الوَليُّ ما يقوله الزوج.
ولو ادَّعَى الوَلِيُّ مَهْرِ المِثْلِ أو أكثر، وذكر الزَّوْجُ أكثر من ذلك حكى الحناطي وجهين في أنهما يَتَحَالَفَانِ، أو يؤخذ بما يقوله الزَّوْجُ، والخلاف الذي ذَكَرْنَاهُ في اختلاف الزَّوْج، وولي الصغيرة، يَجْرِي فيما إذا اختلفت المَرْأَةُ ووليُّ الزوج الصغير، وفيما إذا اختلفَ وَلِيَّا الزَّوْجَيْنِ الصغيرين.
ولو بلغت الصغيرة قبل التَّحَالُفِ، فَتَحْلِفُ هي، ولا يَحْلِفُ الوَلِيُّ.
وادعى صاحب "التهذيب" الوِفَاقَ فيه، لكن في "التتمة" وغيره أنا إذا جَوَّزْنَا لِوَلِيِّ الصغيرة أن يَحْلِفَ، ففي نكاح البِكْرِ البالغة، إذا وَقَعَ الاخْتِلاَفُ بين الولي والزوج، اخْتِلاَفْ للأصحاب في أنه يَحْلِفُ الوَلِيُّ، أو المنكوحة، والصحيح أنها التي تَحْلِفُ لأنها من أَهْلِ اليمين وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ وغيره: أنه يَحْلِفُ الوَلِيُّ؛ لأنه العَاقِدُ، = فهو حلف للغير فلا تقبل، وأما هنا فهو حلف على أن العقد من الولي وقع هكذا أو الحق فيه وقع تبعاً وضمناً لا قصداً بخلاف المذكور في الدعاوى.
الجزء: 8 - الصفحة: 338
ومن قال بهذا لا يُسَلِّمُ في الصغيرة إذ بلغت أن اليَمِينَ تكون عليها، والخِلاَفُ في أن الوَلِيَّ هل يَحْلِفُ يجري في الوكيل [في النكاح] 164 وكذلك في البَيْعِ إذا اخْتَلَفَ وَكِيلُ البَائِعِ مع المشتري، أو وَكِيلُ المشتري مع البائع أو اخْتَلَفَ الوكيلان.
ومنهم من رَتَّبَ، وقال: إن لم نحلف الولي، فالوكيل أَوْلَى، وإن حَلَّفْنَاهُ، ففي الوَكِيلِ وجهان: والفَرْقُ قُوَّةُ الوِلاَيَةِ.
وإذا نَكَلَ الوَلِيُّ على قولنا: إنه يحلف، فَيقْضَى بيمين صاحبه، أو يُوقَفُ إلى أن تَبْلُغَ الصَّبِيَّةُ، وتفيق المَجْنُونَةُ، فلعلها تَحْلِفُ، فيه وجهان نقلهما الحناطي 165 وغيره.
وجميع ما ذَكَرْنَا فيما يَتَعَلَّقُ بإِنشاء الولي، فأما ما لا يَتَعَلَّقُ به، كما إذا ادَّعَى على إِنْسَانٍ أنه أَتْلَفَ مَالَ الطِّفْلِ، وأنكر المدعى عليه، ونَكَلَ عن اليمين فوجهان:
أحدهما: أن الوَلِيَّ يَحْلِفُ اليمين المَرْدُودَةَ إِتْمَاماً للخصومة، واسْتِخْرَاجاً لحق الصَّبِيِّ.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ لأنه لا يَتَعلَّقُ بِتَصَرُّفِ الولي، وإنشائه، وعلى هذا فلا يُقْضَى بالنُّكُولِ، بل يُتَوَقَّفُ إلى أن يَبْلُغَ الصبي، فلعله يَحْلِفُ.
وفي وجه لا تُعْرَضُ اليمين [على المدعى] 166 عليه وَيُتَوَقَّفُ في أصل الخُصُومَةِ وأفتى القَفَّالُ يقولنا: إن الولي لا يَحْلِفُ فيما لا يَتَعَلَّقُ بإِنشائه، فقال: إن قَيِّمَ الصبي إذا ادَّعَى على إِنْسَانِ دَيْناً وَرِثَهُ الصبي، وأقام عليه بَيِّنَةً، فقال الخصم: كنت قَضَيْتُهُ أو أَبْرَأَنِي مُوَرِّثُهُ، فلا يحلف الولِيُّ، ويحلف الصبي، إذا بلغ على نَفْي العلم بذلك 167، ولو أَقَرَّ القَيِّمُ بما يقول الخَصْمُ انْعَزَلَ، وأقام الحاكم قَيِّمَهاً آخر، ولو ادَّعَى أن هذا القَيِّمَ قَبَضَةُ، وأنكر، فيحلف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ) لَو ادَّعَتْ أَلْفَيْنِ في عَقْدَيْنِ جَرَيَا في يَوْمَيْنِ وَأَقَامَت البَيِّنَةَ
الجزء: 8 - الصفحة: 339
عَلَيْهِمَا لَزِمَ وَقَدَّرْنَا تَخَلَّلَ طَلاَقٍ بَعْدَ المَسِيسِ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُبَيِّنَ جَرَيَانَ المُسْقِطِ بِإِظْهَارِ طَلاَقٍ قَبْلَ المَسِيسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ادعت على رَجُلٍ أنه نَكَحَهَا يوم الخَمِيسِ بألف، ويوم السبت بألف، وطالبته بالأَلْفَيْنِ ليُسْمَعُ دعواها؛ لإِمكان ثُبُوتِ المَهْرَيْنِ بأن يَطَأَهَا في النِّكَاحِ الأول، ويُخَالِعُهَا، ثم يَنْكِحُهَا في اليوم الثاني، وإذا ثبت العَقْدَانَ، إما بالبَيِّنَةِ، أو بإقراره، أو بيمينها 168 بعد نُكُولِهِ، لزمه الألْفَانِ، ولا يحتاج إلى التَّعَرُّضِ لِتَخَلُّلِ الفُرْقَةِ، ولا لحصول الوَطْءِ في النكاح الأول.
أما تَخَلُّلُ الفُرْقَةِ، فلأن جَرَيَانَ العَقْدِ الثاني يَدُلُّ على حصولها، فلو قال الزوج: كان النِّكَاحُ الأول بحاله، وإنما جَدَّدْنَا لَفْظَ العَقْدِ إِشْهَاراً لم يُلْتَفَتْ إلى قوله، كما لو قال لغيره: بعْ هذا العَبْدَ مِنِّي، ثم ادَّعَى أنه ملكه لم يُلْتَفَتْ إليه ويجعل الاسْتبَاحَةُ إقراراً له بالمِلْكِ، ولا يُعْتَدُّ بقوله: إِني طلبت منه صُورَةَ البَيْعِ، وأما التعرض لِلْوَطْءِ، فلأن المَهْرَ المُسَمَّى في كل عَقْدٍ يَجِبُ بذلك العَقْدِ، والأصل اسْتِقْرَارُهُ إلى أن يدعي الخَصْمُ مُسْقِطاً، فإذا ادَّعَى أنه لم يُصِيبْهَا في النِّكَاح الأول صُدِّقَ بيمينه؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الإِصَابَةِ، ولا يطالب من المَهْرِ الأَوَّلِ إلا بالشَّطْرِ، وتكون عنده بِطَلْقَتَيْنِ.
ولو ادعى في النِّكَاحِ الثاني الطَّلاَقَ قبل الإِصَابَةِ أيضاً صُدِّق بيمينه وقَنِعَ منه بِشَطْرِ المهر الثاني أيضاً، وشَبَّهُوهُ بأن المُودِعَ بعد ثبوت الإِيدَاعِ مُطَالَبٌ بالوَدِيعَةِ، ومَحبِوسٌ إليها ما دام يسكت فإذا ادَّعَى تَلَفاً أَوَ ردّاً صُدِّقَ بيمينه، وانْقَطَعَتِ الطّلْبَةُ وهل تحلف المَرْأَةُ على نَفْي ما تقوله إذا ادعى جريان لفظ العقد من غَيْرِ فُرْقَةٍ، أو تُصَدَّقُ بغير يَمِينٍ؟ قال في "العدة": فيه وجهان:
أصحهما: الأول.
ولو ادَّعَى على غيره أنه اشْتَرَى منه كذا يوم الخَمِيسِ بألف، ثم يوم الجُمُعَةِ بألف، وطَالَبَهُ بالثَّمَنَيْنِ، لزمه الثمنان إذا أثبت العَقْدَيْنِ، كما ذكرنا في المَهْرَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "وقدرنا تَخَلُّلَ طلاق بعد المَسِيسِ" يعني أن النَّكَاحَ الثاني يَدُلُّ
الجزء: 8 - الصفحة: 340
عَلى حُصُولِ الفرقة، فيقدرها، والأصل في المَهْرِ الثَّابِتِ الدَّوَامُ، وأنه يَفْتَقِرُ إلى المَسِيسِ، فيقدره فإن ادَّعى الزَّوْجُ المُسْقَطَ، فعليه إِظْهَارُهُ لحُجِّتِهِ، وهو اليَمِينُ، والشيء يثبت تَارَةً بالبَيِّنَةِ، وأخرى باليمين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا كَانَ في مِلْكِهِ أَبُوهَا وَأُمَّهَا فَقَالَ: أَصْدَقْتُكَ أَبَاكَ فَقَالَتْ: بَلْ أُمِّي تَحَالَفَا علَى الأَصَحِّ لأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ وَأَصْلُ العَقْدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَيُعْتَقُ الأبُ بِإقْرَارِهِ وَوَلاَؤُهُ مَوْقُوفٌ إِذْ لاَ يَدَّعِيهِ أَحَدُهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رجل في مِلْكِهِ أَبَوَا امْرَأَةٍ حُرَّةٍ، فنكحها على أحدهما معيناً، ثم اخْتَلَفَا، فقال: أَصْدَقْتُكِ أباك، فقالت: بل أُمِّي، ففيه وجهان:
أصحهما: عند صاحب الكتاب، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ أنهما يَتَحَالَفَانِ، كما لو اخْتَلَفَا في جِنْسِ الثمن، فقال البائع: بِعْتُكَ بِدَنَانِيرَ، وقال المشتري: بل بدَرَاهِمَ.
والثاني: أنه لا تَحَالُفَ؛ لأن الصَّدَاقَ كَعَقْدٍ مستقلّ بنفسه، ولم يَتَّفِقَا على صَدَاقٍ واحد، والوجهان هما الوَجْهَانِ المذكوران، فيما إذا اختلف المُتَبَايِعَانِ فقال البائع: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ، وقال المشتري: بل هذا العَبْدَ الآخَر، أو هذه الجَارِيَةَ، على ما بَيَّنَّا في البَيْعِ في باب التَّحَالُفِ، فإن قلنا: لا تَحَالُفَ، فيصدق الزَّوْجُ بيمينه، في أنه لم يُصْدِقْهَا أُمَّهَا، وتَحْلِفُ هي على أنه لم يُصْدِقهَا الأَبَ، ولها مَهْرُ المِثْلِ، ويعتق الأب بإقْرَارِ الزوج بيمينه أنه أَصْدَقَهَا الأَبَ لِتَضَمُّنِهِ الإِقْرَارَ بأنه عتق عليها، ولا غُرْمَ على المَرْاْةِ؛ لأنها لم تُفَوِّتْ على الزوج شَيْئاً، فإنما عُتِقَ الأب بإِقراره، فصار كما لو قال الرجل لولد عَبْدِهِ: بعت لك أباك، وأنكر، يُعْتَقُ العَبْدُ بإقراره، وإن قلنا بالتَّحَالُفِ، فإن حَلَفَا عُتِقَ الأب بإِقْرَارِ الزوج، ولَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وليس عليها قِيمَةُ الأبَ، وَوَلاَؤُهُ مَوْقُوفٌ 169؛ لأن الزَّوْجَ يَدَّعي أن الوَلاَءَ لها، وهي مُنْكِرَةٌ، وإن حلفت المَرْأَةُ دونه، عُتِقَ الأبوان جميعاً، أما الأَبْ فبإِقْرَارِهِ، وأما الأم فلأنا نَحْكُمُ بكونها صَدَاقاً بيمين الزَّوْجَةِ، فَيُعْتَقُ عليها، وليس عليها قِيمَةُ واحد منهما، وإن حَلَفَ الزَّوْجُ دونها وِقَّتِ الأم، وعُتِقَ الأب لإِقْرَارِهِ، ولحكمنا، بيمينه بأنه هُوَ الصَّدَاقُ، وولاؤه مَوْقُوفٌ، وإن لم يَحْلِفْ واحد منهما عُتِقَ الأب بالإِقرار، ولا تَتَمَكَّنُ من طَلَبِ المَهْرِ، لأَن من ادَّعَى شَيْئاً، وَنَكَلَ عن اليمين بعد
الجزء: 8 - الصفحة: 341
الرَّدِّ عليه كان كما لم يَدَّعِ شَيْئاً، ولو قال الزوج: أَصْدَقْتُكِ أباك، ونِصْفَ أمك، وقالت: بل أَصْدَقْتَنِيهِمَا جَمِيعاً، فلا خلاف في التَّحَالُفِ؛ لأن الاخْتِلاَفَ هاهنا في قَدْرِ الصداق، فإذا حَلِفَا، فلها مَهْرِ المِثْلِ، وُيعْتَقُ الأب، وعليها قِيمَتُهُ لاتِّفَاقِهِمَا على أنه عُتِقَ عليها بِحُكْم الصَّدَاقِ، لكن لما تَحَالَفَا بَطَلَ عَقْدُ الصَّدَاقِ، ولا سبيل إلى رَدِّ العِتْقِ، فيعدل إلى القِيمَةِ، كما لو اشترى عَبْداً، وأَعْتَقَهُ، ثم اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ، وتحالفا وأما الأُمُّ فَتُعْتَقُ عليها نِصْفُهَا، ويقتصر العِتْقُ عليه إن كانت مُعْسِرَةً، وإن كانت مُوسِرَةً، فَيُعْتَقُ الباقي أيضاً بالسَرَايَةِ، وعليها قِيمَةُ ما يُعْتَقُ منها، ويجيء خِلاَفُ التَّقَاصِّ؛ لأن مَهْرَ المَثْلِ الواجب لها، والقيمة الواجبة عليها من جِنْسٍ وَاحِدٍ.
ولو حلف الزَّوْجُ دون المَرْأَةِ عُتِقَ الأب، ونصف الأم، ولا يَسْرِي إذا كانت مُعْسِرَةً، ولا شيء لها، ولا عليها لأَنَّا حَكَمْنَا بيمينه أن الأب ونصف الأُمِّ جُمْلَةُ الصَّدَاقِ.
ولو حَلَفَتْ هي دون الزَّوْجِ فيحكم بأن كليهما صَدَاقٌ، ويُعْتَقَانِ، ولا شيء عليها.
ولو قالت هي: أَصْدقَنِي جَمِيعَ أمي، ونصف أبي، وقال الزوج: بل جَمِيعَ الأَبِ، ونصف الأم، فيتحالَفَانِ أيضاً، ماذا حَلَفَا، فلها مَهْرِ المِثْلِ، ويعتق جميع الأب نصفه لاتِّفَاقِهِمَا على أنها ملكته، ونصفه بِإِقْرَارِ الزوج، وعليها قِيمَةُ ما عُتِقَ منه باتِّفَاقِهمَا، وأما الأم فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا باتِّفَاقِهِمَا، ويَسْرِي إلى الباقي، إن كانت مُوسِرَةً، وعليها قِيمَةُ ما يُعْتَقُ منها، ويجيء الكلام في التَّقَاصِّ.
ومن صورة التَّنَازُعِ بين الزوجين أن يَخْتَلِفَا في أداء المَهْر، فالقول قَوْلُهَا مع يَمِينِهَا، سَوَاءً كان [الاختلاف] 170 قبل الدخول، أو بعده، خِلاَفاً لِمَالِكٍ، فيما بعد الدُّخُولِ، ولو اتَّفَقَا على قَبْضِ مَالٍ، فقال الزوج: دفعته صَدَاقاً، وقالت: بل هَدِيَّةً، فقد أَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أن القَوْلَ قَوْلُ الزوج مع يَمِينِهِ؛ لأنه أَعْرَفُ بكيفية إِزَالَةِ مِلْكِهِ وبنّيته وتصرفه.
وفَصَّلَ مُفَصِّلُونَ، فقالوا: إن كان الاخْتِلاَفُ في اللَّفْظِ، فقال الزوج: ذكرت عند الدَّفْعِ أنه صَدَاقٌ، وقال: بل قلت: إنه هَدِيَّةٌ، فالجواب هكذا.
أما إذا اتَّفَقَا على أنه لم يَجْرِ لفظ، واختلفا في نِيَّتِهِ لم يُلْتَفَتْ إلى ما تقوله، والقول قوله بلا يَمِينٍ، وأشبه أن يكون هذا بِنَاءً على أن المُعَاطَاةَ لا تَكْفِي في الهَدَايَا.
أما إذا اكْتَفَيْنَا بها، وهو الصَّحِيحُ، وجب أن نَقْبَلَ دَعْوَاهَا، وأن يحتاج الزَّوْجُ إلى اليمين، ثم لا فَرْقَ بين أن يكون المَقْبُوضُ من جِنْسِ الصَّدَاقِ، أو من غَيْرِ جِنْسِهِ، ولا بين الطَّعَامِ وغيره.
الجزء: 8 - الصفحة: 342
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن القول فيما لا يُدَّخَرُ قولها، وعنه أن القَوْلَ في الطَّعَامِ قولها وعن مالك مِثْلُهُ، وإذا حلف الزَّوْجُ، فإن كان المَقْبُوضُ من جِنْسِ الصَّدَاقِ وقع عنه، وإلا فإن رَضِيَا بِبَيْعِهِ بالصَّدَاقِ فذاك، وإلا اسْتَرَدَّهُ، وأدى الصداق، فإن كان تَالِفاً فله البَدَلُ عليها، وقد يَقَعُ في التَّقَاصِّ، ولو بعث إلى بيت من لا دَيْنَ له عليه شَيْئاً، ثم قال: بَعَثْتُهُ بِعِوَضٍ، وأنكر المَبْعُوثُ إليه، فالقول قوله، وكان يجوز أن يْسَوّى بينه، وبين مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ، فيقال: إنه أَعْرَفُ بكيفية إِزَالَةِ مِلْكِهِ، أو يقال: كما أن الأصْلَ أن لا عِوَضَ على المَبْعُوثِ إليه، فالأصل أن يَبْقَى الصَّدَاقُ، ولا يصير عِوَضاً عن المَبْعُوثِ.
ولو ادعى الزَّوْجُ دَفْعَ الصَّدَاقِ إلى وَلِيَّ الصَّغَيرَةِ، أو المجنونة أو السَّفِيهَةِ، فالدعوى مَسْمُوعَةٌ وإن ادَّعَى دَفْعَهُ إلى وَلِيِّ البَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ، لم تُسْمَعِ الدعوى، إلا أن (1) يدعي إذنها ولا فَرْقَ بين البِكْرِ والثَّيِّبِ.
وفي البِكْرِ وَجْهٌ آخر، والخلاف مَبْنِيٌّ على أن الوَلِيَّ هل يَمْلِكُ قَبضَ مَهْرِ البِكْرِ البالغة الرَّشِيدَةِ، والصحيح منعه، وفيه قَوْلٌ أو وجه آخر؛ لأنه يَمْلِكُ بُضْعَهَا، فيملك عِوَضَهُ، وربما بني ذلك على جَوَازِ عَفْوِهِ عن مَهْرِ الصغيرة.
ومنهم من لم يُثْبِتْهُ، وقَطَعَ بالأول، وإذا قلنا به فلو رَاجَعَهَا، فسكتت لم يُسْتَفَدْ بسكوتها [الإِذن في] (2) القَبْضِ، وقياس القول أو الوجه الضعيف أنه يملك القبض إن نَهَتْ عنه، كما في تَزْوِيجِهَا.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: له قَبْضُ مَهْرِهَا ما لم تَنْهَ عنه، ولو وَقَعَ الاختلاف في عَيْنِ المَنْكُوحَةِ، فهو اخْتِلاَفٌ في عقدين القول في كل واحد منهما قول النَّافي.
وإن كان الاخْتِلاَفُ في قَدْرِهَا، فقال الزوج نكحت هاتين بألفين، وقالت إحداهما أو وليها: بل نَكَحَتْ هذه وَحْدَهَا بألف، فهذا اختلاف في حق المتفق على نكاحها في قَدْرِ المَهْرِ، والقول في الأخرى قَوْلُ المنكر ذكر ذلك أبو الفَرَجِ الزَّازُ.
" فَرْعَانِ": "
نختم بهما الكتاب".
الأول: أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ جَارَيةً وَوَطِئَ تلك الجَارِيَةَ مع العِلْم بأنها الجَارِيَةُ المُصْدَقَةُ، فإن كان بعد الدُّخُولِ، فعليه الحَدُّ، ولا يُقْبَلُ، قوله: إني لا أعَلم أنها تَمْلِكُهَا بعد العَقْدِ والدخول، إلا أن يكون قَرِيبَ العَهْدِ بالإِسْلاَم، وإن كان قبل الدخول، وقال: لم أعلم أنها تَمْلِكُ الصَّدَاقَ قبل الدخول، لم يَجِبِ الحَدُّ عليه، وعَلْلُوهُ بشيئين:
أحدهما: أن مِثْلَ هذه الأَحْكَامِ لا يَبْعَدْ أن تَخْفَى على العَوَامِّ.171172
الجزء: 8 - الصفحة: 343
والثاني: اختلاف العُلَمَاءِ، فإن مَالِكاً قال: لا تَمْلِكُ قبل الدخول إلا نِصْفَ الصَّدَقِ، فإن كان عَالِماً بأنها تَمْلِكُ الصَّدَاقَ قبل الدخول، فعلى التَّعْلِيلِ الأول يَلْزَمُ الحَدُّ، وعلى الثاني لا يلزم (1)، وحيث يجب الحَدُّ، فلو أَوْلَدَهَا، فالولد رَقِيقٌ، وعليه المَهْرُ إن كانت مُكْرَهَةً، وحيث لا يجب، فالوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وعليه قِيمَتُهُ يوم السُّقُوطِ.
والثاني: خَالَعَ امْرَأَتَهُ المَدْخُولَ بها، ثم نَكَحَهَا في العِدَّةِ، وطَلَّقَهَا قبل الدخول في النكاح الثَّاني يُشَطَّرُ المَهْرُ وبه قال أحمد.
وعند أبي حَنِيْفَةَ يجب جَميعُهُ والله أعلم.
بَابُ الوَلِيمَةِ وَالنَّثْرِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالوَلِيمَةُ هِيَ مَأْدَبَةُ العُرْسِ، وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَفِي وُجُوبِ الإِجَابَةِ إِلَيْها قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب شَيْئَان:
أحدهما: الكَلاَمُ في الوَلِيمَةِ: روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْلَم على صَفيَّةَ بِسَوِيقٍ وتَمْرٍ" 174 وأنه قال لعبد الرحمن بن عَوْفِ -رضي الله عنه- وقد تَزَوَّجَ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" 175.
والوَلِيمَةُ على ما ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحاب -تَقَعُ على كل دَعْوَةٍ تُتَّخَذُ لِسُرورٍ حَادِثٍ منْ إِمْلاَكِ وخِتَانٍ وغيرهما لكن استعمالها على الإطْلاَقِ في العُرْسِ أَشْهَرُ، وفي غيره يُقَيِّدُ، فيقال: وَلِيمَةُ الخِتَانِ وغيره 176، ويقال لدعوةَ الخِتَانِ: إِعْذَارٌ،173
الجزء: 8 - الصفحة: 344
واللفظ في الأَصلِ لِلْخِتَانِ نَفْسِهِ يقال: أَعْذَرَ الغُلاَمَ، أي: حَتَنَهُ ولدعوة الوِلاَدَةِ: عَقِيقَةٌ، ولَسَلاَمَةِ المرأة من الطَّلْقِ: خرْسٌ، وقيل: الخُرْسُ طَعَامُ الولاَدَة، ولمَدومِ المُسَافِرِ: نَقِيعَةٌ، ولإحْدَاثِ البِنَاءِ؛ وَكِيرَةٌ، ولما يُتَّخَذُ في المُصِيبَةِ: وَضِيمَةٌ، ولما يُتَّخَذُ من غير سبب مَأْدُبَةٍ 177.
وفي وَلِيمَةِ النكاح قولان، أو وجهان 178:
أحدهما: أنها واجبة، لظاهر الأَمْرِ، حيث قال: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" وبهذا قال ابن خَيْرَانَ.
وأصحهما: أنها مُسْتَحَبَّةٌ، كالأُضْحِيَةِ، وكسائر الوَلاَئِم، والحديث مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبَابِ، ومنهم من قَطَعَ بالاسْتِحْبَاب، ويُحْكَى ذلك عن القَفَّالِ، وفي سائر الوَلاَئِمِ المشهور الاسْتِحْبَابُ 179، ولا تَتَأَكَّدَ تَأَكُّدَ وَليمَةِ النكاح، وفي "التتمة" أن من الأصحاب من خَرَّجَ في وجوب سَائِرِ الوَلاَئِم قَوْلاً؛ لأن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال بعد ذكرها: ولا ارَخِّصُ في تركها.
وعن أحمد أن سائر الوَلاَئِمِ لا تستحب.
وأما الإِجَابَةُ إلى الدعوة، ففي وَلِيمَةِ العُرْسِ تجب الإِجَابَةُ إن أَوْجَبْنَاهَا، وإن لم نُوجِبْهَا، فقولان، ويقال: وجهان:
أشهرهما: الوجوب، وإلى ترجيحه ذهب أَصْحَابُنَا العراقيون، وتابعهم القاضي = متابع للبغوي، وقال صاحب التقريب هي طعام العرس، وكذا قال الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والإِمام والجرجاني وغيرهم ولم يذكروا الأملاك بالكلية وهو الذي حكاه ابن فارس في المقاييس عن أهل اللغة ثم حكي عن ابن عبد البرّ طعام العرس وزاد الأملاك قال وهو يقتضي أنها حقيقة فيهما، وكذا قال صاحب المحكم قال: أعني صاحب الخادم وعدل في الروضة عن قوله الأملاك إلى النكاح وظاهره أنهما واحد ولا شك أن المراد بالعرس البناء، والأملاك العقد إلى آخر ما ذكره.
والمنقول عن النص وليمة العرس والأملاك.
الجزء: 8 - الصفحة: 345
الرُّويَانِيُّ وغيره، وربما سَكَتُوا عن ذِكْرِ غيره، ووجهه ما روي عن ابن عُمر: -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا" 180 ويروى: "مَنْ دُعِيَ وَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" 181.
والثاني: أنها مُسْتَحَبَّةٌ، ويروى هذا عن مالكٍ وأحمد؛ لأن الضِّيَافَةَ للأكل، وهو إِما تَمَلُّكٌ لمال الغير، أو إِتلاف لماله بإِذنه، وعلى التقديرين، فالمَصِيرُ إلى إِيجَابِهِ بعيد، فلتحمل الأحاديث على الاسْتِحْبَابِ، وتأكيد أمر الإِجَابَةِ، وفي إجابة سائر الوَلاَئِمِ طريقان:
أحدهما: طَرْدُ القولين، وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ.
والثاني: القَطْعُ بعدم الوُجُوبِ.
والأظهر فيها عدم الوجوب، وإن ثبت الخِلاَفُ، وإذا قلنا بوجوب الإِجَابَةِ، فهي فَرْضُ عَيْنٍ، أو على الكِفَايَةِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: فَرْضُ عَيْنٍ؛ لما سبق من الخَبَرِ قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: فرض كفاية؛ لأن المَقْصُودَ أن يَظْهَرَ الحَالُ، ويشتهر، وذلك حَاصِلٌ بحضور البَعْضِ، ثم إنما تَجِبُ الإِجَابَةُ، أو تستحب بشروط منها أن يَعمَّ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ الدَّعْوَةَ بأن يَدْعُوَ جميع عَشِيرَتِهِ، أَو جيرانه أو أهل حِرْفَتِهِ أَغْنِيَائِهِمْ وفُقَرَائِهِمْ، دون ما إذا خَصَّصَ الأَغْنِيَاءَ الإحضار روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "شَرُّ الوَلاَئِم وَلِيمَةُ العُرْسِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وُيترَكُ الفُقَرَاءُ" 182.
ومنها: أن يَخُصَّهُ بالدعوة بِنَفْسِهِ، أو بأن يَبْعَثَ إليه غيره، وأما إذا فتح باب الدَّارِ،
الجزء: 8 - الصفحة: 346
ونَادَى ليحضر من يُرِيدُ، أو بعث رَسُولاً ليحضر من شَاءَ أو دَعَا إِنْسَاناً، وقال له: احضر معك من شِئْتَ، فقال لغيره: احضر، فَلاَ تجب الإِجَابَةُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأن الامْتِنَاعَ والحالة هذه لا يُورِثُ التَّأَذِّي والوحشة ومنها ألا يكون إِحْضَارُهُ لِخَوْفٍ منه، أو لِطَمَعٍ في جَاهِهِ أو ليعاونه على بَاطِلٍ، بل يكون لِلتَّقَرُّبِ، وللِتَّوَدُّدِ.
ومنها: أن يدعوه مُسْلِمٌ، وإن دعاه ذِمِّيٌّ؛ فوجهان:
أحدهما: أنه كما لو دعاه مُسْلِمٌ لإِطلاق الأَخْبَارِ.
وأصحهما: على ما ذكر المُحَامِلِيُّ أنه لا يجب، ولا يكون الاسْتِحْبَابُ في إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، كالاستحباب في إجابة دَعْوَةِ المسلم؛ لأنه قد يَرْغَبْ عن طعامه لِنَجَاسَتِهِ، وتَصَرُّفَاتِهِ الفاسدة، وتُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الذمي ومُوَدَّاتِهِ 183.
منها: أن يدعي في اليوم الأَوَّلِ، أما إذا أَوْلَمَ ثلاثة أيام، فَالإِجَابَةُ في اليوم الثاني لا تَجِبُ، بلا خِلاَفٍ، ولا يكون اسْتِحْبَابُهَا كالاسْتِحْبَاب في اليوم الأول، إذا اقْتصَرْنَا فيه على الاسْتِحْبَابِ، وفي اليوم الثالث يُكْرَهُ.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوَلِيمَةُ في اليَوْمِ الأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وفي الثَّالِثِ رِيَاءْ وَسُمْعَةٌ".
ولو اعْتَذَرَ المَدْعُوُّ إلَى صَاحِب الدَّعْوَةِ فَرَضِيَ بتَخَلُّفِهِ زال الوُجُوبُ، وارتفعت كَرَاهِيَةُ التَّخَلُّفِ.
ولو دَعَاهُ اثنان فَصَاعِداً، أجاب الأسْبَقُ، فإذا جاءا مَعاً، أجاب الأَقْرَبُ رَحِماً، ثم الأقرب دَاراً، كما في الصَّدَقَةِ 184، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اجتمع دَاعِيَانِ، فأجب أَقْرَبَهُمَا إليك بَاباً، فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا إليك بَاباً أقْرَبُهُمَا لَكِ جَوَاراً، فإن سبق أَحَدُهُمَا فأجب الذي سَبَقَ".
وأقل الوَلِيمَةِ ما ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغ وغيره للمتمكن شَاةٌ وبه يشعر قوله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن عَوْفٍ -رضي الله عنه-: "أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" وإن لم يتمكَّنْ اقْتَصَرَ على ما يَقْدِرُ عليه، كما أَوْلَمْ -صلى الله عليه وسلم- على صَفيَّةَ بِسَوِيقٍ وتَمْرٍ، وكان في السَّفَرِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِنَّمَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ في الدَّعْوَةِ مُنْكَرٌ، وَلاَ عَلَى حِيطَانِ الدَّارِ صُورَةٌ وَلاَ فُرُشُ حَرِيرٍ، وَلاَ فِي الجَمْعِ مَنْ يُتَأَذَّى بِحُضُورِهِ، وَلاَ بَأْسَ بِصُوَرِ الأشْجَارِ وَلاَ بِصُوَرِ الحَيَوَانِ إِذَا كَانَ عَلَى الفُرُشِ، فَأمَّا عَلَى الثَّوْبِ المَلْبُوسِ وَالسِّتْرِ وَالوِسَادَةِ الكَبِيرَةِ المَنْصُوبَة فَلاَ يَجُوزُ، وَدَخُولُ مِثْلِ هَذَا البَيْتِ حَرَامٌ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، وَصَنْعَةُ التَّصْوِيرِ حَرَامٌ إلاَّ في ثِيَاب الفُرُشِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
الجزء: 8 - الصفحة: 347
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الشروط: ألا يَكُونُ هناك من يُتَأَذَّى بحضوره، ولا يَلِيقُ به مُجَالَسَتُهُ، فإن كان، فَيعْذَرُ في التَّخَلُّفِ، وأشار في "الوسيط" إلى وجه آخر فيه.
ومنها: ألا يكون هناك مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الخَمْرِ والمَلاَهِي، فإن كان، نظر إن كان الشَّخْصُ ممن إذا حَضَرَ رَفَعَ المُنْكَرَ، فليحضر إجَابَةً للدعوة، وإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وإلا فوجهان:
أحدهما: أن الأَوْلَى ألا يَحْضُرَ، ويجوز أن يَحْضُرَ ولا يَسْتَمِعَ، ويُنْكِرَ بقلبه، كم لو كان [يُصَوَّتُ] 185، بالمنكر في جِوَارِهِ، فلا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ، وإن كان يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ، وعلى هذا جرى العراقيون من الأصحاب.
وأصحهما: أنه لا يجوز له الحُضُورُ، وإلى ترجيحه ذَهَبَ القاضيان ابْنُ كَجٍّ، والروياني؛ لأنه الرّضْا بالمنكر، والتَّقْرِيرِ 186 عليه، ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الخَمْرُ".
وإن لم يعلم حتى حَضَرَ فنهَاهم، فإن لم يَنْتَهُوا، فليخرج، في جَوَازِ العُقُودِ وجهان 187، فإن لم يُمْكِنْهُ الخُرُوجُ، كما إذا كان باللَّيْل، وفي الخروج خَوْفٌ، فيقعد كَارِهاً، ولا يسمع، وإذا كانوا يَشْرَبُونَ النَّبيذَ المُخْتَلَفِ في حِلِّهِ، فلا ينكر.
قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: "لأنه في مَوْضِع الاجْتِهَادِ 188 والأولى أن يكون الحضور ممن يعتقدُ التحريم، كما في المنكر المُجْمَعِ عَلى تَحْرِيمِهِ، وقيل بخلافه.
ومن المنكرات فُرُشُ الحرير 189 وَصُوَرُ الحيوانات على السُّقُوفِ، والجُدْرَانِ،
الجزء: 8 - الصفحة: 348
والثياب المَلْبُوسَة، والسُّتُورُ المُعَلَّقَةُ، والوَسَائِدُ الكَبيرَةُ المَنْصُوبَةُ، ولا بَأْسَ بها على الأرض، والبُسَاطُ الذي يُدَاسُ، والمخَادّ الذي يُتَّكَأُ عليها، وليكن في معناها الطَّبَقُ والخُوَانُ والقَصْعَةُ روي عن عائشة -رضي الله عنها- "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ من سَفَرٍ وقد سترت على صفة لها سِتْراً في الخَيْلِ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ، فأمر بنَزْعَهَا" وفي رواية "قَطَعْنَا منها وِسَادَةً أو وِسَادَتَيْنِ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَرْتَفِقُ بهما" 190.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن جِبْرِيلَ جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَعَرِفَ صَوْتَهُ، وهو خارج، فقال: ادْخُلْ، فقال: إِنَّ فِي البَيْتِ سِتْراً فيه تَمَاثِيلُ، فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا، واجْعَلُوهُ بُسُطاً أو وَسَائِدَ" 191.
وفيما علق عن الإِمام الإِشَارَةُ إلى وَجْهِ تَخْصِيصِ المَنْعِ بالسُّقُوفِ والجُدْرَانِ، وترخص فيما على الستور والوَسَائِدِ المنصوبة، والظاهر الأول، والمعنى الفَارِقُ أن ما يُوطَأُ وُيطْرَحُ مُهَانٌ مبتذل، والمَنْصُوبُ منها يُشْبِهُ الأَصْنَامَ، ولا بَأْسَ بِصُوَرِ الأشجار والشمس والقمر.
روي عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- أنه لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ = الحرير، فإن منعناه فلا فرق وإن جوزناه وهو الأصح فلا ينكر وافتراش جلود النمور الباقي وتركها وستر الجدر بالحرير حرام على النوعين فيكون وجود ذلك عذراً.
انتهى.
قال في الخادم: ذكروا في باب اللباس أنه لو بسط على فراش حرير شيئاً وجلس عليه جاز ويصير الحرير كالحشو، وحينئذٍ فإذا أمكن ذلك فقد يقال: لا يكون وجود الفراش عذراً في الامتناع.
الجزء: 8 - الصفحة: 349
صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ يَنْفَخَ الرَّوحَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وأتاه رَجُلٌ مصَوِّرْ، فقال: ما أعرف صَنْعَةً غيرها، قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "إن لم يَكُنْ لك بُدٌّ، فَصَوِّرِ الأشجار وما لأنفس له" 192 وفي "شَرْحِ الجُوَيْنِيِّ" وجه أن صُوَرَ الأَشْجَارِ مَكْرُوهَةٌ؛ لأن منهم من كان يَعْبُدُ الأشْجَارَ أيضاً، وإذا كانت صُوَرُ الحيوانات مَقْطُوعَةَ الرؤوس فلا بَأْسَ على الظَّاهِرِ، وسَوَّى في "التتمة" بين أن يكون لها رؤوس، وبين ألاَّ يكون.
ودخول البَيْتِ الذي فيه الصُّوَرُ المَمْنُوعُ منها حَرَامٌ، أو مكروه؟ فيه وجهان:
أحدهما: التحريم، وبه كان يجيب الشَّيْخُ أبو محمد، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، وَرَجَّحَ الإِمَامُ الكَرَاهِيَةَ، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط"، ويحكى ذلك عن صاحب "التقريب" والصَّيدَلاَنِيِّ.
ولو كانت الصُّوَرُ في المَمَرِّ، دون موضع الجُلُوسِ، فلا بَأْسَ في الدخول والجُلُوس، ولا يترك إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بهذا السبب، وكذلك لا بَأْسَ بدُخُولِ الحَمَّامِ الذي على بابه تَصَاوِيرُ.
هكذا ذَكَرُوهُ، ويمكن أن يكون [السبب فيه أَن الصُّوَرَ في الممر مَهَانَةٌ، وفي المجلس مَكْرُمَةٌ، وفَرْقٌ بينهما، كما فرق بين أن تكون] على الأرض، أو على الجِدَارِ وهذا يَجُرّ إلى تَجّوِيزِ التَّصْوِيرِ في المَمَرِّ.
ويحرم على المُصَوِّرِ التَّصْوِيرُ على الحِيطَانِ، والسقوف، ولا يستحق بها أُجْرَةً.
وفي نسج الثِّيَابِ الصورة وجهان:
أحدهما: للتَّجْوِيزُ، وإليه ذهب الشَّيْخُ أبو محمد؛ لأنها قد لا تلبس.
والثاني: المَنْعُ، ورَجَّحَهُ الإِمام، وصاحب الكتاب في "الوسيط" تَمَسُّكاً بما ورد في الخَبَرِ من "لعن المُصَوِّرِينَ" 193، وطرد في "التتمة" الوجهين في التَّصْوِيرِ على الأرْضِ، ونحوها وكأن من ذَهَبَ إلى المَنْعِ قال: ليس له أن يُصَوِّرَ، لكن إن اتَّفَقَ يُسَامَحُ، ولا يُبْطَل ما صَوَّرَهُ.
وقوله في الكتاب: "إلا في ثياب الفُرُشِ" يُشْبِهُ أن يريد به الثِّيَابَ الصَّالِحَةَ للفُرُشِ، وأما ما لا يَصْلُحُ إلا للُّبْسِ، فاتِّخَاذُهُ كاتِّخَاذِا آلاَتِ المَلاَهِي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَتْرُكُ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بِعُذْرِ الصَّوْمِ بَلْ يَحْضرُ وَيُمْسِكُ في الفَرْضِ وَيُفْطِرُ في النَّفْل إِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى الدَّاعِي إِمْسَاكُهُ، وإذَا دُعِيَ جَمْعٌ سَقَطَ الفَرْضُ بِإِجَابَةِ بَعْضِهِمْ.
الجزء: 8 - الصفحة: 350
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ ليس بعُذْرٍ في ترك إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ؛ روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيُطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيَصلْ" (1) أي: فليدع، وإذا كان صَائِماً، فالصَّوْمُ إما فَرْضٌ أو نَفْلٌ، إن كان فَرْضاً، وكان الوقت مُضَيَّقاً، فلا يجوز أن يُفْطِرَ، وإن لم يكن كالنَّذْرِ المطلق، وقضاء رَمَضَانَ، فهو كالمُضَيَق وَقْته، إن لم نجوز الخروج منه، وإن جَوَّزْنَاهُ فقد قيل: هو كَصَوْمِ النَّفْلِ.
وعن القاضي الحسين: أنه يُكْرَهُ الخُرُوجُ منه؛ لأن ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ، وقد يعوق عَائِقٌ عن التدارك، وإن كان صَوْمُهُ نَفْلاً، فإن لم يَشقَّ على صاحب الدَّعْوَةِ وِإِمْسَاكُهُ، فالأوْلَى أن يتم الصَّوْمَ، وإن شَقَّ عليه، فالأوْلَى أن يُفْطِرَ رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- حَضَرَ دَارَ بَعْضِهِمْ، فلما قدم الطعام، أَمْسَكَ بَعْضُ القَوْمِ، وقال: إني صَائِمٌ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يَتَكَلَّفُ لَكَ أَخُوكَ المُسْلِمُ، وَتَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ أَفْطِرُ ثُمّ أَقْضِ يَوْماً مَكَانَهُ" (2).
وأما المُفْطِرُ، فينبغي إذا حَضَرَ أن يَأْكُلَ، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب، وأقله لُقْمَةٌ؛ لأن المَقْصُودَ من الدعوة التَّنَاوُلُ، ولأن تركه الأكل يورث الوَحْشَةَ.
وأصحهما: أنه مُسْتَحَبٌّ لا واجب، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ" ولفظ صاحب "التتمة" يقتضي تَعْمِيمَ هذين الوجْهَيْنِ في جميع الصيامات، إذا حضر وأما قوله في الكتاب: "وإذا دعي جمع سقط الفَرْض بإجابة بعضهم" إن كان المُرَادُ منه ما إذا بعث لإحْضَارِ جَمْعٍ من غير تَعّيينٍ، فقد ذكرنا أنه لا افْتِرَاضَ هناك، فكيف نقول: يَسْقُطُ الفَرْضُ، وإن كان المراد ما إذا دَعَى جَمَاعَةً بأعيانهم، فالذي ذكره مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بافْتِرَاضِ الإِجَابَةِ، ثم هو جَوَابٌ على أحد الوجهين، وهو أنها فَرْضٌ على الكفَايَةِ، وقد مال إلى ترجيحه الحناطيُّ.
" فَرْعَانِ"
أحدهما: إذا دعاه مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، كَرِهْتُ إِجَايَتَهُ، كما تُكْرَهُ المُعَامَلَةُ معه، وإن علم أن عَيْنَ الطعام حَرَامٌ، لم يَخْفَ الحُكْمُ.194195
الجزء: 8 - الصفحة: 351
والثاني: المَرْأَةُ إذا دَعَتِ النِّسَاءَ، فالحكم كما ذكرنا في الرِّجَالِ، وإن دعت رجالاً أو رَجُلاً، فتجاب إذا لم يَلْزَمْ خَلْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُفْتَقَرُ بَعْدَ تَقِدِيمِ الطَّعَامِ إِلَى لَفْظِ الإِبَاحَةِ بَلْ يَكْفِي قَرِينَةُ الحَالِ، ثُمَّ يَأْكُلُ الضَّيْفُ مِلْكَ المُضِيفِ (و) بِالإِبَاحَةِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الأَكْلِ، وَلَهُ أَنْ يَأخُذَ مِنَ المَطْعُومِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ المَالِكَ يَرْضَى بِهِ قَطْعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: للِضَيْفِ أن يَأَكُلَ إذا قُدِّمَ إليه الطَّعَامُ، من غير أن يَأْذَنَ صَاحِبُ الطعام لَفْظاً، إلا إذا كان يَنْتَظِرُ حُضُورَ غيره، فلا يأكل إلى أن يَحْضُرَ، أو يَأْذَنَ المُضِيفُ لَفْظاً.
وفي "الوسيط" وَجْهٌ أنه لاَ بُدَّ من لفظ، والظاهر الاكْتِفَاءُ بقرينة التَّقْدِيمِ، والقرينة أَثَرٌ ظَاهِرٌ في مثل هذا الباب.
وكذلك يجوز الشُّرْبُ من الحَبَابِ التي تُوضَعُ في الطُّرُقِ، وكان السَّلَفُ يَأْكُلُونَ من طعام إِخْوَانِهِمْ عند الانْبِساطِ، وهم غُيِّبٌ.
وفي "التتمة" أن تَقدْيمَ الطعام إنما يكفي إذا كان قد دَعَاهُ إلى بَيْتِهِ أما إذا لم تسبق الدعوة، فلا بدّ من الإِذْنِ لَفْظاً إلا إذا جعلنا المُعَاطَاةَ بَيْعاً، وقَرِينَةُ التَّقْدِيمِ لا تختلف بين أن تَسْبِقَ الدعوة أو لا تسبق 196.
الثانية: هل يَمْلِكُ الضَّيْفُ ما يَأْكُلُهُ؟.
قال القَفَّالُ: لا، بل إِتْلافٌ بإِبَاحَةِ المَالِكِ، وللمالك أن يَرْجِعَ ما لم يَأْكُلْ.
وقال أكثرهم: نعم، وبم يَمْلِكُ؟ فيه وجوه.
قيل: بالوَضْعِ بين يديه.
وقيل بالأَخْذِ.
وقيل بِوَضْعِهِ في الفَم وقيل بالازْدِرَادِ نَتَبَيَّنُ حُصُولَ المِلْكِ قبيلة، وزَيَّفَ المُتَوَلِّي ما سِوَى الوجه الأخير، وذلكَ يقتضي تَرْجِيحَهُ، وعلى الوجوه ينبني التمكين من الرجوع.
الجزء: 8 - الصفحة: 352
الثالثة: ليس لِلضَّيْفِ التَّصَرُّفُ في الطَّعَام، بما سوى الأَكْلِ، ولا يجوز أن يَأْخُذَ منه مع نَفْسِهِ شَيْئاً، واستثنى ما إذا نَقَلَ ما يعلَم رِضَا المَالِكِ به، ويختلف ذلك بِقَدْر المَأْخُوذِ وجنسه، وبحال المُضِيفِ، والدعوة، فإن تَرَدَّدَ في أنه هل يَقَعُ في مَحَلِّ المُسَامَحَةِ، فقد أَنْشَأُوا فيه الوجهين، والظاهر التَّحْرِيمُ، وليس للضيف أن يُطْعِمَ السَّائِلَ، ولا أن يُلْقِيَ اللُّقْمَة إلى الهِرَّةِ، ويجوز أن يُلْقِمَ الأضياف بَعْضَهُمْ بَعْضاً، إلا إذا فَاوَتَ بينهم في الطعام، وليس للذين خصّصُوا بنوع أن يُطْعِمُوا منه غيرهم، ويكره للمضيف أن يفعل ذلك 197.
ولا يجوز التَّطَفُّلُ، واستثنى المتولي وغيره، وقالوا: إذا كان في الدَّارِ ضِيَافَةٌ، جاز لمن بينه وبين صاحب الدَّارِ انْبِسَاطْ أن يدخل، وَيأْكُلَ إذا علم أنه لا يشقُّ عليه، وهذا قَرِيبٌ مما سَبَقَ في 198 وقد عرفت بهذه المَسَائِلِ أن الخِلاَفَ في أنه بم يَمْلِكُ؟ مخصوص بما يَأْكُلُهُ، ولا نقول بأنه يَمْلِكُ ما يوضع بين يديه، أو ما يَأْخُذُهُ بحال، ولو قيل به لما منع من النَّقْلِ، ومن إِطْعَامِ السَّائِلِ وسائر التَّصَرُّفَاتِ، وهي ممتنعة بالاتِّفَاقِ.
ومن آدَابِ الأَكْلِ أن يقول في الابْتِدَاءِ: بسم الله، فإن نَسِيَ، فإذا تذكَّر قال: بسم الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وأن يَغْسِلَ يَدَيْهِ قبل الأَكْلِ وبعده، وأن يأكل بالأَصَابع الثَّلاَثِ، وأن يَدْعُوَ لصاحب البَيْتِ، إذا أَكَلَ في ضِيَافَةٍ، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طَعِمَ عند سَعْد بن عُبَادَةَ، فلما فَرَغَ قال: "أَكَلَ طعَامَكُمْ الأبْرَارُ، وَصَّلَتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ" 199.
ويكره أن يَأْكُلَ الإِنْسَانُ مُتَّكِاً، وأن يأكل مما يلي أَكِيلَهُ، وأَن يأكل من وسط القَصْعَةِ، وأعلى الثَّرِيدِ ونحوه، ولا بَأْسَ بذلك في الفواكه وأن يغيب الطعام وأن يَقْرِنَ بين التَّمْرَتَيْنِ، وما في معناهما 200، وأن يأكل بِشِمَالِهِ، وأن يَتَنَفَّسَ في الإِنَاءِ، أو يَنْفُخَ
الجزء: 8 - الصفحة: 353
فيه، ولا يكره الشُّرْبُ قَائِماً، وحمل ما وَرَدَ من النَّصْ على حَالَةِ السَّيْرِ 201. = لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه فإن قرن بغير رضاه فحرام إلى آخر ما ذكره.
قال في الخادم: ويحصل الجواز في ثلاث صور: إحداها: إذا قرن الآكلون.
ثانيها: إذا سامحوه بذلك.
ثالثها: إذا كان القارن هو المالك فله ذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 354
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجُوزُ نَثْرُ السُّكَّرِ وَالْتِقَاطُهُ فُعِلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ هُوَ كَالصَّيدِ من يُثَبِّتْ عَلَيْهِ يَدَهُ لَمْ يُسْلَبْ مِنْهُ، وَمَنْ وَقَعَ في ذَيْلِهِ وَقَدْ بَسَطَهُ لِذَلِكَ يُؤْخَذِ مِنْهُ، فَإِنْ سَقَطَ كَمَا وَقَعَ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَبْسُطهُ لِذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوز نَثْرُ السُّكَّر وِالجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، والتَّمْرِ، ونحوها في الإِمْلاَكَاتِ، وهل يُكْرَهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن مالك نعم؛ لأنه يُؤْخَذُ باخْتِلاَسٍ، وانْتِهَابٍ، وقد يُؤَدِّي إلى الوَحْشَةِ والعَدَاوَةِ، ولأنه قد يَأْخُذُهُ من غَيْرُه أَحَبُّ إلى صاحب النِّشَارِ، وهذا هو المذكور في طَائِفَةِ من كُتُبِ الأصحاب منها "الشامل" و"التتمة".
وأرجحهما: أنه غير مَكْرُوه، لكن الأولى 202 تَرْكُهُ، وقد رُوِيَ عن جَابِر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حَضَرَ في أَمْلاَكٍ، فأتى بأَطْبَاقٍ عليها جَوْزٌ وَلَوْزٌ تَمْرٌ، فنثرت فقبضنا أيدينا، فقال: مالكم لا تأخذون، فقالوا: لأنك نَهَيْتَ عن النُّهْيَ فقال: "إِنَّمَّا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى العَسَاكِرِ، خُذُوا عَلَى اسْمِ اللهِ -تَعَالَى- فَجَاذَبَنَا وَجَاذَبْنَاهُ" 203، ويروى عَدَمُ الكراهية عن أبي حَنِيْفَةَ، وابن المنذر، وعن أحمد روايتان كالوجهين، ووضع الحناطي وأبو الفَرَجِ الزاز الخِلاَفَ في الاسْتِحْبَاب، فيخرج من الطريقين ثَلاثَةُ أوجه مُسْتَحَبٌّ، مَكْرُوهٌ، وهذا ولا ذاك.
والْتِقَاطُ النِّشَارِ جَائِزٌ، لكن تركه أَوْلَى، إلا إذا عرف أن النَّاثِرَ لا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ، ولم يقدح الالْتِقَاطُ في مُرْوءَتِهِ 204.
الجزء: 8 - الصفحة: 355
ومن الْتَقَطَهُ لم يؤخذ منه، وهل يملكه؟ فيه وجهان عن الدَّارِكيِّ.
أحدهما: لا؛ لأنه لم يوجد لَفْظُ مَمْلُوك ولا تَمْلِيك لمعين.
والثاني: نعم، اعْتِبَاراً بالعَادَةِ، ورأى المتولي أن أَصْلَ هذا الخلاف، الخِلاَفُ في المُعَاطَاةِ، لكن الأئِمَّةَ إلى ثبوت المِلْكِ هاهنا أَمْيَلُ، فإن قُلْنَا بالوَجْهِ الأول، فَلِلنَّاثِرِ الاسْتِرْجَاعُ وبه أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، ولكن قال: له الاسْتِرْجَاعُ ما لم يخرج المُلْتَقِطُ من الدَّارِ، وعليه الغُرْمُ إن كان أَتْلَفَهُ، وإن قلنا بالثاني، فيخرج عن مِلْكِ النَّاثِرِ بالنَّثْرِ، أو يأخذ المُلْتَقط، أو بِإتْلاَفِهِ، فيه ثلاثة 205 أوجه مَذْكُورَةٌ في "شرح الجويني" وكل هذا قَرِيبٌ مما سَبَقَ في الطعام المُقَدَّمِ إلى الضيف، ومن وَقَعَ في حِجْرِهِ شيء من النِّشَارِ، فإن بَسَطَهُ لذلك لم يُؤْخَذْ منه، ونزل مَنْزِلَةَ الأَخْذِ باليد، فإن سَقَطَ، كما وقع، فهل يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لأنه لم يَسْتَقِرَّ أَوْ لا يَبْطُلُ، ويمنع الغير من أَخْذِهِ، حكى في الكتاب وَجْهَيْنِ، وأَجْرَاهُمَا الإِمَامُ فيما إذا وقع الصَّيْدُ في الشَّبَكَةِ، وأَفْلَتَ في الحال، وقال: الظَّاهر أن حَقَّهُ يبقى بحاله، ويمنع الغير من أَخْذِهِ، فإن لم يَبْسُطْ هِجْرَهُ لذلك، فلا يملكه؛ لأنه لم يُوجَدْ منه قَصْدُ تملك، ولا فعل، فلو نَقَضَهُ، فهو كما لو وَقَعَ على الأرض أو لا وإلا فهو أَوْلَى به من غيره، فلا يَنْبَغِي لغيره أن يَأْخُذُهُ، فإن أَخَذَهُ فهل يملك؟.
فيه وجهان جاريان فيما لو عَشَّشَ الطَّائِرُ في مِلْكِهِ، وأَخَذَ الفَرْخَ غَيْرُهُ، وفيما لو دخل السَّمَكُ مع الماء حَوْضَهُ، وفيما إذا وقع الثَّلْجُ في ملكه، فأخذه غَيْرُهُ، وصورة التَّعْشِيشِ قد تَعَرَّضْنَا لها عند ذِكْرِ الخِلاَفِ، فيما إذا أحيا ما يحجره غيره، لكن الأَصَحَّ أن المُحْبِي يَمْلِكُ، وفي هذه الصورة مَيْلُهُمْ إلى المنع أكثر، ويمكن أن يُفَرَّقَ بأن المُتَحَجِّرَ غَيْرُ مَالِكٍ، وليس الإِحْيَاءُ تَصَرُّفاً في مِلْكِ الغَيْرِ، وفي هذه الصورة الأَخْذُ متصرف في مِلْكِ الغير بِدُخُولِ غيره، ولو سَقَطَ من حجره قبل أن يقصد أخذه، أو قام، فَسَقَطَ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كما لو مَلَكَ الفَرْخُ جِمَاحَهُ فطار يجوز لغير صَاحِب الدَّارِ أخذه بلا خِلاَفٍ، ثم أَوْلَوِيَّةُ من وقع في حِجْرِهِ مخصوصة بما إذا كان ممن يَأْخُذُهُ.
فأمَّا من يعلم أنه لا يَأْخُذُهُ ولا يَرْغَبُ فيه فلا اخْتِصَاصَ له به وَيجُوزُ لغيره أَخْذُهُ منه بذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره ويُكْرَهُ أخذ النِّثَارِ من الهَوَاءِ بالمُلاَءَةِ، والأُزُرِ = قصده، وإنما قصد به قصد الجماعة فأكرهه لأخذه لأنه لا يعرف حظه من حظ من قصد به بلا إذنه وأنه خسة وسخف.
ونقل هذا النص بحروفه الأذرعي في القوت.
قال: ونقله في الروضة في كتاب الشهادات عن الشامل وتبعه عليه وجزم به الجماهير لا سيما العراقيون وليس في الإِبانة والتتمة سواه إلى آخر ما ذكره.
الجزء: 8 - الصفحة: 356
المَرْبُوطَةِ بِرُؤوسِ الخَشَب وإن أخذه كذلك اسْتَحَقَّ، ونَثْرُ الدَّرَاهِم والدَّنَانِير أَلْحَقَهُ المَسْعُودِيُّ لِنَثْرِ السُّكَّرِ.
وقوله في الكتاب: "فعل بين يَدَيْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" أَرَادَ به ما ذَكَرْنَاهُ من حديث جَابِرٍ -رضي الله عنه-.
وقوله: "هو كالصَّيْدِ .... " إلى آخره تَشْبِيهٌ بالصَّيْدِ يوافق الوَجْهَ الذَّاهِبَ إلى أن النِّثَارَ يُملَكُ فَإِخلاَقُ أَكثر النَّقَلَةِ على هذا منطبق.
وقوله: "وإِنْ لم يَنْسُطهُ لذلك، أُخِذَ منه" هذا الإِذْنُ والتَّرْخِيصُ إنما يظهر فيما إذا كان الشَّخْصُ ممن لا يَرْغَبُ فيه، فأما من يجوز أن تَزِيدَهُ، فقد ذَكَرْنَا أنه أَوْلَى به، وليس لغيره الأَخْذُ منه، والكَلاَمُ في أنه لواحده هل تستحقه؟ والله أعلم.
الجزء: 8 - الصفحة: 357