كتَابُ الحَيْضِ
وَفِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابِ
الأَوَّلُ فِي حُكْمِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَةِ
قال الغزالي: أَمَّا الحَيضُ فَأَوَّلُ وَقْتِ إِمْكَانِهِ أَوَّلُ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ فِي وَجْهِ، وَإِذَا مَضَى سِتَّةُ أَشْهُرِ مِنْهَا فِي وَجْهٍ، وَأَوَّلُ الْعَاشِرَةِ فِي وَجْهٍ، فَمَا قَبْلَ ذَلِكَ دَمُ فَسَادٍ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الحَيْضِ يَوْمٌ (ح م) وَلَيْلَةٌ (و) وأَكثَرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً (ح) وأَكثَرُهُ لاَ حَدَّ لَهُ، وَأَغْلَبُ الحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَأَغلَبُ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ، وَمُسْتَنَدُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ الوُجُوبُ المَعْلُومُ بِالاسْتِقرَاءِ فَلَوْ وَجَدْنَا امْرَأَةَ تَحِيضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الاطِّرَادِ فَفِي اتِّبَاعِ ذَلِكَ خِلاَفٌ لِأَنَّ بَحْثَ الأَوَّلِينَ أَوْفَى.
قال الرافعي: الدم الذي تراه النِّساء ينقسم إلى غير النِّفاس، وإلى النفاس، وغير النفاس ينقسم إلى حَيْضٍ، وَاسْتِحَاضَةٍ وهما مختلفا الحكم، ثم قد تكون المرأة بحيث تعرف حيضها من استحاضتها، وقد يختلط أَحَدُهُمَا بالآخر، فلا تعرف هذا من ذاك، وعلى الأحوال فالدم قد يطبق وقد ينقطع فترى مثلاً يوماً دماً، ويوماً نقاء فجعل كلام هذه الأمور في خمسة أبواب.
أولها: في خَواصِّ الدم الذي هو حيض في أحكام الحيض، والاستحاضة.
وثانيها: في معرفة المستحاضات.
وثالثها: في المتحيرة المشتبهة الحال.
ورابعها: في التقطع.
وخامسها: في النفاس.
أما الباب الأول: ففيما يحتاج إليه لمعرفة الحَيْضِ بيان السن المحتمل للحَيْض، وفيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أن أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، فإن رأت الصَّبية دماً قبل استكمال التِّسع فهو دم فساد قال: الشافعي -رضي الله عنه- وأعجل من سمعت من النِّسَاء نساء تِهَامَةَ يَحِضْنَ لتسع سنين وهذا هو الذي عبر عنه صاحب الكتاب بقوله: "وأول العاشرة في وجه".
الجزء: 1 - الصفحة: 290
والثاني: أن أوّل وقت الإمكان يدخل بالطَّعن في السنة التَّاسعة، وقد تسمى حينئذ بنت تسع.
والثالث: يدخل بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.
قال: الأصحاب في وقت الحيض وقدره الوجود فنرجع فيه إلى العرف؛ لأن كل ما ورد به الشَّرع مطلقاً، ولم يكن له ضابط في الشرع واللُّغة يرجع فيه إلى العرف كالقبوض والإحراز ثم كل واحد من أصحاب الوجوه الثلاثة يزعم أن ما ذكره قد عُهِد، والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية دون غيرها، وهل يعتبر بالتقريب أم بالتحديد فيه وجهان:
أظهرهما: بالتقريب، وعلى هذا لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التِّسع على الوجه الأصح ما لا يسع لحيض، وطهر يكون ذلك الدَّم حيضاً وإلا فلا، ولا فرق في سن الحيض بين البلاد الحارة وغيرها، وعن الشَّيخ أبي محمد أن الأمر في البلاد الحارة على ما ذكرناه وفي البلاد الباردة وجهان:
وأما أقل مدة الحيض فقد نص في "المختصر" على أن أقل الحَيْض يوم وليلة، وقال فيه في العدة: "وأقل ما علمناه من الحَيْضِ يوم" فاختلفوا فيه على طرق:
أحدها: أن فيه قولين:
أظهرهما: أن أقله يوم وليلة، لما روى عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أن أقل الحيض يوم وليلة؛ ولأن المتبع فيه الوجود المعتاد، وقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- رأيت امرأة لم تزل تحيض يوماً وليلة، وروى مثله عن عطاء، وعن أبي عبد الله الزُّبيري -رضي الله عنهما-.
والثاني: أقله يوم لما روي عن الأوزاعي قال: كانت عندنا امرأة تحيض بالغَدَاة وتطهر بالعَشِيّ.
والطريق الثاني: القطع بأن أقله يوم وحيث قال أقله يوم وليلة، إنما قال ذلك؛ لأنه لم يجد في النساء من تَحِيضُ أقل من ذلك.
ثم وجد وعرف فرجع إليه.
والثالث: وهو الأظهر القطع بأن أقله يوم وليلة، وحيث قال يوماً أراد بليلته، والعرب كثيراً ما تفعل ذلك.
وهذا هو المذكور في الكتاب وعليه تفاريع الحَيْض، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام، وعند مالك لا حدّ لأقله.
وأما أكثر الحَيْض فهو خمسة عشر يوماً وليلة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: أكثره عشرة أيام.
لنا ما ذكرنا أن الرجوع إلى ما وجد من عادات النِّسَاء وأقصاها ما ذكرنا.
روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.
وعن عطاء:
الجزء: 1 - الصفحة: 291
رأيت من تَحِيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً، وعن أبي عبد الله الزّبيري مثل ذلك وأما الطّهر فأكثره لا حد له، فقد لا ترى المرأة الدّم في عمرها إلا مرة، وأقله خمسة عشر يوماً، خلافاً لأحمد حيث قال: أقله ثلاثة عشر.
وعن مالك قال: ما أعلم بين الحَيْضَتَيْن وقتاً يعتمد عليه، وعن بعض أصحابه أن أقله عشرة أيام.
لنا الرّجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النّساء.
وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لاَ تُصَلِّي" 1 أشعر ذلك بأقل الطّهر وكثر الحَيْضِ وغالب عادات النساء في الحيض ستٌ أو سبعٌ، وفي الطّهر باقي الشَّهر، وقد ورد به الحديث.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَحَيْضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أو سَبْعاً كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ" 2، وسيأتي ذلك من بعد.
وقوله: ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء يعني ما ذكرنا أن المتبع في الحيض والأقل والأكثر ما وجد من عادات النِّساء بعد البحث الشافي فاعتمدنا ذلك واتبعناه، ولو وجدنا امرأة تحيض أقل من يوم وليلة على الاطِّراد، أو أكثر من خمسة عشر، وتطهر أقل من خمسة عشر فهل نتبع ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: نعم وذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني في جواب له، والقاضي حسين فيما حكى.
ووجهه أنا بينا أن المتبع في هذه المقادير الوجود.
فإذا وجدنا الأمر على خلاف ما عهدنا وجب اتباعه وقد تختلف العادات باختلاف الأهوية والأعصار.
والثاني: وهو الأظهر أنه لا عبرة به؛ لأن الأولين قد أعطوا البحث حقه، ولم ينقلوا زيادة ولا نقصاناً، وبحثهم أوفى واحتمال عروض دم فساد للمرأة أقرب من انْخِرَاقِ العادات المستمرة.
والثالث: أنه إن وافق ذلك مذهب واحد من السَّلَفِ صرنا إليه، وإلا فلا؛ لأنه تبين لنا بذلك أن ما وجدناه قد وجد قبل هذا، لكنه لم يبلغ الشَّافعي -رضي الله عنه-، والمذهب المعتمد هو الوجه الثاني، وعليه يفرع مسائل الحيض ويدل عليه الإجماع
الجزء: 1 - الصفحة: 292
على أنها لو كانت تحيض يوماً وتطهر يوماً -على الاستمرار- لا يجعل كل ذلك النقاء طهراً كاملاً.
قال الغزالي: وَحُكْمُ الحَيْضِ تَحْرِيمُ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ (الأَوَّلُ) مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الطَّهَارَةِ كَسُجُودِ التَّلاَوَةِ وَالطَّوَافِ وَالصَّلاَةِ ثُمَّ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلاَة عَلَيْهَا.
قال الرافعي: يحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فليس لها أن تصلّي لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَقْبُلْتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ 3 وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".
ولا أن تطوف لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها- وقد حاضت وهي محرمة: "اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" 4. ولا أن تمس المصحف لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 5.
ولا أن تلبث في المسجد لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبِ وَلاَ حَائِض" 6 ولا أن تقرأ القرآن لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْرَأُ الجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ" 7. وفي قراءة القرآن قول قدمناه، وفي معنى الصلاة سُجُود التِّلاَوة والشكر، ولا يجب عليها قضاء الصلاة.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كُنَّا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْم وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ" 8. وسيأتي المعنى فيه على الأثر، وقوله: "ما يفتقر إلى الطَّهارة" -إن كان المراد منه الطهارة الكبرى- فالمكث في المسجد داخل فيه [فلا] حاجة إلى تَكْراره في الأمر الثاني، حيث قال: فالمكث محرم وإن كان المراد الطّهارة الصغرى لم يكن الكلام حاوياً لقراءة القرآن وهي مما تُمْنَع على الحائض أيضاً.
قال الغزالي: (الثَّاني) العُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ فَالْمَكْثُ مُحَرَّمٌ وَفِي العُبُورِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الحائض إنْ خافت تلويثَ المسجد -لو عبرت، إما لأنها لم تَسْتَوثِقْ، أو لغلبة الدم- فليس لها العبور فيه صيانةً للمسجد عن التَّلويث بالنجاسة، وليس هذا من خاصية الحائض بل المُسْتُحَاضة وَسَلَس البول ومن به جراحة نضاخة بالدّم -يخشى من المرور التَّلويث- ليس لهم العبور، وإن أمنت التلويث ففي جواز العبور لها وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 293
أحدهما: لا يجوز لإطلاق الخبر: "لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِد لِجُنُب وَلاَ لِحَائِض".
وأصحهما: الجواز كالجنب، ومن على بدنه نجاسة لا يخاف معها التلويث وقوله في الكتاب: "فإن أمنت التَّلويث فالمكث محرم" ترتيب تحريم المكث على حالة الأمن ليس على سبيل التخصيص بها، بل هو في حالة الخوف أولى بالتحريم، لكن (الفرض) أنه لا خلاف في تحريمه في هذه الحالة، وإن كان العبور مختلفاً فيه، وفي ذكره الوجهين في العبور حالة (الأمن) ما يبين أنه أراد بقوله:
أولاً: العبور في المسجد حالة الخوف، أو أراد أنه ممتنع في الجملة إلى أن يبين التفصيل.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الصَّوْمُ، فَلاَ يَصِحُّ مِنْهَا وَبَجِبُ القَضَاءُ بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: ليس للحائض أن تصوم، لما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ" 9.
وهذا التحريم يبقى ما دامت ترى الدم فإذا انقطع وارتفع وإن لم تغتسل بعد بخلاف الاسْتِمْتَاع وما يفتقر إلى الطَّهارة فإن التحريم فيه مستمر إلى أن تغتسل ومما يرتفع تحريمه بانقطاع الدَّم الطلاق، وسقوط قضاء الصلاة أيضاً ينتهي بانقطاع الدم، ثم يجب على الحائض قضاء الصَّوم وإن لم يجب قضاء الصلاة.
روي أن معاذة العدوية قالت لعائشة -رضي الله عنها-: "مَا بَالُ الْحَائِض تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاةَ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّة أَنْتِ، كُنَّا نَدَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلاةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَنَقْضِيَ الصَّوْمَ وَلاَ نَقْضِي الصَّلاةَ" 10. وذكروا في الفرق معنييِن:
أحدهما: أن قضاء الصوم لا يشق مشقة قَضَاء الصلاة؛ لأن غاية ما يفوتها بعض شهر رمضان ويهون قضاؤه في السَّنة بخلاف الصلاة فإنها تكثر وتكرر.
والثاني: أن أمر الصلاة لم يبن علي أن تؤخر ثم تقضي بل إما ألا تجب أصلاً، أو تجب بحيث لا تؤخر بالأعذار والصوم قد بترك بعذر السَّفَرِ والمرض ثم يقضي فكذلك يترك بالحَيْضِ ويقضي، فهل يقال بوجوب الصوم على الحَائِضِ في حال الحَيْضِ؟ فيه وجهان:
فمن قائل: نعم، ولولاه لما وجب القضاء كالصلاة ومن قائل لا فإنها ممنوعة منه والمنع والوجوب لا يَجْتَمِعَانِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
قال الغزالي: (الرَّابعُ) الجِمَاعُ وَلاَ يَحْرُمُ الاستِمتَاعُ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَبِمَا تَحْتَ الإِزَارِ (م) وَجْهَانِ، ثُمَّ إِنْ جَامَعَهَا وَالدَّمُ عَبِيطٌ 11 تَصَدَّقَ بِدِينَار، وَفِي أوَاخِرِ الدَّمِ بِنِصْفِ دِينَارٍ اسْتِحبَاباَ، أَمَّا الإِسْتحَاضَةُ فَكَسَلَسِ البَوْلِ لاَ تَمْنَعُ الصَّلاةَ، وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَة فِي وَقْتِهَا وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِرُ وَتُبَادِرُ إِلَى الصَّلاَة فَإِنْ أَخَّرَت فَوَجْهَان، وَوَجْهُ المَنْعِ تَكَرُّرُ الحَدَثِ عَلَيْهَا مَعَ الاسْتِغْنَاءِ، وَفِي وُجُوبِ تَجِديدِ العِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةِ وَجْهَان، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى العِصَابَةَ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّجْدِيدِ، وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ الصَّلاَة اسْتَأْنَفَتْ الوُضُوءَ، وإنْ كَانَتْ فِي الصَّلاَةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالمُتَيَمَمِّ إِذَا رَأَى المَاءَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَتَوَضَّأ وَتَسْتَأنِفُ، لِأَنَّ الحَدَثَ مُتَجَدِّدٌ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ عَادِتَهَا العَوْد فَلَهَا الشُّرُوعُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غيْرِ اسْتِئْنَافِ الوُضُوءِ، وَلَكِنْ إنْ دَامَ الانْقِطَاعُ فَعَلَيْهَا القَضَاءُ، وَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهَا فَعَلَيْهَا اسْتْئْنَاف الوُضُوءِ فِي الحَالِ.
قال الرافعي: الاستمتاع ضربان:
أحدهما: الجماع في الفَرْجِ فيحرم في الحَيْضِ، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 12. قال -صلى الله عليه وسلم- في تفسيره: "افْعَلُوا كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ الجِمَاعَ في الفرج" 13.
ويستمر هذا التحريم وإن انقطع الدم إلى أن تتطهر بالماء أو التراب عند العجز عن استعمال الماء، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل الجماع، وإن لم تغتسل.
لنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 14 بالتَّشديد أي يغتسلن، وأما على التخفيف، فقد قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ أي: اغتسلن، فلم يَجُز الإتيان إلا بعد الاغتسال، ولو لم تجد ماء، ولا ترابًا لم يَجُزْ وطؤها على أصح الوجهين بخلاف الصلاة فإنها تأتي بها تشبُّهًا لحرمة الوقت، ومهما جامع في الحيض عمداً وهو عالم بالتحريم ففيه قولان:
الجديد: أنه لا عزم عليه لكنه يستغفر ويتوب مما فعل؛ لأنه وطء محرم لا لحرمة عبادة، فلا يجب به كفارة كوطء الجارية المَجُوسِيّة، وكالإتيان في الموضع المكروه لكنا
الجزء: 1 - الصفحة: 295
نستحب له أن يتصدق بدينار إن جامع في إقبال الدم، وبنصف دينار إن جامع في إدباره، لورود الخبر بذلك.
وهذا القول هو المذكور في الكتاب.
والقديم: أنه يلزمه غرامة كفَّارة لما فعل، ثم فيها قولان:
أحدهما: يلزمه تحرير رقبة بكل حال لمذهب عمر -رضي الله عنه-.
وأشهرهما: أنه إنْ وطئ في إقبال الدم فعليه أن يتصدق بديناروإن كان في إدباره فعليه أن يتصدق بنصف دينار لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أتى امْرَأَتَهُ حَائِضاً فَلْيَتَصَدَّقْ بدِينَارٍ وَمَنْ أتَاهَا وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّمُ فَليَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَار" 15. ثم الدِّينار الواجب أو المستحب مثقال الإسلام من الذَّهب الخالص يصرف إلى الفقراء والمساكين، ويجوز أن يصرف إلى واحد، وعلى قول الوجوب إنما يجب ذلك على الزوج دون الزوجة وما المراد بإقبال الدم وبإدباره؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: أنه ما لم ينقطع الدم فهو مقبل، وإدباره أن ينقطع ولم تغتسل بعد، ويدلُّ عليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "إِذَا وَطْئِهَا فِي إِقْبَالِ الدَّمِ فَدِينَارٌ وَإِنْ وَطِئَهَا فِي إِدْبَارِ الدَّمِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغَسْلِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيْنَارٍ" 16.
وأشهرهما: أنَّ إقباله أوَّله وشدته وإدباره ضعفه وقربه من الانقطاع، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال ثم إن جامعها والدم عَبيطٌ تصدَّق بدينار إلى آخره، ويدل عليه ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا وَقع الرجل بِأَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَليَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّق بِنِصْفِ دِينَار" وليكن قوله: "اسْتِحْبَاباً" معلماً للقول الذي حكيناه وبالألف؛ لأن عند أحمد يجب عليه دينار أو نصف دينار؛ لأنه روي في بعض الرِّوايات "فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَار أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ" وهذه الرواية مما يستدَلُّ بها على أن هذا الأمر للاستحباب؛ لأن التخيير بين القَدْرِ المعين وبعضه في الإيجاب لا معنى له فهذا إذا وطئ عامدًا عالماً بالتحريم، وإن وطئها ناسياً أو جاهلاً بتحريم وطء الحائض، أو بأنها حائض فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
وقال بعض الأصحاب: يجيء على قوله القديم وجه آخر، أنه يجب عليه الكفارة أيضاً.
الضرب الثاني: من الاستمتاع غير الجماع، وهو ضربان:
أحدهما: الاستمتاع بما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وهو المراد بما تحت الإِزَارِ، فهل يحرم في الحيض؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: نعم، وَيُحْكَى ذلك عن نَصِّه في الأم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 17 وعن معاذ قال: "سَألْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضُ فَقَالَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ" 18؛ ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الاستمتاع بالفرج قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوقِعَهُ" 19، فوجب أن يمنع منه، وبهذا قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه لا يحرم به قال أبو إسحاق وهو مذهب أحمد لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ الجِمَاعَ" 20؛ ولأن الجماع في الفرج، إنما يحرم بسبب الأذى فلا يحرم الاسْتِمْتَاع بما حواليه كالموضع المَكْرُوهِ.
والثالث: أنه إنْ أَمِنَ على نفسه التَّعَدِّي إلى الفرج -لورع أو قلة شهوة- لم يحرم، وإلاً حرم، ويروى هذا عن أبي الفياض.
ونقل بعضهم في المسألة قولين، وقالوا: الجديد، التحريم، والقديم: الإباحة.
(الضرب الثالث): الاستمتاع بما فوق السُّرة وتحت الركبة كالتَّقْبيل والمُضَاجعة، وهو جائز؛ لما روينا من حديث معاذ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فِي الْخَمِيلَةِ فَحِضْتُ فَانْسَلَلْتُ، فَقَالَ: أنُفِسْتِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: خُذِي ثِيَابَ حَيْضَتِكِ وَعُودِي إِلَى مَضْجَعَكِ وَنَالَ مِنِّي مَا يَنَالُ الرَّجُلَ مِنِ امْرَأَتِهِ إلاَّ تَحْتَ
الجزء: 1 - الصفحة: 297
الإزَارِ" 21. ويروى مثله عن أم سلمة -رضي الله عنها- 22.
ولا فرق بين أن يصيب دم الحيض موضعاً منه وبين إلاَّ يصيبه وفي وجه: لا يجوز الاستمتاع بالموضع المتلطِّخ به؛ لأنه لو استمتع به لأصابه أذى الحيض وإنما منع من وطء الحائض للأذى.
والأول هو الظاهر لإطلاق الأخبار (ولك) أن تعلم قوله: "ولا يحرم الاستمتاع بما فوق السُّرة وبما وتحت الرُّكْبَة"؛ لهذا الوجه الذاهب إلى التَّفصيل، فهذا شرح الأمور الأربعة الممتنعة بالحَيْض.
واعلم أن قوله: "وحكم الحيض امتناع أربعة أمور" يشعر بانحصار حكمه فيه، لكن له أحكام أخر.
منها: أنه يجب الغُسْلُ، أو التَّيمم عند انقطاعه- على ما سبق بيان ذلك في مُوجِبَاتِ الغُسْل.
ومنها: أنه تمتنع صحة الطَّهارة ما دام الدم مستمراً إلا الأغسال المشروعة لما لا يفتقر إلى الطَّهارة كالإحرام والوقوف بعرفة، فإنها تستحب للحائض؛ لأن المقصود من تلك الأغسال التَّنظيف، وإذا فرعنا على أن الحائض تقرأ القرآن، فلها أن تغتسل إذا أجنبت لتقرأ، ويستثنى هذا الغسل أيضاً على القول المشار إليه عن سائر الطّهارات.
ومنها: أنه يجب البلوغ.
ومنها: أنه يتعلق به العدَّة والاسْتِبْرَاء.
ومنها: أنه يكون الطَّلاق فيه بدعياً، وهذه الأحكام تذكر في مواضعها وحكم النفاس، حكم الحَيْضِ إلا في إيجاب البُلُوغِ وما بعده 23.
[قال الغزالي: أَمَّا الاسْتِحَاضَةُ فَكَسَلَسِ البَوْلِ لاَ تَمْنَع الصَّلاةَ، وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ فِي وَقْتِهَا وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِرُ وَتُبَادِرُ إِلَى الصَّلاَة، فَإنْ أَخَّرَتْ فَوَجْهَانِ: وَوَجْهُ المَنْعِ تَكَرُّرُ الحَدَثِ عَلَيْهَا مَعَ الاسْتِغْنَاءِ وَفِي وُجُوبِ تَجْدِيدِ العِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَجْهَانِ، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَى العِصَابَةِ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّجْدِيدِ].
الجزء: 1 - الصفحة: 298
قال الرافعي: الاسْتِحَاضَةُ قد يعبر بها عن كل دم تراه المرأة غير دمي الحيض والنِّفَاس، سواء كان مُتَّصِلاً بدم الحَيْضِ كالمجاوز لأكثر الحيض، أو لم يكن مُتَّصِلاً به كالَّذي تراه المرأة قبل تسع سنين.
وقد يعبر بها عن الدم المتَّصل بدم الحيض وحده، وبهذا المعنى تنوع المستحاضة إلى معتادة ومبتدأة ثم إلى مميزة وغيرها، ويسمى ما عدا ذلك دم فساد، لكن الأحكام الذكورة في جميع ذلك لا تختلف، والدم الخارج حدث دائم كَسَلَسِ البول والمذي، فلا يمنع الصوم والصَّلاَة؛ للأخبار التي نرويها في المُسْتَحَاضَاتِ، ولذلك يجوز للزوج 24 وطؤها وإنما أثر الأحداث الدائمة الاحتياط في إزالة النَّجاسة وفي الطَّهارة، فتغسل المستحاضة فَرْجَها قبل الوضوء أو التّيمم إن كانت تتيمم، وتحشوه بِقُطْنٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفعاً لِلنَّجَاسَةَ وتقليلاً لها.
فإن كان الدم قليلاً يندفع به فذاك وإلاَّ شدَّت مع ذلك وتلجمَّت، بأن تشد على وسطها خِرْقَةً كالتِّكة 25، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين، وتجعل إحداهما قُدَّامها، والأخرى من ورائها، وتشدُّها بتلك الخرقة.
وذلك كله واجب إلا في موضعين:
أحدهما: أن تتأذَّى بالشدِّ ويحرقها اجتماع الدم فلا يلزمها لما فيه من الضَّرر.
والثاني: أن تكون صائمة فتترك الحَشْوَ نهاراً وتقتصر على الشدِّ.
وسلس البول أيضاً يدخل قُطْنَةً في إِحْلِيلِهِ، فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذَّكَرِ بخرقة.
ثم تتوضَّأُ المستحاضة بعد الاحتياط الذي ذكرناه، ويلزمها الوضوء لكل فريضة، ولا تصلِّ فريضتين بطَّهارة واحدة، لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: "تَوَضَّأي لِكُلِّ صَلاَةٍ" 26 ولا بد أن تكون طهارتها لِلصَّلاة بعد دخول وقتها، كما ذكرنا في التَّيمم.
وحكى الشيخ أبو محمد وَجْهاً، أنه يجوز أن تَقَعَ طهارتها قبل الوقت بحيث ينطبق آخرها على أول الوقت وتصل به الصَّلاة والمذهب الأول، وينبغي أن تبادر إلى الصلاة عُقَيْب احتياطها وطهارتها، فلو أخرت بأن توضأت في أول الوقت، وصلت في آخره أو بعد خروج الوقت، نُظِر إن كان التَّأخر للاشتغال بسبب من أسباب الصَّلاَة، كستر العورة والاجتهاد في القِبْلَةِ والأذان والإقامة، وانتظار الجماعة والجمعة ونحوها فيجوز، وإلا فثلاثة أوجه:
أصحها: المنع؛ لأن الحدث متكرر عليها وهي مستغنية عن احتمال ذلك قادرة على المبادرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
الثاني: الجواز كما في التَّيمم، ولأنها لو أمرت بالمبادرة لأمرت بِتَّخْفِيفِ الصلاة والاقتصار على الأقل.
والثَّالث: أن لها التَّأْخر ما لم يخرج وقت الصَّلاة، فإذا خرج، فليس لها أن تصلي بتلك الطَّهَارة.
وذلك لأن جميع الوقت في حق تلك الصَّلاة كالشيء الواحد والوجوب فيه موسع.
وهل يلزمها تجديد غسل الفرج وحشوه وشده لكل فريضة؟ ننظر إن زالت العِصَابَةُ عن موضعها زوالاً له وقع أو ظهر الدم على جوانب العِصَابة فلا بد من التجديد، لأن النَّجَاسة قد كثرت وأمكن تقليلها فلا يحتمل، ولا بأس بالزوال اليَسِيرِ كما يعفى عن الانتشار اليسير في الاسْتِنْجَاءِ وإن لم تزل العِصَابة عن موضعها ولا ظهر الدم فوجهان:
أصحهما: وجوب التَّجديد كما يجب تجديد الوضوء.
والثاني: لا يجب إذ لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها لكن الأمر بطهارة الحدث مع استمراره معهود.
ونقل المسعودي الخلاف في المسألة قولين، وهذا الخلاف جَارٍ فيما إذا انتقض وضوء المُسْتَحَاضَةِ واحتاجت إلى وضوء آخر بسبب ذلك كما لو خرج منها ريح قُبُل إنْ صلَّت فيلزمها الوضوء وفي تجديد الاحتياط الخلاف.
ولو انتقض وضؤها بأن بالت وجب التَّجديد لا مَحَالَةَ لظهور النَّجَاسة كيف وهي غير ما ابتليت به.
واعلم أنه إذا خرج منها الدَّم بعد الشَّدِّ فإن كان ذلك لغلبة الدَّم لم يبطل وضؤها وإن كان لتقصيرها في الشَّدِّ بطل، وكذا لو زالت العِصَابَةُ عن مَوْضِعَها لضعف الشَّدِّ وزاد خروج الدَّمِ بسببه فإن انفق ذلك في الصَّلاَة بطلت الصَّلاةُ وإن اتفق بعد الفريضة لم يكن لها أن تنتقل.
ولنعد إلى ألفاظ الكتاب أما قوله: "ولكن تتوضَّأ لكلِّ صلاة" يعني به كل صلاة الفرض وينبغي أن يعلّم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تتوضَّأ لوقت كل صلاة لا لكل صلاة ولها أن تجمع بين فرائض بوضوء واحد ما دام الوقت باقياً وبخروج الوقْتِ يبطل طهارتها.
قال أبو حنيفة: "وإنْ توضَّأت قبل الوقت لصلاة، لا يمكنها أن تُصَلِّي تلك الصلاة بذلك الوضوء؛ لأن دخول وقت كل صلاة يكون بخروج وقت التي قبلها، وخروج الوقت مبطل، الأصلاة الظهر، فإنها إذا توضَّأت قبل الزَّوال، ثم زالت الشَّمس، لها أن تُصلِّي الظهر".
وأما قوله: وَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَثْفِر فقد ورد اللَّفظان في خبر حمنة بنت جحش.
قال: صاحب الصِّحاح 27: "اللِّجَامُ فارسي مُعَرَّبٌ، واللِّجَامُ ما تشده الحائض،
الجزء: 1 - الصفحة: 300
وقوله: "تلجمي" أي شدي عليك اللِّجام.
قال: وهو شبيه بقوله اسْتثْفِرِي، وأما الاسْتِثْفَارُ فقد قال "الغريبين" اللغويون: يحتمل أنْ يكون مأخوذاً من ثفر الدَّابَّةِ أي تشد الخرقة عليها كما يشد الثّفْر تحت الذَّنَب ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الثّفر أريد به فَرْجها وإن كان أصله للسباع ثم استعير، يقال استثفر الكلب إذا أدخل ذنبه بين رجليه، واستثفر الرجل إذا أدخل ذَيْلَهُ بين رجليه من خلفه، هذا بيان اللفظين، والمراد بهما شيء واحد، وهو ما سبق وصفه، وسماه الشافعي -رضي الله عنه- التَّعْصِيبَ أيضاً، ويجب تقديم ذلك على الوضوء كما سبق، وإن آخره صاحب الكتاب في اللفظ عن الوضوء.
وقوله: "فإن أخرت فوجهان" ظاهره يقتضي طرد الوجهين في مطلق التَّأخير، لكن لو كان التَّأخير، بسبب من أسباب الصَّلاة فقد نفى معظم النّقلة لخلاف فيه، وخصوه بما إذا لم يكن لعذر.
فليحمل مطلق لفظه عليه -والله أعلم-.
[قال الغزالي: وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ الشِّرُوعِ فِي الصَّلاَة اسْتَأنَفَتِ الوُضُوَءَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّلاَةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى المَاءَ.
وَالثَّانِي: أنَّهَا تَتَوَضَّأُ وَتَسْتَأْنِفُ؛ لأَنَّ الحَدَثَ مُتَجَدّدُ فَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَبْعَدْ مِنْ عَادَتِهَا العَوْدُ، فَلَهَا الشُّرُوعُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَاف الوُضُوءِ، وَلَكِنْ إِنْ دَامَ الانْقِطَاع فَعَلَيْهَا القَضَاءُ، وَإِنْ بَعَدَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهَا، فَعَلَيْهَا اسْتِئْنَافُ الوُضُوءِ فِي الحَالِ].
قال الرافعي: طهارة المُسْتَحَاضَةِ تبطل بحصول الشِّفَاء أو زوال العُذْرِ والضَّرورة، ويجب عليها اسْتِئْنَافها وفيه وجه ضعيف، أنه لو اتَّصل الشِّفاء بآخر الوضوء لم تبطل، هذا إن اتفق خارج الصلاة فإن وقع في الصَّلاة، فظاهر المذهب أنه يبطل الصَّلاة وتتوضَّأ وتستأنف؛ لأنها قدرت على أن تتطهَّر وتصلِّي، مع الاحتراز عن الحَدَثِ واستصحاب النَّجَاسة، وارتفعت الضَّرورة.
وخرج ابن سريج من المتيمم يرى الماء في أثناء الصلاة قولاً هاهنا، إن طهارتها لا تبطل، وتمضي في الصَّلاة.
لكن الفرق ظاهر من وجهين:
أحدهما: إن حدث المتيمم؛ وإن لم يرتفع لم يزدد ولم يتجدَّد، والمُسْتَحَاضَةُ قد تجدد حدثها بعد الوضوء.
والثاني: أن المستحاضة مستصحبة للنجاسة وَسُومِحَتْ به للضرورة، فإذا زالت الضَّرورة زالت الرخصة، والمتيمم لا نجاسة عليه، حتى لو كان على بَدَنِهِ نجاسة غير مَعفو عنها، ووجد الماء في أثناء الصلاة تبطل صلاته.
ولا يجوز له البِنَاء، وقد ذكرنا في التَّيمم أن ابن سريج كما خرج من ثم إلى هاهنا خرج من هاهنا إلى ثم وجعل المسألتين على قولين بالنَّقْل والتَّخْريج.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
ومنهم من عبر عن الخلاف هاهنا بالوجهين وكذلك فعل صاحب الكتاب، وإذا لم يكن القولان منصوصين، فكثيراً ما يعبر عنهما بالوَجْهَيْنِ.
وعن الشَّيْخ أبي محمد: أن أبا بكر الفارسي حكى قولاً عن الربيع عن الشَّافعي -رضي الله عنه- أن المُسْتَحَاضة تخرج من الصلاة وتتوضأ وتزيل النجاسة وتبني على صَلاَتِهَا، ويمكن أن يكون هذا بناء على القول القديم في سبق الحدث، وهو يوافق تخريج ابن سريج في أنه لا يبطل ما سبق من صلاتها، ويخالفه في الأمر بالوضوء وإزالة النجاسة، فهذا حكم الانقطاع الكلي وهو الشفاء.
وإذا عرفت ذلك فنقول مهما انقطع دمها، وهي تعتاد الانقطاع والعَوْد أَوْلاً تعتاده، ولكن أخبرها عنه من تعتمد من أهل البَصِيرَة، فينظر إن كانت مدَّة الانقطاع يسيرة لا تسع الطهارة والصَّلاة التي تطهَّرت لها، فلها الشُّروع في الصلاة، ولا عبرة بهذا النوع من الانقطاع؛ لأن الظاهر أنه لا يدوم، بل يعود على القرب، ولا يمكن من الطهارة والصلاة من غير حدث، فلو أنه امتد على خلاف عادتها، أو خلاف ما أخبرت عنه بأن بطلان الطهارة ووجب قضاء الصلاة، وإن كانت مدة الانقطاع كبيرة تَسَعُ الطهارة والصلاة، فعليها إعادة الوضوء بعد الانقطاع، فلو عاد الدم على خلاف عادتها قبل الإمكان، ففي وجوب إعادة الوضوء وجهان:
أظهرهما: أنها لا تجب، لكن لو شرَعَتْ في الصلاة بعد هذا الانقطاع من غير إعادة الوضوء ثم عاد الدم قبل الفراغ وجب القضاء على أصح الوجهين؛ لأنها حين [الشروع] 28 كانت شَاكَّةً في بقاء الطَّهَارة الأولى، وإن انقطع دمها، وهي لا تعتاد الانقطاع والعود، ولم يخبرها أهل البَصِيرَةِ عن العَوْدِ -فتؤمر بإعادة الوضوء في الحال، ولا يجوز لها أن تصلِّي بالوضوء السَّابق؛ لأن هذا الانقطاع يحتمل أن يكون شفاء- وهو الظاهر، فإن الأصل بعد الانقطاع عدم العود فلو عاد قبل إمكان فعل الطَّهَارة والصلاة، ففيه وجهان:
أصحهما: أن وُضُوءَهَا بحاله، لأنه لم يوجد الانقطاع المغني عن الصَّلاة مع الحدث.
والثاني: يجب الوضوء، وإن عاد الدم، نظراً إلى أول الانقطاع، ولو خالفت أمرنا وشرعت في الصلاة من غير إعادة الوضوء بعد الانقطاع، فإن لم يعد الدَّم لم تصح صلاتها؛ لظهور الشِّفاء، وكذلك إن عاد بعد مضي إمكان الطهارة والصلاة؛ لتمكُّنِهَا من الصَّلاة من غير حدث، وإن عاد قبل الإمكان فهل يجب قضاء الصلاة؟ فيه وجهان كما في إعادة الوضوء، لكن الأصح الوجوب، لأنها شرعت فيه على تردد، وعلى هذا لو
الجزء: 1 - الصفحة: 302
توضَّأت بعد انقطاع الدم، وشرعت في الصَّلاة، ثم عاد الدم فهو حدث جديد يجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الصلاة.
واعلم أن المُسْتَحَاضَةَ في غالب الأمر لا تدري عند انقطاع دمها أنه شفاء أم لا، وسبيلها أن تنظر هل تعتاد الانقطاع أم لا؟ وتجري على مقتضى الحالتين كما بينا.
وحكم الشِّفَاء الكلي إذا عرف هو المذكور أولاً، وهذا الذي رويناه، وهو إيراد معظم أئِمَّةِ أصحابنا العراقيين وغيرهم، وبينه وبين كلام صاحب الكتاب بعض الاختلافات، لأنه قسم حال الانقطاع إلى قسمين:
أحدهما: ألا يبعد من عادتها العود.
والثاني: أن يبعد، وهما جميعاً يفرضان في الَّتي لها حالة عود، وما حكيناه يقتضي جواز الشروع في الصَّلاة متى كان العود معتاداً بعد أم قرب، وإنما يمتنع الشُّروع من غير استئناف الوضوء إذا لم يكن العود معتاداً أصلاً، ويجوز أن يؤول كلامه على ما ذكره المعظم ولا يبعد أن يلحق ندْرَة العود، وبعده في عادتها بعدم اعتياد العود -والله أعلم-.
ثم قوله: "فلها الشروع في الصلاة في الحالة الأولى" محمول على ما إذا كانت مدة الانقطاع يسيرة، وإن كان اللفظ مطلقاً أما لو كانت مديدة، فلا بد من إعادة الوضوء كما سبق، ثم عروض الانقطاع في أثناء الصلاة كعروضه قبل الصَّلاة، بناء على ظاهر المذهب في أن الشِّفاء في الصلاة كهو قبلها، فإذا لم يكلن معتاداً لها، أو جرت على عادتها بالانقطاع قدر ما تتمكن فيه من فعل الطهارة، والصلاة بطلت طهارتها وصلاتها، وإن كان الانقطاع معتاداً لها ومدته دون ذلك، لم يؤثر.
وقوله: "فإن انقطع قبل الصلاة" إنما قيد بما قبل الصلاة؛ لأنه أراد ترتيب الشُّروع عليه لا ترتيب حكم ينتظم الحالتين 29.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
الْبَابُ الثَّانِي فِي المُسْتَحَاضَاتِ وَهُنَّ أَرْبَعَةٌ
قال الغزالي: [المُسْتَحَاضَةُ الأُولَى] مُبْتَدَأَة مُمَيِّزَةٌ تَرَى الدَّمَ القَوِيَّ (ح) أَوَّلاً فَتَحِيضُ فِي الدَّمِ القَوِيِّ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً وَلاَ يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتَسْتَحِيضُ فَي الضَّعِيفِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَنْقُصَ عَنْ خَمْسَةَ عَشرَ يَوماً، وَالقَوِيُّ هُوَ الأَسْوَدُ أَوِ الأحْمَرُ بِالاِضَافَةِ إِلَى لَوْنٍ ضَعِيفٍ بَعْدَهُ، وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أطْبَقَتِ الصُّفرَةُ فَالْحُمرَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَفِي وَجْهٍ: تُلْحَقُ بالسَّوَادِ إِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ الْحُمْرَةُ أَحَدَ عَشَرَ، وَفِي وَجْهٍ: تُلْحَقُ الحُمْرَةُ أَبَداً بِالصُّفْرَةِ.
قال الرافعي: المُسْتَحَاضَاتُ أربع؛ لأن التي جاوز دمها أكثر الحيض، إما أن تكون مبتدأة، وهي التي لم يسبق لها حَيْضٌ وطهر، أو معتادة وهي التي سبق لها ذلك، وعلى التَّقْدِيرين فإما أن تكون مميزة أو لا تكون، فالأصناف إذاً أربعة مبتدأة مميزة، ومبتدأة غير مميزة، معتادة مميزة، معتادة غير مميزة، وهذه أصناف اللواتي يتميز وقت حيضهن عن استحاضتهن.
أما الناسية فلا يمكن التمييز في حَقِّها بين الحَيْضِ والاستحاضة، وتختص لذلك بأحكام، فأفرد لها باباً بعد هذا.
(المُسْتَحَاضَةُ الأولى) المبتدأة المميزة هي التي ترى الدم على نَوْعَيْنَ، أحدهما أقوى أو على ثلاثة أنواع، أحدها أقوى، فترد إلى التَّميز على معنى أنها تكون حائضاً في أَيَّام القَوِيّ، مستحاضة في أيَّام الضَّعيف، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: ترد إلى أكثر الحيض وهو عشرة أيام (عنده) وتطهر باقي الشَّهر، لنا ما روي في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أمْرَأَةٌ أسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: لاَ؛ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي" 30.
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: "دَمُ الْحَيض أَسْوَدُ وَأَنَّ لَهُ رَائِحَةً، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" 31.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
وورد في صفته: "أَنَّهُ أَسْوَدُ مُحتَدِمٌ بَحْرَانِيُّ ذُو دَفَعَاتٍ، وَفِي دَمِ الاسْتِحَاضَةِ أَنَّهُ أَحْمَرُ رَقِيقٌ مُشْرِقٌ" 32.
والأسود هو الذي تعلوه حمرة متراكمة، فيضرب من ذلك إلى السَّواد، والمُحْتَدِمُ هو الجَاري الذي يَلْذَع البَشْرَةَ ويحرقها بحدَّتِهِ ويختَصُّ برائحة كريهة.
ودم الاستِحَاضَةِ رقيق لا احتِدَامَ فيه يضرب إلى الشُّقرة أو الصفرة، ولذلك يسمى مشرقاً.
وقيل: المحتدم هو الضَّارب إلى السواد، والبحراني هو الشديد الحمرة.
قال صاحب "الغريبين": "يقال أحمر بَاحِرٌ وبَحْرَانِي، أي: شديد الحُمْرة، ثم إنما يحكم بالتمييز بثلاثة شروط، شرطان منها في القوى وهما: ألا يزيد على خمسة عشر يوماً، ولا ينقص عن يوم وليلة، وإلا كان زائداً على أكثر الحيض أو ناقصاً عن أقله فلا يمكن تحيضها فيه.
والثالث: في الضعيف: وهو ألا ينقص عن خمسة عشر يوماً، وذلك لأنا نريد أن نجعل الضَّعيف طهراً، والقويّ بعده حَيْضَة أخرى، وإنما يمكن جعله طهرًا إذا بلغ أقل الطّهر، فلو رأت ستة عشر دماً أسود ثم أحمر -فقد فقد الشرط الأول ولو رأت يوماً أو نصف يوم أسود ثم أحمر- فقد الشرط الثَّاني، ولو رأت يوماً وليلة دماً أسود وأربعة عشر أحمر، ثم عاد الأسود -فقد فقد الشرط الثالث- وهو أْلا ينقص الضَّعيف عن خمسة عشر.
وقول الأصحاب ينبغي ألا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوماً أرادوا خمسة عشر على الاتِّصال، وإلا فلو رأت يوماً أسود ويومين أحمر وهكذا أبداً فجملة الضَّعيف في الشهر لم ينقص عن خمسة عشر يوماً لكن لما لم يكن على الاتِّصَال، لم يكن ذلك تمييزاً معتبراً.
ثم بماذا نعتبر القوة والضعف؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الاعتبار في القوة والضعف بمجرد اللون فالأسود قوي بالإضافة إلى الأحمر، والأحمر قوي بالإضافة إلى الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر والأكدر إذا جعلناهما حيضاً.
وادعى إمام الحرمين -قدس الله روحه- كون هذا الوجه متفقًا عليه، وقال: لو رأت خمسة سواداً مع الرائحة المنعوتة في الخبر حيث قال: "لَهُ رَائِحَةٌ تُعْرَفُ" 33 وخمسة سوادًا بلا رائحة فهما دم واحد وفاقاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 305
والوجه الثاني: وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم: أن القوة تحصل بإحدى خصال ثلاث اللون، أما ذكرنا في الوجه الأول والرّائحة، فالذي له رائحة كريهة أقوى مما [لا] 34 له رائحة والثَّخن، فالثَّخِينُ أقوى من الرقيق فيجب أن يكون قوله: "والقوي هو الأسود أو الأحمر بالاضافة إلى لون ضعيف بعده" معلماً بالواو، لهذا الوجه، على أن الأصحَّ هذا الوجه، على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب، ألا ترى أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكر في صفة الحيض أنه مُحْتَدِمٌ ثَخِينٌ له رائحة، وورد في الخبر التَّعرض لغير اللون، كما ورد التَّعرض للون، وعلى هذا، فلا يشترط اجتماع الصفات كلها، بل كل واحدة منها تقتضي القوة وحدها، ولو كان بعض دمها موصوفاً بصفة من الصِّفات الثلاث والبعض خالياً عن جميعها - فالقوي هو الموصوف بها، وإن كان للبعض صفة وللبعض صفتان فالقوي الثَّاني، وإن كان للبعض صفتان وللبعض الصفات الثلاث فالقوي الثاني، وإن وجد في البعض صفة وفي البعض أخرى، فالحكم للسابق منهما، كذلك ذكره في "التَّتمة"، وهو موضوع التأمُّل.
ثم إذا وجدت الشرائط الثلاث -للتمييز- فلا يخلو إما أن يتقدم القوي أو يتقدم الضعيف، فإن تقدم القوي نظر إن استمر بعده ضعيف واحد، كما إذا رأت خمسة سواداً ثم خمسة حمرة مستمرة، فأيام القوي حيض وأيام الضعيف اسْتِحَاضة، لما سبق من الخبر، ولا فرق بين أن يَتَمَادَى زمان الضَّعيف ويين أن يقصر على ظاهر المذهب، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن الضَّعيف إن كان مع القوي قبل تسعين يوماً فما دون ذلك، عملنا بالتَّمييز، وقلنا: هي مستحاضة في أيام الضَّعيف، وإن جاوز ابتدأت بعد التِّسعين حيضة أخرى، وجعلنا كل دور تسعين.
ذكره إمام الحرمين، بناء على ما قاله القَفَّال في حَدِّ العادة المردود إليها، وسنذكر ذلك في باب النِّفَاس.
والوجه الثاني: ذكر في "التَّتمة" أن من شرط اعتبار التَّمييز ألا يزيد مجموع القوي والضعيف على ثلاثين يوماً فإن زاد سقط حكم التّمييز، لأن الثلاثين لا تخلو عن حَيْضَةٍ وطهر في الغالب.
وليس بعض المقادير بعد مجاوزة الثلاثين أولى بأن يجعل دوراً من بعض، فعلى هذا ينضم شرط رابع إلى الشروط الثلاثة المشهورة.
والأصح الأول؛ لأن إخبار التمييز مطلقة، وهو الذي يوافق كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- فإنه قال: فإذا ذهب ذلك الدّم يعني القوي، وجاءها الدم الأحمر الرقيق المشرق، فهو عِرْقٌ وليست بالحَيْضَة، فعليها أن تَغْتَسِلَ أطلق الكلام إطلاقاً هذا إذا استمر بعد القوي ضعيف واحد.
أما إذا وجد بعده ضعيفان، كما إذا رأت خمسة
الجزء: 1 - الصفحة: 306
سواداً، ثم خمسة حمرة، ثم صفرة مطبقة، فالحمرة المتوسطة تلحق بالقوي قبلها أم بالضعيف بعدها؟ حكى صاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنها تلحق بالسَّواد إن أمكن وذلك بأن لا يزيد المجموع على خمسة عشر؛ لأنهما قويان بالإضافة إلى ما بعدهما، وقد أمكن جعلهما حيضاً فصار كما لو كان كل ذلك سواداً أو حمرة، فإن لم يمكن الجَمْع حينئذ تلحق الحمرة بالصّفرة.
والثاني: اْنها تُلْحَقُ بالصُّفْرة بكل حال؛ لأنها إذا دارت بين أن تلحق بالقوي قبلها، وبين أن تلحق بالضَّعيف بعدها، والاحتياط هو الثاني، فيصار إليه ويحصل من هذا السِّياق إثبات وجهين في حالة إمكان الجمع والجَزْم بالإلحاق بالصُّفْرة في حالة عدم الإمكان، وفي كل واحدة من الحالتين طريقة أخرى سوى ذلك.
أما في حالة إمكان الجمع فقد قطع بعضهم بضم الحُمْرة إلى السَّواد ونفي الخلاف فيه.
وأما في حالة عدم الإمكان فقد أثبت بعضهم وجهين:
أحدهما: أن حكم الحمرة حكم السَّواد لقوتها، ولو زاد السواد على خمسة عشر، لكانت فاقدة للتمييز.
فكذلك إذا زادت مجموعهما.
وأظهرهما: أن حيضها أيام السَّوَاد لا غير لاختصاصها بزيادة القوي بالأولية أيضاً.
فإن قلت: إنما يكون ما ذكره جزماً بالإلحاق بالصُّفْرَة عند عدم الإمكان إذا كان حكم المستثنى في قوله: "إلا أن تكون الحُمْرة أحد عشر" الإلحاق بالصُّفرة ويحتمل أنه أراد إلا أن تكون الحُمْرَة أحد عشر فتكون فاقدة للتَّمْيِيزِ وهو أْحد الوَجْهَيْنِ المحكيين في الحالة الثانية، وعلى هذا التَّقْدير فيكون ما ذكره إثباتاً للخلاف في الحالتين، فنقول: نعم هذا محتمل لكن إيراده في "الوسيط" يبين أنه أراد ما ذكرناه.
ثم اعلم أن قوله: "إذا أمكن الجمع إلا أن تصير الحمرة [أحد عشر" ليس بجيد من جهة اللفظ؛ لأنه يستحيل أن يكون ذلك استثناء من قوله: "إذا أمكن الجمع"] 35 فإن حالة عدم الإمكان لا تستثنى من الإمكان وإنما هو استثناء من قوله: "يلحق بالسَّواد" وحينئذ في قوله: "إذا أمكن الجمع" ما يغني عن هذا الاستثناء وفي الاستثناء ما يفهم المقصود ويغني عن قوله: "إذا أمكن الجمع" فأحدهما غير محتاج إليه فإن أراد التَّمثيل فالسَّبيل أن نقول، إذا أمكن الجمع بأن لا تزيد الحمرة على أحد عشر، ولو تقدم الأضعف من الضعيفين، وتأخَّر الأقوى منهما كما إذا رأت سواداً، ثم صفرة، ثم حمرة فهذه الصُّورة تترتب على ما إذا كانت الحمرة متوسطة، فإن ألحقناها بالسَّواد، فالحكم
الجزء: 1 - الصفحة: 307
كما إذا رأت سواداً ثم حمرة ثم عاد السواد، ولا يخفى مما ذكرنا من شرائط التمييز، وإن ألحقناها عند الوسط بالصفرة، فالصفرة المتوسطة هاهنا أولى إن تلحق بما بعدها -والله أعلم-.
قال الغزالي: هَذَا إِذَا تَقَدَّمَ القَوِيُّ، فَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَاداً ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الحُمْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّظَرَ اِلَى لَوْنِ الدَّمِ لاَ إِلَى الأَوَّليَّةِ، وَقِيلَ يُجْمَعَانِ إِذَا أَمْكَنَ الجَمْعُ بِأَنْ لَمْ يَزِدِ الْمَجْمُوعُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ.
قال الرافعي: ذكرنا أن بعد شرائط التَّمييز لا يخلو الحال إما أن يتقدم الدَّم القوي، وقد بيناه أو يتقدم الضَّعيف كما إذا رأت خمسة حمرة ثم سواداً ثم عادت الحمرة واستمرت فإن أمكن الجمع بين الحمرة والسواد مثل أن ترى خمسة حمرة وخمسة سواداً ففيه ثلاثة أوجه محكية عن ابن سريج:
أظهرها: أن النظر إلى لون الدم دون الأَوَّلية، فتكون حَائضًا في خمسة السواد ومُسْتَحَاضَة قبلها وبعدها، ووجهه ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أسْوَدُ يُعْرَفُ" 36 وأيضاً فإن ما سوى السَّوَاد ضعيف فلا يجعل حَيْضاً، كما لو كان متأخرًا عن السَّوَاد.
والثاني: أنه يجمع بين السَّواد الحمرة قبله، فتحيض فيهما؛ لأن للحمرة قوة السَّبق، وللسَّواد قوة اللون وقد أمكن الجمع.
والثالث: أنه يسقط التَّمييز؛ لأن العدول عن أول الدَّم مع حدوثه في زمان الإمكان بعيد، والجمع بين السَّواد والحمرة يخالف عادة التَّمييز، فلا يبقى إلا أن يحكم بسقوط التَّمييز، وإن لم يكن الجمع بين الحمرة والسَّوَاد، كما إذا كانت الحُمْرَة السابقة خمسة والسواد أحد عشر ترتب على الحالة الأولى إن قلنا: ثم حيضها الدم القوي، فكذلك هاهنا.
وإن قلنا: هي فاقدة للتَّمييز فهاهنا أولى.
فإن قلنا: يجمع بينهما فقد تعذر الجمع هاهنا.
فهي فاقدة للتَّمييز وسنبيَّنُ حكم المبتدأة التي لا تمييز لها.
وفيه وجه آخر أن حَيْضَها هاهنا الدّم المتقدّم على السَّواد نظراً إلى الأوَّلية فلو صار السَّواد ستة عشر فَقَدْ فَقَدَ أحد شروط التمييز فهي كمبتدأة لا تمييز لها ويعود الوجه الصَّائر إلى رعاية الأولية الذي ذكرناه الآن وهو ضعيف.
وسنعيد هذه الصُّورة لغرض آخر إن شاء الله تعالى وإذا فَرَّعْنَا على الأصَحِّ وهو أن حيضها السَّواد فلو رأت المبتدأة خمس عشرة حمرة أولاً ثم خمسة عشر سواداً تركت الصَّوم والصَّلاة في جميع هذه المدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
أما في الخمسة عشر الأولى؛ فلأنها ترجو الانقطاع وأما في الثانية فلأن السَّواد بين ان ما قبله استحاضة وأنه هو الحيض أن اجتمع شرائط التَّمييز ويجوز أن يكون كذلك.
قال الأئمة -رحمهم الله- ولا يتصوَّر مستحاضة تَدَعَ الصَّلاة شهراً كاملاً إلا هذه على هذا الوجه، وزاد أبو سعيد المتولّي نقال: ولو زاد السَّواد على الخمسة عشر والصورة هذه فقد فات شرط التمييز وحكمها أن ترد من أول الأحمر إلى يوم وليلة أو إلى ست أو سبع على اختلاف قولين نذكرهما من بعد فيكون ابتداء دورها الثَّاني الحادي والثلاثون فإن حيضناها فيه يوماً وليلة فهذه امرأة تُؤْمَرُ بترك الصَّلاة أحداً وثلاثين يوماً وإن حيضناها ستاً أو سبعاً فهذه امرأة تؤمر بتركها ستًّا وثلاثين أو سبعاً وثلاثين.
قال الغزالي: ثُمَّ المُبْتَدَأَةُ إِذَا انْقَلَبَ دَمُهَا إِلَى الضَّعِيفِ فِي الدَّورِ الأوَّلِ فَلاَ تُصَلِّي فَلَعَلَّ الضَّعِيفَ يَنْقَطِعُ دُونَ الخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَكُونَ الكُلُّ حَيْضاً، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ نَأْمُرُهَا بِتَدَارُكِ مَا فَاتَ فِي أَيَّامِ الضَّعِيفِ نَعَمْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي كَمَا ضَعُفَ (م) الدَّمُ فَتَغْتَسِلُ إِذْ بَانَ اسْتِحَاضَتُهَا، وَمَهْمَا شُفِيَتْ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَالضَّعِيفُ حَيْضٌ مَعَ القَوِيِّ.
قال الرافعي: إذا بلغت الأنثى سنَّ الحيض فبدأ بها الدم لزمها أن تترك الصَّلاة والصوم كما ظهر الدم ولا يأتيها الزَّوج ثم لو انقطعت لما دون أقل الحيض بأن أنه لم يكن حيضاً، فتقضي الصلاة والصوم هذا هو المذهب.
وفيه وجه آخر أنها لا تترك الصّوم والصلاة حتى تمضي مدّة أقل الحَيْض من أوَّل ظهور الدم؛ لأن وجوبها مستيقن وكونه حيضاً مشكوك فيه فلا يترك اليقين بالشك وهذا ما ذكره الشيخ أبو علي في شرح الفروع حيث قال: "إذا ابتدأ الدم بها في رمضان وهي بنت خمس عشرة سنة فليس لها أن تفطر، حتى يدوم قدر أقل الحَيْض، فإنها حينئذ تعلم أنه حيض.
والظّاهر من المذهب الأول؛ لأن الدَّمَ الخارج من مخرج الحيض في وقت الحيض يكون حيضًا غالباً وظاهراً.
وإذا عرف ذلك فنقول: إذا كانت المبتدأة مميَّزة، فلا تشتغل بالصَّوم والصَّلاة بانقلاب دمها من القوي إلى الضَّعيف، فإنها لا تدري أنه تجاوز الخمسة عشر أم لا، وبتقدير ألا يجاوز يكون الضَّعيف حيضاً مع القوي فلا بد لها من التَّربُّص لتتبين الحال، فإذا تربَّصت وجاوز الخمسة عشر عرفت أنها مُسْتَحاضة وإن حيضها منحصر في أيام القوي على ما سبق فتتدارك ما فات من الصَّوم والصَّلاة في أيام الضعيف هذا حكم الشهر الأول، وأما في الشهر الثاني وما بعده فإذا انقلب الدم إلى الضَّعيف اغتسلت وصامت، وصلت ولم تتربّص ولا مخرج ذلك على أن العادة هل ثبتت بمرة أم لا؟ لأن الاستحاضة علة مُزْمِنَة، والظاهر دوامها ثم لو اتفق الانْقِطَاع قبل الخمسة عشر، وشفيت
الجزء: 1 - الصفحة: 309
في بعض الأدوار فالضَّعيف حيض مع القوي كما في الشهر الأول.
واعلم أنه لا فرق في كون الكل حيضاً مهمًّا انقطع الدم قبل مجاوزة الخمسة عشر بين أن يتقدم القوي على الضعيف أو يتقدم الضَّعيف، هذا هو المشهور المقطوع به.
وحكى في "التَّهذيب" وجهين:
فيما إذا تقدم الضَّعيف على القوي ولم يزد على الخمسة عشر، كما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سواداً وانقطع دمها، أحد الوجهين ما ذكرنا.
والآخر أن حيضها أيام السواد؛ لأنه أقوى وما قبله لا يتقوّى به، بخلاف ما بعده فإنه يتبعه وحكى وجهين أيضاً فيما إذا رأت خمسة حمرة وخمسة سواداً وخمسة حمرة.
أصحهما: أنَّ الكل حيض 37.
والثاني: حيضها السّواد وما بعده لا، ثم المفهوم من إطلاقهم انقلاب الدَّم إلى الضَّعيف أن يتمحَضَّ ضعيفاً حتى لو بقيت خطوط من السواد وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض، وإنما ينقطع إذا لم يبق السَّواد أصلاً.
وصرح إمام الحرمين بهذا المفهوم.
وقوله في الكتاب: "كما ضعف الدم" معلم بالميم؛ لأن مالكاً قال المُميّزة بعد الدم القوي تتحيض ثلاثة أيام من الدم الضَّعيف أيضاً احتياطاً.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وإذَا أَدْبَرَتِ الحَيْضَةُ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" 38.
وأيضاً فإنا لا نجعل شيئاً من الدم القوي طهراً إحتياطاً فكذلك لا نجعل شيئاً من الدَّم الضعيف 39 حيضاً.
ولك أن تعلم قوله في آخر الفصل: "فالضَّعيف حيض مع القوي" بالواو؛ لأنه يشمل ما إذا تقدَّم الضَّعيف وما إذا تقدَّم القوي، وفي حالة تقدم الضَّعيف الوجه الذي حكيناه عن "التَّهْذِيب" -والله أعلم-.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأَةٌ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا أو فَقَدَتْ شَرْطَ التَّمْيِيزِ فِيهَا قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرَدَّ إِلَى عَادَةِ نِسَاءِ بَلَدْتِهَا عَلَى وَجه، أَوْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا عَلَى وَجْهِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَنْقُصَ عَنْ سِتٍّ وَلاَ يَزِيدَ علَى سَبْعٍ لِقَولِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "تَحيِّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعاً كَمَا تَحيضُ النِّسَاءُ وَيطْهُرْنَ"، وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَقَلِّ مُدَّة الحَيْضِ احْتيَاطاً لِلْعِبَادَةِ، وَأَمَّا فِي الطُّهْرِ فَتُرَدُّ إِلَى أَغْلَبِ العَادَاتِ وَهِيَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 310
أَغْلَبُ فِي الاحْتِيَاطِ وَقيلَ: إِلَى تِسْعِ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ تتمَّةُ الدَّوْرِ.
قال الرافعي: [المبتدأة] التي لا تَمْيِيزَ لها وهي التي يكون جميع دَمِهَا من نوع واحد ينظر في حالها إن لم تعرف وقت ابتداء دمها فحكمها حكم المتحيَّرة؛ لأن مردَّها على ما سيأتي يترتب في كل شهر على أول مُفَاتَحَة الدم، فإذا كان ذلك مجهولاً لزم التحَيُّر، وإن عرفت وقت الابتداء وهي الحالة المرادة في الكتاب، ففي القدر الذي تحيض فيه قولان:
أصحهما: أنها تحيض أقل الحيض وهو يوم وليلة؛ لأن سقوط الصلاة عنها في هذا القدر مستيقن، وفيما عداه مشكوك فيه، فلا تترك اليقين، إلا بيقين أو أمارة ظاهرة كالتَّمميز والعادة.
والثاني: ترد إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع، لأن الظاهر اندراجها في جملة الغالب.
وقد روى أن حمنة بنت جحش قالت: "كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: تَحَيَّضِي فِي عِلْم اللهِ سِتَّةِ أيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّام ثُمَّ اغْتَسِلِي فَإذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ تَطَّهَّرتِ فَصَلِّي أَرْبَعاً وَعِشْرِين لَيْلَةً أَوْ ثَلاَثاً وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ".
وروى أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا، أَوْ سَبْعاً كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيطْهُرُنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ".
فقال جماعة من الأصحاب: منشأ القولين الذين ذكرناهما تردُّد الشّافعي -رضي الله عنه- في أن حمنة كانت مبتدأة أو معتادة، إن قلنا: كانتَ معتادة رددنا المبتدأة إلى الأقل أخذاً باليقين، ومن قال بهذا قال: لعلّه عرف من عادتها أنها أحد العددين الغالبين، إما السّت أو السّبع، لكن لم يعرف عينه فلذلك قال: تحيضي ستّاً أو سبعاً.
وإن قلنا: كانت مبتدأة رددنا المبتدأة إلى الغالب.
وقوله: "في علم الله" أي: فيما علمك الله من عادتك، إن قلنا: كانت معتادة ومن غالب عادات النّساء، إن قلنا: كانت مبتدأ فإن فرعنا على القول الثاني فهل الرَّد إلى السّت أو السّبع على سبيل التَّخيير بينهما أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه على التَّخيير لظاهر الخبر فتحيض إن شاءت ستّاً، وإن شاءت سبعاً، ويحكى هذا عن شرح أبي إسحاق المَرُوزِيّ.
وزعم الحناطيُّ أنه أصح الوجهين:
والثاني: وهو الصحيح عند الجمهور، أنه ليس على التَّخيير ولكن تنظر في عادات النّساء أهن يحضن ستاً أو سبعاً، ومن النسوة المنظور إليهن فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 1 - الصفحة: 311
أظهرها: أن الاعتبار بنسوة عشيرتها من الأبوين جميعاً؛ لأن طبعها إلى طباعهن أقرب، فإن لم يكن لها عشيرة فاعتبار بنساء بلدها.
والثاني: أن الاعتبار بنساء العصبات خاصة.
والثالث: يعتبر نساء بلدها وناحيتها ولا تخصص بنساء العصبة ولا نساء العشيرة.
وإذا عرفت ذلك فعليها أن تجتهد وتنظر في أمر النسوة المعتبر بهن، فإن كنّ يحضن جميعاً ستًّا أو سبعاً، أخذت بذلك، وعلى هذا حملوا على قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَو سَبْعًا".
وقالوا: إنه على التَّنويع أي إن كنّ يحضن ستًّا فتحيضي ستًّا، وإن كنّ يحضن سبعاً فتحيضي سبعاً، وإن كانت عادتهن جميعاً أقل من ستّ أو أكثر من سبع ففيه وجهان:
أظهرهما: أنها ترد إلى الستّ في الصورة الأولى وإلى السَّبع في الأخرى أخذاً بالأقرب إلى عادتهن والخبر عين العددين وغالب عادات النِّساء لا تجاوزهما، فلا عدول عنهما.
والثَّاني: أنها ترد إلى عادتهن إلحاقاً لها بالنِّسوة والمعتبر بهن.
والوجه الأول هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: "بشرط إلاَّ ينقص عن ست ولا يزيد عن سبع" وإن اختلفت عادتهن فحاضت بعضهن ستًّا وبعضهن سبعاً، ردت إلى الأغلب فإن استوى البعضان ردّت إلى السِّت احتياطاً للعبادة، وكذلك الحكم لو حاضت بعضهن دون السِّتِّ وبعضهن فوق السَّبع، هذا بيان مردها في الحَيض.
وأما في الطُّهر فإن قلنا: إنها مردودة في الحيض إلى الغالب، فكذلك في الطّهر فترد إلى ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين كما نطق به الخبر.
وإن قلنا: أنها مردودة إلى الأقل ففي طهرها قولان:
أحدهما: أنها ترد إلى أقل الطهر أيضاً فيكون دورها ستة عشر يوماً وإذا جاء السابع عشر استأنفت حيضة أخرى.
وأصحهما: أنها لا ترد في الطّهر إلى الأقل؛ لأن الرد في الحيض إلى الأقل إنما كان للاحتياط، ولو رددنا في الطّهر إلى الأقل لكثر حيضها لعوده على قرب، وذلك نقيض قضية الاحتياط، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى الغالب، وهو ثلاث وعشرون أو أربع وعشرون.
وأظهرهما: أنها تردّ إلى تسع وعشرين ليتمّ الدور ثلاثين مراعاة لغالب الدور، وإنما لم نحمل الحيض على الغالب احتياطاً للعبادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
ثم نعودُ إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب، وخاصة أما قوله: مبتدأة لا تمييز لها أو فقدت شرط التَّمييز فاعلم أنَّ التي لا تَمْيِيزَ لَهَا هي التي ترى الدّم كلها نوعاً واحداً، والتي فقدت شرط التَّميِيز أن ترى الدَّم على نوعين لكن القوي يكون دون يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر يوماً، أو يكون الضَّعيف دون الخمسة عشر وحكمهما واحد في جريان القولين.
أحدهما: الرد إلى الأقل.
والثَّاني: إلى الغالب وابتداؤه على القولين من أوَّل ظهور الدَّم، وعن ابن سريج: "أنه لو ابتدأ الدَّم الضَّعيف وجاوز القوي بعده أكثر الحيض، فالضَّعيف استحاضة وابتداء حيضها على اختلاف القولين من أول القوي والمعنى العمل بالتَّمييز بقدر الإمكان" ونظيره ما إذا رأت خمسة حمرة ثم اسودّ دمها وعبر الخمسة عشر، وهذه هي الصورة التي وعدنا من قبل أن نعيدها.
ولك أن تعلم قوله: "إلى عادة نساء بلدها على وجه أو نساء عشيرتها على وجه" بالحاء والميم والألف، لأن أبا حنيفة لا يردها إلى هذا ولا إلى ذاك، إنما يردها إلى أكثر الحَيْضِ وهو عشرة عنده، وبه قال مالك وأحمد في إحدى الرِّوَايات عنهما إلا أن أكثر الحَيْضِ عندهما خمسة عشر يوماً، وعن مالك روايتان أخريان 40:
إحداهما: أنها ترد إلى عادة لدَاتِهَا 41، وتستظهر بعد ذلك بثلاثة أيّام، بشرط أَلاَّ تجاوز خمسة عشر يوماً.
والثَّانبة: أنها ترد إلى عادة نسائها [والاستظهار] 42 كما ذكرنا، وعن أحمد روايتان أخريان مثل قولينا.
وقوله: "وأما في الطّهر فترد إلى أغلب العادات إلى آخره" يجوز أن يكون مبنياً على قول الرّد إلى الأقل فإنَّ في طهرها على هذا القول اختلافاً كما بيّنّاه، وهذا قضية إيراده في "الوَسِيطِ"، ويجوز أن يجعل كلاماً مبتدأ غير مبني على أحد القولين، فإن قدر الطّهر إذا أفردناه بالنّظر مختلف فيه ثم الرد على الغالب يخرج على القولين جميعاً، وما عداه يختصُّ بقول الرد إلى الأقلّ، وليكن قوله: "إلى أغلب العادات" معلماً مما ذكرنا من العلامات، فإن من رد إلى أكثر الحيض لا يرد في الطّهر إلى أغلب العادات، وإنما يرد إلى الباقي من الثَّلاثين.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وقوله: "وهي أربع وعشرون" يقتضي كون الأربع والعشرين أغلب من ثلاث وعشرين وهو ممنوع، ومن قال بهذا الوجه لا يرد لعين الأربع والعشرين، بل يقول بردها إلى الطُّهر الغالب وهو بين ثلاث وعشرين وبين أربع وعشرين حكاه إمام الحرمين هكذا، ثم قال: "وكان شيخي يرى على هذا الوجه أن ترد إلى أربع وعشرين فإن الاحتياط فيه أبلغ منه في ثلاث وعشرين، فإذا ذكره صاحب الكتاب مصير إلى كلام الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ، وقضية خبر حمنةَ أن نعتبر طهرها بعادة النِّساء المنظور إليهنّ كما في الحيض، فليكن قوله: "وهو أربع وعشرون" معلماً بالواو لما رويناه ثم إيراده يقتضي الميل إلى الرَّدِّ إلى غالب الطّهر، وتصحيح هذا الوجه، وعلى هذا التقدير يكون دورها خمسة وعشرين إذا ردت إلى أربع وعشرين في الطّهر وإلى الأقل في الحيض، لكن ما اتفقت طرق الأصحاب عليه أن ظاهر المذهب اشتمال كل شهر على حيض وطهر لها، سواء ردت إلى الأقل أو الغالب وذلك يقتضي ترجيح الوجه الصائر إلى تسع وعشرين وبالله التَّوفيق.
قال الغزالي: ثُمَّ فِي مُدَّةِ الطُّهْرِ تَحْتَاطُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ أَوْ هِيَ كَالْمُسْتَحَاضَاتِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: في ترك الصَّوم والصلاة في الشهر الأول إلى تمام الخمسة عشر، فإذا جاوز الدم الخمسة عشر تبيّنت الاسْتِحَاضَة وعرفنا أن مردها الأقل، والغالب على اختلاف القولين فإن رددناها إلى الأقل قضت صلوات أربعة عشر يوماً، وإن رددناها إلى السِّتِّ أو السَّبع، قضت صلوات تسعة أيام أو ثمانية وأما في الشهر الثاني وما بعده، فينظر إن وجدت تمييزاً بالشّروط السابقة قبل تمام المرد أو بعده، فلا نظر إلى ما تقدم وهي في ذلك الدور كمبتدأة مميزة.
مثاله: مبتدأة رأت أولاً دماً أحمر، ثم في الشّهر الثاني رأت خمساً دماً أسود والباقي أحمر فحيضها في الشهر الأول الأقل أو الغالب، وفي الشَّهر الثاني خمسة السّواد أخذاً بالتّمييز فإنه شاهد في صفة الدّم فالنظر إليه أولى، وإن استمر فقد التمييز فيما بعد الشهر الأول، وهذا مقصود الفصل، ومحل القولين فكما جاوز دمها المرد وهو الأقل أو الغالب فتغتسل وتصوم وتصلّي؛ لأن الظَّاهر دوام الاسْتِحَاضَةِ، ثم لو شفيت في بعض الشُّهور قبل الخمسة عشر بأن أنها غير مستحاضة فيه، وأن جميع الدم حيض فتقضي ما تركته من الَّصوم في المرد، وما صامته فيما وراءه أيضاً لتبيّن الحيض فيه، وتبين أن غسلها لم يصح عقب انقضاء المرد، ولا تأثم بفعل الصوم والصلاة والوطء فيما وراء المردَّ، لأنها معذورة في بناء الأمر على الظَّاهر، وهل يلزمها الاحتياط فيما وراء المرد إلى تمام الخمسة عشر؟ فيه قولان:
الجزء: 1 - الصفحة: 314
أحدهما: أنها تحتاط كالمتحيِّر، لأن احتمال الحيض والطهر والانقطاع قائم إلى تمام الخمسة عشر وإنما تحتاط المتحيِّرة لقيام هذه الاحتمالات، فكذلك هذه.
وأصحهما: أنها لا تحتاط كسائر المُسْتَحَاضَاتِ، لأَنَّا قد جعلنا لها مردًّا في الحيض فلا عبرة بما بعده، كما في المعتادة والمميزة فإن قلنا: تحتاط فلا تحل للزوج إلى تمام الخمسة عشر ولا تقضي في هذه المدة فوائت الصوم والصلاة والطواف؛ لاحتمال أنها حائض ويلزمها الصَّوم والصَّلاة؛ لاحتمال أنَّها طاهر، وتغتسل لكل صلاة لاحتمال الانْقِطَاع، وتقضي صوم جميع الخمسة عشر، أما في المرد فلأنها لم تصم، وأما فيما وراءه فَلِاحْتِمَال الحيض.
وإن قلنا: لا تحتاط فتصوم وتصلي ولا تقضي شيئاً، ويأتيها زوجها، ولا غسل عليها، وتقضي الفوائت، وعلى القولين لا تقضي الصَّلوات المأتي بها بين المرد والخمسة عشر؛ لأنَّها إن كانت طاهرة فقد صلَّت وإن كانت حائضاً فليس عليها قضاء الصلوات، وحكى في "المُهَذَّبِ" هذا الخلاف وجهين، والأشهر الأثبت القولان ولا يخفى عليك بعد ما ذكرناه شيئان:
أحدهما: أن قوله: "ثم في مدة الطّهر" يعني به مدة الطُّهر إلى تمام الخَمْسة عشر لا إلى آخر الشهر فإن ما بعد الخمسة عشر طهر بيقين.
والثاني: أن في وجوب قضاء الصَّلاة على المتحيرّة خلافاً نذكره في موضعه وهاهنا لا يجب قضاء الصَّلاة بحال، وإن أمرنا بالاحتياط فإذا قلنا: إنَّها تحتاط كالمتحيرة في قول وجب أن يستثنى قضاء الصلاة، وصاحب الكتاب لا يحتاج إلى هذا الاستثناء؛ لأنه نفى وجوب القضاء على المتحيّرة على ما سيأتي.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الثَّالِثَةُ المُعْتَادَةُ وَهِيَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهَا عَادَةٌ فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي وَقْتِ الحَيْضِ وَقَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْساً وَتَطْهُرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَجَاءَهَا دَوْرٌ فَحَاضَتْ سِتًّا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ رَدَدْنَاهَا إِلَى السِّتِّ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ ثُبُوتُ العَادَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
قال الرافعي: المعتادة تنقسم إلى ذاكرة لعادتها وإلى ناسية، والذي بقي من هذا الباب يشتمل على قسم الذَّاكرة، وأما النَّاسية فقد أفرد لها الباب التَّالي لهذا الباب والذَّاكرة تنقسم إلى فاقدة لِلتَّمْيِيزِ وإلى واجدة، أما الفاقدة وهي المقصود بهذا الفصل فهي مردودة إلى عادتها القديمة خلافاً لمالك حيث قال: لا اعتبار بالعَادَةِ.
لنا ما روى عن أم سلمة أن امرأة كانت تهريق الدِّمَاءَ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت لها فقال: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 315
يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِل ثُمَّ لْتَسْتثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ" 43.
وتفصيل القول فيها أن يقال: عادتها السابقة إِمَّا أَلاَّ يَكُونَ فِيهَا اختلاف لا في القدر ولا في الوقت أو يكون فيها اختلاف فهما حالتان، فأما في الحالة الأولى فننظر إن تكررت عادة حيضها وطهرها مراراً، ردّت إلى عادتها في قدر الحيض ووقته، وفي الطُّهر أيضاً.
وظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن تكون عادتها أن تحيض أيَّاماً من كل شهر أو من كل شهرين أو من كل سنة.
وقيل: بخلاف ذلك وهو الذي حكاه صاحب الكتاب في باب "النِّفَاسِ" ونذكره ثم إن شاء الله تعالى، وإن لم يتكرر ما سبق من عادة الحَيْضِ والطُّهر ففيه خلاف مبني على أن العادة بماذا تثبت؟ وفيه وجهان مشهوران:
أصحهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: إنها تثبت بمرَّة واحدة واحتجوا عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم سلمة: فَلْتَنْظُرْ عَدَدَ الأَيَّام وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا" 44. اعتبر الشَّهر الذي قبل الاستحاضة.
والثاني: ويحكى عن ابْنِ خَيْرَانَ أنه لا تثبت العادة إلا بمرتين؛ لأن العادة مشتَّقة من العود، وإذا لم يوجد إلا مرَّة واحدة فلا عود.
وَحَكَى أبو الحسن العبادي وجهاً ثالثاً أنها لا تثبت إلاَّ بثلاث مرَّات لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" 45.
وأقل الجمع ثلاثة، وضرب في الكتاب مثالاً لهذه القاعدة، فقال: لو كانت تحيض خمساً وتطهر خمساً وعشرين، فجاءها دور فحاضت فيه ستًّا، ثم استحيضت بعد ذلك فإن قلنا: العادة لا تثبت إلا بمرّة واحدة رددناها إلى الخمس، وإن قلنا: أنها تثبت بمرة رددناها إلى السِّت، وقلنا: ردها إلى ما قرب ونسخ ما قبله أولى ثم المعتادة في الشهر الأَوَّل من شهور الاسْتِحَاضة تتربَّص كالمبتدأة لجواز أن ينقطع دون الخمسة عشر، وإن جاوز عادتها فإن عبر الخمسة عشر قضت صلوات ما وراء أيَّام العادة ثم في الدُّور الثَّاني وما بعده إذا مضت أيام العادة اغتسلت وَصَامَتْ وَصَلَّتْ، لطهور الاستحاضة، ولا يتأتى هاهنا قول الاحتياط الذي ذكرناه في المبتدأة لقول العادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
الحالة الثانية: أن يكون في عادتها السَّابقة اختلاف فمن صورها: أن يكون لها عادة دائرة وقد ذكره في آخر الباب الثَّالث في فروع وكان ذكره في هذا الموضع أليق؛ لأنها نوع من العادات.
ومنها: أن يكون في عاداتها المتقدِّمة على الاسْتِحَاضَةِ اختلاف في القدر، أَوْ في الوقت وسمى متقدمو الأصحاب الَّتي انتقلت عادتها وتغيَّرت عما كانت ثم استحيضت منتقلة ونحن نذكر من مسائلها صوراً ترشد إلى غيرها.
منها: لو كانت تحيض خمسًا من أَوَّلِ كل شهر، وتطهر باقيه فحاضت في دور أربعاً من الخمس المعتادة، ثم استحيضت بعد ذلك فهذه قد انتقل حيضها من الكثرة إلى القلة، ولو حاضت في دور ستاً، ثم استحيضت فقد انتقل من القلّة إلى الكثرة، والحكم في الصورتين مبني على الخلاف الذي سبق في العادة، إن اثبتناها بمرة رددناها إلى ما قبل الاستحاضة، وإلا فالعادة القديمة، ولو كانت المسألة بحالها فرأت في دور ستّة أيام دماً، وفي دور عُقَيْبه سبعة، ثم استحيضت فإن أثبتنا العادة بمرة رددناها إلى السّبعة، وإلا فوجهان:
أحدهما: أنها ترد إلى الخمسة ويتساقط العددان في الدّورين الأخيرين، لأن واحداً منهما لم يتكرر على حياله.
وأظهرهما: أنها ترد إلى السِّتّة، لأن التِّكرر قد حصل فيها فإنها وجدت مرة وحدها ومرة مندرجة في السَّبعة، وإذا فرعنا على الوجه الثالث فلا شك في ردها إلى الخمسة ولو كانت المسألة بحالها فحاضت في دور الخمسة الثانية من الشهر فهذه قد تغير وقت حيضها، وصار دورها المتقدم على هذه الخمسة بتأخر الحيض خمسة وثلاثين، خمسة منها حيض والباقي طهر، فينظر إن تكرر هذا الدّور عليها بأن رأت الخمسة الثّانية دماً، وطهرت ثلاثين، ثم عاد الدم في الخمسة الثالثة من الشهر الآخر وعلى هذا مرارًا ثم استحيضت - فهي مردودة إليه فتحيض من أوَّل الدم الدائم خمسة، وتطهر ثلاثين وعلى هذا أبداً، وان لم يتكرّر هذا الدور كما إذا استمرّ الدم المتأخر المبتدأ من الخمسة الثانية، وصارت مُسْتَحَاضَة فهل تحيضه من أوله؟ أم لا؟ فيه وجهان عن أبي إسحاق: أنه لا حيض لها في هذا الشّهر والذي بدأ استحاضة كله إلى آخر الشَّهر فإذا جاء أول الشَّهر ابتدأت منه دورها القديم حيضًا وطهرًا.
وقال الجمهور: حَيْضُهَا خمسة من الدم الذي ابتدأ من الخمسة الثانية، ثم إن قلنا: بثبوت العادة بمرة حكمنا لها بالطُّهر ثلاثين يوماً، وأقمنا عليها الدَّور الأخير أبداً، وإن لم نقل بذلك فوجهان:
أظهرهما: أن خمسة وعشرين بعدها طهر، لأنه المتكرر من إطهارها.
والثاني: أن باقي الشهر طهر لا غير، وتحيض الخمسة الأولى من الشَّهر الآخر،
الجزء: 1 - الصفحة: 317
وتراعي عادتها القديمة قدرًا ووقتًا، وإن رأت الخمسة الثانية دماً، وانقطع وطهرت بقية الشهر، ثم عاد الدّم، فقد صار دورها خمسة وعشرين فإن تكرر ذلك بأن رأت الخمسة الأولى من الشَّهر بعده دماً وطهرت عشرين وهكذا مراراً، ثم استحيضت فترد إليه، وإن لم يتكرر كما إذا عاد في الخمسة الأولى واستمر، فلا خلاف في أن الخمسة الأولى حيض، ويبنى حكم الطهر على الخلاف في العادة إن أثبتناها بمرَّة فطهرها عشرون، وإلا فخمسة وعشرون، ولو كانت المسألة بحالها فَطَهُرَتْ بعد خمستها المعهودة عشرين، وعاد الدَّم في الخمسة الأخيرة فهذه قد تغيَّر وقت حيضها بالتقدّم، وصار دورها خمسة وعشرين، فإن تكرر هذا الدور بأن رأت الخمسة الأخيرة دماً، وانقطع وطهرت عشرين، وهكذا مراراً، ثم استحيضت فترد إليه، ولو لم يتكرَّر كما إذا استمر الدّم العائد، فمحصول ما تخرج من طرق الأصحاب في هذه المسألة ونظائرها أربعة أوجه:
أظهرها: أنها تحيض خمسة من أوله وتطهر عشرين وهكذا أبداً.
والثاني: تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين.
والثالث: تحيض عشرة منه وتطهر خمسة وعشرين، ثم تحافظ على الدّور القديم.
والرابع: أن الخمسة الأخيرة استحاضة وتحيض من أول الدور خمسة وتطهر خمسة وعشرين على عادتها القديمة، وقد ذكرنا في صورة التأخر ما حكى عن أبي إسحاق من المحافظة على أول الدور، والحكم بالاستحاضة فيما قبله، واختلفوا في قياس مذهبه هاهنا منهم من قال: قياسه الوجه الثالث، ومنهم من قال: لا بل هو الرابع، ولو كانت المسألة بحالها حاضت خمستها وطهرت أربعة عشر يوماً ثم عاد الدَّم استمر، فالمتخلل بين خمستها وبين الدم العائد هاهنا ناقص عن أقل الطهر، فحاصل ما قيل فيه أربعة أوجه أيضاً:
أظهرها: أن يوماً من الدم العائد استحاضة تكميلاً للطّهر، وخمسة بعده حيض وخمسة عشر طهر ودورها بما اتفق عشرين.
والثاني: أن اليوم الأول استحاضة، والباقي من الشهر وخمسة من الشهر الذي بعده حيض، ومجموع ذلك خمسة عشر، ثم تطهر خمسة وعشرين، وتحافظ على دورها القديم.
والثالث: أن اليوم الأول استحاضة وبعده خمسة حيضاً وخمسة وعشرون طهراً وهكذا أبداً.
والرابع: أن جميع الدم العائد إلى أوّل الشهر استحاضة وتفتتح منه دورها القديم،
الجزء: 1 - الصفحة: 318
وقد ذكرت كيفية هذه الوجوه ومأخذها في غير هذا الموضع فلا أطول هاهنا، ولك أن تُعَلِّم قوله في آخر هذا الفصل "ثُبُوت العادة بمرة واحدة" بالحاء والألف، إشارةً إلى أنهما يقولان: لا تثبت العادة بأقل من مرتين.
قال الغزالي: المُسْتَحَاضَةُ الرَّابِعَةُ المُعْتَادَةُ المُمَيِّزَةُ فَإِنْ رَأتِ السَّوَادَ مُطَابِقًا لأيَّامِ العَادَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ، وإن اختَلَفَت بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَرَأَتْ عَشَرَةً سَوَاداً ثُمَّ أطْبَقَتِ الحُمْرَةُ، فَهَلْ الحُكْمِ لِلْعَادَةِ أَمْ لِلْتَّمْيِيزِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَعَلَى هَذَا إنْ رَأَتْ فِي أَيَّامِ العَادَةِ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ عَشَرَةً سوَاداً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الحُمْرَةُ فَفِي وَجْهٍ: الحُكْمُ لِلْعَادَةِ (م) وَفِي وَجْهٍ لِلتَّميِيزِ فَتَحِيضُ فِي العَشْرِ السَّوَادِ، وَفِي وَجْهٍ (ح م) يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلاَّ أَنْ يَزِيدَ المَجْمُوعُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَتَعَيَّنَ الاقْتِصَارُ عَلَى العَادَةِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ.
قال الرافعي: المعتادة الذَّاكرة لعادتها إذا كانت واجدة للتمييز نظر إن توافق مقتضى العادة والتمييز كما إذا كانت تحيض خمسة من أول كل شهر، وتطهر الباقي فاستحيضت، ورأت خمستها سواداً وباقي الشهر حمرة فحيضتها تلك الخمسة واعتضدت كل واحدة من الدِّلالتين بصاحبتها، وإن لم يتوافق مقتضاهما نظر إن لم يتخلَّل بين العادة والتمييز قدر أقل الطهر كما إذا كانت تَحِيضُ خمسة كما ذكرنا فرأت في دور عشرة سواداً، ثم حمرة واستحيضت ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وبه قال ابْن سريج [وأبو إسحاق] 46 أنها ترد إلى التمييز فتحيض في العشرة كلها لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دَمُ الحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ".
ظاهره ينفي كون غيره حيضاً؛ لأنَّ التَّمييز صفة موجودة، والعادة دلالة قد مضت، والرد إلى الدِّلالة الموجودة أولى.
والثاني: وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ والإِصْطَخْري: إنها ترد إلى العادة فترد إلى الخمسة القديمة -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْتَنْظُرْ عَدَدَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ" ولم يفصل؛ ولأن العادة قد ثبتت واستقرت وصفة الدم بعرض البطلان ألا ترى أنه لو زاد الدّم القوي على خمسة عشر يوماً بطلت دلالة قوته.
والثالث: إن أمكن الجمع بينهما يجمع عملاً بالدلالتين، وإلا فيتساقطان؛ فتكون كمبتدأة لا تمييز لها، وفيها ما قدمناه من القولين:
مثال: إمكان الجمع أن ترى عشرة سواداً كما ذكرناه، ومثال عدم الإمكان أن ترى
الجزء: 1 - الصفحة: 319
خمستها المعهودة حمرة وأحد عشر عقيبها سوادًا، وأن يتخلَّل بينهما أقل الطهر، كما إذا رأت عشرين فصاعدًا دماً ضعيفاً ثم خمسة قويًّا ثم ضعيفاً وعادتها القديمة خمسة من أوّل الشهر، كما سبق فقدر العادة حيض بحكم العادة، والقوي حيض آخر، لأنه تخلّل بينهما زمان طهر كامل.
ومنهم من قال: تبنى هذه الحالة على الحالة الأولى إن قلنا: يقدم التَّمييز فحيضها خمسة السّواد، وطهرها المتقدم عليه خمسة وأربعون، وقد صار دورها خمسين.
وإن قلنا: تقدم العادة فحيضها خمسة من أول الشهر وخمسة وعشرون من بعدها طهر.
وإن قلنا: يجمع بينهما حيضت الخمسة الأولى بالعادة، وخمسة السواد بالتَّمييز؛ لإمكان الجمع يتخلُّل طهر كامل بينهما.
هذا فقه الفصل، ولك أن تُعَلِّمَ قوله: "الحكم للعادة" بالميم؛ لما ذكرنا أنه لا اعتبار للعادة عنده، فضلاً عن أن تقدم على التَّمييز.
وقوله: "الحكم للتمييز" بالألف؛ لأن عند أحمد تقدم العادة عند اجتماع المعنيين وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة لا اعتبار للتمييز.
واعلم أنه تحصل مما حكيناه في كل واحدة من حالتي إمكان الجمع بين العادة والتَّمييز وعدم الإمكان، ثلاثة أوجه:
أحدها: الحكم بالعادة.
والثاني: الحكم بالتمييز، وهما يشملان الحالتين والثالث في إحدى الحالتين الجمع، وفي الثانية: التَّساقط ولفظ الكتاب يفيد الوجوه الثلاثة عند إمكان الجمع، والوجهين الشاملين عند عدم الإمكان دون الثالث، وقوله: "فيتعين الاقتصار على العادة أو على التمييز" أي: على العادة في وجه وعلى التمييِز في وجه.
قال الغزالي: فَرْعَانِ الأَوَّلُ مُبْتَدَأةٌ رَأَتْ خَمْسَةً سوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ، فَفِي الشَّهرِ الثَّاني نُحَيِّضُهَا خَمْساً لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَثْبَتُ (ح م) لَهَا عَادَةً.
قال الرافعي: العادة التي ترد إليها المستحاضة المعتادة ليس من شرطها أن تكون عادة حيض وطهر صحيحين بلا استحاضة بل قد تكون كذلك وقد تكون تلك العادة هي التي استفادتها من التمييز، وهي مستحاضة، كما إذا رأت المبتدأة خمسة سواداً، وخمسة وعشرين حمرة، وهكذا مراراً، ثم استمر السواد، أو الحمرة في بعض الشهر، فقد عرفنا بما سبق من التَّمييز أن حيضها خمسة من أول كل شهر، وصار ذلك عادة لها فتحيضها، الآن خمسة من أول كل شهر، ونحكم بالاستحاضة في الباقي.
هذا هو الصحيح، وحكى إمام الحرمين وجهاً آخر، أنه إذا انحرم التَّمييز فلا نظر إلى ما سبق، وهي كمبتدأة غير مميزة، ولو كانت المسألة بحالها فرأت في بعض الأدوار عشرة سواداً، وباقي الشهر حمرة، ثم استمر السواد في الدور الذي بعده.
الجزء: 1 - الصفحة: 320
فقد قال الأئمة: حَيْضُها عشرة السواد في ذلك الدور؛ لأن الاعتماد على صفة الدم ثم مردها بعد ذلك العشرة، ولو كانت المسألة بحالها وعاد السواد خمسة ثم استمر الدم ثم رأت في بعض الأدوار عشرة، فترد في ذلك الدور إلى العشرة؛ [وفي هاتين الصورتين إشكالان:
أحدهما: ردها إلى العشرة] 47 في الصورة الأولى ظاهر إذا قلنا: العَادَةُ تَثْبُتُ بمرة واحدة، أما إذا قلنا: لا تثبت، فينبغي أَلا نكتفي بسبق العشرة مرة.
قال صاحب الكتاب في "الوسيط": هذه عادة تمييزية فمنسخها واحدة، ولا يجري فيها ذلك الخلاف كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة فإنا نحكم بالحالة المتأخرة ولا يشفى الغليل، وللمعترض أن يقول: لم يختص الخلاف بغير التمييزية تشتبه العادة التَّمييزية بالصورة الذكورة دون غير التمييزية وأما الفارق.
الثاني: إذا أفاد التَّمييز عادة للمستحاضة ثم تغير مقدار القوى بعد إنخرام التَّمييز أو قبله وجب أن يخرم بالرد إليه، بل ينبغي أن يخرج على الخلاف فيما إذا اجتمع العادة والتمييز كما تقدم ولم يزد إمام الحرمين في هذا الموضع على دعوى اختصاص ذلك الخلاف بالعادات الجارية من غير استحاضة، ولم يبد معنى فارقاً ولمقرر الإشكال أن يمنع اختصاص الخلاف بتلك العادات ألا ترى أنها لو كانت ترى خمسة سواداً من أول كل شهر، وباقيه حمرةً ثم جاءها شهر رأت فيه الخمسة الأولى حمرة، والخمسة الثانية سوادًا، ثم عادت الحمرة واستمرت يجري فيها ذلك الخلاف مع أن هذه عادة مستفادة من التَّمييز، أورد هذه الصور صاحب "التَّهْذِيبِ" وغيره فعلى الوجه المغلِّب للتمييز حيضها الخمسة الثانية وعلى الوجه المغلب للعادة حَيضها الخمسة الأولى، وعلى وجه الجمع تحيض فيهما، -والله أعلم-.
جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله: "مبتدأة رأت خمسة سوادًا ثم أطبق الدم على لون واحد".
المفهوم من ظاهرة إطباق غير لون السواد، من انقضاء خمسة السواد، واستمراره على الإطلاق، لكن بتقدير أن يكون كذلك، فالضعيف على امتداده استحاضة، وليس لها شهر ثانٍ حتى نحكم بأنها تحيض خمسة من أوله، فإذا المعنى رأت خمسة سواداً وخمسة وعشرين حمرة، أو نحوها ثم أطبق السواد في الشهر الثاني، ثم قوله: "ففي الشهر الثاني تحيضها خمساً بناء على عدم اشتراط في العادة التمييزية، واكتفاء بوقوعها مرة واحدة" وقد ذكرنا ما فيه من الإشكال، ويؤيده أنَّ ما عدا الخمسة لو كان طهرًا محسوساَ، واستحيضت في الشهر الثَّاني لم نردها إلى الخمسة على قولنا:
الجزء: 1 - الصفحة: 321
"العادة لا تثبت بمرة" ومعلوم أن التمييز لا يزيد عليه، وليكن قوله: "حيضها خمساً" معلَّمًا بالواو؛ إشارة إلى الوجه الذي تقدم.
قال الغزالي: الثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ (م) في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ (ح) وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَهَا إِلَى تَمَامِ الْخَمْسَةِ عَشَرَ ثَلاَثةُ أَوْجَهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَيْضٌ كَأيَّامِ العَادَةِ، وَالثَّانِى: لاَ لِضَعْفِ اللَّوْنِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِدَمٍ قَوِيٍّ وَلَوْ لَطْخَةً فيَكُونَ حَيْضًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَمَرَدُّ المُبْتَدَأَةِ كَأيَّامِ العَادَةِ أَوْ كَمَا وَرَاءَهَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بل معظم فائدته فيما إذا لم يعبر الدم الأكثر كما سيأتي، والصفرة: شيء كالصديد يعلوه اصفرار، والكدرة: شيء كدر [وليسا] على ألوان الدماء، ولا خلاف في كونهما حيضاَ في أيام العادة؛ لأن الوقوع في أيام العادة يغلب على الظن يكون الأذى الموجود فيه الحيض المعهود، وفيما وراء أيام العادة أربعة أوجه:
أظهرها: أنَّ لهما حكم الحيض أيضاً، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (1). والصفرة والكدرة أذى، ولما روي عن عائشة
-[رضي الله عنها]-
قالت: "كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضاً" 49. وهذا إخبار عما عهدته في زمان الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
والثاني: ليس لهما حكم الحيض لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" 50.
وعن أم عطية، وكانت قد بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا" 51.
وبهذا الوجه قال الإصطخري، وينسب إلى صاحب "التَّلْخِيصِ" أيضاً، وبالأول قال ابن سريج وأبو إسحاق.
والوجه الثالث: وبه قال أبو علي الطَّبَرِيُّ: إن سبق دم قوي من سواد أو حمرة، فالصُّفرة والكدرة بعده حيض، وإلاَّ فلا.
والفرق أن الدم يبدو قويًا ثم يرق ويضعف على التدريج.
ألا ترى أن الجراحة تصب دماً قويًا، ثم يرق ويختلط بالرّطوبات، فإذا سبق دم قوي استتبع ما بعده.48
الجزء: 1 - الصفحة: 322
والرابع: حكاه القاضي ابن كج: أنه إنما يحكم بكون الصُّفرة والكدرة حيضًا، بشرط أن يسبقها دم قوي، ويلحقها دم قوي لينسحب الحكم على المتخلل [وإلا كما ليس على هيئة الدِّماء لا يعطي له حكمها]، وأما المبتدأ، فقد حكى إمام الحرمين عن بعض الأصحاب: أنها إذا رأت صفرة أو كدرة ثم طهرت، فحكم مردها على اختلاف القولين وهما الأقل، والغالب كأيام العادة في حق المعتادة.
قال أبو الصحيح أنه كما وراء أيام العادة فحصل وجهان، كما روى صاحب الكتاب إن قلنا: إنه كأيام العادة فالصفرة والكدرة فيها حيض بلا خلاف، وإن قلنا: كما وراء أيام العادة عاد فيه الأوجه وهذا هو الذي ذكره الجمهور.
ولنوضح هذه المسألة بالأمثلة: امرأة عادتها أن تحيض من كل شهر خمسة وتطهر الباقي، فرأت خمستها صفرة، أو كدرة، وطهرت فهي حائض في تلك الخمسة بلا خلاف.
ولو رأت خمستها سوادًا ثم خمسة صفرة أو كدرة وانقطع ما بها، فعلى الوجه الأول: الكل حيض وعلى الثَّاني حيضها بالسَّواد وعلى الثالث: الكل حيض لتقدم السّواد وعلى الرَّابع: حيضها السواد؛ لعدم لحوق القوي.
ولو رأت مبتدأة خمسة عشر فما دونها صفرة أو كدرة فالَّذي رأته حيض على الوجه الأول دون الثَّاني؛ لخروجه عن أيام العادة وكذلك على الوجه الثَّالث؛ لأنَّه لم يتقدمه سواد ولا حمرة وكذا على الرَّابع، لعدم المتقدم والتأخر، هذا على طريقة طرد الخلاف، وفي مردها الوجه الذي سبق.
وإذا اعتبرنا تقدم [الدَّم] القوي أو تأخره ففي المقدار المشروط وجهان:
أصحهما: أنه لا يشترط له قدر معين، لأن المعنى فيه ما ذكرنا من هيئة التَّدريج وإذا سبق الدم القوي، وقد يتسارع إليه الضّعف، وقد لا يتسارع، ولا ينضبط وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: "ولو لحظة".
والثاني: أنه يشترط أن يكون قدر يوم وليلة ليكون حيضًا بنفسه، حتى يقوي على امتناع غيره، وأما ما حكاه من لفظ الشّافعي -رضي الله عنه- في أول الفرع فقد نص عليه في "المختصر"، واختلفوا في المراد بأيام الحيض بحسب ما حكيناه من الخلاف.
فمن قال: الصّفرة والكدرة في أيام العادة حيض لا غير قال: المراد بأيام الحيض أيام العادة ومن قال: حيض فيما وراء أيام العادة وفي المبتدأة، قال: أراد بأيام الحيض زمان إمكان الحيض.
ولفظ الكتاب بعد رواية هذا النص يختلف في النسخ، فقد تجد في بعض النسخ: "وذلك في أيام العادة" وهذا لفظه في "الوسيط"، وقد تجد: "وهو كذلك في أيام العادة"
الجزء: 1 - الصفحة: 323
وهما صحيحان وقد تجد: "وكذلك في أيام العادة" وهو فاسد، ولا يخفى عليك ذلك إذا عرفت ما قدمناه، وليكن قوله: "إنه حيض كأيام العادة" مُعَلَّماً بالألف؛ لأن الحكاية عن أحمد، أنه ليس بحيض قوله: "لا لضعف اللون" معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة هو حيض كما هو الأصحّ عندنا، -والله أعلم-.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الَّتِي نَسِيَتْ عَادَتَهَا
قال الغزالي: وَلَهَا أَحْوَالٌ: الأُولَى الَّتِي نَسِيَتِ العَادَةَ قَدْراً وَوَقْتاً وَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ إِلَى المُبْتَدَأَةِ فِي قَدْرِ الحَيْضِ، وَاِلَى أَوَّلِ الأَهِلَّةِ فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يُعَيَّنُ أَوَّل الأَهِلَّةِ فَإِنَّهُ تَحَكُّمْ بَلْ تُؤمَرُ بِالاحْتِيَاطِ أخْذاً بِأشَقِّ الاحْتِمَالاَتِ فِي أُمُورٍ سِتَّةٍ.
قال الرافعي: النَّاسية لعادتها إما أن تكون مميزة بشرط التمييز، وإما ألا تكون كذلك، فإن كان الأول فهي مردودة إلى التمييز؛ لأن الرجوع إلى العادة فقد تعذر، فنأخذ بدلالة التمييز كيف [اتفق] ولو أمكن الرجوع إلى العادة أيضاً، لكنا نأخذ بالتَّمييز على الأصح، وفي هذه الحالة لا تحير، ولا إشكال، وعن الإِصْطَخْرِيِّ وابن خيران أَنَّهَا لا ترد إلى التَّمييز، ولا فرق بين أن تكون مميزة أو لا تكون، وهذا لائق بمصيرهما إلى تقديم العادة عند اجتماع المعنيين، لكن المشهور الأصح [هو] الأول، وإن لم تكن مميزة بشرطه، وهذه الحالة هي المقصود بهذا الباب، فلها ثلاثة أحوال؛ لأنها: إما أن تكون ناسية لقدر الحيض ووقته جميعاً، وإما أن تكون ناسية لقدر [الحيض] دون الوقت وإما أن تكون بالعكس من ذلك الحالة الأولى: أن تكون ناسية لهما جميعًا وتعرف بالمتحيرة لتحيرها في شأنها، وقد تسمى محيرة أيضاً، لأنها تحير الفقيه في أمرها، وبعضهم يضع اسم المتحيرة موضع الناسية فتسمى ناسية الوقت وناسية القدر أيضاً متحيرة، وكذلك فعل صاحب الكتاب في "الوسيط" والأول أحسن والنسيان المطلق قد يعرض لغفلة وعلة عارضة، وقد [تُجَنّ] صغيرة وتستمر لها عادة في الحيض ثم تفيق وهي مستحاضة فلا تعرف مما سبق شيئاً، وفي حكمها في هذه الحالة قولان:
أحدهما: أنها مردودة إلى المبتدأة؛ لأن العادة المنسية لا يمكن استفادة الحكم منها فيكون كالمعدومة ألا ترى أن التَّمييز لما لم يمكن استفادة الحكم منه لفوات بعض الشروط الحق بالعدم؛ ولأن المصير إلى القول الثَّاني يلزمها حرجاً عظيماً على ما سيأتي، ولا حرج في الدّين.
الجزء: 1 - الصفحة: 324
وأصحهما: أنها مأمورة بالاحتياط، غير مردودة إلى المبتدأة إذ ما من زمان يمرّ عليها إلا ويحتمل الحيض والطهر والانقطاع، فيجب الأخذ بالاحتياط وقد (نقل) أن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فَأمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" 52.
فحمله حاملون على أنها كانت ناسية فأمرها به احتياطاً، ومنهم من يثبت سوى القول الثَّاني، لكن طريقة إثبات القولين أظهر، وهي التي ذكرها في الكتاب.
فإن قلنا بالرّد إلى المبتدأة، فقد اختلفوا، منهم من طرد فيها القولين في الرد إلى الأقل والغالب، ومنهم من اقتصر على الرّد إلى الأقل.
والأول أظهر وهو قضية إطلاقه في الكتاب، حيث قال: "فهي مردودة إلى المبتدأة في قدر الحيض" ويجوز أن يعلم بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وأما وقت ابتداء حيضها فلا يمكن أخذه من المبتدأة، لأن ابتداء دورها معلوم بظهور الدم بخلاف الناسية، والمشهور تفريعاً على هذا القول -أن ابتداء حيضها أول الهلال حتى لو أفاقت المجنونة في أثناء الشهر الهلالي- عدت باقي الشهر استحاضة واحتجوا له بأنَّ الغالب أن الحيض يبتدأ مع استهلال الشَّهر، وهذه دعوى يخالفها الحس والوجود.
وعن القَفَّال: أنها إذا إفاقت، فابتداء حيضها من وقت الإفاقة؛ لأن التكليف حينئذ يتوجه عليها.
قال الأئمة: وهذا بعيد أيضاً، فإنها قد تفيق في أثناء الحيض، وأقوى ما زيفوا به أصل القول الذي يفرع عليه ما في ابتداء الحيض من الإشكال، أما الرد إلى الأقل أو الغالب كما في المبتدأة فغير بعيد، ولهذا قال صاحب الكتاب: والصحيح أنه لا يتعين أول الأهلّة، فإنه تحكم محض التحكُّم، بتعيين أوّل الأهلّة دون تعيين القدر، وإن كان ذلك متروكاً على قول الاحتياط أيضاً، ومتى أطلقنا الشهر في مسائل المستحاضات عنينا به ثلاثين يوماً، سواء كان ابتداؤه من أول الهلال أم لا، ولا نعني به الشهر الهلالي، إلا في هذا الموضع على هذا القول.
وليكن قوله: "إلى أول الأهلة في وقته" معلّماً بالواو لما حكيناه عن القَفَّال، ثم على هذا القول، هل تؤمر بالاحتياط من انقضاء وقت الرد إلى آخر الخمسة عشر؟ فيه القولان المذكوران في المبتدأة، وأما التَّفريع على قول الاحتياط فقد حصره في ستة أمور ونحن نشرحها على النسق.
قال الغزالي: (الأوَّلُ) أَنْ لاَ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا أَصْلاً لاِحتِمَالِ الحَيْضِ.
قال الرافعي: ليس لزوج المتحيرة وسيدها أن يجامعها أصلاً إذ ما من زمان
الجزء: 1 - الصفحة: 325
يفرض إلاّ وهو محتمل للحيض فلا بد من الاحتياط، وعن أقضى القضاة الماوردي، وجه آخر: أنه لا بأس بوطئها ورأيته لبعض المتأخرين أيضاً، ووجهه أن الاستحاضة علة مزمنة فالتَّحريم توريط لها في الفساد، وإذا قلنا بالصحيح، فلو فعل عصى ولزمها الغسل من الجنابة، ولا يعود هاهنا، فالقول المذكور في وجوب الكَفَّارة بوطء الحائض؛ لأنَّا لا نتيقن وقوعه في الحيض، فتسقط الكفّارة بالشُّبهة كما يثبت التَّحريم بالشُّبهة، وهل يجوز الاسْتِمْتَاع بما تحت الإِزار منها؟ فيه الخلاف الذي سبق في الحائض.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ تَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَلاَ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ.
قال الرافعي: المتحيرة لا تقرأ القرآن لاحتمال الحيض في كل زمان، وقد ذكرنا في الحائض قولاً: إنها تقرأ، فهذه أولى، إذ لا نهاية لعذرها، هذا في القراءة خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهل تزيد على الفاتحة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ولا حجر وحكمها في دخول المسجد حكم الحائض، فلا تمكث بحال ولا تعبر عند خوف التلويث وعند الأمن وجهان، ولا يخفى بعد هذا أنه ينبغي أن يعلّم قوله: "ولا تقرأ القرآن ولا تدخل المسجد" كلاهما بالواو.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) أَنَّهَا تُصَلِّي وَظَائِفَ الأَوْقَاتِ لاحتِمَالِ الطُّهْرِ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ لاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الدَّمِ.
قال الرافعي: يجب على المتحيّرة أن تصلّي الخمس أبداً؛ لأن كل وقت أفرد بالنظر فمن الجائز كونها طاهرة فيه فنأخذ بالاحتياط، وهل لها أن تتنفّل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرورة في التَّنَفُّل مع احتمال الحيض فصار كقراءة القرآن في غير الصَّلاة، وحمل المصحف.
وأصحهما: نعم، كالمتيمم يتنفل مع بقاء حدثه، ولأن النوافل من مهمات الدين فلا وجه لحرمانها عنها.
ومنهم من جوز السنن الراتبة دون غيرها وهذا الخلاف يجري في نوافل الصوم والطواف ثم يلزمها أن تغتسل لكل فريضة لاحتمال الانقطاع قبلها ويجب أن يقع غسلها في الوقت؛ لأنه طهارة ضرورة فصار كالمتيمم وفي وجه: لو وقع غسلها قبل الوقت وانطبق أول الصلاة على أول الوقت وآخر الغسل جاز، وقد ذكرنا نظيره في طهارة المُسْتَحَاضَةِ، وهل تلزمها المبادرة إلى الصلاة عقيب الغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، أما ذكرنا في وضوء المستحاضة.
وأصحهما: عند إمام الحرمين وصاحب الكتاب: لا، لأنا إنما نوجب المبادرة
الجزء: 1 - الصفحة: 326
إلى الصلاة بعد الوضوء؛ تقليلاً للحديث والغسل إنما تؤمر به لاحتمال الانقطاع ولا يمكن تكرر الانقطاع بين الغسل والصلاة، ولو بادرت أيضاً فمن المحتمل أن غسلها وقع في الحيض وانقطع بعده، فإذاً لا حيلة في دفع هذا الاحتمال، وإن قرب الزَّمان.
وللأول: أن يقول: نعم، دفع أصل الاحتمال لا يمكن، لكن الاحتمال في الزمان الطويل أظهر منه في الزمان القصير فبالمبادرة تقل الاحتمال.
فعلى الوجه الثاني إذا أخرت لزمها لتلك الصلاة وضوء آخر، إذا لم تجوز للمستحاضة تأخير الصلاة عن الطهارة.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) يَلْزَمُهَا أَنْ تَصُومَ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ لاِحتِمَالِ دَوَامِ الطُّهر ثُمَّ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِي سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا لاحْتِمَالِ دَوَامِ الحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا وَانْطِبَاقِهَا إِلَى سِتَّةَ عَشَرَ بِطَرَيَانِهَا فِي وَسَطِ النَّهَار، وَقَضَاءُ الصَّلَوَاتِ لاَ يَجِبُ (و) لِمَا فِيهِ مِنَ الحَرَجِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مسألتان:
إحداهما: أن المتحيّرة تصوم على قول الاحتياط جميع شهر رمضان؛ لاحتمال أنها طاهرة في الكل ثم كم يجزئها؟ من ذلك المنقول عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه يجزئها خمسة عشر يوماً [إذ لا بد وأن يكون لها في الشهر طهر صحيح، وغاية ما يمكن امتداد الحيض إليه خمسة عشر يوماً] 53 فيقع صوم خمسة عشر يوماً في الطّهر، وهذا ما ذكره قوم من أصحابنا كصاحب "الإِفْصَاحِ" والشيخ أبي حامد.
وقال أبو زيد وأكثر الأصحاب على اختلاف الطبقات: لا يجزئها إلا أربعة عشر يوماً لاحتمال أن يبتدئَ حيضها في أثنائها، ويمتد خمسة عشر يوماً، فينقطع في أثنائها أيضاً، فتنبسط الخمسة عشر يوماً على ستة عشر، ويفسد صومها، وأثبت إمام الحرمين في المسألة طريقتين:
إحداهما: القطع بما ذكره الأكثرون وحمل كلام الشافعي -رضي الله عنه- على ما إذا حفظت أن دمها كان ينقطع بالليل.
والثانية: جعل المنقول عن الشّافعي -رضي الله عنه- من المذهب أيضاً، فليكن قوله: "ثم عليها أن تقضي ستة عشر يوماً معلّمًا بالواو لهذا المعنى، وهذا إذا كان الشَّهر كاملاً وهو المراد من مسألة الكتاب، فأما إذا كان ناقصًا فالمحسوب على قياس المنقول عن الشَّافعي -رضي الله عنه- لا يختلف وتقضي هاهنا أربعة عشر يوماً، وعلى قول الأكثرين المقضي لا يختلف ويحسب لها ثلاثة عشر يوماً.
وقال الشيخ أبو إسحاق
الجزء: 1 - الصفحة: 327
الشيرازي في "المُهَذَّب": يحسب لها أربعة عشر يوماً، وهذا مع موافقته للأكثرين في صورة الكمال.
واحتج له يحيى اليمني بأن قال: أجرى الله تعالى العادة بأن الشهر لا يخلو عن طهر صحيح كاملاً كان أو ناقصاً، وإذا كان كذلك فغاية الممكن أن يكون حيضها من الشَّهر الناقص أربعة عشر يوماً ثم يجوز أن يفسد به صوم خمسة عشر يوماً فيصح أربعة عشر يوماً.
ولك أن تقول: لا نسلم أن الله تعالى أجرى العادة بما ادعيته ثم هب أنه كذلك لنا على قول الاحتياط لا نكتفى بالغالب، ولو اكتفينا به لجعلنا الفاسد صوم سبعة أيام أو ثمانية؛ لأن الغالب من الحيض ستة أو سبعة فإذاً ما ذكره الشيخ ساقط.
المسألة الثانية: إذا أدت الصلوات الخمس فهل يجزئها ذلك؟ أم يجب القضاء مع الأداء كما في الصوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجب، ولهذا سكت الشافعي -رضي الله عنه- عن قضاء الصلاة مع حكمه بوجوب قضاء الصوم، والمعنى فيه أن قضاء صلوات أيام الحيض لا يجب، فإن كانت طاهرة وقت الصلاة المؤداة أجزأها ما فعلت وإلا فلا صلاة عليها وأيضاً فإن قضاء الصلاة يفضي إلى حرج شديد.
والثاني: أنه يجب القضاء لجواز أن ينقطع الحيض في خلال الصلاة، أو في آخر الوقت، ويجوز أن ينقطع قبل غروب الشمس فيلزمها الظهر والعصر، أو قبل طلوع الفجر فيلزمها المغرب والعشاء، وإذا سلكنا طريق الاحتياط وجب سلوكه في جميع جهات الاحتمال.
ويحكى هذا عن ابن سريج ويشهر بأبي زيد، وهو ظاهر المذهب عند الجمهور، ولم يورد صاحبا "التَّهْذِيب" و"التَّتمَّة" سوى ذلك ومنهم من قطع به، وقال الشافعي -رضي الله عنه- كما لم يذكر وجوب القضاء لم ينفه أيضاً.
وقضية مذهبه الوجوب فعلى هذا تغتسل في أول وقت الصبح وتصليها، ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت مرة أخرى، وأعادتها لاحتمال أن المرة الأولى [وقعت في الحيض وانقطع بعده؛ فلزمها الصبح، وبالمرتين تخرج عن العهدة يقينًا: لأنها إذا كانت طاهراً في المرة الأولى] 54 فهي صحيحة وإلا فإن انقطع في الوقت أجزأتها المرَّة الثَّانية [وإن لم ينقطع فلا شيء عليها، ولا يشترط البدار إلى المرة الثانية] (2) بعد خروج الوقت بل متى قضتها قبل انقضاء خمسة عشر يوماً [من أول وقت الصبح خرجت من العهدة أيضاً؛ لأن الحيض لو انقطع في الوقت لم يعد إلى خمسة عشر يوماً] (3). قال إمام الحرمين ولا يشترط تأخر جميع الصلاة المرة الثّانية عن الوقت، بل لو وقع بعضها في
الجزء: 1 - الصفحة: 328
آخر الوقت جاز بشرط أن يكون دون تكبيرة إذا قلنا: تلزم الصلاة بإدراك تكبيرة، أو دون ركعة فإذا قلنا: لا تلزم إلا بادراك ركعة، وفيه قولان مذكوران في كتاب الصَّلاة وإنما يجوز ذلك؛ لأنه (إذا) فرض الانقطاع قبل المرة الثَّانية فقد اغتسلت وصلت، والانقطاع لا يتكرر، وإن فرض في أثنائها فلا شيء عليه في التَّصوير المذكور، ولك أن تقول إشكالاً المرة الثانية يتقدمها الغسل، فإذا وقع بعضها في الوقت والغسل سابق جاز أن يقع الانقطاع في أثناء الغسل، ويكون الباقي من وقت الصلاة [من] حينئذ قدر ركعة أو تكبيرة، فيجب أن ننظر إلى زمان الغسل سوى الجزء الأول منه، وإلى الجزء الواقع من الصَّلاة في الوقت فيقال: إن كان ذلك دون ما يلزم به الصلاة جاز وإلا فلا، ولا نقصر النظر على جزء الصلاة، ثم من المعلوم أنه لا يمكن أن يكون ذلك دون التَّكبيرة، ويبعد أن يكون دون الرَّكْعَةِ فهذا في الصبح، وأمّا في العصر والعشاء فيصليهما مرتين كذلك، وأما الظهر فلا يكفي وقوعها المرة الثانية في أول وقت العصر، ولا وقوع المغرب في أول وقت العشاء؛ لأنها لو أدركت قدر ركعة أو خمس ركعات على اختلاف القولين نذكرهما من وقت العصر يلزمها الظهر والعصر، وكذلك لو أدركته في وقت العشاء يلزمها المغرب [والعشاء] ومن الجائز انقطاع حيضها في الوقت المفروض؛ فيجب أن تعيد الظهر في الوقت الذي يجوز إعادة العصر فيه، وذلك بعد] 55 وقت العصر وتعيد المغرب في الوقت الذي يجوز إعادة العشاء فيه، وذلك بعد وقت العشاء ثم إذا أعادت الظُّهر والعصر بعد الغروب فينظر إن قدمتها على أداء المغرب فعليها أن تغتسل للظهر وتتوضَّأ للعصر وتغتسل للمغرب، وإنما كفى لهما غسل واحد؛ لأن دمها إن انقطع قبل الغروب فقد اغتسلت بعده، وإن انقطع بعد الغروب فليس عليها ظهر ولا عصر، وإنما لزم إعادة الغسل للمغرب، لاحتمال الانقطاع في خلال الظهر أو العصر أو عقيبهما، وهكذا الحكم فيما إذا قضت المغرب والعشاء قبل أداء الصبح بعد طلوع الفجر، وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بثمانية أغسال ووضوءين، وإن أخرت الظهر والعصر عن أداء المغرب اغتسلت للمغرب، وكفاها ذلك عن الظهر والعصر أيضاً؛ لأنه إن انقطع حيضها قبل الغروب فلا تعود إلى تمام مدة الظهر، وإن انقطع بعده لم يكن عليها ظهر ولا عصر، ولكن تتوضأ لكل واحدة من الظُّهر والعصر كما هو شأن المستحاضات، وهكذا القول في المغرب والعشاء إذا أخرتهما عن الصُّبح، وحينئذ تكون مصلية الوظائف الخمس مرتين بالغسل ست مرات وبالوضوء أربعًا.
وبالطريق الثاني تخرج عن عهدة الصلوات الخمس، وأما بالطريق الأول فقد أخرت المغرب والصبح عن أول وقتهما؛ لتقديمها القضاء عليهما فتخرج عن عهدة ما
الجزء: 1 - الصفحة: 329
عداهما، وأمّا هما فقد قال في "النِّهَاية": إذا أخرت الصلاة عن أول الوقت حتى مضى ما يسع الغسل، وتلك الصلاة فلا يكفي فعلها مرة أخرى في آخر الوقت أو بعده على التَّصوير الذي سبق لجواز أن تكون طاهراً في أول الوقت، ثم يطرأ الحيض فتلزمها الصلاة وتكون المرّتان واقعتين في الحيض بل يحتاج إلى فعلهما مرتين أخريين بغسلين، ويشترط أن تكون إحداهما بعد انقضاء وقت الرفاهية والضرورة، وقبل تمام خمسة عشر يوماً من افتتاح الصلاة المرة الأولى.
والثانية في أول السادس عشر من آخر الصلاة الأولى، فحينئذ تخرج عن العهدة بيقين؛ لأن الخمسة عشر المتخللة إما أن تكون كلها طهرًا؛ فتصح المرة الثانية، أو كلها حيضًا فتصح المرة [الأولى أو الثالثة أو] يكون آخرها طهراً؛ فيكون قدر ما بعدها طهرًا أيضاً فإن انتهى إلى آخر المرة الثالثة فهي واقعة في الطهر وإلا فالثانية واقعة فيه أو يكون أولها طهرًا؛ فيكون شيء مما قبلها طهرًا أيضاً؛ وإن كان افتتاحه قبل المرة الأولى فهي في الطّهر، وإن كان في أثناء الأولى كانت الثّانية في الطّهر، ومع هذا كله فلو اقتصرت على أداء الصَّلوات في أوائل أوقاتها، ولم تقض شيئاً حتى مضت خمسة عشر يومًا أو مضى شهر، فلا يجب عليها لكل خمسة عشر يومًا إلا قضاء صلوات يوم وليلة؛ لأن القضاء إنما يجب لاحتمال الانقطاع، ولا يتصور الانقطاع في الخمسة عشر إلا مرة ويجوز أن يجب به تدارك صلاتي جمع، وهما الظهر والعصر المغرب والعشاء، فإذا أشكل الحال أوجبنا قضاء صلوات يوم وليلة كمن نسي صلاة أو صلاتين من خمس ولو كانت تصلي في أوساط الأوقات لزمها أن تقضي للخمسة عشر صلوات يومين وليلتين لجواز أن يطرأ الحيض في وسط صلاة فتبطل، وتنقطع في وسطه أخرى فيجب، ويجوز أن يكونا مثلين ومن فاته صلاتان مُتَمَاثلتان ولم يعرف عينهما فعليه صلوات يومين وليلتين، بخلاف ما إذا كانت تصلي في أول الوقت فإنه لو فرض ابتداء الحيض في أثناء الصلاة لما وجبت؛ لأنها لم تدرك من الوقت ما يسعها -والله أعلم-.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) إِذَا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهَا إِلاَّ بِقَضَاءِ ثَلاَثةِ أَيَّام، وَسَبِيلُهُ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَتُفْطِرَ يَوْماً ثُمَّ تَصُومَ يَوْمًا ثُمَّ تَصُومَ السَّابعَ عَشَرَ مِنْ صَوْمِهَا الأَوَّلِ فَتَخْرُج مِمَّا عَلَيْهَا بِيَقِين؛ لِأَنَّ الحَيْضَ كيْفَمَا قُدِّرَ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا فَيَخْرُجُ يَوْمٌ عَنْ الحَيْض، وَعِلَّةُ هَذَا التَّقْدِيرِ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ البَسِيطِ.
قال الرافعي: تكلم في أن المتحيرة إذا أرادت قضاء صوم يوم لم تبرأ ذمتها، ولم يذكر ما إذا أرادت أن تقضي أكثر من يوم، ولا قضاء الصلوات الفائتة والمنذورة ونحن نذكرها على الاختصار، فأما صوم يوم واحد فإنما تخرج من عهدته بصوم ثلاثة أيام بأن تصوم يوماً متى شاءت وتفطر يوماً وتصوم اليوم الثالث ثم اليوم السابع عشر، وإنما
الجزء: 1 - الصفحة: 330
خرجت عن العهدة بذلك؛ لأنها إما طاهرة في اليوم الأول فتحصل به الفرض أو غير طاهر، وحيئنذ إما أن تكون حائضاً في جميعه فينقطع حيضها قبل السابع عشر لا محالة، ويقع الثالث أو السابع عشر في الطهر، وإما أن تكون حائضاً في بعضه، فإن كانت حائضًا في أوله وانقطع فيه، فهي طاهر في اليوم الثالث، وإن كانت حائضاً في آخره وابتدأ فيه فغاية الانتهاء إلى السادس عشر، ويقع السابع عشر في الطهر، فعلى أي تقدير قدر يقع يوم في الطهر، واعلم أن ذكر اليوم الثالث والسابع عشر للصوم الثاني والثالث إنما جرى كلام الأئمة لبيان أن السَّبعة عشر أقل مدة، ويمكن فيها قضاء اليوم الواحد، وإلاَّ فلا يتعين اليوم الثَّالث للصَّوم الثَّاني، ولا السابع عشر [للصوم الثالث، بل لها أن تصوم بدل الثالث يوماً بعده إلى آخر الخامس عشر وبدل السابع عشر] 56 يوماً بعده إلى آخر تسعة وعشرين يوماً، ولكن الشرط أن يكون المخلف من أول السادس عشر، مثل ما بين صومها الأول والثاني، أو أقل منه.
فلو صامت الأول والثالث والثامن عشر، لم يجز؛ لأن المخلف من أول السادس عشر يومان، وليس بين الصومين الأولين، إلاَّ يوم وإنما امتنع ذلك، لجواز أن ينقطع الحيض في اليوم الثالث، ويعود في الثامن عشر، فيكون الكل في الحيض.
ولو صامت الأول والرابع والثامن عشر جاز؛ لأن المخلف مثل ما بين الصَّومين.
ولو صامت السابع عشر والحالة هذه جاز؛ لأن المخلف أقل مما بين الصومين، ولو صامت الأول والخامس عشر فقد تخلل بين الصومين ثلاثة عشر يوماً، فلها أن تصوم التاسع والعشرين؛ لأن المخلف حينئذ مثل ما بين الصومين، ولها أن تصوم يوماً قبله؛ لأن المخلف يكون أقل.
نعم، لا يجوز أن تصوم السادس عشر، فإنها لو فعلت ذلك لم تخلف شيئاً، ولا بد من تخليف.
ثم بشرط ما ذكرنا فهذا شرح ما أورده.
ثم لك أن تعلّم قوله: "فلا تبرأ ذمتها إلا بقضاء ثلاثة أيام" بالواو؛ لأن من الأصحاب من قال: يكفيها يومان بينهما أربعة عشر يوماً.
وحكى ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وهذا قول من قال نحسب لها من رمضان خمسة عشر يوماً، والأكثرون قطعوا بأنه لا يكفي اليومان لجواز أن يبتدئ الحيض في اليوم الأوّل، وينقطع في السادس عشر 57 وأولوا كلام الشافعي -رضي الله عنه-، على ما إذا عرفت، أن دمها كان يبتدئ وينقطع ليلاً، وربما قالوا: إنه مهد القاعدة ولم يخطر له حينئذ تقدير ببعض اليوم، فما يقتضيه الاحتياط عين مذهبه ولو قال
الجزء: 1 - الصفحة: 331
صاحب الكتاب: "إلا بصوم ثلاثة أيام" [بدل قوله: بقضاء ثلاثة أيام" 58 لكان أحسن؛ لأن الأيام الثلاثة لا تقع قضاء فائتتها يوم، وإنما الواقع قضاء واحد من الثلاثة، وأما إذا قضت أكثر من يوم فتضعف ما عليها وتزيد يومين ثم تصوم نصف المجموع ولاءً متى شاءت، وتصوم مثل ذلك من أول السادس عشر [فتخرج عن العهدة، مثاله: إذا أرادت أن تقضي يومين تضعف وتزيد يومين تكون ستة، تصوم ثلاثة متى شاءت ثم ثلاثة من أول السادس عشر] (2) فيكفيها لأن الثَّلاثة الأولى إما أن تكون في الطّهر فذاك أو لا تكون، فان كان كلها في الحيض، فغايته الانتهاء إلى السادس عشر بتقدير أن يكون الابتداء من اليوم الأول فيقع اليومان الأخيران في الطهر، وإن كان بعضها في الحيض دون البعض، فإن كان اليوم الأول في الطهر صح من الثامن عشر، وإن كان اليومان الأولان في الطهر صحّا وإن كان اليوم الأخير في [الطهر صح] (3) السادس عشر، وإذا كانت تقضي ثلاثة أيام صامت أربعة وَلاَءً ثم أربعة من أول السادس عشر، وعلى هذا القياس حتى إذا كانت تقضي أربعة عشر يوماً تضعف وتزيد يومين فتستوعب الشهر، وهو غاية ما يمكن قضاؤه في الشهر الواحد، ولذلك لم يحسب من رمضان إلاَّ هذا القدر، ولو أنها صامت ما عليها على الولاء متى شاءت من غير زيادة -وأعادته من أوَّل السَّابع عشر وصامت بينهما يومين، إما مجتمعين أو غير مجتمعين متصلين بالصوم الأول أو الثاني أو غير متصلين- لخرجت عن العهدة أيضاً، وكل واحد من هذين الطريقين يطرد في قضاء اليوم الواحد، لكن الطريق المذكور فيه أخف، للقناعة بصوم ثلاثة أيام، وعلى هذين الطريقين تصير أربعة، وهذا كله في قضاء الصوم الذي لا تتابع فيه.
أما إذا قضت صوماً متتابعاً بنذر أو غيره، فإن كان قدر ما يقع في شهر - صامته على الولاء ثم مرة أخرى قبل السابع عشر ثم مرة أخرى من السابع عشر.
مثاله: عليها يومان متتابعان، تصوم يومين وتصوم السابع عشر والثامن عشر، وتصوم بينهما يومين متتابعين، وإذا كان عليها شهران متتابعان صامت مائة وأربعين يوماً على التَّوالي أربعة أشهر لستة وخمسين يوماً وعشرين يوماً لأربعة أيام فإن دام طهرها شهرين فذاك وإلاَّ فقدر شهرين من هذه المدة صحيح لا محالة، وتخلل الحيض لا يقطع التَّتابع، وأما إذا كانت تقضي فائتة صلاة أو تريد الخروج عن عهدة منذورة نظر إن كانت واحدة صلَّتها بغسل متى شاءت، ثم تمهل زمانًا يسع الغسل.
وتلك الصلاة وتعيدها بغسل آخر بحيث يقع في خمسة عشر يوماً من أول الصَّلاة المرة الأولى وتمهل من أول السادس عشر قدر الإمهال الأول، ثم تعيدها بغسل آخر قبل تمام الشهر من المرة الأولى، ويشترط أن لا تؤخر الثّالثة من أول السّادس عشر أكثر من الزمان المتخلل
الجزء: 1 - الصفحة: 332
بين آخر المرة الأولى، وأول الثانية.
وهذا كله كما ذكرنا في الصوم والإمهال الأول كإفطار اليوم الثاني، والإمهال الثاني كالإفطار السادس عشر، وإن كانت الصلوات التي تريدها أكثر من واحدة، فلها طريقان:
أحدهما: أن ننزلها منزلة الصلاة الواحدة، فتصليها على الولاء ثلاث مرات، كما ذكرنا في الواحدة، وتغتسل في كل مرة للصلاة الأولى، وتتوضَّأ لكل واحدة بعدها.
ولا فرق على هذا بين أن تكون الصلوات متفقة أو مختلفة، والثاني أن تنظر فيما عليها من العدد إن لم يكن فيه اختلاف فتضعفه وتزيد عليه صلاتين أبداً، وتصلِّي نصف الجملة ولاء ثم النِّصف الآخر في أول السادس عشر من أول الشروع في النصف الأول.
مثاله: عليها خمس صلوات صبح تضعفها وتزيد صلاتين 59 تكون اثنتي عشرة، تصلّي نصفها، وستة متى شاءت ثم ستة في أول السادس عشر، وإن كان في العدد الذي عليها اختلاف فتصلي ما عليها بأنواعه على الولاء متى شاءت، ثم تصلي صلاتين من كل نوع مما عليها بشرط أن يقعا في خمسة عشر يوماً من أول الشروع، وتمهل من أول السادس عشر زماناً يسع الصلاة المفتتح بها، ثم تعيد ما عليها على ترتيب فعلها في المرة الأولى.
مثاله: عليها ثلاث صلوات صبح وظهران، تصلي الخمس متى شاءت ثم تصلي بعدها في الخمسة عشر صبحين وظهرين وتمهل من السادس عشر ما يسع لصبح، وتعيد الخمس كما فعلت أولاً، وفي هذا الطريق تفتقر لكل صلاة إلى غسل بخلاف ما ذكرنا في الطَّريق الأول، والطواف بمثابة الصلاة واحداً كان أو عددًا، وتصلي مع كل طواف ركعتيه، ويكفي غسل واحد للطواف مع الركعتين [إن لم توجب الركعتين] (2) وإن أوجبناهما فثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يجب وضوء للركعتين بعد الطواف.
والثاني: يجب غسل آخر لهما.
والثالث: لا يجب لا هذا ولا ذاك، ولو بسطنا القول في جميع ذلك لطال، وقد فعلته في غير هذا الكتاب.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا طُلِّقَتِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِثَلاَثةِ أَشْهُرِ، وَلاَ تُقَدِّرُ تَبَاعُدَ حَيْضِهَا إِلَى سِنِّ اليَأْسِ لِأَنَّهُ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ.
قال الرافعي: المتحيرة إذا طلقها زوجها بماذا تعتد؟ نقلوا عن صاحب "التقريب"
الجزء: 1 - الصفحة: 333
وجهاً، أنها تصبر إلى سن اليأس ثم تعتد بالأشهر؛ لأن من المحتمل تباعد الحيض ونحن نفرع عى قول الاحتياط فنأخذ في كل حكم بالأسوأ، والذي صار إليه المعظم ورواه صاحب الكتاب أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن يكون للمرأة في كل شهر حيضة، وحمل أمرها على تباعد الحيض وتكليفها الصَّبر إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة وضرر بين، فلا وجه لاحتماله بتجويز مجرد على خلاف الغالب بخلاف العبادات فإن المشقة فيها أهون، ثم في كيفية اعتدادها بالأشهر كلام ذكره في كتاب "العِدَّة".
واعلم أن إمام الحرمين -قدّس الله روحه- مال إلى رد المتحيرة إلى المبتدأة في قدر الحيض، وإن لم يجعل أول الهلال ابتداء دورها، ومما استشهد به هذه المسألة.
فقال: اتفاق معظم الأصحاب على أنها تعتد بثلاثة أشهر يدل على تقريب أمرها من المبتدأة في عدد الحيض والطهر، والمعنى القاضي برد المبتدأة إلى الأقل، والغالب يقضي بمثل ذلك في المتحيرة، فوجب القول به وهذا توسط بين القول الضّعيف، وبين الاحتياط التام، وفيه تخفيف الأمر عليها في المحسوب من رمضان، فإن غاية حيضها على هذا التقدير يكون سبعة، وأقصى ما يفرض انبساطه على ثمانية أيام، فيصبح لها من الشهر الكامل اثنان وعشرون يوماً، وكذلك في قضاء الصوم والصلاة فيكفيها على هذا التقدير إذا كانت تقضي صوم يوم أن تصوم يومين بينهما سبعة أيام، لكن الذي عليه جمهور الأصحاب ما تقدم، وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَحْفَظَ شَيْئًا كَمَا لَوْ حَفِظَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الدَّمِ كَانَ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ، فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضٌ بِيَقِينِ، وَبَعْدَهُ يَحْتَمِلُ الانْقِطَاعَ إِلَى انْقِضَاءِ الخَامِسَ عَشَرَ وَتَغْتَسِل لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ طُهْرٌ بِيَقِينٍ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَلَو حَفِظَتْ أَنَّ الدَّمَ كَانَ يَنْقَطِعُ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ، فَأوَّلُ الشَّهْرِ إِلَى النِّصْفِ طُهْرٌ بِيَقِينٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَتَعَارَضُ الاحْتِمَالُ وَلاَ يَحْتَمِلُ الانْقِطَاعَ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِهِ حَيْضاً بِيَقِينِ فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي إِلَى انْقِضَاءِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ، وَالْيَومُ الأَخِيرُ بِلَيْلَتِهِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: إذا حفظت الناسية من عادتها شيئاً ونسيت شيئاً، فالقول الجملي فيها أن الزمان الذي تتيقن فيه الحيض تثبت فيه أحكام الحيض، وكل زمان، تتيقن فيه الطهر تثبت فيه أحكام الطهر، نعم، لها حدث دائم، وكل زمان يحتمل الحيض والطهر فهي في الاستمتاع كالحائض، وفي لزوم العبادات كالطاهر، ثم إن كان ذلك الزمان محتملاً للانقطاع أيضاً فعليها أن تغتسل لكل فريضة، ويجب الاحتياط على ما يقتضيه الحال.
وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذكرنا أن الناسية إذا لم تنس القدر والوقت جميعاً وحفظت شيئاً، فمحفوظها إما أن يكون الوقت، وإما أن يكون القدر.
أو شيء منه فجعل الحالة الأولى من الحالتين الأخريين في القسم الأول، والثانية منهما في القسم الثاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 334
وقوله: "أن تحفظ شيئاً" أي: من الوقت وإلا دخل فيه الحالة الأخيرة، واقتصر هاهنا على ذكر مثالين:
أحدهما: لو عينت ثلاثين يوماً، وذكرت أنها كانت يبتدئ بها الدّم لأول هذه المدّة، وكذلك في كل ثلاثين بعدها ولم تعرف شيئاً غير ذلك فيوم وليلة من أوّل الثلاثين حيض بيقين؛ فإنه أقل الحيض وبعده يحتمل الحيض والطهر والانقطاع إلى آخر الخامس عشر، وبعده إلى آخر الشّهر طهر بيقين، وكذلك الحكم في كل ثلاثين بعدها، والمراد من الشّهر في هذه المسائل الأيام التي تعينها هي لا الشهر الهلالي.
والثاني: إذا عينت ثلاثين يوماً بلياليها، وقالت: أحفظ أن الدم كان ينقطع آخر كل شهر، فالأول إلى انقضاء النِّصف طهر بيقين؛ لأن غاية الممكن افتتاح الحيض من (أَوَّل) ليلة السادس عشر وبعده يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع واليوم الثلاثون والليلة قبله حيض بيقين، ويتعلق بهذه الحالة مسائل تشتهر بمسائل الخلط، نذكر منها صورتين.
إحداهما: الخلط المطلق، وهو أن تقول (كنت) أخلط شهرًا بشهر حيضاً، أي: كنت في آخر كل شهر وأول ما بعده حائضاً، فلحظة من أول كل شهر ولحظة من آخره حيض بيقين ولحظة من آخر الخامس عشر ولحظة من ليلة السادس عشر طهر بيقين، وما بين اللحظة من أول الشهر واللحظة من آخر الخامس عشر يحتمل الحيض والطّهر والانقطاع، وما بين اللّحظة من أول ليلة السادس عشر واللحظة من آخر الشهر يحتملهما ولا يحتمل الانقطاع، ولو قالت: كنت أخلط شهراً بشهر طهراً فليس لها حيض بيقين، لكن لها ساعتان، طهر بيقين، ساعة من آخر كل شهر وساعة من أوله، ثم قدر أقل الحيض بعد مضي اللَّحظتين لا يمكن فيه الانقطاع وبعده يمكن:
الثانية: لو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر وكنت اليوم الخامس حائضاً، فلحظة من آخر الشهر إلى آخر خمسة أيام من الشهر الثاني حيض بيقين، ولحظة من آخر الخامس عشر إلى آخر العشرين طهر بيقين، وما بينهما كما سبق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا قَالَتْ: أضللتُ عَشْرَةً فِي عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَالْعَشْرُ الأَخِيرُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ، وَجَمِيعُ العِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ يَحْتَمِلُ الحَيْضَ وَالطُّهرَ، نَعَمْ لاَ يَحْتَمِلُ الانقِطَاعَ فِي الْعَشْرِ الأُوَلِ فَتَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلاَةٍ وَيُحْتَمَلُ فِي العَشْرِ الثَّانِي فَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ، وَلَوْ قَالَتْ: أضللت خَمْسَةَ عَشَرَ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَة مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ حَيْضٌ بيَقِين؛ لِأَنَّهَا تَنْدَرجُ تَحْتَ تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ جَمِيعاً.
قال الرافعي: الحافظة لقدر الحيض إنما تخرج عن التحير المطلق، إذا حفظت مع
الجزء: 1 - الصفحة: 335
ذلك قدر الدور وابتداءه؛ إذ لو قالت: كان حيضي خمسة وأضللته في دوري ولا أعرف سوى ذلك، فلا فائدة فيما ذكرت لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كل زمان، وكذا لو قالت: حيضي خمسة، ودوري ثلاثون ولا أعرف [ابتداءه وكذلك لو قالت: حيضي خمسة وابتداء دوري يوم كذا، ولا أعرف قدره] 60 وإذا حفظتهما جميعاً مع قدر الحيض فإشكال الحال بعد ذلك إنما يكون لإضلال الحيض والإضلال قد يكون في جميع الدّور وقد يكون في بعضه، فإن كان الإضلال في كله يحتمل الحيض والطّهر، وقدر الحيض من أول الدور لا يحتمل الانقطاع وبعده يحتمل الانقطاع أيضاً.
مثاله: قالت دوري ثلاثون ابتداؤه كذا، وحيضي عشرة أضللتها في الثلاثين، فعشرة من أولها لا تحتمل الانقطاع، والباقي يحتمله والكل يحتمل الحيض والطهر.
هذا إذا لم تعرف مع ذلك شيئاً آخر فإن عرفت شيئاً آخر فعليها الاحتياط كما يقتضيه الحال:
مثاله: قالت: حيضي إحدى عشرات الشهر وقد نسيت عينها، فهذا يفارق الصّورة السابقة في احتمال الانقطاع بعد العشرة الأولى قائم إلى آخر الشهر، وهاهنا لا يحتمل الانقطاع إلا في آخر كل عشرة من العشرات، وإن كان الإضلال في بعض الدور فقد ذكر في الكتاب منه صورتين:
إحداهما: إذا قالت: أضللت عشرة في عشرين من أول الشهر، فالعشرة الأخيرة طهر بيقين، والعشرون من أوله يحتمل الحيض والطهر، ولا يمكن الانقطاع في العشرة الأولى ويمكن في الثانية.
والثانية: قالت: أضللت خمسة عشرة في عشرين من أوّل الشهر، فالعشرة الأخيرة طهر بيقين، والخمسة الثانية والثالثة حيض بيقين، لاندراجهما تحت تقدير تقديم الحيض وتأخيره جميعاً، والخمسة الأولى تحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع، والرابعة تحتملها جميعاً، والطهر المستيقن في هاتين الصورتين وقع في الطرف الآخر من الدور وقد يقع في الطرف الأول كما إذا قالت: أضللت العشرة أو الخمسة عشر في العشرين من آخر الشّهر، وقد يقع في الوَسَطِ كما إذا قالت: كان حيضي خمسة والدور ثلاثون، وكنت اليوم الثالث عشر طاهراً فخمسة من أول الدور تحتمل الحيض، والطهر دون الانقطاع، وما بعدها يحتملهما جميعاً إلى آخر الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر طهر بيقين، ومن أول السادس عشر إلى آخر العشرين يحتمل الحيض والطهر دون الانقطاع، ومنهم إلى آخر الشهر يحتملهما جميعاً، ومتى كان القدر
الجزء: 1 - الصفحة: 336
الذي أضلته زائدًا على نصف محل الضلال كان لها حيض بيقين من وسطه، وقدره ضعف القدر الزائد من الحيض على نصف محل الضلال، وإن شئت قلت ما يزيد من ضعف قدر الحيض من كل محل الضّلال، ففي الأولى من صورتي الكتاب لم يكن قدر الحيض زائدًا على نصف محل الضّلال، فلم يكن لها حيض بيقين، وفي الثانية كان زائدًا فلا جرم لها حيض بيقين، ومقداره عشرة لأن الزائد من قدر الحيض على نصف محل الضلال خمسة وضعف الخمسة عشرة، وبالعبارة الثانية نقول: ضعف قدر الحيض ثلاثون ومحل الضلال عشرون، والثلاثون تزيد على العشرين بعشرة.
قال الغزالي: فَرْعٌ إِذَا اتَّسَقَتْ عَادَتُهَا وَكانَتْ تَحِيضُ فِي شَهْرٍ ثَلاَثاً ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمسًا ثُمَّ فِي شَهْرٍ سَبْعاً ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الثَّلاَثِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فَفِي رَدِّهَا إِلَى هَدِهِ العَادَةِ الدَّائِرَةِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تُرَدُّ إِلَيْهَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى القَدْرِ الأَخِيرِ قَبْلَ الاَسْتِحَاضَةِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ إِلَى الثَّلاثَةِ إِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ الخَمْسَةِ لِأَنَّهَا متَكَرِّرَة فِي الخَمْسَةِ، وَلَو كَانَتِ الأَقْدَار مَا سَبَقَ مِنْ ثَلاَثٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعٍ وَلَكِنْ لاَ عَلَى سَبِيلِ الاتِّسَاقِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُرَدُّ إِلَى العَادَةِ الدَّائِرَةِ فَهَذِهِ كَالَّتِي نَسِيَتِ النَّوْبَةَ المُتَقَدِّمَةَ فِي العَادَةِ الدَّائِرَةِ بَعْدَ الاسْتِحَاضَةِ، وَحُكْمُهَا الاحْتِيَاطُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بَعْدَ الثَّلاَثِ لِأنَّ الثَّلاَثَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ ثُمَّ تَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلاَةٍ إِلَى انْقِضَاءِ الخَامِسِ.
ثُمَّ تَغْتَسِلَ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ إِلَى انْقِضَاءِ السَّابعِ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ.
قال الرافعي: إذا استمرت للمرأة عادات حيض مختلفة المقادير، ثم استحيضت فلا تخلو إما أن تكون مُتَّسقة منتظمة أو لا تكون كذلك، فهما حالتان:
إحداهما: أن تكون منتظمة لا تختلف كما إذا كانت تحيض في شهر ثلاثة ثم في شهر خمسة ثم في شهر سبعة ثم في الشهر الرابع ثلاثة ثم خمسة ثم سبعة وهكذا فهل ترد بعد الاستحاضة إلى هذه العادة؟ وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأن تعاقب الأقدار المختلفة قد صار عادة لها فصار كالوقت والقدر المعتادين.
والثاني: لا ترد إلى العادة الدائرة؛ لأن كل واحد من المقادير ينسخ ما قبله ويخرجه عن الاعتبار، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون نظم عاداتها، على ترتيب العدد على ما ذكرنا، أو لا يكون كما إذا كانت ترى في شهر خمسة ثم ثلاثة ثم سبعة ثم تعود إلى الخمسة ولا فرق أيضاً بين أن ترى كل واحدة من العادات مرة، كما ذكرنا أو مرتين كما إذا كانت ترى في شهرين ثلاثة ثلاثة، وفي شهرين بعدهما خمسة خمسة،
الجزء: 1 - الصفحة: 337
وفي شهرين بعدهما سبعة سبعة، وقوله في صورة المسألة: ثم تعود إلى الثلاث على هذا الترتيب إنما ذكر ذلك؛ لأنه لو ابتدئ الحيض بها ورأت الأقدار الثلاثة في ثلاثة أدوار واستحيضت في الرابع فلا خلاف في أنها لا ترد إلى تلك الأقدار في أْدوارها، أما إذا أثبتنا العادة بمرة فلأن القدر الأخير ينسخ ما قبله وأما إذا لم نثبت، فلأنه لم يثبت كون العادات المختلفة عادة لها هكذا قاله في "النهاية".
ولهذا قال الأئمة: أقل ما تستقيم فيه العادة في المثال المذكور في الكتاب ستة أشهر، فإن كانت ترى هذه الأقدار مرتين مرتين فسنة فإذًا محل الوجهين ما إذا تكررت العادة الدائرة.
فإن قلنا: ترد إليها فاستحيضت عقيب شهر الثلاثة ردت في أول شهر الاستحاضة إلى الخمسة وفي الثَّاني إلى السبعة وفي الثالث إلى الثلاثة، وإن استحيضت عقيب شهر الخمسة ردت إلى السبعة، ثم إلى الثلاثة ثم إلى الخمسة وإن استحيضت عقيب شهر السبعة ردت إلى الثَّلاَثَةِ ثم إلى الخمسة ثم إلى السبعة.
وإن قلنا: لا ترد إليها فقد نقل صاحب الكتاب ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها ترد إلى القدر الأخير قبل الاستحاضة أبداً، وهذا مبني على أن العادة تثبت بمرة وتنتقل بمرة.
والثاني: ترد إلى القدر المشترك بين الحيضتين المتقدمتين على الاستحاضة [فإن استحيضت] (1) بعد شهر الخمسة ردت إلى الثلاثة، وكذا لو استحيضت بعد شهر الثلاثة، وإن استحيضت بعد شهر السّبعة ردت إلى الخمسة، وهذا والذي بعده خارجان على قولنا: إن العادة لا تثبت بمرة.
والثالث: أنها كالمبتدأة؛ لأن شيئاً من الأقدار لم يصر عادة لها أما إذا لم يتكرر على حياله، ولا عبرة بالتّكرار في ضمن عدد أكثر منه، فإنه حينئذ ليس بحيضة لها، ولم أر بعد البحث نقل هذه الوجوه متفرعة على الوجه الثاني لغير صاحب الكتاب، حتى لشيخه إمام الحرمين -رحمه الله- فإنه وإن ذكر هذه الوجوه فإنما ذكرها فيما إذا لم تكرر العادة الدّائرة.
وقد حكينا أن محل الوجهين ما إذا تكررت فإذًا صاحب الكتاب متفرد [بنقل] (2) هذه الوجوه تفريعاً على أحد الوجهين، والذي ذكره غيره تفريعاً عليه الرّد إلى القدر المتقدم على الاسْتِحَاضَةِ لا غير ثم إذا رددناها إلى القدر المتقدم على الاستحاضة فهل يجب عليها الاحتياط فيما بين أقل العادات وأكثرها؟ فيه وجهان: (1)، (2) سقط في (ب).
الجزء: 1 - الصفحة: 338
أصحهما: لا، كذات العادة الواحدة لا تحتاط بعد الرد.
والثاني: نعم، لجواز امتداد الحيض إليه فعلى هذا يجتنبها الزوج في المثال المذكور إلى آخر السَّبعة، ثم إن استحيضت عقيب شهر الثلاثة تحيضت، من كل شهر ثلاثة، ثم تغتسل وتصوم وتصلي [وتغتسل] (1) مرة أخرى لآخر الخامس، ومرة أخرى لآخر السابع، وتقضي صوم السبعة جميعاً؛ لأنها لم تصم الثلاثة، وفيما وراءهما احتمال الحيض قائم وإن صامت ولا تقضي الصلاة أيضاً؛ لأنها حائض في الثلاثة وليس على الحائض قضاء الصلاة، وفيما وراءها إن كانت حائضاً فلا شيء عليها؛ وإن كانت طاهراً فقد صلت وإن استحيضت عقيب شهر الخمسة تحضيت من كل شهر خمسة ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغتسل مرة أخرى لآخر السابع وتقضي صوم الكل وصلوات اليوم [الرابع] (2) والخامس لاحتمال أنها كانت طاهراً فيهما، ولم تصل وإن استحيضت عقيب شهر السَّبعة تحيضت من كل شهر سبعة واغتسلت عند إنقضاء السابع وتقضي يوم السَّبعة وصلوات ما وراء الثلاثة المستيقنة من السّبعة، -والله أعلم-.
هذا كله إذا ذكرت العادة المتقدمة على الاستحاضة، فإن نسيتها تحيضت من كل شهر ثلاثة، فإنها أقل المقادير التي عهدتها وهي تحيض بيقين، ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتغستل أيضاً آخر الخامس والسابع وتتوضأ فيما بينهما لكل فريضة كما تفعل المستحاضات ثم هي طاهر بيقين إلى آخر الشهر وهل يختص هذا الجواب بقولنا: إنها ترد إلى العادة الدائرة أو هو مستمر على الوجهين جميعاً قضية كلام الأكثرين أنه مستمر على الوجهين جميعاً وكثيراً ما يستوي التفريع على وجهين مختلفين، وإطلاق صاحب الكتاب يوافق كلامهم، وقال إمام الحرمين، هو مخصوص بقولنا: ترد إلى العادة الدائرة، أما إذا قلنا: ترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة فمنهم من قال هاهنا: ترد إلى أقل العادات ومنهم من قال: هي كالمبتدأة وقد ذكرنا قولين في المبتدأة أنها هل تؤمر بالاحتياط إلى آخر الخمسة عشر فهما جاريان هاهنا فيحصل من هذا خلاف في أنها هل تحتاط؟ وإذا احتاطت فلا يختص الاحتياط على هذا بآخر أكثر الأعداد.
الحالة الثانية: 61 أن لا تكون تلك العادات منتظمة بل كانت تأتيها مختلفة مرة تتقدم هذه وأخرى هذه.
ذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب: أن حكم هذه الحالة يبنى على حالة الانتظام إن قلنا: ثم لا ترد إلى العادة الدائرة فهاهنا أولى، وترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة على هذا.
(1)، (2) سقط في (ب).
الجزء: 1 - الصفحة: 339
وإن قلنا: ترد إلى العادة الدائرة فعدم الانتظام بمثابة نسيان النوبة المتقدمة على الاستحاضة، فتحتاط كما سبق، وقد ذكر غيرهما طرقًا في هذه الحالة (محصول الخارج) منها ثلاثة أوجه:
أصحها: الرّد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة، وهذا مبني على أن العادة تثبت بمرة.
والثاني: أن القدر المتقدم عليها إن تكرر مرتين، أو ثلاثاً ردت إليها، وإلا فترد إلى الأقل من عادتها لأنه متكرر ومستيقن.
والثالث: أنها كالمبتدأة ولا نظر إلى شيء من تلك العادات.
ثم قالوا: [إن قلنا: ترد إلى القدر المتقدم على الاستحاضة أو إلى أقل العادات، فتحتاط إلى آخر أكثر العادات] 62 وإن قلنا: هي كالمبتدأة ففي الاحتياط إلى آخر الخمسة عشر الخلاف المذكور في المبتدأة، هذا إذا عرفت القدر المتقدم على الاستحاضة فإن نسيته، والعادات غير متسقة فهاهنا وجهان الذي ذكره الأكثرون الرد إلى أقل العادات.
والثاني: أنها كالمبتدأة فعلى الثَّاني في الاحتياط الخلاف المذكور في المبتدأة، وعلى الأوّل يجب الاحتياط إلى آخر أكثر العادات.
وحكى بعضهم أنه يستحب، ولا يجب وإذا تأملت ما حكينا حصل عندك جوابان في أنها هل تحتاط في الحالة الثانية سواء عرفت القدر المتقدم على الاستحاضة أو نسيته، إن قلنا: تحتاط فذلك إلى آخر أكثر المقادير أو إلى الخمسة عشر، فيه جوابان، ويحصل مثل هذا الخلاف عند النسيان في الحالة الأولى، بل عند العلم أيضاً لأنا روينا فيه الوجهين في الاحتياط آخر أكثر المقادير، وذكر في الكتاب وجهاً: أنها كالمبتدأة فيجيء فيه الخلاف المذكور في احتياط المبتدأة أيضاً، وعند هذا لك أن تعلّم قوله: "وحكمها الاحتياط" بالواو للوجه الصائر إلى أنه لا يلزمها الاحتياط، وقوله في آخر الباب: ثم هي طاهرة إلى آخر الشهر أيضاً للوجه الصائر إلى أنها تحتاط إلى آخر الخمسة عشر.
وقوله: "فعليها أن تغتسل بعد الثلاث"؛ لأن الثلاث حيض بيقين أيضاً؛ لأن من قال بأنها كالمبتدأة يحيضها يوماً وليلة، أو ستاً أو سبعاً ولا يعتبر الثلاث.
وقوله: "ثم تتوضأ إلى آخر الخامس، وإلى آخر السابع أيضاً" للوجه الذاهب إلى أنها تحتاط في جميع الخمسة عشر.
الجزء: 1 - الصفحة: 340
واعلم أن الصحيح من هذا الخلاف عند العلم في حالة انتظام العادات أنها لا تحتاط، والصحيح عند النسيان وفي حالة عدم الانتظام أنها تحتاط لكن إلى آخر أكثر الأقدار، لا إلى تمام الخمسة عشر، ولهذا خلط في الكتاب الحالة الثانية بصورة النّسيان من حال الانتظام، والله أعلم.
قال الغزالي:
البَابُ الرَّابعُ فِي التَّلْفِيقِ
فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا يَوْمًا يَوْمًا وَانْقَطَعَ عَلَى الخَمْسَةَ عَشَرَ، فَفِي قَوْل: تُلْتَقَطُ أَيَّامُ النَّقَاءِ وَتُلْفَّقُ (ح) وَيُحْكَمُ بالطُّهرِ فِيهِ، وَالقَوْلُ الأَصَحُّ أنَّا نَسْحَبُ (م) حُكْمَ الحَيْضِ عَلَى أَيَّامِ النَّقَاءِ وَنَجْعَلُ ذَلِكَ كالفَتَرَاتِ بَيْنَ دَفَعَاتِ الدَّمِ، لِأَنَّ الطُّهْرَ النَّاقِصَ فَاسِدٌ كَالدَّمِ النَّاقِصِ.
قال الرافعي: إذا انقطع دم المرأة وكانت ترى يوماً دماً، ويومأ نقاء أو يومين ويومين، فلا يخلو إما أن ينقطع قبل مجاوزة الخمسة عشر أو يجاوزها، فهما قسمان:
الأول: أن ينقطع ولا يجاوز ففيه قولان:
أحدهما وبه قال مالك وأحمد: أنها تلتقط أيام النقاء، وتلفق ونحكم بالطهر فيها وحيضها أزمنة الدم لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 63 أي: ينقطع دمهن، وقد انقطع فوجب أن يجوز القربان، ولأنه لا يحكم في أيَّام الدم حقيقة بالطهر، فكذلك لا يحكم في أيام النّقاء حقيقة بالحيض؛ توفيراً لحكم كل واحدة من الحالتين عليها، ولا شك أن أزمنة النَّقاء لا تجعل أطهارًا في حق انقضاء العدة بها، والطَّلاق فيها لا يخرج عن كونه بدعيًا، فقولنا: نحكم بالطهر فيها على هذا القول أي: في الصوم والصلاة والاغتسال ونحوها.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: إن حكم الحيض ينسحب على أيام النقاء فتحيض فيها جميعاً؛ لأن زمان النقاء ناقص عن أقل الطهر فيكون حيضًا كساعات الفترة بين دفعات الدم؛ ولأن أزمنة النَّقاء لو كانت طهرًا واحدًا فإما أن يكون كل واحد منها طهرًا وحده أو مجموعها طهرًا واحداً، فإن كان الأوّل وجب انقضاء العدة بثلاثة منها، وإن كان الثَّاني على جميع الشَّهر حتى لا تكون مُسْتَحَاضَةً مع مجاوزة الدَّم بصفة التَّقطع وليس كذلك، والقول الأول أصح عند الشيخ أبي حامد، وطائفة من أصحابنا العراقيين، لكن ما عليه المعظم أن الثاني أصح على ما ذكره في الكتاب، وبه قال القاضي أبو الطيب
الجزء: 1 - الصفحة: 341
الطَّبَرِيّ، وموضع القولين ما إذا كانت مدة الانقطاع زائدة على الفترات المعتادة بين دفعات الدم، فإنه لا يسيل دائماً في الغالب، فإن لم يزد عليها فلا خلاف في كون الكُل حيضًا، وهذا بين من إلحاقه أيام النقاء على قول السحب بها.
وقد قال إمام الحرمين في الفرق بينهما: إن دم الحيض يجتمع في الرَّحم ثم الرحم يقتره شيئاً فشيئًا، فالفترة ما بين ظهور دفعة وانتهاء دفعة أخرى من الرحم إلى المنفذ فما زاد على ذلك فهو النَّقاء الذي فيه القولان، وربما يتردد الناظر في أن مطلق الزائد على المدة الذكورة هل تخرج عن حد الفترات المعتادة؟ لأن تلك المدة يسيرة والله أعلم بالصواب.
ولا فرق على القولين بين أن يكون قدر الدم أكثر من قدر النقاء، أو قدر النقاء أكثر، أو يكونا متساويين، وإذا رأت صفرة أو كدرة بين سوادين، فإن قلنا: الصفرة في غير أيام العادة ليست حيضًا فهو من صور التقطع.
قال الغزالي: وَلَكِنْ نَسْحَبُ حُكْمَ الحَيْضِ عَلَى النَّقَاءِ بِشَرْطَينِ: (أَحَدُهُمَا): أَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ مُحْتَوِشًا بِدَمَيْنِ في الخَمْسَةَ عَشَرَ حَتَّى لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ نَقَاءً وَرَأَتْ فِي السَّادِسَ عَشَرَ دَمًا فَالنَّقَاءُ مَعَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الدَّمِ طُهْرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحْتَوِشاً بِالحَيْضِ في المُدَّة.
(والثَّانِي) أن يكون قَدْرُ الحَيْضِ فِي المُدَّةِ الخَمْسَةَ عَشَرَ تَمَام يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإنْ تَفَرَّقَ بالسَّاعَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ دَمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَوْماً وَلَيْلَةً، وَقِيلَ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ لَوْ كَانَ المَجْمُوعُ قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ صَارَ البَاقِي حَيْضاً.
قال الرافعي: غرض الفصل بيان قاعدتين يشرطان على قول السّحب.
إحداهما: لا بد من كون النقاء مُحْتُوَشًا بدمين في الخمسة عشر ليثبت لهما حكم الحيض، ثم ينسحب على ما بينهما، أما النَّقَاء الذي لا يقع بين دَمَينِ، فهو طهر لا محالة، وضرب له في الكتاب مثالاً، وهو ما إذا رأت يوماً وليلة دماً وأربعة عشر نَقَاء، ورأت في السادس عشر دماً، فالأربعة عشر طهر، إذ ليس بعدها دم محكوم له بالحيض، حتى ينسحب حكمه على النقاء، وإنما شرط في هذا المثال أن ترى الليلة دماً مع اليوم، لأنه لا دم في الخمسة عشر سوى ما رأته أولاً، فلو كان في اليوم وحده لما كان لها حيض أصلاً، وحينئذ لا يقتصر الطهر على الأربعة عشر وما بعدها، بل يعم الكل، ولا يخفى أن الغرض من قوله: "فالنَّقَاء مع ما بعده من الدّم طهر" التسوية بينهما في نفي الحيض لا في أحكام الطهارة مطلقاً، فإنها مُسْتَحَاضة في زمان الدَّم دون أيام النَّقاء، ولك ألا تستحسن هذا المثال في هذا الموضع؛ لأنه الآن يتكلم فيما إذا لم يجاوز الدم الخمسة عشر، وفي هذه الصورة قد جاوز واللائق غير هذا المثال، نحو ما
الجزء: 1 - الصفحة: 342
إذا رأت يوماً دماً، ويومًا نقاء إلى الثالث عشر، ولم يعد الدم طهر؛ لأن النَّقَاء فيهما غير مُحْتَوِش بدمين في الخمسة عشر.
الثانية: الدماء المتفرقة إما أن يبلغ مجموعها أقل الحيض، أو لا يبلغ، فإن بلغ مجموعها أقل الحيض نظر إن بلغ الأول والآخر كل واحد منهما أقل الحيض، ففيه القولان.
وحَكَى أبو عبد الله الحناطي طريقًا آخر أن أزمنة النَّقاء في هذه الحالة حيض بلا خلاف 64 والقولان فيما إذا لم يبلغ كل واحد من الطَّرفين الأقل، وإن لم يبلغ واحد منها أقل الحيض، كما إذا رأت نصف يوم دمًا ومثله نقاء، وهكذا إلى آخر الخمسة عشر، ففيه ثلاث طرق:
أصحها: طرد القولين، فعلى قول التَّلْفِيق، حيضها أنصاف الدم سبعة ونصف، وعلى قول السّحب حيضها أربعة عشر ونصف؛ لأن النصف الأخير لم يتخلّل بين دمين في المّدة.
والثاني: لا حيض لها وكل ذلك دم فساد؛ لأن جعل التقاء حيضاً خلاف الحقيقة إنما يصار إليه إذا تقدم أقل الحيض أو تأخر أقلّه أو وجد أحدهما حتى استتبع النقاء.
والثالث: إنْ توسطهما قدر أقل الحيض على الاتصال، كفى ذلك لحصول القولين، وإلا فكلهما دم فساد، وإن بلغ أحدهما أقل الحيض دون الآخر، فثلاثة طرق أيضاً:
أصحها: طرد القولين.
والثاني: أن الدم الذي بلغه حيض وما عداه دم فساد.
والثالث: إن بلغ الأول أقل الحيض، فهو وما سواه حيض، وإن بلغ الآخر الأقل، فهو حيض دون ما عداه، والفرق أن الحيض في الابتداء أقوى وأدوم.
هذا كله إذا بلغ مجموع الدماء أقل الحيض، أما إذا لم يبلغ فطريقان:
أظهرهما: أنه على القولين، إن قلنا بالتَّلْفِيقِ فلا حيض لها، بل هو دم فساد، وإن قلنا: بالسحب فكذلك على أظهر الوجهين.
والثاني: أن الدماء وما بينها حيض.
والثاني: القطع بأن لا حيض لها، وإذا تأملت ما ذكرناه حصل عندك في القدر المعتبر من الدَّمين ليجعل ما بينهما حيضًا على قول السّحب ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
أظهرها وبه قال أبو بكر المحمودي: إنه يشترط أن يكون مجموع الدِّماء قدر أقل الحيض، ولا بأس بتفرقها، ونقصان كل واحد منها، وقوله: "أنْ يكون قدر الحيض في المدة الخامسة عشرة تمام يوم وليلة عبارة عن هذا الوجه، وأراد بالحيض الدم، وإلا فالنَّقاء حيض أيضاً" على قول السحب.
والثاني: أنه يشترط مع ذلك أن يكون كل واحد من الدَّمين قدر أقل الحيض، حتى لو رأت دماً ناقصًا على الأقل ودمين آخرين غير ناقصين.
فالأول دم فساد والآخران وما بينهما من النقاء حيض.
وقوله: "إنَّ كل دم ينبغي أن يكون يوماً وليلة"، لا نعني به كل دم في الخمسة عشر، إذ لا يشترط في الدماء المتوسطة ذلك.
وإنَّما المراد كل دم من الأول والآخر.
والثالث وبه قال الأنْمَاطِي: أنه لا بشترط شيء من ذلك، بل لو كان مجموع الدماء نصف يوم أو أقل، فهي وما بينها من النّقاء حيض على القول الذي نتكلم فيه.
وقوله: "صار الباقي حيضًا" أي: الباقي من الخمسة عشر بشرط أن يكون متخللاً بين الدّمين، ويحصل مما سبق وجه رابع وهو أنه لا يشترط أن يكون أحدهما 65 أقل الحيض [لكن يشترط بلوغ أولهما هذا الحد] 66 ووجه خامس وهو أنه يشترط أن يكون أحدهما أقل الحيض إما الأول أو الآخر.
ووجه سادس، وهو أنه يشترط ذلك إما في الأول أو الآخر أو الوسط.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُبْتَدَأَةُ إِذَا تَقَطَّعَ دَمُهَا فَتُؤْمَرُ بِالعِبَادَةِ فِي الحَالِ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ التَّقَطُّعُ فَفِي الدَّورِ الثَّالِثِ لاَ تُؤْمَرُ بِالعِبَادَةِ، وَفِي الثَّانِي تُبْنَي عَلَى أَنْ العَادَةَ هَلْ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟
قال الرافعي: المبتدأة إذا انقطع دمها فكما انقطع وهو بالغ أقل الحيض، لزمها أن تغتسل وتصوم وتصلي، ولها أن تطوف، وللزوج أن يغشاها ولا فرق في كل ذلك بين القولين؛ لأنها لا تدري هل يعود الدم أم لا؟ والظاهر استمرار العدم.
وفي الغشيان وجه أنه لا يجوز، ثم إذا عاد الدَّم تركت الصَّوم والصَّلاة، وامتنعت عن الوَطْء، وتبين على قول السحب وقول الوطء.
والعبادات في الحيض، لكن لا يأثم بالوطء وتقضي الصَّوم والطَّواف دون الصَّلاة.
وعلى قول اللّقط -والتَّلْفِيقِ ما مضى صحيح- ولا قضاء، وهذا الحكم في الانقطاع الثاني والثالث وسائر الانقطاعات في الخمسة عشر.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
وفيه وجه: أن في سائر الانقطاعات يبنى الأمر على أن العادة بماذا تثبت، فإذا ثبتت توقفنا في الغسل، وسائر العبادات ارتقاباً للعود، وأما في الدور الثاني، وما بعده من الأدوار، فعلى قول التلفيق لا يختلف الحكم، وعلى قول السحب في الدور الثاني طريقان:
أصحهما: أنه يبنى على الخلاف في العادة، إنْ أثبتناها بمرة.
وقد عرفنا التّقطع بالدور الأول فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم، حملاً على عود الدم، فإن لم يعد بأن أنها كانت طاهراً، فتقضي الصوم والصلاة جميعاً، وإن لم نثبتها بمرة، فالحكم كما سبق في الشهر الأول، وفي الدور الثالث وما بعده تثبت العادة بمرتين سابقتين، فلا تغتسل إذا انقطع الدم، ولا تصلي ولا تصوم.
وقد حكينا وجهاً من قبل أن العادة لا تثبت إلا بثلاث مرات، ولا يخفى قياسه، والطريق الثاني، ويحكى عن أبي زيد أن التقطع وإن تكرر مرات كثيرة، فالحكم في المرة الأخيرة كما في الأولى؛ لأن الدم إذا انقطع فبناء الحكم على عوده وترك العبادات بعيد.
وقوله في الكتاب: "المبتدأة إذا انقطع دمها فتؤمر بالعبادة" يجوز أن يراد به الانقطاع الأول وحده، ويجوز أن يراد به كل انقطاع يتفق في الدور الأول، وعلى التقدير الثاني ينبغي أن يُعَلَّمَ قوله: "فتؤمر بالعبادة" بالواو للوجه الصائر إلى بنائه على الخلاف في العادة.
وقوله: "ففي الدور الثالث لا تؤمر بالعبادة" ينبغي أن يُعَلَّم بالواو لشيئين:
أحدهما: الوجه الذاهب إلى أن العادة تثبت بثلاث مرات.
والثاني: الطريقة المنسوبة إلى أبي زيد.
وكذلك قوله: "وفي الثاني يبني على أن العادة هل تثبت بمرة لطريقة أبى زيد"؟
هذا كله إذا كان الانقطاع بعد بلوغ الدم أقل الحيض.
أما إذا رأت المبتدأة نصف يوم دماً وانقطع، وقلنا بطرد القولين، فعلى قول السحب لا غسل عليها عند الانقطاع الأول، لأنه إن عاد الدم في الخمسة عشر، فالنَّقاء الذي رأته بعد ذلك الدم حيض أيضاً وإن لم يعد فهو دم فساد، ولكن تتوضأ، وتصلي، وفي سائر الانقطاعات، إذا بلغ مجموع ما سبق دماً ونقاء أقل الحيض، يصير الحكم على ما سبق في الحالة الأولى، وعلى قول التَّلْفِيق لا يلزمها الغسل أيضاً في الانقطاع الأول على أظهر الوجهين، لأنَّا لا ندري هل هو حيض أم لا؟
والثاني: يجب احتياطاً كما يجب على الناسية احتياطاً، وفي سائر الانقطاعات،
الجزء: 1 - الصفحة: 345
إذا بلغ ما سبق من الدم وحده أقل الحيض يلزمها الغسل وقضاء الصوم والصلاة، وحكم الدور الثاني والثالث على القولين جميعاً، كما ذكرنا في الحالة الأولى، هذا تمام القسم الأول وهو أنْ لاَ يجاوز الدم المتقطّع خمسة عشر يومًا.
قال الغزالي: أمَّا إِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الخَمْسَةَ عَشَرَ صَارَتْ مُستَحَاضَة، فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: (الأوُلَى المُعتَادَةُ) فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْساً وَتَطْهَرُ خَمْساً وَعِشْرِينَ، فَجَاءَهَا دَوْرٌ وَأَطْبَقَ الدَّمُ مَعَ التَّقَطُّعِ وَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْماً وَلَيْلَةً وَالنَّقَاءَ كَذَلِكَ، فَعَلَى قَوْلِ السَّحْبِ نُحَيِّضُهَا خَمْسةً مِنْ أَوَّلِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ النَّقَاءَ فِيهِ مُحْتَوشٌ بالدَّمِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا يَوْماً وَلَيْلَةً فَاسْتُحِيضَتْ وَكَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَلَيْلَةً نَقَاءً وَهَكَذَا، فَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ إِتْمَامَ الدَّمِ بِالنَّقَاءِ عَسِيرٌ، إِذْ لَيْسَ مُحْتَوِشًا بِدَمَيْنِ فِي وَقْتِ العَادَةِ فَلاَ يُمْكِنُ تَكْمِيل اليَوْمِ بِاللَّيْلَةِ، فَقَدْ قِيلَ ههُنَا: تَعُودُ إِلَى قَوْلِ التَّلْفِيقِ فَتَلْتَقِطُ النَّقَاءَ مِنَ الحَيْضِ، وَقِيلَ: لاَ حَيْضَ لَهَا أَصْلاً، وَقِيلَ: يُسْحَبُ حُكْمُ الحَيْضِ عَلَى لَيْلَةِ النَّقَاءِ وَيُضَمُّ اليَوْمُ الثَّانِي إِلَيْهِ، فَيَكُونُ قَدِ ازْدَادَ حَيْضُهَا.
قال الرافعي: إذا جاوز الدم بصفة التلفيق الخمسة عشر فقد صارت مستحاضة كغير ذات التَّلفيق إذا جاوز دمها هذه المدة.
ولا سائر إلى الالتقاط من جميع الشهر، وإن لم يزد مبلغ الدم على أكثر الحيض، وإذا صارت مستحاضة ووقعت الحاجة إلى الفرق بين حيضتها واستحاضتها.
فالمرجع إلى العادة أو التمييز، كما في غير ذات التلفيق.
وقال محمد ابن بنت الشافعي 67: إن اتصل الدم المجاوز بالدم في آخر الخمسة عشر، فالأمر كذلك، وإن انفصل عنه بنقاء متخلّل، فالمجاوز استحاضة، وجميع ما في الخمسة عشر من الدماء إما وحدها أو مع النقاء المتخلّل على اختلاف القولين حيض.
مثال: ما إذا اتصل رأت ستة دماً وستة نقاء، وجاوز فالدم متصل هاهنا من آخر الخمس عشر بأول السادس عشر 68.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
ومثال: ما إذا انفصل، رأت يوماً دماً، ويومًا نقاء وجاوز، فهذه ترى الدم في الخامس عشر، وتكون نقية في السّادس عشر، فعنده جميع الخمسة عشر حيض - على قول السحب، وما فيها من الدماء على قول اللقط، وما جاوز الخمسة عشر استحاضة.
وبه قال أبو بكر المحمودي، وغيره والمذهب الأول.
ثم جعل صاحب الكتاب المستحاضات في هذا الباب أربعاَ:
إحداهن: الناسية، وفي غير ذات التَّلفيق ذكر أَرْبعًا دون النَّاسية، وليس ذلك لاختلاف عددهن بالتقطع وعدم التقطع، لكن حذف ذكر المعتادة المميزة هاهنا، لأن الوقوف على حكمها سهل المأخذ من حيث إن الكلام في أن أي المعنيين، يرجع من العادة والتَّمييز.
وقد سبق في غير ذات التَّلفيق، ولا فرق فيه بين حالة التّقطع، وعدم التقطع، وإذا رجحنا أحد المعنيين، فهي كالمنفردة بتلك الصفة.
المستحاضة الأولى المعتادة الحافظة لعادتها، وعادتها السّابقة على ضربين:
أحدهما: وهو الذي ذكر مثاله في الكتاب العادة التي لا تقطع فيها، فكل عادة تود إليها عند الإطباق والمجاوزة تردّ إليها عند التّقطع والمجاوزة، ثم على قول السحب كل دم يقع في أيام العادة، وكل نقاء يتخلّل بين دمين فيها حيض، وأما النّقاء الذي لا يتخلّل بين دمين فيها لا يكون حيضًا، وأيام العادة هاهنا بمثابة الخمسة عشر عند عدم المجاوزة، فلا معدل عنها وعلى قول التَّلفيق أزمنة النَّقاء طهر، وفيما يجعل حيضًا لها وجهان:
أظهرهما: أن قدر عادتها [من الدماء الواقعة في الخمسة عشر حيض لها، فإن لم تبلغ الدّماء في الخمسة عشر قدر عادتها] 69 جعل الموجود حيضًا ووجهه أن المعتادة عند الإطباق مردودة إلى قدر عادتها، وقد أمكن ردها هنا إلى قدر العادة فيصار إليه.
والثاني: أن حيضها ما يقع من الدماء في أيام العادة لا غير، لأن حكم الحيض عند الإطباق إنما يثبت للدماء الموجودة في أيام العادة، فكذلك هاهنا.
مثاله: كانت تحيض خمسة على التّوالي من كل ثلاثين؛ فجاءها دور تقطع فيه الدم والنّقاء يوماً ويوماً وجاوز الخمسة عشر، فعلى قول السحب نحيضها خمسة من أول الدور، وما فيها من النّقاء مُحْتَوِش بالدم في أيّام العادة فينسحب عليه حكم الحيض، وعلى قول التّلفيق وجهان:
أظهرهما: أن حيضها الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وتجاوز أيام العادة محافظة على القدر.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
والثاني: أن حيضها الأول والثالث والخامس لا غير، ولو كانت تحيض ستة على التوالي ثم استحيضت والدم منقطع كما وصفنا، فعلى قول السحب لا تردها إلى السّتة؛ لأن النقاء في اليوم السادس غير محتوش بدمين في أيام العادة.
وعلى قول التلفيق حيضها على الوجه الأول الأيام الخمسة والحادي عشر أيضاً.
وعلى الوجه الثاني الأوّل والثّالث والخامس لا غير، ولو انقلبت عادتها بتقدم أو تأخر، ثم استحيضت عاد الخلاف كما ذكرنا في حالة الإطباق، وكذا الخلاف فيما يَثبت به العادة.
مثال التقدُّم: كانت عادتها خمسة من ثلاثين كما ذكرنا، فرأت في بعض المشهور اليوم الثلاثين دماً واليوم الذي بعده نقاء، وهكذا إلى أن انقطع دمها وجاوز الخمسة عشر، فعن أبي إسحاق أنها تراعي أيّامها المتقدمة وما قبلها استحاضة، فعلى قول السّحب حيضها اليوم الثاني والثالث والرابع، وعلى قول اللّقط حيضها اليوم الثاني والرابع لا غير، وظاهر المذهب أن العادة تنتقل بمرة واحدة واليوم الثلاثون حيض، فعلى قول السحب حيضها خمسة متوالية من الثلاثين، وعلى قول اللّقط [حيضها اليوم الثلاثون والثاني والرابع] 70 إنْ لَمْ يجاوز أيام العادة، وإن جاوز ضممنا إليها السادس والثامن.
مثال التأخُّر: ما إذا رأت في المثال المذكور اليوم الأول في بعض الأدوار نقاء ثم تقطع عليها الدم والنقاء من اليوم الثاني، وجاوز فعند أبي إسحاق الحكم على ما ذكرنا في الصورة السابقة، وعلى ظاهر المذهب أن فرعنا على قول السحب فحيضها خمسة على التَّوالي من اليوم الثاني، وإن فرعنا على قول اللّقط فإن لم يجاوز أيام العادة فحيضها الثّاني، والرابع، والسادس، وإنْ كان خارجاً عن أيَّام العادة القديمة، لكن بالتأخُّر قد إنتقلت عادتها، وصار أول الخمسة الثَّاني وآخرها السَّادس، وإن جاوزنا أيام العادة فحيضها هذه الأيام مع الثَّامن والعاشر، ولا يخفى أن قدر طهرها السّابق على الاستحاضة في هذه الصورة قد صار ستة وعشرين، وفي سورة المتقدم أربعة وعشرين، ولو لم يتقدم الدم في المثال المذكور ولا تأخُّر، لكن تقطع الدم والنّقاء عليها يومين يومين، فلا يعود خلاف أبي إسحاق، ويبني الحكم على قول التَّلفيق إن سحبنا فحيضها خمسة أيام ولاء واليوم السادس استحاضة كالدماء التي بعده، وإن لفقنا فإن لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الأول والثاني والخامس لا غير، وإن جاوز ضممنا إليها السّادس والتّاسع، وحكى وجه: أن الخامس لا يجعل حيضاَ على قولنا بعدم المجاوزة،
الجزء: 1 - الصفحة: 348
ولا التاسع على قولنا بالمجاوزة، لأنهما متَّصلان بدم الاستحاضة فيضعفان بضعفه، ويجري هذا الوجه في كل نوبة دم يخرج بعضها عن أيام العادة - إن اقتصرنا على أيام العادة أو عن الخمسة عشر إن جاوزنا أيام العادة، وإذا عرفنا قدر حيض هذه المستحاضة على اختلاف الأحوال، فكم مدة طهرها بعد الحيض إلى استئناف حيضة أخرى؟ ينظر إن كان التّقطع بحيث ينطبق الدَّم على أول الدور فهو ابتداء الحيضة الأخرى، وإن لم ينطبق فابتداء حيضها أقرب نوب الدماء إلى أول الدور، تقدمت أو تأخرت، فإن استويا في التّقدم والتّأخر فابتداء حيضها النوبة المتأخرة، ثم قد يتفق المتقدم، أو التأخر في بعض أدوار الاستحاضة دون بعض.
وإذا أردت أن تعرف هل ينطبق الدم على أول الدور أم لا؟ فخذ نوبة دم ونوبة نقاء، واطلب عددًا صحيحًا يحصل من ضرب مجموع النَّوبتين فيه مقدار دورها، فإن وجدته فاعرف انطباق الدم على أول الدور وإلا فاضربه في عدد يكون مردوده أقرب إلى دورها زائدًا كان أو ناقصًا، واجعل حيضها الثَّاني أقرب الدماء إلى أول الدور، فإن استوى طرفا الزيادة والنقصان فالاعتبار بالزائد، ولنوضح ذلك بأمثلة.
عادتها خمسة من ثلاثين، وتقطع الدم يوماً ويومًا في بعض الأدوار وجاوز فنوبة الدم يوم ونوبة النقاء مثله، وأنت تجد عددًا لو ضربت الاثنين فيه كان الحاصل ثلاثين وهو خمسة عشر، فاعرف أنَّ الدم ينطبق على أول دورها أبداً ما دام التقطع بهذه الصفة، ولو كانت المسألة بحالها وتقطع الدّم والنّقاء يومين يومين، فلا تجد عددًا يحصل من ضرب أربعة ففيه ثلاثون، فاطلب ما يقرب الحاصل من الضَّرب فيه من ثلاثين هاهنا عددان سبعة وثمانية إن ضربت الأربعة في سبعة رد ثمانية وعشرين، وإنْ ضربتها في ثمانية رد اثنين وثلاثين، والتَّفاوت في طرفي الزيادة والنقصان واحد، فَخُذ بالزيادة واجعل أول الحيضة الأخرى الثالث والثلاثين وحينئذ يعود ما سبق نقله من خلاف أَبِي إِسْحَاقَ لتأخر الحيض عن أول الدور فحيضها عنده في [أول] الدُّور الثاني هو اليوم الثّالث والرابع لا غير على قولي التَّلفيق جميعاً، وأمّا قول السّحب، فلأن ما قبلهما وما بعدهما نقاء، لم يتخلل بين دمين في أيام العادة، وأما على قول اللّقط، فلأنه ليس لها في أيام العادة دم إلا في هذين اليومين، وأما على ظاهر المذهب، فإن فرعنا على السّحب حيضناها من اليوم الثَّالث خمسة على التّوالي، وإن فرعنا على اللّقط فان جوزنا أيام العادة [فحيضها الثالث والرابع والسابع والثامن والحادي عشر] وإن لم يجاوزها] فحيضها الثّالث والرّابع والسّابع لا غير ثم في الدور [الثالث] ينطبق الدم على أول الدور فلا يبقى خلافاً لأبي إسحاق، ويكون الحكم كما ذكرنا في الدور الأول، وفي الدور الرابع يتأخر الحيض، ويعود الخلاف على هذا أبداً ولم نر أحدًا يقول: إذا تأخر الدم في الدور الثاني بيومين فقد صار أول أدوار المجاوزة اثنين وثلاثين؛ فنجعل
الجزء: 1 - الصفحة: 349
هذا العدد دوراً لها تفريعاً على أن العادة تثبت بمرة وحينئذ ينطبق الدم على أول الدور أبداً؛ لأنا نجد عدداً يحصل من ضرب الأربعة فيه هذا العدد، وهو ثمانية، ولو قال به قائل لما كان به بأس، فإن قلت: هذا الدّور حدث في زمان الاسْتِحَاضَةِ فلا عبرة به، قلنا: لا نسلم فإنا قد نثبت عادة المُسْتَحَاضَةِ مع دوام العلّة ألا ترى أن المُسْتَحَاضَة المميزة يثبت لها بالتمييز عادة معمول بها، ولو كانت المسألة بحالها ورأت ثلاثة دماً وأربعة نقاء، فمجموع النوبتين سبعة فلا نجد عدداً إذا ضربت السبعة فيه رد ثلاثين، فاضربه في أربعة ليرد ثمانية وعشرين، واجعل أول الحيضة الثانية التاسع والعشرين، ولا تضربه في خمسة فإنه يرد خمسة وثلاثين، وذلك أبعد من الدور وعند ذلك يتقدم الحيض على أول الدور، فعلى قياس أبي إسحاق ما قبل الدور استحاضة، وحيضها اليوم الأول على قولي التّلفيق جميعاً، وقياس ظاهر المذهب لا يخفى، ولو كانت عادتها قديماً ستة من ثلاثين، وتقطع الدم في بعض الأدوار ستة ستة، وجاوز ففي الدور الأول حيضها الستة الأولى بلا خلاف، وأمّا في الدور الثاني فإنها ترى سِتَّة من أوله نقاء وهي أيام عادتها، فعند أبي إسحاق لا حيض لها في هذا الدَّور أَصْلاً.
وَأَمَّا سائر الأصحاب فقد حكى إمام الحرمين في هذه الصورة عنهم وجهين:
أظهرهما: أنا نحيضها الستّة الثانية على قولي السّحب، واللّقط جميعاً.
والثاني: أن حيضها السّتّة الأخيرة من الدور الأول؛ لأن الحيضة إذا فارقت محلّها فقد تتقدم وقد تتأخر والسّتة الأخيرة قد تخلّل بينها وبين الحيضة التي قبلها طهر كامل، فتحيض فيها وتحكم بنقصان طهرها السابق، ويجئ هذا الوجه حيث خلا جميع أيام العادة عن الحيض، هذا كله إذا لم ينقص الدم الموجود في زمان العادة عن أقل الحيض، أما إذا نقص، كما إذا كانت عادتها يوماً وليلة نقاء واستحيضت.
قال صاحب الكتاب: فهذا فيه إشكال يعني على قول السحب، لأن إتمام الدم بالنّقاء عسير؛ لأنه غير مُحْتَوِش بالدَّم في وقت العادة، ولا يمكن الاقْتِصَارُ على اليوم الواحد، ولا تكميله باليوم الثّاني، فإن مجاوزة العادة على قول السّحب ممّا لا يجوز، فبماذا تحكم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه لا حيض لها في هذه الصُّورة؛ لتعذُّر الأقسام وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ.
والثاني: أنها تعود في هذه الصُّورة إلى قول التَّلفيق.
وتستثنيها عن قول السحب؛ لأنه يبعد أن يقال: لا حيض لها، وهي ترى الدم شَطْرَ دَهْرِهَا على صفة الحيض، ويهذا قال أبو بكر المحمودي.
والثالث: أنا نحيضها اليوم الأول والثّاني والليلة بينهما وليس فيه إلاَّ زيادة حيضها
الجزء: 1 - الصفحة: 350
وهو أقرب الأقسام والأحوال، وهذا الوجه ذكره الشيخ أبو محمد.
وأما على قول التَّلْفيق فلا حيض لها إن لم تجاوز أيَّام العادة، وإن جاوزناها حيضناها في اليوم الأول والثاني، وقلنا: الليلة بينهما طهر.
الضرب الثاني: العادة المتقطّعة فإذا استمرت لها عادة متقطعة قبل الاستحاضة، ثم استحيضت مع التّقطع فننظر إن كان التّقطع بعد الاستِحَاضَة كالتّقطع قبل الاستحاضة فمردها قدر حيضها على اختلاف القولين:
مثاله: كانت ترى ثلاثة دماً وأربعة نقاء وثلاثة دماً وتطهر عشرين ثم استحيضت والتقطع بهذه الصفة فعلى قول السحب كان حيضها عشرة قبل الاستحاضة فكذلك بعدها، وعلى قول اللّقط كان حيضها ستّة يتوسط بين نصفيها أربعة فكذلك الآن وإن اختلفت كيفية التقطع كما إذا انقطع الدّم عليها في المثال المذكور في بعض الأدوار يوماً يوماً واستحيضت، فعلى قول السحب حيضها الآن تسعة أيام؛ لأنها جملة الدماء الموجودة في أيام العادة وما بينها من النقاء واليوم العاشر نقاء لم يتخلل بين دمين، في وقت العادة وعلى قول اللقط، إن لم يجاوز أيام العادة فحيضها اليوم الأول والثَّالث والتَّاسع إذ ليس لها في أيّام حيضها القديم على هذا القول دم إلا في هذه الثلاثة، وإن جاوزناها ضممنا إليها الخامس والسابع والحادي عشر تكميلاً لقدر حيضها.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ الْمُبْتَدَأَةُ) فَإذَا رَأَتِ النَّقَاءَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي صَامَتْ وَصَلَّتْ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ مَهْمَا رَأَتِ النَّقَاءِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ، ثُمَّ مَرَدُّهَا إِمَّا يَوْمٌ وَلَيلَةٌ وَإِمَّا أَغْلَبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ فِي حَقِّهَا كَالعَادَةِ فِي حَقِّ المُعْتَادَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن المبتدأة إذا تقطع عليها الدَّم تصوم وتصلّي عند الانقطاع الأول، وهكذا في سائر الانقطاعات الواقعة في الخمسة عشر، وقد اشتمل الفرع المذكور قبل تقسيم المُسْتَحَاضَاتِ على ما ذكره في هذا الموضع أو على بعضه؛ لأن قوله: "ثم إذا انقطع دمها تؤمر بالعبادة في الحال" إن أراد به كل الانقطاع فهو والمذكور في هذا الموضع شيء واحد، وإن أراد به الانقطاع الأول فهو قوله هاهنا: "وإذا رأت النّقاء في اليوم الثّاني صامَت وصلَّت".
وليكن قوله: "وهكذا تفعل مهما رأت النّقَاء" مُعَلَّمًا بالواو لما بيناه في شرح ذلك الفرع، ثم إذا جاوز دمها بصفة التّقطع الخمسة عشر تبين أنها مستحاضة، فإن قلنا: المبتدأة ترد إلى يوم وليلة وهو الأصح، وكان تقطع الدم والنقاء عليها يوماً يوماً فحيضها يوم وليلة والباقي طهر، وإن قلنا: إنها ترد إلى ست أو سبع فعلى قول السّحب أن رددناه إلى ست فحيضها خمسة على التّوالي؛ لأن اليوم السادس نقاء لم يحتوشه دمان
الجزء: 1 - الصفحة: 351
في المراد، وإن رددناه إلى سبع فحيضها سبع على التوالي 71 وعلى قول اللقط إن لم يجاوز أيام العادة.
ورددناها إلى ست فحيضها اليوم الأول، والثالث والخامس وإن رددناها إلى سبع ضممنا اليوم السابع إلى هذه الأيام وإن جاوزنا أيام العادة ورددناها إلى ستِّ فحيضها ست من أيام الدماء، وإن رددناها إلى سبع فحيضها سبعة منها، وكل هذا على ما تقدم في المعتاد.
فلذلك قال: "ومردها في حقها كالعادة في حق المعتادة" وابتداء الحيضة الثانية طريقة ما ذكرنا في المعتادة.
ثم إذا كانت تصلِّي وتصوم في أيام النّقاء حتى جاوز الدم الخمسة عشر وتتركها في أيّام الدّم كما أمرناها به فلا خلاف في أنها تقضي صيام أيّام الدم بعد المرد وصلواتها؛ لأنها تركتهما رجاء الانقطاع قبل الخمسة عشر فإذا جاوزها الدم وتبين الطهر في تلك الأيام، فلا بد من قضاء العبادة المتروكة، وأما صلوات أيام النقاء وصيامها فعلى قول اللقط لا حاجة إلى قضائها أصلاً، وأما على السّحب فلا حاجة أيضاً إلى قضاء الصلوات؛ لأنها إن كانت طاهراً فقد صلَّت وإن كانت حائضاً فلا صلاة عليها وفي صومها قولان:
أظهرهما: أنها لا تقضي أيضاً، كما في الصلاة.
والثاني: تقضي لأنها صامت على تردد في صحته وفساده، فلا يجزئها بخلاف الصَّلاة فإن الصَّلاة إن لم تصح لم يجب قضاؤها إذ لا يجب قضاء الصلاة على الحائض ثم منهم من بني القولين على القولين فيما إذا صلّى خنثى خلف امرأة وأمرناه بالقضاء فلم يَقْضِ حتى بَانَ كونه امرأة هل يلزمه القضاء؟ لأن العبادة في الصورتين مؤداة على التردُّد في صحتها وفسادها.
وقال الأكثرون: هما مبنيان على القولين المذكورين في أن المبتدأة هل تحتاط بعد المردّ إلى آخر الخمسة عشر أم لا؟ إن قلنا: تحتاط وجب القضاء مع الأداء، وإلا فلا.
قالوا: ولو كان الخلاف مبنيًّا على مسألة الخنثى لكان مخصوصاً بالشهر الأول من شهور الاستحاضة، لثبوت الاستحاضة بعد ذلك الشهر، وارتفاع التردُّد والخلاف مطرد في الأدوار كلها خرج من هذا أنا إن حكمنا باللّقط لم تقض من الخمسة عشر إلا صلوات سبعة أيّام وصيامها إن رددنا المبتدأة إلى يوم وليلة وهي أيام الدّم سوى اليوم
الجزء: 1 - الصفحة: 352
الأول، وإن رددناها إلى ست أو سبع فإن لم تجاوز أيام العادة وكان الرد إلى ست قضتها من خمسة أيام، وإن ردت إلى سبع فمن أربعة أيام، وإن جاوزناها وردت إلى ست قضتها من يومين، وإن ردت إلى سبع فمن يوم واحد، وأما إن حكمنا بالسحب، فإن رددناها إلى يوم واحد قضت صلوات سبعة أيام، وهي أيام الدم سوى اليوم الأول ولا تقضي غير ذلك وفي الصوم قولان:
أظهرهما: لا تقضي إلا صيام ثمانية أيام، وهي أيام الدم كلّها.
والثاني: تقضي صيام الخمسة عشر، ولفظ "الوسيط" يعبر عن القول الأول: إنه لا يلزمها إلا قضاء تسعة أيام في رمضان؛ لأنها صامت سَبْعَةً في أيام النقاء من الشطر الأول، ولولا ذلك النقاء لما لزمها إلا ستة عشر فإذا حسبنا سبعة بقى تسعة والصواب ما قلناه وهو المذكور في "التهذيب" وغيره، ولولا النقاء لما لزمها إلا خمسة عشر، وإنما تلزم الستة عشر إذا أمكن انبساط أكثر الحيض على الستة عشر، وهو غير ممكن في المثال الذي نتكلم فيه وإن رددناها إلى ست، أو سبع فان ردت إلى ست قضت صلوات خمسة أيام، وهي أيام الدماء التي لم تصل فيها بعد المرد؛ لأن جملتها ثمانية ويقع منها في المردّ ثلاثة، وإن ردت إلى سبع قضت صلوات أربعة أيام وأما الصّوم فعلى أحد القولين تقضي صيام الخمسة عشر جميعاً، وعلى أظهرهما: إن ردت إلى ست قضت صيام عشرة أيام ثمانية منها أيام الدم في الخمسة عشر، ويومان نقاء وقعا في المردِّ لتبين الحيض فيهما، وإن ردت إلى سبع قضت صيام أحد عشر يوماً، هذا تمام الكلام في المبتدأة التي لا تمييز لها.
قال الغزالي: (الثَّالِثَةُ المُمَيَّزَةُ) وَهِيَ الَّتِي تَرَى يَوْماَ يَوْمًا قَوِيًّا وَيومًا دَمًا ضَعِيفًا، فَإِنْ أَطْبَقَ الضَّعِيفُ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيَّضْنَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لإحَاطَةِ السَّوَادِ بِالضَّعِيفِ المُتَخَلِّلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَرْكِ التَّلْفِيقِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَمَر تَعَاقُبُ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ فَهِيَ فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ.
قال الرافعي: المبتدأة إذا كانت مميزة ننظر إن كانت فاقدة لشرط التَّمييز فهي كالفاقدة لأصل التمييز، وحكمها ما سبق نظيره لو رأت يوماً سوادًا ويوماً حمرة إلى آخر الشَّهر فهي فاقدة لأحد شروط التَّمييز، وهو أن لا يجاوز القوي الخمسة عشر.
وقوله: في هذا المثال فهي فاقدة للتمييز لفوات شرطه أي: للتّمييز المعتبر، وإلا فهي واجدة لأصله، وإن كانت واجدة لشرط التمييز، فعلى قول السّحب حيضها الدماء القوية في الخمسة عشر مع النّقاء المتخلل والضعيف المتخلل، وعلى قول اللّقط حيضها القوي دون ما يتخلّله مثاله رأت يوماً سواد ويومًا حمرة إلى آخر الخمسة عشر ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 353
استمرت الحمرة بعد الخمسة عشر أما بصفة التقطع فحيضها على قول السحب جميع الخمسة عشر، وعلى قول اللقط أيام السواد، وهي ثمانية:
وقوله: "المميّزة وهي التي ترى يوماً دماً قويًّا ويوماً دماً ضعيفاً" يوهم اشتراط التّقطّع بين القوي والضعيف ليثبت التمييز فإنه كالتفسير للمميزة ولا يشترط ذلك بل يثبت التمييز المعتبر، وإن كان التّقطّع بين القوي والنقاء، والشرط أن لا ترى القوي إلاَّ في الخمسة عشر، ويكون المجاوز هو الضعيف، ولا فرق في الضعيف المجاوز بين أن يكون دائمًا أو متقطعًا.
وقوله: "وكل ذلك تفريع على ترك التَّلفيق" أي: قول السحب وإنما كان يحسن قوله: وكل ذلك إذا جرى تفريع طويل، ولم يَجْرِ هاهنا كثير شيء.
قال الغزالي: (الرَّابِعَة النَّاسِيَةُ)، فَإنْ أَمَرْنَاهَا بِالاحْتِيَاطِ عَلَى الصَّحِيحِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَن أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ السَّحْبِ إِذْ مَا مِنْ نَقَاءٍ إِلاَّ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَإنَّمَا تُفَارِقُهَا فِي أَنَّا لاَ نَأْمُرُهَا بِتَجْدِيدِ الوُضوءِ فِي وَقتِ النَّقَاءِ؛ لِأَنَّ الحَدَثَ فِي صُورَته غَيْرَ مُتَجَدِّدٍ وَلاَ بِتَجْدِيدِ الغُسْلِ إِذْ الانْقِطَاعُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَالَةِ انْتِفَاءِ الدَّمِ، وَعَلَى قَوْلِ التَّلْفِيقِ يَغْشَاهَا الزَّوجُ فِي أَيَّامِ النَّقَاءِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فِيهَا فِي كُلِّ حُكْمٌ.
قال الرافعي: النَّاسية لعادتها قد تنساها من كل وجه وهي المتحيرة وقد تنساها من وجه دون وجه كما في حالة الإطباق، فأما المتحيّرة فيعود فيها القولان المذكوران عند الإطباق، إن قلنا: هي كالمبتدأة فحكمها ما تقدم، وإن أمرناها بالاحتياط وهو الصحيح بنينا أمرها على قولي التّلفيق، إن قلنا بالسحب فتحتاط في أزمنة الدم من الوجوه التي ذكرناها في حالة الإطباق بلا فرق لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع وتحتاط في أزمنة النقاء أيضاً إذا ما من نقاء إلا ويحتمل أن يكون حيضًا نعم لا تؤمر بالغسل في وقت النّقاء؛ لأن الغسل إنما يجب لاحتمال الانقطاع ولا انقطاع في حالة انتقاء الدم وكما لا تؤمر بتجديد الغسل لا تؤمر بتجديد الوضوء إيضًا؛ لأن ذلك إنما يجب لتجدّد الحدث ولا تجدد في وقت النقاء، فإذًا يكفيها لزمان النّقاء الغسل عند إنقطاع كل نوبة من نوب الدّماء، وإن قلنا باللقط فعليها أنْ تحتاط في أيام الدّم وعند كل انقطاع وأما في أزمنة النّقاء فهي طاهر في الغشيان وسائر الأحكام ولك أن تستدرك من جملة اللّفظ على قوله، وإنما تفارقها في أنّا لا نأمرها بتجديد الوضوء في أيام النقاء ونقول: إنما ينتظم هذا الكلام أن لو كانت المتحيّرة عند الإطباق مأمورة بتجديد الوضوء لتكون هذه مفارقة لها ومعلوم أنها لا تؤمر بتجديد الوضوء وإنما تؤمر بتجديد الغسل فكان الأحسن أن يقول: وإنما تفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الغسل وكذلك بتجديد الوضوء.
الجزء: 1 - الصفحة: 354
وأما النَّاسية التي نسيت عادتها من وجه دون وجه، فتحتاط على مقتضى قولي التّلفيق، مع رعاية ما نذكره.
مثاله: قالت: أضْللت خمسة في العشرة الأولى من الشهر وقد تقطع الدم والنّقاء عليها يوماً يوماً واستحيضت فإن قلنا بالسحب فاليوم العاشر طهر؛ لأنه نقاء لم يتخلل بين دمي حيض ولا غسل عليها في الخمسة الأولى لتعذر الانقطاع فإذا انقضت اغتسلت وبعدها لا تغتسل في أيام النقاء وتغتسل في آخر السابع والتاسع لجواز الابتداء في أول الثّالث والخامس، وهل تغتسل في أثناء السابع والتاسع؟ منهم.
من قال: نعم، لإمكان الانقطاع في الوسط وغلطهم المعظم لأن الانقطاع في الوسط لو فرض هاهنا لفرض ابتداءً في أثناء الثاني أو الرابع، وهي نقية فيهما فإن قلت إذا خرج اليوم العاشر انحصر الضّلال في التّسعة والخمسة التي هي قدر الحيض زائدة على نصف التِّسعة فهلاَّ كان لها حيض بيقين كما كان في حالة الإطباق فالجواب: أن إضلال الخمسة في التسعة المتقطعة يوجب التردد في مقدار الحيض؛ لأن بتقدير تأخّر الحيض إلى الخمسة الأخيرة لا تكون الآن حائضاً إلاَّ في ثلاثة أيّام منها؛ لأن السَّادس نقاء لم يتخلّل بين دمي حيض، وكذلك العاشر وفي حالة الإطباق، لا تردد في قدر الحيض؛ فلهذا افترقا في تيقُّن الحيض، وأما إذا قلنا باللّقط، فإن لم يجاوز أيَّام العادة، فالحكم كما ذكرنا في قول السّحب، إلا أنها طاهر في أيام النقاء في كل حكم وأنها تغتسل عُقَيْبَ كل نَوْبَةٍ من نوب الدم في جميع المدة؛ لأن المتقطع حيض: وإن جاوزنا أيام العادة حيضناها خمسة أيام وهي الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع وبتقدير انطباق الحيض على الحيضة الأولى بتقدير تأخُّرها إلى الخمسة الثّانية فليس لها في الخمسة الثانية إلا يوماً دم وهما السّابع والتّاسع فتضم إليهما الحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر، فهي إذًا حائض في السّابع والتّاسع بيقين لدخولهما في كل تقدير -والله أعلم-.
الْبَابُ الخَامِسُ فِي النِّفَاسِ
72 قال الغزالي: وَأكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَأَغْلَبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْماً، وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ (ز) وَالتَّعْوِيلُ فِيهِ عَلَى الوُجُودِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
قال الرافعي: أكثر النِّفاس ستُّون يوماً، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، حيث قالا: أكثره أربعون يوماً، ورووا عن مالك فيه روايتين:
أحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى: أنه لا حد له، ويرجع إلى أهل الخبرة من النساء فتجلس أقصى ما يجلس النساء] 73.
لنا الرجوع إلى ما وُجدَ وَعُهِدَ كما ذكرنا في الحَيْض، وقد روى عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النِّفاس شهرين، وعن ربيعة: أدركت النساء يقلن أكثر ما تنفس المرأة ستُّون يوماً.
ولك أن تعلّم المسألة مع الحاء والألف والميم بالقاف؛ لأن أبا عيسى التِّرمذي روى في جامعه عن الشافعي -رضي الله عنه- أن دم النِّفاس إذا جاوز الأربعين، لم تدع الصلاة بعد ذلك 74، فحصل قول على موافقتهم ووجهه ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَتِ النَّفَسَاءَ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَرْبَعِينَ يَوْمًا" 75.
وهذا على ظاهر المذهب محمول على الغالب ولا شك في أن غالب النّفاس أربعون يوماً.
وأما أقله فلا حد له.
ويثبت حكم النّفاس لما وجدته قل أو أكثر، والمعنى فيه الرجوع إلى الوجود كما ذكرنا.
ولك أن تعلّم المسألة بالحاء، لأنه روى عن أبي حنيفة في أقل النّفاس ثلاث روايات:
إحداها: مثل مذهبنا وهي الأظهر.
والثانية: أنه أحد عشر يوماً.
والثالثة: خمسة وعشرون يوماً، وبالزاي لأن المُزْنِيَّ قال أقله أربعة أيام؛ لأن أكثر النّفاس، مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله مع أقله كذلك.
واعلم أنه لا فرق في حكم النّفاس وبين أن يكون الولد حيًّا أو ميّتًا كامل الخِلْقَة أو ناقصها.
ولو ألقت عَلَقَةَ أو مُضْغَةً، وقالت القوابل: إنه ابتداء خلق الآدمي، فالدم الذي تجده بعده نفاس ذكره في "التَّتمة".
الجزء: 1 - الصفحة: 356
قال الغزالي: فَإنْ رَأَتْ قَبْلَ الوِلاَدَةَ دَمًا عَلَى أَدْوَارِ الحَيْضِ، فَلَهُ حُكْمُ الحَيْضِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، إلاَّ فِي انْقِضَاءِ العِدَّةِ بِهِ، فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْساً وَتَطْهُرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَحَاضَتْ خَمْسًا وَوَلَدَتْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الطُّهْرِ فَمَا بَعْدَ الوَلَدِ نِفَاسٌ، وَنقْصَانُ الطُّهْرِ قَبْلَهُ لاَ يَقْدحُ فِي إفْسَادِهِ وَلاَ فِي إفْسَادِ الحَيْضِ المَاضِي؛ لِأَنَّ تَخَلُّلَ الوِلاَدَةِ أَعْظَمُ مِنْ طُولِ المُدَّةِ، وَلَوْ اتَّصَلَتِ الوِلاَدَةُ بِآخِرِ الخَمْسَةِ وَجَعَلْنَاهَا حَيْضاً فَلاَ نَعُدُّهَا مِنَ النِّفَاسِ، وَلاَ نَقُولُ: هُوَ نِفَاسٌ سَبَقَ، وَكَذَلِكَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الدَّمِ فِي حَالِ ظُهُورِ مَخَايِلِ الطَّلْقِ.
قال الرافعي: ما تراه الحامل من الدم على ترتيب أدوار الحيض هل هو حيض أم لا؟ قال في القديم: لا، بل هو دم فساد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" 76.
جعل الحيض دليلاً على براءة الرحم، فلو قلنا: الحامل تحيض لبطلت دلالته، ولأن فم الرحم ينسد بالحمل فيمتنع خروج دم الحيض، فإن الحيض يخرج من أقصى الرحم.
وقال في الجديد: هو حيض، وبه قال مالك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" 77.
أطلق ولم يفصل بين الحامل والحائل، ولأنه دم في أيَّام العادة بصفة الحيض على قدره فجاز أن يكون حيضًا كدم الحامل والمرضع ولا فرق على القولين بين ما تراه قبل حركة الحمل وما تراه بعدها، ومنهم من قال القولان فيما بعد حركة الحمل أما من وقت العلُوق إلى الحركة، فهو كحال الحيال.
فإن قلنا: إنه ليس بحيض فهو حدث دائم كسلس البول.
وإن قلنا: إنه حيض حرم فيه الصّلاة والصّوم والوطء، ويثبت جميع أحكام الحيض، إلا أنه لا يحرم فيه الطلاق، ولا تنقضي به العدّة.
قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 78.
ثم إن هذا القول في الدّم من التي ولدت بعد خمسة عشر فصاعداً من وقت
الجزء: 1 - الصفحة: 357
انقطاعه، أما إذا ولدت قبل تمام خمسة عشر من انقطاعه، فهل يكون حيضًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يتخلّل بينه وبين النّفاس طهر كامل.
وأصحّهما: أنه حيض أيضاً على هذا القول؛ لأنه قد تقدمه طهر كامل ونقصان الطهر إنّما يؤثر فيما بعده لا فيما قبله وهاهنا لم يؤثر فيما بعده؛ لأن ما بعد الولد نفاس بلا خلاف، فأولى أن لا يؤثر فيما قبله، وعند هذا لا نسلم اشتراط تخلّل الطهر الكامل بين الدمين مطلقاً، وإنما يشترط ذلك إذا كان كل واحد منهما حيضًا وهاهنا أحدهما نفاس.
ولو رأت الحامل الدم على عادتها وولدت على الاتصال بآخره ولم يتخلل طهر أصلاً ففيه هذان الوجهان، ولا خلاف في أن ذلك الدم لا يعد من النفاس؛ لأن النفاس لا يسبق الولادة، بل هو عند الفقهاء عبارة عن الدم الذي يخرج عقب الولادة، ولهذا قطع معظم الأصحاب، بأن ما يبدو عند الطَّلق ليس بنفاس أيضاً، وقالوا: ابتداء النفاس يحسب من وقت انفصال الولد.
وحكى صاحب "الإفْصَاح" وجهاً فيما يبدو عند الطلق: أنه نفاس لأنه من آثار الولادة، ثم على طريقة المعظم، كما لا نجعل ذلك الدم نفاسًا لا نجعله حيضًا كذلك، ذكره القاضي أبو المكارم 79 في العدة، ورأيته لأبي عبد الله الحناطي أيضاً.
وحكى مع ذلك وجهاً آخر أنه حيض على قولنا: الحامل تحيض وإذا كان الظاهر في هذه الصورة أنه ليس بحيض أيضاً وجب أن يستثنى هذا الدم عن صورة القولين في دم الحامل، فإنها حامل بعد في تلك الحالة.
وأما الدم الخارج مع الولد فهل هو نفاس أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وبه قال ابن القاص وأبو إسحاق؛ لأنه خارج بسبب الولادة فصار كالخارج بعدها.
وأصحهما: لما ذكرنا أنه لم يخرج عقيب الولادة.
وقول الأول يشكل بالبَادي عند الطّلق، فإن كلا من الأصحاب استبعد عده من النِّفاس.
ثم على الوجه الثّاني ما حكم ذلك الدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
حكى صاحب "التَّهْذِيب" فيه وجهين:
أشهرهما: أنه كالخارج قبل الولادة لأنها قبل انفصال كل الولد في حكم الحامل، ألا ترى أنه يجوز للزوج مراجعتها.
والثاني: أنه كالخارج بين الولدين لخروج بعض الحمل فإذا قلنا: إنه نفاس وجب به الغسل، وإن لم تر بعد الولادة دماً، وقلنا: لا غسل على ذات الجفَاف وتبطل صومها.
وعلى الوجه الثاني: لا يجب الغسل به، ولا يبطل صومها إذا لم تر بعد الولادة دماً، أو كان ما بعد الولادة بعد انقضاء النهار، ويحصل من الخلاف المذكور في هذه المسائل وجوه في أن ابتداء مدة النّفاس من أي وقت يحتسب:
أحدها: يحسب من وقت الدّم البادي عند الطّلق.
والثاني: من الدم الخارج مع ظهور الولد.
والثالث: وهو الأظهر من وقت انفصال الولد وحكى إمام الحرمين وجهاً: أنها لو ولدت ولم تر الدم أياماً، ثم ظهر الدم فابتداء مدة النّفاس من وقت خروج الدم بحسب لا من وقت الولادة فهذا وجه رابع وموضعه ما إذا كانت الأيام المتخللة دون أقل الطهر، وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن قوله: "فلو كانت تحيض خمسة وتطهر خمسة وعشرين" إلى آخر المسألة تفريع على قولنا: إن الحامل تحيض، ولذلك حسن في التّصوير تسمية ما رأته حيضاً، وَإِلاَّ فهو على القول الآخر ليس بحيض ثم جريان عادتها بما ذكرناه ليس بشرط بل مهما رأت دماً في زمان الإمكان وولدت قبل مضي خمسة عشر من وقت انقطاعه فهو سورة المسألة سواء كان ذلك الدم معتاداً لها أم لا وليعلّم قوله: "ولا في إفساد الحيض" بالواو لما سبق.
وقوله: "لأن تخلّل الولادة أعظم من طول المدة" أي في التَّأثير وفصل أحد الدّمين عن الآخر ولقوة تأثيرها قامت في العدة مقام المدة الطويلة.
وقوله في الصورة الأخرى: "وجعلناها حيضًا" أي إذا فرعنا على أن ما تراه الحامل حيض، ولك أن تقول لا حاجة إلى هذا التّقييد في الحكم الذي رتبه عليه؛ لأن الَّذي على هذه الصّورة أنا لا نعدها من النّفاس ولا نقول هو نفاس سبق والأمر كذلك، وإن لم نجعل تلك الخمسة حيضًا على ما سبق بيانه.
وقوله: "ما يظهر من الدم في حال ظهور مخايل الطلق" ينبغي أن يعلّم أيضاً بالواو للوجه الذي رويناه.
قال الغزالي: فَأَمَّا الدَّمُ بَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ فَنِفَاسٌ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ
الجزء: 1 - الصفحة: 359
الحَامِلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نِفَاسٌ فَمَا بَعْدَ الثَّانِي مَعَهُ نِفَاسَانِ عَلَى وَجْهٍ، وَنفَاسٌ وَاحِدٌ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنْ تَمَادَى الأَوَّلُ سِتِّينَ يَوْمًا فَنِفَاسَانِ، وَإلاَّ فَنِفَاسٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: في الدم الذي تراه المرأة بين التَّوأمين وجهان:
أحدهما: أنه ليس بنفاس، لأنه دم خرج قبل فراغ الرحم، فأشبه دم الحامل.
والثاني: ويحكى عن صاحب "التَّلْخِيصِ" أنه نفاس، لأنه خرج عُقَيْبَ خروج نفس وجعل صاحب الكتاب هذا الوجه أصح اقتداء بإمام الحرمين، لكن الأصح عن الشيخ أبي حامد وأصحابنا العراقيين، إنما هو الأول، وتابعهم عليه صاحب "التَّهْذِيب"، فإن قلنا: ليس بنفاس، فقال الأكثرون: إنه ينبني على دم الحامل إن جعلناه حيضاً - فهو أولى، وإلاّ ففيه قولان، والفرق أنها إذا وضعت إحدى التَّوأمين كان استرخاء الدم قريباً، بخلاف ما قبل الولادة، فإن فم الرحم منسدُّ حينئذ، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال "وقيل: إنه كدم الحامل" وهو الوجه الثاني من قوله: "على أصح الوجهين"، وليعلّم بالحاء والألفِ، لأن عندهما هو نفاس.
ويحكى مثل ذلك عن مالك وفي كلام بعض الأصحاب ما يقتضي كونه دم فساد.
وإن قلنا: الحامل تحيض كالدَّم الذي يظهر عند الطَّلق، وأما إذا فرعنا على أنه نفاس، فهل بعد الثاني معه نفاس واحد أو نفاسان؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نفاسان لانفصال كل واحدة من الولادتين عن الأخرى، وعلى هذا لا يبالي بمُجَاوزة الدّم السّتين من الولادة الأولى.
والثاني: هما نفاس واحد؛ لأنهما في حكم الولد الواحد، ألا ترى أن العدّة لا تنقضي بوضع أحدهما فعلى هذا إذا زاد الدّم على ستين من الولادة الأولى فهي مستحاضة، واختلفوا في موضع هذين الوجهين.
قال الصيدلاني: موضعهما ما إذا كانت المدّة المتخلّلة بين الدّمين دون السّتين، أما لو بلغت السّتين، فهو نفاس آخر لا محالة، وهذا ما أشار إليه بقوله: "وقيل: إن تمادي الأول ستين يوماً" إلى آخره.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا فرق.
وإذا ولدت الثاني بعد السّتين وفرعنا على اتّحاد النّفاس فما بعده استحاضة، ولو سقط عضو من الولد، والباقي مجبن 80 ورأت في تلك الحالة دماً، فهل هو نفاس؟ ذكر في "التتمة" أنه على الوجهين في الدّم الخارج
الجزء: 1 - الصفحة: 360
بين الولدين والله أعلم، هذا إذا لم يجاوز دم النّفساء الستين.
قال الغزالي: أَمَّا المُسْتَحَاضَاتُ فِي النِّفَاسِ فَهُنَّ أَرْبَعٌ: (الأُولَى) المُعْتَادَةُ فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا مِنَ الأَرْبَعِينَ مَثَلاً ثُمَّ يُحْكَمُ بِالطُّهْرِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا ثُمَّ تَبْتَدِئُ حَيْضَهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ مِرَاراً وَهِيَ ذَاتُ جَفَافٍ ثُمَّ وَلَدَتْ وَاسْتُحِيضَتْ فَهِيَ كَالمُبْتَدَأَةِ، وَعَدَمُ النِّفَاسِ لاَ يُثْبِتُ لَهَا عَادَةً، كَمَا أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ خَمْسَةَ وَطَهُرَتْ سِتَّةً وَهَكَذَا مِرَارًا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فَلاَ تُقِيمُ الدَّوْرَ سَنَةً بَلْ أَقْصَى مَا يَرْتَقِي الدَّوْرُ إِلَيْهِ تِسْعُونَ يَوْماً، وَهِيَ مَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الآيِسَةَ فَمَا فَوقَهُ لاَ تُؤَثِّرُ العَادَةُ فِيهِ.
قال الرافعي: إذا جاوز الستين فقد دخلت الاسْتِحَاضَة في النفاس، وطريق التمييز بينهما ما تقدم في الحيض، هذا ظاهر المذهب وعليه يبني تقسيم حالها إلى المعتادة والمبتدأة كما ذكر في الكتاب، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن جميع السّتين نفاس، والزائد عليه استحاضة بخلاف ما في الحيض، لأن الحيض محكوم به ظاهراً لا قطعًا، فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر والنِّفاس مقطوع به إذ الولادة معلومة والنفاس هو الخارج بعد الولادة، فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بيقين - وهو مجاوزة الأكثر وعلى هذا يجعل الزّائد اسْتِحاضة إلى تمام طهرها المعتاد أو المردود إليه في المبتدأة ثم ما بعده حيض.
والوجه الثاني: أن السّتين نفاس والذي بعده حيض على الاتِّصال به، لأنهما دمان مختلفان فيجوز أن يتعقب كل واحد منهما الآخر، وأطبق الجمهور على ضعف هذين الوجهين، وقالوا: ننظر إن كانت معتادة ذاكرة لعادتها مثل إن كانت تنفس فيما سبق أربعين، ثم ولدت مرة وجاوز دمها السّتين فترد إلى الأربعين، كما ترد في الحَيْضِ إلى عادتها، ثم لها في الحيض حالتان ذكر أولهما في الكتاب دون الثانية.
الأولى: أن تكون معتادة في الحيض أيضاً، فنحكم لها بالطهر بعد الأربعين على قدر عادتها في الطّهر، ثم تحيض قدر عادتها في الحيض.
والثانية: أن تكون مبتدأة في الحَيْض فنجعل القدر الذي إليه ترد المبتدأة في الطّهر استحاضة، والذي ترد إليه في الحيض حيضًا، والخلاف المذكور فيما تثبت به العادة وفي أنه إذا اجتمعت العادة والتَّمييز أيهما يقدم يجري هاهنا كما في الحيض، ولو ولدت المرأة مراراً، وهي ذات جفاف، ثم ولدت مرة ونفست واستحيضت، فلا نقول عدم النّفاس عادة لها، وإنما هي مبتدأة في النفاس كالتي لم تلد أصلاً، وسنذكر حكم المبتدأة، وشبه صاحب الكتاب هذه المسألة بمسألة في الحَيْض، وهي أن المعتادة في الحيض لو كانت تحيض خمسة وتطهر سنة أو سنتين، واستمر بها ذلك - ثم إنها
الجزء: 1 - الصفحة: 361
استحيضت- فهل نجعل المدة الطويلة طهراً لها؟ قال القفال: لا، إذ يبعد أن لا نحكم بحيضها سنة أو سنتين، والحد الفاصل بين ما يكون طهراً بين حيضتين، ويثبت عادة وبين ما لا يكون كذلك تسعون يوماً، خمسة عشر فما دونها حيض والباقي طهر، لأن عدة الآيسة تنقضي بهذا القدر، والعدة وجبت لبراءة الرحم، والدور الواحد مظنّة البراءة بدليل الاسْتِبْرَاء، فلو تصور أن يزيد الدور على هذا القدر لما اكتفى به، وهذا هو الذي أورده في الكتاب -وعلى هذا لو زاد الطّهر المتقدم على الاسْتِحَاضَة على القدر المذكور نظر فيما قبل ذلك، إن كان لها طهر على الحد المعتبر- جعل طهرها بعد الاستحاضة ذلك القدر، وإلاَّ فحكمها في الطّهر حكم المبتدأة، ووجه تشبيه مسألة النّفاس بهذه المسألة أنّا لا نجعل عدم الحَيْض في المدّة الطويلة عادة لها، فكذلك عدم النّفاس لا يصير عادة، والذي يوافق إطلاق أكثر الأصحاب الرّد إلى عادتها في الطهر، طالت المدة أو قصرت، وقد نص عليه الشيخ أبو حامد والمقتدون به، ويدل عليه ظاهر خبر المعتادة التي استفتت لها أم سلمة كما سبق فإنه مطلق فوجب إعلام قوله: "فلا نقيم الدور سنة" بالواو لهذا المعنى.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ) المُبْتَدَأَةُ إِذَا اسْتُحِيضَتْ تُرَدُّ إلَى لَحْظَة عَلَى قَوْلٍ، وَإلَى أَرْبَعِينَ عَلَى قَوْلٍ، (الثَّالِثَةُ) المُمَيِّزَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الحَائِضِ فِي شَرْطِ التَّمْيِيزِ إِلاَّ أَنَّ السِّتيِّنَ ههُنَا بِمَثَابَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الدَّمُ القَوِيُّ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا استحيضت في النّفاس وهي مبتدأة، فننظر هل هي مميزة بشرط التمييز أم لا؛ فإن لم تكن، ففيها قولان:
أصحهما: الرد إلى الأقل، وهو لحظة.
والثاني: الرد إلى الغالب، وهو أربعون يوماً، وفي المسألة طريقة أخرى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبي إسحاق، وهي الجزم بالرد إلى الأقل، والمشهور إثبات القولين كما في الحَيْض، وهو الذي ذكره في الكتاب.
وحكى في "العدّة" قولاً ثالثاً، وهو الرّد إلى أكثر النّفاس، ونقله قولاً عن الشّافعي غريب نعم هو مشهور بالمزنِيّ وينبغي أن يعلّم قوله: "إلى لحظة" و"إلى الأربعين" كلاهما بالزاي، لذلك ثم منهم من خصص ذهابه إليه بالمبتدأة ومنهم من طرده في المعتادة أيضاً، وحينئذ يكون مذهبه مثل الوجه الأول من الوجهين اللّذين حكيناهما في المعتادة على خلاف ظاهر المذهب، ثم ننظر في حال هذه النفساء إن كانت معتادة في الحَيْضِ حيث تعد مرد النّفاس قدر طهرها استحاضة ثم تبتدئ الحيض على عادتها، وإن كانت مبتدأة في الحيض أيضاً أقمنا لها الطهر والحيض كما يقتضيه حال المبتدأة،
الجزء: 1 - الصفحة: 362
وأما إذا كانت مميزة بشرط التمييز، فترد إلى التمييز كما في الحيض.
وقوله في الكتاب: "فحكمها حكلم الحائض في شرط التمييز" غير مجرى على إطلاقه، لأنّا نعتبر في الحيض ثلاثة أمور، ألا ينقص القوي عن يوم وليلة، وأن لا يزيد على خمسة عشر، وأن لا ينقص الضّعيف عن خمسة عشر، والذي يعتبر من ذلك هاهنا ألا يزيد القوي على أكثر النّفاس، وهو ستون يوماً، وهي بمثابة الخمسة عشر في الحيض، أما في طرف القلة، فلا ضبط، وكذلك لا يعتبر للضّعيف حدّ معين.
قال الغزالي: (الرَّابِعَةُ) المُتَحَيِّرَةُ إِذَا نَسِيَتْ عَادَتَهَا فِي النِّفَاسِ فَفِي قَوْلٍ تُرَدُّ إِلَى الاحْتِيَاطِ، وَعَلَى قَوْلٍ إِلَى المُبتَدَأَةِ، وَالرَّدُّ ههُنَا إِلَى المُبْتَدَأَةِ أَوْلَى، لِأنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مَعْلُومٌ بِالوِلاَدَةِ.
قال الرافعي: في النَّاسِيَة لعادة نفاسها قولان كما في النَّاسية لعادة الحيض.
فعلى قول: ترد إلى ما ترد إليه المبتدأة.
وعلى قول تؤمر بالاحتياط، وعلى هذا فلو كانت مبتدأة في الحيض، وجب الاحتياط أبداً؛ لأن أول حيضها لا يعلم، وقد بيّنا أن المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء الدم كانت كالمتحيرة، وإن كانت معتادة في الحيض ناسية لعادتها، فكذلك تستمر على الاحتياط، وإن كانت ذاكرة لعادة الحيض، فهذه يلتبس عليها الدور لالتباس معترض النفاس، وهي بمثابة ناسية لوقت الحيض عارفة بقدره، وقد سبق القول فيها.
وقوله: "والرد هاهنا إلى المبتدأة أولى" لا يقتضي ترجيح هذا القول على قول الاحتياط، بل المراد أن هذا القول أظهر منه في الحيض؛ لأن وقت النّفاس معلوم بالولادة، وتعيين أول الهلال للحيض تَحكُّم على أن إمام الحرمين رجح قول الرد إلى المبتدأة هاهنا على قول الاحتياط، فيجوز أن يكون ما ذكره في الكتاب جرياً على موافقته.
وقوله: "المتحيرة إذا نسيت عادتها" في اللفظ زيادة مستغنى عنها، لأنها لا تكون متحيرة إلا إذا نسيت عادتها وقد تجعل المتحيّرة مع الناسية اسمين مترادفين -كما سبق- فلو اقتصر على قوله المتحيرة في النّفاس لما ضر.
قال الغزالي: (فَرْعٌ) إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى النفَسَاءِ عَادَ الخِلاَفُ فِي التَّلْفِيقِ، وَلَوْ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشرَ يَوْمًا ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فَالعَائِدُ نِفَاسٌ عَلَى وَجْهٍ لِوُقُوعِهِ فِي السِّتِينَ، وَهُوَ حَيْضٌ (ح) عَلَى وَجهٍ لِتَقَدُّمِ طُهْرِ كَامِلٍ عَلَيْهِ، فَإنْ قُلْنَا: إِنَّهُ نِفَاسٌ فَعَلَى قَوْلِ السَّحْبِ مُدَّةُ النَّقَاءِ أَيْضًا نِفَاسٌ، وَقِيلَ: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ أَيْضاً عَلَى قَوْلِ السَّحْبِ إِذْ يَبْعُدُ تَقْدِيرُ مُدَّةٍ
الجزء: 1 - الصفحة: 363
كَامِلَةٍ فِي الطُّهْرِ حَيْضًا وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا إِذَا وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ الدَّمَ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فِي أَنَّ الدَّمَ الوَاقِعَ فِي السِّتِّينَ هَلْ هُوَ نِفَاسٌ أَمْ لاَ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: ما ذكرناه من أول الباب إلى هذا المَوْضِعِ فِيما إذا كان الدَّم مستمراً لا ينقطع، أمَّا إذا انقطع دم النُّفَسَاء فله حالتان:
إحداهما: أنه لا يجاوز السّتين فننظر إن لم تبلغ مدة النّقاء بين الدّمين أقل الطّهر كما لو رأت يوماً دماً ويومًا نقاء فأزمنة الدّم نفاس لا محالة، وفي أزمنة النقاء القولان المذكوران في الحيض، وإن بلغ أقلّ الطّهر كما لو رأت الدم أيّاماً عُقَيْبَ الولادة ثم وطهرت خمسة عشر يوماً فصاعداً ثم عاد الدم فالعائد حيض أم نفاس؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه حيض لأنه نقاء قبله، دمان تخللهما طهر صحيح فلا يضم أحدهما إلى الآخر كدمي الحيض ولأنّا لو جعلناه نفاساً لجعلنا الطّهر الصحيح نفاساً أيضاً تفريعاً على الصّحيح، وهو قول السحب ولا ضرورة بناء إلى ذلك.
والثاني: أنه نفاس لوقوعه في زمان إمكان النفاس كما لو كان المتخلّل دون أقل الطّهر، وعلى هذا الخلاف يخرج ما إذا ولدت ولم تر الدّم خمسة عشر فصاعداً، ثم رأت الدم هل هو حيض أو نفاس؟ التفريع إن قلنا: العائد حيض فلا نفاس لها في هذه الصورة الأخيرة أصلاً ولو نقص العائد عن أقل الحيض، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه دم فساد؛ لأن الطهر الكامل قطع حكم النّفاس.
والثاني: أنه نفاس؛ لأنه تعذر جعله حيضاً وأمكن جعله نفاس فيصار إليه، وإن جاوز العائد أكثر الحيض فهي مُسْتَحَاضَةُ فننظر أهي معتادة أم مبتدأة؟ ونحكم بما يقتضيه الحال.
وإن قلنا: العائد نفاس فمدة النقاء على قولي التَّلْفِيق إن قلنا بالسحب فهو نفاس وإن قلنا باللّقط فهو طهر، كما لو كانت المدّة دون أقل الطهر هذا أشهر الطريقين، ومنهم من قال: هو طهر على القولين وتستثنى هذه الصّورة على قول السّحب، إذ يبعد أن تجعل المدّة الكاملة في الطهر نفاساً، ولا نعطي لها حكم الطّهر بخلاف ما إذا كانت المدّة ناقصة فإنها لا تصلح طهراً وحدها فيستعقبها الدم.
الحالة الثانية: أن يتجاوز السّتين فننظر إن بلغ زمان النّقاء في السّتين أقل الطهر، ثم جاوز العائد فالعائد حيض ولا يجيء فيه الخِلاَفُ المَذْكُور في الحالة الأولى، وبهذا تبين أن صاحب الكتاب أراد بكلامه المطلق الحالة الأولى وإن لم يبلغ زمان النّقاء أقل الطّهر فننظر إن كانت مبتدأة مميزة ردت إلى التّمييز، وإن لم تكن مميزة فعلى القولين السابقين في المبتدأة، وإن كانت معتادة ردت إلى عادتها وفي الأحوال تراعى قضية
الجزء: 1 - الصفحة: 364
التّلفيق إن سحبنا فالدم في أيام المرد والنّقاء بينهما نفاس، وإن لفقنا فنلفق أيّام المرد أو من جميع السّتين فيه الخلاف المذكور في الحيض، والله أعلم 81. ولك أن تعلّم قوله في الكتاب: "وهو حيض على وجه" بالحاء، لأن عند أبي حنيفة العائد نفاس وأن تعلّم قوله: "فالعائد نفاس" بالألف، وقوله أيضاً قبله: "وعاد الخلاف في التَّلفيق" بالألف، لأن عند أحمد الدم العائد مشكوك فيه تصوم وتصلّي فيه، وتقضي الصّوم ولا يأتيها الزوج؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاساً، ويحتمل أنه دم فساد ولا فرق عنده بين أن يبلغ مدة النقاء أقل الطهر وبين أن لا يبلغه، والله أعلم 82.
الجزء: 1 - الصفحة: 365
كِتَابُ الصَّلاَةِ وَفِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ فِي المَوَاقِيتِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي وَقْتِ الرَّفَاهِيَةِ، أَمَّا الظُّهرُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ زِيادَةِ الظِّلِّ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي جَانِبِ المَشْرِقِ، وَيتَمَادى وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّخْصِ (م زح) مِثْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ.
قال الرافعي: الكلام في الصلاة حواه في سبعة أبواب:
أولها في المواقيت، وصدر الشافعي