كِتَابُ الرَّضَاع
(1) * وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ ثَلاَثةٌ: (الأَوَّلُ: المُرْضِعَةُ) وَهِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ تَحْتَمِلُ الوِلاَدَةَ*1
الجزء: 9 - الصفحة: 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حصول اللبن في معدة غير الطفل كالرجل مثلاً فلا يسمى رضاعاً، وقولهم بشروط تأتى قيد لإخراج حصول اللبن في معدة الطفل، ولكن مع فقد الشروط، ككون المرضع لم تبلغ تسع سنين، أو كون الطفل لم يرضع خمس رضعات، والمرأة على عمومها شاملة للآدمية والجنية، فلبن الجنية محرم كلبن الإنسية، خلافاً لما ذهب إليه شَيخُ الإسلام، والخطيب من أن المراد منها الآدمية فقط، بناءً على عدم صحة مناكحتهم، وهو المرجوح، والراجح الصحة، وجرياً على ما قاله ابن النقيب من أن اسم المرأة خاص بالآدميات، وهذا خلاف ما عليه الجمهور.
ثم الأصل في التعارف أن يكون
انظر: لسان العرب: 3/ 1660، المصباح المنير: 1/ 312، المطلع: 350.
انظر: تبيين الحقائق: 2/ 181، اللباب: 31، مغني المحتاج: 3/ 314، الشرح الصغير: 327، كشف القناع: 5/ 442.
يؤثر الرضاع في النكاح، يعني في حرمته عند استيفاء شروطه ابتداءً ودواماً، حتى لو طرأ على النكاح أبطله، وفي ثبوت المحرمية فيبيح النظر والخلوة وعدم نقض الوضوء باللمس، ويؤثر في إيجاب نصف مهر المثل للزوج على الكبرى فيما لو أرضعت الصغرى، كما أن للصغرى عليه نصف مهرها اعتباراً لما يجب له بما يجب عليه، وان كان مقتضى إتلاف كل البضع وجوب كل المهر.
ويؤثر أيضاً في سقوط المهر فيما لو ارتضعت الصغيرة من نائمة أو مستيقظة ساكتة، فيسقط مهرها؛ لان الانفساخ حصل بسببها قبل الدخول، ولا يؤثر في باقي الأحكام من إرث ونفقة وعتق يملك فيما لو ملك أحدهما الآخر، وسقوط القصاص ورد الشهادة فتقبل شهادة أحدهما على الآخر لضعفه عن النسب.
الدليل عليه:
أما الدليل على حرمة النكاح فالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾
والسنة الصحيحة المشهورة مثل ما رواه إمامنا الشافعي -رضي الله عنه- عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدَةِ" وغير ذلك من الأحاديث.
والإجماع إذ لا خلاف بين مجتهدي الأمة في ذلك، وإن اختلفوا في الشروط المعتبرة، وما ينتشر إليه التحريم.
وأما الدليل على ثبوت المحرمية، فما روي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن أفلح أخي أبي القعيس هل يدخل عليها؟ وكانت امرأة أبي القعيس قد أرضعتها فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يَلِجُ عَلَيْكِ فَإِنَّه عَمَّكِ مِنَ الرَّضَاعَةِ" وما روي عن سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، إني أسمع صوتْ رجل في منزلك عند حفصة فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَرَاه عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ".
والإجماع أيضًا منعقد على ذلك.
وأما الدليل على وجوب الغرم، فما ذكروه في باب المتلفات مثل خبر"على اليد ما أخذت حتى تؤديه" لأن الكبرى حيث فوتت البضع كانت في حكم الآخذة.
وأما الدليل على عدم تأثيره في سائر الأحكام من إرث ونفقة و .... الخ فالإجماع، وأيضاً فإن هذه الأحكام لا تثبت إلا لمن له نسب، ولا نسب في الرضاع بل الرضيع أجنبي والأصل بقاء ما =
الجزء: 9 - الصفحة: 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كان على ما كان حتى يرد دليل على خلافه مثل الآية التي أثبتت حرمة النكاح بالرضاع، ولهذا لم يثبت بعض الأئمة الحرمة إلا للأمهات والأخوات للتنصيص عليهن دون ما عداهن على ما يأتي.
ولا يقال إن الآية التي دلت على التوارث دلت بعمومها على الارث بالرضاع؛ لأن الآيات إنما دلت على التوارث بخصوص النسب كما يفهم ذلك من الإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ لأن الولد حين الإطلاق إنما ينصرف إلى ولد النسب، ولا يطلق على ولد الرضاع إلا مقيداً فيقال: ولد مِنْ الرضاعة، وابن من الرضاع، وكذا يقال في سائر الأحكام من النفقة والعتق بالملك ... الخ.
ولقد كان لحرمة الرضاع في الجاهلية حق مرعي حكى محمد بن إسحاق أنه لما سبيت هوازن قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وغنمت أموالهم بحنين، قدمت وفودهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام فيهم زهير بن صُرَد فقال يا رسول الله: "إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن أرضعنك ويكفلنك ولو أملجنا "أرضعنا" للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وتأييده وعائدته وأنت خير المكفولين ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظرُ
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من مخضها الدرر
أن لم تدراكنا نعماك ننشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
إنا لنشكر آلاءً وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخرُ
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُم؟ " فقالوا خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا كَانَ لِي وَلِبَني هَاشِم فَهُوَ لَكُمْ" فحفظ -صلى الله عليه وسلم- حرمة الرضاع، وأكرمهم لأجله، وجرى على ما عهده العرب من غير إثبات لحرمة السبب، ولا حكم بتحريم النكاح، ولا بالمحرمية (حتى أتى الكتاب بذلك) حتى أنزل الله في شأن الرضاع ما أنزل.
وأيضاً فقد روى أبو الطفيل أنه قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم لحماً بالجعرانة، إذ أقبلت امرأة فدنت إليه فبسط لها صلى الله عليه رداءه فجلست عليه فقلت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته.
فدل هذا الخبر على أن المرضعة تكون أمّاً.
وروى محمد بن إسحاق أن الشما بنت الحرث بن عبد العزى كانت في سبي هوازن -وهي أخت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الرضاعة- فجيء بها حتى أنتهت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي تقول: أنا أخت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الرضاعة فعرفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها ممتعة فاختارت أن يمتعها وترجع إلى قومها ففعل.
حرم النكاح بالرضاع:
لما أشبه اللبن الذي يتغذى به الرضيع، وتقوم به بنيته، وتشيد به أركانه المنى تمام الشبه في أن كلا صار جزءاً من الرضيع كانت الحكمة في تحريم نكاحه هي الحكمة في تحريم النسب، وهي المحافظة على احترامهن، وعدم إهانتهن، ولا يخفى ما يشتمل عليه النكاح من الذل والإهانة، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيْمَته" ولولا أن الله -سبحانه وتعالى- أودع في المرأة الشهوة وجعلها في حاجة إلى الرجل شديدة ما استفرشت أنثى لرجل قط.
=
الجزء: 9 - الصفحة: 552
فَلاَ حُكْمَ لِلَبَنِ البَهِيمَةِ وَلاَ لِلَبَنِ الرَّجُل (و) وَلاَ لِلَبَنِ المَيْتَةِ (ح) * فَإِنْ حُلِبَ لَبَنُهَا فَمَاتَتْ فَشَرِبَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا حُرِّمَ عَلَى أَصَحِّ المَذهَبَيْنِ (و) * وَلاَ حُكْمَ لِلَبَنِ الصَّغِيرَةِ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ* وَبَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ يُحْرَّمُ لَبَنُهَا لاحْتِمالِ البُلُوغِ وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ اللَّبَنِ دَلِيلَ البُلُوغِ* وَفِي لَبَنِ البِكْرِ وَجْهُ أَنَّهُ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكتاب ثم السنة ناطِقَانِ بتحريم الرضاع؛ قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]-رضي الله عنه- أن رسُول الله -صلى الله عليه وسلم 2 - قال: "يحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ما تحْرُمُ مِنَ النَّسَب"، ويعضدها إجماع الأمة، وإما يؤثِّر الرضاع في تحريم النكاح وثبوت المَحْرَمِيَّة المفيدة لحل الخَلْوة والنظر دون سائر أحْكَام النسب؛ كالميراث والنفقة والعِتْق [بالملك] وسقوط القصاص ورد الشهادة، وغيرها بالاتِّفَاق 3، ولا تخفَى الحاجة في الكتاب إلى معْرفة الرَّضَاع المُحرِّم، ومعرفة من يُحَرِّمُه، ثم الرضاع المحرِّم قد سبق النكاح، فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليْه، فيقطعه، ومنه ما يحْصُل الاتفاق عليه، وفيه ما يقع فيه نزاع قريبٌ.
الكلام على أربعة أبواب: بابٌ في أركان الرضاع وبيان شرائطه، ليمتاز ما يَحْرُم من الرضاع عما لا يَحْرُم.
وباب: فيمن يحرمه.
= وحيث ثبت أن النكاح ذل وإهانة كان الواجب صون ما حرمت عنه، وكيف لا يكون كذلك وللمرء علاقات بهن توجب احترامهن وتحريم إهانتهن؟ فللأمهات على الأبناء أعظم أنواع الإنعام التي لا يجهلها أحد، وهل يجوز لمن أنعم عليه أن يقابل هذا الإنعام بالإذلال والامتهان؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ على أن الولد جزء من أصله، ولا يليق بالجزء أن يهين كله، ومن ينتمي إلى هذا الكل من البنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فإن البنات بضعة من الآباء قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي" فَلاَ تَجُوزُ إهَانَتُهُمْ؛ لأنَّ إهانة الجزء إهانة للكل، ومنزلة الأخوات كمنزلة الشخص نفسه، وكيف يهين المرء نفسه؟ وشر الناس من ظلم نفسه والعمات في منزلة الآباء، والخالات في منزلة الأمهات، وبنات الإخوة والأخوات كالبنات.
وأيضاً من حكمة المشروعية لتحريم النكاح بالرضاع المحافظة على الألفة والوفاق بين الزوجين حتى لا يضيع الولد بينهما، ويتخلى عن الفضائل والكمالات، وذلك لأن الشهوة بينهن ضعيفة جداً حتى تكاد تكون معدومة، ولا يخفى أن هذا ينشأ عنه النفور والخلاف، ويبعدهما عن الوفاق والائتلاف فيكتسب الولدُ منهما ذلك، فتفوت الحكمة من النكاح التي هي المودة والرحمة بين الزوجين المقتضيين لحياة العمران قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
الجزء: 9 - الصفحة: 553
وباب: في الرَّضاع الذي يطرأ على النكاح وأحكامه.
وباب: في النزاع.
الباب الأول: في أركانه، وهي ثلاثة: الذي ينفصل منه اللبن، وهو المُرْضِع، والذي يَتَّصل به، وهو: المُرْتَضِع، واللبن المتوسط المُنْفَصِل من هذا والمتَّصِل بذاك.
الأول: المرضع، وُيعْتبر فيه ثلاثة قيود:
أحدها: كونه امرأةً، فلبن البهيمة لا يتعلَّق به تحريم، حتى إذا شرب منْه صغيرَانِ، لم يثبت بينهما أخوَّة، ولم تحرم الأنْثَى منهما على الذكر؛ لأنَّ الأخوَّة فرع الأمومة، ومنْها ينتشر تحريم الرضاع، فإذا لم تثبت الأمومة التي هي الأصل، لا تثبت الأُخُوَّة، وأيضاً فلبن البهيمة لا يصلح غذاءً للطفل صلاحِيَةَ لَبَنِ الآدميات، فلا يشاركها في التحريم، ويروى عن مالك أنَّه يتعلَّق به التحريم، ولم يصحِّحوا الرواية, ولو دُرَّ لرجل لَبَنٌ، لم يتعلَّق به التحريم 4، واللبن من أثر الولادة، والولادةُ تختص بالنساء، وأيضاً، فإنَّه لم يُخْلَق لغذاء المولود، فلم يتعلَّق به التحريم [كسائر المائعات، عن الكرابيسي من أصحابنا: أنه يتعلَّق به التحريم،] 5 والخنثى المُشْكِلُ إذا دُرَّ لبنه، فعن أبي إسحاق -رحمه الله-: أنَّه يُعْرَض على القوابل 6، فإن قلْنَ: مثْلُ هذا اللبن لا يكون إلا للنِّسَاء؛ لغَزَارته، حُكِمَ بأنوثته، وعن ابن أبي هريرة: أنه يستدل باللَّبن علي الأنوثة عند فقْد سائر الأمارات، وظاهر المذْهَب: أن اللبن لا يقتضي الأنوثة، وقد أشَرْنا إلى الخلاف فيه وفي كتاب الظِّهار، وإذا قلنَا بالظاهر، فلو أرضع بلبنه صغيراً، توقَّف التحريم على تبيُّن حاله، فإن بأن أنه أنثَى، تعلَّق به التحريم، وإلا، فلا.
والثاني: أن تكُونَ المرأة حيَّة، فلو حلب لبن المرأة بعد موتها، وأوجر الصبيُّ أو ارتضع من ثَدْي ميتة، لم يتعلَّق به التحريم خلافاً لأبي حنيفة، ومالك، وأحمد -رحمهم الله- واحتج الأصحابُ بأنَّه لبَنٌ حرامٌ قبل انفصاله، فلم يتعلَّق به التحريم، كاللبن المنفصل من الرجُل، وبأن اللبن ضعُفَت حرمته بمَوْت الأصْل؛ ألا ترى أنه تسقط حرمة الأعضاء بالمَوْت حتى لا يجب الضمان بقَطْعها، وبأنها بعد الموت جثَّة منفكة عن الحِلِّ والحرمة، فصارت كجثة البهيمة، وبأن الحرمة المؤبَّدة تختصُّ ببدن الحي؛ ولذلك لا تثبت حرمة المصاهرة بوطء الميتة، وبأنه لو وصل اللبن إلى جوف الصبيِّ الميِّت، لم تثبت الحرمة، فكذلك إذا انفصل منْها بعد موتها؛ قياساً لأحد
الجزء: 9 - الصفحة: 554
الطرفين على الآخر، وإن حلب لبن المرأة في حياتها وأوجر الصبي بعد موتها، ففيه وجهان:
أصحُّهما، وهو المنصوص: تعلُّق التحريم به؛ لأنه انفصل منْها، وهو حلال محرم.
والثاني عن رواية القاضي الحُسَيْن: أنه لا يتعلَّق؛ لبُعْد إثبات الأمومة بعْد المَوْت، وذكر أنه مُخرَّج مما إذا علَّق طلاقها في الصِّحة، ووجدت الصفة المعلَّق عليها في المرض يعتبر وقْت التعليق أو وقْت وجود الصِّفة.
والثالث: كوْن المرأة محتملةً للولادة، فلو ظهر لصغيرة لبنٌ، نُظِرَ؛ إنَّ لم تبلغ تسْع سنين، لم يتعلَّق به التحريم؛ لأنها لا تحتمل الوِلادةَ، واللبن فرْعُ الولد، وهذا كما أنها إذا رأتْ دماً، لم يحكم بكونه حيضاً، وإن بلغتْ تسع سنين، تعلَّق به التحريم، لأنه، وإن لم يُحْكم ببلوغها باللبن، فاحتمال البلوغ قائمٌ، والرّضَاع صنو النسب، فيكتفي فيه بالاحتمال 7 كالنَّسب، ولا فَرْق بيْن أن تكون المرضعة خليَّة 8 أو ذات زوج، ولا بين أن تكون بكراً أو ثيِّبَاً؛ لاحتمال الولادة وصلاحية اللبن للغذاء، هذا هو الظاهر، وُيحْكَى عن نصِّه -رضي الله عنه- في البويطيِّ.
وفي لبن البكْر وجْه أنَّه لا يُحَرِّم؛ لأنه نادر، فأشبه لبن الرَّجُل.
وقوله في الكتاب "المرضعة: وهي كل امرأةٍ حيَّةٍ تَحْتمل الولادة" لا يخفى أنه ليس تفسيراً لنفس المرْضعة، وإنما المراد أن التحريم إنما يثْبُت إذا كان بهذه الصفات.
وقوله "فلا حكم للبن البهيمة، ولا للبن الرجل" يعني حكم التحريم، وعن نصه في البويطى: أنه إذا نزل للرَّجُل لَبَنٌ، فأرضع به صبيَّةً يُكْرَه له أن يَتزوَّج بها، وقوله "على أصح المذهبين" يعني الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي: اللَّبَنُ) وَالمُعْتَبَرُ وُصُولُ عَيْنِهِ أَوْ عَيْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ جُبْنٍ
الجزء: 9 - الصفحة: 555
(ح) أَوْ أَقِطٍ (ح) سَوَاءٌ كَانَ صِرْفاً أَوْ مَخْلُوطاً بِمَائِعٍ مَا لَمْ يَصِرْ مَغْلُوباً بِحَيْثُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّغْذِيَةِ قَطْعاً* فَإِنْ صَارَ مَغْلُوباً فَإِنِ امْتَزَجَ بِأَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ وَشَرِبَ الصَّبِيُّ كُلَّهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ وَإنْ شَرِبَ بَعْضَهُ فَقَوْلاَنِ مُرَتِّبَانِ* فَإِنِ امْتَزَجَ بقُلَّتَيْنِ وَشَرِبَ بَعْضَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإنْ شَرِبَ كُلَّهُ فَقَوْلاَنِ* فَلاَ يَحْسُنُ اعْتِبَارُ القلَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ المَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يشترط لثبوت الحُرْمة أن يكون اللَّبَن على الهيئة الَّتي كانَتْ عند الانفصال عند الثَّدْي، بل لو تغيَّر بحموضة أو انعقادٍ أو إغلاءٍ تعلَّقت الحرمة به، وكذا لو اتُّخِذ منه جبنٌ أَو أَقطٌ أو زُبُدٌ أو مخيض وأطعم الصبيُّ؛ لوصول عين اللبن إلى الجَوْف، وحصول التَّغَذِّي، وبهذا قال أحمد؛ وقال أبو حنيفة: تثبُت الحرمة بالجُبْن ونحوه، وُيرَوَى عنه في المغلي مثله، ولو ثرد فيه طعام أو عُجِنَ به دقيقٌ وخبزٌ، تعلَّقت الحرمة به أيضاً، وفي صورة العَجْن والخبز وجْه عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله-، ولو شيب بمائع دواء أو غيره حلال؛ كالماء ولبن البهيمة أو حرام، كالخمر، فيُنْظَر؛ إن كان اللبن غالباً، تعلَّقت [الحُرْمة] بالمخلوط، حتى لو شرب منه الصبي خمس رضعات، ثبتت الحرعة، وإن كان مغلوباً فقولان:
أحدهما: أنَّه لا يتعلَّق به الحرمة؛ لأنَّ المغْلُوب المستهلك كالمعدوم؛ ألا ترى أن النجاسة إذا استهلكت في الماء الكثير، كانَتْ كالمعدومة، وأن الخمر إذا استهلك فيما خالَطَه، لم يتعلَّق بشربه الحد، وأن المُحْرِمَ، لو أكل طعاماً استهلك فيه الطيب، لم تلزمه الفدية.
وأصحُّهما: التعليق، لوصول عين اللَّبَن إلى الجوْف، وهو المعتبر في الباب؛ ولذلك يُؤَثِّر كثير اللبن وقليله الذي لا يُغذِّي بحال، وليس كالنجاسة؛ فإن اجتنابها لما فيها من الخَبَث والاستقذار، والكثرةُ دافعةٌ له، ولا كمسألة الخَمْر، فإن الحدَّ منوطٌ بالشدة المزيلة للعقل، ولا كمسألة المَحْرَم، فإنه ممنوعٌ من التطيُّب، وذاك ليس بتطيُّب، وإذا قلنا بالأصح، فلو شرب جميع المخلوط، تعلَّقت الحُرْمة به، وإن شرب بعْضه، فوجهان عن صاحب الإفْصَاح.
أحدهما: أنَّه تثبت الحرمة [أيضاً] إذا شربه في خمْس دفَعَات، أو شرب منه دفعةً بعْد أن شرب من اللبن الصّرف أربعاً؛ وذلك لأنَّ المائعِ إذا خالَطَ المائع، فما مِنْ قَدْر يوجد إلا وفيه شيْءٌ من هذا، وشيْءٌ من هذا، ويُحْكَى هذا عن اختيار الصيمري والقاضي أبي الطيب الطبريِّ.
وأظهرهما، وبه قال ابن سُرَيْج، وأبو إسحاق وأقضى القضاة الماوَرْدِيُّ: المنع؛
الجزء: 9 - الصفحة: 556
لأنا لا نتحقَّق وصول اللَّبن إليه 9، والخلاف فيما إذا لم يُتحقَّق وصول اللبن، كما إذا وقعَتْ قطرة لبنٍ في جب ماء، وشرب بعضه، فإن تحقَّقنا انتشاره في الخليط وحصول بعضه في المشروب أو كان الباقي في المخْلُوط أقلَّ من قَدْر اللبن، فيُقْطَع بالحرمة.
ذكره الإِمام وغيره، وهل يُشْترط أن يكون اللبن قَدْراً يمكن أن يسقى منه خمس دفعات، لو انفرد عن الخليط؟ حكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهَيْن، وقال: أظهرهما: الاشتراط.
الجزء: 9 - الصفحة: 557
هذه هي الطريقةُ الظَّاهرة في اختلاط اللَّبَن بالمائعات، وليس فيها فرْق بين أن يكون الاختلاطُ بالماء أو بغيره، ومنْهم مَنْ فرَّق بين الماء وغيره فجَعَل غير الماء على ما ذَكَرْنا، وقال في الماء واللبن: مغلوب فيه، إن امتزج بما دون القُلَّتَيْن، وشَرِب الصبيُّ كلَّه، ففي ثبوت الحرمة قولان، وإن شرب بعْضه، فوجهان أو قولان مُرَتَّبان؛ إن لم تثبت الحرمة في شرب الكل، ففي شرب البعض أوْلَى، وإن ثَبَت في الكل، ففي البعض وجهان؛ للتردد في وصول اللَّبن، وإن امتزج بقلتين فصاعداً، فإن قلْنا: لا تتعلَّق الحرمة بالمغلوب بما دون القلتين، فهاهنا أوْلَى، وإن قلْنا: تتعلَّق، فإن تناول بعْضُه، لم يُؤَثِّر، وإن تناول كلَّه، فقولان مُرَتَّبان على القولَيْن فيما دون القُلَّتَيْن، وأَوْلَى بأن لا يُؤَثِّر، وقد أورد الإِمام -رحمه الله- هذه الطريقة، وعليها جرى صاحب الكتاب، لكن الفرق بين القلتين وغيره رعاه الشَّرْع في أحكام النجاسات؛ لأن القليل يَسْهل إحرازه وصونه عن النجاسات، والكثير يَعْسُر صونه، فجعل ذلك حدًّا فاصلاً بين القليل والكثير، وهاهنا النَّظَر إلى وصول اللبن وعدم وصوله؛ فلا معنى للفرق بين القلتين، وما دون القلتين كما في سائر المائعات؛ وقال أبو حنيفة:.
إنْ كان الخَلْط بجامدٍ، كما لو ثُردَ فيه الخبز لم تَتعلَّق به الحرمة، سواءٌ كان اللبن غالباً أو مغلوباً، وإن كان بمائعٍ، فإن كان اللبن غالباً، تعلَّقت الحرمة به، وإلا، فلا.
وقال مالك والمزنيُّ: لا فرق بيْن الجامد والمائع، والحكم للغالب، وفرَّق أحمد في المسألة كقولنا؛ وليُعْلَم في الكتاب لفظ "الجبن والأَقِط" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وقوله "ما لم يصر مغلوباً بحيث لا يُؤَثِّر في التغذية قطعاً" فيه إشارة إلى أن معنى صيرورة اللبن 10 مغلوباً خرُوجه عن كونه مغذياً، وهذا وجْهٌ محكيٌّ عن رواية الشيخ أبي عليٍّ -رحمه الله-، والظاهر الذي أورده الأكْثَرُونَ أنَّ الاعتبار بصفات اللبن؛ اللون والطعم والرائحة، فإن ظهر شَيْءٌ منها في المخْلُوط، فاللبن غالبٌ، وإلاَّ، فهو مغلوبٌ، ونقل أبو الحسن العبَّادِيُّ في "الرقم" تفريعاً على هذا عن الحليميِّ ما يُفْهِم منه أنه لو زايَلَتْه الأوصاف الثلاثةُ، فيُعْتَبَر قدْر اللبن بمَا لَهُ لونٌ قويٌّ يستولي على الخليط، فإن كان ذلك القَدْر منْه يظهر في الخليط، تثبت الحرمة، وإلا فلا، قال: وهذا شيْءٌ استنبطته أنا، وكان في قلْبي منه شيء حتى عرَضَتْهُ على القفَّال الشَّاشِيِّ وابنه القاسم، فارتضياه، فسَكَنْتُ، ثم وجدتُّه لابن سُرَيْج، فسَكَن قلبي إلَيْه كل السُّكُون، وقد سبق نظير 11 ما ذَكَره في اختلاط الماء بما يوافقه في الصِّفات، وفي الحكاية ما يبين ذَهَابَه إلى أن المَغْلُوب من 12 اللبن لا يُؤَثِّر.
الجزء: 9 - الصفحة: 558
وقوله "وَشَرِبَ 13 بَعْضَهُ لَمْ يُؤَثِّرُ" يجوز أن يُعْلَم الواو.
وقوله "فَلاَ يَحْسُن اعْتِبَارُ القلتين من غير الماء" يعني أن الفرق بين القلَّتَيْن وما دون القلتين يختص بالماء، وأمَّا سائر الممائعات، فكثيرها وقليلها سواءٌ.
فَرْعٌ: لو وقَعَت من اللَّبَن في فم الصَّبيِّ، واختلط بريقه ثم وَصَل إلى جَوْفه، فطريقان.
أحدهما: أنَّه يُنْظَر إلى كونه غالباً أو مغلوباً، على ما ذكرنا.
والثاني: أنَّه يقطع بثبوت 14 التحريم، ولا يُنْظَر إلى الامتزاج بالرِّيق كما لا يُنْظَر إلى الامتزاج برطوبات المَعِدة.
آخر: إذا اختلط لَبَن امرأة بلَبَن أخرى، وغلب أحدهما، فإن علَّقنا الحرمة بالمغلوب ثبتت الحرمة فيهما، إلا اختصت بالَّتي غَلَبَ لبنها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: المَحَلُّ) وَهُوَ مَعِدَةُ الصَّبِيِّ الحَيِّ فَلاَ أَثَرَ لِلإِيصَالِ إِلَى مَعِدَةِ المَيِّتِ وَلاَ إِلَى جَوْفِ الكَبِيرِ أَعْنِي بَعْدَ الحَوْلَيْنِ* وَأَمَّا الحُقْنَةُ وَالسَّعُوطُ وَالتَّقْطِيرُ فِي الإِحْلِيلِ وَالجِرَاحَةِ فَحَيْثُ لاَ تَحْرِيمَ* وَحَيْثُ يَحْصُلُ الإِفْطَارُ نَفِيهِ قَوْلاَنِ* وَأَوْلاَهُمَا بِالتَّحْرِيمِ السَّعُوطُ لاِتِّصَالِ الدِّمَاغِ بِالمَعِدَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنَا فيمن ينفصل مِنْه اللبن، وفي اللبن المتوسِّط، وأما الركن الثالث فهو المَحَلُّ الذي يتَّصل به اللبن، قال في الكتاب: "وهُوَ مَعِدةُ الصبيِّ الحَيِّ"، وهذه ثلاثة ألفاظ:
أحدهما: المعدة، والوُصُولُ إلَيْها تثبت الحرمة، سواءٌ ارتضع الصبيُّ أو اتصل اللبن بفِعْل غيره، وعن أحمدَ روايةُ أنَّه لا تَثْبُت الحرمة بالوجود، ولو صُبَّ في أنفه حتى وَصَل إلى دماغه، وهو السَّعُوط، ففيه طريقان:
أحدهما: أن في ثبوت الحرمةِ قولَيْن، كما سنذكر في الحُقْنة.
وأصحُّهما": القطع بثبوتها؛ لأن الدماغ جوفُ التغذي، كالمعدةِ، والأدهانُ الطيبَّةُ إذا حصَلَت في الدماغ، انتشرت في العروق، وتغَذَّت بها، كالأطعمة الحاصلة في
الجزء: 9 - الصفحة: 559
المعدة، ويقال: إن الحاصل في الدماغ ينحدر 15 إلى المَعِدة في عروق متَّصِلة بهما، وعن أبي حنيفة: أن الحرفة لا تثبت بالسَّعُوط، وهو رواية عن أحمد -رحمه الله-، ولو حُقِنَ باللبن، ففيه قولان منصوصان:
أحدهما، وهو اختيار المُزنيِّ: أنَّه يُثْبِتُ الحرمة كما يَحْصُل به الفِطْر.
وأصحُّهما، ويقال: إنه الجديد، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهما الله-: أنها لا تَثْبُت؛ لأن الحقنة لإسهال ما انعقد في الأمعاء، فلا يَحْصُل بها التعذِّي، وقد يُبْنَى القولان عَلَى أنَّه لم تثبت الحرمة بالسَّعُوط، فَمِن قائلِ بأنها تَثْبُت؛ للوصول إلى محَلٍّ يحْصُل الفطر بوصول الواصل إليه، ومِنْ قائِل؛ إنها تَثْبُت؛ للوصول إلى جوف التغذِّي، ولو قَطَّر اللبن في إحليله، حتى وَصَل إلى المثانة، ففيه قولان، كما في الحُقْنة، وكذا لو كان على بطْنه جراحةٌ فَصَبَّ فيها اللَّبَنَ، حتى وَصَل إلى الجَوْف، قل في "التهذيب": ولو وصل إلى المَعِدَةِ؛ لِخَرْق في الأمعاء أو وَصَل إلى الدماغ بالصَّبِّ في مأْمُومةٍ، تثْبُت الحرمة قولاً واحداً، ولو صُبَّ في أذنه، فالذي أورده الرويانيُّ في البحر أنه تثبت الحرمة، وفي "التهذيب": أنَّها لا تَثْبُت؛ لأنَّه لا مَنْفَذ لها إلى الدِّماغ، ويشبه أن يُقَال: إنه على الخلاف في الحُقْنة، والصبُّ في العين لا يُؤَثِّر بحال، كما لا يؤثر الاكتحال في الصوم، وإذا تأمَّلْتَ هذه الصور، عَرَفْت أن المَعِدة غير معيَّنة لعينها، بل الدماغ في معناها على الأظْهَر، وعَرَفْت أن حصول الفِطْر أوْسَعُ مجالاً من حُرْمة الرضاع، وسببه أن حرمة الرِّضاع تنشأ من تأثيره في إثبَات اللحم، وإنشاز العظْم، فيراعى مظنَّته، والفِطْر مَنُوطٌ بالوصول إلى الجَوْف؛ ولذلك اختص الرضاع باعتبار العدد فيه، إلى هذا المعنى يُشِير قوله في الكتاب "فَحَيْثُ لا إفْطَارَ لاَ تَحْرِيمَ" وحيث يَحْصُل الإفطار، ففيه قولان، والذي ذكره في السُّعُوط هو طريقة القولَيْن، والظاهر: القطع بأنه تَثْبت الحرمة، والله أعلم.
فرْعٌ: لو ارتضع وتقيَّأَ في الحال، حَصَل التحريم؛ لأن الاعتبار بوصوله إلى الجوف، وقد وَصَل، ولأنه يبقي شيْءٌ، وإن قلَّ، وحكى القاضي الرويانيُّ أن جَدَّه روى فيه وجهاً آخر، وفيه وجه: أنه إن تَقَيَّأَ قبل أن يتغير اللبن، لم تَثْبُت الحرمة، وإن تغيَّر، ثبتت.
اللفظ الثاني: الصبيُّ، والمراد منها الذي لم يبلغ حولَيْن، فأما من بَلَغ حولَيْن فصاعداً، فلا يتعلَّق التحريم برضاعه، وبه قال أحمد، واحتج له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم 16 -
الجزء: 9 - الصفحة: 560
قال: "لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ في الحَوْلَيْنِ"، ولقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] جعل تمام الرَّضَاع في الحولَيْن، فأَشْعر بأن الحكم بعْد الحولين بخلافه، وعنْد أبي حنيفة: مدَّة الرضاع ثلاثون شهراً، وعن مالك روايات: أحداها: كمذهبنا، والثانية: حولان وشهر، والثالثة: حولان وشهران، والرابعة: تَثْبُت الحرمة، ما دام محتاجاً إلى اللَّبن غير مستغنٍ عنْه بالطعام، ويعْتبر الحولان بالأهلَّة، فإن انكسر الشهر الأول، اعتد ثلاثة وعشْرين شهراً بالأهلَّة، ويكمل المنكسر بالعَدَد عن الشَّهْر الخامس والعشرين، وقد سَبَق نظيره في مَوَاضِع، والقياسُ: أن يُحْسَب ابتداء الحولَيْن مِنْ وقت انفصال الولد بتمامه 17، وقال في "البحر": لو خرج نصْفُ الولد ثم بَعْدَ مدة، خرج البَاقِي، فابتداء الحولَيْن في الرضاع عنْد ابتداء خروجه، هذا لَفْظُه، وحكى القاضي ابن كج وجهَيْن فيه، وحكى وجهَيْن أيضاً فيما لو ارتضع قَبْل أن ينفصل جميعُهُ، هل تتعلَّق به الحرمة؟.
الثالث: الحيُّ؛ فلا أثر للوصول إلى معدة الميِّت؛ لخروجه عن التغذِّي ونبات اللحم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَشَرْطُ الرَّضَاعِ العَدَدُ (ح م و) وَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ* وَيَحْصُلُ التَّعْدِيدُ بِتَخَلُّلِ فَصْل بَيْنَ الرَّضَعَاتِ* وَلاَ يَحْصُلُ بَأَنْ يَلْفِظَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ أَوْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الثَّانِي أَوْ يَلْهُوَ لَحْظَةً* بَلْ مَا يُعَدُّ في العُرْفِ وَالتَّمْيِيزِ رَضْعَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حرمة الرَّضَاع لا تَثْبت بأقلَّ من خمس رضَعَات 18؛ لِمَا رُوِيَ عن = يغلط، ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه، وقال البيهقي: الصحيح موقوف، وروى البيهقي [7/ 462] عن عمر وابن مسعود التحديد بالحولين، قال: ورويناه عن سعيد بن المسيب وعروة والشعبي، ويحتج له بحديث فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام.
الجزء: 9 - الصفحة: 561
عائشة -رضي الله عنها 19 - قالت: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَات يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ)، فتوُفيَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهيَ مِمَّا يُقرأُ في القُرآنِ وحمل ذلك على قراءة حُكْمِها، ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: .............
الجزء: 9 - الصفحة: 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأجيب بأن عدم كونه قرءاناً لانتقاء التواتر لا يمنع من وجوب العمل فإنه يكفي فيه الظن، وقد احتج الأئمة بخبر الواحد في مواضع كثيرة: فاحتج الإِمام الشَّافعي، وأحمد -رضي الله تعالى عنهما- به في هذا الموضع، واحتج أبو حنيفة به في وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين ولا سند له إلا قراءة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه- ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثةِ أيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾، واحتج به سيدنا مالك، والصحابة قبله -رضوان الله تعالى عليهم- في فرض السدس للواحد من ولد الأم "وله أخ أو أخت من أم" في قراءة أُبَيٍّ، وقد أجمع على هذا, وليس له سند سوى هذه القراءة.
وبالجملة فعدم القرآنية لعدم التواتر لا ينافي وجوب العمل لأنَّ القرآنية لا يلزمها إلا انعقاد الصلاة به، وتحريم مسِّه على المحدث، وقراءته على الجنب، والتعبد بتلاوته والتحدي به، وليس من لوازمها الخاصة بها عدم وجوب العمل لأن وجوب العمل قد يثبت بالآحاد الذي ليس بقرآن وقول المعترض سنداً لمنعه "لعدم إثباته في المصحف" ممنوع لأنه لا يثبت في المصاحف إلا ما بقيت تلاوته سواء نسخ حكمه أم بقي، بخلاف ما نسخت تلاوته، فلا يثبت فيها سواء نسخ حكمه أيضاً أو بقي فالمدار في الإثبات في المصاحف على بقاء التلاوة فقط.
وظهر من هذا أن القرآن له جهة تلاوة وجهة حكم، وكل منهما إما منسوخ أو باق، فالأقسام أربعة: باقي التلاوة والحكم كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وهو كثير: ومنسوخ التلاوة والحكم كقول سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- "عشر رضعات معلومات يحرمن".
ومنسوخ التلاوة دون الحكم كما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "كان فيما أنزل الله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله" وكان يقول: لولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لكتبتها في حاشية المصحف، وهذا النوع -أي منسوخ التلاوة دون الحكم- يحفظه الله في صدور الأمة ويتوارثونه جيلاً بعد جيل: ومنسوخ الحكم دون التلاوة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ...﴾ الآية فإنها: نسخت بآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ , وكآية الوصية نسخت بآية المواريث.
الوجه الثاني: من أوجه الاعتراض:
قالت الحنفية: الحكم إنما يُعلم من داله وهو اللفظ فإذا نسخ اللفظ فمن أين يعلم.
وأجيب بأن نسخ التلاوة لا يستلزم إلا نفي لوازمها، كصحة الصلاة بها، وإثباتها في المصاحف، ولا يستلزم نفي الحكم لجواز حفظه في صدور الأمة.
الوجه الثالث: قالت الحنفية كيف ساغ الاستدلال بهذا مع أنه لم ينقل نقل الأخبار بل نقل نقل القرآن ولم يثبت به لعدم تواتره.
وأجيب بمنع أنه ليس بقرآن باننا نلتزم أنه قرآن، ولا يشترط التواتر إلا فيما بقيت تلاوته بخلاف ما نسخت تلاوته كما هنا، سلمنا أنه ليس بقرآن، ولكن انتقاء قرآنيته لا يستلزم نفي حجيته لأنه يكفي فيها الظن كما تقدم.
وأجاب الشوكاني بالتزام أنه سنة لكونه مروي صحابي، وهو يستلزم التوقيف عنه -صلى الله عليه وسلم- وذلك كاف في الحجية.
الوجه الرابع: قال النافي للعدد: تسليم هذا الاستدلال يؤدي إلى إثبات النسخ بعد زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لقول سيدتنا عائشة -رضي الله عنها-: "فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي فيما يقرأ من القرآن.
=
الجزء: 9 - الصفحة: 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأجيب بأن المراد بقولها -رضي الله تعالى عنها- فتوفي .... الخ أن النسخ قد تأخر إنزاله إلى قرب وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى إن من لم يبلغه النسخ لقرب عهده بالإسلام أو بعد داره كان يقرؤها، فلما بلغه رجع فصار إجماعاً على أنه لا يتلى فلا نسخ بعد زمنه -صلى الله عليه وسلم-.
الوجه الخامس: من أوجه الاعتراض على الدليل:
أن الاستدلال بهذا يؤدي إلى اثبات النسخ بخبر الواحد، وهو لا يثبت إلا بالتواتر؛ وأجيب بأنه ليس بنسخ يخبر الواحد إنما هو نقل نسخ به وشتان بينهما.
الوجه السادس: قالت سيدتنا عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "كان تحريم الرضاع في صحيفة، فلما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تشاغلنا بغسله فدخل داجن الحي فأكلها" فلو كان قرآناً لكان محفوظاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
أجاب الماوردي بما حاصله أن داجن الحي كل الصحيفة التي فيها رضاع الكبير، وهو منسوخ، ولم يأكل ما يدل على العدد، ولئن سلمنا ذلك فيكفي الحفظ في الصدور، وقد وهبهم الله تعالى حافظة قوية قال -صلى الله عليه وسلم-: "أنا جِيلُ أُمَّتِي في صُدُوْرِهَا" على أن المعتبر حفظ الحكم وهو محفوظ منقول إلينا.
الدليل الثاني:
"عن أم المؤمنين -سيدتنا عائشة، -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر امرأة أبي حذيفة، فأرضعت سالماً خمس رضعات، وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة" رواه أحمد.
وفي رواية أن أبا حذيفة تبنى سالماً، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كلما تبنى النبي -صلى الله عليه وسلم- زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه حتى أنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلمْ له أَبٌ فمولى، وأخ في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة، ويراني فضلى، وقد أنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ- فيهم ما قد علمت.
فقال: "أَرْضِعِيْه خمْسَ رَضْعَاتٍ" فكان بمنزلة ولده من الرضاعة.
رواه في الموطأ، وأحمد.
فإذا صريح في ربط التحريم بالخمس، إذ لو كان الأقل كافياً لما كان لذكر الخمس فائدة، خصوصاً وأن إرضاع سهلة لضرورة والضرورة تقدر بقدرها.
اعترض الثاني للعدد هذا الدليل بقوله: هذا لدليل لتحريم رضاعة الكبير، وهو منسوخ فلا يتمسك به في إثبات العدد لغير لكبير.
وأجيب بأن الحديث قد اشتمل على حكمين: رضاعة الكبير: وإثبات العدد، ونسخ أحد الحكمين لا يستلزم نسخ الآخر لاشتماله على المصلحة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية على حكمين: العدد المثبت للزنا، وحده، وهو الإمساك في البيوت، وقد نسخ هذا الأخير مع بقاء الأول.
وأجيب أيضاً: بأن رضاع الكبير لم ينسخ، بل هو غير محرم لعدم سببه ومقتضيه، وذلك لأن رضاع الكبير إنما حرم بسبب سبق التبني المباح، فلما حرم التبني، وفسخ الله حكمه بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ ... الآية سقط ما تعلَّق به من تحريم رضاع الكبير.
ولهذا نظائر منها فسخ =
الجزء: 9 - الصفحة: 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحج إلى العمرة في أشهر الحج عند فقورهم من العمرة في أشهره فلما استقر هذا الحكم في نفوسهم سقط به فسخ الحج، ولم يفسخ وزال بزوال سببه.
الدليل الثالث:
هو ما استدل به الأصحاب من نفي التحريم بالرضعة والرضعين، فمنها ما روي عن سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُحْرِمْ المَصَّةُ وَلاَ المَصَّتَانِ".
ومنها ما روي عن أم الفضل أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أتحرم المصة؟ فقال: "لاَ تُحْرَمُ الرَّضَعَة وَالرَّضْعَتَانِ وَالمَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ".
وفي رواية أخرى دخل أعرابي على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في بيتي فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة، فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت الحدثي رضعة أو رضعتين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُحْرِمْ الأَمْلاَجَة وَلاَ الأَمْلاَجَتَانِ" فهذه الأحاديث صريحة في نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، فلا يتعلق التحريم بقليل الرضاع وكثيرة، كما هو مذهب الحنفية، ولا يؤخذ بمفهومها، وهو التحريم بالثلاث كما هو قول داود للأحاديث الدالة على حصر التحريم بالخمس مثل ما رواه الشَّافعي -رضي الله عنه- في مسنده "فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات"، وما يثبت من رواية ابن ماجة "لا يحرم إلا عشر أو خمس"، خصوصاً لو جرينا على ما قاله الزمخشري من أن الإخبار بالجملة الفعلية يفيد الحصر.
اعترض هذا بثلاث اعتراضات:
الأول: هذا استدلال بمفهوم العدد، والعدد لا مفهوم له.
وأجيب: بأنه لا يؤخذ بمفهوم العدد إلا إن دلت قرينة، والقرينة هاهنا قائمة من نسخ العشر بالخمس وإلا لم يكن لذكرها فائدة وأيضاً الأحاديث المفيدة لحصرة التحريم في الخمس.
الثاني: هذه الأحاديث محمولة على ما إذا لم يصل اللبن إلى الجوف.
أجيب بأن الرضعة لا تطلق إلا على ما وصل إلى الجوف بالمص والازدراد، وأيضاً على هذا لم يكن لذكر الرضعة فائدة لأن الرضعة والماية في نفي التحريم سواء.
الثالث: قالت الحنفية والمالكية إن مفهوم هذه الأحاديث يدل على التحريم بالثلاث، فكما أن منطوقه حجة علينا فمفهومه حجة عليكم.
وأجيب.
بأن المفهوم مقيد بمنطوق الأحاديث الدالة على ربط التحريم بالخمس.
ومن أدلة الشافعية القياس على اللعان بجامع أن كلا سبب للتحريم المؤيد وعرى عن جنس الاستباحة فلا يرد الوطء بشبهة مثلاً، فإنَّه لم يعر عن جنس الاستباحة، فلهذا لم يفتقر إلى العدد.
احتج النافي للعدد -وهم الحنفية والمالكية- بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ومن أرضعت مرة واحدة يطلق على فعلها هذا الاسم "الرضاعة".
ويقال لها: أم أرضعت فتدخل في عموم الآية، وبهذا احتج ابن عمر على ابن الزبير حين قال: لا تحريم إلا بخمس رضعات.
فقال: كتاب الله، أولى من قضاء ابن الزبير.
وأما السنة: فمنها؛ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" فأطلق ولم يقيد بعدد.
ومنها؛ قوله -صلى الله عليه وسلم- "الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" ولا شك أن الرضعة الواحدة تسد الجوعة.
ومنها ما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت =
الجزء: 9 - الصفحة: 565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما.
قال: فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، فقال: "وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَد أَرْضَعَتْكُمَا" فنهاه عنها، رواه أحمد، والبخاري، وفي رواية "دَعْهَا عَنْكَ"، فلو لم يكن مطلق الرضاع محرماً لسأله عن العدد، ولكنه قد أمره بتركها بادئ الأمر.
وأما القياس: فأفراده كثيرة، فمنها؛ قياسه على الوطء بشبهة وعقد النكاح بجامع أن كلاً يفيد التحريم المؤبد، فسيعطى حكمه من عدم اعتبار العدد؛ ومنها القياس على الإفطار في رمضان بجامع الوصول إلى الجوف، فيعطي حكمه؛ ومنها القياس على حد الخمر بجامع أن كلاً متعلق بالشرب، فلا يناط بالعدد.
أما عن الآية فمطلقها مقيد بالأحاديث الدالة على اعتبار الخمس، ولا مانع من تقييد السنة للكتاب، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبهذا تعلم الجواب عن قول ابن عمر لابن الزبير؛ لأن ابن الزبير لم يقصد برأيه، بل بالتوقيف.
قال المُزْنِيُّ: قلت للشافعي: اسمع ابن الزبير من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعَ، وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ، ومن له تسع سنين يصح نقله وروايته؛ لأنه يضبط ما يسمعه.
وأمَّا عن الأحاديث: فعن الأول منها أن الأخبار التي وردت في شأن الرضاع على نوعين:
الأول: ما كان المقصود منها الحكم وهو التحريم.
الثاني: بيان العدد المحرم، ولكلٍ مقام، وهذا الحديث من النوع الأول على أن إطلاقه مقيد بما ذكر.
وعن الثاني: أن الرضعة الواحدة لا تسد الجوعة، خصوصاً إذا لم يصل إلى جوفه غير قطرة.
وعن الثالث: حمل مطلقة على المقيد دفعاً لإهمال أحد الدليلين، ولم يقم ما يدل على النسخ على أنه يحتمل أن يكون ترك الاستفصال اعتماداً على بيانه من قبل ولا حجة مع الاحتمال.
وأما عن القياس:
فالجواب: عن الأول منها: أنه قياس مع الفارق؛ لأن الأصل لم يعر عن جنس الاستباحة بخلاف النوع.
وعن الثاني: أن العلة، والحكمة التي كان لأجلها التحريم في الرضاع لم تتحقق في الإفطار، وهي التغذية فهو قياس مع الفارق أيضاً.
وعن الثالث بالمنع من الإلحاق؛ لأن الشارع حرم المسكر بدون تقييد بعدد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولا كذلك الرضاع، فإنه نص على العدو المحرِّم، ولا قياس مع النص.
استدل داود ومن وافقه بقوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ تُحَرّمُ المصَّةُ وَلاَ المصَّتَانِ، وَلاَ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ" ونحوه من كل ما دل على نفي التحريم يالرضعة وبالاثنتين، فدلت هذه الأحاديث بمفهومها على تحريم الثلاث، وقالوا أيضاً إن ما يعتبر فيه العدد، والتكرار يعتبر فيه من الثلاث، وأيضاً إن هذا العدد، هو أول مراتب الجمع.
الجواب: أما عن الأول فإن مفهوم هذه الأحاديث مقيد بالأحاديث الصريحة الدالة على اعتبار الخمس، وقد جرى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُحْرَمُ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ وَلاَ المَصَّةُ وَلاَ المَصَّتَانِ" مجرى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما الرِّبَا فِي النَّسِيْئَةِ" فإن مفهومه هو جواز الرِّبا في المنجز، إذا كان مقايضة؛ وليس كذلك للنصوص الأخرى الدالة على جريان الرِّبا فيه؛ أو يجاب بأن هذه =
الجزء: 9 - الصفحة: 566
"لاَ تُحَرِّمُ المَصَّةُ 20 [وَلاَ المَصَّتَانِ، وَلاَ الرَّضْعَةُ وَلاَ الرَّضْعَتَانِ" قبل: المصة] الجرعة يتجرَّعها، والرَّضعة المراد به الرضعة الثانية في العادة، وعند أبي حنيفة ومالك: تثبت الحرمة بالرَّضْعَةِ الواحدةِ، وعن أحمد روايتان كالمذهبَيْن، ولنا وراء ظاهر المذهب وجهان:
أحدهما: كمذهب أبي حنيفة، والثاني: أنَّه يثبت الحرمة بثَلاَث رضَعَاتٍ، وبه قال ابن المُنْذِر، واختاره مشايِخُنا, ولو حكم حاكم بالتحريم برضعةٍ، لم ينقض حكمه، وإن كنا نفرِّع على ظاهر المَذْهَب، وعن الإصْطَخْرِيِّ: ينقض، والرجوع في الرَّضْعة الواحدة والعدد من الرَّضَعات إلى العُرْف، وَمَا تُنَزَّلُ علَيْه الأيْمَانُ في مثْل ذلك، ومَهْما تَخلَّل زمانٌ طويلٌ لم يخف التعدد، ولو ارتضع، ثم قَطَعه، قطَعْ إعراض، واشتغل بشَيْءٍ، ثم عاد، وارتضع، فهما رضعتان، وقطع المرضعة كقطع الصبي في أصحِّ الوجهين.
والثاني: أنه لا اعتبار بقَطْعها, ولو قَطَعَت، ثم عادت إلى الإرضاع، لم يُحْسَب ذلك رضعتين، ولا يحْصُل التعدُّد بأن يَلْفِظ الثدْيَ، ثم يعود إلى الالتقام في الحال، ولا بأن يَلْهُوَ عن الامتصاص، والثَّدْيُ في فمه، ثم يعود إلى الامتصاص، ولا بأن يَتحوَّل من ثَدْيٍ إلى ثديٍ أو تحوله لِتَقَادِمَا فِي الثَّديِ الأول، ولا بأن يقطع للتنفس، ولا بأس بتَخلَّل النومة الخفيفة، ولا بأن تقوم هي، وتَشْتغِل بشُغْلٍ خفيفٍ، ثم تعود إلى الإرضاع 21، ذَكَره الشيخ إبراهيم المروزي، قال الأصحاب -رحمهم الله-: ويُعْتَبَر ما يجيْء فيه بمرات الأكل، وإذا حَلَف أن لا يَأْكُل في اليوم إلا مرةً، وأكل لقمة، ثم أعرض عنه، واشتغل بشُغْل، [طويل] ثم عاد، وأكل، حَنِثَ في يمينه، فلو أطال الأَكْلَ على المائدة، فكان ينتقل من لون إلى لون، ويُحْدِثُ في خلال الأكل، ويقوم، ويأتي = الأحاديث التي تمسكتم بها واردة على سؤال خاص، ورواية أم الفضل مصرحة بلفظ السؤال، فلا يدل على إثبات الحكم، فيما عدا هذا السؤال.
والجواب عن الثاني والثالث: أن النص دافع لهذه الاحتمالات.
الجزء: 9 - الصفحة: 567
بالخبز عند نفاذه، لم يَحْنَث، فإن كل ذلك يعد في العرف أكْلةً واحدةً، ولو ارتضع من ثَدْيِ امرأة، ثم انتقل في الحال إلى ثَدْيٍ آخر، ففيه خلافٌ سنذكره من بَعْدُ.
ولا يُشْتَرط أن يكون وصول اللبن في المَرَّات الخمس على هيئة واحدةٍ، بل لو ارتضع في بعْضِها، وأوجز في بعْض، وأسْعَط في بعْضٍ، حتى تَمَّ العدد، يَثْبُت التحريم، وكذا في الصَّبُّ في الجراحة الحقنة، إذا جعلْناهما مؤثرتَيْن.
ولو حَلَب لبن امرأة [دفعة] 22 واحدة، وأوْجَرَ الصبيُّ في خمس دفعاتٍ؟ نقل المزنيُّ والربيع أنها رضْعةٌ واحدةٌ، ثم قال الربيع: وفيه قولٌ آخر: أنَّها خمس رضعات، وللأصحاب طريقان:
أظهرهما: أن في المسألة قولَيْن:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنها خمس رضَعَاتٍ تنزيلاً للإناء المنتقل منه منزلة الثدي، وأيضاً، فاعتباراً بالوصول إلى جَوْف الصبيِّ، وربما شبه ذلك بما إذا وضع الطعام دفعةً واحدةً، وأكله في دفعات يكون ذلك أكلاتٍ، حتى لو حَلَف؛ لا يأكل في اليوم إلا مرةً واحدةً، وفعل هذا، يحنث.
وأصحهما عند أكثر الأصحاب: أنَّها رضعة واحدةٌ؛ لأنه انفصل دفعةً واحدةً، وربما قيل: طرف الانفصال أَوْلَى بالاعتبار؛ ألاَ ترى أنه لو ارتضع الطِّفْل مِنْ لبنها بعْد موتها, لم تَثْبت الحُرْمَة، ولو حَلَب اللبن في حياتها وأوجر الصبيّ بعْد موتها، تثبت الحرمة، قالوا: وليْسَ الإناء كالثدي؛ فإن اللبن يَحْدُث في الثدي شيئاً فشيئاً، فكلما ارتضع، حدث غيره، فَيَحْصُل التفريق 23، وفي الإناء لا يَحْدُث شيئاً بعد شيْءٍ.
والطريق الثاني: القَطْع بأنها رضْعة، وجعل ما نقله الربيع من كيسه، ويُحْكَى هذا عن القاضي أبي حامِدٍ -رحمه الله-، وإن حَلَب في خمس دفعات، وأوجر الصبيّ دفعةً واحدةً، فمَنْ قطع بالاتحاد في الصورة الأُولَى، قطع هاهنا أيضاً، وهؤلاء يشترطون التعدُّد في طريق الاتصال والانفصال جميعاً، والذي أثبتوا هناك على قولَيْن؛ افترقوا هاهنا، فَمِنْ طاردين لهما بانين للقولَيْنِ على أنَّ النظر إلى حالة الانفصال والاتصال، وبهذا قال صاحب "الإفصاح" وأبو إسحاق، ومِنْ قاطِعِينَ بالاتحاد [في طرف الاتصال،] 24 ذاهِبِين إلى أنه أوْلَى بالاعتبار؛ لأن أَثَر الإرضاع، وهو التغذي وثبات اللحم، يتعلَّق به، ولو حَلَب في خمس دفعات وأوجر الصبيّ في خمس دفعات، نُظِرَ؛ إن خلَط المَخْلُوط، ثم أوجر، فطريقان:
الجزء: 9 - الصفحة: 568
أصحُّهما: أنَّها خمس دفعات في الطرفَيْن، وبهذا قال أكثر الأصحاب وابن سُرَيْج وأبو إسحاق وابن أبي هريرة.
والثاني: أن فيها قولين أيضاً؛ لأنه بالخَلْط، صار كالمَحْلُوب دفعةً واحدةً؛ وإن لم يُخْلَط، فلا خلاف أنَّها خمْسُ رضعات، ولو حلب خمس نسوة في إناء واحد وأوجر الصبي دفعةً واحدةً، حصَلَت من كل واحدةٍ رضعةً، وإن أوجر في خمس دفعاتٍ، فقد حُكِيَ فيه وجهان، والذي أورده القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- منْهما بثُبوتُ الحرمة 25، فإذا عرفت ما ذكرنا، أعْلَمْت قوله في الكتاب "فشَرْطُ الرَّضَاعِ العَدَدُ" بالحاء، والميم، والألف والواو، وقوله "وهو خمس رضعات" بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) لَوْ شَكَكْنَا فِي العَدَدِ فَلاَ تَحْرِيمَ* وإنْ شَكَكْنَا فِي وُقُوعِهِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ فَقَدْ تَقَابَلَ أَصْلاَنِ وَهُوَ بَقَاءُ المُدَّةِ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ* لَكِنَّ الأَصَحَّ أنَّهُ لاَ تَحْرِيمَ إِلا بِيَقِينٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وقع الشكُّ في أنها أرضعَتْه خمْسَ رضَعات أو أقلَّ، لم تثبت الحرمة بالشَّكِّ، وطريق الوَرَع لا يَخْفَى، وكذا لو وَقَع الشكُّ في أنه هلْ وصل اللَّبَن في بعْض المرَّات إلى جوْفه، ولو وقع الشك في أنَّها أرضعته الخمس في الحولَيْن أو أرضعَتْه بعْض المرات بعْد الحولَيْن، فقد ذُكِرَ فيه قولان أو وجهان؛ لأنه تَقابَلَ أصْلان، فالأصل بقاء مدة الحولَيْن، والأصْل عدَمُ التَّحريم، والأصحُّ أنه لا يثْبُت التحريم، حتى يحصل اليقين، وُيسْتصحب أصْل الحِلِّ، كما أن الشك في انقضاء مدة المَسْح يأخذ بالأصل، وهو غَسْل الرِّجْلَيْن، ويُحْكى وجْه التحريم عن الصَّيْمري.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (قَاعِدَةٌ) لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٌ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِلِبَانِهِ مَرَّةً لَمْ يُحَرَّمِ المُرْتَضعُ عَلَيْهِنَّ* وَيُحَرَّمُ عَلَى الفَحْلِ (و) لأَنَّهُ اجْتَمَعَ العَدَدُ فِي حَقِّهِ وَهُوَ لَيْسَ تَابِعاً لِلأُمِّ هَذَا أَصَحُّ الوَجْهَيْنِ* وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُنَّ خَمْسُ بَنَاتٍ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلِىَ بِأنْ لاَ يَحْصُلَ* وَالأَخَوَاتُ كَالبَنَاتِ وَلَوْ كُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ كَأُمٍّ وَبِنْتٍ وَأُخْتٍ وَزَوْجَةٍ وَجَدَّةٍ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يُحَرَّمُ إِذْ لاَ تَحْصُل مِنْ مَجْمُوعِهَا قَرَابَةٌ وَاحِدَةٌ* وَلَوْ أَرْضَعَ خَمْس مُسْتَوْلَدَاتٍ عَلَى التَّوَالِي فَهِيَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَعَدُّدِ المُرْضِعِ* وَقِيلَ: تَعَدُّدُ المُرْضِعَةِ كتَعَدُّدِ الثَّدْيِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل الذي تتعلَّق به صورة القاعدة، وقد صرَّح به في الكتاب من
الجزء: 9 - الصفحة: 569
بعْد: أن لبنَ الفَحْل يُحَرِّم، وتصير المرضعة، أُمّاً للمرتضع، ويصير الفَحْل الذي منْه اللبن أَباً له، وينتشر منه الحُرْمة إلى أولاده، وبه قال عامَّة العلماء، وعن بعْض الصحابة -رضي الله عنهم- خلافُه، واختاره عبد الرحمن ابنُ بنتِ الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
لنا: ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن أفلح أخا أبي القعيس [جاء] 26 يستأذن عليها، وهو عمُّها مِنَ الرضاعة بعْد ما نزلت آية الحِجَاب، قالت: فأبيت أن آذَنَ له، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخْبَرْته بالذي صنَعْتُ، فقال: إنَّه عَمُّكِ، فأْذَنِي له، فقلتُ يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما أرضَعَتْنِي المرأةُ، ولم يرضِعْني الرَّجُل، فقال [رسول الله] 27 -صلى الله عليه وسلم- إنه عمُّكِ فَلْيَلجْ عليك، وأبو القعيس كان زوج المرأة التي أرضعت عائشة -رضي الله عنها-، وروى الشافعيُّ أن ابن عباس 28 سُئِلَ 29 عن رجُلٍ له امرأتان، أرضعتْ إحداهما غلاماً، والأخرى جاريةً، أينكح الغلامُ الجاريةَ، قال لا اللِّقاح واحدٌ، يعني أنهما أخوان لأبٍ.
إذا عُرِفَ ذلك، ففي القاعدة صِوَرٌ:
إحداها: إذا كان للرجل خمسُ مستولداتٍ أو أربعُ نسْوةٍ ومستولدةٌ، فأرضعت كلُّ واحدة منْهن بِلِبَانِهِ 30 صغيراً مرَّةً، لم يَصِرْنَ أمهاتِ الصغير, وهل يصير الرجل أباً له؟ فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو القاسم الأنماطي، وابن سُرَيْج وابن الحَدَّاد: لا؛ لأنَّ الأبوَّة متابعةٌ للأمومة؛ لأن انفصال اللبن عنها مشاهدٌ محسوسٌ، فإذا لم تثْبُتِ الأمومة التي هي الأصْلُ، لا تثبت الأبوة.
وأصحهما، وبه قال أبو إسحاق وابن القاصِّ: أنَّه يصير أباً؛ لأنَّ لَبَن الكُلِّ منه، فإذا حَصَل في جوفه خمسُ مراتٍ، لم يُفرِّق الحالُ بين أن يكون الانفصال من ثَدْيٍ واحدٍ، أو مِنْ ثِدْي جماعةٍ، وكأنهن ظروف للبنه، ويجوز أن يثبت الأُبوَّة دون الأمومة، كما يجوز أن تثبت الأمومة دون الأبوة كما ذكَرْنا فيما إذا دُرَّ لَبَنُ بِكْرٍ أو ثيِّب لا زَوْجَ لها، وكذلك لو أرضَعَتْ صغيراً بلِبَانِ زوجها ثلاثَ رضعاتٍ، فطلَّقها زوجُها، ونكحت غيره، وأرضعَتْ بلبان الثاني ذلكَ الصغيرَ رَضْعتَيْنِ، ثبتت الحرمة بينها وبين الرضيع، ولا تثبت بينه وبين الرجُلَيْن، وإذا قلْنا بأنه يصير أباً، فالمرضعات يَحْرُمن على الرضيع،
الجزء: 9 - الصفحة: 570
وإن لم يكُنَّ أُمَّهَاتٍ؛ لأنهن موطوءات أبيه، ولو كانت تحته صغيرةٌ، وله خمس مستولداتٍ، فأرضعَتْها كلُّ واحدة بِلِبَانِهِ رضْعةً، لم ينفسخ نكاح الصغيرة على الوجْه الأوَّل، وينفسخ على الوجه الثاني على الأصح، ولا غُرْمَ عليهن؛ لأن السَّيِّد لا يثبت له دَيُن على مَمْلوكه، ولو أرضعت زوجَتَه الصغيرةَ ثلاثُ نسوةٍ له ومستولداتان، فانفساخ نكاح الصغيرة على الوجهَيْن، قال الشيخ أبو عليٍّ: وأما غرامة مهرها، فإن أرضعْنَ على الترتيب، فالانفساخ يتعلَّق بإرضاع الآخرة، فإن كانت الأخيرةُ إحدى المستولدتَيْن، فلا شيء عليها، وإن كانت إحدى النسوة، فعليها الغُرْم، وإن أرضعْنَ معاً بأن أخذت كلُّ واحدة لبَنَها في مُسْعُط، وأوجرته معاً، فلا شيْء على المستولدتَيْن؛ [لأنهم لم يصرن أمهات الزوجة] [وعلى النسوة ثلاثةُ أخماسِ الغُرْم، ولا ينفسخ نكاحُ النسوة الثلاث، لاْنهن لم يصرن أمهاتٍ الزوجة,] ولو كان للرجل أربع نسوة، فأرضعت واحدةٌ منهم صغيراً رضعتَيْنِ، والثلاث الباقيات [أرضَعْنَه] 31 رضعة رضعة أو كانت له ثلاثُ مستولدات، فأرضعَتْ كل واحدة منْهن بِلِبانه صغيراً ثلاث رضعات 32، والباقيتان أرضعتاه رضعةً رضعة، جرى الخلاف في صيرورة الأب أباً للصغر؛ ولا تفسير المرضِعَات أمَّهات، وعلى هذا قياس سائر النظائر.
الثانية: إذا كان للرَّجُل أو المرأة خمْسُ بناتٍ أو أخواتٍ مراضع، فأرضع كل واحدة منهنَّ صغيراً رضعةً، لم تَصرْن أمَّهات الصغير, ولا أزواجُهن أباً له، وهل تثْبُت الحرمة بيْن الرضيع وبين الرجل والمرأة؟ إن قلْنا: لا يثبت التحريم في الصورة السابقة، ولا يصير الرجل أباً، فهاهنا أوْلَى بأن لا تثبت الحُرْمة، وإن أثبتناها هناك، فهاهنا وجْهان:
أحدهما، وبه قال ابن القاصِّ -رحمه الله-: أنَّه يَثْبُت أيضاً؛ لأن البنت الواحدة، لو أرضعت خمساً، لثبتت الحرمة بينه وبين الرضيع، فإذا أرضَعَت البناتُ الخمسُ كلُّ واحدةٍ واحدة وجب أن تثبت الحرمة، كما أنا أنزلْنا إرضاع المستولَدَات الخمس منزلة إرضاع الواحدة خَمْساً.
وأصحُّهما: المنع، بخلاف الصورة السابقة، والفَرْق أنَّه، لو ثَبَت التحريم، لكَانَ؛ لصيرورة الرجل جَدًّا لأم في صورة البنات، وخالاً في إرضاع الأخوات، كصيرورة المرأة جدةً لأمٍّ أو خالةً، والجُدُودة والخئولة لا تثبتان إلا بتوسُّط الأمومة، فإن لم تكن المرضعات أمهات، استحال أن يكون أبوهن جدًّا أو أخوهن خالاً أو أمُّهنَّ جدةً أو أختُهُنَّ خالةً, وهناك اللَّبن مشترَكٌ بيْن الرجُل والمرضعات، ولا استحالة في ثُبُوت الأبوَّة دون الأمومة، وبالعكس، وإذا أثبتنا الحرمة، فقد قال صاحب "التهذيب" -رحمه
الجزء: 9 - الصفحة: 571
الله- يحرم المرضعات على الرضيع، لا لكونهن أمهاتٍ، ولكن لكون البنات أخواتٍ له وكون الأخوان عماتٍ، إذا كان الرجل أباً، والحرمة هاهنا لو ثَبَتَتْ، إنَّما تثبت من جهة كونه جداً لأم أو خالاً، وفيه وضع بعْضُهم الخلاَفَ صريحاً؛ فقال: في صيرورة الرجل جدَّ الأم أو خالاً وجْهان، وإذا كانت الحرمة بهَذِهِ الجهةِ، فينبغي أن يقال: إنَّهنَّ يَحْرُمْنَ؛ لكونهم كالخالاتِ؛ وذلك لأنَّ بنْتَ الجَدِّ للأم، إذا لم تَكُنْ أمّاً، كانت خالةً، وكذلك أخت الخال، والله أعلم.
الثالثة: لو كان للرجل أمٌّ وبنتٌ وأختٌ وبنتُ أخٍ من أب وبنت أخت من الأب مراضع، أرضعت كلُّ واحدة منْهن صغيراً رضعةً، إن قلنا: لا يثبت التحريم في الصورة الثانية، فهاهنا 33 أَوْلَى، وإن أثبتاه، فهاهنا وجهان:
أصحُّهما: المنع، والفرق أن هناك يمكن نسبة الرضيع إلَيْه بكونه [ابن ابن] [نافلةً له] ونسبته إلى الرضيع بكونه جدًّا، وهاهنا لا يمكن لاختلاف الجِهَات، ولا يجوز أن يكون بَعْض الرضيع أخاً وبعضه ولد بنت.
والثاني: وبه قال صاحب "التلخيص"، أنه تثبت الحرمة؛ لأن الواحدة منهن، لو انفردت بخمس رضعات، لئبتت الحرمة بينه وبين الرضيع، وإرضاع الخمس كالرضعات الخمس من واحدة، وعلى هذا، فتحرم المرضعات على الرضيع، لا لأنهن أمهاتٌ، ولكن بجهات مختلفة فأما الرجل كأنها زوجة أبيه؛ لأن لبنها 34 من أبي [الرجل و] 35 الرضيع بمثابَةِ ولدِهِ، وبنت الرجل بنْت ابن أبيه فتكون بنت أخيه، وأخت الرجل بنْت أبيه، فتكون أخته وبنت أخي الرجل بنْت ابن أبيه [فتكون بنت أخيه] وبنت أخت الرجل بنت أخيه أيضاً، ولو كان بدل هؤلاء المرضعات زوجةٌ أو جدَّةٌ، كان الحكم كما ذكرنا، وفيه صُوَر صاحبِ الكتاب، ولو أرضعتْ كلُّ واحدةٍ من هؤلاء صغيرةً في نكاح الرجُل رضعةً واحدةً، فانفساخ النكاح على الوجهَيْن، وإذا قلْنا بالانفساخ، فإن أرضعْنَ على الترتيب، غُرِّمت الأخيرة للزوج، وإن أرضعْنَ معاً، اشتركن فيه، فإن اختلفَ عدَدُ الرضعات؛ بأن كن ثلاثاً، فأرضعتْ واحدةٌ رضعتين، والثانية كذلك، والثالثة رضعة، فيُغَرَّمن أثلاثاً على عدد الرؤوس، أو أخماساً على عدد الرضعات، فيه وجهان، وجميع ما ذكَرْنا في هذه الصور فيما إذا أرضعَتِ النسوة الخمْس في أوقات متفرقة، أمَّا إذا أرضعْنَ على التواصل والتوالي، وحكمنا بثبوت الحُرْمة لو انفردت الأوقات فههنا وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 572
أحدهما، وبه قال ابن القَاصِّ -رحمه الله-: أنَّها لا تثبت؛ لأنَّ الحرمة لا تَثْبت في حقِّ المرضِعات، وإنَّما تثبت في حقِّ الرجْل، وهن جميعاً كالمرأة الواحدة، [بالنسبة إلى الرجل]، وإرضاع المرأة الواحدة إنَّما يحرم إذا تفرَّقت الأوقات، فكذلك إرضاعُهُن.
وأظهرهما: الثبوت؛ لأن تعدد المرضِعَات يقتضي تعدُّد الرضعات عُرْفاً، فإن قلنا بالأول، فلو أرضعْنَ على التواصل، ثم أرضعَتِ الصغيرَ واحدةٌ منْهن أربعَ رضَعاتٍ، فهل تصير أمّاً له؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأنَّه ارتضع منها خمْسَ 36 مرات متفرِّقات.
والثاني: المنع؛ لأن تِلك الرضعة، لم تكن تامة، ويطرد هذا الخلاف في انتقال الصبيِّ من ثدْي امرأة إلى ثدْيِ امرأة أخرَى على الإطلاق، فأحد الوجهَيْن أنَّه كالتَّحُّول من ثَدْيِ امرأة إلى الثدْي الآخر، ولا يحسب ذلك رضعةً في حقِّ واحدةٍ منهما.
وأصحُّهما: أنَّه يُحْسب رضْعةً في حقِّ كل واحدة منهما؛ لأن الاشتغال بالارتضاع من الأخرى قطع الارتضاع من الأُولَى كالاشتغال بشيْء آخر، ويقرُب منْ هذا الخلافِ الخلافُ فيما إذا أرضعَتْ في الحولَيْن أربعَ رضعاتٍ، ثم شرعت في إرضاعه الخامسةَ، فتم الحولان في خلالها، فالأصح: أنه يثبت 37 التحريم؛ لأن ما يَصِلُ إلى الجَوْف في كلِّ رضعة [غيْر] مقدَّر، وفي وجْه: لا يثبت؛ لأنَّ الرضعة ما تمت في الحولَيْن.
وقوله في الكتاب: "ولو أرْضَعَ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ عَلَى التَّوَالِي" بيَّن بذِكْر التوالي أنَّ الصورة المذكورةَ أوَّلاً في قوله الو كان للرجل خمس مستولدات" مفروضة فيما إذا كان الإرضاع في أوقات متفرقة.
وقوله "وقيل: تعدُّد المرضِعة كتعدُّد الثَّدْي" هو الوجه الثاني.
فروع 38 من القبيل الذي نحْن فيه:
رجل له ابْنٌ، وابنُ ابنٍ، وأبٌ، وجَدٌّ، وأخٌ أرضعت زوجةُ كلِّ واحدٍ منْهم بلبنه صغيرة رضعةً، لا تصير الصغيرة بنتاً للمرضِعَات، ولا أزواجهِنَّ، وهل تحرم على الرجل؟ فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 573
أصحُّهما: أنَّه لا يحرم.
والثاني: وهو قول صاحب "التلخيص": يحرم؛ لأنها لو ارتضعت من لبن أحدهم خمْسَ مراتٍ، لحُرِّمَتْ عليه، فإنَّ زوجة الابن، لو أتمَّتِ الخمس، لَكَانَت المرضعة بنتاً، ولو أتمَّتْ زوجة ابن الابن، لكانت حافدة 39، ولو أتمَّتْ زوجة الأب، لكانت أختًا، ولو أتمَّتْ زوجة الجَدِّ، لكانت عمة، ولو أتمَّتْ زوجة الأخ، لكانت بنت أخ، وإذا ثبتت الحُرْمة لو ارتضعت مِنْ لبنٍ أحدهم خمْساً، فتَثْبُت، إذا ارتضعَتْ مِنْ لبن خمستهم، وكما تَحْرم المرضعة عليه، تحرم على أبيه، ولا تحرم على ابنه وابن ابنه؛ لأنها بارتضاع لَبَنِ أخيه، تكون بنت عمِّ الابن، وبنتُ العَمِّ لا تحرم، ومهما كان في الخَمْسة مَنْ لا يقتضي لبنه تحريماً، فلا يثبت التحريم.
خمسة إخْوَةٍ، أرضعت زوجةُ كلِّ واحدٍ منْهم بِلِبانه صغيرةً رضْعةً، هل تحرم الصغيرة على الإخوة فيه 40 الوجهان؛ لأنه لو أرضعَتْها واحدةٌ منْهن خمساً، لَحُرِّمَت على الإخوة، فكذلك، إذا أرضعتها الخَمْس.
ثلاث بنات، ابن بعضهن أسفل من بعض، وهن بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن أرضعت العليا صغيراً ثلاثَ رضَعاتٍ، والأخريات رضْعةً رضعةً، فهل تفسير المرأة جَدَّةً للرَّضيع؟ فيه الوجهان:
قال في "الرقم" إن قلنا: نعم، فهل تحرم المرضعات على الرضيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العَدَد لم يتمَّ في أرضاع واحدة منْهن.
والثاني: أن الرضعات من الجهات المختَلِفة تجمع، إذا كانت كل واحدة منها 41 بحيث لو تم العَدَد منها، تَثْبت الحرمة، فعَلَى هذا، يُنْظَر؛ إن كانت الوسْطَى بنت أخ العليا، والسفلى بنْتَ أخ الوُسْطَى، حُرِّمت العليا علَيْه؛ لأن إرْضَاعها, لو تم، لكان الرضيع ابنها، وإرضاع الوسْطَى، لو تم الرضيع ابن بنت أخي العليا [وإرضاع السفلى لو تم لكان للعليا ابن بنت ابن أخ]، وهذه الجهات كلُّها محرمة فيجمع ما فيها من عدد الرَّضَعات، وإن كانت الوُسْطَى بنت ابن عم العليا، والسفَلى بنت ابن ابن عمِّها, لم تحرم العلْيَا عليه؛ لأنَّ إرضاع الوسطَى، لم تمَّ يجعل الرضيع للعليا ابْنَ بنِت ابْنِ العم، وإرضاع السفْلَى، لو تم، لَجَعله لها ابنَ بنْتِ ابن [ابن] 42 العم وذلك [لا] يَقْتَضي التَّحْريم، وأما الوسْطَى والسفْلَى، فلا يُحرَّمان علَيْه بحال؛ لأن إرضاع العلْيَا، لو تَمَّ، لجعل للوسطى ابن العمة، والسفلى ابن عمة الأب، وذلك عنْد الفرض فيما إذا كانت
الجزء: 9 - الصفحة: 574
الوسطى بنت أخ العليا والسفلى بنت أخ الوسطى، وهي الحالة التي حكَمْنا فيها بتحريم العُلْيا، ومعلومٌ أن ذلك مما لا يقتضي التَّحْريم.
نَعَمْ، يحرم عليه الجَمْع بينهن في النكاح، والحالةُ هَذه؛ لأنَّ العليا عمة الوسْطَى، والوسطى عمة العليا, ولا يجُوزُ الجَمْع بين المرأة وعمتها، وإذا أرضعته إحداهن خَمْسَ رضعات، حَرْمَت هي عليه، وحَرُمت التي قولها، إذا كانت المرضعة بنْتَ أخِ التي فوقها؛ لأن التي فوقها تكون عمَّة الأم، وهي مُحرَّمة.
رجل 43 له زوجتان مرضعتان 44 بلبنه 45، حلبت كلُّ واحدةٍ منهما من لبنها حلبةً في إناء ثم خُلِط اللَّبَنَان، وسقى منهما صغيرٌ دفعةً واحدةً، ثبت لكل واحدة منْهما رضعةٌ، ولو سُقِيَ مرتين ثبت لكل واحدةٍ رضْعةٌ نظراً إلى الحَلْب أو رضعتان، نظراً إلى وصول اللبن فيه وجْهان، وهذا، كما مر، فيما إذا حَلَب لبن خمس نسوة فأوجر الصبيّ من ألبانهن المخلطة دفْعة أو خمس دفعات، وأما بين الرضيع والزوج، فإنْ لم نجمع في حقِّه رضَعات زوجاته، فتثبت رضعة واحدة، وإن جَمَعْنا فإنْ نَظَرْنا إلى الحَلْب ثبت في حقه رضعتان، وإن نظرنا إلى وصول 46 اللبن، ثبت أربع رضعات.
كانت له أربع نسوة وأمَةٌ قد دخل بِهِنَّ، ثم أرضعت كل واحدة منهن صغيراً بلبن غيره رضعةً واحدةً، ذكر صاحب "التَّلخيص" تفريعاً على ثبوت الأُبُوَّة، لو أرضعته بلبنه أنَّه يحرم الصغيرة عليه؛ لأنها ربيبته، وإن كان فيهن مَنْ لم يدخل بها, لم تحرم عليه، لما سبق أنَّه، لو كان فيهن من لو انفردت بالرَّضَعات الخَمْس، لم تثبت الحرمة والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 575
البَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يُحَرَّمُ مِنَ الرَّضَاعِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالأُصُولُ فِيهِ المُرْتَضِعُ وَالمُرْضَعَةُ وَالفَحْلُ، وَلَمَّا حُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ حُرِّمَ أَيْضاً عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا مِنَ الرِّضَاعِ وَالنَّسَبِ فَإنَّهُنَّ جَدَّاتٌ، وَأَخَوَاتُهَا مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ خَالاَتٌ، وَأَوْلادَهَا مِنَ الجِهَتَيْنِ إِخْوَةٌ، وَكَذَلِكَ أَوْلاَدُ الإِخْوَةِ، وَكذَلِكَ أَوْلاَدُ الرَّضِيعِ أَحْفَادُ المُرْضِعَةِ، وَلاَ يُحَرَّمُ المُرْضِعَةَ عَلَى أَبِ الْمُرْتَضِعِ وَعَلَى أَخِيهِ، وَكذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أَبُو المُرْتَضِعِ، وَأَبُوهُ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ، وَوَلَدُهُ أَخُوهُ وَعَلَى هَذَا القِيَاسِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحريم الرضاع يتعلَّق بالمرضعة، والفَحْل الذي منه اللبن، والطِّفل المرتضع، فهم الأُصُول في الباب، تنتشر منهم الحرمة إلى غيرهم:
أما المرضعة فينتشر منْها التحريم إلى آبائها من النَّسَب والرِّضاع؛ فَهُم أجْدادُ الرضيع، فلو كان الرضيع أُنْثَى، حُرِّم عليهم نكاحها، وإلى أمهاتها من النسب والرضاع؛ فهن جدات للرضيع فيحرم عليه نِكَاحُهُنَّ إذا كان ذكراً وإلى أولادها من النسب والرَّضاع، فهم إخْوَتُه وأخواته، وِإِلى إخوتها وأخواتها مِنَ الجهتَيْن؛ فهُمْ أخواله وخالاته، وأولادُ أولادِها أولادُ إخوةٍ، وأَخَوَات للرَّضِيعِ، ولا تَثْبُت الحُرْمة بيْن الرضيع وبَيْنَ أولاد إخوة المرضعة وأخواتها؛ فإنَّهم أولاد أخواله وخالاته.
وأما الفحل، فكذلك تنتشر الحُرْمة منه إلى آبائه وأمهاته؛ فهم أجداد الرضيع وجداته، وإلى أولاده؛ فهم إخوته وأخَوَاتُهُ، وإلى إخوته وأخواته؛ فهم أعمامه وعماته.
وأما المرتضع، فتنتشر منْه الحُرْمة إلَى أولاده مِنَ الرَّضاع والنَّسَب، فهم أحفادُ المرضِعة والفحلِ، ولا تنتشر الحرمة منه إلى آبائه وأمهاته وإخوته وأخوَاته، فلأبيه أن يَنْكِح المرضِعَة؛ إذْ لا منع من نكاح أم الابن، وأَن ينكح بنتها، وإن كانت أخْتَ وَلَدِهِ، ولأخيه أن ينكح المرضِعَة، وأن ينكح بنتها، وقد سبق في النكاح أن أربع نِسْوَةِ يَحْرُمْنَ من النَّسَب، ومثلهن قد لا يَحْرُمْنَ من الرضاع، وجعلت تلْك الصور مستثناةً من قولنا
الجزء: 9 - الصفحة: 576
[يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ] 47 مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
وقد يقال: المراد من قولنا "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" والحرمة في تلْك الصُّور ليست من جهة النَّسَب، وإنما هي من جهة المُصَاهرة على مَا تبين هناك.
ويمكن أن يُعْلَم قوله في الكتابِ "والفحل".
وكذلك قوله: "وكذلك زَوْجُ المرضِعَة أَبُو المرتضع" بالواو؛ لِمَا قدَّمنا في السابق من اختيار ابن بنت الشَّافعي -رضي الله عنه-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ مِنْ وَلَدِ الفَحْلِ، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مِنَ الزِّنَا أَوْ مَنْفِيّاً بِاللِّعَانِ فَلاَ نِسْبَةَ لِلَّبَنِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ انْتَسَبَ الوَلَدُ عَلَى الأَصَحِّ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّما تَثْبُت الحُرْمة بين الرضيع وبين الفَحْل، إذا كان منتسباً إِلى الفَحْل؛ بأنْ ينتسب إليه الولد الذي نَزَلَ اللَّبَنُ عليه.
أمَّا اللَّبَن النَّازِل عَلَى وَلَدِ الزنا، فلا حُرْمة له حتَّى لا يحْرُم على الزَّانِي أَن ينكح الصَّغِيرة التي ارتضَعَت من ذلك اللَّبَن، لكنه يكره وقد حكَيْنا في النكاح وجهاً أَن الزَّانِيَ لا يجُوز له أن يَنْكِح بنْتَ الزنا التي يعلم أنها من مائة 48 فيشبه أَن يجيْء ذلِكَ الوَجْه ها هنا أيضاً، ولو نفَى الزوْج ولَدَه باللعان، وأرْضَعَتَ المرأة باللبن النازل علَيْه صغيرة، لم تثْبُت الحُرْمة، ولم يُنسبِ اللبن إليه، كما لا ينسب الوَلَد ولو أَرْضَعَتْ به، ثم لاَعَن الزوْجُ انتفى الرضيع عنه، كما انتفى الوَلَد، فلو استلْحق الولد بعْد ذَلِك، لحق الرضيع أَيضاً، ولم يَذْكُروا هاهنا الوجهَيْن المذكورَيْن في نكاح المتغيبة باللعان ولا يَبْعُدُ أن يُسوَّى 49 بينهما، وإِذا كان الوَلَد من وطء شبهة، فاللَّبَن النازِل إِلَيْه يُنْسَب إِلى الواطئ،
الجزء: 9 - الصفحة: 577
كما يُنْسَب إليه الولد اتْباعاً للرَّضَاع بالنَّسَب.
هذا هو الصحيح وعَنْ صاحِبَي "التقْريب" و"التَّلْخِيص" و"الجامع الكبير" للمزنيِّ -رحمه الله- في روايةُ قولٍ أن اللبن من وطء الشبهة لا يُثْبِتُ الحرمةَ من جهَة الفَحْل؛ لأنَّه لا ضَرُورة إِلى إِثبات حُرْمة الرَّضاع، بخلاف النسب والعِدَّة؛ فإن الضرورة تُلْجئُ إِليهما، وقرب هذا القول من قول ذُكِرَ أن وطء الشُّبهة هل يُثْبِتُ حرْمةَ المصاهرة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَلَوْ وُطِئَتِ المَنْكُوحَةُ بِالشُّبْهَةِ وَأتتْ بِوَلَدٍ يُحْتَمَلُ مِنْهُمَا فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً فَهِيَ وَلَدُ مَنْ يَثبُتُ لَهُ نَسَبُ الوَلَدِ بِإِلْحَاقِ القَائِفِ أَوْ بِانْتِسَابِ الصَّغِيرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الانْتِسَابِ انْتَسَبَ الرَّضِيعُ عَلَى وَجْهٍ بِنَفْسِهِ، وَبَقَى مُشْتَبَهَاً عَلَى وَجْهٍ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَمَا جَمِيعاً، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ لَهُ أَنْ يُوَاصِلَ أَيُّهُمَا شَاءَ وَلَكِنْ إِذَا وَاصَلَ أَحَدَهُمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وُطِئَتْ منكوحةُ إنسانٍ بالشبهة أو وَطِئ اثنان امرأةً بالشبهة، أو نَكَح رجلٌ امرأةً في العدة عن جَهْل، وأتَتْ بولد وأرضعَتْ باللبن النازل علَيْه صغيراً، فهو تبع للولد، فإن لَحِقَ الولد أحدهما؛ لانحصار الإمكان في حقه؛ فالرضيع ولَدُه من الرَّضَاع، وإن لم يَلْحَق واحداً منْهما؛ لعدم الإمكان، فالرضيع منقطع عنهما، وإن تَحقَّق الإمكان في حقِّهما جميعاً، عُرِضَ الولَدُ على القائف؛ فبأيِّهما ألحقه، تبعه الرَّضِيع، فإن لم يكن قائفَ أو نفاه عنهما أو أَشْكل علَيْه، توقفنا إلى أَن يبلغ المولود، فينتسب إلى أَحدهما، فإن بلغ مجنوناً صبرنا إلى أن يضيق فينتسب، فإذا انتسب، تبعه الرَّضِيع، فإن مات قبل الانتساب، وكان له ولَدٌ، قام مَقَامَهُ في الانتساب، فإن كان له أولادٌ، فانتسب بعضُهم إلى هذا، وبعضهم إِلى هذا، استمر الإشكال، وإن لم يكن له ولد، وبقي الاشتباه، ففي الرضيع قولان محكيان عن نصه رضي الله عنه في "الأم":
أحدهما: أنَّه يكون ابنهما جميعاً، ويجوز أن يكون للواحد أبوان من الرَّضَاع بخلاف أُبوَّهُ النَّسَب وأيضاً، فقد اشتركا في الوطء واللبن قَدْ يكون من الوطء، كما يكون من الولادة.
وأَصحُّهما: أنَّه لا يكون ابنهما؛ لأنَّ اللَّبَن فَرْع الولَدَ، فإذا كان الولَدُ مِنْ أحدهما، كان اللبن من أحدهما.
التفريْعُ: إنَّ قلْنا بالأوَّل، فهل يحتاج إلى عشرِ رضَعَات أم تكفي خمْسٌ؟ سُئِل الداركيُّ عَنْه فقال: يحتمل وجهَيْنِ، قال القاضي أبو الطيِّب: هما مبنيان على أنَّه إذا ارتضع من امرأتين على التواصُل، هل يكون ذلك رضْعةً في حَقِّ كل واحدة منهما، وذكر في "البسيط" أَن معنى هذا القَوْل على ضعْفِهِ إثباتُ أبوتهما في الظاهر دُون
الجزء: 9 - الصفحة: 578
الباطن؛ لأنا نعلم قطعاً أن الوَلَد مِنْ أحَدِهِما، واللبن يتبعه، لكن لمَّا عسر الرسول إلَيْه، أطلق ثبوت أبوتهما والذي ذكره 50 الأصحابُ توجيهاً وتفريعاً يخالف ذلك، وإن كان القَوْل ضعيفاً بالاتِّفَاق، وإن قلْنا بالأصحِّ، فهل للرضيع أن يَنْتَسِب بنفسه؟ فيه قولان منقولان عن "الأم":
أحدهما: لا، كما لا يُعْرَض على القائف، ويخالف المولود، فإنه يعول على ميل الطبع [بسبب] أنَّه مخلوق من مائة.
وأصحهما: نعم، كالمولود، والرضاعُ يؤَثِّر في الطباع والأخلاق، وقد يميل الإنسان إلى من ارْتَضَعَ بلَبَنِهِ لتشابههما في الأخلاق، واستشهد لذلك بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ بَيْدَ أني مِنْ قريش [وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْد، وَارْتَضَعْتُ في بَنِي زُهْرَة"، وَيُرْوى: أَنا أَفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْش إِلى آخره] 51 وكانت هذه القبائل أفْصَحَ العرب، وافتخر بالرَّضَاع كَما افتخر بالنَّسَب، ويخالف العَرْض على القائف، فإنَّ مُعْظَم تعويله على الاشتباه الظَّاهر في الخِلقة دون الأَخْلاق، على أن القاضِيَ ابن كج نقل وجهَيْن عن [أبي] الحُسَيْن وأبي حامِدٍ؛ في العرض على القائف، وهو غريب.
التفريع: إن قلْنا: إن له الانتساب، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان، وقال في "المُهَذَّب": قولان.
أَحدهما: أنه يجبر عليه كالمولود.
وأَصحُّهما: المَنْع، والفرق أن النسب يَتعلَّق به حقُوقٌ له وعليه؛ كالنفقة والميراث والعتق والشهادة وغيرها، فلا بد من رقع الإشكال، والذي يَتعلَّق بالرضاع حرمةُ النكاح، والامتناع منه سهل، وإذا انتسب إِلى أحدهما، كان ابْنَهُ، وانقطع عن الآخَرِ، فله أن ينكح ابنته، ولا يخْفَى الوَرَع، وإن لم ينتسب أو قلْنا: ليس له الانتساب، فلَيْس له أن يَنْكِح، بنت هذا أو بنت ذاك جميعاً؛ لأنَّ إحداهما مُحَرَّمة لا محالة، وعن صاحب "الحاوي" حكايةُ وجْهٍ ضعيفٍ: أنَّه يجوز ويُحْكَم بانقطاع الأُبوَّة عنهما، وهل له أن ينكح بنْتَ أحدهما؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنا نتقين أن إحداهما أخته، فأشبه ما إذا اختلَطَتْ أخته بأجنبية
الجزء: 9 - الصفحة: 579
والثاني، وهو ظاهر ما نقله المزنيُّ: أنَّه يجُوز؛ لأن الأصْل الحِلُّ، والحرمة في التي ينكحها غير معلومةٌ، وفرق بينهما وبين اختلاط الأُخْتِ بالأَجْنَبِيَّة بأن الأصْل في الأخت التحريم، فغُلِّب التحريم، كما إِذا اشتبه علَيْه ماءٌ وبَوْلٌ يُعْرض عنْهما جميعاً، وهاهنا الأصْل في كل واحدٍ منهما الإباحَةُ، فيجوز أخْذ أحدهما كما إذا اختلط ماءٌ طاهرٌ بنجس.
التفريع: إن جوَّزنا له نِكَاح إحداهما، فالمَشهُور أنَّه لا يُحْتاج في نكاح، إحداهما إلى الاجتهاد، بخلاف الأواني المشتبهة؛ لأنَّ التنجس له علاماتٌ ظاهرةٌ، وذكر الفورانيُّ في "الإبانة" أنه يجتهد في الرجُلَيْن أيهما الأب ثم ينكح بنت مَنْ لا يَرَاه أباً، وإِذا نكَح واحدةً، ثم فارقها، فهل له أن ينكح الأُخْرَى؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن التحريم غير متعيِّن في واحدةٍ منْهما، ويشبه ذلك بما إذا صلَّى إلى [جهة الاجْتهاد، يجوز أن يصلِّي إلى] 52 جِهَةٍ أخْرَى باجتهادٍ آخَرَ.
وقال ابن أبي هريرة واختاره القاضي أبو الطيب: لا يجوز له نكاج الأُخْرَى، وتحْرُم عليه أبداً؛ لأنه إذا نَكَحَ إحداهما، تعيَّنت الأخوة في الأُخرى فكان نِكَاحُ واحدةٍ اعترافاً بالأخوة في الأخرى، وهذا كما أنَّه إذا اشْتَبَهَتْ ثَلاَثُ أَوَانٍ طَاهِرَانِ وَنَجِسٌ، فاختلف فيها اجتهادُ ثلاثةٍ، واستعملوها، واقتدى أحدهم بأحد صاحبيه، لا يجوز له الاقتداء بالثاني؛ لتعينه للنجاسة في زعمه.
وقوله في الكتاب "فأرضعت صغيرة" لا ضرورة إلى التَّصْوير في الصَّغيرة، بل الصغير كالصغيرة.
وقوله "بإلحاق القائف، أو بانتساب الصغير بعْدَ بلوغه" يعني بإلحاق القائف إن كان هناك مألف فيستفاد من العرض أو بانتساب الصغير [بعد بلوغه] إن لم يكن قائف أو لم يُفِدْ تبيُّناً قوله:
ولفظ الصغير في قوله: "أو بانتساب الصغير بعد بلوغه".
حشوٌ وكان يَكْفِي أن يقول: "أو بانتسابه" ردّاً إلى الولد وهو المراد، وإذا لم يقنع بالكتابة، كان الأحسن أن يقولُ بانتساب الولد".
وقوله: "وإن مات قبل الانتساب" يعني الولد، والوجوه الثلاثة التي ذَكَرَها مستخرجةٌ من الخلاف الذي بيَّنَّاه، وسماها في "البسيط" أقوالاً وفي الحقيقة [هي] مختلطة؛ منهما هو قولٌ، ومنها ما هو وجْهٌ.
فقوله: "انْتَسَبَ الرضيعُ على وجْهٍ بنفسه" هو أظهر القولَيْن في أن للرَّضِيعِ أن ينتسب كالمَوْلود، وقوله: "وبقي مشبهاً على وجْهٍ" يشير إلى القول الآخر، وهو أنَّه لا ينتسب وعلى هذا، فالأظهر أنَّه يُحَرَّم عليهما جميعاً ثم ذكر الوجه الآخر، وهو أنه يواصل مَنْ شاء منهما، فإذا وصَلَه، تعيَّن التحريم في الثاني، وأَمَّا أنَّ الرَّضِيع يكُون ابناً لهما جميعاً، وأنَّه
الجزء: 9 - الصفحة: 580
إذا وصل أحدهما، ثمَّ فَارقَهُ، يجوز له مواصلة الثاني، فقد سكت عنهما، ويجوز أن يعلم قوله "أيهما شاء" بالواو؛ لقول مَنْ قال: إنه يواصل أحدهما بالاجتهاد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ لَبَنُ المُطَلَّقَةِ دَارّاً فَرَضِيعُهَا ابْنُ المُطَلَّقِ وَلَوْ بَعْدَ عَشَرْ سِنِينَ إِلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلاً مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ فَإِذْ ذَاكَ يَنْقَطِعُ نَسَبُ اللَّبَنِ عَنْهُ، أَمَّا فِي مُدَّةِ الحَمْلِ فَاللَّبَنُ لِلثَّانِي عَلَى وَجْهٍ، وَلِلأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُمَا عَلَى وَجْهٍ وَهَذَا الحُكْمُ لَوْ كَانَ قَدِ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ فَهُوَ لِلأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُمَا عَلَى وَجهٍ، وَلاَ صَائِرَ إِلَى تَخْصِيصِهِ بِالثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلَّق امرأته أو مات عَنْها ولَهَا منْه لَبَنٌ فأرضَعَتْ به صغيراً قَبْل أن تنكح زوجاً آخَرَ، وتحمل من غيره، فالرضيع ابْنُ الَّذِي طلَّق أو مات، كما هو ابنها، ولا تنقطع نسبةُ اللَّبَن عنه بموته، ولا فرق بيْن أن يرتضع في مدَّة العدَّة أو بعْدها, ولا بين [أن تقصر المدَّة أو تَطُول كعشر سنين مثلاً، ولا بَيْن] 53 أن ينقطع اللبن ثم يَعُود أو لا ينقطع؛ لأنَّه لم يَحْدُث ما يُحَال اللبن عليه، فهو على استمراره منْسوبٌ إليه، وفي وجْهٍ: إن انقطع ثم عاد بعْد ما مضى أربع سنين من وقْت الطلاق، لم يكُنْ منسوبًا إليه، كما لو أتت بولد بعْد هذه المدة لا يلحقه.
هكذا خصَّص في "التهذيب" هذا الوجْه بما إذا انقطع وعاد، ومنهم من يُشْعِر إيراده باطِّرَاده في صورة استمرار اللبن 54، وإن نكحت بعْد مضي مدة العدة زوجاً آخر، وولدت منه، فاللبن بعد الولادة للثاني، سواءٌ انقطع وعاد، أو لم ينقطع؛ لأنَّ اللبن تَبَعُ الوَلَدِ، والوَلَدُ للثاني، فكذلك اللبن، وعن أحْمد: أنه يكون لهما جميعاً، وأمَّا قبل الولادة مِنَ الزَّوْج الثاني، فإن لَمْ يُصِبْها أو أصابها, ولم تحْبَل أو حبلت، ولم يدْخُل وقْت حدوث اللَّبَن لهذا العمل، فاللبن للأوَّل، سواءٌ زاد على ما كان أو لَمْ يَزدْ، وسواءٌ انقطع وعاد، أو لم يَنْقَطِع، ويقال: إن مدة يَحْدُث فيها اللَّبَن للحمل أربعون 55 يوماً، وإن دخل وقْت حدوث اللبن للحمل، فإما أن ينقطع اللبن
الجزء: 9 - الصفحة: 581
مدةً طويلةً، ثم عاد أو لم يكن كذلك بأن لم ينقطع أو انقطع مدة يسيرة.
أَمَّا في الحالة الأُولَى: ففيها ثلاثةُ أقْوَالٍ:
أصحها: وبه قال أبو حنيفة: أن اللبن للأَول؛ لأن اللبن تَبَعٌ للولد وغذاؤه لا غذاء الحمل، فيتبع الولد المنفصل دون الحمل.
والثاني: أنه للثاني؛ لأن الأول قد انقطع، وقُرْبُ وقْتِ الولادة سبب لظهور اللبن؛ فأشبه اللبن النازل بعد الولادة، وقد يُبْنَى هذان القولان عَلَى قول تقابل الأَصْل والظاهر.
والثالث: أنه لهما جميعاً، لتقابل المعْنَيَيْنِ.
وأَما فيٍ الحالة الثانية: إِن لم يزد اللبن، فهو للأَوَّل؛ لأن بقاءه بحالِهِ يُشْعِر بأن الحمل لم يُؤَثِّر، وإن زاد عَلَى ما كان، فقولان:
أحَدُهما: وبه قال أحمد -رحمه الله-: لهما جميعاً؛ لأن بعْض الحاصل هو الذي كان، وبعْضه حادِثٌ لم يكن، فيحال على الحمل، ويشتركان فيه.
وأَصحُّهما: ويه قال أبو حنيفة: أنه للأوَّل، أيضاً؛ لأن كون الزيادة من الحَمْل غير مُتحقَّق، بل كما يجوز ذلك يجوزُ أن يكُونَ لغذاءٍ مُوافِقٍ، فلا نترك اليقين بالشَّك، وينسب هذا القول إلى الجديد، والأول إلى القديم، ومنهم مَنْ لم يُفَرِّق بين أن يزيد اللبن أو لا يزيد، وطرد القولَيْن، فيحصل من الطريقين ثلاثةُ أقوالٍ، كما ذكر في "الوسيط":
أحدهما: أنه لهما، والثاني: أنَّه للأوَّل، والثالث: أنَّه إنْ زاد، فهو لهما، وإلاَّ، فلِلأوَّل، ويتفرع على الاختلاف في المسألة.
فُرُوع:
أَحَدُها: لو نزل للبكر لبَنٌ، ونكحت، فهي ذاتُ لَبَنٍ ثم حبلت من الزَّوْج، فحيْث
قلنا: في المسألة: إن اللبن للثَّانِي أوْ لَهُما، فهاهنا يكون للزوج، وحيث قلنا] إنه يكون للأول، فهو للمرأة وحْدها, ولا أَبَ للرَّضِيع.
[والثاني: إِن حبلت من الزنا، وهي ذات لَبَنٍ من الزوج، فحيث قلْنا هناك: إن اللبن للأول أو لهما، فهو للزوج، وحيث قلْنا: إنه للثاني، فلا أب للرضيع، والثالث: نُكِحَتْ، ولا لبن لها، فحبلت، ونزل لها لبن، قال في "التتمة" في ثبوت الحرمة بين الرضيع والزوج وجْهان؛ بِنَاءً على الخِلاَف المذكور، إِن جعلْنا اللبن للأوَّل، لم نجْعَل الحمْل مُؤَثِّراً، فلا يثبت الحُرْمة حتى ينفصل الوَلَد، وإنْ جعلْناه للثاني أَوْلهما، تثبت الحرمة، وأَما لفظ الكتاب فقوله "ولو بعد عشر سنين" أعلم بالواو؛ للوجْه المقدَّر بالأربع.
الجزء: 9 - الصفحة: 582
وقوله: "إلى أن تضع حملاً من وطءِ غَيْرِهِ" يدخل فيه ما إِذا نَكَحَتْ وَحَبِلَتْ من الزوج، وما إذا حَبِلَتْ من وطء شُبْهَة، والحكم واحد فيهما.
وقوله: "فإِذْ ذاك يَنْقَطِع نسب اللبن عنْه" يجوز إعلامه بالألف، وليُعْلَم قولُهُ "فاللبن للثاني" بالحاء والألف، وقوله "وللأول" بالألف، وقوله "ولهما" بالحاء؛ لما حكينا من مذهبهما، وقوله: "وهذا الحكم لو كان قد انقطع بعد ذلك ثم عاد ففي بعض النسخ وفي بعض وهما صحيحان"، وقد يوجد بدلهما "وكذا الحكم لو كَانَ قَد انْقَطَعَ" ولَيْس بصواب.
وقوله: "وَلاَ صَائِرَ إلى تخصيصه بالثاني" يعني أنَّ القول "بأن اللَّبَن للثاني خاصَّةً مخصَّصٌ بما إذا انقطع ثم عاد ولا يحال له فيما إذا لم ينقطع، ولفظ الانقطاع مُطْلَقٌ في الكتاب، لكن هو محمول هاهنا على الانقطاع مدَّةً يسيرة على ما بيَّنَّاه، وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوُجُوه، وهي أقوال مشهورة في ذلك، والله عَزَّ وَجَلَّ أعلم بالصواب.
البَابُ الثَّالِثُ فِي الرَّضَاعِ القَاطِع لِلنِّكَاحِ وَحُكْم الغُرْمِ،
وَفِيهِ أَصْلاَنِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأوَّلُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فُأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ زَوْجَتُهُ بِلِبَانِهِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَيَجِبُ عَلَى المُرْضِعَةِ تَمَامِ مَهْرِ المِثْلِ (ح) عَلَى قَوْلٍ، وَنِصْفُهُ عَلَى قَوْلٍ، وَتَمَامُ المُسَمَّى عَلَى قَوْلٍ، وَنِصْفُهُ عَلَى قَوْلٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ حَتَّى صارَتَا أُخْتَيْنِ انْدَفَعَتَا جَمِيعَاً وَغُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ مَهْرَ الكَبِيرَةِ المَمْسُوسَةِ عَلَى القَوْلِ الصَّحِيحِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تُغَرَّمُ شَيْئَاً كَمَا لَوِ ارْتَدَّتِ الزَّوجَةُ، وَالغُرْمُ يَجِبُ بِفِعْلِهَا، فَلَوْ نَامَتْ فَدَبَّتْ إِلَيْهَا الصَّغِيرَةُ وَارْتَضَعَتْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا (و)، وَيَسْقُطُ مَهْرُ الصَّغِيرَةِ بِفِعْلِهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: لَهَا نِصْفُ المُسَمَّى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقْصُود الباب كما بَيَّنا مِنْ قَبْلُ الكَلاَمُ في الرَّضاع الَّذي يَطْرَأُ على النكاح فيقطعه، وفي الغرم المتعلِّق به، وقد رتَّبَه على أصلَيْن و
فروع
يَتَشعَّب عَنْها أَحَدُ الأصْلَيْنِ عند انقطاع النكاح، واعْلَمْ أولاً أن الرضاع الطارئ 56 قد يَقْطَع النكاح، وإن لم يقتض حُرْمَةٌ مؤبَّدةٌ، وسيأتي أمثلته -[إن شاء الله تعالى] وقد تَقْطَعه لاقتضائه الحرمة المؤيَّدة فكل امرأة يَحْرم عليه أن ينْكِح ابنتها، فإذا أرضعت تلْك المرأةُ زوجَتَهُ الصغيرةَ خمْسَ رضعات، تثبت الحرمة المؤبَّدة، وانقطع النكاح، فإِذا كانَتْ تحته صغيرةٌ،
الجزء: 9 - الصفحة: 583
فأرضعَتْها أُمُّه من الرضاع أو النسب خمْسَ رضعات، انفسخ النكاح؛ لأنها [صارت بنْتاً لها، وكذا لو أرضعتها جَدَّتُه من الرضاع أو النسب؛ لأنها] 57 صارت خالةً له إن أرضعَتْها أم أُمِّه أو عمة [له] إن أرضعتها أُمُّ أبيه، وكذا لو أرضعتها بنته من الرضاع أو النسب؛ لأنها تَصِير حافدته، ولو أرضعتها زوجة أبيه بلَبَنِ أبيه، أو زوجة ابنه أو زوجة اْخيه بلبن أخيه، فكذلك؛ لأنها تصير أختاً له في الصورة الأُولى وحافدة في الثانية، وبنت أخٍ في الثالثة، وإن كان اللبن من غير الأب أو الابن أو الأخ [لَمْ يُؤَثِّر؛ لأن غايته أن تفسير ربيبة الأوَّل أو الابن أو الأخ] 58 ولا يَحْرُم على الرجل أن ينكح ربيبة أبيه أو ابنه أو أخيه، ولو أرضعتْها زوجة أُخْرَى له كبيرة بلبنه، فكذلك ينفسخ النكاح، وتثبت الحُرْمة؛ لأنها صارت بنتاً له، وإن كان اللَّبَن مِنْ غيره، فسيأتي، وإِنما كان الرضاع في هذه الصورة قاطعاً للنكاح؛ لأن ما يُوجب الحُرْمَةَ المُؤَبَّدة، كما يمنع ابتداء النِّكَاح يمنع استدامته؛ ألا ترى أنَّه إذا وَطِئَ الابْنُ زوجةَ أبيه بشبهة، ينفسخ النكاح، وتَحْرُم عليه، وتخرج على هذا العدَّةُ والردَّةُ الطارئتان فإنهما لا يوجبان التحريم المؤبَّد.
إذا تقرَّر ذلك، فالصغيرة التي انفسخ نِكَاحُها تَسْتحق على الزَّوجْ نصْفَ المسمَّى، إن كان صحيحاً، ونصْفَ مهْرِ المثل، إنَّ كان فاسداً نعم، لو جاء الانفساخ مِنْ قِبَلِها؛ بأن دَبَّتْ إلى صاحبة اللبن، وهي نائمةٌ، فارتضعت، فالظاهر أنَّهَا لا تستحقُّ شيئاً، وسنذكره على الأثر إن شاء الله تعالى، ويجب على المُرْضِعة الغُرْم للزَّوْج؛ لأن البُضْعَ مضمون بالعَقْد في الخُلْع، فكذلك يضمن بالإتلاف كالأموال، ولا فَرْق بين أن تَقْصِد بالإرْضَاع فسْخَ النكاح أوْ لا تقصده، ولا بأنْ يجب عليها الإرْضاع بأنْ لا يكونَ هناك مرضِعَةٌ أُخرَى أَوْ لاَ يجب؛ لأن غرامة الإتلاف لاَ تَخْتَلِف بهذه الأَسباب، وبهذا قال أَحْمَدُ، وعَنْ مالك: لا يجب الغُرْم على المرضِعَة، وعند أَبي حنيفة: لا غرم عليها، إن لم تقصد فَسْخ النكاح، وعَنِ الشَّيْخ أَبِي حامدٍ: احْتمالُ أَنَّهُ لا غرم عليها، إِذا لزمها الإرضاع، وما الغُرْم الواجب على المُرضِعَة؟ نَصَّ هاهنا عَلَى أن الوَاجِب نصْفُ مَهْر الَمِثْل، وإِذا رجع شهود الطَّلاق قَبْل الدخول، فالنصُّ أَنَّه يجِب عليهم جميعُ مَهْر المثل، وللأَصْحَاب فيه طريقان:
أحدهما: وبه قال الإِصطخري: أَنهما على قولَيْن نقلاً وتخريجاً:
وجه وجوب الجميع: أنَّ قيمةَ الْبضَعْ مهْرُ المِثْل، وإِتْلاف الشَّيْء المتقوَّم يوجب قيمته، ووجْه الآخر: أن الزوج لا يُغَرَّم إلا النِّصْف، فلا يُغرم إلا النِّصْف؛ وهذا لأن الفرقة إِذا حصَلَتْ قبل الدخول، جُعِلَ كأن الزوج لا يَمْلِك إلا نصْف المعقود عليه،
الجزء: 9 - الصفحة: 584
ولذلك لا يلزمْهُ إلا نصْفُ المسمَّى، وإذا لم يملك إلا النصْف، لم يُغَرَّم له إلا النِّصْف.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطْع بتقرير النصَّيْن، والفَرْق أن الرِّضَاع يوجب الفُرْقة حقيقةً، وحقيقةُ المفارقة قبْل الدخول لا توجب إلا النصف كالمفارقة بالطلاق، وفي الشهادة؛ النِّكاحُ باقٍ في الحقيقة بزعم الزوج والشاهدَيْن، لكنهما بالشهادة حَالاَ بينه وبين البُضْع، فيُغرَّمان قيمته، كالغاصب يحول بين المالك والمغصوب، وحكى الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- وآخرون على طريقة إثبات الخلاف قولَيْن:
أَحدهما: أنَّه يَرْجِع بنِصْف المسمَّى؛ لأنَّه الذي يُفَوَّت على الزوج، وينسب هذا إِلى رواية القَفَّال، وفي شرح "مختصر الجوينيِّ": أن القفَّال خَرَّجه من الضمان، إذا ضمن ألْفاً، وأدى خَمْسَمَائة، لا يرجِعِ إِلا بما ضَمِنَ، والرابع: أنَّه يرجع بتمام المُسمَّى؛ لأنه قد التزمه، والتشطير أمر ثَبَتَ على خلاف القياس، فيختص بالزوجين، وقد أورد صاحب الكتاب أربعتها والصحيح منْها عند الشيخ أبي عليٍّ والإمام وجماعة: أنَّه يَرْجِع بتمام مهْر المثل، وعند الأكثرين: يرجع بنِصْفِه، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "ويجب على المرضعة" بالميم، وقوله: "تمام مهر المثل" بالحاء والألف، وكذا قوله: "ونصفه"، وقوله: "وتمام المسمى على قول، ونصفه وعلى قولٍ" بالواو؛ للطريقة القاطعة، والقول في غُرْم شهود الطَّلاق يَعُود في كتاب الشَّهَادات، ورُبَّما تكرَّر بعْض ما ذكَرْناه هناك.
فُرُوعٌ:
الأول: لو نكح العَبْدُ صغيرة، فأرضعَتْها أمه، وانفسخ النكاحُ، فللصغيرةِ نِصْفُ المُسمَّى في كَسْبه، ولسيده الرجوعُ على أمِّ العَبْد بالغرم، قال في "التتمة": وإِنما أثبتنا للسيد الرجُوعَ علَيْها, لأنَّ العَبْد إذا خَالَع زوْجَتَه، كان العوض للسَّيِّد، فكذلك إذا وَجَبَ المَال بتفْوِيت البُضْع علَيْه.
والثاني: عن ابن الحدَّاد -رحمه الله- أنَّه لو كانت الصغيرةُ مفوَّضةً، وأرضعتها أُمُّ الزوج، فالواجب لها عَلَى الزوج المتعة، والزوج يرجع على المُرْضِعة بالمُتْعَة.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وهذا إِنما يُتصوَّر أَوَّلاً فيما إِذا كانَتِ الصغيرةُ أُمَّةً، فَزَوَّجَها السيِّدُ بلا مَهْر، وأَمَّا الحُرَّة الصغيرة، فلا يُتصوَّر في حقِّها التفويض 59، ثُمَّ القَوْلُ "بأن الزوج يَرْجِع بالمتعة، يوافق من الأقوال المذكورة القَوْلَ الذاهبَ إلى أَنه
الجزء: 9 - الصفحة: 585
يَرْجِعَ بنصْف المُسمَّى.
[والظاهر: أَنه يَرْجِعِ بنِصْف مهْر المِثْل] 60 أو جَمِيعه، وإِن كان الَّذي غرمه نصْفَ المسمَّى، فكذلك الحُكْم هاهنا.
والثالث: لو حَلَب أجنبيٌّ لبنَ أُمِّ الزوج أو غيرها مِنَ المذكورات، أو كان اللَّبَن محلوباً، فأخَذَه وأَوْجره الصغيرةَ تحته، فيكون الغُرْم على الأجْنَبِيِّ، وفي قَدْرِهِ الخلاف، ولو أوجرها خمسةُ أَنْفُسٍ منْ لبن إحداهُنَّ، كل واحدٍ مرة، فعَلَى كلِّ واحدٍ منْهم خُمْس الغُرْم، ولو أوجر واحدٌ مرةً، وآخران، كلُّ واحدٍ مرتين ففي كيفية التوزيع عليهم وجهان:
أَحدهما: أَنه يُوَزَّع الغُرْم عليهم؛ لاشتراكهم في إفساد النكاح، كما لو طرح إِنْسَانٌ قدرين متفاوتين من النجاسات في مائعٍ يستويان في الضَّمان.
وأصحهما: عَلَى ما ذَكَر القاضي ابن كج: أَنه يُوزع على عدد الرضعات؛ لأَنَّ انفساخ النِّكَاحَ يتعلَّق بالعَدَد؛ فعلَى هذا يجب على الأَوَّل خُمْسُ الغُرْم، وَعَلَى كلِّ واحدٍ من الآخرين خُمْساه.
الرابع: لو أرضعت بتَخْوِيفِ الغَيْر، قال في "البَحْر": الغرامة علَيْها في أصحِّ الوجْهَيْن، وعلى المُخَوِّف في الثاني، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو كانَتْ تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعتْ أُمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ خَمْساً، اندفع نكاحُ الصغيرة؛ لأنها صارَتْ أُختاً للكبيرة، ولا سبيل إِلى الجَمْع بين الأُخْتَيْن، ويندفع نكاحُ الكبيرة أيضاً أَمْ يختص الاندفاع بالصَّغِيرة؟ فيه قولان مذكوران في نظائر المسألة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- توجيهُهما، واقتصر ههنا على إيراد أصحِّهما؛ وهو أنَّ نكاحها يَنْدَفع أَيضاً، ولو أرضعَتْها جَدَّة الكبيرة أو أختها،، فالحُكْم كذلك؛ لأن في صورة إرضاع الجَدَّة تُصَيِّر الصغيرةَ خالةً للكبيرة، وفي صورة إرضاع الأُخْت تَصِيرُ الكبيرة خالةً للصغيرة، ويصير الرجل جامعاً بين المرأة وخالتها، وكذلك لو أرضعَتْها بنتُ أخِ الكبيرةِ؛ لأنها تَصِيرُ بنْتَ بنت أخِ الكَبيرةِ [أو بنْتَ أُختِ الكبيرةِ؛ لأَنَّها تَصِير بنْتَ بنْتِ أُخْتِ الكبيرة] 61، ولا يجوز الجمعُ بَيْن المرأَة وبيْن عمة أُمِّها، وبينها وبيْن خالة أُمِّها، ويجوز في الصورة أن يَنْكِح واحدةً منهما بعْد ذلك، ولا يَجْمَع، ولو أرضعَتْها بنْتُ الكبيرة، فحُكْمُ الاندفاع على ما ذكَرْناه، وتَحْرُم الكبيرة على التأْبِيد، وكذا الصغيرةُ إِنْ كانَت الكبيرةُ مدخولاً بها؛ لكونها ربيبةً له، وحُكْم مهْرِ الصغيرة عَلَى الزَّوْج، والغُرْمُ على المرضعة للزوْج على ما سبق، وكذا القول في الكبيرة، إذا قلْنا باندفاع نكاحها, ولم تكن ممسوسة أمَّا إِذا كانت ممسوسةً، فعلى الزوج مَهْرها المسمَّى وهل يُغَرَّم المرضِعَة له؟ فيه قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 586
أحدهما: ويُنْسَب إلى رواية المزنيِّ -رحمه الله- في "منثوراته": أنه لا تُغَرَّم؛ لأن البُضْع بعد الدخول بها لا يتقوم للزَّوْج، ألا ترى أنَّها إذا ارتدَّت، وأصرَّتْ حتَّى انفسخ النِّكَاح، لا تُغَرَّم للزوج شيئاً، وأنه استوفَى بالمسيس ما يُقَابِل المهْر، فلا يأخذ عوضاً.
وأصحهما: أنها تُغَرَّم له مهْرَ المثل، كما لو شهدوا على الطلاق بَعْد الدخول، ثم رجعوا، يُغَرَّمون مهْرَ المثل [و] أيضاً، كما لو ادَّعَى الزوْجُ أنه راجعَهَا قبل انقضاء العدَّة، وأنكرت، وصدَّقْناها بيمينها، فَنَكَحَتْ زوجاً آخر، ثم أقَرَّتْ للأول بصِحَّة الرجْعة، لا يُقْبل إِقرارها على الثَّاني، وتُغَرَّم للأوَّل مهْرَ مثْلِها؛ لأنها أتْلَفَت بُضْعَها علَيْه.
المسأَلة الثانية: إِنما يجب الغُرْم في الصورة السابقة على أُمِّ الزوج وَمَنْ في معناها، إِذا أرضعت أو مكنت الصغيرة من الارتضاع، فلا يُعْتَبَرُ مع إِرضاعها ارتضاعُ الصغيرة، ولا يحال الانفساخ علَيْه، قال في "البسيط": لأن الارتضاع منْها بِحُكْمِ الطبع، فلا وقع له، ولم ينزل هذا منزلة إفْلات الطائر عنْد فتْح باب القَفَصِ، حتى يكون على الخِلاَف، والفرق غامِضٌ، أمَّا لو كانت صاحبةُ اللَّبَن نائمةٌ، فَدَبَّت إليها الصغيرةُ، وارتضعت، وانفسخ النكاح، فيحال الانفساخ على فعْل الصغيرة، ولا غُرْم عَلَى صاحبة اللبن؛ لأنها لم تصنع شيئاً، وعن الشيخ أبي عليٍّ روايةُ وجْهٍ؛ وعن الداركيِّ: أن عليها الغُرْمَ؛ لأن اللبن لها، وقد يعد نومها بحيث تَصِل الصغيرة إلى الارتضاع منْها نوعاً من التَّقْصِير والظَّاهر الأول.
ولا مهْر للصغيرة؛ لأن انفساخ النِّكاح حَصَل بفِعْلها، وذلك يُسْقِط المهر قبل الدخول، هذا أصحُّ الوجهَيْن.
والثاني: أن لها نصْفَ المُسمَّى ولا يُعْتبر فعلها في الإِسْقَاط، وإذا قلْنا بالأصح، فيرجع الزوْج في مالها، حيث يندفع نكاح الكبيرة بنسبة ما يغرم لها من مهْرِ مِثْلِها؛ لأنها أتْلَفَت عليه بُضْعَ الكبيرة، ولا فَرْق في غرامة المُتْلِفات بين الكبيرة والصغيرة، ولو وصلت القطرة إلى جوف الصبية بتطيير الريح، فلها نصْفُ المَهْر، ولا غُرْم على صاحبة اللبن؛ لأنه لا صنيع مِنْ واحدةٍ منهما، ويجيْءُ في وجوب الغُرْم عليها الوجْه المنقول عن الداركيِّ، ولو ارتضعَتِ الصغيرةُ أمِّ الزوج مثلاً رضعتَيْن، وهي نائمةٌ، ثم أرضعَتْها الأمُّ ثلاث رَضَعَات، فعلى الوجهَيْن السابقَيْنِ في أن الغُرْم يُوزَّع على عدد المُرْضِعَات أو على عدد الرَّضَعَات، إن قلنا بالأول، فيسقط مِنْ نصْفِ المسمَّى نِصْفُه، وَيجِبُ على الزَّوْج نصْفُه، وهو الربع، وإن قلْنا بالثاني، فيسقط من نصْفِ المسمَّى خُمُسَاه، ويجب على الزوج ثلاثةُ أخماسه، وكذلك أورد صاحب "المهذب" و"التهذيب"، قال في "التهذيب": يرجع الزوج على المرضِعَة بربع مهْر المثْلِ، على الوجه الأول، وثلاثةِ أخْماسِ نِصْفِ مهْرِ المثْلِ؛ على الوجه الثاني.
الجزء: 9 - الصفحة: 587
وهذا تفريعٌ [على الأظهر] من الأقوال السابقة في أن الزَّوْج يرجع على المرضِعَة بِنِصْف مَهْر المثْل.
ولو أرضعَتْها الأمُّ أرْبَعَ رَضَعَاتٍ، ثم ارتضعَتِ الصغيرة منْها، وهي نائمة المرة الخامِسَة، فقد قال صاحب "التتمة": في نظيره لأصحابنا اختلاف؛ وهو أن الرجل إذا طَلَّق زوجته ثلاثاً على التلاحُقِ، يتعلَّق التحريم بالطَّلْقة الثالثة وحدها أو بالطلقات الثلاث؛ إن قلْنا: يَتعلَّق بالثالثة وحدها فكذلك هاهنا يحال التّحْرِيم عَلَى المرضعة الأخيرة فيكون الحكْمُ، كما لو ارتضعَتِ الخَمْسَ، وصاحبةُ اللبَنِ نائمةٌ، ولا يحرم عليها، ويسقط مهْر الصغيرة، وإن علَّقْنا التحريم بالطَّلقَات الثلاثِ، فهاهنا يتعلَّق التحريم بالرَّضَعَات، وعلى هذا فقياسُ التوْزِيعِ على الرَّضَعَات أن يسقط من نِصْف المهر خُمْسَهُ، ويجب على الزوج أربعةُ أخْمَاسِهِ، ويجب على المُرَّضِعة أربعة أخماس مهْر المِثْل تفريعاً على القوْل الأظْهَر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأَصْلُ الثَّانِي المُصَاهَرَةُ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَاعِ فَمَنْ نَكَحَ رَضِيعَةٌ حُرِّمَ عَلَيْهِ مُرْضِعَتُهَا لأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَانَ صَغِيرَةٌ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ مَنْ أَرْضِعَتْهَا بَعْدَ الطَّلاَقِ، وَلاَ نَظَرَ إِلَى التَّارِيخِ فِي ذَلِكَ، وَإذَا نَكَحَتِ المُطَلَّقَةُ صَغيراً أَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلِبَانِ الزَّوْجِ حُرِّمَتِ المُرْضِعَةُ عَلَى المُطَلِّقِ لأَنَّهَا صَارَتْ زَوْجَةَ الرَّضِيعِ وَالرَّضِيعُ ابْنُ المُطَلِّقِ، وَكَذَلِكَ المُسْتَوْلَدَةُ، وَإذَا نَكَحَ زَيدٌ كَبِيرَةٌ وَعَمْرو صَغِيرَةً فَطَلَّقَاهُمَا ثُمَّ نَكَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ صَاحِبِهِ فَأَرْضَعَتِ الكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ حُرِّمَتِ الكَبِيرَة عَلَيْهِمَا لأَنَّهَا أُمُّ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَتَهُمَا، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَرَبِيبَتُهُ لأَنَّهَا بِنْتُ الكَبِيرَةِ فَيُنْظَرُ إِلَى أَنَّ الكَبِيرَةَ مَدْخُولٌ بِهَا أَمْ لاَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الأصل لبيان أن المُصَاهرة تَتَعلَّق بالرَّضاع، فلنف به.
فمَنْ نكح صغيرةً أو كبيرةً، حُرِّمَت عليه مرضِعَتُها؛ لأنَّها أمُّ زوجته مِنَ الرَّضَاع، وهذا ما ذكَرَه في أوَّل النِّكَاح: أنه يَحْرُم على الرجُل بالنكاح الصحيحِ أُمَّهَاتُ الزوجة من الرضاع والنَّسب، ولو نكح صغيرةً ثم طلَّقها، فأرَضعَتْها امرأة حرمت المرضِعة على المُطلِّق؛ لأنها صارتْ أُمَّ مَنْ كانت زوجَتَهُ، ودخَلَتْ تحْت أمهات النساء، ولا نَظَر في ذلك إلى التاريخ, والتقدم والتأخُّر، ولو كانَت تحْته كبيرةٌ، وطلقها، فنكحت صغيراً، وأرضعته بلبان المطلِّق، حُرِّمت على المطلِّق أبداً، وكذلك على الصَّغير، أمَّا على المُطلِّق؛ فلأن الصغير صار ابناً له، وهي امرأةُ الصغير, فيَدْخُل في حلائل الأبْنَاء، وأمَّا على الصغير, فلأنَّها أمه، ولأنَّها زوجةُ أبيه، ولو نكحت صغيراً، وفَسخت النكاح بعيب وجدته فيه، ثم نَكَحَتْ زوجاً آخر، وأرضعتِ الأوَّل بلبان الثاني، انفسخ نكاحهما،
الجزء: 9 - الصفحة: 588
وتَحْرُم عليهما على التأبيد؛ لأن الأوَّلَ صار ابناً للثاني فهي زوجةُ ابنِ الثانِي، وزوجة أبي الأول، ولو جاءت زوجةٌ أخرى للثاني، وأرضعت الأول بلبان الثاني يَنْفَسِخ نكاحُ الزوجةِ الَّتي كانَتْ زوجةَ الصَّغير، ولو زوج مستولدته من عبْده الصغير, فأرضعته بلبان السيد، حُرِّمت على السيد والصغير معاً، وانفسخ نكاح الصغير, أمَّا حرمتها على الأوَّل فلأنها زوجةُ ابنه، وأما على الصغير؛ فلأنها موطوءة أبيه، وحكى ابن الحدَّاد أن المزنيَّ رَوَى عن الشَّافعي -رضي الله عنه- في مسائله: أنها لا تَحْرُم على السيد، وأنه أنْكَرَ ذلك على الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- وعلى ذلك جرى ابن الحدَّاد والأصحاب -رحمهم الله-[فجعلوا الرواية غَلَطاً، قال الشيخ أبو عليٍّ] 62: ولكن يُمْكن تخريجُ ما نُقِلَ على قولٍ في أن العبْد الصغيرَ لا يَجُوز إجباره على النِّكاح، أو عَلَى قولٍ في أُمِّ الولد أنه لا يجوز تزويجها بحالٍ، أو على وجْهٍ ذَكَرَ أنه لا يجوز للسيد أن يُزَوِّج أمته من عبْده بِحَالٍ، فإنَّا إذا لم نصحح النكاح على أحَدِ هذه الأوْجُه، لم تكن هي زوجةَ الابْنِ، فلا تحرم على السَّيِّد، ومهما أمْكَنَ تخريج المنقول على تنزيلاتٍ صحيحةٍ، لم يجز الحمل على الغَلَط المُطْلَق، ولو أرضعَتْه بلِبان غَيْر السيد، انفسخ النكاح؛ لكونها أُمَّاً له، ولكنْ لا تَحْرُم على السيد؛ لأن الصغيرَ لم يَصِرِ ابْناً له، فلا تكون هي زوجة الابن، وكذلك لو أرضعَتِ المطلَّقة الصغيرَ الَّذي نكحته بغَيْر لبن الزوج، ينفسخ النكاح، ولا تَحْرم هي على المطلِّق، ولو كانت تَحْتَه صغيرةٌ، فأرضعتها أَمَةٌ له، قد وَطِئَها بلَبَنِ غيره، بَطَل نكاح الصغيرة، وحُرِّمَتا على التَّأْبيد، أمَّا الأمة، فلأنَّها أُمُّ زوجته، وأَمَّا الصغِيرةُ، فلأنها ربيبة موطوءة، ولو كان تحْت زَيْد كبيرةٌ، وتحت عمرو صغيرة، فطَلَّق كلُّ واحدٍ منهما زوجَتَه، ونكح زوجةَ الآخَرِ، ثم أرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ، واللبَنُ من غيرهما، فتَحْرُم الكبيرةُ عليهما على التَّأْبِيد، وينفسخ نكاحُها؛ لأنها أمُّ الصغيرة، وقد كانَتِ الزوجةُ الصغيرةُ زوجةً لكلِّ واحدٍ منهما، وأما الصغيرةُ، فهِيَ بنْتُ زوْجَة كلِّ واحدٍ منهما، فإن كانا قَدْ دَخَلا بالكبيرةِ، فالصغيرةُ محرَّمةٌ عليهما على التأبِيد، وينفسخ نكاحُها أيضاً، وإن لم يَدْخُل [بها] واحدٌ منهما، لم تَحْرُم عليهما, ولم ينفسخ نكاحُها، وكذا لو لم يدخل زيد بها، حين كانت في نكاحِهِ، لا تحرم عليه الصغيرة، ولا ينفسخ نكاحُهَا، وإذا انفسخ نكاحها، فعلى زوجِها نصْف المُسَمَّى، ويرجع بالعزم على الكبيرة، ولا يجِبُ للكبيرة شيْءٌ على زوْجها، إن لم يكن مدخولاً بها؛ لأن الانفساخ جَاءَ مِنْ قِبَلِها, ولو كانَتْ تَحْت زَيْدٍ كبيرة وصغيرة، فطلَّقها فنكحها عمرو، ثم أرضعت الكبيرةُ الصَّغِيرةَ، فحُكْمَ تحريمها عليهما على ما فصَّلناه، وَيَنْفَسِخ نكاحها إذا أرضعت الكبيرة الصغيرةَ وإن لم يدْخُل عمرو بالكبيرة؛ لاجتماع الأمِّ والبِنْتِ في نكاحٍ واحدٍ.
الجزء: 9 - الصفحة: 589
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَتَشَعَّبُ مِنْ هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ فُرُوعٌ الأَوَّلُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا الكَبِيرَة بِلِبَانِهِ حُرِّمَتَا أَبَداً لأَنَّ الكَبِيرَةَ أُمُّ زَوْجَتَهُ وَالصَّغِيرَةَ بنْتُهُ، وإنْ كَانَ بِلِبَانِ غَيْرِهِ لَمْ تَصِر الصَّغِيرَةُ بِنْتَاً بَلْ رَبِيبَةً مُحَرَّمَةً إنْ كَانَتِ الكَبِيرَةُ مَدْخُولاً بِهَا، وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا لأَنَّهَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الأُمِّ فِي النِّكَاحِ فَيَنْدَفِعَانِ وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وتَحْته زوجَتَانِ صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ خَمْسَ رضَعَاتٍ، انفسخ نكاحهما؛ لأنَّ الجَمْع بيْن الأمِّ والبنْتِ في النكاح ممتنع، وقد صارَتِ الصغيرةُ بِنْتاً، والكبيرة أُمَّاً دفعةً واحدةً، واندفعتا، ثم إنْ كانَ الإرْضَاع بلَبَنِهِ، حُرِّمَتا عليه على التأبِيد؛ لأن الكبيرة أُمُّ زوجته، والصغيرة بِنْته، وإنْ الإرضاع بلَبَنِ غيره، فالكبيرة كذلك، والصَّغيرة ربيبة، فإن كانت الكبيرةُ مدخولاً بها، فهي محرمةٌ أيْضاً، وإلا، لم تكن الصغيرةُ محرَّمةٌ على التأبيد، ويجب على الزَّوْج للصغيرة نصفُ المسمَّى، وفيما يرجع به على الكبيرة الأقوال التي سبَقَت، ولا مَهْر للكبيرة، إن لم تكن الكبيرة مدخولاً بها؛ لأن الانفساخ حصل بصنعها، وإن كانتْ مدخولاً بها، استحقت المَهْر، قال الأئمة -رحمهم الله- ولا نقول: يرجع عليها بمَهْرِها؛ لأنَّها أتلفت عليه بُضْعَها؛ لأن تغريمها وتمكينه من الرجوع إسقاطٌ للمَهْر فيصير كالموهوبة، وذلك من خصائصِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ولَيْس كما لو وقَعَت الرجعة قبل انقضاء العِدَّة، وأنكرت، وصدَّقناها باليمين، فنَكَحَت زوجاً آخر، ثم صدِّقت الأول في الرجعة، حيث نغرمها للأوَّلِ مهْر المِثْل؛ لأن هناك؛ النكاحُ الأولُ باقٍ بزعمه وزعمها، إلا أنها حالَتْ بينها وبينه باليمين، وكذلك لو طَلَّقها الثاني، عادت إلى الأوَّل من غير تجديد عَقْدٍ، فألزمناها ضمانَ الحَيْلُولة، إلا أنَّها تَرُدُّ المهر عليه، حتى لو طَلَّقها الثاني أو مات عنها وعادت إلى الأول، يلزمه ردُّ المَهْر إليها.
ولو كانت الكبيرة نائمةً، فارتضعت منها الصغيرةُ، فلا مهر لها, وللكبيرةِ نصْفُ المَهْر المسمَّى إن لم يدخل بها، وجميعه إن دخل بها، ويرجع بالغرم في مال الصغيرة على ما سبق، ولو أرضعتْها الكبيرةُ أرْبَعَ مراتٍ، ثم ارتضعت الصغيرةُ، وهي نائمة، مرةً خامسةٍ، قال في "التتمة" إن قلنا: يتعلَّق التحريم بالرَّضَعَات، ولم نحِلْه على الرَّضْعة الخامسة الأخيرة، فيسقُطُ خمْسُ مهْرِ الصغيرة، بسبب فِعْلِها، ونصْفُه بالفُرْقة قبل الدخول، ويجب على الزَّوْج خُمْسٌ ونِصْفٌ، وهي ثلاثةُ أعشار، ويرجع على الكبيرة بثلاثة أعشار مهْرِ المِثْل، على القَوْل الأظْهر، وبأربعة أخماسه على قَوْلٍ آخَرَ، والخُمْس السَّاقِط بفِعْلِها لا رُجُوع فيه، وهذا القول الآخر هو القول الذَّاهِب إلى الرجوع بجميع مهْر المثل، والله أعلم قال: وأما الكبيرة، فيسقط أربعةُ أخماس مهرها بفِعْلِها، والباقي بالفُرْقة قبل الدخول، فإن قضيتها سُقُوطُ النِّصْف، والباقي دون النصف فيسقط، وقياس ما قدَّمنا عن "المهذَّب" و"التهذيب" أن يقال يسْقُط الخُمْس من نِصْف مهْر الصغيرة،
الجزء: 9 - الصفحة: 590
ويجب أربعةُ أخماسِهِ وهو خُمْسَا الكُلِّ، وأن يقال: يسقط أربعة أخماس من نصْف مهْر الكبيرة، ويجب خُمْسُهُ، ولو كانت الكبيرةُ أَمَةً قد نَكَحَها، فأرضَعَتِ الصغيرةَ، تعلَّقَ الغُرْمُ برَقَبَتَها؛ لأنَّ ذلك كجناية منْها على نفْسٍ أو مال، فإن لم يسلِّمْها سيِّدُها لِلبَيْع، واختار الفداءَ، فَدَاها بالأقلِّ من قيمتها، وقدر الغرم في أظهر القولَيْن، وبقدر الغرم في الثاني، وإن أرضَعَتِ الصغيرةَ أمتُه أو أمُّ وَلَدِهِ، فلا غرم عليها للزوج؛ لأن السيد لا يستحق على مملوكه مالاً، ولو كانَتْ أمته أو أُمُّ وَلَدِهِ [مكاتبة] فأرضعته المكاتَبَةُ الصغيرةُ، فعليها للسيد الغُرْم فإن عَجَّزها، سَقَطت المطالبة بالغُرْم، كما في تعجيز النجوم تسقط النجوم، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- له خَمْسُ أمهات أولاد كاتبهن فأرضعت كلُّ واحدةٍ منْهنَّ زوجته -الصغيرةَ رضْعةً، صارَتِ الصغيرةُ بنتاً له على ظاهر المَذْهَب وانفسخ نكاحُها, وله الرجُوعُ عليهن بالغرم إن أُرْضَعْنَ معاً، وإن أرضَعْنَ على التعاقب، فجمع الغرم على الخامسة, ويُمْكن أن يجيْء فيه خلافٌ، ويحال التحريم على الرضعات كلِّها وحينئذ يكُونُ الحكم كما لو أرْضَعْنَ مَعاً، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ كَانَ مَعَ الكَبِيرَةِ ثَلاثُ صَغَائِرَ فَأَوْجَرَتَهُنَّ لَبَنَهَا المَحْلُوبَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ انْدَفَعَ نِكَاحُ الصَّغَائِرِ لأُخُوَّةِ بَيْنَهُنَّ وَللاجْتِمَاعِ مَعَ الأُمِّ، وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِهِنَّ سِوَى الكبِيرَةِ، فَإِنْ كانَ بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الأوُلَيَيْنِ مَعَاً ثُمَّ الثَّالِثَةَ لانفَسَخَ نِكَاحَهَا مَعَ المُرْتَضِعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ وَلَمْ يَنْفَسِخ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهَا أَرْضَعَتْ بَعْدَ انْدِفَاعِ نِكَاحِ أُمِّهَا فَأُخْتَيْهَا، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الجَمِيعَ عَلَى التَّوَالِي انْدَفَعَ نِكَاحُ الكبِيرَةِ مَعَ الأُولَى وَلَمْ يَنفَسِخْ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ في الحَالِ وَينْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَقَد أَرْضَعَتهَا وَتَحْتَهُ الثَّانِيَةُ، وَهَل يَخْتَصُّ الانْدِفَاعُ بِالثَّالِثَةِ، أَمْ يُقَالُ: هِيَ وَإِنْ كانَتْ أَخِيرَةً وَسَبَبَاً لِلاجْتِمَاعِ فَلَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ فَيَنْدَفِعَانِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا لَوْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةَ صَغِيرَتَيْن تَحْتَ زَوجٍ عَلى التَّوَالِي انْدَفَعَتِ الثَّانِيَةُ وَفِي الأُولَى القَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغائِرَ فأرضعتِ الكبيرةُ الصغائرَ خَمْسَاً خمساً، نُظِر؛ إن كانا للبن منْه أو كانَتِ الكييرةُ مدْخولاً بها، انفسخ نكاحُهُنَّ جميعاً، وحُرِّمِنْ عَلَى التأبِيد، سواءٌ أرضعَتْهُنَّ معاً أو على التعاقُبِ؛ لأنَّ الكبيرةَ أمُّ زوجَاتِه، والصغائر بَنَاتُه أو ربائبُ زوجته المَدْخُولِ بها، وعليه المسمى للكبيرة، ونصف المسمَّى لكل صغيرةٍ وعلى الكبيرةِ الغُرْمُ، وإن لم يكن اللبنَ منْهُ، ولا كانت الكبيرةُ مدخولاً بها، فيُنْظر، إن أرضعَتْهن معاً بأن أوجرتهن معاً الرضعة الخامسة مِنْ لبنها المحلوب، أو ألقمت اثنتين ثدييها وأوجرت الثالثة من لبنها المحلُوبِ، فينفسخ نكاحُهُنَّ جمَيعاً؛ لصيرورتهن أخواتٍ، ولاجتماعهن مع الأم في النِّكَاح، وتحْرُم الكبيرة على التأبيد؛
الجزء: 9 - الصفحة: 591
لأنها أمُّ زوجاته، ولا تحرم الصغائر ولأنهن بناتُ امرأةٍ لم يدخل بها، فله أن يجدِّد نكاح واحدةٍ منهن، ولا يَجْمَع بين اثنتين لأنهن أخوات، وإن أرضعتهن على ترتيب فتَحْرُم الكبيرة على التأبيد أيضاً، ولا تَحْرُم الصغائر على التأبيد؛ ثم للترتيب أحوالٌ:
إحداها: أن تُرْضِع اثنتين معاً ثم الثالثةَ، فينفسخ نكاح الأوليين مع الكبيرة؛ لثبوت الأُخُوَّة بينهما, ولاجتماعهما مع الأم في النكاح، ولا ينفسخ نكاح الثالثة؛ لانفرادها، ووقوع إرضاعها بعْد اندفاع نكاح أُمِّها وأُخْتها.
والثانية: أن يرضع واحدةٌ أولاً ثم ائنتين معاً، فينفسخ نكاح الكلِّ، أما نكاحُ الأُولَى مع الكبيرة؛ فلاجتماع الأمِّ والبنت في النكاح، وأما الأخريان فلأنهما صارتا أُخْتَيْن معاً.
والثالثة: أن ترضع جميعَهُنَّ على التعاقُب، فينفسخ نكاح الأُولَى مع الأُمِّ؛ لِمَا ذكرنا, ولا ينفسخ نِكَاحُ الثانية، إذا أرضعَتْها؛ لأنها ليست مُحَرَّمةً، ولم تجتمع معها أمٌّ ولا أخْتٌ، فإذا أرضعت الثالثةَ، انفسخ نكاحُها؛ لأنها صارَتْ أختاً للثانية الَّتي هي في نكاحه، وهل ينفسخ معَها نِكَاحُ الثانية أم يختص الانفساخ بنكاح الثالثة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنَّه ينفسخ نكاح الثانية أيضاً؛ لأنهما صارتا أختين معاً، فأشبه ما إذا أرضعْتهما معاً، وأيضاً، فلو أرضعت زوجَتُهُ [الكبيرة زوجَتَهُ] 63 الصغيرةَ، انفسخ نكاحُها؛ لصيرورتهما أماً وبنتاً [معاً] فكذلك هاهنا.
والثاني: أن الانفساخ يختص بنكاح الثالثة؛ لأن الجمع تَمَّ بإرضاعها، فاختص الفسادُ بها، كما لو نكح أُختاً على أخْتٍ يختص نكاح الثانية بالفَسَاد؛ لأنَّ الجَمْع حَصَل بنكاحِها، وهذا القول ينسب إلى الجديد، وفي تعليق الشيخ أبي حامِدٍ ترجيحه، والأول القديم، وهو الصَّحِيحُ عنْد أكثر الأصحاب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختاره المزنيُّ؛ وعلى هذا، فالمسألة من المسائل التي يُرَجَّح فيها القديم، واحتج بعضهم للقول الذاهب إلى اندفاع نكاحهما جميعاً؛ [بأنه إذا كان تحته كبيرةٌ وصغيرةٌ، فارضَعَتْ أُمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ، ينفسخ نكاحهما جميعاً] 64 ومنهم من طرد فيها القولَيْن، وهو الأشبه [فينفسخ نكاح الصغيرة وتكون الكبيرة على القولين] وبه قال القاضي أبو الطيب، ولو كان تحته صغيرتان، وأرضعتهما أجنبيةٌ، نُظِرَ، إن أرضعتهما معاً، انفسخ نكاحهما، لأنهما صارتا أختين معاً، وحُرِّمت الأجنبية على التأبيد؛ لأنها صارَتْ مِنْ أمهات نسائهِ، وله نكاح واحدةٍ من الصغيرتين، ولا يجمع بينهما, ولو أرضعتهما على التعاقب، لم ينفسخ نكاحُ الأُولَى بإرضاعها، فإذا أرضعَتِ الثانية، انفسخ نكاحها لأنها صارت أختاً
الجزء: 9 - الصفحة: 592
للأُولَى، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى؟ فيه القولان السابقان، والأصَحُّ: الانفساخ.
وقوله في الكتاب "فأوجرتهن لبنها المحلوب في دفعة" يعني في الرضعة الخامسة.
وقوله في الكتاب "وله تجديد نكاحهن سوى الكبيرة" إنما كان يحسن الاستثناء من جهة اللَّفْظ، لو حكم باندفاع نكاحِهِنَّ جميعاً، لكن لفظه لا يتناول إلا نكاح الصَّغَائر، فإنَّه قال: اندفع نكاح الصغائر للأخُوَّة بينهن ولو قال اندفَعَ نكاحُهُنَّ للأُخوَّة بيْن الصغائِرِ، وللاجتماع مع الأم، لَحَسُنَ الاستثناء.
وقوله: "فإن كان بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ على التأبيد" تبيَّن أن ما سبق مفروضٌ فيما إذا كان اللبن مِنْ غيره.
وقوله: "ولو أرضَعَتِ الجميع على التوالي" لفظ "التوالي" مستعملٌ غالباً في التعاقُب الخَالِي عن الفصْل، ولا فَرْق فيما نحن فيه بين أن يكون هناك فَصْل أوْ لا يكون، فكان الأحْسَنُ أن يقول التعاقب أو الترتيب دون التوالي.
وقوله: "أم يقال هي، وإن كانت أخيرةً وسبباً للاجتماع فليست بأَوْلَى من الثانية" فيه إشارة إلى مأخذ القول المُخصّص للانفساخ بنكاح الثالثة، وإلى الجواب عنه، فإنه، وإن كان كذلك، لكنَّ الأُخوَّة تَحْصُل دفعةً واحدةً، فليست إحداهما بالاندفاع أَوْلَى من الأُخْرَى، وهذه صُوَرٌ تناسب الفرع:
تحته صغيرة وثلاث كبائر أرضعَتْها كلُّ واحدةٍ من الكبائر خَمْساً، فينفسخ نكاحهن جميعاً، أما التي أرضعت أولاً فينفسخ نكاحُها مع الصغيرةِ؛ لاجتماع الأمِّ والبِنْت في النكاح، وأيضاً، فقد صارت أمُّ الزوجة وأمَّا الأخريان، فينفسخ نكاحُهُما للمَعْنَى الثاني، وتُحَرَّم الكبائر لذلك على التأبيد، وتُحرَّم الصغيرة أيضاً كذلك، إن كان في الكبائر مدخولاً بها، وإلا، فلا تُحَرَّم على التأبيد.
تحته أربع صَغَائر أرْضَعَتْهن أجنبيةٌ واحدةً بعد واحدةٍ، فلا أثر لإرضاع الأُولَى في نكاح واحدة منهن، فإذا أرْضَعَتِ الثانيةَ، صارتْ أختاً للأُولى، وانفسخ نكاحُهَا، [وفي انفساخ الأُولَى القولان، فإن أبطلنا نكاحَهُما، فإذا اْرضعت الثالثةَ، لم ينفسخ نكاحُها، فإذا أرضعت الرابعةَ، انفسخ نكاحُهُما، وإن قلْنا: لا يبطل نكاح الأُولَى، فإذا أرضعت الثالثة، انفسخ نكاحها] 65 لأنها صارَتْ أختاً للأُولى، وكذا الرابعَةُ، لو أرضعتهن معاً، أو أرْضَعَت اثنتين معاً، ثم اثنتين معاً، انفسخ نكاحُ الكُلِّ.
الجزء: 9 - الصفحة: 593
تحته كبيرتان وصغيرتان، فأرضَعَتْ كلُّ واحدةٍ من الكبيرتين واحدةً من الصغيرتين، فيحرمن جميعاً على التأبيد، إن دخل بالكبيرتين، وإن لم يَدْخُل بهما، تُحَرَّم الكبيرتان على التأبيد، وينفسخ نكاح الصغيرتين في الحال، وله تجْدِيد نكاحهما والجَمْعُ بينهما لعدم الأخوة ولو أرضعتْهُما إحْدَى الكبيرتين على الترتيب، انْفَسَخ نكاحُ الأُولَى والمرضعة؛ لاجتماع الأمِّ والبنت، ولم ينفسخ نكاحُ الثانية، فإن أرضعتهما الكبيرة الثانية بعْد إرضاع الأُولَى على ترْتِيبِ إرْضَاع الأُولَى، انفسخ نكاحُها بإرضاع الصغيرة الأُولَى، ولم ينفسخ نكاحُ الصغيرةِ الثانية؛ لأنه لم يَحْصُل في حقِّها اجتماع الأم والبنت في النكاح، وإن أرضعَتْها على غير تَرْتِيب المرضعة الأُولَى، انفسخ نكاح الكُلِّ، وله تجديد نِكَاحِ كلِّ واحدة من الصغيرتَيْن، إذا لم تكن الكبيرتان مدخولاً بهما, ولا يجوز الجَمْع بينهما.
تحته ثلاثُ نسوةٍ كبيرتانِ وصغيرةٌ فأرضعَتْها الكبيرتان دفعةً واحدةً؛ بأن أوجرتاها لبنها المحْلُوب المخلوط ينفسخ نكاحُهُن جميعاً؛ لاجتماع البنت مع أُمَّيْهَا في النكاح، وتحرمن على التأْبيد، إن دَخَل بالكبيرتين، أو بإحداهما؛ لأن الكبيرتين أُمَّا زوجته، والصغيرة ربيبته مدخولٌ بها، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهما، لم تُحَرَّم الصغيرة على التأبيد، وعلى الزوج للصَّغِيرة نصْفُ المسمَّى، ويرجع على الكبيرتين بالغُرْم، وأما الكبيرتان، فإن كان قد دَخَل بهما، فعليه لكلِّ واحدةٍ منهما جميعُ المُسَمَّى ويرجع على كلِّ واحدةٍ منْهما بنِصْفِ مهْرِ [مثل] صاحِبَتِها تفريعاً على القول الصحيح، وهو الرُّجُوع في غرم مهر الكبيرة المَمْسُوسة، وذلك لأَنَّ انفساخ نِكَاح كلِّ واحدةٍ منْهما حصل، بفعلها وفعل صاحبتهما، فسقَطَ النِّصْفُ بفعْلها، ويجب النصف على صاحبتها، وإنْ لم يدخل بواحدة منْهما، فلكلِّ واحدةٍ منهما رُبْع مهرها المُسمَّى لأن الانفساخ حَصَل بفعلهما، فسقط بفعل كل واحدة منهما نصْفُ الشطر الذي الواجب قبل الدخول، ويجب النصْفُ الآخر، ويرجع الزوْج على كل واحدة منهما برُبْع مهْرِ مثْل الأخرَى؛ تفريعاً على قولنا "إن التغريم في حق غير الممسوسة يكون بنصْف مَهْر المثْل" وإن كانت إحداهما مدخولاً بها دون الأخْرَى؛ فللمدخول بها تمام المسمَّى وللأخرى ربْعُ المسمَّى ويرجع الزوج على الَّتِي لم يَدْخُل بها بِنِصْف مَهْرِ المثْل للمَدْخُول بها، وعلى المدْخُول بها بربع مهر المثلُ التي لم يَدْخُلْ بها.
قال الشيخ أبو عليٍّ: لم أر الكلام بالرجُوع بمَهْر المثل للكبيرتين للأصْحَاب، وإنَّما خرَّجته بتوفيق الله تعالى ثم رأيته لأصْحَابنا بعْد ذلك بزمان، وأمَّا أصْل المسألة، فهو من المولَّدات.
ولو كانتِ المسألةُ بحالها, لكن أوجرتها اللَّبَنَ المخْلُوطَ في الخامسة إحدى
الجزء: 9 - الصفحة: 594
الكبيرتين وحْدها، فحُكْم التحريم كما سَبَق، ورجوع الزوجَ بمَهْر الصغيرة عَلَى المُرْضِعَة في الخامسة وَحْدَهَا، وفيما يَرْجع به الأقوال، وأما الكبيرتان، فالَّتي لم تُوجر، إن كانتْ مدخولاً بها، فلها على الزوْجِ تمامُ المسمَّى، ويرجع الزوْجُ بمهر مثلِها على التي أوْجَرَتْ على القول الأصح وإن لم تكن مدخولاً بها، فلها على الزوجِ نصْفُ المسمَّى، ويرجع بالغُرْم على التي أوجَرَتْ كما في الصغيرة، والتي أوجِرَتْ، إن كانت مدخولاً بها، فلها جميع المَهْر، وإن لم تكن مدخولاً بها، فلا شَيْء لها؛ لأنها أفسدَتِ النكاح قَبْل الدُّخُول، وهذا كلُّه فيما إذا كان اللَّبَن من غير الزَّوْج، فإن كان اللَّبَن منْه، والتصوير كما ذَكَرْنا فتصير الصغيرة بنته، وتحرم عليه على التأبيد، ولو تمَّ العدَدُ في حقِّ الزوج، دون الكبيرتين، بأن أرضَعَتْ هذه بعْضَ الخمس وهذه بعض الخمس فيحصل التحريم في حقِّه على ظاهر المذهب، وينفسخ نكاح الصغيرة، وتحرم عليه على التأبيد، ولا ينفسخ نكاح الكبيرتَيْنِ؛ لأن واحدةً منهما لم تَصِر أُمَّاً حتى تَكُونَ من أمهات نسائه، ثم إن حصَلَتِ الرضعات متفرِّقةً مثل أن أرضعت إحداهما ثلاثاً والأُخْرَى رضعتن، فالغُرْم على التي أرضَعَتِ الخامسة، هكذا ذكره الشيخ أبو عليٍّ وقد سبق ما يقتضي مجيء خلاف فيه، وإن اشتركتا في الرضْعَة الخامسة، بأن أرضعت كل واحدة منهما رضعتين، ثم أوجرتاها لبنهما المحْلُوب في إناء واحد دفعةً واحدةً، فالغُرْم عليهما بالسوية، ولو حَلَبَتْ إحداهما لَبَنَها ثلاثَ دفَعَاتٍ في ثلاث أوانٍ، والأخرى دفعتَيْنِ في إناءين، ثم جَمَع الكل، وأوجرت الصبية منه، فإن أوجرتْها إحْداهما، فالغُرْم عليها، وإن أوجرتاها، فيُغرَّمان بالسوية، أو أخماساً؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول.
ولو حلَبَتْ إحداهما [أربعاً في أربع أوانٍ، والأخرى ثلاثاً في ثلاث أوان، ثم خَلَطَتَا الكلَّ فاوجرتاها معاً، فيُغَرَّمان بالتسويَة أو أسْباعاً]، فيه الوجهان:
تحْتَه ثلاثُ صغائِر فجاءت ثلاث خالاتٍ للزوج من الأبوين، وأرضعت كلُّ واحدةٍ صغيرةً منهن يؤثر ذلك في نكاحهن، إذ ليس فيه إلا أنهن صِرْنَ بنات خالاتٍ، ويجوز نكاحُ بناتِ الخَالاَتِ، والجمع بينهن فلو جاءت جدة للزوج بعْد ذلك أم أمه، وأرضعت الصغيرةُ الرابعةَ، بَطَل نكاحُها، وحُرِّمت على التأبيد؛ لأنَّها صارَتْ خالةً للزوج، للصغائر الثَّلاَثُ، واجتمعْنَ معها في النِّكَاح، وفي انفساخ نكاحِ الثَّلاَث القولانِ السابقَانِ، وكذلك الحُكم لو أرضَعَتِ الرابعةَ امرأةٌ [أبي أم الزوج بلبنه ولو كانَتِ الحالَاتُ الثلاثُ متفرقاتٍ، وأرضعن الثلاثَ، ثم أرضعت الرابعة] أم الزوج، انفسخ نكاحها, ولا ينفسخ نكاحُ الصغيرة الَّتي أرضعَتْها خالة الزوج لأب لأن الرابعة لا تَصِير خَالةً لهذه الصَّغِيرَة، وفي الأخريين القولانِ، ولو كُنَّ متفرقات وأرضعت الرابعة امرأة
الجزء: 9 - الصفحة: 595
أبي أم الزوج، فينفسخ نكاحُ الرابِعَةِ، ولا ينفسخ نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالَةُ الزوج للأم، وفي الأُخْرَيَيْن القولان، ولو أرضعت الصغائِرُ الثلاثُ ثلاثَ عمَّاتٍ للزوج من الأبوين أو من الأب، ثم أرضعت الرابعة أم أبيه أو أرضعت الرابعة امرأة أبي أبيه بلبنه فالحكم على ما ذكرنا في الخالات.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلاَثُ صَغَائِرَ وَلِلْكَبِيرَةِ ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةً صَارَتِ الْكَبِيرَةُ جَدَّةَ الصَّغَائِرِ وَحُرِّمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ صِرْنَ رَبَائِبَ فَيُحَرَّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالكَبِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغَائِرَ وللكبيرةِ ثلاثُ بناتٍ مَرَاضِع فأرضعت كلُّ واحدةٍ منهن صغيرةً من الثلاثِ، فإن كانتِ الكبيرةُ مدْخُولاً بها، حُرِّمْنَ على التأبيد أرضعن معاً أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة جدَّةُ نسائه والصغائر حوافدُ زوجة المَدْخُولِ بها، وعلى الزوج مَهْر الكبيرة بتمامه، ويرجع بالغُرْم على الصحيح عليْهِنَّ، إن أرْضَعْنَ معاً، لاشتراكهن في إفساد النكاح، وعلى الأُوْلَى إن أرضعْنَ عَلى الترتيب، ولكل واحدة من الصغائر نصْفُ المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغرم بمَهْر كل صغيرة على مرضِعَتها، وإن لم تكن الكبيرةُ مدخولاً بها، فإن أرضعن معاً في المَرَّةَ الخامسة، انفسخ نكاحُهُنَّ؛ لاجتماع الجَدَّة مع الحوافد، وتحرم الكبيرةُ على التأبِيد دون الصغائر، وعلى الزَّوْج نصْفُ المسمَّى للكبيرة، ولكلِّ واحدةٍ من الصغائر، ويَرْجِع بالغُرْم لِمَهْر كل صغيرة على مرضعتها وبنصف مهر مثل الكبير، على المرضعات الثلاث على كل واحدة سدس؛ لاشتراكهن في إفساد نكاحها، وإن أرضعْنَ على الترتيب، فبإرضاع الأُولَى ينفسخ نكاح الكبيرة وتلك الصغيرة، ولكل واحدة منهما نصْف المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغُرْم، ولا ينفسخ نكاح الأُخريين أرضعتا معاً أو على الترتيب؛ لأنهما لم يصيرا أختين، ولا اجتمعا مع الجَدَّة في النكاح، ولو أرضَعَتِ اثنتان صغيرتَيْن معاً، ثم أرضعَتِ [الثلاثة] الثالثةَ، لم ينفسخْ نكاحُ الثالثة، وانفسَخَ نكاحُ الكبيرةِ وَالصَّغِيرتيْن الأُولَيَيْن، وعلى الزوج نصْفُ المسمَّى لكل واحدة منهن، ويرجع الزَّوْج بالغُرْم لمهر كلِّ صغيرة على مرضعتها، وبمهر الكبيرة على المرضعتين معاً.
فَرْعٌ: لابْنِ الحَدَّادِ: [إذا] نكح صغير بنت عمه الصغيرة، فأرضعت جدتهما أم أبي كل واحد منهما إحداهما ثبتت الحُرْمة بيْنَهُما، وانْفَسَخ النكاح؛ لأنها إن أرضعت الصغير, صار عمَّاً للصغيرة، وإن أرضعَتِ الصغيرةَ، صارَتْ عمَّةَ الصغير، ولذلك الحكم لَوْ كانت أمُّ أبي الصغيرِ غَيْرَ أمُّ أبي الصغيرة، بأن كان أبواهما أخوَيْن من الأب دون الأم، فأرضعَتْ إحداهما أحْدَ الصغيرين بلبن جدهما، ينفسخ النكاح؛ لأنَّ جَدَّة الصغير إن أرضعَتِ الصغيرة، صارت عَمَّةً للصغير من جِهَة الأَبِ، وكذا، لو أرضعَتْ
الجزء: 9 - الصفحة: 596
جَدَّة الصغيرة أحدهما, ولو نكح صغيرٌ بنْتَ عمته الصغيرةَ، فجاءت الجَدَّة التي هي أمُّ أب الصَّغير، وأم أم الصغيرة، فأرضعت إحداهما، فكذلِكَ يَنْفَسِخ النكاح؛ لأنها إن أرضعَتِ الصغير, صار خالاً للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرةَ، صارت عمَّةً للصَّغِير [وكذلك الحكْمُ، لو كانت أمُّ أبِ الصغيرِ غَيْرَ أم الصغيرة، وأرضعَتْ جدتهما أمّ أم كلِّ واحد منهما إحداهما، فكذلك؛ لأنها إن أرضَعَتِ الصغير, صَارَ خالاً للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرة صارت خالة للصغير] (1) ولو نكح صغيرٌ بنْتَ خالِهِ الصغيرةَ، فأرضعت جدتهما أُمَّ أُمِّ الصغيرِ، وأم أب الصغيرة أحدهما، فكذلك؛ لأنها إن أرْضَعَت الصغير, صار عمّاً للصغيرة، وإن أرضَعَتِ الصَّغيرة، صارت خالَةً للصغير (2).
البَابُ الرَّابعُ فِي النِّزَاعِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى الرِّضَاعِ أَعْنِي الزَّوْجَيْن فَلاَ مَهْرَ وَانْدَفَعَ النِّكَاحُ، وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتِ انْدَفَعَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنِ ادَّعَتْ هِيَ وَأَنْكَرَ لَمْ يَنْدَفِعَ النِّكَاحُ وَلَكِنَّهَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ المَهْرِ، فَإِنْ كَانَ المَهْرُ مَقْبُوضاً لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الإِنْكَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فإذا قال: فلانةٌ أخْتِي من الرضاع أو ابْنَتِي، أو قالت المرأة: فلانٌ أخِي من الرضاع أو ابني، واتفقا على ذلك، لَمْ يَحِلَّ النكاح بينهما؛ لأنه إقرار منهما أو من أحدهما على نفسه، ليس فيه ضرر على غيره فيؤاخذ بمُوجِبِه، وهذا بشَرْط 68 الإمكان، أما لو قال: فلانةٌ ابنتي، وهي أكبر، سنّاً منه، فهو لَغْو، وعن أبي حنيفة: أنه يُثبتُ الحرمة، وإذا صحَّ الإقرار فلو رجعا أو رجع المقرُّ منهما وكذَّب نفسه، لم يُقْبَل رجوعه، ولم يَصِحَّ النكاح، وقال أبو حنيفة: يُقْبَل، ويجوز النكاح.
لنا القياس على الإقرار بأُخُوَّة النسب، وعلى الإقرار بالطَّلاقَ، وللمسألة ذِكْر في الكتاب في آخر "باب الرجعة" حيث قال: "ولو أقرَّ بتحريمِ رَضَاعٍ أو نَسَبٍ، لم يكن6667
الجزء: 9 - الصفحة: 597
لهما الرجُوعُ، هذا في الإقرار بالرضاع قبل النكاح.
وأما بعد النكاح، فلو توافَقَ الزوجان على أن بيْنَهما رضاعاً مُحَرِّماً فُرِّق بينهما وسَقَط المسمَّى، ويجب مهْر المثل إن جرى الدُّخُول، وإلاَّ، لم يجبْ شيْءٌ، وإن اختلفا فيه، ولا بينة، فإن ادعاه الزَّوْج، وأنكرت المرأة، قُبِلَ قوله في حقِّه، ولم يُقْبل في حقِّها، فنَحْكُم بانفساخ النكاح، ويُفرَّق بينهما، ويجب لها نصْف المسمَّى إن كان ذلك قبل الدخول، وجميعُهُ إن كان بعد الدخول وله وتحليفها قبل الدُّخول وكذلك بعده إن كان المسمَّى أكثر من مهْر المِثْل، فإن نَكَلَتْ، حَلَف الزوج، ولا شَيْء لها قبل الدخول، ولا يجبْ أكْثَر من مهْر المثل بعْد الدخول، كما لو أقام بيِّنةً على الرضاع.
وإن ادَّعَتِ المرأة الرضاع، وأنكر الزَّوْج، فقد مَرَّ في آخر "كتاب النكاح" أنَّه إنْ جَرَى التزويج منه برِضَاها, لم يُقْبَلْ قولُها، بل يُصدَّق الزوج بيمينه، وإن جَرَى بغير رضاها، فالمُصدَّق باليمين الزوجُ أو الزوجة؟ فيه وجهان:
والأصح عند صاحب الكتاب: أنَّهُ يُصدَّق كَلامُ الزَّوْجِ، وهو ظاهر كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الباب، وعليه جرى العِرَاقيُّونَ، وذكَرْنا هناك أن الأصحَّ عند الشيخ أبي عليٍّ وجماعة تصديقُ الزَّوْجة، وبه قال صاحب "التهذيب" والمتولِّي، وحكاه القفَّال عن النصِّ 69، وإذا مكنت الزوجَ وقد زُوِّجت بغَيْر، رضاها، تام تمكينها مقام الرضا.
وقوله في الكتاب: "لم يندفع النكاح" إن أراد به أنه لا يندفع؛ لمجرد إقرارها بخلاف إقرار الرجُلِ، فالأمر كذلك، وإن أراد أنها لا تُحَلَّف، ولا يندفع النِّكاح بيمينها، بل يُصدَّق الزوج، فهو اختيار لوجه تصديقَ الزَّوْج كما ذكره في الكتاب في آخر النكاح.
والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يُحَرِّم نكاحهن بطلْقَةٍ، لتحلَّ لغيره، إن كانت كاذبةً، نَصَّ عليه -رضي الله عنه- وليس لها المطالبة بالمسمَّى إذا ادعت الرضاع، فإنها لا تستحق بقولها ولها المطالبة بمهر المثل إن جرى الدخول، فإن كان ذلك بَعْدَما وَفَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ، لم يتمكَّنْ من الاسترداد لِقوله، ويشبه أن يكون فيما يفعل بذلك المالِ الخلافُ المذكورُ فيما إذا أقرَّ بمال لغيره، وأنكره المُقَرُّ له.
ولو أقرت أمة بأخوة الرضاع لغير سيدها، يُقْبَل، فإذا اشتراها ذلك الغير، لم يَحِلَّ له وطؤها، وإن أقَرَّتْ لسيدها, لم يُقْبَل بَعْدَ التمكين، وقبله فيه وجهان، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 598
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الحِلِفِ فَيَحْلِفُ مُدَّعِي الرِّضَاعِ عَلَى البَتِّ، وَمُنْكِرُهُ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأُصول الممهِّدة أنَّ الحالِفَ عَلَى فِعْل الغَيْر يحلف على البت إن كان يثبت، وعلى نفي العلم إن كان يَنْفِي [وحَظُّ الرضاع مِنْ هذا الأصل أنَّ مُنْكِر الرِّضاع يَحْلِف عَلَى نَفْي العِلْم؛ لأنَّه ينفي] 70 فعل الغير، ومُدَّعيه يَحْلِف على البَتِّ يستوي فيه الرَّجُل والمرأة، فلو نَكَلَتْ عَنِ اليَمِينِ ورَدَدْناها على الزَّوْج أو نَكَل الزوج، وردَدْنا اليمين على المرأة فَتَكُون اليمين المردودةُ على البَتِّ؛ لأنها مثبتةٌ، وعن القَفَّال: أن اليمينَ المردودةَ تكون على نفي العِلْم؛ لتكون موافقةً ليمين الابتداء، [وقيل إن غير المنكر منهما على البت] ويُحْكَى عن الحاوي وجْهَانِ مُطْلَقَانِ في يمين الزوج إذا أنكر الرَّضَاع.
أحدهما: أنَّها عَلَى العِلْمِ كيمين الزوجة، إذا أنْكَرَتْ.
والثاني: على البت والقَطْع، وفُرِّقَ بأنَّ في يمينِ الزَّوْج مع تصحيحِ العَقْد فيما مَضَى إثباتَ استباحةٍ في المستقبل، فكانت على البت تغليظاً، ويمينُ الزوجة لبقاء حقٍّ ثَبَت بالعَقْد ظاهراً، فيُقْنِع فيه بالعِلْم، وليس هذا الفرق بمُتَّضِح وبنى على الوجْهَيْن ما إذا ادَّعَتِ الرضاع، فشَكَّ الزوج، فلم يقع في نفسه صِدْقُها, ولا كَذِبُها إن قلْنا: إنه يحْلِف على نَفي العِلم، فله أن يَحْلِفَ هاهنا، وإن قلنا على البت، فلا يحلف، وأشار في "التتمة" إلى طَرْد الوجهَيْن في يمين الزوجَيْن والزوجةِ جميعاً، ووَجَّه كون اليمين على البت بأنَّه ينفي حُرْمةً يدعيها المُدَّعِي للرضاع، فيحلف على القَطْع، وإذا عَرَفْتَ ما ذكرنا أعْلَمْتَ قوله في الكتاب "على البَتِّ" بالواو، وكذا قوله: "على نفي العلم".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَثْبُتُ (ح) بِقَوْلِ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ شَهِدَتْ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ قبل، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّعِيَةً فَلاَ، وَيُقْبَلُ ابْتِدَاءً مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الحِسْبَةِ، وَتُقْبَل شَهَادَةُ المُرْضِعَةِ لِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإِثْبَاتِ بَلْ وُصُولُ اللَّبَنِ إِلاَّ أنْ يَطْلُبَ الأُجْرَةَ فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الجَوْفِ بِقَرِينَةِ مُشَاهَدَةِ الالْتِقَامِ وَالتَّجَرُّعِ وَحَرَكَةِ الحَلْقِ ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَى البَتِّ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعاً مُحرِّماً، وإنْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ الإِرْضَاعِ فَلْيَذْكُرِ الوَقْتَ وَالعَدَدَ، وَهَلْ عَلَيْهِ ذِكْرُ وُصُولِ اللَّبَنِ إِلى الجَوْفِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَحْكِيَ القَرَائِنَ فَيَقُولَ: رَأْيْتُهُ قَدِ التَقَمَ الثَّدْيَ وَحَلْقُهُ يَتَحَرَّكُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كلام الباب الرابع قد رتبه في فُصُولٍ ثلاثةٍ:
الجزء: 9 - الصفحة: 599
أحدها: في دعْوَى الرضاع وحكمها.
والثاني: في كيفية اليَمِين فيه، وقد فَرَغْنَا.
والفصل الثالث: في الشهادةِ على الرِّضاع، وفيه مسألتان:
إحداهما: يثبت الرضاع بشهادة رجُلَيْنِ ورَجُل وامرأتين، وكذا يقبل شهادةُ أربع نسوةٍ؛ لأنه مِمَّا يخْتصُّ النساء بالإطلاع عليه غالباً، فأشبه الولادةَ، ولا يَثْبُت بما دون أربعِ نسوةٍ فإن كل امرأتين بمثابة رجل واحد، وقال أبو حنيفة: لا يَثْبُت الرَّضاعُ بالنِّسْوة المتمحِّضات، وعن مالك: لا حاجة إلى أربع نِسْوَةٍ، ويكفي ثنتان، وقَبِلَ أَحمدُ -رحمه الله- شهادةَ المُرْضِعة وحْدَها، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب "فَيَثْبُتُ" بالحاء.
وقوله: "أربع نسوة" بالميم والألف.
ولا يَثْبُت الإقْرارُ بالرضاع إلا بشهادةِ رجلَيْن؛ لأن الإقرار ممَّا يَطَّلع عليه الرجال غالباً، بخلاف نَفْس الرضاع، وفي "التتمة": أنه له كان التنازُعُ في شُرْب اللبنِ من ظَرْف، لم تُقْبَل فيه شهادةُ النساء المتمحضات لأنَّه لا يختص باطِّلاع 71 النساء علَيْه، وإنما تُقْبَل شهادتهن، [إذا كان النزاع في الرَّضَاع من الثَّدْي، وإنه تُقْبَل شهادَتُهُنَّ] على أن اللَّبَنَ الحاصل في الظرف لَبَنُ فلانةٍ؛ لأن الرجال لا يَطِّلعون على الحَلْب غالباً.
ولو شهدَتْ فيمن شَهِدَ أمُّ المرأة أو ابْنَتُها على حُرْمة الرضاع بَيْنَها وبين الزوج، فإنْ كان الرجُلُ مدَّعِياً والمرأة مُنْكِرة، تُقْبَل؛ لأنها شهادة على البِنْتِ أم الأم وإن كانت المرأَةُ مدَّعِيَةً، والرجُلُ منكراً، لم تُقْبَل لأَنَّها شهادةُ البِنْت للأُم قال الأئمة: ولا يُتصوَّر أن تشهد البنت على أمها بأنها ارتضعت من أم الزوْج، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- لأن الشهادة عَلَى الرَّضَاع تَعْتَمِدُ المشاهدة، ولكن يُتصوَّر أن تَشْهد عليْها بأنَّها أرضَعَتِ الزوْجَ في حال صِغَرِه أو أرضعته أمها أو أختها, ولو شهدت الأمُّ أو البنْتُ من غَيْر تقدُّمِ دَعْوى على سبيل الحِسْبةَ قُبِلَتْ، وإن احتمل أن تَكُونَ هي المُدَّعِية، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- أن الرضاع مما تُقْبَلُ فيه شهادةُ الحِسْبَةَ في موضعه، وهذا كما أنَّه لو شَهِد أبو
الجزء: 9 - الصفحة: 600
الزَّوْجة [وابنُها أو ابناها] 72 ابتداء على أن زوْجَها قد طلَّقْها، يُقْبَل ولو ادعَتِ الطلاق، فشهدا، لم تُقْبَلْ.
ولا تقبل شهادةُ المرضِعة وحْدَها، وهل تُقْبَل شهادتها فيمن يشهد، إن ادَّعَت أجرة الرَّضاع، لم تُقْبَل؛ لأنها مُتَّهَمةٌ تشهد لنفسها، وعن "الحاوي" حكايةُ وجهَيْنِ في أنَّه إذا لم تُقْبَل شهادتها في الأجرة فهل تُقْبل في ثبوت الحرمة تخريجاً على الخلاف في تَبْعِيض الشهادة، واختار أبو إسحاق منْهما القَبُول، واختار ابن أبِي هُرَيْرة 73 المَنْعَ، وإن لم تَدَّعِ الأجرة، فإن لم تتعرَّض لِفِعْلها، بأن شَهِدَتْ بأخوَّة الرضاع بينهما أو على أنهما ارتضعا منها، فتقبل، ولا نَظَر إلى ما يَتعلَّق به من ثُبُوت المحرمية، وجواز الخَلْوة والمسافرة، فإنَّ الشهادة لا تُرَدُّ بمثل هذه الأغراض، ألا ترى أنَّه لو شَهِدَ شاهدانِ عَلَى أنَّ فلاناً طَلَّق زوْجَتَه، أو أعتق أمته 74، يقبل، وإنْ كان يَسْتَفيدان حِلَّ المنكاحة، وإن شهِدَتْ على فِعْلِ نَفْسِها، فقالت أرْضَعْتُهما؟ فوجهان:
أحدهما: أن شهادتَهَا لا تُقْبَل، كما لو شهِدَتْ على ولادَتِها، وكما أن الحاكم، لو شَهِد على حُكْم نَفْسِه بعْد العزل، لا يُقْبل، وكذا القَسَّام، لو شهد على القسمة، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
وأظهرهما، -وبه أجاب الأكثرون-، وهو المذكور في الكتاب: أنها تقبل؛ فإنها لا تَجُرُّ بهذه الشهادة نَفْعاً، ولا تَدْفَعُ ضرراً، وليس الرضاع كالولادةِ فإنَّه يتَعلَّق بها حقُّ النفقةِ والميراثِ وسقُوطِ القِصَاصِ وغيرها، وتخالف شهادة الحاكم والقَسَّام؛ لأن فعلهما مقصودٌ، وفِعْل المرضعة غَيْرُ مقصود بالإتيان، وإنَّما الاعتبار بوُصُول اللبن إلى الجَوف؛ لأن الشهادة بالحُكْم والقسمة تَتَضمَّن تزكيةُ النَّفْس، فإنَّ الحكم والقسمة يفتقدان إلى العدَالَةِ والإرضاغ بخلافه، وسيذكر -إن شاء الله تعالى- في "أدب القضاء" أن المَعْزُول، لو شَهِد بأن حاكماً حكم به، ولم يُضِفْ إلى نفسه، ففي قَبُول شهادته
الجزء: 9 - الصفحة: 601
خلاف، فَيُمْكِن أن يُخَرَّج في الرضاع مثله.
وإذا لم يتم نصاب الشهادة؛ بأن شهد بالرضاع امرأةٌ واحدةٌ؛ إمَّا المُرْضِعة أو غيرها، أو شَهِدت اثنتان، فالوَرَعُ أن يَتْرُك نكاحَها، وأن يُطَلِّقها، إن كان ذلك بعد الدخول، ويُرْوَى أن عقبة بن الحَارِثِ نَكَحَ بنْتاً لأبي إهَاب بْنِ عَزيز، فَأَتَتْهُ امرأةً، وقالت: قَد أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي نَكَحَهَا، فَقَالَ لَهَا عُقبَةُ: أَعلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتَنِي، فأرسل إلى آل أبي إهاب فسألهم فقالوا ما علمناها أرضعت صاحبتك فَرَكِبَ إلى النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-، بالمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ"، فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجَاً 75 غَيْرَهُ، وَلَوْ شهد اثنان بالرضاع، وقالا: تعمَّدْنا النظر إلى الثدي، لاَ لِتَحَمُّلِ الشهادة، لم تُقْبَل شهادَتُهما؛ لأنهما فاسقان بقولهما، وفي النَّظَر إلى الثدي لتحمل الشهادة خلاف مذكورٌ في أوَّل النكاح، والظاهر جوازه 76.
المسألة الثانية:
أطلق جماعة منهم الإِمام -رحمهم الله تعالى- أن الشهادَة المُطْلَقة على أن بينهما رضاعاً مُحَرِّماً أو حُرْمَةَ الرضاع أو أُخُوَّتَهُ أو بنوته مقبولةٌ، ويوافقه قوله في الكتاب: "ثم يَشْهَدُ على الْبَتِّ بأن بَيْنَهُمَا رَضَاعاً مُحَرِّماً.
وقال الأكثرون: لا تُقبل شهادةُ الرَّضاع مُطْلَقَة بل لا بد من التفصيل والتعرُّض للشرائِطِ، وهو ظاهر النَّصِّ؛ لأن مَذاهِبَ الناس مختلفةٌ في شرائط الحرمة، فلا بد من التفصيل لِيَعْمَل القاضي باجتهاده، وحكى صاحب "التهذيب" الوجهَيْن جميعاً.
وقال: الصحيح الثاني، وَيحْسُن أن يُتَوَسَّطَ بينهما، فيّقال: إن كان المطلِّق 77 فقيهاً موثوقاً بمَعْرِفَتِه، فيُقْبَل منْه الإطْلاَق، وإلا، فلا بُدَّ من التفصيل، وُينَزَّل الكلامان على هاتين الحالَتَيْن أو يُخَصَّص الخلاف بما إذا لم يكن المُطَلِّق فقيهاً؛ وقد سَبَق مثله
الجزء: 9 - الصفحة: 602
في الإخْبار عن نجاسة الماء وغيره، والمانعون مِنْ قبول الشهادة المُطْلَقة في الرَّضاع ذَكَروا وجهَيْن في قَبُول الشهادة المُطْلَقَة على الإقْرار بالرَّضَاع، ولو قال: هي أخْتِي مِنَ الرضاع، ففي "البحر" وغيره: أنه لا حاجَةَ إلى التعرُّض للشرائط، إن كان من أهل الفِقْه، وإلا، ففيه وجْهان، وفرق بين الإقرار والشهادة بأَنَّ المُقِرَّ يحتاطُ لنفسه، فَلاَ يُقِرُّ إلا عن تَحْقيق.
ولو شهد الشاهِدُ على فِعْلِ الرضاع، والارتضاع، لم يَكْفِ، وكذلك في الإقْرار بل لا بد من التعرُّض لِلْوَقْت والعدد؛ بأن يشهد أنَّه ارتضع منْها أو أرْضَعَته في الحولَيْن خمْسَ رضَعَاتٍ متفرِّقَاتِ 78، هكذا ذكَروا [و] في التعرُّض للرضعات ما يغني عن ذِكْر التفرُّق، فإنه إذا لم يَكُنْ تَفرُّق، لم يكُنِ الحاصِلُ رضَعَاتٍ، بل رضعةٌ طويلةٌ، وهل يشترط ذِكْرُ وصول اللبن إلى الجَوْف؟ فيه وجهان:
وأظهرهما: وهو المذكور في "التتمة" وغيره: أنَّه يُشْتَرط كما يُشْتَرط ذِكْر الإيلاج في شَهَادَة الزنا, ولأن الحُرْمة تَتَعلَّق بالوصول إلى الجَوْف.
والثاني: أنَّه لا يُشْترط؛ لأنه لا يشاهد قال في "البسيط": ولا شك أن للقاضي أنْ يَسْتَفْصل، ولو مات الشَّاهِد قبْل الاستفصال 79، هل للقاضِي التوقُّف؟ فيه وجهان، واعلم أن الشاهد قد يستَيْقنُ وصُولَ اللبن إلى جَوْف الصغير؛ بأن يعاين الحَلْب وإيجار الصغير المَحْلُوبَ وازدراده، وحينئذ يَشْهَد به، ولا إشكال, وقد يُشَاهِد القرائِنَ الدالَّة عليه، وهي الْتقَامُ الثَّدْي وامتصاصه وحركة الحَلْق بالتجرُّع والازدراد بعْد العلم، بكونها
الجزء: 9 - الصفحة: 603
ذات لَبَنٍ، ومشاهدةُ هذه القرائن قد تفيد اليقين، وبتقدير أن لا تفيده، فتفيد الظن القويَّ، وذلك يسلُّط على الشَّهادة، فلا يكاد يُتيقَّن اليد والتصرُّف الدَّالَّيْنِ على الملْك.
ولا يجوز أن يشهد على الرضاع؛ بأن يَرَى المرأة أخذَتِ الصبيَّ تحت ثيابها، وَأَدْنَتهُ منها، كما تفْعَلُ المرضعة، فإنَّه قد تُوجِرَهُ لبن غيرها في شَيْءٍ على هيئة الثَّدْي، ولا بأَنْ يسمع صوت الامتصاص، وقد يمتصُّ أصبعه أو أصْبُعَها.
وذكر أبو الفرج السرخسيُّ أن مشاهدة الالتقام والامتصاص وهيئة الازدراد، هل تُحِلُّ له الشهادةَ مِنْ غير أن يَعْرِفَ كونها ذاتَ لَبَنٍ؟ حكى فيه وجهَيْن:
أحدهما: نعم، أخذ بظاهر الحال.
وأشبهَهُما: المنع؛ لأن الأصْل عَدَمُ اللبن، ولا يكْفي عند أداء الشَّهادة حكايةُ القرائِنِ؛ بأن يشهد برؤية الالتقام والامتصاص والتجرُّع، ولاَ يتعرَّض لوصول اللبن إلى الجوف، ولا للرضاع المُحَرِّم، وإن كان مُسْتَنَدُ عِلْمِهِ رؤيةَ تلْكَ القرائن؛ لأنَّ مُعَاينتِهَا تُطَّلِع على ما لا تُطَّلَع عليه الحكاية، فإن أطلعته على وصول اللبن، فلْيَجْزم به على قاعدة الشَّهَادَاتِ.
فرْعَانِ: قد سَبَق ما نُرْشِد إلى مثلهما.
أحدهما: تحته ثلاثُ صَغَائِرَ أرضعت أجنبيةٌ إحداهُن، ثم أرضَعَتْ أمُّ المرضعةِ أخْرَى، ثم أرضعَتْ بنْتُ المرضعةِ الثالِثَةَ، فنكاح الأُولَى لا يتأثر برضاعها وينفسخ نكاح الثانية عند إرضاعها؛ لصيرورتها خالةً للأُولَى، واجتماعهما في النكاح، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى مع نكاح الثانية أم يختص الانفساخ بنِكَاحِ الثانية؟ فيه قولان، وعليهما يتفرَّع حكم الثالثة، إن حكَمْنا بانفساخ الأُولَى، بَقِيَ نكاح الثالثة، وإلا انفسخ نكاح الثالثة لصيرورتها بنْتَ أخْتِ الأُولَى، واجتماعهما في النكاح.
والثاني: أرضعَتِ امرأةٌ صغيرةً ثلاثَ رَضَعَاتٍ أو أربع فنكحها أو نكح إحداهما دون الأخْرَى، ثم أتمت العدَدَ، فكذلك ينفسخ نكاحُها، وفي كتاب القاضي ابن كج: أنَّه لو كان الصَّبِيُّ يرتضع الرضعة الخامسة، [فمات أو ماتَتِ المرضعةُ قَبْل أن يتمها، ففي ثُبُوت التحريم وجهان، كالوجهين فيما إذا قطَعَت المُرْضِعَةُ الرَّضْعَةَ.
وأنه وإن كانت تَحْتَه كبيرةٌ وصغيرةٌ] 80 فَارْتَضَعَتِ الصَّغِيرةُ من الكبيرة، وهي ساكتة، فهل هو كما لو كانت نائمة، فارتضعَتْ منها الصغيرة، أو يقال سكوتها كالرِّضَى فيحال الفسخ على فِعْلِها فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
تم الجزء التاسع، ويليه الجزء العاشر
وأوله: "كتاب النفقات"
الجزء: 9 - الصفحة: 604
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ