كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ
قال الغَزَالِيُّ: وَهِيَ سَبْعٌ: البَغْيُ وَالرِّدَّةُ وَالزِّنَا وَالقَذْفُ وَالشُّرْبُ وَالسَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ.
الجِنَايَةُ الأَوْلَى: البَغْيُ وَالنَّظَرُ فِي صِفَاتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أراد بالعقوبات الحُدُودَ، وما يَقْرُب منها، وإلا، فالقصاص عقوبةٌ أيضاً، وأدرج في الكتاب الكلام في سبع [من] الجنايات وأحكامها، وهي البغْيُ، والردة والزنا، والقذف [وشرب الخمر] والسرقة، وقطع الطريق، وعقوبات هذه الجنايات قد يُسَمَّى حدوداً، وقَدْ يَخُصَّ باسم الحدِّ ما سوى عقوبةٌ البغْي، والردَّة.
الجناية الأولَى: البَغْيُ،
ونُقدِّم مقدِّمَتَيْنِ: أحدهما: الباغي في اصْطِلاَح الفقهاء؛ المخالِفُ للإمام العادل 1، الخارجُ عن طاعته بالامتناع عن أداء 2 ما وجَب عليه أو غَيْره بالشرائِط التي تذكرها، ولِمَ سُمِّيَ باغياً؛ قيل: لأنه ظالم بذلك، والبغْيُ: الظُّلْم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: 60] أي ظُلِمَ، وقيل: لمجاوزته 3 الحدَّ المرسوم له، والبغْيُ مجاوزةُ الحدِّ، وقيل: لطلبه الاستعلاء على الإِمام، مِنْ قولهم: بَغَى الشَّيْءَ أي: طلبه، وافتتح الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الباب بقوله -تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: 9] ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ 4 الآية، ويقال: إنَّها وردَتْ في طائفتَيْنِ من الأنصار وقعَ بينهما قتالٌ، فلما نزلت، قرأها عليهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فأقْلَعُوا، وليْس فيها تعرُّض للخروج، والبغْي على الإِمام، ولكن إذا أمرْنا بقتال طائفة بغَتْ على طائفة أخرى حتى تَفِيءْ إلى أمر الله، فلَأَنْ نقاتلَ الَّذين بغَوْا على الإِمام
الجزء: 11 - الصفحة: 69
إلَى أن يفيئوا إلى أمر الله تعالى أَوْلَي، ثم استفاد الأئمةُ بعْد وجوب قتال أهْل البغْيِ، أنه لا يكْفُر 5 الباغي بالبَغْي، وأنه إذا رجَع إلى الطاعة، تُقْبَل توبته، ويُتْرَك قتاله 6، قالوا: وفي الأمر بالإصْلاح أولاً وآخراً إشعارٌ بأنه لا يغرَّمُ، ولا ضَمَانَ فيما يتلقون على ما سيأتِي، وأجمعتِ الصحابةُ -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- على قتال البُغَاة، فقاتل أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أولاً مانِعِي الزكاة، وقاتل عليّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- آخراً أصحابَ الجَمَلِ، وأهْلَ الشامِ وأهْلَ النَّهْرَوَان، ثم أطلق الأصحابُ القول: بأن البغْيَ ليس باسْمِ ذمٍّ، وبأن الباغين ليْسوا بفَسَقَةٍ، كما أنهم ليسوا بكَفَرة، ولكنهم مخطِئُون فيما يفْعَلُون ويَذْهَبُون إليه من التأويل، ومنهم من يسميهم عصاةٌ، ولا يسميهم فسقةً، ويقول: ما كلُّ معصية توجِب الفسْقِ، وعلى هذا، فالتشديدات الواردةُ في الخروج عن طاعة الإِمام ومخالفته، كما رُوِيَ 7 عن عبادة بن الصاحِب -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: "عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، في المَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ وَأَلَّا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" وما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شبرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" 8 وأنه قال: "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ منَّا" 9 وأنه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ" 10 محمولةٌ على مَنْ يخْرُج عن الطاعة، ويخالِفُ الإمام بلا عُذر ولا تأويل، وعلى هذا فتسمية البغْيِ جناية، حيث قال في الكتاب "الجنايةُ الأولَى: البغْيُ" كتسمية القتل الخطَأِ جنايةً.
المقدِّمة الثانيةُ: لمَّا كانَ البغْيُ عبارةً عن الخروج على الإِمام بشُرُوط مخصوصةٍ، فيحتاج في معرفة الباغي إلى معْرفة الإِمام، فاستحسن جماعةٌ من الأصحاب أن يتكلَّموا في الإمامة ههنا، ورأَيْنَا أن نتأَسَّى 11 بهم، ونورد المقْصُود على الاختصار في فُصْول:
الجزء: 11 - الصفحة: 70
فَصْلٌ: في شروط الإِمام:
وهي: أن يكون (1) مكلَّفاً، فالمُوَلَّى عليْه في خاصته كيف يلي أمر الأمة؟ وأن يكون (2) مسْلماً؛ ليُراعي مصلحة الإِسلام والمسلمين، وعدْلاً؛ ليوثَقَ به وحراً، وذكرا (3)؛ ليكمل ويهاب، ويتفرَّغ ويتمكَّن من مخالَطَة الرِّجَال، وعالماً (4) مجْتهداً؛ ليعرف الأحكام، ويُعَلّم الناس؛ ولا يفوت الأمر عليه بامشكثار المراجعة، وشُجَاعاً (5) ليغْزُو بنَفْسِه، ويعالج الجُيُوش، ويقْوَى على فتح البلاد، ويحمي البيضة، وذا رَأْيٍ وكفايةٍ، فالرأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ، وسميعاً وبصيراً، وناطقاً؛ ليتأتى له
فصل
الأمور، قال في "التتمة" ولا يُشْتَرَط سلامة سائر الأعضاء؛ كاليد والرِّجْل والأُذُن، وفي "الأحكام السلطانية" لأَقْضَى القضاةِ الماوَرْدِيِّ: اشترط سلامة الأعضاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنع من استيفاء الحركة وسرْعَةَ النهوض، وهذا أَوْلَي، وأن يكون من قُرَيْشٍ 17، وللإمام احتمالٌ فيه، وربَّما نُسِب إليه مَنْعُ اشتراطه، والمذهب الأوَّل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَئِمَّةُ من قُرَيْشٍ" 18 وقد احتج به أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[علَى الأَنْصَارِ] 19 يوم1213141516
الجزء: 11 - الصفحة: 71
السَّقيفةِ، فَتَرَكُوا ما همُّوا به، وبذلك أخذَتِ الصحابة -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- فمَنْ بعْدَهم، فإنْ لم يوجَدْ في قريش مَنْ يستجمع الصفاتِ المعتبرةَ، وُلِّي كِفَانِيٌّ؛ فإن لم يوجَدْ، فرجل من وَلَدِ إسماعيل -عليه السلام- ولك أن تقول: قريشٌ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بن خُزَيْمَةَ بْنُ مُدْرِكَةَ، فكما قالوا: إذا لم يوجَدْ قرشيٌّ، يولى كنانيٌّ، فهلَّا قالوا: إذا لم يوجد كنانيٌّ، يولَّى خُزَيْمِيٌّ, وهكذا يَرْتَقِي إلى أبٍ بعدْ أبٍ، حتى ينتهي إلى إسماعيل -عليه السلام-، فإن لم يوجَدْ مِنْ ولد إسماعيل مَنْ يصلح لذلك، ففي "التهذيب" أنه يولَّى رجلٌ من العَجَم، وفي "التتمة": إنه يولَّى جُرْهُمِىٌّ، وجُرْهُمٌ أصل العَرَب، ومنهم تزوَّج إسماعيلُ -عليه السلام- حين أنزله أبوه أرْضَ مكة، فإن لم يوجَدْ جرهميٌّ، فرجل من [نسل] (1) إسحاق -عليه السلام-، ولا يشترط أن يكون هَاشِمِيّاً (2) ولا أن يكون معصوماً، وفي جواز تولية (3) المفضولِ خلافٌ مذكورٌ في "أدب القضاء"، فإن لم تتَّفِق الكلمة، إلا عليه، فلا خلاف في الجواز (4)، لينحسم (5) باب (6) الفتنة، ولو (7) نشأ مَنْ هو أفضل من الإِمام المنصُوب، لم يُعْدَل، عن المنصوب إليه.
فصْلٌ:
لا بد للأُمَّة من إمام يُحْيِي الدينَ، ويقيم السنة وينصف المظلومين [من الظالمين] 27، ويستوفي الحقوقَ، ويَضَعها مواضعها، [فلا] يصلح الناس فوْضَى، وتنعقد الإمامة بطُرُقٍ:
أحدها: البَيْعَة، كما بايع الصحابةُ 28 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أبا بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذُكِرَ في عَدَد الَّذين تَنْعَقِدُ الإمامة بِبَيْعَتِهم وجوهٌ:
أحدها: أنه لا بد من أَرْبَعِينَ؛ لأن عقد الإمامة أعظم خَطَراً من عقْد الجُمُعَة، وهذا العدَدُ معتبرٌ في الجمعة، ففي البيعة أَوْلَي.
والثاني: [أنه] يَكْفِي أربعةٌ، وهو أكمل نصاب 29 الشهادات.
والثالث: ثلاثةٌ؛ لأن الثلاثة مطْلَقُ الجمع، فإذا أنفقوا لم يَجْزْ مخالفة الجماعة.
والرابع: اثنان؛ لأن أقل الجَمْع اثنانِ.
والخامس: واحدٌ؛ لأن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بايع أبا بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-20212223242526
الجزء: 11 - الصفحة: 72
أوَّلاً ثم وافقه الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أجمعين، فعلى هذا يُشْتَرط أن يكون ذلك الواحدُ مُجْتَهِداً، وأن يكون في العَدَد المعتَبَر على الوجوه السابقة مجتهدٌ؛ لينظر في الشروط المعتبرة، هل هي حاصلةٌ فيمن يولُّونه؟ ولا يُشْترط أن يكون الكُلُّ مجتهدِينَ.
والوجه السادس، وهو الأصحُّ: أن المعتبر بيعةُ أهْل الحلِّ والعقْد من العلماء والرؤساء، ووجوهِ النَّاس الذين يتيسَّر 30 حضورهم؛ لأنه ينتظم الأمر 31 برأيهم واتفاقهم، ويتبعهم سائر الناس، ولا يُشْترط اتفاقُ أهل الحلِّ والعقْد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصل الخَبَر إلى أهل البلاد البعيدة، فعليهم الموافقة والمتابعة 32؛ وعلى هذا، فلا يتعيِّن للاعتبار عددٌ بل لا يُشْترط العدَدُ، فلو تعلَّق الحلُّ والعقْد بواحدٍ مطاعٍ، كفَتْ بيعته لانعقاد الإمامة، ولا بد أن يكون الَّذين يبايِعُون بصفاتِ الشهودِ، وفي "البيان" ذَكَر وجهين "في أنه هل يُشْتَرط أن تكون البيعةُ بحضور 33 شاهِدَيْن ويُشْتَرط في انعقاد الإمامة أن يجيب 34 الذين يبايعونه، فإن امتنع، لم تَنْعَقِد إمامته، ولم يُجْبَرْ عليها 35.
والثاني: استخلافُ الإِمام مِنْ قَبْلُ، وعَهْدُه إليه، كما عهد أبو بكر إلى عُمَر -رَضِيَ الله عَنْهُمَا 36 - وانقعد الإجماعُ على جوازه، قال صاحب "التهذيب": والاستخلاف أن يَجْعَلَه 37 خليفةً في حياته، ثم يخلفه بعد موته، ولو أوصَى له بالإمامة مِنْ بعد موته 38، ففيه وجهان؛ لأنه بالموت يخْرُج عن الولاية، فلا يصحُّ منه توليه الغير، ولك أن تقول، أولاً: هذا التوجيهُ يُشْكِل بكل وصايةٍ، ثم ما ذكره مَنْ جعله خليفة في حياته، إما أن يريد به استنابته، فلا يكون هذا عهداً 39 إليه بالإمامة، أو يريدَ
الجزء: 11 - الصفحة: 73
به جعْلَه إماماً.
في الحال، فهذا إما خلْعُ النَّفْس أو فيه اجتماعُ إمامَيْن في وقْت واحدٍ أو يريدَ [به] 40 أن يقول: جعلْتُه خليفة أو إمامًا بعْد موتي، فهذا هو معنى لفْظ الوصية، ولا فرق بينهما، وإذا جُعِلَ الإمامْ الأمرَ شورَى بين اثنين فصاعداً بعْده، كان كالاستخلاف إلا أن المستخْلَفَ غير متعيِّن فيتشاورون، ويتَّفِقُون على أحد وكما جعل عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الأمر شورَى في ستة، فاتفقوا على عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وذكر أقضى القضاة الماوَرْدِيِّ: أنه تعتبر شروط الإمامة في المُوَلَّى مِنْ وقت العهْد إليه، حتى لو كان صغيراً أو فاسقاً، عند العهد، بالغاً عدلاً عند موت المُوَلِّي، لم ينتصب إماماً إلا أن يبايعه أهلْ الحلِّ والعقد، وقد يتوقف في هذا، وأنه إذا عهد إلى غائبٍ مجهولِ الحياة، لم يصحَّ، وإن كان معلومَ الحَياة، صحَّ، فإن ماتَ المستخْلَفُ وهوَ غائب بعدُ استقدمه أهلُ الاختيار، فإن بُعدتْ غَيْبَتُهُ واستفسر المسلمون بتأخير 41 النَّظَر في أمورهم، اختار أهل الحل والعقد نائباً له يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قَدِمَ، انعزلَ النائبُ، وأنه إذا خلع الخليفة نفْسَه، كان كما لو مات، فينتقل الخلافة إلى ولىِّ العَهْد، ويجوز أن يُفْرَق بين أن يقول: الخلافة بعد موتي لفلان أو بعْد خلافَتِي، وأنه يجوز العهد إلى الوالد والولد، كما يجوز إلى غيرهما، وفيه مذهبان آخران.
أحدهما: المنع، كالتزكية والحُكْم لهما.
والثاني: الفرق بين الوالد والولد 42؛ لأن المَيْل إلى الولَدِ أشدُّ [فيجوز للوالد دون الولد]، وأنَّ وليَّ العهد لو أراد أن ينقل ما إليه مِنْ ولاية العهد إلى غيره، لم يَجُزْ؛ لأنه، إنما يجوز له النَّظَر، وتثبت الولاية بعد موت المُوَلَّى.
وأنه إذا عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب، فقال الخليفة: بعدي فلان، وبعد موته فلانٌ جاز، وانتقلت الخلافة إلَيْهم على ما رتَّب كلما رتَّب رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- أمراء جيش: "موْتَةً"، وأنه لو مات الأوَّل في حياة الخليفة، فالخلافةُ بعده للثاني، ولو مات الأول والثاني في حياته، فهي للثالث، وقد يتوقَّف في هذا، ويقال: المفهوم من اللفظ جعْلُ الثاني خليفةً بعدْ خلافة الأوَّل، وأنه لو مات الخليفةُ، والثلاثةُ أحياءٌ، وأَفْضَتِ 43 الخلافة إلى الأول، فأراد أن يعْهَد بها إلى غَيْر الآخرين، [فالظاهر] 44 من مذهب الشَافعىِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جوازُهُ؛ لأنه إذا انتهت الخلافة إليه صار أملك بها وبتفويضها إلى مَنْ يشاء، بخلافِ ما إذا مات، ولم يعهد بها إلى أحَدٍ ليس لأهل البيعة أن يبايِعُوا
الجزء: 11 - الصفحة: 74
غير الثاني، ويُقدَّم عهد الأول على اختيارِهِمْ، وأنه ليس لأهل الشورَى أن يعينوا واحداً منهم في حياة الخليفة، إلا أن يأْذَن لهم في ذلك، فإن خافوا انتشار الأمر بعْده استأذنوه، فإنْ أذِنَ، فعلوه، وأنه يجوز للخليفة أن ينُصَّ على من يختار خليفة بعْده، كما يجوز له أن يعْهَد إلى غيره، حتى لا يصحَّ إلا اختيار مَنْ نص عليه، كما لا يصح إلا تقليد مَنْ عهد إليه؛ لأنهما مِنْ حقوق خلافته، وأنه إذا عهد بالخلافة إلى غيره، فالعَهْد موقوف على قبول المُوَلَّى، واختلف في وقْت قبوله، فقيل: بعد موت المُولِّي؛ لأنه وقت نظره وقيامه بالأمور، والأصحُّ أن وقته ما بين عهْد المولِّي وموته؛ لتصير الإمامة مستقرة بالقبول، وفي "التتمة": أنه إذا امتنع المُوَلَّى من القبول، فيبايع غيره، وكأنه لا تولية، وهذا إذا جعلَ الأمر شورَى، فترك القوم الاختيارَ، لا يُجْبَرون عليه، وكأنه ما جُعِلَ الأمرُ إليهم.
والثالث: القهر والاستيلاء؛ فماذا مات الإمامُ فتصدَّى للإمامة مَنْ يستجمع شراثطها من غير استخلاف وبَيْعَة، وقَهَر الناس بشَوْكته وجُنوده، انعقدت الخلافة لانقياد الناس وانتظام الشَّمْل بما فَعَل، ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط، بل كان فاسقاً أو (1) جاهلًا، فوجهان:
أظهرهما: أن الحكْم كذلك، وإن كان عاصياً بما فعل.
ولا يصير الشخْص إماماً بمجرد تفرُّده بشروط الإمامة في وقته [بل لا بد من أحد الطرق].
فصْلٌ:
يجب طاعة الإِمام في أوامره ونواهيه؛ ما لم يخالِفْ حكْمَ الشرْع، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإنْ أُمّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الأَطْرَافِ" 46 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَزَعَ يَدَهُ مِنْ طَاعَةِ إِمَامِهِ، فَإنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ حُجَّةُ لَهُ" 47 ولا فرق بين أن يكون عادلاً أو جائراً، روي [أن النبي]-صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالِ فَرآه يَأْتِي شَيئاً من مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهُ مَا [يأتي] 48 مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدَهُ مِنْ طَاعَتِهِ" 49 ولأن المقصود مِنْ نصب الإِمام أن تتحد الكلمة، وتندفع الفِتَن، ولو لم توجِب الطاعة، والتأبِّي غالب على الطباع، استبدَّ كُلٌّ برأيه وثارت الفتنُ، ولا يجوز نصب إمامَيْنِ في45
الجزء: 11 - الصفحة: 75
وقْتٍ واحدٍ؛ لما فيه من اختلاف الرأْيِ وتفرُّق الشمْل، وحكَى أبو القاسم 50 الأنصاري في "الغُنْيَة" 51 عن الأستاذ أبي إسحاق: أنه يجوز نصب إمامين في إقلَيميْن؛ لأنه قد يَحْدُث في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نَظَرِ الإمامِ، ويفوت 52 المقصود بسبب البُعْد، ويُنْسَب هذا إلى اختيار الإِمام، والمشهورُ الأوَّلُ، فإنْ عُقِدَت البيعةُ لرجلين معاً، فالبيعتان باطلتان، وإن ترتَّبنا، فالثانية باطلةٌ، ويُنْظَر؛ إن جَهِلَ الثانِي ومَنْ بايَعَهُ تقدُّم بَيعَةٍ، لم يُعزَّروا، وإلا فيعزَّرون، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" 53 فعن الخطابيِّ: أن المعنى لا تُطِيعوه، ولا تَقْبَلُوا له قولاً، فيكون كمن مات أو قُتِلَ، وقيل: المعنى أنه، إنْ أصر ولم يُبَايع الأول، فهو باغ، يُقَاتَلُ، ولو عُرِفَ سبقُ أحدهما، ولم يتعيَّن أو لم يُعْلَم أَوْقَعَتَا معاً أم على التعاقُب، فليكن كما ذكَرْنا في الجُمُعَتَيْن والنِّكَاحَيْن، ولو سَبَقَتْ إحداهما على التعْيِين، وأشبهتِ السابقةُ، وقف الأمر إلى أن ينكشفَ الحال، فإن طالَتِ المدَّة، ولم يُمْكنْ الانتظارُ، فقد ذكر القاضي الماوَرْدِيُّ أنه تبطل البيعتان، وتستأنف بيعة لأحدهما؛ وفي جواز العُدُول إلى غيرهما خلافٌ، وذكر أنه لو ادَّعَى كلُّ واحد منهما أنه الأسبق، لم تسمع الدعوَى، ولم يحلف الآخر 54؛ لأن الحقَّ يتعلَّق بجميع المسلمين، وأنه لو قطعا التنازع، وسلَّم أحدهما الأمْرَ للآخر، لم تستقر الإمامة له، بل لا بُدَّ من بينة يشهد [بتقدم] 55 بيعته، وأنه لو أقر أحدهما للآخر بتَقدُّم بيعته، خرج منها المقِرُّ، ولا بد من البينة؛ ليستقر الأمر للآخر، فإن شَهِدَ له المقِرُّ مع آخَرَ، قُبِلَتْ شهادته، إن كان يدَّعي اشتباه الأمر قبْل الإقرار، وإن كان يدَّعِي التَّقدُّم، لم يُسْمع؛ لما في القولَيْن من التكاذب.
وإذا ثبتت الإمامةُ بالقَهْر والغَلَبة، ثم جاء آخر فَقَهره، انعزل، وصار القاهرُ إماماً.
ولا يجوز خلع [الإِمام] 56 بلا سبب، ولو خلعوه، لم يَنْفُذْ؛ لأن الآراء تتغيَّر، ولو نفَّذناه، لم نأمَنْ تكرُّر التولية والعزل، وفي ذلك سقوط الدفع 57 والهيبة، ولو عزل الإمامُ نفْسَه، نُظِرَ؛ إن عزل [نفسه] 58 لعَجْزه عن القيام بأمور المسلمين مِنْ هَرَم أو
الجزء: 11 - الصفحة: 76
مَرَضٍ، انعزل ثم إن وَلَّى غيره قَبْل أن يَعْزِل نفسه، انعقدت الإمامة لِمَنْ ولاه، وإلا، بايع الناسُ غيره، وإن عزل نفْسَه من غير عُذْر، فقد أطْلَق في "التتمة" وجهَيْن: في انعزاله:
أحدهما: ينعزل، ولا يُكَلَّف أن يترك مصلحة نفسه محافظةً على مصلحة غيره، فقد يبغي قلَّةُ الشغل في الدُّنْيَا والحسابَ في الآخرة، وصار كما لو لم يُجِبْ إلى المبايعة ابتداءً.
والثاني: المنْعُ؛ لما رُوِيَ أن أبا بكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "أَقِيلُونِي"، ولو تمَكَّن مِنْ عزل نفسه، لمَا طَلَب منهم 59 الإقَالة، وهذا الوجه الثاني هو الذي أورده صاحب "البيان" وغيره وفصْلُ في "التهذيب": فقال: إن لم يظهر عذْرٌ، فعزل 60 نفسه، ولم يُوَلِّ غيره، لم يَنْعَزِل، وكذا، لو وَلَّى مَنْ هو دونه، وإنْ ولَّى مَنْ هو مثله أو أفضلُ، ففي الانعزال الوجهان، وفي "التتمة" أن للإمام وأن يَعْزِل وليَّ العَهْد؛ لأن الخلافة لم تنتقل إلَيْه، فلا يخشى من تبديله الفسادَ والفتنةَ، والذي ذكره الماوَرْدِيُّ: أنه ليس له عزْلُه ما لم يتغيَّر حالُه، وإن جاز له عزل مِنَ استنابه في أشغاله في الحال؛ لأنه يستنيبهم لنفْسه، واستخلافُ وليِّ العهد يتعلَّق بالمسلمين عامَّةً، فصار كأهل البيعة يبايِعُون ولا يَعْزِلُون مَنْ بايعوه.
وأما الانعزالُ، فقَدْ سبق في "باب الوصاية": أن الإِمام لا ينعزل بالفِسْق على الأظْهَر، ولا ينعزل بالإغماء؛ لأنه متوقَّع الزوال، وينعزل بالمَرَض الذي يُنْسيه العُلُومِ، وبالجنون 61، لكن قال القاضي الماوَرْديُّ: لو كان الجنونُ منقطعاً، وكان زمان الإفاقة أكثرَ، ويمكن فيه من القيام بالأمور فلا ينعزل، وينعزل بالعَمَى والصَّمَم والخَرَس، ولا ينعزل بِثِقَلِ السمْع، وتمتمة اللِّسان، وذكر خلافٌ في أنهما هل يمنعان ابتداءَ التولية، وفي أنْ قطع إحدى اليدين أو الرِّجلَيْن، هل يؤثر في الدوام، والأشبه المنع، والله أعلم.
وإذا 62 تقررَّت المقدمتان، ففي الباب نَظَران: نظر في صفات أهْلِ البَغْي، ونَظَرٌ في أحكامهم فلنخض 63 فيهما.
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الصِّفَةُ فَكُلُّ فِرْقَةٍ خَالَفَتِ الإِمَامِ بِتَأْوِيلِ وَلَهَا شَوْكَةٌ يُمْكِنْهَا مُقَاوَمَةُ
الجزء: 11 - الصفحة: 77
الإِمَامِ فَهِيَ بَاغِيَةٌ، وَأَمَّا المُرْتَدْ وَمَانِعُو الزَّكَاةِ وَسَائِر حُقُوقِ الشَّرْعِ فَلاَ تَأْوِيلُ لَهْمْ، وَكُلُّ تَأْوِيلٍ يُعْلَمُ بُطْلاَنُهُ بِالظَّنِّ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ كَانَ بُطْلاَنُهُ قَطْعِيّاً وَلَكِنَّهْمْ غَلِطُوا فِيهِ وَجْهَانِ، وَهَذَا تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ مُبْطِلاً ظَنّاً أَوْ قَطْعاً، وَأَمَّا الخَوَارجُ إِنْ لَمْ نُكَفِّرْفهْم لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى تَأْوِيلِهِمْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظُهْورِ فَسَادِهِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مُطَاعٌ إذْ بِهِ الشَّوْكَةُ، وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكونَ بِصِفَاته الأَئِمَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذين يخالفون الإمامَ بالخُروج عليه وترك الانقياد والامتناع مِنْ توفية ما يتوجَّه 64 عليهم من الحقُوقِ، ينقسمون إلى أهل البَغْي وغَيْرِهِمْ، ولكِلِّ واحد من الفريقين أحكام خاصَّة، فَنَصِفُ أهل البغيِ بما يتميَّزون 65 به عن سائر المخالفين وإذَا خَضْنَا في أحكام البغاة ذكرنا مع أحكامهم غيرهم من المخالِفِينَ ...
أما أهل البغي فيعتبر فيهم صفتان:
إحداهما: أن يكون لهم تأويلٌ يعتقدون بسببه جوازَ الخُرُوج على الإِمام أو منْع الحق المتوَجَّه عليهم، قال المتولِّي: وإنما 66 اعتُبِرت هذه الصفة؛ لأن مَنْ خالف من غَيْر تأويل، كان معانداً، ومَنْ تمسك 67 بالتأويل؛ يَطْلُب الحق على اعتقاده، فلا يكون معانداً، فيثبت له نوع حرمةٍ بسُقُوط الضمان وغيره، ومَثَّلَ التأويلَ الحامل على مخالفة الإِمام والخُرُوج عليه بما وقع للذين خَرَجوا عَلَى عليّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- وكرم الله وجهه حيث اعتقدوا أَنَّه يَعْرِف قتلَةَ عثْمَان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويقدر عليْهِم، ولا يقتصُّ منهم لرضاه بقتله، ومواطأته إياهم، ومثل غيره التأويل الحامل على منع الحق بما وقع لبعض مانِعِي الزَّكَاة من أبي بكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حيث قالوا: أمرنا بدَفْع الزكاة إلى مَنْ صلاَتُهُ سَكَنٌ لنا، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما قال تعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ 68 [التوبة: 103] الآية.
وصلاةُ غيره ليست 69 سَكَناً لنا، فلو خرَجَ قوْمٌ عن طاعة الإِمام، ومنَعُوا 70 حقاً توجَّه بلا تأويل، سواءٌ كان حدّاً أو قصاصاً أو حقّاً ماليّاً لله تعالى أو للآدمَيِّين عناداً أو مكابَرةً، ولم يتعلَّقوا بتأويل، فليْسَ لهم أحكامُ البغاةِ، وكذلك 71 المرتدون الخارجون عن الدين،
الجزء: 11 - الصفحة: 78
والتأويلُ المشروطِ في أهل البغْيِ إذا كان بطلانُه مظنوناً 72، [فهو] 73 معتبرٌ، وإن كان [بطلانُه] مقطوعاً به، ففيه وجهان:
أوفقهما، لما أطلقه الأكثرون: أنه لا يعتبر كتأويل أهل الرِّدَّة وشبهتهم.
والثاني: يُعْتَبَر ويكْفِي تغليطهم فيه، وقد يَغْلَطُ في القطعيات غالِطُون، وبني على الوجهين أن العلماء أطلقوا القَوْلَ بأن معاوية، ومن تابعه كانُوا باغِين، [ويدل عليه] الخبر المشْهُور أن عَمَّاراً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ" فإن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً، فنقول إن معاوية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان مبطلًا فيما ذهب إليه ظنَّاً، وإن لم نشترطْه وأثبتنا اسم البغي وحكمه مع القَطْع ببطلان التأويل، فقد نقول: إن معاوية كان مبطلًا قطعاً، قال الإِمام وهذا مخاضٌ لا نخوض ولسنا للتشاغل به.
ثم تكلم صاحب الكتاب في الخوارج وأنْ تأويلَهم، هلْ يُعْتبر، واعلم أن الخوارج صنْفٌ مشهور من المبتدعة يعتقِدُون أنَّ من أتى بكبيرة، فقد كفرَ واسْتَحَقَّ الخلود في النار، ويطعنون؛ لذلك في الأئمة، ولا يجتمعون معهم في الجمعات والجماعات، والذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب فيهم يخالف طريقةَ الجُمْهور، ولا بد من ذكر الطريقتين، أما هما فقد قالا في تكفيرهم الخلافَ المشْهورَ في تكفير أهْل البِدَع والأهواء، وسيأتي قدْر الحاجة منْه في "كتاب الشهادات" إن شاء الله تعالى -فإنْ لم نكفرْهم، ففيهم وجهان:
أحدهما: أن شبهتهم كتاويل البغاة، وحكْمَهم حكْمُهم.
وأصحُّهما: أنهم كأهل الردة؛ فلا نبالي بما يتمسكون به؛ لظهور فساده، وعلى هذا، فلا تنفذ أحكامهم بخلاف أحكام البُغَاة، ويمكن أن يردَّ هذا الخلافُ إلى الخلافِ في أنه، هل يثبت حكْم البغْي مع القطْع ببطلان التأويل، وأما غيرهما، فقد ذكر الشافعيُّ وعامة الأصحاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أنه، إن أظهر قوم رأي الخوارج وتجنَّبوا الجماعات، وكَفَّروا الإِمام ومن معه 74، فإن لم يقاتِلُوا، وكانوا في قبضة الإِمام، فلا يُقْتَلُون، ولا يقاتَلُون، روي أن عليّاً -كرم الله وجهه- سمع رجلاً من الخوارج يقول لاَ حُكْمَ إلاَّ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ، وتعرَّض بتخطئته في التحكيم؛ فغال علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "كَلِمَةُ حَقِّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ؛ لاَ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ وَأَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللهِ، وَلاَ نَمْنَعُكُمْ الفَيْءَ مَا دَامَت أَيْدِيِكُمْ مَعَنَا وَلاَ نَبْدَأُ بِقِتَالِكُمْ" 75 ثم إن صرَّحوا
الجزء: 11 - الصفحة: 79
بسب الإِمام أو غيره من أهل العدْل يُعزَّرون، وإن عرَّضوا، فوجهان؛ في وجه يعزَّرون؛ كي لا يرتقوا إلى التصْريح، وفي وجْهٍ، لا؛ لما روي عن عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولو بَعَث الإِمام إليهم والياً، فقتلوه، فعلَيْهم القصاصُ، وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطَّريق؛ لأنه شهر السلاح أوْلًا؛ لأنه لم يقْصِد إخافة الطُّرُق، وأخذ الأموال؟ فيه وجهان، وأطلق صاحب التهذيب أنهم، إنْ قاتَلُوا، فهم فسقة، وأصحابُ بهتْ، فحكْمُهم 76 حكم قطَّاع الطريق، وهذا كلُّه جواب على أنهم لا يُكَفَّرون، والنَّظَر في الطريقة الأولَى، إذا لم يجعلوا كأهل البغي إلى ضَعْف تأويلهم.
وفي الثانية، إلى أنهم في قبضة الإِمام، لم يوجد منْهم خروجٌ ومخالفةٌ [والله أعلم].
[والصفة] 77 الثانية: أن يكون لهم شوكةٌ وعددٌ؛ بحيث يحتاج الإِمام في ردِّهم إلى الطاعة إلى كلفة ببَذْل مالٍ وإعدادِ رجالٍ ونصب قتال، فإنْ كانوا أفراداً يسهل ضبطهم وتسخيرهم 78، فلَيْسُوا بأهل بغْيٍ، واحتج له بأن ابن مُلْجَمٍ قتل علياً -رَضِيَ الله عَنْهُ- متأولاً، فأقِيدَ به على ما سيأتي، ولم يُعْطَ حكم البغاة في سقُوط القصاص.
وشرطُ جماعة من الأصحاب في الشَّوْكة أن ينفرِدُوا ببلدة أو قرية أو موْضِعٍ من السِّحْراء، وربما قالوا: ينبغي أن يكونوا بحيث لا يُحِيطُ بهم أجناد الإِمام، بل يكونوا في طَرَفٍ من أطراف ولايته، والمحقِّقون قالوا: لا تعتبر هذه الصفة، وإنما المعتبر استعْصَاؤهم وخروجهم عن قبضة الإِمام، حتى لو تمكَّنوا من المقاومة مع كَوْنِهم محفُوفِين بجند الإِمام، فيجب الحَكْم بحصول الشوكة، ويرجع التفاوُتُ إلى أن عدَدَ المحفُوفِين ينبغي أن يكون أكثر من عدَدِ الواقعين في الطَّرَف.
ويتعلَّق بالشوكة صور أوردَها 79 الإِمام:
احداها: حكَى في قوم قليلي العدَدِ تقوَّوْا بحصن منيع وجْهين، ورأَى أَن الأَوْلَى = الله، فأشار إليهم بيده: اجلسوا، نعم لا حكم إلا لله، كلمة حق يبتغي بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، إلا أن لكم عندي ثلاث خلال: ما كنتم معنا أن منعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا، وأصله في مسلم من حديث عبيد الله بن أبي رافع: أن الحرورية لما خرجت على عليّ وهو معه، فقالوا: لا حكم إلا لله فقال عليّ: كلمة حق أريد بها باطل.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يمرقون من الدين، الحديث، بطوله.
الجزء: 11 - الصفحة: 80
أن يُفَصَّل، فيقال: إن كان الحصنُ على فوهة الطريق، وكانوا [يستولون] 80 بسببه 81 على ناحية وراء الحصْنِ، فالشوكة حاصلةٌ، وحكم أهل البغْي ثابت لئلا يتضرَّر أهل الناحية بتعطيل 82 الأقضية والأحكام، وإلا فليسوا بأهل البغْي، ولا نبالي بما يقع من التعطُّل في العدد القليل.
الثانية: قال الإخلاف أنه لو تَحزَّب من رجال القتال المنعوتين [بالشجاعة] عدَدٌ يسير، وكانوا بفضل القوة ويَقْوَون على مصادمة المجموع الكثيرة 83 فهم على عدة تامة، ويحتمل أن ينازع فيه منازعٌ؛ لقلة عددهم، وتجعل قواهم كالمَكَانِ الحَصِين.
الثالثة: قال: يجب القطْع بأن الشوكة لا تحْصُل إذا لم يكُنْ لهم متبوع مطاع؛ فإن رجال النجدة، وإن كثروا، فلا قوة لهم ولا شوكة، إذا لم يصْدُروا، ولم يجتمعوا على رأْي [قطاع متبوع] 84، وهل يشترط أن يكون فيما بينهم إمامٌ منصوبٌ أو منتصب؟ فيه وجهان معْرُوفان، ويقال قولان: للجديد الاشتراط:
أحدهما: وإليه ميل صاحبَيْ "التهذيب" و"التتمة"، وإلا، فلا يكون فيما بينهم قاض ووال، فإن الرعايا لا يتمكنون من [بيعتهم]، فيتعطل الأحكام.
وأظهرهما، عند أكثرهم، وهم أصحابنا العراقيون والإمام: لأنه ثبت لأهْلِ الجمل، وأهل النهروان حكْمُ البغاة، ولم يكن فيما بينهم إمامٌ، وعن "المنهاج" للشيخ أبي محمَّد: أنه يعتبر في أهل البغْيِ وراء ما سبق ذكره شيئان آخران: أن يمتنعوا مِنْ حُكْم الإِمام، وأن يظهروا لأنْفُسهم حكماً، وقد جرى ذكرهما في وصف الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أهل البغْي ويشبه أن يقال: إنَّ هذا طريقُ مخالفةِ الإِمام، ولا بد في القوم من المخالفة؛ ليكونوَا باغين، ثم يعتبر فيهم [الصفتان] المذكورتان فليس ذلك مخالفاً لما سقناه [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "يمكنها مقاومة الإِمام" قصد ضبط الشوكة، [وأشار] إلى أنه لا يعتبر أن يساوي عدَدَهُم عَدَدَ أجناد الإِمام، بل يكفي أن يجسروا على المقابلة والمقاومة، ويتوقَّعوا الظَّفر، وقد تغلب الفئة القليلة الكثيرة.
وقوله "ومانعوا الزكاة وسائرِ حقوقِ [الشرع] " يدخل فيه التبعات والغرامات، والحدود، والمقصودُ ما إذا منعوها بلا شبهة ولا تأويل؛ لأن الذين منعوا بتأويل وشبهة باغون على ما قدَّمنا.
الجزء: 11 - الصفحة: 81
وقوله "فهو معتبر" 85 أي في ثبوت أحكام الباغين.
وقوله "ولا بد، وأن يكون فيهم 86 واحدٌ مطاعٌ" [هو] الذي حكيناه عن الإِمام [قوله] وقوله "وهل يجب أن يكونَ بصفات الأئمة"؟ ليُحْمَل على المسألة المشهورة بالخلاف.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا أَحْكَامُ البُغَاةِ فَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولةٌ لِجَهْلِهِمْ بِسَبَب التَّأْوِيل، وَقَضَاؤُهُمْ نَافِذٌ وَيجِبُ عَلَى قَاضِينَا إِمْضَاؤُهُ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنَ الحُقُوقِ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، فَإنْ صَرَفُوا سَهْمَ المُرْتَزِقَةِ إِلَى جُنْدِهِمْ فَفِي وُقُوعِهِ المَوْقِعِ وَجْهَانِ، وَإِنْ سَمِعَ قَاضِيهِمُ البَيِّنَةَ وَالْتَمَسَ مِنَّا الحُكْمَ حَكَمْنَا عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ نَظَراً لِلْرَّعَايَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل [يشتمل] 87 على حكْمَيْن من أحكام أهل البغْيِ.
أحدهما: شهادةُ أهل البغي مقبولةٌ؛ بناءً على أنهم ليسوا بفسقة على ما مَرَّ، ولفظ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "ولو شَهِدَ منْهُمْ عدْلٌ، قُبِلَتْ شهادَتُهُ، ما لم يكن يرى أَنْ يَشْهدَ لِمُوَافَقَةٍ؛ بتصديقه"، فأثبت العدالة مع البغي.
وقوله: "ما لم يكن يَرَى أن يشهد لموافقة" أراد الخَطَّابية الذين يشهدون لمن يوافقهم في العقيدة تصديقاً لقولهم واعتماداً على أنهم لا يكْذِبون؛ لأن الكذب كفْرٌ عندهم، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في "كتاب الشهادات" وإن كان لهم قاضٍ في بلد، قال المعتبرون من الأصحاب: يُنْظر؛ إن كان يستحلُّ دماء أهل العَدْل، لم ينفذ حكمه؛ لأنه ليس بعدل ومن شرْط القضاءِ العدالةُ، وبمثله يجيب هؤلاء فيما إذا كان الشاهدُ ممَّن يستحل ذلك، ومنهم مَنْ يطلق نفوذَ قضاء أهْل البغْي رعايةً لمصلحة الرعايا، وصرَّح مصرِّحون بأن من ولاه صاحبُ الشوكة، نفذ قضاؤه، وإن كان جاهلًا أو فاسقاً، لقضاء أهل البغي، وسيأتي ذكره في "أدب القضاء" إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن قاضيهم مِمَّنْ يستحل دماء أهل العَدْل وأموالهم، فينفذ حكمه بما ينفذ به حكْمُ قاضي أهل العدْل، فلو حكم يما يخالف النَّصَّ أو الإجماع أو القياس الجليَّ، فهو مردود حتى لو وقع واحدٌ من أهل العدل في أسرهم 88، فقضى عليه قاضيهم بضمان ما أتلف في الحَرْب، لم ينفذ قضاؤه، وكذا لو حكم بسقوط ضمان ما أتلفوه في غير القِتَال، وإن حكَمَ بسقُوط ضمان ما أتلفوه في حال القتال، نَفَذ حكمه، ولا تجوز مطالبتهم بعد ذلك؛ لأنه في محل الاجتهاد.
الجزء: 11 - الصفحة: 82
وعن أبي حنيفة؛ أنه إن كان قاضيهم على اعتقاد أهل العدْل، نَفَذَ قضاؤه، وإن كان على اعتقادهم، لم ينْفذ، وبنَى ذلك على أن البغْيَ هل هو فسق؟ فعنده هو فسْقٌ، وعندنا ليس بفسْقِ على ما قدَّمنا، ومن الأصحاب مَنْ قسم البغْي إلى: ما هو فسْقٌ، وإلى ما ليس بفسْق، وَيرُدُّ قضاءَ الباغِي الذي بغْيُه فسقٌ، وسنذكر ذلك في "أدب القضاء"، وكما لا تُقْبَل شهادة الباغي، إذا كان من الخطّابية، لا ينفذ قضاء قاضيهم الذي يقضي لموافقيه (1) بتصديقهم، وإذا كتب قاضيهم (2) وحيث ينفذ قضاؤه بما قضَى به إلى قاضي أهل العدْل، جاز قبوله (3) وتنفيذه.
قال الأئمة: ويُسْتَحَبُّ إلاَّ يقبل استخفافاً بهم واستهانة.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز قبول كتابه، قال في "التتمة": وإنما يتحقَّق الخلاف، إذا كان قاضيهم من أهل العدْل، وإن كتب قاضيهم بسماع البينة دون الحُكْم المُبْرَم، فهل يحكم قاضينا به؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لما فيه من معاونة أهل البغْي وإقامة مناصبهم.
وأصحُّهما: نعم؛ لأن الكتاب الذي يَرِدُ له تعلُّق برعايانا، وإذا نفذ ما حكم قاضيهم لمصلحةُ رعاياهم؛ فلأن تُرَاعَى مصلحةُ رعايانا، كان أولَى، وحكى الإِمام عن رواية صاحب "التقريب"، والشيخ أبي محمَّد طرد القولين فيما أبرموه، واستعانوا فيه بالاستيفاء، وقال: كنت أود لو فَصَل فاصِلون (4) بيْن الأحكام التي تتعلَّق بأصحاب النجدة والامتناع، وبين ما يتعلَّق بالرعايا.
" فَرْعٌ"
حكى القاضي ابن كج قولَيْن، فيما إذا ورد على قاضي أهل العدْل كتابٌ من قاضي أهل البغْي، وهو لا يدري أنه ممَّن يستحلُّ دماء أهل العدْل وأموالهم، أو ممَّن لا يستحل، وقال: اختيار الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- منهما أنه لا يَقْبَلُه، ولا يَعْمَل به.
[الحكم] 93 الثاني: إذا أقام أهلُ البغْي الحدودَ على جناة البلَدِ الذي استولَوْا عليه، وأخذوا الزكاة من أهله أو خَرَاجَ أرضِهِ 94 أو الجزيةَ من أهل الذمة فيه، اعتدَّ بما89909192
الجزء: 11 - الصفحة: 83
فعلوه، وإذا عاد البلد إلى أهل العدْل، لم يطالِبُوا أهلَهُ بشَيْء من ذلك، وفي الجزية وجه رواه الفورانيُّ وغيره: أنه لا يُعْتد بأخذها لهم؛ لأنها عوض السكْنَى والأعواض 95 بعيدةٌ عن المسامحة، والظاهر الأول؛ واحتُجَّ له بأن عليّاً -كرم الله وجهه- قاتَلَ أهْل البصرة، ولم يتتبع 96 بعد الاستيلاء ما أخذوه من الحقوق، وبأنهم فعلوا ذلك بناءً على تأويل محتمل؛ فأشبه ما إذا قضى القاضي بالاجتهاد، لا ينقضه قاضٍ، آخر، وبأن في إعادة المطالبة إضراراً بأهل البلدة، وحَكَى الإِمام وجهَيْن في أنهم، إذا فرَّقوا سهْم المرتزقة من الفيْء على جنودهم، هل يقع موقعه؟
أحدهما: لا يقع؛ لأنا لو حكمنا بوقوعه الموقع لهم 97 يصير 98 ذلك إعانَةَ على البغْي وتمهيداً لأسباب الخروج على الإِمام.
وأظهرهما: الوقوع؛ لأنهم من جنود الإسْلام، والرعبُ قائمٌ عنهم في نفوس الكفَّار، وقرُبَ هذا الخلافُ من الخلافِ في أنهم هل يَضْمَنُون ما يتلفون على الإِمام وجُنْدَهُ في القتال؛ لأن في إسقاط الغُرْم تخفيفاً عليهم ورعايةً لهم.
وإذا عاد البلد إلى قبضة الإِمام، فادعى مَنْ كان عليه حقٌّ أن أهل البغْي استوفَوْه، ولا علم للإمام بذلك، ولا قامت عليه بينة فهل يصدق بيمينه؟ أما في الزكاة فنعم؛ لأن المُسْلم أمينٌ في أمور الدين؛ ولأن الزكاة مالُ مواساة، واللائق به التساهُل، وفي كون اليمين مستحبةً أو مستحقةً خلافٌ سبق نظيره [في الزكاة]، وأما الجزية، ففي كتاب القاضي ابن كج [وجه] 99 أن الذميَّ [يصدق] في دفْعها إليهم كالزكاة، والظاهر أنه لا يُقْبَل [قوله] 100 إلا ببينةٍ، لأن الذميَّ غير مؤتمن فيما يدَّعيه على [المسلمين] 101 للعَدَاوة الظاهرة، ولأن الجزية أجرة دار الإسْلام، والمستأْجِرُ، إذا ادَّعَى تسليم الأجْرَة احتاج إلى البينة.
وأما الخراج، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصدَّق المسلم فيه، ويجْعَلُ أميناً كالزكاة.
وأصحُّهما: أنه يطالب بالبينة؛ لأن الخراج أجرة أَوْ ثمن، وإن ادَّعى مَنْ كان عليه حدٌّ أنه أقيم عليه، ففي "التتمة" أنه يصدَّق، إن كان أثره باقياً على بدَنه، وإلا، فإن ثبت بالإقرار، فكذلك؛ لأن المُقِرَّ بالحدِّ، إذا رجع، يقبل رجوعه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحدِّ عليه، فيُجْعل كالرجوع، وإن ثبت بالبينة لم يُصدَّق، فيما يدعيه.
وأعْلم قوله في الكتاب: "وقضاؤهم نافذ" بالحاء لما قدمناه.
الجزء: 11 - الصفحة: 84
وقوله " [و] 102 يجب على قاضينا إمضاؤه" إن كان المراد منه إنَّ قاضينا لا ينقضه، وإذا استقام الأمر يمضيه، ولا نحكم بخلافه، فهذا لا خلاف فيه، وإن كان المراد أنَّه إذا كتب قاضيهم بما قضى به إلينا، ننفذه ونعمل بكتابه، وهو قضية إيراد "الوسيط"، فيجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لما روينا من مذهب أبي حنيفة، وبالواو؛ لما مر أن المستحَبَّ أن لا يُقْبل كتابهم، وأيضاً، فللطريقة الطاردة للخلافِ ويجوز أن يُعْلَم قوله "يقع موقعه" بالواو للوجه المحكيِّ في الجزية وقوله "حكمنا" بالحاء، وكان الأحسن في الترتيب أن يقدم قوله "وإن سمع قاضيهم البينة" على الكلام في أخذ الحقوق.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا إِنْ كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَتَأْوِيلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ فَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُمْ، وَإِنْ وُجِدَتِ الشَّوْكَةُ دُونَ التَّأْوِيلِ لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا تكلَّم في الحكمين في حقِّ أهل البغْي المستجمعين لصفتَي الشوكة والتأويلِ، أراد أن يبيِّن ما يتعلَّق بهما في المخالفين الفاقدين لإحدى الصفتين، [فالذين] 103 لهم تأويلٌ بلا شوكةٍ سمة الطاعة مستمرَّةٌ عليهم، وليس لهم تصدٍّ للقضاء، وما يبدونه إذا خَلَوْا بأنفسهم كمحاورةٍ ومشاورةٍ تجري بينهم والتحكيم بينهم على الخلاف المَعْروف في غيرهم، وليس لهم قوة أخْذِ الحقوق وإقامةِ الحدود، والذين لهم شوكةٌ بلا تأويل، الظاهرُ المعروفُ عند الأصحاب أنه لا ينْفُذ حكمهم؛ [ولا يعتد باستيفائهم الحقوق والحدود]، لأن عماد البغْي التأويلُ، وكأنهم إلى أن ينْكَشِف لهم الحقُّ معذورون بما يتمسكون به 104 وأبْدَى الإِمام احتمالاً في نفوذه؛ كيلا يتفاقم الضرر في الناحية التي استولَوْا عليها؛ والحال في تلْك الناحية كالحال فيما إذا خلا العصْر عمن يصْلُح للإمامة، وأحال بِسْطه على كتابة المعْروف "بالفيائي".
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا غُرْمُ المَالِ فَمَا أتْلِفَ فِي غَيْرِ القِتَالِ مَضْمُونٌ عَلَى الفَرِيقَيْنِ، وَمَا أُتْلِفَ فِي القِتَالِ غَيْرُ مَضْمُونِ عَلَى العَادِلِ، وَفِي البَاغِي قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ فَفِي الكَفَّارَة وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَجِبُ فَفِي القِصَاصِ وَجْهَانِ، هَذَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّوْكَةِ، فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلٌ بِلَا شَوْكَةِ وَجَبَ الضَّمَانُ، قَتَلَ ابْنُ مُلْجَمِ عَلِيّاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مُتَأَوِّلًا فَأُقِيدَ بِهِ، وَإِنْ وُجِدَتِ الشَّوْكَةُ دُونَ التَّأْوِيلِ فَطَرِيقَانِ، قِيلَ: يَجِبُ الضَّمَانُ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَينِ لِأَنَّ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَةِ كَأَهْلِ الحَرْب، وَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ فِي المُرْتَدِّينَ إِذَا أَتْلَفُوا فِي القِتَالِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 85
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفصْلِ الكلامُ في ضمان النفْس والمالِ، إذا أتلف العادلُ على الباغي وبالعكْس، ثم في الضمان إذا وجد الإتلافُ من الَّذينَ لم يستجْمعوا صفة الباغين.
أما الأول: فما يتلفه العادلُ على الباغي، وبالعكس في غَيْر القتال مضمونٌ جرياً على الأصْل الممهَّد في قصاص النفوس وغرامات الأموال.
وأما في القتال، فما يتلفه العادلُ على الباغي غيرُ مضمون عليه؛ لأنه مأمور بالقِتَال، فلا يَضْمَن ما يتولَّد منه، وما يُتْلِفه الباغي على العادل من مال ونفس هل يضمنه بالغرامة والدية؟ فيه قولان:
أحدهما، ويحكى عن مالك: نعم؛ لأن أبا بكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال لِلَّذين قاتَلَهم بعْد ما تَابُوا: "وَتَدُونَ قَتْلاَنَا، وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ"، وأيضاً، فهما فرقتان من المسلمين محقَّة ومبْطِلة، فلا يستويان في سقوط الغُرْم، كقطَّاع الطريق والرفقة.
وأصحُّهما، وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن في الوقائع التي جرَتْ في عصر الصحابة والتابعين -رَضِيَ الله عَنْهُمْ- كحروب الجَمَل وصِفَّين، لم يطالب بعضُهم بعضاً بضمان نفس ولا مال، وأيضاً؛ فلأنه لو وجبت الغرامةُ لم يؤْمَن أن ينفرهم ذلك عن العَوْد إلى الطاعة، ويحملهم على التمادي 105 فيما هم فيه، ولمثل ذلك أسقط الشرْعُ التبعات عن أهل الحرب، إذا أسلموا، والقولان كما يُحْكَى منصوصان في البويطيِّ، ويذكر أن وجوب الضمان قولُه القديم، وأن مقابله الجديدُ، ولم يصحِّحه الرويانيُّ.
وإذا كان القتل عمداً، ففي وجوب القصاص طريقان:
أظهرهما: طرد القولَيْنِ المذكورَيْن في وجوب المال.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن القصاص يسقط بالشبهة، وتأويلهم يوجب الشبهة، فإن حكَمْنا بوجوب القصاص، فلو آل الأمر إلى المال، فهو في مال الباغي، وإن لم نحْكُم به؛ لشبهة التأويل، فسبيل الديةِ ديةُ العَمْد، حتى تجب في مال القاتل، ولا تتأجَّل أو دية شبه العمد حتى تكون على العاقلة وتتأجَّل، حكى الإِمام فيه خلافاً؛ كما ذكَرْنا فيما إذا قتل مسلماً على زيِّ أهل الشرك، وتجب الكفَّارة على الباغي، متى حكَمْنا بوجوب القصاص أو الدية، وإلا، فوجهان:
أشبههما: المنع؛ طرداً لإهدار وقطع التبعات، وأيضاً، فإن الكفَّارة حق الله تعالى، وهو أولَى بالتساهل.
الجزء: 11 - الصفحة: 86
والثاني: يجب؛ لأنه قتل معصوماً بغير حَقِّ، والكفارة أسرع ثبوتاً من القصاص و [من] (1) الدية بدليل ما إذا قَتَل مسلماً في صفِّ الكفار.
والأموالُ المأخوذةُ في القتال تُردُّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها يستوي فيه الفريقان، روي أن عليَّاً (2) -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نادَى: "مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فَلْيَأْخُذْهُ"، قال الرإوي: مرَّ بنا رجلٌ فعرف قدْراً يطبخ فيها، فسألناه أن يصبر حتى نَطْبخ، فلم يفعل، فإنْ أتلفت بعد انقضاء الحَرْب، وجب الضمان.
وقوله في الكتاب: "فما أتلف في غير القتال" و"ما أتلف في القتال" هذه اللفظة هي المشهورة في الاستعمال، وبيَّن الإِمام معناها، فقال المراد ما يتلف بسبب القتال ويتولَّد منه هلاكُه، حتى لو فُرِضَ إتلافٌ في القتال ليس من ضرورة القتال، فهو ملْحَق بما يجري إتلافه قبل القتال.
وقوله: "فإن قلْنا: لا يجب، ففي الكفَّارة وجهان" يعني: إن قلنا: لا يجب الضمان في النفس والمال، ففى الكفَّارة عند القتل وجهان، وفي الترتيب المذكور ما يَخْرُج منه طريقان، طريقةٌ قاطعةٌ بوجوب الكفَّارة، وطريقةٌ طاردة للخلافِ، وكذا حال قولِه: "فإن قلنا: يجب، ففي القصاص وجهان"، ويجوز أن يُعْلَم قوله "لا يجب" بالميم، وقوله "يجب" بالحاء إشارةً إلى مذهبهما.
وعن أحْمَد روايتان في الضمان.
أظهرهما: السقوط، كما مرَّ وهو الأظهر عندنا.
" فَرْعٌ"
لو استولى باغ على أَمَةٍ أو مُسْتَوْلَدَةٍ لأهل العدْلِ، فغشيهما، فعليه الحدُّ، وإن أولَدَها، فالولد رقيقٌ غير نسيب، وهل يجب المهْر، إذا كانت مكرهة؟ منْهم مَنْ جعله على الخلاف في ضمان المالِ، وقال صاحب "التهذيب": ينبغي أن يُقْطَع بوجوبه، كما لو أتلف المال المأخوذَ بعد الانهزام 108، ولو استولى الحربيُّ على أمة مسلمةٍ فأولدها 109، فالولد رقيقٌ غير نسيب، ولا حدَّ ولا مهر؛ لأنه لم يلْتَزِم الأحكام.
وأما المقْصِد الثاني، فالذين يخالفون الإمامَ بتأويلٍ يعتقدونه، وليس لهم شوكة106107
الجزء: 11 - الصفحة: 87
وامتناع؛ لقلة عددَهِم، فلزمهم ضمان ما أتْلَفوا منْ نفْس، ومال، وإن كان على صورة القتال.
أما إذا لم يكن في قتال، فكما ذكَرْنا في الباغين.
وأما إذا أتْلَفُوا في قتال، فحكمهم حكْم قُطَّاع الطريق، ولو أسقطْنا الضمان، لم تعجز كل شِرْذِمَة تريد إتْلاف نفْسِ أو مالٍ أن تُبْدِيَ تأويلاً، وتَفْعَل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك إبطال 110 السياسات، وهذا ظاهرٌ، سِيَمَا إذا لم يكن قتالٌ، لكن احتج الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- له بأن قال: قتل ابْنُ مُلْجَم عليّاً -كرم الله وجهه ورضي الله عنه- متأولاً، فأمر بحبْسه، وقال: "إنْ قتلتم، فَلَا تُمَثِّلُوا بهِ" ورأى عليه القتل، وقتله الحسنُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي الناس بقية من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فما أنكر قتلَه، ولا عاتبه 111 أحد، وأراد بقوله "قتله متأولاً أنه قتله زاعماً أن له شبهة وتأويلاً، وحكي أن تأويله أن امرأة من الخوارج تسمَّى قَطَامٍ، خطبها ابن مُلْجَمٍ، وكان علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قتل أباهَا في جُمْلة الخوارج، فوكلته بالقصاص، وهمَا يزعمان أن عليْه قصاصاً، وأن الواحد في الورثة ينْفَرِد بالاقتصاص وشرطتْ علَيْه مع ذلك ثلاثة آلاف درهم وعبداً وقينة لتحببن في ذلك.
وفي ذلك قيل:
فَلْم أَرَ مَهراً سَاقَهُ ذُو سَماحةٍ ... كمهر قَطَام من فصيح وأعجم
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ ... وقتل علي بالحسام المصمصم
وأما الذين لهم كثرة وشوكة ولا تأويلَ لهم، ففي ضمان ما أتلفوا في القتال طريقان:
أحدهما: القطْع بوجوبه؛ لأنهم ليْسوا بأهل البغْيِ، كالذين لهم التأويل دُونَ الشوْكة.
وأظهرهما: طرْد القولَيْن المذكورَيْن في الباغين؛ لأن المعْنَى المعتمد هناك ترغيبُهُم في الطاعة ليجتمع الشمل وتندفع الفتَن وهذا المعنَى موجودٌ في أصحاب الشوكة، وإن لم يكن لهم تأويلٌ، والقولان المذكوران في أنَّ أهل البغْي، هل يضمنون جاريانِ في المرتدين، إذا كانت لهم شوكةٌ، وأتلفوا في القتال مالاً أو نفساً، ثم تابوا، وأسلموا؟ والظاهر نفْيُ الضمان عند بعضهم، وفي "التهذيب" أن الأصحَّ الوجوب، وهو اختيار المزنيِّ؛ لأن المرتدين جنوا على الإسلام بتأويل غير معتَبَرٍ 112، ولذلك لا ينفذ قضاء قاضيهم، وقد يُرَتَّب الخلاف في المرتدين على الخلاف في الباغين، وفي كيفية التَّرْتيب افتراق رأْي؛ فقائِلٌ يقولُ: إن أوجبنا الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى
الجزء: 11 - الصفحة: 88
بالوجوب 113، وإلا، ففي المرتدِّ قولان، والفرْقُ أنه أولَى بالتغليظ، ويحْكَى هذا عن اختيار القفَّال، وآخر يقول: إن لم نوجبِ الضمانَ على الباغي، فالمرتد أولَى، وإن أوجبنا على الباغي، ففيه قولان، والفرق أن المرتدين منخلعون عن الإِسلام وأحكامه 114؛ فهم بأهل الحرب أشبه، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "والقولان جاريان" بالواو؛ لطريقة القطْع التي تخرج من الترتيب.
قال الْغَزَالِيُّ: فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قِتَالِهِمْ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ بَلْ نُقَدِّمُ النَّذِيرَ أَوَّلاً، وَلاَ نَتَّبعُ المُدْبِرَ آخِراً، فَلَوْ بَطُلَتْ شَوْكتُهُمْ فِي الحَالِ وَلَكِنْ لَمْ نُؤْمَنْ غَائِلَةُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي المَآلِ فَفِي جَوَازِ اتِّبَاعِهِمْ بِالقَتْلِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ فَلا يُطْلَقُ إِلاَّ بَعْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ، وَإِنْ أُمِنَ فِي الحَالِ وَتُوقِّعَ فِي ثَانِي الحَالِ فَفِي الإِطْلَاقِ وَجْهَانِ، وَفِي أَسْرِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ لِكَسْرِ قُلُوبِهِمْ تَرَدُّدٌ، فأَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ وَخُيُولُهُمْ فَلاَ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي القِتَالِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْهُمْ وَلاَ تُرَدُّ قَبْلَهُ، وَالصَّبِيُّ المُرَاهِقُ وَالعَبْدُ كَالخَيْلِ، وَالصَّغِيرُ كَالمَرْأَةِ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ بِالمَجَانِيقِ وَالنِّيرَانِ إِلاَّ إِذَا خِفْنَا أَنْ نُصْطَلِمِ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا بِقَلْعَةٍ وَكَانَ فِيهِمْ رَعَايَا لَمْ نُقَاتِلْهُمْ بِالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ المُقَاتَلَةُ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورٌ، يتعلَّق بكيفية القتال، والأصلُ فيها أن سبيل مقاتلة الباغين سبيلُ دفْع الصائل، والمقصودُ ردُّهم إلى الطاعة ودفْعُ شرِّهم لا النفي والقتل، فهذا أمكن الأسرُ لا يُعْدَل إلى القتل، وإذا أمكن الإتخان، لا يعدل إلى التذفيف، فإن التحم القتال، واشتد الحرب، خرج الأمر عن الضبط، قال الإِمام: وقد تتخيَّل من هذا أنا لا نسير إليهم، ولا نفاتحهم بالقتال، وأنهم إذا ساروا إلَيْنا، فلا نبدأ بقتالهم، بل نصطَفُّ في مقابلتهم، فإذا قَصَدُونا، فحينئذ ندفعهم، قال: وقد رأينا هذا، الطائفة من المعتبرين، وهو ذلك بل إذا آذَنَهُمُ الإِمام بالحَرْب، ولم يرجعوا إلى الطاعة، فيسير إليهم، ويمنعهم عن القُطْر الذي استولَوْا عليه، فإن انكشفوا وكَلِمَتَهُم واحدةٌ، اتبعناهم إلى أن يتوبوا عن العصيان، وَيسْتَسْلِموا، وقد يفضي الاصطفافُ والصبرُ إلى أن يَبْدَءُوْنَا بقتال إلى الاستئصال، [فليس] قتال الفريقَيْن كصيال الرجُل الواحدِ ودفْعه، وربما كان تاركُ البداية معرِّضاً نفْسه للهلاك.
إذا عرف ذلك فمِنْ صور الفصْل: أنهم لا يغتالون ولا يَبْدءُونَ بالقتال، حتى يُنْذَروا، وليبعث 115 الإِمام إليهم أميناً فطناً ناصحاً، فإذا جاءهم، سألهم ما ينقمون، فإن
الجزء: 11 - الصفحة: 89
أظهروا مظلمةً، وعلَّلوا امتناعهم بها، أزالها، وإن ذكروا شبهةً كشَفَها لهم، وإن لم يذكروا شيئاً، أو أصروا بعد إزالة 116 العلَّة، نصحهم، ووعظهم، وأمرهم بالعَوْد إلى الطاعة، لتكون كلمة أهل الدين واحدةً فإن أصروا، دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا إليها أو أجابوا، فغُلبوا، وأصروا مكابِرِينَ، آذَنَهُمْ بالقتال.
بَعَث عليٌّ -كرَّمَ الله وجهه- ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا 117 - إلى أهُل النَّهْرَوان للمحاجَّة والنصيحة، ورجعَ بعضهم إلى الطاعة بذلك، وإذا آذَنَهم بالقتال، فاستنظروا، بَحَثَ الإمامُ عن حالهم، واجتهد، فإن كان الظاهرُ عنْده أنَّهم عازمون على الطاعة، وأنهم يستنظرون 118 لكشف 119 الشبهة أو يتأمَّلوا ويتشاوَرُوا، أنْظَرَهم، وإن كان الظاهرُ عنْده أنهم يقصدون الاجتماع، أو يستلحقون 120 مَدَداً، لم يُنْظِرْهم، وإن سألوا ترْكَ القتال أبداً، لم يجبْهم، وحيث لا يجوز الإنظار، فلو بذلوا مالاً أوْ رهنوا الأولادَ أو النساء، لم يقبله؛ لأنهم قد يَقْوَوْن في المدة، فيغلبون على أهل العدْل، ويستردُّون ما بذلوا، وأيضاً، فلو قاتلوا، لم يجُزْ قتل الأولاد والنساء، وإذا كان بأهْل العدْل ضَعْفٌ، فيؤخِّر الإِمام القتال، ولا يخاطر 121 بالناس، وعن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم": أنه لو كان عندهم أسارَى من أهل العدل، فسألوا، والحرب قائمة، أن يُمْسِك ليُطْلِقوهم، وأعطوا بذلك رهائن، تقبل الرهائن استيثاقاً واستنقاذاً للأسارَى، وإن أطلقوهم، أطلقْنا الرهائن، وإن قتَلُوهم، لم يجُزْ قتل الرهائن بهم، ولا بدَّ من الإطلاق بعد انقضاء الحَرْب.
من صور الفَصْل: مَنْ أدبر منْهم وانهزم، لم يُتْبع، وكذا مَنْ ألقى السلاح، وترك القتال لم يقاتل؛ روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لابن مسعُودِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "يَا بْنَ أمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أمَّتِي"؟ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يَجْهِزَ عَلَى جَريحِهِمْ، وَلاَ يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ" وروي أنه نادَى منادي عليٍّ -كرم الله وجهه- يوم الجَمَل: "أَلاَ لاَ يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ" وانهزامُ الجنْد بأن يتبددوا وتبْطُل شوكتهم واتفاقهم، فلو ولَّوْا ظهورهم، وهم مجتمعُون تحْت راية زعيمهم، فلا ينكف الإِمام عنْهم، بل يطلبهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، والواحدُ إذا بَطَلت قوته واعتضاده بالجَمْع؛ لتخلُّفه عنهم مختاراً أو غيْرَ مختار، ولا يُتْبَع، ولا يقاتل مَنْ ولَّى متحرفاً لقتال، ليس بمنهزم بل يُتْبَع، ويُقَاتَل، وإن ولَّى متحيزاً إلى فئة، قال الإِمام: إن كانت قريبةً، فهو كالمداوم على القتال؛ وإن كانت بعيدةً، فوجهان:
أحدهما: لا تُتْبَعُ؛ لظاهر الخبر، وهذا أظهر عند أصحابنا العراقيين، وصاحب
الجزء: 11 - الصفحة: 90
"التتمة" والرويانيِّ وغيرهم، وقالوا: الاعتبار بما يُتوقَّع، ويُخَاف، كما إذا خيف اجتماعهم وخروجهم ولم يفْعَلوا بعْدُ، لا يجوز التعرُّض لهم.
والثاني: يتبع؛ ليندفع الشرُّ، وبهذا قال أبو حنيفة، واختاره أبو إسحاق، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بترجيحه، وربما أُطْلِقَ الوجهان مِنْ غير فصل بين أن تكون الفئة قريبةً أو بعيدةً، وأجْرِيَ الوجهان فيما إذا بطَلتِ شوكةُ الجنْدِ في الحال، ولم يُؤْمَنْ مِنْ غائلة 122 اجتماعهم [في المآل، وموضع وفاقِ الأَصْحاب مَا إذا لم يُتوقَّع اجتماعهم] 123.
ومنْها: لا يُقْتل المثخن منْهم، ولا أسيرهم، وعن أبي حنيفة: أنه يجوز قتْلهما صبراً، ثم مِنهم مَنْ يطْلِق الرواية، ومنْهم مَنْ يقيده بحالةِ قيامِ الحَرْب.
لنا: ما سبق من الخبر.
وإذا قتل رجُلٌ مِنْ أهل العدل أسيرهم عمداً، ففي وجوب القصاص وجهان مذكوران في "البيان": في وجْهٍ نعم؛ لأنه صار بالأَمْر محقُونِ الدم، كما لو رجع إلى الطاعة، وفي وجْه: لا، ويصير خلاف أبي حنيفة شبهةً، ولا يطْلَقَ الأسير قبل انقضاء الحرْب، إلا أن يبايع الإِمام، ويرجع إلى الطاعة باختياره، فيُخلَّى 124 وإذا انقضت الحرب وجموعُهم باقيةٌ، فكذلك الحكم لا يُطلقَ، إلا أن يبايع، وإن بَذَلوا الطاعة أو تفرَّقت جموعهم، وأُمِنَ عودهم، أُطْلِقَ، وإن تُوُقَّع عودُهم، ففي الإطلاق الوجهان السابقان، وينبغي أن يُعْرَض على أسراهم بيعةُ الإِمام، هذا حكْم الأسرى الذين هم من أهل القتال، وأما 125 النساء والذَّراري [والولدانُ] 126، إذا وقعوا في الأسر والضبْطِ، فيحبَسُون إلى انقضاء القتال، ثم يخلَّى سبيلهم؛ لأنه لا يؤخَذُ عليهم الطاعة والبيعة على الجِهَاد، هذا هو الظاهر ووراءه وجهان:
أحدهما؛ عن أبي إسحاق: أن الإِمام إذا رأَى في إطلاقهم قوة أهْلِ البغْيِ، أو أن حبسهم يردُّهم إلى الطاعة ويدعوهم إلى الرجوع إلى الحقِّ، فله أن يحبسهمَ إلى أن يَرجِعُوا إلى الطاعة.
والثاني؛ عن بعْض الأصحاب: أن له حبْسَهم مطلقاً، كسراً لقلوب أهل البغْي، وعلى هذا، فوَقْتُ تخليتهم وقْتُ تخلية الرجال، نقل الوجهَيْن هكذا الرويانيُّ في "جمع الجوامع" وأما العبدُ والمراهِقُون، فقد أطْلَق مطلِقون أن العبد والصبيان كالنساء، وذكر الإِمام والمتولِّي أنه إن كان يجيءْ منهم القتالُ، فهم كالرجال الأقوياء في الحَبْس والإطلاق، وهذا حسن، وكان يمكن [حمل] 127 إطلاق مَنْ أطلق على ما ذكراه، إلا أنَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 91
منهم مَنْ صرَّح بأن المراهقين والعبيد، وإن كانوا يقاتلون كالنساء والأطفال، ولا شك أنهم، إذا قاتلوا، وكذا النسوان، فإن سبيلهم سبيلُ الرجال في أنَّهم يُقْتَلون مقبلين، ويُتْركون مُدْبِرِين.
وإذا ظفرنا بخيولهم وأسلحتهم، لم نردَّها حتى ينقضي القتالُ، ويحصل الأمن مِنْ غائلتهم بعَوْدهم إلى الطاعة، أو تَفَرُّقِ شمْلِهم، وهو وقتُ إطلاق الأسرى، ولا يجوز استعمالها في القتال، كما لا يجوز الانحكاع بسائر أموالهم.
نعَمْ؛ لو وقعت ضرورةٌ بأن لم يجد أحدُنا ما يدْفَع به عن نفسه سوَى سلاحهم أو ما يركبه، وقد وقعت الهزيمة إلا خيولهم، فيجوز الاستعمال والركُوب، كما يجوز أكل مال الغير للضرورة.
وعند أبي حنيفة: أنه يجوز استعمالُها ما دامتِ الحرْب قائمةً.
وما ليس من آلات الحرب مِنْ أموالهم، فيرد عليهم، كما انقضتِ الحرْب، وهي التي أردناها مما أطْلَقْنا مِنْ قبل.
ومنْها: لا يقاتلهم بما يَعْمُّ، ويعظم أثر كالرمْي بالمنجنيق 128 والنيران، وإرسال السيول الجارفة، بخلاف ما في قتال الكفار، لكن لو قَاتَلُونا بهذه الوجوه، واحتجْنا إلى المقابلة بمثْلها دفعاً أو أحاطوا بنا، واضطررنا إلى الرمْيِ بالنار ونحوها، فعَلْنا، للضرورة، وعلى ذلك حمل مَنْ أَبْدَى الجَدَّ في قتال الباغين مِنْ عليِّ -كرم الله وجهه- حتى إنه قتل بنَفْسه ليلة الهرير ألفاً وخمسمائة، وإن تحصَّنوا بقلعة أو بلدةٍ ولم يتأتَّ الاستيلاء عليها إلا بهذه الأسباب العظيمة الأثر، فإن كان فيها 129 رعايا لا يكفي منْهم، لم يجُزْ توجيهُ هذه الأسباب عليها محافظةً عليهم، وإن لم يكن فيها إلا الباغون المقاتِلُون، فقد حكَى في الكتاب تردُّد وجه فيه، وقال الإِمام: الذي أراه المنْعُ؛ لأن الإِمام ينظر للمسلمين، وترك بلدة في أيدي طائفة من المسلمين، وربما قدر على احتيال في المحاصرة، والتضييق أقربُ إلى الصلاح مِنْ اصطلام 130 أمم.
وأما لفظ الكتاب فقوله "فلا نقاتلهم" يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن في "البيان" وغيره أن عند أبي حنيفة يجُوز ابتداؤُهم بالقتال، ولا حاجة إلى تقديم النذير، وقوله "ولا يتبع المدبر آخراً" كذلك؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز قتْل المنهزم في حال قيام الحرب.
وقوله "وفي سائر نسائهم وذراريهم؛ لكسر قلوبهم تردُّدٌ" إن حُمِلَ على حبْس الواقعين في الأسر بعد انقضاء الحرْب، فهو الخلاف الذي قدَّمناه، والظاهر أنهم لا يُحْبَسُون بعد انقضاء الحرب، والسابق إلى الفهْم منه التصويرُ وإثبات الخلافِ في أنه،
الجزء: 11 - الصفحة: 92
هل يجوز أسْرُهم ابتداءً؟ ولا يبعد أن يؤْخَذ ذلك مِنْ الخلاف المذْكُور في جواز الحبس بعْد انقضاء الحَرْب، والذي يُشْعِر به إطلاقُ الأئمة تجويز الأسر ابتداءً، ويجوز أن يُعْلَم قوله "كالخيل" بالواو؛ لِمَا ذكرنا أن منهم مَنْ ألحق المراهقين والعبيد بالنساء على الإطْلاق [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: وَلاَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهُمْ بِأَهْلِ الكُفْرِ وَلاَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَ مُدْبِرِهِمْ، وَإِنْ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ الحَرْبِ لَمْ يُنْفَذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا بَلْ نَقْتُلُ مُدْبِرَ أَهْلِ الحَرْب، وَفِي نُفُوذِ الأَمَانِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ لاِبْتِنَائِهِ عَلَى الفَسَادِ، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الحَرْبِ: ظَنَّنَا أنَّهُمْ مُحِقُّونَ فَلْيُلْحَقْ مُدْبِرُهُمْ بِالْمَأْمَنِ لِأَجْلِ ظَنِّهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ بَطَلَ عَهْدُهُمْ وَكَانُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ كَانُوا كَأَهْلِ البَغْي، وَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِالْحَقِّ فَفِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُنْتَقَضُ وَجَبَ ضَمَانُ مَا أَتلَفُوا عَلَيْهِمْ عَلَى الظَّاهِرِ إِذْ سُقُوطُهُ عَنِ البَاغِي لِتَرْغِيبِهِ فِي الطَّاعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: لا يجوز للإمام أن يستعينَ على قتال أهل البغْيِ بأهل الحرب؛ لأنه لا يجوز تسْلِيط الكافِرِ على المسْلِم، ولذلك نقول: لا يجوز لمستَحِقِّ القصاص أن يوكل كافراً بالاستيفاء، ولا للإمام أن يتخذ جلاَّداً كافراً لإقامة الحدود على المسلمين، ولا يجوز أيضاً أن يستعين على أهُل البغْيِ بمن يرى قبْلَهم مدْبرين، إما لعداوة تحملُهم عليه، وإما لاعتقادهم جوازه؛ إبقاءً عليهم، إلا أن يكون للإمام حاجة إلى الاستعانة بهم لجرأتهم وحسن إقْدَامهم، وكان متمكناً من منعهم، لو اتبعوا أهُل البغْي بعد الانهزام، ولا بد من اجتماع الشرطَيْن؛ لتجويز 131 الاستعانة؛ هكذا حكاه ابن الصبَّاغَ والرويانيُّ، وغيرهما عن وفَاق الأصحاب، ولفظ "التهذيب" يقتضي جواز الاستعانة إذا وُجِدَ أحدُ المعنيَيْن.
الثانية: إذا استعان البغاة علَيْنا بأهل الحرب، وعقَدوا لهم ذمةً وأماناً، ليقاتلونا 132 معهم، لم تنعقد أمانهم علينا؛ لأن الأمان لتَرْكِ قتال المسلمين، فلا ينقعد على شرط القتال؛ فيجوز لنا أن نغنم 133 أموالهم، وأن نسترقَّهم، أو نقتلهم إذا وَقَعُوا في الأسر، وأن نقتلَهُم مُقْبِلين ومدبرين ونذفف على جريحهم، وحكى الإِمام عن القاضي الحُسَيْن: أنا لا نتبع مُدْبِرَهم، ولا نذفف على جريحهم، والمشهورُ الأولُ، وهل ينقعد الأمان في حقِّ أهل البغْي؟ فيه وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 93
أصحُّهما: نعم؛ لأنهم أَمِنُوهم وأَمِنُوا منهم.
والثاني: المنْع، كما في حق أهل العدْل؛ لأنه أمان على قتال المسلمين، وعلى هذا ففي "التهذيب": أنه يجوز لأهل البغْي أن يكروا 134 عليهم بالقتل والاسترقاق، والذي ذكره الإِمام: أنه أمان فاسدٌ وليس لأهل البغْي اغتيالهم، بل يبلِّغونهم المأمن، وإن قالُوا: ظننا أنه يجُوز لنا أن نعِينَ 135 بعْض المسلمين على بعْض أو قالُوا: ظننا أنهم المحقُّون، وأن لنا معاونتهم، أو ظننا أنهم استعانُوا بنا في قتال الكفَّار، فوجهان:
أحدهما: أنه لا اعتبار بظنهم الفاسد، ولنا قتْلُهم واسترقاقهم.
وأظهرهما: أنا نبلِّغهم المأمن، ونقاتلهم مقاتلة أهُل البغْي، فلا نتعرَّض لهم، إذا أدبروا وما يتلفه أهل الحرب على أهْل العدْل غيرُ مضمونٍ عليهم، وما يتلفون على أهل البغْي يضمنونه، إن نفَّذْنا الأمان عليهم، وإلا فلا.
الثالثة: إذا استعان أهل البغْي بأهل الذمة فاعانوهم في قتالِنا، نظر؛ إن علموا أنه لا يجوز لهم قتالُنا، ولم يُكْرَهُوا، انتقض عهدهم، كما لو انْفَرَدوا بالقتال، وحكْمُهم حكم أهل الحرب، فيُقْتلون مقبلين ومدبرين، ولو أتلفوا بعد القتال شيئاً، لم يضمنوه، وفي كتاب القاضي ابن كج وغيره طريقةٌ عن رواية القاضي أبي حامد وأبي الحُسَيْن بن القطَّان: أن في انتقاض عهدهم الخلافَ المذكورَ من بعْدُ، وإن قالُوا: كنا مكرَهِين، لم يُنْتقض عهدُهم، وقوتلوا مقاتلة أهل البغْي، وعن أبي الطيِّب بن سلمة أنه على الخلاف المذكُور مِنْ بعْدُ، وإن قالوا: ظنَنَّا أنه يجَوز لنا إعانةُ بعْض المسلمين على بعْض [أو] أنهم يستَعِينون بناءً على الكفَّار أو أنهم المُحِقُّون وأن لهم إعانةَ المحقِّ، فمنهم مَنْ قال: في انتقاض العهْد قولان، وكذا أورده صاحب "التهذيب"، ومنهم مَنْ جزم بالمنع؛ إلحاقاً لهذه الأعذار بالإكراه، وجعل موضع القولَيْن ما إذا لم يذكروا عذْراً، وكذا أورد صاحب "المهذب" والرويانيُّ أحد القولَيْن؛ أنه ينتقض العهد، كما لو انفردوا بالقتال.
والثاني: المنع؛ لأنهم ما استقلُّوا بذلك، بل وافقوا طائفةً مِنْ المسلمين، فلا ترتفع عنهم 136 العصمة، ثم منهم مَنْ أطلَق القولَيْن، ومنهم مَنْ قال: إنْ شرَطَ عليهم الإمامُ الكَفَّ عن القتال عند عقد الذمة، انتقض عهدهم بلا خلاف، وموضعُ القولَيْن ما إذا لم يصرِّح بهذا الشرط، والظاهر مِنْ هذه الاختلافات انتقاضُ العهد، إذا لم يُبْدُوا عذراً، والمنع إذا 137 أبدَوْا، فإن قلْنا: ينتقض 138 عهدهم، فيبلغون المأمن أو يجوز قتلهم
الجزء: 11 - الصفحة: 94
واسترقاقهم؟ فيه خلاف مذكور في موضعه، فإن قلنا: يُبلَّغُونَ المأمنَ، فقد حَكَى الإِمام وجهَيْن؛ في أنا هل نقتلهم مُنْهَزِمين؟ فمن قال: نعم، جعل ذلك من بقيَّة العقوبة على القتال، وقال الإِمام: ينبغي أن يُقْطَع بأنهم يَضْمَنُون ما أتلفوا؛ لأنا إذا قلْنَا: إنهم يُبلَّغون المأمن، جعلناهم في بقية من الأمان، فكيف يجوز أن تُغرِّمهم، والذي ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أنه كما ينتقض (1) في حقِّ أهل العدل، يتبعض في حقِّ أهل البغْي، وفي "البيان" أنه ينبغي أنْ يكونَ في انتقاضه في حقِّ أهل البغْي الخلافُ الذي مرَّ في المسألة الأولَى، وإن قلْنا: لا ينتقض عهْدُهم، فهم كأهل البغْي، في أنه لا يُتْبَعُ مُدْبِرهُم، ولا يُذفَّف على جريحهم، [ولو] (2) أتلفوا مالاً على أهْل العدْل، لزمهم الضمان بخلاف أهل البغْي؛ فإنهم لا يَضْمَنون على قول؛ لأنا إنما أسقَطْنا الضمان عنهم استمالة لقلوبهم، وردَّاً لهم إلى الطاعة؛ كيلا يتنفَّروا بسبب التَّبعاتِ، ويستمروا على الخُروج عن قَبْضة الإِمام، [وبأهل الذمة في قبضته] (3) وأمانُهُمْ باقٍ لأن الله -تعالى- أمر بالإصلاحِ بيْن المؤمنين في "آية [البغي] " (4) ولم يذكر مؤاخذةً بدَمٍ، ولا مالٍ، فأَشْعَر ذلك بالتخَفيف في حقِّهم؛ هذا في ضمانِ المال، ولو أتلفوا نفساً قال الإِمام: إن قلنا: يجب القصاص على أهل البغْي، [فأولَى أن يجب على أهْلِ الذمة، وإن قلنا: لا قصاص عَلَى أهْل البغي] (5)، فوجهان:
أحدهما: يجب على أهل الذمة، كما يُقْطَع لإيجاب ضمان المال.
والثاني: لا يجبُ؛ للشبهة المقترنة بأحوالهم.
" فَرْعٌ"
إذا قاتل أهلُ الذمة أهلَ البَغْي، قال القاضي ابن كج: المذْهَب: أنه لا ينتقض عهدهم؛ لأنهم حارَبُوا مَنْ يجب على الإِمام محاربته، وعن رواية أبي الحُسَيْن وجْه أنه ينتقض؛ لأنهم حارَبُوا المُسْلِمين، وهذا أوفقُ لمَا تقدَّم؛ أنه [ليس] للإمام أن يستعين بالكفَّار على قتال أهل البَغْيِ [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "بل نَقتُلُ مُدْبِرَ أَهْلِ الحرب" ليعلَمْ بالواو؛ لمَا حكيناه عن القاضي، وكذا قوله "بطَلَ عَهْدُهم"؛ لأن المقصود مِنْ هذه الصورة؛ ما إذا كانوا عالمين بأنَّه لا يجوزُ لهم القتال، ولم يكن إكراهٌ، وقد ذكرنا أنَّ من الأصحاب مَنْ ذكر الخلافَ في بطْلان العهْد، وكذا قوله "كانوا كأهل البغي" للرواية عن أبي سلمة.139140141142143
الجزء: 11 - الصفحة: 95
وقوله "إن كانوا جاهلين بالحق" أي قالوا: ظنَنَّا أنهم الفئة المحِقَّة، كما ذكرنا في حقِّ أهل الحرب، وليكُنِ التصويرُ فيما إذا ذَكروا مع ذلك أنهم ظَنّوا جوازَ القتال [مع] المحقِّين، وإلا، فلَيْس لهم قتالُ المحقَّة ولا المخطئة.
وليعلَمْ قوله "قولان" بالواو؛ لأن من الأصحاب مَنْ نَفَى الخلافَ، وقال: حيث قال: "ينتقض" أراد حالة العِلْم، وحيث قال "لا ينتقض" أراد ما إذا أظهروا عذْراً.
وقوله "على الظاهر" يُشْعِر بإثبات خلاف في ضمان ما أتلفوا، وسكَتَ عنه في "الوسيط"، وكذلك لم يتعرَّض له أكثرهم، لكنه صحيح من وجهين:
أحدهما: أن قوله "وجب ضمان ما أتلفوا عليهم" يشمل إتلاف النفْس، والمال، وضمانُ النفْسِ القصاصُ، وقد ذكرنا عن الإِمام روايةَ وجهين في القصاص.
والثاني: أن القاضي ابن كج قال: إذا قلْنا: لا ينتقض الأمان، فجاءنا ذِمِّيٌّ تائباً، ففى ضمان ما أتلفوا طريقان:
أحدهما: أنه على القولَيْن في أن أهُل البغْيِ هل يضمنون؟.
والثاني: القطْع بأنهم يَضْمَنُون.
وهذه مسائل أُخَرُ تدْخُل في الباب.
إذا استعان أهل البغْي بمَنْ لهم أمانٌ إلى مدة انتقض أمانُهم، فإن قالوا: كنا مكرَهِين، وأقاموا بيِّنةً على الإكراه، فهم على العهد، وإلا، أنتقض أيضاً؛ لأن أمانَهُم ينتقض بخَوْفِ الخيانة، فبحقيقة القتال أولَى بخلاف أهل الذمة.
وإذا اقتتلتْ فئتان باغيتان، فإن قدَر الإمامُ على قهرهما وهزمهما، لم يُعِنْ إحداهما على الأخرى، إلا إذا رجعت إحداهما إلى الطاعة، فيُعِينُها على الأخرى، وإن لم يَقْدرِ على قهرهما 144 جميعاً، ضم أقربهما إلى الحقِّ إلى نفسه، واستعان بها على الأخرَى، وإن استويا، اجتهد فيهما، ولا يَقْصِد بضَمِّ التي يضمها إلى نفْسه معاونَتَها، بل يقصْد دفْع الأخرَى، فإذا اندفع شر الأخرَى، لم يقاتل التي ضمَّها إلى نفسه إلا بعد أن يدعوها إلى الطاعة ويُنذرها؛ لأنها بالاستعانة بها صارت في أمانه، ولو أمن واحدٌ مِنْ أهل العدل 145 واحداً مِنْ أهل البغْي نفذ أمانهُ، سواء كان حرّاً أو عبْداً [رجلاً] أو امرأة.
وحكمُ دار البغْيِ حكمُ دار الإِسلام، ولو جرَى فيها ما يوجب الحدَّ، أقامَ الإمامُ الحدَّ، إذا استولَى عليها، وقال أبو حنيفة: حكْمُها حكمُ دارِ الحَرْبِ، فلا يقيم الإمامُ الحدَّ، إذا استولَى عليها.
الجزء: 11 - الصفحة: 96
ويتحرزَّ العادلُ عن قتال قريبه مِنْ الباغين ما أمكنه، قال في "التتمة"، ويجب على الواحدِ من أهْلِ العدْل مصابرةُ اثنَيْنِ من أهل البغْي، كما في قتال الكلفار، فلا يولِّي عنهما إلا مُتَحرفاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فئة.
وعن نصِّه في "المبسوط" أنه إذا غزا أهل العدْلِ وأهلُ البغْيِ المشركين، فاجتمعوا في بلاد الشرْك، فهم في الغنيمة (1) سواءٌ والقاتل منْهم يستحق السَّلب، وأما الخُمْسُ، فيتولى تفرقته الإمامُ، وأنه لو وادَعَ أهلُ الحرب قوماً مِنْ المشركين، لم يقصدهم (2) أحد من المسلمين، ولو غزا أهلُ البغْي قوماً مِنْ المشركين، وقد وادَعهم الإمامُ، فسَبَوْا منهم، فإذا ظهر (3) الإمامُ عليهم، رَدَّ السبْيَ على المشركين، وأنه لو أمن أهلُ العدل رجلاً مِنْ أهل البغْيِ، فقتله رجلٌ جاهلاً بأمانه، وقال: عرفته بالبغْي وقَدَّرْتُ أنه جاء لينال مِنَّا غِرةً حُلِّف، وأُلْزِم الديةَ، وإن قتلَه عامداً، أُقيدَ به، وأنه لو قَتل رجُلٌ من أهل العدل آخر منهم في القتال، وقال: ظننته مِنْ الباغين، حُلِّف، وضمن الدية، وأنه لو سبى المشركُون من أهْلِ البغْي، وقَدَر أهل العدْلِ على استنفاذهم، وجب الاستنفاذ (4)، والله أعلم.
قال الْغَزَالِي
ُّ: الجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ: الرِّدَّةُ
وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الإِسْلاَمِ مِنْ مُكَلَّفٍ إِمَّا بِفِعْل كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَعِبَادَةِ الشَّمْسِ وَإِلْقَاءِ المُصْحَفِ فِي القَاذُورَاتِ وَكُلِّ فِعْل صَرِيحِ فِي الاسْتِهْزَاءِ، وَإِمَّا بِقَوْلٍ عِنَاداً أَوِ اسْتِهْزَاءً أَوِ اعْتِقَاداً فَكُلُّ ذَلِكَ رِدَّةٌ مِنَ المُكَلَّفِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكرَانُ كَالصَّاحِي فِي قَوْلٍ، وَكَالْمَجْنْونِ فِي قَوْلٍ، فَإِنْ صُحِّحَتْ رِدَّتُهُ فَإِسْلاَمُهُ فِي السُّكْرِ يَرْفَعُهُ إِلاَّ إِذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ فِي طَرِيقٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرِّدَّةُ أفحش أنواع الكفْر، وأغلَظَها حكماً، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] وعن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ" 149 الحديثُ، وعن ابن عباسِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 150 والكلام في الردة في طرفَيْنِ:146147148 في أ: العصمة.
الجزء: 11 - الصفحة: 97
أحدهما: في أن الردَّة ممن وبم تحْصُل.
والثانى: في حكْمِه إذا حصلَتْ، أما الأول، ففيه فصلان:
أحدهما: في حقيقة الردَّة، وهي قطْع الإسلام، ويحصل ذلك بالقَوْل الذي هو كُفْرٌ تارةً، وبالفعْل أخرَى، والأفعالُ التي توجب الكفْرَ هي التي تَصْدُر عن تعمُّد 151 واستهزاءٍ بالدين صريحٍ؛ كالسجود للصنم والشمس وإلقاءِ المصْحَف في القاذورات، والسِّحْرِ الذي فيه عبَادةً الشمس، ونحْوها، قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيْخي أن الفعْل بمجرَّده لا يكون كُفْراً، وهذا زلَلٌ 152 من المعلِّق أوْرَدتُّهُ للتنبيه على الغَلَط فيه، وتحْصُل الردة بالقَوْل الذي هو كفْرٌ، سواءٌ صَدَر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ، هذا من القول الجُمَلِىِّ.
وأما التفصيل ففي "التتمة": أن مَنِ اعتقد قِدَم العالَمِ، أو حدوث 153 الصانع، أو نَفْيَ ما هو ثابت للقديم بالإجْماع؛ لكونه عالماً أو قادراً أو أثْبَتَ ما هو منفيٌّ عنه بالإجماع، كالألوان، أو أثبت له [الاتصال والانفصال] 154، كان كافراً، وكذا من جحَد جوازَ بعثة الرسُل، أو أنكر نبوة نبىٍّ من الأنبياء -عليهم السلام- أو كذبَهُ أو جحَد آيةً من القرآن مُجْمَعاً عليْها، أو زاد في القرآن كلمةً، واعتقد أنها منْه أو سَبَّ نبيّاً من الأنبياء -عليهم السلام- أو استخَف به أو استحلَّ محَرَّماً بالإجماع؛ كالخمر والزنا واللواط أو حرَّم حلالاً بالإجماع، أو نفَى وجوبَ مُجْمَعٍ على وجوبه؛ كالصلوات الخمس أو ركعةٍ منْها أو اعتقدَ وجُوبَ ما ليس بواجِبٍ بالإجماع؛ كصلاةٍ سادسةٍ، وصوم شوال، أو نسب عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- إلى الفاحشة، أو ادَّعَى النبوة في زماننا أو صدَّق مدعياً للنبوة، أو عظَّم الصنم بالسُّجُود له أو التقرُّب إليه؛ بالذَّبح باسمه، وأنه إذا قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل، كَفَر؛ لأنه سمَّى الإسلام كُفْراً وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ، يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا" 155 والذي رماه به مُسْلِم، فيكون هو كافراً، وأَن العَزْم على الكُفْر في المستقبل كُفْرٌ في الحال، وكذا التردُّد في أنه يَكْفُر أو لا يَكْفُر، والتعْلِيق بأمر في المستقبل، كما إذا قال: إنْ هلَك مالِي أو مَاتَ ولَدِي، تَهوَّدتُّ أو تَنَصَّرْتُ وأنَّ الرضا بالكفْر كُفْرٌ، حتى لو سأله كافرٌ يريد الإسلامَ أن يلقنه الكلمةَ، فلم يفعل أو أشار عليه بأن لا يسلم أو على مُسْلِم بأن يَرْتَّد، فهو كافر بخلاف ما إذا قال للكافر: لا رزقه الله الإيمانَ أو المُسْلِم سلبه
الجزء: 11 - الصفحة: 98
الله الإيمان، [لأنه] 156 ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد الأمر والعقوبة علَيْه، ولو أكره مسلماً على الكُفْر، كفَرَ المُكْرِهُ، والإكراه على الإسلام والرضا به والعزم عليه في المستقبل لَيْس بإسلام، ومَنْ دخَل دار الحرب، فشَرِبَ معهم الخَمْر، وأكل، لحم الخَنْزير، لم يُحْكَمْ بكفره، وارتكاب المحرَّمات ليس بكُفْر، ولا يستلب به اسم الإيمان، والفاسقُ، إذا مات، ولم يتب، لا 157 يستحق الخلُودَ في النار، وفي كُتُب أصحاب أبي حنيفة اعتناء تامٌّ بتفصيل [الأفعال والأقوال] التي تقتضي الكُفْر، وأكثرها ما يقتضي إطْلاقُ الأصْحاب المساعدةَ علَيْه، ولنورِدْ ما يحْضُرنا ممَّا في كتبهم منها: إذا سَخِرَ باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو بوعده أو وعيده، كَفَر، وكذا لو قال: لو أمرني اللهُ بكذا، لم أفعلْ، أو لو صارتِ القِبْلَةُ في هذه الجهة، ما صلَّيْتُ إليها أو لَوْ أعطاني الجنَّةَ، لم أدخلْها، [أو] 158 قال: (خذا در حق من همه كرده است بدي ازمن استت) 159 وليكن في هذا تفصيلٌ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قالوا: ولو قال: (من خد اثم) 160 على وَجْه المُزَاحِ، يعني (خدايم) 161، فقد كفر، ولو قال لزوجته: (تراحق همسايه نمى بايد) 162، فقالت: لا، فقال: (تراحق شوى نمى بايد) 163 فقالت: لا، فقال: (تراحق خداي نمى بايد) 164 فقالت: لا، كفَرَتْ، وكذا لو قال لغيره: لا تتركِ الصلاة، فإن الله يؤاخذُكَ فقال: لو آخَذَنِي اللهُ بها معَ ما بي من المَرَض والشدة، فقد ظَلَمني، أو قال لغيره: (خداي باز بان تو بر نيامد بانيا يد) 165 أو قال الآخر إنَّ الله يعذِّبك بمساوئك، فقال: (خداي راتو نشانده أي ناهمه اَن كندكله توكوبي) 166 أو قال المظلوم، هذا بتقدير الله، فقال الظالم: أنا أفعل بغَيْر تقدير الله، وكذا لو قال لامرأته: (مراسيم نسيت) 167 فقالت:
الجزء: 11 - الصفحة: 99
امرأته: إنك تكْذِب، فقال الرجل: لو شَهِدَ [الأنبياء والملائكةُ] عنْدك: (كه مرسمى اسيم نيست) 168 لا تُصَدِّقيهمْ، فقالت: نعم، لا أصدِّقهم، كَفَرَتْ أو قال لغيره: إنَّ آدم نسج، فقال ذلك الغير: (بس ما همه جولاه بحكان باشيم) 169 كَفَر، ولو قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أكَلَ لحس أصابعه الثلاثِ، فقال السامع: (اين بي أدبى أمست) 170، فهو كُفْرٌ، وكذا لو قال لغيره: [قلم أظفارك واحلق شعرك] 171، فهو سنَّةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا أفعل، وإن كانَ سنَّةً، واختلفوا فيما إذا قال: فلان في عيني، كاليهودي والنصراني في عين الله تعالى، أو قال: (دست خداي درازاست) 172 أو قال: بَيْن يدَيِ الله تعالَى منْهم، مَنْ قال: هو كفر، ومنْهم من قال: إن عَنَى به الجارحة، فهو كفر، وإلا، فلا [وكذا إذا] 173 اختلفوا فيما إذا قال: إن الله تعالى في السَّماء، أو قال: (خداي تعالى فرومى نكرد ازآ سمان أو ازعرش) 174 أو قال: (خذا برتوستم كناد جنانكر توبر من كردى) 175 أو قال: إن الله تعالى جلَسَ للإنصاف أو قام للإنْصَاف، أو قال بالفارسية: (خدا دادرا تشيسته است يا استاده است) 176 قالوا: هو كُفْر، وكذا لو قال لغيره: إن شاء الله: (كه فلان كاربكني) 177 فقال: (بي إن شاء الله تعالى نكم) 178، وليجيْء فيه الخلافُ السابق وليكُنِ الأظهرُ أنه لا يَكْفُر، ولو قال: (من باتو بحكم خدا كار ميكتم) 179، فقال خصمه: (من حكم ندائم أو اينجاحكم نرود أو خداي حاكمي رانشايد أو انينجاد توسته حكم جه كنده) 180 فهو كفر، ولو قال: (ابنجاحكم نيست) 181 قيل: هو كُفْر، وقيل: إن أراد الحكاية عن فَسَاد الزمان، لم
الجزء: 11 - الصفحة: 100
يكفر، وليجيْء مثل هذا في قوله: (ابنجاحكم نرود) 182 (وابتجاد نوسته) 183 واختلفوا فيما إذا قال: (من برسم كار كنم نه بحكم) 184 وفيما إذا قالت لابنها: لماذا أو لِمَ فَعَلْتَ كذا؟ فقال الابن: والله، ما فعلْتُ، فقالت: غضباً: تونه، والله، وفيما إذا قال لغيره: أحسن كما أحسن الله إليك، فقال: (روبا خداي جنكر كن) 185، لماذا أعطيتَ فُلاناً كذا، وفيما إذا قال لغريمه: (اكر خداي جهان كردى مميم خويش أز توبستانم) 186 والأظهر أنه يَكْفر 187، وفيما إذا قال الطالب ليمين خَصْمه، وقد أراد الخصم أن يَحْلِف [بالله] 188، لا أريد الحلِفَ بالله، إنما أريد الحَلِفَ بالطَّلاق والعِتَاق، والأظهر أنه لا يكفر، وفيما إذا قال لغيره: (خدا من داندكه ترا بيوسته بدعا يائمى دارم) 189، أو قال: (نعم، وشادى توهمجنا ثم بغم وشادى خويش) 190، وفيما إذا قال: (أي شكيلخداي) 191، واللائق بأصولنا في هذه الصورة أنَّه لا يَكْفُر، واختلفوا فيما إذا نادَى رجلاً اسمُهُ عبْدُ الله، وأدخل في آخره حَرْفَ الكاف الذي يدخل للتصغير 192 بالعجمية، فقيل يكْفر، وقيل إن تعمَّد التصغير، يكفر، وقيل وإن كان جاهلًا لا يدري ما يقول، أو لم يكن له قصْدٌ، لا يكفر، وفيما إذا روى لغَيْره أن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال "بَيْنَ قَبْرِي ومنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ" فقال ذلك الغَيْرُ: (من منبر وحظيرة في بيثم وجيزى ديكَرنمى بثم) 193، وفيما إذا قال: رؤيتي إياك كرؤية ملَكِ المَوْت، وأكثرهم على أنه لا يَكْفُر، وفيما إذا قال: (فلان، زاد شمن في دارم جون ملك المَوْت، را) 194 أكثرهم على أنه يكفر.
ومنها: وإذا قيل له: لِمَ لا تقرأ القرآن، فقال: (سبرشدم از قرآن) 195 قالوا:
الجزء: 11 - الصفحة: 101
يكفر، وكذا لو قيل له: لِمَ لا تصلِّي؟ فقال: (سير شدم آزنمار كردن) 196، أو قال: (تاكي كنم ابن بيكارزا) 197 أو قال للزكاة: (تاكى دهم اين تا) 198 أو قرأ القرآن على ضَرْب الدِّفْ أو القَضِيب، أو قال لغيره: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ رابوست بردى) 199 أو: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ اكَريبان كَرفته أي) 200 أو قال لمن يقرأُ عنْد المرض، (يس: دردهان مرده منه) 201 أو قال لغيره: (أي كوتاه تزاز ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ 202 واختلفوا فيما إذا قال: (خانه باك كرده أي جون، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾) 203 وفيمن زَعَم أن المعوِّذَتَيْن ليْستا من القرآن، قيل: يكفر، وقيل: لا، وقيل: إن كان عالماً، لم يكْفُر، وإن كان عامِّيّاً كفر.
ومنها: قالتْ لزوجها: (توسرخداي هي داني) 204 فقال: نعم، أو قالت: تَعْلَمُ الغَيْب، قال: نعم، فهو كُفْر، ولو قال: (من بوذه دنا بوذه بدانم) 205 كفر، واختلفوا فيما إذا خَرَج إلى السفْر، فصاح، العقعق، فرجع، هل يكفر.
ومنها: لو قال لو كان فلانٌ نبياً، لم أومِنْ به، كفر، وكذا لو قال: إنْ كان ما قَالَه الأنبياء صدْقاً، نَجَوْنا، أو قال: لا أدْري أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إنسياً أو جنياً أو [قال] أنه جنى، أو قال: محمد: (دروى شك بود) 206 أو صغر عضواً من أعضائه على طريق الإهانة واختلفوا فيما لو قال: [كان] 207 طويل الظُّفُر، وفيما إذا شتَم رجلاً اسْمه محمَّدٌ، وكنيته القاسم، فقال: يا بن الزانية، (وهركه خداي ارا يابن نام يايا اين كنيت، بنده است) 208 فقيل: يكفر إذا كان ذاكراً للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: إذا قيل له: صلِّ، فقال: (ديرست كه بيكار نكرده أم) 209، أو قال:
الجزء: 11 - الصفحة: 102
(خردمند دركارى ينايركه بسرنتوا نديردن) 210، أو قال: (مردمان ازبهر ما هي كنئد) 211، أو قال: إنماز كرده وناكرده بكيست) 212 أو قال: (جندان نماز كردم كه فلم بكَرفت) 213، أو قال: (خوش كارشمت بي نمازى) 214 فهذا كله كفْرٌ، وكذا لو قيل له: (نمازكن تاحلاوت نماز كردن يابى) 215، فقال: (تومكن تاحلاوت بي نمازى يابى) 216 أوْ قيلَ لعبْدٍ: صَلِّ، فقال: لا أصلِّي، فإن التَّوَّابَ يكُون للمَوْلَى واختلفوا فيما إذا صلَّى بغَيْر وضوء متعمِّداً، أو مع ثوبٍ نَجسٍ أو إلَى غير قِبْلَةٍ.
ومنها: إذا تشاجَرَ رجُلان، فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا باللَّهِ، فقال الآخر: (لا حول مجاز نيست) 217 أو قال: (لا حول راجه كنم) 218 إذ بقي، أو قال: لا حول، لا تغني من جوع أو قال: (لا حول بجانه درنتوانى شكست) 219 فهو كُفْرٌ، وكذا لو قال أحدهما: سبحان الله، فقال الآخر: (سبحان الله، رابوست بازدكردى) 220 أو سمَعَ أذانَ المؤذِّن، فقال: إنه يكذب، أو قال: (اين بانك باسبانان است) 221 أو قال وهو يتعاطَى قدَحَ الخَمْر، أو يُقْدِم على الزنا: بسم الله، استخفافاً باسم الله.
ومنها: إذا قال لظالم: (يا دشمن تامحشر) 222، فقال الظالم: (من المحشرجة كار) 223 فهو كفر، وكذا لو قال لا أخافُ القيامةَ، واختلفوا فيما إذا قال لخَصْمه: آخُذُ منكَ حقِّي في المحشر، فقال: (مرادرآن انبوهى كجاه يأبى) 224 وفيما إذا وضعَ متاعَه في موْضِع، وقال: سلمته إلى الله تعالى، فقال له آخر: سلمته 225 إلى مَنْ لا يَتْبَعُ
الجزء: 11 - الصفحة: 103
السارِقَ إذا سَرَقَ.
ومنها: إذا قال لآخر: (بفلان كسى روى ويروى أمر معروف كن) 226، فقال: (مرا زوجه آزار ايست) 227، أو قال: (من عافيت كَزيدم) 228، أو قال: (مرا با اين فصول جه كار) 229 فهو كفرٌ، وكذا لو قيل لرجل: (حلال خور) 230، فقال: الحرام أحبُّ إليَّ أو قال: (درجهان بك حلال جوار بياد أو راسجده كنم) 231، أو قال: (مراحرام شايد) 232 وكذا لو رجع رجُلٌ من مجْلِس العلْم؛ فقالت له امرأته: (آز كنشت آمدى) 233 أو قالت امرأة: (لعنت برشوى دانشمند باد) 234، تكفر، وكذا لو أمر غيره بحُضُور مجْلس العلْم: (مرا با مجلس علم جه كار) 235 أو قال: (علم دركاسه ثريد نتوان كردن) 236 أو قال: (درم بايد علم بجه كارآيد) 237 أو قال لعالم: (شو علم رابكاسه شكن) 238 أو قال لفقيه يذكر [شيئاً من] 239 علْم الشرْع أو يروي حديثاً صحيحاً: (اين هيج نيست) 240 أو قال: (اين سخن جه بكارآيد) 241، فهو كفر، وكذا لو قال: (فساد كردن به ازدا نشمندى كردن) 242 أو كان الواحدُ من القوم يَجْلس على مكانِ رفيع تشبهاً بالمذكرين 243، فيسألون منه المسائل ويضْحَكون، ثم يضربونه بالمِخْرَاق، وكذا لو تشبَّه بالمعلِّمين، فأخذ خشبةً، وجلس القوم حوْله كالصبيان، وضَحِكوا واسْتَهْزَؤوا، أو قال: قصعةُ ثريد خَيْرٌ من العلْم أو عَرَضَ خصمُهُ عليه فتْوَى الأئمة، فألقاه على الأرض، وقال: (أين جه شرع است) 244، وذكروا أيضاً أن المريض
الجزء: 11 - الصفحة: 104
إذا دام مرضه، واشتد، فقال: إن شِئْتَ توفَّني مسلماً، وإن شئْتَ توفَّني كافراً، وكذا لو ابتلي 245 بمصائب، فقال: أخذتَ مالي، وأخذت ولَدِي، وكذا وكذا وماذا تفْعَل أيضاً أو ماذا بَقِيَ لم تفعلْه، وأنه إذا غَضِبَ على ولده أو عبْده، وكان يضربه ضرباً شديداً، فقال له قائل: لستَ بمُسْلِمٍ، فقال: لا متعمِّداً، كفر، وأنه لو قال لزوجته: يا كافرة، أو يا يهوديةُ، فقالت: (همجنينم) 246 أو قالت: (أكَر همجنين نمى باتونيا شمى أو باتو صحبت ندارمى) 247 تكفر، وكذا لو خاطبت الزوْجَ أو خاطَبَ أجنبيٌّ أجنبيّاً بذلك، فأجاب بما ذكرنا، وأنه لو قال: يا يهوديُّ أو يا مجوسيُّ، فقال: لبيك يكفر، وكذا لو قال: [آري همجنين] 248 كفر، وأنه لو تكلم بكلمة زعم قوم أنها كفر.
وليست كذلك، فقيل له: كفرنْ كفر وبانتَ امرأتك، فقال: (كافرٌ سنده كَيروزن بطلاق كَير) 249 يكفر، وبِيْنَ امرأته، وأنَّه لو وعظ فاسقاً، نَاداه إلى التوبة، فقال: (بس ازمن كلاه مغان يرنهم) 250 يكفر، وأنه لو قالت المرأة لزوجها: (كافر يودن بهترازيا توبودن) 251 تكفر، وأنه إذا أسلم كافرٌ، وأعطاه الناسُ مالاً، فقال مسلم: ليته كان كافراً حتى يُسْلِم، فيعطَى ففي بعض المشايخ أنه يَكْفُر، وأنه لو تمنَّى رجُلٌ أن لا يحَرِّم الله تعالى الخمر، لا يكفر، وكذا لو تمنَّى أن لا يحرم المناكَحَة بين الأخِ والأختِ، ولو تمنَّى أن لا يحرِّم الله الظلْمَ والزِّنا وقَتل النفس بغَيْر حَقّ، يكفر، والضابطُ أنَّ ما كان حلالاً في زمانٍ، فتمنَّى حلَّه، لا يكفر.
ومنها: إذا شد الزُّنَّارَ على وسطه، كَفَر، واختلفوا فيما إذا وضَعَ قَلَنْسُوةَ المجُوس على رأْسه، والصحيح أنه يكفر، وإذا شدَّ على وسطه حبْلاً، فسئل عنه، فقال: هذا زُنَّار، فالأكثرون على أنه يَكْفُر، وإذا شَدَّ على وسَطِه الزُّنَّارَ، ودخل دار الحرب للتجارة، يَكْفر، وإن دخل لتخليص الأسارَى، لا يكفر، وذكروا أنه لو قال معلم 252 الصبيان: اليهود خير من المسلمين بكثير؛ لأنهم يَقْضُون حقوق معلِّمي صبيانهم، يَكْفر، وأنه لو قال: النصرانيةُ خير من المجوسية، يكفر، وأنه لو قال: المجوسيَّةَ شَرٌّ من النصرانية، لا يبكفر، وأنه إذا عطس السلطانُ، فقال رجل: يرحمكَ الله، فقال آخر لهذا القائل: لا تَقُلْ للسلطان هذا، يكفر الآخر، وأنه إذا سقى الفاسقُ ولدَه، فجاء
الجزء: 11 - الصفحة: 105
أقرباؤه، ونثروا الدراهم، [والسكر] 253 كَفَرُوا وأنه إذا شرع في الفساد، وقال: (شاد مباد آنكس كه شادى ما شاد نيست) 254 يكفر، وكذا لو اشتغل بالشرب، وقال: (مسلمانى اينجارا مى كنم) 255 أو قال لجماعة من الصلحاء: (بيا يبداى كافران با مسلمانى بيينيذ) 256 وأنه إذا قيل لمن يرتكب الصغائر تُبْ إلى الله تعالى، فقال: (من جه كردم تانويه كنم) 257 أو قال: (من جه كرده أم كى توبه هي بايدكردن) 258 يكفر وكذا لو قال لغيره: (مرا بحق بارى بده) 259 فقال: (بحق هركسى بارى وهو من بناحق بارى دهم) 260 وأنه لو ضرب رجلاً، فقال المضروب: (مرامزن آخر مسلمانم) 261 فقال: (لعنت برتوباد وبرمسلمانى تو) 262 يكفُرْ، وأنه لو قال: (فلان كافر: تراست از من) 263 كان ذلك إقراراً بكفره، وأنه لو قال: (من از مسلمانى بيزارم) 264، فقد قيل: هو كفر، وأنه لو قال كافر لمسلم: اعْرِضْ عَلَيَّ الإسْلاَم، فقال: حتى أرى، أو قال: اصْبِرْ إلى الغَدِ أو طَلَب عرْضَ الإسلام [من مذكر]، فقال: اجلس إلى آخر المجْلس، يكفر، وقد حكَيْنا نظيره عن "التتمة" [وأنه لو قال لآخر: (خداى عز وجل مسلمانى أز توبستا ناد) 265 يكفُر، ولو قال غيره أمين يكفر المؤمن أيضاً، فقد حكينا عن "التتمة" خلافَه] وأنه لو قال لعدوه: لو كان هو نبيّاً، لم أُؤمِنْ به، أو قال: لم يكن أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- من الصحابة، كَفَرَ، ولو قال ذلك لغير أبي بَكْرٍ، لا يكفر، وأنه لو قيل لرجل: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري، كان كافراً، وكذا لو قال لزوجته: أنتِ أحبُّ إلى من الله تعالى، وهذه صوَرٌ تَتَبْعوا فيها الألفاظ الواقِعَة في كلام الناس، وأجابوا فيها على اتفاق أو اختلاف، والمذْهَب يقتضي مساعدتهم في بعْضِها، وفي بعضها يُشْتَرط وقوع اللفْظ في مَعْرِض الاستهزاء، [والله أعلم].
الجزء: 11 - الصفحة: 106
والفصل الثاني: فيمن تصح منه الردَّة، ويشترط في صحة الردَّة: التكليف، فلا تصحٌّ ردة الصبيِّ والمجنون؛ لأنه لا تكليف عليهما، ولا اعتداد بقولهما، وعَقْدِهما، وعن أبي حنيفة: أنه تصحُّ ردَّةُ الصبيِّ المميز، ولكن لا يُقْتَلُ حتى يبلغ، ومن ارتد، ثم جُنَّ، لم يُقْتَل في جنونه؛ لأنه ربَّما عاد إلى الإسلام، لو عَقَل، وكذا لو أَقرَّ على نفسه بالزنا، ثم جُنَّ، لا يقام عليه الحد؛ لأنه قد يَرْجع [عن] الإقرار، بخلاف ما لو أقرَّ عَلَى نفسه بِقِصاص أو حدٍّ قذْف، ثم جنَّ، يستوفى منه في جنونه؛ لأنه لا يسْقُط بالرجوع، وبخلاف ما لو قامتْ عليه بينة بالزنا ثم جُنَّ؛ لأنه لا يسْقُط الحدُّ بعد ثبوته بالبينة إلا على قولِ مَنْ يقول: إنه يسقط بالتوبة، قال صاحب "التهذيب": وهذا كله على سبيل الاحتياطِ، فلو قَتَلَ في حال الجنون، أو أقيم عليه الحدُّ، فمات، لم يجب شيء، وهل تصحُّ ردة السكران؟ فيه طريقان؛ سبق نظيرهما في سائر تصرفاته.
أظهرهما: أن فيه قولَيْن.
أصحهما: نعم.
والثاني: المنْعُ، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: القطع بالصحة، فإن قلنا: تصح ردته، وجب عليه القتْل، إذا ارتد في سُكْره، أو أقر بالردة، ولكن لا يُقْتَل حتى يفيق، فيُعْرَض عليه الإسلام، وفي صحة استتابته في السّكْر وجهان مقُولان في "التهذيب".
أحدهما: أنها تصحُّ، كما تصح ردته، لكن المستحَبَّ أن تؤَخَّر إلى الإفاقة.
والثاني، وهو المذكور في "الشامل": المنع؛ لأن الشبهة لا تَزُول في تلْك الحالة، ولو عاد إلى الإسلام في السُّكُر، صحَّ إسلامه، وارتفع حكم الردة.
نعَم، ذكرنا طريقاً في تصرُّفات السكران، أنَّه ينفذ ما عليه بلا خلاف، والقولان فيما له، فعلى هذا يجيْء قول إنه لا يصحُّ إسلامه، وإن صحَّت ردته، وحكى ابن كج طريقةً قاطعة بأنه لا يصحُّ عودُه إلى الإسْلام، والظاهر الأول؛ وقد نقل عن نص الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: إن رجَعَ إلى الإسلام، لم أخْلِ سبيله، حتى يفيق، فإن وصف الإسلام كانَ مسلماً من حين وصَفَ الإسلام، وإنْ وصَفَ الكفْر، كان كافراً من الآن؛ لأن إسلامه صحَّ، وإنما أحبه استظهاراً، وإذا قلْنا يصحُّ عَوْده إلى الإسلام، فقتله قاتلٌ تعلقٌ بقتله القصاص والضمان، ونقل الإِمام أن بعْض الأصحاب ذكَر قولاً في إهْداره أخْذاً من الخلاف، فيما إذا أسلم أحد أبوي الطِّفلْ بعْد علوقه على الكفْر، ثم بلغ، وقُتِلَ قبل أن يُعْرِب عن نفسه الإسلام، هل يجب الضمان على قاتله؟ والتقريب أن الإسلام الصادر من السكران حُكْمِيٌّ؛ إذ ليس له عقْدٌ صحيح، كما أن الإسلام الحاصلَ
الجزء: 11 - الصفحة: 107
بتبعيَّة أحد الوالدَيْن حكْميٌّ، والظاهرُ الأول، وإن قلْنا: لا تصح ردة السكران، فلو قُتِل، تعلَّق بقتله القصاصُ والضمانُ، وفي وجْه: لا يجب القصاص للشبهة، وتجب الدية، ويحكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بن القَطَّان، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما بيَّنَّا قولُه في الكتاب: "إما بفِعْلِ" لما نقله الإِمام عن شَيْخه بالواو، ولفظ "الصبي" في قوله "دون الصبي" بالحاء، [وكذلك] قوله "كالصاحي" وقوله "في قول" بالواو للطريقة القاطعة.
" فَرْعٌ"
لو ارتد صاحياً، ثم سَكَر، فأسْلَم، حكى القاضي ابن كج: القَطْع [بأنَّه] 266 لا يكون ذلك إسلاماً، والقياسُ جعْلُه على الخلافِ السَّابِق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رِدَّتِهِ فَقَالَ: كَذَبا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرِهاً فَإِنْ ظَهَرَ مَخَايِلُ الإِكْرَاهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَالأَسِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ نَقَلَ الشَّاهِدُ لَفْظُهُ فَقَالَ: صَدَقَ لَكِنِّيَ كُنْتُ مُكْرِهاً قُبِلَ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبُ الصَّادِقِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَهِدَ بِالرِّدَّةِ فَإِنَّ الإِكْرَاهَ يَنْفِي الرِّدَّةِ دُونَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَنْبَغِي أن تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مُطْلِقاُ دُونَ التَّفْصِيلِ لاِخْتِلاَفِ المَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل مفرَّع على أن المؤْمِن إذا أُكْرِه عَلَى أن يتكلَّم بكلمة الكُفْر، فتكلَّم بها، لا يُحْكَم بردته، حتى لا تبين زوجَتُه ويرثه ورثته إذا مات؛ قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وقد ذكرنا في أول الجنايات أنَّه يباح له التلفُّظ بكلمة الكفْر بسبب الإكراه، وأن الأصحَّ أنه لا يجبُ، وأن الأفضل أن يثبت، ولا يتكلَّم بها.
إذا عُرِفَ ذلك، فهل تقبل الشهادة على الردَّة مطلقاً، أمْ لا بُدَّ من التفصيل ذكر 267 الإِمام تخريجَه، على الخلاف في أن الشهادةَ على البَيْع وسائرِ العقُود، هل تُسْمَع مطلقةً، أم يجبُ التفصيل والتعرُّض للشرائط؟ فعَلَى قوْلٍ: لا بد من التفصيل؛ لأن مذاهب العلمَاء فيما يوجِبُ التكفير مختلفةٌ، والحُكْمْ بالردة عظيمُ الوَقْع فيُحْتَاطُ له، والظاهرُ قبول الشهادة المطْلقة والقَضَاءُ بها، وعلى هذا، فلو شهد شاهدان على ردَّته، فقال: كَذَبَا، أو ما ارْتَدَدتُّ، قُبِلَتْ شهادتهما، ولم يُغْنِه التكذيبُ، بل عليه أن يأتي بما يَصِير به الكافرُ مسلماً، ولا ينفعه ذلك في بينونة زوْجته، وكذا الحُكْم، لو اشترطنا التفصيل، ففَصَّلا، وكذَّبهما المشهودُ عليه، وليس ذلك كما لو شَهِدَ شهودٌ على إقراره
الجزء: 11 - الصفحة: 108
بالزنا، وأنكر، لا يُحَدُّ؛ لأن الإقرار بالزنا يقْبلُ الرجوع، فيُجْعل إنكاره رجوعاً، ولا يَسْقُط القتل عن المرتد، بقوله رجعت ولا يقبل الإنكارُ والتَّكْذيب، ولو قال: كنْتُ مُكْرَهاً فيما أتيتُ به، نُظِر؛ إن كانت قرائنُ الأحوال تَشْهد [وله] 268 بأن كان في أسْر الكفار، أو كان محفوفاً بجماعة منْهم، وهو مستَشْعِرٌ 269، صُدِّقَ بيمينه، وإنما حَلَف؛ لاحتمال كونه مختاراً، قال صاحب "البيان" وغيره: وكذا الحكْم، لو قامت بينة على إقْراره بالبيع وغيره، وكان مقيّداً أو محبوساً، فقال: كنت مكرهاً، وإن لم تشْهَد القرائن بصدقه؛ بأن كان في دار الإسلام، لم يُقْبل قولُه، وأُجْرِيَ عليه أحكام المرتدِّين، وكذا لو كان في دار الحرْب، وهو مخلّى آمن، ولو لم يقل الشاهدان: إنه ارتدَّ، ولكن شَهِدَا أنه تلفَّظ بكلمة الرِّدَّةِ، فقال: صدَقَا، ولكني كنت مكرهاً، فالذي حُكِيَ عن الشيخ أبي محمَّد، وتوبع عليه: أنه يُقْبَل قوله؛ لأنه ليس فيه تكذيبُ الشاهِدِ بخلاف ما إذا شَهِد بالردَّة، فإن الإكراه ينافي الردَّة، ولا ينافي التلفُّظ بكلمة الرِّدَّةِ، ثم قال الشيخ: الحزم أن يُجدِّد كلمة الإسلام، ولو قُتِل قَبْلَ التجْديد، فهل يكون قتْلهُ مضْموناً لأن الردة لم تثبت والأصل استمرار حُكْم الإسلام أو لا يكون مضموناً؛ لأن لفظ الردَّة [قد] 270 ثبت، والأصلُ في الناس الاختيارُ؟ فيه قولان، وموضع القولَيْنِ على ما ذكر الإِمام؛ ما إذا لم يَدَّعِ الإكراه، أو لم يَحْلِف عليه، أما إذا ادعاه، وحلَف عليه، فقد ثبت الإكراه بالحجة، فيقطع بأنه مضْمون، واعلم أن فيما سقناه دلالةً [بينة] على أنَّه إذا شهد الشهودُ بالردة على الأسير، ولم يدَّع أنه كان مكرهاً، يُحْكَم بردته، ويؤيده ما حُكِي عن القفَّال: أنه لو ارتد الأسير في أيدي 271 الكفار، ثم حلَّ بهم خيلُ المسلمين، فاطَّلع عليهم من الحصْن، وقال: أنا مسلمٌ، وإنما تشبهْتُ بهم فَرَقاً منْهم يُقْبَل قولُه، ويُحْكم بإسلامه، وان لم يدع ذلك، حتى مات، فالظاهر أنه ارتدَّ طائعاً؛ وإن مات أسيراً، وعن نصه: أنه لو شهد الشهودُ على أنه تلفَّظ بالكفر، وهو محبوسٌ أو مقيَّدٌ، لم يُحْكم بكفره، وإن لم يتعرَّض الشهود للإكراه، وفي "التهذيب": أن من دخل دار الحَرْب، وكان يسْجُد للصنم، ويتكلَّم بكلمة الكفْر، ثم قال: كنْتُ مكرهاً، فإن فعله في مكانٍ خالٍ، لم يُقْبل قوله، كما لو فعله في دار الإسلام، وإن فعَلَه بين أيديهم، فإن كان أسيراً قُبِلَ قوله، وإن دخَل
الجزء: 11 - الصفحة: 109
تاجراً لم يُقْبَل.
وقوله في الكتاب: فقال: "كَذَبا، لَمْ يُسْمَعْ" أي لم يسمعْ تكذيبه، وحُكِمَ بموجب الشهادة.
وقوله "كالأسير" ليس مقيساً عليه، بل هو مثال ظهور مخايل الإكراه، والمعنى؛ فإن ظهرت مخايل الإكراه، كما في الأسير، فالقول قوله.
وقوله "ولو نقل الشاهدُ لفظه" إلى آخره هو الكلام المنسوبُ إلى الشيخ أبي محمَّد، وقد قَال: إن شرطَّنا التفصيلَ والتعرُّض للشرائط، فمِنَ الشرائط كونُه مختاراً، وإذا تعرَّض الشاهدُ له، فقوله "كنت مكرهاً" تكذيبٌ للشاهد، وإن لم يشترطِ التفصيل، فإنما لا يشترط إذا قال الشاهد: إنه ارتد، فيكتفي به لِتَضَمُّنِهِ حصولَ الشرائط، فأما إذا قال: إنه تكلَّم 272 بكذا،، ولم يتعرَّض إلى الاختيار 273 وسائر الشرائط، فيبعد أن يُحْكَم بردته، ونَقْنَع بأن الأصل الاختيار.
وقوله "ولا ينبغي، أن تُقْبَل الشهادةُ على الردَّة مطلقاً" مَيْلٌ إلى اشتراط التفصيل، والظاهرُ خلافُهُ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَلَّفَ رَجُلٌ ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَاتَ أَبِي كَافِراً صُرِفَ نَصِيبُهُ إِلَى الْفَيْءِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ يُصْرفُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ كَيْفِيَّة الكُفْرِ وَالمَذَاهِبُ تَخْتَلِفُ فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَفْسَرُ وَيُحْكَمُ بِمُوجِبِ تَفْسِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِّرْ يُوقَفْ، وَالأَسِير إِذَا ارْتَدَّ مُكْرَهاً فَأَفْلَتَ وَلَمْ يُجَدِّدَ الإِسْلاَمَ حَيْثُ عُرِضَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُخْتَاراً، فَإِنِ ارْتَدَّ مُخْتَاراً فَصَلَّى صَلاَة المُسْلِمينَ قِيلَ: يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِخِلاَفَ الكَافِرِ الأَصْلِيِّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِغُمُوضِ الفَرْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسألتان:
إحداهما: ماتَ رَجُلٌ معروفُ الإسلام عن ابنَيْن مسلمَيْن، فقال أحدهما: مات مسلماً، وقال الآخر: إنَّه كَفَر بَعْد إسلامه، ومات كافراً، فإن بيَّن سببه، فقال: إنه سجَد للصنم، أو تكلَّم بما يوجب الكُفْر، فلا إرْثَ له، ونصيبه ينْصَرِف إلى بيت 274 المال، وإن أطلَق، ولم يفصِّل، فقولان:
أحدهما؛ عن رواية الشيخ أبي محمَّد؛ أن نصيبه يُصرف إليه، ولا يعتبر الإقرار المُطْلَق؛ لأن المذاهب في التَّكْفِير مختلفةٌ، وقد يكفر أهل البدَعِ، ويعتقد ما ليس بالكُفْرِ كفراً.
الجزء: 11 - الصفحة: 110
وأظهرهما: المنع؛ لأنه أقر بِكُفْره، فلا يُورَّثُ منه، وعلى هذا، فقولان:
أحدهما: أنه فَيْءٌ يُجعل في بيتِ المال بموجب إقراره.
وأظهرهما: أنَّه يوقَفُ ويُسْتَفْصَل، فإنْ فصَّل وذَكَرَ ما هو كُفْرٌ صُرِف إلى الفيْء، وإنْ ذكر في التفْسير ما لَيْس بِكُفْر صُرِفَ إليه، هكذا نقل 275 صاحب الكتاب، ولو قال أحدُهما: مات كافراً؛ لأنَّه كان يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنْزير، فقد حكي في التهذيب، فيه قَوْليْن:
أحدهما: أنه لا يُوَرَّثُ [منه] لإقراره بكفره.
والثاني: يُوَرَّثُ؛ لأنه [فسَّره] 276 بما يبين خطأ اعتقاده، وهذا أظهر.
الثانية: إذا تلفَّظ الأسير بكلمة الكفْر مكرهاً، لم يُحْكم بكفره؛ على ما مرَّ، فإن مات هناك، ماتَ مسلماً، وورثه ورثته المسلمون، وإن رجع إلى دار الإسلام، بإفلات وغيره، عرض عليه الدينُ وكلمة الإسلام؛ لاحتمال أنه كان مختاراً فيما أتى به، وإن جرتْ صورةُ الإكراه.
ثم 277 فيه كلماتٌ:
إحداها 278: أطلَقَ كثرهم العرْضَ، وشرطَ له القاضي ابن كج [أنه 279 لا يَؤُمُّ] الجماعاتِ، ولا يُقْبِل على الطاعات بَعْد العَوْد إلَيْنا، فإن فعل ذلك، استغنينا عن العَرْض.
الثانية: هذا العرْض واجبٌ أو مستَحَبٌّ؟ سَكَتَ عنه المعظَم، وذهب ابن كج إلى أنه مستحَبٌّ، واحتج له بأنه لو أُكْرِه على الكُفْر في دار الإسلام، لا يُعْرَض عليه الكلمة بعْد زوال الإكراه؛ باتفاق الأصحاب.
الثالثة: إذا امتنع بعْد العرض، فالمنقول أنه يُحْكم بكُفْره ويستدل بامتناعه على أنه كان مختاراً يوم التلفُّظ وقضيةُ هذا أن يحكم بكُفْره من يومئذ، قال الإِمام: وفي الحكْم بكفره احتمالٌ ظاهرٌ؛ لأنا إذا حَمَلْنا الأمر في الابتداء على ظاهر الإكراه، وأدَمْنا الإسلام، فامتناعه عن تجديد الكلمة لا يَنْبغي أن يغيِّر حكم الإسلام، وإذا مات قبْل العَرْض والتلفظ بكلمة الإسلام، فهو كما لو مات قبل أن يعُودَ إلينا، وعن رواية أبي الحُسَيْن بن القطَّان وجْهٌ أنه يموت كافراً، وكان مِنْ حقِّه إذا جاء [أن] يتكلَّم بكلمة الإسلام.
الجزء: 11 - الصفحة: 111
ولو ارتدَّ الأسير مختاراً ثم رأيناه يصلِّي صلاة المسلمين في دار الحَرْب، فالمشهور [المنسوب] 280 إلى النَّص أنه يُحْكم بإسلامه بخلاف ما إذا صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم بإسلامه، وفرق بينهما بأنَّ الصلاةَ في دارِ الإسلام تحتمل 281 التقيَّة، والإرادة [والصلاة] 282 في دار الحَرْب لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح، ونسب الإِمام جعْلَ الصلاةِ إسلاماً إلى العراقيِّين، واستبْعَدَه، وقال: الوجْه، في قياس المراوزةِ القَطْع بأنه لا يُحْكم بإسلامه كما لو رأينا الكافر الأصليَّ يصلِّي في دار الحرب، قال: ولو حكم [حاكم] 283 بإسلامه، كان صائراً إلى مذْهب أبي حنيفة، ورأيتُ صاحب "البيان" سوى بين الكافر الأصلي والمرتد، [فقال] إذا صلَّى الكافرُ الأصليُّ في دار الحرْب، حكِم بإسلامه، ولو صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم، فدفع الإلزام، ويمكن أن نُفَرِّق بينهما بأن المرتدَّ كان مسلماً، وعلقة الإسلام باقيةٌ فيه، وهو محمول على العَوْد إليه، والعودُ إلى ما كان أهونُ من افتتاحِ أمرٍ لم يكنْ، فجاز أن يُجْعَل الشيْء عَوْداً إلى الإسلام، ولا يجعل افتتاحاً.
وقوله في الكتاب "وفيه احتمال؛ لغموض الفَرْق" يعني بين المرتدِّ وبين الكافر [الأصلي]، ويجوز أن يُعْلَم قوله "بخلاف الكافر الأصلىِّ" بالواو؛ لِمَا حَكَيْنا عن البيان، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (فَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّة) في نَفْس المُرْتَدِّ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ (فَأَمَّا نَفْسُهُ) فَتُهْدَرُ إنْ لَمْ يَتُب، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَل إِلاَّ إذَا كَانَ زنْدِيقاً فَفِي قَبُول تَوْبتِهِ خِلاَفٌ، وَالظَّاهِرُ القَبُولُ، ثُمَّ في إِمْهَالِ المُرْتَدِّ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَمْنُوعٌ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنا: يُمْنَعُ فَقَالَ حُلُّوا شُبْهَتِي لَمْ نُنَاظِرْهُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ أَوَّلاً ثُمَّ يَسْتَكْشِفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطرفُ الثاني في حُكْم الردَّة، وللردة أحكامٌ كثيرةٌ مذكورةٌ في مواضِعَ متفرِّقة، والمقصودُ هاهنا الكلامُ في نفْسِهِ وولَدِهِ ومالِه، أما نفْسُه، فهي 284 مهْدَرةٌ فيجب قتلُه، إن 285 لم يَتُبْ سواءٌ انتقل إلى دِينِ أهلْ الكتابِ أو غَيْره، وسواءٌ كان حُرّاً أو عَبْداً رَجُلاً أو امرأةٌ.
الجزء: 11 - الصفحة: 112
وعند أبي 286 حنيفة: لا تقتل المرأةُ بالردَّة، ولكن تحْبَسُ، وتُضْرَب إلى أن تَمُوت، أو تُسلم وقدْ يُسْتَثْنى على مذْهبه الملكة والساحرة، والتي كَفَرتْ بسبِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
= حديث (2158) وقال حديث حسن.
وابن ماجة (2/ 847) في كتاب الحدود/ باب: لا يحل دم امرئ مسلم حديث (2533).
الجزء: 11 - الصفحة: 113
لنا ما روي [عن] ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا] 287 - أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 288 وعن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن امرأةً يقال لها أمُّ رُومَانَ ارتدَّتْ فَأَمَرَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "بأن يَعْرِضَ عَلَيْها الإِسْلاَمَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلاَّ قُتِلَتْ" 289، وأيضاً فإن المرأة تُقْتَل بالزنا بعْد الإحصان، فكذلك في الكُفْرَ بعْد الإيمان، كالرجل [وأيضاً] 290 فنقيس على ما سلَّمه، فإن تاب المرتدُّ، وعاد إلى الإسلام، قُبلت توبته وإسلامه، سواءٌ كان مسلماً أصليّاً فارتدَّ، أو كافراً فأسلم ثم ارتد؛ لقوله تعالىَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ" 291 ونحوهما من العموماتِ، وهل يُفْرَق بين أن يكون كفْره الذي ارتَدَّ إليه كفراً ظاهراً أو غيره، ككفر الباطنية، فيه وجوه، وكذا الكافر الأصليُّ إذا أسلم [وتاب] 292 [ثم مات]، هل يَفْتَرِقُ الحال بيْن أن يكون ظاهرَ الكفْر وبين أن يكون زنديقاً؛ يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر، وذلك بأن تقوم البينةُ على كفْره باطلاع الشهود على كلمة الكُفْر [منه] في خَلْوة.
أظهرُ الوجوه: أنه لا فَرْق، وتقبل توبة الزنديق وإسْلامُه، وهذا هو المنصوص في "المختصر" ولم يورد العراقيُّون غيره، واحتَّج له بإطلاق الآية والخبر، وبما رُوِيَ 293 أنه اشتدَّ نكير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أُسامة 294 حِينَ قَتَلَ من تكلَّم بكلمة الإسلام، وقال: إنَّما قَالَهَا فَرَقاً مِنِّي، فَقَالَ [عَلَيْهِ السَّلاَمُ] 295 "هَلاَّ شَقَقْتَ عَن قَلْبه"؟ وبأنه يمتنع 296 أن يظهر الحقُّ لزنديق كما لا يمتنع 297 أن يتزنْدق مُسْلِم، فكيف لا يُمَكَّنُ من الرجوع إلى الحقِّ؟
والثاني: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تقبل توبتُه ورجوعُه إلى الإسلام؛ لأن = وإن كل سبب لو فعله رجل لوجب عليه القتل فوجب إذا فعلته المرأة أن يجب عيها القتل، وقد أنكر الإِمام أحمد وشيوخ الحديث هذا الحديث، ولم يثبتوه ويؤكده أهل الصوامع والرهبان، إذا أسلموا ثم ارتدوا بعد الإسلام قتلوا، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- منع قتلهم في حالة الشرك، فدل على ما قلناه.
الجزء: 11 - الصفحة: 114
[التَّقِيَّةَ 298 عند الخوف عيْنُ الزندقة، فلا اعتماد على ما يظهره قال القاضي الرويانيُّ في "الحلية" والعَمَلُ على هذا، وعن أبي حنيفةَ روايتان كالوجهين.
والثالث: عن القفَّال الشاشيِّ، أن المُتَنَاهينَ في الخبث 299 كدعاة الباطنية، لا تُقْبل توبتهم ورجوعُهم إلى الإسلام، ويُقْبَل من عوامِّهم.
والرابع: عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: [أنه،] 300 إنْ أُخِذَ ليقتل فتاب، لم تقبل توبته، وإن جاء تائباً ابتداءً، وظهرت مخايلُ الصدْق، قُبِلَتْ، وقد ينسب إلى الأستاذ الوجْه الثاني، ولاَ فَرْق بين من تكرَّرت منه الردَّة، ومن لم يتكرَّر [منه الردة] ومتى أسلَم يُقْبَل إسلامه، وعن أبي إسحاق المروروذي أنه لا يُقْبَل إسلام من تكرَّرت [الرِّدَّةِ 301 منه]؛ لبطلان الثقة به، والظاهرُ الأولُ، قال الأصحاب: ولا يبْعد أن يخطئ الإنسانُ مرَّتين، ويصيب مراراً.
نعم، إذا تكرَّرت منه الردَّة، ثم عاد إلى الإسلام، يُعزَّر لتهاونه بالدين.
ويقتل المرتد، [بضرب الرقبة دون التحريق بالنار وغيره] 302 ويتولاه الإِمام أو من ولاَّه 303 الإِمام، فمَنْ فوَّت عليهم، عُزِّر، ويستتاب المرتدُّ قبل القَتْل؛ لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "اسْتَتَابَ رَجُلاً ارْتَدَّ أَرْبَعَ مَرَّات" 304 وأنَّ أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- استتابَ امرأةً من بني فزارة 305 ارتدَّتْ، وأنَّ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أشارَ على أبي مُوسَى الأشعريِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بالاستتابة في قصَّة، سنذكرها إن شاء الله تعالى، وهل الاستتابة واجبةٌ أو مستحبةٌ؟ فيه قولان، ويُقال: وجهان:
أحدهما: أنها مستحبَّة، وبه قال أبو حنيفة، واحتج له بما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ" 306 أمر بالقتل، ولم يتعرَّض للاستتابة، وبأن الكافر الأصليَّ الذي ظهر عناده لا يجب استتابته فكذلك المرتدُّ، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة.
الجزء: 11 - الصفحة: 115
وأصحُّهما؛ على ما ذكر القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ وغيرهما، أنها واجبةٌ؛ لأنه كان محترماً بالإسلام، [وربما] 307 عرضت له شبهةٌ، فيسعى في إزالتها، وردَّه إلى ما كان، وسواءٌ قلْنا: الاستتابة واجبة أو مستحبةٌ، ففي مدتها قولان:
أحدهما: أنه يستتاب ثلاثاً لما رُوِيَ أن رجلاً وفد على عُمَر -رَضِيَ الله عَنْهُ- من قِبَل أبي موسى الأشعريِّ، فقال له عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هل من [مغربة] [خبر] فأخبره أن رجلاً كفَرَ بعْد إسلامه؛ فقال: ما فعلْتم به؟ قال: قربناه، فضربْنا عنقه، فقال: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفاً، وأسقيتموه، لعله يتوب، اللهم [إنِّي] 308 لم أحْضُر، ولم آمرْ، ولم أرْضَ إذْ بلغني.
وأصحهما: وهو اختيار المزنيِّ أنه يُسْتتاب في الحال، فإن تاب، وإلا قُتل، ولم يمهلْ؛ لمَا سَبَقَ من حديث أم رومان.
ومذْهب مالك وأحمد كالقول الأول وعن أبي حنيفة مثله، ويُرْوَى أنه يُستتاب ثلاثَ مراتٍ في كل جمعةٍ مَرَّة، ولا خلاف 309 في أنه لا [يُخلَّى] 310 في مدة الإمهال بل يُحْبَس.
وفي أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قَبْل مضي المدة 311 للمهلة، لم يَجِبْ بقتله شيْء، وإن كان القاتل مُسِيئاً بما فعل.
وقوله في الكتاب "والظاهر القبول" لِيُعْلَمْ لفظ "القبول" بالحاء والميم والألف؛ لما حكينا.
وقوله "ثم في إمهال المرتد ثلاثةَ أيام قولان" يعني في وجوبه؛ ألا تراه قال: "فإن قلنا: لا يجب" ويجوز أن يُعْلَم لفظ "القولين" بالواو؛ لأنه من الأصحاب من قال: لا خِلاف في أنه لا يجبُ الإمهال ثلاثاً، إنما الخلاف في الاستحباب، وهذا ما اختاره الشيخ أبو محمَّد في "المنهاج".
وقوله "فإنْ قلْنا: لا يجب، فهو مستحبٌّ أو ممنوعٌ، وجهان" هكذا رتب الإِمام فيما ذَكَر أنه جمَعَه من طُرق الأصحاب، والمفهوم من كلام الأئمة ترجيحُ المنعِ من الأمهال وتشدِيدُ الأمر عليه.
وقوله "فإن قلنا: يمنع، فقال: حُلُّوا شبهتي".
هذه المسألة لا تختص بالمنع من الإمهال، بل مهما 312 حقَّ قتله، إما عقيب الاستتابة، وإما بمضي مدة المهلة، فقال: [قد] 313 عرضَتْ لي شبهة، ولذلك تكلَّمت بكلمة الكفْر، فأزيلوا شبهتي، لأعود إلى ما
الجزء: 11 - الصفحة: 116
كنت عليه، فهل نُناظِره لإزالة الشبهة وإيضاح الحق؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الحُجَّةَ مقدَّمةٌ على السيف.
والثاني: لا؛ لأن، الشبهة لا تنحصر، وقد يوردُ بعضها إثر بعْض، فتطول المدة، فحقُّه أن يسلم، ثم يُسْتَكْشف ويبحث بمراجعة العلماء، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، وحكى القاضي الرويانيُّ الأول عن النصِّ، واستبعد الخلاف فيه، وعن أبي إسحاق؛ أنه لو قال: أنا جائع فأطعموني، ثم ناظروني، وكان الإِمام مشغولاً بما هو أهمّ منه تَأَتَّيْنَا به، والله أعلم.
ونختم الفصْل بخاتمة فيما يَحْصُل به توبةُ المرتدِّ لاشتماله على ذكْر توبته، وفي معناها إسلام الكافر الأصليِّ، وقد وصف الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- توبته، فقال: أن يشْهَد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويبرأ من كل دين [خالف] الإسلام، وذكر في موضع آخر؛ أنه إذا أتى بالشهادتين [حُكِمَ] 314 بإسلامه، وليس ذلك باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، كما [بينا 315 في] كتاب "الكفارات"، ولكن يختلف الحال باختلاف أحوال الكفار وعقائدهم، قال في "التهذيب" إن كان الكافرُ وثنيّاً لا يُقِرُّ بالوحدانية، فهذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه ثم يجبر على قَبُول سائر الأحكام، وإن كان مُقِراً بالوحدانية غيْر أنه ينكر رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يُحْكَم بإسلامه بمجرَّد كلمة التوحيد، حتى يقول: محمَّد رسول الله، فإن كان من الذين يقُولون: إن محمداً مبعوث إلى العرب خاصَّة، أو يقول: إن النبي محمداً يبعث من بعْد، لم يحكم بإسلامه، حتى يقول: محمد رسول الله إلى كافة الخلْق، أو يبرأ من كل دين خالَفَ الإسلام، وإن كان كُفْره بجحود فرض، أو استباحة محرَّم، لم يصح إسلامه، حتى يأتي بالشهادتَيْن ويرجع عمَّا اعتقده، ويُسْتحب أن يمتحن كلُّ كافر أسْلَمَ بالإيمان وبالبعث، ولو قال الكافر: أنا وليُّ محمدٍ أو أحب محمداً لمْ يصحُّ إسلامه؛ لأنه قد يحبُّه؛ لخصاله الحميدة، وكذا لو قال: أنا مثلكم أو مؤْمن أو مُسْلِم أو آمنت أو أسلمت؛ لأنه قد يريد به في البشريَّة، ومؤمن بموسى، ومنقاد لكم، ولو قال: أنا من أمة محمَّد أو دينُكُم حقٌّ، حكم بإسلامه، ولو أقر بركن من أركان الإسلام على خلاف عقيدته، كفرضية [الصلوات] الخمْس أو إحداها أو أقر بتحريم الخمر والخنزير، حُكِم بإسلامه وما يصير به المسلمُ كافراً إذا جَحَدَ، يصير به الكافرُ مسلماً، إذا أقر به، ويُجْبر على قَبُول سائر الأحكام، فإن امتنع، قتل كالمرتد، وإذا أقر اليهوديُّ برسالة عيسى -عليه السلام- ففي قولٍ: يُجْبر على الإسلام؛ لأن المسلم، لو جَحَد نبوته لكفر، نقل هذا
الجزء: 11 - الصفحة: 117
كله صاحب التهذيب، [وهو] طريقة ذكرنا في الكتاب 316 أن الإِمام نسَبَها إلى المحقّقين، والمشهور غيرها.
وفي "المنهاج" للإمام الحليمي أنه لا خلاف أن الإيمان ينعقد بغَيْر القول المعْرُوف، وهو كلمة "لا إله إلا الله" حتى لو قال: إلا إله سِوَى الله، أو غيْر الله أو ما عدا الله، فهو كقوله "لا إله إلا الله" [كذا] 317 ولو قال "ما من إله إلا الله، أو لا إله إلا الرحمن أو لا رحمانَ إلاَّ الله، أو لا إله إلا الباري، أو لا بارئَ إلا الله" وإن قول القائل أحمد أو أبو القاسم 318 رسولُ الله، كقوله محمَّد رسول الله، وأنه لو قال الكافرُ: آمنت بالله، يُنْظر؛ إن لم يكُنْ على دينٍ من قبْلُ، صار مؤمناً بالله، وإن كان يشركُ بالله غيره، لم يكن مؤمناً حتى يقول: آمنت باللهِ وحْده وكفرت بما كنت أشركُ به، وأن قوله "أسلمت لله 319، أو أسلمت وجهي لله كقوله "آمنت بالله" وأنه لو قيل للكافر: أسْلمْ لله أو آمِنْ بالله، فقال أسلمت أو آمَنْتُ، فيحتمل أن يُجْعَل مؤمناً، وأنه لو قال: أُؤمِنُ بالله أو أُسْلِم لله، فهو إيمانٌ كما أن قول القائل "أقسم بالله" يمينٌ، ولا يحمل على الوعد، إلا أن يريده، وأنه لو قال: "الله ربي، أو الله خالقي"، فإن لم يكن له دِينٌ من قبْلُ، فهو إيمانٌ، وإن كان من الذين يقولون بقدم أشياء مع 320 الله تعالى، لم يكن مؤمناً حتى يقر بأنه لا قديم إلا الله، وكذا الحُكْم، لو قال: "لا خالق إلا الله"؛ لأن القائلين به يقولون: الله تعالى خلَق ما خلَق، لكن من أصل قدِيم، وأنه لو قال اليهوديُّ المشبِّهُ: لا إله إلا الله، لم يكن هذا إيماناً منه حتى يتبرأ من التشبيه، ويُقرَّ بأنه ليْس كمثله شيْء، وإن قال مع ذلك: محمَّد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- جاء بإبطال التشبيه، كان مؤمناً، وإلا فلا بد وأن يتبرأ من التشبيه، وطرد هذا التفصيل، فيما إذا قال الذي يذهب إلى قِدَم أشياء مع الله تعالى: لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله، حتى إذا كانَ يَعْلَم أن محمداً جاء بإبطال ذلك، كان مؤمناً، وأن الثنويَّ، إذا قال: لا إله إلا الله، فإن كان يزعم أن الوثَنَ شريكُ لله تعالى، صار مؤمناً، وإن كان يرى أن الله هو الخالقُ، ويعظم الوَثَن؛ لزعمه أنه يُقَرِّ به إلى الله تعالى، لم يكن مؤمناً، حتى يتبرأ من عبادة الوثن، وأنه لو قال البرهميُّ، وهو يوحِّد الله تعالى، وإنما يكفر بجحد الرسُل: محمَّدٌ رسولُ اللهِ، صار مؤمناً، وإن أقر برسالة نبيٍّ قبله؛ كإبراهيم -عليه السلام- لم يكن مؤمناً [لأن
الجزء: 11 - الصفحة: 118
الإقرار] 321 بنبوة محمَّد -صلى الله عليه وسلم- إقرارٌ بنبوة مَنْ قبله؛ لأنه شَهِدَ لهم وصدَّقهم، ويجيء على القْولِ الذي حكاه صاحب "التهذيب" فيما إذا أقر اليهوديُّ بنبوة عيسى -عليه السلام- أنه يُجْبر على الإقرار بنبوة سائر الأنبياء -عليهم السلام- ويتوجَّه أن يقال كما أن محمّداً -صلى الله عليه وسلم- شَهِدَ للأنبياء قبله وصدَّقهم، فإنهم شهدوا له، وبشروا به؛ وأن المعطِّل، إذا قال: محمَّد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمناً؛ لأنه أثبت الرسُولَ والمُرْسِل معاً، وأنه إذا قال الكافر: لا إله إلا [الله] الذي آمن 322 به المسلمون، كان مؤمناً، ولو قال: آمنتُ بالذي لا إله غيره [أو بمَنْ لا إله غيره] لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يريد الوَثَن وأنَّه، لو قال: آمنت بالله وبمحمد، كان مؤمناً بالله؛ لإثباته الإله، ولم يكن مؤمناً بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- حتَّى يقول: بمحمد النبي أو بمحمد رسول الله [-صلى الله عليه وسلم-]، وأن قوله: "آمنتُ بمحمَّد النبيِّ" إيمانٌ برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقوله: "آمَنت بمحمدٍ الرسولِ" ليس كذلك؛ لأن النبيّ لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره وأن الفلسفيَّ إذا قال: أشهد أن الباريَ تعالَى علَّةُ الموجودات، مبدؤها أو سبَبُها، لم يكن ذلك إيماناً، حتى يقر بأنه مخْتَرعٌ ما سواه ومُحْدِثه بعْد أن لم يكن، وأن الكافر إذا قال: لا إله إلا [الله] المُحْيي المميت، فإن لم يكن من الطبائعيين كان مؤمناً، وإن كان منْهم، فلا؛ لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة، فينبغي أن يقول: لا إله إلا الله، أو إلا الباري أو يَذْكُر اسماً آخر لا تبقى معه الشبهةِ، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المالك أو إلا [الرازق]، لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يريد به المَلِك الذي يقيم عطايا الجُنْد، ويرتب أرزاقهم كما كان يَذْكر قومُ فرعونَ له، وكانَ مَلِكهُم، ولو قال: لا مالك إلا الله أو لا رازقُ إلا الله، كان مؤمناً وبمثله أجابَ، فيما إذا قال: لا إله إلا الله العزيز [أو] العظيم أو الحكيم أو الكريم، وبالعكوس، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المَلِكُ الذي في السماء، أو إلا مَلِك السماء، كان مؤمناً، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] وأراد نفسه تعالى وتقدَّس، ولو قال: لا إله إلا ساكنُ السماء، لم يكن مؤمناً، وكذا لو قال: إلا الله ساكن السماء؛ لأن السكون غيرُ جائز على الله سبحانه وتعالى، وأنه لو قال: آمنت باللهِ، إن شاء، أو إن كانَ شاء بنا، لم يكن مؤمناً، وأنه لو قال اليهوديُّ: أنا بريْء من اليهودية، أو النصرانيُّ أنا بريء من النصرانية، لم يكن مؤمناً؛ لأنه ليس ضدَّ الإسلام ما تبَّرأ منه، فحسب، حتى يَدْخل بالتبرؤ منه في الإسلام، وكذا لو قال: مِنْ كل ملة تخالف الإسلام؛ لأنه لا ينفي التعطيلَ الذي يخالِفُ الإسلام، وليس بملَّةٍ، فإن قال: كُلِّ ما يخالف الإسلام من دِينٍ ورأْي وهوىً، كان مسلماً، وأنه، إذا قال: الإسلامُ حقٌّ، لم يكن مسلماً، لأنه، قد يقر بالحقِّ ولا ينقاد
الجزء: 11 - الصفحة: 119
له، وهذا يخالف ما حَكَيْنا عن "التهذيب" فيما إذا قال: دينكم حقٌّ، وأنه إذا قال لمليٍّ: أَسْلِم، فقال: أسلمتُ، أو أنا مسلمٌ، لم يكن مقرّاً بالإسلام؛ لأنه قد سَمَّى دينَه الذي هو عليه إسلاماً، ولو قال في الجواب: أنا مسلمٌ مثلكم، كان مقرّاً بالإسلام، ولو قيل لمعطِّل: أسْلِم، فقال: أنا مسلِمٌ أو من المسلمين، كان مقرّاً بالإسلام؛ لأنه لا دِينَ له حتى يسميه إسلاماً، وقد يتوقف في هذا.
قال الغَزَالِيُّ: (فأَمَّا وَلَدُ المُرْتدِّ) فَإِنْ عَلَّقَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَمُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (أحَدُهَا) أنَّهُ مُسْلِمٌ لِبَقَاءِ عُلْقَةِ الإِسْلاَمِ (وَالثَّانِي) أنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَأَمَّا وَلَدُ المُعاهَدَ إِذَا تَرَكَهُ عِنْدَنَا فَنُقِرُّهُ بِجِزْيَةٍ، أَوْ يُلْحَقُ بِالمَأْمَنِ مَهْمَا بَلَغَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: ولد المرتدِّ المنفصل أو المنعَقِد قبل الردَّة محكومٌ له بالإسلام، حتى لو ارتدَّت المرأة الحامل، لم يُحْكَم بردة الولَد؛ لأنه قد حكلم بإسلامه تبعاً، والإِسلامُ يعلو، فلا يحكم بكفره تبعاً، فإذا بلغ، وأعْرَب بالكفْر، كان مرتدّاً بنفسه، وإن حدَث الولدُ بعد الردة، فإن كان أحد الأبوَيْن مسلماً، والآخرُ مُرتدّاً، فالولدُ مسلمٌ بلا خلاف، وإن كانا مرتدَّيْن، ففيه قولان، وفيما فيه القولان طريقان:
أحدهما: أن أحد القولَيْن، أنه يُحْكم له بالإسلام أيضاً؛ لبقاء عُلْقة الإسلام في الأبوَيْنِ؛ لأن المرتدَّ يجبر على الإسلام، ولا تُؤْخَذ منه الجزْية، ولا تعْقَد معه الهدنة، ويُؤْمَر بقضاء الصلوات التي مَرَّ عليه أوقاتها في الكُفْر، ويُغرَّم ما يتلفه، وكل ذلك من علائق الإسلام، وإذا بقيتْ فيهما علقة الإسلام، غَلَب في الولد حكمه.
والثاني: أنه كافر أصليٌّ، أما كونُهُ كافراً، فلتولده من كافرَين، وأما كونه أصليّاً؛ فلأنه يباشر الردة، حتى يُجْعَل مرتداً، ويغلَّظ عليه، وقطَع أصحابُ هذا الطريق بأنه ليس بمرتدٍّ.
والثاني: أن أحد القولين أنه كافرٌ أصليٌّ؛ لما ذكرنا.
والثاني: أنه مرتدٌّ تبعاً للأبوين، كما أن [ولد] 323 المسلمَيْن مسلمٌ، وولد الكافرَين الأصليَّيْن كافرٌ، أصليٌّ، وقطع أصحاب هذا الطريق بأنَّه لا يحكم [له] بالإِسلام، ويخرج من الطريقين ثلاثةُ أقوالٍ على ما ذكرها صاحبُ الكتاب.
الجزء: 11 - الصفحة: 120
والأصحُّ على ما أورد في "التهذيب": أنه محكوم له 324 بالإِسلام، وبه قال صاحب "التلخيص" وإذا قلْنا به، فلا يُسترقُّ بحال، ولو مات في الصِّغَر، جرى التوارث بينَه وبين أقاربه المسلمين، ويجوز إعتاقه عن الكفَّارة، إن كان رقيقاً، وإذا بلغ وأعرب بالكفر كان مرتدّاً، وإن قلنا: إنه كافر أصليٌّ فيجوز استرقاقُه، قال الإِمام: ويجوز عقد الجزية معه، إذا بلغ، وهو كالكفار الأصليّين في كل معنى، والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وحكاه القاضي الرويانيُّ عن "المجموع" أنه لا يجوز عقد الجزية معه؛ لأنه ليس له حرمةُ الكتاب، وإن قلنا: إنه مرتدٌ، فلا يسترق بحالِ، ولا يُقْتل حتى يبلغ، فيستتاب، فإن أصرَّ، فحيئذ يقتل، وعن أبي حنيفة: أنه إنْ لحق بدار الحرب، جاز أن يسترق، وإلا، فلا، وروى صاحب "الشامل" عنه: أنه إن وُلِدَ في دار الحرب، جاز استرقاقه، وإلا، لم يجز، وأولاد أولادِ المرتدين 325 حكمُهم حكمُ أولاد المرتدين، وعن أبي حنيفة، أن البطْن الأول مرتدُّون، والباقون كفار أصليُّون.
والمرتد نفسه لا يُسترقُّ بحال يستوي فيه الرجلُ والمرأة.
وعند أبي حنيفة، المرتدة إذا لَحِقَت بدار الحرب، جاز استرقاقها واحتج بان [أم] 326 محمد ابن الحنفية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كانت مرتدة، فاسترقها علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- واستولَدَهَا، وقاس الأصحابُ المرأةَ علَى الرجل، وَرَوَوْا أن الحنفية كانت أمَةً لبعضهم، فلما قُتِلَ على الرَّدة، كانت من الفيْء.
الجزء: 11 - الصفحة: 121
والثانبة: الذميُّ أو المستأمَنُ، إذا نقض العَهْدَ، ولحق 327 بدار الحرب، وترك ولده عندنا، فلا يجوز استرقاقه: لأن الآباء إذا عاهدوا، ثبَت العهْد في حق الأولاد، ثم لا ينتقض عهدهم بعد الآبَاء، فهذا بلغ الولَدُ، فإن قبل الجزية، فذاك، وإلا، لم يُجْبر عليه ويلحق بالمأمن، هذا ظاهر المذْهب، وحكَى القاضي ابن كج وجهاً: أنه يُسترق ولدُه بلُحُوقه بدار الحرب، ووجهاً آخر، أنه إذا هلك هناك أو استرق، يُسْترق ولده.
وعند أبي حنيفة: يُجْبَر على قبول الجْزية، إذا بلغ.
وقوله في الكتاب "ثلاثة أقوال" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن منهم مَنْ نفى القول الأول، ومنْهم من نفى الثالث، والفريقان متَّفقان على أنَّه ليس في المسألة الأقوال الثلاثة، ويجوز أن يُعْلَم القول الأول والثاني بالحاء؛ لما حكينا عن أبي حنيفة في البطْن الأول.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا مِلْكُ المُرْتَدّ) فَيَزُولُ عَلَى قَوْلٍ، وَيَبْقَى عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى قَوْلٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ فَيُقْضى دُيُونُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الرِّدَّة، وَمَا يَلْزَمُهُ بِالإِتْلاَفِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ هَلْ يُقْضَى مِنْهُ؟ فيه وَجْهَانِ، وَكَذَا نَفَقَةُ القَريبِ فِي دَوَامِ الرِّدَّةِ وَمَا يَكْتَسِبُهُ فِي حَالِ الرِّدَّة بِالاحْتِطَابِ أَوْ الشِّراءِ أَوْ الاتِّهَابِ فَجِهَةُ الْفَيْءِ فِي حَقِّهِ كَالسَّيِّدِ فِي حَقِّ العَبْدِ فِي وُقوعِ المُلْكِ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَزُولُ مِلْكُهُ فَلاَ بُدَّ مِنَ الحَجْرِ، وَهَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ، أَوْ بِضَرْبِ القَاضِي؟ وَجْهَانِ، ثُمَّ حُكْمُة حُكْمُ الفَلَس أَو التَّبْذيرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الوَقْفِ فَكُلُّ تَصَرُّف لاَ يَقْبَلُ الوَقْفَ فَهُوَ بَاطِلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يزول مِلْك المُرْتَدِّ عن أمواله بالردَّة؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: نَعَمْ؛ لأن عصْمة الدمِ والمالِ بالإسلام، وإذا ارتدَّ، زالَتْ عصمة الدم، فكذلك عصمة المَالِ، وأيضاً [فإنه] أحد الملْكَيْن، فتؤثِّر الردة في قطعه كالنكاح.
والثاني، وهو اختيار المزنِّي: أنه لا يزول؛ لأن الردَّة سبب يبيح الدمَ، فلا يزول 328 المِلْك كزنا المُحْصَن.
وأصحُّها، على ما ذكر صاحب التهذيب: أنا نتوقَّف، فإن هلك على الردة، بأن زوالُ ملكه بالرَّدة، وإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يَزَلْ، ووُجِّه بأن بطلان أعماله، يَتَوقفُ على هلاكه على الرَّدة، فكذلك زوال مِلْكه، وبأنه نوع ملْكٍ، فيصير موقوفاً بالردة، كالنكاح بعد الدخول، ومدة العمْر هاهنا كمدة العِدَّة في النكاح بعْد الدخول، هذا هو الطريق المشهور، ووراءَه طريقان:
الجزء: 11 - الصفحة: 122
أحدهما: اقتصر طائفة من الأصحاب على القولَيْن الآخَرَيْن، ولم يثبتوا قوْلَ زوال المِلْك.
والثاني: حكى الرويانيُّ؛ أن منهم مَنْ قطع باستمرار المِلْك، ورد الخلاف إلى أنه هل يصير بالردة محجُوراً عن التصرُّف، على ما سيأتي، والخلافُ في بقاء المِلْك وزواله يَجْري في ابتداء المِلْك، فهذا اصطاد، أو احتطب، فإنْ قلْنا: يزول 329 المِلْك، فقد قال الإِمام: ظاهر القياس أنه يثبت الملْكُ لأهل الفيْء فيما احتطب واصطاد، كما يَحْصُل المِلْك للسيد فيما يَحْتطب العبْدُ، ويصطاد، قال: وليكن شراؤه واتِّهابُه كشراء العبد واتهابه بغَيْر إذن السيد، حتى يجيْء فيه الخلافُ، وعلى هذا جَرَى صاحب الكتاب، والذي أورده أبو سعْد المتولِّي، أنه يبقى على الإباحة، كما إذا اصطاد المُحْرِم، لا يمكله ويبقى الصيد على الإباحة، وإن قلْنا: إن أملْك المرتد يَبْقَى، فيما احتطب أو اصْطاد مِلْكُه كالحربىِّ، وإن قلْنا: إنه موقوفٌ، فإن عاد إلى الإسلامِ، بان أنه ملْكُه من يوم الأخذ، وإن هلك على الردَّة، قال المتولِّي: نحكم بان المأخوذَ باقٍ على الإباحة، وعلى قياسِ ما ذَكَره الإمامُ، يبين أنه لأهل الفيْء، وعلى الأقوال كلِّها تقضى من ماله ديونَه التي لَزمت قبل الردَّة؛ لأنا، وإن حكمنا بزوال المِلْك، فإنه يَعْرِض أن يعود، وغايةُ ما في الباب تنزيلُ الردَّةُ منزلةَ المَوْت، والديونُ اللازمة في الحياة تُقْضَى من تركة الميت، فكذلك هاهنا، وقد تكون نفقة الزوجة من الدُّيون اللازمة قَبْل الردَّة، ولا تكون نفقة القريب منها 330، لسقوطها بمضيِّ الزمان، وعن الاصطخريِّ، عن حكاية صاحب "التقريب" وجه، أنه ديونه لا تقضَى على قول زوال المِلْك، ويُجْعَل كأن أمواله تَلِفَت، والمذْهَبُ الأول، وأمَّا في مدَّة الرِّدَّةِ، فينفبن عليه من ماله، ويُجعل حاجته إلى النفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعْد زوال الملك بالموت، وأغرب القاضي ابن كج؛ فحَكَى عن أبي حفْص بن الوَكيل: أنه لا ينفق عليْه على قولِ زوال الملك، ولكن يُنْفق عليه في مدة الاستتابة من بيت المال، وهلْ يلزمه غرامةُ ما يُتْلِفه في الرِّدَّةِ، ونفقة زوجاته الموقُوفِ نكاحُهن، ونفقة أقاربه؟ فيهِ وجهان؛ على قول زوال الملك:
أحدهما: لا؛ لأنه لا مالَ له، ويُرْوَى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة، والاصطخرِّي، واختاره صاحب "التتمة".
وأظهرهما؛ عند الأكثرين: نعم، كما أن من حفر بئر عدوان، ومات، وحصَلَ بسببها تَلَفٌ، يُؤْخذ الضمان من تركته، وإن زال ملْكه بالمَوْت.
وتمام التفْريع على الأقوال: أنا إذا قلْنا بزوال المِلْك، فإذا عاد إلى الإسلام، يعود
الجزء: 11 - الصفحة: 123
المِلْك كالعصير يزول الملْك عنه بانقلابه خمْراً، ويعود [بعودِه] خلّاً، قال في "التتمة" وليس كالنكاح المُنْقَطِع بالردَّة، لا يعود بالعود إلى الإسلام؛ لأن الحكم بزوال المِلْك سبيلُه سبيل العقوباتِ، والعقوبةُ تسقطُ بالعود إلى الإسلام، وانقطاع النكاحِ ليس سبيلُه سبيلَ العقوبات؛ ألا ترى أن انقطاعه بردَّة المرأة كانقطاعه بردة الرجل، والنكاحُ حقُّ الزوج، فلا يجوز أن تجعل جنايتها سبباً لعقوبته، وإنما انقطاعه بالردة؛ لفوات الحل بما عرض، لا إلى غايةٍ تُنْتَظَر؛ وعلى هذا القولِ، لا يصحُّ تصرُّفه بالبيع والشرك والإعتاق والوصية وغيرها؛ لأنه لا مال له، وفي الشراء ما قدَّمناه عن الإِمام، وإن قلْنا: يبقى مِلْك المرتد، فيمنع من التصرُّف؛ نظراً لأهل الفيْء، وهل يصير بنفْس الردَّة محجوراً عليه، أم لا بُدَّ من ضرْب القاضي؟ فيه وجهان، ويقال قولان، وهما مشبهان بالخلاف في أنَّه، إذا طرأ السفه بَعد الرُّشْد، يصير [الشخص] 331 محجوراً عليه بنَفْس [السفه] 332 أم لا بُدَّ من ضرب القاضي، وإنما يجيْء إذا فُرِّع على قول الوقْف.
ثم حَجْر المرتدِّ سواء حصل بنفس الرِّدَّةِ أو بضرب القاضي كحجر السفيه أو كحَجْر المُفْلِس؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه كحَجْر السفيه؛ لأَن تضييع الدين أشدُّ سفهاً من تضييع المال.
وأصحُّهما: أنه كحَجْر المُفْلِس؛ لأنه لصيانة حقِّ المسلمين الذي يتعلَّق بماله، كما أن حجْر المفْلِس لصيانة حق الغرماء في مالِه، فإن قلْنا: لا بدَّ من ضرب القاضي، ولم يضربه، فتصرُّفاته نافذةٌ، وإن قلْنا: يحصل الحجْر بنفسْ الردَّة أو ضَرَبَهُ القاضي، فإنْ جَعلْناه كحَجْر السفه، لم تنفُذْ تصرفاته في المال، وإذا أقرَّ بدين، لم يقبل إقرارُه، وإن جعلْناه كالمُفْلِس، فتصرفاته تُوْقَف أو تَبْطُل؟ فيه قولان، كما ذكرنا في المُفْلِس، وإقراره بالدَّيْن أو العَيْن، كإقرار المفْلِس، وقد مَرَّ، وإن قلْنا بالوقف، فكل تصرُّف يَحْتمل الوقْف، كالعتق والتدبير والوصية، فهو موقوف إنْ أسْلَم نفذ، وإن هلك على الردَّة، فهو باطل، وخلْعه موقوف أيضاً على ما تقدَّم في الخَلْع، وأما [البيع والهبة والكتابة] ونحْوُها، فهي 333 على قولَيْ وقف العقود، فَعَلَى الجديد، هي باطلةٌ وعلى القديم تُوقف، إن أسلم، حُكِم بصحتها، وإلا فلا، ولا يصحُّ نكاح المرتد، وكذا إنكاحُه؛ لسُقُوط ولايته، قال في "التهذيب": وفي تزْوِيج أمته وجْهٌ غير قويٍّ: أنه يجوز، إذا قلْنا: إن ملكه لا يزولُ، ولم يحجر عليه الحاكم، كسائر تصرفاته المالية، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره، وقالوا: إنه كسائر التصرُّفات التي لا تَقْبل الوقْف.
الجزء: 11 - الصفحة: 124
وعند أبي حنيفة تصرُّف المرتدِّ موقوفٌ، إن أسلم، نَفَذَ، وإن التحق بدار الحرب أو قتل، فباطل.
وعلى الأقوال كلها، لا يُعْتَق بالردَّة مُدَبَّر المرتد، ولا أُمُّ ولده 334؛ لأن المدَبَّر [معلَّق] 335 عتقه بالمَوْت لفظاً، ولم يوجَدْ، وعتق المستولَدَة يتعلَّق باليأس عن الاستفراش، ولم يَحْصُل، فإنْ هَلَكَ على الردَّة، قال في "التتمة": تعتق المستولُدَة علَى الأقوال كلِّها؛ لأنها لا تَقْبَل التصرُّف ونَقْلَ المِلْك، وأما المُدبَّرِ فسيأتي [ذكره] 336 في "باب التدبير" 337 فإن قلْنا، يزول ملكه بالردَّة أو قلنا إنه موقوفٌ، فلا يعتق ويَسْقط التدبير 338، وإن قلْنا: لا يزول ملكه إلى الموت، فيعتق المدَّبر، ويكون كما [لو] 339 دبَّر ذَميٌّ عبداً ومات.
ولا فرق في جميع ما ذَكَرْنا بين أن يلتحق المرتدُّ بدار الحرب، وبين أن يكون في قبضة الإِمام.
وعند أبي حنيفة: التحاقه بدار الحَرْب كموته، حتى يُورَثَ مالَهُ على أصْله، وفي توريث المرتدِّ حتى يُعْتَق مدَبَّره وأمُّ ولده، قال: فإن عاد، رُدَّ ماله إليه، ولا يُرْفَع العتق.
وعلى الأقوال يُوقَف مالُ المرتدِّ بأن يوضَعْ عنْد عدْل، وتجعل أمته عند امرأة ثقة؛ لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه فقد تعلَّق به حقُّ المسلمين، فيحتاط ويؤَجَّر عقاره ورقيقه، ومدَبّره [ومستولدته] ومكاتبه يؤَدِّي النجوم إلى الحاكم، وإذا التحق بدار الحرب، ورأَى الحاكمُ الحظَّ في بيع الحيوان، فَعَل، وإذا ارتدَّ، وعليه ديْنٌ مؤجلٌ، فإن قلْنا: يزول ملْكه، فيحل الأجل كما لو ماتَ، وإن قلنا: لا يزول، لم يحل، وإن قلنا بالوقف، فإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يحلَّ، وإن 340 استولد [جاريته]، نفذ الاستيلاد، إن أبقينا ملكه، وإن أزلْناه، لم ينْفُذ، فإن أسلم، فقولان، كما لو استولد المشتري الجاريةَ المشتراةَ في [زمان] 341 الخيار، وقلْنا: الملْك للبائع، فتم البيع، وليعلَمْ من لفظ الكتاب قولُه "على قول" أولاً وثالثاً بالواو؛ لما ذكرنا أن بعْضَهم نفَى القول الأول، وأن بعضهم قَطَع بالقول الثاني.
وقوله "فيُقْضى ديونُه وينفق عليه في مُدَّة الردَّة" يجوز إعلامهما بالواو أيْضاً، وقضاء الديون القديمة والإنفاق عليه لا يختصان بقول زوالِ المِلْك، وإن ذكرهما في
الجزء: 11 - الصفحة: 125
التفْريع عليه، والمقصود أنَّا، وإن قلْنا بزوال مِلْكه، فتقضى الديون مِنْ ماله، وينفق عليه.
وقوله "فكلُّ تصرُّف لا يَقْبَلُ الوقْفَ، فهو باطل" إنما تستمرُّ هذه العبارة على القَوْل الجديد، وهو أنَّ العقودَ لا تُوقَفُ.
وهذه صور آخر (1) تتعلَّق بالباب:
إذا ارتدَّ جماعةٌ، وامتنعوا بحصنٍ وغيْره، وجب قتالهم، ويُقدَّم قتالهم على قَتِالِ غيرهم؛ لأَن كفْرهم أغلظُ، ولأنهم أهدَى إلى عورات المسلمين، ويتبع في القتال مُدْبِرُهم، ويذفَّف على جريحهم، ومن ظَفِرْنا به استتبناه، وهل عليهم ضمانُ ما أتْلَفُوه في القتال من نفْسٍ ومالٍ؟ فيه خلاف، قد سبق، ورُوِيَ أن أبا بكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال لقَوْم من أهل الردَّة، جاءُوهُ تائبين "تدُونَ قَتْلاَنا، وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ" فقال -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لا نأْخُذُ لِقَتْلاَنا دِيَةً" قال الأئمة: قول عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يجوز أن يكون ذهاباً إلى أنهم لا يَضْمَنُون، ويجوز أن يكون الغَرَضُ استمالَتَهم، أي لا نأخذ شيئاً، وإن وجَبْ.
وإذا أتلف المرتدُّ في غير القتال، فعليه الضمانُ والقِصَاصُ، ويقدَّم القصاص على القتْل بالردَّة، فإن بادر الإمامُ بقتله عن الردة، أو عفَا المستحَقِّ أو مات المرتدُّ، أُخِذَتِ الدية من ماله، وإذا قتل خطأً، ومات أو قُتِل على الردة، أخذت الدية من ماله عاجلاً؛ لأن الأجَلَ يَسْقُط بالموت.
وفي "التتمة" أنه لو وطئت مرتدَّةٌ بشبهة أو مكرهةً، فإن قلنا: الرِّدَّةِ لا تزيل المِلْك، فلها مهْر المثل، كما لو وطئت زانيةٌ أو محصنة بشبهة، ويخالف ما لو وطئت حربيَّة بشبهة (2) فلا مهر؛ لأن مالها غير مضمون بالإتلاف، فكذلك منفعةُ بُضْعِها، ومالُ المرتدة مضمونٌ، وإن قلنا: إنها تزيلُ المِلْك، لم يجب، كما لو وطئ ميتة على ظنِّ أنها حيَّة بشبهة، وإن قلْنا: إن المِلْك موقوفٌ، فالحُكْم في المَهْر موقوفٌ، ولو أكره مرتدَّاً على عَمَلِ، فالقول في أجرة المثْل كما ذكَرْنا في المَهْر، ولو استأجره وسمى أجرة، فيُبْنى على صحة عقوده، وحكم المسمى، إن صحَّحنا الإجارة أو أجرة المِثْل، وإن لم نصحِّحها حكم مهْر المثل، وإذا زَنَى في ردته وشرب الخمر، فيكتفي بقَتْله أو يُقَام عليه الحدُّ، ثم يقتل؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين:
أصحُّهما: الثاني.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ الثَّالِثَةُ: الزِّنَا)
وَهُوَ جَرِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِلعُقُوبَةِ، وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن342343
الجزء: 11 - الصفحة: 126
(الأَوَّلُ في المُوجِبِ وَالمُوجَبِ) وَالضَّابِطُ أَنَّ إيلاَجَ الفَرْج فِي الفَرْجِ المُحَرَّمِ قَطْعاً المُشْتَهَى طَبْعاً إِذَا انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبهَةُ سَبَبٌ لِوْجُوب الرَّجْمِ عَلَى المُحْصَنِ وَلِوُجُوبِ الجَلْدِ والتَّغْرِيبِ عَلَى غَيْرِ المُحْصَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الزنا 344 من المحرَّمَات الكبائر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] وعن عبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً، وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بحَلِيلَةِ جَارَكَ" 345، فأنزل الله تعالى تصدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] وأجمع أهل المِلَلِ على تحرْيم الزنا، ويتعلَّق به الحد، وكان الواجب فيه في صدْر الإسلام الحَبْسَ والإيذاء على ما قال تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قولِه ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 15 - 16] ذهب عامة الأصحاب إلى أن الحَبْسَ كان في حق الثيِّب، والإيذاء كان في حقِّ البكر، وحملُوا الإيذاء على السبِّ والتعزير بالكلام.
وعن أبي الطيِّب بن سلمة: أن المراد من الآيتين الأبكارُ، وأن الحبْس كان في حق النساء، والإيذاء بالكَلاَمِ في حقِّ الرجال، ثم استقر الأمر على أن البكْر يجلد ويغرب، والثيب يُرْجم، وهل نُسِخَ ما كان؟ قيل: لا، بل بان بما استقر علَيْه الأمر آخراً السَّبُّ والإيذاء المطْلَقَان في الآيتين على ما رُوِيَ عن عبادة بن الصامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالْبِكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" 346 وترك الجَلْد في حق الثيب لما سيأتي، وقيل: نسخ ما كان ثُمَّ على قول ابن سلمة: الحَبْس والإيذاء منسوخان بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وأما على قول الجمهور، فمن جوَّز نسخ الكتاب بالسُّنَّة، قال: نسخت عقوبة البكْر بآية الجلْد، وعقوبةُ الثيب
الجزء: 11 - الصفحة: 127
بالأخبار الواردة في الرَّجْم، ومَنْ منَع ذلك، قال: عقوبة الشيب نُسِخت بالقرآن أيضاً، إلا أنه لم يبق متلُوّاً، رُوِيَ عن عُمَرَ 347 -رَضِيَ الله عَنْهُ- أنه قال في خُطْبته: إن الله تعالى بعث محمداً -صلى الله عليه وسلم- نبياً، وأنزل علَيْه كتاباً، وكان فيما أنزل اللهُ فيه آيَةَ الرَّجْمِ فتلَوْنَاها ووعَيْنَاها: "الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَاَرْجُمُوهُمَا [ألْبَتَّةَ] 348 نَكَالاً مِنَ اللهِ [و] اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، وقد رجَم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ورَجَمْنَا بعْده، وإني أخشى بالناس أن يطول 349 زمان، فيقول: لا رَجْم في كتاب الله، الرجْم حقٌّ على كل مَنْ زَنَى من رَجُلٍ وامرأةً، إذا أُحْصِنَا، ولولا أنِّي أخشَى أن يقول الناسُ زاد عمرُ في كتاب الله تعالى، لأبيته على حاشية المصْحَف، وكان ذلك بمَشْهَد من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فلم يُنْكِر عليه أحد، وقد حَكَى القاضي ابن كج، عن بعض الأصحاب وجهاً: أنه لو قرأ قارئ آيةَ الرجْم في صلاته لم تَفْسُدْ صلاته، ومْنهم مَنْ قال: إنا لا ننسخ الكتاب بالسنة، إذا لم تتواتَرْ، والرجْمُ مما اشتهر عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في قصَّة ماعز، والغامدية واليهوديَيْن، وعلى ذلك جرى الخلفاء -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- بعْده وبلغ حدّ التواتر، وعن أبي هريرة [وزيد بن خالد الجهنيِّ] 350 -رضي الله عنهما- أن رجلَيْن اختصما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أحدُهما: يا رسول الله، اقْضِ بَيْنَنَا بكتاب الله، وقال الآخر، وكان أفقههما: أجْل، يا رسول الله، اقضِ بيْنَنا بكتاب الله، وأْذَنْ لي في أن أتكلَّم، فقال: تكلَّم، فقال: إنَّ ابْني كَانَ عَسِيفاً لِهَذَا -أي أَجيراً- فَزَنَى بِامْرأته، فأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافتَدَيْتُ مِنْهُ بمائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَة ثُمَّ سألتُ أهْلَ العِلْم، فأخبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلد مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عام، وإنَّمَا الرَّجْمُ على [امْرأته] فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَأَقْضِين بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- أَمَّا غَنَمُكَ وجَارَيتُكَ، فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وغَرَّبَهُ عَامًا، وأَمَرَ أُنَيْساً الأَسْلَمِيَّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ، فَإِنْ اعَتْرَفَتْ رَجَمَهَا [فَأَتَاهَا] 351، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا" وَرُوِيَ أَنَّ ماعز بن مالك
الجزء: 11 - الصفحة: 128
الأسْلَمِيَّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- اعْتَرَفَ بِالزِّنَا عنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- فَرَجَمَهُ، وَعَنْ بريدة أَنَّ امرأةً مِنْ غامِدٍ اعْتَرَفَتْ بهِ فأمَرَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- بِرَجْمِهَا، وعن عمران بن الحُصَيْن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مثلُ ذلك في امرأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ.
إذَا عرفتَ أصولَ البابِ، فلا بد فيه من معرفة ما يوجِبُ الحدَّ ومعرفة الحد الواجب، وأنه كيف يستوفَى بَعْد ما وجب، فجَعَلَ صاحبُ الكتاب كلام الباب في طرَفَيْنَ.
أحدهما: في الوجوب.
والثاني: في الاستيفاء، وبيَّن في الأول الموجِبَ والواجِبَ مرتبطاً 352 أحدهما بالآخر، فقال: "والضابط أن إيلاج الفرج في الفرْج المحرَّم قطعاً المشتهَى طبعًا، إذا انتفت عنه الشبهة سببٌ 353 لوجوب الرجْم على المحصَن، ولوجوب الجلْد والتغريب عَلَى غير المحْصَن" قوله: "وفي الرابطة قيود" أراد بالرابطة ما سمَّاه ضابطاً أولاً، وإذا شرَحْنا القيود المذْكورة تَبيَّن لك أن قولَه "المحرَّم قطعاً" وقوله "إذا انتفتْ عنه الشبهة" أحدهما مغنٍ عن الآخرِ، وأنه يجوز أن يُعْلَم قوله "إيلاج الفرج في الفرج" وقوله "المحرم قطعاً" وقوله "المُشتهَى طبعاً" وقوله "إذا انتفت عنه الشبهة" كلها بالواو، ولفْظ التغْريب بالحاء والميم، ولا يخفى أن الحُكْم منوطٌ بإيلاج قدْر الحَشفة لا بجميع الفَرْج، واعلم أن لفْظ البكْر والثيب في الحديث الذي سبق بمَعْزِل عن بقاء العذرة وزوالها اللَّذَيْن باعتبارهما يُطْلَق اللفظان في غير هذا الباب، وإنما المراد من الشيب المحْصَن، ومن البكْر غيره، فحدُّ المحْصَن الرجْمُ رجلاً كان أو امرأةً، ولا يجلد مع الرجْم، وقال أحمد: يجلد أولاً ثم يُرْجَم، وفي "الشامل" وغيره: أنه اختيار ابن المنْذِر منْ أصحابنا؛ لِما سبق من حديث عُبَادة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويُرْوَى أن عليّاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جلد شراحة الهمدانية، ثم رجَمَها، وقال: جَلَدتُّهَا بكِتَابِ اللهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- 354 وَوَجْه ظاهر المذْهب [ما]
الجزء: 11 - الصفحة: 129
رُوِيَ عن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجَمَ ماعِزاً، وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَرَجَم الغَامِدِيَّة، وَلَمْ يرد أَنَّه جَلَدَها 355. قال الأصحاب: وحديثُ عبادة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الجِلْد منسوخٌ بفعْل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما نقل عن عليٍّ، فعنْ عمر -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- خلافه، وأما غير المحْصَن، فالصبيُّ والمجنونُ لا حدَّ عليهما، ويؤْدان بما يزجُرُهما، وإن كان عاقلاً بالغاً، نُظِر؛ إن كان عبداً، فسيأتي إن شاء الله تعالى، وإن كان حرّاً، فحده جلد مائة وتغريبُ عام؛ لما مر من الأحاديث، [و] يستوِّي في ذلك الرجُل والمرأة، وعند أبي حنيفة: ليس التغريب من الحدِّ، وإنما هو تعزيرٌ يتعلَّق برأْي الإِمام واجتهادِهِ، وعند مالك: يُغَرَّب الرجلُ دون المرأة.
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي الرَّابِطَةِ قُيُودٌ، الأَوَّلُ الإِحْصَان وَهُوَ التَّكْلِيفُ وَالحُرِيَّةُ وَالإِصَابَةُ في نِكَاح صَحِيحٍ أَمَّا بالشُّبْهَةِ وَفِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ لاَ يُحْصَنُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوعُ الإِصَابَةِ بَعْدَ الحُرِيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِحْصَانُ في الوَاطِئَيْنِ بَلْ إِنْ كَانَ المُحْصَنُ أَحَدَهُمَا رُجِمَ وَجُلِدَ الآخَرُ، وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا صَغِيراً رُجِمَ البَالِغُ عَلَى الأَظْهَرِ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ فِي مَحَلِّ الشَّهْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالثَّيِّبُ إِذَا زَنَى بِبكْرٍ رُجِمَ وَجُلِدَتْ، وَانْتِفَاءُ الإِحْصَانُ يُسْقِطُ الرَّجْمَ، وَانْتِفَاءُ الحُرِيَّةِ يُسْقِطُ شَطْرَ الجَلْدِ وَشَطْرَ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُغَرَّبُ العَبْدُ سَنَةً، وَفِي قَوْلِ لاَ يُغَرَّبُ أَصْلاً نَظَراً لِلسَّيِّد.
= ولم يرد أنه جلدها، وحديث عبادة منسوخ بفعله هذا، وما نقل عن عليّ فعن عمر خلافه، انتهى فاما حديث عبادة فتقدم، وأما حديث الغامدية فتقدم قبله أيضاً، وأما حديث جابر منه وابن سمرة، وقد رواه أحمد والبيهقي عنه بلفظ: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجم ماعز بن مالك، ولم يذكر جلداً، وأما قصة علي مع شراحة، فرواها أحمد والنسائي والحاكم من حديث الشعبي عن عليّ، وأصله في صحيح البخاري، ولم يسمها، وأما قوله: فعن عمر خلافه، يعني أن علياً فعل ذلك مجتهداً، وأن عمر تركه مجتهداً فتعارضا، ولم أره عن عمر صريحاً، وقد يجوز أن يكون عني به حديث عمر المتقدم، فإنه لم يذكر فيه إلا الرجم، وكذا ما أخرجه الطحاوي من رواية أبي واقد الليثي: أن عمر قال: فإن اعترفت فارجمها.
الجزء: 11 - الصفحة: 130
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإحصان والتحصينُ في اللغة: المنع، قال الله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ من بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14].
ورد في الشَّرْع بمعنى الإسْلام، وبمعنى العقْل والبلُوغ، وكلٌّ منهما قد قيل في تصير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: 25]، وبمعنى الحرية، ومنْه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] يعني الحرائر، وبمعنى التزوُّج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] يعني المنكوحات"، وبمعنى العِفَّة عن الزِّنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وبمعنى الإصابة في النِّكاح.
ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] قيل مصيبين بالنِّكاح، ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ أي عفَّت وأحْصَنَها زوْجها، فَهِيَ محصنة، وأحْصَنَ الرجلُ تَزوَّج، ويعتبر في الإحصان المعتبر لوجوب الرجْم بالزنا ثلاثُ صفاتٍ:
إحداها: التكليفُ، فالصبيُّ والمجنون ليسا بمحصَنَيْنِ، ولا حدَّ عليهما؛ لأن فعلهما ليْس بجناية، حتى يناط به عقوبة.
والثانيةِ: الحرِّيَّةُ، فالرقيقُ ليس بمُحْصَنٍ، فلا يرجم بالزنا أصاب في نكاح صحيحٍ أو لم يُصِبُ، ويساوي في ذلك القِنُّ والمُدَبَّر والمُكَاتَب وأمُّ الولد، ومَنْ بعضُه رقيق، قال في "التتمة": والمعنى في اعتبار الحرية أن العقوبة تتغلَّظ بتغلظ الجناية، والحريةُ تغلِّظ الجناية من وجهَيْن:
أحدهما: أنها تمنع من الفواحش؛ لأنَّها صفة كمال وشرَف، والشريفُ يصون نفسه عما يدنِّس عرْضه، والرقيق مبْتَذَلٌ مهانٌ لا يتحاشَى، عما يَتحاشى منه الحُرّ، ولذلك قالت هنْد عند البيعة: أو تَزْنِي الحُرَّةُ؟.
والثاني: أنها توسِّع طريق الحلال؛ ألا ترى أن الرقيقَ يَحْتاج في النكاح إلى إذْن السيِّد، ولا ينكح إلا امرأتَيْن بخلاف الحرِّ، ومن ارتكب الحرام مع اتساع طريقِ الحَلال، كانت جنايتُهُ أغْلَظَ.
والثالثة: الإصابة في نكَاحٍ صحيحٍ، قال في "التتمة" والمعنى في اعتبارها أن الشهْوة مركَّبة في النُفوس، فهذا أصاب في النكاح، فقد نال اللذَّة، وقضى الشهوة فحقه أن يمتنع عن الحرام، وأيضاً، فإن الإصابة تكمل طريق الحلال؛ من حيث إن النكاح قبل الدخول يزُولُ 356 بالطَّلْقَة الواحدة، وبمجرَّد اختلاف الدِّين وبعد الدخول بخلافِه
الجزء: 11 - الصفحة: 131
وأيضاً، فإنه إذا أصاب امرأته، فقَد أكد استفراشها، وحينئذ، فلو لطَّخ غيرُه فراشَهُ، عَظُمَتْ وحْشته وأذيته، فحقُّه أن يمتنع عن تلطيخ فراش الغَيْر، فإذا لم يمتنع، غُلِّظت الجناية، ويكفي في الإصابة تغيبُ الحَشَفَة، ولا يُشْتَرط أن يكون الشخْص ممن يُنْزِل، ولا يقدح وقوعها في حال الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة على ما ذكرنا في التحليل، ولا يَحْصُل الاحصان بالإصابة بِملك اليمين، كما لا يحصل التحليل، وأيضاً، فملكُ اليمين لا يُقْصَد به اكتسابُ الحلِّ، ولذلك يصحُّ شراء مَنْ لا تحل له، فلا تكون الإصابة [فيه كالإصابة] 357 في النكاح، وفي الإصابة بالشُّبْهة وفي النكاح الفاسِدِ قولان:
أحدهما، ونسبه بعضُهم إلى القديم: أنها تُفِيد الإحصان؛ لأن الفاسد كالصحيح في العِدَّة والنسب، فكذلك في الإِحصان.
وأصحُّهما، وهو الذي أورده المعْظَم: المنع؛ لأنه لا أثر لهذه الإصابة في إكْمال طريق الحلال، والخلافُ كالخلافِ في أنَّه هل يحْصُل التحليلُ بالوطء في النكاح الفاسد.
ثم في الفصْل صور:
احداها: هل يُشْترط أن تكون الإصابة بالنكاحِ بعْد التكليف والحريِّة؟ فيه وجهان:
أظهرهما؛ عند الإِمام وصاحب الكتاب: لا حتى لو أصاب عبْدٌ في نكاحٍ صحيحٍ أو مجنونٌ أو صغيرٌ ثُمَّ كَمُلَ حالُه، فزنى، يلزمه الرجْم؛ لأنه وطء يحْصُل به التحليل، فكذلك الإحصان، وأيضاً، فإن النكاح لا يُشْترط وقوعه في حالة الكمال، فكذلك الإصابة فيه.
والثاني، وهو ظاهر النص والراجحُ عنْد معْظَم الأصحاب، ويُحْكَى عن أبي حنيفة، ومالك: أنه يُشْترط، حَتَّى لا يجب الرجْم على مَنْ أصاب في حال النقصان، ثم زنى بعْد كمال الحال، واحتج له بأنا شرطْنا الإصابة بأكْمَل الجهات، وهو النكاح الصحيحُ، فيشترط حصولها من شخْصٍ كامل، وعن حكاية الشيْخ أبي حامدٍ وجهٌ ثالثٌ، وهو أنه لو أصاب، وهو رقيقٌ، لم يحصُل الاحصان، ولو أصاب، وهو صغيرٌ، حصل، والفَرْق أن الرقَّ يوجب نقصان النكاح بخلاف الصغير؛ ألا ترى أن الرقيق لا يَنْكَح أكثر من اثنتين، وللوليِّ أن يزوِّج من الصغير أربعاً، ووجه رابع، وهو أنه لو أصاب، وهو رقيق، يحصل الإحصان، ولو أصاب، وهو صغيرٌ، لا يحصل، والفرق
الجزء: 11 - الصفحة: 132
أن الصغر يمنع كمال اللذة، والرقٌ لا يمنع، وادعى كثير من الأئمة أنا إذا شرطْنا وقوع الإصابة بعْد الحرية والتكليف، كان الوصفان شرطَيْن في الإحصان نفْسه، وإن لم نشْرط، فهما شرطان لوجوب الرجم، والاحصانُ حاصلٌ دونهما، وهذا ليس بلازم، لجواز أن يكون الإحصانُ عبارةٌ عن الأوصاف الثلاثة من غَيْر أن يعتبر فيها ترتيب، كما أنه لا يعتبر الترتيب بيْن وصْفَي الحريةِ والتكليفِ، وإذا قلْنا: يشترط وقوع الإصابة في حال الكَمَال، فهل يشترط أن يكون الثاني من الواطِئَيْن في حال الكمال؟ حينئذ أيضاً أطْلَقَ مطلقُون، منْهم القاضي أبو الطيب فيه قولَيْنِ:
أحدهما، وينسب إلى "الإِمْلاء" وبه قال أبو حنيفة: أنه يُشْترط، حتى لو كان أحدهما كاملاً دون الآخر، لم يَصِر الكاملُ محصَناً أيضاً؛ لأنه وطءٌ لا يصير أحد الواطئَيْنِ محصَناٌ به، فكذلك الآخر كالوطء بالشُّبْهة.
وأصحُّهما، ويُرْوَى عن الأم: أنه يصير الكامل محصَناً؛ لأنه حر مكلَّف أصاب بنكاح صحيح، فأشبه ما إذا كانا كاملَيْن، وعن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه، إن كان نقصانُ الناقص منْهما بالرقِّ، فيصير الكاملُ محصناً بلا خلاف، وإن كان نقصانُه بالصِّغر أو الجنون، ففيه القولان، والفرْقُ أن تأثير الرِّقِّ في الحدِّ دون تأثير الصِّغَر والجنون، فإنهما يُسْقِطان أصل الحدِّ بخلاف الرق، ورُوِيَ أنه سئل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن الأمة، هل تُحْصِنُ الحر، قال: نعم، قيل: عمن تَرْوِي؟ قال: أدركْنا أصحابَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- 358 يقُولُونَ ذلك، ويَقْربُ من هذا ما أورده الإِمام، فإنه قال: الرقُّ في أحدهما لا يَمْنَع حصولَ الإحْصَان في الآخر، وحكى في الصغَر وجهَيْن عن صاحب "التقريب" ثم رأى تخصيص الخلاف بما إذا كانت الصغيرةُ بحيث لا يشتهَى مثْلُها، والصغير بحَيْث لا يشتهيه النساءُ، والقطْع بأنه لا أثر للصغر في حقِّ المراهق، والمراهقة، ويَخْرُج من هذا طريقة في الصغر مفصَّلة.
الصورة الثانية: إذا زنا الثيب ببكر رُجِم، وجُلِدَّت، وغُرِّبت، ولو زنا البكْرُ بامرأةٍ ثيب جُلِد وغُرِّب 359 ورُجِمَتْ وبدل عليه حديث العَسيف.
الجزء: 11 - الصفحة: 133
الثالثة: الرقيقُ يُجْلد خمسين، على ما قال تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] والقِنُّ وغيره سواءٌ، وفيمن نصْفُه حرٌّ، ونصفه رقيقٌ، وجهان على خلاف ظاهر المذْهَب.
أحدهما: أنه إذا زنا، حُدَّ ثلاثة أرباع حدِّ الأحرار؛ لأنه يحتمل التقْسيط، وألزم على هذا أن ينكح ثلاثاً.
والثاني: أنه يُفْرَق بين أن لا يكون بينه وبين السيد مهايأة، فيُحَدَّ حَدَّ الأرقاء، أو يكون، فإن زنا في نوبة السيد، فكذلك، وإن زنا في نوبة نفْسِه، فعليه حدُّ [الأحرار] 360 أورد الوجهين صاحب "التتمة".
وهل يُغَرَّب العبد؟ فيه قولان:
أصحهما، وهو القديم وأحد قولي الجديد: أنه يُغرَّبِ؛ لظاهر قوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وروي أن أَمَةَ لاِبْنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما زَنَتْ، فَجَلَدَهَا، وغَرَّبَهَا إلَى فَدَكَ 361.
والثاني، وبه قال مالك وأحمد: لا يُغرَّب، واختاره القاضي أبو حامد؛ لأنَّ التغريب للتشديد والإيحاش، والعبْدُ جليبٌ، اعتاد الانتقال من يد إلى يد، ومن بلد إلى بلد؛ ولأن فيه إضرارًا بالسيد وتفويتاً لمنفعته عَلَيْه، ومَنْ قال بالأصح؛ قال: العبد أيضاً إذا أَلِفَ الموضعَ شق عليه الانتقال، وضرر السيد لا يبالَى به في عقوبات الجرائم؛ ألا ترى أنه يُقْتَل 362 إذا ارتدَّ، ويُحدُّ إذا قَذَفَ، وإن تضرَّر السيد، ثم يمكنه إجارته واستعماله هناك، وإذا قلْنا بالأصح، ففي مدة تغريبه قولان:
أحدهما: سَنَةٌ؛ لأن ما يتعلَّق بالمدة والطَّبْع يستوي فيه الحرُّ والعبدُ، كمدة العُنَّة والإيلاء، ويُروَى هذا وجهاً مخرَّجاً عن أبي هريرة.
وأصحُّهما: نصف سنة؛ لظاهر الآية، وعن أبي إسحاق القطْعُ بالنصْف، وعند الاختصار يُخرَّج ثلاثة أقوال كما في الكتاب.
وقوله في الكتاب "ولا يشترط وقوع الإصابة بعد الحرية والتكليف على الأظهر".
بيَّنَّا أن الظاهر عند المعْظَم خلافُ ما رجَّحه.
وقوله: "ولا يشترط الإحصان في الواطئَيْن ... " إلى آخره أراد به ما إذا كان
الجزء: 11 - الصفحة: 134
أحدهما بصفات الكمال عند الوطء، وهي الحرية، والعقل، والبلوغ، دون الآخر، لكن اللفظ بعيدٌ عن إفهام الغَرَض، والوجْهُ القريب في تنزيله أن يحمل الإحْصَان على الحُرِّية، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وقد بَيَّنا أن الحريَّة أحد معاني الإحصان 363، فيصير كأنه قال، ولا يُشْترط الحرية في الواطئَيْن، بل إن كان حرّاً عند الوطء.
أحدهما: رُجِم، إذا زنا وجلد الآخر، إنْ زنا.
وقوله "وإن كان أحدهما صغيرًا" أي عند الوطء رجم البالغ، إذا زنا، وقوله "على الأظهر" أي من الطريقَيْن، وهو الذي رأى الإِمام القطع به، إذا كان الصغيرُ في محلِّ الشهوة، فإن لم يكن، فينقدح الخلافُ، وجميع ذلك على التنزيلِ الذي بيَّنَّاه يوافق ما ذكره الإِمام، وإن حمل قوله "ولا يشترط الإحصان في الواطِئَيْنِ" على الواطئَيْنِ في زناً حتى كون المعنى أنه لو زَنَى، ويُقدِّر أن المقصود أنه لو كان أحدُ الزانِيَيْن محصناً دون الآخر، رُجِم المحصَنُ، وجُلِدَ الآخر، فهذا عين قوله من بعْدُ "والثيب إذا زَنَى ببكْرٍ رُجِمَ وجُلِدَتْ" بل أعم منه، فيغني عنه، وقوله "وانتفاء الإحْصَانِ يُسْقِط الرجْم" لا حاجة بعد ما قدَّم ذكره في الضابط [إليه]، وقوله " [وشطر] 364 مدة التغريب" يجوز أن يعلم بالميم والألف؛ لأن عندهما تَسْقُط كلُّها، وكذا قوله "وفي قَوْلٍ يُغَرَّبُ العَبْدُ سنةً" يجوز أن يعلم لفْظ "القول" فيه بالواو: لقطع أبي إسحاق.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ في أَصْلِ التَّغْرِيب مَسَائِلُ: (إحْدَاهَا) أَنَّهَا تُغَرَّبُ مَعَ مَحْرَمٍ وَلَهُ الأُجْرَةُ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ عَلَى بَيْتِ المَالِ، فَإنْ امْتَنَعَ فَهَلْ يجْبرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى الخُرُوجِ مَعَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِناً فَهَلْ يَجُوزُ تَغْرِيبُها بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما قال في أصل التغريب؛ لأنه وصل الكلام بتغريب العبْد، فأشار إلى أن المسائل في مُطْلَق التغريب، لا في تغريب العبْد خاصَّة.
المسألة الأولى: هل تغرَّب المرأة وحْدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سفَرٌ واجب فأشبه الهجْرة، فإنها، إذا كانت تخاف الفتنة [في] دينها، كان عليها أن تسافِرَ وَحْدها.
وأصحُّهما: لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ محرم
الجزء: 11 - الصفحة: 135
لها" 365 ولأن الزانية إذا غرِّبت وحْدها، لم يُؤْمَن عليها من التهتك، هكذا أطلق مُطلِقون الوجهَيْن، وخصَّصهما الإِمام، وصاحب الكتاب بما إذا كان الطريقِ آمناً، وأشار إلى القطْع بالمنْع، إذا لم يكن الطريق آمناً، وفيه قول بشرعية التغريب منْ غير أمْن الطريقِ، وفي "البيان" وغيره ما يُشْعِر بخلافه، ويقوم مقام المَحْرَم الزوْجُ وفي النِّسْوة الثقات عند أمن الطريقِ وجهان:
أظهرهما: قيامُهن مقام المَحْرَم، وربما اكْتُفِيَ بالواحدة، إذا كانت ثقة وشَرَط شارِطُون أن يكون معها مَحْرَم أو زَوْجٌ، وإذا قلْنا بالأصح، فلو تطوَّع الزوْج أو المَحْرَم بالخروج، أو وجدنا نسوة ثقاتٍ يُسَافِرْنَ، فذاك، وإن لم يخرج المَحْرَم أو الزوْجُ، إلا بأجرة أعْطِيَ الأجرة، وتكون في بيت المال أو في مالِها؟ فيه وجهان مشبهان بالخلاف في أجرة الجَلاَّد، ورجَّح القاضي ابن كج، وصاحب "التهذيب" كونَها في بيت المال، وقياس ما سَبَق في أجرة الجَلاَّد أن يرجَّح كونها في مال الزانية، وإليه ذهب ابن الصبَّاغ والرويانيُّ، كان لم يرغب المَحْرَم في الخُرُوج بالأجرة أيضاً، فهل يجبره السلطان على الخروج؟ فيه وجهان:
أحدهما، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج: نعم، للحاجة إليه في إقامة الواجب، وعلى هذا، فلو اجتمع 366 محرمان أو محرم وزوْجٌ، فمن، يقدَّم منهما، لم يتعرَّضوا له.
وأظهرهما: أنه لا يجبر كما في الحج؛ ولأنه تعذيب مَنْ لم يذنب، وعلَى هذا، فقياس مما ذكرنا أنَّها لا تُغرَّب إلا مع محرم أن يؤَخَّر [التغريب] 367 إلى أن يتيسر، وكما ذكر الرويانيُّ أنها تغرَّب، ويَحْتَاط الإِمام في ذلك، وقوله في الكتاب "إنها تُغرَّب" يعني المرأة وأعلم بالميم؛ لما سبق أن عنده لا تغرَّب المرأة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "مع محرم" بالواو؛ لاطلاق مَن أطلق وجهين في أنها هل [تغرب] 368 وحدها؟
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لاَ ينْقُصُ فِي مَسَافَةِ الغُرْبَةِ عَنْ مَرْحَلَتَيْن، وَإِلَيْهِ الخِيَرَةُ في جِهَاتِ السَّفَرِ، وَالغَرِيبُ يَخْرُجُ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، فَإنْ رَجع إِلَى البَلَدِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ (الثَّالِثَةُ): لَوْ عَادَ المُغَرَّبُ أَخْرَجْنَاهُ ثَانِياً وَلَمْ تُحْسَبْ المُدَّةُ المَاضِيَةُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 136
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الزاني يُغرَّب إلى مسافة القصْر: لأن المقصود إيحاشه بالبعد عن الأهل والوطن، وفيما دون مسافة القصْر تتواصل الأخبار ولا تتمُّ الوحشة، وعن ابن أبي هريرة وجْه أنَّه يجوز التغْريب إلى ما دون مسافة القصْر؛ لمُطْلَق قوله -صلى الله عليه وسلم- "وتَغْريبُ عام"، وفي "التتمة" وجه: أنه يكفي 369 التغريب إلى موضع لو خرج المبكر إليه لم يرجع من يومه، والظاهرُ الأوَّل، وإنْ رَأَى الإمامُ تغريبَهُ إلى ما فوق مسافة القصْر، فعل؛ غَرَّبَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلى الشام، وعثمانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلى مصرَ، هذا هو المشهور والذي أورده المتولِّي؛ أنه إذا وجد على مسافة القصْر موضعٌ صالحٌ، لم يجز التغريب إلى البلد البعيد، والبدويُّ يُغرَّب عن حِلته وقومه، ولا يُمكَّن من الإقامة فيما بينهم، وحكى إمام الحرمَيْن وجهَيْن في أنه لو عيَّن الإِمام جهة للتغريب، فطلب الزاني أن يُغرَّب إلى جهة أخرى، هل يجاب أو لا [يعدل] عن تعيين الإِمام؟ ورأي الأظهر، إجابته، وقال: المقصود إيحاشه بالإبعاد عن الموضع بقدر مرحلَتَيْن، فإذا حصل هذا الغرَضُ، فليأخذ في أي صوْب شاء، وهذا ما أورده في الكتاب والمذكور في غيره أنه لا عُدول عما عينه الإِمام، وهذا هو اللائق بالزجْر والتعْنيف، ويوافقه ما ذكر صاحب "التهذيب" أن الإِمام لا يرسله إرسالاً، بل يُغرِّبه إلى بلَد معيَّن، وإنما غرَّب إلى موضع معين، فهل يمنع من الانتقال إلى [بلد] 370 آخر؟ الذي أورده المتولِّي، واختاره الإِمام: أنه لا يُمْنَع، ومنهم من قال: يمنع.
وفي "التهذيب": أنه لا يُمكَّن المغرَّب من أن يحمل معه أهلَهُ وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش حينئذ، وله أن يحمل جاريةً يتسرى بها، وما يحتاج إليه للنفقة، وقال وفي "التتمة": لو خرج عشيرتُه معه، لم يُمْنَعوا، والغريب إذا زنا يُغْرَّب من بلد الزنا تنكيلاً وتبعيداً عن الموْضع الذي ارتكب فيه الفاحشة، فربما أَلِفَه، ولا يُغرَّب إلى بلده، ولا إلى موضع بينه وبين بلده، أقلُّ من مسافة القصْر، وإذا غُرِّب إلى غير بلده، فرجع إلى بلده، ففي الكتاب: أنه لا يُتعرَّض له، وحكَى غيره أنه يمنع منه، وهو الأشبه، ثم هذا في [الغريب] 371 الذي له وَطَنٌ، فإن لم يكن كما إذا هاجر الحربيُّ إلى دار الإِسلام، ولم يتوطَّن بعد بلدة، قال في "التتمة": يتوقف الإِمام إلى أن يتوطَّن في بلده، ثم يُغرِّبه، والمسافر إذا زنا في الطريق يُغَرَّب إلى غير مقصده، وإذا رجع المغرَّب إلى البلد الذي غُرِّب منه، رُدَّ إلى الموْضِع الذي غُرِّبَ إليه، وهل يُحْسَب ما مضى، أم تستأنف المدة الأشبه، وهو المذكور في الكتاب: أنها تستأنف ليتوالَى الإيحاش، وفي "التتمة": أنه يحسب ما مَضَى، والخلاف راجعٌ إلى أنه هل يجوز تفريقُ سنة التغْريب، وخرَّج
الجزء: 11 - الصفحة: 137
بعضهم هذا الخلافَ من الخلافِ في أنه، هل يَجُوز في "اللُّقَطَةِ" تفريق سنة التعريف؟ قال القاضي ابن كج: ولا يعتقل في الموْضِع الذي غُرِّب إليه؛ لئلا يرجع، بل يحفظ بالمراقبة والتوكيل به 372، [فإن] احتج إلى الاعتقال، اعْتُقِل، [ولو زنى] ثانياً في البلد الذي غُرِّب إليه، غُرِّب إلى موضع آخر، قال ابن كج: وتدخل بقبة مدة الأوَّل في الثاني؛ لأن الحدَّيْن من جنس واحد يتداخلان، وفي كتابه: أنه لو أراد الحاكم تغريبه فخَرَجَ بنفسه، وغاب سنة، ثم عاد، فعن بعض الأصحاب: أنه يكتفي بذلك، والصحيحُ خلافه، لأن المقصود التنكيلُ، وإنما يحْصُل ذلك بنفي السلطان.
وأن نفقة المغرَّب ومؤنته في ماله يُقَدَّر ما يَشْتَرِك فيه السَّفَر والحضر، وما زاد بسبب السفَر، فهو في بيت المال، وهذا غريب 373.
ويجوز تقديم التغْريب على الجَلْد، وفي "الحلية" للقاضي الرويانيِّ: أنه يلزم المُغَرَّب أن يقيم في الغُرْبَة، حتى يكون كالحبس له في أصح الوجهَيْنِ، ولا يُمكَّن من السير والضَّرْب في الأرض، فيكون كالنزهة، ومما ينالسِبُ عقوبة التغْريب النفْيُ في قطْع الطريق، وسيأتي، وورد الخبرُ بنفي المخنثَّين، وهو تعزير 374.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الإِسْلاَمُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَاِئطِ الإحْصَان بَلِ الذِّمِّي يُرْجَمُ إِذَا رَضِيَ بِحُكْمِنَا، وَلاَ يُجْلَدُ عَلَى الشُّرْبِ وَإِنْ كَانَ الحَنَفِيُّ يُجْلَدُ عَلَى النَّبِيذِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإِسلام ليس [في] شرائط الإحصان، بل إذا زنى الذميُّ، وهو مكلَّف حرٌّ، أَصاب في نكاح صحيح، فيرجم؛ خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
لنا: ما روي [أن] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 375 رَجَمَ يهوديين زَنَيَا، وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا، وإذا ارتدَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 138
المُحْصَنُ، لم يبطُلْ إحصانه، حتى لو زنى في الردَّة بعْد ما رَجَعَ إلى الإِسلام، فعليه الرجْمُ، وقال أبو حنيفةَ، يبْطُل الإحصان بالردَّة، ولا، يعود إلا بإصابة جديدة بَعْد الإِسلام.
وقوله في الكتاب "إذا رضي بحكمنا" يجوز أن يعلم بالواو؛ لما ذكرنا في "كتاب النكاح" أنا إذا قلْنا "يجب الحُكْم بين الذميين، إذا ترافَعُوا إلينا، فإذا أقر الذميُّ بالزنا، يُقَام عليه الحدُّ جبراً، وإنما يعتبر الرضَا، إذا قلْنا: لا يجب الحكْم بينهم وبيَّنَّا أن الأكثرين رجَّحوا قول الوجوب.
وقوله " [ولا يُجْلَدْ] على الشُّرْب" أي وإن رَضِيَ بحكْمنا؛ لأنه لا يعتقد تحريمه.
وقوله "على الأظهر" ليعتقد رده إلى الصورتين، وهما مكررتان من بعد مشروحتان إن شاء الله تعالى.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا قَوْلُنَا: إيلاَجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ فَيَتَنَاوَلُ اللِّوَاطَ وَهُوَ يوجُبُ قَتْلَ الفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ عَلَى قَوْلٍ (ح)، وَالرَّجْمَ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى قَوْلٍ، وَالتَّعْزِيرَ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ كَالزِّنَا عَلَى قَوْلٍ، وَإتْيَانُ الأَجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا لِوَطٌ، وَالغُلاَمُ المَمْلُوكُ كَغَيْرِ المَمْلُوكِ عَلَى الأَصَحِّ، وَالمِلْكُ فِي الجَارِيَةِ وَالزَّوْجَةِ شُبْهَةٌ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الثاني: إيلاج الفَرْج في الفَرْج، فيدخل فيه اللواطُ، وهو من الفواحش؛ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 28] وقال عَزَّ منْ قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33].
ثم إن لاَطَ بذكر، ففي عقوبة الفاعل أقوالٌ:
أحدها: أن عقوبته القتْلُ محصَناً كان أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَجَدَتُّمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَاَلْمَفْعُولَ بِهِ" 376 وعلى هذا، ففي قتله وجوهٌ: = الصحيحين من حديث ابن عمر.
(فائدة) تمسك الحنفية في أن الإِسلام شرط في الإحصان، بحديث روي عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً: من أشرك بالله فليس بمحصن، ورجح الدارقطني وغيره الوقف، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده على الوجهين، ومنهم من أول الإحصان في هذا الحديث بإحصان القذف.
الجزء: 11 - الصفحة: 139
أحدها: أنه يُقْتل بالسيف كالمرتدِّ؛ لأنه السابق إلى الفَهْمِ مِنْ لفظ القتل، ويُحكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بن القطَّان.
والثاني، وبه قال مالك وأحمد: أنه يُرْجَم تغليظاً؛ لما رُوِيَ عن علي -[كرم الله وجهه] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: يُرْجَمُ اللوطيُّ.
والثالث: يهدم عليه جدار، أو يرمى من شاهق حتى يموتَ أخذاً من عذاب قوم لُوطٍ، قال الله تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا 377 سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ [سِجِّيلٍ] 378﴾ [هود: 82].
وأصحُّهما: أن حده حدُّ الزنا، فَيُرْجَم، إن كان محصناً، ويُجْلد ويُغرَّب، إن لم 379 يكن مُحْصَناً؛ لأنه حد يجب بالوطء، فيختلف بالبكر والثيب، كالإتيان في القُبُل، وقد يُحْتج له بظاهر ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 380 قال: "إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ".
والثالث: أن الواجب فيه التعزير، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه فرْجٌ لا يجب المَهْر بالإيلاج فيه، فلا يجب الحدُّ كإتيان البهيمة، وهذا القول مخرَّج منه، ومنهم مَنْ لا يثبت هذا القَوْلَ، وأما المفعول، فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً، فلا حد عليه، ولا = وأبو هريرة، وفي حديث أبي هريرة أحصنا أم لم يحصنا، كذا قال، وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه، وعاصم متروك، وقد رواه ابن ماجة من طريقه بلفظ: فارجموا الأعلى والأسفل، وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته كما تقدم.
الجزء: 11 - الصفحة: 140
مهْر؛ لأن منفعة بُضْعِ الرَّجُل لا تتقوَّم، وإن كان مكلَّفا طائعاً، فإن قلْنا: إن الفاعل يُقْتل، فَيُقْتل المفعول بما يُقْتَل به الفاعل، وإن قلنا: إن حدَّه حد الزنا، فيُجْلَد المفعول ويغرَّب محصناً كان أو لم يكن.
وإن أتى امرأةً في دبرها، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنه لواطٌ؛ لأنه إتيانٌ في غير المأتى، فيجيء في الفاعل الأقوالُ، وتكون عقوبة المرأةِ الجَلْدَ والتغريبَ على قوْلنا: إن حدَّه حد الزنا، وهذا ما أورده في الكتاب، ورجحه في "التهذيب" وبه قال الشيخ أبو حامد.
والثاني: أنه زناً؛ لأنه وطء صادف أنثى، فأشبه وطئها في القُبُل؛ فعلى هذا [حَدُّه] حَدُّ الزنا، بلا خلاف، وتُرْجَم المرأةُ، إن كانت محصنةً، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج وأورده صاحب "المهذب" هذا كلُّه [فيما] إذا لم يكن [هناك] مِلْكُ يمين ولا نكاحٌ.
وأما إذا لاطَ بعبده، ففيه طريقان:
أحدهما: أن في وجوب الحَدِّ قولَيْن؛ لقيام المِلْك كما لو وطئ أخته المملوكة.
وأصحُّهما: أنه كالأجنبيِّ، ويخالف وطء الأخت المملوكة، فإن المِلْك يبيح الإتيان في القُبُل في الجملة، فهذا لم يبح، انتهض شبهة، ولا يبيح هذا النوعُ بحال، ولو أتى امرأته أو جاريتَهُ في دبرها، فطريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في وطء الأخت المملوكة.
وأصحهما: القطْع بالمنع؛ لأنها مملوكة ومحلُّ استمتاعه [والله أعلم].
وأما لفظ الكتاب فقوله "وهو يوجب قتل الفاعل والمفعول" أراد به القتل بالسيف، ويجوز أن يُعْلَم ما سوى قول التعزير بالحاء؛ وما سوى قول الرجْم بالميم والألف، وأن يعلم قوله "على قول" من قوله "والتعزير على قول" لما ذكرنا أن بعضهم نفاه، ويخرَّج بالقيْدِ المذكور المفاخَذَة، ومقدِّمات الوطء، فلا يجب الحدُّ بشيء من ذلك، وإذا وجدْنا بالمرأة الخليَّةِ حبلاً، وأنكرت الزنا، لم تُحدَّ خلافاً لمالك، وإذا وجْدنا امرأة ورجلاً أجنبيين تحتْ لحاف، ولم يعرف غير ذلك، لم نَحُدَّهما، وكذلك إذا أتت المرأة المرأةَ؛ لأنه لا إيلاج، والواجبُ في هذه الصورة التعزير.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا: تُشْتَهَى طَبْعاً يُبَيِّنُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ بالإيلاَج في المَيْتَةِ، وَفِي البَهِيمَةِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّ فِيهِ التَّعْزِير، وَفِي قَوْلٍ نُقْتَلُ البَهِيمَةُ أَيْضاً، ثُمَّ فِي وُجُوبِ قِيمَتهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَة وَفِي حِلِّهَا إنْ كَانَتْ مَأْكُولَة خِلاَفٌ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا الحَدَّ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِأرْبَعَةِ عُدُولٍ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّعْزِيرَ فَيَكْفِي عَدْلاَنِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الثالث: أن يكون الإيلاجُ يشتهى طبعاً، وقصد به التحرُّز عن صورتين:
الجزء: 11 - الصفحة: 141
إحداهما: إذا أولج في فَرْجِ ميتة، ففيه وجهان منقولان في "التهذيب" وغيره:
أحدهما: أنه يجب الحدُّ؛ لأنه حصل إيلاجُ فَرْجٍ في فرج [محرم] 381، لا شبهة فيه.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجب؛ لأنه ممَّا ينفر الطبْعُ عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يُحْتَاجُ إلى الزجْر عنه [بالحد]، كشرب الخمر والبَوْل.
الثانية: إتيان البهيمة حرامٌ، وفي عقوبته قولان:
أصحهما: التعزير؛ لأن الطباع السليمة تأباه، ولا يوجَدُ ذلك إلا نادراً من الأراذل، ومثل ذلك لا يزجر عنه بالحدِّ.
والثاني: أنه يجب فيه الحدُّ؛ لأنه إيلاج فرْج في فرجٍ حرامٍ، وعلى هذا فقولان:
أحدهما: أنه يقتل محصناً كان أو لم يكن، لما رُوِيَ عن ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَة" 382 قيل لابن عباس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- فَمَا شَأْنُ البَهِيمَةِ؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يُؤْكَلَ لحْمُها، وقد عمل بها ذلك العمَلَ، ويُروَى أنه قال في الجواب: إنها تُرَى، فيقال: هذه التي فُعِلَ بها ما فُعِلَ، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ" 383.
والثاني: أن حده حد الزنا، فيُفْرَق بين المحْصَن وغيره؛ لأنه حدٌّ يجب بالإيلاج، فأشبه الزنا، وفيه طريقان آخران:
الجزء: 11 - الصفحة: 142
أحدهما: القطع بأنه كاللواط؛ فعلى هذا ينجذب قول التعزْير على رأْي.
والثاني: القطع بأن الواجب فيه التعزيرُ، حكاه صاحب "البيان" وغيره، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
فيجوز أن يُعْلَمْ لهما قوله في الكتاب "وفي البهيمة قولان" بالواو.
التفريع: إن أوجبنا القَتْل، ففى كيفيته الخلاف المذكور في اللواط، وهل تقتل البهيمة؟ ذكر الشيخ أبو حامد وجماعةٌ أنها إن كانَتْ مأكولةٌ، تقتل، وإلا فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لظاهر الخبَرَيْن.
والثاني: المنعُ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن ذبْحِ الحيوان، إلا لمَأْكَلَة 384، وفي إسناد الخبَر كلامٌ، ومنهم مَنْ أطلق الوجهين في المأكول وغيره، ويخرَّج من الطريقين ثلاثةُ أوجه؛ ثالثها الفرْقُ بين المأكول وغيره.
التفريع: إن قلْنا: [إنها] تقتل، فقد ذكروا فيه معاني:
أحدُها: كراهية أكلها، لو أُمْسِكَت.
والثاني: أنه لِئَلاَّ يَذْكُر الفاحشة بها.
والثالث: [خوف أن] يأتي بخَلْقِ مشوَّه يشبه بعْضُه الآدميَّ، وبعضه البهيمةَ، المَعْنَى الأول يختص بالمأكول، والثاني والثالث يشملان المأكول وغيره، فمن قال: يُقْتَل المأكول دون غيره، يجوز أن يَذْهَب إلى المَعْنَى الأول، ولو أتى البهيمة في دُبُرها، فيقتل على المعنى الأول والثاني، ولا يُقْتَل على المعنى الثالث، وهل يَحلُّ أكلُها، إذا كانت مأكولةً، وذبحت؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنها مُذكَّاةٌ كغيرها؛ وهذا ما رجَّحه الإِمام وصاحب "التهذيب".
والثاني: لا: لما سبق في الرواية عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]-، وأيضاً، فإنه، إذا وجب قتلها، التحقت بالمؤذيات، وهذا أصحُّ عند الشيخ أبي حامد، فإن قلْنا: لا يحل أكلها، أو كانت غير مأكولة، فهل يجب ضمانُها، إذا كانت لغير الفاعل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها صارت مستحِّقة القتل شرعاً، كالعبد يُقتل حدّاً.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه حيوانٌ أتلف، بلا جنايةٌ، وعلى هذا، فعلى من يجب الضمان؟ فيه وجهان عن أبي علي الطبريِّ وغيره.
الجزء: 11 - الصفحة: 143
أحدهما: على بيت المال؛ لأنها قُتِلَت للمصلحة.
وأصحُّهما: على الفاعل؛ لأن التلف جاء بسبب فعله، وشبه هذا الخلاف في أجْرَة الجَلاَّد، وإذا قلْنا: يحل الأكل فيما إذا كانت البهيمةُ مأكولةً، ففي قدر التفاوت بين قيمتها حيِّةً مذبوحةً ما ذكرنا من الخلاف، ولو مَكَّنَتِ امرأةٌ من نفسها قِرْداً، كان الحكْمُ، كما لو أتى بهيمةً، حكاه صاحب "التهذيب" وغيره، ومما يتفرَّع على الخلاف المذكور في اللِّواط وإتيان البهيمة، أنَّا إذا أوْجَبْنَا الحدَّ [فيهما]، فلا تثبتان إلا بأربعةِ شهودٍ كالزنا، وإن قلْنا بوجوب التعزير، فيكفي عدلان أو لا بد من أربعة؟ فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة والمزنيُّ وابن خيران: [أنَّه] 385 يكفي عدلان، كما في سائر الجنايات وعقوبتها.
وأظهرهما، وينسب إلى النص: أنه لا بُدَّ من أربعة؛ [لأنها] 386 شهادة على إيلاج فرْجٍ في فرج، فأشبهت الشهادةَ على الزِّنَا، ويجوز أن تختلفَ عقوبة الإيلاج، ولا يختلف عدد الشهود؛ كالجَلْد والرجْم في الزنا، وليكُنْ قوله في الكتاب "وإن أوجبنا الحدَّ" مردود إلى إتيان البهيمة واللواط معاً، فالحكم فيهما واحدٌ.
والمسألة في اللواط أعادها صاحب الكتاب في "الشهادات" وحَكَى الخلافَ في اعتبار العَدَد على القول بوجوب التعزير قولَيْن، والمشهورُ وجهان، كما ذكرنا هنا، وكذا قوله قبل ذَلِك، وفي قول، "تقتل البهيمة" المشهور فيه الوجه.
وقوله "بينهما" فيه "خلاف" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن القاضي ابن كَج حكَى القَطْع بحلِّ الأكل.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا مُحَرِّمٌ قَطْعًا احْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ الوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ وَفِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ وَفِي المُتْعَةِ فَإنَّ الصَّحِيحَ أَنْ لاَ حَدَّ فِيهِ، وَأَمَّا وَطْءُ الحَاِئضِ وَالمُحْرِمَةِ وَالصَّاِئمَةِ فَلاَ حَدَّ فِيهِ قَطْعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الرابع كونُ الإيلاج مُحْرَّمًا قطعاً، فلا حد في الوطء بالشبهة؛ لأنه لا يُوصَفُ بالحرمة، والكلام فيه مبسوطٌ من بعد، [وأردنا] 387 بالإيلاج المحرَّم ما يُحَرَّم بعينه دون ما يحرِّم؛ لأمر من خارج، وإن لم يتلفَّظ به، فيَخْرُج وطء الحائض والصائمة والمُحْرِمِة؛ لأن التحريم ليس لعين الوطء، وإنما يحرم وطء الحائض؛ للأذى ومخامرة تلْك النجاسة، ووطء الصائمة والمُحْرِمة لحرمة العبادة، فلا يتعلَّق به الحد،
الجزء: 11 - الصفحة: 144
وكذلك وطء الجارية قبل الاستبراء، وكون التحريم مقطوعاً به يَخْرُج عنه الوطء في الأنكحة المختلف في صحتها، ولا يجب الحد بالوطء في النكاح بلا وليٍّ على الأصح، وقد حكينا وجهاً عن الصيرفيِّ في "باب النكاح": أنه يجب الحدُّ على مَنْ يعتقد تحريمه.
ويُحْكَى عنه، وعن غيره الوجُوب على مَنْ يعتقد إباحته أيضاً، كما يوجب الحدُّ على الحنفيِّ بشرب النَّبيذ، وكذلك لا يجب الحدُّ بالوطء في نكاح المتعة، وفيه خلاف مذكور في النكاح، وقوله في الكتاب "وفي النكاح الفاسد وفي المتعة" نكاح المتعة أحد الأنكحة الفاسدة، فالنَّظْم كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68].
وقوله: "فإن الصحيح" يرجع إلى النكاح الفاسد دون الوطء بالشبهة، فلا خلاف في أنه لا يجب الحد به.
واعلم أن هذا القيد يُسْتَغْنَى عنه بالذي بعْده، وصُوَرُهُ داخلةٌ في الذي بعْده، وقد كَرَّر أكثرها فيه.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا: لاَ شُبْهَةَ فِيهِ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ شُبهَةٍ فِي المَحَلِّ وَالفَاعِلِ وَالطَّرِيقِ، أَمَّا شُبْهَةُ المَحَلِّ فَأَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ عِدَّةٍ فَلاَ حَدَّ عَلَى الجَدِيدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي الفَاعِلِ فَأنْ يَظُنَّ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، فَأمَّا فِي الطَّرِيقِ فَأَنْ يَخْتَلِفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ كَالنِّكَاحِ بِلاَ وَليٍّ وَبِلاَ شُهُودٍ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَدْرَأُ الحَدَّ.
قَالَ الرِّافعِىُّ: القيد الخامس: أن يكون خالياً عن الشبهة، رُوِيَ عَنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 388 وأتبع صاحب الكتاب في ضبط
الجزء: 11 - الصفحة: 145
"الشُّبُهَاتِ" 389 تقسيماً ذكر أن الشيخ أَبَا محمَّدٍ كان يردّهُ في كلامه، وهو أن الشبهة ثلاثة أقسام، شبهةٌ في المَحْلِّ، وأُخْرَى في الفاعل، وأخْرَى في الجهة والطريق.
القسم الأول: الشبهة في المَحلِّ؛ بأن يكون مملوكاً له، كما لو وطئ جاريتَه المحرّمة عليه؛ بمحرمية رضاع أو نسبٍ؛ بأن كانت أختَهُ من الرضاع أو النسب، أو كانت بنته أو أُمَّةُ من الرضاع، ففي وجوب الحد قولان:
أصحُّهما، وبه قال أبو حنيفة: لا يجب؛ لشبهة المِلْك المبيح 390.
والثاني: يجب؛ لأنه وطءٌ لا يستباح بحال؛ فأشبه اللواط، ويجري الخلاف فيما إذا كانت موطوءَة أبيه أو ابْنِه، ولو وطئ جاريةً مشتركةً بينه وبين غيره، أو جاريتَهُ المزوَّجة أو المعتدَّة عن زوجها، ففيه طريقان:
أحدهما: طرد القولين، وهذا ما ذكره في الكتاب.
وأقواهما: القطع بالمنع؛ لأن تحريمهن لا يتأبد، فأشبه وطء الحائض والمُحْرِمة، وفي معنى هؤلاء الجاريةُ المجوسيةُ والوثَنِيَّة، وما إذا أسلَمَتْ جارية ذميٍّ، فوطئها قبل أن تباع عليه، وإذا قلْنا: لا يجب الحد يثبت النسب وحرمة المصاهرة، وإذا قلْنا: يجب، فلا يثبتان، وقيل: يثبت النصب، وتصير الجاريةُ مستَولدَةً بلا خلاف، فيدخل في هذا القسْم وطء الأب جاريةَ الابْنِ لشبهة حقِّه في مال الابن، ويجوز أن يُعدَّ منه وطء الحائض والمُحْرِمة و [مَنْ] في معناهما.
والقسم الثاني: الشبهة في الفاعِل؛ وذلك بأن يجدَ امرأةً على فراشه فيطأَهَا على ظنِّ أنها زوجتُه أو أمتُهُ، فلا حدَّ عليه، وإذا ادعَى أنه ظنَّ ذلك، فعن النص أنه يَحْلِف ويُدْرِأ عنه الحدُّ، وقال أبو حنيفة: يجب الحدُّ، ولا أثر لهذا الظن، إلا إذا زُفَّت إليه امرأةٌ، وقيل [له:] 391 إنها التي نكَحْتَها، وكانت غير [التي نكحها] 392 لنا: القِياسُ على ليلةِ الزِّفافِ، وعلى ما إذا ضرب شراباً على ظن أنه ليس بخمرٍ، [فإذا هو خمر] 393، ولو ظن الموطوءة الجاريةَ المشتركةَ بيْنه وبين غيره، فكانَتْ غيرها، وفرَّعنا على أنه لا يجبُ = عمر، قلت: ورواه أبو محمَّد بن حزم في كتاب الإيصال من حديث عمر موقوفاً عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لان أخطئ في الحدود بالشبهات، أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات، وفي مسند أبي خيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الأصل مرفوعاً.
الجزء: 11 - الصفحة: 146
الحدُّ بوطء الجارية المشتركة، قال الإِمام: فيه تردد، ويظهر أن يقال: لا حد؛ لأنه ظن ما لو تحقَّقه لانْدَفَعَ الحدُّ، ويجوز أن يقال: يجب؛ لأنه علم [التحريم] وظن أنه اقترن به ما يدفع الحدَّ، فلم يكن [فكان] من حقَّه، إذا علم التحريم، أن يمتنع.
القسم الثالث: الشبهة في الطريق والجهة، قال الأئمة: كلُّ جهة صحَّحها بعضُ العلماء، وحكم بحل الوطء بها، فالظاهر أنه لا حدَّ على الواطئ بتلك الجهة، وإن كان لا يعتقد الحلَّ، وذلك كالوطء في النكاح بلا وليِّ؛ كمذهب أبي حنيفة، وبلا شهود؛ كمذهب مالك، وفي نكاح المتعة، وقد سبق الكلام في هذه الصور.
واعلم أنَّا ذكَرْنا في "كتاب الرَّهْن" أن 394 ظاهر المَذْهَب وجوبُ الحدِّ على المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونةَ بإذْنِ الرَّاهِن، وهو يعتقد التحريم، وقد حُكِيَ عن عطاء بن أبي رباح، أنه يباح وطء الجارية بإذْن مالِكِها، وقياس ما نذكره الآن أن يكون الظاهِرُ في تلك الصورة ألاّ يجب الحدُّ أيضاً؛ وأن يجعل مذهب شبهة دارئة، وكأنهم لم يصحِّحوا النقل عنه، ولم يتحقَّق عندهم أنه مذْهَبه، وإن قيل إن [ذلك مذهبه لكن] 395 الإجماع انعقد [بعده] 396 على التحريم، والإجماعُ اللاحقُ يرفع أثر الخلافِ السابقِ، فهذا قد يُذْكر مثلُه في نكاح المتعة، فيلزم أن يرجَّح فيه وجوبُ الحدِّ أيضاً [والله أعلم].
وقوله في الكتاب "فلا حد على الجديد في جميع ذلك" وصف الخلاف بالجديد والقديم تعرَّض له الإِمام وتابعه صاحب الكتاب، وسكت أكثرهم عنه، وأرسلُوا ذكر القولَيْن، بل في "الشامل" أن قول وجوب الحدِّ منصوصٌ عليه في "الإملاء" ونسبهما معاً ناسِبُون إلى "الإملاء" [والإملاء] 397 محسوبٌ من الكتب الجديدة، ثم يجوز أن يُعْلَم قولُه "على الجديد" بالواو؛ لما حكينا من القطع بالمَنْع في بعْض الصُّورَ المذكورة.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أُمَّهُ وَوَطِئَهَا حُدَّ كَمَا لَو اسْتَأْجَرَ للزِّنَا أَوْ إِبَاحَةِ الوَطْءِ، وَلَوْ زَنَتْ خَرْسَاءُ بِنَاطِقٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ مَكَنَّتِ العَاقِلَةُ مَجْنُوناً أَوْ أَنكَرَ أحَدُ الوَاطِئَيْنِ أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ يَسْتَحِقْ عَلَيْهَا القِصَاصَ أَوْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَجَبَ الحَدُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا فَرَغَ من الكلام في الشُّبهة الدارئة، ذَكَرَ الصورَ التي عَدَّها بعضُهم من الشبه المؤَثِّرة، وليست كذلك، فمنها: لو نَكَحَ أُمَّهُ أو مَحْرَماً غيرها؛ [إمَّا] 398 بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ووطئِهَا، يجب عليه الحدُّ، وعند أبي حنيفة، لا يجب، وتفسير صورة العقْد شبهةً.
الجزء: 11 - الصفحة: 147
لنا: أنه وطءٌ صادف محلاً، ليس له فيه ملك ولا شُبْهَة مِلْك، وهو مقْطوع بتحريمه، فيتعلَّق به الحدُّ، وهكذا لو نكح المطَّلقة ثلاثاً أو الملاعَنَة أو نَكَحَ مَنْ تحته أربعٌ خامسةً، أو نكح أختاً على أخْتٍ، ووطئ عالماً بالحال، يجب عليه الحدُّ، وحكَى القاضي ابن كج فيما إذا نكح أختَهُ من الرضاع ووطئها، وادَّعَى الجَهْل بالتحريم قَوْلَيْن في أنه، هل تُقْبل دعواه، ولا خلاف في أنه لا يُقْبَل في الأخت من النَّسَبِ، ولو نكح [معتدة أو مرتدة]، أو ذات زوْجٍ أو نكح الكافِرُ مسلمةً، ووطئ، وجب الحدُّ، كما ذكرنا في نكاح المحارم، وبمثلة أجاب في "التهذيب" إذا نكح وثنيّةً أو مجوسيّةً، وقال الرويانيُّ في "جمع الجوامع": في المجوسية لا يجب الحد؛ [لأن] في نكاحها خلافاً، وهذا هو القياس إذا تحقَّق الخلاف، ولو ادعى الجَهْل يكون المرأة معتدةً، أو ذاتَ زوجٍ، حلف، إن كان ما يدَّعيه ممكناً، ودُرئ عنه الحدُّ، نص عليه، وعن القاضي أبي حامد: أنه قد نَقَل أن اليمين استظهارٌ 399، ولو قالتِ المرأةُ: علمت أني معتدةٌ أو ذاتُ زوْجٍ، حدت، وإن لم يُحدَّ الرجل.
ومنها: إذا استأجر امرأةً للزنا وزنا بها، لزمه الحدُّ خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أنه عقدٌ باطلٌ، فلا يُورثُ شبهةً، كما لو اشترى حرَّة، فوطئها أو خمراً [فشربها] وأيضاً، فلو كان شبهةً لثبت به النسب، ولا يثبت بالاتفاق.
ومنها: لو أباحت الوطء لرجل، فوطئها، [فعليهما] 400 الحدُّ، ولو أباح جاريتَهُ لغيره، فعلى ما ذكَرْنَا في ["كتاب] 401 الرَّهْن"، ويشبه أن لا يجيْء مذْهب عطاء في إباحة المرأة بُضْعَها؛ لأن السيد يبيح ما أبيح له، والمرأة بخلافه، وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط": أن أبا حنيفة خالَفَ في صورة الإباحة، والمتبادر إلى الفَهْم من ذلك: أنه يسقط الحدُّ بالإباحة، والذي يوجَدُ في كتب الأئمة، أن أبا حنيفة قال: إذا أباحتِ المرأةُ جاريتَها لزوجها، فوطئها، [سقط] 402 الحدُّ، وسكتوا عن إباحة الرجُل جاريتَهُ، وعن إباحة المرأة بُضْعها وجاريتَها لغير الزوج.
ومنها: إذا زنتْ خرساءُ بناطقٍ أو بالعَكْس، وجب الحدُّ، وعن أبي حنيفة: أنه إذا أقر أنه زنا بخرساءَ، لا يُحَدُّ؛ لأن إقرار الأخرس بالزِّنا لا يصح؛ فيصير كما لو كانت، ناطقةً، فكذبته لا يحدُّ، ونحن لا نوافقه على هذا الأصل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وَيُقْبَل إقرار الأخرس بالزنا.
ومنها: إذا زنى العاقلُ البالغُ بمجنونةٍ أو مراهقةٍ أو نائمةٍ، لزمه الحد، وإن لم يلزمها، ولو مكنت [البالغة العاقلة] مجنوناً أو مراهقاً أو نائماً، فعليها الحدُّ خلافاً لأبي
الجزء: 11 - الصفحة: 148
حنيفة؛ حيث قال: لا يجب؛ لأن فعْل الرجُل، والحالةُ هذه، ليس بزنا.
لنا: القِياسُ على الطَّرَف الآخر، ولا نسلم أنَّه ليس بزناً، ولكن لا يجبُ به الحدُّ.
ومنها: لو قال: زنيتُ بهذه المرأةِ، فجَحدتْ، فعليه الحدُّ؛ لأنه أقر بما يوجِبُه، وقال أبو حنيفة: لا يجب الحد.
ومنها: لو زنا بأمرأةٍ، له عليها قصاص، يلزمه الحدُّ، وقال أبو حنيفة: إذا زنا بأمةٍ، له عليها قصاص، لم يجب الحدُّ.
ومنها: إذا زنا في دار الحرب، وجب عليه الحدُّ خلافاً لأبي حنيفة، ثم الأصحُّ أن للإمام أن يقيم الحدَّ هناك، إذا لم يخف فتنة، وفيه قول: أنه لا يقيمه، لما فيه من انكسار قلوب [المسلمين] 403.
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي المُكْرَهِ عَلَى الزِّنَا قَوْلاَنِ، وَالمُكْرِهَةُ عَلَى التَّمْكِينِ لاَ حَدَّ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الضبط الذي سبق لبيان الفعل الموجب للحدِّ، ويُشْترط في الفاعل أن يكون مختاراً، فلو أُكْرِه [على الزنا] 404 ففي وجوب الحدِّ وجهان، وقال في الكتاب: قولان:
أصحهما: أنه لا يجبُ؛ لشبهة الإكراه، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 405.
والثاني: يجبُ؛ لأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شَهْوة واختيار.
وعند أبي حنيفة: إن أكرهه السلطانُ، لم يجب الحدُّ، وإن أكرهه بعضُ الرعية، وجب، ولا يخفى أنه يشترط لوجوب الحدِّ التكليفُ حتى لا يجب على الصبيِّ والمجنونِ، ويجوز أن يقال: إن وطئها، يخرج عن الضابط المذكور بقيد التحْريم، فإنَّ فعْلَهُما لا يوصَفُ بالتحريم، ومَن لا يعلَمُ تحريم الزنا؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لأنه نَشأ في بادية بعيدة من المسلمين، لا حدَّ عليه.
رُوِيَ أن رجلاً قال: زنيتُ البارحة،
فسئل، فقال: ما علمتُ أن الله حرَّمهِ، فكتب بذلك إلى عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فكتب عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "إنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّ الله حَرَّمَهُ فَحُدُّوهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَأَعْلِمُوهُ، فَإِنْ عَادَ، فَارْجُمُوهُ" 406.
الجزء: 11 - الصفحة: 149
وإن كان قد نشأ بين المسلمين، وقال: لم أعلم التحريم، لم يُقْبَل قوله، [فإنه] خلافُ الظاهرِ، ولو علم التحريم، ولم يعلم تعلُّق الحد به، فقد جَعَلَه الإِمام على التردُّد الذي ذكره فيما إذا وطئ امرأةً على ظَنِّ أنها [الجارية] المشتركة بينه وبين غيرِهِ، فكانت غَيْرَهَا [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا هُوَ مُوجِبُ الحَدِّ وَلْيَظْهَرْ لِلْقَاضِي بِجَمِيعِ قُيُودِهِ إمَّا بالإِقْرَارِ (ح) أَو الشَّهَادَةِ، وَيَكْفِي الإِقْرَارُ (ح) مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ رَجَعَ سَقَط الحَدَّ، وَهَلْ يَنْزِلُ التِمَاسُهُ تَرْكَ الحَدِّ أَوْ هَرَبُهُ أَوْ امْتِنَاعُهُ مِنَ التَّمْكِينِ مَنْزِلَةَ الرُّجُوعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإنْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِى سُقُوطِهِ بالتَّوْبَه قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ حَدٍّ للهِ تَعَالَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان موجب الحد ومن يجب عليه، ولا بد من ثبوته عند القاضي؛ إما بالبينة أو بالإقرار [ليتمكن من إقامة الحد؛ أما البينة] 407؛ فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] وأما الإقرار، فعن أبي هريرة 408 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جاء مَاعزُ بن مالكٍ إلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّه الأَيْمَنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الأَيْسَرَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: إِني قَدْ زَنَيْتُ، قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرِّاتٍ، فَقَال أَبِكَ جُنُونٌ؟! قَالَ: لاَ، يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: أُحْصِنْتَ، فَقَال: نَعَمْ، قَالَ: انْطَلِقُوا به، فَارْجُمُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، فَلَمَّا مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فِي يَدِهِ لَحْيُ حَمَلٍ، فَضَرَبَهُ، فَصَرَعَهُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- هَرَبَهُ حِينَ مَسَّتْهُ الحِجَارَةُ، فَقَالَ: هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ قَالَ الأصحاب: لم يكن ترديدُ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا لِيُقِرَّ أربَعَ مرات، ولكنه ارتابَ في أمرِهِ، فاستثبته؛ ليعرف أبه جُنونٌ أو شَرِبَ خَمْرًا أم لا؟ وإلا، فيكْفِي الإقرار = وإن لم يكن علم فعلموه، فإن عاد فحدوه، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، وأخرجه أيضاً عن معمر عن عمرو بن دينار وزاد: إن الذي كتب إلى عمر بذلك، هو أبو عبيدة بن الجراح، وفي رواية له: أن عثمان هو الذي أشار بذلك على عمر رضي الله عنهما، وروى البيهقي من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قصة لعمر وعثمان في جارية زنت وهي أعجمية، وأدعت أنها لم تعلم تحريمه.
الجزء: 11 - الصفحة: 150
مرةً واحِدَةً، وبهذا قال مالك، ويدل عليه ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِأُنَيْسٍ: "اغْدُ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" علق الرجْم بمُطْلَق الاعتراف، وقال أبو حنيفة: لا يحدُّ، ما لم يُقِرَّ أربع مَراتٍ في أربع مجالس، واعتبر أحمد المراتِ الأربع، ولم يشترطْ أن يكونَ في مجَالِسَ متفرِّقة.
ويُستحبُّ لمن ارتكَبَ كبيرةً توجِبُ حدَّ الله تعالَى أن يستر على نَفْسِه، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- 409 قال: "مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ القَاذُوراتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدِّ" قال في "التهذيب": ويخالف ما إذا قَتَل أو قَذَفَ، يُسْتَحَبُّ له الإقرارُ؛ ليستوفَى منه القصاص أو حدُّ القذف؛ لما في حقوق الآدميين من التشديد، ويشبه أن يقال: يجب عليه أن يعترفَ، ولا يقتصر على الاستحباب، وقد مَرَّ نحوه في أول اللِّعان، وهل يُسْتحبُّ للشهود [كتمان] 410 الشهادة في حُدُود الله تعالى؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لئلا تتعطَّل 411، وإذا ثبت الحدُّ، لم يجز العفو عنه، ولا الشفاعة،
الجزء: 11 - الصفحة: 151
ولو أقر على نفسه بالزنَا، ثم رجع عنه، سقط الحدُّ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصَّة مَاعز: "لَعَلِّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلِّكَ لَمَسْتَ" 412 وهذا كالتعرّض بالرجوع، وعن مالك روايتان في قبول الرجُوع، وهل يُستحبُّ له الرجوع؟ فيه وجهان يُقَاسُ أحدهما باستحباب السِّتْر في الابتداء، ويُفْرَق في الثاني بأن الهَتْك قد حَصَل هاهنا، فلا يقنع تكذيبه نفْسَهُ، ولو كان قد قال: زنيت بفلانة، فهو مقرُّ بالزنا، قاذفٌ لها، فإن أنكرتْ أو قالَتْ: كان قَد تزوَّجَني، فعليه حدُّ الزنا، وحدُّ القذف، فإن رَجَعَ، لم يسقُطْ حد القذف، ولو قال: زنيتُ بها [مُكْرَهَةً] لم يجب حدُّ القذف، ويجب مع حدِّ الزنا المَهْرُ، ولا يسقط المَهْر بالرجوع، ولو رجع عن الإقرار بعْد ما أقيم [عليه] 413 بعضُ الحد ترك الباقي، ولو قتله قاتلٌ بعْد الرجوع، ففي وجوب القصاص وجهان، رواهما القاضي ابن كج، ورأى الأصحَّ أنه لا يجبُ، ونسبه إلى أبي إسحاق، لاختلاف العلماء في أنَّه هل يَسْقُط الحدُّ بالرجوع؟ ولو رجعَ بَعْد ما جُلِد بعْض الجلد، فأتَمَّ الإِمام الجلدَ، ومات منه، والإمام مِمَّن يرى سقوط الحدّ بالرجوع، فعن أبي الحُسَيْن روايةُ قَوْلَيْن في وجوب القصاص، فإن قلنا: لا يجب، فيجب نصف الدية، أو توزَّع على السياط؟ فيه قولان، قال القاضي ابن كج: وعنْدي لا قصاص قولاً واحداً؛ لأن الزهوق حصل مِنْ مباحٍ ومحظور.
والرجوع عن الإقرار؛ بأن يقول: كذبت أو رجعتُ عمَّا أقررتُ به أو ما زنَيْتُ أو كنْتُ فاخَذْتُ أو لَمسْتُ، فاعتقدته زناً؛ ولو شهد الشهود على إقراره بالزنا، فقال: ما أقررتُ أو قال، بَعْد ما حكَم الحاكمُ بإقراره، ما أقررتُ، فهذا تكذيبٌ للشهودِ وللقاضي، فلا يُلْتَفَت إليه، وعن أبي إسحاق، والقاضي أبي الطيب: أنه كما لو قال: رجعتُ أو ما زنَيْتُ؛ لأنه غير معترفٌ في الحال بوجوب الحدِّ عليه، ولو قال: لا تقيموا الحدِّ عليَّ أو هرب، أو 414 امتنع من الاستسلام، فهَلْ يُقام ذلك مقام الرجوع؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب".
أحدهما: نعم؛ لاشعاره بالرجوع.
وأصحُّهما: لا؛ لأنه قد صرَّح بالإقرار، ولم يصرِّح بالرجوع، ولكن يُخلَّى في الحال، ولا يُتْبَع لقوله -صلى الله عليه وسلم- 415 في خبر مَاعز: "فَهَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ" والمعنى فيه أنه ربما قصد
الجزء: 11 - الصفحة: 152
الرجوع، فيعرض عنه احتياطاً، فإن رجع، فذاك، وإلا، أقيم عليه الحدُّ، ولو اتُّبعَ الهارِبُ، فرُجِمَ، فلا ضمان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُوجِبْ عليهم في قصَّة ماعز شيئاً، والرجوعُ عن الإقرار بِشُرْبِ الخمر كالرجوع عن الإقرار بالزنا، وفي الرجوع عن الإقرار بالسرقة وقَطْع الطريقِ خلافٌ سيأتي في "السَّرِقة" إن شاء الله تعالى:
ولو تاب مَنْ ثبت زناه، فهل يَسْقط الحدُّ عنه بالتوبة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه رُوِيَ في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لماعِز: "ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ".
وَرُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هلاَّ رَدَدتُّمُوهُ إِلَيَّ لَعَلِّهُ يَتُوبُ".
وأصحُّهما، وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يَسْقط؛ كيلا يتخذ، ذلك ذريعةً إلى إسقاط الحدود وإبطال الزواجر، ويدل عليه قولُه -صلى الله عليه وسلم- (1): "مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدِّ اللهِ تَعَالَى، ولفظ "التوبة" في قصة ماعزٍ محمولةٌ على الرجوع عن الإقْرَار، وفي موْضِع القولَيْنِ طريقان:
أحدهما: أنهما جاريان فيما إذا تاب قَبْل الرفع إلى القاضي وبَعْدَه.
والثاني: أن القَوْلَيْنِ مَخْصُوْصانِ بما إذا تاب قبل الرفْع، أما بعْده، فيقطع بأنه، لا يَسْقِطُ الحد، وتمام الكلام في مسألة التوبة يأتي في "قطْع الطريق" إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب "ويكفي الإقرار مرةً واحدةً" معلم بالحاء والألف.
وقوله "سقط الحد" بالميم، ويُرْوَى عن مالك أنَّه قال: إن ذكر [لإقراره] تأويلاً، بأن قال: حسبت المفاخَذَةَ زناً، يُقْبَل، ولا يُقْبَل الرجوعُ المُطْلَق.
وقوله "فإن ثبت بالشهادة، لم يُسقِطْ بشَيْء منْ ذلك" أي بالتماس تركْ الحدِّ والهَرَب وغيرهما، وفي "النهاية" حكاية خلافٍ فيه، وكان المقصود منه أنَّا إذا فرَّعْنا على أنه يَسْقُط الحدُّ بالتوبة، فينزل ذلك منزلة التوبة على رأْي، كما ينزل منزلة الرجُوع عن الإقرار عَلَى رأْي، وهذا يجوِّز إعلام قوله "لم يسقُطْ بشَيْءٍ من ذلك" بالواو، [والله أعلم].
" فَرْعٌ":
إذا أقر بالزنا، ثم شهد عليه بالزنا أربعةٌ، ثم رجعَ عن الإقرار، هل يُحَدُّ؟ حَكَى القاضي ابن كَج فيه وجهَيْن عن أبي الحُسَيْن بن القطَّان؛ نعيم؛ لأنه [بقيت] 417 حجة البيِّنة، وإن بَطلَتْ حجْةُ الإقرار، وشبِّهَه بما إذا شَهِدَ عليه ثمانيةٌ، ثم رجع أربعةٌ، وثبت أربعةٌ، وعن أبي إسحاق لا؛ لأنَّه لا مَعْنَى للبينة مع الإقرار،416
الجزء: 11 - الصفحة: 153
وكنا 418 نحدُّه بالإقرار، [وقد] بطل بالرجوع.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنَاهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عَلَى أنَّهَا عَذْرَاءُ سَقَطَ الحَدُّ (م)، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ زَنَى وَعَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ زَاوِيَةً مِنَ البَيْتِ فَلاَ حَدَّ إذْ لَمْ يَتَّفِقوا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً وَاثْنَانِ عَلَى أنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الحَدُّ، وَفِي وُجُوِبهِ عَلَى الرَّجُلِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في عدد شُهُود الزِّنَا وفي رجوع بعضهم أو كلِّهم عن الشهادة مُؤَخَّرٌ إلى "كتاب الشهادات"، وهناك يذكر كيفية الشهادةِ، أنه لا بُدَّ من تفسير الزنا بخلاف ما لو قَذَفَ إنَسَاناً، فقال: زنيتُ، يجب الحدُّ، كان لم يُفَصِّل للحوق العار، وهل يُشْترط في الإقرار بالزنا التفسير كما في الشهادة، أو لا يُشْترط كما في القذْف؟ فيه وجهان.
ولا فَرْق بين أن يشْهَد شهودُ الزنا في مجْلِسٍ واحِدٍ، أو في مجالس متفرِّقة، وقال أبو حنيفة: إن شهدوا في مجَالِسَ متفرِّقةٍ، لم تُقْبل، وعليهم حدُّ القذف، والاعتبار بمجْلس القاضي، طال أم قصر.
لنا: أن شهادتهم مقبولةٌ عند إلاجتماع، فكذا عند التفرُّق، كما في سائر الوقَائع؛ على أنهم إذا جَاءُوا متفرقين، كانوا أبعد عن التهمة، فتكون شهادتهم أولَى بالقبول، ولو شهد الشهود، ثم غابوا، أو ماتُوا، فللحاكم أن يحكم بشهادتهم، ويقيم الحدَّ خلافاً لأبي حنيفة، وتُقْبل الشهادةُ على الزنا بعْد تطاول الزمن خلافاً لأبي حنيفةَ، ويُرْوَى عنه
الجزء: 11 - الصفحة: 154
تحديد التطَاوُل بسنة.
إذا عُرِفَ ذلك ففي الفصْل صُوَرٌ:
إحداها: إذا شهد أربعةٌ على امرأة بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لا يجب عليها حدُّ الزنا، لشبهة بقاء العذرة خلافاً لمالك، ولو قذفها قاذفٌ، لم يلزمه الحد؛ لقيام الشهادة على الزنا، واحتمال أنه زالَتِ العذرة، ثم عادتْ لترك المبالغة في الافتضاض، وكذلك لا يجب حد القذف على الشُّهود، ولو أقامت هي أربعةٌ على أنه أكرهها 419 على الزنا، وطلبَتِ المهرَ، وشهد أربعُ نسوة عَلَى أنها عذراء، فلا حد عليه للشبهة، وعليه المهْرُ؛ لأنه يثبت مع الشبهة، ولا يجب عليها حدُّ القذْف بشهادة الشُّهود، ولو شهد اثنان على أنَّه وطئها بشبهة، [وشهد] أربع نسوة على أنَّها عذراءُ، فكذلك يجب المهر [ولا حد عليه للشبهة] قال القاضي ابن كج: ولو شهد على امرأة أربعةٌ بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها رَتْقَاء، فليس عليها حدُّ الزنا، ولا عليهم حدُّ القذف؛ لأنهم رَموْا بالزنا مَنْ لا يتأتى منه الزنا.
الثانية: لو شهد أربعةٌ بالزنا، وعيّن كلُّ واحدٍ منْهم زاويةً منْ زوايا البيت، لم يجب الحدُّ على المشهود عليه؛ لأنهم لم يتَّفقوا على زَنْيةٍ واحدة، فأشبه ما إذا قال بعضُهم: زَنَى بالغداة، وبعضُهم: زَنَى بالعشيِّ، وقال أبو حنيفة "يجب الحدُّ عليه"، وسلم أنه لو شهد اثنان على أنَّه زنَى بها بالبصرة، واثنان على أنه زنا بها بالكوفة، أو اثنان على أنه زَنَى بها في هذا البيت، واثنان على أنه زَنَى بها في بيتٍ آخر، لا يجب الحد، وهل يجب حدُّ القذف على الشهود؟ فيه خلاف سيأْتي؛ لأنه لم يتم عدد الشهود على زنيَّة واحدة، وعند أبي حنيفة: لا يُحدُّ الشهودُ هاهنا مع مصيره إلى أن الشهود، إن نقص عددهم، يُحَدُّون.
الثالثة: إذا شهد اثنان على أن فلاناً أَكْرَهَ فلانةً على الزنا، لم يثبت الزنا، وهل يثبت المهر؟ يُبْنَى على أنه، إذا شهد على الزنا أقلُّ من أربعة، هل عليهم حد القذف؟ وفيه خلاف سيأتي، فإن قلنا: لا يجب، يثبت المهر وإلا فلا، ولو شهد أربعةٌ على رجُلٍ أنه زَنَى بفلانة، وذكر اثنان منهم أنها كانَتْ مكرهة واثنان أنها كانتْ مطاوِعةً، فلا حدَّ على المرأة؛ لأنه لم يتمَّ شهودُ زناها، وهل يجب على الرجُلِ؟ يُبْنَى على أن شاهدي الطواعية، هل عليهما حد القذْف للمرأة؟ وفيه قولان؛ لنقصان العَدَد، فإن قلْنا: يجب [الحد] عليهما، وهو الأظهر، لم يجب حد الزنا على الرجُل، لخروج قولهما عن أن يكون شهادةً، وإن قلْنا: لا يجب عليهما حدُّ القذف، ففي وجوب حد الزنا على الرجل وجهان، حكاهما الإِمام:
الجزء: 11 - الصفحة: 155
أحدهما: المنع لاختلاف الشهادة في صفة الفعْل.
وأظهرهما: الوجوب، لاتفاقهم على زناه مكرهةً كانت أو مطاوعةً؛ ولذلك يجب عليه المهْر، ولا خلاف أنه لا يجبُ حدُّ القذف على شاهِدِي الإكراه، ولا يجب حدُّ القذف للرجُل، أما إذا حدَدْناه، فظاهر، وأما إذا لم نَحُدِّه؛ فَلأنَّ عددَ الشهود على زناه قَدْ تَمَّ، وإنما ردَدْنا الشهادة؛ لأمرٍ مجتَهَدٍ، [والله أعلم].
هذا تمام الكلام في طرف الوُجُوب.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَّفُ الثَّانِى في كَيْفِيَّةِ الاسْتِيفَاءِ وَمُتَعاطِيهِ) أَمَّا الكَيْفِيَّةُ فَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الوَالِي، وَإِنْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ فَحُضُورُ الشُّهُود وَبِدَايَتُهُم بِالرَّمْيِ وَلاَ يَجِبُ (ح) ذَلِكَ، وَلاَ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَل يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ لاَ بصَخْرَةٍ تذفف وَلاَ بِحَصَيَاتٍ تُعَذِّبُ بَلْ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في الاستيفاء في فصْلَيْن.
أحدهما: في كيفيته.
والثاني: في مباشرته.
أما الأول: ففيه صور:
منها: إقامة الحدِّ على الأحرار إلى الإِمام أو مَنْ فَوَّضَ إليه الإمامُ، وإذا أمر باستيفائه، جاز للمفوَّض إليه استيفاؤُه، ولا يجِبُ حضورُ الإِمام في الرجْم، سواءٌ ثبت الزنا بالبينة أو بالإقرار، ولا حضُورُ الشهود، إذا ثبت بالبينة، ولكن يستحبُّ حضورهم وبدايتهم بالرمْي.
وعند أبي حنيفة: يجب حضورُ الإمام، وَيبْدَأُ هو بالرمي إليه، ويجب حضورُ الشهودِ، إن ثبت بالبينة، ويبدءون بالرجم، ثم الإمامُ ثم الناس.
لنا: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر برَجْم ماعز والغامدية، ولم يحضُر، وأيضاً، فإنه لا يُشْترط حضورُهم في إقامة الحدِّ وقطع السرقة، فكذلك في الرجْم.
ومنها: يستحب أن يُستوفَى الحدُّ بمحضر جماعة، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وأقلهم أربعةٌ، وهم عدد شهود الزِّنا.
وعن أحمد: أنه يكفي حضور اثنين.
ومنها: لا يقتل المحصَنُ بالسيف، بل المقصود أن يمثَّل به ويُنَكَّل بالرجم، وليس لما يُرْمَى إليه تقديرٌ لا جنْساً، ولا عدداً وقد تصيب الأحجارُ مَقَاتِلَهُ، فيموت سريعاً، وقد يتباطأ موته، ولا يرمى بصخرة تذَفِّف، ولا يطول [تعذيبه]، بالحصيات
الجزء: 11 - الصفحة: 156
الخفيفة، بل يحيط الناس به، فيرمونه من الجوانب بحجارةٍ معتدلةٍ ومَدَرٍ ونحوها إلى أن يموت، رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في قصة ماعز قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِرَجْمِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلاَ حَفَرْنَا لَهُ، وَرَمَيْنَاهُ بالْعِظَامِ، وَالمَدَر، والخَزَف ثُمِّ اشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا حَتَّى أَتَى الحَرَّةَ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلاَمِيد الحَرة حَتَّى سكن 420.
ومِنْهَا: لا يحفر للرجُل عند الرجْم، سواء ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار، وأما المرأة، ففيها وجوه:
أحدها: أنه يستحبُّ أن يحْفرَ لها إلى صَدْرها ليكونَ أسْتَرَ لها، وهذا ما أطلقه الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، والحسين الفراء.
والثاني: أن الأمر فيه إلى خَيْرةُ الإِمام، إن شاء، حفر، وإلا، لم يَحْفِرْ، ولا استحباب فيه؛ لما روي أنه حفر للغامدية، ولم يَحْفر للجُهَنِيَّة، وحُكِيَ هذا عن القاضي أبي الطيب.
وأشبهها، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي حامد، والذي أورده الرويانيُّ في "جمع الجوامع" الفرق بين أن يثبت زناها بالبينة، فيستحبُّ أن يُحْفَر لها، لئلا تنْكَشف، وبيْن أن يثبت بالإقرار، فلا يُستحبُّ ليمكنها من الهَرَب، إن رجعتْ، وفي إقامة الجَلْد صورٌ أخرى يؤخرها إلى جناية "شرب الخمر"؛ لأن صاحب الكتاب ذَكَر بَعْضَها هناك.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَرِيضاً رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ الوَاجِبُ الجَلْدَ أُخِّر إلَى البُرْءِ، وَإِنْ كَانَ مُجْدَجاً لاَ يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ فَيُضْرَبُ بُعُثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَإنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ مَرَّتَيْنِ ضَرْباً مُؤْلِماً بحَيْثُ يَتَثَاقَلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الشَّمَارِيخِ، وَلاَ نُفَرقُ السِّياطُ عَلَى الأيَّامِ، وَإِنْ احْتَمَلَ سِيَاطاً خِفَافاً فَالقِيَاسُ أنَّهُ أَوْلَى مِنَ الشَّمَارِيخِ، فَإِنْ ضُرِبَ الشَّمَارِيخِ فَزَالَ مَرَضُهُ عَلَى النُّدُورِ فَلاَ يُعَادُ الحَدُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الظاهر المشهورُ أن الرجْم لا يؤخَّر للمَرض؛ لأن نفْسه مستوفاةٌ، فلا فرق بين المريض والصحيح، وفيه وجه مذكورٌ في كتاب القاضي ابن كج "والتَهْذيب" وغيرهما: أنه إن ثبت بالإقرار فيِؤخَّر إلى أن يبرأ؛ لأنه بسبيل من الرجُوع، وربَّما يَرْجع بعْد ما رمى إلَيْه، فيُعَيَّن ما وُجِدَ من الرمي على قَتْله، وهذا الخلاف يعُود مثلُه في أَنَّه هل يُرْجَمُ في شدَّة الحر والبرد، وإن كان الواجب [الجلد] 421، فإن كان المرضُ مما يُرجَى زواله، فيؤخَّر إلى أن يبرأ؛ كيلا يَهْلِكَ بتعاون الجَلْد والمرض،
الجزء: 11 - الصفحة: 157
وكذلك المحدود والمقْطُوع في حدِّ وغيرِه، لا يقام عليه حدٌّ آخر حتى يبرأ.
وعن رواية أبي الحُسَيْن بْن القَطاَّن وجه: أنه لا يؤخَّر، ويُضْرَب في المرض بحَسَب ما يحتمله من الضَّرْب بالعُثْكَالِ وغيره؛ على ما سنبين، كما أن الصَّلاة إذا وجبتْ، يؤديها المريض قاعداً، فلا ينتظر التمكُّن من القيام، ولو ضُرِبَ كما يحتمله ثم برأ، فهل يُقَام عليه حدُّ الأصحاء؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن، وليكونا مبنيين على أنه يُؤخَّر إقامة الجلد أو يستوفَى بحسب الإمكان؟ إن قلنا بالأول، فالذي جرى، ليس بحدٍّ؛ فلا يسقط، كما لو جُلدِ الزانِي المحْصَنُ، لا يسْقُطُ عنه الرجْم، وإنْ قلنا بالثاني، فلا يُعاد الحدُّ، وإن كان المرضُ مما لا يرجَى زواله؛ كالسُّلِّ، والزَّمَانَة أو كان مُخْدَجاً ضعيفَ الخلقة 422، لا يَحْتَمِل السياطَ، فلا يؤخَّر الحدُّ؛ إذْ لا غاية تُنْتَظر، ولا يُضْرب بالسياط؛ لئلا يَهْلِك، ولكن يُضْرب بعُثْكالِ عليه مائةُ شمراخٍ، وهو الغصن ذو الفُرُوع الخفيفة.
وعند أبي حنيفة ومالك [أنَّه] 423 يضرب بالسياط، ثم [عن] أبي حنيفة: أنه يجمع مائةُ سوط، ويضرب بها دفعةً واحدةً، وعن مالك: أنه يُضْرب بالسياط [مفرَّقَة] على الأيَّام.
لنا ما رُوِيَ 424 عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْف: "أن رجلاً مُقْعدًا زَنَى بامرأةٍ، فأمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُجْلَدَ بإثكالِ النَّخْلِ" والإثكالُ والعُثْكَال واحد ويُرْوَى 425 أنه أمر أن يأخُذوا مائةَ شمراخٍ، فيضربوه بها ضربةً واحدةً.
ولا يتعيَّن الضرب بعُثْكال النخْل، بل يقوم [مقامه] الضَّرْب بالنعال 426 أطراف
الجزء: 11 - الصفحة: 158
الثياب، كذلك حكاه ابن الصبَّاغ والرويانيُّ وغيرهما، ثم فيه
فروع
:
الأول: إن كان على الغصْن مائةُ فرْعٍ، ضرب به دفعةً واحدةً، وإن كان عليه خمسونَ، ضُرِب به مرتين، وعلى هذا القياس.
والثاني: لا يكفي الوضع عليه، بل؛ لا بُدِّ مما يسمى ضرباً، وينبغي أن تَمَسَّه الشماريخ، أو [ينكبس] بعْضُها على بعْض [ليثقل الغصن] ويناله الألم، فإن لم يَمَسَّهُ، ولا انْكَبسَ 427 بعضُها على بعض، أوشَكَّ فيه، لم يَسْقط الحدُّ، وفي "النهاية" ذكْر وجْه ضعيف: أنه لا يُشْتَرط الإيلام.
والثالث: لا تُفَرَّقُ السياطُ على الأيام، وإن احتمل التفريق، بل يقام عليه الحدُّ الممكِنُ، ويُخَلَّى سبيله.
والرابع: سيأتي في "حد الشرب" الكلام في صفة السوْط الذي يُجْلَد به، فإن كان لا يحتمل الضرْبَ بها، وأمكن ضربه بقضبان وسياط خفيفة، فقد تردَّد فيه الإِمام، وقال: ظاهر كلام الأصحاب: أنه يُضْرب بالشماريخ، والذي أراه أنه يُضْرَب بالأسواط الخفيفة؛ لأنه أقرب إلى صورة الحدِّ.
والخامس: لو بَرأَ قبل أن يُضْرب بالشماريخ، أقيم عليه حد الأصحاء، وإن بَرَأ بعده، لا يعاد عليه الحدُّ بخلاف المعضوب، إذا حُجَّ عنه، ثم اتَّفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، وفي إقامة الضرب بالشماريخ مُقَامَ الضرباتِ والجَلْدِ بالسياط مزيدُ كلام يُذْكر في "الأيمان"، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "رجم" بالواو، وكذا قوله "أُخِّر إلى البُرْء"
وقوله "فَيُضْرَبُ بعُثْكَال" بالحاء والميم، وقوله "ضرباً مؤلماً" يتعلق بقوله "فيُضْرَبُ بعثكال" لا بقوله "ضُربَ مرتين" خاصة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "مؤلماً" بالواو، وقوله "ولا تُفَرَّق" بالميم؛ لما قدَّمنا.
وقوله "فالقياس أنه أولَى من الشماريخ" أراد به الرأْيَ الذي [رآه] 428 الإِمام، وليس المعنى أنَّه يجوز الضربُ بها والضرَّبُ بالشماريخ [والضرب بها] أولَى، ولكن المعنى أنه أقرَبُ إلى صورة الحدِّ؛ فيتعيَّن.
فُرُوعٌ: يؤخَّر القطْع بالسرقة إلى البرء أيضاً، ومَنْ لا يرجى زوال مرضه، إذا سَرَق، هل يُقْطَع؟ حكَى صاحب "البيان" فيه وجهين: المذْهَبُ منهما، وهو المذكور في "التهذيب"، أنه يُقْطَع، وإلا، ففيه إهمال
الجزء: 11 - الصفحة: 159
الحدِّ، وإذا وجب حَدُّ القذف على مريض، قال القاضي ابن كج: يقال للمستحِّق: إما أنْ تَصْبر إلى البرء أو "يَقْتَصِر على الضَّرْب بالعُثْكال"، وفي "التهذيب": أنه يجلد بالسياط سواءٌ كان المرضُ مما يرجَى زواله أو مما لا يرجَى؛ لأن حقوق العباد مبنية علَى التضييق 429، وجلْدُ الشُّرْب كَجلْدِ الزنا.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُقَامُ الجَلْدُ فِي فَرْطِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَكَذَا الرَّجْمُ (و) وإنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ سُقُوطُهُ برُجُوعِهِ أَوْ تَوْبَتِه بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى اعْتِدَالِ الهَوَاءِ، وَهَذَا التأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ وَلَكِنْ إنْ تَرَكَهُ فَهَلَكَ فَالنَّصُّ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ خَتَنَ المُمْتَنِعَ عَنِ الخِتَانِ فِي الحَرِّ فَسَرَى ضَمِنَ، وَقِيلَ قَوْلانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الخِتَان فِي الأَصْلِ لَيْسَ إلَى الإِمَامِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ، فَإنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ احْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ التَّأْخِيرُ وَاجِبٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وكما لا يقَام الجلْدُ في المرض خشيةَ الهلاك بِتَعَاوُنِ الجَلْدِ والمرض، لا يقام في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطَيْنِ خشيةَ الهلاك بتعاون الجَلْد والهواء، ولكن يؤخَّر إلى اعتدال الهواءِ، وكذلك القَطْع في السرقة بخلاف القصاص وَحَدِّ القَذف.
وأما الرجْم، فإن ثبت بالبينة، لم يؤخَّر؛ لأنه مقتولٌ، وإن كان الزمان معتدلاً، وإن ثبت بالإقرار، فوجهان:
أحدهما: أن الحكْمَ كذلك؛ لثبوت ما يوجب الهلاك.
والثاني: يؤخَّر؛ لأن الرجوع عن الإقرار مقْبولٌ، وقد يَرْجِع بعد تأثير الرميْ فيه، فيُعينُ الهواء على إهلاكه، وفَرقَ صاحب "التهذيب" بينه وبين ما إذا ثبت الرجْم على امرأة بلعان الزوْج، حيث لا يؤخَّر، وإن كان قد يَسْقط بلعانها؛ لأن الرجوع عن الإقْرار مستحبُّ، وإن كان صادقاً في الإقرار ولعان المرأة، بعْد امتناعها عنْه، وهي محقة في الامتناع، غير مستحبٍّ بل غير جائز، فصار كما لو ثبتَ بالبينة، لا يؤخَّر، وإن كان يُتوهَّم سقوطه برجوع الشهود؛ لأنهم إذا كانوا صادِقِينَ، لا يجوز لهم الرجوع، والذي يميل إلَيْه كلامُ أكثرهم أنَّه لا يؤخَّر، وقد صرَّح به مُصرِّحون، والذي أورده صاحب الكتاب: أنه يؤخَّر، وفي المريض قال: يُرْجَم في الحال من غير فَرْق بين أن يثبت بالإقرار أو بالبينة، والخلافُ في الصورتين واحدٌ فَلْيَكُنِ الجوابُ فيهما واحداً.
وقوله "إن كان يُتوهَّم سقوطه برجوعه" يَعْني عن الإقرار، إذا ثبت بالإقرار، وأما قوله "أو بثوبته" فالمقصود منه أنَّا إذا قلْنا: إن الحد يسقط بالتوبة، فقياس التأخير لتوقُّع
الجزء: 11 - الصفحة: 160
الرجوع أن يُؤخَّر لتوقُّع التوبة، وهذا ينساق إلى التأخير أبداً، وهو بعيدٌ، ولم يتعرَّض لذلك في "الوسيط"، ويجوز أن يُعْلَم قوله "أو بثوبته" [بالواو؛] 430 للخلاف في أنه هل يَسْقُط بالتوبة؟ وقوله "بل يؤخَّر إلى اعتدال الهواء" أي كلّ واحد من الجَلْدِ والرَّجِمْ؛ حيث يُتوهَّم سقوطه؟
وإذا جَلَدا الإمامُ في المَرَض أو في شدَّة الحرِّ أو البَرْدِ، ولم يؤخِّر، فهلك المجلُودُ بالسراية، فالنص أنه لا يَضْمَنُ، وعن نصه في موضعٍ آخرَ أنه لو [خَتَنَ] 431 الأَقْلَفَ 432، في شدةِ الحَرِّ أو البَرْدِ، فَسَرَى إلى نفْس، أنه يَضْمَنُ، وفيها طريقان:
أحدهما: [أن] 433 في المسألَتَيْنِ قولَيْن بالنقل والتخريج.
أحدُهما، أنه لا ضمان فيهما، لأن التلَفَ حَصل مِنْ واجبٍ أقيم عليه.
والثاني: يجب، لتقصيره بترك التأخير.
والثاني: تقرير النصَّيْن، وفُرِقَ بأن الحدَّ ثبت نصّاً، والختانُ ثبَتَ بالاجتهاد، وبأن استيفاء الحدود إلى الإِمام، فلا يؤاخَذُ بما يتولَّد منها، ويقضي إليه عاقبتها، والختانُ لا يتولاَّه الامامُ في الأصْل، بل يتولاَّه الإنسان مِنْ نَفْسِه، أو يقوم به وليُّه في صِغَره، فإذا تولاَّه الإمامُ بالنيابة، شَرَط عليه سلامة العاقبة، والظاهر في إقامة الجَلْد: أنه لا يَضمْن، وإن أثبتثا الخلافَ، ثم إذا قلنا: [بوجوب] 434 الضمان، فيجب جميعه أو نصْفه، وكأن الهلاك حَصَل مِنْ مباح ومحظور؟ فيه 435 وجهان، وهل الضمان على عاقلة الإِمام، أو في بيت المال؟ فيه خلاف قد سَبَقَ في نظائره، وسيأتي أيضاً، وللإمام مباحثةٌ هاهنا، وهي 436 أَنَّا، إن لم نوجب الضمان، فالتأخيرُ مستحبٌّ لا محالة، وإلا، لوجب الضمان بالتعدِّي، وإن أوجبنا الضمانَ، فوجهان:
أحدهما: أن التأخير واجبٌ، وإنما ضَمَّناه لِتَعَدِّيهِ بترك الواجب.
والثاني: أنه يجوز التعْجيل، ولكن بِشَرْط سلامة العاقبة، كما في التعزيرات، وقد يُفْرَق بأن التعزيرَ غير مقدَّر، فيمكِنُ أن يقال: التعزير المأمور [به] هو الذي لا يُهْلِك، فإذا هَلَك، تبيَّن أنه لم يقتصر على المأمور به، والحدُّ مأمور به مع كونه مهلِكاً، فإنه لو والَى متعدٍّ بضرب مائة سَوْط، لوجب عليه القصاص، وقوله في الكتاب "فإن أوجبنا
الجزء: 11 - الصفحة: 161
الضمان، احْتُمِلَ أن يقال: التأخير واجبٌ بَعْد ما ذكر أوَّلاً أنه مستحبٌّ إشارةً إلى هذه المباحثة،.
والنظْم يُشْعِر بأن الظاهر الاستحبابُ، وفي "المهذَّب" وغيره إطلاقُ القولِ بأنه لا يجوزُ التعجيلُ في شدة الحَرِّ والبردِ، ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجُوب الضمانِ، لو لم يؤَخَّر، كما نقول: يوجب الآحاد تفويضَ إهلاك [الزاني] 437 المحْصَن إلى الإِمام مع الخلاف في وجوب الضمان، لو قتله قاتلٌ، ولم يفوِّض إلى الإِمام، وقوله "ولكن إن تَرَكه" أي ترك الإمامُ التأخير.
والخلافُ في وجوب الضمان، إذا لم يؤخِّر إلى اعتدال الهواء يَجْرِي فيما إذا لم يؤَخِّر جلْدَ المريض إلى أن يَبْرَأَ، فهلَك منه بلا فَرْق.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْتَوفِي الحَدِّ فَهُوَ الإِمَام في حَقِّ الأَحْرَارِ وَالسَّيِّدُ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ الْقِنِّ دُونَ المُكَاتَبِ (و) وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ (و)، وَالمُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ قِنٌّ، ثُمَّ لِلإِمَامِ الاسْتِيفَاءُ أَيْضاً، فَإنِ اجْتَمَعَ السَّيِّدُ وَالسُّلْطَانُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى فِيهِ احْتِمَالٌ، وَللسَّيِّد أَيْضاً التَّعْزِيرُ، وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ وَالفَاسِقِ وَالمُكَاتَبِ اسْتِيفَاءُ الحَدِّ مِنْ عَبِيدِهِمْ فِيهِ خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بِطَرِيقِ الوِلاَيَةِ وَاسْتِصْلاحَ المِلْكِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِصْلاَحاً لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ القَتْلُ فِي الحَدِّ، وَفِي القَطْعِ خِلاَفٌ، ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا شَاهَدَ السَّيِّدُ زِنَاهُ أَوْ أَقَرَّ، فَإنْ قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَفِي سَمَاعِ البَيِّنَةِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِالحُكْمِ فَلاَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِماً بأحْكَامٍ الحُدُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَعْنَا مِن أحدِ الفصْلَيْن؛ وهو القول في كيفية الاستيفاء، والفصل الثاني: في المستوفِي والمحدودِ، إمَّا حُرٌّ أو غيره.
أما الحُرُّ، فقد قدَّمنا أن استيفاء حدِّه إلى الإِمام أو مَنْ فوض إليه الإِمام؛ وذلك، لأنه لم يُستوْفَ حدٌّ في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلاَّ بإذنه، وفي عهد الخلفاء الراشدين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أجمعين إلاَّ بإذْنهم، وفي "تتمة التتمة" أن الشيخ أبا سعد المتولِّي حَكَى عن رواية القفَّال قولاً: إنه يجوز استيفاؤه [للآحاد] على سبيل الحسبة؛ كالأمر بالمعروف، وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿فَاَجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا الخطاب عامٌّ، ويجوز أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب " [فهو] الإِمام في حقِّ الأحرار" [بالواو] 438 وأما غيره، فللسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه، وأن يفوِّضه [إلى غيره]، ولا يحتاجُ فيه إلى مراجعة الإمَام، ولا فَرْقَ في ذلك بين العبد والأمة، وقال ابن القاضي في "المفتاح": في العبد قولان قلته تخريجاً، وكأنه ألحق ذلك بالإجْبار على النِّكَاح، ولم
الجزء: 11 - الصفحة: 162
يساعدْه الأصحاب على ذلك، وقطَعُوا بأنَّ له إقامة الحدِّ عليهما، وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكاً شَرَطَ في الأَمةَ ألاَّ تكونَ مزوَّجة، وقال أبو حنيفة: ليس للسيد ذلك بَلْ هو إلى الإِمام، كما في الأحرار.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" 439.
وعن أبي هريرةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلاَ يُثرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلاَ يُثْرِبْ، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ" 440.
قوله: "ولاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" قيل: لا يوبِّخْها، ولا يُعَيِّرْهَا، وقيل: لا يبالغْ في جَلْدِها، بحيث يدْمِيهَا، وكما يجوز للسيد إقامةُ الحدود على مملوكه، يجوز للإمام إقامته أيضاً، ومن ابتدر إليه منها، وقع الموقع، ونقل الشيخ أبو خَلَفٍ الطبريُّ وجهين، في أن الأولَى للسيد أن يقيم الحدَّ بنفسه، ليكون أستر، ولئلا ينقص قيمة العبْد بظهور زنَاهُ أو الأَوْلَى أن يفوضه إلى الإِمام ليخرج من الخلاف.
وإذا تنازع في إقامته الإمامُ والسيِّدُ، فمن الأَوْلَى منهما؟ فيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أن السيد أولَى؛ لغرض استصْلاَح المِلْك.
وأظهرهما: أن الإِمام أولَى، لولايته العامة، وإقامةُ الحدودِ من آثار الولاية، وهذا كما أنه أولى بالإمامة في الصلواتٍ، وذكر احتمالاً ثالثاً، وهو، أن يُفْرِقَ بين الجَلْد، فيُجْعَلَ السيِّدُ أَوْلَى به، وبيْن القطْع والقتْل؛ فيُجْعَل الإمامُ أولَى بهما؛ لأن إعمال السلاح لصاحب الأمر أليقُ، والعبد المشترَكُ، يقيم الحدَّ عليه مُلاَّكُه، وتُوزَّع السياط على أقْدار المِلْك، فإنْ وقَع كسْرٌ، فوَّضوا المنْكَسِر إلى أحَدِهم، وهل يُغَرِّب السيدُ، كما يجلد تفريعاً على أن العبْدَ يغرَّب؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويحكَى عن ابن سريج: لا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ" ولم يتعرض للتغريب.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه بعض الحدِّ، وقد ورد "أقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ".
[والمدَبَّر وأم الولد]، والمعلَّق عتقه بصفة، كالقِنِّ لبقاء الرقٌ وقيام ولاية السيد
الجزء: 11 - الصفحة: 163
عليهم، والمكاتَبُ كالحرِّ، لخروجه عن قبضة السيد، وعن ابن القطَّان تخريج وجه: أنه كالقِنِّ؛ لأن المكاتب عبْد ما بقي عليه درهمٌ، ومَنْ بعضُه حرٌّ، لا يقيم [الحد عليه] إلا الإمامُ؛ لأنه لا ولاية للسيد على [الجزء] 441 منُه، والحدُّ متعلِّق بجملته، قال في "النهاية": ورأيت في النسخة عن الصيدلانيِّ إلحاقَهُ بالمدَبَّر، وأم الولد، وهو خطأ صريحٌ وأحْسَبُه من خلل النسخة، ثم ما سبيل إقامة السيدِ الحَدَّ على مملوكه؟ فيه وجهان للأصحاب، فيُخرَّج عليهما أكثرُ صُوَرِ الفَصْل:
أحدهما: أنهُ يُقيمُه بالولاية على المِلْك، كما يلي أمر تزويج المملوك.
والثاني: يُقيمُه تأديباً واستصلاحاً للمِلْك، كما يعالج بالقصد والحِجَامة، وفي الفصْل بعد هذا مسائل:
إحداها، فيما يقيمه السيد على المَمْلُوك من العقوبات؛ أما التعزير، فله ذلك في حقوق الله تعالى، كما يؤدِّب المملوك، لَحَقِّ نفسه، وفيه وجهٌ؛ لأن التعزير غير مضبوط، فيفتقر إلى نَظَرٍ واجتهادٍ، وأما الحدود، فله الجلْدُ في الزنا، وألحق به الجلْد في الشرب، وفي حدِّ القذْف، ورَوَى أبو خَلَف الطبريُّ عن رواية القفَّال وجهاً، أنه لا يقيم الجلْدَ في الشرب، وفَرَّقَ بينه وبين الزنا؛ بأن للسيد في بُضعِ الأمة حقاً، وكذلك في بُضْع العَبْدِ؛ ألا ترى أنه لا ينكح إلا بإذْن السيدِ، فيمكن من جَلْد المملوك؛ لجنايته على محلِّ حقه، والشربُ بخلافه، وقياس هذا الفرْقِ مجيْءُ الوجهِ المذكور في جلْد القذف.
وفي قطْع السرقة والمحاربة وجهان:
أحدهما، ويُحكَى عن ابن سريج: أنه لا يتمكَّن منه؛ لأن ما يقطع به السارق مختلفٌ فيه، فيحتاج إلى نَظَر واجتهادٍ، وفَرَق بينه وبيْن الجلْد بأنَّه يملك جنس الجَلْد في التعزير بخلاف القطْع، وبأن له في إقامة الحد غَرَضاً، وهو أن يَخْفَى الحال، فلا ينتقص قيمته، والقطْعُ يظهر لا محالة.
وأصحُّهما، وهو ينسب إلى نصِّه في البويطي، يتمكن لإطلاق الخبر، ورُوِيَ أن ابن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قَطَع عبْداً لَهُ سَرَقَ، وأنَّ عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَطَعَتْ أمَةً لَهَا سَرَقَتْ، والوجهانِ جاريانِ في القَتْل بالرِّدَّةِ واستدلَّ لجوازه، بأن حفصة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- قتَلَت أمَةً لها سَحَرَتْهَا، وإنما يقتل الساحر [بكفْره]، وبنى بعضهم الخلافَ على أن إقامة الحدِّ بالولاية على الملْك أو بطريق الاستصلاح، وقال: إن قلنا: إنه يقيم الحدَّ استصلاحاً، لم يكن له القطْع بالقتْل؛ لأن فيهما استهلاكَ المَحَلِّ دون الاستصلاح، وفَرَقَ بعضُهم بين القطْع؛ لأنه قد ينتفع بالأقطْع ويرى القطْع استصلاحاً،
الجزء: 11 - الصفحة: 164
وبين القتْل؛ فإنه استهلاك محضٌ وهذا يشير إلى طريقةٌ قاطعةٌ بأنه [يَتمكَّن] 442 من القطْع، وقد صرَّح بنقلها القاضي الرويانيُّ وأجرى جماعةٌ منهم ابن الصباغ الخلاف المذكور في [القطْع والقتْل] هاهنا في القتْل والقطْع قصاصاً، وفي "التهذيب" أن الصحيح أن القطْع والقتْل إلى الإِمام، وقَدْ يخرج من هذا خلاف في حَدِّ القَذْف.
المسألة الثانية، في أحوال السيد، فإن كان مستجمعاً لصفات الولاية، أقام الحدَّ، وفي المرأة وجهان:
أصحهما: لها إقامة الحدِّ؛ بناءً على أن سبيلها سبيلُ الاستصلاح، ويدل عليه إطلاقُ الخَبَر، وأيضاً ما روينا عن عائشة وحفصة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ورَوي عَنْ فَاطمةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-[أنَّها] 443 جَلَدَتْ أمةً لَهَا زَنَتْ.
والثاني: المنع، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن إقامة الحد، ولايةٌ على الغَيْر فلا يثبت للمرأة: كولاية التزويج، وعلى هذا فوجهان:
احدهما: يقيمه وليُّها، كما يزوِّج معتقها.
وأظهرهما: أنه يقيمه الإِمام؛ لأنه الأصل في إقامة الحدِّ، فإذا لم يكن المالكُ أهلاً، عاد الأمر إليه، والوجهان في المرأة يجريان في الفاسِقِ والكافِر والمكاتب في وجْه، لا يقيمون الحدَّ نظراً إلى معنى الولاية، ويُحْكَى ذلك عن أبي إسحاق، والأظهر: أنهم [يقيمون الحد] 444، ويقال: إنه منصوص عليه في القديم في حق الفاسق، ورجَّح صاحب "التهذيب" في المكاتَبِ المنْع، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن السيد لا يقيم الحد على عبيد مُكاتَبِهِ على المذهب، وإن قلنا: إنه يقيم الحد عليهم؛ لأنه لا يَملِكُ إعتاقهم، والتَّصرف فيهم، وفيه أنه ليس للكافر إقامة الحدِّ على عبده المُسْلِم بحال، ورقيق المجنون والصبي ذُكر فيه طريقان:
أحدهما: أن أباه وجَدَّه يقيمان الحدَّ عليه، وفي الوصيِّ والقيِّم وجهان.
والثاني: [أن] في الكلِّ وجهين، وربما يبنى 445 على الخلاف في أن وليَّ الطفْل، هل يزوِّج رقيقه؟ ويشبه أن يقال: إن جعلْنا الحد استصلاحاً، فلهم إقامته، وإن قلْنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف، وفي "البيان" وغيره ذكر وجهين في أنَّه هل يجوز أن يكون السيد جاهلاً، بناءً على أنه استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ وخرج على معنى الولاية أن الجَهْل يَمْنَع منها كولاية الحاكم، ولا بدَّ وأن يكون عالماً بمقدار الحد وكيفيته.
الجزء: 11 - الصفحة: 165
المسألة الثالثة: العقوبة التي يقيمها السيِّد على عبْده يقيمُها إذا أقرَّ عبده بموجبها، ولو شاهَدَه السَّيِّدُ منه، فهل يقيم الحدَّ عليه؟ فيه وجهان بناء على القاضي هلْ يَقْضِي بعلمه في الحدود؟ والأظهر، نعم، وهو الذي ذكَره في الكتاب، وإن كانتْ عليه بينة، فهل يسْمَعُها السيد؟ فيه وجهان.
أصحُّهما: نعم؛ لأنه يمْلِكُ إقامةَ الحدِّ، فيملِك سماع البينة كالإمام، وعلى هذا، فيُنْظر في تزكية الشهود، أيضاً، ولا بد وأن يكون عالماً بصفات الشهود وأحكام الحدود.
والثاني: لا تُسْمع البينة، فإنه من مناصب القضاة، فلا يزاحمهم فيه بخلاف الضرب في الحدِّ، فهو تأديبٌ، فعلى هذا إذا سمع الحاكمُ البينة، وأثبت الحدَّ، كان للسّيِّد إقامته، وبنى بعضُهم الخلافَ في سماع البيِّنة على أن الحدَّ استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ إنْ قلنا: استصلاح، لم يكن له سماعها، وإن قلنا: ولاية، فوجهان، ويجوز أن يُعْلَم لما بيَّنَّا قوله في الكتاب "والسيد في حق الرقيق" مع الحاء بالواو، ولا يبعد أن يضاف إليهما بالميم، وقوله "دون المكاتَبِ" بالواو، وكذا قوله "وللسيد أيضاً التعزير".
وقوله "إذا شاهد السيِّد زناه" وقوله "وفي القطع خلاف" يجوز إعلامه بالواو أيضاً؛ للطريقة القاطعة التي تقدَّمت.
فروع عن "التهذيب": لو قذف المملوكُ زوجَتَه المملوكة، هل يُلاَعِنُ السيد بينهما، كما يقيم الحد؟ فيه وجهان، ولو قذَف العبْد سيِّده، فله إقامة الحدِّ عليه، ولو قذف السيد عبده فَلَه رفْع الأمر إلى القاضي؛ ليعزِّره، وإذا زنَى ذميٌّ، ثم نقض العهْد، فاسترقَّ، لم يسقط عنه الحدُّ، ويقيمه الإِمام لا السيد؛ لأنَّه لم يكن مملوكاً يومئذ، ولو زَنَى عبْدٌ فباعه سيده، فإقامة الحدِّ إلى المشتري اعتباراً بحال الاسْتيفاءِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ مَنْ قُتِلَ حَدّاً أَوْ لِتَرْكِ صَلاِةٍ غُسِّلَ وكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ المُسْلَمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من قُتِل حدّاً بالرجم وغيره غُسِّل، [وكُفِّن] 446 وَصُلِّيَ عليه، ودُفِنَ في مقابر المسلمين، وكذلك تارِكُ الصلاة، إذا قُتِل على ما بين في موضِعه، وفي "البيان" أن مالكاً قال لا يُصلَّى على المرجوم.
لنا: أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر بالغامِديَّة، فَرُجِمَتْ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ، وَأَمَرَهُمْ أن يُصَلُّوا عَلَى الجُهَنِيَّة، وَيَجُوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "أو لترك صلاة" بالألف، وقوله "غُسِّل، وكُفِّن وصُلِّيَ عليه" بالواو.
وقوله "وصُلِّي عليه" بالحاء أيضاً؛ لما ذكرنا في قاطع الطريق في الجنائز، وفي
الجزء: 11 - الصفحة: 166
حقِّ تارك الصلاة في "الجنائز" في "باب تارك الصلاة" وصورة تارك الصلاة مكرَّرةٌ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الْجِنَايَةُ الرَّابعَةُ: القَذْفُ)
وَهُوَ مُوجِبٌ؛ ثَمَانِينَ جَلْدَةً عَلَى الحُرِّ وَأَرْبَعَينَ عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنْ قَذَفَهُ مَرَتَّيْنِ وَقَدْ تَخَلَّلَ الحَدُّ تَعَدَّدَ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ، وَقَد ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَعَ صُوَرِ القَذْفِ فِي اللِّعَانِ.
فَالَ الرَّافِعِيُّ: القذْفُ 447 من الكبائر، يُرْوَى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ" 448 [و] 449 روي أنه -صلى الله عليه وسلم- 450 قال: "مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَاجْتَنَبَ السَّبْعَ الكَبَائِرَ نُودِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِيَدْخُلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ" وذَكَرَ منْها قذْفَ المُحْصَنَاتِ ويتعلَّق بالقذف الحدُّ بالإجماع، قال [الله] 451 تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية ويُشترط
الجزء: 11 - الصفحة: 167
لوجوب الحدِّ على القاذف أن يكون: مُكلَّفاً، فلا حد على [صبيٍّ]، ولا مجنونٍ، ولكن يعزَّر الصبيُّ، وكذا المجنونُ، إن كان له نوْعُ تَمْييزٍ كذلك حكاه صاحب "التهذيب" وأن يكون مختاراً، فلا حدَّ على 452 المكْره على القذْف، ولا فرْق بيْن المُسْلِم والذمِّيِّ والمعاهَدِ، ثم إن كان القاذف حرّاً فحدُّه ثمانون جلدةً بالأمة، وإن كان رقيقاً فأربعون، رُويَ عن عبد الله بن عامر بْن ربيعة، قال: "أَدْرَكْتُ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-: وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الخُلَفَاءِ فلم أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إِذَا قَذَفَ إلاَّ أَرْبَعِينَ سَوْطاً" 453 وأشار بذلك إلى أنه مُجْمَعٌ عليه، والمكاتَبُ والمدبَّر والمستولَدَةُ، وَمَنْ بعضُه رقيقٌ كالرقيق في الحدِّ، ويُشْترط لوجوب الحدِّ أن يكون المقذوفُ محصَناً، والكلامُ فيما يحْصُل به إحصانُ المقذوف، قد بيَّنَاه في "اللعان" ولا يجبُ على الأب والجدِّ الحدُّ بقذف الولدِ ووَلدِ الوَلَدِ، وعن ابن المنذر أنَّه يجبُ وهو مذهب مالكٍ، قال [لكن] يكره له إقامته.
لنا: أنه عقوبةٌ لآدميٍّ، فلا يقيمه الولدُ على الوالِدِ، كالقصاص، وعلى هذا فلو ورث حدَّ القذف على أبيه من أمه، سَقَطَ، ولو قَذَفَ إنساناً بزنية واحدة، أو بزنيتَيْن، فقد سبقَ الحكم في "اللعان"، والظاهر أنَّه لا يجِبُ إلاَّ حدٌّ واحدٌ، وقوله في الكتاب "فإن قذفه مرتين وقد تخلل الحدُّ تعدَّد، وإن لم يتخلَّل ففي التداخُلِ قولان" وقد ذكرنا ذلك [مع صور القذف] 454 في اللعان، وليس في الكتاب ذكْرُ ذلك مفصلاً هكذا، إلا أنَّه أشار إليه بقوله 455 "وإن قلْنا بالتداخل" لأن قول الاتحادَ إنَّما يجري عند الاستيفاء، ولو قال لرجل: يا زاني أو لامرأته: يا زانية، فقد مر في اللعان أنه قَذْفٌ وكذا الحكْمُ، لو خاطب الخنثَى المُشْكِل بأحد اللَّفْظينِ، ولو قال له: زَنَى ذَكَرُك أو فرْجُك، قال في "البيان": الذي يقتضيه المذْهَب أن فيه وجهَيْن.
أحدهما: أنه قذفٌ صريحٌ.
والثاني: أنه [يكون] كناية كما لو أضاف الزنا إلى اليَد أو الرِّجْل من المرأة أو الرَّجُل؛ لأن كل واحد منهما يَحْتَمل أن يكون عضواً زائداً، فيصير كسائر أعضاء البدن ولو قال: زَنَى فَرْجُك وَذَكَرُك، فهو قذْفٌ صريح؛ لأن أحدهما أصليٌّ، والكلام في صرائح القذْف وكناياته مذكور في "اللِّعان".
الجزء: 11 - الصفحة: 168
قال الغَزَالِيُّ: وَفِيهِ مُشَابَهَةُ حُقُوقِ اللهِ تَعَالى إذْ لا يَسْقُطُ بإبَاحَةِ القَذْفِ وَلاَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ إِذَا اسْتَوْفَاهُ المَقْذُوفُ، وَيتَشَطَّرُ بالرِّقِّ، وَلَكِنَّ الغَالِبَ حَقُّ الآدَمِيِّ إِذْ يَسْقُطُ (ح) بِعَفْوهِ وَيُورَثُ (ح) عَنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأصحاب: حدُّ القذْف فيه مشابهة حقوق 456 الله تعالَى لمسائل:
إحداها: إذا قال لغَيْرِه: اقْذِفْنِي، فقَذَفَه، ففي وجوب الحدِّ وجهان، ذكرناهما في اللِّعان، وبيَّنَّا أن أكثرهم، قالوا: لا يجبُ، وهذا ما نقله الإِمام عن "المنهاج" للقاضي أبي الطيِّب، وقال: إنَّه رواه عن شيْخِه أبي حامد ووجْهُ الوجوب هو الذي أورده في الكتاب، وأشار الإِمام إلى ترْجِيحِه، وقد يُوجَّه بأن العار يَلْحَق العشيرة، فالإذْنُ لا يؤثِّر في حقهم 457.
والثانية: إذا استوفَى المقذوفُ حدَّ القذف، لم يقع الموقع كحد الزنا، إذا أقامه واحدٌ من الرعايا؛ وهَذَا لأن مواقع الجَلدات والإيلام بها تختلف، ولا يُؤْمن التخفيف فيها، بخلاف ما لو قَتَل الزاني، المحْصَنَ واحدٌ من الرعايا يقع قتله حدّاً، وفي حدِّ القذف وجْه أنَّه يقع الموقَع، كما لو استقل مَنْ له القصاصُ بالاقتصاص.
والثالثة: أنه يَنْشَطِر بالرِّقِّ، كما سبق، وما يجب حقّاً الآدميِّ لا يختلف بين أن يجبَ على الحُرِّ أو العبْد.
لكن المغلَّب فيه حقُّ الآدميِّ لمسائل منها:
أنه لا يُسْتَوْفَى إلا بمطالبته بالاتفاق.
ومنها: أنه يورَثُ، وخالف أبو حنيفة في المسألَتَيْن، وقد ذكرناهما في "اللعان"، ولم يَرْتَضِ الإمامُ القولَ بأن الغالِب في حدِّ القذف حقُّ الآدميِّ، وقال: إذا قلْنا: إنه يستوفى بطلب المقذُوف، ويسقط بعفوه، [فلم] يغادر من تمحيض حقِّ الآدميِّ شيئاً.
نعم، يجوز أن يقال: إنه مشابه حدودَ الله تعالى [في] بعض الوجوه، والقصاص [أيضاً] كذلك، فإن الغرض الأظْهَرَ منْه الزجْرُ، لكنه يجعل حقاً محْضاً لآدمي، وقد
الجزء: 11 - الصفحة: 169
يقال: هذا مضايقة في العبارة والمعْنَى واحد.
458 فرع: لو عَفَا عن الحدِّ على مالٍ؛ فأحد الوجهين: أنه تُفْدَى المرأة بالمال في الخُلْع.
والثاني: المنع، ونظيره العفْو عن الشُّفْعة على مال.
فرع: من التعريض بالقَذْف أن يقول: ما أنا بِابْنِ إسْكَافٍ، ولا خبَّازٍ، ولو قال: يا قوَّادُ، فليس ذلك صريحاً في قَذْف زوجته، وإنما هو كناية، وكذا لو قال: يا مؤاجر، ليس بصريح في القذف؛ بأنه يؤتَى، هذا هو المشهور، عن الشيخ إبراهيم المروروذي: أنه حَكَى عن أستاذه التيميِّ 459 أنه قال: هو صريح؛ لاعتياد الناس بالقَذْف به، ومنْهم من يجعله صريحاً في العامي خاصَّة.
فرْعٌ: رماه رام بحجرٍ، فقال: مَنْ رماني فأمُّهُ زانيةٌ، إن كان يَعْرِف الذي رماه، فهو قاذف، وإلاَّ، لم يكن قاذفاً؛ لعدم [التعيين] 460.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفٍ لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ فَلاَ حَدَّ، وَإِنْ شَهِدَ ثَلاَثةٌ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ ذمِّيٌّ وَجَبَ حَدُّ القَذْف وَإِن شَهِدَ فَاسِقٌ مُعْلِنٌ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَباً فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَإِنْ رَدَّ القَاضِي شَهَادَتهُمْ لِأَدَاءِ اجْتِهَادِهِ إِلَى فِسْقِهِمْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ حُدَّ الرَّاجِعُ (و) دُونَ المُصِرِّ، وَقِيلَ فِي المُصِرِّ قَوْلاَنِ، وَالشِّهَادَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَدَّى في مَجْلِسِ القَضَاءِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَمَا عَدَاهُ قَذْفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرمي بالزنا لا في مَعْرِض الشهادة يوجِبُ حدَّ القذف، فأما في معرض الشهادة فَيُنْظَرُ إن تَمَّ العدد وثبتوا، أقيم حد الزنا على المرميِّ، ولا شيْء عَلَيْهِمْ، وإن لم يتم العدد كما إذا شهد اثنان أو ثلاثةٌ، فهل يجب الحدُّ على مَنْ رماه بالزنا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنهم جاءوا شاهدين؛ ليقام عليه حدُّ الله تعالى، لا هاتكين،
الجزء: 11 - الصفحة: 170
[فإن] 461 أوجبنا الحدَّ لم يَأمَنْ كُلُّ واحدٍ أن لا يساعده الآخرون، فيمتنع الشهودُ من الشهادة، وتتعطَّل الحدود، ويقال: إنه أومأ إلى هذا في الجَديد 462.
وأظهرهما: وهو الذي نصَّ عليه قديماً وجديداً، وبه قال أبو حنيفة ومالك: أنهم يُحَدُّون؛ لما رُوِيَ أنه شَهِدَ عنْد عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- على المُغِيرة بن شعبة بالزنا أبو بكرة ونافعٌ ونُفَيْعٌ، ولم يصرِّح به زيادٌ، وكان رابعهم، فَجَلَدَ عُمَرَ الثلاثةَ، وكان ذلك بمَحْضَرٍ من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولَمْ يُنْكِر عليه أحدٌ، ولأنا إذ لم نَحِد الشهودَ، إذا لم نكمل العدد، لم نأمن أن يتخذ صورة الشهادةَ ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض الناس، ولو شهد على زنا المرأة زوْجُها مع ثلاثة فالزَّوْج قاذف؛ لأن شهادته عَلَيْها غير مقبولة، وفي الثلاثة القولان، ولو شهد أربع نسوة أو أربعة مِنْ أهل الذمة أو العَبِيد أو أربعة فيهم 463 امرأةٌ أو ذميٌّ أو عبْدٌ، فطريقان:
أحدهما: أن في وجوب حد القذف عليهم قولَيْن أيضاً، وينزل نقصان الصفة منزلة نُقْصَان العَدد، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ.
وأصحُّهما: أنهم قَذَفَةٌ يُحَدُّون بلا خلاف؛ لأنهم ليْسُوا من أهل الشهادة في الزِّنا، فلم يقْصِدوا [إلاَّ] 464 إلحاق العار به، وصوَّر الإِمام المسألةَ فيما إذا كانوا في ظاهر الحَال بصفة الشُّهود، ثم بانوا عبيداً أو كفَّاراً، والمَعْنَى فيه أنه إذا عَرَف القاضي حالَهم، لا يُصْغِي إليهم، ولا يَلْتَفِت إلى كلامهم، ويَخْرُج رميُهم عن أن يكون في معْرِض الشهادة، ولو شهد أربعَةٌ من الفَسَقَة أو أربعةٌ فيهم فاسقٌ نُظِر إن كان سبب فِسْقهم مقطوعاً به؛ كالزنا وشرْبِ الخمْر، فقد أطلق مُطْلِقون فيه طريقين:
أحدهما: أن في وجوب الحدِّ عليهم قولَيْن، كما ذكرنا في نقصان العَدَد، وقد يُبْنَى الخلاف على أن القَاضي، إذا قضَى بشهادة شاهدَيْن، ثم تبين له فسْقُهما، هل ينقض الحكم؟ وفيه قولان، إن قلْنا: نعم، فالفسقة كالعبيد، وإلا، فلا.
الجزء: 11 - الصفحة: 171
والطريق الثاني: القَطْع بأنهم لا يُحَدُّون، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح عند القاضي أبي حامد؛ لأن نقصان العَدَد مستيقَنٌ، وكونُهم فسقَةً إنَّما يُعْرَف بالظن والاجتهاد، والحُدُودُ تُدْرأ بالشُّبهات، وزاد آخرون، ومنهم الإِمام وصاحب الكتاب ترتيباً فقالوا: إن كانوا مُعْلِنِين بالفِسْقِ، فقولان لابن سُرَيْج:
أحدهما: أنهم قَذَفَةٌ، كالعبيد.
والثاني: المَنْع؛ لأن من العلماء مَنْ يجعل الفاسق أهلاً للشهادة.
وإن كانوا يكتمون الفِسْق، ويستَخْفُون به من الناس، فالخلاف مرتَّب؛ لأنهم معذورون في الكتمان، قال الإِمام: وظاهر المذهب امتناعُ الحدِّ.
وإن كان سبب الفسْق مجتَهداً فيه، كشرب النبيذ، لم يلزمهم الحدُّ، وإن لم يثبت الزنا بشهادتهم؛ لأنه لا سبيل إلى إقامة الحدِّ لمظنُون مجتهد فيه، مع أنهم جاءوا مجيْء الشهود 465، وفي معنى الفسْق المجتَهَدِ فيه ما إذا بأن أن في الشهود مَنْ يعادي المشهودَ عليه؛ لأن ردَّ الشهادة بالعداوة مجتَهَدٌ فيه.
ولو حدَدْنَا العبيدَ الذين شهدوا، فعتقُوا وأعادوا الشهادة، قُبِلَتْ شهادتهُم، ولو لم يتم العدَدُ، فحَدَدْنَا مَنْ شهد، ثم عاد مَعَ مَن يتم به العددُ، فشهدوا، لم تُقْبَل شهادتهُم؛ كالفاسق تُردُّ شهادته، فيتوب، ويعيدها، [هكذا] 466 ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ولو شهد أربعةٌ بالصفات المعتبرة، ثم رجعوا، فعليهم حدُّ القذف؛ لأنهم ألحقوا العَار به، سواءٌ كانوا معتمِّدين أو مخطئين؛ لأنهم مفرطون في ترك التثبُّت، وفي "البيان": أن من الأصحاب مَنْ جعل الحَدَّ على القولين؛ لأنهم رمَوْهُ شاهدين، ولو رجَع بعضُهم دون بعْض، فعلى الراجع الحدُّ، وعن القاضي أبي 467 الطيِّب: أن فيه القولين، وأما مَنْ أصرَّ على الشهادة، فلا حد عليه لأنه لا تَقْصير منه بخلاف ما إذا شَهِدَ بعضهم، ولم يتمَّ العدد، فإنه أمكن، أن يقال: كان ينبغي ألاّ يبادر حتى يعْلَم موافقة الآخرين، وعن الشيخ أبي حامد أن منْهم مَنْ أثبت في المصر القولَيْن، ونسبه القاضي ابن كج إلى الأنماطيِّ، والظاهر الأول، ولا فَرْق بينَ مَنْ رجع بعْد قضاء القاضي بالشهادة أو قَبْلَه، وعند أبي حنيفة: إن رجَع بعضهم بعْد قضاء القاضي، فالحدُّ على الراجع دون المصرِّ، وإن رجع قبله، وجب الحد على الكل، وإن شهد أكثرُ من أربعة، ثم رجعَ بعْضُهم، فإن بقي أربعة، فلا حدَّ على الراجعين، وإلا، [فعلى الراجعين الحد] كما إذا شهد ثمانية، ورجع خمسةٌ، فعلى الراجعين الحَدُّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 172
وقوله في الكتاب "ولو شهد عبْدٌ أو ذميٌّ" أي كان في الشهود عبد أو ذميٌّ، ويُقَاس به ما إذاكان الكُلُّ ذميين أو عبيداً، ولْيُعْلَم قوله "وجب حد القذف" بالواو لطريقة القولَيْن، ويجوز أن يُعْلَم قوله "حُدَّ الرَّاجِعُ" بالواو أيضاً، وقوله "والشهادة هي التي تؤدَّى في مجْلِس القضاء" إلى آخره مقصوده بيان موضِع الخلاف ما إذا لم يتمَّ العددُ، وكان الرميُ على هذه الصورة، وأما الرمي في غَيْر مجلس القاضي أولا بلفظ الشهادة، فهو قذْف بلا خِلاف.
فرْعٌ:
شهد واحدٌ على إقراره بالزِّنا، ولم يتم العدد، حكى القاضي ابن كج فيه طريقَيْن:
أحدهما: أن في وجوب الحدِّ عليه الخلافَ المذكورَ، فيما إذا لم يتم الشهود على نفْس الزنا.
وأظهرهما: الجزم بالمَنْع؛ لأنَّه لا حدَّ على مَنْ قال لغيره: أقررتُ بأنَّك زنيت، وإن [ذكره] في معرض القذْف والتعيير.
فرْعٌ:
لو تقاذَف شخْصان لم يتقاصَّا؛ لأن التقاصَّ إنما يكون عند اتفاق الجنْس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصِّفَة، إذ لا يُعْلَم التساوي؛ لاختلاف القاذف والمقْذُوف في الخلْقَة و [في] القوة والضعْف غالباً هكذا ذكره إبراهيم المروروزي.
ومسائل الباب وفروعه قدْ سبَق معظمها في "كتاب اللعان"، والله أعلم.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ الخَامِسَةُ: السَّرِقَةُ)
وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ) في المُوجِبِ وَهُوَ السَّرِقَةُ، وَلَهَا ثَلاَثةُ أَرْكَانٍ: (الأَوَّلُ: المَسْرُوقُ) وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ نِصَاباً مَمْلُوكاً لِغَيْرِ السَّارِقِ مِلْكاً مُحْتَرَماً تَامّاً مُحَرَّزاً لاَ شُبْهَةَ فِيهِ فَهَذِهِ سِتَّةُ (الشَّرْطُ الأَوَّلُ: النَّصَابُ) وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ (ح م) مَسْكُوكٍ وَبِهِ يُقَوَّمُ السِّلَعُ، وَالرُّبْعْ مِنَ الذَّهَبِ الإبْرِيزِ، وَإِذَا لَمْ يُسَاوِ رُبْعاً مَضْرُوباً فَلاَ حَدَّ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَيُقْطَعُ فِي خَاتَم وَزْنُهُ سُدُسٌ وَقيمَتُهُ رُبْعٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوساً لاَ تَبْلُغُ نِصَاباً قُطِعَ، وَلَوْ سَرَقَ جُبَّةَ قيمَتُهَا دُونَ النِّصَابِ لَكِنْ في جَيْبِهَا دِينَارٌ وَهُوَ لا يَعْلَمُ قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَخْرَج نِصَاباً في دَفَعَاتٍ فَلاَ قَطْعَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَخَلَّلَ اطِّلاَعَ المَالِكِ وَإعَادَةَ الحِرْزِ، فَإنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ طُولِ الزَّمَانِ المُتَخَلِّلِ وَقِصَرِهِ، وَخُرُوجُ البُرِّ مِنْ أَسْفَلِ الكَنْدُوجِ شَيْئاً فَشَيْئاً عَلَى التَّوَاصُلِ أَوْلَى بِأَنْ يُجْعَلَ فِي حُكْمِ دَفْعَةٍ مِنَ المُفَرَّقِ بَلْ هُوَ كَمَا لَوْ جَرَّ المِنْدِيلَ شَيْئاً فَشَيْئاً فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، فَلَوْ أَخْرَجَ نِصْفَ المِنْدِيلِ وَتَرَكَ النِّصْفَ الآخَرَ فِي الحِرْزِ فَلاَ قَطْعَ وَإِنْ كَانَ المُخْرَج أَكْثَرَ مِنْ نِصَاب، وَلَوَ جَمَعَ مِنَ البَذْرِ المَبْثُوثِ فِي الأَرْضِ المُحَرَّزَةِ مَا بَلَغَ نِصَاباً قُطِعَ عَلَى الصَّحيحِ لِأنَّ الكُلَّ كَحِرْزٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَكُنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 173
كَمَا لَوْ أَخرَجَ نِصَاباً من حِرْزَيْنِ، وَلَو اشْتَرَكَ رَجُلاَنِ فِي حَمْلِ مَا دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُقْطَعَا، وَلَوْ بَلَغَ نِصْفَ دِينَارٍ قُطِعَا، وَينْبَغِي أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ بَالِغَةً نِصَاباً قَطْعاً لاَ بِاجْتِهَادِ المُقَوِّمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السرقةُ: أخذُ المالِ على وجْه الخُفْية، ويتعلَّق بها القطْع في الجملة بالإجماع والكِتَاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] والكلام فيما يوجِبُ القطْع، وفيما يثبت الموجِبُ به، وفي القطْعِ نَفْسِهِ، فهذه ثلاثة أطرافٍ لا بُدَّ من النظر فيها.
أما الموجِبُ، فهو السرقة، ولا شك أن السرقةَ فعْل متعد يتعلَّق بمسروق، ويصدر من سارق، فهذه ثلاثة أركان، ولا بد من معرفة ما يعتبر في المْسرُوق، وفي نفس فعْل السرقة، وفي السارق؛ ليتم الموجِبُ.
أما الركن الأول: وهو المسرُوق، فقد ضبط شروطَهُ في ستة.
أحدُها: أن يكون نصاباً، وهو رُبُعُ دينارٍ من الذهب الخالِص، فلا قطْع فيما دون ذلك؛ لما رُوِيَ عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُقْطَعُ اليَدُ في رُبُع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" وَيُرْوَى "لاَ قَطْعَ إلاَّ فِي رُبُع دِينَارٍ" 468 ولو سرق ديناراً مغشوشاً، نُظِر؛ هل يبلغ خالصه ربعاً أم لا؟ ولو كان المسرَوق ما سوى 469 الذهَب، قُوِّم بالذهب، حتى لو سَرَقَ دراهمَ، قُوِّمت بالذهب أيضاً.
الجزء: 11 - الصفحة: 174
وعند أبي حنيفة: النصابُ عشرةُ دراهمَ، ويقوَّم الذهب وغيره بالدراهِم.
وعند مالك رُبُع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، فهما أصلان، وما سواهما يُقوَّم بالدراهم، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أن مذْهَب أحمد كمذْهَبنا، وجعل أبو نصْرِ بْنُ الصبَّاغ [أن] 470 مذهبه كمذهب مالِكٍ، وحَكَى أن ابن بنت الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ [عنهُمَا]- اختار مذْهَب داوُدَ، وهو أنه لا يعتبر النصاب، ويجب القَطْع بسرقة القليل والكثير، فيمكن أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب "أن يكون نصاباً" بالواو، وهذا قوله "الشرط الأول النصاب" إذا عرف ذلك، ففي الفصْل مسائلُ:
إحداها: إنْ كان المسروقُ ربعاً من الذهب المَضْرُوب، فذاك، ولا فرق بين الصحيح والقراضة [منه 471،] وبالمضروب يقَع التقْويم، إذا كان المسروقُ غيره، حتى لا يوجب القطْع، إن كان المسروقُ يبلغُ ربعاً من الذهب غير مضروب، ولا يبلغ ربعاً مضروباً، ولو سرق ربعاً من الذهب الخالِصِ، كالسبيكة والحُلِيِّ، وهو لا يبلغ ربعاً مضروباً بالقيمة، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: يجب؛ لبلوغ العيْن قَدْرَ النصاب، كما في نصاب الزكاة، وإلى ترجيحه = قال: وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن القطع لا يجب إلا في عشرة دراهم روي ذلك عن ابن مسعود.
قال: ولست أعرف من جعل النصاب أكثر مما اعتبره أبو حنيفة رحمه الله قال: إلا أن أصحابنا يروون عن النخعي أنه لا يوجب القطع إلا في أربعين درهماً، وروي عن ابن الزبير أنه قال في نصف درهم ولست أعرفه.
وقد استدل داود بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله السارق إن سرق بيضة قطعت يده كان سرق جملاً قطعت يده".
والجواب عن هذا أن علياً رضي الله عنه إنما ذكره على وجه المثل والتحذير لا على وجه التحقيق بدليل ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من بني مسجداً ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة".
فأخرجه مخرج المبالغة في الترغيب أن مسجداً مثل مفحص قطاة لا يكون كذلك، وإن حملناه على بيضة حقيقة حملناه على بيضة النعام، والبيضة التي هي المغفر التي توضع على الرأس في الحرب من حديد فسقط هذا.
والجواب عما استدل به أبو حنيفة رحمه الله من أنه لا قطع إلا في عشرة دراهم.
قلنا: يرده قول الصحابة المتقدم ذكره من أنه لا قطع إلا في ربع دينار.
وبدليل ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قطع في مجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم.
وهذان الحديثان متفقان لأن الدينار كان حينئذ اثني عشر درهماً.
قالوا: قد خالفهم ابن مسعود لأنه روي عنه أنه قال: لا قطع إلا في عشرة دراهم.
قال: قلنا: هذا ليس بثابت عنه، ولو ثبت عنه كان قول الأكثر أولى.
الجزء: 11 - الصفحة: 175
ميل كلام جماعة منْهم صاحب "التهذيب" وذكر في "البيان" أنه المذهب.
والثاني: المَنع، ويُحكَى ذلك عن الإصطخري وأبوَيْ علي بْن أبي هريرة، والطبريِّ، ووُجِّه بأن المذكور في الخَبَر لفْظُ الدينار، وهذا الاسم يقع على المضْرُوب، وهذا أظهر عند الأمام وغيره، وهو الذي أورده أبو الحَسَن العبَّادِيُّ، ويؤيده أنَّا نقوِّم بالمضروب دون غير المضْرُوب، واْن غير المضروب مقوَّم؛ كالسِّلَع، ولو سرق خاتماً وزنُه دون الربع، وقيمتُه تبْلُغ بالصنعة ربُعاً، ففي القطع وجهان، إن اعتبرنا القيمة، وجب القطع، وإن اعتبرنا العين، فلا، وأراد بلَفْظ "الإبريز" في الكتاب الخالِصَ دون الثبر الَّذي إذا خلُص، نَقَص، فلا قطْع في سرقة الربْع منه بلا خلاف.
الثانية: لو سرق فُلوساً ظنَّها دنانير، قُطِع، إن بلغت قيمة الفلوس نِصاباً، وإلا، لم يُقْطَع، ولو سرق دنانير ظَنَّها فلوساً، لا تبلغ قيمتها نصاباً، قُطِعَ وفي "جمع الجوامع" [للقاضي الروياني] 472 أن أبا حنيفة يوافِقُ فيه، ومنْهم مَنْ يُشْعِر نقلُه بأنه يخالِف فيه، ولو سرق ثوباً خسيساً؛ كجبة رثَّة، وكان في جيبها دينارٌ أو ما يَبْلُغ به قيمتها نصاباً، ولم يَشْعُر بالحال، فوجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: لا يجب [القطع] 473 لأنه لم يَقْصِد سرقة نصاب، ويخالف ما إذا سرق دنانير ظنَّها فلوساً، فإنه قصد سرقة عينْها.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأنه أخرج نصاباً مِن حِرْزِهِ عَلَى قصد السرقة، والجهل بجنس المسروق وقَدْرِهِ لا يؤثِّر، كالجهل بصفته.
الثالثة: إذا أخرج النصَابَ من الحِرْز بدفعتين، فصاعداً نُظِر؛ إن تخلَّل اطِّلاع المالك وإعادة الحِرْز بإصلاح النَّقْب أو إغلاق الباب، فالإخراج الثاني سرقة أخرَى، فإذا كان المُخْرِج في كلِّ دفعة دون النصاب، لم يجب القطْع، وإن لم يتخلَّل الإطلاع والإعادة، فقد أطلق العراقيون وتابعهم صاحب"التهذيب" والرويانيُّ وغيرهما [وفيه] 474 ثلاثة أوجهٍ:
أظهرهما، وبه قال ابن سُرَيْج والقاضي أبو حامد: أنه يجب القطع؛ لأنه أخرج نصاباً كاملاً من حرز هَتَكَه، فأشبه ما إذا أخرج دفعةً واحدةً، وما إذا طَرَّ جَيْبَ إنسان، وأخذ منه درهماً فدرهماً.
والثاني: لا يجب، وهو قول أبي إسحاق؛ لأنه أخذ [بقية] 475 النصاب من حرز
الجزء: 11 - الصفحة: 176
مهتوك، ولأنه أخرج النصابَ بفعلَيْن، فأشبه ما إذا أخرج بَعْضَه واحدٌ وبعضه آخر.
والثالث: وهو قول ابن خيران، إن عاد، وسرق الباقي بعْدما اشتهر هَتْكُ الحِرْز، وعلم الناس أو المالكُ، لم يُقْطَع، وإن عاد قبل الاشتهار، قُطِع، قال صاحب "التهذيب": ولا فرق بين أن يعود لأخْذ الباقي في تلْك الليلة أو في ليلة أخرَى، وفيه وجه أنه إن عاد في ليلة أخرى، لم يجب القطع قولاً واحداً، ورأى الإمامُ وصاحب الكتاب القَطْعَ بعدَم وجوب القطع، إذا اطَّلَع المالك على انهتاك الحِرْز وأهمله؛ لأنه مضيِّع، وحَكَيَا وجْه التفصيل على نَسَقٍ آخرَ، وهو أنه إن طال الفْصل بين الإخراجَيْن، فهما سرقتان، ولا قطْع في واحدة منْهما، وإن لم يَطُل، وجب، وعن الشيخ أبي محمَّد: أنه لو ذهب بالمسروق إلى بيته، وأسرع الكَرَّة 476، فهو كطُول الفصْل، وإن قَرُب الزمان، ولو كان يُخْرِج النصاب شيئاً فشيئاً، ويضعه خارج البيت أو خارج البَابِ، حتى تَمَّ النصابُ، ولم يفارِقِ الحرْزَ، قُطِع.
ويتعلَّق بالإخراج بدفعتين فصاعداً.
فرعان: أحدهما: انثيال البُرِّ، وسائر الحبوب عنْد نَقْب الكَنْدُوجِ أو فَتْح بابٍ مِنْ أَسْفَلِهِ، هل هو كإخراجه باليد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ويُنْسب إلى رواية أبي إسحاق؛ لأنه خرج بتسبُّب لا بمباشرة الإخراج، والتسبب ضعيفٌ لا ينبغي أن يتعلَّق به القطْع.
وأصحُّهما: أنه كالإخراج باليد لأنَّه بما فَعَل هتك الحِرْز وفَوَّت المال، وعلى هذا فلو أخرج بِيَدِهِ أو انثال دفعةً واحدةً، ما يساوي النصاب، وجب القطع، وإن أخرجه شيئاً فشيئاً على التواصل أو انثال كذلك، بَنَى الحكم على ما لَوْ أخرج النصاب في دفعتين 477 فصاعداً، هل يجب القطع؟ إن أوجبنا القطع، فهاهنا أولَى، وإلا، فهاهنا وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنه ما أخرَج النصاب بإخراجةٍ واحدةٍ.
وأصحُّهما: الوجوب، لأنه يُعدُّ فعلاً واحداً بخلاف الإخراجَيْن المنفصلين، وقد لا يتأتَّى إخراجه إلاَّ كذلك، ولو أخذ طرف المنديل، وأخرجه من الحِرْز جَرّاً أو طرف الجذع، وأخرجه كذلك، وجب القطع؛ فإنه شيءٌ واحدٌ، ولو أخرج نصفه وتَرَك النْصف الآخر في الحِرْز؛ لخوف وغيره، لم يجب القطع، وإن كان المُخْرَج قَدْر نصاب وأكثر؛ لأنه مالٌ واحدٌ، ولم يتمَّ إخراجه، وكذلك نقول: لو كان طرف عمامة المُصلِّي
الجزء: 11 - الصفحة: 177
على نجاسة، لم تصحَّ صلاته، وسقوط الدراهم شيئاً فشيئاً، إذا طُرَّ الجيْبُ أو الكُمُّ كانثيال الحبوب.
الثاني: لو جمع من البذر المبْثُوث في الأرْض ما يبلغ نصاباً، نُظِر؛ إن لم تكُنِ الأرض محرَّزَةً، لم يجب القطْع، وإن كانت محرَّزةٌ على ما سيأتي القَوْل فيه، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: لا يجب لأن موضع كل حبة حرزٌ خاصٌّ لها، فأشبه ما إذا أخرج النصابَ من حرزَيْن.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن الأرض تُعدُّ بقعةً واحدةً، والبذورُ المتفرَّقة فيها كالأمتعة في زوايا البيْت، وينبغي أن يقال، في وجوب القطع، وإن جعلْنا الأرض حرْزاً واحداً، الخلافَ الذي سبَق في إخراج النصاب شيئاً فشيئاً.
الرابعة: إذا أخرج اثنان من الحِرْز نصاباً واحداً أو أكثر، لكنه لم يبلُغْ نصابين، فلا قَطْع عليهما، وإن اشتركا في الإخْراج ولم يتميَّز فعْلُ أحدهما عن الآخر بخلاف ما لو اشترك اثنانِ في القطْع أو القَتْل، يجب القصاص عليهما، وفرق بين البابين بأن الشارع لم يوجِبِ القطع فيما دون النصاب؛ لأن الشيْء التافه قليلاً ما يحتمل [العاقل] الأخطارَ لأخذه؛ فلا يحتاج إلى الزجْر عنه بالقطع، فإذا اشترك اثنان في أخذ نصاب، كان حصة كل واحد منهما دون النصاب، فلا يشتركان في السرقة [لتحصيله]، وفي القطْع والقتْل، لو لم يوجَبِ القصاص عنْد الشركة، لجعلت الشركةُ ذريعةً إلى الإفساد والإهلاك.
وعن مالك وأحمد: أنه يجب القطْع عليهما، إذا كان ما سرقاه نصاباً، كذلك نقله ابن الصباغ وغيره، ومنْهم مَنْ فصَّل الحكاية عن مالك؛ فقال: إن حَمَلا شيئاً ثقيلاً لا يَحْمِله إلا اثنان، وجب الْقَطْع عليهما، وإن كان خفيفاً، ففيه روايتان.
وإن أخرجا ما يَبْلُغ نصابين قُطعا، وإن انفرد كلُّ واحدٍ منهما بإخراج مال، وجب القطْع على مَنْ بلغ ما أخرجه نصاباً، ولم يجبْ على مَنْ لم يبلغ ما أخرجه نصاباً.
وقال أبو حنيفة: يُجْمَع ما أخذَه الجماعةُ، فإن بلغت حصَّةُ كلِّ واحد منهم نصاباً، وجب القطع عليهم جميعاً، ومنهم مَنْ قيِّد الرواية بما إذا اشتركوا في النقْب ثم أخرجوا.
الخامسة: قال الإِمام: إذا كان المسروقُ عَرَضاً تبلغ قيمته بالاجتهاد رُبُع دينار، فقد يوجد للأصحاب أنه يجب الحدُّ، والذي أرى القطْعَ به؛ أنه لا يجب ما لم يقطع المقوِّمون بأنها تبْلُغ نصاباً، وللمقوِّمين قطْعٌ واجتهادٌ، فلا يكفي الاجتهاد والقطْع من
الجزء: 11 - الصفحة: 178
جماعة لا يزلون معتبر لا محالة، ومِنْ جماعة لا يبعُد الزلَل عليهم؟ فيه احتمالان:
أحدهما: أنه يكتفي به، كما تُقْبل الشهادة مع أن احتمال الغَلَط قائمٌ.
والثاني: المنْع بخلاف الشهادة؛ فإنها [تستند] إلى المعاينة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "لم يُقْطَعَا" بالميم والألف؛ لما بَيَّنَّا.
وفي كلام الإِمام ما يُجَوِّز إعلام قوله "لا باجتهاد المقوِّم" بالواو، ويَشْهد له أن القاضي الرويانيَّ ذكَر في "جمع الجوامع" أنه لو شَهِدَ شاهدان بالسرقة، فَقَوَّم أحدهما المسروقَ نصاباً، والآخر أقلَّ منه، لا يلزم القطْع، وفي المال [إن] رضي [المالك] بأقل القيمتين، فذاك، وله أن يَحْلِف مع الذي شَهِد بالأكثر، ويأخذه، ولو شَهد شاهدان؛ بأنه نصاب، وقَوَّمه آخران بما دون النصَاب، لم يجب القطع، ويؤخذ في الغرم بالأقل، وعن أبي حنيفة أنَّه يؤخَذُ بالأكثر.
واعلم أن المسألة الثالثة من مسائل الفَصْل لا تتعلَّق بشرط النصاب، فإن النَّظَر فيها إلى كيفية الإخْراج، وإيرادها في غير هذا المْوضِع كان أولَى به من جهة الترتيب.
فَرْعٌ:
القيمة تختلف بالبِلاد والأزمان، فتتغير في كلِّ مكانٍ وزمان قيمةُ ذلك المكانِ والزمان، ويَبْعُد أن يقال: يعتبر قيمة الحجاز أو قيمةُ عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الثَّاني) أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً لِغَيْرِ السَّارِقِ، وَلَوْ سَرَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ مِنَ المُرْتَهِنِ أَوْ المُسْتَأْجِرِ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ طَرَأَ المِلْكُ بِإرْثِ قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ الحِرْزِ فَلاَ قَطْعَ، وَبَعْدَهُ لاَ يُؤَثرُ، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ القِيمَةِ بِالأَكْلِ، وَالإتْلاَف قَبْلَ الإِخْرَاجِ يُؤَثِّرُ وَبَعْدَهُ لاَ، وَلَوْ قَالَ السَّارِقُ: سَرَقْت مِلْكِي سَقَطَ القَطعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عَلَى النَّصِّ لأنَّهُ صَارَ خَصْماً فِي المَالِ فَكَيْفَ يُقْطَعُ بِحَلِف غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ المَسْرُوقُ مِنْهُ: هُوَ لَكَ فَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ قَالَ السَّارِقُ: هُوَ مِلْكُ شَرِيكِي في السَّرِقَةِ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ أَنْكَرَ شَرِيكُهُ لَمْ يُقْطَعِ المُدَّعِي، وَفِي المُنْكِرِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ العَبْدُ السَّارِقُ: هُوَ مِلْكُ سَيِّدِي فَلاَ قَطْعَ وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ:
إحداها: لا قطْع على مَنْ سرق ماله في يَدِ غيره؛ كيد المرتَهن والمُودَعِ والمستأجِر والمستعير وعامل القراضِ والشَّريكِ والوكيلِ، ولو أخذ مع ماله نصاباً آخَرَ، لزمه القطع؛ لأنه لا شبهة في النصاب الآخر.
وقال أبو حنيفة: لا يجب القطْع.
الجزء: 11 - الصفحة: 179
ولو سرق ما اشتراه من يد البائع؛ إما في زمان الخيار أو بعد انقطاع الخيار، لم يُقْطَع، ولو سرق معه مالاً آخر، فإن كان قبل توفير الثمن، وجب القطع، وإن كان بعد توفيره فوجهان:
أصحهما: المنع، كما سيذكر فيما إذا سَرَقَ من الدار المشتراة.
ولو وهب منْه شيء، فرقه بعد القَبُول وقبل القبض، والأصحُّ: أنه لا يُقْطَع بخلاف ما إذا أوصَى له بشَيْء، فسرقه قبل موت الموصي؛ لأن القبول لم يقترن بالوصية، وإن سرقه بعْد موت الموصي، وقبل القَبُول، فيَنبنِي 478 على أن المِلْك في الوصية بم يحْصُل، إنْ قُلْنا: يملكُ الوصيةَ بالمَوْت لم يُقْطع، وإلا، قطع، ولو أوصى بمالٍ للفقراء، فسرقه فقيرٌ بعْد موته، لم يُقْطع؛ كسرقة المال المشترك، وإن سرقه غنيٌّ قطع.
الثانية: إذا طرأ المُلْك في المسروق قَبْل إخراجه من الحِرْز؛ بأن ورثه السارق أو اشتراه أو انتهبه، وهو فيه، سقط القطع، وإن طرأ الملْك بعْد إخراجه من الحرز، لم يسقط القطْع؛ لكنه لو اتَّفَقَ ذلك قَبْل رفْع الأمر إلى الحاكم، لم يمكن استيفاء القطْع بناءً على أن استيفاء القطْع يتوقَّف على دعوَى المسْرُوق منْه ومطالبته بالمال على ما سيأتي، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يسقط القَطْع.
واحتج الأصحاب بما رُويَ أن صفوانَ بْن أمية نَامَ في المَسْجِدِ فَتَوَسَّدَ ردَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَهُ مِنْ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ بِقَطْع يَدِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- "هَلاَّ كان قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ"، ولو كانت الهبة بعد السرقة تدفع القطْع، لَأَمَرَه بإتمامها، ودفع القطع، [وأيضاً، فالاعتبار] في العقوبات [بحالة] الجناية؛ ألا ترى أنه لو زَنَى بجارية، ثم ملكها، لم يَسْقُط الحدُّ.
الثالثة: لو انتقصت قيمةُ المسروق في الحِرْز؛ بأن أكل بعْضَه أو خَرَقه، وكان المُخْرجَ دون النصاب، لم يجب القطع، وإن كان النقصانُ بعْد الإخراج من الحِرْز لم يؤثِّر، واستوفى القطْع؛ خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان النقصانُ بآفة سماوية.
ولو شق الثوب في الحِرْز أو ذبح الشاة فيه، ثم أخرج، فعليه ضمان النقصان، ثم إن كان المُخْرَج نصاباً، فعليه القْطع، وإلا فلا، وعند أبي حنيفة: لا قطع في الشاة إذا ذبحها ثم أخرجه بناءً على أنه لا قَطْع في اللحم والأشياء الرطبة؛ على ما سنذكره، وإن
الجزء: 11 - الصفحة: 180
شَوَاهَا في الحِرْز، فقد مَلَكَها عنْده، وقال في الثوب المشقوق: إذا كان يبلغ نصاباً يَتخيَّر المالك بين أن يأخُذَه، ولا يطالب بالأرش، وبين أن يتركه على السارق، ويطالبه بكمال قيمته، فإن أخذه، ولم يطالب بالأرش، قُطِعَ، وإلا لم يقطع؛ بناءً على أن القَطْع والغُرْمِ لا يجتمعان، وقد يُفْرّق بين الشق طُولاً [وبين] 479 الشَّقِّ عَرضاً، ويُجعل الشقّ طولاً مهلكاً.
الرابعة: إذا ادَّعَى السارق المِلْكَ فيما أخذه على صورة السرقة، فقال: كان المأخوذ منْه، غَصَبَة مني أو مِنْ أَبِي، أو كان وَدِيعَةً عنْده أو عارية، أو كُنْتُ اشترَيْتُه مِنْه، أو وَهَبَه منِّي أو أَذِنَ لي في أخذه، فلا يُقْبَل قولُه في المال، بل يصدَّق المأخوذ منه بيمينه في نفْي الغصْب والبيْع والهبة، وبلا يمين في قوله "أَذِنَ لِي في أَخْذِ مالِه" فإنهما متفقان على أن المال لَهُ، فيرد عليه، وهل يَسْقط القطْع بدَعْوَى المْلك؟
المنصوص وبه قال أكثر الأصحاب: نعم؛ لأن ما يدَّعيه محتملٌ، والقطْع يَسْقُط بالشبهة، ولأنه صار خصماً في المال؛ ألا ترى أنه لو نَكَل المأخوذ منه وحَلَف السارق، استحق المال، ولا قطْع، فكيف يُقْطَع في مال هو خصمٌ فيه؛ ويُروَى عن الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه سمَّى هذا المدَّعِي السارقَ الظَّرِيفَ، وفيه وجْه أو قولٌ مخرَّج عن رواية أبي إسحاق المَرْوَذِيِّ أو تصرُّفه: أنه لا يَسْقُط القطْع بمجرَّد الدعوى، كيلا يتخذ ذلك [حيلة و] 480 ذريعةً إلى دفْع الحدِّ، قال الرويانيُّ في "الحلية": ولهذا وجه في زمان الفساد، [والله أعلم].
وفي موضع الخلاف في دعوى السارق المِلْك كَلامٌ يذكره في آخر النَّظَر الثاني من "كتاب السرقة"؛ لأن صاحب الكتاب أعاد المسألة هناك، وتكلَّم في موضع الخلاف فيها، ويجري الخلاف فيما إذا ادَّعَى السارقَ أن المسروقَ منْه عبده، وهو مجهول النَّسَب أو أن الحِرْز ملْكُه غَصَبَه [منه] المسروق منْه، وفيما إذا شهد عليه شهودٌ [بالزنا]، فادَّعَى أن المرأة زوجتَه أو كانَتْ أمةً، فقال: باعها مالِكُها مِنِّي، ورأى الإِمام الظاهرَ في حدِّ الزنا: أنه لا يَسْقُط بهذه الدعوَى، بخلاف القطْع بناءً على أن الظاهر فيما إذا قامَتْ بينة على أن فلاناً زَنَى بجارية فلانٍ الغائبِ، ولا ينتظر حضُور الغائِب، بخلاف مثله في السرقة؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، ولا يجري الخلاف فيما إذا قطع يد إنسان وادَّعَى أنه أَذِنَ لي في قطْعها بَلْ يقتص منه بلا خلاف؛ لأن القطع حقُّ الآدميِّ، وهو بمثابة المالِ، هاهنا، ولو أقر المسرُوقُ منْه بأن المال كان ملكاً للسارق، فلا قطْع بلا خلاف؛ لأن السارق إنما يُقْطَع عند الخصومة، وقد سقَطَتَ المخاصمة، وإذا فرَّعنا على
الجزء: 11 - الصفحة: 181
النصَّ، فلو سرق اثنان وادعَيَا أن المسروق ملْكُهما، لم يُقْطَعا، وإن ادعاه أحدُهما لنفسه أو لَهُمَا، وأنكره الآخر، واعترف بالسرقة، فلا قطْع على المدَّعِي، وفي المنكر وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاصِّ: أن عليه القطْع؛ لأنه مقرٌّ بأنه سرق نصاباً بلا شبهة، وهذا أظهر عند الإِمام، وصاحب الكتاب، وبه أجاب صاحب "الشامل".
والثاني: ويُنْسَب إلى القفَّال: أنه لا يجب؛ لأنه قد ادَّعَى ما لَو صَدَق فيه، لسَقَطَ القطْع [فصار] كما لو قال المسروقُ منه: إنه 481 [ملكه،] يَسْقُط القطْع، وإن كان مقرّاً بأنه سرَق، بلا شبهة، ولو قال أحدهما: هذا ملْك شريكي، وأخذتُ معه بإذنه، وأنكر الشريك، فالذي نَقلُوه أنه كالصورة [المتقدمة] لا قَطْعَ عَلَى من يدعي ملك الشريك، وفي المِنْكرِ وجهان، وقَرُب الوجهان من الوجهينِ فيما إذا شَهِدَ اثنان بالقِصاص على إنْسانٍ، فاقتص منه ثم رَجَعَا، [فقال] أحدهما: أخطأْنا، وقال الثاني: تعمَّدنا، لا قصاص على الأول، وفي الثاني وجهان، قال في "التهذيب" والأولَى أن يقال: يجب القطْع على المنْكِر؛ لأنه يدعي شبهةً وفي المدَّعِي وجهان:
أحدهما: لا قطْع عليهِ؛ لأن ما يدعيه لو ثَبَت، لم يجب القطْع.
والثاني: يجبُ؛ لأنه لا يدعي لنفْسه ملكًا إنما يدعيه للشريك، وهو منْكِرٌ، ونظيره من شهود القصاص أن يقول:
أحدهما: تعمدنا جميعاً، ويقول الثاني: تعمَّدتُ أنا، وأخطأَ صاحِبي، يجب القصاص علَى من يقول: تعمَّدنا جميعاً، وفي الآخر وجهان، ويجوز أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب "لم يُقْطَع المُدَّعِي" بالواو.
وقوله "ولو أنكر شريكه" فيه ما تبيَّن، أما قوله "ولو قال: السارق هُوَ ملْكُ شَرِيكِي في السَّرِقَةِ، فلا قَطْعَ" المقصود منه ما إذا صدقه الشريكُ، ويجوز أن يُعْلم قوله "فلا قطع" بالواو؛ لأن المذكور جوابٌ على النصِّ، ويجيء فيه الوجه أو القْولُ المخرَّج.
ولو سرق عْبدٌ وادَّعَى أن المسروق ملْكُ سيده، فإن صدَّقه السيِّد، سقط القطْع تفريعاً على النص، وإنْ كذَّبه فوجهان:
أحدهما: لا يسقط؛ لأنه يدَّعي الملك لسَّيده، وهو منْكِرٌ، كما ذكرنا في الشريك.
والثاني: يَسْقِط كالحرِّ يدعي المِلْك لنفسه، وهذا ما أورده في الكتاب مع حكاية
الجزء: 11 - الصفحة: 182
الوجهَيْن فيما إذا ادَّعَى الملْك للشريك، وأنكر الشريكُ، وإليه ذهب صاحب "التلخيص" وقد يُفْرَق بينهما بأنَّ تعلَّق السيد بالعبد فوْق تعلُّق الشريكِ بالشريك؛ ألا ترى أن يد العبد يدُ السيد، وتمليك العبد تمليكُ السيد، فجعلت دعْوَى ملْك السيد كدَعْوَى الحرِّ ملْك نفسه.
ولو ادِّعَى السارق نقصانَ قيمة المسروقِ عن النصاب، لم يُقْطَع، فإن قامتِ البينةُ على أن قيمته تبلغُ تمام النصاب، قُطِع؛ بخلاف ما لو ادَّعَى أنه ملْكه، لا يُقْطَع، قاله في "التهذيب"، واعلم أن ترجمة هذا الشرْط كوْنُ المسروق ملكاً لغير السارق، والصورةُ الأولَى، والثانيةُ، والرابعة متعلِّقة بهذه الترجمة، وأما الثالثة، وهي انتقاصُ قيمة المسروق في الحرز، فهي أجنبية عنْها، [وهي] بترجمة الشرط الأول، [وهو] أن يكون المخرَجُ نصاباً أليق.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِماً) فَلاَ قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الخَمْرِ وَالخَنْزِيرِ وَلاَ عَلَى سَارِقِ الطُّنْبُورِ وَالمَلاَهِي وَالأَوَانِي الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي يَجُوزُ كَسْرُهَا إِنْ قَصَدَ السَّارِقُ بِإخْرَاجِهَا الكَسْرُ، وَإِنَ قَصَدَ السَّرِقَةَ وَرُضَاضُهَا نِصَابٌ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمتأمَّلٍ أن يقول: إذا شَرَطْنا أن يبلغ المسروقُ نصاباً بالقيمة، فقد شرَطْنَا أن يكون مالاً محترماً؛ لأن ما لا قيمة له لا يكونُ نصَاباً، فَإِذَنْ هذا داخل في الشرط الأول، ثم في الفقْه مسألتان:
إحداهما: من سرق خمراً أو خنزيراً أو كلباً 482 أو جِلْد ميتة غيْرَ مدبوغ، فلا قطْع 483 عليه، سواء سَرَقَهُ من مسلمٍ أو ذميٍّ؛ لأنه لم يَسْرِق مالاً، فلو كان الإناءُ الذي فيه الخمْرُ يَبْلُغ [نِصاباً]، فوجهان:
أحدهما: لا يجب القطْع أيضاً؛ لأن ما فيه مستحَقُّ الإراقة، فيصير شبهةً في دفْعِه، وبهذا يقول أبو حنيفة؛ لأن عنده إذا سَرَقَ ما يُقْطَع [فيه]، وما لا يُقْطَع لا [يقطع] 484.
وأصحُّهما، ويحكى عن نصه: أنه يجب؛ لأنه سرق نصاباً من حِرْزه.
الجزء: 11 - الصفحة: 183
وإن كان فيه بولٌ، فقد طرد في "البيان" فيه الوجهين، وقياس ما في "المهذب" و"التهذيب" القطع بالوجوب؛ لأنهما قاساه وجْهَ الوجُوب عليه، وحكَى صاحب "البيان" وجهين في وجوب القطع بسرقة ما يستهان به كقُشُور الرمان، وهو بَعِيدٌ [والصواب القطع بالوجوب].
الثانية: إذا سرق شيئاً من آلات الملاهي؛ كالطنبور والمِزْمار، وفي معناهما الأصنامُ، فينظْر؛ إن كان لا يبلغ بعْد الكسر والتغيير نصاباً فلا قطْع 485، ولا عبرة بما يبذله الراغب فيه؛ للتأليف المحرَّم، وإن كان يبْلُغ بعد الكسر والتغيير نصاباً، فوجهان:
أحدهما: أنه لا قطع أيضاً؛ لأنه من آلات المعْصِية، فأشبه الخمر، وأيضاً، فإنه غير محرَّز؛ لأن كل [أحد] مأمورٌ بإفساد آلات الملاهي، ويجوز الهجومُ على الدُّور لكَسْرها وإبطالها، وأيضاً، فإنه لا يجوز إمْساكها، فهي كالمغصوب، يُسْرَق من حرز الغاصب.
والثاني: يجب القطْع؛ لأنه سَرَقَ ما يبلغ نصاباً من الحرْز، ويجري الخلافُ فيما إذا كان علَيْه من الذَّهَب أو الفضَّة ما يبلُغ نصاباً، والأظهر عند أبي الفرج الزاز، والإمام الوجْه الأول، وعند الأكثرين منْهم العراقيُّون، والقاضي الرويانيُّ الثاني، [و] 486 قال الإِمام: ويتجه أن يقال: يختلِفُ الحكم باختلاف القصْد فإن قصد السَّرِقَةَ، ففيه الوجهان، وإن قَصَد بإخراجها أن يُشْهِر تغْييرَهَا وإفسادها، فمنقطع بأنه لا يُقْطَع، وهذا هو قضية كلامِ الأصحاب، فليجعل بياناً لما أرسلوه لا احتمالاً خارجاً عن المنقول، ولَو كَسَر ما أخذه في الحرز، ثم أخرجه، وهو يبلغ نصاباً، فقد قَطَع قاطعون بوجوب القَطْع، وفي "المهذَّب" ما يقتضي إثبات الخلاف؛ لأنه حكى ثلاثة أوجُهِ، ثالثُها، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه، إن أخرجه بعد الفصل والتغيير، قُطِعَ، وإن أخرجه قبله، لم يُقْطَع.
وأما الأواني الذهبيَّةُ - والفضيَّةُ 487، ففي "المهذب" و"التهذيب": أنه يجب بسرقتها القَطْع؛ لأنها تُتَّخذ للزينة لا للمعْصية، والوجْهُ وهو المذكور في "البيان" [أنه] يبني ذلك على أنه، هل يَجُوز اتِّخَاذُها؟ إن قلنا: يجوز، فيجب بسرقتها القطْع، وإن قلنا: لا يجوز، فهي كآلات 488 الملاهي، وهذا ما أورده الإِمام، لكنه رأَى نفْي القطْع بعيداً، ويُمْكِن أن يُعلَم قوله في الكتاب "ولا على سارق الطنبور" بالحاء 489، لأن في "جَمع
الجزء: 11 - الصفحة: 184
الجوامع" للقاضي الرويانىِّ: أن القفِّال رَوَى عن أبي حنيفة أنه يُقْطَع في الطنبور، وإن لم يبْلُغ قيمته نصاباً إلا بالصنعة 490 المحرمة، لكن الأثْبَتُ عنه أنَّه لا قطْع فيها، وإن بلغت بعد التغيير نصاباً.
وقوله "التي يَجُوزُ كَسْرُها" يعني إذا قلْنا: بجواز كسرها، وقد تُقْرأ "للتي يُجَوَّز كسرها" وقوله: "إن قصد السارق بإخراجها الكَسْر، وإن قصد السرقة" هو ما حَكَيْنا عن الإِمام أن الحُكْم يختلفُ بالقَصْد، وقد يعترض على اللفظ؛ فيقال: إذا قصد بإخراجها الكسْر، لم يصحَّ تسميته سارقاً، وقد سمَّاه سارقاً مرتَيْن، حيث قال: "ولا على سارق الطنبور" وقال: "إن قصد السارقُ" وكان الأحسن أن يقول: "إن قصَد المُخْرِج بإخراجها الكَسْر، وإن قصد السَّرِقَة" وإذْ ذكر السارِق، فهو محمولٌ على نحو منه.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْط الرَّابعُ) أَنْ يَكُونَ المِلْكُ تَامّاً قَوِيّاً وَلَوْ كَانَ للسَّارِقِ فِيهِ شَرِكَةٌ وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرِ فَلاَ يُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَهُ مِنْهُ وَزْنُ دِينَارٍ شَائِعٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ مَهْمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الشَّرِيكِ قَدْرَ نِصَابٍ فَيَجَبُ عَلَى مَنْ سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ مُشْتَرَكٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّىْءُ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ حُمِلَ قِسْمَةً فَاسِدَةً وَلَمْ يُقْطَعْ وَإِلاَّ قُطِعَ، أَمَّا مَا لِلسَّارِقِ فِيهِ حَقٌّ كَمَا لِبَيْتِ المَالِ فَفِيهِ وَجْهَان: أَحَدُهُمَا: لاَ يُقْطَعُ بِحَالٍ وَالثَّانِي لاَ يُقْطَعُ إِنْ كانَ مُتَّصِفاً بِصِفَةِ الاسْتِحْقَاقِ، وَأَمَّا الابْنُ فَلاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ أبِيهِ وَكُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَ غَنِيّاً، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ بَابِ المَسْجِدِ وَأَجْذَاعِهِ، وَفِي فُرُشِهِ وَجْهَانِ، وَفِي قَنْدِيلِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقْطَعَ، وَفِي سَرِقَةِ المَوْقُوفِ وَالمُسْتَوْلَدَةِ وَجْهَانِ لِضَعْفِ المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فقه الفصْل مسائل:
إحداها: إذا سرق أحدُ الشريكَيْن منْ حِرْز الآخر مالاً يشتركان فيه، فَهَلْ يتعلَّق القطْع بهذه السرقة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لا حَقَّ له في نصيب الشريك.
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه ما مِنْ قَدْرٍ يأخذه إلاَّ وله فيه جزْءٌ، وإن قل، فينتهض شبهةَ دافعةً للقطْع، وهذا كما أن وطئ الجاريةِ المشتركة، لا يوجبُ الحدُّ، فعَلَى هذا، لو سرق ألف دينار، [وله] منه قدرُ دينارٍ على الشُّيوع، لم يجب القطع، وعلى الأول؛ إذا سرق من نصيب الشريك نصاباً، يجب القطع، وكيف تحصُل سرقة نصابٍ من
الجزء: 11 - الصفحة: 185
نصيب الشريك؟ الحكايةُ عن أكثرهم: أنه إن كان المالُ بينهما بالسوية، فإذا سرق نصف دينارٍ فصاعداً، فقد سرق من الشريك نصاباً، هان كان ثلثاه للسارق، فإذا سرق ثلاثةَ أرباع دينارٍ فصاعداً، فقد سرق منه نصاباً [وقيل]: إنما يجعل سارق النصاب من الشريك، إذا زاد المأخُوذُ على قَدْر حقه [بنصاب]، فلو كان بينهما على المناصَفَة، فسَرَق نصْفَ المال وزيادةَ رُبْعِ دينار، أو كان ثلثاه للسارقِ، فسرق [ثُلُثَيْه] وزيادةَ ربْعٍ، فقد سرق [منه] نصَاباً، وإن اقتصر على أخْذ حصته، فلا قطْع؛ لإمكان أن يقع جميع المأخوذ في نصيبه عنْد القسمة، هكذا أطلق صاحب "التهذيب" نقله عن القفَّال، ومنْهم مَنْ فصَّل، وقال: إن كان المال المشتَرَكُ مما يَجْرِي فيه الإجبار على القسمة؛ كالحبوب في سائر الأموال المثلية، فإنما يجب القطع، إذا زاد المأخوذُ على قدْر حصَّته بنِصَابٍ، فإن لم يزدْ، فلا قطْع، وحُمِلَ أخذه على أنه استقل بالقسْمة، وهذه القسمة، وإن كانت فاسدةٌ، فإنها تصير شبهة دارئةً، وإن كان ممَّا لا يجْري فيه الإجبارُ؛ كالثياب، فإذا سرق نصْفَ دينار ممَّا يشتركان فيه على السوية أو ثلاثة أرباع مما ثلثاه للسارقِ، وجَب القطع؛ لأنه لا يجري فيه الإجْبار، والأخذ بغير إذن الشريك، وهذا ما أورده في الكتاب.
الثانية: هل يُقْطَع من سرق [من] مال بَيْت المال، يُنْظر، إن سرق مما أُفْرِزَ لطائفة مخصوصين، ولم يكن السارق منْهم، فَنَعَمْ، وذلك كالمُفْرَز لذوي القربَى واليتامَى، قال الإِمام: وكذا الفَيْء المعدُّ للمرتزقة، تفريعاً على أنه ملكهم، هان سرق، من غيره فقد ذُكِر فيه وجوه:
أحدها: أنه لا يجب القطْع بحال، سواءٌ سرق من مال الصدقات أو من مال المصالح؛ لأنه مُعَدٌّ مُرْصَدٌ لحاجات الناس، ولا فرق بين أن يكون السارقُ غنيّاً في الحال أو فقيراً، فإن الغني قد يفتقر، فأشْبَه ما إذا سرق الأبُ الموسر من مال الابْنِ، لا يُقْطَع، وإطلاق العراقيين يوافِقُ هذا الوجه، واحتج له بما رُوِيَ أن رجلاً سرق منْ بيْتِ المالِ، فكتب بعْضُ عمَّالِ عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلَيْهِ بِذَلِكَ، فقال: "لاَ قَطْعَ عَلَيْهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ إلاَّ ولَهُ فِيهِ حَقٌّ".
وثانيها، نقله القاضي الرويانيُّ عن رواية القَّفال، أنه يجب، كما في سائر الأموال.
وأصحُّها: أنه يُفَصَّل؛ إن كان السارقُ صاحبَ حق في المسروق منه، فلا قطْع، [كما] إذا سرق الفقير من مال الصدقات أو من مال المصالِح، وإن لم يكن صاحبَ حقٍّ كالغنيِّ، فإن سرق من مال الصدقات، قُطِع بخلاف الأب، إذا سرقَ من مال الابْن، وهو موسرٌ، وَفُرِقَ بينهما بأن سقوط القطْع هناك، إنما كان للبعضية والإيجاد، وإن سرق من مال المصالح، فوجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 186
أحدهما: أنه يقطع أيضاً، كَمَالِ الصدقة.
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه قد يُصْرَف ذلك المال إلى عمارة المساجدِ، والرباطات والقناطر، فينتفع بها الغنىُّ والفقيرُ، هذا إذا كان السارق مسلماً، أما إذا سرق ذميٌّ من مال المصالح، فالمشهور، وبه قال صاحب "التقريب": أنه يُقْطع؛ لأنه مخصوصٌ بالمسلمين، ولا نَظَر إلى إنفاق الإِمام عليهم عند حاجتهم؛ لأنه إنما ينفق للضرورة، وبشرط الضمان، وذلك لا يُسْقِط القطع، كما أنه ينفق على المضطر من بيت المال [بشرط الضمان،] 491 ولو سَرَق في غير حالة الاضطرار، وجب القطع، ولا نَظَر إلى انتفاعه بالقناطر والرباطات؛ لأنه ينتفع بها تبعاً من حيث إنه قاطِنٌ في دار الإِسلام، وفيه وجه: أنه لا قطْع عليه، كما لا قَطْع على الغني المُسْلِم، فإنه قد يُسْلم، وهذا ما ارتضاه صاحب "التهذيب" وقال: ينبغي ألا يكون إنفاق الإِمام عليه بشرط الضمان، قال: وهذا في مال المصالح، أما لو سرق مِنْ مال مَنْ لم يخلف وارثاً من المسلمين، فعليه القطْع؛ لأنه إرْثٌ للمسلمين خاصَّة، ولو كفِّن ميت من مال بيت المال، فَسَرَقَ ذلك الكفن نبَّاشٌ، تعلَّق به القطْع؛ لأنه انقطعَتِ الشركة عنْه لما صُرِف إلى تلْك الجهة، كما لو صرف إلى حَيٍّ.
الثالثة؛ عن نصِّه في القديم، ورواية الحارث بن سُرَيْج [النقال]: أنه يجب القطْع بسرقة ستْر الكعبة، إذا كان محرَّزاً بالخياطة عليه.
وفي كتاب القاضي ابن كج، مَعَ ذلك أن قوله الجديد والأصحّ: أنه لا قطْع بسرقته؛ لأن ليس له مالِكٌ مُعيَّن، فأشبه مال بيت المال، والذي أورده المُعْظَم الأول، وأخذُوا به، ولم يذكروا فيه خلافاً، وقالوا: إنه مال محرَّز، فأشبه سائر الأموال، وَرَوْوا أن عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سُرِقَ في عَهْده ثَوْبٌ من منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَطَعَ السَّارِقَ، ولم يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ 492 ثُمَّ أَلْحَقُوا بِسِتْرِ الكَعْبَةِ باب المسجد وجذْعَه وتأزيره وسواريه، وأوجبوا القطْع بسرقتها ونفوه فيما يُفْرَش في المسجد من حصير وغيره، وفي القناديل المُسْرَجة، وفَرَقُوا بأن الفُرُش أُعِدَّت لينتفع بها الناسُ، والقناديل ليستضيئوا بها، والأبواب والسقوف لتحْصين المسجد وعمارته، لا للانتفاع، والقناديلُ التي لا تُسْرَج ولا يقْصَد منها إلا الزينة، كالأبواب [والسقوف، و] 493 هذا ما أجاب به أكثرهم، ورأى الإِمام -رحمه الله- تخريجَ وجْهٍ في الأبواب والسقُوف؛ لأنها أجزاء المسْجِد، والمساجد يَشْتَرِك فيها المسلمون، ويتعلَّق بها حقوقُهم، فهي كمال بيت المال، وذكر في الحُصُر والقناديل ونحوها ثلاثة أوجُه:
الجزء: 11 - الصفحة: 187
المنْعَ المطَلَق، وهو قضية ما أورده [القاضي] 494 ابن كج، والوجوبَ المُطْلَقَ؛ كالأبواب، والفَرْقُ بين ما يقصد به الاستضاءة أو يُقْصَد للزينة، وكل هذا في المُسْلِم أما الذمِّيُّ، لو سرق الباب أو الحُصُر أو غيرهما، فيُقْطَع بلا خلاف، وذكر الفورانيُّ في سرقة بكرة البئر المسبلة: أنه يَجب القطْع، وكذلك حكاه صاحب "التهذيب" وقال: الوجه عندي أن تكون كحُصُر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس، وعند أبي حنيفة: لا قطع في شيء من ذلك.
الرابعة: في سرقة المال الموقوفِ وجهان:
أحدهما: لا قطْعِ، أما إذا قلْنا: إن الملْك فيه لله تعالى وحْده، فلأنه منفكٌّ عن ملك الآدميين، كالمباحات، وأما على غير هذا القول؛ فلأن المِلْك فيه ضعيفٌ.
وأصحُّهما: أنه يجب، كما في أستار الكعبة؛ لأنه مال محرَّزٌ، والوجهان جاريان فيما إذا سَرَقَ مستولدةً، وهي نائمةٌ أو مجنونةٌ، والأصحُّ وجوب القطْع؛ لأنها مملوكة مضمونةٌ بالقيمة كالعَبْد القِنِّ، ويخالف المكاتَب؛ لأنه في يد نَفْسه، وكذا مَنْ بَعْضُه حرٌّ وبَعْضُه رقيقٌ، ولو سرق من غلة الدار الموقوفة أو ثمرة الشجرة الموقوفةِ، وجب القطع بلا خلاف، [فإذا] كان للسارقِ استحقاقٌ فيما سَرق، كما لو وقَف على جماعة، فسرق [بعْضهم أو] 495 أحَدَهم، أو شبهة استحقاق، كما لو سرق أبو بعض الموقوف عليهم أو ابنه أو وَقَف على الفُقَراء، فسرق فقير، فلا قَطْع بلا خلاف.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "أن يكون [المِلْك] 496 تامّاً" قصد [بقيد] 497 "التمام" على ما بيَّنه في "الوسيط" الاحتراز عَن شيئين:
أحدهما: أن يكون للسارق فيه شركة، ذلك أن تقول: في الشرط الثاني، وهو أن يكون المال مملوكاً لغير السارق، غنيةٌ بن هذا التقييد؛ لخروج المشترك عنه؛ فإنه لا يُصدَّق أن يقال في المشترك: إنه مملوكٌ لغَيْر السارق، فلو ذكر مسألة المالِ المشتركِ هناك كان أحسن.
والثاني: أن يكون للسارق فيه حقٌّ، كَمَالِ بيت المال، وما في معناه من الصور، ولك أن تقولي: في الشرط الخامس، وهو كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارقِ، غنيةٌ عن هذا التحرُّز، وكان الأحسنُ أن تُؤَخَّر هذه الصورةُ إلَيْه.
وأما قيد "القوة" فإنه احترز به عن الموقوف والمستولَدَة، وقد عرفْت أن الظاهر
الجزء: 11 - الصفحة: 188
وجُوب القطْع [بسرقتهما] 498، وأن تلك 499 القوة غير معتبرة.
وقوله: "وقيل: يجب، مهما أخذ من مال الشريك قدْر نصاب" معناه ظاهر، والمقصود ما إذا كانت الشركةُ على المناصفة، وقد يوجَدُ في النسخ "مِنْ مال الشركة" ويحتاج إلى تأويل، وتقييد [المعنى] 500 "مهما أخذه من مال الشركة قدْر نصاب يَخُصُّ الشريك من المأخوذ".
وقوله "وأما الابن، فلا يُقْطَع بسرقة مال أبيه وكُلِّ مَن يستحِقُّ عليه النفقة، وإن كان غنيّاً" ليس الغرضُ منه الكلامَ في المسألة بعْد ذكرها في الشرط الخامس، حيث قال: "ولا يُقْطَعُ 501 مَنْ يَسْتحِقُّ النفقة على المسروق منه بالبعضية" وإنما الغرض هاهنا الإشارة إلى الفرْق بين الابن 502، حيث لا يُقْطَع، وإن لم يكن بصفة الاستحقاق؛ بأن كان غنيّاً وبيْن مال بيْت المال؛ حيث قال في الوجه الثاني: إنه، إنما [لا] 503 يقْطَع سارقُه بشرط أن يكون متصفاً بصفة الاستحقاق، ولكن يكفي في مثل هذا إشارةٌ خفيفةٌ 504، ولا حاجة بعد ذكر الابْن إلى أن يقول: وكلِّ مَنْ يستحِقُّ عليه النفقة، وكذلك فعل في "الوسيط" وقوله "ويقطع بسرقة باب المسجد وأجذاعه" مُعلَمٌ بالحاء والواو، وقوله "وفي فرشه وجهان" يعني الحُصُر والبوارِيَ وغيرهما، ويجوز إعلام لفظ "الوجهين" بالواو؛ لأن القاضي الرويانيَّ قال في "جمع الجوامع": لا خلاف بين الأصحاب في أنه لا قَطْع في سرقتها.
وقوله "وفي قنديله وجهان مرتَّبان" لِيُحْمَلْ على قنْديل الزينة، ليترتب الخلاف فيه على الخلاف في الفُرُش، وينزل منزلة الأبواب والجُذُوع التي يَضْعُف فيها الخلاف، فأما القنديل الذي يُسْرَج فيه، فقد سَوَّوْا بينه وبين الحُصُر، ويمكن أن يُحْمَل على القنديل الَّذي يُسْرَج فيه، ويُجْعَل جهة الترتيب أن منفعته الاستضاءة، وهي أضعف من منفعة الجُلُوس على الحُصُر.
فرع: يجب الحدُّ على من زَنَى بجارية بيت المال، وإن قلْنا: لا يجب القطْع بسرقة ماله، وفيه وجهٌ ضعيفٌ.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الخَامِسُ) كَوْنُ المَالِ خَارِجاً عَنْ شُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّارِقِ فَلاَ قَطْعَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ إِذَا سَرَقَ مِنْ غَرِيمِهِ المُمَاطِلِ جِنْسَ حَقِّهِ، وَإِنْ سَرَقَ عَيْنَ جِنْسِ
الجزء: 11 - الصفحة: 189
حَقِّهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ لَمْ يَكنْ مُمَاطِلاً قُطِعَ، وَلاَ يُقْطَعُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى المَسْرُوقِ مِنْهُ بِالبَعْضِيَّةِ، وَفِي الزَّوْجَةِ خِلاَفٌ، فَإنْ قُلْنَا: تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ فَيُقْطَعُ الزَّوْجُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ فَفِي الزَّوْجِ خِلاَفٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الاتِّحَادِ العُرْفِيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُقْطَعُ فَفِي عَبْدِ الزَّوْجِ وَجْهَانِ، وَلاَ شَكَّ في أَنَّ وَلَدَ الزَّوْجِ يُقْطَعُ إِذْ يُقْطَعُ وَلَدُ الأَبِ وَهُوَ الأَخُ، وَمِن الشُّبْهَةِ المُؤَثِّرَةِ ظَنُّ السَّارِقِ مِلْكَ المَسْرُوقِ أَوْ مِلْكَ الحِرْزِ أَوْ كوْنَ المَسْرُوقِ مِلْكَ أَبِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسائل:
إحداها: إذا سرق مستحِقٌّ الدَّيْن من مال المدْيُون، فعن نصَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[أَنَّه] 505 لا يُقْطَعُ، وبإطلاقه أخذ بعْضُهم فيما حكاه القاضي ابن كج؛ لأن له شبهةً فيه.
والأظهر: أن يفَصَّل؛ إن أخْذه لا على قَصْد استيفاءِ الحقِّ، فيقْطَع، وكذا لو قصد استيفاءه، والمديون غير جاحدٍ، ولا مماطلٍ، وإن كان جاحداً أو مماطلاً، فلا يُقْطَع؛ لأنه ممكن 506 من أخذه، وهل يُفْرَق بين أن يأخُذ من جنْس حقه أو من غير جنْسه؟ حكَى الإِمام فيه طريقَيْن:
أظهرهما: أنه لا فَرْق.
والثاني: تخريجُه 507 على الخلاف في أنَّه، هلْ يحلُّ له أن يأخُذ غير الجنْس، إذا ظَفِر به، ولو أخذ زيادة على قَدْر حَقِّه، لم يجب القطع أيضاً على الصحيح؛ لأنه إذا تمكَّن من الدخول والأخْذِ، لم يكن المال محرَّزاً منه، وفيه وجهٌ أنه إذا بلغتِ الزيادة نصاباً؛ وكانت مستقلةً، وجب القطْع، ويجوز أن يُعلَم لفظ "الخلاف" من قوله "ففيه خلاف" بالواو لأحد الطريقين، وقوله، في غير المماطل "قُطع" بالواو للوجه المطلق.
[المسألة] 508 الثانية: من يستحِقُّ النفقة بالبعْضية على المسرُوق منه، لا يُقْطَع بسرقة ماله، وذلك كالابن يَسْرق مال أحد الأبوين أو الأجْداد والجدَّات، وبالعكس، لمَا بين الأصُول والفُرُوع من الاتحاد، وأنَّ مالَ كلِّ واحد من النوعين مرصدٌ لحاجة الآخر، ومن حاجته أن لا يُقْطَع يده بسرقة ذلك المال، وليس القطْع كحدِّ الزنا، حيث افترق الحالُ بين أن يَزْنِي الابن بجارية الأب، وبين أن يزني الأب بجارية الابن، لما مر في النكاح، وفي "شرح المستعمل" لأبي محمَّد الإصطخريِّ من أصحابنا: أن عند مالك: يقطع الولدُ بسرقة مال الأبوين، بخلاف العكس، فيمكن أن يُعلَم لذلك قوله "ولا يُقْطَع
الجزء: 11 - الصفحة: 190
من يستحقُّ النفقة" بالميم، ويجب القطع، بسرقة مال الأخ والعمِّ وسائر المحارم خلافاً لأبي حنيفة، وهو قياس مذهبه في النفقة، وإذا سرَق أحدُ الزوجينِ [من] مال الآخرِ، فإن كان في مسكَنِها [و] 509 لم يكن محرَّزاً عن الآخر، فلا قَطْع، وإن كان محرَّزاً عنه، فالذي نقل المزنيُّ: أنه لا قَطْع أيضاً، وعن نصِّه في اختلاف أبي حنيفة والأوزاعيِّ، وقد يقال له سير الأوزاعي أنه يجب 510 القطع، وعن رواية الحارث 511 بن سُرَيْج: أنه يُقْطَع الزوج بسرقة مال الزَوجة، ولا تُقْطَع هي بسرقة ماله، وفي هذه النصوص طرُقٌ.
أحدها: أن في المسألة قَولَيْن.
أحدهُما: لا يجب القطْع على واحدٍ منهما بسرقة مال الآخر، وبه قال أبو حنيفة: لأنهما يتحدان عرفاً، وينبسط كلُّ واحد منهما في مال الآخر، فأشبها الوالد والولد، وأيضاً فإن لكل واحد منهما شبهةً في مال الآخر، أما الزوجة، فإنها تستحق النفقة، وأما الزوج، فإنه يَمْلِك الحجر على الزَّوْجة ومنْعَها من التصرُّف في مالها على قول بعْض الفُقهاء.
وأصحُّهما: أنه يجب، وبه قال مالك وأحمد، واختاره المزنيُّ، لعموم آية السرقة، وأخبارها، وأيضاً فالزوجية عقْدُ تَمْلِك به المنفعة [فلا] يؤثِّر في إسقاط الحد، كالإجارة، ولا يسقط بها الحدُّ عن الأجير، إذا سَرَق من المستأجر، وكذا بالعكس.
والثاني: أن فيها ثلاثة أقْوال: هذان، والثالث: الفرْق، فلا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج، ويقطَعُ الزوْج بسرقة مالها، وذلك لافتراقهما في استحقاق النَّفَقَة.
والثالث: القطْع بوجوب القْطع، وحمل نص المنْع على ما إذا لم يكُنْ، المال محرَّزاً عن السارق، حكى الطريقة الأولَى والثالثة الشيخ أبو حامد وجماعة، والثانية ذكَرها القاضيان أبو حامد والطبريُّ أبو الطيِّب، وهي التي أوردها الإِمام وصاحبُ "التهذيب" وصاحب الكتاب في "الوسيط" ويقرُب منها الذي ذكره هاهنا من الترتيب، فحَكَى أولاً الخلافَ في أن الزوجة، هل تُقْطع إن قلْنا: إنها تُقَطع، فالزوج أولَى، وإن قلْنا: لا تُقْطَع هي، ففي الزوج خلاف، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الخلاف" بالواو؛ لقطع
الجزء: 11 - الصفحة: 191
من قطع بالمَنْع، وقوله "فيقطع الزوج" بالحاء ثم أطلق الأصحابُ أنَّ من لا يُقْطع بالسرقة من مال إنسان، لا يُقْطع عبده بالسرقة من ماله أيضاً، فكما لا يقطع الأبُ بسرقة مال الابن [وبالعكس]، لا يُقطَع عبدُ أحدِهِما، إذا سرق [من] مال الآخرِ، وإذا سرق عبْدُ أحَدِ الزوجَيْن من مال الآخرِ، فهو على الخلاف في سرقة أحدِهما من مال الآخر، وعن الصيدلانيِّ وجهٌ: أنه يُقطع العبد، وإن لم يُقطَع السيد؛ لأن للسيد [شبهة استحقاق] النفقة بخلاف العبد، وأيضاً؛ فلو لم يُقطَع عَبْدُ الوالدِ بسرقة مال الولد؛ لأن مال الولد كَمَالِ الوالد؛ لَما قُطِعَ ابن الولد، وهو الأخ بسرقة مالِ الوَلدِ؛ لأنه ماله كمالِ الوالدِ، وهذا ما رجَّحَّه الإِمام، والمشهورُ المنصوصُ: أنه لا يُقْطَع 512؛ لأن يد العبد كيد السيد، فكأن السيد هو الذي أخذه، ويدل عليه ما رُوِيَ أن عمرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- أُتِيَ بعَبدٍ لِرَجُلٍ سَرَقَ مرْآةً لِزَوْجَةِ الرَّجُل قِيمَتُهَا سِتُّونَ دِرْهَماً، فَلَمْ يَقطَعْهُ، وَقَالَ: "خَادَمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ"، وذكروا فيما إذا سرق مكاتَبُ أحدِ الزوجيْنِ من مال الآخر وجهَيْنِ، إذا قلْنا: لا يجب القطع على العبد، كما لو سرق المكاتَبُ؛ مال سيده، ففيه خلاف سيأتي.
وعن القاضي الحُسَيْن: أنا إذا لم نَقْطَع عَبْد أحدِ الزوجين بسرقة مال الآخر [وجب أَلاَّ نقطع ولد أحدهما بسرقة مال الآخر،] 513 كان كان السارق ربيباً له، وغَلِط في ذلك؛ لأنَّا لو قلنا به لوجب ألا نقطع الأخ بسرقة مال الأخ، فإن ابن الأب أقربُ من ابن الزوْج أو الزوجة، وعن أبي الحُسَيْن بْن القطَّان فيما حكاه القاضي ابن كج: أنه، لو كان للرجُل امرأتانِ، فسَرَقت إحداهما من مال الأخرَى، فوجوب القطْع على الخلاف فيما إذا سَرَقَ أحد الزوجَيْن من مال [الآخر] 514 وكذا إذا سرق الأبُ من مال زوجة الابْن أو الابنُ من مالِ زوجةِ الأبِ، قال: ويُحتمل أن يُقطَع بوجوب القطْع على [إحدى] 515 المرأتين بسرقة مال الأخرَى؛ لأنه ليس بينهما اتحادٌ واختلاط، ولا لها في مالها شبهةٌ، وليس يد المرأة كيد الزوْجِ، بخلاف عبد الزوج أو الزوجةِ؛ فإن يده كَيَدِهما، وقوله "ولا شك [في] أن ولد الزوج" يعني أنه لا خلاف فيه، ولم يُعتدَّ بما حكاه الإِمام عن القاضي، كما فعله الإِمام، وما يناسب مسائلَ الفَصْل: أن العبد لا يُقْطَع بسرقة مال سيَّده؛ لشبهة استحقاق النفقة، بخلاف ما لو زَنَى بجاريتهِ والمستولدة والمدبَّرة، ومَنْ بعْضُه رقيقٌ في ذلك كالقِّن، وفي المكاتَبِ وجهان:
أحدهما: يُقطَع، لاستقلاله ملكًا وتصرفاً ويَداً.
الجزء: 11 - الصفحة: 192
والثاني: المَنْع؛ لأنه قد يَعْجَز، فيصير كما كان؛ ولأنه عبْدٌ ما بَقيَ علَيْه درْهمٌ، وبهذا قال صاحب "التلخيص" 516 وهو الذي أورده القاضي الرويانيُّ، ولا خلاف أن السيِّد لا يُقْطع بسرقة ما في يد الملوك، وإن قدَّرنا له ملكًا، ولو سرق مِن الذي بعْضُه مملوكٌ له، ما ملَكَه بنِصْفه الحرِّ، فعن القفَّال: أنه لا يُقطَع؛ لأن المال في الحقيقة لجميع بَدنِه، وهو يملك بعْضَه، فيصير شبهةً، وعن الشيخ أبي عليٍّ، أنه يجب؛ لأنه مَلَكَهُ بِنصْفه الحرّ ملكًا تاماً، فهو كما لو قاسَم شريكاً له، ثم سرق مما صار للشريك.
[الثالثة:] 517 إذا أخذ المالَ على صورة السرقةِ عَلَى ظنِّ أن المأخوذ ملْكُه أو ملْكُ أبيهِ أو ابنهِ أو أنَّ الحرزَ ملْكُه حكى صاحب الكتاب وغيره؛ أنَّه لا قطْع عليه؛ للشبهة، وهو قياس ما إذا وطئ امرأةً على ظنِّ أنها زوجته أو أمَتُهُ، وفي "التهذيب" أنه لو سرق نصاباً من دار، وهو يَظُنُّ أن الدار دارُه، والمالَ ماله، يُقْطَع وألحقه بما إذا سرق دنانيرَ ظنَّها فلوساً لا تبلغ نصاباً، والأقرب الأول.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ مِنَ الشُّبْهَةِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُبَاحَ الأَصْلِ كَاَلحَطَبِ وَلاَ كوْنُهُ رَطْباً كَالفَوَاكهِ وَلاَ كَوْنُهُ مُتَعرِّضاً لِلفَسَادِ كَالمَرَقَةِ وَالجَمْدِ وَالشَّمْعِ المُشْتَعِل، وَمَنْ قُطِعَ فِي عَيْنِ مَرَّةً فَسَرَقَ مَرَّةً أُخْرَى قُطِعَ ثَانِياً، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ المَالِ مِنْ يَدِ المُودَعِ وَالوَكِيلِ وَالمُرْتَهِنِ، وَيُقْطَع بِسَرِقَةِ المَاءِ إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَمْلُوكٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم في الشبهة المؤَثِّرة في دفْع القَطْع أردَفَهَا بما لا يؤَثِّر، وقد يظن تأثيرُه، وفيه صور:
منْها: لا أثر لكَوْن الشَّيْء مباحَ الأصْل؛ كالحطب والحشيش والصُّيود، وما يؤْخَذ من المعادِنِ، وقال أبو حنيفة: لا قَطْع فيما كان مباحاً في الأصل، إلا في خشَب الساج، وألْحَقَ [به ملحِقُون] الأبنوسَ والصَّنْدَلَ والعْودَ، واستثنَى على مذْهبه الخشَب المعمُولَ كالسُّرُرِ والأبواب، ومِن الصيود الدجج، ولم يُسْتَثْنَ الطين والزجاج المعمولَيْنِ، واستَثنَى من المأخوذِ من المعْدِن الجواهِر.
لنا: القياسُ على ما سلَّمه، وأيضاً، فإنه مالٌ محرَّزٌ فيتعلق القطْع بسرقته، وإن كان أصله على الإباحة؛ كالدراهم والدنانير.
ومنها: لا أثر لكَوْن المسروق رَطْباً أو متعرِّضاً للفساد؛ كالرُّطَب والتِّين والتُفَّاح والبُقُول والرياحين والشواء والهريسة والفَالُوذَج، وكالجَمْد والشَّمْع المُشْتَعِل، وبه قال مالك وأحمد.
الجزء: 11 - الصفحة: 193
وعند أبي حنيفة: لا قطْع في سرقتها، وربَّما يُرْوَى مثْلُه عن مالك.
لنا: إطلاق آية السرقة، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن التَّمْر المُعَلَّق، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ منْهُ شَيْئًا بَعْدَ أنْ يَأْوَيهُ 518 الجَرينُ، فَبَلَغَ ثمنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْع 519 وكان ثمن المجَنِّ عندهم رُبعَ دينار وثلاثة دراهمَ، وإنما اعتبر إيواء الجَرِين، ليصير محرَّزاً، فإن بساتينهم، لم تكنْ محُوطَةً محرَّزة، وعلى ذلك، حُمِل قوله -صلى الله عليه وسلم- 520 "لاَ قَطْعَ في تَمْرٍ، وَلاَ كَثر" [والكثر] 521 جُمَّار 522 النخْل، وهو شحمُه، وعن عثمان -رَضِيَ اللهُ عنْهُ- أنه قطعَ سارقاً في أتْرُجَّةٍ قِوِّمَتْ بثلاثة دراهم.
ومنها: إذا سرق عيناً، فقُطِعت يدُه، فسرقها مرةً أخرى من المالك الأول أو من غَيْره، قُطِع ثانياً، وقال أبو حنيفة: لا يُقطَع إلا أن يَتبدَّل المالك أو يتغير 523 العيْن بصنعةٍ فيها كالغَزْل، يُنْسَج، والرُّطَب يُثْمِر.
لنا: أن القطْع عقوبةٌ يتعلَّق بفعل في عين، فيتكَّرر بتكرُّر ذلك الفعل، كما لو زَنَى بامرأة وحُدَّ ثم زَنَى بها ثانياً.
ومنها: لا يُشْترط أن يكون المسروقُ في يد المالك، بل السرقةُ من يد المُودَع والمرتَهِن والوَكِيل وعامِلِ القراض والمستعير 524 والمستأجر يوجِبُ القطْع؛ لأن أيديهم ثابتةٌ على المال بحَقِّ، كيد المالك، وهذا لا خلافَ فيه، ثُمَّ الخَصْم فيها المالكُ، وعند أبي حنيفة: لمَنْ في يده أن يُخَاصِم.
ومنها: إن قلْنا: لا يُمْلَك المَاء، فلا قطْع بِسرقته، وإن قلْنا: إنه يُمْلَك، ففيه وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 194
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنه لا يُقْصَد سرقته، فهو كالشيء التافه الذي لا يُقْصَد بالسرقة، وبهذا يقول أبو حنيفة.
وأصحُّهما: أنه يُقْطَع؛ لأنه مال يباع ويبتاع، ويجري الوجهان في سرقة التُّرَاب؛ لأنه لا يُقْصَد سرقته؛ لكثرة وجوده.
ومنْها: يجب القطْع بسرقة المُصْحَف، وكتب التفسير، والحديث، والفقه، وكذا كتب الأشْعار التي يحلُّ الانتفاع بها، وما لا يحلُّ الانتفاع به لا قَطْع في سرقته، إلا أن يبلغ الجلْدُ والقرطاسُ نصاباً، وعند أبي حنيفة: لا قَطْع بسرقة المُصْحَف وسائر الكُتُب، [إن] كان عليها حليةٌ تبلغ نصاباً، فكذلك؛ لأن عنده إذا سَرَقَ ما يُقْطَع فيه، وما لا يُقْطع [فيه] 525 دفعةً واحدةً، لم يُقْطَع.
ومنْها: يجب القطْع بسرقة قُرُون الحَيَوان، وقال أبو حنيفة: لا يجبُ معمولةً كانتْ أو لم تَكُنْ.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ السَّادِسُ) كَوْنُه مُحَرَّزاً وَهُوَ مَا عَلَى سَارِقِهِ خَطَرٌ لِكَوْنِهِ مَلْحُوظاً غَيْر مُضَيَّع إمَّا بِلِحَاظٍ دَائِمٍ إنْ لَمْ يَكُنِ المَوْضِعُ حَصِيناً كَالمَتَاعِ الموْضُوع في صَحْرَاءَ أَوْ بِلِحَاظٍ مُعْتادٍ إنْ كَانَ فِي الموْضِعِ حَصَانَةٌ كَالحَوَانِيتِ وَالدُّورِ، والمُحَكَّمُ فِيهِ العُرْفُ، وَفيهِ مَسَائِلٌ: (الأُولَى) الإِصْطَبلُ حِرْزٌ لِلدَّوَابِّ لاَ لِلثِّيابِ، وَعَرَصَةُ الدَّارِ حِرْزٌ لِلأَوَانِيَ وَثيَابِ البَذْلَةِ لاَ لِلنُّقُودِ وَالحُلِيِّ، وَالمُحَرَّزُ مَا لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يشترط لوجُوب القطْع أن تكون السرقةُ مِن الحِرْز، فلا قطْع في سرقة ما لَيْس بمحرَّز، واحتُجَّ له بما رُوِيَ عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ قَطْعَ فِي تَمْرٍ مُعَلَّقِ، وَلاَ فِي حريسة جَبَلٍ، فَإِذَا أَوَاهُ المِرَاحُ أَو الجَرِينُ، فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ" 526 وحريسة الجبل ما سُرِقَ من الجبل من المواشي، ويقال: إن سارقها يُسمَّى حارساً، اشترط للقَطْع إيَواء المراح والجرين، فدل على أنه لا قطْع فيما لم يحرَّز، ويختلف الحِرْز باختلاف الأحوال والأموال؛ لأن الشرع اعتبر الحِرْز، ولم يبيِّن له حدّاً، [فيرجع] 527 فيه إلى العرْف؛ كالقبض والتفرُّق عن مكان البيع وإحياءِ المَوَات.
وقوله "وهو ما على سارقه خَطَرٌ" إلى آخره أَشَارَ بِهِ إلى فقْه ذكَره الإمامُ؛ تلخيصُه أن السارق يأخُذ المال في خُفْيَة باختزالٍ واحتيالٍ، لا اعتماداً على الشَّوْكة والقوَّة،
الجزء: 11 - الصفحة: 195
فحكم بالقطْع زجراً؛ لئلا يضيع المال على المالك، وذلك إذا احتاط المالِكُ بصيانة المَال، فإن السارق حينئذ يكُون على خَطَر، من أن يَطَّلع عليه وتَعْظُم جنايته، إذا اختزل منتهزاً للفُرْصة، أما إذا ضيَّع المالك فقد جَرَّأ السارق، ومكَّنه من أخذ المال بلا خطَر، فلا تعْظُم جنايتُه، والتعويلُ في صيانة المال وإحرازِهِ على شيئَيْن:
أحدهما: الملاحظة [والمراقبة] 528.
الثاني: حصانة الموْضِع ووثاقته، فإن لم يكْن للموضِعِ حصانةٌ، كالمال المُوضَعِ في الصحراء أو المَسْجد أو الشارعِ اعتبر مدوامة اللّحاظ، وإن كان له حصانةٌ، انضم إليها اللّحاظُ المعتادَ، كفَى ولم يعتبر مداومته، ويُحَكَّم في ذلك العرْفُ، ثم فَصَّل الغرضَ بالكلام في مسائل:
إحداها: الإصطَبْل حرْزٌ للدوابِّ على نفاستها وكثرة قيمتها، وليس حِرْزاً للثياب 529 والنقود؛ لأن إخراج الدوابِّ مما يظهر ويبعد الاجتراء عَلَيْه، بخلاف ما يخفُّ ويسْهُل حَمْلُه وإخراجُه، والصِّفة في الدار وعَرصَتِها [حرزان] للأواني وثياب البذلَة دون الحَلْي والنقود، فإن العادَةَ فيها الإحرازُ في المخازِنِ، وكذا الثياب النفيسة تُحَرَّز في الدُّور، وفي بيوت الخانات والأسواق المنيعة، والمتين والمتبن حرز للتبن دون الأواني والفُرُش، وقوله في الكتاب لا "للثياب".
وقوله "لا للنقود" ليعلما بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة ما كان حرزاً لمالٍ، كان حرزاً لكلِّ مالٍ، وقوله "والمحرَّزُ ما لا يُعدُّ صاحِبُهُ مضيِّعاً" عبارة مختصرةٌ ضابطةٌ لكنها من قبيل تعريف الشيْء بِضِدَّهِ.
فرْع: الموْضِع الذي هو حِرْز لنَوْع من المال يكونُ حرْزاً لما دونه، وإن لم يكن حرزاً لما فوقه [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) المَوْضُوعُ فِي الشَّارع وَالمَسْجدِ مُحَرَّزٌ بِلِحَاظِ صَاحِبِهِ بِشَرْطِ ألاَّ يَنَامَ وَلاَ يُولِّيهُ ظَهْرَة، وَهَلْ يُشْتَرطُ ألاَّ يَكُونَ زِحَامٌ يَشْغَلُ الحِسَّ عَنْ حِفْظِ المَتَاعِ؟ فِيهِ
الجزء: 11 - الصفحة: 196
وَجْهَانِ، والمَلْحُوظُ بِعَيْنِ الضَّعِيفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ مُحَرَّزاً إِذَا كَانَ لاَ يُبَالِي بِهِ، وَالمَحْفُوظُ فِي قَلْعَةٍ مُحْكمَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَلْحُوظاً لَيْسَ بِمُحرَّزٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نام في الصَّحْراء أو المسْجِد أو الشارعِ عَلَى ثوبه أو توسَّد عيبته أو متاعه أو اتَّكأ عليه، فجاء سارقٌ، وأخذَ الثوب من تحته أو العيبة التي توسَّدها، وجَب القطع؛ لأنه محرَّز به، ويدِلُّ عليهِ حديثُ صفوان، وسَرِقَة ردائه 530، وكذا لو أخذ المِنْدِيل من رأسه أو المَدَاسَ من رِجْله أو الخَاتَمَ من أُصْبَعِهِ، ولو زال رأْسه عما توسَّده أو انقلب في النَّوْم عن الثوب، وخلاَّه، فلا قَطْعَ 531 بسرقته؛ لأنه ما بقي محرَّزاً، وكذا لو رفع السارقُ النائمَ عن الثَّوْب أولاً، ثم أخذ 532 الثوب، ولو وضع متاعه أو ثوْبه بقربه في الصحراء أو المسْجِد، فإن نام أو ولاَّه ظهْرَه، أو ذَهَل عنْه بشاغل، لم يكن محرَّزاً، وإن كان مستيقظاً يلاحظه، فتغفله السارقُ، وأخذ المال، قُطِع، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْهٌ آخر أنه لا يُقْطَع؛ لأنه لا بد، وأن تَعْرِض له فتراتٌ، وليس هناك من يلاحظه غيره، والظاهر الأولُ، وهل يُشْترط ألاَّ يكونَ في الموْضِع ازدحام الطارقين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ويكفي الملاحظة، ولكن لا بد بسبب الزحمة [من مزيد مراقبةٍ وتحفُّظٍ.
وأصحُّهُما: نعم ويخرج المال بسبب الزحمة] 533 عن أن يكون محرَّزاً؛ لأن الملاحظة لا تبقى على التثبُّت في أشخاص كثيرين، وأُجْرِيَ الوجهان في الخبَّاز والبَزَّاز وغيرهما، إذا كثر ازدحام النَّاسِ على باب حانُوتهم.
قال الإِمام: ولو فُرِضَ وضع المتاع في شارع، وكان ملحوظاً بملاحظةِ جَمْعٍ، فيصير عدد اللاَّحِظينَ في معارضة عَدَد الطَّارِقِين، [كلاحظ] 534 في الصحراء في معارضة طارِق، ويُشْترط أن يكون الملاحظُ بحَيْث يقْدِر على المنْع، لو اطَّلع على أخْذ السارق،
الجزء: 11 - الصفحة: 197
إما بنفسه أو [بالاستغاثة] 535 والاستنجاد، وأما إذا كان ضعيفاً لا يبالي به السارقُ، وكان الموضع بعيداً عن الغَوْث، [فليس بحرز] فالشخص ضائع 536 مع ماله وينبغي ألاَّ يفرق فيما ذكرنا في الصحراء بين أن تكون مواتاً أو ملكاً، وأما قوله "المحفوظ في قلعة محكمة، إذا لم يكن محلوظاً، ليس بمحرَّز" [فالمقصود] منه أن الركْن الأعظم في كوْن المال محرَّزاً الملاحظةُ، [فلا] يُغْنَي حصانةُ الموضع عن أصل الملاحظة حتى إن الدار [المنفردة] 537 في طرف البلد أو في البَريَّة لا تكون حرزاً، وإن تناهت في الحصانة، وكذا القْلعة المحْكَمة [لأنه] 538 إذا لم يكن الموضع مرقوباً، [سهل] 539 الوصول إلى ما فيه بالنَّقْب [والتسلُّق] 540 من غير خَطَر.
نعم، لا يحتاج عند حصانة الموضع إلى دوام الملاحظة بخلاف ما ذَكْرنا في الصحراء، وتمامُ الكلام فيما يُعْتَبَر في الدار وسائر الأبنية ليَحْصُل بها الإحْراز يأتي في الفصْل بَعْد هذا.
وَمَنْ أدخل يده في حبيب إنسانٍ أَو في كُمِّه [وأخذ] المال أو طَرَّ جيبه أو كُمَّه، وأخذ المال، قُطِع؛ لأنه محرَّز به، ولا فَرْق بين أن يربطه في الكُمِّ أو لا يربطه، ولا إذا رَبَط، بين أن يكون الرباط داخلاً أو خارجاً.
وعن أبي حنيفة: أنه لا قطْع على من طَرَّ الجيْبَ، وأخرج المال.
وإن أخذ من [رأس] منديل إنسان، وهو على رأسه قال في "التهذيب" إن كان قد شدَّه عليه قُطِعَ، وإلا فلا.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): الدَّارُ باللَّيْل مُحَرَّزٌ وَلَوْ نَامَ فِيهَا صَاحِبُها إنْ كَانَ البَابُ مُغْلَقاً، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحاً فَضَائِعٌ، وَبِالنَّهَارِ قَدْ يُعْتَمَدُ بِلِحَاظِ الجيرَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا أَطْرَافَ الحَوَانِيتِ مُحرَزَةٌ بِأعْيُنِ الجِيرَانِ وَالمَارَّة وإِنْ غَابَ عَنْهَا صَاحِبُها أَوْ نَامَ، وَلَوْ تَغَفَّلَ السَّارِقُ صَاحِبَ الدَّارِ وَهُوَ مُتَيَقِّظٌ وَالبَابُ مَفْتُوحٌ وَهُوَ يَتَرَدَّدُ فِي الدَّارِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ ادَّعَى السَّارِقُ أنَّهُ نَامَ وَضَيَّعَ سَقَطَ القَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَمَا فِي دَعْوَى المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدار، إن كانت منفصلةٌ عن العمارات؛ بأن كانت في باديةٍ أو في [الطَّرَف] الخَرَاب من البلد أو في بُستان، فليْست [هي] بحرز لما فيها، إن لم يكْن فيها أحدٌ سواء كان البابُ مفتوحاً أو مغلقاً، فإن كان فيها صاحبُها أو حافظٌ آخرُ، نُظِر، إن
الجزء: 11 - الصفحة: 198
كان نائماً، والباب مفتوح فليستْ هي بحرز لما فيها، وإن كان مغلقاً، فقد حكى صاحب "البيان" فيه وجهين عن رواية المَسْعُودِّي الذي أجاب به الشيْخ أبو حامد وَمَنْ تابعه أنها تكون حرزاً، والموافِقُ لما أطلقه الإمامُ وصاحبُ "التهذيب" خلافُه 541.
وإن كان مَنْ فيها متيقظاً، فالأمتعة فيها محرَّزةٌ سواء كان الباب مفتوحاً أو مغلَقاً
نعم، لو كان ممَّن لا يبالي به وهو بعيدٌ عن الغَوْث، فالحُكْم على ما ذَكَرْنا في المْلحوظ بعَيْن الضعيف في الصحراء، وكذا لو كان النائمُ ضعيفاً على ما أجاب به الشَّيْخ أبو حامدٍ، وإن كانت الدار متَّصِلة بالدُّور الآهلة، فينظر إن كان الباب مغلقاً، وفيها صاحبها أو حافظٌ آخَرُ، فهي حرزٌ لما فيها ليلاً ونهاراً متيقظاً كان الحافظُ أو نائماً؛ لأن السارق على خَطَرٍ من اطَّلاَعه وتنَبُّهه بحركاته واستغاثته بالجيران، وإن كان الباب مفتوحاً، فإن كان مَنْ فيها نائماً، لم تكن هي حرزاً بالليل، وأما بالنهار، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تكون حرزاً؛ لأنه قد يعتاد ذلك اعتماداً على نَظَر الجيران ومراقبتهم، وذلك إذا كانوا يطرقون هناك، فصار كالأمتعة على أطراف الحوانيت، فإنها تكون مُحرَّزة بنَظَر المارَّة والجيران.
وأصحُّهما: لا، كما لو لم يكُن فيها أحدٌ، والباب مفتوحٌ، ويخالف الأمتعة على أطراف الحوانيت، فإنَّ الأعين تقع عليها، ولا تقع عَلَى ما في داخل الدار، وأيضاً، فالجيران يتساهَلُون إذا علموا بأنَّ صاحب الدار فيها.
والوجهان في أيام الأَمْن، فأما في زمان الخوْف والنهب، فالأيام كالليالي، هذا قضية ما في "التهذيب" وغيره، [وإن] كان مَنْ فيها متيقظاً، لكنه لم يتم الملاحظة؛ بأن كان يتردَّد في الدار، فَتغفَّله السارق وسرَق، فعن حكاية الشيخ أبي عليٍّ فيه وجهان، ويقال إن القَّفال جعلَهما جوابَيْن في درسَيْن.
أشبههما، ويُحْكَى عن النص: أنه لا يجب القطْع، ولا يُجْعل ما في الدار، والحالة هذه، محرزاً للتقصير بإهمال المراقبة مع فتح الباب.
ولو كان يبالغ في الملاحظة؛ بحيث يحصُل الإحراز بمثله في الصحراء، وانتهز السارقُ الفرصَة، فلا خلاف في وجوب القطْع، ولو فتح صاحبُ الدار بابَهُ، وأَذِنَ للناسِ في الدُّخول عليه، لشراء متاعهم، كما يفْعَلُه الذي يَخبز في داره، فوجهان؛ لأن الزحْمةُ تشغل الحسَّ على ما سبق، وأما إذا لم يكُنْ فيها أحدٌ، فالظاهر، وهو الجواب في "التهذيب" أنه إن كان الباب مغلقاً فهو حرز بالنهار في وقت الأمن، وليست حرزاً
الجزء: 11 - الصفحة: 199
في وقت الخوف، ولا بالليالي، فإن كان مفتوحاً، لم يكن حرزاً أصلاً 542، ومَنْ جعل الدارَ المنفصلةَ عن العمارات حرزاً عند إغلاق الباب فأولَى أن يجعل المتَّصِلَة بها عند الإغلاق حرزاً، وإذا ادعى السارقُ أن صاحب الدارِ نامَ أو ضَيَّع ما فيها أو أعرض عن اللَّحاظ، فالمذكور في الكتاب: أنه يَسْقُط القطْع بمجرَّد دعواه كما في دعْوَى المِلْك، ولا شك في أنه يجيء فيه الوجْه المذكور هناك.
واعلم أن الأمر في جميع ذلك مبنيٌّ على العارة الغالِبَة في الإحراز، وعلى هذا الأصل قال الأصحاب: النَّقْدان والجواهرُ والثيابُ لا يكون محرزة إلا بإغلاق الباب عليها، وأمتعةُ العطَّارين والبقَّالين والصَّيَادِلة، إذا تَرَكَهَا صاحبُ الحانوت عَلَى باب الحانوت، ونام [فيه] أو غاب عنه، فإن ضمَّ بَعْضَها إلى بعْض وربَطَهَا بحبل أو عَلَّق عليها شبكة، أو وضع لوْحَيْن على وجْه الحانوت مخالَفَيْن، كفى ذلك إحرازاً بالنهار، لأن الجيران والمارَّة، ينظرون، وفيما فعل ما ينبِّههم، لو قصد السارق، وإن تركها متفرَّقة، ولم يقيَّد بشيء ممَّا ذكرنا، لم تكن محرزة.
وأما بالليل، فلا تكون محرزة إلا بحارس، قال الروياني: والبَقْل والفِجْل، قد يُضم بعضُه إلى بعضٍ، ويُطْرح عليه حصيرٌ ويُتْرك على باب الحانوت، وفي السوق، وهناك حارسٌ ينام ساعة ويدور ساعةً، فيكون محرزاً، وقد يزين العامي حانوته أيام العيد بالأمتعة النفيسة، ويَشُقُّ عليه [حملها] 543 رفْعها بالليل، فيَدَعها [ويلقى] عليها قطعاً، وينصب حارساً، فيكفي ذلك إحرازاً بخلاف ما في سائر الأيام؛ لأن أهل السوق يعْتَادون ذلك فيتقوى بعْضُهم ببعض، والثياب على باب حانوت القَصَّار والصَّبَّاغ كأمتعةِ البقَّالين والعطَّارين، هذا فيما ينقل في العادة إلى داخل بناء، ويغلَقُ عليه بابٌ، فأما الأمتعة الثقيلة التي يَشقُّ نقفها كالحَطَب، فهي محرَّزة بأن يُشدَّ بعضَها إلى بعْضٍ، وكذلك الخُزَف والقُدُور تُحرَّز بالشرائح التي تنصب على وجه الحانُوت، [وإن] تركت متفرَّقة، لم تكن محرَّزة، وفي وجْه: لا يكفي الشَّدُّ بل لا بد أن يكون عليها بابٌ مغلَق أو يكون على سطْح محوطٍ، والظاهر الأول، حيث جرت العادة به، وكذا الطعامُ في الغرائر في مواضع البيع محرَّزاً إذا شدَّ بعضَها إلى بعْض، بحيث لا يمكن أخذ شيء منْه إلا بحَلِّ الرِّباط أو فتق بعْض الغراثر، نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقد جرت العادة به بمِصْر، قال القاضي الرويانيُّ: ورأيت في بلدنا صبر الأرز 544 يترك في موضع البيع، وتغطَّى بالأكسية والمُسُوح، فهي محرَّزة، والحَطَب
الجزء: 11 - الصفحة: 200
والقصيل على السطح المحوط 545 محرزان، والأجْذاع الثِّقال على أبواب المَسَاكِن محرَّزة، وفي "التهذيب" أن متاع البقَّال في الحانوت بالليل محرَّز في وقت الأمن، إذا كان الباب مغلقاً، وفي غير وقت الأمن، لا بد منْ حارسٍ، ومتاعُ البيَّاع والبزَّاز لا يكون محرَّزاً إلا بالحارس وأن الكدس في الصحراء والزَّرْع والقطن قصيلاً كانا أو اشتدا لحر، وخرج الجَوْز والبَذْر المستتر بالتراب، ليست محرزة إلا بحارس وفي جمع الجوامع للرويانيِّ: أن الزرع في المزارع محرز، وإن لم يكن حارسٌ، وفي تعليقة الشيخ إبراهيم المروروذي: أن الزرْع إذا كان قصيلاً، لا يحتاج إلى الحارس؛ لأنه لا يُحْفظ مثله في العادة، وهذا يجري في البذْر المستَتِر، ولو كانت هذه الأشياءِ في مَحُوطٍ، فهي كالثمار في البساتين، والثمار على الأشجار، إن كانت في البرية، لا تكون محرزةً إلا بالحارس، وفي الكَرْم والبساتين المحوطَةِ كذلك، إن كانت بعيدةً عن الطريق والمساكن، [وإن] كانت متصلة بها، والجيران يراقبُون في العادة، فيه محرزة، وإلا، احتيج إلى الحارس والأشجار في أفنية الدُّور محرزةً وفي البريَّة يحتاج إلى الحارِسِ، والحنطة في مطامير المفازة، والتبن في المتبن، والثلج في المثلجة، والجَمْد في المَجْمَدة في الصحراء غير محرزة إلا بحارس، وبابُ الدار والحانوت والمغلاق والحلقة على الباب محرزة بالتركيب والتسمير، وكذا [الآجر] إذا سرق من صحْن الدار، أو استخرجه من الجدار داخلاً [أو] خارجاً ليلاً أو نهاراً، وجب القطْعَ، والشرط في كونها محرزةً أن تكون الدارُ بحيث تحرز ما فيها، ولو كان باب الدار مفتوحاً، فدخل داخلٌ [وقلع] باب بيت [وأخرجه]، فعن أبي إسحاق: أنه لا قطْع، كما لو أخذ متاعاً آخر منْها، وعن الأكثرين: أنه يجب القطْع، والبابُ محرزٌ بالتركيب والنَّصْب كباب الدارِ، والقُفْل على الباب محرز كالباب والحلقة، وعن أبي الطيب بن سلمة فيما رَوَى القاضي ابن كج أنَّه ليس بمحرز؛ لأن الأقفال للإحراز به لا لإحْرازِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ) الخِيَامُ لَيْسَتْ كَالدُّورِ فِي الحَصَانَةِ فَيُفْتَقَرُ إِلَى زِيادَةِ لِحَاظٍ، وَلَكِنْ لإِحْكَامِ الرُّبُط وَتَنْضِيض الأَمْتِعَةِ تَأثِيرٌ فِي الاسْتِغْنَاءِ عَنْ دوَام اللِّحَاظِ، وَالدَّوَابُّ مُحَرَّزَةٌ بِنَظَرِ الرَّاعِي فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا كَانَ عَلَى نَشْزٍ، وَالقِطَارُ مُحَرَّزٌ بِالقَائِدِ فِي صَحْرَاءَ خَالٍ أَوْ سِكَّةٍ مُسْتَوَيةٍ وَهُوَ تِسْعَةٌ مِنَ الإبِلِ فَإِنْ كَانَ لاَ يُلاَحِظُ مَا وَرَاءَهُ فَالمُحَرَّزُ بِالقَائِدِ الأَوَّلِ وَبِالرَّاكِبِ مَرْكوبُهُ وَمَا أَمَامَهُ وَوَاحدٌ مِنْ خَلْفِهِ وَبِالسَّائِقِ جَمِيعُ مَا أَمَامَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل يشتمل على مسألتين:
الجزء: 11 - الصفحة: 201
إحداهما: الخيامُ يَرْبُطها وتنضيد الأمتعة فيها يفيد نَوْعاً الإحراز، وتُغْني عن دوام اللحاظ المعتبر في الأَمتعة الموْضُوعة في الصحراء، لكنَّها ليست كالدُّور في الحصانة، فإنها في نفْسِها قابلة للسرقة، فإذا ضرب في الصحراء خيمةً، وآوى إليها ومتاعاً، فسرق منها سارقٌ، أو سَرَقَها، نُظِر؛ إن لم يَشُدَّ أطنابَها، ولم يرسل أذيالَهَا، فهي وما فيها كالمتاع الموضوعِ في الصحراء، وإنْ شدَّها بالأوتادِ وأرْسَلَ أذْيالها، فإن لم يكن صاحبُها فيها، فلا قَطْع؛ لأنها لا تُعدُّ محرَّزة، إذا لم يكن فيها أحدٌ، وفيه وجه: أن الخيمة في نفسها تكون مُحرَّزة، ولا يكون ما فيها محرَّزاً، وإن كان صاحبُها فيها [مستيقظاً] أو نائماً أو تَامَ بقرْبها، وجب القطْع بسرقتها أو سرقة ما فيها؛ لحصول الإحراز في العادة، وقال أبو حنيفة: يجب القطع على مَنْ سرق منْها، ولا يجب على مَنْ سَرَقَها وحْدها أو مع المتاع.
قال الأئمة: والشرط هناك أن يكونَ هناك [من] يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيدة عن الغوْث، وهو مِمَّن لا يبالَى به، فلا إحراز، وكذا لو ضرب الخيمة بين العمارات، يكون الحُكْم كما في المتاع الموضوع بين يَدْيهِ في السوق، وهل يُشْترط إسبال باب الخيمةِ، إذا كان من فيها نائماً؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين، ورأى الأظهر أنه لا يُشْترط، ولو شَدَّها بالأوتاد، ولم يرسل أذيالها، وكان يمكن الدخولُ فيها منْ كل وجه، فهي محرَّزة، وما فيها ليس بمحرَّزٍ، هكذا ذكروا، وقد يُفْهَم منه أن الأمتعة والأحمالَ، إذا شُدَّ بعضُها ببَعْضٍ، يكون محرَّزة بعْض الإحراز، وإن لم يَكنْ هناك خيمةٌ.
ولو أن السارق نحَّى النائِمَ في الخيمة أولاً عنْها، ثم سَرَق، فلا قطْع؛ لأنها لم تكن حِرْزاً حين سَرَقَ.
وقوله في الكتاب "لكنْ لإحكام الرُّبُطِ وتنضيد الأمتعة" إلى آخره، يمكن أن يُجْعل معناه أن إحكام رُبُط الأمتعة وتنضيد الأمتعة فيها له تأثيرٌ في الاستغناء عن دوام اللِّحَاظ، ويمكن أن يقال: المعنَى أن الأحكام والتنضيد يؤثرانِ في الجُمْلة، فكذلك حال الخيمة المشدُودة، والأمتعة المنضدة فيها [والله أعلم].
المسألة الثانية: المواشي والأبنية المغلَقَة الأبواب محرَّزة، إذا كانت متصلةً بالعمارات، سواءٌ كان صاحبها فيها أو لم يكنْ، وسواء كان مستيقظاً أو نائماً؛ للعادةِ، وان كانت في البرية، [فلا] تكون محرَّزةً إلا إذا كان صاحبُها فيها، إمَّا مستيقظاً أو نائماً، فان كان البابُ مفتوحاً، فيُشْترط أن يكون مستيقظاً، ويكفي أن يكون المراحُ من حطَبٍ أو حشيشٍ، وأما في غير الأبنية، فلها أحوال:
إحداها: إذا كانت الإبلُ ترعى في الصحْرَاء، فهي محرَّزةٌ، إن كان معها حافظ
الجزء: 11 - الصفحة: 202
يراها جميعاً، ويبلغها صوته، إذا زجَرَها، وإن لم يرَ بَعْضَها؛ لكونه في وهْدةٍ أو خلْفَ جَبَلٍ أو حائطٍ، فذلك البعضُ ليس بمحرَّز، ولو نام عنها أو تشاغَل، لم تكن محرَّزةً، وإن لم يبلُغ صوتُه بعْضَها، فكذلك؛ على ما أورده صاحب "المهذب" وغيره، وسكت ساكتُون عن اعتبار بلوغ الصوْت، وكأنهم اكتَفُواْ بالنَّظَر؛ اعتماداً على أنه، إذا قصد ما يراه أمْكَنَهُ أن يعدو إليه فيدفع، والحُكْم في الخيل والبِغال والحمير، وهي ترعى على ما ذكرنا في الإبل، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نَشْزٍ من الأرض يراها جميعاً، فهي محرَّزةٌ، وإن كانت متفرقة إذا بَلَغها صوتُه.
الثانية: أن تكون سائرةً، أما الإبلُ، فإن كانت مُقَطَّرة، وكان يسوقها سائقٌ، فهي محفوظة به، إن كان ينتهي النظَرُ إليها، وإن كان يقودُها قائد، يُشْترط أن يلتفت إليها كلَّ ساعة، وإلا، فهو مضيِّع، ويشترط أن ينتهي نظَرهُ إلَيْها، إذا التفت، فإن كان لا يرى البعْضَ لحائل جبل أو بناءٍ، إذا كانت تسير في العمران، [فذلك] البعْضُ ليس بمحرَّز، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْه آخر: أنه لا يُعْتبر انتهاء النظَر إلى آخرها، ويَكْفِي النَّظَرُ إحرازاً، وليجيءْ هذا في سوقها أيْضاً، وعند أبي حنيفة: المحرَّز بالقائد البعير الذي يقودُه لا غَيْر.
و [كذا] لو رَكِب الحافظُ الأول منْها، فالحكم كما لو كان يقودُها، ولو ركب غيرُ الأول، فهو لما بين يَدَيْه، كالسائق، ولمَا خلفه كالقائد، وعن أبي حنيفة أن المحرَّز بالراكب ما رَكِبَه، وما أمامه وواحدٌ مما خلْفه.
وحيث يُعتبر انتهاء نَظَره إليها، ففي اعتبار بلوغ الصوْت ما من، وقد يستغني بنظر المارَّة عن نَظَره، إذا كان يُسيِّرها في سوقٍ مثلاً، وإن لم تكنْ مقطَّرة، بل كانت، [تساق أو تقاد،] فمنهم من أطلَقَ القول بأنَّها غير محرَّزة؛ لأن الإبل لا تَسِير هكذا في الغالب، وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب" وعن "الإفصاح": أنه لا فرْق بين أن تكون مقطَّرة أو لاَ تَكُونَ، وبهذا أخذ القاضي الرويانيُّ، وقال: المعتَبَرُ أن يَقْرُب منه، ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير، وإذا اعتبرنا التَّقْطير، فينبغي ألاَّ تريد القطَارُ الواحدُ على تسْعةٍ؛ للعادة الغالبة، فإن زادتْ، فهي كغير المقطَّرة، ومنهم مَن أطْلَق ذكْر التقطير، ولم يعتدَّ بعدد، والأحسن توسُّطٌ أورده أبو الفرج السرخسيُّ في "الأمالي" فقال: في الصحراء لا يتقيَّد القطار بعدد، وفي العُمْران، يعتبر ما جَرَت العادة بأن يَجْعَلها قطاراً واحداً، وهو ما بين سبْعَةٍ إلى عَشَرةٍ، فإن زاد، لم تكُن الزيادة محرَّزَةً، والخيل والبغال والحمير والغنم السائرة كالإبل السائرة، إذا لم تكْن مقطرة، ولم يعتبروا التقطير فيها، لكنه معتاد في البغال، وعدد الغنم المحرَّزة بالواحدِ يختلفُ بالبلد والصحراء.
الجزء: 11 - الصفحة: 203
وقوله في الكتاب "والدواب محرَّزة بِنَظَر الرَّاعِي في الصحراء" يعني إذا كانت ترعى، وقوله "والقطار محرَّزٌ بالقائِد" يعني إذا كانت الإبل تسير، وكان القائد يلاحِظُ ما وراءه، يُبَيِّنُه قولُه من بعْد "فإن كان لا يُلاَحِظُ ما وراءه" وقوله أو"سكة مستوية، وذلك ليقع بصره على الكل إذا لاحَظ، واعتبر كون الصحراء خاليةً إشارةً إلى أنه لو كان في المارَّة كثرةٌ، حصل الإحراز بنَظرهم.
وقوله "وهو تسعة من الإبل" في بعض النسخ "سبْعةٌ"، والأول [هو] (1) الموافِقُ لما حكيناه عن السرخسيِّ وغيره، وعلى التقديرين، فيجُوز إعلامه بالواو، لما قدَّمناه.
وقوله "وبالراكب مركوبهُ وما أمامه" وقوله "وبالسائق جميع ما أمامه" فيشترط في "ما أمامها" أن ينتهي البَصَر إلَيْه؛ على ما سبق.
والثالثة: إذا كانت الإبلُ مناخةً، فإذا لم يكن معَها أحدٌ، فليست بمحرَّزة، وإن كان معها صاحبُها، فإن كانت معقولةُ لم يضرَّ نوْمُه ولا اشتغاله عنْها؛ لأن في حلِّ المقولة ما يوقِظُ النائمَ، وينبه المشتغلَ، كان لم تكنْ معقولةً، فيُشْترط أن ينظر إليها ويُلاَحظها.
فُروعٌ:
المتاعُ على الدابَّة المحرَّزة محرَّزٌ يجب على سارقه القَطْع، سواءٌ سرق المتاع من الوعاء أو معَه أو مع الدابَّة.
وعن أبي حنيفة: أنَّه لا يجب القطع، إلا إذا سرق من الوعاء، وإذا كان يَسُوق بقرةً، والعجْلُ يتبعها خلفه، فإن العجْل إنما يكون محرَّزاً، إذا كان قريباً منه، بحيث يراه إذا التَفَتَ، وإذا كان يلتفتُ كلَّ ساعة، كما ذكرنا في "قائد القطار"، وعن المسعوديِّ: أن الغنم المرسَلَة في سكة تَشْرَع إليها أبوابُ الدور، لا تكون محرَّزة حتى تأوي إلى موْضِع، وليكن هذا فيما إذا كثُرَتْ وتعذَّرت الملاحظةُ، ومن دخل المراحَ، وحلَبَ من ألبان الغنَمِ، أو جَزَّ من أصوافها ما يبلني نصاباً وأخرَجَهُ، قُطِع، وعند أبي حنيفة: لا قطْع في اللبن؛ بناءً على ما نقلناه [عنه] 547 في الأشياء الرَّطْبَة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) لاَ قَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ فِي نُرْبَةٍ ضَائِعَةٍ، وَيُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ الكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي بَيْتٍ مُحَرَّزِ مَحْرُوس، وَمِنْ مَقَابِرِ البِلاَدِ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ يَجِبُ فَفِي الثَّوْبِ الموْضُوعِ مَعَ الكَفَنِ وَالمَلْفُوفِ زِيَادةً عَلَى العَدَدِ الشَّرْعيَّ وَجْهَانِ، ثُمَّ الكَفَنُ لِلوَارِثِ فَهُوَ الخَصْمُ فِي السَّرِقَةِ، فَإنْ كَفَّنَهُ أجْنبيٌّ فَالطَّلَبُ لِلأَجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ظاهر المذْهَب، وجوبُ القطْع على النبَّاش بسرقة الكَفَن في546
الجزء: 11 - الصفحة: 204
الجملة، وعن ابن خيران: أن فيه قولاً آخر: أنَّه لا يجبُ بحال؛ لأن الكفَنَ موضُوعٌ للبِلَى غير محرَّز، ويذكر أن أبا حفْص بْنَ الوكيل، نَسَب ذلك إلى القول القديم، وبه قال أبو حنيفة، ووجه الأول، وقطع أكَثر الأصحاب به [بما] روي عن البراء بن عازب أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَبَّشَ، قَطَعْنَاهُ" 548.
وعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْها- أنَّهَا قَالَتْ: "سَارِقُ موْتَانَا كَسَارِقِ أحيائنا" ويتفرَّع على المذهب المشهورِ صوَرٌ.
إحداها: إن كان القبرُ في بيت محرَّزٍ، وجب القطْع بسرقة الكَفَن منه، قال الإمام: ولو كانت المقبرةُ محفوفةً بالعمارات ينذُرُ تخلف الطارقينِ عنْها في زمن يتأتى فيه النبْش، أو كان عليها حرَّاسٌ مرتَّبُون [فهي] 549 بمثابة [البيت المحرَّزِ]،، وإن كان القبرُ في مفازةٍ وبقعةٍ ضائعةٍ، فوجهان:
أحدهما: أن الكَفَنَ، والحالةُ هذه، ليس بمحرَّز، وسرقته كسرقة المتاع من الدار البعيدَةِ عن العمران؛ وهذا؛ لأن السارق يأخُذ من غير خَطر، ولا يحتاج إلى انتهاز فرْصة، وبهذا الوجْه، أجاب الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، وصاحب الكتاب، وعزاه الإِمام إلى جماهير الأصحاب.
والثاني، وَيُحْكَى عن اختيار القفَّال، والقاضي الحُسَيْن، ورجَّحه أبو الحسن العبَّادي: أن القبر حِرْزٌ للكفن، حيث كان؛ لأن النفوس تهاب الموتى، ولذلك لا يعدُّ الدافن في مثل ذلك الموضع مضيَّعاً، وفرَّع صاحب "التهذيب" على الوجهين، فيما إذا كان القبر في بيت محرَّزٌ فسرق الكَفَن منه حافظُ البيت، فعلى الوجهِ الأولِ؛ لا يجب القطْع، وعلى الثاني؛ يجب، وإن كان القبر في مقابر البلاد الواقعةِ عَلَى طرف العمارات، فإن كان لها حارسٌ، وجب القطْعُ، وإلا، فوجهان:
أصحهما؛ على ما [ذكره] القاضي الرويانيُّ، وغيره: أن الجواب كذلك؛ لأن القبر في المقابر حرزٌ في العادة، كما أن البيْتَ المغلَقَ في العمران حرْزٌ، وان لم يكن فيه أحدٌ.
والثاني: المنْع؛ لأنه ليس دونه بابٌ مغلَقٌ، ولا عليه حارسٌ، فصار كالمتاع الموضوع هناك.
الجزء: 11 - الصفحة: 205
الثانية: إن وضع [في القبر شيء] سوَى الكَفَن، هل يتعلَّق القطْع بسرقته؟ قال الإِمام: إن كان القبر في بيت فَبَلِيَ، وإن كان في المقابر فوجهان:
أحدهما: نعم، ويكون محرَّزاً بما يكون الكفَنُ محرَّزاً به.
وأصحهما، وهو الذي أورده أكثرهم: المنع؛ للعادة، ويخالف الكفن؛ فإنَّ الشرع قطَع فيه النباشَ، وجَعَلَه محرَّزاً لضرورة الحاجة إلى التكفين والدفْن، ليبقى مصوناً، وخصَّص الإِمام الوجْه الأوَّل بما إذا كان من جنْس الكفن؛ كثَوْب وُضِعَ فيه، وكما إذا كفن الميت في أكثر من خمسة أثوابٍ، ففي الزيادة على الخمسة التي تَلِي الميتَ الخلافُ، لكن ذلك الوجْه لا يختص بهبة التكفين ولا بجنس الثياب، فإنَّ القاضي الرويانيِّ حكَى في "جمع الجوامع" إجراء الخلاف فيما لو وَضَعَ في القبر مضربةً أو وسادةً للمَيِّت، وعن بعْضهم: أنه أجراه فيما لو دَفَن معه دراهمَ أو دنانيرَ، بل في "الرْقم" للعباديِّ: أن القاضي الحُسَيْن حَكَى عن القفَّال وجوبَ القطْع فيما إذا دفَن [معه] مالاً في بَرِّيَّة تبْعُد الهم والأوهام عن الدفْن فيه، والتابوت الذي يُدْفَن فيه الميت كالأكفان الزائدة، والزيادةُ في الطِّيب على ما يُستحبُّ تطبيب الميت به كسائر الأموال، وعن الماسرجسي: تعلقُّ القطْعِ بالقَدْر المستحَبِّ منه، كالكفن، قال ابن الصبَّاغ: إلا أنه لا يكادُ يجتمع منه ما يبلغ نصاباً.
الثالثة: إذا كفن الميت من تركته، فَلِمَنِ الكفن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه للورثة، كسائر مخلَّفاته، لكن يُقدَّم حق الميت فيه كما يُقدَّم قضاء ديونه، كان كان المِلْك للورثة، وعلى هذا، فلو سرقه أحد الورثة أو ابنُه، فلا قطْع عليه.
والثاني، عن أبَوَيْ عليِّ بن أبي هريرة والطبريِّ: أنه يبقى على ملْك الميِّت؛ لحاجته إليه وانصرافه إلى مصلحته، وإن كان لا يثبُتُ له المِلْك ابتداءً، وهذا كما أنه يبقى الدَّيْن في ذمته، وإن لم يَثْبُتْ عليه ابتداء.
والثالث: أن الملْكَ فيه لله تعالى؛ لأن الوارِث لا يتمكَّن من التصرُّف فيه، والميِّت لا يملك شيئاً، [فإن] قلْنا: إن الملْك فيه للوارِث، فالخَصْمُ في السرقة الوارثُ؛ على ما سيأتي؛ أن السارق يُقْطَع بمطالبة المسروق منه، ومخاصَمَتِهِ، فإن قلنا: إن الملْكَ فيه للميِّت، فعن ابن أبي هريرة: أن الخَصْم فيه الوارثُ أيضاً؛ لأنه القائم مقامه في حقوقه، وقال غيره: الخصْمُ فيه الحاكم والوارثُ لا ينوب عنه فيما لا يملكه، وإلى هذا يرجع ما حُكِيَ عن صاحب "الإفصاح" أن الإِمام يقْطَع ولا حاجة إلى خَصْمٍ، وإنما اعتبر خصومة الحَيِّ؛ لأنه ربما ملَّكه أو أباحَ له أخْذَه، فإذا اعترف به، سَقَطَ الحد، ومثل هذا لا مجالَ له في الكفَن، وإذا قلْنا: إنه لا مالك له، فالأمر فيه إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 206
الحاكِمِ، هذا ما ذكره الأصحاب، وزاده الإِمام، فقال: إن كان مَنْ يذهَبُ إلى أن المِلْك في الكفن للميت أو لله تعالَى، يقول: يتعيَّن ردُّه بعد ما أخَذَه النباش إلى المَيِّتِ، ولا يجوز للوارث إبدالُهُ بغيره [فالتفريع] والخلافُ في أن الخصْم مَنْ هو صحيحٌ، لكن هذا قول عَريٌّ عن التحصيل، والوجْه عنْدي أن للوارثِ إبدالَهُ بعْد ما انفصل عن الميِّت، وحينئذ، فيجِب القطْع بأنه الخصْم لا غير، وإذا أكل الميتَ سَبُعٌ أو ذَهَبَ به السيل وبقي الكفَنُ، فإن قلْنا: إنه ملْكٌ للورثة، اقتسموه، وإن قلنا: إنه ملك للميِّت، فوجهان:
أحدهما: أنه يُصرَف إلى الورثة أيضاً؛ لأن ما كان للميِّت ينتقل إلى الورثة، [وإنما] قُدِّم الكفن لِحَاجَتِهِ إليه، وقد بَطَلت الحاجة.
والثاني: يُجْعَل في بيت المال؛ لأنه لم ينتقل بالمَوْت إلى الوارث، فلا يختص به بعْد ذلك، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ وغيره، وإن قلْنا: لا يملكه أحدٌ، فيُجْعل في بيت المالِ بلا خلاف، هذا كلُّه فيما إذا كُفِّن من تركته، فإن كَفَّنه أجنبي، أو [كُفِّن] من بيت المال، فلمن هو؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف المذكُور فيما إذا كُفِّنَ من تركتِه.
والثاني: القطْع بأنه يبقى على ملْك الأجنبيِّ أو حُكْم بيت المال؛ لأن نقْل المِلْك إلى غير مالِكٍ لا يمكِنُ، والميت لاَ يَمْلِك ابتداءً، وغيرُ الميت لم يَمْلِكُ، فكان الأجنبيَّ معير للكَفنِ إعارةً لا رجوع فيها كالإعارة للدَّفْن.
والقولُ في أن الخَصْم في السرقة مَنْ هُوَ، وفي أنه، لو أكله سبُعٌ إلى مَنْ يُردُّ الكفن، مبنيٌّ على الخلاف في المِلْك.
"
فروع
":
أحدُها: إذا كَفَّن السيدُ عبْدَه، فالملْك في الكفن للسيد أو لا يَمْلكه أحدٌ؟ فيه وجهان، وذكر أنه لا يجيْء فيه أن يملكه العبْدُ؛ لأن العبد لا يمْلِك إلا بتمليك السيد على القول القديم، والسيدُ لم يَمْلكه، ولمنازع أن ينازع فيه ويَجْعل التكفينَ تمليكاً، كما جُعِل تكفينُ الأجنبيِّ تمليكاً على رأْي، وحُكم بأن الكَفَن ملْك للميت.
والثاني: إذا سُرِقَ الكَفَنُ، وضاع، كُفِّنَ ثانياً من التركة، فإن لم يوجَدْ، فهو كمن مات، ولا كفَنَ له.
والثالث: إنما يُقْطَع النباش، إذا أخرج الكفَنَ منْ جميع القبر، أما إذا أخرج من اللَّحْد إلى فضاء القبْر وترَكَه هناك؛ لخوف أو غيره، لم يُقْطع، هذا هو المنصوص والمشهور، ويجوز أن يُخَرَّج ذلك على الإخْراج من البَيْت إلى صَحْن الدار.
الجزء: 11 - الصفحة: 207
وقوله في الكتاب "لا قَطْع على النبَّاش" ليعلم بالواو، وقوله "في تربةٍ [ضائعةٍ] " 550 هذه الصورة تحتمل "التربة" وتحتمل "البَرِّيَّة" بالباء والراء 551، وتشديد الراء والياء.
وقوله "وُيقْطَع، إذا سَرَق" معلَمٌ بالحاء والواو، وقوله "في بيْت محرَّز محروسٍ" الجمع بين اللفظين لا ضرورةَ إليه، وإنما هو تأكيدٌ، وقوله "ثم الكفن للوارث" وقوله " [فالطلب] للأجنبي" مُعْلَمَان بالواو.
قال الغَزَالِيُّ: (السَّادِسَةُ) إِذَا كَانَ الحِرْزُ مِلْكاً لِلسَّارِقِ وَلَكنَّهُ فِي يَدَ المَسْرُوقِ مِنْهُ بِإجَارَةٍ قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ بِغَصْبٍ لَمْ يقْطَعْ لِأَنَّهُ لَيْسَ حِرْزاً فِي حَقِّهِ، وَهَلْ تَكُونُ الدَّارُ المَغْصُوبَةُ حِرْزاً عَنْ غَيْرِ المَالِكِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ عَارِيَّةً فَثَلاثَةُ أَوْجُهٍ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرُّجُوعَ بِالدُّخُولِ أَوْ لاَ يَقْصِدَ كَمَا يُفْرَقُ فِيمَنْ وَطِئَ حَرْبيَّةً بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الاسْتِيلاَءَ أَوْ لاَ يَقْصِدَ فِي نَسَبِ وَلَدِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الحِرْزِ مَالٌ مَغْصُوب لِلسَّارِقِ فَأَخَذَ غَيْرَ المَغْصوبِ فَفِي القَطْعِ وَجْهَانِ لِشُبْهَةِ جَوَازِ الدُّخُولِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا لِلأَجْنَبِيِّ انْتِزَاعِ المَغْصُوبِ لِلْحِسْبَةِ جَرَى فِيهَا الوَجْهَانِ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في المسألة جملتان:
إحداهما: إذا كان الحرْزُ ملكًا للسارق، نُظِر؛ إن كان في يدِ المسروقِ منْه بإجارةٍ فسرق منْه المؤَجِّر، فعليهِ القطْع؛ لأن المنافِعَ بعَقْد الإجارة مستحَقَّةٌ للمستأجِرِ، والإحْراز من المنافع، وفي هذا التوجيه ما يبين أن التصْوير فيما إذا استحَقَّ المستأجِرُ إيواء المَتَاع إليه بالإجارة، وإحرازه به دون مَنْ يستأجِرُ محوطاً للزراعة، فآوى إلَيْه ماشية مثَلاً.
وقال أبو حنيفة: لا يجِب القطْع على المؤجِّر، وسلَّم أنه لو أجَّر عبْده لحفْظِ متاعٍ، ثم سَرَقَ المؤجِّر من المتاع الذي كان يحْفَظُه العبْدُ، أنه يجب القطْع.
وإن كان الحرْز في يده بإعارة، وسرق المُعِيرُ منه مال المستعير 552، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب القطْع؛ لأن الإعارةَ لا تلزم، وله الرجوعُ، متَى شاء، فلا يحْصُل الإحراز عنه.
وأصحُّها، وهو المنصوص 553: أنه يجب؛ لأنه سرقَ النصاب من الحِرْزِ، وإنما يجوز له الدخُول، إذا رجع، وعليه أن يمهل المعير بقَدْر ما ينقل فيه الأمتعة.
الجزء: 11 - الصفحة: 208
والثالث: الفرْق بين أن يدْخُل الحرْز على قصْد الرجُوع عن العاريَّة، فلا يُقْطَع، وبين أن يدْخُل على قصد السرقة، ويأخذ المال، فيُقْطَع، كما [أنه] إذا وطئ حربيةً يُفْرَق بين أن يَقْصِد القهْر والاستيلاء، فيملكها، ولا حدَّ عليه، ويثبت النسب، لو أولَدَها، ويين أن لا يقصد ذلك، فعليه الحدُّ، ولا يثبت النسب، [ولو] أعار عبداً لحفْظِ مالٍ أو رَعْي غنم ثم سرَق ممَّا كان يحْفَظُه عبده حكَى الإِمام فيه طريقين:
أحدهما: أن في القطع الخلافَ المذكورَ فيما إذا كان الحِرْزُ مستعاراً.
والثاني: القطْع بالوجوب؛ لأن الإحراز هاهنا بملاحظةِ العبْد، لا بنَفْس العبْد المملوك، ولو أعار قميصاً، فلبسه المستعيرُ، وَطَرَّ المعير جيبه، وأخذ دراهم، وجب عليه القطْع، ولا يكاد يجيء الخلاف فيه، ولو كان الحرْز في يده بغصب، فسَرق مالكُ الحرْزِ منه متاعه، فلا قطْع؛ لأن له الدخول والهجوم عَلَيْه، فلا يكون محرَّزاً عنه، كان سرق منه أجنبيٌّ فوجهان:
أحدهما، ونسبه بعْضُهم إلى النصِّ: أنه يلزمه القطْع؛ لأنه لا حقَّ له فيه، وليس له الدخول.
وأصحُّهما: المنعُ، ولا تكونُ الدارُ المغصوبةُ حرزاً للغاصب؛ لأن [الإحْرَاز] من المنافع، والغاصبُ لا يستحقها، قال الإِمام: ويمكن أن يقْرُب هذا من التردُّد في أن الواحدَ من المسلمين، إذا رأَى عَيْناً مغصوبةً في يدِ غاصبٍ، هل له إزالة يده عنها حسبةً؟ ولو اشترى الحرْزَ، وسرقَ منه قبل القبض مالَ البائعِ، فإن لم يوفِّر الثمَن بعْدُ، وجب القطع؛ لأن له حقَّ الحبس، فأشبه المستأجِرَ، وإن كان قد وفَّر الثمن، فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجب، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
الثانية: إذا غصب مالاً أو سرقة وأحْرَزه في حِرْزِه، فجاء [مالك 554 الحال]، وسرق من ذلك الحِرْز مالاً للسارق أو [الغاصب] 555، هل عليه القطْع؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن له أن يَدْخُل الحرْزَ ويَهْتِكَه لأخذ ماله، فالذي يأخذه من الغاصب يأخذه، وهو غَيْر محرَّز عنه.
والثاني: يجب؛ لأنه إذا أخذ مالَ الغاصِب، [غير] عرَفْنَا أنَّه هتك الحرْزَ للسرقة، لا؛ لأخذ مالِه، وخصَّص المخصِّصون للوجهين بما إذا كان مالُ الغاصب متميزاً عن ماله، [فأخذه] وحْده أو مع مال نفسه، فأما إذا كان مخلوطاً به؛ بحيث لا يتميز أحدُهما عن الآخر، فلا قطْع بحال، وهذا تخريج على قوْلنا: إن المال المشتركَ لا يُقْطَع واحدٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 209
من الشريكَيْن بسرقته؛ وذلك لأن الاختلاط المانعَ من التميز موجبٌ للشركة والشُّيوع، ولو دخل، وأخذ مال نفسه، فلا قطْع بحال، وإن سرق أجنبيٌّ المال المغصوبَ أو المسروقَ، فهل عليه القطْع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وإلى ترجيحه مال صاحب "الشامل"؛ لأنه سرق نصاباً من حرْز مثله بلا شبهة.
والثاني: لا؛ لأنَّ المالك لم يرْضَ بإحرازه فيه، فكأنه غير محرَّز، قال في "البيان": وهذا هو الصحيح؛ ويؤيِّده ما أشار إليه الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" وهو بناء الوجهَيْن على الخلاف في أنَّه، هل يجوز للأجنبيِّ أخذُ المغصوب؛ حسبةً؛ ليردَّه إلى مالكه؟ إن قلْنا: نعم، فلا قطْع عليه، كما لا قطْع على المالك، وإن قلْنا: لا، فيقطع، والذي أورده صاحب "التهذيب" أنه يُقْطع [إذا] أخذَ على قصْد السرقة، وقال: لا فرْق بين أن يكون عالماً بأنه مغصوب أو لاَ يَكُون، وإذا حَكْمنا بوجوب القَطْع بسرقة المغصوب والمسروق، فالخَصْم فيهما المالكُ، وعن أبي حنيفة: أن الخُصْمَ في السرقة المالكُ، وفي الغَصْب الغاصبُ.
وقوله في الكتاب "وإن جوَّزنا للأجنبيِّ انتزاعَ المغْصُوبِ للحسبة، جرى فيها الوجهان أيضاً" يقتضي تخصيصَ الوجهين بما إذا جوَّزنا له الانتزاع، والجَزْم [بالمَنْع] 556 إذا لم نجوِّزه، وذلك لا ينْطبق على ما حَكْيناه عن الإِمام، وعن "الوسيط" والوجْه بناءُ الخلافِ على الخلاف فيما لا يُشْعِر به لفظ الكتاب.
فرع: إذا سرق الطعامَ في عام القْحط والمَجَاعة، نُظِر؛ إن كان يوجد، لكنَّه عزيزٌ 557، والثمن غال، وجب القطْع، وإن كان لا يوجَدُ، ولا يَقْدِر عليه، فلا قطع؛ لأنه كالمضْطَرِّ؛ وعلى هذه الحالة، يُحْمَل ما يُرْوَى عن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنّه لا قَطْعَ فِي عَام المَجَاعَةِ 558.
قال الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: نَفْسُ السَّرِقَةِ وَهِيَ الإِخْرَاجُ) وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ) فِي إِبْطَالِ الحِرْزِ وَهُوَ بِالنَّقْبِ وَفَتْحِ البَابِ، وَإِنْ نَقَبَ وَعَادَ لِلإخْرَاجِ لَيْلَة أُخْرَى
الجزء: 11 - الصفحة: 210
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يُقْطَعُ إلاَّ إِذَا اطَلَّعَ المَالِكُ وَأَهْمَلَ، وَلَوْ أَخْرَجَ غَيْرَهُ فَلاَ قَطْعَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ تَعَاوَنَا حَتَّى يَشْتَرِكَا فِي النَّقْبِ وَالإِخْرَاجِ قُطِعَا، وَإِن أشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ بِالإِخْرَاجِ فَالقَطْعُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَوْ أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّقْبِ سُدُساً وَالآخَرُ ثُلُثاً فَلاَ قَطْع إِلاَّ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الاشْتِرَاكِ فِي النَّقْبِ التَّحامُلُ عَلَى آلة وَاحِدَةٍ بَل التَّعَاقُبُ فِي الضَّرْب شَرِكَةٌ بِخِلاَفِ قَطْعِ اليَدِ فِي القِصَاصِ، وَلَوْ دَخَلَ أحَدُهُمَا وَأَخْرَجَ المَالَ إِلَى بَابِ الحِرْزِ فَأدْخَلَ الآخَرُ يَدُهُ وَأَخَذَهُ فَعَلَيْهِ القَطْعُ لاَ عَلَى الأَوَّلِ، وَإِنْ وَضَعَ الأَوَّل خَارجَ الحِرْزِ فَعَلَيْهِ لاَ عَلَى الآخِذِ، وَإِنْ وَضَعَ عَلَى وَسَطِ النَّقْبِ وَأَخَذَ الآخَرُ فَقَوْلانِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حصَل الفراغُ من الرُّكْنِ الأَوَّل، وهو المسروق وتبيَّنَ ما يُعتَبَرَ فيه؛ لوجوب القطع، وهذا الركْن الثاني كلامٌ في نفس السرقة، وقد مرَّ في صدْر الباب؛ أن السرقةَ أخذُ المالِ على وجْه الخُفية، فمن أخذ عياناً، كالمختَلِس والمنتهب، لم يلزمه القطْع، والمخْتَلِسُ الذي يعتمدُ الهَرَب، والمنتهب الذي يعتمد القوَّة والغلَبة، وكذلك لا قطْع على المودَعِ إذا جَحَد، وعن أحمد: أن عليهم القطْع.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال 559: "لَيْسَ عَلَى المُخْتَلِسِ وَالمُنتَهِبِ وَلاَ عَلَى الخَائِنِ قَطْعٌ، وفُرِقَ بينهم وبيْن السارق من جهة المَعْنَى بأن السارق يأخُذُ المالَ في خُفْية، فلا يتأتَّى منْعه، فُشرع القطْع زجراً، وهؤلاء يقْصِدون المال عياناً، فيمكن دفْعُهم بالسلطان
الجزء: 11 - الصفحة: 211
وغيره، وقوله "وهي الإخراج" لا يمكن [حمله] على الإخراج من البيت أو الدارِ؛ لما ذكرنا أنه، لو كان في مسْجِدٍ أو شارع 560، وعنده متاعٌ يلاحظُه، فتغفَّله إنسانٌ، وأخذ متاعه، يكون سارقاً، ويلزمه القطْع، وإن لم يُخرج من بيت ودار، ولكن أراد إخراجه عن أن يكون محرَّزاً بنقله عن موْضِع إحرازه، ولفظه في "الوسيط": وهي عبارةُ عن إبطال الحِرْز، ونقْل المال، يعني أن الأخذ في السرقة هكذا يكون، ثم إنه أودَعَ الغرَضَ في ثلاثة أطْرافٍ؛ إبطال الحرز، وكيفيَّة النقْل، والمحلّ المنقول إلَيْه.
أما الأوَّلُ؛ فإبطال الحرْزِ؛ وقد يكون بالنَّقْب وفتح الباب، وقد يكون بتغييبه عن نَظَر الملاحِظ، وفيه صورٌ:
إحداها: إذا نقب، ثم عاد، وأخرج النصاب في ليلة أخرَى، حكى القاضي ابن كج عن النَّصِّ؛ أنه، إن علم صاحبُ الحرْز بالنَّقْب، أو كان ظاهراً يراه الطارقون، وبقي كذلك، فلا قَطْع؛ لانهتاك الحرز، وإلا، فعن ابن سُرَيْج وغيره: أنه يُقْطَع، كما لو نقَب في أوَّل الليل، وأخْرَج المال من آخر، وعن غَيْره، أنه يُحْتمل أَلَّا يُقْطَع، لأَنَّه عاد بعْد انتهاك الحِرْز؛ فصار كما لو جاء غيره، وأخذ المال، فحَصَل وجهان، ولْيُصْرَف إليهما قولُه في الكتاب، و [في] "الوسيط": فالظاهر أنه يُقْطَع والخلافُ شبيه بالخلافِ فيما إذا أخرج [نصاباً] 561 على دفعات.
ولو نقب واحدٌ ودخل [آخر] 562 الحرْزَ، وأخرج المال، إما على الاتصال أو بعْده، فلا قَطْع على واحدٍ منهما؛ أما الأول؛ فلأنه لم يأخذ شيئاً.
وأما الثاني؛ فلأنه أخَذَ من حْرزٍ مهتوكٍ، ويجب على الأول ضمانُ الجدار 563، وعلى الثاني ضمانُ ما أخذ، ومِنَ الأصحاب مَنْ قال في وجوب القَطْع على الثاني الخلافُ الذي سَنْذكر فيما إذا نَقَب اثنان، وأخَذَ أحدهما المسروقَ، ووضعه على النقْب [فأخذه] الآخر، ووجْهُ الوجوب أَلاَّ يتخذ ذلك ذريعةً إلى إسقاط الحدِّ، والظاهر الأوَّل، وهو المذكور في الكتاب.
نعَمْ، لو كان في الدارِ حافظٌ قريبٌ من النقب، وهو يلاحِظُ المتاع، فالمال محرَّز به، فيجب الضمان على الآخر، وإن كان نائماً، فلا يكون المال محفوظاً به في أصحِّ الوجهين، كما ذكرنا فيمن نام في الدار، وبابُهُ مفتوحٌ، وليعلَمْ قوله "فلا قطْع عليهما" مع الواو بالحاء؛ لأن في النهاية أن أبا حنيفة يوجِبُ القطْع على الناقِبِ بعلة أنَّه رِدْءٌ وعون للسارق.
الجزء: 11 - الصفحة: 212
الثانية: إن تعاون شريكانِ علَى النقاب، وأخرَجا [نصابَيْن] 564، إما بأن أخرج كلُّ واحدٍ نصاباً، أو حملا متاعاً يساوي نصابَيْن، [فعليهما] 565 القطْع، وإن تعاونا على النقب، وانفرد أحدُهما بالإخراج، فالقطع على المُخْرج خاصَّةً، والآخر ليس بسارقٍ، قال الإِمام: ورأيْتُ في بعض التعاليق حكايةَ وجهَيْن في وجوب القطْع على المُخْرِج، وهو ضعيفٌ، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ: أنه، لو نقَب واحدٌ، ودخل مع آخر، وأخرجا المال معاً، فالقَطْع على من جمع بين النقْب والإخراج دون الآخر، وأن عند أبي حنيفة: إذا اشترك جماعةٌ في النقْب، وحمل أحدهم المالَ، فإن خَرَجُوا قبله أو بعده، ولم يصحبوه، لم يُقْطَعوا، وإن صحِبُوه، قُطِعوا؛ بناءً على أن رِدْءَ قاطعِ الطريق كالقاطِعِ.
ولو اشتركا في النقْب، ولم يُخرجا إلا نصاباً واحداً، فقد مرَّ أنه لا قطع على واحدٍ منهما، وإن أخرج أحدهما بعْد الاشتراك في النقْب ثلثاً وآخر سدساً، فالقطع على صاحب الثلثِ خاصَّة، وقد مر هذا من قبل وبيَّنَّا أن عن أبي حنيفة ما يقْتَضِي إعلامَ قوله "فلا قطع إلا عَلَى صاحب الثلث" بالحاء، وفيم يحْصُل به الاشتراك في النقب؟ فيه وجهان:
أحَدُهما: أنه لا يحْصُل حتى يأخذَا آلَةً واحدَةً، ويستعملاها معاً، كما لا [تَحْصُل الشركةُ] في قطع اليد إلا بأن يأخذَا حديدةً، ويتفقا على إمرارها.
وأظهرهما، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يُشْترط ذلك، بل تثبت الشركة، وإن أخذ هذا لَبنَاتٍ، وهذا لَبنَاتٍ؛ لأنه قد حصل التعاونُ على النقْب، والنقبُ ذريعة إلى المقصود؛ وليس هو سرقةٌ في نفْسه، فلا يُتَأَنَّق في تصويرها كما يُتَأَنَّق في تصويرِ القطع.
الثالثة: الشريكان في النقْب، إذا دخل أحدُهما، ووضَع المتاعَ قريباً من النقْب أو دَخَلَ أحدُ السارقَيْنِ، ووضعه قريباً من باب الحِرْز وأدخل الآخر يده، وأخذه فالقَطْع على الثاني الذي أخرجه من الحرْز، لا على الأوَّل، وكذا لو وقَفَ أحدُهما على طَرَف السطْح، ونزل الآخر، وجمع الثيابَ وربَطَهَا بحبْل، فرَفَعَها الواقفُ، فالقَطْع عليه، لا على الأول، وعليهما الضمان، ولو وضع الداخلُ المتاعَ خارجَ الحرْز أو الباب، وأخذه الآخَرُ، فالقطع على الذي أخرج دون الآخرِ، أو فأخذه المناقب فلا قطع على واحد منهما، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "القَوْلَيْن" في الكتاب بالواو؛ لما ذكر الإِمام أن الصيدلانيِّ قطَع بنفيْ القطْع عنهما، والمشهورُ إثباتُ القولَيْن، وعن القاضي أبي حامِد: أنهما منصوصانِ في القديم، وذكر القاضي الرويانيُّ: أنه لو ناول الداخلُ الخارجَ في فمِ النقْب، لم يُقْطَع
الجزء: 11 - الصفحة: 213
واحدٌ منهما؛ لأن الداخلَ لم يُخْرِج من تمام الحرْز، والخارجُ لم يتناولْه من الداخل، ذكر ذلك بعْد حكاية القولَيْن في التصوير السَّابِق، ويُشْبِه أن يكونَ هَذَا جواباً على الأصَحِّ، وإلاَّ، فلا يتضحُ فرْقٌ بين أن يضَعَه فيأخُذَه الخارج، وبيْن أن يناوِلَه من يده.
ولو نَقَبَ اثنانِ ودَخَلاَ وأخَذَ أحدُهما المالَ وشدَّه على وسط الآخر فخَرَجَ به الآخَرُ فالقَطْع عليه، ولا قَطْع على الأوَّل، ولو أن الآخَر حَمل آخِذَ المال، فأخْرَجَه، والمتاعُ في يده، وجب القطْع على المَحْمُول، وفي الحامل وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن حمْل مَنْ حَمَّل المال حَمْلٌ للمال.
والثاني: لاَ، وهو الذي أورده الرويانيُّ؛ لأنه لم يحمِلْه بنَفْسِه، ومن حَلَف ألاَّ يحمل طبقاً فحمل رجلاً حاملاً طبقاً لا يحنَثُ في يمينه؛ وَعَلَى هَذَا لو نَقَبَ زَمِنٌ وأعْمَى، وأدْخلَ الأعْمَى الزَّمِنَ، فأخذ الزمِنُ المتاعَ، وخَرَج به للأعْمَى، [وحمله الأعمى وأخرجه] يجب القطْع على الزَّمِن، وفي الأعْمَى الوجهان.
وفي "البيان" أن الأعْمَى، إذا حمل الزَمِنَ، وأدخله الحرْزَ، فدلَّ الزمِنُ الأعمَى على المال، وأخذه، وخَرَج به، فيجب القطْع عليهما أو لا يجبُ إلا علَى الأعْمَى؟ وفيه وجهان: أصحُّهما الثاني.
وقوله في الكتاب "فعَلَيْه لا عَلَى الآخِذِ" يجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة: أنه لا قطْع على واحد منهما؛ لأنَّه خرج، ولا شيْء معه.
فرْعٌ: لا فرق في هتْك الحِرْز بين النَّقْب، وكسْرِ البَابِ، وقلْعِه، وفتح المغْلاَق والقُفْلِ، وتسوُّرِ الحائطِ، بل يجب القطْع بأخْذِ المال في جميع هذه الأحْوَال.
قال الْغَزَالِيُّ: (اَلطَّرَفُ الثَّاني في وُجُوهِ النَّقْلِ) فَلَوْ رَمَى المَالَ إِلَى خَارجِ الحِرْزِ قُطِعَ أَخَذَهُ أَوْ تَرَكهُ، وَلَوْ اسْتَخرَجَ مِنَ الحِرْزِ بِمِحْجَنِ قُطِعَ، وَلَوْ أَكَلَ فِي الحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوِ ابْتَلَعَ دُرَّةً فِي الحِرْزِ فَثَلاثَةُ أَوْجُهِ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ الانْفِصَالِ عَنْهُ وَبَيْنَ أَلاَّ يُقْصِدَ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ صورتَانِ:
إحداهما: إذَا رَمَى المَالَ إلى خارج الحْرز من النقْب أو الباب أو مِنْ فوق الجدارِ، لزمه القطْع، ولا فرْق على ظاهر المَذْهَب بيْن أن يأخُذْه بَعْدما رماه، وبين أن يتركه حتَّى يضيع أو يأْخذه غير، وفيه وجْهٌ أنَّه، إذا لَمْ يأْخُذْه، فلا قطْع عليه؛ لأن الموجود حينئذٍ إتلافٌ لا سرقةٌ؛ وعلى هذا، فلو أخذه مُعينُه، فهل يكفي ذلك؛ لوجُوب القطْع عليه؟ أبدى الإِمام تردُّداً فيه، وحكَى عن أبي حنيفة: أنه لا يجبُ القطْع
الجزء: 11 - الصفحة: 214
على الرامِي إذا لم يأخُذ ما رماه، ولا مُعِينُه، فيجوز أن يعلم لذلك قوله: "أو تركه" بالحاء مع الواو.
ولو أدخل يده في النَّقْب أو أدخل فيه محْجناً، وأخرج المتاع، قُطِع، وعند أبي حنيفة: لا يجب القطْع، إلا أن يكون ضيِّقاً لا يمكن الدُّخُول فيه، وسلَّم أنه لو أدخل اليدَ في الجوالِقِ فَسَرَقَ منه، يُقْطَع، ولو أرسل محْجَناً أو حَبْلاً في رأْسه كلاَّبٌ من السَّطْح، وأخرج به ثوباً أو آنيةً، قُطِع، وقد لا ينارعُ أبو حنيفة فيه، والمِحْجَن السَّوط المعقف الرأْس ونحوه.
الثانية: لو أتلف المالَ في الحِرْزِ بأكْلٍ أو إحراقٍ، لم يلزمْه القطْع، وقد سبق لهذا ذكْرٌ، ولو ابتلع في الحِرْز جوهرةً أو دينَاراً، فعن الشيخ أبي حامدٍ وابن الصَّبَّاغ وغيرهما: أنه إن لَمْ يَخْرُج منه، فلا قطْع؛ لأنه استهلكها في الحرْز، فأشبه ما إذا أكَل الطَّعَام، وإن خرجَتْ منه، فوجهانِ:
أحدهما: يجب القطع؛ لأنَّها باقيةٌ بحالها غيْر فاسدةٍ، فأشبه ما إذا أخرجها في فيه، أو في وعاءٍ.
والثاني: لا يجب؛ لأنه بالابتلاع صار في حُكْم المستهلك؛ ألا ترى أن للمالك أن يُطَالِب بالقيمة في الحال؟ وأيضاً، فإنه كالمُكْرَهِ في إخراجه؛ لأنه يلزمه الخروج، ولا يمكنه إخراجُه من جَوْفه، وهذا أصحُّ فيما ذكر المحامليُّ، ولو وضع المتاع على وسط النقْب، [فأخذه] الآخر، وأخرجه، وهو يساوي نصابَيْن، ففيه قولان:
أحدهما، ويُنْسب إلى رواية الحارث 566 بن سُرَيْج البقال: أنه يجب القطْع عليهما؛ لأنهما اشتركا في النقب، وتعاونا على الإخراج؛ فأشبه ما إذا أخرجا معاً، وأيضاً، فلئلا 567 يُجْعَل ذلك ذريعةً إلى إسقاط القطع.
وأصحُّهما، وهو رواية الربيع والمزنيِّ: أنه لا قطْع على واحدٍ منهما؛ لأنهما تفرَّقا في الإخراج، ولم يوجَدْ في واحدٍ منهما الإخراجُ من تمام الحرْز، فصار كما لو نقب أحدُهما، ودخَل، ووضعَ المتاع على وَسْط النقب، [فأخذه] الآخر، أو دَخَلَ غير المناقب، ووضَعَه عليه، قال الماوردي: وذكر أبو العَيَّاض وجْهاً: أنَّها إن خرَجَتْ بدواءٍ وعلاجٍ، لم يُقْطع، وإن خرجَتْ عفواً بغَيْر دواءٍ وعلاجٍ، قطِع، فيصير وجْهاً رابعاً، وطائفةً والأول أصحُّ عند الإِمام والرويانيِّ.
وأطلق مطلقون الوجهَيْن، ولم يقيدوا بما إذا خرجَتْ فنَزَّل بعضهم المطلَقَ على
الجزء: 11 - الصفحة: 215
المقيَّد، ورأى الإِمام إثباتَ وجْه فارق بيْن أن تَخْرُج منه بعْد خروجه من الحرْز، فيُجْعل سارقاً، وبين أَلاَّ يَخْرُج، فبيّن أنها فسدت، وانمحقت، فلا يجعل سارقاً، وأورد صاحب الكتاب الوجه الفارِقَ على منوال آخر ههنا، وفي "الوسيط" فقال: إن أخَذَها بعْد الانفصال عنه، كان سارقاً، وإلا، فلا، ولم أره لغيره، ولو أخذ الطيِّب، فتطيَّب به في الحِرْز، ثم خرج، فإن لم يمكن أن يجمع منه ما يبلغ نصاباً، فلا قطْع، وإن أمكن فوجهان؛ عن رواية الماسرجسي؛ أشبههما أن الجواب كذلك؛ لأن استعماله يُعدُّ استهلاكاً له؛ كأكْل الطعام.
والثاني: يجب القطع؛ لبقاء عينه، وإمكان الانتفاع.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ وَضَعَ المَتَاعَ عَلَى المَاءِ حَتَّى جَرَى بِهِ إِلَى خَارجِ الحِرْزِ قُطِعَ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ أَسْفَلَ الكَنْدُوجِ حَتَّى انْصَبَّ، وَلَوْ وَضَعَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ فَخَرَجَتْ قيل: لاَ يُقْطَعُ لاِخْتِيَارِ الدَّابَّةِ، وَقِيل: إنْ سَارَتْ عَلَى الفَوْرِ قُطِعَ وَإلاَّ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ بِالعَكْسِ وَهُوَ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ التَسَبُّبَ هَلْ يَكْفِي لِلْقَطْعِ؟ وَلَوْ أَخْرَجَ شَاةٌ فَتَبِعَتْها سَخْلَتُهَا أَوْ غَيْرُهَا خُرِّجَ عَلَى الخِلاَفِ لاِخْتِيَارِ الدَّابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُورٌ:
إحداها: لو كان في الحرْز ماءٌ جارٍ، فوَضَعَ المتاع عليه، حتى خرَجَ، وجَب القطع؛ فإنه المُخرج، كما لو جَذَبه بمِحْجَن، وفي "البيان" أن الشيخ أبا حامد حَكَى وجهاً ضعيفاً، أنه لا يجب، ولايْتُه في [تعليقة] إبراهيم المروروزي أيضاً، وقال الإِمام: تخريجه من الوجْه الذي سنذكر، إن شاء الله تعالى، في صورة الكندوج: وإن كان الماء راكداً، فحركه حتى خرج به، فهو كالجاري، وإن حَرَّكَهُ غيره، حتى خرَجَ، فالقطْع عليه، وإن زاد الماء بانفجار أو مجيءْ سيل، فخرجَ به، فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجبُ القطْع، وإذا كان في البستان أُتْرُجٌّ، والماء يدخُل من أحد طرفيْه، ويخْرُج من الآخر فجمع النارَ والوقودَ في طَرَفٍ ووضعه على الماء، حتى دخَل، وعلا الدُّخَان، فأسقط الأتْرُجَّ في الماء، وخرج من الطَّرَف الآخر، فأخذه، أو رَمَى بالأحجار [من خارج البستان] إلى الأشجار، حتى تناثرت الثِّمار في الماء، وخرَجَت من الجانب الآخر، ذكر إبراهيم المروروزي أنَّ القاضي الحُسَيْن قال في كَرَّة: لا يجب القطْع، وهو المذْهب، وقال في كَرَّة: يجب، كما لو أخذ الثوْب منْ خارج الحِرْز بمحجن، ولو كانت الريحُ تهبُّ، فعرض المتاع لها، حتى خرجت به أو وَضَعَه على طَرَف النقْب، [فطارت] به الريحُ، وجب القطع، ولا أثر لمعاونة الريح، كما أنها لا تمنع وجوبَ القصاص وحلَّ الصيد، والحالة هذه، ولو كانت الريحُ راكدةً، فوضعه
الجزء: 11 - الصفحة: 216
على طَرَف النقْب، فهبت، وأخرجته فوجهان، كما في صورة زيادة الماء، [والظاهر] أنه لا يجب.
الثانية: ذكرنا فيما سبَق في انثيال الحنْطة عنْد فتح أسْفل الكندوج وجهاً: أنه يتعلَّق به القطْع، ولا يُنَزَّل منزلة الإخْراج باليَدِ، وقد يُسلِّم من قال به وجوبَ القَطْع فيما إذا وَضَع المتاع على الماء، [فخرج] به، ويُفرِّق بأنَّ هناك وجد منه فعْلٌ في المال، وهو الوضْع على الماء، وههنا، لم يوجَدْ منه إلا النقْب، وبيَّنا هناك أن الصحيح نزولُه منزلةَ الإخْراج باليد، وعلى هذا، فهل يُشْترط أن يخرج قدْر النصاب دفعةً واحدةً أو يجب القطْع؟ وإن خرج بالتدريج؟ فيه وجهان قد سبَقَا.
الثالثة: إذا وضع المتاع في الحِرْز على ظَهْر دابَّة، وسيَّرها بسوق أو قَوَدٍ، حتى خَرَجَتْ أو عقَدَ اللؤلؤةَ على جناح طائر، وطيَّره، فقد أخرح المال عن الحرز بما فَعَل، فعليه القَطْع، وفي "البيان" عن رواية الشيخ أبي حامِدٍ حكايةُ وجه ضعيف.
ولو كانت الدابَّة في السير، فوضع المتاعَ عليها فخرجَتْ به، فهو كما لو سيرها، ولو لم تكنْ سائرة ولا سيرها، بل كانت واقفة، فوضع عليها المتاع، فسارت [به]، وخرجت به ففيه طرق:
أظهرهما: أن في وجوب القطْع 568 وجهين:
أحدهما: أنه يجب؛ لأن الخروج حَصَل بفعْله، فإن الدابة، إذا أثقلت بالحَمْل سارت.
[و] 569 أصحهما: المنع؛ لأن للدابَّة اختيارًا في الذهاب والوقوفِ، وقد لا تسير بعْد التحريك، فيصير اختيارُها شبهةً دارئَة للقطْع.
والثاني، ويحكى عن القاضي أبي الطَّيِّب: القطع بالوجه الثاني.
والثالث: أنها، إن سارت على الفَوْر قُطِع؛ لإشعار الحال بأنها سارَتْ بفعله، وإن وقفت زَماناً، ثم سارت، ففيه وجهان.
والرابع، وهو اختيار الشيخ أبي علي وغيره: أنها، إن وقفت، ثم سارَتْ فلا قطْع، وإن سارت في الحال، فوجهان؛ لشبهة اختيار الحيوان، ولو أخرج شاةً، فتبعتها أخرَى أو سَخْلَتُها، ولم تكن الأولَى وحْدها نصاباً، ففيه هذا الخلاف، وعن الشيخ أبي علي: القطْع بالوجوب ههنا؛ لأن [طبعها] 570 الاتباعُ، والظاهر الأول، وبالمنع [أجاب] 571 في "التهذيب" وفي دخول السخْلَة في ضمانه وجهان، وأشار الإِمام إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 217
ترتيب ما نَحْن فيه على الخلافِ المذكورِ في وجوب الضمان، إذا فتح القفص عن طائر، والقطْعُ أوْلَى بالمنع، قال: ولو فَصَلَ فاصلٌ بين الحيوان المطمئن في الناس وبيْن الذي يَغْلب عليه النِّفَار 572، لكان وجهاً، وقوله في الكتاب "وهو تردُّد في أن التَّسَبُّبَ، هَلْ يكفي للقَطْع؟ أراد به أن الخلاف في الصُّوَر المذكورة قد يستند إلى مباشرةِ الإخراجِ، ولم يوجَدْ في هذه الصور، لكنه تسبَّب إلى الخروج بواسطة الغَيْر؛ فعلى رأْي يُكْتَفَى به كما يُكْتَفَى به لوجوب الغرم؛ وعلى رأْي، يحتاط للقطْع، فلا يناط إلا بالمباشرة، ولو نقب الحرز، ثم أمر صبيّاً لا يميز بإخراج المال، فأخرجه، فعن بعْضهم: أنه، كما لو وضع المتاع على البهيمة، فخرجت به منْ غير تسير، وعن أكثرهم: أنه يجبُ عليه القطْع، وأَمْرُه كتسيير البهيمة، وإن كان مميِّزاً، [وله] اختيار صحيحٌ ورؤية؛ فلا يجعل آلةً للآمر، [فلا قطع] والعبْدُ الأعجميُّ كالصبيِّ الذي لا يميِّز.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً صَغِيراً مِنْ حَرِيمِ دَارِ سَيِّدِهِ قُطِعَ لِأَنَّهُ حَرَّزَهُ إِلاَّ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ فَلَوْ دَعَاهُ وخَدَعَهُ فَهُوَ مُمَيِّزٌ فَلاَ قَطْعَ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَالبَهِيمَةِ، وَلَوْ أُكُرِهَ المُمَيِّزُ بِالسَّيْفِ عَلَى الخُرُوجِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً قَوِيّاً فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَلاَ قَطْعَ إِذْ حَرَّزَهُ قُوَّتُهُ وَهُوَ مَعَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ نَائِماً، وَلَوْ حَمَلَ حُرّاً وَمَعَهُ ثِيَابُهُ فَفِي دُخُولِ الثِّيَابِ تَحْتَ يَدِهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ قَوِياً لَمْ تَدْخُلْ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفاً تَدْخُلُ وَهَلْ يَكُونُ سَارِقاً؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَامَ عَلَى البَعِيرِ وَعَلَيْهِ أَمْتِعَةٌ وَأَخَذَ السَّارِقُ زِمَامَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ القَافِلَةِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ القَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَفِي الرَّابعِ بَيْنَ الحُرِّ وَالعَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان:
أحدهما: العبْد الصغيرُ الذي لا يميِّز، يجب القطْع بسرقته، إذا كان محرَّزاً، وإنما يكون محرَّزاً، إذا كان في دارِ السيدِ أو بفناءِ داره، وسواءٌ كان وحْده أو كان يلْعَب مع الصبيان؛ لأنه لا يُعدُّ مضيِّعاً، إذا كان عَلَى باب الدار، [فإن] بَعُد عنه، ودخل سكة أخرَى، فهو مضيِّع، ولا فرق بين أن يحمله نائماً أو مستيقظاً مربوطاً، وبين أن يدْعُوهَ فيتبعه؛ لأنه لا تمييز 573 له، فهو كالبهيمة تساقُ أو تقاد، ويجيء فيه الخلافُ الذي ذَكْرناه في تسيير 574 البهيمة والمجنونُ والأعْجمي الذي لا تمييزَ لَهُ، كالصَّغير الذي لا يميز [له]، وإن كان الصغيرُ مميِّزاً، فسرقه نائماً أو سكران أو مربوطاً فعلى ما ذكرنا في غَيْرِ المميِّز، ولو دَعَاه وخَدَعَه، فتبعه باختياره، فَلَيْس ذلك بسرقة، وإنَّما هو خيانةٌ، ولو
الجزء: 11 - الصفحة: 218
أكرهه بالسيف حتى خرج من الحِرْز، فقد حكَى الإمامُ وصاحبُ الكتاب فيه وجهَيْن:
أحدهما: لا يجب القطْع؛ لأنَّه فارق الحِرْزِ بِفِعْله.
والثاني: يجب 575 كما لو ساق البهيمة بالضرب والتعنيف، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" ولو حمل عبداً قويّاً قادراً على الامتناع، فلم يمتنع، فلا قطْع؛ لأن حرْزته قوته، وهي معه، [ولو] حمله، وهو نائمٌ أو سكرانُ، قال الإِمام: الوجه عنْدنا القطْع بثبوت يده عليه، وإن كانت عرضة للزوالِ، حتى إذا فرض تلفَ قبل التيَقُّظ يلْزَمه الضمانُ؛ لأن المنقول لا يتوقَّف ثبوت اليد عليه على الاستيلاء والتمكن من المقاومة عنْد طَلب الاسترداد، قال: وفي تحقيق السرقة نَظَرٌ؛ لأن مثل هذا العبد محرَّز بيده وقوته، واحتمال الضعْف إياه لا ينهيه من صون إلى ضياع، هكذا ذكَره على الترديد، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" وههنا أطلق القولَ بنفي 576 القطْع، ثم أنشأ 577 الإِمام من هذا المنتهَى شيئاً آخر، فقال: من جلس 578 وحده، حيث لا مستغاث 579 يجار إليه، وهو يلاحظ متاعه، فتغفّله ضعيفٌ، [وأخذ] 580 المال، ولو شعر به صاحبُ [المال] 581، لطَرَده، فهل نقول: لا قَطْع عليه، كما لو أخذه قويٌّ لا يبالي بصاحب المال، أو نقول: يختلف 582 الحكم بحَسَب اختلاف الآخِذِينَ؟ الرأي الظاهر عندنا الاختلافُ، ولا يبعد اختلاف الحُكْم باختلاف حالِ الآخذين، كما يختلف أصلُ الإحراز 583 باختلاف أصناف الأموال؛ وعلى هذا، فقوله في الكتاب فيما سبق والملحوظ يُعيِّين الضعيف في الصحراء ليس [بمحرّز]، إذا كان لا يبالَى به محمولٌ على ما إذا كان الآخِذُ قَوِيّاً.
المسألة الثانية: الحرُّ لا يضمن باليد، فلا قطْع بسرقته، وإن كان صغيراً؛ لأنه ليس بمال، وعن مالك: أنه يجب القطْع بسرقته، وإن كان في عنقه قلادة أو معه مالٌ يبلغ نصاباً من ثيابه أو غيرها؟ فوجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 219
أحدهما: أنه يجبُ القطْع، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنه سرق نصاباً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه في يدٍ الصبيِّ ومحرَّز به 584، فلم يُخْرِجْه من حرزه، وهذا يوافق مذْهَب أبي حنيفة، هكذا أطلق الوجهين أكثرُهُم، وصوَّر الإِمام فيما إذا كان الصبيُّ نائماً أو مربوطاً عنْد الحمْل، وقال: يجري الوجهان في أن مَنْ حَملَه على غير صورة السرقة، هل تدْخل الثياب التي عليه في ضمانه، ولو حمل حرّاً مستقلاً، [وأخرجه] من الحِرْز، وعليه ثيابُه أو معه مالٌ آخر، قال الإِمام: تُقدَّم عليه مسأَلة، وهي أنه لو نام إنسانٌ على البعير، وعليه أمتعة، فجاء سارقٌ، وأخذ بزمامه وأخْرَجَه عن القافلة، وجعله في مضْيَعَة، ومجموع ما [ذُكِرَ] 585 فيه أربعة أوجَه:
أحدها: أنه يجب عليه القطْع؛ لأنه أخرج نصاباً من الحِرْز والمأمَن 586 إلى المضيعة.
والثاني: لا يجبُ؛ لأن البعير وما عليه محرَّز بالراكب، ولم يُخْرِجْه من يد الراكب.
والثالث: يُفْرَق بين أن يكون الراكبُ قويّاً لا يقاومه السارقُ، ولو انتبه، فلا يجب القطْع وبين أن يكون ضعيفاً لا يبالي به السارق، فعليه القطْع، ولا اعتبار بيد الضعيف.
والرابع، وهو الصحيح، ولم يورد كثيرون سواه: أنه يُفْرَق بين أن يكون الراكبُ حرّاً؛ فلا يجب القطْع؛ لأن المتاع والبعير في يده، وبين أن يكون عبداً، فيجب؛ لأن العبد في نفسه مسْروقٌ يتعلَّق به القطْع، ثم بني الإمامُ على الخلاف في المسألة خلافاً حكاه في أن المستقلَّ، إذا حمله حاملٌ هل يَدْخُل ما عليه من الثياب تحْت يد الحامل؟ قال: والقول بدخولها تحْت يده بَعِيْد، وهو في الحر القوي أبْعَدُ منه في الحرِّ الضعيف، ثم رتَّب فقال: حيث لا تثبت يد الحاملِ على الثياب، فلا سرقة [و] 587 إن أثبتنا اليد، والمحمولُ ضعيفٌ، فقد تثبت السرقة، وإن أثبتناها، والمحمولُ قويٌّ، ففي السرقة
الجزء: 11 - الصفحة: 220
وجهان، وإلَى بعض هذه الجُمَل يشير قولُه في الكتاب "ففي دخولِ الثيابِ تحْت يده نَظَرٌ 588 " إلى آخره، ويجوز أن يُعلَم قوله "لم يدخل" وقوله "تدخل" كلاهما بالواو؛ لما حكيناه عن كلام الإِمام، والظاهر أنَّه لا تثبت السرقةُ وأن ما مع الحُرِّ لا يدخل في يد الحامل؛ لأن يد المحمول ثابتةٌ على ما معه، ولذلك نقولٌ: ما يُوجَدُ مع اللقيط يُحْكم بكونه في يده.
ولو سرق حَلْياً من عُنُقِ صَبيٍّ أو سرق ثيابه، وجب القَطْع، وإنما يكون ما معه محرَّزاً، إذا كان العبد الصغيرُ في نفْسه محرَّزاً، وقد بيَّنَّاه، ولو سرق قلادةً من عنق كَلْبٍ أو سرَقَها مع الكلب، وجب القطْع، وحِرْزُ الكلب لِحرْز [الدوابِّ] 589.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ المَنْقُولِ إِلَيْهِ) وَلاَ يُقْطَعٌ بِالنَّقْلِ مِنْ زَاوِيَةِ الحِرْزِ إلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ نَقَلَ مِنَ البَيْتِ إلَى صَحْنِ الدَّارِ وَهُوَ أَيْضاً مُحَرَّزٌ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ العَرَصَةُ حِرْزاً لَهُ وَمَا لَيْسَ حِرْزاً لَهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ حُجْرَةِ الخَانِ إِلَى العَرَصَةِ فَهُوَ كَعَرَصَةِ الدَّارِ إِذَا كَانَ مُحَرَّزاً وَإِلاَّ فَكَالشَّارعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّزاً، وَالسِّكَةُ المُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ كَالشَّارعِ لاَ كَعَرَصَةِ الخَانِ، وَعَرَصَةُ الخَانِ أَيْضاً حِرْزٌ لِبَعْضِ الأَمْتِعَةِ أَيْضاً لَكِنْ فِي حَقِّ السُكَّانِ لَيْسَ بِحِرْزٍ، وَلاَ قَطْعَ عَلَى الضَّيْفِ إِذَا سَرَقَ إِذْ لَيْسَ مُحَرَّزاً عَنْهُ، وَكَذَا الجَارُ إِذَا سَرَقَ مِنْ طَرَفِ حَانُوتِ الجَارِ حَيْثُ يُحَرَّزُ بِلِحَاظِ الْجِيرَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نقْلُ المتاع من بعْضِ زوايا الحِرْز إلى بَعْضِ لا يوجب القَطْع، ولو نقل من البيتِ إلى صحْنِ الدار، ولم يَخْرُج من الدار، فيُنْظَر؛ إن كان باب البيت مغلَقاً، وبابُ الدار مفتوحاً، وجب القطْع؛ لأنه أخرجه من حِرْزِه، وجعَلَه في محلِّ الضياع، وإن كان باب البيت مفتوحاً وباب الدار مغلقاً، فلا قطْع، ووجِّه بأن إحراز المتاع، والصورةُ هذهِ، بباب الدار، وهو مغلَقٌ كما كان، فالنقل من البيت إلى العرصة، كهو من زاوية إلى زاوية، [وهذا] التوجيه على ما هو قضيةُ كلام الإِمام، إنما يستمر في المتاع الذي تَكُون عرصةُ الدار حرزاً له، فإن كان مما لا يُحرَّز بالعرصة، فإنما لا يجب القَطْع؛ لأنه ليس محرَّزاً في نفْسه، فإنَّ البيت المفتوح بابه كالعرصة، وإن كان البابان مغلَقَيْن معاً، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه أخرجه من حِرْزه.
وأظهرهما، ويروى عن نصه في رواية الربيع: المَنْع؛ لأنه لم يَخْرُج من تمام
الجزء: 11 - الصفحة: 221
الحِرْز؛ فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق في البيت، ولم يخرج من البيت، قال الإِمام: والوجهان فيما إذا كان المتاعُ محرَّزاً بالعرصة، فإن لم يكُنْ كذلك، ففي القطع وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة الأُولَى، والفرق أن الدار مَضْيَعَة بالإضافة إلى هذا المَتَاع، وإنما جرى الخلاف؛ لأن العرصَة، وإن لم تُحرِّز ذلك المتاع، فإغلاق الباب عليها مزيدُ استيثاق للمحرَّز الذي هو حِرْزٌ له، وبُخَرَّجُ من هذا الترتيب ثلاثةُ أوجهٍ عند الاختصار، كما ذكره في الكتاب.
ثالثُها: الفرْق بين ما إذا كان المتاع محرَّزاً بالعرصة، وبين ما إذا لم يكُنْ، ويُنْسَب هذا إلى ابن القطَّان، وإن كان باب البيت والدار معاً مفتوحَيْن، [فالمال] ضَائِعٌ، إذا لم يكن محرَّزاً باللِّحاظ، فلا يجب القطع بما جرى، وهذه الأحوال الأربعُ وهو أن يكون باب البيت مغلقاً دون باب الدار، وبالعكس، [وأن يكونا مغلقين] 590 وأن يكونا مفتوحَيْن، ظاهره التصويرُ، إذا لم يوجَدْ من السارق تصرُّف في باب الدار؛ بأن تسلَّق الجدار وتدلَّى في الدارِ، وأخرج المتاع من البَيْت إلى العرصة، أما إذا فتح بابَ الدارِ المغلَق، ثم أخرج المتاعَ من البيت إلى العرصة، فالحِرْز الذي يهتكه السارقُ في حكْم الحِرْز الدائم، ولذلك يجب القطْع على مَنْ نقَب، ثم دَخَل، وأخرج المال، ولا يُقال: إنه بالنقب خرج عن كَوْنه محرَّزاً، وإذا كان كذلك، فيكون الحُكْم، كما لو نقل إلى العرصة، وبابُ الدارِ مغلقٌ، وهذا ما رآه الإِمام أظْهَر، فإن أغلق البابَ بعْد ما فتحه، فهو أظهر، وجميعُ ما ذكرناه فيما إذا كانت الدارُ وما فيها من البيوتِ لواحد، فأما الدارُ الَّتي يَسْكُنها جماعةٌ، وينفرد كلُّ واحد منهم بحُجْرة أو بيتٍ فيها اكتراه 591 مثلاً، وفي معْناها الخانات والمدارِسُ والرباطات، فهي في حق مَنْ لا يَسْكن الخان، كالدار المختصة بالشخص الواحد، حتى إذا سَرَقَ من حُجَرِها أو مِن صَحْنِها وما يحرِّزه الصحْنُ، وأخْرَجَ من الخان 592، وَجَب القطع، وإن أخْرَج من البيوت، والحجر إلى صَحْن الخان، ففيه وجهان:
أحدهما: يجب القطْع بكلِّ حال؛ لأن صحْن الخان ليس حرزاً لصاحب البيت، بل هو مشترك بين السُّكَّان، فهو كالسِّكَّة المشتركة بين أهْلِها، وهذا ما أورده صاحب "المُهذَّب" وجماعة.
والثاني، وهو المذكورُ في الكتاب "والتهذيب" وغيرهما: أنه كالإخراج من بيوت الدَّار إلى صحْنِها، [فيفرق] الحالُ بين أن يكون بابُ الخان مفتوحاً أو مغلَقاً، وَيَقْرُب
الجزء: 11 - الصفحة: 222
من هذا ما حكى عن "المنْهاج" للشيخ أبي محمَّد: أنه إن كان بالليل، لم يُقْطَع؛ لأن الباب يكون مغلَقاً بالليل، وإن كان بالنهار، فيُقْطَع.
وأما إذا سرق واحدٌ من السُّكَّان، فإن سرق من العرصة، فلا قَطْع؛ لأنها مشتركةً بينهم، وما فيها غير محرَّز عنْهم، قال الإِمام: وهذا، إذا كان فتح الباب هيِّناً على من يَخْرُج منها، [بأن] كان موثَقاً بالسَّلاسل ونحوْها، فأما إذا كان موثقاً بالمغاليق، وله مفتاح بيَدِ حارس، وكان يحتاج مُخْرِج المتاعِ إلى معاناة ما يحتاج إليه من يحاول الدخول من خارج، فهذا فيه تردُّد، وإن أخْرَجَه من بعْض البيوت إلى الصَّحْن، وكان باب البيت مغلقاً، فعليه القطْع والصحْن في حقِّ السكَّان كالسكَّة المنْسدة بالإضافة إلى الدُّور، ولا فَرْق بين أن يكون الباب [مفتوحاً أو مغلقاً]، [كما إذا كان على السِّكَّة بابٌ لا فَرْق بين أن يكون مفتوحاً أو مغلقاً]، وذكر الإِمام احتمالاً أنه لا يجب القطْع بالإخْراج إلى السكَّة؛ لأنها مملوكة لأصحاب الدُّور، وهي مِنْ مرافقهم، فتشبه عَرَصَة الدار، وقد يُفْرَق على الظاهر؛ بأن الأمتعة قد تُوضَع في العرصة اعتماداً على ملاحظة سكَّان الحُجُر والبيوت بخلاف السِّكَّة، وقوله في الكتاب "ولو أخرج من حُجْرة الخان إلى العَرَصَة" فيه كلمات:
إحداها: أن المقصود ما إذا كان المُخْرِج من غير السكان، فإن كان منْهُم، فقد أطلقوا وجوب القَطْع بلا تفصيل ولا نَقْل خلاف.
والثانية: قوله "فهو كَعَرَصَة الدار" قد عرفَت الخلافَ فيه، وأن هذا جوابٌ على أحد الوجهين، [ثم] قد عرفْتَ من قبل أن عرصةَ الدارِ قد تكون حِرْزاً بأن كان الباب مغلَقاً، وقد لا تكون، فلو اقتصر على قوله "كالعرصة" ولم يذكر ما بعده، حَصَل غرض التفصيل، وإذا ذَكَر، فالمعنى كعرصة الدار التي هي حِرْز، إن كانت عرصة الخان حرْزاً.
والثالثة: قوله "إن لم يكن مُحَرَّزاً" إما أن يكون تقييداً للشارع أو يكون رَاجِعاً إلى صَحْن الخان، والأول غير متوجِّه؛ فإن الشارع ليس بحرْز أصلاً، وإن فرضت ملاحظة، فالإحراز بها، لا بالشارع، وإن قُدِّر رجوعه إلى صَحْن الخان، ففي قوله "وإلا فكالشارع" [غنية عنه]؛ لأن معناه، وإن لم يكن محرْزاً، وقوله "والعرصة أيضاً حِرْزٌ لبعض الأمتعة" يعني كما أن الحجرة 593، يجب القطْع على مَنْ سرق منها، [فأخرج] إلى العرْصة وإلى خارج الخان، فكذلك ما تحرِّزه العرصة، يجب القطْع بإخراجه، منْها، إذا كان السارقُ من غير سكَّان الخان، فإن كان منهم، فلا قَطْع لأن المال غير محرَّز عنه، ويناسِبُ هذه الصورةَ صُوَرٌ:
الجزء: 11 - الصفحة: 223
إحداها: إذا سرق الضيْفُ من مال المُضِيفِ، نُظِر؛ إن سَرقَ من موضع هُوَ غير محرَّز عنه، لم يُقْطَعْ؛ لما روي عن جابر أنه رَجلاً أنزل ضيفاً في مشربة له فوجد متاعاً له قد أخفاه 594، فأتى به أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال: [خل] 595 عنه فَلَيْسَ بِسَارِقٍ، إنما هي أمانةٌ، قد أخفاَها؛ وأيضَاً، فإنه غير محرَّز عنه، فأشبه الخيانة في الوديعة، وإن سَرَقَ مِنْ بيْت محرَّز عنه، قُطِع، وعن أبي حنيفة: أنه لا يُقْطَع.
لنا أنه سرق نصاباً من الحِرْز فأشبه غير الضيف، وعلى هذه الحالة حُمِل ما رُويَ أن رجلاً مقْطُوع اليد والرِّجْل قَدِمَ المدينة، ونزل بأبي بكر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَكَان يُكْثِر الصلاةَ في المَسْجِد، فقال أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ما ليلك بِلَيْلِ سارقٍ، فلبثوا ما شاء الله، ففقدوا حُلِيّاً لهم، فجعل ذلك الرجُلُ يَدعو على مَنْ سَرق مِنْ أهل هذا البيت الصالح، فمر 596 رجُلٌ بصائغ في المدينة، فرأى عنده حُلِيّاً، فقال: ما أشبه هذا بحلي آل أبي بَكر، فقال للصائغ ممن اشتريته، فقال: من ضيف أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فأخذ ذلك الرجُل، فأقر فبكى 597 أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال أبْكي لعزته باللهِ، ثم أمر فقطعت يده.
الثانية: الجَار، إذا سَرَق مِنْ طَرَف حانوتِ الجارِ، [حيث يُحرَّز] 598 بلحاظ الجيران، لم يلزمْه القطْع؛ لأنه محرَّز به لا عنه.
الثالثة: مَنْ دَخَلَ الحمَّام مستحماً، فسرق، لم يُقْطَع، وإن دخل سارقاً، وهناك حافظٌ [من الحمامي] أو غيره، قُطِع، وإن كان نائماً أو مُعْرِضاً، أو لم يكن هناك أحدٌ، فلا قَطْع، قال في "التهذيب" وغيره: إنما يجب القطْعُ بسرقة ثَوْبٍ منْ داخل الحمام، إذا استحفظ الحمامي [بحفظه]، فإن لم يستحفظه، فلا ضمان على الحمَّامي بترك الحفْظ، ولا قَطْع على مَنْ سرقه، كان استحفظْ، فتَرَكَ الحفْظ، فعليه الضمانُ، ولا قَطْع على السارق.
وإذا أذن صاحبُ الدكَّان في دخول الناس للشِّراء 599، من دخل مشترياً، وسرق، لم يُقْطع، ومن دخَل سارقاً، قُطِع، وإن لم يأذَنْ في الدخول، قُطِع مَنْ سَرَقَ منْه بكل حال.
قال الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: السَّارِقُ) وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ والالْتِزَامُ فَلاَ قَطْعَ عَلَى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّي ثُمَّ يُسْتَوفَى قَهْراً لَوْ سَرَقَ مَالَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ سَرَقَ مَالَ ذِمِّيٍّ فَإذَا تَرَافَعُوا، وَإِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ رُجِمَ قَهْراً وَإِنْ كَانَ الحَدُّ للهِ تَعَالَى، أَمَّا المُعَاهَدُ
الجزء: 11 - الصفحة: 224
فَثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّه كَالذِّمِّيِّ (وَالثَّانِي): لاَ يُقْطَعُ أَصْلاً (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ يُقْطَعُ إِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي العَهْدِ، وَلَوْ زَنَى بِمُسْلمَةٍ فَفِي الحَدِّ طَرِيقانِ قِيلَ كَالسَّرِقَةِ، وَقِيلَ: لاَ يُقَامُ قَطْعاً لِأَنَّهُ لاَ خُصُومَةَ لِلآدَمِيِّ فِيهِ، وَيَسْتَوِي فِي القَطْعِ المَرْأَةُ وَالرَّجُلُ وَالعَبْدُ وَالحُرُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان:
إحداهما: يُشْترط لوجوب القطْع: أن يكون السارقُ مكلَّفًا؛ فلا قطْع على الصبيِّ والمجنون، وقد رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بجَارِيَةٍ سَرَقَتْ، فَوَجَدَهَا لَمْ تَحِضْ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا" 600 ويجيء في السكران الخلافُ المذَكورُ في غير موضع.
وأن يكون ملتزماً للأحكام؛ فيجب على المُسْلِم القطْعُ بسرقة مال المُسْلِمِ والذميِّ، وكذلك على الذميِّ لالتزامه الأحكام، وكذلك يُحدُّ الذميُّ، إذا زَنَى ثم في "التهذيب" وغيره: أنا، إذا قلْنا: يجب على حاكمنا أن يَحْكُم بيْنَهُم، أقام عليه الحدَّ والقَطْعَ، وإن لم يرض، وإنْ قلنا: لا يجب، فلا يُحدُّ ولا يُقْطَع، إلا برضاه سواءٌ كان المسروقُ منْه مسلماً أو ذميّاً، وإن كان يجبُ الحكْم بين المسلم والذميِّ بلا خلاف؛ لأن القطع حقُّ الله تعالى لا حق المسروق منه، وأشار الإِمام إلى القطْع فيما إذا سَرَقَ مال مسلم؛ بأنه يُقْطَعَ ولا يتوقَّف الأمرُ على رضَاه، وذكر أنه إذا سَرَقَ مال ذميٍّ، فإنما يُقْطَع، إذا ترافَعُوا إلَيْنَا، ويجيْء القولان في إجبار الممتنع، إذا جاءنا الخَصْم 601، وأنه إذا زَنَى بذمية فَعَلَى القولَيْن في أنَّا نحكم بينهم قَهْراً أو اختيارًا، وإذا زَنَى بمسلمة، ففي كلام الأصحاب أن الحدَّ على القَوْلين أيضاً، قال: وهذا غلَطٌ، والوجه القطْع بإقامة الحدِّ قهراً، وإن كان ذلك لله تعالى؛ لأنا لو فَوَّضْنَا الأَمْرَ إلى رضاه لَجَرَّ ذلك فَضِيحَةً عَظِيمَةً، وَغَايَتُنا أن نَحْكُمَ بِنَقْضِ العَهْدِ.
وإذا طَلَبَ تَجدِيداً، فلا بد من التَّجْدِيدِ، وكيف ما قدر، فالظَّاهِرُ أنه لا يعتبر الرِّضَا على الإِطْلاَقِ على ما تَبيَّنَ في "باب الزِّنَا"، وفي "كتاب النكاح".
وأما المُعَاهَدُ، ومن دَخَلَ بأَمَانٍ، فهل يُقْطَعُ إذا سَرَقَ؟
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها -ويحكى عن سِيَر الأَوْزَاعِيِّ- نعم، كما يُقَامُ عليه القِصَاصُ وحَدُّ القَذْفِ، ولأنه في عَهْدِ، فأشبه الذِّمِّيَّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 225
والثاني: لا، وهو المَنْصُوصُ في أكْثَرِ كُتُبِهِ؛ لأنه لم يَلْتَزِمِ الأَحْكَام، فَأشْبَهَ الحَرْبِيَّ.
والثالث: إن شُرِطَ عَليه في العَهْدِ القَطْعُ لو سَرَقَ قُطِعَ، وإلا لم يُقْطَع؛ لأنه إذا عَهِدَ على هذا الشَّرْطِ، فقد الْتَزَمَهُ.
ومنهم من اكْتَفَى في التَّفْصِيل بأن يشترط عليه ألا يَسْرِقَ، ولم يذكر كثير من الأَصْحَاب إلا القولين [الأولين] 602، ورَجَّحُوا الثاني، والتفصيل حَسَنٌ.
هذا هو المَشْهُورُ، ووَرَاءَهُ طَرِيقَانِ:
أحدهما: في كِتَاب القَاضِي ابنِ كَجِّ: أن أَبَا إِسْحَاقَ، وأبا علي الطَّبَرِيَّ قَطَعَا بِنَفْيِ القَطْعِ.
والثاني في "البيان": أن منهم من قَطَعَ بِقَوْلِ التفصيل، ولا خلاف في اسْتِرْدَادِ المَسْرُوقِ إن كان بَاقِياً، وفي التَّغْرِيمِ إن كان تَالِفاً.
ولو سَرَقَ مُسْلِمٌ مَالَ المُعَاهَدِ، قال الإِمام: التفصيل فيه [لهو في المُعَاهَدِ، إذا سرق مَالَ المُسْلِم، إذ يبعد أن يُقْطَعَ المُسْلِمُ بمال المُعَاهَدِ، ولا يقطع المُعَاهَدُ بمال المسلم] 603. ولوَ زَنَا مَعَاهَدٌ بمُسْلِمَةٍ فطريقان:
أحدهما: أن في حَدِّ الزِّنَا الخِلاَفَ المَذْكُورَ في القَطْعِ.
والثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأنه مَحْضُ حَقِّ الله -تعالى- لا يَتَعَلَّقُ بخُصُومَةِ الآدَمِيِّ وطَلَبِهِ.
وهذا ما يُوافِقُ إِيرَادَ العِرَاقِيِّينَ وصَاحِبَ 604 "التهذيب"، وَيجُوُز أن يُعْلَمَ لما أَوْرَدْنَاهُ قوله في الكتاب: "ثم يستوفى قَهْراً" 605 بالواو.
وكذا قوله: "رجم قَهْراً".
"فرع": هل يَنْتَقِضُ "عَهْدُ المُعَاهَدِ" بالسَّرِقَةِ؟
حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحُسَيْن أن فيه وجهين، وعن أبي إسْحَاقَ وغيره أنه إن شرط عليه ألا يَسْرِقَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ إذا سَرَقَ وإلا لم يَنْتَقِضْ.
المسألة الثانية: إذَا حَصَلَ في السَّارِقِ الشَّرْطَانِ: التكليف والالْتِزَامُ، وَجَبَ القَطْعُ من غير فَرْقٍ بين الرَّجُلِ والمرأة، والحُرِّ والعَبْدِ، ولاَ فَرْقَ بين أن يكون العَبْدُ آبِقاً أو غَيْرَ آبِقٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 226
وعن أبي حَنِيْفَةَ أنه لا يُقْطَعَ الآبِقُ؛ بِنَاءً على أن القَضَاءَ على الغَائِبِ لا يجوز وفي القَطْعِ قَضَاةٌ على السَّيِّدِ الغائب.
وقوله في الكتاب: "وشرطه التَّكْلِيف والالْتِزَام"، يُشْعِرُ بِحَصْرِ [الشرط] 606 فيهما، لكن يشترط لِوُجُوب القَطْع في السارق شَرْطٌ ثالث، وهو أن يكون مُخْتاراً، فالمكْرَهُ على السَّرِقَةِ لا قَطْعَ عليه.
وقوله: "رجم قَهْراً"، ليعلم بالواو.
وكذا قوله: "ثلاثة أَقْوال" لِطَرِيقَتَي القَطْعِ والقَاطِع بالتفصيل، قد ينزل النصين 607 على الحالتين.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ فِي إثْبَاتِ السَّرِقَةِ وَحُجَّتُها) وَتَثْبُتُ بِاليَمِينِ المَرْدُودَةِ، وَيَبْعُدُ إيجَابُ الرَّجْمِ بِاليَمِينِ المَرْدُودَةِ فِي الزِّنَا بِالجَارِيَةِ المَمْلُوكَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرَّ في أَول السَّرِقَةِ [أن] 608 مَقْصُودَ هذا الطَّرَفِ [بَيَانُ] 609 ما تَثْبُتُ به السَّرِقَةُ وحكم في الكتاب بأنها تَثْبُتُ بثلاث حُجَجٍ:
إحداها: اليمين المَرْدُودَةُ، فإذا ادَّعَى على إنسان سَرِقَةَ نِصَابٍ يوجب القَطْعَ، وأَنْكَرَ، فإن حَلَفَ فلا غُرْمَ، ولا قَطْعَ.
وإن نَكَلَ تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فإذا حَلَفَ ثَبَتَ المَالُ، ووجب القَطْعُ أيضاً، كذلك أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب، وحَكَاهُ الإِمام عن الأَصْحَاب وكذا أورده إبراهيم المَرْوَزِيُّ في تعليقه، وَوُجِّهَ بأن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كالبَيِّنَةِ أو كإقرارَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، والقطع يثبت بالأَمْرَيْنِ، فَأشْبَهَ القِصَاصَ يثبت باليمين المَرْدُودَةِ.
والذي أورده [ابن] 610 الصَّبَّاغ، وصاحب "البيان"، وغيرهما أنه لا يَثْبُتُ به القَطْعُ؛ لأن القَطْعَ في السَّرِقَةِ حَقٌّ لله تعالَى، فلا يثبت بيمين المُدَّعِي، كما إذا قال: اسْتَكْرَهَ فلان جَارَيتِي على الزِّنَا، فأنكر المُدَّعَى عَلَيْهِ، ونَكَلَ عن اليَمِينِ، فَحَلَفَ المُدَّعِي اليمين المَرْدُودَةَ، يثبت المَهْرُ، ولا يَثْبُتُ حَدُّ الزنا 611.
الجزء: 11 - الصفحة: 227
وهذا [أَنْدَاه] الإِمام على سبيل الاحْتِمَالِ، وقد يؤيد ذلك بِظَاهِرِ لفظه في "المختصر"، حيث قال: "لا يُقَامُ على سَارِقٍ حَدٌّ إلا بأن يَثْبُتَ على إِقْرَارِهِ حتى يُقَامَ عليه الحَدُّ، أو بِعَدْلَيْنِ يقولان: [إن] هذا بِعَيْنِهِ سَرَقَ مَتَاعاً لهذا"؛ فإنه حَصَرَ الإثبات في الإقرار والبَيِّنَةِ.
وليعلم لما بَيَّنَا قوله في الكتاب: "ويثبت [الغُرْمُ] باليمين المردودة" [بالواو] 612.
قال الغَزَالِيُّ: وَتَثْبُتُ أَيْضاً بِالإِقْرَارِ مَعَ الإِصْرَارِ، فَإنْ رَجَعَ لَمْ يَسْقُطِ الغُرْمُ، وَفِي سُقُوطِ القَطْعِ قَوْلاَن، وَقِيلَ: يَسْقُطُ القَطْعُ، وَفِي سُقُوطِ الغُرْمِ بِالتِّبَعِيَّةِ قَوْلاَنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِاسْتِكْرَاهِ جَارِيةٍ عَلَى الزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ سَقَط الحَدُّ، وَلاَ يَسْقُطُ المَهْرُ، ولَوْ أَقَرَّ السَّارِقَ قَبْلَ الدَّعْوَى فَهَلْ يُقْطَعُ فِي الحَالِ أَوْ ينْتَظَرُ طَلَبُ المَالِكِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُنْتَظَرُ سَيِّدُ الجَارِيَةِ إِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِهَا مَعَ الإكْرَاهِ لِأَنَّ مَالِكَ الجَارَيةِ لَوْ قَالَ: كُنْتُ مَلَكْتُكِ قَبْلَ هَذَا فَكذَبَ لَمْ يَسْقُط الحَدُّ، وَبِمِثْلِهِ يَسْقُطُ الحَدُّ فِي السَّرِقَةِ إِذْ يُقْطَعُ بِطَلَبِ المَالِكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحُجَّةُ الثانية 613: الإِقْرَارُ، فإذا أقر بِسَرِقَةٍ توجب القَطْعَ أجرى عليه حكمها، ولا يشترط تَكْرِيرُ الإِقْرَارِ، كما في سائر الحقوق.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ.
وقد يحتج له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ تَعَالى" 614، ولم يفرق بين أن يُكَرِّرَ أو لا يُكَرِّر.
= والصواب الذي أورده العراقيون منهم المحاملي والجرجاني والماوردي وابن الصباغ وهو قضية كلام البغوي وغيره من المراوزة وصرح به البغوي في تعليقه وظاهر نصوص الشَّافعي قال في الأم: لا يقام على سارق حد إلا بواحد من وجهين: إما اعتراف يثبت عليه حتى يحد وإما شاهدان، وذكر في المختصر نحوه.
وقال الدارمي: لا قطع نصاً.
قال الماوردي: لأنه من حقوق الله المحضة التي لا يدخلها الأيمان في إثبات ولا إنكار فصارت اليمين مقصورة على العزم دون القطع وإنما أعجب من الإِمام ونقله عن الأصحاب ومتابعة الغزالي له وقد أشارا جميعاً إلى استشكاله وحسباه محل وفاق وإنما هو وجه شاذ لبعض المراوزة وأحسبه متفرغاً من وجه شاذ أن اليمين المردودة متعدى إلى ثالث على أن في انتزاعه منه نظراً وقد وافق الإِمام والغزالي على المنع في الزنا بأمة الغير وأنها كهذه المسألة وأخذ ذلك صاحب الخادم وزاد أدنى زيادة.
الجزء: 11 - الصفحة: 228
وعن أَحْمَدَ: أنه لا يُقْطَعُ حتى يُقِرَّ مرتين.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لا يُقْطَعُ بالإقْرَارِ إلا إذا أَصَرَّ عليه، فإن رَجَعَ، ففيه طريقان:
أظهرهما: أنه لا يقبل رُجُوعُهُ عن الإِقْرَارِ [في حق] 615 المال، وفي القَطْعِ وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنه لا يقبل أَيضاً؛ لأن قَطْعَ السَّرِقَةِ مُرْتَبِطٌ بِحَقِّ الآدَميِّ؛ لأنه أثبت عِصْمَةً لماله، والرجوع عن الإِقْرَارِ في حَقِّ الآدَمِيِّ لا يُقْبَلُ.
وأصحهما: أنه يقبل، ويسقط القَطْعُ إذا رجع كما يَسْقُطُ حَدُّ الزنا بالرجوع.
ويروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتي بسَارِقٍ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَاْ إِخَالُكَ سَرَقْتَ"، فَقَالَ: بَلَى سَرَقْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ" 616.
ولولا أن الرُّجُوعَ مَقْبُول لما كان لِلْحَثِّ عليه مَعْنى وفَائِدَةً.
والطريق الثاني: أنه يُقْبَلُ رُجُوعُهُ في القَطْعِ، وفي الغُرْمِ قولان، أو وجهان:
أظهرهما: المَنْعُ، كما لو رجع عن الإِقْرَارِ بالغَصْبِ.
والثاني: يقبل؛ لأنه إِقْرارٌ وَاحِدٌ، فإذا قبلنا الرُّجُوعَ في بَعْضِ أحكامه، فكذلك في الباقي.
فإذا قلنا 617 [بِسُقُوط] القَطْعِ بالرجوع، وهوِ الأصَحُّ [فلو] 618 رجع بعدما قُطِعَ [بعض اليد] 619 تُرِكَ الباقي، فإن كان يُرْجَى أن يَبْرَأ، فذاك، وإلا فللمقطوع أن يَقْطَعَ الباقي لئلا يَتَأَذَّى به، ولا يلزم السُّلْطَان ذلك، فإنه [تَدَاوٍ] 620.
ولو أَقَرَّ اثنان بِسَرِقَةِ نِصَابَيْنِ، ثم رجع أحدهما [سقط] القَطْعُ عن الرَّاجِعِ دون الآخر.
الجزء: 11 - الصفحة: 229
والرجوع عن الإِقْرَارِ بِقَطْعِ الطريق كالرجوع عن الإِقرار بالسَّرِقَةِ.
ولو أَقَرَّ باسْتِكْرَاهِ جَارِيَةٍ على الزِّنَا، ولزمه المَهْرُ والحَدُّ جميعاً، ثم رَجَعَ، فقد قال الإِمام: قد يطرد صاحب الطريقة الثانية في الرُّجُوعِ عن الإقرأر بالسَّرِقَةِ طريقته، ويقول: [يسقط] الحَدُّ، وفي المَهْرِ خِلافٌ.
وأما على الطريقةِ الأولى، فيسقط الحَدُّ، وفي المَهْرِ احتمالان عن القاضي الحُسَيْن، أنه على الخلاف في القَطْعِ.
والثاني: القَطْعُ بالسقوط.
والفَرْقُ أن ارْتبَاطَ القطع بالمَالِ أَشَدُّ من ارتباط الحد بالمَهْرِ؛ لأن القَطْعَ لا يَنْفَكُّ عن المُطَالَبَةِ بِرَدِّ المَسْرُوقِ أو عن غَرَامَتِهِ، والحد يَنْفَكُّ عن المَهْرِ في الأكثر.
ويجوز أن يُعْلَمَ [في] الكتاب قوله: "قولان" في الطريقتين بالواو؛ لأن في "النهاية" عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وَطَوَائِفَ من المُحَقِّقِينَ طريقة ثالثة، وهي القَطْعُ بسقوط القَطْعِ، وبقاء الغُرْمِ.
وقوله في الإقرار [بالاسْتِكْرَاه] 621 على الزنا: "يسقط الحَدُّ"، مُعْلَمٌ بالواو، وكذلك قوله: "ولا يسقط المَهْر"؛ لما بَيَّنَّاهُ.
المسألة الثانية: إذَا أَقَرَّ ابْتِدَاءً من غير تَقَدُّم دَعْوَى؛ بأنه سَرَقَ من فلان سَرِقَةً تُوجِبُ القَطْعَ، وفلان غَائِبٌ، فهل يُقْطَعُ في الحال، أو ينتظر حُضُور الغائب ومُطَالبته؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إِسْحَاقَ-: يُقْطَعُ لِظُهُورِ المُوجِبِ بإقراره.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأنه ربما أَباحَ له أَخْذَ المَالِ، وإِذَا حَضَرَ أَقَرَّ به، [فيسقط] الحَدُّ، وإن كَذَّبَهُ السَّارِقُ، والحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَأوْلَى أن [يُؤَخَّرَ بها] 622.
ولو أَقَرَّ باسْتِكْرَاهِ جَارِيةِ غَائِبٍ على الزنا، فالأشهر والمذكور في الكتاب أنه يُقَامُ عليه حَدُّ الزنا، ولا يُنْتَظَرُ حُضُورُ المالك؛ لأن حَدَّ الزنا لا يتوقَّفُ على [طلبه].
ولو حضر وقال: كنت أَبَحْتُهَا له لم يَسْقُطْ حَدُّ الزِّنَا بذلك، وقال ابن سُرَيْجٍ: يُنْتَظَرُ حُضُورُ المالك؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وَقَفَ عليه تلك الجَارِيةَ، فيصير شُبْهَةً في سقوط الحَدِّ.
قال الإِمام: وعلى الأَوَّلِ، لو قال مالك الجَارِيَةِ: كنت بِعْتُهَا منه أو وَهَبْتُهَا، وأنكر المُقِرُّ، يجب أن يقال: لا يَسْقُطُ الحَدُّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 230
وعلى هذا يَنْطَبِقُ لفظ الكتاب، حيث قال: "لأن مَالِكَ الجَارِيةِ لو قال: [كنت] 623 مَلَّكْتُكَ قبل هذا فَكَذَبَ لم يسقط الحَدُّ".
وعلى قياسه ينبغي ألا يَسْقُطَ الحَدُّ إِذَا أَقَرَّ بِوَقْفِ الجارية، وكذب المقر 624.
وإذا قلنا: لا يقطع حتى يَحْضُرَ الغائب، [فهل] يُحْبَسُ؟ فيه وجوه:
أحدهما: نعم، كما لو أَقَرَّ الغائب أو صَبِيٍّ بالقِصَاصِ يُحْبَسُ.
والثاني: إن قَصُرَتِ المَسَافَةُ، وَتُوُقِّعَ قُدُومُهُ عن [قريب] حُبِسَ، وإلا لم يُحْبَسْ؛ لأن الحَدّ مَبْنِيٌّ على المُسَاهَلَةِ، فلا يُطَالُ له الحَبْسُ.
والثالث: إن كانت العَيْنُ تَالِفَةَ يُحْبَسُ؛ لما عليه من الغُرْمِ، وإن كانت بَاقِيَةً، فَيُؤْخَذُ منه، ثم يُفَرّقُ بين طول المسافة وقصرها ومنهم من أَطْلَقَ في حكاية هذا الوَجْهِ أنه لا يُحْبَسُ إذا أخذت العَيْنُ منه.
ولو أَقَرَّ بِغَصْبِ مَالٍ من غَائِبٍ لا يحبسه الحَاكِمُ، وفرق بينهما بأن الحاكم لا مُطَالَبَةَ 625 له بمَالِ الغَائِب، وليس موجب الغَصْب إِلا ذلك، والسَّرِقَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا القَطْعُ الذي يملك الحَاكِمُ المُطَالَبَةَ به، حتى لو ماتَ المقرّ له بالغَصْبِ، والوَرَثَةُ أَطْفَالٌ، فللحاكم المُطَالَبَةُ والحَبْسُ.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا فِي الحُرِّ، أَمَّا العَبْدُ إِذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ القَطْعَ قُطِعَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي المَالِ؟ فِي أَرْبَعَة أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ يُقْبَلُ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (وَالثَّانِي): لاَ (وَالثَّالِثُ): أنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ كَانَ المَسْرُوقُ فِي يَدِهِ فَإِنْ تَلِفَ فَلاَ (وَالرَّابعُ): أنَّهُ يُقْبَلُ عَلَى المُتْلِفِ إِذْ لاَ يَتَعَلَّقُ بِرَقْبَتِهِ إِلاَّ قَدْرُ قِيمَةِ العَبْدِ، وَأَمَّا الأعْيَانُ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ إضْرَارٌ بِالسَّيِّدِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُقْبَل في المَالِ عَلَى السَّيِّدِ قَطْعَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إقْرَارُ الحر حُجَّةٌ تَثْبُتُ بها السَّرِقَةُ، وَيتَعَلَّقُ بِها القَطْعُ، وَغَرَامَةُ المال.
وأما العَبْدُ، فإن أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ توجب القَطْعَ، فيقبل إِقْرَارُهُ في القَطْعِ، خِلافاً لأحمد والمُزَنيِّ على ما ذكرنا في كتاب الإِقْرَارِ.
وفي قَبُولِهِ في المال أَقْوَالٌ:
الجزء: 11 - الصفحة: 231
أحدها: يقبل لانتفاء التُّهْمَةِ، حيث أَقَرَّ على نَفْسِهِ بما يُوجِبُ القَطْعَ.
وأصحها: المَنْعُ؛ لأنه إِقْرَارٌ على السَّيِّدِ من حيث إِنه يَتَعَلَّق الغُرْمُ بِرَقبَتِهِ إِن كَان المَالُ المُقَرُّ بسرقته تَالِفاً، ويُنْتَزَعُ منه إن كان بَاقِياً.
والثالث: أنه إن كان المَالُ بَاقِياً في يد العَبْدِ قُبِلَ إِقْرَارُهُ؛ لأن ظاهر اليَدِ له، وإن كان تَالِفاً لم يُقْبَل؛ لأنه يَتَعَلَّقُ الغُرْمُ حينئذ بالرَّقَبَةِ، وهي في يَدِ السَّيِّدِ.
والرابع: أنه إن كان تَالِفاً يقبل إِقْرَارُهُ؛ لأن غَايَتَهُ فَوَاتُ رَقَبَتِهِ في الضمان، والأَعْيَانُ التي تُفَوَّتُ لو قبلنا الإقْرَارَ بسرقتها لا تَنْحَصِرُ.
ولو أقر بسَرِقَةِ ما دون النِّصَابِ لم يُقْبَلْ في المال، بلا خِلاَفٍ إلا أن يصدقه السيد.
واعلم أَن الأَقْوَالَ المذكورة مُخْتَصَرَةٌ من تَفْصِيل وطرق للأصحاب في أمثلة ذَكَرْنَاهَا بتوجيهها في باب الإِقْرَارِ.
وليعلم قوله: "قطع" بالألف والزاي؛ لما بَيَّنَّا هناك.
وقوله: "يقبل إن كان المَسْرُوقُ في يَدِهِ" أي: في يَدِ العَبْدِ، فأما إذا كان في يَدِ السَّيِّدِ، أو في يد أَجْنَبِيِّ، فلم يذكروا خِلاَفاً في أنه لا يُقْبَلُ، وقد ذكرناه في الإِقْرَارِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَللْقَاضِي أَنْ يُشِيرَ عَلَى السَّارِقِ تَعْرِيفاً بِإنْكَارِ السَّرِقَةِ، فَيَقُولُ: مَا إِخَالُكَ سرَقْتَ، وَلَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلاَمُ: أَسَرَقْتَ قُل: لاَ، وَبَعْدَ الإقْرَارِ لاَ يَحُثُّهُ عَلَى الرُّجُوعِ، وَإنَّما السَّتْرُ قَبْلَ الظُّهُورِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من رُفِعَ إلى مَجْلِسِ القاضي، واتُّهِمَ بما يُوجِبُ عُقُوبَةً لله تعالى، فللقاضي أن يُعْرِّضَ له بالإِنْكَار، ويحمله عليه سَتْراً لِلْقَبِيحِ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" 626.
الجزء: 11 - الصفحة: 232
ومن أَقرَّ عنده بما يُوجِبُ العُقُوبَةَ إما ابْتِدَاءً، أو بعد تَقَدُّم دَعْوَى، فَهَلْ يُعَرِّضُ له القاضي بالرجوع؟ نقل الإِمام فيه أَوْجُهاً:
أحدها: أنه لا يَفْعَلُ ذلك، واحتجَّ له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ -تَعَالَى- فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ تَعَالَى" 627. أَشْعَرَ ذلك بالفَرْقِ بين ما قبل الظُّهُوَرِ، وما بعده.
والثاني: أنه له ذلك سَتْراً، كما وأن له أن يُعَرِّضَ بألاَّ يُقِرَّ.
والثالث: الفَرْقُ بين أن يكون عَالِماً بجواز الرُّجُوع عن الإقرار بموجب الحَدِّ، فلا يُعَرِّضُ له، وبين أن يكون جَاهِلاً بالحال، فَيُعَرِّضُ له، ثَم نَسَبَ الإِمام الوَجْهَ الأول إلى الجُمْهُورِ، وبه أجاب صَاحِبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط".
والذي يُوجَدُ لِعَامَّةِ الأصحاب في كتبهم القَدِيمَةِ والجديدة أن للقاضي أن يُشِيرَ عليه بالرُّجُوع تَعْرِيضاً، فيقول في الإقرار بالزِّنَا: لَعَلَّكَ فَاخَذْتَ، أَو قَبَّلْتَ، أَو لَمَسْتَ، وفي شُرْبِ الَخَمْرِ: لَعَلَّكَ لم تَعْلَمْ أن ما شَربْتَ مُسْكِراً، وفي السرقة: لعَلَّكَ غَصَبْتَ، أو أُخَذْتَ بإذن المَالِكِ، أو من غير الحِرْزِ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لِمَاعِزٍ بعدما أَقَرَّ بالزنا 628: "لَعلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أوْ نَظَرْتَ، وأنه قال لمن أَقَرَّ عنده بالسرقة: لاَ إخَالُكَ سَرَقْتَ" 629. قالوا: وهذا إذا كان المقر جَاهِلاً بالحَدِّ، إما لِقُرْب عَهْدٍ بالإِسلام أو لأنه نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عن أَهْلِ العِلْمِ، وحكوا بعد الحُكْمِ بالجَواز وجهين في أنه هل يُسْتَحَبُّ للقاضي ذلك؟ أحد الوجهين: أنه يُسْتَحَبُّ لما ذكرنا.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-عَرَّضَ وأشار إلى الرُّجُوعِ في بعض الأَحْوَالِ، وتَرَكَهُ في أكثرها، ولو كان مُسْتَحَبّاً لما تَرَكَهُ.
ولا يحمل القاضي على الرُّجُوع والجحود صَرِيحاً بأن يقول: ارْجِعْ عن الإقرار أو اجْحَدْ، ولم يصححوا ما روي أنه [-صلى الله عليه وسلم-] قال: "أَسَرَقْتَ؟ قُلْ: لاَ" 630.
الجزء: 11 - الصفحة: 233
ورأيت في تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره أن أَبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قاله لِسَارِقٍ أَقَرَّ عنده، وإذا ثَبَتَ الحد بالبَيِّنَةِ، فلا يحمله على الإنْكَارِ.
وأما في حُقُوقِ العِبَادِ فلا يعرض الرجوع عن الإقرار، حتى لا يعرض في السرقة بما يسقط الغرم، إنما [يسعى] 631 في رفع القطع، وهذا [كما أن] 632 في حدود الله تعالى يستحب الستر، وفي حقوق العباد يجب الإظهار، [وهل] 633 للحاكم أن يعرض الشهود بالتوقف في حدود الله تعالى، ففيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن فيه قدحاً في الشهود.
والثاني: نعم؛ لأن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عرض لزياد بالتوقف في الشهادة على المغيرة بن شعبة، فقال: أرى وجه رجل وسيم، لا يفضح رجلاً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 634. وتكلموا في أنه كيف جاز لعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذلك التعريض لدفع الحد عن المغيرة؟ وفيه إثبات الحد على الثلاثةِ الذين شهدوا صريحاً على المغيرة.
وأجابوا عنه بوجوه:
منها -الحد الذي تعرض له المغيرة الرجم، وحدهم حد القذف، وأنه أهون من الرجم.
ومنها -أنهم كانوا مندوبين إلى الستر ألا ترى أن ماعزاً لما ذكر لهزال أنه زنا، وقال له: بادر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن ينزل الله فيك قرآناً، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
فقال 635: = فخلى سبيلها، ولم أره عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أبي بكر، إلا أن في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا، وسمى أبا بكر وعمر، وعن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد قال: أتي عمر بن الخطاب برجل فسأله أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه، وروى ابن أبي شبة من طريق أبي المتوكل: أن أبا هريرة أتي بسارق وهو يومئذ أمير، فقال: أسرقت؟ قل: لا، مرتين أو ثلاثاً، وفي جامع سفيان عن حماد عن إبراهيم قال: أتي أبو مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملاً، فقال: أسرقت: قولي: لا.
الجزء: 11 - الصفحة: 234
"هَلاَّ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هُزَّاْلُ".
فلما تركوا المندوب، استحقوا التغليظ.
وقوله في الكتاب "وللقاضي أن يستر على السارق" وقد [يقرأ] "أن يشير" وله وجه.
وقوله "بإنكار السرقة" ليُحمَل على السرقة الموجبة للقطع، ولا [يحثه] على إنكار ما يوجب المال على ما [تبين] 636. وقوله " [يحثه] 637 على" الرجوع ليُعلَم بالواو.
فرع: قال الإِمام في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ" دليل على أنه لا يجب على من قارف موجب حد، أن يظهره للإمام.
وكان يقطع به شيخي وفيه احتمال إذا قلنا: إن الحد لا يسقط بالتوبة.
قال الْغَزَالِيُّ: وَالحُجَّةُ الثَّالِثَةُ لِلسَّرِقَةِ الشَّهَادَةُ وَتَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ ثَبَتَ الغُرْمُ دُونَ القَطْعِ، وَلاَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ مُطلَقاً بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَكَذَا شَهَادَةُ الزِّنَا أمَّا القَذْفُ المُطْلَقُ فَمُوجِبٌ للْحَدِّ، وَالإِقْرَارُ بِالزِّنَا المُطْلَقِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: يثبت القطع بشهادة رجلين ثبوت سائر العقوبات وشهادة الزنا هي التي خصت بمزيد العدد، ولا يثبت برجل وامرأتين كسائر العقوبات، وإذا شهد بالسرقة رجل وامرأتان، أو شاهد واحد، وحلف المدعي معه يثبت المال، وإن لم يثبت القطع.
كما لو علق الطلاق أو العتق على الغصب، و [على] 638 السرقة، وشهد رجل وامرأتان على الغصب، أو السرقة ثبت المال.
ولا يُحْكَم بوقوع الطلاق، ووقوع العتق.
هذا هو الظاهر.
ومنهم من قال: في ثبوت المال في السرقة قولان وجه المنع أنه لم يثبت أحد موجبي السرقة، فكذا الثاني.
وربما ألحق بما إذا شهد على القتل العمد رجل وامرأتان، فإنه لا يثبت القصاص، ولا الدية.
وفرق بينهما على المذهب بأن القتل لا يوجب القصاص والدية جميعاً.
وإنما [يوجب أحدهما] 639 فلا يتعين بالشهادة واحد منهما.
والسرقة توجب القطع والغرم جميعاً، فما قامت حجته [بعينهما] 640 ثبت.
المسألة الثانية: لا تُقبَل الشهادة على السرقة مطلقاً؛ لاختلاف المذاهب فيها.
وفي شروط تعلق القطع بها.
فلا بد وأن يبين السارق بالإشارة إلى عينه إن كان حاضر، أو يذكر اسمه ونسبه بحيث يحصل [التمييز] إن كان غائباً 641. ويكفي عند
الجزء: 11 - الصفحة: 235
[حضوره] 642 أن يقول: سرق هذا وفي كتاب القاضي ابن كج وجه ضعيف، أنه يُشتَرط أن يقول: هذا بعينه.
ويجب أن [يبين] قدر المسروق [والمسروق] 643 منه.
وكون السرقة من الحرز بتعيين الحرز، أو صفته.
وعن القاضي أبي الطيب وغيره أن الشاهد يقول أيضاً: ولا أعلم له فيه شبهة.
قال صاحب الشامل: [وليكن] هذا تأكيداً؛ لأن الأصل عدم الشبهة.
ويُشتَرط أن تتفق شهادة الشاهدين، فلو شهد أحدهما أنه [سرق] منه بكرة، والآخر أنه سرق عشية.
أو شهد أحدهما بسرقة كبش أبيض، والآخر بسرقة كبش أسود، فيهما شهادتان على سرقتين مختلفتين، فلا قطع إذ لم تتم حجة أحدهما.
وللمشهود [له] 644 أن يحلف مع أحدهما فيغرمه، والكبش مثال جرى به لفظ 645 الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وصحفه بعضهم فقرأه الكيس، والحكم لا يختلف.
لكن حُكِي عن الإِمام أنه قال: كبشاً أقرن.
وعند أبي جنيفة -رحمه الله- أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه سرق ثوباً أبيض، والآخر أنه سرق ثوباً أسود، يُقطَع.
لاحتمال أنه كان فيه بياض وسواد، فرأى أحدهما السواد.
والآخر البياض.
وسلم أنه لو قال:
أحدهما: ثور، والآخر بقرة، لا يُقْطَع.
ويُقال: يُحتَمل أن المسروق كان خنثى، فرأى أحدهما ما للثور، [ورأى الآخر 646] ما للبقرة.
ولو شهد اثنان أنه سرق كذا غدوة، وشهد آخران أنه سرق.
[كذا] [عشية] 647 فالبينتان متعارضتان، فلا يُحْكَم بواحدة منهما.
وفي الصورة السابقة تمت الحجة، حتى يقال تعارضا، فلو لم تتوارد الشهادتان على معين، ولكن قال بعض الشهود: سرق ثوباً، أو كبشاً غدوة.
وقال بعضهم: سرق ثوباً، أو كبشاً عشية ففي الواحد [والواحد] 648 لا قطع.
وللمشهود له أن يحلف مع أحدهما، ويأخذ الغرم، أو معها أو يأخذ غرم ما شهد به جميعاً.
وفي الاثنين يجب القطع، وغرمهما جميعاً؛ لكمال الحجتين.
ولو شهد واحد بسرقة كبش أبيض والآخر بسرقة كبشين، ثبت الواحد، وتعلق به القطع، إذا بلغ نصاباً.
ولو شهد واحد بسرقة ثوب قيمته ربع دينار، وشهد آخر بسرقة
الجزء: 11 - الصفحة: 236
ذلك الثوب وقومه بثمن دينار، لم يجب القطع.
وثبت غرم الثمن، وللمشهود له أن يحلف مع شاهد الربع، ويغرم.
ولو شهد اثنان بسرقته، وقالا: قيمته ربع دينار [وآخران بسرقته] 649، وقالا قيمته ثمن دينار، لم يجب القطع.
وللمشهود له الثمن.
وعن أبي حنيفة أنه يثبت الربع.
ولو شهد واحدٌ بسرقة ثوب أبيض قيمته ربع، والآخر بسرقة ثوب أسود قيمته ثمن، فلا قطع.
ولا يثبت بها شيء؛ لأنهما شهادتان مختلفتان وله أن يحلف مع أحدهما، وإن شهد اثنان واثنان فقد تمت [الشهادتان] 650، فيجب القطع، وغرم الثمن والربع معاً.
وكما لا بد في الشهادة على السرقة من التفصيل، لا بد في الإقرار بها من التفصيل؛ فلا يقطع من أقر بالسرقة مطلقاً؛ لأنه قد يظن ما ليس بسرقة سرقة.
وأيضاً فاسم السرقة يقع على ما يوجب القطع، وعلى ما لا يوجبه فيحتاط [للحد] 651 وفي الشهادة على الزنا، لا بد من التفصيل أيضاً على ما نبين إن شاء الله تعالى في كتاب الشهادات.
وفي الإقرار به هل يُشتَرط التفصيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يُؤَاخَذ بظاهر الإقرار، بخلاف الشهادة؛ لأن الشاهد قد يشاهد ويعتمد المخايل والإقرار، لا يصدر إلا عن تحقيق، ويخالف الإقرار السرقة، فإن السرقة تشمل ما يوجب القطع، وما لا يوجبه شمولاً ظاهراً.
واسم الزنا لا يكاد يقع إلا [على] ما يتعلق به الحد، وأولاهما أنه يجب التفصيل احتياطاً للحد، وسعياً في ستر الفاحشة ما أمكن.
قال الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَامَتْ شَهَادَةٌ حِسِّيَّةْ عَلَى السَّرِقَةِ في غَيْبَةِ المَالِكِ سُمِعَتْ عَلَى الأَصَحِّ كَمَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ النَّصَّ أنَّهُ لاَ يُقْطَعُ حتَّى يَحْضُرَ، وَلَوْ قَامَتْ في الزِّنَا بِجَارِيةٍ حُدَّ دُونَ حُضُورِ المَالِكِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَإِذَا حَضَرَ المَسْرُوقُ مِنْهُ بعْدَ شَهَادَةِ الحِسْبَةِ وَطَلَبَ قُطِعَ، وَلاَ تُسْتَأْنفُ الشَّهَادَةُ لِأَجْلِ الغُرْمِ بَلْ يَثْبُتُ تَابِعاً، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُسْمَعُ فِي السَّرِقَةِ شَهَادَةُ الحِسْبَةِ فَيُعَادُ لِأَجْلِ المَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُعَادُ لِأجْلِ
الجزء: 11 - الصفحة: 237
القَطْعِ إِذَا سَمِعَ مَرَّةً، وَدَعْوَى السَّارِقِ الْمِلْكَ بَعْدَ البَيِّنَةِ يَدْفَعُ القَطْعَ إنْ لَمْ يُكَذِّبِ الشَّاهِدَ بِأَنْ قَالَ: كَانَ قَدْ وْهِبَ مِنِّي قَبْلَ السَّرَقَةِ وَالشَّاهدُ اعْتَمَدَ الظَّاهِرَ، وَلَوْ نَفَى أَصْلَ مِلْكِ المَسْرُوقِ مِنْهُ وَقُلْنَا لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ المُدَّعِي بَعْدَ البَيِّنَةِ لَمْ يَنْدَفعْ، فَإنْ قُلْنَا: لَهُ تَحْلِيفُهُ احْتَمَلَ دَفْعَ القَطْعِ (النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي الوَاجِبِ) وَهُوَ القَطْعُ وَرَدُّ المَالِ أَو الغُرْم إنْ كَانَ تَالِفاً، ثمَّ يُقْطَعُ اليُمْنَى مِنَ الكُوعِ، فَإنْ عَادَ قُطِعَ رِجْلُهُ اليُسْرَى، فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ اليُسْرَى، فَإنْ عَادَ فَرِجْلُهُ اليُمْنَى، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ وَلَمْ يُقْتَلْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الشهادة على السرقة إن ترتبت على دعوى المسروق منه، أو وكيله فذاك 652. وإن شهد الشهود على سبيل الحسبة، ففي سماع شهادتهم اختلاف، حكاه الإِمام مأخوذ من أصل معروف في الشهادات، وهو أن ما يتمحض حقاً لله تعالى: كحد الزنا، يُقبَل فيه شهادة الحسبة، وما يتمحض [فيه] حقاً للآدمي، فالظاهر أن شهادة الحسبة مردودة فيه، والسرقة يتعلق بها القطع، الذي يعصم حق الآدمي، مع كونه حداً لله تعالى.
والغرم الذي يتمحض حقاً للآدمي ففي قبول شهادة الحسبة.
فيها خلاف، والأصح القول لما سنذكر أن [ما] 653 فيه حق مؤكد لله تعالى، تُقْبَل شهادة الحسبة فيه، وإن لم يتمحض حقاً له.
وعلى هذا فإذا كان المسروق منه غائباً 654، فالنص أنه لا يقطع حتى يحضر الغائب، والنص فيما إذا شهد أربعة على الزنا بجارية غائب، أنه يُقَام الحد على المشهود عليه، ولا ينتظر حضور الغائب.
وفيهما ثلاثة طرق للأصحاب:
أحدها: وبه قال ابن سريج: أنه يُنتَظَر حضور المالك في الصورتين؛ لأن الملك ربما انتقل إلى المشهود عليه، أو وقفها المالك عليه.
والشهود استصحبوا ما عرفوا، واعتمدوا ظاهر الحال.
وإذا حضر المالك اعترف بالانتقال.
والحدود يُحتَاطُ لها، ويُسعَى في دفعها [ومن] 655 ذهب إلى هذه الطريقة، غلط من نقل نص الزنا، وربما أوله على أنه لا حاجة إلى حضوره وقت إقامة الحد.
والثاني: أن الصورتين على قولين بالنقل 656 والتخريج.
الجزء: 11 - الصفحة: 238
أحدهما: لا يُقطَعْ، ولا يُقَامُ حد الزنا حتى يحضر المالك لما تبين.
والثاني: يُقْطَعْ، ويُقَام لظهور موجب العقوبة [بالبينة] 657.
وأصحهما وبه قال ابن سلمة، وابن الوكيل والقاضي (أبو حامد) تقرير 658 النصين.
وذكر في الفرق وجوه منها، أن حد الزنا لا يسقط بإباحة الوطء، والقطع يسقط بإباحة الأخذ.
وربما أباح الغائب الأخذ.
وإذا حضر اعترف وعُرف الحال.
ومنها -أن السقوط إلى القطع أسرع منه إلى حد الزنا.
ألا ترى أنه إن سرق مال أبيه لا يُقْطَع، ولو زنا بجاريته يُحَد؟ ومنها- أن [القطع] 659 متعلق حق الآدمي، من حيث إنه [يثبت] 660 لِعِصْمَةِ ماله، فاشترط لذلك طلبه وحضوره والخلاف، قريب من الخلاف الذي سبق فيما إذا أقر بسرقة مال الغائب، أو أقر بالزنا بجارية الغائب، هل يُقْطَع ويُحَد في الحال، أو ينتظر المالك؟
وقد يرتب الخلاف على الخلاف، ويجعل صورة الإقرار أولى بعدم الانتظار، لبعد الأقرار عن التهمة.
وإذا قلنا: لا يُقْطَع، ولا يُحَد، [في الحال] 661 فهل يحبس؟ فيه الخلاف المتقدم فيما إذا أقر بسرقة مال الغائب، أو بالزنا بجاريته.
وأشار الإِمام إلى أن الظاهر عند الأصحاب أنه يُحبَس؛ لما يتعلق بالسرقة من حق الله تعالى.
ومهما 662 لم يُقْطَع بعد شهادة الشهود، إلى أن يَحْضُر المالك؟ فإذا حضر المالك فإن لم يطلب المال أو اعترف بما يسقط القطع، فلا قطع.
وإن طلب، ولم تظهر شهبة، [فالمفهوم] 663 مما ساقه صاحب الكتاب هاهنا.
وفي الوسيط: أنا إن قلنا: إن شهادة الحسبة في السرقة مسموعة، فيُقْطَع.
وهل يجب إعادة الشهادة لثبوت المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن شهادة الحسبة لا تُقْبَل في الأموال.
والثاني: لا، ويثبت الغرم تبعاً للقطع، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، والأول أصح عند صاحب التهذيب، وغيره وإن قلنا: إنها غير مسموعة، فلا بد من إعادة البينة للمال.
والظاهر أنها لا تُعاد للقطع، ورتب الإِمام ترتيباً آخر فذكر وجهين في أنه، هل تُعَاد البينة للمال؟ ثم قال: إن قلنا: إنها لا تُعاد، فيُقْطَع.
كان قلنا: تُعَاد.
فالظاهر عند الأصحاب أنه يُقْطَع أيضاً.
ولا حاجة إلى إعادة البينة، وفيه احتمال ولك أن تقول:
الجزء: 11 - الصفحة: 239
العبارة المنطبقة على اختيار الأئمة أصلاً وفرعاً في المسألة أن يقال 664 شهادة الحسبة مقبولة، فيما [يرجع] 665 إلى القطع الذي هو حق الله تعالى.
فيُقْطَع من غير إعادة البينة؛ لأنَّا قد سمعناها أولاً.
وإنما انتظرنا لتوقع 666 ظهور ما يسقط، فلم يظهر شيء.
وفي قبولها فيما يتعلق بالمال الخلاف، في أن شهادة الحسبة؛ هل تُسْمَع في حقوق الآدميين؟ إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى إعادة البينة، كان قلنا: لا، فيحتاج إلى الإعادة.
وليُعْلَم قوله في الكتاب: "ولا تستأنف الشهادة لأجل 667 الغرم" بالواو، وقوله:."إذا سمع مرة"، هذه اللفظة لا ذكر لها في الوسيط وهي مستكرهة؛ لأن التفريع على أن شهادة الحسبة لا تسمع، فكيف يقول مع ذلك: إنها سُمِعت مرة.
ويمكن أن يُقَال: إنا أصغينا إليها، وسمعناها حقيقة، وكنا نتوقف في إمضاء حكمها، توقعاً لمسقط يظهر، فهذا لم يظهر، جرى عليها حكمها.
المسألة الثانية: قد سبق حكاية خلاف في أن السارق إذا ادعى [أن] 668 المسروق ملكه، هل يسقط القطع بدعواه؟ وتبين أن الأظهر أنه يسقط، ثم إنه كرر المسألة هاهنا؛ ليبين موضع الخلاف.
قال الإِمام: ويجري الخلاف فيما إذا ظهرت صورة السرقة؛ بأن سرق من حرز هو بما فيه في يد إنسان، ولم تقم بينة مفصله، فقال السارق هو ملكي، فعلى قولنا: نسقط القطع يبقى النزاع بينهما في المال، والمصدق فيه المأخوذ منه مع يمينه.
كان قلنا: لا يسقط القطع بالدعوى، فإن حلف المسروق منه ثبت القطع مع المال.
ويرجع الخلاف في أنه هل يثبت القطع باليمين المردودة، ويجري أيضاً فيما لو قامت بينة مفصلة يثبت بمثلها السرقة؟ وقال السارق: كان قد أباح لي 669 أخذه، أو باعه، أو وهبه مني، والشهود اعتمدوا ظاهر الحال، أما إذا قال: إنه لم يزل ملكي، وكان قد غصبنيه، أو قال: ما سرقت أصلاً، فهذا يناقض قول الشهود، ويكذبهم.
فهل يسقط به الحد، تفريعاً على أن الدعوى التي لا تكذبهم مسقطة؟ قال الإِمام فيه تردد مفهوم من كلام الأصحاب، وهذا التردد الذي ذكره، قد حكاه [القاضي] 670 ابن كج [كذلك] 671. وقال المذهب أنه: لا يسقط [القطع وعندي أنه يسقط] 672، وإطلاق عامة الناقلين يوافق [ما] عنده.
وقد بني التردد على أن المدعى عليه بعد قيام البينة عليه لو
الجزء: 11 - الصفحة: 240
قال: اعتمد الشهود ظاهر اليد، والمدعي يعلم أنه ملكي، فحلفوه على نفيه.
هل يُجَاب إليه وفيه خلاف
فإن قلنا: ليس له تحليفه لم يندفع القطع، وإن قلنا: له تحليفه فيبعد أن يقطع بيمين المدعي، ويتوجه دفعه.
قال 673 القاضي ابن كج موضع الخلاف في أن القطع هل يسقط بدعوى السارق الملك ما إذا حلف المسروق له على نفي الملك الذي يدعيه؟ أما إذا نكل وحلف السارق فيستحق المال، ويسقط القطع بلا خلاف، ولو نكل السارق أيضاً، فيشبه أن يجيء الخلاف.
فرع: إذا سرق مال صبي، أو مجنون، قال القاضي ابن كج: إن انتظرنا حضور الغائب، واعتبرنا طلبه، فينتظر بلوغ الصبي، وإفاقة المجنون.
وإلا قطعناه في الحال.
آخر إذا قلنا: يسقط القطع بدعوى الملك.
فهل يستفصله القاضي سعياً في سقوط الحد؟ فيه تردد 674 للإمام.
النظر الثالث في الواجب.
يتعلق بالسرقة حكمان:
أحدهما: الغرم فعلى السارق رد المال إن كان باقياً، والضمان إن تلف، يستوي في ذلك الغني والفقير: وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: الغرم، والقطع لا يجتمعان.
فإن قطِع، سقط عنه الضمان.
وإن غرم، سقط عنه القطع.
وقال مالك: إن كان غنياً لزمه الضمان، وإلا، فلا.
لنا أن القطع يجب حقاً لله تعالى، والضمان يجب لحق الآدمي، فلا يمنع أحدهما الآخر.
وصار كرد العين 675 مع القطع، يجمع بينهما بالاتفاق.
الثاني: القَطْعُ: فتقطع يمين السارق والسارقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وقرأ [ابن مسعود] 676 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أيمانهما والقراءة الشاذة تنزل منزلة أخبار الآحاد.
ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَتَى بسارق فقطع يمينه" 677.
فإن سرق ثانياً، قُطِعَت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً قُطِعَت يده اليسرى، وإن
الجزء: 11 - الصفحة: 241
سرق رابعاً قُطِعَت رجله اليمنى.
وبهذا قال مالك لما روي عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في السَّارِق "إنْ سَرَقَ، فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوَا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوَاْ يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُواْ رجْلَهُ" 678 وعند أبي حنيفة، لا تُقْطَع في المرة الثالثة؛ وما بعدها.
وفي تعليقة الشيخ [أبي علي]، وغيره عن أحمد مثله.
فإن سرق بعد استيفاء أطرافه الأربعة، ففي النهاية أنه قد نقل عن القديم قولي: أنه يُقْتَل لما رُوِيَ عن جابر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أُتِيَ بِسَارقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ثَانِياً فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ ثَالِثاً فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ رَابِعاً فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أَتِيَ بهِ خَامِساً فَقَتَلَهُ" 679 والصحيح المشهور، أَنه يُعزَّر، ولا يقتل.
والحديث منسوخ، أو محمول على أنه قتله [بزنا] 680 أو استحلال وتقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل، بين الساق والقدم.
يُرْوَى عن أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنهما قالا: [إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يده من الكوع] 681 ويُمِدُّ العضو مداً عنيفاً حتى ينخلع 682، ثم يقطع بحديدة ماضية، وليكن السارق جالساً، ويضبط حتى لا يتحرك.
وليعلم لما ذكرنا قوله في الكتاب، "أو الغرم إن كان تالفاً" بالحاء، وقوله: ["فيده اليسرى ورجله اليمنى" بالحاء والألف، وقوله: "ولم يقتل" بالواو [والميم] 683.
الجزء: 11 - الصفحة: 242
قال الْغَزَالِيُّ: وَيُغْمَسُ مَحَلُّ القَطْعِ فِي الزَّيْتِ المَغْلَّي لِتُحْسَمَ السِّرَايَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِّ بَل نَظَراً لِلمَقْطُوعِ وَعَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، وإنْ رَأَى الإمَامُ عَلَّقَ يَدَهُ فِي رَقبَتِهِ ثَلاَثاً لِلتَّنْكِيلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ أصْبُعٌ زَائِدَةٌ قَطَعْنَاهَا، وَإِنْ كَانَت نَاقِصَةً أوْ شَلاَّءَ اكْتَفَينَا بِهَا مَا بَقِيَ أصْبُعٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكنْ إِلاَّ الكَفُّ فَهَلْ يُقْنَعُ بِهِ أَمْ يُعْدَلُ إِلَى الرِّجْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ يَمِينَ لَهُ إِذَا سَرَقَ قُطِعَ رِجْلُهُ اليُسْرَى، وَإِنْ سَرَقَ فَسَقَطَ يُمْنَاهُ بِآفَةٍ سَقَطَ الحَدُّ، فَلَوْ بَادَرَ الجَلاَّدُ فَقَطَعَ اليَدَ اليُسْرَى عَمْداً فَعَلَيْهِ القِصَاصُ وَالحَدُّ بَاقٍ، وَإِنْ غَلِطَ سَقَطَ بِهِ الحَدُّ عَلَى قَوْلٍ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ وَبَقِيَ الحَدُّ عَلَى قَوْلٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى المِعْصَمِ كَفَّانِ قَطَعْنَا الأصْلِيَّةَ إِنْ أَمْكَنَ وَإلاَّ قَطَعْنَاهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مسائل:
أحدها: يُحْسَم موضع القطع من اليد، والرجل، بأن يُغْمس في الزيت، أو الدهن المغلي؛ ليسد أفواه العروق، وينقطع الدم.
وهل هو من حق الله تعالى [وتتمة] 684 الحد، أو هو حق المقطوع.
ونظر له حكى الإِمام فيه اختلافاً عن الأصحاب.
[أحد الوجهين]: أنه من [تتمة] 685 حق الله تعالى؛ لأن فيه مزيد 686 إيلام، وما زال الولاة يفعلون ذلك على كراهة من المقطوعين، ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصاً.
وأصحهما: أنه حق المقطوع؛ لأن الغرض المعالجة، ودفع الهلاك عنه، ينزف [الدم] 687. فإن قلنا بالأول، لم يتركه الإِمام.
وثمن الدهن، ومؤنات الحسم، كمؤنة [الجلاد] 688، وقد سبق الخلاف فيها.
وإن قلنا بالأصح، فالمؤنة على المقطوع.
ولو تركه 689 السلطان فلا شيء عليه، وحينئذ [فيستحب] للسارق أن يَحْسَم، ولا يجب؛ لأن في الحسم ألماً شديداً.
وقد يهلك الضعيف، والمداواة بمثل ذلك لا تجب بحال، وفيه وجه أن الإِمام يجبره عليه، ويُسْتَحَب أن يأمر السلطان بالحسم عقيب القطع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في سارق سرق: "اذْهَبواً بِهِ، فَاقْطَعُوا، ثُمَّ احْسِمُوه" 690. وإنما يفعله بإذن السارق، ويجيء على الوجه الذي قيل: إنه [يجبره السلطان] 691 عليه إذا تركه أن لا يحتاج إلى إذنه.
الجزء: 11 - الصفحة: 243
والسنة أن يعلق اليد المقطوعة ني رقبته، لما رُوي عن فضالة بن عبيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ عُلِّقَتْ فِيْ رقْبَتِه] 692 وفيه تنكيل، وزجر له، ولغيره.
ثم الذي يؤخذ في كثر الكتب، إنما يُعلق [في] يده ساعة، وأطلقوا القول باستحبابه، ولم يجعلوه مُفَوَضاً إلى رأي الإِمام، واجتهاده.
ونقل الإِمام فيه ثلاثة أمور مستغربة:
أحدها: أن من الأصحاب من لم ير التعليق، ولم يصح الخبر 693 فيه.
والثاني: أنها تُعَلَّق في رقبته ثلاثاً.
والثالث: أن الأمر فيه إلى رأي الإِمام.
ويجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: "علق اليد" بالواو؛ وكذا قوله: "ثلاثاً".
المسألة الثانية: إذا كانت على يمينه إصبع 694 زائدة، ففي قطعها عن السرقة وجهان:
أحدهما: المنع كما لا يُقْطَع في القصاص ست أصابع بخمس، فعلى هذا هو كمن لا يمين له، فيُقطع رجله اليسرى.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه تقطع بيمينه، ولا يبالي بالأصبع الزائدة لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولا يشبه القصاص؛ لأنه مبني على المساواة.
والمقصود هاهنا الزجر، والتنكيل.
ولو كانت اليمين شلاء، فيراجع أهل الخبرة.
فإن قالوا: لو قُطِعَتْ لم يرقأ الدم، لم تُقْطَع، وتكون كمن لا يمين له، وإن قالوا: يرقأ الدم، قُطِعَتْ.
واكتفى بها قال الإِمام.
وفيه احتمال لأنه [قدرة فيها]؛ فأشبهت الكف الباقية بلا إصبع.
كما سنذكر إن شاء الله تعالى، [وحده]، ولو كانت ناقصة بإصبع، أو أصابع، اكتفينا بها؛ لحصول [الإيلام]، والتنكيل.
وإن لم يبق إلا الكف، فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك لحصول الإيلام.
والثاني: المنع؛ لأن اليد عبارة عما يبطش، ولم يبق من آلة البطش شيء.
الجزء: 11 - الصفحة: 244
ويجري الوجهان فيما إذا سقط بعض الكف أيضاً، وبقي محل القطع.
وحكى القاضي أبو حامد الوجه الثاني عن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، واختياره عن ابن سريج ونسبة الوجه الأولى إلى النص 695، وهو الأظهر عند الشيخ أبي حامد صاحب الكتاب، وجماعة.
وعن القاضي أبي حامد: إثبات الوجهين جميعاً، فيما إذا كانت يمناه مقطوعة الإبهام، فيجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: "اكتفينا بها [ما بقي] 696 إصبع واحدة".
المسألة الثالثة: من لا يمين له إذا سرق، تقطع رجله اليسرى.
كما ذكرنا فيما إذا سرق فَقُطِعَتْ يمينه، ثم سرق مرة أخرى، ولو كانت يمينه سليمة، وسقطت قبل أن يقطع بآفة، أو بجناية، سقط عنه الحد.
ولم يعدل إلى الرجل؛ لأن القطع تعلق بعينها، وقد زالت.
وفيه وجه أنه يُعدَل إلى الرجل.
كما لو فات محل القصاص، فيُعْدَل إلى بدله، وهو الدية.
ولو سرق مراراً، ولم يقطع اكتفى بقطع يمينه عنهما كمن زنى مراراً أو شرب مراراً، لا يقام الحد إلا مرة واحدة.
المسألة الرابعة: إذا ابتدر مبتدر، فقطع يمين السارق من غير إذن الإِمام، لا يلزمه القصاص؛ لأنها مستحقة القطع.
وإن سرى إلى النفس، فلا ضمان؛ لتولد السراية عن مستحق.
ولكن يعزر المبتدر، [لافتئاته] 697 على الإِمام.
هكذا أُطلِق.
ويشبه أن يُجْعَل وجوب القصاص على الخلاف في قتل الزاني المحصن، ولو قطع يساره [جانٍ] 698 أو قطعها الجلاد عمداً، وجب القصاص على القاطع، ولا يسقط عنه قطع اليمين؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يسقط كيلا يُفَوَّتُ عليه جنس منفعة البطش.
ولذلك قال: لو سرق [ولا يسار له] 699 أو يساره ناقصة بإصبع، لا يُقْطَع يمينه ولو قال القاطع: لم أعلم أنها يساره، حلف، ولزمته الدية.
ولو قال الجلاد 700 للسارق: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها، ففيه طريقان:
أحدهما: قال القاضي أبو الطيب وآخرون، إن 701 قال المخرج: ظننت المخرج يميناً، أو أن اليسار تجزئ عن اليمين، ففي سقوط القطع عن اليمين، وقيام اليسار مقامها قولان:
أحدهما: المنع، كما لو استحق القصاص في اليمين، فأخرج اليسار، فقطعت.
الجزء: 11 - الصفحة: 245
لا يُسقِط القصاص [في اليمين] 702. وُيرْوَى هذا عن رواية الحارث 703 بن سريج القفال.
وأصحهما السقوط.
والحدود لا يُشدد [فيها ما] 704 يشدد به القصاص، على ما مرت المسألة في الجراح، فإن قلنا بالأول، فقال القاطع: عرفت أن المخرج اليسار وأنها لا تجزئ عن اليمين، فعليه القصاص.
وإن قال: ظننت أنه اليمين، وأن اليسار تجزئ عن اليمين، فعليه الدية.
والثاني: قال الشيخ أبو حامد: يُراجَع القاطع أو لا، [إن] 705 قال: علمت أن المخرج اليسار، وأنها لا تجزئ عن اليمين، فعليه القصاص، وبقي القطع في اليمين.
وإن قال: ظننت [أن] المخرج يمينًا أو أن اليسار تجزئ عن اليمين فعليه الدية، وفي سقوط القطع في اليمين القولان.
وإيراد الإِمام يوافق هذه الطريقة، إلا إن القصاص على القاطع.
وإن كان عالمًا بالحال إنما يجب إذا لم يوجد من المخرج قصد بذل وإباحة.
فأما إذا أخرج على قصد البذل والإباحة، فلا يجب القصاص على القاطع؛ [كما تقرر] 706 في الجنايات.
ولو سقطت يسار السارق بآفة بعد وجوب القطع في اليمين، فعن أبي إسحاق: أنه يسقط القطع في اليمين على أحد القولين.
كما في مسألة الجلاد 707، وضعفه كل من نقله، وقالوا: في صورة الغلط يساره مقطوعة بعلة السرقة.
فلو أبقينا القطع في اليمين، لذهبت يداه.
بعلة 708 السرقة الواحدة، وهذا المعنى لم يُوجَد فيما، إذا سقطت اليسار بآفة.
المسألة الخامسة: إذا كان على معصم السارق كفان، فقد نقل الإِمام عن الأصحاب أنهما يُقْطَعَان، ولا يُبَالي باستيفاء الزائدة [كالإصبع الزائدة] 709. واختار أن يفصل، فيُقَال: إن تميزت الأصلية، وأمكن الاقتصار على قطعها، لم تُقْطَع الزائدة.
وإن لم يمكن الاقتصار، فلا يُبَالي بقطعها.
وهذا ما أورده في الكتاب.
وإن أُشْكِل [الحال] 710 فلم [تعلم] 711 الزائدة عن الأصلية، قال الإِمام: الذي رأيته للأصحاب: أنهما يُقْطَعَان؛ ليصير المستحق قطعه مستوفى، ويوافقه ما في فتاوى القفال: أن الكفين الباطشتين يُقْطَعَان جميعًا؛ لأنهما معًا في حكم يد واحدة.
ألا ترى
الجزء: 11 - الصفحة: 246
أنه لا تفرد كل واحدة بدية؟ لكن في التهذيب: أنه تُقْطَعُ أحدهما.
فإن سرق ثانيًا، تُقْطَع الأخرى، ولا يُقْطَعَان بسرقة واحدة، بخلاف الإِصبع الزائدة: لأنه يقع (1) عليها اسم اليد، وهذا أحسن.
قال: وإن كان يبطش بأحدهما، قُطِعَتْ الباطشة دون الأخرى.
فإن سرق ثانيًا، قُطِعَت رجله، وإن صارت الثانية باطشة بقطع الأولى، فإذا سرق ثانيًا، قُطِعَت هي؛ لا الرجل.
فإن سرق ثالثًا، تُقْطَع الرجل.
فروع
: في فتاوى القفال؛ إذا كان ثوب الرجل موضوعًا بين يديه في المسجد، فقال للآخر: احفظ ثوبي.
فقال: نعم، أحفظه، فرقد صاحب الثوب، وقام الآخر، وترك الثوب [فَسُرِق]، فعليه الضمان؛ لأنه ضيعه بالقيام.
فهو كما لو ترك باب الدار مفتوحًا، وقال لغيره: احفظ الدار، فضيعها، يلزمه الضمان.
ولو سرقه المُسْتَحْفَظُ، فلا قطع عليه، ولو أغلق باب داره، أو حانوته، وقال للحارس: انظر إليه، أو احفظه، فأهمله الحارس، فَسُرِقَ منه، فلا ضمان عليه؛ لأنه [محرز] 713 في نفسه، ولم يدخل تحت يده.
ولو سرقه الحارس، قُطِعَ.
وفي فتاوى صاحب الكتاب أن السارق إذا تغفل الحمّاميّ 714، وأخذ الثياب يُعتبر في وجوب القطع، أن يخرجه من الحمام.
وأن الموضوع 715 في الصحراء 716 لا يكفي لوجوب 717 القطع أخذه.
ولا النقل 718 بخطوة، و [لا] نحوها.
والضبط [في] 719 مثل ذلك أن يُقال: الإحراز في مثله بالمعاينة، فإذا [غيبه 720 عن] عينه بحيث لو تنبه لما رآه بأن دفنه في تراب، أو واراه تحت ثوبه، أو حال بينهما جدار، فقد أخرجه من الحرز.
وأنه لو علم قردًا له النزول إلى الدار، وإخراج المتاع، فنقب، وأرسل [القرد] 721 فأخرج المتاع، فينبغي أن لا يجب الحد عليه، ولا يُجْعل [ذلك] 722 كالأخذ بالمحجن؛ لأن للحيوان اختيارًا والحد يسقط بالشبهة.
وفي فتاوى الحسين الفراء: أنه لو وُضِعَ الميت على وجه الأرض، ونُضّدت الحجارة عليه، كان ذلك كالدفن، حتى يجب القطع بسرقة الكفن.
خصوصًا إذا كان712
الجزء: 11 - الصفحة: 247
ذلك حيث لا يمكن الحفر، وأنهم لو كانوا في البحر، فَطَرحَ الميت في الماء، فأخذ [آخذ] (1) كفنه، فلا قطع عليه؛ لأنه ظاهر، فهو كما لو وُضِع الميت على شفير القبر، فأخذ سارق كفنه.
ولو غيبه الماء، فغاص سارق، وأخذ الكفن، لم يُقْطَع أيضًا؛ لأن طرحه في الماء لا يعد إحرازًا.
وهو كما لو وضعه على الأرض، فغيبته الريح بالتراب.
وقد يتوقف في هذا والله أعلم.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ السَّادِسَةُ: قَطْعُ الطَّرِيقِ)
وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثَةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ: صِفَتُهُمْ) وَهِيَ الشَّوْكَةُ وَالْبُعْدُ مِنَ الغَوْثِ، وَمَنْ لاَ شَوْكَةَ لَهُ فَهُوَ مُخْتَلِسٌ فَيُعَزَّرُ، وَمِنَ الشَّوْكَةِ أَنْ يَعْتَمِدَ القُوَّةَ فِي مُغَالَبَةِ المُسَافِرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الذُّكُورَةُ (ح) وَلاَ شَهْرُ السِّلاَح (ح) وَلاَ العَدَدُ، بَلِ المَرْأَةُ الواحِدَةُ لَوْ غَالَبَتْ بِفَضْلِ قُوَّةٍ فَهِيَ قَاطِعَةُ طَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَوْكَةٌ وَلَكِنِ اسْتَسْلَمَ الرِّفَاقُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ تَقَاوَم الفَرِيقَانِ وَتَقَاَتَلُوا فَأَخَذُوا المَالَ فَهُمْ قُطَّاعٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِ المَالِ بَعْدَ المُقَاطَعَةِ فَهُمْ قُطَّاعٌ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: 33] الآية.
وعند أكثر العلماء، ومنهم حبرَ القرآن 724 ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الآية واردة في حق قُطَّاع الطريق 725 مِن المسلمين دون أهل الكفر والمرتدين.
واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الآية.
وتوبة الكافر في أيهما تسقط العقوبة عنه؛ لا يختلف بين أن يُوجَد قبل القدرة عليه، أو بعدها.
ولم يقيموا وزنًا لقول من قال: إن المؤمن [من] لا يُحارِب الله ورسوله، وقالوا: لفظ المحاربة ينتظم عند الجرأة بالمخالفة، والعصيان.
ألا ترى أن الله تعالى يقول [للمرابين] 726: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. ولا بد في الباب من معرفة قُطَّاعِ الطريق، وعقوبتهم وحكم تلك العقوبة، استيفاءً، وسقوطًا.723
الجزء: 11 - الصفحة: 248
فرتب صاحب الكتاب مسائله في ثلاثة أطراف هذه ترجمتها وكذلك فعل الإِمام.
الطرف الأول في صفة قُطَّاع الطريق.
واعتبر فيهم صفتين؛ الشوكة، والبعد عن الغوث.
ولا بد مع ذلك من الإِسلام.
فالكفار ليس لهم حكم القطاع.
وإن أخافوا السبيل، وتعرضوا للأنفس، [والأموال] 727. ومن التكليف، فالمراهقون لا عقوبة عليهم، ويضمنون الأموال، والأنفس، كما يضمنون إذا أتلفوا في غير هذا المعرض.
أحد الصفتين الشوكة؛ فقُطَّاع الطريق طائفة يترصدون في المكامن للرفاق، فإذا وافوهم، برزوا قاصدين الأموال، غير مبالين للأنفس معتمدين في ذلك على [قوة وقدرة] يتغلبون بها.
وفيهم شُرِعَت العقوبات الغليظة التي سنفصلها إن شاء الله تعالى.
وأما الذين لا يعتمدون قوة، ولكن ينتهبون، ويختلسون، ويولون، معتمدين على [ركض] 728 الخيل، أو العَدْو على الأقدام؛ كما يتعرض الواحد، والاثنان، [والنفر] اليسير [لأخذ] 729 القافلة؛ فيسلبون شيئًا، فليسوا هم بقطاع، وحكمهم في القصاص والضمان حكم غيرهم.
ولو خرج واحد، أو شرذمة يسيرة، فقصدهم 730 جماعة ويغلبونهم بقوتهم، فهم قُطَّاعٌ.
وإن لم يكثر عددهم؛ لاعتمادهم على الشوكة والنجدة، بالإضافة إلى الواحد والشرذمة.
كذلك رواه الإِمام عن القاضي حسين.
وعن طرق 731 الأصحاب ويقرب منه ما ذكر القاضي ابن كج أنه إذا قام خمسة، أو عشرة في كهف، أو شاهق جبل، فإن مر بهم قوم لهم شوكة [وعدة لم] 732 يتعرضوا لهم، وإن مر [بهم] 733 قوم قليلو العدد، قصدوهم بالقتل، وأخذ المال، فحكمهم حكم قطاع الطريق، في حق الطائفة اليسيرة.
وإن تعرضوا [للأقوياء] 734 وسلبوا شيئًا، فهم مُخْتَلِسون.
ورأى الإِمام أن [يفصل] القول في الرفقة اليسيرة، وفي الواحد، والاثنين.
فقال: إن كان خروجهم في مثل ذلك الطريق يُعد تضييعًا وتغريرًا بالنفس، والمال، فالمتعرضون لهم لا يجعلون قطاعًا.
وينزل خروجهم، والحالة هذه، كترك 735 المال في موضع [لا] 736 يُعَد حرزًا، في باب
الجزء: 11 - الصفحة: 249
السرقة.
وأقام ما [رآه] وجهًا.
فيجوز أن يُعلم لذلك قوله في الكتاب:
"ومن الشوكة أن يعتمد القوة في مطالبة المسافر" بالواو، ولو كانت الرفقة عددًا يتأتى منهم دفع القاصدين، ومقاومتهم، واستسلموا حتى قتلوا، وأخذت أموالهم، فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا 737. هكذا، أطلقوه.
ويجوز أن يُقَال: ليست الشوكة مجرد العدد، والعدة؟ بل يُحتَاج مع ذلك إلى اتفاق كلمة، وواحد مطاع، وعزيمة على القتال، واستعمال السلاح.
والقاصدون للرفقة هكذا يكونون في الغالب.
والرفقة لا يجتمع لهم كلمة واحدة، ولا [يضبطهم] 738 مطاع، ولا لهم عزم على قتال، وخلوهم عن هذه الأمور يجرهم إلى التخاذل؛ لا عن قصد منهم [فلا] ينبغي أن يُجْعَلُوا مضيعين ولا أن يخرج القاصدون لهم عن كونهم قُطَّاعًا.
ولو أن الرفقة قاتلوهم، وثالث كل طائفة من الأخرى.
فهل هم قطاع؟ فيه احتمالان؛ ذكرهما الإمَامُ:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَظْهَرْ منهم غَلَبَةٌ واسْتِيلاَءٌ.
وأظهرهما: نعم، لأنهم 739 في دَرَجَةِ المُقَاوِمِينَ المُقَاتِلِينَ، والحرب سِجَالٌ 740 ولو أصابوا رُفْقَةً دون هَؤُلاَءِ في العُدَّةِ لَغَلَبُوهُمْ، [فالرأي] 741 أن يُجْعَلُوا قَاطِعِينَ، وهذا ما أَجَابَ به في الكتاب، ولا يُشْتَرَطُ فِي قَاطِعِ الطريق الذُّكُورَةُ، بل لو اجتمع نِسْوَةٌ لهن قُوَّةٌ وَشَوْكَةٌ، كُنَّ قَاطِعَاتِ طَرِيقٍ.
وخالف أبو حَنِيْفَةَ فيه، حتى قال: لو كان [في] جَمَاعَةِ القُطَّاعِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ سقط الحَدُّ عن جميعهم.
كذا القِيَاسُ على سائر الجَرَائِمِ، ولا يشترط أيضًا شَهْرُ السَّلاَحِ، بل الخارجون بالعِصِيِّ 742 أو الحِجَارَةِ قُطَّاعٌ، لأنهما آلَاتٌ تَأْتِي عَلى النَفْسِ كالمُحَدّدِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه لا تكفي العَصَا والحِجَارَةُ، ويشترط شَهْرُ السلاح، وذكر الإِمام أنه يَكْفِي القَهْرُ، وأَخْذُ المال باللَّكزِ والضَّرْبِ 743 بجميع الكَفِّ وفي "التهذيب" نحو منه، وإيراد جَمَاعَةٍ يُشْعِرُ بأنه لاَ بُدَّ من آلَةٍ، ولا يشترط العَدَدُ أيضًا، بل الوَاحِدُ إذا كَان له فَضْلُ قُوَّةٍ يَغْلِبُ بها الوَاحِدَ والاثنين والثلاثة، وتَعَرَّضَ للنفوس والأموال مُجَاهِرًا 744 فهو قاطع.
وليعلم لفظ "الذُّكُورَة" و"شَهْر السَّلاَح" في الكتاب بالحاء؛ لما ذكرنا، ويجوز
الجزء: 11 - الصفحة: 250
إعَادَةُ العَلاَمَةِ على قوله: "فهي قَاطِعَةُ طَرِيقٍ".
واعْلَمْ أن هذه الصِّفَاتِ الثلاثة التي لا تُعْتَبَر في قاطع الطَّرِيقِ لَو تَكَلَّمَ فيها قبل الصِّفَتَيْن المُعْتَبَرَتَيْنِ، أو بعد الفَرَاغِ منهما كان أَحْسَنَ فِي التَّرْتِيبِ مِنْ إِدْخَالِهَا بينهما.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا البُعْدُ عَنِ الغَوْثِ فَيُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ عَلَى قُرْبِ العُمْرَانِ يُعْتَمَدَ عَلَى الهَرَبِ دُونَ الشَّوْكَةِ إِلاَّ أَنْ تَضْعُفَ قُوَّةُ السُّلْطَانِ، فَمَنْ أَخَذَ فِي البَلَدِ مَالاً بِالمُغَالَبَةِ فَهُوَ قَاطِعُ طَرِيقٍ، وَلَوْ دَخَلَ دَارًا بِاللَّيْلِ وَأَخَذَ المَالَ بِالمُكَابَرَةِ وَمَنَعَ مِنَ الاسْتِغَاثَةِ فِي وَقْتِ قُوَّةِ السُّلْطَانِ فَهُوَ سَارِقٌ أَوْ قَاطِعُ طَرِيقٍ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ:
الصفة الثانية: البُعْدُ عن الغَوْثِ، وإنما اعتُبِرَتْ ليحصل 745 التَّمَكُّنُ من الاسْتِيلاَءِ والقَهْرِ مُجَاهَرَةً، وذلك في الأَغْلَبِ إنما يَتَحَقَّقُ في البَوَادِي، والمواضع البَعِيدَةِ عَن العُمْرانِ.
فلو خرج جماعة في المِصْرِ [فحاربوا،] 746 أو أَغَارَ عَسْكَرُ عَلى بلدة، أو قَرْيَةٍ، أو خرج أَحَدُ طرفي البلد على أَهْلِ الطَّرَفِ الآخر، وكان لا يَلْحَقُ بالمقصودين غَوْثٌ لو اسْتَغَاثُوا، فهم قُطَّاعُ الطريق، وإن كان يلحقهم الغَوْثُ لو اسْتَغَاثُوا، فالخارجون عليهم مُنتَهِبُونَ، وليسوا بِقُطَّاعٍ، وامتناع لحوق 747 الغَوْثِ تَارَةً، ويكون لِضَعْفِ السُّلْطَانِ، [وَتَارَةً] 748 لِبُعْدِهِ وَبُعْدِ أَعْوَانِهِ، وقد يغلب الدَّعَّارُونَ في مِثْلِ هذِهِ الحالة في البَلَدِ، فلا يقاومهم أَهْلُ السَّتْرِ والعِفَّةِ، وَيتَعَذَّرُ عليهم الاسْتِغَاثَةُ.
وعند أبي حنيفة [أن] المُحَارَبَةَ إنما تتحقق في البَوَادِي، والمواضع البعيدة عن العُمْرَانِ، ولا يتحقق في مِصْرٍ، ولا قَرْيَةٍ، ولا بين قريتين 749 قريبتين.
وعن مَالِكِ: أنه لا تَثْبُتُ المُحَارَبَةُ حتى يكونوا على ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ مِن العُمْرَانِ.
وعن أحمد: تَوَقُّفٌ فيه.
واحْتَجَّ الأصحاب بعُمُومِ الآية.
قال الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إن تعرضهم في البَلَدِ أَعْظَم جُرْأَة، وأكثر فَسَادًا، فكانوا بالعُقُوبَةِ أَوْلَى".
ولو دخل جماعة دَارًا بالليل، [وتكاثروا] 750 وكَابَرُوا 751، ومنعوا أصحاب الدار من الاسْتِغَاثَةِ مَع قوة السُّلْطَانِ وحضوره، فوجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 251
أظهرهما: أنهم قُطَّاعٌ -وبه قَالَ القَفَّالُ- وهو المذكور في "التهذيب"؛ لأن المَنْعَ من الاسْتِغَاثَةِ كَالبُعْدِ عن محلِّ الغَوْثِ في التَّغَلُّبِ، واعتماد القوة.
والثاني: المنع؛ لأنهم يَتَبَادَرُونَ خَوْفًا من الشعور بهم، ثم يعتمدون [البَرَارِي] 752؛ لأن الطَّلَبَ يلحقهم.
وعلى هذا فَحِكَايَةُ الإِمام عن بعض الأَصْحَابِ أنهم سُرَّاقٌ، وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب مع الوَجْهِ الذي [قدمنا 753]، قال: "ولا يبعد أن يُجْعَلُوا مُخْتَلِسِينَ لمجاهرتهم بفعلهم" [و] هذا ما يشعر به كلام الرُّوَيانِيِّ وغيره إذا لم نجعلهم قُطّاعًا.
هذا هو الفِقْهُ في الصفتين، وقد يقال: يمكن إدراج 754 الصفة الثانية في الأُولى، فإن الخروج والتَّعَرُّضَ إن كان في العُمْرَانِ، والغَوْثُ مُتَوَّقَعٌ 755 فلا شَوْكَةَ، ولذلك قال في الكتاب: "لأنه على قرب العُمْرانِ يعتمد [على] الهَرَبِ دون الشَّوْكَةِ.
وإن لم يكن الغَوْثُ مُتَوَّقعًا، والشوكة حَاصِلَةٌ، فهم قَاطِعُو طريقٍ.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّانِي فِي العُقُوَبَةِ) فَإِنْ اَقْتَصَرَ القَاطِعُ عَلَى أَخْذِ نِصَابٍ فَيُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتِ اليَدُ اليُسْرَى وَالرِّجْلُ اليُمْنَى، وَلاَ يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ النِّصابِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النِّصَابُ لِواحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةِ الرُّفْقَةِ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى القَتْلِ المُجَرَّدِ فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى الإِرْعَاب وَكَانَ رِدَاءً فَلاَ يَجِبُ (ح) إِلاَّ التَّعْزِيرُ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَخْذِ وَالقَتْلِ لَمْ يُقْطَعْ لَكِنْ يُقْتَلْ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى (ح وم) عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ وُيُتْرَكُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ حَتَّى يَتَهَرَّى، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يُصْلَبُ ثُمَّ يُقْتَل بِتَرْكِهِ جَائِعًا عَلَى وَجْهٍ، وَبِجِرَاحَةٍ مُذَفَّفَةٍ عَلَى وَجْهٍ ثُمَّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيهِ بَعْدَ اسْتِنْزَالِهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَغَيْرُ مَقصُودٍ، وَلَكِنْ إِنْ هَرَبُوا شَرَّدْنَاهُمْ في البِلاَدِ بِالاتِّبَاعِ، وَقِيلَ: هِيَ عُقوبَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإِرْعَابِ فَيُنْفَى إِلَى بَلَدٍ ثُمَّ يُقَرَّرُ بِهَا أَو يُحْبَسُ، وَقِيلَ: يُقْتَصَرُ عَلَى النَّفْيِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا عَلِمَ الإمَامُ من رَجُلٍ، أو من جماعة أنهم يَرْتَصِدُونَ 756 الرُّفْقَةَ، ويُخِيفُونَ السَّبِيلَ، ولم يأخذوا بَعْدُ مَالًا، ولا قَتَلُوا نَفْسًا، فينبغي للإمام أن يَطْلُبَهُمْ، وُيعَذِّرَهُمْ بالحَبْسِ وغيره، وهذا كما أنه يُعَزِّرُ على مُقَدِّمَاتِ [الزِّنَا والشرب] 757.
الجزء: 11 - الصفحة: 252
قال ابن سُرَيْجٍ: والحَبْسُ -والحالة هذه- في غير مَوْضِعِهِمْ أَوْلَى؛ لأنه أَحْوَطُ، وأبلغ في الزَّجْرِ [والإِيحَاشِ] 758.
وإن أخذ قَاطِعُ الطريق من المال قَدْرَ نِصَابِ السَّرقَةِ، قُطِعَتْ يدُه اليُمْنَى، ورِجْلُهُ اليُسْرَى، فإن عاد مَرَّةً أخرى، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى ورِجْلُهُ اليمنى، وإنما يُقْطَعُ مِن خِلاَفٍ لئلَّا يفوت جنس المَنْفَعَةِ.
ولا فَرْقَ بين أن يكون النِّصَابُ لواحد، أو لجماعة الرُّفْقَةِ، وكذلك لا يختلف الحُكْمُ في السَّرِقَةِ بين أن يكون المسروق لواحد، أو لجماعة مهما اتَّحَدَ الحِرْزُ 759، وإن كان المأخوذ دون النِّصاب، فلا قَطْعَ، كما في سرقة ما دون النصاب.
وقال ابن خَيْرَان 760: فيه قَوْلاَنِ كالقولين فيما [إذا] 761 قتل قاطع الطريق هل يُعْتَبَرُ في قَتْلِهِ الكَفَاءَةُ؟ على ما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
ولأنه فَارَقَ السَّرِقَةَ في اعتبار الحِرْزِ 762، فَجَازَ أن يُفَارِقَهَا في اعتبار النِّصَابِ.
والمذهب المشهور الأول، واحْتُجَّ له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: " [القطع] في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" 763.
وأما القولان في الكَفَاءَةِ، فقد فُرِّقَ بينهما بأن القَطْعَ المُسْتَحِقَّ في السرقة والمُحَارَبَةِ جَميعًا لله -تَعَالَى- فلا يَخْتَلِفُ المُسْتَحِقُّ به، وفي القَتْلِ المُسْتَحق في غير المُحَارَبَةِ الوَلِيُّ، وفي المُحَارَبَةِ المُسْتَحَق لله تَعَالَى، فجاز أن يختلف [الحكم] 764 كما اختلف المُسْتَحِقُّ، وما ادَّعَاهُ من أَنَّ الحِرْزَ لا يُعْتَبَرُ في قَطْعِ الطريق فممنوع.
بل الذي قاله الأَصْحَابُ أنه لو كان المَالُ ضائعًا 765 تسير به 766 الدَّوَابُّ بلا حَافِظٍ، فلا يَجِبُ به القَطْعُ، ولو كانت الجِمَالُ مقطورة، ولم تَتَعَهَّدْ، كما شرطنا فيها، لم يجب القَطْعُ.
وإن قتل قَاطِعُ الطريق قُتِلَ، وهو قَتْلٌ مُختمٌ، ليس سَبِيلُهُ سَبِيلَ القصاص، وإن جَمَعَ بين القَتْلِ، وأَخْذِ المال، فيجمع عليه بين القَتْلِ والصَّلْبِ.
هكذا فَسَّرَ ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما رَوَاهُ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وغيره ونَزَّلَ العُقُوبَاتِ المذكورة في الآية على هذه المَرَاتِبِ، والمعنى "أن يُقْتَلُوا" إن قَتَلُوا أو
الجزء: 11 - الصفحة: 253
يُصَلَّبُوا [ويقتلوا] إن أَخَذُوا المَالَ وقَتَلُوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاَفٍ إن اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ المال.
وكلمة "أو" للتنويع، لا للتَّخْيِيرِ، كما يقال: الزَّانِي يُجْلَدُ أو يُرْجَمُ.
ويعتبر في المال المَأْخُوذِ أن يكون نِصَابًا، ويكون فيه ما ذُكِرَ من الخلاف.
هذا ظاهر المذهب فيمن جمع بين القَتْلِ، وأَخْذِ المَالِ، ووراءه شيئان:
أحدهما: عن أبي الطَّيْبِ سلمة تَخرِيجُ قَوْلٍ أنه تُقْطَعُ يَدُهُ ورِجْلُهُ، ويُقْتَلُ ويُصْلَبُ، الصَّلْبُ لِجَمْعِهِ بين أَخْذِ المال والقَتْلِ، والقَتْلُ للقتل، وقطع العُضْوَيْنِ لأخذ المال.
والثاني: عن صاحب "التقريب" حِكَايَةُ قَوْلٍ: أنه إن قَتَلَ، وأخذ نِصَابًا قُطِعَ وَقُتِلَ ولَم يُصْلَبْ، وإن قَتلَ وَأَخَذَ ما دون النِّصَابِ لم يُقْطَعْ، ولكن يُقْتَلُ للقتل، ويُصْلَبُ تَنْكِيلاً لِأَخْذِ المال الذي لا يوجب القَطْعَ.
وعند أبي حنيفة: يَتَخَيَّرُ الإمامُ فيمن أَخَذَ المَالَ، وقتل بين أن يَجْمَعَ عليه القَطْعَ وَالْقَتْلَ، أو يَجْمَعَ بين القَتْلِ والصَّلْبِ.
ويُرْوَى أن تقتصر على القتل.
وعن مالك: أن الإِمام يَنْظُرُ في الذين شَهَرُوا السلَاحَ، وأخافوا السَّبِيلَ، ويجتهد فيهم فمن رآه ذا رَأْي قَتَلَهُ، ومن رآه قَوِيًّا لا رَأْيَ له قطعه، [ومن رَأَى] 767 أنه لا رَأْيَ له ولا قُوَّةَ، حَبَسَهُ.
وفي كيفية القتل والصَّلْبِ إذا اجتمعا قولان:
أصحهما: أنه يقتل ثم يُصْلَبُ، ولا يُقَدَّمُ الصَّلْبُ على القتل؛ لأن 768 فيه تَعْذِيبًا وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ، والمقصود من صَلْبِهِ بعد القَتْلِ التَّنْكِيلُ وَزَجْرُ الغَيْرِ، وعلى هذا فكم يُتْرَكُ 769 مَصْلُوبًا؟ فيه وجهان:
أظهرهما -ويُنْسَبُ إلى النَّصِّ: أنه يترك ثَلاَثًا لِيَشْتَهِرَ الحَالُ، ويتم النِّكَالُ، وعلى هذا فإذا مضى الثَّلاَثُ نُظِرَ إن [سَالَ صَلِيبُهُ] 770 وهو الوَدَكُ أُنْزِلَ، وإِلاَّ فوجهان، ويقال: قَوْلان:
أحدهما: لا يُنْزَل؛ لأن الصَّلْبَ سُمِّيَ صَلْبًا؛ لِسَيَلاَنِ صَلْبِ المَصْلُوبِ، فيترك إلى أن يَحْصُلَ السَّيَلاَنُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 254
وأظهرهما: نعم، ويكتفي بما حصل من النَّكَالِ.
وإن خِيفَ [التَّغَيُّرُ] 771 قبل الثلاث، فهل يُنْزَلُ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وبه قال المَاسَرْجِسِيُّ وغيره -وحَمَلُوا قول الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يُصْلَبُ ثلاثًا، على ما إذا كان الهَوَاءُ باردًا، أو مُعْتَدِلًا.
وقالوا: إذا خِيْفَ التَّغَيُّرُ عند شِدَّةِ الحَرِّ يُنْزَلُ قبل تَمَامِ الثلاث.
والوجه الثاني لمن الأصل -وبه قال ابن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يُتْرَكُ حتى يَتَهَرَّأَ وَيسِيلَ 772 صَدِيدُهُ، ولا يُنْزَلُ بحال، والوجهان مُتَّفِقَانِ على أنه يُصْلَبُ على خَشَبَةٍ أو نحوها.
وفي "جمع الجوامع" للرُّوَيانِيّ عن المَاسَرْجِسِيِّ: أنه المذهب، وأن القاضي ابن أبي هُرَيْرَةَ قال: يُطرَحُ على الأَرْضِ حتى يَسِيلَ صَدِيْدُهُ.
قال الإِمام: وذكر الصَّيْدَلَانِيُّ أنه يُتْرَكُ حتى يَتَسَاقَطَ.
وفي القَلْبِ منه شيء فإني لم أَرَهُ لغيره، والتَّسَاقُطُ يقع بعد سَيَلاَنِ الصَّدِيدِ مُدَّةً طويلة.
وإذا قلنا: ينتظر سَيَلاَنُ 773 الصليب فلا نُبَالِي بِإنْتَانِهِ، إذ لا بد منه ولفظ صاحب "التهذيب" في حكاية وَجْهِ ابن أبي هريرة: أنه يُتْرَكُ حتى يسيل صَدِيدُهُ، إِلاَّ أن يتأذى 774 به الأحيَاءُ، ومما ذكره الإِمَامُ أَقْرَبُ إلى سِيَاقِ ذلك الوجه.
فهذا أَصَحُّ القولين، والطُّرُقُ من تفريعه.
والثاني: أنه يُصْلَبُ أوّلاً حَيًّا، ثم يُقْتَلُ -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ؛ لأن الصَّلْبَ شُرعَ 775 عُقُوبَةً له، فَيُقَامُ عليه وهو حَيٌّ، ويُنْسَبُ هذا القَوْلُ إلى رواية صاحب "التلخيص" وغيره.
وفي "النهاية": أن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَكَى هذا المَذْهَبَ عن بعض السلف حكايةً أَشْعَرَتْ بِارْتِضَاءٍ، فصار صائرون من الأصحاب إلى أنه قَوْلٌ للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والصحيح أنه حِكَايَةُ مذهب الغير، فيخرج مما 776 ذُكِرَ طريقة قاطعة بالقَوْلِ الأول.
وكيف يُقْتَلُ؟ إذا فرع على القول الثاني [مصيرًا] 777 إلى إِثْبَاتِ القولين فيه وجوه:
الجزء: 11 - الصفحة: 255
أحدها: أنه يُتْرَكُ بلا طَعَامٍ، ولا شَرَابٍ إلى أن يَمُوتَ.
والثاني: ويُرْوَى عن أبي حَنِيَفَةَ: أنه يُطْعَنُ، وَيُجْرَحُ حتى يَمُوتَ.
والثالث: أنه يُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثًا، ثم يُنْزَلُ [ويقتل 778] وتبين في هذا السياق أن الصَّلْبَ في القول الثاني، يُرَادُ به الصَّلْبُ الذي لا يَمُوتُ منه الشخص 779، والخلاف المذكور في أنه يُنْزَلُ عن الخَشَبَةِ بعد ثلاث، أو يترك حتى يَتَهَرَّى؛ تفريعًا على القول الأَوَّلَ جَارٍ مع تفريعنا على أنه يُصْلَبُ، ثم يُقْتَلُ، وقد ذكرنا ذلك في الجَنَائِزِ.
ومن فروع القولين وقد سَبَقَ في الجَنَائِزِ أَنَّا إذا قلنا: إنه يُقْتَل أَوَّلًا، ثم يصلب، وهو الصحيح، فَيُغَسَّلُ بعد القَتْلِ، ويُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه ثم يصلب مُكَفَّنًا.
وإن قلنا: إنه يُصْلَبُ ثم يقتل، فإن قلنا: إنه ينزل فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ، ويُصَلَّى عليه [ويدفن]، وإن قلنا: إنه يترك حتى يتهرأ فلا غُسْلَ ولا صلاة، ونقلنا هناك وَجهًا مُطْلقًا أنه لا يُصَلَّى على قاطع الطريق استِهَانَةً به، ولا يبعد أن يجري هذا الوَجْه فيما إذا اقْتَصَرَ المُحَارِبُ على القتل.
أما من لم يأخذ مَالاً، ولا قتل نفسًا 780، ولكنه كَثَّرَ جَمْعَ 781 القاطعين وكان رِدْءًا لهم، وأرعب الرُّفْقَةَ فلا حَدَّ عليهم، كما لا حَدَّ في مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا والشُّرْبِ.
ولو أخذ [بعضهم] 782 أقلَّ من نِصَابٍ، فكذلك الحُكْمُ إذا شرطنا النِّصَابَ، ولا يكمل نِصَابُهُ بما أخذ غيره.
وبم يُعَاقَبُ الرِّدْءُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن الإِمَامَ يُعَزِّرُهُ باجتهاده بالحَبْسِ أو التَّغْرِيبِ 783 أو سائر وُجُوهِ التَّأْدِيبِ، كما في سائر الجَرَائِمِ.
والثاني: أنه يُغَرِّبُهُ ويَنْفِيهِ إلى حيث يَرَاهُ، وليختر جهة يحتف 784 بها أهل النَّجْدَةِ والبَأْسِ من أصحابه، لِيَأْمَنَ منه، وإذا عين 785 صَوْبًا منعه من أن يَعْدِلَ عنه ويسير حَيْثُ شاء، وعلى هذا فهل يعزر في البَلْدَةِ المَنْفِيِّ إليها بِضَرْبٍ أو حَبْسٍ أو غيرهما، أو يُكْتَفَى بالنَّفْي؟ فيه وجهان واحتج من ذهب إلى أن الرِّدْءَ يُنْفَى بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
الجزء: 11 - الصفحة: 256
وقال: جعل النَّفْيَ عُقُوبَةً مَقْصُودَةً مع سائر العقوبات المذكورة.
وأصحاب الوجه الأَصَحِّ قالوا: معنى نَفْيِهِمْ من الأرض أنهم إذا هَرَبُوا من حَبْسِ الإمامَ فَيُتْبَعوا ليُسْتَرَدُّوا ويُفَرَّقَ جمعهم (1) وتَبْطُلَ شَوْكَتُهُمْ، ومن ظَفَرْنَا بِهِ نُقِيمُ عليه ما [تؤديه] (2) جِنَايَتُهُ من الحدِّ أو التعزير، ويُرْوَى هذا التنزيلُ عن ابن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وهذا ما أشار إليه بقوله في الكتاب: "وأما النَّفْيُ فغير مقصودٍ ... " إلى آخره، ثم ذكر الوَجْهَ الآخر، وهو أن النَّفْيَ عُقُوبَةٌ مقصودةٌ "فيمن اقتصر على الإِرْعَابِ"، والمذهب الظاهر، هو أنه لا يَلْزَمُهُ إلا التعزير، وقد قَدَّمَهُ من قَبْلُ، ولو ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلى الآخر لكان أَحْسَنَ وأَوْلَى.
وليعلم قوله "ولا يُقْطَعُ فيما دون النِّصابِ" بـ"الواو".
وقوله: "فلا يجب إلاَّ التَّعزِيرُ" بـ"الحاء".
وقوله: "وإن جمع بين الأَخْذِ والقَتْلِ لم يُقْطَعْ" بالواو؛ لما نُقِلَ عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة.
وقوله: "يُصَلَّى عليه" في الموضعين بالحاء؛ لأن عنده لا يُصَلَّى على قَاطِعِ الطريق وبالواو (3) أيضًا لوجه مثله في الجَنَائِزِ.
وقوله: "ثم يُصْلَبُ" بالحاء؛ لأن عنده يُصْلَبُ ثمَّ يُقْتَلُ، وكلمة "يُصْلَبُ" بالواو؛ لما حكاه صاحب "التقريب" أنه إذا قَتَلَ، وأخذ نِصَابًا يُقْطَعُ ويُقْتَلُ، ولا يُصْلَبُ.
وقوله: "وفيه وجه أنه يُصْلَبُ ثم يُقْتَلُ" المشهور منه القول لا الوَجْهُ، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لما نقله الإِمام من القطع (4) بتقديم القَتْلِ على الصَّلْبِ.
وأن يعلم قوله: "بتركه جَائِعًا" بالواو؛ لما مَرَّ وما ذكره في خلال (5) الفصل من غُسْلِ قاطع الطريق والصَّلاَةِ عليه مُكَرَّرٌ قد سَبَقَ ذِكْرُهُ في الجنائز، مع زِيَادَاتٍ، ولو اكْتَفَى بما قَدَّمَهُ لكان جَائِزًا.
"
فرع
" إذا اجتمع عليه القَتْلُ والصَّلْبُ لو مات قبل أن يُقْتَلَ، هل يجب صلبه؟ فيه وجهان:786787788789790
الجزء: 11 - الصفحة: 257
أحدهما -وبه قال القاضي أبو الطَّيبِ-: نعم؛ لأن القَتْلَ والصَّلْبَ مَشْرُوعَانِ حَدًّا، وقد فات أحدهما، فيُسْتَوْفَى الآخر.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأن الصَّلْبَ صِفَةٌ تابعةٌ للقتل، وقد سَقَطَ المَتْبُوعُ، فيسقط التَّابِعُ، وهذا ما يُنْسَبُ إلى رِوَايَةِ الحارث بن سُرَيْجٍ القفال 791 عن النَّصِّ.
والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ العُقُوبَةِ) وَلَهَا حُكْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الظَّفرِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ ظَهَرَ تَقْوَاهُ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْمَاضِيَةُ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ التَّعْرِيضِ لإِقَامَةِ الْحَدِّ تُبْتُ لاَ يُوثَقُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الاسْتِبْرَاءُ وَصَلاَحُ الْحَالِ بِالْعَمَلِ، وَالإِسْقَاطُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: تُبْتُ بَعِيدٌ، ثُمَّ إِنَّمَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ الْحَدُّ دُونَ الْقِصَاصِ وَالْغُرْمِ، وَيَسْقُطُ قَطْعُ الْيَدِ (ح) وَالرِّجْلِ جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الطرف 792 مُدْرَجٌ في حُكمَيْنِ:
أحدهما: قد ذكرنا أن قَاطِعَ الطريق إِذَا هَرَبَ يُتَّبَعُ، وُيقَامُ عليه ما يَسْتَوْجِبُهُ من حَدٍّ 793 أَو تَعْزِيرٍ، فإن مات قبل القُدْرَةِ عليه، سَقَطَ عنه ما يَخْتَصُّ بِقَطْعِ الطريق من العقوباتِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34].
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ: أن أبا الحَسَنِ حَكَى عن القديم قَوْلًا أنه لا يَسْقُطُ، بِنَاءً على الخِلاَفِ في سقوط سائر الحُدُودِ بالتوبة، والمذهب المشهور الأول.
وإن تاب بعد القُدْرَةِ عليه، ففي سقوط ما يَختَصُّ بقطع الطريق بالتَّوْبَةِ طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بأنه لا يسقط، وهو الذي أَوْرَدَهُ أصحابنا العراقيون وغيرهم.
والثاني: أن فيه قولين كالقَوْلَيْنِ في سقوط حَدِّ الزَّانِي، والسارق، وشارب الخمر بالتوبة، وهذا ما حكاه القَاضِي الرُّويَانيُّ عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وعليه جَرَى الإِمَامُ، وصاحب الكتاب، وسواء ثَبَتَ الخِلاَفُ، أو لم يَثْبُتْ فالظَّاهِرُ أنه لا يسقط [وبه يشعر 794] التقييد 795 في قوله تَعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34].
وَفُرِّقَ بين الحَالَتَيْنِ من
الجزء: 11 - الصفحة: 258
جهة المعنى بأنه [بعد] 796 القدرة عليه [متعرض] 797 لِلحَدِّ [مُتَّهَمٌ] بِقَصدِ الدفع في [نفسه] 798 بالتَّوْبَةِ، وأما قَبْلَ القُدْرَةِ عليه فهو ممتنع 799 عن طَاعَةِ الإِمام، وتوبته 800 بَعِيدَةٌ عن التُّهْمَةِ، قَرِيبةٌ من الحقيقة.
وهل تُؤَثِّرُ التَّوْبَةُ في إسقاط حَدِّ الزِّنَا، والسرقة، وشرب الخمر في حَقِّ غير قَاطِعِ الطريق، وفي حَقِّ قاطع الطريق قبل القُدْرَةِ عليه، وبعدها؟ فيه قولان، سبق ذكرهما مَرَّةً في جِنَايَةِ الزِّنَا، والأصح على ما ذكره الإِمام، وصاحب "التهذيب" وغيرهما، ويُنْسَبُ إلى الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها لا تُؤَثِّرُ، واحتج له بأن قوله -تعالى- في آية الزِّنَا: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] مطلق وكذا قوله -عزَّ وجَلَّ- في السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
ولم يفرق بين ما قبل التَّوْبَةِ وبين ما بعدها، [و] 801 أيضًا فإن الكَفَّارَةَ لا تسقط بالتوبة، فكذلك الحُدُودُ التي هي كَفَّارَاتٌ.
والثاني -ورَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ من العراقيين أنها تُؤَثِّرُ في إِسْقَاطِهَا؛ لأنها حدود خَالِصَةٌ لله تعالى، فَأشْبَهَتْ حدَّ قَاطِعِ الطَّرِيق، وَيتَفَرَّعُ على ما ذكرناه فرعان:
أحدهما: ما يسقط بالتَّوْبَةِ في حَقِّ قَاطِعِ الطريق قبل القُدْرَةِ عليه يسقط بنفس التَّوْبَةِ، وأما بعد القُدْرَةِ عليه وفي حق الزَّانِي، والسارق، وشارب الخمر، فقد حكى الإِمَامُ وجهين:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك، وإِظْهَارُ التوبة كَافٍ 802 كإظهار الإِسلام تحت ظِلاَلِ السُّيُوفِ.
والثاني: أنه لا بد مَعَ التَّوْبَةِ من إِصْلاَحِ العَمَلِ ليظهر الصِّدْقُ فيها، وتحصل الثقة 803، ونَسَبَ الإِمَامُ هذا الوَجْهَ إلى القاضي الحُسَيْنِ، والأَوَّلَ إلى سائر الأصحاب، والذي أَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ من العراقيين، وتابعهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّوَيانِيُّ ما نسبه إلى القاضي الحسين، وتَمَسَّكُوا له بظاهر القرآن، فإن الله -تعالى- قال في قُطَّاعِ الطريق: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] لم يَتَعَرَّضْ إلا للتَّوْبَةِ، وقال في الزِّنَا: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] وفي السرقة:
الجزء: 11 - الصفحة: 259
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] فاعتبر الأَصْحَابُ مع التوبة [الإِصْلاَحَ،] 804 ومن جهة المَعْنَى بما سَبَقَ أن توبته قبل القُدْرَةِ لا يَظْهَرُ فيها احْتِمَالُ الخَوْفِ والتَّقِيَّةِ، وفي هذا المُنْتَهَى 805 كلامان:
أحدهما: ذكر الإِمَامُ تَفْرِيعًا على اعتبار إِصْلاحَ العَمَلِ [أن يُمْتَحَنَ] 806 سِرًّا وَعَلَنًا، فإن بَدَا الصَّلاَحُ، أسقطنا الحَدَّ عنه، وإِلَّا حَكَمْنَا [بأنه لم يسقط] ورأى هذا مشكلًا؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى حقيقته، وإن خلى فكيف يتبع، وكيف يُعْرَفُ صلاحه؟! وحُمِلَ ذِكْرُ الصَّلاحَ في الآية على اعتباره في العَفْوِ والمغفرة، ويشبه أن يقال: في التفريع عليه: إذا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ امْتَنَعْنَا من إقامة الحَدِّ عليه، فإن ظَهَرَ الصَّلاَحُ من بَعْدُ، أو لم يَظهَرْ ما يخالف التَّوْبَةَ فذاك، وإن ظهر ما يخالفها أقمنا الحَدَّ عليه.
والثاني: حْكَيْنَا في باب الزِّنَا طريقين في مَوضِعِ القولين، في سُقُوطِ الحَدِّ بالتوبة:
أحدهما: تخصيص القَوْلَينِ بما إذا تَابَ قبل الرَّفْعِ إلى القاضي، فإن تاب بعد الرَّفْعِ لم يَسْقُطْ بلا خلافٍ.
والثاني: طَرْدُ القولين في الحَالَتَيْنِ، وقد يرجع هذا الخِلاَفُ إلى الخِلاَفِ في أن التوبة بمجردها تُسْقِطُ الحد، أو يعتبر صَلاَحُ العَمَلِ؟ إن اعتبرنا الصَّلاَحَ، فلا بد من مُضِيِّ زَمَانٍ يظهر به الصِّدْقُ والصلاح، ولا تكفي التَّوْبَةُ بعد الرَّفْعِ.
الفرع الثاني: إذا تاب قَاطِعُ الطريق قبل القُدْرَةِ عليه، فإن كان قد قتل سقط عنه انْحِتَامُ القَتْلِ، وللولي أن يَقْتَصَّ، وله أن يَعْفُوَ، هذا هو الظاهر، وفيه كلامان:
أحدهما: أنه مبنيٌّ على أن عُقُوبَةَ قاطع الطريق لا تَتَمَحَّضُ حَدًّا، بل يَتَعَلَّقُ بها القِصَاصُ، وهو الأَظْهَرُ على ما سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى.
أما إذا مَحَّضْنَاهَا حَدًّا فلا يَبْقَ عليه شيء.
والثاني: أنه حَكَى تَخْرِيجَ وَجْهٍ في القِصَاصِ، وفي حَدِّ القذف أنهما يسقطان بالتوبة؛ لأنهما يَسْقُطَانِ بالشُّبْهَةِ كحدود الله تعالى.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحسين نَقَلَهُ قولًا عن القديم في حَقِّ القَذْفِ، وإن كان قد قَتَلَ، وَأَخَذَ المَالَ، سقط الصَّلْبُ، وانْحِتَامُ القَتْلِ، وبقي القِصَاصُ، وضمان
الجزء: 11 - الصفحة: 260
المال، وفي القصاص ما ذكرناه.
وإن كان قد أَخَذَ المَالَ سَقَطَ عنه قَطْعُ الرِّجْلِ، وأما قَطْعُ اليد فقد ذُكِرَ وجهان في أنه هَلْ يُعَدُّ من خَوَاصِّ قطع الطريق؟
عن أبي إِسْحَاقَ أنه ليس من خَوَاصِّهِ؛ لتعلُّقِهِ بأخذ نِصَابٍ في السرقة.
وعن أَبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري -رحمهما الله- أنه من خَواصِّهِ؛ لأن قطع اليَد في المُحَارَبَةِ جُزْءٌ من الحَدِّ الوَاجِبِ، والمُوجِبُ له أَخْذُ المال مُجَاهَرَةً، وقطع اليد في السَّرِقَةِ حَدٌّ برأسه، والمُوجِبُ له أَخَذُ المال خُفْيَةً، فقد اخْتَلَفَ المُوجِبُ وَالوَاجِبُ، فإن جَعَلْنَاهُ من خَوَاصِّ قَطْعِ الطريق، سَقَطَ، كقطع الرجل، وهو الأظهر، والجَوَابُ في "التهذيب" وفي الكتاب.
وإن لم نجعله من خَوَاصِّهِ، ففيه الخلافُ المذكورُ في سائر الحدود.
وقوله في الكتاب "يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ قبل الظَّفرِ" يريد به ما يَخْتَصُّ من العقوبة بِقَطْعِ الطريق، ويجوز إعْلاَمُهُ بالواو لما قَدَّمْنَا، وكذا إِعْلاَمُ قوله: "ففيه قولان" لما ذكرنا أنَ بَعْضَهُمْ قَطَعَ بأنه لا تسقط عُقُوبَةُ قاطع الطريق بعد الظَّفَرِ وقوله: "والصحيح أن من ظَهَرَ تَقْوَاهُ ... " إلى آخره ترجيح للقول بالسُّقُوطِ بالتوبة على ما قاله جَمَاعَةٌ من الأصحاب مع اعتبار صَلاَحِ الحَالِ.
وأوضحه بأن قوله: "تُبْتُ" عند التَّعَرُّضِ لإقامة الحدّ لا يُوثَقُ به، فيعتبر الاستبراء ليعلم صِدْقُهُ، وصَلاَح سَرِيرَتِهِ، ويمكن إعْلاَمُ قوله: "فينبغي أن يُعْتَبَرَ معه الاسْتِبْرَاءُ بالواو"، إِشَارَة إلى الوجه المكتفي بِإِظْهَارِ التوبة.
وليعلم قوله: "دون القِصَاصِ بالواو".
وكذا لَفْظُ: "قطع اليَد".
وقوله "وإن أَخَذَ نِصَابًا" لفظ النِّصَابِ غير مُحْتَاجٍ إليه في هذا المَقَامِ، فقد عرفنا من قبل أن القَطْعَ إنما يُنَاطُ بالنِّصَابِ، وَلو قال: إذا أخذ المَالَ بدلًا عن قوله: "وإن أَخَذَ نِصَابًا" كان أَحْسَنَ [الْتِئَامًا] 807.
قال الغَزَالِيُّ: (الْحُكْمُ الثَّانِي) أَنَّ القَتْلَ حَقُّ اللهِ تَعَالَى حَتَّى لَوْ عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ قُتِلَ حَدًّا، وَهَلْ يَثْبُتُ حَقُّ الْقِصَاصِ مَعَهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ لَمْ يُقْتَلْ بِمَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَإِنْ مَاتَ بَقِيَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ قَتَل جَمَاعَةً قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَلِلْآخَرِينَ الدِّيةُ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ قُتِلَ حَدًّا وَلَهُ الدِّيَةُ، فَلَوْ تَابَ قَبلَ الظَّفَرِ لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَدٌّ مَحْضٌ فَلاَ مَدْخَلَ لِلدِّيَةِ فِيهِ وَلاَ لِلْكَفَارَةِ، وَلاَ يَبْقَى قِصَاصٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 261
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَاطِعُ الطريق إذا قَتَلَ في قَطْعِ الطريق خَطَأً، بأن رَمَى إلى شَخْصٍ، فأصاب غَيْرَهُ، أو قَتَلَ شِبْهَ عَمْدٍ، لم يلزمه القَتْلُ، وتكون الدِّيَةُ على عَاقِلَتِهِ، وإن قَتَلَ عَمْدًا، فقد سَبَقَ أنه يَنْحَتِمُ قَتْلُهُ.
وما حَالُ هذا القَتْلِ؟ فيه قولان اخْتَلَفُوا في التعبير 808 [عنهما] 809 [فقالت] 810 طَائِفَةٌ: وهو الأَصَحُّ، هذا القَتْلُ فيه معنى [القِصَاصُ؛] 811 [لأنه] 812 قَتْلٌ في مُقَابَلَةِ قَتْل، وفيه معنى الحُدُودِ؛ [لأنه لا] 813 يَصِحُّ العفو عنه، ويَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بالسلطان، لا بالوَلِيِّ، وما [المُغَلَّبُ من] 814 [المعنيين؟] 815 فيه قولان.
وقال آخرون: هل يَتَمَحَّضُ [هذا] 816 القتل حَقًّا لله -تعالى- أو فيه حَقُّ الآدمي أيضاً؟ فيه قولان، وهذا هو إيراد الكتاب، وهو تَغْلِيبُ حَقِّ الله تعالى، أو تَمْحِيضُهُ حَقًّا لله -تعالى- لأنه لا يَصِحُّ العَفْوُ عنه، وَيتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بالإمام، ووجه رِعَايَةِ حَقِّ الآدمي، وهو الأَصَحُّ -أنه لو قَتَلَ في غير المُحَارَبَةِ لثبت القِصَاصُ للآدمي، فيبعد أن [يَبْطُلَ] 817 حَقُّهُ بوقوع القَتْلِ في المُحَارَبَةِ.
ولنا اختلاف قول في أنه إذا اجتمع حَقُّ الله -تعالى- وَحَقُّ الآدمي تغلَّبَ حَقُّ [الآدمي أم] 818 لا؟ فكيف يَنْتَظِمُ هنا إِبْطَالُهُ بالكُلِيِّة.
ويقال [بناء على] 819 هذا القَوْل: إن أَصْلَ القَتْلِ في مُقَابَلَةِ القتل [والتحتم] 820 حَقُّ الله تعالى، وَيتَفَرَّعُ على الخلاف المذكور [صُوَرٌ:] 821 منها إذا قَتَلَ قَاطِعُ الطريق من لا يُكَافِئُهُ، كالأَبِ يَقْتُلُ الابْنَ، والمسلم يَقْتُلُ الذِّمي، والحُرُّ العَبْدَ، فإن لم يُرَاع معنى 822 القِصَاصِ وحَق الآدمي قتلناه حَدًّا، ولم نُبَالِ بعدم الكَفَاءَةِ، وإن رَاعَيْنَاهُ لم نقتله به، وأوجبنا الدِّيَةَ، أو القيمة.
ولو قتل قَاطِعُ الطريق عبد نفسه فعن ابن أبي هريرة والقَاضِي حسين تَخْرِيجُهُ على الخلاف.
وعن أبي إسحاق القَطْعُ بأنه لا يقتل، كما أنه لا يُقْطَعُ إذا أَخَذَ مَالَ نفسه 823، وهذا ما اختاره الصَّيْدَلاَنِيُّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 262
ومنها: لو مات قَاطِعُ الطريق، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ أخذنا الدِّيَةَ من التَّرِكَةِ، وإلا لم نُوجِبْ في التَّرِكَةِ شَيْئًا.
ومنها: إذا قَتَلَ الوَاحِدُ في قَطْع الطريق جَمَاعَةً، فإن رَاعَيْنَا معنى [القِصَاصِ] 824 قُتِلَ بواحد، وللباقين الدِّيَةُ، وإن قَتَلَهُمْ على [الترتيب قُتلَ] 825 بالأول، ولو عفا وَلِيُّ الأَوَّلِ لم يَسْقُطْ قاله في "التهذيب"، وإن لم نُراعِ معنى القِصَاصِ قُتِلَ بهم، ولم تَجِبِ الدِّيَةُ.
[ومنها: لو عفا] 826 الولي على مالٍ، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ، سَقَطَ القِصَاصُ، وَوَجَبَ المَالُ، وقُتِلَ حَدًّا كمرتد، استوجب القِصَاصُ [وعُفِيَ عنه] 827، وإن لم نُرَاعِهِ، فالعَفْوُ لَغْوٌ.
ومنها: لو تاب 828 قبل [الظَّفَرِ به لم] 829 يَسْقُطِ القِصَاصُ إن رَاعَيْنَا 830 معنى القِصَاصِ، ويسقط الحَدُّ، وإلا فلا شيء عليه وهذا قد مَرَّ.
ومنها: لو قتل القاتل [-يعني: قاطع الطريق-] 831 بمُثَقَّلٍ أو قطع عُضْوٍ، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ [قتلناه] 832 بمثل ما قَتَلَ، وإلا فَيُقْتَلُ بالسَّيْفِ كالمُرْتَدِّ.
ومنها: لو قتله قَاتِلٌ بغَيْرِ إذْنِ الإِمام، فإن رَاعَيْنَا معنى القِصَاصِ فعليه الدِّيَةُ لورثته، [ولا] 833 قِصَاصَ؛ لأن قتله متحتم 834، وَيجِيءُ فيه وجه آخر، وإن لم نراعه 835 فليس عليه إلا التَّعْزِيرُ لافْتِئَاتِهِ 836 على الإِمام.
قال الغَزَالِيُّ: (فُرُوْعٌ، الأَوَّلُ) الْجُرْحُ السَّارِي يُوْجِبُ قَتْلًا مُتَحَتَّمًا، وَلَوْ قَطَعَ عُضْوًا فَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَطْعُهُ؟ فِيْهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَينَ مَا عُهِدَ حَدًّا كالقَطْعِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُعْهَدْ كَالْجِذْعِ وَفَقْءِ الْعَيْنِ، (الثَّانِي): أَنَّهُ يُوَالِي بَيْنَ قَطْعِ اليَدِ والرِّجْلِ، وَمَنِ اسْتُحِقَّ يَسَارُهُ بِالْقِصَاصِ وَيَمِينُهُ بالسَّرقَةِ قُدِّمَ الْقِصَاصُ وَيُمْهَلُ حَتَّى يَنْدَمِلَ ثُمَّ يُقْطَعُ الْيُسْرَى 837 لِلسَّرِقَةِ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ يَمِينُهُ بِالْقِصَاصِ ثُمَّ قَطَعَ الطَّرِيقَ قُطِعَ يَمِينُهُ لِلقِصَاصِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ الآدَمِيِّ وَقُطِعَ رِجْلُهُ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ، لِأَنَّ المُوَالاَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لَوْ قَدَرْنَا عَلَى قَطْعِ يَمِينِهِ حَدًّا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قاطع الطريق إذا جَرَحَ جُرْحًا سَارِيًا فقد قَتَلَ، وقد بَانَ حُكْمُهُ، وإن
الجزء: 11 - الصفحة: 263
جَرَحَ جُرْحًا واقفًا [، نظر إن] 838 كان فيما لا قِصَاصَ فيه كالجَائِفَةِ، فلا يقابل 839 بمثله كما في حَقِّ غير قَاطِعِ الطَّرِيقِ، والواجب فيه المَالُ، فلا يدخل التحتم فيه كَبَذْلِ النفس 840 الواجب بالقَتْلِ الخَطَأِ، وإن كان يَجِبُ فيه القِصَاصُ كَقَطْعِ اليد أو الرِّجْلِ، فيقابل بمثله.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يقتص منه، ويُسْلَكُ بالطَّرَف 841 مَسْلَكَ المَالِ، وعنه: لا يضمن قَاطِعُ الطريق إذا أَتْلَفَ المَالَ، ويكتفي بِحَدِّهِ، كما لا يجتمع القَطْعُ والغُرْمُ على السَّارِقِ واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بأن قَاطِعَ الطريق متعدّ لا شُبْهَةَ 842 له في طرف الرُّفْقَةِ ولا في مالهم، فَلَزِمَهُ ضَمَانُها، وهل يَتَحَتَّمُ القِصَاصُ في الجِرَاحَةِ 843؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم -كما يَتَحَتَّمُ القَتْلُ [عند القَتْلِ] 844.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن التَّحَتُّم تَغْلِيظٌ لحق الله -تعالى- فَيَخْتَصُّ بالنَّفْسِ كالكَفَّارَةِ.
وعن أبي منصور [بن مَهْرَانَ] 845 أن الفَرْقَ بين النَّفْسِ والطَّرَفِ -أن الغالب أن قَاطِعَ الطريق يَقْصِدُ المَالَ أو النَّفْسَ لِعَدَاوَةٍ اشتدت بين قوم وقوم فَشُرِعَتْ 846 في كل واحد منهما عُقُوبَةٌ مُتَحَتِّمَةٌ، وأما الجِرَاحَاتُ، فإنها لا تُقْصَدُ بِقَطْعِ الطريق في الغالب؛ فلم يُشْرَعْ فيها، التَّحَتُّمُ، وبقي الوَاجِبُ فيها على أصل التخيير، وهذان القولان أَطْلَقَهُمَا مُطْلِقُونَ في كل عُضْوٍ، يجري فيه القِصَاصُ.
ومنهم من قَطَعَ بالتحتم في القَطْع الذي يُشْرَعُ حُدًّا، وهو قَطْعُ اليَدَيْنِ والرجلين، وَخَصُّوا 847 القولين بما لا يُشْرَعُ حدًا كَجَدْعِ الأَنْفِ والأُذُنِ، وَفَقْءِ العَيْنِ، ويخرج من الطريق عند الاختصار ثَلاَثَةَ أقوال أو أوجه، كما في الكتاب.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ" بالواو لِقَطْعِ مَنْ قَطَعَ في اليدين والرجلين بالتحتم [وأيضًا] 848 في "جمع الجوامع" للقاضي الرُّوَيَانِيِّ أن القاضي الطَّبَرِيَّ قال: لا يُعْرَفُ للشَّافِعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلا أنه لا يتحتَّم، وهذا كالقَطْعِ بِنَفْسِ التَّحَتُّمِ.
وذكر ابن الصَّبَّاغ تَفْرِيعًا على الخِلاَفِ في أَن الجِرَاحَاتِ هل تَتَحَتَّمُ أنه لو قطع يَدَهُ، ثم قَتَلَهُ في المُحَاَرَبَةِ، فإن قلنا: الجِرَاحَةُ لا تَتَحَتَّمُ، فالحُكْمُ كما لو قَطَعَ في غير
الجزء: 11 - الصفحة: 264
الْمُحَارَبَةِ، ثم قتله في المُحَارَبَةِ، وسيأتي ذلك في الفَرْعِ الذي يَلِي هذا الفَرْعِ.
وإن قلنا: يَتَحَتَّمُ، فيقطع ثم يقتل، ولو قَطَعَ يَدَ إنسان في المُحَارَبَةِ، وأَخَذَ المَالَ، نظر إن قطع يَمِينَهُ فإن قلنا: [لا] 849 يَتَحتم، وعَفَا أَخَذَ دِيَة اليَدِ، وقطعنا يَمِينَ المُحَارِبِ وَرِجْلَهُ اليسرى حَدًّا، وإن لم يَعْفُ أو قلنا بالتحتم قُطِعَتْ يمينه بالقِصَاصِ، وتقطع رِجْلُهُ حَدًّا، كما لو قطع الطريق ولا يَمِين له.
وإن قطع يساره فإن قلنا: لا يتحتم، وعَفَا، أخذ الدِّية، وقطعت يده اليمنى، ورِجْلُهُ اليُسْرَى، وإن لم يَعْفُ أو قلنا بالتحتم قُطِعَتْ يساره، ويؤخر قَطْعُ اليمين والرجل اليُسْرَى إلى انْدِمَالِ اليَسَارِ ولا نوالي بين عُقُوبَتَيْنِ.
وقوله: "والثاني أنه يوالي" في الفَرْعِ الثاني إلى آخر الفَرْعِ، يوالي على قاطع الطريق بين قَطْعِ اليد والرجل، فإن قَطْعَهُمَا جميعًا عُقَوبَةٌ واحدة كالجلدات 850 في الحَدِّ الواحد، وإن كان مَقْطُوعَ اليمين، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليسرى، ولا تجعل اليَدُ اليُسْرَى بَدَلًا عن اليمنى كالسَّارِقِ [فإن] كانت يَدُهُ نَاقِصَةَ بإصبع 851 تُقْطَعُ يَدُهُ النَّاقِصَةُ، ولا تُقْطَعُ رجله، ويكتفي بما بقي من مَحَلِّ الحَدِّ، وإن كان مَفقُودَ اليَدِ اليمنى، والرِّجْلِ اليسرى، فحينئذ تُقْطَعُ يده اليسرى، ورِجْلُهُ اليمنى.
ولو قطع يَسَارَ إنسان واستحقت يَسَارُهُ قِصَاصًا، وسرق تُقْطَعُ يَسَارُهُ قصاصًا، ويُمْهَلُ إلى الاندمال، ثم تُقْطَعُ يمينه عن السَّرِقَةِ، ولا يوالي بينهما، فإنهما عُقُوبَتَانِ مختلفتان، وُيقَدَّمُ القِصَاصُ؛ لأنه حَقُّ آدَمِيِّ، والعقوبة التي هي حَقُّ الآدمي آكد من العُقُوبَةِ التي هي حَقُّ الله -تعالى- لأنها تسقط بما لا تَسْقُطُ به عقوبة الآدميين، فقدم الآكد وكذلك فَارَقَتِ العُقُوبَاتُ الحُقُوقَ المالية، حيث تَرَدَّدَتِ الأَقْوَالُ في أنه يُقَدَّمُ حق الله -تعالى- أو حَقّ الآدمي، أو يستويان؛ لأنهما اسْتَوَيَا في التَّأَكُّدِ، وَعَدَمِ السقوط بالشبهات 852 وتعارض فيهما حاجة الآدمي، والتَّأَكُّد بالإضافة إلى الله -تعالى- ومصرفه الآدَمِيّ أيضًا، فَتَرَدَّدَ القَوْلُ فيها.
هكذا ذكر الفرق الإمَامُ وغيره.
ولو وجب قَطْعُ اليد اليمنى، والرجل اليُسْرَى بقطع الطَّرِيقِ، وقطع اليد اليسرى بالقِصَاصِ، فكذلك يُقَدَّمُ قَطْعُ اليسرى قِصَاصًا، ثم تُمْهَلُ إلى الاندمال، ثم يقطع العضوان 853 لِقَطْعِ الطريق.
ولو قَطَعَ يَمِينَ إنْسَانٍ، واستحقَّتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا، وقطع الطريق فإن عَفَا مُسْتَحِقُّ
الجزء: 11 - الصفحة: 265
القِصَاصِ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ، ورجله اليسرى حَدًّا، وإلا فَيُقَدَّمُ القِصَاصُ، وتقطع الرِّجْلُ اليسرى عن الحَدِّ، وتقطع بعد القِصَاصِ عن اليمين في الحال، أو تُمْهَلُ إلى الاندمال 854؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أنها تُقْطَعُ بلا إمْهَالٍ؛ لأن المُوَالاَةَ بين العُضْوَيْنِ مستحقة لولا القِصَاصُ، وما يخاف من المُوَالاَةِ لا يختلف بين أن يكون قَطْعُ اليمين عن الحد أيضًا، أو عن القِصَاصِ.
والثاني: يُمْهَلُ إلى الانتقال؛ لأن اليَمِينَ إذا لم تُقْطَعْ حَدًّا، فالمستحق عن جِهَةِ الحَدِّ، قطع الرجل لا غير، فَأَشْبَهَ ما إذا اسْتَحَقَّ طرفان 855 عن جهتين.
وإن اسْتَحَقَّتْ يَدُهُ اليمنى، والرجل اليسرى بالقِصَاصِ، وقطع الطريق، نظر إن عفا المُسْتَحِقُّ عن القصاص، قُطِعَ العُضْوَانِ عن الحد، وإن اقتصَّ 856 فيهما سَقَطَ الحد لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ الذي تَعَلَّقَ به، ولو قطع العضوين في قَطْعِ الطريق، وأَخْذِ المال أيضًا، فإن قلنا: الجِرَاحَةُ في قطع الطريق لا تَحتمُ، فالحُكْمُ كما لو قطع العضوين، لا في قَطْعِ الطريق، وقطع الطريق أيضًا.
وإن قلنا بالتَّحَتُّم قطعناهما قِصَاصًا، وسقط الحَدُّ.
كذلك ذكر الشيخ أبو حَامِدٍ، وابن الصَّبَّاغِ وغيرهما، وسووا بين أن يقطع العضوان 857 قبل أَخْذِ المَالِ أو بعده.
وقال الشيخ أبو [إسْحَاقَ] 858 الشيرازي: إن قلنا بالتَّحَتُّمِ، فإن تَقَدَّمَ أَخْذُ المال، واقتصَّ في العُضْوَيْنِ، سَقَطَ الحَدُّ.
وإن تقدم قَطْعُ العُضْوَيْنِ، ثم أخذ المال، فلا يسقط بالقِصَاصِ حَدُّ قَطْعِ الطريق، بل تُقْطَعُ يَدُهُ اليسرى، ورِجْلُهُ اليمنى؛ لأن اليَدَ اليُمْنَى والرجل اليسرى مُسْتَحِقَّانِ بَالقِصَاصِ، وكأنه قطع الطريق، وليس له يَمِينٌ ولا رجل يُسْرَى.
ولو قَطَعَ الرِّجْلَ اليسرى، واليَدَ اليمنى من إِنْسَانٍ، ولزمه القِصَاصُ فيهما، وقطع الطريق بما يوجب قَطْعَ اليَدِ اليمين، والرِّجْلِ اليسرى، فإنْ عَفَا مُسْتَحِقُّ القِصَاصِ، قطعت يَدُهُ اليمنى، ورِجْلُهُ اليسرى حَدًّا، وإلا اقتصَّ منه، ثم أمهِلَ [إلى] 859 الانْدِمَالِ، ثم يقام عليه الحَدُّ، وإن قَطَعَ اليَدَ اليمنى، والرجل اليسرى في قَطْعِ الطريق أيضًا، فإن قلنا بأن الجِرَاحَاتِ لا تحتمُ، وَعَفَا مُسْتَحِقُّ القصاص، أُقِيمَ عليَه الحَدُّ، وإن طلب القِصَاصَ وقلنا بالتَّحَتُّمِ، فيكون الحكم، كما لو قَطَعَ اليَدَ اليسرى، والرجل اليمنى لا في قَطْعِ الطريق.
وقد بَانَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 266
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ): إِذَا اجْتَمَعَتْ عُقُوبَاتٌ لِلآدَمِيِّينَ كَحَدِّ القَذْفِ والقَطْعِ والقَتْلِ وَطَلَبُوا جَمِيعًا جُلِدَ ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقُّ القَتْلِ غَائِبًا لَمْ يُبَادَرْ إِلَى القَطْعِ بَعْدَ الجَلْدِ خَوْفاً مِنَ الْهَلاَكِ بِالْمُوَالاَةِ، وإنْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ حَقَّهُ اسْتَوْفَى الجَلْد وَتَعَذَّرَ القَتْلُ إِذْ فِيهِ تَفْوِيتُ القَطْعِ فَعَلَى مُسْتَحِقِّ القَتْلِ الصَّبْرُ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَقْطَعَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجْتَمَعَتْ على شَخْصٍ عُقُوبَاتُ الآدميين؛ كَحَدِّ القذف، والقطع قِصَاصًا [والقتل قصاصًا] 860 نظر [إن حَضَرَ] 861 المستحقُّون، وطَلَبُوا تَوْفِيَةَ حقوقهم جميعًا، جُلِدَ ثم قطع، ثم قتل، ويُبَادَرُ إلى القَتْلِ بعد القَطْعِ، ولا يُبَادَرُ إلى القطع بعد الجَلْدِ إن كان مُسْتَحِقُّ القَتْلِ غائبًا؛ لأنه قد يهلك بالمُوَالاَةِ، فيفوت قِصَاصُ النَّفْسِ، وتذهب النَّفْسُ هَدرًا، وإن كان حاضرًا وقال: لا تُؤَخِّرُوا القَطْعَ لي فإني أُبَادِرُ إلى القَتْلِ بعد القطع، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُبَادر إليه؛ لأن التَّأْخِيرَ كان لحقه 862، وقد رَضِيَ بالتقديم.
وأظهرهما: المنع؛ خَوْفًا من أن تَهْلِكَ النفس بالمُوَالاَةِ.
ورأى الإِمام تَخْصِيصَ الوجهين بما إذا خِيفَ مَوْتُهُ بالمُوَالاَةِ بحيث يَتَعَذَّرُ قِصَاصُ النفس لانْتِهَائِهِ إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، ورأى أن يقطع بالمُبَادَرَةِ إذا أمكن اسْتِيفَاءُ القِصَاص بعد القطع وإن لم يَجْتَمِعُوا على الطَّلَبِ، فإن أَخَّرَ مستحق النفس حَقَّهُ، جلد فإذا بَرِئَ قطع، وإن أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ حَقَّهُ، جُلِدَ، وَيَتَعَذَّرُ القَتْلُ بحق مُسْتَحِقِّ الطرف، فعلى مستحق النَّفْسِ الصَّبْرُ إلى أن يَسْتَوْفِي مُسْتَحِقُّ الطرف حَقَّهُ.
قال في "الوسيط": ولو مُكِّنَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ من القَتْلِ، وقيل لمستحق الطرف: بَادِرْ، وإلا ضَاعَ حَقُّكَ لفوات مَحِلِّهِ، لم يكن بعيدًا، ولو بَادَرَ مستحق النفس، وقَتَلَهُ كان مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ، ويرجع مُسْتَحِقُّ الطرف إلى الدية.
واعلم أن تَقْدِيمَ القَطْعِ على القَتْلِ إذا حضر المُسْتَحِقَّانِ قد سبق ذِكْرُهُ في الكتاب في الطَّرَفِ الثاني في حُكْمِ القِصَاصِ الواجب، ورَوَيْنَا هناك عن مَالِكٍ أنه يكتفي بالقتل عن القَطْعِ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لذلك قَوْلُهُ هاهنا: "ثم قطع" بالميم.
ولو أخر مُسْتَحِقُّ الجَلْدِ حَقَّهُ، فقياس ما سَبَقَ أن يَصْبِرَ الآخَرَانِ، وإذا اجتمع على وَاحِدٍ حُدُودُ قَذْفٍ لجماعة، فَيُحَدُّ لكِل واحد منهم حَدًّا، ولا يوالي بينها، بل إذا حُدَّ
الجزء: 11 - الصفحة: 267
لِوَاحِدٍ أُمْهِلَ حتى يَبْرَأَ 863 جِلْدُهُ، ثم يُحَدُّ للآخر.
هكذا أَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" وغيره، لكن قد مَرَّ في القِصَاصِ أنه يوالي في قَطْعِ الطرف قِصَاصًا، وقياسه أن يُوَالي بين الْحُدُودِ، وذكروا تَفْريعًا على الأَوَّلِ وَجْهَيْنِ في أنه لو وَجَبَ على العَبْدِ حَدّانِ [لقذف] 864 شخصين، هل يوالي بينهما؟
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" المَنْعُ؛ لأنهما حَدّانِ.
والثاني: يوالي؛ لأنهما جميعًا كَحَدٍّ يُقَامُ على الحُرِّ وقال الرُّوَيانِيُّ: هذا أَقْرَبُ إلى المَذْهَبِ، وأما ترتيب حُدُودِ القَذْفِ، فينبغي أن يُقَال: إن قذفهم على الترتيب حُدَّ الأول فالأول، وإن قَذَفَهُمْ بكلمة واحدة وقلنا بِتَعَدُّدِ الحد، وهو الأَصَحُّ فَيُقْرَعُ بينهم.
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ): إِذَا اجْتَمَعَ حُدُود للهِ تَعَالَى كَحَدِّ الشُّرْبِ وَالقَذْفِ وَالزِّنَا وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَالقَتْلِ فَالْبِدَايَةُ بِالأَخَفِّ ثُمَّ يُمْهَلُ إِلَى الانْدِمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ القَتْلُ فَلاَ إِمْهَالَ، وَلَوِ اجْتَمَعَ حَدُّ القَذْفِ وَحَدُّ الشُّرْبِ قُدِّمَ حَدُّ القَذْفِ لِأَنَّه حَقُّ الآدَمِيِّ، وَعَلَى وَجْهٍ يُقَدَّمُ حَدُّ الشُّرْبِ لِأَنَّه أَخَفُّ، وَمَنْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ انْدَرَجَ جَلْدُهُ عَلَى الأَصَحِّ تَحْتَ الرَّجْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا اجتمع على وَاحِدٍ حُدُودٌ لله -تعالى- بأن شَرِبَ 865 وَزَنَا، وهو بِكْرٌ وسرق، ولزمه القَتْلُ بالرِّدَّةِ، فيقدم الأَخَفُّ فالأَخَفُّ، ويجب رِعَايَةُ هذا الترتيب، والإِمْهَال؛ سَعْيًا في إقامة الجَمِيعِ، وَأَخَفُّهَا حَدُّ الشرب، فيقام [به] ثم يُمْهَلُ حتى يبرأ 866، ثم يُجْلَدُ للزنا، ويُمْهَلُ، ثم يُقْطَعُ، فإذا لم يَبْقَ إلا القَتْلُ قُتِلَ، ولم يؤخّر.
وفيما علق عن أبي بكر الطُّوسِيِّ وجه أنه إذا كان في العُقُوبَاتِ [قتل] 867 يوالي بينها، بلا إِمْهَالٍ، والمذهب المشهور الأَوَّلُ.
وإن اجتمع معها أَخْذُ المَالِ في المُحَارَبَةِ، قطعت يَدُهُ ورجله بعد جَلْدِ 868 الزنا، وهل يوالي بين قَطْعِ اليدِ والرِّجْلِ، أو يؤخّر قطع الرجل إلى أن يَنْدَمِلَ قطع اليد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن اليَدَ مَقْطُوعَةٌ عن السَّرِقَةِ، والرجل عن المُحَارَبَةِ، ولا مُوَالاَةَ بين الحَدَّيْنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 268
وأصحهما -وهو المنصوص: نعم، كما لو لم يُوجَدْ إلا المُحَارَبَةُ، والقَطْعَانِ قد جعلا عن المُحَارَبَةِ إِدْرَاجًا لِقَطْعِ السرقة في قطع المُحَارَبَةِ، وقد نقول هذا عن السَّرِقَةِ، وهذا عن المُحَارَبَةِ، لكن العُضوَينِ مَقْطُوعَانِ، لو لم يوجد إلا المُحَارَبَةُ، فزيادة الجِنَايَةِ لا تمنع من المُوَالاَةِ.
وإن اجتمعت عقوبات لله -تعالى- وللآدَمِيِّينَ، كما إِذَا انْضَمَّ حد القَذْفِ إلى هذه العقوبات، فَحَدُّ القذف يُقَدَّمُ على حَدِّ الزنا.
نصَّ عليه، واختلفوا في أنه لِمَ يُقَدَّمُ؟ فعن أبي إِسْحَاقَ في جماعة أنه إنما يُقَدَّمُ؛ لأنه حَقُّ الآدمي، وحقوق الآدميين مَبْنِيَّةٌ على المُضَايَقَةِ، وهذا أَصَحُّ عند الأَئِمَةِ.
وقال ابن أبي هريرة: إنما يُقَدَّمُ؛ لأنه أَخَفُّ، وفيما يقدم في حَدِّ القذف [والشرب] 869 وجهان بِنَاءً على المعنيينن إن قلنا [إن التقديم] 870 هناك؛ لأنه حَقُّ الآدمي، فيقدم حَدُّ القَذْفِ، وإن قلنا: لأنه أَخَفَّ، فيقدم حَدُّ الشرب، ويجريان في حَدِّ 871 الزنا، وقطع الطِّرَفِ قِصَاصًا، والإِمْهَالُ بعد كل عُقُوبَةٍ إلى الانْدِمَالِ على ما ذكرنا ولو كان القَتْلُ الوَاجِبُ بَدَلَ قتل الردة القَتْلُ قصاصًا، فالقول في الترتيب، والإِمْهَالِ، كذلك، وإذا اجتمع الرَّجْمُ للزنا، والقَتْلُ قِصَاصًا، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ حِكَايَةُ وجهين.
أحدهما: أنه يُقْتَلُ رَجْمًا بإذن الوَلِيِّ لَيَتَأَدَّى الحَقَّانِ.
وأصحهما: أنه يسلم إلى الوَلِيِّ ليقتله قِصَاصًا.
ولو كان القَتْلُ الواجب في المُحَارَبَةِ؛ فهل يجب التَّفْرِيقُ بين الحُدُودِ المُقَامَةِ قبل القَتْلِ؟ فيه وجهان:
أحدهما -ويُنْسَبُ إلى أبي إِسْحَاقَ-: أنه لا يجب؛ لأنه مُتَحَتِّمُ القتل والإهلاك، فلا معنى للإمهال 872، بخلاف قتل الرِّدَّةِ، فإنه يُتَوَقَّعُ عَوْدُهُ إلى الإِسلام، ويخالف القتل قِصَاصًا، فإنه يُتَوَقَّعُ العَفْوُ.
وأصحهما: أنه يجب؛ لأنه قد يَمُوتُ بالمُوَالاَةِ، فتفوت سَائِرُ الحُدُودِ، فإذا اجتمع قَتْلُ المُحَارَبَةِ مع 873 قَتْلِ قِصَاصٍ لا في المُحَارَبَةِ، نظر في الأَسْبَقِ فإن كان القَتْلُ في المُحَارَبَةِ أَسْبَقَ، قتل حَدًّا، ويعدل للقتل الآخر إلى الدِّيَّةِ، وإن كان القَتْلُ الآخر سَبَقَ تخير الوَلِيُّ فيه، فإن عَفَا عنه، قُتِلَ وصُلِبَ لِلْمُحَارَبَةِ وإن اسْتَوَفَى القصاص فَيُعْدَلُ لِقَتْلِ المُحَارَبَةِ إلى الدِّيَةِ.
وهل يصلب؟.
الجزء: 11 - الصفحة: 269
فيه الخلاف المذكور فيما إذا مَاتَ المُحَارِبُ قبل أن يُقْتَلَ، ولو سَرَقَ، ثم قتل في المُحَارَبَةِ، فيقطع للسَّرِقَةِ، ويقتل لِلمُحَارَبَةِ، أو يقتصر على القتل والصَّلْبِ، ويدرج حَدِّ السرقة في حَدِّ المُحَارَبَةِ؟
حكى صاحب "الشَّامل" فيه وجهين.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: إن لم يكن في العُقُوبَاتِ قَتْلٌ، [فيبدأ] 874 بِحَدِّ القذف، ثم يَتَخَيَّرُ في الابتداء بِحَدِّ الزنا، والابتداء بالقَطْعِ، ثُمَّ يُحَدُّ للشرب، وإن كان معها قتل، قنع به، وسقطت سَائِرُ الحُدُودِ إلا حَدَّ القذف، فَيُحَدُّ للقذف، ثم يُقْتَلُ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لمذهبه قوله في الكتاب 875: "بالأخف" بالحاء.
المسألة الثانية: من زَنَا وهو بِكْر مِرَارًا، حُدَّ لها حَدًّا وَاحِدًا، وكذا لو سَرَقَ [أو شرب] مِرَارًا، وكيف يُقَدَّرُ أتجب حُدُودٌ، ثم تسقط، وتَعُودُ إلى وَاحِدٍ، ولا يجب إلا وَاحِدٌ وتجعل 876 الزنيات كالحركات في الزَّنْيَةِ 877 الواحدة؟ ذكروا فيه احتمالين 878، وأَيَّدُوا الثاني بأن مَهْرَ المِثْلِ في مُقَابَلَةِ جميع الوَطْئَاتِ المبنيات 879 على شُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ، فالحد أَوْلَى بذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 270
ولو زَنَا أَو شَرِبَ، فأقيم عليه الحَدُّ ثم زنا أو شرب [ثانيًا] 880 أقيم عليه [حدٌ آخر] 881؛ فإن لم يبرأ 882 بَعْدُ من الأَوَّلِ أُمْهِلَ حتى يَبْرَأَ 883، ولو أقيم عليه بَعْضُ الحَدِّ، ثم ارتكب [الجَرِيمَةَ] 884 ثانيًا، دخل الباقي في الحَدِّ الثاني، وإذا زَنَا فَجُلِدَ، ثم زنا قبل التَّغْرِيبِ، جُلِدَ ثانيًا، وكَفَاهُ تَغْرِيبُ وَاحِدٍ، ولو جلد خمسين، فزَنَا ثانيًا جُلِدَ مائة، وَغُرِّبَ، ودخل في المائة الخَمْسُونَ الباقية.
ولو زنا وهو بِكْرٌ، ثم زَنَا قبل إِقَامَتِهِ الحَدَّ عليه، وقد أحصن 885، فهل يكتفي بالرَّجْمِ ويدخل الجَلْدُ فيه، أو يجمع 886 بينهما؟ فيه وجهان:
وجه الأَوَّل: أنها عُقُوبَةُ جَرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، فأشبه ما إذا كان بِكرًا عند الزَّنْيَتَيْنِ، وهذا أَصَحُّ عند الإِمام، وصاحب الكتاب.
ووجه الثاني: أنهما عُقُوبَتَانِ مختلفتان، فلا تَدْخُلُ إحداهما في الأُخْرَى؛ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وقَطْعِ السَّرِقَةِ، وهذا أَصَحُّ عند صاحب "التهذيب" وغيره، وعلى هذا فَيُجْلَدُ مائَةً، ويُغَرَّبُ عامًا، ثم يُرْجَمُ، أو يجلد [ويرجم] 887 ويكتفي بالرَّجْمِ عن التغريب؟ فيه وجهان: أظهرهما: الثاني.
ولو زَنَا العَبْدُ، وعُتِقَ قبل إِقَامَةِ الحَدِّ عليه، فَزَنَا ثانيًا، فإن كان بِكْرًا، فيجلد مائة، ويُغَرَّبُ عامًا، ويدخل في حَدِّ الرِّقِّ 888، فإن كان مُحْصَنًا، فيجلد خمسين، ثم يرجم.
هكذا أطلق في "التهذيب"، ويشبه أن يكون على الخِلاَفِ المذكور فيما إذَا زَنَا، وهو بِكْرٌ، ثم زَنَا وهو ثَيِّبٌ.
ولو زنا الذِّمِّيُّ المُحْصَنُ، ثم نقض العَهْدَ، واسترقّ، [فزنا ثانيًا] 889 ففي دُخُولِ الجَلْدِ في الرجم الوجهان المذكوران، فيما إذا زنا [وهو بكر ثم زنا] 890 وهو ثَيِّبٌ.
قال في ""التهذيب": الأَصَّحُّ المَنْعُ، فيجلد أَوَّلًا خمسين لِزِنَاهُ بعد الاسْتِرْقَاقِ، ثم يرجم.
وإن قلنا: إن العَبْدَ يُغَرَّبُ، فيكتفي بالرَّجْمِ عن التغريب، أو يغرب، ثم يُرْجَمُ فيه الخِلاَفُ الذي سَبَقَ [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) أَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَوْ مِنَ الرُّفْقَةِ إِذَا لَمْ يُضِيفُوا فِي الشَّهَادَة الجِنَايَةَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا: أُخِذَ مَالُ رُفَقَائِنَا وَمَالِنَا.
الجزء: 11 - الصفحة: 271
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَطْعُ الطريق يَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، ولا يثبت بشهادة رَجُلٍ وامرأتين، ولا بد في الشَّهَادَةِ من التفصيل وتعيين 891 قَاطِعِ الطريق، ومن قتله أو أَخَذَ مَالَهُ، وتقاس صُوَرُهُ بما مَرَّ 892 في الشهادة على السَّرقة، ولو شهد اثْنَانِ من الرُّفْقَةِ، نظر إن لم يَتَعَرَّضَا [لِقَصْدِ] 893 المشهور عليه نفسًا ومالاً قبلت شَهَادَتُهُمَا، وليس على القاضي أن يَبْحَثَ عن حَالهما أَهُمَا من الرُّفْقَةِ أم لا؟ فإن بحث 894 فلهما ألاّ يجيبا 895، وأن يقيما على الشَّهَادَةِ، وإن قالا: قطع هذا، أو هؤلاء علينا الطَّريق فأخذوا مَالَنَا، وَمَالَ رُفَقَائِنَا لم تقبل شهادتهما [في حق أنفسهما ولا في حق غيرهما] وهذا هو المشهور المذكور في الكتاب.
وفي شرح القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حَكَى عن بَعْضِ الأَصْحَابِ أن في قَبُولها في حَقِّ غيرهما قولين كالقَوْلَيْنِ فيمن شَهِدَ لنفسه وشَرِيكِهِ ترد شهادته لنفسه، وفي الشريك قولان، وكذا لو قَالَ الشَّاهدان [: إن] 896 فلانًا قَذَفَ أُمَّنَا فُلاَنَة، لا تقبل شَهَادَتُهُمَا في حَقِّ الأُمِّ، وفي الأجنبية قولان، وفَرَّقُوا على ظاهر المَذْهَبِ بأنهما بالشَّهَادَةِ على قَطْعِ الطريق أثبتا 897 أن العَدَاوَةَ بينهما وبين من شَهِدَ عليه بِشَهْرِ السِّلاَحِ عليهما، وقَصْدِهِ نَفْسَهُمَا وَمَالَهُمَا، وشهادة العَدُوِّ علي العَدُوِّ مَرْدُودَةٌ على الإطلاَقِ.
وفي صُوَرَتَي القولين شهادته في حَقِّ نفسه، وفي حَقِّ الأُمِّ مَرْدُودَةٌ لِلتُّهْمَةِ، ولم تُوجَدِ التُّهْمَةُ بالإضافة إلى الأجنبي، فَبَعَّضْنَا الشَّهَادَةَ وقبلناها في حَقِّ الأجنبي على قول ونظير ما نحن فيه من القَذْفِ أن يقولا: قذفنا وفلانة لا تقبل شهادتهما أَصْلًا.
وعن المَاسَرْجِسِيِّ وغيره أنه لو شَهِدَ اثْنَانِ بِوَصِيَّةٍ لهما فيها نصيب أو إِشْرَافٌ لم تقبل شَهَادَتُهُمَا بجميعها، وإن قالا: نشهد بها سوى ما يَتَعَلَّقُ بنا من المَالِ والإشراف قبلت شهادتهما.
فرع: يحسمُ موضع القَطْعِ من يد قَاطِع الطريق ورجله، كما مَرَّ في السارق، ويجوز أن تُحْسَمَ اليَدُ، ثم تقطع الرَّجْلُ، وأنَّ يقطعا جميعًا ثم [يحسما] 898 آخر: في "الرقم" لِلعَبَّادِيِّ بِنَاء وُجُوبِ الكَفَّارَةِ عَلى قاطع الطريق، على أن قتله حَدٌّ مَحْضٌ 899، أو يراعى فيه معنى القِصَاص، إن قلنا بالثاني، فعليه الكَفَّارَةُ 900. والله أعلم.
[وهذا تَمَامُ الكلام في قَطْعِ الطريق] 901.
الجزء: 11 - الصفحة: 272
قال الغَزَالِي
ُّ: (الجِنَايَةُ السَّابِعَةُ: الشُّرْبُ)
وَالنَّظَرُ فِي المُوجِبِ وَالوَاجِبِ (أَمَّا المُوجِبُ) فَكُلُّ مُلْتَزِمٍ شَرِبَ ما أَسْكَرَ جِنْسُهُ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ لَزِمَهُ الحَدُّ، فَلاَ حَدَّ عَلَى الحَرْبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، وَيَجِبُ عَلَى الحَنَفِيِّ إِذَا شَرِبَ النَّبِيذَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَيَجِبُ لِشُرْبِ النَّبِيذِ المُسْكِرِ جِنْسُهُ وَإِنْ قَلَّ (ح)، وَلاَ يَجِبُ عَلَى المُكْرَهِ وَلاَ عَلَى مَنِ اضْطَرَّهُ العَطَشُ أَوْ إِسَاغَةُ لُقْمَةٍ إلَى شُرْبِ خَمْرٍ إِذْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالخَمْرِ وَلَكِنْ يَسْقُطُ الحَدُّ بِهِ، ويَجُوزُ التَّدَاوِي بِالأَعْيَانِ النَّجسَةِ وَالمَعْجُونِ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى حَدِيثِ العَهْدِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّحْرِيمَ، فَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَ الحَدِّ حُدَّ، وَمَنْ شَرِبَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ شَرَابٌ آخَرُ فَلاَ حَدَّ، وَلَو سَكِرَ فَهُوَ كَالمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلاَ يَلْزمُهُ قَضَاءُ الصَّلاَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: شرب الخَمْرِ من كَبَائِرِ المُحَرَّمَاتِ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ ...﴾ إلى آخر الآية [المائدة: 90].
واحتج له أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33].
وقيل الإثْمُ: الخمر، واستشهد له بقول الشاعر: [الوافر]
شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ
وهذا الاحتجاج مَذكُورٌ في تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامدٍ وغيره.
وعن ابن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ" 902 وعنه -أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا، [وَبَائِعَهَا] وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ" 903.
وعن جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، [فَالفَرَقُ] مِنْهُ
الجزء: 11 - الصفحة: 273
حَرَامٌ" 904 والفَرَقُ بفتح الراء مِكْيَالٌ يَسَعُ ستة عشر رَطْلاً.
وعن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال [في خُطبَتِهِ] 905: نَزَلَ 906 تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهي من خمسة أشياء: العِنَبِ والتَّمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ 907. ثم قال الأصحاب: عَصِيرُ العِنَبِ الذي إذا اشْتَدَّ، وَقَذَفَ بالزَّبَدِ، فهو حَرَامٌ بالإجماع، وما يروى عن قُدَامَةَ بن مَظْعُوَنٍ، وعمرو بن مَعْدِ يَكرِبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- في تحليله، فقد ثَبَتَ رجوعهما عنه، ولا فَرْقَ بين قَلِيلِهِ وكثيرِهِ [المُسْكِرِ،] 908 ويفسق شاربه، ويجب 909 عليه الحَدُّ، وإن اسْتَحَلَّهُ كَفَر، ولم يستحسن الإمَامُ إِطْلاَقَ القَوْلِ بتكفير المستحلّ، وقال: كيف يكفر من خَالَفَ الإجماع، ونحن لا نُكَفِّرُ من رَدَّ أصل الإِجْمَاعِ، وإنما نبدعه 910 ونُضَلِّلُهُ 911، وأوَّل ما ذَكَرَهُ الأصحاب على ما إذا صدق المجتمعينَ على [أن] 912 التحريم ثابت 913 في الشَّرْع، ثم حلله، فإنه يكون رَادًا للشرع 914، وهذا إن صَحَّ، فليجر مِثْلُهُ في سائر ما حَصَلَ الإِجْمَاعُ على افْتِرَاضِهِ، أو تحريمه فَنَفَاهُ.
وعَصِيرُ الرُّطَبِ النَّيء كعصير 915 العِنَبِ النَّي كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" وطائفة.
وحكى الرُّوَيانِيُّ ذلك عن بعضهم، واسْتَغْرَبَهُ، 916 ورأى كَوْنَهُ بِمَثَابَةِ سائر الأَشْرِبَةِ، وأما سائر الأَشْرِبَةِ فهي في التحريم، و [في] وجوب الحَدِّ عندنا كَعَصِيرِ العِنَبِ، لكن لا يكفر مُسْتَحِلُّهَا لمكان الخلاف 917 وساعدنا مَالِكٌ وأحمد على مذهبنا،
الجزء: 11 - الصفحة: 274
وَذَكَرَ الأَصْحَابُ خِلاَفًا في أن اسْمَ الخَمْرِ هل يَتَنَاوَلُهَا، والأكثرون على المَنْعِ 918.
وقال أبو حنيفة: الأَشْرِبَةُ أربعة أَضْرُبٍ:
أحدها: النوع المُجْمَعُ على تَحْرِيمِهِ، وقد بَانَ حُكْمُهُ.
والثَّاني: المَطْبُوخُ من عَصِيرِ العِنَبِ، فإن ذهب أَقَلُّ من ثلثيه 919، فهو حَرَامٌ، لكن لا حَدَّ على شَارِبِهِ، إلا إذا سَكِرَ وإن ذهب ثُلُثَاهُ، فهو حَلاَلٌ إلا القَدْرَ المُسْكِرَ، فيحرم وَيتَعَلَّقُ به الحَدُّ.
وإن طُبِخَ وهو عِنَبٌ، فالمشهور أنه حَلاَلٌ، وفي رواية: هو كطبيخ 920 عَصِيرِهِ.
والثالث: نَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ، فهو حَرَامٌ، لكن لا حَدَّ فيه ما لم يُسْكِرْ، فإن طُبِخَ فهو حَلاَلٌ إلا القَدْرَ المسكر فيحرم، وَيتَعَلَّقُ به الحَدُّ، ولا يُعْتَبَرُ في هذا النوع ذَهَابُ الثلثين.
والرابع: نَبِيذُ الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ وغيرهما، فهو حَلاَلٌ نَقِيعًا كان، أو مَطْبُوخًا، ولا تَحْرِيمَ إلا في القَدْرِ المُسْكِرِ [منه] 921 ومن أصحابنا من يَرْوِي عن مذهبهم أنه لا حَدَّ فيه بِحَالٍ.
لنا: ما سَبَقَ من الأخبار 922، وأيضًا فإنها أَشْرِبَةٌ توقع العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ بين النَّاسِ، وتصدُّ عن ذِكْرِ الله -تعالى- وعن الصلاة، فيكون حُكْمُهَا حُكْم الخَمْرِ، وَيتَفَرَّعُ على التحريم النَّجاسَةُ، وامتناع البَيْعِ، وكل شراب حَكَمْنَا بتحريمه، نَجَّسْنَاهُ ومنعنا بَيْعَهُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: يجوز بَيْعُ مَا سِوَى الخَمْرِ، وإن حُكِمَ بالتحريم في بعض ذلك.
وما لا يُسْكِرُ من الأَنْبِذَةِ لا يحرم، لكن يُكْرَهُ شُرْبُ المُنَصَّفِ، والخَليطَيْنِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عنهما في الحديث.
والمُنَصَّفُ ما عمل من تَمْرٍ ورُطَبٍ، وشَرَابُ الخليطين [ما عُمِلَ] من بُسْرٍ ورُطَبٍ وقيل 923: ما عُمِلَ من التَّمْرِ والزَّبيبِ، وسبب النهي أن الشدة 924 والإِسْكَارَ تَتَسَارَعُ إليه بِسَبَبِ الخَلْطِ 925 قبل أن يَتَغَيَّرَ الطَّعْمُ، فيظن 926 الشَّارِبُ أنه ليس = في تحريم السكر منها، وقد أفتيت بذلك وإلى بعض كتب الحنفية نقل الإجماع على أنه يكفر مستحلها.
وظاهره في الإسكار وما ادعاه من الإجماع ممنوع للإجماع على تحريم الإسكار وهو معلوم من الدين مشهور.
انتهى.
الجزء: 11 - الصفحة: 275
بِمُسكِرٍ، وهو مُسْكِرٌ، وهذا كالنهي عن الظُّرُوفِ التي كانوا يَنْتَبِذُونَ 927 فيها كالدُّبَّاءِ 928، وهو القَرْعُ، والحَنَاتِم وهي الجِرَارُ الخضرُ 929، والنَّقِيرُ وهو أصل الجِذْعِ يُنقَرُ ويُتَخَّذُ منه الإِنَّاءُ، والمُزَفَّت، وهو المَطْلِيُّ بالزّفْتِ وهو القَارُّ، ويقال له: المُقَيَّرُ أيضًا، فإن هذه الظُّرُوفَ لا تَعَلُّقَ، ولا يضربها الهَوَاءُ، فقد [يَشْتَدُّ] 930 ما فيها ولا يطلع عليه؛ بخِلاَفِ الأَسْقِيَةِ 931 التي يضربها الهَوَاءُ [، وتُعَلَّقُ] 932.
إذا عرفت ذلك، فَنَظَرُ الباب في طرفين:
أحدهما: في الشُّرْبِ الموجب لِلْحَدِّ 933.
والثاني: [في] 934 نفس الحَدِّ الواجب [أما] 935 النَّظَرُ الأول، فقد قال في الكتاب: "كل مُلْتَزِمٍ شَرِبَ ما أَسْكَرَ جِنْسُهُ، مختارًا من غير ضَرُورَةٍ وعُذْرٍ لزمه الحَدُّ" وفي هذا الضَّبْطِ قُيُودٌ:
أحدها: كونه مُلْتَزِمًا، وأراد به الْتِزَامَ تَحْرِيم المشروب، واعْتِقَادَهُ، فلا حَدَّ على الحَرْبِيِّ، ولا على الصَّبِيِّ والمجنون، والظاهر أنَّه الذِّمِّيِّ لا يُحَدُّ لِشُرْبِ الخَمْرِ، وأن الحَنَفِيَّ يحدُّ بشرب النَّبِيذِ، وإن كان لا يعتقد تَحْرِيمَهُ، والقول في أَنَّ الذِّمِّيِّ لا يُحَدُّ للشرب، والحنفي يحدُّ قد سَبَقَ مَرَّةً في باب حَدِّ الزِّنَا، وهو مُكَرَّرٌ هاهنا، وأعاد وجوب 936 الحَدِّ على الحَنَفِيِّ مَرَّةً أخرى في "كتاب الشَّهَادَات" مع الكلام في أنه هل يَفْسُقُ بذلك، وتُرَدُّ شَهَادَتُهُ أم لا؟ ويجيء إيضاح شرح الفَصْلَينِ إقامة الحدود ورد الشهادة في "كتاب الشهادات" والله المُيَسِّرُ.
والثاني: أن يشرب ما يُسْكِرُ جِنْسُهُ، فيخرج بلفظ الشُّرْبِ ما لو احْتَقَنَ 937 بالخمر، فلا يجب الحَدُّ، لأن الحَدَّ لِلزَّجْرِ، ولا حَاجَةَ إلى الزَّجْرِ فيه، وفي الاسْتِعَاطِ 938 وجهان:
أشبههما -وهو المذكور في "الشامل"-: أنه الجَوَابَ كذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 276
والثاني: يجب الحَدُّ، كما يحصل [بالإِقْطَارِ،] 939 ويقال: إنه يطرب كالشُّرْبِ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ وغيره طَرْدُ الوجهين 940 في [الإِحْقَانِ،] 941 وَيتَعَلَّقُ بكون المَشْرُوبِ مُسْكِرًا في جِنْسِهِ صور:
فمنها: أنه يدخل فيه النَّبِيذُ فيجبُ الحَدُّ بِشْرْبِ قليله وكَثِيرِهِ، وقد ذَكَرْنَاهُ مع خِلاَفِ أبي حنيفة -رحمه الله- وَيتَعَلَّقُ [الحَدُّ] 942 بدُرْديِّ الخمر، والثَّمِين منها إذا أَكَلَهُ 943 بخبز 944 وكذا لو ثَرَدَ فيها، وأكل الثَّرِيدَ 945، وكذا لو طَبَخَ اللَّحْمِ بها، وأَكَلَ المَرَقَةَ، وإن أَكَلَ اللَّحْم، فلا حَدَّ؛ لأن عين الخمر 946 لم تَبْقَ فيه، وكذا لوَ عَجَنَ فيه الدَّقِيقَ، وخبز وأَكَلَ الخُبْزَ.
وروى ابن كَجٍّ فيه وَجْهًا آخَرَ، وفي معنى هَذِهِ الصُّوَرِ المَعْجُونُ الذي فيه خَمْرٌ، والظاهر أنه لا حَدَّ فيها لاسْتِهْلاَكِهَا، وعلى هذا قال الإِمَامُ: من شَرِبَ كُوزَ 947 ماء وقعت فيه قَطَرَاتٌ من الخَمْرِ [، والمَاءُ غالب لِصِفَاتِهِ لم يحدَّ لاِسْتِهْلاَكِ الخَمْرِ فيه].
والثالث: كون الشَّارِبِ مُخْتَارًا، فلو أَوْجَرَ الخَمْرَ قَهْرًا، فلا حَدَّ عليه، وإن أُكْرِهَ حتى شرب، فكذلك الجَوَابُ على المشهور.
وفي كتاب ابن كجّ حِكَايَةُ وجهين فيه.
الرابع: ألاَّ يكون في الشرب ضَرُورَةٌ وقصد به التَّعَرض لمسألتين:
إحداهما: هل يَجُوزُ شُرْبُ الخَمر لِدَفْعِ العَطَشِ إذا لم يَجِدْ غيرها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما يجوز شُرْبُ البَوْلِ والدَّمِ كذلك، ويروى هذا عن أبي حنيفة وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى مَالِكٍ وأحمد-: لا يجوز [لعموم النهي و] لأن بعضها يَدْعُو إلى بعض، ولأن الخَمْرَ لا تدفع العَطَشَ، بل تُثِيرُ عَطَشًا عَظِيمًا، وإن فُرِضَ تَسْكِينٌ في الحال.
وهذا هو المَنْصُوصُ، وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ، ورَجَّحَهُ أَكثَرُهُمْ، ولم يُورِدْ صاحب "التهذيب" وجَمَاعَةٌ سواه، والشرب لِدَفْعِ الجُوع، ولِدَفْعِ العَطَشِ.
وعن بعض الأصحاب أنه لا يجوز لِدَفْعِ الجُوعِ، وإن جاز لدفع العَطَشِ؛ لأنها تحرق كَبِدَ الجَائِعِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 277
ومن جَوَزَ الشُّرْبَ لِدَفْعِ العَطَشِ، قال بوجوبه كَتَنَاوُلِ المَيتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، ونفي الحَدَّ.
وإذا لم نُجَوِّزْهُ، فليكن الحَدُّ على ما سنذكر فيما إذا شَرِبَهُ لِلتَّدَاوِي، ولم نجوزه.
الثانية: إذا غصَّ بِلُقْمَةٍ، ولم يجد ما يسيغُها سوى الخَمْرِ، فله بَلْ عليه الإِسَاغَةُ بها، ولا حَدَّ 948. وفيما علق عن الشيخ إبراهيم المَرْوَذِيِّ حكاية وجهين فيه، وقد يُوَجَّهُ المَنْعُ بِمُطلَقِ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ".
وفي التداوي بالخَمْرِ وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ-: يجوز؛ لأنَّ المقصود رَفْعُ المَحْظُورِ، فأشبه ما إذا أُكْرِهَ على الشُّرْبِ، وما إذا شَرِبَ لإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ، ولأنه يجوز التَّدَاوِي بالأعيان النَّجِسَةِ كلحم الحَيَّةِ والسَّرَطَانِ والمَعْجُونِ الذي فيه خمر، وفكذلك التداوي بالخَمْرِ.
والثاني -وبه قال مَالِكٌ، وابن أبي هُرَيْرَةَ-: لا يجوز؛ لأن النَّبِيَّ -عليه السلام- سُئِلَ عن التَّدَاوِي بالخَمْرِ، فقال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ" 949 ويروى أنه قال: "ذَلِكَ دَاءٌ وَلَيْسَ بِشِفَاءٍ" 950.
وأيضًا فالخمر أُمُّ الخَبَائِثِ، وقليلُها يَدْعُو إلى كثيرها، ولا يؤمن أن يَتَوَلَّدَ منها ما هو شَرٌّ من العِلَّةِ.
واختلفوا في حال الوَجْهَيْنِ في الشُّرْبِ للتَّدَاوِي، مع الوجهين في الشرب للعطش، فجعل بعضهم التَّدَاوِيَ أَوْلَى بالجِوَازِ، وقال: النفع منه مُتَوَقَّعٌ، وأما العَطَشُ، فإنه لا يدفعه، بل يزيده، ولهذا أجاب في "التهذيب" في الشُّرْبِ للعطش بالمنع وأورد في التَّدَاوِي وجهين، وذكر الرُّوَيانِيُّ أن الأظهر في العَطَشِ المَنْعُ، وفي التداوي الجَوَازُ،
الجزء: 11 - الصفحة: 278
وعكس بعضهم، فجعل التَّدَاوِي أَوْلَى بالمنع، وادعى أن تَأْثِيرَهُ في إزالة العَطَشِ مَوْثُوقٌ به [في الحال]، وفي رفع العِلَّةِ غَيْرَ مَوْثُوقٍ به، فإن الطَّبِيبَ وإن تَبَحَّرَ لا يجزم بقضاء على مَرِيضٍ حتى قال بقراط: التجربة خَطَرٌ، والقضاء عَسِيرٌ، ولذلك قال الإِمام: يجوز الشُّرْبُ لدفع العَطَشِ في قول الأصحاب أجمعين.
وقال في التَّدَاوي: قال الأَصْحَابُ: لا يجوز، وبَلَغَنَا عن آحَادٍ من المتأخرين تَشْبِيبٌ بجوازه من غير تَدْوِينٍ في تَصْنِيفٍ، وإنما تَرَامَزُوا به تَرَامُزَ الكَاتِمِينَ، ويوافق صَنِيعُ صاحب الكتاب هذه الطريقة، فإنه أجاب بِجَوَازِ الشُّرْبِ لِدَفْعِ العَطَشِ، ويمنعه للتداوي.
ومن الأصحاب من لم يَتَعَرَّضْ للتَّرْتِيبِ، ورأى الأظهر فيها المنع، وعلى ذلك جَرَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ والمحاملي وابن كَجٍّ وغيرهم، ثم الخِلاَفُ في التَّدَاوِي مَخْصُوصٌ بالقَلِيلِ الذي لا يُسْكِرُ، كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" والرُّوَيَانِيُّ، ولاَ بُدَّ من خبر طَبِيبِ مُسْلِمٍ، ومن خِبْرَتُهُ في نفسه [أو معرفة المتداوي إن عرف] ويشترط ألا يجد ما يقوم مقامها، ويعتبر هَذَانِ الشَّرْطَانِ في تَنَاوُلِ سائر الأَعْيَانِ النَّجِسَةِ.
ولو قال الطبيب: يَتَعَجَّلُ بِأَكْلِهَا الشِّفَاءَ، فوجهان:
أولاهما: الجواز.
ثم ذكر في الكِتَابِ أنه لا حَدَّ على المُتَدَاوِي، وإن حكمنا بأنه لا يَجْوزُ الشُّرْبُ للتَّدَاوِي، ويجعل قصد التداوي شُبْهَةً دارئة للحَدِّ للخلاف في حَلِّ 951 الشرب.
ويُحْكَى هذا عن القَاضِي حسين وفي "النهاية" أن الأَئِمَّةَ المُعْتَبَرِينَ أَطْلَقُوا أَقوَالَهُمْ في الطرف أن التداوي بالخمر حَرَامٌ، وأن المتداوي بها محدود 952.
والخامس: ألا يكون له في الشُّرْبِ عُذْرٌ، وفيه صورتان:
إحداهما: حديث العَهْدِ بالإِسلام إذا ادّعى أنه لم يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الخمر لم يُحَدَّ، وإن قال: علمت التحريم، ولم أعلم أن فيه حَدًا أُقِيمَ عليه الحَدُّ، لأنه إذا علم التَّحْرِيمَ، فَحَقُّهُ أن يمنع.
والثانيةَ: إذا شَرِبَ الخَمْرُ، وهو يَظُنُّ أنه شَرِبَ ما ليس بِمُسكِرٍ في جِنْسِهِ، فلا حَدَّ عليه، وإن سَكِرَ وفَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، لم يلزمه قَضَاؤُهَا، كالمغمى عليه، وإن عَلِمَ أنه من
الجزء: 11 - الصفحة: 279
جِنْسِ ما يُسْكِرُ، ولكن ظَنَّ أن ذلك القَدْرَ لا يُسْكِرُ، فهذا ليس بعُذْرٍ، ويلزمه قَضَاءُ الصلوات الفائتة في السُّكْرِ.
وأما لفظ الكتاب، فيجوز أن يُعْلَمَ قوله: "مُختَارًا" بالواو وقوله: "ولا يجب على الذِّمِّيِّ" كذلك؛ لأن في وُجُوبِ الحَدِّ على الذمي وَجْهًا للأصحاب على ما هو مُبَيَّنٌ في المَوْضِعِ المُحَالِ عليه، ولا حَاجَةَ إلى إعلام قوله: "ويجب على الحَنَفِيِّ" لأن الخِلاَفَ فيه قد ذكر [حيث] 953 قال: "وقيل: لا يجب عليهما".
وقوله: "وإن قل" ليعلم بالحاء.
وقوله: "ولا [يجب] على المُكْرِه" بالواو، وكذا قوله: "ولا على من اضْطَرَّهُ العَطَشُ".
وقوله: "إذ يَجُوزُ" بالميم والألف والواو.
وقوله: "ولا يجوز التَّدَاوي" بالحاء والواو.
وقوله: "يسقط به الحد" بالواو، وكل ذلك لما سَبَقَ وجهه [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُحَدُّ مَا لَمْ يَظْهر المُوجِبُ لِلْقَاضِي بِشُرُوطِهِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ إِقْرَارٍ، وَلاَ يُعَوَّلُ عَلَى النَّكْهَةِ وَالرَّائِحَةِ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ: شَرِبَ مُسْكِرًا أَوْ شَرِبَ مَا شَرِبَ غَيْرُهُ فَسَكِرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما يُقَامُ حَدُّ الشرب إِذَا ظَهَرَ الشُّرْبُ بِأَحَدِ طرفين إما [إقرار الشارب] 954، أو شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا، وفي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ إِلْحَاقُ طريق ثَالِثَةٍ بهما، وهو أن يعلم أنه شَرِبَ المُسْكِرَ بأن رأيناه شَرِبَ من شَرَابٍ في إِنَاءٍ شرب منه غَيْرُهُ فَسَكِرَ، وليكن هذا مَبْنِيًّا على أن القَاضِي هل يَقْضِي بِعِلْمِهِ، ولا يعوّلُ على [النَّكْهَةِ] 955، وَوِجْدان [الرَّائِحة منها] 956، ولا على مُشَاهَدَةِ سُكْرِهِ، ولا على تَقَيُّؤِ الخَمْرِ؛ لاحتمال كَوْنِهِ غَالِطًا، أو مُكْرَهًا ثم صِيغَةُ 957 المقرِّ في الإِقْرَارِ والشاهدين في الشَّهَادَةِ إن كانت مُفَصَّلَةً بأن قال: شَرِبْتُ الخَمْرَ، أو [شربت ما] 958 شرب منه غَيْرِي، فَسَكِرَ [منه] وأَنا عالم به مُخْتار، أو فَصَّل 959 الشَّاهِدُ كذلك لم يَخْفَ الحُكْمُ.
وإن قال: شَرِبْتُ الخَمْرَ، أو ما شربه غَيْرِي، فَسَكِرَ منه، واقْتَصَرَ عليه، أو شهد [اثنان على] 960 أنه شَرِبَ الخَمْرَ من غير تَعَرُّضٍ لِلْعِلْمِ والاختيار، فعن رِوَايَةِ أبي الحُسَيْنِ ابن القَطَّانِ أن فيه وَجْهَيْنِ:
الجزء: 11 - الصفحة: 280
أحدهما: أنه لا يكفي 961 لإِقَامَةِ الحَدِّ لاحتمال أنه جَهِلَ كَوْنَهُ مُسْكِرًا، أو أنه كان مُكْرَهًا عليه، وهذا كما أنه لاَ بُدَّ من التَّفْصِيلِ في شَهَادَةِ الزِّنَا، وبهذا قال القاضي أبو حَامِدٍ، واختاره إِمَامُ الحَرَمَيْنِ من غير أن ينقله عن الأَصْحَابِ.
وأشهرهما -وهو ظَاهِرُ النَّصِّ-: أنه يكتفي به، ولا حَاجَةَ إلى التُّعَرُّضِ للعلم والاختيار، ووجه بأن إضافة الشُّرْبِ إليه قد حَصَلَتْ، والأصل عَدَمُ الإِكْرَاهِ، والغَالِبُ من حال الآكِلِ والشَّارِبِ العِلْمُ [بما] 962 يأكل، ويشرب، وصار كما في الإِقْرارِ بِالبَيْعِ والطَّلاَقِ والشهادة عليهما لا يُشْتَرَطُ فيهما التَّعَرُّضُ للاختيار والعلم، وفَرَّقُوا بَيْنُهُ وبين شَهَادَةِ الزنا؛ بأن الزِّنَا يعبر به 963 عن مُقَدِّمَاتِهِ، كما ورد في الخبر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَاليَدَانِ تَزْنيَانِ" 964 فاحْتِيج فيهما إلى الاحْتِيَاطِ.
ومنهم من لم يُثْبِتِ الوَجْهَ الأَوَّلَ، وقطع بالثاني ولْيُعْلَمْ لما حَكَيْنَا قوله في الكتاب: "ويكفي أن يَقُولَ الشَّاهِدُ" بالواو.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه لا بد وأن يُوجَدَ مع الإقرار أو البَيِّنَةِ رَائِحَةُ الخَمْرِ منه.
وفي "أمالي" أبى الفرج 965 السَّرَخْسِيِّ أن عنده يُقَامُ عليه الحَدُّ إذا وُجدَتْ منه الرَّائِحَةُ، وإن لم تَقُمْ بَيِّنَةٌ، ولا إقرار، فإن صَحَّ ذلك أعلم قوله: "ولا يعوّل" 966 بالحاء.
"فروع": ما يُزِيلُ العَقْل من غير الأَشْرِبَةِ كالبَنْجِ [حرام لكن] لا حَدَّ 967 في تَنَاوُلهِ؛ لأنه لا يَلذُّ ولا يَطْرَبُ، ولا يدعو قَلِيلَهُ إلى كَثِيرِهِ.
ولو احْتِيجَ في قَطْعِ اليد المُتَآكِلَةِ -نَعُوذُ بالله منه- إلى أن يُزَالَ عَقْلُهُ، هل يجوز ذلك؟ خُرِّجَ على الخِلاَفِ في التَّدَاوِي بالخمر والنَّدُّ المَعْجُونُ بالخمرِ نَجِسٌ.
قال في "الشامل": ولا يجوز بَيْعُهُ، وكان ينبغي أن يجعل كالثَّوْبِ النَّجِسِ لإمكان تَطْهِيرِهِ بالنَّقْعِ بالماء، ومن تبخر به هل ينجس؟ ذكر فيه وجهين؛ بِنَاءً على الخلاف في دُخَانِ النَّجَاسَاتِ.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّاني في الوَاجِبِ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً، وَلَوْ ضُرِبَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ بالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ كفيَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ أن يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَازَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينِ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رَوَى الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بإسناده [عن عبد الرحمن بن
الجزء: 11 - الصفحة: 281
أَزْهَرَ] 968 [أنه] قال: أُتِيَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بشاربٍ، فقال 969: "اضْرِبُوهُ" فضربوه بالأَيْدِي والنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَاب؛ وَحَثَوْا عليه التُّرَابَ حتى قال: "ارفعوا 970 " فرفعوا 971 ثم أرسله، فلما كان أبُو بَكَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سأل: من حضر ذلك الضَّرْبَ؟ فقومه أربعين ويروى: "فَقَدَّرُوه".
فضرب أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَرْبَعِينَ في الخمر [حَيَاتَهُ] 972 ثم عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثم تَتَابَعَ النَّاسُ في الخَمْرِ، فاستشار 973، فضربه ثمانين 974.
وروي 975 أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اسْتَشَارَ، فقال عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[وَأَرْضَاهُ] 976: أرى أن يُجْلَدَ ثمانين؛ لأنه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذِيَ، وإذا هَذِيَ 977 افْتَرَى 978 [فَأَرَى عليه حَدَّ المُفْتَرِينَ] فَجَلَدَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثَمَانِينَ إذا
الجزء: 11 - الصفحة: 282
عرف ذلك، فَحَدُّ الشرب أَرْبَعُونَ على الحُرِّ، وعشرون على الرَّقيق.
وعند أبي حَنِيْفَةَ ومالك: حَدُّ الشُّرْبِ ثَمَانُونَ، واخْتَارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ.
لنا: ما سبق، وأيضًا فقد رُوِيَ أنه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أمر حتى جُلِدَ الشَّارِبُ أربعين.
وهل يجوز أن يُضْرَبَ بالأيدي، والنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَابِ أم 979 يتعين الجَلْدُ بالسَّوْطِ؟ حَكَى الإِمَامُ وغيره فيه وجهين:
أحدهما: أنه يَتَعَيَّنُ الجَلْدُ بالسِّيَاطِ؛ لأنه روي عن عُمَرَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- الجَلْدُ بالسَّوْطِ، واسْتَقَرَّ الأَمْرُ عليه، فلا مَعْدَلَ عنه.
وأصحهما: أنه يجوز؛ لأنه المَنْقُولُ عن عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولم يَثْبُت فيه نَسْخٌ، والذين عَدَلُوا إلى السِّيَاطِ أَخَذُوا بالتَّعْدِيلِ والتقويم.
ويروى عن أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِشَارِبٍ فأمر عشرين رَجُلاً، فَضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ منهم مَرَّتَيْنِ بالجَرِيدِ والنِّعَالِ 980.
ومنهم من رَأَى الضَّرْبَ بالأَيْدِي والنِّعَالِ جائزًا لاَ مَحَالَةَ، وذكروا وجهين في أنه هل يَتَعَيَّنُ، أم يجوز العُدُولُ إلى السِّياطِ؟ هكذا حكاه صاحب "البَيَان" وظاهر المَذْهَبِ أن كُلاًّ منهما جَائِز؛ أما الأول، فلأنه الأَصْلُ، وبه وَرَدَتِ الأَخْبَارُ.
وأما الثاني، فلفعل الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- واسْتِمْرَارِهِمْ عليه.
ولو رأى الإِمَامُ أنه يزيد فيبلغ بها ثَمَانِينَ، ففيه وجهان:
أصحهما: الجَوَازُ؛ لما رَوَيْنَا في القِصَّةِ، وعلى هذا فلو ضَرَبَهُ بين الأربعين والثمانين، فيجوز.
والثاني: المَنْعُ؛ لما روي أن عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَجَعَ عن ذلك، وكان يَجْلِدُ في خِلاَفَتِهِ أربعين، وإذا جَوَّزْنَا للإمام أن يبلغ الضَّرَبَات ثَمَانِينَ، فالزيادة على الأربعين حَدٌّ أو تعزير؟ في "تعليق" إبراهيم المَرْوَذِيِّ حكايته وجهين [فيه] 981 عن أبي إِسْحَاقَ المَرْوَذِيّ:
الجزء: 11 - الصفحة: 283
أحدهما: أنه حَدٌّ، لكن أَضْعَفُ من الأربعين الأُولَى، فهي ثابتة 982 بالسُّنَّةِ، وهذه باجتهاد الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-[ورأيهم] 983.
وأظهرهما: عند أكثرهم أن الزِّيَادَةَ تَعْزِيزٌ؛ لأنها لو كانت حَدّاً، لما جاز 984 تَرْكُهَا، ويجوز أن يَتْرُكَهَا، ويقتصر على الأربعين.
رُوِيَ عن عَليٍّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أنه قال: ضَرَبَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وضرب أبو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أربعين سَوْطاً.
و [عن] عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثَمَانِينَ، وَكُلُّ 985 سُنَّةٌ، واعترض على هذا الوَجْهِ بأن التَّعْزِيرَ لا يبلغ الحَدّ، فكيف يبلغ تَعْزِيرُ الشُّرْبِ مع حَدِّهِ أربعين.
وأُجِيبَ عنه بأن الوَاجبَ للشرب هو الجَلْدُ، والتعزير للجنايات المُتَوَلِّدَةِ منه من الهَذَيَانِ والافْتِرَاءِ، ويجوز أَن يبلغ تَعْزِيرُ الجنايات المتعددة الحَدِّ، وهذا ليس بشَافٍ، فإن الجِنَايَةَ التي يعزر عليها لاَ بُدَّ من تَحَقُقِهَا، ولا معنى لِلتَّعْزِير بالجناية المُتَوَقَّعَةِ، ثم تلك الجنايات والخَبَائِثُ التي 986 تَتَوَلَّدُ من الخمر لا تَنْحَصِرُ، فلتجر الزيادة على الثمانين، وقد منعوا منه، وصَرَّحَ به صاحب الكِتَابِ.
وفي قصة مراجعة الصحابة -رَضِيَ الله عَنهُم- وتبليغهم الضَّرَبَاتِ ثمانين أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بأن الكُلَّ حَدٌّ، وعلى هذا فَحَدُّ الشُّرْب مَخْصُوصٌ من بين سَائِرِ الحدود، بأن يَتحَتم بعضه، [ويتعلّق بعضه] 987 باجتهاد الإِمام، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَكَيْفِيةُ الجَلْدِ أَنْ يُضرَبَ بِسَوْطٍ مُعْتَدِلٍ أَوْ خَشَبَةٍ بَيْنَ القَضِيبِ وَالعَصَا بَيْنَ الرُّطوَيةِ وَاليُبُوسَةِ، وَلاَ يَرْفَعُ يَدَهُ فَوْقَ الرَّأْسِ حَتَّى لاَ يَشْتَدَّ الأَلَمُ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ عَلَى الوَجْهِ، وَلاَ يَبْقى الرَّأْسُ (ح)، وَلاَ يَشُدُّ يَدَ المَجْلُودِ لِيَتَّقِيَ بِيَدِهِ، وَلاَ يَتلُ لِوَجْهِهِ، وَلاَ يُكَبُّ بَلْ يُجْلَدُ الرَّجُلْ قَائِماً وَالمَرْأَةُ جَالِسَةً وَثِيَابُهَا مَلْفُوفَة عَلَيْهَا، وَيُوَالِيَ بَيْنَ الضَّرْبِ، وَلاَ يُفَرَّقُ عَلَى الأَيَّامِ تَفْرِيقاً يَقَعُ اللَّاحِقُ بَعْدَ زَوَالِ أَلَمِ السَّابِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقصُودُ الفصل الكَلامُ في كَيْفيَّةِ الجَلْدِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِحَدِّ الشُّرْبِ، بل الحكمُ في جَلْدِ 988 الزنا والقَذْفِ [والشرب] وَاحِدٌ، وفيه صور:
الجزء: 11 - الصفحة: 284
إحداها: [ليسكن] 989 الجَلْدُ بالسَّوْطِ، والسوطُ المعتاد مُعْتَدِلٌ في الحَجْمِ، وَاقِعٌ بين القَضِيبِ والعَصَا، وبه تُعْتَبَرُ سائر الخَشَبَاتِ، وما يعتبر من التوسط في الحجم، يعتبر في الصفات، فلا يَنْبَغِي أن يكون [رَطْباً] 990 طَرِيّاً؛ لأنه يثقله 991 بشق 992 الجِلْدِ، ويغوص في البَدَنِ 993، ولا أن يكون في غايَةِ اليُبُوسَةِ 994، فإنه لا يُؤْلمُ [لِخِفَّتِهِ،] 995 وأيضاً فيتشظّى.
وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يَجْلِدَ رجلاً، فأتي بسَوْطٍ خَلَقٍ، فقال: "فَوْقَ هَذَا" فأتي بسوط جَدِيدٍ.
فقال: "بَيْنَ هَذَيْنِ" 996 وروي مِثْلُ ذلكَ عن عُمَر وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُما-.
وكذلك ينبغي أن يَضْرِبَ ضَرْباً بين ضربين، فلا يرفع الضَّارِبُ يَدَهُ فوق الرأس؛ بحيث تَبْدُو عَفْرَاءَ الإِبطِ، فإنه يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، ولا يضع السَّوْطَ عليه وَضْعاً، فإنه لا يُؤْلِمُ، ولكن يرفع ذِرَاعَهُ ليَسْتَلِبَ السَّوْطُ ثِقَلاً.
روي عن عَلِيٍّ -كَرمَ الله وَجْهَهُ- أنه قال: سَوْطٌ بين سَوْطَيْنِ، وضرب بين ضَرْبَيْنِ.
وعن عمر وعلي وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-[أنهم] 997 قالوا لِلْجَلاَّدِ: لا ترفع يَدَكَ حتى يُدْمَى بَيَاضُ إِبِطِكَ.
فإن كان المجلود رَقِيقَ الجِلْدِ يَرْمِى بالضَّرْبِ الخَفِيفِ، فلا يُبَالَى به.
الثانية: يُفَرِّقُ السِّيَاطَ على الأَعْضَاءِ، ولا يجمع في مَوْضِع واحد، وَيَتَّقِي الوَجْهَ والمقَاتِلَ 998 كثُغْرَة النَّحْرِ والفَرْجِ، ونحوهما.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال 999: "إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ " وأيضاً فالوَجْهُ مَجْمَعُ المَحَاسِنِ، وَأَثَرُ الشَّيْنِ 1000 فيه يَعْظُمُ.
الجزء: 11 - الصفحة: 285
ويروى أن عَلِيّاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال للجلاَّدِ: "أَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّه، واتَّقِ الوَجْهَ والمَذَاكِيرَ".
وفي الرَّأْسِ وجهان:
أحدهما: أنه يتقي 1001 أيضاً، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المَاسَرْجِسِيُّ، وابن الصَّبَّاغِ، والروياني؛ لأنه [مَقْتَلٌ، و] 1002 يخاف منه العَمَى.
وأظهرهما: عند أكثرهم -وهو المذكور في الكتاب: المَنْعُ، لما رُوِيَ عن أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال للجلاَّدِ: "اضْرِبِ الرَّأْسِ، فإن الشَّيْطَانَ فيه.
ويخالف الوَجْهَ فإنه مَسْتُورٌ بالشَّعَرِ، وغيره غالباً، فلا يُخَافُ من ضربه ما يُخَافُ من ضرب الوَجْهِ.
الثالثة: لا تُشَدُّ يَدُ المجلود 1003، بل تُتْرَكُ يَدَاهُ مُطْلَقَتَيْن حتى يَتَّقِيَ بهما ولا يُثَلُّ الوَجْهَيْنِ، ولا يُمَدُّ، ولا يُجَرَّدُ عن الثياب، بل يُتْرَك عليه قَمِيصٌ أو قَمِيصَانِ، ولا يترك عليه ما يمنع الأَلَمَ من جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ، أو فَرْوَةٍ.
ويجلد الرَّجُلُ قَائِماً، والمرأة جَالِسَةً، فإنه أَسْتَرُ لها، وتُلَفُّ، أو تُرْبَطُ عليها ثيابها لئلا تَنْكَشِفَ عند الضَّرْب، وَيلِي كَفَّ الثوب عليها امْرَأَةٌ، وأما الجَلْدُ فليس من شَأْنِ النساء [فَيَتَولاَّهُ رَجُلٌ].
الرابعة: يُوَالِي بين الضَّرَبَاتِ، ولا يجوز أن يُفَرِّقَ على الأيَّامِ، فَيضْرِبُ كل يوم سَوْطاً، أو سَوْطَيْنِ؛ لأنه لا يَحْصُلُ به تَنْكِيلٌ، ولا إِيلاَمٌ، ويخالف ما لو حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فلاناً كذا كذا سَوْطاً، فَفَرَّقَهُ على الأيام، حيث يَبرُّ في يمينه؛ لأن المتبع 1004 هناك مُوجِبُ اللفظ، وفي الحدود والتَّكَالِيفِ يُرَاعَى المَقَاصِد، ولا شك أن 1005 المقصود من الحَدَّ الزَّجْرُ والتَّنْكِيلُ.
ولو جُلِدَ في حَدِّ الزنا في يوم خَمْسِينَ وَلاَءَ، وفي يوم [بعده] 1006 خمسين كذلك، أَجْزَأَ عن الحَدِّ، وبم يضبط ما يجوز من 1007 التَّفْرِيقِ، وما لا يجوز.
قال الإِمَامُ: إن كان التَّفْرِيقُ بحيث لا يَحْصُل من كل دفعة أَلَمٌ له وقع كَسَوْطٍ، وسَوْطَيْنِ في كل يوم، فهذا ليس بحَدٍّ، وإن كان يُؤْلِمُ ويُؤَثَّرُ بما له وَقْعٌ، فإن لَم يَتَخَلَّلْ من الزَّمَانِ ما يزول به الألم 1008 [الأول] 1009 اعتدَّ به، وإن تَخَلَّلَ، ففيه تَرَدُّدٌ؛ ظَاهِرُ كَلاَمِ القاضي الاعْتِدَادُ به والأوجه [والأظهر] المَنْعُ؛ لأن المُوَالاَةَ لو عدلت بالأَسْوَاطِ لَبَلَغَ أَثَرُهَا عَدَداً منها صَالِحاً، ففي تَرْكِ المُوَالاَةِ إِسْقَاطُ جُزْءٍ من الحَدِّ، وهذا ما أراد بقوله في الكتاب: "تَفْرِيقاً يقع اللاَّحِقُ بعد زوال ألم السابق".
الجزء: 11 - الصفحة: 286
"
فرع
"
لا يقام حَدُّ الشرب فى السكر، بل يُؤَخَّرُ إلى أن يُفِيقَ 1010. "آخر"
قال: لا تقام الحُدُودُ في المَسَاجِدِ، وتروى هذه اللفظة عن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في رواية ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- ولأنه يحتمل 1011 أن يَتَلَوَّثَ المسجد من جِرَاحَةٍ تَحْدُثُ 1012، ويسقط الفَرْضُ لو أُقِيمَتْ، كما لو صلى في مكان مَغْصُوبٍ 1013، وكما لا يُجْلَدُ حَدّاً في المسجد، لا يجلد تَعْزِيرًا 1014.
قال الغَزَالِيُّ: هَذِهِ هِيَ الجِنَايَات المُوجِبَةُ لِلحَدِّ، وَمَا عَدَاهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا فَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ (والنَّظَرُ فِي التَّعْزِيرِ) فِي قَدْرِهِ وَمُوجِبِهِ وَمُسْتَوْفِيهِ (أَمَّا مُوجِبُهُ) فَهُوَ كُلُّ مَا يَعْصِي بِهِ العَبْدُ رَبَّهُ مِنْ جِنَايَةٍ عَلَى حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ الآدَمِيِّ (أَمَّا قَدْرُهُ) فَلاَ يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ وَأكْثَرُهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُحَطُّ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةَ وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي الحُدُودِ وَهُوَ حَدُّ شُرْبِ العَبْدِ، وَقِيلَ: بَل تَعْزِيرُ الحُرِّ إِنَّمَا يُحَطُّ عَنْ حَدِّهِ وَهُوَ الأرْبَعُونَ، وَقِيلَ: تَعْزِيرُ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا إِنَّمَا يُحَطُّ عَنْ حَدِّ الزِّنَا لاَ عَنْ حَدِّ الشُّرْبِ وَالقَذْفِ، وَقِيلَ: لاَ يُزَادُ عَلَى عَشْرَةٍ لِوُرُودِ خَبَرٍ فِيهِ صَحَّحَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ أن يُقْتَلُ في التَّعْزِيرِ وَالاسْتِصْلاَح.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَغنَا بتَيْسِيرِ الله وعَوْنِهِ من الكَلاَم في الحُدُودِ، والغَرَضُ الآن القول في التَّعْزِيرِ 1015، وَهو مَشْرُوعٌ في كُلِّ معصية ليس فيهَا حَدٌّ، وَلاَ كَفَّارةٌ، سواء كانت من
الجزء: 11 - الصفحة: 287
مُقَدمَاتِ ما فيه [حد] 1016 كَمُبَاشَرَةِ الأجنبيّة فيما دون 1017 الفَرْجِ، وسَرِقَةِ ما دون النِّصَابِ، = والثالث: التالف به مضمون في الأصح خلافاً لأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما وشرعاً: تأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة كما نبه عليه المصنف -رحمه الله- وهو مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
الجزء: 11 - الصفحة: 288
والسرقة من غير [الحِرْزِ، والسَّبِّ،] 1018 والإِيذَاءِ بما ليس بِقَذْفٍ، أو لم يكن من مُقَدِّمَاتِهِ كَشَهَادَةِ الزُّورِ، والضَّرْبِ غير حَقِّ، والتَّزْوِيرِ، وسائر المعاصي.
روي التَّعْزِيرُ عَن فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي خبر سَرِقَةِ التمر فإذا آوَاهُ "الجَرِين" 1019 وبلغت قِيمَتُهُ ثَمَنَ المِحْجَنِ، ففيه القَطْعُ، وإن كان دون ذلك، ففيه غُرْمُ مِثْلِهِ، وجلدات نَكَالاً.
وَعَّزَر 1020 عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَن زَوَّرَ كِتَاباً.
وعن علي -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- أنه سُئِلَ عن قول الرجل [لرجل] 1021 يا [فاسق] 1022 يا خبيث؟ فقال: هي فَوَاحِشُ فيهن تَعْزِيرٌ، وليس فيهن حَدٌّ.
وشرعية التعزير 1023 تَشْمَلُ المَعْصِيَةَ التي تَتَعَلَّقُ بحَقِّ الآدَمِيِّ، والتي تَتَمَحَّضُ حقاً الله -تعالى- والنظر بعد هذا في ثَلاَثَةِ فصول:
أحدها: في نفسَ التَّعْزِيرِ، أما جِنْسُهُ من 1024 الحبس أو الضرب جَلْداً أو صَفْعاً، فهو إلى رَأْي الإِمام، فيجتهَد، ويعمل ما يَرَاهُ من الجَمْع بينهما والاقتصار على أَحَدِهِمَا، وله أن 1025 يَقْنَعَ بالتَبكيتِ 1026 وَالتَّوْبِيخِ باللسان على تَفْصِيلَ يأتي من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
وفي "النهاية" أَنَّ الأصحاب قالوا: عليه أن يُرَاعِي التَّرْتِيبَ والتدريج كما يُرَاعِيهِ والدَّافع للصائل فلا يَتَرَقِّى إلى مَرْتَبَةٍ 1027، وهو يَرَى ما دونها كَافِياً مُؤَثِّراً.
وأما قَدْرُهُ، فيتعلقِ باجتهاده أيضاً إن خالف جِنْسُهُ 1028 جِنْسَ الحَدِّ، كالحبس، وإن = وقال الفارقي: هم أرباب الصيانة الظاهرة إذا بدت منهم صغيرة فالمستحب إخفاؤها عليهم وسترها لأنها أول مرة قال ابن عبد السلام في قواعده: ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام لم يجز تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم.
انتهى.
ومنها: لو تلاعنا ثم قذفها بالأولى نهي فإن عاد عزر.
قاله الدارمي.
ومنها: ذكر النووي في شرح مسلم في حديث الحضرمي أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يتحمل ذلك منه أي ولا يعزر عليه.
ومنها: المرتد إذا قبلنا توبته لا يعزر أول مرة، وليقتصر على هذه النبذة وإن بقيت صور.
الجزء: 11 - الصفحة: 289
رأى الجَلْدَ فلا بد وأن يَنْقُصَ عن الحَدِّ، كما تَنْقُصُ الحُكُومَةُ عن الدِّيَّةِ، والرَّضْخُ عن السَّهْمِ.
ثم هل يُفَرَّقُ بين مَعْصِيَةٍ ومعصية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وتُقَاسُ كُلُّ معصية بما يُنَاسِبُهَا في الجِنَايَةِ الموجبة للحدود، فَتَعْزِيرُ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا والوَطْءِ الحَرَامِ الذي لا يُوجِبُ الحَدَّ يَنْقُصُ عن حَدِّ الزنا، لاَ عَنْ حَدِّ القَذْفِ والشرب، وتعزير الإيذاء 1029 والسَّبِّ بما ليس بِقَذْفٍ يَنْقُصُ عن حَدِّ القَذْفِ، لا عن حد الشرب، وتعزير إِدَارَةِ كَأْسِ المَاءِ على الشُّرْب، تَشْبِيهاً بشاربي الخَمْرِ يَنْقُصُ عن حد الشرب، اعتباراً لكل [نوع بغاية الزَّاجِرِ] 1030 المشَروع في جِنْسِهِ، وقرب هذا من قولنا: إن حُكُومَةَ الجِنَايَةِ الواردة على عُضْوٍ تُعْتَبَرُ بِأَرْشِ ذلك العضو، وبهذا الوجه قال القَفَّالُ، واختاره القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية".
وذكر الإِمام تفريعاً عليه أن تَعْزِيرَ مقدمات السَّرِقَةِ يعتبر بأغلظ حُدُودِ الجَلْدِ، وهو 1031 حد الزنا؛ لأن القَطْعَ أَبْلَغُ من مائة جَلْدَةٍ، وأن تعزير الحُرِّ يعتبر بِحَدِّهِ، وتعزير العبد يُعْتَبَرُ بِحَدِّهِ؛ لأن اعتبار حال المُعَزَّرين أَوْلَى من اعتبار تَنَاسُبِ الجِنَايَتَيْنِ.
هذا أَحَدُ الوجهين وتفريعه.
والثاني: وهو الأظهر عند أكثرهم -أنه لا فَرْقَ بين مَعْصِيَةٍ ومعصية، [ويلحقُ] 1032 ما هو من مُقَدِّمَاتِ مُوجِبَاتِ الحد، وربما ليس من مُقَدِّمَاتَها.
وعلى هذا وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو عَلِيٍّ بْنُ أبي هُرَيْرَةَ والطبري: أنه 1033 لا يُزَادُ التَّعزيرُ على عَشْرِ جَلَدَاتٍ لما رُوِيَ عن أبي بُرْدَةَ بن نِيَارٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال 1034: "لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ العَشْرِ إِلاَّ في حَدٍّ" وبهذا قال صاحب "التقريب".
وقال: الحديث صَحِيحٌ.
وقد اشتهر عن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: مَذْهَبِي ما صَحَّ به الحديثُ.
وأظهرهما: أنه تجوز الزِّيَادَةُ على العَشْرِ، وإنما المَرعِيُّ النُّقْصَانُ عن الحَدِّ، والخبر على ما ذكر بَعْضُهُمْ أنه مَنْسُوخٌ، واحتجَّ بِعَمَلِ الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- بخلافه من غير إنْكَارٍ.
الجزء: 11 - الصفحة: 290
وعن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه كتب إلى أبي 1035 مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ألا يَبْلُغَ بِنَكَالٍ [أكْثَرَ] 1036 من عشرين سَوْطاً -ويروى ثَلاَثِينَ إلى الأربعين وعلى هذا فالمُعْتَبَرُ أولى الحُدُودِ في حَدِّ المُعَزَّرِ، أو في الحدود على الإطلاق؟ فيه وجهان: ظاهر النَّصِّ- وهو الذي رَجَّحَهُ عَامَّةُ الأصحاب: أنه يعتبر الأدنى في حق المُعَزَّرِ، فلا يُزَادُ تَعْزِيزُ الحر على تِسْع وثلاثين جَلْدَةً ليكون دون حَدِّ الشُّرْبِ، وهو أربعون، ولا [يزيد] تَعْزِير العبد على تسع عشرة وَيتَفَاوَتَانِ في غاية التَّعْزِيرِ، كما تَفَاوَتَا في غاية الحَدِّ.
والثاني: أنه يعتبر أَدْنَى الحُدُودِ على الإطلاق، حتى لا يُزَادَ تَعْزِيرُ الحر على تسع عشرة أيضاً.
وفي التهذيب وجه ثالث: وهو أن الاعتبار بحد الأَحْرَارِ، فلا يَبْلُغ حَدُّ الحر، ولا العَبْدِ أربعين، ويَجُوزُ ما دُون ذلك وعند مَالِكٍ: لا حَدَّ للتعزير، بل للإمام أن يَضْرِبَ كما شَاءَ وإن جاوز الحَدَّ، بل جَوَّزَ القَتْلَ لِلتَّعْزِيرِ والاسْتِصْلاحِ، ووجه المذهب ظاهر، وليكن التَّعْزِيرُ بِسَوْطٍ بين سَوْطَيْنِ، وضرب بين ضربين، كما في الحَدِّ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يَجْعَلُ ضَرْبَ التعزير أَشَدَّ، وفي الحُدُودِ ضرب الزنا أَشَدَّ، ثم حد الشرب، ثم حَدّ القَذْفِ.
وقوله في الكتاب: "فيوجب التَّعْزِير" أي: يَقْتَضِيهِ، ويثبته، ولا ينبغي أن يُحْمَلَ على الوجوب بمعنى اللُّزُومِ، ففي تَرْكِ أصل التَّعْزِيرِ كَلاَمٌ سيأتي إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا يُحْمَلُ قوله: "أما موجبه" بعد قوله: "والنظر في مُوجِبهِ وقَدْرِهِ ومُسْتَوْفيه" وقوله بعد ذلك: "وأما أصل الوجوب" يُشِيرُ إلى ما ذكر في "الوسيط"، وهو أن النَّظَرَ في المُوجِبِ، والمُسْتَوْفي، والقَدْرِ، وأَصْلِ الوجوب، فحذف بعض التَّرْجَمَةِ.
واعلم أن في قوله: "وما عداها ومقدماتها، فيوجب التَّعْزِيرَ" فيه غُنْيَةٌ عن قوله: "وأما مُوجِبه ... " إلى آخره؛ لأن المقصود ما عَدَا الجِنَايَاتِ الموجبة للحد، وهي التي أَرَادَهَا بقوله: "فهو كُلُّ ما يعصي به العَبْدُ رَبَّهُ ... " إلى آخره ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "يحطُّ عن عشرين جَلْدَةً" بالميم، وكذلك الحُكْمُ في سائر الوجوه؛ لما ذكرنا أن عند مَالِكٍ -رحمه الله- لا حَدَّ لأكثره، وكذلك قوله: "ولا يَجُوزُ أن يقتل ... ".
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُسْتَوْفِي) فَهُوَ الإِمَامُ والأَبُ وَالسَّيِّدُ وَالزَّوْجُ لَكِنَّ الأَبَ يُؤَدِّبُ الصَّغِيرَ دُونَ الكبِيرِ، وَمُعَلِّمُهُ أَيْضاً يُؤَدِّب بِإِذْنِهِ، والزَّوْجُ يُعَزِّرُ عَلَى النُّشُوزِ، وَالسَّيِّدُ يُعَزِّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَالزَّوْجُ لاَ يُعَزَّرُ إلاَّ في النُّشُوزِ، وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلاَمَة العَاقِبَةِ، فَإنْ سَرَى ضَمِنَ عَاقِلَةُ المُعَزِّر بخِلاَفِ الحَدِّ، فَلَوْ كَانَتِ المَرْأَة لاَ تَتْرُكُ النُّشُوزَ إِلاَّ بِضَرْبٍ مَخُوفٍ لَمْ نَجزُ تَعْزِيرُهَا أَصْلاً.
الجزء: 11 - الصفحة: 291
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأَصْحَابِ من يُخَصِّصُ لفظ التَّعْزِيرِ [بضرب] 1037 الإِمام، أو نَائِبِهِ لِلتَّأْدِيبِ في غير الحُدُودِ، ويُسَمِّي ضَرْبَ الزوج زَوْجَتَهُ، والمُعَلِّمُ الصَّبِّيَّ تَأْدِيباً لا تعزيراً.
ومنهم من يُطلِقُ اسْمَ التَّعْزِيرِ على ضَرْبِهِمْ جميعاً، وهو أشهر الاصْطِلاَحَيْنِ، والفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: مُسْتَوْفِي التعزير على الاصطلاح.
وهو الإِمام والأب والسَّيِّدُ والزَّوْجُ.
أما الإِمام فله بالوِلاَيَةِ العامة إِقَامَةُ العقوبات حَدّاً وَتَعْزيراً، والأب يُؤَدِّبُ الصغير تَعْلِيماً وزَجْراً عن سَيئِ الأَخْلاَقِ، وكذلك يؤدّب المَعْتُوهُ 1038 بما يَضْبِطُهُ، ويُشْبِهُ أن تكون الأم ومَنِ الصَّبِي في كَفَالَتِهِ، كذلك، كما ذكرنا في تَعْلِيمِ أحكام الطهارة والصلاة، والأمر بها، والضَّرْب عليها أن الأمَّهَاتِ كالآبَاءِ.
والمُعَلِّمُ يؤدب الصَّبِيَّ بإذن الوَلِيِّ، ونِيَابَته، والزَّوْجُ يُعزِّرُ زَوْجَتَهُ في النُّشُوزِ، وما يتعلَّق بحقه قال [الله] تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] ولا يُعَزِّرُهَا فيما يَتَعَلَّقُ بحق الله -تعالى-.
والسيد يُعَزِّرُ في حَقِّ نَفْسِهِ مَمْلُوكَهُ، فإن مِلْكَهُ وسَلْطَنَتَهُ فوق سَلْطَنَةِ الزَّوْجِ على زَوْجِتِهِ، وهل يُعَزِّرُ في حق الله تعالى؟ فيه وجهان، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في باب الزنا، والأظهر أنه يُعَزِّرُ، وبه أجاب في الكتاب هاهنا، وفي ذلك الباب.
الثانية: إذا أَفْضَى التَّعْزيرُ إلى الهَلاَكِ، وجب الضَّمَان على عَاقِلَةِ المعَزِّرِ؛ لأن المُعَزِّرَ مَأْمُورٌ أن يُؤَدِّبَ على شرط السَّلاَمَةِ، فإن المقصود التَّأْدِيبُ، دون الهلاك، فإذا ضرب وعنده أنه مُقْتَصِدٌ فحصل الهَلاَكُ بَانَ أنه جاوز الحَدَّ المَشْرُوعَ، وكان قَتْلُهُ شَبْه عَمْدٍ، فيجب الضَّمَانُ على عَاقِلَتِهِ، وإن كان الإسْرَافُ ظاهراً، وضربه بما يُقْصَدُ به القَتْلُ غالباً، فالذي أتى به عَمْدٌ مَحْضٌ -هكذا وَجَّهَ الإمَامُ.
وحكى [عن] 1039 المحققين بنَاءً على هذه القاعدة أن المُعَزِّرَ إذا عَلِمَ أن التَّأْدِيبَ لا يَحْصُلُ إلا بالضَّرْب المُبَرِّحِ، لم يكن له الضرب [لا المُبَرِّحُ] 1040 ولا غَيْرُهُ، أما المُبَرِّحُ، فلأنه مُهْلِكٌ، وليس له الإهْلاَكُ.
وأما غيره، فلأنه غير مُفِيدٍ، وإلى هذا يَرْجِعُ قوله في الكتاب: "فلو كانت المَرْأَةُ لا تترك النُّشُوز ... " إلى آخره.
والذي أَطْلَقَهُ الإِمام يَقْتِضِي أن يكون ذِكْرُ الزوج جَارِياً على سبيل المِثَالِ، وسائر المُعَزِّرين في معناه، ويشبه أن يُبْنَى الأَمْرُ في حَقِّ الإِمام على أن أَصْلَ التعزير هل هو واجب عليه؟
الجزء: 11 - الصفحة: 292
وسيأتي إن شاء الله -تعالى- إن أَوْجَبْنَاهُ الْتَحَقَ بالحَدِّ، وحينئذ فَيُشبِهُ أن يقال: يَضْرِبُهُ ضَرْباً [غير] 1041 مُبَرِّحِ إِقَامَةً لصورة الوَاجِبِ، وإن لم يفد التَّأْدِيب.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب: فإن سَرَى ضَمِنَ عَاقِلَةُ المُعَزَّر بالحاء والميم والواو؛ لما سنذكر في أول كتاب مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ، فإن المسألة مُعَادَةٌ هناك.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا أَصْلُ الوُجُوبِ فَهُوَ إِلَى رَأْيِ الإِمَامِ وَقَدْ يَرَى الصَّوَابَ في العَفْوِ وَالاقْتِصَارِ عَلَى التَّوْبِيخِ بِالكلام فَلَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا فِي حَقِّ الآدَمِيِّ فَلَيْسَ لَه الإِهْمَال مَعَ الطَّلَبِ وَلَكِنْ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ بِاللِّسَانِ دُونَ الضَّرْبِ؟ فيه وَجْهَانِ، وَلَوْ عَفَا المُسْتَحِقُّ لِلعُقُوبَةِ فَهَلْ للإمَامِ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّق فِي الثَّالِثِ بَيْنَ العَفْوِ عَنِ الحَدِّ والتَّعْزِيرِ، لِأَنَّ أَصْلَ التَّعْزِيرِ مَنُوطٌ بِرَأْيِ الإِمَامِ فَيَجُوزُ أَنْ لاَ يَسْقُطَ بِعَفْوِ غَيْرِهِ بِخِلاَفِ الحَدِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجِنَايَةُ المُتَعَلِّقَةُ بحق الله -تعالى- خَاصَّة، يجتهد الإمَامُ في تَعْزِيرِهَا بما يَرَاهُ من الضَّرْب، والحبس، والاقتصار على التَّوْبِيخِ بالكلام، فإن رَأى الصَّلاَحَ في العَفْوِ المُطْلَقِ، فلهَ ذلك.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أن التَّعْزِيرَ وَاجِبٌ كالحد.
ومنهم من يُفَضِّلُ فيقول: إن غلب على ظَنِّ الإِمام أنه لا يُصْلِحُهُ إلا التَّعْزِيرُ، وجب التَّعْزِيرُ.
واحتج الأصحاب بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَراتِهِمْ إِلاَّ في الحُدُودِ" 1042، وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَعْرَضَ عن جماعة اسْتَحَقُّوا
الجزء: 11 - الصفحة: 293
التعزير، كالذي [غَلَّ] 1043 1044 في الغَنِيمَةِ، والذي لَوَى شِدْقَهُ بيده حين حَكَمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- للزبير في شِرَاجِ الحَرَّةِ وأَسَاءَ الأَدَبَ.
وإن تَعَلَّقَتِ الجِنَايَة بِحَقِّ الآدَمِيِّ، فهل يجب التَّعْزِيرُ إذا طلب؟ فيه وجهان:
أحدهما -وهو قَضِيَّةُ إِيرَادِ صَاحِبِ "المهذب" أنه يجب كالقِصَاصِ 1045.
والثاني: لا يجب كما [لا] يجب التَّعْزِيرُ في حَقِّ الله -تعالى- وهذا ما أَطْلَقَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، وقَضِيَّةُ ما في "التهذيب" تَرْجِيحُهُ.
قال الإِمام: قَدْرُ التَّعْزِيرِ، وما به التعزير -يَتَعَلَّق بِرَأْي الإِمام، ولا يكاد يظهر منه جنَايَةٌ عند الإِمام إلاَّ وهو يُوَبّخُهُ ويلومه 1046 عليه، ويُغْلِظُ عليه القَوْلَ فيؤول الخِلاَفُ إلى أنَّه هل يجوز الاقْتِصَارُ على المَلاَمِ والتوبيخ بالكلام، وهذا قوله في الكتاب "ولكن هل يَجُوز له الاقْتِصَارُ على التوبيخ باللِّسَان ... " إلى آخره.
وقوله: "دون الضَّرْب" تأكيدٌ وإيضاحٌ، وفيما سواه ما يُغْني عنه.
ولو عَفَا مُسْتَحِقُّ العُقُوبَةِ عن القِصَاصِ، أو الَحد، أو التعزير فهل للإمام التَّعْزِيرُ؟ فيه وجوه:
أحدها: لا؛ لأن المُسْتَحِق قد أَسْقَطَهَا.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يَخْلُو عن حَقِّ الله -تعالى- ولانه قد يَحْتَاجُ إلى زَجْرِ غَيْرِهِ، وإلى زَجْرِهِ عن مِثْلِ تلك الجناية.
وأشبههما: الفَرْقُ بين أن يكون العَفْوُ عن الحَدِّ، فلا يعزر، وبين أن يكون عن التعزير، فيعزر؛ لأن الحَدَّ لاَزِمٌ مُقَدَّرٌ، ولا يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِمَام، فلا سَبِيل إلى العُدُولِ إلى غيره بغير سُقُوطِهِ، والتعزير يَتعَلَّق أصله بِنَظَرِ الإِمام، فَجاز ألا يُؤَثِّرَ فيه إِسْقَاطُ غَيْرِهِ.
[والله -عَزَّ وَجَلَّ- أعلم].
الجزء: 11 - الصفحة: 294
(كِتَابُ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ)
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي ضَمَانِ الوُلاَةِ وَالصَّائِلِ وإتْلاَفِ البَهَائِم
ِ (النَّظَرُ الأَوَّلُ في الُوَلاَةِ)
وَإِلى الأِمَامِ تَعْزِيرٌ وَحَدٌّ وَاسْتِصْلاَحٌ (أَمَّا التَّعْزِيرُ) إِذَا سَرَى فَيَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى كُلِّ مُعَزِّرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ترجمة الكتاب وإن كانت مُطْلَقَةً، فليس المُرَادُ جَمِيعَ الأسباب، بل من مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ ما يذكر في غير هذا المَوْضِع، كالغَصْب والإتْلاَفِ، ولكن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذَكَرَ في هذا الموضع أَشْيَاءً تَتَعَلَّقُ بهذا الضَّمَانِ، فجمعها المُصَنِّفُ -رحمه الله-[في كتاب] 1047 ترجَمَه بِمُوجِبَاتِ الضَّمَانِ، وهي ثلاثة:
أحدها: ضَمَانٌ يلزم الوُلاَة 1048 بتَصَرُّفَاتِهِم المختصة بهم.
والثاني: ضَمَانُ الصائل.
والثالث: ضَمَانُ ما تُتْلِفُهُ البَهَائِمُ.
أما الأول ففيه نظران:
أحدهما: في موجب الضَّمَانِ.
والثاني: في مَحَلِّهِ.
أما الأول فما يُفْضِي إلى الهَلاَكِ من التَّصَرُّفَاتِ المتعلقة بالوُلاَةِ 1049 أنواع منها: التعزير؛ فإن مات منه المُعَزَّرُ 1050، وجب ضَمَانُهُ؛ لأنه تَبَيَّنَ بالهَلاَكِ أنه جاوز الحَدَّ 1051
الجزء: 11 - الصفحة: 295
المشروع [كما سبق] 1052 واحتجَّ له بأنهم حكموا في التي بَعَثَ إليها عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِرَيبَةٍ 1053؛ فأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا [بوجوب] 1054 دية الجَنِينِ.
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- أنه قال 1055: ليس أَحَدٌ أُقِيمُ عليه حَدّاً، فيموت، فأجد في نفسي منه شَيْئاً أن الحَقَّ قتله إلا حَدَّ الخمر، فإنه [شيء] 1056 رأيناه بعد رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فمن مات منه فَدَيْتُهُ إما قال: في بيت المالِ، وإما قال: على عَاقِلَةِ الإِمام -شَكْ فيه الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَدَلَّ على أن ما أُقِيمَ بالرَّأْيِ والاجتهاد إذا أَفْضَى إلى تَلَفٍ، تَعَلَّقَ به الضَّمَان.
وَذُكِرَ وَجْهٌ: أنه لا ضَمَانَ إذا عُزِّرَ لِحَقِّ الآدمي بِنَاءً على أنه وَاجِبٌ إذا طلب المُسْتَحِقُّ، فصار كالحَدِّ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لاَ ضَمَانَ في التعزير، وربما بنى ذلك على أنه يَجِبُ التَّعْزِيرُ عنده.
وعن مَالِكٍ: أنه إذا عَزَّرَهُ تَعْزِيرَ مِثْلِهِ، لم يجب الضَّمَانُ.
وكما يجب الضمان فيما إذا أَفْضَى تَعْزِيرُ الإِمام إلى الهَلاَكِ، يجب في تعزير الزوج والمُعَلمِ، ولا فرق بين أن يَضْرِبَ المعلمُ الصَّبِيَّ بإذن أبيه أو دون إِذْنِهِ.
نعم لو كان مَمْلُوكاً، فضربه بإذن سَيِّدِهِ، قال في "التهذيب": لا ضَمَانَ؛ لأنه لو أمر بِقَتْلِهِ فقتله، لم يجب الضَّمَانُ.
وقوله في الكتاب: "على كل [مُعَزِّر] " 1057 المراد: تَعَلّق الضَّمَان به، لا أنه يجب على المُعَزِّرِ نَفْسِهِ، وإنما تجب الدِّيَةُ على عَاقِلَةِ الزوج، والمُعَلِّمِ، وفي حق الإِمام يَجِبُ على العَاقِلَةِ، أو بَيْتِ المال، كما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
نعم مَن أَسْرَف وظهر منه قَصْدُ القَتْلِ تَعَلَّقَ به القِصَاصُ، والدِّيَةُ [المُغَلَّظَةُ في ماله].
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الحُدُودُ المُقَدَّرَةُ) فَمَنْ مَاتَ بِهَا فَالحَقُّ قَبْلَهُ فَلاَ ضَمَانَ، وَمَنْ مَاتَ بِثَمَانِينَ جَلْدَةً فِي حَقِّ الشُّرْبِ فَمَضْمُونٌ نِصْفُهُ، وَإِنْ مَاتَ بِأَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ فَعَلَى قَوْل
الجزء: 11 - الصفحة: 296
يُضْمَنُ نِصْفُهُ، وَعَلَى قَوْلٍ جُزْءٌ مِنْ وَاحِدٍ وَأَرْبعِينَ، وَلَوْ مَاتَ مِنْ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِتَقْدِيرِ الصَّحَابَةِ بِهِ، وَلَوْ مَاتَ مِنَ الضَّرْبِ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ قَرِيباً من أَرْبَعِينَ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَمَرَ الجَلاَّدَ فِي الشُّرْبِ بِثَمَانِينَ فَضَرَبَ أَحَداً وَثَمَانِينَ فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ شَطْرُ الدِّيَةِ عَلَى الإِمَامِ وَالجَلاَّدِ بِالسَّوَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ الثُّلُثَانِ عَلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ عَلَى الجَلاَّدِ جُزْءٌ مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ، وَعَلَى الإِمَامِ أَرْبَعُونَ مِنْ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحدود في غير الشُّرْبِ مُقَدَّرَةْ مَنْصُوصٌ عليها، فمن مات منها فالحَقُّ قتله فلا ضَمَانَ، نعم إن أُقِيمَ الحَدُّ في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو برد مُفْرِطٍ، ففيه خلاف تَقَدَّمَ، والظاهر أنه لا ضَمَانَ [أيضاً] 1058 وأما حَدُّ الشرب، فإن ضُرِبَ بالنِّعَالِ، وأطراف الثِّيَاب، فمات منها، ففي وُجُوبِ الضَّمَانِ وجهان، بناءً على أنه هل يَجُوزُ أن يحّدها كذا؟
من قلنا: يجوز -وهو الأصح- فلا ضَمَانَ كما في سائر الحُدُودِ.
وإن قلنا: لا يجوز، وَجَبَ الضَّمَانُ؛ لأنه عَدَلَ عَن الجِنْسِ الواجب في الحد إلى غيره.
ولو ضرب أربعين جَلْدَةً فمات، ففي وجوب الضَّمَانِ قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن التَّقْويمَ بأربعين جَلْدَةً كان بالاجتهاد، وَيدُلُّ عليه حديث عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- أنه شيء أَحْدَثْنَاهُ بعد رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وأصحهما: أنه لا يَجبُ، كما في سَائِرِ الحُدُودِ، وذلك لأن الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أَجْمَعَتْ على أن الشَّارِبَ مَضْرُوبٌ أربعين جَلْدَةً، وَعَدَّلَتْ ما كان بهذا القَدْرِ.
وروي أيضاً أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 1059 جَلَدَ الشَّارِبَ أربعين، فإن قلنا بالأول، فالأظهر على ما ذَكَرَهُ الإمامُ وغيره: أنه يَجِبُ كل الضمان، وفيه وَجْهَانِ آخران:
أحدهما: أنه يُوَزَّعُ على التفاوت بين أَلَمِ السِّيَاطِ، والضرب بالنِّعَالِ، وأطراف الثياب، وهذا شيء لا يَتَأتَّى ضَبْطُهُ.
والثاني: عن حكايته [ابن] 1060 المَرْزبَانِ وغيره وجه: أنه يجب نِصْفُهُ؛ لأن الهَلاَكَ حَصَلَ من إِيلاَمٍ مُسْتَحَقٍّ، وإِيلاَمٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ.
فإن ضرب أكثر من أربعين، كإحدى وأربعين، فمات، بُنِيَ ذلك على أنه هل يجب الضَّمَان لو مات من أربعين؟
الجزء: 11 - الصفحة: 297
إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا حَفْصِ بن الوَكِيلِ، وعبد الله بن محمد القزويني [أَثْبَتَا] 1061 للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قولين في وجوب جميع الضَّمَانِ في هذه الصورة.
فإن قلنا: يجب ضَمَانُ ما زاد على أربعين؛ لأنه مَبْنِيٌّ على الرأي والاجتهاد، كالتعزير ففي قَدْرِهِ قولان:
أحدهما: النصف؛ لأنه تَلِفَ من مَضمُونٍ، وغير مضمون، فصار كما إذا جَرَحَ نفسه جِرَاحَةً، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ جِرَاحَاتٍ فمات منهما يجب نِصْفُ الدِّيَةِ.
والثاني: أن الضمان [يُقَسَّطُ] 1062 على عَدَدِ السِّيَاطِ، وكلام الأئمة إلى تَرْجِيحِ هذا القول أَمْيَلُ، وفرقوا بين السِّيَاطِ والجِرَاحَاتِ؛ بأن السِّيَاطَ تقع على ظاهر البَدَنِ، فتكون متقاربة، والجِرَاحَاتُ تُؤَثِّرُ في الباطن، وَمَكَانَتُهَا مختلفة لا تكاد تُضْبَطُ، وعلى هذا، فَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ على أحد وأربعين جُزْءاً، فيسقط منها أربعون، ويجب جُزْءٌ واحد، وإن ضرب اثنين وأربعين، فمات، فيوزع على اثنين وأربعين، وعلى هذا القِيَاسُ، حتى إذا ضُرِبَ ثمانين، ومات منها التقى القولان، وكان الوَاجِبُ نِصْفَ الدية.
ومن جُلِدَ في القَذْفِ إحدى وثمانين جَلْدَةً، فمات منها، فالضَّمَانُ الواجب نِصْفُ الدية، أو جزء من إحدى وثمانين جزء منها؛ توزيعاً على السِّيَاطِ؟ فيه القولان:
ثم إن كانت الزيادة من الجَلاَّدِ، ولم يَأْمُر الإِمام بذلك، فالضَّمَانُ على اختلاف القَوْلينِ على الجَلاَّدِ.
وإن أَمَرَ الإِمام بذلك، فالضَّمَانُ يتعلق بالإمام وكذا لو قال الإِمام: اضْرِبْ وأنا أَعُدُّ فَغَلِطَ في العَدَدِ حتى زاد على الثمانين، ولو أن الإمَامَ أمر بثمانين في الشُّرْب، فزاد الجَلاَّدُ جَلْدَةً واحدة، ومات المَحْدُودُ، فيبنى على أنَ الضَّمَانَ يُوَزَّعُ على نَوْعَيِ الجَلْدِ المضمون وغير المضمون، أو على عَدَدِ السياط؟ فإن قلنا بالأول فوجهان:
أحدهما: أنه يسقط شَطْرُ الدِّيَةِ، ويجب الشَّطْرُ على الجَلاَّدِ والإمام بالسَّوِيَّةِ؛ لأنه مات من مَضْمُونِ وغير مضمون، فَسَقَطَ حِصَّةُ غير المضمون، والمضمون وُجِدَ من شخصين، فَتُوَزَّعُ حِصَّتُهُ عليهما.
والثاني: أنه يسقط ثُلُثُ الدِّيَةِ، ويجب ثُلُثَاهَا عليهما بالسَّوِيَّةِ؛ لأنه مات من ثلاثة أنواع: من ضرب وَاجِبٍ، وجائز، ومحرم 1063، فتسقطُ حِصَّةُ الواجب، وتجب حِصَّةُ الآخرين 1064.
الجزء: 11 - الصفحة: 298
وإن قلنا: تُوَزَّعُ الدِّيَةُ على عَدَدِ السِّيَاطِ، فيسقط أربعون جزءاً من إحدى وثمانين جُزْءاً من الدية، ويجب جزء منها على الجلاد، وأربعون على الإِمام.
فهذه ثلاثة أوجه.
وفي "النهاية" حِكَايَةُ وجه رَابعٍ، وهو أنه يَسْقُطُ نِصفُ الدية، ويُوَّزعُ نِصْفُهَا على أحد وأربعين جُزْءاً؛ منها واحد على الجلاد، وأربعون على الإِمام.
قال الإِمام: وهذا جَمْعٌ بين التَّنْصِيفِ، واعتبار عَدَدِ الجَلَدَاتِ، وفيه اختلاط.
وأما لفظ الكتاب فقد قَدَّمْنَا بعض صُوَرِهِ، وأَخَّرْنَا بَعْضاً؛ لحاجة الشرح إليه.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "فَمَضْمُون نصفه" بالواو؛ لما علمت أن القول بِوُجُوبِ النصف مَبْنِيٌّ على أنه لو اقْتَصَرَ على أربعين جَلْدَةً فمات، لم يضمن.
أما إذا قلنا: إنه يضمن، وقلنا: الواجب كُلُّ الضَّمَانِ، ففي [الثمانين] 1065 أَوْلَى أن يَكون كذلك.
ويجوز أن يُعْلَمَ بالحاء والميم؛ لما سَبَقَ أن الحَدَّ عندهما ثَمَانُونَ، وحينئذ فالهَلاَكُ المُتَوَلِّدُ منه لا يكون مَضْمُوناً أَصْلاً.
وقوله: "فمَضْمُونٌ نصْفُهُ" معناه: أنه مضمون بِنِصْفِ الضمان؛ لأنه نصفه مضمون، ونصفه مُهْدَرٌ.
ويجوز أن يُعَادَ إعلامه بالحاء والميم على قوله: "يضمن نِصْفه" وقوله: "جزء من واحِدٍ وأربعين جُزْءاً" فيما إذا مات بإحدى وأربعين جَلْدَةً؛ لَما بَيَّنَّا.
وأن يعلم قوله: "على أظهر القولين" بالواو، ولأن القاضي ابن كَجٍّ حكى طريقةً قاطعةً؛ بأنه لا ضَمَانَ في الموت من الأربعين.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا اَلاسْتِصْلاحُ) فَهُوَ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ أَوْ خِتَانٍ، وَيَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ نَفْسِهِ سِلْعَةً إِنْ لَمْ يَكُن فِيها خَطَرٌ لإِزَالَةِ شَيْنٍ، وإنْ كَانَ خَطَرٌ لَمْ يَجُزْ لِلشَّيْنِ، وَيَجُوزُ لِخَوْفِ الهَلاَكِ إِنْ كَانَ القَطْعُ أَرْجَى لِلسَّلاَمَةِ بِالظَّنِّ الغَالِبِ، فَإِنْ تَسَاوَى خَطَرُ التَّرْكِ وَالقَطْعِ فَوَجْهَانِ، وَمَنْ به أَلَم لاَ يُطِيقُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَه إِلاَّ أَنْ يَقَعَ فِي نَارٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ بِإغْرَاقِ نَفْسِهِ وَالغَرَقُ مُهْلِكٌ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، وَللْأَبِ أَنْ يَقْطَعَ مِنَ الصَّغِيرِ مَا لِلعَاقِلِ أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ ذَلِكَ، كمَا لَيْسَ لَهُ الإِجْبَارُ فِي النِّكَاحِ، نَعَمْ لِلسُّلْطَانِ فَصْدُ الصَّغِيرِ وَحِجَامَتُهُ وَمَا لاَ خَطَرَ فِيهِ، فَاِنْ سَرَى مَا لَمْ يَجْزُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ في خَاصِّ مَالِهِ لاَ عَلَى العَاقِلَةِ، وَفِي القَوَدِ قَوْلاَن، وَحَيْثُ يَجُوزُ القَطْعُ فَلاَ
الجزء: 11 - الصفحة: 299
يَضْمَنُ الوَلِيُّ بِسَرايَتِهِ كَالفَصْدِ وَالحِجَامَة والخِتَانِ وَقَطْعِ السِّلعَةِ بِخِلاَفِ التَّعْزِيرِ، وَالخِتَانُ وَاجِبٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ القُلْفَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَمِنَ المَرْأَةِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ البُلُوغِ، وَالأوْلَى تَقْدِيمُهُ لِلسُّهُولَةِ، وَالبَالِغُ إِذَا امْتَنَعَ فَلِلْسُّلطَانِ قَهْرُهُ بِالخِتَانِ هَذَا كُلُّهُ فِي المُوجِبِ (أَمَّا مَحَلُّ) الضَّمَانِ فَالإِمَامُ فِيهِ كَالأَجَانِبِ فِيمَا يَتَعَدَّى بِهِ، أَمَّا مَا يَخْطِئُ بِهِ في الحُكْم فَيَجِبُ عَلى عَاقِلَتِهِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى بَيْتِ مَالِهِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي الكَفَّارَةِ قَوْلانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ عَلَى بَيْتِ المَالِ، وَيَجْرِي القَوْلاَنِ فِيمَا لَوْ ضَرَبَ ثَمَانِينَ في الشُّرْبِ بِالاجْتِهَادِ، وَلاَ يَجْرِي إِذَا أَقَامَ الحَدَّ عَلَى حَامِلٍ فَأُجْهِضَتْ، بَلِ الغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَلَوْ أَخْطَأَ بِالقَضَاءِ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ مُقَصِّراً في البَحْثِ فَالضَّمَان لاَ يَكُونُ في بَيْتِ المَالِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ جَرَى القَوْلاَنِ، وَيُجْعَلُ الشَّاهِدُ كَالغَارِّ عَلَى وَجْهٍ حَتَّى يُخَرَّجَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ عَلَى قَوْلَي الغُرُورِ، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ العَبْدَيْنِ أَوْ بِذِمَّتِهِمَا فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى المُرَاهِقَيْنِ وَجْهَانِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الفَاسِقِينَ إنْ رَأَيْنَا نَقْضَ الحُكْمِ بِظُهُورِ الفِسْقِ بَعْدَ القَضَاءِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُرْجَعُ فِي الثَّالِثِ عَلَى المُجَاهِرِ دُونَ المُكَاتِمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومما يدخل في تصرف الولاة والأئمة الاسْتِصْلاَحُ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ تظهر، وبِالخِتَانِ، وفيه مسألتان:
إحداها: في حكم قطع السِّلْعَةِ من العَاقِلِ المستقل بأمر نَفْسِهِ.
فالسِلْعَةُ غُدَّةٌ تخرج بين اللَّحْم والجِلْدِ تكون بِقَدْرِ الحِمِّصَةِ إلى الجَوْزَةِ فما فوقها، وقد يخاف منها وقد لا يخاف، لكنَها تَشِينُ، واللفظ بكسر الشين، كذلك ذَكَرَهُ صاحب "الصِّحَاح" وغيره من أهل اللُّغَةِ، وعليه جرى المتثبتون من الفقهاء وكذلك المتاع سلعة.
وأما السَّلْعَةُ بالفتح فهي الشَّجَّةُ.
فإن لم يكن في قطعها خَطَرٌ، وأراد العَاقِلُ المستقل 1066 قَطْعَهَا لإزَالَةِ الشَّيْنِ، فلا حَرَجَ عليه وله أن يَقْطَعَهَا بنفسه، ولغيره قَطْعُها بإذنه، وإن كان في قطعها خَطَرٌ [نظر إن لم يكن في إبقائها خَطَرٌ] لم يَجُزْ له القَطْعُ [لإزالة الشَّيْنِ،] 1067 وإن كان في إِبْقَائِهَا خَوْفٌ أيضاً فإن كان الخَطَرُ في القَطْعِ أَكْثَرَ لم يكن له القَطْعُ، وإن كان الخَطَرُ في الإِبْقَاءِ أَكْثَر،
الجزء: 11 - الصفحة: 300
فله القَطْعُ؛ لزيادة رَجَاءِ السَّلاَمَةِ فيِه.
وفيه وجه لأنه استفتاح [أمر] 1068 خطر؛ بخلاف التَّرْكِ والإبقاء، وإن تَعَادَلَ الاحتمالان، وتساوى خَطَرُ القَطْعِ والتَّرْكِ، فوجهان.
أحدهما -وبه قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أنه لا يجوز القَطْع؛ إذ لا فَائِدَةَ فيه، والاحتمالان مُتَسَاوِيَان.
وأشبههما: الجَوَازُ -لأنه لَيْسَ فيه مَزِيدُ خَوْفٍ وَخَطَرٍ، ولا معنى للمنع مما لا خَطَرَ فيه، ومن عَظُمَتْ عليه الآلاَمُ، ولم يُطِقْهَا، وأراد أن يُرِيحَ 1069 نَفْسَهُ بِمُهْلِكٍ مُذَفَّفٍ، لم يَجُزْ له ذلك، لكن لو وقع في نَارٍ، وعلم أنه لا يَنْجُو منها، وأَمْكَنَهُ أن يُلْقِيَ نَفْسَهُ في بَحْرٍ، ورأى ذلك أَهْوَنَ من الصَّبْرِ على لَفَحَاتِ النار، فهل له ذلك؟
حُكِيَ فيه اخْتِلاَفُ رَأْيٍ لأبي يوسف ومحمد، ثم وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه افْتِتَاحُ سَبَبٍ مُهْلِكٍ.
وأصحهما على ما ذكر صاحب الكتاب، ويُنْسَبُ إلى الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: الجواز؛ لأنه أَهْوَنُ، وتَآكُلُ بعض الأعضاء كالسِّلْعَةِ التي يُخَافُ منها.
ولو قطع السِّلْعَةَ أو اليَدَ المُتَآكَلَةِ من العَاقِلِ المستقل قَاطِعٌ بغير إذنه، فمات فعليه القِصَاصُ، يستوي فيه الإِمَامُ وغيره؛ لأنه مُتَعَدٍّ، والناس في هذه المَصَالِحِ [موكّلون] 1070 إلى آرائهم.
الثانية: المولى عليه لِصِغَرٍ، أو جُنُونٍ، يجوز لِوَلِيِّهِ الخَاصِّ، وهو الأب و 1071 الجد أن يَقْطَعَ منه السِّلْعَةَ أو اليَدَ المُتَآكِلَةَ، وإن كان فيه خَوْفٌ وَخَطَرٌ، إذا كان الخوف في الترك أَكْثَرَ، وليس للسُّلْطَانِ ذلك؛ لأن القَطْعَ المخطر يحتاج إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وفَرَاغ تام، وشَفَقَةٍ كَامِلَةٍ، وهذا كما أن الأب والجد لهما اسْتِصْلاَحُ [البِكْرِ الصَّغِيرَةِ] 1072 بالتزويج، وليس للسلطان أن يُزَوِّجَهَا.
قال الإِمام: وقد ذكرنا عند اسْتِوَاءِ الطرفين [في الخوف] 1073 خِلاَفاً في أن العَاقِلَ هل له أن يَقْطَعَ من نَفْسِهِ، والأظهر -والحالة هذه- أنه لا يقطع من طفله والعلم عند الله.
وعلى هذا فقوله: "وللأب أن يَقْطَعَ من الصغير ما للعاقل أن يفعل بنفسه" غير مُجْرَى على إِطْلاَقِهِ.
وما لا خَطَرَ فيه، ولا خَوْفَ غالباً كالفَصْدِ والحِجَامَةِ، وقَطْعِ السِّلْعَةِ، إذا لم يكن فيه خَطَرٌ، فيجوز الإِتْيَانُ به للولي الخاص والسلطان جميعاً؛ لأنهما
الجزء: 11 - الصفحة: 301
يَلِيَانِ مَالَهُ، ويَصُونَانِهِ عن أن يضيع، فصيانة بَدَنِهِ 1074 وأَبْدَانِ الحَيَوَانِ 1075 في مَعْرِضِ العِلَلِ والتَّغَايرِ بالمُعَالَجَةِ أَوْلَى.
قال الإِمام: ومن أَطْلَقَ من الأصحاب أن السُّلْطَانَ لا يَقْطَعُ سِلْعَةَ الصَّبِيِّ والمجنون، أراد القَطْعَ الذي فيه خَطَرٌ.
هذا ما سَاقَةُ الإمامُ وصاحب الكتاب، وهو الأَقْرَبُ والأَحْسَنُ.
"وفي التهذيب" وجه: أن القَطْعَ المخطر لا يجوز لِلْوَليِّ الخامس أيضاً.
وفي "جمع الجوامع" لِلرُّوَيانِيِّ -رحمه الله- أنه لا يَجُوزُ للسلطان الفَصْدُ والحِجَامَةُ، وَيخْتَصُّ نَظَرُهُ وَتَصَرُّفُهُ بالمال، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قوله: "وللأب أن يقطع ... " بالواو، وكذا قوله: "نعم لِلسُّلْطَانِ".
وليس للأجنبي المُعَالَجَة، ولا القَطْعُ المخطر بحال، ولو فعل، فَسَرَى [ومات به] تعلَّق بفعله القِصَاصُ والضَّمَانُ.
وأما السُّلْطَانُ إذا فعل بالصَّبِيِّ ما منعناه [منه،] 1076 وسَرَى إلى نفسه، فعليه الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً في مالهِ لِتَعَدِّيهِ.
وفي طريق يخرج على الخلاف الذي سَيَأْتِي في أن ضَمَانَ ما يخطئ به من أحكامه، وتصرفاته يكون على العَاقِلَةِ، أو في بَيْتِ المَالِ؛ لأنه قصد الإِصْلاَحَ، وهل يجب عليه القِصَاصُ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه جرح مُتَعَدِّياً جِرَاحَةً مُهْلِكَةً.
والثاني: لا، ووجه بأنه قصد الإصلاح لا الإهلاك، وبأن قطع السلعة مما تقتضيه ولاية الأبوة وإن لم تقتضيه هذه الولاية فتنتهض شبهة، هذا ما يحكى عن اختيار أبي إسحاق وجماعة من الأئمة واستبعدوا وجوب القصاص عليه، وعن صاحب الإفصاح أن القولين فيما إذا كان للمقطوع أب أو جد فإن لم يكونا فلا قود بلا خلاف؛ لأنه لا يجد من يقوم بشأنه فلا بد أن يراعيه السلطان وهذا راجع إلى أن للسلطان قطع السلعة والله أعلم.
ولو قطع الأب أو الجد السلعة حيث لا يجوز قطعها فلا قصاص عليه للبعضية وتجب الدية في ماله، وفي التهذيب وجه أنه لا ضمان على الأب أصلاً لأن ولايته أتم فإنه يعالج الصبي بالفصد والحجامة وإنما قطع السلعة لشفقته عليه.
وقوله في الكتاب: "فإن سرى ما لم يجز فعله فعليه الدية في خاص ماله" مطلق يشمل قطع السلطان وقطع الأب والجد ولو أُخذ بإطلاقه لجاز إعلامه بالواو لهذا الوجه المذكور في التهذيب لكنه أراد السلطان خاصة على ما دل عليه نظم لفظ الوسيط ولا
الجزء: 11 - الصفحة: 302
يه، نعم، يجوز أن يعلم قوله "في خاص ماله" بالواو للطريق الآخر أنها في بيت المال على قول، وما يجوز فعله للأب والجد والسلطان من فصد الصبي وحجامته ومن قطع السلعة للأب إذا أفضى إلى تلف هل يجب فيه الضمان فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالتعزير إذا أفضى إلى التلف.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجب؛ لأن التعرض للضمان يمنعه من المعالجة بالفصد والحجامة فيتضرر الصبي، وليس ما نحن فيه كالتعزير؛ فإن التعزير المشروع هو التأديب الذي لا يهلك فإذا أفضى إلى الهلاك علم أنه عدل عن المُجوَّز وههنا جوزنا الجرح مع كونه مخطراً في نفسه فيمتنع تعلق الضمان به، ونسب الإِمام الوجه الأول إلى القاضي الحسين والثاني إلى عامة الأصحاب، ويجري هذا الخلاف في الختان إذا أفضى إلى التلف وسنعيده على الأثر إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: ظاهر المذهب أن الختان واجب في حق الرجال والنساء، وبه قال أحمد، واحتج له بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أمر رجلاً أسلم بالاختتان" 1077 وبأنه قطع عضو يخلف فلا يكون إلا واجباً كقطع اليد والرجل، وأيضاً فإنه جرح يخاف منه فلو لم يجب لم يجز وفيه وجهان آخران:
أحدهما وبه قال أبو حنيفة ومالك أنه سنة مؤكدة لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" 1078.
والثاني: أنه واجب في [حق] الرجال دون النساء، وحكى القاضي ابن كج في المسألة قولين ولم يذكر التفصيل.
وصفة ختان الرجل أن يقطع الجلدة التي تواري الحشفة ويقال لها: القلفة، حتى يكشف جميع الحشفة، قال الإِمام: ولو بقي مقدار لا ينبسط على وجه الحشفة وجب قطعه حتى لا يبقى جلد متجاف هذا هو المشهور، وقال القاضي ابن كج: عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها.
وأما من المرأة فيقع القطع على لحمة في أعلى الفرج فوق ثقبة البول، وتشبه تلك اللحمة عرف الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة، ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأم طيبة وكانت تخفض "أشمي ولا تنهكي" 1079 أي اتركي الموضع أشم وهو المرتفع ولا تبالغي في القطع.
الجزء: 11 - الصفحة: 303
إذا عرفت ذلك ففيه مسألتان:
إحداهما: قال الأصحاب الختان إنما يجب بعد البلوغ لأن الصبي ليس أهلاً لوجوب العبادات المتعلقة بالأبدان فالجراحة المؤلمة أولى ويخالف العدة فإنها تتعلق بمجرد مضي الزمان.
ويستحب أن يُعَجَّلَ فَيُخْتَنُ الطفل في اليوم السَّابع من وِلاَدَتِهِ، إن لم يكن ضَعِيفاً لا يحتمله.
رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "خَتَنَ الحَسَنَ والحُسَيْن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- في اليوم السَّابعِ" 1080 فإن كان ضَعِيفاً أُخِّرَ إلى أن يحتمله، [حتى] 1081 قال الإِمام: لو كان الرَّجُلُ على خِلْقَةٍ من الضَّعْفِ، بحيث لو خُتِنَ، خِيفَ عليه لا يجوز أن يختن، بل ينتظر التمكُّن بأن يَصِيرَ، بحيث يغلب على الظَّنَّ سَلاَمَتُهُ لو ختن.
وعن "تعليقة" القاضي حُسَيْنِ، وهو قَضِيَّةُ ما في "التهذيب": أنه لا يجوز أن يُخْتَنَ الصَّبِيُّ حتى يصير ابْنَ 1082 عَشْرٍ؛ لأنه حينئذ أُمِرَ بالضرب على ترك الصَّلاةِ، وأَلَمُ الخِتَانِ فوق أَلَمِ الضَّرْبِ.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصَّلاَةِ.
وإذا بلغ الصَّبِيُّ غير مَخْتُونٍ، أمره الإمَامُ بالخِتَانِ، فإن امتنع 1083 أَجْبَرَهُ عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 304
الثانية: إذا ختن (1) الإِمام المُمْتَنِعَ فمات، فلا ضَمَانَ؛ لأنه مات من وَاجِبٍ، نعم لو أَوْقَعَ خِتَانَهُ في حَرٍّ شَدِيدٍ، أو في بَرْدٍ شديد، ففي الضَّمَانِ خِلاَفٌ قد تَقَدَّمَ في باب الزنا، والظاهر وُجُوبُهُ.
وأجرى الإِمام هذا الخِلاَفَ فيما إذا وقع خِتَانُ الأب في الحَرِّ الشديد والبرد الشديد، وجعل الأب أَوْلَى بنفي الضَّمَانِ؛ لأن الأب هو الذي يَتَوَلَّى الخِتَانَ (2) في الغالب، فهوَ في حَقِّهِ كالحد في حَقِّ الإِمام.
ومن خَتَنَ صَبِيّاً في سِن لا يَحْتَمِلُهُ، فمات، فعليه القِصَاصُ، سواء فيه الوَليُّ وغيره.
نعم لا قِصَاصَ على الأب والجد للْبَعْضِيَّةِ (3)، ويجب عليهما الدِّيَة، وإن كان في سِنٍّ يحتمله، نظر إن خَتَنَهُ [أبوه] (4) أو جَدُّهُ فمات، ففي [وجوب] (5) الضمان وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن الخِتَانَ غير وَاجِبِ في الحال، فَأَشْبَهَ قَطْعَ السِّلْعَةِ.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لاَ بُدَّ منه، وفي التقديم نظر وفَائِدَةٌ للصبي؛ لأن القَطْعَ والبَدَنُ [غَضٌّ رخص] (6) والمقطوع قَدْرٌ [يَسِيرٌ سَهل] (7) أسهل عليه، وأجرى [الإِمام الوجهين] فيما إذا ختن الإمَامُ الصَّبِيَّ الذي لا وَلِيَّ له، وجعل الظاهر نَفْي الضَّمَانِ إِلْحَاقاً للختان والحالة هذه بالمُعَاَلَجَاتِ.
وإن خَتَنَة أَجْنَبِيٌّ.
قال في "التهذيب": يحتمل أن يُبْنَى ذلك على أن الإِمَامَ إذا خَتَنَ في الحر والبرد، فمات المَخْتُونُ -هل يَضْمَنُ؟ إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وإلا فلا ضَمَانَ.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ: أنه يُبْنَى ذلك على أن الجُرْحَ اليَسِيرَ هَل يَتَعَلَّقُ به القِصَاصُ؟ وفيه وجهان:
إن قلنا: نعم، فهو عَمْدٌ، إلاَّ شبه عَمْدٍ.
والله أعلم بالصواب.
فرع
إذا أوجبنا الضَّمَانَ بالخِتَانِ في الحَرِّ المُفْرِطِ، أو البَرْدِ المُفْرِطِ، فالواجب جَمِيعُ الضَّمَانِ للتَّعَدِّي أو نصفه؛ لأن أَصْلَ الخِتَانِ واجبٌ، والهَلاَكُ حصل من مُسْتحقٍّ، وغير مستحقٍّ فيه وجهان:1084108510861087108810891090
الجزء: 11 - الصفحة: 305
أظهرهما 1091: الثاني، وقد سبق مِثْلُهُمَا في إقامة الجلْدِ في الحر، أو البرد المُفْرِطَيْنِ.
"آخر" مُؤْنَةُ الخِتَانِ في مال المَخْتُونِ، وفيه وجه: أنه الوَالِدَ إذا خَتَنَ وَلَدَهُ في الصِّغَرِ كانت المُؤْنَةُ عليه.
هذا تَمَامُ الكلام فيما يوجب الضَّمَانَ من تَصَرُّفَاتِ الإِمام.
قال: هذا كُلُّهُ في الموجب أما ما يتعدَّى الإِمَامُ به من التَّصَرُّفَاتِ، ويقصر فيه، وما يخطئ فيه خطأ لا يَتَعَلَّقُ بالحُكْمِ بأن يَرْمِيَ إلى صيد 1092، فَيُصِيبُ [إِنْسَاناً] 1093، فَسَبِيلُ ضَمَانِهِ فيه سَبِيلُ سَائِرِ الناس، حتى يجب في مَالِهِ، أو يكون على عَاقِلَتِهِ.
وأما الضَّمَانُ الواجب بِخَطَئِهِ في الأحكام، وإِقَامَةِ الحدود، فهو في بَيْتِ المَالِ، أو على عَاقِلَتِهِ؟ فيه قولان:
أصحهما على ما ذَكَرَ الشيخ أبو حَامِدٍ، والقاضي الروياني [وغيرهما: أنه] 1094: على عَاقِلَتِهِ أيضاً لِقِصَّةِ المَرْأَةِ التي بَعَثَ إليها عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَجْهَضَتْ ما في بَطْنِهَا 1095 وقد ذكرناها في الدِّيَاتِ.
ولأنه ضَمَانٌ لما وجب 1096 بالخطأ، فيكون على العَاقِلَةِ كَخَطَأِ غيره، وكخطئه في غير الأحكام 1097.
والثاني: أنه في بَيْتِ المال؛ لأنه نَاظِرٌ للمسلمين، ويتصرّف لهم، فيكون خطؤه في مَالِهِمْ، وأيضاً فإن الوَقَائِعَ والخَطَأَ فيها مما يكثر، وفي إِيجَابِ ضَمَانِهَا على العَاقِلَةِ إِجْحَافٌ بهم.
فإن قلنا: إن الضَّمَانَ يكون على عَاقِلَتِهِ، فالكَفَّارَةُ تكون في مَالِهِ، كما في خَطَأِ سائر الناس.
وإن قلنا: إن الضَّمَانَ في بيت المَالِ، ففي الكَفَّارَةِ وجهان:
أحدهما: أن الحُكْمَ كذلك لِشُمُولِ الاسْمِ.
والثاني: المنع؛ لأن الكَفَّارَة عِبَادَةٌ يبعد فيها التحَمُّلُ 1098، وإلى هذا يرجع قوله في الكتاب "وفي الكَفَّارَةِ قولان مُرَتَّبَانِ، وأَوْلَى بألاَّ يجب على بَيْتِ المال" إذا عرفت ذلك، ففيه صور:
إحداها: إذا ضَرَبَ الإمَامُ ثمانين في حَدِّ الشُّرْبِ بالاجتهاد، ومات المَجْلُودُ منه، ففي مَحلِّ ما يجب من الضَّمَانِ القولان.
الجزء: 11 - الصفحة: 306
الثانية: لو جَلَدَ الحَامِلَ حَدّاً، فَأَجْهَضَتْ جَنِيناً مَيِّتاً، لزمت الغُرَّةُ 1099 وفي مَحَلِّهَا القولان، إن لم يعلم أنها حَامِلٌ، وإن علم، فطريقان:
أحدهما: أنه على القَوْلَيْنِ أيضاً؛ لأن 1100 إِتْلاَفَ الجنين [لا] 1101 يكون عَمْداً مَحْضاً، فيجري مجْرَى غيره من وُجُوهِ الخَطَأِ.
وهذا ما رَجَّحَهُ ابن الصَّبَّاغِ.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب: أنه على عَاقِلَتِهِ، ولا يجيء فيه القولان؛ لأن ذلك الخِلاَفَ فيما يخطئ به الإمَامُ في الحكم، وهو هاهنا عَادِلٌ عن الصَّوَاب عَمْداً، ولو انْفَصَل حَيّاً 1102، ومات وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِتَمَامِهَا، ومحلُّها على ما ذكرنا.
وإن ماتت الحَامِلُ، فقد أطلق في "المختصر" أنه لا يَضْمَنُهَا، وعلل بأنها هَلَكَتْ من حق أقيم عليها.
وفَصَّلَ الشيخ أبو حَامدٍ وغيره، فقال: إن ماتت من الجَلْدِ وَحْدَهُ بأن ماتت قبل الإِجْهَاضِ، فلا ضَمَانَ، وهذا موضع النَّصِّ.
وفي "الشامل" أنه فيه -والحَالَةُ هذه- الخِلاَفَ المَذْكُورَ فيما إذا أقام الحد في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو برد مفرط، فمات المَحْدُودُ، وإن ماتت من الإِجْهَاضِ وحده 1103 بأن أَجْهَضَتْ، ثم ماتت، وأُحِيلَ المَوْتُ على الإجْهَاضِ، وجب تَمَامُ دِيَتِهَا، كما وجب ضَمَانُ الجنين.
وإن قيل: ماتت بالحَدِّ والإجْهَاضِ جميعاً، وجب نِصفُ الدية؛ لأنها ماتت 1104 من مَضْمُونٍ وغير مضمون، وهذا ماَ حكاه في "التهذيب" في فصل القصاص من الحامل.
الثالثة: سيأتي في "كتاب الشَّهَادَاتِ" أن القاضي إذا حَكَمَ بقول اثنين، ثم بَانَ له أنهما ذِمِّيَّانِ أو عَبْدَانِ، ينقض الحُكْمُ، وأنهما لو بَانَا فَاسِقَيْنِ، فكذلك الحكم في أَصَحِّ الوجهين، فلو أنه أقام الحَدَّ بشهادة شَاهِدَيْنِ، ثم بَانَا ذِمِّيَّيْنِ، أو عبدين، أو امرأتين، أو مُرَاهِقَيْنِ، أو فاسقين، ومات المحدود، فقد بَانَ بُطْلاَنُ الحكم، فينظر إن قصر في البَحْثِ عن حالهما، فالضَّمَانُ عليه لا تَعَلُّقَ له بِبَيْتِ المال، ولا يَتَعَلَّقُ بالعاقلة أيضاً إن تَعَمَّدَ.
قال الإمَامُ: وإنما يَتَرَدَّدُ نَظَرُ الفقيه في وجوب القِصَاصِ 1105، والأظهر الوجوب، فإن الهُجُومَ 1106 على القتل 1107 مَمْنُوعٌ منه بالإجماع، ويحتمل أن يقال: لا يجب
الجزء: 11 - الصفحة: 307
[الإسْنَادِ] (1) القتل (2) إلى صورة قِيَامِ البَيِّنَةِ، وقرب الصورة مما إذا قتل مُسْلِماً في دار الإِسْلاَمِ على زِيِّ المشركين، هل يجب عليه القِصَاصُ؟
وإن لم يقصر وبَذَلَ المَجهُودَ في البحث، جَرَى القولان في أن الضَّمَانَ على عَاقِلَتِهِ، أو في بَيْتِ المال، ثم إذا ضَمِنَتِ العَاقِلَةُ، أو ضمن بَيْتُ المال فهل يثبت الرُّجُوعُ على الذميين أو العبدين؟ فيه وجهان.
وفي "أمالي" أبي الفَرَج تَخْصِيصُ الوجهين بما إذا غَرَّمْنَا العَاقِلَةَ، والقَطْعُ بمنع الرجوع إذا غَرَّمْنَا بيت المَال، أحد الوجِهين ثُبُوتُ الرجوع؛ لأن تَعَرُّضَهُمْ لِأَدَاءِ الشهادة، وقَصْدَهُمْ لهذا المَنْصِبِ وليسوا أهْلاً له هو الذي جَرَّ التَّلَفَ، فجعل ما صدر منهم تَغريراً للقاضي.
قال الإِمام: وأشبه أصل بما نحن فيه أن المَغْرورَ يغرم (3) قيمة الوَلَدِ، ويرجع بها على [الغَارِّ، وبل] (4) أقوى؛ لأن الشَّهَادَةَ تلجئ القاضي إلى الحُكْمِ، والمغرور متمكّن من أَلاَّ يجيب.
والثَّاني: المَنْعُ؛ لِزَعْم الشهود أنهم صَادقُونَ فيما شَهِدُوا، ولم يوجد منهم فيما أَتَوْا به تعد، وليس هو كالتَّغرِيرِ، فإن المغرور لا يلزمه الشَّرْعُ [بَحْثاً] (5) فقد يَتَبَادَرُ إلى التَّصْدِيقِ [تَحْسِيناً للظَّنِّ بمن] (6) أخبره، والقاضي مَأْمُورٌ بِالإِمْعَانِ في البحث، فإذا تبين الخَلَلُ في حال الشُّهُودِ تَبَيَّنَ أنه أهْمَلَ بعض البَحْثِ الذي كان مَأْمُوراً به، وجعل الإمَامُ الوجه الأول أظهر (7). وقال الرُّوَيانِيُّ وغيره: الأَصَحُّ الثاني، ورُبَّمَا لم يُورِدْ أصحَابنا العراقيون غيره.
"
التفريع
"
إذا أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ طُولِبَ الذِّمِّيَّانِ في الحَالِ.
وفي العَبْدَيْنِ [التَّعَلُّقُ برقبتهما، أو بذمتهما؟] 1115 فيه وجهان:
أحدهما: بالرَّقَبَةِ إِلْحَاقاً لِلتَّغْرِيرِ.
وأصحهما: بالذمة؛ لأنه لم يَتَمَحَّضْ لهما جناية 1116 وتفويت وفي الرجوع على1108110911101111111211131114
الجزء: 11 - الصفحة: 308
المُرَاهِقينَ وجهان مَبْنِيَّانِ على الخِلاَفِ في أن التَّعْلِيقَ في العبدين بالرَّقَبَةِ أو بالذمة؟
إن قلنا بالرقبة نزلنا ما وجد منهما مَنْزِلَةَ إِتْلاَف وجناية [جنسه،] 1117 وكذلك في المُرَاهِقِينَ، إلا فقول الصَّبِىِّ لا يَصْلُحُ للالتزام [فلا رجوع] وإذا بَانَا فَاسِقَيْنِ، فإن قلنا: لا يُنْقَضُ الحُكْمُ، فلا أَثَرَ له.
وإن قلنا: يُنْقَضُ، وهو الأَصَحُّ ففي الرجوع عليهما وُجُوهٌ:
أحدها: يثبت كالرُّجُوعِ على العَبْدَيْنِ والكافرين.
والثاني: المنع؛ لأن الكافر والعَبْدَ مَأْمُورَانِ بِإِظْهَارِ حالهما، والفاسق غير مَأْمُورٍ بإظهار الفِسْقِ.
والثالث وهو الأَظْهَرُ: الفرق بين أن يكون مُجَاهِراً بالفِسْقِ، فيقع الرجوع عليه؛ لأنه كان من حَقِّهِ أن يمتنع عن الشَّهَادَةِ، ولأن قَبُولَ شهادته، وهو ظاهر الفِسْقِ يشعر 1118 بِتَلْبِيسٍ من جهته، وبين أن يكون مُكَاتماً، فلا رجوع عليه.
وقوله في الكتاب: "ويجعل الشاهد كالغَازِّ على وجه" أَشَارَ به إلى ما ذكره الإِمَامُ من تشبيه الشهادة بالتَّغْرِيرِ، لكنه قال: ["حتى] 1119 يخرج الرُّجُوعُ عليه بالضمان على قول الغُرور" كأنه يعني به القولين في الرُّجُوع على الغَارِّ بالمَهْرِ، وقضيته إثبات طريقين في المَسْأَلَةِ:
أحدهما: التخريج 1120 على القولين.
والثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ، والذي أَجْرَاهُ الإمَامُ [و] ذكر قيمة الولد، وقد ذَكَرَ صاحب الكتاب في مَوْضِعِهِ أنه يرجع بها قَوْلاً واحداً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الجَلاَّدِ لِأَنَّهُ مَأْذُونُ الإِمَامِ، وَلاَ عَلَى الحَجَّامِ إِذَا قَطَعَ سِلْعَةً بالإِذْنِ أَوْ فَصَدَ، وَلَو قَطَعَ بِالإِذْنِ يَداً صَحِيحَةً فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ الجَلاَّدُ الشَّفْعَوِيُّ حُرّاً بِعَبْدٍ بِإذْنِ الإمَامِ الحَنَفِيِّ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الجلاَّد وضربه بأَمْرِ الإِمام كَمُبَاشَرَةِ الإِمام إذا لم يعلم ظلمه وخطأه، ولأن الجَلاَّدَ سَيْفُ الإِمام، وسَوْطُهُ، ولا بد منه في الإِنَالَةِ والسِّيَاسَةِ.
ولو تَعَلَّقَ بفعله ضَمَانٌ لم يرغب فيه أَحَدٌ، وإن علم أن الإِمَامَ ظَالِمٌ، أو مخطئ،
الجزء: 11 - الصفحة: 309
ولم يكرهه الإِمَامُ عليه، فالقصاص والضمان على الجَلاَّدِ دون الإِمَام؛ لأنه إذا علم الحال، وجب أن يَمْتَنِعُ، ويجيء على قولنا: إن أَمْرَ الإِمام إِكْرَاهٌ أن يكوَن هذا، كما لو أَكْرَهَهُ، فإن أَكْرَهَهُ، فالضَّمَانُ عليهما، وإن اقتضى الحَالُ اقْتِصَاصاً، وجب القِصَاصُ على الإِمام.
وفي الجَلاَّدِ قولان، ولو أَمَرَة بضربه، وقال: أنا ظالم [في ضربه،] 1121 فضربه الجلاد ومات.
قال في "التهذيب": إن قلنا: أَمْرُ السلطان ليس بإكراه، فالضَّمَانُ على الجَلاَّدِ.
وإن قلنا: إِكْرَاهٌ، فإن قلنا: لا ضَمَانَ على المُكْرِهِ، فالضَّمَانُ على الإِمَامِ، وإن قال: افعل إن شئت لم يكن إِكْرَاهاً لاَ مَحَالَةَ.
وإن قال: [اضرب] 1122 ما شِئْتَ، أو ما أَحْبَبْتَ، لم يكن له الزِّيَادَةُ على الحَدِّ، فإن زَادَ ضَمِنَ.
ولو أمره بقتل في مَحلِّ الاجتهاد كَقَتْلِ المسلم بالذِّمِّيِّ، والحر بالعبد، والإمام والجلاد يَعْتَقِدَانِ أنه غير جَائِزٍ، فقتله.
قال في "التهذيب": عليهما القَوَدُ إن جعلنا أَمْرَ السلطان إِكْرَاهاً، وأوجبنا القَوَدَ على المُكْرِهِ، والمُكْرَهِ جميعاً.
ولو كان الجَلاَّدُ يعتقد [مَنْعَهُ]، 1123، والإمام يُجَوِّزُهُ؛ كالجَلاَّدِ الشَّافعي يقتل الحر بالعَبْدِ بإذْنِ الإِمام الحَنَفِيِّ، أَو ظَنَّ أن الإِمَامَ اخْتَارَ ذلك المَذْهَبَ، ورجع إليه، فَفِي وجوب القِصَاصِ، والضَّمَانِ على الجلاد وجهان:
أحدهما: المنع؛ اعْتِبَاراً باعتقاد الإِمَامِ.
وأَرْجَحُهُمَا عند الإِمام، ولم يُورِد ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب" غيره الوُجُوب؛ لأنه إذا لم يعتقد جَوَازَهُ، فحقه الامْتِنَاعُ، وإن فرض إِكْرَاهٌ لم يَخْفَ الحُكْمُ وذكر الإِمام أنه إن كان لا يبعد أن يُدْرَأَ 1124 القِصَاصُ؛ لاعتقاد الإِمام وَيثْبُت المَالُ والكَفَّارَةُ، فإن الذي ذكروه ينتج كَلاَماً في أن الجَلاَّدَ هل له أن يُخَالِفَ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ، ويتبع اعتقاد الإِمام؟
وإن هذا الخِلاَفَ يُنَاظِرُ الخِلاَفَ في أن القَاضِيَ الحَنَفِيَّ إذا قَضى للشافعي 1125 بِشُفْعَةِ الجَارِّ، وبالتوريث بالرحِمِ، والرَّدِّ، هل يحل للمقضى له؟
قال: والوَجْهُ عندنا القَطْعُ بأنه لا يَحِلُّ أن يأخذ ما يُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُ، ورد الخلاف إلى أنه هل يمنعُ من ذلك ظاهراً؟
الجزء: 11 - الصفحة: 310
ولو كان الإمَامُ لا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ القِصَاص على الحُرِّ بقتل العبد، وأمر به تارِكاً للتَّفَحُّصِ، وكانَ الجَلاَّدُ يعتقد أن الحُرَّ مَقْتُولَّ بالعبد، فإذا قتله على موجب اعتقاد نَفْسِهِ، فقد بني ذلك على الخِلاَفِ في المسألة السابقة، إن اعتبرنا رَأْيَ الإِمام [وجب القصاص] (1) وإن اعتبرنا رأي الجَلاَّدِ، لم يَجِبْ.
قال الإِمام: وهذا عندي ضعيف في هذه الصورة، فإن الجَلاَّدَ مُخْتَارٌ عالم بالحال، والإمام لم يُفَوِّضْ إليه النَّظَرَ والاجتهاد، وإنما استعمله للعمل فحسب، والإمام لو تَثَبَّتَ وعرف الحَالَ، لما أَمَر، ولا يبقى لأمره -والحالة هذه- أَثَرٌ الاستتباع، وبصير الجَلاَّدُ مُستَقِلاً بما فعل.
المسألة الثالثة: لا ضَمَانَ على الحَجَّام إذا حَجَمَ، أو فَصَدَ بِإِذْنِ من يعتبر إذنه، وأَفْضَى فِعْلُهُ إلى تَلَفٍ، وَكذا إذا قطع سِلْعَةً بالإذن للمعنى الذي ذَكَرْنَا في الجَلاَّدِ، ويخالف ما لو قَطَعَ يَداً صَحِيحَةً بِإذْنِ صاحبها، فَأَفْضَى إلى تَلَفِ النَّفْسِ، حيث يحكم بوجوب الدِّيَةِ على قول؛ لأن الإذْنَ هناك لا يُبيحُ القطع وإذا كان القَطْعُ حَرَاماً عليه، جاز أن يجب القِصَاصُ في سِرَايَتِهِ، وهاهنا أتى بفعل جَائِزٍ لغرض صَحِيحٍ، فيستحيل أن يَتَعَلَّقَ به ضَمَانٌ على أن الأظهر هناك أنه لا يجب الضَّمَانُ.
واعلم أن [تأثير] (2) الإِذْنِ في إسقاط القصاص (3) مذكور في الكتاب في فَصْلِ الإِكْرَاهِ من أول الجِنَايَاتِ، [وتأثيره] (4) في إسقاط الدِّيَةِ على الخلاف فيه مذكور في باب العَفْوِ من آخرها، ومقصود الإعادة هاهنا الإشَارَةُ إلى الفرق المذكور.
وقوله: " [ولو قطَع] (5) بالإذن يداً صحيحة ففي الضَّمَانِ وَجْهَان" قد يفهم منه ضمان اليَدِ المَقْطُوعَةِ، ووضع الخلاف فيه، لكن المَنْقُول [فيه] أنه لا يَجِبُ ضمان اليد المَقْطُوعَة إذا وقف القَطْعُ، ولم يذكروا خِلاَفاً فيه، وإنما الخلاف في ضمان النفس (6) إذا سَرَى القَطْعُ إليها، فإذن المعنى: قطع يداً صحيحة (7) فَسَرَى إلى النفس، ففي ضَمَانِ النَّفْسِ وجهان.
ثم الخلاف قولان، وكذلك أَوْرَدَ في باب العفو [لا] (8) وجهان، ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ الخِلاَف بالواو؛ لما قَدَّمْنَا أن بعضهم قَطَعَ بالنفي.
قال الغَزَالِي
ُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي فِي دَفْعِ الصَّائِلِ)
في المَدْفُوعِ وَالمَدْفُوعِ عَنْهُ وَالدَّفْعُ (أَمَّا11261127112811291130113111321133
الجزء: 11 - الصفحة: 311
المَدْفُوعُ) فَكُلُّ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ الهَلاَكُ فَدُفِعَ فَهُوَ هَدرٌ حَتى الصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ إِذَا صالاَ، وَكَذَا البَهِيمَةُ، وَفِي ضَمَانِ الجَرَّةِ المُطِلَّةِ عَلَى الرَّأْسِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِذَا كُسِرَتْ بِالدَّفْعِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في دَفْعِ بَهِيمَةِ حَالَ بَيْنَ الرَّجُلِ الجَائِعِ وَبيْنَ طَعَامِهِ في بَيْتٍ، وَالجَائِعُ المُضْطَرُّ إِلَى طَعَامِ الغَيْرِ يأْكُلُ وَيَضْمَنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسْتُؤْنِسَ في الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]. وبأن الصَّائِلَ ظالم، والظَّالِمُ يُمْنَعُ من الظلم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "انْصُر أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً" 1134.
وعن سعيد بن زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ" 1135 وروي 1136 أن جَارَيةَ كانت تَحْتَطِبُ فَرَاوَدَهَا رَجُلٌ عن نفسها، فرمته [بفِهْرٍ] 1137 فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال: "قتيل الله والله لا يودي أَبَداً" ونحتاج في الباب إلى مَعْرِفَةِ المدفوع، وهو الصَّائِلُ، والمدفوع عنه، وهو الذي يقصد الصَّائِل، وكيفية الدفع.
فهذه ثلاثة فصول:
أما الأول: فلا فَرْقَ بين أن يكون الصَّائِلُ مسلماً، أو ذِمِّياً، حراً أو عبداً، فيجوز 1138 للمَصُولِ عليه دَفْعُهُ، وإن أتى الدَّفْعُ على نفسه، فلا ضَمَانَ، ولا دِيَّةَ، ولا كَفَّارَةَ، وإن صَالَ عليه صَبِيٌّ أو مجنون، أو بهيمة، فكذلك يجوز الدَّفْعُ، ولا ضَمَانَ عن التَّلَفِ، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يجب الضَّمَانُ في البهيمة، وكذا في الصَّبِيِّ والمجنون، على أظهر الروايتين.
لنا: أنه هَلاَكٌ حَصَلَ في دَفْعِ جائز، فلا يَتَعَلَّق به ضمان، كما في سائر الصور، وأيضاً فَالبَهِيمَةُ إذا صَالَتْ صَارَتْ بِمَثَابَةِ الكَلْبِ العَقُورِ والسَّبُعِ الضَّارِي.
الجزء: 11 - الصفحة: 312
ألا ترى أنه لو قتل المُحْرِمُ صيداً، صَالَ عَليه، دَفْعاً، لم يَلْزَمْهُ الجَزَاءُ، ولو سقطت جَرَّةٌ 1139 أو نحوها من عُلْوِ طرف سَطْحٍ، فاستوت على رأس إنسان، وكان يخاف عليه منها، ولم يُمْكِنْ دَفْعُها إلا بالكَسْرِ والإِتْلاَفِ، فهل عليه الضمَّانُ إذا كسرها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ تنزيلاً لها مَنْزِلَةَ البهيمة الصَّائِلَةِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه لا قَصْدَ ولا اختيار منها؛ بخلاف البهيمة وللمجنون اخْتِيَارٌ، وللأفعال إليه نِسْبَةٌ، ولو حَالَتْ بهيمةٌ بين الجائع، وبين طعامه في البيت، ولم يَصِلْ إليه إلا بِإتْلاَفِهَا، فهل يلزمه الضَّمَان بإتلافها؟ فيه هذان الوجهان:
في وجه: لا يجب؛ لأن وُقُوفَهَا وحَيْلُولَتَهَا 1140 كالصِّيَالِ منها.
وفي الثاني: يجب؛ لأنها لا تَقْصِدُهُ، وإتْلاَفُهُ إياها لِدَفْعِ الهَلاَكِ عن نَفْسِهِ، كأكل المُضْطَرِّ طَعَامَ الغير، فإنه مُوجِبٌ للضمان، ويمكن أن يُجْعَلَ الأَظْهَرُ هاهنا نَفْيَ الضمان، كما ذكرنا فيما إذا عم الجَرَادُ المَسَالِكَ فتخطاها 1141 المُحْرِمُ 1142 وقتل بَعْضَها.
وقوله في الكتاب: "فكل من يُخَافُ منه الهَلاَكَ فدفع فهو هَدرٌ" لا شَكَّ أن من يخاف منه الهَلاَك كذلك، لكنه لا يَصْلُحُ ضَابِطاً للمدفوع، ولا يعتبر خَوْفُ الهَلاَكِ فيه، بل من [قصد] 1143 التَّعَرُّضَ لنفس شَخْصٍ مَعْصُومٍ، أو لِعُضْوٍ من أعضائه، أو لمال، أو لبُضْعٍ، فيدفع ويُهْدَرُ إذا أتى الهَلاَكُ عليه.
وقوله: "وفي ضمان الجَرَّةِ المُطِلَّةِ" أي: المُشْرِفة، يقال: أَطَلَّ على الشيء، أي: أَشْرَفَ.
وقوله: "والجائعُ المُضْطَرُّ إلى طَعَامِ الغَيْرِ يأكل ويضمن" إنما ذكره في هذا المَوْضِعِ لُمُشَاكَلَتِهِ [المسألة والتوجيه أحد الوجهين بها كما تَقَدَّمَ] 1144.
قال الغَزَالِيُّ: وَدَفْعُ الصَّائِلِ الكَافِرِ أَوِ البَهِيمَةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِماً فَفِي جَوَازِ
الجزء: 11 - الصفحة: 313
الاسْتِسْلامِ قَوْلاَن، وَفِي دَفْعِ المَجْنُونِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وأَوْلَى بِوُجُوبِ الدَّفْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بَانَ في خلال الكَلاَمِ أن دَفْعَ الصَّائِلِ جَائِزٌ، والغَرَضُ الآن القَوْلُ في أنه هل يَجِبُ، أو يجوز الاسْتِسْلاَمُ وترك الدفع؟
واعلم أن هذا المَقْصُودَ لا اخْتِصَاصَ له بطرف المَدْفُوع، بل نِسْبَتُهُ إليه نِسْبَةٌ إلى المدفوع عنه، أو كيفية الدفع.
والأَحْسَنُ من جهة الترتيب تَقْدَيمُهُ على جميع الأَطْرَافِ، أو تأخيره عن جميعها.
والفِقْهُ أن الصَّائِلَ إن قصد أَخْذَ المَالِ، أو إِتْلاَفَهُ، ولم يكن ذَا رُوحٍ 1145 لا يَجِبُ الدفع؛ لأن إِبَاحَةَ المال للغير جَائِزَةٌ، وإن قصد أَهْلَهُ وجب عليه الدَّفْعُ بما أمكنه؛ لأنه لا مَجَالَ للإبَاحَةِ فيه.
وشرط في "التهذيب" للوجوب ألاَّ يخاف على نفسه، وإن قصد الصَّائِلُ نَفْسَهُ نظر إن كان كَافِراً، وجب عليه القِتَالُ والدفع بما أَمْكَنَهُ، أما الحربي والمرتد فلا حُرْمَةَ لهما، وأما الذمي فَبِالصِّيَالِ تبطل حُرْمَتُهُ والاستسلام للكافر ذلٌّ في الدِّينِ.
وقال الروياني في "جمع الجوامع": إذا كان الصَّائل كافراً، فالأولى له أن يقاتل، ويُكْرَه له ترك القتال، والدفع عند الإِمْكَانِ، وهذا يشعر بالتجويز 1146، والمشهور الأول 1147، وإن كان الصِّيَال من بهيمة، فكذلك يجب الدفع؛ لأنها مَذْبُوحَةٌ لاستيفاء المُهْجَةِ، فكيف يؤثرها، ويستسلم لها، وإن كان الصَّائِلُ مسلماً، فقولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: أنه يجب الدَّفْعُ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. ولأن الصَّائِلَ ظالم ساقط الحُرْمَةِ، ومهجة المَصُولِ عليه محترمة، فلا تبذل لمن سقطت حرمته.
وأظهرهما: أنه لا يجب 1148، ويجوز الاستسلام؛ لما روي عن حذيفة -رَضِيَ اللهُ
الجزء: 11 - الصفحة: 314
عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في وَصْفِ الفِتَنِ: "كُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ وَلاَ تَكُن عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ" 1149. وفي بعض الأخبار "كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ" 1150 يعني قابيل وهابيل.
ومنع عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عُبَيْدَةَ من الدَّفْعِ يوم الدَّارِ، وقال: من ألقى سِلاَحَهُ فهو حُرٌّ 1151، واشتهر ذلك في الصحابة -رَضِيَ الله عَنْهُم- ولم ينكر عليه أحد.
وعن القاضي الحسين: الفرق بين أن يمكنه دفعه من غير أن يقتله، فيجب ولا يجوز الاسْتِسْلاَمُ للقتل، وبين ألا يمكنه دَفْعُهُ إلا بالقتل، فيجوز الاسْتِسْلاَمُ.
والقائلون بجواز الاستسلام منهم من يَزيدُ عليه، ويصفه بالاسْتِحْبَابِ أيضاً، وهو ظاهر الأَخْبَارِ، وإن كان الصِّيَالُ من مَجْنُونٍ، أَو مراهق فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه لا يجوز الاسْتِسْلاَمُ؛ لأنهما لو قتلا لم يَبُوءَا بالإثم، فأشبها البَهِيمَةَ.
وأشبههما: طَرْدُ القولين؛ إِبْقَاءً للآدمي المحترم، ورضا بالشهادة، وإلى الطريقين يرجع قوله في الكتاب:
الجزء: 11 - الصفحة: 315
وفي "دفع المجنون قولان مُرَتَّبَان، وأولى بوجوب الدفع" وقد تعكس القضية، ويجعل المجنون أَوْلَى [بجواز] 1152 الاستسلام؛ لأن فعله لا يوصف بالتعدي، وهو أَوْلَى بالمُزَاحَمَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا المَدْفُوعُ عَنْهُ) فَكُلُّ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ وَبُضْعٍ وَمَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهِ قيلَ في الوُجُوبِ قَوْلان، وَقِيلَ: يَجِبُ إذْ لاَ مَعْنَى لِلْإِيثَارِ هَهُنَا كَمَا في نَفْسِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِأَنَّ شَهْرَ السِّلاحَ فِي الحِسْبَةِ إلَى السُّلْطَانِ، وَكَذَا الدَّفْعُ بِالسِّلاَحِ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ وَالمَعَاصِي قيلَ: يَجِبُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِغَيْر السُّلْطَان خَوْفاً مِنَ الفِتْنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أما المدفوع عنه، فهو كل مَعْصُوم، فيجوز الدفع عن النفس، وعن الأَطْرَافِ، والبُضْعِ، والمال إذا كانت مَعْصُومَةً، ويجوز لغير المَصُولِ عليه الدفع لحقنه، كما يجوز له الدفع لحقن نفسه، ويجوز الدَّفْعُ عن الذمي يَصُولُ عليه المسلم، وعن الابن الذي 1153 صَالَ عليه أبوه، والعَبْدِ الذي صَالَ عليه سَيِّده، فإنهم مَعْصُومُونَ مَظْلُومون.
وفي "النهاية" حكاية قول عن القَدِيمِ: أنه لا يجوز الدَّفْعُ عن المَالِ إذا كان لا يتأتى الدَّفْعُ إلا بالقتل، أو قطع بعض الأعضاء، والظاهر الأول، وحُرْمَةُ مال المسلم في ذلك كَحُرْمَةِ دمه وهل يجب الدفع عن الغَيْرِ؟ فيه ثلاثة طرق 1154:
أظهرهما: أن حُكْمَ الدفع عن الغير حُكْمُ الدفع عن النفس، يجب حيث يجب هناك، ولا يجب حيث لا يَجِبُ.
والثاني: القطع بالوُجُوب؛ لأن الإيثَارَ إنما يليق بِخَطِّ النفس، وأما سائر الناس، فلا يُؤَثِّرُ بعضهم على بعض.
والثالث: وينسبه الإمَامُ إلى معظم الأصوليين: القَطْعُ بالمنع؛ لأن شَهْرَ السِّلاحَ يُحَرِّكُ الفِتَنَ، وليس ذلك من شأن آحَادِ الناس، وإنما هو من وَظِيفَةِ السلطان، وعلىَ هذا فهل يحرم، أو يجوز من غير وجوب؟
حكي عنهم فيه اختلاف.
والتحريم هو الذي أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب.
وإذا قلنا بوجوب الدفع 1155 عن الغير، فذلك إذا لم يَخَفْ على نفسه.
الجزء: 11 - الصفحة: 316
كذلك قَيَّدَ الشيخ إبراهيم المَرُّوروذِيُّ وغيره، ثم قال الإِمام: الخِلاَفُ في أن الآحَادَ هل لهم شَهْرُ السلاح حِسْبَةً لا يختصُّ بالصِّيَال، بل من أقدم على مُحَرَّمٍ من شرب خمر أو غيره، فهل لآحَادِ الناس مَنْعُهُ بما يجرح، ويأتي على النفس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ نَهْياً عن المنكر، ومَنْعاً عن المعصية.
والثاني: لا؛ خوفاً من الفِتَنِ، التي تَتَوَلَّدُ منه، ويُنْسَبُ هذا الثاني إلى الأصوليين، والأول للفقهاء، وهو الذي يوجد للأصحاب في كتب المذهب 1156، حتى قال الفَوْرَانِيُّ، وصاحب "التهذيب" والروياني وغيرهم: من علم بِخَمْرٍ في بيت رجل، أو طُنْبُورٍ، وعلم بشربه، أو ضربه، فله أن يهجم على صاحب 1157 البيت، ويُرِيقَ الخمر، ويفصل الطّنبور، ويمنع أَهْلَ الدَّارِ من الشرب والضرب، وإن لم ينتهوا، فله أن يقاتلهم، فإن أَتَى القِتَال عليهم، فهو مُثَابٌ على ذلك وفي "تعليقة" إبراهيم المروروذي أن من رآه مُكِبّاً على معصية من زِناً أو شُرْب خمر، أو رآه يَشْدَخُ شاة أو عبداً، فله دفعه فلو أتى 1158 الدفع على نفسه، فلا ضَمَانَ.
واعلم أن القول في وُجُوب الدفع عن الغير، لا اخْتِصَاصَ له بهذا الموضع، كما أنه لا اخْتِصَاصَ للقول في وجوبَ الدَّفْعِ عن النفس، ولو أنه ضم أحدهما إلى الآخر، وذكرهما في موضع واحد لكان أَحْسَنَ.
وقوله: "وأما المدفوع عنه، فكل مَعْصُوم من نفس وبضع ومال" لفظ "المال" يجوز إعلامه بالواو، وليس ما ذكره جَامِعاً ضَابِطاً، فإنه لو قصد عُضْواً، أو مَنْفَعَةَ عضو، ولم يقصد النفس، يُدْفَعُ أيضاً، ولو لم يقصد البضع، وقصد أن ينال مما دونه دفع أيضاً وإن أتى الدفع عليه كان مُهْدَراً.
صَرَّح به القاضي الروياني وغيره، وقال: لو وجده يَنَالُ من جَارِيَتِهِ ما دون الفَرْجِ، فله دفعه، وإن أتى على نَفْسِهِ.
قال: ويجوز للأجانب أن يدفعوه كذلك حِسْبَةً، ويجوز أن يكون المدفوع عنه ملك المقاصد، فمن رأى إنساناً يُتْلِفُ مال نفسه [مثل أن يحرق كدسه ويغرق متاعه جاز له دفعه] 1159 فإن كان حيواناً بأن رآه يَشْدَخُ رأس حِمَارِهِ، ففي وجوب الدفع لحرمة الحيوان وَجْهَان.
المذكور منهما في "التهذيب" أنه يجب وقوله: "وقيل: يحرم" لا يمكن حَمْلُهُ على مُطْلَقِ الدفع، وإنما المراد الدفع قَتْلاً وجُرْحاً.
الجزء: 11 - الصفحة: 317
وقوله: "لأن شَهْرَ السلاح في الحِسْبَةِ إلى السلطان" -أي ينبغي أن يكون هكذا لأنه خطر محرك للفتن.
وقوله: "قيل: يجب" كذلك ذكر هاهنا، وفي "الوسيط"، وصاحب "النهاية" لم يتعرض للوجوب، وإنما حَكَى اختلاف الأصوليين والفقهاء في الجواز وعَدَمِهِ.
[والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الدَّفْع) فَأَنْ يَبْدَأَ بالكَلاَم ثُمَّ بِالضَّرْبِ ثُمَّ بِالجُرْحِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَدْفَعُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يُزنِي بِزَوْجَتِهِ دَفَعَهُ، فَإِنْ هَرَبَ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ القِصَاصُ إنْ لَمْ يَكُنِ الزَّانِي مُحْصَناً، وَلَوْ قَدَرَ المَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الهَرَبِ لَمْ يَجُزْ لَه الدَّفْعُ بِالجِرَاحِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ عَضَّ يَدَهُ فَسَلَّ اليَدَ حَتَّى نَدَرَتْ أَسْنَانُهُ فَلاَ ضَمَانَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَهُ أن يَدْفَعَهُ بِمَا يَقْدِرُ وَلاَ يَتَعَيَّن قَصْدُ العُضْو الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على المَصُولِ عليه رِعايَةُ التدريج، والدفع بالأَهْوَنِ 1160 فالأهون، فإن أمكنه الدَّفْعُ بالكلام، أو الصِّيَاحِ، أو الاستغاثة بالناس لم يكن له الضَّرْب، وكذا لو اندفع شَرُّهُ بأن وقع في مَاءٍ أو نار، أو من شاهق فانكسرت رجله، لم يضربه، وكذا لو كان بينهما حَائِلٌ من جدار، أو خَنْدَق، أو نهر عظيم، ولو كان النهر صَغِيراً، وغلب على ظنه أنه إن عَبَرَ إليه غَلَبَهُ، ففي "الشامل" أن له رَمْيُهُ، ومنعه من العبور.
وإذا لم يندفع إلا بالضرب فله الضرب، وراعى فيه الترتيب أَيْضاً فإن أَمْكَنَ [باليد، لم يضربه بسوط، وإن أمكن] بالسَّوْطِ لم يجز العُدُولُ إلى العَصَا، وعلى هذا فلو أَمْكَنَ دفعه بِقَطْعِ عضو، لم يكن له إِهْلاَكُهُ، ولو اندفع بِدَرَجَةٍ نازلة، فدفعه بما فوقها، ضمن، وكذا لو هَرَبَ فاتبعه وضربه، فمات، ولو ضربه ضربة، فَوَلَّى هارباً أو سقط، وبطل صِيَالُهُ، فضربه أخرى، فالثانية مَضْمُونَةٌ بالقصاص وغيره، فإن مات منهما لم يجب قِصَاصُ النفس، ووجب نِصْفُ الدية؛ لأن الهلاك حَصَلَ من مضمون وغير مضمون، ولو عاد بعد الجِرَاحَتَيْن إلى الصِّيَال فضربه، ضربة ثالثة، فمات منها، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، ومهما غَلَبَ على ظَنِّهِ أن الذي أقبل عليه بالسَّيْف يقصده، فله دَفْعُهُ بما يمكنه، وإن لم يضربه المقبل إذا تَقَرَّرَ ذلك، ففي الفَصْلِ ثلاث صور:
إحداها: إذا وجد رجلاً يزني بامْرَأَتِهِ، أَو غَيْرها، فعليه دفعه، ومنعه، فإن هَلَكَ في الدفع، فلا شَيْءَ عليه، وإن اندفع بضرب وغيره، ثم قتله فعليه القِصَاصُ إن لم يكن الزَّانِي مُحْصَناً.
وإن كان محصناً فلا قِصَاصَ عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 318
وفيه قول آخر مذكور في الجنايات وإذا قال: قتلته لذلك، وأنكر وليُّه، فعلى القاتل البَيَّنَةُ وينظر إن ادَّعى أنه قَصَدَ امْرَأَتَهُ، فدفعه، فأتى الدفع على نفسه، ثَبَتَ ذلك بقول شاهدين، وإن ادَّعى أنه زَنَا بها، وهو مُحْصَنٌ لم يثبت الزنا إلا بأربعة شهداء.
روي أن سعد بن عُبَاَدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: يا رسول الله أرأيت إن وَجَدْتُ رَجُلاً مع امرأتي أُمْهِلُهُ حتى آتى بأربعة شهداء! فقال -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بالسَّيْفِ شَا" أراد أن يقول: "شاهداً" فقطع الكلمة ثم قال: "نَعَمْ حَتَّى تَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ" 1161.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-[أنه يلزمه الضمان، و] إن ثبت الزنا والإحصان، بناء على أن الزَّاني المُحْصَنَ إذا قتله واحد من عرض الناس قبل أن يَقْضِيَ القاضي عليه بالرَّجْم يلزمه القصَاصُ، وإنما يصير مُهْدَراً، إذا قضى القاضي عليه بالرَّجْمِ فيقع قتله حداً.
وإن لم يكن للقاتل بَيِّنَةٌ، حلف وَلِيُّ القتيل على نفي العلم بما يقوله، ومكّن من القصاص، ولو كان للقتيل وارثان، فحلف أحدهما على نَفْي العلم، وَنَكَلَ الآخر، حلف القاتل [للآخر]، وعليه نصف الدية للحالف، وإن كانَ أحدهما بَالِغاً، والآخر صَغِيراً، وحلف البالغ على [نفس] العلم [لم] يستوفي القِصَاص حتى يَبْلُغَ الصغير، فيحلف، أو يموت، فيحلف وَارِثُهُ.
وإن أخذ البالغ نِصْفَ الدية، حكى القاضي الروياني أنه يُؤْخَذُ للصغير أَيْضاً، فإذا بلغ حلف، فإن نكل، وحلف القَاتِلُ ردّ عليه ما أَخَذَا، ولو أقر الوَرَثَةُ بأن مورثهم كان مَعَهَا تحت ثَوْبٍ يتحرك تَحَرُّكَ المجامع، وأنزل، ولم يقروا بما يُوجِبُ الحَدَّ لم يسقط القِصَاصُ، وإن أقروا بما يوجبه، وقالوا: كان بِكْراً، فالقول قولهم، وعلى القاتل البَيِّنَةُ على الإحصان.
الجزء: 11 - الصفحة: 319
والسَّارِقُ إذا أخرج مَتَاعَهُ من الحِرْزِ، وألقاه وهرب، لم يكن له أن يتبعه، فيضر به، فإن تبعه، وقطع يَدَهُ التي يوجب قَطْعهَا بالسرقة، فلا قِصَاصَ؛ لأنها مستحقة الإِزَالَةِ، وكذا في قطع الطريق، إذا قطع قَاطِعٌ ما وجب قطعه منه لا قصاص عليه لكن يعزر بالافتئات على الإمَامِ، ويجيء في وجوب القِصَاصِ الخلاف الذي سبق في قَتْلِ الزاني المُحْصَنِ، ولو وجب الجَلْدُ على زان، فجلده وَاحِدٌ من عرض الناس لم يقع حداً، ولزمه الضمان لأن الجلد يختلف وَقْعاً ومَحلّاً، فلا يقع حَدّاً إلا بإذْنِ الإِمام وَنَظرِهِ، بخلاف القطع.
وفي "تعليقه" إبراهيم المروروذي ذِكْرُ وجهين، فيما إذا جَلَدَ رَجُلاً ثمانين، ثم قال: إنه كان قَذَفَنِي، وأقام عليه بَيِّنَةً، هل يحسب ذلك عن الحَدِّ، ويبنى على الوجهين [في] أنه إذا عَاشَ هل يُعَادُ الحد [و] 1162 إذا مات هل يَجِبُ على الضارب القِصَاصُ.
ويمكن أن يعلم قوله في الكتاب: "إن لم يكن الزَّانِي مُحْصناً" بالواو: لأنه مذكور قيداً لوجوب بالقِصَاص، وعلى القول الذي يوجب القصاص بقتل الزاني المُحْصَنِ لا يحتاج إلى هذا القَيْدِ.
الصورة الثانية: لو قدر المَصُولُ 1163 عليه على الهَرْبِ هل يَلْزَمُهُ ذلك أم له أن يثبت ويقاتل؟ حكى فيه اختلاف نَصٍّ.
وعن الأصحاب طريقان:
أظهرهما: أن في المسألة قولين:
أحدهما: أنه لا [يجب] 1164 الهَرَبُ؛ لأَن إِقَامَتُهُ في ذلك المَوْضِعِ جَائِزَةٌ، فلا يُكَلَّفُ الانصراف.
والثاني: يجب؛ لأنه مَأْمُورٌ بأن يخلص نَفْسَهُ بالأهون فالأهون، والهرب أَهْوَنُ، وبنى بعض من أَثْبَتَ الخِلاَفَ على أنه هل يَجِبُ عليه الدَّفْعُ عن نفسه؟
إن قلنا: نعم؛ لَزِمَة الهَرَبُ، وإلا فلا، لكن قد مَرّ أن الأظهر أنه لا يجب الدفع، ويجوز الاستسلام، وهاهنا رَجَّحُوا وجوب الهَرَبِ؛ مُحَافَظَةً على التدريج في الدفع.
والطريق الثاني: نَفْيُ الخلاف، وحمل نص الهرب على ما إذا تيقن النجاة بالهَربِ.
والنص الآخر على ما إذا لم يتيقن، ولو قدر [على] 1165 التحصين بموضع حَصِينٍ، أو على الالْتِجَاءِ إلى فِئَةٍ، فهو كما لو قدر على الهَرَبِ.
الثالثة: إذا عَضّ إنسان يَدَهُ، أو عضواً آخر، [خَلَّصَ] 1166 عضوه بأيسر 1167 ما يقدر
الجزء: 11 - الصفحة: 320
عليه، فإن أمكنه فك لَحْيَيْهِ (1)، وتخليص ما عضه فعل؛ وإن لم يمكنه ضَرَبَ في شِدْقِهِ ليدعه، فإن لم يمكنه وسل يده فَبَدَرَتْ أسنانه، أو بعضها فلا ضَمَانَ عليه.
وفي "الشامل" أنه [يحكى] (2) عن مالك أنه يجب الضَّمَانُ.
لنا ما رُوِيَ عن يَعْلَى بن أمية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيش العسرة (3) وكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فَعَضَّ أحدهما يَدَ الآخر، فانتزع (4) المَعْضُوضُ يده من فم العَاضِّ، فذهب إحدى ثنيتيه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فَأَهْدَرَ ثنيته وقال له: "أَيدَعُ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضِمُهَا كَأَنَّهَا في فَحْلٍ" ولأن النفس لا تضمن في الدفع، فكذا الأطراف.
ولا فَرْقَ بين أن يكون العَاضُّ ظالماً، أو مظلوماً، فإن العض لا يجوز بحال.
وما دام يمكنه تخليص نفسه بضرب فيه لا يَعْدِلُ إلى عضو آخر؛ لأنه أقرب إلى المقصود، فإن لم يجد مُخَلِّصاً إلا بقصد عضو آخر بأن يَبْعَجَ بَطْنَهُ، أو يفقأ (5) عينه أو يعصر خصيته فله ذلك وفيه وجه أنه لا يقصد عضواً آخر، ولا يضع السلاح فيه، كما لم يقصده العَاضُّ بالسلاح والظاهر الأول.
"
فرع
"
لو كان الصَّائل يَنْدَفِعُ بالصوت والعصا، ولكن المصول عليه لم يجد إلا السَّيْفَ أو السِّكينَ، فهل له الضرب به؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لإمكان الدَّفْعِ من غير جرح وقتل.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه لا يَتَأَتَّى له الدَّفْعُ إلا بذلك، ولا يمكن نِسْبَتُهُ إلى التقصير [بتَرْكِ] 1173 استصحاب السَّوْطِ، والمعتبر في حتى كل أحد حَاجَتُهُ، ولذلك نقول: الحَاذِقُ الذي يحسن الدفع بأطراف السَّيْفِ من غير جرح يضمن، والذي لا يحسن ذلك لا يضمن لو جرح.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا نَظَرَ إِلَى حَرَمٍ إِنْسَانٍ في كُوَّةٍ أَوْ صَائِرِ بَابٍ جَازَ أنْ يَقْصِدَ عَيْنَهُ بِمدْرَاةٍ أَوْ بَنْدَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إِنذارٍ، فإِنْ عَمِيَ فَلا ضَمَانَ، وَيجِبُ تَقْدِيمُ الإِنْذَارِ فِي كُلِّ دَفْعٍ11681169117011711172
الجزء: 11 - الصفحة: 321
إِلاَّ هَهُنَا لِلْخَبَرِ، وَلاَ يُلْحَقُ قَصْدُ الأُذُنِ عِنْدَ التَّسَمُّعِ بِهِ، وَلاَ يُرشَقُ النَّاظِرُ بالنُّشَابُ، وَلاَ يَجُوزُ قَصْدُ عَيْنِهِ إِنْ كَانَ لِلنَّاظِرِ حَرَمٌ فِي الدَّارِ وَلاَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ امْرَأَةُ أَصْلاً، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَتِرَةٌ فَوَجْهَانِ، وَلوْ كَانَ البَابُ مَفْتُوحاً لَمْ يَجُزْ قَصْدُ عَيْنِهِ إِلاَّ بِالإنْذَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نظر إلى حرم 1174 إنسان في داره من كُوَّةٍ أو ثُقْبِ، أو صِيرَ بَابٍ، فنهاه صَاحِبُ الدار، فلم يَنْتَهِ، فرماه بحَصَاةِ ونحوها، فأصابت عينيه، فَأعْمَاهُ، أو أصاب قريباً من عينه، فجرحه، فلا ضَمَانَ، وإن سَرَى إلى النفس، خِلاَفاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز ذلك ويجب الضمان.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ عن مالك مثله.
لنا ما روي عن سَهْلِ بن سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رجلاً اطلع من جحر في حُجْرَةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومع النبي -صلى الله عليه وسلم- مِدْرَى يَحكُّ به رَأْسَهُ، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ من أَجْلِ البَصَرِ" 1175.
وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوِ اطَّلَعَ أَحَد فِي بَيْتِكَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جنَاحٍ" 1176.
وعن نصِّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "أنه لو ثبت المطلع، ولم يمتنع بعد رَمْيهِ بالشيء الخفيف، استغاث عليه صاحب الدَّارِ، فإن لم يكن في مَوْضِعِ غَوْثٍ أحببت أَن ينشده باللهِ تعالى، فإن لم يمتنع فله أن يَضْرِبَهُ بالسلاح، وَيَنَالَه بما يردعه، فإن أتى على نفسه، فلا عَقْلَ، ولا قَوَدَ، وإن لم يَنَل منه صَاحِبَ الدار عاقبه السلطان".
ولا فَرْقَ بين أن يكون وُقُوفُ الناظر في الشارع أو في سِكَّةِ منسدة الأسفل، أو في خالص ملْكِهِ إذ ليس للواقف في ملْكِهِ مدُّ البصر إلى حَرَمِ النَّاسِ.
وعن القاضي الحسين وجه ضعيف: أنه لا يقصد عينه إذا وَقَفَ في الشارع، أو في مِلْكِ نفسه، وإنما يقصد إذا وَقَفَ في مِلْكِ المنظور إليه، ويتعلق بالفصل 1177 صُوَرٌ مذكورة في الكتاب، وغير مذكورة:
إحداها: إنما يرمي عَيْنَهُ إذا قصد النَّظَرَ والتطلُّع، أما إذا كان مُخْطئاً، أو وقع بصره عليه اتِّفَاقاً، وعلم صَاحِبُ الدار الحال، فلا يرميه، فإن رَمَاهُ، وقال الناظر: لم
الجزء: 11 - الصفحة: 322
أَكُنُ قاصداً، أو لم أَطَّلِعْ على شيء، لم يلزم الرَّامِيَ شَيْءٌ؛ لأن الاطلاع حاصل وقصده أمر بَاطِنٌ لا يطلع عليه، وهذا ذَهَابٌ إلى تجويز الرمي وإن لم يتحقق قصده، وفي كلام الإِمام ما يَدُلُّ على أنه لا يرمي حتى يتبين 1178 الحال، وهو حَسَنٌ.
الثانية: هل يجوز رَمْيُهُ قبل أن يُنْذِرَهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما -ويحكى عن الشيخ أبي حَامِدٍ، والقاضي الحسين: لا بل ينذره أولاً، ويزجره عن التطلُّع، ويأمره بالانْصِرافِ، فإن أصر، فحينئذ يرميه؛ جَرْيًا على قياس الدفع في البِدايَة بالأهون [فالأهون] 1179 وأيضًا فقد يعتقد لنفسه عُذْراً، فيعرف بالنهي، فإن أصَرَّ نِيلَ منه.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب وبه قال القاضي أبو الطيب والماسَرْجِسِيُّ: أنه يجوز الرَّمْيُ قبل الإنذار؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُخَاتل النَّاظر لرمي عينه بالمِدْرى 1180.
وروي أنه قال: "مَنِ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَؤوا عَيْنَهُ فَلا قَوَدَ وَلا دِيَةَ" 1181.
وعن صاحب "التقريب" أنه استدلّ لجواز الرَّمْيِ قبل الإنذار هاهنا، على أنه لا يَجِبُ تقدم الكلام في كل دَفْع، وإنما يجوز للمصول عَليه الابتداء بالفعل، وربما يروى عنه تَخْرِيجُهُ على الخلاف في أنه هل يجوز اسْتِتابَةُ المرتد؟
وذكر الإِمام أن مَجَالَ التردد في الكلام الذي هو مَوْعِظَةٌ، وتخجيل قد تفيد، وقد لا تفيد، فأما ما يوثق بكونه دَافِعاً من تَخْوِيفٍ وَزَعْقَةٍ [مزعجة،] 1182 فلا يجوز أن يكون في وجوب البداية خلاف، وهذا أحسن وينبغي أن يقال: ما لا يوثق 1183 بكونه دَافِعاً، ويخاف من البداية مُبَادَرَةِ الصائل، وخروج الأمْرِ مِن اليد لا يجب البِدَايَةُ بلا خلاف.
الثالثة: لو وضع الأذن على [صِير] 1184 الباب، أو وقوف على الباب يَتَسَمَّعُ لم يجز رمي أذنه، وليس السَّمْعُ كالبَصَرِ في الاطِّلاَعِ على العوْراتِ.
قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيخي تَنْزِيلُ الأذُنِ بمنزلة العَيْنِ، ولا أثق بالمعلق [ولم أورده للاعتداد] به، لكن المُصَنِّفَ اعْتَدَّ به، فجعله وجهًا في "الوسيط".
الجزء: 11 - الصفحة: 323
الرابعة: ليكن الرمي بشيء خَفِيفٍ تقصد العين بمثله كبُنْدَقَةٍ ومِدْرَى وحَصَاةٍ خفيفة، أما إذا رماه 1185 بالنّشابِ، أو رَماهُ بِحَجَرٍ يقتل، فهذا يتعلَّق به القِصَاصُ أو الدية.
نعم لو لم يَتَأَتَّ قصد عينه، أو لم [يَنْزَجِرْ،] 1186 فيستغيث عليه ويدفعه بما أَمْكَنَهُ كما تقدم، ولا يقصد رمي غير العين، إذا أمكنه إصابة عينه، وإن لم يمكنه، فَرَمَى إلى مَوْضِعٍ آخر ففي "التهذيب" حكاية وجهين فيه، ونقل أنه لو أصاب مَوْضِعًا بعيدًا من عَيْنِهِ، بلا قصد هل يضمن؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يضمن.
والأشبه: ما ذكره القاضي الروياني في "جمع الجوامع"، وهو أنه إن رَماهُ، فأصاب غير العَيْنِ، فإن كان بَعِيداً لا يخطأ من العَيْنُ إليه ضمن، وإن كان قريبًا يخطأ إليه لم يَضْمَنْ.
الخامسة: إن كان للناظر محرم في الدَّارِ، أو زوجة أو مَتاعٌ، لم يجز قصد عينه؛ لأن له في النظر شُبْهَةً.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ وَجْهٌ: أنه لا [يكفي] أن يكون له في الدَّارِ محرم، وإنما يمتنع قَصْدُ عَيْنِهِ، إذا لم يكن في الدار إلا مَحَارِمُه، والمشهور الأول.
ولو كان الناظر مَحْرَمًا لحرم صاحب الدار، فلا قَصْدَ، إلا أن تكون متجردة، إذ ليس لِلْمَحْرِمِ النظر إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، ولو لم يكن في الدار حَرَمٌ بأن كان فيها المَالِكُ وحده، فإن كان مكشوف العَوْرَةِ، فله الرَّمْيُ ولا ضمان.
وإلا فوجهان:
أظهرهما -وهو المذكور في "الشامل": أنه لا يجوز رَمْيُ الناظر.
ووجه الثاني: أن من الأحوال ما هو كالعَوْرَةِ لا يجوز الاطِّلاعُ عليه، ولو كانت الحَرَمُ في الدار مُسْتَتِراتٌ بالثياب، أو كن في بيت، أو منعطف لا يمتد النَّظَرُ إليهن، فهل يجوز قَصْدُ عينه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يطلع على شيء.
وأظهرهما: الجَوَازُ؛ لأن الأخبار مُطلَقَةٌ، وأيضًا فقد يريد ستر حَرَمِهِ عن نَظَرِ الناس، وإن كن مُسْتَتِراتٍ، وأيضًا الحرم في الدار لا يدري متى يستترن وَيَنْكَشِفْنَ، فالاحتياط حسم باب النظر.
السادسة: لو كان باب الدار مَفْتُوحاً، فنظر منه أو نظر من كُوَّةٍ واسِعَةٍ أو من
الجزء: 11 - الصفحة: 324
ثُلْمَةٍ، حصلت في الجِدَارِ، فإن كان مجتازاً لم يجز قَصْدُ عينه، وإن وقف ونظر متعمداً، فوجهان:
أحدهما: يجوز قصده لتعديه بالنظر، كما لو نظر من جُحْرٍ.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" وبه أجاب الإِمام -المَنَع، ولو رماه ضمن؛ لأن صاحب الدار مُفْرِطٌ بفتح الباب وتوسيع الكُوَّةِ، وأشار بعضهم إلى الفَرْقِ بين الباب المَفْتُوحِ، والكوة الواسعة، وقال: الباب يفتح ويرد ويغلق بحَسَبِ الحاجة، والكُوَّةُ لا يكرر فتحها وسَدُّهَا.
وأجرى صاحب "التهذيب" الوجهين فيما لو نظر من سَطْحِ نفسه وفي نظر المُؤَذِّنِ من المِئْذَنَةِ، ولكن الأظهر هاهنا جَوازُ قَصْدِ عينه؛ لأنه لا تَفْرِيطَ من صاحب الدَّارِ، ولو وضع الأَعْمَى عَيْنَهُ، على صِيرِ الباب، فرماه، ضمن سواء علم أنه أعمى، أو لم يعلم.
وإن نظرت المرْأَةُ فوجهان:
أظهرهما: جَوَازَ رمْيِها، وكذا لو نظر المُرَاهِقُ، ولو انصرف الناظر قبل الرمي إليه، لم يجز أن يتبعه ويرميه، كالصَّائِلِ إذا أَدْبَرَ، ولو قعد في الطريق مَكْشُوفَ العَوْرةِ، فنظر إليه ناظر، لم يكن له قصده؛ لأنه الهَاتِكُ لحرمته.
وعن ابن المَرْزبَانِ أنه لو دخل المسجد، وكشف عَوْرَتَهُ، وغلق الباب، أو لم يغلقه، فنظر إليه ناظر لم يكن له رمْيُهُ؛ لأن الموضع لا يختصُّ به، ولو كانت الدار مِلْكًا [للنَّاظِر] 1187 قال أبو الفرج السَّرَخْسِيُّ: إن كان من فيها غَاصِباً لم يستحقَّ الرمي، وإن كان مستأجراً، فله الرَّمْيُ، وإن كان مستعيراً فوجهان.
وإن، دخل [رجل] 1188 دَارَ إِنْسَانٍ بغير إذنه، فله أن يأمره بالخروج، ويدفعه كما يدفعه عن سَائِرِ أمواله، وهل يدفعه قبل الكلام والإنذار؟
ذكر صاحب "التهذيب" فيه وجهين، كما في رَمْي الناظر قبل النَّهْيِ والأنذار، ويشبه أن يكون الأَظْهَرُ اشْتِرَاطَ التقديم، كما في سائر أَنْوَاعِ الدفع، وبه قال المَاسَرْجِسِيُّ، ثم ذكر خِلاَفًا في أنه هل يَتَعَيَّنُ قصد الرجل؟
ففي وجه يتعين؛ لأن الدخول بها، كما يتعين قَصْدُ العين في النظر.
والأظهر: أنه لا يتعين؛ لأنه داخِلٌ بجميع البَدَنِ، وذكر خلافًا في أنه هل يجوز قَصْدُ العَيْن؟
الجزء: 11 - الصفحة: 325
فعن أبي إسْحاقَ، وأبي علي بن أبي هريرة والطَّبَرِيِّ أنه يجوز؛ لأنه بأول الهجوم مُتَطَلِّعٌ كالناظر، ومنهم من منعه.
والأظهر: أن له دفعه بما تَيَسَّرَ، ولا يَتَعيَّنُ للقصد عضو، ولا يمتنع قصد عضو.
ودخول الفُسْطَاطِ في الصحراء كدخول الدار في البُنْيانِ.
ولو أخذ المتاع وخرج، فله أن يتبعه، ويقاتله إلى أن يطرح مَتَاعَهُ.
وإذا قتله وقال: قتلته؛ لأنه كابر، ولم يخرج، وأنكر الولي، فهو المصدق، وعلى القاتل البَيِّنَةُ، وان قال: قَتَلْتُهُ؛ لأنه قصدني، فكذلك.
وقد ذكرنا أنه يحتاج إلى البَيِّنَةِ على أنه دخل داره [مقبلاً شاهراً سَيْفَهُ، ولا يكفي البَيِّنَةُ على أنه دخل داره] (1) بسلاح من غير شَهْرٍ.
ومواضع العلامات بين ألفاظ الكتاب ظَاهِرَةٌ.
وقوله: "ولو كان البَابُ مفتوحاً لم يجز قَصْدُ عينه ... " جواب على أنه لا يجوز الرَّمْيُ إذا ترك الباب مَفْتُوحاً.
وقوله: "بالإنذار" كأنه جعل على هذا الوَجْهِ وُقُوفَهُ على الباب بِمَثابَةِ دخول الدار، والداخل لا يدفع إلا بإنذار على الوجه الأَشْبَهِ.
" فُرُوعٌ تتَعَلَّقُ بالصِّيَال"
قال القاضي ابن كَجٍّ: إذا صالَ عليه الفَحْلُ، وقدر على الهَرَب، فلم يهرب، وقتله دَفْعاً هل يلزمه 1190 الضَّمَانُ؟ يبني على أنه هل يجب الهرب 1191 إذا صَالَ عليه إنسان؟
إن قلنا: نعم وَجَبَ الضمان، وإلا فلا، وأبْدَى تَردُّداً في أنه هل يَحِلُّ له أَكْلُ البهيمة التي أتى الدَّفع عليها.
قال الشيخ إبراهيم المَرُّوروذِيّ: إن لم يصب المذبح [لم تحل، وإن أصاب المَذْبَحَ] 1192 فوجهان؛ لأنه لم يقصد الذبح والأكل 1193.
وذكر أن العَبْدَ المبيع لو صالَ على البائع، أو على أجنبي قبل القبض، فقتله في الدفع، ينفسخ العَقْدُ.1189
الجزء: 11 - الصفحة: 326
و [أنه] 1194 لو صَالَ على المشتري، فقتله في الدَّفْعِ، هل يصير قابِضاً؟ فيه وجهان.
وأن العبد المَغْصُوبَ أو المستعار، لو صَالَ على مالكه، فقتله دفعاً، فهل يَبْرَأُ الغاصب، والمستعير من الضَّمَانِ؟ فيه وجهان:
قال: والأصح أنهما لا يَبرَءانِ.
وفي "البيان": أنه لو قطع يَدَ الصائل في الدفع، فلما وَلّى تبعه، فقتله، وجب عليه القِصَاصُ عن النفس.
وحكي عن بعض الأصحاب أن لِوَرَثَةِ المَصُولِ عليه أن يرجعوا في تَرِكَةِ الصائل بنصف الدية.
قال والذي يقتضيه المَذْهَبُ أنهم لا يرجعون بشيء؛ لأن النفس لا نقص بِنُقْصَانِ اليَدِ.
[والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الطَرَفُ الثَّالِثُ فِيمَا تُتْلِفُهُ البَهَائِمُ) وَمَا أكَلَتْهُ البَهَائِمُ مِنَ المَزَارعِ بِالنَّهَارِ فَلا ضَمَانَ، وَبِاللَّيْلِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى رَبِّ البَهِيمَةِ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ البُسْتَانِ وَبَابُهُ مَفْتُوحٌ بِاللَّيْلِ فَإنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ رَبِّ البُسْتَانِ، وَلَوْ سَرَّحَ فِي جوَارِ المزَارعِ مَعَ اتِّسَاعِ المَرَاعِي ضَمِنَ لِأَنَّهُ مفَرِّطٌ، وَحِفْظُ المَزَارعِ بِالنَّهَارِ عَلَى مَالِكِهَا، وَحِفْظُ البَهِيمَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى مَالِكِهَا، وَمَنْ أَخْرَجَ البَهِيمَةَ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ إلى مِلْكِ جَارِهِ ضَمِنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإِخْراجُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَعَلَيْهِ الصَّبْرُ وَطَلَبُ الضَّمَانِ مِنْ رَبِّ البَهِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الأَحسَن أن يستمر على لَفْظَةٍ واحدة، فيقول: النظر الثالث كما قال: النظر الأول في الولاة [والنظر الثاني في رفع الصائل، أو يقول: الطرف الأول] 1195. والثاني، كما قال: "الطرف الثالث".
وقد سبق لصاحب الكتاب إِبْدالُ إحداهما بالأخرى في مواضع.
والأمر فيه هَيِّنٌ، والمقصود الكلام [ضمان ما] 1196 تتلفه البَهَائِمُ، ولا يخلو الحال إما [ألا يكون] 1197 معها صاحبها من مالك وغيره، أو يكون.
الحالة الأولى: إذا لم يكن معها أَحَدٌ، وأتلفت مَالاً من زَرْعٍ وغيره، فينظر إن أتلفه بالنهار، فلا ضَمَانَ على صاحب الدَّابَّةِ، وإن أتلفته بالليل، لَزِمَهُ الضمان.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا ضَمان في الحالتين.
لنا: ما روي عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقَةً للبراء -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دخلت
الجزء: 11 - الصفحة: 327
حَائِطَ قَوْمٍ، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أن على أهل الأموال حِفْظَهَا بالنهار، وما أفسدته المَوَاشِي بالليل فهو ضَامِنٌ على أَهْلِها" 1198 أراد بالأمْوالِ الزُّرُوعَ والبساتين.
وقوله: "فهو ضامن على أهلها" أي: مضمون، كقولهم: سر كَاتِماً، أي: مكتوم، والمعنى في الفَرْقِ أن العادة الغالبة أن أَرْبابَ الزروع والبساتين يَحْفَظُونَها بالنَّواظِرِ والحفظة المرتبين لها نَهَاراً، والمواشي لا بد من إِرْسَالِهَا لِلرَّعْي، ثم العادة أنها لا تُتْرَكُ منتشرة بالليل، بل تُرَدُّ إلى أماكنها، فمن أرسلها ليلاً، أو تركها منتشرة بالليل، فقد قَصَّرَ، ولزمه الضَّمَانُ.
قال الإِمام: ولم يَتَعلق الضَّمَانُ برقبة البهيمة، كما يَتَعَلَّق برقبة العبد؛ لأن الضمان فيما تُتْلِفهُ البهيمة مُحَالٌ على تقصير صَاحِبهَا، وهي كالآلة له، والعبد ملتزم دُونَهُ، وأقرب ما يؤدى منه ما يلزمه رَقَبَتَهُ، فتعلق بها، وإن كان أعْجَمِيّاً، ففي تعلقه برقبته خلاف قد سبق، والفرق في الخَبَرِ على ما ذكرنا مَبنِي على ما كانوا يَعْتَادُونَهُ غالبًا في حفظ الزرع والمواشي، ووراءه أحوال لا بد من معرفتها:
إحداها: لو جَرَتِ العادَة في بعض النواحي على العَكْسِ، وكانوا يرسلون المواشي لَيْلاً لترعى، وَيرْبطونها نَهَاراً، وكانوا يحفظون الزرع ليلاً، ففيه وجهان:
أظهرهما: أن الحكم يَنْعَكِسُ، فيجب على صَاحِبِ البهيمة ضَمانُ ما أَتْلَفَهُ بالنهار دون اللَّيْلِ اتباعا لما فَهِمْنَاهُ من الخَبَرِ، وهو ربط الضمان بالتقصير.
والثاني -ويحكى عن رِوايَةِ الشيخ أبي علي: أنه لا يتبع العادات، ولا يعدل عن الحُكْمِ المبين في الخَبَرِ.
والثانية: المزارع في الصَّحْرَاءِ والبساتين التي لا جِدَارَ لها حكمها ما ذكرنا أما إذا كان الزَّرْعُ في محوط، وكان للبساتين باب يغلق، فتركه مَفْتُوحاً، ففيه وجهان:
الجزء: 11 - الصفحة: 328
أحدهما: أن الحكم على ما ذكرنا لإطلاق الخبر، ولأن العَادَةَ حفظ البَهَائِمِ، وربطها في أماكنها بالليل، فإرسالها تقصير.
وأصحهما: وبه قال صاحب "التلخيص": أنه لا ضَمَانَ على صاحب البهيمة، وإن أفسدت بالليل؛ لأن التَّقْصِيرَ هاهنا من رَبِّ البستان و [صاحب] الزَّرْع حيث ترك الباب مَفْتُوحاً.
والثالثة: إنما يعتاد إِرْسَال المَوَاشي إذا كان هُنَاكَ مَزَارعُ بعيدة من المَزَارع، وحينئذ إن فرض انْتِشَارُها إلى أطراف المزارع لم يعد تقصيراً، فأما إذا كانت المَراعِي مُتَوَسِّطَةً للمزارع، أو كانت البهائم ترعى في حَرِيمِ السَّوَاقِي بين الأقرحة المَزْرُوعَةِ، فلا يعتاد إرسالها، بلا رَقِيب، فإذا أرسلها فهو مُقَصِّرٌ ضامن لما أفسدته وإن كان بالنَّهَارِ هذا هو الظاهر، وبه قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ والأئمة ومنهم من جَرَى على الخلاف للخبر، ولم يفرق.
والرابعة: صاحب الدَّابَّةِ لو ربطها لَيْلاً، وأغلق البَابَ، واحْتَاطَ على العادة، ففتح الباب لصّ، أو انْهَدَمَ جدار، فخرجت فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنه لا تقصير منه.
وإن كان صَاحِبُ الدابة مقصراً، ولكن صاحب الزَّرْعِ حاضر، فإن قدر على تَهْيِيجِهَا وتنفيرها، فليفعل، وإن قدر، فَتَهاوَنَ فهو المقصر المضيع لِزَرْعِهِ، فيسقط الضَّمَانُ عن صاحب الدَّابَةِ.
هكذا ذكر الإِمام، وصاحب الكتاب.
ويجيء فيه وجه آخر، كما ذكرنا فيما إذا لم يغلق بَابَ البُسْتَانِ، وأيضًا فإنه لو أَتْلَفَ غيره ماله، وهو ساكت لا يسقط الضَّمَانُ، ولا ينبغي أن يبالغ في التنفير 1199، والإبْعَادِ، بل يقتصر على قدر الحَاجَةِ، فإن زاد فَضَاعَتْ.
قال إبراهيم المروروذي: يلزمه ضَمَانُهَا، وتصير دَاخِلَةً في ضمانه بالتنفير، فوق قدر الحاجة.
ولو أَخْرَجَهَا من زَرْعِهِ، وأدخلها في زَرْع غيره، فأَفْسَدَتْهُ، فعليه الضَّمَانُ، وإن كانت مَحْفُوفَةً بمزارع الناس، ولم يمكن إخراجها إلا بِإِدْخَالِهَا مزرعة الغير، فلا يقي مَالَ نفسه بمال غيره، ولكن يصبر، ثم يغرم صاحب الدابة.
والخامسة: إذا أرسل الدَّابَّة في البلد، فأتلفت شَيْئاً -حكى القاضي ابن كج عن أبي الطيب بن سلمة أنه يَضْمَنُ؛ لأن الدَّابة في البلد تراقب، ولا تُرْسَلُ وحدها.
وعن غيره أن الإِرْسالَ في البلد، كالإِرْسَالِ في الصحراء، [والوجه الأول] 1200. وجميع ما ذكرنا فيما إذا تَعَلَّقَ إرسال الدابة، وضبطها باختياره فأما إذا انْفَلَتَتْ، لم يضمن ما تُتْلِفُهُ بحال.
الجزء: 11 - الصفحة: 329
وإذا ربط دَابَّة في المَوَاتِ، أو في مِلْكِ نفسه، وغاب عنها لم يضمن ما تُتْلِفُهُ، وإن ربطها في الطريق على باب دَارِهِ، أو في موضع آخر، فعليه الضَّمَانُ، سواء كان الطريق ضَيِّقاً، أو واسعاً؛ لأن الارتفاق في الطريق، وان كان جَائِزاً مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ العاقبة، كإشراع الجَنَاحِ إليه وفيه وجه: أنه إن كان وَاسِعاً فلا ضَمَانَ عليه، والأول المنصوص ولم يَتَعَرَّضُوا للفرق بين أن يربط بِإِذْنِ الإِمام، أو دون إذنه كما فعلوا في حَفْرِ البِئْرِ في الطريق إذا حفر لِمَصْلَحَةِ نفسه.
وقوله في الكتاب: "وبالليل يَجِبُ" مُعْلَمٌ بالحاء.
وقوله: "إلا أن يأكل من البستان" بالواو.
وكذا قوله: "مع اتساع المراعي ضمن" لما بَيَّنَّا.
وقوله: "وحفظ المَزَارع بالنهار على مالكها، وحفظ البَهِيمَةِ بالليل على مالِكِها" توجيهٌ لما سَبَقَ من الفَرْقِ بين الليل والنهار، وتتمةٌ له.
" فَرْعٌ"
إذا أرسل الحَمامَ أو غيرها من الطُّيُورِ، فكسرت شَيْئاً، أو التقطت حَبّاً، فلا ضَمَانَ؛ لأن العادَةَ جَرَتْ بإرسالها.
ذكره ابن الصباغ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا مَا تُتْلِفُهُ البَهِيمَة فِي الطَّرِيقِ وَمَعَهَا مَالِكُهَا بِخَبْطِهَا أَوْ رُمْحِهَا أَوْ عَضِّهَا فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِهَا، دُونَ مَا يَفِرُّ بِرَشَاشِ الوَحَلِ وانْتِشَارِ الغُبَارِ إِلاَّ مَا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ مِنْ رَكْضٍ مُفْرِط فِي الوَحْلِ وَالأَسْوَاقِ، أَوْ تَرْكِ الإِبِلِ غَيْر مُقَطَّرَةِ، وَمَا يَتَخَرَّقُ مِنَ الثَّوْبِ بِالحَطَبِ مِنْ خَلْفٍ ضَمِنَهُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ إِلاَّ أَنْ يُقَدِّمَ الإِعْلاَمَ والبَيِّنَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كان صاحب البَهِيمَةِ معها، فعليه ضَمَانُ ما تتلفه من مال، ونَفْسٍ، سواء أتلفته ليلاً أو نهارًا وسواء كان الذي معها سَائِقهَا أو رَاكبها، أو قَائِدُهَا، وسواء أتلفت بخَيْطِهَا، وهو الضرب باليد، أو بِرُمْحِهَا، وهو الضَّرْبُ بالرجل، أو بِعَضِّها، أو ذَنبها 1201 لأنها تحت يده، وتحت تَصَرُّفِهِ، وعليه القيام بِتَعَهُّدِهَا وحفظها.
وقال أبو حنيفة: الراكب والقائد يَضْمَنانِ ما تُتْلِفُهُ بيدها وفمها، دون ما تتلفه برجلها وذَنَبِها، والسائق يضمن الكل.
واحتج الأصحاب بأنها تحت يده على الأحوال كلها، وكما لا يرى القائد ما تفعل برجلها [وذنبها] 1202 لا يرى السائق ما تَفْعَلُ بيدها وفَمِهَا.
الجزء: 11 - الصفحة: 330
ولا فرق بين أن يكون معها المالك، أَو أَجِيرُهُ [أو مستأجر الدَّابَّةِ 1203،] أو المستعير، أو الغاصب لشمول اليَدِ، ولا فرق بين البَهِيمَةِ الواحدة، وبين عَدَدٍ منها كالإِبِلِ المُقَطَّرَةِ، ولو كان معها قائد وسَائِقٌ، فالضمان عليهما بالسَّوِيَّةِ، لأنها تحت يدهما، وفي الراكب مع السائق أو القائد وَجْهَان:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: تخصيص الرَّاكِبِ بالضمان لقوة يَدِهِ، وتصرفه، وبنى ذلك على الخِلاَفِ فيما إذا تَنازَعَ الراكب والسائق في الدَّابة تجعل في يَدِهِما، أو تختصُّ بالراكب، وإن اجتمع الرَّاكبُ والسائق والقائد، ففي وجه يختصُّ الراكب بالضَّمَانِ.
وفي وجه نجعله بينهم أثْلاَثاً.
ولو كان يسير دابة فَنَخَسَها إنسان، فَرَمَحَتْ، وأتلفت شيئًا، فالضمان على الناخس وفي كتاب ابن كج وَجْهٌ آخر أنه عليهما، وإن انفلتت 1204 الدابة من يد صاحبها، وأتلفت شيئًا، فلا ضَمَان عليه بخروجها من يده، ولو كان راكبها فعَصَتْ على اللِّجَامِ، وركبت رأسها، فهل يضمن ما تتلفه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لخروج الأمر مِنْ يده وعن اختياره.
والثاني: نعم -لأن من حَقِّهِ أن يضبط مَرْكُوبَهُ، أو لا يركب ما لا يضبطه وعن صاحب "التلخيص" طَرْدُ الخلاف وإن لم يكن [الذي] 1205 معها [راكباً] 1206 كما إذا غلبت السَّفِينَتَانِ الملاَّحين.
قال الإِمَامُ: والدابة النَّزِقَةُ التي لا تنضبط بالكَبْح والترديد في مَعَاطِفِ اللِّجَامِ، لا تركب في الأسْوَاقِ، ومن ركبها فهو مُقَصِّرٌ ضامن لما تُتْلِفه، وإذا راثَتِ الدابة أو بَالَتْ في سَيْرِها في الطريق، فزلق به إنسان، وتَلِفَ نفس أو مالٌ، أو فَسَدَ شيء من رَشَاشِ الوَحْلِ بممشاها وقت الوَحْلِ والأنْدَاءِ، أو بما يَثُورُ من الغُبَارِ، وقد يضر ذلك بثياب البَزَّازِينَ، وبالفواكه، فلا ضَمَانَ؛ لأن الطريق لا تَخْلُو عن ذلك والمَنْعُ من الطُّرُوقُ مما لا سبيل 1207 إليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 331
نعم ينبغي أن يحترز مما لا يعتاد كالرّكْضِ المُفْرِطِ في الوَحْلِ، والإجراء على مجتمع الوُحُولِ، فإن خالف، ضمن ما يحدث منه، وكذا لو ساق الإِبِلَ في الأسواق غير مُقَطَّرَةٍ، فإنه لا يمكن ضبطها حينئذ، وإذا بالت الدَّابة، أو راثَتْ، وقد وقفها في الطريق، فأفضى المرور في موضع البَوْلِ والروث إلى تَلَفٍ، فعلى الخلاف المذكور فيما إذا أَتْلَفَتِ الدابة الموقوفة هناك شيئاً.
والأَظْهَرُ: أنه لا يَجِبُ الضَّمَانُ، ومنهم من فَرَّقَ بين أن يكون الطريق ضَيِّقاً، أو وَاسِعاً.
و [قد] 1208 روى القاضي ابن كَجٍّ عن ابن الوَكِيلِ وَجْهاً مطلقًا: أنه يجوز أن تَقِفَ الدَّابَّةُ في الطريق، كما يجوز أن يُجْرِيَها، فإذا بَالَتْ، أو رَاثَتْ في وقوفها، وتَلِفَ به إنسان، لم يضمن ولو 1209 كان يركض دابته فأصاب شيء من موضع السَّنَابِكِ عَيْنَ إِنْسَانٍ، وأبطل ضَوْءَهَا، فإن كان المَوْضِعُ مَوْضِعَ الرَّكْضِ، فلا شيء عليه، وإن لم يكن وجب الضَّمَانُ، وإذا كان يسوق دَابَّةً عليها حَطَبٌ، أو حمله على ظهره، أو على عجلة فاحْتَّك ببناء، وأسقطه، وَجَبَ عليه 1210 ضَمَانُهُ، وإن دخل السوق به وتَلِفَ منه مال، أَوْ نَفْسٌ، ففي "التهذيب" وغيره أنه إن كان [ذلك] 1211 وقت الزِّحَامِ، فعليه الضَّمَانُ، وإن لم يكن في وقت الزِّحَامِ، وتمزق ثوب بخشبة تَعلَّقَتْ به مثلاً، فَإن كان صاحب الثوب مُسْتقبلاً للدابة، فلا ضمان؛ لأن التقصير منه إلا أن يكون أَعْمَى، فعلى صاحب الدَّابَةِ إِعلامه [وتنبيهه] 1212 وإن كان يَمْشِي بين يَدَي الدَّابة، فعلى صاحبها الضمان إذا لم يعلمه؛ لأنه مقصر في العادة، وإن كان من صَاحِب الثوب جَذْبَةٌ أيضًا، بأن تَعَلَّقَتِ الخَشَبَةُ بثوبه، فجذبه وَجَذَبَتْهُ البهيمة، فعلى صاحبها نِصُفُ الضمان.
وفي تعليقة [إبراهيم المروروذي] أنه لو كان يَمْشِي، فوقع مقدم مَدَاسِهِ على مُؤَخِّرِ مداس آخر، وَتَمَزَّقَ، يجب نِصْفُ الضمان، ويهدر النصف، لأنه تَمَزَّقَ بفعله، وفعل الآخر، ولك أن تقول: هذا الجَوَابُ إنما يظهر حيث يكون لكل واحد منهما قوة واعتماد على الآخر، كما في تَصَادُمِ الشخصين والسفينتين، فأما إذا كانا جَمِيعاً يَقْصِدَانِ = الوجيز وإثبات السيد لو تلف الصيد مما في يده لزم الضمان كما لو كان راكب دابة فأتلفت صيداً بعضها أو رفسها وكذا لو بات في الطريق فزلق به صيد وهلك كما لو زلق به آدمي أو بهيمة.
الجزء: 11 - الصفحة: 332
جِهِةً واحِدَةً فليس للسابق قوة 1213، واعتماد على اللاحق 1214، فينبغي أن يقال: إن تَمَزَّقَ مَدَاسُ السابق، فالضمان على اللاحق، وإن تمزق مقدم مداس اللاَّحق، فلا ضَمَانَ على السابق.
وقوله في الكتاب: "فالضمان على صَاحِبهَا" يجوز إعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن في كتاب القاضي ابن كَجٍّ وجهًا مُفَصّلاً عن بعضهم بين الحَيَوانِ والحيوان وبين السَّوْقِ والقَوَدِ [قال]: إن كانت الماشية مما تُسَاقُ كالغنم، فَسَاقَهَا لم يلزمه شيء، وعلى صاحب المَتَاعِ حِفْظُ متاعه، كما ذكرنا أن على صَاحِبِ الزَّرْع حِفْظَ الزرع في الصحراء، وإن كانت مما تُقَادُ، ويؤخذ بمخطمها وساقها، فعليه الضَّمَانُ؛ لأنه مُقَصِّرٌ في حفظها، والمشهور الإطلاق كما تقدم.
واعلم أن جَمِيعَ ما ذكرنا في وُجُوبِ الضمان على صَاحِبِ الدَّابَةِ هو فيما إذا لم يُوجَدْ من صاحب المال تَقْصِيرٌ، فإن وجد بأن عَرَضَهُ للدابة، أو وَضَعَهُ في الطريق، فلا ضَمَانَ على صاحب الدابة.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) أَمَّا ما تُتْلِفُهُ الهِرَّةُ المَلُوكَةُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى صَاحِبَها عَلَى وَجْهٍ إِذْ لا يُعْتَادُ ربْطُهَا، وَيَجِبُ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ كَالبَهِيمَةِ لاَ يُضْمَنُ إِلاَّ مَا أتلَفَتْهُ بِاللَّيْلِ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ لا يُضْمَنُ إلاَّ مَا أَتلَفَتْ بِالنَّهَارِ إذِ التَّقْصِيرُ بِاللَّيْلِ مِمَّنْ لا يُغَطِّي الطَّعَام، وَلَوْ صَارَتْ هِرَّةً ضَارِيَةً بِالإِفْسادِ فَفِي جَوَازِ قَتْلِهَا إلْحَاقاً لَهَا بِالفَوَاسِقِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كَانت له هِرَّةٌ تأخذ الطُّيُورَ، وتقلب القُدُورَ، فأتلفت شيئًا، فهل على صاحبها الضَّمَانُ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، سواء أتْلَفَتْهُ ليلاً أو نهارًا لأن مثل هذه الهِرَّةِ ينبغي أن تربط ويكف شرّهَا، وكذا الحال في كل حَيَوانٍ مُولَعٍ بالتَّعَدِّي.
والثاني: لا، سَوَاء أتْلَفَتْ ليلاً، أو نهاراً لأن العادة لم تَجْرِ بِربْطِ السَّنَانِيرِ، وتقييدها، وإن لم يعهد منها ذلك فوجهان:
أشبههما: أنه لا ضَمَانَ،؛ لأن العادة حِفْظُ الطعام عنها لا ربطها.
والثاني: أنه يفرق بين الليل والنهار، كما سَبَقَ في البَهَائِم، وترك الإِمام، وصاحب الكتاب [هذا] 1215 التفصيل والتقسيم، وأَطْلَقَا في ضَمَانِ ما تتلفه الهِرَّةُ أربعة أوجه: النَّفي والإيجَاب المطلقان.
الجزء: 11 - الصفحة: 333
والثالث: يضمن ما أَتْلَفَتْهُ بالليل، دون النَّهَارِ، كما ذكرناه في البَهَائِم؛ لأن أكثر انْتِشَارهَا بالليل لِنَوْمِ الحَفَظَةِ، وغَفْلَتَهِمْ، فينبغي أن يحتاط صاحبها بِرَبْطِهاَ، أو إِغْلاقِ الباب 1216 عليها، أو سَدِّ المَنَافِذِ.
والرابع: يضمن ما أَتْلَفَتْهُ بالنهار دون الليل؛ لأن الأشياء تُحْفَظُ عنها ليلاً، فترد الطيور إلى أمَاكِنها المُهَيَّأَةِ لها، وتغطي الأطعمة، فيحال التَّلَفُ على تقصير صاحب المَالِ.
وإذا أخذت الهِرَّةُ الحَمَامَةَ، وهي حية جازَ فَتْلُ أذنها والضرب في فيها لِتُرْسِلَها، وإذا قصدت الحَمَامَ، فأهلكت في الدفع، فلا ضَمَانَ، والتي صَارَتْ ضَارِيَةً مفسدة، هل يجوز قَتْلُهَا في حال سكونها؟ فيه وجهان عن القفال:
أحدهما: أنه لا يجوز لأن ضَرَاوَتَهَا عارضة، والتحرز عن شَرِّهَا سَهْلٌ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها تُلْحَقُ بالفَوَاسِقِ الخمسة، فيجوز قتلها ولا يختصّ بحال ظهور الشر، والأول أقْرَبُ.
قال الإِمام: وقد انْتَظَمَ لي من كلام الأصحاب أن الفَوَاسِقَ مَقْتُولات لا يَعْصِمُها الاقْتِنَاءُ، ولا يجري المِلْكُ عليها، ولا أَثَرَ لليد والاختصاص فيها، ولو كان في داره كَلْبٌ عَقُورٌ، أو دابة رَمُوحٌ، فدخلها إنسان، فرمحته، أو عَضَّهُ الكلب، فلا ضمان إن دخل من غَيْرِ إِذْنِ صاحب الدار، وكذا إن دخل بِإِذْنِهِ، وأعلمه حال الكَلْبِ والدابة، وإن لم يعلمه، فقولان كما لو وَضَعَ الطَّعَامَ المَسْمُومَ بين يدي إنسان، فأكله.
ومنهم من خَصَّصَ الخِلاَفَ بما إذًا كان أعْمَى، أو كان في ظُلْمَةٍ، وقطع بنفي الضمان إذا كان بصيرًا يَرَى.
ولو ابْتَلَعَتْ بهيمة في مُرُورِهَا جَوْهَرَةً، ضَمِنَهَا صاحبها إن كان مَعَها، أو وُجِدَ منه تَقْصِيرٌ بأن طرح لؤلؤ غيره بين يدي دَجاجَةٍ، وإلا فوجهان 1217:
أحدهما -وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ: أنه يفرق بين اللَّيْلِ والنهار، كما في إتلاف الزرع.
والثاني: يضمن ليلاً كان أو نهارًا؛ لأن تَعَرُّضَ الأَنْعَامِ للزرع مألوف، فعلى صاحب الزَّرْعِ أن يَحْتَاطَ له، والتعرض للجوهرة غير مَأْلُوفٍ، وإذا أوجبنا الضَّمَانَ،
الجزء: 11 - الصفحة: 334
فطلب صاحب الجوْهَرَةِ ذبحها، وَرَدَّ الجوهرة، فقد سبق ذكره في الغَصْبِ.
وفي فتاوى صاحب التهذيب رحمه الله فروع تَتَعَلَّقُ بهذه الأبواب وفيها ما سَبَقَ نَظِيرُهُ أو عينه، وقد أَعَدْنَاهُ لزيادة ذكرها.
[قال]: الراعي كالمالك يَضْمَنُ ما أتلفته الدابة في يده، ولو أُودِعَ دابة من إنسان، فأرسلها فأتْلَفَتْ شيئًا، فعلى المُودَعِ الضَّمَانُ ليلاً كان أو نهاراً؛ لأن عليه حِفْظَهَا بالليل والنهار، وفي هذا توقف ويشبه أن يقال: عليه الحِفْظُ بِحَسَبِ ما يحفظ المُلاَّكُ.
[قال]: ولو اسْتَأْجَرَ رَجُلاً لحفظ دَوَابِّهِ، فأتلفت زَرْعًا ليلاً أو نهاراً، فعلى الأجير الضَّمَانُ؛ لأن عليه حِفْظَهَا في الوقتين، وذكر أنه رأى المسألة كذلك في طريقة "العِراقِ" 1218 في "كتاب الغَصْبِ" وذكر أنه لو دخلت دَابَّةُ إِنْسَانٍ مِلْكَ آخر، فأخرجها، ضمن كما لو هَبَّتِ الرِّيحُ بِثَوْبٍ في حجرة.
وألقاه، يَضْمَنُ، بل عليه رَدُّهَا إلى المال، فإن لم يجده دَفَعَهَا إلى الحاكم، إلا أن تكون مُسَيِّبَةً من جهة المالك؛ كالإِبِلِ والبَقَرِ، وعلى هذا فالذي قَدَّمْنَا أنه يخرجها من زَرْعِهِ، إلا إذا كان زرعه مَحْفُوفاً بزرع الغَيرِ، فيحمل على ما إذا كانت مُسيَّبَةً من جهة المالك.
وأنه إذا دَخَلَتْ بهيمة أرضه، فأتلفت زَرْعَهُ، دفعها كما يدفعها لو صَالَتْ عليه فإن نَحَّاهَا عن الزرع، واندفع ضَرَرُهَا، لم يجز إِخْرَاجُهَا عن الملك وشغلها المَكَان، وإن كان فيه ضَرَرٌ لا يبيح إِضَاعَةَ مال الغير، ولو أن مالكها أَدْخَلَهَا في ملكه، بغير إذنه، فأخرجها مالك الأرْضِ بعد ما غاب مالكها أو لو وضع إنسان مَتَاعَهُ في المَفَازَةِ على دابة الغَيْرِ بِغير إذنه وغاب، فأَلْقَاهَا صاحب الدابة 1219 فيحتمل وجهين:
أحدهما: لا يضمن؛ لِتَعَدِّي المالك.
والثاني: يضمن؛ لأنه مُتَعَدٍّ بالتَّضْييع.
وأنه لو كان يَقْطَعُ شجرة في ملكه، فسقطت على رِجْلِ وَاحِدٍ من النَّظَارَةِ فَانْكَسَرَتْ، نظر إن كان ذلك الرجل يعرف أن الشَّجَرَة إذا سَقَطَتْ تصيبه، فلا ضَمَانَ على قاطعها، وإن كان لا يَعْرِفُ، والقاطع يعرف، ولم يخبره، ضَمِنَ، سواء دخل مِلْكَهُ بإذنه، أو بغير إذْنِهِ.
وإن كانا جاهلين بأنها تصيبه، فلا ضَمَانَ؛ لأنه مُتَصَرِّفٌ في ملكه، وإن كانا
الجزء: 11 - الصفحة: 335
عالمين فكذلك؛ لأن التعدي والتقصير منه حيث لا يحترز.
وأنه لو دخلت بقرة [في ملكه] 1220 فأخرجها من ثُلْمَةٍ، فهلكت، ضَمِنَ إن لم تكن الثُّلْمَةُ بحيث تخرج البقرة منها بسهولة، وأن دابة الغَيْرِ إذا دخلت مِلْكَهُ، فرمحت صاحب المِلْك، فمات، فحكم الضمان كما إذا أَتْلَفَتْ زَرْعَهُ، يفرق بين الليل والنهار.
وإذا أوجبنا الضَّمَانَ تكون الدِّيَةُ على العاقلة، كما في حفر البِئْرِ.
وأنه لو ركب صبيٌّ، أو بالغ دَابَّة إنسان بغير إذنه، فغلبته الدَّابة، فأتلفت شيئًا، وجب على الرَّاكِب الضمان، بخلاف ما إذا رَكِبَ المَالِكُ فَغَلَبَتْهُ، حيث لا يضمن على قول؛ لأنه غير مُتَعَدٍّ، وأنه إذا هَاجَتِ الرِّيَاحُ، وأظلم النهار فتفرقت غَنَمُ الراعي، ووقعت في زَرْعٍ فَأفْسَدَتْهُ، فالراعي مَغْلُوب، وفي وجوب الضَّمَانِ عليه قولان:
أظهرهما: المنع، وكذا الحكم لو نَدَّ بعيرٌ من صَاحبِهِ، فأتلف شيئًا ولو نام، فتفرقت الأَغْنَامُ، وأتلفت ضَمِنَ؛ لأن النوم تقصير من جِهَتِهِ، وأن الرجل لو كان على دَابَّةٍ فسقطت ميتة، وأهلكت مالاً، أو مات الرَّاكب، وسقط على شَيْءٍ لم يضمن، وكذا لو انْتَفَخَ ميت، وَتَكَسَّرتْ من انْتِفَاخِهِ قارُورَةٌ، بخِلاف الطفل يسقط على قَارُورَةٍ يضمن، لأن للصبي فِعْلاً، والميت لا فعْلَ له، وأنه لو استقْبَلَ دَابَّةً يردها، فانصرفت، وأَتْلَفَتْ في الانصراف شيئًا، وجب الضَّمَانُ على الراد.
ولو نَخَسَها، فأسقطت الراكب أو رَمَحَتْ منه إنْسَاناً، فأهلكته، فعلى النَّاخِسِ الضَّمَانُ، وإن نخس بإذن صَاحِب الدابة، فالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بصاحب الدابة ولو حَلَّ قيداً عن دابة، فخرجت وأهلكت شيئاً، لا يضمن الحال، كما لو أبطل الحرْزَ فأخذ المَالَ، وأنه لو سقطت دابة في وَهْدَةٍ، فَنَفَرَ من وَهْدَتِهَا بعير آخر، وهَلَكَ، لا يجب ضمانه على صَاحِبِ الدابة.
وأنه إذا ابتاع بَهِيمَةً بثمن في ذمته، فأتلفت على المشتري مالاً، فعلى البائع ضَمَانه؛ لأنها في يده، وإن كانت مِلْكاً للمشتري كما إذا أَتْلَفَتِ البهيمة المُسْتَعَارَةُ شيئًا على المُعِير [يضمنه المُسْتَعِيرُ] [وأنه لو ألقى نُخَامَتهُ في الحمام فزلقتِ رِجْلُ حُرٍّ أو عَبْدٍ فتكسَّرَتْ، فعليه الضَّمَانُ إن ألْقَاهَا على المَمَرِّ] 1221. والله أعلم.
الجزء: 11 - الصفحة: 336