العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الأطْعِمَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ فَصْلاَن قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأَوَّلُ فِي حَالِ الاخْتِيَارِ): وجَمِيعُ مَا خَلَقَهُ الله تَعَالَى مِنَ المطعوماتِ حَلاَلٌ إلاَّ مَا تَسْتَثْنِيهِ عَشَرَةُ أُصُولِ: (الأَوَّلُ): مَا نَصَّ الكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كالخِنْزِيرِ وَالخَمْرِ أَوِ السُّنَّةُ كَالحُمُر الأَهْلِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، وقال عز مِنْ قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآياتُ، ومقصود الكتاب الكلامُ في المطاعم، ومعرفة أحكامها من المهمات؛ فإن الله تعالى أجرى العادةَ بالحاجَة إليها؛ على ما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، وفي تناول الحرام الوعيدُ الشديدُ؛ على ما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" 1 للإنسانِ حالتان؛ حالةُ رفاهيةٍ واختيارٍ، وحالةُ شدَّةٍ وَاضطرارٍ، وبحسبهما أوْدَعَ مسائلَ الكتَابِ في فصْلَيْن: أحدهِما: في حال الاختيار، وقال الأصحاب ما يمكن أكْلُه من الجماد والحيوان

الجزء: 12 - الصفحة: 123

لا يتأتَّى حصر أنواعه، لكنَّ الأصل في الكِلِّ الحِلُّ؛ لأن الأعيان مخلوقُةُ لمنافع العباد، وقد يُتَمَسَّك له بقوله تعالَى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الآية، وأطلق صاحبُ الكتاب القول بحل الجميع، إلا ما يستثنيه عشَرةُ فُصُول: أحدها: تنصيص الكتاب على تحريمه؛ كالخنزير والخمر، أما الخنزيرُ، فقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] وقال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] وأما الخمر، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90] إلى قوله تعالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، واحتج به على التحريم من وجوه مشهورة، ومن هذا القبيل الميتةُ والدَّمُ، والمنخنقة 2 والموقوذة 3، والنَّطيحة 4، وكذا تنصيص السنَّة على التحريم؛ كالحُمر الأهلية فعن علي -كرّم الله وجهه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَامَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَاحِ المتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ 5 ويُرْوَى ذلك من رواية جابر وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-، وعن "الحاوي" حكايةُ وجهين عن الأصحاب في أن الحُمُرَ حُرِّمَتْ بالنص أو باستخباث العَرَب لها، ونفى مالك تحريمَها،

الجزء: 12 - الصفحة: 124

ويُحِلُّ الحِمارَ الوحشيَّ؛ لما رُوِيَ عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أنه رأى حماراً وحشياً في طريق مكةَ، فقتله، فأكل منه بعضُ أصحابِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأبى بعضُهم؛ لأنهم كانوا محرمين، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ" 6، والبِغال كالحُمُرِ الأهليَّةِ، ولا تحرم الخيل، وبه قال أحمد؛ لما رُوِيَ عن جابر -رضي الله عنه- أنه قال: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيبَرَ الخَيْلَ، والبِغَالَ، والحَمِيرَ، فنهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن البِغَالِ والحَمِيرِ، ولم ينهنا عن الخَيْل 7، وعن جابر -رضي الله عنه- أيضاً: أَطْعَمَنَا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ 8. وعن أسماءَ -رضي الله عنها- قالت: ذَبَحْنَا على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحْنُ بالمدِينَةِ فَرَساً، فأكَلْنَاهُ 9. وَوُجِّهَ تحريم البَغل أيضاً بأنه متولِّد من حلال وحرام، فيغلب فيه التحريم، ولا فَرْقَ بين أن يكونَ الحرامُ من أصلية الذكر أو الأنثى، وما يتولَّد من الحمار الوحشي والفرَسِ حلالٌ لِحِلِّ الأصلَيْن.
وعن أبي حنيفةَ: أن لحمَ الخيل حرامٌ، ويُرْوَى عنه: أنه مكروه يتعلَّقِ الإثم به، ولا يُطْلَق القول بالحرمة.
وعن مالكٍ: كراهيةُ لحُوم الخيل 10.

الجزء: 12 - الصفحة: 125

وقوله في الكتاب: "ما نص الكتاب على تحريمه" اللائق بالسياق أن يقول: ورود الكتاب بالتحريم أو تنصيصه عليه، فإنه الأصل المستثنَى؛ فأما ما نص على تحريمه الكتابُ، فهو محل الاستثناء لا الأصْلُ المستثنَى، وقضية الترتيب المذكورِ أن يحمل قوله "أو السنّة" على ستة خاصة ناصة على نوع معيَّن مما يمكن أكله لا على مطلَقِ السنّة، وإلا فيَحْرُم كل ذي ناب من السباعِ وذي مِخْلَبِ من الطيور وهو الأصل الثالث مأخوذ من السنَّة، وكذا تحريم ما أُمِرَ بقتله، وهو الرابع، وما نُهِيَ عن قتله، وهو الخامس إلا أنها ضوابط تشمل أنواعاً مما يؤْكل.
= قال سعيد بن جبير: إما قلت شيئاً أطيب من مَعْرَفَةَ برذون" واستدل المانعون بالكتاب والسنّة:-.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾.
ووجه الدلالة أن الله تعالى ذكر الانتفاع بالركوب والزينة ولم يذكر الانتفاع بالأكل، مع أنه في سياق الامتنان، والمنّة به أعظم وأولى.
أما السنّة: فما روي عن خالد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها".
ولا يتم لهم هذا الاستدلال، سواء كان بالكتاب أم بالستة؛ وذلك لأن الآية التي استدلوا بها ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ ...﴾ الآية مكية بالاتفاق، ولحوم الحمر إنما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق.
فدل على أنه لم يفهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا الصحابة في الآية تحريماً للحمر ولا لغيرها، فإنها لو دلت على تحريم الخيل، دلت على تحريم الحمر، وهم لم يمتنعوا منها، بل امتدت الحال إلى يوم خيبر فحرمت.
وأيضاً فالاقتصار على ركوبها والتزين بها لا يدل على نفي الترائد عليهما، وإنما خصهما بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل.
من ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ اقتصر في الخنزير على تحريم لحمه؛ لأنه معظم مقصوده، وقد أجمعوا على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه.
وأيضاً فإن موضع الاستدلال في الآية بالمفهوم، لا بالمنطوق وهم لا يقولون به.
أما استدلالهم بحديث خالد -في النهي عن أكل لحوم الخيل- فقال الإِمام أحمد: حديث خالد ليس له إسناد جيد، وفيه رجلان لا يعرفان، يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف، وقال: لا ندع أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر.
وقال النسائي: حديث الاِباحة أصح؛ قال: ويشبه إنه كان هذا الحديث صحيحاً أن يكون منسوخاً؛ لأن قوله في الحديث الصحيح "وأذن في لحوم الخيل" دليل على ذلك ويمكن أن يقال: إن النهي عن أكل الخيل كان لأمر عارض؛ وذلك أن الخيل كانت قليلة فيهم، وكانت سلاحاً يحتاجون إليه في الحرب، فلهذا نهاهم عن أكله لهذا المعنى، لا لحرمته.
وهو وجيه.
ومن قال إن الكراهة للتنزيه، قال: إن الفرس كالآدمي من وجه، من حيث إنه يحصل به إرهاب العدو، ويستحق السهم من الغنيمة.
والآدمي غير مأكول لكرامته، لا لنجاسته، والخيل كذلك كره أكلها على طريق التنزيه لمعنى الكرامة.
ولهذا جعل الجل طاهرة السؤر، وجعل بوله كبول ما يؤكل لحمه.

الجزء: 12 - الصفحة: 126

قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّاني): مَا في مَعنَاهُمَا كَالنَّبِيذِ في معْنَى الخَمْرِ (الثَّالِثُ): كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكلُّ ذِي مِخْلَب مِنَ الطُّيُورِ فَيحْرُمُ الكَلْبُ وَالفِيلُ وَالدُّبُّ وَالبَازِيُّ وَالشَّاهِيْنُ وَالصَّقْرُ وَالعُقَابُ وَالنَّسْرُ وَجَمِيعُ جَوَارحِ الطَّيْرِ، وَلاَ يَحْرْم الضَّبُّ وَالضَّبْعُ وَالثَّعْلَبُ، أَمَّا ابْنُ عِرْسَ وَابنُ آوَى فَفِيهِ تَردُّدٌ لِشَبَهِهِ بالثَّعْلَبِ وَالكَلْبِ، وَكَذَا في الهِرَّةِ الوحْشِيَّةِ تَرَدُّدٌ لِشَبَهِهَا بِالإنْسِيَّةِ، وَالأَظْهَرُ إِلحَاقُ السِّمُّورِ وَالسِّنْجَابِ بالثَّعْلَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: يحرم ما هو في معْنَى ما نصَّ الكتاب أو السنّة على تحريمه؛ كالنبيذ؛ فإنه بعلة الإِسكار حرام، كالخمر، واعلم أن المقصودَ هاهنا التمثيل، وإلا، فالنبيذ مما وردتِ السنّة بتحريمه على ما سبق في الأشربة، فيمكن إسناد تحريمه إلى النَّصِّ دون القياس، ومن الناس من قال: إن الخمر ما خامرت العقل، وإن النبيذ متناول باسم الخمر، وعلى هذا، فالوارد في الخمْر وارد في النبيذ، فيكون منصوصاً عليه، لا ملحقاً بالمنصوص.
الثانية: تحريمُ أكل جمل ذي ناب من السباع وذي مِخْلب من الطيور، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ، وقال مالك يُكْرَه ولا يَحْرُم؛ لما رُوِيَ عن علي -رضي الله عنه- وابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ أَكل كُلِّ ذِي نَاب مِنَ السِّبَاع وَذِي مِخْلَبٍ فِي الطُّيُور" 11 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: كَلُّ ذِي نَابٍ مَنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ 12، ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر خالدَ بنَ الوليد -رضي الله عنه- عَامَ خَيبَرَ، حَتَّى نَادَى؛ أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَاب مِنَ السِّبَاعِ" 13 والمراد من ذي النّاب الذي يعدو على الحيوان، ويتقوى بنابه، والتحريم على ما عزى

الجزء: 12 - الصفحة: 127

إلى نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- منوط بعدوانه بالناب.
وقال أبو إسحاق: التحريم منوط بتعيشه بنابه، ومعناه؛ أنه لا يأكل إلا من فريسته، إذا تقرَّر ذلك، فلا يَحِلُّ الكلب والأسد والذئب والنَّمِر والفهد والبَبْر 14 والدبُّ والقرد، والفيل؛ لأنها عاديَةٌ بأنيابها، وحَكَى أبو عاصم العبَّاديُّ أن أبا عبد الله البُوشنجيَّ من أصحابنا اختار مذهبَ مالكٍ في حِلِّ الفيل، وقال: لا يعدو من الفيلة إلا الفحلُ المغتلم؛ كالإِبل، والمذهب الأول، [و] لا يحلُّ من الطير البازيُّ 15 والشاهينُ 16 = الناس إنه قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية، وخيلها، وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكلّ ذي مخلب من الطير، وأثبت في صحيح مسلم.
ومسند أبي يعلى من حديث أنس: أن الذي نادى بتحريم الحمر الأهلية، هو أبو طلحة، وفي مسند أحمد أنه عبد الرحمن بن عوف، ذكره من حديث أبي ثعلبة، قلت فيحتمل أن يكون أمر جماعة بالنداء بذلك، وحديث خالد لا يصح، فقد قال أحمد: إنه حديث منكر، وقال أبو داود [3790 - 3806]: إنه منسوخ.

الجزء: 12 - الصفحة: 128

والصقر 17 والعقاب 18، وجميع جوارح الطير، ولا يحرم الضَّبُّ 19، وبه قال مالكٌ

الجزء: 12 - الصفحة: 129

وأحمدُ خلافاً لأبي حنيفةَ؛ لما رُوِيَ أن عمر -رضي الله عنه- قال: سألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، فقال: لاَ آكُلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ 20، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَليدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍ مَحْنُوذٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكَنْ بأَرْضِ قَوْمِي، فَأجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فاجتررته، فَأكَلْتُهُ، ورسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَنْظُرُ" 21 وَلاَ يحْرُمُ الضبعُ، وبه قال أحمد، وقال أبو جنيفةٍ: يَحْرُمُ، وهو رواية عن مالكٍ والأشهرُ عنه الكراهية؛ لما رُوِيَ أن جابراً -رضي الله عنه- سُئِلَ عن الضَّبُع، أَصَيْدٌ هُوَ؟ فقال: نَعَمْ، قِيلَ: أَيُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَسَمعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: نَعَمْ" 22 وعن الشافعيِّ -رضي الله عنه- أن لَحْمَ الضباع 23 كان يُبَاعُ بين الصفا والمروة = ووجه الدلالة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهاها عن التصدق به، فدل ذلك على أن امتناع الرسول منه كان: لحرمته، لا لأنه كان يعافه.
واستدل الجمهور بما روى ابن عباس قال: "دخلت أنا وخالد ابن الوليد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده، فقال لبعض النسوة: أخبروا رسول الله بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده فقلت: حرام هو يا رسول الله؟ قال: لا.
ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
قال خالد: فاجتررته فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ".
ووجه الدلالة: أن خالد بن الوليد أكله بحضرة النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وسكت عنه، ولم ينكر عليه ذلك، فكان دليلاً لإِباحته.
أما تركَ الرسول أكله، فقال ابن عباس: إنه تركه تقذراً وكل على مائدته.
وحديث النهي عن أكله لم يثبت عن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-.
ويجاب عن حديث عائشة: باحتمال أن يكون منع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة من التصدق بالضب، على حد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
فلهذا المعنى كره لعائشة التصدق به لا لكونه: حراماً.
والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 130

من غير إنكار، ونابه ضعيف، لا يتقوَّى به، ولا يعيش به، ويحْرُم السَّبُع، وهو المتولِّد بين الذئب والضَّبُع، ولا يحرم الثعلَب، وعن أحمد روايتان، وعن أبي حنيفةَ ومالقٍ مثْلُ ما رُوِيَ في الضبع.
لنا: أنه ذو ناب ضعيف، فأشبه الضبع، وَيحِلُّ الأرنبُ 24 واليربُوع؛ خلافاً لأبي حنيفة.
= اختلف الفقهاء في حل أكلها.
فرويت الرخصة في ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة.
وبه قال الشَّافعي وأحمد وإسحق وداود.
وقال الإِمام مالك: يكره أكلها.
وقال أبو حنيفة والثوري: يحرم أكلها.
استدل أبو حنيفة بما روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ".
والضبعُ من السباع، فتدخل في عموم النهي.
واستدل أيضاً: بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حين سئل عن الضبع.
قال: "وَمَنْ يَأَكُلُ الضَّبُعَ؟ ". واستدل المبيح: بما رواه جابر -رضي الله عنه- قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلِ الضَّبُعِ، قُلْتُ: أَصِيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ"، وهو حديث حسن صحيح.
قال الشافعي -رحمه الله-: ما زال الناس يأكلونها بين الصفاء والمروة من غير نكير.
ولأن العرب تستطيب الضبع؛ لطيب لحمها فيحل أكلها.
ويجاب عن أدلة المانعين بأن ما استدلوا به من حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، لا يتم لهم؛ لأنه عام والحديث الذي استدللنا به خاص، والخاص مقدم على العام.
على أنه قد قيل: إن الضبع ليس له ناب يتقوى به، فلا يدخل في السباع المنهي عنها.
وأما الخبر الذي فيه: "ومن يأكل الضبع" فيجاب بضعفه لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية، وهو متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن طلحة، وهو ضعيف أيضاً.

الجزء: 12 - الصفحة: 131

لنا في الأرنب: ما رُوِيَ عن أنس -رضي الله عنه- قال: أَنْفَجْنَا أَرْنَباً، أي: أَثَرْنَاهَا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِفَخِذِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَبِلَهُ، ويُرْوى: "فأَكَلَ مِنْهُ" وعن بعض الصحابة -رضي الله عنه- قال: اصْطَدتُّ أرْنَبَيْنِ، فَذَبَحْتُهُمَا بِمرْوَةَ، وَسَأَلْت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَنِي بِأكْلِهِمَا، وأما اليَرْبُوعُ 25، فَإِنَّ العَرَبَ تَسْتَطِيبُهُ، ونابهُ ضعيفٌ، والوجهان يجريان في ابن مُقْرِضٍ 26، وهو الدَّلَقُ 27، وفي ابْنِ آوَى أيضاً ثم، في تعليق الشيخ أبي حامد: = واستدل المانعون بحديث خزيمة بن جزء قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ في الأرْنَبِ قَالَ: لاَ آكلُهُ وَلاَ أُحَرِّمُهُ.
قُلْتُ وَلمَ يَا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّهَا تَدْمي".
قال الحفاظ: سنده ضعيف فلا يعارض ما ثبت في الصحيح.
على أنه لا دلالة فيه على التحريم بعد قوله عليه الصلاة والسلام "وَلاَ أُحَرِّمُهُ".
وإن صح نحو هذا الحديث كان صالحاً للاحتجاج به على كراهة التنزيه، والمحكى عن عبد الله ابن عمرو: التحريم.

الجزء: 12 - الصفحة: 132

أن الأشبه بالمذهب حلّه؛ لضعف نابه، لكن الذي رجِّحه أبو علي الطبريُّ وصاحبُ "التهذيبِ" والرويانىّ: المَنْعُ؛ لأن رائحتَه كريهةٌ، ويتناول الميتة كالذئب؛ ولأن العرب تستخبثه، وهذا ما حَكَى الإِمام عن المراوزة القطْعَ به، وفي "الحاوي" بناء الخلاف على أن تحريم ذي الناب، بم يتعلَّق؟ فعلى تعليل الشافعيِّ -رضي الله عنه- يَحِلُّ؛ لأنه لا يتقوى، ولا يعدو ابتداءً، وعلى تعليل أبي إسحاق، لا يحلُّ، وفي "التهذيب" إجراء الخلاف في الوَبْر 28 والدُّلْدُل 29، والظاهر المنسوب إلى النَّصِّ أنه حلالٌ، وعليه يتفرَّع تعلُّق الجزاء به على ما سبق في الحجِّ، وبينا هناك أن الوَبْر ما هو، ويُقال: إن هذه الدابة أنبلُ من ابن عِرْس، وأما الدُّلْدُل؛ وهو في حد السخلة، ويُقال: إنه عظيم القنافذ، وعن الشيخ أبي حامد 30: أنه كان يقطع بتحريمه، ويُلْحِقه بالخبائث، قال الإِمام: ولست أعرف فيه أصلاً يُرجع إليه والهِرَّة الإِنْسِيَّةُ محرَّمة؛ لأنها تعدو وتعيش بنابها، وقد ورد في الخبر؛ أنها سَبْعٌ 31 واختار أبو عبد الله البوشنجي لنفسه مذهبَ مالكٍ وهو حلُّها، وفي الوحشيَّة وجهان: أحدُهما: وبِه قال الخُضَرِيُّ: تَحِلُّ، كما يَحِلُّ الحمارُ الوحشيُّ.
وأصحهما: المنْعُ؛ لأنها تعدو بنابها، وهي في اللون والصورة والطبع كالإِنسية؛ ألا ترى أنها تتلون بألوان مختلفة، وتستأنس بالناس؛ كالأهلية بخلاف الحِمار الوحشي مع الإِنسيِّ، قال الإِمام: وقد يُظَنُّ أن الهِرَرَ الوحشيات هي الإنسيات؛ تستوحش عنْد جلاءَ أهل القرَى، وفي السِّنَوْر 32 والسِّنْجَاب 33 والفَنَك 34 والقماقم 35 والحَواصِل = قال القزويني أنه حيوان وحشي عدّو الحمام إذا دخل البرج لا يترك فيه واحداً وتنقطع الثعابين عند صوته.
وفي رحلة ابن الصلاح عن كتاب لوامع الدلائل في زوايا المسائل للكيا الهراسي أنه قال يجوز أكل الفنك والسنجاب والدلق والقاقم والحوصل والزرافة كالثعلب ثم إن ابن الصلاح كتب بخطه الدلق النمس فاستفدنا من هذا حل النمس والزرافة ينظر حياة الحيوان 1/ 307.

الجزء: 12 - الصفحة: 133

وجهان أيضاً، والأظهر: حلّها وإلحاقها بالثعلب، ويحكى ذلك عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وليعلَمْ؛ لما بينا قوله في الكتاب "فيحرم الكلب" بالميم؛ لِحِلِّ الكلب وما بعده عنده، و"الفيل" بالواو؛ لاختيار البوشنجي.
وقوله: "ولا يَحْرُمُ" بالحاء و"الضَبعُ" بالميبم.
"والثعلب" بالميم والألف، ويجوز أن يعلم "وابن آوى" بالواو إشارةً إلى ما ذُكِر من قطْع المراوزة بتحريمه.
وقوله: "لشبهه بالثعلب والكلب" وجه شبهه بالثعلب؛ أنه ضعيف الناب، وقليلاً ما يعدو، ووجه شبهه بالكلب؛ أنه [ضعيفُ الناب] يتناول الميتة، وقولُه في الهِرَّة الوحشية "لشبهها بالإِنسية" قال في "الوسيط": والأرنب، وقوله، عند ذكر الطيور "النِّسْر" يُشْعِر بأن له مخلباً يعدو به، وكذلك أدرجه مُدْرِجون في ذوات المخالب، وفي "الشامل" وغيره: عدَّه مما لا مِخْلَب له، وتوجيه تحريمه بأنه من المستخبثات، وأيضاً، فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يكْرَهُ لَحْمَ ما يَأْكُلُ المَيْتَةَ 36، والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 134

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ): مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ كَالْفَوَاسِقِ الخَمْسِ، وَهِيَ الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ وَالعقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالفَأْرَةُ، وَفِي مَعْنَى الخَمْس كُلُّ سَبعُ ضَارٍ كَالذِّئْبَ وَالأَسَدَ وَالفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَالنَّعَامَةُ تُلْحَقُ بِالحِدَأَةِ، وَالغُرَابُ الأَبْقَعُ حَرَامٌ، وَفِي الأَسْوَدِ الكَبِيرِ تَرَدُّدٌ، وَأَمَّا غُرَابُ الزَّرْعِ وَمِنْهَا حُمُرُ المَنَاقِيرِ وَالأَرْجُلِ فَالأَظْهَرُ حِلُّهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال صاحبُ "التلخيص" وساعده الأصحاب: ما أُمِرَ بقتله من الحيوان فهو حرامٌ؛ والسبب فيه أن الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنعٌ من اقتنائه، ولو كان ماكولاً، لجاز اقتناؤه؛ للتسمين وإعداده للأكل، فمِن ذلك الفواسق الخمس؛ رُوِيَ عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، الأَبْقَعُ والكَلْبُ وَالْحِدَأَةُ" 37 ويُرْوَى تقييد الكَلْب بالعقور، وفي رواية أبي هريرة -رضي الله عنه- بدل الغراب "العقرب" وفسر الفواسق في الكتاب بالغراب والحِدأة والحيَّة والفأرة، والعقرب، ولا شك أن التحريمَ شاملٌ لجميعها، وفي معناها كل سبع ضرٍ، وفي بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَكُلُّ سبعٍ عادٍ" وهذا الأصل يقتضي أيضاً تحريم الأسد والذئب والفَهِد والنَمر، وقد يجتمع في الشيء الواحد سببان أو أسباب؛ تقتضي التحريم، ثم في الفصل صورتان: إحداهما: البَغاثة 38 محرَّمة؛ كالحِدأة، وهي طائرٌ أبيضُ بطيْء الطيران أصغر من الحِدأة؛ ولذلك تحرم الرَّخَمة 39؛ وذلك لخبث غِذَائها، وقد رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ أكْلِ الرَّخَمَة" 40.

الجزء: 12 - الصفحة: 135

الثانية: الغُراب، وهو أنواعٌ: منها: الأبقع، وهو فاسق محرَّم بلا خلاف، ومنها الأسود الكبير، وفيه وجهان: أحدهما: لا يَحْرُم؛ للتقييد في بعض الروايات بالأبقع.
وأصحُّهما: وقطع به قاطعون: أنه حرام؛ لأنه يأكل الميتة، وهو من المستخبثات، وقد يُقَال لهذا الغراب الغُدَافُ الكبيرُ، وأيضاً الغُرابُ الجَبَلِيُّ؛ لأنه يسكن الجبالَ.
ومنها: غُراب الزرْع، وهو أسْود صغيرٌ، ويُقَال له: الزاغ، وقد يكونُ مُحْمَرَّ المنقار والرجلَيْن، وفيه وجهان: أحدهما: أنه حرامٌ؛ لأنه من جنْس الغربان.
وأصحهما: الحِلُّ، وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنه مستطاب يأكل الزرع، فأشبه الفَوَاخِتَ.
ومنها: غرابٌ آخر صغيرٌ أسودُ أو رماديُّ اللون، وقد يُقال له: الغداف الصغيرُ، وفيه وجهان كالوجهين في النوع الذي قبله، وأجرى الوجهان في العَقْعَق 41، لكن في "التهذيب" الأصح أنه حرام، وبه قال أبو عبد الله البوشنجيُّ، وهذا ما أورده القاضي الرويانيُّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ): ماَ نُهَيَ عَنْ قَتْلِهِ كَالخُطَّافِ وَالصُّرَدِ وَالنَّملَةِ وَالنَّحْل، وَفِي الهُدْهُدِ تَردُّدٌ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ اللَّقْلَقَ حَلاَلٌ كَالكُرْكِيِّ وَكُلُّ ذَاتِ طَوْقٍ فَحَلاَلٌ، وَاسْمُ الحَمَامِ يَشْمَلُ الفَوَاخِتَ وَالقَمَارِيَّ، وَمَا عَلَى شَكْلِ العُصْفُورِ فَحَلاَلٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ أَلْوَانُهَا كَالزُّرْزُورِ وَالصَّعْوَةِ وَأَشْبَاهِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل: إحداها: ذكر صاحبُ "التلخيصِ" وغيره؛ أن ما ورد النهيُ عن قتله، فهو حرام؛ وذلك لأنه لو كان مأكولاً، لجاز ذبحه؛ ليؤكل، فمِمَّا نهى عن قتله الخُطَّافِ، رُوِيَ أن

الجزء: 12 - الصفحة: 136

النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ قَتْلِ الخَطَاطِيفِ" 42 والمشهور أنه حرام، وحَكَى أبو عاصم العباديُّ عن محمَّد بن الحسن أنه حلال؛ لأنه يتقوَّت بالحلال غالباً، قال: وهذا محتملٌ على أصلنا، وإليه مال كبراءُ أصحابِنا، ومنه الصُّرَدُ 43، وفيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه حرام؛ للنهي عن قتله.
والثاني: لا يَحْرُم؛ أخذاً بالأصل، والنهي ليس للتحريم، بل لأن العَرَبَ كانت تتشاءم، به ومنه النملة 44، والنحلة، وهما حرامان؛ لورود النهي عن قتلهما، وأيضاً، فهما من الحشرات المستخبثة وأجرى الشيخ أبو عاصم الخلاف فيهما، وفي الهُدْهُدِ وجهان مذكوران في الكتاب، كما في الصُّرَدِ، ويقال قولان؛ لأنه حَكَى عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- إيجاب الفداء فيهما، وعنْده: لا يجب الفدية إلا في المأكول، والأظهر التحريم، وبه قال صاحب "التلخيص".
وأبو علي الطبريُّ، ومما نُهِيَ عن قتله الخُفَّاش، ولم أجد فيه إلا التحريمَ، وقد يجري الخلاف فيه، وفي اللَّقْلَقِ 45 وجهان: أحدهما: وإليه ميلُ الشيخ أبي محمَّد: أنه حلال كالكُرْكِيِّ 46، وجعله صاحب الكتاب الأظهر، وفي "التهذيب": أن الأصحَّ التحريمُ، وهو الذي أورده أبو عاصم

الجزء: 12 - الصفحة: 137

العبَّادي، واحتج بأنه يطعم الخبائث، وبأنه يَصِفُّ.
وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلْ مَا دَفَّ وَدَعْ مَا صَفَّ" 47 يقال: دَفَّ الطائر في طيرانه إذا حرك جناحه، كأنه يضرب بها وصَفَّ إذا لم يتحرَّك، كما تفعل الجوارح.
الثانية: كلُّ ذات طوق من الطيور حلالٌ، واسم الحمام يقع عليها جميعاً، ويدخل فيه القُمْرِيُّ والدبسي واليمام والفواخت على ما سبق في "كتاب الحج" وأدرج في هذا القسم الوَرَشان 48 والقَطَا واليعاقيب 49، وكلُّها من الطيبات.
الثالثة: ما عَلَى شكل العصفور وفي حده، فهو حلال، واحتج له بما رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَقْتُلُ عَصْفُوراً فَمَا فوْقَهَا بغَيْرِ حَقِّهَا إِلاَّ سَأَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا قِيلَ: وَمَا حَقّهَا قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلاَ يَقْطَعُ رَأسَهَا، فيَطْرَحُها" 50 ويدخل في الاسم الصَعْوَة 51 والزُّرْزُور 52 والنّغَر 53 والبلبل، ويُقَالُ: إن أهل المدينة يسمون

الجزء: 12 - الصفحة: 138

البلبل النّغْر والحُمَّرة، وحَكَى العباديُّ أن منهم مَنْ حرم الحمرة؛ لأنها نهاس، والعندليب، عن رواية صاحب "التقريب" وجْهٌ أنه حرام، والأظهر حلُّه، وهو الذي أورده صاحبُ "التهذيب" لأنه لِقَاطٌ، ولأنه يتقوت بالطاهرات، وتحل النعامة والكُرْكِيِّ والديك والدَّجاج، والخُبارى؛ عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أنه قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاج 54 " عن شعبة -رضي الله عنه- قال: "أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَحْمَ حُبَارَى" 55 وفي البَبْغَاء والطاووسِ وجهانِ، قال في "التهذيب": أصحُهمَا: التحريم، وذكر أن الشِّقْران 56 يُؤْكَل؛ لأنه يطْعَم الطَّيِّب، وعن الصيمريِّ خلافهُ؛ لأنه نهاس، ذُكر أبو عاصم أنه يحرم مُلاَعِبُ ظِلِّه 57، وهو طائر يسبح في الجو مراراً، كأنه يَنْصَبّ على طائر، وأن اليوم 58 حرامٌ؛ كالرَّخَم، وكذا الضُّوَع، وأن عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- قولاً إنه حلالٌ، وهذا يقتضي أن يَكونَ الضُّوع غير البُومِ، لكن في الصحاح 59 أن الضوع طائرٌ من طير الليل من جنس الهام، وأن المُفَضِّل قال: إنه ذَكَرُ البُوم كالهامة والصَّدَى 60؛ وعلى هذا، فإنْ كان في الضوع قولٌ لزم

الجزء: 12 - الصفحة: 139

إجراؤه في البوم؛ لأن الذكر والأُنْثى من الجنس الواحد لا يفترقان في الحلِّ، والحرمة، ونختم الفصل بنكتتين ذكرهما الشيخ أبو عاصم في الطيور: إحداهما: أن النَهَّاس حرامٌ، كالسباع التي تنهس، واللقاط حلالٌ إلا ما استثناه النصُّ، وأحل أبو عبد الله البُوشِنْجِيُّ اللقاط بلا استثناء.
والثانية: أن ما يتقوَّت بالطاهرات حلال إلا ما استثناه النصُّ، وما يتقوَّت بالنجس فحرام، رُوِيَ عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَكْرَهُ لَحْمَ مَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ" 61 وعن مجاهد: "أنهم كانوا يكْرَهُونَ ما يَأْكُلُ الجيف" 62 يعني: الصحابة -رضي الله عنهم وليعرض على النكتتين- ما سبق من الفصل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَا طَيْرُ المَاءِ وَحَيَوَانُهُ كُلُّهُ مُبَاحٌ إِلاَّ مَالَهُ نُظَيرٌ مُحَرَّمٌ فِي البَرَّ فَفِيه قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: أطلق مطلقون القول بحل طير الماء، وعلى ذلك جرى في الكتاب، وقد يُسمَّى بنات الماء وهي كالبَطِّ، والإِوَزِّ ومالك الحزينِ 63 وغيرها، قال أبو عاصم العبَّاديُّ: وهي أكثر من مائتي 64 نوع، ولا يُوجد لأكثرها اسمٌ عند العرب؛ لأنها لا تكونُ في بلاد العرب، وليس في شيء منها خلافٌ إلا في اللَّقْلَق؛ على ما مرَّ، والكركي من بنات الماء أيضاً، وفي "البحر" للقاضي الرويانيِّ: أن الصَّيْمَريَّ قال: لا يُؤكل طير الماء البيض؛ لخبث لحمها 65. = يقول اسقوني اسقوني حتى يقتل قاتله ولذلك قيل له صاد والصادي العطشان والصدى ذكر اليوم والجمع أصداء ويقال له ابن الجبل وابن طود وبنات رضوي وقال العديس العبديّ الصدى الطائر الذي يصرّ بالليل ويقفز قفزاً ويطفر والناس يرونه الجندب وإنما هو الصدى فأما الجندب فإنه أصغر من الصدى والصدى صوت يرجع من الصوت إذا خرج ووجد ما يحبسه ينظر: حياة الحيوان 2/ 71.

الجزء: 12 - الصفحة: 140

الثانية: الحيوانات التي لا يهلكها الماء ضربان: الأول: ما يعيش في الماء، وإذا خرج كان عيشُه عيشَ المذبوح؛ كالسمك بأنواعه حلالٌ، ولا حاجة إلى ذبحه كما سبق، ولا فرق بين ما مات بسبب طارئ كَضَغْطَةٍ أو صَدْمة حَجَرٍ، أو انحسارِ ماءٍ، أو ضَرْبٍ من الصياد، وما مات حَتْفَ أنْفِه.
وعند أبي حنيفَة: لا يحل ما مات حتفَ أنفه، وبَنَى عليه: أنه لو مات، وبعضه في الماء، فإن كان رأسُهُ خارجاً، حل؛ لأنه مات بانقطاع النَّفَس، وإن كان النِّصفُ الأسفل خارجاً، لم يحلَّ.
لنا: قولُه -صلى الله عليه وسلم- "وَالْحِلُّ مَيْتتهُ" أطلق ولم يفصِّل، وأيضاً، فإنه سلم أن الجرَادَ يُؤكل، وإنْ ما مات حتف أنفه؛ فقيس عليه.
وقال مالكٌ: لا يحِلُّ الجرادُ، إذا مات حتف أنفهُ، وإنما يُؤكل، إذا قطعت رأسُه قطعاً، وسَلم أن السمكَ يُؤكل، وإن مات حتف أنفه، وما ليس على صورة السموك المشهورة، فيه ثلاثةُ أوجهٍ، ويُقال ثلاثةُ أقوال: أحدها: وبه قال أبو حنيفة أنَّهُ لا يحل؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- خص السمكَ، والجرَادَ بالذكْر؛ حيث قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ" فيبقى ما سواهما داخلاً تحْت تحريم الميتة.
وأصحهما: وهو المنصوص في رواية المُزَنِّي، وفي "الأم"، وفي اختلاف العراقيين، وبه قال مالك وأحمد: لا يحل؛ لإِطلاق قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] وقوله -صلى الله عليه وسلم- "الْحِلّ مَيْتتَه" وعن أبي بكر -رضي الله عنه- "كُلُّ دَابَّةٍ تَمُوتُ فِي البَحْرِ، فَقَد ذَكَّاهَا اللهُ لَكُمْ" 66 وقد يُبنَى الخلافُ على أن اسم السمك والحوت، هل يقع على جميعها؛ لاشتراكها في الطعم أو لا يقع؟ قال في "التهذيب": والأصح الوقوع، وعن ابن خيران: أنه قال: أصاب أَكَّارٌ لنا كَلْبَ الماء في ضيعة لنا، فأكلْنَاه، فإذا طَعْمُه طَعْمُ السمك.

الجزء: 12 - الصفحة: 141

والثالث: أنَّ ما يُؤكل نظيره في البر فحلال؛ كالبقر والشاة، يؤُكل في البحر، وما لا يُؤكل كخنزير الماء وكلبِه، لا يُؤكل، قال في "العدة": وعليه الفتوى اليومَ؛ وعلى هذا، فلو لم يكن له نظيرٌ فِي البرِّ محلَّلٌ ولا محرَّمٌ، فهو حلال؛ لما رُوِيَ أن طائفة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَصَابَتْهُمُ المَجَاعَةُ في غَزَاةٍ، فَلَفَظَ البَحْرِ حَيَوَاناً عَظِيماً يُسَمَّى العَنْبَرَ فأَكَلُوا مِنْهُ، ثُمَّ أَخْبَرُوا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قَدِمُوا، فَلَم يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: "هَلاَّ حَمَلْتُمْ لِي مِنْهُ" 67 وإذا حكمنا بحل ما سوى السمك من حيوان البحر، فهل يُشترط فيه الذكاة أم تحلُّ ميتته؟ فيه وجهان، ويُقال قولان: أحدهما: وَبِهِ قال أحمد: يُشْتَرَطَ الذكاة، كما في حيوانات البر.
وأصحُّهُما: أنه يَحِلّ ميتتها؛ لأنها حيوانات تعيش في الماء؛ فأشبهت السمك، وأيضاً، فقد أشار الإمام إلى أن المسقط لاعتبار الذبْح في السمك؛ أنه ما دام في الماء لا تَصِل اليد إليه، وإذا أخرج، اضطِرَب اضطرابَ المذبوح، وهذا يشمل السمكَ وغيرَه، وقد يُبنى الخلاف في اشتراط الذكاة فيما سوى السمك على أنه، هل يقع عليها اسمُ الحوت.
والضربُ الثاني: ما يعيش في الماء ويعيش في البر أيضاً، فمنه طيرُ الماء؛ كالبَطِّ والإِوَزِّ ونحوهما، وقد بينا حكمهما، فلا تحلُّ ميتتُها بحال، وعدَّ الشيخ أبو حامد والإِمامُ مِنْ هذا الضرب الضِّفْدَع 68 والسَّرطان، وكذلك فعل صاحبُ "التهذيب" وألحق

الجزء: 12 - الصفحة: 142

بهما الحيَّة، والتِّمْسَاح 69، فالضِّفْدع حرامٌ؛ لأنه ورد النَّهْي عن قتله، والمنهيُّ عن قتله محرَّم، ولأنه مستخبثُ هذا هو الظاهر، وفيه قول عن حكايته صاحِب "التقريب" ونسبه الشيْخُ أبو عاصم إلى رواية الربيع، والسَّرَطَانِ كالضِّفْدع؛ لمعنى الاستخباث، ولما فيه من المضرَّة، وقول الحِلِّ يُحْكَى فيه، وإليه ذهب الحليمي إذا ذُبِحَ، والحية وذواتُ السموم محرَّمةٌ؛ لما فيها من الضرر الظاهر، والتِّمساح كذلك للخَبَث والضَّرَر، وعن الصيمرِّي: أنه يؤكل، ويدخل في هذا الضرب السُّلَحْفَاة، وفيها وجهان مذكوران في "التهذيب" وغيره، والأظهر: التحريمُ، واعلم أن جماعة من الأصحاب استثنَؤا الضِّفْدع من الحيوانات التي لا تعيشُ إلا في الماء؛ تفريعاً على الأصح، وهو حِلُّ غير السمك منْها، وكذا استثنوا الحيَّات والعقارب، وقضيَّةُ هذا الاستثناء كونُهَا مما لا تعيش إلا في الماء، ويمكن أن يكونَ نوع منها هكذا، ونوعٌ هكذا، واستثنى القاضي الطبريُّ النِّسْاس 70 على ذلك القول أيضاً، وامتنع الرويانيُّ وغيرُه من مساعدته 71 واللهُ أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّادِسُ): مَا اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَحَرَامٌ كَالحَشَرَاتِ وَالضُّفْدَعِ (ح و) وَالسَّرَطَانِ (م و) والسُّلْحَفَاةِ (م و) وَلاَ يَحِلُّ مِنْهَا إلاَّ الضَّبُّ (ح)، وَفِي أُمِّ حُبَيْنِ تَرَدُّدُ = من الحيوانات التي لا عظام لها ومنها ما ينق وما لا ينق والذي ينق منها يخرج صوته من قرب أذنه ويوصف بحدّة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء ومتى دخل الماء في فيها لا تنق ينظر: حياة حيوان 2/ 102.

الجزء: 12 - الصفحة: 143

وَلَعَلَّهُ وَلَدُ الضَّبِّ، وَالجَرَادُ حَلاَلٌ، وفِي الصَّرَّارَةِ تَرَدُّدٌ، وَتَشْبِيهُهَا بِالخُنْفَسَاءِ أَظْهَرُ، وَفِي القُنْفُذِ وَجْهَانِ، وَمَا أَشْكَلَ مِنْهُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى العَرَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأصول المرجوع إليها في التحليل والتحريم: الاستطابة والاستخباث، ورآه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- الأصْلَ الأعظم والأعم؛ ولذلك افتتح به الباب، والمعتمد فيه قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وليس المرادُ من الطَّيِّب هاهنا الحلالَ، وإن كان قد يرد الطيب بمعنى الحلال؛ لأنَّ العمل عليه يخرج الجواب عن الإفادة، قال الأئمة: ويبعد الرجوع إلى طبقات الناس، وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون؛ لأنه يوجب اختلاف الأحكام في الحلال، والحرام، وذلك يخالف موضوعَ الشَّرْع في حمل الناس على متبوعٍ واحدٍ، ورأوا العرب أَوْلَى الأُمم؛ بأن يؤخذ باستطابتهم واستخباثهم؛ لأنهم المخاطبون أولاً، ولأن الدِّيْنَ عربيٌّ والنَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- عَرَبِيٌّ، وهم جيل لا يَغْلِب عليهم العيافة الناشئة في التنعُّم، فيضيِّقوا المطاعم على الناس، وإنما يرجع من العرب إلى سكان البلاد والقرى، دون أجلاف أهل البوادي الذين يتناولون ما دَبَّ ودرجَ من غير تمييز، ويعتبر عادة أهل اليسار والثروة، دون المحتاجين وأصحاب الضرورات، وحالة الخصب والرفاهية دون حالة الجدب والشدة، وذكر جماعةٌ؛ أن الرجوع إلى عادة العرب الذين كانوا في عهْد النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لأن الخطاب كان لهم، ويشبه أن يُقَالَ: يُرْجعَ في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه؛ يدل عليه أن أبا عاصم العباديَّ حَكَى عن الأُستاذ أبي طاهر الزياديِّ في العُصَارى 72، وهو نوع من الجراد يَضْرِب إلى السواد، وله شَبَهٌ من الخَنَافِس: أنه قال: كنا نراه حراماً، حتى ورد علينا الأُستاذ أبو الحَسَنُ الماسرجسيُّ، فقال: إِنَّهُ حلال، فبعئنا منه جراباً إلى البادية، وسألنا عنْها العرب، فقالوا: هذا هو الجراد المبارك.
وإذا اختلف المرجوع إليهم، فاستطابته طائفةٌ، واستخبثته أخرى، واتَّبعنا الأكثرين، فهذا استوت الطائفتان، فعن "الحاوي" وذكره أبو الحسن العباديُّ أيضاً: أنه يتبع قريش؛ لأنهم قُطْب العرب، وفيهم النبوة، فإن اختلفت قريش أو لم يحكموا بشيء، اعتبرنا بأقرب الحيوان شبهاً به، والشبه يكون تارة في الصورة، وأخرى في طبع الحيوان من السلامة والعُدوان، وأخرى في طَعْم اللحم، فإن تساوى الشبهان أو لم نَجِد ما يشبهه، ففيه وجهان سيأتي -إن شاء الله تعالى- نَظِيرهما.

الجزء: 12 - الصفحة: 144

إذا تقرَّر ذلك، فالحشراتُ بأَسْرِها مستخبثةٌ؛ ما يَدْرُج منها، وما يطير، ومنها ما أمر بقتله كالوَزَغ، وذلك يدل على التحريم أيضاً، ومنها ما هي ذوات سموم وابر، فتحرَّم؛ لما فيها من الضرر، وفي النهي عن الوَزَغ دليلٌ على تحريم أنواعها؛ كحِرباء الظهيرة 73 والعظَاءة 74: وهي ملساء تشبه سام أبرص، وهي أحسن منه؛ الواحدةُ عظَاةٌ وعِظَايَةٌ، ويحرم الذَّرُّ 75 والذُّبَاب والخُنْفَسَاء، والقراد والجعْلاَن 76، بنات وَرْدان 77 وحمارُ قَبَّان 78 والدِيدان، وفي دود الخلِّ والفاكهة وجْهٌ واللُّحَكَاء 79 وهي دُوَيْبَّة، كأنها

الجزء: 12 - الصفحة: 145

سمكة تغوص في الرمل، إذا رأت الإنسان، ويُقال لها: لَحكاً أيضاً الحلكة 80، والفأر ولا يَحِلُّ منها شيء إلا اليربوع، كما مر، ويُقال: إن له كَرِشاً كَكَرِش الشاةِ، والضّفْدع والسرطان والسُّلْحَفاة، وقد قدمنا القول في هذه الثلاثة، ويُستثنَى، من الحشرات الضبُّ؛ لما سبق، وفي أم حُبَيْن وجهان: أحدهما: التحريم؛ لأنها من الخبائث.
وأصحهما: الحِلُّ؛ لأنه يفدي بحلان كما ذكرنا في "الحج"، وعن الشيخ أبي محمَّد: أنَّه قال: ما أراها إلا وَلَدَ الضَّبِّ، ومن ذوات الإِبر الجرادُ، فهو حلال بالنص

الجزء: 12 - الصفحة: 146

والإِجماع، وفي الَصرارة خلاف للأصحاب، فألحقها بعضُهم بالجراد، وآخرون بالخُنْفُسَاء والذُّبَاب، وهو الأظهر، وفي القُنْفُذ 81 وجهان أيضاً: أحدهما: وبه قال أبو حنيفَةَ وأحمدُ: يحرم؛ لما ورد في الخبر 82؛ أنه من الخبائث.
وأصحُّهما: الحِلُّ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] الآيَةَ، ويُرْوَى أنَّ ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- سُئِلَ عن القْنْفُذِ، فقرأ هذه الآية، فقال شيخٌ عنْده: سمعتُ أبا هريرةَ -رضي الله عنه- قَال: ذُكِرَ القُنْفُذ عنْد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَال: خَبِيثٌ مِنَ الخَبَائِثِ فقال ابنُ عمر -رضي الله عنهما- إنْ كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قالَهُ، فهو كما قال، كأن الشيخَ كان مَجْهولاً، فلم يَر قَبُولَ روايته، وحمله بعضُهم على أنه خبيثُ الفعل؛ لأنه يُخْفِي رأسه عنْد التعرُّض لذَبْحه، ويُؤْذِي بشوكه، إذا صيد، وعن القفَّال: أنه، إن صح الخبر، فهو حرام، وإلا، رجعنا إلى العرب، هل يستطيبونه؟ والمنقول عنهم الاستطابة 83. ويجوز أن يعلَم قولُه في الكتاب "كالحشرات" وما بعده بالميم؛ لأن عند مالكٍ: الحشراتُ كلُّها مكروهةٌ غير محرمة، وأن يُعلَم الضُّفْدَع والسَّرَطَان والسُّلْحَفَاة مع الميم بالواو؛ لما قدَّمنا فيها.
وقوله: "وما أشكل منه، فيُرْجَع إلى العرب" السابق إلى اللهم منه الرجوع إلى العرب الموجودين في الحال، والمقصود أنا إذا وجَدْنا حيواناً في غير بلاد العرب، نعرضه على العرب، فإن استطابوه أو سَمَّوْه باسم حيوان حلال، فهو حلال، وإن استخبثوه، وسمَّوهْ باسم حيوانٍ حرامٍ، فهو حرام، وإن تردَّدوا فيه أو لم نجدْهم أو اختلفوا، ولا ترجيحَ، فيُعتبر بأقربَ الأشياء شبهاً به، فإن لم يكن شبيه، أو تعادل الشبهان، فوجهان:

الجزء: 12 - الصفحة: 147

أحدهما: وَيُحْكَى عن أبي إسحاق وأبي علي الطبرَّي: أنه حلال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] الآية.
والثاني: أنه حرام؛ لأن الأصل في الحيوان التحريمُ إلى أن يُعْلَم الحال، وهذا أرجح عند القاضي ابن كج، وفي "العدة": أن الأول ظاهرُ المذهب، وكذلك ذكر الإِمام في موضع الإِشكال؛ أن ميل الشافعيِّ -رضي الله عنه- إلى الإباحة، وميلَ أبي حنيفة إلى التحريم، وعن "الحاوي": أن الوجهين مُخَرَّجان على أن الأشياء قبْل ورود الشرْعِ على الحظْر أو على الإِباحة؟ واعلم أننا نراجع العرب، ونعتمد استطابتهم واستخباثهم في الحيوان الذي لم يَردْ نصٌ خاصٌّ ولا عامٌّ في تحليله أو تحريمه، ولا ورد أمر بقتله ولا نهي عنه، أما إذا وجدْنا أصلاً من هذه الأصول، فليعمل بمقتضاه ولا نراجعُهم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّابعُ): مَا لاَ نَصَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ كَانَ حَرَاماً فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فَهُوَ مُسْتَصْحَبٌ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ثبت تحريمه في شرْع من قبلنا، هل يُسْتَصْحَبُ؟ حَكَى صاحبُ الكتاب فيه قولين: أحدهما: نعم: أخذاً بما كان إلى أن يظهرٍ ناسخٌ وناقلٌ.
والثاني: لا، بل اعتماد ظاهر الآية المقتضية للحل أولَى من استصحاب الشرائع السالفة، والخلاف على ما ذكَر الموفَّق بن طاهر مبنيٌّ على أن شرع من قبلنا، هل هو شرع لنا؟ وفيه اختلافٌ أصوليٌّ، والأوفقُ لسياق كلامِ عامَّةِ الأصحاب: أنه لا يُسْتَصْحب حكم شرع من قبلنا 84، وإذا قلْنا به، فلا تفريع، وإن حكمنا باستصحاب ما كان، فذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حكاه النووي رحمه الله تعالى في زوائد "الروضة".
وقيل: كان متعبداً بشرع ولكنا لا ندري بشرع من تعبد، حكاه ابن القشيري.
والمذهب الثاني: أنه لم يكن قبل البعثة متعبَّداً بشيء منها قطعاً، وحكاه في "المنخول" عن إجماع المعتزلة.
وقال القاضي في "مختصر التقريب" وابن القشيري: هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين.
ثم اختلفوا فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلاً، إذ لو تعبد باتباع أحد لكان عصى من مبعثه، بل كان على شريعة العقل.
قال ابن القشيري: وهذا باطل إذ ليس للعقل شريعة.
وذهبت عصبة أهل الحق إلى أنه لم يقع ولكنه ممتنع عقلاً.
قال القاضي: وهذا نرتضيه وننصره؛ لأنه لو كان على دين لنُقل، ولذكره عليه السلام، إذ لا يظن به الكتمان.
وعارض ذلك إمام الحرمين وقال: لو لم يكن على دين أصلاً لنقل، فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي (قال): فقد تعارض الأمران، والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت في أمور الرسول عليه الصلاة والسلام، منها انصراف هَمّ الناس عن أمر دينه والبحث عنه.
والمذهب الثالث: التوقف.
وبه قال إمام الحرمين وابن القشيري والكيا والآمدي والشريف المرتضى في "الذريعة" واختاره النووي في "الروضة" إذ ليس فيه دلالة عقل، ولا ثبت فيه نص ولا إجماع.
وقال ابن القشيري في "المرشد": كل هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يجوّز ذلك، لكن أين السمع فيه.
ثم الواقفية انقسموا: فقيل: نعلم أنه كان متعبداً ونتوقف في عين ما كان متعبداً به.
ومنهم من توقف في الأصل، فجوز أن يكون وألا يكون.
تنبيهات: الأول: الخلاف في الفروع.
أما في الأصول فدين الأنبياء كلهم واحد، على التوحيد ومعرفة الله وصفاته.
الثاني: قال العراقي في "شرح التنقيح": المختار في هذه المسألة أن يقال: متعبِّد (بكسر الباء) على أنه اسم فاعل، أي إنه عليه السلام كان كما قيل في سيرته: ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقة لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتعبَّد، حتى بعثه الله.
أما (بفتحها) فيقتضي أن الله تعالى تعبده بشريعة سابقة، وذلك يأباه حكايتهم الخلاف، هل كان متعبداً بشريعة موسى أو عيسى؟ فإن شرائع بني إسرائيل لم تتعدَّ إلى بني إسماعيل، بل كان كل نبي بين موسى وعيسى يبعث إلى قومه فلا تتعدى رسالته قومه.
حتى نقل المفسرون أن موسى عليه السلام لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل وليأخذهم من القبط من يد فرعون، ولذلك لما جاوز البحر لم يرجع إلى مصر لتعم فيها شريعته، بل أعرض عنهم إعراضاً كلياً.
وحينئذ لا يكون الله تعالى تعبد نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم- بشريعتهما ألبتة، فبطل قولنا: إنه كان متعبَّداً (بفتح الباء)، بل (بكسرها).
وهذا بخلاف ما بعد نبوته، فإن الله تعالى تعبده بشرع من قبله على الخلاف، بنصوص خاصة، فيستقيم الفتح بعد النبوة دون ما قبلها.
وكلام الآمدي يقتضي خلاف ذلك، فإنه قال: غير مستبعد في العقول أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة من قبله، وهذا يقتضي (فتح الباء).
ولم نرَ لغيره تعرضاً لذلك.
قلت: قد وقع ذلك في عبارة غيره، كما سبق.
الثالث: قال إمام الحرمين: هذه المسألة لا يظهر لها فائدة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة.
ووافقه المازري والأبياري وغيرهما ويمكن أن يظهر في إطلاق النسخ على ما تعبد به بورود شريعته المؤيدة.
=

الجزء: 12 - الصفحة: 149

إذا ثبت بالكتاب أو السنة؛ أنه كان محرماً في الشرع السابق أو شَهِد به اثنان أسْلَمَا منْهم، وهما من يعرفان 85 المبدل من غير المبدل، ولا يعتمد فيه قول أهلِ الكتاب، وإلى نحو هذا أشار بقوله في الكتاب "ووردت السنة بأنه كان حراماً في شرع من قبلنا" وموضع هذا القول ما إذا أشكل حال الحيوان، فلم يمكن أخذ حكمه في الاستطابة والاستخباث، ولا مما قبله من الأصول، ونحو هذا قَصَدَ بقوله في الكتاب "ووردت السنّة بأنه كان حراماً في شرع من قبلنا" ويبينه ما حُكِيَ عن "الحاوي": أن ما لم يكنْ في أرض العرب، إذا راجعناهم فيه، فاستطابة بعضُهم، واستخبثه آخرون، يُعْتبر حكمه عند أهل الكتاب، فإن اختلفوا اعْتُبِر حكمه في أقْرَب الشرائع إلى الإِسلام، وهي النصرانية، فإن اختلفوا فيه، عاد الوجهان في الحِلِّ والحُرمة عنْد تعذُّر الأخذ في الاستطابة والاستخباث وتعادل الأشباه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّامِنُ): الحَلاَلُ إِذا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ فَهُوَ حَرَامٌ كَالدُّهْنِ وَكَالْجَلالَةِ الَّتِي تَأْكُلُ العَذِرَةَ فَهُوَ حَرَامٌ (م و) إِنْ ظَهَرَ النَّتَنُ فِي لَحْمِهِ، وَجِلْدُهَا نَجِسٌ إلاَّ أَنْ تَزْولَ الرَّائِحَةُ بِالدَّبْغِ، وَمَهْمَا زَالَ بِالعَلَفِ حَلَّ لَحْمُهُ، وَلَوْ زَالَ بالطَّبْخِ لَمْ يَحِلَّ، وَالزَّرْعَ لاَ يَحْرُمُ وَإِنْ كَثُرَ الزِّبْلُ فِي أَصْلِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: الأعيان النجسة لا يجوز أكلُها في حالة الاختيار، والطَّاهر إذا نَجُس بمخالطة النجاسة أو ملاقاتها، كذلك، وذلك كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل، وقد ذكرنا في غسل الدُّهن ونحوه وجهاً في الطهارة، فعلى ذلك الوجْه إذا غسل يزول التحريم.
والثانية: عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ أكْلِ الجَلاَّلةِ، وعن شُرْب ألْبَانِها، حَتَّى تُحْبَسَ" 86 وهذا نهي تحريم أو نهي كراهي وتنزيه؟ فيه وجهان: = ينظر: البحر المحيط للزركشي 6/ 39، التمهيد للإسنوي 441، المنخول للغزالي 231، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني 369، الإِحكام في أصول إرشاد الفحول للشوكاني 239، ينظر المنخول 231.

الجزء: 12 - الصفحة: 150

أحدهما: نهى تحريم، ويُحْكى ذلك عن أبي إسحاق المَرْوَزيِّ، وبه قال القفَّال، ورجَّحه الإِمام وصاحبُ "التَهذيب" المصنف.
والثاني: نهى تنزيه، وهذا ما أورده أكثرهم؛ منْهم العراقيون والقاضي الروياني وغيرهم، وبه قال أبو حنيفة، ويُرْوَى عن مالكٍ مثلُه، ويُرْوَى، عنه أنه لا بأس بأكل لَحْمِهَا، وهذا يُشْعر بنفي التحريم والكراهة معاً، وعن أحمد روايتان كالوجهين، والأظهر عنه التحريم والجلاَّلة هي التي تأكل العَذَرة اليابسة والنجاسات، ويستوي 87 في الحكم الإِبل، والبقر، والغنم، والدَّجاج، وبم تَناط الكراهة أو التحريم؟ في "تتمة التتمة": أنه، إن كان أكثر علف الدابة النجاسات فهي جلاَّلة 88، وإن كان الأكثر = رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن أكل لحوم الجلالة، وألبانها، ولأبي داود: أن يركب عليها، أو تشرب ألبانها، وهو عندهم من رواية ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه، واختلف فيه على ابن أبي نجيح، فقيل عنه عن مجاهد مرسلاً.
وقيل عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه البيهقي من وجه آخر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولحديث ابن عباس طريق أخرى، رواها أصحاب السنن وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي، بلفظ، نهى عن كل المجثمة، وهي المصبورة للقتل وعن أكل الجلالة، وشرب ألبانها، وفي رواية: والشرب من في السقا، صححه ابن دقيق العيد، وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة: النهي عن أن يشرب من في السقا، وعن المجثمة والجلالة، وهي التي تأكل العذرة إسناده قوي.

الجزء: 12 - الصفحة: 151

الطاهرات، فليست بجَلاَّلة، والأظهر: أنه لا اعتبار بالكثرة، ولكن الاعتبارُ بالرائحة والنتن، فإن كان يُوجد فيها وفي عرقها ربح النجاسة، فالموضع موضع النهي، وإلا، فلا، وفي "الحاوي" نقل الوجهين في التحريم والكراهة، وعن رواية ابن أبي هريرةَ أن موضع الوجهين ما إذا كانت تُوجَد رائحة النجاسة بتمامها، أو كانت الرائحةُ تقْرُب من الرائحة، فأما إذا كانت الرائحة التي تُوجد يسيرةً، فلا اعتبار بها، ولو حبست بعد ما ظَهَرَ النتن، وعلفت علفاً طاهراً حتى زالت الرائحةُ، ثم ذُبحَتْ، فلا تحريم، ولا كراهة، وعن بعض العلماء تقديرُ العَلَف في الإِبل والبقر بأَربعين يوماً، وفي الغنم بسبعة أيام، وفي الدَّجَاجة بثلاثة أيام، وهو محمول عندنا على الغالب، ولا يزول المنْعُ بغسل اللَّحم بعد الذبح، ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة به، وكذا لو زالت بمرور الزمان عند صاحب "التهذيب" وقيل: بخلافه، وكما يُمنع من أكل لحم الجَلالَّة، يُمنع من لبنها وبيضها 89 وكره الرُّكوب أيضاً إذا لم يكن بينها وبين الراكب، حائل، وذكر الصيدلاني وغيره؛ تفريعاً على تحريم الأكل، أنَّ لحمها نجسٌ، وأن جلدَها يُطَهَّر بالدِباغ، والحكم بطهارته بالدباغ يقتضي الحكم بنجاسة الجلْد أيضاً، وهو ظاهرٌ، إنْ ظهرت الرائحة في الجلد أيضاً، وإن لم تظهر، فقد حَكَى الإمامُ في نجاسته تردُّداً عن الأصحاب، والأظهر النجاسة؛ لأنه جزء من الحيوان مأكولٌ على المسموط، فحكمه حكمُ اللحم، واعلم أن ظهور النتن في اللحم، كان جعلناه موجِباً لتحريم اللحم ونجاسته، فإنا لا نجعله موجباً لنجاسة الحيوان في حياته، وإلا، لالتحق بالكلب والخنزير، ولَمَا طهر جلده بالدباغ، لكن إذا حكمنا بالتحريم، الْتَحَقَ بما لا يُؤكل لحمه؛ فلا تفيد الزكاةُ طهارةَ جلده، ولكنه يُطَهَّر بالدباغِ، والسَّخلةُ المربَّاة بلبن الكلب = وذلك لأن ابن عمر كان إذا أراد أكل الجلالة حبسها ثلاثاً.
والرواية الثانية عن أحمد: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة، ونحوهما أربعين.
وذلك لحديث عبد الله بن عمرو: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الإبل الجلالة، أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس، حتى تعلف أربعين ليلة".
ولأنهما أعظم جسماً، وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير.
وإذا كان الحكم دائراً حول ما ينتن من لحمها: فيكره وما لا ينتن: فلا يكره، زال حكم الكراهة بزوال النتن ولم يكن للقدر الذي تعلفه من حد، ولا لزمانه من ضبط.

الجزء: 12 - الصفحة: 152

حكْمُهَا حكْمُ الجَلاَّلة 90، والزَّرْعُ لا يَحْرُم، وإن كثر الزِّبْلُ والنجاسات في أصله؛ لأنه لا يظهر أثر النجاسة ورائحتها 91 فيه، وعن أحمدَ: أنه يَحْرُم.
وقوله في الكتاب "ومهما زال بالعَلَف، حل لحمه" يعني؛ زال النتنُ بالعلفَ في الحياة، حل لحمه، إذا ذُبح، وقوله: "ولو زال بالطَّبْخ" أي بعد الذبح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (التَّاسِعُ): ما حُكْمَ بِحِّله فَيَحْرُمُ مِنْهُ المُنْخَنِقَةُ وَمَا ذُبِحَ ذَبْجاً غَيْرَ شَرْعِيٍّ إِلاَّ الجَنِينَ المَيِّتَ فِي بَطنِ المُذَكَّى، فَهُو حَلاَلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحيوان المأكول؛ إنما يحل، إذا ذُبح على الوجه الشرعي، فأما الميتة والمنخنقة والموقوذة وما ذُبح ذبحاً غيرَ شرعي، فإنه حرامٌ، وَيُسْتَثْنَى من الميتة الجراد والسمك، وربما اسْتُثنِيَ معها الجنين الذي يُوجَد ميتاً عند ذبْح الأم، وقد يُستثنى من المنخنقة، ويقال: إنَّهُ ينخَنِقُ بذبح الأم، والمقصود أن الجنين الذي يُوجد في بطن الأم المذَكَّاة حلالٌ، سواء أشْعَر أو لم يُشْعِر، وقال أبو حنيفةٍ: لا يَحِلُّ الجنين إلا أن يُوجد حياً، فيذُبح.
لنا: ما رُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- قال: قلنا: يا رسول الله، إِنَّنَا نَنْحَر الإِبْلِ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالشَّاةَ، فَنَجدُ في بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أنُلْقِيهِ أمْ نَأْكُلُهُ، فَقَالَ: كُلُوهُ، إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ، ذَكَاةُ أُمِّهِ" 92 واحتج الشيخُ أبو محمَّد بأنه، لو لم يحل

الجزء: 12 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بيانه، وقال ابن حزم: هو حديث واهي، فإن مجالداً ضعيف، وكذا أبو الوداك، قلت: قد رواه الحاكم من حديث عبد الملك بن عمير عن عطية عن أبي سعيد، وعطية وإن كان لين الحديث، فمتابعته لمجالد معتبرة، وأما أبو الوداك فلم أرَ من ضعفه، وقد احتج به مسلم، وقال يحيى بن معين: ثقة، على أن أحمد بن حنبل قد رواه في مسنده عن أبي عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي الوداك، فهذه متابعة قوية لمجالد، ومن هذا الوجه صححه ابن حبان [1077] وابن دقيق العيد، وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، قاله الترمذي، وفيه أيضاً عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي أيوب، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وكعب بن مالك، أما حديث جابر فرواه الدارمي وأبو داود بلفظ: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وفيه عبيد الله بن أبي زياد القداح عن أبي الزبير، والقداح ضعيف ورواه الدارقطني من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير، والحاكم من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير، فهؤلاء ثلاثة رووه عن أبي الزبير، وتابعهم حماد بن شعيب عن أبي الزبير عند أبي يعلى، ولو صح الطريق إلى زهير، لكان على شرط مسلم، إلا أن راويه عنه استنكر أبو داود حديثه، وأما حديث أبي أمامة وأبي الدرداء فرواهما الطبراني من طريق راشد بن سعد عن أبي أمامة، وأبي الدرداء جميعاً، وفيه ضعف وانقطاع، وأما حديث أبي هريرة، فرواه الدارقطني من طريق عمر بن قيس عن عمرو بن دينار عن طاوس، عن أبي هريرة وعمر بن قيس ضعيف، وهو المعروف بسندل، وأخرجه الحاكم من طريق أخرى عن المقبري عن أبي هريرة، والراوي له عن أبي سعيد المقبري، حفيده عبد الله بن سعيد، وهو متروك، وأما حديث علي فأخرجه الدارقطني وفيه الحارث الأعور، والراوي عنه أيضاً ضعيف، وأما حديث ابن مسعود فرواه الدارقطني بسند رجاله ثقات، إلا أحمد ابن الحجاج بن الصلت، فإنه ضعيف جداً وهو علته، وأما حديث أبي أيوب فرواه الحاكم من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن عن أبي أيوب، ومحمد ضعيف؛ وأما حديث البراء فذكره البيهقي، وأما حديث ابن عمر فله طرق، منها ما رواه الحاكم والطبراني في الأوسط وابن حبان في الضعفاء، في ترجمة محمد بن الحسن الواسطي عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه: فيه عنعنة ابن إسحاق ومحمد بن الحسن ضعفه ابن حبان، ورواه الخطيب في الرواة عن مالك عن أحمد بن عصام عن مالك عن نافع به، وقال: تفرد به أحمد بن عصام وهو ضعيف؛ وهو في الموطأ موقوف؛ وهو أصح؛ ولفظه: إذا نحرت الناقة؛ فذكاة ما في بطنها في ذكاتها، إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره، فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه، ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن يحيى الأنطاكي من حديث العمري، عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، وروي أيضاً من طريق مبارك بن مجاهد عن ابن عمر، ومن طريق أيوب بن موسى قال ذكر عن ابن عمر، قال ابن عدي: اختلف في رفعه ووقفه على نافع، ثم قال: ورواه أيوب، وعدد جماعة عن نافع عن ابن عمر موقوفاً وهو الصحيح، وأما حديث ابن عباس فرواه الدارقطني من حديث موسى بن عثمان الكندي عن ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وموسى مجهول، وأما حديث كعب بن مالك فرواه الطبراني في الكبير من طريق إسماعيل بن مسلم عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن كعب به، وإسماعيل ضعيف، وذكره ابن حبان =

الجزء: 12 - الصفحة: 154

الجنين بذكاة الأم، لَمَا جازت ذكاة الأم مع ظهور الحمل، كما لا تقتل الحامل قصاصاً، فأُلْزِمَ عليه ذَبْحَ رَمَكَة 93 في بطنها بغلة، فمَنع ذَبْحَها، حَكَى، المناظرة الإمامُ، وذكر يعني لشيخ أبا محمد في كتابه في الفَرْق، أنه، إنما يَحِلُّ، إذا سكن في البطن عقيب ذبح الأم، أمَّا إذا بقي زماناً طويلاً يضطرب ويتحرَّك ثم سكن، فالصحيح مِن المذْهب أنه حرام، وإن خَرَج الجنين في الحال، وبه حركةُ المذبوح، حَلَّ، وإن خرج رأسه، وفيه حياة مستقرة، قال في "التهذيب": لا يَحِلُّ بذبحِ الأم؛ لأنه مقدور على ذبحه، وعن القفَّال: أنه يَحِلُّ؛ لأن خروجَ بعض الولد كعدم الخروج 94؛ ألا ترى أن عدة الحامل لا تنقضي بخروج بعض الولد، وإن أفصلت مضغة، لم تبن فيها الصورة، ولم تتشكل الأعضاء، ففي حِل أكله وجهان بناءً على القولين في وجوب الغُرَّة وثبوت الاستيلاد 95. فَرْعٌ: عن القاضي الحسين: أن الجنين، إذا أخرج رأسه حياً، لم يَحِلَّ حتى يُذبح، ولا يغني ذبح الأم، والحالةُ هذه، قال صاحبُ "التهذيبِ" في الفتاوى: ولو أخرج رجلَه، فعلى قياس ما ذكره ينبغي أن يُجْرَح، كما لو تردَّى البعير في بئْر، فإنه يُطْعَن حتى يَحِلَّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (العَاشِرُ): مَا اكْتَسِبَ بِمُخَامَرَةِ نَجَاسَةٍ كَكسْبِ الحَجَّامَ فَهُوَ مَكرُوهٌ بِحَرَامٍ، وَيَنْبَغِي ألاَّ يَأْكُلَ وَيَعْلَفُ رَقِيقَهُ وَنَاضِحَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كسب الحجام حلال وعن أحمد: أنه حرام للأحرار، ويجوز أن = في الضعفاء فيما أنكر على إسماعيل، قال: إنما هو عن الزهري، قال: كان الصحابة فذكره، وروى ابن حزم من طريق سفيان بن عينية عن الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: ذكاة الجنين ذكاة أمه، ورواه البيهقي عن جماعة من الصحابة موقوفاً، والله أعلم (فائدة) قال ابن المنذر: لم يروِ عن أحد من الصحابة وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة.

الجزء: 12 - الصفحة: 155

يطعم منه العبيد وتعلف الدواب، وعن ابن خزيمة من أصحابنا، فيما حَكَى الموفَّق بن طاهر مثلُه.
لنا: "ما رُوِيَ أن أبا طيبة، حَجَم رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلُهُ أَنْ يُخَفِّفُوا خَرَاجَهُ" 96 ولو كان حراماً، لما أعطاه؛ فإن الحرام كما لا يجوز أخذه، لا يجوز إعطاؤه؛ كأجرة الزَّمَّار، والنائحة، ويخالف ما إذا دعت إليه ضرورة، كما إذا أعطى الشاعرَ شيئًا؛ لئلا يهجوه، أو الظالَم؛ لئلا يمنَعه حقه، أو لا يأخذ منه أكثر من الذي أعطاه، ففي مثل ذلك يأثم الأخذ دون المعطي، ولأنه لو امتنع الاكتساب بالحِجَامة، لجر ذلك ضرراً عظيمًا، ولاحتاج ذوو الأقدار إلى القيام بها، نعم، كسْب الحجام مكروهٌ، سواء اكتسبه الحر أو العبد، ولا يكره للعبد، سواءٌ اكتسبه الحر أو العبد؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحِجَّامِ، فَنَهَى عَنْهُ وَقَالَ: أَطْعِمْهِ رَقِيقَكَ أَعْلِفْهُ 97 وَنَاضِحَكَ" وهذا أحد ما يحتج به للحِلِّ؛ لأنه لو كان حراماً، لما جاز له التصرُّف فيه بالإطعام، والعلف، والفرق بين الحر والعبد؛ أنه كسبٌ دنيء، والعبد دنيءْ، فصرف الدنيءْ إلى الدنيءْ، ولم يكره للحر ذكروا فيه معنيين، قال قائلون: المعنى فيه مخامرة النجاسات، وقال آخرون: ودناءة الحرفة؛ فعلى الثاني يُكْره كسب الحلاَّق والسَّمَّاك أيضاً؛ وعلى الأول يُكْرَه كسْبُ الكَنَّاس والزَّبَّال والدَّبَّاغ والقَصَّاب والخَاتِن، وهو الذي أطلقه عامة الأصحاب، وفي الحماميِّ والحائك وجهان، ويُمكن تخريجهما على المعنيين 98، وفي كسب الفصاد وجهان أيضاً، قال في "العدة": الأظهر أنَّه لا يُكره، وكره كارهون كسب الصاغة؛ لأنهم كثيراً ما يخلفون الوعْد، ويقعون في الربا؛ لبيعهم المصوغ بأكثر من وزنه، واعترض صاحبُ الكتاب في "الوسيط" على التعليل يكون الحرفة خسيسةً، وبمخامرة النجاسة؛ بأن قال: الَتعليل بذلك يوجب إلحاق أجرة الكَنَّاس والدَّبَّاغ به، ولم يذهب إليه أحد، هذا لفظه، وهو ممنوع بل جمهور الأصحاب ذاهبون إليه، وكتبُهم ناطقةٌ به، ثم لا يناسبُه قوله هاهنا: "ما اكتسب بمخامرة نَجَاسَةٍ؛ ككسب الحجَّام، فهو مكروه وقد ذكر مثله في صدر الكلام في "الوسيط"، ثم قال، ولعل السبَبَ فيه أن الحجامة والفصد جَرْحٌ مفسِد للبنية، وهو حرام

الجزء: 12 - الصفحة: 156

في الأصل، وإنما يُبَاح بتوهُّم المنفعة، وذلك مشكوكٌ فيه، ويَطَّرد هذا في أجرة من قطع يداً متآكلة؛ لاستبقاء النفس، وقضية ما ذكره أن تكون أجرة الطبيب الذي يعالج بدواءٍ فيه خطرٌ، ومعلِّم السباحة، ومجرى السفينة، وأمثالهم مكروهةً، وهو بعيد.
وقوله في الكتاب "وليس بحرام" يجوز أن يعلم بالألف والواو، لما سبق.
وقوله في أول الكتاب "حلال إلا ما تستثنيه عَشَرة أصول" لا ينبغي أن يُحمل الحلال على ما لا إثْم في تناوله؛ فإن الحِلَّ بهذا المعنى حاصل في الأصل العاشر، فلا يكون مستثنى منه، بل هو محمول على المباح، بمعنى استواء الطرفين، فيصح استثناء المكروه منه.
فرْعٌ: وإن شئت قلت: أصل، قال القاضي الماوردِيُّ: أصول المكاسب ثلاثةٌ: "الزراعة والتجارة والصناعة، وفي الأطيب منها ثلاثةُ مذاهبَ للناس، قيل: الصناعة أطيب؛ لأن الكسب فيها يُحَصَّل بكد اليمين، وقد رُوِيَ في الخبر، "أن من الذنوب ما لا يُكَفِّرُهُ صوم ولا صلاة، ويكفِّره عَرَق الجبين في الحرفة" 99، وقيل: التجارة أطيب: لأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يكتسبون بها، وهذا أشبه بمذهب الشافعيِّ -رضي الله عنه- وقيل: الزراعة أطيب، قال: وهو الأشبه عندي؛ لأنها أقرب إلى التوكُّل والرضا بما يعطيه الله تعالى 100. ومما لا بدّ من ذكره في الباب، وهو خارج عن الأصول العَشَرة؛ أنَّ ما يَضرُّ كالزُجاج والحجر والسم، يَحْرُم أكله؛ لأنه قاتلٌ، وليس للإنسان أن يهلك نفسه، وما لا يضر فهو حلال، واستثنى في "التهذيب" من ذلك ثلاثة أشياء المنيُّ، وجِلْد الميتة بعدْ الدِّبَاغ، وكل حيوان يبتلعه حياً سوى السمك والجَرَادِ، في جِلْدِ المَيتة بعد الدِّبَاغ كلامٌ قد سبق في "الطهارات" وفي "النهاية": أن المذهب تحريم المستقذرات الطاهرات كالمُخَاط، والمني ونحوهما، وأنه حُكِيَ عن أبي زيد: أنها لا تُحَرَّم، ويكفي الاستقذار وازعاً عنها، ولا بأس بشرب الدواء الذي فيه قليل سم، إذا كان الغالبُ، منه السلامةَ،

الجزء: 12 - الصفحة: 157

واحتيج إليه، وقال: الإِمام ولو تُصوّر شخْص لا يضرُّه تعاطِي السموم (1)، لا يَحْرُم عليه، وفي "بحر المذهب" للقاضي الرويانيِّ: أن النبات الذي يسكر، وليست فيه شدة مطربة، يحرم أكله، ولا حدَّ على آكله (2)، ويجوز استعماله في الدواء، وإن أفضى إلى السُكْرِ، إذا لم يكن منه بد، وما يُسْكِر مع غيره، ولا يسكر بنفسه، إن لم يُنتفع به في دواء وغيرِه، فيَحْرُم أكله، وإن كان يُنْتفع به في الدواء، حَلَّ التداوي به.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي حَالِ الاضْطِرَارِ):

وَجَمِيعُ المُحَّرَمَاتِ تُبَاحُ بِالضَّرُورَةِ لَكِنِ النَّظَرُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ وَحَدِّ المُسْتَبَاحِ وَجِنْسِهِ، وَحَدّ الضَّرُورَةِ وَأنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الهَلاَكَ أَو مَرَضاً مَخوُفاً فِي جنْسِهِ، فَإنْ كانَ مَخُوفاً لِطُولهِ وَعُسْرِ عِلاَجِهِ فَوَجْهَانِ، وَإِذَا جَازَ الأَكْلُ وَجَبَ، وَقِيْلَ: يَجُوزُ الاسْتِسْلاَمُ وَالتَّوَرُّعُ كَدَفْعِ الصَّائِلِ وَلاَ أَصْلَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُبَاحُ للمضطَرَّ، إذا لم يجد الحلال، أكلُ المحرمات من الميتة والدم ولحم الخنزير وما في معناها؛ على ما قال تعالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] وقال تعالَى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] وهل يجبُ عليه الأكل؟ وفيه وجهان: أصحهُّما: نعم، وإلا، فهو ساعٍ في إهلاك نفسه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وهذا كما أنه يجب دفع الهلاك بأكل الطعام الحلال.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: لا يجبُ؛ لأنه قد يريد التورع؛ لتردده في الانتهاء إلى حد الضرورة، كالمصول عليه؛ يتردَّد في القدر الدافع للصائل فيتورع، وقد ذكر، أنه مخرج من قول جواز الاستسلام هناك، وفُرق بينهما بأن المستسلم للصائل يُؤْثر مهجته على مهجته، وهاهنا بخلافه، وهذه الصورة مؤخرة في الكتاب عن هذا الموضع، وهي به أليق، ثم كلام هذا الفصل الثاني في ثلاثة أطراف: أحدها: في صفة الضرورة وحدِّها، ولا خلاف في أن مطلق الحاجة إلى الطعام بل الجوع القوى لا يكفي لتناول الحرام، وأنه لا يجب الامتناعُ إلى أن يُشْرِف على الموت، فإن التناول حينئذٍ لا ينفع ولا يدفع الهلاك، ولو انتهى إلى تلك الحالة، لم101102

الجزء: 12 - الصفحة: 158

يَحِلَّ له التناول؛ فإنه غير مفيد، ولا خلاف في الحِلِّ، إذا كان يَخاف على نفسه الهلاكَ، لو لم يأكل، إمَّا من نفس الجوع أو من غيره؛ بأن يخاف، إذا لم يأكل من أن يضعف عن المشي أو عن الركوب، وينقطع عن الرفقة ويضيع، وإن كان يخاف من ترك الأكل حدوثَ مرضٍ يخيف جِنْسُه، فهو كخوف الموت، وإن كان يخاف منه لطوله وتماديه 103، ففي حل الأكل وجهان أو قولان: أشبهُهما: أن الجواب كذلك، ووجْه الفرق أن المرض، إذا طالت مدته وتمادى، لم يبعد معالجته، بخلاف ما يهجم من الأمراض الحادة ويعسر علاجه، ويقرب مِنْ هذا الخلافِ ما في "التهذيب" وتعليقه الشيخ إبراهيم المروروزي؛ أنه لو عيل صَبْرُهُ، وأخمده الجُوع، ففيه قولان: أحدهُما: وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيُّ: أنه لا يجوز له تناول المحرمات، حتى يصير إلى أدنى الرمَقِ؛ لأن خوف الهلاك لم يتحقَّق.
والثاني: يَحِلُّ؛ لما يناله من المشقة، ولينفعه الطعام ويشبعه، ولا يُشْتَرط فيما يخاف منْه تيقن وقوعه، لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن، كالمحذور المخُوف في صورة الإِكراه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا قَدْرُ المُسْتَبَاحَ فَهُوَ سَدُّ الرَّمَقِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى الشَّبَعُ فَقَوْلاَنِ، وَلاَ شَكَّ أنَّهُ يَحِلُّ الشّبَعُ إِذَا كَانَ في بَادِيَةٍ وَعَلِمَ أنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ بِالمَشْي بِسَد الرَّمَقِ وَيَهْلِكُ، وَلاَ شَكَّ أنَّهُ لَوْ كَانَ يَتَوَقَّعُ مُبَاحاً قَبْلَ رُجُوعِ الضَّرُورَةِ تَعَيَّنَ سَدُّ الرَّمَقِ وَحَرُمَ الشّبَعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطرفُ الثاني في القَدْر الذي يُباح لصاحب الضرورة أكلهُ، ولا خلاف في أن له أن يأكل ما يسُدُّ به الرمق، وأنه ليس له أن يزيدَ على الشبع، وهل له أن يزيد على ما يسد الرمق إلى الشبع، فيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المُزَنِيُّ: لا؛ لأن الضرورة اندفعت بسد الرمق، وقد يجد بعده ما يغنيه عن الحرام.
والثاني: نعم؛ لأن ما يحِل منه القدر الذي يسُدُّ الرمق يُحِلُّ القدر المشبع، كالطعام، الحلال، وأيضاً، فإنه، إذا لم يشبع لا يقوى على السير، ويحتاج إلى ملازمة الحرام، والعود إليه مرة بعد أخرى، وعن مالكٍ وأحمدَ روايتان كالقولين، ويشبه أن يُبنى القولان على القولين في أنه، إذ أجهده الجوعُ، هل له تناول المحرَّمات أو لا يتناول، حتى يصير إلى أدنى الرمق؟ فإن قلنا بالأول، فيزيد إلى أن تَسكُن نهمته وينتهي

الجزء: 12 - الصفحة: 159

إلى الشبع، كان قلنا: بالثاني، فلا يزيد على سد الرَمق، وقد يفهم إيراد الأئمة إثبات قولين إذا قُلْنَا بالثاني: أحدهما: لا يزيد؛ قياساً للاستدامة على الابتداء.
والثاني: أن له أن يزيد؛ لأن الضرورة قد تحقَّقت في الابتداء، والاستدامة محل المسامحة؛ ألا ترى أن الحر لا ينكح الأمة إلا عند الضرورة، ثم لا تعتبر الضرورة في الدوام، وفيه قول ثالث، وهو أنَّه، إن كان قريبًا من العُمران، اقتصر على سدِّ الرمق، وإن كان في بادية بعيدة من العُمران، فيشبع ليقوى على قطع المسافة، هكذا أطلق الخلافَ أكثرُهم، وزاد الإِمام تفصيلاً طَوَّل فيه، ولخَّصَه في؛ "الوسيط" بأن قال: إن كان في بادية، وخاف أَلاَّ يتقوَّى على قطْعها لو لم يشبع، ويهلك، فيجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقَّع الطعام الحلال قبل عود الضرورة، فيجب القطع بأنه يقتصر على سَدِّ الرَّمَق، وإن كان لا يظهر حصولُ طعامٍ حلالٍ وأمكنه الرجوعُ إلى الحرام مرة بعد أخرى، إن لم يجد الحلال، فهذا موضع الخلاف، ويجوز أن يُقَال: الأكل مرةً أَوْلَى من المعاودة مرة بعد أخرَى، ويجوز أن يُقال: يُقتصر على سد الرمق، فلعله يطرأ ما يغنيه عن المعاودة، وإلى ترجيحه مال صاحبُ الكتاب، وإليه ذهب القفَّال وكثيرٌ من الأصحاب، وعن صاحب "الإِفصاح" ترجيح القول بجواز الأكل إلى الشّبَع، وبه قال القاضي الرويانيُّ وغيره، ويجوز أن يتزوَّد من الحرام، إذا كان لا يرجو الوصولَ إلى الحلال، وإن كان يرجوه، لم يجز، هكذا أطلق صاحبُ "التهذيب" وغيره وعن القفَّال: أنه لو حمل رجلٌ ميتةً من غير ضرورة، لم يمنع منه، ما لم يتلوث بالنجاسة، وهذا يقتضي تجويز التزود عند الضرورة بطريق الأولى.
وقولُه في الكتاب تعين سَدُّ الرمق، وحرم الشِبع يمكن أن يرقم بالواو؛ لأن القاضي ابن كج بعْد أن رَوى ما في الكتاب عن أبي إسحاق، رأى طَرْد القولين مع توقُّع حصول الحلال.
فَرْعٌ: إذا قلنا: له أن يأكل قدْر ما يُشْبع، فأكل ما يسُدُّ رمقه، ثم وجد لقمة من الحلال، لم يكن له أكل الحرام حتى يأكل تلك اللقمة، فإذا أكلها، هل له الإِتمام إلى الشبع؟ فيه وجهان؛ للقاضي الحُسَيْن وجْه المَنْعِ: أنه عاد إلى أصل التحريم بتلك اللُّقْمَة، فيحتاج إلى عَوْد الضرورة.
آخَر: إذا لم يجد المضطر إلا طعامَ الغير، وهو غائب أو حاضرٌ ممتنع من البدل، فيقتصر على سدِّ الرمق أو يأكل منه قدْر الشبع؟ فيه ثلاثةٌ طرق؛ الأظهر طرد القولين، وقطَع قاطعون بالاقتصار على سَدِّ الرَّمَق؛ لأن حق الآدميِّ مبنيٌّ على المضايقة، وعكس عاكسون، فقطَعُوا بأنه يأكل قدر ما يشبع؛ لأنه مباح الجوهر بخلاف المَيْتَة.

الجزء: 12 - الصفحة: 160

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأمَّا جِنْسُ المُسْتَبَاحِ فَكُلُّ مَا لاَ يُؤَدِّي إِلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ، فَتَحِلُّ الخَمْرُ لإِزَالَةِ العَطَشِ وَإِنْ لَمْ بَجُزْ للتَّدَاوِي، وَيَحِلُّ قَتْلُ الحَرْبِيِّ وَالمُرتَدِّ وَالزَّانِي (و) المُحْصَنِ وَالْمرْأَةِ الحَرْبِيَّةِ وَالصَّبيِّ الحَرْبِيِّ، وَلاَ يَحِلُّ قَتْلُ الذِّمِّيِّ وَالمُعَاهَدِ وَالعَبْدِ وَالوَلَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المحرَّمات التي يضطر الإِنسان إلى تناوُلها قسمان: أحدهُما: ما سوى المسكر، ويباح جميعه بالضرورة، ما لم يكن فيه إهلاك معصوم، وفيه مسألتان: إحداهُما: الكافر الذي لا عصمة له؛ كالحربي والمرتد يجوز للمضطر قتلُه وأكله، وإنما اعتبر، مراجعة الإِمام في غير حالة الضرورة وتعظيماً للإمام، وحالة الاضطرار ليست حالة رعايةِ الأدب، وفي الزاني المحصَنِ والمحارِبِ وتارِكِ الصلاة وجهان: أظهرهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: المنعُ، ويُحْكَى، عن القاضي الحُسَيْن؛ لحرمة الإِسلام، ولو كان له قصاصٌ على غيره ووجده في حالة الاضطرار، فله أن يقتله قصاصًا ويأكله، وأما المرأة الحربية وصِبْيان أهْلِ الحرب، ففي "التهذيب": أنه لا يجوزُ قتلهُم، وجوَّز الإِمام وصاحبُ الكتاب قتلَهم وأكلَهم؛ لأنهم ليسوا بمعصومين، وليس المنع من قتلهم في غير حاله الضرورة؛ لحرمة رُوحِهم 104؛ ألا ترى أنه لا تتعلَّق به الكفَّارة، والذميُّ والمعاهدُ والمستأمن معصُومُون مضمونُون بالكفَّارة؛ فلا يجوز للمضطر قتلُهم وأكلُهم، وكذا لا يجوز للسيد المضطر قتلُ عبده، ولا للوالد قتل ولده وأكْلُه.
المسألة الثانية: لو لم يجد إلا آدمياً ميتاً، فهل يحل له أكله؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أحمد: لا؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كَسْرُ عِظَامِ المَيِّتِ كَكسْرِ عِظَامِ الْحَيِّ" 105 وهذا ما حكاه أبو الحسن العباديُّ عن المُزنيِّ في "العقارب" 106. وأصحهما: الحِلُّ؛ لأن حرمةَ الحَيِّ أعظمُ، والمحافظة عليها أولَى، وكذلك، لو كان في السفينة ميت، وخاف أهلها الغرق، كان لهم طرحُه في البحْر، ولا يجوز طرحُ الحيِّ، واستثنى إبراهيم المروزي على هذا الوجْه، ما إذا كان الميت نبياً، وعن "الحاوي" تفريعاً عليه؛ أنه لا يأكل منْه إلا ما يسُدُّ به الرمق؛ حفظاً للحرمتين معاً 107،

الجزء: 12 - الصفحة: 161

وأنه ليس له طبخه وشيُّه، بل يأكله نياً، لأن الضرورة تندفع به، وطبخه هتكٌ لحرمته، فلا يجوز الإقدام عليه بخلاف الميتة، يجوز للمضطر كلها نيةً ومطبوخةً، ولو كان المضطر ذمياً، والميِّتُ مسلماً، فهل له أكله؟ حَكَى صاحبُ "التهذيب" فيه وجهين، وإن وَجَدَ ميتةً، ولحْمَ آدميٍّ؛ يأكل الميتة دون لَحْم الآدمي، وإن كانت الميتة خنزيراً، وكذا المُحْرِم، إذا وَجَد الصيد ولحم الآدميِّ، يأكل الصيد.
والقسم الثاني: المسكر، فقد ذكر صاحِبُ الكتاب؛ أنه يَحِلُّ شربُ الخمر؛ لإزالة العطش وأنه لا يجوز التداوي 108 به، والمسألتان مكررتان قد ذكرهما مرةً في "الحدود"

الجزء: 12 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما بأخبار طبيب مسلم عدل عالم بذلك له مضطر إلى التداوي بها فتكون مباحة له إنقاذاً لنفسه من مخالب الأمراض الفتاكة.
وأما السنة فما استدل به المانعون منها، وقالوا في توجيهها: ليس في واحد منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكره جواباً لمضطر إلى التداوي بها، فتحمل على التداوي بها في غير حال الضرورة.
جمعاً بين الأدلة.
وأما المعقول فقالوا إن المضطر إلى التداوي بها كالمغصوص المضطر إلى شربها فكما أبيحت للثاني تباح للأول.
وقالوا أيضاً: يباح التداوي بها للمضطر إليه كما يباح لأكل الميتة ونحوها ورد على المانعين في السنة أنه ليس في واحد منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكره جواباً لمضطر إلى العلاج بها فهي محمولة ابتداء على حال الاختيار فحسب، ولو سلمنا حملها على العموم لكانت مخصصة بنص الكتاب الذي أباح المحرم للاضطرار ومنه التداوي بالخمر.
وأجيب بأن الظاهر من الأحاديث حملها على العموم ولا قرينة تعين حملها على حال دون أخرى، ولا معارضة بين عموم الأحاديث وعموم الإِباحة المأخوذة من نص الكتاب في حال الاضطرار لأن الإباحة المستثناة عامة وأحاديث النهي عن التداوي بالخمر خاصة، فيعمل بعموم الإباحة المستفادة من الآية فيما عدا ما أخرجه الدليل الخاص من حرمة التداوي بها عملاً بالنصيّن.
هذا على فرض تحقق الضرورة إلى العلاج بالخمر، وقد ثبت طبياً أنه لا ضرورة إلى العلاج بها ألبتة فانه يوجد من الأدوية الطاهرة أو النجسة ما يغني عنها أو يزيد في تأثير العلاج.
يقول الدكتور محمد جعفر في مذكرته تدبير الصحة "ليس في عالم الطب داء أو عارض يصح أن يعالج بالكحول إلا وهناك مواد أخرى كثيرة تؤديه دون أن تضر بالجسم فمثلاً قد يستعمل الكونياك أو الكحول كمنبه في حالات الهبوط، ولكن هناك من العقاقير ما يفضله في هذا الأثر كالقهوة والشاي وجوهرهما الفعال أفضل من الخمر، وكذلك "الأستركنين" والأدرينالين والكافور والأثير والنوشادر وغيرها.
مما يعرفه كل طبيب".
وقال الدكتور "ملر" الأسكتلنديا "الخمر لا يشفي شيئاً".
وقال الدكتور"جون سون" الإنكليزي "إن الخمر ليس ضرورياً ألبتة ليستعمل دواء".
وقال الدكتور "كيلوج الأمريكي" في كتابه اليد الطبي "إن الناس يتعاطون الخمر لأمراض مختلفة فإذا كان ما يقولون حقاً فأضرار الخمر أشد تلك الأمراض فتكاً بالجسم فكيف بها إذا كانت لا تشفى منها شيئاً، فإن تجارب الأطباء أثبتت أنها لا تترك أثراً في النسيج، والأثر الحقيقي إنما يكون في النسيج".
وقال الدكتور "سمث الانكليزي": "إن الخمر يخسر بسببها الجسم جزءاً من الحرارة ويزيد ذلك الفقد كلما كان الإِنسان مريضاً، ومن العجيب أن سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- أثبت ضرر الخمر في الحديث الصحيح فقد جاء في صحيح مسلم مع شرح الإِمام النووي أن طارق بن سويد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال إنني أصنعها للدواء فقال الوسول -صلى الله عليه وسلم- إنه ليس بدواء ولكنه داء، أليس ذلك مقتضى العلم الحديث.
وقال إن الخمر يسبب للجسم خسارة جزء من الحرارة وقد منعت الدولة الأمريكية الخمر نباتاً بناءً على أمر الأطباء وعلى الاستكشاف الحديث الذي أقنعهم بأن الخمر لا شفاء فيها وهذا الكشف معجزة إسلامية".

الجزء: 12 - الصفحة: 163

والأرجح عند أكثر الأصحاب: أنه لا يَحِلّ الشرْبُ؛ لإِزالة العطش، وقد بيناه هناك، وإذا قيل بجوازه، فلو وجد خمراً وبولاً، يشرب البَوْل دون الخمر؛ لأن تحريمه أخفُّ، كما لو وَجَد بولاً وماءً نجساً يشرب الماء؛ لأن نجاسته طارئة، وأما سائر المحرمات، فيجوز التداوِي بها، وقد سبق ذكره في الكتاب في "الحدود"، وعلى ذلك ينزل ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "أمَرَ الرَّهْطَ العُرَنِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِ الإِبلِ وَأَلْبَانِهَا" 109 ووراءه وجهان، حكاه الرويانيُّ في "البحر".
أحدُهما: منع التداوي بها؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا جُعِلَ شِفَاؤُكُمْ فِيْمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" 110. والثاني: منع التداوي بغير أبوال الإِبل، وفي كتاب القاضي ابن كج ذكر وجهين في جواز التبخر بالندّ 111 الذي فيه خمرٌ؛ لما يصعد منه من الدخان 112، وهذا قد سبق نظيره في "الطهارات".
قَالَ الغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: فِي جَوَازِ قَطْعِ فَلْذَةٍ مِنَ الفَخِذِ إِذَا لَمْ يكُنِ الخَوْفُ فِيهِ كَالخَوْفِ فِي الجُوْعِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجُوزُ أنْ يَقْطَعَ مِنْ فَخِذِ غَيْرِهِ أصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذَا أَراد المضطر أن يقطع فلقة من فخذه أو من عضو آخر ليأكلها، فإن كان الخَوْفُ فيه كالخوف في ترك الأكل أو أشد، لم يكن له قَطْعُها، وإن لم يكن خوفُ الهلاك فيه كالخوف في ترك الأكل، فوجهان: أحدهما: لا يجوز القطْع، وهو اختيار صاحب "الإِفصاح" وجماعة؛ لأنه قَطَعَ فلقة من معصوم؛ فأشبه قَطْعَها من غيره، ولأنه قطْعُ لحْمِ حيٍّ قد يتولَّد منه الهلاك.
والثاني: ويُحْكَى عن ابن سريج وأبي إسحاق: أنه يجوز؛ لأنه إتلاف بعضٍ لاستبقاء الكل، فأشبه قطْعَ اليد بسبب الأكلة، ويشبه أن يكون هذا أظهر، وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره، ورجح الرويانيُّ الأول، ولا يجوز أن يقطع فلقةً من غيره؛ إذ

الجزء: 12 - الصفحة: 164

ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل، وليس للغير أيضاً أن يقطع شيئاً من بدنه للمضطر، ثم موضع الخلاف ما إذا لم يجدْ شيئاً يأكُلُه، فإن وَجَدَه، لم يقطع شيئاً من نفسه بلا خلاف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: إِذَا ظَفِرَ بِطَعَامِ مَنْ لَيْسَ مُضْطَراً فَيَطْلُبُهُ منْهُ فَإن مَنَعَهُ غَصَبَهُ، فَإِنْ دَفَعَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُ المَالِكِ فِي الدَّفْعِ، فَإِنْ بَاعَهُ بثمن المَثْلِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ بَاعَ بِأكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ فاشْتَرَاهُ لِلضَّرُورَة فَهُوَ كَشَرَاءِ المَصَادِرِ، وَالمَالِكُ لَوْ أَوْجَرَ المُضْطَرُّ طَعَامَهُ قَهْراً فَفِي اسْتِحْقَاقِ القِيمَةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَجَدَ المضطر طعاماً حلالاً لغيره، فذلك الغير؛ إما أن يكون حاضراً أو غائباً.
الحالةُ الأولى: إذا كان حاضرًا فينظر؛ إن كان هو مضطراً إليه، فهو أولَى به، وليس للأول أخذه منه، إذا لم يفضل عن حاجته؛ إلا أن يكونَ غيرُ المالك نبياً، فيجب على المالِك بذلُه له، فإن آثر المالِكُ غيرُه على نفْسه، فقد أحسن، قال الله تعالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: 9] الآية، وإنما يُؤثر على نفسه المسلم.
أما الكافر، فلا يؤثره ذمياً كان أو حربياً، وكذا لا يؤثر بهيمةً على نفسه.
وإن لم يكن المالِك مضطراً إليه، فعليه إطعامُ المضطر مسلماً كان أو ذمياً أو مستأمناً، وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال في أظهر الوجهين، وللمضطر أن يأخذه ويقاتلَه عليه، وإن أتى القتال على نفسه، فلا شيء عليه، وإن قَتَلَ المالكُ المضطرَّ في الدفْع عن طعامه، فعليه القِصاص، وإن مَنَعَ منه الطعامَ، فمات جوعاً، فلا ضمانَ عليه؛ لأنه لم يحدث منه فعلٌ مهلك، وقال في "الحاوي": ولو قيل: يضمن الدية، كان مذهباً؛ لأن الضرورة أثبتت له في ماله حقاً، فكأنه مَنَعَ منه طعامه، وكَمِ القدْرُ الذي يجب على المالِك بذْلُه، ويجوز للمضطر أخذه قهراً أو القتال عليه، أهو القدر الذي يسُدُّ الرمق أو القدْر المشبع؟ فيه قولان بناءً على القولين في القَدْر الذي يَحِلُّ له من الميتة، وهل يجب على المضطر الأخذ قهراً، أو القتال، فيه خلافٌ 113 مرتب

الجزء: 12 - الصفحة: 165

على الخلاف في أنه، هل يجب عليه الأكل من الميتة؟ وأولَى بألاَّ يجب؛ لأن عقل المالك ودية يبعثانه على الإِطعام، وهو واجب عليه، فجاز أن يجعل الأمر موكولاً إليه، ويكتفي به، وخصص في "التهذيب" الخلاف بما إذا لم يكن عليه خوفٌ في الأخذ قهراً، فإن كان فيه خوفٌ، لم يجب بلا خلاف، وإذا أوجبنا على مالِك الطعام بذْلَه، فعن "الحاوي" وجه أنه، يلزم بذله مجاناً، ولا شيء على المضطر، كما أنه يستبيح الميتة بلا شيء، والمذهبُ المشهور: أنه لا يلزمه البذل إلا بالعوض، وفَرَقُوا بينه وبين ما إذا خلُص مشرفاً على الهلاك بالوقوع في ماء أو نار؛ حيث لا يجب عليه أجرة المثل؛ بأن هناك يلزمه التخليص، كان لم يكن للمشرف على الهلاك مالٌ، ولا يجوز التأخير إلى تقدير الأجرة وتقريرها، وههنا بخلافه، وسوَّى القاضي أبو الطيَّب وغيرُه بينهما، فقالوا: إن احتمل الحال هناك موافقته على أجرة يبذلها أو يقبلها, لم يلزم تخليصه حتى يقبل الأجرة، كما في المضطر، كان لم يحتمل الحال التأخير في صورة المضطر، فأطعمه، لا يلزمه العوض؛ فلا فرق إذن، ثم إن بذل المالكُ الطعامَ مجاناً، فعليه قبولُه ويأكلُه إلى أن يَشبع، وإن بذله بالعوض، نُظِر، إن لم يقدر العوض، فعلق المضطر قيمةُ ما كل في ذلك المكان والزمان، وله أن يشبع، كان قدّر العوض، فإن لم يفرد له ما يأكله، فكذلك الجواب، وإن أفرده، فإن كان المقدَّر ثمن المثل، فالبيع صحيحٌ، وله أن يأخذه ما فضل عن الأكل، كان كان أكثرَ من ثمن المثل، والتزمه، ففيما يلزمه وجهان: أحدُهما: المسمَّى؛ لأنه التزمه بعقد لازم.
والثاني: لا يلزمه إلا ثمن المثل في ذلك المكان والزمان؛ وتسقط الزيادة؛ لأن الضرورة ألجأتْهُ إلى التزام الزيادة، فهو كالمُكْرَهِ على قبولها، وهذا أظهر عند القاضي الرويانيِّ، وأقرب إلى المصلحة، والأول أصحُّ عند القاضي الطبريِّ، وأقيس، وتوسَّط أقضى القضاة الماورديُّ، فقال: إن كانت الزيادة لا تشق على المضطر؛ ليساره، فهو في قبُولها غير مكْرَه؛ فتلزمه، وإن كانت تشقُّ عليه؛ لإِعساره، فهو في قبولها مكره، فلا تلزمه، قال الأئمة: وينبغي للمضطر أن يَحتال وشعى في أخذه [منه] ببيع فاسد، حتى يخرج عن الخلاف، ولا يلزمه إلا القيمة، وقد يفهم إيرادهم تصحيح البيع، وجعل الخلاف فيما يلزم ثمناً، لكنَّ الوجْه نصب الخلاف في صحة العقْد؛ لمعنى الإكراه، إن جعل المضطر مكْرَهاً، وفي تعليقة الشيخ أبي حامد ما يبيِّن ذلك، وصرح به الإِمامُ، فقال: الشِّرَى بالثمن الغالي للضرورة، هل يجعله مكْرَهاً، حتى لا يصح الشرى فيه وجهان: أقيسهما: المنعُ، ثم إنه أجرى الخلاف في صحة بيع المصادر من جهة السلطان

الجزء: 12 - الصفحة: 166

الجائر، إذا باع ماله للضرورة ودفع الضرر الذي يناله، وجعل صاحبَ الطعام بالامتناع عن البذل بثَمَن المثل كالمُصَادِر، والظاهر صحة المنع؛ لأنه لا إكراه على البيع، ومقصود الظالم المالُ من أي وجه كان، وبالصحة أجاب الشيخ إبراهيم المروزي، واحتج بها؛ لوجه لزوم المسمَّى في "مسألة المضطر"، ومهما بلغ المال بثمن المثل، ومع المضطر مالٌ، فعليه شراؤه وصرف ما معه إلى الثمن، حتى لو كان معه إزار، فعليه صرفه إليه، إذا لم يخف الهلاك من البرد ويصلي عَارِياً؛ لأن كشْفَ العورة أخفُّ، مِن أكل الميتة؛ ألا ترى أنه يجوز أخذ الطعام قهراً، ولا يجوز أخذ سائر العورة قهراً، وإن لم يكن معه مالٌ، فعليه التزامه في الذمَّة، سواء كان له مالٌ ذي موضع آخر أو لم يكن، وعلى المالِك، والحالة هذه البيعُ نسيئةً، وليس للمضطر الأخذُ قهراً، والمالكُ يبذل ثمن المثل، وإن باع بأكثر منه، فللمضطر ألاَّ يقبل ويأخذه قهراً أو يقاتِلَه عليه، فإن اشتراه بالزيادة مع إمكان الأخذ قهراً، فهو مختار في الالتزام، فيلزمه بلا خلاف، والخلافُ السابق فيما إذا عجز عن الأخذ قهراً، ولو أطعمه المالِكُ، ولم يصرِّح بالإِباحة، ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا عوض عليه، ويحمل على المسامحة المعتادة في الطعام، سيما في حق المضطر، ولو اختلفا، فقال المُطِعم: أطعمتك بِعِوَضٍ، وقال المضطر: بلا عوض، فالمصدَّق المُطْعم؛ لأنه أعرف بكيفية بذله، أو المضطر؛ لأن الأصل براءةُ ذمته؟ فيه وجهان؛ رُجِّح منهما الأول، فإذا أوجر المالِكُ طعامه المضطر قهراً أو أوجره، وهو مغمى عليه، فهل يستحق.
القيمة عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يطلب ولا تناول، وأحسنهما: نعم؛ لأنه خلصه عن الهلاك، فصار كما لو عَفَا عن القصاص، وأيضاً، ففيه تحريض على تدارك المضطرين، وكما يجب بذل المال؛ لإِبقاء الآدمي المعصوم، يجب بذله لإبقاء البهيمة المحترمة، وإن كانت مِلكاً للغيْر، ولا يجب البذل للحزبي والحربي والكلب العقور، ولو كان للرجل كلبٌ غيرُ عقور جائعٌ وشاةٌ، فعليه ذبح الشاة لإطعام الكلب، قال في "التهذيب"، وله أن يأكل من لحمها؛ لأنها ذُبحت للأكل 114، وقولَه في الكتاب "جاز له قتل المالِك في الدفع" يعني أنه لو صار مقتولاً، لا يقع قتلُه هدراً، ولا يجوز قصد قتله بحال.
وقوله: "لزمه شراؤه" يمكن أن يعلم بالواو؛ لقول من قال: إن على مالِك الطعام بذله مجاناً.

الجزء: 12 - الصفحة: 167

وفي قوله: "فهو كشراء المصادر" يعني، وفيه خلافٌ، وهو الذي حكيناه عن الإِمام، وجعل في "الوسيط" الخلاف قولين، ولا يكاد يُوجد ذلك لغيره، وقوله "كشرى المصادر" يريد الشَّرْىَ من المُصَادِر، ويجوز أن يُحْمل على شرى المصادر الشيء الذي يصادر على تحصيله، وفي بعض النسخ "كَبَيْع المُصَادِرِ" وهو الأظهر.
والحالة الثانية: إذا كان صاحب الطعام غائباً، فيجوز للمضطر تناوُل الطعام، ثم يغرم له، وفي وجوب التناول والقدر المتناول ما مضى من الخلاف.
وإن كان الطعام لصبي أو مجنون، والولي غائب، فكذلك، وإن كان حاضراً، فهو في مالهما ككامل الحال في ماله، وهذه إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة، وجميع ما ذكرنا في الحالتين مفروض فيما إذا لم يجد إلاَّ طَعَامَ الغَيْرِ، فأما إذا وجد معه ميتة ونحوها، فحكمه ما سيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
فروع: إذا استضاف مسلمٌ لا اضطرار به مسلماً، لم يجب عليه ضيافته، والأحاديث الواردة في الباب محمولةٌ له على الاستصحاب، وعن أحمدَ: أنها واجبةٌ.
ومَنْ مَرَّ بثمر الغير أو زرعه، لم يجز له الأكل، والأخذ بغير إذن صاحبه إلا أن يكونَ مضطراً، وعن أحمدَ روايةٌ: أنه يجوز الأكل من الثمار الرطبة في البستان الذي هو غير محوطٍ، ورُوِيَ عنه أنه ينادى ثلاثاً، فإن أجابه إنسان، وإلا أكل منه، ولا يزود معه شيئاً، وحكمُ الثمار الساقطة من الأشجار حكمُ غيره، إن كانت داخلَ الجِدار، وإن كانت خارجةً، فكذلك، إن لم تجر عادتهم بإباحتها، وإن جرت كما في النخيل بالكوفة، والبصرة، فقد حكى القاضي الرويانيُّ وجهين في أن العادة المطردة، هل تَجْري مَجْرَى الإِباحة؟.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الغَيْرِ قِيلَ المَيْتَة أَوْلَى، وَقِيلَ: الطَّعَامُ أَوْلَى، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَكَذَا الخِلاَفُ لَوْ وَجَدَ المُحْرَمُ الصَّيْدَ وَالمَيْتَةَ، وَلَوْ وَجَدَ لَحْمَ الصَّيْدِ فَهُوَ أوْلَى مِنَ المَيْتَةِ لأَنَّ تَحْرِيمَهُ خَاصٌّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إذا وجَد المضطر ميتة وطعام الغير، وهو غائب، ففيه ثلاثةٌ أوجه، ويُقال أقوال: أصحها: أنه يأكل الميتةَ، ويدع طعام الغير، وبه قال أحمد؛ لأن الميتة محرمةٌ لحقِّ الله تعالى، وحقوق الله تعالى مَبْنَى أمرها على المسامحة، ولأن إباحة الميتة للمضطر منصوصٌ عليها، وجواز الأكل من مال الغير بغير إذنه يؤخذ من الاجتهاد؛ ولأنه لا يتعلَّق به ضمان واشتغال ذمة.

الجزء: 12 - الصفحة: 168

والثاني: ويُحْكَى عن أبي حنيفَة: أنه يأكل طعامَ الغير؛ لأنه قادرٌ على طعام حلال العين؛ فأشبه ما إذا كان المالِكُ حاضرًا وبذله.
والثالث: أنه يتخيَّر بينهما؛ لتعارض المعنيين، وأشار الإِمام إلى أخذ هذا الخلاف من الخلاف في اجتماع حقِّ الله تعالَى وحق الآدميِّ.
وإن كان صاحبُ الطعام حاضرًا، نظر؛ إن بذله بلا عوض، وجب على المضطر قَبولُه، وإن باعه بثمن المثل، وجب عليه الشرى، إن كان الثمن معه أو رضي المالِك بكونه في ذمته، وكذا إذا باع ما يتغابن الناس بمثله، وإن كان ببيع بزيادة كثيرة، فالذي أورده العراقيون والطبريون من أصحابنا وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه، لكنه يُستحب، وإذا لم يلزمه الشرى، فهو كما لو لم يبذله المالِك أصلاً، وإذا لم يبذله، فلا يُقاتله عليه المضطر، إن كان يخاف من المقاتلة على نفسه، أو كان يخاف أن يَهْلك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف لضعف المالك وسهولة دفعه، فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائباً، وفي "التهذيب"؛ أنه يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة، ثم يجيء الخلاف في أن الواجب عليه المسمى أو ثمن المثل وذكر فيما إذا لم يبذل أصلاً: أن على قولنا؛ إن طعام الغير أولَى من الميتة؛ يجوز أن يُقال: إنَّه يقاتله عليه، ويأخذه منه قهراً.
وقوله في الكتاب "الميتة أولَى"، و"الطعام أولَى"، ليس على سبيل وصف أحد الجائزين بالأولوية، وإنما يعني أنها أو أنه أولَى بأن يتعين أو أنه أولَّى بالأكل، فيتعين له.
المسألةُ الثانيةُ: إذا اضطر المُحْرِم، ولم يجد إلا صيداً، فله ذبحه وأكله، وتلزمه الفدية، وإن وجد صيداً وميتة، فقولان: أحدُهما: وهو اختيار المُزني: أنه يأكل الصيد؛ لأن تحريم الميتة آكد وأغلظ؛ لأنه يتأبد ويعم المُحْرِم وغيره، وتحريُم الصيد بخلافه.
وأظهرُهما: وبه قال أبو حنيفَة ومالكٌ: أنه يأكل الميتة؛ لأن في الصيد يحتاج إلى ارتكاب محظورَيْن؛ وهما القتل والأكل، وأيضاً، فإنه يلزمه الجزاء، ولا ضمان في الميتة، وأيضاً فإن استثناء الميتة عند الاضطرار منصوصٌ عليه، والصيد مستثنى في حالة الاضطرار بالاجتهاد، وكيف حال القولين وترتيبهُما، وعلام ينبنيان؟ فيه ثلاثُ طرق عن أبي إسحاقَ والقاضي أبي حامد: أنهما متأصلان بنفسهما، وعن ابن القاصِّ: بناؤهما على أن المُحْرِم، إذا ذَبَحَ الصيدَ، هل يصير ميتة؟ إن قلنا: نعم، وهو القول الجديد، فيدع الصيد ويأكل الميتة؛ لأن الذَّبْح محظورٌ في نفسه، وهو بعد الذبح كالميتة، وإن قلنا: لا فيأكل الصيد؛ لأنه طاهر ذكي، ويفدى كما يأكل طعام الغير، ويضمن وعن

الجزء: 12 - الصفحة: 169

أبوه علي بن أبي هريرة والطبري: أنا إن جعلناه ميتة، فيدع الصيد ويأكل الميتة بلا خلاف، وإن قلنا: لا يصير ميتة، فقولان، ولا يخفى توجيههما مما ذكرنا، وعلى هذه الطريقة جرى أكثر الأئمة، وعن القفَّال قول أو وجه ثالثٌ، وهو أنه يتخير بينهما، كما مرَّ في المسألة الأولى.
وقوله في الكتاب "وكذا الخلاف" يتضمن نقل الوجوه أو الأقوال الثلاثة جميعاً، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن القاضي الطبري ذكر طريقة قاطعة؛ بأنَّه يأكل الميتة ويترك الصيد، كان وَجَدَ المُحْرِم لحم صيد ذُبِحَ وميتة، فإن ذبَحه حلال لنفسه، فهذا مضطر؛ وجد ميتة وطعام الغير، كان ذبحه المُحْرِم قبل الإِحرام، فهو واجد لطعام حلال لنفسه، وليس بمضطر، وإن ذبحه في حال الإِحرام أو ذبَحه مُحْرِم آخر، فإن لم نجعل ما ذبحه المحرم ميتةٌ، فلحم الصيد أولَى منه؛ لأنه طاهرٌ، ولا يتقدم الأكلَ محظُور آخر، ولأن تحريم الصيد يختص بالمُحْرِم، وتحريمُ الميتة عام، وقيل: الميتة أولَى، وقد توجه بما سبق أن استثناء الميتة عند إلاضطرار منصوص عليه، وإن جعلْناه ميتة، ففي تعليق الشيخ أبي حامد: أن الميتة أولَى؛ لأنه لا ضمان فيها بخلاف لحم الصيد؛ فإنه مضمون بالجزاء عند بعْض العلماء، وقال القاضي أبو الطيب؛ يتخير بينهما؛ لأن كل واحد منهما ميتةٌ، وهذا أظهر على ما ذكر في "العدة" والحاصِلُ منها ثلاثة أوجه: تقديم لحم الصيد، وتقديم الميتة، والتخيير، والجواب في الكتاب؛ تقديم لحم الصيد، وقضيةُ ما أتى الشرح عليه ترجيحُ التخيير، فاعرف ذلك، وأَعلِمُ قوله "فهو أولَى من الميتة" بالواو.
وإن وجد المحرم صيداً وطعام الغير، فيَذْبح الصيد ويأكله، أو يأكل طعام الغير أو يتخيَّر؟ فيه ثلاثةً أوجهٍ أو أقوالٍ، سواءٌ جعلنا ما يذبحه ميتة أو لم نجعلْه ميتةً، لكنه قد يختلف التوجيه.
كان وجد صيداً وطعام الغير ميتةً، فيأكل الصيد أو الميتة أو طعام الغير أو يتخيَّر بينهما؟ وفيه أربعة أوجه أو أقوال لا يخْفَى توجيهها بما سبق، وزاد الإِمام ثلاثة أوجهٍ أُخَرَ: أحدها: أنه يترك الصيد، ويتخيَّر بين طعام الغير والميتة.
والثاني: يترك طعام الصيد، ويتخيَّر بين الصيد والميتة.
والثالث: يترك الميتة، ويتخيَّر بين الصيد وطعام الغير والله أعلم.
ونختم الكتاب بفروع منثورة.
إذا لم نجعل ما يذبحه المُحْرِم ميتةً، فهل على المضطر قيمة ما يأكل منه؟ فيه

الجزء: 12 - الصفحة: 170

وجهان؛ بناءً على القولين في أن، هل يستقر للمحرم ملكه على الصيد.
ولو وجد ميتتين؛ إحداهمَا من جنس ما يؤكل كالشاة، والأخرَى مما لا يُؤْكَل؛ كالذئب، فيتخيَّر أو يأكل مما يُؤكل جنسه؟ فيه وجهان، ويَجْرِي مثلهما فيما إذا كانت إحداهما طاهرة في الحياة والأخرَى نجسةً، وليس للعاصي بسَفَره أكلُ الميتة، حتى يَتُوبَ، وفيه وجهٌ آخرُ، وقد سبقت المسألة في "صلاة المسافر".
وعن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أن المريضَ إذا وَجَدَ مع غيره طعاماً يضرُّه ويزيد في مرضه، يجوز له تركه وأكل الميتة، ويلزم مثله فيما إذا كان الطعامُ له، وعُدَّ هذا من وجوه الضرورة، وكذلك التداوي على ما سبق، والكلامُ في الانتفاع بالنجاسات قد سبق في "كتاب الطهارة".
ولو تنجَّس الخُفُّ بخرزه بشعر الخنزير، فغُسِلَ سبعًا؛ إحداهن بالتراب، طَهُرَ ظاهره دون باطنه، وهو موضع الخرز، ويُقال: إن الشيخ أبا زيد كان يصلِّي مع الخفِّ النوافلَ دون الفرائض، فراجعه القَفَّال فيه، فقال: إن الأمر إذا ضاق اتسع، وأشار به إلى كثرة النوافل 115. وفي تعليقة إبراهيم المَرْوزيِّ: أنه إن وردت أخبار في النهي عن الطين الذي يُؤْكل، ولا يثبت شيء منها، وينبغي أن يُحْكَم بالتحريم، إذا ظهرت المضرة فيه 116، وإن لم تثبت الأخبار، ويُكْرَه أن يأكل من الطعام الحلال فوق الشَّبَع وَيقْذَرَ الطعامَ، ويُستحب أن يأكل الأكل من أسفل الصحفة لا من أعلاها، وأن يقول بعد الفراغ؛ الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً، [وبالله التوفيق].

الجزء: 12 - الصفحة: 171

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل