كتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِ
البَابُ الأَوَّلُ في الضَّمانِ
قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاثةَ أَرْكَانٍ: الأَوَّلُ: المُوجِبُ وَهَو ثَلاثَةٌ: التَّفْوِيِتُ بِالمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّسْببُ أَوْ إِثْبَاتُ اليَدِ العَادِيَّةِ، وَحَدُّ المُبَاشَرَةِ إيجادُ عِلَّة التَّلَفِ كَالقَتْلِ وَالأَكْلِ وَالإحْرَاقِ، وَحَدُّ السَّبَبِ إِيِجَادُ مَا يَحْصُلُ الهَلاَك عِنْدَهُ لِكَنْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إِذَا كَانَ السَّبَبُ مِمَّا يُقْصَدُ لِتَوَقُّعِ تِلْكَ الِعَّلةِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى المُكْرِهِ عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ، وَعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ فَتَردَّتْ فِيهِ بَهِيَمةُ إِنْسَانٍ، فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ فَعَلَيَ المُرَدِّي تَقْدِيماً لِلمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ.
قال الرافعي: للأصحاب في 1 التعبير عن معنى الغَصْب عبارات.
إحداها: أنه أخذ مال الغير على جهة التعدَّي، وربما يقال: الاستيلاء على مال الغير 2.
والثانية: وهي أعم من الأولى: أنه الاستيلاء علي مال الغير بغير حق 3، واختار الإمام هذه العبارة، وقال: لا حاجة إلى التقيد بالعدوان، بل يثبت الغصب، وحكمه من غير عدوان، كما إذا أوع ثوباً عند إنسان، ثم جاء وأخذ ثوباً للمودع على ظن أنه ثوبه، أو لبسه الموع، وهو يظن أنه ثوبه.
والثالثة: وهي أعم من الأوليين حَكى أبُو العَبَّاسِ الرُّويانِيُّ عن بعض الأصحاب إطلاق القول بأن كل مضمون على ممسكه، فهو مغصوب حتى المقبوض بالشراء
الجزء: 5 - الصفحة: 396
الفاسد والوديعة إذا تعدَّى فيها المودع، والرهن إذا تعدى فيه المرتهن.
وأشبه العبارات وأشهرهما الأولى، وفي الصورة المذكورة الثابت الغَصْب لا حقيقته 4، وفي الكتاب والسُّنَّة ما يدل على تحريم الغَصْب، ويشير إلى جمل من أحكامه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وعن أبي بكرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته يوم النحر: (إِنَّ أَمْوالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا) 5 وعن سمرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتى تُؤَدِّيَهُ) 6.
وعن إبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللهُ -تَعَالَى- مِنْ سَبْعِ أَرْضِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ) 7.
الجزء: 5 - الصفحة: 397
والإجماع منعقد على تحريم الغصب، وتعلّق الضمان به.
ثم المغصوب إما أن يتلف قبل العود إلى يد المالك، أو لا يتلف، وينئذ فإما أن يعود إلى المالك من غير تغيير فيه، وإما أن يتغير بطارئ، فخص المصنف كلام الكتاب في بابين:
أحدهما: في الضمان عند التلف.
والثاني: في الطوارئ وأحكامها.
أما الأول: فالحاجة فيه إلى معرفة ما يوجب الضمان، وما يجب ضمانه، وما يوجب ضمانًا فهذه ثلاثة أركان:
الأول: الموجب والغصب وإن كان موجبا للضمان فالموجب غير منحصر فيه، بل الإتلاف أيضاً موجب، بل هو أقوى، فإنه بمجرده يوجب إشغال الذمة بالضمان، والغصب بمجرده لا يوجبه، وإنما يوجب دخول المغصوب في ضمانه حتى إذا تلف اشتغلت الذمة بالضَّمان، الاتلاف قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالسبب، فصارت الأسباب ثلاثة:
التفويت بالمباشرة، والتفويت بالتسبب، وإثبات اليد العادية، وهو الغَصْب أما التفويت بالمباشرة والتسبب، فأول مبدئه بيانهما، والفرق بينهما.
واعلم أن ماله مدخل في هلاك الشيء إما أن يكون يضاف إليه الهلاك في العادة إضافة حقيقية، أو لا يكون كذلك، ومالا يكون كذلك، فأما أن يكون بحيث يقصد بتحصيله حصول ما يضاف إليه الهلاك، أو لا يكون كذلك، الذي يضاف إليه الهلاك يسمى علّة، والإتيان به مباشرة، ومالا يضاف إليه الهلاك، ويقصد بتحصيله ما يضاف إليه يسمى سبباً والإتيان به تسببًا هذا القصد، والتوقع قد يكون لتأثير بمجرده فيه، وهو علة العله، وقد يكون بانضمام أمور إليه هي غير بعيدة الحصول، وقد يخص اسم السبب بالنوع الأول، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب في أول "الكتاب الجراح".
وأما هاهنا فإنه فسر السبب بمطلق ما يقصد به حصول العلّة، وفسره في "الآيات" بما هو أعم من ذلك، فقال: السبب ما يحصل الهلاك عنده بعلّة سواه، ولكن لولاه لما أثرت العلة، فلم يعتبر إلاَّ أنه لا بد منه، وعلى هذا التفسير فكل شرط سبب 8. ولما
الجزء: 5 - الصفحة: 398
فُسر في الأبواب بتفاسير مختلفه اختلفه اعتبار الحَفْر مع التردِّي، فسمي الحفر هاهنا، وفي "الديات" سببًا وامتنع منه في أول الجراح، واقتصر على تسميته شرطاً، وفي الجملة فيكفي للتأثير في الأموال مالاً يكتفي به للتأثير في القصاص، والحكم المقصود لا يختلف باختلاف التعبيرات، والاصطلاحات، ولكن كان الأحسن الاستمرار على تفسير واحد وتعليق الأحكام عليه، ثم إنه اندفع في بيان صور من مسمي المباشرة والتسبب، والمباشرة لقتل والأكل والإحراق، ومن التسبب الإكراه على إتلاف مال الغير، فإن الإكراه مما يقصد لتحصيل الإتلاف، ومنه إذا حفر بئرًا في محل عدواناً، فتردَّت فيها بهيمة، أو عبد أو حر، فإن ردا غيره فالضمان على المردي؛ لأن المباشرة تتقدم على السبب والكلام فيه، وفي موضع عدوان الحفر الحفر يستقصي في "الجنايات" إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: "والموجب وهو ثلاثة" ظاهره يقتضي حصر أصباب الضمان في الثلاثة، وقد يقال: كيف حصرها في الثلاثة وله أسباب أخر الاستيام والاستعارة وغيرها؟
(والجواب) أنه يجوز أن يريد الأسباب الذي ضمنها قد ماء الأصحاب هذا الباب، فأما ما عداها فلها مواضع مفردة.
وقوله: "التفويت بالمباشرة أو التسبب أو إثبات اليد العادية" إدخال "أو" في السبب حسن؛ لأنه طريق للتفويت، كما أن المباشرة طريق، لكن إدخالها في إثبات اليد العادية لا يحسن؛ لأنه سبب للضمان برأسه لا لأنه طريق للتفويت.
وقوله: "وحد المباشرة إيجاد علة التلف" أي إيجاد علة التفويت ولفظ "الإيجاد" لا يستحبه المتكلم إلا أن المعنى فيه مفهوم وأراد بـ"علة التلف" ما ذكرناه من أنه يضاف = والسبب هو وصف ظاهر منضبط يلزم من وجود الحكم ومن عدمه عدم الحكم، وذلك كدخول وقت الصلاة فإنه سبب لوجوبها إذ يلزم من وجود الوقت وجوب الصلاة.
ومن عدمه عدم وجوبها.
وكالقتل العمد العدوان، فإنه سبب لوجوب القصاص، إذ يلزم من وجوب القتل العمد العدوان وجوب القصاص، ويلزم من عدمه عدم وجوب القصاص، وهكذا في كل سبب مع الحكم المترتب عليه.
وهنا يمكن أن يقال: أن السبب يشبه الركن من جهة ارتباط المسبب بالسبب وجودًا وعدمًا، كارتباط الحقيقة بأركانها وجودًا وعدمًا، إلا أن السبب أمر خارج عن حقيقته المسبب وليس جزءاً منها، فالقرابة سبب للإرث وليس جزءاً من حقيقته وكذا كل سبب بالنسبة إلى الحكم الذي ربط به.
بخلاف الركن فإنه جزء ذاتي من ماهية ذي الركن، فالقراءة مثلًا جزء من الصلاة وحقيقتها، إذ هي أقوال وأفعال إلى آخر ما ذكر في تعريفها.
وكذا كل ركن مع صاحب ذلك الركن.
الجزء: 5 - الصفحة: 399
إليه التلف في العرف، وإنما قلنا: إنه أضافه حقيقيه؛ لأن الهلاك قد يضاف إلى السبب فيقال: هلك مال فلان بسعاية فلان، لكنه مجاز بدليل صحة النفي عنه.
وقوله: "إيجاد ما يحصل الهلاك عنده لفظه هاهنا ليست للحصر والمقارنه، وإنما المراد عقيبه، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: "إذا كان السبب" إعادة لفظ "السبب" في حد السبب، وتفسيره مما لا يتحسن، ولو طرحه لا نتظم الكلام، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ فَهَبَّتْ رِيحٌ وَسَقَطَ وَضَاعَ فَلاَ ضَمَانَ، لأَنَّ الضَّيَاعَ بِالرِّيحَ وَلاَ يُقْصَدُ بِفَتْحِ الزِّقِّ تَحْصِيِلُ الهُبُوبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَتَحَ الحِرْزِ فَسَرَقَ غَيْرُهُ، أَوْ دَلَّ سَارِقًا فَسَرَقَ، أَوْ بنَيَ دَارًا فَألْقَي فِيَها الرِّيحُ ثَوْباً، أَوْ حَبَسَ المَالِكُ عنِ المَاشِيَةِ حَتَّي هَلَكَتْ فَلاَ ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا نَقَلَ صَبِيًّا حُرًّا إِلىَ مَضْيِعَةِ فَافْتَرَسَهُ سَبُعٌ، وَلَوْ نَقَلَهُ إِلى مَسْبَعَةٍ أَوْ فَتَحَ الزِّقّ.
حَتَّي أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ وَأَذَابَتْ مَا فِيهِ فَفي الضَّمَانِ خِلاَفٌ؛ لأنَّ ذلِكَ يُتَوَقَّعُ فَيُقْصَدُ، وَكَذلِكَ نَقُولُ: إِذاَ غَضَبَ الأَمُهَّاَتِ وَحَدَثَتِ الزَّوَائِدُ وَالأَوْلاد في يَدِهِ مَضْمُونَةً وَكَاَنَ ذَلِكَ تَسَبُّبًا إِليَ إِثْبَاتَ اليَدِ، وَلَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرِ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ لَمْ يَضَمْنْ لأَنَّهُ مُخْتَارٌ، وإِنْ طَارَ في الحَالِ ضَمِنَ، لأَنَّ الفَتْحَ في حَقِّهَ تَنَفِيرٌ، وَكَذَا البَهِيمَةُ والعَبْدُ المَجْنُونُ المُقَيَّدُ بِمَنْزِلَةَ البَهِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ العَبْدُ عَاقِلاً فَلاَ يَضْمَنُ مَنْ فَتَحَ بَابَ السِّجْنِ وَإِنْ كَانَ آبِقَاً، وَلَوْ فَتَحَ رَأَسَ الزِّقِّ فَتَقَاطَرَتَ قطَرَاتٌ وَابْتَلَّ أَسْفَلُهُ وسَقَطَ ضَمَنِ؛ لأَنَّ التَّقَاطُر حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَلَوْ فَتَحَ الزِّقَّ عَنْ جَامَدٍ فَقَرّبَ غَيْرهُ النَّارَ مِنْهُ حَتَّى ذَابَ وَضَاعَ فَالثَّاني بِالضَّمَانِ ولَى، وَقِيلَ: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: 9
أحداهما: لو فتح رأس زِقٍّ، فضاع ما فيه نظر إن كان مطروحًا على الأرض فاندفق ما فيه بالفتح ضمن، وإن كان منتصبًا لا يضيع ما فيه بالفتح لو بقي كذلك، لكنه سقط نظر إن سقط بفعله بأن كان يحرك الوكاء ويجد به حق أفض إلى السقوط ضمن؛ لأنه والحالة هذه فتح رأسه وأسقطه، وكذلك لو سقط بما يقصد تحصيله بفعله كما لو فتح رأسه فأخذ ما فيه في التقاطر شيئاً فشيئاً حتى أميل أسفله وسقط، ضمن لأن السقوط بالميلان الناشئ من الابتلال الناشئ من التقاطر الناشئ من الفتح وهو مما يقصد تحصيله بالفتح، وإن سقط بأمر عارض من زلزلة، أو هبوب ريح، أو وقوع طائر
الجزء: 5 - الصفحة: 400
فلا ضمان؛ لأن الهلاك لم يحصل بفعله، وإلا فعله مما يقصد به تحصيل ذلك العارض.
وعن مالك فيما ذكره المسْعُودِيُّ أنه يجب الضمان؛ لأنه لولا الفتح لما ضاع ما فيه بالسقوط، ولو جاء إنسان واسقط، فالضمان عليه لا على الفاتح، ولو أنه لما فتح رأسه أخذ ما فيه من الخروج، ثم جاء آخر ونكسه مستعجلاً فضمان الخارج بعد التنكيس عليهما كالخارجين، أو على الثاني وحده كالخارج مع الخارج فيه وجهان:
أصحهما: الثاني هذا إذا كان ما في الزِّقِّ مائعًا أما إذا كان جامداً، فشرقت الشمس فأذابته فضاع، أو ذاب بمرور الزمان، وتأثير حرارة الهواء فيه وجهان:
أحدهما: أن الضياع إنما حصل بعارض الشروق، فأشبه هبوب الريح.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن الشمس تذيب ولا نخرج، فيكون الخروج بفعله وكأن الشمس كما يعلم شروقها، فيكون الفاتح معرضاً لما فيه للشمس، وذلك تضييع بخلاف هبوب الريح فإنه مما ينتظر.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: إجراء الوجهين فيما إذا زال أوراق الكروم، وجرَّد عنا قيدها للشمس حتى أفسدها، وطرد أيضاً فيما إذا ذبح شاة إنسان، فهلكت سخلتها، أو حمامته فهلك فرخها لفقدان ما يصلح لهما.
ولو جاء آخر وقرب نارًا من الجامد حتى ذاب وضاع فوجهان:
أحدهما: أنه لا ضمان على واحد منهما أما الأولى فلان مجرد الفتح لا يقتضي الضمان.
وأما الثاني فلأنه لم يتصرف في الظرف ولا في المظروف.
وأظهرهما وهو اختيار صاحب "المهذب": وجوب الضمان على الثاني؛ لأن تقرب النار منه تصرف بالتضييع والإتلاف، والوجهان جاريان في تقريب الفاتح النار منه، وفيما إذا كان رأس الزِّقِّ مفتوحًا فجاء إنسان وقرب منه النار، ولو حل رباط سفينة، فغرقت بالحل ضمن، ولو غرقت بسبب حادث من هبوب الريح أو غيره لم يضمن، وإن لم يظهر سبب حادث فوجهان مذكوران في "المهذب"، وليكن الأمر كذلك في "مسأله الزق" إذا لم يظهر حادث لسقوطه 10.
الثانية: لو فتح قفصًا عن طائر وهَيَّجه حتى طار ضمنه 11؛ لأنه أتلفه على مالكه،
الجزء: 5 - الصفحة: 401
وإن لم يزد على فتح القفص، فطار الطائر، فأما أن يطير في الحال، أو يقف ثم يطير.
فأما في الحالة الأولى فطريقان.
أظهرهما: أن في وجوب الضمان قولين:
أحدهما: أنه لا يلزمه الضمان؛ لأن للحيوان قصدًا واختيارًا، ألا ترى أنه يقصد ما ينفعه، ويتوقى المهالك، وغاية الموجود من الفاتح التسبب إلى تضييعه، فتقدم عليه مباشرة الطائر واختياره.
وأظهرهما: اللزوم؛ لأن الطائر ينفر ممن يقرب منه، فإذا طار عقيب الفتح أشعر ذلك بأنه نفره.
والثاني: القطع بالقول الثاني؛ ومنهم من فرّق بين أن يخرج الطائر من غير اضطراب، وبين أن يضطرب، ثم يخرج فبدل ذلك على فزعه وتنفره.
وأما في الحالة الثانية فطريقان أيضاً:
أحدهما: أنه على قولين.
وأظهرهما: القطع ينفي الضمان؛ لأن الطيران بعد الوقوف أمارة ظاهرة على أنه طار باختياره.
وإذا اختصرت قلت في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يضمن مطلقًا، وبه قال مالك وأحمد، واختاره أبو خلف السلمي، والقاضي الروياني وغيره من الأصحاب.
وثانيها: لا يضمن مطلقاً.
وأظهرها: أنه يضمن إن طار في الحال، ولا يضمن إن وقف ثم طار وروى عن أبي حنيفة مثله، وأيضاً مثل القول الثاني وهو أشهر، ذكر العراقيون أن الثاني هو قوله في القديم.
وفي "التهذيب" عن طريقة القولين في الحالة الثانية أن القديم لا يضمن، وفيما جمع من "فتاوى القفال" وغيره تفريعاً على وجوب الضمان إذا طار في الحال أنه لو ثبت هرة، كما لو فتح القفص ودخلت، وقتلت الطائر لزمه الضمان، كأنهم جعلوا الفتح إغراء للهرة كما أنه تنفير للطائر، وأنه لو كان القفص مغلقًا، فاضطرب بخروج الطائر، وسقط وانكسر وجب ضمانه على الفاتح، وأنه لو كسر الطائر في خروجه قارورة أنسان لزمه ضمانه؛ لأن فعل الطائر منسوب إليه 12، وأنه لو كان شعير في جراب مشدود
الجزء: 5 - الصفحة: 402
الرأس، وبجنبه حمار ففتح فاتح رأسه فأكله الحمار في الحال لزمه الضمان، وإذا حل رباط بهيمة أو فتح الاصطبل، فخرجت وضاعت 13، فالحكم على ما ذكرنا في فتح القفص، وحكى الإمام أن شيخه أبا محمد كان يثبت الفرق بين الحيوان النافر بطبعه والأنس، ويجعل خروج الإنس على الاتصال كخروج النافر على الانفصال.
قال: وهذا منقاس، ولكني لم أره إلاَّ له.
وإذا خرجت البهيمة في الحال، وأتلفت زرع إنسان فعن القفال: أنه إن كان نهارًا لم يضمن، وإن كان ليلاً ضمن كما في دابة نفسه.
وقال العرقيون: لا يضمن إذ ليس عليه حفظ بهيمة الغير عن الزرع عليه 14.
ولو حل قيد العبد المجنون أو فتح باب السجن فذهب، فهو كما لو حل رباط البهيمة، وإن كان عاقلاً نظر إن لم يكن آبقًا فلا ضمان؛ لأن له اختيارًا صحيحًا، وذهابه محال عليه، وإن كان آبقًا ففيه خلاف للأصحاب منهم من جعل حل قيده كحل رباط البهيمة؛ لأنه أطلقه، وقد اعتمد المالك ضبطه فأتلفه عليه، فعلى هذا يجيء فيه التفصيل السابق، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والأظهر: أنه لا ضمان بحال كما في غير الآبق، وهو المذكور في الكتاب.
ولو وقع طائر على جداره، فنفره لم يضمن؛ لأنه كان ممتنعاً من قبل، ولو رماه في الهواء فقتله ضمن، سواء كان في هواء داره، أو في غيره، إذ ليس له المنع الطائر من هواء ملكه، هذا شرح المسألتين، وكانت صورة المسألة الأولى مبددة في الكتاب، فنظمها، وقد أدرج وفي خلالها صورًا للاستشهاد لانهملها، وإن كانت تأتي في الشرح في مواضعها.
منها لو فتح باب الحِرْز فسرق غيره، أو دلَّ سارقًا فسرق أو أمر غاصبا حتى غصب، أو بني دارًا فألقت الريح فيها ثوباً فضاع لا ضمان عليه؛ لم يوجد منه إثبات يد
الجزء: 5 - الصفحة: 403
على المال، ولا مباشرة إتلاف ولا تسبب يمكن تعليق الضمان به.
أما في الصورة الأخيرة فلا تسبب أصلاً؛ لأنه لا يقصد ببناء الدار ذلك، وأما فيها سواها فلانة طرأ عليه مباشرة المحتاز فانقطعت الإضافة إلى السبب.
ونها لو حُبِسَ المالك عن ماشيته حتى تلفت لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتصرف في المال، ولكنه تصرف في المالك، وكان هذا التصوير فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما القصد حبسه فأفضى الأمر إلى هلاكها؛ لأن أبا سعيد المتولي أجرى الوجهين المذكورين فيما إذا فتح الزق عن جامد، فذاب ما فيه بشروق الشمس وضاع وفيها إذا كان زرع ونخيل، وأراد سوق الماء إليهما، فمنعه ظالم من السَّقي حتى فسدت هل يلزمه الضمان 15؟
ومنها: لو نقل صبيًا حرًا إلى مضيعة فاتفق سبع فافترسه لا ضمان عليه إحالة للهلاك على اختيار الحيوان، ومباشرته، وأنه لا يقصد بالنقل ذلك.
أما إذا كان نقله إلى مسبعه 16 فافترسه سَبُعٌ، فقد حكى صاحب الكتاب وجهين إلحاقًا بالوجهين في مسألة شروق الشمس.
والمشهور من مذهبنا أنه لا ضمان، وإنما يوجبه أبو حنيفة.
وأما قوله: "وكذلك نقول إذا غصب الأمهات وحدثت الزوائد والأولاد في يده مضمونة" فهذا وإن كان مذكوراً على سبيل الاستشهاد، لكنه يشتمل على مسألة مقصودة في الباب، وهي أن زوائد المغصوب منفصلة كانت كالولد والثمرة والبيض، أو متصلة كالسمن، وتعلم الصنعة مضمونة على الغاصب كالأصل، سواء طالبه المالك بالرد أو لم يطالبه، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة هي أمانة لا يضمنها إلاَّ بما يضمن سائر اومانات، ويروي مثله عن مالك.
لنا أن غَصْب الأم يتضمن منع حصول الولد من يد المالك، فليكن كإزالة يده عنه كما أن من غَرَّ بحرية أمه فأحبلها كان الولد حرًا، وضمن قيمته لأن باعتقاد حرية الأم يقع دخول الولد في ملكه، فجعل كإتلاف ملكه، وأيضاً فإن اليد العادية مضمونة كالإتلاف ثم الإتلاف قد يكون على سبيل المباشرة وقد يكون على سبيل التسبب، وكذلك اليد وإثبات اليد على الأصول تسبب إلى إثبات اليد على الأولاد، فليتعلق به
الجزء: 5 - الصفحة: 404
الضمان، وهذا معنى قوله في الكتاب: "وكان ذلك تسببًا إلى إثبات اليد" واستشهد بالمسألة بقوله: "إن ذلك يتوقع فيقصد" ولنطرد هذه القاعدة ذهب بعضهم إلى أنه إذا غصب هادي القطيع، فتبعه القطيع أو البقرة فتبعها العجل يضمن القطيع والعجل 17، والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا إِثْبَاتْ اليَدِ فَهَوَ مُضَمَّنٌ، وإِذَا كَانَ عُدْوانًا فَهُوُ غَصْبٌ، والمُودِعُ إِذَا جَحَدَ فَهُوُ مَنْ وَقْتِ الجُحُدِ غَاصِبٌ، وَإِثْبَاتُ اليَدِ في المَنْقُولِ بِالنَّقْلِ إلاَّ في الدَّابَّةِ فَيكْفِي فِيِهَا الرُّكوُبَ (و)، وفِي الفَرَسِ الجُلُوُسِ عَلِيْهِ فَهُوِ غَايَةُ الاستِيْلاَء، وفِي العَقَارِ (ح) يَثْبُتُ الغَصْبُ بِالدُّخُولِ وَإِزْعَاجِ المَالِكِ، وَإِنْ أَزْعَجَ وَلَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يُزْعِجُ وَلَمْ يَقِصْدِ الاسْتِيلاَءِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ قَصَدَ صَارَ غَاصِبًا لِلنِّصْفُ والنِّصْفُ فِي يَدِ المَالِكِ، والضَّعِيْفُ إذا دَخَلَ دَارَ القَوِيَّ وَهُوَ فِيِهَا وَقَصَدَ الاسْتِيلاَءِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لأنْ المَقْصُودَ غَيْرُ مُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ القَوِيُّ فِيِهَا ضَمِنَ لأنَّهُ فِي الحَالِ مُسّتَوْلٍ وأَثَرُ القُوَّةِ في القُدْرَةِ عَلَى الاِنْتِزَاعِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ غَصَبَ قَلَنْسُوَةَ مَلِكٍ ضَمِنَ في الحَالِ.
قال الرافعي: السبب الثالث إثبات اليد العادية ينقسم إلى مباشرة بأن يغصب الشيء، ويأخذه من مالكه، وإلى التسبب وهو في الأولاد وسائر الزوائد، كما مر أن إثبات اليد على الأصول سبب إلى إثباتها على الفروع:
وقوله في الكتاب: "إثبات اليد فهو مضمن" يعني إثبات اليد العادية، كما ذكرنا في أول الركن لا مطلق إثبات اليد.
وقوله: "إذا كان عدواناً فهو غصب" يعني إذا كان عدوانًا بمباشرته، ويمكن أن يحمل قوله: "إن إثبات اليد مضمون" على أنه جهة للضامن في الجملة، فهذا انضمت إليه العدوانية، فهو غصب إما بالمباشرة أو بالتسبب، وهذا أحسن، واللفظ إليه أقرب، لكنه صرح بالأول في "الوسيط" والظاهر أنه أراد هاهنا ما صرح به هناك.
وقوله: "إذا جحد فهو من وقت الجحود غاصب" هذه الصورة وحكمها مذكورة
الجزء: 5 - الصفحة: 405
في "الوديعة"، والداعي إلى ذكرها في هذا الموضع أن أبا حنيفة يقول: غاصب الأصل وإن أثبت اليد على الولد، لكنه لم تزل يد المالك، والغصب عبارة عن إزالة يد المالك، فمنع الأصحاب اعتبار قيد الإزالة في الغَصْب، واحتجوا عليه أن المودع من وقت الجحود غاصب، وبأنه لو طولب بولد المغصوب، فامتنع كان غاصبًا، وإن لم تزل يد المالك، ولمن ينازع أن يقول: لا غصب في الصورتين، لكنه يضمن ضمان المغصوب لتقصيره في الأمانة في الجحود والامتناع، ثم تكلم فيما تثبت به اليد العادية في العقار والمنقول.
أما المنقول فالأصل فيه النقل، لكن لو ركب دابة الغير، أو جلس على فراشه، ولم ينقله فقد حكى الإمام فيه وجهين:
أحدهما: أنه لا بد من النقل، كما لا بد منه في قبض المبيع، وسائر العقود.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يكون غاصبًا لحصول غاية الاستيلاء بصفة الاعتداء، ولمن نصره أن يجيب عن احتجاج الأول بأن القبض في البيع له حكمان: دخول في ضمانة، وذلك حاصل بالركوب والجلوس من غير نقل.
والثاني: تمكنه من التصرف، فالركوب إما أن يكون بإذن البائع، أو دون إذنه، فإن أذن البائع فالتمكن حاصل، وإن لم يأذن فلا يتمكن، لكن الحكم في النقل بغير إذنه مثله، فإذا لا فرق، ويشبه أن تكون المسألة مصورة فيما إذا قصد الراكب أو الجالس الاستيلاء أما إذا لم يقصده ففي "التتمة" في كونه غاصبًا وجهان.
قال: وهذا كان المالك غائبًا، أما إذا كان حاضرًا، فإن زعجه وجلس على الفراش ضمن، وهذا إن لم يزعجه، وكان بحيث يمنعه من دفعه والتصرف فيه، وقياس ما سيأتي في نظيره في العقار ألا يكون غاصبًا إلاَّ لنصفه والله اعلم.
وأما العقار فإما أن يكون مالكه فيه أو لا يكون إن كان فيه فأزعجه ظالم، ودخل الدار بأهله على هيئة من يقصد السُّكني فهو غاصب، سواء قصد الاستيلاء، أم لم يقصد، فإن وجود نفس الاستيلاء يغنى عن قصده، ولو سكن بيتاً من الدار، ومنع المالك عنه دون باقي الدار، فهو غاصب لذلك البيت دون باقى الدار، فإن أزعج المالك، لكنه لم يدخل الدار فقد أطلق هاهنا.
وفي "الوسيط" أنه لا يضمن، واعتبر دخول الدار في غصبها, لكن قدم في "البيع" أنه لا يعتبر في قبض العقار دخوله والتصرف فيه، وإنما المعتبر التمكن من التصرف بالتخلية، وتسليم المفتاح إليه، وإذا كان حصول التمكين بتمكين البائع قبضاً، وجب أن يكون حصوله بالتسليط في أخذ المفتاح بالقهر غصبًا، وإن لم يوجد الدخول،
الجزء: 5 - الصفحة: 406
وهذا ما يدل عليه كلام عامة الأصحاب، فإنهم لم يعتبروا إلاَّ الاستيلاء ومنع المالك عنه، ولم يذكر الإمام المسألة كما ذكرها صاحب الكتاب، ولكن قال: لا يحصل الغَصْب بنفس الإزعاج، فإنه بمثابة منع المالك عن ماشيته، وحمل هذا على ما ذكره الأكثرون هين، ولو لم يزعج المالك، ولكنه دخل واستولى مع المالك كان غاصبًا لنصف الدار لاجتماع يدهما واستلائهما عليه، نعم لو كان الداخل ضعيفًا والمالك قوي لا يعد مثله مستوليًا ولم يكن غاصبًا لشيء من الدار ولا عبره بقصد مالا يتمكن من تحقيقه أما إذا لم يكن مالك العقار فيه ودخل على قصد الاستيلاء فهذا غاصب وإن كان الداخل ضعيفًا وصاحب الدار قويًا لأن الاستيلاء حاصل في الحال واثر قوة المالك سهولة ازالته والانتزاع من يده فكان كما لو سلب قلنسوة ملك يكون غاصبًا وإن سهل على المالك انتزاعها وتأديبه.
وفيه وجه أن لا يكون غاصبًا؛ لأن مثله في العرف يعد هزءًا، ولا استيلاء وإن دخله لا على قصد الاستيلاء بل لينظر هل يصلح له أو ليتخذ مثله لم يكن غاصبًا.
قال في "التتمة" لكن لو أنهدمت في تلك الحالة هل يضمنها فيها وجهان.
أحدهما: نعم؛ كما لو أخذ منقولاً من بين يدي مالكه لينظر هل يصلح له ليشتريه، فتلف في تلك الحالة فإنه يضمنه.
وأصحهما: لا؛ بخلاف المنقول وفرق بينهما بأثر اليد على المنقول حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة وعلى العقار حكمية فلا بد من تحقيقها من قرينة الاستيلاء وهذا الفرق كأنه راجح إلى الأصح وإلاَّ فوجهان جاريان في المنقول على ما سبق.
وقوله خاصة بل المعنى إذا وجد الانتفاع والاستيلاء التام على المنقولات في الكتاب "إلاَّ في الدابة وفي الفراش" ليس القصد من الاستيلاء الدابة والفراش ولا شيء في المنقولات فيكفي على وجه وقوله "وفي العقار يثبت الغصب" معلم -بالحاء- لأن عند أبي حنيفة لا يثبت فيه الغصب لنا أن العقار تثبت عليه اليد فيدخله الغصب كالمنقول.
وقوله "بالدخول إزعاج المالك" اعتبار الدخول والازعاج جميعاً، وفي اعتبار الدخول ما ذكرنا فيجوز أن يعلم قوله "بالدخول" بالواو وكذا قوله "لا يضمن".
واما الإزعاج فهو غير معتبر في غصب العقار أيضاً ألاَ تَرىَ انه لو كان المالك غائباً يوجد الغصب ولا إزعاج ولو استولى مع المالك غاصبًا للنصف ولا إزعاج بل الاعتبار باليد والاستيلاء حتى لو اقتطع قطعة من ارض ملاصقة لارضه وبنى عليها حائطا وأضافها إلى ملكه يضمنها إلاَّ أن الاستيلاء في الغالب يحصل بالدخول والازعاج فلذلك ذكرهما والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 407
قال الغزالي: وَكُلُّ يَدٍ تُبْتَنَى عَلَى يَدِ الغَاصِبِ فهِيَ يَدُ ضَمَانٍ إِنْ كَانَ مَعَ الِعلْمِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الجَهْلِ بِالغَصْبِ فَهُوَ أَيْضًا يَدُ ضَمَانٍ، وَلكَنْ في إِقْرارَ الضَّمَانِ تَفْصِيِلٌ، وَكُلُّ يدٍ لَو ابْتُنَيِ عَلىَ يَدِ المَالِكِ اقْتَضَى أَصْلُ الضَّمَانِ كَيْدَ العَارِيَةِ وَالسَّوْمَ وَالشِّرَاء، فَإِنِ ابْتُنَيِ عَلىَ يَدِ الغَاصِبِ مَعَ الجَهْلِ اقْتَضَى قَرَارَ الضَّمَانِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَمَا لأكيْدِ الوَدِيَعةِ وَالإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالوَكَالَةِ لاَ تَقْتَضِي قرَارَ الضَّمَانِ.
قال الرافعي: قد مر أكثر صور الفصل في "باب الرَّهْن" من الكتاب مع الخلاف، واقتصر هاهنا على ذكر ظاهر المذهب، وهو أن كل يد ترتبت على يد الغاصب، فهي يد ضامن 18 حتى يتخير المالك بين أن يطالب الغاصب عند التلف، وبين أن يطالب من ترتبت يده، على يده سواء علم الغصب، أو لم يعلم؛ لأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه، والجهل غير مسقط للضمان.
ثم الثاني إن علم بالغصب، فهو كالغاصب من الغاصب، يطالب بكل ما يطالب به الغاصب، وإن تلف المغصوب في يده، فاستقرار ضمانه عليه حتى لو غرم لم يرجع على الأول، ولو غرم الأول رجع إليه إذا لم تختلف قيمته في أيديهما، أو كانت في يد الثاني أكثر.
أما إذا كانت في يد الأول أكثر، فلا يطالب بالزيادة إلا الأول، ويستقر عليه، وإن جهل الثاني الغَصْب، فإن كان اليد في وضعها يد ضمان، كالعارية، فيستقر الضمان على الثاني، وإن كانت يد أمانة كالوديعة، فيستقر على الغاصب.
وإذا تأملت الشرع هناك أعلمت قوله: "وإن كان مع الجهل بالغصب فهو أيضاً يد ضمان" بالواو بالوجه الذاهب إلى أيدي الأمانات لا تقتضى الضمان عند الجهل، وكذا قوله: "لا يقتضى قرار الضمان" للوجه الذاهب فيها إلى القرار.
واعلم أن الطريق المنسوب إلى العراقيين لم يورده الإمام هاهنا كما سبق في "الرَّهْن" ولكن نقل عنهم فرقًا بين أيدي الأمانات على نحو ما تقدم عنهم من التصديق عند دعوى الرد، والاعتماد على ما سبق هناك.
الجزء: 5 - الصفحة: 408
وأما ما يتعلق باللفظ، فقدله: "وكل يد تبتني" على هكذا يوجد في الأكثر، ويقرأ لكن الابتناء متعد كالبناء، فالوجه أن يقال: ابتنت وقد تستعمل اللازمه الأبتناء، فيمكن أن تراعى الصورة، ويقرأ ابتنت وقوله: "تقرير ضمان" يعني بصفة الاستقرار.
وأما عند الجهل، فهو يد ضمان، وفي صفة الاستقرار التقضيل.
وقوله: "اقتضت أصل الضمان" ينبغى أن يكون الضمان هاهنا مفسرًا باستقرار اليد عليه إذا حصل التلف في يده، ثم البدل القيمة تارة، والثمن أخرى، وهذا لأن الشراء معدود من أيدي الضمان، فليكن التفسير ما يشمل الشراء، والكلام في تفصيل ما يضمن المشتري من الغاصب، وسائر ما يناسبه يأتي في الفصل الثالث من الباب الثاني، إن شاء الله تعالى، والقرض معدود من أيدي الضمان.
ولو وهب المغصوب من إنسان، فتلف في يده، فالقرار على الغاصب في أحد القولين؛ لأن يد الاتهاب ليست يد ضمان، وعلى المتهب في أصحهما؛ لأنه أخذه للتمليك.
قيل: هو كالمودع.
ومنهم: من قطع بأنه لا يطالب؛ لأن كون الزوجة في حبالة الزوج ليس ككون المال في يد صاحب اليد.
قال في "التهذيب": وهو المذهب.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَتْلفَ الآخِذُ مِنَ الغَاصِبِ فَالقَرَارُ عَلَيْهِ أَبَدًا، إِلاَّ إِذا كَانَ مَغْرُورًا، كَمَا لَوْ قَدَّمِ إِلَيْهِ ضِيَافَةً فَفِيهِ قَوْلاَنِ لِمُعَارَضَةِ الغُرُورِ وَالمُبَاشَرَةِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ غَرَّ الغَاصِبُ المَالِكَ وَقدَّمَهُ إِلَيْهِ فَأَكَلَهُ المَالِكُ، وَهَاهُنَا أَوْلَيِ بأَنْ يَبْرَأَ الغَاصِبُ، وَكَذَلِكَ يَطَّرِدُ الخِلاَفُ في الإيِدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِجَارَةِ مِنَ المَالِكِ إِذَا تَلَفَ في يَدِهِ، وَلَوْ زَوَّجَ الجَارَيةَ مِنَ المَالِكِ فَاسْتَولَدَهَا مَعَ الجَهْلِ نَفَذَ اَلاستيلادُ وِبَرئَ الغَاصِبُ، وَكَذلِكَ لَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ فَإِنَّ التَّسْليِطَ تَامٌّ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ عَبْدَي فَأَعْتِقْهُ فَقَدْ قِيلَ: لاَ يَنْفُذُ عتْقُهُ لأَنَّهُ مَغْرُورٌ، وَقِيلَ: يَنْفُذُ وَيَرْجعُ بالغُرْمِ، وَقِيلَ: لاَ يَرْجعُ بِالغُرْمِ.
قال الرافعي: عرفت حكم قرار الضمان عند تلف المغصوب في يد من ترتبت يده على يد الغاصب، أما إذا أتلفه، فينظر إن استقل به قرار الضمان عليه؛ لأن الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية، فإن حمله الغاصب عليه، كما إذا غصب طعامًا، فقدمه إلى إنسان ضيافة حتى أكله، فالقرار عليه أيضاً، إنْ كان عالماً، وإن كان جاهلًا، فقولان:
أحدهما: أن القرار على الغاصب؛ لأنه غَرَّهُ، حيث قدم الطعام إليه، وأوهم أنه لا تبعة فيه، ويروى هذا عن القديم، وبعض كتب الجديد.
وأصحهما: وهو المشهور من الجديد.
الجزء: 5 - الصفحة: 409
وبه قال أَبُو حَنْيِفَة والمُزنِيُّ أن القرار على الآكل؛ لأنه المتلف، وإليه عادت منفعته، فعلى هذا إذا غرم لم يرجع على الغاصب، والغاصب إذا غرم يرجع على الآكل، وعلى الأول الحكم بالعكس، وهذا إذا قدم الطعام، ولم يذكر شيئاً.
أما إذا قدمه، وقال: هو ملكي، ففي رجوع الآكل على الغاصب القولان، ولو غرم الغاصب.
قال المُزنِيُّ: يرجع على الآكل، وغلطه الأصحاب؛ لأن في ضمن قوله: "إنه ملكى" اعتراف بأنه مظلوم بما غرم، والمظلوم لا يرجع على غير الظالم، ولو وهب المغصوب من غيره، وأتلفه، ففيه القولان، وأولى بأن يستقر الضمان على المتهب لحصول الملك له، ولو قدم الطعام المغصوب إلى عبد إنسان، فأكله، فإن جعلنا القرار على الحر إذا قدمه إليه فأكله، فهذه جناية من العبد يباع فيها، وإلاَّ فلا يباع، وإنما يطالبه الغاصب، كما لو قدم شعيرًا مغصوبًا إلى بهيمة غيره من غير إذن مالكها.
ولو غصب شاة، وأمر قَصَّابًا فذبحها جاهلا بالحال، فقرار ضمان النقصان على الغاصب، ولا يخرج على الخلاف في أكل الطعام؛ لأنه ذبح للغاصب.
وهناك انتفع به لنفسه، ولو أمر الغاصب إنسانًا، فأتلف المغصوب بالقتل، والإحراق، ونحوها، ففعله جاهلًا بالغصب.
فمنهم كم جعله على القولين في أكل الطعام.
والأصح: القطع بأن القرار على المتلف؛ لأنه محظور، بخلاف الآكل، ولا وقع للتغرير مع الحظر، ثم في الفصل صور:
إحداها: لو قدم الطعام المغصوب إلى مالكه، فأكله جاهلًا بالحال، فإن قلنا في التقديم إلى الأجنبي إن القرار على الغاصب لم يبرأ الغاصب هاهنا، وإن جعلنا القرار على الآكل برئ الغاصب هاهنا.
وبه قال أبو حنيفه، وربما نصر العراقيون الأول لكن قد سبق في المسألة المبنى عليها أنْ الأصح ثبوت الاستقرار على الآكل.
وحكى الإمام عن الأصحاب أنهم رأوا البراءة هاهنا أولى من الاستقرار، وهاهنا تعرف المالك في ضمن إتلافه يتضمن قطع علقة الضمان عن الغاصب.
وتابعه صاحب الكتاب على ذلك، وبنيا على هذه الأولوية تردد الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ فيما إذا أودع، أو رهن، أو أجر المالك، وهو جاهل بالحال، فتلف المغصوب عنده؛ لأن يد المالك إذا ثبتت قطعت أثر الضمان، وظاهر المذهب أن الغاصب لا يبرأ في هذه الصور، كما أن الضمان لا يتقرر على الأجنبي، وعلى عكسه لو باع، أو أقرض، أو أعار من المالك، فتلف عنده يبرأ الغاصب، ولو دخل المالك دار الغاصب، فأكل طعامًا
الجزء: 5 - الصفحة: 410
على اعتقاد أنه طعام الغاصب، فكان طعامه المغصوب يبرأ الغاصب؛ لأنه أتلف مال نفسه في جهة منفعته من غير تغرير من الغاصب.
ولو صال العبد المغصوب على مالكه، فقتله المالك لم يبرأ الغاصب من الضمان، سواء علم أنه عبده، أو لم يعلم؛ لأن الإتلاف بهذه الجهة، كإتلاف العبد نفسه، ولهذا لو كان العبد لغيره لا يضمنه.
وفيه وجه: أنه يبرأ عند العلم لإتلافه مال نفسه في مصلحته.
الثانية: لو زوج الجارية المغصوبة من مالكها، وهو جاهل، فتلفت عنده، فهو كما لو أودع المغصوب عنده، فتلف ثم لو استولدها نفذ الاستيلاء، وبرئ الغاصب.
ومنهم من أثبت فيه خلافاً، وهو قريب من الخلاف الذي نذكره في إعتاقه.
الثالثة: لو قال الغاصب لمالك العبد المغصوب: أعتقه فأعتقه جاهلًا بالحال، ففي نفوذ العتق وجهان:
أحدهما: أنه لا ينفذ؛ لأنه لم يرض بإعتاق عبده.
وأصحهما: النفوذ لإضافة العتق إلى رقيقه، والعتق لا يدفع بالجهل، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه لا يبرأ الغاصب عن الضمان، بل يرجع المالك عليه بالغرم؛ لأنه لم يرض بزوال ملكه.
وأصحهما: البراءة لانصرافه إلى جهة صرفه إليها بنفسه، وعادت مصلحتها إليه، ولو قال أعتقه عني، وفعل جاهلًا ففي نفوذ العتق الوجهان إن نفذ ففي وقوعه عن الغاصب وجهان.
قال في "التتمة": الصحيح المنع.
ولو قال المالك للغاصب: أعتقه عني، أو مطلقاً فأعتق عتق، وبرئ الغاصب.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ) الثَّانِي في المُوجَبِ فِيهِ، وَهُوَ كُلُّ مَالٍ مَغصْوُب، وَينْقَسِمُ إِلىَ الحَيوَانِ وَغَيْرِهِ، فَالحَيَوَانُ يُضْمنُ بِقِيِمَتِهِ حَتَّى العَبْدُ يَضْمَنُ عِنْدَ التَّلَفَ وَالإتْلاَف بأَقْصَى قِيمِتَهِ، وَلَوْ قَطَعَ الغاصِبُ إِحْدَى يَدَيِ العَبْدِ الْتَزَمَ أَكْثَرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشَ النُّقْصَانِ لأنَّهُ تَلَفَ تَحْتَ يَدِهِ إِذَا قُلْنَا جِرَاحُ العَبْدِ مُقَدَّرٌ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لاَ يَضْمَنُ أَلاَّ أَرْشَ النُّقْصَانِ، وَلاَ يَجِبُ في عَيْنِ البَقَرَةِ وَالفَرَسِ إِلاَّ أَرْشُ النَّقص، وَلاَ يَضُمَنُ الخَمْرَ لِذِمِّيِّ وَلاَ مُسْلِمِ، وَلكَنْ يَجِبُ رَدُّهَا إِنْ كَانَتْ مُحْتَرَمَةَ، وَلاَ يُرَاقُ عَلىَ أَهْلِ
الجزء: 5 - الصفحة: 411
الذِّمَّةِ إلاَّ إِذَا أَظْهَروُهَا، فَإِنْ أُرِيقَ فَلاَ ضَمَانَ، وَكَذَلِكَ المَلاَهِى أَذَا كُسِرَت، فَإنْ أُحْرِقَتْ وَجَبَ قِيمَةُ الرِّضُّاَضِ لأنَّهُ غيرُ جائِزٍ، وَكَذا في الصَّليِبِ وَالصَّنَمِ وَالمُسْتَولَدَةِ وَالمُدَبَّرِ، وَالمُكَاتَبُ مُلْحَقٌ في الضَّمَانِ بِالعَبْدِ القنِّ.
قال الرافعي: في الموجب فيه قال: حملة المذهب المضمونات قسمان:
أحدهما: ما ليس بمال، وهو الأحرار فيضمنون بالجناية على النفس والطرف بالمباشرة تارة وبالسبب أخرج.
والقول في هذا القسم يبسط في "الجنايات".
والثاني: ما هو مال، وينقسم إلى الأعيان والمنافع، والأعيان، قسمان: الحيوان وغيره، والحيوان: قسمان الآدمي وغيره.
أما الآدمي فتضمن النفس والطرف من الرقيق بالجناية، كما يضمن الحر، ويضمن أيضاً باليد العادية وبدل نفسه قيمته بالغة ما بلغت، سواء قتل أو تلف تحت اليد العادية.
وأما الأطراف والجراحات فتنقسم إلى ما لا تقدر واجبه من الحر، والواجب فيه من الرقيق ما ينقص قيمته، سواء حصل بالجناية، أو تحت اليد العادية، وإلى ما يتقدر من الحر مما يحصل منها بجناية فيه قولان:
أصحهما: وهو الجديد: أنه يتقدر من الرقيق أيضًا والقيمة في حقه كالدية في الحر، فيجب في يد العبد نصف قيمته، كما يجب في الحر نصف ديته، وعلى هذا القياس.
والثاني: وينسب إلى اختيار ابْنِ سُرَيْج أن الواجب ما ينقص من القيمة، كما في سائر الأموال، وما يحصل تحت مجرد اليد العادية، كما إذا غصب عبداً، فسقطت يده بآفة سماوية، فالواجب فيه قدر النقصان.
وفيه وجه: أنه إذا كان النقصان أقل من المقدر وجب ما يجب على الجاني، والمذهب الأول؛ لأن ضمان اليد سبيله سبيل ضمان الأموال، ألا تَرَىَ أنه لا يتعلق به القصاص، ولا الكفارة، ولا يضرب على العاقلة بحال؟ ولهذا لو كان قدر النقصان أكثر من المقدر كان هو الواجب بالأتفاق.
فإن قلنا بالجديد، فلو قطع الغاصب يد العبد المغصوب لزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة، أو أرش النقصان لاجتماع السببين حتى لو كانت قيمته ألفا، ونقص أربعمائة وجب خمسمائة، ولو نقص ستمائة وجب ستمائة، ولو قطع يديه، فعليه كل قيمته، وكذلك لو قطع أنثييه، فزادت قيمته، لو كان الناقص بقطع الغاصب ثلثي قيمته،
الجزء: 5 - الصفحة: 412
فالواجب ثلثا القيمة على القولين.
وأما على القديم فلأنه قدر النقصان.
وأما على الجديد فالنصف واجب بالجناية والسدس باليد العادية، ولو كان الناقص بسقوط اليد ثلث قيمته، فهو الواجب على القديم، وكذا على الجديد جواباً على أصح الوجهين، وعلى الثاني الجواب نصف القيمة والمستولدة والمكاتب والمدبّر يلتحقون في الضمان بالعبد القِنّ.
وقال أبو حنيفة: المستولدة لا تضمن بالغصب، لنا القياس على المدبر بجامع بقاء الرق فيهما، ألاَ تَرَىَ أنه يملك تزويجها، وإجارتها، ويأخذ قيمتها لو قتلت.
وأما غير الآدمي من الحيوانات، فالواجب فيها باليد والجناية القيمة، وفيما يتلف من أجزائها ما ينقص من القيمة، ولا فرق في ذلك بين نوع ونوع.
وعن أبِي حَنِيْفَةَ أن الإبل والبقر والخيل، وما له اللحم والظهر معاً يجب في إحدى عينيه ربع القيمة استحسانًا، وبه قال أَحْمَدُ في الخيل خاصة.
أما القياس على أطرافها، وعلى ماله اللحم وحده كالغنم أو الظهر وحده، كالبغال والحمير، ولا فرق أيضاً بين مالك ومالك.
وعن مالك أن في قطع ذنب حمار القاضي تمام القيمة؛ لأنه لا يصلح له بعد ذلك.
وعن أحمد رواية مثله.
لنا أن النظر في الضمان إلى نفس المفوت، لا إلى أغراض الملاك، ألاَ تَرَىَ أنه في وطء جارية الأب بالشبهة مهر المثل، كما في وطء جارية الأجنبي بالشبهة وأن تضمن وطء جارية الأب تحريمها عليه.
وأما غير الحيوان، فينقسم المثلي والمتقوم 19، وسيأتي ما يضبطهما في الركن الثالث.
بقى من فقه الفصل مسألة، وهي أن الخمر والخنزير لا يضمنان للمسلم ولا للذمي، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجب الضمان في إراقة خمر الذمي إن أراقها مسلم ضمنها بالقيمة؛ وإن أراقها ذمي ضمنها بالمثل.
لنا أن مالا في ضمن للمسلم لا يضمن للذمي، كالميتة والدم، وأيضاً فإن الخمر ليست بمال، ولا فرق فيما.
ذكرناه بين أن يريق، حيث تجو الإراقة وحيث لا تجوز، ولا تراق خمر أهل الذمة إلاَّ إذا تظاهروا بشربها أو بيعها, ولو غصبت منهم، والعين باقية
الجزء: 5 - الصفحة: 413
وجب ردها.
وإن غصبت من مسلم وجب ردها، إن كانت محترمة، وإلاَّ لم يجز، بل أريقت لحديث أَبِي طَلْحَةَ في خمور الأيتام 20، وآلات الملاهي، كالبَرْيط والطَّنبُور وغيرهما، وكذلك الصليب والصنم لا يجب في إيصالها شيء أصلاً؛ لأنها محرمة الاستعمال، ولا حرمة لتلك الصنعة والهيئة.
واختلفوا في الحد المشروع لإبطالها على وجهين:
أحدهما: أنها تُكسر وتُر حتى تنتهي إلى حد لا يمكن إيجاد آلة محرمة منها لا الأولي ولا غيرها.
وأظهرهما: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، ولكنها تفصل، وفي حد التفصيل وجهان:
أحدهما: أنها تفصل قدر مالا تصلح للاستعمال الحرام، حتى إذا رفع وجه البَرْيط، وترك على شكل قصعة كفى.
والثاني: أنها تفصل إلى حد لو فرض إيجاد ألة محرمه من مفصلها لنال الصانع التعب الذي يناله في ابتداء الإيجاد، وهذا بأن يبطل تأليف الأجزاء كلها، حتى تعود كما كانت قبل التأليف، ويشبه أن يكون هذا أقرب إلى كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- وعامة الأصحاب، وما ذكرنا من الاقتصار على تفصيل الأجزاء فيما إذا تمكن المحتسب منه.
أما إذا منعه من في يده، وكان يدفع عن المنكر، فله إبطاله بالكسر.
وحكى الإمام وِفَاقَ الأَصحاب على أن قطع الأوتار لا يكفي؛ لأنها مجاورة لها منفصلة.
وتوقف في شيئين تفريعاً على وجه المبالغة في الكسر:
أحدهما: في الصفائح التي توجد في يد من يصنع تلك الآلاتِ؛ لأن من بالغ في الكسر، عند حصول الهيئة المحظورة قد لا يرى تلك المبالغة في الابتداء.
والثاني: في الصليب؛ لأنها خشبة معروضة على خشبة؛ فإذا رفعت إحداهما عن الأخرى، فلا معنى للزيادة عليه.
إذا عرفت ذلك، فمن اقتصر في إبطالها على الحد المشروع، فلا شيء عليه، ومن جاوزها، فعليه التفاوت بين قيمتها مكسورة إلى الحد المشروع، وبين قيمتها منتهية إلى الحد الذي أتى به، وإن أحرقها، فعليه قيمتها مكسورة إلى الحد
الجزء: 5 - الصفحة: 414
المشروع 21، ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله "وهو كل مال معصوم".
ظاهره يقتضى حصر ما يجب ضمانه في الأموال، وقد عرفت من التقسيم السابق أن الأحرار مضمونون أيضاً، وكأنه أراد ما يجب ضمانه بالأسباب المذكورة في أول الباب، وحينئذ يخرج الأحرار؛ لأنهم لا يضمنون باليد العادية، وإن كانوا مضمونين، وأشار بالعصوم إلى أن عصمة المال شرط في وجوب الضمان، فلا يضمن مال الحربي.
وقوله: "حتى العبد يضمن عند التلف والإتلاف -أقصى قيمته" -معلّم بالحاء؛ لأن أبا حَنِيْفَةَ لا يوجب أقصى قيمة المماليك على ما بينته في موضعه.
وقوله: "إذا قلنا: جرح العبد مقدار" إشارة إلى قوله الجديد.
وقوله: "لا يضمن إلاَّ أرش النقضان" معلم بالواو.
وقوله: "ولا يجب في عين البقرة والفرس" بالحاء والألف، لما ذكرنا، والقصد بما ذكرنا التعرض لمذهبهما، وإنما ذهبا إليه لأثر فيه عن الصحابة -رضي الله عنهم- وتأويله عندنا أن الأرض في الواقعة كان قدر الربع.
وقوله: "لذمي" معلم بالحاء وقوله "ولكن" يجب ردهًا يجوز إعلامه بالواو، كما تقدم في فصل التحليل في "كتاب الرَّهْن".
وقوله: "وإن أريقت، فلا ضمان" ضرب تأكيد وبينه على أن لا يضمن الخمر مع المنع من إراقتها، وإلاَّ فقوله: "لا يضمن الخمر لذمي" يفيد النفي الكلي، وإذا ذكره، فلا بأس بإعادة إعلامه بالحاء.
وقوله: "وكذا الملاهي إذا كسرت" يعني الكسر المشروع، ولفظ في "المستولدة" معلم بالحاء وإتلاف الخمر، وإبطال منفعة الملاهي يخرج عما يضمن بقوله في أول الركن: "وهو كل مال معصوم" والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 415
قال الغزالي: وَمَنْفَعةُ الأَعْيَانِ تُضْمَنُ بِالفَوَاتِ تَحْتَ اليَدِ وَالتَّفْوِيتِ، وَمَنْفَعَةُ البُضْعِ لاَ تُضْمُنُ إلاَّ بِالتَّفْوِيتِ، وَمَنْفَعَةُ بَدَنِ الحُرِّ تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ، وَهَلْ يُضْمَنُ بِفَوَاتها عِنْدَ حَبْسِ الحُرِّ؟ وَجْهَانِ، وَهُوَ تَرَدُّدٌ في ثُبُوتِ يَدِ غَيْره عَلَيْهِ حَتَّى يَنْبَنى عَلَيْهِ جَوَازُ إجَارَةِ الحُرِّ عِنْدَ اسْتِئْجَارِهِ إنْ قُلْنَا: تَثْبُتُ اليَدُ وَإنَّهُ بِتَسْليِمِ نَفْسِهِ هَلْ يَتَقَرَرَّ أُجْرَتُهُ؟، وَفي ضَمَانِ مَنْفَعَةِ الكَلْبِ المَغْصُوُبِ وَجْهَانِ، وَمَا اصْطَادَهُ بِالكَلْبَ المَغْصُوب فُهوَ للِغَاصِبِ عَلىَ أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنِ اصْطَادَ العَبْدُ فَهَلْ يُدْخِلُ أُجْرَتَهُ تَحْتَهُ لأَنَّ الصَّيْدَ للِمَالِك؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْباً وَنَقَصَ قِيِمَتَهُ فَهَلْ تَنْدَرجُ الأُجْرَةُ تَحْتَ النَّقْصِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؟ وَلَو ضَمِنَ العَبْدَ المَغْصَوبَ بَعْدَ إبَاقِهِ فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ أُجْرَتُهُ بَعْدَ الضَّمَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ثم الكلام في قسم الأعيان من المضمونات.
أما المنافع فهي أنواع:
منها: منافع الأموال من العبيد والثياب وغيرها، وهي مضمونة بالتفويت 22، والفوات تحت اليد العادية، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ، حيث قال: لا تضمن بالتفويت، ولا بالفوات، وإنما تضمن بعقد، أو شبهة عقد، ولمالك حيث قال: لا تضمن بالفوات تحت اليد وإنما تضمن بالتفويت والاستعمال.
لنا أن المنافع مضمونة بالعقد الفاسد، وتضمن بالغصب، كالأعيان، وأيضاً فإنها متقومة، أَلاَ تَرَىَ أنه يبذل المال لتحصيلها؟ ولو استأجر عينًا لمنفعة، واستعملها في غيرها ضمنها، فأشبهت الأعيان.
إذا تقرر ذلك، فكل عين لها منفعة تستأجر من أجلها، تضمن منفعتها 23 إذا بقيت في يده مدة لمثلها أجرة، حتى لو غصب كتاباً وأمسكه مدة، طالعه أو لم يطالعه، أو مسكًا شمه، أو لم يشمه لزمه الأجرة، ولو كان العبد المغصوب يحسن صناعات لزمه أجرة أعلاها, ولا يجب أجرة الكل.
ومنها: منفعة البُضْع وهي لا تضمن بالفوات تحت اليد.
والفرق بينها، وبين سائر المنافع أن اليد لا تثبت على منفعة البضع، أَلاَ تَرَىَ أن
الجزء: 5 - الصفحة: 416
السيد يزوج الأمة المخصوبة، ولا يؤجرها، كما لا يبيعها؛ لأن يد الغاصب حائلة.
ولو تداعى اثنان نكاح امرأة، يدعيان عليها, ولا يدعى أحدهما على الآخر، وإن كانت عنده، وإِذا أقرت لأحدهما حكم بأنها منكوحته، وذلك يدل على أن اليد لها، وأيضاً فإن منفعة البضع تستحق استحقاق ارتفاق للحاجة وسائر المنافع تستحق استحقاق ملك تام، أَلاَ تَرَىَ أن من ملك منفعة بالاستئجار نقلها إلى غيره بالعوض بأن يؤجر وبغير العوض بأن يعير؟ والزوج المستحق لمنفعة البضع لا يملك نقلها, لا بعوض، ولا بغير عوض.
وأما إذا فوت منفعة البضع بالوطء ضمن مهر المِثْلِ.
وأخرنا بسط الكلام فيه إلى الفصل الثالث من الباب الثاني؛ لأن حكم وطء المشترى من الغاصب مذكور هناك، وذكر حكم وطء الغاصب معه أحسن في النظم.
ومنها: منفعة بدن الحر، وهي مضمونة بالتفويت، وإذا قهر حرّاً، واستخدمه في عمل ضمن أجرته، وإن حبسه، وعطل منافعه، فوجهان:
أحدهما: أنه يضمنها أيضاً؛ لأن منافعه متقومة بالعقد الفاسد، فأشبهت منافع الأموال، وحكى هذا عن ابنِ أَبِي هُريَرَة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد فمنافعه تفوت تحت يده بخلاف الأموال، ويقرب من هذين الوجهين الخلاف في صورتين.
إحداهما: لو استاجر حرّاً وأراد أن يؤجره هل له ذلك؟
والثانية: إذا أسلم الحر المستاجر نفسه، ولم يستعمله المستأجر إلى انقضاء المدة التي استأجره فيها هل تتقرر أجرته؟
قال الأكثرون: له أن يؤجره، وتتقرر أجرته.
وقال القَفَّالُ: لا يؤجره، ولا تتقرر أجرته؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولا تحصل منافعه في يد المستأجره وضمانه، إلاَّ عند وجودها، هكذا أورد النقلة توجيه الخلاف في المسائل الثلاثة، ولم يجعلوا دخول الحر تحت اليد مختلفاً فيه، ولكن القائلين بجواز إجارة الحر المستأجر، وتغريم الأُجرة كأنهم بنوا الأمر على الحاجة والمصلحة، وصاحب الكتاب جعله مختلفاً فيه، وبنى الخلاف في المسائل على التردد في دخوله تحت اليد، ولم أعثر على ذلك لغيره، وبتقدير ثبوته يجوز أن يعلم قوله: "والحر لا يدخل تحت اليد" وفي الرَّهْن في الباب الثالث في مسألة موت الحرة المَزْنِيِّ بها في الطلق من حمل الزنا بالواو، وفي ثياب الحر في ضمان من استولى عليه تفصيل مذكور في الكتاب في "السرقة".
الجزء: 5 - الصفحة: 417
فرع
قال في "التتمة": لو نقل حرّاً صغيرًا أو كبيرًا بالقهر من موضع إلى موضع آخر، فإن لم يكن له غرض في الرجوع إلى الموضع الأول، فلا شيء عليه 24 وإن كان واحتاج إلى مؤنة، فهو على الناقل لتعديه.
ومنها: منفعة الكلب، فمن غصب كلب الصيد، أو الحراسة لزمه رده مع الرد، إِن كان له مؤنة، وهل يضمن منفعته بالأجرة؟ فيه وجهان مرتبان مبنيان على الوجهين في جواز استئجاره، وسيأتي ذكرهما، وما اصطاده الغاصب بالكلب المغصوب للمالك على أحد الوجهين، كصيد العبد، وأكسابه، وللغاصب على أظهرهما؛ لأن الجارحة آلة كما لو غصب شبكة أو قوصا، واصطاد بهما، ويجرى الوجهان فيما لو اصطاد بالبَازِي، والفهد المغصوبين، وحيث كان الصيد للغاصب لزمه أجرة المِثْلِ للمغصوب منه، وحيث كان للمالك كصيد العبد، ففي وجوب الأجرة لزمن الاصطياد وجهان:
أحدهما: لا تجب؛ لأنه إذا كان الحاصل له كانت المنافع منصرفة إليه.
وأشبههما: الوجوب؛ لأنه ربما كان يستعمله في غير ما استعمله 25.
ولا تدخل الأجرة فيما اكتسبه.
ثم الفصل مختوم بقاعدتين.
إحداهما: المغصوب إذا دخله نقص هل يجب أرشه مع الأجرة؟ ينظر إن كان النقص بسبب غير الاستعمال، كما لو غصب ثوباً أو عبداً، فانتقصت قيمته بآفة سماوية، كما لو سقط العبد بمرض وجب الأرش مع الأجر، والأجرة لما قبل حدوث النقصان أجرة مثله سليمًا، ولما بعده أجرة مثله معيباً، فإن كان النقص بسبب الاستعمال، كما إذا لبس الثوب فأبلاه فوجهان:
أصحهما: أنهما يجبان أيضاً، كما لو حصل النقصان بسبب آخر.
والثاني: أنه لا يجب إلاَّ أكثر الأمرين من أجره المثل، وأرش النقصان؛ لأن النقصان نشأ من الاستعمال، وقد قوبل الاستعمال بالأجرة، فلا يجب له ضمان أجر، والقائل الأول يقول: الأجرة لا تجب للاستعمال؛ وإنما تجب لفوات المنفعة على المالك، أَلاَ تَرَى أنها تجب، وإن لم تستعمل، فإذا لا يلزم وجوب ضامنين بشيء واحد والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 418
سنذكر القاعدة الثانية أن العبد المغصوب إذا تعذر رده بآفة غرم الغاصب قيمته للحيلولة، ويلزمه مع ذلك أجرة المثل للمدة التي تمضي قبل بذل القيمة، ولما بعده وجهان:
أحدهما: أنها لا تجب؛ لأن القيمة المأخوذة نازلة منزلة المغصوب، فكأن المغصوب عاد إليه.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن حكم الغصب باقٍ، وإنما وجبت القيمة للحيلولة، فيضمن الأجرة لفوات المنفعة، والوجهان جاريان في أن الزوائد الحاصلة بعد دفع القيمة، هل تكون مضمونة على الغاصب، وفي أنه يلزمه مؤنة ردها؟ وفي أن جناية الآبق في إباقه هل يتعلق ضمانها بالغاصب؟ ولو غيب الغاصب العبد المغصوب إلى مكان بعيد وعسر رده، وغرم القيمة.
قال الإمام طرد شيخي في الصورة الخلاف في الأحكام المذكورة أيضاً.
ومنهم من قطع بوجوب الأجرة وثبوت سائر الأحكام، الفرق أن من غيبه باختياره، فهو باقٍ في يده وتصرفه، فلا تنقطع علائق الضمان عنه، بخلاف الآبق.
قال الغزالي: (الرُكْنُ الثَّالِثُ): في الوَاجِبِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى المِثْلِ وَالقِيمَةِ، وَحَدُّ المِثلْيِّ مَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُة فِي المَنْفَعَةِ والقِيمةِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ لا مِنْ حَيْثُ المَنْفَعَةِ، وَالأظْهَرُ: أَنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ والدَّقِيقَ مِثْلِيُّ، وَكَذَا الخُبْزُ فَإِنَّ أَخْلاَطَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلاَفِ سَائِرِ المَخْلُوطَاتِ.
قال الرافعي: ما يجب ضمانًا ينقسم باعتبار المضمون إلى المثل والقيمة، فيضمن المثلى بالمثل؛ لأنه أقرب إلى التالف والمتقوم بالقيمة.
وللأصحاب في ضبط المثلي عبارات:
إحداها: أن كل مقدر بكيل، أو وزن، فهو مثلي، وتروى هذه العبارة عن أَبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ، وتنسب إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- لقوله في "المختصر": وماله كيل أو وزن، فعليه مثل كيله أو وزنه.
والثانية: زاد بعضهم اشتراط جواز السَّلم فيه؛ لأن المسلم فيه يثبت بالوصف في الذمة، والضمان يشبه ألا يثبت في الذمة.
والثالثة: زاد القَفَّالُ وآخرون اشتراط جواز بيع بعضه ببعض، لتشابه الأصلين في قضية التقابل، واعترض على العبارات الثلاث بأن القماقم والملاعق والمغرف المتخذة من الصفر والنحاس موزونة، ويجوز السَّلم فيها، وبيع بعضها ببعض، وليست مثلية،
الجزء: 5 - الصفحة: 419
هكذا حكى الإمام الاعتراض عن القاضي لكن قد مر في باب السَّلم أن القماقم ونحوها لا يجوز السَّلم فيها لاختلافها، وإنما الجواز في الأسطال المريعة، والظروف المضروبة من القوالب، فإن كان الالتزام بمثلها، فلا يبعد ممن صار إلى العبارات الثلاثة طردها فيها والحكم بأنها مثلية.
والرابعة: نقل بعض شارحي "المفتاح" أن المثليات هي التي تنقسم بين الشريكي من غير حاجة إلى تقويم، ولك أن تقول: هذا مشكل بالأرض المتساوية الأجزاء، فإنها تنقسم من غير تقويم، وليست هي بمثلية.
الخامسة: قال العراقيون: المثلى مالاً تختلف أجزاء النوع الواحد منه في القيمة، وربما يقال في الجِرْم والقيمة، ويقرب منه قول من قال: المثليات هي التي تتشاكل في الخلقة، ومعظم المنافع وما اختاره الإمام هو تساوي الأجزاء في المنفعة والقيمة، فزاد النظر إلى المنفعة، وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب، وزاد قوله: "من حيث الذات، لا من حيث الصنعة" وقصد به الاحتراز من الملاعق والمغارف وصنجات الميزان المتساوية، فإن تساويهما جاء من حفظ التشابه في الصنعة، وإلاَّ فالمصنوعات مختلفة في الغالب، ولك أن تقول: الملعقة ونحوها لو وردت على الضابط المذكور، إما ترد لتماثل أجزائها، وهي ملعقة، أو لتماثل جوهرها فقط.
والأول: باطل؛ لأن أجزاء الملعقة غير متماثلة في الصنعة.
وأما الثاني: فالصفر الذي هو جوهر الملعقة إذا كان مثليًا كان تماثل أجزائه من حيث الذات، لا من حيث الصنعة وإذا لم تؤثر الصنعة في تماثل الأجزاء، فكيف يقال: أجزاؤه من حيث الذات، لا من حيث الصنعة، والحق أن أثر الصنعة في تماثل الأعداد، وأوضاع أجزائها لا غير.
وإذا وقفت على هذه العبارات، وبحثت عن الأظهر منها، فاعلم أن الأولى منقوضة بالمعجونات.
والثالثة: المعتبرة ليجوز بيع البعض بالبعض بعيدة عن اختيار أكنز الأصحاب، فإنهم أعرضوا عن هذا الشرط، وقالوا: امتناع بيع البعض بالبعض من الربويات، لرعاية التماثل في حال الكمال بمعزل عما نحن فيه.
والرابعة: لا حاصل لها.
وأما الخامسة: فإن أريد بالأجزاء فيها كل ما يتركب فيه الشي، فيلزم ألاَّ تكون الحبوب مثلية؛ لأنها تتركب من القشور، والألباب والقشر مع اللباب مثليان في القيمة والمنفعة، وكذا التمر والزبيب لما فيهما من النوى والعجم.
وإن أريد الأجزاء التي يقع عليها اسم الجملة، فيلزم ألا تكون الدراهم والدنانير
الجزء: 5 - الصفحة: 420
مثلية لما يقع في الصّحَاح عن اختلاف في الوزن، وفي الاستدارة والاعوجاج، وفي وضوح السكّة، وخفائها، وذلك ما يؤثر في المنفعة والقيمة، والنظر إلى الجِرْمِ بعيد؛ لأن الحبوب والتمور متماثلة.
ومعلوم أن نوعاً منها لا يخلو عن اختلاف الحبات في الصغر والكبر، فإذا أظهر العبارات الثانية لكن الأحسن أن يقال: المثلى كل ما يحصره الكيل، أو الوزن، ويجوز السلم فيه، ولا يقال: كل مكيل أو موزون؛ لأن المفهوم منهما ما يعتاد كيله ووزنه، فيخرج منه الماء وكذا التراب وهو مثلي على الأصح، هذا ما يتعلق بالضبط، وينشأ من اختلاف العبارات الخلاف في الصفر والنحاس والحديد والآنك؛ لأن أجزاءها مختلفة الجوهر، ولأن زُبُرُها متقاربة الأجرام، وفي التبر والسبيكة والعنبر والمسك والكافور والثلج والجمد والقطن بمثل ذلك، وفي العنب والرطب وسائر الفواكه الرطبة لامتناع بيع بعضها ببعض، وكذا في الدقيق.
والأظهر: أنها جميعاً مثلية، وفي السكر والفانيد والعسل المصفى بالنار واللحم الطرى للخلاف في جواز بيع كل منها بجنسه، وفي الخبز لامتناع بيع بعضه ببعض، وأيضاً للخلاف في جواز السلم فيه، وجعل صاحب الكتاب الأظهر كونه مثليّاً، بناء على قطع النظر عن امتناع بيع بعضه ببعض، ويجوز السلم فيه لكنَّا أثبتنا الخلاف في السلم، وبيان ذلك الخلاف.
وقوله: "فإن أخلاطه غير مقصودة، بخلاف سائر المخلوطات" يعني المعجونات والغوالي ونحوها.
والفرق بين ما يقصد أخلاطه وبين ما لا يقصد منه إلاَّ الواحد مقرر في السلم، أما الحبوب والأدهان والألبان والسمن والمخيض والخل لم يستعن في إيجاده بالماء والزبيب والتمر ونحوها، فهي مثلية بالاتفاق، وكذا الدراهم والدنانير، لكن قضية العبارة الثانية إثبات الخلاف فيها؛ لأن في السلم فيها اختلافاً قد تقدم، وأيضاً فإنهم جعلوا المكسرة على الخلاف في التبر والسبيكة لتفاوت القراضات في الجِرْمِ، ومثل ذلك يفرض في الصحاح، فيلزم مجيء الخلاف فيها، وهذا في الدراهم والدنانير الخالصة، أما المغشوشة، ففي "التتمة" أن أمرها يبنى على جواز التعامل بها إن جوزناها فهي مثلية، وإلا فتقومه؛ لأن ما لا يملك بالعقد لا يملك بالقبض عوضاً عن التلف والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ المِثْلَ بَعْدَ أَنْ تَلَفَ المَغْصُوبُ حَتَّى فَقَدَ المِثْلَ، فَقِيلَ: الوَاجِبُ أَقْصَى قِيمَةِ المَغْصُوبِ مِنْ وَقْتِ الغَصبِ إِلَى التَّلَفِ، وَقِيلَ: أَقصَى قِيمَةِ المِثْلِ
الجزء: 5 - الصفحة: 421
مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ اِلى الإعْوَازِ، وقِيْلَ: منْ وَقْتِ الغَصْبِ إلَى الإعْوَازِ وَقِيلَ: إِلى وَقْتِ طَلَبِ الضَّمَانِ وَلَوْ غُرِّمَ القِيمَةَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى المِثْلِ فَلاَ يَرُدُّ القِيمَةَ عَلَى الأظْهَرَ لِتَمَام الحُكْمِ بِالبَدَلِ الحَقِيقِّي.
قال الرافعي: إذا غصب مثليّاً، وتلف في يده، والمثل موجود، فلم يسلمه حتى فقد، أخذت منه القيمة، والمراد من الفقدان ألاَّ يوجد.
في ذلك البلد، وما حواليه على ما تبين في انقطاع المسلم فيه، وفي القيمة المعتبرة عشرة أوجه:
أحدها: أنها أقصى قيمة من يوم الغصب إلى التلف، ولا اعتبار بزيادة قيمة أمثاله بعد تلفه، كما في المتقومات.
وثانيها: أنها أقصى قيمة من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز؛ لأن المثل هو الواجب، إلاَّ أنه لما فقد تعذر الوصول إليه، فينظر إلى قيمته من وقت وجوبه إلى التعذر، ويطلق هذان الوجهان على أن الواجب عند إعواز المثل قيمة المغصوب؛ لأنه الذي تلف على المالك، أو قيمة المثل؛ لأنه الواجب عند التلف، وإنما رجعنا إلى القيمة لتعذره، وفيه وجهان لأَبِى الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ:
إن قلنا بالأول اعتبرنا الأقصى من وقت الغَصْب إلى وقت تلف المغصوب.
وإن قلنا بالثاني اعتبرنا من وقت تلف المغصوب؛ لأن المثل حينئذ يجب إلى وقت الانقطاع والإعواز، ولفظ الكتاب في حكايته الوجه الأول أقصى فيه قيمة المغصوب وفي حكايته الوجه الثاني أقصى قيمة المثل إشارة إلى هذا.
وثالثها: وهو الأصح: أن القيمة المعتبرة أقصى القيم من يوم الغَصْبِ إلى الإعواز؛ لأن وجود المثل، كبقاء عين المغصوب من حيث إنه كان مأموراً بتسليم المثل كما كان مأموراً برد العين، فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمة في المدتين، كما أن المتقومات تضمن بأقصى قيمتها لهذا المعنى، ولا نظر إلى ما بعد انقطاع المثل، كما لا نظر إلى ما بعد تلف المغصوب المتقوم.
ورابعها: أقصى القيم من الغصب إلى وقت تغريم القيمة، والمطالبة بها؛ لأن المثل لا يسقط بالإعواز، ألا تَرَى أن المغصوب منه لو صبر إلى وجدان المثل ملك المطالبة به، وإنما المصير إلى القيمة عند تغريمها، وهذه الأوجه الأربعة هي المذكورة في الكتاب.
وخامسها: عن رواية الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ: أنها أقصى القيم من وقت انقطاع المثل وإعوازه إلى وقت المطالبة بالقيمة؛ لأن الإعواز وقت الحاجة إلى العدول إلى القيمة فيعتبر الأقصى من يومئذ.
وسادسها: أنها أقصى القيم من وقت تلف المغصوب، إلى وقت المطالبة؛ لأن
الجزء: 5 - الصفحة: 422
الضمان يومئذ يجب.
وسابعها: أن الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب.
وثامنها: أن الاعتبار بقيمة يوم الإعواز لأنه وقت العدول إلى القيمة، ويحكى هذا عن اختيار أبى عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيِّ والحَناطِيِّ والمَاوَرْدِيّ وأبِى خَلَفٍ السلميِّ.
وتاسعها: أن الاعتبار بقيمة يوم المطالبة؛ لأن الإعواز حينئذ يظهر ويتحقق، وقد يبدل لفظ المطالبة والتغريم بالحكم والقيمة والمرجح بها إلى شيء واحد.
وعاشرها: أنَّه إن كان منقطعاً في جميع البلاد، فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز، وإن فقد في تلك البقعة، فالاعتبار بقيمة يوم الحكم بالقيمة، كذا نقله صاحب "المهذب".
الحادي عشر: وفيما علق عن الشيخ أبى حَامِدٍ أن المعتبر فيه يوم أخذ القيمة، لا يوم المطالبة، ولا يوم التلف، فهذا وجه آخر إن كان ثابتاً.
ويجوز إعلام جميع الوجوه المذكورة في الكتاب -بالحاء- لأن البندنيجي حكى عن أَبِى حَنِفَةَ الاعتبار بقيمة يوم المطالبة، والقبض هذا لفظه -وبالألف- لأن مذهب أَحْمَدَ كالوجه الثامن.
ولو غصب مثليّاً فتلف، والمثل مفقدد، فالقياس أنه يجب على الوجه الأول والثالث أقصى القيم من وقت الغصب إلى التلف، وعلى الثاني والسابع والثامن قيمة يوم التلف، وأن يعود والرابع والسادس والتاسع بحالها، وعلى الخامس أقصى القيم من يوم التلف إلى يوم التغريم، وعلى الحاضر إن كان مفقوداً في جميع البلاد، وجب قيمة يوم التلف، وإلاَّ قيمة يوم التقويم 26.
ولو تلف مثليًّا على إنسان من غير غصب، وإثبات يد عليه، وكان المثل موجوداً، فلم يسلم حتى فُقِدَ، فعلى الوجه الأول تجب قيمة يوم الإتلاف، وعلى الثاني وعلى الثالث أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى الإعواز، وعلى الرابع من يوم الإتلاف إلى التقويم، والقياس عود الوجوه الباقية، ولو أتلفه، والمثل مفقود 27 فالقياس أن يقال على الوجه الأول والثاني والسابع والثامن: تجب قيمة يوم الإتلاف، وعلى الرابع والخامس والسادس أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى التقويم وعلى التاسع قيمة يوم التغريم، وعلى الحاضر إن كان منقطعاً في جميع البلاد وجبت قيمة يوم الإتلاف، وإلاَّ فقيمة يوم التقويم، والله أعلم.
ومهما غرم الغاصب أو المتلف القيمة لإعواز المثل، ثم وجد المثل، هل للمالك رد القيمة، وطلب المثل؟.
الجزء: 5 - الصفحة: 423
فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن حقه المثل، وإنما أخذت القيمة للعجز عنه، وإذا حصلت القدرة عدل إليه، كما إذا غرم قيمة العبد الآبق ثم عاد.
وأظهرهما: على ما ذكر صاحب الكتاب والقاضي الروياني المنع 28؛ لأن الأمر قد انفصل ببذل المثل، وإذا تم الحكم بالبدل، فلا عود إلى المبدل كما لو صام المعسر في الكفارة المرتبة، ثم أيسر، وهذا معنى قوله: "لتمام الحكم بالبدل الحقيقي" وأراد بتسميته حقيقيّاً أن القيمة بدل حقيقة عند إعواز المثل لا لالتحاق المثل حينئذ بالتقويم، وفي غرامة العبد الآبق ليست القيمة بدلاً حقيقية وإنما هي مأخوذة لحصول الحيلولة لكن لصاحب الوجه الأول أن يقول عندي القيمة حالة الإعواز ليس بدل حقيقة، وإنما هي مأخوذة لحصول الحيلولة بينه وبين حقه، وهو المثل، فالأجود من الفرق أن يقال: العبد عين حقه المغصوب، والمثل بدل حقه، فلا يلزم من تمكينه من الرجوع إلى عين حقه تمكين من الرجوع إلى بدل حق، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا فَظَفَرَ بِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ المَكانِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ القِيمَةُ، فَإِذَا عَادَ إلَى ذَلِكَ المَكَانِ لَزِمَهُ المِثْلُ وَأَخَذَ القِيمَةَ، وَلَوْ ظَفَرَ بِهِ في غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ جَازَ طَلَبُ المِثْلِ؛ لأَنَّ رَدَّ الزَّمَانِ غَيْرِ مُمْكِنِ فَتَعَذَّرَ المِثْلُ الحَقِيقيُّ، والمُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا انْتَقَلَ لَمْ يُطَالِبْ، وَفِي مُطَالَبَتِهِ بِالقِيمَةِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اعْتِياضٌ، فَإِنْ مُنِعَ فَلَهُ الفَسْخُ، وَطَلَبُ رَأسِ المَالِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل أن المثل هل يؤخذ مثله مع اختلاف المكان والزمان، أما المكان، فاعلم أولاً أنَّه لو غصب مثلياً، ونقله إلى بلد آخر كان للمالك أن يكلفه رده، وله أن يطالب بالقيمة في الحال للحيلولة 29، ثم إذا رده الغاصب رد القيمة، واسترده، ولو تلف في البلد المنقول إليه طالبه بمثله، حيث ظفر به من البلدين لتوجه الطلب عليه برد العين في الموضعين 30، فإن فقد المثل غرمه قيمة أكثر البلدين قيمة.
الجزء: 5 - الصفحة: 424
ولو أتلف مثليّاً، أو غصبه، وتلف عنده في بلد، ثم ظفر المالك به في بلد آخر، هل له مطالبته بالمثل؟.
الذي ذكره الأكثرون أنه إن كان مما لا مؤنة لنقله، كالدراهم والدنانير 31، فله المطالبة بالمثل، وإن كان لنقله مؤنة لم يكن له طلب المثل، ولا للغارم تكليفه قبول المثل لما يلزم فيه المثل لما فيه من المؤنة والضرر للمالك أن يغرمه قيمة بلد التلف، فإن تراضيا على المثل لم يكن على المثل لم يكن له تكليفه مؤنة النقل.
وعلى هذا تنزيل جوابه في الكتاب، وإن أطلقه إطلاقاً، وحكى الإمام وراءه وجهين:
أحدهما: عن شيخه أَبِى مُحَمَّدٍ: أنه يطالبه بالمثل، وإن لزمت المؤنة، وزادت القيمة، كما أتلف مثليّاً في وقت الرخص له طلب المثل في الغلاء.
والثاني: عن رواية الشيخ أَبِي عَليٍّ: أنه إن كانت قيمة ذلك البلد مثل قيمة المتلف، أو أقل طالبه بالمثل، وإلاَّ فلا 32.
وذكر أبُو عَاصِمٍ العَبَّادِيُّ مثل هذا، وإذا حكمنا بالمنع، وأخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد التلف، هل للمالك رد القيمة، وطلب المثل؟ وهل لصاحبه استرداد القيمة وبذل المثل؟.
فيه الوجهان فيما إذا غرم القيمة؛ لإعواز المثل، والذي أورده صاحب الكتاب منهما أن عليه المثل، وأخذ القيمة مع أنه جعل الأظهر في مسألة الإعواز المنع، وهذا لا وجه له، بل الخلاف في المسألتين واحد، باتفاق الناقلين.
الجزء: 5 - الصفحة: 425
فإما أن يختار فيهما النفي، أو الإثبات.
ولو نقل المغصوب المثلي إلى بلد آخر، فتلف هناك، أو أتلفه، ثم ظفر به المالك في بلد ثالث وقلنا: إنه لا يطالب بالمثل في غير موضع التلف، فله أخذ قيمة أكثر البلدين قيمة 33. وأما في المسألة الأولى فهاهنا لا يطالب إلاَّ بالمثل وإذا اختلف الزمان فله المطالبة بالمثل، وإن زادت القيمة وليس له إلاَّ ذلك، وإن نقصت القيمة، والفرق بينه وبين المكان.
إذا قلنا: لا يطالب بالمثل في غير ذلك المكان أن العود إلى المكان الأول يمكن، فجاز انتظاره، ورد الزمان الأول غير ممكن، فقنعنا بصورة المثل، وإن لم يكن ذلك مثلاً حقيقة؛ لأن التساوي في القيمة معتبر في المثلين، وللزمان أثر ظاهر في تفاوتها، لكن يتوجه على هذا أن يقال: نعم رد الزمان الأول غير ممكن، لكن انتظار الزمن الذي تكون القيمة فيه كالقيمة وقت الإتلاف ممكن، فهلا قنع بقيمة يوم الإتلاف، وانتظر المثل إليه، وهذا أكله فيما إذا لم يخرج المثل، باختلاف المكان والزمان عن أن يكون له قيمة ومالية.
أما إذا خرج، كما إذا أتلف عليه الماء في مفازة، ثم اجتمعا على شط نهر، أو بلد أو أتلف عليه الجمد في الصيف، واجتمعا في الشتاء، فليس للمتلف بذل المثل، بل عليه قيمة المثل في مثل تلك المفازة أو في الصيف وإذا غرم القيمة ثم اجتمعا في مثل تلك المفازة، وفي الصيف هل يثبت الترادُّ؟ فيه الوجهان السابقان.
وأما قوله في الكتاب: "والمسلم إليه" إلى آخره، فقد ذكرنا المسألة بما فيها في "السلم" 34.
قال الغزالي: وَلَوْ أَتْلَفَ آنِيَةً مِنْ نُقْرَةٍ يَلْزَمُهُ المِثْلُ، وَمَا زَادَ بِالصَّنْعَةِ يُقَوَّمُ بِغَيْرِ جِنْسِ الأَصْلِ حِذَاراً مِنَ الرِّبَا، وَقِيلَ: لاَ يُبَالِي بِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْعٍ.
قال الرافعي: الذهب والفضة إما أن يكونا مضروبين، فقد ذكرنا أنهما مثليان، أو لا يكونا مضروبين، وكل واحد منهما إمّا أن يكون فيه صنعة كالحلي، أو لا تكون
الجزء: 5 - الصفحة: 426
كالتبر.
أما الأول: فإذا أتلف حليًّا وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا العراقيون وجهين فيما يلزمه:
أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها، سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن؛ لأنا لو ضمنا الكل بالجنس، لقابلنا عشرة بعشرين، وذلك رباً.
وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن وإن من جنسه، ولا يلزم الربا، فإنه إنما يجري في العقود، لا في الغرامات، ولو كان هذا رباً، لكان الوجه الأول أيضاً ربا، فإنه كما لا يقابل دينار بديناربن، لا يقابل دينار بدينار ودرهم.
وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أن العين تضمن بوزنها من جنسها، والصنعة بنقد البلد، كما لو أتلف الصنعة وحدها بكسر الحلي يضمن بنقد البلد، سواء كان من جنس الحلي، أو من غير جنسه، هنا محكى في "النهاية" مع الأولين.
والثاني: أنه يضمن الكل بغير جنسه تحرزاً عن التفاضل، ومن اختلاف الجنس في أحد الطرفين، ويروى هذا عن أبِي حَنِيْفةَ.
وأحسن ترتيب في المسألة ما ذكره في "التهذيب"، وهو أن صنعة الحلي متقومة وفي وزنه الاختلاف الذي سبق في التبر والسبيكة.
إن قلنا إنه مثلي، فوجهان:
أحدهما: أنه يضمن الكل بغير جنسه كيلا يلزم الربا.
وأصحُّهما: أنه يضمن الوزن بالمثل، والصنعة بنقد البلد، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه.
وإن قلنا: إنه متقوم، فيعتبر الكل بنقد البلد، كيف كان، وينبغي أن يجي على هذا وجه التضمين، بغير الجنس؛ إِذا كان نقد البلد من الجنس؛ لأن معنى الربا لا يختلف، ولو أتلف آنية من ذهب أو فضة، فتبنى على أن اتخاذها، هل هو جائز.
إن قلنا: نعم، كما لو أتلف حليًّا.
إن قلنا: لا، فهو كإتلاف ما لا صنعه فيه، كالتبر والسبيكة، فينبني على الخلاف في أنه مثلي، أو متقوم.
إن قلنا بالأول، ضمن مثله.
وإن قلنا بالثاني فوجهان:
أحدهما: قيمته بنقد البلد، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، كسائر المتقومات.
الجزء: 5 - الصفحة: 427
والثاني: أن الجواب كذلك، إلاَّ إذا كان نقد البلد من جنسه، وكانت القيمة تزيد على الوزن، فحينئذ يقوم بغير الجنس، ويضمن به، وهذا ما اختاره العراقيون هاهنا فَارِقِيْنَ بين ما فيه صنعة، وبينه بأن الزيادة ثم تقع في مقابلة الصنعة، فلا تؤدي إلى الربا وهاهنا لا قيمة للصنعة، فيلزمه الربا، لكن لصاحب الوجه الأول أن يقول: لو كان الربا جارياً في الغرامات لاستوى المصنوع وغيره، كما لو قابل حليًّا بتبر لا يجوز للفضل.
وقوله في الكتاب: "ولو اتلف آنية".
التصوير في الآنية مفرع على جواز اتخاذها، كما بيناه.
وقوله: "يلزمه المثل".
مثل وزن الآنية والحلى التبر، لا الدراهم والدنانير المضروبة.
وقوله قيل: لا نبالي به أي بتقويم الصنعة بجنس الأصل وتغريمها رد، وذلك مما يترك فيه وجه تقويم الكل بنقد البلد، إذا كان نقد البلد من جنسه.
ووجه تقويم الأصل بالمثل والصنعة بنقد البلد إذا كان من جنسه ويجوز إعلامه -بالحاء- وكذا إعلام قوله: "يلزمه المثل" لما مر من الرواية قوله: "فإنه ليس ببيع" يعني أنَّه غرامة متلف، ومحل الربا إنما هو البيوع والمعاقدات، والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ اتَّخَذَ مِنَ الرُّطَبِ تَمْراً وَقُلْنَا: لاَ مِثْلَ للِرُّطَبِ وَللِتَّمْرِ مِثْلٌ، أَوْ مِنَ الحِنْطَةِ دَقِيْقاً، فَالأَوْلَى أَنْ يَتَخَيَّرَ المَالِكُ بَيْنَ المُطَالَبَةِ بِقِيمَةِ الرُّطَبِ وَالدَّقِيقِ أَوْ مِثْلِ التَّمرِ وَالحِنْطَةِ، كَمَا لَوِ اتَّخَذَ مُنَ السِّمْسِمِ الشَّيْرَجَ فَيُطَالِبُ إنْ شَاءَ بِالسِّمْسِمِ أَوْ بالشَّيْرَجِ، وَلَوْ عَدِمَ المِثْل إلاَّ بالأكْثَرِ من ثَمَنِ المِثْلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّراءُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
الأولى: إذا تغير المغصوب في يد الغاصب من حال إلى حال، ثم تلف عنده، فأما أن يكون متقوماً في الحالة الأولى مثلياً في الثانية، أو بالعكس أو مثلياً فيهما، أو متقوماً فيهما.
أما القسم الأول: فكما إذا غصب رطباً، وقلنا إنه متقوم، فصار تمراً، ثم تلف عنده، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب العراقيون: أنَّه يضمن مثل التمر؛ لأنه لا يمكن الجمع بين المثل والقيمة، ولا بد من إيجاب أحدهما، والمثل أقرب إلى التالف، فيكون إيجابه أولى.
وأشبههما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه إن كان الرطب أكثر قيمة، أو فعلية قيمته كيلا تضيع الزيادة عليه، وإن كان التمر أكثر قيمة، أو استويا فعلية المثل.
واختار صاحب الكتاب أنه يتخير أن يأخذ مثل التمر، أو قيمة الرطب؛ لإنه أتلف
الجزء: 5 - الصفحة: 428
عليه ماله، وهو مِثْلِي ورد ماله، وهو متقوم، فيطالب بموجب ما شاء من الحالتين.
وأما القسم الثاني: فهو كما لو غَصَبَ حِنْطَة وطحنها، وتلف الدقيق عنده، أو جعله خبزاً، أو أكله وقلنا: لا مثل للدقيق والخبر أو غصب تمراً، واتخذ منه الخَلّ بالماء.
فعلى جواب العراقيين يضمن المثل، وهو الحنطة.
وعلى ما أورده في "التهذيب" إن كان المتقوم أكثر قيمة غرمها، وإلاَّ غرم المثل.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنه يغرم أقصى القيم، وليس للمالك مطالبته بالمثل؛ لأن التلف حصل، وهو متقوم، وعلى هذا فإذا قيل: من غصب حنطه في الغلاء، وبقيت عنده إلى التلف، وغرمه المالك في وقت الرخص يغرم المثل، أو القيمة؟ لم يصح إطلاق الجواب بالمثل، ولا القيمة.
بل الصواب أن يفصل فيقال: إن تلفت، وهي حنطة غرمه المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم، ثم تلفت، ويقال: كأن القاضي قد لقن المسألة الرئيس أبا عَلِيٍّ المنيعِيَّ 35 ليغالط بها فقهاء "مرو" فغلط من أطلق الجواب منهم.
وأما القسم الثالث: فكما لو غصب سمسماً، واتخذ منه شريجاً 36، ثم تلف عنده، ونقل العراقيون وصاحب الكتاب أن المالك بالخيار، فيغرمه ما شاء منهما.
وفي "التهذيب" أنه إن كان أحدهما أكثر قيمة غرم مثله، وإلاَّ تخير المالك، وأخذ ما شاء منهما.
وظاهره يقتضي إثبات خلاف في التخير إذا كان أحدهما أكثر قيمة والله أعلم.
وأما القسم الرابع فحكمه بَيَّنٌ، وهو وجوب أقصى القيم في الحالتين.
المسألة الثانية: إذا لزمه المثل، فعليه تحصيله إن وجده بثمن المثل، وإذا لم يجده إلاَّ بما فوقه فوجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 429
أحدهما: أنه لايلزمه تحصيله؛ لأن الموجود بأكثر من ثمن المثل، كالمعدوم بدليل الماء في الطهارة والرقبة في الكفارة.
والثاني: يلزمه؛ لأن المثل كالعين، ورد العين واجب، وإن لزم في مؤنته أضعاف قيمته، وهذا أظهر الوجهين عند صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني، والأول أظهر عند آخرين، ومنهم صاحب الكتاب، وفرقوا بين المثل والعين، بأنه تَعَدَّى في العَيْنِ دون المثل 37، فلا يأخذ المثل حكم العين، هذا ما يتعلّق بقسم المِثْلِيِّ والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا المُتَقَوَّمَاتُ إِذَا تَلِفَتْ تُضْمَنُ بِأقْصَى قِيمَتِهَا من وَقْتِ الغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، فَإِنْ أَبَقَ العَبْدُ ضُمِنَ (ح) في الحَالِ لِلْحَيُلُولَةِ، فَإذَا عَادَ رُدَّتِ القِيمَةُ (ح) وَسُلِّمَ العَبْدُ، وَللغَاصِبِ حَبْسُ العَبدِ إِلى أَنْ تُرَدُّ القِيمَةُ عليه.
قال الرافعي: القسم الثاني من الأموال: المتقوم، فإذا غصبه، وتلف عنده لزمه أقصى قيمته من يوم الغصب، إلى يوم التلف؛ لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله، وإنما تجب القيمة من نقد البلد الذي حَصَلَ فيه التلف، وتفاوت القيمة قد يكون لزيادة ونقصان في المغصوب، كما إذا كان العبد كاتباً، فنسي الكتابة، وقد يكون لمحض ارتفاع الأسواق وانخفاضها، فلو كانت قيمة مائة، فبلغت مائتين، ثم عادت بتراجع الأسواق إلى مائة وخمسين، ثم هلك لزمه مائتان ولا عبرة باتفاق السوق بعد التلف، ولو تكرر ارتفاع السوق، وانخفاضها لم يضمن كل زيادة، وإنما يضمن أكثر.
ولو أتلف متقوماً من غير غصب لزمه قيمته يوم الإتلاف، فإن حصل التلف بتدرج وسراية، واختلفت القيمة في تلك المدة، كما إذا جنى على بهيمة قيمة مثلها يومئذ مائة، ثم هلكت، وقيمة المثل خمسون.
وقال القفال: يلزمه مائة؛ لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية، فلأن نعتبرها في نفس الإتلاف كان أولى.
وليعلم قوله في الكتاب: "فأقصى قيمتها" بالحاء والألف.
أما الحاء، فلان أَبَا حَنِيْفَةَ يعتبر قيمة يوم الغصب، بناء على أن الزوائد غير مضمونة.
وأما الألف، فلان أَحْمَدَ يعتبر قيمة يوم التلف، إذا كان التفاوت لاضطراب
الجزء: 5 - الصفحة: 430
الأسواق.
ولو لم يهلك العبد المغصوب، لكنه أبق أو عيْبَّه الغاصب، أو ضلَّت الدابة أو ضاع الثوب، فللمالك أن يضمنه القيمة في الحال لحصول الحيلولة، ولزوم الضرر والاعتبار بأقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم المطالبة 38، وليس للغاصب أن يلزمه قبول القيمة؛ لأن قيمة الحيلولة ليست حقًّا ثابتاً في الذمة حتى يجبر على قبوله، والإبراء عنه، بل لو أبرأه المالك عنها لم ينفذ.
وعن بعض الأصحاب: تنزيلها منزلة الحقوق المستقرة، ثم القيمة المأخوذة يملكها المالك، كما يملك عند التلف، وينفذ تصرفه فيها، ولا يملك الغاصب المغصوب، كما لا يملك نصف العبد، إذا قطع إحدى يديه وغرم، فإذا ظفر بالمغصوب، فللمالك استرداد، ورد القيمة، وللغاصب رده واسترداده القيمة، وهل له حبس المغصوب إلى أن يسترد القيمة؟.
ذكر في الكتاب أن له ذلك، وهذا حكاه القاضي حُسَيْن عن نص الشافعي -رضي الله عنه- كما حكى ثبوت الحبس للمشتري في الشراء الفاسد، لاسترداده الثمن لكن تقدم في "البيع" ذكر الخلاف في ثبوت الحبس للمشتري، وبينما أن الظاهر المنع، ويشبه أن يكون حبس الغاصب في معناه، والمنع هو اختيار الإمام في الصورتين، إذا كانت الدراهم المبذولة باقة بعينها في يد المالك فللشيخ أبِي مُحَمَّدٍ تردد في أنه هل يجوز للمالك إمساكها، وغرامة مثلها، أم لا 39.
وإذا اتفقنا على ترك التراد، فلا بد من بيع ليصير المغصوب للغاصب 40.
وقوله في الكتاب "ردت القيمة" معلّم -بالحاء- لأن عنده تملك العبد بالضمان، فلا رد ولا استرداد، وساعدنا في المدبّر، وفيما إذا اختلفا في القيمة، وغرمناه، ما اعترف به، ثم تبين عند الظفر بالمغصوب أنها كانت أكثر.
واعلم أن التضمين في صورة الاتفاق وغيرها لا يختص بالمتقومات، وإن أورده في هذا القسم، بل ضمان الخيار ثابت في كل مغصوب خرج من يد المالك،
الجزء: 5 - الصفحة: 431
وتعذره (1).
فرع
قد مر أن منافع المغصوب مضمونة فلو كانت الأجرة في مدة الغصب متفاوتة فيما يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها القاضي أبُو سَعْدٍ بْنُ يُوسُفَ 42.
أضعفها: أنها بالأكثر في جميع المدة.
وأظهرها: أنها تضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجره مثلها.
والثالث: أن الأمر كذلك إن كانت الأجرة في أول المدة أقل، وإن كانت أكثر ضمنها بالأكثر في جميع المدة؛ لأنه لو كان المال في يده، فربما يلزمه بها في جميع المدة والله اعلم.
قال الغزالي: وَإِنْ تَنَازَعَا فيِ تَلَفِ المَغْصُوبِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الغَاصِبِ (و) لأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجَزُ عنِ البيِّنَةَ وَهُوَ صَادِقٌ، فَإِنْ حَلَفَ جَازَ طَلَبُ القِيمَةِ وَإِنْ كَانَ العَيْنُ بَاقِيَةً بِزَعْمِ الطَّالِبِ للعَجْزِ بِالحَلِفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَنَازَعَا في القِيمَةَ أَوْ في صَفْقِةَ العَبْدِ (و) أَوْ في عَيْبٍ (ز) يُؤثِّرُ في القِيمَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الغَاصِبِ لأَنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِمَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَنَازَعَا41
الجزء: 5 - الصفحة: 432
في الثَّوبِ الَّذيِ عَلَى العَبْدِ؛ لأَنَّ العَبْدَ وَثَوْبَهُ في يَدِ الغَاصِبِ.
قال الرافعي: المقصود من بقية الباب الكلام في تنازع المالك، والغاصب، وذلك يقع على أنحاء: منها: إذا ادعى الغاصب تلف المغصوب، وأنكر المالك، فالصحيح وهو المذكور في الكتاب أن القول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه قد يعجز عن البينه، وهو صادق، فلو لم نصدقه لتخلد الحبس عليه، ولما وجد عنه مخرجاً.
وفيه وجه: أن القول قول المالك مع اليمين؛ لأن الأصل بقاؤه.
وإذا قلنا بالأول، فلو حلف الغاصب، هل للمالك تغريمه القيمة أو المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لبقاء العين في زعمه.
وأصحهما: نعم 43، وهو المذكور في الكتاب؛ لأنه عجز عن الوصول إليهما بيمين الغاصب، وإن كانت باقية.
ومنها: إذا اتفقا على الهلاك، واختلفا في قيمته، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته عن الزيادة، وعلى المالك البيِّنة، وينبغي أن يشهد الشهود بأن قيمته كذا.
أما إذا أراد إقامة البينة على صفات العبد ليقومه المقومون بتلك الصفات، فعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنها تقبل، ويقوم، وينزل على أقل الدرجات كما في السلم.
والمذهب المنع لأن الموصوفين بالصفات الواحدة يتفاوتون في القيمة، لتفاوتهم في الملاحة، وما لا يدخل تحت الوصف.
قال الإمام: لكن المالك يستفيد بإقامة البينه على الأوصاف إبطال دعوى الغاصب مقداراً حقيراً لا يليق بتلك الصفات، كما لو أقر الغاصب بصفات في العبد تقتضي النفَاسة، ثم قَوَّمَهُ بشيء حقير، لا يليق بها لا يلتفت إليه، بل يؤمر بالزيادة إلى أن يبلغ حدّاً يجوز أن تكون قيمته لمثل ذلك الموصوف ولو قال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: بل خمسمائة، وجاء المالك ببينه على أنها أكثر من خمسمائه من غير تقدير.
منهم من قال: لا تسمع البينه هكذا.
الجزء: 5 - الصفحة: 433
والأكثرون: سمعوها، وقالوا: فائدة السماع أن يكلف الغاصب الزيادة على الخمسمائة، إلى حد لا تقطع البينة بالزيادة عليه، ولو قال المالك: لا أدري كم قيمته؟ لم تسمع دعواه لقوله حتى يبين، وكذا لو قال الغاصب: أعلم أن قيمته دون ما ذكره، ولا أعرف قدره لم تسمع حتى يبين، فهذا بين حلف عليه.
ومنها: لو قال المالك: كان العبد كاتباً أو محترفاً، وأنكر الغاصب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل عدمه وبراءة ذمته.
وحكى العراقيون من أصحابنا وجهاً أن القول قول المالك؛ لأنه أعرف بحال مملوكه، ولو ادعى الغاصب به عيباً، وأنكر المالك نظر إن ادعى عيباً حادثاً بأن قال: كان أقطع أو سارقاً، ففي المصدق منهما قولان:
أحدهما: الغاصب؛ لأن الأصل براءة الذمة.
وأصحهما: المالك؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة، ولو ادعى عيباً في أصل الخلقة بأن قال: كان أَكْمَه، أو وُلِدَ أعرج، أو عدم اليد، والمصدق الغاصب؛ لأن الأصل العدم، والمالك متمكن من إثباته بالبينة.
وفيه وجهان آخران؟
أحدهما: تصديق المالك نظراً إلى غلبة السلامة.
والثاني: الفرق بين ما يندر من العيوب وما لا يندر ولفظ الكتاب في الغصب، وإن كان مطلقاً، لكن في "الوسيط" ما يبين أنه أراد به العيب الخِلقي، ولو رد المغصوب، وبه عيب وقال: غصبته هكذا، وقال المالك: بل حدث العيب عندك.
قال في "التتمة": المصدق الغاصب 44 لأن الأصل براءة ذمته، وعدم يده على تلك الصفة.
منها: لو تنازعا في الثياب التي على العبد، فالمصدق الغاصب؛ لأن العبد وما عليه في يد الغاصب، هذه صورة الكتاب في الاختلاف.
ومنها: لو قال: غصبت منى داراً بـ"الكوفة"، فقال: بل غصبت دارك بـ"المدينة"، فالقول قول المدعى عليه في أنَّه لم يغصب دار "الكوفة"، وأما غصبت دار المدينة، فإن وافقه المدعى عليه ثبت، وإلاَّ ارتد إقراره بتكذيبه 45.
الجزء: 5 - الصفحة: 434
ومنها: غصب خمراً محترمة، وهلكت عنده، ثم قال المغصوب منه: هلك بعد التخليل، وقال الغاصب: بل قبلها، فلا ضمان على المصدق الغاصب.
لأن الأصل بقاء الخمرية، وبراءة ذمته.
ومنها: قال طعامي الذي غصبته كان حديثاً، وقال الغاصب: بل عتيقاً، فهذا كالخلاف في كون العبد كاتباً، والمصدق الغاصب، فإن نكل عن اليمين حلف المالك، ثم له أن يأخذ العتيق، فإنه دون حقه 46.
ومنها: باع عبداً من إنسان، فجاء آخر يدعى أنه ملكه، وأن البائع كان غصبه منه، فلا شك أن له دعوى عين العبد على المشتري، وفي دعواه القيمة على البائع ما ذكرناه في الإقرار، فإن ادَّعى العين على المشتري، فصدقه أخذ العبد منه، ولا رجوع له بالثمن على البائع المكذب، فإن كذبه، فأقام المدعى عليه بينه، أخذه ورجع المشتري بالثمن على البائع، فإن لم يقم البينة، ونكل المشتري حلف المدعي، وأخذه، ولا رجوع للمشتري بالثمن لتقصيره بالنكول، وإن صدقه البائع دون المشتري لم يقبل إقرار البائع على المشترى، وبقي البيع بحاله، إلاَّ أن يكون إقراره بالغصب في زمن الخيار، فيجعل ذلك فسخاً للبيع، ثم عاد العبد إلى البائع بإرث، أو رد بعيب لزمه تسليمه إلى المدعي، وإن صدقه البائع والمشتري جميعاً، سلم العبد إلى المدعي، وعلى البائع رد الثمن المقبوض على المشتري، إن بقي بحاله وضمانه إن تلف.
ولو جاء المدعي بعد ما أعتق المشتري العبد، وصدقه البائع والمشتري، لو يبطل العتق، سواء وافقهما العبد، أو خالفهما لما في العتق من حق الله -تعالى- ولهذا سمعت شهادة الحسبة عليه، بخلاف ما لو كاتبه المشتري، ثم توافقوا على تصديق المدعي؛ لأن الكتابه قابلة للفسح، وللمدعي في مسألة الإعتاق قيمة العبد على البائع، إن اختص بتصديقه، إذا أوجبنا الغرم للحيلولة، وعلى المشتري إن اختص بتصديقه، وعلى من شاء منهما، إن صدقاه جميعاً وقرار الضمان على المشتري، إلاَّ أن تكون القيمة في يد البائع أكثر، فلا يطالب المشترى بالزيادة، ولو مات المعتق، وقد اكتسب أموالاً كانت للمدعي؛ لأن المال خالص حق الآدمي، وقد اتفقوا على أنه هو المستحق، بخلاف العتق، فإن تصادقهم فيه إنما لم يؤثر لما فيه من حق الله -تعالى- هكذا أطلقوه.
قال الإمام: وهو منزل على الأكساب التي يستقل العبد بها، فأما الأكساب التي يحتاج فيها إلى أذن السيد، فإن المدعى لا يستحقها، إن اعترف بخلوها عن
الجزء: 5 - الصفحة: 435
الإذن (1) والله أعلم.
البَابُ الثَّانيِ فيِ الطَّوَارِئ، وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأُوَّلُ في النُّقْصَانِ فَإِذَا غَصَبَ مَا قِيمَتُة عَشْرَةٌ فَعَادَ إِلَى دِرْهَمِ وَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ فِلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَنَّ الفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ لاَ شَيْءٌ مِنَ المَغْصُوبِ، وَإِنْ تَلِفَ فَالَواجِبُ عَشَرَةٌ وَهُوَ أَقصَى القِيمَةِ، وَإِنْ تَلَفَ بَعْضُهُ كَالثَّوْبِ إِذَا أَبلاَهُ حَتَّى عَادَ إِليَ نِصْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَ رُجُوعِ الأَصْلِ إلَى دِرْهَمٍ ضَمِنَ القَدْرَ الفَائِتَ وَهُوِ نِصْفُ الثَّوْبِ بِنَصْفِ أَقْصَى القِيَمِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَرَدَّهَا مَعَ الثَّوْبِ البَالي.
قال الرافعي الطوارئ على المغصوب إما أن تعود إلى ذاته أو لا تعود إليها، فالأول إما أن تكون بزيادة أو نقصان، وإما أن لا تعود إلى ذاته.
فأهم ما نتكلم فيه من هذا النوع تصرفات الغاصب، فلذلك اشتمل الباب على ثلاثة فصول:
أولها: في النقصان، والناقص من المغصوب، إِما قيمته أو شيء من أجزائه وصفاته، أو كلاهما.
القسم الأول: أن يكون النقصان في القيمة وحدها، كما لو غصب ما قيمته عشرة، فرده بحالة، وقد عادت قيمته إلى درهم، فلا شيء عليه.
وقال أَبُو ثَوْرٍ: عليه نقصان القيمة، كما لو تلف المغصوب، والصورة هذه تلزمه أقصى قيمته عشرة.
لنا أن الفائت رغبات الناس لا شيء من المغصوب، بخلاف ما إذا أتلف، فإن الواجب هناك البدل، فوجب الأكثر لكونه مأموراً بالرد في تلك الحالة، وإذا كانت العين باقيةٌ، فالواجب ردها، وقد أتى به.
وليعلم قوله في الكتاب: "فلا شئ عليه -بالواو- لمذهب أبِي ثَوْرٍ، فإنه وإن كان داخلاً في طبقه أصحاب الشَّافعي -رضي الله عنه- فله مذهب برأسه، ولا يُعَدُّ تفرده وجهاً، لكن حكى المُوَفَّقُ بْنُ طَاهِرٍ أن من الأصحاب من يوافقه، وأيضاً فإن الإِمَامَ بعد47
الجزء: 5 - الصفحة: 436
توجيه مذهبه بأنه تسبب إلى تفويت تلك الزيادة بإدامة اليد العادية.
قال: وهذا يجده القياس منقاساً.
القسم الثاني: أن يكون النقصان في كليهما، فالجزء التالف مضمون بقسط من أقص القيم من يوم الغصب إلى التلف، والنقصان الحاصل بتفاوت السوق في الباقي المردود غير مضمون.
مثاله: غصب ثوباً قيمته عشرة، وانخفض السوق، فعادت قيمته إلى درهم، ثم لبسه، فأبلاه حتى عادت إلى نصف درهم يرده خمسه دراهم؛ لأن بالاستعمال والإبلاء تنسحق أجزاء من الثوب، وتلك الأجزاء، والصورة هذه نصف الثوب لانتهاء قيمته إلى نصف درهم، بعد ما كانت قبل الاستعمال درهماً، فيغرم النصف بمثل نسبته من أقصى القيم، كما يغرم الكل عند تلفه بالأقصى، ولو كانت القيمة عشرين، وعادت بانخفاض السوق إلى عشرة، ثم لبسه وأبلاه، حتى عادت إلى خمسة لزمه مع رده عشرة، ولو كانت عشرة، وعادت بانخفاض السوق إلى خمسة، ثم لبسه، وأبلاه حتى عادت إلى درهمين، لزمه مع رده ستة؛ لأنه تلف بالإبلاء ثلاثة أخماس الثوب، فيغرمها بثلاثة أخماس أقصى القيم.
وذكر الشيخ أبُو عَلِيٍّ أن بعض من شرح "المولدات" أخطأ في هذه الصورة؛ فقال: يلزمه ثلاثة؛ لأنها الناقصة بالإبلاء، ولا عبَرة بالخمسة التي هي نقصان السوق، وقياس قول هذا القائل أن يلزمه في الصورة الأولى، وهي المذكورة في الكتاب نصف درهم، وفي الثانية خمسة دراهم، ولو غصبه وقيمته عشرة، فاستعمله أولاً حتى عادت بالإبلاء إلى خمسة؛ ثم انخفض السوق فعادت قيمته إلى درهمين، فرده يلزمه مع الرد الخمسة الناقصة بالإبلاء، ولا يغرم النقصان الحاصل في السوق في البالي الباقي، ولو غصب ثوباً قيمته عشرة، ولبسه وأبلاه حتى عادت القيمة إلى خمسة، ثم ارتفع السوق، فبلغت قيمته، وهو بالٍ عشرة، فظاهر كلام ابْنِ الحَدَّادِ أنه يغرم مع رد الثوب عشرَة لأن الباقي من الثوب نصفه، وهو يساوي عشرة، فلو بقي كله لكان يساوي عشرين، فيغرم عشرة للتالف.
واختلف الأئمة فيه فساعده بعضعهم، وخالفه الجمهور على انقسامهم إلى مغلط ومؤل، وقالوا: لا يغرم مع رده إلاَّ الخمسة الناقصة بالاستعمال، ولا عبَرة بالزيادة الحاصلة بعد التلف، أَلاَ تَرَىَ أنَّه لو تلف الثوب أكله، ثم زادت القيمة لم يغرم تلك الزيادة.
قال الإمام والصفات كالأجزاء في ذلك كله، حتى لو غصب عبداً صانعاً قيمته مائة، فنسي الصنعة، وعادت قيمته إلى خمسين، ثم ارتفع السوق، فبلغت قيمته ناسياً
الجزء: 5 - الصفحة: 437
مائة، وقيمة مثله إذا أحسن تلك الصنعة مائتين، لا يغرم مع رده إلاَّ خمسين.
واعلم أن الجواب في صور إبلاء الثوب كلها مبني على أن أجره مثل المغصوب لازمه، مع أرش النقصان الحاصل بالاستعمال، وهو الأصح وقد مَرَّوجه آخر أنَّه لا يجمع بينهما، فعلى ذلك الوجه الجواب لزوم أكثر الأمرين من المقادير المذكورة، أو أجره المثل، ولو اختلف المالك والغاصب في قيمة الثوب الذي أبلاه أنها متى زادت، فقال المالك: زادت قبل الإبلاء، فاغرم التالف بقسطه منها، وقال الغاصب: بل زادت بعده قال ابْنُ سُرَيْجٍ: المصدق الغاصب؛ لأنه غارم، كلما لو تلف كله، واختلفا في أن القيمة زادت قبل التلف أو بعده.
وأما القسم الثالث، وهو أن يكون النقصان في شيء من الأجزاء أو الصفات بعدها فيوضحه المسائل الآتيه على الأثر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ مَزَّقَ الثَّوْبَ خِرَقاً لَمْ يَمْلِكْهُ (ح) بَلْ يَرُدُّ الخِرَقَ وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتِ الجِنَايَةُ لاَ تَقِفُ سِرَايَتُهَا اِلى الهَلاَكِ كَمَا لَوْ بَلَّ الحِنْطَةَ حَتَّى تَعَفَّنَتْ، أَو اتَّخَذَ مِنْهَا هَرِيَسَةٌ، أَوْ مِنَ التَّمْرِ وَالسَّمْنِ حَلْوَاء، فَنَصَّ الشَّافِعيُّ رَحمَةُ الله عَلَيْهِ أَنَّ المَالِكَ بِالِخَيارِ بَيْنَ أَنْ يأُخُذَ المَعِيبَ وَأَرْشَ النَّقْص أَوْ يُطَالِبَ بِمِثْلِ أَصْلِ المَالِ، فَإِنَّ مَصِيَرِهُ إِلى الهَلاَكِ فيِ حَقِّ مَنْ لاَ يُرِيدُهُ فَكَأنَّهُ هَالِكٌ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ وَهُوَ القِيَاسُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلاَّ مَا بَقِيَ من مِلْكهِ وَأَرْشُ النَّقْصِ.
قال الرافعي: النقصان الحاصل في المغصوب نوعانِ:
أحدهما: ما لا سرايه له، فعلى الغاصب أرشه، ورد الباقي لا فرق في ذلك بين أن يكون الأرش قدر القيمة، كما في يدي العبد، أو دونها، ولا بين أن يفوت معظم منافعه، أو يفوت، ولا بين أن يبطل بالجناية عليه الاسم الأول وألاَّ يبطل.
قال أَبُو حَنِيْفَةَ: إذا كان الواجب قدر القيمة، أو فوت الغاصب معظم منافعه بجنايته، كما لو مزق الثوب المغصوب خرقاً، أو شَقَّهُ طولاً أو كسر قوائم الدابة، أو بعضها لم يكن للمالك أن يغرمه شيئاً إلاَّ أن يترك المغصوب إليه، وكذا لو ذبح الشاة، أو صبغ الثوب بما لا يقبل بعده لوناً آخر، وهو السواد، قال: فإذا تصرف بما أبطل الأسم الأول ملك، وغرم قيمته، ولا سبيل للمالك إلى أخذه منه، وهذا كما إذا غصب حِنْطَةً فطحنها، أو دقيقاً فخبزه، أو شاة فذبحها وشواها، أو صفراً واتخذه آنية، أو ثوباً فخاط منه قميصاً، وساعدنا في قطع أذن الدابة، وإحدى يدي العبد، وما أشبهها أنه يأخذ الباقي، ويغرمه الأرش.
الجزء: 5 - الصفحة: 438
واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- فقال: جناية قطع اليدين فوق جناية قطع إحداهما، فإذا لم يستفد بالغرامة في أدنى الجنايتين ملكًا وجب إلاَّ يستفيد في أعلى الجنايتين بطريق أولى.
وعبارة الأصحاب أنه جنى على ملك الغير، فلا يتوقف تغريمه على تمليكه، كما لو قطع إحدى اليدين، ولو أراد المالك ترك الناقص عند الغاصب، وتغريمه بدله لم يكن له ذلك، فإنه عين ملكه.
ونقل صاحب "المهذب" وغيره وجهاً أنه إذا طحن الطعام المغصوب للمالك ترك الدقيق ومطالبته بالمثل؛ لأنه أقرب إلى حقه من الدقيق.
والنوع الثاني: ما له سراية لا تزال تزداد إلى الهلاك الكلي، كما لو بل الحنطة، وتمكن منها العفن السَّاري، أو اتخذ من الحِنْطة المغصوبة هريسةٍ، أو غصب سمناً وتمراً ودقيقاً، واتخذ منها عصيدة نقل العراقيون عن نصه -رضي الله عنه- في "الأم" أنه يجعل كالهالك ويغرم بدل كل مغصوب من مثل، أو قيمة.
وقول آخر عن رواية الرَّبيع أنه يرده مع أرش النقصان، ثم قالوا: فيه طريقان للأصحاب:
أحدهما: إثبات القولين، وجه الثاني القياس على النوع الأول من النقصان، ووجه الأول أنه مشرف على التلف والهلاك، ولو ترك حاله لفسد، فكأنه هالك.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول، وجعله كالهالك أظهر عندهم، سواء أثبت القولين أو لا.
وأما الإمام وصاحب "التهذيب" فإنهما رويا في المسألة قولين:
أرجحهما: أنه يرده مع أرش النقصان، وليس للمالك إلاَّ ذلك.
والثاني: أنه يتخير المالك بينه وبين أن يغرمه بدل ماله من مثل، أو قيمة، ويجعل كالهلاك؛ لأن أرْشَ النقص السَّارى لا يكاد ينضبط، فله أن يكفى مؤنة نفسه الاطلاع عليه وأيضاً، فإنه إذا لم يرده وتركه بحاله يهلك، بخلاف ما إذا طحن الحِنْطَة، فإنه وإن لم يرد الدقيق، فلو تركه بحاله لا يهلك.
ونسب الإمام التخير هكذا إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- وبه أجاب طائفة، منهم الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ والمَسْعُودِيُّ، وهو كالمتوسط بين ما اختاره العراقيون، وبين ما اختاره الإمام، وصاحب "التهذيب"، وذكر البندنيجى قولاً آخر عن رواية أَبِي إسحاق في الشرح أنَّه يتخير الغاصب بين أن يسكنه ويغرمه، وبين أن يرده مع أرش النقصان، ويخرج المختصر من هذه الروايات أربعة أقوال:
الجزء: 5 - الصفحة: 439
تغريمه: كما هلك رده وأرش النقصان.
تخيير: المالك تخيير الغاصب.
وإذا قلنا بالأول، فقد أورد أبُو سَعِيدٍ المُتَوِّلى وجهين 48 في أن الحنطة المبلولة لمن تكون؟
أحدهما: تبقى للمالك كيلا يكون العدوان قاطعاً حقه، كما لو نجس زيته، وقلنا: إنه لا يطهر بالغسل، فإن كونه للمالك أولى به.
والثاني: أنها تصيير للغاصب؛ لأنا ألحقناه بالهلاك في حق المالك، ولو هلك لم يكن للمالك غير ما أخذه ضماناً، وكذلك هاهنا، وإذا حكمنا بتغريمه الأرش مع الرد، فإنه يغرم أرش عيب سارٍ، وهو أكثر من أرش الفائت.
ثم قال الشيخ المتولى: إن رأى الحاكم أن يسلم الجميع إليه فعل، وإن رأى سلم أرش النقص المتحقق في الحال إليه، ووقف الزيادة إلى أن تتيقن نهايته، وفي هذا توقف؛ لأن المعقول من أرش العيب الساري أرش العيب الذي شأنه السّرَاية، وأنه حاصل في الحال.
أما المتولد منه، فيجب قطع النظر عنه، إذ الكلام في النقصان الذي لا تقف سرايته إلى الهلاك، فلو نظرنا إلى المتولد معه لا نجر ذلك إلى أن يكون أرش العيب الساري تمام قيمته، وهو عود إلى القول الأول، وقد بَيَّنَ في "شرح المفتاح" الشيخ أبُو حَامِدٍ السلمي ذلك، فإنه قال في التعبير عن قول التخيير: إن شاء المالك ضمنه ما نقص إلى الآن، ثم لا شيء له من زيادة فساد تحصل من بعد، وإن شاء تركه، إليه، وطالبه بجميع البدل.
ومن صور النوع الثاني ما إذا صَبَّ الماء في الزيت، وتعذر تخليصه منه، فأشرف على الفساد.
وعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ تردد في مرض العبد المغصوب، إذا كان سارياً عسر العلاج، كالسل والاستسقاء، ولم يرتضه الإمام؛ لأن المرض الميئوس منه قد يبرأ، والعفن المفروض في الحنطة يفضي إلى الفساد لا محالة 49.
وقوله في الكتاب: "وفيه قول مخرج" لم أجد غيره يصفه بكونه مخرجاً، وقد
الجزء: 5 - الصفحة: 440
ذكرنا أنهم نقلوه عن رواية الرَّبِيْع، ولا حاجة مع النقل إلى التخريج، نعم ربما لا يبلغ النقل المخرج، فيقع الحافر على الحافر، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ جَنَايَةً قَتَلَ بِهَا قِصَاصاً ضَمِنَ الغَاصِبُ للمَالِكِ أَقْصَى قِيمَتِهِ إذْ حَصَلَ الفَوَاتُ تَحْتَ يَدِهِ، وإنْ تَعَلَّقُ الأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ ضَمِنَ الغَاصِبُ لِلمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا يَضْمَنُ المَالِكُ إذَ مَنَعَ البَيْعَ وَكَأنَّ الغَاصِبَ مَانِعٌ، فَإنْ تَلَفَ العَبْدُ في يَدِهِ ضَمِنَ لِلمَجنِيِّ عَلَيْهِ الأَرْشَ وَلِلمَالِكِ القِيمَةَ، وَإِنْ سَلَّمِ القِيمَةَ اِلىَ المَالِكِ فَللِمَجْنيِّ عَلَيْهِ التَّعَلُّقُ بِهِ لأنَّهُ بَدَلُ عَبْدٍ تَعَلَّقَ بِهِ أَرْشُهُ، فَإذَا أَخَذَهُ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَجَعَ المَالِكُ عَلَى الغَاصِبِ بَمِا أَخَذَهُ لأنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في جناية العبد المغصوب، وسب ذكره في هذا الموضع أن الجناية أحد أنواع النقصان، ونحن نذكره، ونضم إليه حكم الجناية عليه.
أما جنايته، فينظر إن جنى بما يوجب القصاص، واقتص منه في يد الغاصب، غرم الغاصب أقصى قيمة من يوم الغَصْب إلى الأقتصاص، وإن جنى بما يوجب القصاص في الطرف، واقتص منه في يده غرم بدله، كما لو سقط بآفة سماوية ولو اقتص منه بعد الرد إلى السيد، غرم الغصب أيضاً؛ لأن سبب الفوات حصل في يده، وكذا الحكم لو ارتد، أو سرق في يد الغاصب، ثم قتل، أو قطع بعد الرد إلى المالك، ولو غصب مرتدّاً أو سارقاً، فقتل أو قطع في يد الغاصب، هل يضمنه الغاصب؟
في "النهاية" أنه على الوجهين، في أنه إذا اشترى مرتدّاً أو سارقاً، فقتل، أو قطع في يد المشترى، فمن ضمان من يكون القطع والقتل؟ ولو جنى المغصوب على نفس، أو مال جناية توجب المال متعلقاً برقبته، فعلى الغاصب تخليصه بالفداء.
قال الإمام: وبم يفدية بأرش الجناية بالغاً ما بلغ، أو بأقل الأمرين من الأرش، ومن قيمة العبد فيه قولان، كما إذا أراد المالك تخليص العبد الجاني، وفداه، قال: وهذا؛ لأن وجوب بذل الأرش بتمامه في حق المالك، ووجهه أنه امتنع من البيع، ولو رغب فيه ربما.
وقع الظفر بمن يشتريه بمقدار الأرش، ومثل هذا موجود في حق الغاصب؛ لأنه بالغصب مانع ملكه من بيعه وينزل ذلك منزله المالك المانع، ويترتب عليه تضمينه المجني عليه، وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله: "كما يضمن المالك إذا منع اليع، وكأنه الغاصب مانع".
ولك أن تقول: لو كان يضمنه للمنع من البيع أسقط الضمان إذا رده إلى المالك لارتفاع الحيلولة، ولا يسقط بل لو بيع في الجناية بعد الرد إلى المالك، غرمه الغاصب
الجزء: 5 - الصفحة: 441
أيضاً، كما سيأتى ولم يوجه العراقيون تضمينه بذلك، وإنما وجهوه بأن جناية العبد لنقص دخله، كسائر وجوه النقصان، وسواء جرى الوجهان، كما ذكره الإمام أولاً، فالظاهر أنه لا يجب على الغاصب تحصيله إلاَّ بأقل الأمرين، وهو المذكور في "التتمة"، فإذا ثبت أن الجانى والجناية مضمونان على الغاصب، فلا يخلو إما أن يتلف العبد في يد الغاصب، أو يرده إن تلف في يده، فللمالك تغريمه أقصى القيم، فإذا أخذها، فللمجنى عليه إن لم يغرم الغاصب له بعد أن يغرم الغاصب، وله أن يتعلق بالقيمة التي أخذها المالك؛ لأن حقه كان متعلقاً بالرقبة، فيتعلق ببدلها، كما أن العَيْن المرهونة إذا أتلفها متلف يتوثق المرتهن ببدلها.
وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهاً أن القيمة المأخوذة تسلم للمالك، ولا يطالبه المجني عليه بها، وإنما يطالب الغاصب، كما أن المجني عليه لو أخذ الأرش لم يكن للمالك التعلق به، فهما كرجلين لكل واحد منهما دين على ثالث، والصحيح الأول، وإذا أخذ المجني عليه حقه من تلك القيمة، يرجع المالك بما أخذه على الغاصب؛ لأنه لم يسلم له، بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب، ثم الذي يأخذه المجني عليه قد يكون كل القيمة بأن كان الأرش مثل القيمة، وقد يكون بعضها بأن كانت القيمة ألفاً، والأرش خمسمائة، فلا يأخذ إلاَّ خمسمائة، ولا يرجع المالك إلاَّ بخمسمائة؛ لأن الباقي قد سلم له، وكذا لو كان العبد يساوى ألفاً، فرجع بانخفاض السوق إلى خمسمائة، ثم جنى، ومات عند الغاصب، فغرمه المالك الألف لم يكن للمجنى عليه إلاَّ خمسمائة وإن كان أرش الجناية ألفاً؛ لأنه ليس له عليه إلاَّ قدر قيمة الجناية، وإن رد العبد إلى المالك، نظر إن رده بعد ما غرم المجني عليه، فذاك، وإن رد قبله، فبيع في الجناية رجع المالك على الغاصب بما أخذه منه؛ لأن الجناية حصلت حين كان العبد مضموناً عليه، ويخالف ما إذا جنى في يد المالك، ثم غصبه غاصب، فرده، ثم بيع في تلك الجناية، حيث لا يرجع المالك بشيء؛ لأن الجناية حصلت، وهو غير مضمون عليه.
وفرع ابْنُ الحَدَّادِ على ذلك، فقال: إذا جنى في يد المالك جناية تستغرق قيمته، ثم غصب وجنى في يد الغاصب جناية أخرى مستغرقة، ثم رده إلى المالك، ثم بيع في الجنايتين وقسم الثمن بينهما نصفين، يرجع المالك على الغاضب بنصف قيمة العبد؛ لأن إحدى الجنايتين وجدت، والعبد في ضمانه، فإذا أخذه كان للمجني عليه الأول التعلق به، ولا حق للمجنى عليه الثاني.
ووجه الشيخان أبُو عَلِي وأَبُو مُحَمَّدٍ بأن سبب وجوب هذا النصف إنما هو الغصب، فإنه بالغصب ضمن ما يجنى المغصوب، والغصب مقدم على الجناية الثانية،
الجزء: 5 - الصفحة: 442
فلا يأخذ المجنيّ عليه الثاني، بما يوجب به شيئاً، كما لو جنى عبده على رجل، ثم قطعت يده، ثم جنى على آخر، ثم قتل أو مات من سراية القطع، فإن أرش اليد لا يأخذ منه المجني عليه الثاني شيئاً لوجوبه بالقطع المتقدم على الجناية عليه، ثم إذا أخذ المجني عليه الأول لم يرجع المالك على الغاصب؛ لأنه أخذه بسبب جناية غير مضمونة على الغاصب، ولو كان الفرع بحاله، وتلف العبد بعد الجنايتين في يد الغاصب، فله طلب القيمة من الغاصب، وللمجني عليه أخذها، فإذا أخذها، فللمالك الرجوع بنصفها على الغاصب؛ لأنه أخذ منه النصف بجناية مضمونه على الغاصب، فإذا رجع فللمجني عليه الأول أخذه؛ لأنه بدل ما تعلق به حقه قبل الجناية الثانية وإذا أخذه لم يكن له الرجوع على الغاصب مرة أخرى؛ لأنه مأخوذ بجناية غير مضمونة على الغاصب، هذا ظاهر المذهب في الحالتين.
وقيل: إذا رد العبد، وبيع في الحالتين، فالنصف الأول يرجع به المالك سلم له، ولا يؤخذ منه، وإنما يطالب المجني عليه الأول الغاصب بنصف القيمة، وإذا ثبت في يد الغاصب بعد الجنايتين، لا يأخذ المالك شيئاً ولكن المجني عليه الأول يطالب الغاصب بتمام القيمة، والمجنى عليه الثاني يطالبه بنصف القيمة.
ولو جنى العبد المغصوب في يد الغاصب أولاً، ثم رده إلى المالك، فجنى في يده جناية أخرى، وكل واحد منها مستغرق القيمة فبيع فيهما، وقسم الثمن بينهما، فللمالك الرجوع على الغاصب بنصف القيمة للجناية التي هي مضمونة عليه، فإذا أخذه، قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: سمعت الشيخ القَفَّالَ مرة يقول: ليس لواحد من المجني عليهما أخذه.
أما الثاني، فلأن الجناية عليه مسبوقة بجناية مستغرقة، وحق الثاني لم يثبت إلاَّ في نصف القيمة، وقد أخذه.
وأما الأول، فلأن حق السيد في القيمة يثبت بنفس الغصب، وهو متقدم على حتى المجني عليه، فما لم يصل حقه إليه لا يدفع إلى غيره شيئاً.
وقال: وليس هذا بشئ، بل للمجنى عليه، الأول أخذه، كما في المسألة السابقة، ولا عبَرة بثبوت حق السيد في القيمة، فإن حق السيد، وإن كان متقدماً، فيتقدم عليه حق المجني عليه، كما في نفس الرقبة.
قال: وقد ناظرت القَفَّالَ، فرجع إلى قولى، وعلى هذا فإذا أخذه المجني عليه الأول، رجع به المالك على الغاصب مرة أخرى، ويسلم له المأخوذ ثانياً؛ لأن الأول قد أخذ تمام القيمة، والثاني لم يتعلق حقه إلاَّ بالنصف، وقد أخذه، ولو جنى في يد الغاصب، ثم في يد المالك، كما صورنا، ثم قتله الغاصب، أو غصبه ثانياً، فمات
الجزء: 5 - الصفحة: 443
عنده أخذت القيمة منه وقسمت بين المجني عليهما ثم للمالك أن يأخذ منه نصف القيمة؛ لأنه أخذ منه جناية مضمونة عليه، فإذا أخذه كان للمجنى عليه الأول أن يأخذه منه، ثم له أن يرجع به على الغاصب مرة أخرى، ويسلم له المأخوذ في هذه المرة، وقد غرم الغاصب، والصورة هذه القيمة مرتين: مرة بجناية العبد في يده، ومرة بالقتل، وعلى قياس الوجه الذي سبق يأخذ المجني عليه الأول تمام القيمة من الغاصب، والثاني نصف القيمة، وللمالك نصف القيمة ولا تراجع.
هذا هو القول في جناية العبد المغصوب.
وأما الجناية عليه، فإن قتل، نظر بأن وجب القصاص بأن كان القاتل عبداً، والقتل عمداً، فللمالك القصاص، فهذا اقتص برئ الغاصب؛ لأنه أخذ بدل عبده، ولا نظر مع القصاص إلى تفاوت القيمة، كما لا نظر في الأحرار إلى تفاوت الدّية، فإن لم يجب القصاص بأن كان الجاني حرّاً، فعليه بالجناية قيمة يوم القتل، سواء قتله الغاصب، أو أجنبى، والمالك بالخيار بين أن يطالب به الغاصب، أو الجانى، لكن الإقرار على الجانى، ثم إنْ كانت قيمته قبل يوم القتل أكثر، ونقصت في يد الغاصب، فعليه ما نقص بحكم اليد، وإن كان الجاني عبداً، فإن سلمه سيده، وبيع في الجناية، نظر إن كان الثمن مثل قيمة المغصوب أخذه، ولا شيء له على الغاصب، إلاَّ إذا كانت القيمة قد نقصت عنه قبل القتل، وإن الثمن أقل أخذ الباقي من الغاصب فإن اختاره سيده فداه.
إن قلنا: يفدية بالأرش أخذه، ولا شئ له على الغاصب، إلاَّ على التقدير المذكور.
وإن قلنا: يفدي بالأقل من أرش الجناية، وقيمة الجاني، فإن كانت قيمة المغصوب أكثر من قيمة الجاني، فالباقي على الغاصب، إن كانت أقل، أو مثلها أخذها المالك، ولا شئ له على الغاصب، إلاَّ على التقدير المذكور.
ولو اختار المالك تغريم الغاصب الفداء فله ذلك ويأخذ منه جميع قيمة المغصوب، ثم يرجع الغاصب على سيد العبد الجانى بما غرم إلاَّ ما لا يطالب به، إلاَّ الغاصب، هذا إذا كانت الجناية قتلاً.
أما الجراحات، فأما أن يكون لها أرش مقدر في حق الحر، أو لا يكون لها أرش مقدّر، فالواجب في القسمين ما بينا من قبل، فإذا كان الواجب ما نقص من قيمته بالجناية، كان المرعى حالة الاندمال، فإن لم يكن حينئذ نقصان لم يطالب بشئ، وإذا كان الواجب مقدراً من القيمة، كالمقدر من الدّية، فيؤخذ في الحال، أو يؤخر إلى الاندمال، فيه قولان، كما لو كانت الجناية على الحُرِّ، وسيأتي ذلك في موضعه -إن
الجزء: 5 - الصفحة: 444
شاء الله تعالى- وإذا كان الجاني غير الغاصب، وغرمناه المقدر من القيمة، وكان النقص أكثر من ذلك المقدر، فعلى الغاصب ما زاد على المقدر، فإن المقدر أكثر مما نقص من القيمة، فهل يطالب الغاصب بالزيادة على ما نقص من القيمة؟
ذكرنا فيما إذا سقطت يده بآفة أن الأصح أنه لا يطالب وهاهنا الظاهر أنه يطالب، والقرار على الجانى، وترددوا فيما إذا قطعت يده قصاصاً، أو حدّاً؛ لأنه يشبه السقوط بآفة من حيث إنه تلف بلا بدل، ويشبه الجناية من حيث حصوله بالأختيار، فإن اجتمعت جناية المغصوب، والجناية عليه، كما إذا قتل العبد المغصوب إنساناً، ثم قتله في يد الغاصب إنسان، فللمغصوب منه أن يقتص، ويسقط به الضمان عن الغاصب، ويبطل حق ورثة من قتله المغصوب؛ لأن العبد الجانى إذا هلك، ولم يحصل له عوض يضيع حق المجني عليه، نعم لو كان المغصوب قد نقص عند الغاصب بعروض عيب بعد ما جنى، فلا يبرأ الغاصب من أرش النقصان، ولولى من قتله التمسك به وإن عرض عيب قبل جنايته، فاز المغصوب منه بالأرش؛ لأن الجزء المقابل للأرش كان مقصوداً عند الجناية، ولو لم يقتص المغصوب منه، بل عفا على المال، أو كانت الجناية موجبة للمال، فحكم تغريمه وأخذه المال على ما مر في الجناية عليه من غير جناية منه، ثم إذا أخذ المال كان لورثة من جنى عليه عبده التعليق به؛ لأنه بدل الجاني على مورثهم، فإذا أخذوه رجع المغصوب منه على الغاصب مرة أخرى؛ لأنه أخذ منه بسبب جناية مضمونة عليه، ويسلم له المأخوذ 50 ثانياً على ما مر نظيره والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وإِذَا نَقَلَ الغَاصِبُ التُّرَابَ مِنْ أَرْضِ المَالِكِ فَعَلَيْهِ رَدُّ التُّرَابِ بِعَيْنِه أَوْ رَدُّ مِثْلِهِ اوِ الأَرْشُ لِتَسْوِيَةِ الحَفْرِ، وَالبَائِعُ إِذَا قَلَعَ أَحْجَارَهُ يَكَفِيهِ تَسْوِيةُ الحَفْرِ وَلاَ يَلْزَمُهُ الأرْشُ، وَقِيِلَ في المَسْئَلَتَيْنَ قَوْلاَنِ بِالنَّقُلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَالاكْتِفَاءُ بالتسويةِ في المَوضعَيْنِ أَوْلَى فَإنَّهُ لاَ يَتَفَاَتُ، بِخِلاَفِ بِنَاءِ الجِدَارِ بَعْدَ هَدْمِهِ، وَلَيْسَ لِلغَاصِبِ أَنْ يَنْقُلَ التُّرَابَ إِلَى
الجزء: 5 - الصفحة: 445
مِلكْهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذا تَضَرَّرَ الغَاصِبُ بِهِ لِتَضْيِيقِهِ مِلْكَهُ أَوْ لِوقُوُعِهِ في شَارعِ يَحْذَرُ مِنَ التَّعَثُّرِ بِهِ ضَمَاناً، وَلَو حَفَرَ بِئْراً في دَارِهِ فَلَهُ طَمُّهَا وَإنْ أَبَاهُ المَالِكُ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ ضَمَانِ التَّرَدَيِّ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ المَالِكُ فَالأَظْهَرُ أَنَّ رِضَاهُ الطَّارِئَ كَالرِّضَا المَقْرُونِ بِالحَفْرِ حَتَّى يَسْقُطَ الضَّمَانُ بِهِ فَلاَ يَجُوزَ لَهُ الطَّمُّ بَعْدَ رِضَاهُ.
قال الرافعي: نقل التراب من الأرض المغصوبة تارة يكون من غير إحداث حفر فيها، كما إذا كشط عن وجهها، وتارة يكون بإحداث حفرة فيها، كما إذا حفر بئراً، أو شق نهراً.
الحالة الأولى: إذا كشط وجه الأرض، ونقل التراب، فللمالك إجباره على رده إن كان باقياً، وإن تلف، وانمحق بهبوب الرياح والسيول الجارية رد مثله إليه، وعليه إعادة وضعه وهيئته، كما كانت من انبساط، أو ارتفاع، وإن لم يطالبه المالك بالرد، نظر إن كان له فيه عرض بأن دخل الأرض نقص، وكان ذلك النقص يرتفع بالرد ويتوقع منه 51 الأرش أو كان نقل التراب إلى ملكه، وأراد تفريغه إلى ملك غيره أو شارع يحدث من التعثر به الضمان، فله الاستقلال بالرد، وإن لم يكن شيء من ذلك، بل نقله إلى موات، أو من أحد طرفي الأرض المغصوبة إلى الآخر، فإن منعه المالك من الرد لم يرده، وإن لم يمنعه، فهل يفتقر الرد إلى إذن المالك؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين، بناء على الوجهين في أنه إذا منعه، فخالف فرد، فهل للمالك مطالبته بالنقل ثانياً إلى الأرض؟ إن قلنا: لا: رد من غير إذن المالك.
وإن قلنا: نعم افتقر إلى إذنه، وهو المذكور في الكتاب، وهو الأظهر، وإذا كان له غرض في الرد، فرده إلى الأرض، فمنعه المالك من بسطه لم يبسطه، وإن كان في الأصل مبسوطاً والله أعلم.
الحالة الثانية: إذا حفر في الأرض المغصوبة بِئْراً، فأمره المالك بطَمِّهَا لزمه الطَّمُّ وإن لم يأمره المالك كان له أن يستقل بالطَّمِّ ليدفع عن نفسه خَطَر الضمان لو تردَّى فيها مترد، وأيضاً قد يكون في الطَّمِّ بعض الأغراض المذكورة في الحالة الأولى.
وقال المُزَنِيُّ: لا يعلم إلاَّ بإذن المالك، فإن منعه المالك، وقال: رضيت باستدامة البئر، فإن للغاصب غرض في الطَّمِّ سوى دفع ضمان التردي، فله، الطم، وإن لم يكن له غرض سواه، فوجهان:
أحدهما: له الطم أيضاً؛ لأن الإذن الطارئ لا يرفع حكم الحفر المتقدم.
الجزء: 5 - الصفحة: 446
وأظهرهما، ويحكى عن أبي حنيفة: المنع، ويندفع عنه الضمان لخروجه عن أن يكون جناية وتعدياً، ولو لم يقل: رضيت باستدامتها، واقتصر على المنع من الطَّمِّ ففي "التتمة" أنَّه كما لو صرح بالرضا ليضمنه إياه.
وقال الإمام: لا يضمنه، ولو كان الغاصب قد طمَّ البئر بآلة نفسه، فله نقلها، وللمالك إجباره عليه فإن تركها، ووهبها منه لم يلزمه القبول على أظهر الوجهين، وحيث قلنا في الحالتين: إنه يرد التراب إلى الأرض المغصوبة لوقوعه في ملكه أو في شارع، فذاك إذا لم يتيسر نقله إلى موات ونحوه في طريق الرد، فإن تيسر لم يرده إلاَّ بالإذن كذا قاله في "النهاية"، وذكر أنه إنما يستقل بعلم البئر إذا بقي التراب الأول بعينه.
أما إذا تلف ففي الطم بتراب آخر دون إذن المالك وجهان، وينبغي أن يجرى هذا الخلاف في الحالة الأولى، وفيما إذا طلب المالك الرد والطَّمِّ عند تلف ذلك التراب.
والظاهر فيها جميعاً أنه لا فرق بين التراب وغيره.
أما إذا أعاد هيئة الأرض في الحالتين إلى ما كانت عليه إما بطلب المالك أو دونه، نظر إن لم يتفق في الأرض نقص، فلا أرش عليه ولكن عليه أجرة المثل لمدة الحفر والرد، وإن بقى فيها نقص وجب عليه الأرش مع الأجرة، هذا ما به الفتوى في مسألة الفصل من أولها إلى هذا الموضع، وورائه تصرف الأصحاب.
قالوا: النص فيما نحن فيه أن يجب أرش النقص الحاصل بالحفر، ولم يوجب التسوية؛ لأنه نص على ذلك فيما إذا غرس في الأرض المغصوبه؛ ثم قلع بطلب المالك، وإذا باع أرضاً فيها أحجار مدفونة، فقلعها، ونقلها نص أنه يلزمه تسوية الأرض، واختلفوا فيها على طريقين:
أحدهما: أن في الصورتين قولين بالنقل والتخريج:
أحدهما: أن الواجب في الموضعين أرش النقصان؛ لأن إلزام التسوية مقابلة فعل بمثله، فصار كما إذا هدم جدار الغير لا يكلف بإعادته.
والثاني: أن الواجب التسوية لتعود الأرض إلى ما كانت، ومهما أمكن التضمين بالمثل، لا يصار إلى التضمين بالقيمة، ويفارق هدم الجدار، كما تقدم في "البيع".
والطريق الثاني: تقرير النصين، وفرقوا بأن الغاصب متعّدٍ، فغلظ عليه الأمر بإيجاب الأرش لكن لا متانة لهذا الفرق؛ لأن مؤنة التسوية قد تزيد على أرش النقصان الحاصل بالحفر، فلا يظهر زيادة تغليظ بإبحاث الأرش، وأيضاً فإنا إذا أوجبنا التسوية، وبقي بعد التسوية نقصان من الأرش يجب أرشه، نص عليه الأئمة، ولا بد منه، وإلاَّ كان الضمان دون الفائت، وإذا أوجبنا أرش النقصان الباقي بعد التسوية مع التسوية لم يكن فيه تخفيف، والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 447
وإذا نظرت في لفظ الكتاب أفهمك ظاهره انصراف الطريقين إلى شئ آخر، وهو أن الواجب مجرد التسوية أم يجب مع التسوية أرش النقص الباقي؛ لأنه قال: "فعليه رد التراب"، والأرش، وأيضاً قال: يكفيه تسوية الحفر، ولا يلزمه الأرض، وأيضاً قال: والأكتفاء بالتسوية في الموضعين أولى، لكن الأعتماد على ما نقلناه، وإن كان المراد ما أشعر به ظاهره، كما انتظم الوجه بقوله، فإنه لا يتفاوت بخلاف بناء الجدار بعد هدمه؛ لأن هذا المعنى لا يقتضي القناعة بالتسوية، والإضراب عن أرش النقصان الباقي بعدها، وإنما هو توجيه القول الصائر إلى وجوب التسوية.
والفرق بين إعادة الجدار بعد هدمة، وبين التسوية على ما مَرَّ، فإذاً يجب تأويل ظاهر الكتاب، بأن يحمل قوله: "فعليه رد التراب على رده وتسليمه إلى المغصوب منه، لا إلى الأرض، ويكون معنى قوله: والأرش لتسوية الحفر.
وقوله: "يكفيه تسوية الحفر، ولا يلزمه الأرش" يؤمر بالتسوية، ولا يكلف الأرض، أو ما أشبه ذلك، ويجوز أن يعلم -بالواو-.
وقوله في الكتاب: "وتسوية الحفر" في مسألة بيع الأرض التي فيها حجارة مدفونه من كتاب "البيع" كما عرفته هاهنا وكنا قد أحلنا شيئاً من الكلام فيه إلى هذا الموضع.
واعلم أن توجيه هذا الخلاف الذي شرحناه يقتضى طرده في طَمِّ البئر، لكنهم سكتوا عنه.
وقوله: "وليس للغاصب أن ينقل التراب إلى ملكه" يجوز إعلامه -بالواو- ولما سبق.
وقوله: "فله طمها وإن أباه المالك" أي: لم يرده، ولم يأذن فيه.
أما إذا صرح بالمنع مع الرضا باستدامة البئر، فهو على الوجهين الدين ذكرهما عقبه.
وليعلم قوله: "وإن أباه" بالزاي.
وقوله: "فإن أبرأه المالك" أي: عن ضمان التردي، وهذا اللفظ قد استعمله كثير من الأصحاب.
قال الإمام: وليس المراد منه حقيقة الإبراء فإن الضمان حق عساه يثبت للمتردي، فكيف يبرئ عن حق الغير قبل ثبوته، وإنما المراد الرضا بابقاء البئر، كما قدمناه.
قال الغزالي: وَإذَا خَصَى العَبْدَ فَعَلَيْهِ كَمَالُ قِيمَتِهِ، فَإِنْ سَقَطَ ذَلِكَ العُضُوُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةِ فَلاَ شَيْءَ (و) عَلَيْهِ لأَنَّهُ بِهِ تَزِيدُ قِيمَتُهُ، وَكذَلِكَ إِذَا نَقَصَ السَّمْنُ المُفْرِطُ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنَ القِيمَةِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 448
قال الرافعي: إذا خصى 52 العبد المغصوب فهو على القولين السابقين، في أن جراح العبد، هل تتقدر؟ إن قلنا بالجديد، وهو أنه يتقدر لزمه كمال القيمة.
وإن قلنا: لا يتقدر فالواجب ما نقص من القيمة 53، فإن لم ينقص شئ، فلا شيء عليه، ولو سقط ذلك العضو بآفة سماوية، وزادت قيمتة ورده، فلا شيء عليه على القولين، نعم قياس الوجه الذي قدمناه في أنه يضمن بالتلف تحت اليد العادية، كما يضمن بالجناية أن يجب كمال القيمة، فلو كان بالجارية سمن، فزال ورجع إلى حد الاعتدال، ولم تنقص قيمتها لم يلزمه شيء؛ لأن السمن ليس له بدل مقدر، بخلاف الانثبيين، ويجوز أن يعلم لما ذكرناه قوله: "فعليه كمال قيمته" -بالواو- وكذا قوله: "فلا شيء عليه" والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ عَادَ الزَّيْتُ بِالإغْلاَءِ إلَى نِصْفِهِ ضَمِنَ مِثْلَ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ لأَنَّ لَهُ مِثْلاً، وَكَذَا في إغْلاَءِ العَصِيرِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لاَ يُضْمَنُ في العَصِيرِ لأَنَّ الذَّاهِبَ مَائِيَّةٌ غيرُ متَمَوَّلَةٍ بِخلاَفِ الزَّيْتِ.
قال الرافعي: إذا غصب زيتاً أو دهناً فأغلاه، فأما أن تنقص عينه، أو قيمتة، أو كلاهما، أو لا ينقص واحد منهما، فإن نقصت عينه، دون قيمتة، كما إذا غصب صاعين قيمتهما درهمين، فعادا بالإغلاء إلى صاع قيمتة درهمان، ففيه وجهان
أحدهما: ويروى عن صاحب "التلخيص" أنه يرده، ولا غرم عليه؛ لأن ما فيه من الزيادة والنقصان استند إلى سبب واحد، فيجبر النقصان بالزيادة.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب أنه يرده، ويغرم مثل الصاع الذاهب؛ لأن للزيت بدلاً مقدراً، وهو المثل، فصار كما لو جنى وخصى العبد، والزيادة الحاصلة أثر محض لا ينجبر به النقصان، كما لا يستحق به الغاصب شيئاً، إذا لم يكن نقصان.
وإذا نقصت قيمتة، دون عينه رده مع أرش النقصان.
وإن انتقصا جميعاً، فالواجب عليه مع رد الباقي مثل ما ذهب بالإغلاء، إلاَّ إذا كان ما نقص من القيمة أكثر مما نقص من العين، فيلزمه مع الذاهب أرش نقصان الباقي، وإن لم ينقص واحد منهما رده، ولا شيء عليه.
ولو غصت عصيراً وأغلاه، فهل هو الزيت حتى يضمن مثل الذاهب، إذا لم تنقص القيمة.
الجزء: 5 - الصفحة: 449
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وبه قال أَبُو عَلِي الطَّبَرِيُّ؛ لأنه مضمون بالغلي كالزيت.
والثاني: لا، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، والفرق أن حلاوة العصير باقية، والذاهب منه مائية ورطوبة لا قيمة لها، والذاهب من الزيت زيت متقوم، وهذا أصح مما ذكره الشيخ أبُو حَاِمدٍ وَالقاضي الروياني، ومن قال به قطع بأنه لا يضمن مثل العصير الذاهب.
وإيراد صاحب الكتاب يقتضى ترجيح الوجه الأول، وربما يقول: من رجحه الذاهب من الزيت المائية أيضاً إلاَّ أن مائيته أقل، وعلى هذا أن يعود الوجهان المذكوران في أنه هل يضمن مِثْل الزيت الذاهب إذا لم تنتقص القيمة؟
والخلاف المذكور فيما إذا أغلى العصير يجري فيما إذا صار خلاًّ، وانتقص عينه دون قيمتة، وكذا إذا صار الرطب تمراً، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ هَزَلَتِ الجَارِيةُ ثُمَّ سِمِنَتْ، أَوْ نَسِيَ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَذَكَّرَ، أَوْ أَبْطَلَ صَنْعَةَ الإِنَاءِ ثُمَّ أَعَادَ مِثْلَهُ فَفيِ حُصُولِ الجَبِرْ وَجْهَانِ، وَلَو أَعَادَ صَنْعَةَ أُخْرى فَلاَ يَخْيَرُ أَصْلاً.
قال الرافعي: نقصان المغصوب، هل ينجبر بالكمال بعده، ينظر إن كان الكمال من الوجه الذي حصل فيه النقصان، كما لو هزلت الجارية 54 ثم سمنت، وعادت، كما كانت، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ينجبر، ويسقط الغرم، كما لو أبق العبد، فعاد، وكما لو جنى على عين، فابيضت، ثم زال البياض.
وأظهرهما: المنع؛ لأن السمن الثاني غير الأول، ويروى هذا عن الإِصْطَخْرِيِّ، والأول عن ابن أَبي هرَيْرة، والوجهان عند القاضي أَبِي الطَّيِّبِ مبنيان على الَخلاف، إِذا قلع سن كبير، وعاد، وضعفه صاحب "التتمة"؛ لأن عود سن الكبير نادر، وعود السمن ليس بنادر، فهو بعود سن الصغير أشبه، وأجرى الوجهان فيما إذا كان العبد المغصوب صانعاً، فنسى الصنعة، ثم تذكرها أو تعلمها، ومنهم من قطع هاهنا بالأنجبار؛ لأن السمن الثاني زيادة في الجسم محسوسة مغايرة لما كان، وتذكر الصنعة لا يعد في العرف شيئاً متجدداً، والظاهر هاهنا الانجبار، سواء ثبت الخلاف أو لا.
الجزء: 5 - الصفحة: 450
ومنهم من قطع في السمن بعدم الانجبار، وخص الخلاف بالصورة الثانية، وحكاه في "التهذيب" عن صاحب "التلخيص".
وإذا قلنا: بالأنجبار، فلو لم تبلغ القيمة بالعائد إلى القيمة الأولى، ضمن ما بقى من النقصان، وانجبر ما وراءه بما عاد، ويجري الخلاف فيما إذا كسر الحُلى، والإناء المغصوبين، ثم أعاد تلك الصنعة 55.
ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وجهان" -بالواو- للطريقة القاطعة بعدم الأنجبار، بعود السمن وبالانجبار في تذكر الصنعة، وإن كان الكمال من وجه آخر بأن نسي صنعه، وتعلم أخرى أو أبطل صنعة الإناء، وأحدث صنعة أخرى، فلا انجبار بحال، وعلى هذا لو تكرر النقصان، وكان الناقص في كل مرة مغايراً للنوع الناقص في المرة الأخرى ضمن الكل، حتى لو غصب جارية قيمتها مائة، فسمنت، وبلغت القيمة ألفاً، وتعلمت صنعة، فبلغت القيمة ألفين، ثم هزلت، ونسيت الصنعة، فعادت قيمتها إلى مائة يردها ويغرم ألفاً وتسعمائة 56، ولو علم العبد المغصوب سورة من القرآن، أو حرفة فنسيها، ثم علمه، حرفة، أو صورة أخرى فنسيها أيضاً ضمنها، وإنْ لم تكن مغايرة، كما إذا علمه سورة واحد، أو حرفة واحدة مراراً، وهو ينساها في كل مرة.
فإن قلنا: لا يحصل الانجبار بالعائد، ضمن النقصان كل مرة.
وإن قلنا: يحصل ضمن أكثر المرات نقصاناً، والله أعلم.
فرع: لو زادت قيمة الجارية بتعلم الغناء، ثم نسيته.
نقل القاض الروياني عن النَّص أنه لا يضمن النقصان؛ لأنه محرم والمضمون الزيادة المحترمة 57.
وعن بعض الأصحاب: أنه يغرمه، ولهذا لو قتل عبداً مغنياً يغرم قيمتة.
قال: وهو الأختيار.
الجزء: 5 - الصفحة: 451
فرع آخر: مرض العبد المغصوب، ثم برئ، وزال أثر المرض لا شيء عليه مع رده.
وفيه وجه بعيد: أنه يضمن النقص الحاصل بالمرض، ولا يسقط عنه بالبرئ، وكذا الحكم فيما لو رده مريضاً، ثم برئ، وزال الأثر.
فرع آخر: غصب شجرة فتحات ورقها، ثم أورقت أو شاة فجز صوفها، ثم نبت غرم بالأول، ولا ينجبر بالثاني، بخلاف ما لو سقط سن الجارية المغصوبة، ثم نبت أو انمعط شعرها، ثم نبت يحصل الانجبار قاله في "التهذيب" لأن الورق والصوف متقومان، فيغرمهما وسن الجارية وشعرها غير متقومين، وإنما يغرم أرش النقص الحاصل بفقدانها، وقد زال والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ غَصَبَ عَصِيراً فَصَارَ خَمْراً ضَمِنَ مَثْلَ العَصِيرِ لِفَواتَ المَالِيَّةِ، وَلَو صَارَ خَلاًّ فَالأَصَحُّ أنَّهُ يُرَدُّ مَعَ أَرْشِ النُّقْصَانِ إِنْ كَانَ الخَلُّ أَنْقَصَ قِيْمَةً، وَقِيْلَ: يُغَرَّمُ مِثْلُ العَصِيرِ، وُيرَدُّ الخَلُّ وَهُوَ رِزْقٌ جَدِيدٌ كَالسَّمْنِ العَائِدِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فيِ البَيْضِ إِذَا تَفَرَّخَ، وَالبِذْرِ إِذَا زُرعَ، وَالأَصَحُّ الأكْتِفَاءُ بِهِ فَإنَّهُ اسْتِحَالَة إلَى زَيادَةٍ، وَلَوْ غَصَبَ خَمْراً فَتَخَلَّلَ فيِ يَدِهِ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةَ فَدَبَغَهُ فَالأَصَحُّ أَنَّ الخَلَّ (ح) وَالجِلْدَ لِلمْغَصْوُبِ مِنْهُ، وَقِبلَ: بَل للْغَاصِبِ فَإنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ مِمَّا لاَ مِالِيَّةِ لِلمالِكِ فِيهِ.
قال الرافعي: في باقي الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا غصب عصيراً، فتخمر عنده كان للمغصوب منه تضمينه، مثل العصير لفوات المالية، وذكروا أن على الغاصب إراقة الخمر، فلو جعلت محترمة، كما لو تخمرت في يد المالك من غير قصد التخميرية لكان جائزاً، ولو تخللت في يد الغاصب فوجهان:
أصحهما: أن النحل للمالك وعلى الغاصب أرش النقصان، إِن كانت قيمة النحل أنقص.
والثاني: أنه يغرم مثل العصير؛ لأنه بالتخمير كالتالف، وعلى هذا ففي الخل وجهان:
أحدهما: أنه للغاصب، كما لو غصب الخمر، فتخللت في يده يكون الخل للغاصب على وجه.
وأظهرهما: أنَّه للمالك؛ لأنه فرع ملكه، ويجوز أن يكون الخل له، ولا يسقط الضمان اللازم قبل التخلل، كما في السمن العائد على أحد الوجهين، ويجرى هذا
الجزء: 5 - الصفحة: 452
الخلاف فيما إذا غصب بيضة، فتفرحت عنده، أو بذراً فزرعه، فنبت أو بذر قز، فصار قزَّاً، فعلى الأصح الحاصل للمالك، ولا يغرم الغاصب شيئاً إلاَّ أن يكون الحاصل أنقص قيمة مما غصبه؛ لأن المغصوب قد عاد إليه زائداً، وعلى الثاني يغرم المغصوب لهلاكه، والحاصل للمالك في أظهر الوجهين، وللغاصب في الآخر.
وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ والمزني، ويجوز أن يعلم لما ذكرنا قوله: "ويرد الخل" بالواو.
وقوله: "والأصح الاكتفاء به" بالحاء والزاي.
لأن اكتفاء المالك مفرع على أنه له وهما لا يجعلان الحاصل له، ثم الأكتفاء فيما إذا لم يكن الحاصل نقص، وهو الغالب.
المسألة الثانية: إذا غصب خمراً، فتخللت في يده، أو جلد ميتة، فدبغه فوجهان:
أصحهما: أن الخل والجلد للمغصوب منه؛ لأنه فرع ملكه، فعلى هذا إذا تلف في يده غرمه.
والثاني: أنهما للغاصب لحصولهما عنده بما ليس بمال.
وفي المسألة طريقان آخران:
أحدهما: القطع بأن الخل للمالك، وتخصيص الوجهين بالجلد؛ لأن الجلد صار مالاً يفعله، والخمر تخللت بنفسها.
والثاني: القطع بأن الجلد للمالك، وتخصيص الوجهين بالخل؛ لأن جلد الميتة يقتنى، والخمر التي غصبها لا يجوز اقتناؤها، فإن كانت الخمر محترمة كانت كجلد الميتة.
وإذا جمعت الطرق، واختصرت قلت: هما للمالك، أو للغاصب، أو الخل للمالك، والجلد للغاصب، أو بالعكس فيه أربعة أوجه.
وإذا حكمنا بأنهما للمالك، وذلك فيما إذا لم يكن المالك معرضاً عن الخمر والجلد.
وأما إذا كان قد أراق الخمر أو ألقى جلد الشاة الميتة، فأخذها أحد، هل للمعرض استرداد الحاصل؟ فيه وجهان 58؛ لأنه أبطل اختصاصه بالإلقاء.
وقوله في الكتاب: "فإنه حصل بفعله فيما لا مالية للمالك فيه" هذا في الجلد ظاهر، وفي الخمر كأنه يعني به الحفظ، والإمساك إلى أن تتخلل، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 5 - الصفحة: 453
قال الغزالي: الفَصْلِ الثَّانِي فيِ الزِّيادَةَ فَإذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ ثَوَباً فَقَصَّرهَ، أَوْ خَاطَهُ، أَوْ طِيِناً فَضَرَبهُ لِبِنَاً، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَسواهَا لَمْ يَمْلِكْ (ح) شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَرُدُّهُ عَلىَ حَالِهِ وَأَرْشَ النَّقْصِ إنْ نَقَصَ، وَإِنْ غَصَبَ نُقْرَةً فَصَاغَهَا حَلياً رَدَّها كَذَلِكَ، وَلَوْ كَسَرَه ضِمِنَ الصَّنْعةَ وَإِنْ كَانَتْ من جِهَتِهِ؛ لأَنَّهَا صَارَتْ تَاِبَعةً لِلنُّقْرُةِ، فَإِنْ أَجْبَرَهُ المَالِكُ عَلىَ رَدَّهِ اِلَي النُّقْرُةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَضْمَنُ أرْشَ الصَّنْعَةِ، وَيَضْمَنْ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَةِ أصْلِ النُّقْرَةِ بِالكَسْرَ.
قال الرافعي: الزيادة في المغصوب تنقسم إلى آثار محضة وإلى أعيان:
أما القسم الأول: فالقول الجملي فيه أن الغاصب لا يستحق بتلك الزيادة شيئاً لتعديه، ثم ينظر إن لم يمكن رده إلى الحالة الأولى رده بحاله، وأرش النقص، وإن نقصت قيمته، وإن أمكن رده إلى الحالة الأولى، فإن رضي به المالك لم يكن للغاصب رده إلى ما كان، وعليه أرش النقص، إن كان فيه نقص إلاَّ أن يكون له غرض في الرد إلى الحالة الأولى، فله الرد، وإن ألزمه الرد إلى الحالة الأولى لزمه ذلك، وأرش النقص إن نقص عما كان قبل تلك الزيادة.
إذا تقرر ذلك، فمن صور هذا القسم طحن الحنطة، وقصارة الثوب، وخياطته، وضرب الطين لبناً، وذبح الشاة وشَيّها، ولا يملك الغاصب المغصوب بشيء من هذه التصرفات، بل يردها مع أرش النقص، إن نقصت القيمة وقد ذكرنا خلاف أَبِي حَنِيْفَةَ، وإنما تكون الخياطة من هذا القسم إذا خاط بخيط المالك.
أما إذا كان الخيط للغاصب فستأتى نظائرة -إن شاء الله تعالى- في الطحن والقصارة والذبح والشيء لا يمكن الرد إلى ما كان، وكذا في شَقِّ الثوب وكسر الإناء، ولا يجبر على رفو الثوب، وإصلاح الإناء؛ لأنه لا يعود إلى ما كان بالرفو والإصلاح، وعن مالك: أنه يجبر عليها، كما في تسوية الحفر، ولو غزل القطن المغصوب رد الغزل وأرش النقص إن نقص، ولو نسج الغزل المغصوب، فالِكْربَاس للمالك مع أرش النقص، إن فرض مقص، وليس للمالك إجباره على نقضه، إن كان لا يمكن رده إلى الحالة الأولى ونسجه ثانياً، وإن أمكن كالخز فله إجباره عليه، فإن نقضه ونقصت قيمتة عن قيمة الغزل في الأصل غرمه ولا يغرم ما كان قد زاد بالنسيج، وفات بالنقص؛ لأن المالك أمره بذلك، فإن نقض من غير إذن المالك ضمنه أيضاً، ولو غصب نقرة، وضربها دراهم صاع منها حليّاً، أو غصب نحاساً أو زجاجاً، واتخذ منه إناء فإن رضي المالك رده كذلك، لم يكن له رده إلى الحالة الأولى إلاَّ أنْ يكون ضرب الدراهم بغير إذن السلطان، أو على غير عياره؛ لأنه حيئنذ يخاف التعبير، وحيث مُنع من الرد إلى ما
الجزء: 5 - الصفحة: 454
كان فخالف، غرم للنقصان الحاصل بزوال الصنعة الحاصلة عند الغصب، ولو أجبره المالك على رده إلى ما كان لزمه للرد فإذا، امتثل لم يغرم النقصان الحاصل بزوال الصنعة، لكن لو نقص عما كان بما طرأ أو زال غرمه.
قال الغزالي: وَلَوْ غَصَبَ ثَوْياً قَيمتُهُ عَشَرَةٌ وصَبَغَهُ بِصَبْغٍ قِيْمتُهُ عَشَرَةٌ فَصَارَتْ قَيِمَة الثُّوبِ عِشْرِينَ فَهُمَا شَرِيكَانِ، فَيُبَاعُ وُيقَسَّمُ الثَّمَنُ بَينَهُمَا، فَإِنْ وِجُدَ زُبُونٌ يَشْتَرِي بِثَلاَثيِنَ صُرِفَ إِلَي كُلِّ واحِدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ عَادَ الثَّوبُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بِالصَّبْغِ حسِبَ النُّقْصَانُ عَلىَ الصَّبْغِ، وَإِنْ عَادَ إِلَي ثَمَانِيَةِ ضَاعَ الصَّبْغُ وَغُرِّمَ الغَاصِبُ دِرْهَمَينِ، وَكَذَا القَوْلُ فيِ ثُبوتِ الشَّرِكَةِ إِذَا طَيَّرَ الرِّيُحِ الثَّوْبَ إِلَى إِجَّانَةِ صَبَّاغٍ، أَوْ صبَغَ الثَّوْبِ المغْصُوب بِصَبْغِ مغَصْوب مِنْ غَيْرهِ، فَإِنْ قَبِلَ الصَّبْغُ الفَصْلَ أُجْبِرَ الغَاصِبُ عَلىَ فَصْلِهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلىَ قَلْعِ الزَّرْعِ وَالغِراسِ وَالبِنَاءِ وَإِنْ نَقَصَ زَرْعُهُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لاَ يُجبَرُ عَلىَ فَصلِ الصَّبغِ إنْ كَانَ يَضِيعُ بالفَصْلِ أو لاَ تَفِيِ قَيِمتُهُ بِمَا يَحْدُثُ فيِ الثَّوْبِ من نُقْصَانٍ بسَبَبِ الفَصْلِ، وَمَهْمَا طُولِبَ بِالفَصْلِ وَكَانَ يَسْتَضِرُّ بِهِ فَلَوْ تَركَهُ عَلىَ المَالِكِ أُجْبِرَ عَلىَ قَبُولِه فيِ وَجْهٍ كَالنَّعْلِ فيِ الدَّابَّةِ المَرْدُودَة بِالعَيْبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ ضَرَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ الإِجْبَارُ عَلىَ القَبُولِ، وَلَوْ بَذَلَ المَالِكُ قِيمَةَ الصَّبغِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَتَملَّكَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ للِخَلاَص مِنَ الشَّرِكَةِ سَهُلَ، بِخِلاَفِ المعُيِرِ يَتَمَلَّكُ بِنَاءَ المُسْتَعيرِ بِبَدَلٍ لأَنَّ بَيْعَ العَقَارِ عَسِيِرٌ، وَمَهْمَا رَغَبَ المَالِكُ فيِ بَيْعِ الثَّوبِ أُجْبِرَ الغَاصِبُ عَلىَ بَيْعِ الصَّبْغِ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدِ إِلَى الثَّمَنِ، فإنْ رَغِبَ الغَاصِبُ فَفيِ إِجْبَارِ المَالِكِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: القسم الثاني: الأعيان، فمن صورة صبغ الثوب المغصوب، ونقدم عليه صورتين مقصودتين في نفسهما، ويحتاج إليهما في مسألة الصبغ:
إحداهما: إذا غصب أرضاً، وبنى فيها أو غرس أو زرع، كان لصاحب الأرض أن يكلفه القلع.
قال صلى الله عليه وسلم: (لَيْسِ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ) 59 وعن أَحْمَدَ: أنَّه لا يكلف
الجزء: 5 - الصفحة: 455
قلع الزرع مجاناً؛ لأن له غاية تنتظر، ولكن بخير صاحب الأرض بين أن يبقيه بأجرة وبين أن يتملكه ويغرم مثل البذر وأجرة عمله، ولو أراد الغاصب القلع لم يكن للمالك منعه، فإنه عين ماله، وإذا قلع فعليه الأجرة، وفي وجوب التسوية أو الأرش ما قدمناه في نقل التراب، وإن نقصت الأرض لطول مدة الغراس، فيجمع بين أجرة المِثْل، وأرش النقص، أو لا يجب إلا أكثرهما، فيه الخلاف المذكور، فيما إذا أبلى الثوب بالأستعمال، ولو أراد صاحب الأرض أن يتملك البناء، أو الغراس بالقيمة، أو تبقيتهما، أو الزرع بالأجرة، هل على الغاصب إجابته؟
قال في "التتمة": فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالمستعير بل أولى، فإن الغاصب متعّدٍ.
وأظهرهما: المنع لتمكنه من القلع بلا غرامة، بخلاف المعير، وهذا ما ذكره الإمام حكايته عن القاضي الحُسَيْنِ.
ولو غصب من رجل أرضاً وبذراً، وزرعها به، فللمالك أن يكلفة إخراج البذر من الأرض، ويغرمه أرش النقصان، وليس للغاصب إخراجه إذا رضي به المالك.
الصورة الثانية: إذا زَوَّقَ الدَّار المغصوبة نظر إن كان بحيث لو نزع حصل منه شيء، فللمالك إجباره على النزع، وإن تركه الغاصب ليدفع عنه كلفة النزع، هل يجبر المالك على قبوله؟
فيه وجهان نشرحهما في مسألة الصبغ.
ولو أراد الغاصب نزعه، فله ذلك؛ لأنه عين ماله، ولا فرق بين أن يكون للمنزوع قيمة، أو لا يكون، فإذا نزع فنقصت الدار عما كانت قبل التزويق، لزمه الأرض، وإن كان التزويق محض تمويه، لا يحصل منه عين لو نزع، فليس للغاصب النزع إن رضي المالك، وهل له إجباره عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه قد يريد تغريمه أرش النقص الحاصل بإزالته.
والثاني: لا، كما في الثوب إذا قصر.
وقال في "التهذيب": وهو الأصح إذا عرفت ذلك عدنا إلى الصبغ، وقلنا: للصبغ الذي يصبغ به الثوب المغصوب أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون للغاصب فينظر إن كان الحاصل تمويهاً محضاً، فالحكم على ما ذكرنا في التزويق، وإنْ حصل بالانصباغ عين مال فيه، فأما إلاَّ يمكن فصله عنه، أو يمكن.
الجزء: 5 - الصفحة: 456
القسم الأول: إذا لم يمكن فصله عنه، فعن صاحب "التقريب" حكاية قول عن القديم أنه يفوز به صاحب الثوب تشبيهاً له بالسمن.
والمذهب المشهور أنه ليس له ذلك، لكن قضية الشركة بين المالك والغاصب؛ لأنه عين مال له انضم إلى ملك المغصوب منه، بخلاف السمن، وبخلاف القصارة والطحن ونحوهما، فإنهما آثار محضة، وحينئذ ينظر إن كانت قيمة الثوب مصبوغاً مثل قيمته، وقيمة الصبغ قبل الصبغ، كما إذا كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة، وهو يساوي بعد الصبغ عشرين، فهو بينهما بالسوية حتى لو وجدا راغباً باعاه منه بثلاثين إلى كل واحد خمسة عشرة وإن عادت قيمة الثوب المصبوغ فهي بينهما وإن نقصت قيمته مصبوغاً عن قيمتهما بأن عاد الثوب مصبوغاً وللتصوير كما سبق إلى خمسة عشرة، أطلق الأكثرون بأن النقصان محسوب من الصبغ؛ لأن الأصل هو الثوب والصبغ، وإن كان عيناً، كالصفة التابعة للثوب، فيكون الثوب المصبوغ بينهما أثلاثاً الثلثان للمغصوب منه، والثلث للغاصب.
وفي "الشامل" و"التتمة" أنه إن كان النقصان لانخفاض سوق الثياب، فالنقصان محسوب من الثوب، وإن كان لانخفاض سوق الأصباغ، فمن الصبغ وكذا لو كان النقصان بسبب العمل؛ لأن صاحب الصبغ هو الذي عمل، ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق منزلاً على هذا التفصيل، وإن كانت قيمتة بعد الصبغ عشرة انمحق الصبغ، ولا حق فيه للغاصب، وإن تراجعت القيمة، وكان الثوب مصبوغاً يساوي ثمانية، فقد ضاع الصبغ، ونقص من الثوب درهمان، فيرده مع درهمين، وإن زادت قيمة الثوب مصبوغاً عن قيمتها قبل الصبغ، بأن بلغت ثلاثين في الصورة المذكورة، فمن أطلق الجواب في النقصان أطلق القول هاهنا بأن الزيادة بينهما على نسبة ماليهما، ومن فصل قال: وإن كان ذلك لارتفاع سوق الثياب، فالزيادة لصاحب الثوب، وإن كان لارتفاع سوق الأصباغ، فهي للغاصب، وإن كان للعمل والصنعة، فهي بينهما؛ لأن كل واحد منهما قد زاد بالصنعة والزيادة الحاصلة بفعل الغاصب، إذا استندت إلى الأثر المحض تسليم للمغصوب منه.
القسم الثاني: إذا أمكن فصله من الثوب، فعن صاحب "التقريب" نقلاً عن القديم أنَّه إنْ المفصول لا قيمة له، فهو كالسمن.
والمذهب أنه ليس كالسمن؛ وأنه لا يفوز به المغصوب منه، وهل يملك إجبار الغاصب على فصله فيه وجهان.
أحدهما: نعم، كما يملك إجباره على إخراج الغِرَاس، ويحكى هذا عن ابْنِ خَيْرَانَ وأَبِي إسحاق في الزيادات على الشرح.
الجزء: 5 - الصفحة: 457
والثاني: لا، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ لما فيه من الضرر، بخلاف الغِرَاس، فإنه لا يضيع بالإخراج، ولأن الأرض بالقلع تعود إلى ما كانت، والثوب لا يعود، ولأن الأشجار تنتشر عروقها وأغصانها، فيخاف ضررها في المستقبل، وهذا أظهر عند أصحابنا العراقيين.
وقال صاحب "التهذيب": طائفة: الأول أصح، وكذا ذكره الإمام، وحكى قطع المراوزة به، وأن موضع الوجهين ما إذا كان الغاصب يخسر بالفصل خسراناً بيناً، وذلك قد يكون لضياع المنفصل بالكلية، وقد يكون لحقارته بالأضافة إلى قيمة الصبغ، ومن جملة الضياع أن يحصل في الثوب نقصان بسبب الفصل لا يفي بأرشه قيمة المفصول، ولو رضي المغصوب منه بإبقاء الصبغ، وأراد الغاصب فصله، فله ذلك إن لم ينتقص الثوب، وإن انتقص.
قال الإمام: يبنى على الخلاف في أن المغصوب منه هل يجبره على الفصل؟
أن قلنا: لا لم يفصله.
وإن قلنا: نعم فله ذلك، وهو الأظهر، ويحكى الأول عن أبِي الطَّيِّب ابْنِ سَلَمَةِ وإن تراضيا على ترك الصبغ بحاله، فهما شريكان، وكيفية الشركَةِ كما بينَا في القسم الأول، ثم الكلام في فروع:
أحدها: لو ترك الغاصب الصبغ على المالك، ففي إجباره على القبول وجهان.
ووجه الإجبار صيرورته كالصفة التابعة للثوب، وَأيضاً، فإن المشترى إذا أنعل الدابة، ثم اطلع على عيبها، فردها مع النعل لكان يعيبها لو نزع النعل يجبر البائع على القبول، ووجه المنع القياس الظاهر، ويدل عليه أنه لا جبر على قبول البناء والغِرَاس إذا تركه الغاصب.
وذكر القاضى الروياني أن الأول ظاهر المذهب، لكن الثَّانِي أقيس وأشبه، ويخالف مسألة النعل؛ لأن الغاصب متعّدٍ، والمشتري غير متعّدٍ على أنه لو ألحق بما إذا صبغ المشتري الثوب، بما زاد في قيمتة، ثم اطلع على عيبه، فرده مسامحاً بالصبغ لكان أقرب لما مَرّ من أن الصبغ يصير ملكًا للبائع.
فأما في مسألة النعل، فإنه يجبر على قبول النعل، وفي دخول النعل في ملكه اختلاف مذكور في موضعه.
وذكر الإِمَامُ في الفرع شيئين:
أحدهما: أن في موضع الوجهين طريقين:
أحدهما: أنهما مطردان فيما إذا أمكن فصل الصبغ، وفيما إذا لم يمكن.
الجزء: 5 - الصفحة: 458
وأظهرهما: التخصيص بما إذا أمكن.
وقلنا: إِن الغاصب يجبر على الفصل وإلاَّ فهما شريكان لا يجبر واحد منهما على قبول الهبة من الآخر.
وعلى هذا فطريقان:
أحدهما: أن الوجهين فيما إذا كان يتضرر بالفصل إما لما يناله من التعب، أو لأن المفصول يضيع كله، فإن لم يكن كذلك لم يلزم القبول بحال.
والثاني: أن الوجهين فيما إذا كان الثوب ينقص بالفصل نقصاناً لا يفي بأرش قيمته الصبغ المفصول، فإن وَفي لم يلزمه القبول وإن تعيب أو ضاع معظم المفصول.
والثاني: إذا قلنا بلزوم القبول على المغصوب منه، فلا حاجة إلى تلفظه بالقبول.
وأما من جهة الغاصب، فلا بد من لفظ يشعر بقطع الحق، كقوله: أعرضت عنه، أو تركته إليه أو أبرأئه عن حقي أو أسقطته، قال: ويجوز أن يعتبر اللفظ المشعر بالتمليك.
الثاني: لو بذل المغصوب منه قيمة الصبغ، وأراد أن يتملكه على الغاصب، هل يجاب إليه.
فيه وجهان، سواء كان الصبغ مما يمكن فصله، أو مما لا يمكن.
أحدهما: نعم، ويجبر الغاصب على قبوله لينفصل الأمر بينهما، وقد شبه ذلك بما إذا رجع المعير، وقد بني المستعير، أو غرس، فإن له أن يتملكه عليه بالقيمة، وبهذا قال أبُو حَنِيْفَةَ.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب المنع، ويفارق مسألة العارية, لأن المعير لا يتمكن من القلع مجاناً، فكان محتاجاً إلى التمليك بالقيمة وهاهنا بخلافه، وأيضاً فإن بيع العقار عسير، وبيع الثوب سهل، وبه يحصل الخلاص من الشركة.
وفي "التتمة" أنه إن كان الصبغ بحيث لو فصل حصل منه شئ ينتفع به، ففي تملك المغصوب منه الوجهان المذكوران في الغِرَاس والبناء، وإن كان لا يحصل منه شئ، فله تملكه لا محالة، فيتولد من هذا وجه ثالث فارق.
الثالث: متى اشتركا في الثوب المصبوغ، فهل لأحدهما الانفراد ببيع ما يملكه منه؟ جعله الإمام على الوجهين في بيع دار لا مَمَرَّ لها؛ لأنه لا يتأتى الانتفاع بأحدهما دون الآخر.
والأظهر: المنع، فلو رغب مالك الثوب في البيع، ففى "المهذب" و"التهذيب"
الجزء: 5 - الصفحة: 459
أنه يباع، ويجبر الغاصب على موافقته، ووجهه أن المالك إن لم يتمكن من بيع الثوب وحده فامتناع الغاصب منع له من بيع ماله، وإن تمكن فلا شك في عسر البيع عليه لقلة الراغبين فيه، والغاصب متعّدٍ، فليس له الإضرار بالمالك بالمنع من البيع، وتعسيره، وإن رغب الغاصب في البيع، ففي إجبار المالك على موافقته وجهان.
أحدهما: يجبر تسوية بين الشريكين ليصل كل واحد منها إلى عين ملكه.
وأظهرهما: المنع كيلا يستحق المتعدى بتعديه إزالة ملك غير المتعدي.
وفي "النهاية" أن واحداً منهما لا يجبر على موافقة الآخر على قياس الشركة في الأموال.
الحالة الثانية: أن يكون الصبغ مغصوباً من مالك الثوب أيضاً، فإن لم يحدث بفعله نقصان، فلا غرم على الغاصب، وهما شريكان في الثوب المصبوغ، كما سبق في الغاصب، والمالك، وإن حدث نظر إن كانت قيمتة مصبوغاً عشرة، والتصوير كما تقدم، فهو لصاحب الثوب، ويغرم الغاصب الصبغ، للآخر وإن كانت قيمته خمسة عشر روى صاحب "التهذيب" أن الثوب بينهما بالسوية، ويرجعان على الغاصب بخمسة.
قال: والقياس أن يكون بينهما أثلاثاً، كما مر في الحالة الأولى، وهذا ما نقله غيره، وهو الحق فإن كان مما يمكن فصله، فلهما تكليف الغاصب الفصل، فإن حصل بالفصل نقص فيهما، أو في أحدهما كما كان قبل الصبغ غرمه الغاصب، ولصاحب الثوب وحده طلب الفصل، أيضاً إذا قلنا: إن المالك يجبر الغاصب على الفصل في الحالة الأولى، وهذا إذا حصل بالانصباغ عين مال في الثوب، فإن لم يحصل إلاَّ بمؤنة، فالحكم ما بينا في التزويق، ويقاس بما ذكرنا في الحالتين ثبوت الشركة، فيما إذا طير الريح ثوب إنسان في إجَّانة صباغ فانصبغ، لكن ليس لأحدهما أن يكلف الآخر الفصل، ولا التغريم إن حصل نقص في أحدهما، إذ لا تعدى، ولو أراد صاحب الثوب تملك الصبغ بالقيمة، فعلى ما تقدّم.
الحالة الثالثة: أن يكون الصبغ مغصوباً من مالك الثوب أيضاً، فإن لم يحدث بفعله نقصان، فهو للمالك، ولا غرم على الغاصب، ولا شئ له إن زادت القيمة؛ لأن الموجود منه أثر محض، وإن حدث بفعله نقصان غرم الأرش، وإذا أمكن الفصل، فللمالك إجباره عليه، وليس للغاصب الفصل، إِذا رضي المالك.
واعلم أن المذكور في الكتاب هو الحالة الأولى، وفي أثنائها تعرض للثانية.
وقوله في أول الفصل: "فلهما شريكان" يجوز إعلامه -بالواو- لما حكى عن القديم من تنزيله منزلة السمن.
الجزء: 5 - الصفحة: 460
وقوله: "فيباع" ليس المراد منه البيع القهري، وإنما الغرض هاهنا أنه إذا بيع كان الثمن بينهما كما كان الثوب مشتركًا بينهما، ثم إن رضيا بالبيع فذاك، إلاَّ فهل يجبر أحدهما الآخر فيه ما قد عرفته.
وقوله: "وإن عاد الثوب إلى خمسة عشر بالصبغ" يمكن أن يفهم من قوله: "بالصبغ" الاحتراز عما إذا كان النقصان بسبب تراجع الأسواق، فإن النقصان حينئذ لا يحسب من الصبغ إذا كان التراجع في الثياب على ما حكيناه عن "الشامل" و"التتمة".
وقوله: "وكذا القول في ثبوت الشركة إذا طيرت الريح الثوب" إِنما قال: "في ثبوت الشركة" ولم يقل: "وكذا القول فيما إذا طيرت الريح الثوب"؛ لأن الصورتين اللتين ذكرهما ليستا كما إذا صبغ الثوب المصبوغ بضبغ نفسه في جميع الأحكام المذكورة لأنه إذ لو رجع الثوب مصبوغاً إلى ثمانية لا يغرم صاحب الإجَّانة شيئاً بحال وإنما الصورتان كتلك الصورة في ثبوت الشركة فيهما، حيث ثبتت الشركة فيهما، ويجوز أن يعلم -بالواو- لأن قياس القول القديم أن يفوز صاحب الثوب بالصبغ في الصورتين، ولا تثبت الشركة.
وقوله: "كما يجبر على قلع الزرع والغِرَاس والبناء وإن نقص زرعه به" أشار بقوله "وإن نقص زرعه به" إلى أنه لا عبرة بما يعرض في الصبغ من ضرر، بسبب انتشاره وتمدده، كما لا عبرة بنقصان الزرع.
وقوله: "ومهما طولب بالفصل" وكان يستضرُّ به.
وقوله: بعد ذلك: "وإن لم يكن عليه ضرر لم يكن له الإجبار على القبول" جواب على طريقة تخصيص الوجهين بما إذا تضرر بالفصل، وقد بَيَّنَا ما فيه من الأختلاف، فيجوز إعلام قوله: "لم يكن له الإجبار" بالواو.
وقوله: "لم يكن له يتملك" معلم بالحاء والواو.
وقوله: "أجبر الغاصب على بيع الصبغ" -بالواو- لما حكينا عن "النهاية".
فرع: إذا كان الصبغ للغاصب، وقيمته عشرة، وقيمة الثوب عشرة، وبلغت قيتة مصبوغاً ثلاثين، ففصل الغاصب الصبغ، ونقصت قيمة الثوب عن عشرة لزمه ما نقص عن عشرة، وكذا ما نقص عن خمسة عشر، إن فصل بغير إذن المالك، وطلبه، وإن فصل بإذنه لم يلزمه إلاَّ نقصان العشرة، وإن عادت قيمتة مصبوغاً إلى عشرة لتراجع الأسواق، وكان التراجع في الثياب، والأصباغ على وتيرة واحده، فالثوب بالسوية بينهما، كما كان، والنقصان داخل عليهما جميعاً، وليس على الغاصب غرامة ما نقص مع رد العين، نعم لو فصل الصبغ بعد تراجع القيمة إلى عشرة، فصار الثوب يساوي
الجزء: 5 - الصفحة: 461
أربعة دراهم، غرم ما نقص، وهو خمس الثوب بأقصى القيم، والمعتبر في الأقصى خمسة عشرة، إن فصل بنفسه، وعشرة إن فصل بطلب المالك له، والله أعلم.
قال الغزالي: وإِذَا غَصَبَ زَيْتاً وَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ كَالإِهْلاَكِ فَيَضْمَنُ المِثْلَ مِنْ أَيْنَ شَاءَ، وَتَخْرِيجُ الأَصْحَابِ أنْ لاَ ضَمَانَ لأَنَّهُ لَوْ خَلَطِهُ بِمِثْلِهِ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ، وإِنْ خَلَطَهُ بِالأَجْوَدِ أَوُ بِالأَرْدَإِ فَقَوْلاَنِ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ هَالِكٌ غُرِّمَ مِثْلَهُ مِنْ أَيْنَ شَاءَ، وإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُشَتَرَكٌ فَيُبَاعُ الكُلُّ وَيُوزَّعُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَلاَ يُقَسَّمُ الزَّيْتُ (و) بِعَينِهِ عَلَى تَفَاوُتٍ فَيُؤَدِّىَ اِلى الرِّبَا، وخَلْطُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ كَخَلْطِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتِ، وَخَلْطُ الزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ أَوْلَى بِجَعْلِهِ إِهْلاكاً، وَخَلْطُ الحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ لَيْسَ بإِهْلاَكٍ بَلْ يَلْزَمُهُ الفصْلُ بِالاِلْتِقَاطِ.
قال الرافعي: إذا خلط الزيت المغصوب بغيره، لم يخل إما أن يتعذر التمييز بينهما، أو لا يتعذر، إن تعذر، فإما إن يكون ذلك الغير من جنسه أو لا يكون.
إن كان من جنسه كالزيت والزيت والحنطة والحنطة، نظر إن خلطه بأجود من المغصوب، فالنص أنه كما لو هلك 60 حتى يتمكن الغاصب من أن يعطيه قدر حقه المخلوط، ونص في التفليس فيما إذا خلطه بالأجود، ثم فلس على قولين:
أحدهما هذا حتى لا يكون للبائع إلاَّ المضاربة بالثمن.
والثاني: أنهما شريكان في المخلوط، ويرجع البائع إلى حقه منه، واختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: إثبات القولين في الغصب أيضاً، وجه جعله هالكاً تعذر رده، والوصول إليه، وأيضاً فإن قلنا بالشركة لاحتجنا إلى البيع، وقسمة الثمن بينهما، كما سيأتي، فلا يصل المالك إلى عين حقه، ولا إلى مثله مع وجود العين، والمثل أقرب إلى حقه من الثمن، ووجه الشركة القياس على مسألة الصبغ، على ما إذا اختلط الزيتان بنفسهما أو برضا المالكين، وأيضاً فلو غصب صاعاً من هذا، وخلطهما وجعلناهما هالكين، ينتقل الملك فيهما إلى الغاصب، وذلك يملك التعدى.
الجزء: 5 - الصفحة: 462
وأظهر القولين: عند الأكثرين الأول المنصوص.
وعند الإمام والمتولي الثاني.
والطريق الثاني القطع بالقول الأول والفرق أنا إذا لم نثبت الشركة هناك، لا يحصل للبائع تمام حقه بل يحتاج إلى المضاربة وهاهنا يحصل للمالك البدل، وإن خلطه بمثله، ففيه الطريقان، وطريق ثالث هو القطع بالشركة؛ لأن في إثبات الشركة اتصال المالك، إلى بعض حقه بعينه، وإلى بدل بعضه من غير زيادة تقوم على الغاصب، فكان أولى من أتصاله إلى بدل الكلّ.
وحكى ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبى إسحاق، وإن خلطه بأردأ منه فالنص أنه كالهالك أيضاً، ويجيء فيه الطريقان المَذكوران في الأجود، ولكن المنصوص في "التفليس" والحالة هذه ليس إلاَّ قول الشركة وذكرنا أن بعضهم خرج غيه قولاً آخر يمكن أن يكون مخرجاً من نصفه هاهنا، ويكون في الصورتين قولان بالنقل والتخريج من الطريقين ويمكن أن يكون قول الهلاك في الأردأ مخرجاً من توجيهه في الأردأ فإن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال الذائب إذا اختلط انقلب حتى لا يوجد عين ماله على ما مَرّ.
وأذ اختصرت قلت في الخلط المطلق ثلاثة أوجه.
ثالثهما، الفرق بين أن خلط بغير المثل، فيكون المغصوب هالكاً، وبالمثل فيشتركان.
التفريع: إن جعلنا الاختلاط كالهلاك، فللغاصب أن يعطيه المثل من غير المخلوط، وله أن يعطيه منه إذا كان بالمثل، وكذا لو خلطه بالأجود؛ لأن المخلوط خير من المغصوب، وليس له أن يعطيه قدر حقه من المخوط إذا خلط بالأردأ إلاَّ إذا رضي المالك، وإذا رضي فلا أرش له كما إذا أخذ الرديء من موضع آخر.
وإن حكمنا بالشركة، فإن خلط بالمثل، فقدر زنته من المخلوط، وإن خلط بالأجود، كما إذا خلط صاعاً قيمته درهم بصاع قيمته درهمان، نظر إن أعطاه صاعاً من المخلوط، أجبر المالك على قبوله, لأن بعضه من حقه، وبعضه خير منه، وإلاَّ فيباع المخلوط، ويقسم الثمن بينهما أثلاثاً فإن أراد قسمه عين الزيت على نسبة القيمة، فالظاهر أنه لا يجوز, لأنه يكون قد أخذ ثلثي صاع لجودته في مقابلة صاع، وهو رِبَا، عن رواية الْبَويْطِيىِّ أنه يجوز، وبنى ذلك على أن القسمة إفراز حق، لا بيع.
وفي المسأله وجه أنه يكلف الغاصب تسليم صاع من المخلوط؛ لأن اكتساب المخلوط صفة الجودة بالخلط، كزيادة متصله تحصل في يد الغاصب، وإن خلط بالأردأ، كما إذا خلط صاعاً قيمته درهمان بصاع قيمته درهم، أخذ المالك من المخلوط
الجزء: 5 - الصفحة: 463
صاعاً مع أرش النقصان؛ لأن الغاصب متعدّ، بخلاف ما إذا خلط المشتري بالأردأ، وأفلس فإن البائع إما أن يقنع بصاع من المخلوط، أو يضارب مع الغرماء، فإن اتفقا على بيع المخلوط، وقسمة الثمن أثلاثاً جاز، وإن إراد قسمة عين الزيت على نسبة الثمنين.
فمنهم من جعله على الخلاف المذكور في طرف الأجود.
ومنهم من قطع بالمنع, لأنه أمكن الرجوع إلى صاع منه مع الأرش، ولا حاجة إلى احتمال القسمة المشتملة على التفاضل.
وخلطة الخل بالخل، واللبن باللبن كخلط الزيت بالزيت، وإذا خلط الدقيق بالدقيق.
فأن قلنا: إنه مثلي، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، منه كخلط الزيت بالزيت أيضاً.
وإن قلنا: إنه متقوم.
فإن قلنا: إن المختلط هالك، فالواجب على الغاصب القيمة.
وإن قلنا: بالشركة فيباع ويقسم الثمن بينهما على قدر القيمتين، فإن أراد قسمة الدقيق على نسبة القيمتين والخلط بالأجود أو الأردأ.
فهو على ما ذكرنا في قسمة الزيت المخلوط، وإن كان الخلط بالمِثلِ، فالقسمة جائزة إن جعلناها إفرازاً، وإن جعلناها بيعاً لم تجز؛ لأن بيع الدقيق بالدقيق لا يجوز، هذا إذا كان الخلط بالجنس.
أما إذا خلط المغصوب بغير جنسه، كما لو خلط زيتاً بشيرج أو ذهن بانٍ 61. أو دهن جَوْزٍ، أو خلط دقيق حنطة بدقيق شعير، فالمغصوب هالك لبطلان فائدته، وخاصيته باختلاط غير الجنس به، بخلاف الجيد مع الردئ.
ومنهم من جعله على السابق، ووجه ثبوت الشركة ما لو خلطا بالرضا، وهذا ما اختاره صاحب "التتمة" هاهنا أيضاً.
وقال: إن تراضيا على بيع المخلوط، وقسمة الثمن جاز، وإن أراد قسمته جاز، وكان المغصوب منه باع ما يضمن في يد الغاصب من الزيت، بما يصير في يده من الشِّيرج.
قال الإمام، وألحق الأصحاب بخلط الزيت بالشِّيرجِ لَتّ السَّوِيْقِ بالزَّيْتِ، وهو بعيد وإنما هو كصبغ الثوب، وهذا في الخلط الذي يتعذّر معه التمييز فإن لم يتعذر التمييز وجب عليه التمييز والفصل بالالتقاط، وإن شق سواء خلط بالجنس كالحِنْطَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 464
البيضاء والحمراء، أو بغير الجِنْسِك الحنطة والشَّعِيرِ والمواضع الذي ينبغي أن يعلم عليها من الفَصْلِ غير خافية والله أعلم.
فرع: لو خلط الزيت بالماء، وأمكن التمييز لزم التمييز، وأَرْش النقص إن كان فيه نقص، وإن لم يمكن التمييز، فهو كخلطه بِالبَانِ 62،
ألاَّ يبقى له قيمة فيكون هالكاً لا محالة فإن حصل فيه مميز، أو غير مميز نقص سار، فقد سبق حكمه والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَو غَصَبَ سَاجَةً وَأَدْرجَهَا في بنَائِهِ لَمْ يَمْلِك بَلْ يَرُدُّ (ح) عَلَى مَالِكِهِ وَإِنْ أَدَى إِلَى هَدْم بِنَائِهِ، وَإنْ أَدْرَجَ في سَفِينَةٍ لَمْ يَنْزعْ إنْ كَانَ في النَّزْعِ إِهْلاَكُ الغَاصِبِ، أَوْ إهْلاَكُ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، أَوْ إِهْلاَكُ مَالٍ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ يُغَرَّمُ في الحَالِ للِحَيْلُولَةِ إِلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ الفَصْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلاَّ مَالُ الغَاصِبِ فَفِي جَوَازِ النَّزْعِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا غصب سَاجَةً وأدرجها في بنائه، أو بني عليها، أو على آجُرٍّ مَغْصُوب لم يملك المغصوب، وعليه إخراجه من البناء، ورده إلى المالك، وبه قال ماَلِكٌ وأحْمَدُ.
وعند أبِي حَنِيفَةَ: يملك ويغرم قيمته.
لنا أنه بني على ملك الغير عدواناً، فلا يزول به ملك المالك قياساً على ما لو غصب أرضاً، وبنى عليها، وأيضاً فإن القدرة على المَثْلِ تمنع من العدول إلى القيمة؛ لأن المثل أقرب إلى المغصوب، فأولى أن تمنع القدرة على العين العدول إلى القيمة، وهذا ما لم تعفن الساجة، فإن عفنت بحيث لو أخرجت لم تكن لها قيمة، فهي مستهلكة، فإن أخرجها، وردها لزمه أرش النقص إن دخلها نقص، وفي الأجرة ما ذكرنا في إِبلاءِ الثوب بالاستعمال.
ولو أدرج لوحاً مغصوباً في سفينة، نظر إن لم يخف من النزع هلاك نفس، ولا مال بأن كانت على وجه الأرض أو مرساة على الشَّط، أو أدرج في أعلاها, ولم يخش من نزعه الغرق، أو لم يكن فيها نفس، ولا مال، ولا خيف هلاك السفينة نفسها نزع ورد، وخلاف أبى حنيفة عائد فيه.
وإن كان في لُجَّةِ البحر، وخيف من النزع هلاك حيوان محترم، سواء كان آدمياً -أما الغاصب، أو غيره- أو غير آدمي 63 لم تنزع حتى تصل إلى الشط، وإن خيف من النزع هلاك مال إما نفس السفينة، أو غيرها، فهو إما للغاصب، أو لمن وضع ما له فيها، وهو يعلم أن فيها لوحاً مغصوباً، أو لغيرهما، إن كان لغيرهما لم ينزع أيضاً، وإن كان لهما فوجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 465
أصحهما: عند الإمام: النزع كما يهدم البناء لرد السَّاجَة، ولا يبالي بما يضيع عليه.
والثاني: وهو الأصح عند ابْنِ الصَّبَّاغ وغيره أنه لا ينزع؛ لأن السفينة لا تدوم في البحر، فيسهل الصبر إلى انتهائها إلى الشط، بخلاف الساجة المدرجة في البناء، فإن البناء للتأبيد.
وحيث لا تنزع إلى الرسول إلى الشط توجد القيمة للحيلولة إلى أن يتيسر الفصل، فحينئذ يرد اللَّوح مع أَرش النقص إن نقص، ويسترد القيمة إن قلنا: لا يبالي في النزع بهلاك مال الغاصب، فلو اختلطت التي أدرج منها اللوح بسفن الغاصب، ولا توقف على النزع إلاَّ بفصل الكل حكى في "المُهَذّبِ" فيه وجهين 64 والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَكَذَا لَوْ غَصَبَ خَيْطًا وَخَاطَ بَهِ جُرْحَ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوانٍ مُحْتَرَمِ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَكَانَ في نَزْعِهِ خَوْفُ هِلاَكٍ لَمْ يَنْزَعْ إِذْ يَجُوزُ الغَصْبُ بِمِثْلِ هَذَا القَدْرِ ابْتِدَاءً بَلْ يُغَرَّمُ قِيمَتَهُ، فَإِنْ مَاتَ المَجْرُوحُ أَو ارْتَدَّ فَفِي النَزْعِ خِلاَفٌ لأَنَّ فِيهِ مُثْلَة، وَفِي الحَيَوَانِ المَأْكُولِ خِلاَفٌ لأَنَّهُ ذَبْحٌ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَيَنْزَعُ عَنِ الخِنْزِيرِ وَالكَلْبِ العَقُورِ إِذْ لاَ حُرْمَةَ لَهُمَا.
قال الرافعي: الخَيطُ المَغْصُوب إن خيط به ثوب ونحوه، فالحكم كما في البتاء على السَّاجَة، وإن خيط به جرح حيوان، فهو إما محترم أو غيره.
القسم الأول: المحترم وهو الآدمي وغيره.
أما الآدمي فإن خيف من نزعه منه هلاكه لم ينزع، وعلى الغاصب قيمته، ثم إن خاَطَ جرح نفسه، فالضمان مستقرٌّ عليه، وإن خاط جرح غيره بإذنه، وهو عالم بالغَصْبِ، فقرار الضمان عليه، وإن كان جاهلاً، فعلى الخلاف فيما إذا أطعم المغصوب غيره، وفي خوف الهَلاَك خوف كُلِّ محذور يجوز العدول إلى التّيمم من الوضوء وِفَاقاً وخِلاَفاً.
قال الإمام: ولو رتب انقدح وجهان:
أحدهما: أن ترك الخيط أولى لقيام القيمة مقامه.
والثاني: أن نزعه أولى لتعلقه بحق الآدمي المبني على الضيق.
وأما غير الآدمي فهو على ضربين:
الجزء: 5 - الصفحة: 466
أحدهما: غير المأكول، فالحكم فيه كما في الآدمي إلاَّ أنه لا اعتبار لبقاء الشَّيْن فيه.
والثاني: المأكول، فإن كان لغير الغَاصب لم ينزع، وإن كان للغاصب ففيه قولان، وقيل: وجهان:
أحدهما: وهو راوية الرَّبِيْعِ، أنه يذبح ويرد الخيط؛ لأنه جائز الذبح، وبذبحه يصل الحق إلى المستحق.
وأظهرهما: المنع كما في غير المأكول؛ لأن الحيوان حرمته في نفسه، ألا ترى أنه يؤمر بالإنفاق عليه، ويمنع من إتلافه، وإذا لم يقصد بالذبح الأكل منع منه، وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلاَّ لمأكله 65 ".
وإذا مات الحيوان الذي خيط به جرحه، فإن كان غير الآدمي نزع منه الخيط، وفي الآدمي وجهان:
أصحهما: على ما ذكره في "النهاية": أنه ينزع، وإِن لم ينزع في الحياة لحرمة الروح.
والثاني: المنع؛ لأن الآدمي محترم بعد الموت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ 66 ".
القسمِ الثاني: غير المحترم، فلا يبالي بهلاكه، وينزع منه الخيط، ومن هذا القسم الخِنْزِيرُ وَالكَلْبُ العَقُورُ.
أما كلب الصيد والماشية، فلا يجوز النزع منه كذا قاله الإمام، وألحق الكلب الذي لا منفعة فيه بالمؤذيات، وذكر تَرَدُّداً فيما إذا خاط به جرح مرتد، وحكم بأن الأوجه المنع؛ لأن المُثْلَةَ بالمرتد محرمة، وليست كالمُثْلَةِ بالميت؛ لأنا نتوقع بالمرتد عوداً إلى الإسلام، وهذا لفظه، ويوافق ذلك قوله في الكتاب: "أو ارتد ففي النزع خلاف" غير أن الإمام صورة فيما إذا خيط به جرح المرتد، ولفظ الكتاب فيما إذا طرأت الردة على
الجزء: 5 - الصفحة: 467
الخِياطَة.
والذي أجاب به الأكثرون أن المُرْتَدَّ غير محترم، فينزع الخيط منه، وكذا الحَرْبِيُّ.
وخرج صاحب "التتمة" فيما إذا خاط به جرح الزاني المحصن، أو المحارب على الخلاف فيما إذا خاط به جرح معصوم فمات؛ لأن تفويت روحه مستحقة، فألحق بالميت، ويبني على التفصيل المذكور في جواز غَصْبِ الخيط ابتداء ليخاط به الجرح، إذا لم يوجد خيط حلال، فحيث حكمنا بالنَّوعِ لا يجوَز الغَصْب، وحيث قلنا: لا ينزع يجوز، وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "إذ يجوز الغَصْبُ بمثل هذا القَدْر ابتداءً" والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ أَدْخَلَ فَصِيلاً في بَيْتِهِ أَوْ دِينَاراً في مَحْبَرَتِهِ وَعَسُرَ إِخْرَاجُهُ كُسِرَ عَلَيْهِ تَخْلِيصاً لِلمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِفْعِلِهِ فَالأظْهَرُ أَنَّ المُخَلِّصَ مَا لَهُ يُغَرَّمُ أَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ غَصَبَ فَرْدَ خُفِّ قِيمةُ الكُلِّ عَشَرَةَ وَقِيمَةُ الفَردُ ثَلاثةُ ضَمِنَ سَبْعَةَ؛ لأَنَّ البَاقِي ثَلاَثةٌ، وَقِيلَ: ثَلاَثَةً لأنَّهُ المَغْصُوبُ، وَقِيلَ: خَمسَةً كَمَا لَوْ أَتْلَفَ غَيْرَهُ الفَرْدَ الآخَرَ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا.
قال الرافعي: فرعان:
أحدهما: فصيل رجل حصل في بيت آخر، ولم يمكن إخراجه إلاَّ بنقص البناء فينظر إن كان بتفريط من صاحب البيت بأن غصبه، وأدخله فيه نقض، ولم يغرم صاحب الفصيل شيئاً، وإن كان بتفريط من صاحب الفيصل، فإذا نقص البناء غرم أَرش النقض، وإن دخل الفصيل بنفسه نقض أيضاً، وهل على صاحب الفصيل أرش النقض.
قال العراقيون: نعم، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه إنما نقض لتخليص مِلْكِهِ، وذكر الإمام، وصاحب الكتاب فيه خلافاً، ووجه المنع أنه لا تفريط من أحد، والاخراج لابد منه لحرمة الروح، وإنما ينتظم هذا إذا كان الفرض فيما إذا خِيْفَ هلاكه لو لم يخرج.
ولو وقع دينار في مِحبَرَةٍ، ولم يخرج إلاَّ بكسرها، إن وقع فيها بفعل صاحب المَحْبَرةِ عمداً أو سهواً كسرت، ولا غرم على صاحب الدينار، وإن وقع بفعل صاحب الدينار فعلية الأَرْش، وإن وقع من غير تفريط من أحد كسرت، وعلى صاحب الدينار الأرش، وأجرى صاحب الكتاب في وجوب الأرش الخلاف المذكور في الصورة الأولى لكن التوجيه الذي مر لا يجيء هاهنا.
وقال ابن الصَّبَّاغ: إذا لم يفرط واحد منهما، وضمن صاحب المِحْبَرَة الدينار ينبغي أن يقال: لا تكسر المحبرة لزوال الضرر بذلك، وهذا الاحتمال عائد في صورة البيت والفَصِيلِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 468
ولو أدخلت بهيمة رأسها في قِدْرٍ، ولم تخرج إلاَّ بكسرها، فإن كان معها صاحبها، فهو مفرط بترك الحفظ، فإن كانت غير مأكولة تخلص بكسر القدر، وعليه أرش النقصان، وإن كانت مأكولة، ففي ذبحها وجهان، كلما في مسألة الخَيْطِ، وإذا لم يكن معها أحد، فإن فرط صاحب القدر مثل أن وضع القدر في موضع لاحِقٍ له فيه كسرت، ولا غرم له، وإن لم يفرط كسرت، وغرم صاحب البهيمة الأرش، ولم يذكر التفصيل المذكور في صورة القدر، والفرق بين المأكول وغير المأكول في الفصيل والبيت والوجه التسوية والله اعلم.
ال
فرع
الثاني: غصب زَوْجَى خُفٍّ قيمتها عشرة، ثم رد إحداهما، وقيمته ثلاثة وتلف الآخر يلزمه سبعة؛ لأن بعض المغصوب قد تلف، والباقي ينقص، ولو أتلف أحدهما، أو غصبه وحده، وتلف، وعادت قيمة الباقي إلى ثلاثة، ففيه أوجه:
أحدها: أنه يضمن سبعة؛ لأنه أتلف أحدهما، وأدخل النقصان على الباقي بتعديه فأشبه ما لو حَلّ أجزاء الباب والسَّرِيرِ، فنقصت قيمته.
والثاني: يضمن ثلاثة؛ لأن قيمة الفرد الذي أتلفه ثلاثة.
والثالث: خمسة، كلما لو أتلف رجل أحدهما، وآخر الآخر، فإنه يسوى بينهما، ويضمن كل واحد منهما خمسة، ونظم الكتاب يقتضي ترجيع الوجه الأول، وبه قال الشيخ أَبو حَامِدٍ، ومن تابعه.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": الأظهر الثالث، ولو أخذ أحدهما على صورة السرقة، وقيمته مع نقصان الثاني مع نقصان الثاني نصاب لا يقطع بلا خلاف 67.
فرع سيأتي القول في أن ما تتلفه البهيمة متى يضمنه مالكها، فإذا ابتلعت البهيمة شيئاً، واقتضى الحال لزوم الضمان، نظر إن كان مما يفسد بالابتلاع ضمنه، وإن كان مما لا يفسد كالَّلآلي، فإن لم تكن مأكولة لم تذبح، ويغرم قيمة ما ابتلعته للحيلولة، وإن كانت مأكولة، فعلى الوجهين السابقين، ولو باع بهيمة بثمن معين، فابتلعته، نظر إن لم يكن الثمن مقبوضاً انفسخ البيع، وهذه بهيمة للبائع ابتلعت مالاً للمشترى، إلاَّ أن يقتضى
الجزء: 5 - الصفحة: 469
الحال وجوب الضمان على صاحب البهيمة، فيستقر العقد، ويكون ما جرى قبضاً للثمن بناءً على أن إتلاف المشتري قبض منه، وإن كان الثمن مقبوضاً لم ينفسخ البيع، وهذه بهيمة للمشتري ابتلعت مالاً للبائع والله اعلم.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالثُ في تَصَرُّفَاتِ الغَاصِبِ: فَإذَا بَاعَ الجَارِيَةَ المَغْصُوبَةَ وَوَطِئَهَا المُشْتَرِي وَهُوَ عَالَمٌ لَزِمَهُ الحَدُّ وَالمَهْرُ (ح) إِنْ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ رَاضِيَةً فَوَجْهَانِ لقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلامُ: لاَ مَهْرَ لِبَغَيٍّ، وَلَكِنَّ المَهْرَ للِسَّيِّدِ فَيُشْبهُ أَنْ لاَ يُؤْثِرَ رِضَاهَا، وَفِي مُطالَبَةِ الغَاصِبِ بِهَذَا المَهْرِ تَرَدُدٌ, لأنَّ مَنَافِعَ البُضْعِ لاَ تَدْخُلُ تَحْتَ الغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً لَزِمَهُ المَهْرُ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ بِوَطْآتٍ إِذَا اتَّحَدَتِ الشُّبْهَةُ، وَفِي تَعَدُّدِ الوَطْءِ بِالاسْتِكْرَاهِ تَرَدُدٌ في تَعَدُّدِ المَهْرِ.
قال الرافعي: هذا الفصل الثالث، وإن كان مترجماً بتصرفات الغاصب مطلقاً، لكن القصد منه شيئان:
أحدهما: الكلام في وطء المشتري من الغاصب.
والثاني: فيما يرجع به إذا غرم على الغاصب، واعلم قبل الشروع فيهما أنه إذا اتَّجَرَ الغاصب في المال المغصوب، ففيه قولان:
الجديد: أنه إن باعه، أو اشترى بعينه، فالتصرف باطل، وإن باع سلماً، أو اشترى في الذمة، وسلم المغصوب فالعقد صحيح، والتسليم فاسد، ولا تبرأ ذمته عما التزم، ويملك ما يأخذوا أرباحه له.
والقديم: أنه يتبعه، والشراء بعينه منعقد موقوفاً على إجارة المالك، فإن أجازه، فالربح له وكذا إذا التزم في الذمة، وسلم المغصوب، وتكون الأرباح للمالك، وهذه المسألة قد مر ذكرها في أول البيع، ويتم شرحها في القِراضِ، والغرَضِ الآن التذكير ببيان أن مسائل الفصل متفرعة على المذهب الجديد.
إذا عرفت ذلك، فالمقصد الأول هو القول في وطء المشتري من الغاضب، ولا يخلو إما أن يكون مُحْبلاً أو لا.
الضرب الأول: الوطء الخالي عن الاحبال، ونذكر أولاً حكمه إذا وجد من الغاصب بعضه، فنقول: إنه مع الجارية المغصوبة إما أن يكونا جاهلين بتحريم الوطء؛ أو عالمين، أو أحدهما عالم، والآخر جاهل إن كانا جاهلين، فلا حَدَّ عليهما، وعليه المهر للسيد، وكذلك أَرْش الافتضاض، إن كانت بكراً ثم ذكروا وجهين، في أنا نفرد أرش الافتضاض من المهر فنقول عليه مهر مثلها ثيبا وأرش الافتضاض أولاً نفرد،
الجزء: 5 - الصفحة: 470
ونقول: عليه مهر مثلها بكراً، ورجحوا الأول لوجوبهما بسببين مختلفين، وانفكاك كل واحد منهما عن الآخر.
فإن قلت: هل يختلف المقدار بالاعتبارين أم لا؟ إن اختلف وجب أن يقطع، بوجب الزائد؛ لأن بناء أمر الغاصب على التغليظ، وإن لم تختلف فلا فائدة للوجهين.
فالجواب: أن يقال: إن اختلف المقدار، فالوجه ما ذكرته، وقد أشار إليه الإمام، وإن لم تختلف، فللوجهين فوائد تظهر من بعد.
وإن كانا عالمين بالتحريم، فينظر إن كانت الجارية مكرهة، فعلى الغاصب الحد والمهر، خلافاً لأبِى حَنِيْفة في المهر، ويجب عليه أرش الافتضاض إن كانت بكراً، وإن كانت طائعة، فعليهما الحد، وفي المهر وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: يجب؛ لأن المهر حق للسيد، فلا يؤثر فيه رضاها، كما لو أذنت في قطع يدها.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أنه لا يجب؛ لأنها زانية ساقطة الحرمة، فأشبهت الحرة إذا زنت طائعة، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- (نَهَى عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ) 68.
ويجوز أن يكون مهرها للسيد، ويتأثر بعضها، كما لو ارتدت قبل الدخول، أو أرضعت إرضاعاً مفسداً للنكاح، ويجب أرش الافتضاض، إن كانت بكراً.
إذا قلنا: انه يفرد عن المهر.
وإن قلنا: لا يفرد، ففي وجوب الزيادة على مهر مثلها، وهي ثيب وجهان:
في وجه: لا تجب، كما لو زنت الحرة طائعة، وهي بكر.
وفي وجه: تجب، كما لو أذنت في قطع طرف منها.
وإن كان أحدهما عالماً، دون الآخر، فإن كان الغاصب عالماً فعليه الحد وأرش البكارة إن كانت بكراً، والمهر، وإن كانت الجارية عالمة فعليها الحد دونه، ويجب المهر إن كانت مطاوعة، فعلى الخلاف، واعلم أن الجهل بتحريم وطء المغصوبة قد يكون للجهل بتحريم الزنا مطلقاً، وقد يكون لتوهُّم حلّها خاصة لدخولها بالغصب في ضمانه، ولا تقبل دعواها إلاَّ من قريب العهد بالإسلام، أو ممن نشأ في موضع بعيد عن المسلمين، وقد يكون لاشتباهها عليه، وظنه أنها جاريته، ولا يشترط لقبول الدعوى ما ذكرناه.
الجزء: 5 - الصفحة: 471
هذا في وطء الغاصب، وأما المشتري من الغاصب، فالقول في وطئه في حالتي العلم والجهل، كما ذكرنا في الغاصب إلاَّ أن الجهل في حق المشتري قد ينشأ من الجهل بكونها مغصوبة أيضاً، فلا يشترط في دعواه الشرط السابق، كما لا يشترط في الاشتباه وإذا غرم المشتري المهر، فسيأتي الخلاف في رجوعه على الغاصب، وهل للمالك مطالبة الغاصب به ابتداء؟.
فيه وجهان عن صاحب "التقريب": وجه المنع أن المهر بدل منفعة البُضْعِ، وهي غير داخلة تحت اليد، ولا مضمونة بالغَصْبِ.
ووجه الثاني: وهو قضية كلام المُعَظَمِ: أن الأمر إذا أفضى إلى الغرم بعد فرضه غير متعلق بالغاصب.
وأشار الإمام إلى جريان الوجهين، سواء قلنا برجوع المشتري على الغاصب بالمهر، أو بعدم الرجوع.
وقال: إذا قلنا بعدم الرجوع، فظاهر القياس ألاَّ يطالب، وغيره محتمل.
وإذا قلنا بالرجوع، فالظاهر المطالبة لاستقرار الضمان عليه، ويجوز أن يقال: الرجوع بسبب الغَررِ، فيختص به المغرور، وطرد الخلاف في مطالبة الغاصب بالمهر إذا وطئت بالشبهة، وإذا تكرر الوَطْء إما من الغاصب، أو من المشتري من الغاصب، فإن كان في حالة الجهل لم يجب إلاَّ مهر واحد؛ لأن الجهل شبهة واحدة مطردة، فأشبه ما إذا وطئ في النكاح الفاسد مراراً، وإن كان عالماً وجب المهر لكونها مستكرهة، وعلى قولنا بالوجوب مع طواعيتها، فوجهان:
أحدهما: الاكتفاء بمهر واحد، كما في حالة الجهل.
وأصحهما وبه أجاب صاحب الكتاب في "الصَّدَاقِ"، حيث أعاد هذه الصورة في أخوات لها أنه يجب لكل مرة مهر؛ لأن الواجب هاهنا لإتلاف منفعة البُضعِ؛ فيتعدد بتعدد بتعدُّد الإتلاف، لكن قضية هذا الوجه الحكم بالتعدد في صورة الجهل؛ لأن الإتلاف الذي هو سبب الوجوب حاصل، فلا معنى للإحالة على الشبهة، وإنما يحصل اعتماد الشبهة، حيث لا يجب المهر لولا الشبهة، وذكر هذا المستدرك إمام الحرمين.
وقال: هذه لطيفة يقضى منها العجب، وإن وطئها مرة جاهلاً، ومرة عالماً وجب مهران.
وقوله في الكتاب: "لزمه الحد والمهر" لفظ المهر معلّم -بالحاء- لأن عند أَبِى حَنِيْفَة لا يجامع المهر الحد، والمشهور من لفظ الخبر أنه "نهى عن مهر البغي" كما تقدم لا ما أورده في الكتاب والله أعلم.
قال الغزالي: أَما الوَلَدُ فَهُوَ رَقَيقٌ لاَ نَسَبَ لَه إِنْ كَانَ عَالِماً، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً انْعَقَدَ
الجزء: 5 - الصفحة: 472
عَلَى الحُرِّيَّةِ، وَضَمِنَ المُشْتَرِي قِيمَتَهُ، وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ إِذَا الشِّرَاءُ لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الوَلَدِ، وَإِنِ أَنْفَصَلَ الوَلَدُ مَيِّتاً فلاَ ضَمَانِ لأَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تُتَيَقَّنْ، وَإِنْ سَقَطَ مَيَّتاً بِجِنَايَةِ جَانٍ يَجِبُ الضَّمَانُ لأَنَّهُ انْفَصَلَ مَضْمُونًا وَقَدْ قَدَّرَ الشَّارعُ حَيَاتَهُ وضَمَانُهُ عشر قِيمَةِ الأُمِّ, وَقِيلَ في هَذِهِ الصُّورَةِ: يَجِبُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ أَوِ العُّرَّةِ إِذْ وَجَبَ الضَّمَانُ بِسَبَبِهَا فَلاَ يَزَيدُ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الضرب الثاني الوطء المُحْبِلُ، سواء وجد من الغاصب أو من المشتري منه، فينظر إن كان عالماً بالتحريم، فالولد رقيق للمالك، غير نسيب لكونه زانياً، وإن انفصل حيًّا، فهو مضمون على الغاصب، وإن انفصل ميتاً بجناية جانٍ، فبدله لسيده، وإن انفصل ميتاً من غير جناية، ففي وجوب الضَّمان على الغاصب وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر النص: الوجوب لثبوت اليد عليه تبعاً لثبوت اليد على الأم، ويُحْكى هذا عن الأنماطِيِّ وأبِى الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَة، واختاره القَفَّالُ.
والثاني: المنع، وبه قال أَبُو إسحاق، واختاره الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ، والإمام، وصاحب "التهذيب"؛ لأن جنايته غير منتفية، وسبب الضمان هلاك رقيق تحت يده.
ويجري الوجهان في حمل البهيمة المغصوبة إذا انفصل ميتاً، وإن أوجبنا الضمان، فنوجب قيمته يوم الانفصال، ولو كان حيًّا في ولد الجارية والبهيمة سواء وخرج الإمام وجهاً آخر في ولد الجارية أنه يضمن بعشر قيمته الأم تنزيلاً للغاصب منزلة الجاني الذي يترتب على جنايته الاجهاض، وإن كان الواطئ جاهلاً بالتحريم، فالولد نسيب حر للشبهة، وعليه قيمته لمالك الجارية يوم الانفصال، إن انفصل حيًّا؛ لأن التقويم قبله غير ممكن، وإن انفصل ميتاً، فأما أن ينفصل بنفسه، أو بجناية.
أما التقدير الأول، فالمشهور أنه لا يلزمه قيمته؛ لأنا لا نتيقن جناية؛ وأن الغاصب أتلفه، ويخالف ما لو انفصل رقيقاً ميتاً حالة العلم، حيث ذكرنا في وجوب الضمان وجهين؛ لأن الرقيق يدخل تحت اليد والغَصْب، فجعل تبعاً للأم فيه وفي التتمة حكايته وجه هاهنا أيضاً أنه يلزمه القيمة لأن الظاهر الحياة.
وأما على التقدير الثاني، فعلى الجاني ضمانه؛ لأن الانفصال عَقِيْبَ الضرب يغلب على الظن أنه كان حيًّا، فمات بفعله، وللمالك الضمان على الغاصب، بخلاف ما إذا انفصل ميتاً من غير جناية؛ لأنه لا بدل له هناك، وهاهنا يقوم له، فيقوم عليه، وكان حق المالك يتعلق ببدله، كما لو قتل العبد الجاني يتعلّق العبد المجني عليه ببدله، ولو مات فات حقه، ثم الذي يجب على الجاني الغرة والذي يجب للمالك عشر قيمة الأم؛ لأن الجنين الرقيق به يضمن، فإن كانت قيمة الغرة وعشر الأم سواء ضمن
الجزء: 5 - الصفحة: 473
الغاصب للمالك عُشْر قيمة الأم، وإن كانت قيمة الأم أكثر، فكذلك، والزيادة تستقر له بحق الإرث، وإن نقصت الغرة عن العشر، فوجهان:
أظهرهما: أنه يضمن للمالك تمام العشر؛ لأنه لما انفصل متقوماً كان بمثابة ما لو انفصل حيًّا, ولأن بدله إنما يقصر عن العشر بسبب الحرية الحاصلة بظنه.
والثاني: أنه لا يضمن إلاَّ قدر الغرة، ويعبر عنه بأن الواجب أقلّ الأمرين من العشر والغرة، ووجهه أن مثبت وجوب الضمان يقومه عليه فلا يضمن فوق ما يحصل له، وإن انفصل ميتاً بجناية الغاصب نفسه لزمه الضمان؛ لأن ما وجد منه بسبب الضمان، إلاَّ أنه لا يستحق على نفسه شيئاً.
ولو أحبل الغاصب الجارية ومات وخلف أباه، ثم انفصل الجنين ميتاً بجناية جانٍ، فالغرة تكون لجد الجنين.
وعن القاضي الحسين أنه يضمن للمالك ما كان يضمنه الغاصب لو كان حيًّا، وعنه أنه لو كان مع الغاصب أم الجنين، فورثت سدس الغرة يقطع النظر عنه، وينظر إلى عشر قيمة الأم، وخمسة أسداس الغرة، وكأنها كل الغرة، والجوابان يختلفان، فرأى الإمام إثبات احتمالين في الصورتين فصار في أحدهما إلى أن من يملك الغرة ينبغي أن يضمن للمالك، ويستبعد في الثاني تضمين مَنْ لم يغصب، ولا تفرعت يده على يد الغاصب.
وذكر في "التتمة" أن الغرة تجب مؤجلة، فإنما يغرم الغاصب عشر قيمة الأم إذا أخذ الغرة، وللإمام توقف فيه، هذا ظاهر المذهب في الولد المحكوم بحريته.
وفيه طريقة أخرى: أنه لا ينظر إلى عشر قيمة الأم، ولكن تعتبر قيمته لو انفصل حيًّا، وينظر إليه وإلى الغرة على التفصيل الذي بيناه.
وأشار في "الوسيط" إلى استمداد هذه الطريقة من القول القديم في أن جراح العبد لا تتقدّر لأن عشر قيمة الأم نوع مقدر، لكنه ليس بواضح، فإن الخلاف في أن البدل يتقدر أو لا يتقدر في أطراف العبد، والفائت هاهنا جملته، وليس لهذا البناء ذكر في كتاب الإمام، لكنه قال: الطريقة ملتفتة إلى الخلاف في أن ما يتلف في يد الغاصب من أعضاء العبد المغصوب بآفة سماوية، أو بجناية غير الغاصب يعتبر في حقه بدله المقدر في حق الجاني أم ينظر إلى قدر النقصان بإيجاب العشر في قيمة الأم إيجاب المقدر الواجب على الجناية.
وعن بعض الأصحاب أن الغاصب يغرم للمالك أكثر الأمرين من قيمة الولد والغرّة وضعفه من نقله؛ لأن الغرة إن كانت أكثر، فثبوت الزيادة بسبب الحرية، فكيف
الجزء: 5 - الصفحة: 474
يستحقها المالك.
ومن العجب أن صاحب "التهذيب" أجاب بهذا الوجه في المشتري من الغاصب، وجوابه في الغاصب ما تقدم، ودعوى الجهل في هذا الضرب كدعواه في الضرب الأول.
وروى المَسْعُودِيُّ خلافاً في قَبُولِهَا لحرية الولد، وإن قبلت لدفع الحد، كما رواه في استيلاء المرتهن، ويجب في حالتي العلم والجهل أَرْش نقصان الجارية، وإن نقصت بالولادة، فإن تلفت عنده وجب أقصى القيم، ودخل فيه نقصان الولادة، وأرش البكارة، ولو ردها وهي حبلى، فماتت في يد المالك من الولادة، ذكر أَبو عَبْدِ اللَّهِ القَطَّانُ في "المطارحات" أنه لا شيء عليه في صورة العلم؛ لأن الولد ليس منه حتى يقال: ماتت من ولادة ولده، وإن في صورة الجهل قولين.
واعلم أن لوجوب الضمان في هذه الصورة مأخذين:
أحدهما: أنه أحبل جارية الغير إما بالشبهة، أو بالزنا، وفي كونه سبباً للضمان ما قدمناه في المرتهن.
والثاني: أنه يحصل نقصان الحمل تحت اليد، وذلك سبب الضمان، وإن وجد أثره بعد الرد إلى المالك، كما لو جنى المغصوب عند الغاصب، فرده، ثم بيع في يد المالك.
وأطلق صاحب "التتمة" بوجوب الضمان للمأخذ الثاني 69.
وقوله في الكتاب: "وضمن المشتري قيمته، ورجع بها على الغاصب، إذ الشراء لا يوجب ضمان الولد"، والكلام في الرجوع أخرناه إلى الفصل التالي لهذا الفصل، وقد كرره هناك، وفي ذكره هناك غنية عن الذكر هاهنا.
وقوله: "فلا ضمان؛ لأن الحياة لم تتيقن" معلم بالواو.
ويجوز إعلام قوله: "وضمان عشر قيمة الأم" -بالحاء- لما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الجزء: 5 - الصفحة: 475
فرع: في "ذخيرة" البندنيجي لو وطئ الغاصب بإذن المالك، فحيث لا يجب المهر لو لم يأذن فهاهنا أولى، وحيث نوجبه فقولان محافظة على حرمة البُضْعِ، وفي قيمة الولد طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في المهر.
والثاني: القطع بالوجوب؛ لأنه لم يصرح بالإذن في الإحبال 70، والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَيَضْمَنْ المُشْتَرِي (ح) أُجْرَةَ المَنْفَعَةِ الَّتي فَاتَتْ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَهْرَ المِثْلِ عِنْدَ الوَطْءِ وَقِيمَةَ انْعِقَادِهِ حرًّا، وَيرْجَعُ بِكُلِّ ذَلِكَ عَلَى الغَاصِبِ مَهْمَا كَانَ جَاهِلاً، وُيغَرَّمُ قِيمَة العَيْنِ إِذَا تَلِفَتْ وَلاَ يُرْجَعُ، وَكَذَا المُتَزَوِّجُ مِنَ الغَاصِبِ لاَ يَرْجِعُ بِالمَهْرِ، وَهَلْ يَرْجِعُ المُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا؟ فِيهِ قَوْلاً الغُرورِ، وَلَوْ بَنَى فَقَلَعَ بِنَاءَهُ فَالأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِأرْشِ النَّقْصِ، وَلَوْ تَعَيَّبَ في يَدِهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ (ز) لأَنَّ العَقْدَ لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الأَجْزَاءِ بِخِلافِ الجُمْلَةِ، وَكَذَا إِذَا تَعَيَّبَ قَبْلَ القَبْضِ لَمْ يَكُنْ للِمُشْتَرِي الأَرْشُ، ولَوْ اشْتَرَى عَبْداً لِجَارِيةٍ وَرَدَّ الجَارِيةَ بِعَيْبٍ وَبِالعَبْدِ عَيْبٌ حَادِثٌ لَزِمَهُ قَبُولُ العَبْدِ أَوْ طَلَبُ قِيمَتِهِ، وَلَيسَ لَهُ طَلَبُ الأَرْشِ مَعَ العَبْدِ وَلِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ الجُزْءِ وَالجُمْلَةِ.
قال الرافعي: الفصل الثَّاني الكلام فيما يرجع به المشتري على الغاصب إذا غرم، وما لا يرجع، وسنبيّن في خلاله ما يغرمه وما لا يغرمه، وفي سائر الأيدي المترتبة على يد الغاصب مسائل نشرح ما في الكتاب منها، غير مبالين بما يحتاج إليه من تغيير نظمه، ونضيف إليها ما يتفق.
الأولى: إذا تلفت العَيْنُ المغصوبة عند المشتري، ضمن قيمتها أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التلف، ولا يضمن الزيادة التي كانت في يد الغاصب، إن كانت في يده أكثر قيمة، ولا يرجع بما يضمنه عالماً كان أو جاهلاً؛ لأن الشراء عقد ضمان، وقد شرع فيه على أن تكون العين من ضمانه وإن كان الشراء صحيحاً، ولك أن تقول: إن كان المراد من كونه عقد ضمان أنه إذا تلف المبيع عنده تلف من ماله، واستقر عليه الثمن، فهذا مسلّم، لكن لم يكن شارعاً فيه على أن يضمن القيمة، ومعلوم أنه لو لم يكن المبيع مغصوباً لم يلزمه شي بالتلف، فكان الغاصب مغرراً موقعاً إياه في خطر الضَّمان، فليرجع عليه، وإن كان المراد غيره، فَلِمَ قلتم: إِن الشراء عقد ضمان؟ على
الجزء: 5 - الصفحة: 476
تفسير آخر، وربما انساق هذا الإشكال إلى ما حكى عن صاحب "التقريب" أنه يرجع من المغروم بما زاد على قَدْرِ الثمن، سواء اشتراه رخيصاً في الابتداء، أو زادت القيمة بعد الشراء، وأنه إذا رجع بما زاد على الثمن لم يلحقه ضرر.
الثانية: تعيّب المغصوب عند المشتري بِعَمىً أو شلَلٍ، أو نحوها، ينظر إن كان بفعل المشتري، فيستقر ضمانه عليه، وكذا لو أتلف الكل، وإن كان بآفة سماوية فقولان:
أحدهما: عن تخريج المُزَنِيِّ وغيره: أنه لا يرجع على الغاصب بضمانه، كما لا يرجع بالقيمة عند هلاك الكل تسوية بين الجملة والأجزاء، وبهذا أجاب العراقيون، بل أكثر الأصحاب.
والثاني: وينسب إلى نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه يرجع، وقرره ابْنُ سُرَيجٍ بأن العقد يوجب ضمان الجملة، ولا يوجب ضمان الأجزاء على الانفراد، واحتج عليه بصورتين: إحداهما: أنه لو تعيب المبيع قبل القبض لم يكن للمشتري أن يجيز العقد، ويطالبه بجزء من الثمن، بل إما أن يفسخ أو يُجيز بكل الثمن ولو تلف يستقر كل الثمن.
والثانية: لو اشترى عبداً بجارية، وتقابضا، ثم وجد بائع العبد بالجارية عيباً قديماً، فردها، وقد تلف العبد فإنه يأخذ قيمته، ولو لم يتلف، وتعيّب بعيب حادث لم يكن له طلب الأرش مع العبد، بل يقنع به، أو يأخذ القيمة.
واعلم أن في الصورة الثانية وجهين ذكرناهما في فصل "الرد بالعيب" فلناصر القول الأول أن يمنع ويقول له باسترداد العبد، وطلب أرْش النقصان وإليه ميل الإمام.
وأما الصورة الأولى، فإن المبيع في يد البائع غير مضمون بالقيمة، بل بالثمن، فإذا تلف سقط الثمن، وإذا تعيَّب أمكن رده، جملة الثمن، فلا يمكن من طلب الأرش الذي هو تغيير العقد، وحَطّ من الثمن، وإنما يصار إليه عند الضرورة، فلهذا المعنى لم يثبت الأرش.
الثالثة: منافع المغصوب يضمنها المشتري للمالك بأجرة مثلها، وهل يرجع على الغاصب؟ أما ما استوفاه بالسكون والرُّكوب واللُّبس، ففيه قولان، وكذا بالرجوع بالمهر إذا غرمه بالوطء:
أحدهما: يرجع؛ لأن الغاصب قد غَرَّهُ ولم يشرع على أن يضمن المهر والأجرة.
وأصحهما وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يرجع؛ لأن نفعه عاد إليه، ولأنه أتلف المنفعة، وحوالة الضمان على مباشر الإتلاف أولى، وأجرى الخلاف
الجزء: 5 - الصفحة: 477
في أرْشِ الافْتِضَاضِ إنْ كانت بكراً، وعدم الرجوع به أظهر؛ لأنه بدل جزء منها أتلفه، فأشبه ما لو قطع عضواً من أَعْضَائِها.
وفي "التهذيب" أن الخلاف فيه مبني على أنه يفرد عن المهر، أم لا؟ إن افراده لم يرجع به، وإلاَّ رجع.
وأما المنافع التي فَاتَتْ تحت يده، ولم تستوفها.
فإن قلنا: يرجع بضمان ما استوفاه، فضمانها أولى.
وإن قلنا: لا يرجع هناك فوجهان:
أصحهما: الرجوع أيضاً؛ لأنه لم يتلف، ولا شرع في العقد على أن يضمنها.
والثاني: لا يرجع تنزيلاً للتلف تحت يده منزلة الإتلاف.
الرابعة: إذا غرم قيمة الولد عند انعقاده حرًّا رجع به على الغاصب؛ لأنه شرع في العقد على أن يسلم الولد حرًّا من غير غرامة، ولم يوجد منه تفويت.
وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسْفِرَاييْني طريقة أُخرى في "شرح الفروع" أن الرجوع بها كالرجوع بالمهر؛ لأن نفع حرية الولد تعود إليه.
والمشهور الأول وأرش نقصان الولادة، قطع العراقيون بأنه يرجع به، وعن غيرهم خلاف.
قال الإمام: وسبيله سبيل النقصان الحاصل بسائر الآفات السماوية، فيجيء فيه ما ذكرناه من الخلاف السابق، ولو وهب الجارية المغصوبة، فاستولدها المتهب جاهلاً بالحال، وغرمه قيمة الولد، ففي الرجوع بها وجهان:
وجه الفرق أن الواهب متبرع، والبائع ضامن سلامة الولد له بلا غرامة.
الخامسة: إذا بني المشتري، أو غرس في الأرض المغصوبة، فجاء المالك، ونقض بنائه، وغرسه هل يرجع بأرش النقصان على الغاصب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لا يرجع بما أنفق على العمارة، وكأنه بالبناء متلف ما له.
وأظهرهما: نعم لشروعه في العقد على ظن السلامة، وإنما جاءه هذا الضرر من تغرير الغاصب، وهذا ما ذكره العراقيون، وقد ذكرنا طرفاً من المسألة في "الضمان" وذكر في "التهذيب" أن القياس ألا يرجع على الغاصب بما أنفق على العمارة، وما أدرى من خراج الأرض: لأنه شرع في الشراء على أن يضمنها.
السادسة: لو زوج الغاصب الجارية المغصوبة، فوطئها الزوج جاهلاً بالحال غرم مهر المثل للمالك، ولا يرجع به على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمن المهر، ويخالف ما إذا غَرَّ بحرية أمة، وغرم المهر حيث يرجع على الغار على أحد القولين، لأن النكاح ثَمَّ صحيح، والبُضْعُ مملوك له، فإذا فسخ اقتضى الفسخ استرداد ما بذل له
الجزء: 5 - الصفحة: 478
وهاهنا النكاح باطل وإنما غرم لإتلافه منفعة البُضْعِ حتى لو كان المغرور ممن لا يحل له نكاح الأمة لم يثبت له الرجوع بالمهر لبطلان النكاح، ولو استخدمها الزوج، وغرم الأجرة لم يرجع على الغاصب؛ لأنه لم يسلطه على الاستخدام، بخلاف الوطء، ويرجع بغرم المنافع التالفة تحت يده؛ لأنه ما استوفاها, ولا شرع على أنه يضمنها، والقول في قيمتها لو تلفت في يده قد تقدم، فإن غرمها رجع بها.
قال الأئمة: والضابط في هذه المسائل أن ينظر فيما عزمه مَنْ تَرَتَّبَتْ يده على يد الغاصب عن جهل إن شرع فيه على أن يضمنه لم يرجع به، وإن شرع على أنه لا يضمنه، فإن لم يَسْتَوْفِ ما يقابله رجع به، وإن استوفاه، ففيه قولان، وعلى هذا فلو كان المغصوب شاة، فَنَتَجَتْ في يد المشتري، أو شجرة فأثمرت، فأكل فائدتها، وغرمها للمالك، ففي الرجوع بما غرم الغاصب قولان كالمهر، وإن هلكت تحت يده، فالحكم كما في المنافع التي لم يستوفها، ذكره في "التتمة" وكذا القول في الأكساب، وإن انفصل الولد ميتاً، فالظاهر أنه لا ضمان، وكذا إذا انفصل ميتاً في يد الغاصب، ولو استرضع المشتري الجارية في ولده، أو ولد غيره غرم أجر مثلها، وفي الرجوع قولان كالمهر، ويغرم المشتري اللبن، وإن انصرف إلى سخلتها وعاد نفعه إلى المالك كما لو غصب علفاً، وأعلف به بهيمة مالكه.
لكن قال صاحب "التهذيب" وجب أن يرجع به على الغاصب, لأنه لم يشرع فيه على أنه يضمنه، ولا عاد نفعه إليه، ولو أجر العين المغصوبة غرم المستأجر أجرة المِثلِ للمالك، ولم يرجع بها على الغاصب؛ لأنه شرع فيه على أن يضمنها، ويسترد الأُجرة المسماة، ولو أعارها رجع المستعير بما غرم للمنافع التي فاتت تحت يده، وفي الرجوع بما غرم للمنافع التي استوفاها القولان، وكذا غرم الأجزاء التالفة بالاستعمال.
واعلم أن كل ما لو غرمه المشتري يرجع به على الغاصب، فلو طولب به الغاصب وغرمه لم يرجع به على المشتري، وكُلّ ما لو غرمه المشتري ولم يرجع به على الغَاصب لم يرجع به المشتري، وكذا الحُكْم فيمن غير المشتري ممن ترتبت يده على يد الغاصب.
وقوله في الكتاب: "ويرجع بكل ذلك على الغاصب" جواب في المهر المغروم عند الوطء بقول الرجوع، وقد مَرَّ أن أصح القولين، ومذهب أبي حَنِيفَة منع الرجوع، فيجوز أن يعلّم ما ذكره -بالحاء والواو- لذلك، وأيضاً فللطريقة المروية في قيمة الولد.
قوله: وهل يرجع المشتري بقيمة منفعة استوفاها؟ يدخل فيه منفعة البُضْع المستوفاة بالوطء كما يدخل سائر المنافع، وإجراؤه على إطلاقه ممكن، ففي جميع ذلك قولان كما سبق، لكن الأشبه أنه أراد ما سوى منفعة البُضْع.
الجزء: 5 - الصفحة: 479
وأما إذا وطئ وغرم المَهْر، وقد ذكره مرة، وحكم فيه بالرجوع على الغاصب.
وقوله: "فيه قولا الغرور" أي ومباشرة الإتلافات على ما مرَّ في تقديم الطعام المغصوب، فحذف أحد الطرفين.
وأعلم قوله في نقل النص في التعيُّب: "أنه يرجع" -بالزاي- إشارة إلى تخريج المُزَنِيَّ.
وقوله: "وليس له طلب الأرش" يجوز إعلامه بالواو.
وقوله: "ولذلك فرق بين الجملة والجزء" هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها: "وكذلك فرق الشَّافعي -رضي الله عنه-" وهما صحيحان.
قال الغزالي: وَنُقْصَانُ اَلوِلاَدَةِ لاَ يُجْبَرُ (ح) بِالوَلَدِ فَإِنَّ الوَلَدَ زِيَادَةٌ جَدِيدَةٌ.
قال الرافعي: إذا انتقصت الجارية بالولادة، وكان الولد رقيقاً تفي قيمته ببعض نقصانها، أو بكله لم ينجبر به النقصان، بل الولد له، ويأخذ الأرْشَ، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أن الولد زيادة تحدث على ملكه، أَلا تَرَى أن يسلم له، وإن لم يكن في الأمِّ نقصان، وملكه لا يجبر نقصان ملكه، ولو ماتت الأم من الولادة، والولد وافٍ بقيمتها، فلهم فيه اختلاف، وقد فرغنا من شرح كتاب الغَصْبِ، ونختمه بمسائل منثورة:
منها: أسند خشبة تعب بحملها إلى جدار يستريح، إن كان الجدار لغيره، ولم يأذن في إسناده إليه، فهو متعدّ يضمن الجدار إن وقع بإسناده إليه، ويضمن ما تلف بوقوعه عليه، وإن وقعت الخشبة وأتلفت شيئاً ضمن إن وقعت في الحال، وإن وقعت بعد ساعة لم يضمن، وإن كان الجدار له أو لغيره، وقد أذن في إسناده إليه، فكذلك يفرق بين أن تقع الخشبة في الحال، أو بعد ساعة تشبيهاً بفتح رأس الزّقِّ.
ومنها: غصب داراً ونقضها، وأتلف النقض، وما نقص من قيمة العَرْصَة.
وحكى الشيخ أبُو حَامِدٍ وجهين في أنه يضمن أجرة مثلها داراً إلى وقت الرد، أو إلى وقت النقض 71.
ومنها: غصب شاة، وأنْزَى عليها فحلاً، فالولد للغاصب، ولا شيء عليه للإنزاء؛ لنهيه -عليه السلام- "عن عَسِيْبِ الفَحْل" 72، فإن انتقص غرم الأرش، ولك أن تقول: للمغصوب منه، ولو غصب فَحَلاً، وأَنزاه على شاته، فالولد مغصوب منه وجب أن يخرج وجوب شيء للإنزاء على الخلاف في جواز الاستئجار 73.
الجزء: 5 - الصفحة: 480
ومنها: غصب جارية ناهداً فتدلّى نهداها، أو عبداً شاباً فشاخ، أو أمرد فَالْتَحَى غرم النقصان.
وعن أَبي حنيفة أنه لا يضمن في الأمرد.
ولو غصب خشبة، واتخذ منها أبواباً وَسَمَّرَهَا بمسامير من عنده نزع المسامير، وإن انتقصت الأبواب بذلك ضمن الأرش، ولو بَذَلَهَا، ففي إجْبَارِ المَغْصُوب منه على قبُولها وجهان ذكرهما في نظائرها.
ومنها: غصب ثوباً، ونجسه، أو نجس عنده، لم يكن له تطهيره، ولا للمالك أن يكلفه التطهير، ولو غسله، وانتقصت قيمته، ضمن النقصان ولو رده نجساً فمؤنة التطهير على الغاصب، وكذا أرش اللازم منه، وتنجيس المائع الذي لا يمكن تطهيره إهلاك وتنجيس الدهن ينبني على إمكان غسله إن جوزناه، فهو كالثوب.
ومنها: قال في "التتمة": لو غصب من الغاصب فابراء المالك الأول عن ضمان الغصب صح الإبراء؛ لأنه مطالب بقيمته، فهو كَدَيْنٍ عليه، وإن ملكه المغصوب بريء، وانقلب الضَّمان على الثاني حقًّّا له وإن باعه من غاصب الغاصب، أو وهبه منه، وأذن له في القبض برئ الأول، وإن أودعه من الثاني.
وقلنا: إنه يصير أمانة في يده بريء الأول أيضاً فإن رهنه من الثاني لم يبرأ واحد منهما عن الضَّمان.
ومنها: لو رد المغصوب إلى المالك، أو وكليه، أو وَليَّهِ بريء من الضمان، ولو رد الدابة إلى إصطبله.
قال في "التتمة": يبرأ أيضاً إذا علم المالك به، أو أخبره من يُعْتَمدُ خبره.
وقيل: إنْ لم يعلم، ويخبر لا يبرأ، فإن امتنع المالك من الاسترداد، رفع الأمر إلى الحاكم.
ومنها: عن القَفَّالِ وغيره أن المالك لو أبرأ غاصب الغاصب عن الضَّمان برأ الأول لأن القرار على الأول والثاني كالضامن، وهذا إن فرض بعد تلف المال، فهو بَيَّنٌ، وإما قبله فليخرج على صحّة إبراء الغاصب مع بقاء المال في يده، وفيه خلاف مذكور في "كتاب الرَّهْن" 74.
الجزء: 5 - الصفحة: 481
قال الغزالي:
" كِتَابُ الشُّفْعَةِ, وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوابٍ"
البَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِ الاِسْتحْقَاقِ
وَهِي ثَلاثةٌ: المَأْخُوذُ والآخِذُ وَالمَأْخُوذُ مِنْهُ، "الأَوَّلُ: المَأْخُوذُ"، وَهوَ كَلُّ عَقَارٍ ثَابِتٍ مُنْقَسِمٍ، احْتَرَزْنَا بِالعَقَارِ عَنِ المَنْقُولِ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهِ لِلشَّرِيكِ لِخِفَّة الضَّرَرِ فِيهِ.
قال الرافعي: الشُّفْعَةُ مأخوذة من قولك: شفعت كذا بكذا، إِذا جعلته شَفْعاً به، كأَن الشفيع يجعل نصيبه شفعاً بنصيب صاحبه.
يقال: أصل الكلمة التقوية والإعانة، ومنه الشفاعة والشفيع؛ لأن كل واحد من الوِتْرين يقوى بالآخر، ومنه شاة شافع للتي معها ولدها لتقويها به 75، وفسرت في الشريعة بحق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث، وفيه مجال لمضايقات:
منها: أن الشركة مأخوذة في هذا التفسير، ولو كان كذلك لما انتظم قولنا: هل تثبت الشفعة للجار أم لا؟ والأصل في الشُّفْعَة الأخبار التي نوردها متفرقة في الباب، وكل ما يدل على مسألة في باب يدل على ثبوت أصل ذلك الباب.
واحتج بعضهم بالاجماع، لكنه نُقِلَ عن جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ 76 من التابعين وغيرهم
الجزء: 5 - الصفحة: 482
إنكار أصل الشفعة 77، وإذا علمت أن لِحَقِّ الشفعة ثبوتاً ذهب ذهنك إلى البحث عن أنه لم يثبت، وأنه كيف يُؤخَذُ الشِّقصُ، وأنه يستمر، أو يسقط، ولم يسقط إن سقط؟ وهذه الأمور الثلاثة هي أبوب الكتاب الثلاثة.
أما أنه بم يثبت فاعلم أن سبب ثبوت الشفعة يتركب من أمور:
منها: ما يرجع إلى الملك المأخوذ.
ومنها: ما يرجع إلى الآخذ.
ومنها: ما يرجع إلى الذي يؤخذ منه، وسمى صاحب الكتاب هذه الثلاثة ثلاثة أركان الاستحقاق لتعلقه بها، وتركّب سببه من الأمور معتبرة فيها فقال: الباب الأول في أركان الاستحقاق.
الركن الأول: المأخوذ، فاعتبر فيه ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون عقاراً.
قال الأصحاب: والأعيان ثلاثة أضرب: أحدها: المنقولات فلا شفعة فيها، سواء بيعت وحدها، أو مع الأرض.
وعن مالك ثلاث روايات:
إحداها: إثبات الشفعة في كل منقولٍ باع أحد الشفيعين نصيبه منه.
والثانية: إثباتها في السفن خاصة.
والثالثة: أنها إن بيعت وحدها، فلا شفعة فيها، وإنْ بِيعت مع الأرض، ففيها الشفعة كيلا تتفرق الصفقة على المشتري.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقسَمْ فإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ صُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ 78).
وبما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- (قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا يُقْسَمُ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ = حاشية البِجيِر من 3/ 145، مغنى المحتاج 2/ 296، مخ الجليل 3/ 582، الانصات 6/ 250، الكافي 2/ 416.
الجزء: 5 - الصفحة: 483
يَبِيْعَهُ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيْكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أخِذَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يِأْذَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ 79).
وروى: (الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ 80).
الضرب الثاني: الأراضي، فتثبت الشفعة فيها، سواء بيع الشقص منها وحده، أو مع شيء من المَنْقُولاَتِ، ثم في الحالة الثانية يوزع الثّمَنُ عليه، وعلى ذلك المنقول، كما سيأتي.
والثالث: الأعيان التي كانت منقولة في الأصل، ثم أثبتت في الأرض، للدَّوام كالأبْنِية والأشجار 81، فإن بيعت منفردة، فلا شفعة فيها؛ لأنها في حكم المَنْقُولاَتِ، وكانت في الأصل منقولة وتنتهي إليه، وإن طال أَمَدُهَا, وليس معها ما تجعل متابعة له.
وحكى الإمام أَبُوالفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ وجهاً أنه تثبت الشفعة فيها لثبوتها في الأرض والمذهب الأول وإن بيعت الأرض وحدها ثبتت الشفعة فيها ويكون الشفيع معه كالمشترى، وإن بيعت الأَبْنِيةُ والأشجار مع الأرض، إما صريحاً، أو على قولنا: إن الأرض، تستتبعها ثبتت الشفعة فيها متابعة للأراضي، كما سبق من الأخبار، فإن لفظ "الرَّبْع" يتناول الأبنية، ولفظ "الحائط" يتناول الأشجار، ولو كان على النَّخل ثمرة مؤبَّرة، فأدخلت في البيع شرطاً لم تثبت فيها الشفعة؛ لأنها لا تدوم في الأرض، بل يأخذ الشفيع الأرض والنخيل بِحِصَّتِها من الثمن.
وعن مالك وأَبي حَنِيْفَةَ إثبات الشفعة فيها تبعاً، وإن كانت غير مؤبَّرة دخلت في البيع تبعاً وهل يأخذ؟ فيه وجهان أو قولان:
أحدهما: لا كالمؤبَّرة؛ لأنها منقولة.
والثاني: نعم لدخولها في مطلق البيع.
قال في "التهذيب": وهذا أصح، وعلى هذا فلو لم يتفق الأخذ إلى أن تأبَّرت فوجهان:
أظهرهما: الأخذ؛ لأن حقه تعلّق بها، وزيادتها كالزيادة الحاصلة في الشجرة من بسوقها، أو طول أغصانها.
والثاني: المنع، وبه قال القَاضِي أبُو الطَّيِّبِ لخروجها عن أن تكون متابعة للنخيل، وعلى هذا فبم يأخذ النخيل والأرض؟ فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 484
أشبههما: بحصتها من الثمن، كما في المؤبرة.
والثاني: بجميع الثمن تنزيلاً له منزلة عيب يحدث بالشَّقْصِ، ولو كانت النخيل حائلة عند البيع، ثم حدثت الثمرة قبل أخذ الشفيع، فإن كانت مؤبرة لم يأخذها، وإن كانت غير مؤبرة، فعلى قولين ذكرناهما بتوجيههما، وتخاريجهما فيما إذا أفلس مشتري النخيل، وهي مطلعة هل يتعدى الرجوع إلى الطلع؟.
وقد ذكر كثير من النَّاقلين أن قول: أخذ الثمار قوله القديم، ومقابله الجديد، وعلى هذا فالمسألة مما يجاب فيها على القديم لما مَرَّ في "التَّفْلِيسِ" أن الأخذ أظهر عند الأصحاب، وإذا بعث الثمرة للمشتري، فعلى الشفيع إبقاؤها إلى الإدراك، وهذا إذا بيعت الأشجار، مع البياض الذي يتخللها، أو بيع البستان كله أما إذ بيعت الأشجار ومغارسها لا غير، فوجهان، وكذا لو باع الجدار مع الأُسِّ 82.
أحدهما: إنه تثبت الشفعة؛ لأنها فرع أصل ثابت.
وأشبههما: المنع؛ لأن الأرض تابعة هاهنا، والمتبوع منقول 83.
ولو باع شقصاً فيه زرع لا يجَذُّ مراراً، وأدخله في البيع شرطاً أخذ الشفيع الشِّقْص بحصته من الثمن، ولم يأخذ الزرع، وخلافاً لأبي حَنِيفَةَ ومالك، وإن كانا مما يجذُّ مراراً، فالجذوة الظاهرة التي لا تدخل في البيع المطلق كالثمار المؤبرة، والأصول كالأشجار.
وما يدخل تحت مطلق بيع الدَّار من الأَبواب والرُّفُوف والمسامير يؤخذ بالشفعة تبعاً كالأبنية، وكذا الدُّولاب الثابت في الأرض، سواء أداره الماء، أو غيره، بخلاف الدَّلو والمنقولات 84، ولو باع شقصاً من طَاحونَةٍ، فالحجر التَّحْتَانى يؤخذ بالشُّفعة.
إن قلنا بدخوله البيع، وفي الفَوقَانيِّ وجهان مع التفريع عليه كالوجهين في الثمار التي لم تؤبر.
الجزء: 5 - الصفحة: 485
وقوله في الكتاب: "كل عقار" غير مجري على ظاهره؛ لأنه يقتضي اشتراط كون المأخوذ عقاراً، وقد عرفت أن الأبنية والأشجار، بل الثمار أيضاً مأخوذة، ومعلوم أن اسم العقار لا يقع عليها في المتعارف، ولا يمكن أن يقال: أراد بالعَقَارِ غير المنقول؛ لأن قضيته حينئذ إثبات الشفعة في الأبنية والأشجار وحدها؛ لأنه كما لا يقع عليها اسم العَقَار لا يقع عليها اسم المنقول، وهي ثابتة في الأرض، فيصدق عليها أنها غير المنقول.
وقوله: "فلا شفعة فيه" معلّم بالميم.
وقوله: "لحقه الضرر فيه" معناه: أن المنقول لايبقى دائما، والعقار يتأبد فيتأبد سوء ضرر المشاركة فيه، والشفعة تملك قهري، فلا يحكم بثبوته إلاَّ عند شدة الضرورة.
قال الغزالي: وَبِالثَّابِتِ عَنْ حُجْرَةٍ عَالِيةٍ مُشْتَرَكَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى سَقْفٍ لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَإنَّهُ لاَ أَرْضَ لَهَا فلاَ ثَبَاتَ، فَإِنْ كَانَ السَّقْفُ لِشُرَكَاءِ الْعُلُوِّ فَوَجْهَانِ؛ لأنَّ السَّقْفَ فِي الهَوَاءِ فلاَ ثَبَاتَ لَهُ.
قال الرافعي: الشرط الثاني كونه ثابتاً، وقصد به الاحتراز عما إذا كان بين اثنين حجرة، أو غرفة عالية مبنية على سَقْفٍ لأحدهما، أو لغيرهما، فإذا باع أحدهما نصيبه، فلا شفعة لشريكه؛ لأنه لا أرض لها, ولا ثبات، فهو كالمنقولات، ولو كان السقف المبني عليه مشتركاً بينهما، فعلى وجهين، نقلهما هاهنا وفي "الوسيط":
أحدهما: أن الشفعة تثبت للاشتراك فيها أرضاً وجداراً.
وأظهرهما: المنع؛ لأن السقف الذي هو أرضه لا ثَبَاتَ له أيضاً، وما لا ثبات له في نفسه لا يفيد ثباتاً لما هو عليه، ولو كان السقف مشتركاً بين اثنين، العلو لأحدهما، فباع صاحب العلو، ونصيبه من السفل، ففيه للقَفَّالِ جَوابان:
أحدهما: أن الشريك يأخذ السفل، ونصف العلو بالشفعة؛ لأن الأرض مشتركة بينهما، وما فيها تابع لها، ألا تَرَى أنه يتبعها في بيع الأرض عند الإطلاق؟ فكذلك في الشفعة.
وأصحهما: وهو الذي ارتضاه الشيخ أبُو عَلِيٍّ أنه لا يرضى أن يأخذ إلاَّ السفل؛ لأن الشفعة لا تثبت في الأرض إلاَّ إذا كانت مشتركة، فكذلك فيما فيها من الأبنية، ولا شركة بينهما في العلو.
ولو كانت بينهما أرض مشتركة، وفيها أشجار لأحدهما، فباع صاحب الأشجار الأشجار، ونصيبه من الأرض، ففيه هذا الخلاف هذا فقه الفصل.
ولك أن تقول: اسم العقار إما يقع على الأبنية بقطع النظر عن الأرض، أو لا يقع، إن كان وقع الضابط المذكور متناً، ولا للأبنية وحدها، فلتكن مأخوذة بالشفعة
الجزء: 5 - الصفحة: 486
وحدها، إن لم تقع خرجت الصورتان المذكورتان في الكتاب عن الضابط بلفظ العَقَار، فلا حاجة إلى ذكر الثابت.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزنَا بِالمُنْقَسِمِ عَنِ الطَّاحُونَةِ وَالحَمَّامِ وَبِئْرِ المَاءِ وَمَا لاَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ إلاَّ بِإبْطَالِ مَنْفَعَتِهِ المَقْصُودَةِ مِنْهُ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا (ح و) إِذْ لَيْسَ فِيها ضَرَرُ مُؤنَةِ الإسْتِقْسَامِ وَتَضَايقِ المِلْكِ بِالقِسْمَةِ.
قال الرافعي: الشرط الثالث: كونه منقسماً، وفي ثبوت الشفعة في العقار الذي لا ينقسم اختلاف مبني على أن الشفعة لم تثبت في المنقسم، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها تثبت لدفع ضرر الشركة فيما يتأبد ويدوم، كتضييق المدخل والتأذي بحرفة الشريك أو أخلاقه أو كثرة الداخلين عليه، وما أشبههما.
وأصحهما: أنها تثبت لدفع الضرر الذي ينشأ من القسمة من بدل مؤنتها، والحاجة إلى افراد الحِصَّة الصَّائرة له بالمرافق الواقعة في حِصّة صاحبه، كالمِصْعَدِ والمبرز والبالُوعة وحدها، وكل واحد من الضررين، وإن كان واقعاً قبل البيع لكن من رغب من الشَّريكين في البيع كان من حقه أن يخلص الشريك مما هو فيه ببيعه منه، فإذا لم يفعل سلطه الشرع على أخذه.
فإن قلنا بالمعنى الأصح أنها لم تثبت الشفعة فيما لم ينقسم؛ لأنه يؤمن فيه غرر القسمة، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
وإن قلنا بالثاني ثبتت الشفعة فيه، ويحذف هذا الشرط الثالث، وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ وابْنُ سُرَيْجٍ، وهذا المذهب الثاني ينسب إلى تخريجه، واختاره أَبُو خَلَفٍ السلمِيُّ، والقاضي الرُّويانِيّ.
ومنهم من يجعل هذا الخلاف قولين، ويقول: الجديد منع الشفعة، وهو ظاهر المذهب كيف فرض الخلاف.
وعَن مالكٍ وأحَمْدَ اختلاف رواية فيه أيضاً، والظاهر المنع، والمراد من المنقسم ما إذا طلب أحد الشريكين قسمته أجبر الآخر عليها.
وفي ضبطه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه الذي لا تنقص القسمة قيمته نقصاناً فاحشاً حتى لو كانت قيمة الدار مائة، ولو قسمت عادت قيمة كل نصف إلى ثلاثين، فلا تقسم لما فيها من الضرر.
وثانيها: أنه الذي يبقى منتفعاً بها بعد القسمة بوجه ما.
أما ما لا يبقى منتفعاً به بِحَالٍ، إما لضيق الخطَّة، أو لقلة النصيب، أو لأن أجزاءه غير منتفع بها وحدها، كماء سراب القنا، فلا يقسم.
الجزء: 5 - الصفحة: 487
وأصحها: أنه الذي إذا قسم أمكن أن ينتفع به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة، ولا عبرة بإمكان الانتفاع به من وجه آخر للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع.
إذا عرفت ذلك فلو كان بينهما طَاحُونَةَ، أو حَمَّام أو نهر، أو بئر فباع أحدهما نصيبه، نظر إن كانت الطاحونة كبيرة يمكن أن تجعل طاحونتين لكل واحد حجران، والحَمَّام كثير البيوت، يمكن أن يجعل حمامين، أو كبير البيوت يمكن جعل كل بيت بيتين، والبئر واسعة يمكن أن يبنى فيها، فتجعل بئرين لكل واحدة بياض يقف فيها، ويلقي فيه ما يخرج منها ثبتت الشفعة فيها، وإن لم يكن كذلك، وهو الغالب في هذه العقارات، فلا شفعة فيها على الأصح، وهذا جوابه على أصح الوجوه في معنى المنقسم.
أما إذا اعتبرنا بقاء منفعة ما كفى أن يصلح لكل سَهْمٍ من الحَمَّام بعد القسمة للسُّكْنَى، فإن اعتبرت القسمة لم يخف حكمه.
ولو اشترك اثنان في دار صغيرة لأحدهما عشرها, وللآخر باقيها، فإن حكمنا بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم، فأيهما باع نصيبه فلصاحبه الشفعة، وإن حكمنا بمنعها، فإن باع صاحب العشر نصيبه لم يثبت لصاحبه الشفعة؛ لأنه أمن من أن يطالب مشتريه القسمة؛ لأنه لا فائدة له في القسمة، وبتقدير أن يطلب فلا يجاب؛ لأنه متعنت مضيِّع ماله وإذا كان كذلك فلا يلحقه ضرر قسمة، وإن باع صاحب النصيب الأوفر نصيبه، ففي ثبوت الشفعة لصاحب العشر وجهان، بناء على أن صاحب النصيب الأوفر، هل يجاب إذا طلب القسمة؛ لأنه منتفع بالقسمة؟.
والظاهر أنه يجاب، ولو كان حول البئر بَيَاضٌ وأمكنت القسمة، بأن نجعل البئر لواحد، والبياض لآخر ليزرعه، ويسكن فيه، أو كان موضع الحجر في الرَّحى واحداً، ولكن لها بيت يصلح لغرض آخر، وأمكنت القسمة، بأن يجعل موضع الحجر لواحد، وذلك البيت لآخر ليزرعه، فقد ذكر جماعة من الأصحاب أن الشفعة تثبت، وأن البئْرَ والحالة هذه من المنقسمات.
وهذا جواب على جرَيان الإِجْبَار في هذا النوع من القسمة.
وفيه خلاف على أنه لا يشترط فيما يصير لكل واحد منهما أن يمكن الانتفاع به من الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة.
وقوله في الكتاب: "وبئر الماء" ليس مذكوراً للتقييد، بل بئر الماء وسائر الآبار في الشفعة واحدة.
وقوله "إلا بإبطال منفعته المقصودة" إشارة إلى الوجه الأصح في ضبط المنقسم.
وقوله: "فلا شفعة فيها" معلّم -بالحاء والواو- ويمكن أن يعلم -بالميم والألف-
الجزء: 5 - الصفحة: 488
لإحدى الروايتين عنهما.
وقوله: "إذ ليس فيها ضرر مؤنة الاستقسام ... " إلى آخره.
معناه: أن هذا هو المقتضى للشفعة في المنقسم، وإنه غير موجود.
واعلم أنا لو قدرنا ثبوت الشفعة هناك لمجموع المعنيين يلزم المنع في غير المنقسم أيضاً، لانتفاء أحد المعنيين.
فرع
شريكان في مزارع، وبئر تستقى منها باع أحدهما نصيبه منها تثبت للآخر الشفعة فيها إذا انقسمت البئر، أو قلنا بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم، وإِلاَّ فتثبت في المزرعة وفي البئر وجهان:
أحدهما: تثبت كما تثبت في الأشجار تبعاً للأراضي.
وأصحهما: المنع لأن الأشجار ثابتة في محل الشفعة والبئر مباينة عنه.
قال الغزالي: "الرُّكْنُ الثَّانِي: الآخذُ" وَهُوَ كُلُّ شَرِيكٍ بِالمِلْكِ، فَلاَ شُفْعَةَ (ح) للِجَارِ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ مُلاَصِقاً (و)، وَتَثْبُتُ لِلشَّرِيكِ وَإِنْ كَانَ كَافِراً، فَإِنْ شَارَكَ بِحِصَّةٍ مَوْقُوفَةٍ وَقُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ المَوْقُوفُ علَيْهِ فَلاَ شُفْعَةَ، وَإلاَّ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ إِفْرَازُ الوَقْفِ عَنْ المِلْكِ؟، وَالشَّرِيكُ في المَمَرِّ المُنْقَسِمِ يَأَخُذُ المَمَرَّ بِالشُّفْعَةِ إِنْ كَانَ لِلمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرُ إِلى دَارِهِ، وَإلاَّ فَيَأْخُدُ بِشَرْطِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الاجْتِيَازِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ وَإِنْ لَمْ يُمَكَّن، وقِيلَ: لاَ يَأْخُدُ وإنْ مُكِّنَ.
قال الرافعي: فقه الركن صور:
إحداها: أنه لا شفعة للجار ملاصقاً كان أو مقابلاً، وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وعهد أبي حنيفة للملاصق الشفعة، وكذا المقابل إذا لم يكن الطريق بينهما نافذاً.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الشُّفْعَةُ فِيْمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفْعَةَ)
وعن ابن سُرَيْجٍ تخريج قول كمذهب أبي حَنيفَةَ.
قال القاضي الروياني: ورأيت بعض أصحابنا يفتي به، وهو الاختيار.
وذكر الإمام أن الشيخ أبَا عَلِيٍّ لم يثبت ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وحمل كلامه فيه على أنه لا يعترض في الظاهر على الشَّافعي إذا قضى له الحنفي بشفعة الجار، وهذا شأن مسائل الخلاف في الأغلب، وفي الحل باطناً خلاف.
الثانية: الدار إما أن يكون بابها مفتوحاً إلى دَرْبٍ نافذ، أو إلى درب غير نافذ إن
الجزء: 5 - الصفحة: 489
كان الأول، ولا شركة في الدار فلا شفعة فيها لأحد، ولا في مَمَرِّهَا؛ لأن مثل هذا الدرب غير مملوك، وإن كان الثاني، فالدرب ملك مشترك بين شركائه على ما سبق في "الصُّلْح"، فإن باع نصيبه من المَمَرِّ وحده فللشركة الشفعة فيه، إن كان منقسماً على ما عرفت معناه وإلاَّ ففيه ما مَرَّ من الخلاف، وإن باع الدار بممرها، فلا شفعة لشركاء المَمَرِّ في الدار؛ لأنه لا شركة لهم فيها، فصار كما لو باع شِقْصاً من عقار مشترك، وعقار غير مشترك.
وخرج ابْنُ سُرَيْجٍ أنها تثبت الشفعة فيها بتبعية الشركة في الطريق، وبه قال مَالِكٌ وأَبُو حَنِيْفَةَ، وقدم أَبُو حَنِيفَة الشريك في الممر على الجار الملاصق الذي ينفذ باب داره إلى درب آخر.
وظاهر المذهب الأول.
ولو أرادوا أخذ الممرّ بالشفعة، نظر إن كان للمشتري طريق آخر إلى الدار، أو أمكنه فتح باب آخر إلى شارع، فلهم ذلك على المشهور، إن كان منقسماً، وإلاَّ فعلى الخلاف في غير المنقسم.
وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: إن كان في إيجاد المَمِرِّ الحادث عسر أو مؤنة لها، وجب أن يكون ثبوت الشفعة على الخلاف الذي نذكره على الأثر، وإن لم يكن له طريق آخر، ولا أمكن إيجاده، ففيه أوجه:
أحدها: أنهم لا يمكنون منه؛ لما فيه من الإضرار بالمشتري، وإنما أثبتت الشفعة لدفع الضرر، فلا يزال الضرر بالضرر.
والثاني: أن لهم الأخذ، والمشتري هو المضر بنفسه، حيث اشترى منه مثل هذه الدار.
والثالث: أنه يقال لهم: إن أخذتموه على أن تمكنوا المشتري من المرور، فلكم الأخذ، وإن أبيتم تمكينه منه، فلا شفعة لكم جميعاً بين الحقين.
وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه، وإليه ذهب أبو الفَرَجِ السِّرْخَسِيُّ، لكن الأصحاب من العراقيين وغيرهم على أن الوجه أصح، بل مَرَّ نص الإمام وجماعة عبارة تخيير الشفيع، وأدوا الغرض في عبارة أخرى، فقالوا في أخذه بالشفعة وجهان:
إن أخذ ففي بقاء المرور للمشتري وجهان، وشركة مالكي بيوت الخيار في صحته، كشركة مالكي الدور في الدروب التي لا تنفذ، وكذا الشركة في مَسِيْلِ ماء الأرض دون الأرض وفي بئر المزرعة دون المزرعة، كالشركة في المَمَرِّ وحده.
الثالثة: تثبت الشفعة للذمي على المسلم، والذمي حسب نبوتها للمسلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 490
وقال أحْمَدُ: لا شفعة للذمي على المسلم.
لنا: القياس على الرد بالعيب، ولو باع ذمي شِقْصاً من ذمي بخمر، أو خنزير، وترافعوا إلينا بعد الأخذ بالشفعة لم نرده، ولو ترافعوا قبله لم نحكم بالشفعة.
وقال أبُو حَنِيفَةَ: نحكم وإن كان الشفيع مسلماً أخذ الشِّقص بقيمة الخمر، وإن كان ذمِّيًّا فبمثلها, ولو بيع الشقص، فارتد الشريك، فهو على شفعته.
إن قلنا: إن الردة لا تزيل الملك.
وإن قلنا: تزيله، فلا شفعة له، وإن عاد إلى الإسلام، وعاد ملكه، ففي عود الشفعة تردد عن الشِّيْخِ أَبي عَلِيِّ، والظاهر المنع.
وإن قلنا بالوَقْفِ، فمات، أو قتل على الرِّدة، فللإمام أخذه لبيت المال، كما لو اشترى معيباً، أو اشترط الخيار، وارتد، ومات للإمام رده، ولو ارتد المشتري، فالشفيع على شفعته.
الرَّابعة: دار نصفها لرجل، ونصفها ملك للمسجد، اشتراه قيّم المسجد، اشتراه قيّم المسجد، أو وهبه منه ليصرف في عمارته، فباع الرجل نصيبه كان للقَيِّمِ أن يأخذ بالشفعة، إن رأى المصلحة فيه، كما لو كان لبيت المال شريك في دار، فباع الشريك نصيبه للإمام الأخذ بالشفعة، وإن كان نصف الدار وَقْفاً والنصف ملكًا، فباع المالك نصيبه، فينبني على أن الموقوف عليه هل يملك الوقف؟.
إن قلنا: لا لم يأخذ ما باعه بالشفعة.
وإن قلنا: نعم، فينبني على أن الملك هل تقرر عن الوقف؟: وفيه وجهان يذكران في "القسمة".
إن قلنا نعم، ففي ثبوت الشفعة وجهان:
أحدهما: تثبت لدفع ضرر القسمة، ودفع ضرر مداخلة الشريك، وهذا ما أورده الكتاب بناء على جواز قسمته، وعلى هذا فلو كان الوقف على غير معنيين أخذه المتولي إن رأى المصلحة فيه.
وأظهرهما: المنع؛ لأن الوقف لا يستحق بالشفعة، فلا ينبغي أن يستحق به، وأيضاً فإنه ملك ناقص، أَلاَ تَرَى أنه لا ينفذ تصرفه فيه، فلا يتسلّط على الآخذ.
وإن قلنا: لا يقرر الملك على الوقف، فإن لم تثبت الشفعة فيما لا ينقسم لم تثبت، وإن أثبتناه عاد الوجهان.
وقوله: "وهو كل شريك بالمِلْكِ" قصد بقوله: "بالملك" الاحتراز عن الشريك
الجزء: 5 - الصفحة: 491
بالوقف، والمراد ملك الرقبة أما إذا لم يملك إلاَّ المنفعة إما مؤقتاً بالإجارة، أو مؤبداً بأن أوصى له بالمنفعة لم يكن له الأخذ بالشفعة، ويخرج بلفظ الشريك الجار، ويدخل المسلم والذمي، والحُرُّ والمكاتب حتى لو كان السيد والمكاتب شريكين في الدَّار، فلكل منهما الشفعة على الآخر، والمأذون له في التجارة إذا اشترى شِقْصاً، ثم باع الشريك نصيبه، فله الأخذ بالشفعة إلاَّ أن يمنعه السيد، أو يسقط الشفعة وله الإسقاط، وإن أحاطت به الديون، وكان الأخذ غبطة، كما له منعه من سائر الاعتياضات في المستقبل، ولو أراد السيد أخذه بنفسه، فله ذلك، ولا يخفى أن الشركة لا تعتبر في مباشرة الآخذ، وإنما هي معتبرة فيمن يقع له الآخذ، بدليل الولي والوكيل، والعبد المأذون، فإن لهم الأخذ بالشفعة.
وقوله: "والشريك في الممر المنقسم يأخذ المَمَرَّ بالشفعة" معلّم -بالواو- ولما حكينا عن الشيخ أبي مُحمَّدٍ وليس لمسألة الممر اختصاص بذكر الأخذ، ولعل إيرادها في ركن المأخوذ أولى.
قال الغزالي: "الرُّكْنُ الثَّالِثُ المَأْخُوذُ مِنْهُ"، وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَجَدَّدَ مِلْكُهِ اللاَّزِمُ بِمُعَاوَضَةَ، احْتَرَزنَا بِالتَّجَدُّدِ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَيَا دَاراً فَلاَ شُفْعَةَ لأَحَدَهِمَا عَلَى الآخَرِ إِذْ لاَ تَجَدُّدَ لأَحَدِهِمَا، وَاحْتَرَزنَا بِاللاَّزِمِ عَنِ الشِّراء فِي زَمانِ الخِيَارِ فَإنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ إِنْ كَانَ لِلبَائِعِ خِيَارُ لأَنَّهُ إِضْرَارٌ بِهِ.
وَلاَ حَقَّ للِشَّفِيعِ عَلَى البَائِعِ، وَإِنْ كَانَ للِمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: لاَ لأَنَّ العَقْدَ بَعْدُ لَمْ يَسْتَقِرَّ، والثَّاني: فِيهِ قَوْلاَنِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ المُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْباً وَأَرَادَ رَدَّهُ وَقَصَدَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ فَأيَّهُمَا أَولى وقَدْ تَقَابَلَ الحَقَّان؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا الخِلاَفُ في تَزَاحُمِ الشَّفِيعِ وَالزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ عَلَى الشِّقْصِ المَمْهُورِ.
قال الرافعي: المأخوذ منه هو المشتري، ومن في معناه، وفي ضبطه قيود:
أحدها: كون ملكه طارئاً على ملك الآخذ، فإذا اشترى رجلان داراً معاً أو شِقْصاً من دار، فلا شفعة لواحد منهما على الآخر لاستوائهما في وقت ثبوت المِلْك.
الثاني: كونه لازماً، وفيه ثلاث صور:
إحداها: إن جرى البيع بشرط الخيار لهما، أو للبائع الخيار وحده، لم يؤخذ الشقص بالشفعة ما دام الخيار باقياً.
أما على قولنا: الملك غير منتقل إلى المشتري، فظاهر.
وأما على قول الانتقال، فلأن في أخذه إبطال خيار البائع، ولا سبيل للشفيع إلى الإضرار بالبائع، وإبطال حقه.
الجزء: 5 - الصفحة: 492
وعن صاحب "التقريب" احتمال على قولنا بانتقال الملكِ إلى المشتري، وإن شرط الخيار للمشتري وحده، فإن قلنا: الملك له، ففي أخذه بالشفعة قولان رواية الرَّبِيْعِ واختيار أبي إسحاق المنع، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ؛ لأن المشتري لم يَرْضَ بلزوم العقد، وفي الأخذ إلزام وإثبات للعهدة عليه.
ورواية المُزَنِيِّ يؤخذ، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ؛ لأنه لا حَقَّ فيه إلاَّ للمشتري، والشفيع مسلط عليه بعد لزوم الملك، واستقراره، فقبله أولى.
وهذا أصح عند عامة الأصحاب، ونقل الإمام وصاحب الكتاب في المسألة طريقين:
إحداهما: إثبات القولين هكذا، لكن قالا: هما مأخوذان من الخلاف الذي نذكره فيما بعد إذا اطلع المشتري على عيب بالشِّقْصٍ، وأراد ردّه، وأراد الشفيع أخذه، فعلى رأي للشفيع قطع خيار المشتري في الصُّورتين، وعلى رأي لا يمكن منه.
والثاني: القطع بأنه لا يأخذه إلاَّ أن يلزم العقد، والفَرْقُ بين الرد بالعيب وبينه أن الآخذ بالشفعة يفتقر إلى استقرار العقد وتمامه.
واعلم أن هذه الطريقة الثانية لا تكاد توجد في غير كتابنا، والذهاب على الطريقة الأولى إلى تخريج قولين من الخلاف في الرَّدِّ بالعيب بعيد، مع أن الجمهور حكوهما عن النص.
ولو عكس، وقيل: الخلاف في الرد بالعيب مأخوذ من الخلاف هاهنا لكان أشبه، هذا إذا
فرع
نا على أن الملك للمشتري.
أما إذا قلنا: إنه بعد للبائع، أو موقوف والمشتري منفرد بالخيار، فعن صاحب "التقريب" وجه أن الشفيع يأخذ الشقص لانقطاع سلطة البائع بلزوم العقد من جهته.
والأصح: المنع؛ لأن ملك البائع غير زائل على التقدير الأول، وغير معلوم الزوال على الثاني، وعلى الأول إذا أخذه الشفيع تبينًّا أن المِلْكَ للمشتري قبل أخذه، وانقطع الخيار.
فرع
باع أحد الشريكين نصيبه بشرط الخيار، ثم باع الثاني نصيبه في زمان الخيار بيع بَتَاتٍ، فلا شُفْعَةَ في المبيع أولاً للبائع الثاني؛ لزوال ملكه، ولا للمشتري منه، وإن تقدم ملكه على ملك المشتري الأول إذا فَرَّعْنَا على أنه لا يملك في زمان الخيار؛ لأن سبب الشفعة البيع، وهو سابق على ملكه.
وأما الشفعة في المبيع ثانياً فَمَوْقُوفَة، إن توقفنا في المِلْك، وللبائع الأول إن أبقينا
الجزء: 5 - الصفحة: 493
المِلْكَ له، وللمشتري منه، إن أثبتنا الملك له وعلى هذا قال في "التتمة": إن فسخ البيع قبل العلم بالشفعة بطلت شفعته.
إن قلنا: إن الفسخ بخيار الشرط يرفع العقد من أصله.
وإن قلنا: يرفعه من حينه، فهو كما لو باع مِلكَهُ قَبْل العلم بالشفعة، وإن أخذه بالشفعة، ثم فسخ البيع، فالحكم بالشفعة كالحكم في الزوائد الحادثة في زمن الخيار.
الثانية: إذا وجد المشتري بالشِّقْص عيباً قديماً، فأراد ردّه وجاء الشفيع يريد أخذه ويرضى بكونه معيباً فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: أن الشفيع أولى بالإجابة, لأن حقه سابق على حق المشتري، فإنه ثابت بالبيع، ولأن الغزض للمشتري استدراك الظُّلامة، والوصول إلى الثمن، وهذا الغرض حاصل بأخذ الشفيع، ولأنا لو قدمنا المشتري بطل حق الشفيع بالكلية، ولو قدمنا الشفيع حصل للمشتري مثل الثمن أو قيمته.
والثاني: أن المشتري أولى؛ لأن الشفيع إنما يأخذ إذا استقر العقد، وسلم عن الرد؛ لأنه قد يريد استرداد عَيْنَ ماله، ودفع عهدة الشِّقص عن نفسه، والأول أرجح عند الأكثرين، ومنهم من لا يذكر غيره، ولو رده بالعيب قبل مطالبة الشفيع، ثم جاء الشفيع طالباً فلا يجاب.
إن قلنا: المشتري أولى عند اجتماعهما.
لأن قلنا: الشفيع أولى فوجهان:
أحدهما: لا يجاب لتقدم الرد، وفي الأظهر يجاب، ويفسخ الرد، أو نقول: تبينَّا أن الرد كان باطلاً، والخلاف في أن الشفيع أولى، أو المشتري جاز، كما إذا اشترى شِقْصاً بِعَبْدٍ، ثم وجد البائع بالعبد عيباً، فأراد رده، واسترداد الشقص، وأراد الشفيع أخذه بالشفعة، والمسألة مذكورة في الكتاب من بعد، وسنعود إليها.
وحكى في "التهذيب" جريانه أيضاً فيما إذا اشترى شِقْصاً بعبد، وقبض الشقص قبل تسليم العبد، فتلف العبد في يده حتى تبطل شفعة الشفيع في وجه، ويتمكن من الأخذ في الثاني، كما لو تلف بعد أخذ الشفيع، فإن الشفعة لا تبطل، بل على الشفيع قيمة العبد للمشتري، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع.
والذي أورده صاحب "الشامل" وغيره أنه إذا كان الثمن عيناً، وتلف قبل القبض بطل البيع والشفعة.
الثالثة: ستعرف أن الشقص الممهور مأخوذ بالشفعة، فلو أصدقها شقصاً، ثم طلقها قبل الدخول، أو ارتد، وجاء الشفيع يريد أخذه بالشفعة، فله أخذ نصفه.
الجزء: 5 - الصفحة: 494
وأما النصف الآخر، فالزوج أولى به، أو الشفيع فيه وجهان، وكذلك إذا اشترى شقصاً، وأفلس بالثمن، فأراد البائع الفسخ، والشفيع الأخذ بالشفعة في الوجهان:
أحدهما: أن الزوج، والبائع أولى بالإجابة لاستناد حقهما إلى ملك سابق، وأيضاً فإن البائع لم يرض بزوال الشقص، إلاَّ على أن يسلم له الثمن، فإذا لم يسلم وجب ألاَّ يؤخذ منه.
وأصحهما: أن الشفيع أولى؛ لأن حقه ثبت بالعقد، وحق الزوج ثبت بالطلاق، وحق البائع بالإفلاس، وأسبق الحَقَّين أولى بالرعاية، ولأن منع الشفيع إبطال حقه، وإذا قدمناه لا يبطل حق الزوج والبائع، وإنما ينتقل إلى البدل، ولأن حق الشفيع أقوى من حق الزوج والبائع، ألا ترى أن الشفيع يبطل تصرف المشتري عند إفلاسه، ولا الزوجة تصرف الزوج.
وقال الشيخ أبُو عَلِيٍّ: والوجهان مبنيان على القولين فيما إذا كان الخيار للمشتري وحده، وأراد الفسخ، والشفيع أراد أخذه بالشفعة، وقد قدمناهما.
وذكر الإمام، وصاحب "التهذيب" أن الوجهين متولدان من جواب ابْنِ الحَدَّادِ في الصورة الأولى أن الشفيع أولى، وجواب أبي إسحاق في الثانية بأن تصرف البائع أولى، وتصرف من بعدهما من الأصحاب في كلامهما، وجعلوا الصورتين على جوابين بالنقل والتخريج، وقطع بعضهم بجواب ابْنِ الحَدَّادِ في الصورة الأولى، وبجواب أبي إسحاق في الثانية.
والفرق أن الثابت للزوج بالطلاق الملك، والشفيع ثبت له ولاية التملك لا نفس الملك، فكان الزوج أولى بالتقديم، وفي الصورة الأخرى الثابت للبائع والشفيع معاً ولاية التملك، لكن الشفيع أسبق حقًّا، فهو أولى بالتقديم، وإذا قدمنا الشفيع في صورة الإفلاس، فأظهر الوجوه وبه قال ابْنُ الحَدَّاد أن الثمن المأخوذ من الشفيع مقسوم بين الغرماء كلهم؛ لأن حق البائع إذا انتقل عن العَيْنِ إلى الذمة التحق بسائر الغرماء.
والثاني: ويحكى عن ابْن سُرَيْجٍ أنه يقدم البائع بالثمن رعاية للجانبين.
والثالث: أنه إن كان البائع سلم الشقص، ثم أفلس المشتري لم يكن أولى بالثمن لرضاه بذمة المشتري، وإن لم يسلمه فهو أولى بالثمن، والطريقان جاريان فيما إذا اقتضى الحال عود كل الصداق إلى الزوج لردة، أو فسخ قبل الدخول، هذا إذا اجتمع الشفيع مع الزوج أو البائع.
أما لو أخذ الشفيع الشقص من يد الزوجة، ثم طلق الزوج، أو من يد المشتري، ثم إنه أفلس، فلا رجوع للزوج والبائع إلى الشفيع بحال لكن ينتقل حق البائع إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 495
الثمن، وحق الزوج إلى القيمة في مالها، كما لو زال الملك ببيع أو غيره، ولو طلقها قبل علم الشفيع، وأخذ النصف، ثم جاء الشفيع، ففي استرداد ما أخذه الزوج وجهان، كما إذا جاء بعد الرد بالعيب.
وحكى الإمام طريقة أخرى قاطعة بالمنع؛ لأن المهر يتشطر بالطلاق من غير اختيار، فيبعد نقصه.
وإن قلنا: يسترده أخذه وما بقي في يدها، وإلاَّ أخذ ما في يدها، ودفع إليها نصف مهر المثل، ولو كان للشقص الممهور شفيعان، فطلبا وأخذ أحدهما نصفه، وطلقها قبل أن يأخذ الآخر، فلا يأخذ الزوج النصف الحاصل في يد الشفيع.
وأما النصف الآخر فهو أولى، أم الشفيع فيه الخلاف السابق، ويجري فيما إذا أخذ الشفيعين من يد المشتري، ثم أفلس.
فإن قلنا: الشفيع أولى ضارب البائع مع الغرماء بالثمن.
وإن قلنا: البائع أولى، فإن شاء أخذ النصف الباقي، وضارب مع الغرماء بنصف الثمن إلاَّ تركه وضارب بجميع الثمن.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بِالمُعَاوَضَةِ عَنْ مِلْكٍ حَصَلَ بِهِبَةٍ أَوْ إرْثٍ رَجَعَ بِإقَالَة أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، فَلاَ شُفْعَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَتَثْبُتُ (ح) الشُفْعَةُ فِيمَا جُعِلَ أُجْرَةَ فِي إِجَارَةٍ، أَوْ صَدَاقاً فِي نِكَاحٍ، أَوْ عِوَضاً فِي كِتَابَةٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ عَنْ مُتْعَةِ نِكَاحٍ، وَلَوْ بَذَلَ المُكَاتَبُ شِقْصاً عِوَضاً عَنْ نُجومِهِ ثُمَّ عَجَزَ وَرُقَّ فِفِي الشُفْعَةِ خِلاَفٌ إِذْ خَرَجَ عَنْ كَوْنهِ عِوَضاً، وَلَوْ أَوْصَى لِمُسْتَوْلَدَتِهِ بِشْقصٍ إِنْ خَدَمَتْ أَوْلاَدَهُ شَهْراً فَفِيِه خِلاَفٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الوَصيَّةِ وَالمُعَاوَضَةِ.
قال الرافعي: القيد الثالث في ضبط المأخوذ منه أن يكون ملكه حاصلاً بمعاوضة، فيخرج عنه ما إذا ملك بإرث، أو هبة 85، أو وصية، فإنه لا يؤخذ بالشفعة.
أما الإرث فلأن الوارث لا اختيار له في حصول الملك، بخلاف ما إذا ملك اختيارًا، فإنه كان من حقه إلاَّ يدخل على الشريك، ولا يضربه، فإذا لم يفعل سلط الشريك عليه.
وأما الهبة والوصية فلأن المتهب والموصى له تقلدا لمنة من الواهب والموصي بقبول تبرعهما, ولو أخذ الشفيع لأخذ عن استحقاق، ولو تسلّط فلا يكون متقلداً
الجزء: 5 - الصفحة: 496
للمِنَّةِ، ووضع الشفعة على أن يأخذ الشفعة بما أخذ به المتملك، ولو وهب بشرط الثواب، أو مطلقاً، وقلنا: إنه يقتضى الثواب فوجهان:
أصحهما: أنه يؤخذ بالشفعة؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة.
والثاني: لا يؤخذ؛ لأنه ليس المقصود منه المعاوضة، وعلى الأول ففي أخذه قبل قبض الموهوب وجهان:
أظهرهما: الأخذ: لأنه صار بيعاً.
والثاني: لا؛ لأن الهبة لا تتم إلاَّ بالقبض، وهذا هو الخلاف في أن الاعتبار باللفظ، أو المعنى، ولو اشترى شقصاً، ثم تقايلا، فإن كان الشفيع قد عَفَا، فتجدد الشفعة ينبني على أن الإقالة فسخ، أم بيع.
إن قلنا: بيع تجددت، وأخذه من البائع.
وإن قلنا: فسخ لم تتجدد، كما لا تتجدد بالرد بالعيب؛ لأن الفسوخ، وإن كانت تشتمل على تراد العوضين، فلا تعطى أحكام المعاوضات، أَلاَ تَرَى أنه يتعيَّن فيها العوض الأَول، وإن جرت الإقالة قبل علم الشفيع بالشفعة، فإن جعلنا الإقالة بيعاً، فالشفيع بالخيار بَيْنَ أن يأخذها، وبين أن ينقضها، حتى يعود الشقص إلى المشتري، فيأخذ منه، وإن جعلناها فسخاً، فهو كطلب الشفعة بعد الرد بالعيب، وقد سبق، ويدخل في الضبط ما إذا جعل الشقص أجرة في إجارة، أو جُعْلًا في جعالة أو رأس مال في سلم، أو أصدق امرأته شقصاً، أو متعها به، أو خالعها على شقص أو صالح عليه على مال، أو دم، أو جراحة أو جعله المُكَاتب عوضاً عن النجوم، فتثبت الشفعة في ذلك كله، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا تثبت الشفعة إلاَّ في الشراء وهو رواية عن أَحْمَدَ.
لنا قياس ما عداه عليه بجامع أنه مملوك بعقد معاً وضعه، ولو أقرضه شقصاً.
قال في "التتمة": القرض صحيح، وللشفيع أخذه إذا ملكه المستقرض، وإنما تثبت الشفعة في الجُعَالة بعد العمل، فإن الملك حينئذ يحصل للعامل ثم في الفصل فرعان:
أحدهما: لو بذل المكاتب شقصاً عوضاً عن بعض النجوم، ثم عجز ورَقَّ، ففي بطلان الشفعة وجهان، ينظر في أحدهما إلى أنه كان عوضاً أولاً، وفي الثاني خروجه أجرًا عن العوضية، وهذا أظهر، والخلاف شبيه بما ذكرنا فيما إذا كان الثمن عيناً، وتلف قبل القبض.
الثاني: لو قال لمستولدته إنْ خدمت أولادي شهراً فلك الشقص، فخدمتهم
الجزء: 5 - الصفحة: 497
استحقت الشقص، وفي ثبوت الشفعة فيه وجهان:
أحدهما: تثبت؛ لأنها ملكته بالخدمة، فكان كالمملوك بالإجارة، وسائر المعاوضات.
وأظهرهما: المنع؛ لأنها معتبرة من الثلث، كسائر الوصايا، وذكر الخدمة شرط داخل على الوصية 86.
وقوله في الكتاب "عن ملك حصل بهبة" أعلم لفظ "الهبة" -بالميم- لأنه روى في "الوسيط" عن مالك أنه يأخذ الموهوب بالقيمة، وهذه إحدى الروايتين عنه فيما ذكره في "الشامل".
وقوله: "أو رجع بإقالة" معلّم -بالواو- ولما ذكرنا، ويجوز أن يعلّم -بالحاء- لأن صاحب "الشامل" حكى عن أبي حَنِيْفَةَ ثبوت الشفعة فيه، وكذا في الرد بالعيب إذا جرى بالتراضي.
وقوله: "تثبت الشفعة فيما جعل أجرة" معلّم -بالحاء- يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن في "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ أن صاحب "التلخيص" قال: إذا كان يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة بالسلم، ولا بالقرض، فلا شفعة فيه؛ لأنه تعذر أخذه بما ملك به المتملك، وهو غريب.
وقوله: "أو صلح عن دم عمد" ربما يبحث فيه عن سبب التقييد بالعمدية، واعلم أن الجناية على النفس فما دونها تنقسم إلى مالا يوجب القصاص، والقول في صحة الصُّلْح عن موجبها ما ذكرناه في كتاب "الصُّلْح"، وإلى ما موجبه، والصلح هاهنا مبني على الخلاف في أن موجب العمد ماذا؟
فإذا تأملت القسمين وجدت صحة الصُّلْح عما يوجب القصاص أظهر وأعم، فيمكن أن يكون ذلك سبب التقييد بالعمدية التي هي مناط القصاص.
وقوله: "ولو بذل المكاتب شقصاً عوضاً عن نُجُومِهِ" أشار به إلى أن نفس الشِّقْص لا يمكن الكتابة عليه؛ لأنه لا يثبت في الذمة بعقود المعاوضات، والمعين لا يملكه العبد، وهذا هو المراد بقوله قبله: "أو عوضاً في كتابه".
قال الغزالي: وَلَو اشْتَرَى الوَصِيُّ لِلطِّفْلِ وَهُوَ شَرِيكٌ أَخَذَ (و) بِالشُّفْعَةِ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ
الجزء: 5 - الصفحة: 498
بَاعَ شِقْصَ الطِّفْلِ لَمْ يأَخُذْهُ (و)؛ لأنَّهُ مُتَّهمٌ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ نَفْسِهِ، وَالأَبُ يَأَخُذُ فِإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَم، وَلِذَلِكَ يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ شَرِكَةٌ أُخْرَى قَدِيمَةٌ فَيَتْرُكُ (و) عَلَيهِ مَا يَخُصُّهُ وَلَوْ كَانَ المُشْتَرِي غَيْرَهُ.
قال الرافعي: فيه مسألتان:
الأولى: إذا باع الوصي، أو القَيِّم شقصاً للطفل، وهو شريك فيه، فأصح الوجهين وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ، وهو المذكور في الكتاب: أنه ليس له أخذه بالشفعة؛ لأنه لو تمكَّن منه لم يؤمن أن يترك النظر والاستقصاء للصبي، ويتسامح في البيع ليأخذ بالشفعة بالثمن البخس، وهذا كما أنه لا يتمكن من بيع ماله من نفسه.
والثاني: عن رواية صاحب "التقريب" وبه قال أّبُو الحُسَينِ ابْنُ القَطَّانِ: أن له الأخذ؛ لأنه حق ثبت له على المشتري بعد تمام العقد، وانقطاع ملك الطفل.
ولو اشترى شقصاً للطفل، وهو شريك في العقار، فالمشهور أنه يأخذ؛ لأنه لا تهمه هاهنا إذ لا يزيد في الثمن ليأخذ به.
ونقل في "الشامل" وجهاً آخر؛ لأن الشراء أو الأخذ تعليق عهده بالصبي من غير منفعة له، وللأب والجد الأخذ بالشفعة إذا كانا شريكين، سواء باعا، أو اشتريا لقوة ولايتهما وشفقتهما، ولهذا كان لهما بيع مال الطفل من أنفسهما، ولو كان في حجر الوصي يتيمان بينهما دار فباع نصيب أحدهما من رجل، فله أخذه بالشفعة للثاني؛ لأن الأول قد يحتاج إلى البيع، والثاني إلى الأخذ، ولو وكل أحد شريكي الدار صاحبه ببيع نصيبه فباعه، ففي الشفعة وجهان أيضاً.
لكن الشيخ أَبَا عَلِيٍّ قال: إن الأثرين هاهنا عل أنه يأخذ؛ لأن الموكل ناظر لنفسه، يعترض ويستدرك إن عثر على تقصير من الموكل، والصبي عاجز عن ذلك، فَيُصَانُ حقه عن الضياع.
ولو وكل إنسان أحد الشريكين بشراء شقص من الآخر، فله الأخذ بلا خلاف.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: في الوكيل والوصي معا تثبت الشفعة في الشراء، ولا تثبت في البيع.
ولو وكل الشريك الشريك ببيع نصف نصيبه، أو أذن له في بيع نصيبه، أو بعض نصيبه مع نصيب الموكل إن شاء، فباع نصف نصيب الموكل مع نصف نصيبه صفقه واحدة، فللموكل أخذ نصيب الوكيل بالشفعة، وهل للوكيل أخذ نصيب الموكل فيه وجهان:
المسألة الثانية: إذا كان للمشتري في الدار شركة قديمة، بأن كان بين ثلاثة أثلاثاً،
الجزء: 5 - الصفحة: 499
فباع أحدهم نصيبه من أحد الآخرين، فأصح الوجهين، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال أبُو حَنِيْفَهَ وَالمُزَنِيُّ أن المشتري والشريك الآخر يشتر كان في البيع، لاستوائهما في الشركة كما لو كان المشتري غيره.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ أن الشريك الثالث ينفرد بالشفعة، ولا حق فيه للمشتري؛ لأن الشفعة تستحق على المشتري، ولا يجوز أن يستحقها على المشترى، ولا يجوز أن يستحقها المشترى على نفسه، فعلى هذه الثالث بالخيار بين أن يترك جميع المبيع، أو يأخذ الجميع، وعلى الأصح هو بالخيار بين أن يأخذ نصف المبيع، أو يترك.
فإن قال: خذ الكل، أو اترك الكل، وتركت أنا حقى لم تلزمه الإجابة، ولم يصحّ إسقاط المشترى الشفعة؛ لأن مِلْكَهُ مستقرٌ على النصف بالشراء، فأشبه ما إذا كان للشقص شفيعان: حاضر وغائب، فأخذ الجميع الحاضر، ثم عاد الغائب له أن يأخذ نصفه، وليس للحاضر، أن يقول له: اترك الكل، أخذ الكل، وأنا تركت حقي، ولا نظر إلى تبعُّض الصفقة عليه، فإنه يلزمه دخوله في هذا العقد.
وعن رواية الشيخ أَبِى عَلِيٍّ وجه: أنه إذا ترك المشتري حقه وجب على الآخر الكل، أو ترك كما إذا باع من أجنبى، وله شفيعان، فترك أحدهما حقه يأخذ الآخر الكل، أو يترك، إلاَّ أن هذا الترك سابق على اختيار التملك هاهنا، وفيما نحن فاختيار التملك بالشراء، فلم يؤثر الإعراض بعده.
ولو كان بين اثنين دار، فباع أحدهما نصف نصيبه من ثالث، ثم باع النصف الثاني من ذلك الثالث، فعلى الأصح حكمه حكم ما لو باع النصف الثاني من أجنبى، وهو المذكور في الباب الثاني.
وعلى ما ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ لا شفعة للمشتري، فللشفيع الخيار بين أن يأخذ الكل، أو يأخذ أحد النصفين دون الآخر.
وإذا عرفت ما ذكرناه أعلمت قوله في الكتاب: "أخذ بالشفعة لنفسه" بالواو.
وكذا قوله: "لم يأخده لأنه متهم".
وكذا قوله: "فيترك عليه ما يخصه".
قال الغزالي: وَلَوْ بَاعَ المَرِيضُ شِقْصاً يُسَاوِي أَلفْينِ بألْفٍ مِنْ أَجْنَبِيّ وَالوَارِثُ شَرِيكٌ فَلاَ يأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ لأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ المُحَابَاةُ، وَقِيلَ: يأْخُدُ لأَنَّ المحَابَاةَ مَعَهُ لَيْسَتَ مِن المَرَيضِ، وَقِيلَ: لاَ يَصِحُّ البَيْعُ لِتنَاقُضِ الإِثْبَاتَ والنَّفْيِ جَمِيعاً، وَقِيلَ: يأْخُدُ الوَارِثُ بِقَدْرِ قِيمَة الأَلْفِ وَالبَاقِي يَبقْى لِلمُشْتَرِي مَجَّاناً.
قال الرافعي: إذا باع في مرض موته شقصاً وحابى، فلا يخلو إما أن يكون
الجزء: 5 - الصفحة: 500
المشتري والشفيع أجنبيين، أو وارثين، أو المشتري وارثاً، والشفيع أجنبيّاً، أو بالعكس، والمذكور في الكتاب هو القسم الرابع، ونحن نذكر أربعتها:
الأول: أن يكونا أجنبيين، فإن احتمل الثلث المحاباة، صح البيع، وأخذ الشقص بالشفعة، ولا إشكال، وإن لَمْ يحتمله، كلما إذا باع شقصاً يساوي ألفين بألف، ولا مال له غيره، نظر أن رده الورثة بطل البيع في بعض المحاباة، وفي صحته في الثاني طريقان:
أحدهما: التخريج على الخلاف في تفريق الصفقة.
والثاني: القطع بالصحة.
وإذا قلنا بالصحة، ففيما يصح فيه البيع قولان:
أحدهما: أنه يصح في قدر الثالث، قدر الثالث، والقدر الذي يوازي الثمن بجميع الثمن.
والثاني: أنه لا يسقط شيء من المبيع، إلاَّ ويسقط ما يقابله من الثمن، وقد وجَّهنا كل واحد من الطريقين والقولين، وتكلمنا فيما هو الأظهر في تفريق الصفقة.
فإن قلنا، بالقول الأول صحَّ البيع في الصورة المفروضة في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن.
وإن قلنا، بالثاني دارت المسألة، وحسابها أن يقال: صحَّ القول في شيء من الشقص بنصف شيء يبقى مع الورثة ألفان، إلاَّ نصف شيء، وذلك يعدل مثلي المحاباة، وهو نصف شيء، فتلاها شيء فيجبر ويقابل فيكون ألفان معادلين لشيء، ونصف الشيء من شيء، ونصف ثلثاه فعلمنا أن البيع صحيح في ثلثي الشقص قيمته ألف وثلاثمائة وثلاث وثلاثون وثلث مثلي الثمن، وهو نصف هذا المبلغ، فتكون المحاباة ستمائة وستة وستين وثلثي المثل يبقى للورثة ثلثا الشقص، وثلثا الثمن، وهما ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، وذلك ضعف المحاباة، وعلى القولين جميعاً للمشتري الخيار؛ لأن جميع المبيع لم يسلم له، فأما إذا أجاز أخذ الشفيع خمسة أسداس الشقص بجميع الثمن على القول الأول، ويبقى بثلثي الثمن على الثاني ولو أراد أن يفسخ، وجاء الشفيع فمن المجاب منهما؟.
فيه الخلاف المذكور في الرد بالعيب.
وكذلك لو فسخ قبل طلب الشفيع تبطل الشفعة، أم للشفيع رد الفسخ؟.
فيه ما سبق من الخلاف، وإن أجاز الورثة صح البيع في الكل، ثم إن قلنا: إن أجازتهم كما فعله المورث أخذ الشفيع الكل بكل الثمن.
وإن قلنا: إنها ابتداء عطية منهم لم يأخذ الشفيع القدر النافذ بإجازتهم، وأخذ القدر المستغنى عن إجازتهم، وفيه القولان المذكوران عند الرد.
الجزء: 5 - الصفحة: 501
القسم الثاني والثالث: أن يكونا وارثين، أو المشتري وارثاً فيكون هذا البيع محاباة مع الوارث، وهي مردودة، فإن لم نفرق الصفقة بطل البيع في الكل، فإن فرقناها قلنا في القسم الأول والتصوير ما سبق أن البيع يصح في خمسة أسداس الشقص بجميع الثمين، فهاهنا في مثل تلك الصورة يصح البيع في نصفه بجميع الثمن.
وإن قلنا: هناك يصبح في ثلثيه بثلثي الثمن فهاهنا يبطل البيع في الكل هكذا ذكره القَفَّالُ وغيره، وعلله في "التهذيب" بأن البيع لا يبطل في شيء إلاَّ ويسقط بقدره من الثمن، فما من جزء يصح فيه البيع إلاَّ ويكون بعضه محاباة وهي مردودة، ولك هنا كلامان:
أحدهما: أن المفهوم من هذا التوجيه شيوع المعاوضة والمحاباة في جميع الشقص، وذلك لا يمنع تخصيص قدر المحاباة بالإبطال، ألا تَرَى أنه لم يمنع في القسم الأول تخصيص ما وراء القدر المحتمل من المحاباة والإبطال.
والثاني: أن الوصية للوارث موقوفة على إجازة باقي الورثة على رأي، كما أن الوصية بما زاد على الثلث لا تنفذ من غير إجازة الورثة على رأي، فليفرق هاهنا بين الإجازة، والرد كما في القسم الأول.
والرابع: أن يكون الشفيع وارثاً دون المشترى، فإذا احتمل الثلث المحاباة، أو لم يحتمل، وصححنا البيع في بعض المحاباة في القسم الأول، ومكنا الشفيع من أخذه فهاهنا وجوه:
أحدها: أنه لا يصح البيع كذلك، ولا يأخذه الوارث بالشفعة.
أما صحة البيع فلأن المشتري أجنبي، وأما منع الشفعة فلأنها لو ثبتت أكله المريض بسبب أن ينفع الوارث بالمحاباة؛ لأن الشفعة تستحق بالبيع.
والثاني أنه يصح، ويأخذه 87 بتملك على المشتري، ولا محاباة معه من المريض.
والثالث: أنه لا يصح البيع أصلاً لأنه لو صحَّ لتقابلت فيه أحكام متناقضة؛ لأنا إن لم نثبت الشفعة أضررنا بالشفيع، وإن أثبتناه أوصلنا إليه المحاباة، وهذا ما عناه بقوله: "لتناقض الإثبات والنفي جميعاً".
والرابع: يصح في الجميع، ويأخذ الشفيع ما يوازي الثمن منه، ويبقى الباقي للمشتري مجاناً؛ لأن المحاباة مع الأجنبي دون الوارث، فيجعل كأنه باع الشَّقْص منه، ووهب بعضه فيأخذ المبيع دون الموهوب.
الجزء: 5 - الصفحة: 502
والخامس: أنه لا يصح البيع في القدر الموازي للثمن؛ لأنه لو صح في الكل فإن أخذه الشفيع وصلت إليه المحاباة، وإن أخذ ما وراء قدر المحاباة كان إلزاماً بجميع الثمن ببعض المببع، وهو على خلاف وضع الشفعة.
وقد يقال في العبارة عن هذا الوجه: إن ترك الشفيع الشفعة صحت المحاباة مع المشتري، وإلاَّ فهو كما لو كان المشتري وارثاً فلا تصح المحاباة.
والأوجه الأربعة الأخيرة تحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
وأصح الخمسة عند الأكثرين منهم أَبُو عَلِيٍّ صاحب "الإفصاح"، والعراقيون، والاستاذ أَبُو مَنْصُورٍ، والإمام، وصاحب "التهذيب" إنما هو الثاني، والأول ابْنِ الصَّبَّاغِ وهو قضية إيراده في الكتاب، ويحسن أن يرتب، فيقال: في صحة البيع وجهان: إن صح فيصح في الجميع، أو فيما وراء قدر المحاباة وجهان:
إِن صح في الجميع بالشفعة، أو وراء قدر المحاباة أولا يأخذ شيئاً فيه ثلاثة أوجه.
قال الغزالي: وَلَوْ تَسَاوَقَ شَرِيكَان إِلىَ مَجْاِسِ الحُكْمَ وَزَعَمَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ شِرَاءَ الآخَرِ مُتأَخِّرٌ وَلَهُ الشُّفْعَةُ فَالقَوْلُ قَوْلُ كُلَّ وَاحِدٍ في عِصْمِةِ مِلْكِهِ عَنِ الشُّفْعَةِ، فَإِنْ تَحَالَفَا أَوْ تَنَاكَلاَ تَسَاقَطَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ونَكَلَ الآخَرُ قَضَيِ لِمَنْ حَلَفَ.
قال الرافعي: ذكرنا من قبل أن تقدم ملك الآخذ على ملك المأخوذ منه شرط في الشفعة، فلو كانت في يد رجلين دار شرياها بعقدين، وادعى كل واحد منهما أن شراءه كان قبل شراء صاحبه، وأنه يستحق الشفعة عليه، نظر إن ابتدأ أحدهما بالدعوى، أو جاءا معاً وتنازعا في البدء، فقدم أحدهما بالقرعة وادعى، فعلى الآخر الجواب، ولا يرضى منه الجواب بأن يقول: بل شرائى أسبق، فإنه ابتداء دعوى، بل إما أن ينبغي سبق شراء المدعي، أو يقول: لا يلزمني تسليم شيء إليك.
وحينئذ يحلف فإن استقر حلف ملكه، ثم تسمع دعواه على الأول، فإن حلف استقر ملكه أيضاً، وإن نكل المدعى عليه أولاً ردت اليمين على المدعي، عليه، فحلف أخذ ما في يد المدعى عليه، وليس عليه النكل بعد ذلك أن يدعى عليه لأنه، لم يبق له ملك يأخذ به الشفعة، وإن نكل المدعي عن اليمين المردودة سقطت دعواه، وللمدعى عليه أن يدعى عليه، هذا إذا لم يكن لواحد منهما بِيِّنَة.
أما إذا أقام أحدهما البَيِّنَةَ على السبق دون الآخر قضى له، وإن أقام كل واحد منهما بينة على سبق شرائه مطلقاً، أو على أنه اشترى يوم السبت وصاحبه اشترى يوم الأحد، فهما متعارضتان، وفي تعارض البيتين قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 503
أحدهما: أنهما يتساقطان، فكأنه لا بينة لواحد منهما.
والثاني: أنهما يستعملان، وفي كيفيته أقوال:
أحدها: القرعة، فعلى هذا فمن خرجت قرعته أخذ نصيب الآخر بالشفعة.
والثاني: القسمة، ولا فائدة لها هاهنا إلاَّ أن تكون الشركة بينهما على التفاوت فيكون النصف مقيداً.
والثالث: الوقف، وعلى هذا يوقف حق التملك إلى أن يظهر الحال.
ومنهم من لم يجر قول الوقف هاهنا وقال: لا معنى للوقف كون الدار في يدهما، ولو عينت كل واحدة من البينتين وقتاً واحداً، فلا تنافي بينهما لاحتمال وقوع العقدين معاً، ولا شفعة لواحد منهما؛ لأنا تَبَيَّنَّا وقوع العقدين معاً.
وفيه وجه: أنهما يسقطان؛ لأن واحدة منهما لم تتعرض لمقصود مقيمها، فكأنه لا بينة.
البَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الأَخْذِ
قال الغزالي: وَالنَظَّرُ فِي أَطْرَافٍ ثَلاَثَةٍ: الأَوَّلُ فِيمَا لاَ يُمَلَكُ بِهِ فَلاَ يُمْلَكُ بِقَوْلِهِ: أَخَذْتُ وَتَمَلَّكْتُ، وَلَكِنْ يُمْلَكُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ المُشْتَرِي بِهِ، أَوْ بِتَسْلِيمِ المُشْتَري الشَّقْصَ إِلَيْهِ رِضْاً بِكَوْنِ الثَمَّنِ في ذِمَّتِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ رِضَا المُشْتَرِي دُونَ التَّسْلِيمِ، أَوْ بِقَضَاءِ القَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الطَّلَبَ، أَوْ بِمُجَرَّدِ الإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَبِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، الأظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ.
قال الرافعي: حق الشفعة قد يثبت لواحد، وقد يثبت لجماعة، وعلى التقديرين فلا شك أن الأخذ بها ضرب تملُّك بعرض، فالحاجة إلى بيان ما يحصل به الملك، وبيان العوض المبذول، وبيان الأحكام العارضة باعتبار تعدُّد المستحق، فعقد لهذه الأمور أطرافاً:
فأما الأول: فلا يشترط في التمليك بالشفعة حكم الحاكم، ولا إحضار الثمن، ولا حضور المشتري ورضاه.
أما الأول: فلأنه ثابت بالنص فيستغني عن حكم الحاكم.
وأما الثاني: فلأنه تملك بعوض، فلا يفتقر إلى إحضار العوض كالبيع.
وأما الثالث: فلما ذكرنا في الرَّد بالعيب.
وعند أبي حَنِيْفَةَ يعتبر حضور المشتري، أو حكم الحاكم، ولا يحكم الحاكم، إلاَّ إذا حضر الثمن.
الجزء: 5 - الصفحة: 504
وعن الصعلوكي أن حضور المأخوذ منه، أو وكيله شرط، ولا بد من جهة الشفيع من لفظ كقوله: تملكت، أو اخترت الأخذ بالشفعة، أو أخذته بالشفعة، وما أشبه ذلك، وإلاَّ فهو من باب المُعَاطاة، ولا يكفي أن يقول: لي حق الشفعة، وأنا مطالب بها؛ لأن المطالبة ركبة في التملك، والملك لا يحصل بالركبة المجردة، هكذا ذكره في "التتمة".
وفي أمالي أبِي الفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ أن الطلب يكفي سبباً لثبوت التملك، ولا يقف على قوله: تملكت، الأول، والأول أظهر، وكذلك قالوا: يعتبر في التملك أن يكون الثمن معيوماً للشفيع، ولم يشترطوا ذلك في الطلب، وينبغي أن يكون في صحة التملك مع كون الثمن مجهولاً ما ذكرناه في بيع المرابحة.
وفي "التتمة" إشارة إلى نحو من هذا، ثم لا يملك الشفيع بمجرد اللفظ، بل يعتبر مع ذلك أحد أمور:
الأول: أن يسلم العوض إلى المشتري، فيملك به إن سلمه، وإلاَّ خلى بينه وبينه، أو رفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم.
والثاني: أن يتسلم المشتري الشقص، ويرض يكون الثمن في ذمته، نعم لو باع شقصاً من دار عليها صَفَائِحُ ذهب بالفضة، أو بالعكس وجب التقايض، ولو رضي يكون الثمن في ذمته، ولم يسلم الشقص فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحصل الملك، وقول المشتري ما لم يتصل به القبض في حكم وعد.
وأصحهما: الحصول؛ لأنه معاوضة، والملك في المعاوضات لا يتوقف على القبض.
والثالث: أن يحضر مجلس القاضي، ويثبت حقه في الشفعة، ويختار التملك، فيقضي القاضي له بالشفعة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يحصل الملك، ويستمر ملك المشتري إلى أن يصل إليه عوضه، أو يرضى بتأخره.
وأصحهما: الحصول؛ لأن الشرع نزل الشفيع منزلة المشتري، كان العقد له، إلاَّ أن يتخير بين الأخذ والترك، فإذا طلب وتأكد طلبه بالقضاء، وجب أن يحكم له بالملك.
والرابع: أن يُشْهَدَ عدلين على الطلب، فإن لم نثبت الملك بحكم القاضي فهاهنا أولى، وإن أثبتناه فوجهان لقوة قضاء القاضي.
الجزء: 5 - الصفحة: 505
وقوله في الكتاب: "والأظهر أنه لا يملك" بمقتضى ترجيع الوجه الصائر إلى عدم حصول الملك بالقضاء والإشهاد، وفيما إذا رضي المشتري أن يكون الثمن في ذمة الشفيع، وإن لم يستلم الشقص، لكن جواب الاكثرين في هذه الصورة، وفي صورة قضاء القاضي بالشفعة أنه يثبت الملك، وإذا ملك الشفيع الشقص بغير الطريق الأول لم يكن له أن يتسلمه حتى يؤدي الثمن، وإن سلمه المشتري قبل أداء الثمن، ولا يلزمه أن يؤخر حقه، وإن أخر البائع حقه، وإذا لم يكن الثمن حاضراً وقت التملك، أمهل ثلاثة أيَّام، فإن انقضت، ولم يحضره فسخ القاضي تملكه، هكذا حكى عن ابن سُرَيْجٍ، وساعده المعظم.
وفيه وجه آخر: أنه إذا قَصَّر في الأداء بطل حقّه، وإن لم يؤخذ رفع إلى الحاكم، وفسخ به.
قال الغزالي: وَهَلْ يَلْتَحِق هَذَا التَّمْلِيكُ بِالشِّرَاءِ في ثُبُوتِ خِيَارِ المَجْلِسِ للِشَّفِيَعِ وامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ في الشِّقْصِ قَبْلَ القَبْضِ، وَامْتِنَاعُ التَّمَلُّك دُونَ رُؤْيَةِ الشِّقْصِ؟ فيه خِلافٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُشْبِهُ البَيْعَ فِي كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً ويُخَالِفُهُ فِي أَنَّه لاَ تَرَاضِي فِيهِ.
قال الرافعي: فيه ثلاث صور 88:
إحداها: في ثبوت خيار المجلس للشفيع، فيه خلاف ذكرناه في البيع.
والأظهر: الثبوت، ويحكى ذلك عن نَصَّهِ في "اختلاف العِرَاقِيِّين"، وعلى هذا فيمتد إلى مفارقته المجلس، وهل ينقطع بأن يفارقه المشتري؟ فيه وجهان:
وجه المنع: أنه لاحَظَّ له في الخيار، فلا اعتبار بمفارقته 89.
الثانية: إذا ملك الشفيع امتنع تصرف المشترى، وإن طلبه ولم يثبت الملك بعد لم يمتنع وأبدى الإمام فيه احتمالاً لتأكُّد حقَّه بالطلب، وحكى فيه وجهين في نفوذ تصرف الشفيع قبل القبض إذا كان قد سلم الثمن:
الجزء: 5 - الصفحة: 506
أظهرهما: المنع، كتصرف المشتري قبل القبض.
ووجه الثاني كونه قهرياً كالإرث قال: ولو ملك بالإشهاد، أو قضاء القاضي لم ينفذ تصرف، وكذا لو تملك برضا المشترى لكون الثمن عنده، والقياس التسوية.
الثالثة في تملك الشفيع الشقص الذي لم يكره طريقان:
أظهرهما: أنه على قولي بيع الغائب، إن منعناه لم يتملكه قبل الرؤية، وليس للمشتري منعه من الرؤية، وإن صححناه، فله التملُّك، ثم منهم من جعل خيار الرؤية على الخلاف في خيار المجلس ومنهم من قطع به، وقال: المانع هناك على رأي بعد اختصاص ذلك الخيار بأخذ الجانبين.
والثاني: المنع، سواء صححنا بيع الغائب أو أبطلناه، ولأن البيع بالتراضي فأثبتنا الخيار فيه، وهاهنا الشفيع يأخذ من غيره رضا المشترى، فلا يمكن إثبات الخيار فيه، نعم لو رضي المشترى بأن يأخذه الشفيع ويكون بالخيار، فيكون بالخيار على قولي بيع الغائب، ويحكى هذا الطريق عن ابنِ سُرَيْجٍ، وإذا جوزناه له التملُّك، وأثبتنا الخيار فيه، فللمشتري أن يمتنع من قبض الثمن، وإقباض المبيع حتى يراه ليكون على ثقة فيه.
وقوله: "حيث إنه يشبه البيع ... " إلى آخره توجيه لطرفي الخلاف في المسائل الثلاث والأظهر التحاقه بالشراء، وكذلك يرد الشفيع بالعَيْبِ، ولو أفلس وكان المشتري سلم الشقص إليه راضياً بذمته يجوز له الاسْتِرْدَادُ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي، فِيمَا يُبْدَلُ مِنَ الثَّمَنِ، وَعَلَى الشَّفِيعِ بَذْلُ مِثْلِ مَا بَذَلَهُ المُشْتَرِي إِنْ كَانَ مِثْلِيّاً أَوْ قِيمَةَ (و) يَوْمِ العَقْدِ إِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ، فَيَبْذُلُ في المُهِورِ وَمَا عَلَيْهِ الخُلْعُ قِيمَةِ (وم) البُضْعِ، وَفِي عِوضِ الكِتَابَةِ قِيمَةِ النُجُّوُمِ (وم)، وَفِي عِوَضِ المُتْعَةِ قِيمَةِ المُتْعَةِ (وم)، وَفِي الصُّلْحِ عَنِ الدّمِ (وم).
قال الرافعي: المقصود الآن بيان ما يأخذ به الشَّفْيع، والمأخوذ أنواع:
منها المبيع، فإن بيع بمثلي كالنقدين والحبوب، يأخذه بمثله، ثم إن قدر بمعيار الشرع أخذه به، وإن كان قدر بغيره كما لو باع بمائة منٍّ من الحِنْطَةِ فيأخذه بمثله وزناً، أم يُكَال ذلك المبلغ، ويأخذ به كيلًا؟ فيه اختلاف ذكرناه في "القَرْضِ"، ولو كان المثل منقطعاً وقت
الأخذ عدل إلى القيمة، كما في الغَصْبِ، ولو بيع بمتقوَّم من عَبْدٍ وثوب ونحوهما، أخذه بقيمة ذلك المتقوم، والاعتبار بقيمة يوم البيع؛ لأنه يوم إثبات العوض، واستحقاق الشفعة وقال ابْنُ سُرَيْجٍ: تعتبر قيمته يوم استقرار العقد بانقطاع
الجزء: 5 - الصفحة: 507
الخيار، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وجماعة.
وعن مَالِكٍ أن الاعتبار بقيمته يوم المحاكمة لنا: أن الثمن صار ملكًا للبائع، فلا تعتبر زيادته في حَقّ المشتري، ولو جعل الشِّقْص رأس مال سلم أخذه الشفيع، بمثل المسلم فيه إن كان إن كان متقوماً ولو صالح من دين على الشقص، أخذه بمثل ذلك الدَّيْن إن كان مثلياً أو بقيمته إن كان متقوماً ولا فرق بين أن يكون دين إتلاف، أو دين معاملة.
ومنها: الشقص الممهور يؤخذ بمهر مثل المرأة؛ لأن البُضْع متقوَّم، وقيمته مهر المثل وكذا إذا خَالَعَهَا على شِقْصِ، والاعتبار بمهر مثلها يوم النكاح، ويوم جريان البَيْنُونَةِ، هذا هو المشهور.
وفي "التتمة" عن بعض الأصحاب أنه خرج وجهاً أنه يأخذه بقيمته يوم القبض، وأصله أن المرأة إذا وجدت الصَّدَاق عيباً وردته ترجع بقيمته على أحد القولين، وإذا كان المستحق عند الرد بالعيب بدل المسمّى كذلك عند الأخذ بالشفعة، وهذا مذهب مَالَكٍ.
ولو منع المطلقة بشقص أخذه الشفيع بمتعة مثلها لا بالمهر؛ لأن المتعة هي التي وجبت بالطلاق والشقص عوض عنها.
ومنها لو أخذ من المُكَاتب شقصاً عوضاً عن النجوم أخذه الشفيع بمثل النجوم، أو قيمتها؛ لأن النجوم هي التي قابلته.
ومنها: الشقص الذي جعل أجرة الدار يؤخذ بقيمة المنفعة، وهي أجرة مثل الدار.
ومنها: إذا صالح عليه عن الدَّم أخذه الشفيع بقيمة الدم، وهي الدية، ويقود منه الجريح، ويذهب ملكه.
ومنها: قال في "التتمة" إذا استقرض شقصاً أخذه الشفيع بمثل قيمته، وإن قلنا: إن المستقرض يرد المثل؛ لأن القَرْضَ مبني على الإرفاق، والشفعة ملحقة بالإتلاف، والمواضع المحتاجة إلى الرّقوم من لفظ الكتاب لا تخفى بعد ما ذكرناه.
قال الغزالي: وَإِنْ بَاعَ بِأَلفْ إِلىَ سَنَةٍ، فَإِنْ شَاءَ عَجَّلَ فَي الحَالِ الألْفَ وَأَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ نَبَّهَ عَلىَ الطَّلَبِ (و) وَأَخَّرَ التَّسْلِيمَ إِلىَ مُضِيَّ السَّنَةِ، ورَوَيَ حَرْمَلَةُ قَوْلاً أَنَّهُ يأْخُذُ (ح) بِثَمَنٍ مُؤَجَّل عَلَيْهِ كَمَا أَخَذَهُ المُشْتَرِي، وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَأَخُذُ بِعِوَضٍ يُسَاوي أَلْفاً إِلىَ سَنَةٍ.
قال الرافعي: إذا كان الثمن حالاً بذله الشفيع في الحال، فأما إذا باع بألف إلى سنة مثلاً ففيه ثلاثة أقوال:
الجزء: 5 - الصفحة: 508
أصحهما وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ: أن الشفيع بالخيار بين أن يعجل الألف، ويأخذ الشقص في الحال، وبين أن يصبر إلى أن يحل الأجل، فحينئذ يبذل الألف، ويأخذ الشقص، وليس له أن يأخذ بألف، مؤجَّل؛ لأن الذِّمَمَ لا تتماثل، فقد لا يرضى المشتري بذمة الشفيع، وإن رضي البائع بذمَّة المشتري، ولا يمكن إلزامه الأخذ بألف حالٍّ لما فيه من الإجحَافِ.
والثاني: أن له أخذ الشقص بألف مؤجَّل، كما أخذه المشتري تنزيلاً للشَّفيع منزلة المشتري، كما ينزل منزلته في قدر الثَّمن، وسائر صفاته.
والثالث: أنه يأخذ بعرض يساوي الألف إلى سنة كيلا يتأخر الأخذ، ولا يتضرر الشفيع، ولا المشتري، ولنتكلم في حَالِ هذه الأَقْوَال، وتفريعها.
أما حالها:
فالأول: منصوص عليه في الجديد.
والثاني: نسبه الإمام، وصاحب الكتاب إلى رواية حَرْمَلَةَ، وسكت الأكثرون عن ذلك، وَرَوَوْهُ عن القديم.
وأما الثالث: فعامة الأصحاب ذكروا أن ابْنَ سُرَيْجٍ نقله عن الشَّافعي -رضي الله عنه- من كتاب الشُّروط، والمفهوم من إيراده أنه نص عليه فيه.
وقال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: إن ابْنَ سُرَيْجٍ خرجه من قول الشَّافِعيّ من كتاب الشروط أَنَّهُ يجوز بَيْع الدّين، فقال يقُوِّمُ الدين المؤجَّل بعوض، ويأخذه الشفيع به.
وأما التفريع: فإنْ قلنا بالجديد لم يبطل حقَّه بالتأخير؛ لأنه تأخير بعذر، ولكن هَلْ يجب عليه تنبيه المشتري على الطَّلب؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا، إذ لا فائدة فيه.
والثاني: نعم؛ لأنه ميسور، إن كان الأخذ معسراً، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "إن شاء نَيَّة" المشتري على طلب، لكن الأوَّل أشبه بكلام الأصحاب.
ولو مات المشتري، وحَلَّ عليه الثمن لم يتعجّل الأخذ على الشفيع، بل على خيرته إن شاء أخذ في الحال، وإن شاء صبر إلى مجيء ذلك المحل، وإن مات الشفيع فالخيرة التي كانت له تثبت لورثته، ولو باع المشتري الشَّقْص في المدة نقداً، فالشفيع بالخيار بين أن يأخذه بالثمن الثاني، وبين أن يفسخه، إما في الحال، وإمَّا عند حلول الأجل، ويأخذه بالثمن الأول، هذا إذا قلنا: إن الشفيع ينقض تصرف المشتري، وهو الظاهر، وفيه خلاف سيأتي.
الجزء: 5 - الصفحة: 509
وإن قلنا بالقول الثاني، ففي موضعه وجهان:
أحدهما: أنه إنما يأخذ بثمن مؤجَّل إذا كان مليئاً موثوقاً به، أو إذا أعطى كفيلاً مليئاً، وإلاَّ لَمْ يأخذه؛ لأنه إضرار بالمشتري، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ.
والثاني: أن له الأخذ على الإطلاق، ولا ينظر إلى صفته، ولو أخذه ثم مات حَلَّ عليه الأجل.
وإن قلنا بالقول الثالث، فتعين العرض إلى الشفيع، وتعديل القيمة إلى من يعرفها، ذكره الإمام، قال: فلو لَمْ يتفق طلب الشفعة، حتى حَلَّ الأجل وجب ألاَّ يطالب على هذا القول إلاَّ بالسِّلْعَة المعدلة؛ لأن الاعتبار في قيمة عوض المبيع بحال المبيع أَلاَ ترى أنه إذا باع بمتقوّم تعتبر قيمته يوم البيع؟ وعلى القولين الآخرين لو أخر الشفيع بطل حَقُّهُ.
قال الغزالي: وَلَوْ اشْتَرَي شِقْصاً وَسَيفْاً بِألْفٍ أخَذَ (م) الشِّقْصَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الثَّمَنِ بَاعْتِبَارِ قِيمَةِ يَوْمِ العَقْدِ، ثُمَّ لاَ خِيَارَ للِمُشْتَرِي فِيما فَرَّقَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّفْقَةِ.
قال الرافعي: إذا اشترى الشقص المشفوع مع عرض كثوب وسيف صفقه واحدة، وزع الثمن عليهما باعتبار قيمتها، وأخذ الشفيع الشقص بِحصَّته من الثمن، وبه قال أبُو حَنِيْفةَ وأحْمَدَ.
وعن مَالِكٍ أنه يأخذهما جميعاً، لما ذكرنا في أوَّل الكتاب، ويروى عنه إن كان من مصالح الصفقة، وتوابعها كالثيران وآلات الحرث والعبد العامل، والبستان أخذه الشفيع مع الشقص، وإن كان غير ذلك لم يأخذه، ثم النظر في قيمتها إلى يوم البيع؛ لأنه وقت المقابلة.
قال الإمام: وإذا قلنا: إن الملك ينتقل بانقطاع الخيار، فيجوز أن يعتبر انقطاع الخيار؛ لأن انتقال الملك الذي هو سبب الشفعة حينئذ يحصل، وإذا أخذ الشفيع الشقص لم يثبت للمشتري الخيار، وإن تفرَّقت الصفقة عليه لدخوله فيها عالماً بالحال.
قال الغزالي: وَلَوْ تَعَيَّبَتِ الدَّارُ بِاضْطِرَابِ سَقْفِها أَخَذَ المَعِيبَ بِكُلِّ الثَّمَنِ كَمَا يأْخُذُ المُشْتَرِي مِنَ البَائِعِ إِذَا عَابَ المَبِيعَ قَبْلَ القَبْضِ، وَإِنْ تَلَفَ الجِدَارُ مَعَ بَعْضِ العَرَصَةِ بِأَنْ تَغَشَّاهُ السَّيْلُ أَخَذَ البَاقِي بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ بَقِي تَمَامُ العَرَصَةِ وَاحْتَرَقَتِ السُّقُوفُ، فإنْ قُلْنا: إِنَّهَا كأَطْرَفِ العَبْدِ أُخِذَ (م) بِالكُلَّ، وإِنْ قُلْنَا: كأَحَدِ العَبْدَيْنِ أُخِذَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ بَاقِياً فَهُوَ مَنْقُولٌ فَفِي بَقَاءِ الشُّفْعَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ (و) لأَنَّهُ لَوْ قَارَنَ الابْتِدَاءَ لَمْ يَتَعَلْق بِهِ الشُّفْعَةُ، وإِنْ قُلْناَ: إِنْ نَبْقَى حَقُّ الشَّفِيَعِ فِيهِ فَيَأخُذُ المُنْهَدِمِ مَعَ النَّقْضِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وإِنْ
الجزء: 5 - الصفحة: 510
قُلْنَا: لاَ يَبْقى الحَقُ فِيْهِ، فإِنْ قُلْنَا: الجِدَارُ كأَحَدِ العَبْدَيْنِ أَخَذَ البَاقِي بِحِصَّتِه، وَإِنْ قُلْنَا: كَأَطْرَافِ العَبْدِ فَقَولاَنِ، إِذْ يبْعُدُ أَنْ يَفُوزَ المُشْتَرِي بِشْيءٍ مَجَّاناً.
قال الرافعي: الفَصْل يتعلّق بأصلين:
أحدهما: أن المنقول لا شفعة فيه، وإذا ضم إلى شقص، وبيعا صفقة واحدة أخذ الشقص بحصّته، والعهد قريب بهذا الأصل.
والثَّاني: أن الخلاف في أن السقف والجدران من الدار المبيعة أحد العبدين المبيعين، أو كطرف من أطراف العبد المبيع، أو صفة من صفاته، وهذا قد ذكرناه في النظر الثالث من كتاب البيع.
إذا عرفت ذلك، فإذا اشترى شِقْصاً من دار، ثم نقضت الدَّار، فلها أحوال:
أحدها: إن بيعت من غير تلف شيء منها، ولا انفصال بعضها من بعض، بأن شق جدار، أو مالت أسْطُوَانَة، أو انكسر جذع، أو اضطرب سقف، فالشفيع بالخيار بين الأخذ بكل الثمن، وبين الترك، ويكون تعيبه في يد المشتري، كتعيب المبيع في يد البائع فإنه يخير المشتري بين الأخذ بجميع الثمن، وبين الفسخ.
والثَّانية: أن يتلف بعضها فينظر إن تلف شيء من العَرْصَة بأن غشيها السَّيْلُ فغرقها، أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن بقيت العرصة بتمامها، وتلفت السُقُوف والجدران باحتراق وغيره.
فإن قلنا: إن الأبنية كأحد العبدين المبيعين أخذ العَرْصة بِحِصَّتِهَا من الثمن وهو الأصح وبه قال أَحْمَدُ وماَلِكٍ.
وإن قلنا: إنها كأطراف العبد وصفاته أخذها بكل الثمن، وفرق بعضهم بين أن يكون التلف بآفة سماوية، فيأخذها بجميع الثمن، أو بإتلاف متلفٍ فيأخذها بالحصَّة، لأن المشتري يحصل له بدل التالف، فلا يتضرر، وبهذا قال أَبُو حَنِيْفَةَ.
والثالث: إلاَّ يتلف شيء منها، ولكن ينفصل بعضها عن بعض بالانهدام، وسقوط الجدران فهل يأخذ الشفيع النقض فيه قولان: ويقال: وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه منقول، كما لو كان في الابتداء كذلك، وأدخل النقض في البيع لا يؤخذ بالشفعة.
والثاني: نعم، قال في "الشامل": وهو اختيار أبي إسحاق وشيوخنا المتأخرين؛ لأن منقوليته عرضت بعد البيع، وتعلق حق الشفيع به، والاعتبار بحال جَرَيانِ العقد، ولهذا لو اشترى داراً، فانهدمت يكون النقض والعَرْصَة للمشتري، وإن كان النقض لا
الجزء: 5 - الصفحة: 511
يدخل في البيع لو جرى، وهي منهدمة.
فإن قلنا: إنه يأخذ النقض أخذه مع العَرْصَة بجميع الثمن وإلاَّ أعرض عن الكل.
وإن قلنا: إنه لا يأخذه، فيبنى على أن السقوف والجدران كأحد العبدين المبيعين، أو كطرف العبد.
أن قلنا بالأول أخذ العَرْصَة، وما بقي من البناء بحصَّتهما من الثمن.
وإن قلنا بالثاني، فوجهان:
أحدهما: أنه يأخذ الحصّة؛ لأن النقض كان من الدار المشتراه، فيبعد أن يبقى للمشتري مجاناً، أو يأخذ الشفيع ما سواه بتمام الثَّمَنِ.
والثاني: وهو قياس الأصل المبنى عليه أنه يأخذ الكل بالثمن، كما في الحالة الأولى، وعلى هذا يشبه النقض بالثمار، والزوائد التي يفوز بها المشتري قبل قبض الشفيع.
ومنهم مَنْ يُطْلِقُ قولين تفريعاً على أن النقض غير مأخوذ من غير البناء على أن النَّقْضَ كأحد العبدين، أو كأطراف العبد، وبوجه الأخذ بالكل، بأنه نقص حصل عند المشتري، فأشبه تشقُّق الحائط، والأخذ بالحصة؛ بأنَّ مَا لاَ يؤخذ من المبيع بالشفعة تسقط حصّته من الثمن، كما إذا اشترى شِقْصاً وسيفاً.
واعلم أن منقول المُزَنِيِّ في "المختصر" أن الدار إذا أصابها هَدْمٌ يأخذ الشفيع الشَّقْص بجميع الثمن، أو يترك.
وعن القديم، ومواضع من الجديد أنه يأخذ بالحصّة، واختلف الأصحاب في النَّصَّين بحسب ما حكينا عنهم من فِقْهِ الفصل، فالفارقون في الحالة الثانية بين أن يتلف بعض العَرْصَة، حيث يأخذ الباقي بالحصَّة، وبين أن يتلف بعض النقض، أو كلّه، وتبقى العَرْصَة كلها، حيث يأخذ الباقي بالكل جواباً على إلحاقه بأطراف العَبْدِ، وحملو النص الثاني على ما إذا تلف بعض العَرْصَة، والأول على ما إذا بقي كل العَرْصَة، وتلفت الأبنية، والفارقون بين أن يكون التلف بآفة سماوية، أو بإتلاف متلف، حملوا الأول على ما إذا كان التلف بآفة سماوية، والثاني على ما إذا كان بإتلاف متلفٍ، والفريقان متفقان على فَرْض النصين في الحالة الثانية، والذين قالوا في الحالة الثالثة: لا يأخذ الشفيع النقض، منهم من أثبت النصين قولين المذكورين ومنهم من قطع بالأخذ بالحصّة، وحمل منقول المُزَنِيُّ على الحالة الأولى هو مجرد التعيُّب، والذين قالوا: يأخذ النقض بالشُّفْعَة حملوا النص الثاني على ما إذا تلف كل النقض، أو بعضه ونزلوا الأول على مذهبهم، فخلصت من هذه التصرفات خَمْسَةُ طرق في النَّصَّيْنِ والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 512
وقوله في الكتاب: "وفي بقاء الشفعة قولان" يجوز إعلامه -بالواو- لأن عن ابْنِ سُرَيْجٍ طريقة جازمة ببقاء الشفعة فيه، ذكرها في "التتمة".
قال الغزالي: وَلَوْ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِأَلْفٍ ثمَّ حُطَّ بالإِبْرَاءِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ بَعْدَ اللُّزُومِ فَلاَ يَلْحَقُ الشَّفِيعَ، وَإِنْ كَانَ في مُدَّةِ الخِيَارِ لَحِقَهُ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَإِنْ وَجَدَ البَائِعُ بِالعَبْدِ الَّذي هُوَ عِوَضُ الشِّقْصَ عَيْباً وأَرَادَ اسْتِرْدَادَ الشِّقْصَ قَبْلَ أَخْذِ الشفِيعِ فَهُوَ أَولَي بِهِ مِنَ الشَّفِيعِ في أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وإِنْ كَانَ بَعْدَ أَخْذَ الشَّفِيعِ لَمْ يُنْقَضَ (و) مِلْكُ الشَّفِيعِ، وَلَكِنْ يُرْجَعُ إِلَي قِيمَةِ الشِّقْصِ، فإِنْ زَادَ عَلَى مَا بَذَلَهُ الشَّفِيعُ أَوْ نَقَصَ فَفِي التَّرَاجُعِ بَيْنَ المُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ خِلاَفٌ إِذْ صَارَتِ القِيمَةُ مَا قَامَ الشِّقْصُ بِهَا عَلَى المُشْتَرِي أَخِيراً، وَكَذا لَوْ رَضِي البائِعُ بِالعَيْبِ فَفِي اسْتِرْدَادَ الشَّفِيعِ بِهِ قِيمَةَ السَّلامَةِ مِنَ المُشْتَرِي خِلاَفٌ، وَإِنْ وَجَدَ المُشَّتَرِي بِالشِّقْصُ عَيْباً بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ لَمْ يَكُنْ (و) لَهُ طَلَبُ أَرْشٍ، فَإِنْ رَدَّ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ رَدَّ هُوَ عَلَى البَائِعِ، فإِنْ وَجدَ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ وَمَنَعَهُ عَيْبٌ حَادِثٌ فِيَ الرَدَّ فَاستَرَدَّ أَرْشاً فَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنِ الشَّفِيعِ قَوْلًا واحِداً.
قال الرافعي: الفصل ينظم مسائل:
إحداها إذا اشترى الشِّقْصَ بألف درهم، ثم اتفق المتبايعان على حطٍّ من الثمن، أو زيادة فذلك إما أن يكون قبل لزوم العقد، أو بعده، إما في زمن الخيار أو مكانه، وحكم القسمين ما ذكرناه في البَيْعِ بالشرح، وحاصله أنه لا تلتحق الزيادة، ولا الحَطّ بالعَقْدِ بعد لزومه، ولا حط البعضَ، ولا حط الكل.
وذهب أبُو حَنِيْفَةَ إلى التحاق حطّ البعض به حتى يأخذ الشفيع بالباقي، وفيما قيل اللزوم وجهان:
أصحهما: الالتحاق، كما ذكره صاحب الكتاب هاهنا وإِن أشار في البيع إلى ترجيح المنع.
وإذا قلنا بالالتحاق، وحط كل الثمن، فهو كما لو باع بلا ثمن، وحينئذ فلا شُفْعَةَ للشريك؛ لأنه يصير هبة على رأي، ويبطل على رأي، وكُنَّا قد ذكرنا في البيع التفات الخلاف في الالتحاق إلى الخلاف في المِلْك في زمن الخيار، وعلى ذلك جرى الإمام وآخرون هاهنا فقالوا: إن قلنا: إن الخيار لا يمنع ثبوت المِلْك للمشتري، فكما يملك المشتري المبيع يملك البائع ثمنه، فينفذ تصرفه بالإبراء لمصادفته ملكه، فقال الإمام: وفيه احتمالِ؛ لأن الأصحاب ترددوا في أن إعتاق المشتري في زمن الخيار، هل ينفذ مع الحكم بثبوت الملك له لتعلق خيار البائع بالمبيع؟ فإذا ترددوا في الإعتاق مع قُوَّته لهذا المعنى جاز أن يتردد في الإبراء؛ لأن الثمن متعلّق خيار المشتري.
الجزء: 5 - الصفحة: 513
وإذا قلنا: إن الملك للبائع، أو موقوف، ففي صحة الحط وجهان عن القاضي حُسَيْن:
أحدهما: الصحة؟ لجريان الناس عليه في الأعصار الخالية.
والثاني: المنع؛ لأنه تصرف فيما ليس مملوك، فحيث قلنا بصحة الحَطّ، ففي التحاقه بالعَقْدِ خلاف.
والثَّانية: إذا اشترى الشِّقْص بعَبْدٍ مثلًا، وتقابضا، ثم وجد البائع بالعبد عيبا وأراد رده بالعيب، واسترداد الشقص، وجاء الشفيع يريد أخذ الشقص، ففي الأولى منهما خلاف مَرَّ.
وحكى الإمام طريقه أخرى قاطعة بتقديم البائع، وفرق بينه وبين ما إذا أراد المشتري ردّ الشِّقْص بالعيب، وزاحمه الشفيع، حيث ذكرنا فيه القولين، بأن البائع يُنْشِئ الرد على غير محل الشفعة، والمشتري ينشئه في غير محل الشفعة، ولو عرف عيب العبد بعد أخذ الشفيع الشقص لم ينقض ملك الشفيع، ولم يرد شفعته، كما لو باع، ثم أطّلع على العيب.
وعن صاحب "التقريب" قول: أنه يسترد المشتري الشقص من الشفيع، ويرد عليه ما أخذه، ويسلم الشِّقْص إلى البائع؛ لأن الشفيع نازل منزلة المشتري فردّ البائع يتضمَّن نقض ملك المشتري لو كان في ملكه، والمذهب الأول.
وإذا قلنا به أخذ البائع قيمة الشِّقْص من المشتري، فإن كانت مثل قيمة العَبْد فذاك، وإن زادت قيمة الشِّقْص على قيمة العبد، أو نقصت عنها، ففي رجوع من بذل الزيادة من المشتري، أو الشفيع على صاحبه وجهان:
أظهرهما: أنه لا تراجع بينهما؛ لأن الشفيع قد ملكه بالعوض المبذول، فلا يتغير حكمه بعد ذلك، كما إذا باعه، ثم رَدَّ البائع العبد بالعيب.
والثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه يثبت التراجع بينهما؛ لأن قيمة الشِّقْص 90 هي التي قام بها الشقص على المشتري أخيراً والشفيع ينبغي أن يأخذ بما قام على المشتري.
ولو عاد الشقص إلى ملك المشتري بابتياع، أو غيره لم يتمكن البائع من إجباره على رَدّ الشَّقْص، ولا للمشتري من إجْبَاره على القبول، ورد القيمة بخلاف ما إذا غرم العبد المغصوب لإباقه فرجع؛ لأن ملك المغصوب منه لم يزل، وملك المشتري قد
الجزء: 5 - الصفحة: 514
زال، وبعد الرد على القيمة حكى صاحب "التتمة" وجهين في المسألة بناء على الوجهين، فيما لو خرج المبيع عن مِلْكِ المشتري وعاد، ثم اطلع البائع على عَيْبٍ بثمن معين، فرده هَلْ يسترد المبيع؟ ولو وجد البائع العَيْبَ بالعبد، وقد حدث عنده عيب، فأخذ الأرش لا متناع الرد، نظر إن أخذ الشفيع الشَّقْص بقيمة العبد سليماً، فلا رجوع عليه، وإِن أخذه بقيمته معيباً ففي رجوع المشتري على الشفيع الوجهان السابقان في التراجع، لكن الأصح هاهنا الرجوع ومال ابنُ الصَّبَّاغ إلى القطع به؛ لأن الشقص استقر عليه بالعبد، والأرش ووجوب الأرش من مقتضى العَقْد لاقتضائه سَلاَمة العوض، ولهذا إذا أخذه الشفيع بقيمته سليماً لم يرجع على المشتري بشيء، ولو رضي البائع، ولم يرده فما الذي يجب على الشفيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن عليه قيمة العبد سليماً، ورضا البائع مسامحة منه مع المشتري.
والثاني: أن تلزمه قيمته معيباً حتى لو بذل قيمة السَّليم استرد قيمة السلامة من المشتري (لأن الذي يلزم الشفيع قيمة المَجْعُول ثمناً بصفاته).
وضعّف الإمام الوجه الأول، وغلط من قال به، لكنه هو الذي أورده في "التهذيب".
الثالثة: للمشتري رد الشِّقْص بالعَيْبِ على البائع، وللشفيع رده على المشتري بالعيوب السابقة على البيع، وكذا بالعيوب السابقة على الأخذ ثم لو وجد المشتري العيب بعد أخذ الشفيع، فلا رد في الحال، وليس له الأرش أيضاً، وكذا أطلقه في الكتاب، وهو الصحيح، ويجيء فيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا باعه، أو أزال الملك بجهة أخرى، فلو رد عليه الشفيع بالعيب رده حينئذٍ على البائع، ولو وجد المشتري عَيْب الشقص قبل أن يأخذه الشفيع، ومنعه عيب حادث من الرد، فاسترد أرش العيب القديم حطّ ذلك عن الشفيع؛ لأنه بدل صفة السلامة التي استحقها الشفيع كما استحقها المشتري على البائع، وإن قدر على الرَدّ، لكنهما توافقا على الرجوع إلى الأرش، ففي صحة المصالحة وجهان مذكوران في موضعهما إن صححناها، ففي حَطِّه عن الشفيع وجهان:
أحدهما: لا يحط؛ لأنه ينزع من البائع.
وأصحهما: الحط لتقرر الثمن على الباقي.
وقوله في الكتاب "فهو أولى به في أقيس القولين" يمكن أن يعلّم -بالواو- للطريقة القاطعة بتقديم البائع
وقوله: "لم ينقض ملك الشفيع" معلّم به.
الجزء: 5 - الصفحة: 515
وكذا قوله: "لم يكن له طلب أرش".
وقوله: "وهو محطوط عن الشفيع قولًا واحداً" كان الإشارة به إلى هذه الصورة تفارق ما إذا رجع المشتري بالأرش، مع إمكان الرَّد، فهي مختلف فيها.
قال الغزالي: وَلَوْ اشْتَرَى بِكَفٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَمْ يَعْرِف وَزْنَهُ وَحَلَفَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ وَزْنَهُ فَلاَ شُفْعَةَ (و) إِذِ الأَخْذُ غَيْرُ مُمْكِن.
قال الرافعي: إذا اشترى بكَفٍّ من الدراهم لا يعرف وزنه، أو بِصُبْرَةٍ مِنَ الحِنْطَةِ لا يعلم كيلها فيوزن وتكال ليأخذ الشفيع بذلك القدر، فإن كان ذلك غائباً، فتبرع البائع بإحضاره، أو أخبر عنه، واعتمد قوله فذاك، وإِلا فليس للشفيع أن يكلفه الإحضار ولا الإِخبار عنه، وإن هلك الثمن، وتعذَّر الوقوف عليه تعذر أخذه بالشفعة، فإن أنكر الشفيع كون الشراء بما لا يعلم قدره، نظر إن عين قدراً وقال: اشتريته بكذا، وقال المشتري: إنه لم يكن معلوم القدر، فعن ابْنِ سُريْجٍ أنه لا يقنع منه بذلك، ولا يحلف على نفي العِلْمِ كما لو ادَّعى ألفاً على إنسان، فقال في الجواب لست أدري كم لك عَلَيَّ؟.
فعلى هذا لو أصَرَّ على قوله الأول جعل ناكلًا، وردت اليمين على الشفيع.
والمحكى عن النَّص ومعظم الأصحاب أنه يقنع منه بذلك، ويحلف عليه؛ لأنه محتمل، ويخالف ما إذا ادَّعى عليه ألفاً فإن المدعي هاهنا هو الشِّقْص لا الثمن المجهول وبتقدير صدق المشتري ليس له الأخذ بالشفعة، فكان ذلك إنكاراً لولاية الأخذ، وعلى هذا الخلاف لو قال: نسيت مقدار الثمن الذي اشتريت به، فعلى رأي يجعل قوله: نسيت نكولًا، وترد اليمين على الشفيع، قاله القَاضِي الروياني، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ والمَاوَرْدِيُّ وَالقَفَّال وهو الاختيار.
وإن لم يعين قدراً، ولكن ادعى على المشتري أنه يعلمه، وطالبه بالبيان، ففيه وجهان:
أصحهما: عند صاحب "التهذيب" أنه لا تسمع دَعْوَاهُ حتى يعين قدراً، فيحلف المشتري حينئذ أنه لا يعرف.
والثاني: أنها تسمع ويحلف المشتري على ما يقوله، فإن نكل حلف الشفيع على علم المشتري، وحبس المشتري حتى يُبَيِّنَ قدره.
ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وغيره تفريعاً على الأول أن طريق الشفيع أن يعيّن قدراً، فإن ساعده المشتري فذاك، وإلا حلفه على نفيه، فإن نكل استدلّ الشفيع بنكوله، وحلف على ما عينه اتفاقاً، وإن حلف المشتري زاد، وادَّعى ثانياً وهكذ يفعل إلى أن
الجزء: 5 - الصفحة: 516
ينكل المشتري، فيستدل الشفيع بنكوله، ويحلف وهذا لأن اليمين قد تستند إلى التخمين، ألا ترى أنه له أن يحلف على خَطِّ أبيه إذا سكنت نفسه إليه.
وقوله في الكتاب: "وحلف أنه لا يعرف وزنه" غير محتاج إليه في التصوير، فإنه لو اقتصر على أن يقول: ولو اشترى بكفٍّ من الدراهم لا يعرف وزنه فلا شفعة كان صحيحاً، وإنما يحتاج إلى الحلف إذا فرض نزاع، ثم الحلف على نفي العلم إنما يكون إذا سمع منه نفي العلم في جواب دَعْوَى الشفيع، ويجيء فيه ما سبق من الخلاف.
قال الغزالي: وَلَوْ خَرَجَ ثَمَنُ المَبِيع مُسْتَحَقَّاً وَهُوَ مُعَيَّنٌ تَعَيَّنَ بُطْلاَنُ (ح) البَيْعِ وَالشُّفْعَةِ، وَإِنْ خَرَجَ ثَمَنُ الشَّفِيعِ مُسْتَحَقاً لَزِمَهُ الإِبْدَالُ وَلَمْ يَبْطُلْ مِلْكُهُ وَلاَ شُفْعَتُهُ فِي أَظهَرِ الوجْهَيْنِ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ زُيُوفاً.
قال الرافعي: إذا ظهر الاستحقاق في ثمن الشِّقْص المشفوع فإما أن يظهر في ثمن المبيع، أو في ثمن الشفيع، فإن ظهر في ثمن المبيع، نظر إن كان معيباً بان بطلان المبيع، وإذا بطل البيع سقطت الشفعة، وعلى الشفيع رَدّ الشِّقْص، إن كان قد أخذه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ لا يبطل البيع إذا كان الثمن نقداً، بناء علي بناء على أن النقود لا تتعيَّن بالتعيين، وإن خرج بعضه مستحقاً بطل البيع في ذلك القدر.
وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، فإن فرقناها، واختار المشتري الإجازة، فللشفيع الأخذ، فإن اختار الفسخ، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة ففيه الخلاف المذكور فيما إذا أصدقها شِقْصاً، ثم طلقها قبل الدخول، وإن كان الثمن في الذمّة أي ونقضه المشتري، ثم خرج المدفوع مستحقاً فعليه الإبدال والبيع، والشفعة بحالهما، وللبائع استرداد الشِّقْص ليحبسه إلى أن يقضي الثمن.
فأما إذا ظهر الاستحقاق في ثمن الشفيع، فإن كان جاهلًا لم يبطل حقه، وعليه الإبدال، ثم حكى الإمام وجهين في أنّا نتبيَّن بم يملك بأداء المستحق؟ ويفتقر الآن إلى تملُّك جديد، أو نقول: إنه ملكه، والثمن ديناً عليه، وإن كان عالماً فوجهان:
أحدهما: أن شفعته تبطل؛ لأنه أخذ بما لا يجوز الأخذ به، فكأنه ترك الشفعة مع القدرة عليها.
والثاني: لا تبطل؛ لأنه لم يقصِّر في الطلب والأخذ، والشفعة لا تستحق بمال معين حتى تبطل باستحقاقه.
والأول: هو المذكور في "التهذيب".
والثاني: ظاهر كلام المزَنِيّ، واختاره كثير من الأصحاب، ومنهم صاحب الكتاب، وهل من فرق بين أن يكون ثمن الشفيع معيناً بأن يقول: تملكت الشقص بهذه
الجزء: 5 - الصفحة: 517
الدنانير أو غير معين بأن يقول: تملكه بعشرة؟
فمنهم من قال: لا وقال الشيخ أبُو حامِدٍ وآخرون: نعم، وموضع الوجهين ما إذا كان معيناً وخروج الدنانير نحاساً كخروجها مستحقة.
ولو خرج ثمن المبيع رديئاً، فللبائع الخيار بين أن يرضى به، وبين أن يستبدل، فإن رضي به لم يلزم المشتري الرَّضا بمثله، بل يأخذ من الشفيع ما اقتضاه العقد، ذكره في "التهذيب".
ولو خرج ثمن الشفيع رديئاً لم تبطل شفعته عالماً كان أو جاهلًا، لأن أداءه صحيح، بدليل ما إذا رضي المشتري به.
وفيه وجه: أن خروجه معيباً كخروجه مستحقاً.
وقوله: في الكتاب "لم يبطل ملكه، ولا شفعته في أظهر الوجهين.
أطلق الكلام في المسألة إطلاقاً، ولم يفرق بين أن يكون عالماً، أو جاهلًا لاختياره الوجه الذاهب إلى أن حقه لا يبطل وإن كان عالماً والوجه الذي يقابله على هذا لا يرد أنه إن كان عالماً بطل، وإن كان جاهلًا فلا يبطل لا البطلان مطلقاً، فإنه لا قائل به، والخلاف في أن ملكه هل يبطلهما الوجهان اللذان نسبناهما إلى حكايه الإمام في حالة الجهل، ويطردان في حالة العلم؟
إذا قلنا: إن حقه لا يبطل، لكنه حكم بأن الأظهر أن ملكه لا يبطل، وهو خلاف المفهوم من كلام الجمهور سِيَّمَا في حالة العلم.
وقوله: "وكذا إذا خَرَجَ زُيُوفاَ" إن كان المراد منه النحاس المَحْضُ فهو صحيح.
وإن أراد الرديء من ذلك الجنس، فالتسوية بينه وبين ما إذا خرج مستحقاً خلاف ظاهر المذهب، وقد أجاب في "الوسيط" بأن خروج الثمن زيُوفاً لا يبطل المِلْك ولا الشفعة، وهذا يقتضي إرادة المعنى الثاني، وحينئذ يختلف جوابه في الكتابين، ويكون الصحيح ما في الوسيط".
قال الغزالي: وَلَوْ بَنَي المُشْتَرِي في الشِّقْصِ الَّذِي قَاسَمَهُ وَكِيلُ الشَّرِيكِ في غَيْبَتِهِ فَإذَا حَضَرَ فَحَقُّهُ في الشُّفَعَةِ بَاقٍ لِهُ فَإِنَّهُ كَانَ شَرِيكاً وَلَمْ يُسْقِطْ هُوَ حَقَّ الشُّفْعَةِ وَقَدْ بَقِي لَهُ نَوْعُ اتِّصَالِ وَهُوَ الجِوَارُ، وَلَكِنْ لاَ يُقْلَعُ (ح ز) بِنَاءُ المُشْتَرِي مَجَّاناً، بَلْ يَتَخَيَّر بِأَنْ يَبقَى بَأجْرَةٍ أَوْ يَتَمَلَّكَ بِعَوَضٍ أَوْ ينقُضَ بِأَرْشٍ كَالمُعِيرِ سَوَاءً، إلاَّ أنَّهُ يُبْقِي زَرْعُهُ ولا يُطَالِبُهُ (و) بِالأُجْرَةِ، والمُعِيرُ لَهُ الأُجْرَةُ لأن المُشْتَرِي زَرَعَ مِلْكَ نَفَسِهِ فَكَأَنَهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ فَهُو كَمَا لَوْ زَرَعَ مِلْكَهُ وبَاعَ.
الجزء: 5 - الصفحة: 518
قال الرافعي: إذ بني المشتري، أو غرس، أو زرع في الشِّقْصِ المشفوع، ثم علم الشفيع، فله الأخذ بالشُّفعة، وقلع بنائه، وغراسه، وزرعه مجاناً لا بحق الشفعة، ولكن لأنه شريك واحد الشريكين إذا انفرد بهذه التصرفات في الأرض المشتركة كان للآخر أن يقلع مجاناً، وإن بني وغرس المشتري في نصيبه بعد القسمة، والتمييز، ثم قد علم الشفيع لم يكن له قلعه مجاناً، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه بني في ملكه الذي ينفذ تصرفه فيه، فلا يقلع مجاناً، وتعلّق حتى الشفعة به لا يمكن من القلع مجاناً لتعلّق حق الرجوع بالأرض المرهونة.
وأعلم أن في في تصوير المسألة إشكالين:
أحدهما: قال المزَنِيُّ: المقاسمة تتضمن الرضا من الشفيع وإذا رضي الشفيع بمالكية المشتري بطلت الشفعة، فكيف يفرض ثبوت الشفعة مع جريان القسمة؟
والثاني: أن القسمة تقطع الشركة، وترد العلقة بينهما إلى الجوار، وحينئذ وجب ألا تبقى الشفعة لاندفاع الضرر الذي ثبت الشفعة لدفعه، كما لا تثبت ابتدأ وللجار وأجاب الأصحاب عن الأول بصور واضحة القسمة مع بقاء الشفعة في صور: منها: أن يخبر الشفيع بأن البيع جرى بألف، فيعفو أو يقاسم أرباب الشقص أو انتقل إليه بالهبة ويقاسم ويبني ثم يتبيَّن أن البيع كان بما دون الألف، وأن الانتقال كان بالعوض، فتصحُّ القسمة، وتثبت الشفعة.
ومنها: أن يقاسم الشفيع المشتري على ظن أنه وكيل البائع إما لاخباره عنه، أو لسبب آخر
ومنها: أن يكون للشفيع وكيل بالقسمة مع شركائه والمشترين منهم، فيقاسم الوكيل المشتري، والشفيع غير عالم.
ومنها: أن يكون له وكيل بالقسمة، وفي أخذ الأَشْقَاصِ بالشفعة فيرى في شقص الحَظّ في الترك، فيتركه فيقاسمه، ثم يقدم الشفيع، ويظهر له بأن الحظ في الأخذ، وكذلك ولي اليتيم.
ومنه: أن يكون الشفيع غائباً فيطالب المشتري الحاكم بالقسمة، وللإمام في إجابة القاضي إياه وقفه إذا علم ثبوت الشفعة، والمشهور الإجابة.
وأما الثاني: فأجيب عنه بأن الجوَار، وإن لم يكن يكتفي به في الابتداء إلا أنه اكتفى به في الدوام عند حصول الشركة في الابتداء، ولم يخرج على الخلاف في بطلان الشفعة فيما إذا باع نصيبه جاهلاً بالشفعة لأن الجِوَار على حال ضرب اتصال قد يؤدي إلى التأذَّي بضيق المرافق، وسوء الجوار.
الجزء: 5 - الصفحة: 519
ولذلك اختلف العلماء في ثبوت الشفعة به.
وقوله في الكتاب: "في الشِّقْص الذي قاسمه وكيل الشريك" إشارة إلى حل الإشكال الأول، وبيان بعض طرق صحّة القسمة مع بقاء الشفعة.
وقوله: "إنه كان شريكاً ... " إلى آخره إشارة إلى حل الثاني.
إذا تقرَّر ذلك، فإن اختار المشتري قَلْع البناء، أو الغراس، فله ذلك، ولا يكلف تسوية الأرض؛ لأنه كان متصرِّفاً في ملكه، فإن حدث في الأرض نقص، فالشفيع إما أن يأخذه على صفته، وإما أن يترك، فإِن لم يختر المشتري القلع، فللشفيع الخيار بين إبقاء ملكه في الأرض بأجره، وبين تمَلكه بقيمته يوم الأخذ وبين أن ينقضه، ويغرم أَرْش النقص على الوجه الذي تقرر في المُعِيْرِ إذا رجع، وقد بني المستعير في الأرض، أو غرس بلا فرق، ولووإن قد زرع فيبقى زرعه إلى أن يدرك، فيحصد، وقياس التسوية في فصل البناء، وما نحن فيه، وبين العارية أن يجيء الخِلاَفُ المذكور هناك في زرع الأرض المستعارة.
والظَّاهر في الموضعين: أنه يبقى الزرع، وهل للشفيع أن يطالبه بالأجرة؟
عن صاحب "التقريب" أن له المطالبة كما أن المعير يبقى بالأجرة على الظاهر.
والمشهور: أنه لا مطالبة للشفيع بالأجرة، بخلاف المعير، فإن المستعير زرع أرض المعير، والمشتري زرع ملك نفسه، واستوفى منفعته بالزراعة، وهذا كما لو باع أرضاً مزروعة لا يطالبه المشتري بالأجرة لمدة بقاء الزرع.
وقوله في الكتاب: "ولكن لا يقلع بناء المشتري مجاناً معلّم -بالحاء- لما مَرَّ -وبالزاي- لأن المزني يوافقه.
وقوله: "أنه يبقى زرعه" هذا الاستثناء يتعلّق بالتسوية بين الشفيع والمعير، كأنه قال: والشفيع كالمعير إلا أنه يبقى زرع المشتري بلا أجرة والمعير يبقى بالأجرة.
واعلم أن في الصور الثلاث منها صورة بيع الأرض المزروعة، وصورة العارية وما نحن فيه وجهين في وجوب الأجرة، وقد ذكرنا الخلاف في الصورتين في موضعهما.
لكن الظَّاهر من الخلاف في صورة العارية وبخوب الأجرة، وفي الصورتين الأخيرتين المنع للمعنى الذي يجمعهما، وهو أنه استوفى منفعة ملكه.
هذا ما ذكره عامة الأصحاب، وصاحب الكتاب ناقض في مسألة بيع الأرض المزروعة، والذي ذكره هاهنا جواب على أنه لا تجب الأجرة وذكر في اللفظ الأول من القسم الثالث من النظر الرابع من "كتاب البيع" أن الأظهر وجوبها.
الجزء: 5 - الصفحة: 520
فرع: ذكرنا أنه إذا زرع لزم الشفيع إبقاء الزرع، وحيئذ يجوز له تأخير الشفعة إلى الإدراك والحصاد؛ لأنه لا ينتفع به قبل ذلك ويخرج الثمن من يده.
قال الإمام: ويحتمل أنه لا يجوز له التأخير، وإن تأخرت المنفعة، كما لو بيعت الأرض وسط الشتاء لا يؤخر الشفعة، إلى أوان الانتفاع، ولو كان في الشقص أشجار ثمار لا تستحق بالشفعة، ففي جواز التأخير إلى القِطَافِ وجهان، والفرق أن الثمار لا تمنع من الانتفاع المأخوذ، بخلاف الزرع.
قال الغزالي: وَلَوْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ نَقَضَ (و)، وإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ فَالشَّفِيعُ بِالخِياَرِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالبَيْعِ الأَوَّلِ فَيَنْقُضَهُ (و)، أَوْ بِالثَّاني.
قال الرافعي: تصرفات المشتري في الشقص من البيع والوقف، وغيرهما صحيحة لأنها واقعة في ملكه، وثبوت حق التملك للشفيع لا يمنع المشتري من التصرف، كما أن حق التملك للواهب بالرجوع لا يمنع تصرف المتهب، وكما أن حتى التملك للزوج بالطَّلاَق لا يمنع تصرُّف الزوجة.
وفي "التتمة" وجه غريب عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنها باطلة؛ لأن للشفيع حقًّا لا سبيل إلى إبطاله، فأشبه حق المرتهن.
وإذا قلنا بالشفعة، فظاهر المذهب، وهو المذكور في الكتاب، ونصه في القديم أنه ينظر إن كان التصرف مما لا تثبت فيه الشفعة كالوَقْفِ والهبة، فللشفيع نقضه، وأخذ الشقص بالشفعة، وإن كان ممَّا تثبت فيه الشفعة كالبيع والإصْدَاقِ، فهو بالخيار بين أن ينقض تصرفه، ويأخذ الشقص بالبيع الأول، فربما يكون الثمن فيه أقل، أو من جنس هو عليه أيسر، وبين ألاَّ ينقض تصرفه به، ويأخذ.
وعن أبِي إسْحَاقَ المَرْوَزِيِّ أنه ليس تصرف المشتري بأقل من بنائه، فكما لا ينقض الشفيع بناءه لا ينبغي أن ينقض تصرفه، واختلفوا في موضع هذا الوجه:
منهم من خصصه بما ثبتت فيه الشفعة من التصرفات.
أما ما لا تثبت فيه فله نقضه لتعذر الأخذ به.
ومنهم من عمم وقال: تصرفات المشتري تبطل حق الشفيع، كما يبطل تصرف المشتري المفلس في حق الفَسْخِ للبائع، وتصرف المرأة حق الرجوع إلى العين إذا طلق قبل الدخول، وتصرف المتهب رجوع الواهب.
نعم لو كان التصرُّف بيعاً، أو غيره مما تثبت فيه الشفعة، تجدد حق الشفعة بذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 521
وعن رواية الشيخ أبِي عَلِيٍّ عن أبِي إسحاق انها لا تتجدد أيضاً؛ لأن تصرف المشتري إذا كان مبطلًا للشفعة لا يكون مثبتاً لها، كما إذا تحرم بالصلاة، ثم شك، فجدد نية وتكبيراً لا تنعقد بها الصلاة؛ لأنه يجعل بها الحِلُّ، فلا يحصل العقد.
ووجه ظاهر المذهب، وهو أن للشفيع نقض تصرف المشتري؛ لأن حقه ثابت بأصل العقد، فلا يتمكن المشتري من إبطاله، ولا يشبه تصرف المفلس، وتصرف المَرْأَةِ في الصَّدَاقِ، فإن حق البائع والزوج لا يبطل بالكليّة، بل ينتقل إلى الثمن، أو القيمة، والواهب رضي بسقوط حقه حيث سلمه إليه، وسلطه عليه وهاهنا يبطل حق الشفيع بالكلية، ولم يوجد منه رضا، ولا تسليم.
قال الشيخ أبُو عَلِيٍّ: ويجوز أن يبنى الوجهان على القولين فيما إذا عتقت الأمة تحت عبد، وطلقها قبل أن تختار الفسخ، هل ينفذ الطلاق؟ ووجه الشبه أن الطلاق يبطل حقها في الفسخ، ولم تتسلط عليه كما ذكرنا في الشفيع وحكى القاضي أبُو الطَّيِّبِ عن القاضي الماسرجسي أنه لا ينقض تصرُّف الوقف، وينقض ما عداه.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَ المُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ في العَفْوِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيع، في قَدْرِ الثَّمَنِ فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، أَوْ فِي كَوْنِ الشَّفِيعِ شَرِيكاً فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي يُحَلَّفُ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ لَهُ شَريكاً، فإِنْ أَنْكَرَ المُشْتَرِي الشِّرَاءَ فَإنْ كَانَ للِشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ أَخَذَ الشِّقْصَ وَتَرَكَ الثَّمَنَ في يَدِهِ علَى رَأْيٍ (و) إِلى أَنْ يُقِرَّ، أَو يَحْفَظُهُ القَاضِي فِي وَجْهِ، أَو يُجْبَرُ، المُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ في وَجْهٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ دُونَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَلَّمَ الثَّمَنَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ (و) بِالشُّفْعَةِ فَالحَقُّ لاَ يَعْدُوهُمَا، وَإِنْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ فَيُقَرِّرُ الثَّمَنَ فِي يَدِهِ أَوْ يَحْفَظُهُ القَاضِي، وَقِيلَ: لاَ شُفْعَةَ هَهُنَا لِتَعَذُّرِ الأَخْذِ بِلاَ ثَمَنٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل في الاختلاف، وفيه مسائل:
إحداها: إذا اختلف المشتري والشفيع، فقال المشتري للشفيع: عفوت عن الشفعة، أو قصرت، وسقط حقك، وأنكر الشفيع، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء حقه.
الثانية: قال المشتري: اشتريت بألف، وقال الشفيع: بل بخمسمائة، فالقول قول المشتري 91؛ لأنه أعلم بالعَقْدِ الذي بَاشَرَهُ من الشفيع، ولأن الأصل بقاء ملكه حتى
الجزء: 5 - الصفحة: 522
ينتزع بما يقرّ باستحقاق الانتزاع منه، وكذلك لو كان الثمن عرضاً، وتلف، واختلفنا في قيمته، فإن نكل المشتري حلف الشفيع، وأخذ بما حلف عليه، وهذا إذا لم تكن بينة، فإن كان لأحدهما بينة قضى بها، ولا تقبل شهادة البائع للمشترى؛ لأنه يشهد لحق نفسه، وفعل نفسه.
وفيه وجه أنها تقبل؛ لأنه لا يجر إلى نفسه نفعاً بشهادته، والثمن ثابت له بإقرار المشتري، ولو شهد للشفيع، فيخرج من كلام النقلة ثلاثة أوجه:
أحدها: المنع؛ لأنه شهد على نفسه حيث يقول: بعت بكذا، وهذا ما أجاب به العراقيون.
والثاني: القبول؛ لأنه ينقض حقه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
والثالث: أنه إن شهد قبل قبض الثمن قُبِلَ شهادته؛ لأنه ينقض حقه؛ إذ لا يأخذ أكثر مما شهد به، وإن كان شهد بعده لم تُقبل؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً من حيث إنه إذا قَبِلَ الثمن قَبِلَ ما يغرمه عند ظهور ذلك الاستحقاق، وإن أقام كل واحد منهما بَيِّنة على ما يقوله، فعن الشيخ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ بَيِّنَة المشتري أولى، كما أن بينة الداخل أولى من بينة الخارج.
والأصح: ويحكى عن القاضي أبي حامِدٍ: أنهما يتعارضان؛ لأن النزاع هاهنا فيما وقع عليه العقد، ولا دلالة لليد عليه، وعلى هذا فالاستعمال هاهنا.
أما إن قلنا بالتساقط، فكما لو لم تكن بينة، وإن استعملناها هاهنا إما بالقُرْعَة، وإما بالتوقف، ولو اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فإن ثبت قول المشتري فذاك، وإن ثبت قول البائع بالبينة، أو باليمين المردودة، فعلى المشتري ما ادَّعاه البائع، يأخذ بما ادعاه المشتري لاعترافه بأن البيع جرى بذلك، والبائع ظالم بالزيادة، فَتُقْبل شهادة الشفيع للبائع، ولا تُقْبل للمشتري؛ لأنه متهم في تقليل الثمن، وإن لم تكن بينة وتحالفاً، وفسخ البيع بينهما، أو انفسخ، فإن جرى ذلك بعد ما أخذ الشفيع الشقص أقر في يده، وعلى المشتري قيمة الشقص للبائع، لأن جرى قبل الأخذ، ففي سقوط حقه الخلاف المذكور فيما إذا خرج معيباً.
فإن قلنا: لا تسقط أخذه بما حلف عليه البائع؛ لأنه اعترف باستحقاق الشفيع الأخذ بذلك الثَّمن، فلا يبطل حَقُّه ببطلان حق المشتري بالتحالف، بل يأخذه منه، وتكون عهدته عليه، وتكلموا في أنه لو لم يتحالف المشتري، والشفيع تحالف البائع، والمشتري، وفرقوا بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل واحد من البائع والمشتري يدعي شيئاً ويدعي عليه شيء، فحلف
الجزء: 5 - الصفحة: 523
كل واحد منهما بحيث هو مدَّع، وليس كذلك الشفيع والمشتري، بل الشفيع مدعٍ محض، والمشتري مدعى عليه محض، فاختص بالتحليف.
والثاني: أن البائع والمشتري كلاهما مباشر للعقد، والاحتمال في قولهما على السواء، وهاهنا الشفيع أجنبي عن العقد، فكان تصديق المباشر أولى.
والثالث: قال أَبو إِسْحَاقَ: كل واحد من البائع والمشتري يرجع إلى شيء بعد التحالف، هذا إلى المبيع، وذاك إلى الثمن.
وأما الشفيع والمشتري لو تحالفا لم يرجع الشفيع إلى شيء، فلا فائدة في تحليفه.
الثالثة: لو أنكر المشتري كون الطالب شريكاً، فالقول قوله مع يمينه، وإنما يحلف على نفي العلم بشركته، لا على نفي شركته، فإن نكل حلف الطالب على البَتِّ، وأخذ بالشفعة، وكذلك الحكم لو أنكر تقدم ملك الطالب على ملكه.
الرابعة: إذا كانا شريكين في عَقَار فَغَابَ أحدهما، ورأينا نصيبه في يد ثالث، فادَّعى الحاضر عليه أنك اشتريته، ولي فيه حق الشفعة، فلا يخلو إما أن يكون للمدعي بيِّنة على دعواه، أو لا يكون.
القسم الأول: أن تكون له بَيِّنَة، فيقضي بها ويأخذه بالشفعة، ثم إن اعترف المدعى عليه سلّم الثمن إليه، وإلاَّ فيترك في يد المدعي إلى أن يقر المدعى عليه، أو يأخذه عنه القاضي ويحفظه، أو يجبر على قبوله، أو الإبراء فيه ثلاثة أوجه مذكورة في "باب الإقرار" وغيره.
ولو أقام المدعي البيِّنة، وجاء المدعى عليه ببيّنة على أنه ورثه أو اتهبه، فالبينتان مُتَعَارضتان، وإن جاء ببيِّنة على أن ذلك الغائب أودعه إيَّاه، أو أعاره، فإن لم يكن للبينتين تاريخ لإيداع، فلا منافاة فيقضي بالشفعة؛ لأنه ربما أودعه، ثم باعه، وإن سبق تاريخ البيع فلا منافاة أيضاً لاحتمال أن البائع غصبه بعد البيع، ثم رده بلفظ الإيداع، فاعتمده الشهود.
قال الشيخ أبُو حامدٍ: ولاحتمال أنه تعذَّر على المشتري تسليم الثمن، فقال له البائع: أودعتك ما في يدي من هذا العَقَار إلى أن تسلم الثمن، نعم لو انقطع الاحتمال، بأن كان تاريخ الإيداع لاحقا، وذكر الشهود أنه أودعه، وهو ملكه فهاهنا يراجع الشريك القديم، فإن قال إنه وديعة سقط دعوى الشراء.
وإن قال: لا حَقٌّ لي فيه قضى له بالشفعة.
والقسم الثاني: ألا تكون له بينة، فللمدعى عليه في الجواب أحوال:
الجزء: 5 - الصفحة: 524
أحدها: أن يقر بأنه كان لذلك الغائب، فاشتراه منه كما ادَّعى المدعي، فهل للمدعي أخذه؟.
فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدهما: لا؛ لأنه اعترف بسبق ملك الغائب، ثم ادعى انتقاله إليه، فلا يقبل قوله في الانتقال، فعلى هذا يوقف الأمر حتى يكاتب، ويبحث هل هو مقر بالبيع؟.
والثاني: وهو الأظهر: نعم لتقارهما على البيع، ويكتب القاضي في السجل أنه أثبت الشفعة بإقرارهما، فإذا قَدِمَ الغائب، فهو على حجته.
الثانية: أن ينكر أصل الشراء، فالقول قوله مع يمينه، ثم ينظر إن اقتصر في الجواب على أنه لا يستحق أخذه بالشفعة أو أنه لا يلزمه تسليمه إليه حلف كذلك، ولم يلزمه التعرُّض لنفي الشراء، وإن قال في الجواب: لم أشتره، بل ورثته، أو اتهبته، فيحلف كذلك، أم يكفيه الحلف على أنه لا يستحق الشفعة؟.
فيه جهان أما ذكرنا في دَعْوى عَيب المبيع.
وإن نكل المدعى عليه حلف الطالب، واستحق الشِّقْص، وفي الثمن ما تقدم من الوجوه.
هذا إذا أنكر المشتري، والشريك القديم غير معترف بالبيع، فإن كان معترفاً، والشِّقْص في يده، نظر إن لم يعترف بقبض الثمن، ففي الشفعة وجهان:
أصحهما: ثبوتها، وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ والمُزَنِيُّ؛ لأن إقراره يتضمن إثبات حق المشتري، وحق الشفيع، فلا يبطل حق الشفيع بإنكار المشتري.
والثاني: وبه قال مَالِكٌ: أنها لا تثبت؛ لأن الشفيع يتملك على المشتري، وهو منكر، فلا يثبت ما يتفرع عليه، ويروى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
فإن قلنا بالثبوت فإلى من يسلّم الثمن؟
فيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب إلى البائع، وتكون عهدته عليه؛ لأنه يتلقى الملك منه، فكان الشفيع في هذه الصورة هو المشتري.
والثاني: أنه ينصب القاضي أميناً يقبض الثمن من الشفيع للمشتري، ويدفعه إلى البائع، ويقبض الشِّقْص من البائع للمشتري، ويدفعه إلى الشفيع، وهذا يستمد من أحد الوجهين في أن الأخذ بالشفعة هل يتوقف على قبض المشتري الشَّقْص؟ وإذا أخذ البائع ثمن الشفيع فهل له مخاصمة المشتري، ومطالبته بالثمن؟.
فيه وجهان؛ لأنه قد يكون ماله أبعد من الشبهة، والرجوع بالدرك عليه أسهل.
الجزء: 5 - الصفحة: 525
إن قلنا: نعم، وحلف المشتري، فلا شيء عليه، وإن نكل حلف البائع، وأخذ الثمن من المشترى، وكانت عهدته عليه، وما أخذه من الشفيع يترك في يده، أم يؤخذ ويوقف؟ فيه وجهان، هكذا أورده صاحب "التهذيب".
وفي "الشامل" أن الوجهين في أنه هل يطالب المشتري فيما إذا لم يرض بأخذ الثمن من الشفيع، فإن رضي فليقنع بما أخذ، وهذا أحسن.
وإن اعترف مع البيع بقبض الثمن.
فإن قلنا: لا شفعة فيما إذا لم يعترف بالقبض فهاهنا أولى.
وإن اثبتنا الشفعة هناك، ففي هذه الصورة وجهان:
أظهرهما: الثبوت، ثم الثمن يترك في يد الشفيع، أو يأخذه القاضي، ويحفظه، أو يجبر المشتري على قبوله أو الإبراء منه؟ فيه الأوجه السابقة.
والثاني: ويحكى عن أبي إسحاق وابْنِ أَبي هُرَيْرَةَ: أنها لا تثبت؛ لأن الشفيع لا يأخذ إلاَّ بالثمن، ولا يمكن صرف الثمن هاهنا إلى المشتري، ولا إلى البائع.
الثالثة: أن يقول في الجواب: اشتريته لفلان، ولا خصومة لك معي، فينظر في المضاف إليه أهو حاضر، أو غائب بالغ، أو صبي ويكون الحكم فيه على ما سيأتي في سائر الدعاوي 92.
وقوله في الكتاب: "سلم الثمن إليه وأخذ" كلاهما معلم -بالواو- لما ذكرنا من الخلاف في الأخذ بالشفعة، وفيمن يسلم إليه الثمن على تقدير الأخذ.
وقوله: "فيقرر الثمن في يده، أو يحفظه القاضي" -إشارة إلى الخلاف الذي ذكره مرة، وترك الوجه الثالث اكتفاء بما سبق في نظير المسألة، والله اعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالثُ في تَزَاحُمِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنْ تَوَافَقُوا فَي الطَّلَبِ وَتَسَاوَتْ حِصَصُهُمْ وُزَّع عَلَيْهِمْ بالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ حِصَصُهُمْ فَقَوْلاَنِ فِي أنَّهُ يُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ الحِصَصِ (ح و) أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُسِ، وَالجَدِيدُ عَلَى أنَّه عَلَى قَدْرِ الحِصَصِ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّريكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ شَخْصَيْنِ فِي صَفْقَتَينِ مُتَعَاقِبَتَينِ فَالمُشْتَرِي الأَوَّلُ هَلْ يُشَارِكُ
الجزء: 5 - الصفحة: 526
الشَّرِيكَ القَدِيمَ فِي أَخْذِ مَضْمُونِ الصَّفْقَةِ الثَّانِيَةِ وَمِلْكُهُ فِي نَفْسِهِ مُعَرَّضٌ لِلنَّقْضِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ: يُفَرِّقُ في الثَّالِثِ بَيْنَ أنْ يَأْخُذَ القَدِيمُ نَصِيبَهُ فَلاَ يُسَاهِمَهُ (ح) أَوْ يَعْفُو عَنْ صَفْقَتِهِ فَيَسْتَقِرَّ شَرِكَتَهُ فَيُسَاهِمَ فِيهِ.
قال الرافعي: الكلام في هذا الطرف ينحصر في ثلاثة أمور:
الأول: أن يتفق الشركاء على الطلب.
والثاني: أن يطلب بعضهم ويعفو بعضهم.
والثالث: أن يحضر بعضهم، ويغيب بعضهم، وسبيل ضبطها إما أن يكون كلهم حضوراً أو لا يكون كذلك.
إن كان الأول فأما أن يتفقوا على الطَّلب، وهو الأمر الأول، أو على الترك وشانه هين، أو يطلب بعضهم، ويترك البعض، وهو الثاني.
وإن كان الثَّاني، فأما إن كانوا غائبين جميعاً، وهو متروك لوضوحه، أو كان بغضهم غائباً والبعض حاضراً وهو الثالث.
أما الأول فتقدم عليه أن تعدُّد المستحقين للشفعة قد يكون ابتداء، بأن كانت الدار مشتركة جماعة، فباع أحدهم نصيبه، فتثبت الشفعة للباقين، وقد يحصل في الدوام بأن يكون الاستحقاق لواحد، فمات، تثبت الشفعة لورثته.
وعند أبي حَنِيفَة وأحْمَدَ حق الشفعة لا يورث.
لنا قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ حَقَّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ 93 " وأنه حق لازم مالي، فأشبه بالرد بالعيب.
إذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: أن المستحقين للشفعة إذا تساوت حصصهم، كدار بين ثلاثة أثلاثاً فيأخذ الشَّقْص بالسوية، وإن تفاوتت حصصهم، كما إذا كان لأحد الثلاثة نصفها، وللثاني ثلثها، وللثالث سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه فقولان:
أصحهما: وبه قال مَالِكٌ: أن الشفعة على قدر الحصص، فيقسم النصف بينهما أثلاثاً؛ لأن الشفعة من مرافق المِلْك، فيقدر بقدر الملك، ككسب العبد المشترك، والنِّتاج، والثمار.
والثاني: وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ، واختاره المُزَنِيُّ: أنها على عدد الرؤوس، فيقسم النصف بينهما بالسوية؛ لأن سبب ثبوت الشفعة أصل الشركة ألا ترى أن الشريك الواحد
الجزء: 5 - الصفحة: 527
يأخذ الكل في نصيبه أو أكثر، وهما في أصل الشركة سواء فأشبه أجرة السكَّاك.
وعن أحمد روايتان كالقولين.
واحتج المُزَنِيُّ للقول الثاني بثلاث مسائل:
إحداها: أنه إذا اشترك ثلاثة في عبد على التفاوت، فأعتق اثنان نصيبهما، وهما مُوسِرَانِ يغرمان نصيب الثالث بالسَّويَّة.
والثانية: لو مات مَالِكُ الدار عن اثنين، ثم مات أحدهما، وله اثنان، ثم باع أحد الاثنين نصيبه سَوَّى الشَّافعي بين الأخ والعم في الشفعة مع تفاوت حصصهم.
والثالثة: قال الشافعي: فيما إذا مات الشفيع قيل أن يأخذ فلورثته الشفيع أن يأخذوا وما كان يأخذه أبوهم بينهم على العدد، وامرأته وابنه في ذلك سواء.
والجواب:
أما مسألة العِتْق، فمن الأصحاب مَنْ لم يسلمها وجعلها على القولين.
ومنهم من سلم، وفرق بأن ذلك ضمان إتلاف، والنظر فيه إلى المتلفين، لا إلى حال الإتلاف، وهذا فائدة من فوائد الملك، فيتقدر بقَدْره.
وأما المسألتان الأخيرتان، فهما من باب الشفعة، فنشرحهما، ثم نذكر اعتذار من نصر القول الأول.
أما الأولى، فللشافعي فيها قولان:
القديم وبه قال مَالِكٌ أن الأخ يختص بالشفعة؛ لأن ملكه أقرب إلى ملك الأخ؛ لأنهما ملكًا بسبب واحد، ولهذا لو ظهر دَيْن على أبيهما يباع فيه ملكهما، دون ملك العم، وإذا كان أقرب ملكاً كان أحق بالشفعة، كالشريك مع الجار.
وأصحهما: وبه قال أَبو حَنِيْفَةَ وأحْمَدُ والمُزَنِيُّ: أنهما يشتركان في الشفعة؛
لاشتراكهما في الملك، والنظر في الشفعة إلى ملك الشريك، لا إلى سبب ملكه؛ لأن الضرر المحوج إلى إثبات الشفعة لا يختلف، فعلى هذا يوزع على الأخ والعم بالسوية أم على قدر الحصص فيه القولان، وقال الإمام قضية المذهب القطع بالتوزيع عليهما على قدر الحصص لأن القول باستحقاقهما هو الجديد، ولا تردد على الجديد في أن الشفعة على قَدْر الحصص، والتوزيع على الرؤوس هو القول القديم.
وفي القديم لا شفعة للعم في المسألة، وفي هذا الذي ذكره نِزاعٌ سنورده من بعد.
وإذا قلنا باختصاص الأخ بالشفعة، فلو أنه عفا، هل تثبت للعم؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ:
أحدهما: لا؛ لأنه لو كان مستحقًّا لتقدم غيره عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 528
والثاني: نعم لأنه شريك، وإنما يقدم الأخ عليه لزيادة قربه فهذا سقط حقه استحق العم، كما أن المرتهن يتقدم على سائر الغرماء في المرهون، ثم إذا سقط حقه تمسك به الباقون، وهذا الخلاف راجع إلى أن العم على القول القديم ساقط عن الاستحقاق، أو مزحوم بالأخ، والقولان في مسألة الأخ والعم جاريان في كل صورة ملك شريكان بسبب واحد، وغيرهما من الشركاء بسبب آخر، فباع أحد المالكين بالسبب الواحد نصيبه، ففي قول: الشفعة لصاحبه خاصة.
وفي قول: للكل
مثاله: كان بين اثنين دار، فباع أحدهما نصيبه من رجلين أو وهبه، ثم باع أحدهما نصيبه، أو مات مالك الدار عن ابنين وأختين، فباعت إحدى الأختين نصيبها، ففي من له الشفعة وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدهما: أنه على القولين، ففي قول: هي للأخت الأخرى، وفي قول: لهن جميعاً.
وأظهرهما: القطع باستحقاقهن جميعاً؛ لأن سبب ملكهن واحد، وإنما الاختلاف فى مقادير المِلْكِ.
وأما الثانية: فإذا مات الشفيع عن ابْنٍ وزوجة ورثا حق الشفعة، كما تقدم، وفي كيفيته ثلاث طرق:
أحدها: أن في كون الشفعة بينهما على الرؤوس، أو على قَدْر المواريث القولين:
أظهرهما: وبه قال صاحب "الإفصاح" والشيخ أَبُو حَامِدٍ: القطع بأنهما يأخذان على قدر الميراث، والطريقان مبنيان على خلاف الأصحاب في أن ورثة الشفيع يأخذون لأنفسهم، أو للموروث، ثم يتلقون منه فإن قلنا: يأخذون لأنفسهم عاد القولان في المسألة.
وإن قلنا: يأخذون للميت، قطعنا بأنهما يأخذان على قدر الميراث، والثاني يوجه بأنهم أخذوا لأنفسهم لأخذوا بالملك، وإنما يحصل ملكهم بالإرث، وهو متأخر عن الشراء، والملك التأخر لا يفيد ولاية الشفعة.
والطريق الثالث: القطع بالتسوية؛ لأن المورث من الشفيع حق تملك الشقص لا الشقص، ومجرَّد الحقّ قد يسوى فيه بين الورثة، كحد القَذْف، هكذا حكاه، ووجهه الشيخ أبُو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ، وإذا عرفت المسألتين، فمن نصر قول التوزيع على الحِصص قال في المسألة الأولى:
إن قلنا بطريق القولين، فلا فرق، ولا احتجاج.
الجزء: 5 - الصفحة: 529
وعلى ما ذكره الإمام الحكم في المسألة غير ما احتج به جزماً، فلا يصح الاحتجاج به أصلاً، ولكن الذي ذكره مبني على أن الجديد هو التوزيع على الحصص.
والأكثرون عكسوا ذلك، وقالوا: القولان معاً منصوصان في "الأم"، والقديم منهما هو التوزيع على الحصص، ولذلك اعترضوا على ابْنِ القَاصِّ، ومن أثبت قول التوزيع في المسألة تفريعاً على ثبوت الشفعة للأخ والعم جميعاً بأن الشفعة إنما ثبتت لهما في الجديد.
وفي الجديد التوزيع على عدد الرؤوس فلا يجيء فيهما إلاَّ قولان: التخصيص بالأخ، والتسوية بينهما، ذكر هذا الاعتراض القَفَّالُ في كثير من الأئمة.
وأما المسألة الثانية: فمن قال فيها بالقولين، قال: الذي ذكرناه أحد القولين، وسقط الآخر، ومن قطع فيهما بالتفاوت اختلفوا، فمنهم مَنْ لم يثبت ما نقله المُزَنِيُّ.
ومنهم من حمله على التسوية في أصل الاستحقاق دون المقدار المستحق.
وقوله في الكتاب: "والجديد على أنه على قدر الحِصَصْ معلّم -بالحاء والزاي- وجعل هذا القول جديداً اتباعاً لما ذكره الإمام، وفيه ما ذكرنا عن الأولين، وكأنهم لما رأوا القولين منصوصين في الجديد، وأحدهما وهو التوزيع على الحصص منصوصًا في القديم، رأوا اسم الجديد مما يقابل القديم أحق فخصصوه به.
المسألة الثانية: دار بين اثنين مناصفة باع أحدها نصف نصيبه من إنسان، ثم باع النصف الثاني من آخر، فالشفعة في النصف الأول تختص بالشريك القديم، ولا يخلو الحال إما أن يعفو عنه، أو يأخذه، إن عفا فهل يشاركه المشتري الأول في النصف الثاني؟.
فيه وجهان:
أحدها: لا؛ لأن الشريك القديم مسلّط على ملكه، فكيف يزاحمه به.
وأصحهما: نعم؛ لأن ملكه قد سبق الصفقة الثانية، واستقر بعفو الشريك القديم، فيستحق به.
وقطع قاطعون بهذا الوجه.
إذا قلنا به فيأخذان بالسوية، أم بحسب الحصتين؟.
فيه القولان السابقان.
وإن أخذ الشريك القديم النصف الأول، ففي مشاركة الأول إياه في النصف الثاني وجهان، أيضاً قربوهما من الخلاف فيما إذا باع الشفيع ملكه، وهو جاهل بالشفعة، هل يبقى له الحق؛ لأنه زال ملكه هاهنا بالقهر، كما زال هناك بالجهل.
والأصح: أنه لا يشاركه، وقطع به بعضهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 530
وإذا اختصرت قلت في المسألة ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب:
أحدها: أن الشريك القديم، والمشتري الأول بتساويان في النصف الثاني بكل حال.
والثاني: يختص به الشريك القديم بكل حال.
والثالث: يفرق بين أن يعفو عن النصف الأول، أو لا يعفو، وهو الظاهر، والمحكي عن أبِي حَنِيْفَةَ في المسألة يوافق الوجه الأول.
قال الغزالي: وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الشَّريكَيْنِ وَجّبَ عَلَى الثَّانِي أَنْ يَأَخُدَ الكُلَّ (و) لأَنَّ أخذ البَعْضِ إِضرَارٌ بِالمُشْتَرِي، وَإِنْ عَفَا شَرِيكٌ وَاحِدٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ سَقَطَ (و) كُلُّهُ، كَالعَفْوِ عَنِ القَصَاصِ فَإنَّهُ لاَ يَتَجَزَّأُ نَظَرَاً لِلمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً وَلَمْ يَحْضُرْ إِلاَ وَاحِدٌ أَخَذَ الكُلَّ وَسلَّمَ كُلَّ الثَّمَنَ حَذَرَاً مِنَ التَّبْعِيضِ، فَإِذا رَجَعَ الثَّانِي شَاطَرَهُ وَمَلَكَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ تَسْلِيمِ نِصْفِ الثَّمَنِ إِلِيْهِ وَعُهْدَتِهِ، وَإذَا جَاءَ الثَّالِثُ قَاسَمَهُمَا جَمِيعاً.
قال الرافعي: الأمر الثاني: أن يطلب بعض الشركاء، ويعفو بعضهم، ونبتدئ فيه بما إذا كانت الشفعة لواحد، فعفا عن بعض حقه.
وفيه وجوه:
أصحها: وهو المذكور في الكتاب: أنه يسقط جميعه؛ لأن التبعيض لا سبيل إليه، لما فيه من الإضرار بالمشتري، فهذا سقط بعضه سقط كله، كالقصاص إذا عفا المستحق عن بعضه.
والثاني: لا يسقط شيء؛ لأن التبعيض قد تعذَّر، وليست الشفعة مما يسقط بالشبهات، فيغلب فيها جانب الثبوت، وأيضاً فإنه لم يرض بترك حقه، وإنما عفا عن البعض ليأخذ الباقي، فصار كما لو عفا عن بعض حد القذف.
والثالث: أنه يسقط ما عفا عنه، ويبقي الباقي؛ لأنه حق مالي قابل للانقسام.
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ أن موضع هذا الوجه ما إذا رضي المشتري بتبعيض الصفقة عليه، فإن أبَى وقال: خذ الكل، أوْ دَعِ الكل، فله ذلك.
قال الإمام: وهذه الوجوه إذا لم نحكم بأن الشفعة على الفور، فإن حكمنا به فطريقان.
منهم: من قطع بأن العفو عن البعض تأخير في طلب الباقي.
ومنهم: من احتمل ذلك إذا بادر إلى طلب الباقي، وأجرى الوجوه ما يؤيد الأول
الجزء: 5 - الصفحة: 531
أن صاحب "الشامل" ذكر أنه لو استحق شِقْصاً بالشفعة، فجاء، وقال: آخذ نصفه سقطت شفعته في الكل؛ لأنه ترك طلب النصف.
إذا تقرر ذلك، فلو استحق الشفعة اثنان، فعفا أحدها عن حقه، ففيه أربعة أوجه:
أحدها: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه يسقط حقهما جميعاً، كما لو استحق اثنان القصاص، فعفا أحدها.
والثاني: لا يسقط حق واحد منهما كما ذكرنا في الصورة الأولى؛ لأنه لا يسقط شيء، فغلبنا جانب الثبوت.
والثالث: أنه يسقط حق العافي، وليس لصاحبه إلاَّ أن يأخذ قسطه؛ لأن العفو يقتضي استقرار العفو عنه على المشتري، كما لو عفوا جميعاً، وليس للمشتري أن يلزمه أخذ الجميع.
والرابع وهو الأصح: أن حق العافي يسقط، ويثبت الحق بكماله للثاني فإن شاء ترك الكل، وإن شاء أخذ الكل، وليس له أن يقتصر على أخذ حصته لولا العفو؟ لما فيه من تبعيض الصفقة على المشتري، هذا هو الوجه المذكور في الكتاب.
وقوله: "وجب على الثاني أن يأخذ الكل" أراد به أنه إن أخذ الكل لا الحصة إلاَّ أنه يلزمه الأخذ، هذا إذا ثبتت الشفعة لعدد ابتداء.
أما إذا ثبت لواحد، ومات، وورثه اثنان، فعفا أحدها، فهو كما لو ثبتت الشفعة لواحد، فعفا عن بعضها، أو ثبتت لاثنين، فعفا أحدهما فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني قال الإمام: والخلاف بناء على ما سبق أن الوارث يأخذ الشفعة لنفسه، أو يتلقاها عن المورث.
واعلم أن الوجوه المذكورة شاملة لعفو الشفيع عن بعض حقه وليعفو أحد الشفيعين عن حقه إلاَّ الوجه الصائر إلى استقرار العفو عنه على المشتري، فإنهم لم يذكروه في عفو الشفيع عن بعض حقه، فيه يحصل الافتراق، وأيضاً يفترقان في الأصح.
ولو كان للشقص شفيعان، فمات كل واحد منهما عن ابنين، فعفا أحدها.
فإن قلنا: عفو الوارث كعفو الشفيع عن بعض حقه، ففي وجه يسقط الكل وفي وجه كما كان، وقياس الوجه الثالث في عفو الشفيع عن بعض حَقّه أن يسقط حق العافي وأخيه، ويأخذ الآخران.
الجزء: 5 - الصفحة: 532
وإن قلنا: كعفو أحد شفيعي الأصل عاد الوجه الأول والثاني.
وفيه وجه ثالث: وهو أنه ينتقل حق العافي إلى الثلاثة، فيأخذون الشِّقْص أثلاثاً.
ووجه رابع: وهو أن حق العافي يستقر للمشتري، وكل واحد من الثلاثة يأخذ الرُّبع.
ويجيء في هذه الصورة وجه خامس: وهو أن حق العافي ينتقل إلى أخيه خاصة، بناءً على القول القديم في مسألة الأخ والعم.
فرع
مات الشفيع عن اثنين، وادّعى المشتري عليهما أنهما عفوا، فالقول قولهما مع اليمين، وتكون اليمين على البَتّ، بخلاف ما إذا ادعى أن أباهما عفا عن الشفعة، فأنكرا، فإنهما يحلفان على نفي العلم، ثم إن حلفا أخذا، وإن نكلا حلف المشتري، ويبطل حقهما، وإن حلف أحدهما دون الآخر.
قال ابْنُ الحَدَّاد: ليس للمشتري أن يحلف؛ لأنه لا يستفيد بيمينه شيئاً، فإنه وإن ثبت عفو أحدهما ينتقل الحق إلى الثاني، وهذا جواب على أنه إذا عفا أحد الشريكين كان للآخر أن يأخذ الكل، وهو الأصح.
أما إذا قلنا: إن حق العافي يستقر على المشتري فيحلف المشتري ليستقر له نصيب النَّاكل، ثم الوارث الحالف لا يستحق الكل بنكول أخيه، ولكن ينظر إن صدق أخاه على أنه لم يَعْفُ فالشفعة بينهما، وإن ادّعى عليه العفو، وأنكر الناكل عرضت عليه اليمين لدعوى أخيه ولا يمنعه من الحلف نكوله في الجواب للمشتري فإن حلف فالشفعة بينهما وإن نكل في جوابه أيضاً حلف المدعي على أنه عفا، وحينئذ يأخذ الكل.
قال: وإن كانوا ثلاثة ولم يحضر إلاَّ واحد أخذ الكل، وسلم كل الثمن حذاراً من التبعيض، فإذا رجع الثاني شاطره، وملك عليه من وقت تسليم النصف من الثمن إليه، وعهدته عليه، فإذا جاء الثالث قاسمهما جميعاً.
الأمر الثالث: أن يحضر بعض الشركاء دون بعض، فإذا كانت الدار لأربعة بالسوية، فباع أحدهم نصيبه، وثبت الشفعة للباقين، ولم يحضر إلاَّ واحد، فليس له أخذ حصته من الشقص؛ لأنه ربما لا يأخذ الغائبان، فتتفرق الصفقة على المشتري، ولا يكلف الصير إلى أن يحضرا، ولكنه يخيّر بين أن يأخذ الكل، أو يترك الكل، وهل له تأخير الأخذ إلى حضور الشريكين إذا جعلنا الشفعة على الفور؟.
أحدهما، وبه قال ابْنُ أبِي هُرَيْرَةَ: لا لتمكنه من الأخذ.
وأصحهما: عند الشيخ أبي حَامِدٍ، ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبي إسحاق: نعم؛ لأنه تأخير بالعذر؛ لأن له عوضاً ظاهراً ألا يؤخذ منه، وإذا أخذ الكل، ثم حضر بعض
الجزء: 5 - الصفحة: 533
الغائبين أخذ منه النصف بنصف الثمن، كما لو لم يكن إلاَّ شفيعان، فإذا حضر الثالث، فله أن يأخذ من كل واحد منهما ثلث ما في يده، وحينئذ يحصل الاستواء، وششقر ملكهم، ثم للمسألة فروع:
منهما: إذا خرج الشقص مستحقّاً بعد الترتيب المفروض، ففي العهدة وجهان:
أحدها: أن عهدة الثلاثة على المشتري لاستحقاقهم الشفعة عليه.
والثاني أن رجوع الأول على المشتري يسترد منه كل الثمن، ورجوع الثاني على الأول يسترد منه النصف، ورجوع الثالث على الأولين يسترد من كل واحد منهما ما دفع إليه؟ لأن التملك، وتسليم الثمن هكذا وقع فيما بينهم، وهذا أظهر، وهو المذكور في الكتاب.
والعراقيون يرجِّحون الأول.
وفي "التتمة" أن هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من أُجرة المِثْل، وما عساه ينقص من قيمة الشقص، فأما الثمن فكل منهم يستردُّ ما سلّمة ممن سلمه إليه بلا خلاف.
ولو أخذ الحاضر جميع الشقص، ثم وجد به عيباً، فردَّه، فقدم الثاني وهو في يد المشتري، فله أخذ الكل.
ومنهما: ما يستوفيه الأول من المنافع، ويحصل له من الأجرة، والثمن يسلم له، فلا يزاحمه فيها الثاني والثالث على أصح الوجهين، وكذا الثالث لا يزاحم الثاني فيما حصل له بعد المُشاطرة، كما أن الشفيع لا يزاحم المشتري فيها، ويقرب من هذين الوجهين الخلاف فيما إذا أخذ الأول كل الشِّقْص وأفرزه بأن أتى الحاكم، فنصب قَيِّماً في مال الغائبين، فاقتسما، وبنى فيه أو غرس، ثم رجع الغائبان هل لهما القلع؟
وأصح الوجهين: أنهما لا يقلعان، كما أن الشفيع لا يقلع بناء المشتري، وغراسه مجاناً، وفي الثاني لهما القلع؛ لأنهما يستحقان مثل استحقاق الأول، وبذلك السبب، فليس له التصرف حتى يظهر حالهما، بخلاف الشفيع مع المشتري، ولو كان الثاني حاضرين، فأخذا الشِّقْص، واقتسما مع القَيِّم في مال الغائب، ثم قدم الغائب، فله الأخذ وإبطال القسمة، وإن عفا استمرت القسمة.
منهما: لو أخذ الأول والثاني كما صورنا ثم حضر الثالث، وأراد أن يأخذ من أخدهم ثلث ما في يده، ولا يأخذ من الثاني شيئاً، فله ذلك، كما يجوز للشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشترين دون الثاني.
ومنها: لو أخذ الأول الكل، وقدم الثاني، وأراد أن يأخذ الثلث بلا مزيد هل له ذلك؟.
فيه وجهان:
الجزء: 5 - الصفحة: 534
أحدهما: لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز للأول إن اقتصر على أخذ الثلث.
وأظهرهما: نعم؛ لأن أخذه الثلث لا يفرق الحق على الأول؛ إذ الحق ثبت لهم أثلاثًا، وبأخذ الأول الثلث تفرق الصفقة على المشتري، فإن أخذ الثلث تفريعًا على هذا الوجه، أو أخذه بالتَّراضي، ثم قدم الثالث، نظر إن أخذ من الأول نصف ما في يده، ولم يتعرض للثاني، فلا كلام قاله في "التتمة".
وإن أراد أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده، فله ذلك؛ لأنه يقول: ما من جزء الأولى ثلثه، وإن ترك الثاني حقه حيث لم يشاطر الأول، فلا يلزمني أن أترك حقي، ثم له أن يجيء إلى الأول، فيقول: ضُمَّ ما معك إلى ما أخذته لنقسمه نصفين لأنا متساويا القَدْر والشقص، والحالة هذه إنما تصحُّ قسمته من ثمانية عشر؛ لأنا نحتاج إلى عدد له ثلث، ولثلثه وثلث، أقله تسعة يحصل منها ثلاثة في يد الثاني، وستة في يد الأول، ثم ينتزع الثالث من يد الثاني واحدًا ويضمه إلى الستة في يد الأول تكون سبعة يقتسمانها بينهما، وسبعة لا تنقسم على اثنين، فتضرب اثنين في تسعة تبلغ ثمانية عشرة، وكان في يد الثاني من التسعة بعد انتزاع الثالث منه ما انتزع اثنان، نضربهما في المضروب في المسألة يكون له أربعة، فهي حِصّته تبقى أربعة عشر، يأخذ كل واحد من الأول والثالث منهما سبعة، فإذا كان ربع الدار ثمانية عشر كانت جملتها اثنين وسبعين، هذا ما ذكره الأكثرون، ونقلوه عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
وحكى الإمام عن القاضي حسين أنه لما ترك الثاني سدسًا على الأول كان عافيًا عن بعض الحق والشفيع إذا عفا عن بعض حقه يبطل جميعه على الظاهر كما سبق، فينبغي أن يسقط حق الثاني بالكلية، ويكون الشقص بين الأول والثالث.
ومنها: قال ابْنُ الصَّبَّاع: لو حضر اثنان، وأخذا الشقص، ثم حضر الثالث وأحدهما غائب، فإن قضى له القاضي على الغائب أخذ من كل واحد من الحاضر والغائب ثلث ما في يده وإلاَّ فوجهان أحدهما: أنه يأخذ من الحاضر ثلث ما في يده لأنه الذي يستحقه منه، والثاني يأخذ نصف ما في يده؛ لأنه إذا غاب أحدهما، فكأن الحاضرين هما الشفيعان، فيسوى بينهما، ثم لو حضر الغائب، وقد غاب الحاضر، فإن كان الثالث، قد أخذ من الحاضر ثلث ما في يده أخذ من هذا الذي قدم ثلث ما في يده أيضًا، وإن كان قد أخذ نصف ما في يده أخذ من القادم سدس ما في يده، ويتم نصيبه بذلك الشِّقص، والمسألة تقسم من اثني عشر للحاجة إلى عدد له نصف ولنصفه ثلث وسدس، وإذا كان الربع اثني عشر فالكل ثمانية وأربعون.
ومنها ثبتت الشفعة لحاضر وغائب، فعفا الحاضر، ثم مات الغائب، وورثه الحاضر له أخذ الشقص بالشفعة، وان عفا أولًا لأنه الآن يأخذ بحق الإرث، وهذا
الجزء: 5 - الصفحة: 535
جواب على أصح الأوجه في عفو أحد الشريكين، وهو أن للآخر أخذ الكل، وساعده التفريع على أن العفو من بعض الشركاء لا يصح.
أما إذا قلنا: إن نصيب العافي يستقر على المشتري، فلا يأخذ الحاضر بحق الإرث إلاَّ النصف.
وإن قلنا: إن عفو أحدهما يسقط حق الآخر أيضًا لم يأخذ شيئًا.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَعَدَّدَ البَائِعُ أَوْ المُشْتَرِي جازَ أَخْذُ مَضْمُونِ إِحْدَى الصَّفْقَتَيْنِ، وإِنِ اشْتَرَى فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ شِقْصَيْنِ فِي دارَيْنِ شَرِيكُهُما وَاحِدٌ فَفِي جَوازِ أَخْذِ أَحَدِهِما وَجْهَانِ.
قال الرافعي: أصل الفصل أنه ليس للشفيع تفريق الصفقة على المشتري على ما مَرَّ أثناء الكلام، ولو اشترى اثنان شِقْصًا من واحد، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما خاصة؛ لأنه لا يفرق على واحد منهما ملكه.
وعن أبي حَنيْفَةَ لا يجوز إن كان ذلك قبل القبض، وإن تعدد البائع بأن باع اثنان من شركاء الدار شِقْصًا من واحد فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز أخذ حِصَّة أحد البائعين؛ لأنّ المشتري ملك الكل بصفقة واحدة، فلا يفرق ملكه عليه، وبهذا قال مالك.
وأصحهما: ويحكى عن نَصِّه في القديم، وبه أجاب المُزَنِيُّ أنه يجوز؛ لأن تعدُّد البائع يوجب تعدد العقد، كتعدد المشتري، فصار كما لو ملكه بعقدين، ولو باع اثنان من شركاء الدار نصيبهما بعقد واحد من رجلين، والصفقة نازلة منزلة أربعة عقود تفريعًا على الأصح في أن تعدُّد البائع كتعدد المشتري، وللشفيع الخيار بين أن يأخذ الجميع، وبين أن يأخذ ثلاثة أرباع المبيع، وهو نصيب أحد المشترين، ونصف نصيب الآخر، وبين أن يأخذ نصفه إما بأخذ نصيب أحدهما، وترك الآخر، أو بأخذ نصف نصيب واحد منهما، وبين أن يأخذ ربعه بأخذ نصف نصيب أحدهما لا غير، وإن وَكَّل وكيلين في بيع شِقْصٍ، أو شرائه، أو وكل وكيلاً في بيع شقص، أو شرائه، فالاعتبار بالعاقد، أو من له اليد فيه خلاف، وقد ذكرناه في "تفريق الصفقة" حتى لو كانت الدَّار لثلاثة شركاء توكل أحدهم لآخر ببيع نصيبه، وجَوَّز له أن يبيعه مع نصيب نفسه إن شاء صفقة واحدة فباع كذلك، فليس للثالث إذا جعلنا الاعتبار بالعاقد إلاَّ أخذ الكل، أو ترك الكل، فإن جعلنا الاعتبار بالمعقود، فله أن يأخذ حصة أحدهما دون الآخر كما لو باع كل منهما حِصَّته بنفسه.
ولو كانت الدار لرجلين، فوكل أحدهما الآخر ببيع نصف نصيبه، وجَوَّز له أن يبيعه مع نصيب نفسه، إن شاء صفقة واحدة، فباع كذلك، وأراد الموكل أخذ نصيب
الجزء: 5 - الصفحة: 536
الوكيل بالشفعة بحق ما بقي له من النِّصْف، فله ذلك؛ لأنّ الصفقة اشتملت على ما لا تثبت فيه الشفعة للموكل وهو ملكه، وعلى ما تثبت، وهو ملك الغير فشبه ذلك بما إذا باع ثوبًا وشِقْصًا بمائة.
وفيه وجه: أنه كالصورة السابقة، ولو باع شِقْصَيْن من دارين صفقة واحدة، فإن كان الشفيع في أحدهما غير الشفيع في الأخرى، فلكل واحد منهما أن يأخذ ما هو شريك فيه، وافقه الآخر في الأخذ أم لا، وإن كان الشفيع فيهما واحدًا فوجهان:
أحدهما: ويروى عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز؛ لأن الصفقة متحدة.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه لا يفضي إلى تَبْعيض الشيء الواحد وذلك التبعيض هو الذي يوجب الضرر.
قال الغزالي
: (البَابُ الثَّالِثُ فِيما يَسْقُطُ بِهِ حَقَّ الشُّفْعَةِ)،
وفِيهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: (الأَوَّلُ): الجَدِيدُ أَنَّهُ عَلَى الفَوْرِ (م)، قَالَ صلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ: الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ (والثاني) أَنَّهُ يَبْقَى ثَلاَثةَ أَيَّامٍ (والثَّالثُ): أنَّهُ يَتَأَبَّدُ فَلا يَبْطُلُ إِلاَّ بإِبْطالٍ أَوْ دَلاَلَةِ الإِبْطَالِ (و).
قال الرافعي: لا شَكَّ أن حَقّ الشفعة يعرض له السّقوط، ومقصود الباب بيان أنه بِمَ يسقط؟.
وسبيل التدرج إليه أن قول الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- اختلف في أنه تثبت على الفور أم على التراخي؟
وأصح القولين وهو المنصوص في الكتب الجديد انه على 94 الفور لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (الشُّفْعَةُ كَحَلِ العِقَال) 95.
أي أنها تفوت إذا لم يُبْتَدَر إليها كالبعير الشّرود يحل عنه العِقَال ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "الشُّفْعَةُ لِمَهْر وَاثبها 96 " وروى "بالشُّفْعَةِ كَنَشْطِهِ العِقَالْ إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ وإلاَّ فاللَّوْمُ
الجزء: 5 - الصفحة: 537
عَلَى مَنْ تَرَكَها" 97
وأيضًا فإنه حق خيار ثبت في البيع بنفسه لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب.
والثاني: أنه على التَّراخي، وعلى هذا ففي تقدير مدته قولان:
أظهرهما: التقدير في ضبطها قولان:
أظهرهما: أنها تمتد إلى ثلاثة أيَّام؛ لأن الحكم بالفور يضر بالشفيع، فإنه قَدْ يحتاج إلى تأمل ونظر، والحكم بالتأييد يضر بالمشتري؛ لأنه لا يأمن من أخذ الشفيع، فتفوت عليه العمارة والتصرف، فلا بُدَّ من حَدٍّ فاصِلٍ، فجعلت الثلاثة حدًا كما في خيار الشرط وغيره.
والثاني: عن حكاية صاحب "التقريب" أنه يمتد إلى أن تمضي مدة التدبر في ملك ذلك الشِّقص، ويختلف باختلاف حال المأخوذ.
والثاني: أنه لا تتقدَّر له مدة، بل يتأبد؛ لأنه لا ضرر على المشتري في التأخير، إذ الشقص له وإن بني فيه، أو غرس، فله قيمته إن أخذ الشفيع، وما لا ضرر في تأخيره يتأبد كالقِصَاصِ، فعلى هذا لو صَرَّح بإبطاله يبطل.
وفيما يدل على الإبطال قولان:
أظهرهما: البطلان وهو المذكور في الكتاب.
ومما له دلالة البطلان قوله للمشتري بع الشقص ممن شئت، أو هبه، ولو قال: بعنيه، أو هبه مني، أو قاسمني عليه فكذلك.
وفيه وجه: أنه لا يبطل به بقاء الشفعة، لأنه قد يحاول الأخذ بغير طريق الشفعة إن تيسر له، وللمشتري إذا لم يأخذ الشفيع، ولم يَعْفُ أن يرفعه إلى الحاكم ليلزمه الأخذ، أو العفو.
وفيه قول: أنه ليس له تنزيلاً للشفيع منزلة مستحق القصاص.
ويخرج من الترتيب المذكور عند الاختصار خمسة أقوال في كيفية ثبوت الشُّفْعَةِ:
أنها على الفور تمتد ثلاثة أيَّام -تمتد مدة تسع للتأمل- تتأبد إلى التصريح بالأبطال
الجزء: 5 - الصفحة: 538
تتأبد إلى أن يصرح بالإبطال، أو يأتي بما يدل عليه.
وعند أبِي حَنِيْفَةَ وأحْمَدَ أنها تمتد امتداد المجلس للعلم بالشفعة.
وعند مالك: تمتد سنة في رواية ومدة يغلب على الظن فيها الإسقاط والترك فيها في الأخرى.
قال الغزالي: والصَّحِيْحُ أنَّهُ عَلَى الفَوْرِ وأنَّهُ يَسْقُطُ بَكُلِّ ما يُعَدُّ تَقْصِيرًا أو تَوانِيًا فِي الطَّلَبِ، فإِذَا بَلَغَهُ الخَبَرَ فَلْيَنْهَضُ عَنْ مَكَانِهِ طَالِبًا، فَإنْ كَانَ مَمْنُوعًا بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ فِي باطِلٍ فَلْيُوكِّلْ، فإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ مَعَ القُدْرَةِ بَطَلَ حَقُّهُ (و) إِنْ لمْ يَكُنْ في التَّوْكِيلِ مَؤْنَةٌ وَمِنَّه ثَقِيلةٌ، فإنْ لَمْ يَجِدْ الوَكِيلَ فَلْيُشْهِدهُ، فَإنْ تَرَكَ الأِشْهادَ فَفِي بُطْلاَنِ حَقِّهِ قَوْلاَنِ، وإنْ كَانَ المُشْتَرِي غائِبًا وَلَمْ يَجِدْ في الحَالِ رُفْقَةً وَثِيْقَةً لاَ يَبْطُلُ حَقُّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ عَلَى طَعَامٍ أَوْ فِي صَلاةٍ نَافِلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ (و) قَطْعُهَا عَلَى خِلاَفِ العَادَةِ.
قال الرافعي: إنما أعاد ذكر الفَوْر، فقال: "والصحيح أنه على الفور" لأنه أراد التفريج عليه.
واعلم أنا إنما نحكم بالفور بَعْد علم الشفيع بالبيع.
أما إذا لم يعلم حتى مضت سنون، فهو على حقِّه.
ثم إذا علم فلا يكلّف ابتدارًا على خلاف العادة بالعد ونحوه، بل يرجع فيه إلى العُرْف فما يعد تقصيرًا أو توانيًا في الطلب يسقط الشفعة، وما لا يعد تقصيرًا لاقتران عذر به لا يسقطها، والأعذار ضربان:
أحدهما: ما لا ينتظر زواله عن قرب كالمرض المانع من المطالبة، فينبغي للمريض أن يوكل إن قدر عليه، وإن لم يفعل فثلاثة أوجه:
أصحها: بطلان الشفعة، كما لو أمكنه الطلب بنفسه فقصر.
والثاني وبه قال أبُو علِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لا يبطل؛ لأنه يلزمه في التوكيل مِنَّة أو مُؤْنَة.
والثالث: إن لم يلزمه فيه مِنَّة ولا مؤْنَة ثقيلة يبطل حقه، وإن لزمه أحدهما لم يبطل.
وإن لزمه أحدهما لم يبطل.
وإن لم يمكنه التوكيل، فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد فقولان، أو وجهان:
أظهرهما: أنه يبطل حقه؛ لأن السكوت مع التمكن من الإشهاد مشعر بالرضا.
والثاني: لا يبطل، وإنما الإشهاد لاثبات الطلب عند الحاجة، وهذا ما اختاره الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ.
والخوف من العدو كالمرض، وكذا الحَبْس إن كان ظلمًا أو بِدَيْنٍ هو معسر به، وعاجز عن بَيِّنَة الإعسار، فإن حبس بحق، فإن كان مليئًا فهو غير فعذور، بل عليه الأداء والخروج.
الجزء: 5 - الصفحة: 539
ومن هذا الضرب غنية، فإذا كان المشتري في بلدة، والشفيع في غيرها، فعلى الشفيع أن يخرج طالبًا كما بلغه الخبر، أو يبعث وكيلًا إلاَّ أن يكون الطريق مخوفًا، فيجوز التأخير إلى أن يجد رُفْقَة وثيقة يصحبها هو أو وكيله، أو يزول الحَرَّ المفرط، أو البرد المفرط، فإذا أخر لذلك، أو لم يمكنه المسير بنفسه، ولا وجد وكيلاً فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد، ففي بطلان حقه الخلاف السابق، وأجرى ذلك في وجوب الإشهاد إذا سار في الحال، والظاهر هاهنا أنه لا يحب، ولا تبطل الشفعة بتركة، كما لو أنفذ وكيلاً.
ولم يشهد يكتفي فيه بذلك، وليطرد فيما إذا كان حاضرًا في البلد، فخرج إليه، أو إلى مجلس الحكم، كما سبق في الرد بالعيب.
والضرب الثاني: ما ينتظر زواله عن قريب، بأن كان مشغولًا بطعام أو صلاة، أو قضاء حاجة، أو في حمَّام، فله الإتمام ولا يكلِّف قطعها على خلاف المعهود.
وفيه وجه: أن عليه قطعها حتى الصلاة إذا كانت نافلة، ولو دخل وقت الأكل والصلاة، أو قضاء الحاجة جاز له أن يقدّمها، فإذا فرغ طالب بالشفعة، ولا يلزمه تخفيف الصلاة، والاقتصار على أقل ما يجزئ.
ولو رفع الشفيع الأمر إلى الحاكم، وترك مطالبة المشتري مع حضوره جاز، وقد ذكرناه في الردِّ بالعيب.
ولو أشهد على الطلب، ولم يراجع المشتري والحاكم لم يكلُّف، خلافًا لأبي حنيفة.
وإن كان المشتري غائبًا، فالقياس أن يرفع الأمر إلى الحاكم، ويأخذ كما ذكرنا هناك، وإذا ألزمناه الإشهاد، ولم يقدر عليه، فهل يؤمر أن يقول: تملّكت الشفعة؟ فيه وجهان مَرَّ نظائرهما في الرد بالعيب.
وإذا تلاقيها في غير بَلَدِ الشِّقص، فأخر الشفيع إلى العود إليه بطل حقه؛ لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص.
وقوله في الكتاب: "فإذا بلغه الخبر" أي خبر من يعتمد قوله "فلينهض عن مكانه طالبًا"، أي إما بنفسه أو بنائبه.
وقوله: "فإن لم يوكل مع القدرة بطل حقه" معلّم بالواو.
وكذا قوله: "لم يلزمه قطعها".
قال الغزالي: وَلَوُ أَخْبَرَ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُصَدِّقِ المُخْبِرَ فَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتَهُ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لا تُقْبَلُ رِوايَتُهِ كَفاسِقٍ وَصَبيٍّ فَلا يَبْطُلُ، وإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَاحِدٌ أَوْ
الجزء: 5 - الصفحة: 540
عَبْدٌ تُقْبَلُ رِوَايتُهُ فالأَظْهَرُ (و) أَنَّهُ يَبْطُلُ حَقُهِ، وإِنْ كَذَّبَ المُخْبِرُ فِي مِقْدَارِ الثمَن، أَوْ تَعْيينِ المُشْتَرِي، أَوْ جِنْسِ (وح) الثَّمَنِ، أَو قَدْرِ المَبِيعِ فَتَرَكَ المَبيَع لَمْ يبَطُل حَقَّهُ لأَنَّ لَهُ غَرَضًا، وإِنْ أَخبرَ بأَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَإذا هُوَ الْفَانِ لَمْ يْكُنِ لَهُ الرُجُوَعُ إِذْ لا غَرضَ فِيهِ، وإِذَا لَقِيَ المُشْتَرِي فَقَالَ؛ السَّلاَم عَلَيْكُمْ لَمْ يبَطُلَ حَقُّهُ، وَلَوْ قَال: بِكَمْ اشْتَرَيْتَ فَفِيهِ تَردُّدٌ، وَكَذا في قَوْلِهِ: بَارَكَ اللَهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ، وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتَ رَخِيصًا وَأَنَا طَالِبٌ؛ بَطَلَ حَقُّهُ؛ لأنَّهُ فُضُولٌ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على صور:
إحداها: إذا أخر الطلب، ثم قال: إنما أخرت؛ لأني لم أصدق المخبر عنه نظر إن أخبره عدلان يبطل حقه؛ لأن شهادتهما مقبولة، فكان من حقه أن يعتمد قولهما، ويثق به، وكذا لو أخبره رجل وامرأتان.
وإن أخبره من لا تقبل روايته، كالكافر والفاسق والصبي لم يبطل حقه، وإن أخبره عَدْلٌ واحد حُرٌ أو عبد، فوجهان:
أحدهما: لا يبطل حقه: لأن الحجة لا تقوم بالواحد، وهو رواية عن أبِي حَنِيْفَةَ ذكره في "التتمة".
وأظهرهما: البطلان؛ لأنه إخبار، وإخبارهم مقبول.
وفي "النهاية" أنهم ألحقوا العبد بالفاسق؛ لأنه ليس من أهل الشَّهادة، والمرأة الواحدة كالعبد حتى يجيء فيها الوجهان.
وقطع بعضهم بأن إخبارها لا يبطل حقه، وعلى هذا فلو أخبره نسوة، قال أبو سَعِيدٍ المُتَولي: ينبني على أن المدعي إذا أقام امرأتين هل يقضى بيمينه معهما؟
إن قلنا؛ لا فإخبارهن كإخبار المرأة الواحدة.
وإن قلنا: نعم، فكالعدل الواحد، وهذا كله إذا لم يبلغ عدد المخبرين حدًا لا يحتمل التواطؤ على الكذب، فإن بلغه وأخر، بطل حقه، وإن كانوا فُسَّاقًا.
الثانية: لو كذبه المخبر، فزاد في قدر الثمن، بأن قال: باع الشريك نصيبه بألف، فعفا الشفيع، أو تَوانى، ثم بَانَ أن البيع بخمسمائة لم يبطل حقه، ولو كذب بالنقصان، فقال: باع بألف، فعفا، ثم بَانَ أنه باع بألفين، بَطُلَ حقه؛ لأنه إذا لم يرغب فيه بألف، فبألفين أولى، ولو كذب في تعيين المشتري، بأن قال باعه من زيد ثم بَانَ أنه باعها من غيره، أو قال المشتري: اشتريت لنفسي، ثم بَانَ أنه كان وكيلاً، أو في جنس الثمن بأن قال: باع بالدراهم، فَبَانَ أنه باع بالدنانير، أو في نوعه بأن قال: باع "بالنيسابورية"، فَبَانَ
الجزء: 5 - الصفحة: 541
أنه باع "بالمروبة"، أو في قدر المبيع بأن قال: باع كل نصيبه، فَبَانَ أنه بعضه، أو بالعكس لم يبطل حقه؛ لأنه ربما يرضى بتركه لزيد دون غيره، وقد يجد الدنانير دون الدراهم، أو يرغب في الكل دون البعض، وبالعكس، وكذا لو قال: باعه من فلان، فعفا، ثم بَانَ أنه باع من غيره، أو قال: باعه من رجلين، فَبَانَ أنه باعه من أحدهما، أو قال: باعه بكذا حالاًّ، فَبَانَ أنه باعه مؤجلاً، أو قال: باع بكذا إلى شهر، فَبَانَ أنه باع إلى شهرين لا يبطل حقه، ولو قال: باعه بكذا مؤجلاً، فعفا، ثم بَانَ أنه باعه حالاً يبطل حقه؛ لأنه متمكن من التعجيل إن كان يقصده، وكذا لو قال: باع كله بألف، فعفا، ثم بَانَ أنه بيع بعضه بألف يبطل حقه؛ لأنه إذا لم يرغب في الكل بألف، ففي البعض أولى.
وعند أبي حَنِيْفَةَ إذا أخبرا عن البيع بالدراهم، فعفا، ثم بَانَ أن البيع بالدنانير أو بالعكس، ولم يتفاوت القدر عند التقويم بطلت شفعته، وبه أجاب الإمام، فيجوز أن يعلم بذلك قوله: "أو جنس الثمن" بالحاء والواو.
الثالثة: لقي المشتري، فقال: السلام عليك أو سلام عليك أو سلام عليكم لم يبطل حقه؛ لأن السنة السلام قبل الكلام 98 قال الإمام: ومن غلا في اشتراط قطع ما هو مشغول به من الطعام، وقضاء الحاجة لا يبعد أن يشترط ترك الابتداء بالسلام.
وفيما إذا قال عند لقاء المشتري: بكم اشتريت؟ وجهان:
ذكر العراقييون أنه يبطل حقه.
وقال: من حقه أن يظهر الطلب ثم يبحث.
والأصح بالمنع؛ لأنه إن لم يعلم قدر الثمن، فلا بد من البحث عنه، وإن علم فيجوز أن يريد أخذ إقرار المشتري كي لا ينازعه في الثمن.
وحكى الإمام وجهين أيضًا فيما إذا قال: بارك الله في صفقة عن قياس طريق طريق المَرَاوزة أنه يبطل حقه؛ لأن هذا الدعاء يشعر بتقرير الشقص في يده، فلا ينتظر الطلب عقبه.
وأصحهما: وهو الذي أورده المعظم أنه لا يبطل؛ لأنه قد يدعو بالبركة ليأخذ بصفقة مباركة، ولو قال: اشتريت رخيصًا، وما أشبه، ثم أعقبه بالطلب بطل حقه؛ لأنه فضول لا غرض فيه، ولو أخر الطلب، ثم اعتذر بمرض أو حبس، أو غيبة، وأنكر المشتري، فالقول قول الشفيع إن علم له العارض الذي يدعيه، وإلاَّ فالمصدق المشتري
الجزء: 5 - الصفحة: 542
ولو قال: لم أكن أعلم بثبوت حق الشفعة أو كونها على الفور، فهو كما مر في الرد بالعيب والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ مَعَ العِلْمِ بِالشُّفْعَةِ بَطُلَ حَقُّهُ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَولاَنِ مِنْ حِيْثُ إنَّهُ انْقَطَعَ الضَّرَرُ، وإنْ صَالَحَ عَنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحَ، ثُمَّ إنْ كَانَ جاهِلًا فَفِي بُطْلاَنِ شُفْعَتِهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في هذه البقية مسألتان:
الأولى: إذا باع الشفيع نصيب نفسه من العقار أو وهب عالمًا بثبوت الشفاعة له بطل حقه.
أما إذا جعلنا الشفعة على الفور فظاهر.
وأما إذا جعلناها على التراخي، فلأن الشفعة إنما ثبتت لدفع ضرر سوء المشاركة ومؤنة المقاسمة، وإنما يلزم ذلك من التركة، فإذا باع نصيب نفسه، فقد أزال سبب الشفعة.
ولو باع بعض نصيبه حكى الشيخ أبُو عَلِيٍّ وغيره فيه قولين:
أحدهما: أن شفعته لا تبطل؛ لأنه لو لم يملك إلاَّ ذلك القدر ابتداءً لثبتت الشفعة فلذلك إذا بقيت إنتهاءً.
والثاني: تبطل لأنه إنما يستحق الشفعة بجميع نصيبه، فإذا باع بعضه بطل بقدره وإذا بطل البعض بكل، كما لو عفا عن بعض الشِّقْص المشفوع، وهذا أظهر على ما ذكره الأمام وغيره، هذا إذا كان عالمًا.
أما إذا باع نصيبه جاهلًا بالشفعة، قال أكثرهم: فيه وجهان: وقال صاحب الكتاب قولان:
أحدهما: أنه على شفعته؛ لأنه كان شريكًا يوم البيع، ولم يرضَ بسقوط حق الشفعة.
وأشبههما: أنها تبطل لزوال سبب الشفعة، ولهذا لو زال عيب المبيع قبل التمكُّن من الرد، سقط حق الرد، ولو باع بعض نصيبه جاهلًا أطلق في "التهذيب" أن شفعته لا تبطل، والوجه أن يكون على الخلاف السابق إذا فرعنا على أنه لو باع الجميع بطلت شفعته 99.
الجزء: 5 - الصفحة: 543
الثانية: لو صالح على حق الشفعة على مال، فهو على ما ذكرناه في الصلح عن الرد بالعيب.
واختار أبُو إسحاق المَرْوَزِيُّ صحته، ولو تصالحا على أن يأخذ بعض الشقص، فيصح الصُّلْح برضا المشتري بالتبعيض، أو يبطل، وتبقى خيرة الشفيع بين أخذ الكل، وترك الكل أو تبطل شفعته أصلًا تنزيلًا لترك البعض منزلة ترك الكل؟.
نقلوا فيه ثلاثة أقوال.
وقد فرغنا بتوفيق الله -تعالى- من شرح مسائل الكتاب، ونزيده بفصلين:
أحدهما: في الحيل الدافعة للشفعة.
منها: أن يبيع الشقص بأضعاف ثمنه دراهم ويأخذ عرضًا قيمته مثل الثمن الذي يتراضيان عليه بدلًا من الدراهم، أو يحط من المشتري ما يزيد عليه، فلا يرغب الشفيع في الشفعة لحاجته إلى الأخذ بالدراهم المسماة، وفيها غرر؛ لأنّ البائع قد لا يرضى بالعرض عوضًا أو لا يحط على المشتري ما يزيد عليها.
ومنها قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يشتري أولًا بائع الشقص عرضًا يساوي ثمن الشقص بأضعاف ذلك الثمن، ثم يجعل الشقص عوضًا عما لزمه، وفيها غرر؛ لأن البائع قد لا يرضى به.
ومنها: أن يبيع جزءًا من الشقص بالثمن كله، ويهب منه الباقي، فلا يأخذ الشفيع الشقص المبيع للغبن، ولا يتمكن من أخذ الموهوب، وفيها غرر ظاهر.
ومنها: أن يجعل الثمن حاضرًا مجهول القدر، ويقبضه البائع وينفقه، أو يخلط بغيره، فتندفع الشفعة، وفيه خلاف ابْنُ سُرَيْج على ما تقدَّم.
ومنها إذا وهب المشتري الشِّقص أو وهبه يبطل حق الشفيع على رأي أبِي إسحاق.
ومنها: لو باع بعض الشقص، ثم باع الباقي لم يكن للشفيع أخذ جميع المبيع ثانيًا في أحد الوجهين، فيندفع أخذ الجميع.
ومنها: لو وكَّل البائع شريكه بالبيع فَبَاعَ لم يكن له الشفعة على أحد الوجهين، وقد سلف ذكر هذه المسائل 100.
الجزء: 5 - الصفحة: 544
فرع: عند أبِي يُوسُفَ لا يكره دفع الشفيع بالحيلة، إذ ليس فيها تفويت حقّ على الغير؛ لأن الحق إنما يثبت بعد البيع.
وعند مُحَمَّدٍ يكره لما فيه من إيقاع الشفيع في الضرر مع حقه من الثبوت، وهذا أشبه بمذهبنا في الحيلة في دفع الزكاة 101 وهما يختلفان في الزكاة.
الفصل الثاني: في مسائل وفروع من الباب لم تسلك فيما قدمنا، ونوردها منثورة، فنقول: للمفلس العفو عن الشفعة، والأخذ والاعتراض عليه للغرماء، وينبغي أن يعود في أخذه الخِلاَف المذكور في شرائه في الذِّمة، ثم الكلام في أنه لم يؤد الثمن على ما ذكرناه في التفليس.
ولو وهب شقصًا من عبده، وقلنا: إنه يملك، فبيع باقيه.
قال الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ: تثبت له الشفعة، وهل يفتقر إلى إذن جديد من السيد؟ فيه وجهان.
ولعامل القراض الأخذ بالشفعة، فإن لم يأخذ، فللمالك الأخذ ولو اشترى بمال القِرَاض شقصا من عقار فيه شركة لربّ المال، ففي ثبوت الشفعة له وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ:
أصحهما: المنع.
ووجه الثاني: أن مال القِرَاض كالمنفرد عن ملكه لتعلق حق الغير به، ويجوز أن يثبت له على ملكه حق، والحالة هذه كما لو ثبت له على عبده المَرْهُون حق الجناية، وإن كان العامل شريكًا فيه، فله الأخذ إن لم يكن في المال ربح، أو كان، وقلنا: إنه لا يملك بالظهور، وإن قلنا: إنه يملك، فعلى الوجهين في المالك.
ولو كان الشِّقْصُ في يد البائع فقال الشفيع: لا أقبضه إلا من المشتري فيه وجهان عن ابْنُ سُرَيْجٍ:
أحدهما: له ذلك، ويكلف الحاكم المشتري أن يتسلّمه، ويسلمه إلى الشفيع، وإن كان غائبًا نصب الحاكم من ينوب عنه في الطرفين.
والثاني: أنه لا يكلف ذلك، بل يأخذه الشفيع من يد البائع، وسواء أخذ من
الجزء: 5 - الصفحة: 545
المشتري، أو من البائع فعهدة الشفيع على المشتري، فإن الملك ينتقل إليه منه 102.
وقال أبُو حنيفة: إن أخذه من يد المشتري، فالعهدة على المشتري، وإن أخذه من يد البائع، فالعهدة عليه، ولو اشترى شقصًا شرط البراءة من العيوب، فإن أبطلنا البيع فذاك، وإن صححناه، وأبطلنا الشرط، فكما لو اشترى مطلقًا، فإن صحننا الشرط فللشفيع رده بالعيب على المشتري، وليس للمشتري الرَّد، كما لو كان المشتري عالمًا بعيبه عند الشراء، والشفيع جاهلًا به عند الأخذ، وإن علم الشفيع العيب دون المشتري، فلا رد للشفيع، وليس للمشتري طلب الأَرْش؛ لأنه استدراك للظُّلامة، أو لأنه لم ييأس من الرد، فلو رجع إليه ببيع، أو غيرها لم يرده على العلّة الأولى، ويرده على الثانية، ولو قال أحد الشريكين للآخر: بيع نصيبك، فقد عفوت عن الشفعة، فباع ثبتت له الشفعة، ولغا العفو قبل ثبوت الحق.
وعن تفريع ابن سُرَيْجٍ عن "الجامع الكبير" لمحمد أنه إذا باع شِقْصًا، ضمن الشفيع العهدة للمشتري لم تسقط بذلك شفعته، وكذلك إذا شرط الخيار للشَّفيع، وصححنا شرط الخيار للأجنبي، ولو كان بين أربعة دار، فباع أحدهم نصيبه، واستحق الشركاء الشفعة، فشهد اثنان منهم على الثالث بالعفو، ثبتت شهادتهما ان شهدا بعد ما عفوا وإن شهدا قبله لم تقبل؛ لأنهما يجران الشقص إلى أنفسهما، فلو عفوا ثم أعادوا بتلك الشهادة لم تقبل أيضًا للتهمة، وإن شهدا بعد ما عفا أحدهما قبلت شهادة العافي دون الآخر، فيحلف المشتري مع العافي، ويثبت العفو، ولو شهد البائع على عفو الشفيع قبل قبض الثمن لم يقبل؛ لأنه قد لا يقصد الرُّجوع بتقدير الإفلاس، وإن كان بعد القبض فوجهان؛ لأنه ربما يتوقع الرجوع إلى العين لسبب من الأسباب، ولو أقام المشتري على عفو الشفيع بينه، وأقام المشتري بيِّنة على أنه أخذ بالشفعة، والشقص في يده، فبيِّنة الشفيع أولى لتقويها باليد، أو بيِّنة المشتري لزيادة علمها بالعفو؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني، ولو شهد السيد على شراء شقص فيه شفعة لمكاتبه، فعن الشيخ أبِي مُحَمَّدٍ: قَبُول شهادته.
قال الإمام: كأنه أراد أن يشهد للمشتري إذا ادعى الشراء ثم إذا ثبت الشراء فيجوز أن تثبت الشفعة تبعًا أما شهادته لمكاتب فإنها لا تقبل بحال، ولو كان الشفيع صبيًا،
الجزء: 5 - الصفحة: 546
فعلى وليِّه الأخذ إن كان فيه مصلحة، وإلاَّ لم يجز الأخذ، وإذا ترك بالمصلحة، ثم بلغ الصَّبي، فهل له الأخذ؟
فيه خلاف ذكرناه في آخر الحجر، ولو كان بين اثنين دار، فمات أحدهما عن حمل في البطن ثم باع الآخر نصيبه، فلا شفعة للحمل؛ لأنه لا يتيقن وجوده، فإن كان له وارثٌ غير الحمل، فله الشفعة، وإذا انفصل حيًا، فليس لوليِّه أن يأخذ شيئًا من الوارث، ولو ورث الحمل الشفعة عن مورثه، فهل لأبيه أو جدّه الأخذ قبل انفصاله.
فيه وجهان:
وجه المنع، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه لا يتيقّن وجوده، فإذا أخذ الشفيع الشقص وبنى فيه أو غرس وخرج مستحقًا وقلع المستحق، بناءه وغراسه، فالقول فيما يرجع به الشفيع على المشتري من الثمن، وما ينقص قيمة البناء والغراس وغيرهما، كالقول في رجوع المشتري من الغاصب عليه.
قال الإمام: وإن نظرنا إلى أن الرجوع بما ينقص من قيمة البناء والغراس هناك مبني على التغرير، ولا تغرير من المشتري، بل الشِّقص مأخوذ منه قهرًا، فيجوز أن يجاب عنه بأنه مختار في الشراء، والأخذ بالشفعة موجب للشراء.
ولو مات رجل، وله شقص من داره، وعليه ديون تستغرق التركلة، فباع الشريك الآخر نصيبه قبل أن يباع الشقص في الدَّين.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: للورثة أخذه بالشفعة، وهو جواب على أن الدَّيْن لا يمنع انتقال المِلْك، في التركة إلى الورثة، وهو الأصح.
فإن قلنا: يمنع، فلا شفعة لهم، ولو خلف دارًا وديونًا لا تستغرق قيمة الدار، فبيع منها ما بقي بالدَّين.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا شفعة للورثة فيما بيع بما بقي لهم في الملك، وهذا مستمر على الأصل السابق، فإنهم إذا ملكوا الدار كان المبيع جزءًا من ملكهم، ومن بيع جزء من ملكه بحق لم يكن له استرجاعه بالباقي.
فإن قلنا: إنه يمنع، فمنع الملك في قدر الدَّين، أم في جميع التركة؟ فيه خلاف مذكور في موضعه.
إن قلنا بالثاني، فلا شُفْعَة لهم أيضًا؛ لأنهم إنما يملكون الباقي بأداء الدين، وإنما تثبت الشُّفعة بملك يتقدَّم على البيع.
وإن قلنا بالأول ثبتت لهم الشفعة، ولو كانت الدَّار المشتركة بين المورث والورثة، ثم إنه مات، فبيع نصيبه أو بعضه في ديونه وصاياه.
الجزء: 5 - الصفحة: 547
قال ابن الحَدَّادِ: لهم بالشفعة، وهذا يخالف الأصل الذي سبق فإنهم إذا ملكوا التركة صار جميع الدار ملكهم، فيكون المبيع جزءًا من ملكهم.
واختلف من بعده.
فمنهم من أخذ به، وقال ما يباع في ديونه ووصاياه بمثابة ما يبيعه بنفسه، ولو باعه في حياته بنفسه كان لهم الشفعة فكذلك هاهنا.
والأكثرون خالفوه وجروا على قضية ذلك الأصل، ثم منهم من خطَّأه، وقال: إنما ينتظم هذا الجواب على قولنا: إن الدين يمنع ملكهم، فيستحقون الشفعة بالملك القديم.
وعن الشيخ أبِي زَيْدٍ حمل كلامه على ما إذا باع بنفسه في مرض موته، ومن "مولدات" ابْنِ الحَدَّادِ دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها، ونصفها بين الأخيرين بالتسوية، فاشترى صاحب النصف نصيب أحد الآخرين، ثم باع ثلث ما معه مطلقًا من أجنبي، والشريك الثالث غائب مثلاً.
فاعلم أن الشفيع في المبيع الثاني وهو الشريك الثالث لا غير.
وأما في الأول فيتعلق النظر بأصلين:
أحدهما: الخلاف الذي سبق في أن المشتري إذا كان أحد الشركاء تكون الشفعة بينه وبين الشريك الآخر أو يختص بهذا الشريك الآخر.
والثاني: عود القولين في أن الشفعة على عدد الرءوس أو الحصص، إذا حكمنا بالشركة، إذا عرفت ذلك، فإذا قدم الغائب، وفرعنا على قسمة بينه وبين المشتري، وهو الأصح، نظرنا إن طلب الشُّفعة في العقد الأول فله مما اشتراه الشريك، على قولنا بالتوزيع على عدد الرءوس النصف، وهو ثمن جميع الدار، وذلك شائع فيما معه، وهو ثلاثة أرباع الدار، فإذا باع ثلث ما معه كان بائعًا ثلث حق الشفيع، ولا يتصرف إلى الشريك ما يستقر ملكه فيه؛ لأن الكل قابل للبيع، فيأخذ القادم من الشريك ثلثي الثَّمن، ومن المشتري منه ثلث الثمن، فيتم له ما استحقه بالعقد الأول.
وإن قلنا بالتوزيع على الحِصَص، فله مما اشتراه الشريك الثلث؛ لأن ملكه قدر نصف ملك الشريك، وحينئذ فله نصف سدس الدار، فيأخذ من الشريك ثلثي نصف السدس، ومن المشتري منه ثلثه، لما ذكرنا من الشُّيوع، فعلى القول الأول يخرج الحساب من أربعة وعشرين؛ لأن نصيب الغائب سدس ما معه، وهو الثلاثة أرباع الدار، فيحتاج إلى عدد لثلاثة أرباعه سدس، فتضرب أربعة في ستة تكون أربعة وعشرين، وعلى الثاني من ستة وثلاثين؛ لأن نصيب الغائب تسع ما معه، فيحتاج إلى عدد لثلاثة أرباعه تسع، فتضرب أربعة في تسعة يكون ستة وثلاثين، والربع الذي اشتراه الشريك على التقدير الأول ستة وعلى الثاني تسعة، ثم إذا أخذ ذلك، فله أن يأخذ ما بقي من يد المشتري بالعقد الثاني، وله أن يعفو فيكون للمشتري الخيار بين أن يفسخ
الجزء: 5 - الصفحة: 548
لتفرُّق الصفقة عليه، وبين أن يختار بحصَّته من الثمن.
أما إذا فرعنا على أن المشتري إذا كان شريكًا لا شُفْعَة له، بل يختص بها الشريك الآخر، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، فإن الغائب إذا كان يأخذ جميع ما اشتراه الشريك لو لم يكن بيع ثانٍ، فإذا باع ثلث ما في يده، فقد باع من حقّ الغائب الثلث، فإذا قدم أخذ ثلث الربع من المشتري، وثلثيه من الشريك، فيتم له ما استحق بالبيع الأول، ثم له أن يأخذ ما في يد المشتري بالعقد الثاني، وله أن يعفو عن الأول، ويأخذ جميع الربع من يد المشتري، وهذا كله فيما إذا باع ثلث ما في يده مطلقًا أما إذا قال: بعت ربع الذي اشتريت، فليس للغائب أن يأخذ غير ما في يد المشتري من الشريك، لكنه إن عفا عن شفعة البيع الأول أخذ جميع الربع بالبيع الثاني، وإن أراد الأخذ بالبيع الأول فسخ البيع في نصف الربع على قول التوزيع على الرءوس وثلثه على القول المقابل له، ثم له أخذ الباقي بالبيع الثاني، ولو قال: بعت الدار من جملة النصف الذي كنت أملكه قديمًا، فللغائب أن يأخذ جميعه بالعقد الثاني، وأن يأخذ بالعقد الأول مما في يد الشريك نصف الربع، أو ثلثة على اختلاف القولين والله أعلم.
تم الجزء الخامس،
ويليه الجزء السادس، وأوله:
"كتاب القراض"
الجزء: 5 - الصفحة: 549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ