العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ بَابَانِ قال الغزالي: الأَوَّلُ، في القَصْرِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَالمَحَلِّ وَالشَّرْطِ.
قال الرافعي: لم يترجم العلماء هذا الباب بصلاة المسافرين، لا على معنى أن للمسافرين صلاة يختصون بها، ولكن على معنى أن لهم كيفية في إقامة الفرائض لا تعم كل مصل، وإنما شرعت تخفيفاً عليهم؛ لما يلحقهم من تَعَبِ السَّفرِ.
وهي نوعان: أحدهما: تخفيف في نفس الصَّلاة، وهو القصر.
والثاني: تخفيف في رعاية وقتها، وهو الجمع فرسم لهم بابين، والتخفيف الثاني: لا يختص بالسفر بل المطر يثبته أيضاً، لكن السفر أقوى سببيه على ما تبين في التفاصيل، فجعل الآخر تبعاً له، وأورد في صلاة المسافرين.
أما القصر فهو جائز بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 1. روي أن يعلى بن أمية قال: "قُلْتُ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إِنَّمَا قَالَ اللهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَقَد أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرٌ عَجِبْتُ مَمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" 2. وهل هو رخصة أو عزيمة؟ عندنا هو رخصة.
ولو أراد الإتمام جاز، وبه قال أحمد؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا رَجَعْتُ قَالَ مَا صَنَعْتِ فِي سَفَرِكِ، فَقُلْتُ: أَتْمَمْتُ الَّذِي قَصَرْتُ وَصُمْتُ الَّذِي أَفْطَرْتُ فَقَالَ: أَحْسَنْتِ" 3.

الجزء: 2 - الصفحة: 206

وقال أبو حنيفة: القصر عزيمة، ولا تجوز الزيادة على الركعتين في الصَّلاة الرباعية، ولو صلى أربعاً فإن قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأت الركعتان عن فرضه، والأخريان له نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته؛ وهذا في المنفرد، وأما إذا اقتدى بمقيم سلّم أنه يتم.
وعن مالك روايتان: إحداهما: كمذهبنا، والأخرى كمذهبه، واعلموا في نسخ الكتاب قوله: (وهو رخصة) بالحاء والميم إشارة إلى مذهبهما، وظني أن هذا الإعلام فاسد؛ لأن وصف الشيء بأنه رخصة قد يكون بالمعنى المقابل للعزيمة، وقد يكون بمعنى أنه جائز -يقال أرخص لفلان في كذا، أي: جوز له ذلك-، والأشبه أن المراد هاهنا المعنى الثاني؛ لأنه قال عند وجود السبب والمحل والشرط؛ ومعلوم أن الجواز يفتقر إلى هذه الأمور، سواء كان رخصة أو عزيمة، ولا يختص الافتقار إليها بالرخصة المقابلة للعزيمة، وإذا كان المراد أنه جائز فلا خلاف فيه حتي يعلم.
قال الغزالي: (الأَوَّلُ) السَّبَبُ وَهُوَ كُلُّ سَفَرٍ طَوِيلٍ مُبَاحٍ (ح) وَالمُرَادُ بِالسَّفَرِ رَبْطُ القَصْدِ بِمَقْصَدٍ مَعْلُومٍ، فَالهَائِمُ لاَ يَتَرَخَّصُ وَإنَّمَا يَتَرَخَّصُ المُسَافِرُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ السُّورِ أَوْ عُمْرَانِ البَلَدِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُورٌ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ المَزَارعَ والبَسَاتِينَ، وَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا عَلَى سُكَّانِ القَرَايَا أَعْنِي المَزَارعَ المَحُوطَةَ، وَعَلَى النَّازِلِ فِي الوَادِي أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عُرْضِ الوَادِي، أَوْ يَهْبِطَ إنْ كَانَ عَلَى رَبْوَةٍ، أَوْ يَصْعَدَ إنْ كَانَ فِي وَهْدَةٍ، أَوْ يُجَاوِزَ الخِيَامَ إنْ كَانَ فِي حِلَّةٍ.
قال الرافعي: السبب المجوز للقصر السفر الطويل 4 المباح 5، فهذه ثلاثة قيود: أولها: السفر، وقد تكلَّم في معناه ثم في ابتدائه وانتهائه.
أما معناه: فلا بد فيه من ربط القصد بمقصد معلوم فلا رخصة للهائم الذي لا يدري إلى أين يتوجه أكان طال سيره؛ لأن كون السَّفر طويلاً لا بد منه، وهذا لا يدري أن سفره طويل أم لا، والهائم هو الذي سماه راكب التعاسيف في باب الاستقبال، ويجوز أن يعلم قوله: (فالهائم لا يترخص) بالواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن بعضهم فيه وجهين، بناء على القولين فيما إذا سلك الطريق الطويل وترك القصير لا

الجزء: 2 - الصفحة: 207

لغرض، ولعل هذا بعد أن يسير مسافة القصر، والله أعلم.
ولو استقبله برية، واضطر إلى قطعها أو ربط قصده بمقصد معلوم بعد ما هام على وجهه أياماً فهو منشئ للسفر من حينئذ، وتنبه من لفظ الكتاب أمور.
أحدها: إنما قال: (والمراد بالسفر) ولم يذكر أن السفر عبارة عن المعنى الذي يخرج عنه الهائم؛ لأنه ينتظم أن يقال، هو هائم في سفره.
والثاني: أنه في الكلام إضمار، معناه ربط قصد السَّيْرِ بمقصد مَعْلُوم، لأن مجرد النِّية لا يَجعله مسافراً ولا تفيد الرخصة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ 6 الآية، ربط القصر بالضَّرْبِ في الأرض لا بقصد الضرب، وهذا بخلاف ما لو نوى المُسَافِرُ الإقامةَ في موضع صالح لها، حيث يصير مقيماً؛ لأن الأصل الإقامة والسفر عارض، فيجوز أن يعود إلى الأصل بمجرد النية ولا يعود به من الأصل إلى العارض وهذا كما أن مال القنية لا يصير مال نجدة بمجرد النية ومال التجارة يصير مال قنية بمجرد النية 7. والثالث: أن قوله ربط القصد بمقصد معلوم، يخرج عنه ما لو خرج في طلب آبق لينصرف مهما لقيه؛ لأن المراد من المقصد المكان الذي كان يتوجه بسيره إليه وهو لا يقصد ثَمَّ مكاناً معيناً، وهذه المسألة قد ذكرها في الكتاب في قيد طويل، وسنذكرها ونظائرها من بعد.
وأما ابتداء السفر فيتبين بتفصيل الموضع الذي منه الارتحال، فإذا ارتحل عن بلدة، نظر إن كان لها 8 سورة فلا بد من مجاوزته، وإن كان داخل السور مزارع أو مواضع خربة لأن جميع ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة، وإذا جاوز السور فلفظ الكتاب كالصريح في أنه ابتداء السفر، ولا يتوقف الترخص على شيء آخر؛ لأنه قال: (وإنما يترخص المسافر عند مجاوزة السور) ونَقْلُ كثير من الأئمة يوافقه، ولكن في بعض "تعاليق" المروذيين أنه إن كان خارج السور دور متلاصقة أو مقابر فلا بد من مفارقتها، ويقرب من هذا إيراد الكلام في "التهذيب" فلك أن تقدر في المسألة وجهين، وتوجه الأول بأن تلك الأبنية لا تعد من البلد، ألا ترى: أنه يقال: مدرسة كذا خارج البلد.

الجزء: 2 - الصفحة: 208

ويوجه الثاني بأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها، فلها حكمها، ولك أن لا تثبت خلافاً في المسألة وتؤول أحد النقلين على الآخر.
والثاني: أوفق لكلام الشافعي، فإنه -رضي الله عنه- قال في "المختصر": "وإن نوى السفر فَلاَ يقصر حق يفارق المنزل إن كان حَضَرِيًّا" فلم يعتبر السور، وإنما اعتبر مفارقة المنازل.
والله أعلم.
وإن لم يكن للبلدة سور، إما في صور سفره أو مطلقاً، فابتداء السفر بمفارقة العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، والخراب الذي يتخلل العمارات معدود من البلد كالنهر الحائل بين جانبي البلد مثل ما في بغداد، فلا يترخص بالعبور من أحد الجانبين إلى الآخر، وفي هذا شيء سنذكره في "كتاب الجمعة" إن شاء الله تعالى.
وإن كانت أطراف البلدة خربة ولا عمارة وراءها، فلفظ الكتاب يقتضي الاستغناء عن مجاوزتها، فإنه قال: (أو عمران البلد إن لم يكن سور) ووجهه أنه الخراب ليس موضع إقامة، وهذا هو الموافق للنص الذي قدمناه، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب".
وقال أصحابنا العراقيون والشيخ أبو محمد: لا بد من مجاوزتها؛ لأنها معدودة من البلدة ومجاوزة البلدة لا بد منها، فليعلم قوله: (أو عمران البلد) بالواو كذلك، وهذا الخلاف فيما إذا كانت بقايا الحيطان قائمةً ولم يتخذوا الخراب مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر، فإن كان الأمر بخلافه فلا خلاف في أنه لا حاجة إلى مجاوزتها، ولا يشترط مجاورة البساتين والمزارع المتصلة بالبلد، وإن كانت محوطة؛ لأنها لا تتخذ للسكنى والإقامة إلا إذا كانت فيها قصور أو دور يسكنها ملاكها في جميع السنة أو في بعض فصولها، فلا بد من مجاوزتها حينئذ، وليعلم قوله: (وإن لم يجاوز المزارع والبساتين) بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن بعض الأصحاب، اشتراط مجاوزة البساتين والمزارع المضافة إلى البلدة مطلقاً، هذا كله فيما إذا ارتحل عن بلده.
وأما القرية فحكمها حكم البلدة في جميع ما ذكرناه، إلا أنه شرط في الكتاب مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة في القرى.
وقوله في الكتاب: (أعني المزارع المحوطة) ليس لتخصيص الحكم بالمزارع، بل البساتين في معناها بطريق الأولى، وقد صرح به في "الوسيط" ويمكن أن يقال: الغالب في البساتين [التحويط أو هو شرط في وقوع اسم البساتين] 9 فلم يحتج إلى إعادة

الجزء: 2 - الصفحة: 209

ذكرها مقيدة بالتحويط، وهذا الذي ذكره حجة الإسلام -قدس الله روحه- من اعتبار مجاوزة البساتين، والمزارع المحوطة، جميعاً بخلاف ما نقله غيره، أما إمام الحرمين، فإنه اعتبر مجاوزة البساتين.
وقال: هي معدودة من القُرَى، ولم يعتبر مجاوزة المزارع؛ لأنها ليست مَوْضِعَ سُكُونٍ، ثم قال: "فلو كانت بساتينها غير محوطة على هيئة المزارع أو مزارعها محوطة فلا يشترط عندي مجاوزتها" فصرح بأن مجاوزة المزارع وإن كانت محوطة لا تشترط.
وأما العراقيون من أصحابنا فإنهم لم يشترطوا مجاوزة البساتين، ولا مجاوزة المزارع، لأنهم ذكروا عدم الاشتراط في البلد، ثم قالوا: الحكم في القرى إذا أراد أن يسافر من القرية كالحكم في البلدة سواء، هذا لفظ المحاملي وغيره، فإذاً يجب إعلام قوله: (ويشترط مجاوزتها جميعاً على سكان القرى) بالواو ومعرفة ما فيه، ولو فرضت قريتان ليس بينهما انفصال فارق فهما كمحلتين، فيجب مجاوزتهما.
قال الإمام: وفيه احتمال فلو كان بينهما انفصال فإذا فارق قريته كفى وإن كانتا في غاية التقارب.
وعن ابن سريج أنهما إذا تقاربتا وجب مفارقتهما.
ولو جمع سور قرى متفاصلة فلا يشترط للسفر منها مجاوزة ذلك السور، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين.
ويتبين بهذا أن قوله في الكتاب: (عند مجاوزة السور) المراد منه السور المختص بالموضع الذي يرتحل منه، وأما المقيم في الصحارى، فلا بد له من مفارقة البقعة التي أقام بها قدر ما يكون فيه رحله وأمتعته وينتسب إليه، فإن سكن وادياً وسافر في عرضه فلا بد من مجاوزة عرض الوادي، نص عليه الشافعي -رضي الله عنه-.
قال الأصحاب: وهذا على الغالب في اتساع الوادي، فإن أفرطت السّعة لم يجب إلا مجاوزة القدر الذي يُعَد موضع نزوله أو موضع الحلة 10 التي هو منها، كما لو سافر في طول الوادي.
وعن القاضي أبي الطيب: أن كلام الشافعي -رضي الله عنه- مجرى على إطلاقه، وجانبا الوادي بمثابة سور البلد، والنازل فيهما يتحصن بهما، فلا بد من مجاوزتهما،

الجزء: 2 - الصفحة: 210

وإذا كان النازل على ربوة، فلا بد من أن يهبط، وإنه كان في وهدة فلا بد من أن يصعد، وهذا أيضاً عند الاعتدال كما ذكرنا في الوادي، وإذا كان في قوم أهل خيام كالأعراب والأكراد فإنما يترخص إذا فارق الخيام مجتمعة أو متفرقة ما دامت تعد حلة واحدة، وهي بمثابة أبنية البلدة والقرية، ولا يعتبر مفارقته لحلة أخرى، بل الحلتان كالقريتين المتقاربتين، وضبط الصَّيدلاني التفرق الذي لا يؤثر، بأن يكونوا بحيث يجتمعون للسمر في ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض فإذا كانوا بهذه الحالة فهم حَيٌّ واحد، ويعتبر مع مجاوزة الخيام مجاوزة مرافقيها كمطرح الرماد، وملعب الصبيان، والنادي، ومعاطن الإبل، فإنها معدوة من جملة مواضع إقامتهم.
وقوله: (وعلى النازل في الوادي أن يخرج عن عرض الوادي) وفي بعض النسخ: (أن يجزع عرض الوادي) وفي بعضها: (أن يجاوز) والمعنى لا يختلف، يقال: جزع الوادي أي قطعة وجزعة منعطفة، وفي الكلام إضمار معناه: يشترط عليه الخروج عن عرض الوادي إن كان سفره في صوب العرض.
وقوله: (يهبط إن كان على ربوة) لا يختص بالنازل في الوادي، بل الربوة والوهدة في غير الوادي أغلب، وقد يفرضان فيه أيضاً، والحكم لا يختلف، وليست كلمة (أو) فيهما مجاوزة الخيام للتخيير، لكن المقصد التعرض لأحوال النازل في الصحراء، وهو تارة يكون في وادٍ، وتارة على ربوة، وتارة تكون في وهدة، وتارة في مستوٍ من الأرض، فلا يفرض في حقه خروج من العرض ولا هبوط، ولا صعود، ولكنه يجاوز الخيام إن كان في حلة، ولا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي والصعود والهبوط بين المقيم المنفرد في خيمة، وبين أن يكون في جماعة أهل خيام على التفصيل الذي بيناه، ولك أن تعلم قوله: (أو يجاوز الخيام) بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى وجهاً، أنه لا يعتبر مفارقة الخيام، بل يكفي مفارقته خيمته خاصة.
قال الغزالي: فَإِنْ رَجَعَ المُسَافِرُ لِأَخْذِ شَيْءِ نَسِيَهُ لَمْ يُقْصِرْ فِي رُجُوعِهِ إلى وَطَنِهِ إِلاَّ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدٍ كَانَ غَرِيباً، فَأَظْهَرُ الوَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَامَ بِهَا.
قال الرافعي: إذا فارق المسافر بنيان البلدة، ثم رجع إليها لحاجة كأخذ شيء نسية، وغسل الدم من رعاف أصابعه، وتجديد طهارة، وما أشبه ذلك فلتلك البلدة أحوال ثلاث: إحداها: أن لا يكون له بها إقامة أصلاً، فلا يصير مقيمًا بالرجوع إليها والحصول فيها.
والثانية: [أن تكون وطنه، فليس له القصر إذا عاد إليها، لحصوله في مسكنه وموضع إقامته، وإنما يترخص إذا فارقها ثانياً.

الجزء: 2 - الصفحة: 211

والثالثة:] 11 أن لا تكون وطنه قد أقام بها مدة، فهل يترخص إذا عاد إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لو كانت وطنًا له، وهذا هو الذي ذكره في "التهذيب".
والثاني: نعم؛ لأنه أبطل عزم الإقامة وليست وطناً له، فكانت بالإضافة إليه كسائر المنازل، وهذا هو المذكور في "التتمة" والأصح عند إمام الحرمين وصاحب الكتاب؛ وحيث حكمنا بأنه لا يترخص إذا عاد إليه، فلو نوى أن يعود ولم بعدُ لا يترخص أيضاً، ويصير بالنية مقيمًا، ولا فرق بين حالة الرجوع وحالة الحصول في البلدة المرجوع، إليها أن ترخص ترخص فيهما، وإلا فلا، فقد صَرَّح بالتسوية بينهما في "الوسيط"، وبينه بقوله هاهنا: "لم يقصر في رجوعه إلى وطنه" على أنه لا يقصر في الوطن، بطريق الأولى، ولا يخفى أن الكلام مفروض فيما إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن قدر مسافة القصر، وإلا فهو سَفَر مُنْشَأٌ.
ويجوز أن يعلم قوله: (لم يقصر في رجوعه) بالواو، لأن القاضي أبا المكارم ذكر في "العدة": أنه يجوز له القصر في طريق البلد ذاهباً وجائياً ما لم يدخل البلد، فإذا دخل لا يقصر.
وقوله: (إلاَّ إذا رجع) استثناء منفصل، فإن البلدة التي تكون وطنًا له لا يكون الإنسان غريباً بها.
قال الغزالي: ثُمَّ نِهَايَةُ سَفَرِهِ بِالْعَوْدِ إلَى عُمْرَانِ الوَطَنِ أَوْ بِالْعَزْمِ عَلَى الاِقَامَةِ مُطْلِقاً أَوْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَلاَثة أَيَّام لَيْسَ فِيهَا يَوْمُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ غَرَضٌ يَعْلَمُ أنَّهُ لاَ يُنْتَجَزُ فِي ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُقِيمٌ، إلاَّ إِذَا كانَ الغَرَضُ قِتالاً فَيَتَرَخَّصُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِفِعْلِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَلْ يَزِيدُ عَلَى تِلْكَ المُدَّةِ؟ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ انتِجَازَ غَرَضِهِ كُلَّ سَاعَةٍ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الارْتِحَالِ تَرَخَّصَ إنْ كَانَ الغَرَضُ قِتَالاً، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَقَوْلاَنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في ما ينتهي به السفر، وقد عده في الوسيط ثلاثة أمور: أحدها: العود إلى الوطن.
والضبط فيه: أن يرجع إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء السفر منه،

الجزء: 2 - الصفحة: 212

وفي معنى الوصول إلى الوطن الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإقامة فيه الحد المعتبر كما سيأتي، ولو لم يعزم على الإقامة به ذلك الحد لم ينته سفره بالوصول إليه على أصح القولين؛ بل له القصر بعد الوصول إليه وفي انصرافه، ذكره في "التهذيب" وغيره، ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة، فهل ينتهي سفره بدخوله؟ فيه قولان: أحدهما: نعم كدخول وطنه.
وأصحهما: لا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وَمَن مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا ضحوا قَصَرُوا بِمَكَّةَ وَكَانَ لَهُمْ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ" 12. وطرد الصيدلاني هذين القولين فيما إذا مر في طريق سفره بوطنه؛ لأنه قال: لو خرج مَكِيٌّ إلى جدَّه، أو إلى موضع آخر يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إذا رجع إلى مكّة خرج منها إلى بعض الآفاق من غير إقامة فهل يصير مقيماً إذا دخلها راجعاً؟ فيه قولان، وذلك أن الرجل إذا مر ببلدة له فيها أهل ومال، هل يصير بدخولها مقيماً؟ فيه قولان؛ فعلى هذا العود إلى الوطن لا يوجب انتهاء السفر إلا إذا كان عازماً على الإقامة لكن المشهور أنه يصير مقيماً بنفس الدخول بلا خلاف، ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه لأخذ شيء نسيه بأنه لا يقصر، وقد نقل في "البيان" مثل ما ذكره الصيدلاني عن بعض الأصحاب، واستبعده، وقطع بأنه لا يقصر إذا عاد إلى مكة ويصير مقيماً.
الثاني: نية الإقامة.
إذا نوى الإقامة في طريقه مطلقاً انقطع سفره وجمار مقيماً لا يقصر، فلو أنشأً السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين، هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية أو واد يمكن للبدو النزول فيه للإقامة.
فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها؟ فيه قولان: أحدهما -وبه قال أبو حنيفة-: لا؛ لأن المكان غير صالح للإقامة.
وأظهرهما- عند جمهور الأصحاب-: نعم؛ لقصده قطع السفر، وهذا أوفق لفظ الكتاب وأرجح عنده في "الوسيط"، ولو نوى الإقامة مدة نظر إن نواها ثلاثة أيام فما دونها لم يصر مقيماً بذلك؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثاً" 13 وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فلما رخص لهم في المكث هذا القدر أشعر ذلك بأنه لا يقطع حكم السَّفر، ولا واجب الإقامة.

الجزء: 2 - الصفحة: 213

ومنع عمر -رضي الله عنه- أهل الذِّمَّةِ من الإقامة في أَرْضِ الحِجَاز، وجَوَّزَ للمجتازين بها المُكْثَ ثلاثة أيَّام.
وإن نوى الإقامة أكثر من ثلاثة أيام فعبارة الشافعي -رضي الله عنه- وجمهور الأصحاب: أنه إذا قصد إقامة أربعة أيام صار مقيماً، وذلك يقتضي أن لا يكون قصد إقامة ما دون الأربعة منهياً للسفر وإن زاد على ثلاثة أيام، وقد صرح به كثيرون، واختلفوا في أن الأيام الأربعة كيف تحتسب على وجهين مذكورين في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه يحتسب يوم الدخول والخروج كما يحسب يوم الحدث، ويوم نزع الخف في مدة المسح.
وأصحهما 14: لا؛ لأن المسافر لا يستوعب النَّهار بالسير إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر، فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال على عزم الخروج يوم الأربعاء وقت الزوال، فقد صار مقيماً لبلوغ المكث في البلد أربعة أيام، وعلى الثاني لا يصير مقيماً، وإن دخل ضحوة يوم السبت على عزم الخروج عشية يوم الأربعاء.
وقال صاحب الكتاب وشيخه: متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام فقد صار مقيماً، وهذا الذي ذكرنا يوهم أنه على خلاف قول الجمهور، لأنهم احتملوا ما دون الأربعة، وإن زاد على الثلاثة وهما لم يحتملا زيادة، وهو كذلك من حيث الصورة، لكن لا خلاف في الحقيقة؛ لأنهم احتملوا زيادة لا تبلغ الأربعة غير يومي الدخول والخروج، [وهما لم يحتملا زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج] 15 وفرض الزيادة على الثلاثة بحيث لا تبلغ الأربعة، ويكون غير يومي الدخول والخروجِ مما لا يمكن وقد روي: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ إِلَى مِنًى، كُلُّ ذلِكَ يَقْصُرُ" 16.

الجزء: 2 - الصفحة: 214

ثم الأيام المحتملة معدودة مع الليالي لا محالة، وإذا نوى إقامة القدر الذي لا يحتمل، فيصير مقيماً في الحال، ولا يتوقف على انقضاء المدة المحتملة، ولو دخل ليلاً لم يحتسب بقية الليل، ويحتسب الغدو، وجميع ما ذكرنا في غير المحارب، فأما المحارب إذا نوى الإقامة قدرًا لو نواه غيره لصار مقيماً، ففيه قولان: حكاهما الشيخ أبو حامد وكثير من الأئمة.
أحدهما: لا يصير مقيماً وله القصر أبداً؛ لأنه قد يضطر إلى الارتحال فلا يكون له قصد جازم.
وأصحهما: أنه يصير مقيماً كغيره؛ وهذا هو الموافق لإطلاق لفظ الكتاب، والخلاف كالخلاف فيما لو قصد الإقامة في موضع لا يصلح لها.
وقوله: (أو مدة تزيد على ثلاثة أيام) معلم بالحاء والزاي؛ لأن عن أبي حنيفة لا يصير مقيماً إلاَّ إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً، وهو اختيار المزني.
وحكى عن مالك وأحمد مثل مذهبنا.
ويروى عن أحمد، أنه إن نوى اثنين وعشرين صلاة أتم، وإن نوى إقامة إحدى وعشرين فما دونها قصر؛ ويجوز أن يعلم بالألف أيضاً.
وقوله: (ليس فيها يوم الدخول والخروج) معلم بالواو؛ لأن على الأول من الوجهين المذكورين في كيفية الاحتساب لا يحتمل اليومان مع الثلاثة على الإطلاق.
الثالث: صورة الإقامة إذا زادت على ثلاثة أيام على الوجه الذي بينها فمهما عرض كله شغل في بلدة أو قرية، واحتاج إلى الإقامة لذلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الشغل بحيث يتوقع تنجزه لحظة فلحظة، وهو على عزم الارتحال متى تنجز أو يكون بحيث يعلم أنه لا يتنجز في الأيام الثلاثة كالتفقه والتجارة الكثيرة ونحوهما.
فأما في الحالة الأولى فله القصر إلى أربعة أيام على ما تقدم وصفها، ثم لا يخلو إما أن يكون على القتال أو خائفاً منه، أو لا يكون كذلك.
فإن كان على القتال أو خائفاً منه ففي المسألة طريقان: أظهرهما: أن فيها قولين: أحدهما: أنه ليس له القَصْرُ؛ لأن نفس الإقامة أبلغ من نية الإقامة، فإذا امتنع القصر بنية إقامة أربع فصاعداً، فلأن يمتنع بإقامتها كان أولى.
وأصحهما: أن له القَصْرَ؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَقَامَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى

الجزء: 2 - الصفحة: 215

[قِتَالِ] 17 هَوَازِنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَقْصُرُون" على هذا كم يقصر؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يقصر المدة التي قصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيما عدا ذلك فالأصل وجوب الإتمام، وقد اختلفت الرَّواية في مدة إقامته بمكة للحرب المذكورة فروى: "أَنَّهُ أَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ" 18، وروي: "أَنَّهُ أَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ" 19، وروى: "أَنَّهُ أَقَامَ عِشْرِينَ" 20. وعن عمران بن الحصين -رضي الله عنه-: "أنَّهُ أَقَامَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ" 21. قال في "التهذيب": واعتمد، الشافعى -رضي الله عنه- رواية عمران بن حصين -رضي الله عنه- لسلامتها عن الاختلاف.
والقول الثاني: له القصر أبداً ما دام على هذه النية؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصُرُ" 22. وأيضاً فإن الظاهر أنه لو زادت الحاجة لدام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على القصر.
وروي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- أَقَامَ بِأذْرِبِيجَانَ سَتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ" 23. والطريق الثاني: أنه لا خلاف في جواز القصر ثمانية عشر يوماً وبعده قولان: وأما إذا لم يكن على القتال ولا خائفاً منه، لكن أقام للتجارة ونحوها يتوقع تنجز الغرض لحظة فلحظة وهو على عزم الارتحال فطريقان: أحدهما: القطع بالمنع.
والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب أثراً في تغيير صورة الصلاة.
ألا يَرى أنه يحتمل بسببه ترك الركوع والسجود والقبلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 216

وأظهرهما: أن فيه قولين؛ ثم إن جوزنا ففي كيفيته قولان كما ذكرنا في المحارب؛ وقد نقل عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً يَقْصُرُ فِيهَا الصَّلاةَ" 24. أشعر هذا الإطلاق بأن حكم الحرب وغيره سواء.
وإذا اختصرت قلت في جواز القصر في هذه الحالة الأولى طريقان: أظهرهما: أن فيه ثلاثة أقوال سواء المحارب وغيره.
أحدها: منع القصر على الإطلاق.
والثاني: جوازه على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني -رحمهم الله- تعالى.
والثالث: وهو الأصَحُّ جوازه إلى ثمانية عشر يوماً والمنع بعده.
والطريق الثاني: أن هذه الأقوال في المحارب وفي غيره يقطع بالمنع.
الحالة الثانية: أن يكون الشُّغل بحيث يعلم أنه لا يتنجز في ثلاثة أيام، ونتكلم فيها أيضاً في المحارب ثم في غيره، فأما المحارب فقد أطلق في "الوسيط" ذكر قولين فيه: أحدهما: أن له القصر، لفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الغزوات.
والثاني: المنع؛ لأنه المقيم، ومجرد القتال لا يرخص وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- محمول على عزم الارتحال كل يوم، والأحسن ما أشار إليه إمام الحرمين وهو ترتيب هذه الحالة على الأولى.
إن قلنا: المحارب ثَمَّ لا يقصر، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يقصر، فهاهنا قولان: والفرق أنه متردد ثَمَّ وهاهنا مُطْمَئِنُّ ساكن بعيد عن هيئة المسافرين، وإن قلنا: يترخص، فهل يزيد على ثمانية عشر يوماً؟ فيه قولان؛ كما في الحالة الأولى.
وأما غير المحارب -كالمتفقه والتاجر تجارة كثيرة- فظاهر المذهب أنه لا يترخص وهو مقيم؛ لأن ارتحاله موقوف في عزمه على تنجز شغله، وذلك غير متنجز في المدة التي يحتمل إقامتها؛ وقياس التسوية بين المحارب وغيره عود الخلاف هاهنا، وقد أشار إليه صاحب "النهاية" واستنكره وقال: هو نتيجة التفريع على الأقوال الضعيفة.
إذا عرفت حكم الحالتين، فارجع إلى لفظ الكتاب.
واعلم أن ثانيتهما في الشرح أولاهما في نظم الكتاب؛ وأن قوله: (فهو مقيم إلا إذا كان الغرض قتالاً) يجوز أن يعلم لفظ (المقيم) بالواو، للوجه الذي ذكرناه الآن في غير المحارب.

الجزء: 2 - الصفحة: 217

وقوله: (إلا إذا كان الغرض قتالاً) كلام في المحارب، ولا فرق بين أن يكون مشغولاً بالحرب أو مستعداً لَهُ أو خائفاً منه، وإن لم يتمحض ذلك غرضاً له، والحكم سواء في جميع هذه المسائل.
واعرف في قوله: "فيترخص على أظهر القولين" أشياء: أحدها: أنه يجوز إعلام قوله: (على أظهر القولين) بالواو إشارة إلى طريقة تحصل بما حكينا من ترتيب الحالة الثانية على الأولى ويحرم بالمنع.
والثاني: أن الحكم يكون الترخص أظهر القولين ليس في هذه الحالة على خلاف المشهور، وإنما جعلوا قول الترخص أظهر وأصحِّ، فيما إذا كان يتوقع تنجز الغرض كل ساعة، وأما هذه الصورة فقد جعلوها بمثابة ما لو عزم على الإقامة مدة طويلة.
وقد ذكرنا أنه إن كان محارباً، ففي ترخصه قولان، والأصح منهما: أنه لا يترخص وهو مقيم.
والثَّالِثُ: أنه أراد بقوله: (فيترخص على أظهر القولين) أنه يترخص ثمانية عشر يوماً على ما يثبته سياق الكلام، والمقابل له أنه لا يترخص هذه المُدَّة، وحينئذ ما الحكم؟ أنقول لا يترخص أصلاً، أم يترخص دون هذه المدة؟.
إن قلنا: الحكم في هذه الحالة كالحكم فيما إذا كان يتوقع مجاز غرضه كلّ ساعة فيترخص ثلاثة أيام كما سَبَق.
وإن قلنا: إنه مطمئن ليس على هيئة المسافرين، فلا يترخص أيضاً، كما إذا نوى الإقامة فوق أربعة يصير مقيماً في الحال.
وقوله: (وإن كان يتوقع إنجاز غرض ...) إلى آخره، وهو الحالة الأولى.
وقوله: (فيترخص) يجوز أن يكون جواباً على الطريقة القاطعة بالترخيص إلى ثمانية عشر يوماً، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح مع تسليم الخلاف، وهو الذي ذكره في "الوسيط"، وعلى التقديرين فهو معلم بالواو، ثم لم يبين أنه كم يترخص؟ وربما يفهم ظاهر اللفظ الترخيص على الإطلاق، لكن الأصح أنه لا يترخص بعد الثمانية عشر، وقد بَيَّنَّا جميع ذلك.
قال الغزالي: أَمَّا الطَّوِيلُ فَحَدُّهُ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ (ح) وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً لاَ تُحْتَسبُ مِنْهَا مُدَّةُ الإِيَابِ، وَيَشْتَرِطُ عَزمُهُ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ، فَلَوْ خَرَجَ فِي طَلَبِ آبِقٍ 25

الجزء: 2 - الصفحة: 218

لِينْصَرِفَ مَهْمَا لَقِيَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ، وَإِنْ تَمَادَى سَفَرُهُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَلْقَاهُ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَلَوْ تَرَكَ الطَّرِيقَ وَعَدَلَ إِلَى الطَّوِيلِ لِغَيْرِ غَرَضٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ (ح وز)، وَمَهْمَا بَدَا لَهُ الرُّجُوُعُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ انْقَطَعَ سَفَرُهُ فَلْيُتِمَّ إِلَى أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مَكَانِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَرْحَلَتَينِ.
قال الرافعي: القيد الثاني كون السفر طويلاً، واختلفت عبارات الشَّافعي -رضي الله عنه- في حده فقال في "المختصر" وغيره: ستة وأربعون ميلاً بالهَاشِمي.
وقال في موضع: ثمانية وأربعون ميلاً.
وقال في موضع: أربعون ميلاً.
وقال في موضع: أربعة بُرُد.
وقال في موضع: مسيرة يومين واتفق الأصحاب على أنه ليس له في ذلك اختلاف قول وحيث قال: ستة وأربعون أراد ما سوى الميل الأول والآخر وحيث قال: ثمانية وأربعون أدخلهما في الحساب، وحيث قال: أربعون أراد بأميال بني أمية، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، وهي أميال هاشم جد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وكان قد قدر أميال البادية، فيكون ستة عشر فرسخاً؛ لأن كل ثلاثة أميال فرسخ وهي أربعة برد؛ لأن كل بريد أربعة فراسخ، ومسيرة يومين؛ لأن مسيرة كل يوم على الاعتدال ثمانية فراسخ، وكل ميل أربعة آلاف خطوة، واثني عشر ألف قدم، لأن كل خطوة ثلاثة أقدام.
وقال أبو حنيفة: السَّفَرُ الطَّوِيلُ مَسِيرة ثلاثة أيام، ولم يقدر بالفَرَاسِخِ والأَمْيَالِ.
وذكر القاضي الروياني وغيره من أصحابنا أنه أربعة وعشرون فرسخاً عنده، وهو على قياس مسيرة اليومين كما ذكرناه.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ لاَ تَقْصُرُوا فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ وَإِلَى الطَّائِفِ" 26. وهو يقتضي الترخيص في هذا القدر، وروي مثل مذهبنا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصَّحَابة -رضوان الله عليهم أجمعين- 27. وبه قال مالك وأحمد، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن لا يقصر في أقل

الجزء: 2 - الصفحة: 219

من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من الخلاف 28، وما ذكرناه من تفسير الطول معتبر بالتقريب، أو يجوز بالتحديد؟ حكى القاضي الروياني فيه وجهين، وقال: الصحيح أنه تحديد؛ ونقل الحناطي وصاحب "البيان" قولاً أن القصر يجوز؛ في السفر القصير بشرط الخوف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ 29 الآية، فإن ثبت ذلك اقتضى إعلام لفظ (الطويل) عند قوله قبل هذا: (وهو كل سفر طويل مباح) بالواو.
ثم في الفصل مسائل: إحداها: مسافة الإياب لا تحتسب في الحد المذكور، حتى لو قصد موضعاً على مرحلة على عزم أن يرجع ولا يقيم فيه فليس له القصر، لا ذاهباً ولا جائياً.
وإن نالته مشقة السير مرحلتين على التوالي؛ لأنه لا يسمى سفراً طويلاً.
والغالب في الرخص الاتباع، وما رويناه من خبر ابن عباس -رضي الله عنهما- ظاهر في أن المعتبر المسافة التي يقطعها من منشأ سفره إلى مقصده؛ وحكى الحناطي وجهاً؛ أنه إذا كان الذهاب والرجوع حد السفر الذي يقصر إليه الصَّلاة قصر، فيجوز أن يعلم قوله: (لا يحتسب) بالواو لذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 220

الثانية: يشترط عزمه على قطع هذه المسافة في الابتداء، فلو خرج لطلب غريم أو عبد آبق لينصرف مهما لقيه -وهو لا يدري موضعه- لم يترخص، وإن طال [سيره] 30 كما ذكرناه في الهائم؛ فإذا وجده وعزم على الرجوع إلى بلده-، وبينهما مسافة القصر- يترخص إذا ارتحل عن ذلك الموضع، ولو كان يعرف موضعه في ابتداء السير، أو يعرف أنه لا يلقاه قبل مرحلتين فله الترخص، ولو قصد مسافة القصر، ثم نوى أنه إن وجد عبده أو غريمه ينصرف، نظر إن نوى ذلك قبل مفارقة عمران البلد - لم يترخص؛ لأنه غير النية قبل انعقاد حكم السَّفر، وإن نواه بعد مفارقة العمران، ففيه وجهان مذكوران في "النهاية" و"التهذيب".
أصحهما: أنه يترخص ما لم يجده، فإذا وجده صار مقيماً؛ لأن سبب الرُّخْصَة قد انعقد، فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما غير النية إليه، وكذلك لو نوى الخروج إلى مسافة القَصْر، ثم نوى الإقامة في بلد وسط الطريق.
وإن كان من مخرجه إلى المقصد الثاني مسافة القصر يترخص، وإن كان أقل فوجهان: أصحهما: أنه يترخص، ما لم يدخله 31 كما في مسألة الغريم.
وإذا سافر العبد بسير المولى، والمرأة بسير الزوج، والجندي بسفر الأمير، وهم لا يعرفون مقصدهم، فليس لهم القصد، وإن نووا مسافة القصر، فلا عبرة بنية العبد والمرأة، وتعتبر نية الجُنْدِيِّ، فإنه ليس تحت يد الأمير وقهره.
وإن عرفوا مقصدهم ونووا فلهم القصر 32. وقال أبو حنيفة: العَبْدُ والمرأة يترخصان تبعاً للسيد والزوج وإن لم يعرفا المقصد.
الثالثة: لو كان له إلى مقصده طريقان يبلغ أحدهما مسافة القصر، والثاني لا يبلغها، فَسَلَكَ الطَّريق الطَّويل نظر إن كان لغرض كخوف أو حزونة في القصير، أو

الجزء: 2 - الصفحة: 221

قصد زيارة، أو عبادة في الطَّويل 33، فله القصر؛ ولو قصد التنزه فكذلك.
وعن الشيخ أبي محمد -رحمه الله تعالى- تردد في اعتباره وإن قصد الترخص ولم يكن غرض سواه، ففي المسألة طريقان: أظهرهما: أن في الترخص قولين: أحدهُمَا: أنه يترخص، وبه قال أبو حنيفة والمزني، وهو نصه في "الإملاء"؛ لأنه سفرٌ مباحٌ، فأشبه سائر الأسفار.
وأصحهما: أنه لا يترخص؛ لأنه طَوَّل الطريق على نفسه [من غير غرض، فصار كما لو سلك الطريق القصير، وكان يذهب يميناً وشمالاً وطول على نفسه] 34 حتى بلغت المرحلة مرحلتين فإنه لا يترخص.
والطريق الثاني: القطع بهذا القول الثاني؛ وحمل نصه في "الإملاء" على ما إذا سلكه لغرض، ولو كان يبلغ كل واحد من الطريقين مسافة القصر، وأحدهما أطول، فسلك الأطول - فله القصر بلا خلاف.
وإذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب: (لم يترخص) يجوز أن يكون جواباَ على الطريقة الجازمة بالمنع، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح، مع إثبات الخلاف، وعلى التقديرين فهو معلم بالواو مع الحاء والزَّايِ.
الرابعة: إذا خرج إلى بلده والمسافة طويلة، ثم بدا له في أثناء السفر أن يرجع، فقد انقطع سفره بهذا القصد، ولم يكن له أن يقصر ما دام في ذلك الموضع، فإذا ارتحل عنه فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه من ذلك المكان إلى مرحلتين، سواء رجع أو بطل عزمه، وصار إلى مقصده الأول وتوجه إلى غيرهما؛ ولو توجه إلى بَلَدٍ لا تقصر إليه الصَّلاة، ثم نوى مجاوزته إلى بل تقصر إليه الصلاة فابتداء سفره من حيث غير النية، وإنما يترخص إذا كان من ذلك الموضع إلى مقصده الثاني مرحلتان، ولو خرج إلى سَفَرٍ طويل -على قصد الإقامة في كل مرحلة أربعة أيام- لم يترخص لانقطاع كل سفرة عن الأخرى.
قال الغزالي: وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَالعَاصِي بِسَفَرِهِ لاَ يَتَرَّخَّصُ (ح ز) كالآبِقِ وَالعَاقِّ، فَإِنْ

الجزء: 2 - الصفحة: 222

طَرَأَتِ المَعْصِيَة فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تَرَخَّصَ علَى النَّصِّ، وَفِي تَنَاوُلِ المَيْتَةِ وَمَسْحِ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لأنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ السَّفَرِ.
قال الرافعي: القيد الثالث: كَوْنُ السفر مباحاً، وليس المراد من المباح -في هذا الموضع- ما خير بين طرفين واعتدلا، فإن الرخصة كما تثبت في سفر التجارة تثبت في سفر الطَّاعة كالحَجِّ والجهاد ونحوهما.
وإنما المراد منه ما ليس بمعصية؛ وأما سفر المعصية فلا يفيد الرخصة 35، خلافاً لأبي حنيفة والمزني.
وذلك كهرب العبد من مولاه، والمرأة من زوجها، والغريم مع القدرة على الأداء، وكما إذا سافر ليقطع الطريق، أو ليزني بامرأة، أو ليقتل بريئاً.
لنا أن الرخصة أثبتت تخفيفاً وإعانة على السَّفَر، ولا سبيل إلى إعانة العاصي فيما هو عاص به، بخلاف ما لو كان السَّفَرُ مباحاً وهو يرتكب المعاصي في طريقه، فانه لا يمنع من السَّفَرِ، إنما يمنع من المعصية.
ولو أنشأً سفراً مباحاً، ثم نقله إلى معصية، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يترخص؛ لأن هذا السفر انعقد مباحاً مرخصاً، والشرط يراعي في الابتداء.
والثاني: لا يترخص كما لو أنشأ السفر بهذه النية؛ هكذا أرسل الجمهور ذكر الوجهين في المسألة، وكلامهم يميل إلى ترجيح الوجه الثاني، وقد صَرَّح به في "العدة"، ونسب في "النهاية" القول بالترخص إلى ظاهر النص، والثاني إلى تخريج ابن سريج، وتابعه في الكتاب، فقال: "ترخص على النص" والاقتصار عليه يفهم ظهور القول بالترخص، لكنه ذكر في "الوسيط" أن عدم الترخص أوضح كما حكيناه عن غيره.
ولو أنشأ السَّفَر على قصد مَعْصِيَة ثم تاب، وبدل قصده من غير تغيير صوب السفر؛ فالذي قاله الأكثرون في هذه الصورة، إن ابتداء سفره من ذلك الموضع إن كان منه إلى مقصده مسافة القصر - ترخص، وإلا فلا، وحكى في "النهاية" عن شيخه، أن عروض قصد الطاعة على سفر المعصية، كعروض قَصْدِ المَعْصِية على سَفَرِ الطَّاعة.
فقياس ظاهر النَّصِّ أنه لا يترخص لفقد الشرط في الابتداء؛ وعند ابن سريج يترخص نظرًا إلى الحال.
وقوله في الكتاب: (وكذا على العكس) يوهم أنه يترخص في العكس؛ لأنه

الجزء: 2 - الصفحة: 223

معطوف على قوله: (ترخص على النص) وما أراد به ذلك، وإنما أراد العَطْف على معنى النَّصِّ، وهو النَّظَرُ إلى الابتداء، فكأنه قال ترخص على النص اعتبارًا بالابتداء.
وكذا على العكس ينظر إلى الابتداء، فلا يترخص وعلى التخريج؛ وهو الأظهر أنه ينظر إلى الحال في الصُّورتين.
إذا عرفت ذلك فنقول: العاصي بسفره لا يقصر، ولا يفطر، ولا يَتَنَفَّل على الراحلة، ولا يجمع بين الصَّلاتين، ولا يصح ثلاثة أيام، وهل يَمسح يوماً وليلة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لما فيه من التَّخْفَيفِ عليه، وتسرعه بسبب ذلك إلى المَعْصِية.
وأظهرهما: عند الجمهور نعم؛ لأن المسح يوم وليلة ليس من رخص المُسَافرين، بل هو جائز للحَاضِر أيضاً، وغاية ما في الباب إلحاق هذا السَّفر باَلْعَدَمِ لكن حكى عن الشيخ أبي محمد أن المقيم إذا كان يدأب في معصية، ولو مسح على خفيه لكان ذلك عوناً له عليها، فيحتمل أنه يمنعه من المسح، واستحسن الإمام ذلك، فعلى هذا يتوجه أن يقال: إنه لَيْسَ من خصائص السَّفَر ولا الحَضَرِ، لكنه من مَرَافِقِ اللبس بشرط عدم المعصية، وهل للعاصي بسَفَرِه أن يتناول المَيْتَةَ عِنْدَ الاضْطرَارِ؟ فيه وجهان نقلهما صاحب، "النهاية" وغيره: أحدهما: وبه قال الأودني: لا؛ لما فيه من التخفِيفِ على العاصي، وهو متمكن من دَفْعِ الهَلاَك عن نفسه بأن يتوب ثم يأْكُلُ.
والثاني: نعم، إحياءً لِلنَّفْسِ المُشْرِفَةِ على الهلاك، ولأن المُقِيم متَمكِّن من تناول المَيْتة عند الاضطرار، فليس ذلك من رخص السَّفَرِ فأشبه تناول الأطعمة المباحة ما لم يكن من خصائص السَّفَر، لم يمنع منه العَاصِي بِسَفَرِه، وبالوجه الأول قطع عامة الأصحاب من العراقيين وغيرهم، ونفوا الخلاف في المسألة، وقد قيل: في المقيم العاصي ليس له تناول المَيْتَة أيضاً ما لم يتب، والله أعلم.
وهذا الشرط ينبهك من لفظ الكتاب في المسألتين على أمرين: أحدهما: أنه يجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو؛ لأنه أثبت في المسألتين وجهين، وقد ذكرنا أن بعضهم يقطع بالمنع في تناول الميتة.
والثاني: أنه جعل أصح الوجهين في المسألتين الجواز، وهذا المسلم في المسح يوماً وليلة ممنوع في تناول المَيْتَة على رأي الجُمْهُور، ويجوز أن يعلم لفظ (الجواز) بالألف؛ لأن عند أحمد لا يجوز له تناول المَيْتَة كما هو أحد وَجْهَيْنَا، ومما ألحق بِسَفَرِ المَعْصِية أن يتعب الإنسان نفسه ويُعَذِّب دابته، بالركض من غير غرض، ذكر الصيدلاني أنه لا يحل له ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 224

ولو كان الرجل ينتقل من بلدة إلى بلدة من غير غَرَضٍ صحيح، فقد قال في "النهاية": إنه لا يترخص وإن خرج عن مضاهاة من يهيم وظهر له قصد 36، ونقل عن الشَّيْخِ أبي محمد: أن السفر لمجرد رؤية البلاد، والنظر إليها ليس من الأغراض الصحيحة.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي، فِي مَحَلِّ القَصْر، وَهُوَ كُلُّ صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مُؤَدَّاةٍ فِي السَّفَرِ، فَلاَ قَصْرَ فِي الصُّبْح وَالمَغْرِب، وَلاَ فِي فَوَائِتِ الحَضَرِ، وَفِي فَوَائِتِ السَّفَرِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: يُفَرّقُ فِي الثَّالِثِ بين أن يَقْضِيَ فِي الحَضَرِ أَوِ السَّفَر.
قال الرافعي: محل القصر كل صلاة رباعية مؤداة في السَّفَرِ، وذكر في "الوسيط" قيداً آخر، وهو أن يدرك وقتها في السفر للمسألة التي تأتي بعد هذا الفصل، فيخرج من الرباعية المغرب والصُّبْحُ فلا قصر فيهما بالإجماع، ويخرج عن المؤداة في السَّفر المقضيَّة، وينظر فيها إن كانت فائتة الحضر فلا يجوز للمسافر قصرها، خلافاً للمزني حيث قال: يجوز؛ اعتباراً بحال القضاء، كما لو ترك صلاة في الصَّحَّةِ له قضاؤها في المَرَضِ قَاعِداً.
لنا إنه لزمته الأربع، فلا يجوز النقصان كما لو لم يسافر، ويفارق صلاة المريض؛ لأن المرض حالة ضرورة، فيحتمل ما لا يحتمل للسَّفر ألا يرى أنه لو شَرَع في الصلاة قائماً، ثم طرأ المرض له أن يقعد، ولو شرع فيها في الحضر [ثم سارت] 37 به السفينة، لم يكن له أن يقصر، وإن تردد أنها فائتة السَّفر أو الحَضَر فكذلك لا يجوز له قَصْرُهَا، وأما فائتة السَّفَرِ فإما أن يقضيها في السفر أو في الحضر، فإن قضى في السَّفر، فإما أن يقضي في تلك السفرة أو في سفرة أخرى، فإن قضى في تلك السفرة ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز القصر؛ لأن شرط الرَّدِّ إلى ركعتين الوقت بدليل الجمعة.
والثاني: يجوز؛ لأن اللاَّزِمَ عليه ركعتان، فيجزئه في الْقَضَاءِ ركعتين، وجعل صاحب "التهذيب" و"التتمة" المنع أصح القولين، لكن ما عليه الأكثرون من العراقيين وغيرهم أن الأصح هو الجواز؛ لبقاء العذر المرخص، وأما إذا قَضَى في سَفَرِهِ أخرى، ففيه طريقان: أظهرهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بالمنع، والفرق أن الأمر بالقضاء متوجه عليه في كل حالة، فإذا لم يقض وقد تخللت حالة إقامة فكأنها تركها في تلك الحالة كما لو نَصَبَ شيئاً، وتلف

الجزء: 2 - الصفحة: 225

عنده لزمه أقصى القِيَم، لأنه مخاطب في كل حالة بالرَّدِّ، فإذا لم يرد التزم قيمة أكمل الأحوال، وإن قَضَاهَاَ في الحضر أطرد الطريقان، والمنع هاهنا أوضح وأصحّ، ورتب في "النهاية" بعض الصور الثَّلاث على بعض، فحكى قولين فيما إذا قضى في ذلك السَّفَرِ وفيما إذا قضَى في الْحَضَرِ قولين مُرَتَّبَيْنِ عليهما، وأولى بالمَنْعِ، وجعل الصُّورة الثَّالِثة متوسطة بينهما إن رتبت على الأولى فهي أولى بالمنع، وإن رتبت على الثانية فهي أولى بالجواز؛ وإذا اختصرت وتركت التفصيل قلت: في المسألة أقوالٌ كما ذكر في الكتاب: أحدها -وهو القديم-: الجواز على الإطلاق، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وثانيها -وهو الجديد-: المنع على الإطلاق، وبه قال أحمد.
وأظهرها -ويحكى عن "الإملاء" الفرق بين أن يقضي في الحضر وفي السفر، وهذا إذا طَرَدنا القولين في القضاء في تلك السفرة، وفي سفرة أخرى، وإن فَرَّقْنَا صَارَتْ الأقوالُ أربعةً.
واعلم قوله: (يفرق في الثالث) بالحاء والميم؛ لما ذكرنا من مذهبهما، ونقل في "الوسيط" أن مذهب المزني الجواز على الإطلاق أيضاً، لكن روى الصَّيْدَلاَنِي وغيره عنه المنع فيما إذا قضى في الحضر، وهذا هو الصحيح، وقياس مذهبه المشهور في عكسه وهو ما إذا فاتته في الحضر، فيقضي في السَّفَرِ، كما تقدّم، وإذا قلنا فائتة السفر لا تقصر، وإن قضيت في تلك السفرة، فلو شرع في الصَّلاَةِ بنية القَصْرِ، فخرج الوقت في أثنائها فهو مبني على أن الصلاة التي يقع بعضها في الوقت وبعضها خارجه قضاء أم داء؟ وقد قدمنا ذلك في "باب المواقيت" وتعرضنا لهذه الصور فيه، وظاهر المذهب أنه إن وقع في الوقت ركعة فهي أداء فيقصر على هذا القول أيضاً، وإن وقع دون ركعة فلا يقصر على هذا القول؛ لأنها قضاء، وعن صاحب "التلخيص" أنه يجب الإتمام، وإن وقع في الوقت ركعة كالجمعة، إذا وقع: بعضها خارج والوقت يتمها أربعاً.
قال الغزالي: وَالمُسَافِرُ فِي آخِرِ الوَقْتِ نُقْصِرُ، وَالحَائِضُ إِذَا أَدْرَكَت أَوَّلَ الوَقْتِ ثُمَّ حَاضَتْ تَلْزَمُهَا الصَّلاةُ لِأَنَّ هذَا القَدْرَ كُلَّ وَقْتِ الإِمْكَانَ فِي حَقِّها، بِخِلاَفِ المُسَافِرِ هذَا هُوَ النَّصُّ، وَقِيلَ: فهمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: إذا سافر في أثناء الوقت، وقد مضى منه قدراً يتمكن من فعل الصَّلاة فيه، فالنَّصُّ أنه يجوز له القصر، ونَصَّ فيما لو أدركت من أول الوقت قدر الإمكان، ثم حَاضَت يلزمها القضاء، وكذلك سائر أصحاب العذر، واختلفوا في المسألتين على طريقين:

الجزء: 2 - الصفحة: 226

أحدهما: أن فيهما قولين: أحدهما: أن إدراك أول الوقت ملزم، فالحائض تَقْضِي تلك الصَّلاة، والمسافر يتم؛ لأن الصَّلاة تجب بأول الوقت، وقد أدركا وقت الوجوب.
والثاني: أنه لا يلزمها الصلاة ويجوز له القصر؛ لأن الاستقرار إنما يكون بآخر الوقتِ؛ ولهذا نقول: لو أخر الصَّلاة عن أول الوقت ومات لا يلقى الله تعالى عاصياً على الأصح.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ.
والفرق أن الحيض مانع من الصَّلاَةِ، فإذا طَرَأَ انحصر وقت الإمكان في حَقِّهَا في ذلك القدر، وكأنها أدركت جميع الوقت بخلاف المسافر، فإن السَّفَرَ غيرُ مَانِعٍ، وأيضاً فإن الحيض لو أثر إنما أثر في إسقاط الصلاة بالكلية، والقول بالسقوط مع إدراك وقت الوجوب بعيدٌ، والسَّفر إنما يُؤَثِّرُ في كيفية الأداء لا في أصل الفعل، فأشبه ما لو أدرك العبد من الوقت قدر ما يصلي فيه الظهر ثم عتق، يلزمه الجمعة دون الظهر، وظاهر المذهب الفرف بين المسألتين على موجب النَّصين، وسواء أثبتا طريقة القولين أم لا، ونقل الأصحاب عن المزني، وابن سريج في مسألة المسافر أنه لا يقصر.
واعلم قوله في الكتاب: (يقصر) بالزاي لذلك، لكنه تخريج من المزني للشافعي -رضي الله عنه- خرجه من مسألة الحائض، وليس مذهبًا له؛ لأنا قدمنا عنه أنه لو ذهب جميع الوقت في الحضر، وفاتته الصلاة كان له القصر إذا قضاها في السفر، فهاهنا أولى، فإذًا لا يصح الإعلام بالزاي، وأما ابن سريج فإنه خرج من كل واحدة من المسألتين في الأخرى واختار عدم القصر، وقد ذكرنا تخريجه في الحائض من هذه المسألة في باب المواقيت في الفصل الثاني، ووافق أبو الطيب بن سلمة ابن سريج على أنه لا يقصر، لكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا سافر ولم يبق من الوقت إلا قدر أربع ركعاتٍ، لأنه إذا ضاف الوقت تَعَيَّن عليه صلاة الحضر، فهذا مذهب ثَالِث: وراء القولين وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصَّلاة فجواز القصر يبنى على أن من أوقع بعض صلاته في الوقت وبعضها خارجه، تكون جميع صلاته أداء أم لا، إن قلنا: نعم قصر، وإلا فلا.
وقوله: "والمسافر في آخر الوقت" ليس المراد منه الجزء الأخير بل المراد ما إذا سافر وقد مضى من أوله ما يسع الصلاة، وكذا قوله: (والحائض إذا أدركت أول الوقت، ثم حاضت) يعني أدركت منه ما يسع للصلاة ولو قال: ولو أدركت المرأة أول الوقت، ثم حاضت بدل الحائض، لكان أحسن، ولو سافر والماضي من الوقت دون ما يسع الصلاة فقد قال في "النهاية": ينبغي أن يمتنع القصر إن قلنا: إنه يمتنع لو كان

الجزء: 2 - الصفحة: 227

الماضي قدر ما يسع الصلاة، بخلاف ما لو حَاضَت بعد مضي القدر النَّاقص، حيث لا يلزمها الصَّلاة على الصحيح؛ لأن عروض السَّفَر لا ينافي إتمام الصَّلاة، وعروض الحيض ينافيه 38. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ، فِي الشَّرْطِ وَهُوَ اثْنَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ لاَ يَقْتَدِي بِمُقِيم فَلَو اقتَدَى وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ (م) لَزِمَهُ الإتْمَامُ، وَلَو شَكَّ فِي أَنَّ إِمَامَهُ مُقِيمٌ أَمْ لاَ لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، وَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ نَوَى الإتْمَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ لِأَنَّ نِيَّةَ الإتْمَامِ لاَ شِعَارَ لَهَا بِخِلاَفِ المُسَافِرِ.
قال الرافعي: جعل شرط القصر شيئين: أحدهما: أن لا يقتدي في صلاته بمقيم أو بمسَافِرٍ مُتِم، فلو فعل ذلك -ولو في لحظة- لزمه الإتمام، خلافاً لمالك حيث قال: إن أدرك معه ركعة لزمه الإتمام وإن أدرك دون ركعة فله القصر؛ لنا ما روي "أَنَّهُ سُئَلَ ابْنُ عَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِذَا انْفَرَدَ وَأَرْبَعاً إِذَا ائتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةِ" 39. والمفهوم منه سُّنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وأعلم قوله: (ولو في لحظة) بالميم؛ لما حكيناه عن مالك.
والاقتداء في لحظة يفرض من وجوه كثيرة.
منها: أن يدرك الإمام في آخر صلاته.
ومنها: أن يحدث الإمام عقيب اقتدائه وينصرف.
قوله: (أن لا يقتدي بمقيم) في بعض النسخ (بمتمم) وهو أعم، فإن كان مقيم متم، وقد يكون المسافر مُتِمًّا أيضاً، والحكم لا يختلف.
وعند أبي حنيفة: أنه إذا صلّى مسافر بمسافرين -ونووا الإتمام- جاز له القصر، وسلم إنه إذا اقتدى بمقيم لم يجز القصر، فإذا كانت النسخة "أن لا يقتدي بمقيم" جاز إعلام (الحكم) بالحاء، ولو اقتدى في الظهر بمن يقضي الصبح مسافراً كان أو مقيماً فهل له القصر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لتوافق الصَّلاتين في العدد.

الجزء: 2 - الصفحة: 228

وأصحهما: لا؛ لأن الصَّلاة تامة في نفسها، ولو دخل في مروره بلدة وأهلها يقيمون الجمعة فاقتدى في الظهر بالجمعة، قيل: إن قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور فله القصر وإلا فهي كالصُّبح 40. وظاهر المذهب عند الأكثرين: المنع بكل حال؛ لأنها صلاة إقامة، وهو الموافق لظاهر لفظ الكتاب.
إذا عرفت ذلك فنقول: المسافر إما أن يعلم حال الذي يقتدي به في السفر والإقامة أو لا يعلم، فإن علم نظر إن عرفه مقيماً فقد ذكرنا أن عليه الإتمام، وكذا لو ظَنَّه مقيماً، فلو اقتدى به ونوى القصر انعقدت صلاته، ولغت نية [من نوى] 41 القصر، بخلاف المقيم ينوي القصر لا ينعقد ظُهْرُه؛ لأنه ليس من أهل القصر والمسافر من أهله فلا يضره نية القصر، كما لو شرع في الصَّلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام أو صار مقيماً، فإنه يتم، وإن عرفه أو ظنه مسافراً - وعرف أنه نوى القصر، أو ظنه، فله أن ينوي القصر وإن لم يدر أنه نوى القصر أم لا فكذلك، ولا يلزمه الإتمام بهذا التردد؛ لأن الظَّاهِرَ من حال المسافر القصر؛ وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء على التردد، ولو عرض هذا التردد في أثناء الصَّلاة فكذلك لا يلزمه الإتمام؛ ومتى لم يعرف نيته فهل يجوز أن يعلق نيته فيقول: إن قصر قصرت وإن أتم أتمت أو لا بد من الجزم بالقصر؟ فيه وجهان: أصحهما: جواز التعليق فإن الحكم متعلق به، وإن جزم إن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر، ولو أفسد الإمام صلاته أو فسدت، ثم قال: كنت نويت القصر، فللمأموم القصر، وإن قال: كنت نويت الإتمام لزمه الإتمام، وإن انصرف -ولم يظهر للمأموم ما نواه- فوجهان: حكاهما أصحابنا العراقيون.
أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق-: يلزمه الإتمام؛ لأنه شاكٌ في عدد ما يلزمه من الركعات فيأخذ باليقين.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: له القصر؛ لأنه افتتح الصَّلاة بنية القصر خلف من الظاهر من حاله القصر؛ ويتبين بما ذكرنا أن قوله في الكتاب: (ولو شك في أن إمامه هل نوى الإتمام وهو مسافر لم يلزمه الإتمام) ليس على إطلاقه، بل لو ظهر أن الإمام نوى الإتمام يلزمه الإتمام.
وهل يشترط لعدم لزوم الإتمام ظهور نية القَصْر للإمام أم لا

الجزء: 2 - الصفحة: 229

ويكفي استمرار التردد؟ فيه الوجهان المذكوران، والموافق لإطلاق اللفظ هو المنسوب إلى ابن سريج ولو قال حجة الإسلام.
ولو شك أن إمامه هل نوى القصر بدلاً عن قوله: (هل نوى الإتمام) لكان أحسن؛ لأنه لو لم ينو الإتمام ولا القصر، كان بمثابة ما لو نوى الإتمام، كما سيأتي في الشرط الثاني.
فإنما ثبت [الوجه] 42 إذا نوى القصر، لا إذا لم يَنْوِ الإتمام، وأما إذا لم يعرف أنه مسافر أو مقيم ولا ظن بل كان شاكاً فيه لزمه الإتمام وإن بَانَ مسافراً قاصراً؛ لأنه شرع على تردد فيما يسهل معرفته؛ لظهور شعار المسافرين والمقيمين، وسهولة البحث، والأصل الإتمام.
فإذا قصر لزمه الإتمام، ويخالف التردد في نية القصر مع العلم بأنه مسافر، إذ لا تقصير ثم كما سبق، وحكى في "النهاية" وجهاً أخر أنه إذا بَانَ مسافراً قاصراً كان له القصر، كما لو تردد في النِّية، والمشهور الأول، وهو الذي ذكره في الكتاب.
قال الغزالي: وَلَوِ اقْتَدَى بِمُقِيم ثُمَّ فَسَدَت صلاَتُهُ لَزِمَهُ (ح) الإِتْمَامُ، وَكَذَا لَوْ ظَنَّ الإِمَامَ مُسَافِراً فَكَانَ مُقِيماً لِأنَّهُ مُقصِرٌ إِذْ شِعَارُ الإقَامَةِ ظَاهِرَةٌ، وَلَو بَانَ أَنَّ الإِمَامَ مُقِيمٌ مُحْدِثٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَّهُ لاَ قُدْوَةَ ظَاهِراً وَبَاطِناً.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو اقتدى بمقيم أو بمسافرٍ مُتِمٍّ ثم فسدت صلاة الإمام أو بَانَ محدثاً -لزمه الإتمام بالاقتداء به، وكذلك لو فسدت صلاة المأموم لزمه الإتمام- إذا استأنف خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنها صلاة تعين عليها إتمامها، فلم يجزه بعد قصرها، كما لو فاتته في الحضر، ثم سافر.
وقوله: (ثم فسدت صلاته) أراد صلاة المأموم.
وإن أمكن صوت الكناية إلى الإمام أيضاً، وذلك بين من لفظ "الوسيط".
الثَّانية: لو اقتدى بمن ظنه مسافراً فبان مقيماً يلزمه الإتمام لتقصيره؛ إذ شعار الإقامة ظاهر، وهو كما ذكرنا فيما إذا لم يدر أنه مقيم أو مسافر.
وإن بأن أنه مقيم محدث نظر: إن بَانَ كونه مقيماً أو لا، لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمن علمه مقيماً، ثم بان أنه محدث، وإن بان كونه محدثاً أو لا أو بانا معاً فوجهان.
أحدهما -وبه قال صاحب التلخيص-: لا يلزمه الإتمام؛ لأنه اقتداءه لم يصح في الحقيقة، وفي الظاهر ظنه مسافراً بخلاف ما لو اقتدى بمسافر في ظنه مسافراً، ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 230

فسدت صلاته بحدث، ثم بان أنه كان مقيماً عليه الإتمام؛ لأن اقتداء كان صحيحًا.
والثاني: يلزمه الإتمام؛ لأن حدث الإمام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به، فإذا بَانَ أنه مقيم، فقد بَانَ أنه اقتدى بمقيم، وقد أطلق في الكتاب ذكر الخلاف فيما إذا بأن أنه مقيم محدث، لكن موضع الوجهين ما ذكرنا دون ما إذا بَانَ كونه مقيماً أو لا، كذلك قاله صاحب "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما، ثم أطبق الأئمة على ترجيح الوجه الأول على ما ذكره في الكتاب، ومنهم من لا يورد سواه، وقد تنازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم بَانَ كونه محدثاً، فإنهم رجحوا الإدراك.
ومأخذ المسألتين واحد.
وقوله: (لأنه لا قدوة ظاهراً وباطناً) أي لا قدوة بمقيم ظاهراً وباطناً، أما ظاهراً فلأنه ظنه مسافراً، وأما باطناً فلأنه محدث؛ وصاحب الوجه الثاني يمنع هذا.
والله أعلم.
ولا أثر لعدم الإتمام من غير خوض على الصِّحَّة، كما لو شرع في الصَّلاَة مقيماً، ثم بَانَ له أنه محدث ثم سافر -والوقت باق- فله القصر، بخلاف ما لو شرع فيها مقيماً ثم عرض سبب مفسد، لا يجوز له القصر، ولزمه الإتمام بالشروع، وكذا لو اقتدى بمقيم، ثم تذكر المأموم - حدث نفسه فله القصر وكذا لو اقتدى بمن يعرفه محدثاً ويظنه مقيماً؛ لأنه لم يصح شروعه.
قال الغزالي: وَلَو رَعَفَ الإِمَامُ المُسَافِرُ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ فَاسْتَخلَفَ مُقِيمًا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكذَا الرَّاعِفُ إِذَا عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ.
قال الرافعي: المسألة مبنية على أنه إذا أحدث الإمام أو عرض سبب آخر يوجب فساد صلاته يجوز له أن يستخلف مأمومًا ليتم بالقوم الصلاة، هذا هو الصحيح، وسنذكره والخلاف فيه في "باب الجمعة" إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فصورة المسألة أن يؤم مسافر بمسافرين ومقيمين فيرعف 43 الإمام في صلاته أو يسبقه الحدث فيستخلف مقيماً - يجب على المسافرين المقتدين الإتمام، خلافاً لأبي حنيفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 231

لنا أنهم مقتدون بمقيم، فيلزمه الإتمام، كما لو اقتدوا بمقيم فأحدث واستخلف مسافراً، والدليل على أنهم مقتدون به أن سهوه يلحقهم.
واعلم أن أئمتنا لم يذكروا خلافاً في أن القوم يتمون، لكن يأتي فيه وجه، لأنا سنحكي في مسائل الاستخلاف وجهاً أنه يجب على القوم نية الاقتداء بالخليفة، فعلى هذا إنما يلزم المأمومين في هذه المسألة إذا نووا الاقتداء بالخليفة، أما إذا لم يفعلوا فلا؛ لأنهم ما نووا الإتمام ولا اقتدوا بمقيم، وكان ما أطلقوه جواب على الأصح، وهو أنه لا حاجة إلى نية الاقتداء بالخليفة؛ وما ذكرناه يجوز إعلام قوله: (أَتَمَّ المقتدون) بالواو مع الحاء.
وقوله في صورة المسألة: (وخلفه مسافرون) أي ومقيم أو مقيمون، ول تمحض المأمومون مسافرين - لكان استخلاف المقيم استخلاف غير المأمومين، وفيه كلام سنذكره من بعد، وأما الإمام الذي سبقه الرعاف أو الحدث ماذا يفعل؟ ظاهر نص الشافعي -رضي الله عنه- يقتضي وجوب الإتمام عليه، فإنه قال -بعد تصوير المسألة-: (كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعاً) واعترض المزني فقال: إنما أتم الخليفة؛ لأنه مقيم والقوم خلفه؛ لأنهم مؤتمون بمقيم، فأما الراعف فليس بمقيم ولا مؤتم بمقيم، فما باله يتم؟ واختلف الأصحاب في الجواب على طريقتين، منهم من قرر ظاهر النَّص، وقال: يجب عليه الإتمام أيضاً؛ لأن الخليفة فرع له، ولا يجوز أن تكون صلاة الأصل أنقص من صلاة الفَرْع، حكاه ابن سريج عن بعض أصحابنا وضعفه، وسلم الجمهور للمزني ما ذكره، واختلفوا في تأويل النَّصِّ على وجوه.
أحدها: أن ما ذكره الشَّافعي -رضي الله عنه- جواب على القول القديم، وهو إن سبق الحدث الرعاف لا تبطل الصلاة، لكنه يرفع المانع ويبني، فعلى هذا الراعف وإن انصرف فهو في صلاة وهو كالمؤتم بخليفة، وبتقدير أن لا يكون مؤتماً، فقد حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال، فيلزمه الإتمام لذلك؛ وهذا التأويل يحكى عن ابن سريج، وضَعَّفَه الشيخ أبو حامد وغيره من أئمتنا، ومنعوا كونه مؤتمًّا بالخليفة، وأنه إذا حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال يجب عليه الإتمام إذا لم يأتم هو به، وأيضاً فإن البناء على الصلاة إنما يجوز على القديم دون الجديد.
والاستخلاف الذي عليه بناء المسألة إنما يجوز على الجديد دون القديم فلا ينتظم التفريع.
الثاني: قال أبو غانم ملقى 44 وابن سريج: صورة النص أن يحس الإمام بالرعاف

الجزء: 2 - الصفحة: 232

قبل أن يخرج الدّم، فيستخلف، ثم يخرج الدّم، فيلزمه الإتمام؛ لأنه صار مؤتمًا بمقيم في جزء من صلاته.
قال المحافلي وغيره: وهذا لا يصح؛ لأنه استخلاف قبل وجود العذر، وأنه لا يجوز ذلك؛ وسئل الشيخ أبو محمد عنه فجعل الإحساس به عذراً، وقال: متى حضر إمام هو أفضل أو حاله أكمل يجوز استخلافه 45. الثالث: وقال أبو إسحاق: صورة النص أن يعود بعد غسل الدم، ويقتدي بالخليفة إما بناء على القول القديم وإما استئنافاً على الجديد، فيلزمه الإتمام؛ لأنه اقتدى بمقيم في جزء من صلاته؛ فأما إذا لم يقتد فلا يلزمه الإتمام، وهذا أصح الأجوبة عند الأكثرين.
قالوا: وقد أشار إليه الشافعي -رضي الله عنه- في التعليل، حيث قال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى كان فيها في صلاة مقيم.
وقوله في الكتاب: (وكذا الراعف إذا عاد واقتدى) جرى على هذا الجواب الصّحيح فإنه قيد لزوم الإتمام باقتداءه بالخليفة.
وقد نرى في بعض النّسخ إعلام هذه الكلمة بالزَّاي، وليس بصحيح، فإنه لا نزاع للمزني في لزوم الإتمام إذا اقتدى، نعم، يجوز أن يعلم قوله: (واقتدى) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة المقررة لظاهر النص، فإن الاقتداء ليس بِشَرْطٍ على تلك الطريقة.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى نِيَّةِ القَصْرِ جَزْماً فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ وَلاَ الإتْمَامَ أَوْ شَكَّ فِي نِيَّةِ القَصْرِ وَلَوْ لَحْظَةً لَزِمَهُ (ز ح) الإِتْمَامُ.
قال الرافعي: من شرط القصر نية القصر، فلو نوى الإتمام لزمه ما التزمه، ولو لم ينو القصر ولا الإتمام لزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل هو الإتمام فينعقد مطلق التحرم عليه، ويجب أن تكون نية القصر في ابتداء الصلاة كأصل النية، ثم لا يجب تذكرها في دوام الصَّلاة، ولكن يشترط الانفكاك عن الشَّكِّ والتردد والجزم بالإتمام، فلو نوى القصر أولاً ثم نوى الإتمام -أو تردد بين القصر والإتمام- لزمه الإتمام، ولو شك في أنه هل نوى القصر أم لا لزمه الإتمام، وإن تذكر في الحال أنه نوى القصر نص عليه في "الأم" بخلاف ما لو شك في أصل النِّيَّة ثم تذكر على القرب، حيث تصح صلاته ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 233

يكون ذلك قادحاً.
والفرق أن الشَّكَّ في النية بمثابة عدم النية، فإذا كان الشَّك في أصل النية، فالموجود في زمان الشك غير محسوب عن الصلاة، لكنه جعل عذراً لقلته، وحسب عن الركن ما قبله أو بعده.
وهاهنا الموجود حالةُ الشك محسبو عن الصلاة؛ لوجود أصل النية، فيتأدى ذلك الجزء على التمام، وإذا انعقد جزء من الصلاة على التمام.
وعند أبي حنيفة لا حاجة إلى نية القصر بناء على أنه عزيمة.
وقال المزني: لا بد منها، لكن لا تجب في الابتداء، ويجوز أن ينوي القصر في الأثناء، ولو نوى الإتمام ثم أراد القصر جاز.
وقوله: "أن يستمر على نية القصر جزماً في جميع الصَّلاة"، يتضمن اعتبار نية القصر، ثم ليس المراد أنه يشترط استحضارها في جميع الصَّلاة، وإنما المراد ما ذكرنا أنه يشترط الخلو عن الشَّكِّ والتردد.
وقوله: (في جميع الصلاة) يجوز أن يعلم بالزَّاي؛ لأن عنده لو كان جازماً في البعض بالإتمام، ثم نوى القصر جاز، وقوله: (لزمه الإتمام) معلم بالحاء والزاي؛ لما حكيناه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَامَ الإمَامُ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِياَ فَتَوَهَّم المُقْتَدِي أنَّهُ نَوَى الإتْمَامَ شَاكّاً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، وَلَوْ قامَ المُسَافِرُ إِلَى الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ سَهْوًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ، وَلاَ يَكُونُ مُتِمًّا بَلْ لَوْ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُ إِتْمَاماً فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو اقتدى بمسافر عرف أنه ينوي القصر أو ظنه، وصلّى ركعتين، فقام الإمام إلى ركعة ثالثة، نظر: إن علم أنه نوى الإتمام لزمه الإتمام، وإن علم أنه ساهٍ بأن كان حنفيًّا، لا يرى الإتمام، فلا يلزمه الإتمام، ويتخير بين أن يخرج عن متابعته ويسجد للسَّهْوِ وَيُسَلِّم، وبين أن ينتظر حتى يعود، ولو اتفق له أنه يتم أتم، لكن ليس له أن يقتدي بالإمام في سهوه، فإنه غير محسوب له، ولا يجوز الاقتداء بمن يعرف أن ما فيه غير محسوب له كالمسبوق إذا أدرك من آخر الصَّلاة ركعة فقام الإمام سهوًا إلى ركعة زائدة، لم يكن للمسبوق أن يقتدي به في تدارك ما عليه؛ ذكره في "النهاية" ولو شك في أنه قام ساهياً، أو متتماً فهذه مسألة الكتاب، وحكمها أن عليه الإتمام وإن بَانَ كونه ساهياً؛ لأن أحد المحتملين لزوم الإتمام، فيلزم كما لو شَكَّ في نية نفسه، وبخلاف ما لو شَكَّ في نِيةِ الإمام المسافر ابتداء حيث لم يلزمه الإتمام بذلك كما قدمناه؛ لأن النِّية لا يَطَّلِعُ عليها، ولم تظهر أمارةٌ مُشْعِرَةٌ بالإتمام، وهاهنا القيام فعل مشعر بالإتمام مخيل له.

الجزء: 2 - الصفحة: 234

وقوله: (شاكاً) في لفظ الكتاب لا ضرورة إليه، والغرض حاصل بقوله فيتوهم.
وقوله: (لزمه الإتمام) يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأنّا حكينا عن مذهب الإمام أبي حنيفة أن نِيَّة الإمام المسافر لا تلزم المأمومين القصر، فما ظنك بتوهمها.
الثانية: لو نوى القصر وَصَلَّى ركعتين ثم قام إلى الثّالثة، نظر: إن حدث أمر موجب الإتمام كنية الإتمامْ أو نية الإقامة في ذلك الموضع، أو حصوله في دار الإقامة بانتهاء السفينة إليها، وقام لذلك - فقد أتى بما ينبغي وإن لم بحدث شيء من ذلك؛ فإن قام عمداً بطلت صلاته، كما لو قام المتم إلى ركعة خامسة، وكما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغير النية، وإن قام سهواً ثم تذكر، فعليه أن يعود ويسجد لِلسَّهْوِ ويسلم؛ فلو بدا له بعد التذكر أن يتم عاد إلى القعود، ثم نهض مُتِمًّا، وفي وجه له أن يمضي في قيامه، ولو صلى ثالثة ورابعة سهواً وجلس للتشهد ثم تذكر سجد لِلسَّهْو -وهو قَاصِرٌ- ورَكْعَتَا السَّهْو غير محسوبتين بل يلزمه أن يقوم ويصلي ركعتين أخريين، ثم يسجد للسَّهْوِ في آخر صلاته؛ ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (فليقم ويصل ركعتين أخريين) بالميم؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن مالك أن المسافر إذا نوى القصر لم يكن له أن ينوي الإتمام ويزيد على نيته الأولى.
وأعلم: أن لفظ الكتاب في أول النظر الثالث يوهم حصر شرط القصر في الاثنين المذكورين، لكن له شروط اُخر.
منها: أن يكون مسافراً من أول الصَّلاة إلى آخرها، فلو نوى الإقامة في أثناء الصَّلاة، أو كان يُصَلِّي في السَّفِينة فانتهت إلى دار إقامته -لزمه الإتمام؛ لأن سبب الرخصة قد زال، فتزول الرخصة كما لو كان يصلِّي قاعداً لمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم؛ ولو شرع في الصَّلاة مقيماً، ثم سارت به السفينة، فكذلك يلزمه الإتمام، تغليباً للحضر في العبادة التي اشترك فيها الحضر والسفر، ولو شَكَّ هل نوى الإقامة أم لا، أو دخل بلدًا بالليل وشك في أنه مقصده أم لا؟ يلزمه الإتمام؛ لأنه شك في سبب الرخصة، والأصل الإتمام فصار كما لو شَكَّ في بقاء مدة المسح لا يمسح.
ومنها: العلم بجواز القَصْر، فلو جهل جوازه وقصر لم يجزه؛ لأنه عابث في اعتقاده غير مصلي؛ يحكى ذلك عن نصه في "الأم" 46.

الجزء: 2 - الصفحة: 235

البَابُ الثَّانِي فِي الجَمْعِ

قال الغزالي: وَالجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي وَقْتَيهِمَا جَائِزٌ بِالسَّفَر (زح) وَالمَطَرِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الظهر، وتأخيراً في وقت العصر بعذر السفر، وكذلك الجمع بين المغرب والعشاء؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَدَّ بِهِ سَيْرٌ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ" 47. وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ" 48. وهذا في السَّفَرِ الطَّوِيلِ؛ وفي جواز الجمع في القصير قولان: أحدهما -وهو القديم-: أنه يجوز، وبه قال مالك -رضي الله عنه- لإطلاق حديث أنس -رضي الله عنه-، واعتباراً بالتنفل على الراحلة.
وأصحهما -وبه قال أحمد -رحمه الله-: لا يجوز؛ لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فاختص بالسفر الطويل كالفطر، والأفضل للسائر في وقت الصلاة الأولى تأخيرها إلى الثانية، وللنازل في وقت الأولى تقديم الثانية إليها.
ثبت ذلك من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمعنى فيه بين.
وشرط جواز الجمع في السفر أن لا يكون سفر معصية، كما ذكرنا في القصر، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بعذر المطر أيضاً؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ لِلْمَطَرِ" 49. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أن النبِي -صلى الله عليه وسلم- جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ" 50. قال مالك: أرى ذلك في المطر.
وقوله: (لعذر السفر) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا يجوز الجمع بعذر

الجزء: 2 - الصفحة: 236

السفر، ولا جمع إلا للنسك بعرفة، والمزدلفة كما سيأتي.
وقوله: (والمطر) معلم بالحاء أيضاً والزَّاي، لأن عندهما لا جمع بالمطر، وبالميم؛ لأن عند مالك يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر، ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر به، وبالألف؛ لأن أحمد صار في إحدى الروايتين إلى مثل مالك -رحمه الله-، وبالواو لأن الإمام ذكر أن صاحب "التقريب" 51 حكى قولاً ضعيفاً مثل مذهب مالك -رحمة الله عليه-، وقوله: (في وقتيهما جائز) يقتضي جواز التقديم والتأخير جميعاً بالعذرين السفر والمطر ولكن في جواز التأخير بعذر المطر خلاف ذكره في آخر الباب على ما سيأتي، والأظهر المنع، ولا يجوز الجمع بين صلاة الصبح وغيرها، ولا بين العَصْرِ والمغرب، لم يرد بذلك نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال الغزالي: وَالحَجِيجُ يَجْمَعُونَ بِعِلَّةِ السَّفَر أوْ بِعِلَّةِ النُّسُكِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الْحُجَّاج الأفاقيون يجمعون بين الظهر والعصر بعرفَة في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء، ثبت ذلك من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه جرى الناس في الأعصار، واختلف أصحابنا في سبب هذا الجمع، منهم من قال: إنما يجتمعون بسبب السفر كسائر المسافرين، ومنهم من قال: إنما يجمعون بسبب النُّسك.
وذلك أن الحاج يحتاج إلى الدعاء بعد الظهر، فلو لم تقدم العصر لشغلته عن الدّعاء، وإذا غربت الشمس فهو وقت الاشتغال بالدفع من عرفة، فجوز له الجمعان تكميلاً لشغل النسك، فإن قلنا بالمعنى الأول فهل يجمع المكي؟ فيه قولان؛ لأن سفره قصير، ولا يجمع العرفي بعرفة، ولا المزدلفي بالمزدلفة، فإنه في وطنه؛ وهل يجمع كل عنهما بالبقعة الأخرى؟ فيه القولان؟ وإن قلنا: بالمعنى الأول جاز لجميعهم الجمع فحصل للجمع سبب ثالث وهو النسك، ذكره كله صاحب "النهاية" وغيره؛ ومنهم من يقول: في جواز الجمع للمكي قولان: الجديد: المنع.
والقديم: الجواز، ثم لم يجوز قيل للسفر وقيل للنسك، فإن فرعنا على القديم فهل للعرفي والمزدلفي الجمع؟ فيه وجهان بناء على المعنيين، وأصل الفرض في الإيرادين واحد وإن اختلفا في بعض الأمور؛ وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: (والحجيج يجمعون) يعني به الحجيج الآفاقيين، فأما غيرهم فالخلاف في حقهم في أصل الجمع لا في العلّة؛ وظاهر المذهب عند الأئمة أن العلةَ السفرُ وأن المكي والعرفي لا يجمعان.

الجزء: 2 - الصفحة: 237

وعند أبي حنيفة: العلة النسك.
وقال: لا يجوز الجمع بعرفة إلا في الجماعة، فأما المنفرد في رحله فلا يجمع، وجوز له الجمع بين العشائين بالمزدلفة، ولم يجوز ترك الجمع بالمزدلفة وفعل المغرب في وقتها، ولا الجمع بينهما في وقت المغرب، ولا الجمع بينهما في وقت العشاء في الطريق، وأوجب أن يكون ذلك بالمزدلفة، ولم يجوز أن يجمع بعرفة بين الظُّهْر والعصر في وقت العصر، لكن جَوَّز ترك الجَمْعِ وفعل العصر في وقتها، حكى الصيدلاني هذه المسائل مجموعة عن مذهبه.
وعندنا الحكم في الجمع في البقعتين حكمه في سائر الأسفار، وهو فيه بالخيار.
وعند مالك العلة النُّسُك، ولهم جميعاً الجمع، بل للمكي والعرفي في القصر أيضاً بعلة النسك.
قال الغزالي: وَالرُّخَصُ المُخْتَصَّةُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ: القَصْرُ وَالِفْطرُ، وَالمَسْحُ ثَلاثةَ أَيَّامِ، وَالجَمْعُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ الصَّومُ أَفْضَلُ مِنَ الفِطْرِ، وَفِي القَصْرِ والإِتْمَامِ قَوْلاَنِ، وَالَّذِي لاَ يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ أَرْبَعَة: التَّيَمُّمُ، وَتَرْكُ الجُمُعَةِ، وَأَكْلُ المَيْتَةِ، وَالتَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل شيئان: أحدهما: عد الرخص التي تختص بالسفر الطويل والتي لا تختص.
والثاني: بيان أن القصر والفطر أفضل أم الإتمام والصوم؟ ولا اختصاص لواحد منهما بباب الجمع.
والثاني: بيان القصر أليق، ثم إنه أدخل الثاني بين قسمي المقصد الأول [ولو أنه فرغ منهما ثم ذكره لكان أحسن، وكذلك فعل في "الوسيط" أما المقصد الأول] 52 فالرخص المختصة بالسفر الطَّويل أربع: إحداها: القصر كما تقدم.
والثانية: الإفطار كما سيأتي.
والثالثة: المسح ثلاثة أيام، وقد ذكرنا في باب المسح اختصاصه بالسفر الطويل، وإن لم يصرح به في الكتاب ثم.

الجزء: 2 - الصفحة: 238

والرابعة: الجمع بين الصلاتين، وفيه قولان مذكوران في هذا الباب، وكان قد أرسل ذكر القولين في المسألة فنص ههنا على الأصح وأدرجه في هذا القسم تفريعاً عليه، والتي لا تختص بالسفر الطويل جعلها أربعًا أيضاً: إحداها: التيمم، وهذا يجوز أن يراد به الترخص من فعل الصلاة به، ويجوز أن يراد به إسقاط فرض الصلاة به، وعلى هذا التقدير فهو جواب على الأصح من وجهين ذكرناهما في "باب التيمم" وأن التيمم في السفر القصير، هل يغني عن القضاء أم لا؟ ثم على التقديرين ينبغي أن يعلم أن التيمم كما لا يختص بالسفر الطويل، لا يختص بنفس السفر، لما بيناه في ذلك الباب.
الثانية: أكل الميتة وهو أيضاً مما لا يختص بالسفر نفسه.
والثالثة: ترك الجمعة.
والرابعة: التنفل على الراحلة، وفي جوازه في السَّفَرِ القصير قولان أرسلهما في باب الاستقبال، ونص على الأصح هاهنا، وأدرجه في هذا القسم تفريعاً عليه.
وأما المقصد الثاني: فاعلم أن الصوم في السفر أفضلُ من الفطر على المذهب المشهور، لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت، وهذا إذا أطلق الصَّوْم.
وفيه وجه آخر رواه القاضي الروياني وغيره، أن الفطر أفضل، وبه قال أحمد؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" 53. وفي الأفضل من القصر والإتمام قولان: أحدهما -وبه قال المزني-: أن الإتمام أفضل؛ لأنه الأصل، والقصر بدل معدول إليه، فأشبه غسل الرجل مع المسح على الخف.
وأصحهما -وبه قال مالك وأحمد-: أن القصر أفضل؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا" 54. ولأنه متفق عليه، والإتمام بخلافه، وبخلاف الصوم مع الفطر، حيث قلنا: الصوم أفضل وإن صار أهل الظاهر إلى أنه لا يصح.
قال إمام الحرمين: لأن المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهبهم وَزْناً، وذكر الصيدلاني أن القصر أَفْضَلُ من الإتمام، وفي الإفطار والصوم وجهان، وهذا يوهم

الجزء: 2 - الصفحة: 239

القطع بأفضلية القَصْر، وكذلك حكاه الإمام عن الصيدلاني، واستبعده وأحاله على خطأ النساخ، [فإن] 55 ثبت ذلك فقوله: (قولان) معلم بالواو.
والفرق بين الرخصتين حيث كان الصوم أفضل والقصر أفضل على الظاهر فيهما أن الذمة تبقى مشغولة بالصوم إذا أفطر، وقد يعرض عائق من القضاء، وفي القصر بخلافه وأيضاً فإن فضيلة الوقت تفوت بالإفطار ولا تفوت بالقصر، ونقل أبو عبد الله الحناطي وغيره في القصر والإتمام وجهاً آخر أنهما سواء، ثم القولان في المسألة وإن كانا مطلقين فلا بد من استثناء صور: إحداها: إذا كان سفره دون ثلاث مراحل فليس ذلك موضع القولين، بل الإتمام فيه أفضل للخروج عن الخلاف، وقد حكيناه من قبل عن نصه.
والثانية: إذا كان يجد من نفسه كراهة القصر وثقله فهذا يكاد يكون رغبة عن السُّنة، فالأفضل له القصر قولاً واحداً، بل يكره له الإتمام إلى أن تزول عنه تلك الكراهية، وكذلك القول في جميع الرُّخَص في هذه الحالة.
الثالثة: المَلاَّحُ الذي يسافر في البحر ومعه أهله وأولاده في سفينته الأفضل له الإتمام، لأنه في وطنه، يحكى ذلك عن نصه في "الأم"، وفيه خروج عن الخلاف أيضاً، فإن عند [أحمد] 56 لا يجوز له، وللمكاري 57 الذي معه أهله وماله القصر.
واعلم: أن مسافة القصر في البحر مثل المسافة في البر وإن كانت تقطع فيه في لحظة ويجتهد فيها عند الشَّكِّ.
قال الغزالي: ثُمَّ شَرَائِطُ الجَمْعِ ثَلاَثَةٌ: التَّرْتِيبُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ عَلَى العَصْرِ، وَنيَّةُ الجَمْعِ فِي أَوَّلِ الصَّلاَةِ الأُوَلى أَوْ فِي وَسَطِهَا، وَلاَ يَجُوزُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَالُوَالاةُ، وَهُوَ أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّلاَتيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ إِقَامَةٍ، وَفِي هذِهِ الشَّرَائِطِ عِنْدَ الجَمْعِ بالتَّأْخِيرِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المسافر إذا جمع فإما أن يقدم الأخيرة من الصَّلاتين إلى وقت الأولى، أو يؤخر الأولى إلى وقت الأخيرة، فإن قدم فيعتبر فيه ثلاثة شرائط.
إحداها: الترتيب، وهو تقديم الظهر على العصر والمغرب على العشاء؛ لأن الوقت للأولى والثانية تبع له، فيجب تقديم الأصل، فلو قدم العصر على الظهر لم

الجزء: 2 - الصفحة: 240

يصح عصره ويعيدها بعد الظُّهْرِ، ولو قدم الظُّهْر وبان فسادها بسبب فالعصر فاسدة أيضاً.
والثانية: نية الجمع، تمييزاً للتقديم المشروع على التقديم سهواً وعبثاً، ومتى ينوي الجمع نَصَّ في الجمع بالسفر أنه ينوي عند التحرم بالأولى أو في أثنائها، ونص في الجمع بالمطر أنه ينوي عند التحرم بالأولى، واختلف الأصحاب على طريقتين: إحداهما: تقرير النصين.
والفرق أن نية الجمع ينبغي أن تقارن سبب الجمع؛ وداوم السَّفَرِ في الصلاة الأولى شرط فجيمعها وقت النية، وأما المطر فلا يشترط دوامه في الأولى كما سيأتي، ويتشرط في أولها، فتعين وقتاً للنية.
وأصحهما -وبه قال المزني-: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً: أحدهما: أنها شرط في الفصلين عند التحرم كنِيَّةِ اَلْقَصْرِ.
وأصحهما: أنها لو وقعت في أثنائها جاز أيضاً؛ لأن الجمع هو ضم الثَّانِيَة إلى الأولى، فإذا تقدمت النِّيَّة على حالة الضم حصل الغرض، وتفارق نية القصر، لأنها لو تأخرت لتأدى بعض الصَّلاة على التمام، وحينئذ يمتنع القصر، وعلى هذا فلو نوى مع التَّحلُّلِ.
قال الإمام: رأيت للأئمة تردداً فيه، كان شيخي يمنعه، وذكر الصيدلاني وغيره أنه يجوز؛ لوجود النية في الطرفين، الطرف الأخير من الظهر، والطرف الأول من العصر، وعلى هذا يَدِلُّ نَصُّ الشافعي -رضي الله عنه-، ثم قال المسعودي والصيدلاني وغيرهما: وخرج المزني قولاً ثالثاً: وهو أنه لو نوى بعد الكلام على قرب وصلى الصلاة الأخيرة جَازَ، كما لو سلَّم من اثنتين وقرب الوقت يبني، وإن طال فلا وهذا تخريج منه للشافعي -رضي الله عنه-، وحكوا عن مذهبه أن النية الجمع ليست مشروطة أصلاً، فإن الجمع معنى ينتظم الصلاتين، ولا عهد بنية تجمع بين صلاتين، وجعل الصيدلاني مذهبه وجهاً لأصحابنا، فليكن قوله في الكتاب: (ونية الجمع) معلماً بالزاي والواو، ويجوز أن يعلم قوله: (ولا يجوز في أول الثانية) بهما أيضاً.
وقوله: "أو في وسطها" معلم الواو 58 للقول الصائر إلى اشتراط النية في أولها، واعتبار الوسط يقتضي المنع فيما إذا نوى مع التحلل إذ لا تكون النية حينئذ في الوسط، وهذا ما سبق عن الشَّيْخ أبي محمد، والظَّاهر عند الأكثرين خلافه.

الجزء: 2 - الصفحة: 241

الثالثة: الموالاة فهي شرط خلافاً للإصطخري فيما حكى صاحب "التتمة" عنه حيث قال: يجوز الجمع وإن طال الفصل بين الصلاتين ما لم يخرج وقت الأولى منهما، ويروى مثله عن أبي عَلِيّ الثقفي.
وقال الموفق بن طاهر: سمعت الشيخ آبا عاصم العبادي يحكي عن الإمام أنه لو صلَّى المغرب في بيته، ونوى الجمع، وجاء إلى المسجد وصلَّى العشاء فيه جاز، ووجه ظاهر المذهب ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَالَى بَيْنَهُمَا وَتَرَك الرَّوَاتِبَ بَيْنَهُمَا" 59. لولا اشتراط الموالاة لما تركها، والمراد من الموِالاة أن لا يطول الفَصْلُ بينهما ولا بأس بالفصل اليسير؛ لأنَّهُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أمْرُ الإقَامَةِ بَيْنَهُمَا" 60 [وبماذا يفرق بين الطَّوِيل واليَسِير؟ قال الصيدلاني: حده أصحابنا بِقَدْرِ إتيان المؤذن بالإقامة] 61 وهذا يوافق ما في الكتاب، فإنه قال: "وهي أن لا يفرق بين الصَّلاتَيْنِ بأكثر من قدر إقامة".
وقال أصحابنا العراقيون: الرجوع في الفَصْلِ بينهما إلى العادة، وقد تقتضي العادة احتمال الزائد على قدر الإقامة، وتدل عليه مسألة وهي: أن المتيمم هل له الجمع؟ عن أبي إسحاق أنه ليس له الجمع؛ لأنه [يحتاج] إلى طلب الماء، وتجديد التيمم، وذلك يُطَوِّل الفصل بينما فصار كما لو طَوَّل بشيء آخر.
وقال عامة الأصحاب: له الجمع كالمتوضئ يطلب للتيمم.
الثاني: طلباً خفيفاً، ولا ينقطع به الجمع؛ لأنه من مصلحة الصلاة فأشْبَه الإقامة، وذكر في "التهذيب" أنه المذهب، ومعلوم أن الطلب والتيمم يزيدان على قدر الإقامة المشروعة على الإدراج فيجوز، أن يعلم قوله: (بأكثر من قدر إقامة) بالواو، ولما ذكرناه، ومتى طال الفصل بقدر ضم الثانية إليها فيؤخرها إلى وقتها، ولا فرق بين أن يطول من غير عذر أو بعذر كالسَّهْوِ والإغماء، ولو جمع بينهما ثم تذكر بعد الفراغ منها أنه ترك سجدة أو رُكْناً أخر من الصَّلاة الأولى بطلت الصلاتان جميعاً، أما الأولى فلترك بعض أركانها، وتعذر التدارك بطول الفصل، وأما الثانية فلأن شرط صحتها تقدّم الأولى، وإذا بطلتا فله أن يعيدهما على سبيل الجمع، ولو تذكر تركها من الثانية، فإن كان الفصل قريباً تدارك ومضت الصلاتان على الصِّحَّة، وإن طال الفصل فالثانية باطلة، وليس له الجمع لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها، ولو لم يدر أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 242

ترك من الأولى والثانية لزمه إعادة الصَّلاتين جميعاً، لاحتمال أنه تركها من الأولى، ولا يجوز له الجمع لاحتمال أنه تركها من الثانية، فيعيد كل واحدة في وقتها أخذًا بالأسوأ من الطرفين، وحكي في "البيان" عن الأصحاب أنه يجيء فيه قول آخر أن له الجمع كما لو أقيمت الجمعتان في بلدة ولم يعرف السابقة منهما يجوز إعادة الجمعة في كل قول، هذا كله فيما إذا جمع بتقديم الثَّانية، أما إذا جمع بتأخير الأولى، فهل يجب الترتيب أم يجوز فعل الأخيرة قبل الأولى؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب كما لو جمع بالتقديم.
وأصحهما -ولم يذكر كثيرون سواه- أنه لا يجب، ويجوز تقديم الثَّانية؛ لأن الوقت لها والأولى تبع، ولأنه لو أخر الظهر من غير عذر حتى دخل وقت العصر، كان له تقديم العصر، فإذا أخر بعذر كان أولى، وكذا في اشتراط الموالاة بينهما، وجهان: أصحهما: أَنَّهَا لا تشترط لشبه الأولى بخروج وقتها بالفائتة، وإن لم تكن فائتة، ولهذا قلنا: لا يؤذن لها كالفائتة وإن لم تكن فائتة، فإن قلنا باشتراط الترتيب، فلو قدم الصَّلاة الثانية صَحَّت لأنها في وقتها، لكن تفسير الأولى قضاء، وكذلك لو ترك الموالاة وشرطناها تفسير الأولى قضاء، حتى لا يجوز قصرها إن لم يجوز قصر القضاء، وأما نِيَّة الجمع عند التأخير فقد قال في "النهاية": إن شرطنا الموالاة فنوجب نية الجمع كما في الجمع بالتقديم، وإلا فلا نوجب نية الجمع، ويحكى هذا البناء عن القاضي الحسين -رحمه الله-، وهذا الخلاف في أنه هل ينوي الجمع عند الشروع في الصَّلاة، وأما في وقت الأولى فقد قال الأئمة: يجب أن يكون التأخير بنية الجمع، ولو أخر من غير نية الجمع حتى خرج الوقت عصى وصارت قضاء، وامتنع قصرها إن لم تجوز قصر القضاء، وكذا لو أخر حتى ضاق الوقت، فلم يبق إلا قدر لو شرع في الصَّلاة فيه لما كان أداء وقد سبق بيان ذلك.
قال الغزالي: وَمَهْمَا نَوَى الإقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ الأُولَى عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطُلَ الجَمْعُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بأنْ لاَ تُبْطُلَ، هذَا فِي السَّفر.
قال الرافعي: لو أراد الجمع بين الصلاتين بالتقديم فصار مقيماً في أثناء الأولى إما بنية الإقامة أو بانتهاء السفينة إلى دار الإقامة فيبطل الجمع، وكذا لو فرض ذلك بعد الفراغ منها وقبل الشروع في الثانية لزوال العذر قبل حصول سورة الجمع، ومعنى بطلان الجمع هاهنا أنه يتعين تأخير الثانية إلى وقتها، أما الأولى فلا تتأثر بذلك، ولو صار مقيماً في أثناء الثانية فوجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 243

أحدهما: أنه يبطل الجمع أيضاً كما لو صار مقيماً في أثناء صلاة القصر تبطل رخصة القصر، ويلزمه الإتمام، وعلى هذا هل الثانية تبطل أصلاً ورأساً، أو تبقى نفلاً؟ يخرج على القولين السابقين في نظائرها.
والثاني -وهو الأظهر-: أنها لا تبطل، ويكفي اقتران العذر بأول الثَّانية صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد على وجه الرخصة بخلاف مسألة القصر، فإن وجوب الإتمام لا يؤدي إلى بطلان ما مضى من صلاته، ولو صار مقيماً بعد الفراغ من الثانية فقد أطلق في الكتاب فيه وجهين مرتبين على الوجهين فيما إذا صار مقيماً في خلالها.
إن قلنا: لا تَؤُثر الإقامة ثُمَّ فهاهنا أولى، وإن قلنا: تؤثر ثُمَّ فهاهنا وجهان: أحدهما: أنها تؤثر؛ لأن الصَّلاة الفائتة مقدمة على وقتها كالزكاة تعجل قبل الحول، فإذا زال العذر وأدرك وقتها فليعد كما لو حال الحول، وقد خرج الأخذ عن الشَّرط المعتبر لا يعتد بما عجل.
وأظهرهما: أنها لا تؤثر؛ لأن رخصة الجمع قد تَمَّت، فأشبه ما لو قصر ثم طرأت الإقامة لا يلزمه الإتمام، وخص صاحب "التهذيب" وآخرون الخلاف بما إذا طرأت الإقامة بعد الفراغ من الصَّلاتين، إما في وقت الأولى أو في وقت الثانية، ولكن قبل مضي إمكان [فعلها، فأما لو طرأت بعد مضي إمكان فعلها] 62. قالوا: لا يجب إعادتها وجهاً واحداً لبقاء العذر في وقت الوجوب، وتنزيل إطلاق الكتاب على ما ذكروه بَيِّن 63، لكن صاحب النِّهاية صرح بإجزاء الوجهين ما دام يبقى من وقت الثانية شيء والله أعلم.
وأما إذا جمع بينهما بالتأخير، ثم صار مقيماً بعد الفراغ منهما لم يصر، ولو كان قبل الفراغ [صارت] 64 الأولى قضاء ذكره في "التتمة" وغيره، وكأن المعنى فيه أن الصلاة الأولى تَبَع للثَّانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها.
قال الغزالي: (أَمَّا المَطَرُ) فَيرَخَّصُ (ح ز) فِي القَدِيمِ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّيِ بِالجَمَاعَةِ، فَأمَّا فِي المُنْفَرِدِ أَوْ مَنْ يَمْشِي إلَى المَسْجِدِ فِي رُكْنٍ فَوَجْهَانِ، وَفى التَّأْخِيرِ أَيْضاً وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَثِقُ بِدَوَامِ المَطَرِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ المَطَرِ فِي أَوَّلِ الصَّلاَتيْنِ، فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فَهُوَ كَنِيَّةِ الإِقَامَةِ.
قال الرافعي: المطر سبب للجمع لما سبق، وللجمع طريقان التقديم والتأخير،

الجزء: 2 - الصفحة: 244

فأما التقديم فجائز بالشراط المذكورة في التقديم بسبب السَّفَرِ، ولا فرق بين قوي المَطَر وضعيفه إذا كان بحيث يبل الثوب، والشَفّان -مطر وزيادة- والثّلج والبَرَد إن كانا يزوبان فهما كالمطر، وإلا فلا يرخصان في الجمع.
وفيه وجه: أنه لا يرخصان فيه بحال اتباعاً للفظ المطر، ثم هذه الرخصة تثبت في حتى من يصلي في الجماعة، ويأتي مسجداً بعيداً يتأذى بالمطر في إتيانه، فأما إذا كان يصلي في بيته منفرداً أو في جماعة أو كان يمشي إلى المسجد في ركن، أو كان المسجد على باب داره أو النساء يصلين في بيوتهن، هل تثبت هذه الرخصة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بِسَبَبِ المَطَرِ وَبُيُوت أزواجه بجنب المسجد.
وأصحهما: لا؛ لأنه يتأذى بالمطر، وبيوت أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت مختلفة منها ما هو بجنب المسجد، ومنها ما هو بخلافه، فلعله حين جمع لم يكن في البيت الملاصق، ومن أصحابنا من ينقل بدل الوجهين قولين في هذه المسائل، وينسب الجواز إلى "الإملاء" والمنع إلى "الأم"، وأما التأخير، فهل يجوز بسبب المَطَرِ؟ روي في الكتاب فيه وجهان.
وقال جمهور الأصحاب: فيه قولان: القديم: أنه يجوز كما في السَّفَرِ يجوز التقديم والتأخير جميعاً.
والجديد: أنه لا يجوز؛ لأن استدامة السفر إليه متصورة واستدامة المطر متعذرة، فربما تمسك السماء قبل أن يجمع فإن جوزنا التأخير قال أصحابنا العراقيون: صلاها مع الثانية، سواء كان المطر متصلاً أو لم يكن، وذكر في "التهذيب" أنه لو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية، لم يجز الجمع وصلّى الأولى في آخر وقتها كالمسافر إذا أخر بنية الجمع ثم أقام قبل دخول وقت الثانية، وقضية هذا أن يقال: لو انقطع في وقت الثانية قبل فعلها امتنع الجمع أيضاً، وصارت الأولى قضاءً كما لو صار 65 مقيماً، وإذا قدم فلا بد من وجود المطر في أول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر، وهل يجب مع ذلك وجوده في حالة التحلل عن الصَّلاة الأولى؟ نقل في "النهاية" عن المعظم أنه لا يجب، وعن أبي زيد أنه لا بد منه أيضاً ليتحقق اتصال آخر الأولى بأول الثانية مقروناً بالعذر، وهذا الثاني هو الذي ذكره أصحابنا العراقيون وصاحب "التهذيب" وغيرهم، ولا يضر بعد وجوده في الأحوال الثَّلاث انقطاعه في أثناء الصَّلاة الأولى أو في الثانية، أو بعد

الجزء: 2 - الصفحة: 245

الثانية، فيحكى ذلك عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- وقطع به الأكثرون.
قال إمام الحرمين: وحكى بعض المصنفين في انقطاعه في أثناء الثَّانية أو بعدها مع بقاء الوقت الخلاف الذي ذكرناه في طريان الإقامة إذا كان سبب الجمع السّفر، واستبعد ذلك وضعفه.
وقال: إذا لم يشترط دوام المطر في الصلاة الأولى، فأولى أن لا يشترط في الثَّانية وما بعدها.
ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب: قوله: (فيرخص في التقديم) يجوز أن يعلم بالحاء والميم والزاي لما سبق في أول الباب، وذكر في "الإبانة" أن المطر يرخص في التأخير، وفي التقديم وجهان على عكس ما نقله الجمهور، فإن ثبت ذلك أحوج إلى الإعلام بالواو أيضاً.
وقوله: (في التقديم) أراد به تقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب معاً، وفي "النهاية" قول ضعيف عن حكاية صاحب "التقريب" أن الجمع بعذر المطر يختص بالمغرب والعشاء في وقت المغرب.
[وقوله: (في حتى من يصلي بالجماعة) يشمل ظاهره الجماعة في المسجد وفي البيت، لكن لو صَلُّوا جماعة في بيت اجتمعوا فيه ففي جواز الجمع لهم وجهان كما سبق] 66. وقوله: (فأما في المنفرد) يشمل المنفرد في بيته وفي المسجد، وهو مجرى على إطلاقه، فقد حكى الصيدلاني الوجهين في الذين حضروا المسجد وصَلُّوا فُرَادَى، وجه المنع أن رخصة الجمع نقلت مرتبطة بالجماعة في المسجد، وقوله: (ولا بد من وجود المطر في أول الصلاتين) مشعر بالاكتفاء بذلك، على ما حكاه الإمام عن المعظم، لكن ظاهر المذهب أنه لا بد منه عند التحلل أيضاً، كما سبق ثم ينبغي أن يعلم قوله (في أول الصلاتين) بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب أنه لو افتتح الصَّلاة ولا مطر، ثم مطرت السَّماء في أثناء صلاته الأولى.
فجواز الجمع على القولين في أنه إذا نوى الجمع في أثناء الأولى؛ هل يجوز الجمع أم لا؟ واختار ابن الصباغ هذه الطريقة.
وقوله: (فإن انقطع قبل الصلاة، أو في أثنائها) عني به ما إذا لم يعد، أما إذا عاد في آخرها، فالجمع ماضٍ على الصِّحَّةِ؛ وقد صرح بهذا القيد في "الوسيط"، ثم القول

الجزء: 2 - الصفحة: 246

بأنه كنية الإقامة، جواب على ما نقله في "النهاية" عن بعض المصنفين، ويجب وَسْمُه بالواو للطريقة الجازمة بأن ذلك لا يقدح، وهي التي قالها الأكثرون.
فروع: أحدها: قال ابن كج: يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر بعذر المطر، ثم إذا قدم، فلا بد من وجود المطر في الحالات الثلاث كما بينا.
قال في "البيان": ولا يشترط وجوده في الخُطْبَتَيْنِ، وقد تنازع فيه ذهاباً إلى تنزيلهما منزلة الركعتين، وإن أراد تأخير الجمعة، قال في "البيان": يجوز ذلك على قولنا، المطر يرخص في التأخير، فيخطب في وقت العصر، ويصلي؛ لأن وقت الثَّانية من صلاتي الجمع وقت الأولى.
والثاني: المشهور أنه لا جمع بالمرض والخوف والوحل إذ لم ينقل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جمع بهذه الأسباب مع حدوثها في عصره.
وعن مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أنه يجوز الجمع بالمرض والوحل، وبه قال بعض أصحابنا، منهم أبو سليمان الخطابي، والقاضيِ الحسين، واستحسنه الروياني في الحلية؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ مَطَرٍ" 67 فعلى هذا يراعي الرفق بنفسه، فإذا كان يُحم مثلاً في وقت الثانية من الصلاتين.
قدمها إلى الأولى بالشَّرائط التي سبقت، وإن كان يُحَمّ في وقت الأولى أخرها إلى الثانية.
والثالث: في جمع الظهر والعصر يصلي سنة الظُّهْرِ، ثم سنة العصر، ثم يأتي بالفريقتين وفي جمع العشائين يصلي بعد الفرضين سنة المغرب ثم سنة العشاء ثم الوتر 68.

الجزء: 2 - الصفحة: 247

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل