العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الفَرَائِضِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) , وَفِيهِ فُصُولٌ قال الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الأَوَّلُ في بَيَانِ الوَرَثَةِ) والتَّورِيثُ

إمَّا بَسَبَبٍ أَوْ نَسَبٍ،1

الجزء: 6 - الصفحة: 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =كالشاذ النادر فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ... الآيات.
وقال تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فنبه سبحانه بافتتاحه الآيات بلفظ الوصية على وجوب استئصال ما كانوا عليه واجتناب بذوره من أصله.
وجعل للصغار مع الكبار نصيباً.
وكذا للإناث مع الذكور.
ولا غرو أن كان هذا الحكم مما تحار العقول في حسن ما انطوى عليه من الحكم البالغة فسوى بين الصغير والكبير لأن الصغير إلى المال والإعانة أحوج.
ونظر إلى الإناث بضعفهن وترغيباً في نكاحهن.
غير أن حكمته اقتضت امتياز الذكر على الأنثى بجعل نصيبه ضعف نصيبها.
لأن الذكر ذو حاجتين.
حاجة لنفسه وحاجة لعياله والأنثى ذات حاجة واحدة.
وأيضاً فإن الرجل أكمل حالاً من المرأة في الخلقة.
وفي المناصب الدينية مثل صلاحية القضاء دونها والأمامة، وشهادتها فيما تقبل فيه على النصف من شهادة الرجل فلذلك استحق أن يكون نصيبه، في الميراث أكثر.
أضف إلى ذلك قلة عقلها وكثرة شهوتها مما إذا انضم إليه المال الكثير عظم الفساد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
وقال الشاعر: "إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده" أما الرجل فلكمال عقله يصرف المال فيما يفيده المدح الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، كبناء الرباطات وإغاثة الملهوفين والنفقة على الأرامل والأيتام.
وذلك لأنه يخالط الناس كثيراً.
أما المرأة فلقلة اختلاطها لا تقدر على ذلك غالباً.
وعلى الجملة فالتوارث يدور على معان ثلاثة.
أولها: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه وما هو من هذا الباب.
ثانيها: الرفق والحدب عليه والخدمة والمواصاة.
ثالثها: القرابة المتضمنة هذين المعنيين معاً.
أما المعنى الأول فمظنة من يدخل في عمود النسب كالأب والجد والابن وابن الابن والأخوة ومن في معناهم ممن هم كالعضد ومن قوم المرء وأهل نسبه وشرفه.
وأما المعنى الثاني فمظنة ذات القرابة القريبة والأحق به الأم والبنت ومن في معناهما ممن يدخل في عمود النسب وكذلك الأخت.
ويوجد معنى الرفق والحدب في النساء كاملاً.
وأما الثالث فمظنة على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب كالأب والجد والابن وابن الابن فهؤلاء أحق الورثة بالميراث.
فلذلك يفضل هذا النوع على الأوليين قبله.
لأن الناس جميعاً عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل وثروته من قوم إلى قوم آخرين جوراً وظلماً.
هذا ولا يضر تحقيق معنين من المعاني الثلاثة السابقة في شخص واحد أو تحققها كلها فيه فإن ترتيبها على هذا الوجه لبيان من توفر فيه المعنى بوجه الكمال وكما أن الأب يقوم مقام الابن في الشرق وغيره كذلك الابن يقوم مقام أبيه -إلا أن قيام الابن مقام أبيه هو الوضع الطبيعي الذي عليه بناء العالم من انقراض قرن وقيام القرن الثاني مقامه.
فهو الذي يرجونه ويتوقعونه ولو أن الرجل خير في ماله لكانت مواصاة ولده أملك لقلبه من =

الجزء: 6 - الصفحة: 439

وَالسَّبَبُ إِمَّا عَامٌّ كَجِهَةِ الإسْلاَمِ (ح و) فِي صَرْفِ المِيْراثِ إلَى بَيْتِ المالِ، وَإِمَّا خَاصٌّ كالإِعْتَاقِ، وَلا يُوَرَّثُ بِهِ إلاَّ بالْعُصُوبَةِ، أَوْ كَالنِّكَاحِ وَلا يُورَثُ بِهِ إِلاَّ بِالفَرِيضَةِ، وَأَمَّا النَّسَبُ فَالقَرابَةُ.
= مواساة والده فلذلك جاءت الشريعة الغراء بتفضيل الأبناء على الآباء.
وأيضاً فإن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً فكان احتياجهما إلى المال قليلاً.
أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيراً ... هذا وليس تفضيل الذكور على الإناث للمعنى السابق مطرداً بل يستثنى الأخوة لأم فإن نصيبي الذكر والأنثى منهم متساويان كما أنه لا يزاد نصيبهم وإن كثروا على الثلث عند التعدد.
لأن الرجال منهم قلّ أن يقوموا بحماية البيضة والذب عن الذمار.
ولا يتحقق فيهم معنى القيام مقام أخيهم من أمهم في المنصب والشرف كاملاً.
فقد يكون الرجل من عائلة وأخوة لأمه من عائلة أخرى.
وقد تقوم خصومة بين العائلتين فينصر كلا الأخوين عائلته على الأخرى.
ولا يرى الناس قيامه مقام أخيه عدلاً ولائقاً لأنه من قوم آخرين.
وأيضًا فإن قرابتهم متشعبة من الأم فكأنهم جميعاً أناث.
هذا، وإذا اجتمع جماعة من الورثة فإما أن يكونوا في مرتبة واحدة وإما أن يكونوا في منازل شتى.
والثاني، إما أن يعمهم اسم واجد وجهة واحدة، أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة.
فالقسم الأول -يجب أن يوزع عليهم لمساواتهم في المرتبة والدرجة فلا سبيل لتمييز واحد عن صاحبه ولا لاختصاص واحد دون الآخر بل هم في المعنى سواء.
وأما القسم الثاني -وهو ما إذا كانوا في منازل شتى وعمهم اسم واحد وجهة واحدة.
فالأقرب منهم يحجب الأبعد حرماناً.
وذلك أن التوارث إنما شرع حثاً على التعاون وشد العرى المناصرة والمؤازرة.
ولكل قرابة وتعاون كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم والقيام مقام الأب فيمن يعمهم اسم الأب.
والذب عنه فيمن يعمهم اسم العصوبة.
ولا شك أنها في الأقرب أقوى فلذلك هو الذي يلام على تركه المؤازرة أشد اللوم.
ولذا كان هو بالميراث أحق.
وأما القسم الثالث فالأقرب والأنفع فيما علمه الله يحجب الأبعد نقصاناً وإنما ورث الزوج زوجته وورثته هي أيضاً مع أنه لا يتحقق فيهما واحد من المعاني السابقة كاملاً كما لم تشملهما آية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ بطريق إلحاقهما بذوي الأرحام الذين تحقق فيهم أحد تلك المعاني -لوجوه- منها "أ" أن الزوجة ربما تلد من زوجها أولاداً هم من قوم الرجل لا محالة ومحل نسبه ومنصبه ومعلوم أن اتصال الولد بأمه لا ينقطع أبداً فمن هذه الوجهة تصير الزوجة بمنزلة ذوي الأرحام.
فتستحق في الميراث الربع أو الثمن وأما الزوج فله ضعف نصيبها جرياً على القاعدة المتقدمة.
ولما أن الزوج له رابطة خاصة بالانفاق عليها واستبداء ماله عندها ولأنه يأمنها على ما يملك حتى يخيل من شدة العلاقة أن جميع ما تركته أو بعضه هو حقه في الواقع فكان إخراج المال من يده شاقاً على نفسه فعالج الشرع هذا الداء بأن فرض له الربع أو النصف ليكون جابر القلب كاسر السورة غضبه -وأيضاً فإن إلحاقهما بمن تقدم كان رأفة من الله ورحمة بعباده سبحانه هو الرؤوف الرحيم.

الجزء: 6 - الصفحة: 440

الفصل الأول في بيان الورثة والتوريث

قَالَ الرَّافِعِيُّ: نَصدِّرُ الكِتابِ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ تَعالَى بفَواتِحَ: الفاتِحَةُ الأُولَى: أصْلُ الفرائِضِ في اللِّسَانِ الْحَزُّ، والقَطْعُ، وفُرْضةُ الْقَوْسِ، وفرضَتِها: الحَزُّ الَّذِي يقعُ فِيهِ الوَتَرُ، وفُرْضَةُ الَّنهْرِ ثُلْمَتُه الَّتِي منْهَا يُسْتَقَى، والمِفْرَضُ: الحَدِيدَة الَّتي يُحَزُّ بِها، وفَرَضَ الله تعالَى، أي: أوْجَبَ، وألزمَ، وافْتَرَضَ مثلُهُ، وهوَ الفَرْضُ والفَرِيضَةُ.
قال في الصِّحاحِ 2: والفَرْضُ العَطِيَّة الموسُومَةُ، يُقالُ: ما أصَبْتُ منْهُ فَرْضاً ولا قَرْضاً.
وفَرَضْتُ الرَّجل وأفْرَضُهُ إذا: أَعْطَيْتُهُ، وفَرَضْتُ لَهُ في الدِّيوانِ، فقالَ العُلَمَاءُ: يُسمَّى العِلْمُ بقسمةِ المواريثِ "الفرائض" -فصاحِبُ هَذَا العِلْم الفَرْضِيُّ؛ لِمَا فيها مِنَ السِّهَام المُقَدَّرَةِ، والمَقَادِير المُنْقطِعَةِ المُفَضَّلَةِ، ومنْهُ قولُهُ تَعاَلَى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء 118] أي: مُقتَطَعَاً محْدُوداً، وقُرِئَ: ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] أيْ: فَصَّلْناهَا.
وفيما جُمِعَ منْ كَلامِ ابْنِ اللَّبَان البَصْرِي وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ تسميه "الفرائِضَ" منَ الوُجُوب واللُّزوم، إلاَّ أنَّ الفَرْضَ بمعنى الإيجابِ والإلْزامِ، مأْخُوذٌ من المَعْنَى الأوَّل، وهُوَ الاقتطاعُ؛ لأنَّ للفريضةِ معالِم وحُدُودًا مُقَدَّرةً، وإنْ جَازَا ذَلِكَ، جاز أن يُقَال: إنَّها مأْخُوذَةٌ من معْنَى العَطِيِّة؛ لأنَّ الاسْتِحْقَاقَ بالإرْثِ عطيَّةٌ من الشَّرْع، لكنَّهُ يُشْبهُ أنْ يُقالَ: استعمالُ هَذَا اللَّفْظِ في نَفْسِ الإعْطَاءِ مستعارٌ، وحقيقَتُهُ: قطْعُ شَيْءٍ من مالِ الدِّيوَانِ ونَحوِهِ، ومنهُ فَرَضَ له الحاكِمُ النفقةَ، وقولُهُ تَعالَى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، والله أعلم.
[الفاتحة] 3 الثانيةُ: عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ، وعَلَّمُوها النَّاسَ، فَإنِّي امرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ، وَتَظْهَرُ الفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الاثْنَانِ في الْفَرِيضَةِ، فَلا يَجِدانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا" 4.

الجزء: 6 - الصفحة: 441

وعنْ أبي هريرَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ، وإنه نِصْفُ العِلْمِ، وإنه 5 أَوَّلُ ما يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي" 6. وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَحَدَّثْتُم فَتَحَدَّثُوا بِالْفَرَائِضِ، وَإِذَا لَهَوْتُمْ، فَالْهُوا بِالرَّمْيِ" 7. وحُمِلَ قَوْلُهُ: "نِصْفُ العِلْم، وأنه أول ما ينزع" على أنَّ للإنسانِ حَالَتَي الحَيَاةِ والمَوْتِ، وفي الفَرائِضِ مُعْظَمُ الأحْكَامِ المتعلقةَ بحالِ المَوْتِ.
[الفاتِحَةُ] الثالثة: كَانُوا في الجاهِليَّة يُورِّثُونَ الرِّجَالَ دونَ النِّسَاءِ، ويجْعَلُونَ حَظَّ المرْأَةِ مِنَ الميراثِ أنْ يُنْفَقَ عَلَيْها من مَالِ [زوْجِهِا 8 سنة]، ويقولُونَ الرِّجالُ هُمُ الِّذينَ يتحمَّلُونَ المُؤَن، ويُقْرُونَ الأَضْيَاف، وَيلْقَوْن الحروب، وكانُوا لمِثْل ذَلِكَ يُوَرِّثونَ الكِبَارَ من الأوْلادِ دُونَ الصِّغَارِ، وكانوا يُورِّثونَ الأمَ وابْنَ الأخ [وزَوْجَةَ الأخَ] 9 والعَمَّ كَرْهَاً.
وَعَدَّ أَبو عَلِيٍّ الزجَّاجِيُّ والقاضي الرُّوَيانيُّ [رحمهُما اللهُ تَعَالَى] وكثيرٌ مِنَ الطبريَّةِ التوارثُ بالحَلِفِ والنُّصْرَةِ منْ وجُوهِ الإرْثِ في الجاهليَّة دونَ ما كانُوا علَيْهِ في ابتداءِ الإسْلاَم، والمشهور جريانُ التوارِثُ به في ابتداء الإسْلاَمِ، وقَد حَملَ عَلَيْه قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] ثم نُسِخَ ذلكَ، فكَأنُوا يتوارَثُونَ بالهِجرةِ والإسْلاَمِ، فلَوْ هَاجَرَ أحد القريبينِ المسلمينِ دُونَ الثَّانِي، لَمْ يتوارثا، وهُوَ المَغْنِيُّ بقولِهِ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] ثمِ نُسِخَ ذَلِكَ، وجُعِلَ الإرْثُ بالقرابة على ما قَالَ تعالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] ويُقالُ: إنَّهُ نُسِخَ بآية الوَصيَّة، وهِيَ قولُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] الآية، وكانَتْ واجِبَةٌ للوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ.
وعنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: أنَّه كانَ يَجِب على المُحْتَضِرِ أنْ يوصي لكلِّ واحدٍ مِنَ الوَرَثَةِ بما في علْمِ الله تعالَى من الفرَائَضِ، وكانَ من يُوَفَّقُ لِذلِكَ مُصِيباً، ومن يَتَعَدَّاهُ مُخْطِئاً.
قَالَ الإمامُ: هذا زَلَلٌ، وَلا يَجْوزُ ثُبُوتُ مِثْلهِ في الشَّرائِعِ، فإنَّه تكليفٌ، علَى

الجزء: 6 - الصفحة: 442

عَمايَةِ، ثُمَّ نُسِخَ وجُوبُ الوصيَّةِ، ووَرَدَتْ آيَاتُ الموَاريثِ [على ما استقَرَّ الشَّرْعُ علَيْهِ، وما عُدَّ من وُجوهِ التَّوَارُثِ] 10 في ابْتِداءِ الإسْلاَمِ التَّبَنِّي والمُؤَاخَاة.
الفَاتحةُ الرَّابِعَةُ: الأصْلُ في الموارِيثِ قولُهُ تَعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:11] الآية، والتي تليها، وآيَةُ الكَلالَةِ في آخِرِ السُّورَةِ، ولم تشتملْ الآياتُ الثلاثُ علَى جَمِيعِ قواعِدِ الفَرائِضِ، لكن وَرَدَت السُّنَّةُ بأصُولٍ أخْرَى، وتَكَلَّمَ أصحابُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فيما لم يجدوه منْصُوصاً عليه، وكَثُرَ اختلافُهُم فيه؛ لأنَّ مَسائِلَ الفرائِضِ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أُصُولٍ معقُولةٍ، فتَعَلَقُوا بالأَشْبَاهِ والأَمْثَالِ.
وحَكَى الإمَامُ عَنِ العُلَمَاءِ بالفَرائِضِ أنَّ صَحَابَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَحَزَّبُوا فَتَكَلَّمَ أربعةٌ منْهُمْ في جَمِيع أُصُولِهَا، وهُمْ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وابنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَهؤُلاءِ الأربعةُ، إذَا اتَّفَقُوا في مسألةٍ وافَقَتْهُمُ الأُمَّةُ، وإذا اختلَفُوا، اختلَفَتِ الأمَّةُ، ولم يتَّفِقْ في مَواضِع اخْتِلاَفِهِمْ ذَهَابُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ إلَى مَذْهَب وذَهابَ الآخَرَيْنِ إلَى خِلاَفِهِ، ولكنْ حَيْثُ اختَلَفُوا، وقَعُوا آحَاداً، وذهَبَ ثلاَثةٌ إلَى مَذْهَبٍ، والرَّابَعُ إِلَى خِلاَفِهِ 11. ومنْهُمْ مَنْ تَكَلَّم فِي [مُعْظَمِها كأبي بَكْرٍ وعمر، ومعاذٍ بْن جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ومنهُمْ مَنْ تَكَلَّم في] مسائِلَ معْدُودةٍ كابن عباس 12 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ نَظَرَ الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في مَواضِعِ الخِلافِ، فاخْتَارَ مذْهَبَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَتَّى تَرَدَّدَ قولُهُ حيْثُ تَرَدَّدَتِ الروايةُ عَنْ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قَالَ الأصْحَابُ -رَحِمَهُمُ اللهُ-: وَلَمْ يُقَلّد زيدًا، وإنما ترَّجحَ مَذْهَبُهُ عنْدَهُ مِنْ وجْهَيْنِ: أحدهما: رُوِيَ عنِ النبِّيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ:"أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" 13.

الجزء: 6 - الصفحة: 443

والثاني: قَالَ القَفَّالُ: ما تَكلَّم أحدٌ من الصحابة -رَضِي اللهُ عَنهُمْ- في الفَرَائِضِ، إلا وقَدْ وُجِدَ له قَوْلٌ في بعضِ المَسائِل هَجَرَهُ النَّاسُ بالاتَّفاقِ إلاَّ زَيْدٌ، فإنَّه لم يَقُل بقَوْلٍ مهجُورٍ بالاتِّفاقِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ كالعمومَيْنِ، إذَا وَرَدَ، وقَدْ خُصَّ أحَدُهُمَا بالاتِّفاقِ دُونَ الثَّانِي، كانَ الثَّانِي أَوْلَى، وقد يُعتَرَضُ فَيُقالُ: للكَلاَم مَجالٌ في أنَّ الوجْهَيْنِ، هل يُوجِبَانِ الرُّجْحَانَ، لَكنْ بتقدير التَّسْليم فالأخذ بما رُجِحَ عَنْدَهُ، أنه [إنْ] لَمْ يَكُن بَناهُ عَلَى الدَّلِيلِ في كلِّ مسألةٍ، لمْ يَخْرُجْ عن كونهِ تقليدًا، كالمقلَّدِ يأخُذُ بقَوْلِ مَن رَجَحَ عِنْدَهُ من المجتهدين، وإن كان بَنَاهُ علَى الدَّلِيلِ، فَهُوَ اجتهادٌ وافَقَ اجتهاداً، فلا مَعْنَى للقَوْلِ بأنَّه اختارَ مذْهَبَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويُجابُ عَنْه بأنَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لمْ يُخْلِ مسألة عن احتجاج واستشهاد، لكنهُ اسْتَأْنَسَ بما رَجَحَ عنْدَهُ من مذْهَب زَيْدٍ، ورُبَّمَا تَرَكَ بهِ القياس الجليِّ، وعضَّدَ الخَفِيَّ.
كقولِ الواحدِ من الصَّحابة، إذا انْتَشَرَ، ولم يُعْرَفْ لَهُ مخالفٌ؛ فباعتِبَار الاستئْنَاسِ، قيل: إنَّه أخَذَ بمذْهَبِ زَيْدٍ، وباعتبار الاحتجاج، قِيل: إنَّه لمْ يُقَلِّدْ، والله أعلم.
الفاتحَةُ الخامِسَةُ: يُبدأ من تركة الميِّتِ بمؤنة 14 تجهِيزِهِ المَعْرُوفِ؛ لأَنَّهُ يحتاجُ = في ترجمة علي بن جعفر، وعن أبي سعيد رواه قاسم بن أصبغ عن ابن أبي خثيمة، والعقيلي في الضعفاء عن علي بن عبد العزيز كلاهما عن أحمد بن يونس عن سلام عن زيد العمي عن أبي الصديق عنه، وزيد وسلام ضعيفان، وعن ابن عمر رواه ابن عدي في ترجمة كوثر بن حكيم وهو متروك، وله طريق أخرى في مسند أبي يعلى من طريق ابن البيلماني عن أبيه عنه، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق أبي سعد البقال عن شيخ من الصحابة يقال له: محجن أو أبو محجن].

الجزء: 6 - الصفحة: 444

إلَيْهَا، وإنَّما يدفعُ إلى الوَارِثِ ما يَستَغْنِي عنه المُوَرِّثُ، وهَذَا فِيمَا لَمْ يتعلَّقْ بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فإنْ تعلَّق كالمَرْهُونِ، والعَبْدِ الجانِي، والمبيع إذَا مَاتَ المشتَرِي (مُفْلِساً) قُدَّمَ حَقُّ الغَيرِ، ثمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْها، وَللْوَرَثَةِ إمْسَاكُ ما تَرَكهُ وغَرامَهُ ما عَلَيْهِ مِنْ عنْدِهِمْ، كما سَبَقَ في "الرَّهْنِ" ثُمَّ تُنفَذُ وَصَاياهُ منْ ثُلُثِ الباقِي، ثمَّ يُقَسَّم الباقِي بَيْنَ الوَرَثَةِ عَلَى فرائِضِ الله تَعالَى، عَلَى ما قَالَ تَعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] إذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فأعْلَمْ أَنَّ المُصَنِّفَ -رَحِمَهُ الله- أَوْدَع مقْصُودَ الكتابِ في ثلاثَةِ فصُولِ.
أَحَدُهَا: في بيانِ أسبابِ التَّوْرِيثِ والوارِثينَ، ومقادِيرِ استِحْقَاقِهِمْ.
الثاني: في وجوه الحرْمَانِ بعْد قيامِ سَبَبَ التَّوْرِيثِ [في التَقَدُّم والحَجْبِ].
وَالثالثُ: فيِ حِسابِ الفَرائِضِ.
= وإن قلنا: إن الدين يتعلق بالتركة تعلق شركة إلى آخر ما ذكره، وهو تقرير حسن، وزاد على ما ذكره الشيخ صوراً.
أحدها: الربح في القراض إذا مات المالك قبل أن يقسم الربح، وقلنا بالمذهب إن العامل لا يملك حصته إلا بالقسمة.
ثانيها: الدار التي أسكنها المعتدة بغير الأشهر، وهي المعتدة عن الوفاة فإنها تستحق السكنى فيها إلى انقضاء العدة على المذهب، ولا يصح بيع رقبة الدار للجهل بالمدة فيكون حقها متعلقا بعينها مدة العدة، ومقتضى ذلك تقديم حقها على مؤن التجهيز.
ثالثها: إذا أدى المكاتب النجوم إلى السيد ثم مات السيد قبل الإيفاء، فقد ذكر المصنف أنه يأخذ الواجب منه ولا يزاحم أصحاب الديون لأن حقه في عينه.
رابعها: اللقطة إذا ظهر مالكها بعد التملك فله أخذها على الأصح، ويقدم بها على سائر الحقوق.
خامسها: اطلع المشتري على عيب في المبيع، وقد آيس من الرد بغير تقصير منه كان أعتقه مثلاً فإنه يثبت الإرث، وهو جزء من الثمن، فإن كان باقياً, فالصحيح أن حقه متعلق بعينه، وليس للبائع دفع الأرش من غيره، فلو مات قبل أخذ الأرش فقياس تعلق حقه بعينه أن يقدم بقدر الأرض على سائر الحقوق.
سادسها: البيع بعد التحالف إذ فرعنا على الأصح أنه لا ينفسخ بنفس التحالف فللبائع أن يفسخ ويقدم بالمبيع على سائر الحقوق لتعلق حقه بعينه.
سابعها: أصدقها عيناً وأقبضها ثم حصل فراق قبل الدخول إما بسببها أو بسببه ثم ماتت، والعين باقية، لكنها نقصت في يدها فإنه والحالة هذه يخير بين أن يرجع فيها أو في نصفها، ويقدم بالعين على سائر الحقوق لتعلق حقه بعينها، وبين أن يرجع إلى البدل.
ثامنها: إذا مات المقترض بعد قبضه وهو باق في يده، وفرعنا على المذهب أنه يملك بالقبض لا بالتصرف، وأن له الرجوع في عينه ما دام باقياً بحاله.
قال الزركشي: فينبغي أن يجوز له الرجوع، ويقدم كسائر الحقوق المتعلقة بالأعيان

الجزء: 6 - الصفحة: 445

أمّا الفَصْلُ الأَوَّلُ، فَهُوَ مُفْتَتَحٌ بِعَدِّ أسباب التَّوْرِيثِ، والعِبَارَاتُ فيهِ مختلفةٌ، وإنْ أدَّتْ مقْصُوداً واحِداً، وكثيراً ما يَتَّفِقُ ذَلِكَ في ضَوابطِ الفَرائِضِ، فَقالَ الأكثرُون: أسبابُ التَّوْرِيثِ ثلاثةٌ: قَرَابَةٌ، ونَكِاحٌ، وَوَلاءٌ, والأقَارِبُ يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ على تفْصِيلٍ سيأتِي.
قال الله تَعالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]: و [أما]، الزَّوْجَان فَيَرِثُ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا من الآخَر، قَالَ الله تَعالَىَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:12] والمرادُ من الوَلاَءِ أنَّ المُعتِقَ يَرِثُ مِنَ المُعتَقِ.
رُوِيَ أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "وَرَّثَ بنْتَ حَمْزَةَ من مولى لَها" 15، وَعَنَى هؤلاء بما ذَكَرُوه الأَسْبابَ الخاصَّة، ووراءها سَببٌ آخرُ عامٌّ، وهو الإسْلاَم، فَمَنْ مَاتَ، ولم يخلف من يرثه بالأسْباب الثلاثةِ، فمالُهُ لبَيْتِ المال؛ يرثه المسلمون بالعُصُوبة، كما يتحملون عنه الدّيَةَ.
وقد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ" 16. وفِيهِ وجْةٌ آخَرُ: أنَّه يُوضَعُ مالُهُ في بَيْتِ المالِ عَلَى سَبِيلِ المَصْلَحةِ لا إرْثاً؛ لأنَّه لا يَخْلُوا عَنِ ابْنِ عَمٍّ، وإنْ بَعُدَ فألحق ذلكَ بالمالِ الضائِعِ الذي لا يُرْجَى ظهورُ مالِكِهِ، ويُحْكَى هذَا عن أبي حنِيفَةَ، وأحْمَدَ، وأقَامَهُ القَاضِي الرُّويانِيُّ قَوْلاً عن روايةِ ابنِ اللَّبَّان، والأوَّلُ هُوَ المَذْهَبُ، ومنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بين الجهاتِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وقالَ: التَّوْرِيثُ

الجزء: 6 - الصفحة: 446

يَثْبُتُ بِسَبَبٍ ونَسَبٍ، فالنَّسَبُ: القرابَةُ، والسَّبَبُ: إمَّا خاصٌ، وهو النِّكاحُ والإعْتاقُ، وإمَّا عامٌّ، وهُوَ الإِسْلاَمُ، هَذَا ما أوْرَدَهُ في الكتاب، وهؤلاءِ يَعْنُونَ بالسَّبَب ما سِوَى النَّسَب من وُجوهِ الإرْثِ، وإلاَّ فالنَّسَبُ أَحَدُ أسْبابِ الإرْثِ، وأحَدُ وجُوهِ الَوصلَةِ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ، فَيَكُونُ داخلاً في السَّبَبِ دُخُولَ الخصوصِ في العُمُومِ، فلا يَنْتَظِمُ التَّقْسِيمُ.
وقولُهُ في الكِتَاب: (إمَّا عامٌّ كجهةِ الإسْلاَمِ) يجُوزُ أن يُعْلَمَ بالحَاء والأَلفِ والواوَ، لِما تَقَدَّم، وَلَوْ قال: "وهو جِهَةُ الإِسْلاَمِ" لكانَ أحْسَنَ؛ لأنَّ الكَافَ للتَّمْثِيلِ؛ وليس هاهُنَا سَبَبٌ عامٌّ سِوَى الإسْلاَمِ.
وذَكَرَ صاحبُ "التَّتِمَّةِ" تفريعاً على الخلافِ في أنَّهُ موضُوعٌ في بَيْتِ المالِ إرْثاً أم على سَبِيلِ المصْلَحةِ؟ أَنَّا إذَا جَعَلْناهُ إرْثاً، لم يَجُرْ صَرْفُهُ إلَى المكَاتَبِينَ، ولا إلَى الكُفَّارِ، وفي جَوازِ صرفِه إلَى القاتِلِ وجهان: وجه الجواز أَنَّ تُهْمَةَ الاسْتِعْجَالِ لا تَتَحَقَّق هَاهُنَا؛ لأنَّه لا يتعيَّنُ مَصْرِفاً لمالِهِ 17. وفِي جواز صَرْفِهِ إلَى من أوصَى له بشَيء وجْهَانِ: فَفِي وَجْهِ لئلا يُجْمَعُ بين الوَصِيَّةِ والأرْثِ، ويخيَّر بَيْنَهُمَا.
وفي وَجْهٍ: يجوز 18 بخلافِ الوَارِثِ المُعَيِّنِ؛ لأنَّه أَغْنَاهُ بِوَصِيَةَ الشَّرْعِ بقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:11] عن وَصِيَّةِ غَيْرِهِ.
ويجوزُ علَى الوجْهَيْنِ تخصيصُ طائفةٍ منَ المُسْلِمِينَ بهِ، ووجْهُهُ: بأنَّه استحقاقٌ بصفةٍ وهي أُخُوَّة الإسْلام، فَصَارَ، كما لَو أوصَى بثلثهِ لَقَوْمٍ موصُوفِين لا يَجِبُ استِيعابُهُمْ، وكَذَلِكَ، يَجُوزُ 19 أنْ يُصْرَفَ إلَى مَن وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أو كَانَ كافرًا فأسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ رَقِيقاً، فَعَتَق 20.

الجزء: 6 - الصفحة: 447

وقولُهُ في الإعْتَاقِ، (وَلا يُوَرَّثُ بهِ إلاَّ بالعُصُوَبةِ) وفي النِّكَاحِ، (وَلا يُوَرَّثُ بِهِ إلاَّ بِالْفَرِيضَةِ) مبنيٌّ، عَلَى أَصْلٍ سَيَأْتِي من بَعْدُ -إن شاءَ الله- وهو أَنَّ مِنَ الوارِثِينَ منهم من يَرِثُ بالفرضية، ومنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بالتَّعْصِيبِ، فبين أنَّ الإِرْثَ بالأعْتَاقِ مِنَ القِسْمِ الثَّاني وبالنِّكاحِ مِنَ الأَوَّلِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَالوَارِثُ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ اثْنانِ مِنَ السَّبَبِ وَهُمَا المُعْتِقُ والزَّوْجُ، وَاثْنَانِ مِنْ أَعْلَى النَّسَبِ وَهُمَا الأَبُ والجَدُّ، واثْنَانِ مِنَ الأَسْفَلِ وَهُمَا الابْنُ وَابْنُ الابْنِ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى الطَّرَفِ وَهُمُ الإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ إِلاَّ بَنِي إِخْوَةِ الأُمِّ، والأَعْمَامُ وَبَنُوهُم إِلاَّ الأَعْمَامَ مِنْ جِهَةِ الأُمِّ وَهُمْ إخْوَةُ الأَبِ للأُمِّ، والوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ، اثْنَتَانِ مِنَ السَّبَبِ وَهُمَا المُعْتَقَةُ والزَّوْجَةُ، واثنَتَانِ مِنْ أَعْلَى النِّسَبِ وَهُمَا الأُمُّ والجَدَّةُ، وَاثْنَتَانِ مِنَ الأسْفَلِ وَهُمَا البِنْتُ وَبِنْتُ البِنْتِ، وَواحِدَةٌ عَلَى الطَّرَفِ وَهِيَ الأُخْتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ:

فصل في بيان المجمع على توريثهم

في حصْرِ الورثةِ طريقتان: احداهُمَا: طريقةُ خَلْطِ الذُّكُورِ بالإنَاثِ، وهِيَ أنَّ الوَرَثَةَ قِسْمان: مَنْ يرثُ بالنِّسَبِ، وهم الزَّوْجَان والمُعْتَق، ذكَراً كان أو أنثَى، ومن يرثِ بالنَّسَب والمناسَبُون قِسْمانَ: مَن يُدْلِي إلى الميِّتِ بغير واسِطةٍ، وهم الأبَوَانِ، والأولادُ، [و] كَلهم وارثُونَ، وَمَنْ يُدْلِي بواسِطَةٍ، وهُوَ إمَّا ذَكَرٌ أو أُنْثَى، وعلَى التقدِيرَيْنِ، فالتَّوسُّط إمَّا بمَحْضِ الذُّكورِ، أوْ بمحض الإنَاثِ أو بِهِمَا جميعاً، فيخرجُ مِن ذَلك ستُّ حالاتٍ: ذكر والتوسُّطُ بمَحْضِ الذُّكورِ، وكلُهُم ورثةٌ، ذكر والتوسُّطُ بمحضِ الإناثِ، ولاَ يرثْ منْهُم إِلاَّ الأَخُ للأُمِّ، ذكر والتوسُّطُ بالذُّكُورِ والإِنَاثِ، ولا يَرِثُ منهُمْ أحدٌ إلاَّ أُنثَى، والتوسُّطُ = أولاد الأُم، الذكر منهم والأُنثى في الإرث سواء؛ لأنهما في جهه الاستحقاق، وهي الرحم سواء.
ذكره أصحابنا.
ويوافق قول النووي في زياداته الجرجاني حيث قال في التحرير "ولا يورث على الخصوص بغير رحم ولا نكاح ولا ولاء ولا المبتوتة في مرض الموت إذا قلنا بالقديم إنها ترث مطلقاً، ثم هذا ليس بقديم، فقد قال الماوردي: إنه نص على القولين في الرجعة، والعدد من الإملاء، وكذا نقلهما القاضي أبو الطيب عن الجديد.
قال الزركشي: وينبغي أن يضم إليها الرحم عند عدم بيت المال على ما سيأتي قياساً على جعل الإسلام سبباً عند فقد العصبة الخاصة.

الجزء: 6 - الصفحة: 448

بمَحْضِ الذُّكورِ، ولا يرثُ مِنْهُنَّ إلاَّ بنتُ الابْنِ والأُخْتُ للأب والجَدَّةُ للأبِ أُنْثَى، والتوسُّطُ بمَحْضِ الإناثِ لا يَرثْ منْهُنَّ إلاَّ الأُخْتُ للأمِّ، والجَدَّةُ للأمِّ أُنْثَى، والتوسُّطُ بالصِّفَتَيْنِ لا يَرِثُ منهُنِّ إلاَّ الجَدَّاتُ المُدْلِيَاتُ بمَحْضِ الإناثِ إلَى مَحْضِ الذُّكُور؛ كأمِّ أمِّ الأَبِ، وأمِّ أمِّ أبي الأب.
الثانيةُ طريقةُ التَّمييز: وهِيَ أنَّ الوَرثَةُ صِنْفان رجالٌ ونسَاءٌ, وفي حَصْرِ كلِّ صِنْفِ عَبارَتانِ بَسْطٌ وإيجازٌ.
فمنْ يَبْسُطُ بقول: الرِّجالُ الوارثُون خَمْسَةَ عَشْرَةَ: الابْنُ، وابنُ الابْن، وإن سَفَلَ، والأبُ، والجَدُّ للأب وإنْ علاَ، والأخُ للأبِ والأمِّ، والأخ للأب، والأخُ للأمِّ، وَابنُ الأخَ للأب والأمِّ، واَبنُ الأخ للأبِ، والعمُّ للأبِ والأمِّ، والعَمُّ للأب، وابْنُ العمِّ للأبِ والأمِّ, وابنُ العَمِّ للأبِ، والزَّوْجُ، والمُعْتِقُ.
والنِّساءُ الوارِثاتُ عَشْرٌ: البنْتُ، وبنْتُ الابْنِ، وإنْ سَفَلَتْ، والأمُّ والجَدَّةُ للأبِ والجَدَّةُ للأمِّ، -وإن عَلَتا- والأختُ للأبِ والأمِّ، والأُخْتُ للأبِ، والأُخْتُ للأُمِّ، والزَّوْجَةُ، والمُعْتَقَةُ.
ومَنْ يُوجز يقُولُ: الرجَالُ عَشَرَةٌ: الابْنُ وابْنُ الابْنِ، والأبُ، والجَدُّ، والزَّوْجُ، والمُعْتِقُ، كَمَا سَبَقَ، ويتصرَّفُ فيمنْ عَدَاهُمْ بالاخْتِصَارِ، فيُعَدُّ الأخُ واحداً، وَيدْخُلُ فيهِ الإخْوةُ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ.
وأمَّا الباقُونَ، فللموجِزِينَ فيهمْ أَرْبَعُ عِبَارَاتٍ: إحداها: أَطْلَقَ بَعضُهُمْ: ابْنُ الأخِ، والعَمُّ وابْنُ العَمِّ، وهَذَا يدْخُلُ فِيهِ الأمِّيُّونُ منْهُمْ، لكنَّ تأْوِيلَهُ أَنَّ الغَرَضَ الآنَ بيانُ الجِنْسِ، ثُمّ تَبَيَّنَ عند التَّفْصِيلِ أَنَّ الشَّرْط يكونُوا من الأُمِّ، وهَذا كَما أنَّا أطْلَقْنا القَوْلَ في الجَدِّ للأبِ، وفي الجَدَّةِ، ثمَّ تبينُ أنَّ الشَّرْطَ ألا يتوسطَ بينهما وبَيْنَ الميت مَنْ لا يرثُ.
والثانيةُ: قيل: وابْنُ الأخِ للأَبِ، والأمِّ أو الأب، وكَذَلِكَ في العَمِّ، وابن العم.
والثالثة: قيل: وابنُ الأخِ للأبَ، وفي العَمِّ وابْنِ العَمِّ كَذَلِكَ.
وصَاحبُ هذه العبارةِ يَعْنِي الانْتِسابَ إِلى الأَب بمطلقهِ، وأنَّه مَوْجُود 21 في الانْتِساب إلى الأبَوَيْنِ، [وصاحبُ العبارةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِيَ الانتسابَ إلى الأب، وأنَّه غيرُ موجودٍ في انتِساب إلى الأَبوَيْن] 22 وهذا أشْهَرُ في الاسْتِعمالِ.
والرابِعَةُ: قِيلَ: وابنُ الأخَ إلاَّ مِنَ الأُمِّ، وفي العَمِّ وابنِ العَمِّ كَذَلِكَ، والمرادُ إلاَّ مِنَ الأمِّ وحْدَهَا، وأحْسَنُ العِباراتِ هَذِهِ أو الثانِيَةُ.
قال الموجِزُونَ: والنِّساءُ الوارِثاتُ سَبْعٌ: البنْتُ، وبِنْتُ الابْنِ، والأُمُّ، والجَدَّةُ من

الجزء: 6 - الصفحة: 449

[الجِهَتَيْنِ، والأُخْتُ، والزَّوْجَةُ، والمُعْتِقَةُ، وضَمَّ الشَّيْخُ أَبُو خَلفِ السُّلَميُّ إلى المذكورِينَ في الصِّنْفَينِ: عصَبَاتِ المُعْتِقِ، ومُعتِقِ المُعتِقِ، وهَذَا] 23 قريبٌ لفْظاً، فإنَّ اسْمَ المُعْتِقِ لا ينتَظِمُهُما، لكنْ لو فَتَحْنا هذا البابَ، لاحتَجْنَا إلَى ضَمِّ عصباتِ مُعْتِق المعتِق، ومُعْتِقِ مُعْتِق المُعْتِق، وهَكَذا إلَى ما لا يَتَناهَى، فإذَن المُرَادُ من المُعْتِقِ مَنْ صَدَرَ منه الإعتاقُ، وكُلُّ مَنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ.
وإذَا اجْتَمَعَ الوارِثُونَ مِنَ الرجالِ لَمْ يَرِثْ منهمُ إلاَّ الأبُ، والابْنُ، والزَّوْجُ.
وإذا اجْتَمَتِ الوارِثاتُ مِنَ النِّسَاءِ، وَرِثَتْ منهُنَّ خَمْسٌ: البنتُ، وبنتُ الابن، والأُمُّ، والزوجَةُ، والأُخْتُ من الأبَوَيْنِ.
وإذا اجتمعَ من يُمْكِنُ اجتماعُهُمْ من الصِّنْفَينِ، ورثَ الأبَوانِ، والابْنُ، والبنْتُ، ومَنْ يُوجَدُ من الزِّوْجَيْنِ 24. ومَن انْفَرَدَ مِنَ الرِّجَالِ؛ جازَه جَمِيع التَّركةِ؛ إلاَّ الزَّوْجَ، والأَخَ للأُمِّ، ومَنْ يقولُ بالرَّدِّ، لا يَسْتَثْنِي إلاَّ الزَّوْجَ.
ومَنِ انفردَتْ من النِّسَاءِ لم تَحُزْ جميعَ التركةِ إلاَّ المُعْتِقَةَ، ومَنْ يقولُ بالرَّدِّ يثبت لِكُلِّهِنَّ الحيازَة إلاَّ الزَّوْجَةَ 25. وإذا تَوَغَّلْتُ الكتاب، عَرَفْتَ صِدْقَ هَذهِ الثلاثِ، ووجُوهها.
وأعْلَمْ أنَّ الفَصْلَ من أَصْله لبيان المُجْمَعِ عَلَى توريثِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، ثُمَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 450

مَنْ يَقُولُ بتوريثِ ذَوِي الأرحامِ يزيدَ عليهم بكَثِيرٍ.
وقولُهُ في الكِتاب "والوارِثُونَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ" هُوَ عبارةُ الإِيجاز، وزَادَهَا بياناً، فقَالَ "اثْنانِ مِنْهُمْ مِنَ السَّبَبِ، وَهُمَا: الزَّوْجُ والمُعْتِقُ، والباقُونَ من النَّسَبِ اثْنَانِ مِنْ أَعْلاَهُ" يعني: أصُولَ الميِّتِ، ولم يُقَيِّدْ لفظ الجَدِّ بأبي الأب، وهو المُرادُ، ولا يَصْلُحُ قولُهُ "مِنْ أعلَى النَسَب" مُقَيَّدًا كما لا يَصْلُحُ في طرف الجَدَّةِ، واثْنَانِ من أسْفَلِهِ، يَعْنِي: فُرُوعَهُ، وأربعةً علَى الطَّرف، وهم الإخوةُ وبنوهم، والأعمامُ، وبنُوهُم.
قولُهُ "إلاَّ الأعمام مِنْ جِهَةِ الأُمِّ" استثناءٌ مِنَ الأَعْمَام، واكْتَفَى به عَن الاسْتثناءِ مِنْ بينهم؛ لأنَّه إذا بَانَ أنَّ العَمَّ مِنَ الأمِّ لاَ يَرِثُ، فابنه (1) أولَى بألاَّ يَرِثَ.
وقولُهُ "وَهُمْ إخْوَةُ الأَبِ للأُمِّ" تفسيرٌ لا تَمَسُّ الحاجةُ إليه، ولفْظُ "الأَعْمام" ينظم عمَّ المَيِّتِ، وَعَمِّ أبِيهِ وعمَّ الجدِّ إلَى حيث يَنْتَهِي، وَكَذَلِكَ حيثُ أطْلَقْنَا لَفْظَ العَمِّ في عَدِّ الوارِثينَ بخلافِ لَفْظِ الأخ، فإنَّ المُرادَ منهُ أخ الميتِ لا غَيْرَ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ كأبِ الأُمِّ، وَأَوْلاَدِ البَناتِ، وَبَناتِ الإِخْوَةِ، وَأَوْلاَدِ الأَخَوَاتِ، والعَمَّاتِ والخَالاَتِ، وَبَنَاتِ الأعْمَامِ فَهُمْ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ وَلا شَيْءَ لَهُمْ (ز ح و).

فصل في ذوي الأرحام

قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذَوُو الأَرْحامِ بالقَوْلِ الجُمَلِيِّ: كُلْ قَرِيبٍ يَخْرُجُ مِنَ المَعْدُودِينَ فِي الفَصْلِ السَّابِقِ.
وإنْ شِئتَ قلتَ: كُلُّ قريب لَيْسَ بذي فَرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وَهَذَا عَلَى إدخَال قَرابَةٍ الأُمَّ في مُطْلَقِ لَفْظِ القَرابَةِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُم، فَفِيهِ طَريقَان: أحدُهُمَا: [إن نَقلَّت الطريقة الأُولَى في حَصْرِ الورثة] 27 وتقول: كُلُّ مناسِبٍ، فإمَّا أو يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُ وبيْنَ المَيِّتِ واسطةٌ، ولَيْسَ في هَذَا القِسْمِ أحَدٌ منْ ذَوِي الأرْحَامِ أو يتوسَّطَ، فَهُوَ إما ذَكَرٌ أو أُنْثَى، وَعَلَى التقديرَيْنِ، فالتوسُّطُ إمَّا بِمَحْضِ الذكور، أو بِمَحْضِ الإنَّاثِ، أو بِهِمَا: إنْ كانَ ذكرًا، والتَّوَسُّطُ بمَحْضِ الذُّكُورِ، فلَيْسَ فيهم أحدٌ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ أيضاً.
وإنْ كَانَ ذَكَراً، والتوسط بمِحَضِ الإنَاثِ؛ فَكُلُّهُمْ من ذَوِي الأَرْحَامِ إلاَّ الأخَ من الأمِّ.26

الجزء: 6 - الصفحة: 451

وإن كان أُنْثَى، والتوسُّطُ بمَحْضِ الذُّكُورِ، فكُلُّهُمْ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ، إلاَّ بنتَ الابْنِ، والأخْتَ للأَبِ، والجِدَّةَ للأبِ.
وإنْ كانَتْ أُنْثَى، والتوسط بمَحْضِ الإنَاثِ، فَكَذَلِكَ الأخْتَ للأمِّ, والجِدَّةَ للأُمِّ.
وإنْ كانَ ذَكراً أو أُنْثَى، والتوسط بالإنَاثِ والذُّكُور جميعاً، فالكُلُّ من ذَوِي الأَرْحَامِ إلاَّ الجَدَّاتِ المُدْلِيَاتِ بمَحْضِ الإنَاثِ إلَى مَحْضِ الذُّكُورِ.
والثاني: أنَّ ذَوِي الأَرْحَامِ عَشَرَةُ أصْنَافٍ: الجَدُّ أبُو الأُمِّ، وكلُّ جَدٍّ وجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وأَوْلاَدُ البَنَاتِ، وبَنَاتُ الإخوةِ، وأولاَدُ الأخَواتِ، وبنُو الاخوةِ للأُمِّ، والعَمُّ للأُمِّ، وبناتُ الأَعْمَامِ والعَمَّاتِ، والأخْوَال، والخالات، ومنْهُمْ مَنْ يعدُهُّمْ أَحَدَ عَشَرَ صِنْفاً، وَيَفْصِلُ الجَدَّ عن الجَدَّةِ.
ومِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ علَى ذَلِكَ، والمقْصُودُ لا يَخْتَلِفُ، فهؤلاء لا يَرِثُون بالرَّحمِ شَيْئاً، وبِهِ قال مالِكٌ: خِلافاً لأبي حنِيفَةَ وأَحْمَدَ؛ لما رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "سأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مِيرَاثِ العَمَّةِ والْخَالَةِ فَسَارَّني جِبْرِيلُ أنْ لاَ مِيرَاثَ لَهُمَا".
وُيرْوَى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- "رَكِبَ إِلَى قباء يَسْتَخِيرُ اللهَ تَعَالَى فِي الْعَمَّةِ والْخَالَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أُنْزِلَ عَلَيَّ أنْ لاَ مِيرَاثَ لَهُمَا".
وأَيْضاً، فإنَّ العَمَّةَ لا تَرِثُ مَعَ العَمَّ، وكُلُّ أُنْثَى لا تَرِثُ مَع مَنْ في دَرَجَتِهَا مِنَ الذُّكُورِ لا تَرِثُ إِذَا انْفَردَتْ كابْنَةِ المُعْتِقِ.
وأيْضًا فإنَّهُم لَوْ وَرِثُوا، لَتَقَدَّمُوا على المُعْتِقِ؛ لأنَّ القَرَابَةَ مقدَّمَةٌ علَى الوَلاَءِ، وقَدْ سَلَّم أبُو حنيفةَ بتَقَدُّمِ المعتقِ علَيْهِمْ.
ولْيُعْلَمْ قَوْلُهُ في الكتاب "لاَ شَيْء لَهُمْ" بالحاءِ والألف وبالزاي والواوِ أَيْضاً؛ لأَنَّ في "التهذيب" أنَّ المُزَنِيَّ وابْنَ كج يوافِقَان أَبَا حَنيفَة في المَسْألةِ، وُيبْنَى على مَنْع التَّوْرِيثِ منْعُ الرَّدِّ، وهو أنْ يُخَلِّفَ الميتُ صاحِبَ فَرْضِ أو أصحابَ فُرُوضٍ، لاَ تَسْتَغْرِقُ المالَ، فلا يُرَدُّ البَاقي عليهِم.
والذينَ ورَّثُوا بالرِّحم حَكَمُوا بالرَّدِّ عَلَى أصْحَابِ الفُرُوضِ، إلاَّ على الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ فإنَّه لا رَحِمَ لَهُمَا، ويقدِّمُونَ الرَّدَّ علَى توريثِ ذوِي الأَرْحَام الذينَ لا فَرْضَ لهُمْ؛ لأنَّ القَرَابَةَ المفيدةُ لاسْتحقاقِ الفَرْض أوْلَى، واحتَجُّوا عَلَى إبْطَال الرَّدِّ بقولِهِ تَعالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176]، جَعَلَ لَهُ الكُلِّ حيثُ جَعَلَ لَهَا النِّصْفَ.
ولَوْ قُلْنَا بالرِّد، لوَرِثَتِ الكُلَّ كَمَا يَرِثُهُ الأَخُ، فيرتَفِعُ الفَرْقُ، وبَمَا رُوِيَ عَنِ النبيِّ

الجزء: 6 - الصفحة: 452

-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فَمَا أبْقَتِ الفَرائِضُ فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ" 28. ومِثْلُ هَذَا الشخْصِ عَصَبَتُهُ المُسْلِمُونَ؛ ألا تَرَى أَنَّهُم يتحمَّلُون عَنْهُ الدِّيَةَ، ومَا ذَكَرْنَا مِنْ منْعِ توْرِيثِ ذَوِي الأرْحَام، ومنْعِ الرَّدِّ فيمَا إذَا انتظمَ أمْرُ بيْتِ المالِ بأَنْ وَلِيَ النَّاسَ إمامٌ عادِلٌ.
أمَّا إذا لَمْ يَكُن إمامٌ، أو لم يكن مستحِقاً للإمَامَةِ، فَفِي مَالِ مَنْ لَمْ يخلِّفْ ذَا فَرْضٍ ولا عَصَبَةٍ أو خَلَّفَ ذَوِي فُرُوضِ لا تَسْتَغرِقُ المَالَ، وجهانِ حكاهما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والمُعْتَبَرُونَ.
أظْهَرُهُما، عند أبِي حامِدٍ وصاحب "المهذَّب": أنَّه لا يُصرَفُ إلَى ذَوِي الأرحامِ ولا يُرَد عَلَى ذَوِي الفُرُوضِ أَيْضاً؛ لإنَّ الَحَقَّ فيه لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ، فلا يَسْقُطُ بِفِقْدانِ منْ ينُوبُ عَنْهُمْ.
والثانى: أنَّه يُصْرَفُ وَيُردُّ؛ لأنَّ المَالَ مصْروفٌ إلَيْهِمْ أو إلَى بيْتِ المَالِ بالاتِّفَاقِ.
فإذَا تَعذَّرت إحْدَى الجهتَيْنِ، تعينت الأخْرَى، ولو تَوَافَقَتَا، لعَرَّضْنَا المالَ للفَوَاتِ والآفاتِ، وهَذَا ما اخْتَارَهُ الق! اضِي ابنُ كَجٍّ، وأفتى 29 به أكَابِرُ المتأخرينَ 30. التفريعُ: إنْ قُلْنَا: لا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ، وَلا يُرَدُّ، فإن كَانَ المَالُ في يدِ أمينٍ؛ قَالَ في "التتِمَّةِ": يُنْظَر: إنْ كَانَ في البَلَدِ قاضٍ، بشَرائِطِ القضاءِ، مأذونٌ في التصرُّفِ في مالِ المصالح، وَدُفِعَ إليهِ؛ لِيَصْرِفَهُ فِيهَا، وإنْ لم يَكُنْ قَاضٍ، أو لَمْ يكِنْ بشرائِطِ القَضَاءِ، صَرَفَهُ الأمِينُ بِنَفْسِهِ إلى المصالِحِ، وإنْ كَانَ هُنَاكَ قاضٍ بشَرْطِ القَضَاءِ، لكنه لم يُؤْذَنْ لهُ

الجزء: 6 - الصفحة: 453

في التَّصَرُّفِ في مَال المَصَالِحِ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِ أمْ يفرقه الأمينُ بنَفْسِهِ [إلى المَصالِح]؟ فيه وجْهَانِ 31، وعلَى الثَّاني وُقُوفُ المَسَاجِدِ في القُرَى يَصْرِفُها صلحاءُ القريةِ إلَى عِمَارةِ المَسْجِدِ ومصالِحِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِ أَمِينٍ، وَدُفِعَ إلَيْه ليفرِّقه.
وحَكَى أَبُو الفَرَجِ الزاز وجْهاً آخَرَ، وَهُوَ: أنَّه لا يُفَرِّقُ، بَلْ يُوقَفُ إلَى أنْ يَظْهَرَ بيْتُ المَالِ، ومن يَقُومُ له بشَرْطِهِ، وإذَا قُلْنَا بالصَّرْفِ إلَى ذَوِي الأرحامِ، فَقَدْ رَوَى القاضي ابْنُ كجٍّ وجْهًا أنَّه يُصْرَفُ إلى الفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، ويقدَّمُ الأحْوَجُ فالأحْوَجُ؛ جَمْعًا بَيْنَ المذهبَيْنِ بقَدْرِ الإمْكَانِ.
والمَشْهُورُ أنَّه يُصْرَفُ [إلَى جَمِيعِهِمْ، ثُم هُوَ إرْثٌ أمْ شيءٌ على سبيل المصلحة؟ أَشْبَهُهُما بأصْلِ المذْهَب: أنَّه عَلَى سبيلِ المصْلَحةِ، وهَذَا ما اختاره القاضي الرُّويانيُّ، وَذَكَر أنَّه يصْرَفُ] 32 إليَهم، إنْ كانُوا محتاجين، أو إلَى غيرِهِ مِنْ أنْواعَ المصالِح، فإنْ خِيفَ على المالِ مِنْ حَاكِم الزَّمان، صُرِفَ إلَى الأصْلَح بقَوْل مُفْتِي البَلْدةِ 33، وأَطْلَقَ صاحبُ "التهذيب" أنَّ شَيْخهُ القاضِيَ، حُسَيْنَ كانَ يُفْتِي بتوْرِيثِ ذَوِي الأرْحَامِ، وهَذَا يجوزُ أنْ يراد بهِ عند فَسَادِ بيْتِ المَالِ، ويَجُوزُ أنْ يكُونَ مطْلقًا كَمَا حكَاهُ عن المُزَنِيِّ وابْنِ سُرَيْجٍ.
وإنْ حَكَمْنا بأنَّهُمْ يورثونهم، ويثبتُون الرَّدَّ، فلا بُدَّ من معْرفةِ كيفِيَّةِ الأمْرَيْنِ، والخَطْبُ في بيانها لَيْسَ بِهَيِّنٍ، ولا يَلِيقُ به هذَا الموْضِعُ، فتورِدُهُ في جملةِ أبْوابٍ، نأتي بها بَعْدَ الفراغِ مِنْ شَرْحِ مسائِلِ الكِتابِ، إن شاءَ الله تعالَى.
قال الغَزَالِيُّ: فَنَذْكُرُ الآنَ قَدْرَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الوُرَّاثِ (أَمَّا الزَّوْجُ) فَلَهُ النِّصْفُ، فَإنْ كانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وارِثْ فَلَهُ الرُّبْعُ (وأَمَّا الزَّوْجَةُ) فَلَهَا الرُّبْعُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وَارثٌ فَلَهَا الثُّمُنُ، فَإنْ كُنَّ جَمَاعَةً اشْتَرَكْنَ فِي الرُّبُعِ أَوِ الثُّمُنِ، وَلا يَزِيدُ حقَّهُنَّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 454

"

فصل في بيان ما يستحقه كل وارث من المجمع عليهم

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا فَرَغَ من بيانِ مَنْ يَرثُ وَمَنْ لا يَرِثُ مِنَ الأَقَارِبِ، تكلَّم فِيمَا يستحقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَرثَةِ، وتُقدِّم عليه أنَّ كُلَّ وارِثٍ: إمَّا أنْ يكونَ لَهُ سَهْمٌ مُقدَّرٌ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ويُقَالُ لَهُ: صاحِبُ فرضٍ، أَوْ لاَ يكُونَ، ويقالُ لَهُ: عَصَبَةٌ، ولكنْ بشَرْطِ، وَهُوَ أنْ يكُونَ مُجْمَعًا عَلَى توريثِهِ، فإنَّ مَنْ وَرَّثَ ذَوِي الأَرْحَامِ لا يُسَمِّيهِمْ عَصَباتٍ، وإنْ لمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مُقدَّرٌ.
ثُمَّ أَصْحابُ الفُرُوض صنفان: منهم منْ لا يَرِثُ إلاَّ بالفرضيَّة؛ وهُم الزَّوْجَانِ، والأُمُّ، والجَدَّةُ، وولَدُ الأمِّ، ومنهم مَنْ يَرِثُ بالتَّعْصِيبِ أَيْضاً، ثم مِنْ هؤلاء من لا يَجْمَعُ بين الجِهَتَيْنِ دَفْعةً واحِدةً، بلْ إمَّا أنْ يَرِثُ بِهَذِهِ أو بِهَذِهِ، وهُمُ البَناتُ وَبَنَاتُ الابْنِ والأخواتُ من الأبَوَيْنِ، والأخواتُ من الأبِ.
ومنْهُمْ من يَرِثُ بالجهتَيْنِ جميعاً، وعلَى الانفرادِ، وهُوَ الأبُ والجَدُّ 34. والعَصَبَةُ عَلَى ضربَيْنِ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وهُوَ كُلُّ ذَكَرِ يُدْلِي إِلَى الميِّتِ بغَيْرِ واسِطَةٍ أو بتَوَسُّطِ محْضِ الذُّكُورِ، وهَؤُلاءِ يأْخُذُونَ جميع المال إذَا انفَرَدُوا.
والباقي بعد أصحابِ الفرائِضِ عنْدَ الاجْتماع، ورُبَّما سَقَطُوا 35. وعصبة بِغَيْرِهِ، وهمُ البَناتُ وبنَاتُ الابْنِ، والأخَوَاتُ من الأبوَيْنِ، والأخواتُ من الأب، فيتَعصَّبْنَ بإخوتهن، ويتعصَّبُ الأخواتُ من الجهتين بالبناتِ وبناتِ الابْنِ أيضاً 36، وقد تُجُعَلُ العَصَبَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ:

الجزء: 6 - الصفحة: 455

عصبةٌ بنَفْسِهِ، كَمَا سَبَقَ، وعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ، وهُوَ تعْصِيبُ الأصْنافِ الأرْبعَةِ بالإِخْوَةِ، وعصبةٌ مَعَ غَيْرِهِ، وهوَ تَعْصِيبُ الأخَوَاتِ من الجهَتَيْنِ بالبَناتِ وبناتِ الابْنِ، ويُفْرَّقُ بينَهُما بأنَّا إذَا قُلْنَا: عصبةٌ بالغَيْرِ، فَذَلِكَ الغَيْرُ عَصَبَةٌ، وإذَا قُلْنَا: عَصَبَةٌ مع الغَيْرِ، لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَيْرُ عَصَبَةٌ بنَفْسِهِ، وهَذا تفاُوتٌ في الاصطلاح، والحقيقةُ واحدةٌ، فاعْرِفْ هَذِهِ الجملَةَ، وتفْاصيِلُهَا بين يديْكَ.
جئْنَا إلى المقصودِ بالفَصْلِ، فَنقولُ: للزَّوْجِ نصْفُ المَالِ، إذَا لَمْ يكنْ للميتة وَلَدٌ، ولا وَلدُ ابْنٍ، ورُبعُهُ إذَا [كَانَ] لَها وَلَدٌ أو ولدُ ابْنِ مِنْهُ أو مِنْ غَيْرِهِ.
وللزوْجَةِ الرُّبُعُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ للميِّتِ وَلَدٌ ولا وَلَدُ ابْنٍ، والثُّمْنُ، إذَا كانَ لَهُ وَلَدٌ، أوْ وَلَدُ ابْنٍ منها، أو مِنْ غَيْرِها، قَالَ الله تَعالىَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ وقالَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] إلَى آخِرِها، إلاَّ أنَّ النَّصَّ ساكِتٌ عَنْ وَلَدِ الابْنِ فقال قائلون: اسْمُ الوَلَدِ يَقَعُ عَلَى وَلَدِ الابْنِ أَيْضاً، فكانا مرادَيْنِ باللَّفْظِ قَدْ ذَكَرْنَا في الوَقْفِ أنَّ اسْمَ الوَلَدِ لا يتناوَل وَلَدَ الابْنِ في أَصَحِّ الوجْهَيْنِ.
وقَالَ آخَرُونَ: قِسْنَاهُ علَى الولدٍ للإجْمَاعِ عَلَى أنَّه كَوَلَدِ الصُّلْب في الإرْثِ والتَّعْصِيب، والزَّوْجَتان والثَّلاثُ والأرْبَعُ يَشْتَرِكْنَ فِي الربعُ أو الثُّمُنِ، وَلا يزيدُ حَقُّهُنَّ، فلَو زِدْنَا، لاسْتَغرَقَتِ الأربَعُ المالَ، والزَادَ نصيبُهُنَّ عَلَى نَصيبِ الزَّوْجِ، وَهَذَا تَوْجِيهٌ إقْناعِيُّ، وكَفَى بالإجماعِ حُجَّةً.
وقولُهُ في الكتاب "أوْ لَدُ وَلَدٍ وارِثٌ" لفظُ "وارث" نعْتٌ لـ"الولد" المضافِ، وإنَّما يَكُونُ وارِثاً، إذَا كَانَ المضافُ إليهِ ابْناً، فإنَّ ابْنَ البِنْتِ لا يَرِثُ ويَخْرُجُ عَنْهُ ما إذَا كَانَ قاتِلاً أو رَقِيقاً، فإنَّ مَنْ لا يَرِثُ بِهَذِهِ الأَسْبَاب لا يَحْجُبُ، ويجوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَائِداً إلَى وَلَدِ الصُّلْب أيْضاً، فيكونَ بِمَثابَةِ قولهِ [تَعَالَى]: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:50] وَلا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ "الوارِث" نَعْتاً لـ المضاف إليه؛ لأنَّ وَلَدَ البِنْتِ وَلَدٌ وارِثٌ, وأَنَّهُ لا يحجب، والله أَعْلَمْ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأُمُّ) فَلَهَا الثُلُثُ إِلاَّ في أَرْبَعِ مَسَائِلَ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، وَزَوْجَةٌ وأَبَوَانِ، فَلَهَا المَسْأَلتَيْن ثُلُثٌ (و) مَا يَبْقَى، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وارِثٌ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الإِخْوَةِ أَوِ الأخَوَاتِ فَصَاعِداً، فَلَهَا فِي السُّدُسُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَالَ الله تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:11] فنصت الآية علَى أنَّ للأمِّ الثُّلُث، إذَا لَمْ يكُنْ للميِّتِ وَلَدٌ، ولا إخوة له، وعَلَى أنَّ لَها السُّدُسُ، إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ أو إخْوةٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 456

وَوَلَدُ الابْنِ مُلْحَقٌ بالوَلَدِ، عَلَى ما ذَكَرْنَا في ميراثِ الزَّوْجَيْنِ، وإنْ كَانَ له اثْنَانِ من الإخْوَةِ والأَخَواتِ أيِّ جِهَةٍ كَانُوا، فَلَهَا السُّدُسُ أيضاً، ولفظُ الآيَةِ "الإخْوَة" وظَاهِرُهُ يقتضي ألاَّ تَنْقُصَ عَنِ الثُّلُثِ باثْنَيْنِ منْهُمْ، لكنَّ قدْ يعبر بلَفْظِ الجَمْعِ عَنْ الاثْنَيْنِ.
وقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ" (1). وَرُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احتجَّ عَلَى عُثْمَان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقالَ: "كَيْفَ تَرِدُها إلَى السُّدُسِ بالأَخَوَيْنِ، وليسا بإخْوَةٍ، قَالَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لا أَسْتَطِيعُ رَدَّ شَيْءٍ كَانَ قَبْلِي وَمَضَى في الُبلْدَانِ، وَتَوَارَثَ النَّاسُ بِه" (2). فأشارَ إلَى إجماعِهمْ علَيْهِ قَبْلَ أنْ أظهر ابْنُ عَبَّاسِ

-[رَضِيَ الله عَنْهُ]-

الخِلاَفَ.
وأيضاً، فإنَّه حَجْبْ يتعلق بعدد، فكانَ الاثْنَان أَوَّله كَحَجْبِ البَناتِ [لِبَنَاتِ] الابْنِ، واحتَجَّ أيضاً بأنَّه فَرْضٌ يتعيَّن بعَددٍ، فَكَانَ الاثْنان فيه كالثَّلاثَةِ كفرض البناتِ، فَهَذانِ فَرْضانِ للأُمِّ، ولَهَا فَرْضٌ ثالثٌ في مسأَلَتَيْنِ: إحداهما: إذَا ماتَتِ امرأةٌ، وخَلَّفَتْ زَوْجاً وأبَوَيْنِ: فللزوجِ النِّصْفُ، وللأمِّ ثُلُثُ ما يَبْقَى، والباقِي للأَبِ.
والثَانيةُ: ماتَ رجُلٌ وخلَّفَ زَوْجَةَ وأبَوَيْن، فللزَّوْجَةِ الرُّبُعُ، وللأمِّ الثُلُثُ ما يَبْقَى، والباقي للأب، وَوَجَّهوهُ بأنَّهُ شارَكَ الأبَوَيْنِ ذُو فَرْضٍ، فيَكُونَ للأمِّ 39 ثُلُثُ ما فَضَلَ عن الفَرضِ، كَمَا لَو شَارَكَتْهَا بنْتٌ، وبأنَّ كُلَّ ذَكَرٍ وأُنْثَى، لو انفَرَداً اقْتَسَما المالَ أَثْلاثاً، وإذا اجتمعا معَ الزَّوْجِ والزوجةِ، وَجَبَ أنْ يكونَ الفاضِلُ عَنْ فَرضِهِما بينهما أثْلاثاً، كالأخِ3738

الجزء: 6 - الصفحة: 457

والأُخْتِ، وبأنَّ الأَصْلَ الفرائِضِ أنَّهُ إذَا اجتمعَ ذَكَرٌ وَأُنثَى في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يكونُ للذَّكَرِ ضعْفُ مَا لِلأُنْثَى.
فَلَوْ جَعَلْنا في زَوْج وأبَوَيْنِ للأمِّ الثُّلُثَ كامِلاً، فَقَدْ فضَّلْنَاها على الأَبِ، ولو جَعَلْنا لَهَا الثُّلُثَ في زَوْجَةٍ وأبَوَيْنِ، لم يَحْصُلْ تفضيلُ الأَبِ عَلَى النِّسْبَةِ المعهُودَةِ.
قَالَ الإمَامُ: وهَذا يُشْكِلُ بمَا إِذَا اجْتَمَعا معَ الابْنِ، ويجوز أن يُحْتَجَّ في المسألَتَيْنِ باتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَبْلَ إِظهارِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الخِلاَفَ، كَمَا احتَجَّ عثمانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في المَسْأَلَةِ السَّابقةِ.
وأعْلَم أنَّ ما تَأخذُهُ الأُمّ في المَسْأَلَةِ الأُولَى سُدُسُ المالِ، وفِي الثانيةِ رُبْعُهُ، إلاَّ أنَّ اللهَ -تَعَالَى- جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَ عنْد عَدَمِ الوَلَدِ والإخوةِ، فأَحَبُّوا استيفاءَ لَفْظِ الثُّلُثِ مُوَافَقَةً للقُرْآنِ.
وقولُهُ في الكتاب "فَلَهَا الثُّلُثُ إلاَّ فِي أَرْبَع مسَائِلَ" أرادَ بالمسألةِ الثَّالِثَةَ: أنْ يكُونَ للمَيِّتِ وَلَدٌ أو وَلَدُ ابْنٍ، وبالرَّابعَةِ: أنْ يكُونَ لهُ اثنانِ من الإخوةِ، والأخَوَاتِ فَصَاعِداً، وليْسَ في بناء فَرْضِهِمَا على الثُّلُثِ، واستثْناءِ المَسَائِل الأَرْبَعِ كثيرُ غَرَضٍ، ولو بني على السُّدُسِ واستَثْنَى ثلاث مسائِلَ: زوجٌ وأَبَوَانِ، وزوجةٌ أبوانِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلاَ وَلَدُ ابْنٍ ولا اثنانِ مِنَ الإخْوَةِ والأَخَوَاتِ كانَ مِثْلَهُ أوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
ولَكَ أنْ تُعْلِمَ قَوْلَهُ "فَلَهَا في المَسْأَلَتَيْنِ ثُلُثُ مَا يَبْقَى" [بالوَاوِ]؛ لأنَّ الشَّيْخَ أَبَا حاتمٍ القَزوِينيَّ -رَحِمَهُ الله- لَمَّا حَكَى مَذْهَبَ ابْنِ عبَّاسٍ في زَوْجٍ وأبَوَيْنِ، وهو أنَّ للأمِّ الثُّلُث كاملًا، قَالَ: وبِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي أبَا الحَسَنِ بْنَ اللَّبَّانِ.
ورأيت في "الإيجاز" من جمع الأَخْذَ بقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الصورَتَيْنِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الجَدَّةُ) فَلَهَا السُّدُسُ أَبَدَاً وَهِيَ الَّتِي تُدْلي بِوَارِث، وَلا شَيْءَ لأُمِّ أَبِ الأُمِّ لِأَنَّها تُدْلِي بِغَيْرِ وارِثٍ، فَكُلُّ جَدَّةٍ تُدْلي بِمَحْضِ الإنَاثِ كَأَمِّ أُم الأُمِّ، أَوْ بِمَحْضِ الذُّكُورِ كَأُمِّ أَبِ الأَبِ، أَوْ بمحْضِ الإِنَاثِ إِلى مَحْضِ الذُّكُورِ كَأُمِّ أمِّ أَبِ أَبِ الأَبِ فَإِنَّها تَرِثُ (م)، وَإِذَا دَخَلَ في نَسَبِها اِلَى المَيِّتَ ذَكَرٌ بَيْنَ الأنْثُيَيْنِ لَمَ تَرِثْ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ تُدْلِي بِذَكَرٍ فَلا تَرِثُ إِلاَّ أُمَّ الأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا مِنْ قِبَلِ الأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَنْ قُبيصةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّةُ إلَى أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَسْألُهُ عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلمْتُ لَكِ في سُنَّةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 458

رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- شَيْئاً، فارْجِعِى، حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةُ: شَهِدتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقامَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلَمَةَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ مِثْلُ مَا قَالَ المُغِيرَةُ، فأَنْفَذَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ.
ثُمَّ جاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثُهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كتابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ إلاَّ لِغَيْرِكِ، وما أنا بِزائدٍ في الفَرائِض شَيْئاً، ولكنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمَعْتُمَا، فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيُّكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا 40. وعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَعَلَ للجَدَّةِ السُّدُسُ 41، إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ.
والكلامُ في الجَدَّةِ في فُصُولٍ، مِنْهَا في جهتها، وسيَأْتِي [إنْ شَاءَ الله -تَعَالَى-] في "فَصْلِ الحَجْبِ".
ومِنْها بيانُ الَّتي تَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ، والتي لاَ تَرِثُ، فترِث أمُّ الأمِّ، وأمَّهَاتُهَا المُدْلِياتُ بمَحْضِ الإنَاثِ، وأُمُّ الأَبِ، وَأمَّهَاتُها كَذَلِكَ 42. وقد رُوِيَ عَن القاسِم بْن مُحمَّدٍ أنه قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّتانِ إِلَى أبِي بَكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَعْطَى أُمَّ الأُمِّ المِيرَاثَ 43 دُونَ أُمِّ الأَبِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصَارِ: أَعْطيْتَ الَّتِي لَوْ

الجزء: 6 - الصفحة: 459

مَاتَتْ، لَمْ يَرِثِهَا، ومَنَعْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- السُّدُسَ بَيْنَهُمَا 44. وفِي أُمِّ أب الأبِ وأمِّ من فَوْقَهُ مِنَ الأَجْدَادِ وأُمَّهَاتِهِنَّ قَوْلاَنِ للشَّافِعِيِّ [-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-]، ورِوَايَتَانِ عن زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُنَّ وَارِثَاتٌ 45، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِمَا رُويَ أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَعْطَى السُّدُسَ ثَلاَثَ جَدَّاتٍ؛ جَدَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الأبَ وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الأُمِّ 46؛ وَلِأَنَّهُنَّ جَدَّاتٌ مُدْليَاتٌ بِالْوَارِثِينَ فَأَشْبَهْنَ أُمَّ الأبِ.
والثَّانِي: رَوَاهُ أبو ثور عَنْ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَبهِ قَالَ مالِكٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-؛ أَنَّهُنَّ لاَ يَرِثْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ مُدْلِيَاتٌ بِجَدٍّ فَأَشْبَهْنَ أُمَّ أَبِ الأمِّ.
وقَالَ أَحْمَدُ: لاَ يَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ إلاَّ ثَلاَثٌ: أُمُّ الأُمِّ، وأمُّ أم الأبِ وأُمُّ أبِ الأَبِ، وأُمَّهَاتُهُنَّ.
وأمَّا الجَدَّةُ الَّتِي تُدْلِي إلى المَيِّتِ بذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، كأُمِّ أب الأم، فإنَّها لاَ تَرِثُ، كَما لاَ يَرِثُ ذَلِكَ الذَّكَرُ، بَل هُمَا مِنْ ذَوِي الأرْحَامِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَفِي ضَبْطِ الجَدَّاتِ الوَارِثَاتِ عَلَى القَوْلِ الصَّحِيحِ عِبَارتَانِ، ذَكَرَهُمَا في الكِتَابِ: إحداهما: أَنْ يُقَالَ: الوَارِثَاتُ؛ كُلُّ جَدَّةٍ تُدْلي بِمَحْضِ الإناث أَوْ بِمَحْضِ الذكور أو بمحضِ الإناث إلى محضِ الذكورِ.
والثَّانِيَّةُ: أنْ يُقَال: الَّتِي لا تُدْلِي بمَحْضِ الوَارِثينَ غَيْرُ وَارِثَةٍ والبَاقِيَاتُ وَارِثَاتٌ عَلَى مذْهبِ مالكٍ، والقَوْلُ الذي رَوَاهُ أبُو ثَوْرٍ لاَ يَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ مَنْ تُدْلِي بِغَيرِ وَارِثٍ، وَلاَ

الجزء: 6 - الصفحة: 460

مَنْ وقع آخِرِ نَسَبَهَا، أبوانِ فَصَاعِداً، وعلَى مَذهب أحْمَد، ولا الَّتِي يَقَعُ في نسبها ثَلاثَةُ آباءِ.
وقولُهُ في الكتاب "وهِيَ الَّتِي تُدْلِي بِوَارِثٍ" يَعْنِي أنَّ الجَدَّةَ التي لَهَا السُّدُسُ هِيَ الَّتِي تُدْلِي بوارِثٍ، أو مَا أشْبَهَهُ، وإنْ كَانَ المَذْكُورُ مُطْلَقَ الجَدَّةِ.
وَيجُوزُ أنْ يُعْلَمَ قَولُهُ "فَإِنَّهَا تَرِثُ" بالمِيمِ والألفِ؛ فإنَّهُنَّ لا يَرِثْنَ جميعاً عِنْدَهُمَا، بلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ المَذْكُورُ، والقَوْلُ المَذْكُورُ [آخِراً هوَ] الَّذِي رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: بيانُ فرضها، وهُوَ السُّدُسُ.
إذا اجتَمَعَت جَدَّتَانِ وارِثتانِ فَصَاعِداً، اشْتَرَكْنَ في السُّدُسِ، ولمْ يَزِدْ حَقُّهُنَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الأخْبَارِ والآثَارِ، فإنْ كَانَتْ إِحْدَى الجَدَّتَين تُدْلِى بِجِهَتَيْنِ؛ كالمرأَةِ تُزَوِّج ابْنَ بِنْتِهَا بِبِنْتِ بنتها الأُخْرَى، فَيُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، فَهَذِهِ المَرْأَةُ أُمُّ أمِّ أبِيهِ، وأُمُّ أُمِّ أمِّه، فإِذَا ماتَ الوَلَدُ، وخَلَّفَ هذهِ الجَدَّةَ وجَدَّةً أُخْرَى هِيَ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، فالمَذْهَبُ أنَّهُ يُسَوِّى بَيْنَهُمَا في السُّدُسِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي عُبَيْد بْنِ حَرْبَوَيْهِ أَنَّ ثُلُثَى السُّدُسِ لِصَاحِبَةِ القَرابَتَيْنِ، وثُلْثُهُ لِلْأُخرَى تَوْرِيثاً لَهَا بالجِهَتَيْنِ، كَمَا يَرِثُ ابْنُ العَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لأُمِّ من الجِهَتَيْنِ، ومَنْ نَصَرَ المذْهبَ قَالَ: إِنَّمَا يُوَرَّثُ بالقَرَابَتَيْنِ، إِذَا اخْتَلَفَتَا، والجُدُودَةُ قَرَابَةٌ واحِدَةٌ.
ومِنْ هَذَا القَبيلِ ما إِذَا نَكَحَ ابْنُ ابن المَرْأَةِ بِنْتَ بِنْتِهَا، فَوُلدَ لَهُمَا وَلَدٌ، فالمَرْأَةُ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، وأُمُّ أُمِّ أُمِّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الوَاحِدَةُ جَدَّةً من ثَلاَثَةِ أوجُهٍ وأكْثَرَ، كَمَا إذَا نَكَحَ الوَلَدُ في المثالَيْنِ حافدةً أخْرَى لِتِلْكِ المَرْأَةِ، وَوُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ، تكُونُ المَرْأَة جدَّةً للوَلَدِ الثَّانِي من ثَلاثةِ أوْجُهٍ، وَيجْرِي الخَلافُ فِيهَا، فَعَلَى المَذْهَبِ يُوَزَّعُ السُّدُسُ علَى الرؤوسِ، وَعَلَى الوَجْهِ الآخَرِ يُوزَّع علَى الجِهَاتِ.
ومِنْهَا القَوْلُ في تَنْزِيلِ الجَدَّاتِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ في الكِتَاب، وتَلْخِيصُ مَا قِيَل فِيهِ عَلَى طُولِهِ أنْ يقالَ: لَكَ أَبٌ، وأَمٌّ، وهُمَا الوَاقِعانِ في الدرجَة الأُولَى من درجاتِ أُصُولكَ، ثُمَّ لِأَبِيكَ أبٌ، وكَذَلِكَ لِأُمِّكَ، فالأربعةُ هُمُ الوَاقِعُونَ في الدرَجَةِ الثَّانِيةِ من دَرَجَاتِ أُصُولِكَ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ هي الأُولَى من دَرَجَاتِ الأَجْدَادِ وَالجَدَّاتِ، ثُمَّ أُصُولكَ في الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ثَمَانِيَةٌ؛ لأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأربْعَةِ أَباً وأُمّاً، فَتُضْرَبُ الأَرْبَعَةُ في اثْنَيْنِ، وفي الدَرجةِ الرَابِعَةِ: سِتَّةَ عَشَرَ، وفِي الخَامِسَةِ: اثنَّانِ وَثَلاثُون كمِثْلِ ذَلِكَ، والنِّصْفُ مِنَ الأصُولِ في كلِّ دَرَجةِ ذُكور، والنصفُ إنَاثٌ، وهُنَّ الجدَّاتُ، ففي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ من الأُصُولِ جَدَّتانِ، وفِي الثَّالِثَةِ أرْبعٌ، وفي الرَّابِعَةِ ثَمَانٍ، وفي الخَامِسَةِ ستةَ عَشَرَ، وهَكَذَا يتضَاعَفُ عَدَدُهُنَّ في كُلِّ درجةٍ، ثُمَ مِنْهُنَّ وارثاتٌ وغَيْرُ وَارِثَاتٍ، فإذا سُئِلْتَ عنْ عَدَدٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 461

مِنَ الجَدَّاتِ الوارثاتِ عَلَى أقْرَبِ ما يُمْكِن مِنَ المِنَازِلِ، فاجْعَلْ درجهن بالعَدَد الذي سئَلْتَ عنْهُ، ومحض نسْبة الأولى إلى المَيِّتِ منْ أُمَّهات، ثُمَّ أَبْدِلْ منْ آخر نسبة الثانية أمّا بأبٍ، وفي آخِر نِسْبة الثاليةِ أُمَّيْن بأبوَيْنِ، وهَكَذَا يَنْقُصُ منْ الأُمَّهَاتِ، وتَزِيدُ في الآبَاءِ حتَّى تتمحضن نِسْبَةُ الأخيرة آباء.
مثاله: سُئلْتَ عنْ أَرْبَع حَدَّاتٍ، فقُلُ: هُنَّ: أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمِّ، وأُمُّ أُمِّ أُمِّ الأب، وأم أم أبي أب وأم أبي أبي أب، فالأولى منْ جِهةِ أُمِّ الميِّتِ، والثانية منْ جهةِ أبِيهِ، والثَّالِثةُ مِنْ جِهَةِ جَدِّهِ، والرابعةُ مِنْ جِهةِ أبِي جَدِّهِ، وَهَكَذَا، إذاً زدتَّ، زدتَّ لكلِّ واحدةٍ أَباً.
وإذا أردتَّ معرفةَ مَنْ يُحَاذى الوَارِثَاتِ مع السَّاقطَاتِ، فإنْ كَانَ السُّؤالُ عن جدتَيْنِ على أقرب ما يُمْكِنُ، فلَيْسَ في دَرَجَتِهِما غَيْرُهُمَا، وإنْ كَانَ السُّؤالُ عن أكثر، فَأَلْقِ مِنْ عَدَدِ الوَارِثَاتِ اثْنَيْنِ أبداً، وضَعِّفِ الاثْنَيْنِ بعَدَدِ ما بَقيَ مِنْهُنَّ، فما بَلَغَ، فَهُوَ عَدَدُ الجَدَّاتِ، في تِلْكَ الدرجةِ الوَارِثَاتُ والسَّاقِطَاتُ، فإذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُنَّ الوَارِثَاتِ، فَالباقِيَاتُ السَّاقِطَاتُ.
مِثَالُهُ: خُذِ مِنَ الأربعِ اثْنَيْنِ وَضَعِّفُهمَا مَرَّتَيْنِ؛ لأنَّ البَاقِي اثْنَانِ، فيبلغُ ثَمَانِيَةٌ، فَهُنَّ عَدَدُ الوَارِثَاتِ والسَّاقِطَاتِ، فإذا فَرَضْتَ ثَلاَثَ جَدات؛ فخُذ منْ الثلاثةِ اثْنَتَيْنِ وضَعِّفهُمَا مرَّة: لأنَّ البَاقِي واحدٌ، فيبلغ أربَعةً، فَهِيَ عددهُنَّ وفي هذهِ الدَرَجَة ثلاثُ وارثات، ووَاحدةٌ ساقطةٌ، واعْلَمْ أنَّ الوارثاتِ في كلِّ درجةٍ من درجاتِ الأُصُولِ بعَدَد تلْكَ الدرجَة، ففي الثانيةِ اثْنتانِ، وفي الثالثةِ ثلاثٌ، وفي الرابعة أرْبَعٌ، وهَكَذَا في كلِّ درجةٍ لا تزيدُ إلاَّ وَارِثةٌ واحدةٌ، وإنْ تَضَاعَفَ عَدَدُهُنَّ في كلِّ درجةٍ، وسَبَبُهُ أنَّ الجَدَّاتِ ما بَلَغْنَ نِصْفَهُنَّ منْ قِبَل الأُمِّ، ونِصْفَهُنَّ منْ قِبَلِ الأب، ولا يَرِثُ منْ قِبَلِ الأمِّ إلاَّ وَاحِدَةٌ، والبَاقِيَاتُ مِنْ قِبَلِ الأَبِ، فإذَا صَعَّدْنَا درجةً، تبدّلَت كلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بأُمِّهَا، وزَادَتْ أُمُّ الجَدِّ الَّذِي صَعَّدْنَا إليه، ولا يُخْفَى أنَّ مُعْظَمَ مَا ذَكَرنَا مِنْ تنزيلِ الجَدَّاتِ مبنيٌّ علَى القَوْلِ الصَّحيحِ، فأمَّا عَلَى ما رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ، فلا يرثِ إلا جَدَّتَانِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأَبُ وَالجَدُّ) فَلِلْأَبِ السُّدُسُ بِالفَرِيضَةِ المَحْضَةِ إنْ كَانَ لِلمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَارِثٌ (م)، وَلَهُ كُلُّ المَالِ أَوْ مَا بَقِيَ بِالغُصُوبَةِ المَحْضَةِ إِذَا لَمْ يَكُنِ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَارِثٌ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أُنْثَى وَارِثَةٌ فَلَهُ السُّدُسُ بالفَرِيضَةِ، وَمَا يَبْقَى مِنَ الفَرَائِضِ بالعُصُوبَةِ، وَيُجمَعُ بَيْنَ الفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: للأب في الميراثِ ثَلاَثُ حالاتٍ: حالةٌ يَرِثُ فِيها بمحضِ الفَرْضِيَّةِ، وهِيَ أنْ يَكُونَ مَعَ الأبَ ابْنٌ أو ابْنُ ابْنٍ، فلهُ السُّدُسُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] والبَاقِي للابن أو ابن الابنِ، لأنَّهُمَا أَقْوَى في العُصُوبَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 462

وحالةٌ يَرِثُ فِيهَا بمحْضِ التَّعْصِيب وهيَ ألاَّ نُحَلِّفَ غيرَهُ فلهُ جميعُ المالِ بالعُصُوبَةِ، وكذَا إذَا اجْتَمَعَ مَع ذِي فَرْضٍ، لَيْسَ بولَدٍ ولاَ ولدِ ابْنٍ؛ كزوْجٍ وأمٍّ أو جَدَّةٍ، فيَأخُذُ ذو الفَرْضِ فرْضَهُ، والبَاقِي للأَبِ بالعُصُوبَةِ.
وحالةٌ يَرِثُ فيهَا بالجهتَيْنِ معاً، وهِيَ ما إذَا اجتمعَ معهُ بنْتٌ أو بنتُ ابْنٍ، فلهُ السُّدُسُ بالفَرْضِيَّةِ؛ لأنَّ الآيَةَ لَمْ تَفْصِلْ بينَ أنْ يكُونَ الوَلَدُ ذَكَرًا أو أُنْثَى، والبَاقِي بعدَ الفَرْضِ يأخذُهُ بالعُصُوبَةِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَا أَبْقَتِ الفَرائِضُ، فَلأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" 47. قَالَ الإمَامُ: الجَمْعُ بَيْنَ الفَرْض والتَّعْصِيب يتَّفِقُ في صُوَرٍ: كَزَوْجٍ هُوَ مُعْتِقٌ، أَوْ ابْنُ عَمٍّ، وكابْنَيْ عَمٍّ، أحَدُهُمَا أَخٌ لَأُمّ، لكنَّهُ يسَتَنِدُ إلَى سَبَبَيْنِ مختَلِفَيْن، فأَمَّا الجَمْعُ بَيْنَهُمَا بسَبَب واحَدٍ، وهُوَ الأُبُوَّةُ، فقد امتازَ بِهِ الأبُ عَنْ سَائِرِ الوَرَثَةِ، وهَل الجَدُّ كالأَبِ؟ فيهِ؟ اختَلَفَ الفَرَضِيُّونَ فمِنْ قَائِلٍ نَعَمْ، وبهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ، ومِنْ قَائِلٍ لاَ يَقُولُ: للبنْت النِّصْفُ، والبَاقِي للجَدِّ؛ لأَنَّا إِنَّمَا جَمَعْنَا بين الجِهَتَيْنِ في حَقِّ الأَبِ 48 والمشهورُ أنَّه كالأبِ؛ لِظاهِرِ الآيةِ، وهَذَا الخِلاَفُ يَرْجِعُ إلى العِبَارَةِ، وما يأخذَ أنه واحدٌ.
وقولُهُ في الكتَاب: "إنْ كَانَ للمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَر وَارِثٌ" وقولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ "فإنْ كَانَ لِلميِّتَ وَلَدٌ أنْثَى وَارِثَةٌ" تطويلُ لفظٍ لاَ حاجةَ إليه؛ لأنَّ الابْنَ يَقُوم مَقَامَ الوَلَدِ [الذَّكَرِ، والبِنْتَ مَقَامَ الوَلَدِ] 49 الأنْثَى.
وأمَّا الوراثة فسيأْتِي، [إنْ شَاءَ الله تَعَالَى]، أنّ من لا يَرِثُ، لاَ يَحْجُبُ [بحالٍ]، بل وجُودُهُ كَعَدَمِهِ والأصولُ الكلَّيةُ لا تتكرر في آحادِ الصُّوَرِ، وإنْ تَوَهَّمَ مُتَوهمٌ أنَّ الغَرَضَ مِنْ هَذَا اللَّفْظ أنْ يَتَنَاوَلَ وَلَدَ الابْنِ، ومَنْ وصَفَه بالإرْث أنْ يَخْرُجَ وَلَدُ البنْتِ، فَلَيْسَ بقَوم؛ لأنْ تَنَاوُلَ الوَلَدِ لِوَلَو الابْنِ كتَنَاوُلِ الابْنِ والبِنْتِ لوَلَدِ الابْنِ والبنتِ ولا فرقْ.
قال الغَزَالِيُّ: وَالجَدُّ في مَعْنَى الأَب، إِلاَّ في مَسْأَلَتَيْنِ (إِحْدَاهُمَا) أَنَّ الأَبَ يُسْقِطُ الاِخْوَةُ وَالجَدُّ يُقَاسِمُهُمْ (ح) (الثَّانِيَةُ) أَنَّ الأَبَ يَرُدُّ الأُمَّ إِلَى ثُلُثِ مَا يَبْقَى إِذَا كَانَ فِي الْمَسْاَلَةِ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبوَانِ، وَالجَدُّ لاَ يَرُدُّهَا بَلْ لَهَا مَعَ الجَدِّ الثُّلُثُ كَامِلاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 463

في بيان المسائل المستثناة من مشابهة الجد الأب

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجدُّ كالأب في الميراثِ إلاَّ في مسائِلَ: إحداها: الأَبُ يُسْقِطُ الإخوةُ والأَخَوَاتِ، والجَدُّ لا يُسْقِطُهُمْ، إذَا كَانُوا مِنَ الأَبَوَينِ أو منَ الأَبِ، بل يُقَاسِمُهُمْ، والكَلاَمُ في الطَرَفَيْنِ سيأتي.
والثانيةُ: الأَبُ يردُّ الأمِّ إلى ثُلُثِ ما يَبْقَى في صورتَيْن: زوج وأبَوَيْنِ، وزوْجَةٍ وأبوَيْنِ، كَمَا سَبَقَ، ولَوْ كَانَ في المَسْأَلَةِ زَوْجٌ وَجَدٌّ، وأُمٌّ أو زوجةٌ وَجَدٌّ وأمٌّ، فالجَدُّ لاَ يَرُدُّهَا إلى ثُلُثِ مَا يَبْقَى بَلْ لَهَا الثُلُثُ كَامِلاً؛ لأَنَّ الجَدَّ لا يُساوِيها في الدَّرَجَةِ، فلا يَلْزَمْ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهَا.
والثَّالِثَةُ: الأَبُ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ، وأُمُّ كُلِّ جَدٍّ، والجَدُّ لاَ يُسْقِطُ أُمَّ الأَب، وإنْ أَسْقَطَ أُمَّ نَفْسِهِ وسيَعُودُ هَذَا في الحَجْبِ، وأبو الجَدِّ ومَنْ فَوْقَهُ كَالجَدِّ، لكنْ كُلُّ واحِدٍ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ، ولاَ يَحْجُبُهَا مَنْ فَوْقَهُ، وَإِذَا لَمْ يَجْمَع الجَدُّ بينَ الفَرْضِ والتَّعْصِيب، كَانَ الجَدُّ مُفَارِقاً فِيهِ أَيضاً، لكنَّ تلْكَ كل المفارقة لفَظِيَّةٌ (1)، ولا يَخْفَى بعد هَذَا أنَّ الاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مُنْحَصِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ في الكِتَابِ، وأَنَّ قَوْلَهُ "والجَدُّ يُقَاسِمُهُمْ" غيرُ مُجْرى علَى إطلاقِهِ، ثُمَّ يجوزُ أن يُعْلَمَ بِرُقُومِ مَنْ يُخَالِفُ في مقَاسَمَةِ الجَدِّ والإِخْوَةِ وسَنَذْكُرُهُمْ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأَوْلاَدُ) فَالابْنُ الوَاحِدُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ المَالِ، وَكَذَا الجَمَاعَةُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُنْثَى فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَلِلْبِنْتِ الوَاحِدَةِ النِّصْفُ، وَلِلْبِتتَيْنِ فَصَاعِداً الثُّلْثَانِ، وَأَمَّا أَوْلاَدُ الابْنِ إِذَا انْفَرَدُوا فَحُكْمُهُمْ حُكمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ.

"

فصل في الأولاد

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: الابْنُ الوَاحِدُ يستغرِقُ جَمِيعَ المال بالإِجْمَاعِ، ثُمَّ استَأْنَسُوا بوجْهَيْنِ.50

الجزء: 6 - الصفحة: 464

أَحَدُهُمَا: أنَّه أَقْوَى مِنَ العَصَبَاتِ، وهَذَا شَأْنُ العَصَبَةِ إِذَا انْفَرَدُوا.
والثاني: أنَّ منْ خَلَّفَ ابْناً وبنْتاً، أَخَذَا الابْنُ ضِعْفَ ما أخَذَتِ البنْتُ، إذا انْفَردَتْ تأْخُذُ النِصْفَ، والابن إذا انفردَ وجَبَ أنْ يأْخُذَ ضعْفَها، وهو الكُلُّ، وكذلك الاثنانِ والجماعةُ منَ الأبناء يستغرقُونَ المَالُ للبنْتِ الواحدَةِ النِّصْفُ؛ لقولهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] وللبنتَيْنِ فصاعداً الثُّلُثَانِ؛ لما رُوِيَ أنَّ امرأةً مِنَ الأَنْصَار أَتَتْ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَها ابنتان، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هاتان ابْنَتَا سَعْدٍ بْنِ الرَّبِيع، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَخَذَ عَمُّهُمَا مَالَهُ، ووَاللهِ، لا تُنْكَحَانِ وَلاَ مَالَ لَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: يَقْضِي اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَنَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] فَدَعَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- المرأةَ وَصَاحِبَهَا، فَقَالَ: "أَعْطِ البِنْتَينِ الثُّلُثَيْنِ، وَالْمَرأَةَ الثُّمُن وَخُذِ الْبَاقِي" 51. ولَمَّا بينت السُّنَّةُ ذلك، قيل: كلمةُ "فَوْقَ" زائِدَةٌ كقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12]، وقيلَ: المعنى اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا.
وإذَا اجتَمَعَ البَنُونُ والبَنَاتُ، فللذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: 11] الآية.
هَذَا حُكمُ أَوْلادِ الصُّلْب، إِذَا انْفَرَدُوا، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أولادُ الابْنِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ أولادِ الابْنِ، إِذَا انْفَرَدُوا بِلاَ فَرْقٍ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإذَا اجْتَمَعَ أَوْلاَدُ الصُّلْبِ وَأَوْلاَدُ الابْنِ فَإِنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ سَقَطَ أَوْلاَدُ الابْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُظِرَ، فَإِنْ كانَتْ بنْتٌ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى أَوْلاَدِ الابْنِ فَإِنْ كانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَالبَاقِي بَيْنَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرٌ فَسَوَاءٌ كانَت بِنْتٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بَنَاتٌ فَلَهَا أَوْ لَهُنَّ السُّدُسُ تكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ الصُّلْبِ بِنْتَانِ فَصَاعِداً فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلاَدِ الابْنِ ذَكَرٌ سَقَطْنَ إِذْ لَمْ يَبْقَ منْ فُرُوضِ البَنَاتِ شَيْءٌ وَهوَ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَلَهُ المَالُ، أَوْ ذَكَرُ مَعَ الأُنْثَى فَالمَالُ لَهُمْ، وَتَتَعَصَّبُ الأُنْثَى بِأَخِيهَا، وكَذَا بِذَكَرٍ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا كَابْنِ أَخِيهَا أَوْ ابْنِ ابْن أَخِيهَا وَإِنْ سَفَلَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 465

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا اجْتَمَعَ أوْلاَدُ الصُّلْب وأولادَ الابْنِ، إِمَّا مِنْ ابْنٍ واحدٍ، أو مِنْ ابْنَينِ فصاعداً، فإمَّا أنْ يَكُونَ فِي أولادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ، فَلاَ شَيْءَ لأولادِ الابْن، بل يحْجُبُهُمْ لقُرْبِهِ، أو لاَ يَكُونَ، فَوَلَدُ الصُّلْبِ، إمَّا بنْتٌ وَاحِدَةٌ أو أَكْثَرُ، وإن لمْ يَكن إلاَّ بنتٌ وَاحِدَةٌ، فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرَ: فإنْ كَانَ وَلَدُ الابْنِ ذَكرًا، فَالبَاقِي لَهُ، وكَذَا لَو وُجدَ ذَكَرانِ أو ذُكُورٌ، وإنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ، وإنَاثٌ، فالبَاقِي بَينَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ كَانَ وَلَدُ الابْنِ أنثى واحدةً، فلَهَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَينِ؛ لِمَا رُوِيَ عَن هزيل بن شُرَحْبيلَ -بالزاي- أنه قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنِ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبنْتِ النِّصْفُ، وللأخت النِّصْفُ، وَائْت ابْنَ مَسْعُودٍ فسَيُتَابِعُني فسئِلَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وأُخَبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذنْ وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، لأَقْضِيَنَّ فِيهَا بَمَا قَضَى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لِلبِنْتِ النِّصْفُ، ولبِنْتِ الابْنِ السُّدُسُ [تكملة الثلثين] وَمَا بَقِيَ فللأخت، فَأَتيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخبَرْنَاهُ بقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحِبْرُ فِيكُمْ وبَينَكُم 52. وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فصاعداً، فالسُّدُسُ لَهُنَّ؛ لأنَّ البَنَاتِ لاَ يَسْتحْقِقْنَ أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَالبِنْتُ وبنتُ الابنِ أَوْلَى بذَلِكَ؛ لأنَّ البَنَاتِ يُسَوَّى بَينَهُنَّ، وتُرَجِّحُ البِنْتُ عَلَى بناتِ الابنِ لقُرْبِها، وإنْ كانَ منْ أولادِ الصُّلْبِ بنتَانِ فصَاعِداً، فَلَهُنَّ الثُّلْثَانِ، ولَاَ يُفْرَضُ لِبَنَاتِ الابْن شيء؛ لأنَّهُنَّ إنَّمَا يَأخُذْنَ الثُّلُثَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ البَنَاتِ أوْ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ هَذَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، لكِنْ لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أوْ أسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ عَصَّبَهُنَّ وكانَ البَاقِي بينهُمْ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ، وأمَّا تَعْصِيبُ مَنْ في دَرَجَتِهنَّ إيَّاهُنَّ، فَكَمَا يُعَصِّبُ الابنُ البَنَاتِ، والأخُ الأخَوَاتِ، والَّذِي في دَرَجَتِهِنَّ قَدْ يَكُونُ أَخاهُنَّ، وقَدْ يكُونُ أَخَا بعضِهِنَّ، ويُسمَّى [الأخ] المبارَكَ، وَقَدْ يكونُ ابْنَ عَمِّهِنَّ، وأمَّا تَعْصِيبُ منْ هُوَ أسْفَلُ مِنهُنَّ؛ فلأنَّه لاَ يُمْكِنُ إسْقَاطُهُ؛ لأنَّهُ عَصَبَةٌ ذَكَرٌ، [وَأَمَّا إذَا] لَمْ يَسْقِطْ، فَكَيْفَ يَجوزُ حرْمانُ منْ فَوْقَهُ؟ وكيفَ يُفرَدُ بالمِيرَاثِ مع بُعْدِه، ولَوْ كَانَ في دَرَجَتِهِنَّ، لَمْ يُفْرَدْ مَع قُرْبِهِ، ولهذَا لاَ يُعَصِّبُ منْ هِيَ أسفَل مِنْهُ، ولا يُعَصِّبُ التي فَوْقَهُ، إذَا أخذَتْ شَيْئاً، وذَلِكَ فيما إذَا خَلَّفَتْ بنتُ صُلْبٍ واحِدَةً، وبنتَ ابْنٍ، وابنَ ابْنِ ابنٍ، وبنْتَ ابنِ ابنٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولبنْتِ الابْنِ السُّدُسُ، والبَاقِي بَيْنَ الأسْفَلين أَثْلاَثاً [لأنَّ الَّتِي فَوْقَهُ غَيُر مَحْرُومةٍ، فَجَرَيْنَا علَى القِياسِ، وأَوْلادُ ابنِ الابنِ مَعَ أولادِ الابنِ، كأولادِ الابْنِ معَ أولاد

الجزء: 6 - الصفحة: 466

الصُّلْبِ، في كلِّ تفصيلٍ، وَكَذَا في كُلِّ دَرَجَةٍ نَازِلَةٍ مَعَ درجةٍ عَالِيَّةٍ] (1) حَتَّى؛ إِذَا خَلَّفَ بنْتَ ابْنٍ وبنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فللْعُليا النِّصْفُ، وللسفلى السُّدُسُ، ولوْ خَلَّفَ بنتَي ابْنِ وبنْتَ ابْنِ ابنٍ، فَلِبِنْتَيْ الابنِ الثُّلثَانِ، ولَيْسَ للسُّفْلَى شيْءٌ، إلاَّ أنْ يكُونَ في دَرَجَتِهَا أوْ أسْفَلَ مِنْهَا مَن يُعَصِّبُها.
وقولُهُ في الكِتَاب: "وتتَعَصَّبُ الأُنْثَى بأَخِيهَا، وَكَذَا بِذَكَرٍ هُوَ أسفَل مِنْهَا كابْنِ أخِيهَا أو ابْنِ ابْنِ أَخِيهَا، وإنْ سَفَلَ هَذَا بَعضُ صُوَرِ [التَّعْصِيبِ، ولَيْسَ يُشْتَرطُ أنْ يَكُونَ المُعَصِّبُ أَخاً أو ابْنَ أخٍ، بلْ قَدْ يكُونُ ابْنَ عَمِّهَا أو ابْنَ ابْنِ عَمِّها، كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الفَرَضِيُّونَ: ولَيْسَ في الفَرائِضِ منْ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ و] (2) عَمَّتَهُ وَعمَّةَ أبيهِ وجدهِ وبناتِ أَعْمَامِهِ، وبناتِ أَعْمَامِ أبيهِ، وَجَدِّهِ إِلاَّ المستغل (3) منْ أَولادِ الابْنِ، واللهُ أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ) إِنْ كَانُوا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَحُكمُهُمْ عِنْدَ الانْفِرَادِ حُكْمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ، وَكَذَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ مِنَ الأَبِ إِذَا انْفَرَدُوا فَهُمْ كَإِخْوَةِ الأَبِ وَالأُمِّ، إِلاَّ في المَسْأَلَةِ المُشْتَرِكَةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ وَأَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَللأُمِّ السُّدُسُ وَلإِخْوَةِ الأُمِّ الثُّلُثُ، وَلاَ يَبْقَى لِلأخِ مِنَ الأَبِ وَالأمِّ شَيْءٌ فَيُشَارِكُ أَوْلاَدَ الأُمِّ بِقَرَابَةِ الأُمُومَةِ وَيُسْقِطُ إِخْوَةَ الأَب، وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ أَخٌ لِأَبٍ سَقَطَ وَلاَ يُشَارِكهُمْ إِذْ لاَ يُسَاوِيهِمْ في قَرَابَةِ الأُمِّ.

فصل في الإخوة والأخوات

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإخْوَةُ والأخَوَاتُ: إمَّا أنْ يكونُوا مِنَ الأَبَوَيْن أو مِنَ الأبَ أوْ مِنَ الأَمِّ، فهُمْ ثلاَثَةُ أصنَافٍ، والصِّنْفَان الأَوَّلاَنِ: إمَّا أن يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا أو يَجْتَمِعَا، فَأمَّا عِنْدَ انْفِرَادِهِم، فالإخْوَةُ والأَخَوَاتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ كأولادِ الصُّلْبِ، فللذَّكَرِ الوَاحدِ جَمِيعُ المالِ، وكذَا الاثنَان فصَاعِداً، وإنْ ماتَ ولهُ أُخْتٌ، فلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ، وإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وإنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً ونِسَاءً فلِلذَّكَرِ مِثلُ حِظِّ الأُنْثَيْينِ بنَصِّ القُرْآنِ.
والإخْوَةُ والأخَوَاتُ للأَبِ عِنْدَ الانْفِرَادِ كالْإخْوَةِ والأخَوَاتِ مِن الأبَوَيْنِ إلاَّ فِي المشرَّكَةِ 56، وهِيَ: زَوْجٌ وأُمٌّ وأَخَوَانِ [لأم، وأخوان] لأبٍ وأمٍّ، فلِلزَّوْجِ النِّصْفُ،535455

الجزء: 6 - الصفحة: 467

وللأمِّ السُّدُسُ، وللأَخَوَيْنِ لأمِّ الثُّلُثُ، والأَخَوَانِ للأب والأمِّ يُشَارِكَانِهِمَا في الثُّلُثِ، ولا يَسْقِطَانِ، وبِهِ قَالَ مَالكُ، وقَالَ أحمَدُ [وأبُو حَنِيْفَةَ] 57: يَسْقُطَانِ، وحكى؛ أبُو بَكْر بْنُ لاَل قَوْلاً للشَّافِعيِّ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- وقالَ: لَهُ في المَسْأَلَةِ قَوْلانِ، بحَسَب اخْتِلاَفِ الرِّوَايَةِ عَنْ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والرَّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ مُخْتَلِفَةٌ، كمَا ذكَرَ، لكَنْ لمْ أَجِدْ لغيرَهُ نقل قول للشافِعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في المسْأَلَةِ، نعم ذَهَبَ ابن اللَّبَّانِ إلى الإسْقَاطِ.
وقَالَ أَبُو خَلَفٍ، الطَّبَرِيُّ وهُوَ اختيارُ أسْتَاذِي أبي منْصُور البَغْدَادِيِّ وَوَجْهُهُ: أنَّ الإخْوَةَ مِنَ الأَبَوَينِ عَصَبَةٌ، فإذَا اسْتَغْرَقَتِ الفروضُ المَالَ، سَقَطُوا.
ووجْهُ ظاهرٌ المذْهَب: أَنَّها فَرِيضَةٌ، جَمَعَتِ الإخْوَةَ مِنَ الأَبوَيْنَ، والإخْوَةَ منْ الأمِّ فوَرِثَ الصِّنْفَانِ معاً، كما لَوِ انفردَا، وبأنَّ أولادَ الأمِّ، لو كَانَ بعْضُهُمُ ابْنَ عمٍّ، شارَكَ الآخَريْنِ بقَرابَة الأُمِّ، وإنْ سَقَطَتْ عُصُوبَتُهُ، فالأخُ مِنَ الأَبِ والأمِّ أَوْلَى لأن يكُونَ كَذَلِكَ، ولَكَ أنْ تُعَلِمَ؛ لمَّا نَقَلْنَا قَوْلَه في الكِتَابِ: "فَيُشَارِكُ أَوْلاَدَ الأُمِّ" مَعَ الحاءِ والأَلِفِ بالوَاوِ.
قَالَ الفَرَضِيُّونَ: ولُصُورِ 58 المشترِكَةِ 59 أرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: أنْ يكونَ فِيها: زَوْجٌ.
وأنْ يَكُونَ فيهَا منْ يَأْخُذُ السُّدُسُ منْ أُمٍّ أو جدة 60، وأنْ يكونَ فِيها اثْنَانِ فصَاعِداً مِنْ أولادِ الأُمِّ، وأنْ يكونَ منْ أولادٍ الأب والأمِّ ذكَرٌ، إمَّا وَحَدَهُ أوْ مَعَ ذُكُورٍ أو إِنَاثٍ، وإنْ شِئْتَ، قُلْتَ: أنْ يكُونَ مِنْ أولادِ الأَبِ والأُمِّ عَصَبَةٌ، فإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأرْكَانُ، فَهُوَ موضعُ الخِلاَفِ المذْكُورِ.
أمّا إذَ لمْ يكن عَصبةً بَلْ كَانَ في المَسْأَلَةِ زَوْجٌ وأمٌّ واثنَانِ مِنَ الأَوْلاَدِ للأمِّ، وأختٌ مِنْ الأبَوَيْنِ أو مِنَ الأَب فَيُفْرَضُ لَها النِّصْفُ ولَوْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَيُفْرَضُ لَهُمَا الثُّلُثَانِ وَيُقَالُ المسْأَلَةُ، ولَو كَانَ ولدُ الأمِّ واحِداً، أَخَذَ السُّدُسَ، والبَاقِي للعَصَبَةِ مِن أولادِ الأَب والأمِّ أو الأب 61، ولا بُدَّ مِمَّنْ تَأخُذُ النِّصْفَ والسُّدُسَ؛ لِيَحْصُلَ الاسْتِغْرَاقُ، وتُسمَّى هذِهِ المسأَلةُ المُشْتَرَكَةِ، لِمَا فِيها مِنَ التَّشْرِيكِ بَيْنَ أولادِ الأُمِّ، وأوْلادِ الأَب والأمِّ، والحِمَارِيَّةَ؛ لأنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ لا يُوَرِّثُ أولادَ الأَبِ والامِّ، فقالُوا: هَبْ

الجزء: 6 - الصفحة: 468

أنَّ أبَانَا كَانَ حِمَاراً، أَلَسْنَا من أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ فَشَرَكَهُمْ 62. ولوْ كانَ بَدَلَ الإخْوَةِ من الأَبِ والأُمِّ إِخوة منَ الأَب، سَقَطُوا بالاتِّفَاقِ؛ لأنَّه لَيْسَ لَهُمْ قَرَابَةُ الأُمُومَةِ، حتَّى يُشَارِكُوا أولادَ الأُمِّ فافْتَرَقَ الصِّنْفَاَنِ في هذِهِ المسْأَلَةِ.
وإذَا شَرَكْنَا في الثُّلُثَ بيْنَ أولادِ الأُمِّ وأولادِ الأَبِ والأمِّ فيتقاسمُونهُ بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بقَرابَةِ الأمِّ فيَسْتَوِي ذَكَرُهُمْ وأنْثَاهُمْ، وكَانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إذَا تقَاسَمُوا في الثُّلُثِ بالسَّوِيَّةِ، أُخِذَ مَا يَخُصُّ أَوْلاَدَ الأَبِ، والأمِّ، فَيُجْعَل بينَهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، كَمَا أنَّ في المعادة 63، إذَا أخرَجَ نصيبُ الجَدِّ، أقْتَسَمُوا البَاقِي بينهُمْ، كَمَا يَقْتَسِمُونَهُ إذَا انْفَرَدُوا.
وَإِذَا قلْنَا بالمذهبِ، فالَّذِي يَأْخذُونَهُ بالفَرْضِ، فإن الإخْوَةَ مِنَ الأبَوَيْنَ يرِثُونَ بالتَّعْصِيبِ تَارَةً، وبالفَرْضِ تارةً أُخْرَى كالأَخَواتِ مِنَ الأَبَوَيْنِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اجْتَمَعُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ مَعَ أَوْلاَدِ الابْنِ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَيُنَزَّلُ أَوْلاَدُ الأَبِ وَالأُمِّ مَنْزِلَةَ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ، وَالْأَوْلاَدُ مِنَ الأَبِ مَنْزِلَةَ أَوْلاَدِ الابْنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلاَّ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ بِنْتَ الأبْنِ يُعَصِّبُهَا مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا، وَالأخُتُ لِلأَبِ لاَ يُعَصِّبُهَا إِلاَّ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْتَ حُكْمَ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَ الانْفِرَادِ.
أمَّا إِذَا اجْتَمَعا، فَهُوَ كمَا لَو اجتَمَعَ أَوْلادُ الصُّلْبِ معَ أولادِ الابنِ، فأولادُ الابَوَيْنِ كأولاَدِ الصُّلْبِ، وأولادُ الأَبِ كَأوَلاَدِ الابْنِ، فلوْ كانَ من أولادِ الأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، فأولادُ الأبَوَيْنِ مَحْجُوبُونَ وإلاَّ فإن كَانَتْ أُنْثَى وَاحِدَةً، فَلَها النِّصْفُ، والبَاقِي لأوْلاَدِ الأَبِ، إنْ تَمحَّضُوا ذُكُوراً أو كانُوا ذُكُوراً وَإنَاثاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 469

وإنْ تَمَحَّضُوا إنَاثاً أوْ كَانَت أُنْثَى واحدةً، فلهُنَّ أوْلَهَا السُّدُسُ تكْمِلَة الثُّلُثَيْن، وإنْ كَانُوا مِنْ أولاَدِ الأَبَوَيْنِ اثْنَتَان فَصَاعِداً، فلَهُمَا الثُّلُثَانِ، ولاَ شَيْءَ لأَوْلاَدِ الأَب، إلاَّ أنْ يَكُونُوا ذُكُوراً، أوْ يكونَ فيهِمْ ذَكَرٌ يُعَصِّبهُنَّ الإنَاثَ، وهَذَا كلُّهُ كَمَا سَبَقَ في أَوَلاَدِ الابْنِ والأولادِ الصُّلْبِ، إلاَّ أنَّ بناتِ الابْنِ يُعَصِّبُهُنَّ مَنْ في دَرَجَتِهِنَّ، ومَنْ هُوَ أسْفَل منهُنَّ، والأُختُ لِلأَبِ لا يُعَصِّبُهَا إلاَّ مَنْ هو في دَرَجَتِهَا، فَلَوْ خلَّفَ أُخْتَيْنِ لأبِ وأُمٍّ، وأختاً وأخَاً لأبٍ [وابْنَ أخٍ لأبٍ]؛ فللأخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، والبَاقِي لابْنِ الأَخِ، ولا يعَصِّبُ عَمَّتَهُ، إلاَّ أَنَّ ابْنَ الأخِ لا يُعَصِّبُ مَنْ في دَرَجَتِهِ، فلا يُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ، وابْنُ الابن، وإنْ سَفَلَ، يُعَصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فجازَ أنْ يُعَصِّبَ من فَوْقَهُ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الْإِخْوَة وَالأَخَوَاتُ من جِهَةِ الأُمِّ) فَلِلْوَاحِدِ مِنهُمُ السُّدُسُ، وَللْاثْنَيْنِ فَصَاعِداً الثُّلُثُ، وَلاَ يَزِيدُ حَقُّهُمْ بِزِيَادَتِهِمْ يَسْتَوِي ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِي الاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الإِخْوَةُ والأَخَوَاتُ مِنَ الأمِّ، وللوَاحدِ مِنْهُمُ السُّدُسُ، ذكراً كأن أو أنثَى، وللاثْنَيْنِ فصَاعِداً الثُّلُثُ يُقَسَّمُ بَيْنَ ذُكُورِهِم وإناثِهِمْ بالسَّوِيَّةِ 64، قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12].
والمرادُ أختٌ أو اخٌ من الأُمِّ، وكَذَلِكَ هُوَ في قَرَاءَةِ أبنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

الجزء: 6 - الصفحة: 470

قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا بَنَاتُ الإِخْوَةِ) فَلاَ مِيرَاثَ (ح و) لَهُنَّ، وَبَنُو الْإخْوَةِ لِلْأُمِّ أَيْضاً لاَ مِيرَاثَ لَهُمْ (ح و)، وَبَنُو الإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، وَبَنُو الاِخْوَةِ لِلْأَب فَيُنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ إِلاَّ في حَجْبِ الأُمِّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَفي مُقَاسَمَةِ الجَدِّ، وَفِي مَسْاَلَةِ المُشْرَكَةِ، وَفِي تَعْصِيبِ الأخُتِ فَإنَّهُمْ لاَ يَرُدُّونَ الأُمِّ إِلَى السُّدُسِ، وَيَسْقُطُونَ بالجَدِّ، وَيَسْقُطُونَ في مسألة المُشَرَّكَةِ لَوْ كَانُوا بَدَلَ أَبِيهِمْ، وَلاَ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ إِذْ لاَ مِيرَاثُ لِأَخَوَاتِهِمْ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قولُهُ: (أَمَّا بَناتُ الإخْوةِ، فلاَ ميراثَ لَهُنَّ) وكَذَا (بَنُو الْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ) لا حَاجَةَ إِلَيْهِ في هَذَا الموْضعِ؛ لأنَّهُ قَد ذَكَرَهُ مرَّةً في ذَوِي الأَرْحَامِ، [وأيَضاً، فإنَّ الكَلامَ هَاهُنَا فِيمَا يأْخُذُه كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الورَثَةِ، وَهُؤُلاَءِ لَيْسُوا من الوَرَثَةِ.
وأمَّا بَنُو الإخْوَةِ مِنَ الأبَوَيْنِ أو مِنَ الأبِ] 65. فيَنزَّلُ كُلُّ وَاحدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ منزلةَ أبِيهِ في حالَتَي الانفرادِ والاجتماع، حتَّى يَسْتَغْرِقَ الوَاحِدُ والجَمَاعَةُ مِنْهُمُ المَالَ عِنْدَ الانْفِرَادِ، ويأْخُذ ما فَضَلَ عَنْ أصْحَابِ الفَرائض، وعندَ الاجْتِمَاع، يَسْقُطُ ابْنُ الأخِ مِنَ الأبِ كَمَا يَسْقُطُ الأَخِ مِنَ الأبِ معَ الأخ مِن الأَبَوَيْنِ إِلاَّ أنَّهُمْ يُفَارِقونَ الإِخْوَةَ في أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أنَّ الإخْوَةَ يَرُدُّونَ الأُمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، وبَنُوهُمْ لاَ يَرُدُّونَ؛ لأنَّ الله أعْطَاهَا الثُّلُثَ إِذَاَ لمْ يَكُنْ وَلَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، وبنو الإخْوَة لَيْسُوا بإِخوةٍ، وفَرَقُوا بيْن ما نَحْنُ فيه وبَيْن الوَلَدِ ووَلَدِ الولدِ 66؛ حيث رَدُّوا كُلَّ واحدٍ منْهما إلى السُّدُس بأَنَّ اسْم الوَلَدِ يقعُ علَى وَلَد الوِلد بالحقيقةِ أو المجاز، واسْمُ الأَخِ لا يقَعُ عَلَى ولده بحالٍ، ولأنَّ قوَّة الابن في الحَجْب أشَدُّ؛ ألا ترَى أنَّ الواحد من الأوْلادِ يَحْجُبُ، والواحدَ من الإخوة لا يَحْجُبُ، وإذا كانَتْ قوته أشدَّ جاز أن يتعدَّى الحجْبُ منْه إلَى ولده، ولهذا يَحْجُبُ ابنُ الابنِ الإِخوةَ والأَعْمَامَ والزَّوْجَ أو الزوجَةَ، كما يحجُبُهم الابْنُ، والأخُ من الأبَوَيْنِ قد يَحْجُبُ مَنْ لا يحجُبُهُ ابنُهُ، وهو الأخُ من الأبِ.
والثاني: أنَّ الإخوةَ مِنَ الأبوَيْنِ ومِنَ الأب يُقَاسِمُون الجَدَّ، وبنوهم لا يقاسِمُونَه، بل يَسْقُطُون بهِ لِبُعْدِهِم، وأيْضاً، فإن الجدَّ في دَرَجَةِ الأَخِ، وبنو الأَخِ يَسْقُطُون بالأَخِ، فكذلك بالجَدِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 471

والثالثُ: أنَّ بني الإخوة من الأبوَيْنِ، لو كَانُوا بدَلَ آبائِهِمْ في المُشْتَرَكَةِ، سقَطُوا؛ لبُعْدِهِمْ.
والرابعُ: أن الإخْوة من الأبوَينِ أو من الأبِ يعصِّبون أخَوَاتَهُم، وبنُوهُمْ لا يعصِّبون أخواتِهِم 67؛ فانَّهُنَّ غير وارثات، واعْرِفْ بعدْ هذا شيئَيْنِ: أحدُهُمَا: أن مفارقَةَ بني الإخْوة لآبائِهِمْ في الأمْر الأوَّلِ غيْرُ مخْصُوص بالإخْوَة من الأبوَيْنِ، وبالإخْوَةِ من الأَبِ، بل الحكمُ في الإِخْوة من الأم وأولادِهِمْ كذلك.
والثَّانِي: أن لَفْظ الكتاب يقتَضِي مفارقَةَ كُلِّ واحدٍ منَ الصِّنْفَيْن بني الإِخوة من الأبَوَيْنِ، وبني الإِخْوة من الأَبِ لأبائِهِمْ في جميع الأُمور الأرْبَعَة، لكن المفَارقَةَ في الأمْرِ الثَّالث يختصُّ ببني الأخْوة من الأبَوَيْنِ وآبَائِهِمْ، فأما الإخوةُ من الأبِ وبَنُوهم، فيَسْقُطُون جميعاً بلا فَرْقٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا أَخُ الْأَبَ وَهُوَ الْعَمُّ فَهُوَ عَصَبَةٌ، وَكَذا ابْنُهُ، وَكَذَا عَمُّ الأَبِ وَعَمُّ الجَدِّ وَبَنُوهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العم من الأبوين والعم من الأبِ كالأخِ مِنَ الجهتَيْن في أنَّ من انفرد منهمَا يأْخُذِ جميعِ المالِ، أو ما بقي من أصْحابَ الفرائِض، وإذا اجْتَمَعَا، أسْقَطَ العمُّ من الأبوين، العَمَّ من الأبِ، كما يُسْقِطُ الأخ من الأبوين من الأب، ولا يَخفَى أنَّ المراد من قوله: (أمَّا أَخُ الأَبِ وهُوَ العَمُّ) ما إذا كان من الأبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ.
وقوله: (فهو عصبةٌ) ليسَ عَلَى معْنَى: أن المذكورِينَ قبْلَه أصْحابُ فُرُوضٍ، بل البنونَ وبنُوهُمْ وبَنُو الأخِ كلُّهم عصباتٌ، ولكن أشار بأنَّه عصبةٌ إلَى أنَّه يأخذ جميعَ المَالِ، أو ما بقي من أصحاب الفُرُوضِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنْ حُكْمِ الأَخَوَاتِ أنَّهُنَّ مَعَ البَنَاتِ عَصَبَاتٌ، فَإذَا كَانَ لِلمَيِّتِ بِنْتٌ وثَلاَثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالبَاقِي لِلْأخْتِ منْ قبلَ الأبَ وَالْأُمِّ بالعُصُوبَةِ وَسَقَطَتِ الأُخْتُ لِلْأَبِ لعُصُوبَةِ الأُخْتِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، وَتَسْقُطُ الأُخْتُ لِلْأُمِّ بِالْبِنْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأخواتُ من الأبوَيْنِ، ومنَ الأبِ مع البنَاتِ وبنَاتِ الابْنِ عصباتٌ، لما مَرَّ من حديثِ هُزَيْلِ عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قال الإمامُ: والسَّببُ فيه أنَّه إذا كان في المَسْأَلَةِ بنتانِ فَصَاعداً، أو بنتا ابنَ وأخوات، وأخذتِ البناتُ الثلثَيْنِ، فلو فرضْنَا للأخواتِ، وَأَعْلنَا المسألةَ، نقص نصيبُ

الجزء: 6 - الصفحة: 472

البنات، فاستَبْعَدُوا أن يزحم أولادُ الأبِ الأولادَ، ولم يُمْكِنْ إسقاطُهُنَّ فيجعلوهن عصباتٍ، ليدخل النَّقْص عليهن خاصَّة.
إذا تقرَّر ذلك، فالأختُ من الأبوَيْنِ أو من الأبِ مُنَزَّلَةٌ مع البنات منزلة الأخِ، حتى لو خلَّف بنتاً وأخْتاً، فللبِنْتِ النصْفُ، والباقي للأخت، ولو خلَّفَ بنتَيْن أو أُخْتًاً أو أخواتٍ، فلهن الثُّلُثَانِ، والباقي للأخْتِ أو للأخوات بالسَّوِيَّة، ولو كانَ معَهُنَّ زوْجٌ، فللبنتَيْنِ الثلثان، وللزوْجِ الربُعُ، والباقي للأخْتِ أو للأخْوَاتِ، ولو كان معَهُمْ أمٌّ عالَتِ المسألةُ، وسقَطَتِ الأخت، كما لو كان مَعَهُم أخٌ، ولو خلَّفَ بِنْتاً وبِنت ابن وأُخْتاً، فالنصفُ والسُّدُس والبَاقي.
وإِذا اجْتَمعَتِ الأُخْتُ من الأبَوَيْنِ، والأُخْتُ من الأبِ مع البنْتِ أو بنت الابن، فالباقي للأخْتِ من الأبوَيْنِ، وسقَطَتِ الأخرَى.
وكذا، لو خلَّف بِنْتاً وأُختاً من الأبوَيْنِ وأَخاً منَ الأَبِ، كان الباقي للأختِ، وسقَط الأخُ بها سُقُوطَه بالأَخ من الأبوَيْنِ، لكن لو خلَّف بِنْتاً وأخاً وأُختاً من الأبوَيْنِ، كان الباقي بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم نجعل معه كالأخ لأن تعصيبها، والحالةُ هذه، بالأخ دون البنْت؛ لأنَّ التعصيبَ بالبنْتِ إنَّما يُصَارُ إليه عنْد الضَّرُورة، وإذا تعصبت به، لَزِمَ تفضيلُهَا علَيْها على ما هو المعهودُ في تعْصِيب الإنَاثِ بالذكور.
وإذا خلَّفَ الميِّتُ بنْتاً وثلاثَ أخواتٍ متفرِّقات، فللبنْتِ النصفُ، والباقي للأخْتِ من الأبوَيْنِ بالعُصُوبَةِ، وسقطَتِ الأختُ من الأبِ، والأختُ من الأمِّ بالبنت، وكذا الحُكُمُ في بنتٍ وثلاثةِ إِخوةٍ متفرِّقين.

قال الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّقْدِيمِ وَالحَجْبِ

فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إِلاَّ عَصَباتٌ فَتَرْتِيبُهُمْ أن أَوْلَى العَصَبَاتِ الْبَنُونَ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ الجَدُّ وَالإِخْوَةُ فَإنَّهُمْ بَتَقَاسَمُونَ (ح ز و)، ثُمَّ إِخْوَةُ الأَب وَالأُمِّ يَتَقَدَّمُونَ عَلَى إِخْوَةِ الأَبِ ثُمَّ بَنُو إِخْوَةِ الأَبِ وَالأُمِّ، ثُمَّ بَنُو إِخْوَةِ الأَبِ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ ثُمَّ أَعْمَامُ الأَبِ، ثُمَّ أَعْمَامُ الجَدِّ وَبَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَالعُصُوبَةُ لِمُعْتَقِ المَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيّاً فَلِعَصَبَاتِ المُعْتِق، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِمُعْتِقِ المعتق، فَإِنْ لَمْ يَكُن فَلِعَصَبَاتِ مُعْتِق المُعْتِقِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي، فَإنْ لَمْ يَكُنْ واحدٌ مِنْهُمْ فَالمَالُ لِبَيْتِ المَالِ، وَهوَ أَيْضاً (ح) عُصُوبَةٌ (و) لِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ من أَصْحَابِ الفَرَائِضِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ ذُو فَرْضٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 473

فصل في بيان العصبات وترتيبهم

قَالَ الرَّافِعِيُّ: أكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ لفْظ المتقدُّم في العَصَبَاتِ وترتيبهم، ولفظ الحَجْب في ذوي الفروض، وكأنَّه لذلك جمع بين اللفظَيْنِ في ترجمة الفَصْل.
أما العَصَبَاتُ، فالأقربُ منْهم يُسْقِطُ الأبْعَدَ، وقدِ اشتهر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أُلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أبقت الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" 68 وقد فسّر "الأولى" بالأقرب وقيل: إنه مأخوذٌ من الولي وهو القُرْب.
وجملة عصباتِ النَّسب: الابنُ والأبُ ومَن يُدْلِي بهما، وأَوْلاَهُمُ الابن، وإنما يقدَّم على الأب؛ لأنَّ الله تعالَى جعَلَ للأبِ معه السُّدُس، وأعطاه الباقي، وأيْضاً، فلابن يعصب أخته، والأبُ لا يعصِّب أختَهُ، فاحتجَّ بذلك على قوَّةِ عصوبَتِهِ، ثم الأَوْلَى بعد البنين بنُوهُمْ، وإن سَفَلُوا، ثم الأب، لأنَّ سائِرَ العصَبَاتِ يُدْلُون به، وبعْده الجَدُّ والإِخوة من الأبوَيْنِ أو مِنَ الأَب في درَجَةٍ واحدةٍ، ولذلك يتقاسَمُون عَلَى ما سيأتي -إنْ شاءَ الله تعالَى- وأبو الجَدِّ، وإنْ علا، مع الأخ كالجَدِّ مع الأخ، يتقاسمون لقوَّة الجُدُودَةِ، ووقوعِ الاسم على القَرِيبِ والبَعِيدِ، هذا ما نصَّ علَيْه، وهو المذْهَب.
وقال الإمامُ الذي رأَيْتُهُ في ذلك [يعني الأصحاب] أنَّ أبا الجَدِّ لا يسقط بالأخ، ولكنْ لا يقاسم الأخ، بل له السدُسُ، والباقي للأخِ، ثم قال: وفي القلب من هذا شَيءٌ، وأَبْدَى المذهبَ المنْصُوص عليه 69 كما يُبْدِي الاحتمالاتِ 70، وإذا لم يكنْ أخٌ، فالأَوْلَى الجَدُّ ثم أَبُوه، وإنْ علا، ويسقط ابن الأخ بالجَدِّ العالي سقُوطَهُ بالجَدِّ الأدنى،

الجزء: 6 - الصفحة: 474

وفي "النهاية" وجْهٌ ضعيف: أن [أبا الجَدِّ وابن الأخ يتقاسَمَانِ 71 كما يتقاسم الجَدُّ والأخُ، والمذْهَبُ الأَوَّلُ، فإنَّا إذا قدَّمنا نوعاً عَلَى نوعٍ، لا ينظر إلى القُرْب والبُعْد؛ ألا ترى أنَّ ابن الأخ، وإن سفل] 72 يقدَّم على العمِّ مع قربه، وإن لم يكن جَدُّ، [فالأخُ من الأبوَيْن على الأخ من الأب، ثم الأخُ من الأبِ، وإنَّما يقدَّم الأخُ من الأبوَيْنِ على الأخَ من الأب] 73، لما رُويَ عن عَلِيٍّ -كرَّم الله وجهه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَعْيَانُ بَنِي الأمُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلَاَّت، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ" 74. والمذكور أخيراً تفسير للمذكور أولاً، فأولاد الأعيانِ الأخوةُ والأخوات من الأبوَيْنِ، وأولاد العلات الإخوةُ والأَخَوَاتُ من الأب، وأيْضاً فالأخُ من الأبوَيْنِ أقربُ لاِختصاصِهِ بقرابتين، فكَانَ المَالُ مصْرُوفاً إلَيْهِ؛ لقوله: "فما تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى عَصَبَةِ ذَكَرٍ" ثم بعد الإِخوة من الجهَتَيْنِ، الأَوْلَى بنو الإخْوةِ من الأبوَيْن، ثم بنو الإِخوة من الأب، وكذلك بنوهم، وإنْ سَفَلوا، ثم العمُّ من الأَبوَيْن، ثم العمُّ من الأب، ثم بنو العم كذلك، ثم عمُّ الأبِ من الأبوَيْن، ثم عمُّه من الأب، ثمَّ بنوهما كذلك، [ثم عم الجَدِّ من الأبوَيْن، ثم عمُّه من الأبِ، ثم بنُوهما كذلك] 75، إلَى حيث ينتهي، فَإِنْ لَمْ يَوجَدْ أحدٌ من عصبات النَّسَبِ، واَلميِّت عتيق، فالعصوبةُ لمعتِقِهِ، فإن لم يكن حيّاً، فلعصبَاتِ المُعْتِقِ، فإن لم يوجدوا، فلمعتِقِ المعتِقِ، ثم لعصابَتِهِ إلَى حيث ينتهون، وإنْ لم يكُنْ عتيقاً، وأبوه أو جده عتيق، ثبت الولاء عليه لمعتِقِ الجَدِّ أو الأبِ؛ على ما سيأتي من موضعه -إن شَاء الله تعالى- فإن لم يكن منهم أحدٌ، فالمَالُ لبَيْتِ اَلمال.
وقوله في الكتاب: "فإن لم يكن للميِّت إلاَّ عصبات" هذا التقييد غير محتاج إليه، بلْ مَنْ خلف [ذوي فروضٍ، فالكلامُ فيمن يستحق الباقِيَ من الفُرُوض، على هذا الترتيب.
وقوله: "فإنَّهُمْ يتقاسَمُون، قد أُعْلِمَ بعلامات مَنْ يخالِفُ في مقاسمة الجَدِّ والإِخوة] 76، وسنذكرهم.
وقوله: "عند ذكر بيت المال: و"هو أَيْضاً عصوبةٌ" يجوز أن يُعْلَمَ بالحاء والألف والواو؛ لِمَا مَرَّ في أوَّل الكتاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 475

قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ لْيُعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الأَخِ وَإِنْ سَفَلَ مُقَدَّمُ عَلَى العَمِّ القَرِيبِ لاِخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَابْنَ الأَخِ لِلْأَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ ابْنِ الأَخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ بِسَبَب القُرْبِ مَعَ أَنَّ جِهَةِ الاِخُوَّةِ فِي حُكْمِ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ ابْنَا عَمِّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلْأُمِّ فَلَهُ بِأُخُوَّةِ الأُمِّ السُّدُسُ وَالبَاقِي بَيْنَهُمَا بِعُصُوبَةِ بِنُوَّة العَمِّ علَى السَّوَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأُمِّ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَيَسْقُطُ إِخْوَةُ الأُمِّ بالبنْتِ، والبَاقِي بَيْنَهُمَا (و) بِالسَّوِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: المسألة الأُولَى: البعيدُ من الجهة المقدَّمة يتقدَّم على القَرِيب من الجهة المؤَخَّرة: مثاله: ابن الابن، وإن سفَلَ يُقدَّم على الأب وابنُ الأخ، وإن سَفَل، يُقدَّم على العمِّ، وكذا ابنُ العمِّ السِّافِلِ يُقدَّم عَلَى عمِّ الأب، وإذا اتَّحدَتِ الجهة، فالمُقدَّم الأقْرَبُ، فإنِ استويا في القرب، وأحدهما يُدْلِي بقرابة الأب والأم، قُدِّم على من يُدْلِي بقرابة الأبِ وحْدَهُ.
مثاله: الأخُ من الأبَوَينِ يُقدَّم على الأخ من الأب، والأخُ من الأب يُقدَّم على ابن الأخ من الأبوَيْن وابن الأخ من الأبوَيْنِ يُقدَّم على ابن الأخ من الأب، وابنُ الأخ من الأبِ يُقدَّم على ابْنِ ابنِ الأخ من الأبوَيْنِ 77 وكذلك القَوْلُ في بنِي العَمِّ وبَنِي عَمِّ الأَب.
وقوله: "مع أنَّ جهة الأخُوَّة في حكم جنس واحدٍ" ربما أشْعَر بأن جهته الإدْلاَء في الأخوَّة بني الإِخْوة واحدةٌ، وهي الأُخُوَّة؛ لأنه ذكر عقيب تقديم ابن الأخِ من الأبِ، على ابن ابن الأخِ من الأبوَيْن، لكن الأشبه أن بَنُو الإِخوة جهة برأسها وراء الأُخُوَّة، فيكون المعنى أنَّ جهة الأخُوَّة في حكم جِنْسٍ واحدٍ، وكذلك جهة بُنُوَّة الإِخوة.
المسألة الثانيةُ: إذا اشترك اثنانِ في جهةِ عصُوبةٍ، واختص أحدهما بقرابةٍ أخرى، كابني عمٍّ، أحدُهما أخ لأمِّ فينظر: إن أمكن التوريث بالقرابة الأُخْرَى؛ لفقد الحاجب، فالنص أنه يورَثُ بهما، فالأخُ للأمِّ يأخذ السدُسَ، والباقي بينهما بالعُصُوبة، ونَصَّ فيما إذا مات وخلَّف ابْنَيْ عمّ معتقه، وأحدُهُما أخو المعتق لأمِّه، أنَّ جميع المال للذي هو أَخُوهُ لأمه، وللأصحاب فيها طريقان.
منْهُمْ من نقَل وخرَّج، وجعلهما على قولَيْن: أحدُهُما: أنَّه يترجح الأخُ للأمِّ، ويأخذ جميعَ المَالِ في الصورَتَيْنِ؛ لأنهما استَوَيا

الجزء: 6 - الصفحة: 476

في جهةِ العُصُوبة، واختصَّ أحدهما بقرابةِ الأُمِّ، فأشبها الأَخَ من الأبوَيْنِ مع الأخِ من الأبِ أو العم من الأبوين مع العم من الأب.
والثاني: أنَّه لا يترجَّح؛ لأنَّه أختصَّ بجهة تُفرض بها، فلا يُسقِط من يُشَارِكُه في جهة العَصوبَة كابْنَيْ عمٍّ أحدُهُما زوْجٌ، وعلى هذا؛ ففي النسب له السدس بالفرضيَّة، والباقي بينهما بالعُصُوبة، وفي الولاء لا يمكن التوريثُ بالفرضيَّة، وقد استَوَيَا في العصُوبة، فيكونُ المال يينهما بالسَّوِيَّة، وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالِكٌ، وربَّما خرّج من نصِّه في الولاء هاهنا، ولم يعكس.
والطريقة الثانيةُ، وهي الأصحُّ: القطع بالمنصوص في الموضِعَيْنِ 78، والفَرْقُ: أن الأخ من الأمِّ يرث في النَّسَب، فأمكن أنْ يعطَى فرضه، ويجعل الباقي بينهما لاِستوائِهِمَا في العُصُوبة، وفي الولاء لا إرث بالفرضية، فترجح عصوبةُ من يُدْلي بقرابة الأمِّ، كما أن الأخَ من الأبوَيْنِ، لَمَّا لَمْ يأخُذ بقرابةِ الأُمِّ شيئاً ترجَّحت بها عضويتُهُ حتَّى يقدَّم على الأخ للأبِ، وهذا كلُّه مبنيٌّ على أن أخ المعتق من الأبوَيْنِ يقدَّم على أخيه من أبِيهِ، وفيه خلافٌ مذكور في الفصْل الذي يَلِي هذا الفَصْلَ، ويجري الخلاف فيما إذا خلَّف ابنَيْ عَمِّ أبِيهِ، وأحدُهُما أَخُوهُ لأمِّه 79، ولو خلَّفت المرأة ابني عمّ، أحدُهُما أخٌ لأم، والثاني زوجٌ، فعلَى الصحيح؛ للزَّوْج النصفُ، وللآخَرِ السدسُ، والباقي بينهما بالسَّوِيَّةِ، وإذا رجَّحنا الأَخِ للأمِّ فالباقي كلُّه له، ولو خلَّفت ثلاثةَ أبناء أعمامٍ، أحدُهما زوجٌ، والثاني أخٌ لأمِّ فعلى الصحيح: للزَّوْج النصف وللأخ السُّدُسُ، والباقي بينهما بالسويَّة، وإذا رجَّحنا الأَخِ للأمِّ، فللزَّوْج النَصْفُ والباقي له، فهذا إذا أمْكَنَ توريثُ

الجزء: 6 - الصفحة: 477

المخصُوص بتلك القرابةِ، أمَّا إذا لم يكن لمكانِ الحَاجِب، كما إذا خلَّف بِنْتاً وابنَيْ عَمٍّ، أحدُهُما، أخٌ لأمٍّ ففيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكورُ في الكتَاب: أنَّ للبنت النصْفَ، والباقي بينهما بالسَّوِّية، لأنَّ إِخُوَّة الأُمِّ سقطَتْ بالبنت، فكأنها لم تكُنْ، فيرثان بِبُنُوَّة العمِّ على السَّواء، وأقواهما عند الشيخ أبي عَلِيٍّ، وهو جواب ابن الحدَّاد أن الباقِي لِلَّذِي هو أخ لأُمِّ؛ لأنَّ البنْتَ منعتْهُ من الأخذِ بقرابةِ الأُمِّ، وإذا لمْ يأْخذ بها، رجحت عُصُوبَته، كالأخ من الأبوَيْن مع الأخِ للأَبِ.
واحتج ابن الحدَّاد لجوابِهِ بنفيِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في صورة الولاء عَلَى ما قدَّمناه، فقال الأخ من الأبوين يتقدَّم في ولاية النكاح على الأخ من الأبِ ترجيحاً بقَرابَةِ الأمُومَةِ، وإنْ كانَتْ لا تفيد ولاية النكاح وهذا هو أصحُّ القولَيْنَ فيه.
ولنَا قولٌ آخرُ: أنَّهما سواءٌ في ولايةِ النِّكاحِ نذكره في موضِعِهِ، إن شاء الله تعالَى.
واعْلَمْ أن لهذيْن الوجهيْنِ ترتيباً على الخلاف، فيما إذا لَمْ يوجَدْ حاجبٌ، وكيف يترتبان؟ توجيه الوجْه الثاني يقتضي أن يقال: إنْ رجَّحنا الأَخَ من الأُمِّ هناك، فهاهنا أَوْلَى، وإلاَّ فوجهان؛ لأنَّ هناك وَرِثَ بقرابة الأُمُومَةِ، وهاهنا لم يَرِثْ، فانتهضَتْ مرجحة، وقد نصَّ على هذا ابن الحدَّاد، وتوجيهُ الوَجْه الأوَّل يقتضي أنْ يقال: إنْ لم نرجِّح الأَخِ من الأُمِّ هناك، فهاهنا أَوْلَى، وإن رجَّحناه، فوجهان؛ لأنه وُجِدَ المُسْقِطُ للجهة، فصار وجودُها كعَدَمِها، وقد وجدتُّهُ منصوصاً في كلام ابْنِ اللَّبَّان تفريعاً على قَوْلِ من يقدم الأخ هناك، والله أعلم.
وإذا قُلْنا بالصَّحيح، فلو خلَّف ابْنَ عمٍّ لأبٍ وأُمٍّ وآخرَ لأبٍ، وهو أخٌ لأمٍّ، فللثاني السُّدُسُ بالأُخُوَّة، والباقي للأول، وتسقط به عصوبةُ الثاني.
ولو خلَّف ثلاثةً بني أعمام متفرِّقين، والَّذي هو لأمِّ زوج، والذي هو لأبٍ أخ لأمِّ، فللزَّوْج النِّصْفُ، وللأخ السدسُ، والباقي للثَّالِثِ.
ولو خلَّف أخوَيْنِ لأمٍّ [وترك سواهما] أحدُهُما ابنُ عمِّ، فلها الثلثُ بالأُخُوَّة، والباقي لابن العَمِّ منْهما بلا خلافٍ، وصورةُ ابْنَيْ عمِّ أحدُهُما أخٌ لأمٍّ: أن يتعاقب أخوانِ عَلَى امرأةٍ واحدةٍ، وتلد لكلِّ واحدٍ منهما ابْناً، ولأحدِهِمَا ابْنٌ من امرأةٍ أخرَى، فابناهُ ابْنَا عَمِّ الآخَرِ، وأحدُهُما أخُوه لأمِّه.
وصورةُ أخوَيْنِ لأمٍّ أحدُهُما ابنُ عمٍّ: أن يكون للمَرْأةِ في الصُّورَة المذكورة ابنٌ من زَوْجٍ آخَرَ، فابْنُهما من الأجنبيِّ، وابنُ أحدِ الأخوَيْنِ أخٌ للآخر من الأمِّ وأحدُهُما ابْنُ عمِّهِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 478

ولو خلَّف ابْنَي عمٍّ، أحدُهما أخٌ لأمِّ، وخلَّف سواهما أخوَيْن لأمٍّ، أحدهما ابنُ عمٍّ، فالحاصِلُ أنه خلَّف أخوَيْن، هما ابْنَا عَمٍّ، وأخاً ليْسَ بابن عمٍّ، وابنَ عَمٍّ ليس بأخ، فالثلثُ للإخْوَة الثلاثة، والباقي لبني العمِّ من الثلاثة، ولابْنِ العمِّ الذي ليْسَ بأخٍ بالعُصُوبة، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أما عَصَبَاتُ المُعْتِقِ، فإن كانَ لِلمُعْتِقِ أُمٌّ وَابْنِ فَالعُصُوبَةِ للابنِ، وَلاَ يَثْبُتُ الإِرْثُ بِالوَلاَءِ لِلْإِنَاثِ إلاَّ إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ مُعْتِقَةً، وَأَخُ المُعْتِقِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ يُقَدِّمُ عَلَى الأخِ لِلْأَبِ كما في النَّسبِ، وَقِيلَ: لاَ يُقَدَّمُ إِذْ لاَ أَثَرَ لِقَرَابَةِ الأُمُومَةِ في الوَلاءِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ جَدُّ المُعْتِقِ وَأَخْوهُ فَقَوْلاَنِ (أَحَدَهُمَا): أنَّهُمَا يَسْتَوِيانِ (ح م) لاِسْتِوَاءِ القُرْبِ (وَالثَّانِي): أنَّ الأخَ مُقَدَّمٌ لِأَنَّهُ ابْنُ أَبِ المُعْتِقِ، وَالإِدْلاَءُ بِالبُنُوَّةِ أَقْوَى في العُصُوبَةِ، وَالوَلاَة يَدُورُ عَلَى العُصُوبَةِ المَحْضَةِ.

"

فصل في عصبات المعتق

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مَرَّ أن من لا عَصَبَةَ له من النَّسَب فمَالُهُ، أو ما يَفْضُلُ عن الفروض لمعتِقِهِ، إنْ كان عَتِيقاً.
وإنَّما يُؤَخَّر الولاءُ عن النَّسَب؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رجلاً أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- برَجُلِ، فقال: إني اشْتَرَيْتُهُ، وَأَعْتَقْتُة، فَمَا أمر ميراثه؟ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إنْ تَرَكَ عَصَبَةً، فالعَصَبَةُ أَحَقُّ، وَإلاَّ، فَالْوَلاَءُ لك" 80. وأيضاً، فالنَّسَبُ أَقْوَى من الولاء؛ لأنَّه يتعلَّق به المحرميَّة، ووجوبُ النَّفقة، وسقُوطُ القِصَاص، وردُّ الشهادة، ونَحْوُها، ولا فرق بين أن يكونَ المعتِقُ رجُلاً أو امرأةً؛ لقولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الوَلاَءُ لِمَنْ اعْتَقَ" 81، ولأن الإنعام بالإعْتَاقِ موجودٌ منهما، فاستَوَيَا في الإرْث، فإنْ لم يوجَدِ المعتقُ، فالاستحقاق لعصابته [من النَّسَب] الَّذين يتعصَّبُون بأنفسهم دُون من يعصبهم غيرهم، حتَّى لو ماتْ ولمُعْتِقِهِ ابنٌ وبنْتٌ، فلا حَقَّ للبنْتِ، وكذا في الأخِ والأُخْتِ.
وكذا لو كان لَه أَبٌ وأُمٌّ، بل لا يَرِثُ النِّسَاء بالولاء إلاَّ ممن أعْتَقْنَ أو أعْتَقَ من

الجزء: 6 - الصفحة: 479

أعْتَقَ أو جَرَّ الولاء إلَيْهنَّ من أعْتَقْنَ، وإنْ شِئْتَ قلت: لا تَرِثُ المرأةُ بولاء إلا من معتقها أو من ينتمي إلَى معتِقِهَا بوَلاَءٍ أو نَسَبٍ.
قال ابن سُرَيْجٍ: وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ الولاء أضْعَفُ من النَّسب المتراخي، وإذا تَرَاخَى النسب، وَرِثَ الذُّكورُ دُون الإنَاثِ؛ ألا تَرَى أن بني الأخ والعَمّ وابنه يرثُونَ دون أخواتهم، فإذا لم ترِثْ بنْتُ الأخ والعم، فبنتُ المُعْتِق أولى ألاَّ تَرِثَ.
وقوله في الكتاب: "ولا يَثْبُتُ الإرث بالولاء للإنَاثِ إلاَّ إذا كانَتِ المرأةُ مُعْتِقةً" فيه تساهلٌ، والضابطُ ما ذَكَرْنَاه، ثم الذين يتعصَّبُون بأنفسهم، ترتيبُهم في الولاء كترتيبهم في النَّسَب، حتَّى يتقدَّم ابن المُعْتِق وابن ابنه عَلَى أبِيه وجَدِّه.
وقال أحمَدُ: للأبِ أو الجَدِّ السدُسُ، والباقى للابْنِ، وادَّعى أنَّ كلَّ ذكرٍ يرثُ بالولاءِ، سواءٌ كان صاحبَ فَرْضٍ أو عَصَبَةً.
نعم، يفترق الترتيبَانِ في مَسَائِل: منْها: في أَخٍ لأبوَيْهِ مع أخيه لأبيه طريقان: أصحُّهما: تقديمُ الأخِ من الأبوَيْنِ كما في النَّسَب.
والثاني: أنَّ فيه قولَيْن: أحدُهما: هذا.
والثاني: أنَّهما يتساوَيَانِ، إذْ لا أثَرَ لقرابَةِ الأمومَةِ في الوَلاَء، وقَدِ اسْتَوَيَا في قرَابَةِ الأَبِ، ومنْها إذا اجْتَمَعَ جدُّ المُعْتِق وأخُوه، ففيه قولان: أحدُهُما، وبه قال أحْمَدُ: أنَّهما يستويان كما في النَّسَب؛ لاستوائهما في القُرْب.
والثاني: أن الأخَ مقدَّم؛ لأنَّه ابنُ أبي المُعْتق، والجَدُّ أبو أبيه، والبنوة أقوى من العُصُوبة، وإنما تركْنَا هذا القياس في النَّسَب؛ لإجماع الصَّحَابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى أنَّ الأَخِ لا يُسْقِطُ الجَدِّ 82، وأيضاً، فالولاء يدورُ على محْضِ العُصُوبة، ولا يُورَثُ فيه إلا بها، فَمَن أقَرَّ، كَانَ أقْوَى عصوبةً، فهو أَوْلَى، وبهذا القَوْلِ قال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأبيهما أصحُّ.
قال في "التهذيب": إنَّ الأوَّل أصحُّ، إلاَّ أنَّ الشيخ أبا حامدٍ وأبا خلَفٍ الطبريَّ والأكثرين رجَّحوا الثاني، وأبو حنيفة خالَفَ القولَيْن جميعاً، وقدَّم الجد، فيجوز إعلامُ قولِهِ: "يستويان" وقولِهِ: "إنَّ الأَخِ مقدَّمٌ" بالحاء، وإعلامُ الأوَّل بالميم، والثَّاني بالألف.

الجزء: 6 - الصفحة: 480

التفريعُ: إنْ قلْنَا إنهم يستويان، فقد روى أبو عبْد الله الحناطيُّ وغيره وجهين: أحدُهُما: أن للجَدِّ ما هو خيرٌ له من المقاسمة وغيرها، عَلَى ما سيأتي -إن شاء الله تعالَى- في النَّسَب، وأصحُّهما وهو النقْلُ المستفيض 83 أنه يقاسِمُهم أبداً؛ لأنَّه لا مدخل للفرْضِ المقدَّر في الولاءِ، ولو اجْتَمَعَ معَ جَدّ المعتق إِخْوَةٌ من الأبوَيْنِ وإِخْوَةٌ من الأَبِ، فالحكايةُ عن ابنِ سُرَيْجٍ: أنَّه لا معادة، والجَدُّ مع الأخ من الأبوَيْنِ يقتسمان: وفيه وجه آخَرُ، وهو اختيارُ ابنِ اللَّبَّان: أنه يعد الأخُ من الأب عَلَى الجَدِّ كما في النسب، وبالأَوَّلِ أخَذَ كثرَهُم، ويُمْكِنُ أنْ يُفْرَقَ بيْن البابَيْنِ.
فأما إذَا أدْخَلْنَا أولادَ الأَبِ في الحسَاب هناك، فقَدْ يدفع إلَيْهم شيئاً، وكما لَوِ اجتمع مع الجَدِّ أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخت من الأَب، وهاهنا لا يمكنُ صَرْف شيْءٍ إلَى ولدِ الأب أصْلاً؛ لأنَّه لا يأْخُذ بالولاء إلاَّ المذكور، ولا شيء للأخ من الأبِ مع الأخِ من الأبوَيْنِ، فيبعُدُ أن يدْخُل في القسْمَةَ مَنْ لا يَأْخُذُ بحال، وعلَى هذا القولِ، فالجَدُّ أوْلَى من ابنِ الأَخِ، كما في النَّسَب، وقيل: هما سواءٌ، وفي "التهذيب" تفريعاً عَلَى هذا القَوْل: أنَّ الأَخِ أَوْلَى من أب الجدِّ، وأنَّ أبا الجَدِّ مع ابْنِ الأخِ يَسْتَوِيان، والله أعلم وعلى القول الثَّاني، وهو تقَديمُ الأَخِ على الجَدِّ، أنَّ الأخَ أيْضاً يقدَّم عليه، وبه قال مالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كما أنَّ ابنَ الَابْنِ، وإنْ سَفَل، يقدَّم على الأب، والقولاَنِ في الأخ والجد يجريان من العمِّ مع أبي الجَدِّ 84، وفي كلِّ عمٍّ اجتمع مع جدٍّ، إذا أَوْلَى العم بأبٍ دون الجَدِّ، ولا خلافَ أنَّ الجَدَّ أولَى من العم.
ومنها: إذا كان للمعْتِقِ ابنا عَمٍّ، أحدُهُما: أخٌ لأمِّ فالنصُّ أنه أَوْلَى بخلافِ ما في النَّسَب عَلَى ما تقدَّم.
ثم إنْ لم يوجد أَحَدٌ من عَصَبَات المُعْتِقِ، فالمالُ لِمُعْتِقِ المُعْتِقِ، ثم لعصبَاتِهِ عَلَى النَّسَق المذكور من عَصَبات المعتِقِ، ثم لمُعْتِقِ مُعْتِقِ المُعْتِقِ، وعلى هذا القياس، ولا يَرِثُ مُعْتِقٌ عصبة الميت إلاَّ مُعْتِق أبيه أو مُعْتِق جَدِّه، وكذا معْتِق عصَبَةِ المُعْتِقِ إلا معتق أبِي المُعْتق أو جده.
والقوْلُ في تفصيل ذلك، وفي قواعِدَ أُخَرَ ومسائِلَ عويصةٍ في الولاء، ومؤخر إلَى كتابِ "العِتْق" والله يُيَسِّرُ على الوُصُول إلَيْه.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَا مُقَاسَمَةُ الجَدِّ وَالْإخْوَةِ في النَّسَبِ فَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ يَسْقُطُونَ، وَأَمَّا مُقَاسَمَتُهُ مَعَ إِخْوَةَ الأَبِ وَالأُمِّ أو الإِخْوَةِ لِلْأَبِ فَصُورَتُهَا أنَّهُ إِذَا لَمْ يَكن مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ

الجزء: 6 - الصفحة: 481

فَيَكُونُ الجَدُّ كَوَاحِدٍ مِنْهُمُ ما دامَتِ القِسْمَةُ خَيْراً لَهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإنْ نَقَصَتِ القِسْمَةُ مِنَ الثُّلُثِ فَلَهُ الثُّلُثُ كَامِلاً، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخٌ أَوْ ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ أَوْ أُمٌّ وَأُخْتَانِ فَالْقِسْمَةُ خَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخَوَانِ أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتِ أَوْ أَخٍ وَأخْتَانِ فَالْقِسْمَةُ وَالثُّلُثُ سِيَّانِ، فَإنْ كَانَ الإِخْوَةُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْثُّلُثُ خَيْرٌ لَهُ فَيُسَلَّمُ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَوْلُ في ميرَاثِ الجدِّ مع الإخوة بابٌ خطيرٌ في الفرَائِضِ، وقَدْ أكثر فيه الصحابةُ ومَن بعْدَهُمْ من الأئمة 85 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وإنَّما أورده المصنِّف في هذا المَوْضع؛ لأنَّه قد بيَّنَ في ترْتِيب العَصَبات أنَّ الجَدَّ مع الإِخوةِ والأَخَوَاتِ من الأَبَوَيْنِ، أو من الأب في درَجَةٍ وَاحِدَةٍ، لا هُوَ يُسْقِطُهم، ولا هُمُ يُسْقِطُونه، فمسَّت الحاجةُ إلَى معرفةِ أَنَّهم كيف يقْتَسِمُون المالَ.
وقوله: "فالْإِخْوَةُ لِلأُمِّ يسْقُطُونَ" هذا قد أعادَهُ من بَعْدُ في فصل حَجْب الإخْوَة، ولا ضرورةَ إلَى ذكْره هاهنا؛ لأَنَّ الكلامَ من أولِ الفَصْل الثَّاني إلَى آخِرِ ما يتَعلَّقَ بالجَدِّ والإِخوة في العَصَبَات؛ ألا تَرَى أنه قَالَ في آخِرِ حُكْم العَصَبَات، والإِخوة "والأَخَوَات من الأُمِّ: لَيْسُوا مِنَ الْعَصَبَاتِ" وجملة القوْلِ في الباب أَنَّ الإخوةَ والأَخَوَاتِ من الأبوين أو من الأبِ، إذا اجتمعوا مع الجَدِّ لم يَسْقُطوا به، وبهذا قاَل مالكٌ وأحمدُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-.
وقال أبو حنيفةَ والمُزَنِيُّ: إِنَّهُمْ يَسْقُطُونَ، ويُحْكَى ذلك عن اختيار ابن سُرَيْجٍ، ومحمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وابْنِ اللَّبَّانِ وأبِي مَنْصُورٍ البَغْدَادِيِّ، ووُجِّهَ ذلك: بأنِ ابْنَ الابْنِ نازلٌ منزلة الابْنِ في إِسقاط الإخوة والأخَوَات، وغيره فلْيَكُنْ أبُ الأبُ نازلاً منزلةَ الأَبِ، ويُرْوَى هذا التوجيهُ عن ابنَ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا 86 - وبأنَّ الجَدَّ أَقْوَى من الأخِ، بدليل أنَّه يشاركه في الإرْثِ، وينفرد بولايةِ المَالِ والنِّكَاح، وبدليلِ أنَّ الابْن

الجزء: 6 - الصفحة: 482

يُسْقِط الإخوةَ، ولا يُسْقِطُ الجدَّ، وعنِ ابْنِ اللَّبَّانِ: أَنَّه احتجَّ بأن الجدَّ إما أن يكونَ كالأخِ من الأبَوَيْنِ، أول كالأخِ من الأَبِ، أو أضْعَف منهما أو أقوى منهما، إنْ أن كالأخِ من الأبوَيْنِ، وجب أن يسقط الأَخُ من الأب، وإن كان كالأخِ من الأبِ، وجَبَ أنْ يسقط، بالأخ من الأبوين، وإن كان أضْعَفَ منهما وجب أن يَسْقُطَ بهما جميعاً، ولما تعذرت الأقْسَامُ الثلاثة تعيَّن الرابعُ، وهو أنَّه أقْوَى منْهما، فيُسْقِطُهما.
وأمَّا وجْه ظاهِرِ المذْهَب، فعَنْ عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تشبيهُ الجَدِّ بالبَحْرِ أو النَّهْرِ الكبير، والأب كالخَلِيجِ المأخوذِ منْه، والميِّت وإخوته كالسَّاقِيتَيْنِ المُمْتَدَّتَيْنِ من الخليج، والسَّاَقيةُ إلى السَاقية أقربُ منها إلى البَحْر؛ ألاَ ترى أنه إذا 87 سُدَّتْ إحداهما، أخذت الأخرَى ماءَها، ولم يرجع إلى البَحْر.
وعن زَيْدِ بْنِ ثابت -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يُشَبَّهُ الجَدُّ بساقِ الشَّجرة وأَصْلِهَا، والأَبُ كغصن منها، والأخوة كغصنين تفرعا من ذلك الغُصْن، واحد الغُصْنَيْن إلى الآخَرِ أقربُ منْه إلَى أَصْلِ الشَّجَرة؛ ألا تَرَى أنه إذا قُطِعَ أحدُهما امتصَّ الآخَرُ ما كان يمْتصُّه المقْطُوع، ولم يرْجِعْ إلى السَّاق 88. ووجهه الأصحابُ: بأنَّ الأَخِ يُعَصِّب أخته، فلم يَسْقُطْ بالجَدِّ كالابن، وبأنَّ ولد الأب يُدْلِي بالأب، فلا يَسْقُط بالجد كأمِّ الأب، وبأنَّ الأخ أقوَى من الجدِّ من جهة أنَّه ابنُ أَبِي الميِّتِ، والجَدُّ أبو أبيه، والبنوةُ أقْوَى من الأُبُوَّة، وأَنَّهُ يُعَصِّبُ أَخَوَاتِهِ، وَالْجَدُّ لا يُعَصِّبُهُنَّ؛ فإن الإخوة والأخواتِ يَرِثُون حَسَبَ ميراثِ الأَوْلاَدِ عُصُوبةً وَفَرْضِيَّةً، والجدُّ بخلافه، وإن فرع الأخ، وهو ابن الأخ يسقط فرع الجد، وهو العَمُّ، وقوَّة الفرع تدُلُّ على قوة الأصْل، وإذا كان الأخُ أقوَى فقضيته أن يَسْقُطَ الجدُّ به إلاَّ أنَّ الإجْمَاع صدَّنا عن ذلك، فلا أَقَلَّ من ألا يسقط [بذلك] الجد إذا تقرَّر ذلك، فإما أن يجتمع مع الجدِّ أحدُ الصِّنْفَيْن منَ الاِخوة والأَخَوات من الأبوَيْنِ، والإِخوة والأخوات من الأَبِ، وإمَّا أنْ يجتمع معَه الصِّنْفَان.
القسْمُ الأوَّل: إذا اجتمعَ معَهُ أحدُهما، فإمَّا ألا يكونَ معَه ذُو فَرْضٍ، وإمَّا أن يكون:

الجزء: 6 - الصفحة: 483

الحالةُ الأُولَى: إذا لم يكُنْ معهم ذو فَرْضٍ، فللجَدِّ خيرُ الأمرَيْن من المقاسمة معهم، وثُلُثُ جميع المالِ، فإنْ قاسَمَهُمْ، كان بمثابة أخٍ منهم، وإنْ أَخَذَ الثُّلُثَ، فالباقي بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقَدْ يستوي الأمْرَان، فلا فَرْقَ في الحقيقة، ولكنَّ الفَرَضِيُّون يتلفَّظُون بالثُّلُث، فإنَّه أسهلُ، وإنما تكونُ القسْمَة خَيْراً له إذا لم يكُنْ معه إلاَّ أخٌ أو أخْتٌ، أو أخٌ وأختٌ أو أختان أو ثلاث أخوات، فهي خمسُ مسَائِلَ، وإِنَّمَا يستَوِي الأمْرَانِ، إذا لم يكنْ معه إلاَّ أخَوَانِ أو أخٌ وأختانِ أو أربَعُ أخواتٍ، فهي ثلاث مسائلَ، وفيما عدا ذلك الثلُثُ خير له من القِسْمة.
والعبارَةُ الضَّابطة: أن الإِخْوةَ والأخواتِ، إنْ كانوا مثليه، فالقسْمةُ والثُّلُثُ سيان، وإن كانُوا دُونَ مثليه فالقسمة خَيْرٌ، وإن كانوا فَوْق المثلين، فالثلُثُ خَيْرٌ، ووجه اعتبار الثُّلُث أن الجَدَّ والأُمَّ، إذَا اجتمعا، أخَذَ الجَدُّ مِثْلَىْ ما تأخذه الأمُّ؛ لأنَّها لا تأْخُذُ إلاَّ الثُّلُث، والإِخوة يَنْقُصُون الأُمَّ من السُّدُس، فَوَجَبَ ألا يَنْقُصُوا الجدَّ من ضِعْف السُّدُس، والله أَعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُو فرْضٍ سُلِّمَ لَذَوِي الفَرْضِ فُرُوضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ السُّدُسُ سُلَّمَ إِلَيَّ الجَدِّ، وَإِنْ بَقِيَ أقَلُّ مِنَ السُّدُسِ أَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ أُعِيلَتِ المَسْأَلَةُ وفُرِضَ للجدِّ سُدُسٌ عَائِلٌ وَسَقَطَ الإِخْوَةُ، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنَ السُّدُسَ فَيُسَلَّمُ لِلْجَدِّ، إِمَّا سُدُسُ جَمِيعَ المَالِ أَوْ ثُلُثُ مَا يَبْقَى أَوْ مَا تُوجِبُهُ القِسْمَةُ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ خَيْراً لَهُ خُصَّ الجَدُّ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كانَ مَعَهُمْ ذو فَرْضٍ وأصحابُ الفروضِ الوارِثُون مع الجَدَّ والإِخوة ستَّةٌ: البنْتُ، وبنتُ الابْنِ، والأمُّ، والجَدَّةُ، والزَّوْج، والزَّوْجَةُ.
فإمَّا ألاَّ يبقَى بعد الفروض شيءٌ أو يبقى وحينئذٍ، فإمَّا أن يكون الباقي قدْرَ السدُسِ أو أقلَّ أو أكْثَرَ، فهذه أربعة تقديرات: أحدها: ألاَّ يبْقَى شيْءٌ؛ كبنْتَيْنِ، وأُمٍّ، وزَوْجٍ، فيُفْرَضُ للجَدِّ السدُسُ، ويزاد في العَوْل.
والثَّاني: أن يكونَ البَاقي قدْرَ السُّدُس، كما إذَا كان مع الجدِّ والإخوةِ بنْتَانِ وأمٌّ، فيصرف السُّدُس والباقي إلى الجَدٍّ.
والثالث: أن يكون الباقي دونَ السُّدُسِ؛ كبنتَيْنِ وزَوْجِ، فيفرَضُ للجَدِّ السدس، وتُقَالُ المسألةُ.
وعلى التقديراتِ الثَّلاثةِ يسقط الإِخوة والأخوات.

الجزء: 6 - الصفحة: 484

والرابعُ: أنْ يكونَ الباقي فوْقَ السُّدُس، فللجَدِّ خيْرُ الأُمُور الثَّلاثة وهي المقاسَمَة مع الإِخوة والأَخَوات، وثُلُثُ ما يبْقَى وسدُسُ جميع المال.
أما المقاسَمَةُ؛ فلمساواته إيَّاهم ونُزُولِهِ منزلةَ أخٍ، وأما ثلُثُ ما يبقَى؛ فلأنَّهُ لو لَمْ يكُنْ صاحبَ فرضٍ، لأَخَذ ثلُث جميعِ المَال، فإذا خَرج قدْرُ الفَرْضِ مستحقّاً، فأخَذَ ثلث الباقي.
وأما السُدُس؛ فلأن البنتَيْنِ لا يَنْقُصُون الجَدَّ عن السُّدُس، فالإخوةُ أَوْلَى، هذا هو التَّرْتيبُ المذْكُور في الكِتَاب، ووراءه عبارتان تؤدِّيان الفَرَضَ: إحداهما: أن يقالَ: إنْ كانَ الفرْضُ دون النصف؛ لزوجٍ أو زوجَةٍ معهم، فلِلْجَدِّ خيْرُ الأمرَيْنِ من المقاسَمَةِ وثُلُثِ ما يبْقَى، وإن كان فوْقَ النِّصْف ودون الثلثَيْن؛ كبنْتٍ وزوجةٍ أو قَدْر الثلثَيْن؛ كبنتين، فله خيْرُ الأمرَيْنِ من المقاسمة أو سدُسِ جميعِ المالِ، وإن كان فوق الثلثَيْنِ؛ كبنتٍ وزوج، فللجَدِّ السدسُ، فهو خيرٌ وهو والقسمة سيان، وذلك إذا لم يكُنْ مع الجَدّ، والصورةُ هذه، إلاَّ أخْتٌ واحدةٌ.
والثانيةُ: أن يُخْتَصَرُ فيُقَالَ: إذا اجْتَمَعَ معَهُمْ ذو فَرْضٍ، فلِلجَدِّ خيْرُ الأمورِ الثلاثةِ، وإذا أَردتَّ أن تعرف أن كلَّ واحدٍ منْهما في أيِّ موضعٍ يكون خيْراً، فانْظُرْ في قدْر الفَرْض، فإنْ كان قَدْرَ النِّصْف أو دُونَهُ، فالقسْمةُ خَيْر، إذا لم يكُن معه أختٌ، أو أخ، أو أخَتانِ أو ثلاثٌ، أو أخٌ وأختٌ، فإنْ زادُوا، فثلثُ الباقي خَيْرٌ، وفي هذا القسمْ تقع المسالةُ المعروفةُ بـ"الخَرْقَاءِ"، وهي: أُمٌّ، وجَدٌّ، وأُخْتٌ، فللأمِّ الثلثُ، والباقي يُقسَّم بين الجَدِّ والأُخْتِ أثْلَاثاً، وسُمِّيَتِ بـ"الخَرْقَاءِ" لتخرُّق أقوال الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وكثرة اختلافِهِمْ فيها، فعِنْدَ أبي بكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- للأمِّ الثُّلُثُ والباقي للجَدِّ.
وعند عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: للأخْتِ النصْفُ، وللأم ثلثُ ما يَبْقَى، والباقي للجَدِّ.
وعند عثمان -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لكلِّ واحدٍ منْهما الثُّلُثُ.
وعند عليٍّ عليه السلام: للأختِ النصْفُ، وللأمِّ الثلثُ، وللجَدِّ السدُسُ وعند ابن مَسْعُودِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: النِّصْفُ، والبَاقي بيْنَ الجَدِّ والأمِّ بالسويَّة، وُيرْوَى عنْه مثْلُ مذهَبُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 89 -.

الجزء: 6 - الصفحة: 485

والذي ذكرْنَاه أوَّلاً هو مَذْهَبُ زَيْدِ، وإنْ كان الفَرْضُ يفوق النصْفَ ودون الثلثَيْنِ، فالقسْمَة خيرٌ مع أخ وأختٍ وأختَيْنِ، فإنْ زادُوا فالسدس خيرٌ، وإن كان قدْرَ الثلثَيْنِ، فالقسمة خيرٌ، إن لمَ يكنْ إلاَّ أخْتٌ واحدةٌ إلاَّ فالسُّدُسُ خيْرٌ، وهَذَا التفصيل قد أَتَى به الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في "المختصر" بأكثره، لكنَّه قال: "إِذا كان الفَرْضُ أَكْثَرَ منَ النِّصْف، ولم يجاوِزِ الثلثَيْنِ قاسم أخاً أو أختَيْنِ" 90. قال الشَّارِحُونَ: المرادُ: إذا لم يبلُغِ الثلثَيْنِ أيضاً؛ لأنَّه إذَا بلغ الثلثَيْنِ، فلا يقاسم أَخَاً ولا أُخْتَيْنِ، إنَّما يقاسم أخْتاً واحدةً، كما مَرَّ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلاَّ إِخْوَةٌ لِلْأَبِ وَالأُمِّ أوْ إِخْوَةَ الأَبِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَمِيعاً فَحُكْمُ الجَدِّ لاَ يَتَغَيَّرُ بَلْ هُوَ كَمَا كَانَ، وَإِنَّمَا تتَجَدَّدُ المُعَادَّةُ وَهِيَ أَنَّ أَوْلاَدَ الأَبِ نَعُدُّهُمْ عَلَى الجَدِّ في حِسَابِ المُقَاسَمَةِ وَنُقَدِّرُهُمْ وَرَثَةً، ثُمَّ إِذَا أَخَذَ الجَدُّ حِصَّتَهُ قُدِّرَ نَصِيبُ الإِخْوَةِ كَأنَّهُ كُلُّ المَالِ بَيْنَهُمْ، فَإنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الأَبِ وَالأُمِّ ذَكَرٌ اسْتَرَدَّ جَمِيعَ مَا خَصَّ أَوْلاَدَ الأَبِ، وَإِنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الْأَبِ وَالْأمِّ أُنْثَى وَاحِدَةٌ اسْتَرَدَّتْ مَا يَكْمُلُ لَهَا بِهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ اسْتَرَدَّتَا مَا يَكْمُلُ بِهِ لَهُمَا الثُّلُثَانَ، فَإنْ كَانَ لاَ يَتِمُّ النِّصْفُ أَوِ الثُّلُثَانِ بِاسْتِرْدَادِ الجَمِيعِ اقْتُضِرَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ للتَّكْمِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القِسْمُ الثَّاني: إذا اجتمَعَ مَعَ الجَدِّ الصِّنْفَانِ الإِخوة والأخوات من الأبوَيْنِ والإِخوةُ والأخواتُ من الأبِ، فللجَدِّ خَيْرُ الأمرَيْنِ، إن لم يكُنْ معهم ذُو فَرْضٍ، وخَيْرُ الأمورِ الثلاثةُ، إنْ كان معهم ذُو فَرْض كما إذا لم يكن معه إلاَّ أحد الصِّنْفَيْنِ، لكن هاهنا أولاد الأبوَيْن يُعَادُّونَ الجَدِّ بأولادِ الأبِ، أي: يُدْخِلُونَهُمْ في العَدَدِ معَ أنْفُسِهِمْ وَيعُدُّونهم في القسْمة على الجَدِّ ثم [إذا أخذ الجدُّ حصَّتَهُ، نُظِر: إن كان ولدُ الأبوَيْنِ عصبة] 91 إما ذكراً أو ذُكُوراً وإما ذكوراً وإنَاثاً، فلهُمْ كلُّ الباقي، ولا شيء لولَدِ الأب، وإن لم يكنْ عصبةً، بل أنثَى أو إناثاً متمحِّضَاتٍ، فالاثنتانِ فصاعداً = والأم سهماً، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت، قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم ثلاثة، والجد أربعة، والأخت سهمين -الحديث- وأما مذهب عمر ومتابعة ابن مسعود له: فرواه البيهقي من طريق إبراهيم النخحي قال: كان عمر وعبد الله لا يفضلان أماً على جد، وعن عمر أيضاً في هذه المسألة: للأخت النصف، وللأم السدس، وللجد ما بقي، وكذا رواه ابن حزم من طريق إبراهيم عن عمر، وأما الرواية عن أبي بكر فقال البزاو: نا روح بن الفرج المصري ويقال ليس بمصر أوثق منه نا عمرو بن خالد نا عيسى بن يونس نا عباد بن مرسى عن الشعبي قال: أتى بي الحجاج موثقاً فذكر القصة، وأوودها أبو الفرج المعافى في الجليس والأنيس بتمامها].

الجزء: 6 - الصفحة: 486

يَأْخُذن إلى الثلثَيْنِ، والواحدةُ تأخُذُ إلى النِّصْف، فإن زادَ شيءٌ، فهو لأولادِ الأَبَ، ذُكُوراً كانوا أو إِناثاً.
أمثلتُهُ: جَدٌّ، وأخ من الأبوَيْنِ، وآخَر من الأب: يدخل الثاني في القسْمَةِ، ويأخُذُ الجدُّ الثلثَ، وهو والمقاسَمَةُ سواءٌ، والباقي للأخِ مِنَ الأبوَيْنِ.
جَدُّ وأخٌ من الأبوَيْنِ، وأختٌ من الأبِ، المال على خمسة: للجَدِّ سَهْمَانِ، والباقي للأخِ.
جدٌّ، وأخٌ، وأختٌ من الأبوين، وأخ وأخت من الأب، وجد، للجد الثالث، والباقي للأختين من الأبوين.
أختانِ من الأبوينِ، وأخٌ، وأخْتَانِ من الأب للجَدِّ الثلُثُ، والباقي للأختَيْنِ، من الأبوَيْنِ، وهُوَ تمام فرضهما.
أخْتَانِ من الأبوَيْنِ، وأختاً من الأب، وجَدٌّ: المالُ على خمْسةٍ للجدِّ سَهْمَانِ، والباقي للأختين من الأبوَينِ، وهو دُون فَرْضِهِمَا.
أختانِ من الأبوَيْنِ وأخت من الأب، وزوْجٌ، وجَدٌّ، للزوج النصْفُ، ويستوِي في البَاقِي القسمةُ، وثلُثُ ما يبقى وسُدُسَ المَالِ فيأْخُذُه الجَدُّ، والباقي للأختَيْن من الأبوَيْنِ، وهو دُونَ فرضهما.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأختان، وأخٌ من الأبِ وجَدٌّ: المالُ عَلَى خمسة أسهمٍ: للجَدِّ سهمان، وللأختِ من الأبوَيْنِ سهمان ونصفٌ، وهو قدْرُ فرضهما، والباقي لولَدِ الأبِ.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخواتُ من الأب فصاعداً، وجدُّ: للجَدِّ الثلُثُ، فهو خيرٌ، وللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، والباقي لأوْلاَدِ الأبِ.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخرَى من الأب وجَدٌّ: المالُ على أربعة أسهمٍ: سهمانِ للجَدِّ، والباقيان يأْخُذُهما الأخْتُ للأبوين.
أخت من الأبوَيْنِ، وأخٌ من الأبِ، وجَدُّةٌ، وجَدُّ: للجدة السدُسُ، والباقي بينهم على خَمْسَةٍ: للجَدِّ سهمان، والباقِيَ تأْخُذه الأختُ، فهو نصف المال، فإن كان بدَلَ الجَدَّة زوجةٌ، أخَذَت الرَّبُع، والباقِي على خَمْسَةِ: للجَدِّ سهمان، والبَاقِي تَأْخُذُه الأخْتُ، وهو دون النِّصْف، [إذا مات].
وإذا تأمَّلْتَ ذلك عَرَفْتَ أنَّ أوْلادَ الأبِ لا يأخُذُون شيئاً إلاَّ أن يكون ولَدُ الأبوَيْنِ أنثَى واحدةً، وأنهم لا يأْخُذُون في جميع صُوَر وجُودِها، هذا مَعْنَى المُعَادَّة وطرق في صُوَرِهَا.

الجزء: 6 - الصفحة: 487

وأما أنَّه لِمَ قِيلَ بها؟ فقد ذكروا له نوعَيْنِ من التَّوْجِيه، واستأنُسُوا بشَيْءٍ ثالثٍ: أحدُ النوعَيْنِ: أن الجَدَّ شخصٌ له ولادةٌ تحْجُبُه عن نصيبِهِ، أخوانِ وارِثَانِ، فجاز أن يحجُبَهُ أخوانِ، وارِثٌ، وغيرُ وارثٍ؛ كالأمِّ كما يحجُبُهَا عن الثُّلُثِ أخوانِ وارِثَانِ، يحْجُبُها وارثٌ وغيرُ وارثٍ، وأيضاً، فإنَّ أولاد الأب، أخوةٌ يرثُون، لو انفردُوا معَ شَخْصٍ له ولادةٌ، فإذا اجتمَعَ مَعَهُمْ من يمْنَع الاِخوة من الإِرث، حُجِبُوا، ولم يرثوا، كأولاد الأم إذا اجتمع معهم الجدُّ.
والثَّاني: أن الأَخَ من الأبوَيْنِ يقولُ للجَدِّ: أنا وأَخِي من الأَبِ بالإضافة إليك سواءٌ، وأنا الذي حُجُبُه، فأَزْحَمُكَ بِهِ وآخُذُ حصَّته، وهذا كما أنَّ الإِخوة يردُّون الأمِّ من الثلث إلى السُّدُس، والأَب يحجبهم ويأْخُذُ ما نقَصُوا من الأمِّ وفَرَقُوا بين ما نحْنُ فيه وبين ما إذا اجتمع الأخُ من الأُمِّ مع الجَدِّ، والأخُ من الأبوَيْنِ حيثُ لا يقُولُ الجَدُّ: أنا الذي أحجَبَهُ فأزْحَمُكَ به، وآخُذُ حصَّتَهُ -بأن الأُخُوَّةَ جهةٌ واحدةٌ، فجاز أن ينوب أخٌ عن أخٍ، والإخوةُ والجدودةُ جهتانِ مخْتَلِفَتَان، فلا يجوزُ أنْ يستحقَّ الجدُّ نصيبَ الأَخِ، وأَوْلَى من هذا أنْ يُقَال: ولَدُ الأب المعدود على الجَدِّ ليْسَ بمحرومٍ أبداً بَلْ يأْخُذُ قِسْطاً مما قُسِّم له في بعض الصُّورَ علَى ما بيَّنا، ولو عدّ الجد الأخ من الأمِّ على الأخِ من الأبوَيْنِ، كان مَحْرُوماً أبداً، فلا يَلْزَمُ من تلْكَ المُعَادَّةِ هذه المُعَادَّةُ.
وأما الاستئناس، فقد قال القَاضِي إسْماعيلُ المَالِكِيُّ

-[رحمه الله]-

: يجوزُ أن يَعُدُّ الإنسانُ علَى غيره مَنْ لا يأْخُذُ شيئاً، ويأْخُذُ حصَّتَهُ؛ ألا تَرَى أنَّهُ لو أوصَى بمائةِ درهمٍ لزيْدٍ، وبما يبقى من ثلاثةٍ بعد المَائَةِ لعَمْرٍو، وبجميع الثُّلُثِ لِبَكْر، وثُلُثُه مَائَتَانِ، فإنَّ زيداً يُدْخِل عمراً في قسْمة بكْرٍ، ويقول: أوصَى لنا باَلثُّلُث، كما أوصَى لك، ثم يقُول لِعَمْرٍو: ليْسَ لك أنْ تأْخُذ شيئاً ما لَمْ أستَوْفِ المائةَ، ويأخُذُ جميع المائة، ويحرم عَمْراً، لكنْ ذكر القاضي ابن كجٍّ أنَّ مِنَ الأصحاب مَنْ منَع المسألة، وسوَّى بين زيْدِ وعمْرٍو في المائة، وسنذكُرُ الخلافَ في المسألةَ وأخَوَاتِهَا في "الوصيَّة" إن شاء الله تعالَى.
وقوله في الكتاب: اسْتَرَدَّ جَميعَ مَا خَصَّ أولادَ الأَبِ، ضرْبُ استعادةٍ، وليس هناك دفْعٌ واستردادٌ محقَّقٌ، وإنما هو كلامٌ تقديريٌّ، أي: ماَ قُسِّم وجُعِلَ باسْمِهِ لا يُدْفَع إلَيْه، ويحول إلى الأخِ من الأبوَيْنِ، وعلَى هذا يقاسُ ما ذكره من استرْدَادِ النِّصْف والثلثَيْنِ، وربَّما سبق إلى الوَهْم من لفْظِ الكتَاب: أنَّ الواحدةَ تستردُّ تكملةَ النِّصْف، والاثنين تستردًّانِ تكملةَ الثلثَيْنِ، ويقرّر ما فضل على أولاد الأب، وقد يتَّفِق ذلك في الواحِدَةِ، لكنْ لا يُتصوَّر في الاثنتين، ولا يفْضُل عن الثلثَيْنِ شَيْءٌ.
فَائِدَةٌ: إذا اجتمع الصِّنْفَانِ [معه] وكان غيْر القسْمة خيراً للجد، كما إذا اجتمع معه

الجزء: 6 - الصفحة: 488

أختٌ من الأبوين [وأَخَوَاتِ من الأبِ أو أربعُ أخواتٍ فصاعداً، فرضْنَا للجَدِّ الثلثَ، فعن بعض الفرَضِيِّينَ أنَّه يجعل الباقي بيْن ولد الأبوَيْنِ] 92 وولَدِ الأب، ثم يَرُدُّ ولد الأب عَلَى ولد الأبوَيْنِ قدْرَ فرضه، قال ابن اللَّبَّانِ: والصَّوابُ أن يُفْرَضُ للأختِ من الأبوين النِّصْفُ، ويجعل الباقي لولَدِ الأب؛ لأنَّ إدخالَهُمْ الحساب إنَّما كان؛ لإدخال النَّقْص على الجَدِّ، فإذا أخَذَ فَرْضَهُ، وانحاز، فلَا معْنَى للقسمة والرد، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ مَعَ الجَدِّ إِلاَّ فِي مَسْاَلَةِ تُعْرَفُ بِالأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمُّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ، فَلِلْزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْأُخْتِ شَيْءٌ فَيُفْرَضُ لَهَا النِّصْفُ، وَتَعُولُ المَسْأَلَةُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مَا في يَدِ الجَدِّ وَالأخْتِ وُيقْسَّمُ عَلَيْهِمَا ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فَإِنْ كَانَ بَدَلَ الأُخْتِ أَخٌ سَقَطَ إِذْ لاَ فَرْضَ لِلْأَخِ بِحَالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا فرْقَ بيْن أن يجتمع مع الجَدِّ محضُ الإِخوة أو الإخوة مختلِطينَ بالأخواتِ، أو مَحْضُ الأَخَوَاتِ، بل الجَدُّ في الأحوال كلها بمثابةِ أخٍ، ولهذا مَنْ لم يُسْقِط الإِخوة بالجَدِّ، اتفقوا في جِدٍّ وأَخٍ وأختٍ، عَلَى أن المال بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإن كان كذلك، فالأخواتُ معَهُ، كما إذا كنَّ مع أخ، فلا يفرض لهنَّ، ولا تُعَالُ المسألةُ من أجْلِهِنَّ بخلافِ الجَدِّ، حيث ذكَرْنا أنَّه يفرض له، وتُعَالَ المسألةُ؛ لأنَّه صاحبُ فرض بجهةِ الجُدُودة، فرجع إليه عند الضَّرُورة، وهذا أصلٌ مُطَّرِدٌ إلاَّ في مسألةِ واحدةٍ تعرف بالأَكْدَرِيَّةِ، وهي: زوْجٌ، وأمٌّ، وجِدٌّ، وأختٌ من الأبوَيْنِ أو من الأَب، فللزوْج النصْفُ، وللأمِّ الثلثُ، ولِلجَدِّ السُّدسُ، ويُفْرَضُ للأختِ النِّصْفُ وتُعَالُ المسَالةُ من ستَّةٍ إلى تسعةٍ ثم يُضَمُّ نصيب الأخت إلى نصيب الجَدِّ، ويجعل بينهما أثلاثاً، وَيصحُّ من سبعةٍ وعشرينَ ويمتحن بها، فيقال فريضة عدد الوارِثينَ فيها أربعة، أخذ أحدهم ثلُث الجميع من المال، والثاني ثُلُثَ الباقي، والثالِثُ ثُلُثَ الباقي، والرابعُ البَاقِي؛ لأنَّ الزَّوْج يأخذ تسعة من سبْعةٍ وعِشْرينَ، وهي ثُلُثُها، وللأم ستة، وهي ثُلُثُ الباقي؛ وللأخت أربعةٌ، وهي ثلُثُ الباقي، والجَدُّ الباقي، وإنَّما فرض للأختِ في هذه الصُّورة؛ لأنَّ الجدَّ رجَع إلى أصْلِ فرْضِهِ، فلا سبيل إلى إسقاطَها، فرجَعَتْ هي أيْضاً إلَى فَرْضِها، وإنما قُسِّمَ المبلغان بينهما؛ لأنَّه لا سبيلَ إلَى تفضيلهما على الجَدِّ، كما في سائِر صُوَر الجَدِّ والإِخوة، ففرض لها بالرحم، وقسِّم بينهما بالتَّعْصِيب رعايةً للجانبين،

الجزء: 6 - الصفحة: 489

هذا ما.
وُجِّهت المسألةُ به، وقياسُ كوْنِها عصبةً بالجَدِّ أن تُسقطَ، وإن رجَع الجَدِّ إلى الفَرْض، ألا ترَى أنا نقول: في بنتَيْنِ، وأُمٍّ، وجَدٍّ، وأختٍ: للبنتَيْنِ الثلُثَانِ، وللأم السدُسُ، وللجَدِّ السدسُ، وتَسْقُطُ الأخت؛ لأنها عصبةٌ مع البنات، ومعلومٌ أنَّ البناتِ لا يأْخُذْنَ إلا الفَرْضَ؛ يؤيِّده أن قبيصةَ بن ذُؤَيْبٍ يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ قَضَاءَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في الْأَكْدَرِيَّةِ بِمَا اشْتَهِرَ عَنْهُ 93. وأجيب عن هذه الرواية بإسْقَاطها.
وقد مَرَّ أنَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يأخُذُ بقول زَيْدٍ في الفرائِضِ، وأنَّه اختلَفَ قولُهُ حيْثُ اختلفَتِ الروايةُ عن زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فقضيَّتُهُ تخريجُ قَوْلٍ للشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وإنْ لم يُنْقَلْ، وإن كان بدل الأخت أخ، سقطَ لا محالَةَ؛ إذ لا فَرْضَ للإخْوَةِ، ولو كانت أختان، فللزَّوْجِ النصفُ، وللأمِّ السدسُ، وللجَدِّ السدسُ، والباقي لهما، ولا فَرْضَ ولا عَوْلَ.
ولمَ سُمِّيَتِ الْأَكْدَرِيَّةَ؟ فيه أربعة أوْجُهٍ: قيل: إنَّ امرأةً مِنْ أَكْدَرَ ماتَتْ وخلَّفتهم، فنسبت إليْها.
وقيل: لأنَّ عَبدَ الملكِ بْنِ مَرْوَانَ سَألَ رجُلاً من أكْدَرَ عَنْهَا.
وقيل: لتَكَدُّر أصْل زَيْدِ فيها، فإنَّه لا يفرض للأخواتِ مع الجَدِّ، وقد فَرَضَ هاهنا، ولا يُعيلُ في الجد والأخوة، وقد أعال هاهنا.
وقيل: لتكدُّرِ أقوال الصَّحَابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وكثرة خلافهم فيها.
فأبو بَكْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُسْقِطُ الأخْتَ، وعنْد عُمَرَ وابْنِ مسْعود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: للأم السدسُ، والباقي كما ذكَرْنا، فيكونُ العول إلى ثمانيةٍ، وعنْد عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يفرض وتَعال كما ذكرناه، لكن تقرّر نصيبُ الأخْتِ عليها، ولك أن تقُولَ إذا عصَّبْنا الأخواتِ بالجَدِّ، فَمِنْ حقِّنا أن نُلْحِقَ عصوبتهن بالجَدِّ لعصوبتهن بالبنْتِ وبنْتِ الابْنِ، فإنَّها من أنواع العُصُوبة بالغَيْر، وإن لم يَذْكرُوها في جملتها.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا حُكْمُ العَصَبَاتِ (أَمَّا سَائِرُ الوَرَثَةِ) فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ لاَ يُحْجَبَانِ كَالَأَبِ وَالْأُمِّ وَالابْنِ وَالبِنْتِ، لأَنْهُمْ يُدْلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، أمَّا الجَدُّ فَلاَ يَحْجُبُهُ إِلاَّ الأَبُ،

الجزء: 6 - الصفحة: 490

وَالجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ تَحْجُبُهَا الأُمُّ، بَلْ لاَ تَرِثُ مَعَ الأُمِّ جَدَّةٌ أَصْلاً، وَأُمُّ الأَبِ يَحْجُبُهَا الأَبُ وَالأُمُّ، وَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ البُعْدَى مِنْ تِلْكَ الجِهَةِ، وَالقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ تَحْجُبُ البُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأَبِ، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهةِ الأَبِ لاَ تَحْجُبُ (ح) البُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ عَلَى أَظْهِرِ القَوْلَيْنِ، وَالجَدَّةُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ لاَ تَحْجُبُ الجَدَّةِ منْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَشْتَرِكْنَ عَلَى السَّوَاءِ فِي السُّدُسِ.

"

القول في الحجب

" قَالَ الرَّافِعِيٌ: لمَّا تكلَّم في ترتيب العصَبَاتِ، وبيَّن المتقدِّم والمتأخِّر منهم، والَّذين يقَعُون في درجةٍ واحدةٍ، أراد أن يبيِّن سائر الورثةِ منْ لا يُحْجَبُ ومَن يُحْجَبُ وَحَاجِبَهُ، ثم أحوجه سياقُ الكلاَمِ إلَى أن يُعِيدَ بعْضَ ما يتعلَّق بترتيب العَصَباتِ، على ما بيَّنه.
واعلم أن الحَجْبَ نوْعَان 94: حجْبُ نُقْصَانٍ: يَحْجُبُ الولَدُ الزَّوْجَ من النِّصْف إلى9596

الجزء: 6 - الصفحة: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الثالث: إذا كان أحدهما عاصباً والآخر ذا فرض: ولا يخلو الحال من أن يكون الحاجب ذا سهم والمحجوب عصبة فيحجب العصبة حينئذ حجب نقصان بذي السهم -كالبنت مع الابن والأخت مع الأخ فإن لو لم تكن الأنثى لصار جميع المال للذكر.
ويوجود الأنثى انتقص نصيبه.
أو يكون الحاجب عصبة والمحجوب ذا سهم.
وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب نقصان كما إذا ترك الميت أختين شقيقتين وأختين لأم.
وأم فالمسألة في الأصل من ستة وتقول بسدسها إلى سبعة ويكون للاختين الثلثان "أربعة" من سبعة فلو ترك معهما أخاً شقيقاً لكان لهما معه ثلاثة من ستة.
وقد يكون حجب حرمان كبنت الابن مع الابن أو كأخ شقيق مع الأخت لأب واعلم أيها القارئ الكريم أن: الحجب مبني على قاعدتين:- إحداهما: أن كل من يدلي إلى الميت بشخص لا يرث مع وجود ذلك الشخص كابن الابن فإنه لا يرث مع الابن.
وشرط حجب المدلي بالمدلَى به أحد أمرين أمّا استحقاق المدلَى به جميع التركة سواء اتحدا في سبب الإرث أم لا كما في الأب والجد والابن وابنه فإن الأب يدلي به الجد والابن يدلي به ابنه ... الخ وهما يستحقان جميع التركة، وقد اتحدا أي المدلي والمدلَى به في سبب الإرث: ومثال عدم اتحادهما في سبب الإرث أب وإخوة وأخوات فإن المدلى به لما أحرز جميع المال لم يسبق للمدلي شيء أصلاً.
وقد اختلفت جهة الإرث في هذا المثال.
الشرط الثاني: اتحاد السبب إذا لم يستحق المدلَى به الجميع كما في الأم وأم الأم.
فإن المدلَى به وهي الأم لما أخذت نصيبها بجهة الأمومة لم يبق للجدة شيء من النصيب الذي يستحق بتلك الجهة فليس لها نصيب آخر وصارت محرومة.
أما إذا اختلفا في السبب كما في الأم مع أولاد الأم فإن المدلَى به وهي الأم تأخذ نصيبها المستند إلى سبب الأمومة كاملاً والمدلي وهو ولدها يأخذ نصيباً آخر مستنداً إلى سبب آخر وهي الأخوة مع كونها أي تلك الجهة لا تستحق جميع التركة لو انفردت.
الثانية: ما تقدم في باب العصبات من أن التفضيل يكون بالجهة عند اختلافها فإن اتحدت واختلفت الدرجة فالأقرب درجة يحجب الأبعد عنه أما إن اتحدت الجهة والدرجة واختلفت القوة قدم الأقوى قرابة على الأضعف وكلما تتحقق هذه القاعدة في العصبات كذلك قد تجري في أصحاب القروض فمثال التقديم في أصحاب الفروض بالجهة .. تقديم البنت أو بنت الابن علي ولد الأم.
ومثال التقديم بالقرب تقديم البنتين علي بنتي الابن اللتين لم يعصبا.
ومثال التقديم بالقوة -تقديم الأختين الشقيقتين على أختين لأب لم يعصبا.
وقد تتحقق هذه القاعدة في أصحاب الفروض مع العصبات: فمثال التقديم فيهم بالجهة: تقديم الأب أو الجد على الأخوة للأم.
ومثال التقديم بالقرب -تقديم ابن علي بنت ابن.
ومثال التقديم بالقوة -تقدم الأخ الشقيق على الأخت للأب ولا يفوتنا أن نذكر حجب الأصول والفروع والحواشي توضيحاً للقاعدتين السابقتين فنقول: الجد في جميع حالاته يحجب بالأب كذلك: لأن الجد انتسب إلى الميت بواسطة الأب.
وكذلك =

الجزء: 6 - الصفحة: 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يحجب كل جد قريب كلّ جدٍّ بعيد لأولائه به.
أما الجدات فتحجب بالأم سواء أكانت الجدات من جهة الأم أم من جهة الأب.
أما حجب الأولى بالأم فلأنها تدلي بها.
وأما حجب الثانية بها فلكون الأم أقرب من يرث بالأمومة.
فإنها ترث بها بلا واسطة بخلاف الجدات فيرثن بها بواسطة: فالتي من جهة الأب ترث بالأمومة باعتبار كونها أم أب.
والتي من جهة الأم ترث بالأمومة باعتبار كونها أمِّ أمِّ.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "أتت أبا بكر الجدة مع ابنتها فطلبت الميراث من بنتها فجلس أبو بكر على المنبر يشير كأنه يريد أن يشركها مع ابنتها فدخل العباس بن عبد المطلب وأبو بكر يقول تلك المقالة -فقال العباس- أحقهما التي باتت تقول على رأسه آه.
آه .. فقال أبو بكر -صدقت- فورث بنتها وترك أم البنت التي هي جدة الميت.
والأم إذا حجبت الجدة من قَبِلها حجبت الجدة من قبل الأب أيضاً لأنها مثلها.
بل الجدة من قبل الأب أضعف حالاً من الجدة التي من قبل الأم ولهذا قدمت الثانية على الأولى في حق الحضانة.
وكما تحجب الجدات من جهة الأب بالأم.
تحجب أيضاً بالأب وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم.
وتسقط الجدات الأبويات أيضاً بالجد إلا أم الأب وإن علت كأم أم الأب وهكذا فإنها ترث مع الجد لأنها ليست من قبله بل هي زوجة له مثلاً فترث مع الجد.
كلما أن الأم ترث مع الأب.
والجدة القربى من أي جهة تحجب البعدى من تلك الجهة سواء أكانت من قبل الأب أو من قبل الأم.
وحاصل أقسام الجدات باعتبار القريب والبعد أربعة: إذ لا يخلو إما أن تكون القربى والبعدى من جهة الأم كأم الأم مع أم أم الأم أو يكون كل منهما من جهة الأب كأم الأب مع أم أم الأب.
أو القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم كأم الأب مع أم أم الأم.
أو العكس كأم الأم مع أم أم الأب أو مع أم أبي الأب .. وحكم هذه الأقسام أن القربى من أي جهة تحجب البعدى من أي جهة لكن إذا كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم.
فالأصح عند الشَّافعي رحمه الله أن الجدتين تقتسمان السدس بالسوية بينهما وهو مروي عن زيد بن ثابت في إحدى الروايتين عنه.
وإليه ذهب مالك رضي الله عنه.
لأن الجدة إنما تستحق بالأمومة وهي في الجدة التي في جانبها الأم أظهر فإنها أم تدلي بأم بخلاف الأبوية فإنها أم تدلي بأب.
فإذا كانت القربى من جهة الأم فلها رجحان بزيادة القرب وظهور صفة الأمومة معاً فكانت أولى.
أما إذا كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم كما هو الفرض فلاحداهما ظهور الصفة وللأخرى زيادة القرب فتستويان في استحقاق الإرث.
ويرى أبو حنيفة رضي الله عنه أن البعدى من جهة الأم تسقط بالقربى من جهة الأب وهو المفتى به عند الحنابلة.
وأحد القولين للشافعي واستدل الحنفية، بأن استحقاق الجدة باعتبار الأمومة وهي الأصلية ومعنى الأصلية في القربى أظهر وأقوى من في البعدى سواء أكانتا من جهة واحدة أم من جهتين فتكون القربى مقدمة على البعدى مطلقاً.
ولو كان ظهور الأمومة موجباً للتقديم لكانت أم الأم مقدمة على أم الأب مع تساويهما في الدرجة مع أن تقديمها في تلك الصورة لم يقل به أحد.

الجزء: 6 - الصفحة: 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ورد عليه بأن قوة المدلَى به في أم الأب قاوم ظهور الأمومة التي في أم الأم فتساويا حينئذ فلم تتقدم أم الأب عليها لعدم الترجيح -سواء في جميع ما تقدم أكانت القربى وارثة كأم الأب عند عدمه مع أم أم الأم وكأم الأم عند عدمها مع أم أم الأب- أم محجوبة كأم الأم عند وجودها فإنها محجوبة بها ومع ذلك تحجب أم أم الأب والجدة الوارثة هي من أدلت بمحض الذكور كأم الأب وأم أب الأب أو أدلت بمحض الاناث كأم أم الأم أو بمحض إناث إلى ذكور كأم أم أب كما تقدم شرحه.
وأما حجب الفروع فالابن يحجب ابن الابن وابن ابن الابن وإن نزل وابن الابن يحجب ابن ابن الابن وهكذا كل ابن ابن وبنت ابن نازلين بابن ابن أقرب منه.
وهو مبني على القاعدة الثانية المتقدمة.
أما حجب الأخوة، فهم يسقطون بالولد الذكر واحداً أو أكثر سواء أكان الأخوة أشقاء أم لأب أم لأم ذكوراً كانوا أم إناثاً واحداً أم متعدداً.
وولد الابن الذكر كالولد في حجب الأخوة سواء أكان ابن الابن واحداً أم أكثر.
وتسقط أيضاً الأخوة بالأب دون الجد فيقاسمون كما سيأتي وإنما حُجبت الأخوة بالابن وابن وبالأب لمفهوم معنى الكلالة فإنها هي من لم يترك ولداً ولا والداً.
وقد ورد لفظ الكلالة في آيتين:- الأولى: قوله تعالى: إ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ... الآية فهذه تفيد بمفهومها حجب الأخوة للأم بالولد والوالد.
وخص منها البنت فإنها لا تحجب الأخوة الأشقاء أو الأب ودليل التخصيص هنا ما ورد في السنة.
والثاني: قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ... الآية وهي تفيد بمفهومها أيضاً حجب الأخوة الأشقاء أو لأب بالابن والأب وابن الابن في الأولى ملحق بالابن .. وكذا في الثانية ملحق به ودليله من السنة قوله -صلى الله عليه وسلم- (فما بقي فلأولى رجل ذكر).
ولا شك أن كلاً من الابن والأب وكذا ابن الابن أولى من الأخوة فعلم أن الاشقاء يحجبون بالابن وابن الابن والأب.
والأخ لأب يحجب بهؤلاء الثلاثة وبالشقيق.
وبالأخت الشقيقة إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن.
وابن الأخ الشقيق يحجب بهؤلاء وبالجد وبالأخ للأب وبالأخت للأب إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن، وابن الأخ للأب وخص من هذا البنت مع الأخت بالحديث فإنها عصبة يحجب بهؤلاء وبابن الأخ الشقيق.
والعم الشقيق يحجب بهؤلاء وبابن الأخ للأب.
والعم للأب يحجب بهؤلاء وبالعم الشقيق.
وابن العم الشقيق يحجب بهؤلاء وبالعم للأب.
وابن العم للأب يحجب بهؤلاء وبابن العم الشقيق.
والمدلي المعتق ذكراً كان أو أنثى يحجب بهؤلاء وابن العم للأب.
أما الأخ للأم وأخته فيحجبان يالابن وابن الابن والأب والبنت وبنت الابن والجد.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 494

الرُّبُعِ [والزوجة من الربع إلى الثمن] والأمّ من الثُّلُثِ إلى السُّدسِ، وحَجْبُ حِرْمَانِ: وهوَ أن يُسْقِطَ الشخْصُ غيره بالكُلِّيَّة، وهو المقصودُ من هذا الفصل والذي يَليه، والورثةُ ينْقَسِمُون إلَى من لا يتوسَّط بينهم وبَيْن الميت غيرهم، وهم: الزَّوْجُ، والزَّوْجة، والأَبُ، والأمُّ والابنُ، والبنتُ، وإن اختصرْتَ، قلْتَ، الزوجَانِ، والأَبَوانِ، والأَوْلاَدِ فهؤلاء لا يحجُبُهُمْ غيرهم، وإلَى من يتوسَّط وهم ثلاثة أضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: المنتسبُونَ إلَى الميِّت من جهة العُلُوِّ، وهمُ الأُصُول، فالجَدُّ لا يحجُبُه إلا الأبُ، وإنما حجبه الأب؛ لأنَّه مَنْ يُدْلِي بعصبة، لا يَرِثُ معه، وكذلك كلُّ جدٍّ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ، والجَدّاتُ قد يَحْجُبُهُنَّ غيْرُهُنَّ، وقد يَحْجُبُ بعضُهن بعضاً.
فأما حجْبُهنَّ بغَيْرِهِنَّ، فالأمُّ تحْجُبُ كلَّ جدةٍ، سواءٌ كانتِ منْ جهتِها أو مِنْ جهةِ الأَبِ، كما يحجُبُ الأبُ كلَّ من يرث بالأُبُوَّة.
قال العلماء: وكأَنَّ الجدات يرثن السُّدسَ الذي تستحقُّه الأمُّ، فإذا أخذْتَهُ، فلا شَيْءَ، والأبُ يحْجُبُ كلَّ جدةٍ من جهته؛ خلافاً لأحمد في أصحِّ الروايتَيْنِ.
لنا: أنها تُدْلِي بعصبة، فلا ترث معه، كالجَدِّ، وابْنِ الابْنِ، وأنها تُدْلِي بوَلَدِها، فلا تُشَارِكُه في الميرَاثِ، كأمِّ الأمِّ مع الأمِّ.
وكذلكَ كلُّ جدٍّ يحجب كلَّ أمِّ نفْسِهِ وآبائه، ولا يحْجُب أمَّ من هو دونَهُ.
والأَبُ والأجدادُ لا يَحْجُبُون الجدَّةَ من جهة الأمِّ، قريبة كانت أو بعيدةً بالإجماع.
وأما حجْبُ بعْضِهِنَّ ببعضٍ فالقربَى من كلِّ جهةَ تَحجُبُ البعدَى من تلْك الجهةِ، وهذا من جهة الأُمِّ لا يكون إلاَّ والبُعْدَى مُدْلِيَةٌ بالقربَى.
ومِنْ جهةِ الأَب، قد يكونُ كذلك، فالحكم كمثْلٍ، وقد لا يكونُ كأمِّ الأبِ، وأمِّ أبِي الأبِ، ففيه اختلاَفٌ عن الفرضيين.
= وبنت الابن فأكثر تحجب بالبنتين فأكثر ما لم يعصبها ابن ابن في درجتها أو أنزل منها فترث وبنت ابن الابن مع بنتي الابن كذلك وهكذا تحجب الأخوات للأب الواحدة والمتعددة بالشقيقتين فأكثر إذ لم يسبق لهن من الثلثين شيء ما لم يكن معهن أخ لأب فيعصبهن ولا يعصب إلا من في درجة، ينظر الميراث للشيخ وهبة إبراهيم.
"تتمة" وجود المحجوب بالوصف كالعدم فلا يحجب أحداً حرماناً ولا نقصاناً عند الشافعية والحنفية وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم لما روي -أن امرأة مسلمة تركت زوجاً مسلماً وأخوين من أمهما مسلمين وابناً كافراً.
فقضى فيها علي وزيد بن ثابت بأن للزوج النصف ولأخويها الثلث وما بقي فهو للعصبة لو كان هناك عصبة ترث ولم يعطوا الابن لكونه كافراً وجعلوا وجوده كالعدم بالنسبة للحجب خلافاً لابن مسعود فإنه قال لا يحجب حجب حرمان بل حجب نقصان.

الجزء: 6 - الصفحة: 495

والذي أوردَه صاحبُ "التهذيب" وغيرُهُ أنَّ القُربَى تحجُب البُعدَى أيضاً، ولو كانتِ البُعْدَى مدليةً بالقُرْبَى، لكنَّ البُعْدَى جَدَّةٌ من جهة أخرَى، فلا تَحجب.
ومثالُهُ: أن يكونَ لزينب بنتان حفصةُ، وعَمْرَةُ، ولحفْصَةَ ابْنٌ، ولعمرةَ بنْتُ بنتٍ فنكح الابنُ بنْتَ بنْتِ خالَتِهِ، فأتت منه بوَلَدٍ، فلا تُسْقِطُ عمرةُ التي هِيَ أمُّ أمِّ أمَّهِ أُمَّهَا؛ لأنَّها أمُّ أمِّ أبِي المولودِ 97. والقربَى من جهة الأُمِّ كأمِّ الأُمِّ تحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأب كأمِّ أم الأبِ، كما أن الأم تَحْجُبُ أمُّ الأب.
والقربَى من جهة الأبِ كأمِّ الأبِ هل تحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأم؛ كأمِّ أمِّ الأمِّ، فيه روايتانِ عن زَيْدٍ، وقولانِ للشَّافِعِي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.
أحدُهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- نعم، وحجَبَتِ القربَى من جهة الأُمِّ البُعْدَى من جهة الأب.
وأظهرهما: وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: لا، لأنَّ الأب لا يَحْجُبُ تلك الجدَّةَ، فأمّه المُدْلِيَةُ به أَوْلَى ألا يحجُبُهَا، وعلى هذا القياسِ نقَلَ صاحب "التهذيب" أن القُرْبَى من جهةِ أمهاتِ الأَبِ، كأمِّ أمِّ الأب تُسْقِطُ البُعْدَى من جهة أباء الأب؛ كأمِّ أم أبي الأب، وأم أبي أبي الأبِ، والقربَى من جهة أباء الأَبِ؛ كأم أبي الأب، هَلْ تُسْقِطُ البعدَى من جهةِ أمهاتِ الأَبِ؛ كأم أم أم الأب، فيه القولان.
وقوله في الكتاب: "وأمُّ الأبِ يحْجُبُها الأبُ" معلم بالألف.
وقوله: "والقُرْبَى من جهة الأَبِ لا تَحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأُمِّ" بالحاءِ، وأَمَّا قوله و"الجَدَةُ من الجهتين لا تُحْجُبُ الجَدَّةَ من جهةٍ واحِدَةٍ" هذه فقد صوَّرنْا في هذا الفصْل ومِن قَبُلُ الجَدَّةَ من جهتين، بَيَّنا أنَّ السُّدُسَ يكونُ بينهما ومن ضرورته ألا تكون واحدةٌ منهما حاجبةً للأخرى، ولْيُعْلَمْ قولُهُ "على السواء" بالواو؛ لوجهٍ قدَّمنا، فإن القسْمَةَ على الجهات لا عَلَى الرؤوس والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا ابْنُ الابْنِ فَلَا يَحْجُبُهُ إِلاَّ الابْنُ، وَأَمَّا بِنْتُ الابْنِ فَيَحْجُبُهَا الابْنُ، وَبِنْتَانِ من أَوْلاَدِ الصُّلْبِ إِلاَّ أنْ يَكُونَ مَعَهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا، وَالْأخُ لِلْأَبِ وَالأُمِّ

الجزء: 6 - الصفحة: 496

لاَ يَحْجُبُهُ (ح ز و) إلاَّ الأَبُ وَالابْنُ وَابْنُ الابْنِ، وَالأُخْتُ لِلْأَب وَالْأُمِّ كَذلِكَ، وَالأَخُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ مَنْ يَحْجُبُ الأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالأُمِّ أَيْضاً يَحْجُبُهُ، وَالأُخْتُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهَا من يَحْجُبُ أَخَاهَا، وَأُخْتَانِ من قِبَلِ الأُمِّ وَالأَبِ، وَالإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ يَحْجُبُهُمُ الأَبُ وَالجَدُّ وَالابْنُ وَالبِنْتُ وَابْنُ الابْنِ وَبِنْتُ الابْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الضربُ الثَّاني: المنتسبون إليْهِ منْ جهةِ السَّفَل، فابن الابنِ لا يحْجُبُه إِلاَّ الابنُ، وهو كما سبق في ترتيب العَصَبَاتِ، وبنْتُ الابْنِ يَحْجُبُهَا الابنُ، وكذا بنتان من أولادِ الصُّلْب إلاَّ أن يكونَ مَعَها أو أسْفَلَ منها ذَكَرٌ يُعَصِّبُها، وكَذَا بَنَاتُ ابْنِ الابْنِ يَحْجُبُهَا ابنُ الابْنِ، ويَسقُطُن أَيْضاً، إذا استكْمَلَتْ بناتُ الابْنِ الثلثَيْنِ إلاَّ أنْ يكونَ معَهُنَّ أو أسْفَلَ منهن ذَكَرٌ فَيُعَصِّبُهُنَّ، وكذا إن كانتْ بنتٌ من الصُّلْب، وبنتُ ابْنٍ أو بناتُ ابنٍ، وعلَى هذا القياس.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: المنتَسِبُون إلَيْه على الطّرف، فالأخُ من الأبوين يحجبه ثلاثةٌ؛ الأَبُ، والابْنُ، وابنُ الابْنِ، واحتجَّ لذلك بقولِهِ تعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] الآيَةَ، لكنه احتجاجٌ يفتقِرُ إلَى مقدِّمات طويلةٍ.
وفي الإجماع ما يغني عن مِثْلِهِ، ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ قولُه في الكتاب: "لا يحجبه إلا الأبُ والابنُ وابنُ الابنِ" بالحاء والزاي والواو، ولأن مَنْ يقولُ: الجَدُّ والإخْوَةُ لا يتقاسَمُون يسقطهم بالجد، والأخت من الأبوين، كالأخ في أنَّه لا يَحْجُبُهَا إلاَ الثلاثةُ، والأخُ من الأبُ يَحْجُبُهُ الَّذين يحْجُبُون الأَخِ من الأبوَيْنِ؛ لِمَا سَبَقَ من الحَدِيثِ في تَرْتِيب العَصَبات فجملةُ حاجِبيهِ أربعةٌ، والأختُ من الأب يحجُبُهَا هؤلاء الأربعةُ، وكذلكَ إِذَا استكْمَلَتِ الأختانِ أو الأخوات من الأبوَيْنِ الثلثَيْنِ سَقَطَتِ الأخواتُ من الأبِ إلاَّ أن يكونَ معَهُنَّ مَنْ يُعَصِّبُهُنَّ.
والإخوةُ والأخواتُ من الأُمِّ يحجُبُهُمْ ستَّةٌ: الأبُ، والجَدُّ، والابنُ، وابنُ الابْنِ، والبنْتُ، وبنتُ الابْنِ، وإنْ شئْتَ قلتَ: أربعةٌ: الأَبُ، والجَدُّ والوَلَدُ، ووَلَدُ الابْنِ، ووجْهُهُ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: 12] الآيَةَ، والمرادُ من الأم على ما تقدَّم.
وقوله [تعالَى]: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ مفسَّرٌ بأنْ يرثه غَيْرُ الوالدين والمولودين، ثم يُقَالُ: "الكَلاَلَةُ": اسمُ الميت، ويقال: اسْمُ غَيْرِ الوالدين والمولودين من الوَرَثَةِ.
وعن الأَزْهَرِيِّ وقُوعُهُ عليهما جميعاً، فدلَّت الآيةُ على أنَّهُم إنَّما يرثون عند عدم الوَالِد والوَلَدِ.
ومِنَ الأصحابِ من [يَخْلِطُ أصحاب الفروض بالعَصَبَاتِ، وَيعُدُّ كلِّ واحدٍ من

الجزء: 6 - الصفحة: 497

الورثة ومَنْ] 98 يَحْجُبُهُ.
أما الرجال، فالابنُ لا يَحْجُبُهُ غيره, وابنُ الابْنِ لا يحْجُبُهُ إلا مَنْ يُدْلِي به.
والأَبُ لا يُحْجَبُ، والجَدُّ لا يحْجُبُهُ إلاَّ من يُدْلِي به، والأَخُ من الجهات على ما تبيَّن، وابنُ الأخِ من الأبوَيْنِ يحْجُبُهُ ستَّةٌ: الابْنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، والجَدُّ، والأخُ من الأبَوَيْنِ، والأخ من الأب، وابنُ الأخ من للأب يحْجُبُهُ هؤلاء، وابْنُ الأَخِ من الأَبَوَيْنِ والعمُّ من الأبَوَيْنِ يحْجُبُهُ هؤلاءِ، وابنُ الأخِ من الأب والعمِّ من الأبِ يحْجُبُهُ هؤلاء والعمُّ من الأبوَيْنِ يحْجُبُهُ هؤلاءِ، والعمُّ من الأب وابْنُ العَمِّ من الأبِ يحْجُبُهُ هؤلاء.
وابن العمِّ من الأبَوَيْنِ والزَّوْجُ لا يُحْجَبُ، والمِعْتِقُ يحْجُبُهُ عصباتُ النَّسَب.
وأما النساءُ، فالبنْتُ لا تُحْجَبُ، وبنتُ الابْنِ يحْجُبُها الابن، وبنتُ الصُّلْبِ، إذا لم يَكنْ مَنْ يُعَصِّبها، والأمُّ لا تُحْجَبُ، والجَدَّةُ من الأمِّ لا يحْجُبُها إلاَّ الأمُّ، ومِنَ الأبِ يحْجُبُهَا الأبُ والأمُّ، والأختُ من الجهاتِ علَى ما بيَّنَّا.
والزوجةُ والمعتِقَةُ كالزَّوْجِ والمُعْتِقِ.
وكلُّ عصبيةٍ من هؤلاء يحْجُبُهُ أصحابُ الفُرُوض المستغْرِقَةِ للتَّرِكَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ يَرِثْ لاَ يَحْجُبُ إِلاَّ في مَسْألَةٍ وَهِيَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ فَإِنَّ الأخَوَيْنِ سَاقِطَانِ بِالأَبِ، ويَحْجُبَانِ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، وَالتَّقْدِيرُ أنَّهُمَا يَحْجُبَانِ الأُمَّ أَوَّلاً ثمَّ الأَبُ يَحْجُبُهُمَا وَيَأْخُذُ فَائِدَةَ حَجْبِهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميعُ ما ذَكَرْنا في حَحْب شخصٍ بشَخْصِ فيما إذا كان الحَاجِبُ وارِثاً من الميِّت، أمَّا إذا لم يَرِثْ، نُظِرَ إنْ كانَ امتناعُ الإرثِ لِرِقٍّ، وما في معناه من الموانِع، فَلاَ يُحْجَبُ لا حَجْبَ حرمانٍ، ولا حَجْبِ نُقْصَانٍ، أما حجْبُ الحِرْمَانِ فمُجْمَعٌ علَيْه، وأما الاخَرُ، فمَقِيسُ عليه، فلو ماتَ عن: ابْنِ رقيقٍ، وزوجةٍ وأخٍ حرين لم يحرم الأخ الابن 99 ولا ينقص فرض الزوجة، وإنْ كان لا يَرِثُ لتقدُّمِ غيره عليْه، فقد يحجب غيره حَحْبَ النقْصَانِ، وذلك في صُوَرٍ: إحداها: إذا ماتَ عَنْ: أبوَيْن، وأخوَيْنِ، فللأمِّ السُّدُدُ لمكانِ الأخَوَيْنِ، والباقي للأبِ, لأنهما يسقطان بالأب، وَيرْجع فائدةُ حَحْبِهِمَا إلَيْه.
الثانيةُ: أمُّ وجَدٌّ، وأخَوَانِ، مِنَ الأُمِّ، الحكْمُ كما في الصورة الأُولَى.

الجزء: 6 - الصفحة: 498

الثالثةُ: أبٌ، وأمُّ أبٍ، وأمُّ أُمِّ، تسقط أمُّ الأَبِ بالأَبِ، وفيما ترثه أم الأمِّ وجهان: أحدُهما: نصْفُ السُّدُسِ, لأنَّ الأَبَ هو الذي ححْبَ أمَّه، فترجع فائدةُ الحَجْب إلَيْه.
وأَظْهُرُهُمَا: السُّدُسُ؛ لانفرَادِها بالاسْتِحْقَاق، ولَيْسَ كما سَبَق, لأنَّ الجَدَّة ترث بالفرضيَّة، فلا تناسب جِهَة استحقاق الأَب، وهِيَ العْصُوبَة، وهناك كُلُّ واحدٍ منهما يرث بالعصوبه، فأمكن ردُّ الفائدة إليه.
الرابعةُ: في المعادَّة.
إذا مات عن جَدٍّ وأخٍ من الأبَوَيْنِ وأخٍ من الأبِ، ينقص الأخُ من الأبِ نصيب الجد، ولا يأخذ شيئاً.
وقولُه في الكتاب: "ومَنْ لاَ يَرِثُ، لا يَحْجُبُ إلاَّ في مَسْأَلَةِ" ... هذه اللفظةُ مشهورة من الفرائض مع هذا الاستِثْنَاءِ، وليس المراد منه حَجْبَ الحِرْمَانِ، فإنِّه لا استثنَاءَ منْه، وإنَّما المُرَادُ حَجْبُ النقصان، أو ما يشتركانِ فيه.
وعلَىِّ التقديرَيْنِ، فالاستثْنَاءُ غيْرُ مقْصُود في المسْأَلَة المَذْكِورة، كما تَبَيَّن.
فالتقدير أنهما يَحْجُبَانِ الأمَّ أوَّلاً ثم الأَبُ يَحْجُبُهُمَا ويأخذ فائدة حجبهما قضية اللفظ ترتب حجبهما على الحَجْب بهما, ولا يعرف بهما ترتُّبٌ لا بالزَّمَانِ ولا بالرُّتْبَةِ وصرف ما يفضي إلى الأب متوجه منْ غَيْر أن يُقَدَّرَ هنا الترتيب بأن يُقَالَ: ليس لها مَعَ الأخَوَيْنِ إلا السُّدُسُ بالنَّصِّ، فما يبقَى يأخُذُهُ الأبُ بالعُصُوبة، وبتَقْدِير ثُبُوت الترتيب المفْرُوضِ.
فالأخوان حين حجبنا الأم لم يخرجا عن كونهما وارثين؛ لأنهما لم يحجبا بعْدُ، فلا تكونُ المسالةُ مستثناةً منْ قَوْلنا: "من لا يَرِثُ لاَ يَحْجُبُ".
والله أعْلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اجْتَمَعَتْ قَرَابَتَانِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ لاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الإِسْلاَمِ قَصْداً، وَلَكِنْ لَوْ حَصَلَ بِنِكَاحِ المَجُوسِ أَوْ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ يَسْقُطُ أَضْعَفُ القَرَابَتَيْنِ بِأَقْوَاهُمَا وَلَمْ يُوَرَّثْ (ح و) بِهِمَا، وَالأَقْوَى يُعْرَفُ بِأمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أن تَحْجُبَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى كَبِنْتِ هِيَ أُختٌ لأُمِّ فَتُسْقُطُ أُخُوَّةُ الأُمُّ بالبُنُوَّةِ (وَالثَّانِي): أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا أَقَلَّ حَجْباً كَاُمِّ أُمِّ هِيَ أُخْتِ لِأَبٍ وَرِثَتْ بِالْجُدُودَةِ، لأَنَّ الجَدَّةِ لاَ تَسْقُطُ إِلاَّ بِوَاحِدَةٍ وَهِيَ الأُمِّ، وَالْأُخْتُ تَسْقُطُ بالأبِ وَالابْنِ وَابْنِ الابْنِ، فَإِذَا نَكَحْ الْمَجُوسِيّ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ بِنْتاً فَمَاتَ المَجُوسِيُّ فَقَدْ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ إِحْدَاهُمَا زَوْجَةٌ فَلاَ حُكْمِ لِلْزَّوْجِيَّةِ، وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَإِنْ مَاتَتِ

الجزء: 6 - الصفحة: 499

العُلْيَا بَعْدَهُ فَقَدْ خَلَّفَتْ بنْتاً هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ فَلَهَا النِّصْفُ بِالْبُنُوَّةِ، وَسَقَطَتِ (ح و) الأُخْوَّةُ، وَإِنْ مَاتَتِ السُّفْلَى أَوَّلاً فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمَّاً هِيَ أُخْتُ لِأَبٍ فَلَهَا الثُّلُثُ بِالأُمُومَةِ وَسَقَطَتِ (ح و) الأُخُوَّةُ، فَلَوْ أَنَّ المَجْوسِيَّ وَطِئَ البِنْتَ السُّفْلَى فَوَلَدَتْ بِنْتاً، فَإذَا مَاتَ فَقَدْ خَلَّفَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، فَإِنْ مَاتَتِ العُلْيَا فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتاً وَبِنْتَ بِنْتٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ بالبُنُوَّةِ، وَلِبِنْتِ البِنْتِ البَاقِي بِأُخُوِّةِ الأَبِ، وَأُخُوَّةُ الأَبِ فِي حَقِّ البِنْتِ العُلْيَا قَدْ سَقَطَتْ، فَلَوْ مَاتَتْ الوُسْطَى أَوَّلاً فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمَّاً وبِنْتاً هُمَا أُخْتَا أَبٍ، فَسَقَطَتِ الأُخُوَّةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، فَلَوْ مَاتَتِ السُّفْلَى أَوَّلاً فَقَدْ خلَّفَتْ أُمَّاً وَأُمِّ أم هُمَا أُخُتَا أَبٍ، فَلِلْأُمِّ الثُلُثِ بِالأُمُومَةِ، وَلِأُمِّ الأُم النِّصْفُ بِاُخُوَّةِ الأَبِ، وَسَقَطَتْ جُدُودَتُهَا بِالأُمِّ، هَذَا طَرِيقُ النَّظَرِ فِيهِ.

القول في ميراث المجوسي

: قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ فيما إذا اجْتَمَعَا فِي شَخْصٍ وَاحدٍ قرابَتَانِ، منع الشرْعُ من مباشرةِ سَبَبِ اجتماعِهِمَا؛ كأمٍّ هي أختٌ، وذلك يقَعُ فيما بَيْن، المجُوسِي المستبِيحِينَ لنكاح المحارِمِ، وربما أسلموا بعْدَ ذَلِكَ، أو ترافَعُوا إِلَيْنَا، وقد يتفق نادراً فيما بيْنَ المُسْلِمِينَ بالغَلَطِ والاشتباه، والحُكْمُ أَنَّه لا يُوَرَّثُ بالقرابَتَيْنِ جميعاً، وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بأقْوَاهُمَا، وبِهذَا قال مالِكَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وقال أبو حنيفة وأَحْمَدُ: يُوَرَّثُ بالقَرَابَتَيْنِ جميعاً، إذا كانت القرابتان بحَيْثُ لو وُجِدَتَا في شخصَيْنِ، لَوَرِثَا معاً.
وبه قال ابنُ اللَّبَّانِ، وحكاه ابْنُ الصَّبَّاغِ عن ابْنِ شُرَيْحٍ وقال الشيخ أبو عليٍّ: إِنه ذهب إِلَيْه في بعض المسائل، ولم يُطْلِق.
واحتجَّ القائِلُون به بأنَّهما سبَبَانِ يُوَرَّث بكلِّ واحدٍ منْهما عنْد الانفراد، فإِذَا اجتمعا لم يُسْقِط أحدُهما الآخَرَ، كَابْنِ عمٍّ، هو أخ الأُمِّ أَو زَوْج وزوجة.
ووجه ظاهر المَذْهَب أَنهما قرابتان يُوَرَّث بكلِّ واحدٍ منْهما فَرْضٌ عند الانفرادِ، فإذا اجتمعا لم يورث بهما الفرضانَ كالأخت من الأب والأمِّ, لا ترث بالقرابَتَيْنِ معاً، ويخالف ما استَشْهَدُوا بِه، فإن هناك يُوَرَّث بإحدىَ الجِهَتَيْنِ فرضاً، وبالأخرَى عصوبةً واجتماعهما معهودٌ كما في حقِّ الأبِ مع الوَلَدِ.
قال علماؤُنَا -رحمهم الله تعالَى-: والأقوى يُعْرَفُ بأمرَيْنِ: أحدُهُمَا: أن تحجب إحداهما الأُخْرَى؛ كبِنْتٍ، هِيَ أُخْتٌ لأمٍّ, وذلك بأنْ يَطَأَ أمَّهُ، فتلِدَ بنتاً، فهي أختُهُ لأمِّه وبِنْتُهُ، فالْأُخُوَّةُ ساقطةٌ بالبنتية.

الجزء: 6 - الصفحة: 500

وأبو حنيفةَ يُوَافِق على التوريث بالأقْوَى منْ هذا الوَجْه، وإنَّمَا الخِلافُ من الأقْوَى منَ الوَجْه الثَّانِي.
والثاني: أنْ يَكُونَ أحدُهُمَا أقَلَّ حجْباً أوِ لا يتطَرَّق إليهما حجْبٌ.
مثالُ الأوَّلِ: أمُّ أمٍّ, هِيَ أختٌ لأبِ: وصورَتُهُ: أن يطَأَ ابنتَهُ، فتَلِدَ بنتاً، فيطأها، فتَلِدَ ولداً، فالأُولَى أمُّ أمِّ الوَلَدِ وأختُهُ لأبيه.
ومثال الثاني: أمُّ, هيَ أخْتٌ لأب، وذلِكَ بَيِّنٌ من هذا التصوير، فيكون الإرْثُ بالأُمُومَة أو بالجُدُودَةِ دون الأُخُوَّة؛ لأنَّ الأم لا تُحْجَبُ، وأمُّ الأمِّ لا تحجبها إلاَّ الأمُّ.
وأما الأختُ فيحجبها جماعةٌ، سبَقَ بيَانُهُ.
وابنُ اللَّبَّانِ -رحمه الله تعالَى- حكَى غير هذه العبارَةِ من مَعْرِفَةِ الأقوَى والأضْعَفِ، فقال: إذا كانتْ إِحْدَى القرابَتَيْن تَسْقُط حيثُ لا تَسْقُط الأخْرَى، فالأُوْلَى ضعيفةٌ والأخرى قويةٌ، فالأمُّ التي هي أختٌ ترث بالأمومَةِ؛ لأن الأختَ تَسْقُط بالأب والابن، وابْنِ الابنِ دُون الأمِّ.
قال: وهذا يُشْكِلُ بأمِّ الأمِّ التي هي أختٌ لأب، فإنَّ الجَدَّة تسقط بالأم، والأخت لا تَسْقُط، والأخْتُ تسقط بالأب والجَدَّةُ، لا تسْقُط بالأُمِّ فيلزم أنْ تَكُون كلُّ واحدةٍ من القرابَتَيْنِ أَقْوَى من الأخْرَى وأضْعَف، وأخذ يحتجُّ بذلك على إبْطَال القول بسُقُوطِ إحْدَى القرابَتَيْنِ، والعبارة مزيفة، كما ذَكَرَهُ، ولكنَّ اعتماد الأصحابِ عَلَى ما سبق.
وهذا الإشْكَالُ لا يرد عليه.
إذا تقرَّر ذلك، فنوضِّحه بمثالَيْن: أحدُهُمَا: وقد ذكره صاحب الكتاب -رحمه الله-: نكح المجوسيُّ ابنته فأولدها بنْتاً، ثم مات المَجُوسِيُّ، فقد خلف بنْتَيْنِ: إحداهما زوجةٌ، فلها الثلثانِ، ولا عبرةَ بالزَّوْجِيَّةُ بالاتِّفاق، كما لو ماتَتِ الكُبْرَى بعده، فقَدْ خَلَّفَتْ بنتاً هي أختٌ لأب، فلها النصف بالبنتية وسقطت الأُخُوَّة.
ولو ماتَتِ الصغرَى بعده دُون الكُبْرَى، فقد خلَّفتْ أُمّاً، هي أختٌ لأبٍ، فلها الثلُثُ بالأمُومَةِ، وسقَطَتْ بالأُخُوَّة.
وقال أبو حنيفةَ ومن ساعَدَهُ من الصُّورة الأُولَى: لها النِّصْف بالبنوَّة والباقي بالأخوة.
وفي الثانية: لها الثلُثُ بالأمُومَةِ، والنِّصْفُ بالأُخُوة.
وعن تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ مثْلُ قوله في الصورة الأُولَى دون الثَّانية، والفرقُ أنَّ الأخْتَ مع البنْتِ تأخذ بالعصوبة، فلا يلْزَمُ الجَمْعُ بين فرضَيْنِ، وفي الثانِيَةِ يلْزَمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 501

وعنه أيْضاً: أنَّه يحتملُ أنْ يُقَال في الصُّورة الثَّانية: لها النِّصْفُ مفْهُوماً إلى الثُّلُث بخلافِ ما إذا خلَّفَتْ أُمّاً، هي أختٌ لأب وأختاً أخْرَى، حيث لا نورثها بالأُخُوَّة، ولا يلزمُنَا أنْ نردَّها إلى السُّدُس، فتكون قد حَجَبَتْ نفْسَها، وهذا لا يجُوزُ.
واحتمل أبو حنيفةَ حَجْبَها بنفسها، وجعل لها السُّدُسَ بالأمومة، والثلثَيْنِ بينهما بالأُخُوَّة.
ولو كانتِ المسألةُ بحالها، ووطِئَ المجوسيُّ البنْتَ الصغرَى، فولدت بنتاً، ثم مات، فقَدْ خلف ثلاثَ بناتٍ، فلهنَّ الثلثان، فإن ماتت العلْيا بعده، فقد خلَّفتْ بنتاً وبنْتَ بنْتِ، هما أختان لأبٍ، فللبنتِ النصفُ بالبُنُوَّة، ولبنْتِ البنتِ الباقي بالأُخُوَّة.
وإنْ ماتَتِ الوسطَى بعدْ الأب أولاً، فقد خلَّفت أمّاً وبنتاً، هما أختانِ لأبٍ، وكلُّ واحدةٍ من الأمُومَةِ والبُنُوَّة أقوَى من الأخوة، فللأمِّ السدُسُ وللبنْتِ النِّصْف.
وعند أبي حنيفةَ: الباقي بينهما بالسويَّةِ؛ لأنَّهما أختان.
ولو ماتَتِ السفلَى أولاً؛ فقد خلَّفت أماً وأمَّ أمٍّ، هما أختان لأبٍ، فللأمِّ الثلثُ بالأمومةِ، ولأمِّ الأمِّ النصْفُ بالأخُوَّةِ؛ لأنه سقَطَتْ جُدُودَتُهَا بالأمِّ.
ولو أنَّ في مسألة البنَاتِ الثلاث ماتَتِ العُلْيَا قبْل الأبِ، فقد خلَّفت أباً وبنْتاً وبنْتَ بنْتٍ، فهما أختان لأبٍ، فالمالُ للأب والبنْتِ.
فلو مات بعدها الأبُ، فقد خلف بنتَيْنِ، ولو ماتَتِ الوسطَى دون الأبِ، فقد خلَّفَتْ أباً وبنتاً، ولو ماتَتْ بدلها السفْلَى، فقد خلَّفَتْ أباً وأمّاً، ولو كانت الوسطَى أوَّلَ مَنْ ماتَ مِنَ الأربعةِ، فقد خلَّفت: أبوَيْنِ وبنْتاً، فلو ماتَ بعْدها الأبُ، فقد خلَف بنتين ولو ماتَتْ بعدها العليا، فقد خلَّفت أباً وبنْتَ بنتٍ، هي أختٌ لأب فلا شيء لها.
ولو ماتَتِ السفلَى بعْدها فقدْ خلَّفت: أباً وأمَّ أمِّ, هي أختٌ لأب، فلها السُدُس بالجُدُودَةِ، والباقي لأَبِ.
ولو كانَتِ السفلَى أوَّلَ مَنْ ماتت من الأربَعَةِ، فقد خلَّفت أباً وبنتاً، وأمَّ أمِّ, هما أختان لأبٍ، فتسقط أمُّ الأمِّ وجدودَتُها بالأم وأخويها بالأَبِ، فلو ماتَ الأبُ بعْدَها، فقد خلَّف: بنتَيْنِ.
وإنْ ماتَتِ العلْيا، فقد خلَّفَتْ أباً وبنتاً 100. وإنْ ماتَتِ الوسطَى، فقد خلَّفَتْ أبوَيْنِ.
ولو ماتَتِ العُلْيَا بعْدِ مَوْتِ الأَبِ والوسْطَى، فلها بنْتُ بنتٍ، هي أختٌ لأبٍ، ولو

الجزء: 6 - الصفحة: 502

ماتَتِ الوُسْطَى بعد موْتِ الأبِ والسفْلَى، فلها بنتٌ، هي أخت لأبٍ.
ولو ماتتِ الوسطَى بعْد موْتِ الأب 101، والعلْيَا، فَلَها بنْتٌ، هي أختٌ لأب.
ولو ماتت بعد موتِ الأَبِ والسفْلَى، فقد خلفت أمّاً، هي أختٌ لأب، فلها الثلُثُ بالأمومة.
ولو ماتتِ السفلَى بعْد موتِ الأَبَ والعلْيَا، فقَدْ خلَّفت أيضاً أمّاً، هي أخُتٌ لأب.
ولو ماتَتْ بعد موْتِ الأَبِ والوُسْطَى، فقد خلَّفت أُمَّ أمٍّ, هي أخت لأبٍ، فلها السدُسُ بالجدودة.
وحكَى الشَّيخ أبو عليَّ أن ابْنَ اللَّبَّان ذكَر وجْهاً آخَرَ، وهو أنَّها ترث بالأُخُوَّة، لأنَّ نصيبَ الأختِ أكْثَرُ وليحرر هذا من أخوات الصورة.
المثَالُ الثَّانِي: نُكَحَ أمَّه، فأولَدَها بِنْتاً، ومات، فَقَدْ خلف أماً وبنتاً، هي أختٌ لأمِّ، فللأمِّ السدُسُ، وللبنْتِ النصْفُ، ولا شيء لها باُخُوَّةِ الأمِّ بالاتِّفَاق.
ولو ماتتِ الأُمُّ بعده، فقدْ خلَّفتْ بنْتاً، هي بنتُ ابنٍ، فلها النِّصْف بالبنتية.
وقال أَبُو حنيفةَ: لها مَعَ ذلكَ السُّدُس تكملَةَ الثُّلُثَيْن.
ولو ماتَتِ البِنْتُ دُونَ الأمِّ، فقد خلَّفت أمّاً، هي أمُّ أبٍ، فلها الثلثُ بالأمومة.
ولو ماتَتِ الأمُّ أولاً، فقَدْ خلَّفَتْ بنتاً هِيَ بنْتُ ابنٍ، فَإِنْ مَاتَ بعدها المجوسيُّ، فقد خلَّفت بِنْتاً، هي أختٌ لأمٍّ.
ولو ماتتِ البنْتُ دون المجوسيِّ، فقد 102 خلَّفت أباً، هو أخٌ لأمٍّ، ولو ماتَتِ البنْتُ أوَّلاً، فقَدْ خلَّفتْ أبوَيْنِ، والأبُ أخٌ لأمِّ والأمُّ أمُّ أبٍ.
فإنْ ماتَ المجوسيُّ بعْدَها، فقَدْ خلَّف أماً، وإنْ ماتَتِ الأم بدلَهُ، فقد خلَّفت ابناً.
ولو أن المجوسيَّ، أولَدَ أمَّهُ بنتَيْنِ، ثُمَّ نكَح أحدَهُمَا فأولَدَها ابناً وبنتاً، ومات فله أمٌّ وبنتان، هما أختاه لأمِّه، وابنٌ وبنْتٌ، هما ولدَ ابْنَتِهِ وأختُهُ لأمِّه 103، فللأم السدُسُ والبَاقِي بيْن الأولاد، فإن ماتَتْ بعده الأمِّ, فلها بنتان هما بنْتَا ابْنٍ، وبنتُ ابنٍ وابْنُ ابنٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 503

هما ولدا بنتٍ، فللبنتين الثلثانِ، والباقي بيْن بنْتِ الابن وابنِ الابْنِ أثلاثاً، يعصِّب الذكرُ أختَهُ لأبيه وأمِّه دون أخته لأبِيهِ.
قال ابن شُرَيْحٍ: ولو ماتَ الغُلاَمُ دون الأمِّ, فله أختٌ من الأبوَيْنِ وأختان مِنَ الأبِ؛ إحداهما أمُّهُ، وجده هيَ أمُّ أمه وأمُّ أبيه، فللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، وللأخْتِ من الأب التي هي أمُّ السدُسُ بالأمُومَةِ، وللأخرَى السُّدُس تكلملةَ الثُّلُثَيْنِ وسقَطَتِ الجَدَّة بالأم.
وهذا جوَابُ أبي حنيفةَ في الأُخْت من الأبوَيْنِ والجَدَّة.
وقال: للأمِّ السدُسُ، ولها باُخُوَّة الأبِ مع الأخرَى السدسُ بالشَّركة.
ولو ماتَتْ أختُ الغُلاَمِ دونَهُمَا، فلها أخٌ من الأبوَيْنِ وأختان من الأبِ، إحداهما أَمٌّ وجدَّةٌ، هي أمُّ أبٍ وأمُّ أمِّ، فللأمِّ السدسُ، والباقي للأخِ.
ولو ماتَتْ أمُّ الغلامِ دونَهُمْ، فلها ابنٌ وبنْتٌ هما ولدا أب وأمِّ، وأختٌ من الأبوَيْنِ، فلأمها السدُسُ والباقي بيْن ولَدَيْهَا.
ولو ماتَتِ الَّتي هي خالةُ الغُلاَم دُونَهم، فلها أمٌّ وأختٌ من الأبوَيْنِ وأخٌ وأختٌ من الأَب، فلأُمِّها السدُسُ، وللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، والباقي بيْنَ الأَخِ والأَخْتِ أثلاثاً.
وقياسُ مذْهَب أبي حنيفة حيْثُ لم نذْكُرْه بيِّنٌ وليعلم قولُهُ في الكتاب، ولم يورث بهما، بالحاء والألف والواو، ويمكن إعادة هذه العلامات في مواضعَ مِنَ الفَصْل، وقد يَخْطُر بالبَال أنه، لِمَ وصَلَ القَوْلَ من ميراث المُجُوسيِّ بفُصُول الحَجْبِ، فلعل سببه أن إِسْقَاطِ إِحْدَى القَرَابَتَيْنِ بالأُخْرَى ضرب منَ الحَجْبِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ المِيرَاثُ سِتَّةُ أُمُورٍ: الأَوَّلُ: اخْتِلاَفُ الدِّينِ، فَلاَ يَتَوَارَثُ الكَافِرُ وَالمُسْلِمُ (ح و)، وَيتَوَارَثُ اليَهُودُ والنَّصَارَى وَأَهْلُ المِلَلِ، وَفِي تَوَارُثِ الذِّمِّيِّ وَالحَرْبِيِّ مَعَ انْقِطَاعِ المُوَالاَةِ بَيْنَهُمَا بالدَّارِ خِلاَفٌ (و)، وَالمُعَاهَدُ (ح) في حُكْمِ الذِّمِّيِّ عَلَى الأَظْهَرِ، لاَ فِي حُكْمِ الحَرْبِيِّ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي حُكْمِ الحَرْبِيِّ، وَالمُرْتَدُّ لاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ (ح) أَصْلاً، بَلْ مَالُهُ فَيْءٌ وَالزِّنْدِيقُ كَالمُرْتَدِّ.
قَالَ الرِّافِعِيُّ: قد يكونُ في الشَّخْص صفةٌ أو تَعْرِضُ بينه وبيْن المُوَرِّث حالةٌ تَمْنَعُ من الإِرْثِ، ورُبَّما سماه الفَرَضِيُّون حَحْباً بالأوْصاف وما سبق ححْباً بالأشْخَاصِ، ولما كانا جميعاً مقتضِيَيْنِ للحِرْمَانِ قرن صاحبُ الكتابِ بيْنَهُما، وهَذا النَّوْع فيما عَدَّه ستةٌ أضْربٍ: الضَرْبُ الأوَّلُ: اختلافُ الدِّين، وفيه ستَّةُ مسائِلَ: المسألة الأُولَى: المُسْلِم لا يَرِثُ الكافرَ، ولا بالعَكْسِ، لِمَا رُوِيَ عن أسامةَ بْنِ

الجزء: 6 - الصفحة: 504

زَيْدٍ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ" 104 105. ولا فَرْقَ بين القريبِ والمعتِقِ، ولا بَيْن أن يُسْلِمَ قَبْل القسمة، أو يستمرَّ عَلَى الْفُرَّة 106؛ خلافاً لأحمَدَ من المسألَتَيْنِ؛ حيث قال: المسلم يَرِثُ عتيقه الكافِرِ، ومَنْ

الجزء: 6 - الصفحة: 505

أسْلَم قبْلَ القِسْمَةِ وَرِثَ مِنَ المُسْلم، قال الشيخُ أبو محمَّد: والفرقُ بين الميراثَ، حيثُ لا يَرِثُ المسلمُ من كافِرٍ مَا، وبَيْن النِّكَاح، حيث يجُوزُ لَهُ نكاحُ بعْضِ الكافراتِ أن التوارث مبنيٌّ على الموالاةِ والمناصرَةِ، ولا موالاة ولا مناصرة بين المسلِمِ والكافرِ بحالٍ، ومواصلَتُنَا إيَّاهُمْ نوعُ تشريف لَهُمْ، فيختص بمَنْ لهم أصْلٌ من الاحترامِ، وهم أهْلُ الكتابِ.
المسألة الثانيةُ: يَرِثُ الكفَّارُ بعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ، كاليهوديِّ من النصرانىِّ، والنصرانيِّ من المجوسيِّ، والمجوسيِّ الحربيِّ من الوثَنِيِّ، وبالعْكوس وبه قال أبو حنيفة: ووجَّهَه: بأنَّ الكفار -على اختلافِ فِرَقِهِمْ- كالنَّفْس الواحدةِ فِي مُعَادَاةِ المُسْلِمِينَ والتَّمَالُؤِ عليهم.
قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- المُشْرِكُون في تفرُّقِهِمْ واجْتماعِهِمْ يَجْمَعُهُمْ أعظَمُ الأُمورِ، وهو الشِّرْكُ باللَّهِ تعالَى، فجعل اختلافهم كاختلافِ المَذَاهِبِ في الإسْلاَم، وقد قال عزَّ اسْمُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: [الكافرون: 6] وقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32] فأشْعَر بأنَّ الكفْر كلَّه ملةٌ واحدةٌ.
وقال أحمد -رحمه الله- في أصَحِّ الروايَتَيْنِ: لا يرثُ أهْلُ ملَّة من أهْل ملَّة أخْرَى.
وعن ابن خَيْرَانَ وغَيْره تخريج وجْهٍ مثْله بنَاءً عَلَى قولنا إن الكافِرَ إذَا انْتَقَلَ منْ دينٍ إلَى دِينٍ لا يُقَرُّ عليه، فإنه يقتضي أنْ يكُونَ الكفر كله مِلَلاً مختلفةً.
وهذا ما اختارَهُ الأستاذ أبو منصور فيما حكاه أبو خَلَفٍ الطبريُّ، ويدلُّ عَلَيْه ظاهرُ مَا رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شيء" 107. = الميراث للحمل فأسلمت ثم ولدت الولد ورث، وإن كان محكوماً بإسلامه لأنه كان محكوماً بكفره يوم الموت.
ذكره الرافعي في الكلام على إرث الجنين، وقد يقال هذه لا ترد لأنه حين موت أبيه كان كافراً فما ورَّثنا إلا كافراً من كافر.
وما ذكره الشيخ الأسنوي عن الأشراف للقاضي عبد الوهاب المالكي في الخلاف أن الشَّافعي رضي الله عنه قال: إذا مات عتيق المسلم النصراني أنه يرثه معتقه المسلم لا يعرف هذا في نصوص الشَّافعي بل الموجود في نصوصه عدم الإرث وأطال الشيخ البلقيني وغيره الرد عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 506

ومَنْ قال بالمذْهَب المشْهُور حمَلَهُ علَى الإسْلاَم والكُفْر؛ لما سبق؛ ويؤيِّده أنه رُوِيَ من بعْضِ الرِّواياتِ: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ؛ وَلاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ" 108. فجعل الثاني بياناً للأوَّل، وهذا إذا كان اليهوديُّ والنصرانيُّ مثلا ذمِّيَيْنِ أو حَرْبيَّيْنِ، ولا فرْقَ بيْن أنْ يكُون الحربيَّانِ مُتَّفِقَي الدَّارِ، أو مخْتَلِفِيهَا.
وقال أبو حنيفةَ: إنْ كَانَا مختلِفَي الدَّار؛ كالروم والهِنْد 109، لم يتوارَثَا، وإن أتحدثْ ملتهماً، والضابطُ أن يختلفَ الملوَكُ ويرَى بعضُهم قتْلَ بعْض.
أما إذا كان أحدُهما ذمِّياً، والآخَرُ حربِيّاً؛ ففي التوارُثِ بينهما قوْلان، حكاهما الإمامُ وغيره.
أحدهما: جريانه، لشُمُولِ الكفر.
وأصحُّهما: المَنعُ، لانقطاعِ المَوَالاَةِ بينهما.
وهذا ما أورده أكْثَرُ الأصْحَاب.
وربَّما نقل الفرضيُّون إجماع العلماء عليه، والمعاهد والمستَأْمن كالذِّمِّيِّ أو كالحربيِّ؟ فيه وجهان: = رواه الترمذي واستغربه، وفيه ابن أبي ليلى، وأخرجه البزار من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا ترث ملة من حلة" وفيه عمر بن راشد، قال: إنه تفرد به وهو لين الحديث، ورواه النسائي والحاكم.
والدارقطني بهذا اللفظ، من حديث أسامة بن زيد، قال الدارقطني: هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ، ووهم عبد الحق فعزاه لمسلم، قوله: روي في بعض الروايات: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر" فجعل الثاني بياناً للأول، فدل على أن المراد بالملتين: الإسلام، والكفر، البيهقي بلفظ: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ولا يتوارث أهل ملتين" وفي إسنادها الخليل بن مرة وهو واه.
قاله الحافظ في التلخيص.

الجزء: 6 - الصفحة: 507

أحدُهُما: ويُحْكَى عن ابن سُرَيْجٍ: أنه كالحربىِّ؛ لأنه لا يستوطِنُ دارَنَا، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحُّهما: وهو.
الذي حكاه ابن اللَّبَّان عن الشَّافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أنه كالذمِّيِّ؛ لأنَّهما جميعاً معْصُومَانِ بالعَهْد والأَمَان.
فعلى هذا يجري التوارُثُ بين الذميِّ والمستأمَنِ، وعلَى الأوَّل في 110 التوارثُ بينهما القَوْلان.
ويجري التوارُثُ بينه وَبيْن الحَرِبيِّ، ولا بأسَ بإيراد مثالٍ من المسألة: يهوديُّ ذَمِّيٌّ مات عنِ ابْنٍ مثْله، وآخر نصرانيٌّ ذَمِّيٌّ، وآخَرُ يهوديٌّ معاهَدُ، وآخَرُ يهوديٌّ حربِيٌّ، فالمال بينهم سِوَى الأَخِيرِ على المَذْهَب 111. ويجيء من النصرانيِّ وجْهٌ بناءٌ على انقطاعِ التوارُثِ بيْن ملك الكفار، ومن المعاهِدَ أيضاً بناءً علَى أنه كالحربي والذِّمِّيِّ يتوارثان ويجيء في الحربِيِّ وجْةٌ أنَّه يرث؛ بناءً على أنَّ الحربِيَّ والذِّمِّيِّ يتوارثان، وليعلَمْ قولُهُ في الكتاب: "ويتوارث اليهودُ والنصارى" بالألف والواو والميم أيضاً، ففد اضطربتِ الروايةُ عَنْ مالِكٍ فيه.
وقولُهُ: "والمعاهَدُ من حكم الذِّميِّ بالحاء، والله أعلم.
المسالةُ الثالثة: المرتَدُّ لا يرثُ منْ أحدٍ، ولا يرثُهُ أحَدٌ لا مسلمٌ ولا مرتدٌّ ولا كافرٌ أصليٌّ، بل مالُهُ فَيءٌ لبَيْتِ المالِ، سواءٌ ما اكتسبَه 112 في حالِ الإسْلاَم، وما اكْتَسَبَهُ في حال الرَّدَّة، وبه قال أحمَدُ ومالكٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- إلاَّ أنَّ مالكاً يقول: إذا ارتدَّ في مرَضِهِ، واتُّهِمَ بأنَّ قصْد منع المالِ من الورثة وَرِثُوهُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 508

وقال أبو حنيفةَ: ما اكتسبَهُ في حالِ الإسْلاَم يَرِثُهُ المسلمون من أقاربه.
لنا: حديثُ أسامة بنْ زيد -رضي الله عنه- وقياسُ المتنازع فيه على المُتَّفَقِ عليه، وأبدى الإمامُ احتمالاً في توْرِيث المرتدِّ من المرتد على قولنا: أنَّ مِلْكَ المرتدِّ لا يزُولُ إلاَّ بالمَوْتِ، تخريجاً من قولنا إنَّ ولد المُرْتَدِّ من المرتدِّة مُرْتَدٌّ ولا ينزَّل التحاقه بدار الحَرْب منْزلةَ مَوْتِهِ.
وقال أبو حنيفَة: ينزل منزلِةَ المَوْتِ، حتَّى يقسَّم مالُه بيْن ورثَتِهِ وتُحَلُّ ديونُهُ وُيعْتَق مدبَّرُهُ، قال: فلو رجَع مُسْلِماً ردَّ الورثة ما بَقِيَ في أيديهم، وما اسْتَهْلَكُوا وتصرَّفوا فيه، لَمْ يلزمْهُم ضمَانُهُ.
هذا من المرتَدُّ الذي يظْهُرُ كُفْرُه.
وكذا الحُكْم في المرتد بالزَّنْدَقَةِ الذي يُخْفي الكفرَ، ويتجمَّل بالإسلام، خلافاً لمالكٍ؛ حيث قال: مالُهُ لورثَتِه المُسْلمين، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: الرَّقِيقُ فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ إِذْ لاَ مِلْكَ لَهُ وَيَسْتَوِي فِيهِ المُكَاتِبُ (ح م) وَالمُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ وَالْقِنُّ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ لاَ يَرِثُ، بَلْ يُورِثُ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُورَثُ فَمَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الحُرِّ لسَيِّدِهِ، أَوْ لبَيْتِ المَالِ، فِيهِ خِلَافٌ (وم).

" القَوْل فِي الرِّقّ"

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرقيقُ لا يَرِثُ، واحتجَّ له بأنَّه لو وَرِثَ، لكَانَ الملك للسَّيِّد، والسَّيِّد أجنبيٌّ عن الميِّت، فلا يمكن توريثُهُ منْه، ولم يقُولُوا: إنه يرثُ العَبْد ثم يتلقَّاه السَّيِّد بحَقِّ الملك، وسواءٌ استمرَّ الرقُّ أو عَتْقَ قَبْل قسْمة التركَةِ، خلافاً لأحمد -رحمه الله-.
من الحالة الثَّانيَةِ: ولا يرثُ من الرقِيقِ أحدٌ؛ لأنه لا مِلْكَ له، وِإذَا قلْنا إِنه يملك بتمليك السيِّد، فهو مِلْكٌ غيرُ مستقرِّ، يعُودُ إلى السَّيِّد، إذا زال الملْكُ عنْ رقَبَتِهِ، كما إذا باعه، ويستَوِي في ذَلِكَ القِنُّ والمكاتَبُ والمِدَبَّر، وأمُّ الولدِ، فلا يرثُونَ، ولا يُورَثُون.
وعن أبي حنيفةَ ومالِك أنَّ المكاتَبَ، إذا مات عن وفاء فما يفضل عن النجُومِ لورثَتِهِ؛ لأنه يمُوتُ حرًا عنْدَهما، وأما مَنْ بعضُهُ حرٌّ وبعْضُهُ رقيقٌ، فلا يرثُ أيضاً؛ لأنَّه لو ورث لكان بعْضُ المالِ لِمَالِكِ البَاقِي، وهو أجنبىٌّ عن الميت.
وقال أحمدُ -رحمه الله-: يرثُ بقَدْرِ ما فِيهِ منَ الحُرَّيَّة.
وهلْ يُورَثُ عنه؟ فيه قَوْلاَن:

الجزء: 6 - الصفحة: 509

القديمُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك: أنَّه لا يُورَثُ عنْهُ، كما أنه لا يَرِثُ.
والجديد، وبه قال أحمد 113: أنه يرث؛ لأنَّ ملْكه تامٌّ على ما في يده؛ فاشْبَه الحُرَّ.
فإن قلْنا بالقديمِ، فما ملكه بالبَعْض الحُرِّ، لمن يكُون؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند أكثرهم، وحَكُوه عن نصِّه في القديم: أنَّه لمالِكِ الباقي؛ لأنَّه نقصٌ مَنَع الإرْث، فصار كما لو كان كلُّه رقيقاً.
والثاني: أنَّه لبَيْتِ المالِ، ويُنْسَب هذا إلى تخريج الإِصطخريِّ.
ووجهه أنَّ مالِكَ الباقِي قد أخَذَ حقَّه منْ كسْبه، وهذا مملوك بالحرِّيَّة.
ونقل الفرضيون هذا الوَجْه عنِ ابن سُرَيْجٍ 114. وقالوا: إنه الصحيحُ؛ لأنَّه ليس لمالكِ الباقي على الجرِّ مِنَّةٌ ولا ولاء، ولا مِلْكٌ، ولا نَسَبٌ، فلا مَعْنَى لصَرْفِه إلَيْه.
وإن قلْنا بالجديدِ، فهو لِمَنْ له مِنْ قريبٍ أو مُعْتَقٍ.
وفي القدْرِ المَوْرُوثِ وجْهان، حكاهما ابنُ اللَّبَّان والإمَامُ: أحدُهُمَا: أنَّ ما جَمَعَهُ بنصفه الحرِّ يتقسَّط علَى مالكِ الباقي والورثة بقَدْر ما فيه مِنَ الرقِّ والحرِّيَّة، فإذا كان نصْفُهُ حُرّاً، ونصفُهُ رقيقاً، فنصفُ ما جَمَعَهُ بنصْفِه الحرِّ للسيِّد، ونصفه للورثة, لأنَّ سبب الإرْثِ الموْتُ، والموتُ حلَّ جميع بدنه، وبدنه ينقسِمُ إلى الرقِّ والحرِّيَّةِ، فينقسِمُ ما خلَّفَهُ.
وأصحُّهما: أنَّه يملك جميعَ ما مَلَكَهُ بنصْفِهِ الحُرِّ؛ لأن مالِكَ الباقي قد استوفى نصيبَهُ بحق الملك؛ فلا سبيلَ لَهُ علَى البَاقِي.
وقولُه في الكتاب: "ومن نصْفُه حرٌّ ونصفُهُ رقيقٌ لا يرثُ" يجوز أن يُعْلَمَ مع الألف بالواو والزاي.
أما الواو؛ فلأن أبا عبْد الله الحناطيَّ روَى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وجهاً أنه يرِثُ بقَدْر ما فيه من الحرِّيَّة.
وأما الزايُ، فلأن المُزَنِيَّ، لَمَّا نقَلَ عن الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أن نصف العَبْد، إذا كان حُرّاً يرثُهُ أبُوهُ، إذا مَاتَ.
قال: والقياسُ علَى قوله: أنه يَرِثُ منْ حيثُ يُورَثُ، فمن الأصحابِ مَنْ قال: قصَدَ بهذا الكلامِ الاحْتجاجَ علَى أنَّه لا يُورَثُ إذ: لو وَرِثَ، لَوَرَّث.

الجزء: 6 - الصفحة: 510

وقال آخَرُون: أراد به كما يُورَثُ ينبغي أن يَرِثَ بقَدْر ما فيه من الحرِّيَّة وظاهرُ قَوْلِهِ تخريجُ قولٍ للشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وكذلك حكَاهُ ابْنُ اللَّبَّان, والفرضيون علَى مذهب المُزَنِيِّ في جملة.
ومن وَرَّث المَعْتق بعْضه، وبه قال في الصَّحَابةِ علِيُّ -كرَّم الله وجْهَهُ- وعلَى هذا؛ فلو ترك الحُرُّ ابناً له، نصْفُه حرٌّ، وأخاً حُرّاً، فالنصفُ للابن، والباقِي للأخ.
ولو ترك ابنَيْن ونصفُ كلِّ واحدٍ منهما حرٌّ، وأخاً حرًا، فقد اختلفُوا في قياسِ قَوْل عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فعن محمَّدِ بْنِ الحَسَنُ اللُّؤلُؤيِّ في آخرين أن قياسَهُ أنْ يجمع ما فيهما من الحرِّيَّة, وهو حرِّيَّة تامٍّ، فيسقط الأخُ، ويكون جميعُ المالِ بينهما.
وقال سفيانُ الثَّوْرِيّ -رحمه الله- قياس: قولِهِ: قسمةُ المالِ بينهما.
عَلَى تقديرِ كَمَالِ الحرِّيَّة، والحطّ بقَدْرِ ما فيها مِنَ الرِّقِّ.
ولو كانا حرَّيْنِ، لكان جميعُ المالِ بينهما لكُلِّ واحدٍ منهما النصْفُ، فإذا كان نصْفُ كلِّ واحدٍ منهما رقيقاً، رجَع حقُّه إلَى النصف، فلكلِّ واحد منهما الرُّبُع، والبَاقِي للاخِ.
وللبصريين عبارةٌ أخْرى تؤدِّي قول سفيانَ -رحمة الله عليه- وهِيَ: أن يؤخذ المالُ مثْل جزء الحرِّيَّة، ويقسَّم بينهما بحَسَب ما فيهما من الرِّقِّ والحرِّيَّة، فيأخذ في هذه الصُّورَة نِصف المال، ويجعله 115 بينهما نِصْفَيْن، وهذا هو الصحيحُ عنْد الفَرَضِيِّينَ؛ لأنَّ عليّاً -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: ويحجب بقَدْر ما فيه من الرِّقِّ ومِنْ جميع ما فيهما مِنَ الحُرِّيَّة لم يحجبهما عن شيءٍ، ويُشْبِه أن يذْهَب إلى الصَّحِيحِ مَنْ ورَّثه من أصحابنا.
وهذه صُوَرٌ ممَّا يتفرَّع عَلَى توريثه.
ابنان ثلث كلُّ واحدٍ منهما حُرٌّ، وأخ، فعلى الطريقِ الأَوَّل: لهما ثلُثَا المَالِ، وعلَى الصحيحِ: لكلِّ واحدٍ منهما ثلُثُ النصف.
ثلاثة بنين، نصْف كلِّ واحدٍ منهما حرٌّ.
على الطريقِ الأَوَّل فيهم حريَّةٌ ونصْفُ حرِّيَّة، فيجعل المالُ بينهم أثلاثاً، وعلى الصحيح: لو كانوا أحراراً، لاقتسموا المالَ أثلاثاً؛ فلكلِّ واحد منهم نصْفُ الثُّلُث.

الجزء: 6 - الصفحة: 511

بنْتَانِ، نصْفُ كلِّ واحدة منهما حرٌّ: على الأَوَّل: فيهما حرِّيَّةٌ بنت فلها النصف.
وعلى الصحيحِ: لو كانتا حرَّتَيْنِ، لأخذتا ثلثَي المال، فالأنَ يأخذان نصْفَ الثلثَيْن.
أربعُ بناتٍ، نصفُ كلِّ واحدةٍ منهُنَّ حُرٌّ: على الأوَّل: فيهن حريَّة بنتَيْنِ؛ فلهُنَّ الثلثان.
وعلى الصحيح: لو كنَّ حرائرَ، لأخَذْنَ الثلثَيْن؛ لكلِّ واحدةٍ منهن السدُسُ، فالآنَ تأْخُذ كلُّ واحدةٍ منْهنَّ نصْفَ السُّدُس.
بنتانِ: نصْف إحداهما وثلُثُ الأخرى حرٌّ: على الأَوَّل: فيهما خمسةُ أسداسِ حرِّيَّةٍ؛ فلهما خمسةُ أسْدَاسِ النصفِ، يقتسمانِهَا بحَسَب حرِّيَّتهما.
وعلى الصحيحِ: لو كانَتَا حرَّتَيْنِ، لكان لكلِّ واحدةٍ منهما الثلثُ، فلكلِّ واحدةٍ منهما ثلُثُ الثلث، وهو التُّسْع؛ لاشتراكهما في حريَّةِ الثلُثِ، ثم صاحبة النصْف اختصت بمزيدِ حُرِّيَّة، وهو السدُسُ، فلها مَعَ ذَلِكَ سدُسُ النصْفِ، فَلا يُنْظَرُ هاهنا إلى الثلث الَّذي تأخُذُه مع الأخْرَى بتقدير الحرِّيَّة، وإنَّما يُنْظَر إلى النصف الذي تأخُذُه عنْد الانفرادِ؛ لأنها انفردَتْ بالسدُس الزائد.
بنتٌ نصفُها حرٌّ، وأخرَى ثلثها حرٌّ، وأخرَى ربُعُها حرٌّ: على الأوَّل: فيهما حريَّةٌ ونصْفُ سدُسِ حُرِّيَّةٍ، فلهنَّ بالحرية نصفُ المال، وبالزائِدِ نصْفُ سدُسِ السُّدَسِ؛ لأن حصَّةَ الوَاحِدَة، منِ النصْفِ السدُسُ، فيضمُّ ذلك إلى النِّصْفِ، ويقسَّم بينهن على ثلاثةَ عشَرَ، ست للأُولَى وأربعةٌ للثانية، وثلاثة للثالثة.
وعلى الصحيحِ: لو كنَّ حرائر، لأخذَتْ كلُّ واحدةٍ منهن تُسْعَى المَالِ، وقد استَوَيْنَ من حريَّة الرْبَع، فلكلِّ واحدة منهنَّ ربُعُ التُّسْعَيْن، وذلك تمامُ حقِّ التي ربُعُهَا حرٌّ، وإذا خرجت من البنين، نظَرْنا إلى ما تأخُذُه كلُّ واحدةٍ من الباقِيَتَيْنِ بتقدير حريتهما، وانفرادِهِما، وهو الثلثُ، ولكلِّ واحدةٍ منهما نصْفُ سدسِ الثُّلُثِ؛ لاشتراكهما في حرية.
نصف السُّدُس بَعد الرُّبُع، وذلك تمامُ حقِّ الَّتي ثلُثُها حُرٌّ.
والثالثةُ فضَلَتْهُمَا بحُرِيَّةِ السدُسِ، ولها بتقدير الحريَّة والانفرادِ نصفُ المال، فتأخذُ سدُسَ النصْفِ، وتضمُّه إلى ما عنْدَها.
ابنٌ نصْفُه حرٌّ، وآخَرُ ثلُثُهُ حرٌّ، وآخَرُ ربُعُهُ حُرٌّ: على الأوَّلِ: جميعُ المالِ بينهم علَى ثلاثةَ عَشَرَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 512

وعلى الصحيحِ: لو كانُوا أحراراً، لأخذوا المالَ أثلاثاً، وقد استووا في حريَّة الربع، فلكلِّ واحد منهم ربعُ الثُّلُث، وهو تمامُ حقِّ الذي رُبعُهُ حُرٌّ.
ثم الآخرَانِ لو انفردا، لكان لكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ المال، ولو اشتركَا في حرِّيَّة نصْفِ السُّدُسِ بعْد الربع، فلكلِّ واحد منهما نصفُ سدُس النصْفِ.
وهو تمامُ حقِّ الذي ثلثه حُرٌّ، ثم الآخرانِ، لوِ انفردا، لكان لكلِّ واحدٍ منهما نصف المال، وقد اشتركَا في حرِّيَّةِ نصْف السدُسِ بعد الربع، فلكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ سُدُسِ النِّصْفِ، وهو تمام حقُ الذي ثلُثُهُ حُرٌّ، وللآخر مع ذلك سدُسُ المالِ؛ لأنه لو انفردَ، لأخَذَ كلَّ المال، وقد فضَلَهُما بحرية السدُسِ.
ابنٌ وبنْتٌ، نصْفُ كلِّ واحدٍ منْهما حُرٌّ: على الأوَّل: يضمُّ نصفُ حرية البنْتِ إلَى حرية الابْنِ؛ لأن بنتَيْنِ بابْنٍ، فيحصلُ ثلاثةُ أرباعِ حريَّةٍ، فلهما ثلاثة أرباعِ المَالِ أثلاثاً.
وعلى الطريقةِ الثانِيَةِ: لو كانا حرَّيْنِ، لكان المالُ بينهما أثلاثاً، فلكلِّ واحدٍ منهما الآن نصْفُ نصيبِه، لو تمَّتْ حريته.
وقيل: لو كانَ الابْنُ حُراً، وهيَ رقيقةٌ، لأخَذَ جميع المال.
ولو كانا حرَّيْنِ، لأخَذَ ثلثَيِ المال، بحريتها وحجبتْهُ عن ثلُثِ المال، فنصْفُ حريتها تحْجُبُه عن نصْفِ الثُّلُث، فيبقَى له خمسةُ أسْدَاسِ المالِ، وهي عشْرون سهْماً منْ أربعةٍ وعشرين سهماً، لكنْ نصفُهُ رقيقٌ، فيعود ذلك إلى عَشَرةِ أسْهُمٍ.
ولو كانتِ البنتُ حرَّةً، وهو رقيقٌ، لأخذَتْ نصْفَ المال.
ولو كانَا حرَّيْنِ، لأخذَتْ ثلثه فحريته حجبتها عن سدُسِ المال، فنصف حرِّيتِهِ تحجبها عنْ نصْفِ السدُسِ، فيكون لها الربُعُ والسدس، وهو عشرةٌ من أربعةٍ وعشرين، لكن نصفُهَا رقيقٌ، فيعود إلى خمسةٍ من أَربعةٍ وعشْرِينَ.
وهذا الجوابُ اختيارُ ابن اللَّبَّان وغيره في هذه الصْورَة، ويُسَمَّى هذا النوْعِ من القسْمة طَريقَ المُخَاطَبَةِ والدَّعْوَى.
ابنٌ وابنُ ابنٍ نصفُ كلِّ واحدٍ منهما حُرٌّ.
قيل: يجمع بين الحريتَيْنِ ويجعلُ المال بينهما نصفَيْن.
وعلى طريق سُفْيَانَ -رحمه الله تعالَى-: للابْنِ النصفُ، ولا شيء لابن الابنِ، لأنَّ الابْنَ يَحْجُبُ ابْنَ الابْنِ.
لو كانَا حُرَّيْن فنِصْفُه يَحْجُبُ نصفَهُ.
وقيل: للابْنِ النصْفُ، ولابنِ الابْنِ نصْفُ الباقي؛ لأنه لو كان حرّاً، لكان له

الجزء: 6 - الصفحة: 513

الباقي، فإذا كان نصْفُه حراً، كان له نصْفُ الباقي.
قال الشيخُ أبو خَلَفٍ الطبريُّ: وهذا أظهر.
بنتٌ وبنْتُ ابنٍ، نصفُ كلِّ واحدة منْهُما حُرٌّ.
قيل علَى قياسِ محمَّدِ بْنِ الحَسَنُ: يجمع بين الحُرِّيَتَيْنِ، فيحصل حرية بنْتٍ، فلهما النصْفُ بالسوية، وسببُ التسْويةِ أنَّ بنت الابن، تقول لبنْتِ الصُّلْب: ليْسَ لكِ إِلاَّ الربُعُ، فخذيه ودَعِينِي مع العصبة ولي معهم، لو انفردت، النصفُ فآخُذُ نصْفَهُ.
وعلَى طريقه سفيانَ -رحمه الله-: لو كانَتَا حرَّتَيْنِ لأخذت البنتُ النصف، وبنتُ الابْنِ السدُسَ، فيرد كلّ واحِد إلى نصْف نصيبَها.
وقيل: هو اختيارُ ابْنِ اللَّبان وغيره: للبنْتِ الربع, لأنها لو كانتْ حُرَّة، لكان لها النصْفُ، ولبنتِ الابْنِ السدُسُ، وبنُوهَا عَلَى أنَّهَا، لو كانت حُرَّةَ، وكان النصْف من بنْتِ الصُّلْب حُرّاً، يكون لبنت الابن الثلث؛ لأنها تستحقُّ مع حرية البنت السدس، ومع رقها النصْفَ، فإذا حجَبَتْها حرِّيَّتُها عن الثلُثِ الزائِدِ علَى السُّدس، فيحجبها نصْفَ حرِّيَّتها عنْ نصْفِ الثلُثِ الزائدِ عَلَى السُّدُس 116. وإذا كانَ لَها الثُّلُث عنْد حُرِّيَّتها، فيكونُ لها السدُسُ عنْد حرية نصْفَها.
والظنُّ أن أصحابَ المذْهَبَيْنِ الأولَيْنِ لا يسلمون أنَّهَا تستحقُّ الثلث عنْد تمامِ الحُرِّيَّة، واللَّهُ أعلم.
أبٌ وابْنٌ، نصْفُ كلِّ واحدٍ منهما حُرٌّ: عن محمدٍ اللُّؤلُؤِيِّ -رحمه الله تعالَى- أنه يُقَسَّم المالُ بينهما نصفَيْنِ, لأنَّ كلَّ واحد منهما، لو انفردَ، لأخَذَ الكُلَّ، كأنهما جَمَعَا ما فيهما من الحُرِّيَّة، فتحصُلُ عصبةٌ كاملةٌ.
وطريقة سُفْيَانَ: أنهما لو كانا حرِّيْن، كان للأبِ السدُسُ، والباقي للابن، فلكلِّ واحدٍ منهما الآنَ نصْفُ نصيبه.
وقيل: للأبِ سدُسُ وثُمُنٌ، وللابْنِ سدُس ثلُثٍ، وثُمُنٌ؛ لأنه، لو كان الأبُ حراً، والابنُ رقيقاً، أخَذَ جميع المال.
ولو كانا حُرَّيْنِ، أخذ سدُسَ المال، فحرية الابْنِ تحْجُبُهُ عَنْ خَمْسَةِ أسداسِ المالِ، فنصفُها يحْجُبه عن نصْفِ هذا المبْلَغ، وهو ربيعٌ وسدسٌ، فينضم ذلك إلى السُّدُسِ، فيحصل له ثلث وربع، لكن نصفُهُ رقيقٌ، فيعودُ إلَى سدُسٍ وثمنٍ.
والابنُ، لو كانَ حُرّاً، والأَبُ رقيقاً، لأخَذَ جميع المال.

الجزء: 6 - الصفحة: 514

ولو كانَا حرِّيْنِ، لأخذ خمْسةَ أسْداسِ المالِ، فحريَّةُ الأبِ تحْجُبُهُ عن سدُسِ المالِ، فنصفُهَا يحْجُبُهُ عن نصْفِ السدُسِ، فيحصُلُ له خمسةُ أسداس، ونصفُ سدسٍ، لكن نصْفُه رقيقٌ، فيرتدُّ إلَى نصْفِ هذا المبْلَغ، وهو ثُلُثُ وثُمُنٌ.
قال أبو خَلَفٍ: وهذا هو الصحيحُ على قياس (1) عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهذه صورة تفيدُ الأقيس بهذا المذْهَب، ولم نطوِّل بإيراد أخواتها؛ لبُعْد هذا المذهب من مذْهَبِنا, ولأنَّا لم نجدْ عن القائسين على مذهب عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ضوابطَ منقَّحةً، فتخرَّجَ عليها الفُرُوعُ وبالله التوفيق.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ القَاتِلُ لاَ مِيرَاثَ لَهُ إِنْ كَانَ قَتْلُهُ مَضْمُوناً إِمَّا بِكَفَّارَةٍ، أَوْ إِثْمٍ (و)، أَوْ دِيَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ سَوَاءٌ كَانَ عَمْداً أَوْ خَطَأً (ح م و)، بسَبَبٍ كَحَفْرِ البِئْرِ، أَوْ مُبَاشَرَةٍ من مُكَلَّفٍ (ح) أَوْ غيرِ مُكَلَّفٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُوناً كَقَتْلِ الإِمَامِ فِي الحَدِّ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ يسَوَّغُ قَتْلُهُ وَتَرْكُهُ كَقَتْلِ القِصَاصِ، وَدَفْعِ الصَّائِلِ، وَقَتْلِ العَادِلِ البَاغِيَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ.

القتل مانع من الإرث

قَالَ الرَّافِعِيُّ: عن عُمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِيرَاثٌ" 118. وعن ابن عَبَّاسِ -رَضِيَ الله عَنْهُمَا- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئاً" 119. ويُرْوَى: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لاَ يَرِثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَه وَارِثٌ غَيْرُهُ" 120.117

الجزء: 6 - الصفحة: 515

وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّه قال -صلى الله عليه وسلم-: "القَاتِلُ لاَ يَرِثُ" 121. والمعنَى الكليُّ أنا لو ورَّثْنَا القاتِلَ، لم نأمَنْ مِنْ مستعجِلِ الإرث أن يقتُلَ مورِّثه، فاقْتَضَتِ المصلحةُ حرْمَانَهُ 122. إذا تقرَّر ذلك، فالقَتْلُ ضرْبَانِ: أحدهما: المضمونُ منه، وهو موجبٌ لِلْحِرْمَانِ، سواءٌ كان مضْمُوناً بالقصاصِ أو

الجزء: 6 - الصفحة: 516

الدِّيَةِ أو الكفَّارة، والتضمين: بمجرَّد الكفارة، كما إذا رَمَى إلى صَفِّ الكفَّار في القتَالِ، ولم يعْلَمْ أنَّ فيهم مُسْلِماً، وكان فيهم مورِّثه المُسْلِمُ، فقتله، تجب الكفارةُ ولا دِيَةَ.
ولا فرْقَ بين أنْ يكونَ القَتْل عمداً أو خَطَأً، خلافاً لمالك -رحمه الله- حيث قال: الخَاطِئ يَرِثُ إلاَّ مِنَ الديَةِ الواجبَةِ بفعْلِهِ.
وحكَى الحناطيُّ قولاً: أنه الخاطئَ يرثُ مطْلَقاً.
لنَا: الأخبار، وأيضاً، فمن لا يَرِثُ من الديَةِ، وجبَ ألا يرث من غيرها؛ كالعامد، ولا فرْقَ بين أن يكونَ الخطأُ بالمباشرة، كما إذا كان يَرْمِي إلَى هدف أو صيدٍ، فأصاب مورِّثَه، أو بالتَّسَبُّب، كما لو حَفَر بئراً عُدْواناً، فتردَّى فيها مورِّثُه، أو نصَبَ حَجَراً في الطَّريق، فتعثر به ومات.
وقال أبو حنيفة: القتْلُ بالتسبُّب لا يقتَضِي الحرْمَان، إلاَّ إذا رَكِبَ دابَّة، فرَفَسَتْ مورِّثه، ومات.
لنا: أنَّه قتْلٌ يتعلَّق به الضمانُ، فيتعلَّق به الحرْمانُ كالقتل مباشرةً، ولا فرْقَ بين أن يقْصِدَ بالتَّسَبُّبِ مصلحته؛ كَضَرْب الأب والمعلِّم والزَّوْجِ للتأدِيب، إذا أفضَى إلى الموت، وكما إَذا سقَى موَرِّثَهُ الصَّبِيَّ دواءً أو بَطَّ له جُرْحاً عَلَى سبيل المعالَجَةِ، فمات أَوْ لاَ يقْصِد.
وفي سَقْيِ الدواء وبط الجُرْح وجْهٌ حكاه ابن اللَّبَّانِ وغيره.
وعن صاحب "التقريب" وجْهٌ في مطْلَق القَتْل بالتَّسبُّب: أنَّه لا يوجب الحرْمَانَ، والمذهب الأوَّلُ.
ولا فرْقَ بين أن يصْدُرَ القتْلُ من مكلَّف أو غير مكلَّفٍ، خلافاً لأبي حنيفَة، حيث قال: القتْلُ الصادِرُ من الصبيِّ والمجنونِ والمُبَرْسم لا يقتَضِي الحرْمَانَ.
لنا: الأخبارُ، وأن ما يمنع من توريثِ المكلَّف يَمْنَعُ من توْريث غيره؛ كالرِّقِّ، ولك أن تُعْلِم، لما ذكرنا قولَهُ في الكتاب: "أو خطأً" بالميم والواو، وقوله: "بسبب" بالحاء والواو، وقوله: "أو غير مكلف" بالحاء، ويجُوزُ إعْلامُه بالواو، وأيضاً؛ لأنه، إِذا كانَ لنا في الخطأِ قولٌ جاء منْه خلافٌ في الصَّبيِّ بناءً على أنَّ عمْدَهُ خطأٌ، وقوله: "مضمُوناً إِمَّا بكفارةٍ أو إِثْمٍ" لفظ التَّضْمِين بالإِثْم، كالبعيد عن الاستعمال.
ثم المرادُ منْه مسألةٌ، وهي: أنَّ المكْرَه علَى قتْلِ مورِّثه، إذا قتَلَهُ لا يَرِثُهُ.
وإن قُلْنا: لا قصاصَ، ولا ضمانَ؛ لأنه أَثِمَ بالقتل.
[هذا ظاهرُ المَذْهب، وفيه وجهٌ آخَرُ، بناءً علَى أنَّ المكْرَه ألَةُ القَتْلِ]، وهو المذكور في الكتاب من أبواب القصاص، فيجوزُ أن يُرْقَمَ قولُهُ "أو أثم" لذلك.
الضرب الثاني: غير المضْمُون مَنْ القَتْل، وينقَسِمُ إلَى: مستحقٍّ مقصودٍ وإلَى غيره.

الجزء: 6 - الصفحة: 517

والأوَّلُ نوعان: أحدُهُمَا: لا يُسَوَّغ تركُهُ، فإذا قتل الإمَامُ مُوَرِّثه حَدّاً بالرَّجْم، أو في المُحَارَبَةِ، ففيه قوْلاَن أو وجْهَانِ: أحدُهُمَا: عن تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ وغيره: أنه لا يوجِب الحرْمَانَ؛ لأن الإمام مأْمورٌ به محمولٌ عليه، ويحكَى هذا عن ابن خَيْرَان.
والثاني: يوجِبَهُ لإطْلاقِ الأخبار، وفيه وجْهٌ آخرُ أنَّه يُفْرَقُ بَيْنَ أن يَثْبُتَ بالإِقْرار، فلا يُحْرَمُ؛ لأنه غير متَّهَمٍ وبيْن أن يَثْبُتَ بالبينة، فيحرم؛ لاحتمال مواطأةِ الشُّهود، وبه قال أبو إِسْحَاق.
والنوع الثاني: ما يُسَوَّغ تركه؛ كقتل المورِّث قِصَاصاً، ففيه خلافٌ مرتب على الخلاَفِ في قَتْل الإمَامِ حَدّاً، وهذا أَوْلَى باقتضاء الحرمان؛ لأنه مخيَّر 123 [في الترك والقتل]، فإذا قَتَل؛ فقد يُتَّهَم بقصْد جلْب الميراث.
والقسْم الثاني: ما لا يوصَفُ بكَوْنه مستحقاً مقْصُوداً؛ كقتل الصائل والباغي، فإنَّ المقصُودَ الدفْعُ والردُّ إلى الطاعةِ لا القَتْلُ بخصوصه، ففي تعلّق الحرمانِ بقَتْل الصائل خلافٌ مرتَّب على الخلافِ في القِصَاص، وهذا أَوْلَى باقتضاءِ الحرْمَانِ؛ لأنه غير مستحقِّ، والتهمةُ منقدحةٌ؛ لاحتمال الزيادةِ علَى القَدْر المحتاجِ إلَيْه في الدفع، وكذا قتل العادِلِ البَاغِيَ.
وأما قتْلُ الباغي العادلَ، فإنْ قلنا: الباغي يضْمَنُ؛ فلا ميراثَ لَهُ.
وإن قلْنا: لا يضمَنُ؛ فوجْهَان مرتَّبان على الخلافِ في العكس، وهذا أَوْلَى بالحرمان؛ لأنا لا نطلِقُ له قتْلَ العادل.
وإذا جمعتَ بيْنهما، قلْتَ: في جريان التوارث ثلاثةُ أقوالٍ أو أوْجُهٍ ثالِثُها؛ أن العادل يرثُ من الباغِي ولا ينْعَكِسُ.
واعلم أن ظاهر قول الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ومذهَبُه في الصُّور جميعاً إنَّمَا هو الحرْمَان، وبه قال الإمامُ أحْمَدُ.
قال القاضي الرُّويانيُّ، لكن الأخبار والقياسَ أَبَّ مَا لاَ يوجِبُ الضَّمانَ لا يوجِبُ الحرمان، ولا يبعد تخصيص الأخْبار بالقياس 124.

الجزء: 6 - الصفحة: 518

وقال أبو حنيفة: ما لا يوجِبُ الكفَّارة منْ أنواعِ القَتْل لا يوجِبُ الحرمان، واستثنَى علَى أصْله القتْلَ العَمْد.
= أمر آخر يقول "واعط محمداً لفقره" فلما علمنا العلة وأردنا تعميم محل الاعطاء فهل نقول إنه مأمور بإعطاء كل فقير سواء كان محمداً أو غيره؟ وبعبارة أخرى هل لنا أن نخصص العام الأول بهذا القياس ونقول إن مراد الناهي بلفظ العام غير الفقراء ويكون المخرج نوعين أحدهما بالنص وهو "محمد" والثاني بالقياس وهو غيره من الفقراء .. هذا هو محل النزاع بين الأصوليين .. وكان من أثر اختلاف الأصوليين في دلالة العام اختلافهم في جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالقياس إذا لم يخصصا بدليل مستقل مقارن قطعي الثبوت، ونذكر هنا أمر آخر كان سبباً من أسباب الخلاف بينهم في جواز التخصيص بالقياس وهو وجود الضعف في القياس الناشئ من احتياجه في الغالب إلى الاجتهاد في أمور -كون حكم الأصل معللاً، وتعيين علته، ووجودها في الأصل، ووجودها في الفرع، وخلوها عن المعارض فيهما، وكل ذلك بعد معرفة حكم الأصل- والأمور الاجتهادية يتطرق إليها احتمال الخطأ، وهذا بخلاف الخبر فإن محل الاجتهاد فيه -أن كان- أمران، عدالة الراوي وكيفية الدلالة لهذين الأمرين وقع الخلاف بين علماء الأصول في جواز تخصيص العام بالقياس وعدم جوازه وذهبوا فيه مذاهب شتى .. فذهب الأئمة الأربعة والأشعري وأبو هاشم من المعتزلة إلى الجواز ألا أن الذين قالوا بأن دلالة العام على أفراده قطعية شرطوا لذلك أن يكون العام مخصصاً بغير القياس بدليل متصل مقارن قطعي الدلالة -أن كان العام كذلك.
وذهب أبو علي الجبائي من المعتزلة إلى تقديم العام على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً وسواء كان العام مخصوصاً أو لا، ونقله القاضي في التقريب عن الأشعري .. وذهب ابن سريج إلى الجواز أن كان القياس جلياً وهو ما كان الجامع فيه وصفاً مناسباً للحكم لا أن كان خفياً وهو قياس الشبه كقياس طهارة الخبث على طهارة الحدث في تعين الماء للطهارة بجامع أن كلا طهارة تراد للصلاة فإن هذه العلة غير مناسبة للحكم بذاتها ألا أن يتوهم، فيها المناسبة لأن الشارع رتب عليها تعين الماء في الطهارة الحدثية.
وقيل الجلي ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس الأمة على العبد في تقويم البعض على معتق بعضه الآخر ليعتق الكل أو ما كان تأثير الفارق فيه ضعيفاً كقياسهم العمياء على العوراء في عدم الأجزاء في الضحية بجامع النقص، والخفي ما كان تأثير الفارق فيه قوياً كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد .. وقيل يجوز أن كان أصله وهو المقيس عليه مخرجاً من ذلك العام بنص وقيل يجوز أن كان المقيس عليه مخرجاً من العام أو ثبتت علة القياس بنص أو إجماع وإلا اعتبرت القرائن فإن ظهر ما يرجح القياس خصص العام وإلا عمل به وألغى القياس وهو مختار ابن الحاجب .. وذهب الإمام حجة الإسلام الغزالي إلى أن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى فإن تعادلا فالوقف .. وذهب القاضي أبو بكر وأمام الحرمين إلى الوقف .. والحاصل من جملة هذه المذاهب أنها راجعة إلى القول، بالجواز مطلقاً وعدمه مطلقاً وإلى التفصيل والوقف ..

الجزء: 6 - الصفحة: 519

ولو شهِدَ علَى مورِّثه بما يوجِبُ القِصَاصَ أو الحَدَّ، وقتل بشهادَتِهِ، ففي إرثه الخلافُ المذكورُ فيما إذا قتَلَهُ قِصَاصاً، ولو شهِدَ علَى إحصانه، وشَهِدَ غيره على الزِّنَا، فهلْ يُحْرَمُ شاهدُ الإحْصَان؟ قال ابن اللَّبَّانِ وآخرون: فيه مثْلُ ذلك الخلاف، ويُشْبِه أن يجيء فيه طريقةٌ قاطعةٌ بأنه لا يُحْرَمُ.
ولو شَهِدَ علَى عدالةِ شُهُودِ الزِّنَا علَى موَرِّثه، ففيه الخلاف:

" فَرْعٌ"

يمكن أن يَرِثَ المقتُولُ من القاتِلِ بأنْ جرح 125 مورِّثه، ثم مات قَبْل أن يموتَ المجْرُوح مِنْ تِلْكَ الجرَاحةِ، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: انْتِفَاءُ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ يَقْطَعُ التَّوَارُثَ بَيْنَ المُلاَعِنِ وَالوَلَدِ، وَكَذَا كُلُّ من يُدْلِي بالمُلاَعِنِ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ نَسَبُهُ، وَيَبْقَى الإِرْثُ بَيْنِ الأُمِّ وَالوَلَدِ، وَلَوْ نَفَى بِاللِّعَانِ تَوْأمَيْنِ فَهُمَا يَتَوَارَثَانِ بِأُخُوَّةِ الأُمِّ لاَ بِالعُصُوبَةِ إِذِ الأبُوَّةِ مُنْقَطِعَةٌ، وَوَلَدُ الزِّنَا كَالمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، فَلاَ يَرِثُ مِنَ الزَّانِي، وَتَرِثُهُ الأُمُّ وَيَرِثُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أكثرُ الأصْحَابِ لا يعُدُّون هذا مِنْ موانِع الإرْث؛ لأنَّهم يعْنُونَ بالمانِعِ ما يجامِعُ سبَبَ الإرْث منْ نَسَبٍ وغيره؛ كالرِّقِّ، واختلاف الدِّين، وتساهَلَ صاحبُ الكتاب في "الوسيط" في تسميته مَانِعاً.
وأما هاهنا، فلم يأْت بلَفْظِ المَانِعِ، ولكن قال: "وما يَنْدَفِع به الميراثُ ستَّةٌ"، والاندفاعُ قد يكُونُ للمَانِعِ، وقد يكون للسبب 126، فحَسُنَ الجمْعُ بين النوعَيْن 127. وفقه الفصل مسأَلَتَانِ: المسألة الأولَى: اللِّعَانُ، يقْطَعُ التوارُثَ بين الملاعِنِ والوَلَدِ؛ لأنه يقطع النَّسَب بينهما، وكذلك يقطُعَ التوارُثَ بين الوَلَد، وكلِّ من يُدْلِي بالمُلاَعِنِ، كأبيه وأمِّهِ وأولادِهِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 520

وفي "السلسلة" للشيخ أبي 128 محمَّد ذكْرُ وجْهٍ مخُرَّج: أنَّ اللَّعَان لا يَقْطَع التوارث بين الوَلَد والمُلاَعِنِ، وبناءُ الخلاف في الوجْهَيْن في أنَّ الملاعن، هلْ له أن ينْكِح بنت الملاعَنَةَ التي نفاها، إذا لم يكُنْ قد دَخَلَ بأمها؟ إن قلْنا: له ذلك؛ كنكاحِ بنْتِ الزِّنَا، فلا يَرِثُ.
وإن منَعْنَا منْه؛ لأن نسبها يعرض الثُّبُوت مِنْ حيثُ إنَّه قد يكذب نفْسَه، فيَرِث.
قال: وبهذا قال مالك -رحمه الله- ولم نر لغيره نِسْبَةَ هذا المذهب إِلى مالِكٍ، ولا حكاية هذا الوجه، والله أعْلَم.
وأما الولَدُ مع الأمِّ, فإنهما يتوارَثَانِ توارُثَ سائر الأولاد والأمَّهَات؛ والتوأمان المتعيان باللِّعَان، كيف يتوارَثَانِ؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب، وبه قال أبو إسْحَاق: أنهما لا يتوارثان إلاَّ بأُخُوَّة [الأمِّ؛ لانقطاع نسَبِهِمَا عنِ الأَب.
والثاني: يتوارَثَانِ 129] بأُخُوة الأبِ والأمِّ، وبه قال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأنَّ اللعانَ إنَّما يؤثِّر في حقِّ المتلاعنَيْن دون غيرهما.
وإذا قلْنا بالأَوَّل، فلا عصَبَةِ للوَلَدِ المنفيِّ إلاَّ من صُلبه أو من جهة الولاءِ؛ بأن يكون عتيقاً أو أمُّه عتيقةٍ، فيثبت الولاءُ لمولاها علَيْه، وعصبة الأمِّ لا يكونون عصبةً له، خلافاً لأحمد -رحمة الله عليه- فيما إذا لم يكُنْ له مُنْ صلْبِهِ عصبةٌ، حتى إذا خلَّف أُمُّهُ، وخالاً، قال: للأمِّ الثلثُ والباقي للخَالِ، وُيرْوَى هذا المذْهَبُ عن أبي حنيفة، ولا يكاد يثْبُتُ له.
لَنَا: أنهم ليْسُوا عصبةٌ له في تحمّل العقل والولاية فكذلك في المِيرَاثِ.
ولو نفى الولَدِ باللِّعَان، ثم استلْحَقَهُ، لحِقه فإنْ كاَن بعْد مَوْت الوَلَد، فكذلك، وتنقض القسْمَة، لو قسمت تركتُهُ، حتى لو كان علَى أمِّه ولاء، فأخذ موْلاَها ميراثه، كان للمستلحق الاسترْدَادُ، ولا فَرْقَ في اللُّحُوق بيْن أن يخلِّف الميت ولداً أو لا يُخَلِّف.
وقال أبو حنيفةَ: إذا لَمْ يُخَلِّف ولداً، لم يلحقه الاستلحاقُ بعْد الموت.
المسألةُ الثانيةُ: ولَدُ الزِّنَا كالوَلَدِ المنفيِّ باللعان, لأنَّ الوجه الذي حكاه الشيخ أبو محمَّد لا مساغ له ههنا، وَأَنَّ ولد الزنا لا يلْحَقُ الزانِيَ بالاستلحاق، وأنَّ التوأمَيْنِ من الزنا لا يتوارَثَان إلاَّ بإخْوَة الأمّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 521

وعن "الحاوِي" وجهٌ ضعيفٌ؛ أنَّهما يتوارَثَان أيضاً بأُخُوَّة الأبِ والأُمِّ، وحكاه الحناطي أيضاً 130. قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ إِذَا اسْتُبْهَمَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فِي المَوْتِ، كَمَا إِذَا مَاتَ قَوْمٌ مِنَ الأَقَارِبِ فِي سَفَرٍ، أَوْ تَحْتَ هَدَّمٍ، أَوْ غَرَقٍ، فَيُقَدَّرُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ لَمْ يُخَلَّفْ صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا خَلَّفَ الأَحْيَاءِ إِذْ عَسْرَ التَّوْرِيثُ لِلْاشْتِبَاهِ، وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ إِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى تَرْتِيبٍ وَلَكِنْ عَسُرَ مَعْرِفَةُ السَّابِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ماتَ المتوارِثَانِ بغَرَقٍ أو حَرَقٍ أو تَحْت هَدْمٍ أو في بلادِ الغُرْبة أو وُجِدا مقتولَيْنِ في معْركَةٍ؛ فله صُوَرٌ خَمْسٌ: إحداها: أن يعرف تلاحقُ موْتِهِمَا وعيْن السابق منْهما، وحكمهما بيِّن.
والثانيةُ: أن يعلم التلاحقُ، ولكنْ لا يعلم عيْن السابِقِ منهما.
والثالثة: أنْ يُعْلَم وقوعُ الموتَيْنِ معاً.
الرابعة: ألاَّ يُعْلَم أتلاحقا أمْ وقعاً معاً.
ففي هذه الصُّور الثلاث لا يُوَرَّث أحدُهما من صاحِبِه، بل يُجْعَلُ ما لكلِّ واحدٍ منهما لسائر ورثته، لو لم يخلِّفِ الآخر.
وقال أحمد -رحمه الله-: يَرِثُ كلُّ واحد من الآخر تَلِيدَ 131 ما له دُون طَرِيقِهِ.
والمرادُ من التَّلِيد: ما كانَ لَهُ، ومِنَ الطَّريق: ما وَرِثَهُ من الآخر.
لنا: أن كلَّ واحدٍ منهما لا تتحقَّق حياته عنْد مَوْت صاحبِهِ، فلا يُورث منه؛ كالجنين، إذا انْفَصَل ميِّتاً بعْد موت مُوَرِّثه.
واحتجَّ الشيخُ أبو حامِدٍ بأنَّا إذا ورثنا كلَّ واحدٍ منهما منْ صَاحِبِه، فقد حكَمْنا بالخطأِ يقيناً؛ لأنهما إِنْ ماتا معاً، ففيه توريثُ مَيِّت من ميِّت، وإِنْ ماتا علَى الترتيب، ففيه توريث مَنْ تقدَّم موْتُه عَمَّن تأخَّر موته.
ولا بُدَّ هاهنا من التعرُّض لأُمُورٍ: أحدها: إيضاحُ المذهَبَيْنِ بالمثال.
أخَوَانِ غريقان غَرِقَا: مالُ كلِّ واحدٍ منهما لموْلاَه.
وعن أحمَدَ: مالُ كلِّ واحدٍ منهما لأَخيه، ثم يتلقَّاه منْه موْلاَه.

الجزء: 6 - الصفحة: 522

أخٌ وأُخْتٌ غَرِقَا، وخلَّفَ الأخُ زوجةٌ وبنتاً، والأخت زوجاً وبنتاً، فيجعل كأَنَّ الأخ ماتَ عَنْ زوجةٍ وبنْتٍ لا غير، والأخْتُ عن زَوْجٍ وبنت لا غَيْرُ.
وعنْدَ أحْمَدَ يميت الأخ أولاً، وتورث الأختُ من تليد مالِهِ، فيكون للزوجةِ منْه الثمُنُ، وللبنْتِ النصفُ، والباقي للأختِ، وهذا الباقِي يقسَّم علَى ورثتها الأَحْيَاء خاصَّة، بم يميت الأُخْت أوَّلاً، ويورث الأخَ من تليد مالِهَا، فيكون للزوْجِ منْه الربُعُ، وللبنْتِ النصْفُ، والباقي للأخ، وهذا الباقي للأحْياءِ مِنْ ورثَتِهِ خاصَّة.
الأمر الثاني: رأى الإمامُ تخصيصَ الخِلاَف فيما إذا سَبَق موْتُ أحدهما، وأشْكَل السَّبْق، واستبعد المَصِير إلَى توريث أحدِهِما من الآخر، إذا عُلِمَ وقوعُ الموتَيْنِ معاً، لكن الشيخ أبا حَامِدٍ في آخرين حَكَوُا الخلافَ في الصُّوَر الثَّلاَثِ جميعاً.
[الأمر] الثالثُ: نقل ابن اللَّبَّان عن بعض المتأخِّرين فيما إذا تلاحَقَ الموتَانِ، ولم يُعْلِمَ السابقُ، أنَّ القياسَ أن يُعْطَى كلُّ وارث ما يتيقن له، ويوقَفُ المشكوك فيه.
قال أبو حاتم القَزْوِينِيُّ، وبه قال شيخُنَا أبو الحَسَنِ -يعني ابْنَ اللَّبَّان- وحكاه عن ابن سُرَيْجٍ.
الصورةُ الخامِسَةُ: أن يُعْلَم من سبق موْتُه، ثم يُشْكِل الحال، وتلتبس الحالِ، فيُوقَفُ الميراثُ، حتى يتبين أو يَصْطَلَحا؛ لأنَّ التذكُّر غير ميؤوسٍ منه هذا ظاهر المذهب.
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنَّه كما لو لَمْ يُعْلَمِ السابقُ منهما، وإلَيْه ميلُ الإمام.
وهذه الصُّوَر الخَمْس، كما ذكرنا في الجمعَتَيْنِ المقامتين في بلدةٍ واحدةٍ.
قال الإمامُ: لكنْ هناك قولانِ فيما إذا عُلِم السَّبْقُ، ولم يتعين السابقُ، وههنا بحزم بمَنْع التوارُثِ؛ لأنَّ الأمْرَ بتدارُكِ الصلاة هين, ووقْفُ الميراثِ أبداً لا مَعْنَى له.
وقوله في الكتاب: "وكذلك نفعل إن علمنا أنهم ماتُوا على تَرْتِيب ولكن عسر "معرفة السابق" يمكن حملُهُ على جهة اللفْظِ علَى ما إذا علِمْنا الترتيبَ، ولم يتعيَّن لنا السابقُ، وعلَى ما إذا لم يتعيَّن لنا السابقُ، ثم عرض نسيانٌ والتباسٌ، لكنِ الأقربُ الحَمْلُ على الثَّاني؛ لأن الأوَّل عين قوله أولاً "إذا استبهم التقدُّم والتأخُّر في الموت" 132 إِلاَّ أنْ يؤول ذلك في استبهام الترتِيبِ والمعيَّة، بأن يرد التقدُّم 133 والتأخُّر إلَى موت

الجزء: 6 - الصفحة: 523

الواحِدِ منهما علَى معْنَى أنه إذا استبهم أنَّ موته تقدَّم أو تأخَّر، حتَّى وقع مع موت الآخر، لكنه تكلف.
وإذا كان المُرَاد المَحْمَل الثَّانِيَ، جاز أن يُعْلَمَ بالواو؛ [لما سبق، وكذلك قولُه: "وإنما خلَّف الأَحياء" يصح إعلامه بالواو] (1)؛ للوجْه الذي حكاه ابن اللَّبَّانِ، فأما إذا أوقَفْنا بعْضَ المالِ، لم يكُنْ كما لو لَمْ يخلِّف إلاَّ الأحياءَ.
قال الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ مَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ فِي الحَالِ، وَهُوَ الإِشْكَالُ إمَّا فِي الوْجُودِ أَوْ فِي النَّسَبِ أَوْ فِي الذُّكُورَةِ (أَمَّا الإِشْكَالِ فِي الوُجُودِ) فَصُورَتُهُ الأَسِيرُ وَالمَفْقُودُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَلاَ يُقَسَّمُ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَوْتِهِ أَوْ تَمْضِ (و) مُدَّةٌ يَحْكُمُ الحَاكِمُ فِيهَا بِأَنَّ مِثْلَهُ لاَ يَعِيشُ فَيُقَسَّمُ عَلَى وَرَثَتِهِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ الحُكْمِ، وَإِنْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ حَاضِرٌ تَوَقَّفْنَا فِي نَصِيبِهِ وَأَخَذْنَا فِي حَقِّ الحَاضِرِينَ بِأَضَرِّ الأَحْوَالِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَخْذَاً بِأَسْوَإِ الأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِمَوْتِهِ قَدَّرْنَا فِي حَقِّ مَوْتَهُ، وَمَنْ كَانَ يَنْقُصُ حَقُّهُ بِحَيَاتِهِ قَدَّرْنَا فِي حَقِّهِ حَيَاتَهُ، وَقَدْ قيل: يُقَدَّرُ المَوْتُ فِي حَقِّ الكُلِّ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ الحَيَاةُ في حَقِّ الكُلِّ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ خِلاَفُهُ غَيَّرْنَا الحُكْمُ.

"

أسباب تمنع صرف المال إليه في الحال للشك في استحقاقه

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَوَّلُ ما نذكره أن عدّ هذا من المَوَانِع أو الدَّوَافِعِ غيرُ مُتَّجَهٍ؛ لأن امتناع الصَّرْف في الحال ليس إلاَّ التوقُّفَ إلَى زوال الشَّكِّ في الاستحقاق علَى ما ستعرفه، وحينئذٍ إنْ تبين أنَّه ليْسَ بمستحقٍّ، فذاك، وإلاَّ، صرف إليه، والتوقُّف ليس حُكُماً بعدم التوْرِيث.
والمقصود أن الموصوف بسبب الإرْث قد يمتنع صرْفُ المال إليه للشَّكِّ في استحقاقه، وهذا الشكُّ قد يكُونُ بعروض الشك في وجودِهِ، وقد يكُونُ للشَّكِّ في نسَبِهِ أو للشَّكِّ في الذكورة.
أما مع الشَّكِّ في الوجودِ أو دُونه، فهذه أربعةُ أسْبَاب: أما الشكُّ في الوجود، فكمن مات وله قريبٌ مفقودٌ، لا نُعْلَمُ حياتُهُ ولا موتُهُ، ولما جرَى ذكْر المفقود، وتكلَّم في توريث الغَيْر منْه، ثم في تورِيثِه من الغير، وإن كان الشكُّ في الوجود لا يَقَعُ إلاَّ في توريثه من الغَيْر، أمَّا التوريثُ منْه، فالمقْصُودُ الذي134

الجزء: 6 - الصفحة: 524

انْقَطَعَ خَبَرُه، وجُهِلَ حالُهُ، إما في سَفَر أو حَضَرٍ، في قتالِ أو عنْد انكسارِ سفينةٍ، وغيرهما, وله مالٌ حاضِرٌ، وفي معناه الأسيرُ، إذا انقطع خَبَرُهُ.
قال صاحبُ الكِتَابِ "ولا يقسَّم ما لم تقم بينة علَى موْتِهِ أو تَمْضِ مُدَّةٌ يحكم الحاكم فيها بأنَّ مثله لا يَعِيشُ".
فأمَّا القسْمةُ عنْد قيامِ البَيَّنَة على موته فجائز.
وأما إذا لم تَقُمْ؛ فعنِ الأستاذِ أبي مَنْصُورٍ وغيره، أن الصَّحيح أنَّه لا يقسم ماله، ولا مُدَّة ينتهي إليها؛ لاختلاف أعْمَارِ الناس في جميع الأعصار.
وقد نصَّ الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- على أنَّ زوجَةَ المفْقُود تَصْبِرُ إلَى أن يعرفَ حالُهُ، فكذلك ههنا.
والأكثرون أجَابُوا بما ذكَرَهُ في الكتَابِ منْهم ابنُ اللَّبَّان وصاحب "الشامل" و"المهذب" وأبو الحسن العبَّادِيُّ، ولعلَّه الأظهر.
وعلَى هذا؛ فالبحثُ والنَّظَر في أمور: أحدها: ليستْ هذه المدَّةُ مقدَّرة عند الجمهور، قالوا: وهُوَ الظاهر من مذهب أبي حنيفَة ومالك -رحمهما الله- ومِنْ أصحاب مالكٍ من يُقَدِّرها بسبعينَ سَنَةً، ومِنْ أصحابِ 135 أبي حنيفَة مَنْ يقدِّرها بمائَةٍ وعشرِينَ سنَةً، ويرويه عنه.
ومن أصحاب مالك من يقدرِّها بتسعين سنة، ومن فرائض بعْضِ المتأخِّرين أن مِنْ أصحابنا مَنْ قال به.
وعن أحمدَ أنَّه ينتظر أربع سنين، فإذا مضَتْ، ولا أثر، قُسِّم ماله، ونكحت زوجته، فيجُوزُ أنْ يُعْلَم قولُهُ: "لا يقسَّم" بالألف كذلك.
والثاني: أنَّه تعتبر مدة يقطع بأنَّه لا يَعيشُ أكْثَرَ منها أو مدَّة يغْلِبُ على الظنِّ أنه لا يعيشُ أكثر منها، منهم من اكتفَى بغالب الظنِّ، ومنهم من أطْلَقَ لفْظ القطع واليقين.
هذا ابن اللَّبَّانِ يقُولُ: كان الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا يقسِّم مالَهُ، حتى يُعْلَمَ موْتُهُ أو تمْضِيَ مدَّةٌ يُتَيَقَّنُ فيها بمَوْتِهِ، والأشْبَهُ الأوَّل، ويجوز أن يُحْمَلَ الثاني علَيْه؛ لأنه قد يتساهَلُ في إطْلاق لفظ اليقِينْ على الظَّنِّ الغالب؛ ألا ترَى إلى قَوْلَ الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في أمْرأةِ المفْقُود، وأنَّها لا تُنْكَحُ ما لَمْ يَأتها يقينُ وفاتِهِ، ومعْلومٌ أن قيام البيِّنة على الوفاةِ كافٍ، وأنَّها لا تفيدُ القَطْع.
الثالث: لعلَّك تقولُ: من الأصحابِ مَنْ يقول: لا يقسَّم مالُهُ حتَّى تمضي مدةٌ،

الجزء: 6 - الصفحة: 525

يُعْلَمُ موْتُهُ فيها, ولا يتعرَّض لحكْم الحاكِم، كما نقل عن ابنِ اللَّبَّانِ.
ومنْهم مَنْ يعتبر الحُكْم علَى ما ذكره في الكتابِ، فَكيْفَ الحَالُ فيه؟ والذي ينبَغِي أنْ يُقَال في الجوابِ: إن القسمة، وإن كانَتْ بالقَاضِي، فقسمته تتضمَّن الحكْمَ بالمَوْت، وإنِ أقتسَمُوا بأنْفُسِهِم، فيجوز أن يقدَّر فيه خلافٌ، إن اعتبرنا القطْع، فلا حاجة إلَيْه، وإلا، فلا بدَّ منه؛ لأنَّه في مَحَلِّ الاجتهاد.
وأيضاً، فإنَّهم حكَوُا؛ تفريعاً على القول القديم من امرأةِ المفقود، وجْهَيْن في أنها، هلْ تحتاجُ إلَى حُكْمِ الحاكمِ؛ لتنكح أمْ يكْفِي مُضي المدة؟ والظاهرُ اعتبارُ الحُكْم.
الرابع: إذا مضَتِ المدَّةُ المعتبرةُ وقُسِّم ماله، فهل لزوجته أن تَنْكِحَ؟ والجوابُ من مفهومِ كلامِ الأئمَّة -رحمهم الله- دَلاَلَةً وتصريحاً أن لَهَا ذلِكَ، وأنَّ المنْعَ على الجديدِ مخْصُوصٌ بما قبل هذه المدة، ألا تَرَى أنَّهم ردُّوا على القوْلِ القديمِ حيْث اكتفى بأربعِ سنين، بأنه، إذا لم يَجُزْ الحكم بمَوْتِهِ في قَسْمة أموالِهِ وعِتْقِ أمهات أولادِهِ، لم يَجُزِ الحكم به في فِرَاقِ زوْجَتِهِ.
فأشعر بأنَّهم رأَوُا الحكمَيْنِ متلازِمَيْنِ.
وعلَى هذا؛ فالعبدُ المنقطعُ الخَبَرِ بعْد هذه المدَّة لا تجبُ فطرته، ولا يجزئُ عن الكفَّارة بلا خلافٍ، وموضعُ القَوليْن ما قبل ذلك.
ولا يبْقَى للاستناد مُتَمَسَّكٌ في نصِّه الجديدِ في مسْألة المَفْقُود.
وقوله: "فيقسّم على ورثته الموجودِينَ عند الحُكْم" معناه أنَّا ننْظُرُ إلى مَنْ يَرِثُه حينَ حَكَم الحاكمُ بموته، ولا يُوَرَّثُ من مات قبْل الحُكْم، ولو بلحظة؛ لجواز أن يكونَ مَوْت المفقود بَيْنَ موْتِهِ وبيْنَ حُكْم الحاكم.
وأشار العَبَّادِيُّ في "الرَّقْم" إلى أنَّه لا يشترطُ أنْ يقع حكْمُ الحاكمِ بَعْد المدة، فقال: "يضرب الإمامُ لَهُ مدَّة لا يعيشُ في الغالب أكْثَرَ من تلْك المدة، فإذا انتهتْ، فكأنه مات ذلك اليَوْمَ" هذا لفْظُه.
وأمَّا توريثُه، فإذا مات للمفقودِ قبْل الحكْمِ بموته قريبٌ حاضِرٌ، نُظِرَ: إنْ لم يكُنْ له إلا المفقودُ، توقَّفْنا إلى أن يتبيَّن أنه كان حياً عنْ مَوْت الحاضر أو ميتاً، وإن كان له غير المفقُودِ، توقَّفْنا في نصيب المفْقُود، وأخذنا في حقِّ محل واحدٍ من الحاضِرِينَ بالأسْوإِ، فمن يسقط منهم بالمفقود لا يُعْطَى شيئاً إلى أن يتبيَّن حاله 136، ومن ينقص

الجزء: 6 - الصفحة: 526

حقُّه بحياته، يُقَدَّر في حقه حياتُهُ، ومن ينقص حقُّه بموته، يُقدَّر في حقِّه موتُهُ، ومن لا يختلفُ نصيبه بحياته وموته، أُعْطِيَ نصيبَهُ.
ونوضِّح ذلك بالمثال: زوْجٌ مفقودٌ وأختانِ لأبٍ وعمٌّ حاضِرْونَ [فإن كان حيّاً، فللأختين أربعةٌ من سبعةٍ، ولا شيء للعَمِّ، وإن كان ميتاً] 137 فلهما اثنانِ منْ ثلاثةٍ، والباقي للعمِّ، فيقدَّر من حقِّهم حياته.
أخٌ لأبٍ مفقود، وأخٌ مِنَ الأبوَيْنِ، وجَدٌّ حاضرٌ: فإنْ كان حيّاً، حصَل للأخ من الأبوين الثلثانِ، وللجَدِّ الثلثُ، وإن كان ميِّتاً، فالمال بينهما، بالسويَّةِ، فيقدَّر في حق الجدِّ حياتُه، وفي حقِّ الأخ موتُهُ، حتى لا يأخُذَ إلاَّ النصف أخٌ من الأبوين مفقودٌ وأختانِ من الأبويْنِ، وزَوْجٌ حاضِرُونَ، إن كان حياً، فللزوج النَّصْفُ، له والباقي بينهم؛ فيحصل للأختينِ ربُعُ المال.
وإن كان ميِّتاً، حصَلَ للزَّوْج ثلاثةٌ من سبعة، وللأختَيْنِ أربعة من سبعةٍ، فيقدَّر في حقِّ الزوْجِ موْتُه حتَّى لا يأخذ إلاَّ ثلاثةً من سبعة، وفي حقِّ الأختَيْنِ حياتُهُ، حتى لا يصرف إليهما إلاَّ قدْرُ الربع.
ابنٌ مفقودٌ وبنْتٌ، وزوجٌ حاضران: للزوْجِ الربعُ بكلِّ حالٍ، فيسلَّم إليه.
هذا ظاهرُ المَذْهَبِ في المسْألة، ووراءه وجْهان: أحدهما: أنا نقدِّر موْتَهُ في حقِّ الكلِّ؛ لأنَّ استحقاقَ الحاضِرِينَ معْلومٌ، واستحقاقه مشكوكٌ فيه، فإنْ ظهر خلافُهُ، غَيَّرْنَا الحكم.
والثاني: أنَّا نقدِّر حياته في حق الكلِّ، لأنَّ الأصل بقاءُ حياتِهِ، فإنْ ظهر خلافُهُ، غيَّرنا الحكْمَ.
وقوله في الكتاب: "وأخذنا من حق كلِّ واحدٍ من الحاضِرِينَ بِأَضَرِّ الأحوال؛ فمن كان ينقص حقُّه بموته" إلى آخره كافٍ مُغْذٍ بين ذلك، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الإِشْكَالُ فِي النَّسَبِ فَهْوَ الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى عَرْضِهِ (ح) عَلَى القَائِفِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَفْقُودِ.
= حياً استحقت، وإن كان ميتاً لم تستحق فيقدر في الأُولى موته، وفي الثانية حياته، فإن قيل ما مثال من ينقص حقه بتقدير موته.
قلنا: مثاله بنتان وأبوان وزوجة وابن غائب، فإن قدرنا موته كانت المنبرية بعينها لأن قدرنا حياته كان للزوج الثمن وللأب السدس ولاُم السدس، والباقي ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولكن الأحوط هو الأول لأن به ينقص نصيب الأب والأُم والزوجة.

الجزء: 6 - الصفحة: 527

"

القول في الشك في النسب

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أشكلَ نَسَبُ المولدِ بأنْ وطئَ اثنانِ فَصَاعداً امرأةً بالشبهةِ، فأتَتْ بولَدٍ، يمكنُ أنْ يكون منْ هذا، ومِنْ هذا، أو تداعى اثنانِ فصاعداً مجْهُولاً، فسيأْتِي في موضعه -إن شاء الله تعالى- أنَّه لا يُلْحَقُ بهما جميعاً، بل يعرض على القَائِفِ، فلو مات في زمان الإِشكال، وقَفْنا ميراث الأب، وإنْ مات أحدُهُما، توقَّفْنا في مِيرَاثِ المولود منه، ونأخذ في نَصِيبِ كُلِّ مَنْ يرثُ معه، لو ثبت نسبَهُ بالأَسْوَإِ، كما مَرَّ في توريث المفقود.
ويجُوزُ إعْلامُ المسألةِ بالحاء؛ لأنَّ عند أبي حنيفةَ لا حُكْم للقائف، ولا إشكال في النَّسَب، بل يلحق بالاثنَيْن فصاعداً، ويرث كلَّ واحد منهما ميراثَ ابْنٍ كاملٍ، ويرثان منه ميراثَ ابنٍ واحدٍ، لو مات قبلهما.
فإنْ ماتَ أحَدُهما، ثم مات المولُودُ، ورِثَ الأخيرُ منْه ميراثَ أبٍ كاملٍ، قال: ولو أقام اثنانِ البيِّنَة، كلُّ واحدٍ علَى أنه ابنُهُ مِنِ امرأته، وكان ابناً للرجلَيْن والمرأتَيْن، والتوارُث بينه وبين المرأتَيْن كهُوَ بيْنَةُ وبين الرجلَيْن، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الاِشْكَالُ فِي الذُّكُورَة وَالوُجُودِ جَمِيعاً فَبِأَنْ يُخَلِّفَ المَيِّتُ زَوْجَةً حَبْلَى فَنَأْخُذُ بِأَضَرِّ الأَحْوَالِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الوَرَثَةِ، وَأَقْصَى المُحْتَمَلِ (و) مِنْ حَيْثُ العَدَدُ أن يُقَدَّرُ أَرْبَعَةُ أَوْلاَدٍ.

"

ميراث الحمل

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: والمقصودُ بيانُ ميراثِ الحمْل؛ ونعني به كلَّ حمل، لو كان منفصلاً، لَوَرِثَ منه إمَّا مطلقاً أو عَلَى تقْدِير.
وهذا الحمْلُ قد يكُونُ منَ الميِّت، ويرث لا محالَةَ، وقد يكُونُ مِنْ غيره، كما لو كانتْ أُمُّه حاملاً منْ غير أبيه أو مِنْ أبِيهِ، والأبُ ميِّت أو محجوبٌ برقِّ وما في معناه، وكذا زوْجَة ابنه أو أخيهِ أوِ جَدِّه، والحملُ من غيره قد لاَ يَرِثُ إلاَّ علَى تقدير الذُّكُورة كَحَمْلِ امْرأةِ الأخِ والجَدِّ، وقد لا يرثُ إلاَّ علَى تقدير الأنوثة؛ كما إذا مات عَنْ زوجٍ وأختٍ من الأبَوَيْنِ وحمل من الأب، وفيه فصلان: الفَصْلُ الأَوَّلُ: فيما بعد الانفصال، وإنَّما يرث بشَرْطَيْنِ: أحَدُهُمَا: أن يعلم وجوده عنْد المَوْتِ، فإذا كان الحَمْل منْه، وانْفَصَلَ لما بين موته وبَيْن أكثر مدة الحمل، ورث لثُبُوتِ نسبه، إن انفصلَ لِمَا بعْدَ ذلك، لم يَرِثْ، وإن

الجزء: 6 - الصفحة: 528

كان منْ غيره، نُظِرَ: إن لم يكنْ لها زوْجٌ يَطَؤُها 138، فالحكْمُ كما لو كان الحَمْلُ منه، ولم يذْكُرُوا ههنا الوجْهَيْنِ فيما إذا أوصَى لحملِ امرأةِ، وانفصل الولَدُ لستَّةِ أشهرٍ فأكثر، وليسَتْ هي ذاتَ زوْجٍ أنه، هلْ يستحق؟ وسببه أنَّ النسبِ ثابت، والميراث يتبع النسب، والوصيَّة بخلافه، وإن كان لها زوْجٌ يَطَؤُهَا، فإنِ انفصَلَ قبْل تمامِ ستَّةٍ أشهرٍ من وقت الموت، فقد عُلِمَ وجوده، حينئذ، وإن انفصَلَ لستةِ أشْهُرٍ فأكثر، لم يرثْ؛ لاحتمال أنَّ العلوق حصَلَ بعْده، إلاَّ أن يعترف سائر الورثة بوجودِهِ عنْد الموت.
وإذا ماتَ حُرٌّ عن أبٍ رقيقٍ تحته حرَّةٌ حاملٌ، فإن ولدَتْ قبل ستة أشهرٍ مِنْ يوْمِ الموْتِ، ورث المولودُ من أخيه، والأب الرقيقُ لا يَحْجُبُ.
وإنْ ولدَتْ لستةِ أشْهر فصاعداً، لاحتمال حُدُوث العُلُوق بعْد الموت إلاَّ إذا تطابَقُوا علَى وجوده يومَئِذٍ، وينبَغِي أنْ يمسك الأَبُ عن الوطءِ حتَّى يظهر الحال.
قال الإِمَامُ: ولا نقُولُ بتحْريمه.
والثاني: أن ينفصل حيّاً، فإنِ انفصَلَ ميتاً، فكأن لا حَمْلَ، سواءٌ كان يتحرَّك في البطْن أو لا يتحرَّك، وسواءٌ انفصَلَ ميتاً بِنَفْسِهِ 139 أو بجناية جانٍ.
وإنْ كانَتِ الجنايةُ توجِبُ الغرَّةَ، وتصرف الغرة إلَى ورثة الجنينِ, لأن إِيجاب الغرة لا يتعيَّن له تقدير الحيَاةِ؛ ألا ترَى إلَى قولِ الأصحابِ أنَّ الغرَّةَ إِنَّما وجبَتْ لدَفْعِ الجاني الحياةَ مع تَهَيُّؤِ الجنينِ لها، وبتقديرِ أنْ يكون وجُوبَ الغرة علَى تقدير الحياة، فالحياة مقدرةٌ في حقِّ الجاني خاصَّةً، فتقدر في توريث الغرة خاصَّةً، وإنما تشترط الحياةُ عنْد تمامِ الانفصال.
فلو خرج بعْضُه حيّاً، ومات قبل تمام الانفصال، فهو كما لو خَرَج ميتاً، وكذا في سائر الأحكام، حتَّى لو ضرب ضارَبٌ بطْنَها بعْد خروجِ بعْضِهِ، وانفصل ميتاً، فالواجبُ الغُرَّة دون الدِّيَة، هذا ظاهرُ المَذْهَب، وعن القَفَّال وغيره: أنَّه إذا خَرَج بعْضُه حياً، وَرِث؛ وإنْ كان عند الانفصالِ مَيِّتاً، وبه قال أبو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ.
وعند أبي حنيفة أنه إذا خَرَج أكْثَرُه حَيّاً، ثم مات، وَرِث، ولو ماتَ عَقِيبَ انفصالِهِ حيّاً بحياةٍ مستقرَّةٍ، فنصيبُهُ لورثَتِهِ، وتعلم الحياةُ المستقرَّة بصراحة، وهو الاستهلاَلُ، وكذلك بالبكاءُ والعُطَاس والتَّثَاؤُبِ وامتصاصِ الثَّدْيِ؛ لدلالتها علَى الحياةِ

الجزء: 6 - الصفحة: 529

دَلاَلَةَ الاستهلال وقال مالكٌ: الاعتبارُ بالاستهلاَلِ لا غَيْرُ وحكى الإمامُ اختلافَ قول في الحركَةِ والاختلاج، ثم قال: وليْسَ موْضع القولَيْنِ ما إذا اقبض اليد وبَسَطَها، فإنَّ هذه الحركةَ تَدُلُّ على الحياة قَطْعاً، ولا الاختلاج الذي يقع مثلُه؛ لاِنْضِغَاط وتقلُّصٍ، عصب فيما أَظُنُّ 140، وإنما الاختلاف فيما بيْن هاتَيْن الحركَتَيْنِ، والظاهرُ كيف ما قُدِّرَ الخلافُ أن ما لا تعلم به الحياةُ، [و] يمكن أن يكون مثلُهُ لانتشار، بسبب الخروجِ من المَضِيقِ، أو لاستواء عن التواء فلا عبرة به كما لا عبرة بحركة المذبوح.
ولو ذُبح رجُلٌ، وهو يتحرَّك، فمات أبُوهُ في تلْك السَّاعة، لم يرثِ المذبُوحُ منه.
وفي "تجربة" الرُّويَانِيَّ وجه آخر ضعيفٌ، أنَّه يرث، وحكَى الحناطيُّ قريباً منه عن المُزَنِيِّ 141. الفَصْلُ الثَّاني: فيما قبل الانْفِصَالِ، ومهما ظهرت مخايلُ الحَمْل، فلا بُدَّ من التوقُّف -كما سنفصله- وإنْ لم تظهر مخايلُهُ، وادعت المرأةُ، ووصفت علاماتٍ خفيَّةً، ففيه تردُّد للإمام.
والظاهر الاعتمادُ علَى قوْلِهَا 142، وطرد التَّرَدُّد فيما إذا لم تدَّعه، لكنها قريبةُ العَهد بالوطء، واحتمالُ الحَمْلِ قريبٌ.
إذا عرف ذلك، فإن لم يكُنْ للميِّتِ وارِثٌ سوى الحَمْل المرتَقَبِ، وقفنا المَالَ إلى أن ينْفَصِلَ.
وإن كان له وارثٌ آخَرُ، فَعَنْ أبي حنيفةَ ومَالِكِ، أنه يوقَفُ أيضاً، ولا يُصْرَفُ شيْءٌ منْه في الحالِ إلَى سائر الورثةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 530

قال في "الإبانة" وبه قال بعض أصحابنا وحكاه الشيخ أبو خلف الطَّبَرِيُّ قولاً عن رواية الرَّبِيعِ.
والظاهر من مذْهَبِنَا ومذْهَبِ أبي حنيفة: أنَّه لا يوقَفُ الجميع، ولكن يُنْظَر في الظَّاهِرين من الورثة فيمن يحجبه الحمل، إذا انفصل حَيّاً؛ إِما مطلقاً؛ كأولاد الأمِّ، إذا كان الحَمْلُ من الميِّت أو على بَعْضِ التقديرات؛ كأولاد الأبِ والأُمِّ لا يُدْفَعُ إلَيْه شيْءٌ، ومن لا يَحْجُبُهُ الحَمْل، وله مقدَّر لا ينقص منه، دُفِعَ إلَيْه، فإن أمكن العول دُفِعَ إلَيْه ذلك القَدْر عائلاً.
مثالُهُ: زوْجَةٌ حامِلٌ وأبوانِ، يُدْفَعُ إلى الزَّوْجة ثُمُنٌ عائل، وإلى الأبوَيْنِ سدُسَانِ عائلاَنِ؛ لاحتمالِ أنْ يكُونَ الحَمْلُ بنْتَيْنِ، فإن لم يكُنْ له نصيبٌ مقدَّرٌ؛ كالأولاد، فهل يُصْرَفُ إليهم شَيْءٌ؟ يبنَى علَى أنَّه، هَلْ لِأَقْصَى عددِ الحَمْلِ ضبْطٌ؟ والأصحابُ فيه مختلفُونَ؛ فعن شَيْخَي المَذْهَبِ أبِي حَامِدٍ والقَفَّال: أنه لا ضَبْطَ لذلك، وبه قال أصحابُنَا العراقيُّون والصَّيْدَلاَنِيُّ والقاضي حُسَيْنٌ؛ لأن الشافعيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: أخبرني شيخ باليَمَنِ أنَّه وُلِدَ له خمْسَةُ أولادِ في بَطْنٍ واحدٍ.
وعن ابن المِرْزُبَانِ أن امرأةً بالأنبار أَلْقَتْ كيساً، فيه اثْنَا عَشَرَ ولداً، وذكر صاحب "التهذيب" أن هذا أصَحُّ.
وقال آخَرُونَ: أقصى الحمْل أربعةٌ، وهذا ما أوردَهُ صاحب الكتاب والقاضي ابن كَجٍّ، وجعله الفرضيون قياسَ قَوْل الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وأَرَادُوا به أنَّ الشافِعِيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يتبع في مثْل ذَلِكَ الوُجُودِ، وأكثر العدد الذي وُجدَ أربعةٌ.
لكن هذا يشكل بما نقله الأَوَّلُون.
وروى عبْدُ الله بْنُ المبَارَكِ عن أبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مثْلَ الوَجْهِ الثاني.
فلو قلْنا بالأَوَّل: فلو خلَّف ابْناً وأمَّ وَلَدٍ حاملاً، لم يُصْرَفُ إلى الابْنِ شيْءٌ، ولو خلَّف ابْناً وزوجةً حاملاً، فلها الثمُنُ، ولا يُدْفَعُ إلى الابْنِ شيْءٌ، وعلى الثاني له الخُمُسُ أو خُمُس الباقي على تقدير أنَّهم أربعةٌ ذكورٌ.
وعلى هذا؛ فهل يُمَكَّنُ الذين صرف إليهم حصَّتهم مِنَ التصرُّف فيها؟ عن القفَّال: أنهم لا يُمَكَّنُون منْه؛ لأنَّه قد يَهْلِكُ الموقوف للحَمْل، فيحتاج إلى استِرْدَادِ، والحاكمُ، وإن كان يَلي أمْرَ الأطْفَال، لكنه لا يَلِي أمْرَ الأجنَّة، فلا يمكن حمْل ما جَرَى على القسمة.
والظاهرُ التمكن، ولَو مُنِعُوا من التصرُّف، لما دفع إليهم.
ثم الموقوفُ للحَمْلِ على الوجْهِ الثَّاني، قدْ يكُونُ بتَقْدِير الذُّكُورة أكثر كما إِذا خلَّف ابْناً وحَمْلاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 531

وقد يكُونُ بتَقْدِيرِ الأنونة أكْثَرَ كما لو خَلَّفت زوجاً وأُمّاً حامِلاً من أبيها، فإنْ كان الحَمْلُ ذَكَراً أو ذُكُوراً، فإنما يحصل لهم سدس المال أو ثلثه، وإن كان اثنين فتعول المسألةُ، ويكون لهما أربعةٌ من ثمانيةٍ، فيقف أربعة من ثمانية، ويدفع إلى الأُمِّ سهْماً، وإلى الزوج ثلاثةً، فنأخذ بأَضَرِّ الاحتمالات في كلِّ صورةٍ علَى ما ذكَرَهُ في الكتاب.
وقوله: "وأقصى الحَمْل منْ حيْثُ العدد" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما بيناه، وبالألف؛ لأن عند أحمد -رحمه الله- الأقصى اثنان.

فرعان

: الأوَّلُ: ماتَ الكافرُ عنِ امرأةٍ حاملٍ، ووقَفْنا الميراث للحمل، فأسلَمَتْ، ثم ولَدَتْ، ورِثَ الولدُ، وإن كان مَحْكوماً بإسْلاَمه, لأنه كان مَحْكُوماً بكُفْره يوْمَ المَوْتِ.
الثاني: ماتَ عَنِ ابنٍ وزوجةٍ حاملٍ، فولَدَتِ ابناً وبنْتاً، فاستهلَّ أحدُهُمَا، ووُجِدا ميِّتَيْنِ، ولم يدر المستهِلَّ أيُّهما، يعطي كلّ وارث أقلّ ما يصيبَه، ويوقَفُ الباقِي، حتَّى يصطلحوا أو تقوم بينة.
وهذا الفَرْعُ ونظائرُهُ يُعْرَفُ بـ"مسائل الاستهلالِ" ولها حسَابٌ دقيق، نورده في فصول الحِسَابِ، إن شَاءَ الله تعالَى.
قال الغَزَالِيُّ: وَكذَلِكَ لَوْ خَلَّفَ وَلَداً خُنْثَى فَنَأْخُذُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ البَاقِينَ (ح و) بِأَسْوَإِ الاحْتِمَالاَتِ أَخْذاً بِالمُسْتَيْقَنِ وَتَوَقفاً فِي مَحَلِّ الشَّكِّ.

"

القول في ميراث الخنثى

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخُنْثَي: هُو الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وفَرْجٌ، أو لَيْسَ لَه واحدٌ منهما، وَلَه ثُقْبَةٌ يَبُولُ مِنْها، وَقَدْ مَرَّ فِي "كِتَابِ الطَّهَارَةِ" الطُّرقُ الَّتي تُعْرَفُ بِها ذُكورتُه وأُنُوثَتُهُ.
وإِذَا ماتَ مدَّةِ الإشْكالِ مورِّثٌ لَهُ، فَيُنْظَرُ: إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ ميراثُه بذكورَتِهِ وأُنوثَتِه؛ كأَولادِ الأمِّ، والمُعْتَقِ، وَرِثَ ولا إشْكالَ.
وإن اخْتَلَفَ؛ فَيوخَذُ في حَقِّ الخُنْثَى، ومَنْ مَعَهُ مِنَ الوَرَثَةِ باليقينِ، وَيُوقَفُ المشْكُوكُ فيه، فَإِنْ كَانَ يرِثُ علَى أحدِ تَقْدِيرِي الذُّكُورَةِ، والأُنُوثَةِ دونَ الآخَرِ، لم يُدْفَعْ إلَيْه شَيْءٌ، وَوَقَفَ ما يرِثُه علَى ذلك التَّقْدِيرِ، وكذَلِك فيمنْ يرِثُ مَعَهُ علَى أحدِ التَّقْدِيرَيْن دونَ الآخَرِ، وإنْ كانَ يرثُ علَى التَّقْديرَيْنِ، لكنَّه يرِثُ علَى أحَدِ التَّقديرَيْنِ أقَلَّ، دُفِعَ إليه الأقلُّ، ووُقِفَ البَاقي، وكذلك في حقِّ من يرث معه علَى التقديرَيْنِ، ويختلف قَدْرُ ما يأخُذُهُ، وإن كان مَنْ مَعَه، يرث على التقديرَيْنِ، ولا يختلفُ ما يأْخُذُهُ، دفع إليه حَقُّه.
وقال أبُو حنيفةَ: يُؤخَذُ في حقِّ الخُنثى باليَقينِ، ولكنْ لا يُوقَفُ البَاقِي، بل يُعْرَفُ إلَى سائرِ الورثةِ, لأنَّ سَبَبَ استحقاقِهِمْ ثابتٌ، فَلاَ يُحْجَبُون بإشكالِ حالِ الخُنْثَى، وبهِ

الجزء: 6 - الصفحة: 532

قَالَ بعضُ أصحابِنا، فيما رَوَاهُ الأستاذُ أبو منصورٍ (1)، ورَأَيْتُ ابْنَ اللَّبَّانِ نَسَبَه إلَى تخريجِ ابنِ سُرَيْجٍ، وحكَى وجهَيْنِ في أنَّه، هَلْ يُؤْخَذُ من سائرِ الوَرَثَةِ ضمينٌ.
وعنْ مالكٍ، وبعضِ أصْحابِهِ: أنَّه يُؤْخَذُ بذكُورَةِ الخُنْثَى.
وقالَ أحمدُ: له نِصفُ نَصيبِ الذَّكَرِ، ونصْفُ نَصيبِ الأُنْثَى.
لَنَا: أنَّه أَشْكَلَ أمره فَيُوقَفُ ما تَردد فيه، كالمفقودِ، ويجوزُ أنْ يُعْلَم؛ لِمَا ذكَرْنا قولُه: " [فَنَأْخُذُ] في حَقِّه" بالميمِ والأَلِفِ، وقولُه: "في حقِّ الحاضرين" بالحاءِ والواوِ.
وكانَ ينبغِي أنْ يقول بدلَ "الحاضرين" الواضحين، أو الباقين، وهُوَ المرادُ، فكأنَّ اللِّسَانَ، أو القَلَمَ سَبَقَ إلَى ذكْر الحاضرِينَ؛ لِمَا مرَّ في المفقود.

[أمثلة توضح مسائل الخنثى]

ولا بُدَّ من إيضَاحِ ال

فَصْلِ

بالأمْثِلةِ: بنْتَانِ وولدُ ابْنٍ خُنْثَى وَأَخٌ للبنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، ويُوقَفُ البَاقِي.
وَلَدٌ خُنْثَى، وأخٌ أو عَمٌّ: للخُنثَى النصفُ، وُيوقَفُ البَاقِي، ولا يُدْفَعُ إلى الأخِ والعمِّ شيْءٌ.
ولدُ خنثَى وابْنُ: يُدْفَعُ إلى الخُنْثَى الثلثُ، وإلى الابْنِ النِّصْفُ، وُيوقَفُ الباقِي بينهما.
وَلَدٌ خُنْثَى وابنانِ: يُدفَعُ إلى الخُنثَى الخُمُسُ، والابنان الثُّلثانِ 144. ولدٌ خنثى وبنتُ وعمٍّ: يدفعُ إلى الوَلَدَيْنِ الثُّلُثَانِ بالسويَّة وُيوقَفُ الباقِي بين الخُنْثَى والْعَمِّ.143

الجزء: 6 - الصفحة: 533

زَوْجٌ، وَأَبٌ، وولدٌ وخُنْثَى: للزَّوْجِ الرُّبُعُ، وللأَبِ السُّدُسُ، وللخُنْثَى النِّصْفُ، وُيوقَفُ الباقِي بيْن الأَبِ والخُنْثَى.
زوجٌ، وأمٌّ, وولدُ أَبٍ خُنثَى: للزَّوْج النصفُ عائِلاً؛ لأنَّ علَى تَقْديرِ الأُنُوثَةِ تَعولُ المسالةُ إلى ثَمَانِيةٍ، فللأم الثلثُ عَائِلاً، ويُدْفَعُ إلى الخُنْثَى السُّدُسُ التَّامُّ مِنَ المَالِ.
وإذَا اجتمعَ وَلَدَانٍ خُنْثَيَانِ، فَلَهُمَا الثُّلثَانِ، وُيوقَفُ البَاقِي.
ثلاثةُ أولادٍ خَنَاثَى وعمٌّ: لِكُلِّ واحدٍ مِنْهم خُمُسُ المالِ، لاحتمالِ أنَّه أُنْثَى، والآخرانِ ذَكَرَانِ وُيوقَفُ البَاقِي إلَى تَمامِ الثُّلُثَيْنِ بَيْنَهم، وباقي المالِ بينَهُمْ وبَيْنَ العَمِّ.
ابْنُ وخُنْثِيَانِ: يُدْفَعُ إلى الابْنِ الثُّلُثُ، وإلَى كلِّ واحدٍ مِنْهُمَا الخمسُ، فتكونُ القِسْمَةُ من خمسةَ عَشَرَ، ويُوقَفُ سَهْمٌ ونِصفٌ بينَ الخُنْثَتَيْنِ، والبَاقِي بَيْنَهُمَا وبَيْنَ الابْنِ.
ولدٌ خُنْثَى وولدُ ابنٍ خُنْثَى وعمٌّ: للولدِ النصْفُ، وَيُوقفُ السُّدُسُ بَينَهما والبَاقي بَيْنهما وبَيْنَ العمِّ.
بنتٌ وبنتُ ابنٍ، وولدُ ابْنٍ خُنْثَى وعمٌّ: للبنتِ النَّصْفُ ولوَلَدَي الابنِ السدسُ بالسَّويَّةِ والبَاقِي بينهما وبيْنَ العمِّ.
ثلاثةُ أولادِ [ابنِ] خناثى بعضُهُم أسفلُ مِن بعضٍ، وعمٌّ: للأَعْلَى النِّصْفُ، ويُوقَفُ السدسُ بينَه وبَيْنَ الأَوْسَطِ، والبَاقِي بينَ الكلِّ.
ثمَّ أَتَى الإمَامُ [رحمه اللَّهُ] من ميراثِ الخُنْثَى بمباحَثَاتٍ مُفِيدَةٍ: إحداها: أنَّ المالَ الموقوفَ، إلَى متَى يُوقَفُ؟ فإِنْ لَم يكنْ له غايةٌ، أفْضَى إلى تَعْطِيلِه، وإبطالِ فائدتِه وأجابَ بأنَّه لا بدَّ من التوقُّفِ؛ ما دَامَ الخُنْثَى باقياً، والبيانُ مُتَوقَّعَاً، فإذَا ماتَ، فعنِ الأُسْتاذِ أبِي منصورٍ: أنَّ أبَا ثَوْرٍ حَكَى عنِ الشَّافِعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قولاً أنَّه لا يُوقَفُ بعدَ ذَلك، بلْ يُرَدَّ إلى وَرَثَةِ الميَّتِ الأول، وشبهه بوجه ذُكِرَ فيما إذا أسلمَ الكافِرُ على أكثرَ من أربعِ نِسوةٍ، وماتَ قبلَ الاختيار: أنَّ الرَّبعَ أَوِ الثُّمُنَ يُقَسَّمُ بينَ جميعِهِن، ولا يُوقَفُ، والمشْهُورُ في الصورَتَيْنِ خلافُه.
الثَّانيةُ: لو اصطلحَ الذين وُقِفَ المالُ بينهم على تساوٍ، أو تَفَاوتٍ 145 جازَ قال الإمامُ: ولا بدَّ أن يجريَ بينهم تواهبٌ، وإلاَّ، بقيَ المالُ على صُورَةِ التَّوقُّفِ، وهذَا التَّواهبُ لا يكونُ إلاَّ عنْ جهالةٍ، لكنَّها تَحْتَمَلُ للضَّرُورَةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 534

ولو أخرجَ بعضُهم نفسه من البَيْنِ، وَوَهبَه لهم عَلَى جهلٍ بالحالِ 146 جازَ أيضاً.
الثالثةُ: لو قَالَ الخُنثى في أثناءِ الأمْرِ: أنَا رجلٌ أو امرأةٌ، فالَّذي ذكرَه الإمامُ: أنَّه يُقْضَى بقولِه، ولا نَظَر إلى التُّهْمَةِ؛ فإنَّه لا اطلاعَ على الحال إلاَّ مِن جِهَتِه وهَذَا ما حكاه أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ عن نِصِّهِ هاهُنَا قال: وَنصَّ فِيما إذا جُنِيَ عليهِ، واخْتَلَفَ الجَانِي والخُنْثى من ذكورَتِه، أنَّ القولَ قولُ الجانِي، فَمِنْهُمْ من نَقَل وخَرَّجَ، ومنهم من فَرق؛ بأنا عَرَفْنَا هُنَاك أصلاً ثابِتاً، وهُوَ بِراءَةُ ذمَّة الجَانِي، فلا نَرفَعُهُ بِقَولِه، وهَاهُنَا بِخِلافِه، وإذَا قَبلْنَا قوله؟ حلَّفْنَاهُ عَلَيه 147. هذا شرحُ ما ذَكَرَ فِي موانَعِ الإرْثِ، وَدَوَافِعِه، ومما عُدَّ منها، أنْ يلزمَ من التوريثِ نَفْيُه، فيصيرَ الدَّوْرُ مانعاً.
مثالُه: بإقرارُ الأخُ بابْنٍ لأَخِيهِ الميِّتِ ثَبَتَ نَسَبَه ولا يرثُ، والمسألةُ بِما فِيها مِنَ الخلافِ، قَدْ مَرَّتْ في "بابِ الإقرارِ".
ولَوْ أوْصَى بعبده لأبِي العَبْدِ، فماتَ الأَبُ قبلَ القَبولِ وقَبلها أخوه؛ يُعْتَقُ العبدُ ولا يرِثُ، وهِيَ مذكورةٌ في "كتابِ الوصيَّةِ" ومرةً أُخْرَى في أواخِر النِّكاحِ.
ولو اشْتَرَى المريضُ أباهُ، عَتَقَ، ولم يرِثْ 148، وَهِيَ مَذكورةٌ في النِّكاح أيضاً.
ولو ادَّعى مدَّع نَسَباً على وَرَثَةِ ميِّتٍ، فانكَرُوا ونَكَلُوا عن اليمينِ حَلَفَ وَورِثَ معَهُمْ، إنْ لمْ يَحْجُبْهم، وإنْ حَجَبَهُم، فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الأُستاذُ أبو منصورٍ: أصحُّهُما: أنَّه لا يرِثُ، وإلاَّ، بَطَلَ نُكُولُهُم ويمينُه، وبِهَذا، أجابَ الاستاذُ أبو إسْحَاقَ الإسْفَرَايِينِيُّ.
ولو ملَكَ أخَاه ثمَّ أقرَّ في مرضِ موتِه، أنَّه كانَ قَدْ أعتَقَه في الصَّحَةِ، قال في "التَّهذيبِ": كانَ العتق نافذاً وهلْ يرثه؟

الجزء: 6 - الصفحة: 535

إنّ صحَحَّنَا الإقرارَ للوارثِ، وَرِثَه، وإلاَّ لم يرِثْه؟ لأنَّ تَوريثَه يوجبُ إبطالَ الإقرارِ بحرِّيتِه، وإذا بطَلَتِ الحريَّةُ؟ بطَلَ الإرثُ، فأثبتْنا الحريَّةَ، وأسقْطنَا الإرثَ، ذكرَه في الإقرارِ.

" فَصْلٌ"

ثمّ إنَّ صاحبَ الكتاب، اشتغلَ بعدَ في الفصْلِ المعقودِ في الحسابِ، ولمْ يأتِ فيه بما يُقنِعُ، بلْ أحالَ مُعظَمَ ما فيهِ على "الوسيطِ"، وأهْمَلَ أيضًا أبوابًا يُعْتَنَى بِها من الفَرائِضِ مِنها: بابٌ في تَوريثِ المُطَلَّقاتِ، وبابٌ في الردِّ، وبابٌ في ذَوِي الأَرْحَام، وبابٌ في المسائلِ المَلَقَّبَاتِ، وبابٌ في مسائلِ المعاياة، وبابٌ في النَّسَبِ، ونحنُ لا نَطِيبُ قَلْبًا بإخلاءِ هَذَا الشَّرْحِ عَنْها، لكنْ نؤخِّرُ توريثَ المطلَّقاتِ إلى كتابِ الطَّلاقِ، فإنَّ طرقًا منه مذكور في الكتابِ هناك وَنَتَكلَّمُ أولًا في الردِّ وذَوِي الأَرْحام، ليتمَّ القولُ في الفتاوَى والأحكام، ثمّ نشرع في الحسابِ فنشرح ما في الكتاب، ونَضُّمُّ إليه ما يقعُ الاكتِفاءُ به، ثمّ نَخْتُم بفصولٍ في المُلقّباتِ والمعاياةِ والنَّسَبِ وبالله التوفيق الكلامُ في الردّ وذَوِي الأرحامِ أصل المذهبِ فيهمَا، وما اختارَه الأصحابُ -رحمهم الله- لضرورة فسادِ بيتٍ المالِ قد ذكرنَاهما في أول الكتَابِ.
وإذا قُلنا بالردّ، فحظِّ الفَتوَى منه، أنه إن لمْ يكنْ مِمَّن يُرَدُّ إليه من ذوِي الفروضِ إلاَّ صنفٌ واحدٌ، فإن كان شخصًا واحدًا، دُفِعَ إليهِ الفرضُ، والبَاقي بالردِّ وإن كانوا جماعةً، فالباقي بينَهُم بالسَّويَّة فإنِ اجتمعَ صِنْفانِ أو ثلاثةٌ، فالفاضلُ منَ الفروضِ يردُّ عليهم بقدِرِ سِهَامِهم.
وأمّا الحساب والتصحيحُ عند الردِّ، فيأْتِيَ من فُصولِ الحسابِ.

"

القول في ميراث ذوي الأرحام

" وأمّا توريثُ ذوي الأرحامِ، فالذاهِبُونَ منَّا إليهِ، اختَلَفُوا في كَيفِيَّتِهِ، فأخذَ بعضُهُم بمذهب أهلِ التَّنزيلِ 149.

الجزء: 6 - الصفحة: 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومن السهل معرفة ذوي الأرحام بعد ما عرفت أصحاب الفروض والعصبات فكل من خرج عنهما ممن يستحق المال فهو من ذوي الأرحام.
وقد اختلف الصحابة والتابعون والفقهاء في توريثهم إذا كان بيت المال موجودًا ومنتظمًا: فذهب الشَّافعي إلى أنه لا ميراث لهم وقال إن بيت المال أولى منهم وهو قول زيد بن ثابت وإحدى الروايتين عن عمر وعليه مالك وأكثر أهل المدينة والأوزاعي وأكثر أهل الشام.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن ذوي الأرحام أولى بالميراث من بيت المال وهو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وإحدى الروايتين عن عمر.
ومن التابعين عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وشريح والشعبي وطاوس.
ومن الفقهاء أهل العراق وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه.
استدل الأولون بوجوه: الأول: ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" فأشار -صلى الله عليه وسلم- إلى ما في القرآن من المواريث وليس فيه لذوي الأرحام شيء: ولو كان لهم حق لبينه.
وما كان ربك نسيًّا فمن جعل لهم حقًا فقد زاد على النص.
والزيادة على النص لا تثبت بخبر الواحد أو القياس: الثاني: ما رواه عطاء بن يسار: "أتى رجل من أهل البادية فقال يا رسول الله -إن رجلًا هلك وترك عمة وخالة.
فقال اللهم رجل ترك عمة وخالة -ثم سكت هنيهة- ثم قال لا أرى نزل علي شيء لا شيء لهما".
وروى زيد بن أسلم عن علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ركب إلى قباء يستخير الله تعالى في العمة والخالة فنزل عليه أن لا ميراث لهما.
وأيضًا -روى عمران بن سليمان- أن رجلًا مات فأتت بنت أخته النبي -صلى الله عليه وسلم- في الميراث.
فقال: "لا شيء لك -اللهم من منعت ممنوع، اللهم من منعت ممنوع".
الثالث: أن مشاركة الأنثى لأخيها أثبت في الميراث من انفرادها.
ألا ترى أن بنات الابن يسقطن مع البنتين وإن شاركهن ذكر ورثن وصرن له عصبة.
فلما كان بنات الأخوة والأعمام يسقطن مع أخواتهن كان أولى أن يسقطن بانفرادهن.
واستدل الآخرون على مذهبهم بما يأتي: "1" قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلا يجوز منعهم من الميراث وقد جعلهم الله أولى به.
وأجيب عن هذا: "1" أن المقصود بالآية نسخ التوارث بالحلف والهجرة ولم يرد بها أعيان من تستحق الميراث.
"2" أن قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ دليل على أن ما سوى ذلك البعض ليس بأولى لأن التبعيض يمنع الاستيعاب.
"3" أنه تعالى قال: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وكان ذلك مقصورًا على ما فيه وليس لهم فيه ذكر فدل على أن ليس لهم في الميراث حق.
"4" أن قوله تعالى: ﴿أَوْلَى﴾ محمول على ما سوى الميراث من الحضانة وما جرى مجراها إذ ليس في الآية ذكر ما هم به أولى.
"ب" ما رواه طاوس عن عائشة ورواه غيره عن عمر رضي الله عنهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: =

الجزء: 6 - الصفحة: 537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = "الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له".
وما رواه المقداد بن معديكرب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:- "الخال وارث من لا وارث له".
والجواب عنه:- "1" أن هذا الكلام موضوع في لسان العرب للسلب والنفي لا للإثبات وتقديره أن الخال ليس بوارث كما تقول العرب الجوع طعام من لا طعام له.
والدنيا دار من لا دار له.
والصبر حيلة من لا حيلة له يعني أنه ليس طعام ولا دار ولا حيلة.
"2" أنه جعل الميراث للخال الذي يعقل ولا يعقل إلا إذا كان عصبة ونحن نقول بإرث الخال إذا كان عصبة -والنزاع في خال ليس بعصبة.
"حـ" روي أنه توفي ثابت بن الدحداح ولم يدع وارثًا فرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فسأل عنه عاصم بن عديّ.
"هل ترك من أحد؟ فقال ما نعلم يا رسول الله ترك أحدًا -فدفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماله إلى ابن أخته".
وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "العم والد إذا لم يكن دونه أب والخالة والدة إذا لم تكن دونها أم".
وردّ هذا:- بأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أعطى ابن أخت أبي الدحداح لمصلحة رآها لا ميراثًا.
لأنه لما قيل لا وارث له.
دفعه إليه على أنه يجوز أن تكون عصبة خاصة قد يخفى سببها فلا يصح ادعاء العموم فيها: ونظيره ما رواه عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس، أن رجلًا مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل له أحد؟ قالوا لا إلا غلامًا له كان أعتقه "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هل له أحد؟ قالوا لا إلا غلامًا" فجعل -صلى الله عليه وسلم- ميراثه له.
ومعلوم أنه لا يستحق ميراثًا لكن فعل ذلك لمصلحة رآها.
ونظيره أيضًا -ما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: مات رجل من خزاعة فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بميراثه.
فقال: "التمسوا له وارثًا أو ذات رحم" فلم يجدوا له وارثا ولا ذات رحم فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أعطوه الكل من خزاعة" فميز -صلى الله عليه وسلم- بين الوارث والرحم فدل على أنه غير وارث ثم أمر بدفع ميراثه إلى الكل من قومه لأنه رأى المصلحة في إعطائهم.
أما الجواب عن حديث "العم والد ... الخ".
فهو محمول على ما سوى الميراث من الحضانة وإلا فليست الخالة كالأم عند عدمها في الميراث.
إذا كان هناك وارث.
"د" ولأن كل من أدلى بوارث كان وارثًا كالعصبات.
وأجيب عنه: بالنقص بنت المولى في الولاء فإنها لا ترث مع ادلائها بعاصب وارث.
"هـ" قالوا ولأن ذوي الأرحام شاركوا المسلمين في الإِسلام وفضلوهم بالرحم فوجب أن يكونوا أولى منهم بالميراث كالمعتق لما شارك المسلمين في الإِسلام وفضل عنهم بالعتق صار أولى منهم =

الجزء: 6 - الصفحة: 538

وهَذا الَّذي أوردَه القاضِي ابنُ كجٍّ، وصاحبُ "المهذب" والإمامُ -رحمهم اللهُ- ورجَّحوا هذا المذهبَ، بأنَّ القائلين بِه ممن يُوَرِّثُ ذَوِي الأرحام في الصَّحابَةِ -رَضِيَ الله عَنهُمْ- ومَنْ بَعْدَهُم أكثرُ.
= بالميراث.
وكالأخ الشقيق لما شارك الأخ للأب وفضله بالأم كان أولى بالإرث:- والجواب: النقص بنت المولى -لأنها قد فضلتهم بكونها بنت عاصب مع التساوي في الإِسلام ثم لا تقدم عليهم.
على أن المسلمين قد فضلوهم بالتعصيب لأنهم يعقلون فكانوا أولى بالميراث.
"و" قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ... الآية فقالوا إن العمات والخالات وأولاد البنات والأخوال من الأقربين فوجب دخولهم فيها.
غاية ما في الباب أن قدر ذلك غير مذكور في هذه الآية -لكنا نثبت استحقاقهم لأصل النصيب بها- وأما المقدار فمستفاد من سائر الدلائل.
وأجيب عن هذا بما يأتي:- "1" قال تعالى في آخر الآية: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي مقدرًا وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر فثبت أنهم غير داخلين في هذه الآية.
"2" إن هذه الآية خاصة بالأقربين.
فليتم قلتم أن ذوي الأرحام من الأقربين مع أنه لا يصح ذلك؟ لأنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر أو من كان أقرب من جميع الأشياء والأول باطل لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه فإن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد وأقله الانتساب إلى آدم عليه السلام.
ولا بد أن يكون هو أقرب إليه من ولده إليه فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل.
ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وما ذاك إلا الوالدان والأولاد.
فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذوو الأرحام ولا يقال لو حمل الأقربون على هذا المعنى فيعم الوالدين للزم التكرار لأنا نقول -الأقرب جنس يندرج تحته نوعان -الوالد والولد- فذكر سبحانه النوع ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار.
"3" إن أصل الفرض الحزُّ والقطع.
ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل ظني.
فقالوا لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط يقال وجبت الشمس إذا سقطت.
ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط فلهذا السبب خُصَّ لفظ الفرض عندهم بما عرف وجوبه بدليل قاطع -ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.
وهذا يقضي عليهم بأن الآية لم تتناول ذوي الأرحام لان توريثهم ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بالإجماع.
فلم يكن توريثهم فرضًا والآية إنما تناولت التوريث المفروض.
فلزم القطع بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام.
هذا والحق أن الوجوب في اللغة هو الثبوت وأما مصدر الواجب بمعنى الساقط والمضطرب إنما هو الوجبة والوجيب.
وإن كان استعمال الفرض فيما ثبت بقطعي والواجب فيما ثبت بظني شائع مستفيض كقولهم الوتر فرض والصلاة واجبة.
ينظر الميراث للشيخ وهبة إبراهيم.

الجزء: 6 - الصفحة: 539

ومنهم مَن أخَذَ بمذهب أهل القَرابةِ، وبه قَالَ أبو حنيفةَ، وهذا ما أوردَه صاحبُ "التَّهذيب" وأبو سعَد المُتَوَلِّي، وإنَّما سُمِّيَ الأولونَ أهْلَ التنزيلِ؛ لأنَّهم نَزَّلُوا كلَّ فرعٍ مَنزِلةَ أصلِهِ.
وسُمِّيَ الآخرون أهلُ القرابةِ؛ لأنهم يُورِّثُونَ الأقربَ فالأقْربَ، كالعَصَباتِ 150. والمذهبانِ متَّفِقانِ على أنّ مَنِ انفردَ مِن ذَوِي الأرحامِ، يجوزُ جميعُ المالِ، وإنَّما يظهرُ الاختلافُ عندَ اجتماعِهم، ولا بُدَّ من ذكرِ المذهَبَينِ على اختصارٍ، لاختلافِ اختِيارِ الأصحاب، والوجهُ [بناؤهما] من كلِّ صِنْفٍ منهم عندَ الانفراد، ثُمَّ فيما إذا اجتمعَ منهُم صنفانِ فصَاعِدًا.
أمَّا البيانُ الأوَّلُ مِنَ الأَصْنافِ؛ أولادُ البناتِ وبناتُ الابْنِ.
أمَّا أهلُ التَّنزيلِ، فَيُنَزِّلُونَهم منزلةَ البناتِ وبناتِ الابْنِ، ويُقَدِّمُون منهم من سبَقَ إلى الوارِثِ، فإنِ استوَوْا في السَّبْقِ إلى الوارِثِ، قُدِّرَ كأنَّ الميِّتَ خَلَّفَ مَن يَدْلونَ بِهِ منَ الوَرَثَةِ، واحِدًا كانَ أو جَماعةً، ثمَّ يُجعَلُ نصيبُ كل واحدٍ منهم للمُدْلِينَ بهِ عَلَى حَسَبِ ميرَاثِهِم، لو كانَ هُوَ الميتَ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: إنِ اخْتلفتْ درجاتُهُم فالأقرَبُ إلى الميِّتِ أَولَى ذَكَرًا كانَ أَوْ أُنْثَى، فَنُقَدَّمُ بنتُ البنتِ علَى بنْتِ بنْتِ البنْتِ، وعلى ابْنِ بنتِ البنتِ، وإن لَمْ تَخْتَلِفْ، فإنْ كَانَ فيهِم مَن يُدلِي بوارِثٍ، فَهُو أَوْلَى، فَتُقَدَّم بنتُ بنتِ الابنِ علَى بِنْتِ بِنْتِ البِنْتِ؛ لأنَّها تُدْلِي بِوارِثَة هَذا إذا أَدْلَى بنفسه بالوارث.
أمّا إذَا أدْلَى بواسطةٍ، كبِنْتِ بنتِ بنت الابْنِ، مع بِنْتِ بنْتِ بنت البنتِ.
فلأصحاب أبِي حنيفَة، فيهِ اختلافٌ، والصحيحُ عندَهُم، أنه لا تَرْجِيحَ.
وقضيةُ مَا أورَدَه أصحابُنا، الترجيحُ كَما لَوْ أدْلَى بِنَفْسِهِ، وإن استوَوْا في الإدْلاَءِ، وَرِثوا جَميعًا، وكَيفَ يَرِثُونَ؟ قَالَ أبو يوسفَ: والنَّظَرُ إلى أبْدانِهم دُونَ مَنْ يتوسطُ بينهم مِنَ الآباءِ والأمَّهاتِ؛ فإن كَانُوا ذُكُورًا، أو إِنَاثًا، سُوِّيَ بينهم، فإنِ اختَلفوا فللذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنْثَيَينِ.
وقالَ محمَّد: يُنظَرُ من المتوسِّطِينَ بينَهُم، وبينَ الميِّت، مِن ذَوِي الأرحامِ، فإنِ اتَّفقُوا، ذكورَةً وأُنوثَةً، فالجَوابُ كذلِكَ، وإنِ اختَلَفُوا فإمّا أن يكونَ الاختلافُ في بطْنٍ واحدٍ أو أَكْثَرَ.

الجزء: 6 - الصفحة: 540

إنْ كانَ في بَطنٍ واحدٍ، قَسَّمْنَا المالَ بينَ أعلى بطون الاختلافِ وجَعَلْنَا كلَّ ذكَرٍ بعدِد أولادِه الذين يُقَسِّمُ ميراثُهُم ذُكورًا، وكُلُّ أُنثَى بِعَدَدٍ أولادِها الّذينَ يُقَسَّمُ ميراثُهم إناثًا، ويقسِّمُ المالُ بينَ الذُّكُورِ والإنَاث الحاصِلينَ من هَذا التَّقدِيرِ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
ثُمَّ ما أصاب كل واحدٍ مِنَ الصَّنْفَينِ، يُقَسَّمُ عَلَى أولادِه؛ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإنْ كانَ الاختلافُ في أكثرَ من بطنٍ واحدٍ، قَسَّمنَا المالَ بَينَ أعلَى بطونِ الاختلافِ، كما ذَكَرْنَا، فَمَا أصابَ كلّ واحدٍ مِنَ الصِّنْفين، قُسِّمَ عَلَى أولاده الَّذين فيهِمْ الاختلافُ، على النّحْوِ المذكورِ في البطْنِ الأَوَّلِ.
وهَكَذا يُفْعَلُ حتَّى تنتهيَ القِسْمَةُ إلى الأحياءِ.
قَالَ الناقِلُونَ: كلُّ واحدٍ مِن أبى يوسفَ ومحمدٍ، يدَّعِي أنّ قولَه قولُ أبِي حنيفَة، والأكثرونَ صدَّقوا محمدًا، إلاَّ أنَّ مُتأخِّرِي أصحابِهم، يُفْتُونَ بقولِ أبِي يوسُفُ.
وكذلِك ذَكَر صاحِبُ "التهذيب" والتَّتِمَّةِ، إنَّه أظهرَ الرِّوايتَينِ، والقولان متفقان على تفضِيل الذَّكَرِ على الأُنْثَى؛ عَنْدَ القِسمَةِ عليهم، وفي "التَّتِمَّة" وجهٌ آخرُ؛ أنَّه يسَوَّى بينَ الذَّكر والأُنْثَى، وهو اختيارُ الأُستاذ أبِي إِسحاقَ الإِسْفَرَايينيِّ، احتجاجًا بأنَّ الأصلَ في التَّوريثِ بالرَّحِمِ أولادُ الأمِّ، ولا فرقَ بينَ ذكورِهِم وإناثِهِم.
ولْنَضْرِب أمثلةً تُوضِّحُ الغَرضَ:

"

فرع في أمثلة توضح الفرض

" بنتُ بنتٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ: المُنَزِّلُونَ يجعلَون المالَ بينَهما أرْباعًا بالقَرض والردِّ، كما يكونُ بينَ البنتِ وبنتِ الابنِ.
وأهلُ القَرابةِ يجعلونَ الكلَّ لبنْت البنْتِ؛ لقْربِها.
بنتُ ابنِ بنتٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ؛ المالُ للثانيةِ بالاتِّفاقِ، أمَّا على التَّنزيلِ؛ فلأنَّ السَّبقَ إلى الوارثِ هُوَ المعتبرُ.
وأمّا على المذهبِ الثَّانِي فلأنه المُعتَبَر عند استواء الدَّرَجَةِ.
بنتُ بنتٍ، وابن وبنت من بنتٍ أُخْرَى: المنزِّلون يجعلونَ المالَ بينَ بِنْتَي الصُّلْب؛ تَقْدِيرًا بالفُرْضِ والردِّ، ثم يقولونُ: نصف البنتِ الأُولى لِبِنتِها، ونصف الأُخْرَى لولديها أثْلاَثًا.
وأهل القَرابةِ يجعلونَ المالَ بينَ ثَلاثَتِهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ومحمدٌ لا

الجزء: 6 - الصفحة: 541

يخالفُ في هذِه الصورةِ، إنّما يخالفُ فِيما إذا اختلفت الأُصولُ الذين هُم منْ ذَوِي الأَرْحامِ.
ابنُ بنتٍ، وبنتُ بنتٍ أُخرَى وثلاثُ بناتٍ بنْتٍ أُخرَى: المنزِّلُونَ يَقُولُونَ: للابْنِ الثُّلُثُ، وللبِنتِ المُفرَدَة كَذَلِكَ، وللثَّلاَثِ الثُّلُثُ أثلاثًا.
وأهلُ القَرابةِ يَجعَلُونَ المالَ بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
بنتُ بنتِ بنتٍ، وبنتُ ابن بنتٍ: عندَ المنزِّلينَ وأبِي يُوسُفَ: المالُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وعند محمَّدٍ: ثُلثُ المالِ للأُولَى، وثُلُثَاه للثَّانيةِ، أنَّه يُقَسَّم بين بنتِ البنتِ وابنِ البنتِ كذلِكَ، فَتُجعَلُ حِصَّة كُلِّ واحدٍ لبنتِه.
بنتا بنْتِ، وثلاثُ بناتِ ابْن بِنْتٍ أُخْرَى: عَنْدَ المنزِّلينَ: النصفُ للبِنْتَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، والنِّصْفُ للثَّلاَثِ أثْلاَثًا.
وعندَ أبي يُوسُفَ: المالُ بيْنَ الخَمْسِ بِالسَّوِيَّةِ.
وعنْدَ محمَّدٍ: يُقَسَّمُ المالُ بيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى المُتَوَسِّطَيْنِ، ويُقَدَّرُ الذَّكَرُ ثلاثة ذكورٍ بعَدَدِ فُرُوعِهِ، والأُنْثَى اثْنَتَيْنِ بعَدَدِ فروعها، فيكون عَلَى ثَمانية حصص الذَّكرُ ستَّةٌ، وهي لبناتِه بالسَّوِيَّة، وحِصَّةُ الأُنْثَى سهمانِ، هُمَا لبنتيها.
بِنْتُ بِنْتِ بنْتٍ وبنتُ بنتُ ابنِ بنتٍ وابنُ ابْنِ ابْنِ بنتٍ: عند أبي يوسُف: المالُ بينهم على أربعةٍ، وقالَ محمدٌ -رحمه الله-: يُقسَّم المالُ أولًا بَيْنَ أعْلَى بَطْنَي، الاختلاف، وفيه ابنانِ وبنْتٌ، وكُلُّ واحدٍ منهم يُعَدُّ واحدًا: لأنَّ الفُروعَ آحادٌ، فيكونُ المالَ بَينَهُمْ على خمسةٍ: حصَّةُ البنتِ سهمٌ، هُوَ لبنتِ بنتِها، وحصَّةُ الذّكَرَيْنِ أربعة أسهم، يُقسَّمُ عَلَى ولدَيْهِما للاختلافِ، وَهُمَا: ابنٌ وبنتٌ عَلَى ثَلاثَةٍ وأربعةٍ، لا تنقسم عَلَى ثلاثةٍ، فتضربُ ثلاثةٌ في خمسةٍ، تكونُ خمسةَ عَشَرَ، كان للبنتِ، في القسمَةِ الأُولى سَهمًا، فَلَها الآنَ ثلاثةٌ، وكانَ لِكلِّ واحدٍ من الابْنَيْنِ سَهْمَانِ، فيكون الآنَ سِتَّةٌ، يُجْمَعُ بينَهُما؟ فيكونُ اثنَي عشر يقسم بينَ ولدَيهِمَا، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
فإذن لبنتِ بنته البنتِ ثلاثةٌ مِن خمسةَ عشرَ، وللأخرَى أربعةٌ من خمسةَ عَشَرَ، وللابنِ الثمانِيَةُ الباقيةُ.
ومن الأصنافِ: بناتُ الإخوةِ، وبنو الإخوةِ للأمِّ وأولاد الأخَوَاتِ: فالمنزِّلُون يُنَزِّلُونَ كلَّ واحدٍ منهم منزلةَ أبيهِ أو أمِّهِ، ويرفعونَهم عندَ التسفل بطنًا بَطْنًا، فمَنْ سَبَقَ إلَى وارثٍ، قدَّمُوه، فإنَ استَوَوْا في الانتهاء إلى الوارث، قُسِّمَ المَالُ

الجزء: 6 - الصفحة: 542

بَيْنَ الأُصُولِ، فما أَصَابَ كُلَّ واحدٍ منْهم قُسِّمَ بَيْنَ فُرُوعِهِ.
وقال أهلُ القرابةِ: إنِ اختلفوا في الدَّرَجَةِ، قُدِّم منهمُ الأقربُ إلى الميِّتِ من أيِّ جهةٍ كانَ حتَّى تُقَدَّمُ بنتُ الأُختِ للأب أو الأمِّ على بنتِ 151 ابْنِ الأخَ منَ الأبِ عَلَى بنْتٍ ابن الأُختِ من الأَبوَيْنِ، وإن لم يختلَفوا في الدَّرَجَةِ، فالأقربُ إلى الوارثِ أَوْلَى من أيِّ جهة كان، حتى تتقدَّم بنت [ابن] الأخِ من الأبِ عَلَى بنْتِ ابْنِ الأختِ من الأبوَيْنِ.
فإنِ استَوَوْا فيه أيضًا، فعند أبِي حنيفَة وأبِي يُوسُفَ: يُقدَّمُ من كانَ من الأبوَيْنِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ مِنَ الأَبِ، ثُمَّ منَ كان من الأُمِّ؛ رعايةً لقوَّةِ القرابةِ، ولا يُنظَرُ إلى الأُصولِ.
ومَنْ يسقطُ منهم عنْدَ الاجتماعِ ومَن لا يَسْقُطُ.
وعند محمدٍ: يُقدِّمُ من كَانَ مِنَ الأبوَينِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنَ الأب، ولا يُقَدَّمُ منْ كانَ من جهةِ الأُمِّ؛ اعتبارًا بالأُصولِ، ثُمَّ أولادُ الإخْوَةِ والأَخَواتِ من الأُمِّ، يُسَوَّى بينهم في القِسمَةِ عندَ الجُمهورِ منَ المنزلين وأهْلِ القَرَابَةِ.
قال الإِمامُ: وقياسُ قولِ المُنَزَّلِينَ تفضيلُ الذَّكَرِ علَى الأُنْثَى؛ لأنَّهم يُقَدِّرون أولادَ الوارثِ، كأنَّهم يرثونَ مِنْه، وأَمَّا أولادُهم من الأبَوَيْنِ ومن الأَبِ فيُفَضَّلُ ذكورُهم عَلَى إنَاثِهِم عندَ المنزِّلِينَ.
وعِندَ أبِي حنيفةَ روايتانِ: أظهرُهما، وبه قَالَ أبوُ يوسُفَ: أنَّ الجَوابَ كَذَلِك.
والثَّانِيَةُ: وبِها قَالَ محمدٌ: أنَّه يُقَسِّمُ المالُ بَينَ الأُصُولِ أوَّلًا وُيؤخذُ عَدَدُهُم من الفُرُوع، فما يصيب كلِّ واحدٍ منهم، يُجْعَلُ لفروعِهِ كما ذَكَرْنَا في أَوْلاَدِ البَناتِ.
الأَمثلة: بنتُ أُختٍ، وابْنَا أُخْتٍ أُخْرَى، وهما من الأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الأَبِ: عندَ المنزِّلِينَ: نِصْفُ المالِ للبِنْتِ والنِّصْفُ الآخَرُ لِلابْنَيْنِ، وأهْلُ القَرَابَةِ قَالُوا: المالُ بينهُم عَلَى خَمسَةٍ: ثلاثُ بَناتٍ إخوَةٍ متفرقين.
قال المنزِّلُونَ ومحمَّدٌ: السُّدُسُ لبنْتِ الأخ من الأُم، والبَاقِي لبنتِ الأخ من الأبوَينِ؛ اعتِبَارًا بالآباءِ.
وقالَ أبو حنيفةَ وأَبُو يُوسُفَ: الكُلُّ لبنتِ الأخ مِنَ الأبَوَيْنِ.
ثلاثةُ بني أخواتٍ مُتَفَرْقَات: قال المنزِّلون ومحمَّدٌ: المالُ بَيْنهم عَلَى خَمْسَةِ كما يكُون بيْن أمَّهَاتِهم بالفرضِ والرَّدِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 543

وقالَ أبو حنيفةُ وأَبُو يوسُفَ: الكلُّ لابْنِ الأُختِ مِنَ الأبَوَيْنِ، ولو كانَ بدَلَهُمْ ثلاثُ بنات أخوات متفرقات كان جوابَ الفريقَيْنِ كَذَلِكَ.
ولو اجتمعَ البنونَ الثَّلاثةُ والبناتُ الثلاثُ: قال المنزِّلونَ: المالُ بينَ أُمَّهاتِهِمْ عَلَى خمسةٍ بالفَرْضِ والرَّدِّ: نصيبُ الأُخْتِ مِنَ الأَبَوَيْنِ لوِلدَيها أَثْلاَثًا، ونصيبُ الأخت من الأَبِ كذلِك، ونصيبُ الثَّالِثَةِ لولديها بالسَّوِيَّةِ.
وقالَ أبو حنيفةَ وأبوُ يُوسُفُ: الكلُّ لولَدَيَ الأُخْتِ مِنَ الأبوَيْنِ.
وقال محمَّدٌ: يُجْعَلُ كأَنَّ في المَسْأَلةِ ستَّ أخَواتٍ؛ اعتبارًا بعدَدِ الفُرُوع، فيكونُ للأُخْتِ مِنَ الأمِّ الثُّلُثُ، بتَقْدِيرِها أُخْتَيْنِ، وللأختِ مِنَ الأبُوَيْنِ الثُّلُثَانِ؛ بتقدِيرَها أُخْتَيْنِ، فَحِصَّةُ كلِّ واحدةٍ لِوَلدَيْهَا، هذِهِ بالتَّفْضِيلِ، وتِلْكَ بالسَّوِيَّةِ.
قَالَ الإمامُ -رحمه الله تَعالَى- قَدْ نَظَرَ محمَّدٌ -رحمه الله تَعالَى- هاهنا إلى الأُصُولِ الوارِثينَ، وَفِي [أولادِ] البَنَاتِ، لَمْ يَنْظُرْ إلى الوَارِثينَ، وإنَّمَا نَظَر إلَى بُطُونِ الاخْتِلافِ مِنْ ذَوِي الأَرْحامِ كمَا تَقَدَّمَ.
ابنُ أُخْتٍ مِنَ الأبُوَيْنِ وَبِنْتُ أَخٍ كَذَلِك: عند المنزِّلِينَ ومحمَّدٍ؛ الثُّلثانِ لبنْتِ الأَخِ، والثُّلُثِ لاِبْنِ الأُخْتِ.
وقالَ [أبُو حنيفَة] وأبُو يوسف ومحمد بالعَكْسِ.
ومِنَ الأَصْنافِ: الأَجدَادُ الفَاسِدُونَ، والجدَّاتُ الفَاسِدَات: المنزِّلُونَ يُنَزِّلُونَ كلَّ واحدٍ منهمْ مَنزِلَةَ وَلَدِهِ بَطْنًا بَطْنًا، ويُقَدِّمُون مِنْهُم مَنِ انْتَهَى إلى الوارِثِ أوَّلًا، فإنِ استويا في الانْتِهاءِ قُسِّمَ المالُ بينَ الوَرَثَةِ الَّذينَ انْتَهَوْا إِلَيْهِم وقُسِّمت حِصَّةُ كلِّ وارثٍ بينَ المُدْلِينَ بِهِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: إِنِ اخْتَلَفَتْ دَرجَاتُهم، فالمالُ للأقْرَب مِنْ أيِّ جهةٍ كانَ حتَّى يتقدَّمَ أَبُ الأمِّ عَلَى أبِي أمِّ الأَب، وأمُّ أبِي الأمِّ عَلَى أبِي أبِي أبِي الأمِّ، وإنْ تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، فلا يُقَدَّمُ هاهنا بالسَّبْقِ إلى الوَارِثِ على المَشْهُورِ مِنْ مَذْهَب أبِي حنيفةَ ومِنْ أصْحَابِه مَنْ قَدَّمَ بِهِ، فإنْ لَمْ يُقَدَّم بِهِ أو قُدِّمَ، واسْتَوَوْا في السَّبْقِ إلىَ الوَارِثِ نُظِرَ: إنْ كانَ الكلُّ مِن جهةِ أبِي الميِّتِ، فروايةُ أبِي سُلَيمانَ الجَوْزَجانِيِّ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنَّه يُجْعَلُ ثُلُثَا المالِ لِمَن هُوَ من جهةِ أبِ الأَبِ، وثُلُثُه لِمَنْ هُوَ من جهةِ أُمِّ الأَبِ.
وَعلى روايةِ عِيسَى بْنِ أَبانَ: المالُ كلُّه لمن هُوَ مِنْ جهةِ أبيه، وَيسقُطُ مَن هُوَ مِنْ جِهةِ الأُمِّ، وإنْ كانَ الكلُّ مِن جهةِ أمِّ الميِّت، اطَّردتِ الروايتانِ في أنَّه يَسقُطُ مَن هُوَ من قِبَلِ أمها، أو يُجعَلُ المالُ بينَ من [هوَ من قِبَلِ أبِيها]، ومَنْ هُوَ من قِبَلِ أمِّها أثْلاثًا؟ وإن

الجزء: 6 - الصفحة: 544

كانَ بعضُهم من جهةِ أبي الميِّتِ، وبعضُهُم من جِهةِ أمِّه، قُسِّم المالُ بينَ الجِهَتينِ أثْلاَثًا، وجُعِلَ كُلُّ قِسْم كأنَّه كلُّ الترَّكَةِ، وأَهلُ كُلِّ جهةٍ كأنَّهم كُلُّ الورثةِ، فتجيء فيهِ الروايتانِ، ثُمَّ قِسمَةُ الثُّلُثَينِ علَي مَنْ في جهَةِ الأَبِ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقسمةُ الثُّلثِ عَلَى مَن في جهةِ الأُمِّ كمثل كذَلِكَ أوردَه في "التَّهْذيب".
الأَمْثِلَةُ: أُمُّ أبي الأُمِّ، وأبُو أُمِّ الأُمِّ: عندَ المنزِّلِينَ: المالُ لأبي أُمِّ أم الأم؟ لأنَّه أسبَقُ إلى الوَارِثِ، وعلَى رِوايةِ الجَوزَجانِيِّ: الثُّلثانِ لأُمِّ أَبِي الأُمِّ والثُّلُثُ لأبِي أُمِّ الأُمِّ.
وعلَى روايةِ عِيسَى: الكلُّ لأمِّ أبِي الأمِّ.
أبُ أمِّ أبٍ، وأبُو أبِي أُمٍّ: عندَ المُنزِّلِينَ: المالُ للأَوَّلِ، وعلى روايةِ عِيسَى: للثَّانِي.
وعلَى رِوايةِ الجوزجانِيِّ: الثُّلُثانِ للثَّانِي، والثُّلثِ للأوَّلِ.
أبُ أبِي أمٍّ، وأبي أمِّ أبٍ: قَالَ المنزِّلون: المالُ للثَّانِي، وكذلِكَ الجوابُ عنْدَ مَن رجَّحَ بالسَّبْقِ إلى الوارِثِ مِن أهلِ القَرابَةِ، وأمَّا علَى الظَّاهِرِ عِنْدَهُم، فالثُّلثانِ للثَّانِي، والثُّلثُ للأوَّلِ.
أبُ أُمِّ الأمِّ، وأبُ أُمِّ الأَبِ: عِنْدَ المنزِّلين: المالُ بينَهُما نصفان، كَمَا يَكونُ بَيْنَ أمِّ الأمِّ، وأمِّ الأَب فَرْضًا وردًا.
وعندَ أهل القَرَابَةِ: الثُّلثُ للأوَّلِ، والثُّلُثانِ للثَّاني.
أبُ أبِي الأمِّ، وأمُّ أبِي الأُمِّ، وأبُ أُمِّ أُمِّ الأمِّ: عند المنزِّلين: المالُ للثَّالِثِ.
وعلى رواية عِيسَى: للأوَّلين.
وعلَى رِوايةِ الجَوْزَجَانِيِّ: الثلُثانِ بين الأوَّلين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، والثُّلُثُ للثَّالِثِ.
أبو أبِي أُمِّ أب، وأُمُّ أبِي أُمِّ الأَبِ، وأبو أبِي أَبِي الأمِّ، وأَمُّ أبِي أَبِي الأَمِّ.
قَالَ المنزِّلُونَ: المالُ للأَوَّلَيْنِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: الأَوَّلاَنِ من جهةِ الأَب، والآخَرانِ مِن جهةِ الأمِّ، فَيُجعَلُ المالُ أَثْلاَثًا بَيْنَ الجِهَتَيْنِ.
ثُمَّ عَلَى روايةِ الجَوْزَجَانيِّ: الثُّلُثانِ بين الأَوَّلَيْنِ أَثْلاثًا، والثُّلُثُ بَيْنَ الآخرين.
وعلَى روايةِ عِيسَى: الثُّلُثانِ للأوَّلِ مِنَ الأَوَّلَيْنِ، لِأَنَّهُ أبُو أبي أُمِّ الأَبِ، والثَّانِي أمُّه والثُّلثُ للأوَّلِ مِنْ الأَخِيرَيْن؟ لأنَّه أبو أبِ أبِ الأمِّ، والثَّانِي أمُّهُ 152. ومنَ الأَصْنافِ؛ الخالاَتُ والأَحْوالُ والعمَّاتُ والأعمامُ من الأُمِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 545

نزّلَ المنزِّلونَ الأَخوالَ والخالاتِ منزلةَ الأُمِّ، وقَسَّمُّوا المالَ بينهم إِذا انْفَرَدُوا عَلَى حَسَبِ ما يأخُذُونَ من تَرِكَةِ الأُمِّ، لو كانَت هِيَ الميِّتَةَ.
واختلفُوا في العمَّاتِ والعمِّ للأمِّ، منهُمْ مَن نزَّلَهُم مِنزلةَ الأبِ، وهُوَ الأظْهَرُ، ومِنْهم مَنْ نزَّلَهُمْ منزلةَ العمِّ؛ لمُوافَقَةِ الاسْمَيْنِ، وهؤلاءِ اختلفُوا: فَقَيل: العمَّاتُ مِنَ الجهاتِ منزَّلاتٌ منزلةَ العمِّ مِنَ الأبَوَيْن.
وقيلَ: كُلُّ عمَّةٍ تُنَزَّلُ منزلَةَ العمِّ الَّذي هُوَ أخُوها، ثُمَّ مَنْ جَعَلَ العمَّاتِ بمِنزلةِ الأَب، أَوْ بمنْزِلَةِ العمِّ مِنَ الأَبوَيْنِ علَى افْتِراقِهم، قَالَ: إذَا انفرَدْنَ، قُسِّمَ المالُ بينَهُنَّ علَى حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِنَّ، لو كانَ الأَبُ هُوَ الميِّتَ.
ومن نزَّلَهُنَّ منزلةَ الأَعْمَامِ المتفرِقِين قَدَّمَ العمَّةِ مِنِ الأبوَيْنِ، ثمَّ العمَّةَ مِنَ الأبَ، ثُمَّ العمَّةَ منَ الأُمِّ، وإِذا اجتمعَتِ العمَّاتُ والخَالاَتُ والأخْوَالُ؛ فالثُّلُثَانِ للعمَّاتِ والثُّلُثُ للأخْوالِ والخَالاَتِ، وُيعْتَبَرُ في كُلِّ واحدٍ مِنَ النَّصِيبَيْنِ ما اعْتُبِرَ في جَمِيعِ المالِ، لو انفردَ أحد الصَّنْفَينِ.
وأَمَّا أهلُ القرابةِ، فإنَّهُم قالُوا: إذا انفردَتِ الخالاَتُ، فإنْ كُنَّ مِنْ جِهَةٍ واحدةٍ، قُسِّمَ المالُ بَيْنَهُن بالسَّوِيَّةِ، وإنْ اختَلَفَتِ الجهةُ، فالخالةُ منَ الأبوَيْنِ مُقَدَّمَةٌ ثمَّ الحالةُ منَ الأَبِ، والأخْوَالُ المُنْفَرِدُونَ كالخَالاَتِ.
وإذا اجْتَمَعَ الأخَوالُ والخالاتُ: فإنْ كانُوا من جِهَةٍ واحدةٍ، قُسِّمَ المالُ بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ كانُوا من جِهَة الأمِّ، وإن اخْتَلَفَتِ الجهاتُ، فمَنْ اختصَّ بقَرابةِ الأبوَين أَوْلَى، ثمَّ مَنِ اخْتَصَّ بقرابةِ الأبِ.
العمَّاتُ المنفرداتُ كالخَالاَتِ.
وإذا اجتمعَ الأعمامُ مِن الأب 153 والعمَّاتُ من الأمِّ، فالمالُ بَيْنَهُنَّ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإذا اجتمعتِ العمَّاتُ والخالاتُ، فللعماتِ الثُّلثانِ، وللخالاتِ الثُّلُثُ، سواءٌ اتفقت جِهةُ العمَّاتِ والخالاتِ، أو اخْتَلَفَتْ علَى المَشْهُورِ عندهم وعن أبِي يُوسُفَ -رحمه الله- أنه إن اختلفَتِ الجهةُ، فالمالُ لِأقوَى الصِّنْفَيْنِ جهةً، ثمَّ إذا قُسِّمَ المَالُ أَثْلاَثًا اعْتُبِرَ في كلِّ واحدٍ مِنَ النصيبَيْنِ ما يُعْتَبَرُ من جميع المالِ عند انفرادِ الصِّنْفِ المصْرُوفِ إليهِم.
الأَمْثِلَةُ:

الجزء: 6 - الصفحة: 546

ثَلاثُ خالاتٍ متفرقات: عندَ المنزِّلين: المالُ بينهمُ علَى خمسةٍ؛ كمَا لَوْ وَرِثْنَ مِنَ الأُمِّ.
وعَنْدَ أهلِ القَرابَةِ: هُوَ للخالة منَ الأَبوَيْنِ، وبمثله أَجَابُوا في ثلاثةِ أخوالٍ مُتَفَرِّقين.
والمنزِّلون قالوا: للخالِ منَ الأمِّ السُّدُسُ، والباقِي للخالِ منَ الأَبوَينِ [﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾].
ولو اجتمع الأخوال متفرقين.
[فالمنزِّلون قالوا: للخَالِ منَ الأمِّ السُّدسُ، والبَاقِي للخالِ منَ الأَبَوَيْن] (1). ولو اجتمعَ الأخْوالُ المفترِقُون والخالاتُ والمُتَفرِقَاتُ: قَالَ أهلُ القَرابَةِ: المالُ كلُّه للخالِ والخالةِ مِنَ الأَبوَينِ، [﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾] (2). وقال المنزِّلُونَ: ثُلُثَا المالِ لهُما كذَلِك، وثُلُثُ المالِ للخَالِ والخَالةِ منَ الأُمِّ كذَلِكَ.
قال الإمَامُ: وتفضِيلُ الخالِ منَ الأمِّ علَى الخالةِ منَ الأمِّ مُشْكِلٌ مخالِفٌ للتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإنَاثِ من أولادِ الأخ للأم.
ثلاثةُ أخوالٍ متفرقينَ، وثلاثُ عمَّاتٍ متفرقات عندَ المنزِّلِينَ: ثُلثُ المالِ بينَ الخالِ منَ الأبَوَيْنِ والخالِ منَ الأمِّ عَلَى ستَّةٍ، واحدٌ للثَّانِي، والباقِي للأوَّلِ، وقِسْمَةُ الثُلُثَينِ تخرَّجُ على الخلافِ في تَنْزِيلِ العَمَّاتِ.
إنْ جُعِلْنَ كالأعْمَامِ، فالثَّلثانِ للعمَّةِ مِنَ الأبوَيْنِ، وإنْ نُزِّلْنَ منزلةَ الأَب، فالثُّلثانِ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمسةٍ، كما يَرَيْنَ منَ الأَبِ، وقالَ أهلُ القرابةِ: الثُّلَثانِ للعمَّةِ منَ الأَبوَيْنِ، والثُّلثُ للخَالِ من الأَبوَيْنِ.

" فَرْعان"

الأولُ: أحدُهُما: أولادُ الأخْوالِ والخالاتِ والأعمَامِ والعمَّاتِ من الأُمِّ.
عندَ المنزِّلِينَ: بمنزلة آبائِهِم وأُمَّهاتِهِم عندَ الانْفِرَادِ والاجتماعِ، ومن تَسَفَّلْ منهُمْ، رُفِعَ بطْنًا بطْنًا، فإنْ سَبَقَ بعضُهُم إلَى وارِثٍ، قُدِّمَ، وإنِ استَوَوْا فيه، قُسِّمَ المالُ بينَ الَّذين يُدْلِي بِهِم هؤلاَءِ؛ عَلَى حَسَب استحقاقِهِم من المَيِّتِ، فما أصابَ كلَّ واحدٍ مِنْهُمْ يُقَسَّمُ بينَ المُدْلِينَ به عَلَى حَسَبِ استِحْقَاقِهم مِنْهُ كما لو كانَ هُوَ الميِّتَ.
وقَالَ أهلُ القرَابَةِ: الأقربُ يُسْقِطُ154155

الجزء: 6 - الصفحة: 547

الأَبْعَدَ بكلِّ حالٍ، فإِنِ استَوَوْا في الدَّرَجَةِ، نُظِرَ: إنِ انْفَرَدَ أولادُ الأخْوالِ والخَالاتِ: فإمَّا أن تَخْتلفَ الجهةُ، فَيُقَدَّمَ الَّذينَ هُمْ مِنَ الأَبوَيْنِ، ثمَّ الَّذينَ هُم مِنَ الأَبِ، ثُمَّ يأْخُذُ الَّذينَ هُمْ مِنَ الأُمِّ وإما لم يختلفَ، فَيرِثُون جَميعًا.
ثمَّ النَّظَر عندَ أبي يوسُفُ إِلَى أبْدَانِهم، وعندَ محمدٍ إلَى وقوعِ الاخْتِلاَفِ في آبَائِهِم وأجدَادِهِمْ، علَى مَا سَبَقَ من أولادِ الأَخَوَاتِ وبناتِ الإخْوَةِ، وأولادُ العمَّاتِ عندَ الانْفِرادِ كأولادِ الخَالاَتِ والأَخْوَالِ.
وإنِ اجتمَعَ الصِّنْفَانِ؛ فَثُلثَا المالِ لِأَوْلاَدِ العَمَّاتِ، وثُلُثُه لِأَوْلاَد الأَخْوَالِ والخَالاتِ، عَلَى ما ذكرْنَا في آبَائِهِم، وُيعْتَبَرُ في كلِّ واحدٍ مِنَ النَّصِيبَيْنِ ما يُعْتَبَرُ في جَميعِ المَالِ.
وإذَا اجتمعَ مَعَ هَؤلاَءِ بناتُ الأعْمَامِ منَ الأَبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ ولمْ تختلفِ الدَّرَجَةُ فبناتُ الأعْمَامِ أَوْلَى لِسَبْقِهِنَّ إلى الوارثِ.
الثَّاني: أخوالُ الأمّ وخالاَتُها: عندَ المنزِّلينَ: بمثابةِ الجَدَّةِ أُمِّ الأُمِّ، وأَعْمَامُهَا وعمَّاتُهَا بمثابةِ الجدِّ أبي الأمِّ، وأخوالُ الأَب وخالاتُهُ بِمَثَابَةِ الجَدَّةِ أُمِّ الأَبِ، وعمَّاتُهُ عنْدَ مَن نَزَّلَ عمَّةَ الميِّتِ مَنْزِلَةَ أبيه بمنزلة الجدِّ أبِي الأَبِ.
وعندَ مَن نزَّلَ عمَّةَ الميِّتِ منزلةَ عَمِّهِ، بمَثَابَةِ عَمِّ الأَبِ، فَيُقَسَّمُ المَالُ بَيْنَهُمْ، ومَا أَصَابَ كُلَّ واحدٍ مِنهُم يُجعَلُ للمُدْلِينَ بِهِ علَى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، لو كان هُوَ الميِّتَ.
وعلَى هَذا القِيَاس، يَجْعَلُونَ كُلَّ خالٍ وخَالَةٍ منزِلَة الجدَّةِ، الَّتِي هِيَ أخْتُهُمَا، وكلَّ عَمٍّ وعمَّةٍ بمنزلةِ الجِدِّ الَّذي هُوَ أَخُوهُمَا.
وأمَّا أهلُ القَرابَةِ، فإنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ في أَخْوالٍ الأُمِّ وخالاَتِهَا، مَا اعتَبَرُوه في أَخْوَالِ الميِّتِ وخالاَتِه، وكذلِك في عمَّاتِها؛ إذا انفَرَدْنَ، وإنِ اجْتَمَعَ أعمَامُها وعمَّاتُها، فالمَالُ بَيْنَهُمْ، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ على المشْهُورِ.
وفيهِ روايةٌ أُخْرَى: أنَّهُمْ، إنْ كَانُوا مِنَ الأَبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ، قُدِّمَ الأَعْمَامُ.
ولو اجتمَعَ أعمامُها وعمَّاتُها وأخْوَالُها وخالاتُها فالثُّلثُ للخَالاَتِ والأَخْوَال، والثُّلُثانِ للأعمامِ والعمَّاتِ، كَمَا في عُمُومَةِ الميِّتِ وخئولتة، وخؤولَةُ الأَبِ وعمُومَتُه، كخؤلَةِ الأُمِّ وعُمُومَتِها عندَ الانفرادِ والاجْتِمَاعِ.
ولو اجْتَمَعَ قَرابَاتُ الأَبوَيْنِ، فَلِقَرابَةِ الأَب الثُّلُثانِ ولقَرابَةِ الأُمِّ الثُّلُثُ، ثُمَّ يُقَسَّمُ كلُّ نَصيبٍ بينَهُم؛ كَما يُقَسَّمُ جميعُ المالِ، لو انفردُوا فثلثا الثلثين لعمَّاتِ الأبِ، وثُلثه

الجزء: 6 - الصفحة: 548

لأَخْوالِه وخَالاَتِه، وكذَلِكَ الثُّلثُ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ قَرابَةُ الأَبِ مِن جِنْسِ قَرابةِ الأُم، أو لا يكُونَ، حتَّى لو خَلَّفَ عمَّ أمِّهِ وخالةَ أبيهِ، يكُونُ الثُّلثانِ للخَالةِ، والثُّلُثُ للعمِّ.
ولَوْ خلَّفَ ثَلاثَ عمَّاتٍ مُتَفَرِّقاتِ، وثَلاثَ خَالًا متفرقات لِأبِيهِ، ومثلَهُنَّ لأُمِّهِ، فعلَى الصَّحيحِ -من قولِ أهل القَرَابَةِ-: ثُلثَا الثُّلُثَيْنِ لعمة الأبَ مِنَ الأبَوَيْنِ، وثُلثُهُما لخالةِ الأبَ منَ الأَبوَيْنِ، وَثُلُثُ الثَّلُثِ لِعَمَّةِ الأُمِّ مِنَ الأَبوَيْنِ، وثُلُثُهُ لخالَةِ الأُمِّ منَ الأَبوَيْنِ، وَيسقطُ البواقي.
وعند المنزِّلينَ: نصْفُ سُدُسِ المالِ بَيْنَ خالاَتِ الأَب، ومثْلُهُ بينَ خالاتِ الأُمِّ؛ لنزولهنَّ منزلةَ الجدَّتين، والبَاقي لعمَّاتِ الأَب دونَ عمَّاتِ الأم؛ لأنَّ عمَّاتِ الأبَ كأب الأَبِ وعمَّات الأمِّ كأب الأمِّ.
هَذا تَمَامُ البيانِ الأَوَّلِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهِ كيفِيَّةُ تَوْرِيثِ الأَصْنَافِ، ومَنْ يَتَقَدَّمُ ويتأخَّرُ مِنْ أَشْخَاصِ كُلِّ صِنْفٍ.
البَيَانُ الثَّاني: في تَرتِيبِ الأَصْنَافِ: قَالَ المُنزَّلُونَ: كل واحدٍ منْ ذَوِي الأَرْحامِ يُنَزَّلُ منزلةَ الوارِثِ الَّذي يُدْلِي بِهِ، ثُمَّ يُنظرُ في الوَرَثَةِ لو قُدِّرَ اجتماعُهُم، فإن كانُوا يَرِثُونَ، وَرِثَ المُدْلُونَ بِهِم، وإنْ كَانَ يَحْجُبُ بعضُهُم بعضًا، جَرَى الحُكمُ كَذَلِكَ في ذَوِي الأَرْحَامِ.
وقالَ أهلُ القَرابَةِ: ذَوُو الأَرْحامِ -وإنْ كَثرُوُا- يَرْجَعُونَ إلَى أربَعَةِ أَنْوَاعٍ.
المنتمونَ إلى الميِّتِ، وهُمْ؛ أولادُ البنَاتِ، وبناتُ الابْنِ، والمُنْتَمِي إلَيْهِمُ الميِّتُ وَهُمُ: الأجدادُ والجدَّاتُ الفاسِدَاتُ، والمنتَمُونَ إلَى أَبَوَي الميِّتِ، وهُمْ أوْلاَدُ الأَخَواتِ وبَناتُ الإخوَةِ، والمُنْتَمُونَ إلى أجداده وجدَّاتِهِ، وَهُمُ: العُمُومَةُ والخؤولة.
ومذهَبُهُم الظَّاهِرُ تَقديمُ النَّوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِث، فَما دامَ يُوجَدُ أحدٌ من فرُوعِ الميِّتِ -وإنْ كَانَ من غايَةِ السَّفَلِ- فَلا شَيءٍ لِأُصُولِه مِن ذَوِي الأَرْحامِ، وإنْ قَرُبُوا.
وعلَى هذا القِياسِ.
وعن أبِي حَنِيْفَةَ روايةٌ أُخْرَى، وهِيَ تَقْدِيمُ النَّوعِ الثَّانِي على الأَوَّلِ.
وقدَّمَ أبُو يوسُفَ ومحمدٌ النَّوعَ الثَّالثَ علَى الثَّانِي.
واتَّفَقُوا عَلَى أنَّ مَنْ كَانَ مِنَ العُمومَةِ والخُؤولة، وأولاَدِهِم ومِن وَلَدِ جَدٍّ أو جَدَّةٍ [أقربَ إلَى الميِّتِ فَهِيَ أَوْلَى بالميراثِ، فإن بُعْدَ ممنْ هُوَ من ولدُ جَدٍّ أو جَدَّة] 156 أبْعدُ [مِنْهُ].
وإذَا اجْتَمَعَ الأَجْدَادُ والجدَّاتُ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ معَ الخَالاَتِ والأَخْوَالِ والعمَّاتِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 549

فعَلَى أصْلِ أبِي حَنيفَةَ: تُقَدَّمُ الجدودة، وعندَ صاحِبَيْهِ: إنْ كانتِ العمومَةُ أو الخؤولة منْ وَلَدِ جَدٍّ أَو جَدَّةٍ، تُساوِي الجَدَّ والجدَّة الموجُودَيْنِ في المَسْألَةِ، أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمَا، فالأَجداد والجدَّاتُ أوْلَى، وإنْ كانُوا من أصلٍ أقرب مِنْهُمَا، فَهُمْ أوْلَى وعن أحمد -رحمة الله عليه- تقديمُ الخالِ على جميعِ ذَوِي الأَرْحَامِ.
وفي البَاقِينَ، مذْهَبَهُ مَذْهَبُ المنزِّلينَ في كُلِّ فَصْلٍ.

" فَرْعانِ"

الأَوَّلُ: قَدْ يجتمعُ في الشَّخْص الواحِدِ مِنْ ذَوِي الأَرْحام قَرَابَتانِ، إمَّا في أولاَدِ البنَاتِ؛ بأنْ يكُونَ للرِّجُلِ بِنْتَانِ، لإحْداهُما ابْنُ وللأُخْرى بنتُ، فينكِحُ الابن بِنْتُ خالَتِهِ، فتَلِدَ لَهُ بنتًا، فَهِيَ بنْتُ بنْتِ الرَّجُلِ وبنتُ ابْن بِنْتِه، أوْ في أولادِ الإخْوَةِ والأخَوَاتِ؛ بأنْ يَنْكِحَ أَخُو زَيد لأَمِّهِ أُخْتَه لأبِيهِ؛ فَتَلِدَ له بنْتًا، فَهِيَ بنْتُ أُخْتِ زَيْدٍ لأَبِيهِ، وبنتُ أُخْتِه لأُمِّه، أَوْ فِي أَوْلاَدِ الأَخْوَالِ والعَمَّاتِ؛ بأنْ يَنكِحُ خالُ الرَّجُلِ عمَّتَه، فتلدْ بنْتًا، فَهِيَ بنتُ خالِهِ وبِنْتُ عمَّتِهِ.
فالمنزِّلُونَ يُنَزَّلُونَ وُجُوهَ القَرَابَةِ؛ فإِن سَبْقَ بَعْضِ الوجوهِ إلى وارثٍ يُقدَّمُ بذَلِك الوَجْهِ عَلَى غَيرِه، وإلاَّ قدَّرُوا الوُجُوهَ أشْخَاصًا، ووَرِثُوا بها عَلَى ما تَقْتَضِيهُ الحالُ.
وأمّا أهلُ القَرابَةِ، فَعِندِ محمدٍ: يُورَّثُ صاحبُ القَرَابَتَينِ بالجِهَتَيْنِ جَمِيعًا.
وقالَ أبُو يُوسُفَ: إنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ في أوْلاَدِ البَنَاتِ، جُعِلَتِ الوجوهُ كَوَجْهٍ وَاحدٍ، ولَمْ يُوَرَّث بِها.
وإنِ اتَّفَقَ في أَولاَدِ الإِخوَةِ والأَخَواتِ وُرِّثَ بالجِهَةِ التي هِيَ أقوى.
وإن اتَّفَقَ في أولاَدِ الخؤولة والعُمُومَةِ، وُرِّثَ بالقَرابَتَيْنِ مَعًا؛ لأنَّهما مُخْتَلِفَانِ، وهذا أظْهَرُ عِنْدَهُمْ.
وعَلَى هَذا؛ فلو خَلَّفَ بنْتَ أَخٍ لأمٍّ هِيَ بنتُ أُخْتٍ لِأَبٍ كَمَا صَوَّرْنا، [وبنْتَ أختٍ أُخْرَى، أوْ بِنْتَ أخٍ أُخْرَى؛ وَرِثَتْ بإحْدَى 157 القَرابَتَيْنِ، وَهِيَ أنَّها بنْتُ الَأُخْتِ منَ الأَبِ.
ولو خَلَّفَ بنتَ خالٍ، هِيَ بنتُ عمَّةٍ، كَمَا صَوَّرْنا، وبنتَ عَمَّةٍ أُخْرَى] 158 فالثُّلُثُ لبنْتِ الخَالِ، والثُّلُثَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ.
ولو كان معَهُمَا بنْتُ خالٍ أُخْرَى، فالثُّلُثَانِ لَهَا، لأَنَّهَا بِنْتُ العمَّةِ، والثُّلُثُ بينَهما بالسَّوِيَّةِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 550

الثَّاني: إذا كانَ معَ ذَوِي الأَرْحَامِ الزَّوْجُ أو الزَّوْجَةُ: قال أهلُ القرابةِ: يخرِجُ نصيبُ مَنْ وُجِدَ منهما، ويُقَسَّمُ البَاقِي علَى ذَوِي الأَرْحامِ، كَما يُقَسَّمُ الجميعُ، لَوِ انْفَرَدُوا فالمخرج للزَّوْج أوْ الزَّوجة كَدَيْنٍ يُقَدَّمُ مِنَ التَّرِكَةِ.
وللمنزِّلين قولاَنِ: أظْهَرُهُما أنَّ الجوابَ كَذَلِكَ.
والثَّاني: أنَّ الباقِيَ بعدُ فَرضِ الزَّوْج أَوْ الزَّوْجَةِ يُقَسَّمُ بينَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ سِهامِ الَّذينَ يَدْلِي بِهم ذوو الأرْحامُ من الوَرَثَةِ مع الزَّوجَ أو الزَّوْجَةِ.
يُعْرَفُ القائِلُونَ بالأَوَّلِ بأصحاب اعتبارِ مَا بَقِيَ، والقَائِلونَ بالثَّاني بأصحاب اعتبارِ الأَصْلِ.
مثالُه: زوجةٌ وبنتُ بِنْتِ، وبنتُ أختٍ مِنَ الأَبَوَيْنِ: عندَ أهلِ القَرابةِ: للزَّوجَةِ الرُّبُعُ، والباقِي لبنتِ البِنْتِ، وأصحابُ القولِ الأوَّلِ من المنزِّلينَ جَعَلُوا لها الرُّبُعَ، والبَاقِيَ بينَ بنتِ البنتِ، وبنتِ الأُخْتِ بالسَّوِيَّةِ.
ومَنْ قَالَ بالثَّانِي، قَالَ إِذا نزَّلناهُمَا، فكأن في المسألةِ زَوْجَةً وبنتًا وأُخْتًا، ولو كانَ كَذَلِكَ، لكانتِ المَسْألَةُ من ثَمانِيةٍ: نصيبُ الزَّوْجَةِ مِنْهَا واحدٌ، يَبْقَى سَبْعَةٌ، فنَحْفَظُها، ثمَّ نخرجُ نصيبَ الزَّوجَةِ بتَمامِهِ، يَبْقَى ستَّةٌ، نُقَسَّمُ بينهما أَسْبَاعًا.
ولَوْ خَلَّفَت زَوْجًا وبنْتَ بِنْتٍ وخالةً وبِنْتَ عمٍّ.
عندَ أهلِ القَرابةِ: للزَّوجِ النِّصْفُ [والباقِي لبنتِ البِنْتِ.
وعلى القولِ الأَوَّلِ للمُنزِّلِينَ: للزَّوْجِ النِّصْفُ] (1)، ولبنتِ البنْتِ نِصفُ البَاقي، وللخالةِ سُدُسُ الباقِي، والبَاقِي لبِنتِ العمِّ.
وقالَ أصحابُ القول الثَّانِي: إذا نَزَّلنَا، حَصَلَ في المَسْأَلَةِ مَعَ الزَّوْج بنتٌ وأُمٌّ وعَمٌّ، وحينئذٍ فهي من اثْنَيْ عَشَرَ، نُسْقِطُ نَصِيبَ الزَّوْج يَبْقَى تِسْعَةٌ فنحفظُها، ثُمَّ نُخْرِجُ النِّصْفَ التَّامَّ للزَّوْجِ، وَنُقَسِّمُ بينهمُ الباقِيَ، وهُوَ سِتَّةٌ علىَ التِّسْعَةِ المحْفُوظَةِ، والله أعلم.

الكلامُ في حِسابِ الفَرائِضِ.

قَالَ: قال الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُصُولِ الحِسَابِ

وَمُقَدَّراتُ الفَرائِضِ سِتٌّ، النِّصْفُ159

الجزء: 6 - الصفحة: 551

ونِصْفُهُ وَهُوَ الرُّبْعُ وَنِصْفُ نِصْفِه وَهُوَ الثُّمُنُ، والثُّلُثانِ وَنصْفُهُما وَهُوَ الثُّلُثُ وَنصْفُ نِصْفِهِمَا وَهوَ السُّدُسُ، أَمَّا مُسْتَحِقُّوهَا، فالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ مِنَ الوَرَثَةِ في أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ، والثُّمُنُ فَرْضُ واحِدَةٍ، والثُّلُثانِ فَرْضُ أَرْبَعَةٍ، والثُّلُثُ فَرْضُ اثْنَيْنِ، والسُّدُسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ، وإِذَا تأَمَّلْتَ مَا سَبَقَ عَرَفْتَ التَّفْصِيلَ، وَأَمَّا مَخَارجُ هَذِهِ المُقَدَّرَاتِ فَسْبَعَةٌ، الاثْنَانِ، والثَّلاَثَةُ والأَرْبَعَةُ، والسِّتَّةُ، والثَّمَانِيَةُ، والاثْنَا عَشَرَ، والأَرْبَعُ والعِشْرُونَ، وَزادَ آخَرُونَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ وَثَلاِثينَ، وَذَلِكَ يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَسَائِل الجَدِّ حِينَ يَطْلَبُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ إِخْرَاجِ سَهْمِ ذِي فَرْضٍ، وَلا يُخْرجُ الثُّلُثُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ، والسُّدُسُ إِلاَّ مِنْ سِتَّةٍ، والثُّمُنُ إِلاَّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، والسُّدُسُ والرُّبُعُ مَعًا إلاَّ مِنَ اثْنَى عَشَرَ، والثُّمُنُ والسُّدُسُ مَعًا إلاَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ (أَمَّا العَوْلُ) فَداخِلٌ من جُمْلَةِ هَذِهِ الأَعْدَادِ عَلَى ثَلاثَةٍ، عَلَى سِتَّةٍ فَتَعُولُ إلَى سَبْعَةِ، وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ، وإِلَى تِسْعَةٍ، وإِلَى عَشَرَةٍ، وَلا يَزِيدُ عَلَيهِ، وَاثنا عَشَرَ تَعُولُ بِالإِفْرَادِ إِلَى ثَلاَثةَ عَشَرَ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ، وَلا تَعُولُ إلى أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ عَشَرَ، والأَرْبَعُ والعِشْرُونَ تَعُولُ مَرَّةً واحِدَةً إلى سَبْعَةٍ وعَشْرِينَ فَقَطْ، ومَعْنَى العَوْلِ الرَّفْعُ وَهُوَ أنْ يَضِيقَ المال عَنِ الأَجْزاءِ فَيُرْفَعَ الحِسَابُ حَتَّى يَدْخُلَ النُّقْصَانُ عَلَى الْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ واحِدَةٍ، كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَهُوَ ثَلاَئةٌ مِنْ سِتَّةٍ إِذْ المَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةِ، وَلِلأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةُ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ سَبْعَةً فَتُرْفَعُ السِّتَّةُ إِلَى سَبْعَةٍ أمَّا تَصْحِيحُ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ فَإنْ كَانَ الوَرَثَةِ كُلُّهُمْ عَصَبَاتٍ فَالْمَسَأَلَةُ مِنْ عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، تَصِحُّ، فَإنْ كَانَ فِيهِمْ أُنْثَى نُقَدِّرُ كَأَنَّ كل ذَكَرِ أُنْثَيَانِ، وَإِن كَانَ فِيهِمْ ذُو فَرْضٍ وَعُرِفَتِ المَسْألَةِ بِعَوْلِها ثُمَّ عِنْدَ القِسمَةِ انْكَسَرَ عَلَى فَرِيقٍ أَوْ عَلَى فَرِيقَيْنِ فَطَرِيقُ التَّصْحِيحِ ذَكَرْناهُ في المَذهَبِ البَسِيطِ والوَسِيطِ جَمِيعًا وَهَذَا الوَجِيزُ لا يَحْتَمِلُ استِقْصاءَهُ.
[في أُصولِ الحسابِ ومقدَّراتِ الفَرائِضِ ستَّةٌ: النصفُ ونصفُه -وهُوَ الرَّبُعُ-، ونِصْفُ نصفِه وهُوَ الثُّمُنُ] 160. مقصودُ الحِسابِ في هَذا الفنِّ شَيْئَانِ: أحدُهُما: تَصْحِيحُ المسَائِلِ.
والثَّاني: قِسمَةُ التَّرِكَةِ علَى الوَرَثَةِ.
المَقصَدُ الأَوَّلُ: التَّصْحِيحُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 552

وله مقدِّمَاتٌ أوردَ بعْضُها في الكتَابِ، ولم يُورِدْ طَرِيقَ التَّصْحِيحِ: أحداها: الفروضُ المقدَّرَةُ في كِتاب الله تَعالى ستَّةٌ: النِّصفُ ونِصفُه وهو الرُّبُعُ، ونصفُ نصفِه، وهو الثُّمُنُ، والثُّلُثانِ وَنِصفُهُما وهو الثُّلثُ، ونصفُ نصفهما وهو السُّدُسُ.
وقدْ تَفَضَّلَ من قبلُ بيانُ مُسْتَحقِّيهَا، وإذا جمعتهم قلت النصفُ فرضُ خَمْسةٍ وهم الزَّوجُ ولبنتُ وبنتُ الابْنِ والأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ والأخْتُ منَ الأَبِ 161. والرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ وَهُمَا: الزَّوْجُ والواحدةُ والعددُ منَ الزَّوْجَاتِ 162، والثُّمُنُ فرضُ الواحدةِ والعددِ منَ الزَّوْجَاتِ.
والثَّلثَان فرضُ أرْبَعةٍ وَهُمْ: الإناثُ اللَّوَاتِي تَأخُذُ الواحدةُ منهنَّ النِّصفُ.
والثُّلثُ فرضُ اثْنَينِ وهُمَا: الأُمُّ والاثنانِ مِنْ أولادِ الأُمِّ هَكَذا بقولُه بعضُهم، وعلَى ذَلِك جَرَى في الكِتَابِ.
ومنهمُ منْ يقولُ: فرضُ ثلاثةٍ، ويزيد الجدُّ معَ الإخْوَةِ في بعضِ الأحْوالِ وهُوَ الأصَحُّ.
والسُّدسُ فرضُ سبعةٍ وَهُمْ: الأمُّ، والجدَّةُ، والأَبُ، والجدُّ وبنتُ الابنِ معَ بنتِ الصُّلْبِ والأختُ من الأَبِ مَعَ الأخْتِ من الأَبَوَيْنِ، والواحدةُ مِنْ أَولادِ الأُمِّ.
الثانية: كلُّ عَدَدَيْنِ؛ فَهُمَا إمَّا مُتَمَاثِلانِ كثَلاثةٍ وثلاثةٍ وخمسةٍ وخمسةٍ، أو غيرُ مُتَماثِلَيْنِ.
فإمَّا أنْ نَفْني الأكثر بالأقَلِّ إِذَا أسْقِطَ منه مرَّتَينِ فصَاعِدًا كالثلاثةِ مع التِّسْعَةِ والخمسةِ مع العَشَرَةِ، أو لاَ نفْنِي به فإن كانَ الأوَّلُ، سُمِّيا مُتَداخِلَينِ، والمَعْنَى أَنَّ أَحدَهُمَا داخلٌ والآخرُ مدخولٌ فيه.
وإن كانَ الثَّاني فإمَّا أنْ يفنيهما جميعًا عدد ثالثٍ كالستَّةِ معَ العَشَرَةِ يفنيهما الاثْنَانِ، وكالتِّسْعَةِ معَ اِلاثْنَي عشرَ يفنيهما الثَّلاثةُ.
أو لا يُفْنَيَهُما عَددٌ آخرُ وإنَّما يفنيانِ بالواحدِ؛ إن كانَ الأوَّلُ سُمِّيَا مُتَوَافِقَيْنِ، وإن كانَ الثَّاني سُمِّيَا متَبايِنَيْنِ.
فإذن كلُّ عددَيْنِ فهما إمّا مُتَماثِلاَن أَو مُتَداخِلاَن أو مُتَوافِقانِ أو مُتَبايِنَانِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 553

وكلُّ متداخلَينِ فهما مُتَوافِقانِ؛ لأن الأقلَّ إذَا أفْنَى الأكْثَرَ، كانَا متوافِقَيْنِ بإجْزَاءِ مَا في العَدَدِ الأقلِّ منَ الآحادِ.
مثالُه: الخمسةُ تفنى العشرَةَ فَهُما متوافِقانِ بالأخْمَاسِ.
وإذا أردتَّ أنْ تُعْلِمَ أنَّ العدَدَيْنِ هلْ يدخُلُ في الآخرَ، فأسْقِطِ الأقلَّ منَ الأَكْثَرِ [مرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، أوْ زدْ علَى الأقلِّ مثْلَه مرَّتَيْنِ فصَاعِدًا، فإنْ فَنِيَ الأَكْثَرُ بالأقلِّ، أو سَاوَى الأقلُّ أكثرَ بزِيَادةِ الأَمْثَالِ، فَهُمَا مُتَداخِلاَنِ وإلاَّ، فَلاَ.
وإذا أردت أن تُعْلِمَ، هلْ هما متوافِقَان، فأسْقِطِ الأَقَلَّ مِنَ الأكْثَرَ مَا أمْكَنَ، فَمَا بَقِيَ، فأسْقِطْهُ مِنَ الأَقَلِّ] 163 فإنْ بَقِيَ منْهُ شَيْءٌ فأَسْقِطْهُ مِمَّا بَقِيَ مِنَ الأَكْثَرَ، ولاَ تَزَالُ تَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَفْنَى العددُ المنقُوصُ مِنهُ آخرًا، فإنْ فنِيَ بواحدٍ فلا مُوافَقَةِ بينَهُما، وإنْ فَنِيَ بعددٍ، فهُمَا مُتوافقَان بالجزْءِ المأْخُوذِ منْ ذَلِكَ العددِ، إنْ فَنِيَ باثْنَيْنِ فَهُمَا متوافِقَانِ بالنِّصْفِ، وإنْ فَنِيَ بثلاثَةٍ، فبالثُّلثِ، وإنْ فَنِيَ بعَشَرَةٍ، فبالعُشْرِ، وإنْ فَنِيَ بأحدَ عَشَرَ، فبِأَجْزَاءِ أحدَ عشرَ، وعلَى هَذا القِياسُ.
مثَالَهُ: واحدٌ وعِشْرُون وتِسْعَةٌ وأرْبَعُون: تُسقِطُ الأقلَّ منَ الأكثرِ مرتين يبْقى سبْعَةً، وتسقِطُ السبعةَ مِنَ الأقلِّ ثلاثَ مراتٍ يَفْنَى بِها؛ فَهُمَا مُتَوافِقَانِ بالأَسْباعِ.
مائةٌ وعِشرُونَ ومائةٌ [و] 164 خمسةٌ وسِتُّون: تُسْقِطُ الأقلَّ من الثَّانِي، تَبْقَى خمسةٌ وأربَعُون، فأسقِطُ هَذا العدَدَ منَ المائةِ والعِشْرينَ مرَّتَيْنِ، يبقى ثلاثون، أسقِطْه مِنَ الخمسةِ والأرْبَعِين، تَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، أَسْقِطْه منَ الثَّلاثين مرَّتَيْنِ، يَفْنَى به الثَّلاثُونَ، فهما مُتَوافِقان بأجزاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ ومهْما حصَلَ التَّداخلُ، انقَسَمَ الأكثرُ علَى الأقلِّ قِسْمَةً صحيحةً، وكانَ الأقلُّ غيرَ زائدٍ علَى نصفِ الأكثرِ.
وإذا أفنى عددَين أكثرَ مِنْ عددٍ واحدٍ، فهُما مُتوافِقَان بأجْزَاءِ مَا في تِلكَ الأعدادِ منَ الآحادِ.
مثالُه: اثنا عشرَ وثَمانِيَةَ عشرَ: تُفْنَيهُما الستَّةُ والثَّلاثَةُ، والاثنانِ فَهُما مُتَوافِقَان بالأسداسِ والأثلاثِ والأنصافِ، والعملُ والاعتبارُ في مثلِ ذلكَ بالجزءِ الأقلِّ، فَيُعْتَبَرُ في هَذا المِثالِ السُّدُسُ، وفِي المتوافِقَيْن بالأخماسِ والأعْشَارِ العشرِ.
وعلَى هَذا القياسِ.
الثَّالِثَةُ: في أُصُولِ مَسَائِلِ الفَرائِضِ.
أصلُ المسالَةِ: هُوَ العددُ الَّذِي يَخْرُجُ منه سِهَامُهَا.

الجزء: 6 - الصفحة: 554

ومسائلُ الفرائضِ نَوْعَانِ: أحدُهُما: أن يكونَ الورثَةُ كلُّهم عَصَبَاتٍ، فإنْ كانُوا ذكُورًا أو إناثًا [فالقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ بالسَّوِيَّةِ، وصورتُه في الإنَاثِ الممحضات: أنْ تُعتِقَ نسوةٌ رقيقًا يَمْتَلِكْنَه عَلَى التَّسَاوِي.
وإنْ كانُوا ذُكورًا وإنَاثًا] 165، قدَّرْنا كلَّ ذَكَرِ اثْنَيْنِ، وقسَّمْنَا المالَ، وَأَعْطَينا كلَّ ذَكَرٍ سَهْمَيْنِ وكلَّ أنْثَى سَهْمًا، فعدَدُ الرؤوس 166 في هَذا النَّوْعِ هُوَ أصلُ المسْأَلَةِ.
والثَّاني: المسائِلُ الَّتي ورثتها أصحابُ فُرُوض أو بعضُهُم صاحِبَ فرْضٍ، فالأصول في هَذا النَّوْعِ سَبعَةٌ عندَ المتقدِّمِين، ومنَ المتَأخِّرينَ من يقولُ: تِسْعَةٌ، أمَّا السَّبْعَةُ المتفقُ عَلَيْهَا فَهِيَ: اثنانِ وثلاثةٌ وأربعةٌ وستةٌ وثمانيةٌ واثْنَا عَشَرَ وأربعةٌ وعشرُونَ، وهَذا لأنَّ الفروضَ السِتَّةَ كُسُورٌ مضافَةٌ إلى الشَّيْءِ المعْدُودِ واحِدًا، وهُوَ التَّرِكَةُ.
ولا يخلُوا إمَّا أنْ يقعَ في المسألةِ واحدٌ مِنْهَا أو اثنانِ فصَاعِدًا: إنْ لَم يقعْ فيها إلاَّ واحدٌ، فالمخرجُ المأخوذ منْهُ ذَلِك الكَسْرُ هو أصلُ المسألةِ، فالنِّصفُ منِ اثنَيْنِ والثُّلثُ من ثلاثةٍ والرُّبُعُ من أربعةٍ.
وعلَى هَذا، وإنْ وَقَعَ فِيها اثْنَان فَصَاعِدًا.
فإنْ كَانَا من مخرَجٍ واحدٍ، فهو أصلُ المسألة، وإن كانا مختلفي المخرَج، أخذنا المخرَجَيْنِ، ونظَرْنَا فيهما فإنْ كانا متداخلَيْنِ كما إذا اجتمَع الثلُثُ والسُّدُسُ، فأكثر المخرِجَيْنِ أصْلُ المسألة، وإن كانا متوافِقَينِ، كما إذا اجتمع السدُسُ والثُمُن، ضَرَبنا وَفْقَ أحدِ المخرجَيْنِ في جميع الآخر، تحصل أربعةٌ وعشرون، فهو أصلُ المسألة.
وإن كانا متبايِنَينِ، كما إذا اجتمعَ الثّلُث والرُّبُعُ ضربْنَا أحَدَ المخرَجَيْنِ في الآخرِ، وجعلْنا الحاصلَ -وهو اثنا عَشَرَ- أصْلَ المسألة.
وإذا فصَّلْتَ، قُلْتَ: كلُّ مسألةٍ فيها نصفٌ، وما بَقِيَ كزَوْج وأخٍ، أو نِصْفَان، كزَوْج وأخت، فهي مِنَ اثْنَينِ وكل مسألة فيها ثلثانِ وما بَقي؛ كأختينِ من الأبوين وعمٍّ أو ثُلُثٌ، وما بَقِيَ؛ كأمٍّ وعمٍّ.
أو ثلثانِ وثلثُ، كأختَيْن من الأبوَيْنِ وأختَيْن من الأمِّ، فهي من ثلاثةٍ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ربُعٌ، وما بَقِيَ؛ كزَوْج وابنٍ، أو زوجةٍ وأبٍ.
أو ربعٌ ونصْفٌ وما بقي؛ كزوجٍ وبنتٍ وأخٍ، فهي من أربعة.
وكلُّ مسألةٍ فيها سدُسٌ، وما بقي كأمٍّ وابن؛ أو سدسٌ ونصفٌ وما بقي، كأمٍّ وبنتِ عَمٍّ أو سدسٌ، وثلث وما بَقِيَ؛ كأمِّ وولدَيْ أُمٍّ وعمٍّ.
أو نصْفٌ وثلثان؛ كزوْجٍ وأختين، أو نصفٌ وثلثٌ وما بَقِيَ؛ كأمٍّ وزوجٍ وعَمٍّ،

الجزء: 6 - الصفحة: 555

فهي من ستَّةٍ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ وما بَقِيَ؛ كزوجة وابن، أو ثُمُنٌ ونصْفٌ وما بَقِيَ؛ كزوجةٍ وبنتٍ وعمٍّ، فهي من ثمانية.
وكلُّ مسألةٍ فيها ربُعٌ وثلثانِ وما بَقِيَ؛ كزوج وبنتين وعمٍّ، أو ربُعٌ وثلُثٌ وما بقي؛ كزوجة وأمٍّ وأخ فمن ستة أو ربُعٌ وسُدَسٌ وما بَقِيَ؛ كزوج وأمٍّ وابنٍ، فهي مِنِ اثْنَي عَشَرَ.
وكلُّ مسألةٍ فيها ثمُنٌ وثلثانِ وما بَقِيَ؛ كزوجةٍ وبنتَيْنِ وأخٍ، أو ثُمُنٌ وسُدُسٌ وما بقي؛ كزوجة وأمٍّ وابن، فهي من أربعة وعشْرِينَ.
وإذا تأمَّلتَ، عرفْتَ أن الأصلَيْنِ الآخرَيْنِ منَ السَّبْعة لا يتولَّدان إلا مِنْ فرَضَيْنِ مختلفَيْنِ، وأن الأصْل الأوَّل لا يكونُ إلاَّ عنْد اتحاد الفرْضِ، وما عداها قد يتَّفق مع الاتِّحاد وقد يختلف مع الاختلاف.
وأمَّا الأصْلاَنِ المختلَفُ من وضْعِهِما، فهما ثمانيةَ عَشَرَ، وضعفهما ستةٌ وثلاثُونَ، زادَهُمَا بعْضُ المتأخِّرين عَلَى قول زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الجَدِّ والإِخوةِ، حيْثُ كان ثلث الباقِي بعْد الفَرْض خيرًا له من القسمة.
والثمانيةَ عَشَرَ أصْلُ كلِّ مسألةٍ فيها سدُسٌ وثلث ما بقي وما يبقَى؛ كأمِّ وجدَّةٍ وإِخوةٍ 167. والسنَّةُ وثلاثونَ أصْلُ كلِّ مسألةٍ فيها ربُعٌ وسدُسٌ وثلُثُ وما بقي وما يبقَى؛ كزوجةٍ وأمٍّ وجدٍّ وإِخوةٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 556

والمتقدِّمون قالُوا: لا يَزِيدُ علَى الأُصُول المستخْرَجَةِ من الفُرُوض المذْكُورة في كتابِ اللهَ تعالَى.
وتصحيح المسألَتَيْنِ بالضرب: فالأُولَى: من ستةٍ: للأم سهم يَبْقَى خمسةٌ، ونحنُ نحتاجُ إلَى ثُلُثِ ما يبْقَى، ولَيْس للخَمْسة ثُلُثٌ صحيحٌ، فنَضرِبُ مخرج الثُّلُثِ في أصْل المسْألة، تصير ثمانيةَ عشَرَ.
والثانيةُ: مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، تخرج بالفَرْض خمسةٌ، وليس للباقي ثلثٌ صحيحٌ، فيضربُ مخْرَج الثلث في اثْنَيْ عَشَرَ، تصير ستةً وثلاثين واستصوب الإمامُ وصاحبُ "التتمة" صنيع المتأخِّرين؛ لأنَّ ثلث ما يبقَى، والحالة هذه، فرْضٌ مضموم إلى السُّدُس والرُّبُع، فلتكن الفريضةُ من مخرجها.
واحتج صاحبُ "التتمة" بأنَّهم اتَّفَقُوا في زَوْج وأبوَيْنِ عَلَى أن المسألةَ مِنْ سِتَّةٍ، ولوْلاَ إقامةُ الفريضةِ من الثُّلُث وثُلُثِ ما يبقَى، لقالوا: هيَ مِنِ اثْنَيْنِ، للزوج واحدٌ، يبقى واحدٌ، وليْسَ لهُ ثلُثٌ صحيحٌ؛ فنضرب مخْرَجَ الثلثِ في اثنَيْنِ، تصير ستَّة:.
واعلَمْ أنَّه قد يتَّفق في صورة الجَدِّ والإِخوة نصْف ما يبقى؛ كزوجٍ أو بنتٍ وجدٍّ وإخوةٍ، فيجوزُ أنْ يقدَّر اتِّفاقهم عَلَى أنَّه منْ ستَّةٍ، كما حُكِيَ في زوْج وأبوَيْنِ، ويجوزُ أن يقدَّر في أصله الخلافُ 168. الرَّابِعَةُ: في العَوْل 169.

الجزء: 6 - الصفحة: 557

إذا ضَاقَ المَالُ عنْ سِهَام ذَوِي الفُرُوض، تُعَالُ المسألةُ، أيْ: تُرْفَعُ سُهَمَانُهَا؛ ليدخل النقصُ عَلَى كلّ واحد بقدْر فرضِهِ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم يأخَذُ فَرْضَهُ عنْدَ الانْفرادِ بتمامه، فإذا ضاق المالُ عن الوَفَاءِ بها، وجب أن يقتسموا عَلَى قدْر الحقوق؛ كأصحاب الدُّيون والوصايا.
وقدِ اتَّفَقَتُ الصحابة -رضِيَ اللهُ عَنهُم- علَى العَوْلِ في زمانِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وعنهم أجمعين حين ماتَتْ امرأةٌ في عهْدِهِ عَنْ زوج وأختَيْنِ فكَانَتْ أولَ فريضةٍ عائلةٍ في الإسلامِ فجَمَعَ الصَّحابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وقالَ لهُمْ: فَرَضَ الله تَعالَى للزَّوْجِ النِّصفَ وللأُخْتَيْنِ الثُّلَثين، فإنْ بدَأتَ بالزَّوج، لم يَبْقَ للأُخْتَيْنِ حَقُّهُما، وإنْ بدأتُ بالأُخْتَيْنِ لَم يَبْقَ للزَّوجِ حقُّه، فأَشِيرُوا عَلَيَّ، فأَشَارَ إليه العبَّاسُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بالعَوْلِ، وقَالَ: أَرَأَيْتَ لو ماتَ رجلٌ قدْ تَرَكَ ستَّةَ دَرَاهِمِ وَلِرَجلٍ عَلَيْهِ ثلاثةٌ ولآخَرَ أربعةٌ، أَليْسَ يجعلُ المالَ سبعةَ أَجْزَاءٍ؟ فأخذتِ الصحابةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- بِقَوْلِهِ، ثُمَّ أظْهَرَ ابنُ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الخِلاَفَ فيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يأخذْ بِقَولِهِ إلاَّ قليلٌ.
إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فالأعدادُ التسعة الَّتِي هِيَ الأصولُ المتَّفقُ علَيْهَا مِنْهَا ناقصٌ، وهو الَّذي إذَا اجتَمَعَتْ أجْزَاؤه الصحيحة كانت أقل منه وتام: وهُوَ الَّذِي إذَا اجتمعت كانت مثله وفائد وهو الذي إذا اجتمعت كانت أكثر منه فالاثنانِ والثلاثة والأرْبَعة والثمانية ناقصةٌ؛ لأنَّه ليْس للابنين للاثْنَيْنِ جزْءٌ صحيحٌ إلاَّ النِّصفُ وأنه واحدٌ، وللثلاثةُ إلاَّ الثُّلثُ وأنَّه واحدٌ، ولَيْسَ للثُّلَثانِ جزءًا آخر وإنَّما هو تَضْعِيفَ الثَّلثُ، وَجُعِلَ فَرْضًا برأسه؛ لأنَّ النَّظَرَ هُنَاكَ إلى المُقَدَّراتِ الَّتِي يَستَحِقُّها الصِّنْفُ الوَاحدُ منَ الوَرَثَةِ، والأرْبَعَةُ لَيْسَ لَها إلاَّ الرُّبُعُ والنِّصْفُ وهُمَا ثَلاثةٌ، والثَّمانِيَة لَيْسَ لَهَا الثُّمُنُ والرّبُعُ والنِّصْفُ، ومجموعُهُما سَبْعَةٌ.
فأجزاءُ هذِه الأعدادُ أقلُّ مِنْهَا.
والسنَّةُ تامَّةٌ؛ لأنَّ لها السُّدُسَ، والثَّلثَ والنِّصفَ والمجْمُوعُ ستَّةٌ بِلا زِيادةٍ ولا نُقْصَانٍ.
والاثْنَا عَشَرَ والأربعةُ وعشرونَ زائِدَان؛ أمَّا الأَوَّلُ فَلَه السُّدُسُ والرُّبعَ والثُّلثُ والنِّصفُ، والمجموعُ خمسةَ عشرَ وأمَّا الثّاني فله الثُّمنُ والسُّدُسُ والرُّبُعُ والثُّلثُ والنِّصْفُ، والمجموعُ ثَلاثةٌ وثَلاثُون، فالنَّاقِصَةُ من هَذِه الأُصُولِ لا يَدْخُلُها العَوْلُ والتَّامةُ والزائِدَةُ وَهِيَ الستَّةُ وضِعْفُها وَضِعْفُ ضِعْفِها يَدْخُلُها العَوْلُ أمَّا الستَّةُ فَتَعُولُ أَرْبَعَ مراتٍ علَى التَّوالِي تَعُولُ بِسُدُسِها إلى سَبْعَةٍ كَزَوْجٍ وأُخْتَيْنِ، وبثُلُثِها إلى ثَمانِيةٍ كهؤلاء وأمّ وبنصفها إلى تسعبةٍ كَزَوْجٍ وأختَيْنِ لأَبٍ وأمٍّ وأُخْتَيْنِ لأمٍّ وبثلثيها إلى عشرة كهؤلاء وأمِّ وتُسَمَّى هذه المسْأَلَةُ، أُم الفُرُوج لكثرةِ السِّهَامِ العائِلَةِ فِيها و"الشُّرَيْحِيَّةُ"، لوقُوعِها في زَمَنِ شُرَيحٍ وَقَضَائِهِ فِيها.

الجزء: 6 - الصفحة: 558

وَمَتَى عَالَتْ إلى ثمانيةٍ أو تسعةٍ أو عشرةٍ فلا يكُونُ الميِّتُ إلاَّ امرأةً واحدة وأمَّا الاثْنَا عَشَرَ فتعولُ ثلاثَ مراتٍ بالإفرادِ؛ تَعُولُ بنصفِ السُّدُسُ إلى ثلاثةِ عشرَ كزوجةٍ وأمٍّ وأُخْتَيْن لأَبٍ، وبالرُّبُعِ إلى خمسةَ عشرَ كزوجةٍ وأُخْتَيْنِ لأَبِ وأُخْتَيْنِ لأُمٍّ، وبالرُّبُعِ والسُّدُسِ إلى سبعةَ عشرَ، كهؤلاء وأمٌّ أو جدَّةٌ.
ومن صُورِ هَذا العَوْلِ مسألةُ أم الأرَاملِ، وهِيَ ثَلاثُ زَوْجَاتٍ وَجِدَّتَانِ وأربعُ أَخَواتٍ لأُمٍّ وثَمَانِ أَخَواتٍ لأَبٍ فهن سبعُ عشرة نِسْوَةٌ أيْضًا وَهِيَ مُتَسَاوِيةٌ.
ولا يكونُ العَوْلُ إلى سبعةَ عشرَ إلاَّ، والميِّتُ رَجَلٌ.
وأمَّا الأربعةُ والعِشْرُون، فَتعُول مرَّةً واحدةً بالثُّمُنِ إلى سبعةٍ وعشرينَ كَزَوجَةٍ وابْنَيْنِ وأَبَوَيْنِ.
وهذه المسألةُ المنْبَرِيَّةُ سُئِلَ عَنْهَا علِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهُوَ علَى المنبرِ، فقال [كرم الله وجهه وهو على المنبر] على: الارتجالُ صارَ ثُمُنُها تُسُعًا 170، وذلك لأنَّ ثُلُثَه من سبعةٍ وعِشْرِينِ تسْعٌ الحقيقةِ.
وهذا العَوْلُ لا يكونُ إلاَّ والميِّتُ رَجُلٌ، بلِ المَسْألَةِ لا تَكُونُ إلاَّ مِن أَرْبَعَةٍ وعَشْرِين حينئذٍ؛ لأنَّه يُعْتَمدُ قيامُ الثُّمُنُ.
واعلمْ أنَّ ما ذَكَرْنَاه من انقسامِ الأُصُولِ التسعةِ إلى ناقصٍ وتامٍّ وزائدٍ قَدْ تَخَبَّط فِيهِ جَماعَةٌ، تَقْسِيمًا وتَفْسِيرًا، والمُرضِي الموافِقُ لقَوْلِ الحَسَابِ مَا بَيَّنَّاه.
وقولُه في الكِتَابِ: "ومَعنَى العَولِ الرَّفعُ"، لو ذَكَرَ بَدَلَ الرَّفعِ الارتِفَاعَ، لَكَانَ أَحْسَنُ.
قَالَ الأَزْهَرِيُّ وغَيرُه: فَسَّرُوه بالارتفاع والزِيادَةِ وقالُوا: آلَتِ الفَرِيضَةُ أي ارتَفَعَتْ؛ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهم عَال الميزانُ فَهُوَ عائلٌ إذا مالَ وارْتَفَعَ 171. علَى أنَّ بَعْضَهم يقولُ: عالتِ الفريضةَ وأَعالَها فيعد به.
وقولُه: "علَى وتيرَةٍ واحدةٍ" أي طريقةٍ، يُقالُ ما زَالَ، ذَلِكَ علَى وَتِيرَةٍ واحدةٍ، والمرادُ حَتَّى يدخلَ النُّقْصانُ علَى الكلِّ على حدودِ مُنَاسبةٍ وقولُه: كزوجٍ وأختينِ للزَّوجِ النِّصفُ وَهُوَ ثلاثةٌ مِن ستَّةٍ، أي عِنْدَ عَدمِ العَوْلِ، والله أعلم.
هَذا تَمَامُ المُقَدِّمَاتِ.
أمّا التَّصحِيحُ فَفِيهِ نَظَرَانِ:

الجزء: 6 - الصفحة: 559

أحدُهُما: في تَصْحِيحِ فَرِيضَةِ الميِّتِ الواحِدَةِ.
والثَّاني: في التَّصْحِيحِ إذْ لَمْ تُقَسَّم تَركَةُ الميِّتِ حَتَّى ماتَ مِنْ وَرَثَتِهِ ثَانٍ وثَالثٍ وأكثَر، وتُعرَفُ بـ"المُنَاسَخَاتِ" أمَّا النَّظَرُ الأَوَّلُ: فإنْ كَانَ الورثةُ كُلُّهم عَصَباتٍ، فأَمْرُ القِسْمَةِ سَهْلٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاه، وإنْ كَانُوا أصحابَ فُرُوضٍ، أَوْ كَانَ فيهم صاحبَ فرضٍ وعَرَفْتَ أَصْلَ المَسْأَلَةِ بعَوْلِها إنْ كَانَتْ عائِلَةً فالنظر في السِّهَامِ وأَصْحَابِهَا إنِ انقَسَمَتْ عَلَيْهِم جَمِيعًا خَفَّتِ المُؤنَةُ ولاَ حاجَةَ إلى الضَّرْبِ.
وَذَلِكَ كَزَوجٍ وثلاثةٍ بنينَ فَهِيَ من أربعةٍ: للزَّوجِ الرُّبعُ والثَّلاثَةُ البَاقيةُ للبنينَ.
وكَزَوجَةٍ وبنتٍ وثلاثةِ بَنِي ابنٍ، فَهِي من ثمانيةٍ؛ للزَّوْجَةِ واحدٍ وللبنتِ أربعةٌ والبَاقِي لَهُمْ.
وإنْ لمْ تنقَسَمْ؛ فإمَّا أنْ يقعَ الكَسْرُ على صنفِ واحدٍ أو أكثر.
القسم الأول إذا وقع الكسر على صنف واحد 172 نُظِرَ في سِهَامِهِم وعددِ رُؤوسِهم؛ إنْ كانا مُتَبايِنَيْنِ ضُرب عَدَدُ رؤوسهم في أَصْل المَسْأَلَةِ بَعَوْلِها إنْ كانتْ عائلةً، وإنْ كَانَا مُتوافِقَين ضُرِبَ جزءٌ الوفق منْ عددِ رؤوسهم في أَصْلِ المَسْأَلَةِ بِعَوْلِها، فالحاصلُ علَى التَّقْدِيرَين تَصِحُّ منه المسألةُ.
مثالُ: التَّبَاين: زَوْجٌ وأَخَواتٌ وهِيَ مِن اثْنَيْنِ للزَّوْجِ واحدٌ يَبْقَى واحدٌ لا يصحُّ عليهما ولا موافقة فيضرب عَدَدِهِمَا مِن أصلِ المسألَةِ تَبْلَغُ أرَبعةٌ مِنْهَا تَصِحُّ.
مثالُ: التَّوَافُقِ: أُمٌّ وأربعةُ أعمامٍ هِيَ من ثلاثةِ؛ للأمِّ واحدٌ يَبْقَى اثْنَانِ لا يَصِحُّ عَلَيْهم، لَكَنَّ العَدَدَيْنِ مُتَوَافِقَانِ بالنِّصْفِ، فَنَضْرِبُ، نصفَ عدَدِ الأعمَامِ في أصْلِ المسألةِ تَبلُغُ ستَّةً منْها تَصحُّ.
وإذَا اتفق التَّوافُقُ مِن جزئين فصَاعِدًا، ضَرَبْنَا أقلَّ أجزاءِ الفرضِ في عددِ الرؤوس في أَصْلِ المَسْأَلَةِ بعَوْلِها فما بَلَغَ مِنْه تَصحُّ.
مثالُهُ: زَوْجٌ وأمٌّ وستَ عشَر بنْتًا، هِي من اثنَا عَشَرَ، وتعُولُ إلى ثلاثةَ عشرَ: للبناتِ مَنْها ثمانيةٌ لا تصحُّ عَلَيْهِن، لكنَّ الثمانيةَ معَ عَدَدِهِن يَتَوافَقانِ بالنِّصفِ والرُّبُع والثُّمُنِ، فَنَأْخُذُ أقلَّ هَذه الأجْزَاءِ من عددِ الرؤوس فَنَضْرِبُ ثَمانية من أصْلِ المسألة بِعَوْلِها تَبْلُغُ ستَّةَ وعشْرِين مِنْهَا تصحُّ.
القِسْمُ الثَّاني: إذَا وَقَعَ الكَسْرُ علَى أكثرَ مِن صنفٍ واحدٍ.
فإمَّا أن يقعَ علَى اثنَيْنِ أوْ ثلاثةٍ أَوْ أربعةٍ ولا مَزيدَ؛ لأنّ الوَارِثين في الفَرِيضة

الجزء: 6 - الصفحة: 560

الواحِدَةِ لا يزِيدُون علَى خَمْسَةِ أصنافٍ، لِمَا بَيَّنَّا في أوَّلِ الكِتَاب عِنْدَ اجتماع مَنْ يرثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ أو أحدِ الصِّنْفَيْنِ، ولا بُدَّ من صحَّةِ نَصِيبِ أحَدِ الأصنَافِ عَليْه؟ لأنَّ أحدَ الأصنافِ الخمسةِ الزَّوجُ والأَبَوَانِ، والواحدُ يصحُّ علَيْهِ ما يصيبُه لا محالةَ فَلَزِمَ الحَصْرُ 173. فإنْ وَقَعَ الكَسْرُ علَى صِنْفَيْنِ، نَظَرْنَا في سهامِ كلِّ صِنْفٍ وَعَدَدِ رؤوسهم، ولَهُمَا أحوالٌ ثلاثةٌ: الحالة الأولى: تَكونَ بينَ السِّهامِ وعددِ الرؤوسِ موافقةٌ في واحدٍ منَ الصِّنْفَيْنِ فتترك رؤوس الصِّنْفَيْنِ بِحَالِها.
والحالةُ الثَّانِيَةُ: أن تكونَ بينَ السِّهامِ وعددِ الرؤوسِ مَوافَقَةٌ فِيهِما فترد عدد رؤوس كل صنف إلى جزء الوفق.
والحالة الثَّالِثَةُ: أنْ تكونَ بينَ السِّهامِ وعددِ الرؤوسِ موافَقَةٌ في أحدِهِمَا دونَ الآخَرِ، فترد عددَ مَنْ يوافق رؤوسهم سهامهم إلى أجزاء الوفق وَنَتْرُكُ عددَ الآخَرِين بحَالِه.
ثمّ عدَدُ الرؤوس في الأحْوَالِ مردُودِينَ أوْ أحدُهُمَا 174 أوْ غيرِ مردُودِين إمَّا أنْ يتَماثَلا فتقربُ أحدَهُمَا في أصلِ المسْأَلَةِ بِعَوْلِهَا، أو يَتَداخَلا، فتضربُ الأَكْثَرَ منهما من أصْلِ المَسْأَلَةِ بِعَوْلِها أو يَتَوافَقا، فَنَضْرِبُ جزءَ الوفق من أحدِهِمَا أو أقلَّ جُزءِ الوفق أن يَتَوافَقَا بجُزْئين في جَميع الأَجْزَاءِ، فما حصَلَ يُضْربُ في أصل المَسْألَةِ بِعَوْلِها أو تباين فتضرب أحدهما في الآخرِ فما حصل تضرب في أصل المسألة بعولها فَمَا بلغ منْه تَصحُّ المَسْألَةُ.
ويخرُجُ مِنْ هَذِهِ الأَحْوَالِ اثْنَا عشرَ مَسْأَلَةً؛ لأَنَّ في كلِّ واحدةٍ مِنَ الأَحْوَالِ الثَّلاثةِ أربعَ حَالاَتٍ، والحاصلُ مِنْ ضَرْبِ ثَلاَثةٍ في أرْبَعَةٍ اثْنَا عَشَرَ ولْنُوَضِّحْ أمثِلتَها: أمثلةٌ: [الحالةِ الأُولَى: ثلاثُ بناتٍ وثَلاَثَةُ إِخوَةٍ، ثلاثُ بناتٍ وستَّةُ إِخْوَةٍ، تِسْعُ بناتٍ وستَّةُ إخْوَةٍ، ثَلاثُ بناتٍ وأَخَوانِ.
أمثلةُ]: الحالةِ الثَّانِيَةِ: أَمَّ وستَّةُ إخوةٍ لأُمٍّ واثْنَا عَشَرَ أُخْتًا لِأَبٍ مِنْ ستَّةٍ، وتعولُ إلَى سبْعَةٍ، للإخْوَةِ سَهْمَانِ يُوافِقَانِ عَدَدَهُمْ بالنِّصْفِ، فيرد عَدَدُهُمْ إلَى ثَلاَثَةِ، وللأخَوَاتِ أربعةٌ، يُوافِقُ عددهُنْ، النِّصْفُ والرُّبُعَ فيرد عدَدَهُنَّ إلى ثَلاثَةٍ ردًا إلَى أقل الوَفْقَيْنِ، فيتماثل العددان المردُودَانِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 561

أُمٌّ وثمانيةُ إِخوةٍ لأُمٍّ وثمانِ أخواتٍ لأبٍ: يرجعُ عددُ الإِخوة إلى أربعةٍ، وعدد الأَخَوَاتِ إلى اثْنَيْنِ؛ رَدًا إلى أقلِّ الوَفْقَيْنِ وهما متداخلان.
أُمٌّ واثنا عَشَرَ أخًا لأمٍّ وَسِتَّ عشْرَةَ أختًا لأَبٍ: يرجعُ الإِخوةُ إلَى [ستة، والأخواتُ إلَى أربعٍ، وهما متوافقان.
أُمٌّ وستةُ إِخوةٍ لأمٍّ وثمانِ أخَواتٍ لأب: يرجعُ الإِخوة إلَى] 175 ثلاثةٍ، والأخواتُ إلى اثْنَيْنِ، وهما متباينان.
أمثلةُ الحالةِ الثالثة: الموافقة بين السِّهَام وعدد الرؤوس في الصِّنْف الأَوَّل: ستُّ بناتٍ وثلاثُ إِخوةٍ من ثلاثةٍ: سهمان للبناتِ، وبينهما موافقةٌ بالنِّصْفِ، فيرجع عدَدَهُنَّ إلَى النِّصْف، ويماثل عدد الإخوة.
أربعُ بناتٍ وأربعُ إِخوةٍ: يرجع عددُهنَّ إلى اثنَيْن، ويتداخل العددان.
ثمانِ بناتٍ وستةُ إِخوةٍ: يرجع عدَدُهَنَّ إِلى أربعةٍ، ويتوافَقُ العَدَدانِ بالنِّصْف.
أربعُ بناتٍ وثلاثةُ إِخوةٍ: يرجعُ عدَدُهُنَّ إلى اثنَيْنِ ويتبايَنُ العدَدَانِ.
فإن وَقَع الكَسْر عَلَى ثلاثةِ أصْنَافٍ أو أربعةٍ، نظرنا أوَّلًا في سهامِ كلِّ صِنْفٍ، وعدَدِ رؤوسهم، وحيثُ وجَدْنَا الموافقةِ رَدَدْنَا عدد الرؤوس إلَى جزء الوفق، وحيث لم نَجِدْ بَقَّيْنَاهُ بِحَالِهِ؛ ثم يجيء في عدد الأصْناف الأحوالُ الأربعُ، فكلُّ عددَيْنِ متماثِلَيْن، نقتصر منهما عَلَى واحِدٍ، فإنْ تماثَلَ الكُلُّ، اكْتَفَينَا بواحدٍ، وضَربناه في أصْلِ المَسْأَلَةِ بِعَوْلها.
وكلُّ عددَيْن متداخلَيْن نقتصرُ منْهما عَلَى الأكْثَر، وإِنِ اتَّفَقَ التداخُلُ بين الكُلِّ، اكْتَفَيْنَا بأكْثَرِهَا، وضربْنَاه في أصْل المَسْأَلة بِعَوْلها.
وكلُّ عدَدَيْن متوافقَيْن نَضْرِب وَفْق أحَدِهما في الآخَرِ، وإنْ توافَقَ الكلُّ فللْفَرَضِيِّينَ طريقان: فالبَصْرِيُّونَ يَقِفُونَ أحدَهُمَا، ويردُّون ما عداه إلَى جزء الوفق ثم ينظرون في أجْزَاءِ الوَفْق، فيكتفون عنْد التماثُلِ بواحدٍ، وعند التداخُلِ بالأكْثَرِ، وعنْد التوافُقِ يضربُونَ جزء الوَفْق من البَعْض في البعض، وعند التبايُن نضربُ البَعْضَ في البَعْضِ، ثم يضربُونَ الحاصلَ في العَدَد الموقُوفِ ثم ما حَصَل في أصْل المسْأَلَةِ بِعَوْلها.

الجزء: 6 - الصفحة: 562

والكوفيُّونَ يقفون أحَدَ الأعْدَاد ويقابِلُون بيْنَه وبيْن عددٍ آخَرَ، ويضربون وفْقَ أحَدِهما من جميع الآخَرِ، ثم يقابلون الحاصلَ بالعَدَد الثَّالث، ويضربون وَفْق أحدَهما من جميع الآخَر، ثم يقابلون الحَاصِلَ بالعدد الرابع، ويضرِبُون وَفْق أحَدِهما في جميع الآخرِ، ثم يضربون الحاصِلَ في أَصْل المَسْأَلة بعَوْلها.
وتسمَّى صور توافق الأعْدَاد "المسائِل المَوْقُوفَات".
وإنْ كانت الأعدادُ متباينةً، ضَرَبْنَا عددًا منْها في آخر [ثم] ما حصل في ثالثٍ ثم ما حصَل في الرَّابع، ثم ما حصل في أصْلِ المَسْأَلة [بِعَوْلِهَا]، وإنْ شئْنا ضرَبْنَا أحدَهُمَا في أصْل المَسْأَلة بِعَوْلها، ثم ما حصَلَ في الثاني ثم في الثالِثِ ثم في الرَّابع.
وإذا لم يكُنْ بيْن السِّهام [و] عَدَد الرؤوس [ولا بيْن أعداد الرؤوس] موافقةٌ، سُمِّيَتِ المسألةُ "صَمَّاء".
واعلم أنَّا لو حاوَلْنَا استيعاب هذه الأحْوَال بالأَمْثِلة، لطَالَ الشُّغْل، وقَلَّ النزل، فنقتصرُ علَى الأهَمِّ، ونرجو أن يتَّضِحَ به الباقِي: ثلاثُ جَدَّاتٍ وثلاثُ أخوات لأبٍ وستةُ إِخوةٍ لأمٍّ: هي مِنْ ستَّةٍ، وتعولُ إلَى سبعة، [و] لا موافقة في الجَدَّات والأخوات بيْن السهام والرؤوس، وفي الإِخْوة موافقةٌ، فيُرَدُّ عددُهُم إلى ثلاثةٍ، وحينئذٍ تتماثلُ الأعدادُ، فنقتصرُ منها عَلَى واحد، يضربُ في ثلاثةٍ في المَسْأَلة بعَوْلِها، يحْصُلُ أحدٌ وعشْرون، منها تصحُّ.
ستُّ أخواتٍ لأبٍ وأربعُ زوْجاتٍ وأربعٌ وعشْرُونَ جَدَّةً وأربعةٌ وعشْرُونَ أخًا لأمٍّ: هي مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وتعول إلَى سبعةَ عَشَرَ، ويرجع عدد الأخوات للأب والجَدَّاتُ إلى النِّصْف، وعَدَدُ الإخوةِ إلَى الرُّبُع؛ للموافقة بيْن السهام وعدد الرؤوس، فيحصُلُ ثلاثةٌ وستةٌ واثنا عَشَرَ وأَربعةٌ، هي عدد الزَّوْجَاتِ، وهي كلُّها داخلةٌ في الاثْنَيْ عَشَرَ، فنضربُ اثْنَيْ عَشَرَ في أصْل المَسْأَلة بعَولها، تبلغ مائتين وأربعةً، منها تصحُّ.
ستّ جداتٍ وتسعُ بناتٍ وخمسةَ عَشَرَ أَخًا: وهي مِنْ ستة، ولا موافقةَ بين السهام وأعداد الرؤوس، لكنَّ أعداد الرؤوس متوافِقَةٌ.
فعلَى طريقةِ البَصْرِيِّينِ نقفُ منْها ستَّةً مثلًا، ونقابل بينها وبين التِّسعةِ، فنجدهما متوافَقَيْنِ بالثُّلُث، فتَرْجِعُ التسعة إلى ثلاثةٍ، ثم نقابِلُ بيْن السِّتَّة والخمسةَ عَشَرَ، فترجع هي إلى خمسةٍ، فنجد جُزءَي الوفْقِ متباينَيْنِ، فنضربُ أحدَهُما في الآخر، تكون خمسةَ عَشَرَ، تضربها في العَدَدِ الموقُوفِ يكُونُ تِسْعِينَ، نضربُهَا في أصْل المَسْأَلة، تبلُغ خَمْسَمَائَةٍ وأربَعين.

الجزء: 6 - الصفحة: 563

وعلى طريقة الكُوفِيِّينَ: إذا وَقَفْنَا الستَّةَ، وقابَلْنَا بها التِّسْعة، ضربْنا وَفْقَ أحدِهِما في الآخرِ تبلغ [ثمانيةَ عَشَرَ، نقابل بينهما وبيْن الخمسةَ عَشَرَ، ونضرب وَفْق أحدِهِما في الآخَرِ، تبلغ] 176 تِسعِينَ؛ نضربُها في أصْل المَسْأَلة.
ستُّ جداتٍ وثلاُثونَ أَخًا لأُمٍّ وأربَعُونَ أخْتًا لأَبٍ.
نصيبُ الإخوةِ يوافِقُ عدد رؤوسهم بالنِّصْف، فيرجعُ إلَى خمسَةَ عشَرَ، ونصيبُ الأخَواتِ يوافِقُ عَدَدَهُنَّ بالرُّبُع، فيرجعُ إلَى عَشَرة، فمعنا إذن: ستةٌ، وخمسةَ عَشَرَ، وعشَرَةٌ، فتقفُ السِّتة، ونقابلُ بها خمْسَةَ عَشَرَ، فيرجع إلى خمسةٍ، [لموافقتهما بالثلث، وعشرة فيرجع إلى خمسة] 177 لموافقتهما بالنِّصْف، فَقَدْ تماثَلَ الراجِعَانِ، فنكتفي بأحَدِهِما، ونضرِبُه في السِّتَّة الموقوفة، تبلغُ ثلاثِينَ، نضرُبَها في أصْل المَسْألة بعَوْلِهَا تبلغ مائتَيْن وعشرةٌ، منها تصحُّ على طريقة البَصْرِيِّينَ.
وعَلَى طريقةِ الكُوفِيِّينَ: إِذَا وقَفْنا الستَّةَ، وقابَلْنَا بها الخَمْسَةَ عَشَرَ، ضَرَبْنَا وَفْقَ أحدِهِمَا في الآخَرِ، تبلغ ثلاثين، ثم نقابل وبينها وبين العشرة، فنجد العَشَرَةَ داخلةً في الثلاثين، فنكتفي بالثلاثين ونضربها في المسألة.
إحدَى وعشْرُون جدةً وخمسٌ وثلاثُونَ بِنْتًا وثلاثُونَ أُخْتًا لأب: نَقِفُ الواحدةَ والعِشْرِين ونَرُدُّ الخمْسَةَ والثَّلاثِينَ إلَى سبعها لموافَقَتِها بالسّبع، ونَرُدُّ الثلاثِينَ إلَى ثلثها؛ لموافَقَتِها بالثُّلُث، فيحصُلُ معنا خمسةٌ وعشرَةٌ، والخمْسَةُ داخلةٌ في العشرة، فنضرب العشَرَةَ في العدَدِ الموقُوفِ، تبلغ مائتَيْنِ وعشرَةً، نضربها في أصل المسألةِ، تبلغ ألفًا ومائَتَيْنِ وسِتِّينَ، منها تصحُّ.
والكوفيُّون يضْرِبونَ وَفْقَ أحد العددَيْنِ من الواحِدِ والعشْرين والخمسةِ والثَّلاَثين في الآخَرِ، تبلغ مائةً وخمسةً، وهي مع الثلاثِينَ يتوافَقَانِ بأجزاءِ خمْسَةَ عَشَرَ، فيأخذون وفْقَ الثلاثين، وهو اثنانِ، ويضربُونَها في المَائَةِ والخَمْسَةِ، تبلغ مائَتَيْنِ وعَشَرةً، يضربونها في أصْل المَسْأَلَةٍ.
زوجٌ وثلاثُ وستُّونَ جَدَّةً وسبعون أخًا لأُمٍّ وخمسةٌ وسبْعُونَ أُختًا لأبٍ المسألة من ستة، وتعول إلَى عشرَةٍ، تَقِفُ الخمسةَ والسبعين فالخمسة والثلاثون توافقُها بالخَمْس، فترجع إلَى سبعة، والثلاثةَ والستُّون بالثلث، فنرجع إلَى أحدٍ وعشْرِين، فيحصل معنا سبعةٌ واحد وعشرُون، وهما متوافِقانِ بالسَّبْع، فنضرب سبع أحدهما في الآخر، تبلغ اثنين وأربعين، نضربها في العدد المَوْقُوف، وهو خمسةٌ وسبعون، تبلغ ثلاثة آلاف

الجزء: 6 - الصفحة: 564

ومائة وخمسين، نضربها في أصل المسألة بِعَولها، تبلغ أحدًا وثلاثين ألفًا وخمسمائة، منْها تصحُّ.
واعْلَمْ أنَّ فيما ذكرناه مِنَ الأعْدَادِ المتوافِقَةِ لا فَرْقَ بين عددٍ وعددٍ، بل تَقِفُ أيها شئْتَ، والعدد الذي تصحُّ منه المسألةُ بَعْدَ تمامِ العَمَل لا يختلفُ، وإنِ اتَّفقَ اختلافُ، فاستَدِلَّ به على الغَلَط، وإنْ وافَقَ أحَدَ الأعدادِ الثلاثَةِ الآخرين، والآخَرَانِ متباينان.
فلا يجوزُ أنْ نَقِفَ إلاَّ الذي يوافِقُهُما، ويسمى هذا الموقُوفُ المُقَيّد 178. مِثَالُهُ: أربعُ جداتٍ وستِ وخمسون أختًا لأبٍ وأحدٌ وعشْرُون أخًا لأمٍّ: وهي من ستَّةٍ، وتعولُ إلَى سبعةٍ، ويرجع نصيبُ الأخوات إلَى أربعَ عَشَرَ؛ لأن سهامَهُنَّ يوافِقُ عددهُنَّ بالربع، فيحصل معنا أربعةٌ وأربعةَ عَشَرَ وأحدٌ وعشْرُون والأربعةَ عَشَرَ توافق الأربعةَ بالنِّصْف، والأحَدُ والعشرين بالسبع، فتقف الأربَعَةَ عَشَرَ، ونرد الأربعةَ إلى اثنَيْنِ، والأحد والعشرين إلَى ثلاثة، ونضربُ أحدَهُما في الآخر، تكون ستة، تضربها في الأربعةَ عَشَرَ الموقوفةِ، تبلغ أربعةً وثمانين، نضربها في أصْلِ المسألة بعَوْله، تبلغ خَمْسَمائَةٍ وثمانيةً وثمانينَ، منها تصحُّ المسألة.
زوجتان وثلاثُ جَدَّاتٍ وخمسُ أخواتٍ لأبٍ، وسبْعٌ لأم: هي مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وتعولُ إلَى سبعةَ عَشَرَ، ولا موافقة بين السِّهام ولا بين أعداد الرؤوس، فنضرب اثنَيْنِ في ثلاثةٍ، تكون ستَّةً، نضربُها في خمسة، تكون ثلاثين، نضربها في سبْعةٍ، تكون مائتَيْنِ وعشرة، نضربُها في أصْل المسألةِ بعَوْلها، تبلغ ثلاثةَ آلافٍ وخَمْسَمَائَةٍ وسبعَين، منها تصحُّ.
هذا بيانُ التصحيح، فإذا فَرَغْتَ مِنْه، وأردتَّ أن تَعرِفَ نصيبَ الصِّنْفِ كلِّ واحد من مما حصل من الضَّرب فلَهُ طرقٌ:

الجزء: 6 - الصفحة: 565

أشهَرُها وأحِقُّها: أن تضرب نصيب كلِّ صِنْفٍ من أصْلِ المَسْأَلَةِ في العددِ المَضْرُوب في المَسْأَلَةِ، ويعرف بعدد المنْكَسِرِينَ، فما بلغ، فهُوَ نصيبُ ذلك الصِّنْفُ، وإذا قَسَّمْتَ المبْلَغَ عَلَى عدد رؤوسهم، فالخَارِجُ من القسْمَةِ نصيبُ كُلِّ واحدٍ من الصِّنْفِ.
مِثَالُهُ: زوجَتانِ وأربَعُ جَدَّاتٍ وستُّ أخواتٍ لأبٍ: هي من اثْنَيْ عشَرَ، وتعولُ إلَى ثلاثةَ عَشَرَ، ويرجعُ عددُ الجدات إلى اثنين، وعدد الأخواتِ إلَى ثلاثةٍ، فيحصل اثنان واثنان وثلاثة، تسقط أحد المتماثلَيْنِ، وتضرب الآخر من ثلاثةٍ، تكون ستةً، تضرب في أصل المسألةِ بعَوْلها، تبلغ ثمانيةَ وسبعين، كان للزوجين من أصل المسألة ثلاثةٌ، فتُضْرِبُ في ستةٍ تبلغ ثمانيةَ عشَرَ، فهو نصيبهما، وإذا قُسِّم ذلك عَلَى عدد رؤوسهما، خرج تسعةٌ، وكان للجَدَّات سهمان، تُضْرَبُ في ستةٍ، تبلغ اثنَيْ عَشَرَ، وإذا قُسِّم عليهن، خَرَج ثلاثةٌ، وكان للأخواتِ ثمانيةٌ، تضرب في ستَّةٍ، تبلغ ثمانيةً وأربعين، يقسم على عددِهِنَّ تخرج ثمانية.
الثاني: تقسَّم سهام كلِّ صنْفٍ من أصْل المسألة عَلَى عدد رؤوسهم، فما خَرَجَ من القِسْمة، يُضْرَب في المضْرُوب في أصْل المَسْأَلة، فما حصل، فهو نصيبُ كلِّ واحدٍ من الصَّنْف.
ففي المثال المذْكُور يُقسَّم نصيبُ الزوجَيْنِ على عدد رؤوسِهِما، يخرج من القسْمة سهْمٌ ونصف، تضربُ في الستَّةِ المضْرُوبَةِ في المَسْأَلة، تبلغ تسعةً، فهي نصيبُ كلِّ واحدةٍ منهما، ويُقَسَّم نصيبُ الجداتِ علَيْهِنَّ، نخرج من القسْمة نصْف سهم، يُضْرَبُ في الستة، تكون ثلاثةً، فهو نصيبُ كلِّ واحدٍ منهما، ويُقَسَّم نصيبُ الجَدَّاتِ عليهن، يخرج من القسمة نصْفُ سهم، يضربُ في الستَّةِ، تكونُ ثلاثة، فهي نصيبُ كلِّ واحدةٍ منهن، وعلى هذا، فقِسِ [الأخوات].
الثالثُ: يُقسَّم العدد المضْرُوب في المَسْأَلة عَلَى عَدَدِ رؤوس كل صِنْفٍ منهم، فما خَرَجَ علَى القِسْمة، نضربُهُ في نصيب ذلك الصِّنْف، فما بَلَغَ، فهو نصيبُ الواحِدِ من ذلك الصِّنْف.
ففي المثالِ المذْكُور: تُقسَّم الستَّةُ على عدد رؤوس الزوجتين، تخرج من القسمة ثلاثةٌ، نضربها من نصيبِ الزوجتين من أصْل المسألة، وهو ثلاثةٌ، تبلغ تسعةً، فهو نصيبُ كلِّ واحدةٍ منهما.
وعلى القياس.
الرابع: نقابلُ بَيْن نصيبِ كلِّ صنْفٍ وعدد رؤوسهم ونضبط النسبة بينهما، وتأخذ بتلك النِّسْبة في العَدَدِ المَضْروب في المَسْأَلِة، فهو نصيبُ كلِّ واحدٍ من ذلك الصِّنْف.
ففي المثالِ المَذْكُور: نصيبُ الزوجَتَيْن ثلاثةٌ، وهما اثنان، والثلاثةُ مثْلُ الاثْنَيْنِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 566

ومثل نصْفِهِما، فتأخذ مثل العدد المضْرُوب في المسألة، ومثل نصفه وهو تسعةٌ، فهو نصيبُ كُلِّ واحدٍ؛ منهن، ونصيبُ الأَخَوَاتِ ثمانيةٌ، وعدَدُهن ستةٌ، والثمانيةُ مثلُ السِّتَّةِ، ومثل ثلُثِها، فلكلِّ واحدةٍ منْهما مثْلُ العَدَدِ المضْرُوب، ومثلُ ثُلُثِهِ، وهو ثمانيةٌ، [وعددهُنَّ ستةٌ] ونصيبُ الجدات سهمانِ مِثْلُ نصْفِ عددِهِنَّ، فلكلِّ جدة منهما نِصْفُ العدد المضْرُوب في المسألة.
الخامس: وُيعْرَفُ به نصيبُ كلِّ واحدٍ من الورثَةِ قَبْلَ الضَّرْب والتصحيح إن كان الكَسْرُ عَلَى صِنْفٍ واحدٍ، فانظر: إِن لم يوافِقْ سهامهم عددهم، فيصيبُ كُلِّ واحدٍ منهم بعدَدِ سهام جميع الصِّنْف من أصْل المَسْأَلَةَ؛ ونصيبُ كلِّ واحدٍ من الأصْنَاف الذين لَمْ يَنْكَسِر علَيْهم سهامهم بعَدَدِ رؤوس المنْكَسِر عليهم، إن كان لكلِّ واحدٍ منهم سهْمٌ واحدٌ، وإن كان أكْثَرَ منْ سَهْم، ضَرِبَ ما لكلِّ واحدٍ منهم من أصْل المسأَلَةِ في عَدَد المنكسر عليهم، فما حصل، فَهُو نصيبُ كلِّ واحدٍ منهم، وإنْ وافق سهامَهُم عددهم، فنصيبُ كلِّ واحدٍ من المنكَسِر علَيْهم بعَدَدِ وَفْق سهامهم من أصل المسأَلَةِ، ونصيبُ كلِّ واحدٍ ممن لَمْ يَنكَسِر عليهم سهامهم وفق عدد رؤوس المنكسر عليهم؛ عَلَى ما ذكرنا.
المثال الثالث: زوجٌ وأخوانِ لأمٍّ وخمْسُ أخواتٍ لأبٍ: تعول من ستةٍ إلَى تسعةٍ، وتصحُّ من خمسةٍ وأربعين، ونصيبُ كلِّ أخت بعدد سهامِ جميعِهِنَّ منْ أصْل المَسْأَلَةَ، وهو أربعةٌ، ونصيبُ كلِّ واحدةٍ من الأخوَيْنِ خَمْسَة بِعَدَدِ، رؤوسِ الأخوات المنكسر عليهن، ونصيب الزوْجِ خمسةَ عَشَرَ؛ لأنه كان له أكثرُ مِنْ سهْمٍ واحدٍ، وهو ثلاثةُ، فتضربُ في عدد رؤوسهن، لو كان عدد الأخواتِ عَشَرَةً، وافق سهامَهُنَّ عددَهُنَّ بالنِّصْف، فترد عدَدَهُنَّ إلى النصف، ويكون نصيبُ كلِّ واحدةٍ بِعَدد نِصْفِ ما لجميعهن من أصْل المَسْأَلة، وهو اثنان، ويكونُ لكُلِّ واحدٍ من الأخْوَيْنِ خمسةٌ نصف عدد رؤوس الأخوات، وللزوج ثلاثةٌ مضروبةٌ من نصفْ عدَدِ رؤوسهن.
وإن كان الكَسْر عَلَى صِنْفَيْنِ، ولم يكُنْ بين السِّهَام وعدد الرؤوس موافقةٌ، أو كانتْ، وَرَدَدَتَّ عدد الرؤوس إلى الوَفْق، فانْظُرْ في عدَدَ الرؤوس، [ولهما أحوال الثلاث] 179. الحالةُ الأولَى: إن كانا متباينَيْنِ، فالحاصلُ من ضَرْبِ كلِّ واحد من الصِّنْفَيْنِ في سهام الصنف الآخَرِ من أصل المسألة، وهو نصيبُ كلِّ واحَدٍ من الصِّنْفِ المضْرُوب في

الجزء: 6 - الصفحة: 567

سهامِهِم، والحاصلُ من ضَرْب عَدَدِ أحد الصنفَيْنِ في الآخرِ، إذا ضربْتَهُ من نَصِيب الواحِدِ مِنَ الَّذين لم ينْكَسِرْ عليهم سهامُهُم، كان المبلغُ نَصِيبَ ذلكَ الوَاحِدِ من ذلك الصِّنْف.
المثال: خمْسٌ بناتٍ وأربعُ زَوْجاتٍ وأربعُ جَدَّاتٍ وأخٌ لأبٍ: هِيَ مِنْ أربعةٍ وعشرِينَ، وتصحُّ من أربَعِمِائَةٍ وثمانِينَ، والكسر في البنات والزَّوجَاتِ، ولا موافَقَةَ بين عددَيْهِما، فإذا ضرَبْتَ عدد رؤوس البنات في سِهَامِ الزَّوجَات، حَصَل خمْسةَ عَشَرَ، فهو نصيب كلِّ واحدةٍ من الزَّوْجَاتِ، وإذا ضربْتَ عدد رؤوس البنات الزوجات من سهام البنات، حَصَل أربعةٌ وستُّونَ، فهو نصيبُ كلِّ واحدةٍ من البنات، وإذا ضربْتَ عدد رؤوس في الزَّوْجاتِ، حصل عشْرُونَ، فإذَا ضربت في نصيب كل واحدة من الجدات كان عشرين؛ لأن لكل واحدة واحد فهو نصيب كلِّ واحدةٍ منْهُنَّ، وكذلك نصيبُ الأخ، ولو كان بَدَلَ الأربع جدَّتَانِ، ضربتَ العشْرِينَ في اثنَيْنِ، فالحاصلُ نصيبُ كلِّ واحدة منهما.
الحالةُ الثانيَةُ: إذا كان عدد الرؤوس متوافَقَيْنِ، سواءٌ تداخلا أم لا، فإذا ضربْتَ وَفْقَ أحد العدَدَيْنِ في سهامِ الآخَرِ، كان الحاصلُ نصيبَ كلِّ واحدٍ من الصِّنْف المضْرُوب في سهامِهِمْ، وإذَا ضربْتَ وَفقَ أحدهما في جميع الآخر، ولا تدَاخُلَ بينهما، وضربْتَ ما حصَلَ في نَصِيب الوَاحِد من الَّذِينَ لم ينْكَسِر عليهم سهامُهم، كان الحاصلُ نصيبَ الوَاحِدِ، من ذلك اَلصِّنْفِ، وإنْ تداخَلاَ، ضربْتَ أكثرهما في النَّصِيبِ، فما حَصَل، فهو نصيبُ الواحِدِ منهم.
المثالُ: زوْجٌ وتسعةُ إِخوة لأمٍّ وخمسةَ عَشَرَ أُخْتًا لأب: هي من ستَّةٍ، وتعول إلَى تسعة، وتصحُّ من أربعمائةٍ، وخمسْةٍ، تضرب وَفْقِ عدد الإخوة في سهام الأخوات تكون اثْنَيْ عَشَرَ، فهو نصيبُ كُلِّ أختٍ ووفق عدد الأخواتِ في نصيبِ الإخوة، تكون عشرة، فهو نصيبٌ كل أخٍ وَفْقٍ أحَدهِمَا في جميع الآخَرِ، تبلغ خمسةً وأربَعِينَ، تضربُهُ في سهام الزَّوْج، وهي ثلاثةٌ تبلغ مائةً وخمسْةً وثلاثِينَ، فهو نصيبُ الزَّوج، فإنْ كانَ عدَدُ الإخوة اثْنَيْ عَشَرَ وعدد الأخَواتِ ستةَ عَشَر، فالسهام توافِقُ الأعداد، فترجع عددُ الإخوةِ إلَى ستَّةٍ وعدد الأخوات إلَى أربعةٍ للموافقةِ في الرُّبُع، وبَيْن العددَيْنِ موافقةٌ بالنِّصْف، فتصحُّ المسألةِ مِنْ مائة وثمانيةٍ، وإذا ضربْتَ وَفق الراجع من عدد الإِخوة، وهو ثلاثة، في وَفْقِ سهامِ الأخَواتِ، وهو واحدٌ؛ [لأن سهامهم [وافق عددهم بالربع، كان الحاصلُ ثلاثةً، وهو نصيبُ كلِّ أختٍ، وإذا ضربْتَ وَفقَ الراجعِ من عدَدِ الأخواتِ، وهو اثنان، في وَفْقِ سهام الإخوة] 180 وهو واحدٌ] 181، كان الحاصلُ اثنَيْنِ، وهو نصيبُ كِلِّ أخٍ،

الجزء: 6 - الصفحة: 568

وإذا ضربْتَ وفق أحد الراجعين في جَمِيعِ الآخر، حصل اثنا عَشَرَ، فإذا ضربْتَهُ في سهامِ الزَّوْجِ من الأصْلِ، حصل ستَّةٌ وثلاثون، وهو نصيبُ الزوج.
الحالة الثالثة: إذا كان عدَدُ الرؤوس متماثَلَينِ، فنصيب كلِّ واحدٍ من كل صنف بعدد ما كان لجميعهم من أصل المسألة، ونصيب كل واحد ممن لم ينكسر عليهم سهامهم هو الحاصل من ضرب ما كان له في عدد أحد الصنفين المنكسر عليهم سهامهم.
المِثَالُ: خمْسُ بنَاتٍ، وخَمْسُ جدَّاتٍ وأَخٌ: [هي] مِنْ ستَّةٍ، وتصحُّ من ثلاثِينَ ونَصيبُ كلِّ واحدةٍ مِنَ البَناتِ مثْلُ ما كان لجميعهِنَّ، وهو أربعةٌ، ونصيبُ واحدةٍ من الجدَّات مثلُ ما كان لجميعِهِنَّ، وهو واحدٌ، ونصيبُ الأخَ هُو الحاصِلُ منْ ضَرْبِ ما كَانَ له في خَمْسَةٍ، وهو خمسةٌ، وإنْ كان الكَسْرُ عَلَى ثلاثةِ أصنافٍ، فانظر: إن كانت أعْدادُ الرؤوسِ متباينةً، فأفرز الصِّنْفَ الَّذينَ تريد أن تَعْرِف نصيبَهُمْ، واضْرِبْ أحَدَ العَدَدَيْنِ الآخَرَيْنِ في الآخر، فما بلغ، فاضْرِبْه في نصِيبِ الصِّنْفِ الَّذِين أفرَزْتَهُمْ، فما بلغَ، فَهُوَ نصيبُ كلِّ واحدٍ منهم، [واضربْ عدَدَ رؤوسِ الأصْنَافِ الثلاثةِ بَعْضهم في بَعْضٍ، فما بلغ، فاضْرِبْه في نَصِيبِ منَ انْقَسَمَ علَيْهم نصيبُهم من أصْل المَسْأَلَة، فما بلغ، فهو نَصِيبُ كُلِّ واحدٍ منهم] 182. المثال: أربعُ زَوْجاتٍ، وثلاثُ جَدَّاتٍ، وخَمْسُ بناتٍ، وأختٌ لأبٍ: هِيَ مِنْ أربعةٍ وعِشْرِينَ، وتصحُّ من ألْفٍ وأربعمائةٍ وأربَعِينَ، فإذا أردتَّ [أن تعرف] نصيبَ الزَّوْجاتِ، فافْرزْهُنَّ، واضرِبْ عدَدَ رؤوس البناتِ في عَدَدِ رُؤُوس الجَدَّاتِ؛ تبْلُغ خمْسةَ عَشَرَ، اضربْهُ في نصيب الزوجَاتِ في الأَصْلِ، تبلغْ خمسةَ وأرَبعينَ، فهو نصيبُ كلِّ واحدة منهنَّ، وإذا أردتَّ نصيبَ الجَدَّاتِ، فأفرزهن، واضربْ عدد الزَّوْجات في البناتِ، تَبْلُغ عِشْرِين، اضْرِبْه في نصيبِ الجَدَّاتِ، تبلُغْ ثمانِين، فهو نصيبُ كلِّ واحدةٍ منهن، وعلى هذا القياسِ، حُكْمُ البنات.
واضْرِبْ -لمعرفةِ نَصِيبِ الأُخْتِ- عدَدَ الأصْنَافِ المنكسر عَلَيْهم بعْضهم في بَعْضٍ، تبلغْ سِتِّين، اضْربْه في نصيبها مِنْ أصْل المَسْأَلة، وهو واحدٌ يكُونُ سِتِّينَ، فهو نصيبُها.
فإن كانَتِ الأعدادُ متوافقةً أو متماثلةً، فالعملُ عَلَى قياسِ ما ذكرنَاهُ، في الكَسْرَيْنِ، وصورةُ التَّماثُلِ هيِّنةٌ.

الجزء: 6 - الصفحة: 569

وأما التوافُقُ، فَكَتِسْع بناتٍ، وسِتِّ جَدَّاتٍ، وخَمْسَةَ عَشَرَ أخًا لأَبِ: هي مِنْ ستِّةٍ، وتصحُّ من خَمْسَمَائَةٍ وأرْبَعِينَ: إذا أرَدَتَّ أنْ تَعرِفَ نصيبَ البَنات، فأفرزهن، واضْرِبْ وَفْقَ أحد الصنفين مِنَ الجَدَّاتِ والإِخوة في وَفْق الآخر تكُون عَشَرَةٌ، تُضْرَبُ في نصيبِ البَنَات، تبلُغْ أربعينَ، فهو نصيبُ كلِّ واحدةٍ، منْهنَّ وكذلك تفرز الجَدَّاتِ، وَتَضْرِبُ وَفْق أحَدِ الصِّنْفَيْنِ الآخَرَيْنِ في وَفْق الثاني فتكون خَمْسَةَ عَشَرَ، تضربُ في نصيب الجَدَّات، تكون خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فهو نصيبُ كلِّ واحدةٍ منهنَّ، وتفرز الإخوة، وتضْرِبُ وَفْق أحد الآخَرَيْنِ في وَفْق الثَّانِي تكُونُ ستَّةً تَضرِبُها في نصيبهم، تكوَن كذلك، فهو نصيبُ كُلِّ واحدٍ منهم والله أعْلَمُ بالصَّوَاب.
النَّظَرُ الثَّاني: في المنَاسَخَاتِ: [أَمَّا] إذا ماتَ عَنْ جماعه منَ الوَرَثَةِ، ثُمَّ مَاتَ أحَدُهُمْ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ فَلِلْمَسْأَلَةِ حَالَتَانِ: الحالَةُ الأُولَى: أن تَنْحَصِرَ ورثةُ المَيِّت الثاني في البَاقِينَ.
ويكونُ الإرْثُ من الثَّاني عَلَى حَسب إرثِهِم من الأوَّل، فنجعل كأَنَّ الميِّت الثاني لم يكُنْ، ونقسَّم التَّرِكَةُ علَى الباقِينَ، ويُّتصوَّر ذلك فيما إِذا كان الإرْثُ عنهما بالعُصُوبة كَمَنْ مات عَنْ إِخوةٍ وأَخَواتٍ من الأب، ثم ماتَ أحَدُهُمْ عَنِ الباقين، أو عنْ بَنِينَ وبَناتٍ ثم مات أحَدُهُمْ، وخلَّف الإخوة والأخَوَاتِ، وفيما إذا كان الإرْثُ عنهما بالفرضية، كما إذا ماتت عن زَوْج وأمٍّ وأَخواتٍ مختَلِفاتِ الآبَاءِ، ثم نَكَحَ الزَّوْجُ إحداهُنَّ، فماتت عن الباقين، وفيما إذَا كان بعْضَهُم يَرِثُ بالفرضية وبعضهم بالعُصُوبَةِ، كما إذا مات عنْ أُمٍّ وإِخوةٍ لِأُمٍّ، ومُعْتِقٍ، ثم مات أحَدُ الإِخوة عن الباقين.
ولا فَرْق بين أن يرث كلُّ الباقين من الثاني أو بعْضهم؛ كما إِذا مات عن زوْجَةٍ وبَنِين، وليست الزوجَةُ أُمَّ البنين، ثم مات أحدُ البنين عن الباقِينَ.
الحالة الثَّانِيَة: ألاَّ يكونَ كذَلِكَ بألا تنْحَصِر ورثةُ الثَّاني في الباقينِ، إمَّا لأن الوارِثَ غيْرهم، أو لأنَّ غيرهم يَشْرَكُهم، أو تنحصر، إلاَّ أنَّ مقاديرَ الاستحقَاقِ أو بعْضها تَتَفاوَتُ، فنصح مسألتيّ الأوَّل والثَّانِي جميعًا، ونُنْظِرَ في نصيب الثَّاني من مَسْأَلة الأوَّل، فإنِ انقَسَم نصيبُه على مسألَتِهِ، فذاك، وإلاَّ، فنقابل نصيبه بمَسْأَلتِهِ المصحَّحة، إنْ كان بَيْنهما موافقةٌ ضرب أَقَلُّ جزْء الوَفْق من مسْأَلَته في مسْأَلةِ الأوَّل، وإن لم يكن ضرب جميعُ مسْأَلتِهِ في مَسْأَلة الأَوَّل، فما بَلَغَ، تصحُّ منه المسأَلَتَان.
وإذَا أَرَدَتَّ معرفةَ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منِ الورثَة، مما حَصَل من الضّرْب، فاعْلَمْ أنَّ [مِنَ] له شيء من المسْأَلة الأُولَى يأْخُذُه مضْروبًا فيما ضربته في المَسْأَلة الأُولَى، وهو

الجزء: 6 - الصفحة: 570

تمامُ المَسْأَلة الثَّانية أوفقها ومَنْ له شيْءٌ من الثانِيَةِ، يأخُذُه مضْرُوبًا في نصيب المَيِّت الثَّانِي من المَسْأَلَة الأُولَى، أو في وَفق النَّصِيبِ، إن كانَ بَيْن نصيبِهِ ومسْأَلَتِهِ موافَقَةٌ.
الأمثلة: زوجٌ وأخْتانِ لأَبٍ، ماتَتْ إحداهما عن الأُخْرَى، وعن بِنْتِ الأُولَى من سبعةٍ، والثانية من اثنين، ونصيب الميِّت الثَّاني من الأوَّل اثْنَانِ.
زوجةٌ وثلاثةُ بنينَ، وبنْتٌ، ثم ماتَتِ البِنْتُ عن أُمٍّ وثلاثةٍ إخْوَة، وهمُ الباقُونَ مِنْ ورثَةِ الأوَّل.
المسألةُ الأُولَى من ثمانيةٍ، والثانيةُ تصحُّ من ثمانيةَ عَشَرَ، ونصيبُ الميِّتة مِنَ الأُولَى سهْمٌ لا موافقةَ بَين نصيبها ومَسْأَلَتها، فتُضْرَبُ المسألةُ الثَّانيةُ في الأُولَى، تَبْلُغْ مائةً وأربعةً وأربعين للزَّوْجة؛ منها سهمٌ مضْروبٌ في ثمانيةَ عَشَرَ، ولكلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ مضروبان في ثمانيةَ عَشَرَ، تكونُ ستةً وثلاثِينَ، وللبنْتِ ثمانيةَ عَشَرَ، للأمِّ منْها ثلاثةٌ، وهو نصيبها منَ المَسْأَلة الثَّانية مضروبًا في نصيب الميت الأُولَى، ولكلِّ أخ خمسةٌ، فيحصل للأمِّ أحدٌ وعشْرونَ، ولكلِّ واحدٍ أحدٌ وأربعون.
جَدَّتانِ وثَلاثُ أخواتٍ متفرقاتٍ، ثم ماتَتِ الأختُ منَ الأمِّ، عن أختٍ لأمٍّ، وهي الأختُ مِنَ الأبوَيْنِ في المسْألة الأُولَى وعن اختَيْنِ لأبٍ وأمٍّ، وعن أُمِّ أمِّ، وهي إِحْدَى الجَدَّتَيْنِ فالأُولَى من اثني عَشَرَ، والثانيةُ من ستَّةٍ، ونصيبُ الأخْتِ الميتة من المسألَةِ الأُولَى سهمان، ونصيبها ومسألتها يَتَوافَقانِ بالنَّصْف، فتضرب نصْف مسألتها في الأُولَى، تبلغ ستةً وثلاثين، كان للجدِّتَيْنِ سهمان يأخذانهما مضروبَيْنِ في ثلاثةٍ، تكونُ ستة، وكذا الأخت من الأب، وكان للأخت من الأَبَوَيْن ستَّةٌ تأخُذُها مضْروبةً في ثلاثةٍ، تكونُ ثمانيةَ عَشَرَ، وكان لَهَا مِنَ المسألَةِ الثَّانِيَةِ سهمٌ تأخُذُه مضْرُوبًا في وفْق نصِيبِ الميتة من الأُولَى وهو سهْمٌ.
وللأختَيْنِ مِنَ الأبوَيْنِ أربعةٌ مضروبةٌ في سهْم ولأمِّ الأمِّ سهمٌ مضروبٌ في سهْمٍ، فيحصل للأخْتِ الوارثةِ في المسْأَلتَيْنِ تسعةَ عَشَرَ، وللجَدَّة الوارثةِ فيهما أربعةٌ.
ولو ماتَ ثالثٌ قبل قسمةِ التَّركةِ، ذلك طريقَانِ: أحدُهُما: أن تصحَّحَ المسائلُ الثَّلاثُ، وتأخذ نصيبُ المَيِّتِ الثَّالث منهما، وتقابِله بما تصحُّ منْه مسأَلَتُهُ، فإنِ انْقَسَمَ نصيبُه على مسألتِهِ، فذاك، وإلاَّ، فإنْ توافَقًا، ضُرِبَتْ وفْق مسألته فيما صحَّت منْه الأَوليانِ، وإنْ تبايَنَا، ضُرِبَتْ مسألتُهُ فيه.
وعلى هذا القياس تعمل، إذا ماتَ رابعٌ وخامسٌ قبل القسْمة، ثم مَنْ كان لَهُ شيء من المسألتَيْنِ الأُولَيَيْنِ أو مِنْ إحداهما، أخَذَه مَضْروبًا في الثَّالثة أو في وَفَقْها، ومَنْ كان

الجزء: 6 - الصفحة: 571

له شيءٌ مِنَ الثالثة، أخذه مضْرُوبًا من نصيبِ الثَّالث مِنَ المسألَتَيْنِ الأولَيَيْنِ أو في وفقه.
المثال: زوْجٌ وأمٌّ وثلاثُ أخواتٍ متفرقات، ثم ماتَ الزَّوْج عن خمسة بنين، وخَمْسِ بناتٍ، ثم مات أحدُ البنين عن أربعة بنين، وأربع بناتٍ: المسألةُ الأولَى: من تسعةٍ، والثَّانيةُ تصحُّ من خَمْسَةَ عَشَرْ، ونَصيبُ الميِّت الثَّاني من الأوَّل ثلاثةٌ، وبينهما موافقةٌ بالثُّلُث، تُضْرَبُ ثلث الخمسة عَشَرَ في الأُولَى، تبلُغْ خمسةً وأربعين، كان للأُخْت من الأبوَيْنِ من المَسْألَةِ الأُولَى ثلاثةٌ تأخُذُه مضْروبًا في خمسةٍ، تكون خمسةَ عَشَرَ، وكان للأخْتِ من الأَب سهْمٌ، تأخُذُه مضْروبًا في خَمْسَةٍ، تكون خَمْسَة، وللأخت مِنَ الأمِّ كذلك، وللأمِّ كذلك، وإن كان للزَّوْجِ ثلاثةٌ، تُضْرَب في خمْسةٍ، تكونُ خَمْسَةِ عَشَرَ، تنقسمُ عَلَى مسألته، ونصيبُ كلِّ ابنٍ سهْمَان، فإذَنْ نصيبُ الميِّت الثالثِ سهْمَانِ، وتصحُّ مسألته من اثني عَشَرَ، وبينهما موافقةٌ بالنِّصْف، فتضرب نصف الاثنَيْ عَشَرَ، فما صحَّت منه المسألتان، وهو خمسةٌ وأربعُونَ، تبلُغُ مائتَيْنِ وسبْعين للزَّوْج، منها خمسةَ عَشَرَ مضروبة فيما ضَرَبْنَاه من الخَمْسَةِ والأربعين، تبلغ مائتَيْن وسبْعِينَ، للزَّوْج منها خمسةَ عَشَرَ مضروبةٌ فيما ضرَبْناه في الخَمْسَةِ والأربَعِينَ وهوَ ستَّةٌ تكونُ تسْعينَ، وكان للأخْتِ من الأبوَيْنِ خمسةَ عَشَرَ، تضرب في ستَّة تبلغ تسعين، وللأخْتِ من الأبِ خَمْسةٌ مضروبة في ستَّةٍ تكون ثلاثِينَ.
وكذلك للأخت من الأب وللأم، كان لكلِّ ابْنٍ من المَيِّت الثَّانِي سهْمَانِ، فيحصُلُ لكلِّ واحدٍ منهم اثنا عَشَرَ، اضْرِب السهمَيْن في السِّتَّة، فينقسمُ نصيبُ الميِّت الثالثِ عَلَى ورثته، كان لكلِّ ابْن من مسألته سهْمَان، فيُضْرَبَان في وَفْق نصيبِهِ منَ الخَمْسَةِ والأربعين، وهو واحدٌ، فيكون سهْمَيْنِ، ولكلِّ بنتٍ سهْمٌ، لِمِثْلِ ذلك.
زوْجٌ وخمسةُ إِخوةٍ، ثم مات الزَّوْج عن اثنَيْنِ وبنْتٍ، الأُولَى تصحُّ من عشَرةٍ، والثانيةُ من خمسة، ونصيبُ الميِّت الثاني من الأولى خمسةٌ فينقسم نصيبُهُ عَلَى مسألته، ثم ماتَ أحَدُ الابْنَيْنِ عن أخ وأُخْتٍ، مسألتُهُ من ثلاثةٍ ونصيبُه اثنان، [و] لا موافقةَ بينهما، تُضْرَبُ ثلاثةٌ في المسألة الأُولَى تبلغْ ثلاثين كان للزوج من الأولَى خمسةٌ تضربها فيما ضرَبْنا [هـ] في الأُولَى تبلغ خمسةَ عَشَرَ، ولكلِّ أخ ثلاثةٌ، ثم نُقَسّمُ ما أصاب الميِّت الثانِي، وهو خمسةَ عَشَرَ، كان لكلِّ واحدٍ من ابنيه سهمان، تضربُهُمَا في الثلاثةِ، تَكُون ستَّةَ، وللبنْتِ ثلاثةٌ، ثم السِّتَّةِ الَّتي أصابَتِ الميِّت الثَّالث تنقسِمُ عَلَى ورثَتِهِ، كان للأخ سهْمَانِ، فتضربها في نصيبِ الميِّت الثالِثِ مِنَ المَسْأَلة الأُولَى، وهو سهْمَانِ، تكوَنُ أربعة، وكان للأخْتِ سهمٌ، فتضربُهُ في نصِيب المَيِّتِ، وهو سهمانِ، تكونُ سهْمَيْنِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 572

الطريق الثَّاني: أن تصحِّح كلَّ مسألةٍ برَأْسِها، وتقابلَ نصِيبَ كلِّ ميِّتٍ بمسألته، فمِنَ انقسَم نصيبُهُ عَلَى مسْأَلَتَه، فلا اعتداد بمسألتِهِ، ومَنْ لم يَنْقَسِمْ حُفِظَت مسألتُهُ بتمامها، إن لم يتوافَقْ نصيبُه ومسألتُهُ، أو وفقها، إن توافقا، وفعلت بها ما يُفْعلُ بأعدادِ الأصْنَاف المُنْكَسرة عليهم سهامُهُمْ من المسألة الواحدة، فما حَصَل، ضرَبْتَه في المسْألة الأُولَى، فما حصَل قسْمَتَهُ، فتضربُ ما لكلِّ واحدٍ من الأولى في العدَد المضْرُوب فيها، فما خَرَجَ، فهو له، إن كان حيًّا، ولورثَتِهِ، إن كان مَيِّتًا.
مثاله: زوجةٌ وبنْتٌ وثلاثة بني ابن، ثم ماتتِ البنتُ عند زَوْجٍ وأخٍ لأمٍّ، وأمٍّ، وهي الزوجةُ في المَسْأَلة الأُولَى [ثم مات أحدُ ابني الابْن عن زوجةٍ وبنْتِ وابْن ابنٍ، وجَدَّة، وهي الزوجةُ في المَسْألة الأولَى]، ثم مات آخَرُ عَنْ هذه الجدة، وعن خمس بَنينَ، وخَمْسِ بناتٍ.
الأُولى من ثمانيةٍ، والثَّانية من ستَّةٍ، والثالثةُ من أربعة وعِشْرِين، والرابعةُ منْ ثَمانيَةَ عَشَرَ، ونصيبُ البنْتِ موافقٌ مسأَلَتَهَا بالأَنْصَاف، فتُرَدُّ مسألتها إلَى ثلاثةٍ، فَإِذن معنا ثلاثةٌ، وثمانيةَ عَشَرَ، وأربعةٌ وعشْرونَ، والثلاثةُ داخلةٌ في الأربعة والعِشْرين، فنقتصِرُ علَى الأكْثَرِ، وهو توافق الثمانيةَ عَشَرَ بالأَسْدَاس، فتضرب سُدُس أحدِهِما في الآخر، تبلغ اثْنَيْنِ وسبْعِينَ، نضربُهَا من مسألةِ المَيِّت الأوَّل، وهي ثمانيةٌ، تبلغ خمسمائةٍ وسِتَّةً وسبعين، مِنْها تصحُّ المسائلُ، فمَنْ له شيء من المسألةِ الأُولَى، تضرب نصيبه من اثْنَيْنِ وسبعين، ويقسَّم على ورثته.
زوجةٌ وثلاثة إِخوة، ثم مات أحدهم عن ابنين والثاني عن ابنين وبنت، والثالث عن ابْنٍ وبنتٍ.
الأُولَى من أربعةٍ، والثانيةُ من اثنَيْنِ، والثالثةُ من خمسةٍ، والرابعةُ من ثلاثةٍ، والسهامُ لا توافِقُ المسائل، فَتُضْرَبُ المسائلُ الثَّلاثُ بعْضُها في بعْضٍ، تبلغ ثلاثين، تضربُهُ في المسألةِ الأُولَى، تكونُ مائةً وعشْرين؛ للزَّوْجة منها سهْمٌ في ثلاثين، ولكلِّ أخٍ كذلك، فما للأول بين ابنيه لكلِّ واحدةٍ منْهما خمسةَ عَشَرَ، ما للثَّاني بيْن ابْنَيْهِ وبنته، لكلِّ ابنٍ اثنا عَشَرَ، وللبنتِ ستَّةٌ، وما للثالث بيْن ابنه وبنْتِهِ، لِلابْن عشْرُونَ، وللبنْتِ عَشَرَةٌ.
هذا تصحيح المُنَاسَخاتِ.
قال الفَرَضِيُّونَ: وقد يُمْكِنُ اختصارُ الحِسَابِ بعْد الفَراغِ من عَمَل التَّصْحِيحِ، وذلك إذا كانَتْ أنصباء الورثَةِ كلُّها متماثلةً، فترد القَسْمةُ إلَى عدد رؤوسِهِمْ، وكذلك، إذَا كانَتْ متوافقة بجزءٍ صحيح، فيُؤْخَذُ ذلك الوَقْف من نصيب كلِّ واحد منهم، ويُقَسَّم المالُ بيْنهم عَلَى ذلك العَدَدِ كزَوْجَةٍ وبنتٍ وثلاثة بنين منْها، ثم ماتَ أحدُ البنين عن

الجزء: 6 - الصفحة: 573

الباقين، فالأُولى من ثمانيةٍ، والثانيةُ من ستَّةٍ، ونصيبُ الميِّت الثَّاني سهْمَانِ يوافِقَانِ مسألَتَهُ بالنِّصْف، فتضربُ نصْف مسأَلَتِهِ في الأُولَى، تكون أربعةَ وعشْرين، للزوجة منْها ثلاثةٌ، وللبنتِ ثلاثةٌ، ولكلِّ ابنٍ ستَّةٌ، ومِنْ نصيب الميِّت الثاني للأُمِّ سهْمٌ، وللأختِ سهْمٌ، ولكلِّ أخٍ سهْمَانِ، فمجموعُ مَا للأمِّ أربعةُ، وللأختِ كذلك، ولكلِّ أخٍ ثمانيةٌ، فالأنصباء متوافقة [بالربع، فتأخذ ربُعَ كلِّ نصيبٍ، تبلغُ ستةً، فنقسِّم المال عليها؛ اختصاراً.
أما إذا لم تكُنْ بيْن الأنصباء موافقة] 183، أو لم تكنْ إلاَّ في بَعْضِهما، لم يكنْ الاختصارُ.
المقصد الثَّاني: قِسْمَة التَّرِكَاتِ: وله أصْلٌ وفروعٌ متشعِّبة: أما الأصْلُ: فإنْ كانتِ التركةُ درَاهِمَ أو دنانِيرَ أو غيرهما، مما ينقسَّم بالأجزاء؛ [كالمكيلات والمَوْزُونَات، فنقسم عيْنِهَا بيْن الورثة، وإن كان مما لا يُقَسَّم بالأجزاء] 184، كالعبيد والجَوَارِي والدَّوَابِّ، فنقوَّم، ثم نقسَّم بينهم بالقيمة، فما أصابَ كلَّ واحد من القيمة، فَلَهُ بقَدْرِها منَ المُقَوَّم، ولا بدَّ من القسْمة في أقامةِ أصْلِ المسألة بِعَوْلِهَا، ثم يتأتى العَمَلُ قتل التصحيح وبعْده، والأوَّلُ أسهلُ وأخَفُّ.
وطريقُهُ: أن يُنظَر في التَّرِكَة، أهِيَ عدَدٌ صحيحٌ منَ الدَّراهِمِ وغيرها، أمْ عدَدٌ وكَسْرٌ؟ إنْ كانَ الأوَّل، فقابل التركة بالمسألَةِ بعَوْلِها، إن كانت عائلةً، فإنْ تماثَلاَ، فلا إِشْكَال، وإلاَّ، فإن كانا متبايِنَيْنِ، فاضرب نصيبَ كلِّ وارثٍ من أصْلِ المَسْأَلَةِ بِعَوْلِها، أو ممَّا صحَّت منه المسألةُ في عَدَد التَّركةِ، فما بلغ، فاقْسِمْهُ علَى أصْل المَسْأَلة بِعَوْلِها، وعلَى ما صحَّت منْه المسألة، [فما خرَجَ مِنَ القسْمة، فهو حصَّةٌ ذلك الوارِثِ.
وإن شئت، قسَّمت التركةِ أولاً عَلَى أصل المَسْأَلة] 185 بِعَوْلِهَا، أو عَلَى ما صحَّت منْه المسْأَلَة، فما خَرَج من القِسْمة، فاضربه في سَهْم كلِّ وارث، فما بلغ، فهو حصَّتُهُ.
وإن كانا متوافِقَيْنِ؛ فإنْ عَمِلْتَ، كما تَعْمَل في المتباينَيْنِ، حَصَل الغَرَضُ، وإن طلبت الاختصارُ فخذ وفقها، واضْربْ سَهْمَ كُلِّ وارثٍ في وَفْق التركةِ، فما بلغ، فاقْسِمْه علَى وفْق المَسْأَلة، فما خرج، فهُوَ نصيبُةُ من التَّركةِ، وإن شئْتَ، فاقْسِمْ وَفْق

الجزء: 6 - الصفحة: 574

التركةِ علَى وفْق المَسْألة، فما خرَجَ فاضْربْهُ في سَهْم كلِّ وارث، فما بَلَغَ، فهو نصيبُهُ، وإذَا فرَغْتَ من العَمَلِ، امتحَنْتَ صحَّتَهْ؛ بأن تجمع ما أَصَابَ كلَّ واحد من الورثةِ وتنظر: هَلِ المجموعُ مثْلُ التركةِ أمْ لا؟ الأمثلة: زوجٌ، وأمٌّ وأختانِ لأَبِ، وأختانِ 186 لأمٍّ، والتركةُ ستَّونَ ديناراً: المسألةُ من ستَّةٍ، وتعولُ إلَى عَشَرَةٍ، فإن شئْتَ، ضَرَبَتْ سِهامَ الزوْجِ في الستِّينَ، تبلغ مائةً وثمانين، تقسمه علَى المَسْألة، تخرج ثمانيةَ عَشَرَ، فهو نصيبُ الزَّوْج، وتضرِبُ نصيب الأُمِّ في الستين، تكونُ ستِّين، تقسِّمه علَى المسألَةِ، تخرجُ ستَّةً، فهو نَصِيبُهَا، وتضرِبُ نصيبَ الأُخْتَيْنِ للأمِّ في الستِّين، تكُون مائةَ وعشْرِينَ نُقَسِّمُه على المسألة، تَخْرج اثني عَشَرَ، فهو نصيبُها، وتضربُ نصيبَ الأختَيْنِ للأبِ في السِّتِّينَ، تكونُ مائتَيْنِ وأربعينَ، نقسِّمُهُ على المَسْألة، تخْرُج أربعَةَ وعشْرِين، فهو نصيبها وإن شئت، قَسَّمت التركةَ على المَسْألة، تخْرُج ستَّةً، تضربها في سهامِ كلِّ وارثٍ، يخرج ما ذكرنا.
زوْجٌ وأمٌّ وأختٌ لأبٍ، والتركةُ أربعةُ درَاهِمَ: المسألةُ تَعُولُ إلَى ثمانيةٍ، تضربُ نصيب الزَّوْج في التركة، يكون اثْنَيْ عَشَرَ، تقسِّمه علَى سهام المَسْأَلة، يخرج للواحِدِ درهمٌ ونصفٌ، وكذلك نصيبُ الأخت، وتضربُ نصيبَ الأَمِّ، وهو سهمانِ من أربعةٍ، تكون ثمانية، تقسَّم علَى سهام المَسْألة، يخرج واحدٌ، فهو نصيبُهَا.
ثلاثُ زوجابٍ، وأربعة إخوة لأمٍّ، وخمسُ أخواتٍ لأبٍ، والتركة خمسةٌ وسبْعُونَ ديناراً: المسألة تَعُولُ إلَى خمسةٍ [عَشَرَ وتوافق التركة بأجزاء خَمْسَةِ عَشَرَ، فتردُّهما إلَى جزء الوفق، فتَعُود التركة إلى خمسة] 187، والمسألة إلَى واحدٍ، ثم إن شئْتَ، ضَرَبْتَ سهامَ الزَّوْجَات -وهي ثلاثةٌ- في وَفْقِ التركة -وهو خمسةٌ- تبلغ خمْسَةَ عَشَرَ، فهو للزَّوْجات، وضرَبْتَ سهام الإِخوة -وهي أربعةٌ- في الخمسة، تكونُ عِشْرين، فهو نصيبهم، وسهامُ الأخوات -وهي ثمانية- في الخمسةِ، تكون أرْبَعِينَ، [فهو نصيبهن] وإن شئْتَ، قسَّمت من وفْقَ التركة -وهو خمسةٌ- علَى وفْق المسألةِ، وهو واحدٌ، يخرج خمسةٌ، [و] تضرب في سهامِ كُلِّ وارث، يكونُ ما ذكرنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 575

" فَرْعٌ"

وإن كانت التركةُ عدداً أو كسْراً، نُظِرَ، إنْ كان الكَسْر واحداً، ضَربْت مخْرَج ذلك الكَسْر في العدد الصحيح، فما حَصَل فُرَّدُّ عليه الكَسْر، واقسم المجموع عَلَى الورثة، انقسم الصحاح.
ثم اجْعَلْ ممَّا خرج من القسْمَة بعَدَدِ مخْرَج ذلك الكَسْر واحداً صحيحاً، وأضِفْ إلَيْه الباقي.
المثال: زوْجٌ وأخْتَانِ، والتَّركةُ عشرَةُ دراهم ونصْفٌ: تضرب مخْرَج النِّصْف -وهو اثنان- في العَشَرة، تكون عشْرين، وتزيد على النصف واحداً، فكأن التركة أحد وعشْرُونَ من الصحاح، تعمل بها عملك بالصِّحَاح، فيخرج للزَّوج تسعةٌ من الأنصاف [وهِيَ أربعةُ دراههمَ ونصْفٌ، ولكلِّ أختٍ ستةٌ من الإنصاف] وهي ثلاثةُ درَاهِمَ.
ولو كانَتِ ال

مسألة

ُ بحَالِها، والتركةُ ثمانيةٌ وثلاثةُ أرباعٍ: ضربت مخْرج الربع -وهو أربعةٌ- في الثمانية تبلغ اثنين وثلاثين، تزيد عليه الكسر وهو ثلاثة تكون خمْسة [ثلاثين] 188، تقسم كما يقسّم الصِّحَاح، يخرج للزَّوْج خمسةَ عَشَرَ، وهي ثلاثةُ دراهم، وثلاثةُ أرباع دِرْهَمٍ، ولكلِّ أختٍ عشَرَةٌ، وهي درهمان ونصفٌ، وإن كان مع الصِّحاح كسْران، كرُبُعٍ وسدُسٍ، أخَذْتَ مخْرَجَ مجْمُوعهما، وهو اثنا عَشَرَ، وضربْتَهُ في الصِّحَاحِ، وتمَّمْتَ العمل، كما ذكرنا 189. وأما الفُرُوع المتشَعِّبة، فإنَّها تتنوَّع أنْواعاً كثيرةً نورده منها مسائل: مسألةٌ: إذا أَخَذَ بعْضُ الورثة قَدْراً معْلُوماً من التركة، وأردتَّ أن تعرف حملتها، ماقم سهامَ المسْألة بِعَوْلِها، إنْ كانت عائلةً، ثم إن شئت، ضَرَبْتَ المأخُوذَ في سهام المَسْألة، فما بلغ قسْمته على سهام الأخذ، فما خرَجَ من القسْمة، فهو جملةُ التركة، وإن شئت، قسَّمْتَ المأخوذ عَلَى سهامِ الأَخْذ، وضربْتَ الخارج من القِسْمة في سَهام المَسْألة، فما بلغ، فهو التركةُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 576

مثالُهُ: زوْجٌ، وأمٍّ، وأخْتانِ لأبٍ، وأخذ الزوج بحقه ثلاثين ديناراً، إن شئْتَ، ضَرَبْتَ الثلاثِينَ في سهَامِ المَسْألة -وهي ثمانيةٌ- تكون مائَتَيْنِ وأربعِينَ، تقسَّم عَلَى سهام الزَّوْج -وهي ثلاثة- يخرج ثمانُونَ، فهو التركة.
وإنْ شِئْتَ، قَسَّمْتَ الثلاثين عَلَى سهامه، يخرج عَشَرة، وتضرب في سهام المَسْألة تبلغ ثمانِينَ.
ولك أنْ تَسْلُكَ طريقةٌ أخْرَى، وهي أن تنظر فيما بَيْن سهام الآخذ وسهام الباقِينَ منَ الورَثَةِ من النسبة وتزيد على المأخُوذِ بمثْل نِسْبة سهَامِهِمْ مِنْ سِهَامه، فهو جملةُ التركة، ففي المثال المذكُور سهَامُ باقي الورثة مثْلُ سهام الزَّوْج، ومثل ثلثيها فتزيد على الثلاثين مثلها ومثل ثلثيها، يبلغ ثمانين، والله أعلم.
مسألةٌ: زوْجةٌ وأمَّ وثلاثُ أخواتٍ متفرقات، والتركةُ ثلاثون دينارا وثوبٌ، أَخَذَت الزوجةُ بنَصِيبِهَا الثَّوْبَ بتراضِي الوَرَثَةِ، كم قيمةُ الثَّوْب وجملةُ التركة؟ الطريق فيها، وفي أخواتها: أن تقيمَ أَصْل المسألةِ بعَوْلِها، إن كانت عائلةً، وهذه المسألةُ تَعُولُ إلَى خمسَةَ عَشَرَ، ثم لك طريقان: أحدهما: أن تضرب سهام الزَّوْجة من المسألة في عَدَدِ الدَّنَانِير، فتبلغ تسعين، تُقَسِّم التِّسْعِين عَلَى ما بقي من سهام المَسْألة، بعدد سهام الزوْجةِ، وهو اثنا عَشَرَ، يخرج من القِسْمة سبعةٌ ونصْفٌ، فهو قيمةُ الثَّوْب.
وإنْ شئْتَ، قسَّمْتَ الدنانيرَ علَى باقي سهامِ الوَرَثة، وهو اثنا عَشَرَ، يخرج دِينَارَانِ ونصْفٌ، تضربه في سهَام الزَّوْجة، تبلغ سبعةٌ ونصْفُ دينار.
وإنْ شِئْتَ، نسَبْتَ سهامَهَا إلَى سهام الباقين، فإذا هِيَ رُبُعُ سهامِ الباقين، فتأخُذُ رُبُعَ الثلاثين، وهو سبعةٌ ونصف، فهذه ثلاثةُ أوْجُه.
والطريقُ الثَّاني: طريقُ الجبر، تقول: إذا أخَذْتَ بخُمُس التركةِ ثوْباً، فحملة التركة خمْسةُ أثْوابٍ، وهي تَعْدِلُ ثوباً وثلاثين ديناراً، فتسقط ثوباً بثَوْبٍ، فتبقى أربعةُ أثوابٍ في مقَابَلَةِ ثلاثين ديناراً، علمنا أن الثَّوْب الواحدَ سَبْعةٌ ونصْفُ.
أو تقُولَ: خُمُسُ التركةِ خُمُسُ ثَوْب، وستةُ دنانير، وقد أَخَذَتْ بالخُمُس ثوباً، فهو يعدِلُ خُمُسَ ثَوْب، وستةِ دنانير، وتقسط الخمس بالخمس، يبقى أربعة أخماس ثوب في مقابلة ستَّةِ دنانير، فتكمل الثَّوْب؛ بأن تزيد علَى الأخْمَاس الأربعةِ رُبُعها، وتزيد على العديل رُبُعهُ، وذلك سبْعةٌ ونصْفٌ.
ولو كانَتِ المسألةُ بحالها وأخذت مع الثَّوْب خَمْسَة دنانير: فعلَى الطريقِ الأَوَّل: تنقص الخَمْسَة من الثَّلاثين، تبقى خَمْسَةٌ وعشْرُون، ثم

الجزء: 6 - الصفحة: 577

تضرب نصيبهما من المسألة في الخَمْسَةِ والعِشْرِين، تكون خَمْسة وسبعين، تقسَّم على سهام الباقين، وهي اثنا عَشَرَ يخرج ستَّة دنانير وربع، وهو نصيبُها مِنَ التركةِ، فإذا نقصت منْها الخَمْسَةُ، يبقى دينار وربُعٌ، وهو قيمةُ الثَّوْب.
وبالجبر نقُولُ: أَخَذَتْ بخُمُس التركة ثوباً، وخمسة دنانير، فجميعُ التركةِ خَمْسَةُ أثوابٍ، وخمْسَةٌ وعشْرون ديناراً، تعدل ثوباً وثلاثِينَ ديناراً، فَتُسْقِطُ ثوباً بثَوْبٍ، وخمسةً وعشرين بخمسة وعشرِينَ ديناراً، تبقى أربعةُ أثوابِ في مقابلة خمْسةِ دنانيرَ، فالثَّوْبَ الواحدُ دينارٌ وربعٌ.
ولو كانَت بحالها، وأخذت الزَّوْجة الثوْبَ، وردَّت ستة دنانير: فعلى الطريق الأوَّلِ: تزاد الستَّة المردُودة على الثلاثين، وتضرب سهام الزَّوْجة في الستَّة والثلاثين، تبلغ مائةً وثمانيةً، تقسَّم على اثْنَيْ عَشَرَ، فيخرج من القسْمة تسعة، فهو نصيبُها من التَركَةِ، فإذا زِدتَّ علَى التَّسْعة ستَّةَ دنانير، فهي قيمة الثَّوْب.
وعلَى طريق الجبر يقال: أَخَذَتْ بخُمُس التركةِ ثَوْباً، إلاَّ ستَّة دنانير، فجميعُ التركةِ خَمْسَةُ أثوابٍ، إلاَّ ثلاثين ديناراً، تعْدِلُ ثوباً، وثلاثين ديناراً، فتكمل الثيابُ بثلاثين دِينَاراً، ويزاد مثْلُ ذلك على العَدِيل، فتصير خَمْسَة أثواب معادلَة لِسِتَّينَ ديناراً، وثوب يسقط ثوباً بثَوْبٍ، تبقى أربعةُ أثوابٍ في مقابلة ستِّين ديناراً، فالثَّوْبُ الواحدُ خَمْسَة عَشَرَ.
ولو كانَتْ بحالها، والتركةُ ثلاثُون وثَوْبٌ وعَبْدٌ وخاتَمٌ، أخذت الزوجة بنَصِيبَهَا الثَّوْبَ، والأُمُّ العبْدَ والأُخْتُ للأمِّ الخَاتَمَ: فعلَى الطَّريقِ الأَوَّل: تضرب سهامُ الزَّوْجة، وهي ثلاثةٌ، في الثلاثين، تبلغ تِسْعين، تقسمها على ثمانيةٍ، يخرج من القِسْمة أحَدَ عَشَر وربع، أو تقسَّم الثلاثين على الباقي من المسألة بَعْد سهام الزَّوْجة والأُمِّ والأخْتِ للأمِّ، وهو ثمانيةٌ، يخرج من القسْمة ثلاثةٌ وثلاثةُ أرباعٍ، تُضْرَبُ في سهامِ الزَّوْجة، تبلغ أحَدَ عَشَرَ وربعاً، فهو قيمة الثَّوْبِ، وفي سهْمَيِ الأمِّ تبلغ سبعة ونصفاً، فهو قيمةُ العَبْد، وكذلك قيمةُ الخاتَمِ.
وبالجبر يقالُ: أخَذَتِ الزوجةُ بالخُمُس ثوباً، والأمُّ بثُلُثَيِ الخُمُس عبداً، والأختُ بمثله خاتَماً، بَقيَ من السهام ثمانيةٌ، وهي خُمُسَان وثُلُثَا خُمُسٍ؛ يكون ثوبَيْنِ وثُلُثَيْ ثوب، فالجملةُ ثلاثةُ أثواب، وثُلُثَا ثَوْبٍ وعبْدٌ وخاتمٌ، وهي تعدل ثوباً وعبداً وخاتماً، وثلاثين ديناراً، تسقط ثوباً بثَوْبِ، والعَبْد بالعَبْدِ والخاتَم بَالخَاتَمِ، تبقي ثوبان وثلُثاً ثوب من مقابلة ثلاثِينَ ديناراً، فالواحَدُ يَعْدِلُ أحدَ عَشَرَ وربعاً.
ولو كانَتْ بحالِها، والتركةُ ثلاثون، وثوبان يتفاوتان في القيمةِ بدينارَيْنِ، أخَذَتِ الزوْجَةُ بنصيبها الثَّوْبَ الأدْنَى:

الجزء: 6 - الصفحة: 578

على الطريقِ الأَوَّل: يزيد التفاوت بينهما على الدنانير، فتصيرُ اثنين وثلاثين، تضرب سهام الزَّوْجة في اثْنَيْن وثلاثِينَ، فتكون وتسعينَ (1)، تقسَّم على الباقي من سهام المَسْألة بَعْد إسْقَاط نصيب الزَّوْجة، وهو ثلاثةٌ، وبعْد إسْقاط مثْلِهِ للثَّوْب الآخر، والباقي تسعةٌ، يخرج من القِسْمة عَشَرَةُ دنانير وثلثا دينار، فهو قيمة ما أخذَتْةُ.
وبالجبر نقُولُ: أخذَتْ بالخُمُس ثَوْباً، فالجميعُ خمسةُ أثْوابٍ، تعدل التركة، وهي ثوبَانِ واثنانِ وثَلاَثُونَ ديناراً يُسْقِطُ ثوبَين بثَوْبَيْنِ، تَبْقَى ثلاثةُ أثوابٍ، تَعْدِلُ اثنين وثلاثين ديناراً، فالواحدُ بعدلُ عَشَرَةَ وثلثين، ولو أخذت الزوْجَةُ بنصيبهَا الثَّوْبَ الأعلَى فتزيد الدينارَيْن على الثلاثينَ، تصير التركة اثنَيْنِ وثلاثِينَ ديناراً، وثوبين متساوَيَيْنِ، وقد أخذَتِ الزوْجَةُ بثلاثة أسهمٍ ثوْباً ودينَارَيْنِ، فيخص ثلاثة أسهم أخْرَى مثل ذلك، فإذا أسقَطْنَاها هي مِنْ سهامِ المَسْألة تسعةٌ، ومن التركَةِ ثمانيةٌ وعشْرُون دينَاراً، تضْرَب سهام الزَّوْجة في ثمانيةٍ وعَشْرين، تَبْلغ أربعةً وثمانين، تقسّمها على التسعة الباقية من السِّهَام، يخرح تسعة وثلُثٌ، فهو قيمةُ الثَّوب الأعلَى، وقيمة الأدْنَى سبعةٌ وثلثٌ، وجميعُ التركةِ ستَّةٌ وأربَعُونَ دينَاراً وثلثان.

مسألة

: ابنان، والتركةُ ثَوْبَان بينهما ديناران أخذ أحدهما ثلاثَةَ أَرْبَاع الأعلَى، كم قيمةُ كلِّ واحدٍ منهما؟ طريقُهُ: أن تزيد التَّفَاوت علَيْهما، فتجعل التركة ثوبَيْن ودينارَيْن، وحينئذٍ، فلِكُلِّ واحدٍ منهما ثوبٌ ودينارٌ، وقد أخذ أحدهما ثلاثةَ أرْبَاع ثوْبٍ وديناراً ونصفاً، فتقابل به حقّه، وهو ثوبٌ ودينارٌ، [وتسقط ثلاثة أرباعٍ ثَوْبٍ لمثلها، ودِيناراً بدِينَارٍ، يبقى ربُعُ ثوب] 191 في مقابلة نصْفِ دينارٍ، فالثوبُ الكاملُ يَعْدِلُ دينارَيْنِ، فهما قيمةُ الأدْنَى، وقيمة الأعلَى أربعةٌ، وجملة التركةِ ستَّةٌ.
ثلاثة بَنِينَ، والتَّرِكَةُ ثلاثةُ أثوابٍ متفاوتة بدينَارَيْن، أخذ أحدُهُمْ رُبُعَ الأعلَى، وثلُثَ الأوْسَطِ ونصْف الأدْنى، قيمتها؟ نزيدُ التفاوتُ علَيْهما، لتساوِي قِيَمِ الأثْوَابِ، وتجعل التركة ثلاثةَ أثوابٍ، وستَّة دنانير؛ اثْنَان منْها لما بَيْنَ الأَوْسَط، والأَدْنَى من التفاوُتِ، وأربعة لما بَيْن الَأعْلَى والأدْنَى، فيكون لكلِّ واحد منهم ثوْبٌ وديناران، [وقدْ أخذ أحدهم برُبعِ الأعْلَى ورُبُع ثوب وديناراً] وثلث الأوسط ثلث ثوب، وثلثي دينار، وبنصْفِ الأدنَى نصْفَ ثَوْبٍ لَا غير، فالجملة ثوب ونصف سدس ثوب ودينارٌ وثلثا دينار، وهي تَعْدل ثوباً ودينارَيْن، يسقط المشترك، ويبقى نَصْفُ سدسِ ثوبٍ في مقابلة190

الجزء: 6 - الصفحة: 579

ثلث (1) دينار، فالثوبُ الكاملُ يعْدِلُ أربعةً، فهي قيمة الأَدْنَى، وقيمةُ الأوْسَطِ ستَّةٌ، وقيمةُ الأعْلَى ثمانيةٌ، وجملةُ التركة ثمانيةَ عَشَرَ.

مسألة

ٌ: زوجٌ وابنٌ، أخذ الزوْجُ بميراثه وبدَيْنٍ له على الميتة ثُلُثَ المال: المسألةُ من أربعةٍ، تسقط منها سهمُ الزوج، يبْقَى ثلاثة، تَضْربها من مَخْرَجِ الكَسْر، المذكور في السؤال، تَبْلُغ تسعةً، منْها تخرج المسألة، للزَّوْج ثلاثةٌ، وللابْنِ ستَّةٌ، وإذا كان للابن بثلاثة أسهم ستة فللزوج بسهم أثنان فاثنان إرث وواحد دَيْنٌ.
وتقولُ بطريق آخَرَ: المسألةُ مِنْ أربعةِ، والدَّينُ شيء؛ فجملة التركةِ أرْبعةُ أسْهُمٍ، وشَيء منها سهْمٌ وشيء ثلثُ المالِ، وثلاثةُ أسْهُمٍ ثلثاه، والثلُثُ يَعْدُل نصْفَ الثلثَيْنِ، فإذن سهمٌ وشيءٌ، يعدل سهماً ونصْفَ سهْم، يسقط السَّهم بالسهم، يبقى شيء في مقَابَلَة نصْفِ سهْم، فعرفنا أنَّ الشيء المضْمُوم إلى السِّهام الأربعة نصْفُ سهْمٍ، فإذا بَسَطْنَاها أنصافاً، كَانَتْ تسعةً.

مسألة: ابنٌ وبنْتٌ انتهبا التركةَ، ثمَّ رَدَّ كلُّ واحدٍ منهما علَى صاحبه رُبُعَ مَا انْتَهَبَ، فوَصَلَ كلُّ واحدٍ منهما إلَى حقِّه مِنَ الميراث: يجعل ما انتهبَهُ الابْنُ أربعةَ أشياءَ، وما انهبتْهُ البنت أربعةَ دَنَانِيرَ، فإذا رَدَّ الابنُ رُبُع ما انتهبه، وأخَذَ منْها رُبُع ما انتهبته، حَصَل في يده ثلاثةُ أشْيَاءَ، ودينارٌ، وفي يدها ثلاثةُ دنانيرَ وشَيءٌ، ومعلومٌ أنَّ حقَّه ضعفُ حقِّها، فضِعْفُ ما معها مثلُ ما مَعَهُ، وضعْفُ ما معها ستَّةُ دنانيرَ وشيْئَان، تعدلُ ثلاثة أشياء وديناراً، فتسقط ديناراً بدينار، وشيئين بشيئين تبقى خمسةُ دنانيرَ، تعدِلُ شيئاً، فعَرَفْنَا أن قيمة الشيءِ خمسةٌ، وقيمة الدِّينار واحدٌ وجملة التركة أربعة أشياء، وأربعة دنانير، فيكونُ أربعةً وعشرين، ما انْتَهَبَهُ الابن عشْرُون، وما انتهبتْهُ البنْتُ أربعةٌ، فإذا دفع إليها خمسةً، وأَخَذَ منها واحداً، كان معَهُ ستَّةَ عَشَرَ ومعها ثمانيةٌ.
وتُعْرَفُ هذه المسْألةُ ونظائرُهَا "بِمَسَائِلِ النُّهْبى" ولنقتصرْ مِنْ قسْمة التَّرَكَاتِ علَى ما أوْرَدْنَاه ونختمُ الكلامَ في الحِسَاب بجُمَلٍ تختصُّ بأبواب قدَّمْنا فتاويها: منْها: قد مرَّ أن المفقودَ، إذا ماتَ لهُ قريبٌ، وخلَفْ ورثةٌ حاضرين، يؤْخَذُ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم بالاسْتواء منْ حياة المفقدد وموْتِهِ في إسقاطه، وفي دَفْع الأقَلِّ إليه، وطريقُ معرفة الأقَلِّ أن تُصَحّح المسألة علَى تقدير حياتِهِ، وتصحّح على تقدير موْتِهِ،192

الجزء: 6 - الصفحة: 580

وتضرب إحداهما في الأخْرَى، إن لم تتوافَقَا، وإنْ توافَقَتا، ضُرِبَ وَفْق أحدهما في جميع الآخر، ثم كلّ مَنْ يرث علَى التقديرَيْنِ يُضْرَب ما يَرِثُه من كلِّ مسألةٍ في الأخْرَى أو في وَفْقِها، إن توافقتا، وتصرف إلَيْه الأقلّ مما حَصَلَ من الضَّربَيْنِ.
مثاله: أختانِ لأَبٍ، وعَمٌّ، وزَوْجٌ مفقودٌ: إن كان حَيّاً فهي من سبْعَةٍ، والاَّ، فمِنْ ثلاثةٍ، ولا موافقة بينهما، فتُضْرب إحداهما في الآخر يبلغ أحداً وعشرين، للأختين من مسألة الحياةِ أربعةٌ مضروبةٌ في ثلاثةٍ، تكون اثْنَيْ عَشَرَ، [ومن مسألة المَوْتِ سهْمَانِ مضروبَانِ في سبْعةٍ، تكون أربعَةَ عَشَرَ، فيصرف إليهما الأقلّ، وهو اثنا عَشَرَ، ويوقف البَاقِي] 193، فإن عرف حياةُ الزَّوْج، دُفِع إلَيْه، وإن عرف موتُه، فسهمان للأختَيْن، والباقي للعَمِّ: أمٌّ وزوجٌ وأخْتَانِ منَ الأبوَيْنِ وابْنٌ مفقودٌ: إنْ كانَ حَيّاً، فالمسألةُ من اثني عَشَرَ، وإنْ كانَ مَيِّتاً، فمن ستَّةٍ، وتَعُولُ إلَى ثمانيةٍ، وهما متوافقان بالرُّبُع، فتضرب ربع أحدهما في الآخر، تبلغ أربعةً وعشْرين، للأمِّ من مسألةِ الحَيَاة سهْمَانِ مضروبان في وفْقِ مسْأَلَة المَوْت، تكون أربعةً، ومن مسألة المَوْت سهْمٌ مضروبٌ من وَفْق مسألة الحَيَاة، تكُونَ ثلاثةً، فتصرف إليها الأقلّ، وهو ثلاثة، وللزَّوْج من مَسْأَلة الحياة ثلاثَةً مضْروبةٌ من وَفْق مَسْألةِ المَوْت، تكون ستَّةً، ومِن مسألة المَوْت ثلاثة مضْرُوبة في وَفْق مسْأَلَة الحياةِ، تكُون تسْعةً، فتصرف إليه ستَّة، ويُوقَفُ الباقي.
ومنْها: الطريقُ في تَصْحِيحِ مَسَائلِ الخُنْثَى علَى جميع الحالاَتِ، مطلبُ الأقلِّ المستيقَنِ أن تقيم المسألة علَى جميع الحالات، فإن كان الخُنْثَى واحداً، فله حالتان، وإنْ كان هناك خنثيان، فلهما ثلاثُ حالاتٍ؛ لأنَّهما إِما ذكَرَانِ، أو أُنْثَيَانِ أو أَحَدُهُمَا ذَكَرٌ والآخَرُ أنْثَى، ولثلاثِ خَنَاثَى أربعُ حالاتٍ؛ لأنَّهُمْ؛ إما ذكورٌ أو إناثٌ، أو أحدُهُم ذَكَرٌ، والآخران أنثَيَانِ، أو بالعَكْس، وعلَى هذا القياسِ، فهذا ضبطت أصل كل حالةٍ، فخُذْ اثْنَيْنِ منْها، وانظر، أَهُمَا متماثلان أم متدَاخِلاَنِ أم متوافقان أم متباينَانِ؟ واعمل منهما عملَكَ عنْد الانْكِسَار علَى فريقين، ثم قابِلِ الحاصلَ مَعَكَ بأصل ثالثٍ، وهكذا فافْعَلْ إلى أنْ تأتي علَى آخرها، ثم إِنْ لم يكن في المَسْألة صاحبُ فَرْضٍ، صحَّتِ القسمةُ مما عنْدَكَ، وإن كان ضربَتُه في مَخْرَجِ الفَرْضِ، ثم قَسَّمت.
المثالُ: ولَدَانِ خُنْثَيَانِ، إنْ كانا ذَكَرَيْنِ، فالمسألةُ من اثنين، وإن كانا أُنْثَيَيْنِ، أو

الجزء: 6 - الصفحة: 581

أحدُهُمَا ذكَراً، والآخَرُ أُنْثَى، فمن ثلاثة، فتسقط أحد الثلاثتين؛ للتماثل، وتضرب الأخرَى في اثنَيْنِ، تبلغ ستةً، تصرَفُ إلَى كلِّ واحدٍ منهما سهمَيْن؛ أخذاً بالأضَرِّ، وتقف سهمَيْنِ، فإنْ كانا ذَكَريْنِ، فلكلِّ واحدٍ منهما واحدٌ، وإنْ كانا أنْثَيَيْنِ، فهما لبَيْتِ المال، وإن كان أحدُهُما ذكَراً، فهما له.
زوْجٌ وولدانِ خُنْثَيانِ: تُضْرَب السِّتَّةُ التي صحَّت منْها مسألتهما علَى الأحْوَال عنْد تجرُّدُّهما في مَخْرَج الرُّبُع، تبلغِ أربعةً وعشرين، للزَّوْج منها ستَّةٌ، ولكلِّ واحد منهما ستةٌ، لاحتمال أنوثته وذكُورَةِ الآخر.
ابنٌ وَوَلَدَانِ خُنْثَيَانِ: إِن كانا ذكرَيْنِ، فهي منْ ثلاثةٍ، وإن كانَ أحدُهُما ذكَراً، والآخر أنثَى، فمنْ خمْسةٍ، وإن كانا أنثَيَيْنِ، فمن أربعةٍ، والأعدادُ متباينةٌ، فتُضرَبُ ثلاثةٌ في أربعةِ، تبلغ أثني عَشَر، تَضْرَبُ في خمسةٍ، تبلغُ ستِّينَ، منْها للواضح عشرون سَهْماً؛ أخذاً بالأضَرِّ عليه، وهو ذكورتهما، ولكلِّ واحدٍ منهما اثْنَا عَشَرَ، أخذاً بالأضرِّ عليه، وهو أنوثَتُهُ، وذكورةُ صاحِبِهِ 194، وتوقَفُ ستَّةَ عَشَرَ إلَى أن يتبين الحالُ، ويرد بالاختصار إلَى خمسةَ عَشَرَ؛ لتوافقهما بالربع.
ويقْرُبُ من ذلك تصحيحُ مَسَائِلِ الحَمْلِ؛ تفريعاً عَلَى أنَّ أكثر

الجزء: 6 - الصفحة: 582

الحمل أربعةٌ، ومَنْ ليس له نصيبٌ مقدَّرٌ؛ كالأولاد يأخَذُون مع الحَمْلِ شيْئاً، فتقام المسألةُ علَى تقديرِ وَلَدٍ واحدٍ، وله حالتان، وعلى تقدير ولدَيْنِ، فلهما ثلاث حالات؛ لأنهما إمَّا ذَكَرَان أو أُنْثَيَانِ، أو أحدهما ذكَرٌ، والآخَرُ أنثَى، وعلَى تقديرِ ثلاثةِ أولادِ، فلهم أربعُ حالاتٍ؛ لأنَّهُم: إما ذكورٌ أو إِناثٌ أو ذكرٌ وأنثيَانِ [أو أنثَى وذكَرَان، وعلَى تقدير أربَعَةِ أولاد، لهم خمسُ حالات؛ لأنَّهُمْ: إما ذكورٌ أو إناثٌ أو ذَكَرَانِ وأُنْثَيَانِ، أو] 195 ذكرٌ وثلاثُ إنَاثٍ، أو أنثَى وثلاثُ ذكورٍ، ثم ينظُرُ في الأعداد، فيَكْتَفِي مما تماثل بواحد ومما تَداخَلَ بالأكثر، وممَّا توافق بجُزْء الوَفْق، وتترك الأعدَادَ والمتباينَةِ بحالها، وتضْرب ما حَصَل في الأعْدَاد بعْضَها في بَعْضِ، فما بلغ، تصحُّ منه القسمة.
المثال: ابنٌ وأمَّةُ حامِلٌ: إنْ كانَتْ حاملاً بوَلَدٍ، فالمسألةُ في إحْدَى الحالتَيْن من اثنين، وفي الثانيةِ مِنْ ثلاثَةٍ، وإنْ كانَتْ حاملاً بولَدَيْنِ، فهي في حالٍ من ثلاثةٍ، وفي حالٍ مِنْ أربَعَةٍ، وفي حالٍ مِنْ خمسةٍ.
فإنْ كانَتْ حامِلاً بثلاثةٍ، فهي من أربعةٍ أو خمسةٍ أو ستةٍ أو سبعةٍ، وإنْ كانَتْ حاملاً بأربعةٍ، فهي منْ خمسةٍ أو ستةٍ أو سبعةٍ أو ثمانيةٍ أو تِسْعَةٍ، فيكتفَى من الأعداد المتماثلةِ بوَاحِدٍ، يحصل معه اثنان وثلاثةٌ وأربعةٌ وخَمْسَةٌ وستَّةٌ وسِبْعَةٌ وثمانِيَةٌ وتسْعَةٌ، فبعد الرَّدِّ إلى الوفق والاكتفاءِ بالأكْثَرِ من المتداخلين تبقَى خمسةٌ وسبْعَةٌ وثمانِيَةٌ وتسْعَةٌ، تضْرَبُ بعضها في بعْض، تبلغ ألفين وخمْسمَائة وعشْرِين، للابن منْها الخُمْسُ، وهو خَمْسُمَائَةٍ وأربعةٌ؛ لأنَّ أَضَرَّ الأحوال أن تَلِدَ أربعةَ بنين، ويُوقَفُ الباقي.
ويقْرُبُ منه تصحيحُ مَسَائل الاسْتِهْلاَلِ.
فإذا ماتَ عَنِ ابْنٍ وزوجةٍ حاملٍ، فولَدَتْ، ابنًا وبنتاً، واستَهَلَّ أحدهم، ثم وُجِدَا ميِّتَيْن، ولم يدر مَنِ المستهلُّ، فقد سبق أنَّه يُدْفَعُ إلَى كلِّ وارث أقلُّ ما يستحقه، وطريقُ معرفةِ الأَقَلِّ أن يقال: المسألةُ الأولَى: ثصحُّ من ستَّةَ عَشَرَ، إنْ كان الابنُ هو المُسْتَهِلَّ، للزوْجةِ سهمان، ولكلِّ واحد من الابنين سبعةٌ ومسألة الابن المستهلُّ من ثلاثة، والسبعةُ لا تنْقَسِمُ على الثلاثة، ولا موافقة بينهما، فتَضْرَبُ ثلاثةٌ في ستةَ عَشَرَ، تبلغ ثمانيةً وأربعين، للزوجة منها الثُّمُنُ ستَّةٌ، ولكل واحد منهما أحدٌ وعشْرُون، منها للامِّ سبعةٌ، والباقي للأخِ، فتجتمعُ للأمِّ ثلاثةَ عَشَرَ، وللأخِ خمْسةٌ وثلاثُونَ، وإنْ كانَتِ البنتُ هِيَ المستهِلَّةِ، فالمَسْألةُ الأُولَى تصحُّ من أربعةٍ وعِشْرِينَ، للبِنْتِ منها سبعةٌ، ومَسْألتُها من ثلاثةٍ، ولا تصحُّ سبعةٌ عَلَى ثلاثةٍ، ولا موافقةَ، فتضْرَب ثلاثةٌ، في أربعةٍ وعشرين، تبلغ

الجزء: 6 - الصفحة: 583

اثنين وسبْعِين، للمَرْأة الثُّمُنُ تسْعَة، وللابْنِ اثنان وأربعون، وللبنت أحَدٌ وعشرون، للأمِّ منها سبعةٌ، وللأخ أربعةَ عَشَرَ، فتجتمع للأمِّ ستَّةَ عَشَرَ، وللأخِ ستَّة، وخَمْسُونَ، وهما متوافِقَانِ بالثُّمُنُ، فترد ما صحَّ منه.
مسألة البنْت، وهو اثنان وسبعون إلَى ثُمُنِها، وهو تسعةٌ، للأمِّ سهمان، وللابن سبْعةٌ، فانتهَى الأمْرُ إلَى أنَّ المسألة على تقدير اسْتِهْلاَلِ الابْنِ، صحَّت من ثمانيةٍ وأربَعِينَ، ومسألةُ البِنْتِ من تسْعةٍ، وهما متوافِقَانِ بالثُّلُث، فتضرب ثُلُث أحَدِهِمَا في جميع الآخَر، تبلغ مائةً وأربعةً [وأربعين]، منها تصحُّ في الحالتَيْنِ، للأمِّ بتقدير اسْتِهْلاَلِ الابْنِ تسعةٌ وثلاثُونَ، وبتقدير اسْتِهْلاَلِ البنْتِ اثنان وثلاثُونَ، فتعطَى الأقلَّ، وللابن بتقدير اسْتِهْلاَلِ الابْنِ مائة [وخمسة وبتقدير استهلال البنت مائة] واثني عشر فتعطى الأقل، وتوقَفُ سبعة أسهمٍ بينهما.
ولو خلَّف أمّاً وأخاً لأبٍ وأمَّ ولدٍ حامِلاً منْه، فولَدَتْ ذكراً أو أنثَى، واستهلَّ أحدُهُما، إن كان الابْنُ هو المستهلَّ، فالمسألةُ من ستةٍ، منْها خمسةٌ للابن، ومسألتُهُ من ثلاثةٍ، لأمِّه الثلُثُ، والباقي للعم، فتضرب ثُلُثه في ستَّةٍ، تبلغ ثمانيةَ عَشَرَ، للأمِّ ثلاثةٌ، ولأمِّ الولد خمسةٌ، وللعم عشرةٌ.
وإنْ كانَتِ البنتُ المستهلَّةُ؛ فالمَسْألةُ الأُولَى من ستة أيضاً، نصيبُ البنْتِ منها ثلاثةٌ، ومسألتها مِنْ ثلاثةٍ، فمعنا ستةٌ وثمانيةَ عَشَرَ، وهما متداخلاَنِ، فتكتفي بالأكثر وتُصحِّح منها المسألَة في الحالتَيْنِ؛ للأمِّ ثلاثةٌ على التقديرَيْنِ، وللعمِّ عَشَرَةٌ على تقدير استِهْلَالِ الابْنِ، ولأمِّ الولد خمسَةٌ.
وعلى تقدير اسْتِهْلَالِ البنْتِ: للعمِّ اثنا عَشَر، ولأمِّ الولد ثلاثةٌ، فيعطَى كلُّ واحد منهما الأقَلَّ، ويوقَفُ بينهما اثْنَانِ.

فَرْعٌ لابْنِ الحَدَّاد

ماتَ عن زوجةٍ حامل وأخوَيْنِ، فولَدَتِ ابناً، ثم صودف ميتاً، فقالتِ الزوْجَةُ: إنه انفصَلَ حيّاً، ثم مات، نُظِرَ: إنْ صدَّقاها، فهذا رجُل مات وخلَّف زوجةً وابْناً، ثم مات الابْنُ، وخلَّف أُمّاً وعمين، فتصحان أربعة وعشرين، وإنْ كذباها، فالقَوْلُ قولهما مع يمينهما، وتصحُّ المسألة من ثمانِيَةٍ.
وإنْ صَدَّقها أحدَهُما، وكذَّبَها الآخَرُ، فيحلِفُ المكذِّبُ، ويأخذ تمام حقِّه لو كذَّبَاها، وهو ثلاثةٌ من ثمانيةٍ، والباقي، وهو خمسةٌ، يقسَّم بين المصدِّق والزوْجَةِ علَى النسبة الواقعة بين نصيبها، [و] لو صدَّقاها، وذلك لاتفاقهما علَى أنَّ المكذِّب ظالمٌ، يأخذ الزيادَة، فكأنَّها تلِفَتْ من التركة أو غُضِبَتْ.
ونصيبُ الزوْجَةِ، لو صدَّقاها عشَرَةٌ من أربعةٍ وعِشْرين، ثلاثةٌ من الزَّوْج، وسبْعةٌ

الجزء: 6 - الصفحة: 584

من الابن، ونصيبُ العَمِّ سبعةٌ، فالخَمْسَةُ بينهما علَى سبعةَ عَشَرَ، والخمسة لا تنْقَسِمُ على سبعة عَشَرَ، فتضرب سبْعةَ عَشَرَ في أصْلِ المَسْألة، وهو ثمانيةٌ، تبلغ مائة وستَّةً وثلاثين، للمكذِّب ثلاثةٌ مضروبةٌ فيما ضرَبْنَاه في المسألة، وهو سبعةَ عَشَر، يكون أحداً وخَمْسين، والباقي، وهو خمسةٌ وثمانون، تقسَّم على سَبْعَةَ عشَرَ، يكونُ لكلِّ سهْم خمسةً، فلها بعُشْرة خمسونُ، وله بسُبْعَةِ خمسةٌ وثلاثون، وقد زاد نصيبُ المكذِّب علَى نصيبَ المصدِّق بستَّةِ عَشَرَ سَهْماً: ولو كانتِ المسألةُ بحَالِها، ولكنْ ولَدَتْ بِنْتاً: قال الشيخُ أبو عَلِيٍّ تخريجاً علَى هذه القاعدة: إنْ صدَّقاها، صحَّتِ الفريضَتَانِ منْ ثمانيَةٍ وأربَعِينَ، وإنْ كذَّباها، فمن ثمانيةٍ، وإنْ صدَّقها أحدُهما، وكذَّبها الآخرِ، فمنْ مائَتَيْنِ وثمانيةٍ وأربعين.
ومنْها: حِسَابُ مَسَائِلِ الرَّدِّ: قال الأئِمَّةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم-: الردُّ نقيض العَوْلِ؛ لأنَّ الردَّ ينقص السِّهَام عن سهامِ المَسْألة، والعَوْل يزيدها، ولا يخلُو الحَالُ في صُوَرِ الرَّدِّ: إمَّا أن لا يكون في الورثة من لا يُرَدُّ عَلَيْهِ أو يكُونَ: القسْم الأوَّلُ: إذا لم يكُنْ في الورثَةِ مَنْ لا يُرَدُّ عليه، نُظِرَ: إن كان شَخْصاً واحداً، فجميعُ المالِ له فَرْضاً ورَدّاً، وإنْ كانوا جماعةً من صنْفٍ واحدٍ، فالمالُ بينهم بالسَّوِيَّة، ذكُوراً كانوا أو إناثاً، وإن كانُوا صِنْفَيْنِ أو ثلاثةَ أصناف؛ جعل عدد سهامِهِمْ منَ المَسْألة، كأنه أصْل المسألة، ثم ينظر في عَدَد سهام كلِّ صِنْفٍ، وعدد رؤوسهم؛ إنِ انقسَم علَيْهم، فذاك، وإلاَّ، صُحِّح بطريقة.
المثال: أمٌّ وبِنْتٌ.
أصْلُ المسألةِ منْ ستَّةٍ وسهامُهَا أربعةٌ، ونجعَلُ المسألة، منها أمٌّ وبنتٌ وبنتُ ابنٍ مجموعُ سهامِهِنَّ خمسةٌ، فتجعلها أَصْلَ المسْأَلَةِ، فإن كان مع الأُمِّ والبنْتِ ثلاثُ بناتِ ابن، ضربْنَا عددَهُن في خمسةٍ، تبلغ خمْسةَ عَشَرَ، للأمِّ ثلاثةٌ، وللبنْتِ تسعةٌ، ولبناتِ الابْنِ ثلاثةً.
القسْمُ الثَّانِي: إذا كان فيهِمْ مَنْ لا يُرَدُّ علَيْه، فيدفع إلَيه فرضُهُ من مخْرِجِهِ، ويجعل الباقِي لمن يُرَدُّ عليه، إن كان شخصاً واحداً، وإن كانوا جماعةً منْ صِنْفٍ واحدٍ، وإن كانوا صِنْفَيْنِ أو أصنافاً، أخَذْنَا مَخْرَجَ فروضهم وسهَامهم منْه، ونظرنا في الباقي مِنْ مَخْرَجَ فرْضِ مَنْ لا يُرَدُّ عليه، فإنِ انْقَسَمَ علَى سهامهم، فذاك، وإلا، ضرَبْنَا سهامَهُمْ في مَخْرَج فرْضِ مَنْ لا يُردُّ عليه، فما بلغ، يُجْعَلُ أصْلَ المسألة، فإنْ وقع فيه كسْرٌ أو أكثر صححنا المسألة بطريقة.

الأمْثِلَةُ:

زوجةٌ وأمٌّ لها الرُّبُعُ، والباقي للأمِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 585

زوجٌ وستُّ بناتٍ، له الرُّبُعُ، والباقي لا يصحُّ عليهن [و] لكن يتوافَقَانِ بالثُّلُث، فتضرب وَفْقَ عددهِنَّ في أربعة، تبلغ ثمانيةً منها تصحُّ.
زوجةٌ وأمٌّ وثلاثُ بناتٍ: مخْرَجُ فرْضِ الزَّوْجة ثمانيةٌ، ومسألةُ الأُمِّ والبناتِ من ستَّةِ، وسهامُهُن خمسةٌ، والسبعةُ الباقيةُ لا تصحُّ علَى خمسة، ولا يتوافقان، فنضرب خمسةٌ في ثمانيةٍ تبلغ أربعين، للزوجة خمسةٌ، والباقي بينَهُنَّ أخماساً، للأمِّ سبعةٌ، تبقَى ثمانيةٌ وعشرون، لا تصحُّ على ثلاثة، فتضرب الثلاثةُ في الأربَعِينَ، تَبْلُغ مائةً وعشرين، منْها تصحُّ.
زوجٌ وبنتٌ وبنْتُ ابْنٍ: للزوْجِ الرُّبُعُ والباقي ثلاثةٌ، ومسألتُهُما من ستَّةٍ، نصيبها منْه أربعةٌ، ولا تَصحُّ ثلاثةً على أربعةٍ، ولا موافقة، فتُضْرب أربعةٌ في أربعةٍ، تبلغ ستةَ عَشَرَ، منْها أربعةٌ للزَّوْج، والباقي بينهما أرباعاً تسعةٍ للبنت، وثلاثةٌ لبنْتِ الابْنِ زوجتانِ وثلاثُ جَدَّاتٍ وسبعة إِخوة لأُمِّ: للزوجتين الربُعُ وما بقي للجَدَّاتِ والإِخوة أثْلاَثاً، للجَدَّاتِ سهْمٌ، وللأخوةِ سهمان، فتَضْرِبُ اثنَيْنِ في ثلاثة، تكون ستةً، تضربُهَا في سبْعَةٍ، تبلغ اثنتين وأربعين، تَضْرِبُها في مسألة الزوجَيْنِ، وهي أربعةٌ، تبلغ مائةً وثمانيةً وستين، للزوجين منْها اثنانِ وأربعون، وللجدات كذلك؛ لكلِّ واحدةٍ أربعةَ عَشَرَ، وللإِخوةِ أربعةٌ وثمانُونَ، لكلِّ واحدٍ اثنا عَشَرَ.
فرع: إذا باعَ بعْضُ الورثة جميعَ نَصِيبِهِ منَ الباقين على قدْرِ أنْصِبَائِهِمْ، قُدِّرَ، كأنَّه لم يكنْ، وقسم المالُ علَى الباقين.
مثالُهُ: زوْجٌ وابن وبنْت، باع الزوْجُ نصيبَهُ لهما (1) على قدْرِ حقِّهما، فكأنه لا زَوْجَ، وتقسَّم التركةُ بينهما أثْلاَثاً، ولو باع بعْضَ نصيبه، جُعِلت المسألةُ منْ عددٍ، يؤخَذُ لنصيبِ البائع منه الجزءُ المَبِيعُ، ويُقَسَّمُ ذلك علَى الباقِينَ.
مثالُهُ: لو باعَ الزوْجُ في الصورة المذكُورة نِصْفَ نصيبه، تجعل المسألةَ مِنْ ثمانيةٍ، ليكون لنصيبَه منها، وهو الربعُ، نصف، لكن نصفُ رُبُعُ الثمانيةِ لا ينْقَسِمُ على البنْت والابْنِ أثلاثاً، فتُضْرَب الثمانيةُ في مَخْرَج الثلث، تبلغ أربعةُ وعشرين، للزَّوْج ثلاثة، وللابن أربعةَ عَشَرَ، وللبنْتِ سبعةٌ، وعلَى هذا القياسِ، والله أعلم.

" الكَلاَمُ في المَسَائِلِ المُلَقَّبَاتِ"

منها: "المشرَّكة" و"الخَرْقَاءُ" و"الأَكْدَرِيَّةُ" و"أم الفُرُوخ"، ومسأَلَةُ" الأرامل" و"المنبرية" و"الصَّمَّاء"، وقد بيَّنَّاها، وقد تُسمَّى الخَرقاءُ مسألة عثمان -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-196

الجزء: 6 - الصفحة: 586

لما سبَقَ منْ مذْهَبِهِ، و"مسَدَّسَةً"؛ لأن فيها ستَّةُ مذاهِبَ عن الصَّحَابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- علَى ما مرَّ تفصيلهما، و"مُسَبَّعَةً"؛ لأن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فيها روايَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيِ العبارةِ: إحداهما: الَّتي تقدَّمت.
والأُخْرَى: أنه يُفْرَضُ للأم السُّدُس، والمَعْنَى واحد، وربَّما سميت "مخَمَّسَةً"؛ لأن منهم من يَقُول: قضَى فيها عثمانُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أجمعين- كأنَّه لا يثبت الرواية عن غيرهم.
ومنها مربَّعاتُ ابنِ مَسْعُود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهن بنتٌ وأختٌ وجَدٌّ، قال: للبنْتِ النصْفُ والبَاقِي بينهما مناصَفَةً.
وزوجٌ وأمٌّ وجَدٌّ، قال: للزَّوْجِ النصفُ، والباقي بينهما.
زوجة وأمٌّ وجَدٌّ وأخٌ؛ جعل المال بينهم أَرْباعاً.
وزوجةٌ وأختٌ وجَدٌّ، قال: للزَّوْجَةِ الربُعُ، وللأختِ النصْفُ، والباقي للجَدِّ.
فالصور 197 كلُّها من أربَعةٍ، والصورةُ الأخيرةُ تُسَمَّى مُرَبَّعَة الجماعة؛ لأنهم جميعاً جعلُوها منْ أربعةٍ، وإن اختلَفُوا في بَعْض الأنصباء.
ومنها: "المُثَمَّنَةُ"، وهي: زوجةٌ وأمٌّ وأختانِ لأبٍ وأمٌّ وأختانِ لأمٍّ وولدٌ لا يَرِثُ لِرِقٍّ أو قَتْلٍ؛ لأنَّ فيها ثمانية مذاهبَ، عند الجمهور: هي من اثْنَيْ عَشَرَ، وتعُولُ إلَى سبعةَ عَشَرَ.
وعن ابن عبَّاس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- تفريعاً علَى إنكار العَوْل 198 الفاضل عن

الجزء: 6 - الصفحة: 587

فرض الزوجة، والأمِّ وولَدَيِ الأُمِّ [لولدي الأبوين: فتصحُّ من أربعةٍ وعشْرين، وعنْده أيْضاً أن الفاضل عن فرْضِ الزَّوْجَةِ، والأم بين ولَدَيِ الأبوَيْنِ وولَدَيِ الأمِّ] 199 أثلاثاً، فتصح من اثنين وسبْعِين.
وعن معاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أنَّ للأمِّ الثلُثَ؛ تفريعاً علَى أنها لا تحجب إلاَّ بالأخوَةِ، فتعُولُ إلَى تسعةَ عَشَرَ.
وعن ابن مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِسقاطُ وَلَدِي الأمِّ، وعنه إِسقاط ولَدَي الأبوَيْن، وعنْه إِسقاطُ الصِّنْفَين جَميعاً، والباقي للعصبة، وعنه -وهو الأشْهَرُ-: أنَّ للمرأةَ الثُّمُنَ، تفريعاً علَى أن مَنْ لا يرث مَن الأولاد يَحْجُبُ الزوجة والأمّ، فتكون المسألةُ من أربعة وعشرين، وتعولُ إلَى أحدٍ وثلاثين، وتسمَّى لذلك "ثلاثينية ابْنِ مَسْعُودٍ" -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
ومنْها: "تِسْعِينِيَّةُ زَيْدٍ" -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهي: أمٌّ وجَدٌّ، وأختٌ في الأبوَيْنِ، وأخوانِ، وأخْتٌ لأبٍ، وهي من ثمانيةَ عَشَرَ أصْلاً، أو ضرباً؛ للأمِّ ثلاثةٌ، وللجَدِّ خمسةٌ، وللأخْتِ من الأبوَيْنِ تسعةٌ، يبقى سهمٌ، لا يصحُّ عَلَى خمسةٍ، فتضرب خمسةٌ من ثمانيةَ غشَرَ، تبلغ تسعين، منْها تصحُّ.
ومنْها: النِّصْفِيِّةُ، وهي: زوجٌ، وأخْتٌ من الأبويْنِ، أو مِنَ الأبِ؛ لأنه لَيْسَ في الفرائِضِ شَخْصان يرثان نصْفَيِ المال فَرْضاً إلاَّ هُمَا، وربَّما سُمَّيَتِ الصوَرتَانِ يَتِيمَتَيْنِ.
ومنْها: " العُمَرِيَّتَانِ" وهُمَا: زوْجٌ، وأبَوَانِ أو وزوجة وأبوانِ؛ لأن أوَّلَ مَن قضَى فيها عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
ومنْها: "مُخْتَصَرَةُ زَيد" -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهِيَ أمٌّ، وجَدٌّ، وأَخْتٌ مِنَ الأبوَيْنِ، وأخٌ وأُخْتٌ من الأَبِ؛ لأنها تعمل فيها على قول زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بالبَسْط تارَةً، بأنْ يُقَالَ: هي مِنْ ستَّةٍ، للأمِّ سهْمٌ، والباقي بين الجَدِّ والأخ والأختَيْنِ علَى ستَّةِ، وخمْسَةٍ لا تصحُّ عَلَى ستة، فتضرب ستَّةَ في أصْلِ المَسْألة، تبلغ ستةً وثلاثين، يبقى بعد القسْمَةِ سهْمَان لولَدَي الأب، وهما لا يصحَّان علَى ثلاثة، فتضرب ثلاثة في ستةٍ وثلاثين، تبلغِ مائةً وثمَانيةً، منها تصحُّ، السهامُ بعد القسمة تتوافَقُ بالأنصاف، فتردها إلَى أربعةٍ وخمْسِين، وبالاختصار تارَةً بأن يُقَالَ: المقاسَمَة وثلُثُ البَاقِي سواءٌ للجد، فتقسَّم من ثمانيةَ عَشَرَ، يبقَى سهمٌ لا يصحُّ علَى ثلاثةِ، فتضربُ ثلاثة في ثمانيةَ عَشَرَ، تبلغ أربعةً وخمسين.
ومنْها: "مسألةُ الامْتِحَانِ"، وهي أربعُ نسوةٍ، وخمسُ جَدَّات، وسبْعُ بنات وتسعةُ

الجزء: 6 - الصفحة: 588

إِخوةٍ لأبٍ، هي مِنْ أربعةٍ وعشرين، وتصحُّ من ثلاثينَ ألْفاً ومائَتَيْنِ وأربَعِينَ 200. ومنْها: الغَرَّاءُ، وقد تُفَسَّر بمُطْلَقِ العَوْل إلَى تسْعة، وقد تفسَّر بصورة خاصَّة منْه، وهي: زوْجٌ وأختانِ لأبٍ وأم وأخوان لأمٍّ، وهذه الصورةُ تُسَمَّى "مروانيةً"، لأنَّها فيما يُقالُ: وقَعَتْ في زمَنِ بَنِي أميَّة، واشتهرَتْ في النَّاس، فسُمِّيَتْ، غرَّاء، وفي المُلَقَّبَاتِ "مروانية" أخْرَى، وهي: زوجةٌ وَرِثَتْ من زوْجها ديناراً ودِرْهماً، والتركةُ عشرون ديناراً، وعشْرُونَ درْهماً، يقال: إِن عَبْدَ المَلِكِ سُئِلَ عَنْهَا، فقال: صُورَتُها أخْتَانٍ لأبٍ وأمٍّ وأخْتَانِ لأمٍّ وأربعُ زوجات، للزَّوْجَاتِ خُمُسُ المالِ؛ لمكَانِ العَوْل، والخُمُسُ أربعة دنانِيرَ، وأربعةُ دَرَاهِمَ، لكلِّ واحدةٍ دينارُ ودرهمٌ.
ومنها: مسائل "المُبَاهَلَةِ"، وهي مَسائلُ العَوْل؛ لأن ابْنَ عبَّاس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أن الفَرِيضَةَ لا تَعُولُ.
ومنْهَا: "الناقِضَةُ": وهي: زوْجٌ وأمٌّ وأخَوَانِ لأمٍّ؛ لأنَّها تنقض أحد أصْلِي ابْنِ عبَّاس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- إنْ أعطاهَا الثُّلُثِ، لزم العول، وإنْ أعطَاهَا السُّدُسِ، لَزِمَ الحَجْبَ بأخوين.
لكن قيل: إنَّ الصَّحِيحَ عَلَى قياسِ قوله أنَّ الباقي للأخَوَيْن.
ومنْها: "الدِّينَارِيَّةُ"، وهي: زوجةٌ وأمٌّ وبِنْتَانِ واثْنَا عَشَرَ أَخاً، وأخْتٌ، والتِركَةُ ستُّمائَةِ دينارٍ، فنصيب الأخْت مِنْها دينارٌ، يُرْوَى أنَّ الأخْتَ دفع إليها ديناراً، فجاءَتْ إلَى عليٍّ -كرم الله وَجْهَهُ- كالمتظلِّمة، فقال: قَدِ استَوْفَيْتِ حَقَّكِ 201. ومنْهَا: "المَأْمُونِيَّةُ"، وهيَ: أبوانِ وبِنْتَان، لم تقسّم التركة حتى مَاتَتْ إِحْدَى البنتَيْنِ، وخلقت الباقين.
سأَلَ المأمُونُ عنْها يَحْيَى بْنَ أكْثَم، حينَ أرَادَ أنْ يُوَلِّيَهُ القَضَاءَ، فَقَالَ: بين أميرُ المؤمِنِينَ أن الميِّتَ الأوَّلَ رجلٌ أم امرأةٌ؟ فقال المأْمُونُ: إِذَا عَرَفْتَ الفَرْقَ، عَرَفْتَ الجوابَ، وذلك أنَّه إن كان رجُلاً، فالأبُ وارِثٌ في المسْأَلَة الثانية؛ لأنَّه أبُ الأبِ، والاَّ، فغَيْرُ وارِثٍ؛ لأنَّه أبُ الأُمِّ، والله أعلم

الجزء: 6 - الصفحة: 589

الْكَلاَمُ في مَسَائِلِ الْمعَايَاةِ:

قالتْ حبلَى لِقَوْمٍ يقسِّمُونَ الترِكَةَ: لا تَعْجَلُوا، فإنِّي حبْلَى، إن ولدتُّ ذكراً، وَرِثَ، وإنْ ولَدتُّ أُنْثَى، لم تَرِثْ، وإنْ ولدتُّ ذكراً وأنثَى، ورث الذكرُ دون الأنثَى، هذه زوجةُ كلِّ عصبةٍ سوَى الأب والابْنِ.
وإن قالَتْ: إنْ ولدت ذكراً أو أنثَى، وَرِثَا، وإن ولدتُّ أنثَى، لم ترِثْ، فهي زوجةُ الأَبِ.
وفي الورثة أخْتَانِ لأَبٍ وأمٍّ أو زوجة الابْنِ، وفي الورثة بنْتَانِ مِنَ الصُّلْب.
ولوْ قَالَتْ: إنْ ولدتُّ ذكراً لم يَرِثْ، وإن ولدتُّ أنثَى، ورثَتْ، فهي زوجةُ الابْنِ، والورثةُ الظاهرون زوْجٌ وأبوانِ، [وبنتٌ أو زوجةَ الأبِ، والورثةُ الظاهِرُون زوْجٌ وأمٌّ] 202، وأخْتَانِ لأمٍّ.
ولو قالت: إن ولدتُّ ذكراً أو أنثى، لم تَرِثْ، وإنْ ولدُّتهما، ورثا، فهي زوجةُ الأبِ، وقد مات الأبُ قَبْله، والورثةُ الظاهرُونَ أمٌّ وجَدٌّ وأختٌ من الأبوَيْنِ.
إنْ ولَدَتْ ذكراً أو أنثَى، فهو أخٌ أو أختٌ لأبٍ، فيكون الباقِي بعْد فرِضْ الأمِّ بيْن الجَدِّ والأخْتِ والمولود، ثم تسترد الأختُ جميع حصة المولود، وإن ولدَتْ ذكراً وأنْثَى، أَخَذَ الحدُّ ثُلُثَ الباقي بَعْد فَرْضِ الأمِّ، فما بَقِيَ تأخُذ الأختُ منه قَدْرَ النِّصْف، فيبقى لهما شيءٌ.
نَوْعٌ آخَرُ: قال: إنْ ولدت ذكراً، وَرِثَ ووُرِثَتْ، وإن ولَدَتْ أُنْثَى، لم تَرِثْ، ولا أرث، هي بنتُ ابنِ المَيِّت، وزوْجَةُ ابن ابنٍ آخَرَ، وفي المسألةِ بنْتَانِ منَ الصُّلْب، فإنْ ولدَتْ ذكراً، فهناك بنتانِ، وبنْتُ ابنٍ، وابْنُ ابْنِ ابنِ ابنٍ، فالباقي بينهما، وإنْ ولدَتْ أنْثَى، فلا شيءٌ لهما.
ولو قالت: إنْ ولدتُّ ذكراً، لم يَرِثْ ولا وَرِثْتُ، وإن ولدَتْ أنْثَى ورثنا، فهي

الجزء: 6 - الصفحة: 590

بنْتُ ابنِ ابنٍ الميتة، وزوجةُ ابْنِ ابنٍ آخَر، والورثَةُ الظاهِرُونَ زوْجٌ، وأبوانِ، وبنْتٌ، ابن وإن ولدت ذكراً، فلا شيْءٍ، له ولا لأمه.
وإنْ ولَدَتْ أنثَى، اجتمع مع المذْكُورِينَ بنْتُ ابنِ ابنٍ، وهي الوالدة، وأخرَى في درَجَتِها، وهي المولودة، فيفرض لهما، وتَعُولُ المسألة.
ولو قالَتْ: إنْ ولدتُّ ذكراً، فلي الثُّمُنُ، والباقي له، وإنْ وَلَدَتْ أنثَى، فالمال بيني وبينها بالسَّوِيَّة، وإن أسقطتُ ميِّتاً، فلي جميعُ المال، فهي امراةٌ أعتقتْ عبداً، ثم نكَحَتْهُ، فماتَ عَنْها، وهي حُبْلَى [منه].
نَوْعٌ آخَرُ: قال رجُلٌ: لا تَعْجَلُوا، فامرأتي غائبةٌ، إن كانتْ ميِّتةَ، ورثتُ، وإنْ كانَتْ حيَّةَ، ورثَتْ، ولم أَرِثْ، فهذا أخُو الميِّت لأبيه وزوجَتُه الغائبة أختُ الميِّت لأمِّه، وله معهما أم وأختانِ من الأَبَوَيْنِ.
فإن كانَتْ ميِّتةً، فالباقي له، وإنْ كانَتْ حيَّةً، فالسدُسُ الباقي فرْضُها، ولا شيء له، ويصحُّ الجواب أيضاً في أمرأةٍ، خلَّفت زوجاً وأمّاً وأختَيْن لأمٍّ وأخاً لأبٍ، قد نكح إحْدَى أختَيْهَا، وهي الغائِبَةُ.
ولو قال: إنْ كانَتْ حيَّة ورثتُ أنا دُونَها، وان كانَتْ ميِّتَةَ، فلا شيء لي ولا لها، فصورَتُهُ: امرأةٌ ماتَتْ عنْ زوْج وأمٍّ وجَدٍّ وأخت لأمٍّ، وأخٍ لأبِ، قد نكَحَها، وهي الغائبةُ، إنْ كانَتْ حيَّةً، فللزَّوْجِ النصْفُ، وللأمِّ السُّدُس، والباقي بيْن الجَدِّ والأخِ، وإنْ كانَتْ ميِّتَةً، فللزوج النصْفُ، وللأمِّ 203 الثلث، وللجد السدُسُ، ولا شيء للأخ.
نَوْعٌ آخَرُ: امرأةٌ وزوجُها، أخذا ثلاثة أرباع المَالِ، وأخْرَى وزوْجُها أخَذَا الرُّبُعَ، صورتُهُ: أختٌ لأبٍ، وأُخْرَى لأمٍّ وأبْنَا عمٍّ؛ أحدهما أخٌ لأم، والذي هُوَ أخٌ لأمٍّ زوجُ الأخت للأب، والآخر زوجُ الأخْتِ للأمِّ، فللأخْتِ منَ الأَبِ النصْفُ، وللأخِ والأخْتِ منَ الأُمِّ الثُّلُثُ، والباقي بَيْن ابْنَيِ العمِّ بالسَّوِيَّةِ.
زوجَانِ أخَذا ثُلُثَ المالِ، وآخران أخذَا ثُلُثَيْهِ، صورَتُهُ أبَوَانِ وبنْتُ ابن في نكاحِ ابْنِ ابنِ ابنٍ آخر.
رجلٌ وابنتُهُ ورِثَا مالاً عن ميت نصفَيْنِ، صورَتُهُ: امرأةٌ ماتَتْ عن زَوْجٍ، هو ابنُ عَمٍّ، وبِنْتٍ منه.
رجُلٌ وزَوْجَتَاهُ، وَرِثُوا المالَ أثْلاثاً، صورَتُهُ: بنتا ابنين في نكاح ابنِ أخٍ أو ابْنِ ابنِ ابنٍ.
ابن زوجةٌ وسبعةُ إخوةً لها، وَرِثُوا المالَ بالسَّوِيَّة، صورَتُهُ: نَكح ابن الرجُلِ أمّ امرأته وأولدها سبعة، ومات الرجُلُ بعْد موت الابْنِ عنْ زوْجَتِه، وبني ابن، وهم إخوَتُها لأمِّ، فلها الثمنُ، ولهم الباقي.

الجزء: 6 - الصفحة: 591

أخوانِ لأَبٍ وأمٍّ؛ ورث أحدُهُما عنْ ميِّت ثلاثةَ أرباع المال، والآخَر ربعه، صورَتُهُ: ابنا عَمٍّ، أحدهما زَوْجٌ.
نَوْعٌ آخَرُ: امرأةٌ وَرِثَتْ أربعةَ أزْوَاج واحداً بَعْد واحِدٍ، فحصل لها نصْفُ أموالِهِمْ، هم أربعةُ إخوةٍ لأبٍ وأمٍّ، كان لهم ثمانيةَ عَشَرَ ديناراً، للأوَّل ثمانيةٌ، وللثاني ستَّةٌ، وللثالثِ ثَلاَثَةٌ، وللرابع دينارٌ، فنَصِيبُهَا من الأوَّل دينارانِ، ومِنَ الثانِي كذلك؛ لأنَّه كانَ لَهُ ستَّةٌ، وأصابه من الأول ديناران، ومَن الثالِثِ كذلك؛ لأنَّه كانَ لَهُ ثلاثةٌ، وأصابه من الأوَّل ديناران ومنَ الثَّانِي ثلاثَةٌ، [ونصيبها من الرَّابع ثلاثةٌ؛ لأنَّه كان له دينار، وأصابه من الأول ديناران، ومن الثاني ثلاثةٌ، ومن] 204 الثالثِ ستَّةٌ، فيجتمع لها تسْعَة.
امرأةٌ ورِثَتْ خمسةَ أزْوَاحٍ، فحصل لها نصْفُ أموالِهِمْ.
وهمُ خمسةُ إخوةٍ لهُمْ ثمانيةٌ وأربعون ديناراً، للأوَّلِ ستَّةَ عَشَرَ، وللثانِي ثلاثةَ عَشَر، وللثالِثِ تسعةٌ، وللرابعِ ثلاثةٌ، وللخامِسِ سبْعةٌ.
امرأةٌ ورِثَتْ ثلاثةَ أزْوَاج، فحصل لها نصْفُ أموالهم.
وهم ثلاثةُ إخوةٍ لَهُمْ مائَةٌ وثمانيةٌ وثلاثون؛ للأوَّلِ مَائَةٌ وثمانية وعِشْرُون، وللثاني ثمانيةٌ وللثَّالِثِ ديناران.
نَوْعٌ آخَرُ: دخلَ صحيحٌ عَلَى مريضٍ، فقال أوص لي، فقال وإنما ترثني أنت وأخواك وأبواك وعَمَّاك، فالصحيحُ أخو المريض لأمِّه وابن عمه وأخواه أخُو المَريض لأمِّه، وأبَوَاهُ عمُّ المريض وأمّه، وعَمَّاهُ عمَّا المريضِ، والحاصلُ ثلاثةُ إِخوة لأمٍّ وأم وثلاثةُ أعْمَام.
ولو قال: يرثني أبوَاكَ وعَمَّاكَ وخَالاَكَ، فالصحيح ابنِ أخي المريض لأبيهِ، وابن أخته لأمه، وله أخوان آخران لأبٍ وأَخوانِ آخَرَانِ لأمٍّ، ولو قال: تَرِثُنِي جَدَّتَاكَ وأُخْتَاكَ وزَوْجَتَاكَ وبِنْتَاكَ، فجدتا الصحيح زوجتا المريض واختاه من قِبَل الأمِّ أختاً المريض من قبل الأب، وزوجتا الصَّحِيح، إحداهما أمِّ المريض، والأخْرَى أخته من الأَبِ وبنْتَا الصَّحِيحَ أخْتَاً المريضِ منِ الأَم ولدتهما له أمُّ المريض.
والحاصِلُ: زوجتان وثلاثُ أخواتٍ لأبٍ وأخْتَانِ لأمٍّ، وأمٌّ، ولو قال: تَرِثُنِي زوْجَتَاكَ، وبنْتَاكَ، وأخْتَاكَ وعَمَّتَاكَ وخَالَتَاكَ، فزوجتا الصحيح أمُّ المريض وأخته لأبيه، وبنتا الصحيح أختا المريض لأمه وأختا الصحيح لأمه أختاً المريضِ لأبيه وعَمَّتا الصَّحيحِ، إحداهما لأبٍ، والأخْرَى لأمٍّ، وخالَتَاه كذلك، وأربَعَتُهُنَّ زوجاتُ المريضِ،

الجزء: 6 - الصفحة: 592

فالحاصل أربعُ زوجاتٍ، وأمُّ وأختَانِ لأمٍّ، وثلاثُ أخَوَاتٍ لأبٍ.
نَوْعٌ آخَرُ: تَرَكَ سبْعَةَ عَشَرَ ديناراً علَى سبْعَ عَشْرَةَ امرأةً، فأخذت كلُّ واحدةٍ منهن ديناراً، صورَتُهُ مسألةُ الأَرَامِلِ.
ترك أربعةً وعشرين ديناراً عَلَى أربع وعِشْرِينَ امْرأةً، وأخذَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ ديناراً، صورَتُهُ: ثلاثُ زوْجَاتٍ وأرْبَعُ جَدَّاتٍ وستَّ عَشْرَةَ بِنْتاً وأختاً لأبٍ.

الجزء: 6 - الصفحة: 593

الكَلاَمُ في الأَنْسَابِ والقَرابَاتِ

المُتَشَابِهَةِ: ثلاثُ بناتِ ابنٍ، بعضُهُنَّ أسفل من بعض يحتمل أن تكون العليا عَمَّة الوُسْطى بأنْ تكون العُلْيَا يبنْتَ ابنٍ، والوُسْطَى بنْتَ ابْنِ ذلك الابْنِ، ويحتمل أنْ تكُونَ العُلْيَا بنْتَ عمِّ أب الوُسْطَى بأن تكون الوسطَى بِنْتَ ابنِ ابنٍ آخر، وكذلك الوسْطَى يحتمل أنْ تكُونَ عمَّةَ السُّفْلَى، ويُحتمل أنْ تكُونَ بنْتَ عَمِّ أبيها، وأمَّا العلْيا مع السُّفْلَى، فيحتمل أنْ تكون العُلْيا عمة أبي السُّفْلَى، ويحتمل أن تكونَ بنْتَ عمِّ جدها.
ثلاثُ بناتٍ ابنٍ، بعضُهُنْ أسفل من بَعْضٍ، ومع كُلِّ واحدة منْهنَّ أختها، فإن كنَّ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ، ففي كلِّ درجة بنتاً ابن، وإن كنَّ لأمِّ، فهن أجنبياتٌ، وكذلك لو كان مع كلِّ واحدةٍ منهنَّ بنْتُ عمها بنتُ ابْنٍ معها جدَّتُها، إن كانَت أمُّ الأمِّ، فهي أجنبيةٌ عن الميِّت، وإن كانَتْ أمّ الأب، فإنْ كان الميِّتُ رجلاً فهي زوجةُ، وإن كان امراةً، استحالَتِ المسألةُ، فإنَّ الجدَّةَ هي الميِّتَة.
رجلانِ، كلُّ واحدٍ منهما عمُّ الآخر، صورَتُهُ أنْ ينكح كلُّ واحدٍ عن عَمْرٍو وزيدٍ أُمَّ الآخرِ، فوَلِدَ لكلِّ واحدٍ منهما ابنٌ، فكل واحدٍ من الاثنين عمُّ الآخَرِ لأمِّه.
رجُلانِ، كلُّ واحدٍ منهما خالُ الآخر، صورتُهُ: أنْ ينكح كلُّ واحد من عمرٍو وزيدٍ بنْتَ الآخَرِ، فَوَلدَ لكلِّ واحد منهما ابنٌ، فكلُّ ابنٍ منهما خالُ الآخر.
[رجلان] كلُّ واحدٍ منهما عمُّ أبي الآخر، صورَتُهُ: أن ينكحَ رَجُلاَنِ، كلُّ واحد منهما، اُمَّ أبِي الآخرِ، فَيُولَدُ لهما [ابنانِ.
كلَّ واحد منهما عمُّ أمِّ الآخر، صورَتُهُ: أن ينكح رجُلاَنِ، كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا] بنتَ ابنِ الآخَرِ، فيُولَد لهما ابْنَانِ.
كلُّ واحد منهما، خال أب الآخَرِ، أنٍ ينكح ثنان، كلُّ واحد منهما، أمَّ أمِّ الآخر، فيُولَدُ لهما ابْنَانِ.
كلُّ واحدٍ منهما خالُ أمِّ الآخر هو أن ينكح اثنان، كلُّ واحد منهما، بِنْتَ بِنْتِ

الجزء: 6 - الصفحة: 594

الآخَرُ فيُولَدُ لهما ابنانِ.
رجُلانِ، أحدُهُما عمُّ الآخرِ، والآخَرُ خالُ الأوَّل، صورتُةُ: أن ينكح رجلٌ امرأةً، وينكح ابنُهُ أمَّها، فيولَدُ لكلِّ واحدٍ منهما ابنٌ، فابنُ الأبِ عمُّ ابنِ الابْنِ، وهو خالُ ابنِ الأبِ.
شخْصٌ، هو خالٌ وعمٌّ، صورَتُهُ: أن ينكح أحَدُ الأخويَنْ، منَ الأَبِ، أُخْتَ الاَخَرِ من الأمِّ، فتلد له ابناً، فالأخ الآخرُ عمُّ المولود لأبيه، وخالُه لأمِّه.
وأيضاً إذاً نَكَحَ أحد الأخوَيْن، من الأم، أُخْتُ الآخر لِأَبِيهِ، فولدَتْ له ابْناً، فالآخَرُ خالُ هذا الابْنِ منْ جهة الأَبِ، وعمه من جهة الأُمِّ.
وأيضاً إذا نكحِ زَيْدٌ أمَّ عمْرٍو، وعمرو بنْتَ زَيدٍ، ووُلِدَ لكلِّ واحد ابْنٌ، فابنُ زيدٍ عمُّ ابْنِ عمْروٍ؛ لأنَّهُ أَخُو عَمْروٍ لأمِّه، وخال له؛ لأَنَّهُ أخو أمه من الأب، وأيضاً إذَا نَكَحَ امرأةٌ، وله بنتٌ من غيرها، ولها ابنٌ من غيره، فنكَح ابنُها بنْتَهُ فوُلِدَ للوالدَيْنِ ابنٌ وللولدَيْنِ ابنٌ، فابْنُ الوالِدَيْنِ عمُّ ابنِ الولدين منَ الأمِّ؛ لأنَّه أخو أبيه من الأمِّ، وخاله؛ لأنه أخو أمِّه من الأب، وقد نظم بعضهم المسْألة فقال: [المتقارب] وَجَارِيَة عَمُّهَا خَالُهَا ... إِذَا مَا مَشَتْ صَاحَ خلْخَالُهَا أَبِينُوا لَنَا أَيُّهَا الفارِضُو ... نَ عَنْ هَذِهِ الخَوْدِ، مَا حَالُهَا؟ وبمثل ذلك يصوَّر المصْرَاع الثَّاني منَ البَيْتِ المَعرُوف: [البسيط] حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجَّنَة ... وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوداء شمليل ويُرْوَى هذا البيْتُ عن كعْب بْنِ زُهَير بن سلمى من قصيدة مَدَحَ بها سيِّدَنا رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنْشَدَهَا بيْن يدَيْهِ أوَّلُها: [البسيط] بَانَتْ سُعَادُ؛ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُول ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْد مَكبُولُ 205 ويُرْوَى هذا البيت عن أوْسِ بْنِ حَجْرٍ أيضاً، كأنَّ أحَدَهُمَا ضمَّنَهُ.
وأما قولُهُ "أبوها أخوها" فمثله يوجد 206 في أنكحةِ المجوس، أو بالشبهة.
وذلك بأن يطأ المجوسىُّ أُمَّه، فيولدها بنتاً، فهو أَبُوهَا وأَخُوهَا لأُمِّها، واجتماع القرابَتَيْنِ المذكورَتَيْنِ في المِصْرَاعِ الأَوَّل والقرابتين المذكورتين في الثَّانِي؛ بأن يضرب

الجزء: 6 - الصفحة: 595

فحْلٌ ابنتَهُ، فتضع حملين، فيضربها أحدُهما، فتضع ناقَةً، فالفحل الثاني أبُوهَا وأَخُوها لأمِّها، والذي كان معه عمّها؛ لأنه أَخُو أبِيها، وخالها؛ لأنه أخُو أُمِّها.
و"الحرفُ": النَّاقَةُ الضامِرَةُ، ويُقَال: "الصلبة، المهجنة" بنتُ الهَجِينِ، وهو الَّذِي أبوه شريفٌ عتيقٌ، والأمُّ بخلافه، و"القَوْدَاء": الطَّوِيلَةُ، و"الشِّمْلِيلُ" السَّرِيعَةُ.
رجلٌ، هو عمُّ أبيه، وعمُّ أمه، صورَتُهُ: أن ينكح أبُو أبِي أَبيه أُمَّ أبي أمِّه، فوَلَدَتْ ابناً، فذلك الابنُ عمُّ أبيه من الأب، وعمُّ أمه من الأمِّ.
رجلٌ هو خالُ أبيه، وخال أمه.
[صورته: أن ينكح أبُو أمِّ أمِّه، أُمَّ أمِّ أبيه، فولدَت ابناً، فذلك الابنُ [هو] خال أم الرجل لأبيه وخال أبيه لأمه] 207. رجُلاَنِ، كُلُّ واحدٍ مِنْهما، ابْنُ عم الآخر، وابنُ خاله، صورته: أن ينكح رجُلاَنِ، كلُّ واحد منهما، أخْتَ الآخَرِ، فيولد لهما ابنانِ، فكلُّ واحدٍ من الابنَيْنِ ابنُ عمَّةِ الآخر وابنُ خالِهِ.
عن حرملة أنَّ رجُلاً دَفَعَ إلَى الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رُقْعَةً فيها: رجلٌ ماتَ، وخَلَّى رجُلاً: ابْنَ عَمِّ ابْنِ أَخِي عَمِّ أَبِيه.
فكتَبَ الشَّافِعِيّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في أسْفَلِهَا: [الرمل] صَارَ مَالُ المُتَوَفَّى كُمَّلاً ... بِاتِّفَاقِ الْقَوْلِ لاَ مِرْية فِيهْ لِلَّذِي خَبَّرْتَ عَنْهُ أَنَّهُ ... ابْنُ عَمِّ ابْنِ أَخِي عَمِّ أَبِيهْ وذلك لأن ابنَ أخي عَمِّ الأب هو الأب، فابن عمه هو ابْنُ عمِّ الأب، ويقْرُبُ من هذا قَوْلُ القائل: ورِثَ من الميت خالُ ابْنِ عمَّه دون أخيه من الأبوَيْنِ؛ وذلك لانَّ خال ابْنِ العَمَّة هو الأب والأعْمَام، والمرادُ هاهنا: الأبُ.
وقول القائل: وَرِثَ من الميت عمَّةُ ابنِ خالِهِ دُون الجَدَّة؛ وذلك لأنَّ عمَّة ابْنِ الخالِ هي الأمُّ.
وهذه فنونٌ لا تتناهى، وقد أتيْنَا منْها بطَرَفٍ صالحٍ، نفعَنا اللَّهُ والناظرين فيه بمنهِ وكرمه.
ونرجع إلى الموضع الذي تركناه من الكتاب بعون الله وحُسْن توفيقه.
تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع، وأوله: "كتاب الوصايا"

الجزء: 6 - الصفحة: 596

العزيز شرح الوجيز المعروُف بالشَّرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء السابع يحتوي على الكتب التالية: الوصايا- الوديعة- قسم الفيء والغنائم- قسم الصدقات- النكاح دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

الجزء: 7 - الصفحة: 1

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِ
ُّ: (الفَصْلُ الأَوَّلُ في بَيَانِ الوَرَثَةِ) والتَّورِيثُالفصل الأول في بيان الورثة والتوريثفصل في بيان المجمع على توريثهمفصل في ذوي الأرحامفصل في بيان ما يستحقه كل وارث من المجمع عليهم-[رَضِيَ الله عَنْهُ]-في بيان المسائل المستثناة من مشابهة الجد الأبفصل في الأولادفصل في الإخوة والأخواتُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّقْدِيمِ وَالحَجْبِفصل في بيان العصبات وترتيبهمفصل في عصبات المعتق-[رحمه الله]-القول في الحجبالقول في ميراث المجوسي" القَوْل فِي الرِّقّ"القتل مانع من الإرث" فَرْعٌ"أسباب تمنع صرف المال إليه في الحال للشك في استحقاقهالقول في الشك في النسبميراث الحملفرعانالقول في ميراث الخنثىفَصْلِ" فَصْلٌ"القول في ميراث ذوي الأرحامفرع في أمثلة توضح الفرض" فَرْعان"" فَرْعانِ"الكلامُ في حِسابِ الفَرائِضِ.ُّ: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُصُولِ الحِسَابِ" فَرْعٌ"مسألةمسألةمسألةفَرْعٌ لابْنِ الحَدَّادالأمْثِلَةُ:" الكَلاَمُ في المَسَائِلِ المُلَقَّبَاتِ"الْكَلاَمُ في مَسَائِلِ الْمعَايَاةِ:الكَلاَمُ في الأَنْسَابِ والقَرابَاتِ
كِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل