العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغزالي: المُخْتَصَرُ يُسْتقْبَلُ بِهِ القِبْلَةُ فَيُلْقي عَلَى قَفَاهُ (ح م) وَأُخْمُصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُلَقَّنُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، وَتُتْلَى عَلَيْهِ سُورَةُ يس، وَلْيَكُنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ تَعَالَى.
قال الرافعي: يُسْتَحَبُّ لكل أحد ذكر الموت، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أكْثِرُوا ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" 1 يعني الموت.
وينبغي أن يكون مستعدّاً له بالتَّوبة وردّ المظالم، فربُّما يأتيه فجأة، وكل ذلك للمريض آكد، ويستحبُّ له الصَّبْرُ على المرض والتَّدَاوي وترك الأَنِين ما أطاق، ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلماً وإن كان ذمياً جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما، ثم العائد إن رأى أمارة البُرْءِ دَعَا للمريض وانْصَرَفَ، وإن رأى خِلاَفَ ذلك رغّبه [في التوبة] 2 والوصية إذا عرفت ذلك فغرض الفصل الكلام في "آداب المحتضر"، وقد ذكر منها أربعة: أحدها: أن يستقبل به القبلة وفي كيفيته وجهان: أحدهما: أنه يلقى على قفاه وَأَخْمَصَيه إلى القبلة كالموضوع على المُغْتسل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنَّهُ يفجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللّحد؛ لأنه أبلغ في الاسْتِقبَال، والوجه الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر أصحابنا العراقيون سواه، وحكى عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه-.
واحتجوا له بما روي أنه قال: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُم فَليَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ" 3. واستثنوا ما إذا ضاق المكان فلم يمكن وضعه على جنب أو كان به علَّة تمنع

الجزء: 2 - الصفحة: 392

من ذلك فحينئذ يلقى على قفاه ويجعل مستقبلاً بوجهه ورجليه.
والثاني: تَلْقِينُ كلمة الشَّهَادة، قال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَولَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" 4. وقال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" 5. والأحب أن لا يلحّ الملقّن عليه، ولا يواجهه بأن يقول: قل: لا إله إلا الله، ولكن يذكر الكلمة بين يديه ليتذكرها فيذكرها، أو يقول ذكر الله -تعالى- مبارك، فنذكر الله جميعاً 6، ويقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا قال مرّة لا تعاد عليه إلا أن يتكلّم بعدها بكلام، والأحب أن يلقّن غير الورثة، فإن لم يحضر غيرهم لقّن أشفقهم عليه 7. والثالث: تتلى عليه سورة "يس"؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقرءوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ" 8 واستحب بعض التابعين المتأخرين قراءة سورة "الرَّعد" عنده أيضاً.
والرابع: ينبغي أن يكون حسن الظّن باللهِ عز وجل؛ لما روى جابر -رضي الله عنه- قال: "سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول قبل موته بثلاث: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ" 9. ويستحب لمن عنده تحسين ظنّه وتطميعه في رحمة الله -تعالى جدّه-.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا مَاتَ تُغْمَضُ عَيْنَاهُ، وَيُشَدُّ لِحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ وَيُسْتَرُ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ مِرْآةٌ.

الجزء: 2 - الصفحة: 393

قال الرافعي: هذا الفصل في الاداب المَشْرُوعة بعد الموت وقبل الغسل.
أولها: أن يغمض عَيْنَيْه؛ لما روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ.
لَمَّا مَاتَ" 10 ولأنه لو لم يغمض لبقيت عيناه مفتوحتين وقبح منظره.
وثانيها: أن يُشَدَّ لِحْيَاه بعَصَابَة عريضة، تأخذ جميع لَحْيَيه، ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحاً فتدخله الهَوَام.
وثالثها: أن تلين مفاصله بأن يرد المتعهّد ساعده إلى عَضُده، ثم يمدها ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يردها، ويلين أصابعه ليكون الغسل أسهل، فإنَّ في البدن بعد مفارقة الروح بقيَّةُ حرارة، إن ألينت المفاصل في تلك الحالة لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد ذلك.
ورابعها: يستر جميع بدنه بثوب خفيف؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ" 11. قال الغزالي: ولا يجمع عليه أَطْبَاق الثِّياب حتى لا يتسارع إليه الفساد، ويجعل أطراف الثَّوب السَّاتر تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف.
وخامسها: يوضع على بطنه شيء ثقيل من سيف أو مرآة أو نحوهما؛ فإن لم يكن حديد فقطعة طين رطب لئلا ينتفخ ويصان المصحف عنه فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه به بأسهل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يوضع على شيء مرتفع من سرير ونحوه لئلا تصيبه نَدَاوَةُ الأرض فيتغير.
ومنها: أن يستقبل به القبلة كما في "المحتضر".
ومنها: أن ينزع عنه ثيابه الَّتِي مات فيها، فإنه على ما حكى يسرع إليه الفساد.
ومنها: أن يبادر إلى قضاء دَيْنِهِ وتنفيذ وصيته إن تيسر ذلك في الحال 12.

الجزء: 2 - الصفحة: 394

قال الغزالي: ثُمَّ يُشْتَغَلُ بِغُسْلِهِ وَأَقَلُّهُ إِمْرَارُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائهِ، وَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الغَاسِلِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَصِحَّ مِنَ الكَافِر، وَأُعِيدَ غُسْلُ الغَرِيقِ.
قال الرافعي: يستحبُّ المبادرة إلى الغُسْلِ والتَّجْهِيز عند تحقُّق الموت وذلك بأن يكون به علة، وتظهر أمارات الموت مثل أن تسترخي قدماه فلا ينتصبا أو يميل أنفه أو ينخسف صدْغَاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كفاه من ذراعيه أو تتقلَّص خِصْيَتَاهُ إلى فوق مع تَدَلِّي الجلدة.
وعند الشَّكِّ يتأنَّى إلى حصول اليقين.
وموضعه أن لا يكون به علة، ويجوز أن يكون ما أصابه سَكْتَة أو ظهرت أمارة فزع واحتمل أنه عرض ما عرض لذلك فيتوقف إلى حصول اليقين بتغيُّر الرَّائحة وغيره 13. إذا عرفت ذلك فنقول: غسل الميت من فروض الكفايات، وكذلك التَكفين والصَّلاة عليه والدّفن بالإجماع، والنظر في الغسل في شيئين: أحدهما: في كفيته.
والثاني: فيمن يغسل.
النظر الأول في كيفيته، والكلام في الأقل والأكمل.
أما الأقل فلا بُدَّ من استيعاب البدن بالغُسْل مرَّة بعد أَنْ يزال ما عليه من النَّجَاسة إن كانت عليه نجاسة، وهل تشترط النّية على الغاسل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النِّية كغسل الجنابة.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من هذا الغسل النَّظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، وإنما تشترط النية في سائر الأغسال على المغتسل، والميت ليس من أهل النية، وهذا أصح فيما ذكره القَاضي الرُّوياني وغيره، ويترتب على الخلاف صورتان: إحداهما: لو غسل الكافر مسلماً هل يجزئ؟.
إنْ فرَّعنا على الوجه الأول فلا، وإلاَّ فَنَعَم.
والثانية: لو غرق إنسان ثم لفظه الماء، وظفر نابه إن قلنا بالأول لَمْ يَكْفِ ما سبق ووجب غسله، وإن قلنا بالثاني كفى ذلك، واعرف هاهنا ثلاثة أمور: أحدها: أن المحكيَّ عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- في الصُّورة الأخيرة أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 395

يجب الغسل ولا يكفي إصابة الماء إياه، ونصَّ فيما إذا غسلت الذِّمية زوجها المسلم أنه يكره، ويجوز وهو أحد أمثلة الصورة الأولى، وكأنَّ الوجهين مستنبطان من هذين النَّصين، والظاهر في الصورتين هو الذي نص عليه.
أما في سورة غسل الكافر فهو مستمرٌّ على ما حكينا أن الأصح عدم اشتراط النّية.
وأما في سورة الغَرِيق فسبب الأمر بالغسل أنَّا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنَّا إلا بفعلنا.
والثاني: أن في قولنا: "الكافر ليس أهلاً للنِّية" إشكالاً أشرنا إليه في "باب صفة الوضوء".
والثالث: أن قوله: "وأعيد غسل الغَرِيق" إن كان بضمِّ الغَيْنِ يقتضي أن يكون أصابه الماء إياه بمجردها غسلاً، ليكون هذا إعادة له لكن الأليق توجُّه وجوب النِّية أن لا يوقع اسم الغسل إلا على غسل الأعضاء مع النِّيَّة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأنْ يُحْمَلَ إِلَى مَوضِعٍ خَالٍ وَيُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ وَلاَ يُتْزَعَ قَمِيصُهُ (م ح) وَيُحْتَاطَ فِي غضِّ البَصَرِ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، وَيُحْضَرُ ماءٌ بَارِدٌ (ح) طَهُورٌ، وَيُبْعَدُ الإِنَاءُ مِنَ المُغْتَسِلِ حَذَرًا مِنَ الرَّشَاشِ ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِغَسْلِ سَوْءَتَيهِ بَعْدَ لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى اليَدِ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ فَيمْسَحَ عَلَى بَطْنِهِ لِتَخْرُجَ الفَضَلاَتُ، ثُمَّ يتَعَهَّدُ مَوَاضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَمَنْخَرتْه بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، ثُمَّ يتَوَضَّأ ثَلاَثاً مَعَ المَضْمَضَةِ (ح) وَالاسْتِنْشَاقِ.
قال الرافعي: الفصل لذكر أمور محبوبة مقدمة على نفس الغسل: أحدها: أن يحمل الميت إلى موضع خَالٍ مستور لا يدخله أحد إلاَّ الغاسل ومن لا بد من معونته؛ لأنه في حياته كان يستتر عند الاغتسال فكذلك يستر بعد موته، ولأنه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره.
وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره؛ أن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء، وإن لم يغسل؟ ولا أعان، ويروي:"أَنَّ غُسْلَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَوَلاَّهُ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ -رضي الله عنهم 14 - يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ".
ثم يوضع على لَوْحٍ أو سرير هي لذلك، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء

الجزء: 2 - الصفحة: 396

عنه، ولا يقف تحته، ويغسل في قميص خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "الأولى أن يجرَّد" ويروى مثله عن مالك، وحكاه القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجهاً عن بعض الأصحاب، لنا: أنه أستر له، ولأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ" 15. دل أنه أفضل، وليكن القميص باليًا أو سخيفاً ثم إن كان القميص واسعاً أدخل يديه في كُمَّيه وغسله من تحته وعلى يده خرقة، وإن كان ضيِّقاً فتق رُؤُوس الدَّخَارِيصِ 16، وأدخل اليد في موضع الفَتْقِ فلو لم يجد قميصاً، أو لم يتأتّ غسله فيه، ستر منه ما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وحرم النظر إليه؛ لما روى عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ" 17. وعند أبي حنيفة يلقى خرقة على فرجه وفخذه مكشوفة ويكره للغاسل أن ينظر إلى شيء من بدنه إلا لحاجة، بأن يريد معرفة المَغْسُول من غير المغسول، والمُعين لا ينظر إلا لضرورة.
وقوله في الكتاب: "ولا ينزع قميصه" غير هذه العبارة أولى منها؛ لأنها توهّم كونه في قميص قبل حالة الغسل، والمحبوب نزع الثِّياب المخيطة عنه من حين مات إلى وقت الغسل، والقميص الذي يغسله فيه يلبس عند غسله، ذكره المسعودي وغيره.
الثَّاني: يحضر ماء بارداً في إناء كبير كالجب ونحوه ليغسل به وهو أولى من المسخّن إلاَّ أن يحتاج إلى المسخّن لشدة البرد أو لوسخ وغيره 18. وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال.
لنا أن البارد يشدّ بدنه والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى، وينبغي أن يبعد الإناء الذي فيه الماء عن المغتسل بحيث لا يصيبه رَشَاشُ الماء عند الغسل، أمّا من صار إلى قول نجاسة الآدمي بالموت قال: لئلا ينجس بالرَّشاش الذي يصيبه، وربما احتج بهذه المسألة على النَّجاسة.
وأما من نصر القول الصحيح وهو طهارته، قال: إنما يبعد عنه لتكون النفس أطيب في أن لا يَتَقَاطَرَ الماء إليه.
وأيضاً فالماء المستعمل إذا أكثر تقاطره فقد يثبت لما يتقاطر إليه حكم الاستعمال

الجزء: 2 - الصفحة: 397

فيخرج عن كونه طهوراً، وأما وصفه الماء المحضر بكونه طهوراً ففيه فائدة على طهوره، وهي أنا نحب استعمال السَّدْر في بعض الغسلات على ما سيأتي، لكن الظاهر أنَّ الفرض لا يسقط به فلا يجوز أن يكون الماء المحضر مغيراً بالسِّدْر.
والثالث: يعدُّ الغاسل قبل الغسل خِرْقَتَيْن نظيفتين، وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاساً رفيقاً بحيث لا يعتدل، ويكون مائلاً إلى ورائه ويضع يده اليُمْنَى على [كتفه] 19 وإبهامه في نقْرَة قَفَاه حتى لا يَتَمَايل رأسه، ويسند ظهره إلى ركبتيه اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه إمراراً بليغاً ليخرج ما فيه من الفَضَلات، وينبغي أن تكون المَجْمَرَة والحالة هذه متّقدة فائحة بالطِّيب، والمُعين يصبّ عليه ماء كثيراً لئلا تظهر رائحة ما يخرج، ثم يرده على هيئة الاسْتِلْقَاء، ويغسل بيساره وهي ملفوفة بإحدى الخِرْقَتَيْن دُبَرَه وَمَذَاكِيره 20 وَعَانَتَه، كما يَسْتَنْجِي الحَيُّ ثم يلقي تلك الخِرْقَةَ ويغسل يده بماء [وأَشْنَان] 21 إن تلوثت.
وقوله في الكتاب: "ثم يبتدئ بغسل سَوْأتيه بعد لَفِّ خِرْقَةِ اليد" يشعر بأنه يغسل السَّوْأَتَيْنِ معاً بخرقة واحدة، وكذلك ذكر الجمهور، وسيحكى ما يفعله بالخرقة الثَّانية من الخِرْقَتَين المعدّتين، وفي "النِّهاية" و"الوسيط" أنه يغسل كلّ سوأة بخرقة ولا شك أنه أبلغ في التَّنظيف 22. وقوله: "ثم يتعهَّد مواضع النَّجَاسة من بدنه" فيه إشكال؛ لأنه إن كانت عليه نجاسة فإزالتها قبل الغسل واجبة على ما تقدم في غسل الأحياء، فلا يَنْبَغِي أن يدرج في حدِّ الأكمل، ولم يذكر صاحب "النِّهَايَةِ" لفظ النَّجَاسَة في هذا الموضع لكن قال: "إن كان ببدنه قَذَرٌ اعتنى به ولف خرقة على يده وغسله".

الجزء: 2 - الصفحة: 398

الرابع: إذا فرغ من غسل سَوْأَتيه لفَّ الخِرْقَةَ الأخرى على اليد، وأدخل أصبعه في فيه وأمرَّها على أسنانه بشيء من المَاء ولا يقعِّر فاه، وكذا يدخل طرف أصبعه في مَنْخَرَيْه بشيء من الماء؛ ليزيل ما فيها من الأذى، ثم يوضِّئه كما يتوضأ الحي ثلاثاً ثلاثاً، ويراعي المَضْمَضَة والاسْتِنْشَاق خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: قال للواتي غسلن ابنته: "ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" 23. وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء.
ثم لفظ الكتاب وكلام الأكثرين يقتضي أَنْ يكون إدخال الأصبع [في] 24 الفم والمنخَرَيْن غير المَضْمَضة والاستِنْشَاق وأنه في الفم بمنزلة السِّواك وغرضه التَّنْظيف، وفي "الشَّامِلِ" وغيره ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق ليسا وراء ذلك، والظاهر الأول، ثم يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى باطنه، وهل يكتفي بوصول الماء إلى مَقَادِيمِ الشّعْرِ والمنخَرَيْن أم يوصل الماء إلى الداخل؟ حكى إمام الحرمين فيه تردد لخوف وصول الماء إلى جوفه، وتأثيره في تسارع الفساد إليه وقطع بأنه لو كانت أسنانه متراصّة لم يكلّف فتحها.
قال الغزالي: ثُمَّ يُتَعَهَّدُ شَعْرُهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ وَيُصَبُّ المَاءُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ وَيصَبُّ المَاءُ عَلَى الشِّقِّ الأَيْسَرِ وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثاً، فَإِنْ حَصَلَ الإِنْقَاءُ وَإِلاَّ فَخَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ، ثُمَّ يُبَالَغُ فِي تَنْشِيفِهِ صِيَانَةً لِلْكَفَنِ، وَيَسْتَعْمِلُ قَدْراً مِنَ الكَافُورِ لِدَفْعِ الهَوَامِّ، وَيسْتَعْمَلُ السِّدْرَ فِي بَعْضِ الغَسَلاَتِ، وَلاَ تَسْقُطُ (ح) الفَرْضُ بِهِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من تَوضِيئه غسل رأسه، ثم لِحْيَتَه بالسِّدْرِ والخَطْمِيِّ، وسرَّحَهُمَا بمشط واسع الأْسنان إن تلبَّد شعرهما، ويرفق حتى لا يُنْتَف شيء، وإن أنتف ردَّه إليه، وليكن قوله: "بمشط" معلَّمًا بالحاء والألف؛ لأن عندهما لا يتعهّده بالمشط، ولكن يغسل ويزيل الوَسَخَ.
لنا ما روى أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "افْعَلُوا بِمَيِّتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" 25. = ثانيهما: يغسل بكل خرقة أعاليه وأسافله، وقال الشيخ أبو حامد: ليس باختلاف قول.

الجزء: 2 - الصفحة: 399

ومعلوم أن العروس يسرَّح شَعْرها، ثم يُضْجَع على جنبه الأيسر فيصبُّ الماء على شقِّه الأيمن، ثم يضجع على جنبه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر، هكذا ذكره صاحب الكتاب والإمام في آخرين، والأكثرون زادوا في هذه الكيفية ونقصوا فقالوا: يغسل شقّه الأيمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه، ثم يغسل شقّه الأيسر كذلك، ثم يحرفه إلى جنبه الأيسر فيغسل شقّه الأيمن مما يلي القَفَا والظّهر من الكتف إلى القدم، ثم يحرفه إلى جنبه الأيمن، فيغسل شقه الأيسر كذلك، وهذا ما ذكره الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المُخْتَصر"، وحكى أصحابنا العِرَاقيون قولاً آخر: أنه يغسل جنبه الأيمن من مقدمه، ويحوله فيغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ثم يحوّله ويغسل جانب ظهره الأيسر.
قالوا: وكل واحد من هذين الطَّريقين سائغ والأول أولى، وليس في هذين الطريقين إضجاع على الجانب الأيسر في أوَّل الأمر بل هو مُسْتَلْقٍ فيهما إلى أن يغسل بعضه، ثم يجري الاضجاع فلا بأس لو أعلمت قوله: "ثم يضجع على جنبه الأيسر" بالواو، وإنما أمرناه بالابتداء بالمَيَامِنِ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أمَرَ غَاسِلاَتِ ابنَتِهِ أَنْ يَبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا" 26. ويجب الاحتراز من كبِّه على الوجه، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن جميع ما ذكرناه غسلة واحدة، وهذه الغَسْلَة تكون بالماء، والسدر، والخَطْمِيِّ تنظيفاً، وإنقاء له ثم يصب عليه الماء القرَاح من قَرْنه إلى قدمه، ويستحبّ أن يغسله ثلاثاً، فإن لم يحصل النّقاء والتَّنظيف زاد حتى يحصل، فإن حصل بشفع فالمُستَحَبُّ أن يزيد واحدة ويختم بالوتر، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لغاسلات ابنته -رضي الله عنها-: "اغْسِلْنَهَا وِتْراً ثَلاَثاً أَوْ خَمْساً أَوْ سَبْعاً" 27. وهل يسقط الفرض بالغسلة التي فيها السّدر والخَطْمِي؟ ذكر في الكتاب فيه وجهين: أحدهما: نعم، ونسبه في "النِّهاية" إلى أبي إسحاق المَرْوَزِي، لأن المقصود من غسل الميت التَّنظيف، فالاستعانة بما يزيد في التَّنْظيف ممَّا لا يقدح.
وأظهرهما: لا، لأن التَّغيير به فَاحِشٌ سالب للطهورية، فأشبه ما لو استعمله الحي في وضوءه وغسله وعلى هذا فتلك الغَسْلَة غير محسوبة من الغَسَلاَت الثلاث، وهل تحسب الغسلة الواقعة بعدها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنها غسلة بماء طهور لم يخالطه شيء، وهذا أصح عند القاضي الرُّويَانِي.

الجزء: 2 - الصفحة: 400

وأظهرهما: عند الأكثرين، ولم يذكر في "التَّهْذِيبِ" سواه: أنها لا تحسب؛ لأن الماء إذا أْصاب المَحل اختلط بما عليه من السِّدر، وتغير به، فعلى هذا المحسوب ما يصبّ عليه من الماء القراح بعد زوال السِّدر، ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كَافُوراً، وهو في الغسلة الأخيرة آكد.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأم عطية وهي من غاسلات ابنته -رضي الله عنها-: "وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً" 28. والسَّبب فيه أنَّ رائحته مطردة للهَوَام، وليكن قليلاً لا يتفاحش التغير به ولا يسلب الطهورية، وقد يكون صلباً لا يقدح التَّغير به وإن كان فاحشاً على الصحيح؛ لأنه مجاور وبعد تَلْيين مفاصله بعد الغَسل؛ لأنها لانت بالماء فيتوخى بالتَّليين بقاء لينها كما ذكرنا في التَّليين عُقَيب الموت، ونقل الْمَزنِيُّ إعادة التَّليين في أول وضعه على المغتسل وأنكره أكثر الأصحاب ثم ينشفه ويبالغ فيه كيلا تبتلَّ أكفانه، فيسرع إليه الفساد، ثم هذا تمام مسائل الفصل.
ثم اعرف أموراً: منها: أن صاحب الكتاب في "الوسيط" والإمام في "النهاية" أشارا إلى أن تعهد الشَّعر بالغسل والتَّسريح ليس من نفس الغسل، بل هو من مقدماته، كالوضوء وغيره، ولذلك قالا: "يصبُّ الماء على شِقِّه الأيمن مُبتدئاً من رأسه إلى قدمه"، والأكثرون لم يذكروا صَبَّ الماء على الرأس، ولكن قالوا: بصبه على صَفْحَةِ العنق والصدر والفخذ والساق، وهذا مصير منهم إلى أن غسل الرأس، وتعهد الشعر من جملة الغسل، وكلام الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" يوافق قول الأكثرين.
ومنها: أن قوله: "وذلك غسلة واحدة، ثم يفعل ذلك ثلاثاً" يقتضي اسْتحباب ثلاث غسلات بعد تلك الغسلة، وهو صحيح بناء على أن تلك الغسلة بالماء المتغير بالسدر والخَطْمِي، وأن المحسوب الغسل بالماء القراح، فإنه حينئذ يراعي ثلاث غسلات بعدها بالماء القراح.
وقوله: بعدها "أو يستعمل السِّدر في بعض الغسلات" ذلك البعض هو الغسلة الأولى، نصوا عليه كما قدمناه، وإنما أبهم ذكره المُصَنف وشيخه وربما أوهم إيراده عد الغسلة التي فيها السِّدر من الثَّلاث، وتخصيص الخلاف بأن الفرض هل يسقط بها فيجب الاحتراز عن الوهم؟ ومعرفة أنا إذا لم نسقط الفرض بها لا نحسبها من الثلاث أيضاً.
يجوز أن يرقم لفظ "الثلاث" و"الخمس" و"السبع" [في الكتاب] 29 بالميم؛ لأنه روى عن مالك: أنه لا اعتبار بالعدد، وإنما المعتبر الإنقاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 401

وقوله: "يستعمل قدراً من الكَافور" مرقوم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة قال: لا أعرف الكَافور وذكر في السِّدْر أنه يغسل مرة بالماء القراح وأخرى بالسدر وثالثة بالمَاءِ القُرَاح.
قال الغزالي: فَإِنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الغُسْلِ أُزِيلَتِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُعَدِ الغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي إِعَادَةِ الوُضُوءِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتعهَّد الغاسل مسح بطن الميت في كل مره بأرفق ممَّا قبلها، فلو خرجت منه نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها -وبه قال ابن أبي هريرة-: يجب إعادة غسله ليكون خاتمة أمره على كمال الطهارة.
والثاني: لا يجب ذلك، لكن تجب إعادة الوضوء كالحي يغتسل ثم بحدث فإنه يتوضأ.
ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -رحمهم الله-: أنه لا يجب شيء سوى إزالة النَّجاسة لسقوط الفرض بما وجد وحصول غرض التَّنظيف وربما بنى الخلاف في وجوب الغسل وعدمه على اختلاف قراءة لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- فإنه قال في المَسْألة: إنقاءها بالخرقة، وأعاد غسله، فمنهم من قرأ بضم الغين، وأوجب إعادة الغسل، ومنهم من قرأ بفتحها وحمله على إزالة النجاسة، وربما سلموا أن لفظة الغسل وحملوه على الاسْتِحْبَاب، وإذا قلنا بالوجه الصحيح فلا فرق بين النَّجاسة الخارجة من السَّبيلين وغيرها، وإن قلنا بوجوب الوضوء فذلك في النجاسة الخارجة من السَّبيلين دون غيرها، وإن قلنا: بوجوب الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النَّجَاسات احْتمال عند إمام الحَرَمين -قدَّس الله روحه 30 -. ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها فإن قلنا: يجب إعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج، فكذلك هاهنا، هكذا أطلق صاحب "التَّهذيب"، وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن المَلْموس ينتقض طهره 31، وإن قلنا: لا يجب إلا غسل المحلّ فلا يجب هاهنا شيء.
ولو وطئت [بعد الغسل] فعلى الوجه الأول، والثاني في خروج النجاسة يجب هاهنا إعادة الغسل، وعلى الثالث لا يجب شيء 32.

الجزء: 2 - الصفحة: 402

واعلم أن نفي وجوب الغسل أظهر من نفي وجوب الوضوء، ولذلك أرسل صاحب الكتاب ذكر الخلاف في الوضوء، وبين الصحيح في الغسل والنجاسة واجبة الإزالة بكل حال، فلذلك جزم به.
وقوله: "ولم يعد الغسل" معلم بالألف؛ لأن عند أحمد يعاد غسله سبع مرات، ولم يتعرض الجمهور للفرف بين أن تخرج النَّجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدّة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الوُضوء وللغسل بما إذا خرجت قبل الإدراج -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الغَاسِلُ، فَلاَ يَغْسِلُ رَجُلٌ امْرَأَةَ إِلا بَزِوجِيَّةٍ (ح) أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِيينٍ فَيُغْسِّلْ مُسْتَولِدَتَهُ وَأَمَتَهُ (ح) وَتُغَسِّلُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا، وَلاَ تُغَسِّلُ المُسْتَوْلَدَةُ والأَمَةُ سَيدَهُمَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ المَوْتَ يَنْقُلُ مِلْكَ اليَمِينِ وَيُقَرِّرُ مِلْكَ النِّكَاحِ.
قال الرافعي: النَّظر الثاني فيمن يتولى الغسل.
والأصل أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء، وأولى الرجال بغسل الرجل أولاهم بالصَّلاة عليه وسيأتي ترتيبهم فيها، والنساء أولى بغسل المرأة بكل حال؛ عورتها بالإضافة إليهن أخف، وليس للرجل غسل المرأة إلا بأحد أسباب ثلاثة: أولها: الزوجية، فللزَّوج غسل زوجته خلافاً لأبي حنيفة، وذكر صاحب "الشامل" أن عند أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة.
والأصح عنه مثل قولنا: لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة: "لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ" 33. "وَغَسَّلَ عَلِيّ فَاطِمَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا-" 34 وله ذلك وإن تزوج بأختها أو بأربع سواها في أصح الوجهين ولو كانت الزوجة ذمية فله أن يغسلها إن شاء 35. والثاني: المحرمية وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تَجْوِيز الغسل للرِّجال المَحَارم مع وجود النِّساء؛ لأن قوله: "لا يغسل رجل امرأة إلا بكذا وكذا مفروض في

الجزء: 2 - الصفحة: 403

حال الاخْتِيَار، وإلاَّ فعند الضرورة قد يجوز للأجانب غسلها أيضاً كما سيأتي، لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحاً بذلك، وإما يتكلمون في التَّرتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى 36. والثالث: مِلْك اليمين، فيجوز للسيد غسل أَمَته ومدبرته وأمّ ولده خلافاً لأبي حنيفة فيما رواه في "الشامل".
واحتج لنا بأنه يلزمه الاتْفاق عليها بحكم المِلْك فكان له أن يغسلها كالحَيَّة ويجوز له غسل المُكَاتبة أيضاً؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، وهذا كله إذا لم يكن مزوجات ولا معتدات 37، فإن كن مزوجات أو معتّدات، لم يكن له غسلهن، وكما يغسل الزَّوج زوجته تغسل الزوجة زوجها خلافاً لأحمد في رواية.
والأصح عنه موافقة الجمهور بأن طلقها طَلْقَة رجعية، ومات أحدهما في مدة العدة، فليس للآخر غسله لحرمة النظر والمس في الحياة، وإلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما لَمْ تَنْقضِ عدتها، فإن انقضت بوضع الحمل عُقَيب الموت لم تغسله، وبه قال أبو حنيفة.
والثَّاني: تغسله ما لم تنكح.
والثالث: وهو الأصح: أبداً وهو الذي ذكره في الكتاب في "باب العدّ".
وإذاغسل أحد الزوجين لفَّ خرقة على يده ولم يمسه، فإن خالف فقد قال القَاضِي: يصح الغسل، ولا يبنى على الخلاف في انتقاض طهر الملموس -والله

الجزء: 2 - الصفحة: 404

أعلم- 38. وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أحمد: نعم؛ لأنهن مُحللات له فأشبهن بالزوجة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن الموت ينقل ملك اليمين، أما في حق الأمة فإلي الورثة، وأما في المدبرة وأم الولد؛ فهما يعتقان بموته فكان الملك في رقبتهما ينتقل إليهما بخلاف ملك النكاح لا تنقطع حقوقه بالموت، أَلاَ ترى أنهما يتوارثان، وليس للمُكَاتبة غسل السيد فإنها محرمة عليه قبل الموت.
قال الغزالي: فَإِنْ مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ إلاَّ أَجْنَبِيٌّ غَسَّلَهَا (م ح) وَغضَّ البَصَرَ، وَقيلَ: تيَمَّمُ، وَكَذَا الخُنْثَى يُغسِّلُهُ رَجُلٌ أو امرَأَةٌ اسْتِصْحَابًا لِحُكمِهِ فِي الصِّغَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو ماتت امرأة وليس هناك إلاَّ رجل أجنبي، ففيه وجهان: أحدهما: أنها لا تغسل، ولكن تيمم وتدفن، ويجعل فقد الغاسل كفقد الماء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يغسلها في ثيابها، ويلفّ خرقة على يده ويغض الطرف ما أمكنه فإن اضطر إلى النظر عذر للضرورة 39. وعن أحمد روايتان كالوجهين، فيجوز أن يعلم قوله: "غسلها" بالحاء والميم، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الثاني، وهكذا ذكره الإمام وحكاه عن القفال.
لكن الأظهر عند أصحابنا العراقيين والقاضي الروياني والأكثرين هو الأول، والوجهان جاريان فيما لو مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية.
الثانية: الخُنْثى المُشْكل إذا مات، وليس هناك محرم له من الرِّجال أو النساء،

الجزء: 2 - الصفحة: 405

ينظر إن كان صغيراً بعد جاز للرِّجال والنِّساء غسله، وكذا واضح الحال من الأطفال يجوز للفريقين جميعاً غسله كما يجوز مسه والنظر إليه، وإن كان كبيراً فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في المسألة السابقة، لأنه يجوز أن يكون رَجُلاً فيمتنع مسُّه على النساء، أو امرأة فيمتنع مسها على الرجال.
أحدهما: أنه يُيمَّم ويدفن، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: أنه يجوز غسله، ومن الذي يغسله؟ فيه وجوه: أحدها: أنه يشتري من تركته جارية لتغسله، فإن لم يكن له تركة فيشتري من بيت المال.
قال الأئمة: وهذا ضعيف؛ لأن إثبات المِلْك ابتداء للشَّخص بعد موته مستبعد، وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا أن الصحيح أن الأَمَةَ لا تغسل سَيّدها، والوجه الثَّاني أنَّه في حق الرِّجال كالمرأة، وفي حق النساء كالرجل أخذاً بالأسوأ في كل واحد من الطَّرفين.
والثالث: وبه قال أبو زيد وهو الأظهر: أنه يجوز للرِّجال والنِّساء غسله جميعاً؛ لأنه مَسَّت الحاجة إلى الغسل، وكان يجوز في الصِّغر غسله للطَّائفتين، فيستصحب ذلك الأصل.
واعلم أنه ليس المراد من الكبير في هذا الفصل البلوغ ومن الصغر عدمه، لكن المعنى بالصَّغير الذي لم يبلغ حدّاً يشتهي مثله وبالكبير الذي بلغه.
قال الغزالي: فَإِنْ ازدَحَمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَصْلُحُونَ لِلْغُسْلِ عَلَى امْرَأَةً فَالبِدَايَةُ بِنِسَاءِ المَحَارِمِ ثُمَّ بِالأجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ بِالزَّوْجِ ثُمَّ بِالرَّجَالِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ تَرْتِيبُ المَحَارِمِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلاَة، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى النِّسَاءِ؛ لأنَّهُ يَنْظُرُ مَا لاَ يَنْظُرْنَ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ رِجَالُ المَحَارِمِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ النِّكَاحَ انتَهَى بِالمَوْتِ.
قال الرافعي: الصَّالحون لغسل الميت إذا ازْدَحَمُوا لم يخل إما أن يكون الميِّت رَجُلاً أم امرأة فإن كان رجلاً فيغسله قَرَابَاته على التَّرتيب الذي نذكره في الصَّلاة عليه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ فيه وجهان 40 سيظهر توجيههما، وإن كان الميت امرأة فالنساء يقدمن في غسلها وأولاهن نساء القرابة منهن كل ذات رَحِمِ محرَم، فإن استوت اثنتان في المحرمِيّة، فالتي هي في محل العصُوبَة أولى، كالعمة مع الخالة واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب، وبعد نساء القرابة تقدم النساء الأجنبيات ثم رجال القرابة

الجزء: 2 - الصفحة: 406

وترتيبهم كما سيأتي في الصلاة، وهل يتقدم الزوج على نساء القرابة؟ فيه وجهان: أظهرهما: تقديم نساء القرابة، ويحكى عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- فإن الأنثى بالأناث أليق.
والثاني: أنهن لا يقدمن؛ بل الزوج يقدم عليهن؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظرن إليه، وفي تقديم الزَّوج على الرجال الأقارب أيضاً وجهان: أحدهما: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النِّكاح ينتهي بالموت، وسبب المَحْرميّة يدوم ويبقى.
وأظهرهما: وهو اختيار القَفَّال: أن الزوج يقدم؛ لأنهم جميعاً ذكور، وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه فيقدم، وأحكام النِّكاح تَبْقَى بعد الموت ولولاه لما جاز له غسل الزَّوجة وجميع ما ذكرناه من التقديم فهو بشرط أن يكون المحكوم بتقديمه مسلماً، فإن كان كافراً فهو كالمعدوم ويقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي على القريب المشرك.
ويشترط أيضاً أن لا يكون قاتلاً نعم لو كان قاتلاً بحق فيبنى على الخلاف في أنه هل يرث عنه؟ ولو أن المقدم في أمر الغسل سلّمه لمن بعده جاز له تعاطيه ولكن بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التَّفويض إلى النِّساء وبالعكس، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل للمستأجر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشَّرط المذكور.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُحْرِمُ لاَ يُقَرِّبُ طِيباً وَلاَ يَسْتُرُ رَأْسَهُ بَلْ يَبْقَى (م ح) أَثَرُ الإحْرَامِ وَهَل تُصَانُ المُعتَدَّةُ عَنِ الطِّيبِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَغَيْرُ المُحْرِمِ هَلْ يُقَلَّمُ ظُفْرُهُ وَيحْلِقُ شَعْرُهُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِي الحَيَاةِ حَلْقُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنه يُطْرح قَدْرٌ من الكافور في الماء الذي يغسل به الميت، وذلك في غير المُحْرِمِ، فأما المحرم فلا يقرب منه طيباً إبقاء لحكم الإحرام وكذلك لا يستر رأسه إن كان رجلاً، ووجهه إن كان امرأة، ولا يلبس المخيط ولا يؤخذ شعره وظفره، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: حكمه حكم سائر الموتى وروي مثله عن مالك.
لنا ما روي: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَوَقَصَتْهُ نَاقَةٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِياً" 41.

الجزء: 2 - الصفحة: 407

ولا بأس بالتَّخمير عند غسله كما لا بأس بجلوس المحرم عند العَطَّار، وإذا ماتت المعتدة التي تحدّ، هل يجوز تطيّيبها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، صِيَانة لها عمَّا كان حراماً عليها في حياتها كالمحرم، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: نعم؛ لأن التَّحريم كان احترازاً عن الرِّجَال وتفجعاً لفراق الزوج، وقد زال المعنيان بالموت بخلاف المُحْرم، فإن التحريم في حقه لحق الله -تعالى جدّه- فلا يزول بالموت، وهل يقلّم أظفار غير المحرم من الموتى ويؤخذ شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان: القديم: لا 42، ويه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -رحمهم الله-؛ لأن مصيره إلى البَلِى، وصار كالأَقْلَفِ لا يختن بعد موته.
والجديد: وبه قال أحمد: نعم، كما يتنظَّف الحيُّ بهذه الأشياء، وقد روي أنه قال: "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" 43. والقولان في الكراهية، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا تستحب، كذلك ذكره القَاضِي الروياني، ونقل تَفْريعاً على الجديد أنه يتخيَّر الغاسل في شعر الإبطيين النَّتف والإزالة بالنُّوْرَة ويأخذ شعر العَانَة بالجلم، أو المُوسَى أو النُّورة.
وحكي عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنّورَة احْتِرَاز عن النَّظَرِ إلى الفَرْج.
وقوله في الكتاب: "الَّذي يستحبُّ في الحياة حلقه" فيه إشارة إلى أنه لا يحلق شعر الرأس بحال، فإنَّ إزالته غير مأمور بها إلاَّ في المناسك، ومنهم من طرد الخلاف في شعر الرأس إذا كان من عادة الميت الحلق في حالة الحياة.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه في وظيفة الغسل مفروض في حقِّ غير الشهيد وأما

الجزء: 2 - الصفحة: 408

الشهيد فسيأتي حكمه في "فصل الصَّلاة على الميت" ولو احترق مسلم ولو غسل لتهرّي لا يغسل بل ييمَّم محافظة على جثَّته لتدفن بحالها، ولو كان عليه قُرُوحٌ وخِيفَ من غسله تسارع البِلَى إليه بعد الدَّفن غسل، ولا مبالاة بما يكون بعده، فالكُلُّ صائرون إلى البِلَى (1). قال الغزالي:

القَوْلُ فِي التَّكْفِينِ

وَالمُسْتَحَبُّ فِي لَوْنهِ البَيَاضُ وَفِي جِنْسِهِ القُطْنُ وَالكِتَّانُ دُونَ الحَرِيرِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ لِلرِّجَّلِ وَيُكرَهُ لِلْنِّسَاءِ، وَأَمَّا عَدَدُهُ فَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ البَدَنِ وَالثَّاني وَالثَّالِثُ حَقُّ المَيِّتِ فِي التَّركَةِ تَنْفُدُ وَصِيَّتُة بِإسْقَاطِهِمَا، وَلَيَسْ لِلوَرَثَةِ المُضَايَقَةُ فِيهِمَا، وَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ المَنْعُ مِنْهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ مَالَ لَهُ يُكَفَّنُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي وُجُوبِ الكَفَنِ عَلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتّضح الفصل برسم مسائل: إحداها: أن المستحبَّ في لون الكفن البياض، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَيْرُ ثِيَابُكُمْ الْبِيضُ فَاكْسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" 45. وجنسه في حقِّ كل ميت ما يجوز لبسه في حال الحياة، فيجوز تَكْفِينُ المرأة بالحَرِيرِ، لكنه يكره؛ لأنه سرف غير لائق بالحَالِ، ويحرم تكفين الرِّجال به، كلبسه في الحياة، ولك أَنْ تقول قوله: "ومن جسه القطن والكتان" إما أن يريد استحباب هذين النوعين على الخصوص أو يشير بهما إلى جميع الأنواع المباحة، ويكون التقدير القطن والكتان وما في معناهما.44

الجزء: 2 - الصفحة: 409

أمَّا الأول فقضيته تقديم النَّوعين على سائر الأنواع المباحة كالصُّوف وغيره، وهذا شيء لم نَرَهُ في كلام الأصحاب وإن أراد الثَّاني فظاهر اللَّفظ معمول به في حقِّ النِّسَاء [دون الرجال.
أما إنه معمول به في حق النساء] 46 فلأن تكفينهن بغير هذه الأنواع وهو الحرير جائز، وإن كره فينتظم أن نقول تكفينهن بهذه الأنواع مستحب، وأما أنه غير معمول به في حق الرجال، فلأن اسْتِحْباب شيء من هذه الأنواع إنما يكون إذا جاز تكفينهم بغير هذه الأنواع، وأنه ممتنع.
الثانية: أقل الكفن ثوب واحد، وأحبه للرجال ثلاثة أثواب.
روى أن النبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" 47. ثم شرط صاحب الكتاب في الثَّوب الواحد الأقل أن يكون سَاتراً لجميع البدن، وهكذا ذكر الإمام وكثير من الأصحاب، وحكى آخرون من العراقيين وغيرهم: أن الواجب قدر ما يستر العورة؛ لأن الميت ليس آكد حالاً من الحَيِّ، والواجب في الحي ستر العورة لا غير وعلى هذا يختلف الحال باختلاف حال الميت في الذُّكورة والأنوثة لاختلاف مقدار العورة بالحالتين وجمع القاضي الرُّويَانيْ وآخرون بين النقلين وجعلوا المسألة على وجهين: أحدهما: أن الواجب القدر السَّاتر للعورة.
والثاني: أنَّ الواجب ثوب سابغ وقد حكى عن نصه في "الأم" أنه إن كان له ثوب واحد لا يغطي جميع البدن ستر به العورة؛ لأنه واجب وستر غيرها ليس بواجب [فإن] 48 كان يبدو رأسه أو رجلاه غطى به رأسه، لما روي أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يخلف إلا نمر فكان إذا غطى بها رأسه بدت رِجْلاَه، وإذا غطَّى بها رجليه بدى رأسه، فقال: "غَطُّوا بِهَا رَأسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخَرِ" 49. واعرف في قوله في الكتاب: "وأما عدد فأقله ثوب واحد ... " إلى آخره شيئين: أحدهما: أنَّ هذا اللفظ يقتضي كون الواحد عدداً لكن الحساب لا يجعلون الواحد عدداً ويقولون العدد ما يتركب عن الواحد.
والثَّاني: أنا وإن أوجبنا ثوباً ساتراً لجميع البدن، فذلك في حقِّ غير المُحْرم، أما

الجزء: 2 - الصفحة: 410

المُحْرم فلا يستر رأسه إن كان رجلاً، ووجهه إن كان امرأة على ما سبق.
الثالثة: الثوب الواحد على ما وصفناه حقّ الله -تعالى جدّه- لا تنفذ وصيّة الميت بإسقاطه والثاني والثالث حق الميت وهي بمثابة ثياب التجمُّل للحي، فلو أوصى بإسقاطها نفذ: "كمَا أَوْصَى أبُو بَكرٍ -رَضِيَ الله عَنْهُ- بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِهِ الْخَلِقِ، فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ" 50. ولو لم يُوصِ وتنازع الورثة في أكفانه وأراد بعضهم الاقْتِصَار على ثوب واحد، فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين: أحدهما: أن فيه وجهين كما سنذكرهما في مضايقة الغُرَمَاء فيه.
والثاني: القطع بالمنع تقديماً لحاجة المالك، وظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكتاب أنه ليس لهم المُضَايَقَة سواء أثبتنا الخلاف أم لا.
ولو اتَّفَقَ الورثة جميعاً على تَكْفِينِه في ثوب واحد، فقد قال في "التهذيب": يجوز وطرد صاحب "التَّتمة" الخلاف فيه.
ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: لا نكفنه إلا في ثوب واحد، فهل يجابون إليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كالمُفْلس الحي تترك عليه ثياب تجمله.
وأظهرهما: نعم، فإن السّتر قد حصل وهو إلى إبراء ذمته أحوج منه إلى زيادة الستر بخلاف الحي يحتاج إلى التجمل ويتقلب بين الناس.
الرابعة: مَحِلُّ الكفن رأس مال التَّركة إن ترك الميّت مالاً يقدم على الديون والوصايا والميراث، نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجَانِي ولا المال الذي فيه الزكاة فإنه كالمرهون بها، وإن لم يترك مالاً فكفَّنه على من هو في نفقته، فيجب على القَرِيب كفن القريب وعلى السيد كفن العبد وأم الولد، وكذلك يجب كفن المكاتب عليه؛ لأن الكتابة تنفسخ بالموت، ولا فرق في الأولاد بين الصِّغار والكبار؛ لأن نفقتهم واجبة إذا كانوا عاجزين زَمْنَى والميت عاجزٌ، ذكره في التَّتمة.
وهل يجب على الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-؛ لا؛ لأن مُؤْنَةَ الزوجة إنَّما تجب على الزَّوج مفي مُقَابلة التَّمكين من الاسْتِمْتَاع فإذا ماتت فقد زال هذا المعنى، وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة [وأحمد] 51 -رحمهم الله-.
وأصحهما: أنه يجب ذلك على الزَّوج، لأنها في نفقته في الحياة فيلزمه مؤنتها

الجزء: 2 - الصفحة: 411

بعد الموت، كالأب مع الابن والسيد مع العبد فعلى هذا لو لم يكن للزَّوج مال فحينئذ يجب في مالها.
أما: إذا لم يترك الميت مالاً، ولا كان له من ينفق عليه فتكفينه ومؤنة دفنه من بيت المال كنفقته في الحياة.
وهل يقتصر على ثوب واحد أم يكمل الثلاث؟ فيه وجهان: أظهرهما: يقتصر عليه ليتأدّى الواجب به.
الثاني: يكمل الثلاث ولا يقتصر عليه كما لا يقتصر في كسوة الحي المحتاج على ساتر العورة فعلى الأول لو ترك ثوباً واحداً فلا شيء من بيت المال وعلى الثاني هل يكتفي بما خلفه أم يكمل الثلاث من بيت المال؟ ذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى فيه وجهين: أظهرهما: الثاني وإذا لم يكن في بيت المال مال فعلى عامة المسلمين الكفن ومؤنة الدفن 52. قال الغزالي: وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ إلَى الخمْسِ مُسْتَحَبٌّ لِلنِّسَاءِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الخَمْسِ سَرَفٌ عَلَى الإِطْلاَقِ، ثُمَّ إن كُفِّنَ فِي خَمْسٍ فَعَمَامَةٌ وَقَمِيصٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سوَابغ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ مِنْ غَيْرِ قَمِيصٍ وَلاَ عِمَامةٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسٍ فَإزَارٌ وَخِمَارٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سَوَابغَ، وَفِي قَوْلٍ: تُبَدَّلُ لِفَافَةٌ بِقَمِيصٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ.
قال الرافعي: قد ذكرنا أن العدد المستحب في كَفَنِ الرِّجال ثلاث أثواب، فلو زيد عليه إلى خَمْسَةِ أثواب فهو جائز، وإن لم يكن مَحْبُوباً،.
وأما المرأة فيستحب أن تكفَّن في خمسة أثواب رعاية لزيادة السّتر في حقها وحكم الخنثى في ذلك حكم المرأة والزيادة على الخمسة مكروهة على الإطلاق لما فيها من السَّرف، وقد روى أن النَّبي قال: "لاَ تُغَالُوا فِي الكَفَنِ، فَإنَّهُ يُسْلَبُ سَلْباً سَرِيعاً" 53. فإذا كانت المُغَالاة مكروهة فزيادة العدد أَوْلَى أن تكون مكروهة ثم إن كفن الرَّجل أو المرأة في ثلاث فالمحبوب ثلاث لفائف من غير عمامة للرجل ولا قميص

الجزء: 2 - الصفحة: 412

وعن أبي حنيفة: أن الرَّجل يكفن في إزار ورداء وقميص.
لنا: ما روى أن النَّبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ اثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةِ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" 54. وإن كُفن الرجل في خمسة أثواب فليكن في عمامة وقميص وثلاث لفائف، وتجعل العمامة والقميص تحتها، ويستثنى المحرم عن ذلك فلا يلبس المخيط على ما تقدم، وإن كُفنت المرأة في خمسة أثواب فقولان: أحدهما: إزار وخمار وثلاث لفائف، والإزار والخمار كالعمامة والرداء للرجل واللفائف كاللفائف.
والثاني: إزار وخمار ولفافتان وقميص، لما روي: "أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ لَمَّا غَسَّلَتْ أُمَّ كُلْثُوم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا عَلَى الْبَابِ فَنَاوَلَهَا إِزَارًا وَدِرْعاً وَخِمَاراً وَثَوْبَيْنِ" 55. وينسب القول الأول إلى الجديد والثاني إلى القديم، وذكر المُزَنِيُّ أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكر القميص مرة ثم خط عليه ونقل عنه القول الأول وإيراد الكتاب يقتضي ترجيحه، لكن الأكثرين على ترجيح القول الثاني، ويجوز أن تعد المسألة من المسائل التي يجاب فيها على القديم.
ثم قال الشافعي -رضي الله عنه-: "يشدّ على صدرها ثوب، لئلا يضطرب ثديها عند الحمل فتنشر الأكفان" واختلفوا في ذلك الثوب، فقال أبو إسحاق هو ثوب سادس ليس من جملة الأكفان وُيحَلُّ عنها إذا وضعت في القبر.
وقال ابْنُ سُرَيْجٍ يشد عليها ثوب من الخمسة ويترك والأول أظهر عند الأئمة.
وكيف ترتيب الأثواب الخمسة؟ قال المُحَامِلِيُّ وغيره على قول أبي إسحاق إن قلنا: تُقَمّص فيشدُّ عليها المِئْزَرُ أو لا ثم القميص ثم الخِمَار، ثم تلفُّ في ثوبين ثم يشد عليها الثالث، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئزَرُ، ثم الخمار، ثم تلفُّ في ثلاثة أثواب ثم يشدُّ عليها خرقة وعلى قول ابْنُ سُرَيْجٍ: إن قلنا: تقمص يشد عليها المئزر ثم الدرع ثم الخمار ثم تشد عليها الخرقة ثم تلف في ثوب، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئْزَر ثم الخمار ثم تلف في ثوب ثم يشد عليها آخر ثم تلفُّ في الخامس.
وإذا وقع التَّكْفِين في اللَّفائف الثَّلاث، فكيف تكون هي؟ فيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 413

أحدهما: أن تكون متفاوتة فالأسفل يأخذ ما بين سُرّته وركبته، والثَّاني يأخذ من عُنُقه إلى كَعْبه، والثَّالث يستر جميع بدنه.
وأظهرهما: أنه ينبغي أن تكون مستوية في الطَّول والعرض يأخذ كل واحد منها جميع بدنه.
واعلم أنه لا فرق في التَّكفين في الثلاث بين الرجل والمرأة، وإنما الفرق بينهما في الخمس، فهي في حق الرجل قميص وعمامة وثلاث لفائف، وفي المرأة القولان المذكوران، وإذا كان كذلك فإيراد الفرض في أقصر من لفظ الكتاب هَيّنٌ -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يُذَرُّ عَلَى كُلِّ لِفَافَةٍ حَنُوطٌ، وَيُوضَعُ المَيِّتُ عَلَيْهِ، وَيأْخُذُ قَدْراً مِنَ القُطْنِ الحَلِيجِ وَيدُسُّهِ فِي الألْيَتَيْنِ، وَتُشَدُّ الألْيَتَانِ وَتُسْتَوْثَقُ، وَتُلْصَقُ بِجَمِيعِ مَنَافِذِ البَدَنِ مِنَ المَنْخِرَيْنِ وَالأُذُنيْنِ وَالعَيْنَيْنِ قُطْنَةٌ عَلَيْهَا كَافُورٌ ثُمَّ يُلَفُّ الكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُبَخِّرَهُ بِالعُودَ وَيشُدُّ عَلَيْهِ بِشِدَادِ، وَبَنْزِعُ الشِّدَادِ عِنْدَ الدَّفْنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في إِدْرَاج الميت في الكَفَنِ وتوابعه.
فنقول: تبخير الكفن بالعود مستحبٌّ إذا لم يكن الميت مُحْرماً، وذلك بأن ينصب مشجَبٌ وتوضع الأكفان عليها ويجمَرُ تحتها ليصيبها دُخَان العُود، ثم تبسط أحسن اللَّفائف وأوسعها ويذرُّ عليها حنُوطٌ، وتبسط الثانية فوقها ويدر عليها حنوط، وتبسط الثَّالثة التي تلي المَيِّت فوقها ويذرُّ عليها حنوط وكافور ثم يوضع الميت فوقها مستلقياً ويأخذ قدر من القطن الحَلِيج ويجعل عليه حنوط وكافور ويدسُّ في إِلْيَتَيْهِ حتى تتَّصل بالحلقة ليرد شيئاً عساه عند التَّحريك ينفصل منه ولا يدخله في باطنه، وفيه وجه: أنه لا بأس به ثم تشد إِلْيَتَيْهِ وتستوثق وذلك بأن يأخذ خِرْقَةً ويشد رأسها ويجعل وسطها عند إِلْيَتَيه وعانته ويشدها عليه فوق السُّرة بأن يرد ما يلي ظهره إلى سرته ويعطف الشِّقين الآخرين عليه.
ولو شد شقًّا من كل رأس على هذا الفَخِذِ ومثل ذلك على الفَخِذِ الثَّاني جاز أيضاً.
وقيل: يشدها عليه بالخيط ولا يشق طرفيها ثم يأخذ شيئاً من القطن، ويضع عليه قدرًا من الكافور الحنُوطِ، ويجعله على مَنَافِذِ البدن من المنخَرَينِ والأُذُنَيْنِ والعينين والجِرَاحَات النَّافِذَة إن كانت عليه دفعاً للهَوَام، ويجعل الطِّيب على مَسَاجدِهِ، وهي الجَبْهَة، والأَنْف، وباطن الكَفَّين، والركبتانِ، والقدمان إكراماً لها، وذلك بأن يجعل الطِّيب على قِطْعَةِ قُطن وتوضع على هذه المواضع.
وقيل: يجعل عليها بلا قطن.
ثم يلفُّ الكفن عليه بأن يثنى من الثَّوب الذي يليه صنعته التي تلي شقَّه الأيسر على شقِّه الأيمن، والتي تلي شقّه الأيمن على شقّه الأيسر كما يفعل الحيّ بالقَباء، ثم يلف الثاني والثَّالث كذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 414

وفيه قول آخر: أنه يبدأ بالشقة التي تلي شقَّه الأَيْمن فيثنيها على شقِّه الأيسر، ويجعل الَّتي تلي الأيسر عَلَى اليَمِين غالباً، ولعلَّ هذا أسبق إِلَى الفَهْمِ ممَّا رواه المُزَنِيُّ في "المختصر"، لكن الأول أصحُّ عند الجمهور ومنهم من قطع به.
وإذا لفَّ الكفن عليه جمع الفاضل عند رأسه جمع العِمَامَة ورد على وجهه وصدره إلى حيث يبلغ، وما فضل عند رجليه يجعل على القَدَمين والساقين.
وينبغي أن يوضع المَيِّتُ على الأكفان أولاً بحيث إذا 56 ألقيت عليه كان الفاضل عند رأسه أكثر، كما أن الحيَّ يجعل فضل ثيابه على رأسه، وهو العمامة ثم تشتد الأكفان عليه بشداد خَيْفَة انتشارها عند الحمل فإذا وضع في القبر نزع.
وفي كون التَّحنيط واجباً أو مستحباً وجهان: أظهرهما: عند المصنف وإمام الحرمين الثاني 57. قال الغزالي: ثُمَّ يَحْمِلُ الجَنَازَةَ ثَلاثَةُ رِجَالٍ رَجُلٌ سَابِقٌ بَيْنَ العَمُودَيْنِ وَرَجُلاَنِ فِي مُؤَخِّر الجَنَازَةِ، فَإنْ عَجَزَ السَّابِقُ أَعَانَهُ رَجُلاَنِ خَارجَ العَمُودَيْنِ فَتَكُونَ الجَنَازَةُ مَحْمُولَةٌ بَيْنَ خَمْسَةٍ أَوْ بَيْنَ ثَلاَثةٍ، وَالمَشْيُ قُدَّامَ الجَنَازَةِ أَفْضَلُ (ح) وَالإِسْرَاعُ بِهَا أَوْلَى.

الجزء: 2 - الصفحة: 415

قال الرافعي: ليس في حمل الجنازة الجنازة وسقوط مروءة بل هو بِرٌّ وأكرام للميت، وقد نقل ذلك عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين- رضوان الله عليهم أجمعين- ولا يتولاَّه إلا الرِّجال ذكراً كان الميت أو أنثى، ولا يجوز الحمل على الهَيْئَات المُزْرِية ولا على الهيئة التي يخاف منها السُّقوط.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث مسائل: إحداها: في كيفية الحمل وقد نقل طريقان: أحدهما: الحمل بين العَمُودين.
يُرْوَى أن النَّبي: "حَمَلَ جَنَازَة سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ" 58. ومعناه: أن يتقدم رجل فيضع الخَشبَتَين الشَّاخِصَتَين وهما العمودان على عاتقيه، والخشبة المعترضة بينهما على كتفيه، ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان: أحدهما: من الجانب الأيمن، والثَّاني من الأيسر، ولا يمكن أن يتوسَّط الخشبتين واحد من مؤخرهما، فإنه لا يرى موضع قدميه، والطريق بين يديه حينئذ، فإن لم يستقلّ التقدم بالحمل أعَانه رجلان خارج العَمُودَين يضع كل واحد منهما واحداً على عاتِقِه فتكون الجنازة محمولة على خمسة.
والثاني: التَّرْبِيع، روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: "إِذَا تَبعَ أَحَدُكُمْ جَنَازَةٌ فَلْيَأخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الأَرْبَعَةِ ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ ليَذَرْ فَإِنَّهُ السُّنَّةَ" 59. والتَّرْبِيعُ: أن يتقدَّم رجلان فيضع أحدهما العمود الأيمن على عاتقه الأيسر، والآخر العمود الأيسر على عاتقه الأيمن، ولذلك يحمل العمودين من مؤخرها اثنان فتكون الجَنَازة على هذه الهَيْئة محمولة على أربعة.
وقد نقل عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أن من أراد التَّبَرُّك يحمل الجنازة من جوانبها الأربعة بدأ بالعَمُود الأيسر من مؤخرها فحمله على عَاتِقِه الأيمن ثم يسلم إلى غيره، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخِّرها فيحمله على العاتق الأيمن أيضاً ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلاً يكون ماشياً خلفها فيأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتِقِهِ الأيسر ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها، ولا شك أن ذلك إنما يتأتى والجَنَازة

الجزء: 2 - الصفحة: 416

محمولة على هيئة التَّرْبِيع فهذا شأن الطَّريقين، وكل واحد منهما جائز.
وحكى القاضي الرُّوياني عن بعض الأصحاب: أن الأفضل الجمع بينهما بأن يحمل تَارَةً هكذا وتارة هكذا، وإذا أراد الاقْتِصَار على أَحَدِهِمَا فأيتهما أفضل؟ المشهور في المذهب: أن الحمل بين العمودين أفضل.
وعن أحمد: أن التَّربيع أفضل، وبه قال بعض أصحابنا.
وعن مالك: أنهما سواء، وأشار صاحب "التَّقريب" إلى وجه يوافقه.
وقال أبو حنيفة: الحَمْل بين العمودين بدعة.
الثانية: المَشْي أمام الجنازة أفضل، وبه قال مالك، وروى مثله عن أحمد، ويروى عنه أنه إن كان راكباً صار خلفها، وإن كان راجلاً فقدَّامها.
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ -رضي الله عنهما- يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ" 60 والأفضل أن يكون قدَّامها قريباً منها بحيث لو التفت لرآها 61، ولا يتقدمها إلى المَقْبَرة، ولو تقدم لم يكره، ثم هو بالخِيَار إن شاء قام منتظراً لها، وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي -رضي الله عنه- قال: "قَامَ رسول الله مَعَ الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدَ ذلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ" 62. وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره الجلوس حتى توضع الجنازة.
الثالثة: سُنَّة المشي بالجنازة الإسراع إلا أن يخاف من الأسراع تغيُّراً في الميت، فيتأنى بها، والإسراع فوق المشي المعتاد دُونَ الْخَبَب، روي أن النَّبي "سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ، فَقَالَ دُونَ الْخَبَبِ فَإِنْ يَكُ خَيْراً عَجَّلْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ شَرّاً فُبُعْداً لِأَهْلِ النَّارِ" 63. وإن خِيفَ عليه تغَيُّرٌ وانفجار زيد في الإِسْرَاع.

الجزء: 2 - الصفحة: 417

الْقَوْلُ فِي الصَّلاَةِ

قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ: الأَوَّلُ، فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ كُلُّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ لَيْسَ بِشَهِيدٍ، احْتَرَزْنَا بِالمَيِّتِ عَنْ عُضْوٍ آدمِيٍّ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا عُلِمَ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ فَيُصَلَّى عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ غائِباً، وُيغَسَّلُ العُضْوُ وَيُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ.
قال الرافعي: حصر حجة الإسلام -رحمه الله- عليه بقية الكلام في صلاة الميت في أربعة أطراف للحاجة إلى النّظر فيمن يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه، وفي أركان هذه الصَّلاة وشرائطها.
الأول: فيمن صلى عليه، ويعتبر فيه ثلاثة قيود.
أن يكون ميتاً، مسلماً، غير شهيد.
فأما قيد المسلم فيتعلق به مسألتان يشتمل الفصل على إحداهما، وهي ما إذا وجدنا بعض مسلم دون باقيه مثل إن أكله السبع، فلا يخلو إما أن يكون قد يعلم موت صاحبه أو لا يعلم، فإن لم يعلم فلا يصلى عليه، وإن علم.
موته صلى عليه قل الموجود أم كثر، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "لا يصلى عليه إلا أن يكون أكثر من النِّصف" ويروى عن مالك مثله.
لنا أن الصَّحابة -رضي الله عنهم- صَلُّوا عَلَى يَدِ عبد الرحمن بن عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ -رضي الله عنه- أْلْقَاهَا طَائِرٌ بِمَكَّةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ وعَرَفُوا أَنَّهَا يَدُهُ بِخَاتَمِهِ" 64. وهذا في غير الشعر والظفر ونحوها، وفي هذه الأجزاء وجهان: أقربهما: إلى إطلاق الأكثرين أنها كغيرهما، نعم قال في "العدة": إن لم يوجد إلاَّ شعرة واحدة فلا يصلى عليها.
في ظاهر المذهب، إذ لا حرمة لها ومتى شرعت الصلاة، فلا بد من الغسل والمُوَارَاة بخرقة 65. وأما الدَّفن فلا يختص [بما إذا علم] 66 بموت صاحب العضو، بل ما ينفصل من الحَيِّ من ظفر وشعر وغيرهما يستحب لهم دفنها، وكذلك يُوَارِى دم الفَصْد وَالحجَامَة

الجزء: 2 - الصفحة: 418

والعَلَقَة والمُضْغَة تلفيهما المرأة، وإذا وجد بعض ميت أو كله ولم يعلم أنه مسلم، فإن كان في دار الإسلام صلى عليه، لأن الغالب في الإسلام المسلمون.
وقوله: "إلا إذا علم موت صاحبه" يبين أنه لا صلاة فيما إذا علم حياة صاحبه، وفيما إذا لم يعلم موته ولا حياته، فإن كل واحدة من الحالتين تبقى في المستثنى منه.
وقوله: "فيصلى على صاحبه" معلم بالحاء والميم، وفيه إشارة إلى أن الصَّلاة ليست على نفس العضو وإنما هي على الميت ولا ينوي إلا الصلاة على جملته، وقد صرح بهذا القَاضِي الروياني وغيره، وكلام من قال: يصلي على العضو محمول عليه، فإن قلت: هذا حسن لكنه استثنى الحالة التي حكبم فيها بأنه يصلِّي على صاحبه من قوله: "فإنه لا يصلى عليه"، وفي هذه الحالة لا يصلِّي على العضو أيضاً فكيف ينتظم الاستثناء.
فالجواب: أن قوله: لا يصلِّي عليه أي على صاحبه، كما أن قول من قال: يصلِّي على العضو محمول عليه، وحينئذ ينتظم الاستثناء.
وقوله: "وإن كان غائباً" يشير إلى أن غَيْبة باقي الشَّخص لا تضر، فإنا نجوّز الصَّلاة على الغالب كله، فعلى الغائب بعضه أولى، ولذلك قال إمام الحرمين: حقيقة الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة -رحمه الله- في العضو يستند إلى أن الصَّلاة على الغائب صحيحة -وهو لا يراها- ويربط الصلاة بما شهد وحضر.
قال الغزالي: وَكَذَا السَّقْطُ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ التَّخْطِيطُ لاَ يُغَسَّلُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ التَّخْطِيطُ فَفِي الغُسْلِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ غُسِّلَ فَفِي الصَّلاَةِ قَوْلاَنِ مَنْشُؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي الحَيَاةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُوَارَى بِخِرْقَةِ وَيُدْفَنُ، فإنِ اخْتَلَجَ بَعْدَ الانْفِصَالِ فَالصَّلاةُ عَلَيْهِ أَوْلَى (ح م)، فَإِنْ صَرَخَ وَاسْتَهَلَّ فَهُوَ كَالكَبِيرِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية في السّقْط وله حالتان 67: إحداهما: أن يستهلّ أو يبكي، فهو والكبير سواء؛ لأنا تيقَّنا حياته وموته بعد الحياة، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اسْتَهَلَّ السَّقْطُ صُلِّيَ عَلَيْهِ" 68. والثَّانِية: أن لا يتيَّقن حياته باستهلال وغيره، فإما أن يُعَرَّى عن أمارات الحياة

الجزء: 2 - الصفحة: 419

كالاخْتِلاجَ ونحوه أو يوجد شيء من ذلك، فإن عرى فينظر هل بلغ حداً يمكن نفخ الروح فيه؟ وهو أربعة أشهر فصاعداً أم لا؟ فإن لم يبلغه فلا يصلى عليه، وهل يغسل؟ فيه طريقان: أصحهما: لا، كما لا يصلى عليه، فإن حكم كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعى سبق الحياة.
والثاني: فيه قولان وسنذكر الفرق بين الغسل والصَّلاة، وإن بلغ أْربعة أشهر فصاعداً فهل يصلى عليه؟ فيه قولان: أحدهما -وينسب إل القديم - نعم إذا ورد في الخبر: "أنَّ الْوَلَدَ إِذَا بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" 69، ويحكى عن "الأمِّ" والبُويطِيِّ: أنه لا يصلى عليه ويوجه بالخبر الذي سبق، فإن ظاهره يقتضي اشتراط الاستهلال.
وأيضاً بأنه لا يرث ولا يورث، فلا تجب الصلاة عليه كما لو سقط لدون أربعة أشهر.
وفي الغسل طريقان: أظهرهما: القطع بأنه يغسل.
والثاني: فيه قولان.
والفرق أن الغسل أوسع باباً من الصلاة، أَلاَ ترى أن الذِّميَّ لا يصلى عليه ويغسل، وأما إذا اخْتَلَجَ بعد الانفصال وتحرك ففي الصلاة عليه قولان: أحدهما: لا يصلى عليه، وبه قال مالك لعدم تيقُّن الحياة بخلاف الاسْتِهْلاَل.
وأظهرهما: أنه يصلِّي عليه لظهور احْتمال الحياة بسبب الأَمارة الدَّالَّة عليها، ومنهم من قطع بأنه يصلى عليه، وفي الغسل هذان الطريقان لكن القَطْع في الغسل أظهر منه في الصلاة.
ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "السَّقط الذي لم يظهر فيه التَّخْطيط".
وقوله: "ظهر فيه التخطيط" فيعلم أن المراد منه ظهور خلقة الآدمي، وهذه العبارة حكاها إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي، وعبارة الجمهور التي قدمناها، وهي: أن ينظر هل بلغ حد نفخ الروح أم لا؟ قال الإمام: ويمكن أن يقال: الاختلاف في مَعْض العبارة، ومهما بدأ التَّخليق فقد دخل أوان نفخ الروح، وإن لم يَبْدُ لم يدخل، وقد يظن تخلَّل زمان بين أوائل التَّخْليق وبين جريان الروح فإن كان هكذا اختلف الطريقان -والله أعلم-.
وقوله: "وإن ظهر التخطيط" أي: ولم يختلج ولا تحرك.
أما: إذا اخْتَلَجَ فقد ذكره من بعد.
قوله: "وإن

الجزء: 2 - الصفحة: 420

غسل ففي الصَّلاة قولان" ترتيب الصَّلاة على الغسل إن قلنا: لا يغسل فلا يصلّى عليه، وإن قلنا: يغسل ففي الصلاة قولان: وإذا جمعنا بينهما قلنا: فيه ثلاثة أقوال: ثالثها: الفرق بين الغسل والصَّلاة.
وقوله: منشأهما التردد في الحياة، أي: في منشأ القَوْلين فيهما جميعاً، لا في الصَّلاة وحدها، وإن كان مذكورًا بعد ذكر قولين الصلاة.
وقوله: "وعلى كل حال يوارى بخرقة ويدفن"، المواراة قد تكون على هَيْئَة التكفين على ما سبق بيانها، وقد تكون على غير تلك الهيئة، فما لم يظهر فيه خلقة الآدمي، يكفي فيه المُوَاراة كيف كانت وبعد ظهور خلقة الآدمي حكم التَّكْفِين حكم الغسل.
وقوله: "عند الاخْتِلاج فالصلاة عليه أولى" أي: من الصَّلاة عند عدم الاخْتِلاجَ، وهو جواب على طريقة طَرْدِ القولين والحالة هذه، وقد حكينا فيها قطع قاطعين بأنه يصلى عليه، فإنه يجوز أن يعلّم قوله: "فالصلاة عليه أولى" بالواو وإشارة إليه.
قوله: فإن صرخ واستهل هو الحالة الأولى في ترتيب الشَّرح.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بِالمُسْلِمِ عَنِ الكَافِرِ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ ذِمِّيّاً كَانَ أَوْ حَرْبِيّاً لَكِنَّ تكْفِينَ الذِّمِّيِّ وَدَفْنَهُ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ.
وَقِيلَ: لاَ ذِمَّةَ بَعْدَ المَوْتِ فَهُوَ كَالحَرْبِيِّ، وَلَوْ اخْتَلَطَ مَوْتى المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَسَّلْنَا جَمِيعَهُمْ وَكَفَّنَّاهُم تَفَصِّياً عَنِ الوَاجِبِ، ثُمَّ عِنْدَ الصَّلاَةِ يُمَيَّزُ المُسْلِمُونَ بِالنِّيَّةِ.
قال الرافعي: القيد الثاني كونه مسلماً، فلا تجوز الصَّلاة على الكافر حربياً كان أو ذمياً.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ 70. ولا يجب على المسلمينِ غسله أيضاً، ذمياً كان أو حربياً لكن يجوز خلافاً لمالك -رحمه الله-.
لنا: أنَّ النَّبِيَّ "أَمَرَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنُهُ- بغَسْلِ أَبِيهِ أَبِي طَالِب" 71 وأقاربه الكُفَّار أَوْلَى بغسله من المُسْلمين، وأما التَّكفين والدَّفْن فَينظر إن كان الكافر ذميّاً، ففي وجوبهما على المُسْلمين وجهان: أظهرهما: يجب وفاء لذمته، كما يجب أن يطعم ويكسى في حياته.
والثاني: لا يجب فإنا لم نلتزم إلا الذَّبَّ عنه في حياته والذمة قد انتهت بالموت

الجزء: 2 - الصفحة: 421

وإن كان حربياً ففي الكتاب إشعار بأنه لا يجب تكفينه ولا دفنه بلا خلاف؛ لأنه ألحق الذِّمي به في الوجه الثاني، لكن صاحب "التهذيب" فرق بين الأمرين، فقال: لا يجب تكفينه؛ لأن النّبي "أَمَرَ بِإلْقَاءِ قَتْلَى بَدْرِ فِي الْقَلِيبِ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ" 72. وفي وجوب موارته وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن النَّبِي أمر بها في قَتْلَى بدر 73. والثاني: لا يجب بل يجوز إغْراء الكلاب عليه فإن فعل فذاك، لئلا يتأذَّى الناس برائحته وكذلك حكم المرتد.
إذا عرفت ذلك فلو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ولم يتميزوا بأن انهدم عليهم سقف مثلاً وجب غسل جميعهم والصلاة عليهم.
وبه قال مالك وأحمد ثم إن صلّى عليهم دفعه جاز، ويقصد المسلمين منهم بنيته، وإن صلّى عليهم واحداً واحداً جاز أيضاً وينوي الصلاة عليه إن كان مسلماً، ويقول: "اللهم اغفر له إن كان مسلماً"، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يصلّى عليهم إلاَّ أن يكون المسلمون أكثر.
لنا أن الصَّلاة على المسلمين واجبة بالنُّصوص ولا سبيل إلى إقامة الواجب هاهنا إلا بهذا الطريق.
قال الغزالي: وأَمَّا الشَّهِيدُ فلاَ يُغَسَّلُ (ح) وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، والشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ بِسَببِ القِتَالِ مَعَ الكُفَّار فِي وَقْتِ قِيَامِ القِتَالِ فَإِنْ كانَ فِي قِتَالِ أَهْلِ البَغْي أَوْ مَات حَتْفَ أَنْفِهِ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ أَوْ قَتَلَهُ الحَرْبيُّ اغْتِيَالاً مِنْ غيْرِ قِتَالٍ أو جرحٍ فِي القِتَالِ وَمَاتَ بَعْدَ انْفِصَالِ القِتَالِ وَكَانَ بحَيْثُ يُقْطَع بِمَوْتهِ فَفِي الكُلِّ قَوْلاَنِ مَنْشَؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ هَلْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ أَمْ لاَ؟ أَمَّا القَتِيلُ ظُلْمًا مِنْ مُسْلِم أَوْ ذِمِّيِّ أَوْ بَاغ أَوِ المَبْطُونُ أَو الغَرِيبُ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
قال الرافعي: القيد الثَّالث لمن يصلى عليه ألا يكون شهيداً، فالشهيد لا يصلى عليه ولا يغسل أيضاً، وبه قال مالك خلافاً لأبي حنيفة في الصّلاة، وبه قال أحمد في رواية واختاره المزني.
لنا أن جابراً وأنساً -رضي الله عنهما- رويا: أن النّبي "لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ" 74. ولا فرق بين الرَّجُل والمرأة والحُرِّ والعبد والبالغ والصبي.
وعند أبي حنيفة الصبي كسائر الموتي يغسل، ثم ما المعنى بقولنا: "لا يغسل ولا يصلى عليه"، يعني به: أنهما لا يجبان، أو يحرمان.
وأما الصلاة ففي "النهاية" و"التهذيب" ذكر وجهين في جوازها:

الجزء: 2 - الصفحة: 422

أظهرهما: أنها غير جائزة، ولو جازت لوجب كالصلاة على سائر الموتى.
والثاني: أنها جائزة، وإنما تترك رُخْصَة لمكان.
الاشْتِغال بالحرب، وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد فيما علق عليه، وأما الغسل فقد أطلق في "التّهذيب" المنع منه، وذكر الإمام: أنه لا سبيل إليه، وإن جوزنا الصلاة إذا أدى غسله إلى إزالة دم الشَّهادة، فإن لم يكن عليه دم ففي غسله تردد، كما في الصلاة إذا تكرر ذلك فلا بد من معرفة الشهيد.
واعلم: أن اسم الشهيد قد يخصّ في الفقه بمن لا يغسل ولا يصلى عليه، وعلى هذاً فقوله: "والشّهيد من مات بسبب القتال ... " إلى آخره، مجرى على ظاهره، وقد يسمى كل مقتول ظلماً شهيداً، وهو أظهر ألا ترى أن الشّافعي -رضي الله عنه- يقول في "المختصر": و"الشُّهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام ... " إلى أن قال: "كغيرهم من الموتى" أثبت اسم الشهداة مع الحكم بأنهم كسائر الموتى، وعلى هذا فقوله في الكتاب: "والشهيد من مات" أي: والشَّهيد الذي ذكرنا أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وعلى هذا الاصطلاح نقول: الشهداء نوعان: أحدهما: الدين لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وضبط في الكتاب فقال: "والشَّهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال" وقد اشتمل على ثلاثة معان: الموت بسبب القتال، وكونه قتال الكفار، وكون الموت في قيام القتال ويدخل فيه ما إذا قتله مشرك، وما إذا أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سهمه، أو تردى في حملته في وَهْدَة، أو سقط على فرسه، أو رَفَسَتْه دابَّة فمات، وما إذا انكشف الحَرْبُ عن قتيل من المسلمين سواء كان عليه أثر أم لا؛ لأن الظاهر موته بسبب من أسباب القتال، ويحتمل أنه مات لِسَقْطَة وغيرها، فلم يظهر عليه أثر.
وعند أبي حنيفة وأحمد: إن لم يكن عليه أثر غُسل وصلى عليه، ومهما فقد أحد المعاني التي يتركب عنها الضابط، ففي ثبوت حكم الشهادة خلاف، ويتبين ذلك بمسائل: إحداها: المقتول من أهل العَدْلِ في مُعْتَرك أهل البغي، هل يغسل ويصلى عليه؟ فيه قولان: إحداهما: لا، وبه قال أبو حنيفة في الغسل كالمقتول في معترك الكفار، ويروى أن عليّاً -رضي الله عنه- "لَمْ يُغَسِّلْ مَنْ قُتِل مَعَهُ 75، وَأَوْصَى عَمَّارٌ -رضي الله عنه- بأَنْ لاَ يُغَسَّلَ 76.

الجزء: 2 - الصفحة: 423

والثَّاني: وبه قال مالك: نعم؛ لأنه قتيل مسلم، فأشبه ما لو قتله في غير القتال.
واحتج لهذا القول بأن أسماء "غَسَّلَتِ ابْنَهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ -رضي الله عنهم- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا مُنْكِرٌ" 77. وعن أحمد روايتان كالقولين، وذكر قول منهم صاحب "العدة": أن القول الأول أصح، لكن الجمهور على ترجيح الثاني، والقولان منصوصان في "المختصر"، في كتاباً "قتال أهل البغي"، ولا خلاف عندنا في أن البَاغِي إذا قتله العادل يغسل، ويصلّى عليه.
وقال أبو حنيفة: "لا يصلى عليه عقوبة له"، ومن قتله القُطَّاع من الرّفقة فيه طريقان: أحدهما: أن حكمه على القولين في العَادِل إذا قتله أهل البغي.
والثاني: أنه ليس بشهيد جزماً.
والفرق: أَنَّ قتالهم مع أهل العَدْل على تأويل الدين بخلاف القطّاع.
الثانية: لو مات في مُعْتَرك الكفار لا بسبب من أسباب القتال ولكن مفاجأة أو لمرض، فقد حكى الإمام عن شيخه فيه وجهين: أصحهما: أنه ليس بشهيد، ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه.
ووجهه أن الأصل وجوب الغُسْل والصلاة، وخالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال تعظيماً لأمره، وحثّاً للناس عليه.
الثالثة: لو دخل الحَرْبِيُّ بلاد الإسلام فقتل مسلماً اغتيالاً من غير قتال، فقد ذكر الإمام أن الشيخ أبا علي حكى فيه وجهين، والأصح المشهور: أنه لا يثبت له حكم الشهادة.
الرابعة: لو جرح في القتال ومات بعد انقضائه ففي ثبوت حكم الشهادة قولان: أحدهما: يثبت؛ لأنه مات بجرد وجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه.
وأظهرهما: وبه قال أحمد، فيما رواه صاحب "الشامل": وغيره.
أنه لا يثبت لأنه عاش بعد انقضاء الحرب، كما لو مات بسبب آخر، ولا فرق على القولين بين أن يطعم أو يتكلم أو صلى وبين أن لا يفعل شيئاً من ذلك، ولا بين أن يمتدَّ الزمان أو لا يمتد، وقال مالك: إن امتدّ الوقت أو أكل غسل وصلى عليه، وإلاَّ فلا.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم أو تكلم أو صلّى فهو كسائر الموتى، وللقولين شرطان:

الجزء: 2 - الصفحة: 424

أحدهما: قد تعرّض له في الكتاب أن يقطع بموت من تلك الجراحة فأما إذا توقع بقاؤه فمات بعد انقضاء القتال فليس بشهيد بلا خلاف.
والثاني: أن تبقّى فيه حْيَاة مستقرّة، ثم يموت بعد إنقضاء القتال، فأما إذا انقضى القتال وليس به إلا حركة المَذْبُوح، فهو شهيد بلا خلاف، وهذه المسائل الأربع بأسرها مذكورة في الكِتَاب، وقد تبيَّن بما ذكرناه أن الأظهر فيها جميعاً انتفاء الشَّهادة واعتبار المَعاني الثلاثة في الضابط.
وأعلم قوله "في وقت قيام القتال" بالحاء والميم؛ لأنهما لا يعتبران قيام القتال، وإنما مذهبهما ما قدمناه.
وقوله: "ففي الكل قولان" فيه إثبات قولين في الصور الأربع، انهما مشهوران في الأولى والرابعة، وأما الثّانية والثّالثة فلم تر للمعظم فيهما حكاية القولين، وإنما ذكر من الخلاف وجهين ويجوز أن يعلم قوله: "قولان" بالواو؛ لأن في "النهاية" حكاية طريقة في الصورة الرابعة مفصلة، وهي أنه إن مات قريباً ففيه قولان، وإن بقي أياماً ثم مات فليس بشهيد قطعاً، والذي في الكتاب إثبات قولين على الإطلاق.
وقوله: "منشأهما التردد في أن هذه الأوصاف هل هي مؤثرة أم لا" يعني الأوصاف الثلاثة المذكورة في الضابط هل هي مؤثرة في موضع الإثبات أم لا؟ وليس في هذا القدر من التَّوجيه كثير فائدة، فإن الفقيه لا يشك في أنّا إذا أبطلنا حكماً بأمور، واختلفنا في بقاء ذلك الحُكْم مع ذوات بعض الأمور فقد اختلفا في تأثيره، وإنما المهمُّ النَّظر في أنه لم يعتبر أو يلغى.
النوع الثاني من الشهداء: العارون عن الأوصاف المذكورة جميعاً، فهم كسائر الموتى يغسلون ويصلى عليهم، وإن ورد لفظ الشهادة فيهم، كالمَبْطُون والغَرِيب والغَرِيق والميت عشقاً والميتة طلقاً، وكذا الذي قتله ظلماً مسلم أو آدمي أو باغ في غير القتال حكمه حكم سائر الموتى.
وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: كل من قتل ظلماً قتلاً يوجب القصاص فهو شهيد، وإنْ وجب به المال فلا يخرج من ذلك أن المقتول بالمُثقّلِ ليس بشهيد فيما نحن فيه، ولم يعتبر في القِتَال ذلك، بل أثبت حكم الشّهادة سواء قتل بالمُثَقّلِ أو بالمُحَدَّد.
وقال أحمد في رواية: كل مقتول ظلماً فهو شهيد.
لنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- غسل، وصلي عليه 78، وكذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 425

عثمان 79 -رضي الله عنه- وقد قتلا ظلماً بالمحدّد.
قال الغزالي: وَكَذا القَتِيل بِالحَقِّ قِصَاصاً أَوْ حَدّاً لَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَتَارِكُ الصَّلاَةِ يُصَلَّى عَلَيْهِ (و) وَقَاطِعُ الطَّريقِ يُقْتَلُ أوّلاً وُيصَلَّى عَلَيْهِ وَيُغَسَّلُ وُيكَفَّنُ ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّناً عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُقْتَلُ مَصْلُوباً ثمَّ يُنْزَلُ وُيغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَصْلُوباً وَيَبْقَى فقَدْ قَالَ: لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا تبيَّن أن المقتول ظلماً ليس بشهيد إذا لم يكن بالصفات المقدمة، فالقتيل حقّاً أولى أن لا يكون شهيداً.
وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَجَمَ الْغَامِدِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا" 80. وذكر في الكتاب مما يتفرع على هذا الأصل صورتين، وذكرهما في غير هذا الموضع.
إحداهما: أن تارك الصَّلاة يصلى عليه ويغسل؛ لأنه مسلم مقتول حقّاً، وعن صاحب "التلخيص" بأنه لا يصلى عليه؛ لأنه تارك الصلاة في حياته فتترك الصلاة عليه.
وقال أيضاً: لا يغسل ولا يكفن ويطمس قبره تغليظاً عليه.
الثانية: غسل قاطع الطريق والصلاة عليه، تبنى على كيفية إقامة الحدّ عليه، وفي قتله وصلبه إذا اقتضى الحَالُ الجَمْعُ بينهما خلافاً على ما سيأتي شرحه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأظهر القولين: أنه يقدم القتل على الصَّلبُ، فيقتل ثم يغسل ويصلى عليه ثم يصلب مكفناً: والقول الثاني: أنه يقدم الصلب ثم يقتل.
وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وعلى القولين إذا صلب فهو ينزل بعد ثلاثة أيام أو يبقى حتى يتهرّى، فيه وجهان: فإن قلنا بالوجه الأول تفريعاً على القول الثاني فيغسل بعد ما ينزل ويصلّى عليه.
وإن قلنا بالوجه الثاني تفريعاً عليه فلا يغسل ولا يصلّى عليه، وهذا ما أشار إليه بقوله: "ومن رأى أنه يقتل ويبقى فقد قال: لا يصلى عليه".
قال إمام الحرمين: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوباً، وينزل فيغسل ويصلى عليه ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 426

يرد، ولكن لم يذهب إليه أحد.
وقوله: "ويصلّى عليه" مرقوم بالحاء؛ لأنه يقول: لا يصلى على قاطع الطريق عقوبة له كما ذكر في الباغي.
وحكى في "النهاية" طريقة أخرى غير مبنيّة على كيفية عقوبة قاطع الطريق، فقال: قال بعض الأصحاب: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وتحقيراً لشأنه، فيجوز أن يعلّم قوله في الكتاب في موضعين من الفصل: "ويغسل ويصلى عليه" بالواو، إشارة إلى هذه الطريقة، وليست هي بالوجه المذكور في قوله: "ومن رأى أنه يقتل مصلوباً ... " إلى آخره؛ لأنه مبني على كيفية عقوبته.
قال الغزالي: ثمَّ الشَّهِيدُ لا يُغَسَّلُ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، وَهَلْ يُزَالُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ الَّتي لَيْسَتْ مِنْ أَثَرِ الشَّهَادَةِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَثِيَابُهُ المُلَطَّخَةُ بِالدَّمِ تُتْرَكُ عَلَيْهِ مَعَ كَفَنِه إِلاَّ أَنْ يَنْزِعَة الوَارِثُ، وُينْزَعُ مِنه الدِّرْعُ وَثِيَابُ القِتَالِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على ثلاث صور: إحداها: لو استشهد جنب هل يغسل؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ وهو المذكور في الكتاب.
وبه قال مالك؛ لأن حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، فَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: رَأَيْتُ المَلاَئِكَةَ تُغَسَّلُهُ" 81. والثاني: وبه قال أحمد وابن سريج وابن أبي هريرة: يغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجباً قبله، والوجهان متفقان على أنه لا يصلّى عليه، وعند أبي حنيفة يغسل ويصلّى عليه.
الثانية: لو أصابته نجاسة لا بسبب الشَّهادة فهل تغسل تلك النّجاسة عنه.
قال إمام الحرمين: حاصل القول فيه أوجه استخرجتها من كلام الأصحاب.
أحدها: وهو الظاهر أنها لا تزال؛ لأن الذي مبقيه أثر العبادة، وليست هذه النجاسة من أثر العبادة.
والثاني: لا؛ لأنا نهينا عن غسل الشهيد مطلقاً.
والثالث: أنه إن أدى إزالتها إلى إزالة أثر الشَّهادة، فلا تزال وإلاَّ فتزال.
الثالثة: الأولى: أن يكفَّن في ثيابه الملطَّخة بالدم، فإن لم يكن ما عليه سابغاً أتم، وإن أراد الوَرَثَةُ نزع ما عليه من الثِّياب وتكفينه في غيرها لم يمنعوا.

الجزء: 2 - الصفحة: 427

وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا يجوز إبدالها بغيرها من الثياب، وأما الدّرع والجلود والفِرَاء والخفَاف فتنزع منه خلافاً لمالك حيث قال: لا ينزع منه فَرْوٌ ولا خُفّ.
لنا على أبي حنيفة القياس على سائر الموتى، ويفارق الغسل والصلاة.
أما الغسل؛ فلأن في تركه إبقاء لأثر الشَّهادة على بدنه، وأمّا الصّلاة فلأن في تركها تعظيماً له واشعاراً باستغنائه عن دعاء القوم، وعلى مالك لما روي أنه النَّبي "أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائهِمْ وَثِيَابِهِمْ" 82. وقوله في الكتاب: "وثيابهم الملطخة بالدم تترك عليه مع كفنه طاهرة"، يقتضي كونها غير الكفن لكن الذي قاله الجمهور: أنه يكفن بها فإن لم تَكْفِ أتمت -والله أعلم-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِيمَنْ يُصَلِّي: وَالأَولَى بِهَا القَرِيبُ، وَلاَ يُقَدَّمُ عَلَى القَرَابَةِ إلاَّ الذُّكُورُ وَلاَ يُقَدَّمُ الوَالِي (و) عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْدَأُ بِالأَبِ ثُمَّ الجَدِّ ثُمَّ الابْنِ ثُمَّ العُصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الوِلاَيَةِ، ثُمَّ الأخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِ مُقَدَّمٌ عَلَى الأخِ مِنَ الأَبِ فِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَذَوُو الأَرْحَامِ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ المُعْتَقُ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام فيمن هو أَوْلَى بالصَّلاة على الميت، وقد اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في أنَّ الولي أَوْلَى بها أم الوالي؟ قال في القَديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الوالي.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- كما في سائر الصلوات.
وقد روي "أَنَّ حُسَيْناً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَى الْحَسَنِ -رَضِيَ الله عَنْهُ-" 83. وقال في الجديد وهو المذكور في الكتاب: الوَلِيُّ أولى؛ لأنها من قضاء حقِّ الميت، فأشبهت الدَّفن والتكفين؛ ولأنها من الأمور الخاصَّة بالقريب، فالولِيُّ أولى بها من الوالي، كولاية التَّزويج وتفارق سائر الصلوات؛ لأن معظم الغرض هاهنا الدّعاء للميت، فمن يختص بزيادة الشَّفقة دعاؤه أقرب إلى الإجابة، ونعني بالوَلِيِّ القريب، فلا يقدم غيره عليه إلا أن يكون القريب أنثى وثمّ أجنبي ذكر فهو أولى حتى يقدم الصَّبي المراهق على المرأة القريبة، وهكذا الحكم في سائر الصلوات الرجل أولى من المرأة، لأن اقتضاء النساء بالرجال جائزة وبالعكس لا يجوز، ثم في انْفِرَاد النسوة بهذه الصَّلاَة كلام سيأتي من بعد، ثم الأولى من الأقارب الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، وهما مؤخران عن الأب والجد، وإن كانا مُقّدمين عليها في

الجزء: 2 - الصفحة: 428

عصوبة الميراث، ومُقدّمان على سائر العَصَبات، وإن لم يثبت لهما ولاية التَّزويج، أما تأخيرهما عَنِ الأَب والجدِّ؛ فلأن المقصود الدُّعاء، والأب أشفق فيكون دعاؤه أقرب إلى الإِجَابة، وأما تَقديمهما على سائر العَصَبَات فلمثل هذا المعنى أيضاً بخلاف أمر النِّكاح فإن اعتنائهم بحفظ النَّسب أشد ثم بعد الابن يقدم الأخ وفي تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، طريقان: أحدهما: أن فيه قولين كما سيأتي ذكرهما في ولاية النكاح، وبه قال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وأبو علي الطَّيَرِي.
وأصحهما: القطع بتقديمه؛ لأن لقرابة النّساء تأْثيراً في الباب على ما سيأتي فيصلح للتَّرجيح، وليس لها تأثير في ولاية التزويج بحال، وعلى هذا فالمقدّم بعدهما ابن الأخ للأب والأم ثم ابن الأخ للأب ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم ابن العم للأب والأم ثم ابن العم للأب ثم عم الأب ثم عم الجدّ على ترتيب العَصَابَات في الميراث والولاية، وإن لم يكن أحد من عصابات النَّسب أصلاً قدم المعتق.
قال في "النّهاية": ولعل الظاهر تقديمه على ذَوِي الأرحام، ولهم استحقاق في هذا الباب للمعنى الدم تقدم بخلاف ما في الميراث.
وأما ما يتعلَّق بلفظ الكتاب فقوله: "ولا يقدم الوالي عليه" مرقوم بالميم والحاء والألف والواو، لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: "الأولى بها القريب" بهذه العلامات أيضاً، وقد يبحث عن قوله: ولا يقدم على القرابة إلا الذّكورة فنقول: قضيَّة هذا الكلام تقديم القَرِيب على الأجنبي الذي أوصى الإِنسان بأن يصلّى عليه، فهل هو كذلك أم يتبع وصيته؟ والجواب: أن الشيخ أبا محمد خرّج المسألة على وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى في أمر أطفاله إلى أجنبي وأبوه الذي يلي أمرهم شرعاً حي.
أصحهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: تقديم القريب؛ لأنَّ الصَّلاة حقه، فلا تنفذ وصيّة فيه.
والثَّاني: أنه تتبع وصيته، وهو مذهب أَحْمَد -رحمه الله- وبه أَفْتَى الإمَامُ محمد بن يحيى- قدّس الله روحه -في جواب مسائل سأله عنها والدي -رحمة الله عليهما-.
وقوله: "ثم يبدأ بالأب ثم الجدّ" معلّم بالميم، لأن مالكاً يقدم الابن علي الأب.
وقوله: "ثم العصابات" معلّم بالميم أيضاً؛ لأنه يوجب تأخير الأخ عن الجد، وعنده يقدم الأخ عليه.
وقوله: "ثم إن لم يكن وارث فذووا الأرحام" يقتضي تقديم الأخ للأم على ذوي الأرحام كلهم.
قال صاحب "التَّهْذِيب": إن لم يكن أحد من العَصَبات فإن الأم أولى ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 429

الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم فيقدم أبو الأم وهو من ذوي الأرحام على الأخ للأم فالوجه أن يحمل قوله: "إن لم يكن وارث" أي: من العصبات وهم الَّذِين سبق ذكرهم هذا فقه الكلام.
وقوله: "ويقدم عليهم المُعْتق" كأنه مذكور إيضاحاً، وإلاَّ فقد تقدم في موضعين من لفظ الكتاب ما يفيده.
أحدهما: "حيث قال: ثم العَصَبات على ترتيبهم في الوِلاية" وذلك يقتضي أن يلي درجة المعتق درجة عصبات النَّسب كما في الولاية وذلك يقتضي أنْ لا يتخلَّلها ذوو الأرحام.
والثاني: حيث قال: "ثم إن لم يكن وارث فذوو الأرحام" والمعتق من الوارثين، ثم لا بأس بإعلام قوله: "ويقدم عليهم المعتق" بالواو؛ لأن في لفظ صاحب "النّهاية" ما يقتضي إثبات خلاف فيه كما قدمناه، وكذلك لفظ المصنف في "الوسيط" والله أعلم.
قال الغزالي: فَإذَا تَعَارَضَ السِّنُّ وَالفِقْهُ فَالفَقِيهُ أَوْلَى عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ فَقِيهٌ وَحُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ أَوْ أَخٌ رَقِيقٌ وَعَمٌّ حرّ ففِي المَسْألَتَيْنِ تَرَدُّدٌ، وَعِنْدَ تَساوِي الخِصَالِ لاَ مَرْجِعَ إِلا القُرُعَةُ أَوِ التَّرَاضي.
قال الرافعي: إذا اجتمع اثنان في درجة واحدة كابنان وأخوين ونحوهما وتنازعا فقد قال في "المختصر": يقدم الأسن، وذكر في سائر الصلوات أنَّ الأفقه أولى، واختلف الأصحاب على طريقتين: أصحهما: وهي التي ذكرها الجمهور أن المسألتين على ما نص عليها والفرق بين سائر الصلوات وصلاة الجنازة أن الغرض من صلاة الجنازة الدعاء والاستغفار للميت، والأسن أشفق عليه، ودعاؤه أقرب إلى الإجابة لما روي أنه قال: "إِنَّ اللهَ لاَ يَرُدُّ دَعْوَةٌ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ" 84. والثانية حكاها الإمام عن رواية العراقيين: التَّصرف في النَّصَّين بالنقل والتَّخريج، وليس المعتبر في تقديم السِّن الشّبيه، وبلوغ سن المشايخ، ولكن يقدم الأكبر وإن كانا شابين، وإنما يقدم الأَسنُّ بشرط أن يكون محمود الحال، فأما في الفاسق والمبتدع فلا، ويشترط مضي السِّن في الإسلام كما سبق في سائر الصلّوات.
وقوله: على أظهر المَذْهَبَيْن جواب على طريقة إثبات الخلاف في المسألة إذ لا

الجزء: 2 - الصفحة: 430

يمكن حمل المذهبين على الطّريقتين، فإنه يَقْتَضِي إثبات طريق جازم بتقديم الفقيه، وذلك مِمَّا لا سائر إليه في صلاة الجنازة.
وإذا عرفت ذلك فكلام المُصَنِّف يخالف ما ذكره المعظم من وجهين: أحدهما: أنهم رجحوا الطريقة القاطعة بتقديم السّن، وهو أجاب بإثبات الخلاف.
والثاني: أنهم جعلوا الأَظْهَر تقديم السِّن، وإن قدر إثبات الخِلاَف، هذه إحدى مسائل الفصل.
والثانية: لَوْ اسْتَوى اثْنَان في الدَّرَجَة، وأحدهما رقيق فالحُرُّ أَوْلَى، وإن كان أحدهما رقيقاً فقيهاً والآخر حراً غير فقيه.
فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين للشيخ أبي محمد لتعارض المعنيين.
قال في "الوسيط": ولعل التَّسوية أولى.
الثالثة: لو كان الأقرب رقيقاً والأبعد حراً كالأخ الرقيق مع العم الحر فأيهما أولى؟ فيه وجهان: أحدهما: الأخ أولى؛ لأن هذه الصَّلاة مبناها على الرِّقة والشَّفقة والأقرب أشفق، ولهذا يقدم القريب المملوك على الأجنبي الحُرِّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن العَمَّ أولى لاختصاصه بأهلية الولاية كما في ولاية النكاح وكما لو استويا في الدرجة.
قال في "النهاية": وأوثر في مثل هذه المسألة مصير بعض الأصحاب إلى التَّسْوِية لِتَقَابُل الأمرين.
الرابعة: إذا اجتمع قوم في درجة واحدة واستوت خصالهم، فإن رضوا بتقديم واحد فذاك وإلاَّ أقرع بينهم قطعاً للنزاع.
قال الغزالي: ثُمَّ ليَقِفِ الإِمَامُ وَرَاءَ الجَنَازَةِ عِنْدَ صَدْرِ المَيِّتِ إِنْ كَانَ ذَكَراً وَعِنْدَ (ح) عَجِيزَةِ المَرْأَةِ كَأنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنِ القَوْمِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الجَنَازَةِ لَمْ يُجِزْ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ فِي حَقِّ الغَائِبِ بِسَبَبِ الحَاجَةِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في موقف المُصلّي على الجَنَازة، وفيه مسألتان: إحداهما: السُّنة للإمام أن يقف عند عَجِيزَة المرأة.
لما روي عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- أنَّ النّبي "صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا" 85. والمعنى: فيه محاولة سترها عن أعين الناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 431

وأما الرجل فأين يقف منه؟ ذكر في الكتاب أنه يقف عند صَدْرِه، وكذلك قاله في "النهاية"، والذي ذكره معظم الأصحاب منهم العراقيون والصَّيْدَلاَنِي: أنه يقف عند رأسه ونسبوا الأول إلى أبي علي الطَّبَرِي، واحتجوا لما روي أن أنساً -رضي الله عنه- "صَلَّى علَى جنَازَةِ رَجُل فَقَامَ عِنْدَ رَأسِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَة فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقَامَ عِنْدَ عَجِيْزَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: أهكَذًا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ؟ يَقُومُ عِنْدَ رَأسِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ عَجِيْزَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ" 86. ورأيت أبا علي قد حكى عن فعل أنس -رضي الله عنه- مثل قوله، وهو الوقوف عند الصَّدر والله أعلم.
ولك أن تعلم قوله: "عند صدر الميت" بالواو لما ذكرناه، وأن تعلمه وقوله: "عند عجيزة المرأة كليهما" بالميم؛ لأن عند مالك يقف عند وسط الرجل، ومَنْكبي المرأة، وأن تعلم الكلمة الثانية بالحاء أيضاً، لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يقف عند صدر الميت رجلاً كان أو امرأة، وعند أحمد يقف عند صدر الرجل وعجيزة المرأة، كما هو المذكور في الكتاب.
الثانية: أن تقدم على الجَنَازة الحاضرة وجعلها خلف ظهره.
قال في "النّهاية": خرجه الأصحاب على القولين في تقديم المأموم على الإمام ونزلوا الجنازة منزلة الإمام، قال: ولا يبعد أن يقال تجويز التَّقَدُّم على الجَنَازة أَوْلَى، فإنها ليست إماماً متبوعاً حتى يتعين تقدمه، وإنما الجنازة والمصلون على صورة مجرم يحضر باب الملك ومعه شفعاء، ولولا الأَتْبَاع لما كان يتجه قول تقديم الجَنَازة وجوباً، وهذا الذي ذكره إشارة إلى ترتيب الخلاف، وإلاَّ فقد اتفقوا على أن الأصح المنع.
وقوله في الكتاب: "لأن ذلك يحتمل في حق الغائب بسبب الحاجة" جواب عن كلام يحتج به لجواز التقدم على الجنازة، وهو أن الغائب يصلى عليه كما سيأتي مع أنه قد يكون خلف ظهر المصلى، فكذلك إذا كان حاضراً ففرق بينهما بذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الجَنَائِزُ فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وأنْ يُصَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ صَلاةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُوضَعُ (و) بَيْنَ يَدَيِ الإمَامِ بَعْضُهُمْ وَرَاءَ بَعْضِ وَالكُلُّ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، وَلْيُقَرَّبْ مِنَ الإمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَبِيُّ ثُمَّ الخُنْثَى ثُمَّ المَرْأَةُ، وَلاَ يُقَدَّمُ بِالحُرِّيَّةِ وَإِنَّما يُقَدَّمُ بِخِصَالٍ دِينيَّةٍ تُرَغِّبُ فِي الصَّلاة عَلَيْهِ، وَعِنْدَ التَّسَاوِي لاَ يَسْتَحِقُّ القُرْبَ إلاَّ بِالقُرْعَةِ أَوِ التَّرَاضِي.
قال الرافعي: إذا حضرت جنائز، جاز أن يصلى على كل واحد صلاة وهو الأولى، وجائز أن يصلى على الجميع صلاة واحدة، لأن معظم الفرض من هذه الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 432

الدعاء للميت، ويمكن الجمع بين عدد من الموتى في الدُّعَاءِ، وقد يقتضي الحال الجمع ويتعذر إفراد كل جنازة بصلاة، ولا فرق في ذلك بين أن يتمحَّض الموتى ذكوراً أو إناثاً أو يجتمع النوع ثم إن اتحد النوع، ففي كيفية وضع الجنائز وجهان، وصاحب "التتمة" حكاهما قولين: أصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنَّها توضع بين يدي الإِمَامِ في جهة القِبْلَة بعضها خلف بعض ليكون الإمَام في مُحَاذَاةِ الكُلِّ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- يُوضع الكُلّ صفاً واحداً رأس كل ميت عند رجل الآخر ويجعل الإمام جميعها على يمينه ويقف في محاذاة الأخيرة، وإن اختلف النّوع فهيئة وضعها ما ذكرنا في الوجه الأول ولا يجيء الوجه الثاني، فإن الرجل والمرأة لا يقفان صفًّا واحداً في الجماعات فكذلك لا يضعان صفاً واحداً.
ويجوز أن يعلم قوله: "بعضهم وراء بعض" بالواو؛ لأن اللَّفظ يشمل حالتي اتحاد النوع واختلافه، وقد ذكرنا في الحالة الأولى وَجْهاً آخر، وهو كذلك معلم بالحاء ثم إذا كان هيئة وضعها ما بينا في الوجه الأول، فمن الذي يلي الإمام من الموتى؟ لا يخلو الحال إما أن تحضر الجنازة دفعة واحدة أو مرتبة.
فأما الحالة الأولى وهي التي تكلم فيها في الكتاب، فينظر إن اختلف النوع فَلْيَلِ الإِمَامُ الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، لما روي أن سعيد بن العاص "صلى على زيد بن عمر بن الخطاب وأمِّه أمِّ كُلْثُومٍ بنت علي -رضي الله عنهم- فوضع الغلام بين يديه والمرأة خلفه، وفي القوم نحو من ثَمَانِينَ نَفساً من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فَصَوَّبُوهُ وقالوا: هذِهِ السُّنَّةُ" 87. وروي أن ابْنَ عمر -رضي الله عنهما- "صَلَّى عَلَى تَسْعِ جَنَائِزَ، فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَهُ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ" 88. ولو حضر جنائز جماعة من الخَنَاثى وضعت صفاً واحداً لئلا تتقدم امرأة على رجل، فإن اتحد النوع فيقرب من الإمام أفضلهم، والمعتبر فيه الورع والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظَّن كونه أقرب من -رحمة الله تعالى جدّه- ولا يتقدم بالحريَّة بخلاف استحقاق الإمامة فيه الحُرُّ على العبد.
قال في "النهاية": لأن الإمامة في الصلاة تصرف فيها، والحر مقدم على العبد في التصرفات، وإذا ماتا استويا في انقطاع التَّصرف فأقرب معتبر فيه ما ذكرنا، فإن استووا

الجزء: 2 - الصفحة: 433

في جميع الخصال وتنازع الأولياء في القرب، دفع نزاعهم بالقرعة، وإن رضوا بتقريب واحد فذاك.
الحالية الثانية: أن تحضر الجنائز مرتبة، فللسبق تأثير في الباب، فلا تنحَّى الجنازة السابقة للُحُوق أخرى، وإن كان صاحبها أفضل هذا عند اتحاد النوع، ولو وضعت جنازة امرأة، ثم حضرت جنازة رجل أو صبي فتنحى جنازتها وتوضع جنازة الرجل أو الصبي بين يدي الإمام، ولو وضعت جنازة صبي ثم حضرت جنازة رجل لم تنحَّ جنازة الصبي؛ بل يقال لوليه: إما أن تجعل جنازتك خلف الصبي أو تنقله إلى موضع آخر.
والفرق أنَّ الصَّبيّ قد يقف مع الرجل في الصف والمرأة تتأخر بكل حال فكذلك بعد الموت.
وعن صاحب "التقريب" وجه: أنه تنحَّى جنازة الصبي كجنازة المرأة.
فإن قلت: ولى كل ميت أولى بالصلاة عليه، فمن الذي يصلي على الجنازة الحاضرة إذا اقتصروا على صلاة واحدة.
قلنا: كل من لم يَرْضَ بصلاة غيرِه صَلَّى على ميته، وإن رضوا جَمِيعاً بصلاة واحدة فإن حضرت الجنائز مرتّبة فولى السابقة أولى رجلاً كان مَيّتُها أو امرأة، لأن حضرت معاً أُقْرعَ بينهم والله أعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ، في كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ، وأَقَلُّها تِسْعَة أَرْكَانِ: النِّيَّةُ وَالتَّكبِيرَاتُ الأَرْبَعُ وَالسَّلاَمُ وَالفَاتِحَةُ (م ح) بَعْدَ الأُولَى وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَفِي الصَّلاَةِ عَلَى الآلِ خِلاَفٌ، والدُّعَاءُ للْمَيِّت بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِين، وَلَوْ زَادَ تكْبِيرَةٌ خَامِسَةً لَمْ تَبْطُلِ الصَّلاَةُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية هذه الصلاة في الأقل والأكمل.
أما الأقل: فمن أركانها النّية، ووقتها ما سبق في سائر الصلوات، وكذا في اشتراط التعرّض للفرضية الخلاف المقدم، وهل يحتاج إلى التعرض لكونها فرض كفاية أم تكفي نية مطلق الفرض؟ حكى القاضي الرُّويانِيُّ فيه وجهين: أصحهما: الثاني، ثم إن كان الميت واحداً نوى الصَّلاة عليه، وإن حضر موتى نوى الصلاة عليهم، ولا حاجة إلى تعيين الميت ومعرفته، بل لو نوى الصَّلاة على من يصلي عليه الإمام جاز، ولو عين الميت فأخطأ لم تصحَّ صلاته، ويجب على المُقْتَدِي نية الاقْتِداء كما في سائر الصلوات.
ومنها: التَّكبيرات الأربع.
روي عن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِي "كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبعاً، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُوْلَى" 89. فلو كَبَّر خمساً لم يَخْلُ إما أن يكون ساهياً أو عامداً، فإن كان

الجزء: 2 - الصفحة: 434

ساهياً لم تبطل صلاته، ولا مدخل للسجود في هذه الصلاة، وإن كان عامداً فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو زاد ركعة أو ركناً عمداً في سائر الصَّلَوَات، وهذا الوجه هو المذكور في "التتمة"، و"الوسيط".
وأصحهما: على ما ذكره هاهنا، وبه قال الأكثرون: أنها لا تبطل لثبوت الزيادة عن رسول الله 90 إِلاَّ أنَّ الأربع أولى لاستقرار الأمر عليها واتفاق الأصحاب، وقد حكي عن ابن سريج -رضي الله عنه- أن الاختلافات المَنْقُولة في تَكْبيرات صلاة الجنازة من جملة الاختلاف المباح وأن كل ذلك سائغ، وإن كان مأموماً فزاد إمامه على الأربع فإن قلنا: الزيادة تبطل الصلاة فارقه، وإن قلنا: لا تبطل لم يفارقه، ويتابعه في الزيادة على الأصح من القولين، وهل يسلّم في الحال أو ينتظر ليسلّم معه؟ فيه وجهان: أظهرهما: ثانيهما.
واعلم: أن أركان هذه الصّلاة قد عدّها في الكتاب تسعة، والنية والتكبيرات الأربع خمسة منها، والسادس السلام، وفي وجوب نية الخروج معه ما سبق في سائر الصلوات، ويجوز أن يعلّم بالحاء، لما ذكرنا ثَمَّ هَلْ يَكْفي أن يقول الكلام عليك؟ حكى الإمام تردد الجواب فيه عن الشَّيخ أبي علي، والظاهر المنع.
والسابع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقرأ فيها شيئاً من القرآن.
لنا ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النّبي "قَرَأَ فِيهَا بأُمِّ القُرْآنِ" 91. وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 92. والسابق إلى الفهم من قوله في الكتاب: "والفاتحة بعد الأولى"، أنه ينبغي أن يكون عُقَيْبهما مقتدمة على الثانية، لكن القَاضِي الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخَرَّ قراءتها إلى التكبيرة الثانية جاز.
والثامن الصَّلاة على النبي بعد الثانية خلافاً لأبي حنيفة ومالك، فإن عندهما لا يجب ذلك كما ذكر في سائر الصلوات.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" 93. وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان أو وجهان ذكرناهما في غير هذه الصلاة، وهذه الصلاة أوْلَى بأن لا يجب فيها؛ لأنها مبنيَّة على الاخْتِصَار.
= (1319)، ومسلم (954) من حديث ابن عباس، والبخاري (1254، 1318، 1327، 1328، 1333، 3880، 3881)، ومسلم (951) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الجزء: 2 - الصفحة: 435

والتاسع الدعاء بعد التكبيرة الثالثة للميت.
وعن أبي حنيفة أنه لا يجب ذلك.
لنا ما روي أن النَّبي قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا الدُّعَاءَ لَهُ" 94. وفيه وجه: أنه لا يجب تخصيص الميت بالدعاء، ويكفي إرساله للمؤمنين والمؤمنات والميت يندرج فيهم، وهذا الوجه مُعْزَى في "النهاية" إلى الشيخ أبي مُحَمَّدٍ -رحمه الله-، وقدر الواجب من الدعاء ما ينطلق عليه الاسم، أما الأحب فسيأتي والله أعلم.
واعلم: أن القيام واجب في هذه الصلاة عند القدرة على الأصح كما سبق، فيتوجه إلحاقه بالأركان كما أنه معدود من الأركان في الوَظَائِفِ الخمس والله أعلم.
قال الغزالي: فَأمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَرفعَ (م ح) اليَدَيْنِ في التَّكْبِيراتِ، وَفِي دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ والتَّعَوُّذ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ الاسْتِفْتَاحِ لاَ يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ لاَ يُجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ لَيْلاً كَانَ أَوْ نَهَاراً، ويُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلمُؤْمِنِينَ عِندَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِذِكْر بَيْن التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّلاَمِ.
قال الرافعي: لصلاة الجنازة وظائف مندوبة هي توابع للأركان.
فمنها: رفع اليدين في التكبيرات الأربع خلافاً لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: لا يرفع إلا في التَّكبيرة الأولى.
لنا: أن ابن عمر وأنساً 95 -رضي الله عنهما- "كَانَا يَرْفَعَانِ فِي جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ"، وعن عروة 96 وابن المسيب 97 -رضي الله عنهما- مثله، ويجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره، كما في سائر الصلوات.
ومنها: في قراءة دعاء الاسْتِفْتَاح عُقَيب التكبيرة الأولى وجهان: أحدهما: أنه يقرأ كما في سائر الصلوات، وهذا اختيار القاضي أَبِي الطَّيب والقَفَّال فيما حكاه القَاضِي الرُّوياني.
وأصحهما: أنه لا يقرأ؛ لأن هذه الصلاة مبنيَّة على التَّخفيف، ولهذا لم يشرع فيها الرُّكوع والسُّجود، وشبهوا ذلك بقراءة السورة، لكن صاحب "التهذيب" حكى في قِرَاءَة السُّورة بعد الفاتحة الوجهين أيضاً، وهل يتعوذ؟ فيه وجهان أيضاً، لكن الأصح أنه يتعوَّذ بخلاف دعاء الاستفتاح؛ لأن التعوذ من سنن القراءة كالتَّأْمين عند تمام الفاتحة؛

الجزء: 2 - الصفحة: 436

ولأنه لا يفضي إلى مثل تطويل دعاء الاسْتِفْتَاح، وإذا جمعت بينهما، قلت: هل يستفتح ويتعوذ؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحهما: أنه لا يستفتح وَيتَعَوَّذ.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن الاستفتاح لا يستحب" بعد ذكر الخلاف فيهما مشعر؛ لأن الأصح في التعوُّذ الاسْتِحْبَاب، ولك أن تعلم قوله: "والتعوُّذ" بالواو؛ لأنه أثبت الخلاف فيهما جميعاً، وفي كلام الشَّيخ أبي محمد طريقة أخرى قاطعة باسْتِحْبَاب التَّعوذ.
ومنها: أن السُّنة فيها الإسْرار بالقراءة نَهَاراً، وباللَّيل وجهان: أصحهما: وهو ظاهر المَنْصُوص: أنه يسر أيضاً، لأنها قومة شرعت فيها الفَاتحة دون السُّورة، فأشبهت الثَّالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء.
والثاني وبه قال الدَّارِكيُّ أنه يجهر بها؛ لأنها صلاة تفعل ليلاً ونهاراً، فيجهر بها ليلاً كصلاة الخُسُوف، وهذا هو الَّذِي حكاه الإمَامُ عن الصَّيْدَلاَنِي والقَاضي الرُّويانيّ عن أبي حامد.
وقوله في الكتاب: "ليلاً" معلَّم بالواو لهذا.
ومنها: نقل المزنِيُّ في "المختصر" أن عقيب التكبيرة الثانية يحمد الله تعالى ويصلِّي على النَّبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، فهذه ثلاثة أشياء أوسطها الصَّلاة على النبي وهن من الأركان على ما سبق ذكرها، وأولها الحمد، ولا خلاف في أنه لا يجب، وهل تستحب؟ نقل المزني فيه وجهين: أحدهما: لا وهو قضية كلام الأكثرين وقالوا: ليس في كتب الشَّافعي -رضي الله عنه- ما نقله المزني.
والثاني: نعم، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة".
قال هؤلاء: ولعل المزني سمعه لفظاً.
وثالثها: الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وعامة الأصحاب على استحبابه عُقَيْبَ الصَّلاَة على النَّبي ليكون أقرب إلى الإجابة، وفيه كلام آخر نذكره من بعد.
ومنها: إذا كبر الثالثة فيستحب أن يكون في دعائه للميت "اللَّهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدُك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إنه نزل بك وأنت خير مَنْزُول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، وَلَقِّه برحمتك رضاك، وَقِهِ فتنة القبر وعذابه، وأفْسِحْ له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولَقِّه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم

الجزء: 2 - الصفحة: 437

الراحمين".
هذا ما نقله المزني في "المختصر"، وورد في الباب عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: "صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة فحفظت من دعائه "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْر، وَعَذَابَ النَّار"، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ ذلِكَ المَيِّتَ 98. وعن ابن القاصّ -رضي الله عنه- دعاء آخر قال في "الشامل": وعليه أكثر أهل خُرَاسَانَ، وهو ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى على الجَنَازة قال: "اللَّهُمَّ اغْفِر لِحَيِّنَا، وَمَيَّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَّفَّهُ عَلَى الإيْمَانِ" 99، فإن كان الميت امرأة قال: اللَّهُمَّ هذه أَمَتُكَ وبنت عبدك، ويؤنِّث الكِنَايات، وإن كان الميت طِفْلاً اقتصر على المَرْوِي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ويضيف إليه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرْطاً لِأبوَيْهِ وَسَلَفاً وَذُخْراً وَعِظَةً وَاعْتِبَاراً وَشَفِيعاً وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا، وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ.
وقوله في الكتاب: "ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت" أعلم بالواو؛ لأنه حكى في "الوسيط" تردُّداً في ذلك، ثم قال: "والأصح الاسْتحباب" ولعلَّك تقول قوله عند الدعاء للميت يقتضي اسْتِحْبَاب الدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد التَّكبيرة الثَّالثة مع الدعاء للميت، والجمهور قاله باستحبابه في الثانية، كما سبق وذكروا أنه يخلص في الثالثة الدّعاء للميت، فكيف سبيل الجمع؟ والتَّردد الذي رواه في "الوسيط" ليس له ذكر في كلام الأصحاب، فعلى ماذا ينزل؟ والجواب: أنَّ إمام الحرمين حكى في اسْتِحْبَابه تردُّداً للأئمَّة في التَّكبيرة الثَّانية ووجه استحبابه؛ لأن الصلاة على النبي في التَّشهد الأخير يستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فكذلك في هذه الصلاة، فإن أراد حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذا التردُّد فالوجه أن يؤول كلمة "عند"، ويقال.
أراد النظر في أنه هل يدعو للمؤمنين والمؤمنات في هذه الصلاة مع الدعاء للميت؟ ويجوز أن يحمل ما ذكره على الدُّعاء الَّذِي ذكره ابْنُ القاص؛ فإنَّه دعاء لِلْمُؤْمنين والمؤمنات وما قبله يختصُّ بالميت، ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 438

يبعد أن يقدر فيه تردد، فإن قول من قال يخلص الدُّعاء للميت في الثالثة، ينافي اسْتِحْبَاب هذا الدُّعاء والله أعلم.
وقوله: "ولم يتعرض الشافعي -رضي الله عنه- لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام"، أراد في "المختصر" وعامة كتبه لا على الإطلاق فإن البُويطِيِّ روى عنه أن يقول بينهما: "اللَّهم لا تَحْرمنا أجره ولا تفتنَّا بعده".
هكذا نقل الجمهور، ونقل الصَّيدلاني عن روايته أن يقول: "اللَّهم اغفر لحيِّنا وميتنا".
وحكى قوم: منهم صاحب "التهذيب" الذكر المشهور عن البويطي نفسه، فإن كان كذلك أمكن إِجْرَاء قوله: "ولم يتعرض الشَّافعي -رضي الله عنه-" على إطلاقه، وكيف ما كان فالذكر بينهما ليس بواجب، والظاهر استحبابه، وفي "الكافي" للروياني وجه آخر: أنه لا اسْتِحْبَاب، وإنَّما هو بالخيار بين أن يذكره أو يدعه ويسلم عقيب التكبيرة، وهكذا كان يفعل الإمام محمد بن يحيى -قدس الله روحه- فيما حكاه والدي -رحمه الله- وفي كيفية السَّلام من صلاة الجَنَازة قولان: أصحهما: أن الأولى أن يسلّم تسليمتين: إحداهما: عن يمينه، والأخرى: عن شماله، على ما ذكرنا في سائر الصَّلَوات.
والثاني: قاله في "الإملاء" يَقتصر على تسليمة واحدة؛ لأن مبنى هذه الصلاة على التَّخفيف خوفاً من التَّغيرات التي عساها تحدث في الميت، وعلى هذا فالمنصوص أنه يبدأ بها ملتفتاً إلى يمينه، ويختمها ملتفتاً إلى يساره، فيدير وجهه وهو فيها.
ومنهم من قال: يأتي بها تِلْقَاء وَجْهِه من غير الْتفات.
قال إمام الحرمين: ولا شكَّ أن هذا التردُّد يجري في جميع الصلوات، إذا رأينا الاقْتِصَار على تسليمة واحدة، واختلفوا في أن القولين في أنَّ الأولى تسليمة أو تسليمتان؟ هما القولان المذكوران من قبل في سائر الصلوات أم لا؟ فقال قوم: هما هما.
وقال آخرون: لا، بل هما مُرَتبان على القولين في سائر الصَّلوات إن قلنا: يقتصر فيها على تسليمة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا: يسلم تسليمتين فهاهنا قولان، وهذا أصح؛ لأن قول الاقْتِصَار في سائر الصَّلَوَاتِ لم ينقل إلاَّ عن القديم، وهو منقول هاهنا عن "الإملاء"، وأنه محسوب من الجديد؛ ولأنهم وجَّهوه ببناء هذه الصَّلاة على التَّخفيف، وهذا لا يجيء في سائر الصلوات ويقتضي الترتيب.
وقد صرح لفظ "المختصر" بتكرير السلام في سائر الصلَّوات.
وقال هاهنا: ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.
وهذا القدر يحتمل القولين جميعاً، وعلى قول الاقْتِصَار على التَّسْليمة واحدة هل

الجزء: 2 - الصفحة: 439

يزيد "ورحمة الله"، أم يقتصر على قوله "السلام عليكم"؟ ذكر في "النّهاية" أن الشيخ أبا علي حكى تردداً فيه من طريق الأولى رعاية للاختصار.
قال الغزالي: فَرْعٌ: المَسْبُوقُ يُكَبِّرُ (ح و) كَمَا أَدْرَكَ وَإِنْ كانَ الإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ القِرَاءَةِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإمَامِ صَبَرَ إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ فَيُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةِ عِنْدَهَا، ثُمَّ إِذَا سَلَّمَ الإمَامُ تَدَارَكَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَو لَمْ يُكَبِّرِ الثَّانِيَةَ قَصْداً حَتَّى إذا كَبَّرَ الإِمَامُ الثَّالِثَةَ بَطُلَتْ صَلاَتُهُ إِذْ لاَ قُدْوَةَ إِلاَّ فِي التَّكْبِيراتِ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على مسألتين: إحداهما: لو لحق مسبوق في خلال صلاة الجَنَازَة كبَّر شارعاً، ولم ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يصبر حتى يكبر معه، فلو لَحِق بعد التّكبيرة الرابعة تعذر الإدراك عنده.
وعن مالك روايتان كالمذهبين كما في سائر الصلوات.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضوا" 100. ولأنه أدرك الإمام في بعض صلاته فلا ينتظر ما بعده كما في سائر الصلوات، ثم في المسألة فروع: أحدها: إذا كبَّر المسبوق اشْتغل بقراءة الفاتحة، وإن كان بعد التَّكبيرة الثَّانية، والامام يصلي على النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أو بعد الثَّالثة والإمام يدعو بناء على أنَّ ما يدركه المَسْبُوق أول صلاته، فيراعى ترتيب صلاة نفسه، كذا ذكره وهو غير صاف عن الإشكال.
الثاني: إذا لحق قبل التّكبيرة الثانية وكبر نظر إن كبر الإمام كلما فرغ من تكبيرة كبر معه الثانية، وسقطت عنه القراءة كما إذا ركع الإمام عقيب تكبيرة في سائر الصلوات، وإن قرأ الفاتحة ثم كبر الإمام الثانية كبر معه، وقد أدرك جميع الصلاة، وإن كبر الإمام قبل فراغه من القراءة، فهل يقطع الفاتحة ويوافقه أو يتم قراءته؟ فيه وجهان كما لو قرأ المسبوق بعض الفاتحة ثم ركع الإمام.
أصحهما: في الموضعين عند الأكثرين منهم: ابن الصباغ والقاضي الروياني: أنه يقطع القراءة ويتابعه، وعلى هذا هل يقرأ بعد الثانية 101 لأنه مَحِلُّ القراءة بخلاف الركوع أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار مَحِلُّ قراءته مُنْحَصراً فيما قبل الثَّانية، وذكر في "الشَّامل" فيه احتمالين، ولعلَّ الثَّاني أظهر، وصاحب الكتاب أجاب بالوجه الثَّاني، وهو أنه يتم القراءة، ولا يوافقه في التكبيرة الثانية حيث قال: "ثم إن لم يتمكن من التَّكبيرة

الجزء: 2 - الصفحة: 440

الثانية مع الإمام" أي لعدم إتمام الفاتحة صبر إلى التكبيرة الثالثة، يعني يتمّها ويؤخر تكبيرته الثّانية إلى أن يكبر الإمام الثالثة، وإلى هذا الوجه صغو إمام الحرمين.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: "صبر" بالواو، واعرف أن ذلك الوجه المشار إليه أظهر.
الثالث: إذا فاته بعض التَّكْبيرات تدارك بعد سلام الإمام، وهل يقتصر على التكبير نسقاً أم يأتي بالدعاء والذكر بينها؟ فيها قولان: أحدهما: يقتصر على التَّكبيرات، فإن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام، فليس الوقت وقت التطويل.
وأصحهما: أنه يدعو لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" 102. وكما فاته التّكبيرات فاته الدّعاء، والمستحب أَلاَّ ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم، وإن رفعت لم تبطل صلاتهم، وإن حولت عن قَبَالة القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة.
المسألة الثانية: لو تخلَّف المقتدي فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر بطلت صلاته؛ لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا في التَّكبيرات، وهذا التَّخلف متفاحش شبيه بالتَّخلف بركعة في سائر الصلوات، حكى الإمام المسألة وجوابها عن شيخه وقطع بما ذكره، وتابعهما المصنف -رحمهم الله-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الرَّابعُ، فِي شَرَائِطِ الصَّلاَةِ: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَواتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الجَمَاعَةُ فِيهَا وَلَكِنْ قِيلَ: لاَ يَسْقُطُ الفَرْضُ إِلاَّ بِأرْبَعَة يُصَلُّونَ جَمْعاً أَوْ آحَاداً، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِثَلاَثٍ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِوَاحِدٍ، وَفِي الاكْتِفَاءِ بِجِنْسِ النِّسَاءِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الشرائط المرعيّة في سائر الصلوات كالطهارة وستر العورة والاستقبال وغيرها مرعية في هذه الصلاة أيضاً، وأراد بقوله: "وهي كسائر الصلوات" التسوية فيها دون الأركان والسنن، ويجوز أن يعلّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- هذه الصلاة تفارق غيرها في أمر الطهارة فيجوز التَّيمم لها عند خوف الفَوَاتِ مع وجود المَاء، ومعظم غرض هذا الطَّرف الكلام فيما وقع الخلاف في اشتراطه في هذه الصَّلاة.
إما ما بين أصحابنا أو بيننا وبين غيرنا وفيه مسائل.
منها: أن السُّنَّة أن تقام جماعة كذلك "كان النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- يفعل" 103 وعليه استمر النَّاس، ولا يشترط فيها الجماعة كسائر الصلوات، وَقَدْ صَلَّى الصَحَابَةُ عَلَى الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-

الجزء: 2 - الصفحة: 441

أَفْرَاداً 104. وفيمن يسقط به فرض هذه الصَّلاة وجوه: أحدها: أنه لا بد من أَربعة يصلون جماعة وأفراداً كما لا بد من أربعة يحملونه، كذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، قال الإمام: هذا التّشبيه هفوة، فإن الحمل بين العمودين أفضل للحاملين، وإنه يحصل بثلاثة كما تقدم.
والثاني: أنه يكفي ثلاثة.
واحتج له بقوله: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" 105. خاطب به الجمع وأقله ثلاثة، وهو أصح الوجوه عند الشيخ أبي الفرج البَزَّاز.
والثالث: أنه يسقط الفرض بواحد؛ لأنه لا يشترط فيه الجَمَاعة، فكذلك العدد كسائر الصَّلوات.
والرابع أورده في "التهذيب": أنه لا بد من اثنين ويكتفي بهما بناء على أن أقل الجمع اثنان، وهذا الوجه لم يبلغ الإمام نقلاً لكن قال: هو محتمل جداً؛ لأن الاجتماع يحصل بذلك، وهو كقولنا في مسألة الانفضاض على رأي يكتفى ببقاء واحد مع الإمام.
ونقل جماعة من أئمتنا الوجه الثاني والثالث قولين منصوصين منهم صاحب "الشامل" ومنهم القاضي الروياني، وقال هو وغيره: الظاهر الاكتفاء بواحد والله أعلم.
ويتفرع على هذه الوجوه ما لو تبين حدث الإمام أو بعض المقتدين، إن بقي العدد المكتفي به فالفرض ساقط به وإلا فلا.
وهل الصبيان المميّزون بمثابة البالغين على اختلاف الوجوه؟ فيها وجهان: أظهرهما: نعم، وفي النّساء وجهان: أحدهما: أنهن كالرجال لصحة صلاتهن وجماعتهن.
وأصحهما: ولم يذكر صاحب "التهذيب" وكثيروان سواه-: أنه لا يكتفي بهن وإن كثرن نظراً للميت، فإن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم للعبادات ولأن فيه استهانة بالميِّت.
وموضع الوَجْهَيْن: ما إذا كان هناك رجال، فإن لم يكن رجل صلين للضَّرورة منفردات وسقط الفرض.
قال في "العدة": وظاهر المذهب أنه لا يستحب لهن أن يصلين جماعة في جنازة الرجل والمرأة.
وقيل: يستحب ذلك في جنازة المرأة.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الجَنَازَةِ بَلْ يُصَلَّى (م ح) عَلَى الغَائِبِ إِلاَّ (و) إِذَا كَانَ فِي البَلَدِ.

الجزء: 2 - الصفحة: 442

قال الرافعي: تجوز الصَّلاة على الغائب بالنَّية، سواء كان في جهة القِبْلة أو في غير جهتها، والمصلي مستقبل بكل حال.
وبه قال أحمد خلافاً لمالك وأبي حنيفة -رحمهم الله-.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تكْبِيرَاتِ" 106. وهذا إذا كانت الجَنَازة في بلدة أو قرية، ولا فرق بين أن يكون بين الموضعين مسافة القَصْر أو لا يكون، فإن كانت في تلك البلدة، فهل يجوز أن يصلى عليها وهي غير موضوعة بين يديه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كالغائبة عن البلد.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب -لا، لتيسير الحُضور، وشبه هذا الخلاف بالخلاف في نفوذ القَضَاء على من في البلد مع إمكان الإحضار، وإذا شرطنا حضور الجَنَازة فينبغي أن لا يكون بين الإمام وبينها أكثر من مائتي زراع أو ثلاثمائة على التقريب، حكاه المعلق عن الشيخ أبي محمد.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ (م ح) ظُهُورُ المَيِّتِ بَل تَجُوزُ الصَّلاة عَلَى المَدْفُونِ، وَلَكِنْ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ لَمْ تُقَدَّمْ فَلاَ يَفُوتُ بِالدَّفنِ ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَ الدَّفْنِ إِلَى ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: إِلَى شَهْر، وَقِيلَ: إِلَى انْمِحَاقِ الأَجْزَاءِ، وَقِيلَ: مَنْ كَانَ مُمَيِّزاً عِنْدَ مَوْتِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبدًا، وَمَعَ هَذَا فَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
قال الرافعي: إذا أقيمت جماعة في صلاة الجَنَازة ثم حضر آخرون، فلهم أن يصلُّوا عليها أفراداً أو في جماعة أخرى، وتكون صلاتهم فرضاً في حقهم، كما أنها فرض في حق الأولين، بخلاف من صلاها مرة لا تستحب له إعادتها فإن المعادة تكون تطوّعاً، وهذه الصلاة لا يتطوع بها، فإن كان قد صلى مرة، وأراد إعادتها في جماعة لم يستحب أيضاً في أظهر الوجهين، ولا فرق بين أن يكون حضور الآخرين قبل الدفن أو بعده، ولا يشترط ظهور الميت، وخالف أبو حنيفة في الحالتين.
أما قبل الدفن؛ فلأن عنده لا يصلى على الجنازة مرتين، وأما بعده فلأن عنده لا يصلى على القبر إلا إذا دفن ولم يصلّ عليه الولي فله أن يصلي على القبر، وهكذا له أن يصلّي عليه قبل الدَّفن إذا كان غَائباً وصلّى عليه غيره، وساعد أبا حنيفة مالك في الفصلين، والخلاف جاء فيما إذا دفن ميت قبل أن يصلى عليه فعندنا يصلى على قبره

الجزء: 2 - الصفحة: 443

ولا ينبش للصلاة ولكن يأثم الدافنون بما فعلوا، فإن تقديم الصلاة على الدفن واجب، وعندهما لا يصلى على القبر.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلاَ آذنْتُمُونِي.
قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ الْلَيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ وَصَفَّنَا خَلْفَهُ، قَال ابْن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَأَنَا فِيْهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" 107. ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "فلا تفوت بالدفن" بالواو؛ لأن أبا عبد الله الحَنَّاطي حكى عن أبي إسحاق المَرْوَزِي أن فرض الصَّلاة لا يسقط بالصَّلاة على القبر، وإنما يصليِّ على القبر من لم يدرك الصَّلاة، وإلى متى تجوز الصلاة على القبر؟ فيه خمسة أوجه: أحدهما: إلى ثلاثة أيام، ولا تزاد؛ لأنها أول حدِّ الكثرة وآخر حد القلة، ويروى هذا عن أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- حيث جوزوا للوليّ الصلاة على القبر.
والثاني: وبه قال أحمد -رحمه الله-: أنه يصلِّي عليه إلى شهر ولا يزاد، وهذا ما ذكره ابن القاصّ في "المفتاح".
قال القفَّال: يحتمل أنه خرّج ذكل من صلاة النَّبي على النَّجاشي، فإنه كان بينهما مسيرة شهر، ومعلوم أنه لولا الوحي لما علموا بموته إلا بعد شهر، ومنهم من وجهه بما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَغرُورٍ بَعْدَ شَهْرٍ" 108. ولم تنقل الزّيادة عليه.
الثالث: أنه يصلي عليه ما دام يبقى منه شيء في القبر، فإن انمحقت الأجزاء كلها فلا إذ لم يبق ما يصلّى عليه، وعلى هذا لو تردد في انْمِحَاق الأجزاء فلإمام الحرمين -رحمه الله- فيه احْتِمَالان: أحدهما: أن يقال الصَّلاة تستدعي تيقّن البقاء في القبر.
والثاني: أن يقال: الأصل بقاؤه فيجوز وهذا الثاني أْوفق لرواية الصَّيدلاني وآخرين، وأصل الوجه فإنهم نقلوا أنه يصلي عليه ما لم يعلم بلاه.
والوجه الرابع: أنَّه يصلّى عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة يوم الموت ولا يصلّى عليه غيره، هكذا رواه الشيخ أبو محمد والصَّيدلاني وغيرهما عن الشيخ أبي زيد، وأشار إليه صاحب "الإفصاح"، ووجهه: بأن من كان من أهل الفرض يومئذ كان الخطاب متوجهًا عليه فمتى أَدَّى كان مؤدياً لفرضه، وغيره لو صلّى كان متطوعاً، وهذه

الجزء: 2 - الصفحة: 444

الصلاة لا يتطوع بها، وروى المُحَامِلِيُّ وطائفة هذا الوجه بعبارة أخرى، فقالوا: من كان من أَهْل الصَّلاة يصلِّي عليه يوم موته ومن لا فلا، فعلى العبارتين معاً من لم يولد عند الموت، أو لم يكن مميزاً لم يكن له أن يصلّي على القبر ومن كان مميزاً حينئذ هل يصح؟ أما على العبارة الأولى فلا؛ لأنه لم يكن من أهل فرضيّة الصلاة، وأما على الثَّانية فنعم، لأنه كان من أَهْل الصَّلاة، والعبارة الأولى أشهر، والثانية أصحّ عند القاضي الروياني، وهي التي يوافقها لفظ الكتاب، فإنه قال: وقيل من كان مميزاً عند موته يصلّي فلا يعتبر إلا التّمييز الذي يعطي أهليّة الصَّلاة دون أهليّة الافتراض.
والوجه الخامس: أنه يصلّي عليه أبداً؛ لأن القصد بهذه الصَّلاة الدُّعاء وهو جائز في الأوقات كلّها، وأظهر الوجوه هو الرّابع، ثم هذا كله في قبر غير النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-.
فأما الصَّلاَة على قبره فتبنى على الوجوه المذكورة في حق غيره، فعلى الوجوه الأربعة الأولى لا يصلّى عليه اليوم، أما على غير الثَّالث فظاهر، وأما على الثالث فليس الامْتِنَاع؛ لأنه لا يبلى إِذِ الأَرْض لا تَأْكُلُ أَجْسَاد الأَنبياء، ولكن لأنه روى في الخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلاَثٍ" 109. وعلى الوجه الخامس هل يصلى عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ" 110. والثاني: نعم، كما في حقِّ غيره، ولكن فرادى لا جماعة كما فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحكى هذا عن أبي الوليد النَّيْسَابُوري.
إذا عرفت ذلك أعلمت قوله: "فلا يصلى على قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" بالواو، ويجوز أن يعلم ما سوى الثَّاني من الوجوه بالألف؛ لأن مذهبه الثاني كما قدمناه.
فائدة: قوله في أول هذا الطرف: "وهي كسائر الصلوات" أراد به في الشّرائط كما قدمناه، ثم الغرض بيان أنَّ شرائط سائر الصَّلوات مرعية فيها؛ لأن شرائط هذه الصَّلاة منحصر فيها؛ لأنه يشترط فيها تقدّم غسل الميّت حتى لو مات في بئر، أو في معدن انْهَدَم عليه، وتعذَّر إخْرَاجه وغسله لم يصلّ عليه، ذكره صاحب "التتمة"، ويشترط فيها أيضاً عدم التقدم على الجنازة الحاضرة بين يديه، وعلى القبر إن كان يصلى عليه على الصحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 445

القَوْلُ فِي الدَّفْنِ

قال الغزالي: وَأَقَلَّهُ حُفْرَةٌ تَحْرُسُ المَيِّتَ عَنِ السِّبَاعِ وَتَكْتُمُ رَائِحَتَهُ، وأَكْمَلُهُ قَبْرٌ عَلَى قَامَةِ الرَّجُلِ، وَاللَّحْدُ أَوْلَى مِنَ الشَّقِّ، وَلْيَكُنِ اللَّحْدُ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، ثُمَّ تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأسِ القَبْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ رَأَسُ المَيِّتِ عِنْدَ مُؤَخِّرِ القَبْر فَيَسُلُّهُ الوَاقِفُ إِلى القَبْرِ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ، وَلاَ يَضَعُ المَيِّتَ فِي قَبْرِهِ إِلاَّ الرَّجُلُ، فَإِنْ كانَتِ امْرَأَةً فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ زَوْجُهَا وَمَحَارِمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبِيدُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَخَصِيَّانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرْحامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالأجَانِبُ لِأَنَّهُنَّ يَضْعَفْنَ عَنْ مُبَاشَرَةِ هَذَا الأَمْرِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَاحِدٌ بِوَضْعِهِ فَلْيَكُنْ عَدَد الوَاضِعِينَ وَتْراً.
قال الرافعي: دفن الميت من فروض الكِفَايات كغسله والصلاة عليه والدفن في المقبرة أولى، لينال الميت دعاء المَارِّين والزَّائرين.
"وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي المَقَابِرِ" 111 ويجوز الدَّفن في غير المَقَابِر؛ لأنهم "دَفَنُوا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- 112. فلو تَنَازع الوَرَثَة فقال بعضهم ندفنه في ملكه، وقال آخرون: بل في المقبرة المسبلة، دفن في المقبرة المسبلة؛ لأن ملكه قد إنتقل إلى الورثة وبعض الشركاء غير راض بدفنه فيه، فلو بادر بعضهم ودفنه فيه كان لِلْبَاقين نقله إلى المَقْبَرَةِ، والأولى أن لا يفعلوا لما فيه من الهتك، ولو أراد بعضهم دفنه في خالص ملكه لم يلزم الباقين قبوله ولو بادر إليه، قال ابن الصباغ: لم يذكره الأصحاب وعندي أنه لا ينقل فإنه هتك وليس في إبقائه إبطال حق الغير.
ولو توافقوا على دفن الميت في ملكه ثم باعوه لم يكن للمبتاع نقله، وله الخيار إن كان جاهلاً به، ثم لو اتفق نقله أو بَلِيَ كان الموضع للبائعين أو للمشتري؟ فيه وجهان سيأتي في البيع نظائرها.
إذا عرفت ذلك ففي الفَصْل مسائل: إحداها: لا يجوز الاقْتِصَارُ في الدَّفن على أدنى احْتِقَار، بل أقل ما في الباب حُفْرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السِّبَاع لعسر نَبْش مثلها عليها غالباً، وهذان المعنيان كتمان الرائحة والحِرَاسة عن السِّباع ذكرهما إمام الحرمين في حدِّ واجب الدفن وتابعه المصنف فإن كانا مُتَلاَزمين فمتى وجدت إحدى الصِّفتين في الحُفْرة توجد

الجزء: 2 - الصفحة: 446

الأُخْرَى، والغَرَض من ذكرهما بيان الفَائِدَة المَطْلُوبة بالدَّفن، وإن لم يكونا مُتَلاَزمين فبان أنه يجب رعايتهما، ولا يكتفي بأحدهما مقصوداً أيضاً.
وأما الأكمل فيستحب توسيع القَبْرِ وتعميقه، روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "احْفُرُوا وَوَسِّعُوا وَعَمِّقُوا" 113 والمنقول عن لفظ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- أنه يعمق قدر بسْطَةٍ.
قال المحاملي وغيره: إنما أراد بسطَةً بعد القيام، على ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "عَمِّقُوا إِلَى قَدْرِ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ" 114 وقدره بثلاثة أذرع ونصف وهو قدر ما يقوم الرجل وَيَبْسُطُ يده مرفوعة غالباً، والاعتبار بالأربعة من الرجال، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد: أن السنة من التَّعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع، وذكر في "النهاية" ما يوافقه، فنقل لفظ البَسْطة وفسَّرها بقامة رجل وبسطة فيشبه أن يكون وجهاً آخر، وهو الذي وافقه لفظ الكتاب، والمشهور في المَذْهب هو الأول.
وقوله في الكتاب: "وأقلّه وأكمله" الكناية فيهما يجوز أن ترجع إلى غير مذكور المعنى وأقل المدفون فيه ويجوز أن ترجع إلى المذكور وهو الدفن، وحينئذ يحتاج الكلام إلى إضمار، ومعناه: وأقل الدَّفن في حفرة والأول أولى؛ لأن واجب الدَّفن لا ينحصر في الدَّفْن في حفرة صفتها ما ذكر، بل يجب مع ذلك وضع الميِّت مستقبل القبلة على ما سيأتي.
وأعلم قوله: "قدر قامة الرجل" بالميم؛ لأن المحكيّ عن مالك: أنه لا حد في تعميق القبر.
المسألة الثانية: اللَّحد والشَّق كل واحد منهما جائز، واللّحد أن يحفر حائط القبر مائلاً عن استوائه من الأسفل [قدر] 115 ما يوضع الميت فيه، وليجعل ذلك من جهة القبلة.
والشق: أن يحفر حفرة كالنهر أو يبنى جانباه باللَّبن أو غيره، ويُجْعل بينهما شقّ يوضع الميت فيه ويسقف وأيهما أولى إن كانت الأرض صلبة فاللحد، وإن كانت رخوة فالشق، وعند أبي حنيفة الشّق أولى بكل حال، هكذا روى جماعة من أصحابنا، وفي مختصر الكَرْخِي وغيره من كتب أصحابه أنه يُلْحَدُ، ولا يشق كمذهبنا.
ووجه تقديم اللّحد ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" 116.

الجزء: 2 - الصفحة: 447

وروي: "أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ، والآخَرُ يَشُقُّ فَبَعَثَ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي طَلَبِهِمَا، وَقَالُوا أَيُّهُمَا جَاءَ أَوّلاً عَمِلَ عَمَلَهُ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَ الذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" 117. الثالثة: توضع الجنازة على شَفِيرِ القبر بحيث يكون رأس الميت عند رجل القبر، ثم يُسَلُّ في القبر من قبل رأسه سَلاًّ رفيقاً وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقِبْلة، ويدخل القبر عرضاً.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلاًّ" 118. وقوله في الكتاب: "ثم تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأْسِ القبر" لم يَعْنِ برأس القبر ضد رجله ومؤخره، وإنما أراد طرفه، ألا تراه يقول عُقَيبه: بحيث يكون رأس الميت عند مؤخرة القبر.
الرابعة: لا يدخل الجَنَازَة في القَبرِ إلا الرِّجال ما وجدوا سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، والنساء يضعفن عن مثل ذلك غالباً، ويخشى من مباشرتهنّ لذلك انهتاك الميتة وانكشافهن، ثم أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة، نعم الزّوج أحق بدفن الزوجة من غيره ثم بعده المحارم، ويقدم منهم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم، فإن لم يكن منهم أحداً فعبيدها، وهم أولى من بني العم؛ لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح، وفيه خلاف سيأتي في موضعه، فإن أَلْحَقنَاهُم بالأَجَانِب فلا يتوجه تقديمهم.
وأبدى إمام الحرمين فيهم الاحتمال من جهة أخرى، وهي أن مالكها ينقطع عنهم بالموت، وشبهه بالتردّد في غسل الأَمَةِ مولاها، فإن لم يكن لها عبيد فالخِصْيَان أولى لضعف شهوتهم.
قال الإمام: وفيه احتمال بيِّن سنذكره في أحكام النظر، فإن لم يكونوا فذوو الأرحام الَّذين لا محرميّة لهم، فإن لم يكونوا فأهل الصَّلاح من الأجانب.
قال الإمام: وما أرى تقديم ذوي الأرحام محتوماً بخلاف تقديم المَحَارِم؛ لأن الدين لا محرمية لهم من ذوي الأرحام كالأجانب في وجوب الاجتناب عنهم في الحياة، وقدم "في العدة" صاحبها نساء القرابة على الرجال الأجانب وهو خلاف النص، والمذهب المشهور.
إذا عرفت ما ذكرنا فلا يخفى عليك أن قوله في الكتاب: "زوجها ومحارمها" ليس

الجزء: 2 - الصفحة: 448

للجميع، ولا للتخيير وإنما الأمر فيه على الترتيب، وأن قوله: "فعبيدها" يجوز أن يعلم بالواو، وكذا قوله: فخصيان.
وقوله: "فأرحام" أي: ذووا أرحام.
وقوله: "لأنهن يضعفن عن مباشرة هذا الأمر" تعليل لأول الكلام، وهو قوله: "ولا يضع الميت في قبره إلا الرجال"، ويجوز أن يعلم قوله: "فإن لم يكن فالأجانب" بالواو أيضاً، لما ذكرنا في "العدة".
الخامسة: إن استقل واحد بوضع الميت في القبر، فإن كان طفلاً فذاك، وإلا فالمستحبّ أن يكون عدد الدَّافنين وترًا ثلاثة أو خمسة على [قدر] 119 الحاجة وكذلك عدد الغاسلين، ويروى أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وأُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْهُمْ-" 120، ويستحبُّ أن يستر القبر عند الدَّفْنِ بِثَوْبٍ رجلاً كان أو امرأة، لكن ستر المرأة آكد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يختص الاسْتِحْبَاب بالمرأة، وروي مثله عن أحمد واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- سَتَرَ قَبْرَهُ بِثَوْبٍ" 121. والمعنى فيه أنَّهُ ربَّما يَنْكَشِفُ عند الإضْجَاع، وحلّ الشّداد، ويستحب لمن يدخله القبر أن يقول: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، وروي ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 122 "ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الأَشْحَاء مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ، وَقَرَابَتِهِ وإِخْوَانِهِ وفَارَقَهُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ، إِلَى ظُلْمَةِ القَبرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بهِ، إِنْ عَقَابتَهُ فَبذَنْبهِ، وإن عَفَوْتَ فَأهْلُ العَفْوِ أَنْتَ، أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشْكُر حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَاجْمَع لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْل دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ فَاخْلَفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِين، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
وهذا الدعاء منقول عن لفظ الشَّافِعي -رضي الله عنه- في "المختصر" والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُضْجَعُ المَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ فِي اللَّحْدِ بِحَيْثُ لاَ يَنْكبُّ وَلاَ

الجزء: 2 - الصفحة: 449

يَسْتَلْقِي، ويُفْضَى بِوَجْهِهِ إلَى تُرَاب أَوْ لَبَنَةٍ، ثُمَّ يُنَضَّدُ اللَّبِنُ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ، وَتُسَدُّ الفُرَجُ بِمَا يَمنَعُ التُّرَابَ، ثُمَّ يَحْثُو عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ دَنَا ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ بِالمَسَاحِي.
قال الرافعي: إذا أدخل الميّت القبر أُضجع في اللَّحد على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كذلك فعل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 123 وكذلك كان يفعله 124، وليكن الإضجاع بحيث لا يَنْكَب ولا يَسْتَلْقي، وذلك بأن يدني من جدار اللَّحد فيسند إليه وجهه ورجلاه، ويجعل في باقي بدنه بعض التَّجافي، فتكون هيئته قريبة من هيئة الرَّاكعين، ويسند ظهره إلى لَبَنِةِ ونحوها، فهذا يمنعه من الاسْتِلْقَاء، وذلك من الانْكِبَاب، واعلم بأن وضعه مُسْتَقبل القبلة واجب على ما حكاه الجمهور حتى لو دفن مستدبراً أو مستلقياً، فإنه ينبش ويوجه إلى القبلة ما لم يتغير، فإن تغير فقد قال في "التهذيب" وغيره: لا ينبش بعد ذلك.
وحكي عن القاضي أبي الطّيّب أنه قال في "المجرد": التوجيه إلى القبلة سُنَّة، فإذا ترك فيستحبُّ أن ينبش ويوجه ولا يجب، ولو ماتت ذمِّيّة 125 في بطنها جنين مسلم ميت، فيجعل ظهرها إلى القِبْلَة توجيهاً للجنين المسلم إلى القبلة، فإن وجه الجَنين فيما ذكر إلى ظهر الأم وأين تدفن هذه؟ قيل بين مقابر المُسْلمين والكفار.
وقيل: في مقابر المسلمين، وتنزل هي منزلة صندوق للولد، ويروى أن عمر -رضي الله عنه- أمر بذلك 126، وحكي في "العدة" وجهاً آخر، أنها تدفع في مقابر المشركين.
وأما الإضجاع على اليمين فليس بواجب، بل لو وضع على الجنب الأيسر مستقبلاً كره، ولم ينبش، كذلك ذكره في "التتمة" ويجعل تحت رأس الميِّت لبنة أو حجراً، ويفضي بخدِّه الأيْمن إليه أو إلى التراب فذلك أبلغ في الاستكانة ولا يوضع تحت رأسه مخدّة، ولا يُفْرش تحته فِرَاشٌ، حكى العراقيون كراهة ذلك عن نص

الجزء: 2 - الصفحة: 450

الشَّافعي -رضي الله عنه-؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف، وفيه تَضْييع المال.
وقال في "التهذيب": لا بأس به، إذ روى عن ابْن عبَّاس -رضي الله عنهما- "أنَّهُ جَعَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَطِيفَة حَمْراء" 127. ويكره أن يجعل في تَابُوت إلا إذا كانت الأرض رَخْوة أو نَدِيّة، ولا تنفذ الوصية به، إلاَّ في مثل هذه الحالة ثم يكون التَّابوت من رأس المال.
ثم إذا وقع الفراغ من وضع الميت نصب اللّبن علي فتح اللَّحد، روي عن سعد ابْنِ أبي وقّاص -رضي الله عنه- أنه قال: "اصْنَعُوا بِي كَمَا صَنَعْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ برسول -صلى الله عليه وسلم- انْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ وأَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ" 128. وتسد فُرَجُ اللَّبنِ بِكَسْر اللّبن مع الطِّين أو بالإِذْخِر ونحوه، ثم يُحْثَى كل من دنا ثلاث حَثَيَات من التُّرَاب بيديه، ثم يهال بالمَسَاحِي روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "حَثَى عَلَى الْمَيت ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً" 129. قال في "التَّتمة": ويستحب أن يقول مع الأولى: "منها خلقناكم" ومع الثّانية: "وفيها نعيدكم" ومع الثالثة: "ومنها نخرجكم تارة أخرى" 130. وقوله في الكتاب: "ثم يُنْضَد اللبن" من التَّنْضيد، وهكذا ذكر إمام الحرمين، ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- وعليه الأصحاب -رحمة الله عليهم- ينصب وهما جميعاً مؤديان للغرض.
قال الغزالي: وَلاَ يُرفَعُ نَعْشُ القَبْرِ إِلاَّ بِقَدْرِ شِبْرٍ وَلاَ يُجَصَّصُ، ولاَ يُطَيَّنُ، وَلا بَأْسَ بِالحَصَا وَوَضْعِ حَجَرٍ عَلَى رَأْسِ القَبْرِ لِلْعَلاَمَةِ، ثُمَّ التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْطِيحِ مُخَالَفَةً لِشِعَارِ الرَّوَافِضِ.
قال الرافعي: المُسْتَحب أن لا يزاد في القَبْر على ترابه الذي خرج منه حتى لا يعظم شخوِصه عن الأرض، ولا يرفع نَعْشه إلا قدر شِبْر؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه- "أنَّهُ لُحِدَ لِرَسُولِ اَللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْباً، وَرُفِعَ قَبْرَهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْر" 131. وعن القاسم بن محمد قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَقُلتُ يَا أُماه اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاثَةِ قُبُورِ لاَ مُشْرِفَةٍ ولا لاَطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ ببَطحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ" 132. وإنما يرفع نَعْشُ القبر ليعرف فيزاد ويحترم واستنثى في "التَّتِمَّة" ما إذا مات مسلم في بلاد الكفر.
قال: لا يرفع قبره ويخفى كيلا

الجزء: 2 - الصفحة: 451

يتعرّض له الكُفّار إذا خرج المسلمون منها، ويكره تَخْصِيص القبر والكتابة والبناء عليه 133، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ الْقَبْرِ وإنْ يُبنَى عَلَيْهِ وإنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وأنْ يُوْطَأَ" 134. ولو بني عليه هُدِمَ كانت المقبرة مُسْبلَة، وإن كان القبر في مِلْكه فلا.
وأما قوله: "فلا يطيّن" فليس له ذكر في أكثر كتب الأصحاب، وإنما ذكره المصنف وإمام الحرمين كأنهما ألحقا التَّطْيين بالتَّجْصِيص، لكن لا يبعد الفرق بينهما، فإن التَّجصيص زينة دون التَّطيين أو الزِّينة في التَّجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روي أبو عيسى التّرمذي في "جامعة" عن الشافعي -رضي الله عنه- أنَّه لا بأس بالتَّطيين، وروى مثله عن أحمد، ذلك أن تعلم قوله: "ولا يطين" بالواو والألف، ويستحب أن يرش الماء على القبر ويوضع عليه الحصى، روي ذلك "عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِقَبْرِ ابنِهِ إِبْرَاهِيمَ" 135. "وَرَشَّ بِلاَلٌ -رَضِيَ الله عَنْهُ- عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-" 136. ويستحب أن يوضع عند رأسه صَخْرَة أو خَشَبَة ونحوها.
"وَضَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَخْرَةَ عَلَى رَأْسِ قَبْرِ عُثْمَانُ بْنِ مَظْعُونٍ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" 137. وقوله في الكتاب: "ولا بأس بالحصى، ووضع الحجر" لا يقتضي إلا نفي الحُرْمة والكراهة وهما مع ذلك مستحبَّان نص عليه الأئمة كما بيناه فاعرف ذلك، ثم الأفضل في شَكْلِ القبر التَّسْطِيح أو التَّسِنْيم، ظاهر المذهب أن التسطيح أفضل.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: التَّسْنِيم أفضل.
لنا أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيم" 138. "وَعِنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ

الجزء: 2 - الصفحة: 452

اللهُ عَنْهُمَا- مُسَطّحَةً" 139. وقال ابن أبي هريرة: إن الأفضل الآن العُدول من التَّسْطِيح إلى التَّسْنِيم؛ لِأَنَّ التَّسْطِيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن الاتِّهام بالبدعة، ومثله ما حكي عنه أن الجَهْر بالتَّسمية إذا صار في موضع شعاراً لهم فالمستحبّ الإسرار بها مخالفة لهم، واحتج له بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقُومُ إِذَا بَدَتْ جَنَازَة فَأُخْبِرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُ ذلِكَ فَتَرَكَ الْقِيَامِ بَعْدَ ذلِكَ مُخَالَفَةَ لَهُمْ" 140. وهذا الوجه هو الذي أجاب به في الكتاب، ومال إليه الشيخ أبو محمد -رحمه الله- وتابعه القاضي الروياني.
لكن الجمهور على أن المذهب الأول.
قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السُّنة لإطباق بعض المبتدعة عليه لجرَّنا ذلك إلى تَرْكِ سُنَنِ كثيرة وإذا اطَّرد جرينا على الشيء خرج عن أن يعد شعاراً للمبتدعة.
قال الغزالي: ثُمَّ الأَفْضَلُ لِمُشَيِّعِ الجَنَازَةِ أَنْ يَمْكُثَ إِلَى مُوَارَاةِ المَيِّتِ.
قال الرافعي: عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَن صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَرَجَعَ فَلَهُ قِيْرَاطٌ، وَمَن صَلَّى عَلَيْهِا وَلَمْ يَرجِعْ حَتَّى دُفِنَ فَلَهُ قِيْرَاطَانِ أَصْغَرُهُمَا -وَرُوِيَ أحَدُهُمَا- مِثْلُ أُحُدٍ" 141. قال الأَصْحَاب: وللانصراف من الجَنَازَةِ أربع درجات: إحداها: أن ينصرف عُقَيْبَ الصَّلاة فله من الأجر قيراط.
والثانية: أنْ يتبعها حتى تُوَارى ويرجع قبل إِهَالة التُّراب.
والثالثة: أنْ يقف إلى الفَرَاغ من القبر، وينصرف من غير دُعَاء.
والرابعة: أن يقف على القبر، ويستغفر الله تعالى جدُّه للميت، وهذه أقصى الدَّرَجات في الفضيلة، روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إذَا فَرَغَ منْ قَبْرِ الرَّجُل وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَال: اسْتَغْفِرُوا اَللهَ لَهُ، وَاسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى لَهُ التَّثبِيتَ فَإِنَّهُ الأَنَ يُسْأَلُ" 142. وحيازة القِيْرَاطِ الثَّاني تحصل لصاحب الدَّرَجة الثَّالثة، وهل تحصل لصاحب الثانية؟ حكى الإمام فيه

الجزء: 2 - الصفحة: 453

تردُّداً، واختار الحصول 143. إذا وقفت على ما ذكرنا عرفت أنه ليس الغرض من قوله في الكتاب: "ثم الأَفْضَلُ لمشيع الجنازة ... " إلخ أنه الأفضل على الإطلاق بل فوقه ما هو أفضل منه، وإنما المراد أنه أفضل من الانْصِرَاف عُقَيْبَ الصلاة.
ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد الله ابن أَمَةِ الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسْلاَم ديناً، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إماماً، وبالكعبةِ قِبْلَةً، وبالمؤمنين إخواناً، ورد الخبرَ به عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 144. قال الغزالي: فَرْعَانِ، الأَوَّلُ: لاَ يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مَيِّتَان إلاَّ لِحَاجَة، ثُمَّ يُقَدَّمُ الأَفْضَلُ إلَى جِدَارِ اللَّحْدِ، وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلاَّ لِشِدَّةِ الحَاجَةِ، ثُمَّ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ.
قال الرافعي: المستحبُّ في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعل النّبي -صلى الله عليه وسلم- وأمر به، فإن أكثر الموتى بقتل وغيره، وعسر إفراد كل ميت بقبر دفن الاثْنَان والثَّلاثة في قبر واحد 145، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ احْفُرُوا وَأَوْسِعُوا

الجزء: 2 - الصفحة: 454

وَعَمِّقُوا، وَاجْعَلُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَقَدِّمُوا أكْثَرَهُمْ قُرْآناً" 146. وليقدم الأفضل إلى جدار اللَّحد مما يَلِي الِقْبلة، ويقدم الأب على الابن، وإن كان الابن أَفْضَل لحرمة الأبوَّة، وكذلك تقدم الأمّ على البنت، ولا يجمع بين الرِّجال والنِّساء، إلا عند شدة الحاجة، وانْتِهَائِهَا إلى الضَّرُورَةِ، ويجعل بينهما حاجز من التراب، ويقدم الرَّجل وإن كان ابْناً، والمرأة أمه، فإن اجتمع رجل وامرأة وخُنْثَى وصبي قدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، والسابق إلى الفهم من لفظ الكتاب وإشارة جمع من الأصحاب أنه لا حاجة إلى الحاجز بين الرجلين وبين المرأتين، وإنما الحَاجِزُ عند اختلاف النوع، وذكر العراقيون أنه يجعل بين الرجلين حاجز أيضاً، وكذا بين المرأتين والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّاني: القبْرُ يُحْتَرَمُ فَيُصَانُ عَنِ الجُلُوسِ وَالمَشْيِ وَالاْتِّكَاءِ عَلَيْهِ، بَلْ يَقْرُبُ الإِنْسَانُ مِنْهُ كَمَا يَقْرُب مِنْهُ فِي زِيَارَتهِ لَوْ كَانَ حَيَّا، وَلاَ يُنْبَشُ القَبْرُ إِلاَّ إِذَا انْمَحَقَ أَثَرِّ المَيِّتِ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ فِي أَرْض مَغْصُوبَةٍ، أوْ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ (و)، وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ التَّكْفِينِ لَمْ يُنْبَشْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَاكْتُفِيَ بالتُّرَابِ سَاتِرَاً، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى جَنَازَة مَرَّتَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَحْضُرَ الوَلِيُّ وَقَدْ صَلَّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيُصَلَّى، وَلاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلاً، فَإِنْ دُفِنَت ذِمِّيَّةٌ حَامِل بِمُسْلِم دُفِنَتْ بَيْنَ مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ والكُفَّارِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى المَقْبَرَةِ، فَإِنْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً لِغيْرِهِ وَمَاتَ شُقَّ جَوْفُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وِإنْ كَانَتْ لَهُ فَوَجْهَانِ أَيْضاً.
قال الرافعي: أصل الفرع أن القبر محترم توقيراً للميت، ويبنى عليه مسائل: إحداها: أنه يكره الجلوس عليه والاتِّكَاء وكذلك وطؤه إلا لحاجة، بأنْ لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطْئِهِ.
وعن مالك: أنه لا يُكْرَهُ شيء من ذلك.
لنا ما روي أنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقُ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" 147. الثانية: يستحب زيارة القُبُور للرِّجال؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" 148. وَأَمَّا النِّسَاء فهل يكره لهن الزيارة؟ فيه وجهان:

الجزء: 2 - الصفحة: 455

أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه نعم لقلّة صبرهن وكثرة جَزَعهن.
وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" 149. والثاني: لا.
قال الرُّوياني في "البحر": وهذا أصح عندي إذا أَمِنَ الافْتِتَان.
والسُّنَّة أن يقول الزَّائر: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم 150. وينبغي أَنْ يَدنو الزَّائر مِنَ القَبْرِ المَزُور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حيًّا وزاره، وسئل القَاضِي أبِي الطَّيب عن ختم القُرْآن في المَقَابِر، فقال: الثَّواب للقارئ ويكون الميِّت كالحَاضِرِين يرجى له الرحمة والبركة فيستحبُّ قراءة القرآن في المَقَابر لهذا المعنى، وأيضاً فالدُّعَاء عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة والدعاء ينف الميت.
الثالثة: لا يجوز نَبْش القبر إلا في مواضع: منها: أن يبلى الميت ويصير تراباً، فيجوز نبشه ودفن غيره فيه، ويرجع في ذلك إلى أهل الخِبْرة، ويختلف باختلاف أهوية البلاد وأرضها، وإذا بَلِيَ الميت لم يجز عمارة القبر وتسوية التُّراب عليه في المقابر المُسْبَلة، لئلا يتصور بصور القبور الجديد فيدفن فيه من شاء ميته.
ومنها: أن يدفن إلى غير القِبْلَة وقد سبق.
ومنها: أن يدفن من يجب غسله من غير غسل، فظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكِتَاب أنه يجب النَّبش، تداركاً لواجب الغسل، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه لاَ يجب ذلك بل يكره لما فيه من هَتْك الميت، وعلى الأول متى يخرج للغسل؟ فيه وجهان مذكوران في "العدة": أظهرهما: وهو المذكور في "النهاية" و"التهذيب" ما لم يتغير الميِّت.
والثاني: ما دام يبقى جزء منه من عَظْم وغيره.
وعند أبي حنيفة ولو أهيل عليه التراب لم ينبش إلا نبش للغسل، فلذلك أعلم قوله: "أو دفن من غير غسل" بالحاء مع الواو.
ومنها: لو دفن في أرض مَغْصُوبة فالأولى لصاحبها أن يتركه، فإن أبى وطلب

الجزء: 2 - الصفحة: 456

إخراجه كان له ذلك، قال في "النهاية": وأشار الأئمة إلى أنه يخرج وإن تغير وكان في إِخْرَاجه هتك حرمته؛ لأن حرمة الحَيِّ أَوْلَى بالمُرَاعَاة، وَبجُوزُ أن يظن ظَانّ تركه فإنه سيبلى عن قريب، وقد تنزل حرمة الميت منزلة الحي فيما هذا سبيله.
ومنها: لو كفن في ثوب مغصوب أو مسروق ودفن فهل ينبش؟ أورد فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما ينبش لرد الأرض المَغْصوبة.
والثاني: -وهو الذي ذكره صاحب "الشَّامل"- لا يجوز نبشه؛ لأنه مشرف على الهلاك بالتَّكفين بخلاف الأرض فيعطى حق الهالك، وينقل حكم المالك إلى القيمة، ولأن هتك الحُرْمَة في نزع الكَفَنِ أكثر.
والثَّالث: أن تغير الميت وكان في النَّبش ورد الثّوب هتكه لم ينبش، وإلاَّ نبش ورد.
ومنها: لو دفن في ثوب حرير هل ينبش؟ فيه هذا الخلاف.
ولو دفن من غير كَفَنٍ فهل ينبش ليكفن؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو دفن من غير غسل، فإن كل واحد منهما واجب.
وأظهرهما: لا؛ فإن المقصود من التَّكفين ستره واحترامه، وقد ستره التّراب فالاكتفاء به أولى من هتك حرمته بالنبش.
ومنها: لو وقع في القَبْر خاتم أو متاع آخر ينبش ويرد.
ولو ابتلع في حياته مالاً ثم مات، وطلب صاحبه الرد شقّ جوفه ورد.
قال في "العدة": إلا أن يضمن الوَرَثَةُ مثله أو قيمته فلا يخرج ولا يُرَدُّ في أَصَحِّ الوجهين.
وفيه وجه آخر وهو اخْتِيَار القَاضِي أبي الطَّيب: أنه لا يخرج أصلاً، ويجب الغرم من تركته على الورثة.
ولو ابتلع شيئاً من مال نفسه، ومات فهل يخرج؟ فيه وجهان؛ لأنه كالمُسْتهلك لمال نفسه بالابتلاع.
قال أبو العباس الجرجاني في "الشافي": والأصح الإخراج أيضاً.
إذا عرفت ذلك فحيث يشقّ جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشَّقِّ ينبش لذلك أيضاً.
وإذ، تأملت ما ذكرناه عرفت أن قوله: "لا ينبش القبر إلا إذا انمحق ... " إلى آخره، وإن كان ظاهره يقتضي حصر الاسْتِثْنَاء في الصُّورَةِ المذكورة لكنه ليس كذلك.
فرع: لو مات إِنْسَان في السَّفينة فإن كان أهلها بقرب السَّاحل، أو بقرب جزيرة انتظروا به ليدفنوه في البر وإلا شدوه بين لوحين لئلا ينتفخ وألقوه في البحر، ليلقيه البحر بالسّاحل فلعله يقع إلى قوم يدفنونه، فإن كان أهل الساحل كفاراً ثقل بشيء ليرسب 151.

الجزء: 2 - الصفحة: 457

القَوْلُ فِي التَّعْزِيَةِ وَالبُكَاءِ عَلَى المَيِّتِ

قال الغزالي: (التَّعْزِيَةُ) سُنَّةٌ اِلى ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ الحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الأَجْرِ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَلِلْمُصَابِ، وَيُعَزَّى المُسْلِمُ بِقَرِيبِهِ الكَافِرِ وَالدُّعَاءِ لِلْحَيِّ، وُيعَزَّى الكَافِرُ بِقَرِيبِهِ المُسْلِمِ وَالدُّعَاءِ لِلمَيِّتِ، وَيُسْتَحَبُّ تَهْيئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِ المَيِّتِ، وَالبُكاءُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ وَلاَ نِيَاحَةٍ وَمِنْ غَيْرِ جَزَعٍ وَضَرْبِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَلا يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ إلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهِ، فَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى = الساحل مسلمين، فإن كانوا كفاراً، ثقل بشيء لينزل إلى القرار، قال أصحابنا: الذي قاله الشافعي أولى، لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة.
وعلى قول المزني: يتيقن ترك الدفن.
هذا الذي ذكرته هو المشهور في كتب الأصحاب، وذكر الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل" وغيرهما: أن المزني ذكرها في "جامعه" الكبير، وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال: إنما ذكرها المزني في "جامعه" كما قالها الشافعي في "الأم" قال الشافعي" فإن لم يجعلوه بين لوحتين ليقذفه الساحل، بل نقلوه وألقوه في البحر، رجوت أن يسعهم، كذا رأيته في "الأم" ونقل الأصحاب أنه قال: لم يأثموا، وهو بمعناه.
وإذا ألقوه بين لوحين، أو في البحر، وجب عليهم قبل ذلك غسله وتكفينه، والصلاة عليه بلا خلاف، وعبارة "شرح المهذب" قال: أصحابنا -رحمهم الله-: إذا مات في البحر ومعه رفقة، فإن كان بقرب الساحل وأمكنهم الخروج إلى الساحل، وجب عليهم الخروج به، وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، قالوا: فإن لم يمكنهم لبعدهم من الساحل أو لخوف عدو أو سبع أو غير ذلك لم يجب الدفن في الساحل، بل يجب غسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم يجعل بين لوحين ويلقى في البحر ليلقيه إلى الساحل، فلعله يصادقه من يدفنه، قال الإمام الشافعي في "الأم": فإن لم يجعلوه بين لوحين ويلقوه إلى الساحل، بل ألقوه في البحر رجوت أن يسعهم هذا لفظه، ونقل الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" أنَّ الشافعي -رحمه الله- قال: لم يأثموا -إن شاء الله تعالى- وهو معنى قوله: "رجوت أن يسعهم، فإن كان أهل الساحل كفاراً، قال الشافعي في "الأم": جعل بين لوحين وألقي في البحر، وقال المزني -رحمه الله-: يثقل بشيء لينزل إلى أسفل البحر لئلا يأخذه الكفار فيغيروا سنة المسلمين فيه، قال المزني: إنما قال الشافعي أنه يلقي إلى الساحل، إذا كان أهل الجزاءُ مسلمين، أمَّثا إذا كانوا كُفَّاراً فيثقل بشيء حتى تنزل إلى اقرار، قال أصحابنا: والذي نص عليه الشافعي من الإلقاء إلى الساحل أولى؛ لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة، وأمَّا على قول المزني فيتيقن ترك دفنه، بل يلقيه للحيتان.
هذا الذي ذكرناه هو المشهور في كتاب الأصحاب.
قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: إن المزني ذكر مذهبه هذا في جامعه الكبير، وأنكر القاضي أبو الطيب في تعليقه على الأصحاب نقلهم هذا عن المزني وقال: طلبت هذه المسألة في الجامع الكبير فوجدتها على ما قاله الشافعي في الأم.
وذكرها صاحب المستظهري كما ذكرها المصنف فكأنهما اختارا مذهب المزني، قال أصحابنا -رحمهم اللهُ-.
والصحيح ما قاله الشافعي -والله أعلم- ينظر الروضة (1/ 660، 661).

الجزء: 2 - الصفحة: 458

قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل: إحداهها: التَّعزية سُنة، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" 152. وينبغي أن يُعَزَّى جميع أهل الميت الكَبير والصغير والرجل والمرأة، نعم الشَّابة لا يُعَزِّيها إلا محارمها، ويكره الجُلُوس لها، ولا فرق فيها بين ما قبل الصَّلاة وبعدها وما قبل الدفن وبعده، فيما يرجع إلى أصل الشريعة، لكن تأخيرها إلى ما بعد الدَّفن حسن لاشتغال أهل الميت قبله بتجهيزه، ولاشتداد حُزْنهم حينئذ بسبب المفارقة.
وعن أبي حنيفة: أن التَّعزية قبل الدفن، فأما بعده فلا، إلى متى تشرع التَّعزية؟ فيه وجهان: أظهرهما: -وهو المَذْكُور في الكتاب- إلى ثلاثة أيام فلا يعزيه بعد ذلك إلا أن يكون المعَزّي أو المعزى غائباً، وهذا لأن الغرض من التَّعزية تَسْكِينُ قلب المصاب، والغالب سُكُون قَلْبِهِ في هذه المّدة فلا يجدد عليه الحُزن.
قال الشيخ أبو محمد فيما علق عنه: وهذه المدة على التَّقْرِيب دون التَّحْديد.
والثاني: حكاه في "النهاية" مع الأول أنه لا أمد تقطع عندها التَّعزية، فإن الغَرض الأعظم منها الدّعاء.
ومعنى التَّعزية الأمر بالصبر، والحمل عليه بوعد الأجر والتَّحْذير عن الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، والمُصَاب يجبر المصيبة، فيقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك، وفي تَعْزية المُسْلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك أو جَبَرَ الله مصيبتك، وألهمك الصَّبر وما أشبه ذلك.
وفي تعزية الكافر بالمسلم: غفر الله لميّتك وأحسن عزاك.
ويجوز للمسلم أن يعزي الذّمي بقريبة الذّمي، فيقول: أخلف الله عليك، ولا نقص في عددك وهذا لتكثر الجزية لِلْمُسْلِمِينَ.
الثَّانية: يستحبُّ لجيران المَيِّت والأبعدين من قرابته تهيئة طعام لِأَهْلِ المَيِّت، يشبعهم في يَوْمِهِمْ وليلتهم، فإنَّهم لا يفرغون له، ولو اشْتَغَلُوا به لعيروا.
روي "أنَّهُ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً، فَقَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يُشْغِلُهُمْ" 153. ويستحب إلحاحهم على الأكل ولو اجتمع نساء يَنُحن لم يجز لهنَّ طعام، فإنه إعانة على المعصية.
الثالثة: البكاء على الميِّت جائز قبل زُهُوق الرُّوح وبعده وقبل الزُّهُوق أَوْلَى رُوِيَ

الجزء: 2 - الصفحة: 459

أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكيَةٌ" 154 وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ فِي حِجْره، وَهُوَ يَجُودُ بنَفْسِهِ فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقِيْل لَهُ في ذلِكَ فَقَال: إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، ثُمَّ قَالَ العَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا" 155. والندب حرام، وهو أن يعدّ شَمَائل الميت، فيقال وَاكَهْفَاهُ وَجَبَلاَهُ ونحو ذلك، وكذا النِّيَاحة والجزع بضرب الخَدِّ وشق الثوب ونشر الشَّعر كُلُّ ذَلِكَ حرام، لما روي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ" 156. وروي أنه قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ" 157. ولو فعل أهل الميت شيئاً من ذلك لم يعذّب الميت به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 158. وما روي من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" 159. وفي رواية: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً عَلَى عَذَابِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ".
فقد أوّلوه من وجوه: منها: قال المزني: بلغني أنهم كانوا يوصون بالنَّدب 160 والنياحة، وذلك حمل منهم على المَعْصية، وهو ذنب فزيدوا عذاباً بذلك إذا عمل أهلهم بوصيتهم، ولك أَنْ تَقُولُ: ذنب الميّت الحمل على الحرام والأمر به فوجب أَنْ لا يختلف عذابه بالامْتِثَال

الجزء: 2 - الصفحة: 460

وعدمه، فإن كان لامتثالهم أثر فَالإِشْكَالُ بحاله.
ومنها: قال بعضهم: المراد منه أن يُقَالَ للميت إذا ندبوه أكنت كَمَا يقولونه، ولك أَنْ تقول: لا شك أن هذا السلام توبيخ له، وتخويف وهو ضرب من التَّعذيب، فليس في هذا السلام سوى بيان نوع التَّعذيب فلم يعذب بما يفعلون.
ومنها: أن قوله "ببكاء أهله" أي: عند بكاء أهله، وإنما يعذب بذنبه.
قال القَاضي الحُسين: يجوز أن يكون الله تعالى قدر العفو عنه إن لم يبكوا عكليه وانقادوا لقضائه، فإذا جزعوا عوقب بذنبه، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، ولله مَا كَذَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخْطَأ، أَوْ نَسِيَ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى يَهُودِيَّةٍ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ إِنَّهُمْ يَبْكُونَ، وإنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا" (1). فهذه الرواية مجراة على ظاهرها، ومبينة أن المراد من قوله: "ببكاء أهله" ما سبق، وكأنه قال: هي معذبة، فما ينفعها بكاؤهم عليها والله أعلم.

بَابُ تَارِك الصَّلاَةِ

162 قال الغزالي: مَنْ تركَ صَلاةً وَاحِدَةً عَمْداً وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الرَّفَاهِيَةِ وَالضَّرُورَةِ قُتِلَ (ح) بِالسَّيْفِ وَدُفِنَ كمَا يُدْفَنُ سَائِرُ المُسْلِمينَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُطْمسُ قَبْرُهُ، وَقِيلَ: لاَ يُقْتَلُ إلاَّ إِذَا صَارَ التَّرْكُ عَادَةً لَهُ، وَقيلَ: إِذَا تَرَكَ ثَلاَثَ صَلَوَاتٍ، واللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: أخر حجة الإسلام -رحمه الله- هذا الباب إلى هذا الموضع، وهو في ترتيب المُزَنِّي وجمهور الأصحاب مقدم على كتاب "الجَنَائز" ولعلّه أليق، ومقصود السلام في عقوبة تارك الصلاة، فنقول: تارك الصلاة ضربان: أحدهما: أن يتركها جاحداً لوجوبها، فهذا مرتدٌّ تجري عليه أحكام المرتدين، إلا أن يكون قريب عهد بالإِسْلام، ويجوز أن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يَخْتَصُّ بِالصَّلاة،161

الجزء: 2 - الصفحة: 461

بل يجري في جحود كُلِّ حكم مجمع عليه 163. والثاني: أنْ يتركها غير جاحد، وهو ضربان: أحدهما: أن يترك بعذر من نوم أو نسيان فعليه القضاء لا غير، ووقت القضاء موسع.
والثاني: أن يترك من غير عذر بل كَسَلاً أو تهاوناً بفعلها، فلا يحكم بكُفْرِه خلافاً لأحمد، وبه قال شِرْذَمة من أصحابنا، حكاه الحَنَّاطي وصاحب "المهذب" وغيرهما.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئاً كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ" 164. ويشرع القتل في هذا القسم حدًّا، وبه قال مالك خلافاً لأبي حنيفة حيث قال في رواية: لا يتعرض لتارك الصلاة، فهي أمانة بينه وبين الله -تعالى- وحده والأمر فيها موكول إلى الله -تعالى-.
وقال في رواية: إنه يحبس ويؤدب حتى يصلّي، وبه قال المزني.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَةُ" 165؛ ولأنها ركن من الخمسة لا يدخلها النِّيابة ببدن ولا مال، فيقتل تاركه كالشَّهادتين.
إذا عرف ذلك نُفَرِّع عليه مسائل: إحداها: في عدد الصَّلاة المستحق بتركه القَتْل، وظاهر المَذْهَب اسْتِحْقَاق القَتْلِ بترك صلاة واحدة، فإذا تضيق وقتها طالبناه بفعلها، وقلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك، فإذا أخَّرها فقد اسْتَوْجَبَ القتل، ولا يعتبر بضيق وقت الثَّانية، وبهذا قال مالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 462

واحتج له بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مُتَعَمِّداً فَقَدْ كَفَرَ" 166 أي: استوجب ما يستوجبه الكَافِر.
وهذا قد تَرَكَ صلاة، وُيحْكَى عن أبي إسحاق أنه إنما يستوجب القَتْل إذا ضاق وقت الثَّانية وامتنع عن أدائها.
وعن الإصْطَخُري أنه لا يقتل حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة، ويمتنع من أدائها هذه هي الرواية المشهورة عنه.
وفي "النهاية" روايتان أخريان عن الإصْطَخْرِي.
إحداهما: أنه إنما يستوجب القَتْلَ إذا ترك أربع صلوات، ويمتنع عن القَضَاءِ.
والثَّانِية: أنه لا تَخْصِيص بعدد، ولكن إِذَا ترك من الصَّلوات قدر ما يظهر لنا به اعتياده الترك وتهاونه بأمر الصلاة فحينئذ يقتل، وقد نقل صاحب "الإفصاح" هذا وجهاً لبعض الأصحاب، وإن لم ينص على قائله، والمذهب الأول والاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت العذر والضرورة، فإذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشّمس، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، حكاه الصَّيدلاني وتابعه الأئمة عليه.
الثانية: على اخْتِلاَف الوُجُوه لا بدَّ من الاسْتِتَابة قبل القتل، فإنه ليس بأشدِّ حالاً من المرتدّ والمرتد يستتاب، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يمهل ثلاثاً؟ فيه قولان كما سيأتي ذكرهما في استتابة المرتدِّ، واختار المزنيّ للشَّافعي -رضي الله عنه- أنه لا يمهل، وذكر في "العدة" أنه المذهب، والقولان في الوُجُوب أَوْ فِي الاسْتِحبَاب، حكى المعلق عن الشيخ أبي محمد فيه طريقين: أصحهما: أنهما في الاستحباب.
الثالثة: الظاهر أنه يقتل صبراً بالسَّيف كالمرتد، وهو الذي ذكره في الكتاب.
وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس فيه حديدة، ويقال: قم فصل، فإن قام ترك، وإلا زيد في النخس حتى يصلِّي أو يموت، لأن المقصود حمله على الصَّلاة، فإذا فعل فذاك، وإلا عُوقِبَ كما يعاقب الممتنع من سائر الحُقُوق ويقاتل.
ويروى مثل هذا عَن ابْنِ سريج، ويروى عنه أنه يضرب بالخَشَبِ حتى يصلّي أو يموت.
الرابعة: إذا قتل غسل وصلى عليه، ودفن في مقابر المسلمين، ولا يُطْمَس قبره كسائر أصحاب الكبائر إذا حدوا وقد حكينا من قبل عن صاحب "التلخيص": أنه لا يصلّى عليه ولا يغسل، وإذا دفن في مقابر المسلمين طمس قبره حتى ينسى ولا يذكر، وإن أَرَادَ الإمامُ المُعَاقَبَةَ عَلَى تَرك الصَّلاة فقال قَد صَلَّيْتُ في بيتي صدق.
وإذا عرفت ما ذكرنا أعلمت قوله في الكتاب: "قتل" بالحاء والزاي.
وقوله: "بالسيف" بالواو.
وقوله: "كما يدفن سائر المسلمين" بالواو، وكذا قوله: "ويصلى عليه ولا يطمس

الجزء: 2 - الصفحة: 463

قبره" ولك أن تعلم قوله: "كما يدفن" وقوله: "ويصلى عليه" بالألف، لما حكينا عن أحمد -رحمه الله- أنه يكفر بترك الصلاة.
فرعان: أحدهما: قال حجة الإسلام في "الفَتَاوَى": لو امتنع عن صلاة الجُمعة من غير عذر، وقال: أصليها ظهراً لم يقتل؛ لأن الصوم لم يلحق بالصلاة في هذا الحكم، فالجمعة مع أن لها بدلاً وأعذارها أكثر أولى ألا تلحق 167. الثاني: حكى القاضي الرُّوياني في تارك الوُضُوءِ وجهين: أصحهما: أنه يقتل؛ لأن الامتناع منه امتناع من الصلاة والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 464

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل