العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغَزَالِيُّ: والنَّظَرُ فِي ثَلاثَةِ أُمْورٍ: الأَوَّلُ: الدَّعْوَى وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنِ أَوْ بأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، فَلَوْ قَالَ: قَتَلَ أَبِي وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ العَشَرَةِ، وَلا أَعْرِفُ عَيْنَهُ، وَأُرِيدُ يَمِينَ كُلِّ وَاحِدٍ، فالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالمَنْعِ، وَهَؤلاَءِ لا يَتَضَرَّرُونَ بِاليَمِينَ، وَكَذَا فِي دَعْوَى الغَصْبِ والسَّرِقَةِ، بِخِلاَفِ القَبْضِ والبَيْعِ في المُعَامِلاَتِ، فَإنَّهُ بِالنِّسْيَانِ مُقَصِّرٌ، وَقِيلَ: يُسْمَعُ فِي المُعَامَلاَتِ، وَقِيلَ: لاَ يُسْمَعْ إلاَّ فِي الدَّمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصْحَابُ في القِصَاصِ والدِّيَةِ والكَفَّارَةِ التي هي من مُوجِباتِ القَتْلِ، تكلموا فيما يُرْجَعُ إليه عند التَّنَازعُ بأَن يَدَّعِيَ الوَلِيُّ القَتْلَ على إِنْسَانٍ، فَيُنْكِرُ.
والذي يُعْتَمَدُ عليه عند الإِنْكَارِ قَوْلُ الشهود أو اليَمِينُ، إما من جهة المُدَّعِي، أو من جِهَةِ المُدَّعَى عليه، وذلك يُحْوِجُ إلى النظر في الدَّعْوَى واليَمِينِ والشهادة، فلذلك قال: "والنَّظَرُ في ثلاثة أُمُورٍ".
ثم اليمين تَنْقَسِمُ إلى: يمين القَسَامَةِ وغيرها.
ومعظم الغَرَضِ في الباب القَوْلُ في يمين القَسَامَةِ، فإنها [التي] 1 تَخْتَصُّ بالدم، فأما القول في الدَّعْوَى، والبَيِّنَةِ، وسائر الأَيْمَانِ، فلا اختصاص لهما بما إذا كان المُدَّعَي دَماً، ولهما أبواب مُفْرَدَةٌ في مواضعهما، ولهذا المعنى تَرْجَمَ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأَكْثَرُ الأَصحاب البابَ بـ"كتاب القَسَامَةِ"، لا بـ"دَعْوَى الدَّمِ"، وترجم في "الوسيط" الكِتَابَ بـ"كتاب دَعْوى الدم والقَسَامَةِ والشهادة"؛ لاشْتِمالِهِ على الأمور الثلاثة، واقْتَصَرَها هنا على ذِكْرِ الدعوى؛ لأنها الأَمْرُ الأول، وعليه يَتَرَتَّبُ الأمران الآخران.

الجزء: 11 - الصفحة: 3

ومن الأصحاب من يُؤَخّرُ البَابَ إلى كتاب الدَّعَاوَى 2، وعليه جَرَى الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي -رحمه الله- فاعتبر فيه.
إذا عرف ذلك، فالأَمْرُ الأول: الدَّعوَى، والمعتبر 3 في الدعوى خمسة شروط: أحدها: تَعْيِينِ المُدَّعَى عليه بأن ادُّعِىَ القَتْلُ على وَاحِدٍ، أو على جماعة مُعَيَّنينَ، فهي مَسمُوعَةُ، وإذا طلبهم للقاضي، وطلب إحضارهم أَجابَهُ، إلا إذا ذَكَرَ جَماعَةً لا يُتصَوَّرُ اجْتِمْاعُهُم على القَتْلِ، فلا يحضرون، ولا يُبَالَي بقوله: فإنه دَعْوَى مُحَالٍ.
وإن قال: قَتَلَ أبِي أَحَدُ هَذَيْنِ أو وَاحِدٌ من هؤلاء العشرة وطلب من القاضي أن يسألهم، ويُحَلِّفَ كُلّ واحد منهم فهل يُجِيبُهُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما في هذه الدَّعْوَى من الإِبْهَامِ، وصار كما لو ادَّعى دَيْنًا على أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
والثاني: نعم؛ لأنه طَرِيقٌ يُتَوَصَّلُ به إلى مَعْرِفَةِ القاتِلِ واسْتِيفَاءِ الحَقِّ منه.
ولأن القَاتِلَ يسعى في إِخْفَاءِ القَتْلِ كي لا يقصد، ولا يطالب، وتَعْسَرُ مَعْرِفَتُهُ على الوَلِيِّ لذلك.
فلو لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ هكذا لَتَضَرَّرَ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين الصَّادِقَةِ، والأَصَحُّ من الوجهين على ما ذكر صاحب "التهذيب" الأول، ولم يورِدُ جماعة من الأصحاب غَيْرَهُ.
وذكر في الكتاب أن الصَّحِيحَ أنه يُجَابُ إليه، ولم يذكر ذلك في "الوسيط"، بل سَكَتَ عن الترجيح.
ويجري الخِلاَفُ في دعوى الغَصْبِ، والإتْلاَفِ، والسَّرِقَةِ، وأخذ الضَّالَّةِ على أحد الرجلين أو الثلاثة، ولا يَجْرِي في دعوى القَرْضِ، والبيع، وسائر المعاملات؛ لأنها تَنْشَأُ باختيار المُتَعَاقِدَيْنِ، وحَقُّها أن يضبط كل واحد من المُتَعاقِدَيْنِ صاحبه، هذا هو الأَظْهَرُ، وفيه طريقان آخران: أحدهما: إجراء الخِلاَفِ في المُعامَلاَتِ أيضًا؛ [لأن] الإنسان عُرْضَةُ النِّسْيَانِ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين.
والثاني: قَصْرُهُ على دَعْوَى الدَّمِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ.
وقوله: "قتل أَبِي أَحَدُ هؤلاء العشرة"، تَصْوِيرٌ فيما إذا كان القوم حاضِرِينَ، فإن لم يكونوا حاضرين، والتمس إحضارهم فهل يجاب؟ فيه الوجهان، ولو ذكر أنه قتله أحدهم، ولم يطلب إحضار جميعهم؛ ليسألوا، ويُعْرَض عليهم اليَمِينُ، فلا يحضرهم القاضي، ولا يُبَالِي بكلامه؛ لأن القاضي يعمل بِحَسَبِ طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، ذكره في "التتمة"، وذكر أن الوَجْهَيْنِ فيما إذا تَعَلَّقَتِ الدَّعوَى بِوَاحِدٍ من جماعة مَحْصُورِينَ.

الجزء: 11 - الصفحة: 4

وأما إذا قال: قَتَلَهُ واحِدٌ من أهل القَرْيَةِ أو المَحِلَّةِ، وهم لا يَنْحَصِرُونَ، وطَلَبَ إِحْضَارَهُمْ فلا يُجَابُ؛ لأنه يَطُولُ فيه العَنَاءُ على القاضي، وَيتَعَطَّلُ زَمَانُهُ في خُصُومَةٍ واحدة، وتَتَأَخَّرُ حُقُوقُ سائر الناس، ولأن في إحضار الجَمْع الكَبِيرِ إِضْرارًا بهم لِقَطْعِ مَعايِشِهِمْ، وتَعْطِيلِ زمانهم، وقد يفهم هذا من التصوير في العشرة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي أنْ تَكُونَ مُفَصَّلَةً فِي كَوْنِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ مُشْتَرِكَةً، فَإنْ أَجْمَلَ اسْتَفْصَلَ القّاضِي، وَقِيلَ: يُعْرَضُ عَنْهُ لِأَنَّ الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ، وَلَوْ قَالَ: قُتِلَ أَبِي خَطَأً مَعَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَحْصُرُهُم لَمْ يُسْمَعْ إِذْ حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ، وَلَوِ ادَّعَى العَمْدَ وَقُلْنَا: مُوجِبُهُ القَوْدُ المَحْضُ سُمِعَ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدٌ لا بِعَيْنِهِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لتكن الدَّعْوَى مُفَصَّلَةً 4، أَقَتَلَ عَمْدًا، أو خَطَأً، أو عَمْدَ خَطأٍ، مُنْفَرِدًا أو بِشَرِكَةِ غيره، فإن الأحكام تَخْتَلِفُ باختلاف هذه الأَحْوَالِ، والواجب تَارَةً يَتَوَجَّه على القاتل، وأُخْرَى على عَاقِلَتِهِ، فلا يمكن فَضْلُ الأمْرِ ما لم يُعْلَمْ مَنْ يُطَالَبُ؟ وبم يُطَالَبُ؟ وفيه وجه سنذكر مَأْخَذَهُ: أنه يجوز أن تكون الدَّعْوَى مَجْهُولَةً.
وإذا منعنا -وهو المذهب المشهور- فلو أجمل الوَلِيُّ دَعْوَى القَتْلِ، ففيه وجهان: أحدهما: أن القاضي يُعْرِضُ عنه، ولا يَسْتَفْصِلُ؛ لأن الاسْتِفْصَالَ ضَرْبٌ من التَّلْقِينِ.
وأصحهما: أنه يَسْتَفْصِلُ، والقول بأن الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ ممنوع، بل التلقين أن يقول له: قُلْ: قَتَلَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، والاسْتِفْصَالُ أن يقول: كيف قُتِلَ؟ وهذا الوجه الثاني هو الذي أَوْرَدَهُ الجمهور، ونَصَّ عليه الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر"، حيث قال: ينبغي لِلْحَاكِمِ أن يقول له: من قَتَلَ صاحِبَكَ؟، فإن قال: فُلاَنٌ، قال: وَحْدَهُ؟، فإن قال: نعم، قال: عَمْدًا أو خطأ؟، فإن قال: عَمْدًا، يسأله 5: ما العَمْدُ؟.
وربما يُوجَدُ في إِيرَادِ الأئمة ما يُشْعِرُ بوجوب الاسْتِفْصَالِ هكذا قال القاضي الروياني بعد ما نَقَلَ نَصَّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يَسْتَفْصِلُ في الأشياء الأربعة.
وقال الماسَرْجَسِيُّ: لا يجب على الحَاكِمِ أن يُصَحِّحَ دَعْوَاهُ، ولا يلزمه أن يسمع

الجزء: 11 - الصفحة: 5

إلا في دعوى محَرَّرَةٍ، وإنما ذَكَرَ الشَّافعي -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- هذا إذا أَرادَ أن يَسْتَثْبِتَهُ احْتِيَاطًا، فأشعر هذا السِّيَاقُ بأن غيره يقول بوجوب الاسْتِفْصالِ المُصَحِّحِ للدعوى.
والأوجه ما نَسَبَهُ إلى المَاسَرْجِسِيُّ ثم إذا قال: إنه قتله مُنْفَرِدًا عَمْدًا، ووصف العَمْدِيَّةَ، أو خَطَأً طالب المُدَّعَى عليه بالجواب.
فإن قال: قتله بِشَرِكَةٍ، سئل عمن شَارَكَهُ، فإن ذَكَرَ جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ اجتماعهم على القتل، لُغِيَ قوله ودَعْوَاهُ.
وإن ذكر جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ اجتماعهم، ولم يحضرهم، أو قال: لا أعرف عَدَدَهُمْ، فإن ادَّعَى قَتْلًا يوجب الدِّيَةَ لم تُسْمَعْ دعواه؛ لأن حِصَّة المُدَّعَى عليه من الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ إلا بِحَصْرِ الشركاء، وذلك مثل أن يَدَّعِيَ الخَطَأَ أو شِبْهَ العَمْدِ، أو يقول: إنه تَعَمَّدَ، وفي شركائه مُخْطِئٌ.
نعم، لو قال: لا أعْرِفُ عَدَدَهُمْ على التحقيق، ولكن أعلم أنهم لا يزيدون على عشرة، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَيتَرَتَّبُ على تحقيقها المُطَالَبَةُ بعُشْرِ الدية، فإن ادعى ما يوجب القَوَدَ بأن قال: قَتَلَ عَمْدًا مع شركاء مُتَعَمِّدِينَ، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يسمع دَعْوَاهُ؛ لأنه إذا حَقَّقَهَا، تمكَّنَ من مُطالَبَتِهِ بالقِصَاصِ، ولا يختلف ذلك بِعَدَدِ الشركاء.
والثاني: المنع، ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ؛ لأنه قد يختار الدِّيَةَ، فلا يدري حَقَّهُ منها، ومنهم من قال: إن قلنا: إن مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، فالمصير إلى سَمَاعِ الدعوى أَظْهَرُ، وربما أُشِيرَ إلى القَطْعِ [به] 6. وإن قلنا: مُوجِبُ العَمْدِ أَحَدُهُما اتَّجَهَ الوجهان؛ لأن أَحَدَ الموجبين غير معلومَ، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ المُدَّعِي مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا، وَلا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ جَنِينًا حالَةَ القَتْلِ إِذْ يُعرَفُ ذَلِكَ بِالتَّسَامُعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما تُسْمَعُ الدَّعْوَى من المُكَلَّفِ دون الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ومن المُلْتَزِمِ، وهو المسلم، والذِّمِّيُّ 7. فأما الحَرْبِيُّ فلا يستحق قِصَاصًا، ولا دِيَةً، فليس له دَعْوَى الدَّمِ، ولا يَقْدَحُ كَوْنُ

الجزء: 11 - الصفحة: 6

المُدَّعِي صَبِيًّا، أو مَجْنُونًا، أو جَنينًا حالَةَ القَتْلِ إذا كان بصفة الكَمَالِ عند الدَّعْوَى، فإنه قد يعرف الحال بالتَّسَامُعِ، ويمكنه أن يحلف في مَظَنَّةِ الحَلِفِ إذا عرف ما يحلف عليه بإقْرَارِ الجاني، أو بالسماع ممن يَثِقُ به، ولذلك نقول: من مَلَكَ عَبْدًا هو أكبر سِنًّا منه، ثم باعه فجاء 8 المشتري يَرُدُّهُ بِعَيْبِ الإِبَاقِ، له أن يَحْلِفَ بالله تعالى: ما هو آبِقٌ، وإنما يعرف ذلك بِسَماعِ حاله 9 من غيره.
وكذلك لو اشترى عَيْنًا وقَبَضَهَا، فجاء من يَدَّعَي أنها مِلْكُهُ، ويطالب بالتَّسْلِيمِ، له أن يحلف أنه لا يَلْزَمُهُ التسليم؛ اعْتِمادًا على قول البائع.
والمَحْجُورُ عليه بالسَّفَهِ، تُسْمَعُ منه دَعْوَى الدَّمِ، وله أن يَحْلِفَ ويحلّف، وأن يستوفي القِصَاص.
وإذا آلَ الأَمْرُ إلى المَالِ، فيأخذه الوَلِيُّ، كما في دَعْوَى المال، يدعي السَّفِيهُ، وَيحْلِفُ ويحلَّف، والوَليُّ يأخذ المَالَ.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ أنْ يَكُونَ المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فَإنْ كَانَ سَفِيهًا صَحَّ فِيما يُقْبَلُ إِقْرَارُ السَّفِيهِ فِيهِ، وإن لَمْ يُقْبَلْ إِقْرارُهُ صَحَّ لِأَجْلِ إِنْكَارِهِ حَتَّى يُسْمِعَ البَيِّنَةَ وَيُعْرَضَ اليَمِينُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ يَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِحَلِفِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شَرْطِ صِحَّةِ الدعوى أن يكون المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فلا يُدَّعَى على صَبِيٍّ ولا مجنون، ثم هاهنا مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: إذا ادَّعى القَتْلَ على المَحْجُورِ عليه بالسَّفَهِ، نظر إن كان هناك لَوْثٌ على ما ستعرفه، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، سواء ادَّعَى قَتْلًا عَمْدًا أو خَطَأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويقسم المدعي، ويكون الحكم كما في غير السَّفِيهِ، وإذا كان اللَّوْثُ قول شَاهِدٍ واحِدٍ، فيحلف المُدَّعِي معه، ويثبت المَالُ بالشاهد واليمين، وإن لم يكن لَوْثٌ.
فإن ادعى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ تُسْمَعُ دَعْواهُ؛ لأن إِقْرارَهُ بما يوجب القِصَاصَ مَقْبولٌ، فإن أَقَرَّ أُمْضِيَ حكمه [عليه] 10، وإن [أنكر] 11 حلف، فإن نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي، وكان له أن يقتصَّ.
وإن ادَّعى خَطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ، فهذا ينظر [فيه] 12 إلى أن إِقْرَارَ المَحْجُورِ بالإتلاف هل يقبل ويُؤاخَذُ [بها]؟ وفيه وجهان مذكوران في كتاب الحَجْرِ.
وسواء قلنا: يُقْبَلُ أو لا يُقْبَلُ، فَيُسْمَعُ أَصْلُ الدعوى.

الجزء: 11 - الصفحة: 7

أما إذا قبلنا إِقْرارَهُ، فليمض عليه الحُكْمُ وإن أَقَرَّ، ولتقام عليه البينة إن أنكر.
وأما إذا لم نَقْبَلهُ، وهو الصحيح، فلتُقَام عليه البَيِّنَةُ إن أنكر، ثم إذا أنكر، فهل تُعْرَضُ اليمين عليه؟ يبني ذلك على أن يكون المُدَّعَى عليه، ويمين المدعي كَبَيِّنَةٍ يقيمها المُدَّعِي، أو كإقرار المُدَّعى عليه، إن قلنا كالبَيِّنَةِ، فتعرض، فإنه قد ينكل، فيحلف المدعي، ويكون كما لو أقام البَيِّنَةَ.
ويحكى هذا عن أبي مَنْصُورِ بن مَهْرَانَ.
وإن قلنا: كالإِقْرَارِ، ففيه وجهان: أَوْفَقُهُما لكلام أكثرهم: أنها لا تعرض؛ لأن العَرْضَ للحمل على الصِّدْقِ بالإقرار، والإقرار غير مَقْبُولٍ على الصحيح.
وأصحهما عند صاحب الكتاب: العَرْضُ؛ لأنه قد يَحْلِفُ، فتنقطع الخُصُومَةُ في الحَالِ، هكذا، أَوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، وعليه يَنْطَبِقُ إيراد صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط"، إلا أنهم لم يذكروا أوْجُهَ عَرْضِ اليمين؛ تَفْرِيعًا على أن اليمين المَرْدُودَةُ كالإقرار.
ومنهم من يُطْلِقُ الخِلاَفَ في سَمَاعِ الدعوى بالخَطَأِ، وشِبْهِ العَمْدِ من أصلها، ويَبْنِيهِ على الخلاف في أن إقراره بالإتْلاَفِ، هل يقبل؟ إن قلنا: نعم سمعت، وإلا فينبني على أن اليمين المردودة كالبينة أو كالإقرار، فليحمل هذا علي ما ذكره الأولون، فإنهم جميعًا مُتَّفِقُونَ على أنه لو أقام البَيِّنَةَ تسمع، وسَماعُ البينة مَسْبُوقٌ بِسَماَعِ الدعوى.
المسألة الثانية: تُسْمَعُ دَعْوَى القَتْلِ على المَحْجُورِ عليه بالفَلَسِ، ثم إن قامت بَيِّنَةٌ أو كان هناك لَوْثٌ، وأقسم المدعي، فهو كغيره، ويُزاحِمُ المُسْتَحِقُّ بالمال الغُرَمَاءَ، وَإِنِ لم تكن بَيِّنَةٌ، ولا لَوْثٌ، فيحلف المُفْلِسُ، فإن نَكَلَ حلف المدعي، واسْتَحَقَّ القِصَاصَ إن كان المُدَّعَى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ.
قال القاضي الروياني: فإن عَفَا عن القِصَاصِ على مَالٍ، ثَبَتَ [المَالُ]، وهل يشارك به الغُرَمَاء؟ يُبْنَى على أن اليمين المَرْدُودَةَ بعد النُّكُولِ كالبينة فنعم، وإن قلْنا كالإقْرَار، فقَوْلان، كما لو أقرَّ المُفْلِس بعَيْن 13 في يَدِه أو بدَيْنٍ نسبه إلى ما قبل الحَجْر، وإن كان المدَّعَى قتل خطَأً أو شبْهَ عمْد، ثبت باليمين المردودة الدية، وتكون على العاقلة، إنْ جعلْناها كالبينة، وإن جعلْناها كالإقرار، فتكون على الجاني، وهل يزاحِمُ المدَّعِي بها الغرماء؟ فيه القولان، ومنْهم مِنْ يُطْلِق وجهَيْن من غير بناء على الأصْل المذكور وُيوجه الوجوب [على العاقلة بأنَّها تثبت بيمين المدَّعِي، فأشبه مَا لَوْ ثبت بالقَسَامة والوجوب في مالِهِ] 14؛ بأنَّ اليمينَ بالمردودةِ نُقِلَتْ إلى المدَّعَى، بنكول المفْلِسْ فأشبه مَا لَوْ أَقَرَّ.

الجزء: 11 - الصفحة: 8

ومسألة ثالثة: وهي دعْوى القَتْل على العبْد، قال في "التهذيب": إن كان هناك لوْثٌ، فتُسْمع، ويقسم المُدَّعي، ويقتص إن ادَّعى قتل عمد، وأوجبنا القِصَاصَ بالقسامة، وإلاَّ، إذا كان يَدَّعِي قتل خطأ، فتتعلَّق الدية برقية العبد، وإن لم يكن لوْثٌ، فدعوى القتل الموجِب للقِصاص تكونُ على العبد، ودعْوى القتْل الموجب للمَال تكون على السيد، وتمام المسألة يأتي في "باب الدعاوَى والبَيِّنَات".
وقوله في الكتاب "صح" أي صحت الدعوى عليه.
وقوله: "على الصحيح" يمكن ردُّه من جهة اللفْظ إلى قوله "صح" لأجل إنكاره؛ ويوافق ذلك قول "مَنْ أطلَقَ الخِلافَ في سماع الدعْوَى"، ويلزم منه [بيانُ] 15 إجراءِ الخلافِ في سماع البيِّنة، والذي يوافِقُ نظم "الوسيط" وما حكَيْناه عن الأصحاب أن يعلَّق قوله "على الصحيح" بقوله "وتُعْرَض اليمين عليه"، لا بما قبله [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ ألاَّ تَتَنَاقَضُ دَعْوَاهُ فَإنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ الشَّرِكَةَ لَمْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِأَنَّ الأُولَى تكَذِّبُهُ، فَلَوْ صَدَّقَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ ثانِيًا كَانَ لَهُ المُؤَاخَدَةُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الحَقَّ لا يَعْدُوهُما، وَلَوِ اسْتَفْصَلَ في العَمْدِ فَفَصَلَهُ بِمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ لَمْ تُبطِلْ دَعْوَاهُ أَصْلَ القَتْلِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: ظَلَمْتُهُ بِأَخْذِ المَالِ وَفسِّرَ بِأنَّهُ كَذَبَ فِي الدَّعْوَى اسْتُرِدَّ، وَلَوْ فُسِّرَ بأَنَّهُ حَنَفِيُّ لا يَرَى القَسَامَةَ وَقَدْ أَخَذَ بِهَا لَمْ يُسْتَرِدُّ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى رَأْيِ الحَاكِمِ لاَ إِلَى الخِصْمَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن شروط الدعوى سلامتها عما يناقضها وُيكَذِّبها، فلو ادَّعَى على شخْص أنه منفردٌ بالقتل، ثم ادعَى على آخر أنَّه شريك في القَتْل، أو منفردٌ به، لم تُسْمع دعواه 16 الثانية؛ لأن الأُوْلَى تكذِّبها، وتناقضُها، ولو لم يقسم على الأُولَى، ولم يمض حكْمٌ، فلا يُمكَّن من العَوْد إليها أيضًا؛ لأن الثانية تكذبها، ولو أن الثانيَ صدَّقه في دعواه الثانيةَ، فوجهان: أحدهما: أنه ليس له أن يؤاخِذَه بموجب تصديقه لأن في الدعْوى الأُولَى اعترافًا ببراءة غير المدَّعَى عليه.
وأصحَّهما: أن له المؤاخذة؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، ويحتمل أن يكون كاذبًا في الدعوى الأُولَى قصْدًا أو غَلَظًا، صادقًا في الثانية.
ثم في الفصْل صورتان: إحداهما: لو ادعَى قتلاً عمدًا، فاستُفْصِلَ، ففصَّله، ووصَف ما ليس بعمد، نقل

الجزء: 11 - الصفحة: 9

المزنيُّ، أنه لا يقسم، ونقل الربيع أنه يقسم، وذكر الأصحاب طريقَيْن: أشهرهما: أن في بطلان أصْل الدعوَى قولَيْن: أحدهما: أنه يبطل، فلا يقسم، ولا يلتفت إلى قوله؛ لأن في دعْوى العمد به اعترافًا ببراءة العاقلة، فلا يتمكَّن من مطالبتهم آخرًا، ولأنَّ في دعوى العمْد به اعترافًا بأنّه ليس بمخطئ، فلا يمكنه الرجوع عنه وأصحُّهما: المنع؛ لأنه قد يَظُنُّ ما ليس بعمْد عمْدًا، فيتبيَّن بتفسيره أنه مخطئ في اعتقاده وأيضًا، فقد يكْذِب في الوصف، وَيصْدُق في الأصل، وعلى هذا، فيُعْتمد على تفسيره، ويمضي حكمه.
والثاني: القطْع بالقول الثاني، وتأويل ما نقله المزنيُّ على أنه لا يقسم على ما ذكره أولاً، ويجري الطريقان فيما لو ادَّعَى الخطأ، وفسَّره بما هو عمْد، ولو ادعَى شبْه عمد، ثم فسَّره بما هو خطأ محْضٌ، وقلْنا: هناك بطريقة القولَيْن، فمنهم مَنْ أجراهما هاهنا، ومنْهم من قَطَع بأنه لا يُبْطِل الدعْوى؛ لأن قوله الأول يَقْتَضي زيادةً على العاقلة، ومن ادعَى زيادة، ثم رجع إلى قدْر الحقِّ لا تبطل دعواه فيه.
ويجوز أن يُعْلم؛ للطريقة القاطعة قوله في الكتاب: "عَلَى أصحِّ الوجْهَيْن" بالواو، والتعبيرُ عن الخلاف بالوجهَيْن خلافُ المشهورِ.
الثانية: لو ادَّعى القتلَ، وأخذ المال، ثم قال: ظلمتُه بأخذ هذا المال أو أخذتُه باطلاً، أو ما أخذتُهُ حرامٌ لي، سُئِلَ عنه، فإن قال: كذَبْتُ في الدعْوَى وما هو بقاتل، اسْتُرِدَّ منه ما أخَذَ، وإن قال: أردتُّ أني حنفيٌّ، لا أرى أخْذ المال بيمين المدَّعي عَلَى ما سنَحْكِي مذهب أبي حنيفة لم يُسْتَرَدَّ؛ لأن النظرَ إلى رأي الحاكم واجتهادِهِ لا إلى مذْهب الخصمَيْن واعتقادهما وذكروا للصورة نظائرَ: منها: ما إذا ماتَ إنسان، فقال ابنه: لسْتُ أرثه؛ لأنه كان كافرًا، فاستُفْصِل عن كُفْره، فقال: كان معتزليًا أو رافضيًا، فيقال له: لك ميراثه وأنْتَ مخطئٌ في ظنِّك، والاعتزالُ والرفض ليس بكفْرِ، هكذا حكى القفَّال، وعليه جَرَى القاضي الرويانيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهما، قال الفورانيُّ: مِنْ مشايخنا مَنْ يقول بتكفير أهْل الأهواء، فعلى قوْل مَنْ قال به؛ يَحْرُمُ الميراث 17. ومنها: إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعة الجار، فأخذ الشِّقْصَ، ثم قال: أخذتُه

الجزء: 11 - الصفحة: 10

باطلاً؛ لأني [لا] (1) أرى الشُّفْعة بالجوار؛ لا يُسْتَرَدَّ منه.
ومنها: إذا مات عن جارية استولَدَها بالنكاح، فقال وارثه: لا أتملَّكها، فإنها صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، وعَتَقَت بالموت، فيقال: هي مملوكتك، فلا تصير أمَّ ولد باستيلادها بالنكاح.
واعلَمْ أن جميع ما ذَكَرْنا فيما يتعلَّق بالحُكْم الظاهر، فأما الحل (2) الباطن، إذا حكم الحاكم في مواضع الخلافِ لشَخْصٍ على خلاف ما يعتقدُه، كحكم الحنفيِّ للشافعيِّ بشفعة الجوار، ففي ثبوته خلافٌ وكلام (3) الأئمة هاهنا يميل إلى ثبوته، وأجاب صاحبُ الكتاب في "أدب القاضي" بالمَنْع وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ولو قال: أردتُّ بقولي: حرام؛ أنه مغصوب، فإنْ عيَّن المغصوب منه، وجب عليه تسليمُه إليه، ولا رجوعَ له على المأخوذ منه؛ لأن قوله لا يقبل عليه، وإن لم يعين أحدًا، فهو مالٌ ضائعٌ؛ وفي مثله خلافٌ مشهورٌ، والجوابُ في "الشامل": أنه لا يلزمه رفع اليد عنه؛ ولو قال بعْد ما أَقْسَمَ نَدِمْتُ على الأيمان، لم يلزمه بهذا شيْءٌ.

" فَرْعٌ"

ادَّعَى القتل عَلَى رجُل، وأقسم، وأخَذَ المال، ثم جاء آخر، وقال: إنَّ المحلوف عليه لم يَقْتُل مُوَرِّثك، وإنما أنا قتلتُه، فإن لم يصدِّقه الوارث، لم يؤثِّر إقراره فيما (4) جرى، وإن صدَّقه، فعليه ردُّ ما أخذ، وهل له الدعْوَى على الثاني ومطالبته؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الدعوَى على الأول اعترافٌ ببراءة غيره.
والثاني: نعم؛ لأنه ربما بَنَى الدعوى الأولَى على ظنٍّ حَصَل له، وإقرارُ الثاني يفيدُ اليقين أو ظنًا أقْوَى من الظنِّ الأول، فجاز أن يَعْدِل إليه من الأول، وهذا كالخلاف المذكور فيما إذا ادعى الانفرادَ عَلَى واحد ثم الشركةَ عَلَى آخَرَ، وصدَّقه الثاني، والله أعلم.

قال الغَزَالِي

ُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي القَسَامَةِ

وَفيهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الرُّكْنُ الأَوَّلُ فِي مَظَنَّتِها وَهِيَ قَتْلُ الحُرِّ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ فَلاَ قَسَامَةَ فِي المَالِ والأَطْرَافِ، وَفِي العَبْدِ قَوْلاَنِ، واللَّوْثُ قَرِينَةُ حَالٍ تُغَلَّبُ الظَّنِّ كَقَتِيلٍ فِي مَحَلَّةٍ بَيْنَهُم عَدَاوَةٌ أَو قَتِيلِ دَخَلَ صَفًّا وتَفَرَّقَ عَنْهُ جَمَاعَةً مَحْصُورُونَ، أَو قَتِيلٍ فِي صَفِّ الخَصْمِ المُقَابِلِ، أَوْ قَتِيلٍ في الصَّحْرَاءِ وَعَلَى18192021

الجزء: 11 - الصفحة: 11

رَأْسِهِ رَجُلٌ مَعَهُ سِكِّينٌ، وَقَوْلُ المَجْرُوحِ: قَتَلَني فُلانٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ، وَقَوْلُ وَاحِدٍ مِمَّن تُقبَلُ شَهَادَتُهُ لَوْثٌ، وَقَوْلُ جَمْعٍ مِمَّن تُقبَلُ رِوَايَتُهُم لَوْثٌ، والقِيَاسُ أَنَّ قَوْلَ وَاحِدٍ لَوْثٌ، وَأَمَّا عَدَدٌ مِنَ الصِّبْيَةِ والفَسَقَةِ فِيهِمُ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: قال الأئمة: القَسَامَةُ في اللُّغة: اسمٌ للأولياء الَّذين يَحْلِفُون على دعوى الدم، وفي لسان الفقهاء هي اسم للأَيْمَان.
وقال صاحب الصِّحَاح: القَسَامَةُ هي الأَيْمَانُ تُقَسَّم على الأولياء في الدَّم، وعلى التقديرَيْنِ، فهي 22 اسم أُقِيمَ 23 مُقَام المصْدَر، يقال: أَقْسَمَ إقْسَامًا وقَسَامَةً، كما يقال: أكْرَمَ إِكْرَامًا وكَرَامَةً.
قال الإِمام: ولا اختصاص لها بأيمان الدِّماء، إلا أن الفقهاء استعملُوها فيها، وأصحابُنا استعملُوها في 24 الأيمان الَّتي تقع البدايةُ فيها بالمُدَّعِي.
وصورتُها: أن يوجد قتيلٌ في موضعٍ لا يُعْرَف مَنْ قَتَلَه، ولا يقُوم عليْه بيِّنةٌ، ويدَّعِي الوليُّ قتْلَه على واحدٍ أو جماعة، ويقترن بالواقعةِ ما يُشْعر بصدْق الوليِّ في دعواه، ويقال له اللَّوْث، فيحلف على ما يَدَّعيه، ويُحْكَمُ بما سنذكره، وساعدنا على ذلك مالك وأحمد.
وعنْد أبي حنيفة: لا اعتبار باللَّوْث، ولا يبدأ بيمين المُدَّعِي، وإذا وجد قتيلٌ في محِلَّة أو قرية، وادَّعَى وليه قتْلَه على رَجُلٍ أو جماعةٍ بأعيانهم، فيختار الإِمام، ويقال ويختار الوليُّ خمسين رجلاً من صلحاءِ تلْك البقعة، فيَحْلِفون خمسين يمينًا أنَّهم ما قتَلُوه، ولا عَرَفُوا قاتِلَه، فإن نقَصُوا عن الخمسين، كرر الأيمان حتى يتم خمسين، وإذا حَلَفُوا وجَبَتِ الديةُ عَلَى عاقلة مِنْ بَنِي تلْك الخُطَّة، فإن لم يعرف الثاني، أو لم توجَدْ عاقلته، أخذتِ الدية من سكان ذلك المَوْضِع، وفيهم الحالِفُون في ثلاثِ سِنِينَ، وإن لم يحْلِفوا، حُبِسُوا حتَّى يحلفوا أو يُقِرُّوا.
قال: وإن وجد القتيلُ في مسْجِدٍ أو شارعِ سُوقٍ، فتؤخَذُ الديةُ من بيت المال.
وإن وُجِدَ في دارٍ، أخذتِ الديةُ من عاقلة رَبِّ الدار، وربما قالوا: من عاقلة مَنْ في الدار.
وإن وُجِدَ في دارِ نفْسِهِ، فالديةُ على عاقلته، وإن وجد بين 25 قريتَيْنِ، فالقسامةُ على أقربهما منْه.
وإن وُجِدَ في مفازة بعيدةٍ عن العمران، فهو هدَرٌ، هذا هو معْنَى القسامةِ عنْده، وفيه إثباتُ الدعوَى من غير تعيينْ المدَّعَى عليهم، والحبس لليمين والتَّغْريم مع أنه لم

الجزء: 11 - الصفحة: 12

تتوجَّه عليهم حجَّة، ومع أنهم حلَفُوا على أنه لا شيْء عليهم، والدليلُ على أنه يبدأ بيمين المُدَّعِي ما رُوِيَ عن سهْل بن أبي خثمة أن عبد الله بن سهْلٍ ومحيصة بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- خرجَا إلى خيبر فتفرَّقا لحاجتهما، فقُتِلَ عبْدُ الله، فقال محيصةُ لليهود: أنتم قتلتموه، فقالوا: ما قتَلْنَاه، فانطلَقَ هو وأخُوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخُو المَقْتُول -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فذكَرُوا لهُ قتْل عَبْدِ الله بْنِ سَهْل، فقال: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَحْضُر، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَيَحْلِفُ 26 لَكُمُ اليَهُودُ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فذكر أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَدَاهُ مِن عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمائَةِ ناقَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَد رَكَضَنِي مِنها ناقَةٌ حَمْرَاءٌ 27 ويروى [فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُنْفَعُ ألِيكم بِرمَّته ويروى] 28 أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلاَّ في القَسَامَةَ" 29 هذا هو القول الجُمَليُّ في القسامة، وإذا طلبتَ التفْصيل احتجْتَ إلى معرفة محَلِّ القسامة، ومظَنَّتها، ثم إلى معرفة كيفيتها، ثم إلى معرفة حُكْمها وفائدتها، ثم معرفة مَنْ يُقْسِم، فهذه أركان النَّظَر في الباب، فلذلك قال في الكتاب: "وفيها أربعة أركان، الركن الأول مظنتها" وفيه ثلاثة قيود:

الجزء: 11 - الصفحة: 13

أحدها: القتل؛ فلا قسامة في إتْلاف الأمْوال، ولا فيما دُون النَّفْس من الجراحاتِ والأطرافِ بل القول فيها قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه، سواء كان هناك لَوْثٌ أو لم يكُنْ، لأن البداية بيمين المُدَّعِي خلافَ القياس والنصِّ، وإنما وَرَدَ في النفْس، وحرمةُ النفس أعظمُ من حرمة الأطرافِ، ولذلك افترقا في وجوب الكفَّارة، فلا تلحق غير النفْس بالنفْس، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني أن بعض أصحابنا ذَكَر في الخلافيَّات وجهًا آخر في الأطْرَاف، وغلَّط قائله، وبنى على المذْهَب أنه لو جرح مُسْلِمٌ فارْتدَّ، ثم مات بالسراية، لم تجز القَسَامةُ؛ لأن الواجب ضمان الجراحة، والنفسُ صارتْ مهدرةً ولو عاد إلى الإسْلام، ثم مات جرتِ القَسَامةُ، سواءٌ أوجبنا كمال الدية أو لم نوجبْها؛ لأن الواجِبَ بدَلُ النفْس، وكذا الحكْم فيما لو جرح ذميٌّ فنقض العهد ثم مات أو جدَّد العهْد، ثم مات.
الثاني: مصادفة القَتْل الحُرَّ، فلو قتل العبْدُ، وهناك لوْثٌ، فادعى السيِّد على حرٍّ أو عبْدٍ أنه قتله، فهل يُقْسِم؟ فيه طريقان: أشهَرُهما: أنه على القولَيْن في أن بدل العبد هل تحمله العاقلة، إن قلْنا: لا، فقَد ألحقناه بالبهائم وسائر الأموال، فلا 30 يجري في قتله القسامة، وإنْ قلنا: نعم، وهو الأصح، فيُقْسِم السيِّد، وهو المنصوص، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: القَطْع بأنه يُقْسِم، ولا يُخَرَّج على الخلاف في التحمُّل، وبه قال القاضي أبو حامد؛ وذلك لأنَّ القسامةَ لحفْظ الدماء وصيانتها، وهذه الحاجةُ تشمَلُ العبيد والأحرار، فأشبهتِ القسامةُ القصاصَ ووجوب الكفَّارة، وتَحمُّل العقْلِ لقطْع الفتنة، فإنَّ أولياء القتيل يَقْصِدُون الجاني وقومه، إذا لم تصلْ حقوقُهم إليهم، وقد لا تستقلُّ العاقِلَة بإيصال حقوقهم، فأمروا بالتحمُّل حسمًا لمادة الفتنة، [ولا يخاف من السيِّد الفتنة]؛ فإنَّ مقصود الساداتِ من العبيدِ المالية وإذا قلنا بالأصحِّ، فحُكم المدبَّرة والمستولَدَة حُكْم القِنِّ، وكذا المكاتَب؛ لأنَّ الكتابةَ تنفسخ بالمَوْت، وإذا أقسم السيِّد، فإن كانت الدعوَى على حُرٍّ، أخذت الدية من ماله في الحال، إن ادَّعَى العمْد المحْض، وإن ادَّعَى الخطأَ أو شبْه العَمْد، أخذها من عاقلة في ثلاث سنين، وإن كانتِ الدعوَى على عبْدٍ، فإن ادَّعَى العمْد المحض، ففي القصاصِ الخلافُ في ثبوت القصاص بالقَسَامة، وإذا قلْنا بالمنع، وهو الصحيح، أو كان قد ادَّعَى الخطأ أو شبه العمد، تعلَّقت القيمة برقبته.
وذكر الرويانيُّ أنَّ المُحامليَّ حكَى في "المقنع" قولاً أنّ العاقلةَ تتحمَّل من العمْد جنايته الخطأ، وحمله على خطأ 31 الكاتب.

الجزء: 11 - الصفحة: 14

الثالثةُ: كونُهُ في محلِّ اللَّوْث؛ فإن لم يكن لَوْث، لم تبدأ بيمين المُدَّعي، واللوثْ قرينة حال تبين الظن، وتوقع في القلب صدْق المُدَّعِي، وله طرق: منْها: أن يوجد قتيل في قبيلة أو حصْنٍ أو قريةٍ صغيرةٍ أو محلَّةٍ منفصلةٍ عن البلد الكبير، وبيْن القتيل وبيْن أهلها عداوةٌ ظاهرةٌ، فهو لوثٌ في حقِّهم، حتى إذا ادَّعَى الوليُّ القتل عليهم أو على بعْضِهم كان له أن يُقْسِم وكذا 32 كان الحال في قصَّة عبد الله ابن سهْل -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فإنَّ أهل خيبر كانُوا أعداءً للأنْصار -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ويشترط ألاَّ يساكِنَهُمْ غيرهم؛ ليكون لَوْثًا في حقِّهم، وإلا، فربما قتلَهُ غيرهم، وإن كان القتيلُ عدوًّا لهم، ومنهم مَنْ يقول: الشرط أن لا يخالطهم غيرهم، حتى لو كانَتِ القريةُ على قارعة الطريق، وكان يطرُقُها غيرهم، فلا لَوْث، وعلى الأول، لا بأس بمخالطة المجتازِينَ للحاجَاتِ؛ كالتجارة وغيرها، وهو الأوجه 33 فإن خيبر، كانَتْ يطْرُقُها الأنصار.
ومنْها: تفرُّق جماعةٍ عن قتيل في دَارٍ كان قد دخَل عليهم حنيفًا أو دخَلَها معهم في حاجة أو في مسْجِدٍ أو [في] 34 بستان أو طريقٍ أو في 35 الصحراء، فهو لَوْث، وكذا لو ازدحم قوْمٌ على رَأْس بئر للاستقاء أو على باب الكَعْبة أو في الطواف أو في مَضِيق، ثم تفرَّقوا عن قتيل؛ لأنَّه يغلب على الظن أنَّهم قتلوه أو بعْضُهم قتَلَه قصْدًا أو دوسًا بالأقدام؛ ولا يُشْتَرِط في هذا الطريق أن يكون بيْنَه وبيْنَهم عداوة.
ومنْها: إذا تقابل صفان يتقاتلان، وانكشفوا عن قتيل مِنْ أحد الصفَّيْن، فإن التحموا، واختلطَ بعْضُهم ببعض أو كان يَصِلُ سلاح أحد الصَّنْفَيْن إلى الآخَر، إما رمِّيًّا أو طعْنًا أو ضرْبًا، فهو لوْثٌ في حق أهل الصفِّ الآخر؛ لأن الظاهر أن أهل صفِّه لا يقتلونه، وإن لم يلتَحِموا، ولا كان يَصِلُ السلاح، فاللوث في حق [أهل] 36 صفه.
ومنها: إذا وجد قتيلٌ في الصحراء، وعنده رجُلٌ معه سلاحٌ متلطِّخ بالدم أو على ثَوْبِه أثر الدم، فهو لوث، وإن كان بقربه سبُعٌ أو رجُلٌ آخر مُولٍ ظَهْرَه أو وُجِد أثر قدَمٍ أو ترشيش دم في غير الجهة التي فيها صاحبُ السلاح، لم يوجِبْ ذلك اللَّوْثَ في حقِّه، ولو رأينا [شيئًا] من بعيد 37 رجلاً يُحرِّك يده، كما يفعل مَنْ يضرب بالسيف أو السِّكِّين، ثم وجدْنا في الموضع قتيلاً، فهو لوث في حقِّ ذلك الرجل.

الجزء: 11 - الصفحة: 15

ومنها: إذا شهد عدْلٌ بأن فلانًا قتل فلانًا، فهذا لوْثٌ، ولو شهد جماعةٌ ممن تُقبَلُ روايتهم؛ كالعبيد والنسوة، فإن جاؤوا متفرقين، فكذلك؛ لأن الغالِبَ أن اتفاق أقوالهم لا يصدُر إلا عن حقيقة، وإن جاؤوا دفعةً واحدةً، فوجهان 38: أشهرهما: المنع؛ لاحتمال أنهم تواطؤوا أو لقنوا، وأقواهما أنه لوْث؛ لأنه يثير نوْعَ الظنِّ، واحتمال التواطؤِ كاحتمال الكذِبِ في شهادة العدْل الواحِدِ، وهذا ما يوافقه إطلاقُ صاحب الكتاب، وكذلك أطلق الشيخُ أبو حامد، وفي "التهذيب" أن شهادة اثنَيْنِ من العبيد والنسوةِ كشهادة الجَمْع.
وقال في الكتاب: "والقياس أن قوْلَ واحدٍ منهم لوْثٌ أيضًا"، ويشبه أن يُرتَّب هذا على الوجهين فيما إذا جاء جَمْعٌ منهم، وشهِدُوا مجتمعِينَ، فإن لم نجعلْه لوثًا، لم نجعل قول الواحد منهم لوْثًا، وأما الَّذين لا تُقْبَل روايتُهم؛ كالصِّبْية والفَسَقة وأهل الذمة، فهل يكون قولُهم لوثًا؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المذكور في "التهذيب": المنع؛ لأنه لا اعتبار بقَوْلِهِم في الشَّرْع.
وأرجحهما على ما قاله ابن الصبَّاغ وغيره: نعم؛ لأن الغالب أن اتفاق الجماعة الكبيرة على الإخبار عن الشيء كيف كان لا يكون إلا عن حقيقة، واختلفتِ الروايةُ عن أبي إسحاق، فمنهم مَنْ روَى عنه الوجْه الأوَّل، ومنهم مَنْ روَى عنه الثَّانِيَ وعنْ "المنهاج" للشيخ أبي محمَّد؛ أنه يحصُل اللوْث بقَوْل الصِّبيان والفسقة دون الكفار وليس من موجبات اللوث قولُ المجروح: جرَحَنِي أو قتَلَنِي فلانٌ أو دَمِّي عند فلان؛ لأنه منعٌ، فلا يعتمد قوله، وقد يكون بينه وبين غيره عداوةٌ فيقصدُ إهلاكه.
وقال مالك: هو لَوْث.
ولْيعلَمْ قوله في الكتاب: "والأطراف" بالواو [للوجه المذكور] 39. وقوله "قولان" في مسألة العبد، بالواو؛ للطريقة القاطعة بجريان القَسَامة في "شرح مختصر الجوينيِّ" أن ابن سريج وأبا إسحاق يَذْهَبَان إليها.

الجزء: 11 - الصفحة: 16

وقوله "يغلب على الظن" أي صدق المُدَّعِي.
وقوله "كقتيل في محِلَّةِ بينهم عداوة" يجوز أن يُعْلَم بالميم.
كذا جميع طرق اللوث المذكورة في الكتاب، سوى شهادةِ العَدْل الواحد؛ لأن صاحب "البيان" نقل عن مالك أن شيئًا منْها ليْس بلَوْثٍ سوى شهادة العَدْل الواحد [وقولها "تَفَرَّقَ] عنْه جماعةٌ محصُورون" كان الإشارة بلفظ "المحْصُورين" إلى أن الجماعة لو كانوا بحَيْث لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القتل، فلا تسمع الدعوَى عليهم، ولا يُمَكَّن من القسامة عليهم على ما مَرَّ، ولو ازدحَمَ الجمْعُ الذين لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القَتْل في مضيق وتَفرَّقوا عن قتيل، فادعى الوليُّ القتْلَ على عددٍ منهم يُتصوَّر اجتماعهم على القتْل، فينبغي أن يُقْبَل 40 ويُمَكَّن في القسامة، كما لو ثبت اللَّوْث في حقّ جماعة محصورين، وادَّعى الوليُّ القتل على بعضهم.
وقوله: "أو قتيلٍ في صفِّ الخَصْم المقابل" قد يفهم منه أنه وجد في صف الخصم المقابلين لصفة، لكنه ليس بشَرْطٍ، بل لا فرق بين أن يوجد في صَفِّ نفسه أو صفِّ الخَصْم أو بين الصفين فالمعنى: وقتل كان في صفِّ الخصم المقابل.
وقوله: "وعلى رأسه رجلٌ معه سِكِّينٌ" لم يتعرَّض لتضمخه بالدم، وعرض له في "الوسيط" ولذلك ذكر أكثرهم تَلَطُّخ السكِّين أو يلطُّخ الثوب، ولا يَبْعُدُ أن لا يشترط ذلك.
وقوله "ليس بلوث" [مُعْلَم] 41 بالميم.
وقوله "وَقَوْلُ واحد ممن تُقْبَلُ شهادَتُه لَوْثٌ" يمكن أن يُعْلَم بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" قال: إذا شهدتما بما يدعيه عدْلٌ واحدٌ، فيُبْنَى على اختلاف الأصحاب في الشاهد واليَمِينِ؛ في أنَّ الحُكْم يقع بالشهادةِ واليمينُ مرجِّحَة، أو يقع باليمين أو بهما، إن قلنا: الحكْم يقع باليمين، والشهادةُ مرجِّحة، كان ذلك لوثًا، وإن قلْنا: الحكم بالشهادة أو بهما، لم يكن لَوْثًا، ولكن يحلف المدَّعِي مع شاهده، إلا أنه لا يثبت القصاص، ثم إن شَهِد العدْل الواحدُ بعْد دعوى المدَّعِي، فاللوث حاصل، وإن تقدم قول العدل على الدعْوَى، فينبغي أن يُكْتَفَى به؛ لحُصُول اللوث، ولا يُجْعَل السبيلُ فيه سبيلَ الشهادات المخصوصة بمَجْلِس الحُكْم المسبوقة بالدعْوَى، وفي لفظ الكتاب إشْعَارٌ به؛ حيث قال: "وقول واحدٍ ممَّنْ تُقْبل شهادتُه لوْثٌ"، وكذا الحال في قول العبيد والصبية؛ فلا ينبغي أن يفرق بين أن يتقدَّم على الدعْوَى أو يتأخَّر.
وقوله "وقول جَمْعٍ ممن يُقْبَل روايتهم لوْثٌ" يجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الفارق [والله أعلم].

الجزء: 11 - الصفحة: 17

" فُرُوعٌ"

ذكر في "التهذيب": أنه لو وقَع في ألسن الخاصِّ والعامِّ أنَّ فلاناً قَتَلَ فلاناً، فهو لوث عليه، ولا فرْق في القَسامة بيْن أن يَدَّعِيَ المُسْلِم على المُسْلِم، أو يكون أحدُهما كافرًا، وعن مالك: أنه لا يُقْسِم الكا

فرُ ع

لى المُسْلِم، قال الإِمام: وإذا عايَنَ القاضِي ما هو لَوْث، فله الاعتماد عليه، ولا يخرج على الخلاف في قضائه بعلْمه؛ لأنه يقضي بالأَيْمَان، وفي "التتمة": أن القتيل إذا وُجدَ قريبًا من قرية، وليس هناك عمارة أخرَى، ولا من يقيم في الصحراء، ثَبَت اللوث في حقِّهم، يعني إذا وجدت العداوةُ [وكنا] نحكم باللوث [إذا] وجد القتيل فيها، فكذلك إذا وجد قريبًا منها، قال: ولو وجد قتيلٌ بين قريتَيْنِ أو قبيلتين، ولم يُعْرَف بينه وبين واحدةٍ منها عداوةٌ؛ فلا يجْعَل قُرْبه من إحداهما لوثاً؛ لأن العادة قد جَرَتْ بأن يُبْعِدَ القاتلُ القتيلَ عن فنائه؛ ويثقله إلى بقْعة أخْرَى دفْعاً للتهمةِ عن نفْسِه، وما رُوِيَ في الخبر والأثَر على خلاف ما ذكَرْنا، فإن الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لم يثبت إسناده.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْقِطَاتُ اللَّوْثِ فَخَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَتَعَذَّرَ إِظْهَارُهُ عِنْدَ القَاضِي فَلَوْ ظَهَرَ عِنْدَ القَاضِي عَلَى جَمْعٍ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُعَيِّنْ، فَلَوْ قَالَ: القَاتِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَحَلَفُوا إلاَّ الواحِدَ فَلَهُ القَسَامَةُ عَلَى ذَلِكَ الوَاحِدِ لأَنَّ نُكُولَهُ لَوْثٌ، فَلَوْ نَكَلُوا جَمِيعاً فَقَالَ ظَهَرَ لِي الآنَ لَوْثٌ مُعَيَّنٌ وَقَدْ سَبَقَ مِنْهُ دَعْوَى الجَهْلِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ القَسَامَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد توجدُ الأمارةُ المشْعِرةُ بصدْق المُدَّعِي، لكنْ يعارضُها ما يُسْقِط أثرها، ويُبْطِل الظنَّ الحاصل بها عنْد تجريد النَّظَر [إليها]، فتكلم بعْدَ الكلامِ في الأماراتِ في الأمور التي يُسْقِطها، وعدَّها خمسة: أوَّلُها: أن يتعذر إثباته عند القاضي، ولا يَخْفَى أن تسمية تَعَذُّر الإثباتِ مُسْقِطاً توسُّعٌ وتساهُلٌ، وأنه إذا لم يثبُتِ اللوْث، لم يُمَكَّن المُدَّعِي من القَسَامة، وإذا ظهر اللَّوْث في حقِّ جماعة، فللوليِّ أن يعين بعضَهم منْ واحدٍ أو أكثر، ويدَّعِي عليه؛ لأن اللَّوْث كذلك يظهر؛ وقليلاً ما يتفق اختصاصُه بالشَّخْص الواحد، لكن لو قال الوليُّ: القاتل أحدهم ولست أعرفه، لم يتمكن من القسامة، وله أن يُحَلِّفهم، فإن حلَفوا، إلا واحدًا منْهم، فنكلوه يُشْعِرَ بأنه القاتل، ويكون لَوْثاً في حقِّه، فإذا طلب المدِّعِي أن يُقْسِم عليه، مُكِّن منه، ولو نكل الجميعُ ثم عيَّن المُدَّعِي أحدَهم وقال: قد بَانَ لي أنه القاتِل، وطلب أن يُقْسِم عليه؟ فوجهان: أحدهما: أنه لا يُمكَّن منه؛ لأنه قد اعترف بالجَهْل أولاً.
وأشبههما: التمكينُ؛ لأن اللوث حاصلٌ في حقِّهم جميعًا، وقد يَظْهَر له بعْد

الجزء: 11 - الصفحة: 18

الاشتباه أنَّ القاتل هو الذي عينه، ويقْرب هذا الخلافُ من الخلاف فيما إذا قال المُدِّعِي: لابينة لي، ثم جاء ببينة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: إِذَا ظَهَرَ اللَّوْثُ فِي أَصْلِ القَتْلِ دُونَ كَوْنهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يُمْنَعُ مِنَ القَسَامَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ بتَعَيَّنُ للْخِطَابِ العَاقِلَةُ وَلا الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ظهر اللوْث في أصل القتل دون كونه خطأً أو عمْداً، فهل يتمكَّن الوليُّ من القسامة على أصل القتل؟ ذكروا فيه وجهَيْن: أحدهما: نعم؛ لأنه إذا ظَهَر القاتلُ، خرج الدم عن كونه باطلاً مُهْدَراً.
وأظهرهما: المنع؛ لأن مطْلَق القتْل لا يفيد مطالبةَ القاتل، بل لا بُدَّ من ثبوت العمْدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد وأن يثبت كونُه خطا أو شبْهَ عَمْدٍ، وههنا كلماتٌ.
إحداهما: إنْ مكَّنَّاه من القسامة على أصْل القتْل، فعدمُ ظهور اللوث في صفة القتْل، ليس مانعاً منْ أصْل القَسَامة، ولا مُسْقِطاً أثر اللَّوْث، وإن لم يمكنْه، فاللوث المعتبَرُ لمْ يحْصُل، ففي تسميته مُسقِطاً تساهُلٌ وتوسُّع.
والثانية: قدَّمْنَا أن الدعوَى لا بد، وأن تكون مفصَّلةً، وأشرْنا إلى خلاف فيه، فإن ادَّعَى الوليُّ وفصَّل، وظهرتِ الأمارةُ المُشْعِرة بما يدعيه، فذاك، وإن فصَّل، وظهَرَتْ أمارة أصل القتل دُون الصفة، ففي القسامة على ما ظَهَرت أمارتُه، هذا الخلاف، وإن احتملْنا كونَ الدعوَى مجهولةً, فإذا أطلق الدعوَى، وظهر اللوث في مطْلَقِ القتْل، فيجيء هذا الخلاف، وعلَى هذا التصوير ينطبق ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه لو ادعَى على رجُلٍ أنه قتل أباه، ولم يقل 42: عمدًا ولا خطأ، وشهِدَ له شاهدٌ، لم يكن ذلك لوْثاً؛ لأنه لا يمكنه أن يحْلِف مع شاهده، ولو حَلَف لا يُمْكِن الحكم به؛ لأنه لا يَعْلَم صفة القتل، حتى يستوفي موجِبَه، هذا لفظه.
والثالثة: ما ذَكَرْناه في الفصْل يَدُلُّ على أن القسامة على القَتْل الموصوفِ تستدعي ظهورَ اللوث في القتل الموصوف، فقد يُفْهَم ما أطلقه الأصحابُ أن اللوْث في أصْل القتل، إذا ظهر، كَفَى؛ لتمكُّن الوليِّ من القسامة على القتل الموصوف، وما هو ببعيد؛ ألا ترى أنا ذَكَرْنا أنه لو ثبَتَ اللوْثُ في حقِّ جماعة وادَّعى الوليُّ على بعضهم، جاز ويُمَكّن من القسامة، فكما لا يعتبر ظهُور اللوث فيما يَرْجِع إلى الانفراد والاشتراك، جاز ألا يُعْتبر ظُهُور 43 اللوث فيما يرجع إلى صفتَيِ العمْدِ والخطأ.

الجزء: 11 - الصفحة: 19

قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ الجَانِي كَوْنَهُ غَائِبًا فَإذَا حَلَفَ سَقَطَ بِيَمِينِهِ أَثْرَ اللَّوْثِ، فَإنْ أَقَامَ عَلَى الغَيْبَةِ بِيِّنَةً بَعْدَ الحُكْمِ بِالقَسَامَةِ نُقِضَ الحُكْمُ، وَلَوْ كَانَ وَقْتَ القَتْلِ مَحْبُوساً أوْ مَرِيضاً وَلَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ قَاتِلاً إِلاَّ عَلَى بُعْدٍ فَفِي سُقُوطِ اللَّوْثِ بِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكر المُدَّعى عليه اللَّوْث في حقِّه بأن قال: لم أكنْ مع القوم الَّذين تفرَّقوا عن هذا القتيل، أو لسْتُ الرجُلَ الذي وُجِد على رأْسه، وفي يده السكِّينَ المتضمخ بالدم أو لَسْت الذي رُئي من بعيد يضربه فعلى المدَّعِي البينةُ على قيام الأمارة التي يدَّعيها، فإن لم تكن بيِّنةٌ، حلف المدَّعَى عليه على نفْيها، وسقَط اللَّوْث، ويبقَى مجرَّد الدعْوَى.
ولو قال: كنت غائباً يوم القتل أو ادَّعَى على جمع، فقال أحدهم: كنتُ غائباً، فيصدَّق بيمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته، وعلى المدَّعِي البينةُ على حضوره يومئذ، أو على إقراره بالحضور، فإن أقام المدَّعِي بينةً على حضوره، والمدَّعَى عليه بينةً على الغَيْبَة، ففي "الوسيط" أنهما يتساقَطَانِ، وقال في "التهذيب": بينة الغيبة مقدَّمة؛ لأنَّ معها زيادةُ عِلْمٍ، وهذا عند الاتفاق على أنه كان حاضراً منْ قَبْل، ويُعْتبر في بينة الغيبة أن يقولوا: إنه كان غائباً إلى مَوْضع كذا، أما لو اقتصروا على أنه لم يَكُنْ ههنا، فهذا نفْىٌ محضٌ لا تسمع الشهادة به 44. ولو أقسم المدَّعِي، وحكم الحاكم بموجِب القسامة، ثم أقام المدَّعَى عليه البينةَ على غيبته يوم القتل، أو أَقَرَّ المُدَّعِي نقض الحُكْم، واسترد المال، وكذا لو قامتِ البينةُ على أن القاتلَ غيْرُهُ، ولو قال الشهود: لم يقتلْه هذا، واقتصروا عليه، لم تُقْبَل شهادتُهم، ولو كان محبوساً 45 أو مريضًا يوم القتل، فهل هما كالغيبة، حتى يَسْقُط اللوْث، إذا ثبت الحالُ بالبينة أو بإقرارِ المدَّعي؟ فيه وجهان، وموضع الوجهين ما إذا أمكَنَ أن يكونَ قاتلاً، لكن بضرب حيلة وتصوير بعيد، وبالمعنيَيْنِ يوجَّه الوجهان، والأشبه إلحاقُهما بالغيبة لانخرام الظن بالقتل.
وقوله "أن يدعي الجاني" يعني المدَّعَى عليه سمَّاه جانياً؛ لأنه تُدَّعَى عليه الجناية، ويجعل 46 في محل الجَانِينَ 47. قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّ فُلاناً قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ القَتِيلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَوْثاً، وَلَوْ قَالَ: قَتَلَ هَذَا القَتِيلَ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَهُوَ لَوْثٌ لأَنَّ تَعْيِينُ القَاتِلِ يَعْسُرُ، وَقِيلَ: لا لَوْثَ فِي المَوْضِعَيْنِ.

الجزء: 11 - الصفحة: 20

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهِدَ شاهدٌ أو شاهدان؛ بأنَّ فلاناً قتَلَ أحدَ هذَيْنِ القتيلين، لم يكن لوثاً؛ لأن ذلك لا يوقع في القَلْب صدْق وليِّ أحدهما، إذا ادَّعَى القتل عليه، ولو شهِدَ أو شهدا في القتيل الواحد؛ بأنه قتله أحدُ هذَيْنِ الرجلَيْنِ، ثبَتَ اللوْث في حقِّهما، حتى إذا عيَّن الوليُّ أحدهما، وادَّعَى عليه، كان له أن يُقْسِم كما لو تفرَّق اثنان أو جماعةٌ عن قتيل على التصويرات التي سبقت، وفيه وجْه أنه لا لوْثَ في الصورة الثانية أيضًا، للإبهام 48 كما في الأولَى، والظاهر الفرْق، ويُحْكَى ذلك عن القاضي الحُسَيْن.
وقوله "لأن تعيين القاِتل يعسر" 49 معناه أن القاتِلَ يُخْفِي القتْل ما أمكنه دفْعاً للمحْذُور عن نفْسه فيعسر تعيينه، وإن ظن القتل بأحد الشخصين أو الجماعةِ، والقَتيلُ بخلافه، وعَدُّ المسألةِ من المسقطاتِ ليس بواضح أيضًا؛ فإنَّ الكلام في أنه هل هُوَ لوث أم لا؟ قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ تَكْذِيبُ أَحَدِ الوَرَثَةِ هَلْ يُعَارِضُ اللَّوْثَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يُبْطِلُ فَلَوْ قَالَ أحَدُهُمَا: قتَلَ أبَانَا زَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ وَقَالَ الآخَرُ: قَتَلَهُ عَمْروٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ فَلاَ يَتَكَاذَبُ فَلَعَلَّ مَا جَهَلَهُ هَذَا عَلِمَهُ ذَاكَ، ثُمَّ مُعَيَّنُ زَيدٍ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَحِصَّتُهُ مِنْهَا الرُّبُعُ فَلا يُطَالَبُ إلاَّ بِالرُّبُعِ، وَكَذَا مُدَّعِي عَمْرو.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كان للَّذي هلَك وارثان كابنَيْنِ أو أخَوَيْن، فقال أحدُهما: قتل مورِّثَنا فلانٌ، وقد ظهر عليه اللَّوْث، وقال الآخر: إنه لم يقتلْه بل كان غائباً يوم القتل، وإنما قتلَه فلانٌ أو اقتَصَرَ على نفْي القتل عنه، أو قال: إنه [برأ] من الجراحة، ومات حتف أنْفِه، فهل يُبْطِل تكذيبُه اللوْثَ، ويُمْنَع الأوَّلُ من القسامة؟ فيه قولان منصُوصان في "المختصر".
أحدهما، وهو اختيار المزنيِّ: لا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يسقط تكذيب أحدِ الوارثين حقَّ الثاني، وأيضًا، فإن اللوْث دلالةٌ بنقل اليمين إلى جنبة المدعي، فتكذيب أحد الوارثين لا يمنع الآخر من اليمين، كما لو ادعَى أحد الوارثين دَيْناً للمورِّث، وأقام عليه شاهداً واحدًا، وكذَّبه الثاني لا يمنعه التكذيبُ من أن يحْلِف مع شاهده، وأيضًا، فلو كان أحد الوارثين صغِيراً أو غائباً، كان للبالغ الحاضرِ أن يُقْسِم مع احتمال التكذيبِ من الثاني، إذا بلغَ أو قَدِم.
والثاني: أنه يُبْطِل اللوْثَ؛ لأن إنكار الثاني يَدُلُّ على أنه ليس بقاتِلٍ، فإن النفوس مجبولةٌ على الانتقام من قاتل المورِّث، وإذا انخرم ظنُّ القتل، بَطَلت القسامة، والأصح

الجزء: 11 - الصفحة: 21

من القولين عند صاحب "التهذيب": الأول، وكلام العراقيين وغيرِهِمْ يميل إلى ترجح 50 الثاني، وَفرَّقوا بين الشاهد واليمين، وبين ما نحْنُ فيه؛ بأن شهادة الشاهدِ محقَّقة، وإن كذب الآخر، وهي حجَّة في نفسها، واللوث ليس بحجَّة، وإنما هو ظنٌّ مرجِّح، وتكذيبه يُبْطِل ذلك الظنَّ، وفيما إذا كان أحدُهما صغيراً أو غائباً، لم يوجد التكذيبُ الجازم للظنِّ، كما إذا ادعَى أحدهما، ولم يساعد الآخرُ، ولم يكذِّب، كان للمدعي أن يُقْسِم، وفي موضع القولَيْن طريقان: أحدهما: أن القولَيْن فيما إذا كان المكذِّب عدْلاً، أما إذا كان فاسقًا، فقوله غير معتبر في الشرع، فلا تتعطل 51 به القسامة.
وأصحُّهما: أنه لا فرق، فإن قول الفاسق فيما يُسْقِط حقَّه مقبولٌ؛ لانتفاء التهمة، ويُحْكَى هذا عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" فإن قلْنا: لا يبطل اللوث، فللمدعِي أن يُقْسِم ويأخذ حقَّه من الدية، وهو النصف، ولا بد، وأن يحلف خمْسِين يمينًا، فإن أيمان القسامة ما لم تَتِمَّ لا يؤخذ بها شيء، ولا يخرج على الخلاف فيما إذا اتفق الورثة على الدعوَى أن الأيْمان توزَّع أو يحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين، وإذا قال أحد الابنين: قتَلَ أبانا زيْدٌ، وقال الآخر: بل عمْرو، وقلنا: لا يبطل اللوثُ بالتكاذب، فيُقْسِم كلُّ واحد منهما على مَنْ عيَّنه، ويأخذ نصْف الدية، وإن قلَّنا: يُبْطِل، فلا قسامة، وكلُّ واحد منهما، يُحلِّف منْ عيَّنه، ولو قال أحد الابنين: قتل أبانا زيْدٌ ورجلٌ آخرُ لا أعرفه، وقال الآخر: قتله عمرو ورجل آخر لا أعرفه، فلا تكاذُبَ منهما؛ لاحتمال أن الذي أبهَمَ هذا، ذكره هو، الذي عيَّنَه الآخر، وكذلكَ بالعَكْس، فلكَلَّ واحدٍ أن يقسم على مَنْ عيَّنه، ويأخذ منْه ربْعَ الديةِ؛ لاعترافه بأن الواجبَ على مَنْ عيَّنه نِصْفُ الدية، وحصَّته منه نصْفُه، ثم إن عاد أو قال كلُّ واحد منهما: قد تبين لي أن الذي أَبهَمتُ ذكْرَه هو الذي عيَّنه الآخر 52، فلكلِّ واحدٍ منهما أن يُقْسِم على الآخر، ويأخذ منْه ربُعَ الدية، ويَحْلِفَ خمسين يميناً أو خمْسًا وعشرين؟ فيه خلافٌ يأتي [في] 53 نظائره، وإن قال كل واحد منهما: الذي أتهمتُ ذكْرَه ليس الذي عيَّنه أخِي، حصَل التكاذُبُ، فإن قلَّنا: تبطل القسامة، ردَّ كلُّ واحد ما أخَذَ بها، وإلاَّ، أقسم كلُّ واحدٍ منهما على مَنْ عيَّنه ثانيًا، وأخَذَ منْه رُبُعَ الدية، ولو قال الذي عَيَّن زيدًا تبين إلى أن الذي أبهمت ذكْره عمرو الذي عيَّنه أخي، وقال الذي عين عمْراً تبين لي أن الذي أبهمتُ ذكْره رجُلٌ آخر لا زيد فالذي عيَّن عمرًا لم يكذبه أخوه، فله أن يُقْسِم على

الجزء: 11 - الصفحة: 22

عمرو، ويأخذ منه ربُعَ الدية، والذي عيَّن زيداً، كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدُّ ما أُخذ، وحلَف المدعَى عليه، وإلا، أقْسَمَ علَى منْ عينه وأخذ منه ربُع الدية، والذي عيَّن زيداً كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدَّ ما أخذ، وحلفَ المدعَى عليه، وإلاَّ، أقسم على مَن عيَّنه، وأخَذ منْه ربع الدية ولو قال أحد الابنين: قَتَل أبانا زيْدٌ وحده، وقال الآخر: قتله زيدٌ وعمرو بالشَّرِكة، فإن قلنا: إن التكاذب لا يُبْطِل القسامة، فيُقْسم الأولُ على زيْد، ويأخذ منه نصف الدية، ويُقْسم الثاني عليهما، ويأخذ منْ كل واحدٍ ربعَ الدية، وإن قلنا: إنه يبطلها، فالتكاذب ههنا في النصف، قال أبو سعيد المتولِّي: وهل يؤثر في بطلان اللوْث والقسامة في الكلّ ينبني على ما إذا شهِدَ لشخصَيْن، وردَّت شهادته لأحدهما، هل تَبْطُل في حق الآخر؟ إن قلنا: نعم، فكذلك القسامة، وإن بعَّضْنا الشهادة، فكذلك نبعض القسامة، وهذا ما أورده غيره، وقالوا: يقسم الأول على زَيْد، ويأخذ منه ربع الدية؛ لأن ما بقي فيه اللوث من حصة النصف.
والثاني: يُقْسم عليه ويأخذ ربع الدية 54، ولا يقسم على عمرو؛ لأن أخاه كذَّبه في الشركة، والأوَّل يُحلِّف زيدًا، لَمَّا بطلت فيه القسامة، والثاني يُحَلِّف عمراً، ولو قال أحدهما: قتل أبانا زيدٌ وعمرو، وقال الآخر: لا بل قتله بكرٌ وخالد، فإنْ أبطلنا القسامة بالتكذيب، لم يُقْسِم واحد منهما، ويُحلِّف كلُّ واحد منهما اللَّذين عيَّنَهما، وإن لم نبطلْها، أقسم كلَّ واحد منهما على اللَّذَيْنِ عيَّنهما، وأخذ من كل واحدٍ ربُعَ الدية، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ مُبْطِلاَتِ اللَّوْثِ أَلاَّ يَكُونَ عَلَى القَتِيلِ أَثَرُ جُرْحٍ وَتَخْنِيقٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يُشترط في القسامة ظهور الجراحة والدَّم، ولا يَبْطُل اللَّوْث بالخلُوِّ 55 عنهما؛ لأن [القتل] 56 قد يحصل بالخنْق وعَصْر الخِصْية والقَبْض على مَجْرَى النفس، فإذا ظهر أثر الخَنْق أو الضرب 57 أو العصر الشديد؛ قام ذلك مقام الجراحة والدم.
وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحةٌ ولا دم، فلا قَسامة، وإن وجدت الجراحةُ ثبتت القسامة، وإن وُجِدَ الدمُ دون الجراحة، فإنْ خرج مِنْ أنفه، فلا قسامة، وإن خرج من العَيْن أو الأذن، ثبتتِ القسامة.
وأُعْلِم؛ لمذهبه قولُه في الكتاب: "وليس من مبطلات اللوث ألا يكونَ على

الجزء: 11 - الصفحة: 23

القتيل أثرُ جُرْح أو تخنيق" ولك 58 أن تمحو هذه العلامة؛ [لأنه] 59، وإن شرط ذلك في القسامة، فلا نجعله مبْطِلاً لِلَّوْث، بل لا اعتبار باللوث عنده، والقسامة عنده على خلاف ما هي عنْدنا، كما مَرَّ، ولو لم يوجَدْ أثرٌ أصلاً، قال الصيدلانيُّ وصاحبُ التتمة: فلا قسامة، لاحتمال أنه مات فجأةً, والأصل أن غيره لم يتعرَّض له، وقال الإِمام: إذا صودِفَ ميِّتٌ لا أثر [عليه] أصلاً، وقد قيلَ: الأخذ على الأنف إلى انخناق النفَسُ يُسوِّد وجه الميت، ويثور الدم صَعَداً، فإذا لم يظهر أثرٌ، فالحمل على الموت الوفاقي ممكنٌ، فهذا فيه بعْضُ النظر، وإذا فاضتِ النفْس، فقد ينعكس الدم إلى مقرِّه، والأمرُ محتملٌ، والعلْم عند الله، وهذا السياق يُشْعر بأن الظاهر أنه لا يعتبر ظهور الأثر أصلاً، وكذلك ذكر القاضي الرويانيُّ, والمتوجَّه ما مرَّ.
ولا بد أن يُعْلَم أنه قتيلٌ، ثم يبحث عن القاتل، وإذا وُجدَ بعض الشخْص في المحِلَّة، وتُحقَّق موته، ثبتت القسامة، سواءٌ وجد منه الرأس أو البدَن، وسواءٌ وجدَ الأقل [من البدن] 60 أو أكثر، فإذا وجِد بعضُه في محِلَّة، والبعض في أخْرَى، فللوليِّ أن يعيِّن، ويقسم.
وعند أبي حنيفة: إن وُجِدَ الرأس أو معْظَم البدن، ثبتت القسامةُ، وإلا، فلا قسامة.
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: كَيْفِيَّةُ القَسَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ المُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِيناً مُتَوالِيَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ التَّحْذِيرِ والتَّغْلِيظِ فَلَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ المُوَالاةُ فَإِنْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ يُبْنَى لِلْعُذْرِ، وَلَوْ عُزِلَ القَاضِي اسْتَأْنَفَ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ اسْتَأْنَفَ الوَارِثُ، وَلاَ قَسَامَةَ فِي غَيْبَةِ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ بِخِلافِ البَيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أيمانُ القسامةِ خمسونَ على ما روَيْناه في الخَبَر، وكيفية اليمين كما في سائر الدَّعاوَى، ويَذْكُر المدعي في اليمين؛ لقد قَتَل هَذَا، ويشير إليه أو يقول: لقد قتل فلان بنُ فُلان، ويرفع [في] نسبه أو يُعَرِّفه بما يمتاز به من قبيلةٍ أو صناعة أو لَقَبٍ، ويعرِّفه كذلك منفردًا بقتله، وإن ادعَى على اثنَيْنِ، فإن قتلاه منفردَيْن بقتله نصَّ الشافعيُّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- على ذكر الانْفراد، واختلفَ الأصحابْ فيه، فمنْ قائل إنه تأكيد وإلا فقضية قوْلنا قَتَل فلانُ فلاناً انفرادُه به، ومِنْ قائل؛ إنه شرْطُ، لجواز الانفراد بالقتل في الصورة مع الاشتراك في حكم القتل، كالمكره مع المكره، ويتعرض لكونه عمدًا أو خَطَأً، وذكر الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه لو ادَّعى الجاني أنه برئ من الجراح، زاد

الجزء: 11 - الصفحة: 24

في اليمين وما برئ 61 من جراحةِ فلانٍ، حتى مات منها، واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنه إذا ادعَى البُرْء 62 من الجراحة، فقد اعترف بها، فكَيْف يحْلِف المدَّعِي.
والثاني: [أنه] 63 قد سبق أن الجانِيَ والوليَّ إذا اختلفا في الاندمال، وقد مضَى زمانٌ يُمْكن فيه الاندمال، فالقولُ قول الجاني على الظاهر، فلم يُجْعَل ههنا القوْل قولَ المجنيِّ عليه، ويحلف عليه.
وأجيب 64 عن الأوَّل: بأن دعوى البرء من الجراحة تقتضي الاعترافَ بالجراحة في نفسها, لا الاعتراف بجراحة نَفْسه، ويجوز أن يريد أن الجراحةَ التي ينسبها إليَّ كان قد برئ منها، ثم مات، ويكون غرضُه من ذلك إبطالِ اللَّوْث.
وعن الثاني بوجوه، فعن أبي إسحاق أن المسألة مفروضةٌ فيما إذا كان للمدَّعي بينة على أنه لم يزل ضمناً متألماً، حتى مات أو اعترف المدَّعَى عليه بذلك لكنه ادعَى أنه مات بسبب حدثٍ، فيحلف المدعي، ويُصدَّق؛ لأن الظاهر معه، وقيل: إنها مفروضةٌ فيما إذا اختلفا في أنه هل مضَتْ مدة يُمْكِن فيها الاندمال، فالقولُ قول الوليِّ؛ لأن الأصل أنها لم تمض، وقيل: إن صورة تصْديق الجاني ما إذا لم يكُنْ هناك لَوْث، فأما إذا وُجِدَ اللوث، فيصدق الوليُّ كما يجعل اليمين في جانبه احتياطًا للدم.
وفي الفصْل مسائلُ: إحداها: يُستحَبُّ للقاضي أن يحذِّر المدعِيَ، إذا أراد أن يحْلِف، ويعظَهُ، ويقول: اتَّق الله تعالى، ولا تحْلِف إلاَّ عن تحقُّق، ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 77] الآية.
والقول في التغليظ في اليمين بالزَّمان والمكان واللَّفظ منه ما مرَّ في اللعان، ومنه ما هو مؤخرٌ إلى الدعاوَى والبينات.
الثانية: هل يُشْترط أن تكون متواليةً؟ 65 فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن للموالاة وقعاً في النفُوس وأثرًا في الزجْر والردْع.
وأظهرهما، وهو الذي أورده أكثرهم: أنها لا تُشْترط؛ لأن الأيمان من جنْس

الجزء: 11 - الصفحة: 25

الحُجَجِ، والتفريقُ مع الحجج لا يَقْدَح كما إذا شهد الشهودُ متفرِّقين، وعلى هذا فلو حلَّفه القاضي الخمسينَ في خمْسين يوْماً، جاز.
وعن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" 66 أنه لو حلَفَ بعْضَ الأيمان، ثم استنظر القاضي، أنْظَرَه، وإذا عَادَ اعْتَدَّ له بما مضى، والوجهان قريبان من الوجهَيْنِ في اشتراط الموالاة في كلِمَات اللعان، لكن ذكرنا هناك أن الأشبه الاشتراطُ، ويُمْكن أن يفرق بأن اللعان أولَى بالاحتياط؛ من حيث إنَّه يتعلَّق به العقوبة البدنية، ومن حيث إنه يختلُّ به النسب وتشيع الفاحشة.
الثالثة: إذا جُنَّ المدعي في خلال الأيْمان أو أُغْمِيَ عليه، ثم أفّاق، فيُبْنَى، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نَشْترط الموالاةَ، فظاهر، وأما إذا شرطْناها، فلقيام العذْر، ولو عُزِلَ القاضي، أو ماتَ في أثنائها، وولَّى غيره، فالذي أورده في الكتاب، وهو الجواب في "التهذيب" وغيرهما: أن القاضي الثاني يستأنف: الأيمان، كما لو عُزِل القاضي أو ماتَ بعْد سماع البيَّنة، وقبل الحُكْم، وكما إذا أقام شاهِداً واحدًا، وأراد أن يحْلف معه، فعُزِل القاضي، وولي غيره 67، لا بُدَّ من استئناف الدعْوَى والشهادة، وحُكِيَ قول عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم": أن القاضي الثاني يَعْتَدُّ بما سبق من الأيمان، وذكر الرويانيُّ: أنه الصحيح، لكن "صاحب التتمة" حمل النص على ما إذا حلَفَ المدَّعَى عليه بعْض الأيمان تفريعاً على التعدُّد ثم مات القاضي أو عُزِلَ، وولِّي غيره، فإنه يَعْتدُّ بالأيمان السابقة، وفَرَق بأن يمين المدعَى عليه على النفي، فتقع نافذةً بنفسها، ويمين المدَّعِي للإثبات فيتوقَّف على الحكم، والقاضي الثاني لا يَحْكُم بحجة أقيمتْ عند الأول كما في الشهادة، وذكر أن عَزْل القاضي وموْتَه بعد تمام الأيمان كالعَزْل في أثنائها في الطَّرَفَيْن، وأنه لو عزل القاضي في أثناء الأيمان من جانب المدَّعِي أو المدعَى عليه، ثم وُلِّيَ ثانيًا فيبني على أن الحاكم هلْ يحكم بعلم نفسه؟ إنْ قلنا: لا، فيستأنف، وإن قلنا: نعم، فيبنى، ولو أن الولي المُقْسِم ومات في أثناء الأيمان، فقد نص في "المختصر": أن وارثه يستأنف، ولا يبنى؛ لأن الأيمان كالحُجَّة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، [ليس كما إذا جُنَّ ثم أفاق؛ فإنَّ الحالف واحدٌ قال الرويانيُّ] 68 وليس كما إذا أقام شطْر البينة ثم ماتَ حيْث يضُمُّ وارثه إليه الشطْر الثاني، ولا يستأنف؛ لأن شهادة كلِّ شاهد بها مستقلةٌ منفردةٌ عن شهادة الآخر، ألا ترى أنه إذا انضمت اليمين إليها قد يحكم بها، وأيمان القسامة لا استقلال لبعضها، ألا ترى أنه لو انضم إليه شهادة شاهدٍ, لا يحكم بهما، وعن الخضريِّ: أن الوارث يبني على

الجزء: 11 - الصفحة: 26

أيمان الموروث 69، وبنى الشيخ المتولِّي ذلك على أن أيمان القسامة توزَّع على أولياء الدم أو يَحْلف كل واحد منهم خمسين يميناً؟ فإن قلنا: يحلف كلُّ واحدٍ خمسين يمينًا استأنف الوارث؛ لأن مَنْ يقسم لا ينقص على هذا القول عن خمسين، وإن قلنا بالتوزيع، فيبني الوارث؛ لأنا نقول: الحقُّ على هذا القولِ يَثْبُت للمقتول، والورثةُ يحلفون بحكُمْ الخلافة عنه وإذا ضممنا يمينَ بعْض الورثة إلى بعْضِ لإثبات الحق للموروث 70 فأولى أن يكمل يمين المورث في إثبات حقِّه بيمين الوارث، قال: ولو ماتَ بعْد تمام الأيمان، حُكِم لورثته، كما لو أقام البيِّنة على الدعْوَى، ثم مات، ولو ماتَ المدَّعَى عليه في أثناء الأيمان، إذا كنا نحلِّفه في غير صورة اللَّوْث، أو لنُكُول المدَّعِي في صورة اللوث، فيبني وارثه على أيمانه.
الرابعة: هل تجوز القَسَامة في غيبة المدَّعَى عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، كما يجوز إقامةُ البيِّنة.
والثاني: لا؛ لأن اللوث ضعيفٌ لا يعوَّل عليه، إلا إذا سلم عن قدح الخصْم، ولا يمنع من القسامة كوْنُ المدَّعِي غائباً عنْ موضع القتْل، كما لا يمنع كونُه صبياً أو مجنوناً 71 وذلك لأنَّه قد يَعْرف الحالَ مِنْ بعْدُ بإقرار المدعَى عليه أو بالسماع ممَّن يثق به، ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرَضَ في قِصَّة عبْد الله بن سهْلِ -رَضِي اللهُ عنْهُ- اليمينَ على الأنصار مع أن القَتْل كان بخيبر وهم كانوا بالمدينة 72. وقوله في الكتاب: "وهو أن يَحْلَف المدعِي خمْسين يميناً"، ليعلَمْ بالحاء، لما ذكرنا أن عنده لا يَحْلِف المدَّعي.
وقوله: "متوالية في مجلسٍ واحدٍ" الخلاف في الموالاة قد عَرَفَتْهُ، ولا يُشْتَرط مع الموالاة كونُها في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذكر المجْلِس والمجلسَيْن يكنى 73 به عن الموالاة وعَدَمِها، وهذا 74 الذي عناه بقَوْلِهِ: "فلو كان في مجلسين فوجهان على ما هو مبين في "الوسيط" ولم يجمع هناك بين ذكر الموالاة وإيجاد المجلس.
وقوله "استأنف في مسألة عزل القاضي" مُعْلَم بالواوَ، وكذا 75 في التي بعْدها، والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 27

قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ كَانَ الوَارِثُ جَمَاعَةً فَفِي تَوْزِيع الخَمْسِينَ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يُوَزَّعُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ سَهْمِهِ مِنَ المِيرَاثِ، فَالثُّمُنْ والسُّدُسُ يَنْكَسِرُ فَيُتَمِّمُ اليَمِينَ المُنْكَسِرَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يُسْتَحِقُّ بالقسامة 76 يُسْتَحِقُّ بخمسين يمينًا؛ على ماقال -صلى الله عليه وسلم- "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ أَوْ قاتِلِكُمْ"، فإن كان الوارث واحدًا، وهو جائز [التصرف] 77 حلف خمسين [يمينًا] 78 وأخذ الدية، وإن لم يكنْ جائزاً، فكذلك يحلف خمسين؛ لأنه لا يمكنه أخْذُ شيْء من الدية، إلا بعد تمام الحُجَّة، فإذا حلفْ أخَذَ قدْر حقِّه، [والباقي لا يثبت بيمينه بل يكون الحُكْم فيه حكم من مات، ولا وارث له، وسيأتي إن شاء الله تعالى] وإن كان للقتيل وارثان فصَاعِدًا فقولان: أحدهما: أنَّ كل واحد منهم يَحْلِف خمْسين يميناً؛ لأن اليمينَ إذا توجَّهت على جماعة لَزِمَ كل واحدٍ منهم ما كان يلْزم الواحِدَ، لو انفرد باليمين الواحدة في سائر الدعاوى ولأن الاستحقاق معلَّق بالخمسين، وكلّ واحد يأخُذُ ما يأخذ بيمين نفسه، فعليه إتمام الخمسين، وكذلك، لو نَكَل [كل] 79 واحدٍ كانَ على الآخر أن يحْلِف تمام الخمسين، حتى يأخذ شيئًا.
وأصحُّهما، وبه أجاب ابنِ الحدَّاد: أن الأيمان توزَّع عليهم على قدْر مواريثهم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً لم يوجِبْ على الجماعة إلا خَمْسيِن، والقوْلان فيما ذكَر أبو سعْد المتولِّي مبنيان على أنه تجبْ الدية للوارثِ ابتداءً، أو تجب للقتيل ثم يتَلقَّاها الوارث منهُ إن قلنا بالأول، حَلَف كلُّ واحد خمسين، ولم يستحق بعضُهم شيئًا بيمين بعض، وإن قلْنا بالثاني، فيوزَّع عليهم؛ لأن المستحِقَّ واحدٌ، وهم خلفاءه، فيَحْلِف كل واحدٍ منهم بقَدْر خلافته.
وعن الماسرجسي أن النصَّ في المدعين أنهم يَحْلِفون على قدْر مواريثهم، وفيما

الجزء: 11 - الصفحة: 28

إذا ادَّعى على جماعة، نصَّ على قولَيْن، فمنهم مَنْ قال: فيهما قولان على سبيل النَّقْل، وبه قال القاضي أبو حامد، ومنْهم مَنْ خصَّص القولين بجانب المدعَى عليهم، لما سيأتي من الفرق، وقطَع في المدعين بالتوزيع، فحَصَلت طريقةٌ قاطعة بالتوزيع.
ويجوزُ أن يُعْلَم؛ لها قولُه في الكتاب: "قولان" بالواو.
التفريعُ: إن قلْنا: يحلف كلُّ واحد منهم خمسين، فذاك، ولا إشْكَال، وإن قلْنا بالتوزيع فتوزَّع الأيمان عليهم على قدْر أنصبائهم، سواةٌ كانوا أصحاب فروض أو عصَباتٍ أو اجتمع 80 الصنفان 81، وإذا وقع كَسْرٌ تمْمنا المنكسر، فإذا كان له ابنان، حَلَف كل واحد خمسًا وعشرين، وإن كانوا ثلاثةً، حلف كل واحد سبْع عَشْرةَ، وإن كانوا أربعةً، حلَفَ كلُّ واحدٍ ثلاثَ عشْرَةَ، وحصَّةُ كلِّ واحد عنْد التوزيع اثنتا عشْرةَ ونصْفٌ.
وإذا خلف زوجة وابناً، فحصَّة الزوجة من الخمسين ستَّةٌ وربْعٌ، وحصة الابن ثلاثةٌ وأربعونَ، وثلاثة أرباع، فتَحْلِف هي سبعاً، والابنُ أرْبعاً وأربعين.
وإن خَلَّف أُمَّاً وابناً، فحصَّتها ثمانيةٌ وثلْثٌ فتحلف تسعاً, والابنُ اثنين وأربعين أيضًا.
وإن خلف زوجة وبنتاً، جُعِلت الأيمان بينهما على خمسةٍ، فتحلف الزوجة عشرًا، والبنت أربعين؛ لأن نصيب البنْت كنصيب الزوجة أربعَ مرَّات.
وفي زوجِ وبنْتٍ، تجعل الأيمانْ بينهما أثلاثاً؛ لأنَّ نصيبهما ضعْفُ نصيب الزوج.
وإذا خَلَّفَ أكثر من خمسين ابناً أو أخًا، حَلَف كلُّ واحد يمينًا واحدة، وإن كانوا تسعةً وأربعينَ، حلَف كلُّ واحد منهم يمينَيْنِ؛ لأن الواحدة التي تبقى تُقَسَّم بينهم، ويتمَّم.
وفي صورة الجَدِّ والإخوة تقسَّم الأيمان كما يُقَسَّم المال، وفي المعادة لا يحلف ولدُ الأب، إن لم يأخذ شيئًا، وإن كان يأخذ شيئًا حَلَف بقَدْر حقّه، ففي جدٍّ وأخ من الأبوَيْن أو من الأبِ، تُجْعل الأيمان بينهما نصفَيْن.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوين وآخر من الأب يحْلِف الجدُّ ثلثَ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر سبعةَ عَشَرَ، ويأخذ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاعِ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر ثلاثةٌ وعشرون يميناً ويحلف الأخ من الأبوَيْن أربعةً وثلاثين، ولا يَحْلِف الأخُ من الأبِ؛ لأنه لا يأخذ شيْئًا فلا يَحْلِف لغيره.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ يحْلِف الجدّ خُمْسَي الأيمان، ويأخُذْ خمْس الدية، وَيحْلِف الأخُ ثلاثةَ أخماس الأيْمَان، ويأخُذْ ثلاثةَ أحْماس الدِّيَةَ.

الجزء: 11 - الصفحة: 29

وفي جَدٍّ وأخٍ وأخت من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ، يَحْلِف الجدُّ ثلُث الأيمان، وهو معَ جَبْر المنْكَسِر سبْعة عشرَ، ويأخُذُ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاع الأيمانِ، وهي معَ جَبْر المنْكَسِر ثلاثةٌ وعشْرون، وبلا جَبْر اثنان وعشرون وتُسْعان، وتحلف الأخت للأبوين تُسْعَا الأيمان، وهي اثنتا عشْرة يمينًا وتُسْعا الخمسين أحدَ عَشَرَ وتُسْعٌ، ولا تحْلِف الأختُ للأب.
وفي جدٍّ وأختٍ من الأبوين، وأخ من الأب يَحْلِف الجدُّ خُمْسَي الأيمان، ويأخذ خُمْسَي المال، وتحْلف الأخت نصف الأيمان، وتأخُذُ نصْف المال، ويحْلِف الأخ عُشْر الأيمان، وهو خَمْس، ويأخذ عُشْر المال، وعلى هذا القياس، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانُوا غِيَابًا فَلا يَأْخُذُ الحَاضِر حِصَّتَهُ مَا لَمْ يُتِمَّ خَمْسِينَ يَمِيناً، فَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً حَلَفَ الأَوَّلُ خَمْسينَ يَمِيناً وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّانِي حَلَفَ ثُلُثَ الأَيْمَانِ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّالِثُ حَلَفَ نِصْفَ الأَيْمَانِ، وَلَوْ خَلَّفَ وَلَداً خُنْثَى وَأَخاً لأَبٍ حَلَفَ الخُنْثىَ خَمْسِينَ لاحْتِمَالِ أنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ لاِحْتِمَالِ أنَّهُ أُنْثَى، فَإنْ أَرَادَ الأَخُ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ خَمْساً وَعِشْرِينَ يَمِيناً، وفَائِدَتُهُ أَنْ يَنْتَزِعَ النِّصْفَ مِنْ يَدِ الجَاني وَيُوقِفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخُنْثَى فَإِذَا ظَهَرَ الحَالُ سُلِّمَ بِحُكْمِ اليَمِينِ السَّابِقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل قاعدتانِ تتفرَّعان على أصحِّ القولَيْن، وهو التوزيعُ.
إحداهما: إذا نَكَلَ أحدُ الوارثين، ولا فَرْقَ في نكول النَّاكِل بيْن أن يَنْكُل عن جميع حصَّته من الأيمان أو عن بعْضِها، ولو كانَ بعْضُهم غائباً، فالحَاضِر يتخيَّر بين أن يصبر إلى أن يحْضُر الغائبُ، فيَحْلِف كلُّ واحدٍ بقَدْر حصَّته، وبين أن يحْلِف في الحال خمْسين يميناً، ويأخُذ قدْر حَقِّه، فلو كان الورثة ثلاثة بنِينَ؛ أحدُهم حاضرٌ، وأراد أن يحلِف حلف خمسين يميناً، ويأخُذ ثلث الدية، فإذا قَدِم ثانٍ، حلَفَ نصف الأيمان خمسًا وعشرين، كما لو كانا حاضرَيْنِ في الابتداء، ويأخذ ثلُث الدية، فإذا قدم الثالثُ، حلَف ثلث الأيمان، وهو مع جبْر ما انكسر سبعَ عشرةَ، ويأخذ الباقِيَ من الدية.
ولو كانوا أربعة؛ أحدهم حاضرٌ، [فيحلف] 82 خمسين، ويأخذ ربع الدية، وإذا قدِمَ آخَرُ، حلَف خمسًا وعشْرين، وإذا قَدِمَ ثالثٌ، حلف سبعَ عشرةَ، فإذا قدِمَ الرابع، حلف ثلاثَ عشْرَةَ، وإن فُرِضَ خامس، فإذا قدِمَ، حلَف عشْرًا، ولو كان اثنان من الأربعة حاضرَيْنِ، واثنان غائبَيْنِ، حلَف كلُّ واحد من الحاضرَيْنِ خمسًا وعشرين، وإذا قدِمَ الثالث والرابع فالحُكْم على ما ذكَرْنا، وإن قدم الغائبان معًا، حلَف كلُّ واحد منهما

الجزء: 11 - الصفحة: 30

ثَلاثَ عشرةَ، ونظير 83 المسألة ما إذا حَضَر أحدُ الشركاء يأْخُذ جميع المَبيع بالشُّفْعة، فإذا قَدِم آخر شاركه، وجُعِلَ بيْنَهما نصفَيْنِ، وإذا حضر ثالث شاركهما وجُعِلَت 84 بينهم أثلاثاً، ولو قال الحاضر: لا أحلِفُ إلا بقَدْر حصَّتِي، لا يبطل حقُّه من القسامة، حتى إذا قَدِم الغائب، بحلف معه، بخلاف ما إذا قال الشفيع الحاضر، لا آخذ إلا قَدْر حصتي حيْث يَبْطل حقه من الشُّفْعَةِ، والفَرْق أن الشُّفْعة إذا تعرَّضت للأخذ، فالتأخير تقصير مفوِّت، واليمين في القسامة لا تَبْطُل بالتأخير، ولو كان في الورثة صغيرٌ أو مجنون، فالبالغُ العاقل كالحاضر، والصبيُّ والمجنونُ كالغائب في جميع ما ذَكَرْنَا، ولو حَلَف الحاضر أو البالغُ خمسين، ثم مات الغائب أو الصبيُّ فورثه الحالفُ، لم يأخُذْ نصيبه إلا بَعْد أن يَحْلِف [بقَدْر] 85 حصته، ولا يُحْتَسَبُ ما مضَى؛ لأنه لم يكن مستحِقاً له حينئذ.
الثانية: إذا كان في الورثة خنْثَى مشكِلٌ، أُخِذَ بالاحتياط والبناء على اليقِين في الأيمان وفي الميراث جميعًا، فلو خلَّفَ القتيلُ ولداً خُنْثَى، حلف خمسين يمينًا؛ لاحتمال أنه ذَكَرٌ، ولأنه لا يؤْخَذ بل تمام الأيمان شيْء، ولا يأخُذ إلا النصْف لاحتمال أنه أنثَى، ثم إن لم يكن معه عصبةٌ، لم يأْخُذِ القاضي الباقيَ من المدعَى عليه، بل يوقَفُ الأمر إلى أن يتبين حال الخنثَى، فإن بَانَ ذَكراً، أخذه، وإن بان أنثَى، حلف القاضي المدعَى عليه للباقي، وإن كان معه عصبة؛ كالأخ والعم، فيتخيَّر بين أن يَصبِرَ إلى أن يبين حال الخنثَى، وبين أن يَحْلِف، فإن صبر، توقَّفنا، وإن أراد أن يحْلِف حلف خمسًا وعشرين، وأخذ القاضي النصْفَ الآخر، ووقَفَه بين الأخ والخنثَى، فإذا تبين المستحِقُّ منهما، دفَعه إليه باليمين السالفة 86، ولو خلَّف ولد ابْنِ خنثيَيْنِ، حلفَ كلُّ واحد منهما ثلُثَي الأيمان أربعًا وثلاثين، مع الجَبْر؛ لاحتمال أنه ذكر، وأن الآخر أنثَى، ولا يأخذانِ إلاَّ الثلثَيْنِ؛ لاحتمال أنهما أنثيان، ولو خلَّف ابْنًا وولَداً خنْثَى فيحلف الابْنُ ثلُثَي الأيمان؛ لاحتمال أن الخنثَى أنْثَى، ولا يأخُذْ إلا النصْف من الدِّية؛ لاحتمال أنه ذكَرٌ.
ويحْلِف الخُنْثَى نصف الأيمان، لاحتمال أنه ذكَرٌ، ولا يأخذ إلا ثُلُثَ الدية، لاحتمال أنه أنثَى، ويوقف السدس بينهما.
ولو خلَّف بنتا وولداً خنثَى؛ حلَفت البنْت نصف الأيمان والخنثَى ثلثيها، ويأخُذان ثلُثَيِ الدية، ولا يؤْخَذ الباقي من المدعَى عليه إلى أن يتبين حال الخنثَى.
ولابن الحدَّاد صورٌ من هذه القاعدة: منها: جدٌّ وولدُ أبٍ مشْكِلٌ، فالحكم فيها كالحكم فيما إذا خَلَّف ابناً وولداً

الجزء: 11 - الصفحة: 31

خنثَى، والطريق فيهما أن يقال: إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من اثنين، وإن كان أنثَى، فمن ثلاثة؛ يُضْرَب أحدهما في الآخر [يحْصُل] سنةٌ، منها تصح المسألة، فيجعل المشكِلُ أنثَى في تحليف الجدِّ حتَّى يحْلِف ثلثَي الأيمان، وذكراً في ميراثه، حتى لا يأخُذَ إلاَّ نصْفَ الدية، ويُجْعَل ذكرًا في تحْليف نفسه، حتى يحْلِف نصْفَ الأيمان، وأنثَى في الميراث حتَّى لا يأخذ إلاَّ الثُّلُث.
ومنها: بنْتٌ وجَدٌّ وولدُ أبٍ مشكِلٌ، فإن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من أربعةٍ، سهمان للبنْتِ، وسهمانِ للجَدِّ والأخ، وإن كان أنثَى، فهي من ستة؛ ثلاثةٌ للبنْتِ، والباقي بين الجد والأخت بالأَثْلاَث، والمسألتان متوافقتان بالنِّصْف، فيضْرِب أحد العددين في نصف الآخر، يحْصُل اثنا عشر، فتحلِف البنْتُ نصف الأيمان بكلِّ حالٍ؛ لأن نصيبها لا يختلفُ بذكورة المشكِل وأنوثته، وتأخذ نصْف الدية، ويحْلِف الجدُّ ثلث الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكِل، ولا يأخُذُ إلاَّ ربع الدية؛ لاحتمال ذكورته، ويحْلِف المشكِلُ ربع الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخذ إلاَّ سُدُسَ الدية؛ لاحتمال الأنوثة.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبويْنِ ومُشْكِلٌ من الأب إما أخ أو أخت، إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من خمسة، وتصحُّ من عَشرة؛ لأن الأخ من الأَب يَرُدُّ على الأخت من الأبوين ما يَتِمُّ لها به النصْفُ، وهو سهْمٌ ونصفِ، فتضرب الخمسة في مخرج النصف، تصير عشرة، وإن كان أنثى، فالمسألة من أربعة، وتصح من اثنين؛ لأن الأختَ من الأب تَردُّ ما معها إلى الأخْت من الأبوين، فيصير المالُ بينهما وبين الجَدِّ نصفين، فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكل، ولا يأخذ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتَحْلِف الأخت من الأبوَيْنِ نصْفَ الأيمان، وتأخُذ نصْفَ الدية؛ لأن نصيبها لا يتغيَّر بذكورة المشكل وأنوثته، ويحْلِف المشكِلُ عُشْرَ الأيمان، ويوقَفُ عشْر الدية بينه وبيْن الجدُّ، إن بَانَ ذكرًا، دُفع إليه، وإن بَانَ أنثَى، دُفِع إلى الجَدِّ.
وعن بعْض الأصحاب؛ أنه لا يحْلِفُ المشكِل، لجواز أن يتبين [أنه] 87 أنثَى، فلا يكون له شيْء من الميراث، ولكن يوقَفُ فإن بَانَ أنثَى، فقد حلفَ الجدُّ والأخت المستحِقَّان تمام الأيمان، وإن بَانَ ذكرًا، حلف عُشْر الأيمان، ودُفعَ العُشْر إليه قال الشيخ أبو عليٍّ: والصحيح عند الجمهور ما قال ابن الحدَّاد؛ لأنا وإن حَلَّفنا الجدَّ والأخت تمام الأيمان، فلا يتيقن أنهما مستحِقَّان لجميع الدية، فكيف نأخذ من الجاني الديةَ بتمامها، ولم يوجَدْ تمام الأيمان ممَّنُ يتيقَّن أنه مستحقٌّ تمام الدية، بل يَحْلِف المشكِلُ عُشْر الأيمان، وحينئذ، فقد تمَّتِ الأيمان ممَّنُ يُتيقَّن له الاستحقاق.

الجزء: 11 - الصفحة: 32

واعلم أن صاحبَ ذلك الوجْه، إنْ كان يقول: لا يجُوز أن يحلِف المشكِل، لاحتمال أنه لا يَرِث شيئًا فحقه أن يقول فيما إذا خلَّف ولدًا خنثَى وأخاً: لا يحلف الأخُ، لِمِثْل هذا الاحتمال، وإن كان يقول: لا يكلَّف أن يحْلِف، ويؤخذ تسعة أعشار الدية، ويُوقَفُ العشر باقيًا على مَنْ عليه الدية، فهذا قويم، وهو قياسُ ما تقدَّم هناك، ولو كان بَدَلَ الأخت مِن الأبوين أخٌ من الأبوين، فيحلِفُ الجدُّ خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشْكِلِ، ويأخُذ ثلُثَ الدية، لاحتمال ذكورته، ويحلِفُ الأخ ثلثَيِ الأيمان، ويأخُذُ ثلاثة أخْماس الدية وبالعكس وتصح من خمسة عشر.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبوين ومشْكِل من الأبوين أيضًا، فالمسألة على تقدير الذُّكورة من خمسة، وعلى تقدير الأنوثة من أربعةٍ، فبضَرْب أحد العَدَدَيْن في الآخر، يَبْلُغ عشرين، منْها تصحُّ فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة الخنثَى، ولا يأخُذْ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتحلِف الأختُ ربعَ الأيمان، ولا تأخُذ إلاَّ خمسي الدية، ويحلِف الخنثَى [المشكِلُ] 88 خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخُذُ إلاَّ ربُعَ الديةِ؛ لاحتمال الأنوثة، فمبلغ الأيمان ثمانيةٌ وخمسون، وما أخَذُوه سبعةَ عشَر منْ عشرين من الدية، ويُوقَف ثلاثة أسهم، فإن بَانَ الخنثَى ذكرًا، فهي له، ليتم له الخمسان، وإن بَانَ أنثى، فسهمان من الثلاثة للجدِّ؛ ليتم له النصْف، وسهْمٌ للأخت؛ ليتم لها الربع.
قال القاضي أبو الطيِّب لو أراد الجدُّ والخنثَى أن يصْطَلِحا في السهمَيْن من الثلاثة الموقُوفَيْن سهمًا قبل أن يتبين حال الخنثَى، جاز أو يصطلحا على التساوي أو التفاضُل، ولكن بشَرْط أن يُجْعَل السهْم الثالثُ للأخت، ولا يوقَفُ؛ لأن الوقْف إنما يكون لحَقِّ الجميع، فلا يجُوز أن يُمَكَّنَا من التصرُّف في السهمين، ويبقى الثالث على الوقْف، وتوقَّف ابن الصباغ فيما ذَكره، وقال: السهمان اللَّذان اصطَلَحا عليهما لا حقَّ للأخت فيهما، فلا يلزم إسقاطُ حقِّ الخنثَى من السهْم الذي يحتملُ أن يكونَ له، ويُحْتَمل أن يكون للأخْتِ.
صورةٌ أخرَى للشيخ أبي عليِّ: جدٌّ ومشكِلانِ من الأبوَيْنِ، إن كانا ذكرَيْنِ، فالمسألة من ثلاثة، وإن كانا أنثَيَيْنِ فمن أربعةٍ، وإن كان أحدُهما ذكَراً، والآخَرُ أنثى، فمن خمسة، فَبِضَرْبِ ثلاثة في أربعة تَبْلُغ اثنَي عشر ثم نضربها في خمسة تَبْلُغ ستين، منْها تصحُّ فيحلِف الجدُّ نصفَ الأيمان؛ لاحتمال أنوثتهما، ولا يأخُذ إلاَّ ثلُثَ الدية؛ لاحتمال ذكورتهما، وكلُّ واحد من المشكِلَيْن يحلِفَ خمسي الأيمان؛ لاحتمال ذكورته

الجزء: 11 - الصفحة: 33

وأنوثة الآخر، ولا يأخذ إلاَّ خمس الدية لاحتمال العكس، فمجموع الأيمان خمسة وستُّونَ، ومجموع ما يأخذونه أربعةٌ وأربعونَ من ستِّين من الدية، ويوقَفُ ستة عشر، فإن بانا ذكَرَيْن، قُسِّم الموقوف بينهما بالسوية، ليتم لِكُلِّ واحد منهما الثلُث، كما أخذه الجدُّ، وإن بَانَا أُنْثَيَيْنَ، دفع من الموقوف عَشَرَةٌ إلى الجد؛ ليتم له النصف، وإلى كلِّ واحدة منهما ثلاثةُ أرباع؛ ليتم لها الربع، وإن بَانَ أحدهما ذكرًا، والآخرَ أنثَى، دُفِعَ من الموقوف أربعةٌ إلى الجَدِّ، واثنا عشر إلى الذي بَانَ ذكرًا؛ ليتم لكل واحدٍ منهما الخمسان، وعند الأنثى الخُمُسُ الكامل.
صورة أخرى: أوردَها يحيى اليمنيُّ في "البيان": جدٌّ ومشكلان، أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، إن كَانا ذَكَرَيْن، فالمسألة من ثلاثة؛ سَهْمٌ للجدِّ، وسهمان للذي هو من الأبوين، وإن كَانَا أنْثَيَيْنِ، فَمِنْ أربعةٍ سهمان للجَدِّ، وسهمان للَّتي هي مِنَ الأبوَيْن، وإن كان أحدُهما ذكرًا والآخَر أنْثَى، فمِنْ خمسةٍ سَهمان للجدِّ، ثم إن كان الذي هو من الأبوين ذكرًا، فالسِّهام الثلاثة له، وعلى التقديراتِ الثلاثةِ، فلا شيء للَّذي هو من الأب، وإن كان الذكر الذي هو من الأب، فللذي هو من الأبوَيْنِ سهْمان ونصْفٌ، والذي هو من الأب سهْم ونصف من عشرة، فبضرب المخارج بعْضها في بعض تَبْلُغ ستين، فيحلف الجدُّ نصْفَ الأيمان، ويأخُذُ ثُلُثَ الدية، وهو عشْرُون من سِتِّين منها، ويحْلِف المُشْكِل من الأَبَوَيْنِ ثلُثَي الأيمان، ويدفع إلَيْه نصْف الدية، وهو ثلاثُون من ستِّينَ، ويحلف الآخَرُ الذي عساه يستَحِقُّ عُشْرَ الدية، ولا يُصرف إليه شيْء، والأنصباء متوافقةٌ بالنصْف، فتردُّها، والستين إلى الأنصافِ، ويدفع إلى الجدِّ عشرة من ثلاثين من الدية، وإلى المشكِلِ من الأبوين خمسةَ عشرَ، ويوقف خمسة، فإن بَانَا ذكَرَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الذي هو مِنَ الأبوين، وإنْ بَانَا أنثيَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الجَدِّ، وإن بَانَ الذي هو من الأبوَيْنِ ذكرًا والآخرُ أنثَى، دُفِعَ سهمانِ من الخمسة إلى الجدِّ، ليتم له الخمسان، وثلاثة أسهم إلى الذي هو من الأبوين؛ ليتم له ثلاثة أخماس، وإن بَانَ الَّذي هو من الأب (1) ذكرًا، دُفِع إلى الجَدِّ سهمان، وإليه ثلاثة أسهم.

" فرْعٌ"

إذا مات أحدُ الورثة المدَّعِين للدَّم، قام وارثه مقامه في الأيمان، فإن تعدَّدوا عاد القولان، فإن قلْنا: يحلف كلُّ واحد من الورثة خمْسين يميناً، فكذلك ورثة الورثة، وإن قلنا بالتوزيع، وُزعت حصَّة ذلك الوارث على ورثته، فلو كان للقتيل ابنانِ، ومات89

الجزء: 11 - الصفحة: 34

أحدهما قبل أن يَحْلِف عنِ ابنين، حلف كلُّ واحد منهما ثلاثة عشرة يميناً توزيعاً لحصَّته عليهما، وجَبْراً لِما انْكَسَرَ، فلو حَلَف أحدهما ثلاثةَ عَشَر يميناً، وماتَ أخوه قَبْل أن يحْلِف، ولم يُحلِّف إلاَّ هذا الحالِفَ، حَلَف ثلاث عشرة يميناً، ولا يقال: يُكَمل خمساً وعشرين، ولا يزيد، بل يَحْلِف بقَدْر ما كان يحْلِف مورِّثه، ولو كان للقتيل ثلاثةُ بنين، فحصَّة كل واحد منهم مع جبر ما انكسر سبْعَ عشرة يمينًا، فلو مات أحدهم عن ابنَيْنِ، وُزِّعت حصته عليهما، وكُمِّل المنْكَسِر، فيحْلِف كل واحد منهما تسْعَ أيمان، فلو حلف أحدهما، ومات الآخر قبل أن يحْلِف ووارثه الحالف [تسعاً] ولا يقال: يكمل سبع عشرة يميناً، ولا يزيد، ولو مات وارثُ القتيل بعْدَ ما أقسم، أخَذَ وارثه ماكان له مِنَ الدية، وإن مات بعْد ما نَكَلَ، لم يكن لوارثه أن يحْلِف؛ لأنه بطَل حق القسامة بالنُّكُولِ، ولكن وارثه تحليف المدَّعَى عليه.

" فَرْعٌ"

إذا كان للقتيل ابنانِ، فحلَف أحدهما، وماتَ الآخر، قبل أن يحْلِف عن ابْنَيْنِ.
فحلف أحدهما حصَّته، وهي ثلاث عشرة يمينًا، ونَكَلَ الآخر، فيوزَّع الربع الذي نَكَلَ عنه على أخيه وعمه على حساب ما يأخذان من الدِّية، فيخص الأخَ أربعةٌ وسدُسٌ يُضَمُّ ذلك إلى حصَّته في الأصْل، وهي اثنتا عشْرة ونصْفْ، تبلغ سِتَّ عشرة وثلثَيْن، فتُكَمَّل، وقد حلَف ثلاثَ عشْرةَ يميناً، فيحلِف الآن أربعًا أخرَى، ويخص العمَّ ثمانيةٌ وثلثٌ، فيحلف تسعًا، ويُكمَّل له أربع وثلاثون.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي يَمِينِ المُدَّعِي، أَمَّا سائِرَ الأَيمانِ فِي الدَّمِ كَيَمِينِ المُدَّعَى عَلَيْهِ واليَمِينِ مَعَ الشَّاهِد فَفِي تَعَدُّدِهِ خَمْسِينَ قَوْلاَنِ، وَيَجْرَيَانِ فِي الأَطْرَافِ مَعَ أَنَّ القَسَامَةَ لا تَجْرِي فِيهَا، فَإنْ قُلْنَا: يتَعَدَّدُ فِي الطَّرَفِ فَلَوْ نَقَصَ فَفِي التَّوزِيعَ قَوْلاَنِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلا فَفِي التَّوْزِيعَ عَلَيْهُما قَوْلاَنِ كَمَا فِي الوَارِثِينَ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَقُلْنَا يَتَّحِدُ اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَإنْ شَهِدَ عَلَى اللَّوْثِ حَلَفَ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى القَتْلِ حَلَفَ مَعَهُ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميعُ ما ذكرناه في أيمان القسامة من جنبة المدَّعِي، أما إذا ادَّعَى القتل في غيْرِ محلِّ اللوْث، وتوجَّهَتِ اليمين على المدَّعَى عليه، فهل تُغلَّظ عليه بالعَدد؟ فيه قولان: أحدُهما، وبه قال أبو حنيفة: لا, لأنها يمينٌ في جنبة المدعَى عليه، فلا تغليظ بالعَدَد، كاليمين في سائر الدعاوَى.

الجزء: 11 - الصفحة: 35

وأصحُّهما: نعم؛ لأنها يمين في دعوى الدَّمِ، فأشبهت يمين المدَّعَي، وقد بني الخلاف على أن التعدُّد في يمين المدعي سببه ماذا؟ قيل سببه أن تصديق المدَّعِي خلافَ القياس الظاهر، فأكد 90 بالعدَد في اليمين.
وقيل: سببه حرمة الدمِ وتفخيم شأنه، فعلى الأول: لا تعدد في يمين المدعَى عليه، وعلى الثاني: يتعدد، وإذا نَكَل المدعَى عليه، فيرد على المدعَي ما توجه على المدعَى عليه، على اختلاف القولَيْن.
ويجري الخلافُ في يمين المدعي مع الشاهد الواحِدِ، وإذا كانت الدعوَى في محلِّ اللوث، ونَكَل المدعِي عن أيمان القَسامة، فهلْ تُغلَّظ اليمينُ على المدَّعَى عليه بالعَدَد؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولَيْن المذكورَيْن فيما إذا لم يكن هناك لَوْث؛ لأن نكوله يُبْطِل اللوث، فكأنه لا لَوْث.
وأصحُّهما: القَطْع بالتغليظ؛ لمَا رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصَّة قتيل خَيْبَر"فَتُبْرِئَكُمُ اليَهُودُ بخمسين يميناً" جعل أيمان المدعَى عليهم بعَدَد أيمان المدَّعِين، وإذا قلنا بالتعدُّد، فلو كانت الدعْوَى على جماعة، إما في محلِّ اللوث أو من غير لوث فتُقَسَّط اليمين عليهم أو يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين يميناً؟ فيه قولان: أحدهما: [أنها] تُقسَّط؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يجْعل على اليهود إلاَّ خَمْسين يميناً؛ وعلى هذا، فالتوزيع على عدد رؤوسهم؛ لأن الشركاء في القتل لا يتفاوتون في الدية، بخلاف ما في طَرَف المدَّعِين، حيث قلْنا: بالتوزيع على مقادير الإرث؛ لأنهم يثبتون الحق للقتيل نيابةٌ عنه، فيُنْظر إلى قدْر النيابة.
والثاني: أن كلَّ واحدٍ منهم يحْلِف خمسين يميناً، كما كان يحلِفُ الواحدُ خمسين؛ اعتباراً باليمين الواحدة، والقوْلان كالقولَيْن، فيما إذا تعدَّد ورثة القتيل تُوزَّع عليهم أيمانُ القسامة أم يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمْسين، لكن أصحُّ القولَيْن ههنا على ما ذَكَره الأكثرون، منهم الشيخُ أبو حامد وأصحابُه "وصاحب المهذب" والقاضي الرويانيُّ: أنه يحلِف كل واحد منْهم خمسين يميناً.
والأصحُّ، فيما إذا تعدَّد المُدَّعون: التوزيع عليهم، وفَرَقوا بأنَّ كل واحدٍ من المدعَى عليهم يبقى عن نفسه القتْل، كما ينفيه الواحدُ، لو انفرد، وإذا تعدَّد المدعون،

الجزء: 11 - الصفحة: 36

لا يثبت كلُّ واحد لنفسه ما يثبته الواحد لو انفرد؛ لأنَّ الواحد يُثْبت كل الدية وكلُّ واحد عند الاجتماع يُثْبِت بعضَها، فيحلِف بحَسَب ما يثبته، وسَوَّى في "التهذيب" بين الطَرَفَيْنِ، وجعَل الأصحَّ ههنا التوزيعَ أيضاً، وإذا قلنا بالتوزيع، فلو كانت الدعوَى على اثنين؛ أحدُهما حاضرٌ، والآخرُ غائبٌ، حلف الحاضرُ خمسين يمينًا، فإذا حضَر الغائبُ، وأنكر، حلَفَه خمسًا وعشرين، وإن كانا حاضرَيْن، فنكل أحدُهما، حلَف الآخر خمسين؛ لأن البراءة عن الدم لا تحصل بما دونها على قوْلِ التعدُّد، ويحْلِف المُدَّعي على الناكل خمسين، وإذا نَكَل المدَّعَى عليه عن اليمين، والمدَّعون جماعةٌ، وقلْنا بالتعدد، فتوزع الأيمان عليهم على قَدْر مواريثهم أو يَحْلِف كلُّ واحد خمسين؟ فيه القولان السابقان.
هذا حُكْم الأيمان في دعْوَى النفس، فأما إذا كانتِ الدعوَى في الأطراف والجراحات؛ فقد مرَّ أنه لا يجْرِي فيها القَسامةُ، وأنه لا اعتبار فيها باللَّوْث، ولكن يحلف المدَّعَى عليه، وهل يتعدَّد اليمين؟ ينبني 91 ذلك على أن يمين المدَّعَى عليه في دعْوى النفْس هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا فههنا أولَى، وإن قلْنا: نعم، فقولان، ويُقَال وجهان: أحدهما: لا تتعدد أيضًا، كما في سائر الدعاوَى والتغليظ 92 هناك من خاصيَّة النفْسِ؛ لِعِظَم خطَرِها.
والثاني: يستويان في هذا التغْليظ كما يستويان في القصاص، وفي تغليظ الدية، وهَذَا أشبهُ بأن يُرجَّح.
وذكر ابن الصبَّاغ: أن هذا الخلاف فيما إذا كانتِ الدعوَى في العمد المحض، أما إذا كانَتْ في الخطأ وشبْه العمْد، فتتحد اليمين بلا خِلاَف؛ لأن الواجبَ المَالُ غيْرِ، والأكثرون لم يَفْرِقوا بين العمْد وغيره، كما في النفْس، وإذا قلْنا: بالتعدد فذلك فيما إذا كان الواجبْ فيما يدعيه مثلَ به بدل النفس، فأما إذا كان الواجبُ دون بدَلِ النفس مقدَّراً كما كان 93 في اليد الواحدة، أو حكومة؟ فقولان: أصحُّهما: على ما ذكر المتولِّي وغيره: أنه يُحَلَّفُ المدَّعَى عليه خمسين يمينًا أيضًا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يختلف الحالُ بكثرة المدَّعي وقلته.
والثاني: أنه يحْلِف بالقسْط، وتوزَّع الأيمانُ على الأبدال، ففي اليد الواحدةِ

الجزء: 11 - الصفحة: 37

يَحْلِف خمساً وعشرين، وفي الموضحة ثلاثة أيمان، توزع الأيمان على عدَد الإبل، ويجبر ما انكسر منْها، ولو زاد الواجبُ على بدل النفس فهل يزادُ في مقدار الدية بزيادة مقدار الأروش، وطردَ الإمامُ الخلافَ فيه، وقربه من الخلاف في أن مدة الضرْب على العاقلة، هل تزاد على ثلاثِ سنين، إذا زادَتِ الأروش؟ قال: ولا يبعُد إجراء الخلافِ المذكُور في أن دِيَة النفُوس الناقصةِ تُضْرب في ثلاث سنين أو تنقص المدة، بحَسَب نقصان الدية، وفي أن يمين المدعَى عليه، هل يَنْقُص عن خمسين في النفوس الناقصة، والأشبه تعظيمُ النُّفُوس فيما يتعلَّق بالأيمان، والتسوية بين الكاملة منها والناقصة، وإذا كانت الدعوى في الطَّرَف على جماعة، فَيَحْلِف كلُّ واحد منْهم بقَدْر ما يحْلِف الواحدُ لو انفرد، أو توزع عليهم على عدد رؤوسهم؟ فيه قولان، كما قدَّمنا، ويتولَّد من الخلاف في الأصُول المذْكورة فيما إذا ادَّعَى على رجُلٍ أنه قَطَع إحدَى يدَيْه أو إحدَى يدَىْ أبيه ثلاثة أقوال: أحدُها: أن المدَّعَى عليه يَحْلِف يمينًا واحدةً وهذا هو القول الذاهبِ إلى أنه لا تعدُّد في يمين الطَّرَّف.
والثاني: يحْلِف خمسين يمينًا، وهو القولُ الذاهب إلى التعدُّد، والقول بأن الأيمان لا تتوزَّع على الأبدال.
والثالث: يحْلِف خمسًا وعشرين وهو مبنيٌّ على التعدُّد [والتوزيع] 94، وفيما إذا ادَّعَى على رجلَيْن قطْعَ يده أربعةُ أقوالٍ: يحلف كلُّ واحد يمينًا واحدةً، بناءً على أن يمين الطرف لا تتعدَّد، [ويحلف كلُّ واحد خمسين، بناءً على التعدُّد] 95 وعلى التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يَحْلِف كلُّ واحد خمسًا وعشرين، وعلى التوزيع عَلَى الأشخاص والأبدال، يَحْلِف كل واحدٍ ثلاث عشرة يمينًا؛ بناء على التعدُّد والتوزع على الأشخاص والأبدال جميعًا، وفيما إذا ادعَى على ثلاثةٍ قطْعَ يديه خمسةُ أقوالٍ؛ يحلف كل واحد [منهم] 96 يميناً واحدةً، يحلف كل واحد خمسين، يحلِفُ كلُّ واحد خمساً وعشرين؛ بناءً على التوزيع على الأبدال دون الأشخاص، يَحْلِفُ كلُّ واحد سبع وعشرة؛ بناءً على التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يحلِفُ كل واحد تسعًا توزيعاً عليهما جميعاً، ومهما نكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المفروضَةِ عليْه، ردَّت على المدَّعي، ويحْلِف بقَدْر ما كان يحلِفُ المدعَى عليه، وإن تعدَّد المدَّعون، فيوزَّع أو يحْلِف كلُّ واحدٍ منهم مثل ما

الجزء: 11 - الصفحة: 38

يَحْلِف المنْفَرِد؟ فيه القولان السابقان، والتوزيع عليْهِم يكونُ بقدْر المواريث كما مرَّ.
بقيتْ مسألة في الفصْل، وهي ما إذا كان مع المدَّعي شاهدٌ واحدٌ، وأراد أن يتحد يحْلِف معه، فإن قلْنا: اليمين مع الشاهدَيْن في دعْوَى الدم، قال في الكتاب: "فإن شهدَ على اللَّوْث، حلَف معه خمسين يميناً، وإن شهد على القَتْل، حلَف معه [يميناً] 97 واحدة"، ولك أن تقُولَ: قد يُشْعر الطرف الأول بالاكتفاء في اللَّوْث بشَاهِدٍ واحدٍ، وما ينْبَغي أن يَكْتَفِي به القاضِي، فإنَّ قوْل الواحدِ لا يصلُح مثبتاً, وما لم يثبت اللَّوْث عنْد القاضي، لا يُمْكنه البدايةُ بتحْليف المدَّعِي، فكان المعنى إتيانَ الشاهِدِ بما يفيد اللوْث بأنْ أخبر عن القتل، ولم يأتِ بصيغة الشهادة، ولم يحافِظْ على شروطها، ولم يأتِ بما هو سبيلُ الشهادة، ولكنْ لفْظُه في "الوسيط" تعبيراً عن هذا الطَّرَف، وإن جاء بصيغة الإخْبار أو شهِد على اللَّوْث، فيحلف معه خمسين يميناً، وهذا يَصُدُّ عن التأويل المذْكُور.
وأما الطَّرَف الثاني، فإذا حافَظَ الشاهدُ على شروط 98 الشهادة، وأتى بصيغتها، فيحْلِف المدَّعِي معه يميناً واحدةً.
قال الإِمام: ويثبت المال، إن كان القتْل خطأً, وإنْ كان المدَّعِي قتلاً عمداً، فلا يثبت القصاص، وإن قلْنا: يتعلق القصاص بأيمان القسامة، وفي ثبوت المالِ خلافٌ، سيأتي إن شاء الله تعالى نظيرُه، وأما إذا قلْنا في دعوى الدم: تتعدَّد اليمين مع الشاهد فلا بد من خمسين يميناً بكل حال، وقوله [في الكتاب] 99 "ففي تعدَّده خمسين قولان" يجوز أن يُعْلَم لفْظ "القولين" بالواو؛ لأن في "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ حكايةُ طريقةٍ قاطعةٍ؛ بأن يمين المدعَى عليه، إذا لم يكن لَوْث يتعدَّد، وكذا قوله "ويجريان في الأطراف"؛ لأنه يخرج مما ذكرنا في ترتيب الطَّرَف على النفْس طريقةٌ قاطعة بأن أيمان الأطْراف لا تتعدَّد، وكذا قوله "مع أن القَسَامة لا تَجْرِي فيها" لوجه ذَكَرْناه من قبل.
وقوله "فلو نقص، ففي التوزيع قولان" أي نقَص أرْش الطَّرَف عن قدْر الدية [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ القَسَامَةِ وَلا يُنَاطُ بِهَا القِصَاصُ عَلَى الجَدِيد، بَل الدِّيَةُ مِنَ الجَانِي إنْ حَلَفَ عَلَى العَمْدِ، وَمِنَ العَاقِلَةِ إنْ حَلَفَ عَلَى الخَطَأِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ القَسَامَةِ وَنَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ اليَمِينِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ اليَمِينِ المَرْدُودَةِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا إِذَا نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَعَادَ إِلَى اليَمِينِ المَرْدُودَةِ.

الجزء: 11 - الصفحة: 39

قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان: إحْدَاها: إذا أقْسَمَ المُدَّعِي في مَحَلِّ اللوْثِ نُظِرَ؛ إن ادَّعَى قتْل خطأ أو شبه عمْدِ، وجبَتِ الديةُ على عاقلةِ المُقْسَم عليه مخففَّةً في الخَطأ ومغلَّظة في شِبْه 100 العمد، ولو كان [المدَّعِي] 101 قَتْلاً عمدًا والمدَّعَى عليه ممن يَقْتُل بذلك القَتِيلِ، فهل يُنَاطُ بالقسامة القصاصُ؟ فيه قولان: رواية أبي ثوْرٍ عن القديم، [نعم] 102 وبه قال مالك وأحمد، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ" ويُرْوَى: "يُحْلِف خَمُسونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ".
وأيضًا، فإنها يمين مشروعةٌ في جنبة المدَّعي، فيتعلق بها القصاصُ كاليمين المردُودة.
وأيضًا، فإنها تثبت العمد المحْض، فثبّت القصاصَ كالبينة.
وأيضًا، فإنا نرجم المرأة بلِعانِ الزَّوْج، فلا يبعد أن نقتصَّ بقسامة المدَّعي.
والجديد الصحيح 103: المنع؛ لما رَوِي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِمَّا أنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [مِنَ اللهِ وَرَسُولِه] " 104 ولم يتعرَّض للقصاص.
وأيضًا، فإن القَسَامة حجَّةٌ ضعيفةٌ، لا يثبت بها النكاحُ، فلا يثبت القصاص، كالشاهد واليمين، وليستِ القسامةُ كاليمين المردودَةِ، ولا كلعانِ الزَّوْج.
أما اليمينُ المردُودةُ، فَلأَنَّ نكولَ المدعَى عليه يقوِّي شأنها، ولهذا جُعِلَتْ كالبينة أو كالإقرار وأما اللعان، فلأَنَّ المرأة متمكنة من الدَّفْع بلعانها، ولو أَنَطْنَا القِصاصَ بالقَسامة، لم يتمكَّن المدعَى عليه من الدفع بيمينه، فإن قلْنا بالجديد، فيجب بها الدية حالَّةً في مال القاتل، وإن ادَّعَى قتلاً خطأً أو شبْهَ عَمْدٍ، وأقْسَمَ، وجبت الدية مخفَّفة في الخطأ، ومغلَّظة في شبْه العَمْد.
وإن قلْنا بالقديم، فلا فرق بين أن تكون الدعوَى على واحدٍ أو على جماعة، كالبينة.
وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن الوليَّ يختار واحدًا منْهم فيقتله قصاصاً, ولا يُقْتَل الجميع.
وفي "الشامل": أن ابن سُرَيْج خرَّج على القديم قولاً مثله.
وزاد "صاحب البيان" في حكاية هذا التخْريج أنه يأخُذ من الباقين حصَّتهم من الدية.

الجزء: 11 - الصفحة: 40

وفي "المهذب" نسبةُ هذا القول إلى أبي إسحاق من غَيْر زيادةِ أخذْ الحصَّة، وكيْف ما قُدِّر، فهو ضعيفٌ، وإذا ادَّعَى القتْل على ثلاثة في محلِّ اللوث، والحاضرُ منهم واحد، فإن قال: تعمَّدوا جميعًا، أقْسَمَ على الحاضر خمسين يميناً، ويأخُذ ثلْث الدية من ماله على الجديد، وعلى القديم؛ له القصاص منه، ثم إذا قَدِم أحد الغائبين فإن أقَرَّ اقتص منه، لان أنكر أقسم عليه المُدَّعي، وكم يَحْلِف؟ فيه وجهان: ويُقال قولان: أحدُهما: خمْساً وعشرين يميناً؛ لأنهما لو كانا حاضرَيْن، لأقسم.
الثاني: خمسين عليهما جميعًا، فحصَّة الواحدِ من الخمسين النصْف.
وأصحُّهما: أنه يحْلِف خمسين أيضًا؛ لأن الأيمان السابقة لم تتناولِ الثانيَ، هكذا أطلقُوه، وينبغي أن يكون هذا على الخلافِ السابقِ في جواز القَسَامة في غيبة المدَّعِي، فإن جوَّزناها، وذكَره في الأيمان السابقة فينبغي أن يُكْتَفَى 105 بها، ثم إذا حَلَف عليه، عادَ القولان الجديدُ والقديمُ [ثم] 106 إذا قَدِم الثالثُ، فأنكر فكم يحْلِف عليه؟ فيه الخلافِ، وإنْ قال: تعمَّد هذا الحاضرُ، وكان الغائبان مُخْطِئَيْن، فيُقْسِم على الحاضرِ، ولا يقتص منه قولاً واحدًا، وإذا حَضَر الآخران وأنْكَرَا، فكم يحْلِف عليهما، ففيه الخلافُ، وإن أقرا وصدقتهما العاقلةُ، فالدية على العاقلة، وإن كذَّبتهما، ففي مالهما مخففة وإن قال: تعمَّد الحاضر، ولا أدْري أتعمَّد الغائبان أم أخطأ أقْسَم على الحاضرِ خمْسين، وأخَذ منه ثلثَ الدية على الجديد، وعلى القديم يوقَفُ الأمْر إلى أن يحضرا الغائبان، [فإن] حضَرا، واعْتَرَفا بالتعمُّد، اقتُصَّ منهما، ويقتص من الأول أيضًا على القديم، وإن قالاَ قتلْناه خطأً، وجَبَتِ الدية المخففة علَيْهما، إن كذَّبْتهما العاقلة، وعلى العاقلة، إن صدَّقَتْهما، وإن أنكرا أصْلَ القتل، فهل يُقْسِم المدَّعي؟ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا ادَّعَى القتل وظهر اللوث فيه، ولم يذْكر أنه عمْدًا وخطأ.
والأظهر: أنه لا يُقْسِم وينسب الثاني إلَى أبي إسحاق، قال: وإذا أقسم عليهما؛ فَيُحْبَسان حتى يصفا القَتْلَ وكم يَقْسِم عليهما فيه الخلاف.
ولو ادَّعَى القتْلَ على رجلَيْنِ، وعلى أحدهما لوْث دون الآخر، يقسم المدَّعي على الذي عليه اللوث خمسين، وفي الاقتصاص منه القولان، ويَحْلِف الذي لا لوث عليه.
المسألة الثانية: إذا أنكل المُدَّعي عن القسامة في محلِّ اللَّوْث يَحْلِف المُدَّعَى عليه، كما مَرَّ؛ فإن نَكَلَ، فهل تُرَدُّ اليمين على المدعي؟ نقل الأئمة، منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه إذا ادعَى قتلاً يوجب القصاص، وقلنا: إن القسامة لا يناط بها القصاص، فتُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي بلا خلاف؛ لأنه يستفيد بها ما لا يستفيد بأيْمان

الجزء: 11 - الصفحة: 41

القسامة، وهو الاقتصاص، وإن كان المُدَّعي قَتْلاً لا يوجب القصاص، أو قتلا بوجبه، وقلنا: [لا] يناط القصاص بالقسامة، فقولان: أطلقهما الأكثرون: أحدهما: أن اليمين لا ترد على المُدَّعي؛ لأنه قد نكل عن اليمين في هذه الخصومة مرةً.
وأصحهما: الردُّ؛ لأنه، إنما نَكَل عن يمين القسامة، وهذه يمين أُخْرَى، والسبب الممكن من تلك الأَيْمان اللَّوْث، ومن يمين الرد نكولُ المدَّعَى عليه، فالنكولُ عن شَيْءٍ في مقامٍ لا يبطل حقًّا في مقام آخر، وعن الشيخِ أبي محمَّد: بناءُ القولَيْن على أن اليمين المردودة في الدم، هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا، فتُرَدُّ عليه؛ لأنه قد يرضى بيمينٍ واحدة، ولا يرغب في الأيمان المتعدِّدة، وإن قلنا بالتعدُّد، فلا تُرَدُّ، لاستوائهما في العدد والكيفية والفائدة، وحكى الامام عن بعضهم؛ أنا إن قلنا بتعدُّد اليمين المردودة، فلا ترد اليمينُ عليه قولاً واحدًا، وإن قلْنا بالاتحاد، فقولان، وقد يوجَّه الردُّ بأن نكول المدَّعَى عليه علامةٌ مشعرةٌ بصدور القتل منه، فتنضم إلى اللوْث، ويتأكَّد الظن الذي يستند إليه اليمين، ولو كانت الدعوى في غير صورة اللوْث، ونكل المدعَى عليه عن اليمين، والمُدَّعي عن اليمين المردودة، ثم ظهر لَوْثٌ، وأراد المدعي أن يُقْسم، فقد أجْرُوا القولَيْن في تمكينه منه، وقضية البناء المنقول عن الشيخ أبي محمَّد: القَطْعُ بعدم التمكين، أما إذا عَدَدْنا اليمين المردودة، فلتساوي اليمينَيْن، وأما إذا لم نَعْدُدْ، فلأنه إذا رغب عن اليمين الواحدة، فهو عن الخمسين أرغب.
ولو أقام المُدَّعي شاهداً واحدًا في دَعْوَى مالٍ، ونَكَلَ عن الحلف معه، ونكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المَعْروضة علَيْه، فأراد المدَّعِي أن يحلف اليمين المردودة، عاد القولان المذكوران؛ لنكوله عن اليمين مرَّة، هكذا أطلقوه، وقضيَّة ما حكينا في أول المسألةِ أن يقال: لو جرى ذلك في دعْوَى القتل المُوجِب للقصاص، يمكَّن من اليمين المردودة، فلا خلاف؛ لأنه لا يستفيد باليَمِينِ مع الشاهد التَّمَكُّن من القصاص، ويستفيده باليمين المردُودَة.

" فَرْعٌ"

إذا حلف المدَّعَى عليه، تخلَّص عن المطالبة، كما في سائر الدعاوَى.
وقال أبو حنيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إن وُجِدَ القتيلُ في قرية أو محِلَّة، يطالَبُ باني الخُطَّة, إن ظهرَ كونُ القتل عمداً؛ بأن حُزَّت الرقبة، وعاقلة الباني إن كان يُتوهَّم كونُه خطأً، بأن كان الموْتُ برمية، وإن وُجِدَ في مسْجد، طُولِبَ باني المسْجد أو عاقلته، فإن لم يُوجَد الباني أو لم يُعْرف، طولب بالدية جميعُ أهْل المحِلَّة الحالفُ وغيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 42

آخَرُ: [إذا حلَف المدَّعي عند نكول المدَّعَى عليه]، فإن كان المدعي قتلاً عمداً, ثَبَت القصاص؛ لأن اليمين المردودةَ كالبينة أو الإقرار، والقصاصُ يثبت بكلِّ واحدٍ منهما، وإن كان المدَّعي خطأ أو شبْهَ عَمْدٍ، ثبتت الدية، [ويكون] في مال المدعَى عليه أو على عاقلته قيل: إن جعلْنا اليمين المردودة كالبينة، فهي على العاقلة، وأن جعلْناها كالإقرار، ففي ماله.
وقيل: هي في ماله بكل حالٍ؛ لأنها إنما تكونُ كالبينة في حقِّ المتداعِيَيْن، لا على الإطْلاق.
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ فِيمَنْ يَحْلِفُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ فَالْمُكَاتَبُ يُقْسِمُ عَلَى عَبْدِهِ، فَإنْ عَجَزَ قَبْلَ الحَلِفِ والنُّكُولِ حَلَفَ السَّيِّدُ، فَإنْ كَانَ بَعْدَ النُّكُولِ لَمْ يَحْلِفْ كَمَا لا يَحْلِفُ الوَارِث بَعْدَ نُكُولِ المُوَرِّثِ، فَلَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ فأَوْصَى بِقِيمَتِهِ لِمُسْتَوْلَدَتِهِ وَمَاتَ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يُقْسِمُوا، وَإِنْ كَانَتِ القِيمَةُ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ لأَنَّ لَهُمْ حَظَاً فِي تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ، فَإِنْ نَكَلُوا فَلِلْمُسْتَوْلَدَةِ القَسَامَة عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكَذَا القَوْلاَنِ فِي قَسَامَةِ الغُرَمَاءِ إِذَا نَكَلَ الوَارِثُ، فَإنْ لَمْ يُقْسِمُوا فَلَهُمْ يَمِينُ المُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الركن مسبوق القول فيمن يَحْلِف أيمان القَسَامة، قال في الكتاب: "وهو كلُّ مَنْ يستحِقُّ الدية"، والأوْلَى عبارة "الوسيط"، وهو "كُلُّ من يستحق بدل الدم"؛ ليشمل ما إذا كان القتيل عبْداً، فإنَّ الأصحَّ أن السيِّد يُقْسِم على ما قدَّمنا، وفي الفصْل مسألتان مفرَّعتان على جَرَيَانِ القَسَامَةِ في العبْد: إحداهما: يُقْسِم المكاتَبُ، إذا قتل عبده، ويستعينُ بالقيمة على أداء النجوم، ولا يقسم السيد، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون، فإنَّ السيدَ يُقْسِم دون المأذون؛ لأنه لا حَقَّ له فيه، والمكاتَبُ صاحب حقٍّ في عبده، فإن عجَز قبل أن يُقْسِم، ويعرض عليه اليمين؛ فيقسم السيد، وإن عجز بعد ما عُرِضَتْ عليه اليمين، ونكَلَ، فلا يقسم السيد؛ لبطلان الحقِّ بنكوله، كما لا يقسم الوارث إذا نَكَل المورِّث، ولكن يَحْلِفْ المدعَى عليه، وإن عَجَز المكاتَبُ بعْد ما أقسم، أخذ السيدُ القيمةَ، كما لو مات، وكما 107 إذا الوليُّ بعد ما أقسم وقوله: "فالمكاتَبُ يُقْسِم" يجوز أن يعلَم بالواو؛ لأنه مفرَّع على الأصح، وهو جريان القسامة في العبد.
الثانية: إذا ملَك عبْدُه عبدًا، فقتل، وهناك لَوْثٌ، فإن قلْنا: العبد لا يملك بتمليك السيد، فالسيد هو الذي يُقْسِم، فإن المقتول عبد من عبيده، وإن قُلْنا: إنه يملك

الجزء: 11 - الصفحة: 43

بالتمليك، فقد قال الإِمام: يُبْنَى ذلك على أنَّ مَنْ ملك عبده عبدًا أو عَرَضًا من العُرُوض، فأتلف، فينقطع حق العبد، وتكون القيمةُ للسيِّدِ أو ينتقل حَقُّ العبد إلى القيمة؟ وفيه وجهان: أفقهما: الانقطاع، فإن ملك العبد عرضة للاسترداد والانقطاع بالتغيرات؛ ألا ترى أنه لو عتق العبد أو انتقل من ملك السيد إلى ملْك غيره ينقلب ما مَلَكه إلى مِلْك السيد، فكذلك تغير العين بالتَّلَف وتبدل الحقِّ بالقيمة يوجب انقطاع مِلْك العبد.
والثاني: أن حقَّ العبد ينتقل إلى القيمة كما في حقِّ غيره، فإن قلْنا بانقطاع حقه عن القيمة، فالسيد هو الذي يُقْسِم؛ وإلاَّ، فوجهان: أحدهما: أن للعبد أن يُقْسِم كما يُقْسِم المكاتَب في قتل عبده.
والثاني: المنع؛ لضعف مِلْكه، والقَسَامة تستدعي استقلالاً وملكاً مؤقتاً، فإنْ قلنا: لا يقسم العبْدُ، فكذلك السيد؛ لأنَّه لا مِلْك له، وإن استرجع السيِّدُ، وأعاد القيمة إلى مِلْكِه، فكذلك لا يقسم السيِّد لأنَّ ما لم يثْبُتْ للعبْدِ، كيف يخْلُفه السيد فيه؟ وإنْ قلنا: يُقْسِم العبد، فقد قيل: لا يُقْسِم السيِّدُ؛ أيضًا؛ لأن العبد لم يكُنْ له قتْلٌ، ولا صارت القيمة له حينئذٍ، وإنما يثبت المِلْك له بالاسترجاع؛ قال الإِمام: ويجوز أن يُجعَل السيد خلَفاً عن العبد، كالوارث مع المورِّث 108، وإذا قلْنا بالصحيح، وهو أنه لا يَمْلِك العبْد، فيقسم السيد، والقيمةُ له، ولو مات بعْد ما أقْسَم فهِيَ لورثته، وإذا مَلَّك مستولدته عبدًا، كان كما لو مَلَّك عبْدَه القِنَّ في جميعَ ما ذكرنا، وإن عتقَتْ بموت السيد، ولو أوصَى لمستولدته بعَبْدٍ فقتل؛ وهناك لوْث، فأقسم السيدُ، فيأخذ القيمة، وتبطل الوصية، ذكره في "التهذيب".
ولو أوصى لها بقيمة عبده فلان، لو قتل، صحَّتِ الوصية؛ لأن القيمة له، فله أن يوصِيَ بها، ولا يقدح ما فيها من الخطَر منْ حيث إنَّ القتلْ قدْ لا يثبُتُ، ولا تحْصُل القيمة، فإنَّ الوصية يحتملُ الأخطار وليست الوصية للمستولدةِ كالوصية للعبْد القِنِّ؛ فإنها تعتق عنْد الموت، وهو وقْت استحقاق الوصية، والعبْد ينتقل إلى الوارثِ، فلا يمكن تصحيحُ الوصية له، ولا للوارث.
قال القاضي الرويانيُّ: وعلى هذا لو أوصى لعبْد نفْسه، ثم أعتقه قبل أن يموت، تصحُّ الوصية وعن القاضي أبي الطيِّب: أنه لو باعه بعد الوصية، تصح الوصية، ويثبت الاستحقاق للمشتري، وإذا صحَّت الوصية، فإن أقسم السيد، ثم مات، فالقيمة لها وإن

الجزء: 11 - الصفحة: 44

لم يُقْسِم حتى مات، ولم يؤخذ منْه نكولٌ، فيقسم الورثة، وتكون القيمة لها بالوصية، وإنما يُقْسِم الورثة، وإنْ كانتِ القيمةُ للمستولدة؛ لأن العبد يوم القتل كان للسيد، والقسامة من الحقوق المتعلقة بالقتل، فيرثونها كما يرثون سائر الحقوق وتثبت القيمة له، ثم يصرفونها إلى المستولدة بموجب وصيته، ولهم غرضٌ ظاهرٌ في تنفيذ وصيته، وتحقيق مُرَاده، وهذا كما أنهم يقضُون ديونَهُ، وليس سبيلهم فيه سبيلَ سائر الورثة، حتى لو مات مَنْ عليه دينٌ ولا تركةٌ له، فقضاه الورثةِ منْ عندهم، كان على المستحِقِّ أن يقبَلَها بخلاف ما لَو تبرَّع به أجنبيٌّ.
قال الإِمام: وغالبُ ظنِّي أني رأيتُ فيه خلافًا لبعض 109 الأصحاب، قال ومثله 110 لو أوصَى إنسانٌ بمال، ومات، فجاء مَنْ يدعي استحقاقه، هل يحْلِف الوارث لتنفيذ الوصية؛ فيه احتمالان 111 يجوز أن يقال: نَعَم، كما في مسألة المستولدة، ويجوز أن يُفْرَق بأن القَسامةَ على خلاف القياس أثبتت احتياطًا وحَقْنًا للدماء، فيتعلق بحالة القتل، وصاحِبُ الحق عند القتل السيدُ، فإذا مات، قام وارثه مقامه، وأما دعوَى الاستحقاق، فإنها تتعلَّق بمَنْ له المِلْك ظاهرًا في الحال، وهو الموصَى له، ولا حاجة فيه إلى الإسناد والنَّظَرِ إلى ما تقدَّم، فإن نكَل الورثةُ عن القَسَامة، فهل للمستولَدَة أن تَقْسِم وتأخُذ القيمة؟ فيه قولان: أحدُهما: نعم؛ لأن القيمة لها، فلا يفوت عليها بنُكُول الورثة.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن القسامة لإثبات القيمة، والقيمةُ تثبت للسيد، ثم تنتقل منْه بالوصية إلى المستولَدَة، وإذا مات السيد، لم يُقْم مقامه في الإثبات إلاَّ ورثته، وليستِ المستولدة منْهم، والقولان كالقولَيْن فيما إذا أقام شاهداً بدَيْن لأبيه المديون، ولم يحْلِف مع الشاهد، هل يحلف غرماء الأب؟ ويجريان في المديون، إذا لم يُقْسِم ورثته، هل للغرماء أن يقسموا؟ ولا خلاف أن للورثة الدعوَى وطلب اليمين من المدعَى عليه، إذا

الجزء: 11 - الصفحة: 45

لم يُقْسِموا، وأما المستولَدة، فهل لها الدعوى وطلب اليمين؟ فعن القاضي أبي الطيِّب، وغيره: بناءً ذلك على أنها هل تُقْسِم؟ إن قلنا نعم، فنعم، وإن قلنا: لا، فليس لها طلب اليمين؛ لأن اليمين إنما يطلبها من تُرَدُّ عليه، لو نكل المدعَى عليه ولا يمكن الردُّ عليها إذا قلْنا: إنها لا تُقْسِم، والظاهر المنصوصُ أن لها دَعْوَى القيمة وطلب اليمين، وإن قلنا: إنها لا تُقْسِم؛ لأن القسامة لإثباتِ القَتْل، فتختصُّ بمن يحلف القتيل، وأما القيمةُ، فهي صاحبة المِلْك الناجز فيها ظاهرًا، ولا تحتاجُ في طلَبِها إلى بيان جهة الاستحقاق، فلها أن تدَّعيها، وتحلف، وإذا نكَل الخَصْم، فترد اليمين عليها.
قال الإِمام: وعلى هذا، فلا يتوقف طلبها [ودعواها] على إعراض الورثة عن الطلب، ومَنْ يبني حقَّ طلبها على أنها، هل تُقْسِم، يلزمه أن يقول: إنما يدَّعَي هي إذا أعرضوا عن الدعوى والطلب، كما أنها تُقْسِم، إذا نكل الورثة.
وقوله في الكتاب: "فللورثة أن يُقْسِمُوا" يجوز أن يقال: أشار بقوله "فللورثة" ولم يقل "فعليهم أن يقسموا" إلى ما ذكره الإِمام أن الورثة، وإن كان لهم القسامةُ، فإنها لا تختم عليهم، وإن كانوا على عِلْم وبصيرة، فالأيمان لا تجب، قطُّ.
وقوله "فإن لم يُقْسِمُوا، فلهم يمين المدَّعَى عليه" أي إن لم يقسم الورثة، فللغرماء التحليف، ويجوزُ أن يحمل قوله: "فلهم على الغرماء والورثة والمستولدة جميعاً" [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: فَإِذَا قُطِعَ يَدُ العَبْدِ وَعَتَقَ وَمَاتَ وَكَانَتِ الدِّيَة مِثْلَ أَرْشِ اليَدِ وَقُلْنَا لاَ قَسَامَةَ فِي العَبْدِ فَيُقْسِم هَهُنَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الوْاجِبَ دِيَةُ حُرٍّ بِالنَّظَرِ إلَى الآخَرِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الوَلِيُّ ثُمَّ أَقْسَمَ صَحَّ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا لاَ مِلْكَ لَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ فَقُتِلَ صُرِفَتِ الدِّيَةُ إِلَى الفَىْءِ بِيَمِينِهِ، فَإنْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقّاً؛ لأَنَّهُ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ تَسَّبب، وَقَسَامَةُ أَهْلِ الفَيْءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ هَذَا النَّصُّ، وَقِيلَ بِخِلاَفِهِ، وَمَهْمَا قُتِلَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَلا قَسَامَة إِذْ تَحْلِيف بَيْتِ المَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل: إحداهما: إذا قُطِعَت يد العبد، فعَتَق، ثم مات بالسراية، فقد سبق أن الواجب فيه الديةُ، وذكَرْنا قولين في أن المستَحِقَّ للسيد أقلُّ الأمرين من نصف قيمة العبد وكمال الدية، أو أقلُّ الأمرين منْ كمال القيمة وكمال الدية؟ فإذا وقعتِ الجناية، والصورةُ هذه، في محل اللوث، وكان الواجبُ قدْرَ ما يأخذه السيِّد ولا يفضل شيْء للورثة، فهل يقسم؟ ترتَّب ذلك على أن السيِّد، هلْ يقسم، لو مات العبد رقيقاً؟ إن قلنا: نعم، فههنا أولَى، وإن قلنا: لا، يقسم هناك، فههنا وجهان:

الجزء: 11 - الصفحة: 46

أظهرهما: أنه يقسم أيضًا؛ لأن القتيل حرٌّ، والواجب فيه دية.
والثاني: لا يقسم؛ لأن السيد 112 إنما يستحق بجهة الرِّقِّ، ونحن نفرِّع على أن بدل الرقيق لا قسامة فيه، وقد ينسب هذا الوجْه إلى أبي إسحاق، ويعلّل بأن السيد، لو أقسم، لكانَ قَدْ أقسم على أرش الطَّرْف [وهذا مشكل، فإنه يقتضي إلاَّ يقسم، وإن قلنا: القَسَامةُ لها مدخل في العبْد، ولم ينقل]، وان كان يفضل عن الواجب شيءٌ للورثة، فالورثة يُقْسِمون لا محالة، وفي قسامة السيد الخلافُ، إن قلْنا: لا يقسم، فالورثة يقسمون خمسين يميناً، وإن قلْنا: يقسم، فالسيد مع الوارث كالوارثَيْنِ، فيعود القولان في أن كلَّ واحد منهما يحلف خمسين، أو توزَّع الأيمان عليهما بحَسَب ما يأخذان.
وقوله في الكتاب: "وكانت الديةُ مثلَ أرْشِ اليد" هذا القيد لا حاجة [إليه] 113 في أن السيِّد، هل يقسم على ما تبيَّن، ولكنه أراد التصوير في صورة انفرادِ السيِّد بالقسامة، والتنبيه على أن الواجبَ في هذا القتيلِ الدية، وعلى أظهر القولَيْن، وهو [أن] 114 المستحَقَّ للسيد الأقلُّ من نصف القيمة وتمام الدية، وإذا كانتِ الديةُ مثلَ أرش اليد أو أقلَّ، انفرد السيد بالاستحقاق.
والثانية: إذا ارتدَّ وليُّ القتيل بعْد ما أقسم، فالدية ثابتة، وسبيلُها سبيلُ سائر أمواله التي ارتد عليها، وان ارتدَّ قبل أن يقْسِم، [قال] الأئمة: الأولَى ألاّ يَعْرِضَ الحاكمُ عليه القسامة؛ لأنه لا يتورَّع عن الأيمان الفاجرة، فإذا عاد إلى الإسلام أقْسَم، وإن أقسم في مَحَالِّ الردة، فعن المزنيِّ: أنه لا تصح قسامته، ولا يثبتُ بها شيْء.
وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ: أن القاضي أبا حامد روَى قولاً مخرجاً؛ أنه لا يُستَحَقُّ بالقسامة في الردة شيءٌ، ونقله ناقلون منصوصاً منسوبًا إلى رواية الربيع، وهذا راجع أيضًا إلى أنه لا تصح القسامة في الردة، والظاهر المشهور أن لها صحة واعتباراً، أو وجِّه بأن يمين الكافر صحيحة، والقسامةُ التي يَسْتَحِقُّ بها المالَ نوعُ اكتساب، فلا تبطلُ بالردَّة كالاختطاب وسائر الاكتسابات، وهل هي صحيحةٌ على الإطلاق أو القولُ بصحتها مخصوصٌ ببعض الأقوال في ملْك المرتد؟ فيه طريقان: أحدهما: أن ذلك مبنيٌّ على الأقوال في ملْك المرتد، إن قلنا: يبقى ملكه، وإنما يزول إذا مات أو قتل مرتداً، فتصح قسامته، وتثبت الدية، وإذا [مات] 115 فهي كسائر أمواله، وإن قلْنا: يزول ملْك المرتدِّ بالردة، وإذا أسلم [حصل] 116 ملْك مجدد، فلا

الجزء: 11 - الصفحة: 47

يقسم في الردة؛ لأنه لا استحقاق له، وإن قلْنا بالتوقف، ففي صحَّة القسمة وجهان، ومنْهم مَنْ يقول؛ يقسم، ثم إذا ماتَ أو قُتِلَ على الردة، ففي ثبوت الدية وجهان، والأول أحسن موقعاً: أحدهما: أنه لا يُقْسِم؛ لأنه تبيَّن على هذا القول زوالُ ملكه بالردة، وخروجه عن الاستحقاق.
وأظهرهما: وهو ظاهر النص: أنه يقْسِم وتثبت الدية، ويكون لأهْل الفيءِ؛ لأنه وإن ارتد، فهو الذي وَرِث أولاً، والقسامةُ تستند إلى حالة القتل، ولأنه يحتمل أن تكون الدية له بأن يعود إلى الإسلام، والقسامةُ، كما تجري عند تيقُّن الاستحقاق، تجري عند الاحتمال، كما ذكرنا فيما إذا كان في الورثة خنثَى أو غائب وأيضًا، فالاستحقاقُ، إما أن يكون له أَوْ لأهل الفيء وقسامة أهل الفيءِ لا تمكن والتعطيلُ بعيد، وهذه الطريقة هي التي أوردها في الكتاب، ويُرْوَى نحو منها عن أَبَوَي عليٍّ بن خيران، وابن أبي هريرة، وابن الوكيل.
وأظهرهما عند الأكثرين إطلاق القول بالصحَّة، وتنزيل الدية منزلةَ ما يكتسبه بعد الردَّة باحتطابٍ أو اصطيادٍ وغيرهما.
ولو ارتدَّ الوليُّ قبل موت المجْرُوح ومات، وهو مرتدٌّ، فلا يقسم؛ لأنه ليس بوارث، بخلاف ما إذا قُتِلَ العبد، وارتد السيد، لا يُفْرَق بين أن يرتدَّ قبل موت العبد أو بعْده، بل يُقْسِم، إذا أجرينا القسامة على بدل العبد؛ لأن الاستحقاق السيد بالمِلْك لا بالإرث.
وقوله في الكتاب: "ولو ارتد الوليُّ ثم أقسم، صحَّ" يجوز أن يعلَم قوله "صح" بالزاء والواو.
وقوله "إلاَّ إذا قلنا [إنه] 117 لا ملك له" بالواو، ولما ذكرنا من الطريقة المطْلِقَة للصحَّة، وإن قلنا: يزول ملكه، وهي التي رجَّحوها.
وقوله "صرفت الدية إلى الفيْء بيمينه ... " إلى آخره هو الوجْه الذاهب إلى أنَّه يُقْسِم ويثْبُت بيمينه الديةُ تفريعاً على قوْل الوقْف.
وقوله "لأنه من الاستحقاق تَسَبَّبَ" أي هو على الجملة بصفة قد يَثْبت له الاستحقاق، فلا ينزل منزلةَ الأجنبيِّ.
وقوله "وقيل بخلافه" يعني به الوجه الآخر، وهو أنه لا يقسم أو لا يثبت بقسامته دية، وهو لا، قالوا: نصُّ الشَّافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- محمولٌ على قول بقاء المِلْك، وحمَلوا لفْظ الوقْف في كلامه على حجْر السلطان على المرتدِّ في أمواله.

الجزء: 11 - الصفحة: 48

المسألة الثالثة: إذا قتل مَنْ لا وارث له بالجهات الخاصَّة فلا قَسَامة، وإن كان هناك لوْثٌ؛ لأنه ليس للدية مستحِقٌّ متعيَّن، وإنما هي لعامة المسلمين، تحلفُهم غيْرٌ ممكن، ولكن ينصب القاضي مَنْ يدَّعي عليه ويُحَلِّفه، فإن نكَل، فهل يقضي عليه بالنُّكول؟ فيه خلاف مذكور في موضِعِه.
ونختم القول في القسامة بمسائل بقيت من الباب.
لا ينبغي أن يُحَلِّف الحاكمُ السكرانَ مدعياً كان أو مدعى عليه، حتى يَعْلَم ما يقول، وما يقال له، وينزجر عن اليمين الفاجرة، فإن حلفه في السكْر، فعلى الخلاف في أن السكْران كالصاحِي أو كالمجنون.
والأظهر الأولُ، وعن القاضي أبي حامِدٍ والماسرجسي [أن يقسم] ترجيح الثاني.
إذا قُتِلَ رجلٌ، وكان اللوث على عبده، فأراد الوارث أن يقسِم عليه، فله ذلك، إن أثبتنا القصاص بالقسامة، لنقتص منه، وإلاَّ، فلا يثبت له في رقبة عبده مالٌ فلا يقسم، إلاَّ أن يكون مرهوناً، فيستفيد بالقسامة فكَّ الرَّهْن وبيعه، وقسمه ثمنه على الغرماء.
ادعَى على رجل، أنه قَتَل أباه عمداً، فقال المدعَى عليه: قتلْتُه، ولكنْ خطأً أو شبه عمْدٍ ففي "التهذيب": أن القَوْل في نفْي العمديَّة قولُ المدعَى عليه مع يمينه، سواءٌ كان هناك لوْث أو لم يَكُن.
والأقْوَى ما ذكرَه الإمامُ وصاحب "التتمة"، وهو أنه إن كان هناك لوْثٌ؛ كما إذا شهد عبيدٌ أو نسوةٌ على إقرار المدعَى عليه بالعمد، فيقسم المدعِي، ودعْوَى المدعَى عليه كونَ القتْلِ خطأً لا تمنع المدعي في القسامة، ولا تُبْطِل اللوْث، إنْ لم يؤكِّدْه، وإن لم يكُنْ لوْثٌ، فحينئذ يُصدَّق المدعَى عليه، ثم إذا حلف المدعَى عليه، فلم يحلف، رتّب ذلك على أنه لو أنكر أصْل القتل، لم يحلف، إن قلْنا: يحلف يميناً واحدة، فكذلك ههنا أو هو أولَى، وإن قلْنا: يحلف خمسين، فوجهان؛ لأن إنكار الصفةِ أخفُّ من إنكار الأصْل، والظاهر أنه لا فَرْق، وإذا حلف المدعَى عليه، فهل للمدعي طلَبُ الدية؟ قال المتولِّي: فيه قولان بناءً على أن الدية في الخَطأ تجب على العاقلة ابتداءً أو تجب على الجانِي، وهم يتحمَّلُون؟ إن قلْنا بالأول، فليس له طلب الدية؛ لأنه ادَّعَى حقّاً علَى المدعَى عليه، وهو اعترف بوجوبه على غيْره، وإن قلْنا بالثاني، فيُبْنَى على أن الحَلِف في الصفة، هل هو كالحلف في الموصوف، وفيه قولان مذكورانِ في "مسائل النكاح" إن قلْنا: نعم، فكأنه ادعَى مالاً واعترف بمال آخر لا يدعيه، وإن قلْنا: لا، طالَبَ بالدية، وهو الأظهر، واقتصر على الجواب علَيْه أكثرُ مَنْ أورد المسألة، وتكون الدية في مال المدعَى عليه مخفَّفة صفةً وتأجيلاً إلاَّ أن تصدِّقه العاقلة، فيكون عليهم،

الجزء: 11 - الصفحة: 49

وإن ادعَى عليه أنه قتل أباه خطأً، فقال: بل قتلته عمداً، فلا قصاص، وهل له أن يطالبه بدية مخفَّفة.
قال المتولِّي: فيه الوجهان، وإذا نكل المدعَى عليه في الصورة الأولَى، حلف المدعي على أنه كان متعمدًا، ويكون عدد يمينه، بعَدَد أيمان المدعَى عليه، ويثبت له بيمينه القصاصُ أو الديةُ المغلَّظة في ماله؟ قال في "المختصر" في "صفة يمين المدعَى عليه": إذا نكل المدعي عن القسامة أو لم يكن هناك لوْثٌ يحلف بالله؛ إنه ما قتله، وما أعلن على قتْله وما ناله من فِعْله، ولا بسبب فعْله شيْءٌ جَرَحَه، ولا وصل إلى شيْء مِنْ بدنه، ولا أحدث شيئًا، مات منه فلان، وشرَحَه الأصحاب، فقالوا: قوله "ما قتله" لنفْيِ انفراده بالقَتْل.
وقوله "وما أعان على قتْله" لنفي الاشتراك.
وقوله "ولا ناله من فعله" أي لم يصبه سهمه وحَجَره الذي رماه.
وقوله "ولا بسبب فَعَله" لأنه قد يرمى بسبب أو حَجَر، فيصيب حجرًا فيطير المُصَاب إلى الشخْص، فيقتله، وقوله "ولا وصل إلى شيْء من بدْنه" أي ما سقاه سُمّاً يهلك به.
وقوله "ولا أحدث شيئًا مات منه" أي ما حَفَر بئراً، ولا نصب سِكِّينًا وحَجَراً هَلَك به، ولا حاجة إلى ذكْر صفة القتل، فإنه ينفي أصْلَه، واحتجَّ أبو إسحاق جماعةٌ بهذا النصِّ على أنه يجُوز أن تكون دَعْوَى الدم مطلقَةً، فإنه إذا عيَّن جهة يكفي نفْي الجهة المدَّعاة، وَمَنْ منع مِنه، قال: المسألة مصوَّرة فيما إذا أدَّى اجتهاد القاضي إلى سماع الدعوى المطْلقة وادَّعَى الوليُّ حصول الهلاك عَلَى يده، ولم يردَّ، فيقضي القاضي في اليمين بنفي الجهات [أو هي] مصورة فيما إذا كان الوارثُ صبيّاً أو مجنوناً، فينصب القاضي مَن يَدَّعي ويحتاطُ في التحليف.
إذا ادَّعَى جراحةً لا توجب القصاص؛ كالجائفة، وأقام على دعْواه شاهداً واحدًا، وحلَف مع شاهده يميناً واحدةً ينبغي المال، ثم ما المجْروح بالسراية.
قال ابن الحدَّاد: لا يعطي الورثةُ شيئًا إلاَّ بخمسين يميناً؛ لأنها صارت نفْساً.
قال القاضي أبو الطيب: تصوير ابن الحدَّاد أولاً مبنيٌّ على أن دعْوى الجراحة والبينة عليها تُسْمَعَان قبل اندمالها وانتهائها بنهايته، وفيه خلاف، ثم جوابه مفرَّع على أن الأيْمان لا تتعدَّد [إلاَّ] في الأطرف والجراحات.
وإن قلنا: تتعدد وتُكَمَّل الأيمانُ فيها، فيحلف مع شاهده خمسين يمينًا.
وإن قلنا بالتوزيع على قدْر الدية، فتحلف للجائفة مع الشاهد ثلُثَ الخمسين، ثم إذا مات المجروح، وصارت الجراحةُ نفْساً، فيقسم الورثة، واللَّوْث حاصلٌ بشهادة

الجزء: 11 - الصفحة: 50

الشاهد الذي أقامه مورثهم، ولا تُحْسَب يمينه لهم؛ لأنه لا يأخذ أحدٌ بيمين غيره.
وعن الخضَريِّ: أنها تحسب، حتى لو حلف خمسين على قوْلنا بالتكميل، فلا يمين على الورثة؛ لأنه قد حَلَف للجائفة يكْفِي لجميع النفْس، والظاهرُ الأوَّل، [والله أعلم].

قال الغَزَالِي

ُّ: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي إِثْبَاتِ الدَّمِ

بِالشَّهَادَةِ وَلاَ يَثْبُتُ القَتْلُ المُوجِبُ لِلْقَصَاصِ بِرَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَ بالعَفْوِ إِلَى المَالِ نَفِي ثُبُوتِهِ بَعْدَ العَفْوِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَتْ عَلَى هَاشِمَةٍ مَسْبُوقَةٍ بإِيضَاحِ لَمْ يَثْبُتِ الهَشْمُ فِي حَقِّ الأَرْشِ كَمَا لا يَثْبُتُ الإِيْضَاحُ، وَلوْ شَهِدَتْ عَلَى أنَّهُ رَمَى إِلَى زَيْدٍ فَمَرَقَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ خَطَأً ثَبَتَ الخَطَأَ فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: الاِيضَاحُ سَبَبُ الهَشْمِ وَهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِخِلاَفِ قَتْلِ الشَّخْصَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في صفات الشُّهُود ونصيب الشهادات وشروطِها يُسْتَوْفَى في "كتاب الشهادات"، لكنَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذكر ههنا مسائلَ تتعلَّق بالشهادات على الجناية، وأودَعَها بابًا ترجمه بـ"الشهادة على الجناية" فراعَى معْظمُ الأصحَابِ ترتيبه، وأورد تلك المسائل ههنا ومقْصُود الفصل أنَّ كلَّ قتْلٍ أو جَرحٍ يوجبْ القصاصَ، فإنه لا يثبت برَجُل وامرأتين، ولا بشاهد ويمين، بل لا بد فيه من رجلَيْن يشهدان على نفْس القتل أو الجَرْح أو [على] 118 إقرار الجانِي بهما، وما يوجِبُ إلاَّ الديةَ؛ كالخطأ وشبه العمد وجناية الصبيِّ والمجنونِ وجناية المُسْلِم على الذمِّي والحرِّ على العبدِ والأب على الابن: تثبت 119 بشهادة رجل وامرأتينِ، وبشاهد ويمين؛ لأن المقصود منه المال، وسيعود هذا في "كتاب الشهادات".
ولو كانت الجنايةُ المدَّعاة بحَيْثُ توجب القصاص، وقال المدعِي: عَفَوْتُ عن القصاص، فاقبلوا منِّي رجلاً وامرأتين أو شاهدًا ويميناً لأخْذَ المال، فهل يقتل ويثبت المال؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه لا قصاص؛ والمقْصِد المال.
وأصحُّهما: ويُحْكَى عن نصّه في "الأم": المنع؛ لأنها في نفْسها موجبةٌ للقصاص، لو ثبتت 120 ولأنه ينبغي أن يثبت القصاصُ حتى يكون للعفوْ اعتبارٌ، ومن القِسْم الأول المُوَضِحَة، إذا وقعت على وجْه يوجب القصاص، ومِنَ القسْم الثاني

الجزء: 11 - الصفحة: 51

الهاشمةُ والمأمومةُ والجائفةُ، إذا تجرَّدتْ عن الإيضاح، أما إذا وُجِدَت هاشمةٌ مسبوقةٌ بالإيضاح، فهل يثبت أرْش الهاشمة برَجُلٍ وامرأتين؟ النصُّ أنه لا يثبت بلْ لا بدَّ من شهادة رجلَيْن، ونص فيما إذا رمَى إلى زيد، فمرق السهْمُ منه، وأصاب غيره خطأً؛ أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجُلٍ وامرأتين وبشاهد ويمين، وفيهما طريقان: أحدهما: أن فيهما قولَيْن: أحدهما: ثبوت الهشْم والجناية على الثاني برجُلٍ وامرأتينِ؛ وإن لم يثبتِ القطع [لأنه لا قصاص فيهما] 121. والثاني: المنع؛ لاشتمال الجناية على ما يوجِبُ القصاص، وهو المُوضِّحة في الصورة الأولَى، قتل الأوَّل في الثانية، والقصاص لا يثبت برجُلٍ وامرأتين.
وأصحُّهما: تقرير النصين، والفرق أن الهشْم المشتمل على الإيضاح جنايةً واحدةٌ، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيطَ لها، ولم تثبت إلاَّ بحُجَّة كاملةٍ، وفي صورة مروق السهم حصَلت جنايتان لا تتعلّق إحداهما بالأخْرَى، وذكر الأمام أن المُدَّعِي لو قال: أصاب سهمه الرجلَ الذي قصده، ونفد منه إلى أبي، فقتله، ولم تكن الجنايةُ الأولَى متعلَّق حقٌ المدعِي، فيجب القطْع بثبوت الخطَأ بالبينة الناقصة؛ ومحل التردُّد ما إذا كانت الجناية الأولَى متعلّق حق المدعِي، قال: وفيه احتمال؛ لأن الجناية في الجملة عمْدٌ مفضِ إلى خطأ، وذكر أنه لو ادعَى أنه أوضحَ رأْسَه، ثم عاد وهَشَم، ينبغي أن يثبت موجِبَ الهاشمة برجل وامرأتين؛ لأنها لم تتصَّل بالموضِّحة، ولم تتحد الجناية، وأنه لو ادَّعَى مع القصاص مالاً من جهة لا تتعلَّق بالقصاص، وأقام على الدعوَتَيْن رجلاً وامرأتين، فالمذهب المشهور أن المال يثبت، وإن لم يثبت القصاص، وإذا اشتملت الشهادة على أمرَيْن مختلفَيْن، لم يقض الرد في أحدهما الردَّ في الآخر، وأبعد بعضُهم، فخالف فيه، وفي "الوسيط" أنه لا خلاف أنه لو ادَّعَى قتْل عَمْرو خطأَ، فشهدوا، وذكروا مروقَ السهْم إليه مِنْ زيد، لم يقدح في الشهادة؛ لأن زيدًا ليس مقصوداً بها، وهذا قريبٌ من الصورة التي نقلناها عن الإِمام أولاً مع اختلاف التصويرُ فيهما فإذا قلْنا بثبوت الهاشمة المسبوقة بالأيضاح، وأوجبنا أرشها، فعن صاحب "التقريب": أن في ثبوت القصاص في الموضِّحة وجهين: وجْه الثبوت؛ التبعية كما أن الولادة على الفراش إذا ثبتت بشهادة النسوة يثبت النسب تبعًا، وإن لم يثبت النسبُ بشهادتين ابتداءً، واستضعف الشيخُ أبو عليٍّ والأئمة ذلك، واستبْعَدُوا اتباع الموضِّحة الهاشمة، وقالوا: الأقرب أن يُقَال: لا يجب قصاص

الجزء: 11 - الصفحة: 52

الموضِّحة وفي أرْشها وجهان وجه الوجُوب أنَّا وجدْنا متعلقاً لثبوت المال، فلا يبعد أن يستتبع مالٌ مالاً.
وقوله في الكتاب " [فقيل] قولان بالنقل والتخريج" فقضية إثبات قولَيْن في الصورتين وتولدهما من تصرُّف الأصحاب وكذلك ذكره جماعة من الأئمة، وفيه شيئان: أحدهما: حَكَى بعضهم القولَيْن في "مسألة الهشم" منصوصين لا حاصلَيْن بالنقل والتخريج، فيمكن أن يُعْلم لذلك قوله "بالنقل والتخريج" بالواو.
والثاني: أن عن الأصحاب مَنْ أثبت الخلافَ في الهشْم، وقَطَع بثبوت الخطأ في صورة [المروق] وقله قبل ذلك "ففي ثبوته بعد العفْو وجهان" يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهين" بالواو؛ لأن فيما عُلِّق عن أبي بكر الطوسيِّ حكايةٌ طريقةٍ أخرَى قاطعة بأنه لا يثبت.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدُوا أنَّهُ مَا جَرَحَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ لَمْ يَكْفِ مَا لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى القَتْلِ، وَلو قَالَ: أَوْضَحَ رَأْسَهُ لَمْ يَكْفِهِ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجِراحَةِ وَوُضُوحِ العَظْمِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ تَعْييِنِ مَحَلِّ المُوضِحَةِ سَقَطَ القِصَاصُ وَثَبَتَ الأَرْشُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشهادة على الجناية مفسرة مصرِّحةٌ بالغرض، وفيه صورتان: إحداهما: الشاهدُ على القتل، لا بدَّ، وأن يضيف الهلاك إلى فعْل المشهود عليه، فلوقال: ضربه بالسيف، لم يكْفِ، ولم يثبت به شيء؛ لأن السيف قد يصيب المضروبَ عرضاً، وقد ينبو ولا يؤثِّر، ولو قال: ضربه، وأنهر الدَّمَ، أو قال: جرحه، لم يثبت القتل؛ فإنه ليس في الشهادة تعرُّض له، ولو قال: ضربه بالسيف وأنهر الدَّمَ، ومات أو فمات، لم يثبت القتل أيضًا؛ لاحتمال أنه مات بسبب آخر، لا [بجراحته] 122 وإنهاره.
قال الإِمام: وفي طريقة 123 العراقيين ما يدل على أن القتل يثبُت بهذه الشهادة، وعده غلطاً، إن لم يكن في النسخة اختلالٌ، ويدل على الاختلال أنك لا تَجِدُ في طرق العراقيين ذكْرَ هذا الوجْه.
ولو قال: جَرَحه، فقتله أو فمات مِنْ جراحته أو أنْهَر دمه، فمات بسبب ذلك، يثبت القتل، وفي معناه ما إذا قال: جَرَحه أو ضرَبَه بالسَّيْف، فأنهر دمَهُ، ومات مكانه، نصَّ عليه في "المختصر" وأقام قولَه "ومات مكانه" مقام قوله، "ومات من جراحته أو بسبب جراحته" وفي لفْظ الأمام، ما يُشْعِر بالنزاع فيه، فإنه قال "ولو قال: ضربه بالسيف [وأنهر] 124 دمه، ومات مكانه بتلْك الجراحة، يثبت بالقتل" فاعتبر أن يقول بتلك

الجزء: 11 - الصفحة: 53

الجراحة، والشاهد يعْرِف حصول القتل بقرائن يشاهدها، وإن لم يَرَ إلاَّ الجراحة، وانْهَارَ الدَّم، وحصولَ الموت، فللإمام تردُّد في أنه هل يجوز تحمل الشهادة به؟ قال: والوجه المنع.
الثانية: إذا قال الشاهدُ: ضرب رأسه، فأدماه، أو أسال دمه، تثبت الدامية، ولو قال: فسال دمه، لم تثبت؛ لاحتمال أن السيلان حصَلَ بسبب آخر، ولو قال: ضربه بالسيف، فأوضح رأسه أو اتَّضَحَ مِنْ ضربه أو بجراحته، تثبت الموضِّحة، ولو قال: ضربه، فوجَدْنا رأسه مُوضحاً أو فأتَّضَحَ، لم يثبت وحكى الإِمام وصاحبُ الكتاب؛ أنه يشترط التعرّض لوضوح العظْم، وإلاَّ، فلفظ الامام المُوَضِّحة من الإيضاح، وليست مخصوصةً بإيضاح العظم، وتنزيل لفظ الشاهد على الألقاب التي اصْطَلَح عليها الفقهاءُ لا وجْهَ له.
نعم، لو كان الشاهد فقيهاً، وعلم القاضي أنه لا يُطْلِق لفظ "المُوضِحة" إلاَّ على ما يوضِحُ العَظْمَ؛ قال الإِمام: هذا موضع التردُّد يجوز أن يكتفي به لفَهْم المقصود، ويجوز أن يعتبر الكشْف لفظًا، فإن للشرع تعبداً في ألفاظ الشهاداتِ، وإن أفهم غيرها المقصود، ولا بد من تعيين محل الموضِحَة، وبيان مساحتها؛ ليجب القصاص، فلو كان على رأسه موضِحُ، وعجزوا عن تعيين موضِحَة المشهود عليه، فلا قصاص، ولم يكن على رأْسه إلا موضِحَةٌ واحدةٌ:، وشهد الشهود بأنه أوضَحَ رأْسَه، فلا قِصَاصَ أيضًا، لجواز أنه كانَتْ عليه موضِحَةٌ صغيرةٌ، فوسَّعَهَا، وإنما يجب القصاص إذا قالوا: إنه أوضَحَ هذه المُوضِحَةَ، وهل يجب الأَرْشُ إذا أطلقوا أنه أوضَحَ موضِحَةً، وعَجَزُوا عن تعيينها؟ فيه وجهان: أحدُهما: ويحكى عن اختيار القاضي الحسين: أنه لا يجب؛ لأن هذه الجراحة، لو ثبتت على صفتها لوجب القصاصُ، وقد تعذَّر إثبات القصاص، فلا تثبتُ الجنايةُ أصلاً، كما لو شهِدَ رجُلٌ وامرأتان على موضِحَةٍ عمدًا لا يثبت الأَرْشُ كما لا يثبت القِصَاص.
وأصحُّهما: [الوجوب] 125 وبه قال الشيخ أبو محمَّد يجب؛ لأن الأرش لا يختلف باختلاف محل الموضحة ومساحتها، وتعذُّرُ القصاص إنما كان لتعذّر رعاية المماثلة لا لنقصان في البيِّنَةِ، بخلاف صورة الاستشهاد، ويدل عليه نصُّه في "الأُم"؛ أنه لو شهد الشاهدان على أن فلاناً قطَع قيد فلان، ولم يُعيِّنا، والمشهودُ له مَقْطُوعُ اليدَيْن، لا يجب القصاص وتجب الدية، ولو كان مقطُوعَ يد واحدة، والصورةُ هذه، فهل تنزل شهادتُهم

الجزء: 11 - الصفحة: 54

على ما نشاهدُها مقطوعةٌ أو يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدَّر فيه خلاف، ولو شهد الشهود بمُوضِحَةٍ شهادةً صريحةً، وعَايَنَّا رأس المَشْجُوج سليماً لا أَثَر عليه، والعهْدُ قريب، فالشهادة مردودةٌ.
وقوله في الكتاب: ["لم يكن] 126 ما لم يَشْهَدُوا على القتل" أعلم بالواو، ولما نقله الإمام عن طريق العراقيين، وأقامه وجهًا في "الوسيط".
وقوله "ولو قال: أوضَحَ رأْسَهُ، لم يكفه ما لم يتعرَّض للجراحة": وَجْهُ التعرُّض للجراحةِ هو وجْهُ التعرّض لوضوح العظْم، فإنَّ الأيضاح من حيث اللفْظُ يحْصُل برفع العمامة عن الرأْس، وقضيَّتُه أن يقال: لا يكْفِي أيضاً.
وقوله "ضرب رأسه بالسيف" فأوضَحَه؛ لأنه قد يضربه فَيُلْقِي عمامته بلا جرح، ويكون الحاصل ايضاحاً.
وقوله "فإن عجزوا" يعني الشهود.
وقوله "سقط القصاص" أي لم يَثْبُت، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى أنَّهُ قُتِلَ بِالسِّحْرِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُشَاهَدُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَمْرَضَهُ بِالسِّحْرِ وَلَكِنْ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهَذَا لَوْثٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ لَوْثَ فَإِنَّ اللَّوْثَ فِي تَعْيِينِ القَاتِلِ لاَ فِي نَفْسِ القَتْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ السَّحْر له حقيقة، وقد يأتي الساحِرْ بفعْلٍ أو قولٍ يتغير به حالُ المسحُور، فيمرض، ويموت منه، وقد يكون ذلك بوصول شيْء إلى بدَنه من دخان وغيره، وقد يكون دونَهُ.
وعن أبي جَعْفَر الأستراباذيِّ من أصحابنا: أن السحر لا حقيقة له إنَّما هو تخيُّلٌ.
وحكى "صاحب الشامل" عن أصحاب أبي حنيفة: أنه إن وصل بفعْلِ الساحر شيْءٌ إلى بدَنِ المسحور، جازَ أن يحْصُلَ منه أثر، وإلاَّ، فلا يجوز، والمشهور الأول، وعليه عامة العلماء؛ يدل عليه قوله تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] وفي القصة المشهورة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سُحِرَ حَتَّى يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ" 127، وفيه نزلت المعوِّذَتان.
ويحْرُم فعل السحر بالإجماع، ومَنِ اعتقد إباحته، فهو كافر ويُرْوَى أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ" 128.

الجزء: 11 - الصفحة: 55

وإذا قال الرجل: تعلمتُ السحر أو أَحْسِنُ السِّحْر، استُوصِفَ، فإن وصَفَه بما هو كُفْرٌ، فهو كافر، ومثَّله ابن الصباغ بأن يعتقد التقرُّب إلى الكواكب السبعة، وأنها تجيب إلى ما يقترح منها.
وعن القفَّال: أنه لو قال: أفْعَلُ بالسحْر بقُدْرتي دون قدرة الله تعالى، فهو كافر، وإن وصفه بما ليس بكُفْر، لم يكن كافراً.
وقال مالك: السِّحْر زندقة حتى أن الرجُل، إذا قال: أنا أحسن السحر، ولا أعيل به، يُقْتَل، ولا تُقْبَل توبته، كما لا تُقْبَل توبة الزنديق، ويروَى عن أبي حنيفة مثله.
وقال أحمد: يقتل الساحِرُ، ولمْ يُؤْثَر عنه في كفْره شيْءٌ.
واحتج الأصحاب بِأَنَّ مَنْ قال: أحسن الكفر أو الزنا، لا يُجْعَل كافراً وزانياً، ويُرْوَى أن مدبِّرةً لعائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- سَحَرَتْها استعجالاً للعتْق، فباعتها عائشةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- ممَّن يسيءْ مِلْكَها من الأعراب، وكان ذلك بِمَحْضَر من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ولم يقْتُلُوها.
وأما تَعَلُّم السحْر وتعليمه، فالذي ذكره الأكثرون منْهم أصحابُنا العراقيون "وصاحب التهذيب": أنهما حرامان، لخوف الافتتان والإضرار بالناس، وفي "تعليق أبي بكر الطوسيِّ حكاية وجهين فيه.
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحْرُم، كما لا يحرم تعلُّم مقالات الكفرة، وقد يبغي من يتعلَّم السحْر دفْعَ ضرَرِهِ عن نفْسه، وأيضاً، فإنَّ تعرُّف حقائق الأشياء لا يَحْرُم، وهذا ما أورده في "الوسيط"، ورد الإِمام الوجهَيْن إلى أنه هل يُكْره تعلمُّه وفيه إشعار بأنه لا يحرم، وكلام القاضي الرويانيِّ قريبٌ منه، ولا يخفَى أن موضع الخلاف في التحريم؛ ما إذا لم يحتَجْ في تعلمه إلى تقديم اعتقادٍ هو كفرٌ والله أعلم.
إذا عُرِفَ ذلك، ففي الفصل مسألتان: إحداهما: القتل بالسحْر لا يَثْبُت بالبيِّنة؛ لأن الشاهد لا يعْلَم قصْد الساحر، ولا يشاهِد تأثير السحْر، وإنما يثْبُت ذلك بإقرار الساحِر، وقد قدَّمنا أنه إذا قال: قتلتُه = ابن عامر وهو ضعيف، وعيسى بن مسلم وهو لين، وفي حديث ابن عباس: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وهما ضعيفان، وفي الباب عن أبي هريرة رفعه: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وكل إليه، رواه النسائي وابن عدي في ترجمة عباد بن ميسرة، عن الحسن عن عليّ.
حديث: أن مدبرة لعائشة سحرتها استعجالاً لعتقها، فباعتها عائشة ممن يسيء ملكها من الأعراب، مالك والشافعي والحاكم والبيهقي من رواية عمرة عنها، وإسناده صحيح.

الجزء: 11 - الصفحة: 56

بسحْرِي، وسحْرِي يقتلُ غالباً، فقد أَقَرَّ بالقتل العمْد، وإن قال: نادراً، فهو إقرار بشبه العمد، وإن قال: أخطاتُ مِن اسم غيره إلى اسْمه، فهو إقرار بالخطأ.
وعن نَصِّه في "الأم": أنه لو قال: أمْرِضُ بسحْرِي، ولا أقتل، وقد سَحَرْتُ فلاناً، فأمرضته، عُزِّر وأنه لو قال: أُسْحِرُ ولا أُمْرِض، ولكن أُوذِي، ينهي (1) عنه، فإن عاد، يعزَّر؛ لأن السحْرَ كلَّه حرام.
الثانية: إذا قال: أمرضتُه بسحْري، لكنه لم يمُتْ به، وإنما مات بسبب آخر، فقد نص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر" أنه لوْثٌ يُقْسِم به للوليِّ، ويأخذ الدية.
قال الإِمام: وفيه قول مخرَّج أنه ليس بِلَوْثٍ ولا قسامة فيه؛ لأنا ذَكَرْنا فيما إذا جرح رجلاً، ومات المجروح، واختلف الجارحُ ووليُّ المجروح، فقال الجارح: مات بسبب آخر، وقال الوليُّ: بل بالسراية تفصيلاً وخلافاً في أن المصدَّق منهما مَنْ هو؟ ولم يجْرِ ذكرُ القسامة، وقد وجد في الصورتين الاعتراف بسبب القتل مع ادعاء وقوع المَوْت بسبب آخر، ووجهُ القولِ المخرَّج أن القسامة لتعيين [القاتل] (2) بعد الاتفاق على القتل، وههنا الاختلافُ في نفْس القتل، وأشار إلى أنَّا إذا جعلْنا اعتراف الساحر بأنه أمرض لوثاً، وجب أن يكون اعترافُ الجارح بالجَرْح لوثاً، وحاصل هذا الباب إثبات قولين أو وجهَيْن في الصورتين بالنَّقْل والتخريج، والظاهر الذي عليه أكثرهم أنه إنْ بقيَ ضمناً متألماً إلى أن مات، فيحلف الوليُّ، ويأخذ الدية، وذلك قد يثبت [بالبينة، وقد يثبت] (3) باعتراف الساحر، وإن ادَّعَى الساحرُ البُرْءَ من ذلك المَرَضِ، وقد مضَتْ مدة تحْتمل البرْءُ فالقول قولُه مع يمينه، ويُحْكَى (4) هذا عن نصه في "الأم" وقد سبق مثله في اختلاف الجارح والوليِّ وعليه يُحْمل نص "المختصر".

" فَرْعٌ"

[لو] 133 قال: قتلتُ بسحْري جماعَةً، ولم يعيِّن 134 أحداً، فلا قصاص؛ لأن المستحِقَّ غير متعيِّن، وعند أبي حنيفة يُقْتَل حدّاً، لسعْيه في الأرض بالفساد، وبمثله يقول إذا أقر بقتل اثنين فصاعداً على التعيين، وإن كان لا يوجب القصاصَ بالقَتْل بالسحْر على ما حكينا مِنْ قبلُ.
آخَر: إذا أصاب غيْرَه بالعَيْن، واعترف بأنه قتله بالعَيْن، لم يجب القصاص، وإن129130131132

الجزء: 11 - الصفحة: 57

كان العيْن حقّاً، ويقال: إن في الناس مَنْ يقصده، وقليلاً ما يخطئُ لأنه لا يقضي إلى القَتْل اختيارًا، ولا يُعَدُّ ذلكَ مِنْ أسباب الهلاك.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنَ الشُّرُوطِ أَلاَّ تَتَضَّمَنَ الشَّهَادَةُ نَفْعاً وَلاَ دَفْعَاً، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحِ المُوَرِّثِ لَمْ يُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِمُوَرِّثِهِ المَرِيضِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحٍ وَهُمَا مَحْجُوبَانِ ثُمَّ مَاتَ الحَاجِبُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالنَّظَرُ إِلَى حَالَةِ الشَّهَادَةِ لِلتُّهْمَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا في الإِقْرَارِ لِلوَارِثِ، وَلَوْ شَهِدَتْ العَاقِلَةُ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ الخَطَأ لَمْ يُقْبَل لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ فُقَرَاءِ العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الأَبْاعِدِ قُبِلَ لِأَنَّ تَوَقُّعَ مَوْتِ القَرِيبِ بَعِيدٌ بِخِلَافِ تَوَقُّعِ الغَنِىِّ، وَقِيلَ فِي البَعِيدِ وَالقَرِيبِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيأتي في "كتاب الشهادات" بتيسير الله -تعالى- أنَّ مِنْ شروطِ الشهودِ الانفكاكَ عن التهمة، وأن مِنْ أسباب التُّهمة أن يَجُرَّ بالشهادة نفْعاً إلى نفْسه أو يدْفع ضرراً، وأنَّ مِنْ صوَر الْجَرِّ أنْ يشهدَ على جَرْح مُوَرِّثه، وفيه مسائل: إحداها: إذا ادعَى على إنسان أنه جرَحَه، وشهد للمدَّعِي وارثه، نُظِر؛ إن كان من الأصول أو الفروع، لم تقبل شهادته للبعضية، وإن كان من غيرهم، فإن شهِدَ بعْد الاندمال، قُبِلت شهادته، وإن شهد قبْله، لم تُقْبَلْ؛ لأنه لو مات كان الأرْشُ له، فكأنه شهد لنفسه، وإن شهد بمال آخر لمورثه المريض مرَضَ الموتِ، فوجهان: أحدهما، ويُحْكَى عن أبي إسحاق: أنها لا تقبل أيضاً، ورجَّحَهُ صاحب "الإفصاح" وابن الصَّبَّاغ توجيهاً بأن المرِيضَ محجور [عليه] 135 المرض؛ لِحَقِّ الوَرَثَةِ؛ ولذلك لو وهب غير ذلَك المال، يعتبر من الثلث، وذلك يوجب التُّهْمَةَ في شَهَادَةِ الوارث.
وأظهرهما؛ عند أكثرهم، وبه قال أبو الطَّيِّب بن سلمة: أنها تُقْبَلُ، وبه أجاب صاحب الكتاب في "باب الشهادات"، ولم يذكر الَخلاف الذي ذكَره هاهنا، والمسألةُ معادةٌ هناك، وربَّما زدْنا في شرْحِها.
الثانية: لو شهد اثنان على الجَرْح، وهما محجوبان، ثم صارَا وارثَيْنِ، كأخوين يشْهَدان، وللمجْروح ابنٌ، ثم يموت الابن، فالشهادةُ في الأصل مقبولةٌ، ثم إن صارا وارَثَيْن قبل أن يقضي القاضي بشهادتهما، فلا يَقْضِي، وإن كان بعْدَ قضائه، لم ينقض القضاء، كما لو شهد الشاهد ثم فَسَقَ، وحكى الفورانيُّ طريقةً أخرَى، وهي أن في المسألة قولَيْن:

الجزء: 11 - الصفحة: 58

أحدهما: هذا.
والثاني: أن الاعتبار بحالة الشهادة، ولا أثر لما طرأ، وشبَّهه بالخلاف في "مسألة الإقرار للوارث" في أن الاعتبار بحالة الإقرار أعم بحالة الموت.
ومثاله: أن يقر لأخيه، وله ابنٌ، فيموت أولاً ابن له، فيولد، ولو شَهِدَ، وَهُمَا وارثان في ظاهر الحال، ثم وُلِدَ له ابنٌ، فالشهادة مردودةٌ للتُّهْمَةِ عند آدائها، وطردت الطريقة الأخرَى حتى إذا اعتبرْنا بالمال، فإذا خرَجَ عن كَوْنه وارثاً، تبيَّن كون الشهادة مقبولةً، وكأنَّا نتوقَّف في الشهادة إلى أن يتبين آخر الأمر، ولو شهد وارثان على جَرْحِ الموروث 136، فَبَرِئَ المجروح، فظاهر المذْهَب أنه لا يثبت الجرح؛ لقيام التهمة حال أداء الشهادة.
وعن صاحب "الإفصاح" وغيره حكايةُ وجْهٍ أنه يثبت بناءً على أن الشهادة موقوفةٌ، كما أن عَطَايَاهُ في المرض موقوفةٌ، ومما عُدَّ من صُوَر دفْعِ الضرر؛ أن تقوم البينةُ على القَتْل الخطأ، فشهد اثنان من العاقلة الَّذين يتحمَّلون الدية عَلى فِسْق بينة القتل، فلا تقبل شهادتهما 137؛ لأنهما متهمان برفْع التحمُّل عن نفسهما، وهذا أيضاً معادٌ في "الشهادات".
ولو كان الشاهدان من فقراء العاقلة الذين لا يتحمَّلون، فالنصُّ أن شهادتهما لا تُقْبل أيضاً، وإن كانا من الأباعد، وفي عدد الأقربين وفاءٌ بالواجب، فالنصُّ قَبُولُ شهادتهما، وفي الصورتَيْن طريقان: أحدهما: أن فيهما قولَيْن نقلاً 138 وتخريجاً.
وجْه القَبُول: أنهما لا يتحمَّلان في الصورتين شيئاً [فليس] وليس الموضِعُ موضِعَ التهمة.
ووجه المنْع: أن الفقير يتحمَّل لو أيسر والبعيد يتحمل، لو مات القريب، فهما مُتَّهَمَان بدفْع ضرَرٍ متوقَّع.
والثاني: تقرير النصين، والفرْق أن المال غادٍ ورائح، والغنيُّ غير مستبعد، بل كلُّ يحدِّث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموتُ القريب الذي يُخْرِج الأبعد إلى التحمُّل كالمستبد في الاعتقادات، والتهمةُ لا تتحقَّق بمثله، وقد سبق ما يَقْرُب من هذا المعْنَى في "الإيلاء"، ورجَّح الإِمام طريقةَ القولَيْن معترضاً على الثانية بأن البَعِيدَ كما يلزمه التحمُّل بموت الأقربين، يلزمه 139 التحمُّل بافتقارهم وحاجتهم، ولَئِنِ استبعد الموت،

الجزء: 11 - الصفحة: 59

فاحتمال الفقر والحاجةِ غيْرُ مستبعد، كما أن احتمال الغني [غير] 140 مستبعد، والأظهر عند الأكثرين طريقةُ التقرير، وبها: قال أبو إسحاق، ولهم أن يجيبوا عما ذَكَرَه بأن الإنسان يطلب غنى نفسه وتدبير أسبابه، ويتحيل مساعدة القَدَر والظَّفَر بالمقصود، ولا يطلب فقْرَ 141 غيره، ولا يسعى فيه، فتكون التهمةُ المَبْنِيَّةُ على تقدير غِنَاهُ أظْهَرَ من التهمة المَبْنِيَّة على فَقْرِ الغَيْر، وتُقْبَل شهادة العاقلة على فِسْق بينة القتل، وبينة الإقرار بالقَتْل الخطأ؛ لأن الدية لا تلزمهم، وإن حكمنا بالبينتين، فلم يكونا دَافِعَتَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "وقيل في القريب والبعيد [قولان"] 142 يعني في القريب الفقير، وفي البعيد، والأحسن أن يقال: "وقيل في الفقير والبعيد" [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ بِالقَتْلِ فَشَهِدَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَتَلاَ هَذَا القَتِيلَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ قَبْلَ الاسْتِشْهَادِ، وَشَهَادَةُ الحِسْبَةِ لاَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الآدَمِيِّينَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا المُدَّعِي بَطَلَ حَقَّهُ لِتَنَاقُضِ دَعْوَاهُ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِالقَتْل فَهْمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ، وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِالقَتْلِ فَهُمَا مُبَادِرَانِ وَلَيْسَا دَافِعَيْنِ فَيُخَرَّجُ عَلَى شَهَادَةِ الحِسْبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهد اثنان على رجلَيْن؛ أنهما قتلا فلاناً، فشهد المشهود عليهما أن الأوَّلَيْنِ قتلاه، قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصحابُ: يُسْأل الوليُّ، فإن صَدَّق الأوَّلَيْنِ دون الآخَرَيْن، ثبت القتل على الآخَرَيْن بشهادة الأوَّلَيْن، ولا تُقْبَل الشهادة 143 على الأولين؛ لأن الوليُّ يكذِّبهما، ولأنهما يدفعان بشهادتهما ضَرَرَ مُوجِبِ القتل الذي شهد به الأولان، والدافع مُتَّهَمٌ في شهادته، ولأنهما [صَارَا] 144 عدوَيْنِ للأولَيْن بشهادتهما عليهما، وشهادة العدُوِّ على العدوِّ لا تقبل، وإن صدَّق الآخرَيْنِ دون الأولَيْن، بَطَلَت الشهادتان، أما شهادة الأولَيْن، فإنَّ تصديق الآخرَيْن يتضمن تكذيبهما، وأما شهادة الآخرين، فللمعنيَيْنِ الدفْعِ والعداوةِ، وإن صدَّق الفريقَيْن جميعاً، فكذلك تَبْطُل الشهادتان؛ لأن في تصديق كل فريق تكذيباً للآخر، وإن كذبهما جميعاً، فهو اظهر، واعترض على تصوير المسألة أن الشهادةَ على القَتْل لا تُسْمَعُ إلا بعد تقديم الدعوَى ولا بد في الدعوَى من تعيين القاتل، فكيف يُسْأَلُ المدعِي بعد شهادة الفريقين، وأُجِيبَ عنه بوجوه: أحدها، عن أبي إسحاق: أن تقديم الدعوى على الشهادة إنما يُشْتَرط إذا كان

الجزء: 11 - الصفحة: 60

المُدَّعِي ممن يعبِّر عن نفسه، فأما مَنْ لا يعبر؛ كالصبيِّ والمجنون، فتجوز الشهادة لهم قبل الدعوَى والشهادة هاهنا لمن لا يعبر عن نفسه، وهو القتيل؛ ألا ترى أنه إذا ثبتت الديةُ، قضَى منها ديونَهُ، ونفذت وصاياه، وهذا ذهاب إلى أن شهادة الحِسْبَةِ تُقْبَلُ في الدماء، وهو وَجْه سيأتي -إن شاء الله تعالى ذكْرُه- في "الشهادات" لا مع وجْه آخر، وهو قَبُولُها في "الأموال" أيضاً، وظاهر المذْهب أنَّها لا تقبل في حقوق الآدميين المحْضَة أصلاً.
والثاني: قال قائلون: المسألة مصوَّرةٌ فيما إذا لم يعْلَم الوليُّ القاتلَ 145، والشهادةُ قبل الدعوى مسموعةٌ، والحالةُ هذه، ويُحكَى هذا عن الماسرجسي والأستاذ أبي طاهر، وهو وجه يذكر في "الشهادات" أن شهادة الحسبة لا تقبل، إن علم المستحقُّ بالحق؛ وإن لم يَعْلَم، فتُقْبَل.
والأصحُّ: المنع، ويخبر الشاهدُ المستحِقَّ حتى تُقدِّم الدعْوَى، ثم يشهد الشاهد.
والثالث: قال الأصحاب تفريعاً على أن الشهادة لا تقبل إلاَّ بعد تقديم الدعوى، وهو الصحيح: صورة المسألة أن يدَّعِي القتْل على اثنين، ويشهد بذلك شاهدانِ، فيبادر المشهودُ عليهما، ويشهدا على الشاهدَيْن بأنهما القاتلان، وذلك يورِثُ رِيبَةً وشُبْهَةً للحاكم، فيراجع الوليَّ، ويسأله احتياطاً، وحينئذ، إن استمر عَلَى تصديق الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّق الآخرَيْن أو صدقَهُم جميعاً، بطَلَ الدعوتان لتناقضهما، وبطلت الشهادات، ولو كان المدعي وكيل للوليِّ، نُظِرَ؛ إن كان قد عيَّن الآخَرَيْن، وأمره بالدعوَى عليهما، ففعل، وأقام عليه شاهدَيْن، فشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، فإن استمر الوكيلُ على تصديق الأوَّلَيْنِ، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّقَهم جميعاً أو صدَّق الآخَرَين، انعزل عن الوِكَالَةِ، ولا تبطل دعْوَى الموكّل على الآخرين، وان لم يعيِّنْ للوكيل أحداً، ولكن قال: ثأري عند اثنين من هؤلاء الجماعة، فادَّع عليهما، واطْلُبْ ثَأْرِي منهما، ففي صحَّة التوكيل هكذا وجهان مذكوران في "التهذيب".
قال: وعلى تصحيحه يعْمَلُ الحُكَّامُ، والخلاف نازع إلى الخلاف المذكور فيما إذا قال: وَكَّلْتُك لمخاصمة خَصْمي أو هو هو، وعلى تصحيحه ينطبق ما حُكِيَ عن صاحب "التقريب" وأبي يعقوب الأبيوردي؛ أن المسألة في أصلها مصوَّرة فيما إذا كان قد وكَّل وكيلَيْن بطلب الدم، فادَّعَى أحدهما على اثنين والآخر على آخرَيْن، وشهد كلُّ اثنين على آخريْن، وإذا عيَّن الوكيلُ شخصَيْن، والتوكيلُ منهم كما صوَّرتا، وأقام عليهما شاهدَيْن، وشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، والوكيل على تصديق الأوَلَيْن، يثبت

الجزء: 11 - الصفحة: 61

القتل على المشهود عليهما، وإن صدَّق الآخرَيْن أو صدَّقهِم جميعاً، انعزل عن الوَكَالَة، [ثم] 146 إن صدَّق الموكلُ الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وإن صدَّق الآخرين، جاز، وله الدعوى على الأولَيْن إذا لم يتقدَّم ما يناقض ذلك، لكن لا تُقْبَلُ شهادة الآخرين للتهمة بسبب الدفعِ والعداوة، والمبادرةِ قبل الدعوى والاستشهاد.
ثم هاهنا فائدتان: إحداهما: عن صاحب "التقريب" تفريعاً على قبول الشهادة قبل تقديم الدعوَى: ذكر وجهين فيما إذا ابتدر أربعةٌ إلى مجْلس القاضي، وشَهِدَ اثْنان منْهم على الآخَرَيْن؛ أنهما قتَلا فلاناً، وشهد الآخران على الأولَيْن أنهما القاتلان.
أحدهما: بُطلانَ الشهادتين لتضادَّهما وتصادُمِهِما.
والثاني: أنا نُرَاجع الوليَّ، فإن لم يصدِّقْهم بَطَلت 147 الشهادات، وإن صدَّق اثنين، تأيَّدت، شهادتهما بالتصديق، فتبطل شهادةُ الآخَرَيْن، وبه تصح شهادة المصدَّقَيْن، فيقضي بها.
وفيه وجه آخر أنه يعمل بشهادة الأولَيْن، وتردُّ شهادة الآخَرَيْن؛ لأنهما دافعان وعدوَّان، وإذا فرَّعنا على أنه لا تُقْبَل الشهادة قبل [تقديم] الدعوَى، فلو ادعَى المدعي، وأعاد المبادر الشهادة هل تقبل شهادته فيه خلاف يُذْكر في "الشهادات".
الثانية: ردُّ الشهادة في المسألة لا لتهمة دفع الضرر ظاهرٌ، وقد نصَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- على التعليل بها، وأما الردُّ للعداوة، فقد قال الإمامُ: العداوة التي تُردُّ بها الشهادةُ لا تثبت بهذا [القدر] 148، وموضِع ضَبْط العداوة التي توجِبُ ردُّ الشهادة بابها.
وفي الفصْل بعد هذا صورتان: إحْداهما: إذا شهدَ رجلان على رجلَيْن بالقتل، فشهد المشهودُ عليهما على أجنبيِّ بذلك القتل، أو على أجنبيين 149 فصاعداً، فالنظر في كون الشهادة واقعةً بعد [تقديم] الدعوَى أو قبله، وفي تصديق الوليِّ الصنفين أو أحدهما على ما مرَّ، ولو كان المدعي وكيلَ الوليِّ، ولم يكن الوليُّ قد عين أحداً، ثم إنَّه صدَّق الآخرَيْن، كان له أن يدعِيَ على الأولَيْن؛ لأنه لم يسبِقْ منه ما يناقضه، ولا تُقْبل شهادة الآخريْن، لأنهما مُتَّهَمان بالدَّفْعِ عن أنفسهما.
وعن أبي بكر الصيدلانيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنه يُحْتمل ألاَّ يكونا 150 متهمين؛

الجزء: 11 - الصفحة: 62

لأنهما ربَّما صَدَقا؛ فلا ينبغي أن ترد قولُهما بمبادرة غيرهما بالشهادة عليهما.
الثالثة: شهِدَ رجلان على رجلَيْن على التصوير الذي تقدَّم، فشهد أجنبيان على الشاهدَيْن؛ بأنهما القاتلان، فيَعُود فيه التفصيل، إن كان الوليُّ ادعَى بنفسه، وكذَّب الأَجْنَبِيَيْنِ بطلت شهادتهما، وإن صدَّقهما أو صدَّق الكلَّ، بطَلت الشهادات؛ لتناقض الدعوَتَيْن، وإن كان المدعي الوكيلَ، ولم يعيِّن الموكِّل أحداً، فللموكّل الدعْوَى على الأولَيْن، والأجْنبيان ليْسا دافعَيْن، ولكنهما مبادران إلى الشهادة قبل الاستشهاد، فلو ادعَى عليهما، وجاء بالأجْنبِيَّيْن شاهدين، فعلى الخلاف في قبول الشهادة المُعَادَةِ من المبادرةِ.
والذي أورده في ""التهذيب": القبول، إن ادعَى وأعاد الشهادة في مجْلس آخر، وإن ادَّعَى [فشهدا] في ذلك المجلس، قال: فيه وجهان.
ولو ادعَى على اثنين ألفاً، وشهد له بذلك شاهدان، ثم شهد المشهود عليهما أو أجنبيان بان للمدعي على الشاهدَيْن ألفاً وصدَّق المدعي الآخَرَيْن أيضاً، لم تبْطُل دعواه الأُولَى، ولا شهادة الأَولَيْن على الآخرين، وله أن يَدَّعِي على الآخرَيْن أيضاً، لجواز اجتماع الألْفَيْنِ، وشهادة الآخرين على الأولَيْن شهادةٌ قبل الدعوَى والاستشهاد، قال في "التهذيب": فلو ادعَى وشهدا في مجْلسِ آخر، قُبِلَتْ شهادتهما، ولو جَرَى في ذلك المجْلِسِ، ففيه وجهان.
قال الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُ الوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ سَقَطَ القِصَاصُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ بِشَهَادَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أقر أحدُ الوَرَثَةِ بعَفْو بعضهم عن القصاص، وعيَّنه أو لم يعيِّنه، سقط القصاص؛ لأنه اعترف بسقُوطِ حَقِّهِ عن القِصَاص؛ إذ القصاصُ لا يتبعَّض، وإذا وُجِدَ منه ما يُسْقِط حقه من القصاص، سقط حقُّ الآخرين، كما لو قال: أسْقَطْتُ حقِّي عن القصاص، وقرب ذلك بما إذا أقر أحدُ مالكي العبْد بأن شريكه أعتقه، وهو موسِرٌ، يُحْكَم بنقود العتق، إذا جَعَلْنا السراية قضية لإقراره، وأما الدية، فإن لم يعيِّن المقر العافِيَ، فللورثة جميعاً الديةُ، وإن عيَّنه، وأنكرُ فكذلك، والقولُ في أنه لم يعْفُ عن الدية قولُه مع يمينه، وإن أقر بالعَفْو عن القصاص، فلغير العافي حِصَّتهم من الدية، والعافي إنْ عما على الدية، فكذلك، وإن أطْلَق العفْوَ، فعلى القَوْلين في وجوب الدية في العَفْو المُطْلَق، ولو شهد أحَدُ الورثة بِعِفُوِ بعْضِهم، نُظِرَ، إن كان فاسقاً، ولم يعَيِّن العافي، فحكم الشهادة حُكْم الإقرار، وإن كان عَدْلًا، وعيَّن العافي وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً، فللجاني أن يَحْلِفَ معه، ويسقط القصاص والدية.
أما القصاص فإنَّه يسقط بالإقرار الذي تتضمَّنه الشهادة، وأما الدية، فلأن العَفْو

الجزء: 11 - الصفحة: 63

عن المال يثبت بشاهد ويمين، وكذلك الحُكْم، لو شهد رجل وامرأتان من الوَرَثَةِ؛ لأن العفو عن المال يثبُت برجُل وامرأتين، وكيف يحْلِف الجاني مع شهادة الوارِثَ؟ قال في "المختصر": حلف القاتل مع شهادته، لَقَد عفا عن القصاص والمال، وتَعَجَّبَ من ظاهره جمهورُ الأصحاب، وقالوا: القصاصُ يسقُطُ بشهادة الوارث، فيكفي أن يذكر في يمينه، أنه عفا عن الدية، ولا حاجة إلى التعرُّض للقصاص، وتكلَّموا فيه من وجوه.
أحدها: أن قوله "لقد [عفا] 151 عن القصاص والمال" متعلِّق بشهادة الوارث لا بيمين الجاني، والمعنى بِحلف القاتل أنه عفا عن الدية مع شهادة الوراث على أنه عفا عنهما جميعاً.
[والثاني: حمله حاملون عَلَى ما إذا ادعَى المدعي العَفْو عنهما جميعاً] 152، وأجاب المدعَى عليه بأنه ما عفا عن القصاص، ولا عن الدية، فيحْلِف بِحَسَب الجواب، ولو اقتصر عَلَى أنه ما عفا عن الدية، كفَاهُ ذلك.
والثالث: أنه ذكر ذلك احتياطاً؛ لتكون عبارته في اليمين مطابقةً لعبارة الشاهد في الشهادة.
وعن بعْضِهم: أنه أخذ بظاهر النصِّ، وقال: إذا قلْنا: إن موجب العمْد القَوَدْ المَحْضُ، فإنما تثبت الديةُ بالعَفْوِ عن القَوَد، ولا يصحُّ العفْو عن الدية حتى يَعْفُوَ عن القصاص والدية جميعاً، فإذا حلَف على العفْو عن الدية من غير ذكْر العفْو عن القصاص، لم يكن حالفاً على عفْوٍ صحيحٍ، وإذا ادعَى الجانِي العفْوَ عن القصاص على الورثةِ، مِنْ غير ذِكْرِ العَفْوِ حلف، وثبت العفْو بيمين الرد.
وإن اْقام بينة على العفْو، لم تُقْبل إلاَّ شهادة رجلَيْن؛ لأن القصاص ليس بمال وما لا يثبت برجُل وامرأتين، لا يُحْكم بسقوطِه برجُلٍ وامرأتين.
وإن ادعَى على بعْضِهم العَفْوَ عن حِصَّتِهِ من الدية، فقد آلَ النِّزَاعُ إلى المال، فله إثباته بشاهد ويمينٍ، وبرجل وامرأتين؛ لأن المال يثبت بهما فكذلك إسقاطه.
وقوله في الكتاب: "سقط القصاص بإقراره، وإن كان فاسقاً، لا بشهادته" يعني: أن القصاص يَسْقُطُ بالإقرار الذي هو في ضِمْن الشهادة، لا بالشَّهَادة حتى يَسْقُطَ، إنْ كان فاسقاً لا شهادَة له.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّاهِدَيْنِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ فَهُمَا مُتَكَاذِبَانِ،

الجزء: 11 - الصفحة: 64

ثُمَّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ لَوْثٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ المُطْلَقِ وَالآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ العَمْدِ ثَبَتَ أَصْلُ القَتْلِ، وَالقَوْلُ قَوُلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي نَفْيِ العَمْدِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنُ لَوْثٌ، وَإِنْ قَالَ: أَحَدُهُمَا قَتَلُهُ عَمْداً وَقَالَ الآخَرُ خَطَأً فَفِي ثُبُوتِ أَصْلِ القَتْلِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: الأولى: إذا اختلف شاهدا القَتْلِ في زمانٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله يوم السبت أو غدوته، وقال الآخر: يوم الأحد أو عشيَّتَه، أو في مكان؛ بأن قال أحدهما: قتله في البيت، فقال الآخر: في السوق وفي الآلة؛ بأن قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال آخر: بالرُّمْح أو بالعصا، أو في هيئةٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله بالحَزِّ، وقال الآخَرُ: بالقَدِّ، لم يَثْبُتِ القَتْلُ، بقولهما، وكذا الحال فيما يشهدان به، ويَخْتَلِفَانِ فيه من الأفعال والألفاظ المنشأة.
وهل يكون ذلك لوثاً حتى يُقْسم [فيه] المدعي؟ قال في "المختصر": إنه يكون لوثاً، وذكر أن في بعض نُسَخَ في "المختصر" أنه لا يكون لَوْثاً، وكذلك حكَى عن رواية الربيع، وفيهما طرق ثلاثةٌ، فعن أبي علي بن أبي هريرة وغيره: أن في المسألة قولَيْن: أحدهما: أنه لا يكون لَوْثاً؛ لأن كل واحد من القولَيْن مُنَاقِضٌ للآخر، فكل واحد من القائلَيْن يكذِّب للآخر، فيندفعان، ولا يتحرَّك به ظنٌّ.
والثاني: أنه يكون لَوْثاً؛ لأنهما متفقان على أصْل القتل، وإن اختلفا في صِفَاتِهِ، وربَّمَا غَلِطَ أحدهما أو نَسِيَ، فقد لا يَشُكُّ في أصل الوَاقِعَةِ، وَيشُكُّ في وقتها وكيفيتها.
وعن أبي إسحاق: القطْعُ بأنه لَوْث، وبَانَ إثبات كلمة "لا" حيث أثبت غلطٌ، وعن أبي سلمة: وابن الوكيل القطْعُ بأنه ليس بلوث، والمصيرُ إلى أن إسقاط كلمة "لا" حيث أسقطت غلَطٌ.
وقال القاضي أبو حامدٍ: إنما أثبت الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اللَّوْث فيما إذا شهد أحدهما بالقَتْلِ، والآخرُ على الإقرار بالقتل، فنقل المزنيُّ جوابه إلى هذه المسألة غَلَطاً، واختار الإِمام طريقة القولَيْن، وهي الأعدل.
والأظهر من القولَيْن على ما بيَّنهُ في الكتاب، وذكَره صاحب "التهذيب" أنه ليس بلَوْث.
وقوله: "على الصحيح" يجوز أن يريد من القَوْلَيْنِ، ويجوز أن يريد من الطرق.

" فَرْعٌ"

لو شهد أحد الشاهدَيْن "على أنه أقرَّ يوم" السبت بالقتل عمداً أو خطأ، والآخَرُ على أنه أقر يوْمَ الأحد بذلك، ثبت القَتْلُ؛ لأنه لا اخْتِلاَفَ في القَتْلِ، وصفته، وإنما

الجزء: 11 - الصفحة: 65

الاختلاف في الإقرار، ولو قال أحدهما: أقر بأنه قَتَلَهُ بـ"مكة" له يوم كذا وقال الآخَرُ: أقر بأنه قتله بـ"مصر" في ذلك الْيَوْمِ، سَقَطَ قولاهما.
الثانية: إذا ادعَى القَتْلَ، وأقام شاهدَيْن، شهد أحدهما بأنه قَتَلَه، والآخرُ بأنه أَقَرَّ بقتله، لا يَثْبُت القتل؛ لأنهما لم يتَّفِقَا على شيء واحد، ولكنه لَوْثٌ يثبت به القَسَامَةَ؛ ولا يجيء فيه الخلاف المذكور في الصورة السابقة؛ لأن الشهادتَيْنِ هناك مُتَكَاذِبَتَان، وههنا لا تكاذُب ولا تَنَافي، ولأن واحد منهما، لو انفرد بالشهادة التي شَهِدَ بها، حَصَلَ اللَّوْثُ، فإذا اجتمعا، كان أَوْلَي، ثم إن كان المدَّعِي قَتْلَ عَمْدٍ، وأقسم الوليُّ ترتَّب على القَسَامَةِ حكمها، وإن كان المدعي قتْلَ خطأ، حلفَ مع أي الشاهدَيْن شاء، والكلامُ في أن اليمين تتعدَّد أو تَتْحِدُّ على ما سَبَق، فإن حلَف مع شاهد القَتْل، وجبت الدِّيَة على العاقلة، وإن حَلَف مع شاهد الإقرار، وجَبَتْ في مال الجانِيَ، فإن ادَّعَى القتل العَمْدَ، وشهد أحدُ الشاهدَيْن على إقراره بالقتل العَمْدِ، والآخر على إقراره بالقَتْل المطْلَق، أو شهدَا على نَفْسِ القَتْل أو شهد أحدهما بأنه قتل عمداً؛ والآخر بالقتل [المطلق] ثبت أصل القتل؛ لاتفاقهما عليه، حتى لا يقبل من المدعَى [عليه] 153 إنكارُه، ويُسْأل عن صِفَةِ القتل، فإن أصَرَّ على إنكار الأصْل، قال الحاكم: إن لم تبيِّن صفة القتل، جعَلْتُك ناكلاً، وردَدتُّ اليمين على المدعِي، أنك قتلت عمداً، وحكمتُ عليك بالقصاص.
وإن بيَّن صفة القتل؛ بأن قال: قتلتُه، عمْداً أجرَى عليه حكْمَه، وإن قال قتلتُهُ خطأ، وكذَّبه [الوليُّ]، فقد أطلق مُطْلِقُون أن القول قولُه في نفْي العمْدية، فيحلف، وتكون ديةُ الخطأ في ماله؛ لأنها ثبتت بإقراره، وإن نكَل، حلَفَ المدعِي، واستحق القصاص.
واستدرك الإمامُ وصاحب الكتاب، فقالا: القولُ قولُه في نفْي العمدية، إن لم يكن هناكَ لَوْثٌ، وإن كان، فيقسم المدعي، ويشبه أن يكون المراد اللوْثَ في العمدية 154، وإلاَّ فاللوث في أصل القتل حاصلٌ لاتفاق الشاهدَيْن عليه، وقد سبق ذِكْرَ خلاف في أنه لو ظَهَرَ اللَّوْثُ في أصل القتل دون كونه خطأً أو عمداً، هل يثبت القسامة؟ وهذا نازع إليه.
الثالثة: لو شهد أحد الشاهدَيْن بأنه قتله عمداً، والآخر بأنه قتله خطأً، والدعْوَى بالقتل العمْد، فهل يَثْبُتُ أصل القتل؟ قال الإِمام: اخْتَلَفَ فيه جَوَابُ القَفَّالِ، فقال في أحد الجوابَيْن: لا يثبت؛ لاختلاف الشهادتَيْنِ على التَّنَافِي، وإذا تكاذَبتِ الشهادتان، سَقَطتا، كما لو اختلفا في الزمان أو المكان أو الآلة، وهذا ما صحَّحه الإمَامُ.

الجزء: 11 - الصفحة: 66

والثاني: يثبت؛ لاتفاقهما على أصْلِ القتل، والاختلاف في العمديَّة والخطأ به ليس كالاختلاف في الصورة السابقة، لأن التكاذُب هناك في أمرِ محسُوسٍ والعمدية والخَطَيئَّةُ في محلِّ الاشتباه، فالفعْلُ الواحدُ قد يعتقدُه أحدُهما عمداً، والآخر خطأً، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ وجماعةٌ.
فإن قلْنا بالأول، فالحكم على ما ذَكَرْنا في "صورة التكاذُب"، وإن قلنا بالثاني، فقد ذكر في "الشامل": أنه يُسْأَلُ الجاني، فإن أقر بالعُمْدِ، ثبت، وإن أقر بالخطأ وصدَّقه الوليُّ [فذلك] وإن كذَّبه، فللوليِّ أن يُقْسِم؛ لأن له بما ادعاه شاهداً واحداً، وذلك لوْثٌ.
قال: ويخالف هذا ما إذا شهِدَ أحدهما على إقْراره بالقَتْل العمد، والآخر على إقراره بمطلق القتل؛ لأن الشهادة هناك عَلَى الإقْرار، واللوْثُ إنما يتحقَّق في الفعْل لا في الإقْرار، وهذا العُذْر لا يجيْء فيما إذا شَهِد أحدهما على القتْل العَمْد نفسه، والآخر على مطْلَق القتل، فلْيحكُم بحصول اللوْث فيه.
ثم ذكر أنه إن أقسم الوليُّ، ترتب حكم القسامة عليها، وإلا فيحلف الجاني، فإن حَلَف، فالدية المخفَّفة في ماله وإن نكَل، فهل تُردُّ اليمينُ على المدَّعِي لنكوله؟ فيه قولان قد سبق ذكرهما، فإن رُدَّت، وحلف، ثبت موجب العَمْدِ، وإن لم ترد أو قلنا بالرد، وامتنع من الحَلِفِ، ثبتت دية الخطأ في ماله.
أمَّا أَنَّه يثبتُ ديةُ الخَطَأ دون العَمْدِ، فلأنها أخفُّ، وقد ثبت أصل القتل.
وأما أنها في ماله، فلأن العاقلة لا يُضْرَبُ عليهم شيْءٌ ما لم يثبت الخطأ.
والذي أورده صاحب "التهذيب" في المسألة أنه إنْ كان المدَّعِي القَتْلَ خطأً، فشهادة شاهد العمْد لَغْوٌ، ويحلف المدَّعِي مع شاهد الخطأ، وتجب الدية على العاقلة، وإن كان المُدَّعي القتلَ عَمْداً، فشهادة شاهد الخطأِ لغو، (ويحلف) المدعي خمسين يميناً، ويثبت موجب القسامة.
قال: ولو شهد أحدُهما على أنَّه أقر بقتله عَمْداً، والآخر على أنه أقر بقتله خَطَأً، فالجواب كذلك إلا أنَّه إذا حلَف على الخَطَأ، فتكون الدية في مال المدَّعَى عليه، إلا أن يصدِّقه العاقلة.

" فَرْعٌ"

شهد اثنان على أنَّه ضرب مَلْفُوفاً "في ثوْبٍ" فقدَّه بنصفين، ولم يتعرَّضا لحياته وقْت الضرب، لم يثبتِ القتْل بشهادتهما، فلو اختلف الجاني والوليُّ في حياته حينئذ،

الجزء: 11 - الصفحة: 67

ففي المصدَّق منهما قولان، قد سبق ذكرهما في أواخر الفن الأول من القصاص: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أن المصدَّق الجاني، وهو نصُّه في هذا الكتاب 155 ورجَّحه الشيخُ أبو حامد والقاضي الرويانيُّ وجماعة.
وأظهرهما؛ على ما ذكرنا هناك أن المصدَّق الوليُّ، واختلفوا في موضع القولَيْن على ثلاثة طُرُق: أظهرهما: إطلاقهما.
والثاني: عن أبي إسحاق أنه يُنْظَر إلى الدَّم السائل فإن قال أهل البصر: إنَّه دمُ حيٍّ، فالمصدَّق الوليُّ، وإن قالوا: إنه دم ميِّتٍ، فالمصدَّق الجاني، وإن اشتبه، ففيه القولان.
والثالث؛ عن أبي الحُسَيْن الطِّيبيِّ: أنه إن كان ملفوفاً في ثياب الأحياء، فالمصدَّق الوليُّ، وإن كان في الكفَن، فالمصدَّق الجاني 156، وإن كان مشتبهاً، ففيه القولان، فإن صدَّقنا الجاني، فحلف، برأ، وإن صدَّقنا الوليَّ، فحلف، فله الدية.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يستحقُّ القصاص للشبهة، وعن الماسرجسي وغيره: أنه يتعلَّق به القصاص، كما تتعلق به الدية؛ لأنَّ الخلاف في العمْد الموجِبِ للقِصَاصِ، فإذا صدَّقناه فيه، رتَّبنا عليه موجِبَه، وبهذا قال القاضي أبو الطيِّب، وبالغ 157 فيه [حين] 158 سأله أبو بكر الدقَّاق وراجَعَه فيه.
آخر: شهد شاهدٌ على رجُلٍ أنه قَتَل زيداً، وآخر أنه قَتَلَ عَمْراً، حصَل اللوْث في حَقّهما جميعاً حتى يُقْسِم الوليانِ، نصَّ عليه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" والله أعلم بالصواب.

الجزء: 11 - الصفحة: 68

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل