العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الوكَالةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغزالي وِفَيه ثَلاَثَةُ أَبْوَابِ

البَابُ الأَوّلُ في أَركْانهَا

قال الرافعي: الحاجة الداعية إلى تجويز الوكالة ظاهرة، وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه توكل السعاة لأخذ الصَّدَقات 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- وَكَّلَ عُرْوَةَ الباَرِقِيَّ -رضي الله عنه- ليشتري له شاة للأضحية 2، وعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمرِيَّ -رضي الله عنه- لقبول نكاح أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْت أبي سُفْيَانَ 3 -رضي الله عنه-، وَأبَا رَافِعٍ لقبول نكاح مَيْمُونَةَ 4. وعن جَابِرٍ -رضي الله عنه- قال: أردت الخروج إلى خيبر، فذكرته لرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال إذاً لَقِيتَ وَكِيْلي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَر وَسْقاً فَإن ابْتَغَى مِنْكَ آية فضع يدك على تُرْقوته 5 وقد أدرج صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- مسائل الوَكَالة في ثلاثة أبواب: أحدها: في أركانها، وبيّن فيه ما يعتبر في كل واحد منها لصحة العقد، فيعرف بذاك صحيح الوكالة وفاسدها.

الجزء: 5 - الصفحة: 204

والثاني: في أحكام الوكالة الصحيحة فهي فائدة العقد وثمرته.
وثالثها: في الاختلاف؛ لأنهما قد يختلفان في أصل العقد وكيفيته وتعرض لسببه أحكام يحتاج إلى الوقوف عليها.
أما الأركان فلا يخفى أن التوكيل تفويض، ولا شك أن التفوبض يكون في شيء يصدر من شخص إلى شخص، ويتحصل بشيء، وهذه الأريعة التي ذكرناها، بكن جعلها أركاناً للوَكَالة كجعل البائع والمشتري والمبيع أركاناً للبيع، وفيه كلام قدمناه في البيع.
قال الغزالي: وِهَيَ أَرْبَعَةٌ الأَولُ مَا فِيه التَّوْكيِلُ وُشُرُوُطُهُ ثَلاَثَةٌ: (الأَوَّل): أَنْ يَكُونَ مَمْلوكاً لِلمُوَكِّل، فَلَو وُكِّلَ بَطَلاَقِ زَوْجِةٍ سَيَنْكِحُهَا، أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ.
قال الرافعي: الركن الأول ما فيه التوكيل وله شروط.
أحدها: أن يكون ما يوكل فيه مملوكاً له فلو وكل غيره في طلاق امرأة سينكحها أو بيع عبد سيملكه أو إعتاق كل رقيق يملكه فوجهان.
أحدهما: أن هذا التوكيل باطل؛ لأنه لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه، فلا ينتظم منه إنابة غيره فيه.
والثاني: صحيح، ويمكن بحصول الملك عند التصرف، فإنه المقصود من التوكيل.
ويجري الوجهان فيما إذا وكله بقضاء كل دين سيلزمه، وتزويج ابنته إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها، وما أشبه ذلك 6، وبالوجه الثاني أجاب القَفَّالُ في "الفتاوى"، وهو الذي أورده في "التهذيب"، والأول أصح عند أصحابنا العراقيين، والامام، ولم ينقل صاحب الكتاب غيره، ويجوز أن يقال: الخلاف عائد إلى الاعتبار بحال التوكيل، أو بحال إنشاء التصرف، وله نظائر.
قال الغزالي: (الثَّانِي): أَنْ يَكُونَ قَابلاً لِلنِّيَابَةِ كَأَنْوَاعِ البيْع، وَكَالحِوَالَةِ، والضَّماَنِ، وَالكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالوَكَاَلَةِ، وَالمُضَارَبة، وَالجعَالَةِ، وَالمُسَأَقَاة، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ،

الجزء: 5 - الصفحة: 205

وَالخُلْعِ، وَالصُّلْحِ، وَسَائرِ العُقُودِ، وَالفُسُوخِ، وَلاَ يَجوزُ التَّوكيلُ في العِبادَاتِ إِلاَّ في الحَج وأَداءِ الزَّكَوَاتِ، وَلاَ يَجوزُ في المَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالغَصْبِ وَالقَتْلِ بَلْ أَحكامُهَا تَلْزمُ متعاطيها، وَيلْتحِقُ بِفَنِّ العِبَادَاتِ الأَيْمَانُ وَالشَّهَادَاتُ فإِنّهَا تَتَعلَّقُ بأَلفْاَظٍ وَخَصَائصِ، وَاللِّعَانُ وَالإِيلاَءُ مِنَ الأَيْمَانِ، وَكَذَا الظِّهَار عَلَىَ رَأْيٍ، وَيجوزُ التَّوكْيلُ بقَبْضِ الحُقُوق، وفَي التَّوكْيل بإثْباتِ اليَدِ على المُبَاحَاتِ كَالاصْطيادِ وَالاسْتِقَاءِ خِلاَفٌ، وفي التَّوكْيل بِالإِقْرَارِ خِلاَفٌ لتَردُّدِهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالالْتِزامَاتِ، ثُمَّ إِنْ لَم يَصحَّ فَفي جَعْلِهِ مقرَّاً بِنَفْسِ التَّوكْيل بالخُصُومَةِ بِرضَا الخَصْمِ وَغَيْرِ رِضَاهُ (ح)، وَباسْتِيفاءِ العُقوباتِ فيِ حُضُورِ المُسْتَحِقِّ، وفيِ غَيْبَتِهِ طَرِيقَانِ، أَحدُهُمَا المَنْعُ، وَالآخَرُ قَوْلاَنِ، وَقِيل بالَجَوازِ أَيضاً.
قال الرافعي: يشترط في الموكل فيه أن يكون قابلاً للنيابة، فإن التوكيل تفويض وإنابة، والذي يفوّض فيه التوكيل أنواع.
منها: العبادات، والأصل فيها إمتناع النيابة؛ لأن الإتيان بها مقصود من الشخص عينه ابتلاءً واختباراً، واستئني الحج للأخبار 7، ومن جنس الصلاة ركعتي الطواف 8، على كلام فيهما ياتى في "الوصايا"، وتفريق الزكاة والكفارات والصدقات؛ إلحاقاً لها بسائر الحقوق المالية، وذبح الضحايا والهدايا، فإن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أناب فيه 9، وفي صوم الوليّ عن الميت خَلاَفٌ سبق في موضعه، وألحق بالعبادات الأيمان والشهادات.
قال في "الوسيط": لأن الحكم في الأيمان يتعلق بتعظيم اسم الله -تعالى- فامتنعت النيابة فيها كالعبادات، وفي الشهادات علقنا الحكم بخصوص لفظ الشهادة، حتى لم يَقُمْ غيرها مقامها، فكيف يحتمل السكوت عنها بالتوكيل؟ ومن جمله الأيمان الإيلاء، واللعان، والقسَامة، فلا يجوز التوكيل في شيء منها.
وفي الظهار وجهان، بناء على أن المغلب فيه معنى اليمين أو الطلاق، والظاهر عند المعظم منع التوكيل فيه، وذكر في "التتمة" أن الظاهر الجواز، وأن المنع مذهب

الجزء: 5 - الصفحة: 206

المُزَنِيِّ، وفي معنى الأيمان النذور، وتعليق الطلاق، والعتق والتدبير.
وفي "التتمة" أن الحكم في التدبير يبنى على أنه وصية، أو تعليق عتق بصفة.
فإن قلنا بالثاني منعناه.
ومنها: المعاملات، فيجوز التوكيل في طرفي البيع بأنواعه.
قال الغزالي: من السَّلَمِ والصَّرْف والتَّوليَةِ، وغيرهما، وفي الرهْنِ والهبة والصُّلْحِ والإبَّراءِ وَالحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ وَالكَفَالَةِ وَالشَّرِكَةِ والوَكَالَةِ والمُضَارَبِةِ والإِجَارةِ وَالجَعَالَةِ والمُسَاقَاةِ وَالإِيْدَاع والإِعَارةِ والأخذ بالشُّفْعَةِ والوَقْفِ والوصِيَّةِ وقبولها.
وعن القَاضي الحُسَيْنِ حكاية وجهٍ: أنه لا يجوز التوكيل في الوصية؛ لأنها قُرْبة، ويجوز التوكيل في طرفي النكاح والخلع، وفي تنجيز الطَّلاَقِ والعِتَاق والكِتَابة ونحوها 10، وفي الرجعة وجهان.
أصحهما: الجواز كابتداء النكاح، فإن كل واحد منهما استباحة فرج محرم: والثاني: المنع كما لو أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، ووكل بالاختيار، وكذا لو طلق إحدى امرأتيه، وأعتق أحد عبديه، ووكل بالتعيين 11. وكما يجوز التوكيل في العقود يجوز في الإِقَالَةِ، وسائر الفسوخ، نعم ما هو على الفور، فالتأخير فيه بالتوكيل قد يكون تقصيراً.
وفي التوكيل في خيار الرؤية خلاف سبق في موضعه، ويجوز التوكيل في قبض الأموال مضمونة كانت أو غير مضمونة، وفي قبض الديون وإقباضها 12. ومنها الجزية، فيجوز التوكيل في قبضها وإقباضها، نعم يمتنع توكيل الذمي المسلم فيه على رأي مذكور في "كتاب الجزية" 13. ومنها: المعاصي كَالقَتْلِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ والغَصْبِ، فلا مدخل للتوكيل فيها، بل أحكامها تثبت في حق مرتكبها؛ لأن كل شخص بعينه مقصود بالأمتناع عنها، فإن فعل

الجزء: 5 - الصفحة: 207

أجري حكمها عليه.
ثم في الفصل وراء هذه الصور المبتورة مسائل: إحداها: في التوكيل في تملك المباحات، كإحياء المَوَاتِ والاحتطاب والاصطياد والاستقاء وجهان.
أصحهما: الجواز حتى يحصل الملك للموكل، إذاً قصده الوكيل؛ لأنه أحد أسباب الملك فأشبه الشراء 14. والثاني: المنع كالأغتنام؛ لأن الملك فيها يحصل بالحِيِازَةِ، وقد حدث من التوكيل، فيكون المِلْكُ له، ولو استأجره ليحتطب له، أو يستقي، ففي "التهذيب" أنه على الوجهين، وبالمنع أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، ورأى الإمام جواز الاستئجار مجزوماً به، فقاس عليه وجه تجوير التوكيل 15. الثانية: في التوكيل بالأقرار وجهان، وصورته أن يقول: وكلتك لُتقَّرعني لفلان 16: أظهرهما: عند الأكثرين، ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ واختيار القَفَّالِ أنه لا يصح؛ لأنه إخبار عن حق، فلا يقبل التوكيل، كالشهادة، وإنما يليق التوكيل بالإنشاءات.
الثاني: يصح؛ لأنه قول يلزم به الحق، فأشبه الشراء، وسائر التصرفات، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- فعلى الأول، هل يجعل بنفس التوكيل مقرّاً؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم، وبه قال ابْنُ القَاص تخريجاً، واختاره الإمام -رحمه الله تعالى- لأن توكيله دليل ثبوت الحق عليه.
وأظهرهما: عند صاحب "التهذيب": أنه لا يجعل مقرّاً، كما أن التوكيل بالإبراء لا يجعل إبراء 17.

الجزء: 5 - الصفحة: 208

وإذا قلنا بالوجه الثاني، فينبغى أن يبين الوكيل جنس المقرّبه وقدره، فلو قال.
أقر عني بشيء لفلان.
فأقر أخذ الموكل بتفسيره، ولو اقتصر على قوله: أقر عني لفلان، فوجهان، حكاهما الشيخ أَبُو حَامِدٍ وغيره: أحدهما: أنه كما لو قال: أقر عني بشئ.
وأصحهما: أنه لا يلزمه شئ بحال؛ لجواز أن يريد الأقرار بعلمه، أو سماعه لا بالمال 18. الثَّالِثَةُ: يجوز لكل واحد من المدعي والمدعى عليه التوكيل بالخصومة رضي صاحبه، أو لم يَرْضَ، وليس لصاحبه الأمتناع من خصومة الوكيل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: له الأمتناع إلاَّ أن يريد الموكل سَفَراً، أو يكون مريضاً، أو مخدراً.
وقال مالك -رحمه الله تعالى-: له ذلك إلا أن يكون سفيهاً خبيث اللسان، فيعذر الموكل في التوكيل.
لنا: أنه توكيل في خالص حقه، فيمكن منه، كالتوكيل باستيفاء الدَّيْنِ من غير رضي مَنْ عليه، ولا فرق في التوكيل في الخصومة بين أن يكون التوكيل المطلوب مالاً، أو عقوبة لا دمى، كالقصاص وحد القذف.
فاما حدود -الله تعالى- فلا يجوز التوكيل في إِثباتها؛ لأنها مبنية على الدرء 19. الرابعة: يجوز التوكيل في استيفاء حدود -الله تعالى- للأمام وللسيد في حد مملوكه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في قصة ماعز: (اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) 20. وقال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امرأَةِ هَذَا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا 21 وأما عقوبات

الجزء: 5 - الصفحة: 209

الآدميين، فكذلك يجوز استيفاؤها بالِوَكَاَلَةِ فيِ حضور المستحق 22، وفي عيبته ثلاث طرق: أشهرها: أنه على قولين: أحدهما: المنع، وهو ظاهر نصه هاهنا؛ لأنا لا نتيقن بقاء الاستحقاق عند الغيبة لاحتمال العفو، وأيضاً فإنه ربما يرقُّ قلبه عند الحضور فيعفو، فليشترط الحضور، وأصحهما الجواز لأنه حق يستوفى بالنيابة في الحضور، فكذلك في الغيبة، كسائر الحقوق واحتمال العفو، كاحتمال رجوع الشهود فيما إذا كانت بالبينة، فإنه لا يمتنع الأستيفاء في غيبته.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطع بالجواز، وحمل ما ذكره هاهنا على الأحتياط.
الثالث: القطع بالمنع لعظم خطر الدم، وبالمنع قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-.
وذكر القاضي الروياني أنه الذي يفتي به 23. وإذا عرفت ما ذكرنا لم يَخْفَ عليك أن قوله في الكتاب: "وسائر العقود، والفسوخ"، وإن كان يشعر بالجزم وصحة التوكيل فيها، لكن في العقود ما هو مختلف فيه كالَّرجْعَةِ والوصية، وفي الفسوخ أيضاً طرد الفسخ، وخيار الرؤية، فيجوز إعلامه - بالواو لذلك.
وقوله في آخر الفصل: "وقيل بالجواز أيضاً" طريقة ثالثة أوردها بعد الطريقين، وثالثها محفوظة عن الشيخ أَبي حامد ومن تقدم والله أعلم.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يكَوُنَ مَا به التَّوكْيِلُ مَعْلُوماً نوعَ عِلْمٍ لاَ يُعَظَّمُ فيِه = 6831، 6835، 6836، 6842، 6843، 6859، 6860، 7193، 7194، 7258، 7259، 7260، 7278، 7279) ومسلم (1697، 1698).

الجزء: 5 - الصفحة: 210

الغرَرُ، وَلَوْ قَالَ: وَكّلْتُكَ بِكُلِّ قِلَيلٍ وَكَثِير لِمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ: وَكّلْتُكَ بِمَا إلَيّ مِنْ تَطلْيِق زَوْجَاتِي وَعِتْقِ عبِيدي، وَبَيْعِ أَمْلاَكيِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِمَا إليّ مِنْ كُلِّ قِلَيلٍ وكثير ففِيِه تَرَدُدٌ، وَلَوْ قَاَلَ: اشْتَرِ عَبْداً لَمْ يَجُزْ (و)، وَلَوْ قَالَ عَبْداً تُرِكّيّاً بمِائة كَفَى، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَوْصَافُ السَّلَمِ، وَلَوْ تَرَكَ ذِكْرَ مَبْلَغِ الثَّمَنَ أَوْ ذِكْرَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَذْكَرْ نَوعْهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ، والتَّوكْيِلُ بِالإِبْرَاءَ يَسْتَدْعي عْلِمَ المُوَكِّلِ بمبْلَغِ الدَّيْنِ المُبْرَإِ عَنْهُ لاَ عِلْمَ الوَكِيلِ، وَلاَ عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الَحقَّ، وَلَوْ قَالَ: بعْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ فرَسَهُ فُاِلَعلْمُ بَمَبْلَغِ مَا بَاعَ بِهِ فُلاَن فرسه يُشْتَرَطُ فيِ حَقِّ الوِكيِلِ لاَ فْيِ حَقِّ المُوَكِّل، وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بُمخَاصَمَةِ خَصْمَايَ فَالأَظْهَرُ جِوِازُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ.
قال الرافعي: ولا يشترط في الموكل فيه أن يكن معلوماً من كل وجه، فإن الوكالة إنما جوزناها لعموم الحاجة، وذلك يقتضي المُسَامَحَةَ فيها، ولذلك احتمل تعليقها بالأغرار على رأي، ولم يشترط القبول فيها بالقول، على الفور، ولكن يجب أن يكون معلوماً مبيناً من بعض الوجوه، حتى لا يعظم الغرر، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الوكالة عامة، أو خاصة.
أما الوكالة العامة فبين ما نقله الإمام وصاحب الكتاب فيها تصويراً وحكماً، وبين ما نقله سائر الأصحاب بعض التفاوت، ونذكر الطريقين.
قال الإمام، وصاحب الكتاب: لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير، ولم يضف إلى نفسه، فالتوكيل باطل؛ لأنه لفظ مبهم بالغ في الأبهام، ولو ذكر الأمور المتعلقة به الذي تجري فيها النيابة، وفصلها، فقال: وكلتك ببيع أملاكي، وتطليق زوجاتي وإعتاق عبيدي صح التوكيل، فلو قال: وكلتك بكل أمر هو لي مما يناب فيه، ولم يفصل أجناس التصرفات، فوجهان: أحدهما: يبطل، كما لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير.
والثاني: يصح؛ لأنه أضاف التصرفات إلى نفسه، فلا فرق بين أن يذكرها بلفظ يعمها، وبين أن يفصلها جنساً جنساً، والأول أظهر.
وإما سائر الأصحاب، فإنهم قالوا: لو قال: وكلتك بكل قليل وكثير، أو في كل أموري أو في جميع حقوقى، أو بكل قليل وكثير من أموري، أو فوضت إليك جميع الأشياء، أو أنت وكيلي، متصرف في مالي كيف شئت، لم تصح الوكالة.
ولو قال: وكلتك ببيع أموالي، واستيفاء ديوني، أو استرداد ودائعى، أو إعتاق عبيدي، صحت الوكالة.

الجزء: 5 - الصفحة: 211

ووجه التفاوت بين الطريقين: أنهما عللا المنع بإرسال لفظ القليل والكثير، وترك إضافتها حتى ذكروا وجهين، فيما إذاً أضافهما إلى نفسه والآخرون سَوَّوا بين ما إذا أرسل، وبين ما إذا أضاف، ولم ينقلوا الخلاف في واحد من القسمين، وعللوا بأن في تجويز هذه الوكالة غرراً وضرراً عظيماً لا حاجة إلى احتماله، وهذه الطريقة أصح نقلاً ومعنى.
وأما النقل، فلأن الشَّافعي -رضي الله عنه- في "اختلاف العراقيين": وإذا شهد الرجل لرجل، وإنه وكله بكل قليل وكثير له، فالوكالة غير جائزة، نص على المنع مع وجود الإضافة.
وإما المعنى، فلأن الإنسان إنما يوكل فيما يتعلق به، سواء نص على الأضافة إلى نفسه، أو لم يَنُصَّ، ولهذا لو قال وكلتك بشراء هذا لم يحتج إلى أن يقول: لي.
وإما الوكالة الخاصة ففيها صور: منها: أن يوكل في بيع جميع أمواله أو قضاء ديونه، أو استيفائها، وقد نقلنا صحته عن الطريقين، وهل يشترط أن تكون أمواله معلومة.
قال في"التهذيب": لو قال: وكلتك ببيع جميع مالي، وكان معلوماً، أو قبض جميع ديوني، وهو معلوم، فهذا التفسير يشعر بالاشتراط الأشبه خلافه، فإن معظم الكتب لا تتعرض لهذا الاشتراط.
وفي "الفتاوى القَفَّال" أنه لو قال: وكلتك باستيفاء ديوني التي على الناس جاز مجملاً، وإن كان لا يعرف مَنْ عليه الدين أنه واحد أو أشخاص كثيرة، وأي جنس ذلك الدين، وإنما لا يجوز إذاً لم يبين ما يوكل فيه بان يقول: وكلتك في كل قليل وكثير، وما أشبهه، هذا لفظه.
في "الرقم" لأبي الحسن العَبَّادِيَّ: أنَّهُ لو قال: بيع جميع أموالي صح؛ لأنه أعلم بالجملة، ولو قال: بيع طائفة من مالي، أو بعضه، أو سهماً منه لم يصح لجهالته بالجملة، فكأن الشرط أن يكون الموكل فيه معلوماً، أو بحيث تسهل معرفته.
ولو قال: بع ما شئت من مالي، أو أقبض ما شئت من ديوني، جاز، ذكره صاحب "المهذب" و"التهذيب" 24.

الجزء: 5 - الصفحة: 212

وفي "الحلية"، ما ينازع فيه، فإنه قال: لو قال: بع من رأيت من عبيدي، لا يجوز حتى يميز.
ومنها: التوكيل بالشراء، فلا يكفي أن يقول اشْتَرِ لي شيئاً أو حيواناً، أو رقيقاً، بل يشترط أن يبين أنه عبد، أو أمة، ويبين النوع من التركي والهندي، وغيرهما 25، والمعنى فيه أن الحاجة لا تكاد تمس إلى عبد مطلق على أي نوع ووصف كان، وفي الابهام غَرُرُ ظاهر، فلا يحتمل.
في "النهاية" أن صاحب "التقريب" التوكيل بشراء عبد مطلق وهذا الوجه بعيد هاهنا، وإذا طرد في قوله: اشتر شيئاً كان أبعد حكى وجهاً: أنه يصح، لأنه أبعد في التوكيل بشراء شيء، وهل يشترط مع التعرض للنوع ذكر الثمن؟.
فيه وجهان: أصحهما: لا، وبه قال أبو حنيفة، وابْنُ سُرَيْجٍ؛ لأن تعلق الغرض بعبد من ذلك النوع نفيساً كان أو خسيساً ليس ببعيد.
والثاني: أنه لا بد من تقدير الثمن، أو بيان غايته بأن يقول: بمائة، أو من مائة إلى ألف لكثرة التفاوت فيه، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي تضبط في السَّلَمِ، ولا ما يقرب منها بالاتفاق، نعم إذا اختلفت الأصناف الداخلة تحت النوع الواحد اختلافاً ظاهراً، فعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا بد من التعرض له إذا فرعنا على المذهب في اعتبار التعرض، للتركي والهندي.
وقوله: في الكتاب: أو ذكر الثمن، ولم يذكر نوعه ففيه خلاف أراد به ما هو المفهوم من ظاهره، وهو أن يقول: اشتر لي عبداً بمائة، ولا يتعرض لقوله: تركياً وهندياً وإثبات الخلاف في هذه الصورة بعد الحكم بأنه لا بد من ذكر التركي والهندي مما لا يتعرض له الأئمة، ولا له ذكر في "الوسيط" لصاحب الكتاب، فالوجه تأويله على اصطلاح استعمله الإمام، وذلك أنه سمى 26، التركي والرومي والهندي أجناساً للرقيق في هذا المقام، واتباعاً للعرف، وسمى الأصناف الداخله تحت التركي مثلاً أنواعاً له، فيجوز أن يريد صاحب الكتاب هاهنا بالنوع ذلك، وهو مما شرط التعرض له على ما روينا عن الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ، وينتظم إثبات الخلاف فيه، وحينئذ يكون المعنى: أو ذكر الثمن مع كون العبد تركياً أو لم يذكر صفته والله أعلم.
= الجميع؛ لأن "من" للتبعيض.
واعترضه في المهمات: فقال المسألة مذكورة في الحلية قبيل هذا الكلام الذي نقله بنحو خمسة أسطر فقال ما نصه: "ولو قال: بع من عبيدي من رأيت لم يجز حتى يميز إلى آخر ما ذكره، فظهر أن الذي نقله الرافعي عن الحلية صحيح، وإن كان وجهاً ضعيفاً".

الجزء: 5 - الصفحة: 213

ولو قال: اشتر لي عبداً كما تشاء، فظاهر رأي الشيخ أَبي مُحَمَّدٍ تجويزه؛ لأنه صرح بالتفويض التام، بخلاف ما إذا اقتصر على قوله: اششر لي عبداً، فإنه لم يَأْتِ ببيان معتادٍ، ولا تفويض تام، يكتف الأكثرون بذلك، وفرقوا بينه وبين أن يقول في القِرَاضِ: اشتر مَنْ شئت من العبيد؛ لأن المقصود هناك الربح بنظر العامل، وتصرفه، فيليق به التفويض إليه، وفي التوكيل بشراء الدار يجب التعرض للمحلّة والسّكة 27، وفي الحانوت للسوق، وعلى هذا القياس 28. ومنها: لو وكله بالإبراء.
قال القاضي الحُسَيْنُ: إذا عرف الموكل مبلغ الدين كفى ذلك، ولم يجب إعلام الوكيل قدر الدَّين وجنسه، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
وقال في "المهذب" و"التهذيب": لا بد من أن يبين للوكيل قَدْرَ الدَّين، وجنسه، والأشبه الأول، ويخالف ما إذا قال: بع عبدي بما باع به فلان فرسه، يشترط لصحّة البيع علم الوكيل؛ لأن العهدة تتعلّق به، فلا بُدَّ وَأَنْ يكون على بصيرة من الأمر، ولا عهدة في الإبراء، ولو كان الموكل جاهلاً بقدر ما باع به فلان فرسه لم يضر.
وأما قوله في صورة الإبراء: "ولا علم من عليه الحق"، فاعلم أن فيه خلافاً مبنياً على الأَصل الذي مر في "كتاب الضَّمَان" وهو أن الأبراء مَحْضُ إسقاط، أو تمليك، فإن قلنا: إسقاط صح مع جهل مِنْ عليه الحق بمبلغ الحق.
وإن قلنا: تمليك، فلا بد من علمه، كما أنه لا بد من علم المهب بما وهب، فإذاً قوله: "ولا علم من عليه الحق" ينبغى أن يعلم -بالواو- وكذلك قوله: علم الوكيل -بما قدمناه.
وقوله: " يستدعي علم الموكل " يجوز إعلامه -بالواو- أيضاً؛ لأنا إذا صححنا الإبراء عن المجهول لا نعتير علم الموكل أيضاً، ثم ينظر في صيغة الأبراء، فإن قال: أبرئ فلاناً عن دَيني، أو أبرئه عن الكل.
وإن قال: عن شيء منه أو أبرئه عن قليل منه.
وإن قال: عما شئت أبرأ عما شاء، وأبقي شيئا 29.

الجزء: 5 - الصفحة: 214

ومنها: إذا وكله بالخصومة، فيذكر ما يدخل فيه، ومالا يدخل، والغرض الآن أنه لو أطلق، وقال: وكلتك بِمُخِاصَمَةِ خصماي، هل يصح التوكيل؟.
فيه وجهان: أصحهما: نعم، ويصير وكيلاً في جميع الخصومات.
والثاني: لا، بل يجب تعيين مَنْ يخاصم معه لأختلاف الغرض به، وهذا الخلاف قريب من الخلاف الذي مر فيما إذاً وَكَّل ببيع أمواله، وهي غير معلومة.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّانِي المُوكَلُ) وَشَرطُهُ أَنْ يَمْلِكَ مَبَاشَرَةَ ذَلِكَ التَّصَرّفُ بِمِلْكٍ أوْ وِلاَيَةٍ، فَلاَ يَصِحُّ تَوكْيِلُ الصَّبيِّ (ح) وَالمَجْنُونِ، وَلاَ يَصِحُّ (ح) تَوكْيِلُ المَرْأَةٍ فيِ عَقِدْ النِّكّاَحِ، وَيَجَوُزُ تَوْكيِلْ الأَبِ وَالجَدِّ، وَلاَ يَصِحُّ توِكَيِلِ إِلاَّ إِذا عَرَفَ كَوْنَهُ مَأْذُوناً بِلَفظٍ أَوْ قَرِينَةٍ، وَفي تَوْكِيلِ الَولِيِّ الَّذِي لاَ يُجْبُر تَرَدُّدٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الوَلِيِّ وَالوَكِيلِ.
قال الرافعي: يشترط في الموكل أن يتمكن من مُبَاشَرَةِ ما يوكل فيه أما بحق المِلْك لنفسه، أو بحق الولاية على غيره، وفي هذا الضابط قيدان: أحدهما: التمكن من مباشرة ذلك التصرف، فمن لا يتمكن من مباشرة ذلك التصرف، كالصبي، والمجنون، والنائم، والمغمى عليه لا يصح منه التوكيل، والمرأة لا يصح منها التوكيل في النكاح 30، وكذا توكيل الفاسق في تزويج ابنته إذا قلنا: لا يليه، وتوكيل السكَرَانِ حكمه حكم سائر التصرفات.
والثاني: كون التمكن بحق المِلْك أو الولاية، فيدخل فيه توكيل الأب والجد في النكاح، والمال، ويخرج عنه توكيل الوكيل، فإنه ليس بمالك، ولا ولي، نعم لو مكنه الموكل من التوكيل لفظاً، أو دلت عليه قرينة نفذ، وتفصيله سيأتي في الباب الثاني، وفي معناه توكيل العبد المأذون، لأنه إنما يتصرف عن الإذن لا بحق الملك، ولا الولاية، وفي توكيل الأخ والعم، ومن لا يجبر في النكاح وجهان، يعزوان في النكاح، لأنه من حيث أنه لا يعزل كالولي، ومن حيث إنه لا يستقل، كالوكيل، والمحجور عليه بالفلس، والسفه والرق يجوز توكيله فيما يستقل به من التصرفات، وفيما لا يستقل لا يجوز إلاَّ بعد إذن الولي والمولى ومن جوز التوكيل بطلاق امرأة سينكحها، أو بيع عبد سيملكه، فقياسه تجويز توكيل المحجور بما سيأذن فيه الولي، ولم يتعرضوا

الجزء: 5 - الصفحة: 215

له 31، ولنعرف في الضابط المذكور أموراً: أحدها: أنه يستثنى عنه بيع الأعمى، وشراؤه، فإنه يصح التوكيل فيه، وإن لم يملكه الأعمى للضرورة 32. والثاني: أنه إذا أنفذ توكيل الوكيل على ما سيأتى، فمصوبه وكيل الموكل أو وكيل الوكيل؟ فيه خلاف ستقف عليه، وإذا كان وكيل الوكيل لم يكن من شرط التوكيل كون الموكل مالكاً للتصرف بحق الملك والولاية.
وقوله:"ولا يصح توكيل المرأة في عقد النكاح" معلّم -بالحاء- لما اشتهر من مذهبة.
قال الغزالي: (الرّكْنُ الثَّالِثُ: الوَكِيلُ) وَيُشْتَرطُ فيه صِحَّةُ الِعَبارة وَذَلِكَ بالتَّكْليِفِ،

الجزء: 5 - الصفحة: 216

وَلاَ يَصِحُّ (ح) تَوِكْيلُ الصَّبيِّ إِلاَّ في الإِذنِ في الدُّخوُلِ وَإِيصَالِ الهَدِيَّةِ عَلَىِ رَأَي، وَلاَ يَصِحُّ تَوِكْيلُ المَرأةِ (ح) وَالمُحْرِمِ (ح) في عَقدِ النَّكَاحِ، وَالأَظْهَر: جَوَازُ تَوَكْيِلِ العَبْدِ وَالفَاسِقِ في إِيجَابِ النَّكاَحِ، وَكَدَا المَحْجوُرُ بِالسَّفَهِ وَالفَلَسِ إِذْ لاَ خَلَلَ في عِبَارتِهِمْ، وَمَنْعِ اسْتِقْلاَلِهِمْ بسَبَبِ أُمُورٍ عَارِضَةٍ.
قال الرافعي: كما يشترط في الموكّل التمكّن من مباشرة التصرف للموكل فيه بنفسه، يشترط في الوكيل التمكن من مباشرته بنفسه 33، وذلك أن يكون صحيح العبارة فيه، فلا يصحة توكيل المجنون 34، والصبي في التصرفات، واستثنى في الكتاب الإذن في دخول الدار، والملك عند إيصال الهديّة، ففي اعتبار عبارته في الصورتين وجهان، سبق ذكرهما في "أول البيع" فإن جاز ذلك، فهو وكيل من جهة الإذن والمهدي.
واعلم أن تجويزهما إذا كان على سبيل التوكيل، فلو أنه وكل بأن يوكل غيره، فامتياز تخريجه على الخلاف في أن الوكيل، هل يوكل؟ فإِن جاز لزم أن يكون الصبي أهلاً للتوكيل أيضاً.
وعند أبى حَنِيْفَةَ وأَحْمَدَ رحمهما الله -تعالى- يصح توكيل الصبي المميز، والمرأة، والمُحرم مَسْلُوبا العبارة في النكاح، فلا يتوكلان فيه، كما لا يوكلان خلافاً لأبي حنيفة ومن توكيل العبد من الشراء ونحوه وجهان سبق ذكرهما في "باب معاملة العبيد" وفي توكيله في قبول النكاح بغير إذن السيد وجهان: أصحهما: الجواز، وإنما لم يَجُزْ قَبُولُهُ لنفسه لما أن يتعلق به المهر ومؤن النكاح 35، وفي توكيله في طرف الإيجاب وجهان.
أحدهما: المنع؛ لأنه لا يجوز أن يزوج ابنته، فأولى ألاَّ يزوج ابنة غيره.

الجزء: 5 - الصفحة: 217

والثاني: الجواز لصحة عبارته في الجملة، وإنما لم يل أمر ابنته؛ لأنه لا يتفرغ للبحث والنظر وهاهنا ثم البحث والنظر من جهة الموكل، وهذا أظهر عند صاحب الكتاب، والأول أظهر عند المعظم، وربما لم يذكروا غيره، وتوكيل المحجور عليه بالسفه في طرفي النكاح، كتوكيل العبد وتوكيل الفاسق في إيجاب النكاح، كتوكيلهما إذا سلبنا الولاية بالفسق، ولا خلاف في جواز قبوله بالوكالة، والمحجور عليه بالفلس يوكل فيما لا يلزم ذمته عهدة، وكذا فيما يلزم عهدة على الأصح من الوجهين، كما أن شراءه صحيح على الصحيح.
ويجوز توكيل المرأة في طلاق زوجة الغير على أصح الوجهين، كما يجوز أن يفوض الزوج طلاق نفسها إليها.
وذكر في "التتمة" أنه لا يجوز توكيل المطلقة الرجعية في رجعية نفسها، ولا توكيل المرأة امرأة أخرى؛ لأن الفرج لا يستباح بقول النساء، وأنه لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح، إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة، وفي الاختيار للفراق وجهان.
وقوله في الكتاب: "ومنع استقلالهم بأمور عارضة" أي: هم صحيحو العبارة، كاملو الحال، وإنما منعناه لأمور تعرض، فيمنع استقلالهم بالتصرف، لا مطلق التصرف على ما مَرَّ.

"

فرع

" توكيل المرتد في التصرفات المالية يبنى على انقطاع ملكه وبقائه إن قطعناه لم يصح، وإن أبقيناه صح.
وإن قلنا: إِنه موقوف، فكذلك التوكيل، ولو وكل، ثم ارتد، ففي ارتفاع التوكيل الأقوال.
ولو وكل مرتداً أو ارتد الوكيل لم يقدح في الوكالة لأن التردد في تصرفه لنفسه، لا لغيره، هكذا نقل الأصحاب عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
وفي "التتمة" أنه يبني على أنه هل يصير محجوراً عليه.
إن قلنا: نعم انعزل عن الوكالة، وإلا فلا 36.

الجزء: 5 - الصفحة: 218

قال الغزالي: الرّكْنُ الرَّابعُ: الصِّيغَةُ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ، وَفِي القَبُولِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، الأعْدَلُ هُوَ الثَّالِثُ وهَوَ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِصِيغَةِ عَقْدٍ كَقَولِهِ: وَكَّلْتُكَ أَوْ فَوَضْتُ يُشْتَرَطُ القَبُولُ، وَإِنْ قَالَ: بعْ وَاعْتِقْ فَيَكْفِي القَبُولُ بالامْتِثَالِ كَمَا فِي إِبَاحَةِ الطَّعامِ، وَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ فَفِي اشْتِرَاطِ عِلْمِهِ مَقْرُونَاً بِالوِكَالَةِ خِلاَفٌ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عدم الرَّدِّ مِنْهُ، فَإِنْ رَدَّ انْفَسَخَ لأِنَّهُ جَائِزٌ، وَفِي تَعْلِيقِ الوَكَالَةِ بِالإِغْرَارِ خِلافٌ مَشْهُورٌ، فإِنْ مُنِعَ فَوَجَدَ الشَّرْطَ فَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ الإِذْنِ، وَفَائِدَةُ فَسَادِهِ سُقُوطُ الجعْلِ المُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلَى الأُجْرَةَ، وَلَوْ قَالَ: وَكَلْتُكَ فِي الحَالِ وَلاَ يَتَصَرَّفُ إِلاَّ بَعْدَ شَهْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ (و) وَيَلْزَمَهُ الإِمْسَاكُ، وَمَهْمَا صَحَّحْنَا التَّعْليقَ فَقَالَ: مَهْمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي فَطَرِيقُهُ فِي العَزْلِ أنْ يَقُولَ: ومَهْمَا عُدْتَّ وَكِيلِي فَأَنْتَ مَغْزُولٌ حَتَّى يَتَقَاوَمَا فِي الدُّورِ وَيَبْقَى أَصْلُ الحَجْرِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين: إحداهما: لا بد من جهة الموكل من لفظ قال على الرضا بتصرف الغير له، وإلاِّ فكل أحد ممنوع عن التصرف في حق غيره، وذلك مثل أن يقول: وكلتك بكذا، وفوضته إليك، وأنبتك فيه، وما أشبههما.
ولو قال بيع وأعتق، ونحوهما حصل الإذن، وهذا لايكاد يسمى إيجاباً، وإنما هو أمر وإذن والإيجاب هو قوله: وكلتك، وما يضاهيه، وعلى هذا فقوله في الكتاب: "ولا بد من الإيجاب" أي: وما يقوم مقامه، وأما القبول، فإِنه مطلق بمعنيين: أحدهما: الرضا والرغبة فيما فوض إليه ونقيضه الرد.
والثاني: اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع، وسائر المعاملات، ويعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول حتى لو رده، وقال: لا أقبله أو لا أفعل بطلت الوكالة، ولو ندم وأراد أن يفعل لا ينفع، بل لا بد من إذن جديد، وذلك لأن الوكالة جائزة ترتفع في الدوام بالفسخ، فلأن ترتد في الابتداء بالرد كان أوجه.
وأما بالمعنى الثاني، فقد نقل الإمام طريقين: أحدهما: أن في اشتراطه وجهين: أحدهما المنع؛ لأنه إباحة ورفع حجر، فأشبه إباحة الطعام، ولا يفتقر إلى القبول اللفظي.
والثاني: الاشتراط، لأنه إثبات حق التسليط والتصرف للوكيل، فليقبل، كما في سائر التمليكات.

الجزء: 5 - الصفحة: 219

والثانية: عن القاضي الحُسَيْنِ: أن الوجهين فيما إذا أتى بصيغة عقد، بأن قال: وكلتك أو فوضت إليك، فأما في صيغ الأمر، نحو: بعْ واشْتَرِ، فلا يشترط القبول باللفظ جزماً، بل يكفي الامتثال على المعتاد، كما في إباحة الطعام، وإذا اختصرت خرج من الطريقين ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
والطريقة الثانية: هي التي ذكرها في "التتمة"، وجعل قوله: أذنت لك في كذا بمثابة قوله: بع واعتق، لا بمثابة قوله: وكلتك، وإِن كان إذناً كان إذناً على صيغ العقود.
قال: والمذهب أنه لا يعتبر في الوكالة القبول لفظاً وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب" وأخرون، وإن مال صاحب الكتاب إلى الوجه الفارق، وسماه أعدل الوجوه.
التفريع: إن شرطنا القبول، فهل يجب أن يكون على الفور؟ ظاهر المذهب أنه لا يجب؛ لأنه عقد يحتمل ضرباً من الجهالة، فيحتمل فيه تأخير القبول، كالوصية.
وعن القاضي أبِي حَامِدٍ أنَّهُ يجب أن يكون على الفور، كالبيع.
وعن القاضي الحُسَيْنِ أنه يكتفي وقوعه في المجلس، هذا في القبول اللفظي فأما بالمعنى الأول، فلا يجب التعجيل بحال، ولو خرج على أن الأمر، هل يقتضي الفور لما بعد؟ وإن لم يشترط القبول، فلو وكله، والوكيل لا يشهر به، هل تثبت وكالته؟ قال في "النهاية" وفيه وجهان يقربان من القولين في أن العزل هل ينفذ قبل بلوغ الخبر الوكيل؟ فالوكالة أولى بألا تثبت، لأنه تسلط على التصرفات، فإن لم يثبتها، فهل نحكم بنفوذها حالة بلوغ الخبر كالعزل أم لا؟.
وفيه وجهان عن رواية الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ إن لم نحكم به، فقد شرطنا اقتران علمه بالوكالة.
والأظهر ثبوت الوكالة وإن لم يعلم وعلى هذا فلو تصرف الوكيل، وهو غير عالم بالتوكيل، ثم تبين الحال خرج على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي، وكان ميتاً.
ومن فروع هذا الخلاف أنا حيث لا نشترط القبول نكتفي بالكتابة، والرسالة، ونجعله مأذوناً في التصرف، وحيث اشترطناه، فالحكم كما لو كتب بالبيع الذي أجاب به القاضي الرُّوياني في "الوكالة" بالجواز 37 ومنها: إذا اشترطنا القبول في الوكالة، فلو قال: وكلني بكذا، فقال الموكل:

الجزء: 5 - الصفحة: 220

وكلتك، هل يشترط القبول أم يقام مقامه قوله: وكلني؟.
فيه خلاف، كما في البيع ونحوه، ثم قيل: الوكالة أحوج للاشتراط، لأنها ضعيفة، ولو عكس موجهاً بأن الوكالة يحتمل فيها ما لا يحتمل في البيع، فكانت أولى بعدم الاشتراط، لكان أقرب.
الثانية: إذا علق الوكالة بشرط، فقال: إذا قدم زيد، أو جاء رأس الشهر، فقد وكلتك بكذا، أو أنت وكيلي، ففيه وجهان.
أحدهما: ويحكى عن أبي حنيفة، وأحمد: أنها تصح؛ لأنها استنابة في التصرف، فأشبهت عقد الامارة، فإنها تقبل التعليق على ما قال عليه الصلاة والسلام: "فَإِنْ أُصِيْبَ جَعْفَرُ فَزَيْدُ" 38. وأظهرهما: المنع، كنا أن الشركة والمضاربة، وسائر العقود لا تقبل التعلبق، وخرج بعضهم الخلاف على أن الوكالة، هل تفتقر إلى القبول؟.
إن قلنا: لا تفتقر جاز التعليق، وإلاَّ لم يجز؛ لأن فرض القبول في الحال والوكالة لم تثبت بعد، وتأخرها إلى أن يحصل الشرط مع الفصل الطويل خارج عن قاعدة التخاطب، ولو نجز الوكالة، وضرب للتصرف شرطاً بان قال: وكلتك الآن ببيع عبدي هذا، ولكن لا تبعه حتى يجيء رأس الشهر، صح التوكيل بالإتفاق، ولا يتصرف إلاَّ بعد حصول الشرط، وتصح الوكالة المؤقتة، مثل أن يقول: وكلتك إلى شهر، قاله العَبَّاديُّ في "الرقم 39 "، ويتعلق بالخلاف في تعليق الوكالة قاعدتان: إحداهما: إذا أفسدنا الوكالة بالتعليق، فلو تصرف الوكيل بعد حصول الشرط، ففي صحة التصرف وجهان: أصحهما: الصحة، لأن الإذن حاصل، وإِن فسد العقد، فصار كما لو شرط في الوكالة عوضاً مجهولاً، فقال: بع كذا، على أن لك العشر من ثمنه تفسد الوكالة، لكن لو باع صح.
والثاني: وبه قال الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا يصح لفساد العقد ولا اعتبار بالإِذن الذي يتضمّنه العقد الفاسد، ألا ترى أنه لو باع بيعاً فاسداً، وسلم المبيع لا يجوز للمشتري التصرف فيه؟ وإن تضمن البيع، والتسليم الاذن في التصرف، والتسليط عليه.
وقال في "التتمة": وأصل المسألة ما إذا كان عنده رهن لدين مؤجل، فأذن المرتهن

الجزء: 5 - الصفحة: 221

في بيعه على أن يعجل حقه من الثمن، وفيه اختلاف قد تقدم، وهذا البناء يقتضي ترجيح الوجه الثاني؛ لأن النص، وظاهر المذهب هناك فساد الإذن والتصرف.
فإن قلنا بالصحة فأثر فساد الوكالة أنه يسقط الجُعْل المسمى إنْ كان قد سمى له جُعْلاً، ويرجع إلى أجرة لِمِثْل، وهذا كما أن الشرط الفاسد في النكاح الفاسد يفسد الصداق، ويوجب مهر المِثْل، وإن لم يؤثر في النكاح.
الثانية: إذا قال: وكلتك بكذا، ومهما عزلتك، فأنت وكيلي، ففي صحة الوكالة في الحال وجهان: أصحهما: الصحة 40، ووجه المنع اشتمالها على الشرط الفاسد، وهو إلزام العقد الجائر.
فإن قلنا: بالصحة: أو كان قوله: مهما عزلتك مفصولاً عن الوكالة، فإذا عزله نظر، إن لم يشعر به الوكيل، واعتبرنا شعوره في نفوذ العزل، فهو على وكالته، وإن لم نعتبره، أو كان شاعراً به، ففي عوده وكيلاً بعد العزل وجهان مبنيان على أن الوكالة هل تقبل التعليق؛ لأنه علق التوكيل ثانياً بالعزل.
أظهرهما: المنع.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يعود وكيلاً، فعلى هذا ينظر في اللفظة الموصولة بالعزل، إن قال: إذا عزلتك أو مهما أو متى لم يقتض ذلك عود الوكالة إلاَّ مرة واحدة.
وإن قال: كلما عزلتك اقتضى العود مرة بعد أُخرى؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، دون غيرها، على ما ستعرفه في "أبواب الطلاق" إن شاء الله -تعالى- فلو أراد ألا يعود وكيلاً، فسبيله أن يوكل غيره بعزله، فينعزل؛ لأن المعلق عليه عزل نفسه، فإن كان قد قال عزلتك أو عزلك أحد من قبلي فالطريق أن يقول كلما عدت وكيلي فأنت معزول فإذا عزله ينعزل لتقادم التوكيل والعزل، واعتماد العزل بالأصل، وهو الحجر في حق

الجزء: 5 - الصفحة: 222

الغير قال الإمام -رحمه الله-: وفيه نظر على بعد ملتقى عن استصحاب الوكالة.
واعلم أن الخلاف في الوكالة، هل تقبل التعليق جار في أن العزل هل يقبله؟ ولكن بالترتيب، والعزل أولى بقبوله؛ لأنه لا يشترط فيه القبول، واشتراطه في الوكالة مختلف فيه، وتصحيح إرادة الوكالة والعزل جميعاً مبني على قبولهما التعليق، ثم قال الإمام -رحمه الله-: إذاً نفذنا الغزل، وقلنا: تعود الوكالة، فلا شك أن العزل ينفذ في وقت، وإن لطف تصرف الوكيل ذلك الوقت اللطيف، هل ينفذ؟ فيه وجهان للأصحاب، وإنما كان يصح هذا الفرض، والتصوير أن لو وقع بينهما ترتب زماني حتى يتصور وقوع التصرف بينهما، لكن الترتيب في مثل هذا لا يكون إلا عقليَّاً والله اعلم.
وقوله في الكتاب: "وفي تعليق الوكالة الإغرار" والإغرار ألاخطار، وإنما يقع هذا اللفظ بالاستحقاق على ما فيه خطر، كقدوم زيد، ومجيء المطر، إن لم يكن في الحكم فرق، فيمن بينه ما يوثق به، كمجيء الشهر.
وقوله: "ويلزمه الإمساك" أي: لا يجوز له التصرف في الشهر، لا أنه يجب عليه خارج الشهر، فإن الأمر إلى اختياره.

البَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الوَكَالَةِ

قال الغزالي: وَلهَا ثَلاَثَةُ أَحْكَامٍ: الأَوَّلُ: صِحَّةُ معا وَافَقَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَبُطَّلاِنُ مَا خَالَفَ، وتُعرَفُ المُوَافَقَةُ بِاللَّفْظِ مَرَّةً، وبالقرِينَةِ أُخْرى، وَبَيَانُهُ بصُوَرٍ سَبْعٍ: الأُولى إِذَا قَالَ: بعْ مُطَلْقَاً فَلاَ يَبيعُ بِالعَرْضِ (ح) وَلاَ بِالنَّسِيئَةِ (ح) وَلاَ بِمَا دُونَ ثَمنِ المِثْلِ (ح) إِلاَّ قَدْراً يتغابن الناس بِمِثْلِهِ كَالوَاحِدِ في عَشَرَةٍ.
قال الرافعي: للوكالة الصحيحة أحكام: منها: صحة تصرف الوكيل إذا وافق إذن الموكل، والموافقة والمخالفة يعرفان بالنظر إلى اللفظ تارة، وبالقرائن التي تنضم إليه أخرى، فإن القرينة قد تقوى، فيكون لها إطلاق اللفظ، ألا ترى أنه إذا أمره في الصيف بشراء الجمد لا يشتريه في الشتاء؟ وقد يتعادل اللفظ والقرينة، وينشأ من تعادلهما خلاف في المسألة، وهذا القول الجملي يوضحه صور ترشد إلى أخواتها: منها: إذا وكله ببيع شيء، وأطلق لم يكن له أن يبيعه بغير نقد البلد من العروض، والنقود، وأن يبيعه بثمن مؤجل، بغبن فاحش 41،

الجزء: 5 - الصفحة: 223

وبه قال مالك -رحمه الله تعالى- وكذا أحمد في أظهر الروايتين.
وقال أبو حنيفة: يجوز له جميع ذلك.
لنا القياس على الوصي؛ لأنه لا يبيع له إلاَّ بثمن المِثْلِ من نقد البلد حالاًّ، وأيضاً فإنه وكيل في عقد البيع، فتصرفه بالغبن لا يلزم الموكل، كالوكيل في الشراء، إذا اشترى بغبن فاحش، وأيضاً فإنه إذاً وأطلق كان الثمن حالاًّ، فإذا وكل بالبيع، وأطلق حمل على الثمن الحال.
ولنا: قول آخر أَن البيع على الوجه المذكور يصح موقوفاً، على إجازة الموكل، وهذا هو القول المنقول في بيع الفُضُوليِّ، والمذهب الأول، ولو كان في البلد نقدان، أحدهما أغلب، فعليه أن يبيع به، وإن استويا في المعاملة باع بما هو أنفع للموكل، فإن استويا تخير على المشهور.
وقال صاحب "التهذيب" بعد نقل التخيير: إذا استويا في المعاملة وجب إلاَّ يصح التوكيل مالم يبين، كما لو باع بدراهم، وفي البلد نقدان متساويان لا يصح حتى يقيد بأحدهما، ووجدت في كلام الشيخ أبِي حَامِدٍ مثل ما ذكره صاحب "التهذيب"، ثم إذا باع الوكيل في أحد الوجوه المذكورة لم يصر ضامناً للمال، مالم يسلمه إلى المشتري، فإن سلم ضمن، ثم القول فيه إذا كان البيع باقياً أو تالفاً في كيفية تغريم الوكيل والمشتري على ما بيناه فيما إذا باع العدل الرَّهْن بالغبن الفاحش، أو بغير نقد البلد أو بالنسيئة.
وأما البيع بالغبن اليسير فإنه جائز، واليسير الذي يتغابن الناس بمثله ويحتملونه غالباً، وبيع ما يساوي عشرة بتسعة يحتمل في الغالب، وبيعه بثمانية غير محتمل (1). قال الروياني: ويختلف القدر المحتمل باختلاف أجناس الأموال من الثياب والعبيد والعقارات، وغيرها، وكما يجوز أن ينقص الوكيل عن ثمن المثل لا يجوز أن يقتصر عليه، وهناك طلب للزيادة، ولو باع بثمن المثل، ثم ظهر في المجلس طالب يزيد، فالحكم ما مر بيع في عدل الرَّهْن والله اعلم.

فرع

إذا قال الموكل عند التوكيل: بعه بكم شئت، جاز له البيع بالغبن، ولا يجوز بالنسيئة، ولا بغير نقد البلد.
ولو قال: بما شئت، فله البيع بغير نقد البلد، ولا يجوز بالغين والنسيئة فلو قال:42

الجزء: 5 - الصفحة: 224

كيف شئت، فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالغبن، وبغير نقد البلد.
ولكن القاضي الحسين تجويز (1) الكل، ولو قال: بيع بما عزّ وهان.
قال في "التتمة" هو كما لو قال: بعه بكم شئت.
وقال العَبَّادِيُّ: له البيع بالعرض والغبن، ولا يجوز بالنسيئة، وهو الأولى.

فرع

ذكرنا في "الرَّهْن" و"التفليس" أن الحاكم يبيع المرهون، ومال المفلس بنقد البلد، وأنه لو لم يكن دين المستحقين من ذلك الجنس، أو على تلك الصفة صرفه إلى مثل حقوقهم، وقد يحتاج فيه إلى توسط معاملة أخرى، كما إذاً كان نقد البلد المكسور، وحقهم الصحيح، فلا يمكن تحصيل الصحيح بالمكسّر، إلا ببذل زيادة، وإنه ربا، فيشتري بالمكسّر سلعة، وبالسلعة الصحيح، ولو رأى الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوقهم في الأبتداء، جاز، وقد مر ذلك في "الرَّهْن".
قال الَقفَّالُ في "الفتاوي": والمرتهن عند امتناع الراهن عن أداء الحق يبيع الرَّهْن، ويقوم مقام الحاكم في توسط المعاملة الأخرى، وفي بيعه بجنس الدَّين، وعلى صفته.
واعلم أن مجرد امتناع الراهن عن أداء ما عليه لا يسلط المرتهن على بيع المرهون، ولكنه قد يتسلط عليه ما مرّ بيانه في "الرَّهْن" إذا ألحق المرتهن حينئذ بالحاكم فيما ذكر أشبه أن يلحق وكيل الراهن بيبع المرهون، وقضاء الحق منه بالمرتهن، بل أولى؛ لأن نيابة المرتهن حينئذ قهرية، والموكل قد رضي تصرفه، ونصبه لهذا الغرض.
قال الغزالي: وَبَبِيعُ (ح) عَلَى الأَصَحِّ مِنْ أَقَارِبِهِ الَّذيِنَ تُرَدُّ لَهُ شَهَادَتُهُم، وَلاَ يَبِيعُ من نَفْسِهِ.
قال الرافعي: الوكيل بالبيع مطلقاً، هل بيع من ابنه وأبيه، وسائر أصوله وفروعه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي صح، فأشبه مالو باع من صديقه، وأيضاً فإنه يجوز للعم أن يزوج وليته من ابنه البالغ، إذا أطلقت الإذن، وقلنا: لا يشترط تعيين الزوج، فكذلك هاهنا.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأنه متهم بالميل إليهم 44، ومن الجائز أن يكون43

الجزء: 5 - الصفحة: 225

هناك راغب بأكثر من ذلك الثمن، وأجرى الوجهين في البيع من الزوج والزوجة إذا قلنا: لا نقبل شهادة أحدهما بالآخر، وكذا لو باع لمكاتبه والوجهان في الأصول والفروع المستقلين، أما ابنه الصغير، فلا يبيع منه، وكذلك لا يبيع من نفسه؛ لأنه يستقصي لنفسه وطفله في الاسترخاص، وغرض البائع الاستقصاء في البيع للاكثر وهما غرضان متضادان، فلا يتأتى من الواحد القيام بهما، وأيضاً فإن التوكيل بالبيع مطلقاً يشعر بالبيع من الغير، والألفاظ المطلقة تحمل على المفهوم منها في العرف الغالب، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ شيئان غريبان في المسألة: أحدهما: أن أَبَا حَامِدٍ القاضي حكى عن الإصْطَخْرِيّ وجهاً: أن للوكيل أن من نفسه.
والثاني: أنه حكى وجهين فيما لو وكل أباه بالبيع، هل له أن يبيع من نفسه 45. لأن للأب بيع مال ولده من نفسه بالولاية، فكذلك بالوكالة وإذا قلنا بظاهر المذهب، فلو صرح له بالإذن في بيعه من نفسه فوجهان: قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يجوز، كما لو أذن له في البيع من أبيه، وابنه البالغ يجوز، وكما لو قال لزوجته: طلقّى نفسك على ألف، ففعلت صح، وتكون نائبة من جهته، قابلة من جهة نفسها.
وقال الأكثرون: لا يجوز؛ لما ذكرنا من تضاد الغرضين، ولأن وقوع الإيجاب والقبول من شخص واحد بعيد عن التخاطب ووضع الكلام، وتجويزه في حق الاب كان على خلاف القياس، ولو صرح بالإذن في بيعه من ابنه الصغير، قال في "التتمة": هو على هذا الإختلاف.
وقال صاحب "التهذيب": وجب أن يجوز؛ لأن رضي بالنظر للطفل، وترك الاستقصاء، وتولى الطرفين في حق الولد معهود في الجملة، بخلاف ما لو باع من نفسه، ويجري الوجهان فيما لو وكله بالهبة، وأذن له ليهب من نفسه، أو يتزوج ابنته، وأذن له في تزويجها من نفسه، وفي تولي ابن العم طرفي النكا بأن يتزوج ابنة عمه بإذنها، حيث انتهت الولاية إليه، والنكاح أولى بالمنع؛ لما روي موقوفاً ومرفوعاً أنه عليه السلام، قال: لاَ نِكاحَ إِلاَّ بِأَربَعةٍ خَاطِبٍ وَوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ 46. وكذا فيما إذا وَكَّلَ مستحق الدَّين المديون باستيفائه من نفسه، أو وكل مستحق القِصَاصِ الجاني باستيفائه من نفسه.

الجزء: 5 - الصفحة: 226

إما في النفس أو في الطرف، أو وكل الإمام السارق ليقطع يده، وحكى الإمام رحمه الله اجراءه؛ فيما لو وكّل الزاني لجلد نفسه، واستبعده من جهة أنه متهم الأمام، بخلاف القطع إذ لا مدخل للتهمة فيه، وظاهر المذهب في الكل المنع، وفي التوكيل بالخصومة من الجانبين وجهان أيضاً.
أحدهما: الجواز لأنه يتمكن من أقامة البنية للمدعي ثم من إقامة البينة الدافعة للمدعى عليه وأصحهما: المنع لما فيه اختلاف غرض كل واحد منهما، فإنه يحتاج إلى التعديل من جانب وإلى الجرح من جانب، وعلى هذا فإليه الخيرة يخاصم أيهما شاء، ولو توكل رجل في طرفي النكاح، أو البيع اطراد الوجهان: ومنهم من قطع بالمنع لو وكل مَنْ عليه الدَّين بإبراء نفسه، ففيه طريقان: أحدهما: التخريج على الوجهين.
والثاني: القطع بالجواز وهما مبنيان على أنه هل يفتقر إلى القبول إن قلنا: نعم جرى الوجهان وإن قلنا: لا قطعنا بجواز كما لو وكل من عليه القصاص بالعفو والعبد بإعتاق نفسه، والوكيل بالشراء، كالوكيل بالبيع في أنه لا يشتري من نفسه، ولا من مال ابنه الصغير، ويخرج شراؤه لابنه البالغ على الوجهين في سائر الصور 47. وقوله في الكتاب: "أجراه ابْنُ سُرَيجٍ في تولى ابن العم طرفى النكاح" اتبع فيه ما رواه الإمام، فإنه نسب طرد الخلاف فيها إلى ابْنِ سُرَيْجٍ، ورأيت للحناطي نحو ذلك، وعامة الكتب ساكتة عنه.
قال الغزالي: فَإِنْ أَذَن لَهُ في البَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ فَفِي تَوَليَّهِ الطَّرَفَيْنِ خِلاَفٌ، أَجْرَاهُ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي تَوَلِّي ابْنِ العَمِّ لِطَرَفَيِ النِّكَاحِ.
وتولّي مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوِ اَلقْصَاصُ أَوِ الْحَدُّ اسْتيِفَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِالوَكَالَةِ، وَيُطْرَدُ فِي الوَكِيِل مِنَ الجَانِبَيْنِ بِالخُصُومَةِ وَمِنَ الجَانِبَيْنِ في عَقْدِ النَّكَاحِ وَالبَيْعِ، كَمَا إِذَا كَانَ وَكيِلاً مِنْ جِهَةِ المُوجب وَالقَابِلِ جَمِيعاً، وإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي البَيْعِ بِالأجَلِ مُقَدَّراً جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالأَصَحُّ أَنَّ العُرفَ يُقَيِّدُهُ بِالمصَلَحَةِ، وِقَيل: إِنَّهُ مَجْهوُلٌ.
قال الرافعي: إذا أذن للوكيل في البيع إلى أجل، نظر إن قدر الأجل صح التوكيل، وإِن أطلق فوجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 227

أحدهما: أنه لا يصح التوكيل لاختلاف الغرض بتفاوت الأجل طولاً، وقصراً هذا ما أورده "التهذيب".
وأصحهما: ما ذكره في الكتاب، واختيار ابْن كَجّ: أنه يصح التوكيل، وعلى ماذا يحمل فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: وهو المذكور في الكتاب أنه ينظر إلى المتعارف في مثله، فإن لم يكن فيه عرف راعى الوكيل الأنفع للموكل.
والثاني: له التأجيل إلى أية مدة شاء لإطلاق اللفظ.
والثالث: يؤجل إلى سنة، ولا يزيد عليها؛ لأن الديون المؤجلة تتقدر بها كالدية والحرية.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: الوَكِيلُ بِالبَيْعِ لاَ يَمْلِكُ تَسْلِيمَ المَبِيعِ قَبْلَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ، وَبَعْدَ التَّوْفِيرِ لاَ المَنُعُ فَإِنَّهُ حَقُّ الغَيْرِ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ تَسليم الثمن المسلّم إِلَيْهِ وَيَملِكُ قَبْضَ المُشْتَريَ، وَالوكِيلُ بِالبَيْعِ هَلْ يَمْلِكُ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنَ حيث إِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ وَمَقَاصِدهِ وإنْ لَمْ يُصرِّحْ بِهِ؟ فِيِهِ خِلاَفٌ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الخِلاَفُ في أَنَّ الوَكِيلَ بإثباتِ الحَقِّ هِلْ يَسْتوْفِي؟ وَبِاسْتِيفَاءِ الحَقِّ هَلْ يُخَاصِمُ؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجهٍ، الأَعْدَلُ: أَنَّ الوَكِيلَ بِالإِثْبَاتِ لاَ يَسْتَوْفِي، وَبِالاسْتِيفاءِ يثْبُتُ وَيُخَاصِمُ سَعْيَاً في الآسْتِيفَاءِ.
قال الرافعي: أول مذكور في الفصل أن الأصحاب نقلوا وجهين في أن الوكيل بالبيع مطلقاً، هل يملك قبض الثمن؟ وربما نسبوهما إلى ابن سريج: أحدهما: أنه لا يملكه؛ لأنه إنما أذن في البيع، وقبض الثمن أمر وراء البيع، وليس كل من يرضاه للبيع يرضاه لإثبات اليد على الثمن.
وأصحهما: أنه يملكه؛ لأنه من توابع البيع، ومقتضياته، والإذن في البيع إذن فيه، وإن لم يصرح به، وهل يملك تسليم المبيع إذا كان مسلماً إليه؟ أشار الأكثرون إلى الجزم بأنه يملكه تعليلاً بأن البيع يقضي إزالة المِلْكِ، ووجوب التسليم 48. وقال الشيخ أبُو عَلِيٍّ: الوجهان في أنه هل يملك قبض الثمن؟ يجريان في أنه

الجزء: 5 - الصفحة: 228

يملك تسليم المبيع، وكيف لا وتسليم المبيع دون قبض الثمن فيه خطر ظاهر، ولو كان قد صرح له بهما لم يملك التسليم، مالم يقبض الثمن، وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب" وغيره 49. ولا خلاف في أن الموكل بعقد الصرف يملك القبض والإقباض؛ لأنه شرط صحة العقد وكذلك في السلم يقبض وكيل المسلم إليه رأس المال ووكيل المسلم يقبضه إياه لا محالة.
إذا تقرر ذلك، ينظر إن باع الوكيل بثمن مؤجل، بحيث يجوز له ذلك سلم المبيع، إذ لا ينسب للبائع حق الحبس عند تاجيل الثمن، ويجيء على ما ذكره الشيخ وجه مانع من التسليم، لا لغرض الحبس، لكن لأنه لم يفرضه إليه، ثم إذا أجل الأجل لم يملك الوكيل قبض الثمن، إلاَّ بإذن مستانف، وإن باعه بثمن حالٍّ، وجوزنا القبض، فلا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما لو أذن فيهما صريحاً، فله مطالبة المشتري بتسلم الثمن، فإن لم نجوز له القبض لم يكن له المطالبة، وللموكل المطالبة بالثمن على كل حال، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولو وكله بالبيع، ومنعه من قبض الثمن لم يكن له القبض لا محالة، ولو منعه من تسليم المبيع، فمشكل في جواب الشيخ في شرح الفروع.
وقال قائلون: هذا الشرط فاسد، فإن التسليم مستحق بالعقد، ورووا عن إِبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وغيره وجهين في أن الوكالة، هل تفسد به حتى يسقط الجُعل المسمى ويقع الرجوع إلى أجرة المثل؟ ووجه الإمام رحمه الله تعالى وجه سقوطه، بأن استحقاقه مربوط بالبيع، والامتناع من التسليم، وكان مقابلاً بشيء صحيح، وشيء فاسد، فليفسد المسمى.
والحق أن يقال: المسألة مبنية على أن في صورة الإطلاق هل للوكيل التسليم أو لا؟ إن قلنا: لا فعند المنع أولى.
وإن قلنا: نعم فكذلك؛ لأنه من توابع العقد وتمامه، كالقبض، لا لأن تسليمه مستحق بالعقد، فإن المستحق هو التسليم [بعينه] والممنوع منه تسليمه، نعم لو قال: أمنع المبيع منه، فهذا الشرط فاسد؛ لأن منع الملك عن المالك، حيث يستحق إثبات اليد عليه غير جائز، وفرق بين أن يقول: لا تسلمه إليه، وبين أن يقول: أمسكه، وامنعه منه.
وأما الوكيل بالشراء، فإن لم يسلم الموكل الثمن إليه، فاشترى في الذمة، فسيأتي الكلام في أن المطالبة بالثمن على من تتوجه؟ في الحكم الثاني من الباب إن شاء الله

الجزء: 5 - الصفحة: 229

تعالى وإنْ سلمه إليه، واشترى بعينه، أو في الذمة، فالقول في أنه هل يسلمه؟ وهل يقبض المبيع بمجرد التوكيل في الشراء؟ كالقول في أن وكيل البائع هل يسلم المبيع، ويقبض الثمن بمجرد التوكيل بالبيع؟ وهكذا هو في "التهذيب" و"التتمة" ولفظ الكتاب يشعر بالجزم بتسليمه الثمن، وقبض المبيع.
ووجَّهه في "الوسيط" بأن العرف يقتضي ذلك 50، ويدل عليه وأيضاً فإن الملك في الثمن لا يتعين إِلاَّ بالقبض، فيستدعي إذناً جديداً.
وأما المبيع فإنه متعين للملك، ولمن طرد الخلاف أن يمنع العرف الفارق بين الطريقين، وأما المعنى الثاني، فلو كان به اعتبار لوجب أن يجزم بقبض وكيل البائع الثمن، إذا كان معيناً، ولم يفرقوا في رواية الوجهين بين أن يبيع بثمن معين، أو في الذمة.
وقوله في الكتاب: "وبعد التوفير لا يجوز له المنع، فإنه حق الغير" أراد به ما ذكره الإمام -رحمه الله تعالى- من أن المشتري إذا وفر الثمن على الموكل، أو على الوكيل إذا جوزنا له القبض، فالوكيل يسلمه المبيع، وإن لم يأذن له الموكل في تسليمه، لأن أداء الثمن إذاً وفر صار قبض المبيع مستحقًّا، وللمشتري الانفراد بأخذه، فإن أخذه المشتري، فذاك، وإن سلّمة الوكيل.
والأمر محمول على أخذ المشتري، ولا حكم للتسليم، ثم قرب من الخلاف في أن الوكيل بالبيع، هل يقبض الثمن الخلاف في مسألة أخرى؟ وهي أن الوكيل باستيفاء الحق هل يثبته أو بإثباته هل يستوفيه أما أن الوكيل بالاستيفاء وهل يثبت ويقيم البينة عند إنكار من عليه؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجِ: وأصحهما: لا؛ لأنه لم يوكل إلاَّ بالقبض، وقد يرضى للقبض من لا يرضاه للخصوصة.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يتمكن من الاستيفاء عند إنكار مِنْ عليه الإثبات، فليمكن مما يتوصل به إلى الاستيفاء، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون الموكل باستيفائه عيناً أو ديناً.
وقال أبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله تعالى: إنْ كان ديناً ملك الإثبات، وإن كان عيناً لم يملكه.
وأما إن الوكيل بالإثبات، هل يستوفي بعد الإثبات؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه وجهين أيضاً، كالوجهين في أن الوكيل بالبيع، هل يملك قبض الثمن، لأنه من توابع الإثبات، ومقاصده، كقبض الثمن بالإضافة إلى البيع؟

الجزء: 5 - الصفحة: 230

وأظهرهما: القطع بالمنع؛ لأن الاستيفاء يقع بعد الإثبات فليس ذلك نفس المؤذون ولا واسطه بخلاف العكس وبخلاف مسألة قبض الثمن؛ لأنه إذا وكله بالبيع أقامه مقام نفسه فيه، وأنه عقد يتضمن عهداً منها تسليم المبيع، وقبض الثمن، فجاز أن يكون من قضاياه.
وأما الإثبات، فليس فيه ما يتضمن التزاماً.
قال في "التتمة": الخلاف الصورة الثانية في الأموال أما القِصَاصُ والحَدُّ فلا يستوفيهما بحال.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ عن ابن خيْرَانَ أنه على الوجيهن وإذا جمعت بين الأمرين: الاستيفاء والإثبات وقلت: الوكيل بأحدهما، هل يملك الثاني؟ حصل في الجواب ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب، لكن تسمية الوجه الفارق أعدل الوجوه، ربما أوهم ترجيحه، والظاهر عند الأصحاب أنه لا يفيد واحد منهما الثاني.

فرع

عرفت أن الوكيل لا يسلم المبيع قبل قبض الثمن، فلو فعل غرم للموكل قيمته، إن كانت القيمة والثمن سواء، أو كان الثمن أكثر وإن كانت القيمة أكثر بأن باعه بغبن محتمل، فيغرمه جميع القيمة، أو يحط عنه قدر الغبن، لصحة البيع بذلك الثمن فيه وجهان.
أصحهما: أولهما, ولو باع بغبن فاحش بإذن الموكل، فقياس الوجه الثاني ألا يغرم إلا بقدر الثمن، لا ثم لو قبض الوكيل الثمن بعد ما غرم دفعه إلى الموكل، واسترد المغروم.
قال الغزالي الثَّالِثَةُ أَنَّ الوِكيلَ بالشِّراءِ إذا اشتَرى مَعِيباً بثَمنِ مِثْلهِ وَجَهِلَ العَيْبَ وَقَعَ عَنِ المُوَكّلِ، وَإِنْ علمَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بغبْنٍ وَعَلَم لَمْ يَقَعْ عَنِ المُوَكَّلِ، وَإِنْ جَهلَ فَوَجَهْاَنِ، ثُمَّ مَهْمِا جَهِلَ الوَكَيِلُ فَلَهُ الرَّدُّ (و) إِلاَّ إِذاَ كَاَنَ العَبْدُ مُعَيْناً مِنْ جِهَةِ المُوكَلَّ فَوَجَهْاِنِ في الرَّدِّ، وَحَيْثُ يكَوُنُ عَاِلماً فَلاَ رَدّ له، وَفي المُوكِّلِ وَجْهَانِ، إِذْ قَدْ يقومُ عِلْمُ الوكَيلِ مَقَامَ عِلْمِ الموكّل كَماَ في رُؤْيَتِه، وَمَهْمَا ثَبَتَ الخيار لَمْ يَسْقُطْ بِرِضَا الوَكيلِ حَقُّ المُوكل، وَيَسْقُطُ بِرضَا المُوكِّلِ رَدُّ الوَكِيلِ.
قال الرافعي: الوكيل بالشراء إما أن يكون وكيلاً، بشراء شيء موصوف، أو بشراء شئ معين الحالة الأولى: أن يكون وكيلاً بشراء موصوف فلا يشتري إلاَّ السليم؛ لأن قضية الإطلاق السلامة، ألا ترى أنه إذا أسلم في شيء موصوف استحق السليم منه، ويخالف عامل القِرَاض، يجوز له شراء المعيب [لأن المقصود هناك الربح، وقد يتوقع الربح في شراح المعيب] وهاهنا المقصود الادخار، إذ يجوز أن يكون الادخار والاقتناء

الجزء: 5 - الصفحة: 231

مقصوداً، وإنما يقتنى السليم دون المعيب.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: يجوز للوكيل شراء المعيب، فلو خالف ما ذكرناه، واشترى المعيب نظر، إنْ كان مع المعيب يساوي ما اشتراه به، فإن جهل العيب وقع عن الموكل، وإن علمه فثلاثة أوجه: أظهرها: أنه لا يقع عنه لتقييد الإذن بالسليم.
الثاني: يقع, لأنه لا نقصان في المالية، والصيغة عامة.
الثالث: يفرق بين ما يمنع من الأجزاء في الكفارة إذا كان المبيع عبداً وبينما لا يمنع حملاً؛ لقوله: اشتر لي رقبة على ما حمل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92].
قال الإمام -رحمه الله تعالى-: وصاحب هذا الوجه، يستثنى الكفر، فإنه يمنع من الأجزاء في الكفارة.
ويجوز للوكيل شراء الكافر، وإنْ لا يساوى ما اشتراه به، فإن علم لم يقع عن الموكل، وإن جهل فوجهان: أصحهما: عند الإمام أنه لا يقع أيضاً عنه؛ لأن الغبن يمنع الوقوع عن الموكل سلامة المبيع، وإن لم يعرف الوكيل، فعند العيب أولى وأوفقهما لكلام الأكثرين أنه يقع عنه، كما لو اشترى لنفسه جاهلاً، ويفارق مجرد الغبن، فإنه لا يثبت الخيار، فلو صح البيع، ووقع عن الموكل للزم، ولحقه الضرر، والعيب يثبت الخيار، والحكم بوقوعه عنه لا يورطه في الضرر، وحيث قلنا بوقوعه عن الموكل، فينظر إن كان الوكيل جاهلاً فللموكل الرد إذا أطلع, لأنه المالك.
وإما الوكيل، فعن صاحب "التقريب" رواية وجه عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه لا ينفرد بالرد؛ لأنه كان مأذوناً في الشراء، دون الفتح الفسخ، وظاهر المذهب أنه ينفرد به لمعنيين: أحدهما: أنه أقامه مقام نفسه في هذا العقد، ولو لحقه.
والثاني: أنه لو لم يكن له الرد إلى استئذان الموكل، فربما لا يرضى الموكل، فيتعذر الرد لكونه على الفور، ويبقى المبيع كلاًّ على الوكيل، وفيه ضرر ظاهر، وهذا هو المعتمد عند الأصحاب، لكن فيه إشكال؛ لأنا لو لم تثبت له الرد لكان كسائر الأجانب عن العقد، فلا أثر لتاخره، وأيضاً فإن مَنْ له الرد قد يعذر في التأخير لأسباب داعية إليه، فهلا كانت مشاورة الموكل عذراً، وأيضاً فإنه وإِنْ تعذر منه الرد، فلا يتعذر بنفس الرد؛ إِذ الموكل يرد إذا كان قد سماه في العقد، أو نواه على أن في كون المبيع للوكيل، وفي الرد منه بتقدير تعذر كونه له خلافاً، وسيأتي جميع ذلك في الفصل، وإن كان الوكيل عالماً، فلا رد له، وفي الموكل وجهان: أحدهما: أنه لا رد له أيضاً؛ لأنه نزّل الوكيل منزلة نفسه في العقد والأخذ،

الجزء: 5 - الصفحة: 232

فيكون اطلاعه على العيب كاطلاع الموكل، كما أن رؤيته كرؤيته وإخراج العقد عن أن يكون على قولي شراء الغائب.
أصحهما: أن له الرد, لأن اطلاعه، ورضاه بعد العقد لا يسقط حتى الرد للموكل، فكذلك اطلاعه في الابتداء، وعلى هذا فينتقل الملك إلى الوكيل، أو ينفسخ العقد من أصله؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه وجهين: قال: من قال بالأول كأنه يقول: انعقاد العقد موقوفاً إلى أن يتبين الحال، وإلاَّ فيستحيل ارتداد الملك عن الموكل إلى الوكيل، وهذه الاختلافات مفرعة على وقوع العقد الموكل مع علم الوكيل بالعيب، والمذهب خلافه.
الحالة الثانية: أن يكون وكيلاً بشراء شيء معين، فإن لم ينفرد الوكيل في الحالة الأولى بالرد، فهو هاهنا أولى وإن انفرد، فهاهنا وجهان: وجه المنع: أنه ربما يتعلق الغرض بعينه، فينتظر مشاورته.
ووجه الجواز، وهو الأصح والمنصوص في "اختلاف العراقيين": أن الظاهر أنه يريده بشرط السلامة، ولم يذكروا في هذه الحالة أنه متى يقع عن الموكل، ومتى لا يقع، والقياس أنه كما سبق الحالة الأولى، نعم لو كان المبيع معيياً يساوي ما اشتراه به، وهو عالم فبإيقاعه عن الموكل هاهنا أولى؛ لجواز تعلق الغرض بعينه، وجميع ما ذكرناه في الحالتين مفروض فيم إذا اشترى بثمن في الذمة، أما إذا كان الشراء بِعَيْن مال الموكل، فحيث قلنا هناك: لا يقع عن الموكل فهاهنا لا يصح أصلاً، وحيث قلنا: يقع فكذلك هاهنا، وهل للوكيل الرد؟ فيه وجهان: وأصحهما: لا ويمكن أن يكون الوجهان مبنيين على المعنيين السابقين إن عللنا انفراده بالرد، فإنه أقامه مقام نفسه في العقد ولو أحقه فكذلك هاهنا، وإن عللنا بإنه لو أخر ربما لزم العقد، فصار المبيع كلاًّ عليه، فلا لأن المشتري بملك الغير لا يقع له بحال.
واعلم أنه إذا ثبت الرد للوكيل في صورة الشراء في الذمة، فلو أطلع الموكل على العيب قبل اطلاع الوكيل، أو بعده.
ورضية سقط خيار الوكيل، بخلاف الرد فإنه رضي المالك بحظه من الربح ولا يسقط خيار الموكل بتأخير الوكيل وتقصيره، وإذا أخر أو صرح بإلزام العقد، فهل له العود إلى الرد؛ لأن أصل الحق باقٍ بحاله، نائب، أم لا وكأنه بالتأخير أو الإلزام عزل نفسه عن الرد؟ وجهان: أظهرهما: الثاني، وإذا قلنا به أو أثبتنا له العود، ولم يعد فإذا أطلع الموكل عليه،

الجزء: 5 - الصفحة: 233

وأراد الرد فله ذلك إن سماه الوكيل في الشراء، أو نواه وصدقه البائع عليه، وإلاّ فوجهان: أحدهما: وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة": أنه يرده على الوكيل، ويلزم المبيع؛ لأنه اشترى في الذمة ما لم يأذن فيه الموكل، فيصرف إليه.
والثاني: وهو الذي نقله الشيخ أبو حامد وأصحابه: أن المبيع يكون للموكل، والرد قد فات لتفريط الوكيل، فيضمن الوكيل، وما الذي يضمن؟ قال أبُو يَحيَى البَلْخِيُّ: قدر نقصان قيمته من الثمن، ولو كانت القيمة تسعين والثمن مائة يرجع بعشرة، ولو تساوياً فلا رجوع.
وقال الأكثرون: يرجع بأرش العيب [من الثمن] لأنه فات الرد بغير تقصيره، فكان له الأرش، كما لو تعذر الرد بعيب حادث، إِلاَّ أن هناك يوجد الأرض من البائع لتلبيسه وهاهنا من الوكيل لتقصيره 51. ولو أراد الوكيل الرد، فقال البائع أجزه حتى يحضر الموكل لم يلزمه اجابته 52، بل له الرد لئلا يصير المبيع كَلاَّ عليه، أو يلزمه الغرم، ولأن الرد حيث ثبت له، فلا يكلف تأخيره، وإذا رد، ثم حضر الموكل، ورضيه احتاج إلى استئناف شراء، ولو آخره كما التمس البائع، فحضر الموكل، ولم يرض به.
قال في "التهذيب": المبيع للوكيل، ولا رد لتأخيره مع الإمكان.
وقيل: له الرد؛ لأنه لم يرض بالعيب قال: وهو ضعيف، ولك أن تقول له: أنت وسائر النقلة متفقون على أنه إذا رضي الوكيل بالعيب، ثم حضر الموكل، وأراد الرد، فله ذلك إذا كان الوكيل قد سماه، أو نواه وهاهنا الوكيل والموكل والبائع يتصادفون على أن الشراء للموكل، فلا بد وأن يكون قد سماه، ونواه، ووجب أن يقال: المبيع للموكل، وله الرد ولو أراد الوكيل الرد، فقال البائع: إنه قد عرفه الموكل، ورضي به، وليس لك الرد، نظر إن لم يحتمل بلوغ الخبر إليه لم يلتفت إلى قوله، وإن احتمل، وأنكر الوكيل حلف على نفي العلم برضا الموكل, لأنه لو أقربه الزمه حكم إقراره.
وعن إبي حامد القاضي وغيره وجه آخر: أنه لا يحلف، والمذهب الأول.
وقوله في "المختصر": "وإنْ وكله بشراء سلعة، فأصاب بها عيباً كان له الرد

الجزء: 5 - الصفحة: 234

بالعيب، وليس عليه أن يحلفه، أنه ما رضي به الأمر مؤول عند الأصحاب محمول على ما إذاً لم يكن ما يدعيه محتملاً، أو على ما إذا احتمل طلب اليمين منه على البت، أو على ما يجزم بالدعوى، بل قال: أجز فلعله بلغه الخبر، ورضي به.
ومنهم من غلط المزُنِيَّ في النقل، وقال: إنه أدخل جواب مسألة في مسألة.
إذا عرفت ذلك، فإِذا عرضنا اليمين على الوكيل لم يخل إما أن يحلف أو ينكل، إن حلف رده، فإن حضر الموكل وصدق البائع، فعن ابنِ سُرَيْجٍ أن له استرداد المبيع من البائع لموافقته إياه على الرضا قبل الرد.
وفي "التتمة" أن القاضي الحسين قال: لا يسترد وينفذ فسخ الوكيل (1). فإن نكل حلف البائع، وسقط رد الوكيل، ثم إذا حضر الموكل، وصدق البائع فذاك، وإن كذبه قال في "التهذيب": لزم العقد للوكيل، ولا رد له لإبطاله الحق بالنكول، وفيه من الإشكال ما قدمناه، هذا كله في طرف الشراء.
أما الوكيل بالبيع إذا باع، فوجد المشتري بالمبيع عيباً رده، عليه إن لم يعلمه وإن علمه وكيلاً رده عليه، إِن شاء ثم هو يرد على الموكل، وعلى الوكيل إن شاء، وهل للوكيل حط بعض الثمن للعيب؟ فيه قولان عن ابْنِ سُرَيْجٍ (2). ولو زعم الموكل حدوث العيب في يد المشتري، وصدق الوكيل المشتري رد المشتري على الوكيل، ولم يرد الوكيل على الموكل.

فرع

سيأتي "كتاب في القِرَاضِ" أن الوكيل بالشراء، هل يشتري من يعتق على الموكل؟ إن قلنا: يشتريه، فلو كان معيباً، فللوكيل رده؛ لأنه لا يعتق على الموكل قبل الرضا بالعيب كذا ذكره في "التهذيب".
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ: الوَكيِلُ بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنِ لاَ يُوَكَّلُ إِذَا أُذِنَ لَهُ وفيه، فلو وُكَّلَ بِتَصَرُّفَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَذِنَ فِي التَّوكْيِلِ وُكِّلَ، وَإِنْ أَطَلْقَ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُوَكَّلُ فِي المِقْدَارِ المَعْجُوزِ عَنْهُ وَيُبَاشِرُ البَاقِي، ثُمَّ لاَ يُوَكّلُ إِلاَّ أَمِيناً رِعَايَةً لِلغبِطَةِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في أن الوكيل، هل يوكل؟ لا يخلو إما أن5354

الجزء: 5 - الصفحة: 235

يأذن له الموكل في التوكيل صريحاً، أو يسكت عنه، إن سكت عنه، فينظر إن كان أمراً يتأتى له الإتيان به لم يوكل فيه, لأنه لم يرض بتصرف غيره، وإنْ لم يتأَت ذلك منه، إما لأنه لا يحسن، أو لأن الإتيان به لا يليق بمنصبه، فله التوكيل فيه؛ لأن الشخص لا يقصد منه إلا الاستنابة فيه، وفيه وجه أنه لا يوكل لقصور قضية اللفظ، ولو كثرت التصرفات التي وكله بها, ولم يمكنه الإتيان بالكل لكثرتها، ففيه ثلاثة طرق: أصحهما: أنه يوكل فيما يزيد على قدر الإمكان، وفي قدر الإمكان وجهان: أحدهما: يوكل فيه أيضاً؛ لأنه ملك التوكيل في البعض، فيوكل في الكل، [كما لو أذن صريحاً.
وأصحهما: أنه لا يوكل في القدر المقدور له, لأنه لا ضرورة إليه.
والثانية: أنه لا يوكل] 55 في قدر الإمكان، وفيما يزيد عليه وجهان.
الثالثة: إطلاق الوجهين في الكل.
قال الإمام -رحمه الله تعالى- والخلاف على اختلاف الطرق ناظر إلى اللفظ والقرينة، وفي القرينة تردد في التعميم والتخصيص.
أما إذا أذن له في التوكيل، فله أن يوكل، ثم له ثلاث صور؛ لأنه إما أن يقول: وكل عن نفسك أو وكل عني أو يطلق.
الصورة الأولى: إذا قال: وكل عن نفسك، ففعل انعزل الثاني بعزل الأول إياه، لأنه نائبة.
وفيه وجه أنه لا ينعزل لأن التوكيل فيما لا تعلق بحق الموكل حق الموكل وإن حصله بالإذن فلا يرفعه إلا بالإذن، وأجرى هذا الخلاف في انعزاله بموت الأول وجنونه.
والأصح: الانعزال، ولو عزل الموكل الوكيل الأول انعزل، وفي انعزال الثاني بانعزاله هذا الخلاف، ولو عزل الثاني ففي انعزاله وجهان: أحدهما: لا ينعزل؛ لأنه ليس بوكيل من جهته.
وأصحهما: أنه ينعزل، كما ينعزل بموته وجنونه، والعبارة المعبرة عن هذا الخلاف أن الثاني وكيل الوكيل، كما صرح به في التوكيل، أو وكيل الأول، ومعنى كلامه: أقم غيرك مقام نفسك.
والأصح أنه وكيل الوكيل، لكنه إذا كان وكيل الوكيل كان فرع الفرع، وفرع الفرع فرع الأصل، فينعزل بانعزاله.

الجزء: 5 - الصفحة: 236

الصورة الثانية: إذا قال: وكل عني، ففعل، فالثاني وكيل الموكل، كالأول، وله عزل أيهما شاء، وليس لواحد منهما عزل الآخر، ولا ينعزل بانعزال الآخر.
الثالثة: إذا قال: وكلتك بكذا، وأذنت لك في أن توكل به وكيلاً، ولم يقل: عني، ولا عن نفسك، ففيه وجهان: أحدهما: أن الحكم، كما في الصورة الأولى؛ لأن المقصود في الإذن في التوكيل تسهيل الأمر عليه.
وأصحهما: أنه كالصورة الثانية؛ لأن التوكيل تصرف يتولاه بإذن الموكل، فيقع عنه، وإذا جوزنا للوكيل أن يوكل في صورة سكوت الموكل عنه، فينبغي أن يوكل عن موكله، قلو وكله عن نفسه، ففيه وجهان، وهذا لأن القرينة المجوزة للتوكيل، كالإذن في مطلق التوكيل، ويشترط على الوكيل حيث ملك التوكيل أن يوكل أميناً؛ رعاية لمصلحة الموكل، إلاَّ أنْ يعين له من ليس بأمين، ولو وَكَّلَ أميناً، ففسق، فهل له عزله؟ فيه وجهان.

فرع

إذ وكله بتصرف، وقال له افعل فيه ماشئت، هل يكون ذلك كالإذن في التوكيل؟ فيه وجهان عن ابن سريج: أصحهما: لا، وقوله: افعل ما شئت ينصرف إلى تصرفه بنفسه.
وقوله في الكتاب: "الوكيل بتصرف معين لا يوكل إلاَّ إذا أذن له فيه" -غير معمول بظاهره، بل المعنى إلاَّ إذا كان الموكل فيه ما لا يتأتى للوكيل مباشرته، فإن الظاهر جواز التوكيل، والحالة هذه كما تقرر.
وقوله "فإن أطلق فثلاثة أوجه" هي حاصل ما يخرج من الطرق الثلاثة التي قدمناها.
واعلم أن الصورة المذكورة في أول الباب إلى هذه الغاية موضوعه في التوكيل المطلق، ومن هذا الموضع إلى آخره في التوكيل المقرون بضرب من التقييد.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ: تَتَبُّعُ مُخَصَّصِاتِ المُوَكِّل، فَلَوْ قَالَ: بعْ من زَيْدٍ لم يبع مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ خَصَّصَ زَمَاناً تَعَيَّنَ، وإن خَصَّصَ سُوقاً يَتَفَاوَتُ بِهَا الفَرَضُ تَعيَّنَ وإِلاَّ فَلاَ، وَإِذَاً صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ غَيْرِ المَخْصُوصِ امْتَنَعَ قَطْعاً، ولو قال بعْ بِمائَةِ يَبِيعُ بِمَا فَوْقَهُ إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَلاَ يَبِيعُ بِمَا دُونَهُ بِحَالٍ، وَلَوْ: اشْتَرِ بِمائَةٍ يَشْتَرِي بِمَا دُوَنَهَا إِلاَّ إِذَا نَهَاهُ، وَلاَ يَشْتَري بِمَا فَوْقَهَا بِحَالٍ، وَلَوْ قَالَ: بعْ بِمائةٍ نَسِبئَةً فباع نقداً أو قال اشتر بمائة نقداً

الجزء: 5 - الصفحة: 237

فاشترى بمائة نسيئة فَوَجَهْانِ لأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يُشْبُه اخْتِلاَفَ الجِنْسِ، وَلاَ خِلاَف أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَ بِأَلْفِ دينار لَمْ يَجُزْ وِفَيهِ احِتْمَالٌ.
قال الرافعي: الأصل في هذه الصورة، وما بعدها أنه يجب النظر بتقييدات الموكل في الوِكَالَةِ، ويشترط على الوكيل رعاية المفهوم منها، بحسب العرف، وفي الفصل صور: أحدها: إذا عين الموكل شخصاً بأن قال: بيع من زيد، أو وقتاً بأن قال: بع في يوم كذا لم يَجُزْ أن يبيع من غيره، ولا قبل ذلك الزمان ولا بعده 56. أما الأول: فلأن مال 57 الشخص المعين قد يكون أقرب إلى الحل، وأبعد عن الشبهة، وربما يريد تخصيصه بذلك المبيع.
وأما الثاني: فلأنه ربما يحتاج إلى البيع في ذلك الوقت، ولو عين مكاناً من سوق ونحوها نظر إن كان له في المكان المعيّن غرض بإن كان الراغبون فيه أكثر، أو النقد فيه أجود لم يَجُزْ أن يبيع من غيره، وإن لم يكن غرض ظاهر فوجهان: أحدهما: يجوز، والتعين في مثل ذلك يقع اتفاقاً هذا ما أورده في الكتاب، وبه قال القاضي أَبُو حَامِدٍ، وقطع به الغَزَالِيُّ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يكون له فيه غرض لا يطلع عليه، وهذا أصح عند ابْنِ القَطَّانِ، وصاحب "التهذيب" 58. ولو نهاه صريحاً عن البيع في غير ذلك الموضع امتنع بلا خلاف، وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ أن قوله: بع في بلد كذا، كقوله: بع في سوق كذا، حتى لو باعه في بلد آخر، جاء فيه التفصيل المذكور، وهذا صحيح، ولكنه يصير ضامناً للمال، لنقله من ذلك

الجزء: 5 - الصفحة: 238

البلد، لا وكذا الثمن مضموناً في يده، بل لو اطلق التوكيل بالبيع، وهو في بلد، فليبعه في ذلك البلد، ولو نقله صار ضامناً.
[المسألة] الثانية: لو قال: بيع بمائة درهم لم يبع بما دونها, وله أن يبيع بما فوقها، والمقصود من التقدير ألا ينقص [ثمنها عن المقدر] 59، نعم لو نهاه صريحاً لم يبع بما فوقها 60. وحكى العَبَّادِيُّ أن بعض البصريين من أصحابنا لم يجوز أن يبيع بما فوق المائة، والمشهور الأول، وهل له أن يبيع بمائة، وهناك من يرغب بالزيادة على المائة؟ فيه وجهان 61: أحدهما: نعم لموافقة صريح إذنه.
والثاني: لا، كما لو أطلق الوكالة، فباع بثمن المثل، وهناك من يرغب بالزيادة.
وذكر الأئمة أنه لو كان المشتري معيناً بأن قال: بيع كلا من فلان بمائة، لم يجز أن يبيع بأكثر منها، وكان المعني فيه أنه ربما يقصد إرفاقه.
ولو قال: بع كذا, ولا تبعه بأكثر من مائة وبما لم يبيع بالأكثر، ويبيع بها، وربما دونها ما لم ينقص عن ثمن المثل، ولو قال: بعه بائة، ولا تبعه بمائة وخمسين، فله أن يبيع بما فوق المائة، دون المائة والخمسين، ولا يبيع بالمائة والخمسين، وفيما فوق ذلك وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أصحهما: المنع؛ لأنه لما نهى عن زيادة خمسين، فِعَمَّا فوقها أولى، وكذلك في طرف الشراء لو قال: اشتر بمائة له أن يشتري بما دونها، إلاَّ إذا نهاه، ولا يشتري بما فوقها, ولو قال: اشتر بمائة، ولا تشتري بخمسين يجوز أن يشتري بما بين المائة والخمسين ولا يشتري بخمسين وفيما دونها الوجهان: [المسألة] الثالثة: لو قال: بعه إلى أجل، وبين قدره أو قلنا: لا حاجة إلى البيان، وحملناه على المعتاد، فخالف وباع حالاًّ، نظر إن باعه بما يساويه حالاً لم يصح, لأنه يكون ناقصاً عما أمر به، فإن ما يشتري به الشيء نقداً مما يشتري به نسيئة، ولو باعه بما

الجزء: 5 - الصفحة: 239

يساويه إلى ذلك الأجل حالاً، نظر إن كان في وقت لا يؤمن فيه من نَهْبٍ، أو سرقة، أو كان لحفظه مؤنة في الحال لم يصح أيضاً، وإن لم يكن شيء من ذلك، فوجهان: أحدهما: المنع أيضاً، فإنه ربما كان يحتاج إلى الثمن في ذلك الوقت، ويخاف من التعجيل خروجه في نفقة.
وأصحهما: على ما ذكره في "التهذيب" الجواز؛ لأنه زاد خيراً، ولا فرق فيما ذكره بين ثمن المثل عند الإطلاق، وبين ما يقدره من الثمن، بأن قال: بع بمائة نسيئة، فباع بمائة نقداً، كما صور في الكتاب، ولو قال: بع بكذا إلى شهرين، فباعه إلى شهر، ففيه وجهان، ولو قال: اشترِ حالاً، فاشتراه مؤجلاً، نظر إن اشتراه بما يرغب به فيه حالاً إلى ذلك الأجل لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه يكون أكثر، وإن اشتراه بما يرغب به فيه حالاً إلى ذلك الأجل فوجهان، كما في طرف البيع: وجه الجواز ما مر.
ووجه المنع أنه ربما يخاف هلاك المال وبقاء الدين في ذمته.
قال أبُو سعِيد المتولي: هذا إذا قلنا إن مستحق الدَّيْنِ المؤجل إذا عجل حقه يلزمه القبول.
أما إذا قلنا: لا يلزمه القبول لا يصح الشراء هاهنا للموكل بحال، وذكر هو وغيره تخريجاً على المسألة التي نحن فيها أن الوكيل بالشراء مطلقاً لو اشترى نسيئة بثمن مثله جاز؛ لأنه زاد خيراً، والموكل بسبيل من تفريغ ذمته بالتعجيل 62. وقوله في الكتاب.
"لأن التفاوت فيه يشبة اختلاف الجنس" أي: في النقد والنسية، إنما يشبهه باختلاف الجنس؛ لما بين الدَّيْنِ والعَيْنِ، أو بين الحالّ والمؤجل من شدة اختلاف الأغراض، وهذا توجيه وجه المنع في صورتي البيع والشراء، ولذلك عقبه بقوله: "ولا خلاف أنه لو قال: بيع بألف درهم، فباع بألف دينار لم يجز"، وإنما كان كذلك؛ لأن المأتيّ به ليس هو المأمور به، ولا هو مشتمل على تحصيل ما أمر بتحصيله، والوكيل متصرف بالإذن فإذا عدل عن المأذون فيه لغا تصرفه.
وأما قوله: "وفيه احتمال" -فقد أورد القاضي ابْنُ كَجٍّ نحواً منه، وليس له ذكر في "الوسيط"، ولا في كتاب الإمام رحمه الله تعالى، ويمكن توجيهه بأنا عرفنا بالتوكيل رغبته في البيع، ومن رغب في البيع بالدراهم، فهو في البيع بمثل عددها من الدنانير ارغب هذا هو العرف الغالب، وكما أن البيع بالدنانير غير المأذون فيه، وهو البيع بالدراهم، كذلك البيع بالمائتين، غير المأذون فيه، وهو البيع بالدارهم كذلك البيع

الجزء: 5 - الصفحة: 240

بالمائتين غير المأذون فيه وهو البيع بالمائة، ألا ترى أنه لو قال: بعتك بمائة درهم لم يصح القبول بمائتي درهم، كما لا يصح بمائتي دينار، فهذا صححنا البيع بالمائتين اعتماداً على العرف، فكذلك البيع بالدينار، وعلى هذا الاحتمال، فالبيع بعرض يساوي مائتي دينار يشبه أن يكون كالبيع بمائة دينار.
قال الغزالي: وَلَو سَلَّمَ إِلِيْهِ دِينَاراً لِيَشْتَريَ شَاةً فَاشْتَرى شَاتَيْنِ تُسَاوِيْ كلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دِينَاراً وَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينارٍ وَرَدَّ الدِّينَارَ والشَّاةَ فَقَدْ فَعَلَ هَذا عُرْوَةُ البَارِقِيُّ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى أَسَدِّ القَوْلَيْنِ، وَفِي بَيْعِ الشَّاة خِلافٌ ظَاهِرٌ، وَتَأْوِيلُ الحَدِيثِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ وَكِيلاً مُطْلَقَاً.
قال الرافعي: صور المسألة أن يسلم ديناراً إلى وكيله ليشتري له شاة، ووصفها، فاشترى الوكيل شاتين بتلك الصفة بدينار، فينظر إن لم تساو كل واحدة منهما ديناراً لم يصح الشراء للموكل، وإن زادتا معا على الدينار, لأنه ربما يبغي شاة تساوي ديناراً، وإن كان كل واحدة منهما تساوي ديناراً فقولان: أصحهما: صحة الشراء، وحصول الملك فيهما للموكل, لأنه أذن له في شراء شاة بدينار، فإذا اشترى شاتين، كل واحدة منهما تساوي ديناراً بدينار، فقد زاد خيراً مع تحصيل ما طلبه الموكل، فأشبه ما إذا أمره ببيع شاة بدرهم، فباعها بدرهمين، أو يشتري شاة بدرهم، فاشتراه ابن صف درهم.
والثاني: أنه لاتقع الشاتان معاً للموكل؛ لأنه لم يأذن إلاَّ في شراء واحدة، ولكن ينظر إن اشتراها في الذمة، فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل، ويرد على الموكل نصف دينار، وللموكل أن ينزع الثانية منه، ويقرر العقد فيهما, لأنه عقد العقد له، وإن اشتراهما بعين الدينار، فكأنه اشترى واحدة بإذنه، وأخرى بغير اذنه، فينبني على أن العقود، هل تتوقف على الإجازة؟.
إن قلنا: لا تتوقف على الإجازة بطل العقد في واحدة وفي الثانية قَوْلاً تفريق الصفقة.
وإن قلنا: تتوقف، فإن شاء الموكل أخذهما بالدينار، وإن شاء اقتصر على واحدة، وَرَدَّ الأخرى على المالك، والقول في وضعه مشكل, لأن تعيين واحدة للموكل، أو بطلان العقد فيهما ليس بأولى من تعيين الأخرى، والتخيير مشبه بما إذا باع شاة من شاتين، على أن يتخير المشتري، وهو باطل، ونقل الإِمام -رحمه الله تعالى- فيما إذا اشترى في الذمة قولاً ثالثاً، وهو إن الشراء لا يصح للموكل في واحدة منهما، بل يقعان للوكيل.

الجزء: 5 - الصفحة: 241

وإذا قلنا بصحة الشراء فيهما للموكل، فلو باع الوكيل إحداهما عن غير إذن الموكل، ففي صحة البيع قولان عن ابْنِ سُرَيجٍ.
أحدهما: المنع؛ لأنه لم يأذن في البيع فأشبه ما إذا اشترى شاة بدينار، ثم باعها بدينارين.
والثاني أنه يصح؛ لأنه إذا جاء بالشاة، فقد حصل مقصود الموكل، فلا فرق فيها زاد بين أن يكون ذهباً، أو غيره، وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة بدينار، وباعها بدينارين، ويقال: هذا الخلاف هو بعينه القولان في بيع الفضولي، فعلى القول الجديد يلغو، وعلى القديم ينعقد موقوفاً على إجازة الموكل 63. واعلم أن صورة المسألة شراءً وبيعاً قد نقل في حديث عُرْوَةَ البَارَقَيِّ -رضي الله عنه- وهو مذكور في أول البيع في مسألة بيع الفضولي، واحتج بهذا الحديث لكل واحد من القولين في أصل المسألة، إما للقول الأصح، فلأن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قرره على شرائهما، وألزم العقد فيهما.
وأما للقول الثاني، فلأن الشاتين لو وقعتا للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما باع إحداهما قبل مراجعته, لأن الإنسان لا يبيع مال الغير كيف وقد سلم وتصرف الفضولي؟ وإن حكم بإنعقاده، فلا كلام في أنه ليس له التسليم قبل مراجعة المالك وإجازته، فلما باع إحداهما دل على أنها دخلت في ملكه، وقد يقال: هب أن واحدة منهما ملكه، لكنها لا تتعين كما لم يختر الموكل واحدة منهما، أو يجري فيهما اصطلاح في ذلك، وإذا لم تكن التي ملكها معينة، فكيف يبيع واحدة منهما على التعيين، ثم القائلون بالقول الأول، والاحتجاج الأول، احتج من ذهب منهم إلى صِحَّة إحدى الشاتين بالحديث، ومن منع حمل القضية على أن عُرْوَةَ كان وكيلاً مطلقاً من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيع أمواله إذا رأى المصلحة فيه، ولكن في هذا التأويل بحث لأنه إن كان قد وَكَّلَهُ في بيع أمواله لا يدخل فيه ما لم يملكه من بعد، وإن قبل وكله في بيع أمواله وما سيملكه وقع في الخلاف المذكور في التوكيل ببيع ما سيملكه، إلاَّ أن يقال ذلك الخلاف فيما إذا

الجزء: 5 - الصفحة: 242

خصص بيع ما سيملكه بالتوكيل، أما إذا حصل تابعاً لأمواله الموجودة في الحال، فيجوز، وهذا كما أنه لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي لا يجوز، ولو قال: على أولادي، ومن سيولد لي جاز.

فرع

لو قال: بع عبدي بمائة درهم، فباعه بمائة 64، وعبد أو ثوب يساوي مائة درهم، فعن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه على قولين بالترتيب على مسألة الشاتين، وأولى بالمنع, لأنه عدل عن الجنس الذي أمره بالبيع به، إن منع فيمتنع في القدر الذي يقابل غير الجنس، وهو النصف أم في الجميع كيلا تتفرق الصفقة؟ فيه قولان: إن قلنا: في ذلك القدر خاصة ففي "التتمة" أنه لا خيار للبائع, لأنه إذا رضي ببيع الجميع بالمائة كان أرضى ببيع النصف بها، وأما المشتري إن لم يعلم كونه وكيلاً بالبيع بالدراهم، فله الخيار فإن علمه، فوجهان لشروعه في العقد مع العلم بأن بعض المعقود عليه لا يسلم له 65. قال الغزالي: السَّادِسَةُ الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ لاَ يقرُّ عَلَى مُوَكِّلِهِ لاَ يُصَالَحُ، وَلاَ يُبْرِيءُ الوَكِيلُ بِالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ عَلَى خَمْرٍ إِذَا فَعَلَ حصل العَفْوُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ المُوَكِّلُ، وَلَوْ صَالَحَ عَلَى خِنْزِيرِ فَفِيهِ تَرَدُدٌ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الفَاسِدِ لاَ يَسْتَفِيدُ بِهِ الصَّحِيحُ فلاَ مَعْنَى لِوِكَالَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالخُصُومَةِ أَنْ يَشْهَدَ لِمُوكِلِهِ إِلا إِذا عُزِلَ قَبْلَ الخَوْضِ في الخُصُومَةِ ثُمَ شَهِدَ، وَإِنْ كانَ قَدْ خَاضَ لَمْ يُقْبَلْ لأنهُ مُتَّهَمٌ بِتَصْدِيقِ نَفْسِهِ، وإِذَا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بالخُصُومَةِ فَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ الاسْتِبْدادُ؟ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في أول هذه الصورة، وآخرها مسائل تتعلق بالتوكيل بالخصومة، وفي خلالها ما لا يتعلق بالخصومة، ونحن نستوفي ما يتعلق بالخصومة، ثم نذكر المدرج في مسائلها أما ما يتعلق بالخصومة، فثلاث مسائل.
إحداها: الوكيل بالخصومة من جهة المدعي يدعي، ويقيم البينة، ويسعى في تعديلها، ويحلف، ويطلب الحكم والقضاء، ويفعل ما يقع وسيلة إلى الإثبات، والوكيل بالخصومة من جهة المدعى عليه ينكر، ويطعن في الشهود، ويسعى في الدفع بما يمكنه، ولو أقر وكيل المدعي بالقبض، أو الإبراء أو قبول الحوالة، أو المصالحة على

الجزء: 5 - الصفحة: 243

مال، أو بأن الحق مؤجل، أو أقر وكيل المدعى عليه بالحق المدعي لم يقبل، سواء أقر في مجلس الحكم، أو غيره، وبهذا قال أَحْمَدُ وقال أبُو حَنِيفَةَ: تقبل إذا أقر في مجلس الحكم وسلم أنه لا يقبل في دعوى النكاح، والطلاق، والقصاص، والعفو.
القياس على ما سلمه وأيضاً فإنه لا يصالح، ولا يبرئ, لأن اسم الخصومة لا يتناولها، فكذلك الإقرار، ثم وكيل المدعي إذا أقر بالقبض، أو الإبراء انعزل عن الوكالة، وإن لم يلزم إقراره الموكل، وكذلك وكيل المدعى عليه إذا أقر بالحق؛ لأنه بعد الإقرار ظالم في الخصومة بزعمه، وأطلق القاضي ابْنُ كَجٍّ وجهين في أنه هل تبطل وكالته بالإقرار، وهل يشترط في التوكيل بالخصومة بيان ما فيه الخصومة من دم أو مال عين أو دين أرش جناية أو بدل مال، حكى العبادي فيه وجهين كالوجهين في بيان من يخاصم معه (1).

فرع

نقل في "النهاية" أن الوكيل بالخصومة من جهة المدعى عليه لا يقبل منه تعديل بينة المدعي؛ لأنه كالأقرار في كونه قاطعاً للخصومة، وليس للوكيل قطع الخصومة بالاختيار.
وقال المصنف في "الوسيط": لا شك أن تعديله وحده لا ينزل منه منزلة قرار الموكل بعد التهم، لكن رده مطلقاً بعيد؛ لأن التعديل غير مستفاد من الوكالة، إلا أن يوجه بأنه بالتعديل مقصر في الوكالة، وتارك حق النصح.
الثانية: تقبل شهادة الوكيل على موكله، ولموكله في غير ما هو وكيل فيه، كما لو شهد له بعبد، وقد وكله ببيع دار، وإن شهد فيما هو وكيل فيه، نظر إن كان ذلك قبل العزل لم تقبل؛ لا يثبت لنفسه محل ولاية التصرف، وإن كان بعده، فإن كان قد خاصم فيه لم تقبل أيضاً؛ لأنه متهم بتمشية قوله، واظهار الصدق، وإن لم يخاصم فوجهان: أحدهما: لا يقبل، كما لو شهد قبل العزل.
وأصحهما: ويحكى عن أَبِى حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى: أنه تقبل؛ لأنه ما انتصب خصماً، ولا يثبت لنفسه حقَّاً، فأشبه ما لو شهد قبل التوكيل، هذه هي الطريقة المشهورة.
وقال الإمام رحمة الله تعالى: قياس المراوزة أنه يعكس، فيقال: إن لم يخاصم66

الجزء: 5 - الصفحة: 244

تقبل شهادته، وإن كان قد خاصم، فوجهان، ورأى هذا التفصيل فيما إذا جرى الأمر على تواصل، فأما إذا طال الفصل، فالوجه القطع بقبول الشهادة مع احتمال فيه، ويجوز أن يعلّم لما ذكرنا قوله في الكتاب: "ثم يشهد" بالواو وكذا قوله: "وإن كان قد خاض ... " إلى آخره في حكم المكرر؛ لإن فيما قبله ما يغني عنه.
الثالثة: لو وكل رجلين بالخصومة، ولم يصرح باستقلال كل واحد منهما، فأصح الوجهين: أن كل واحد منهما لا يستقل بها، بل يتساويان ويتناصران، كما لو وكل رجلين ببيع، أو طلاق، أو غيرهما أو وصى إلى رجلين.
والثاني: أن لكل واحد منهما الاستقلال لعسر الاجتماع على الخصومة، ويقرب منهما بحفظه، بل يحفظانه في حرز بينهما، وعلى الثاني ينفرد به كل منهما الوجهان فيما إذا وكَّل رجلين بحفظ متاع، فعلى الأصح لا ينفرد واحد منهما فإن قبل القسمة قُسِمَ ليحفظ كل واحد منهما بعضه واعلم أنه إذا ادعى عند القاضي أنه وكيل فلان في خصومة فلان، فإن كان المقصود بالخصومة حاضراً وصدقه ثبتت الوكالة، وله مخاصمته، وإن كذبه، فأقام البينة على الوكالة ولا يحتاج إلى أن يدعي حقَّا لموكله على الخصم، وعند أبي حنيفة لا تسمع البينة على الوكالة حتى يدعي عليه حقَّا لموكله فينكر، وإن كان غائباً، وأقام المدعي البينة على الوكالة سمعها القاضي، واتبعها, ولا يعتبر حضور المقصود بالخصومة في إثبات الوكالة، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث قال: لا تسمع البينة، إلاَّ في وجه الخصم.
قال الإمام رحمة الله تعالى: هو بناء على امتناع القضاء على الغائب (1)، ثم حكى عن القاضي الحُسَيْنِ أنه لا بد وأن ينصب القاضي مسخراً (2) ينوب عن الغائب، ليقيم المدعي البينة في وجهه، ثم استبعدوه، وقال: لا أعرف لهذا أصلاً، مع ما فيه من مخالفة الأصحاب، وحكى أيضاً عنه أن القضاة اصطلحوا على أن مَنْ وكل في مجلس القاضي وكيلاً بالخصومة يختص التوكيل بالخصومة في ذلك المجلس.
وقال الإمام رحمه الله تعالى: والذي نعرفه للأصحاب بأنه يخاصمه في ذلك المجلس، وبعده، ولا يعرف للقضاة العرف الذي ادعاه.

فرع

وكل رجلاً عند القاضي بالخصومة عنه، وطلب حقوقه، فللوكيل أن يخاصم عنه6768

الجزء: 5 - الصفحة: 245

ما دام حاضراً اعتماداً على العيان، فإذا غاب وأراد الوكيل الخصومة عنه، بناء على اسم وسبب يذكره، فلا بد من إقامة البينة، على أن فلان بن فلان وكله أو على أن الذي وكله هو فلان ابن فلان كذا ذكره أصحابنا العراقيون، والشيخ أَبُو عَاصِمٍ العَبَّادِيُّ، وعبارة العَبَّادِيِّ أنه لا بد، وأن يعرف الموكل شاهدان يعرفهما القاضي، ويثق بهما ذكره في مختصر صنعه في "أدب القضاة"، ووراء ذلك شيئان: أحدهما: روى الإمام رحمه الله تعالى عن القاضي الحسين أن الحكام عادتهم التساهل في هذه البينة بالعدالة الظاهرة، وترك البحث والاستزكاء تسهيلاً على الغرماء.
والثاني: قال القاضي أبو سعد بن أبي يوسف في شرح "مختصرالعبادي": يمكن أن يكتفي بمعرِّف واحد إذا كان موثوقاً به، كما ذكر الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ أن تعريف المرأة في تحمل الشهادة عليها يحصل بمعِّرف واحد؛ لأنه إخبار وليس بشهادة.
69 وأما ما أدرجه في خلال مسائل الخصومة فمسألتان: إحداهما: لو وكله في الصُّلْح عن الدم على خمر، ففعل حصل العفو، كما لو فعله الموكل بنفسه وهذا لأن الصُّلْح على الخمر، وإن كان فاسداً فيما يتعلق بالعوض، ولكنه صحيح فيما يتعلق بالقصاص، فيصح التوكيل فيما لو فعله بنفسه ليصح، لا أن نصحح التوكيل في العقد الفاسد، ولو وكله بالصلح عن القصاص على خمر، فصالح على خنزير، ففيه جوابان عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أشبههما: أنه لغو ويبقى القصاص على ما كان؛ لأنه مستبدّ بما فعل غير موافق لأمر الموكل.
والثاني: أنه كما لو عفا على خمر, لأن الوكالة بالصلح ثابتة، والخمر لا تثبت، وإن ذكرت، وإِنما تثبت الدية فلا فرق فيما يصح، ويثبت بين أن يذكر الخمر، أو الخنزير، وعلى هذا لو صالح على ما يصلح عوضاً أو على الدية نفسها يجوز، ولا خلاف في أنه لو أجرى هذا الاختلاف بين الموجب والقابل في المصالحة يلغو لعدم انتظام الخطاب والجواب، ولو وكله بأن يخالع زوجته على خمر، فخالع على خمر، أو خنزير، فعلى ما ذكرنا في الصُّلْح عن الدم.

الجزء: 5 - الصفحة: 246

الثانية: لو وكله ببيع أو شراء فاسد، مثل أن يقول: بيع أو اشتر إلى وقت العطاء، أو قدوم زيد لم يملك الوكيل العقد الصحيح؛ لأن الموكل ما أذن فيه، ولا الفاسد لأن الشرع ما أذن فيه.
وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يملك الصحيح والله أعلم.
قال الغزالي: السَّابِعَةُ إِذَا سَلَّمَ إِلَيهِ أَلْفَاً وَقَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهِ شَيْئًا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَقَعْ عَنِ المُوَكِّلِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّم الألْفَ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لو سلَّم إليه ألفاً، وقال: اشْتَرِ كذا بعينه، فاشترى في الذمة لينقد ما سلمه إليه في ثمنه، لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ لو تلف ما سلمه إليه، وقد لا يريد لزوم ألف آخر، والوكيل أتى لعقد لا ينفسخ لو تلف ما سلم إليه، ويلزم الرد ولو قال: اشتر في الذمة، وسلم هذا في ثمنه، فاشترى بعينه، فوجهان: أحدهما: أنه يصح للموكل؛ لأنه زاد خيراً حيث عقد على وجه لو تلف المسلم إليه لم يلزمه شي آخر.
واصحهما: المنع, لأنه ربما يريد حصول ذلك المبيع لو سلم ما يسلمه إليه أو تلف، ولو سلمه إليه، وقال: اشتر كذا, ولم يقل بعينه، ولا قال: في الذمة فوجهان: أحدهما: أنه كما لو قال: اشتر بعينه, لأن قرينة التسليم تشعر به.
وأظهرهما: أن الوكيل يتخير بين أنْ يشتري بعينه، أو في الذمة؛ لأنه على التقديرين يكون إتياناً بالمأمور، ويجوز أن يكون غرضه من تسليمه إليه مجرد انصرافه إلى ثمن ذلك الشيء.
70 قال الغزالي: ثُمَّ الوَكِيلُ مَهْمَا خَالَفَ فِي البَيْعِ بَطَلَ تَصَرُّفُهُ، ومَهْمَا خَالَفَ فِي الشِّرَاءِ بِعَينِ مَالِ المُوَكِّلِ فَكَمِثْلِ، فَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ عَنِ الوَكِيلِ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِالإِضَافَةِ إِلِيَ المُوَكِّلِ فَفِي وُقوعِهِ عَنِ الوَكِيلِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لما تكلم فيما أراد من صور مخالفة الوكيل الموكل، وموافقته بين حكم البيع، والشراء إذا وقعا مخالفين لأمر الموكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 247

أما البيع فهذا قال: بع هذا العبد، فباع عبداً آخر، فهو باطل؛ لأن المالك لم يَرْضَ بإزالة ملكه عنه.
وأما الشراء، فإن وقع بعين مال الموكل، فهو كالبيع، أو اشترى في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل، فهو واقع عن الوكيل؛ لأن الخطاب صار معه، وإنما ينصرف إلى الموكل بشرط كونه مرافقاً لإذنه وإذا لم يوافق لغت النية، وكان كأجنبي يشتري لغيره في الذمة، وهذا كله جواب على الجديد في منع وقف العقود وإلغاء تصرُّف الفضولي أما على القديم، فسبيل الوكيل فيه سبيل الأجانب ويتوقف الشراء في الذمة على إجازته إن شاء وقع عنه، وإلاَّ فعن الوكيل، وكذا القول في مخالفة الموكل في البيع، على ما ذكرنا في أول البيع وكذا الشراء بعين ماله والبيع ينعقدان موقوفين على ذلك القول، فيجوز أن يعلم قوله: "وقع عن الوكيل" وقوله: "بطل تصرفه" بالواو وكذلك القول، وإن سمي الموكل فوجهان: أحدهما: أنه يبطل العقد رأساً؛ لأنه صرح بإضافته إلى الموكل، وامتنع إيقاعه عنه فيلغو.
وأظهرهما: أنه يقع عن الوكيل، وتلغو تسمية الموكل، وهذا لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه، ولم يمكن صرف العقد إليه، صار كأنه لم يسمه، هذا فيما إذا قال البائع: بعت منك، فقال المشتري: اشتريته لفلان، يعني موكله.
فأما إذا قال البائع: بعت من فلان -يعني موكله- وقال المشتري: اشتريته لفلان -يعني موكله- فظاهر المذهب بطلان العقد؛ لأنه لم تجر بينهما مخاطبة، يفارق النكاح، حيث يقع من الزوج، ووكيل الزوج على هذه الصيغة، بل لا يجوز إلا كذلك؛ لأن للبيع أحكاماً تتعلق بمجلس العقد، كالخيار وغيره، وتلك الأحكام إنما يمكن الاعتبار فيها بالمتعاقدين، والنكاح سفارة مخضة.

فرع

: من فتاوى القَفَّال: إن وكيل المتهب بالقبول يجب أن يسمى موكله، وإلاّ وقع عنه لجريان الخطاب معه، ولا ينصرف بالنية إلى الموكل؛ لأن الواهب قد يقصده بالتبرع بعينه.
وما لكل أحد تسمع النفس بالتبرع عليه 71، ويخالف الشراء؛ فإن المقصود فيه حصول العوض، والله أعلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 248

قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّانِي: للِوَكَالَةِ العهدة فِي حَقِّ الوَكِيلِ، وَيَدُهُ يَدُ أَمَانة فِي حَقِّ المُوَكِّلِ حَتَّى لاَ يَضْمَنَ سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلاً بِجُعْلِ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلِ، ثُمَّ إِنْ سَلَّمَ إِلَيهِ الثَّمَنَ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مَهْمَا وُكِّلَ بِالشِّراءِ، وإِنْ لَمْ يسَلِّمِ الثَّمَنَ وأَنْكَرَ البَائِعُ كَوْنَهُ وَكِيلاً طَالَبَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فَفِيِهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَالظَّاهِرُ: أنَّهُ يُطَالِبُهُ به دُونَ المُوَكِّلِ، وَفِي الثَّانِي: يُطَالَبُ المُوَكِّلُ دُونَهُ، وفِي الثَّالِثِ: يُطَالِبُهُمَا، ثُمَّ إِنْ طُولِبَ الوَكِيلُ، فالصحيح رجوعه على الموكل وَكَذَلِكَ لَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ في يَدِهِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مَا اشْتَرَاهُ مُسْتَحِقَّاً، فَالمُسْتَحِقُّ يُطَالِبُ البَائِعَ، وَفِي مُطَالَبَتِهِ الوَكِيلَ وَالمُوَكِّلَ هَذِهِ الأَوْجُهُ، وكَذَا الوَكيلُ بِالبَيْعِ إِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَتَلَفَ في يَدِهِ فَخَرَجَ المبيع مستحقاً فرجع المُشْتَرِي بالثَّمَنِ عَلَى الوَكِيلِ أَوْ عَلَى المُوَكِّلِ فَفيهِ هَذَا الخِلاَفُ.
قال الرافعي: ترجم الحكم بالعهدة، ولكنه قدم على السلام من العهدة أصلاً آخر، جعله من "الوسيط" حكماً برأسه، واشتمل الحكم على مقصودين: أحدهما: أن يد الوكيل يد أمانة، فلو تلف المال من يده من غير تعدّ منه، فلا ضمان عليه، سواء كان وكيلاً بجُعل، أو بغير جعل، وإن تعدى فيه، كأن ركب الدابة أو ليس الثوب ضمن، وهل ينعزل عن الوكالة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها أمانة، فترتفع بالتعدي كالوديعة.
وأصحهما: لا، وبه قطع بعضهم؛ لأن الوكالة أمانة، وإذن في التصرف والأمانة حكم يترتب عليه، فلا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلان أصل العقد، وهذا كما أن الرَّهْن لها كان المقصود منه التوثيق، ومن حكمه الأمانة لا يلزم من ارتفاع حكم الأمانة فيه بطلان أصل الرَّهْن، وتخالف الوديعة، فإنها ائتمان محض، فلا تبقى مع التعدي، فعلى هذا يصح تصرفه وإذا باع وسلم زال عنه الضمان؛ لأنه أخرجه من يده بإذن المالك، وهل يزول الضمان بمجرد البيع فيه وجهان: أحدهما نعم لزوال ملك الموكل بالبيع.
وأصحهما: لا؛ لأنه ربما يرتفع العقد بتلفه قبل قبض المشتري، فيكون التلف على ملك الموكل، والثمن الذي يقبضه لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعدَّ فيه، ولو رد المشتري البيع عليه بعيب عاد الضمان، ولو دفع إلى وكيله دراهم ليشتري بها طعاماً مثلاً، فتصرف فيها على أن تكون قرضاً عليه صار ضامناً، وليس له أن يشتري للموكل بدراهم نفسه ولا في الذمة، ولو فعل كان ما اشتراه له دون الموكل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يكون للموكل، ولو عادت الدراهم التي أنفقها

الجزء: 5 - الصفحة: 249

إلى يده، فأراد أن يشتري بها للموكل، فهو على الخلاف المذكور في أن الوكيل هل ينعزل بالتعدي؟.
الأصح: أنه لا ينعزل، ولا يكون ما اشتراه مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعدَّ فيه، ولو رد ما اشتراه بعينه، واسترد الثمن عاد مضموناً عليه، ومتى طالب الموكل برد ماله، فعليه أن يخلي بينه وبينه، فإن امتنع، صار ضامناً كالمودع المقصود.
الثاني: الكلام في العهدة، ونقدم عليه أصلين: أحدهما: أن الوكيل بالشراء إذا اشترى لموكله ما وكله بشرائه، فالمِلْكُ يثبت للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل أم يثبت للموكل ابتداء؟ فيه وجهان لابن سُرَيْجٍ: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه يثبت للوكيل أولاً، ثم ينتقل إلى الموكل؛ لأن الخطاب جرى معه، وأحكام العقد تتعلّق به.
وأصحهما: أنه يثبت للموكل ابتداء، كما لو اشترى الأب للطفل يثبت الملك للطفل ابتداء، ولأنه لو ثبت للوكيل لعتق عليه أبواه إذا اشتراه لموكله، ولا يعتق.
الأصل الثاني: أن أحكام العقد في البيع والشراء تتعلق بالوكيل، دون الموكل حيث يعتبر رؤية الوكيل دون الموكل، ويلزم بمفارقة الوكيل مجلس العقد، ولا يلزم بمفارقة الموكل، إن كان حاضرًا، وتسليم رأس المال في السلم والتقابض، حيث يشترط التقابض يعتبران قبل مفارقة الوكيل، والفسخ بخيار المجلس، وخيار الرؤية إن أثبتناه ثبت للوكيل دون الموكل، حتى لو أراد الموكل الإجازة كان للوكيل أن يفسخ، كذا ذكره في "التتمة"، وفرق بينه وبين خيار العيب، حيث قلنا: لا رد للوكيل إذا رضي الموكل بما لا يكاد تسكن النفس إليه.
إذا تقرر ذلك، في الفصل مسائل: إحداها: إذا اشترى الوكيل بثمن معين نظر إن كان في يده طالبه البائع به، وإلاَّ فلا، وإذا اشترى في الذمة، فإن كان للموكل قد سلم إليه ما يصرفه إلى الثمن طالبه البائع، وإن لم يسلم، نظر إن انكر كونه وكيلاً، أو قال: لا أدري، هل هو وكيل طالبه به، وإن اعترف بوكالته فمن الذي يطالبه البائع بالثمن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المطالب الوكيل لا غير؛ لأن أحكام العقد تتعلق به والإلتزام وجد منه.
والثاني: أن المطالب الموكل لا غير؛ لأن العقد له والوكيل سفير ومعبر.
والثالث: أنه يطالب من شاء منهما نظراً إن المعينين، وهذا أظهر عند صاحب "التهذيب"، والإمام وغيرهما، وإن يرجح صاحب الكتاب الأول.

الجزء: 5 - الصفحة: 250

التفريع: إن قلنا بالأول، فهل للوكيل مطالبة الموكل قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، لأن بعضهم قال يثيبت الثمن للبائع على الوكيل، وللوكيل مثله على الموكل بناء على أن الوكيل يثبت له الملك، ثم ينتقل إلى الموكل، فعلى هذا للوكيل مطالبته بما ثبت له، وإن لم يؤدّ ما عليه.
وقال آخرون: ينزل الوكيل منزلة المحال عليه، الذي لا دين عليه، فعلى هذا ففي رجوعه قبل الغرم وجهان كالمحال عليه والأصح المنع، وإِذا غرم الوكيل للبائع، فقياس تنزيله منزلة المحال عليه الذي لا دين عليه، خلاف المذكور هناك في أنه هل يشترط في الرجوع كون الأداء بالإذن وشرط الرجوع؟ وذكر في "النهاية" أن المذهب القطع بالرجوع وإلاَّ لخرج المبيع عن أن يكون مملوكاً للموكل بالعوض، وفي ذلك تغيير لوضع العقد.
وإن قلنا بالوجه الثالث، فالوكيل كالضمامن، والموكل كالمضمون عنه فيرجع الوكيل إذا غرم، والقول في اعتبار شرط الرجوع، وفي أنه هل يطالبه بتخليصه قبل الغرم، كما سبق في "الضمان".
وحكى الإمام أن ابن سُرَيْجٍ فرع على الخلاف في المسألة، فقال: لو سلم دراهم إلى الوكيل ليصرفها إلى الثمن الملتزم في الذمة ففعل ثم ردها البائع عليه بعيب.
فإن قلنا بالوجه الثاني والثالث، فعلى الوكيل رد تلك الدراهم بأعيانها إلى الموكل، وليس له إمساكها وإبدالها.
وإن قلنا بالوجه الأول، فله ذلك؛ لأن ما دفعه إليه على هذا الوجه، كأنه أقرضه منه لتبرأ ذمته، فإذا عاد إليه، فهو ملكه، وللمستقرض إمساك ما استقرضه، ورد مثله فهو ملكه، ولك أن تقول: لا خلاف أن للوكيل أن يرجع على الموكل في الجملة، وإنما الكلام في أنه متى يرجع؟ وبأي شيء يرجع؟ وإذا كان كذلك، فيتجه أن يكون تسليم الدراهم دفعاً له، وبه التراجع لا إقراضاً.
المسألة الثانية: للوكيل بالبيع إذا قبض الثمن، إِما بإذن صريح، أو بالإذن في البيع على رأي، وتلف المقبوض في يده، وخرج المبيع مستحقّاً، والمشتري معترفٌ بالوكالة، فحق رجوعه بالثمن يكون على الوكيل؛ لأنه الذي يتولى القبض، وحصل التلف في يده، أو على الموكل؛ لأن الوكيل سفير، ويده يده أو على من شاء منهما فيه الأوجه الثلاثة السابقة.
فإن قلنا: حق الرجوع على الموكل، فإذا غرم لم يرجع على الوكيل، وكذا إذا جعلناه على الوكيل، فغرم لا يرجع على الموكل قاله الإمام.

الجزء: 5 - الصفحة: 251

وإن قلنا: يرجع على مَنْ شاء منهما فثلاثة أوجه: أشهرها: أنه إن غرم الموكل لم يرجع على الوكيل، وإن غرم الوكيل رجع على الموكل, لأن الموكل قد غر الوكيل، والمغرور يرجع على الغَارّ دون العكس.
والثاني: أن واحداً منهما لا يرجع على الآخر، أما الموكل فلأنه غارم، وأما الوكيل فلحصول التلف في يده.
الثالث: أن الموكل يرجع على الوكيل، دون العكس لحصول التلف في يد الوكيل، والذي يعني به من هذه الأختلافات أن المشتري يغرم من شاء منهما، والقرار على الموكل، ولذلك اقتصرنا على هذا الجواب في عزل الراهن، وإن كان يطرد فيه الخلاف.
الثالثة: وهي مقدمة على الثانية في الكتاب: الوكيل بالشراء إذا قبض المبيع، وتلف في يده، ثم تبين أنه كان مستحقاً لغير البائع، فللمستحق مطالبة البائع بقيمة المبيع، أو مثله لأنه غاصب، ومن يده خرج المال، وفي مطالبة الوكيل، والموكل الأوجه الثلاثة.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وألا قيس في المسألتين أنه لا رجوع له إِلا على الوكيل لحصول التلف عنده، ولأنه إذا ظهر الاستحقاق بانَ فساد العقد، وصار الوكيل قابضاً ملك الغير، بغير حق، ويجرى الخلاف في القرار في هذه الصورة أيضاً.
الرابعة: ولم يذكرها في الكتاب: الوكيل بالبيع إذا باع بثمن في الذمة، واستوفاه ودفعه إلى الموكل، فخرج مستحقّاً أو معيباً، ورده فللموكل أن يطالب المشتري بالثمن، وله أن يغرم الوكيل, لأنه مسلماً للمبيع قبل أخذ عوضه، وفيما يغرمه وجهان.
أحدهما: قيمة العين؛ لأنه فوت عليه العين.
والثاني: لأن حقه انتقل من العين إلى الثمن بالبيع، فإن قلنا بالأول، فإذا أخذ منه القيمة طالب الوكيل المشتري بالثمن، فإذا أخذه دفعه إلى الموكل، واسترد القيمة والله أعلم.
الخامسة: دفع إليه دراهم ليشتري له بعينها عبداً، ففعل، وتلف في يده قبل التسليم انفسخ البيع، ولا شئ على الوكيل، وإِن تلف قبل الشراء ارتفعت الوكالة، ولو قال: اشتر في الذمة، واصرفها إلى الثمن الملتزم، فتلف في يد الوكيل بعد الشراء لم ينفسخ العقد، لكنه ينقلب إلى الوكيل، ويلزمه الثمن، أو يبقى للموكل، وعليه أن يأتى بمثلها فيه وجهان: قال القَفَّالُ: ووجه ثالث يحتمل، وهو أن يعرض الحال على الموكل، فإن رغب

الجزء: 5 - الصفحة: 252

فيه، وأتى بمثل تلك الدراهم، فالشراء له، وإِلاَّ وقع للوكيل، وعليه الثمن، ولو تلف قبل الشراء لم ينعزل، فإن اشترى للموكل فهل يقع له أم للوكيل؟ فيه الوجهان: (1) وقوله في الكتاب: "فالصيحح رجوعه به على الموكل" ليس الوجه الآخر أنه لا يرجع أصلاً، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الرجوع بشرط الرجوع، وكون الأداء بالإذن كما تَقَدّم؟ وقوله: "لو تلف الثمن في يده بعد أن خرج ما اشتراه" الجمع بين اللفظين موحش، فالوجه أن تطرح لفظة "ما اشتراه".

فرع

إذا اشترى الوكيل شراءً فاسداً وقبض وتلف المبيع، إما في يده، أو بعد تسليمه إلى الموكل فلمالك مطالبته بالضمان، ثم هو يرجع على الموكل، ولو أرسل رسولاً ليستقرض له فاستقرض، فهو وكيل كوكيل، وفي مطالبته المشتري ما في مطالبة وكيل المشترى بالثمن، والظاهر أنه يطالب، ثم إذا غرم رجع على الموكل.
قال الغزالي: الحُكْمُ الثَّاِلثُ: للوَكَاَلةِ الجَوَازُ مِنَ الجَاِنبَيْن فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ المُوَكّل إيَّاهُ فيِ حَضْرَتِهِ، وَكَذَا فيِ غَيْبَتِهِ (ح) قَبْلَ بُلُوغِ الخَبَرِ فيِ أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، كَمَا يَنْعَزِلُ بِبيعِ المُوكَلِّ وَإِعْتَاقِهِ، وَيَنْعَزِلُ بَعْزلِ نَفْسِهِ، وَبَردَّهِ الوَكَالَةَ، وَجُحُودُهُ مَعَ العِلْم رَدٌّ لَهَا، وَمَعَ الجَهْلِ أَوْ لِغَرضَ فيِ الإِخْفَاءِ لَيْسَ بَرِدٍّ، وَينْعزِلُ بِخُرُوجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرّفُ كَالَموْتِ والجُنُونِ، وَكَذَا الإغْمَاءُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَفيِ انْعِزَالِ العِبْدِ بِالَعتْقِ وَالكتَابَةِ وَالَبَيْعِ خِلاَفٌ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإسْتِخْدامِ، وَالأَمْرُ فيِ حَقِّهِ مِنَزَّلٌ عَلَى الخِدْمَةِ.
قال الرافعي: الوكالة جائزة من جانب الموكل والوكيل جميعاً؛ لأنها إذن وإنابة، وقد يبدو للموكل في الأمر الذي أناب فيه، أو في نيابة ذلك الشخص، وقد لا يتفرغ له الوكيل، فالإلزام يصير بهما جميعاً، ولارتفاعهما أسباب.
فمنها: أن يعزله الموكل في حضرته، إما بلفظ العزل، أو بأن يقول: رفعت الوكالة أو فسختها وأبطلتها، أو أخرجته عنها فينعزل سواء ابتدأ بالتوكيل، أو وكل بمسألة الخصم، كما إذا سألت المرأة زوجها أن يوكل بالطلاق، أو الخلع، أو المرتهن72

الجزء: 5 - الصفحة: 253

الراهن أن يوكل ببيع الرَّهْن، أو الخصم الخصم أن يوكل في الخصومة، ففعل المسؤول التوكيل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا كان التوكيل بمسألة الخصم لم ينعزل، وإن عزله في غيبته، ففي انعزاله قبل بلوغ الخبر إليه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا ينعزل، كما أن القاضي لا ينعزل ما لم يبلغه الخبر، وحكم الفسخ لا يلزم المكلفين قبل بلوغ الخبر، ولأن تنفيذ العزل قبل بلوغ الخبر إليه يسقط الثقة بتصرفه.
وأصحهما: الإنعزالِ؛ لأنه رفع عقد لا يحتاج فيه إلى الرضا، فلا يحتاج إلى العلم كالطلاق، ولأنه لو جن الموكل إنعزل الوكيل، وإن لم يبلغه الخبر، وكذا لو وكله ببيع عبد، أو إعتاقه، ثم باعه الموكل، أو أعتقه نفذ تصرفه، وانعزل الوكيل، وإن لم يشعر بالحال ضمناً لنفوذ تصرنه وإذا لم يعتبر بلوغ الخبر في العزل الضمني، ففي صريح العزل أولى.
وأما انعزال القاضي، فمنهم من طرد الخلاف فيه، وعلى التسليم، وهو الظاهر، فالفرق تعلق المصالح الكلية بعمله.
وأما الفسخ، فلا فرق بينه وبين ما نحن فيه؛ لأن حكم الفسخ، إما إيجاب امتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فيما يرجع إلى الإيجاب والإلزام، ولا يثبت قبل العلم لاستحالة التكليف بغير المعلوم، وهذا النوع لا يثبت في الوكالة أصلاً ورأساً؛ لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال.
وأما النوع الثاني، فهو ثابت هناك أيضاً قبل العلم حتى يلزمه القضاء، ولا تبرأ ذمته بالأول.
وعن أحْمَدَ روايتان كالقولين.
وعن أصحاب مالك اختلاف في المسألة.
فإن قلنا: لا ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، فالمعتبر أخبار مَنْ تُقْبَلُ روايته، دون الصبي والفاسق.
وإذا قلنا بالانعزال أن يشهد الموكل على العزل؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل: كنت قد عزلته غير مقبول.
ومنها: إذا قال الوكيل: عزلت نفسى أو أخرجتها عن الوكالة أو رددت الوكالة انعزل.
وقال بعض المتأخرين: إن كانت صيغة التوكيل "بع" أو "أعتق" ونحوهما من صيغ الأمر لم ينعزل برد الوكالة، وعزله نفسه؛ لأن ذلك إذن وإباحة، فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره لا يرتد برد المباح له.
وقد أورد الإمام -رحمه الله تعالى- هذا الكلام على سبيل الاحتمال، ولا يشترط

الجزء: 5 - الصفحة: 254

في انعزال الوكيل بعزله نفسه حضور الموكل، خلافاً لأبي حنيفة.
ومنها: ينعزل الوكيل بخروجه، أو خروج الموكل عن أهليّة تملك التصرفات بالموت، أو بالجنون، وفي الجنون الذي يطرأُ أَو يزول عن قرب حكاية تردد عن صاحب "التقريب"، وضبط الإمام موضع التردد، بألاَّ يكون امتداده، بحيث تعطل المهمات ويحوج إلى نصب قوام، فليلتحق حينئذ بالإغماء، وفي الإغماء وجهان: أظهرهما: وبه قال في الكتاب: أنه كالجنون في اقتضاء الانعزال.
والثاني: وهو الأظهر عند الإمام -رحمه الله تعالى- وبه قال في "الوسيط": أنه لا يقتضي الانعزال، واحتج له بأن المغمى عليه لا يلتحق بمن تولى عليه، والمعتبر في الانعزال التحاق الوكيل، أو الموكل بمن يولى عليه، وفي معنى الجنون الحجر بالسفه، أو الفلس في كل تصرف لا ينفذ من السفيه والمفلس، وكذا لو طرأ الرِّقُّ بأن وَكَّلَ حربياً فاسترق.
ومنها: خروج محل التصرف عن ملك الموكل 73، كما إذا باع العبد الذي وكله ببيعه، وقد مر ذلك وإن وكَّلَهُ ببيع شيء آخر، ثم أجره.
قال في "التتمة": ينعزل الوكيل, لأن الإجارة إن منعت البيع لم يبق مالكاً للتصرف، وإن لم تمنعه، فهو علامة الندم؛ لأن من يريد البيع لا يؤاجر لقّلة الرغبات بسبب الإجارة، وكذا تزويج الجارية، وفي طحن الحِنْطَةِ الموكل ببيعها وجهان: وجه اقتضائه الانعزال بطلان اسم الحِنْطةِ وإشعاره بالإمساك، والعرض على البيع، وتوكيل وكيل آخر لا يقتضي الانعزال.
ومنها: لو وكل السيد عبده ببيع أو تصرف آخر، ثم أعتقه أو باعه، ففي انعزاله وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ مبنيان على أنه توكيل محقق، أو استخدام وأمر: إن قلنا بالأول ففي الإذن بحاله؛ لأنه صار أكمل حالاً مما كان.
وإن قلنا بالثاني ارتفع الإذن لزوال الملك، وعلى الثاني فلو قال العبد عزلت نفسي، فهو لغو.
وفصّل بعضهم، وقال: إنْ كانت الصيغة: وكلتك بكذا، بقي الإذن وإن أمره به ارتفع الإذن بالعتق، والبيع، وإن حكمنا ببقاء الإذن في صورة البيع، فعليه استئذان المشتري؛ لأن منافعه صارت مستحقة له، والكتابة كالبيع والإعتاق في جريان الوجهين،

الجزء: 5 - الصفحة: 255

ولو وكل عبد غيره بإذن المالك للعبد، فباعه مالكه، ففي ارتفاع الوكالة وجهان أيضاً.
وجه الارتفاع بطلان إذنه ملكه، وعلى الثاني يلزمه استئذان المشتري، ولو لم يستأذن في الصورتين بعد تصرفه لدوام الإذن، نفذ وإن ترك واجباً.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وفيه احتمال 74. بقي علينا مما في متن الكتاب مسألة غفلنا عنها إلى الآن، وهي أن الوكيل لو جحد الوكالة، وأنكرها هل يكون ذلك رداً للوكالة؟ روى في "الوسيط" فيها أوجها: أصحها، وهو المذكور في الكتاب: أنه إن كان لنسيان، أو غرض في الإخفاء لم يكن رداً وإن تعمد ولا غرض من الإخفاء فهو رد، ولم أعثر على المسألة في "النهاية"، ولكنه أورد قريباً من هذه الأَوجه في إنكار الموكل التوكيل هل يكون عزلاً أوْ لاَ 75. اعلم أن قولنا: إن الجواز من أحكام الوكالة يراد به الوكالة الخالية عن الجُعْل، فأما إذا شرط فيها جُعْلاً معلوماً، واجتمع شرائط الإجارة، وعقد العقد بصيغة الإجارة، فهو لازم، وإِن عقد بصيغة الوكالة، فيمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها، هذا شرح مسائل الكتاب، وبختمه بصور نوردها على الاختصار: لو وكل رجلاً بالبيع، فباع ورد عليه المبيع بعيب، أو أمره بشرط الخيار، فشرط ففسخ البيع لم يكن له بيعه ثانياً، خلافاً لأبي حنيفة رحمة الله تعالى، ولو قال: بيع نصيبي من كذا، أو أقسم مع شركائي، أو خذ بالشفعة، فأنكر الخَصْمُ ملكه، هل له الإثبات؟ يخرج على الوجهين في أن الوكيل بالاستيفاء، هل يثبت؟ ولو قال: بع واشترط الخيار، فباع مطلقاً لم يصح، ولو أمره بالبيع، وأطلق لم يكن للوكيل شرط الخيار للمشتري، وكذا ليس للوكيل بالشراء شرط الخيار للبائع، وفي شرطهما الخيار لنفسهما، أو للموكل وجهان 76، فإن إطلاق العقد يقتضي عقداً بلا

الجزء: 5 - الصفحة: 256

شرط، ولو أمره بشراء عبد، أو بيع عبد لم يكن له أن يعقد على بعضه لضرر التبعيض، ولو فرضت فيه غبطة، كما إذا أمره بشراء عبد بألف فاشترى نصفه بأربعمائة، ثم نصفه الآخر بأربعمائة، فكذلك، ولا ينقلب الكل إليه بعد انصراف العقد عنه، وفيه وجه ضعيف، ولو قال؛ اشتراه بهذا الثوب، فاشتراه بنصف الثوب صح؛ لأنه إذا رضي بزوال كل الثوب في مقابلته، فهو بزوال بعضه أشد رضا, ولو قال: بيع هؤلاء العبيد، واشْتَرِ لي خمسة أَعْبُدٍ، ووصفهم، فله الجمع والتفريق، إذ لا ضرر ولو قال: اشترهم صفقة واحدة لم يفرّق، ولو فرق لم يصح للموكل، ولو اشترى خمسة من مالكين لأحدهما ثلاثة، وللآخر اثنان دفعة واحدة، وصححنا مثل هذا العقد، ففي وقوع شرائهم عن الموكل وجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ يقع حملاً لكلامه على الأمر بتملكهم دفعة واحدة وأظهرهما: المنع؛ لأن إذا تعدد البائع لم تكن الصفة واحدة.
ولو قال؛ بع هؤلاء إلا عبُدَ الثلاثة بألف لم يبع واحداً منهم بما دون الألف لجواز ألاَّ يشتري الباقيان بالباقي من الالف، ولو باعه بألف صح، ثم هل يبيع الآخرين فيه وجهان: أصحهما: نعم، ولو قال: بع من عبيدي من شئت أبقى بعضهم، ولو واحداً.
ولو وكلَّه باستيفاء دينه على زيد، فمات زيد نظر إن قال: وكلتك في طلب حقي من زيد لم يطالب الورثة، وإن قال: بطلب حقي الذي على زيد طالبهم 77. ولو أمره بالبيع نسيئة، فباع لم يلزمه التقاضي بعد حلول الأجل، ولكن عليه بيان المعامل حتى لا يكون مضيعاً لحقه، وكذلك لو قال: ادفع هذا الذهب إلى صائغ فقال: دفعته، فطالبه الآمر ببيانه.
قال القَفَّالُ: عليه البيان، ولو امتنع كان متعدياً 78 حتى إذا بينه من بعد، وكان قد تلف في يد الصائغ يلزمه الضمان.
قال القَفَّالُ: والأصحاب كانوا يقولون: لا يلزمه البيان 79. ولو قال لغيره: بع عبدك من فلان بألف، وأنا أدفعه إليك، فباعه منه.

الجزء: 5 - الصفحة: 257

قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يستحق البائع الألف على الآمر، دون المشتري، فإِذا غرم الآمر رجع على المشتري 80، ولو قال لغيره: اشتر عبد فلان لي بثوبك هذا، أو بدراهمك، ففعل حصل الملك للأمر، ويرجع المأمور عليه بالقيمة، أو المثل.
وفيه وجه: أنه أذا لم يجر شرط الرجوع لا يرجع، ومتى قبض وكيل المشتري المبيع، وغرم الثمن من ماله لم يكن له حبس المبيع ليغرم الموكل له.
وفيه وجه: أن له الحبس، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بناء على أن الملك يحصل للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل، ولو وكله باستيفاء دينه من زيد، فقال زيد للوكيل: خذ هذه العشرة، وَاقْضِ بها ديني عن فلان، يعني موكله، فأخذها صار وكيل زيد في قضاء دينه حتى يجوز لزيد استردادها ما دامت في يد الوكيل، ولو تلف عنده بقي الدَّين بحاله.
ولو قال زيد: خذها عن الدين الذي تطالبني به لفلان، فأخذها كان قبضاً للموكل، وبرئت ذمة زيد، وليس له الاسترداد، ولو قال: خذها قضاء عن دين فلان، فهذا محتمل للوجهين جميعاً.

الجزء: 5 - الصفحة: 258

ولو تنازع الموكل وزيد، فالقول قول زيد مع يمينه 81. ولو دفع عشرة إلى رجل، وقال: تصدق بها على الفقراء، فتصدق بها، ونوى نفسه لغت نيته، وكانت الصدقة للآمر.
ولو وكل عبداً ليشتري له نفسه، أو مولى آخر من سيده.
ففي وجه: لا يجوز؛ لأن يده يد السيد، فأشبه مالوا وكل إنساناً ليشتري له من نفسه والأظهر الجواز، كما يجوز توكيله في الشراء من غير سيده، وعلى هذا فعن صاحب "التقريب" أنه يجب أن يصرح بذكر الموكل، فيقول: اشتريت نفسي منك لموكلي فلان، وإلا فقوله: اشتريت نفسي -صريح في اقتضاء العتق لا يندفع بمجرد النية.
ولو قال العبد لرجل: اشتر لي نفسي من سيدي، ففعل.
قال صاحب "التقريب": يجوز، ويشترط التصريح بالإضافة إلى العبد، فلو أطلق وقع الشراء للوكيل؛ إذ البائع لا يرضى بعقد يتضمن الإعتاق قبل توفير الثمن.
ولو قال لغيره: أسلم لي في كذا وأدِّ رأس المال من مالك، ثم ارجع عليَّ.
قال ابْنُ سُريْجٍ: يصح، ويكون رأس المال قرضاً على الآمر، وقيل: لا يصح؛ لأن الإقراض لا يتم إلاَّ بالإقباض ولم يوجد من المستقرض قبض 82. وإذا أبرأ وكيل المسلم المسلم إليه لم يلزم إبراؤه الموكل، لكن المسلم إليه لو قال: لا أعرفك وكيلاً، وإنما التزمت لك شيئاً فأبرأتني عنه نفذ في الظاهر، وتعطل بفعله حق المسلم، وفي وجوب الضمان عليه قولاً الغرم بالحيلولة.
والأظهر: وجوبه، لكن لا يغرم مثل المسلم فيه، ولا قيمته كيلا يكون اعتياضاً عن المسلم، وإنما يغرم له رأس المال وحكاه الإمام عن العراقيين، وشهد له الحَسَنُ، ورأيت في "تعليق الشيخ أَبي حَامِدٍ" أنه يغرم للموكل مثل المسلم فيه.
ولو قال: اشتر لي طعاماً بكذا، نص الشَّافعي -رضي الله عنه- أن يحمل على الحنطة اعتباراً بعرفهم.
قال القاضي الروياني: وعلى هذا لو كان "طبوستان" لم يجز التوكيل؛ لأنه لا عرف فيه لهذا اللفظ عندهم، فيكون التوكيل في مجهول.

الجزء: 5 - الصفحة: 259

ولو قال: وكلتك بإبراء غرمائي لم يملك الوكيل إبراء نفسه، فإن كان قد قال: وإن شئت تبرئ نفسك، فافعل، فعلى الخلاف السابق في أنه هل يجوز توكيل المديون بإبراء نفسه؟ ولو قال: فرّق ثلثي مالي على الفقراء، وإن شئت أن تضعه في نفسك، فافعل فعلى الخلاف فيما إذا أذن للوكيل في البيع من نفسه (1) والله اعلم.

البَابُ الثَّالِثُ في النِّزَاعِ

قال الغزالي: وَهُوَ في ثَلاثةِ مَوَاضِعَ: (الأَوَّلُ) في أَصْلِ الإِذْنِ وَصِفَتهِ وَقَدْرِهِ، وَالقَوْلُ فِيِهَ قَوْلُ المُوَكِّلِ، فَإِذَا اشْتَرَى جَارِيةً بِعِشْرِينَ فَقَالَ: مَاَ أَذِنْتُ إِلاَّ في الشِّراءِ بِعَشَرةً وَحَلَفَ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعِيْنِ مَالِ المُوَكِّلِ وَصَدّقَهُ البَائِعُ في أَنَّهُ وَكِيلٌ فَالَبَيْعُ بَاطِلٌ وَغَرَمَ الوَكِيلُ العِشْرِينَ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ في الذِّمَّةِ واعْتَرَفَ البَائِعُ بالوِكَاَلَةِ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ البَائِعُ الوكالة لَمْ يَقْبَلْ، فَإنْ أَنْكَرَ الَوكَاَلَةَ وَبَقَيِتِ الجَارِيةُ في يَدِ الوَكِيلِ فَلْيَتَلطَّفِ الحَاكِمُ بِالمُوَكِّلِ حَتى يَقُولَ لِلوكَيِلِ: بعْتُكَ بِعِشْرِيِنَ، فَإنْ قَالَ: إنْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكَ فَقَدْ بِعْتُكَ بَعِشْرِينَ صَحَّ عَلَىَ النَّصِّ، فَإِنِ امْتَنِعَ وَالوَكِيلُ صَادِقٌ في البَاطِنِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَحِلُّ لَهُ وَلاَ يَمْلِكُهَا، وَلكَنْ لَهُ بَيْعُهَا وَأَخْذُ العِشْرِينَ من ثَمَنِهَا لأَنَّهُ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهَ، وِمَنْ لَه الحَقُّ لاَ يَدَّعِي عَيْنَ المَالِ فَيُقْطَعُ بَجَوازِ أَخْذِهِ.
قال الرافعي: الاختلاف في الوِكَالَةِ:83

الجزء: 5 - الصفحة: 260

منها: أصل العقد، فهذا قال: وكلتني في كذا، فأنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن، ولو توافقا على أصل العقد، واختلفا في بعض الكيفيات، أو المقادير، كما إذا قال: وكلتني بيع كله، أو بيعه نسيئه، أو بشرائه بعشرين وقال الموكل: لا بل، بيع بعضه، أو بيعه نقداً أو بشرائه بعشرة، فالقول قول الموكل أيضاً؛ لأن الأصل عدم الإذن فيما يدعيه الوكيل، والموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه، ولأنه لما كان القول في أصل العقد قوله، وجب أن يكون في الصفة والمقدار كذلك، كما أن الزوجين إذا اخلتفا في عدد الطلاق كان القول فيه قول الزوج؛ لأنهما لو اختلفا في أصله كان القول فيه قوله، وفرقوا بينه وبين ما إذاَ قطع الخياط ثوب غيره قباء وقال: كذلك أمرتنى، وقال المالك: بل أمرتك أن تقطعه قميصاً، حيث كان القول قول الخياط على قول، مع أنهما لو اخلتفا في أصل الإذن كان القول قول المالك، بأن المالك هناك يريد إلزام الخياط الأرش، والأصل عدمه وهاهنا الموكل لا يلزم الوكيل غرامة، وإن لزمه الثمن، وإنما يلزمه بحكم إطلاق البيع على ما سيأتي.
إذا تقرر ذلك، فلو وكله بشراء جارية، فاشتراها الوكيل بعشرين، وزعم أن الموكل أذن فيه، وقال الموكل: ما أذنت إلا في الشراء بعشرة، وحلفناه فحلف، فينظر في الشراء أكان بعين مال الموكل أم في الذمة؟ إن كان بعين مال الموكل، فإن ذكر في العقد أن المال لفلان والشراء له، فهو باطل؛ لأن المال في يده لم يتعلق به حق الغير قبل الشراء، فيقبل إقراره فيه، وحينئذ يكون العقد واقعاً بمال الغير وقد ثبت بيمين مَنْ له المال أنه لم يأذن في الشراء الذي باشره الوكيل، فيلغو، فإن لم يذكره في العقد وقال بعد الشراء: إني اشتريت له، فإن صدقه البائع، فالعقد باطل أيضاً، وإذا أبطل الشراء كانت الجارية باقية على ملك البائع، وعليه رد ما أخذه، وإن كذبه البائع، وقال: إنما اشتريت لنفسك، والمال لك حلف على نفي العلم بالوكالة، وحكم بصحة الشراء للوكيل في الظاهر، وسلم الثمن المعين إلى البائع، وغرم الوكيل مثله للموكل.
وإن كان الشراء في الذمة، نظر إن لم يسم الموكل، ولكن نواه كانت الجارية للوكيل، والشراء له ظاهراً، وإن سماه، فإن صدقه البائع بطل الشراء، لاتفاقهما على كونه للغير، وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه وإن كذبه البائع، وقال: أنت مبطل في تسميته، فيلزم الشراء الوكيل، ويكون كما لو اقتصر على النية، أو يبطل الشراء من أصله؟ فيه وجهان، سبق ذكرهما في أخوات هذه الصورة: والأظهر: وبه قال أبو إسْحَاقَ: صحته ووقوعه للوكيل ظاهراً، وحيث صححنا الشراء، وجعلنا الجارية للوكيل، وزعمه أنها للموكل قال المُزَنِيّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه-: يستحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل فيقول له: إن كنت أمرته أن

الجزء: 5 - الصفحة: 261

يشتريها بعشرين، فقل: بعته إياها بعشرين، ويقول الآخر: قد قبلت، فيحل له الفرج.
قال الأئمة: إن أطلق الموكل، وقال: بعتكها بعشرين، وقال الوكيل: اشتريت صارت الجارية له ظاهراً وباطناً وإن علق، كما ذكره المزني ففيه وجهان: أحدهما لا يصح البيع للتعليق، والتعليق مما حكاه المُزَنِيُّ من كلام الحاكم لا من الموكل.
وأصحهما: الصحة؛ لأنه لا يتمكن من البيع إلاَّ بهذا الشرط، فلا يضر التعرض له، كما لو قال: هذا زكاة مالي الغائب، إن كان سالماً يجزئه؛ لأنه إنما يقع زكاة عن الغائب بهذا الشرط، وسواء أطلق البيع، أو علق فلا يجعل ذلك إقراراً بما قاله الوكيل، وتكذيباً لنفسه، وإن امتنع الموكل من الإجابة، أو لم يرفق الحاكم به، نظر إن كان الوكيل كاذباً لم يحل له وطؤها, ولا التصرف فيها بالبيع وغيره، وإن كان الشراء بعين مال الموكل, لأن الجارية حينئذ تكون للبائع، وإن كان الشراء في الذمة ثبت الحل لوقوع الشراء عن الوكيل ضرورة كونه مخالفاً للموكل.
وذكره في "التتمة" أنه إذا كان كاذباً والشراء بمال الموكل، فللوكيل بيعها، إما بنفسه، أو بالحاكم؛ لأن البائع حينئذ يكون أخذ مال الموكل لا عن استحقاق، وقد غرم الوكيل للموكل، فله أن يقول للبائع: رد مال الموكل، أو أغرمه إن كان تالفاً، لكنه قد تعذر ذلك بسبب اليمين، فله أخذ حقه من الجارية التي هي ماله، ولو كان الوكيل صادقاً، ففيه أوجه: أحدها: ويحكى عن الاِصْطَخْرِيِّ أنها تكون للوكيل ظاهراً وباطناً حتى يحل له الوطء، وكل تصرف، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله بناء على أن الملك يثبت للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل، فإذا تعذر نقله منه بقي على ملكه.
ومنهم من خص هذا الوجه بما إذا كان الشراء في الذمة، ولم يطرده في الحالين، وإليه مال الإمام رحمه الله تعالى.
وثانيها: أنه إن ترك الوكيل مخاصمة الموكل، فالجارية له ظاهراً وباطناً، وكأنه كذب نفسه، وإلاَّ فلا.
وثالثها، وهو الأصح: أنه لا يملكها باطناً بل هي للموكل، وللوكيل الثمن عليه، فهو كمن له على رجل دين لم يؤده فظفر بغير جنس حقه من ماله، فيجيء الخلاف أنه هل له بيعه وأخذ الحق من ثمنه؟.
والأصح: أن له ذلك، ثم يباشر البيع بنفسه، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبيعه؟ فيه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 262

الأصح: هاهنا أن له بيعها بنفسه؛ لأن القاضي لا يجيبه إلى البيع.
ولأن المظفور بما له في سائر الصور يدعي المال لنفسه، وتسلط غيره عليه قد يستبعد وهاهنا الموكل لا يدعي المال لنفسه.
وإذا قلنا: إنه ليس له أن يأخذ الحق من ثمنها، فتوقف في يده حتى يظهر مالكها، أو يأخذها القاضي، ويحفظها فيه وجهان نذكرها في نظائره.
ولو اشترى جارية، فقال له الموكل: ما وكلتك بشرائها، وإنما وكلتك بشراء غيرها، وحلف عليه بقيت الجارية المشتراة في يد الموكل، ويتلطف كما مر.
قوله في أول إلباب: "القول فيه قول الموكل" إطلاق لفظ الموكل على المشتري في الصورتين بالخلاف في صفة الإذن، أو قدره قويم حسن، لكنه في صورة الاختلاف في أصل الإذن غير مستحق، وكيف نحن نصدقه بأنه غير موكل.
قوله: "صح على النص" المراد منه ما حكيناه من كلام المُزَنِيِّ وهو ظاهر في تصحيح البيع يأبى عن قبول التأويل المذكور.
وقوله: "ولكن له بيعها وأخد العشرين من ثمنها" معلّم -بالواو- لما مر.
وقوله: "لا يملكها" بالحاء.
وقوله: "لأنه ظفر بغير جنس حقه" -إشارة إلى ما ذكرنا من أن الظافر هاهنا أولى بالتمكن.

فرع

لو باع الوكيل بالبيع نسيئة، وقال: كنت مأذوناً فيه، وقال الموكل: ما أذنت لك إلاَّ في بيعه نقداً، فالقول قول الموكل كما مر، ثم لا يخلو إما أن ينكر المشتري الوكالة، أو يعترف بها.
الحالة الأولى: أن ينكر الوكالة، أو يقول: إنما عرفت البائع مالكاً، فالموكل يحتاج إلى البينة، فإن لم تكن بينة، فالقول قول المشتري على نفي العلم بالوكالة، فإن حلف قرر المبيع في يده، وإلا ردت على الموكل؛ فإن حلف حكم ببطلان البيع، وإلاَّ فهو كما لو حلف المشتري، ونكل الموكل عن يمين الرد في خصومة المشتري لا يمنعه من الحلف على التوكيل، فإذا حلف عليه، فله أن يغرم الوكيل قيمة المبيع، أو مثله إن كان مثليًّا، والوكيل لا يطالب المشتري بشيء حتى يحل الأجل، مؤاخذة له بموجب تصرفه، فإذا حل نظر إن رجع عن قوله الأول، فصدقه الموكل، فلا يأخذ من المشتري إلا أقل الأمرين من الثمن، أو القيمة؛ لأنه إن كان الثمن أقل، فهو موجب عقده وتصرفه، فلا يقبل رجوعه فيما يلزم زيادة على الغير، وإن كانت القيمة أقل، فهو الذي غرمها، فلا يرجع إلاَّ بما غرم؛ لأنه قد اعترف آخراً بفساد العقد، فإذا لم يرجع وأصر

الجزء: 5 - الصفحة: 263

على قوله الأول، فيطالبه بالثمن بتمامه، وإن كان مثل القيمة، أو أقل، فذالك وإن كان أكثر، فالزيادة في يده للموكل ينكرها، فيحفظها، أو يلزم دفعها إلى القاضي فيه خلاف مذكور في موضعه، وسأل الإمام نفسه هاهنا، وقال: إذا أنكر الموكل التوكيل بالبيع نسيئةً كان ذلك عزلاً للوكيل على رأى، فكيف يملك التوكيل بعد استيفاء الثمن؟ وأجاب عنه بأنه إنما استوفى الثمن؛ لأن الموكل ظلمه بتغريمه في زعمه واعتقاده، والثمن على المشتري ملكه، فإن كان من جنس حقه، فقد ظفر بجنس حقه من مال من ظلمه، وإن كان من غير الجنس، فيأخذه أيضاً، ولا يخرج على القولين بالظفر بغير جنس الحق في غير هذه الصورة, لأن المالك يدعيه لنفسه، ويمنع الغير عنه، والموكل لا يدعي الثمن هاهنا، وأول مصرف يقرض له التسليم إلى الغارم الوكيل، وهذا ما أراد صاحب الكتاب بقوله في مسألة الجارية، فيقطع بجواز أخذه، والمذهب المشهور تخريجه على الخلاف في ذلك الأصل، على ما مر، ولك أن تعلّم قوله: "ويقطع بجواز أخذ" بالواو وعليك أن تعلم أن الظاهر خلافه.
الحالة الثانية: أن يعترف المشتري بالوكالة، إن صدقه الموكل، فالبيع باطل، وعليه رد المبيع إن كان باقياً، وإن تلف، فالموكل بالخيار إن شاء غرم الوكيل لتعديه، وإن شاء غرم المشترى لتفرغ يده على يد مضمونه، وقرار الضمان على المشتري لحصول الضمان في يده.
نعم يرجع بالثمن الذي دفعه إلى الوكيل لخروج المبيع مستحقّاً، وإن صدق الوكيل، فالقول قول الموكل، فإن حلف أخذ العين، وإن نكل حلف المشتري، وبقيت له.
قال الغزالي: (الثَّاني) في المَأْذُون فَإذَا قَالَ: تَصَرَّفْتُ كَماَ أَذِنْتَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَالَ المُوَكِّلُ بَعْدُ لَمْ تَتَصَرَّفْ فَقَولاَنِ: (أَحَدهُمُاَ): القَوْلُ قَوْلُ الوَكِيلِ؛ لأَنَّهُ أَمِينٌ وَقَادِرٌ عَلىَ الإِنْشَاءِ وَالتَّصَرُّفِ إلَيْهِ (وَالآخَرُ): لا فَإنَّهُ إِقْراَرٌ عَلىَ المُوَكِّلِ مُلْزمٌ والأَصْلُ عَدَمُهُ، وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى تَلَفَ المَاَلُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لأَنَّهُ يَبْقى دَفْعُ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَا اِذا ادَّعَي رَدَّ المَالَ سَوَاءٌ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَذَكَرَ العِرَاقِيُّونَ في تَصْدِيِقِ الوَكِيلِ بِالجُعْلِ وَجْهيَنْ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: الأولى: إذا وكله ببيع، أو هبة، أو صلح، أو طلاق، أو إعتاق، أو إبراء، فقال الوكيل: تصرفت كما أذنت، وقال الموكل: لم تتصرف بعد، نظر إن جرى هذا الخلاف بعد انعزال الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، وإن وقع قبله قولان:

الجزء: 5 - الصفحة: 264

أحدهما: أنه يصدق الوكيل بيمينه؛ لأنه ائتمنه، فعليه تصديقه، ولأنه مالك لإنشاء التصرف، ومن يملك الإنشاء يقبل إقراره كالولي المجبر إذا أقر بنكاح موليته، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إلاَّ في النكاح إذا اختلف فيه الوكيل والموكل، فالقول قول الموكل.
والثاني: أن القول قول الموكل؛ لأن الأصل العدم، ولأن الوكيل مقر عليه بزوال الملك عن السلعة، فوجب إلاَّ يقبل، بخلاف ما إذا ادعى، الرد أو التلف، فإنه يبغي دفع الضمان عن نفسه، لا إلزام الموكل شيئاً، وما الأصح من القولين؟ وما كيفيتهما.
أما الأول: فكلام أكثر الأصحاب ترجيح تصديق قول الموكل، وهو اختيار ابن الحَدَّادِ 84 ورجحه الشيخ أبُو عِليٍّ من جهة القياس.
وأما الثاني: فإن قول تصديق الموكل منقول عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- في مواضع، واختلف الناقلون القول الآخر، فذكر الرُّوَيانِيُّ وغيره أنه منصوص عليه في "الرَّهْن الكبير".
قال الشيخ أبُو عَليٍّ إنه مخرج خرجه ابْنُ سُرَيْجٍ على هذه الطريقة، وربما أبدلوا لفظ القولين بالوجهين.
وفي المسألة وجه ثالث، وهو أن ما يستقل به الوكيل، كالطلاق والإعتاق، والإبراء يقبل فيه قوله مع يمينه، وما لا يستقل كالبيع، لا بد فيه من البينة، ولو صدق الموكل في البيع ونحوه، ولكن قال: كنت عزلتك قبل التصرف، وقال الوكيل: بل كان العزل بعد التصرف، فهو كما لو قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء العدة، وقالت: انقضت عدتي قبل أن تراجعني، ولو قال الموكل: قد باع الوكيل، وقال الوكيل: لم أبع فإن صدق المشتري الموكل حكم بانتقال الملك إليه، وإلا فالقول قوله.
الثانية: دعوى الوكيل تلف المال مقبول مع يمينه، كما في المودع، وكذا دعواه الرد على اختلاف، ذكرناه في "الرَّهْن" والظاهر القبول أيضاً.
وقد ذكر صاحب الكتاب حكم دعواه الرد مرة في "باب الرَّهْن" إلا أن لفظه في حكايته طريقة العراقيين هناك جواب على أحد وجهيهم، وهو أن الوكيل بالجُعل غير مصدق، وهاهنا نص على الوجهين، كما ذكرناهما في شرح طريقتهم هناك، وقد بينا، ثم إن تسويته بين دعوى التلف والرد في نقل الخلاف على خلاف ما أورده الجمهور، ولفظه هاهنا صالح لما ذكره هناك، ولما هو الحق أن يفصل بين قوله، وكذا إذا ادعى

الجزء: 5 - الصفحة: 265

رب المال عما قبله، وكل من ذكرناه هاهنا، وهناك فيما إذ ادعى الأمين الرد على من ائتمنه، أما إذا ادعى الرد على غيره، فقد ذكره صاحب الكتاب في "الوديعة" وستأتي إن شاء الله تعالى، ومن مسائله دعوى القيم الرد على اليتيم الذي كان يقوم بأمره، وهي مذكورة في هذا الباب من بعد.
ومنها: أن يدعي الوكيل الرد على رسول الملك؛ لاسترداد ما عنده، فلا خلاف في أن الرسول إذا أنكر القبض كان القول قوله مع يمينه، وأما الوكيل فالمذهب أنه لا يلزمه تصديق الوكيل, لأنه يدعي الرد على مَنْ لم يأتمنه، فليقم البينة.
وفي وجه عليه التصديق, لأنه معترف برسالته، ويدِ رسوله يده، فكأنه ادعى الرد عليه.
قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلَفَ في يَدِي وَكَاَنِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّسِلْيِمِ فَالقَوْلُ قَولُهُ لَأَنَّ المُوكَلَ يُرِيد أَنْ يَجْعَلَهُ خَائِنًا بالتَّسْليِمِ قَبْلَ الاستيفاء، فأَمَّا إِذا كان قَبل التَّسْليِمِ فِالقَوْلُ فِيهِ قَولُ المُوَكِّلِ وَالأَصْلُ بَقَاءُ حقِّهِ.
قال الرافعي: إذا وكل وكيلاً باستيفاء دَيْنٍ له على إنسان، فقال: استوفيته، وأنكر الموكل، نظر إن قال: استوفيته، وهو قائم في يدي، فخذه فعليه أخذه، ولا معنى لهذا الاختلاف ولو قال: وتلف في يدي، فالقول قول الموكل مع يمينه على نفي العلم باستيفاء الوكيل, لأن الأصل بقاء حقه، فلا يقبل قول الوكيل والمديون إلاّ ببينة، هذا ظاهر المذهب وجعله بعضهم على الخلاف المذكور فيما اختلفا في البيع ونحوه، وعلى الأول، فإذا حلف الموكل أخذ حقه ممن كان عليه، ولا رجوع له على الوكيل لاعترافه أنه مظلوم، ولو وكله بالبيع، وقبض الثمن، أو البيع مطلقاً، وقلنا: الوكيل بالبيع يملك قبض الثمن، واتفقا على البيع، واختلفا في قبض الثمن، فقال الوكيل: قبضته، وتلف في يدي، وأنكر الموكل، فهذه مسألة الكتاب، وفي معناها ما إذا قال: قبضته ودفعته إليك، فأنكر الموكل القبض، ففي المصدق منهما طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف المذكور في البيع، وسائر التصرفات.
وأظهرهما: أن هذا الاختلاف إنْ كان قبل تسليم المبيع، فالقول قول الموكل، كما في المسألة السابقة، وإن كان بعد تسليمة، فوجهان: أحدهما: الجواب هكذا؛ لأن الأصل بقاء حقه.
وأصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدادِ: أن القول قول الوكيل؛ لأن الموكل ينسبه إلى الخيانة قبل قبض الثمن، ولزوم الضمان، والوكيل ينكر، فأشبه ما إذا للموكل: طالبتك برد الثمن الذي دفعته إليك، أو بثمن المبيع الذي قبضته، فامتنعت مقصراً إلى أن تلف، فقال الوكيل: لم تطالبني، ولم كن مقصراً، فإن القول قوله، وهذا التفصيل فيما إذا أذن

الجزء: 5 - الصفحة: 266

في البيع مطلقاً، أو حالاً، فإن أذن في التسليم قبل قبض الثمن، أو أذن في البيع بثمن مؤجل، وتنازعا في القبض بعد الأجل فهاهنا لا يكون خائناً بالتسليم قبل القبض، والاختلاف كالاختلاف قبل التسليم، فإذا صدق الوكيل، فحلف فهل تبرأ ذمة المشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنا قبلنا قول الوكيل في قبضه الثمن، فاكتفى بموجبه.
والثاني: لا؛ لأن الأصل عدم الأداء، وإنما قبلنا من الوكيل في حقه لائتمانه إياه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول أصح عند الإمام، وعلى الأول، فإذا خلف الوكيل، وبرأنا المشتري، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً، فإن رده على الموكل، وغرم الثمن لم يكن له الرجوع على الوكيل لاعترافه بأن الوكيل لم يأخذ شيئاً، وإن رد على الوكيل، وغرمه لم يرجع على الموكل، والقول قوله مع يمينه في أنه لم يأخذ شيئاً، ولا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بثمنه، أن تثبت بها حقّاً على غيره، ولو خرج المبيع مستحقّاً.
قال في "التهذيب": يرجع المشتري بالثمن على الوكيل؛ لأنه دفعه إليه، ولا رجوع له على الموكل لما مر، ولو اتفقا على قبض الوكيل الثمن، فقال الوكيل: دفعته إليك، وقال الموكل: بل هو باقٍ عندك، فهو كما لو اختلفا في رد المال المسلم إليه، والظاهر أن القول قول الوكيل، ولو قال الموكل: قبضت الثمن، فادفعه لي، وقال الوكيل: لم أقبضه بعد، فالقول قول الوكيل مع يمينه، وليس للموكل طلبه 85 الثمن، فهو متعدٍ بفعله وللموكل أن يغرمه قيمة المبيع والله أعلم.
قال الغزالي: "الثَّاَلثُ" إِذا وَكَّلَهُ بقَضَاءِ الدَّيْنِ فَلْيَشْهَدْ فَإِنْ قَصَّرَ ضَمِنَ بِتَرْكِ الإِشْهَادِ، وَكَذا قَيِّمُ اليَتيِمِ لاَ يُصَدَّقُ (و) في دَعْوَى رَدِّ المَالِ، قَالَ الله تَعَالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، وَمَن يُصَدَّقُ في الرَّدِّ إِذَا طُولِبَ بِالرَّدِّ هَلْ لَهُ التَّأخِيرُ بِقَدْرِ الإِشْهِادِ؟ وَجْهِانِ.
قال الرافعي: ذكر في أول الباب أن نزاع الموكل والوكيل في ثلاثة مواضع: وثالثها في "الوسيط": النزاع في القبض، وهو ما سبق في الفصل المتقدّم على هذا الفصل وهاهنا جعل الثالث مما يشرع فيه الآن، وترتيب "الوسيط" أحسن؛ لأن أكثر المسائل من هذا الموضع إلى آخر الباب لا تعلق له بالاختلاف، وفي الفصل ثلاث صور:

الجزء: 5 - الصفحة: 267

إحداها: إذا دفع إليه مالاً، ووكله بقضاء دينه، ثم قال الوكيل: دفعته إلى رب الدَّين وأنكر رب الدين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لم يأتمن الوكيل حتى يلزمه تصديقه، والأصل عدم الدفع، فإذا حلف طالب الموكل بحقه، وليس له مطالبة الوكيل، وهل يقبل قول الوكيل على الموكل؟ فيه قولان: أحدهما: نعم خرّجه ابْنُ سُرَيْجٍ، ويحكى عن أَبي حنيفة؛ لأن الموكل قد ائتمنه، فأشبه ما إذا ادعى الرد عليه.
وأصحهما: لا، بل لا بد من البينة, لأنه أمره بالدفع، إلى من لم يأتمنه، فكان من حقه الإشهاد عليه، فعلى الأول يحلف الوكيل، وتنقطع مطالبة المالك عنه، ولا يغنيه تصديق المدفوع إليه عن اليمين، وعلى الأصح ينظر إن ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضور الموكل، فلا رجوع للموكل عليه في أصح الوجهين، وإن دفع في غيبته فله الرجوع، ولا فرق بين أن يصدقه الموكل على الدفع أو لا يصدقه وعن أبي الطَّيب وجه: أنه لا يرجع عند التصديق، وإن اختلفا، فقال الوكيل: دفعت بحضرتك، وأنكر الموكل، فالقول قول الموكل مع يمينه، وإن كان قد أشهد عليه، ولكن مات الشهود، أو جنوا أو غابوا، فلا رجوع، وإن كان قد أشهد شاهداً واحداً، أو فاسقين فيه خلاف، وكل ذلك على ما ذكرنا في رجوع الضامن على الأصيل.
فهذا عرفت ذلك علمت قوله: "ضمن بترك الإشهاد"، وتنزيله على الحالة التي يجب التنزيل عليها, ولو أمره بإيداع ماله، ففي لزوم الإشهاد وجهان مذكوران في "الوديعة".
الثانية: إذا ادعى قيم اليتيم أو الوصي دفع المال إليه بعد البلوغ، فظاهر المذهب أنه لا يقبل قوله، بل يحتاج إلى البينة؛ لأن الأصل عدم الدفع، وهو لم يأتمنه حتى يكلف تصديقه واحتج له أيضاً بأن الله -تعالى- قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمر بالإشهاد، ولو كان قوله مقبولاً لما أمر، لكن يجوز أن يكون الأمر بالإشهاد إرشاداً أو ندباً إلى التورع عن اليمين.
وعن رواية ابن المرزبان وغيره وجه آخر: أنه يقبل قوله مع يمينه, لأنه أمين.
الثالثة: إذا طلب المالك مَنْ في يده المال بالرد، فقال: لا أرد إلا بالإشهاد ينظر إن كان ممن يقبل قوله في الرد، كالمودع والوكيل، ففيه وجهان: أشهرهما: وهو الذي أورده العراقيون: أنه ليس له ذلك؛ لأن قوله في الرد مقبول، فلا حاجة إلى البينة.
والثاني: ويروي عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ رحمه الله: أن له الامتناع كيلا يحتاج إلى اليمين، فإن الأمناء يتحرزون عنها ما أمكنهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 268

وفيه وجه ثالث: أنه إن كان التوقف إلى الاشهاد يورث تأخيرًا أو تعويقًا في التسليم لم يكن له الامتناع، وإلًّا فله ذلك، وإن كان ممن لايقبل قوله كالغاصب، فإن كان عليه بينة بالأخذ، فله الامتناع إلى الإشهاد؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء إن توجهت عليه بينة الأخذ، وإن لم تكن عليه بينة بالأخذ فوجهان: وأصحهما عند صاحب "التهذيب": أن له أن يمتنع إلى الإشهاد؛ لأن قوله في الرد غير مقبول والثاني: المنع؛ لأنه يمكنه أن يقول: ليس عندي شيء، ويحلف عليه، هذا ما أورده المشايخ العراقيون، والمديون في هذا الحكم، كمن لا يقبل قوله في رد الأعيان.
قال الغزالي: وَلِمَنْ عَلَيهِ الحَقُّ (ح وز) أَنْ لاَ يُسْلِم إِلَى وَكِيلِ المُسْتَحِقّ إِلاَ بالإِشْهَادِ وإنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ في يَدِه تَرِكَةٌ وَأَقَرَّ لإِنْسَانِ بَأنَّه لاَ وَارِثَ سِوَاهُ لَزِمَهُ (و) التَّسْليمُ، وَلَمْ يجُز لَهُ تكلِيفُهُ شَهَادَةٌ (و) عَلَى أَنْ لاَ وَارِثَ سِوَاهُ، ولَوِ اعْتَرَفَ لِشَخْصٍ بِأنَّهُ اسْتَحَقَّ أَلْفًا, عَنْ جِهَةِ الحِوَالَةِ ولَكِنْ خَافَ إِنْكَارَ المُحِيلِ فَهُوَ كَخَوْفِ إِنْكَارِ المُوكِّل فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: إذا كان له دَيْن في ذمة غيره، أو عين في يد غيره، فأتى ذلك الغير إنسان، وقال: أنا وكيل بقبضة، فله حالتان: إحداهما: أن يصدقه في دعوى الوكالة، فله دفعه إليه، وإذا دفع، ثم ظهر المستحق، وأنكر الوكالة، فالقول قوله مع يمينه، فإذا خلف، فإن كان الحق عينًا أخذها، فإن تلفت فله تغريم من شاء منهما, ولا رجوع للغارم منهما على الآخر؛ لأنه مظلوم بزعمه، والمظلوم بزعمه، والمظلوم لا يؤاخذ إلاَّ من ظالمه.
قال في "التتمة": هذا إذا تلف من غير تفريط منه، فإن تلف بتفريط من القابض، فينظر إن غرم المستحق القابض فلا رجوع، وإن غرم الدافع، فله الرجوع؛ لأن القابض وكيل عنده، والوكيل يضمن بالتفريط، والمستحق ظلمه بأخذ القيمة منه، وماله في ذمة القابض، فيستوفيه بحقه.
وإن كان الحق دينًا، فله مطالبة الدافع بحقه، إذا غرمه.
قال المتولي: إن كان المدفوع باقيًا، فله استرداده، وإن صار ذلك للمستحق في زعمه؛ لأنه ظلمه بتغريمه، وذلك مال له ظفر به، وإن كان تالفًا، فإن فرط فيه غرم، وإلاَّ فلا، وهل للمستحق مطالبة القابض، ينظر إنْ تلف المدفوع عنده فلا؛ لأن المال للدافع بزعمه، وضمانة له، وإن كان باقيًا فوجهان: عن أَبي إِسْحَاقَ أن له مطالبته بتسليمه إليه؛ لأنه إنما دفعه ليدفعه إلى المستحق،

الجزء: 5 - الصفحة: 269

فكأنه انتصب وكيلاً في الدفع من جهته، وبهذا أجاب الشيخ أَبُو حَامِدٍ في "التعليق".
وقال الأكثرون: لا مطالبة؛ لأن الآخذ فضولي بزعمه، والمأخوذ ليس حقًّا له، وإنما هو مال المديون، فلا تعلق للمستحق به.
فإن قلنا بالأول، فأخذه برئ الدافع عن الدين، وهل يلزم من عنده الحق دفعه إليه بالتصديق أم له الامتناع إلى قيام البينة على الوكالة نص أنه لا يلزمه إلاَّ بعد البينة، ونص فيما إذا أقر بِدَيْنٍ أو عَيْنٍ من تركة إنسان أنه مات، ووارثه فلان أنه يلزمه الدفع إليه، ولا يكلف البينة، وللأصحاب طريقان: أحدهما: ونقل عن أَبي إسْحَاقَ: أن المسألتين على قولين في قول يلزم الدفع إلى الوكيل والوارث؛ لأنه اعترف باستحقاقه الأخذ، فلا يجوز له منع الحق عن المستحق.
وفيه قول: لا يلزمه الدفع إلى واحد منهما إلاَّ بالبينة.
في الصورة الأولى، فلاحتمال إنكار الموكل الوكالة.
واما في الثانية: فلاحتمال استناد إقراره بالموت إلى ظن خطأ.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب تقرير النصين، والفرق حصول اليأس بزعمه عن عَودِ الموت، وصيرورة الحق للوارث، وعدم الياس عن إنكار الموكل الوكالة، وبقاء الحق له.
الثانية: ألا يصدقه، فلا يكلف الدفع إليه فإن دفع، ثم حضر الموكل، وحلف على نفي الوكالة، وغرم كان له أن يرجع على القابض ديناً كان أو عينًا: لأنه لم يصرح بتصديقه، وإنما بين الأمر له على ظاهر قوله فإذا تبين خلافه غرم ما غرم.
ولو أنكر الوكالة، أو الحق، وكان الوكيل مأذونًا في إقامة البينة وقلنا: إن الوكيل بالقبض مطلقاً يملك إقامة، البينة، فله أن يقيم البينة، ويأخذ فإن لم تكن بينة، فهل له التحليف ينبني على أنه إذا صدقه، هل يلزمه الدفع إليه؟ إن قلنا: نعم، فله تحليفه، فلعله يصدق إذا عرضت اليمين عليه.
وإن قلنا: لا ينبني على أن النكول ورد اليمين كإقامة البينة من المدعي، أو كالإقرار من المدعى عليه.
إن قلنا بالأول، فله تحليفه طمعًا في أن ينكل، فيحلف الوكيل.
وإن قلنا بالثاني فلا, ولو جاء رجل، وقال لمن عليه الدَّين: أحالني عليك فلان، فصدقه، وقلنا: إذا صدق مدعي الوكالة لا يلزمه الدفع إليه فوجهان.
أحدهما: أنه لا يلزم أيضاً؛ لأنه قد ينكر صاحب الحق، كما ينكر صاحب الوكالة.
وأصحهما: اللزوم لاعترافه بانتقال الحق إليه، كالوارث، وينبني على الوجهين أنه

الجزء: 5 - الصفحة: 270

لو كذبه، ولم تكن بينة هل له تحليفه؟ إن ألزمناه الدفع إليه له تحليفه، وإلا فكما سبق.
ولو قال: مات فلان، وله عندي كذا فهذا وصية، فهو كما لو قال هذا وارثه، ولو قال: مات، وقد أوصى به لهذا الرجل، فهو كما لو قال، أقر بالحوالة، وإذا أوجبنا الدفع إلى الوارث والوصي، أو لم نوجب فدفع، ثم بَانَ أن المالك حي ثُم غرم الدافع، فله الرجوع على المدفوع إليه، بخلاف صورة الوكالة؛ لأنه صدقه على الوكالة، وإنكار صاحب الحق لا يرفع بتصديقه، وصدق الوكيل لاحتمال أنه وكله، ثم جحد، وهل هنا بخلافه؟ والحوالة في ذلك كالوكالة.
وقوله في الكتاب: "ولمن عليه الحق أن لا يسلم إلى وكيل المستحق له إلاَّ بالإشهاد".
كان الأحسن أن يقول: إلى من يدعي الوكالة عن المستحق، ولفظ الإشهاد هاهنا بعيد عما هو المراد إن أراد به البينة؛ لأن المفهوم من الإشهاد ما استعمل اللفظ له في المسائل قبل هذا الفصل، ويمكن أن يراد إشهاد الوكيل على الموكل.
قوله: "وإن اعترف به معلم -بالواو لما نقلناه من طريقة القولين، والحالان عند أبي حنيفة يجب دفع الدين إلى من أقر بوكالته، ولا يجب دفع العين، وفرق بينهما بأنه في الدَّين أقر بثبوت المطالبة لمدعي الوكالة في ماله، وفي العَيْنِ يقر بمال الغير، فلا يلتفت إليه وبالزاي؛ لأن أَبَا إسْحَاقَ الشِّيْرَازِيَّ وغيره حكموا عن المُزَنِيِّ أنه يلزمه تسليم الحق إليه، ولم يفرقوا بين الدَّين والعين.
وقوله في مسألة الوارث: (لزمه التسليم) معلم -بالواو- لما مَرَّ والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوِ ادْعَي عَلَى الوكَيِلِ قَبْضَ الثَّمَنِ فَجَحَدَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ بِالقَبْضِ فَادَّعَى تَلفَاً أَوْ رَدّاً قَبْلَ الحُجُودِ لِلْقَبْضِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ لأَنَّهُ خَاِئنٌ وَلاَ بيتة (و) لأَنَّه لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَوِ ادَّعَى بَعْد الجُحُودِ رَدّاً سُمِعَ الدَّعْوَى (و) وَلاَ يُصَدَّقُ لأَنَّهُ خَاِئنُ، وَلكَنْ تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، وَلَوِ ادَّعَى التَّلَفَ صُدِّقِ لِيَبْرَأَ مِنَ العَيْنِ وَلكنَّهُ خَاِئنٌ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ.
قال الرافعي: إذا ادعى على إنسان أنه دفع إليه متاعًا ليبيعه، ويقبض ثمنه وطالبه برده، أو قال: بعته وقبضت الثمن، فسلمه إلى، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي بينه على ما ادعاه فادعى المدعى عليه إن كان قد تلف أورده، فينظر في ضيغة جحوده، إن قال: مالك عندي شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك قبل قوله في الرد والتلف؛ لأنه إذا كان قد تلف أورده كان صادقًا في إنكاره، ولم يكن بين كلاميه، تناقض، وإن أقام عليه بينة سمعت بينته وإن كان صيغة جحوده أنك ما وكلتني، أو ما دفعت إلى شيئاً، أو ما قبضت الثمن، وهذه صورة مسألة الكتاب، فينظر أن ادعى التلف، أو الرد قبل أن يجحد لم يصدق؛ لأنه مناقض لقوله الأول، ولزمه الضمان، وإن أقام بينة على ما ادعاه، فوجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 271

أولهما: أنها تسمع؛ لأنه لو صدقه المدعي لسقط عنه الضمان، فكذلك إذا قامت الحجة عليه، وأيضاً فلما يذكر في "الوديعة".
والثاني، وهو الأظهر عند الإمام، وهو الذي أورده في الكتاب: أنها لا تسمع؛ لأن جحوده الأول كذّب هذه البينة، وعلل في الكتاب عدم سماع البينة بعدم سماع الدعوى ويجيء فيه نحو الإمام، فإنه قال: كل بينة تقام، فإن قيامها يستدعي دعوى من يقيمها، فإن فسدت الدعوى استقلت البينة، وهي غير مسموعة من غير دعوى، لكن من يقول بسماع الدعوى كيف يسلم عدم سماع الدعوى.
إذ الدعوى قد تسمع بمجرد تحليف عدم سماع الدعوى ليس متفقًا عليه حتى يقلل به من أحد الوجهين في البينة؛ فإن من يسمع البينة يسمع الدعوى لا محال، فإذًا الخلاف في سماع البينة، يجري في سماع الدعوى، بل يجوز أن تكون الدعوى مسموعة جزماً مع الخلاف في سماع البينة، إذ الدعوى قد تسمع الخصم لما سبق في "باب الرَّهْن" وقبله وإن ادعى الرد بعد الجحود لم يصدفه لصيروته خائنًا، لكن لو أقام بينه، فالمشهور في هذا الباب أنها تسمع لا غايته أن يكون كما الغاصب في ابتداء الأمر، ومعلوم أنه لو أقام بينة على الرد تسمع، ورأى الإِمام أن يكون سماع بينة على الوجهين السابقين رأى الإمام رحمه الله تعالى أن يكون سماع البينة على الوجهين السابقين لتناقض دعوى الرد والجحود، وهو حسن موافق، لما ذكرناه في "باب الوديعة" وإن ادعى التلف بعد الجحود صدق بيمينه لتنقطع عنه المطالبة برد العين، ولكن يلزمه الضمان لخيانته، وهذا كما إذا ادعى الغاصب التلف والله أعلم.

فرع

لو قال: بع هذا، ثم هذا لزمه رعاية الترتيب كذا قاله القَفَّالُ، ولو جعل للوكيل بالبيع جعلاً، فباع استحقه، وإِن تلف الثمن في يده؛ لأن استحقاقه بالعمل، وقد عمل آخر وإذا ادعى خيانة عليه لم تسمع حتى يتبين القدر الذي خان به، بأن يقول: بعت بعشرة، وما دفعت إليّ إلا خمسة، وإذا وَكَّلَ بقبض دَين أو استرداد وديعة، فقال المديون: أو المودع دفعت، وصدقه الموكل، والوكيل منكر، هل يغرم الدافع بترك الاشهاد؟.
فيه وجهان، كما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الأشهاد، ومن قال: أنا وكيل في بيع أو نكاح، وصدقه من يعامله صح العقد، فلو قال الوكيل بعد العقد: لم أكن مأذونًا فيه، لم يلتفت إلى قوله، ولم يحكم يبطلان العقد، وكذا لو صدقه المشتري بحق من يوكل عنه، إِلاَّ أن يقيم المشتري بينة على إقراره، بأنه لم يكن مأذونًا من جهته في ذلك التصرف، والله أعلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 272

قال الغزالي:

" كتاب الإقرار وَفِيهِ أَرْبعَةَ أبْوابٍ":

البَابُ الأَوَّل في أَركانه

وَهىَ أَرْبَعَةْ: (الَرُّكْنُ الأَوَّلُ) المِقرُّ وَهوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُطْلَقٍ وَمَحْجُورٍ، فَالمُطْلَقُ يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ بِكُلِّ ما يُقْدَرُ عَلىَ إِنْشَائه، وَالمَحْجُوُرُ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَشْخَاصٍ، الصَّبِيُّ وإقْراَرُهُ مَسْلُوبٌ مُطْلَقًا، نَعَمْ لَوِ ادَّعَى أنَّهُ بَلَغَ بِالاحْتِلامِ في وَقْتِ إِمْكاَنِه يُصَدَّقُ إِذْ لاَ يُمْكنُ مَعْرِفَتُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَوِ ادَّعَى البُلوُغَ بِالسِّنِّ طُوِلبَ بالبَيِّنِةِ، وَالمجْنُونُ وِهُوُ مَسْلُوبُ القَوْلِ مُطْلقًا وَالسَّكْرَانُ وَهُوَ مُلْتِحَقٌ بِالمَجْنُوِنِ أَو الصَّاحي؟ فِيِهِ خِلاَفٌ مَشْهُورُ، وَالمُبَذِّرُ والمُفْلِسُ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُاَ.
قال الرافعي: الإقرار أصله الاثبات من قولك: قَرَّ الشيء يقر وقررته إذا أقر به القرار، ولم يسم ما يسوغ فيه إقرارًا من حيث إنه افتتاح إثبات، ولكن لأنه إخبار عن ثبوت، ووجوب سابق 86. والأصل فيه من حيث الكتاب قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135] قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقراره، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قُولُوا الحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُم" 87 وقال -

الجزء: 5 - الصفحة: 273

صلى الله عليه وسلم- لأنيس "أغديا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
88 ولا شك أن في الإقرار مقرًّا ومقرًّا به، وصيغة تترتب عليها المؤاخذة، وهذه الأمور سماها في الكتاب أركانًا له ثم المقر به قد يكون مالاً، وقد يكون غيره، وعلى التقديرين فإما أن يعقب الإقرار بما يرفعه أو لا يعقب، وإذا لم يكن المقر به مالاً قد يكون عقوبة من قصاص أو حد، وقد يكون نسباً، أو غيره، فجعل أبواب الكتاب أربعة.
الأول في الأركان.
والثاني: في الأقارير المجملة.
والثالث: في تعقب الإقرار بما يرفعه.
والرابع: في الإقرار بالنسب، وأما ما عدا النسب، فما يقع في قسم ما عدا المال، فلم يورده قدماء الأصحاب في هذا الباب، فنجري على أمثالهم.
والركن الأول: من الباب الأول المقر، وهو إما مطلق، أو محجور.
أما المطلق وهو المنفك عن أنواع الحجر، فإقراره صحيح.
وقوله: "ينفذ إقراره بكل ما يقدر على إنشائه" 89 كالدخيل في هذا الركن، فإن الكلام فيه في المقر، وهذا لا يضبط المقر به، والضبط ما ينفذ إقرار المقر فيه على أنه يحتاج إلى استثناء صور أقربها بناء على أن الوكيل إذا قال: تصرفت كما أذنت لي، فقال الموكل: لم تتصرف، لم يقبل قول الوكيل، على أحد القولين مع قدرته على الإنشاء، = لنبي -صلى الله عليه وسلم- فوجدت في قائم سيفه رقعة فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" قال ابن الرفعة في "المطلب": ليس فيه إلا الانقطاع إلا أنه يقوى بالآية وفيما قال نظر, لأن في إسناده الحسين بن زيد بن علي، وقد ضعفه ابن المديني وغيره، روى أحمد.
والطبراني.
وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بخصال من الخير -فذكرها- وفيها: وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 274

وكذا لو قال: استوفيت ما أمرتني باستيفائه، ونازعه الموكل.
ومنها: أن إنشاء نكاح البنت إلى وليها، فإقراره غير مقبول، ويمكن أن يزاد فيه، فيقال: ينفذ إقرار الإنسان في التصرفات المتعلّقة به التي يستقل بإنشائها أو يقال: ما يقدر على إنشائه ويؤاخذ المقر بموجب الإقرار به، ولا يلزم نفوذه في حق الغير، فتخرج المسائل.
وأما المحجور، فقد ذكرنا في "كتاب الحجر"، أقسامه، فمنها حجر الصبي، وأقاريره لا غية، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث قال: إن كان مميزًا مأذونًا من جهة الولي، صح إقراره، كتصرفاته 90 ولنا قول في صحة تدبيره، ووصيته، فعلى ذلك القول يصح إقراره بهما, ولو ادعى أنه بلغ بالاحتلام، أو ادعت الجارية البلوغ بالحيض في وقت إمكانها، وقد سبق بيانه صدقا، وإن فرض ذلك في خصومة لم يحلفهما؛ لأنه لا يعرف ذلك إلاَّ من جهتهما، فأشبه ما إذا علق العتق على مشيئة الغير فقال: شئت يصدق من غير يمين، وأيضاً فإنهما إن صدقاء، فلا تحليف، وإن كذبا، فكيف يحلفان؟ واعتقاد المكذب أنهما صغيران، قرب الإمام رحمه الله تعالى المسألة من الدائرات الفقهية، فإن في تحليفه تصديق الصبي، وبتصديق الصبي لا يحلف، فإذًا لو حلف لما حلف، هذا ما نقله صاحب الكتاب وشيخه، وبه قال الشيخ أبو زيد، وعلى هذا فإذا بلغ مبلغاً تيقن بلوغه.
قال الإمام رحمه الله تعالى الظاهر أنه لا يحلف أيضاً على أنه كان بالغًا حينئذ؛ لأنا إذا حكمنا بموجب قوله، فقد أنهينا الخصومة نهايتها، فلا عود إلى تحليفه.

الجزء: 5 - الصفحة: 275

وفي "التهذيب" وغيره أنه إذا جاء واحد من الغُزَاةِ يطلب سهم المقاتلة، وذكر أنه احتلم، حلف وأخذ السهم، فإن لم يحلف، فوجهان عن صاحب "التلخيص 91 " تخريجًا أنه لايعطى.
وقال غيره: يعطى؛ لأن الظاهر استحقاقه بحضور الواقعة.
ولو ادعى البلوغ بالسن طولب بالبينة لإمكانها، نعم لو كان غريبًا خامل الذكر، فيلحق بدعوى الاحتلام، أو يطالب بالبينة، لامكانها من جنس 92 المدعي، وينظر في الإثبات لتعذر معرفة التاريخ, كما في صبيان الكفار، فيه ثلاثة احتمالات للإمام رحمه الله تعالى.
والظاهر: الثاني؛ لأنه إذا أمكن إقامة البينة كلف إقامتها, ولم ينظر إلى حال المدعي وعجزه، هذا فقه المسألة 93. ولفظ الكتاب يشعر بأنه عد دعوى الاحتلام إقرارًا، فإن قوله: "نعم لو ادعى أنه بلغ بالاحتلام إقرارًا" كالاستدراك لقوله قبله وإقراره مسلوب مطلقاً، لكن عدها إقرارًا بعيد، فإن المفهوم من الإقرار بالإخبار عن ثبوت حق عليه للغير، ونفس البلوغ ليس كذلك، ولهذا يطالب مدعي البلوغ بالسن بالبينة، واختلفوا في تحليف مدعي البلوغ بالإحتلام، والمقر لا يكلف البينة، ولا اليمين، نعم لو قال: أنا بالغ، فقد اعترف بثبوت الحقوق المَنُوطَةِ بالبلوغ، فهو من هذا الوجه يكون متضمنًا للإقرار، لا أن نفسه إقرار، وبتقدير كونه إقرارًا، فليس ذلك كإقرار الصبي، بأنه إذا قال: أنا بالغ يحكم ببلوغه سابقًا على قوله، فلا يكون إقراره إقرار الصبي، حتى يحتاج إلى الاستدراك.
ومنهما: حجر المجنون، وهو مسلوب القول أيضاً، انشاءًا أو إقرارًا بلا استثناء، والسكران بين الصاحي، والمجنون، فبأيهما يلحق في إقراره وتصرفاته؟.
فيه طرق للأصحاب تبسط في "كتاب الطلاق 94 ".

الجزء: 5 - الصفحة: 276

ومنهما: حجر المبذر وحجر المفلس، وقد بينا حكم إقرارهما في بابيهما.
ويقبل إقرار المفلس المحجور عليه في النكاح، دون السفيه المحجور اعتبارًا للإقرار بالإنشاء.
قال الإِمام رحمه الله تعالى: وإقرار السفيهة بأنها منكوحة فلان، كإقرار الرشيدة، إذ لا أثر للسفه في النكاح من جانب المرأة.
قال: وفيه احتمال من جهة ضعف قولها، وخبل عقلها، والعلم عند الله تعالى عز اسمه.
قال الغزالي: وَالرَّقِيقُ وَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ عُقَوَبةَ، وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقةِ مَالٍ وَوَجَبَ عَلَيْهِ القَطْعُ فَفي قَبُولهِ في وُجُوبِ المَالِ قَوُلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بإِتْلاَفِ مَالٍ وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ بَل يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ، وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا فَاَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةِ قَبْلُ وَأَدَّى مِنْ كَسْبِهِ، وَلَو لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مُعَامَلَةٍ بَلْ أَطْلقَ فَفِي القَبُولِ خِلاَفٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الحَجْرِ بِدَيْنٍ أَسْنَدَهُ اِلَى حَالَ الإذْنِ فَالظَّاهِرُ رَدُّهُ لأَنَّهُ في الحَالِ عَاجِزٌ عَنْ إِنْشَائِهِ.
قال الرافعي: أحد المحجورين الرقيق، وإذا أقر إما أن يقر بما يوجب عليه عقوبة، أو بغيره.
أما القسم الأول: كالإقرار بالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، وما يوجب القصاص في النفس، والطرف، فذلك مقبول، ويقام عليه موجب ما أقر به، خلافاً لِأَحْمَدَ وَالمُزَنِيِّ حيث قالا: لا يقبل إقراره على نفسه بالعقوبات؛ لأنه ملك السيد، والإقرار في ملك الغير لا يقبل.
ويروى عن أَحْمَدَ: أنه لا يقبل إقراره بما يوجب القتل، ويقبل بما يوجب سائر العقوبات.
لنا ما روي أَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- قطع عبداً بإقراره 95، وأيضاً فإنه لو ظهر الحال بالبينة لأقيمت عليه العقوبات، فإذا ظهر بالإقرار كان أولى؛ لأنه أبعد عن التهمة، فإن كل نفس مجبولة على حب الحياة، والاحتراز عن الآلام.
وإذا أقر بسرقة مال توجب القطع قُبِلَ في القطع وفي قبوله في المال قولان إذا كان المقر بسرقته تالفًا: أحدهما: أنه يقبل ويتعلق الضمان برقبته؛ لأن إقراره لما تضمن عقوبة القطع انقطعت التهمة عنه.

الجزء: 5 - الصفحة: 277

وأصحهما: أنه لا يقبل، كما لو أقر بمال، ويتعلق الضمان بذمته إلَّا أن يصدقَ السيد، فيقبل، وإن كان المقر بسرقته باقيًا، نظر إن كان في يد السيد لم ينزع من يده إلاَّ بتصديقه، كما لو أقر حُرُّ بسرقته، ودفعه إليه، وإن كان في يد العبد، فطريقان عن ابْنِ سُرَيْجٍ أن في انتزاعه القولين في التالف.
فإن قلنا: لا تنزع ثبت بدله في ذمته.
ويروى هذا عن أبي حَنِيْفَةَ رحمه الله تعالى ومالك رحمه الله تعالى ويروى عنهما أنه لا يوجب القطع أيضاً، والحالة هذه.
ومن الأصحاب مَنْ قطع بنفي القبول في المال، كما لو كان في يد السيد؛ لأن يده يد السيد، ويخالف ما لو كان تالفًا؛ لأن غاية ما في الباب ذوات رقبته على السيد، إذا بيع في الضمان، والأعيان التي تفوت عليه لو قبلنا إقراره فيها لا ينضبط، فيعظم ضرر السيد، ومنهم من عكس، وقال: إنْ كان المال باقياً في يد العبد قبل إقراره، بناء على ظاهر اليد، وإن كان تالفًا لم يقبل؛ لأن الضمان حينئذ يتعلّق بالرقبة، وهو محكوم بها للسيد.
وإذا اختصرت قلت في قبول إقراره بالمال أربعة أقوال: يقبل مطلقاً، لا يقبل مطلقاً، يقبل إذا كان المال باقيًا، يقبل إذا كان المال تالفًا، وقد أوردها صاحب الكتاب مجموعة هكذا في السرقة، واقتصر هاهنا على القولين الأولين.
ولو أقر، ثم رجع عن الإقرار كان كما لو أقر بسرقة لا توجب القطع، ولو أقر بالقصاص على نفسه فعفا المستحق على مال، أو عفا مطلقاً، وقلنا: إنه يوجب المال، فوجهان: أصحهما: عند صاحب "التهذيب": أنه يتعلق برقبته، وإن كذبه السيد؛ لأنه إنما إقر بالعقوبة، والمال يؤخذ بالعفو، ولا ينظر احتمال أنه واطأه المستحق على أن يقر، ويعفو المستحق لتفوت الرقبة على السيد؛ لأن هذه التهمة ضعيفة؛ إذ المستحق ربما يموت أو لا يفي، فيكون المقر مخاطرًا بنفسه.
والثاني: أن الجواب هكذا إن قلنا: موجب العمد القصاص.
أما إذا قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي ثبوت المال قولان، بناء على الخلاف في ثبوت المال، إذا أقر بالسرقة الموجبة للقطع، وينسب هذا إلى صاحب "الإفصاح".
وأما القسم الثاني: فإذا أقر بدين خيانة من جهة غَصْبٍ، أو سرقة لا توجب القطع، أو إتلاف هنا فصدقه السيد تعلّق برقبته، كما لو قامت عليه بينه، فيباع فيه إلاَّ أن يختار السيد الفداء، وإذا بيع فيه، وبقي شيء من الدَّين، فهل يتبع به إذا عتق؟

الجزء: 5 - الصفحة: 278

فيه قولان مذكوران في "الجنايات" (1). وإنْ كذبه السيد لم يتعلّق برقبته، ولكن يتعلق بذمته يتبع به إذا عتق، ولا يخرج على الخلاف، فيما إذا بيع في الدَّين، وبقي شيء؛ لأنه إذا ثبت التعلق في الذمة، فكان الحق الحصر فيها، وتعينت محلاًّ للأداء.
وفي "النهاية" أن القياسيين خرجوه على ذلك الخلاف، وقالوا: الفاضل عن قدر الدَّين غير متعلق بالرقبة، كما أن أصل الحق غير متعلّق بها هاهنا.
ولو أقر بدين معاملة، نظر إنْ لم يكن مأذونًا له في التجارة، فلا يقبل إقراره على السيد، ويتعلق المقر به بذمته يتبع به إذا أعتق، ولا فرق فيه بين أن يصدقه السيد، أو يكذبه، وإن كان مأذونًا له في التجارة قبل وأدى من كسبه، وما في يده إلاَّ إذا كان مما لا يتعلق بالتجارة، كالقرض، فلو أطلق المأذون الإقرار بالدَّين، ولم يبين جهته، فينزل على جهة دين المعاملة، أو لا ينزل على ذلك لاحتمال أنه أراد دين الإتلاف فيه وجهان: وأظهرهما: الثاني، ولا فرق في دَيْن الإتلاف بين المَأْذُونِ وغيره، ولو حجر عليه، فأقر بعد الحجر بِدَيْن معاملة أسنده إلى حال الإذن، ففيه وجهان مبنيان على القولين، فيما لو أقر المفلس بدين لزمه قبل الحجر يقبل، هل في مزاحمته الغرماء.
والأظهر: هاهنا المنع لعجزه عن الإنشاء في الحال، وتمكن التهمة.
وإذا عرفت ما ذكرناه لم تخفف عليك المواضع التي ينبغي أن تعلم بعلامات الاختلاف، ورأي الإمام رحمه الله تعالى: أن يخرج وجوب القطع في مسألة الإقرار بالسرقة، إذا لم نقبله في المال على الخلاف فيما إذا أقر الحر بسرقة مال زَيْدٍ، هل يقطع قبل مراجعة زيد؟ وذلك لارتباط كل واحد منهما بالآخر، وعلى هذا يجوز إعلام قوله: "ووجب عليه القطع" بالواو.

فرع

قال في "التتمة": من نصفه حر، ونصفه رقيق إذا أقر بدين جناية لم يقبل فيما يتعلّق بالسيد، إلا أن يصدقه، ويقبل في نصفه، وعليه قضاؤه مما في يده، وإن أقر بدين معاملة، فمتى صححنا تصرفه قبلنا إقراره عليه، وقضيناه مما في يد، ومتى لم نصححه فإقراره كإقرار العبد.96

الجزء: 5 - الصفحة: 279

فرع آخر

إقرار السيد على عبده بما يوجب عقوبته مردود، وبدين الجناية مقبول، إلاَّ أنه إذا بيع فيه 97، وبقي شيء لم يتبع به بعد العتق، إلاَّ أن يصدقه، وكذا إقراره بدين المعامله لا يقبل على العبد 98 والله أعلم.
قال الغزالي: وَالمَرِيِضُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ , عَنِ الإقْرَارِ في حَقِّ الأَجَانِبِ، وَفِي حَقِّ الوَارِثِ أيْضَاً عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ وَهَبَ مِنَ الوَارِثِ فِي الصِّحَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ لِعَجزِهِ عَنِ الإِنْشَاءِ فِي الحَالِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرقٍ فَمَاتَ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرَقٍ فَيَتَزَاحَمَانِ، أَوْ يُقَدَّمُ إِقْرَارُ المُوَرِّثِ لِوُقُوعِ إِقْرارِ الوَارِث بَعْدَ الحَجْرِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنِ مَالِه في المَرَضِ لِشَخْصٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرَقٍ سَلَّمِ العَيْنَ لِلْأَوَّلِ وَلاَ شيء لِلثَّانِي لأنَّهُ مَاتَ مُفْلِسًا، وَإِنْ أَخَّرَ الإِقْرَارَ بِالعَيْنِ فَكَمِثْلٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَّرَ أنه إذا تأخّر يَتَزَاحَمَانِ.
قال الرافعي: ومن المحجورين المريض مرض الموت، وفي إقراره مسألتان إحداهما: يصح إقراره بالنكاح بموجبات العقوبات، وكذا لو أقر بَديْن، أو عين لأجنبي، وفي إقراره للوارث طريقان: أحدهما: أنه على القولين: أحدهما: أنه لا يقبل، وبه قال أَبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله، ولأنه موضع التهمة يقصد حرمان بعض الورثة، فأشبه الوصية للوارث.
وأصحهما: القبول، كما لو أقر الأجنبي وكما لو أقر في حال الصحة، والظاهر أنه لا يقر إلاَّ عن حقيقة، ولا يقصد حرمانًا فإنه انتهى إلى حال يصدق فيها الكاذب ويتوب الفاجر.

الجزء: 5 - الصفحة: 280

والثاني: القطع بالقبول وحمل قول الشَّافعي -رضي الله عنه-، فيمن أجاز الإقرار لوارث أجازه، ومن أبى رده على حكايته مذهب الغير، وهذه الطريقة أصح عند صاحب الكتاب.
والأكثرون رجحوا طريقة القولين ونقلوا عن "الإملاء" نصه على المنع.
وفي "تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ"، أنه رجع إليها بعد ما كان يقول بطريق القطع بالقبول.
وقال مالك رحمه الله: إن كان المقر منهما لم يقبل إقراره، وإلاَّ قبل، ويجتهد الحاكم فيه، واختاره القاضي الروياني لفساد الزمان.

التفريع

إن قلنا: لا يقبل، فالاعتبار في كونه وراثًا بحال الموت، أم بحال الإقرار؟ قيل: فيه وجهان.
وقيل: قولان: الجديد: أن الاعتبار بحال الموت، كما في الوصية، وهذا لأن المنع من القبول كونه وارثًا، والوراثة تتعلق بحالة الموت، وبهذا قال أبو حنيفة.
والقديم وبه قال مالك رحمه الله أن الاعتبار بحال الإقرار؛ لأن التهمة حينئذ تمكن.
والأول: أظهر في المذهب وأشهر.
وبالثاني: قال أَبُو إِسْحَاقَ، واختاره القاضي الروياني.
فعلى الأول: لو أقر لزوجته، ثم أبانها، أو لأخته، ثم ولد له ابن صَحَّ الإقرار، ولو أقر لأجنبية، ثم نكحها، أو لاخته، وله ابن فمات لم يصح.
وعلى الثاني: الحكم فيهما بالعكس، ولو أقر في المرض بأنه كان قد وهب من وارثه، وأقبض في الصحة، أشار الإمام رحمه الله إلى طريقين.
أحدهما: القطع بالمنع لذكره ما هو عاجز عن إنشائه في الحال.
والثاني: أنه على القولين في الإقرار للوارث، ورجح صاحب الكتاب هاهنا عدم القبول، واختار القاضي الحُسَيْنُ القبول 99؛ لأنه قد يكون صادقًا فيه، فليكن ذلك له طريقًا إلى إيصال الحق إلى المستحق.
ولو أقر لوارثه ولأجنبي معاً، هل يصح في نصفه للأجنبي إذا لم يقبل؟ فيه قولان لابن سُرِيْجٍ، الظاهر الصحة.
المسألة الثانية: أقر في صحته بِدَيْنٍ لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر، فهما سواء،

الجزء: 5 - الصفحة: 281

كما لو ثبتا بالبينة، وكما أقرّ بهما في الصحة، أو المرض 100. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقدم ما أقر به في الصحة حتى لو لم يفضل عنه شيء، فلا شيء له.
ولو أقر في صحته، أو مرضه بدين، ثم مات، فأقر وارثه عليه بدين آخر، فوجهان: أحدهما: أنهما سواء يتضاربان في التركة، كما لو ثبت الدَّيْنَانِ بالبينة، وكما لو أقر بهما في حياته، فإن الوارث خليفته وإقراره كإقراره.
101 والثاني: أنه يقدم ما يقر به المورث؛ لأنه بالموت تعلّق بالتركة، فليس للوارث صرف التركة عنه، والوجهان جاريان فيما لو أقر لوراث بِدَيْنٍ عليه، ثم أقر لآخر بدين آخر عليه، وهما مبنيان على أن المحجور عليه بالفلس، إذا أقر بدين أسنده إلى ما قبل الحجر، هل يقبل إقراره في زحمة الغرماء؟ وفيه قولان، والتركة كمال المحجور عليه من حيث إن الورثة ممنوعون من التصرف فيها، وهذا معنى قوله في الكتاب: "لوقوع إقرار الوارث بعد الحجر" وإطلاقه القولين في المسألة خلاف رواية الجمهور، فإنهم جعلوها وجهين، ويمكن تنزيلهما على أنهما مخرجان من مسألة المفلس.
وقوله في تصوير المسألة: "بدين مستغرق" قيد الاستغراق غير محتاج إليه، بل الخلاف ثابت فيما إذا زادت التركة على قدر الدَّين الأول.
ففي وجه يوزع عليهما.
وفي وجه يوفي الأول بتمامه، ويصرف الفاضل إلى الثاني، ولو ثبت عليه دَيْنٌ في حياته بالبينة، ثم مات فأقر وارثه عليه بدين، جرى الخلاف أيضاً، فإذاً ليس من الشرط أن يكون ثبوت الدين الأول بالإقرار وما الأظهر من الخلاف؛ أشار بعضهم إلى ترجيح وجه التقديم.
وقال في "التهذيب" التسوية أصح، وهو موافق لما مر في مسألة المفلس، وإن ثبت عليه دَيْنٌ في حياته، أو موته، ثم ترد بهيمة في بئر كان قد احتقرها في محلّ عدوان، ففي مزاحمة صاحب البهيمة رب الذين القديم ما سبق، فيما إذا جنى المفلس

الجزء: 5 - الصفحة: 282

بعد الحجر عليه، قاله في "التتمة"، وإذا مات، وخلّف ألف درهم، فجاء مدعٍ وادعى أنه أوصى له بثلث ماله، فصدقه الوراث، ثم جاء آخر، وادعى عليه ألف درهم دينًا، فصدقه الوراث قيل يصرف الثلث إلى الوصي لتقدمها.
وقيل: يقدم الدين على الوصية كما هو وضع الشرع فيهما، وهذا يخرج على قولنا بأن إقراري الوارث والموروث يتساويان، ولو صدق مدعي الدَّين أولاً صرف المال إليه على قياس الوجهين جميعًا، ولو صدق المدعيين معًا، فالحكاية عن أكثر أنه يقسم الألف بينهما أرباعًا؛ لأنَّا نحتاج إلى الألف للدَّين، وإلى ثلث الألف للوصيه، فيتزاحم على الألف وثلث الألف، فيخص الوصية بثلث عائل، وهو الربع.
وعن الصيدلاني: أنه تسقط الوصية، ويقدم الدَّين، كما ثبتا بالبينة، وهذا هو الحق سواء قدمنا عند ترتيب الإقرارين الأول منهما، أو سوينا بينهما, ولو أقر المريض بعين ماله لإنسان، ثم أقر بدين لآخر مستغرق، أو غير مستغرق سلمت العين وللمقر له بها, ولا شيء للثاني؛ لأنه مات المقر، ولا يعرف له مال، ولو أقر بالدَّين أولا، ثم أقر بعين ماله فوجهان: أصحهما: أن الحكم، كما في الصورة الأولى؛ لأن الإقرار بالدَّين لا يتضمن حجرًا في العين، ألا ترى أنه تنفذ تصرفاته فيه؟ والثاني: وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: أنهما يتزاحمان؛ لأن لأحد الإقرارين قوة السبق، وللآخر الإضافة إلى العين، فاستويا, ولا يخفى أن التعرض للاستغراق في المسألة اتفاق غير محتاج إليه، والله اعلم.
ويشترط في المقر الاختيار، فإقرار المكره على الإقرار باطل، كسائر تصرفاته 102.

الجزء: 5 - الصفحة: 283

قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّانِي): المقولة وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِلاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ قَالَ لِهَذَا الحِمَارِ عَلَيَّ أَلْفٌ بَطُلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: بِسَبَبِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ لزمه لِمَالِكِهِ عَلَى تَقْدِيِرِ الاسْتِئجَارِ، وَلَوْ أَقَرَّ لِعَبْدٍ لزم الَحّقِ لِمَوْلاهُ، وَلَوْ قَالَ: لَحَمْل فُلانَةَ عَلَيَّ أَلْفٌ من أُرْثِ أَوْ وَصِيَّةٍ قُبِلَ، وَلَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَذْكُرِ الجِهَةَ فَظَاهِرُ الَنَّصِّ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ وَيَنْزِلُ عَلَى هَذَا الاِحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْمَقْبَرَةِ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ أَضَافَ إِلَى وَقْفٍ عَلَيْهِ قُبِلَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فعَلَى الخِلاَفِ.
قال الرافعي: يشترط في المقر له أهلية استحقاق الحق المقر به، وإلاَّ كان الكلام لغوًا وهزوًا.
وفيه ثلاثة صور: إحداها: لو قال: لهذا الحمار، أو لدابة فلان عليّ ألف بطل إقراره، ولو قال: بسببها عليّ ألف صح، ولزمه حملاً على أنه جنى عليها، أو أكثرها.
وعن الشيخ أَبِى عَاصِمٍ العبادي وجه: أنه لا يصح؛ لأن الغالب لزوم المال بالمعاملة، ولا تتصور المعاملة معها.
ولو قال: لعبد فلان عليّ أو عبدي كذا، صح، وكان الإقرار لسيده، ويخالف مسألة الدابة؛ لأنه لا يتصور المعاملة معها، وتتصور مع العبد، والإضافة إليه كالإضافة في الهِبَةِ، وسائر الإنشائات.
وقوله في الكتاب: "ولو قال: بسببه عليّ ألف لزمه لمالكه" -المراد ما إذا قال = أحدهما: أن يقال إقراره إن كان صادقاً لم يعمل به الإكراه، وإن كان كاذبًا لم يعمل به لأن الكذب باطل.
والثاني: أن يقال إن كان صدقاً عمل به لأن الصدق يجب العمل به، وإن كذباً فهو غير مكره عليه فيعمل به، والمسألة محتملة، والظاهر التفصيل وهو أن يقال إن كان المكره عالماً بالصدق، فهو إكراه لأنه لا يخليه إلا بذلك، وهذا يتصور في السلطان إذا علم قضية، وقلنا: لا يحكم بعلمه فأكره صاحبها لصدق بحضرة الشهود، فهذا أقر لم يقبل وإن لم يكن المكره عالماً بالقضية، فكل الأخبار في حقه سواء، فلا يكون الإقرار المأتي به مكرهاً عليه فيقبل، والقبول بعد الضرب في صورة الإكراه على الشيء بعينه.
نص عليه الشَّافعي -رحمه الله- إذاً لم يحدث له خوف له سبب، فإن حدث فإقراره انتهى أي كلام السبكي.
والولاة في هذه الأزمان يأتيهم من يتهم آخر بسرقة أو قتل ونحوهما، فيضربونه ليقر بالحق، ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه، والصواب إن هذا إكراه سواء أقر حال ضربه أو بعده، وعلم إنه لو لم يقر بذلك لضرب ثانياً.
ينظر الروضة 4/ 10.

الجزء: 5 - الصفحة: 284

لمالكه: بسببه على ألف، فأما إذا اقتصر على اللفظ المذكور في الكتاب لم يلزم أن يكون الألف لمالك الدابة في الحال، ولكن يسأل ويحكم بموجب بيانه.
الثانية: إذا قال: لحمل فلانة على ألف أو عندي ألف، فله ثلاثة أحوال: إحداها: أن يسنده إلى جهة صحيحة، بأن يقول: ورثه من أبيه، أو يقول: أوصى به فلان له، فيعتبر إقراره، ثم إن انفصل العمل ميتاً، فلا حق له، بل هو لورثة من قال: إنه ورثه منه، أو للموصى أو ورثته إن أسنده إلى وصيته، وإن انفصل حياً، فإن انفصل لما دون ستة أشهر من يوم الإقرار استحق؛ لأنا تيقنَّا وجوده يومئذ.
وإن انفصل لأكثر من أربع سنين، فلا لأن تيقنَّا عدمه 103 يومئذ، وإن انفصل لستة أشهر، أو أكثر ولما دون أربع سنين، فإن كانت مستفرشة لم يستحق لاحتمال تجدد العُلُوق بعد الإقرار، والأصل عدم الاستحقاق، وعدمه عند الإقرار، فإن لم تكن مستفرشة، قولان: أحدهما: أنه لا يستحق؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الإقرار.
وأظهرهما: الاستحقاق؛ إذ لا سبب في الظاهر يتجدد به العلوق والظاهر وجوده وقت الإقرار لحكم ثبوت نسبه ممن كانت فراشاً له.
وإذا ثبت الاستحقاق، فإن ولدت تلك المرأة ذكراً فهو له، وإن ولدت ذكرين فصاعدًا فلهم بالسوية، وإن ولدت أنثى، فهو لها إن أسنده إلى وصية، وإِن أسنده إلى الإرث من الأب، فنصفه لها، وإن ولدت ذكراً وأنثى، فهو بينهما بالسوية، إن أسنده إلى وصية، وثلثاه إن أسنده إلى الإرث من الأب.
وقوله: "ونصفه لها" وهذا إذا اقتضت جهة الوراثة ما ذكرنا، فان اقتضت التسوية بأن يكونا لولدي الأم كان ثلثه 104 بالسوية.

الجزء: 5 - الصفحة: 285

قال الإمام رحمه الله تعالى: ولو أطلق الإرث سألناه عن الجهة، وحكمنا بمقتضاها 105. الحالة الثانية: أن يطلق الإقرار، ففيه قولان: أحدهما: وهو ظاهر نصه في المختصر: أنه باطل؛ لأن المال في الغالب إنما يجب بمعاملة، أو جناية، ولامتناع المعاملة مع الجهل، ولا الجناية عليه.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وأبو إِسْحَاقَ: أنه يصح، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه، وإن كانت نادرة.
الثالثة: إن يسنده إلى جهة فاسدة، بأن يقول: ألف أقرضنيه، أو ثمن ما باعه مني، فإن لم نصححه بالإقرار المطلق، فهذا أولى، وإن صححناه، فطريقان: أحدهما: أنه على القولين في تعقيب الإقرار بما يرفعه 106. وأظهرهما: الصحة؛ لأنه عقبه بما هو غير مقبول، ولا منتظم، فأشبه ما إذا قال لفلان: عليّ ألف لا يلزمني، وإذا صححنا الإقرار في الحالتين الأخيرتين، فإن انفصل الحملُ مَيْتًا، فلا حق له، ويسأل المقر عن جهة إقراره من الإرث، أو الوصية، ويحكم بموجبه.
قال في "النهاية": وليس لهذا السؤال والبحث طالب معين، وكان القاضي يسأل حسبة ليصل الحق إلى المستحق، فإن مات قبل البيان كان كما لو أقر لإنسان، فرده وفي "تعليق الشيخ أَبِى حِامِدٍ" أنه يطالب ورثته ليفسروا، فإِن انفصل حيًا للمدة التي قدرنا من قبل، فالكل له ذكراً كان أو أنثى، وإن انفصل ذكراً وأنثى، فهو لهما بالسوية، لأن ظاهر الإقرار يقتضي التسوية، ومن المحتمل أن تكون الجهة الوصية، ومتى انفصل حي وميت، فيجعل الميت كان لم يكن، وينظر في الحي على ما ذكرنا, ولو أقر بحمل = على السواء.
وكذا ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين، لكن في تعليق القاضي حسين "والنهاية" "وشرح التلخيص" للشيخ أبي علي أن لهما الثلثين منه، ويرد الباقي إلى ورثة الأول.
انتهى.
وما ذاكره عن القاضي والشيخ أبي علي والنهاية ظاهر، وقول الشيخ "هذا إذا اقتضت جهة الوارثة إلى قوله سوّى بينهما في الثلث" نقل في الخادم عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ أنه جميعه بينهما.

الجزء: 5 - الصفحة: 286

جارية، أو بهيمة لإنسان، ففيه التفصيل المذكور فيما إذا أقر للحمل، فإن قال: إنه أوصى له به صح، وينظر كم بين انفصاله، وبين يوم الإقرار من المدة على ما سبق، وفي حمل البهيمة يرجع إلى أهل الخبرة، وإن أطلق أو أسند إلى جهة فاسدة خرج على ما تقدم من الخلاف 107. ولو أقر بالحمل لرجل وبالام لاخر إن جوزنا الإقرار بالحمل صحَّ الإقرار، وإلاَّ فلا.
قال صاحب "التهذيب": هما جميعاً للآخر، وهذا البناء على أن الإقرار بالحامل إقرار بالحمل، وفيه خلاف يأتي من بعد.
الصورة الثالثة: لو أقر لمسجد، أو مقبرة، أو نحوها بمال، وأسنده إلى جهة صحيحة، كغلّة وقف عليه صح، وإن أطلق فعلى وجهين تخريجًا من القول في مسألة العمل، وعلى قياسه ما إذا أضاف إلى جهة فاسدة 108.

الجزء: 5 - الصفحة: 287

قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يُكَذِّبَهُ المُقِرُّ لَهُ فإِنْ كَذَّبهُ لَمْ يُسْلَمُ إِلَيْهِ وَيُتْرَكُ فِي يَدِ المُقِرِّ في وَجْهٍ، وَيَحْفَظُهُ القَاضِي فِي وَجْهٍ، فَإِنْ رَجَعَ المُقَرُّ لَهُ عَنِ الإِنْكَارِ سُلِّم إِلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ المُقِرُّ في حَالِ إِنْكارِ المُقَرِّ لَهُ، فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لا يقبل لأنه أَثْبَتَ الحَقَّ لِغَيْرِه بِخِلاَفِ المُقَرِّ لهُ فَإنَّهُ اَقْتَصَرَ علَى الإِنْكَارِ.
قال الرافعي: يشترط في الحكم بالإقرار عدم تكذيب المقر له في إنكاره، وإن لم يشترط قبوله لفظًا على رسم الإيجاب والقبول في الإِنشاءات، فإن كذبه نظر إن كان المقربه مالاً لم يدفعه إليه وفيما يفعل به ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه يترك في يد المقر 109، كما كان؛ لأن يده تشعر بالملك ظاهراً، والإقرار الثاني عارضه إنكار المقر له فيسقط، وأيضاً فإنا لا نعرف مالكه، ونراه في يد المقر، فهو أولى الناس بحفظه.
وثانيها: واختاره صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه ينتزعه القاضي، ويتولى حفظه إلى أن يظهر مالكه، فإنه في حكم مال ضائع، فيحتاط لمالكه، فإن رأى استحفاظ صاحب اليد، فهو كما لو استحفظ عدلاً آخر.
وثالثها: أنه يخير المقر له على القبول والقبض، وهو بعيد.
وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: موضع الخلاف ما إذا قال صاحب اليد هذا لفلان، وكذبه فلان، فأما إذا قال صاحب اليد للقاضي: في يدي مال لا أعرف مالكه، فالوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه.
وأبعد بعضهم فلم يجوز انتزاعه هاهنا, ولو رجع المقر له عن الإنكار، فصدق المقر، فقد حكى الإمام رحمه الله الجزم بقبوله، وتسليم المقربه إليه، لكن الأظهر، وهو الذي أورده المُتَوَلِّى وغيره تفريعه على الخلاف السابق.

الجزء: 5 - الصفحة: 288

إنْ قلنا: يترك في يد المقر فهذا حكم منا ببطلان ذلك الإقرار، فلا يصرف إلى المقر له إلاَّ بإقرار جديد.
وإن قلنا: إنه ينتزعه القاضي، ويحفظه، فكذلك لا يسلم إليه، بل لو أراد إقامة البينة على أنه ملكه لم تسمع، وإنما يسلم له، إذا

فرع

نا على الوجه البعيد، فإن الظاهر أنه لا يسلم إليه، على خلاف ما ذكر في الكتاب، ولو رجع المقر في حال إنكار المقر له، وقال: غلطت، أو تعمدت الكذب لم يقبل رجوعه، إن قلنا: ينتزعه القاضي، وإن تركناه في يده، فعلى وجهين، رواهما الإمام رحمه الله: أظهرهما: عنده، وعند صاحب الكتاب: أنه لا يقبل أيضاً، بناء على أنه لو عاد المقر له إلى التصديق قُبل منه، فإذا كان ذلك متوقعًا لم يلتفت إلى رجوعه.
والثاني: أنه يقبل، بناء على أن الترك في يده إبطال الإقرار، وقضية كلام الأكثرين ترجيح هذا الوجه ويعزى إلى ابْنِ سُرَيْجٍ، ومن قال به لا يسلم لصاحب الكتاب قوله؛ "لأنه أثبت الحق لغيره"، بل يقول: يشترط كونه إثباتًا سلامته مع معارضة الإنكار، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان الإقرار بثوب ونحوه، وأما إذا كان إقراره بعبد، فأنكر ففيه وجهان: أحدهما: يحكم بعتقه؛ لأن صاحب اليد لا يدعيه، والمقر له ينفيه، فيصير العبد في يد نفسه، فيعتق، وهذا كما إذا أقر اللقيط بعد البلوغ بأنه مملوك زيد، فأنكر يحكم بحريته.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه مملوك بالرق، فلا يرفع إلاَّ بيقين، وتخالف صورة اللقيط، فإنه محكوم بحريته بالدار، فإذا أقر، ونفاه المقر له بقي على أصل الحرية، فعلى هذا الحكم فيه ما ذكرنا في الثوب وغيره، فإن كان المقر به قِصَاصًا، أو حد قذف، وكذبه المقر له سقط الإقرار، وكذا لو أقر بسرقة توجب القطع، فأنكر رب المال السرقة، فلا قطع، وفي المال ما سبق، وإن أقرت بالنكاح، وأنكر سقط حكم الإقرار في حقه.

فرع لو قال من في يده عبدان: إن أحد هذين العبدين لفلان طولب بالبيان، فلو عيّن أحدهما، فقال المقر له إن عبدي هو الآخر، فهو مكذب للمقر في المعين، ومدعٍ في العبد الآخر.

فرع ادّعى على آخر ألفًا من ثمن مبيع فقال المدعى عليه: قد أقبضتك الألف، وأقام بينة على إقراره بالقبض يوم كذا، وأقام المدعي بينة على إقرار المشتري بعد بينته، بأنه ما أقبضه الثمن بعد، سُمعت وألزم المشتري الثمن؛ وإن قامت البينة على إقراره بالقبض، فقد قامت أيضاً على أن صاحبه كذبه، فيبطل حكم الإقرار، ويبقى الثمن على

الجزء: 5 - الصفحة: 289

المشتري، ويعتبر في المقرّ له شرط آخر، وهو أن يكون معيناً، فلو قال لإنسان أو لواحد من بني آدم أو من أهل البلد: عليّ ألف، هل يصح إقراره؟ خرّجه الشيخ أبُو عَليٍّ عَلَى وجهين، بناء على أنه إذا أقر لمعين بشيء، وكذبه المقر له، هل يخرج من يده؟ إن قلنا: نعم؛ لأنه مال ضائع، فكذا هاهنا ويفيد الإقرار.
وإن قلنا: لا، لم يصح هذا الإقرار، وهو الصحيح.
قال في "التتمة" ولو جاء واحد، وقال: أنا الذي أردتني، ولي عليك الألف، فالقول قول المقر مع يمينه في نفي الإرادة، ونفي الألف، ويخالف الإقرار على هذا الإبهام، ما إذا قال: غصبت هذا من أحد هذين الرجلين، أو هؤلاء الثلاثة حيث يعتبر ذلك ما سنذكره، ونفرعه من بعد، والفرق أنه إذا قال هو لأحد هذين، فله مدع وطالب، فلا يبقى في يده مع قيام الطالب، واعترافه بأنه ليس له.
وإذا قال لواحد من بني آدم فلا طالب له، فيبقى له في يده، وكان الشرط أن يكون المقرّ له معيناً ضرب تعيين، تتوقع معه الدعوى والطالب.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّالثُ): المُقَرُّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بَلْ يَصِحُّ الإِقْرَارُ بِالمَجْهُولِ، وَلاَ أَنْ يَكُونْ مَمْلُوكًا لِلمُقِرِّ بَلْ لَوْ كَانَ ملكا بَطُلَ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ قَالَ: دَارِي لِفُلاَنٍ أَوْ مَالي لِفُلاَنٍ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ أنَّهُ أَقَرَّ لَهُ وَكَانَ مِلكُهُ إِلَى أَنْ أَقَرَّ كَانَتِ الشَّهَادَةُ باطلة، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلاَنٍ وَكَانَتْ مِلْكِي إلى وَقْتِ الإِقْرَارِ آخَذْنَاهُ بِأَوَّلِ كَلاَمِهِ وَلَمْ نَقْبَلْ آخِرَهُ.
قال الرافعي: لا يشترط أن يكون المقر به معلومًا، بل يصح الإقرار بالمجاهيل على ما سيأتي، ولا أن يكون مملوكًا له حين يقر [بل الشرط في الإقرار بالإعيان أن لا يكون مملوكًا له حين يقر] لأن الإقرار ليس إزالة ملك، وإنما هو إخبار عن كونه مملوكًا للمقر له، فلا بُدَّ من تقدُّم المخبر به على الخبر، فلو قال: داري هذه، أو ثوبي الذي أملكه لفلان، فهو متناقض 110، والمفهوم منه الوعد بالهبة، ولو قال: مسكني هذا لفلان يكون إقرارًا؛ لأنه أضاف إلى نفسه السّكني، وقد يسكن ملك الغير ولو شهدت بينة على أن فلانًا أقر أن له دار كذا، وكانت ملكه إلى أن أقر كانت الشهادة باطلة نص عليه، ولو قال المقر: هذه الدار لفلان، وكانت ملكي إلى وقت الإقرار فإقراره نافذ والذي ذكره

الجزء: 5 - الصفحة: 290

بعده متناقض لأوله، فيلغو كما لو قال: هذه الدار لفلان، وليست له، هذا في الأعيان، وكذلك في الديون إذا كان له دَيْنٌ على غيره في الظاهر من قَرْض، أو أجرة، أو ثمن مبيع، فقال: ديني الذي لي على زيد لعمرو، فهو باطل، ولو قال: الدَّين الذي لي، على زيد لعمرو، واسمي في الكتاب عاريَّة، فهو صحيح 111، فلعله كان وكيلاً عنه في الإقراض والإجارة والبيع، ثم عمرو يدعي المال على زيد لنفسه، فإن أنكر فهو بالخيار بين أن يقيم البينة على دَيْن المقر على زيد، ثم على إقراره له بما على زيد، وبين أن يقيم البينة أولاً على الإقرار، ثم على الدَّين، ذكره القَفَّالُ.
واستثنى صاحب "التلخيص" ثلاثة ديون، ومنع الإقرار بها.
أحدها: الصَّدَاق في ذمة الزوج لا تقر المرأة به.
والثاني: بدل الخلع في ذمة المرأة لا يقر للزوج به.
والثالث: أرش الجناية لا يقر به المجني عليه 112؛ لأن الصَّداق لايكون إلاَّ للمرأة،

الجزء: 5 - الصفحة: 291

وبدل الخلع إلاَّ للزوج، وأرش الجناية إلاَّ للمجني عليه، نعم لو كانت الجناية على عبد، أو مال آخر، جاز أن يقر به الغير لاحتمال كونه له يوم الجناية.
قال الأئمة: هذه الديون، وإن لم يتصور فيها الثبوت للغير ابتداءًا وتقديرًا بوكالة، ولكن يجوز انتقالها إلى الغير بالحوالة، وكذلك في البيع على قوله، فيصح الإقرار بها عند احتمال جريان الناقل، وحملوا ما ذكره صاحب "التلخيص" على ما إذا أقر بها عقيب ثبوتها، يحيث لا يحتمل جريان الناقل، لكن سائر الديون كذلك، فلا ينتظم الاستثناء بها، بل الأعيان أيضاً يرتد المستثنى به حتى لو أعتق عبده، ثم أقر له السيد، أو غيره عقيب العتق بدين، أو عين لم يصح؛ لأن أهلية الملك لم تثبت له، إلاَّ في الحال، ولم يجر بينهما ما يوجب المال، وزاد أبُو العَبَّاسِ الجُرْجَانِيُّ في الفصل شيئاً، فقال: إن أسند الأقارير الثلاثة إلى جهة حوالة، أو بيع، إِن جوزناه، فذاك، وإلاَّ فعلى قولين، بناء على ما لو أقر للحمل بمال وأطلق.
قال الغزالي: نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ المُقَرُّ بِهِ تَحتَ يَدِهِ وَتَصَرُّفهِ، فَلَوْ أَقرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ في يَدِ غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى شِرَائِهِ صَحَّ تَعْوِيلاً عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ اليَدِ، ثُمَّ قِيلَ شِراءٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ فِدَاءٌ مِنْ جَانِبِهِ بِيْع من جَانِبِ البَائِعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالمَجْلِسِ لاَ يَثْبُتُ فِيهِ، كَمَا لاَ يَثْبُتُ في بَيْعِهَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ في بَيْعِ العَبْدِ مِنْ قَرِيبهِ الَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُحْكَم بِعِتْقِ العَبْدِ عَلَى المُشْتَرِي وَلاَ يَكَونُ الوَلاَءُ لَهُ وَلاَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ مَاتَ العَبْدُ وَلَهُ كَسْبٌ فَلِلْمشْتَريِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تَرْكَتِهِ قَدْرَ الثَّمَنِ لِأنَّهُ إِنْ كَذَّبَ فَكُلُّهُ لَهُ، وَإِنْ صَدَّقَ فَهُوَ لِلبَائِعِ وَلَهُ الوَلاَءُ وَقَدْ ظَفِرَ هُوَ بِمَالِهِ هَكذَا ذَكرَهُ المُزَنِي رَحِمَهُ الله، وَمِنَ الأَصْحَابِ مَنْ خَالَفَهُ لأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ في هَذهِ الَجِهةِ.
= قال الأذرعي: فيما نقله عن أبي حاتم نظر وحاصل منقوله موافقة صاحب "التلخيص".
وأما أمره الثاني فعجيب إذا تؤمل، وأما أمره الثالث، فلا شك أن كل حق شارك الثلاثة في معناها كان حكمه حكمها, ولم يرد بها حقيقة الحصر، وقال القفال بعد ذكره كلام التلخيص: إذا أقر لرجل بما هو في ذمة آخر، فالجملة في ذلك أن كل مال احتمل أن يكون ذلك في أصله للمقر له.
حكم بصحة الإقرار، وإن كان لا يحتمل أن يكون ذلك في أصله للمقر له به، فذلك الإقرار باطل، ثم ذكر مثله.
قال في الخادم: تسليمهم لصاحب "التلخيص" أن هذه الديون لا يتصور لغير من ذكر ممنوع، أما الصداق فإنه يتصور لغير المرأة، فإن الأمة يكون صداقها لسيدها فيما إذا أوصى بمنفعة أمة، فقيل الموصى له الرصية ثم أعتقها الوارث، ولنا صور أُخرى نذكرها إن شاء الله -تعالى- في أول الصداق.
وأما الخلع فإن عوضه يكون لسيد العبد.
قال: ويزاد على الديون الثلاثة رابع، وهو إقرار الزوجة بالنفقة والكسوة، وزاد الماوردي في الإقناع أن يقر بحمل بهيمة لغيره.

الجزء: 5 - الصفحة: 292

قال الرافعي: قوله: "يشترط أن يكون المقر به تحت يده، وتصرفه أراد به أنه إذا لم يكن تحت يده لم يسلطنا إقراره على الحكم بثبوت الملك للمقر له، بل يكون ذلك دعوى، أو شهادة، وليس معناه: أنه يلغو قوله من كل وجه، بل لو حصل المقرّ به في يده يوماً من الدهر في يده يؤمر بتسليمه إليه فلو قال: العبد الذي في يد زيد هو مرهون عند عمرو بكذا، ثم حصل العبد في يده، يؤمر ببيعه في دين عمرو، ولو أقر بحرية عبد في يد غيره، أو شهد بحريته، فلم تقبل شهادته لم يحكم بحريته في الحال، ولو أقدم المقر على شرائه، صح تنزيلاً للعقد عَلَى قول من صدقه الشرع، وهو صاحب اليد البائع، ويخالف ما إذا قال: فلانة أختي من الرضاع، ثم أراد أن ينكحها لا نمكنه منها؛ لأن في الشراء غرض استنقاذه من أسر الرِّق، ومثل هذا الغرض لا يوجد هناك، فيمنع من الاستمتاع بفرج اعترف بأنه حرام عليه، ثم إذا اشتراه حكم بحرية العبد، وأمر برفع اليد عنه، ثم للإقرار حالتان: إحداهما: أن تكون الصيغة أنك أعتقته، وتسترقه ظلمًا، وهي التي تكلم بها في الكتاب، فالعقد الجاري بينه، وبين البائع ما حكمه أهو شراء أم افتداء؟ حكى الإمام صاحب الكتاب فيه أوجهًا ثلاثة: أصحها: أنه بيع من جهة البائع، وافتداء من جهة المقر.
والثاني: أنه بيع من الجانبين.
والثالث: أنه افتداء من الجانبين، وهذا الثالث مما ينبو الطبع عنه في جانب البائع، وكيف يتنظم أن يقال: إنه يأخذ المال لينقذ من يسترقه ويعرفه حرًا يفتديه، بل لو قيل فيه المعنيان جميعاً، والخلاف في أن الأغلب منهما ما إذا كان، أو بما رآه، والمعتمد الذي رواه الأكثرون أنه بيع من جانب البائع لا محالة، ومن جانب المشتري وجهان: أحدهما: أنه شراء، كما في جانب البائع.
وأصحهما: أنه افتداء لاعترافه بحريته، وامتناع شراء الحر، وينبني على هذا الخلاف الكلام في ثبوت الخيار في هذا العقد.
أما البائع، فيثبت له خيار المجلس، والشرط بناء على ظاهر المذهب في أنه بيع من جانبه، ولو كان البيع بثمن معين، فخرج معيبًا، ورده كان له أن يسترد العبد، بخلاف ما لو باع عبداً، أو أعتقه المشتري، ثم خرج الثمن المعين معيبًا، ورده حيث لا نسترد العبد، بل يعدل إلى القيمة لاتفاقهما على العتق هناك.
وأما المقر المشتري، فإِن جعلناه شراءً في حقه فيه الخيار، وإن جعلناه فداء،

الجزء: 5 - الصفحة: 293

فلا، وعلى الوجهين لا رد له لو خرج العبد معيبًا، لكن يأخذ الأرش على وجه الشراء، ولا يأخذ على الوجه الآخر.
وذكر الإمام رحمه الله أنه إذا لم يثبت خيار المجلس للمشتري، ففي ثبوته للبائع وجهان؛ لأن هذا الخيار لا يكاد يتبعّض.
وقوله في الكتاب: "والصحيح أن خيار الشرط والمجلس لا يثبت فيه ... " إلى آخره يشعر بإثبات الخلاف فيه، نعم مع الحكم بكونه شراءً وبيعًا لا ستعقابه العتق، كالخلاف في شراء القريب.
واعلم أن مسألتي بيع العبد من نفسه، وبيعه من قريبه قد ذكرناهما بما فيهما في "البيع" وتبين أن كلامه في شراء القريب، بخلاف كلام الأكثرين، والحكم بأن الصحيح هاهنا منع الخيار غير مسلم على إطلاقه، بل الصحيح ثبوتهما في طرف البائع، نعم في طرف المشتري الفتوى بالمنع، بناء على أنه فداء، والله اعلم.
ثم إذا حكمنا بالعِتْقِ والحالة وهذه، فلا نقول بأن ولاءه للمشتري، لاعترافه بأنه لم يعتقه، ولا للبائع لزعمه أنه ليس بعتق، بل هو موقوف، فإن مات وقد اكتسب مالاً، فإن كان له وارث بالنسب، فهو له، وإِلاَّ فينظر إن صدق البائع المشتري أخذه، ورد الثمن، إِن كذبه وأَصَرَّ على كلامه الأول، فظاهر النص أنه يوقف المال، كما كان الولاء موقوفاً، واعترض المُزَنِيُّ فقال: للمشتري أن يأخذ قدر الثمن مما تركه، فإنْ فضل شيء كان الفاضل موقوفاً، وعلله بأن المشتري إذا كان كاذبًا، فالميت رقيق، وجميع أكسابه له أو صادقًا، فالأكساب للبائع إرثًا بالولاء، وهو قد ظلمه بأخذ الثمن، وتعذر استرداده، فإذا ظفر بماله كان له أن يأخذ به حقه.
وافترق الأصحاب في المسألة، فذهبت فرقة إلى تقرير النصين، وتخطئة المزني، فالتوجيه من وجهين.
أحدهما: أنه لو أخذ شيئاً فإما أن يأخذه بجهة أنه كسب مملوكه، وقد نفاه بإقراره، أو بجهة الظفر بمال من ظلمه، وهو ممتنع؛ لأنه أنما بذله تقربًا إلى الله -تعالى- باستنقاذه حُرَّا، فيكون سبيله سبيل الصدقات، والصدقات لا يرجع فيها.
والثانى: لا يدري أنه يأخذه بجهة الملك، أو بجهة الظفر بمال من ظلمه، فيمتنع من الأخذ إلى ظهور جهته.
وقال ابْنُ سُرَيْجٍ وأَبُو إِسْحَاقَ، وأكثر مشايخ المذهب: الأمر كما ذكره المُزَنِيُّ.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ والقاضي أَبِي حَامِدٍ أن الشَّافعي -رحمه الله- نص عليه في غير هذا الموضع، وحملوا ما ذكره هاهنا على أن ما يأخذه بجهة الولاء لا يكون موقوفاً وهو

الجزء: 5 - الصفحة: 294

ما زاد قدر الثمن، فأما المستحق بكل حال، فلا معنى للتوقف فيه.
قالوا: ويجوز الرجوع في المبذول على جهة الفدية، كما لو فدى أسيرًا في يد المشركين، ثم استولى المسلمون على بلادهم، ووجد الباذل عين ماله أخذه.
وأما اختلاف الجهة.
فلا يسلم أنه يمتنع أخذ بعد الاتفاق على أصل الاستحقاق.
الحالة الثانية: أن يكون صفة إقراره أنه حر الأصل، وأنه عتق قبل أن اشتريته، فإذا اشتراه، فهو فداء من جهته، بلا خلاف، كذلك وذكر صاحب "التهذيب".
وإذا مات وقد اكتسب مالاً، وليس له وارث، فالمال لبيت المال؛ وليس للمشتري أن يأخذ منه شيئاً؛ لأن تقدير صدقه لا يكون المال للبائع حتى يأخذ عوضاً عن الثمن، ولو مات العبد قبل أن يقبضه المشتري؛ لم يكن للبائع أن يطالبه بالثمن؛ لأنه لا حرية في زعمه، والمبيع قد تلف قبل القبض، هذا شرح المسألة، وقد اندرج فيه بعض ما يتعلّق بلفظ الكتاب خاصة.
وقوله: "ثم يحكم بعتق العبد على المشتري" على من صلة الحكم، لا من صلة العتق، فإنا لا نحكم بأنه عتيق على المشتري، وإنما نحكم على المشتري بأنه عتيق.
وقوله: "لأنه غير مصدق في هذه الجهة".
أراد به ما ذكرنا في التوجيه الثاني، وشبه هذا الخلاف فيما إذا قال: لي عليك ألف ضمنته، فقال: ما ضمنت شيئاً، ولكن لك عليّ ألف عن قيمة متلف، والأصح الثبوت، وقطع النظر عن الجهة.

فرع

لو استأجر العبد المقر بحريته بدلاً عن الشراء لم يحل له استخدامه، والانتفاع به، وللمكري مطالبته بالأُجرة 113، ولو أقر بحرية جارية ثم قبل نكاحها منه لم يحل له وطؤها, وللمزوج مطالبته بالمهر 114.

الجزء: 5 - الصفحة: 295

فرع آخر

لو قال: العبد الذي في يدك غصبته من فلان، ثم اشتراه منه، ففي صحة العقد وجهان، نقلهما الإمام رحمه الله: أصحهما: الصحة، كما لو أقر بحريته، ثم اشتراه والثاني: المنع؛ لأن الصحيح ثم الافتداء والانقاذ من الرق، ولا يتجه مثله في تخليص ملك الغير.
ثالث: لو أقر بعبد في يده لزيد، وقال العبد: بل أنا ملك لعمرو يسلم إلى دون عمرو، ولأنه في يد من يسترقه، لا في يد نفسه، فلو أعتقه لم يكن لعمرو تسليم رقبته، والتصرف فيها أيضاً لما فيها من إبطال الولاء على المعتق، وهل له أخذ كسابه؟ فيه وجهان: وجه المنع: أن استحقاق الأكساب فرع الربح، وإنه لم يثبت والله أعلم.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الرَّابعُ): الصِّيغَةُ، فإذَا قالَ: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ فَهُوَ إِقْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ المُدَّعِي: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَقَالَ: زِنْ أَوْ خُذْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: زِنْهُ أَوْ خُذْهُ (و) ولو قَالَ: بَلَى أَوْ أَجَلْ أَوْ نَعَمْ أَوْصَدَقْتَ أَوْ أَنَا مُقِرُّ بِهِ أَوْ لَسْتَ مُنْكِرًا له فَهُوَ إِقرَارٌ، وَلَوْ قالَ: أَنَا مُقِرٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ فَلاَ يَكُونُ إقرَارًا بِهِ، وَلوْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ بِهِ قِيِلَ: إِنَّهُ إِقْرَارٌ، وِقِيِلَ: إنَّهُ وَعْدٌ بِالإقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَقَالَ: بَلَى لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ وَالأَصَحُّ التَّسْوِيَةُ، وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ مَنِّي هِذَا العَبْدَ فَقَالَ: نَعَمْ فَهُوَ إقْرَارٌ بِالعَبْدِ.
في الفصل صور: إحداها: قول القائل كذا لفلان صيغة إقرار.
وقوله لفلان عَلَيَّ أو في ذمتي إقرار بالدين ظاهرًا.
وقوله: عندي أو معي إقرار بالعين، ولو قال: له قبلي ألف قال في "التهذيب": = تصحيح هذا النكاح إشكال؛ لأنه لا يستعقب الحل، وقول الشيخ ينبغي إلى آخرة.
قال في التوسط: فيه نظر بل ينبغي أن لا يصح إلا أن يكون ممن لا يباح له نكاح الأمة لأن أولاده يسترقون كأمهم وأيضاً، فإنما ينقدح ما ذكره إذا كان تزوجها بإذنها لا جبرًا ولا سيما إذاكانت تدعي الاعتاق فيكون النكاح باطلاً بوفاق الزوجين.
انتهى وقوله: وإذا كان تزوجها بإذنها لا جبراً كان ينبغي أن يقول: وإذن وليها المناسب إذا كان لها ولي مناسب.

الجزء: 5 - الصفحة: 296

هو دين ويشبه أن يكون هو صالح للدين والعين جميعاً 115. الثانية: إذا قال لغيره: لي عليك ألف، وقال في الجواب: زن أو خذ لم يكن إقرار؛ لأنه لم توجد منه صيغة التزام، وقد يذكر مثل ذلك من يستهزئ، ويبالغ في الجحود، ولو قال: استوف أو اتزن، فكذلك.
وفي "التتمة" نقل وجه في قوله: اتزن أنه اقرار؛ لأنه يستعمل في العادة فيما يستوفيه الإنسان لنفسه، بخلاف قوله: زن وبقال: هو مذهب أَبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- ولو قال: خذه أو زنة، فظاهر المذهب أنه ليس بإقرار أيضاً.
وقال الزبيري: إنه إقرار، ووجهه أن الكناية تعود إلى ما تقدم في الدعوى، ولو قال: سده في همنا بك، أو اجعله في كسبك أو اختم عليه فهو كقوله: زنه أو خذه، واعلم أن الوجه الذي رويناه عن الزبيري نسبه صاحب الكتاب في "الوسيط" إلى صاحب "التلخيص"، فلم يورد فيه المسألة ولو قال المدعى عليه في الجواب: بلى أو نعم أو أجل أو صدقت فهو إقرار؛ لأن هذه الألفاظ موضوعة للتصديق والموافقة، ومثله أجابوا فيما إذا قال: لعمري ولعل العرف يختلف فيه، ولو قال: أنا مقر به أو بما يدعيه، ولست بمنكر له فهو إقرار، ولو قال: أنا مقر ولم يقل به، أو قال: لست بمنكر، أو أنا أقر لم يكن إقرارًا لجواز أن يريد اقرارًا ببطلان دعواه، أو بأن الله -تعالى- واحد، وهذا يدل على أن الحكم بأن قوله: أني مقر به إقرار فيما إذا خاطبه، فقال: أنا مقر لك به، وإلا فيجوز أن يريد الإقرار به لغيره، ولو قال؛ أنا أقر به فوجهان: أحدهما: أنه ليس بإقرار لجواز أن يريد به الوعد بالإقرار في تأتي الحال.
والثاني: أنه إقرار؛ لأن قرينة الخصومة تشعر بالتمييز، ونسب الإمام -رحمه الله- الوجه الثاني للأكثرين، واختاره كذلك القاضيان الحُسَيْنُ والرُّوَيانِيُّ، ولا يحكي الثاني إلا نادرًا فضلاً عن الذهاب إليه.
وأما المختار فهو مؤيد بأنهم اتفقوا على أنه لو قال؛ لا أنكر ما تدعيه كان إقرارًا غير محمول على الوعد، ورأيت بعض أصحاب عَاصِم العَبَّادِيِّ أجاب عن هذا الإلزام بأن العموم إلى النفس أسرع منه إلى الإثبات، ألا ترى إن النكرة في معرض النفي نعم وفي معرض الإثبات لا تعم؟ ولك أن تقول: هب أن هذا الفرق بين، لكن لا ينفي

الجزء: 5 - الصفحة: 297

الاحتمال، وقاعدة الإقرار الأخذ باليقين قال الإمام رحمه الله: وبتقدير حمله على الوعد، فالقياس أن الوعد بالإقرار إقرار كما أنا نقول: التوكيل بالإقرار إقرار، ولو قال في الجواب: لا أنكر أن يكون محقًا لم يكن مقراً بما يدعيه لجواز أن يريد في شيء آخر، فلو قال: فيما تدعيه، فهو إقرار، ولو قال: لا أقر به، ولا أنكر فهو كما لو سألت، فيجعل منكرًا وتعرض عليه اليمين، ولو قال: أبرأتني عنه، أو قبضته فهو إقرار، وعليه بَيِّنة القضاء أو الإبراء.
وعن بعض الأصحاب: أن قوله: أبرأتني ليس بإقرار لقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69] وتبرئته عن عيب الأُدْرة لا يقتضي إثباته له، ولو قال: أقررت بأنك أبرأتني، واستوفيت مني لم يكن إقرارًا، ولو قال في الجواب: لعل أو عسى أو أظن أو أحسب أو أقدر لم يكن مقرًا وهاهنا مباحثة، وهو أن اللفظ وإن كان صريحًا في التصديق، فقد تنضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه إلى الاستهزاء والكذب، ومن جملة الأداء والإبراء وتحريك الرأس على شدة التعجب، والإنكار، ويشبه أن يحمل قول الأصحاب: إن صدقت، وما في معناه إقرار على غير هذه الحالة.
أما إذا اجتمعت القرائن فلا يجعل إقرارًا، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة، كما لو قال: لي عليك ألف، فقال في الجواب على سبيل الاستهزاء لك عليّ ألف فإن أبا سعيد المتولي حكى فيه وجهين.
الثالثة: لو قال: أليس لي عليك ألف، فقال: بلى كان مقراً، ولزمه الألف، ولو قال: نعم فوجهان.
أحدهما: أنه لا يلزمه؛ لأن "نعم" تصديق لما دخل عليه حرف الاستفهام، وبلى تكذيب له من حيث أن أصل بلى "بل" وزيدت عليها "الياء"، وهو الرد والأستدراك، وإذا كان كذلك فقوله: بلى رد لقوله أليس لي عليك ألف، فإنه الذي أدخل عليه حرف الاستفهام، وبقي له، ونفي النفي إثبات، فكأنه قال: لي عليك لك على ألف، وقوله: نعم تصديق له، فكأنه قال: ليس لي لك علي عليك ألف، هذا تلخيص ما نقل عن الكسائي وغيره أئمة اللُّغة، وعلى وفاقه ورد القرآن قال الله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾ [القيامة: 3، 4] وقال تعالى في لفظه نعم: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44]، وقال تعالى: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ﴾ [الشعراء: 41]، والوجه الثاني أن يكون مقرًا بأن كل واحد منهما يقام مقام الآخر في العرف، والوجه الأول هو الذي أورده صاحب

الجزء: 5 - الصفحة: 298

"التهذيب" وغيره لكن الثاني أصح عند الإمام وصاحب الكتاب، وبه أجاب الشيخ أبو محمَّد وأبو سعيد المتولى، ووجهوه بأن الأقارير تحمل على معهود العرف لا على حقائق العربية 116، ولو قال: هل لي عليك ألف، فقال: نعم فهو إقرار.
الرابعة: إذا قال اشتر مني عبدي هذا فقال: نعم فهو إقرار به للقائل، كما لو قال: اعتق عبدي هذا فقال: نعم ويمكن أن يجيء فيه خلاف ما ذكرنا في الصُّلْح فيما إذا قال: بعني هذا العبد، هل هو إقرار بالعبد للمخاطب؟ وليس في لفظ الكتاب في المسألة إضافة العبد إلى نفسه، ولكن المراد ما إذا أضاف، وكذلك صور في "الوسيط" ولو كان اللفظ اشتر مني هذا العبد كما في الكتاب، فالتصديق بنعم يقتضي الاعتراف بملكية البيع لا بأنه يملك المبيع، ولو ادعى عليه عبداً في يده، فقال: اشتريته من وكيلك فلان، فهو إقرار له، ويحلف المدعى عليه أنه ما وكل فلاناً بالبيع، ثم إنا نردف شرح صور الفصل بصور تقرب منها لو قال: له علي كذا في علمي، أو فيما أعلمه، وأشهد فهو إقرار، ولو قال: كان علي ألف لفلان، أو كانت هذه الدار في السنة الماضية له فوجهان: أحدهما: أنه إقرار في الحال بحكم الاستصحاب.
والثاني: لا؛ لأنه لم يعرف في الحال بشيء، والأصل براءة الذمة 117، ويقرب منه الخلاف فيما إذا قال: هذه داري أسكنت فيها فلاناً، ثم أخرجته منها قيل: هو إقرار باليد؛ لأنه اعترف بثبوتها من قبل، وادعى زوالها.
وعن أبي علي الزَّجَّاجي في جواب الجامع الصغير أنه ليس إقراره بالملك لزيد، ودعوى انتقالها منه؛ لأنه لم يعترف بيد فلان إلا من جهته، ولو قال: ملكتها من زيد فهو إقرار، فإن لم يصدقه زيد أمر بالرد إليه 118، ولو قال: اقض الألف الذي لي عليك، فقال: نعم فهو إقرار، ولو قال في الجواب: أعطني غداً أو أبعث من يأخذه، أو أمهلني يوماً، أو حتى أصرف الدارهم، أو حتى أفتح باب الصندوق، أو اقعد حتى تأخذ، أو لا أجد اليوم، أو لا تزال تتقاضى، أو قال: ما أكثر ما تتقاضى، والله لأقضينك فجميع هذه الصور إقرار عند أبي حنيفة رحمه الله، والأصحاب فيه مضطربون.

الجزء: 5 - الصفحة: 299

والميل إلى موافقته في أكثر الصور أكثر، وتردد بعضهم في قوله: اقض الألف الذي لي عليك، فقال: نعم أيضاً، وكذا لو قال: أسرج دابة فلان هذه، فقال: نعم، أو قال: متى تقضي حقي؟ فقال: غدًا, ولو قائل له قائل: غصبت ثوبي، فقال: ما غصبت من أحد قبلك، ولا بعدك لم يكن مقرًّا؛ لأن نفي الغصب من غيره لا يوجب الغَصْبَ منه، وكذا لو قال: ما لزيد أكثر من مائة درهم؛ لأن نفي الزائد على المائة لا يوجب إثبات المائة.
وفيه وجه آخر أنه إقرار بالمائة، ولو قال معسر: لفلان عَلَيَّ ألف درهم، إن رزقني الله مالاً، قيل: ليس بإقرار للتعليق.
وقال: هو إقرار، وذلك بيان لوقت الأداء، والأصح أن يستفسر، فإن فسر بالتأجيل صح، وإن فسر بالتعليق لغا (1). ولو شهد عليه شاهد، فقال: هو صادق، أو عدل لم يكن مقرًا.
وإن قال: صادق فيما شهد به، أو عدل فيه كان مقرًّا قاله في "التهذيب".
ولو قال: إنْ شهد عليَّ فلان وفلان أو شاهدان بكذا، فهما صادقان.
قال في "الحلية": فيه قولان.
أصحهما: أنه إقرار، وإن لم يشهدا.
وبه صاحب "التلخيص" في "المفتاح".
والثاني: أنه ليس بإقرار لما فيه من التعليق، فإن قال: إن شهدا صدقتهما لم يكن مقرًّا؛ لأن غير الصادق قد يصدق (2).

البَابُ الثَّانِي في الأَقَارِير المجملةِ

قال الغزالي: (وَهِيَ سَبْعَة): (الأوَّلُ) إِذا قَالَ لِفُلاَنٍ: عَلَى شيءٍ يَقَبَلُ تَفْسِيرَهُ بِأَقَلِّ119120

الجزء: 5 - الصفحة: 300

مَا يُتَمَوَّلُ (ح) لأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَلْ يُقْبَلُ بِحَبَّةٍ مِنَ الحِنْطَةِ فيهِ خِلاَفٌ، وَهَلْ يُقبَلُ بِالْكَلْبِ وَالسِّرْجِينِ وَجِلْدِ المَيِتْةَ؟ فيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ القَبُولُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ؛ لاَزِمٌ، وَلاَ يُقْبَلُ بِالخَمْرِ وَالخَنْزِيرِ لأَنَّهُ لاَ يَلْزَم رَدُّهُمَا، وَلاَ يُقْبَلُ بِرَدِّ جَوَابِ السَّلاَمِ وَالعِيَادَةِ فَإنَّهُ لاَ مُطَالَبَةَ بِهِمَا، وإنْ قَالَ؛ غَصَبْتُ بِشيءٍ قُبِلَ بِالخمرِ وَالخِنْزِيرِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ لَمْ يُقْبَل بِالسَّلاَمِ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
قال الرافعي: المقر به قد يكون مفصلاً، وقد يكون مجملاً مجهول الحال، وإنما احتمل فيه الإجمال؛ لأنه إخبار عن سوابق، والشيء يخير عنه مفصلاً تارة، ومجملاً تارة، ويخالف الإنشاءات، حيث لا تحتمل الجهالة، والإجمال في أغلبها احتياطًا لابتداء الثبوت، وتحرزًا عن الغرر، ولا فرق في الأقارير المجملة بين أن تقع ابتداءًا، أو في جواب دعوى معلومة، كما إذا ادعى عليه ألف درهم، وقال: لك علي شيء، والألفاظ التي تقع فيها الجهالة والإجمال لا حصر لها، فاشتغل الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب ببيان ما هو أكثر استعمالاً، ودورانًا على الألسنة ليعرف حكمهما، ويقاس بها غيرها.
منها: إذا قال: لفلان علي شيء، رجعنا في التفسير إليه، فإن فسره بما يتمول قُبل قليلاً كان أو كثيراً كفلس ورغيف وتمرة، حيث يكون لها قيمة، وإن فسره بما لا يتمول، فإما أن يكون من جنس ما يتمول أو لا يكون، إن كان كحبة من الحِنْطَةِ والشَّعِيْرِ والسِّمْسِمِ وقمع الباذنجانة، ففيه وجهان: أحدهما: لا يقبل التفسير به؛ لأنه لا قيمة له، فلا يصح التزامه، بكلمة عليّ، ولهذا لا تصح الدعوى به.
وأصحهما: القبول؛ لأنه شيء يحرم أخذه، وعلى من أخذه رده وقوله إن الدعوى به لا تسمع -ممنوع والتمرة الواحدة حيث لا قيمة لها من هذا القبيل.
وعن القاضي: أن الخلاف فيها بالترتيب، وهي أولى بالقبول، وإن لم يكن من جنس ما يتمول، فإما أن يجوز اقتناؤه لمنفعة، أو لا يجوز.
القسم الأول: الكلب المعلم، والسِّرجين، وجلد الميتة القابل للدباغ، ففي التفسير بها وجهان.
أحدهما: لا يقبل؛ لأنها ليست بمال، وظاهر الإقرار المال.
وأصحهما: القبول لأنها أشياء يثبت فيها الحق، والاختصاص، ويحرم أخذها،

الجزء: 5 - الصفحة: 301

ويجب ردها، ومن هذا القسم الخمر المحترمة والكلب القابل للتلعيم 121. ومثال الثاني الخمرة التي لا حرمة لها، والخنزير، وجلد الميتة، والكلب الذي لا منفعة به ففي التفسير بها وجهان، لكن الأصح هاهنا المنع، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه ليس فيه حق واختصاص، ولا يلزم ردها.
وقوله: على مقتضى ثبوت حق المقر له، ولو فسره بوديعة قبل؛ لأن عليه ردها عند الطلب, وقد يتعدى فيها فتكون مضمونة عليه.
وروى الإمام رحمه الله وجهاً: أنه لا يقبل؛ لأنها في يده لا عليه، ولو أقر بحق الشفعة يقبل ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ، وبالعبادة ورد السلام لا يقبل؛ لأنه بعيد عن الفهم في معرض الإقرار إذ لا مطالبة بهما، والإقرار في العادة يجري بما يطلب المقر، ويدعيه.
قال في "التهذيب": ولو قال له عليَّ حق قبل التفسير بهما، وظني أن الفرق بينهما عسير، وكيف لا والحق أخص من الشيء 122؟ ويبعد أن يقبل تفسير الأخص بما لا يقبل به تفسير الأعم، وبتقدير أن يكون الأمر، كما ذكره، فينتقض التوجيه المذكور.
وقوله في الكتاب: "ولا يقبل برد جواب السلام" -أخذ اللفظين من الرد والجواب كافٍ، والآخر زائد، ولو كان الإقرار بلفظ الغصب، فقال: غصبت منه شيئاً فيما يقبل تفسيره في الصورة السابقة، يقبل هاهنا بطريق الأولى، إِذا احتمله اللفظ، وهذا القيد لتخريج الوديعة، وحق الشفعة، ويقبل أيضاً بالخمر والخنزير، نص عليه في "الأم"؛ لأن الغَصْبَ لا يقتضي إلاَّ الأخذ قهرًا، وليس في لفظه ما يشعر بالتزام وثبوت حق، بخلاف قوله: عليَّ، ولو قال: له عندي شيء، فكذلك يقبل التفسير بالخمر والخنزير على المشهور؛ لأنه شيء مما عنده.

الجزء: 5 - الصفحة: 302

وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: لا يقبل، واختاره الإمام، وصاحب الكتاب، ووجهوه بأن قوله: "عندي" يشعر بثبوت ملك أو حق، وللأولين أن يمنعوا ذلك، ويحتجوا عليه بانتظام قول القائل: لفلان عندي خمر أو خنزير، ثم لهم أن يدعوا مثل ذلك في قوله: غصبت مِنْ فلان 123. قال الغزالي: ثُمَّ إِن امَتْنَعَ عَنِ التَّفْسيْرِ حُبِسَ إِلى أَنْ يُفَسَّرَ عَلَى رَأْيٍ، وَجُعِل نَاِكلاً عَنِ اليَمِيِنَ عَلَىَ رأْي حَتَّى يَحْلِفَ المُدَّعي، فَلَوْ فُسِّرَ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ المُدَّعيِ: بَلْ أَردَتُّ عَشَرَةً لَمْ يَقْبَلْ دَعوْى الإِرادَةِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِي نَفسَ العَشَرَةِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُقِرِّ فيِ عَدَمِ الإِرَادَةِ وَعَدَمِ اللُّزُومِ.
قال الرافعي: عرفت أنه بم يقبل تفسير الإقرار بالشيء؟ وبم لا يقبل؟ وفي الفصل وردت مسألتان، لا اختصاص لهما بلفظ الشيء، بل يعمان سائر المبهمات، وإنما أوردها في هذا الموضع؛ لأن الإقرار بالشيء أول ما ذكره من الأقارير المجملة.
المسألة الأولى: إذا أقر بمجمل، وطالبناه بالتفسير، فامتنع ففيه ثلاثة أوجه، جمعها الإمام رحمه الله: أظهرها: أنا نحبسه حبسنا إياه إذا امتنع من أداء الحق؛ لأن التفسير والبيان حق واجب.
والثاني: أنه لا يحبس، بل ينظر إن وقع الإقرار المبهم في جواب دعوى، وامتنع عن التفسير جعل ذلك إنكارًا منه، وتعرض عليه اليمين، فإن أصر جعل ناكلاً عن اليمين، وحلف المدعي، وإن أقر ابتداء، قلنا للمقر له: ادعي عليه حقك، فإذا ادعاه، وأقر بما ادعاه، أو أنكر، فذاك، وأجرينا عليه الحكم.
وإن قال: لا أدري، جعلناه منكراً، فإن أصر جعلناه ناكلاً، وذلك أنه إذا أمكن تحصيل الغرض من غير حبس لا يحبس والثالث، عن حكايته صاحب "التقريب": أنه إن أقر بِغَصْبٍ، وامتنع من بيان المغصوب، حبس، وإن أقر بدين مبهم، فالحكم كما ذكرنا في الوجه الثاني.
وذكر أَبوُ عَاصِم العَبَّادِيُّ أنه إذا قال: عَلَيَّ، وامتنع من التفسير لم يحبس، وإن قال: علي شيء ثوبٌ أو فضة، ولم يبين يحبس.

الجزء: 5 - الصفحة: 303

وأشار مَنْ شَرَحَ كلامه إلى أن الفرق مبني على قبول التفسير بالخمر والخنزير، فإنه لا يتوجه بذلك مطالبته وحبسه.
الثانية: إذا فسر إقراره المبهم، بتفسير صحيح، وصدفه المقر له فذاك، وإلاَّ فليبين جنس الحق، وقدره، وَلْيَدَّعيه والقول قول المقر في نفية، ثم لا يخلو إِما أن يكون ما ادَّعَاه من جنس ما فَسَّره المقر، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه، كما إذا فسر إقرار بمائة درهم، وقال المقر له: لي عليه مائتان، فإن صدقه على إرادة المائة، فهي ثابتة بالاتفاق، ويحلف المقر على نفي الزيادة، ولو قال: أراد به المائتين حلف المقر على أنه ما أراد مائتين، وليس عليه إلاَّ مائة، ويجمع بينهما في يمين واحدة.
وعن ابن المرزبان أنه لا بد من يمينين والمشهور الأول، فلو نكل حلف المقر له على استحقاق المائتين، ولا يحلف على الإرادة؟ لأنه لا يطلع عليها، بخلاف ما إذا مات المقر، وفسر الوارث، فادعى المقر له زيادة، حيث يحلف الوارث على نفي إرادة المورَّث؛ لأنه قد يطلع من حال مورثه على ما لا يطلع عليه غيره قال صاحب "التهذيب": ومثله لو أوصى بمجمل، ومات، فبينه الوارث زعم الموصى له أنه أكثر يحلف الوارث على نفي العلم باستحقاق الزيادة، ولا يتعرض للإرادة.
والفرق أن الإقرار إخبار عن سابق، وقد يعرض فيه اطلاع، والوصية إنشاء أمر على الجهالة وبيانه: إذا مات الموصي إلى الوارث وأما إن كان ما ادعاه من غير جنس ما فسر به المقر، نظر إن صدقه في الإرادة، وقال هو ثابت لي عليه ولي عليه مع ذلك كذا ثبت المتفق عليه، والقول قول المقر في نفي غيره وإن صدقه في الإرادة وقال ليس لي عليه ما فسر به، إنما لي عليه كذا بطل حكم الإقرار برده، وكان مدعياً في غيره، وإن كذبه في دعوى الإرادة، وقال: إنما أراد ما ادعيته حلف المقر على نفي الإرادة، ونفي ما يدعيه، ثم إن كذبه في استحقاق المقر به بطل الإقرار فيه، وإلاَّ ثبت، ولو اقتصر المقر على نفي دعوى الإرادة، وقال: ما أردت بكلامك ما فسرته، وإنما أردت كذا، إما من جنس المقر به، أو من غيره لم يسمع منه ذلك؛ لأن الإقرار والإرادة لا يثبتان حقّاً له، الإقرار إخبار عن حق سابق، وعليه أن يدعي الحق لنفسه.
وقال الإمام: وفيه وجه ضعيف أنه تقبل دعوى الإرادة المجردة، وهو كالخلاف فيمن ادعى على خصمه أنه أقر بألف درهم، هل تسمع منه أم عليه أن يدعي بعين الألف؟ وقوله في الكتاب: "لم تقبل منه دعوى الإرادة، بل عليه أن يدعي نفس العشرة ربما يفهم منه أن دعوى الإرادة لا التفات إليها أصلاً، وليس كذلك، وإنما المراد أنها وحدها غير مسموعة، فإما إذا ضم إليها دعوى الاستحقاق، فيحلف ليقر على نفيهما

الجزء: 5 - الصفحة: 304

على التفصيل الذي تبين، والذي اتفقت النقلة عليه، ويدل عليه من لفظ الكتاب قوله: "والقول قول المقر في نفي الإرادة، ونفي اللزوم" ولكن فيه كلام، وهو أنا حكينا في البيع وجهين، وهو أن المشتري إذا ادعى عيبًا قديماً بالمبيع، وقال البائع: بعته أو قبضته سليمًا، يلزمه أن يحلف كذلك، أم يكفيه الاقتصار على أنه لا يستحق به الرد؟ فليجيء هاهنا وجه أنه يكفيه نفس اللزوم، ولا يحتاج إلى التعرض للإرادة.

فرع

لو مات المبهم قبل التفسير طولب به الوارث، فإن امتنع فقولان: أحدهما: أنه يوقف مما ترك أقل ما يتمول.
وأظهرهما: أنه يوقف الكل؛ لأن الجميع، وإنْ لم يدخل في التفسير، فهو مرتهن بالدَّيْن.
قال الغزالي: (الثَّانِي) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ مَالٌ تُقْبَلُ بأَقَلَّ مَا يُتَموَّلُ وَلاَ يُقْبَلُ بِالكَلْبِ وَجِلْدِ المَيْتَةِ، وَالأَظْهَرُ قَبُولُ المُسْتَوْلَدَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ نَفِيسٌ أو كَثِيرٌ أَوْ مَالٌ وَأَيُّ مَالٍ كان، كَمَاَ لَوْ قَالَ: مَالٌ، وَحُمِلَ عَلَى عِظَمِ الرُّتْبةِ بِالإِضَافَةِ، فَلَوْ قَالَ: مَالٌ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلاَنٍ أَوْ مِمَّا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ علَى فُلاَنٍ قُبِلَ تَفِسيرُهُ بَما دُونَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدَّيْنَ أَكْثَرُ بَقَاءً مِنَ العَيْنِ، أَوِ الحَلاَلَ، أكْثرُ مِنَ الحَرَامِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث صور: إحداها: إذا قال: له عَلَيَّ مال قُبِلَ تفسيره بأقل ما يتمول، ولا يُقبل بما ليس بمال، كالكلب، وجلد الميتة والوجه القبول بالتمرة الواحدة، ولو كان بحيث يكثر التمر.
وتوجيهه أنه مال، وإن لم يتمول في ذلك الموضع، هكذا يذكره العراقيون، ويقولون: كل ما يتمول مال، ولا ينعكس، وتلتحق الحبة من الحِنْطَةِ بالتمرة الواحدة، وفي قبول التفسير بالمستولدة وجهان، حكاهما الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: أظهرهما، وهو اختيار الشيخ: القبول؛ لأنه ينتفع بها، وتستأجر، وإن كانت لا تباع وإن فسر بوقف عليه، فيشبه أن يخرج على الخلاف في أن الملك في الوقف، هل للموقوف عليه.
الثانية: إذا قال: عليَّ مال عظيم، أو كبير، أو كثير، أو جليل، أو نفيس، أو خطير، أو غير تافه، أو مال، وأي مال قُبل تفسيره بأقل ما يتمول؛ لأنه يحتمل أن يريد

الجزء: 5 - الصفحة: 305

به عظم خطره، يكفر مستحله، أو وزر غاصبه، والخائن فيه.
وقد قال الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: أصل ما أبني عليه الإقرار ألا ألزم إلاَّ اليقين، وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة 124. وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- أنه لا يقبل في العظيم والكثير بأقل من عشرة دراهم، ويروى مائتا درهم وساعدنا في الجليل والنفيس والخطير.
وعن مالك -رحمه الله- أنه لا يقبل التفسير بأقل مما تقطع فيه يد السارق، وذهب بعض الأصحاب فيما حكاه القَاضِي الحُسَيْنُ وغيره إلى أنه يجب أن يزيد تفسير المال العظيم على تفسير مطلق المال ليكون لوصفه بالعظيم فائدة واكتفى بعضهم بالعظيم من حيث الجرم والجثة.
ولو قال: عليَّ مال قليل، أو حقير، أو خسيس، أو طفيف، أو تافه، أو نذر، أو يسير، فهو كما لو قال: مال، وتحمل هذه الصفات على استحقار الناس إياه، أو على أنه فَانٍ زائل، فكثيره بهذا الإعتبار قليل، وقليله بالأعتبار الأول كثير.
وقوله في الكتاب: "وحمل على عظم الرتبة بالإضافة" يجوز كان يريد به الإضافة إلى الوزر والعقو به، ويجوز أن يريد لإضافته إلى أحوال الناس، وطباعهم، فقد يستعظم الفقير ما يستحقره السري.
الثالثة: قال: لزيد على مال أكثر مما لفلان قبل تفسيره، بأقل ما يتمول، وإن كثر

الجزء: 5 - الصفحة: 306

مال فلان؛ يحتمل أن يريد به أنه دين لا يتطرق إليه الهلاك، وذلك عين متعرض الهلاك، أو يريد أن مال زيد عليَّ حلال، ومال فلان حرام، والقليل من الحلال أكثر بركة من الحرام، وكما أن القدر مبهم في هذا الإقرار، فكذلك الجنس والنوع مبهمان ولو قال: له عليَّ أكثر من مال فلان عددًا، فالإبهام في الجنس والنوع.
ولو قال له: عليَّ من الذهب أكثر مما لفلان، فالإبهام في القدر والنوع، ولو قال: من صحاح الذَّهَب، فالإبهام في القدر والنوع، ولو قال: من الذهب فالإبهام في القدر وحده، ولو قال: لزيد على مال أكثر مما شهد به الشهود على فلان، قبل تفسيره بأقل ما يتمول أيضًا؛ لاحتمال أن يعتقد أنهم شهدوا زورًا، ويريد أن القليل من الحلال أكثر بركة ولو قال: أكثر مما قضى به القاضى على فلان فوجهان: أحدهما: أنه يلزمه القدر المقضى به؛ لأن قضاء القاضي محمول على الصدق والحق.
وأظهرهما: أنه كما لو قال أكثر مما شهد به الشهود؛ لأن قضاء القاضي قد يستند إلى شهادة الزور، والحكم الظاهر لا يغير ما عند الله -تعالى- ولو قال: لفلان عليَّ أكثر مما في يد فلان، قبل تفسيره بأقل مما لو قال: من مال فلان، ولو قال: له على أكثر مما في يد فلان من الدراهم، لا يلزم التفسير من جنس الدراهم، لكن يلزمه بذلك العدد، من أي جنس شاء، زيادة بأقل ما يتمول، هكذا ذكره في "التهذيب"، لكنه يخالف ما سبق من وجهين: أحدهما: التزام ذلك العدد.
والثاني: التزام زيادة عليه، فإن التأويل الذي تقدّم الأكثرية يتبعهما جميعًا، ولو قال: عليَّ من الدراهم أكثر مما في يد فلان من الدارهم، وكان في يد فلان ثلاثة دراهم.
فجواب صاحب "التهذيب" أنه ثلاثة دراهم، وزيادة بأقل مما يتمول.
والأظهر: ما نقله الإمام رحمه الله، وهو أنه لا يلزمه زيادة حملاً للأكثر على ما سبق، وحكى عن شيخه أنه لو فسر بما دون الثلاثة يقبل أيضًا، ولو كان في يده عشرة دراهم، وقال المقر: لم أعلم، وظننت أنها ثلاثة، قبل قوله مع يمينه.
وقوله في الكتاب: "أو الحلال أكثر من الحرام" أي: أكثر بركة، أو رغبة، وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: (الثَّاِلثُ) إِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا فَهُوَ كَاِلشَّيءِ، وَإذَا قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ فَهُوَ تَكْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ (ح و) يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ كَذا وَكَذَا (ح) دِرْهَمٍ وَكَذَا وَلَوْ قَالَ: كَذَا وكَذَا دِرْهَمًا نَقَلَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ الله قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَاَ): أنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُمَا

الجزء: 5 - الصفحة: 307

دِرْهَمَانِ (ح) (وَالثَّاني): أَنَّهُ دِرْهَمٌ (ح و) وَاحِدٌ، وَهَذَا في قَوْلِهِ: دِرْهَمًا بالنَّصْبِ، وَفي قَوْلهِ: دِرْهَمٌ بِالرَّفْعِ الأَصَحُّ أَنَّهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان عليَّ كذا، فهو كما قال: شيء، ويقبل تفسيره بما يقبل به تفسير الشيء، ولو قال: كذا كذا، فهو كما لو قال: كذا، والتكرار للتأكيد، لا للتجديد، ولو قال: كذا وكذا، فعليه التفسير بشيئين مختلفين، أو متفقين، يقبل كل واحد منهما في تفسير "كذا"، من غير عطف، وكذا الحكم فيما لو قال: عليَّ شيء شي أو شيء شيء، ولو قال: عليَّ كذا درهمًا، يلزمه درهم واحد، وكان الدرهم تفسيرًا لما أبهم.
وفي "النهاية" أن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يلزمه عشرون، لأنه أول اسم مفرد ينتصب الدرهم المفسر عقبه، وأن أَبَا إِسْحَاَق الَمْروزِيَّ وافقه فيما إذا كان المقر عارفًا بالعربية.
وأجاب الأصحاب في أن تفسير الألفاظ المبهمة لا ينظر إلى الإعراب ولا توازن المبهمات بالمبينات، بدليل أنه لو قال: عليَّ كذا درهم صحيح، لا يلزمه مائة درهم بالإتفاق 125، وإن كانت الموازنه المذكورة تقتضى لزوم مائة، والتقييد بالصحيح لئلا يحمل على نصف درهم، أو ثلث درهم، لكن نقل البندنيجي أن الطَّحَاوِيَّ حكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة 126 أنه يلزمه مائة درهم، والمشهور أنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، كما هو قولنا، ولو قال: كذا درهم من غير صفة الصحة، فكذلك.
وفيه وجه: أنه يلزم بعض درهم، وهو اختيار ابْنِ الصَّبَّاغِ ولو قال: كذا درهم بالرفع، فلا خلاف أنه يلزمه درهم واحد، ولو قال: كذا درهم، ووقف، كما لو

الجزء: 5 - الصفحة: 308

خفض، ولو قال: كذا كذا درهمًا لم يلزمه أيضًا إلاَّ درهم.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: يلزمه أحد عشر درهمًا، ووافقه أَبُو إِسْحَاقَ في العالم بالعربية، ولو قال: كذا وكذا درهم أو درهم، فكذلك لا يلزمه إلاَّ درهم، ويجيء في الخَفْض الوجه الذي مَرَّ، ولو قال: عليَّ كذا وكذا درهمًا.
قال في "المختصر": يعطيه درهمين؛ لأن كذا يقع على درهم، يعني: لما وصل الخمس بالدرهم، كان كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه واقعًا على درهم، وكناية عنه، هكذا قال المزَنِيُّ.
وقال في موضع آخر: إذا قال: عليَّ كذا وكذا درهمًا قيل: أعطه درهمًا أو أكثر من قبل أن كذا يقع على أقل من درهمين.
وقوله: (أكثر) إذا فسر بأكثر من درهم لزمه، وإلاَّ فالدرهم تعيين ويروى في بعض النسخ المختصر وأكثر وأبي الشيخ أبو حامد ثبوته هذا ما نقله المُزَنِيُّ، واختلف الأصحاب في المسألة على طريقين: أشهرهما: أنه على قولين، وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ وأبُو سَعِيدٍ.
وأصحهما: أنه يلزمه درهمان؛ لأنه أقر بجملتين مبهمتين، وعقبهما بالدرهم منصوبًا والظاهر كونه تفسيرًا لها.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أنه لا يلزمه إلاَّ الدرهم لجواز أن يريد تفسير اللفظين معًا بالدرهم، وحينئذ يكون المراد من كل واحد نصف درهم.
ومنهم من زاد قولاً ثالثًا، وهو أنه يلزمه درهم وشيء، فأما الدرهم فلتفسير الجملة الثانية.
وأما الشيء، فلأن الأولى باقية على إبهامها، وهذا ينطبق على رواية مَنْ روى: أعطه درهمًا وأكثر.
والطريق الثاني، وبه قال أبُو إِسْحَاقَ: القطع بأنه يلزمه درهمان، واختلفوا في نقل المُزَنِيِّ، والتصرف فيه من وجوه: أحدها: حمل ما نقل عن موضع آخر على ما إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع، كأنه يقول: وكذا والغرض أبهمه درهم.
الثاني: أنه حيث قال: درهمان، أراد ما إذا أطلق اللفظ، وحيث قال: درهم أراد به ما إذا نواه، ويصرف اللفظ عن ظاهرة بالنية.
والثالث: أنه حيث قال: درهم أراد ما إذا قال: كذا وكذا درهم، فشك أن الذي يلزمه شيئان أو شيء واحد.
والرابع: أنه حيث قال: يلزمه درهم صور فيما إذا قال: كذا وكذا درهمًا.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: يلزمه أحد وعشرون درهمًا للموازنة السابقة، وبه قال

الجزء: 5 - الصفحة: 309

أَبُو إِسْحَاقَ في العارف بالعربية، وخصص اختلاف الطرق، وتفرق الأصحاب بغيره، ولو قال كذا وكذا درهم بالرفع فطريقان: أحدهما: طرد القولين؛ لأنه يسبق إلى الفهم أنه تفسير لهما وإن أخطأ في إعراب التفسير.
وأصحهما: القطع بأنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، لما سبق، وكذا لو قال: كذا وكذا درهم بالخَفْضِ لم يلزمه إلاَّ درهم واحد، ويمكن أن يخرج مما سبق أنه يلزمه شيء، وبعض درهم أو لا يلزمه إلاَّ بعض درهم، ولو قال: كذا وكذا وكذا درهمًا.
فإن قلنا: لو ذكر مرتين لزمه درهمان، فهاهنا يلزمه ثلاثة.
وإن قلنا: يلزمه درهم، فكذلك هاهنا.
وإذا عرفت ما ذكرناه أعلمت قوله: "ثم كذا درهمًا يلزمه درهم واحد بالحاء والواو -كما ذهب إليه أبُو إِسْحَاقَ وكذا قوله: "ولو قال: كذا وكذا درهمًا".
ويجوز إعلام قوله: فهما درهمان وقوله أنه درهم في مسألة كذا وكذا درهمًا بهما أيضًا.
وقوله: "وهذا في قوله: درهمًا بالنصب" أي موضع القولين ذلك، فأما إذا رفع فأصح الطريقين القطع بلزوم درهم.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ ودِرْهَمٍ فالألْفُ مُبْهَمٌ وَلَهُ تفسيره بِمَا شَاءَ، بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، أَوْ أَلْفٌ ومائة وخَمْسَةٌ وِعِشْرُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّرْهَمَ لَمْ يثْبُتْ بِنَفْسِهِ فَكَانَ تَفْسِيرًا لِلْكُلِّ وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ فَفِي النِّصْفِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان عليَّ ألف ودرهم أو دراهم، أو ألف وثوب، أو ألف وعبد، فهذا عطف مبين على مبهم، فله تفسير الألف بغير جنس المعطوف.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: إنْ كان المعطوف مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا، يفسر الألف به، وإن كان متقومًا كالثوب، والعبد بقي على إبهامه.
لنا القياس على ما سلمه، وعن مالك رحمه الله مثل مذهبنا.
واختلف أصحاب أحمد: فمنهم: من ساعدنا.
ومنهم: من قال: يفسر بالمعطوف بكل حال.
ولو قال: خمسة عشر درهمًا، فالكل دراهم؛ لأنه لا عطف، وإنما هما اسمان جعلاً واحدًا، فالمذكور تفسير له.
ولو قال خمسة وعشرون درهمًا، فظاهر المذهب أن الكل دراهم؟ لأن لفظ الدراهم فيه لا يجب به شيء زائد، بل هو تفسير لبعض الكلام، والكلام يحتاج إلى التفسير، فيكون تفسيرًا للكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 310

وقال ابْنُ خَيرَانَ والإِصْطَخْرِيُّ: الخمسة مجملة، والعشرون مفسرة بالدراهم لمكان العطف، وعلى هذا الخلاف قوله: "مائة وخمسة وعشرون درهمًا" وقوله: ألف ومائة وخمسة وعشرون درهمًا، وألف وثلاثة أثواب ومائة وأربعة دنانير وقوله: مائة ونصف درهم.
ولو قال: درهم ونصف أو عشرة دراهم ونصف، فوجهان أيضًا.
قال الإصْطَخْريُّ وجماعة من الأصحاب: النصف مبهم؛ لأنه معطوف على ما تقدم، مفسر به، فلا يتأتى فيه.
وقال الأكثرون: الكل دراهم: لجريان العادة به حتى إنه من قال: درهم ونصف درهم عد ذلك تطويلاً منه زائدًا على قدر الحاجة.
ولو قال: نصف ودرهم، فالنصف مبهم، ولو قال: مائة وقفير حِنْطَة، فالمائة مبهمة، بخلاف قوله: مائة وثلاثة دراهم؛ لأن الدراهم تصلحُ تفسيرًا للكل والحنطة لا تصلح تفسيرًا للمائة؛ لأنه لا يصلح أن يقال: مائة حنطة، ولو قال: عليَّ ألف درهم برفعهما وتنوينهما فسر الألف بما لا تنقص قيمته عن درهم، كأنه قال: الألف مما قيمة الألف منه درهم والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ يَلَزْمُهُ دِرْهَمٌ فِيهِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ عَشَرَةٌ مِنْهَا تُسَاوِي سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، وَهِيَ دَرَاهِمُ الإِسْلامِ، فَإِنْ فُسِّرَ بِالنَّاقِصِ في الوِزْنِ مُتَّصِلًا قُبِلَ (ح)، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلاً لَمْ يُقْبَلْ، إلاَّ إِذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهِ غَالِبًا ففِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ التَّفْسِيرُ بِالدَّرَاهِمِ المَغْشُوُشَهِ، وَلَوْ فُسِّرَ بِالفُلوُسِ لَمْ يُقْبَلْ بَحالٍ، وَكذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دُرَيْهماتٌ أَوْ دَرَاهِمُ صِغَارٌ وَفُسِّرَ بِالنَّاقِصِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ.
قال الرافعي: ذكرنا في الزكاة أن الدرهم الإسلامي المعتبر به نصب الزكاة والديات وغيرها عشرة من الدراهم سبع مثاقيل، وكل واحد منها ستة دَوَانِيْقَ، ونزيد الآن أن كل دَانِقٍ ثماني حبات، وخُمْسَا حبة، فيكون الدرهم الواحد خمسين حبة وخمسي حبة، والمراد من الحبة حبة الشعير المتوسطة التي لن تقشر، لكن قطع من طرفها ما دَقَّ وطال، والدينار اثنان وسبعون حبة منها، كذا نقل عن رواية أَبِي عُبَيْدٍ القَاِسمُ، وحكاه الخَطَّابِيُّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وفي "حلية" القاضي الروياني أن الدانق ثماني حبات، فعلى هذا يكون الدرهم ثمانية وأربعين حبة والله أعلم.
إذا عرفت ذلك، ففي الفصل مسائل: إحداها: إذا قال: عليَّ درهم، أو ألف درهم، ثم قال: وهي ناقصة فدراهم "طبرية الشام" الواحد منها أربعة دَوانِيْقَ.

الجزء: 5 - الصفحة: 311

فأمَّا أن يتفق الإقرار في بلد دراهمه تامة، أو في بلد دراهمه ناقصة، إن كان الأول، فإما أن يذكره منفصلاً أو متصلاً، فإن ذكره متصلاً فطريقان.
أصحهما: القبول، كما لو استثنى، وكأنه استثنى من كل درهم دَانِقَيْنِ.
والثاني: وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ: أنه على قولين، بناء على أن الإقرار هل يتبعض؟ وقد يوجه القبول بما سبق، والمنع بأن اللفظ صريح فيه، وما كل لفظ يتضمن نقصانًا يصلح للاستثناء، ألا ترى أنه لو قال: عليَّ ألف بل خمسائة يلزمه الألف، وإن ذكره منفصلاً لم يقبل، وعليه وزن درهم الإِسلام إلاَّ أن يصدقه المقر له؛ لأن لفظ الدراهم صريح في القدر المعلوم، وعرف البلد مؤيد له واختار القاضي الروياني أنه يقبل؛ لأن اللفظ محتمل له، والأصل براءة الذمة، وحكاه عن جماعة من الأصحاب، وهو غريب، وإن كان الثاني، فإن ذكره متصلاً قُبِلَ؛ لأن اللفظ والعرف يصدقانه، وإن ذكره منفصلاً فوجهان: أحدهما: لا يقبل، ويحمل مطلق قراره على وزن الإِسلام، وهذا كما أن نصب الزكاة لا تختلف باختلاف البلاد.
وأظهرهما: وهو المحكي عن نصه: أنه يقبل حملاً لكلامه على نقد البلد؛ لأن العرف أثرًا بينًا في تقييد الألفاظ بأهل العرف، وصار كما في المعاملات، ويجري الخلاف فيما إذا أقر في بلد وزن دراهمه أكثر من وزن دراهم الإسلام، مثل "غزنة" 127 أنه يحمل إقراره على دراهم البلد، أو على دراهم الإسلام.
إن قلنا: بالأول، فلو قال: عنيت دراهم الإسلام منفصلاً لم يقبل، وإن قاله متصلاً، ففيه الطريقان السابقان.
والأصح: القبول مطلقًا؛ وقد ذكرنا فيه خلافًا إذا كان الإقرار في بلد وزن دراهمه كامل.
وقوله: "وإن كان منفصلاً لم يقبل" يجوز إعلامه -بالواو- كما قاله الروياني.
الثانية: الدراهم عند الإطلاق إنما تستعمل في النُّقرة فلو أقر بدراهم، وفسرها بالفلوس لم يقبل، والتفسير بالدراهم المغشوشة، كالتفسير بالناقصة؛ لأن نقرتها لا تبلغ وزن الدراهم، فيعود فيه التفصيل المذكور في الناقصة، ولو فسر بجنس رديء من الفضة، أو قال: أردت من سكّة كذا، وهي غير جارية في تلك البلد قُبِلَ، كما لو قال: عليَّ ثوب، ثم فسره بجنس رديء، أو بما لا يعتاد أهل البلد لُبْسه، ويخالف ما لو فسر بالناقصة؛ لأنه يرفع شيئًا مما أقر به وهاهنا بخلافه، ويخالف البيع حيث يحمل على (1)

الجزء: 5 - الصفحة: 312

سكّة البلد؛ لأن البيع إنشاء معاملة، والغالب أن المعاملة في كل بلدة تقع بما يروج فيها، ويتعامل الناس بها والإقرار إخبار عن سابق، ربما ثبت بمعاملة في تلك البلدة، وربما ثبت بغيرها، فوجب الرجوع إلى إرادته، ولأنه لا بد من صيانة البيع عن الجهالة، والحمل على ما يروج في البلد أصلح طريق تنتفي به الجهالة، والإقرار لا تجب صيانته عن الجهالة.
وقال المُزَنِيُّ: لا يقبل تفسيره بغير سكّة البلد.
وحكاه الشيخ أبُو حَاِمدٍ عن غيره من الأَصْحَابِ.
الثالثة: إذا قال: عليَّ دريهم، أو دريهمات، أو درهم صغير، أو دراهم صغار، ففيه اضطراب رواية الذي ذكره الإمام -رحمه الله- وصاحب الكتاب أنه كما لو قال: درهم أو دراهم، فيعود في التفسير بالنقص التفصيل السابق، وليس التقييد بالصغر، كالتقييد بالنقصان؛ لأن لفظ الدراهم صريح في الوزن والوصف بالصغر يجوز أن يكون من حيث الشكل، ويجوز أن يكون الإضافة إلى الدراهم البغلية، وساعدهما صاحب "التهذيب" على ما ذكره في الدريهم، وقال في قوله: درهم صغير: إِن كان "بطبرية" لزمة نقد البلد، وإن كان ببلد ووزنه وزن "مكة" فعليه وزن مكة، وكذلك إن كان "بغزنة"؛ ولك أن تقول: الجواب فيما إذا كان "بطبرية" لا يلائم الجواب فيما إذا كان "بغزنة"؛ لأنه إما أن يعتبر اللفظ، أو عرف البلد، إن اعتبرنا اللفظ، فيجب الوزن بالطبرية، وإن اعتبرنا عرف البلد، فيجب نقد البلد نقرة.
وقال الشيخ أَبُو حَاِمدٍ ومن تابعه: إذا قال: دريهم، أو درهم صغير لزمه درهم من الدراهم الطبرية؟ لأنها أصغر من دراهم الإسلام، وهي أصغر من البغلية على ما بينا في الزكاة، فهي صغر الصغيرين باليقين، فيؤخذ باليقين، ولم يفرق بين بلدة وبلدة، ويشبه أن يكون الأظهر من هذه الاختلافات ما تضمنه الكتاب ولأنا لا نفرق بين أن يقول: مال وبين أن يقول: مال صغير، وكذلك في الدراهم، وهو ظاهر ما ذكره في "المختصر".
ولو قال: على درهم كبير، فعلى قياس ما في الكتاب، هو كما لو قال: درهم.
ونقله الشيخ أَبُو حَامِد، وهو أفقه.
وقال في "التهذيب": إن كان ببلد وزنه "مكة" أو "طبرية" لزمه وزن "مكة" وإن كان "بغزنة" لزمه من نقد البلد، وفيه الإشكال الذي ذكرناه.
الرابعة: عرفت أن قدر الدرهم وجنسه ماذا أما من حيث العدد، فإذا قال: عليَّ دراهم يلزمه ثلاثة، ولا يقبل تفسيره بأقل منها، وكذلك لو قال: عليَّ دراهم كثيرة، أو عظيمة، ويجئ فيه الوجه المذكور في المال العظيم، والكثير، ولو قال: عليَّ أقل أعداد الدراهم لزمه درهمان؛ لأن العدد هو المعدود، وكل معدود متعدد، فيخرج عنه الواحد، ولو قال: عليَّ مائة درهم عددًا لزمه مائة درهم بوزن الإسلام صحاح.

الجزء: 5 - الصفحة: 313

قال في "التهذيب" ولا يشترط أن يكون كل واحد ستة دوانق، وكذلك في البيع، ولا يقبل المائة من العدد، ناقصة الوزن إلاَّ أن يكون نقد البلد عدده ناقصة، فظاهر المذهب القبول ولو قال: عليَّ مائة عدد من الدراهم، فهاهنا يعتبر العدد دون الوزن والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ مِنْ وَاحِدٍ إِلىَ عَشَرَة فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَلَزَمُهُ تِسْعَةٌ، وَقِيلَ: ثَمانيَةٌ، وَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ فَي عَشَرَةٍ وَلَمْ يَرِدِ الحِسَابُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: إحدى مسألتي الفصل إذا قال: له عليَّ من درهم إلى عشرة، ففيما يلزمه ثلاثة أوجه.
أحدها: عشرة، ويدخل الطرفان فيه، كما يقال: من فلان إلى فلان لا يرضى أحد بكذا.
والثاني: تسعة؛ لأن الملتزم زائد على الواحد، والواحد مبدأ العدد، والالتزام فيبعد إخراجه عما يلزمه.
والثالث: ثمانية، ولا يدخل الطرفان، كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، لا يدخل الجدران في البيع، والأول أصح عند صاحب "التهذيب".
وقال الشيخ أَبُو حَامِدٍ والعراقيون: الأصح الثاني ووافقهم صاحب الكتاب، واحتج له الشيخ أبُو حَامِدٍ بأنه لو قال: لفلان من هذه النخلة إلى هذه النخلة، تدخل النخلة الأولى في الإقرار، دون الأخيرة، وما ينبغي أن يكون الحكم في هذه الصورة، كما ذكر بل هو كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار.
وقوله في الكتاب: "ثمانية" و"عشرة" معلمان -بالحاء- لأن مذهب أبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- كالوجه الثاني، وبه قال أَحْمَدُ رحمه الله.
ولو قال: عليَّ ما بين درهم إلى عشرة، فالمشهور أنه يلزم ثمانية توجيهًا بأن "ما" بمعنى الذي كأنه قال: العدد الذي يقع بين الواحد والعشرة، وهو صريح في إخراج الطرفين، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ حكاية عن نصه.
ونقل في "المفتاح" عن النص أنه يلزمه تسعة، ووجه بأن الحد إذا كان من جنس المحدود يدخل فيه، فيضم الدرهم العاشر، إلى الثمانية.
وحكى أبُو خَلَفٍ السلمِيَّ (1) عن القَفَّال أنه يلزمه عشرة، والمقصود بيان غاية ما

الجزء: 5 - الصفحة: 314

عليه، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه، كما في الصورة الأولى، ولم يفرقوا بين أن يقول: ما بين واحد إلى عشرة، وبين أن يقول: ما بين واحد وعشرة، وربما سووا بينهما، ويجوز أن يفرق ويقطع بالثمانية في الصيغة الأخيرة 128. الثانية: إذا قال: عليَّ درهم في عشرة إن أراد الظرف لم يلزمه إلاَّ واحد، وإن أراد الحساب، فعليه عشرة، وإن أراد المعية، فعليه أحد عشر درهمًا، وإن أطلق لم يلزمه إلاَّ واحد أخذًا باليقين، وفيما إذا قال: أنت طالق واحدة في اثنتين، في قول آخر أنه يحمل على الحساب، وإن أطلق؛ لأنه أظهر في الاستعمال، وذلك في القول عائد هاهنا، وإن لم يذكروه ولفظ الكتاب يفتقر إلى تأويل؛ لأنه حكم بأنه لا يلزمه إلاَّ واحد، إذا لم يرد الحساب، وله شرط، وهو أنه لا يريد المعية.
قال الغزالي: (الخَامِسُ)، إِذَا قَالَ لَهُ عِنْدِي زَيْتٌ في جَرَّةٍ أَوْ سَيْفٌ في غِمْدٍ لا يَكُونُ مُقِرًا بِالظَّرْفِ (ح)، وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي غِمْدٌ فِيهِ سَيفٌ أَوْ جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ لَمْ يَكُنْ مُقِرًا إِلاَّ بِالظَّرْفِ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَرَسٌ في إِصْطَبْلٍ، وَحِمَارٌ عَلَى ظَهْرِهِ إِكَافٌ، وَعَمَامَةٌ في رَأَسِ عَبْدٍ وَنَظَائِرُهُ، وَلَو قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ وَجَاءَ بِهِ وَفيه فَصٌّ وقَالَ: مَا أَرَدتُّ الفَصَّ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: جَارِيَةٌ فَجَاءَ بِهَا وَهِي حَامِلٌ ففَي استِثنَاءِ الحَمْلِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الإضافة إلى الظرف صور تبينها فصول، هذا النوع، والأصل المقرر فيها أن الإقرار بالمظروف لا يقتضي الإقرار بالظرف، وبالعكس أيضًا، وأصل هذا الأصل البناء على اليقين، فإذا قال: لفلان عندي زيت في جَرَّة أو سيف في غِمْدٍ لا يكون مقرًا بالجَرَّةِ، والغِمْد وكذا لو قال: ثوب في مِنّدِيْلِ أو تمرةٌ في جراب أو لبن في كُوزٍ أو طعام في سفينة، لاحتمال أن يريد في جرّة أو منْديل لي: غصبت زيتًا، ثم = وقد أفرد النوع الفقهي منه، وكتاب سلوة العارفين وأنس المشتاقين في التصوف وهو كتاب جليل في بابه، فرغ منه في شهر ربيع الآخر سنة سبعين وأربعمائة.
وذكر ابن باطيش أنه توفي في حدود سنة سبعين وأربعمائة.
والسلمي بضم السين، كذا قال الإسنوي وهو وهم، فقد قال ابن السمعاني إنه بفتح السين المهملة وسكون اللام، قال: وهي نسبة للجد.
قال: وصنف في الفقه كتاب يقال له "الكناية" استحسنه كل من رآه.
ينظر ترجمته في الأعلام 7/ 127 وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 76 وكتاب الأنساب للسمعاني 7/ 180 واللباب لابن الأثير 1/ 553، الطبقات لابن قاضي شهبة 1/ 258.

الجزء: 5 - الصفحة: 315

رأيناه في جرة لا يكون مقرًا إلاَّ بغصب الزيت، ولو قال: عندي غمد فيه سيف، أو جرة فيها زيت، أو جراب فيه تمر وسفينة فيها طعام فهو إقرار بالظرف دون المظروف، وعلى هذا القياس، وإذا قال: فرس في إصْطَبْلٍ، أو حمار على ظهره إكاف أو دابة عليها سَرْجٌ أو زِمام، أو عبد على رأسه عِمَامَةٌ أو في وسطه مِنْطَقَةٌ أو في رجليه خُفٌ فلا يكون مقرًا إلاَّ بالدابة والعبد.
وعند أبي حنيفة الإقرار بالمظروف في الظَّرْفِ يكون إقرارًا بهما إذا كان مما يحرز في الظرف غالبًا كالزيت في الجرة والتمر في الجراب دون الفرس في الإصطبل 129. وقال صاحب "التلخيص": إذا قال: عبد على رأسه عمامة أو عليه قميص أو في رجله خف، فهو إقرار مع العبدِ، لأن العبد له يد على مَلْبُوسِهِ، وما في يد العبد فهو في يد سيده، فإذا أقر بالعبد للغير كان ما في يده لذلك الغير، بخلاف المنسوب إلى الفرس.
وعامة الأصحاب على أنه لا فرق بينهما، وذكر الإمام رحمه الله أنه قال ذلك في "التلخيص".
وفي "المفتاح" أجاب بما يوافق قول الجمهور، وهو وهم، بل جوابه في "المفتاح" كجوابه في "التلخيص".
ولو قال: عندي دابة مُسْرَجَةٌ، أو دار مفروشة لم يكن مقرًا بالسرج، ولا الفرش، بخلاف ما لو قال: سرجها وفرشها، وبخلاف ما لو قال: ثوب مطرز؛ لأن الطِّرَاز جزء من الثوب ومنهم من قال: إن ركب عليه بعد النسج، فهو على وجهين، نذكرهما في أخوات المسألة، ولو قال: فَصٌّ في خاتم، فهو إقرار بالفَصّ دون الخاتم، ولو قال: خاتم فيه فص، ففي كونه مقرًا بالفص وجهان.
أصحهما: ما ذكره في "التهذيب": أنه ليس بمقر لجواز أن يريد فَصّ لي، فصار كالصورة السابقة.
والثاني: أنه يكون مقرًا بالفَصِّ، لأن الفص من الخاتم، حتى لو باعه دخل فيه، بخلاف تلك الصورة، ولو اقتصر على قوله: عندي خاتم، ثم قال بعد ذلك: ما أردت الفص، فقد ذكر صاحب الكتاب فيه وجهين.
أحدهما: أنه يقبل منه؛ لأن اسم الخاتم يطلق مع نزع الفص.
وأصحهما: الذي ينبغي أن يقطع به أنه لا يقبل؛ لأن الفص متناول باسم الخاتم، فهو رجوع عن بعض المقربة، ولو قال: حمل في بطن جارية لم يكن مقَّرًا بالجارية، وكذا لو قال: نَعلٌ في حَافِرِ دابة، وعُرْوَةٌ على قُمْقُمَةٍ.

الجزء: 5 - الصفحة: 316

ولو قال: جارية في بطنها حمل، أو دابة في حافرها نعل وقُمْقُمَةٌ عليها عروة، فوجهان كما في قوله: خاتم فيه فص، ويشبه أن يترتب الوجهان في مسألة الكتاب على الوجهين، في صورة العمل، وهي ما إذا قال: هذه الجارية لفلان، وكانت حاملاً هل يتناول الإقرار الحمل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في البيع، وبه أجاب القَفَّالُ.
وأظهرهما: لا، وله أن يقول: لم أرد العمل، بخلاف البيع؛ لأن الإقرار إخبار عن سابق، وربما كانت الجارية له دون العمل بأن كل العمل موصى به، وسلم القَفَّالُ أنه لو قال: هذه الجارية لفلان إلاَّ حملها يجوز، بخلاف البيع.
فإن قلنا الإقرار بالجارية يتناول الحمل، ففيه الوجهان المذكوران في الصورة السابقة، وإلاَّ فيقطع بأنه لا يكون مقرًا بالحمل، كما إذا قال: جارية في بطنها حمل، ولو قال: ثمرة على شجرة لم يكن مقرًا بالشجرة، ولو قال: شجرة عليها ثمرة، فليرتب ذلك على أن الثمرة هل تدخل في مطلق الإقرار بالشجرة؟ وهي لا تدخل بعد التَّأْبِيْرِ، كما في البيع.
وفي "فتاوى القَفَّالُ" أنها تدخل، وهو بعيد وقبل التأبير وجهان: أظهرهما: وهو الذي أطلقه في "التهذيب" أنها لا تدخل أيضا لأن الاسم لا يتناولها في البيع والبيع ينزل على المعتاد، وذكر القَفَّالُ وغيره لضبط الباب أن ما يدخل تحت البيع المطلق يدخل تحت الأقارير ومالا فلا.
قال القَفَّالُ: إلاَّ الثمار المؤبرة وما ذكرنا من المسائل يقتضي أن يقال في الضبط ما لا يتبع في البيع، ولا يتناوله الاسم [فهو غير داخل وما يتبع ويتناول فهو داخل وما يتبع ولا يتناوله الاسم 130] ففيه وجهان.
وقوله في الكتاب؛ "لا يكون مقَّرًا بالظرف" معلم -بالحاء- لأن عند أبي حنيفة رحمه الله الإقرار -بالمظروف في الظرف إقرار بهما، إذا كان ذلك مما يحرز في الظرف غالبًا، كالتَّمْر في الجراب، والزيت في الجرة، بخلاف الفرس في الإصْطَبْلِ.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ في هَذَا الكِيسِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ لَزِمَهُ الأَلْفُ، فَإِنْ كَانَ الأَلْفُ نَاقِصًا يَلْزَمُهُ الإِتْمَامُ عِنْدَ القَفَّالُ، وَلا يَلْزَمُهُ عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ لِلْحَصْرِ، وَلَوْ قَالَ: الأَلْفُ الَّذِي في الكِيسِ لاَ يَلْزَمُهُ الإِتْمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَكُن فِيهِ شَيءٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الأَلْفُ؟ فَوجْهَانِ.

الجزء: 5 - الصفحة: 317

قال الرافعي: إذا قال عليَّ ألف في هذا الكيس لزمه، سواء كان فيه شيء، أو لم يكن فيه شئ أصلاً؛ لأن قوله "عليَّ" يقتضي اللزوم، ولا يكون مقرًا بالكيس على ما عرفت، وإن كان فيه دون الألف ففيه وجهان.
قال الشيخ أبو زيد: لا يلزمه إلاَّ ذلك القدر لحصر المقر به.
وقال القَفَّالُ: يلزمه الإتمام، كما أنه لو لم يكن فيه شيء يلزمه الألف، وهذا أقوى، ولو قال: عليَّ الألف الذي في هذا الكيس، فإن كان فيه دون الألف لم يلزمه إلاَّ ذلك القدر لجمعه بين التعريف والإضافة إلى الكيس.
وعن رواية الشيخ أبي عليَّ وجه آخر ضعفوه: أنه يلزمه الإتمام، ويمكن أن يخرج هذا على الخلاف في أن الإشارة تقدم أم اللفظ، وإن لم يكن في الكيس شيء، ففيه وجهان، ويقال: قولان بناء على ما إذا حلف ليشربن ماء من هذا الكوز، ولا ماء فيه، هل تنعقد يمينه، ويحنث أم لا؟.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: لَهُ في هَذَا العَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ إَنْ فُسِّرَ بأَرْشِ الجِنَايَةِ قُبِلَ، وَإِنْ فُسِّرَ بِكَوْنِ العَبْدِ مَرْهُونًا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: وَزْنٌ في شِرَاءِ عُشْره أَلْفًا، اشْتَرَيْتُ جَمِيعَ البَاقِي بِأَلْفٍ قُبِلَ، وَلا يَلْزَمُهُ إِلاَّ عُشْرُ العَبْدِ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، فهذا لفظ مجمل، فيسأل عنه إن قال: أردت أنه جنى عليه، أو على ماله جناية أرشها ألف قُبِلَ، وتعلق الألف برقبته، وإن قال أنه رهن عنده بألف عليَّ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يقبل؛ لأن اللفظ يقتضي كون العبد محلاًّ للألف، ومحل الدَّين الذمة لا المرهون، وإنما المرهون وثيقة له، وعلى هذا فإذا نازعه المقر له، وأخذناه بالألف الذي ذكره في التفسير، وطالبناه للإقرار الجملي بتفسير صالح.
وأظهرهما: القبول؛ لأن الدَّين، وإن كان في الذمة، فله تعلق ظاهر بالمرهون، فصار كالتفسير بأرش الجناية ولو قال: إنه [وزن في شراء عشرة مثلاً ألفًا، وأنا اشتريت الباقي بألف، أو بما دون الألف قُبِلَ؛ لأنه محتمل، ولا يلزمه بهذا الإقرار إلاَّ عشر العبد، وإن قال: أردت أنه 131] وزن في ثمنه ألفًا، قيل له هل وزنت شيئًا؟ فإن قال: لا، فالعبد كله للمقر له وإن قال: نعم سئل عن كيفية الشراء أكان دفعة واحدة أم لا؟ فإن قال: كان دفعة واحدة، سئل عن قدر ما وزن، فإن قال: وزنت ألفًا أيضًا فالعبد بينهما بالسوية، وإن قال: وزنت ألفين، فثلثا العبد له، والثلث للمقر له، وعلى هذا

الجزء: 5 - الصفحة: 318

القياس، ولا نظر إلى قيمته خلافًا لمالك رحمه الله، حيث قال: لو كان العبد يساوي ألفين، وقد زعم أنه وزن ألفين، والمقر له ألفًا يكون العبد بينهما بالسوية، ولا يقبل قوله: إني وزنت ألفين في ثلثه، وقد يعبر عن مذهبه بأن المقر له من العبد ما يساوي ألفًا وإن قال: اشتريناه دفعتين، ووزن في شراء عشرة مثلاً ألفًا وأنا اشتريت تسعة أعشاره بألف قُبل؛ لأنه يحتمل، ولو قال: أردت به أنه أوصي له بألف من ثمنه قُبِلَ البيع ودفع إليه ألف من ثمنه، وليس له دفع الألف من ماله، وإن فسرنا به دفع إليه الألف ليشتري له العبد، ففعل فإن صدقه المقر له، فالعبد له، وإن كذبه فقد رد إقراره بالعبد، وعليه رد الألف الذي أخذه، وإن قال: أردت أنه أقرضه ألفًا فصرفته إلى ثمنه قُبِلَ، ولزمه الألف، وتوجيه الخلاف المذكور فيما إذا فسره بالرهن يقتضى عوده هاهنا، ولو قال: له عليَّ من هذا العبد ألف درهم، فهو كما لو قال: في هذا العبد، ولو قال: من ثمن هذا العبد (ألف درهم) فكذلك ذكره في "التهذيب"، ولو قال: عليَّ درهم في دينار، فهو كما قال: ألف في هذا العبد فإن أراد النفي معه لزماه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: لَهُ في هَذَا المَالِ أَلْفٌ أَوْ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ في مَالِي أَلْفٌ أَوْ في مِيرَاثِي مِنْ أَبِي أَلْفٌ لَمْ يَلزَمْهُ لِلتَّنَاقُضِ.
قال الرافعي: قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": لو قال: له في ميراث أبي ألف درهم كان إقرارًا منه على أبيه بدين، ولو قال له في ميراثي من أبي ألف درهم كانت هبة إلاَّ أن يريد إقرارًا، وما الفرق قيل: الفرق إنه في الصورة الثانية أضاف الميراث إلى نفسه، وما يكون له لا يصير لغيره بالإقرار فكان كما لو قال: داري أو مالي لفلان، وفي الأولى لم يضف الميراث إلى نفسه، فكان مقرًا بتعلق الألف بالتركة، وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله: للتناقض، ولك أن تمنع التناقض بين إضافة الميراث إلى نفسه، وبين تعلق دين الغير به، فإن تركة كل مديون مملوكة لورثته على الصحيح، والدَّين يتعلق بها.
وقال الأكثرون: الفرق أنه إذا قال: في ميراث أبي، فقد أثبت حق المقر له في التركة، وذلك لا يحتمل إلاَّ شيئًا واجبًا، فإن التبرعات التي لا تلزم ترتفع بالموت، ولا تتعلق بالتركة.
وإذا قال: في ميراثي من أبي، فقد أضاف التركة إلى نفسه، ثم جعل للمقر شيئًا، منهما وأضافة إليه، وذلك قد يكون بطريق لازم، وقد يكون بطريق التبرع.
وإذا فسر بالتبرع قُبِلَ، واعتبر فيه شرطه.
وعن صاحب "التقريب" الإشارة إلى التسويه بين الصورتين، كأنه نقل وخرج، فإن كان كذلك جاز إعلام قوله في الكتاب: "أو في ميراث أبي ألف -بالواو- والمذهب

الجزء: 5 - الصفحة: 319

المشهور الفرق بمثله، لو قال: له في هذه الدار نصفها، فهو إقرار، وإن قال: له في داري نصفها، فهو وعد هبة.
حكاه الشيخ أَبُو عَلِيّ عن النص أيضًا، واشتهر عن نصه أنه لو قال: له في مالي ألف درهم كان إقرارًا، ولو قال: من مالي كان وعد هبة، لا إقرارًا، وهذا الموضع البحث فيه من وجهين: أحدهما: أن هذا النص في قوله: في مالي يخالف ما نقلناه في قوله: في ميراثي، وفي داري، فما حال هذه النصوص؟.
والثاني: أنه لما فرق بين "في" و"من"؟ وهل المذهب الظاهر ما نص عليه أم الأول؟ فللأصحاب طريقان، فيما إذا قال: في مالي ألف درهم.
منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: أنه وعد هبة، لإِضافة المال إلى نفسه.
والثاني: أنه إقرار؛ لأن قوله له يقتضي الملك وبوعد الهبة لا يحصل الملك.
ومنهم من قطع بأنه وعد هبة، وحمل ما روي عن النص الأخير على خطأ النساخ، وربما تأوله على ما إذا أتى بصيغة التزام، فقال: عليَّ في مالي ألف درهم، فإنه يكون إقرارًا على ما سيأتي، وإذا أثبتنا الخلاف فعن الشيخ أَبِي علي أنه يطرد فيما إذا قال: في داري نصفها، وامتنع من طرده فيما إذا قال: في ميراثي من أبي.
وعن صاحب "التقريب" وغيره أنه يلزمه تخريجه فيه بطريق الأولى؛ لأن قوله: في ميراثي من أبي أولى بأن يجعل إقرارًا من قوله: في مالي، أو في داري، لأن التركة مملوكة للورثة، مع تعلق الدَّين بها، فيحسن إضافة الميراث إلى نفسه مع الإقرار بالدَّين، بخلاف المال والدار.
وأما الثاني، فمنهم من قال: لا فرق، ولم يثبت هذا النص أو أوله، ومنهم مَنْ فرق بأن في تقتضي كون مال المقر ظرفًا لمال المقر له، وقوله: "من مالي" يقتضي الفَصْل والتبعيض، وهو ظاهر في الوعد بأنه يقطع شيئًا من ماله فإذا فرقنا بينهما لزمه مثله في الميراث، والدار لا محالة، والظاهر أنه لا فرق بينهما وأن الحكم في قوله: "في مالي" كما ذكرنا - أولاً في ميراثي.
وليستبعد الإمام -رحمه الله- أن تخريج الخلاف فيما إذا قال: له في داري نصفها؛ لأنه إذا أضاف الكل إلى نفسه لم ينتظم الإقرار ببعضه، كما لا ينتظم منه الإقرار بكله بأن يقول: داري لفلان، وتخصص طريقة الخلاف بما إذا لم يكن المقر به جزءًا من مسمى ما أضافه إلى نفسه، كقوله: في مالي ألف درهم، أو في داري ألف، ولا

الجزء: 5 - الصفحة: 320

يخفى عليك مما ذكرنا حاجة قوله في الكتاب "لم يلزمه للتناقض" إلى الاعلام -بالواو- وحيث قلنا في هذه الصورة: إنه وعد هبة، لا إقرار، فذلك لم يذكر كلمة "التزام".
فأما إذا ذكر بأن يقول: عليّ ألف درهم في هذا المال، أو في مالي أو في ميراث أبي، أو في ميراثي [أو داري أو عبدي أو في هذا العبد فهو إقرار بكل حال، ولو قال: له في ميراثي 132] عن أبي أو في مالي كذا بحق لزمني، أو بحق ثابت؛ وما أشبهه، فهو كما لو قال: عليَّ فيكون إقرارًا بكل حال، ذكره ابن القاصَّ والشيخ أبو حامد وغيرهما.
واعلم أن قضية قولنا: إن قوله عليَّ في هذا المال، أو في هذا العبد ألف درهم إقرارًا له بالألف، وإن لم يبلغ ذلك المال ألفًا.
وربما يخطر ذلك الخلاف المذكور، فيما إذا قال: لفلان على ألف في هذا الكيس، وكان فيه دون الألف، إلا أن ظرفية العبد للدراهم ليست كظرفية الكيس لها، فيمكن أن يختلفا في الحكم، لكن لو قال: في هذا العبد ألف درهم من غير كلمة "عليَّ"، وفسره بأنه أوصى له بألف من ثمنه، فلم يبلغ ثمنه ألفًا، فلا ينبغي أن يجب عليه تتمة الألف بحال والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ لَمْ يَلْزَمُهُ إلاَّ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لاِحْتِمَالِ التَّكْرَارِ وَلَو قَالَ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوَ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ لامْتِنَاعِ التَّكْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ تَحْتَ دِرْهَمٌ أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لا يَلْزَمُهُ إِلاَّ وَاحِدٌ تَقْدِيرُهُ مَعَ دِرْهِمٌ لِي بِخِلافِ نَظِيرِهِ مِنَ الطَّلاقِ، لَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعْدَ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ إِذِ التَّقَدُّم وَالتأخرُ لا يُحْتَمَلُ إِلاَّ في الوُجُوبِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ وقَالَ: أَرَدَتُّ بِالثَّالِثِ تَكْرَارَ الثَّاني قُبِلَ، وَلَوْ قَالَ: أَردتُّ بالثَّالِثِ تَكْرَارَ الأَوَّلَ لَمْ يُقْبَلْ لِتَخَلُّل الفَاصِلِ، وَكَذَا في قَوْلِهِ: طَالِقٌ وطَالِقٌ وطَالِقٌ، فإِذَا أطلق ففي الطَّلَاقَ قَوْلاَنِ: (أَحَدَهُمَا): يَلْزمَهُ ثَلاثَةٌ لِصُورَةِ اللَّفْظِ.
(وَالثَّانِي): ثِنْنَانِ لِجَرْيِ العَادَةِ في التِّكْرَارِ، والأَظْهَرُ في الإِقْرَار أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الإِطْلاقِ ثَلاثَةٌ لأنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ قَبُولِ التأَكِيدِ اعْتِيادًا، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ يَقَعُ طَلْقَتَانِ، وتَقْدِيرُ الإِقْرَارِ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ، وَقِيلَ بِتَخْرِيجٍ فِيهِ مِنَ الطَّلاَقِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ فَدِرْهَمَانِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِينَارَانِ فَدِرْهَمٌ ودِينَارَانِ، إِذْ إِعَادَةُ الدرهمِ في الدِّينَارِ غَيْرُ مُمْكِن.
قال الرافعي: في الفصل صور نذكرها مع ما يناسبها، وإن احتجنا إلى تقديم وتأخير، فعلناه.

الجزء: 5 - الصفحة: 321

الأولى: لو قال: له عليَّ درهم درهم درهم لم يلزمه إلاَّ درهم واحد، لاحتمال إرادة التأكيد بالتكرار، وكذا لو كرر عشرًا فصاعدًا، ولو قال: درهم ودرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان لاقتضاء العطف المغايرة.
ولو قال: درهم ودرهم ودرهم لزمه بالأول والثاني درهمان.
وأما الثالث، فإن أراد به درهمًا آخر لزمه.
وإن قال: أردت به التكرار الثاني قُبِلَ، ولا يلزمه إلاَّ درهمان، وإن قال: أردت به تكرار الأول، فوجهان ذكرهما في "النهاية": وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقبل، ويلزمه ثلاثة لأن التكرار إنما يؤكد به إذا لم يتخلل بينهما فاصل، وهذا الحكم فيما إذا قال أنت طالق وطالق وطالق، ففي الطلاق قولان، ينظر في أحدهما إلى صورة اللفظ، وفي الثاني إلى احتمال التكرار، وجريان العادة وسيعود ذكرهما في "الطلاق" وفي الإقرار طريقان.
قال ابْنُ خَيْرَانَ: إنه على قولين في الطلاق.
وقطع الأكثرون بأنه يلزمه ثلاثة، وفرقوا بأن دخول التأكيد في الطلاق أكثر منه في الإقرار؛ لأنه لا يقصد به التخويف، والتهديد، ولأنه يؤكد بالمصدر، فيقال: هي طالق طلاقًا، والإقرار بخلافه، وعلى هذا لو كرر عشر مرات، أو أكثر لزمه من الدراهم بعدد ما كرر، ولو قال عليَّ درهم، ثم درهم ثم درهم، فهو كما لو قال: درهم ودرهم ودرهم ولو قال: درهم ودرهم ثم درهم، لزمه ثلاثة لا محالة.
الثانية: إذا قال: على درهم مع درهم، أو معه درهم، أو فوق درهم، أو فوقه درهم أو تحت درهم، أو تحته درهم.
فرواية المُزَنيَّ في "المختصر" أنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد لجواز أن يريد مع درهم لي، أو فوق درهم لي، وأيضًا فقد يريد فوقه الجودة، وتحته الرداءة بهذه الرواية أخذ أكثر الأصحاب، وهي التي أوردها في الكتاب.
ووراء هذا.
مذهبان للأصحاب: أحدهما: أنه يلزمه درهمان، واختلف القائلون به فمن ناسب له إلى النص في رواية الربيع ومن قائل: إنه مخرج، واختلف هؤلاء، فقيل: هو مخرج من الطلاق، فإنه لو قال: أنت طالق طلقة مع طلقة أو فوق طلقة تقع طلقتان.
وقيل: هو مخرج مما لو قال: على درهم قبل درهم، فإنه يلزمه درهمان كما سيأتي.
ومن قال بالأول، فإنه اعتذر عن قوله: قبل درهم، وأما الطلاق فالفرق أن لفظه الصريح موقع فإذا أنشاه عمله، والإقرار إخبار عن سابق، فإذا كان فيه إجمال روجع حتى يبين أنه عما أخبر.

الجزء: 5 - الصفحة: 322

والمذهب الثاني: قال الدَّارِكِيُّ: إِن قال: درهم معه درهم، أو فوقه درهم لزمه درهمان لرجوع الكتابة إلى الأول الذي التزمه، ولو قال: درهم عليَّ، عليه درهم، أو عليَّ درهم، فهو كما لو قال: فوقه درهم، أو فوق درهم، ولو قال: عليَّ درهم قبل درهم أو قبله درهم أو بعده درهم أو بعده درهم، فرواية الْمُزَنِيِّ، وبها أجاب الأكثريون أنه يلزمه درهمان، بخلاف الصورة السابقة.
والفرق أن الفوقية والتحتية، يرجعان إلى المكان ويتصف بهما نفس الدرهم [والقبلية والبعدية يرجعان إلى الزمان ولا يتصف بهما نفس الدرهم] 133، فلا بد من أمر يرجع إليه التقديم والتأخير، وليس ذلك إلاَّ الوجوب عليه.
وفيه قول آخر: أنه لا يلزمه إلاَّ درهم، منهم من حكاه نصًا عن رواية الربيع.
ومنهم من خرّجه من الصورة السابقة، وسَوَّى بينهما جميعًا، فجعلهما على قولين، ولمن قاله أن يقول: القبلية والبعدية، كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة، وغيرهما، ثم هب أنهما زمانيان، وأن نفس الدرهم لا يتصف بهما، لكن يجوز رجوعهما إلى غير الواجب بأن يريد درهمًا مضروبًا قبل درهم، وما أشبهه، ثم هب أنهما راجعان إلى الواجب، لكن يجوز أن يريد لزيد درهم وجب له قبله وجوب درهم لعمرو.
وفي المسألة وجه آخر أيضًا عن ابْنِ خَيْرَانَ وغيره: أنه إن قال: قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان، وإن قال: قبل درهم أو بعد درهم لم يلزمه إلاَّ درهم واحد؛ لاحتمال أن يريد قبل لزوم درهم، أو بعد درهم كان لازمًا.
وقوله في الكتاب: "لا يلزم إلاَّ واحد" يجوز إعلامه مع الواو بالحاء والألف.
أما الحاء، فلأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يلزم درهمان، فيما إذا قال فوق درهم وأما الألف فلان عند أحمد يلزمه في جميع الصور درهمان.
الثالثة: له عليَّ، أو عندي درهم فدرهم، إن أراد العطف لزمه درهمان، وإلاَّ فالنص أنه لا يلزمه إلاَّ درهم، ونص فيما إذا قال: أنت طالق فطالق، أنه يقع طلقتان، فنقل ابْنُ خَيْرَانَ الجواب من كل واحدة إلى الأخرى وجعلهما على قولين: أحدهما: يلزمه ودرهمان يقع طلقتان، لأن "الفاء" حرف عطف "كالواو" و"ثم".
والثاني: لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، ولا يقع إلاَّ طلقة؛ لأن "الفاء" قد تستعمل لغير العطف، فيؤخذ باليقين (2).

الجزء: 5 - الصفحة: 323

وذهب الأكثرون إلى تقرير النصين، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أنه يحتمل في الإقرار أن يريد فدرهم لازم، أو فدرهم أجود منه، ومثل هذا لا يقدح في الطلاق.
والثاني: أن الطلاق انشاء والإقرار إخبار، والإنشاء أقوى وأسرع نفوذًا، ولهذا لو أقر اليوم بدرهم لا يلزمه إلاَّ درهم، وغدا بدرهم لا يلزمه إلاَّ درهم ولو تلفظ بالطلاق في اليومين وقعت طلقتان، وهذا أظهر في المذهب، لكن لابْنِ خَيْرَانَ أن يمنع الفرق الأول ويقول: يجوز أن يريد فطالق مهجورة، أو لا تراجع، ويجوز أن يريد فطالق حرمتك وما أشبهه.
وأما الثاني: فإنه يناقض الفرق المذكور في مسألة درهم ودرهم وطالق وطالق.
وقوله في الكتاب: "يلزمه درهم واحد" معلّم -بالحاء والألف- لأن عندهما يلزمه درهمان.
وقوله: "يقع طلقتان" يجوز إعلامه -بالواو- لأنه لم يذكر طريقة النقل والتخريج بتمامها، حتى يستغني عن الإعلام، وإنما ذكر التخريج من الطلاق في الإقرار.
ورأيت في بعض الشروح أن ابْنَ أبِي هُرَيْرَةَ -حكى قولاً منصوصًا للشافعي -رضي الله عنه- أنه يلزمه درهمان، ويتأيد هذا القول منصوصًا كان أو مخرجًا بما إذا قال: درهم ودرهم، فإنه يلزمه درهمان، ولا يمتنع فيه مثل التقديرات المذكورة في "الفاء"، ولو قال: عليَّ درهم فقفيز حنطة، فلا يلزمه إلاَّ درهم، أو ويلزمانه جميعًا، فيه هذا الخلاف.
وذكر أبُو العَبَّاسِ الرّويَانِيُّ في "الجُرْجَانِيَّاتِ" أن قياس ما ذكرناه في الطلاق أنه إذا قال: بعتك بدرهم فدرهم، يكون بائعًا بدرهمين؛ لأنه إنشاء.
الرابعة: قال عليَّ درهم، بل درهم لم يلزمه إلاَّ درهم لجواز أن يقصد الاستدراك، فيتذكر أنه لا حاجة إليه، فيعيد الأول ولو قال: درهم لا بل درهم ولكن درهم، فكذلك ولو قال: درهم لا بل درهمان أو قفيز حنطة لا بل قفيزان لم يلزمه إلاَّ درهمان وقفيزان؛ لأن "بل" للاستدراك، ولا يمكن أن يكون المقصود هاهنا نفي المذكور أولاً لاشتمال الدرهمين على الدرهم والقفيزين على القفيز، وإنما المقصود في الاقتصاد على الواحد، وإثبات الزيادة عليه، وهذا يشكل بما إذا قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتين فإنه يقع الثلاثة، ولا أدري لِمَ يتصرفوا فيهما هاهنا تصرفهم فيما سبق من المسائل؟ ثم ما ذكرناه مفروض فيما إذا أرسل ذكر المقر به أما إذا قال: له عندي هذا القفيز، بل هذان القفيزان لزمه الثلاث؛ لأن القفيز المعين لا يدخل في القفيزين

الجزء: 5 - الصفحة: 324

المعينين، وكذلك لو اختلف جنس الأول والثاني مع الإرسال بأن قال: عَلَيَّ درهم، بل ديناران.
أو قفيز شعير لزمه الدرهم والديناران، أو قفيز حنطة بل قفيز الحنطة وقفيز الشعير لأن الأول غير داخل في الثاني، فهو راجع عن الأول مثبت للثاني والرجوع لا يقبل، وما أقر به ثانيًا يلزمه، ولو قال: درهمان بل درهم أو عشرة، بل تسعة يلزمه الدرهمان والعشرة؛ لأن الرجوع عن أكثر لا يقبل، ولا يدخل الأقل فيه، ولو قال: دينار بل ديناران بل ثلاثة، يلزمه ثلاثة ولو قال: دينار بل ديناران، بل قفيز بل قفيزان، لزمه ديناران وقفيزان، ولو قال: دينار وديناران، بل فقفيز وقفيزان، فثلاثة دنانير وثلاثة أقفزة وقس على ما ذكرنا ما شئت.
قال الغزالي: (السابع) إِذَا قَالَ: يَوْمَ السَّبْتِ عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَالَ ذَلِكَ يَوْمَ الأَحَدِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ أَلْفٌ وَحِدٌ، إلاَّ أَنْ يُضِيفَ إِلَي سَبَبيْنِ مُخْتَلِفيَنْ، فَلَوْ أَضَافَ أَحَدَهُما إِلَي سَبَبٍ وَأَطْلَقَ الآخَرَ نُزِّلَ المُطْلَقُ عَلَى المُضَافِ، وَكَذَلِكَ لوَ قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى إِقْرَارَيْنِ بتَارِيِخَيْنِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِلُغَتَيِنْ إِحْدَاهُمَا بِالعَجَمِيَّةِ وَالأُخْرَى بِالعَرَبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَجْمَعُ نَظَرًا إِلى المُخْبَرِ عَنْهُ، وَفي الأَفْعَالِ لاَ يَجْمَعُ أَصْلاً.
قال الرافعي: القول الجملي في الفصل أن تكرير الإقرار لا يقتضي تعدد المقر به؛ لأن الإقرار إخبار ألا ترى أنه يحتمل فيه الإبهام؟ ولو كان إنشاء لما احتمل، وتعدد الخبر لا يقتضي تعدد المخبر عنه، فيجمع إلاَّ إذا عرض ما يمنع الجمع، والتنزيل على واحد، فحينئذ يحكم بالمغايرة، وفيه مسألتان: إحداهما: إذا أقر لزيد يوم السبت بألف، وأقر له يوم الأحد بألف، لم يلزمه إلا ألف واحد، سواء اتفق الإقراران في مجلس واحد، أو مجلسين، وسواء كتب به صكًّا، وأشهد عليه شهودًا على التعاقب، أو كتب صكًّا بألف، وأشهد عليه، ثم كتب صكًّا بألف وأشهد عليه.
وبه قال: مالك وأحمد رحمهما الله خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله فيما إذا كتب صكين، وأشهد عليهما، وفيما إذا أقر في مجلسين، ومن أصحابه من لا يفرق بين المجلس والمجلسين، ولو أقر في أحد اليومين بالألف، وفي الآخر بخمسمائة دخل الأقل في أكثر، ولو أقر [مرة بالعربية وأخرى بالعجمية لم يلزمه إلاَّ واحد، ولا اعتبار باختلاف اللغات والعبارات] 134. وإذا لم يمكن الجمع كما إذا أقر في يوم السبت ألف

الجزء: 5 - الصفحة: 325

من ثمن عبد، ويوم الأحد بألف من ثمن جارية، أو قال مرة: صحاح، ومرة مكسرة لزمه الألفان، ولم يجمع، وكذا لو قال: قبضت منه يوم السبت عشرة، ثم قال: قبضت منه يوم الأحد عشرة، أو طلقتها يوم السبت طالقة، ثم قال: طلقتها يوم الأحد طلقة، ولو قال: يوم السبت طلقتها طلقة ثم أقر يوم الأحد بطلقتين، لم يلزمه إلا طلقتان، ولو أضاف أحد الإقرارين إلى سبب أو وصف الدراهم بصفة، أو أطلق الإقرار الآخر نزل المطلق على المضاف لا مكانة.
وقوله في الكتاب: "وكذلك لو قامت الحجة على الإقرارين بتاريخين جمع بينهما" كان الغرض منه الإشارة إلى تكرير الإشهاد والصك لا تأثير له وإلا فالحجة على الإقرارين لا تفيد إلا ثبوت الإقرارين وقد تبين في أول الفصل أن تعدد الإقرار لا يوجب تعدد المقر به والله أعلم.
المسألة الثانية: لو شهد شاهد على أنه أقر يوم السبت بألف أو بغصب [دار وشهد شاهد آخر على أنه أقر يوم الأحد بألف أو بغصب تلك الدار] 135 لفقنا بين الشهادتين، وأثبتنا الألف والغصب؛ لأن الإقرار لا يوجب حقًا بنفسه؛ إنما هو إخبار عن ثابت، فينظر إلى المخبر عنه، وإلى اتفاقهما على الإخبار عنه، وكذا لو شهد أحدهما على إقراره بألف بالعربية، والآخر على إقراره بالعجمية، ولو شهد شاهد على أنه طلق يوم السبت، وآخر على أنه طلقها يوم الأحد، لم تثبت شهادتهما؛ لأنهما لم يتفقا على شيء واحد، وليس هو إخبار حتى ينظر إلى المقصود، والمخبر عنه.
وعن صاحب "التقريب" أن من الأصحاب من جعل الإقرارين والطلاقين على قولين بالنقل والتخريج.
قال الإمام رحمه الله أما التخريج من الطلاق في الإقرار، فهو قريب في المعنى، وإن بعد في النقل؛ لأن الشاهدين لم يشهدا على شيء واحد، بل شهد هذا على إقرار، وشهد ذاك على إقرار آخر، والمقصود من اشتراط العدد في الشهادة زيادة التوثق والاستظهار، وإذا شهد كل واحد على شيء لم يحصل هذا المقصود فاتجه ما ألا يحكم بقولهما.
وأما التخريج من الإقرار في الطلاق، فبعيد نقلاً ومعنى؛ لأن من طلق اليوم، ثم طلق غدًا، والمرأة رجعية، فزعم أنه أراد طلقة واحد، لم يقبل منه، فكيف يجمع بين شهادة شاهد على طلاق اليوم وشهادة آخر على طلاق الغد [ويجرى التخريج على ضعفه في سائر الإنشاءات وفي الأفعال كالقتل والقبض وغيرهما والمذهب

الجزء: 5 - الصفحة: 326

الأول] (1) حتى لو شهد أحدهما أنه قذف يوم السبت أو بالعربية، والثاني على أنه قذف يوم الأحد، أو بالعجمية، لم يثبت بشهادتهما شيء، أو شهد أحدهما على إقراره بأنه يوم السبت قذف، أو بالعربية قذفه، والثاني على إقراره بأنه يوم الأحد قذفه، أو بالعجمية قذفه، فلا تلفيق أيضًا؛ لأن المقر به شيئان مختلفان، وقد قطع به الشيخ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ.
ولو شهد شاهد بألف من ثمن مبيع، وآخر بألف من قرض، أو شهد أحدهما بألف استقرضه يوم السبت، وآخر بألف استقرضه يوم الأحد لم تثبت شهادتهما، لكن للمدعي أن يعين أحدهما، ويستأنف الدعوى عليه، ويحلف مع الذي شهد له، وله أن يدعيهما، ويحلف مع كل واحد من الشاهدين، وإن كانت الشهادتان على الإقرار شهد أحدهما أنه أقر بألف من ثمن مبيع، وشهد الثاني على إقراره بألف من قرض، ففي ثبوت الألف وجهان: الظاهر: أنه لا يثبت أيضًا، وربما بنو الوجهين على الوجهين فيما إذا ادعى عليه ألفًا من ثمن مبيع، فقال المدعى عليه: لك عليَّ ألف، ولكن من قرض، هل يحل للمدعي أخذ الألف لاتفاقهما عليه أو لاختلافهما في الجهة؟.
إن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ لم يثبت الألف، وإلاَّ ثبت.
ولو ادعى ألفا فشهد أحد الشاهدين على أنه ضمن ألفًا، والثاني على أنه ضمن خمسمائة، ففي ثبوت خمسمائة قولان عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وهذا قريب من التخريج المذكور في الإنشاءات، أو هو هو.
ولو شهد أحد شاهدي المدعى عليه أن المدعي استوفى الدَّين، والآخر على أنه أبرأه فلا يلفق على المذهب، ولو شهد الثاني أنه بريء إليه منه.
قال أبو عَاِصمٍ العبَّادِيِّ: يلفق؟ لأن إضافة البراءة إلى المديون عبارة عن إيفائه، وقيل بخلافه.

فرع

أورده في هذا الموضوع: ادعى على رجل ألفين، وشهد له شاهد بألفين وآخر بألف، ثبت الألف، وله أن يحلف مع الذي شهد بالألفين، ويأخذ الكل، وكذا الحكم لو كانت الشهادتان على الإقرار.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: لا تثبت الألف وسلم أنه لو شهد أحدهما بثلاثين، والآخر بعشرين ثبتت العشرون، كالألف والألفين.136

الجزء: 5 - الصفحة: 327

وفيه وجه لأن لفظ "الثلاثين" لا يشتمل على "العشرين"، ولفظ "الألفين" يشتمل على "الألف" وربما يسمع أحد الشاهدين بالألف، وغفل عن الآخر، ولو ادعى ألفًا، فشهد له شاهد بألف، والآخر بألفين، فالثاني شهد بالزيادة قبل أن يستشهد ففي مصيره بذلك مجروحًا وجهان، إن لم يصر مجروحًا، فشهادته في الزيادة مردودة، وفي المدعي قَوْلاَ تبعيض الشهادة.
وقطع بعضهم بثبوت الألف، وخص الخلاف بالتبعيض بما إذا اشتملت الشهادة على ما يقتضي الرد، كما شهد لنفسه ولغيره.
فأما إذا زاد على المدعي، فقوله في الزيادة ليس بشهادة، بل هو كما لو أتى بلفظ الشهادة في غير مجلس الحكم.
وإن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فقد ذكر في "التهذيب" أنه يحلف مع شاهد الألف، ويأخذه.
قال الإمام رحمه الله تعالى: إنه على هذا الوجه بما يصير مجروحًا في الزيادة، فأما الألف المدعى، فلا جرح في الشهادة عليه، لكن إذا ردت الشهادة في الزائد، كانت الشهادة في المدعي على قولي التبعيض، فإن لم نبعضها فلو أعاد الشهادة بألف قبلت لموافقتها الدعوى، وهل يحتاج إلى إعادة الدعوى؟.
قال فيه وجهان: أظهرهما: المنع، ونختم الباب بخاتمتين: إحداهما: في فروع لائقة بالباب.
منها: لو أقر بجميع ما في يده، أو نسب إليه صح، فلو تنازعا في شيء أنه هل كان في يده يومئذ؟ فالقول قول المقر، وعلى المقر له البينة، ولو قال: ليس لي مما في يدك إلاَّ ألف صح، وعمل بمقتضاه، ولو قال: لا حق لي في شيء مما في يد فلان، ثم ادعى شيئًا منه وقال: لم أعلم كونه في يده في يوم الإقرار صدق بيمينه.
ولو قال: لفلان عليَّ درهم أو دينار لزمه أحدهما، وطولب بالتعيين.
وعن رواية الشيخ أَبِي عَلِي وجه ضعيف: أنه لا يلزمه شيء: ولو قال: عليَّ ألف، أو على زيد، أو على عمرو لم يلزمه شيء، وكذا لو قال على سبيل الإقرار: أنت طالق أولاً، فإن ذكره في معرض الإنشاء طلقت، كما لو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك.
ولو قال: عليَّ ألف درهم، وإلاَّ لفلان عليَّ ألف دينار لزمه، وهذا للتأكيد،

الجزء: 5 - الصفحة: 328

والإِقرار المطلق يلزمه، ويؤاخذ به المقر على المذهب المشهور، وخرج فيه وجه: أنه لا يلزمه حتى يسأل المقر عن سبب اللزوم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والإقرار ليس موجبًا في نفسه، وأسباب الوجوب مختلف فيها، فربما ظن ما ليس بموجب موجبًا، وهذا كما أن الجرح المطلق لا يقبل، وكما أنه لو أقر بأن فلانًا وارثه، لا يقبل حتى يبين جهة الوراثة، ولو قال: وهبت منك كذا، أو خرجت منه إليك لم يكن مقرًّا بالقبض لجواز أن يريد الخروج منه بالهبة.
وعن القَفَّالِ الشاشى أنه مقر بالقبض؛ لأنه نسب إلى نفسه ما يشعر بالإقباض بعد المفروغ منه، ولو أقر الآن بعين مال لابنه، فيمكن أن يكون مستند إقراره ما يمنع الرجوع، ويمكن أن يكون مستنده مالاً يمنع، وهو الهبة، فهل له الرجوع عن أقضى القضاة الماوردي وأبي الطيب أنهما أفتيا بثبوت الرجوع تنزيلاً للإقرار على أضعف الملكين، وأدنى السببين، لما ينزل على أقل المقدارين.
وعن الشيخ العَبَّادِيِّ أنه لا رجوع؛ لأن الأصل بقاء الملك للمقر له، ويمكن أن يتوسط، فيقال: إن أقر بانتقال الملك منه إلى الابن، فالأمر كما قال القاضيان، وإن أقر بالملك المطلق، فالأمر كما قال العَبَّادِيُّ: ولو أقر في وثيقة بأنه لا دعوى له على فلان، ولا طلب بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، ثم قال: إنما أردت في عمامته أو قميصه، لا في داره.
قال القاضي أبُو سَعِيدٍ بن أبي يوسف: هذا موضع تردد، والقياس أنه يقبل؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.
الثانية: المقر به المجهول قد تمكن معرفته من غير رجوع إلى المقر وتفسيره، وذلك بأن يحيله على معروف، وذلك ضربان: أحدهما: أن يقول له: عليَّ من الدراهم بوزن هذه الصنجة، أو بالعدد المكتوب في كتاب كذا، أو بقدر ما باع به فلان عبده، وما أشبه ذلك، فيرجع إلى ما أحال عليه.
الثاني: أن يذكر ما يمكن استخراجه بالحساب، فمن أمثلته مسالة "المفتاح" وهو أن يقول: لزيد عليَّ درهم إلاَّ نصف ما لابنه عليَّ ولابنيه عليَّ ألف إلاَّ ثلث ما لزيد عليَّ ولمعرفته طرق: أحدها: أن يجعل لريد شيئًا، ويقول للإبنين ألف إلاَّ ثلث شيء، فيأخذ نصفه وهو خمسمائه إلاَّ سدس شيء، ويسقط من الألف يبقى خمسمائة وسدس شيء، وذلك يعدل شيئًا، فالمفروض لزيد لأنه جعل له ألفًا إلاَّ نصف ما لابنه، فسقط سدس شيء لسدس شيء يبقى خمسة أسداس شئ في مقابلة خمسمائة، فيكون الشيء التام ستمائة،

الجزء: 5 - الصفحة: 329

وهو ما لزيد، فهذا أخذت ثلثها، وهو مائتين، وأسقطته من الألف، فبقي ثمانمائه، وهي ما أقر به للاثنين.
والثاني: أن يجعل لزيد ثلاثة أشياء لاستثنائه الثلث منه، ويسقط ثلثها من الألف المضاف إلى الإبنين فيكون لهما ألف ناقص شيء، ثم تأخذ نصفه، وهو خمسمائة ناقصة بنصف شئ، وتزيده على ما فرضناه لزيد، وهو ثلاثة أشياء تكون خمسمائة وستين ونصف شئ، وذلك يعدل الألف درهم، فسقط خمسمائة بخمسمائة تبقى خمسمائة في مقابلة ستين ونصف شيء، فيكون الشيء ما بين، وقد كان لزيد ثلاثة أشياء فهي إذًا ستمائة.
الثالث: أن تقول: استثنى من أحد الإقرارين النصف، ومن الآخر الثلث، فيضرب مخرج أحدهما في مخرج الآخر يكون ستة، ثم ينظر في الجزء المستثنى من الإقرارين، وكلاهما واحد، فتضرب واحدًا في واحد يكون واحدًا تنقصه من الستة يبقى خمسة، فتحفظها وتسميها المقسوم عليه، ثم تضرب ما يبقى من مخرج كل واحد من الجزءين بعد إسقاطه في مخرج الثاني، وذلك بأن تضرب ما يبقى في مخرج النصف بعد النصف وهو واحد في مخرج الثلث، وهو ثلاثة يحصل ثلاثة تضربها في الألف المذكور في الإقرار يكون ثلاثة آلاف تقسمها على العدد المقسوم عليه، وهو خمسة يخرج نصيب الواحد، وهو ستمائة وهو ما لزيد، وتضرب ما يبقى في مخرج الثلث بعد الثلث، وهو اثنان في مخرج النصف، وهو اثنان يكون أربعة تضربها في الألف يكون أربعة آلاف تقسمها على الخمسة يخرج من القسمة ثمانمائة فهو ما للإبنين.
ولو قال: لزيد عليَّ إلا ثلثي ما لعمرو، ولعمْرو وعشرة إلا ثلاثة أرباع ما لزيد، تضرب المخرج في المخرج، يحصل اثنا عشر، ثم تضرب أحد الجزئين في الباقي وهو اثنين في ثلاثة يكون ستة تسقطها من اثني عشر، يبقى ستة تضرب الباقي في مخرج الثلث بعد إخراج الثلثين، وهو واحد في أربعة، يكون أربعة تضربها في العشرة المذكورة في الإقرار، يكون أربعين تقسمها على الستة، يكون ستة وثلثين، وذلك ما أقر به لزيد، ثم تضرب واحد، وهو الباقي في مخرج الربع بعد إخراج الأرباع الثلاثة، يكون ثلاثة تضربها في العشرة، يكون ثلاثين تقسمها على الستة، يكون خمسة وهو ما أقر به لعمرو، والطريقان الأَولان يجريان في أمثال هذه الصور بأسرها.
وأما الطريق الثالث فإنه لا تطرد فيما إذا اختلف المبلغ المذكور في الإقرارين، وتخرج فيما إذا كانت الأقارير ثلاثة فصاعدًا، مثل أن يقول: لزيد عشرة إلاَّ نصف ما لعمرو ولعمرو عشرة، إلاَّ ثلث ما لبكر ولبكر عشرة إلاَّ ربع ما لزيد إلى تطويل لا يؤثر ذكره في هذا الموضع.
ولو قال: لزيد عليَّ عشرة إلاَّ نصف ما لعمرو، ولعمرو ستة إلاَّ ربع ما لزيد

الجزء: 5 - الصفحة: 330

يكون مقرًّا لزيد بثمانية، ولعمرو بأربعة، ولو قال: لزيد عليَّ عشرة إلاَّ نصف ما لعمر، ولعمرو عشرة إلا ربع ما لزيد كون مقرًّا لزيد بخمسة وخمسة أسباع، ولعمرو بثمانية، وأربعة أسباع وقد يصور صدور كل إقرار من شخص بأن يدعى مالاً على زيد وعلى عمرو، فيقول زيد: لك عليَّ عشرة إلاَّ نصف مالك على عمرو، ويقول عمرو: لك عليَّ عشرة إلاَّ ثلث ما على زيد فطريق الحساب لا يختلف والله أعلم بالصواب.

البَابُ الثَّالِثُ، في تَعِقْيبِ الإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ

قال الغزالي: وَلَهُ صُوَرٌ: (الأُولَى) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ من ثُمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مِنْ ضَمَانِ شَرْطٍ فيه الخِيَارُ فَفي لُزُومِهِ قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ في تَعْقِيبِ الإِقْرَارِ بِمَا يَنْتَظِمُ لفَظًا في العَادَةِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إِنْ سَلَّمَ سَلَّمْتُ، فَعَلَي قَوْلٍ لا يُطَالَبُ إِلاَّ بِتَسْليِمِ العَبْد، وَعَلَى قَوْلٍ يُؤَاخَدُ بِأوَّلِ الإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ لا يَلْزَمُ يَلْزَمُهُ لأَنَّهُ غَيْرُ مُنتْظِم، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ فَالأَصَحُّ أنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قال: أَلْفٌ مُؤَجَّلٌ فَالأَصَحُّ أنَّهُ لا يُطالَبُ في الحَالِ، وَقِيلَ: قَوْلاَنِ، وَلَوْ ذَكرَ الأَجَلَ بَعْدَ الإِقْرَارِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ مُؤَجَّلٌ مِنْ جِهَةِ تَحَمُّلِ العَقْل قُبِلَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ قَالَ: مِنْ جِهَةَ القَرْضِ لَمْ يُقْبَل قَوْلاً وَاحِدًا وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ جَاَء رأْسُ الشَّهْرِ فَهُوَ عَلَى القَوْلَيْنِ إِذْ وَقَعَ لُزوُمُ الإقْرَارِ بِالتَّعْليِقِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَعَلَيَّ أَلْفٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَصْلاً، لأَنَّ الإِقْرَارَ المُعَلَّقَ بَاطِلٌ (الثَّانِيَةُ) إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ جَاءَ بِأَلْفٍ وَقَالَ: هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي قُبِلَ، لأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يكَوُنَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالتَّعدِّي وَكَانَ لاَزِمًا عَلَيْهِ، وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في سقُوُطِ الضَّمَانِ لَوِ ادَّعَى التَّلَفَ بَعْدَ الإِقْرَارِ، وَفِيِه قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بالوَدِيعَةِ أَصْلًا فَيَلْزَمُهُ أَلْفٌ آخَرُ، وَهُوَ أَظْهَرُ فِيما إِذَا قَالَ: عَلَيَّ وَفي ذمَّتي أَوْ قَالَ: أَلْفٌ دَيْنًا.
قال الرافعي: تعقيب الإقرار بما ينافيه إما بالأسْتِثْنَاءِ 137، أو غيره.

الجزء: 5 - الصفحة: 331

والثاني: ينقسم إلى ما يرفعه أصلاً، إلى غيره.
والأول: ينقسم إلى ما لا ينتظم لفظًا، فيلغوا، وإلى ما ينتظم، فإِن كان مفصولاً لم يقبل، وإن كان موصولاً، ففيه خلاف والثاني إن كان مفصولاً لا يقبل أيضًا، وإن كان وصولاً ففيه خلاف بالترتيب هذا عقد الباب، وإذا مرت بك مسائله عرفت أن كل واحدة من أي قبيل هي؟ وأما الاستثناء، فسيأتي حكمه.
فمن المسائل إذا قال: لفلان عليَّ من ثمن خَمْرِ أو كَلْبٍ، أو خِنْزِيرٍ، نظر إن وقع قوله: من ثمن خمر منفصلاً عن قوله: عليَّ ألف لم يقبل ولزمه الألف، وإن كان موصولاً، ففيه قولان: أحدهما وهو اختيار المُزَنِيِّ وأبِي إِسْحَاق: أنه يقبل، ولا يلزمه شيء؛ لأن الكل كلام واحد، فيعتبر بآخره، ولا يتبعض ولأن الإقرار إخبار عما جرى، وهذه المعاملات = بالوسائط الموضوعة له نحو: قام القوم، وأسْتَثني زيدًا، وخرجوا ولم يخرج زيد.
تنبيه الإخراج إنما يأتي على قول من يجعله عاملاً بطريق المعارضة، إذ الإخراج لا يتحقق إلا بعد الدخول، وأما على قول من يجعله مبنيًا فلا إخراج عنه، كما سنبيّنه.
وحدّه ابن عَمْرون من النحاة بأن ينفي عن الثاني ما يثبت لغيره بإلا أو كلمة تقوم مقامها، فيشمل أنواع الاستثناء: من متصل، ومنقطع، ومفرد، وجملة، وتام، ومفرغ، وخرج الوصف بإلا أو غيرها، وذكر ابن الحاجب أن المتصل والمنقطع لا يمكن تحديده بعد واحد على القول بالأشتراك والمجاز لتغاير حقيقتهما، إذ الأول حقيقة، والثاني مجاز.
وجمعهما ابن مالك في حد واحد، فقال: تحقيقًا أو تقديرًا.
وقد يقال: هو قوة حدّين.
وذكر إمام الحرمين في باب الإقرار من "النهاية" أن الفقهاء يسمون تعليق الألفاظ بمشيئة الله استثناء في مثل قول القائل: أنت طالق، وأنت حر إن شاء الله.
وفي "المحيط" للحنفية يسمى الاستثناء بإلا وأخواتها استثناء التحصيل، وبمشيئة الله استثناء التعطيل.
قال الخفاف: الاستثناء ضد التوكيد، يُثبت المجاز ويحققه، وصرح النحاة بأن اللفظ قبل الاستثناء يحتمل المجاز، فهذا جاء الاستثناء رفع المجاز وقرره، فاللفظ قبل الاستثناء ظني، وبعده قطعي، وهذا معاكس لقول الحنفية، فإنهم عَدُّوا الاستثناء من المخصصات، وعندهم أن العام قبل التخصيص قطعي، وبعده ظني.
قيل: ولا منافاة بينهما.
لأن احتمال التجوز قبل التخصيص ثابت، وبعد التخصيص كذلك، إلا أن الاستثناء يقرر المجاز في إخراج شيء، ويحقق أن المراد ما بقي تحقيقًا ظاهرًا لا يخالف ما لم تأت قرينة، كما قبل الاستثناء، إلا أن القرينة قبله يشترط فيها القوة.
وهل الإخراج من الاسم أو الحكم أو منهما؟ أقوال، أصحها الثالث، وهو مذهب سيبويه.
وهل هو إخراج من اللفظ ما لولاه لوجب دخوله أو لجاز؟ فيه قولان، رجح سليم في "التقريب" الأول.
قال: وإلا لم يفترق الحال بين الاستثناء من الجنس وغيره، فلما فرق بينهما، وجعل من الجنس حقيقة ومن غيره مجازًا، ثبت ما قلنا.
ينظر البحر المحيط 3/ 275، 276.

الجزء: 5 - الصفحة: 332

على فسادها جارية بين الناس، فعلى هذا اللمقر له تحليف المقر إنه كان من ثمن خمر أو خنزير، وأصحهما عند العراقيين وغيرهم أنه لا يقبل ويلزم الألف 138 ويبعض كلامه.
والثاني: لا يقبل، فيعتبر أوله، ويلغى آخره، لأنه وصل بإقرار ما يرفعه، فأشبه ما إذا قال: عليَّ ألف لا تلزمني أو فصل -قوله: عن ثمن خمر عن الإقرار، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- فعلى هذا لو قال المقر: كان ذلك من ثمن خَمْرٍ، وظننته لازمًا، فله تحليف المقر له على نفيه، ويجري القولان فيما إذا وصل بإقراره ما ينتظم لفظه في العادة، ولكنه يبطل حكمه شرعًا إذا أضاف المقرّ به إلى بيع فاسد، كالبيع بأجل مجهول، وخَيار مجهول وقال: تكفلت ببدن فلان، بشرط الخيار أو ضمنت لفلان، كذا بشرط الخيار، وما أشبه ذلك، وفي كلام الأئمة -رضي الله عنهم- ذكر مأخذين لهذا الخلاف.
أحدهما: بناه على القولين في تبعيض الشهادة، إذا شهد لابنه وأجنبي، ولك أن تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأن الشهادة للأجنبي، والشهادة للابن أمران لا تعلق لأحدهما بالآخر، وإنما قرن بينهما الشاهد لفظًا، والخلاف فيها شبيه بالخلاف في تفرق الصَّفقة [وأما هاهنا، فالمذكور أولاً مستند إلى المذكور آخرًا، ولكنه فاسد في نفسه، مفسد للأول، ولهذا] 139 لو قدم ذكر الخمر، فقال: لفلان عليَّ من ثمن الخمر ألف لم يلزمه شيء بحال، وفي الشهادة لا فرق بين أن يقدم ذكر الابن أو الأجنبي، ثم هب أنهما متقاربان، لكن ليس بناء الخلاف في الإقرار على الخلاف في الشَّهادة بأولى من القلب، والعكس.
والثاني: أنه يجوز بناء هذا الخلاف على الخلاف في حد المدعي، والمدعى عليه.
إن قلنا: المدعي من لو سكت ترك، فهاهنا لو سكت عن قوله: من ثمن خمر لترك، فهو بإضافته إلى الخَمْر مدعٍ، فلا يقبل قوله، ويحلف المقر له.
وإن قلنا: المدير من يدير أمرًا باطنًا، قبل قول المقر؛ لأن الظاهر معه، وهو براءة الذمة، والمقر له هو الذي يدعي أمرًا باطنًا، وهو زوال أصل البراءة، ولك أن تقول: لو صَحَّ هذا البناء لما اقترن الحال بين أن يضيفه إلى الخمر موصولاً، أو مفصولاً، ولوجب أن يخرج التعقب بالاستثناء على هذا الخلاف.

الجزء: 5 - الصفحة: 333

وقال الإمام -رحمه الله- بعد ذكر القولين: كنت أود لو فصل بين أن يكون المقر جاهلاً بأن ثمن الخمر لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا، فيعذر الجاهل دون العالم، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب.
منها: إذا قال: عَلَيَّ أَلْفٌ من ثمن عبد لم أقبضه، إذا سلمه سلمت الألف، ففيه طريقان: أحدهما: أن قبول قوله: من ثمن عبد لم أقبضه، على القولين السابقين، وفي قول يقبل، ولا يطالب بالألف إلاَّ بعد تسليم العبد.
وفي قول: يؤخذ بأول الإقرار، ولا يحكم بثبوت الألف ثمنًا، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأصحهما: القطع بالقبول، وثبوته ثمنًا، ويفارق صور القولين، فإن المذكور آخرًا منها يرفع المقر به وهاهنا بخلافه، وعلى هذا فلو قال: عليَّ ألف من ثمن عبد، واقتصر عليه، ثم قال مفصولاً: لم اقبض ذلك العبد، قيل أيضًا لأنه علق الإِقرار بالعبد، والأصل فيه عدم القبض، نعم لو اقتصر على قوله: لفلان عليَّ ألف، ثم قال مفصولاً: هو من ثمن عبد، لم أقبضه لم يقبل، ولا فرق عندنا بين أن يُعَيِّنَ العبد، فيقول: عَلَيَّ ألف من ثمن هذا العبد، إِذا سلمه سلمت الألف، وبين أن يطلق، فيقول: من ثمن عبد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إنْ عين قُبِلَ، وإن أطلق لم يقبل، ولزمه الألف.
ومنها: لو قال: عليَّ الألف لا يلزمني، أو عليَّ ألف أو لا، لزمه الألف؛ لأنه غير منتظم 140 لو قال: عليَّ ألف قضيته، ففيه طريقان: أحدهما: القطع بلزوم الألف، لقرب اللفظ من عدم الانتظام 141 فإن ما قضاه لا يكون عليه، بخلاف قوله: من ثمن الخمر، فإنه ربما يظن لزومه وهذا أصحّ عند صاحب الكتاب.
وأصحهما: عند الجمهور أنه على القولين؛ لأن مثله يطلق في العرف، والتقدير كان عليَّ ألف فقضيته ولو قال ابتداء: كان لفلان عليَّ ألف فقضيته.
يقبل فكذلك هاهنا

الجزء: 5 - الصفحة: 334

[ويجري الطريقان فيما إذا قال: لفلان على ألف أبرأني عنه، ولو ادعى عليه ألفًا، فقال: قد قضيته، فالمشهور ما ذكرناه في الباب الأول، وهو أنه إقرار] 142 وجعله أَبُو عَلِيُّ البندنيجي بمثابة ما لو قال: عليّ ألف قضيته.
ومنها: إذا قال: عليَّ ألف إن شاء الله، فالصحيح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يلزم بالإقرار، وقد علقه على المشيئة، وهي غيب عنا، وأيضًا فإن الإقرار إخبار عن واجب سابق، والوقع لا يتعلق بالغير.
وعنِ صاحب "التقريب" أن من الأصحاب من جعله على الخلاف فيما إذا قال: من ثمن خَمْرٍ؛ لأنه لو اقتصر على أول الكلام لكان إقرارًا جازمًا، ولو خرجوا طريقًا آخر جازمًا باللزوم لكان قريبًا، بناء على أن تعليق السابق لا ينتظم وبهذا قال أحمد.
ولو قال: عليَّ ألف إن شئت، أو شاء فلان، فالمشهور بطلان الإقرار، وقال الإمام رحمه الله: الوجه تخريجه على القولين؛ لأنه نفي بآخر كلامه مقتضى أوله، قال: وليس ذلك، كقوله: إن شاء الله فإنه يجري في الكلام كالتردد بخلاف التعلق بمشيئة غيره، ووجهه بعضهم للمذهب المشهور في قوله إن شاء الله وإن شاء زيد، فإن مثل هذا الكلام يطلق للالتزام في المستقبل، ألا ترى أنه لو قال: لك عليَّ كذا إن رددت عبدي الآبق، كان ذلك التزاما في المستقبل، ولو قال: عليَّ ألف إذا جاء رأس الشهر، أو إذا قدم فلان، أطلق مطلقون أنه لا يكون إقرارًا، لأن الشرط لا أثر له في إيجاب المال، والواقع لا يعلق بالشرط.
وذكر الإمام رحمه الله، وغيره: أنه على القولين؛ لأن صدر الكلام صيغة التزام، والتعليق يرفع حكمه ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق اقتصارًا على الأظهر من القولين في المسألة، وهذا إذا أطلق، وقال: قصدت التعليق.
أما إذا قال: قصدت به كونه مؤجلاً إلى رأس الشهر، فسيأتي، ولو قدم التعليق، فقال: إن جاء رأس الشهر، فعليَّ ألف لم يلزمه شيء؛ لأنه لم توجد صيغة التزام جازمه؛ نعم لو قال: أردت به التأجيل برأس الشهر قبل وفي "التتمة" حكايته وجه أن مطلقه يحمل على التأجيل برأس الشهر وبهذا أجاب فيما إذا آخر صيغة التعليق، فقال: عليَّ ألف إذا جاء رأس الشهر، ولم يذكر غيره، فيجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب: "لم يلزمه أصلاً" -بالواو- قوله في الصورة الأولى، "فهو على قولين أيضًا"، ولعلك تقول: ما حكيت في صورة التَّعْلِيْق أفهمني أن الظَّاهر مذهب بطلان الإقرار فيما إذا قال: من ثمن الخمر والخنزير، أن الأصح عند العراقيين وغيرهم لزوم ما أقر به، فهل

الجزء: 5 - الصفحة: 335

من فارق؟!.
والجواب: أنه يمكن أن يقال: دخول الشَّرطِ على الجملة يصير الجملة جزءًا من الجملة الشرطية والجملة إذا صارت جزءًا من جملة أخرى تغير معناها.
وقوله: "من ثمن خمر أو خنزير" لا يغير معنى صدر الكلام، وإنما هو بيان جهته، فلا يلزم من إلاَّ يبعض الإقرار عند التعليق، بل يلغي تحرزًا من اتخاذ جزء الجملة جمله برأسها ألاَّ يتبعض في الصُّورة الأخرى.
ومنها: لو قال: عليَّ ألف مؤجل إلى وقت كذا، نظر إن ذكر الأجل مفصولاً لم يقبل، وإن ذكره موصولاً، ففيه طريقان كالطريقين فيما إذا قال ألف من ثمن عبد، لم أقبضه، والظاهر القبول، وبه قال أحمد.
وإذا قلنا: لا يقبل، فالقول قول المقر له مع يمينه في نفي الأجل، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
وأعلم لذلك قوله في الكتاب: "لا يطالب في الحال" بالحاء.
قال الإمام: وموضع الطريقين ما إذا كان الدَّين المقر به مطلقًا، أو مستندًا إلى سبب، وهو بحيث يتعجل، ويتأجل.
أما إذا استند إلى جهة لا تقبل التأجيل، كما إذا قال: ألف أقرضنه مؤجلاً، فيلغو ذكر الأجل، بلا خلاف، وإن أسنده إلى جهة يلازمها التأجيل، كالدِّيَةِ المضروبة على العاملة، فإن ذكر ذلك في صدر إقراره، بأن قال: قتل ابن عمي فلانًا خطأ، ولزمني من دية ذلك القتيل كذا مؤجلًا إلى سنةٍ انتهاؤها كذا، فهو مقبول لا محالة.
وإن قال: عليَّ كذا من جهة حمل العَقْل مؤجلًا إلى وقت كذا، فطريقان: أحدهما: القطع بالقبول؛ لأنه كذلك يثبت.
والثاني: أنه على القولين، والطريق الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر؛ لأن أول كلامه ملزم لو اقتصر عليه، وهو في الإسْنَادِ لتلك الجهة مدعٍ، كما في التأجيل.

فرع

لو قال: بعتك أمس كذا، فلم تقبل فقال: قد قبلت، فهو على قولي تبعيض الإقرار إن بعضناه، فهو مصدق بيمينه في قوله: قبلت، وكذا الحكم فيما إذا قال لعبده: أعتقتك على ألف، فلم تقبل، ولامراته خَالَعْتُكِ على ألف، فلم تقبلي وقال لا قبلنا.

فرع إذا قال أقر الآن بما ليس عليَّ لفلان عليَّ ألف، أو ما طلقت امرأتي، ولكن أقر

الجزء: 5 - الصفحة: 336

بطلاقها، فأقول طلقتها.
عن الشيخ أبِي عَاصمٍ أنه لا يصح إقراره.
وقال صاحب "التتمة": الصحيح أنه كما لو قال عليَّ ألف لا يلزمني لفلان.
ولو قال: عليَّ ألف وزعم أنه وديعة، فأما أن يذكر ذلك مفصلاً، أو متصلاً.
الحالة الأولى: وهي المذكورة في الكتاب أن يذكره منفصلاً فإن أتى بألف بعد إقراره، وقال: أردت هذا، وهو وديعة عندي، فقال المقر له: هو وديعة، ولي عليك ألف آخر دينًا، وهو الذي أردته بإقرارك، ففيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وأحمد: أن القول قول المقر له، فما أتى به وديعة، وعليه ألف دينًا؛ لأن كلمة "علي" تقتضي الثبوت في الذمة، ولهذا لو قال: علي ما على فلان، كان ضامنًا، والوديعة لا تثبت في الذمة، فلا يجوز التفسير بها.
وأصحهما: أن القول قول المقر مع يمينه؛ لأن الوديعة يجب حفظها، والتخلية بينها وبين المالك، فلعله أراد بكلمة "علي" الإخبار عن هذا الواجب، ويحتمل أيضًا أنه تعدى فيها، حتى صارت مضمونة عليه، فلذلك قال: هي عليَّ، وأيضًا فقد تستعمل "عليَّ" بمعنى "عندي"، وفسر بذلك قوله تعالى مخبرا: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14].
وحكى الإمام طريقة قاطعة بالقول الثاني، والمشهور إثبات القولين، وقد نسبهما الشيخ أبُو حَامِدٍ إلى نَصِّهِ في "الأم"، ولو كان قد قال: عليَّ ألف في ذمتي، أو ألف دينًا، ثم جاء بألف، وفسر كما ذكرنا، فإن لم تقبل في الصورة الأولى فهاهنا أولى وإن قبلنا هناك فوجهان: أحدهما: يقبل لجواز أن يريد الألف في ذمته، إن تلفت الوديعة، لأني تعديت فيها.
وأصحهما: أنه لا يقبل، والقول قول المقر له مع يمينه؛ لأن العين لا تثبت في الذمة وقوله في الكتاب تفريعًا على قبول التفسير بالوديعة ولا يقبل قوله في سقوط الضمان لو ادعى التلف أراد به ما ذكره الإمام من أن الأصحاب قالوا الألف مضمون، وليس بأمانة، لأن قوله: "علَيَّ" يتضمن الإلتزام، فلو ادعى تلف الألف الذي زعم أنه وديعة لم يسقط الضمان عنه، ولو ادعى رده لم يصدق؛ لأنه ضامن، وإنما يصدق المؤتمن، والمفهوم من هذا الكلام أنه لايصدق في دعوى تلفه بعد الإقرار، أو رده، لكن فيه إشكال توجيهًا ونقلًا.
أما التوجيه فإن كلمة "عليَّ" يجوز أن يريد بها صيرورتها مضمونة عليه لتعديه، ويجوز أن يريد بها وجوب الحفظ، والتخلية، ويجوز أن يريد بها عندي، كما سبق، وهذان المعنيان لا ينافيان الأمانة.

الجزء: 5 - الصفحة: 337

وأما النقل، فلأن قضية إيراد غيرهما أنه إن ادعى أنه تلف أورده قبل الإقرار لم يصدق؛ لأن التَّالف والمردود لا يكون عليه بمعنى من المعاني، فإن ادعى التلف بعد الإقرار، فيصدق، وقد صرح به صاحب "الشامل" في موضعين من الباب.
الحالة الثانية: أن يذكره على الاتصال، فيقول: لفلان عليَّ ألف وديعة، فيقبل، وتأويل كلامه على ما مر.
وعن الشيخ أبِي إِسْحَاقَ: أنه على القولين فيما لو قال: عليَّ ألف قضيته، وهو متوجه تفريعًا على عدم القبول حالة الانفصال.
وإذا قلنا بالقبول فإذا أتى بألف، وقال: هذا هو، فبع به، وإن لم يأت بشيء، وادعى التلف، أو الرد، ففي القبول وجهان بناهما في "التهذيب" على تأويل كلمة "عليَّ" إن حملناها على وجوب الحفظ قُبِلَ، وهو الأصح، وإن حملناه على صَيْرُورَتِهِ مَضْمونًا عليه، فلا يجوز أن يثبت في الحالة الأولى مثل هذا الخلاف، نظرًا إلى المعنيين، ولو قال: معي أو عندي ألف، فهو محتمل للأمانة، مصدق في قوله: إنه كان وديعة، وفي دعوى التلف والرد، ولو قال: له عندي ألف درهم مضاربة دينًا، أو وديعة دينًا، فهو مضمون عليه، ولا يقبل قوله في دعوى التلف، والرد نص عليه، ووجهوه بأن كونه دينًا عبارة عن كونه مضمونًا، فإن قال: أردت به أنه دفعه إلى مضاربة أو وديعة، بشرط الضمان لم يُقبل قوله، لأن شرط الضمان في الأمانة لا يوجب الضمان، هذا إذا فسر منفصلاً، وإن فسره متصلاً، ففيه قولا تبعيض الإقرار، ولو قال: عندي ألف عارية، فهي مضمونة عليه، صححنا إعارة الدراهم، أو أفسدناها؛ لأن الفاسد كالصحيح في الضمان، ولو قال: دفع إليَّ ألفًا، ثم فسره بوديعة وزعم تلفها في يده صدق بيمينه، وكذا لو قال: أخذت منه ألفًا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: أخذت منه ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال المأخوذ منه: بل غصبته، فالقول قول المقر له؛ لأن الأخذ منه قد لا يكون برضاه ودفعه يكون برضاه وعن القَفَّال أنه قال؛ المذهب عندي أنه يفرق بين اللفظين، كما قال أبو حنيفة رحمه الله، ولو ذكره على الاتصال، فقال: أخذت من فلان ألفًا وديعة، فعند أبى حنيفة لا يقبل، وعلى ما ذكره القَفَّالُ يجيء فيه القولان في تبعيض الإقرار، وظاهر المذهب لا يخفى والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّالِثَةُ): إِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ عَارَيةٌ قُبِلَ لأَنَّ الإِضَافَةَ بِاللاَّمِ تَحْتَمِلُ العَارِيَةَ إِذَا وُصِلَ بِهِ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: هِيَ لَكَ هِبَةٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ هِبَةً قَبْلَ القَبْضِ قُبِلَ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُ وأَقْبَضْتُ، أَوْ رَهَنْتُ وَأَقْبَضْتُ ثُمَ قَالَ: كَذَبْتُ

الجزء: 5 - الصفحة: 338

لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ القَبْضَ بِالقَوْلِ قَبْضٌ، أَوْ أَشْهَدتُّ عَلَى الصَّكِّ عَلَى العَادَةِ، وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ ليَحْلِفَ الخَصْمُ؟ فِيهِ خِلافٌ، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ: لُقِّنْتُ بِالعَرَبِيَّةِ وَهُوَ عَجَمِيُّ لا يَفْهَمُ قُبِلَ دَعْوَاهُ بِالتَّحْلِيفِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على ثلاثة مسائل: إحداها: إذا قال: هذه الدار لك عارية، فهو إقرار بالإعارة، وله الرجوع عنها.
وقال صاحب "التقريب": هي لك إقرار بالملك لو اقتصر عليه، وذكر العارية ينافيه، فيكون على القولين في تَبْعِيضِ الإقرار، وأجابوا، عنه بأن الإضافة بـ"اللام" تقتضي الاختصاص بالملك، أو غيره، فإن تَجَرَّدَت، وأمكن الحمل على الملك حمل عليه؛ لأنه أظهر وجوه الاختصاص، بالملك، وإن وصل بها، وذكر وجهًا آخر من الاختصاص، أو لم يمكن العمل على الملك، كقولنا: الجل للفرس حمل عليه، ولو قال: هذه الدار لك هبة عارية بإضافة الهبة إلى العارية، أو هبة سكنى، فهو كما لو قال: لك عارية، بلا فرق.
الثانية: الإقرار بالهبة لا يتضمن الإقرار بالقبض على المشهور.
وفي "الشامل" ذكر خلاف في المسألة إذا كانت العين في يد الموهوب منه، وقال: أقبضتني.
ولو قال: وهبته، وخرجت منه إليه فقد مر أن الظَّاهر أنه ليس بإقرار بالقبض أيضًا، وكذا لو قال: وهبت منه وملكها كذا قال في "التَّهْذِيْبِ" أما إذا أقر بالقبض مع الهبة، فقال: وهبت وأقبضت، أو سلمته منه، أو حازه منى لزمه الإقرار، عاد، وأنكر القبض، وذكر لإقراره تأويلاً، أو لم يذكر، فهو كما ذكرنا في "الرَّهْن" إذا قال: رَهَنْتُ وأقبضته، ثم عاد وأنكر المذكور في الرَّهْن أنه له تحليفه، وقيل: لا يحلفه إلاَّ أن يذكر للإقرار تأويلاً.
وقوله في الكتاب: "أو رهنت" "وأقبضت" كالمكرر؛ لأنه أورده ثم، إلاَّ إنه أورد الخلاف هاهنا فيما إذا ذكر لإقراره تأويلاً، وهناك أجاب بالأصح، وهو أنه يحلف، ولو أقر ببيع أو هبة، وقبض ثم قال: كان ذلك فاسدًا وأقررت لظني الصحة لم يصدق، لكن له تحليف المقر له، فإن نكل حلف المقر، وحكم ببطلان البيع والهبة، ولو أقر بإتلاف مال على إنسان، وأشهد عليه ثم قال: كنت عازمًا على الإتلاف، فقدمت الإشهاد على الإتلاف لم يلتفت إليه بحال، بخلاف ما لو أشهد على نفسه، ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض منه، فقدمت الإشهاد على الاستقراض لأن هذا معتاد، وذلك غير معتاد.

الجزء: 5 - الصفحة: 339

الثالث: إقرار أهل كل لغة بلغتهم إذا عرفوها صحيحة، فلو أقر عجمي بالعربية، أو بالعكس، وقال: لم أفهم معناه، ولكن تلقنته فتلقنت صدق بيمينه، إن كان ممن يجوز إلاَّ يعرفه، وكذلك الحكم في جميع العقود، والحلول، وكذا لو أقر، ثم قال: كنت يوم الإقرار صغيرًا، وهو محتمل صدق بيمينه إذ الأصل الصغر، وكذلك لو قال: كنت مجنونًا، وقد عهد له جنون، ولو قال: كنت مكرهًا، وثم أمارات الإكراه من حبس أو توكيل، فكذلك، وإن لم تكن أمارة لم يقبل قوله، والأمارة إنما تثبت بإقرار المقر له، أو بالبينة، وإنما تؤثر إذا كان الإقرار لمن ظهر منه الحبس والتوكيل، أما إذا كان في حبس زيد لم يَقْدَحْ ذلك في الإقرار لعمرو، ولو شهد الشهود على إقراره، وتعرضوا لبلوغه، وصحّة عقله، واختياره، فادعى المقر خلافه لم يقبل لما فيه من تكذيب الشهود، ولا يشنرط في الشهادة التعرض للبلوغ، والعقل والطواعية، والحرية والرشد، ويكتفي بأن الظاهر وقوع الشهادة على الإقرار الصحيح، وفي مجهول الحرية قول أنه يشترط التعرض للحرية، وخرج منه اشتراط التعرض لسائر الشروط، والمذهب الأول.
قال الأئمة: وما يكتب في الوثائق أنه أقر طائعًا مع صحة عقله، وبلوغه احتياط، ولا تقيد به شهادة الإقرار لكونه طائعًا، وأقام الشهود عليه بينة على كونه مكرهًا قدم بينة الاكراه، ولا تقبل الشهادة على اجمراه مطلقًا، بل لا بد من التفصيل.
وقوله في الكتاب في مسألة التلقين "تقبل دعواه بالتحليف" إنما يذكر هذا اللفظ فيما لا يصدق فيه الشخص، لكنه يحلف فيه الخصم، وهاهنا هو مصدق على ما بينا والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الرابعة): إِذَا قَالَ: الدَّارُ لِزَيْدٍ بَل لعَمْرٍو وَسلَّمَ إلَى زَيْدٍ وَيُغَرَّمُ لِعَمْرو في أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهَا من زَيْدٍ وَمِلْكهَا لِعَمْرٍو ويَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى زَيْدٍ فَلَعَلَّهُ مُرْتَهِنٌ أَوْ مُسْتَأجَرٌ.
قال الرافعي: فيها مسألتان: إحداهما: إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، أو قال: غصبت هذه الدار من زيد، وغصبها زيد من عمرو، أو قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، فنسلم الدار لزيد، وهل يغرم المقر قيمتها لعمرو؟ فيه قولان منصوصان: أحدهما: وهو الذي نقله في "المختصر" في الصورة الأولى أنه لا يغرم؛ لأنه اعتراف للثاني، بما يدعيه، وإنما منع الحكم من قبوله، وأيضًا فإن الإقرار الثاني صادف

الجزء: 5 - الصفحة: 340

ملك الغير، فلا يلزمه شي، كما لو أقر لعمرو بالدار التي هي في يد زيد لعمرو.
والثاني: أنه يغرم، وبه قال أحمد، لأنه حال بين عمرو وبين داره بإقراره الأول والحيلولة تثبت الضمان بالإتلاف ألا ترى أنه لو غصبت عبدًا، فأبق من يده ضمنه، وهذا أصح عند الأكثرين، وفي الصورة الثالثة طريقة قاطعة بأنه لا يجب الغرم مذكورة في "التهذيب" و"التتمة" موجه بأنه لم يقر بجناية في ملك الغير، بخلاف الصورتين الأوليين فإنه أقر فيهما بالغَصْبِ، فضمن لذلك وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان، بل من فلان غرم للثاني، ولو قال: هذه لفلان، بل لفلان لا يغرم للثاني، فيجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب: "ويغرم لعمرو" بالحاء، ويجوز أن يعلم قوله: "في أقيس القولين" -بالواو- إشارة إلى الطريقة القاطعة بنفي الغرم، واختلفوا في موضع القولين، حيث ثبتا، فقال قائلون: هما مخصوصان بما إذا انتزعها الحاكم من يد المقر، وسلمها إلى زيد، فأما إذا سلمها إلى زيد، فأما إذا سلمها إلى زيد بنفسه غرمها لعمرو، بلا خلاف.
وقال آخرون: يجريان في الحالتين 143 لأن سبب انتزاع القاضي أيضًا إقراره، ولو باع عينًا وأقبضها، واستوفى الثمن ثم قال: كنت قد بعته من فلان، أو غصبته لم يقبل قوله: على المشتري، وفي غرامته القيمة للمقر له طريقان: أحدهما: أنه على القولين.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" ورواه الماسرجس عن ابْنِ أَبِى هُرَيْرَة القطع بأنه يغرم لتفويته عليه بتصرفه، وتسليمه؛ لأنه استوفى عوضه، وللعوض مدخل في الضمان، ألا ترى أنه لو غر بحرية أمة فنكحها، وأحبلها، ثم أجهضت بجناية جانٍ يغرم المغرور الجنين لمالك الجارية، لأنه يأخذ الغرة، ولو سقط ميتًا من غير جناية لا يغرم، وينبني على هذا الخلاف، أن مدعي العين المبيعة، هل له دعوى القيمة على البائع مع بقاء العين في يد المشتري.
إن قلنا: لو أقر يغرمه القيمة، فله دعواها، وإلاَّ فلا، ولو كان في يد إنسان عين، فانتزعها منه مدعٍ بيمينه بعد نكول صاحب اليد، ثم جاء آخر يدعيها، هل له طلب القيمة من الأول.
إن قلنا: النكول، ورد اليمين، كالبينة، فلا كما لو كان الانتزاع بالبينة، وإن جعلناها كما الإقرار، ففي سماع دعوى الثاني عليه القيمة الخلاف.

الجزء: 5 - الصفحة: 341

الثانية: إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد؛ لأنه اعترف له باليد.
والظاهر: كونه محقًّا فيها، ثم الخصومة في الدار تكون بين زيد وعمرو، ولا تقبل شهادة المقر لعمرو؛ لأنه غاصب، وفي غرامته لعمرو طريقان: أحدهما: أنه على القولين فيما إذا قال: غصبتها من زيد المقر، لا بل من عمرو، واختاره في "التهذيب".
وأصحهما: القطع بأنه لا يغرم؛ لأن الإقرارين هناك متنافيان والإقرار الأول مانع من الحكم بالثاني، وهاهنا لا منافاة لجواز أن يكون الملك لعمرو، تكون في يد زيد بإجارة، أو رهن، أو وصية بالمنافع، فيكون الآخذ منه غاصبًا منه، ولو أخر ذكر الغَصْب، فقال: هذه الدار ملكها لعمرو، وغصبتها من زيد، فوجهان: أظهرهما: أن الحكم كما في الصورة الأولى لعدم التنافي، فتسلم إلى زيد، ولا يغرم لعمرو.
والثاني: أنه إذا أقر بالملك أولاً لم يقبل إقراره باليد لغيره، فتسلم إلى عمرو، وفي الغرم لزيد القولان، هكذا أطلقوه، وفيه مباحثه؛ لأنا إذا غرمنا المقر في الصورة السابقة للثاني، فإنا نغرمه القيمة؛ لأنه أقر بالملك، وهاهنا جعلناه مقرًّا باليد دون الملك، فلا وجه لتغريمه القيمة، بل القياس أن يسأل عن يده أكانت بإجارة، أو برهن، أو غيرهما، فإن أسندها إلى الإجارة غرم قيمة المنفعة، وإن أسندها إلى الرَّهْن غرم قيمة المرهون ليتوثق به في دينه، وكأنه أتلف المرهون، ثم إن وفي الدَّين من موضع آخر، فترد القيمة عليه.
وقوله في الكتاب "يبرأ بالتسليم إلى زيد" يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه أراد البراءة عن الغرم لعمرو على ما هو بين في "الوسيط"، وقد عرفت الخلاف فيه.

فرع

إذا قال: غصبت هذه العين من أحدكما، فيطالب بالتعيين، فإن عين من أحدهما سلمت إليه، وهل للثاني تحليفه ينبني على أنه لو أقر للثاني، هل يغرم له القيمة؟ إن قلنا: لا فلا إن قلنا: نعم، فنعم؛ لأنه ربما يقر له إذا عرضت اليمين عليه، فيغرم، فعلى هذا إن نكل ردت اليمين على الثاني، وإذا حلف، فليس له إلاَّ القيمة.
ومنهم من قال: إن قلنا: إن النكول ورد اليمين، كالإقرار من المدعى عليه، فالجواب كذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 342

أما إذا قلنا: كالبينة، فتنتزع الدار من الأول، وتسلم إلى الثاني، ولا غرم عليه للأول، وعلى هذا فله التحليف.
وإن قلنا: لا يغرم القيمة، لو أقر للثاني طمعًا في أن ينكل، فيحلف المدعي، ويأخذ العين، وإن قال المقر: لا أدري من أيكما غصبت، وأصر عليه فإن صدقاه، فالعين موقوفة بينهما حتى يتبين المالك، أو يصطلحا، وكذا إن كذباه، وحلف لهما على نفي العلم، هذا ظاهر المذهب في الفرع، وللشيخ أَبِي عَلِي فيه تطويل في "شرح الفروع" لكنه لم يتنقح لي تنقيح كلامه، فتركته والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الخامسة): إِذَا اسْتَثنَي عَنِ الإِقْرَارِ مَا لاَ يَسْتَغرِقُ صَحَّ كَقَوْلهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً يَلْزَمُهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً إِلاَّ ثَمَانِيَةً يَلْزَمَهُ تِسْعَةٌ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ كَمَا أنَّهُ مِنَ الإثْبَاتِ نَفْيٌ.
قال الرافعي: الكلام من هذا الموضع إلى آخر الباب في الاستثناء، وهو جائز في الإقرار والطلاق وغيرهما، بشرط أن يكون متصلاً، ولا يكون مستغرقًا فإن سكت بعد الإقرار [طويلاً] أو تكلم بكلام أجنبي عما هو فيه، ثم استثنى لم ينفع الاستثناء 144. ولو استغرق، فقال؛ عشرة إلاَّ عشرة، فعليه العشرة؛ لأن هذا الاستثناء غير منتظم في البيان، ولو قال: على عشرة إلاَّ تسعة، أو سواء واحد، صح الاستثناء، ولزمه في الصورة الأولى درهم، وفي الثانية تسعة، ولا فرق بين استثناء الأقل من الأكثر، وبين عكسه.
وعن أحمد أنه لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل.
فقوله في الكتاب: "يلزمه واحد" يصح إعلامه بالألف لذلك، ويصح إعلامه بالميم؛ لأن في "التتمة" أن مالكًا لا يصح عنده استثناء الآحاد من العشرات، ولا المئين من الألوف، وإنما يصح استثناء العشرات من المئين، والألوف.
وفي "الذخيرة" للبندنيجي أن مالكًا لا يصح الاسثناء في الإقرار أصلاً، ثم الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات؛ لأنه مشتق من الثنى، وهو الصرف، والصرف إنما يكون من الإثبات إلى النفي، وبالعكس، فلو قال؛ عليَّ عشرة إلاَّ تسعة إلاَّ ثمانية فعليه تسعة، المغنى إلاَّ تسعة لا يلزم إلا ثمانية فتلزم فتكون الثمانية والواحد

الجزء: 5 - الصفحة: 343

الباقي من العشرة، والطريق فيه، وفي نظائره أن يجمع كل ما هو إثبات، وكل ما هو نفي، فيسقط المنفي من المثبت، فيكون الباقي هو الواجب، فالعشرة في الصورة المذكورة، والثمانية مثبتتان يجمعهما، ويسقط التسعة المنفية من المجموع، يبقى تسعة، ولو قال: عشرة إلاَّ تسعة إلاَّ ثمانية إلاَّ سبعة، وهكذا إلى الواحد، فعليه خمسة لأن الأعداد المثبتة ثلاثون والمنفية خمسة وعشرون.
قال الإمام وطريق تمييز المثبتات من المنفيات أن ينظر إلى العدد المذكور أولاً، فإن كان شفعًا فالأوتار منفية والأشفاع مثبتة، وإن كان وترًا فالعكس، ولهذا شرط وهو أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي الطبيعي، أو يتلو كل شفع منها وترًا، وبالعكس، ولو قال: ليس لفلان عليَّ شيء إلاَّ خمسة، فعليه خمسة، ولو قال: ليس له عليَّ عشرة إلاَّ خمسة لم يلزمه شيء عند الأكثرين؛ لأن عشرة إلاَّ خمسة خمسة فكأنه قال: ليس عليَّ خمسة.
وفي "النهاية" وجه آخر: أنه يلزمه خمسة، بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات، ولو أتى باستثناء بعد استثناء والثاني مستغرق صح الأول، وبطل الثاني.
مثاله قال: عليَّ عشرة إلاَّ خمسة، إلاَّ عشرة أو عشرة إلاَّ خمسة إلاَّ خمسة يلزمه خمسة وإن كان الأول مستغرقًا، كقوله: عشرة إلاَّ عشرة إلاَّ أربعة.
فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يلزمه عشرة، ويبطل الاستثناء الأول لاستغراقه، والثاني لبطلان المستثنى فيه يلزمه أربعة ويصح الاستثناءان؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره وآخره يخرج الأول عن كونه مستغرقًا، ويصيره كأنه استثنى من أول الكلام ستة.
قال في "الشامل": وهذا أقيس.
والثالث: أنه يلزمه ستة؛ لأن الاستثناء الأول باطل، لاستغراقه، فيكون وجوده كعدمه، ويرجع الاستثناء إلى أول الكلام.
ولو قال: عليَّ عشرة إلاَّ عشرة إلاَّ خمسة، فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة، وعلى الأخيرين خمسة، هذا إذا لم يكن في الاستثناء عطف، أما إذا قال: عشرة إلاَّ خمسة، وإلاَّ ثلاثة أو عليَّ عشرة إلاَّ خمسة، وثلاثة فهما جميعًا مستثنيان من العشرة، ولا يلزمه إلاَّ درهمان، فإن كان العددان بحيث لو جمعا حصل الاستغراق، كما إذا قال: عليَّ عشرة إلاَّ سبعة وثلاثة، فيلزمه عشرة؛ لأن "الواو" تجمعهما، وتوجب الاستغراق أو يخص الثاني بالبطلان؛ لأن الأول صح استثناؤه، والثاني مثل العدد الباقي، فهو المستغرق فيه وجهان.

الجزء: 5 - الصفحة: 344

قال الشيخ أبو علي: أصحهما الثاني، ورأى أن يفرق بين قوله: عشرة إلاَّ سبعة وثلاثة وبين قوله عشرة إلاَّ سبعة إلاَّ ثلاثة فيقطع في الصورة الثانية بالبطلان لأنهما استثناءان مستقلان، فيحصل من ذلك وجه ثالث فارق ومهما كان في المستثنى، والمستثنى منه عددان معطوف أحدهما على الآخر، ففي الجمع بينهما وجهان، كما في الصورة السابقة: أصحهما: ويحكى عن نصه في الطلاق، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ والأكثرون أنه لا يجمع؛ لأن الواو العاطفة وإن اقتضت الجمع، لكنها لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ، والاستثناء، ويدور على اللفظ مثاله إذا قال: عليَّ درهمان ودرهم، إلاَّ درهمان إن لم يجمعه لزمه ثلاثة؛ لأنه استثنى درهمان من درهم، وإن جمعنا لزمه درهم، فكان الاستثناء من ثلاثة، ولو قال علىَّ ثلاثة إلا درهمين ودرهمًا فإن لم يجمع لزمه درهم، وصح استثناء الدرهمين إن جمعنا لزمه ثلاثة وكان الاستثناء مستغرقًا، ولو قال: ثلاثة إلاَّ درهماً، ودرهمين فإن لم نجمع لزمه درهمان، وإن جمعنا، فثلاثة، ولو قال: درهم فدرهم ودرهم إلاَّ درهماً ودرهمًا ودرهمًا لزمه ثلاثة على الوجهين؛ لأنا إن جمعنا جمعنا في الطرفين، وإن لم نجمع كان مستثنيًا درهماً من درهم، وحكم هذه الصورة في الطلاق، كحكمها في الإقرار، وقد ذكر صاحب الكتاب أكثرها في الطلاق، ولو قال: على عشرة إلاَّ خمسة أو ستة.
قال في "التتمة": يلزمه أربعة؛ لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كما لو قال: عليَّ خمسة أو ستة لم يلزمه إلاَّ خمسة، ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة؛ لأنه أثبت العشرة، واستثنى منه خمسة، واستثنى درهماً زائدًا مشكوكًا فيه فلو قال: علىَّ درهم غير دانق، فقضية النحو وبه قال بعض الأصحاب أنه إن نصب "غير" فعليه خمسة دوانيق؛ لأنه استثناء وإلاَّ فعليه درهم تمام؛ إذ المعنى عليه درهم لا دانق.
وقال الأكثرون: السابق إلى فهم أهل العرف منه الاستثناء، فيحمل عليه، وإن أخطأ في الإعراب، والله أعلم.
قال الغزالي: (السادسة): الاسْتِثْنَاء مِنْ غيْرِ الجِنْسِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمِ إِلاَّ ثَوْبًا مَعْنَاهُ قِيمَة ثَوْبٍ، ثُمَّ لِيُفَسِّرْ بِمَا يَنْقُصُ قِيمَتَهُ عَنِ الأَلْفِ، فَلَوِ اسْتَغْرَقَ بَطُلَ تَفْسِيرُهُ في وَجْهٍ، وَأَصْلُ اسْتِثَنَائِهِ في وَجْهٍ.
قال الرافعي: الاستثناء من غير الجنس صحيح، كما إذا قال: عليَّ ألف درهم، إِلاَّ ثوباً، أو عبداً.
وقال مالك وأَبُو حَنِيْفَةَ لا يصح إلاَّ المكيل والموزون والمعدود، ويستثنى بعضها

الجزء: 5 - الصفحة: 345

من بعض مع اختلاف الجنس.
وقال أَحْمَدُ: لا يصح ذلك بحال وحجة المذهب مشهورة في الأصول، ثم عليه أن يبين ثوباً، وتستغرق قيمته الألف، فإن استغرق، فالتفسير لغو، وفي الاستثناء وجهان: أحدهما: أنه لا يبطل؛ لأنه صحيح من حيث اللفظ، وإنما الخلل فيما فسر به اللفظ، فيقال له: هذا التفسير غير صحيح، ففسره بتفسير صحيح.
والثاني: أنه يبطل الاستثناء، ويلزمه الألف؛ لأنه بين ما أراد باللفظ، فكأنه تلفظ به، والوجه الأول أصح عند صاحب "التهذيب".
وقال الإمام وغيره: الثاني أصح، وهو الأشبه، ويصح استثناء المجمل من المجمل والمجمل من المفصل، وبالعكس، فالأول كما إذا قال: ألف إلاَّ شيئاً، فيبين جنس الألف أولاً، ثم يفسر الشيء بما لا يستغرق الألف من الجنس الذي بينه المفسر به.
والثاني: كما إذا قال: عليَّ عشرة دراهم إلا شيء، ويفسر الشيء بما لا يستغرق العشرة.
وإذا قال: على شي إلاَّ درهماً يفسر الشي بما يزيد على الدرهم، وإن قّل، وكذا لو قال: ألف إلاَّ درهما، ولا يلزمه من استثناء الدرهم أن يكون الألف دراهم، ومهما بطل التفسير في هذه الصورة، ففي بطلان الاستثناء الوجهان، وإن اتفق اللفظ في المستثنى منه، كما إذا قال: عليّ شيء إلا شيئاً أو مال إلاَّ مالاً، فقد حكى الإمام عن القاضي فيه وجهين: أحدهما: أنه يبطل الاستثناء، كما لو قال: عليَّ عشرة إلاَّ عشرة.
والثاني: لا يبطل لوقوعه على القليل، والكثير، فلا يمتنع حمل الثاني على أقلّ ما يتمول، وحمل الأول على الزائد على أقل ما يتمول.
قال: وفي هذا التردد غفلة؛ لأنا إن ألغينا استثناؤه اكتفينا بأقل ما يتمول، وإن صححناه ألزمناه أيضاً أقل ما يتمول، فيتفق الجوابان، ويمكن أن يقال: حاصل الواجب لا يختلف، لكن التردد غير خالٍ عن الفائدة، فإنا إذا أبطلناه الاستثناء لم نطالبه إلاَّ بتفسير اللفظ الأول، وإن نبطله طلبناه بتفسيرهما وله آثار في الامتناع من التفسير، وكون التفسير الثاني غير صالح للاستثناء الأول، وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: (السابعة) الاسْتِثْنَاءُ عَنِ العَيْنِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلاَنٍ إِلاَّ ذَلِكَ البَيْتَ، وَالخَاتَمُ إلاَّ الفَصَّ، وَهَؤُلاَءِ العَبِيدُ إلاَّ وِاحِدًا، ثُمَّ لَهُ التَّعْيِينُ، فَإنْ مَاتُوا اِلاَّ وَاحِداً فَقَالَ: هُوَ المُسْتَثنَى قَبْلُ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ.

الجزء: 5 - الصفحة: 346

قال الرافعي: صحته من المطلقان، كما إذا قال: هذه الدار لفلان، إِلاَّ هذا البيت، وهذا القميص إلاَّ كميه، وهذه الدراهم إِلاَّ هذا الواحد، وهذا القطيع إلاَّ هذه الشاة أو هذا الخاتم إلا هذا الفص ونظائره.
وفيه وجه: أنه لا يصح؛ لأن الاستثناء المعتاد هو الاستثناء من الأعداد المطلقة.
وأما المعينات، فالاستثناء فيها غير معهود، ولأنه إذا أقر بالمعين، كان ناصًّا على ثبوت الملك فيها، فيكون الاستثناء بعده رجوعًا، والأول ظاهر المذهب، وقد نص عليه في بعض الصور المذكورة، واقتصر في الكتاب هاهنا على ما هو الظاهر، لكنه قال في "الطلاق" لو قال: أربعتكن طوالق إلا فلانة 145 لم يصح هذا الاستثناء عند القاضي الحُسَيْنِ، كما لو قال: هؤلاء الأعبد الأربعة لفلان إلاَّ هذا الواحد لم يصح؛ لأن الاستثناء المعين لا يعتاد، وأجاب بعدم الصحة من غير ذكر الخلاف، والكلام في مسألة الطلاق يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ولو قال: هؤلاء العبيد لفلان إلا واحداً، فالمستثنى منه معين، والمستثنى غير معين، وهو الصحيح إذا جوزنا الاستثناء من المعين، والرجوع إليه في غير المعين، فإن ماتوا إلاَّ واحداً فقال هو الذي أردته بالاسشاء قُبِلَ قوله مع يمينه؛ لأنه محتمل.
وفيه وجه: أنه لا يقبل بالتهمة، وندرة مثل هذا الاتفاق، وهو ضعيف بإجماع من نقله.
وقوله في الكتاب قبل: "وقيل: فيه قولان" يقتضي أولاً أن يكون الخلاف قولاً.
وثانيًا إثبات طريقين: طريقة جازمة، وطريقة خلافية، وفيهما نظر من جهة النقل.
ولو قال: غصبتهم إِلاَّ واحداً فماتوا إلاَّ واحداً، فقال: هو المستثنى قُبِلَ، بلا خلاف؛ لأن أثر الإقرار ينفي في الضمان، وكذا لو قتلوا في الصورة الأولى إلاَّ واحداً؛ لأن حقه يثبت في القيمة، فلو قال: هذه الدار لفلان، وهذا البيت منها لي، أو هذا الخاتم لفلان، وفَصُّهُ لي قُبلَ؛ لأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فكان كالاستثناء والله اعلم وقد فرغنا من شرح أَبواب الكتاب، سوى الأخير، ونذكر قبل الشروع فيه مسائل وفروع بقيت علينا مما يورد تعددًا في الإقرار، وإن كان بعضها أجنبيًا عنه.
منها: جارية في يد إنسان جاء غيره، وقال له: بعتك هذه الجارية بكذا أو سلمتها إليك، فأدِّ الثمن، وقال من في يده: بل زوجتنيها على صداق كذا، وهو علىَّ فإما أن يجري هذا التنازع، وصاحب اليد لم يولده، أو يجري بعد أن أولدها.

الجزء: 5 - الصفحة: 347

فأما في الحالة الأولى، فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر، فإن حلف سقط دعوى الثمن والنكاح، ولا مهر، سواء دخل بها صاحب اليد، أو لم يدخل؛ لأنه وإن أقر بالمهر لمن كان مالكاً، فهو منكر له، وتعود الجارية إلى المالك، ثم أحد الوجهين إنها تعود إليه، كما يعود المبيع إلى البائع لإفلاس المشتري بالثمن.
والثاني؛ أنها تعود بجهة أنها لصاحب اليد بزعمه، وهو يستحق الثمن عليه، فقد ظفر بغير جنس حقه من ماله، فلى هذا يبيعها، ويسوفي ثمنها، فإن فضل شيء فهو لصاحب اليد، ولايحل له وطؤها، وعلى الأول يحل له وطؤها، والتصرف فيها، ولابد من التَّلَفُّظ بالفسح، وإن حلف أحدهما دون الآخر، نظر إن حلف مدعي الثمن على نفي التزويج، ونكل صاحب اليد عن اليمين على نفي الشراء حلف المدعي اليمين المردودة على نفي المشتري، ووجب الثمن، وإن حلف صاحب اليد على الشراء، ونكل الآخر عن اليمين على نفي التزويج، حلف صاحب المردودة على النكاح وحكم له بالنكاح وبأن رقبتها للآخر، ثم ارتفع النكاح بطلاق، أو غيره حلت للسيد في الظاهر، وكذا في الباطن إن كان كاذبًا.
وعن القاضي الحُسَيْنِ، أنه إذا نكل أحدهما عن اليمين المعروضة عليه اكتفى من الثَّاني بيمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات، والمذهب الأول.
الحالة الثانية: إذا كان قد أولدها صاحب اليد، فالولد حر، والجارية أم ولد له باعتراف المالك القديم، وهو يدعي الثمن، فيحلف صاحب اليد على نفيه، فإن حلف على نفي الشراء لسقط عنه الثمن المدعى، وهل يرجع المالك عليه بشئ؟.
فيه وجهان: أحدهما: أنه يرجع بأقل الأمرين من الثمن، أو المهر، لأنه يدعي الثمن، وصاحب اليد مقر له بالمهر، فالأقل منهما متفق عليه.
والثاني: لا يرجع بشيء، لأن صاحب اليد أسقط الثمن عن نفسه بيمينه، والمهر الذي يقر به لا يدعيه الآخر، ولا يتمكنا من المطالبة به، وهل لصاحب اليد تحليف المالك على نفي الزوجية بعد ما حلف على نفي الشراء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لو ادعى ملكها، وتزويجها يعد اعترافه بأنها أم ولد لآخر لم يُقبل، فكيف يحلف على ما لو أقر به لم يُقبل؟ والثاني: نعم طمعًا في أن ينكل فيحلف، ويثبت له النكاح، فلو نكل صاحب اليد عن اليمين على نفي الشراء، حلف المالك القديم المردودة، واستحق الثمن، وعلى كل حال فالجارية مقررة في يد صاحب اليد، فإنها أم ولده أو زوجته، وله وطؤها في الباطن، وفي الظاهر وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 348

أحدهما: الحل، ووجه المنع أنه لا يدري أنه يطأ زوجته أو أمته وإذا اختلفت الجهة وجب الاحتياط للبضع كما قال الشافعي رضي الله عنه فيما إذا اشترى زوجته بشرط الخيار أنه لا يطأها في زمان الخيار لأنه لايدري أيطأ زوجته أم أمته.
واعتذر الإمام عن هذا النص وقال: ليس المنع في هذه الصورة لاختلاف الجهة، بل لأن الملك فى زمن الخيار للمشتري على قول، وإذا ثبت المِلْكُ انفسخ النكاح، والملك الثابت ضعيف لا يفيد حل الوطء، ونفقتها على صاحب اليد إن جوزنا له الوطء، وإلاَّ فقولان ذكرهما أبو إسحاق.
أحدهما: أنه على المالك القديم؛ لأنها كانت عليه، فلا يقبل قوله في سقوطها، وإن قبل هما عليه، وهو زوال المِلْكُ وزوال الاستيلاء.
وأصحهما: أنها في كسب الجارية، ولا يكلف بها المالك القديم، كما لا يكلف بنفقة الولد، وإن كانت حريته مستفادة من قوله أيضاً، فعلى هذا لو لم يكن لها كسب كانت من محاويج المسلمين، ولو ماتت الجارية قبل موت المستولد ماتت رقيقة، وللمالك القديم أخذ الثمن مما تركته من اكتسابها؛ لأن المستولد يقول: إنها بأسرها له، وهو يقول: إنها للمستولدة، وله عليه الثمن، فيأخذ حقه منها، والفاضل موقوف لا يدعيه أحد، وإن ماتت بعد موت المستولد ماتت حرة، ومالها لوارثها النسيب، فإن لم يكن فهو موقوف: لأن الولاء لا يدعيه واحد منهما، وليس للمالك القديم أخذ الثمن من تركتها لأن الثمن بزعمه على المستولدة، وهي قد عتقت بموته، فلا يؤدي دينه بما جمعته بعد الحرية، هذا كله فيما إذا أصرَّا على كلامهما.
أما إذا رجع المالك القديم، وصدق صاحب اليد لم يقبل في حرية الولد، وثبوت الاستيلاء، ويكون اكتسابها له ما دام المستولد حيًّا، فإذا مات عتقت، وكان اكتسابها له، ولو رجع المستولد، وصدق المالك القديم لزمه الثمن، وكان ولائها له.
ومنها: إقرار الورثة على الميت بالدَّين والعين مقبول كإقراره، ولو أقر بعض الورثة عليه بدين، وأنكر البعض فقولان: القديم، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله أن على المقر أيضاً جميع الدَّين من نصيبه من التركة إن كان وافيًا، وإِلاَّ صرف جميع نصيبه إليه؛ لأن الدَّين مقدم على الميراث، فإذا أقر بدين على الميت لم يحل له شيء من التركة، ما بقي شيء من الدَّين، ويحكى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، واختاره القاضي الرُّويانِيُّ.
والجديد: أنه لا يلزمه من الدَّين إلاَّ نسبة نصيبه من التركة؛ لأن الوارث لا يقر بالدَّين على نفسه، وإنما يقر على الميت بحكم الخلافة عنه وأيضاً فإن أحد الشريكين في العبد المشترك إِذا أقر بجناية لم تلزمه إلاَّ بحصته، فكذلك هاهنا.

الجزء: 5 - الصفحة: 349

وقال بعض المتلقين عن الشيخ ابْنِ عاَصِم: يجب القطع بأن على المقر توفية جميع الدَّين مما في يده عند الإمكان، فإن المقر في نصيبه لا يتقاعد عن الأجنبي في جملة التركة ولو أقر أجنبي بدين في التركة يستغرقها لزمه إقراره حتى لو وقعت التركة يوماً من الدهر ألزم بصرفها إلى ذلك الدَّين، والقولان محمولان على أن بإقراره يثبت جميع الدَّين على الميت تبعاً لثبوته على المقر، أم لا يثبت إلاَّ حصته، وفائدته المتقدم على الوصية، فعلى قول: يتقدم جميع الدين المقر به على الوَصَايَا.
وعلى قول: حصته والمشهور الأول.
وإذا قلنا بالجديد، فلو مات المنكر ووارثه المقر فهل تلزمه جميع المقر به الآن؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم لحصول جميع التركة في يده، ويتفرع على القولين فرعان: أحدهما: لو شهد بعض الورثة بدين على المورث.
إن قلنا: لا يلزمه بالإقرار إلاَّ حصته تقبل.
وإن قلنا الجميع لم تقبل؛ لأنه متهم بإسقاط بعض الدَّين عن نفسه، ولا فرق بين أن تكون الشهادة بعد الإقرار أو قبله؛ لأنه متهم بالعدول من طريق الإقرار إلى طريق الشهادة وعليه إظهارها على مورثه بأحد الطريقين.
وعند أبِي حَنِيْفَةَ إِن شهد قبل الإقرار قبل، وإِن شهد بعده فلا.
الثاني: كيس في يد رجلين فيه ألف درهم فقال أحدهما لثالث لك نصف ما في الكيس فيحمل إقراره على النصف الذي في يده، أو على نصف ما في يده، وهو ربع الجميع؟.
فيه وجهان، بناء على القولين السابقين، وبنى على الخلاف فيما إذا أقر بأحد الشريكين في العبد المشترك بالسوية بنصفه أنه يحمل على نصيبه، أم يوزع النصف المقر به على النصفين، وهذا الخلاف الثاني مذكور في الكتاب في "باب العتق".
ومنها: مات عن اثنين فأقر أحدهما بأن أباه أوصى لزيد بعشرة، فهو كما لو أقر عليه بدين، فعلى القديم تتعلَّق كل العشرة بثلث نصيبه.
وعلى الجديد يتعلّق نصف العشرة بثلث نصيبه، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ، بخلاف "ما قال في الإقرار بالدين، ولو أقر أحدهما بأنه أوصى بربع ماله، وأنكر الآخر، فعلى المقر أن يدفع ربع ما في يده إلى الموصى له، ولو أقر بأنه أوصى بعين من أعيان أمواله، نظر إن لم يقتسما التركة، فنصيب المقر في تلك العين يصرف إلى الموصى له والباقي للمنكر وإن اقتسماهما نظر، إن كانت تلك العين في يد المقر، فعليه دفعة إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 350

الموصى له وإن كانت في يد المنكر، فللموصى له أخذ نصف القيمة من المقر؛ لأنه فوته عليه بالقسمة، ولو شهد المقر للموصى له قبلت شهادته، ويغرم المشهود عليه نصف قيمة العين، كما لو خرج بعض أعيان التركة مستحقًّا.
ومنها: لو قال لعبد: أعتقتك على ألف، وطالبه بالألف، فأنكر العبد، وحلف سقطت دعوى المال، ويحكم بعتق العبد لإقراره، وكذلك لو قال: بعت منك نفسك، إذا صححنا هذا التصرف وهو الصحيح ولو قال لولد عبده: بعتك والدك بكذا، فأنكر فذلك لاعترافه بصيرورته حرًّا إذا دخل في ملك أبيه.
ومنهما: إذا قال: لفلان عندي خاتم، ثم جاء بخاتم، وقال: هذا هو الذي أقررت به.
فعن الشافعي رضي الله عنه أنه قال في موضع يقبل منه ذلك وعليه تسليمه إلى المقر له، وقال في موضع آخر لا يلزمه التسليم.
قال الأصحاب: الأول محمول على ما إذا صدقه المقر له.
والثاني على ما إذا قال: الذي أقررت به غيره، وليس هذا لي، فلا يسلم ما جاء به إليه، والقول قول المقر في نفي غيره والله أعلم بالصواب 146.

الجزء: 5 - الصفحة: 351

" البَابُ الرَّابعُ في الإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِقْرَارِ"

قال الغزالي: إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: هَذَا ابنْيِ الْتَحَقَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ سِنَّاً مِنْهُ، أَوِ الشَّرْعُ بأَنْ يَكُونَ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَو المُقِرُّ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا فَيُنْكِرَ، فَلَوْ اسْتَلْحَقَ مَجْهوُلاً بِالغًا وَوَافَقَهُ لِحَقَ، وَلَوْ كَانَ صَغِيراً لَحِقَ في الحَالِ حَتَّى يَتَوَارَثَانِ في الصغَرِ، فَلَوْ بَلَغَ وَأنْكَرَ فَفِي اعْتِبَارِ إِنْكَارِهِ بَعْدَ الحُكْمِ بِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ وَلَهُ مَالٌ فَاسْتَلْحَقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَوَرِثَ، وَإِنْ كَانَ بَالِغاً فَاسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، لِأَنَّ تَأَخِيْرَهُ إِلَى الَمْوتِ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا من إِنْكَارِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإقرار بالنسب لا يصح إلاَّ إذا كان المقر بالصفات المعتبرة في المقرين كما سبق، ثم لا يخلو إما أن يلحق النسب بنفسه أو بغيره.
القسم الأول: أن يلحق النسب بنفسه، فيشترط فيه أمور.
أحدها: ألا يكذبه الحس، ويكون ما يدعيه ممكناً، فلو كان في سن لا يتصور أن يكون ولداً للمستلحق بأن كان أكبر سنًا منه، أو مثله، أو كان المستلحق أكبر، ولكن بقدر لا يولد لمثله.
فلا اعتبار بإقراره.
ولو قدمت امرأة من الرُّوْم أو غيرها من بلاد الكفر 147، ومعها صبي، فادعاه رجل من المسلمين لحقه إن احتمل أنه خرج إليها، أو أنها قدمت قبل ذلك، وإن لم ينقدح احتمال لم يلحقه.
والثاني: ألا يكذبه الشرع، بأن يكون المستلحق معروف النسب من غيره؛ لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره، ولا فرق بين أن يصدقه المستلحق، أو = الواو آخره جيم، والعامة تشدد الواو وهو فارسي معرب.
قال ابن الجواليقي وغيره وفسره الشيخ المصنف باللحاف.

الجزء: 5 - الصفحة: 352

يكذبه، وفيما جمع من "فتاوي القَفَّال" أن المنفى بالِّلعَانِ لا يصح استلحاقهِ؛ لأن فيه شبهة للملاعن.
والثالث: أن يصدقه المقر له إذا كان ممن يعتبر تصديقه، فإن استلحق بالغًا، فكذبه لم يثبت النسب، إلاَّ أن يقيم عليه بينة، فإن لم تكن بينة حلف، فإن حلف سقط دعواه، فإن نكل حلف المدعي، وثبت نسبه، وكذا لو قال رجل لآخر: أنت أبي فالقول قول المنكر مع يمينه، وإن استلحق صغيرًا ثبت نسبه حتى يرث منه الصغير لو مات، ويرث هو لو مات الصغير، وإن استلحق صغيرًا، فلما بلغ كذبه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يندفع النسب؛ لأنا إنما حكمنا به حين لم يكن إنكار.
وأظهرهما: أنه لا يندفع؛ لأن النسب مما يحتاط له، فهذا حكم بثبوته لم يتأثر بالانكار، كما لو ثبت بالبينة، وعلى هذا لو أراد المقر تحليفه.
قال ابْنُ الصَّبَّاغ: ينبغي ألا يمكن منه؛ لأنه لو رجع لم يقبل، فلا معنى لتحليفه، ولو استلحق مجنونًا فأفاق وانكر فهو على الوجهين، ولو استحلق صبيًا بعد موته لحقه كان له مال، أو لم يكن، ولم ينظر إلى التهمة بطلب المال، بل يورث؛ لأن أمر النسب مبني على التغلب، ولهذا نثبته لمجرد الإمكان حتى أنه لو قتله، ثم استلحقه يقبل، ويحكم بسقوط القصاص.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: لا يلحقه.
وأما إذا كان بالغًا ففيه وجهان؛ لأن شرط لحقوق البالغ تصديقه، ولا تصديق، ولأن تأخير الاستلحاق إلى الموت يوشك أن يكون خوفاً من إنكاره، وهذا أظهر عند القَاضِي الحُسَيْنِ وصاحب "التَّهْذِيْبِ" والأكثرون على أنه يلحقه كالصغير، ومنعوا كون التصديق شرطاً على الإطلاق، بل هو شرط إذا كان المستلحق أهلاً للتصديق.
وأما الكلام الثاني، فهو تمسُّك بالتهمة، وقد بَينَّا أنه لا اعتبار بها في النسب، ويجري الوجهان فيما إذا استحلق مجنونًا طرأ جنونه بعد ما بلغ عاقلاً، ولو ازدحم اثنان فصاعداً على الاستلحاق، نظر إن كان المستلحق بالغاً ثبت نسبه ممن صدقه، وإن كان صبيَّاً لم يلحق بواحد منهما، بل الحكم ما هو مذكور في الكتاب في "باب اللَّقِيْطِ" فإذا عدم زحمة الغير شرط رابع للحقوق، وهكذا كله فيما إذا كان المستلحق ذكراً حرًا.
أما استلحاق المرأة والعبد، فسيأتيان في اللَّقيط إن شاء الله.
ولو استلحق عبد الغير، أو معتقته لم يلحقه إن كان صغيراً مُحَافَظَةً على حق الولاء للسيد، بل يحتاج إلى البينة، وإن كان بالغًا وصدقه ففيه خلاف نذكره هنالك 148.

الجزء: 5 - الصفحة: 353

ولو استلحق عبداً في يده، نظر إن لم يوجد الإمكان بأن كان أكبر سنًّا منه لغا قوله، وإن وجد، فإن كان مجهول النسب لحقه إن كان صغيراً، وحكم بعتقه، وكذا إن كان بالغًا وصدقه، وإن كذبه لم يثبت النسب، وفي العتق وجهان، وكذا لو كان المستلحق معروف النسب من غيره.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "التحق به" يجوز إعلامه -بالميم- لأن البندنيجي حكى عن مَالِكٍ أنه إن شاع في الناس أنه استلحق من ليس ولداً له لم يلحقه، وإن اجتمعت الشرائط التي ذكرناها.
قوله: "أو المقر له" ليس فيه إلاَّ اعتبار عدم التكذيب، وهو معتبر، لكنه غير مكتفي به، بل المعتبر تصديقه عند الإمكان صرح به صاحب "الشامل" وغيره، وقضيته أنه لو سكت لم يثبت النسب.
وقوله: "فلو استلحق مجهولاً بالغًا" لفظ "المجهول" لا ضرورة إليه في هذا الموضع، فإنه فقد بين اشتراطه من قبل، وإِذا كنا في شرط لم نحتج فيه إلى التعرض لسائر الشروط إلاَّ للإيضاح.

فرع

لو استلحق بالغًا عاقلاً، ووافقه، ثم رجعا.
قال ابْنُ أبِي هُرَيْرَةَ رحمه الله: يسقط النسب كما لو أقر بمال ورجع، وصدقه المقر له.
وعن الشيخ أبي حامد أنه لا يسقط؛ لأن النسب المحكوم بثبوته لا يرتفع بالاتفاق، كما لو ثبت بالفراش 149 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ لَهُ أَمَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَدٌ وَلاَ زَوْجَ لَهُمَا فَقَالَ: أَحَدُهُمَا ابْنِي عُلِّقَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي مِلْكِي طُولِبَ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَعِتْقُهُ وَأمِّيَّةُ الوَلَدِ لْلأُمِّ، فإنْ مَاتَ كَانَ تَعْيِينُ الوارِثِ كَتَعْيِنِهِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهُ فَإِلْحَاق القَائِفِ كَتَعْيِينِهِ، فَإنْ عَجَزْنَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُة عُتِقَ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَلاَ مِيَراثُهُ إِذَ القُرْعَةُ لاَ تُعْمَلُ إلاَّ فِي العِتْقِ، وَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الأَمَتَيْنِ للاسْتِيْلاَدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أُمِّيَّةَ الوَلَدِ فَرْعُ النَّسَبِ = قال في الخادم: الأصح الأستلحاق، ولهذا قال في "التتمة" إن الحر إذا أقر بنسب عبد غيره أو عتقه إن قبلنا إقرار الرقيق بالنسب قبلنا الإقرار بنسبه أيضاً، وإن لم يقبل إقرار الرفيق ولا العتيق لم يقبل إقرار الحر بنسبهما لئلا يتضرر السيد.
انتهى، وسيأتي في كتاب اللقيط أنه يقبل إقرار العتيق والعبد بالنسب.

الجزء: 5 - الصفحة: 354

وَقَدْ أَيِسَ عَنْهُ، وَهَلْ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ مِنَ المِيْرَاثِ؟ فِيْهِ خِلاَفٌ لأنَّهُ نَسَبٌ أَيس مِنْ ظُهُوْرِهِ فَيَمْتَنِعُ التَّوْرِيثُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَمَّةٌ لَهَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ فَقَالَ: أَحَدُهُمْ ابْنِي فَإِنْ عَيَّنَ الأَصْغَرَ تَعَيَّنَ، وَإِنْ عَيَّنَ الأَوْسَطَ عُتِقَ مَعَهَ الأَصْغَرُ وَثَبَتَ نَسَبُهُمَا، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءَ بَعْدَ وِلاَدَةِ الأَوْسَطِ وَرَأَيْنَا ذَلكَ نَافِيًا لِلنَّسَبِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ البَيَان وَعَجزِنَا عَنْ تَعْيِينِ الوَارِثِ وَالقَائِفِ أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَأُدْخِلَ الصَّغِيرُ في القُرْعَةِ، وَفَائِدَةُ خُرُوجِ القُرْعَةِ عَلَيْهِ اقْتِصَارُ العتق عَلَيْهِ وَإلاَّ فَهُوَ عَتِيقٌ فِي كلِّ حِالٍ، وِفِي وَقَفْ الميِرِاثِ الخِلاَفُ الَّذِي مَضَى.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان، تقدم علهيما أن له جارية ذات ولد إذا قال: هذا ولدي من هذه الجارية ثبت نسبه عند الإمكان، وهل تكون الجارية أم ولد؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: لا لاحتمال أنه استولدها بالنكاح، ثم ملكها، وحينئذ لا تكون أم ولد له، وكذلك تحمل أنه استولدها بشبهة ثم ملكها وحينئذ لا تكون أم ولد أيضاً على أحد القولين: والثاني: نعم؛ لأن الظاهر أنه استولدها في الملك؛ لأنه حاصل محقق، والنكاح غير معلوم والأصل فيه العدم، وللمسألة خروج ظاهر على قول يقابل الأصل والظاهر، وما الأظهر من الخلاف في المسألة؟ ذكر الشيخ أَبُو حَامِدٍ وجماعة أن الثاني أظهر، وهو ظاهر نصه في "المختصر" لكن الأول أقرب إلى القياس، وأشبه بقاعدة الإقرار، وهي البناء على اليقين، ولقوته أعرض الأكثرون عن التَّرْجِيحِ، وأرسلوا ذكر الخلاف، ومن ذهب إليه لم يصعب عليه جعل النَّص على الصورة الآتيه.
ولو قال: أنه ولدي ولدته في ملكي فطريقان: أحدهما: بالقطع بثبوت أُمِيَّهِ الولد لتصريحه بالولادة في الملك.
وأصحهما: أنه على القولين لا حتمال أن يحبلها قبل الملك بالنكاح، ثم يشتريها وتلد بالملك، ولو قال: إنه ولدي استولدتها به في ملكي، أو علقت به ملكي، انقطع الاحتمال، وكانت أم ولد له لا محالة، وكذا لو قال: هذا ولدي منها، وهي في ملكي منذ عشرين سنة، وكان الولد ابن سنة، وهذا كله مفروض إذا لم تكن الأم مزوجة، ولا فراشاً أما إذا كانت مزوجة لم ينسب الولد إلى السيد، ولم يعتد باستلحاقه للحوقه بالزوج، وإن كانت فراشاً له، فإِن أقر بوطئها فالولد يلحقه بحكم الفراش لا بالإقرار،

الجزء: 5 - الصفحة: 355

ولا يعتبر فيه إلاَّ الإمكان، ولا فرق في الإقرار بالاستيلاد بين أن يكون في الصَّحَّة أو في المرض؛ لأن انشاءه نَافِذٌ في الحالتين.
إِذ تبين ذلك فالمسألة الأولى إذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد، فقال: أحدهما ولدي، فَلِلأَمَتَيْنِ أحوال: أحدها: ألا تكون واحدة منهما مزوجة، ولا فراشًا للسيد، فيؤمر بالتعيين، كما لو أقر بطلاق إحدى امرأتيه، فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وكان حرًّا وورثه، وهل تصير أمه أم ولد له؟ ينظر، إن لم يزد على استلحاقه، فقولان على ما قدمنا، وإن صرح بإنه استولدها به في ملك اليمين صارت أم ولد له وإن صرح بأنه استولدها به في النكاح لم تصر أم ولد، وإن أضافه ألى وطء شبهة، ففيه قولان يذكران في موضعهما.
ولو قال: استولدتها بالزِّنَا مفصولاً عن الاستلحاق لم يقبل، وكانت أُمِّيَّةُ الولد على القولين فيما إذا أطلق الاستلحاق، وإِن وصله باللفظ.
قال في "التهذيب": لا يثبت النَّسَب ولا أمية الولد، ولك أن تقول: ينبغي أن يخرج على قولي تبعيض الإقرار.
ولو ادعت الأَمَةُ الأُخرى أن ولدها هو الذي استلحقه، وأنها التي استولدها، فالقول قول السيد مع يمينه وكذا لو بلغ الولد وادّعى فإن نكل السير، حلف المدعي وقضى بمقتضى يمينه ولو أن السيد مات قبل التعيين قام ورثته في التعيين وحكم تعيينهم حكم تعيينه في النسب والحرية والإرث، وتكون أم المعين مستولده إن ذكر السَّيِّدُ ما يقتضي ثبوت الاستيلاد، وإلاَّ سئلوا، وحكم بيانهم حكم بيان المورث، فإن قالوا: لا نعلم أنه بما استولدها، فعلى الخلاف فيما إذا أطلق المستلحق استلحاقه، ولو لم يكن وارث 150. فهو كما لو أطلقه الاسْتِلْحَاق، ويجوز ظهور الحال لِلْقَائِفِ مع موت المستلحق بأن كان قد رآه أو بأن يرى قبل الدفن، أو بأن يرى عصبته، فيجد الشبه، فإن عجز عن الاستفادة من القائف لعدمه، أو لإلحاقه الولدين به، أو نفيهما، أو أشكل الأمر عليه أقرعنا بينهما لنعرف الحر منهما، ولا ينتظر بلوغ الولدين حتى ينتسبا، بخلاف ما لو تنازع اثنان في ولد قائف؛ لأن الاشتباه هاهنا في أن الولد أيهما، فلوا اعتبر الانتساب فربما، ينتسب كل واحد منهما إليه، فلا يرتفع الإشكال، ولا يحكم لمن خرجت قرعته بالنسب والميراث؛ لأن القرعة على خلاف القياس، وِإنما ورد الخبر بها في العِتْقِ، فلا تعمل في النسب والميراث.

الجزء: 5 - الصفحة: 356

نعم هل يوقف نصيب ابْنٍ بين من خرجت القرعة له وبين الآخر؟ فيه وجهان سيأتي توجيههما.
والاظهر: منهما في المسألة الثانية، واختيار المُزَنِيِّ أنه يوقف.
وأما الاستيلاد فهو على التفصيل السابق، فإن لم يوجد من السَيِّدِ ما يقتضيه لم يثبت، وإن وجد فهل تحصل أمية الولد في أم ذلك بخروج القرعة؟ حكى الإمام فيه وجهين.
وقال المذهب: أنها لا تحصل؛ لأنها تتبع النَسَب، فهذا لم يجعله ولداً لم يجعلها أم ولد، والذي أورده الأكثرون أنها تحصل؛ لأن المقصود العِتْقُ، والقرعة عاملة فيه، فكما تفيد حريته تفيد حريتها، وعلى هذا الخلاف يحمل قوله في الكتاب: "وهل يقرع بين الأمتين في الاسِتْيَلاد؟ فيه خلاف" وقد يتبادر إلى الفهم من ظاهره إخراج القرعة بهما مرة أخرى، ولا يفعل ذلك إذ لا يؤمن خروج القرعة على غير التي خرج لولدها.

فرعان

: أحدهما: حيث يثبت الاستيلاد، فالولد حُرُّ الأصل لا ولاء عليه، وحيث لا يثبت فعليه الولاء إلاَّ إذا نسبه إلى وطء شبهة، وقلنا: أنها لا تفسير أم ولد إذا ملكها بعد ذلك.
والثاني: إذ لم يثبت الاستيلاد، ومات السيد ورث الولد أمه أمه، وعتقت عليه، وهذا إذا تعين لا بالقرعة، وإن كان معه وارث آخر عتق نصيبه عليه، ولم يشتر، هذا تمام الكلام في الصورة الأولى وهي المذكورة في الكتاب.
والثانية: إذا كانت الأمان مزوجتين لم يقبل قول السيد، وولد كل أمه يلحق بزوجها، وإن كانت فراشا للسيد، فإن كان قد أقر بوطئها لحقه الولدان بحكم الفراش.
الثالثة: إذا كانت إحداهما مزوجة لم يتعين إقراره في الأُخرى، بل يطالب بالتعيين فإن عين ولد المزوجة لم يُقبل، وإن عين في ولد الأخرى قُبِلَ، وثبت نسبه، وإن كانت إحداهما فراشًا له لم يتعين إقراره في ولدها، بل يؤمر بالتعيين، فإن عيّن في ولد الأُخرى لحقه بالإقرار، والولد الآخر ملحق به بالفراش.
المسألة الثانية: إذا قال من له أمة لها ثلاثة أولاد: أحد هؤلاء ولدي، والتصوير فيما إذا لم تكن مزوجة، ولا فراشًا للسيد قبل ولادتهم، فيطالب بالتعيين، فمن عينه منهم، فهو نسيب حر وارث، والقول في الاستيلاد على التفصيل الذي مَرَّ، ثم إذا كان المعين الأصغر فالأكبران رقيقان فلكل واحد منهما أن يدعي أنه الولد، والقول قول المنكر مع يمينه، فإن كان المعين الأوسط فالأكبر رقيق، وأمر الصغير مبني على استيلاد الأمة فإذا لم نجعلها مستولدة، فهو رقيق كالأم، وإن جعلناها مستولدة، فينظر إن لم

الجزء: 5 - الصفحة: 357

يدع الاستبراء بعد الأوسط فقد صارت فراشاً له بالأوسط، فيلحقه الأصغر ويرثه وإن ادعى الاستبراء، فينبني على أن نسب ملك اليمين هل ينتفي بدعوى الاستبراء؟ فيه خلاف مذكور في "اللعان".
وإن قلنا: لا ينتفي، فهو كما لو لم يدع الاستبراء.
وإن قلنا: ينتفي فلا يلحقه الأصغر، وفي حكمه وجهان: أظهرهما: أنه كالأم يعتق بوفاة السيد؛ لأنه ولد أم الولد، وأم الولد إذا ولدت من زوج، أو زنا عتق بعتقها.
والثاني: أنه يكون قِنًّا؛ لأن ولد أم الولد قد لا يكون كذلك، كما لو أحيل الراهن الجارية المرهونة، وقلنا: إنها لا تصير أم ولد له، فبيعت في الحق، وولدت أولادًا ثم، ملكها وأولادها، فإِنا نحكم بأنها أم ولد له على الصحيح، والأولاد أرقاء لا يأخذون حكمها، وأيضاً فإنه إذا أحبل جارية بالشبهة، ثم أتت بأولاد من زوج أو زنا، ثم ملكها، وأولادها تكون أم ولد له على قول، والأولاد لا يأخذون حكمها.
وإذا أمكن ذلك لم يلزمه من ثبوث الاستيلاد أن يأخذ الولد حكمها بالشك والاحتمال، ولصاحب الوجه الأول أن يقول: الاولاد في الصورتين المذكورتين ولدوا قبل الحكم بالاستيلاد، فالأصغر ولد بعد الحكم بالاستيلاد.
على أن بعضهم حكى في صورة الرَّهْن وجهاً أن الأولاد يأخذون حكمها، ولا يبعد أن يجئ مثله في صورة الإحبال بالشبهة.
وذكر في "التتمة" وجهاً آخر فيما إذا لم يكن يدع الاستبراء أنه لا يثبت نسبه، ويكون حكمه حكم الأم يعتق بموت السيد؛ لأن الاستبراء حصل بالأوسط، ولم أر لغيره ذكر، وإن كان المعين الأكبر، فالقول في حكم الأوسط والأصغر كما ذكرناه في الأصغر إذا عين الأوسط، ولو مات السيد قبل التعين عين وارثه، فإن لم يكن وارث أو قال: لا أعرف عرضوا على القائف ليعين، والحكم على التقديرين، كما لو عَيَّن السيد، فإِن تعذر معرفة القائف نص أنه يقرع بينهم لمعرفة الحرية، وثبوت الاستيلاد على التفصيل الذي سبق، واعترض المزني في المختصر بأن الأصغر حر بكل حال عند موت السيد: لأنه إما أن يكون هو المقر به أو يكون ولد أم الولد، وولد أم الولد يعتق بموت السيد، وإن كان حرًّا بكل حال وجب ألا يدخل في القرعة أيضاً لاحتمال أنها لا تخرج على غيره، فيلزم إرقاقه.
واختلف الأصحاب في الجواب عنه، فسلم بعضهم حريته، وقالوا: إنه لا يدخل في القرعة ليرق إن خرج لغيره، بل ليرق غيره إن خرجت عليه، ويقتصر العتق عليه،

الجزء: 5 - الصفحة: 358

وهذا ما ذكره في الكتاب، ومنها آخرون بناء على أنها وإن كانت أم ولد، فولد أم الولد يجوز أن يكون رقيقاً.
والأظهر الأول: وهو عين الوجه الأول المذكور فيما إذا عين الأوسط، وادعى الاستبراء بعده، وقلنا: إنه ينتفي به النسب، ثم إذا أقرعنا بينهم، وخرجت القُرْعَةِ لواحد منهم، فهو حر، والمشهور أن النسب والميراث لا يثبتان، كما ذكرنا في المسأله الأولى.
وعن المُزَنِيَّ في "المختصر الكبير" أن الأصغر نسيب بكل حال؛ لأنه بين أن يكون هو المراد بالاسْتِلْحَاقِ، وبين أن يكون ولد أمته التي صارت فراشاً له بولادة من قبل وجرى الأصحاب على رأيهم في الطَّعْنِ على اعتراضاته متبادرين، لكن الحق المطابق لما تقدم أن يفرق بين ما إذا كان السيد قد ادَّعَى الاستبراء قبل ولادة الأصغر، وبين ما إذا لم يدَّعه ويساعده في الحالة الثانية، وإذا ثبت النسب ثبتت الحرية لا محالة، وحيث لا نحكم بثبوت النسب، فهل يوقف الميراث؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنا نتيقن أن أحدهما ابنه، وإن لم تُفِدِ القُرْعَةُ تعيينه، فأشبه ما إذا طلق إحدى امرأتيه، ومات قبل البيان حيث يوقف نصيب امرأة.
والثاني: لا؛ لأنه إشكال وقع البائس من زواله، فأشبه ما إذا غرق المُتَوارِثَانِ، فلم يدر أنهما ماتا مَعاً، أو على التعاقب لا توريث، ولا وقف وهذا أصح عند الأكثرين.
واختار المُزَنِيُّ الوقف، واختلفت الرواية عنه في كيفيته، ففي رواية ابْنِ خُزَيْمَةِ وجماعة أنه إذا كان له ابن معروف النسب يدفع إليه ربع الميراث، ويدفع ربعه إلى الأصغر، ويوقف النصف.
وفي رواية ابْنِ عَبْدَانَ المَرْوَزِيِّ في آخرين أنه يدفع نصف الميراث إلى المعروف النسب، ويوقف النصف للمجهول، واعلم أن الرواية الأولى مبنية على ما ذهب إليه المُزَنِيُّ من أن الأصغر نسيب بكل حال، فهو والمعروف ابنان يقينًا، فيدفع النصف إليهما، ويوقف النصف بينهما وبين الأكبرين، فيجوز أن يكون الأوسط ابناً دون الأكبر والرواية الثانية اختيار الشافعي -رضي الله عنه- وجوابًا على أنه لا يثبت نسب واحد منهم على التعيين، ولكن يعلم أن فيهم ابناً، فيقف النصف له، ويدفع النصف إلى الابن المعروف.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "قال أحدهم: ابني" أراد ما إذا ذكر معه ما يقتضي الاستيلاد على أمة صور في المسألة الأولى، حيث قال: فقال أحدهما: إني علقت به في ملكي ألا ترى أنه حكم بعتق الأصغر عند تعيين الأوسط؟ وإنما يكون كذلك إذا ثبت الاستيلاد.

الجزء: 5 - الصفحة: 359

وقوله: "عتق معه الأصغر" يجوز إعلامه بالواو للوجه المنقول عن "التهذيب".
وقوله: "أقرع بينهم" بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أن الأصغر حُرٌّ كله، ويعتق من الأوسط ثلثاه؛ لأنه حر في الحالتين، وهما إذا عينه أو عين الأكبر، فالأكبر رقيق في حالة، وهي إذا عين الأصغر، ومن أكبر ثلثة؛ لأنه حر في حالة، هي إذا عين فيه رقيق في حالتين، وهما إذا عين في الأوسط أو الأصغر.
قال: ويعتق من الأم ثلثاها؛ لأنه قد عتق ثلثا ولدها.
وقوله: "وأدخل الصغير في القرعة أعلم بالرأي لما تقدم، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأنه نقل في "النهاية" وجهاً عن بعض الأصحاب أن الصغير يخرج عن القرعة، قال: وهو ضعيف؛ لأنه إنما يقرع بين عبدين يتعين أن فيهم حرًّا، ومن الجائز أن يكون المستلحق الأصغر، ويكون الأكبران رقيقين، فكيف يقرع بينهما.
وقولة: "وإلاَّ فهو عتيق بكل حال" معلم -بالواو- لما مر.
قال الغزالي: أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِأَخُوَّةِ غَيْرِهِ أَوْ بِعُمُومَتِهِ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالنَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ فَلاَ يُقْبَلُ إِلاَّ مِنْ وَارِثٍ مُسْتَغْرِقٍ، كَمَنْ مَاتَ وَخَلَفَ ابْناً وَاحِداً فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَمَيِرَاثُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ زَوْجَةٌ اعْتُبِرَ مُوَافَقَتُهُمَا (و) لِشَرِكَتِهِمَا في الإِرْثِ، وَكَذَا مُوَافَقَتُهُ المَوْلَى (و) المُعْتِقَ، وإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَاحِدَةً وِهِيَ مَعُتَقَةٌ ثَبَتَ النَّسَبُ بِإقْرَارِها لِأَنَّهَا مُسْتَغْرَقَة، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَقَةَ فَوَافَقَهَا الإِمَامُ ففِيِهِ خِلاَفٌ؛ لِأَنَّ الإِمَامَ لَيْسَ بِوَارِثٍ إِنَّمَا هُوَ نَائِبٌ، وَلَوْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأخٍ ثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الأخَر النَّسَبُ وَلاَ المِيرَاثُ (ح) عَلَى القَوْلِ المنَصْوُصِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَثْبُتُ بَاطِنًا وَفِي الظَّاهِرِ خِلاَفٌ، فَلَوْ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنًا مُقِرَّاً فَهَلْ يَثْبُتُ الآنَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، لِأَنَّ إِقْرَارَ الفَرْعِ مَسْبُوقٌ بِإنْكَار الأَصْلِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيَما إِذَا لَمْ يُخَلِّف إِلاَّ الأَخَ المُقِرَّ، وَلَوْ كَانَ سَاكِتًا فَمَاتَ فَأَقَرَّ ابْنُهُ ثَبَتَ لاَ مَحَالَةَ، وَالأَخُ الكَبِيرُ مَعَ الصَّغِيرِ لاَ يَنْفَرِدُ بِالإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ أَقَرَّ بِشَخْصٍ فأَنْكَرَ المُقِرُّ لَهُ نَسَبَ المُقِرِّ فَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يُشَارَكُ لِأَنَّ مُوجِبَ قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الإِقْرَارَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الكُلَّ.
قال الرافعي: القسم الثاني: أن يلحق النسب بغيره مثل أن يقول: هذا أخي ابن أبي، أو ابنْ أمي، أو بعمومه غيره، فيكون ملحقًا للنسب بالجَدّ، والكلام في فصلين: أحدهما: في ثبوت النسب، ويثبت النسب بهذا الالحاق.
بالشرائط المقدمة، فيما إذا لحق بنفسه، وبشرائط أخر:

الجزء: 5 - الصفحة: 360

احداهما: أن يكون الملحق به ميتاً، فما دام حياً ليس لغيره الإلحاق به، وإن كان مجنونًا.
والثانية: ألا يكون الملحق به قد نفى المقر به، أما إذا نفاه، ثم استلحقه وارثه بعد موته، ففيه وجهان: أحدهما: اللحوق، كما استلحقه المورث بعد ما نفاه بلعان وغيره.
والثاني: المنع؛ لأنه نسب قد سبق الحكم ببطلانه، ففي إلحاقه به بعد الموت إلحاق عارٍ بنسبه، وشرط الوارث أن يفعل ما فيه حظ الموروث لا ما يضر به.
ولم يورد صاحب "التهذيب" من الوجهين إلاَّ الثاني، ولا معظم العراقيين إلاَّ الأول، وهو الأشبه.
والثالثة: صدور الإقرار من الورثة الحجائزين للتركة، وفيه مسائل: إحداها: إقرار الأجانب لا يثبت به النسب، ولو مات مسلم عن ابْنِ كافر، أو قاتل، أو رقيق لم يقبل إقراره عليه بالنسب، كما لا يقبل إقراره عليه بالمال، ولو كان له ابنان مسلم وكافر لم تعتبر موافقة الكافر، ولو كان الميت كافراً كفى استلحاق الكافر، ولا فرق في ثبوت النسب بين أن يكون المقر به كافراً، أو مسلماً.
الثانية: لو مات وخلف ابناً واحداً، وأقر بأخٍ آخر يثثبت نسبه ولو مات وخلف ابنين، أو بنتين أو بنات فلابد من اتفاقهم جميعاً، وكذلك تعتبر موافقة الزوج والزوجة، لأنهما من الورثة.
وفيهما وجه؛ لأن الزوجيه تنصرم بالموت، ولأن المقربه النسب، ولا شركة لهما في النسب، ويجرى مثل هذا الخلاف في المعتق، لو خلف بنتاً واحدة، فإن كانت حائزة بأن كانت معتقه يثبت النسب بإقرارها، وإن لم تكن حائزه، وافقها الإمام، فوجهان جاريان فيما إذا مات مَنْ لا وارث له، فألحق الإمام به مجهولاً، والخلاف مبني على أن الإمام له حكم الوراث، أو لا؟ والذي أجاب به العراقيون أنه يثبت النَّسَب بموافقة الإمام، ثم هذا الكلام فيما إذا ذكر الإمام ذلك لا على وجه الحكم، أما إذا ذكره على وجه الحكم.
فإن قلنا: إنه يقضي لعلم نفسه ثبت النسب، وإلاَّ فلا.
الثالثة: لا فرق بين أن تكون حيازة الملحق تركة، الملحق به بغير واسطة، فإن كان قد مات قبل جده، والوراث ابن الابن فلا واسطة.
الرابعة: البالغ من الوارثين لا ينفرد بالاقرار على الصحيح ونقل الإمام وجهاً أنه

الجزء: 5 - الصفحة: 361

ينفرد، ويحكم بثبوت النسب في الحال، وربما يوجه بأن أمر النسب خطر، فالظاهر من حال كامل الحال من الورثة أن يعتني به، ولا يجازف فيه، وعلى الأول ينتظر بلوغ الصبي، فإِذا بلغ الصبي، ووافق البالغ ثبت النسب حينئذ، فإن مات قبل البلوغ، نظر إن لم يخلف سوى المقر ثبت النسب، وإن لم يجدد إقراره، وإن خلف ورثة سواه اعتبر موافقتهم، إن كان أحد الوارثين مجنونًا، فهو كما لو كان أحدهما صبيًا، ولو خلف بالغين عاقلين، وأقر أحدهما وأنكر الآخر، ثم مات، ولم يخلف إلاَّ أخاه المقر، فأظهر الوجهين أنه يثبت النسب،؛ لأن جميع الميراث قد صار له.
وثانيهما: المنع؛ لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل، ويجري الخلاف فيما إذا أخلف المنكر وارثًا، فأقر ذلك الوارث.
والوجهان عند القاضي الحُسَيْنِ مبنيان على الوجيهن في اسْتِلْحَاق من نفاه المورث، ولو أقر أحد الاثنين، وسكت الآخر، ثم مات الساكت، وابنه مقر ثبت النسب لا محالة؛ لأن إقراره غير مسبوق بتكذيب الأصل.
الخامسة: لو أقر الوارث المستغرق بإخوة مجهول،.
فأنكر المجهول نسب المعروف لم يتأثر بقوله النسب المشهور.
وفيه وجه: أن المقر يحتاج إلى البينة على نسبة لاعترافه بنسب المجهول، وإنكاره إياه، والمذهب الأول، وفي ثبوت نسب المجهول وجهان: وجه المنع: أن المقر ليس بوارث بزعمه.
والثاني وهو الأصحه: أنه يثبت لحكمنا بأنه وارث حائز ولو أقر بإخوة مجهول، ثم إنهما أقرا بنسب ثالث، وأنكر الثالث نسب الثاني، ففي سقوط نسب الثاني وجهان: أصحهما: السقوط؛ لأنه ثبت بنسب الثالث، فاعتبر موافقته لثبوت نسب الثاني، ولو أقر بإخوة مجهولين، فصدق كل واحد منهما الآخر ثبت نسبهما، وإن كذب كل واحد منهما الآخر، فوجهان: أصحهما: ثبوت النسب لوجود الإقرار ممن يحوز التركه، فإن صدق أحدهما، وكذبه الآخر ثبت نسب المصدق دون المكذب، هذا إذا لم يكن المجهولان توأمين، فإن كانا توأمين، فلا أثر لتكذيب أحدهما الآخر، فإذا أقر الوارث بأحدهما ثبت نسب كليهما.
السادسة: إذا أقر بنسب من يحجب المقر، كما إذا مات عن أخ، أو عم، فأقر بابن للميت، فأحد الوجهين: أنه لا يثبت نسبه؛ لأنه لو ثبت لورث، ولو ورث لحجب المقر، وإذا حجب خرج عن الأهلية للإقرار، وإذا بطل الإقرار بطل النسب.

الجزء: 5 - الصفحة: 362

وأصحهما: في "التوريث" في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى ثم التوريث قد ينتفي بأسباب وموانع، ولا يبعد أن يكون هذا منها.

الفصل الثاني في

ثبوت الميراث

قال الغزالي: وَالمُقِرُّ يَحْتاَجُ إِلى البَيِّنَةِ، وَلَوْ أَقَرَّ الأَخُ بِابْنٍ لأَخِيهِ المَيِتِّ، فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ دوُنَ المِيرَاثِ، إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَحَرُمَ الأَخُ وَلَخَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإِقْرَارِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا لاَ يَثْبتَانِ.
قال الرافعي: المقر به لا يخلو إما أن يكون ممن لا يحجب المقر به عن الميراث، أو ممن يحجبه، أو يحجب بعض الورثة المقرين، دون البعض.
الحاله الأولى: إذا لم يحجب المقر، فيشتركان في التركة على فرائض الله -تعالى- ولو أقر أحد الابنين المستغرقين بأخ، وأنكر الآخر، فظاهر المذهب، وهو المنصوص أنه لا يرث؛ لأن الإرث فرع النسب، وإنه غير ثابت، كما سبق وإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع، وعن صاحب "التقربب" حكايته وجه تخريج أن المقر له يرث، ويشارك المقر بما في يده، ورأيت ذلك لابْنِ سُرَيْجٍ، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله ومَالِكٌ وأَحْمَدُ -رحمهما الله- ويتأيد بمسائل: منها: لو قال أحد الابنين: فلانة بنت أبينا، وأنكر الآخر حرم على المقر نكاحها، مع أنه فرع النسب الذي لم يثبت.
لو قال أحدهما لعبد في التركة: إنه ابن أبينا، هل يحكم بعتقه فيه وجهان.
ومنها: لو قال أحد شريكي العقار الثالث: بعت منك نصيبي، فأنكر لا يثبت الشراء، وفي ثبوت الشفعة للشريك خلاف.
ومنها: لو قال: لزيد على عمرو كذا، وأنا به ضامن، فأنكر عمرو، ففي مطالبة المقر بالضمان خلاف.
والأصح: المطالبة.
ومنها: إذا اعترف الزوج بالخلع، وأنكرت المرأة ثبتت البينونة، وإن لم يثبت المال الذي هو الأصل.
وإذا قلنا: بظاهر المذهب، وكذلك في ظاهر الحكم.
فأما في الباطن فهل على المقر إذا كان صادقًا أن يشركه فيما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما في الظاهر.
والثاني: نعم.
قال ابْنُ الصَّبَّاغ: وهو الصحيح؛ لأنه عالم باستحقاقه، محرم عليه منع حقه منه،

الجزء: 5 - الصفحة: 363

وعلى هذا فبكم يشركه؟ فيه وجهان: أحدهما: بنصف ما في يده؛ لأن قضية ميراث البنتين التسوية، فلا يسلم لأحدهما شيء، وإلاَّ ويسلم للآخر مثله، والثالث بزعمهما غصبهما بعض حقهما، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
وأصحهما: وبه قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ رحمهما الله بثلث ما في يده؛ لأن حق الثالث بزعم المقر شائع فيما في يده ويد صاحبه، فله الثلث من هذا، وله الثلث من ذاك.
ويقال: الوجهان مبنيان من القولين فيما إذا أقر أحد الابنين بِدَيْنٍ علي أبيه، فأنكر الآخر، هل على المقر توفية جميع الدَّين مما في يده، أو لا يلزمه إلاَّ القسط؟ فإن قلنا بالثاني لم يلزمه إلاَّ الثلث لجعلنا الحق الثابت بالإقرار شائعًا في التركة، ولكل واحد من الوجهين عبارة تجري مجرى الضابط لأخوات هذه الصورة؛ فالعبارة على وجه النصف أننا ننظر في أصل المسألة على قول المنكر، ونصرف إليه نصيبه منها، ثم نقسم الباقي بين المقر والمقر به، فإن انكسر صححناه بالضرب، فأصل المسألة في الصورة التي نحن فيها اثنان على قول المنكر يدفع إليه واحداً منهما يبقى واحد لا ينقسم على اثنين نضرب اثنين في أصل المسألة يكون أربعة: سهمان منها للمنكر، ولكل واحد من الآخرين سهم، وعلى وجه الثلث نأخذ أصل المسألة على قول المنكر، وأصلها على قول المقر، ونضرب أحدهما في الآخر، ونقسم الحاصل باعتبار مسألة الإنكار، فيدفع نصيب المنكر منه إليه، باعتبار الإقرار ويدفع نصيب المقر منه إليه ويدفع الباقي إلى المقر به، ومسألة الإنكار فيما نحن فيه من اثنين، ومسألة الإقرار من ثلاثة، فنضرب أحدهما في الآخر يكون ستة: ثلاثة منها للمنكر، وسهمان للمقر، وواحد للمقر له، ولو كانت المسألة بحالها، وأقر أحد الابنين بآخرين، فعلى الوجه الأول المسألة على قول المنكر من اثنين يدفع نصيبه إليه، يبقى واحد لا ينقسم على ثلاثة يضرب ثلاثة في اثنين يكون ستة ثلاثة منها للمنكر، ولكل واحد من الباقين واحد، وعلى الوجه الثاني أصلها على قول المنكر من اثنين، وعلى قول المقر من أربعة يضرب أحدهما في الآخر يكون ثمانية أربعة منها للمنكر.
واثنين للمقر، ولكل واحد من المقر بهما سهم.
وعن صاحب "التقريب" يصرف بالتوسط بين الوجهين، وهو أن ينظر فيما حصل في يد المقر أحصل بقسمة أجبر المنكر عليها، أم بقسمة، وهو مختاره فيها.
أما على تقدير الإجبار، فالجواب ما ذكرناه في الوجه الثاني.
وأما على تقدير الاختيار، فينظر إن كان عالماً عند القسمة بأن معهما ثالثًا

الجزء: 5 - الصفحة: 364

مستحقّاً.
والجواب ما ذكرناه في الوجه الأول؛ لأنه متعدّدٍ بتسليم نصف حقه الثابث إليه فيغرمه ما حصل في يد صاحبه كما يغرم الحاصل في يده، فإن لم يكن عالياً حينئذ، ثم علم فوجهان: يوجه أحدهما بأنه لا تقصير منه.
والثاني: بأنه لا فرق بين العِلْم والجهل، فيما يرجع إلى الغرم.
الحالة الثانية: إذا كان المقر به ممن يحجب المقرين عن الميراث، أو بعضهم، كما لو كان للوارث في الظاهر أخ أو ابن عم أو معتق، فأقر بإبن للميت، فإن لم نثبت نسبه فذاك، وإن أثبتناه ففي الميراث وجهان.
أظهرهما: المنع؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ، ولو حجبه لخرج عن أهلية الإقرار، وإذا بطل الإقرار، فلا نسب، ولا ميراث، فإذاً يلزم من توريثه منعه.
والثاني: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه يرث، ويحجب المقر، وهو اختيار صاحب "التقريب" وابن الصباغ، وجماعة، ومنعوا لزوم بطلان الإقرار من حرمانه، وقالوا: المعتبر كونه وارثًا لولا إقراره بذلك لا ينافي خروجه عن الوراثية بالإقرار، كما أن المعتبر كونه حائزًا للتركة لو أقر الابن المستغرق في الظاهر بإخوة غيره قبل، وتشاركا في الإرث كذلك هاهنا، ولو خلف بنتاً هي معتقة فأقرت باخ، ففي ميراثه وجهان، تفريعاً على الوجه الأول في المسألة السابقة: أحدهما: يرث، ويكون المَالُ بينهما أثلاثًا؛ لأن توريثها لا يحجبها.
والثاني: لا؛ لأنه يحجبها عن عصوبة الولاء، فصار كما لو خلف بينتًا ومعتقًا وأقر بابن للميت لا يثبت لحجبه المعتق، ولو ادّعى مجهول على أخي الميت أنه ابن الميت، فأنكر الأخ، ونكل عن اليمين، فحلف المدعي اليمين المردودة، ثبت نسبه، ثم إنْ جعلنا النكلول ورد اليمين كالبينة، ورث وحجب الأخ، وإن جعلناهما كالإقرار، ففيه الخلاف المذكور فيما إذا أقر به الأخ.
ولو مات عن بنت وأخت، فأقرتا بابن للميت، فنصيب الأخت على الوجه الأظهر يسلم لها؛ لأنه لو ورث الإبن لحجبها.
وعلى الثاني يأخذ ما في يدها كله، وهذا الحكم فيما إذا خلف زوجة وأخا، فأقر بابن، يكون للزوجة الربع على الوجه الأظهر، وهذا الابن لا ينقص حكمها، كما لا يسقط الأخ -والله أعلم- ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
وأما قوله: "فلا يقبل إلا من وارث مستغرق" لفظ بمستغرق معلّم بالحاء والميم.
وكذلك قوله: "ثبت نسبه وميراثه" لأن عند أبِي حَنيفة في روايته المشهورة لا يشترط إقرار جميع الورثة وإنما المعتبر عدد الشهادة، فإذا لم يكن إلاَّ ابن واحد لم يثبت

الجزء: 5 - الصفحة: 365

النسب بإقراره، فهذا خلف أبناءً، فأقر اثنان منهم كفى، وبه قال مَالِكٌ.
وقوله: "اعتبر موافقتهما" معلم بالواو.
وكذلك قوله: "موافقة المولى المعتق" كما تقدم.
وقوله: "ولأن الإمام ليس بوارث إنما هو نائب" أي: نائب المسلمين في أخذ حقهم، وحفظه، وهو إشارة إلى ما سبق أن الإمام هل له حكم الوارث أم لا؟ وقوله: "ولا الميراث" عند قوله "لم يثبت النسب ولا الميراث" على القول المنصوص معلم بالحاء والميم والألف وإنما يرجع قوله على القول المنصوص إلى الميراث المعلم -بالألف- وحده.
وأما أن النسب لا يثبت، فلا خلاف فيه.
واعلم أن حاصل الخلاف في المسألة طريقان، جمعهما صاحب "التقريب": أحدهما: أن الإرث يثبت باطنًا، وفي الظاهر خلاف.
والثاني: أنه لا يثبت ظاهرًا وفي الباطن خلاف والذي ذكره صاحب الكتاب من الخلاف إنما هو في الإرث ظاهراً إلاَّ أن المقابل للقول المنصوص هو المخرج الذي عَزاهُ بعضهم إلى ابْنِ سُرَيْجٍ على ما بينه في "الوسيط"، وإنما خرج ابْنُ سُرَيْجٍ، ذلك في الإرث الظاهر وإذا كان ما حكاه مفروضًا في الإرث الظاهر كان جازماً بثبوته باطنًا فيكون قوله بعد ذلك: "وقيل: يثبت باطنًا"، وفي الظاهر خلاف غير ما ذكره مرة فلا ينبغى أن يقول: وقيل: لا يثبت ظاهراً وفي الباطن خلاف إن أراد الطريقة الأخرى.
والأوجه الثلاثة التي ذكرناها في الميراث إذا أقر لشخص، وأنكر المقر له نسب المقر حاصله من الخلاف الذي أسلفناه في أن نسب المقر، هل يتأثر بإنكار المقر له، وإن لم يتأثر، فهل يثبت نسب المجهول؟ فقوله: "لا يشارك" مبني على أن نسب المقر بحاله ونسب المقر له يثبت.
وقوله: قيل: "إنهما يشتركان، ولا يبالي بتكذيبه" مبني على أن نسب المقر بحاله، ونسب المقر له يثبت.
والوجه الآخر مبني على أن نسب المقر يتأثر بإنكار المجهول.
وأمّا الوجوه الثلاثة المذكورة فيما إذا أقر الأخ بإبن لأخيه الميت، فلا يخفى عليك خروجها مما مَرَّ إذا جمع بين النسب والميراث، وقد وقع في شرح الفصل تغيير ترتيب بعض المسائل للحاجة إليه، فلا يبالي به.
فرع: إقرار الورثة بزوج أو زوجه للميت مقبول، وعلى القَدِيْمِ قول: أنه لا يقبل،

الجزء: 5 - الصفحة: 366

فلو أقر أحد الإبنين المستغرقين، وأنكر الآخر، فالتوريث على ما ذكرناه فيما إذا أقر أحدهما بأخ، وأنكر الآخر.
فرع: لو أقر إنسان، وقال: فلان أخي.، ثم فسر بالإخوة من الرّضَاع حكى القاضي الرّويانِي عن أبيه أن الأشبه بالمذهب ألا يقبل؛ لأنه خلاف الظَّاهر، ولهذا لو فسر بإخوة الإسلام لا يقبل.
فرع: آخر في "فتاوى القفال" أنه إذا أقر على أبيه بالولاء، فقال: هو معتق فلان ثبت الولاء عليه إن كان المقر مستغرقاً، كما في النسب 151، والله تعالى أعلم بالصواب.

الجزء: 5 - الصفحة: 367

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل