كِتَابُ الوَصَايَا،
وَفِيهِ أرْبَعَة أبْوَابٍ
البَابُ الْأوَّلُ في أَرْكَانِهَا
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الرُّكْنُ الأَوَّلُ المُوصِي وَيَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ؛ لأَنَّهُ تُبَرُّعٌ، وَلاَ يَصِحُّ مِنَ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ وَيَصِحُّ مِنَ السَّفِيهِ المُبَذِّرِ لِصِحَّةِ عِبَارَتِهِ في الأَقَارِيرِ، وَفِي الصَّبِيِّ المُمَيِّز قَوْلاَنِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَشَابه القُرُبَات وَالتَّمْلِيكَاتِ، وَالرَّفِيقُ إِن أَوْصَى ثُمَّ عُتِقَ وَمَلَكَ لَمْ يَنفَذ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَالكَافِرُ يَنْفَذُ وَصِيَّتُهُ، إلاَّ أنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ أَوْ خَنْزِيرٍ أَوْ عِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، وَلَوْ أَوْصَى بِعِمَارَةِ قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ جَازَ لِأَنَّ عِمَارَتَهَا إحْيَاءٌ لِلْزِّيَارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُقَالُ أَوْصَيْتُ لفلانٍ بِكذا، ووصَّيْت، وَأَوْصَيت إليه؛ إذا جعلَهُ وصياً 1
الجزء: 7 - الصفحة: 3
واللَّفْظَةُ فيما ذكرَ الأزْهَرِيُّ 2 مشتقةٌ من قولِهِم وصيت الشيء أصيه ايصاء إذا وصلته به وأوصى وَاصِيَةً، أيْ: مُتصلة البنات، فَسُمِّيَ هذا التصرُّفُ وصيَّةً لِمَا فِيهِ من وصلِ القُرْبةِ الواقعةِ بَعْدَ الموتِ بالقُرُبَات المُنَجَّزَةِ في الحياةِ، ودَلاَلاَتُ الإِجْمَاعِ والكتابِ والسُّنَّةِ مُتَعَاضِدة عَلَى جَوَازِ الوَصِيَةِ؛ قال الله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء- 12] وعن أبي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ المَدِينةَ، فَسَأَلَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ مَعْرَورٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ هَلَكَ، وأَوْصَى لَكَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَبَلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ 3.
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَرِضْتُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ فجاءني رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعُوْدُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَ بِيَ مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ؟
وَيُرْوَى: "أَفَاُوصِي بثُلْثَيْ مَالِي؟ فَقَالَ: لاَ، فَقُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثِيرٌ" وُيرْوَىَ: "كَبيرُ؛ إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" 4.
وعن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قَال: "إِنَّ اللهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أمْوَالِكُمْ في آخِرِ أَعْمَارِكُمْ؛ زِيادَةً في أَعْمَالِكُمْ" 5 قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ وَاجِبَةً في ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ؛ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...﴾ [البقرة- 180] الآيَةَ، ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ، وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ.
وَاحتَجُّوا عَلَى نَفْيِ اَلوُجُوبِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ
الجزء: 7 - الصفحة: 4
دَيْنٍ} [النساء- 12] فنكر 6 الْوَصِيَّةِ؛ كما نَكَّرَ الدَّيْنَ، وَلَوْ وَجَبَتِ الوَصِيَّةُ، لَأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ: "مِنْ بَعْدِ الوَصِيَّةِ" وَبِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصَ، يُقَسَّمُ جَمِيعُ مالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالإِجْمَاع، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لخَرَجَ [شَيْءٌ مِنَ] المَالِ عَنْ قِسْمَةِ اَلوَرَثَةِ، كَالدَّيْنِ، وَبِأنَّهَا عَطِيَّةٌ، فَلاَ تَجِبُ، كَالهِبَةِ فِي الحَيَاةِ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا حَقِّ امْرِئٍ مُسْلم لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ 7 عِنْدَهُ" فَوَّضَ الوَصِيَّةَ إِلَيْهِ، وَعَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ.
والَّذِي رُوِيَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقِ أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوْصِي فِيهِ، يَبِيْتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ".
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يُحْتَملُ أَنْ يَكُونَ المُرَاد ما الحزم وَالاحْتِيَاطُ إِلاَّ هَذَا، وَذَلِكَ؛ لأنَّهُ قَدْ يُفَاجِئُهُ المَوْتُ، وَمَا يَنْبَغِي أنْ يَغْفَلَ المُؤْمِنُ عَنِ اَلمَوْتِ، والاسْتِعْدَادِ لَهُ، والإِنَابَةِ إِلى الدَّارِ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اَلمُرَادُ: ما الْمَعْرُوفُ في مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ إِلاَّ هَذَا، وَهُوَ مثل مَا رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "حَقُّ [على] 8 كُلِ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في الأُسْبُوعِ مَرَّةً" 9 فَظَهَرَ بِالْوُجُوهِ المذكورة أَنَّ الوَصِيَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةِ.
نَعَمْ، مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَة، أو في ذِمَّتِهِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ دَيْنٍ لآِدْمِيٍّ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ فيه، إذاً لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَه 10.
وأَمَّا الاسْتِحْبَابُ، فَالأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصَّدقَةِ في الحَيَاةِ [لِمَا رُوِيَ] عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدقَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كذا" 11.
وإِنْ أَرَادَ الوَصِيَّةَ، فَالأَفضَلُ أنْ يُقَدِّمَ مَنْ لاَ يَرِثُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَيُقَدِّمَ مِنْهُمُ [الأَقَارِبُ] المَحَارِمَ، ثُمَّ غَيْرَ الْمُحَارِمِ، ثُمَّ يُقَدِّمُ بِالرِّضَاعِ، ثُمَّ بِاَلمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ بِالوَلاَءِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 5
ثمَّ بِالجِوَارِ، كَمَا في الصَّدَقَاتِ المُنَجَّزَةِ.
وفِي "أمالي" أَبِي الفَرَجَ السَّرْخَسِيِّ -رَحمه الله-؛ أَنَّ مَنْ قَلَّ مَالُهُ، وكَثُرَ عِيَالُهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ له أَلاَّ يُفَوِّتَهُ عَلَيْهِمْ بالوصية والمَشْهُورُ الأَوَّلُ 12.
إذاً تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَالْوَصِيَّة قَدْ يَكُونُ لِلإِنْسَانِ، وَقَدْ تَكُونُ إليه، والوَصِيَّةُ لَهُ قَدْ تَصِحُّ، وَقَدْ تَفْسُدُ، وَإِذَا صَحَّتْ، فَقَدْ يَسْتَمِرُّ المُوصِي عَلَيْهَا، وَقَدْ يَرْجِعُ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ، أُمْضِيَتْ، وحِكْمَ بِمُوجِبَهَا، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ مَحْصُورَةٌ في الكِتَابِ في أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: في أَرْكَانِ الوَصِيَّةِ، ويُبَيَّنْ فيه صحيحُهَا مِنْ فَاسِدِهَا.
وَالثَّانِي: في أَحْكَامِهَا، إِذَا صَحَّتْ، واسْتَمَرَّ الفوصِي عَلَيْهَا.
والثَّالِثُ: في الرُّجُوعِ عَنْهَا.
والرَّابعُ: في الوَصَايَا بِأرْكَانِهَا، وَأَحْكَامِهَا.
أَمَّا البَابُ الأَوَّلُ؛ فَلِلْوَصِيَّةِ عَلَى الرَّسْم الْمَعْهُودِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: المُوصِي، والوَصِيُّ، والمُوصَى لَهُ، والمُوصَى بِهِ.
والصِّيغَةُ.
اَمَّا المُوصِي، فقال صَاحِبُ الكِتَابِ: "وَتَصِحُّ الوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وفِي هَذَا الضَّبْطِ قَيْدَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّكْلِيفُ، فَلاَ يَصِحُّ وَصِيَّةُ المَجْنُونِ، وَالمُبَرْسِمِ والمَغتُوهِ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ، والصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، وَفِي وَصِيَّةِ الصبِيِّ المُمَيِّز وَتَدْبِيرِهِ قَوْلاَنِ:
أَرْجَحُهُمَا: عِنْدَ الأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ -رحمه الله-: أَنَّهُمَا صحيحتان؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ غُلاَمَاً مَنْ غَسَّانٍ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، فَأَوْصَى لِبِنْتِ عَمٍّ لَهُ، وَلَهُ وَارِثٌ، فَرُفِعَتِ، القِصَّةُ إِلَى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ 13.
الجزء: 7 - الصفحة: 6
وعَنْ عُثمانَ -رضي اللَّهُ عنه- أنه أَجازَ وصيةَ غلامِ ابْنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سنةً 14؛ ولأن الوَصِيَّةَ لا تُزِيلُ مُلْكَه في الحَالِ، وتُفيدُ الثَّوَابَ بَعْدَ الْمَوتِ، فَتَصِحُّ كَسَائرِ القُرُبَاتِ، وبِهَذا القولِ قَالَ مالِكٌ وأَحْمَدٌ -رحمهما الله تعالى-.
والثَّانِي، وَهُوَ الأَظْهَرُ عند الأكْثَرِينَ، وبه قال أبو حنيفةَ: أَنَّهُمَا بَاطِلاَنِ كَهِبَتِهِ وإِعتاقِهِ، وَذَلِكَ؛ لأنَّه لا عِبَارَةَ له؛ ولهذا لا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وإنْ كانَ فِيهِ غِبْطَةٌ، وفي السَّفِيه المُبَذِّرِ طَرِيقَانِ:
أَحدُهُمَا: تَخْرِيجُ 15 وصيَّتِهِ، إذا كَانَ مَحْجُوراً عليه القَولَيْنِ في وصيَّةِ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، وهَذَا ما أوْرَدَهُ صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" -رحمه الله-.
وأصَحُّهُمَا: القَطْعُ بِالصِّحَّةِ، مَحْجُوراً كانَ أَوْ لَمْ يَكُن؛ لأنَّ عِبَارَتَهُ صَحِيحةٌ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ وإقْرَارَهُ بالْعُقُوبَاتِ يُقْبَلُ.
والثَّانِي: الحُرِّيَّةُ، فَلَوْ أَوْصَى الرَّقِيقُ، ومَاتَ على الرِّقٍّ، لَغَتْ وَصِيَّتُهُ، وإنْ عَتَقَ، ثُمَّ ماتَ، فَوَجْهَانِ: أَظهَرُهُمَا، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنيفةَ -رحمه اللَّهِ-: أنَّهَا لاَغِيَةٌ أيضاً؛ لأنه لمْ يَكُنْ أهلاً، حينَئدٍ.
والثَّانِي: الصَّحَّةُ؛ لأنَّهُ صحيحُ العِبَارَةِ، وقد أمكَنَ تنفيذُ وصيَّتَهِ، والمُكَاتَبُ كالقِنِّ 16، ويدخلُ في الضَّبْطِ المذكورِ الكَافِرُ؛ فَتَصِحُّ؛ وَصِيَّتُهُ، كما يصِحُّ إِعتاقُه وتمليكاتُةُ، نعم، يُشتَرطُ أنْ يُوصِيَ بِما يُتَمَوَّلُ أو يُقْتَنَى، فلا تَصِحُّ وصيَّتُه بالخمر والخِنْزِيرِ، وسواءٌ أوْصَى لِمُسلمٍ، أو ذِمِّيٍّ؛ وأَلاَّ يُوصِيَ لجهةِ مَعْصِيَةٍ، كما إذا أَوْصَى بعمارةِ 17 كنيسةِ، أو بِنَائِها، أَوْ لِكَتَبَةِ التَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ، أو لقرائتهما وما أشبههما.
= وقال البيهقي: علق الشَّافعي القول بجواز وصية الصبي وتدبيره بثبوت الخبر عن عمر؛ لأنه منقطع وعمرو بن سليم لم يدرك عمر.
قلت: ذكر ابن حبان في ثقاته أنه كان يوم قتل عمر جاوز الحلم، وكأنه أخذه من قول الواقدي أنه كان حين قتل عمر راهق الاحتلام.
الجزء: 7 - الصفحة: 7
وعَدُّوا من هذا الْقَبيلِ الوَصِيَّةَ لِدَهْنِ سراج البَيْعَ وَلَكِنَ قَيَّد الشَّيخُ أبو حامدٍ الْمَنَعَ بِما إذا قصد تَعَظْم البقعةِ؛ فأمَّا إذا قَصَد انتفاعَ المقيميِنَ، أو المُجْتَازِينَ، بضوئها، جازَتِ الوصِيَّةُ 18، كَمَا إذا أوْصَى بِصَرْفِ شيْءٍ إلَى أهل الذِّمَّةِ، ثُمَّ هَذَا الشرطُ لا يخْتَصُّ بوصيَّةِ الْكَافِر، بلْ هو مُعْتَبَرُ في وصيَّةِ المُسْلِمِ أيضاً، حتى لو أَوْصَى ببناءِ بُقْعَةٍ لأهْلِ المَعَاصِي، لَمْ تَصِحَّ؛ لأنَّ المقصودَ من شَرْعِ الوصيَّةَ تَدَارُك ما فاتَ في حَالِ الحياةِ مِنَ الحسناتِ؛ فَلاَ يجوز أن يَكُون في وُجُوهِ المعصية، ويجوزُ للمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ الوصيةُ لِعَمَارَةِ المسْجِدِ الأقْصَى، ولعمارَةِ قُبُورِ الأنْبِيَاءِ عليهم السلام، والعلَمَاءِ الصَّالِحِينَ رحمهم الله مَا فيها من إحياءِ الزِّيارة والتَّبَرُّكِ بها وكَذَا الوصيَّةُ لِفَكِّ أُسَارَى الكُفَّارِ من أيدي المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ المُفَادَاةَ جَائِزَةٌ، كذا الوصيًّة بِبِنَاءِ رِبَاطٍ يَنْزِلُه أهْل الذِّمَّةِ، أو دارٍ لِتصْرَفَ غَلَّتُهَا إِلَيْهِمْ 19. وَقولُه في الكتابِ: "وَيصِحُّ مِنَ السَّفِيهِ المبذِّرِ" ويجوز إِعْلاَمُه بِالواو، لِطَرِيقَةِ القَوْلَيْنِ، وقولُه: "لِتَرَدُّدِهَا بين مَشَابِهِ القُرُبَاتِ والتمليكاتِ" إشارةٌ إلى تَوْجِيه القَوْلَيْنِ في وصيَّةِ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، وقضيِّةُ التَّرَدُّدِ المذْكُورِ؛ أنْ يَجِيءَ في الوصيَّةِ الجهاتُ العامَّةُ الَّتِي
الجزء: 7 - الصفحة: 8
لاَ يَظْهَرُ فيها قَصْدُ القُرْبَةِ الخِلاَفُ الَّذِي سَبَقَ ذِكرُه في "الوقفِ" على الأغنياءِ، وحينَئِذٍ فَيُشْبِهُ مَجِيئُه في الوصية لِفَكِّ أُسَارَى الكُفَّار؛ لأنَّه، وإنْ جَازَ، فلا يكادُ يَلْتَحِقُ بالمَنْدُوباتِ، والقُرُبَاتِ.
ولْيُعْلَمْ قولُه: "إلاَّ أنْ يُوصِيَ بِخَمْر، أوْ خِنْزِير، وَلِعِمَارَةِ الكَنِيسَةِ، وَبِنَائِهَا".
[بالحاء لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يُجوِّز وصية الكافر بالخمر والخنزير] 20.
واعلَمْ أنَّ هَذه المسْأَلَةَ، والتي بَعْدَهَا، كالأجنبيِّ عن هذا الرُّكْنِ، فإنَّه معقودٌ لبيانِ مَنْ تَصحُّ منه الوصيةُ.
والكافرُ تَصِحُّ وصيَّتُه في الجُمْلَةِ، لكِنْ لَمَّا كانَ صدورُ هذه الوصِيَّةِ وَنَحْوِها من الكافر أَظْهَرَ، حَسُنَ إِيرَادُهَا مَعَ ذِكْرِ وصيَّةِ الكَافِرِ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكن الثَّانِي: المُوصَى لَهُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ يُتَصَوَّر لَهُ المِلْكُ إِلاَّ القَاتِلَ وَالوَارِثَ، فَلَوْ أَوْصَى لِحَمْلٍ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْفَصِلَ حَيّاً لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الوَصِيَّةِ، وَهُوَ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهرٍ، فَإِنْ كَانَ لِمَا فَوْقَهُ وَالمَرْأَةُ ذَاتُ زَوْجٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ لِظُهُورِ طَرَيَانِ العُلُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَظْهَرَ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ، إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ أَرْبَعَ سِنِينَ لِأَنَّ طَرِيَانَ وَطءِ الشَّبْهَةِ بَعِيدٌ، وَمَهْمَا انْفَصَلَ مَيِّتاً وَلَوْ بِجِنَايَةِ جَانٍ فَلاَ شَىْءَ لَهُ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَمْلٍ سَيَكُونُ فَسَدَ في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ إِذْ لاَ مُتَعَلَّقَ لِلعَقْدِ في الحَالِ، وَلَوْ أَوْصَى بِحَمْلٍ سَيَكُونَ صَحَّ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، كَالوَصِيَّةِ بِالمَنَافِعِ وَثمَارِ الأَشْجَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوصِيَّةُ إِمَّا أن تَكُونَ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ، أَوْ لِشَخْص مُعَيَّن؛ إنْ كانت لجِهةٍ عامةٍ، فالشَّرطُ ألا تكون جهة معصيةٍ، وَقَدِ انْدَرَجَ ذكرُه في الرُّكنِ الأَوَّلِ، وإنْ كانت لِمُعَيَّنِ، فينبغي أن يُتَصَوَّرَ له المِلك 21، ويتعلَّقُ بهذا الضَّبْطِ مسائل دُخولاً وخروجاً.
أحدها: الوصيةُ للحملِ جائزةٌ؛ لأن الوصيةَ أَوْسعُ مجالاً مِنَ الإرث؛ ألاَ تَرى أنَّ المُكَاتَبَ والكافرَ لا يَرِثانِ، ويجوز لهُمَا الوصيةُ، فهذا أثْبِتَ الميراثُ لِلْحَمْلِ، فالوصيَّةُ أَوْلَى بالْجَوَازِ.
ثُمَّ يُنْظَر؛ إنْ قال: أوصيتُ لِحَمْلِ فلانةٍ، أو لحملِ فلاَنَة الموجودِ الآنَ، فلا بُدَّ لِنُفُوذِ الوصيَّةِ من شَرْطَينِ:
الجزء: 7 - الصفحة: 9
أحدُهما: أن يُعْلَمَ وجودُهُ عند الوصيَّةِ؛ بأنْ يَنْفَصِلَ لأَقَلَّ مِنْ ستًّةِ أشهُرٍ، فإِنِ انْفَصَلَ لِستَّةِ أَشْهُرِ فَصَاعِداً، نُظِرَ؛ إِنْ كانتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشاً لِزَوْجٍ، أوْ سَيِّدٍ، لَمْ يَسْتَحِقٌّ شَيْئاً؛ لاحْتِمَالِ حُدُوثِ العُلُوقِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ، والأَصْلُ عَدَمُ الحَمْلِ يَوْمَئِذٍ، وإِن لَمْ تَكنْ فِرَاشَاً، بَلْ فَارَقَها مُسْتَفْرِشُهَا قَبْلَ الوَصِيَّةِ؛ فَإنْ كَانَ الانْفِصَالُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِن وقْتِ الوصيَّةِ، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً 22؛ للعِلْمِ بأَنَّه لمْ يَكنْ مَوْجُوداً.
وإنْ كَانَ الانْفِصَالُ لِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَقَوْلاَنِ، وَقالَ صَاحِبُ الكتابِ في آخَرِينَ: وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: المنعُ، لاحتِمَالِ حُدوثِ العُلُوقِ بَعْدَ الوصيَّةِ، ويُخَالِفُ النَّسَبَ، فإنَّه يَكْفِيهِ الإمْكَانُ، وَهَذا ما اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو عليٍّ، وَعزَاهُ بعضُهُمْ إلى رِوَايَةِ الرَّبيعِ، وبعضُهُمْ إلى تَخْرِيجِ ابن الْقَاصِّ.
وأَظْهَرُهُمَا: عِنْدَ العِرَاقيِّينَ وَغَيْرِهِم، ومنْهُمْ صاحبُ الكتَابِ: أنَّهُ يَسْتَحقُّ وَيُكْتَفَى بأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُهُ عِنْدَ الوصيِّةِ؛ لأنَّ اتفاقَ وَطَءِ الشُّبْهَةِ نَادِرٌ، وفي تَقْدِيرِ الزِّنَا إِسَاءةُ الظَّنِّ بالمُسْلِمينَ، وُينْسَبُ هَذا إلى رِوَايَةِ المُزَنِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
وَلَوْ زادَ المُوصِي؛ فَقَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِ فُلانَةٍ من زَيْدٍ، فَكَما يُشْتَرطُ العِلْمُ بِوجُودِهِ عِنْد الوَصِيَّةِ، يُشتَرَطُ أنْ يَكُونَ ثابتَ النَّسَبِ مِن زَندٍ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الوصيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ الْفِرَاشِ، فأتت بولد لِأكْثَرَ من أَرْبَعِ سِنِينَ مِن وقْتِ الْفِرَاقِ؛ لأقلَّ مِن سِتَّةِ أَشْهرٍ من يومِ الوصيَّةِ، فَلاَ يستحقُّ؛ لأنَّ النَّسَبَ غيرُ ثَابِتٍ منْهُ بِخِلاَفِ مَا إِذَا اقْتَصَرَ على الوصيَّةِ
الجزء: 7 - الصفحة: 10
لِحَمْلِ فُلانَةٍ، وَلَوِ اقْتَضَى الحَالُ ثُبُوتَ النَّسَبِ من زَيدٍ، لكنَّه نَفَاهُ باللّعَانِ، فَعَنِ ابنِ سُرَيْجٍ وعامَّةِ الأصْحَابِ: أنَّهُ لا شَيْءَ له؛ لأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسبهُ.
وعن أبِي إسْحَاقَ واخْتَارَهُ الأُسْتَاذُ أبو مَنْصورٍ: أنَّهُ يستحق؛ لأنَّه كانَ النَّسَبُ ثَابتاً إلاَّ أنَّه انْقَطعَ باللِّعانِ، واللَّعانُ إِنَّما يُؤثِّرُ في حقِّ الزَّوجَيْنِ.
وَهَذا الخِلاَفُ كَالْخِلاَفِ في أنَّ التَّوْءَمَيْنِ المُعَيَّنَيْنِ باللِّعانِ يَتَوَارثَانِ بإخْوَةِ الأُمِّ [وحْدَهَا]، أوْ بِإِخْوَةِ الأَبَوَيْنِ، لَكنَّ الحِكَايَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هُنَاكَ: أنَّهُمَا لاَ يَتَوَارَثَانِ، إلاَّ بإِخْوَةِ الأُمِّ وذلِكَ لاَ يُلاَئِمُ قَولَه هَاهُنَا، وَيَجْرِي الْخِلاَفُ فِيما إذا أَوْصَى لِحَمْل جَاريةٍ مِنْ سيِّدِهَا، فادَّعَى السَّيِّدُ الاسْتِبْراءَ، وَرَأْيْنَا نافياً للنَّسَبِ.
والشَّرْطُ الثَّانِي: أنْ يَنْفَصِلَ حَيًّاً، أمَّا إذاً انْفَصَلَ مَيِّتَاً، فَلاَ شَيْءٌ: لَهُ، وإن انفصل بِجِنَايةِ جَانٍ، وَأَوْجَبَنَا الْغُرَّةَ، لِمَا مرَّ في الميراثِ.
فَرْعَانِ أحدُهُمَا: أتتِ بوَلَدَيْنِ بينَهُمَا أقلُّ مِن ستَّةِ أشهرٍ [وبين الوصية والأول أقل من ستة أشهر] 23 صحَّتِ الوصيَّةُ لَهُمَا -وإنْ زادَ ما بينَ الثَّانِي والوصيَّةِ على سِتَّةِ أشهُرٍ، وكانتِ المرأةُ فِرَاشاً؛ لأنَّهما حَمْلٌ واحِدٌ.
والثَّاني يَقْبَلُ الوصيَّةَ للحَمْلِ مَنْ يَلِي أمْرَهُ بعد خُرُوجِهِ حيًّا، وإنْ قَبِلَها قَبْلَ انفِصَالِهِ، ثُمَّ انفصلَ حيًّا، فعنِ القَفَّال: أنَّه لا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ القَوْلِ.
وقالَ غيرُه: فيه قَولاَنِ، كَمَا لَوْ باعَ مالَ أَبيهِ على ظَنِّ أنَّه حيٌّ، فَبَانَ أنَّهُ ميِّتٌ 24.
هَذَا إذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِهَا، أو لحملها الموجُودِ، أمَّا إذا صرَّحَ؛ فَقَالَ: لِحَمْلِها الَّذِي سَيَحْدُثُ، ويكونُ مِن بَعْدُ، فَوَجْهَانِ:
أَظهَرُهُمَا: عَنْدَ أكثرِ الأصْحَابِ: بُطْلانُ الوصيةِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ 25؛ وتمليكُ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مُمْتَنِعٌ، ولأنَّه متعلَّق للعَقْدِ في الحَالِ، فأشْبَهَ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ سُيُبْنَى.
والثَّاني: وبهِ قَالَ أبو إسحاق: أنَّها صحيحةٌ، كما يصحُّ بالحَمْلِ الَّذي سَيُوجَدُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 11
فَإذَا جَازَ تمليكُ مَا لم يُوجَدْ، جَاز تمليكُ مَنْ لم يُوجَدْ، وهذا مَا أَوْرَدَهُ الأُستاذُ أَبو منصورٍ -رَحِمهُ الله-.
وفيه وجةٌ ثالثٌ، وَهُوَ النَّظَرُ إلى حالِ المَوْتِ؛ فَإِنْ كَانَ الحملُ مَوجُوداً، حِينَئذٍ، صحَّتِ الوصيَّةُ.
وإلاَّ، فَلاَ.
وقولُه: "فَلَوْ أَوْصَى لحملٍ سَيكُونُ" دَخِيلٌ في هذا الرُّكْنِ، بلْ مَوْضِعُهُ الرُّكْنُ المعقودُ في الموصى به ولأن الحَامِلَ عَلَى ذَكْرِ [هِ] تَوْجِيهِ الوجهِ الثَّانِي، وَنحنُ نُؤَخِّرُ هذه المَسْألةَ، لِنَذْكُرُهَا مَعَ أخواتها، وهُنَاك؛ يُعْرَفُ أنَّ الوصيَّةَ بالمنافعِ جائزةٌ، بِلاَ خِلافٍ، وأَنَّ الوصيَّةَ بِثِمَارِ الأشْجَارِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وأنَّ قولَه هَاهُنا "كالوصيَّة بالمنافعِ وثمارِ الأشجارِ" من طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا العَبْدُ فَالوَصِيَةُ لَهُ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ حُرّاً عِنْدَ الاِسْتِحْقَاقِ فَهُوَ لَهُ، وَإلاَّ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَفِي افْتِقَارِهِ إلَى إِذْنِ السَّيِّدِ في القَبُولِ (و) خِلاَفٌ، وَكَذَا في مُبَاشَرَةِ السَّيِّدِ القُبُولَ بِنَفْسِهِ خِلاَفٌ (و)، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ وَارِثٌ لَمْ يَصْحَّ (م)، لِأَنَّ المِلْكَ لِلوَارِثِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اَلاسْتِحْقَاقِ حُرّاً، أَوْ فِي مِلْكِ أَجْنَبِيِّ، وَيَصِحُّ الوَصِيَّةُ لِأُمِّ الوَلَدِ، وَالمُكَاتَب، وَالمُدَبَّرِ إنْ أُعْتِقَ مِنَ الثُّلُثُ، وَإِلاَّ فَلاَ فَإنَّهُ عَبْدٌ وَارِثٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: العَبْدُ المُوصَى لَه: إمَّا أنْ يَكُونَ لأجْنَبِيٍّ، أَوْ للمُوصِي، أو لِوَارِثهِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: إذاً كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ، فتصحُّ الوصِيَّةُ، ثُمَّ لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يَسْتَمِرَّ رِقَّه، أَوْ لاَ يستمرَّ.
الحَالَةُ الأولى: أنْ يَسْتَمِرَّ رِقُّهُ، فالوصيَّةُ للسيِّدِ، حَتَّى لو قتل العبدُ المُوصَى له، لم تَبْطلِ الوصيَّةُ، ولو قتله سيدُ العبد، كَانَتْ وَصيَّتُه للقاتل 26؛ وفي افتِقَارِ قَبُولِ العَبْدِ
الجزء: 7 - الصفحة: 12
إلَى إِذْنِ السَّيِّد وَجْهَانِ، وقدْ ذَكَرَهُمَا مرةً في "بابِ مُعَاملةِ العَبِيدِ" والأصحُّ المَنْعُ.
وَهَلْ يصحُّ من السَّيِّدِ مُبَاشرةُ القَبُولِ بنفسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحدُهُمَا: نَعَمْ؛ لأنَّ الاسْتِحْقَاقَ لَهُ، والفائِدَةُ تَعُودُ إِلَيْهِ.
وأصحُّهُمَا: المنعُ؛ لأنَّ الخِطَابَ لَمْ يجر معه، والوَجْهَانِ فِيمَا قِيل مَخْصوصَانِ بِقَولِنا: "إنَّ قُبُولَ العبْدِ يَفْتَقِرُ إلى إذنِ السَّيِّدِ" وَيجُوز أنْ يعمَّما؛ لأَنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ بِكلِّ حالٍ، فَلاَ يبعد تَصْحِيحُ القُبُولِ مِنْهُ، وإنْ لَمْ يُسَمَّ في الوصيَّةِ؛ ألاَ تَرَى أنَّ وَارِثَ المُوصَى لَهُ يَقْبَلُ، وإنْ لَمْ يُسَمَّ في الوصِيَّةِ؟
وهَل قَبُولُ السَّيِّدِ الْهِبَةَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى هَذِيْنِ الْوجْهَيْنِ؟ قَالَ قَائِلُونَ: نَعَمْ.
وقَالَ الإمَامُ: لاَ، بَلْ يَبْطُلُ لاَ مَحَالَةَ؛ لأنَّ القَبُولَ بِالْهِبَةِ كَالْقَبُولِ فِي سَائِرِ العُقُودِ، وقبولُ الوصيَّةِ بِخَلاَفِهِ؛ ألاَ تَرَى أنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ مُنْفَصِلاً عنِ الإيجَاب، واقِعاً بَعْدَ خُرُوجِ الموجب عَنْ أَهْلِيَّةِ الإيجَابِ، فصار من وارث المُوصَى له مع أنه لم يُخاطَبْ؟ إذا صحَّحنا قَبُول العبْدِ من غير إذْن السيِّد، فلو منعه القَبُول، قال الإمامُ -رحمه الله-: الظاهر عنْدِي الصحَّةُ، وحصول الملْك للسَّيد، كما لو نهَاهُ عن الخُلْع، فخالع، وإذا قلْنا: لا يصحُّ من غير إذنه؛ فلو ردَّ السيد، فهو أبلغُ من عَدَمِ الإذْن، فلو بدا له أن يأْذَنَ في القَبُول بعْد ذلك؛ ففيه احتمالٌ عند الإمام، قال: وإذَا صحَّحْنا القُبُول من السَّيِّد، فيجبُ أنْ يبْطُلَ ردُّ العبد، لو ردَّه.
والثانيةُ ألا يستمر رقُّه، بل يُعْتَقَ، فيُنظَر؛ إن عَتَقَ قبل موت الموصِي، فالاستحقاقُ للعبد؛ لأن الوصيَّة تمليكٌ بعد الموت؛ وهو حرٌّ حينئذ، وإن عَتَقَ بعد موته، فإما أن يقبل ثم يُعْتَقَ وإما أن يُعْتَقَ ثُمَّ يُقْبَلَ، إنْ قُبِلَ ثم عَتَقَ، فالاستحقاقُ للسيِّد، وإن عَتَقَ ثم قُبِلَ، فإن قلْنا: الوصيَّةُ تُمْلَكُ بالمَوْت، أو قلْنا: يتبيَّن بالقبول الملْك من يوم المَوْتِ، فالاستحقاقُ للسَّيِّدِ أيضاً.
وإنْ قلْنا: تملك بالقبول، فللعَبد.
= يعتق العبد إنَّ وإن حينئذ حراً أو سيده ويحتمل عدم مجيء التفصيل هنا، والفرق أنه قد يعتق قبل موت الموصي وقال بعض الفضلاء في الوجه للعبد نظر، وذلك أنهم قالوا: لو أوصى لعبد فالاعتبار بصرف الوصية وعدمها بوقت الموت، فإن كان حراً حينئذ فالوصية له، وإن كان رقيقاً فإن كان سيداً أجنبياً فالوصية له وإن وارثاً فهي وصية للوارث.
الجزء: 7 - الصفحة: 13
وإذا أَوْصَى لعبدِ زَيْدٍ، فباعه من عَمْرٍو، فَيُنْظَرُ في وقْتِ البَيْعِ، ويُجَابُ بمثل هذا التَّفْصِيل.
ولو أوْصَى لمن نصْفُهُ حرٌّ، ونصْفُهُ 27 لأجنبي؛ فأما أن يكون بينه وبين السيد مهايأة، أو لا يكون، إنْ لم يكُنْ بينهما مهايأة، وقبل بإذْن السيد، فالموصَى به بينهما بالسَّويَّةِ، كما لو احتش أو احتطب، وإنْ قبل بغير إذْنه، فيبنَى على الوجهَيْن؛ في افتقار العبد إلَى إذن السيد، إن احوجْناه إلَيْه، فالقبول باطلٌ في نصف السيد، وفي نصفه وجهان؛ لأنَّ ما يملك ينْقَسِمُ على نصفيه فيلزم دخول بعضه في ملك السيد من غير إذْنه.
وإِن كانت بينهما مهايأةٌ، فيبنَى على الخلاف في أن الأكساب النادرَةَ، هَلْ تدخل في المهايأة؟ وفيه خلافٌ مذكورٌ أولاً في "زكاة الفطر" ومعادٌ ثانياً في "اللّقَطَةِ" فإنْ قُلْنا: إنَّهَا لا تدْخُل في المهايأة، فكما لو لم يَكُنْ مهايأة، وإنْ قلنا: تدْخُل، فلا حاجة إلى إذن السيد في القَبُول، ووجَّهوه: بأنه لما هَايَأَهُ، فقد أَذِنَ له في جميع الأكساب الداخلة في المهايأة ثم الاعتبارُ بأيِّ يوم؟
عن بعْضِ الأصحاب: أن الاعتبار بيوم الوصيَّة، حتى إذا وقعتِ الوصيةُ في يومه، فالوصية له، وإن كان القَبُول في يوم السيد، وإذا وقعَتِ الوصيَّةُ في يوم السيد، فهي له، وإن كان القبول في يوم العبد، وهذا كما أنَّ في اللقطة [الاعتبار] 28 بيوم الالتقاط.
وقال المحقِّقون: ليستِ الوصيَّةُ كالالتقاطِ؛ لأنَّ الالتقاطَ سببُ ثبوت الحَقِّ، فالوصية على تجردها لا تثبت الحقَّ؛ ألا ترى أنه لو أوْصَى لعبد، فَعَتَقَ قبل موْتِ المُوصي، كانت الوصيةُ للعبد؟ ولو الْتَقَطَ العَبْدُ، ثم عَتَقَ قبل تمام الحَوْل، كان حقُّ التملُّك للسيِّد، وبنوا ذلك عَلَى أن المِلْكَ في الوصيَّة بم يثبت إنْ قلْنا: يثبتُ بموت الموصِي، أو قلْنا: يتبين بالقبول الملك من يوم الموت، فالاعتبارُ بيوم الموت.
وإن قلنا: يثبتُ بالقَبُول، فوجهان؛ قال الشيخ أبو عليٍّ: ذكرهما القَفَّال وأنا مَعَهُ.
أحدُهما: أن الحق الاعتبار بيوم القبول؛ لأنَّه يوم المِلْكِ.
وأصحُّهما: أن الاعتبار بَيَوْم المَوْت أيضاً؛ لأنَّه يتأكَّد به حقٌّ، ويلزم، وإن لم يثبت المِلْك، كما أن في اللُّقَطَة الَاعتبارُ بيوم الالتِقَاطِ؛ لأنَّه يثبت به الحَقُّ، وإن لم يثبتِ الملكُ، والهبةُ ممَّن نصْفُهُ حرٌّ ونصْفُهُ رقيقٌ، على القولَيْنِ في دخولِ الأكْسَاب النادرة في المُهَايأة أيضاً، فإن أدخَلْناها، فإذا وقع العقْدُ في يوم أحدِهِمَا والقبض في يومِ
الجزء: 7 - الصفحة: 14
الآخَرِ، فيبنَى على أن المِلْكَ في الهبة المقبوضة يَسْتَنِدُ إلَى وقت الهبة، أو يثبتُ عَقِيبَ القَبْض؟ فإن قلنا؛ بالأول، فالاعتبار بيوم العَقْد، وإن قلنا بالثاني، فالاعتبار به أو بيوم القبض؟ فيه وجهان كالوجهين في الوصيَّة، أن الاعتبار بيَوْم المَوْت أم يوم القَبُول؟ تفريعاً عَلَى أن المِلْكَ يحْصُل بالقبول، لكنَّ الأظهر في الهبة الاعتبارُ بيَوْمِ القبض؛ لأن الحَقَّ لا يلْزَمُ بالهبة، وفي الوصية يلْزَمُ بالمَوْت.
فَرْعَانِ:
أحَدَهُمَا لو قال: أوصَيْتُ لنصفه الحرِّ، أو لنصْفِهِ الرَّقِيقِ خاصَّةً، فعن القفَّالِ: أن الوصية باطلةٌ ولا يجُوزُ أن يُوصِيَ لنصْفِ الشخْصِ، كما لا يجوز أن يَرِثَ نصفه؛ وعن غيره: أنَّها تصحُّ، وُينَزَّلُ تقييدُ الموصِي منزلةَ المُهَايأة؛ فيكون الموصَى به للسيِّدِ، إن أوصَى لنصفه الرقيقِ، وله إن أَوْصَى لنصفه الحرِّ 29.
الثاني: تردَّدَ الإمام فيما إذا صرح بإدراج الأكساب النادرة، في المهايأة أنها تدخل لا محالة، أو يكَوُن على الخلاف؟ وفيما إذا عَمَّت الهبات، والوصَايا في قُطْرٍ، أنها تدْخُل لا محالة، كالأكساب العامة، أو هِيَ علَى [الخلاف] 30 لأنَّ الغالِبَ فيها الندُور 31.
القسم الثاني: إذا كان العبْدُ الموصَى له، للموصى، نُظِر؛ إن أوصَى لعبده القِنِّ برقبته، فهذه الصورةُ لها ذكْرٌ في القسْمِ الثانِي من الباب الثانِي في الكتاب، وسنَذْكرها إن شاء الله تعالى، وإن أوصَى له بجزءٍ من رقبته، نَفَذَتِ الوصيةُ فيه، وَعَتَقَ ذلك الجُزْءُ, وكذلك لو قال: أوصيتُ له بثُلُثِ مالِي، ولا مال له سواه.
ولو قال: أوصيتُ له بكُلِّ ما أملك من رقبةٍ، وغيرها من أموالِي، نَفَذَتِ الوصيةُ في ثلثه، وبقي باقيه رقيقاً للوَرَثَةِ؛ فتكُونُ الوصيَّة له بالثُّلُث من سائر أمواله وصيَّةٌ لمن بعضُه حرٌّ وبعْضُه رقيق للوارث، وحكمهما سيأتي.
ولو قال: أوصيتُ له بثلث ما أملِكُ، أو بثُلُثِ أموالي، ولم ينصَّ عَلَى رقبته، فوجهان.
الجزء: 7 - الصفحة: 15
أظهرهما: وهو جواب ابن الحَدَّاد: أن رقبته تدْخُل في الوصيَّة؛ لأنها من جملة أمواله.
والثاني: لا تدْخل؛ لأن قوله: "أوصَيْتُ لك بثلث أموالي" يُشْعِر بالمغايرة بين الموصَى به، وبَيْن الموصَى له، وبأن المراد ما سِوَى رقبته، فعلَى هذا؛ لا يعتق منه شيء، والوصيةُ له وصيةٌ للعبد بغير رقبته، وعلى الأول الحكْمُ كما لو قال: أوصيتُ له بثُلُثِ رقبته، وبِثُلُثِ سائر أموالي، وقد بيَّنَّاه، هكذا ذكر [هـ] الشيخ أبو عليٍّ.
وفي "التهذيب" وجهٌ آخرُ؛ وهو أن تجمع الوصية في رقبته، فإنْ خرج كلُّه من الثلث، عَتَقَ، وإن كان الثلث أكثر من قيمة رقبته، صُرِفَ الفضْلُ إليه، وإن لم يخرُجْ كلُّه من الثُّلُث، عَتَقَ منْه بقَدْر ما يخْرُجُ 32، وإِنِ أوصَى له بعين مال، أو قال: أعطُوهُ من مالي كذا، فإن مات، وهو مِلْكُه، فالوصيةُ للورثة، وإن باعه الموصي، فهو للمشتري، وإن أعتقه، فهو للعتيق 33.
ولو أوصَى له بثُلُث جميع أمواله، وشرط 34 تقديم رقبته، عَتَقَ جميعُهُ، ودُفِعَ إلَيْه ما يتم به الثُّلُث.
ويجوز أن يُوصِىَ الإنسان لأمِّ ولده؛ لأنَّها حرةٌ بعْد موته، ثم هِيَ تَعْتِقُ من رأس المال، والوصيةُ تُعْتَبَرُ من الثلث، وكذا المكاتَبُ؛ لأنه مستقلٌّ بالملك، ثم لو عَجَزَ ورَقَّ، صارت الوصيةُ للورثة، وكذا المدَبَّر، والعِتق والوصيةُ معتبران من الثلث، فإن وَقَّى بهما، عَتَقَ [ونَفَدَتِ الوصيَّةُ، وإن لم يف الثلث بالمدبَّر، عَتَقَ منه] 35 بقَدْر الثلث،
الجزء: 7 - الصفحة: 16
وصارتِ الوصيةُ لمن بعْضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ للوارث، وإن وَفَّى الثلث بأحد الأمرين من المُدَبَّر، أو المُوصَى له، كما إذا كان المُدَبَّر يساوِي مائة، والوصيَّةُ بمائَة، وله سواهما مائة، فوجهان 36:
أحدهما: تقدم رقبته، فيُعْتَقُ كلُّه، ولا شيْءَ له من الوصية.
والثاني: يُعْتَقُ نصفه، والوصية [وصية] 37 لمن بعضه [حرٌّ] وبعضُهُ رقيقَ للوارث، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وبالأول أجاب الشيخ أبو عَلَيٍّ 38.
القسم الثالث: إذا كان العبْدُ الوارث المُوصَى، بأن باعه قبل موت الموصي، فالوصيةُ للمُشْتَرِي، وإن أعتقه، فللمُعْتِقِ، إنِ استمر في ملكه، فهي وصيةٌ للوارث، وسيأتي حكمها إن شاء الله تعالى.
وكذلك لو أوصَى لعبْدٍ أجنبيٍّ، واشتراه وارثُهُ، ثم مات الموصي.
ولو أوصَى لمن نصفُه حرٌّ، ونصفه لوارثه، فإن إن لم تكنْ بينه وبين السيد مهايأة أو كانت بينها مهايأةِ، وقلنا: إنَّ الوصيَةَ لا تَدْخُل في المهايأة، فهي كالوصيَّةِ للوارث؛ لأنَّ ما يثبت له بالوصيَّة، يكون نصفه للوارث، ولهذا قُلْنا: إنَّه لا يَرِثُ: لأنه لو وَرِثَ شيئاً، لَمَلَكَ السيدُ نصْفَهُ، وهو أجنبيٌّ عن الميِّتِ.
قال الإمامُ: وكانَ يحتمل أن يعضَّ الوصية، كما لو أوصَى بأكثر من 39 الثلث.
وإن جرَتْ بينهما مهايأة، وقلْنا: إنَّها تدخْلُ في المهايأة، فقد قدَّمنا أن العبرة بيوم المَوت عَلَى ظاهر المذهب، فيُنْظَرُ يوم موت الموصِي، إن مات في يوم العبد، فالوصيةُ صحيحة، وإلاَّ، فهي وصية لوارث، ولا فَرْقَ بين أن يكُونَ بينهما مهايأة يوم الوصية أو لا يكون، ثم يحدثانها قبل موت الموصي، [هكذا] قاله الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-.
ولو أوْصَى لمكَاتَب وَارِثهِ، فإنْ عَتَقَ قبل موت المُوصِي، نفَذَتِ الوصيةُ، وكذا لو عتَقَ بعده بأداء النُّجُوم، وإن عجز، ورَقَّ، صارَتْ وصيته للوارث، والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 17
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الدَّابَّةُ فَالوَصِيَّةُ لَهَا بَاطِلَةٌ إنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ التَّمْلِيكَ، وإنْ فُسِّر بِالصَّرْفِ في عَلَفِهَا صَحَّ، وَهَل يُفْتَقَرُ إلى قُبُولِ المَالِكِ؟ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَبِلَ فَهَلْ يَلْزَمُ صَرْفُهُ إِلَى الدَّابَّةِ، أَم هُوَ كَالوَصِيَّةِ لِلْعَبْدِ؟ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيتُ لِلمَسْجِدِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَالدَّابَّةِ، وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا فُسِّرَ بِالصَّرْفِ إلى مَصَالِحِهِ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُ المُطْلَقِ عَلَيْهِ لِلْعُرْفِ بِخِلاَفِ الدَّابَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثالثة: إذا أوصَى لدابَّة الغير، وقصد تمليكها، فالوصيَّة باطلة، وبمثله أجابوا فيما إذا أطلق؛ لأن مطْلَقَ اللفظ للتَّمْلِيك، والدَّابَّة لاَ تُمْلَكْ، وَفَرَقُوا بين الوصيَّة المطلقة للدابة وبين الوصيَّة المطْلَقَةِ للعَبْدِ، بأن العبد ينتظمُ الخطابَ معه، ويتأتَّى القبول منه؛ وربَّما يُعْتَقُ قبل موت الموصِي، فيثبُتُ المِلْك له، بخلاف الدابَّة، لكنه قد مرَّ في "الوقْف" ذكر وجْهَين؛ فيما إذا أطلق الواقِفُ عليها أنَّه، هَلْ يكون وَقْفاً عَلَى مالكها، فيشبه أن تكون الوصيَّة على ذلك الخِلاف؟ وقد يُفْرَقُ بينهما بأن الوصيَّة تمليك محضٌ، فينبغي أن يُضاف إلَى من يُمَلَّكُ.
والوقفُ ليس بتمليكٍ محضٍ، بل ليس بتمليلكٍ، إذا قلنا: إن الملك فيه يزول إلى الله تعالَى، فيجوز أن تحتمل فيه الإضافةُ إلَى من لا يملك.
ولو فُسِرَ الوصية للدابَّةَ بالصَّرْف في عَلَفِها، صحَّت الوصية؛ لأن صرف علف الدابة على مالِكِهَا، فالقصدُ بهذه الوصية المالك، هكذا نقل المصنِّف وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
لكنا ذكَرْنا في "الوقْف"؛ أن أبا سعْدٍ المتولِّي -رحمه الله- حكَى فيما لو وقفَ على علف بهيمة الغَيْر وجْهين؛ في صحَّة الوقْف، ويشبه أن يكون هذا في مَعْناه، وإذا قُلْنا بالصحَّة، وهو الظاهر، ففي اشتراط القبول وجهان:
أحدهما: واختاره أبو زيد: أنَّه لا يُشتَرطُ وتجعل هذه الوصية للدابَّة، "ففي كلِّ كَبدٍ حَرَّى 40 أَجْرٌ".
الجزء: 7 - الصفحة: 18
وأصحُّهما: وبه قال "صاحب التلخيص": الاشتراطُ كسائر الوصايا، وهي وصيةٌ للمالك؛ كما لو أوصَى بعمارة داره، بتقدير أن يكون وصيَّةَ للدابَّة، فيبعد حدوث الاستحقاق، لملكه من غير رضَاهُ.
وإذا قبل، فهل يتعيَّن صرفه إلَى جهة الدابة؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التلخيص": نعم؛ رعايةً لغرض الموصي، وعلى هذا فيتولى الإنفاق الوَصِيُّ، فإن لم يكن وصيٌّ، فالقاضي أو مَنْ نأمره به من المَالِكُ وغيره.
وعن القفَّال: أنَّه لا يتعيَّن، بل له أن يمسكه، وينفقَ على الدابَّة من موضع آخر، وقضية إيراد الناقِلِينَ ترجيحُ الأول، وليعرف هاهنا شيئان:
أحدهما: قد تكرر في خلاف الكَلاَمِ أنَّ الوصيَّة عَلَى رأي وصيةُ للبهيمة نَفْسِها، وحينئذ فلا يتَّجِه فرقٌ بين البهائم المملوكة، وبين الوحُوش، وَالصُّيود المباحة، وهذا يَعْتَرضُ على ما قَدَّمنا عن صاحب "التتمة" في الوقْف؛ أنَّه لو وقف عَلَى عَلَفِ الطيورِ المباحةِ، والوُحُوشَ، لم يصحَّ، بلا خلاف، وأن موضع الخلافِ ما إذا كانَتِ البهيمةُ مملوكةً.
والثاني: إذا انتقلتِ الدابَّةُ من مالكها إلَى غيره، فقياسُ كون الوصية للدَّابَّة الاستمرارُ 41 لها، وقياسُ كونها للمالك اختصاصُها بالمنتَقَلِ عَنْه؛ والله أعلم.
وإذا وصَّى للمسجد، وفسّر بالصرف إلى عمارته، ومصلحته، صحَّت الوصية، وإن أطلق، فوجهان.
أحدهما: البطلانُ، كالوصية للدابَّة.
وأظهرهما: الصحَّة؛ لأن مقتضَى العُرْف تنزيلُه على المصرف إلَى عمارته، ومصلحته، والقَيِّمُ يصرف إلى الأهم، والأصلحِ باجتهاده.
وإن قال: أردتُّ (به) 42 تمليك المسجد، فقد ذَكَر بعضُهم أن الوصية لاغيةٌ، ولك أن تقول: قد سيق أن للمَسْجد ملكاً وعليه وقفاً، وذلك لقتضي صحَّة الوصية وثبوت 43 الملك، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الحَرْبِيُّ فَيَصِحُّ (ح) الوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ، كَالهبَةِ
الجزء: 7 - الصفحة: 19
وَالبَيْعِ، وَكَذَا المُرْتَدُّ، وَقيلَ: لاَ يَصِحُّ لِأَنهُ تَقَرُّبٌ إِلَى مَنْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ لِلِذِّمِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الرابعةُ: في الوصية لأهل الحَرْب من الكُفَّار وجهان:
أحدهما: الجواز، وبه قال أحمد رحمه الله، كما يجوز البَيْع، والهبةُ، منْهم، وعلَى هذا؛ يخرَّج ما قدمنا من الوصية؛ لمفاداة أَسْرَاهُمْ من أيدي المُسْلِمِينَ.
وثانيهما: المنع، وبه قال أبو حنيفة، وابن القاصِّ؛ لقوله تعالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: 8] أشعر ذلك بالنَّهْيِ عن بِرِّهمْ، إذا قاتلونا، وأيضاً، فإنَّا مأمورون بقَتْلِهِمْ، فلا معنى للتقرب إليهم بالوصية، والظاهر من الوجهين الثاني عند الأستاذ أبي منْصُور، والأول عند الجمهور، وهو منصوصٌ عليه في "عيون المسائل" 44.
وفي الوقْف على الحَرْبِيِّ ذكرنا أن أصحَّ الوجهين المنْعُ، وفَرَقُوا بوجهين:
أحدهما: أن الوقف صدقةٌ جاريةٌ، فاعتبر في الموقوف عليه الدوام؛ كما اعْتُبِرَ في الوقْف.
والثاني: أن معنى التمليك في الوصيَّة أظهرُ منْه في الوقف؛ ألا ترَى أن المُوصَى له يملك الرقبة، والمنفعة، والتصرُّف، كيف شاء والموقوفُ عليه بخلافه؟ فأُلْحِقَتِ الوصيةُ بسائر التمليكات، والوجهان في الوصية للحربي جاريان في الوصيَّة للمرتَدِّ، وبنَى بعضهم الخلافَ في الوصيَّة له على الخلاف في ملكه.
وتجوز الوصية للذمي، بلا خلاف، كما يجوز التصدق 45 عليه، وقد رُوِيَ "أن صفيةٌ -رضي الله عنها- أوْصَتْ لِأَخِيْهَا بِثَلاَثينَ ألْفَاَ، وكان يَهُودِيّاً" 46.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا القاَتِلُ فَفِي الوَصِيَّةِ لَهُ ثَلاثةُ، أَقْوَالٍ، يَصِحُّ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ,
الجزء: 7 - الصفحة: 20
وَيُفْرَق فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الوَصِيَّةِ لِلْجَارحِ وَبَيْنَ الوَصِيَّةِ قَبلَ الجَرْحِ فَإنَّهُ مُسْتَعْجِلٌ لِلإِرْثِ، وَالمُسْتَوْلَدَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا فإنَّ اسْتَعْجَلَتِ عَتَقَتْ، وَكَذَا مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ إِذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَلَّ أَجَلُهُ، وَالمُدَبَّرُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ المُوصَى لَهُ وَبَيْنَ المُسْتَوْلَدَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الخامسةُ: في الوصية للقاتل قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنَّها غيْرُ صحيحةٍ؛ لِمَا روِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ لِقَاتِلٍ وَصِيَّةً وأيضاً فإنه استحقاقٌ يثبت بالمَوْت، فيمتنع بالقَتْل كالميراثِ.
وأظهرهما: عند العراقيين، وتابعهم الإمام، والرُّويانيُّ [أيضاً] أنَّها صحيحةٌ؛ لأن التمليك بالوصية تمليك بإيجاب وقَبُولٍ فأشبه التمليك بالبيع والهبة، وبهذا قال مالك -رحمه الله- وُيرْوَى عنه تخصيصُ الجوازِ بما إذا كان القَتلُ خطأ، وعن أحمد -رحمه الله- روايتانِ كالقَوْلين.
ولا فرْقَ عندنا على القولَيْن بين أن يكُون القَتْل عمداً، أو خطأً، وتكلَّموا في موضعهما من وجْهَيْنِ:
أحدهما: هل من فَرْقٍ بين أن يكون القتل بحقٍّ كالقصاص، أم لا يكون؟ سكت أكثرون عَنْه، وقال صاحب "التلخيص": تجوز الوصية للقاتل بالحَقِّ، والخلافُ في غيره، وأدار الوصية على الإرث وقال القفال: إن ورثت القاتل بالحق جوزنا الوصية له، وإلا، ففيه الخلاف.
والثاني: أن من الأصحاب من قال: القولان فيما إذا أوصى المجروحُ لجارِحِهِ، ثم ماتَ، فأما إذا أوصَى لإنسان، فجاء وقَتَلَهُ، بَطَلَتِ الوصِيةُ قولاً واحداً؛ لأنه مستعجلٌ بالقتل؛ فيُحْرَمُ؛ كالوارث، ومنهم من عَكَسَ؛ وصحَّح الوصية جزماً فيما إذا أوصَى لجارحه، وخصَّص القولَيْن بما إذا أوصَى لإنسان، فجاء وقتله، والأكَثرون طَرَدُوا القَوليْن في الحالتين، فإذا اختصرْتَ، تحصَّلْتَ عَلَى ثلاثة أقوال، كما في الكتاب تصح، لا تصح، تصحُ إن تقدَّمتِ الجراحة، ويُبْطُل، إن 47 تأَخَّرت.
والمستولَدَةُ، إذا قتَلَتْ سيدها، عَتَقَتْ، وإن استعجلَتْ؛ لأنَّ الإحبال يُنَزَّلُ منزلة الإعْتَاق؛ ألا تَرَى أنَّ الشريك، إذا أحبل الجارية المشتَرَكَةَ، سَرَى الاستيلاد إلَى
الجزء: 7 - الصفحة: 21
(نصيب) الشريك، كما لو أَعْتَقَ نصيبه، وإذا كان كالإعتاق، لم يقدح القتل فيه، كما إذا أعتق العَبْد، ثم جاء العبدُ وقتله، وكذلك مستحِقُّ الدَّين المؤَجَّل، إذا قتل مَنْ عليه الدَّينُ, حلَّ أجله؛ لأنَّ الأجل حقُّ مَنْ علَيْه الحق، أثبت ليرتفق به بالاكتساب في المدَّة، فإذا هَلَك، فالحَظُّ له في التعجيل؛ لتبرأ ذمته.
وإذا قتل المدبَّر سيده، فَيُبنى على أن التَّدبير وصيَّة، أو تعليقٌ عتق بصفة؟ إن قلنا بالأول، فهو كما لو أوْصَى لإنسانِ، فجاء وقتله، وإنْ قلنا بالثاني، عَتَقَ؛ كالمستولدة، وقال في "التهذيب": إن صحَّحنا الوصية للقاتل، عَتَقَ المُدَبَّر، إذا قتل سيده، وإن لم يصحِّحها, لا يُعْتَقُ، ويبْطُل التدبير، سواءٌ جعلنا التدبير وصيَة، أو تعليقاً للعِتْق؛ لأنه، وإن كان تعليقاً، فهو في حكم الوصية, لأنه يُعْتَبَرُ من الثلث، وهذا إثباتٌ للخلاف، سواءٌ جعلناه وصيَّة، أو تعليقاً وإذا أوصَى لعبدِ جارِحِهِ، أو لمُدَبَّرِهِ، أو لمسْتَوْلَدَتِهِ، فإن عَتَقَ قبل موت الموصِي، صحَّت الوصية له، وإِن انتقل منه إلَى غيره، صحَّت الوصية لذلك الغيرُ، وإلاَّ، فهي وصيةٌ للجارح، ولو أوصَى لعبد بشيء، فجاءه العبد، وقتله، لم تتأثر به الوصيةُ، وإن جاء [السيد]، وقتله، فهي وصيةٌ للقاتل.
ولو أوصى لمكاتَبٍ، فقتل المكاتَبُ الموصِيَ، فإن عَتَقَ، فهي وصية للقاتل، وإن عجز، فالوصيةٌ صحيحةٌ للسيد وإن جاء سيِّد المُكَاتَب، فقتله، فالحكم بالعكس، وتجوزُ الوصيَّة للعَبْد القاتل؛ لأنها تَقَعُ للسيد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الوَارِثُ فَلاَ وَصِيَّةَ لَهُ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- أَلاَ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ، وإنْ أَجَازَ الوَرَثَةُ وَصِيَّةَ الوَارِثِ وَالقَاتِلِ وَصِيَّةَ الأَجْنَبِيِّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ نَفَذَتْ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ وَكَانَ تَنْفِيذاً أَوْ اِمْضَاءً، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي هُوَ ابْتِدَاءٌ (ح م) عَطِيَّةٍ مِنَ الوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَاً فَلَهُمْ الوَلاَءُ، وَلَوْ أَوْصَى لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَهُوَ لَغْوٌ، فَإِنْ خَصَّصَ كُلَّ وَاحِدٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ فَفِي الحَاجَةِ إلَى الإِجَازَةِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ: أنَّهُ يَحْتَاجُ إِذْ يَظْهَرُ الغَرَضُ في أَعْيَانِ الأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ مِنْ إِنْسَانٍ يَنْفَذُ (ح و)، وَلاَ خِلاَف أنَّهُ لَوْ بَاعَ في مَرَضِ المَوْتِ عَيْنَ مَالِهِ من وَارِثِهِ بِثَمَنِ المِثْلِ نَفَذَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ السادسةُ: الوصيةُ للوارث، وتُقدَّم عليها أن الإنسانَ لا ينْبَغِي أن يوصِيَ بأكثر من ثُلُثِ ماله 48؛ لخَبَرِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- المذْكُورِ في أول
الجزء: 7 - الصفحة: 22
الكتاب، فإن فَعَل، فإمَّا أن يكونَ له وارثٌ خاصٌّ، أو لا يكونَ، إنَّ كان، وردَّ الوارث، ارتدَّتِ الوصيةُ في الزِّيَادة على الثلث، وبطَلَتْ، وإن أجاز دَفْعَ المال إلى الموصَى له، وما حَالُ إجارته، أهِيَ تنفيذٌ وإمضاءٌ؛ لِتصرُّف الموصِي، أم ابتداءٌ عطيةٍ من الوارث؟ فيه قولان:
أحدهما: أنها ابتداءُ عطية تُصرُّفُ الموصِي لاغٍ في الزيادة على الثلث؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، والنهْيُ يقتضي الفساد، وأيضاً، فإن الزيادة متعلِّق حقِّ الورثة، فيلغو تصرُّفُه فيها، كتصرُّف الراهن في المرهون.
وأصحُّهما: أنَّه تنفيذ وإمضاءُ لتصرُّف المُوصِي، وتصرُّفُهُ موقوفٌ عَلَى الإجازة؛ لأنَّه تصرُّف مصادف للملك، وحقُّ الوارث إنما يثبت في ثاني الحال، فأشبه بَيْع الشِّقْصِ المشْفُوع، ويدل على انعقاده أنه لو برأ من مرضه، نفذت تصرفاته، ولم يفتقر إلَى الاستئناف، وقد يُعبَّرُ عن الغرض بعبارةٍ أخرَى، وهي أن الوصية بالزيادة، (على الثلث) 49 غيرُ نافذةٍ إنَّ لم يجز الوارث، وإن أجاز، ففي نفوذها بالإجازةِ قَوْلاَن.
فإن لم يكن له وارثٌ خاصٌّ، فوصيته بالزِّيَادة على الثلث باطلة؛ لأنَّه لا مجيز، = ونحوه، وقول الماوردي "فأما الزيادة على الشك فممنوع منها في قليل المال وكثيره لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى سعداً".
انتهى.
وهو ظاهر في التحريم، وكذا قال أبو زكريا الساجي في كتاب "اختلاف الفقهاء" أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، قال الشيخ البلقيني وولده الشيخ جلال الدين لو كان في الورثة صغير أو معتوه أو بالغ سفيه ففي "الأم" في باب اختلاف الورثة قبل الوصية للقرابة قال الشَّافعي -رحمه الله-: ولو كان في الوصية صغير أو بالغ محجور عليه، أو معتوه، لم يجز على واحد من هؤلاء أن يجز في نصيبه شيئاً جاوز الثلث من الوصية، ولم يكن لولي واحد من هؤلاء أن يجيز ذلك في نصيبه، ولو أجاز ذلك في ماله كان ضامناً له في ماله، فإن وجد في يدي من أجيز له أخذ من يديه، وكان للولي أن يتبع من أعطاه إياه بما أعطى منه؛ لأنَّه أعطاه ما لا يملك.
انتهى.
ينظر الأم 4/ 145. وحاصله أن الولي لا يجوز له أن يجيز ولا يجب عليه أن يرد ولا يعطل التصرف في العين بل يجوز بيعها والتصرف فيها.
فإن قيل هل يجزي جواز البيع والتصرف في البالغ الرشيد قبل أن يرد إذا كان وارثاً يحتمل أن يجزي ويحتمل أن يفرق بأن له مندوحة في ذلك بأن يرد -باللفظ- وهذا الثاني أولى.
انتهى.
وذكر في الخادم ذلك ولم يحزه لنقل شيخه ونقل عن الماوردي أنه لا يصح إجازة الورثة إلا من بالغ عاقل جائز الأمر، فإن كان فيهم صغير أو مجنون أو محجور عليه بسفه لم يصح منه الإجازة، ولا من الحاكم عليه، ولا من وليه لما في الإجازة عليهم من تضييع حقهم ولا ضمان على الولي المجيز ما لم يُقبض، فإن أقبض صار ضامناً بقدر ما أجازه من الزيادة.
قاله البكري.
الجزء: 7 - الصفحة: 23
والمالُ للمسلمين.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- أنها صحيحةٌ، وبه قال أحمد في أصحِّ الروايتَيْنِ عنه، وفي "شرح أدب القاضي" لأبي عاصمٍ العبَّادِيِّ وجهٌ مثله.
وقال في "التتمة" للإمام: رد هذه الوصية.
وهلْ له إجارتها ليُبْنَى عَلَى أن الإمام، هلْ يُعْطَى حكْمَ الوارث الخاصِّ؟ إذا عُرِفَ ذلك، ففي الوصية للوارِثِ طريقان:
أصحهما: أن الحكُمَ، كما لو أوصَى لأجنبيٍّ بالزيادة على الثلث، حتَّى يرتدَّ بردِّ سائر الورثة، وإن أجازوا، فعلى القولَيْن، وقد نصَّ عليهما في "الأم":
أحدهما: أن إجازتهم ابتداءُ عطيةُ والوصية باطلة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله قَد أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، إِلاَّ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ" 50.
والأصحُّ، وبه قال أبو حنيفةً، ومالك، وأحمد -رحمهم الله- إنها تنفيذٌ لما فعله المُوصِي، وللذي فعَلَهُ.
انعقادٌ واعتبارٌ؛ لما رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاس -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَجُوزُ الوَصِيَّةُ لِوَارِثِ إِلاَّ أنْ يُجيزَهَا الوَرَثَةُ".
وُيرْوَى: "لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ" 51.
والطريقُ الثانِي: أنَّها باطلةٌ، وإن أجاز الورثة، بخلافِ الوصيَّة للأجنبيِّ بما زاد على الثلث، والفرق أن المنع من الزيادةِ لحَقِّ الورثة، فهذا رضُوا، جوَّزنا، والمنع هاهنا لتغيير 52 الفروض التي قدَّرها الله تعالَى للورثة عَلَى ما أشْعَرَ الخبر، فلا أثَرَ
الجزء: 7 - الصفحة: 24
لِرِضَاهم، وتُحْكَى هذه الطريقةُ عن المُزَنِيِّ، وعن ابن أبي هريرة -رحمهما الله-.
وقوله في الكتاب: "أما الوارثُ، فلا وصيَّةَ له" لم يُرِدْ به الجواب على هذه الطريقة، وإنَّما أرادَ بُطْلانَها عنْدَ رَدِّ الباقين؛ ألا تراه يقول على الأثر "فإن أجاز الورثة" إلى آخره وعلى مثل هذا ينزل قوله في فَصْل الوصية للعبد "وإن كان عبْدٌ وارثٌ، لم يَصِحَّ" ويجوز أنْ تُعْلَمَ هذه الكلمة بالميم؛ لأن عند مالك -رحمه الله- إن لو أوصَى لعبدِ وارِثهِ بشيء يسير، صحَّت الوصية، ووقعت للعَبْدِ، وإن أوصَى بمالٍ كبيرٍ، فهي كالوصيَّة للوارث، وقوله: "نفذَت على أصحِّ القَوليْن" عَنَى به أن الوصيَّة منعقدةٌ، موقوفةٌ، فإن أجازوها، أمضيناها، ونفَّذْنَاهَا، بإجازَتِهِم وفي القول الثاني: هي لاغيةٌ، فيكون إجازتهم ابتداءَ عطيَّةٍ منهم، وأمَّا قوله "والقاتل" فالخلاف في الوصية للقاتل عند الإجازة عَلَى ما حكاه الإمام، كالوصيَّةِ للوارثِ عنْد الإجازة، فتجيء فيها الطريقان؛ وذلك إذا لم نُطْلِق القَولَ بِصِحَّتها أمَّا إذا صحَّحناها، فلا خِيَرَةَ للوارث، ولا حاجَةَ إلَى إجازته، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله "عَلَى أصحِّ القَوْلَينِ" بالواو، للطريقةِ القاطِعَةِ بالبطلان في الوصية للوارث، والقاتلِ، ثم الكلام في التفريع على القولَيْن في كيفية الإجازة، وفي مسائل وقواعد تنسلك في الفصْلِ:
أما التفريع: فإن قلنا: إنها تنفيذٌ وإمضاءٌ، كَفَى لفظ الإجارة، ولا حاجة إلى هبة وتجديدِ قبولٍ، وقبض من الموصَى له، وليس للمجيز الرجوعُ، وإن لم يحْصُلِ القبض بعد أن جعلْنَاها ابتداءَ عطيةٍ منهم، فلا يكفي قبولُ الوصية أولاً، بل لا بد من قبولٍ آخَرَ فِي المجلس، ومن القبض، وللمجيز الرجوعُ قبل القبض، وهلْ يُعْتَبَرُ لفظ التمليك، ولَفْظ الإعْتَاق؟
إذا كان الموصَى به العِتْقَ، فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يكفي لفظ الإجازة، لظاهر الخبر.
وأظهرهما: نعم، ولا يكفي لفظُ الإجازة كما لو تصرَّف تصرُّفاً فاسداً من بيعٍ، أو هبةٍ، ثم أجازه ويُنْسَبُ هذا الوجه إلى مالك، وهو الاختيار المَزَنيِّ -رحمه الله-.
وإذا خلَّف زوجةً، هي بنت عمه، وأباها، وكان قد أوصَى لها، وأجاز أبوها الوصية، فلا رجوعَ له، إن جعلْنا الإجازةَ تنفيذاً.
وإن جعلناها ابتداءَ عطيةٍ، فله الرجوع.
وإذا أعتق عبداً في مرضه، أو (أوصى) 53 بعتقه، ولا مالَ له سواه، أو زادَتْ
الجزء: 7 - الصفحة: 25
قيمته على الثلث، فإنْ جعلْنا الإجازةَ ابتداءَ عطيةٍ من الورثة، فولاءُ ما زاد على الثلث للمجيزين، ذكورهم وإناثهم بحسب استحقاقهم، وإن جعلْناها تنفيذاً، فولاءُ الكلِّ للميت؛ فيرَثه ذكور العصبات لا غير.
وحكَى الأستاذُ أبو منْصُورٍ عن بعض الأصحاب أنَّه يُحْتَمَلُ أن يكون الولاءُ للميِّت على القولَيْن جميعاً؛ لأنا، وإنْ جعلْنا إجازتهم ابتداءَ عطيةٍ، وقلنا: إنه ملكهم، فإجازتهم إعتاقُ الميت، كإعتاقِهِمْ عن الميت بإذنه، ومن أعتق عبده عن غيره بإذْنِهِ والتماسه، كان الولاءُ للآذن، وُينْسَبُ هذا الوجهُ إلى ابن اللَّبَّان، إلاَّ أن اعتبار الإذْنِ بعد موت الآذِنِ كالمستبعد.
ولو أعتَقَ العبْدَ في مرض الموْتِ، ومات العبدُ قبل موته، فيموتُ، كلُّه [حرٌّ أمْ] 54 كَيْفَ الحالُ؟ [فيه خلاف مذكورٌ في الكتاب] في "كتاب العتق".
أما المسائِلُ؛ فمنها:
الهبة في مرض الموت من الوارث، والوقْفُ عليه، وإبراؤه عما عليه من الدَّيْنِ، كالوصيَّةِ له، ففيها الخلاف.
ومنها: لا اعتبار بردِّ الورثة، وإجازتهم في حياة الموصِي، وإذا أجازوا في الحياة، وأذنوا له في الوصيَّة، ثم أرادوا الردَّ بعد الموت، فلهم ذلك؛ لأنه لا يتحقَّقُ استحقاقُهُم قبْل المَوتِ؛ لِجَوَازِ أن يبرأ المَرِيضُ، أو يموتوا قَبْل موْتِهِ.
وعَنْ مالك -رحمه الله- أن الإجازة قبل الموت تلزم، إلا أن يكونَ الوارثُ في نفقته، وعنه أيضاً: أنهم، إنْ أذِنُوا له في الوصية، وهو صحيحٌ، فلهم الرجوعُ، وإنْ أذِنُوا، وهو مريض، فلا رجوعَ لهم، ولو أجاوزا بعد الموْتِ، وقبل القسمة؛ قال الأستاذ أبو منصور: في تنزيلها منزلة الإجازَةِ قبل الموت قولان مخرَّجان للأصحاب، والظَّاهِرُ لزومها.
ومنْها: ينبغي أن يعرف الوارثُ مقدارَ الزائدِ عَلَى الثلث، ومقدارَ التَّركة، فإن لم يَعْرِف قدر الزائد، أو قَدْرَ التركة، لم تصحَّ الإجازة، وإن جعلْناها ابتداءَ عطيَّةِ، وإنْ جعلْناها تنفيذاً، فهي كالإبراءِ عَنِ المجهول.
ولو أجاز الوصيَّة بما زادَ عَلَى الثلث، ثُم قال: كنت أعتقدُ أن التركة قليلةٌ، فبانت أكثر مما ظَنَنْتُ، فعن نصِّه في "الأم" أنه يحلف، وتنفذ الوصية في القَدْر الذي كان يتحقَّقه.
الجزء: 7 - الصفحة: 26
قال الأصحاب: وإنَّما يُحْتَاجُ إلى اليمين، إذا حصل المال في يد الموصَى له، أما إذا لم يحْصَل، فلا حاجة إلى اليمين، إذا جعلناها ابتداءَ هبة؛ فإنَّ الهبة قبل القبض لا تلزم، وفي "التتمة" أن التنفيذ في القدر الذي يتحقَّقه مبنيٌّ على أن الإجازة تنفيذ فتتنزل منزلة الإبراء، أما إذا جعلْناها ابتداءَ هبة، فإذا حلف، بَطَل في الكلُّ، واللفظ المحكيٌّ عن النص ينازع فيما إذا ادعاه.
ولو أقام الموصَى له بيِّنَةً على أنَّه كان عارفاً بقَدْر التركة عند الإجازة، لزمت، إن جعلْناها تنفيذاً، وإن جعلْناها ابتداءَ هبةٍ، لم تلزم، إذا لم يوجَدِ القبضُ، ولو كانتِ الوصيةُ بعبدٍ معيَّن، وأجاز الوارثُ، ثم قال: كنْتُ أظنُّ أن التركةَ كبيرةٌ، وأن العبد خارجٌ من ثلثها، [فتبينت] 55 خلافه، أو ظهر دَيْنٌ لم أعلمه، أو تبيَّن لي أنه تَلِفَ بعضها، فإن جعلْنا الإجازة ابتداءَ عطيَّةٍ، صحت.
قال في "التتمة": لأن العبد معلومُ الجهالةِ في غيره، بخلافِ ما إذا كانت الوصيَّةُ بالجزء المشاعِ.
وإن جعلْناها تنفيذاً وإمضاءً، فقولانِ نقلهما صاحب "الشامل" وغيره:
أحدهما: الصحَّة للعلم بالعقد.
والثاني: أنه يحلِفُ، ولا يلزم إلاَّ الثلث، كما في الوصيَّة بالمشاع، وهذا ما أورده المتولِّي 56.
ومنها: العبرة في كونه وارثاً بيوم الموت، حتى لو أوصَى لأخيه، ولا ابْنَ له ثم وُلِدَ له ابْنٌ قبل موته، فالوصيةُ صحيحة.
ولو أوصَى لأخيه، وله ابن، فمات الابن قبل موْتِ الموصِي، فهي وصية للوارث؛ وقد ذكَرْنَا في الإقرار للوارث خلافاً؛ في أن العبرة بيوم الإقرار، أو بيوم الموت، والفرق أن استقرار الوصية بالموت، ولا ثبات لها قبله.
ومنها: قال صاحب الكتاب: "إذا أوصَى لكلِّ واحدٍ من ورثته بقَدْر حصَّته من التركة، لَغَتْ وصيته؛ لأنهم مستحِقُّون لها، وإن لم يوص ويجيء فيه وجهٌ آخر؛ لأن
الجزء: 7 - الصفحة: 27
صاحب "التتمة" حكَى وجهين فيما إذا لم يكُنْ له إلا وارثٌ واحدٌ، فأوصَى له بماله:
المذهبُ منهما أنه تلْغُو الوصيةُ، ويأخذ التركة بالإرْثِ.
والثاني: أنَّه يأخُذُها بالوصية، إذا لم ينقضها، قال: وفائدةُ الخلافِ تظْهَر فيما إذا ظهر دين، إن قلْنا: إنَّه يأخذ التركة إرثاً، فله إمساكُها، وقضاءُ الدَّين من موضع آخر، وإن قلنا: إنَّه يأخُذُها بالوصية، قضاه منها, ولصاحب الدَّين الامتناعُ لو قضَى من غيرها، ومعلومٌ أنه لا فرْقَ بين أن يتحد الوارث 57، أو يتعدَّد.
ولو أوصَى لكلِّ واحد من الورثة بعينٍ، هي قَدْرُ حصته من ثوب وعبد وغيرهما، فهل تحتاج هذه الوصيَّةُ إلى الإجازة أم لا؟ ويختص كل واحد منهم بما عينه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الحاجةُ؛ لأنَّ الأغراض تتفاوتُ بأعيان الأموال، والمنافع الحاصلة منْها.
والوجه الثاني: أن حق الورثة يتعلَّق بقيمة التركة، لا بعينها؛ ألا ترَى أنه لو باع المريضُ أعيانَ التركة بأثمان [مثلها]، صَحَّ، وحقوقُهُمْ في القيمة موفَّاة هاهنا؟ وذكر صاحب "التهذيب" في هذا الموضع صورتين؛ كالمستشهد بهما للوجهين.
إحدى الصورَتَيْن: إذا أوصِى بأن يُبَاعَ عين ماله من إنسان، فالوصية صحيحةٌ؛ لأن الأغراض يتعلق بالعين، كما يتعلَّق بالقدر، فتصحّ الوصية بها، كما تصحُّ بالقدر، وفي "التتمة"، "والمعتمد" للشَّاشِيِّ وجه آخر؛ أنها لا تصحُّ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: لأنَّه لو باع ماله في مرض [الموت] 58؛ لا يُعْتَبَرُ من الثلث، ولو صحَّت الوصية، لاعْتِبُرَ من الثلث.
والثانية: بيع المريض مالَه من وارثه بثَمَن المثل نافذ، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: إنَّه وصية، يُوقَفُ عَلَى إجازة سائر الورثة.
لنا: أنَّه لا تبرُّعَ فيه؛ ألا ترى أنه يجوز بيع الزائد على الثلث بثمن المِثْل من الأجنبيِّ.
والصورةُ الثانيةُ: يشهد لوجْهِ الاستغناء عن الإجازة فيما إذا أوصَى لكلِّ واحدٍ بعينٍ هي قَدْرُ حصَّته، والأَوْلَى تشهد لوجه الحاجة إليها، قكذلك قال، وكذلك لو
الجزء: 7 - الصفحة: 28
أوصَى بأن يباع عين ماله من إنسان، نفذ، لكن لا خلافَ إلَى آخره، إلاَّ أن الاستشهاد إنما يَحْسُن إذا كان المستشهَدُ به مُتَّفَقَاً عليه، أو كان الحكْمُ فيه أظهر منه في موضع الكلام.
وادعَى صاحب "التتمة" أن الخلاف في الصورة الأولَى مبنيٌّ على الخلاف في الحاجة إلى الإجازة وإذا أوصى لكلِّ واحدٍ بعين، هي قدرُ حصته، إن قلنا بالحاجة هناك، صحَّت الوصية هاهنا، وإلاَّ، فلا، فإن كان كذلك، فالأحسنُ أن يقرأ، وكذلك لو أوصَى بأنْ تُبَاعَ عينُ ماله من إنسان، نفذ؛ ليكون عطفاً على أظهر الجوابَيْنِ في المسألة السابقة، وهذا يوجد في بعض النسخ.
ومنها: أوصَى بثلث ماله لأجنبيٍّ ووارثِ، إن صحَّحنا الوصيَّة للوارث، وأجاز سائرُ الورثة، فالثلث بينهما، وإن أبطَلْناها، أو ردها سائر الورثة، فقد ذُكِرَ وجْه: أنَّها تبْطُل في حقِّ الأجنبيِّ، أيضاً؛ أخذاً من منع تفريق الصفقة، لَكنَّهُ ضعيف؛ لأن العقْدَ مع شخصين كعقْدَيْن، بل للأجنبيِّ السدس 59.
وعن أبي حنيفة: أنَّ له تمامَ الثُّلث، ولو أوصَى لهذا بالثلث، ولهذا بالثلث، فإنِ اعتبرنا الوصية للوارث، وأجاز سائر الورثة، فلكلِّ واحد منهما الثلث؛ وإن أبطلناها، أو ردوا فلا شيء للوارث، ثم يُنْظَرَ في كيفية الرد؛ إن ردُّوا وصية الوارث، سُلِّمَ للأجنبيِّ تمامُ الثُّلُث، وفيه وجهٌ بعيدٌ؛ أنَّه لا يُسَلَّم إلاَّ السُّدُس.
وإن قالوا: ردَدْنا ما زاد على الثُّلث من الوصيَّتَيْنِ، فوجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، ونسبه أبو الفَرَجِ الزاز إلى اختيار القَفَّال: والشيخ أبي عليٍّ -رحمه الله- أنَّه ليس للأجنبيِّ إلاَّ السدس، فإنَّ الزيادةَ قد بَطَلَتْ بالرد؛ فكأنه أوصَى بالثلث ولهما.
وأرجحُهُمَا عند كثرهم، وهو الذي أورده في "التهذيب": أنَّ له تمَامَ الثلث، ووجِّه بأن القائل للرَّدِّ في حقِّ الأجنبي الزائدِ على الثُّلُث، وفي حقِّ الوارث الجميع، فكان الانصراف إلَى نصيب الوارث أوَلَى.
الجزء: 7 - الصفحة: 29
ومنها: إذا أوصَى إلى أحد ورثته بقَدْر نصيبه من التركة، أو بما دُونه، وأجاز الباقون، سُلِّمَ له المُوصَى به، والباقي مشتركٌ بينهم.
قال الإمام -رحمه الله-: وذلك القدْرُ خرج عن كونه موروثاً باتِّفاق الورثة، أما الموصَى له؛ فلأنه أوقعه عن جهة الوصيةِ، حيث قبلها، وأمَّا غيره؛ فلأنه أجازها.
ولو أوصَى لبعض الورثةِ بأكْثَرَ من قَدْر نصيبه، فوجهان:
أصحُّهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: أنَّ الباقي لمن لم يُوصَ له؛ لاحتمال أنَّ غرَضَه من الوصيَّة تخْصيصُه بتلْك الزيادة، لا بجميع الموصَى به، ويخرَّج على هذا الأصل ما إذا أوصَى لأجنبيٍّ بنصف ماله، ولأحدِ ابْنَيْهِ الجائزين بالنِّصْف، وأجاز الوصيتَيِن، فللأجنبيِّ النصف.
وأمَّا الابنُ الموصَى له، ففيما يستحقه وجهان:
أحدهما: النصف.
والثاني: الربع، والسُّدُس، والباقي، وهو نصْفُ السُّدُسِ للَّذي لم يُوصَ له، ونسب الإمام وغيره الوجه الأوَّلَ إلَى جواب القَفَّال، والثاني إلَى ابن سُرَيْجٍ، ورأيت الأستاذ أبا منصورٍ حَكَى الأوَّل عن ابن سُرَيْج، ووجّهُ خروجها على الأصلَ المذكور، أن الثلث مُسلَّم للأجنبيِّ، لا حاجة فيه إلى إجازة الاثنين، والباقي بينهما لو رُدَّ لكل واحد منْهما الثلث، فإذا أوصَى لأحدهما بالنصف، فقد زاد على ما يستحقُّه سدساً، فإن قلنا: الباقي بعد الوصية لهما جميعاً، فالسدس بينهما، لكنهما إذا أجَازَا، لَزِمَ كلّ واحد منهما أن يدْفع نصف سدس إلى الأجنبيِّ؛ ليتم له النصف، وحينئذ فيعودُ ما كان للموصَى له إلى النصف، ولا يبقَى للآخر شيْء، وهذا هو الوجه الأوَّل وإن فإنْ قلنا: إن السُّدُس الباقي يختصُّ به الذي لم يُوصَ له، فيعودُ بإجازتهما وصية الأجنبيِّ نصف الابن الموصى له، إلى ربع، وسدس وسدس الابن الآخر إلى نصف سدس، وهذا هو الوجه الثاني.
ولو أجاز الابنُ الذي لم يُوصَ له الوصيتين جميعاً، ولم يُجِزِ الموصَى له وصيَّة الأجنبيِّ؛ فالمسألة تصحُّ؛ من اثْنَيْ عَشَرَ للأجنبيِّ الثلث؛ أربعةٍ بلا إجازة، ويأخُذُ سهماً آخر من نصيب الذي أجاز، فيجتمع له خمسة، وللابن الموصَى له سبعة؛ ستةٌ منها بحُكْم الوصية، وواحدٌ؛ لأنَّه لم يُجِزْ وصيَّة الأجنبيِّ، هكذا حكاه الأستاذ عن ابن سُرَيْجٍ، وهو قياس الوجه الأوَّل.
وقياس [الوجه] 60 الثاني أن يأخذ الابنُ الموصَى له ستة أسهم، ويبقَى للابن
الجزء: 7 - الصفحة: 30
الآخر سهم، ولو لم يجز الابن الذي لم يُوصَ له وصية الأجنبي، فللموصى له خمسة، ثم على قياس الوجه الأول: لابن الموصَى له ستة، وللآخر سهم، وعلى قياس الثاني: للموصَى له خمسة، وللآخر سهمان.
ومنها: أوصَى لأجنبيٍّ بثلث ماله، ولأحدِ ابنيه الجائزين بالكل، وأجازا الوصيتين، فللأجنبيِّ الثلث كاملاً، والثلثان للابن الموصَى له، وليس له زحمة الأجنبيِّ في الثلث، فإن الوصية بالثلث للأجنبيِّ مستغنية عن الإجازة، وفيه احتمالٌ للمتأخِّرين، [وإن ردِّ] 61 فثلث الأجنبيِّ بحاله، ولا شيء للابن الموصَى له بالوصية، ولو أوصَى للأجنبي بالثلث، ولكل واحد من ابنيه بالثلث، فردَّا، لم يؤثِّر ردُّها في حق الأجنبيِّ، وفيه وجه؛ أنه ليس له إلا ثلثُ الثُّلُث بالشيوع.
ومنها: وقف داراً في مرض موته على ابنه الجائز، فإن أبطلنا الوصيَّة للوارث، فهو باطل، وإن اعتبرناها موقوفةً على الإجازة، فعن ابن الحَدَّاد؛ أنَّه [إذا احتملها] 62 ثلث ماله، لم يكن للوارث إبطالُ الوَقْف في شَيْء منها؛ لأنَّ تصرُّفَ المريض في ثُلُث المال نافذ، فهذا تمكَّن من قَطْع حقِّ الوارث [عن الثلث] بالكُلِّيَّة؛ فَلَأَنَّ يتمكَّن من وقْفِهِ عليه، وتعْليق حقِّ الغير به، كَانَ أَوْلَى، وإن زادَتْ على الثلث، لم يبْطُلِ الوقْفُ في قدر الثلث، وأما الزيادةُ، فليس للمريض تفويتُ مِلُكِها على الوارث.
وللوارِثِ الردُّ، والإبطال، فإن أجاز، فإجازته وقف منه على نفسه، إن جعلنا إجازة الوارثِ ابتداءَ عطيَّةٍ منه، وإِنْ جعلناها تنفيذاً منه، لزم الوقْفُ.
وفي "التتمة": أن القفَّال قال: له ردُّ الوقْف في الكل؛ لأن الوصيَّة بالثلث في حقِّ الوارث كَهِيَ بالزيادة في حقِّ غير الوارث؛ ألا ترى أنه لو أوصَى لأحد الوارِثَيْنِ بشَيْءٍ قليلٍ، كان للآخر الرد؟ فإن أجاز الابن فالحكْمُ في الكلِّ على الخلاف في كيفية الإجازة.
وأجاب الشيخ أبو عليٍّ عن هذا التوجيه بأنا إنَّما جوَّزنا لأحد الوارثَيْنِ إبطالَ الوصية على الثاني؛ لأنه بالوصية فَضَّلَه عليه، ونقص حقّ الذي لم يُوصَ له عن عطيَّة الله تعالَى، وهاهنا لا تفضيل.
والتفريعُ عَلَى جواز الوصيَّة للوارث في الجملة فلينفذ تصرفه في الثلث المستَحقِّ له، والنقل المشهورُ هو المَحْكِيُّ عن ابن الحدَّاد، وعليه تفريعُ الصور المذكورة مِنْ بَعْدُ، ثم ذكر الإمام أن المسألة مصوَّرة فيما إذا نجَّز الوقْف في مرض موته أما إذا كان
الجزء: 7 - الصفحة: 31
الابنُ طفلاً، فقبله له، ثم مات فحاول الابن الردَّ، والإجازة، لكنه لا حاجة إلَى هذا الفرض؛ لأنه، وإن كان بالغاً، وقبل بنفسه، لم يمتنع علَيْه الردَّ بعد الموت 63؛ إذ الإجازة المعتبرةُ هي الواقعة بعد الموت، ولو كان له ابنٌ، وبنتٌ، فوقف ثَلثَي الدار على الابْنِ، والثلث على البنْتِ، فلا ردَّ لهما، إن خرجت الدارُ من الثلث؛ لَأنه لم يُفَضِّلُ، ولم يغير عطيَّة الله تعالَى, وإن زادَتْ على الثلث، فلهما ردُّ الوقْف في الزيادة.
وإن وقَفَها عليهما نصفَيْن، والثلث يحتملها، فإنْ رَضِيَ الابْن، فهو كما لو وقف، وإلا، فظاهرُ جواب ابن الحدَّاد أن له رد الوقف في ربع الدار؛ لأنه لما وَقَف عليه النصف، كان من حقِّه أن يقف علَى البنت الرُّبُع، فإذا زاد، كان للابْنِ ردُّه، ثم لا يصير شيْءٌ منه وقفاً [عليه] فإنَّ الأب لم يقف عليه إلا النصف، بل يكون الربع المردُودُ بينهما أثلاثاً ملكاً، وتقع القسمة من اثنَيْ عَشَرَ؛ لحاجتهِ إلَى عدد لربعه ثلاثاً، فتسعةٌ منها وقْفٌ عليهما، وثلاثةٌ مِلْكٌ، وكلاهما بالأثلاث.
وقال الشيخ أبو عليٍّ: عندي ليْسَ للابْنِ إبطالُ الوَقْف إلاَّ في سُدُس الدار؛ لأنه إنَّما يحتاج إجازته فيما هو حَقُّه، وحقُّه منحصرٌ في ثلثي الدار، وقد وقف عليه النصف، فله استخلاصُ تمامِ حَقِّه، وهو السدُس، أما الثلث الآخر، فهو حقُّها، فلا معنَى لتسليطه على إبطالَ الوقْف فيه، نعم، يَتَخيَّر هي، إن شاءت، أجازت، فيكون كلُّه وقَفَها عليها، وإن شاءت، ردَّت الوقْف في نصف سدس الدار، وحينئذ فتكون القسمةُ عَلَى ما سبق، والنسبة بين وقْفِها وملكها، كالنسبة بين وقفه 64 وملكه.
ولو وقف الدارَ عَلَى ابنه، وزوجته نصْفَيْن، ولا وارث له سواهما.
قال ابن الحدَّاد؛ قد نقَصَ المريضَ عن حقِّ الابن ثلاثة أثمان الدار [وهي ثلاثة أسباع حقه؛ لأن سبعة أثمان الدار] 65 له ولم يقف عليه إلاَّ أربعة أثمانها، وهي أربعة
الجزء: 7 - الصفحة: 32
أسباع حقِّه، فله ردَّ الوقف في حقِّها من الدار، وهو الثمن إلى أربعة أسباعه؛ ليكون الوقْفُ عليها من نصيبها، كالوقف عليه من نصيبه، فيكون الباقي بينهما أثماناً ملكاً، فتكون القسمةُ من ستة وخمسين؛ لحاجتنا إلى عدد لثمنه سبع؛ فيكون أربعةَ أسباعِ الدار كلّها، وهي اثنان وثلاثونَ وقفاً؛ ثمانية وعشرون منْها وقْفٌ على الابن، وأربعةٌ على الزوجة، والباقِي، وهو أربعة وعشرون، ملكاً بينهما: منها أحدٌ وعشرون للابْنِ، وثلاثةٌ للزوجة.
وقال الشيخ أبو عليٍّ ليس له ردُّ الوقف إلاَّ في قيمة حقِّه، وهو ثلاثة أثمان الدار، وأما الثمن، فالخيار فيه للزوجة ولو وقف ثُلُثَ الدار على ابنه، وثلثيها على أمه، ولا وارث له سواهما، فالجوابُ على قياس ابْنِ الحدَّاد؛ أنَّه نقص من نصيب الأب ثلث الدار لأنَّه يستحق ثلثيها, ولم يقف عليه إلاَّ الثلث، وذلك نصف نصيبه 66، فله ردُّ الوقف في نصف نصيبها، وهو سدُسُ الدار، والباقي بينهما أثلاثاً ملكاً، وتقع القسمة من ستة؛ لأنَّا نحتاج إلَى عدد لثلثه نصْف، فيكونُ نصف الدار وقفاً ونصفها ملكاً أثلاثاً وعلَى قياس الشَّيْخ: لا يُرَدُّ الوقف إلا في تَتِمَّة نصيبه، وهو الثلث ولها الخيارُ في السدس.
والله أعْلَم.
ولفظ ابن الحدَّاد في "المولدات" في هذا الباب يُمْكِنُ تنزيلُه عَلَى ما ذكره الشيْخُ؛ فيرتفع الخلافُ، لكنه يُحْوِج إلَى ضرب تعسُّفٍ.
فرْعٌ: الوصيَّة للميت باطلة، سواءٌ علم الموصِي بموته 67 أو لم يَعْلَم؛ لأن الوصيَّة تمليك، ولا يمكن تمليك الميت.
وقال مالك -رحمه الله- إن عَلِمَ موته، صحَّت الوصية، وكان الموصَى به من تركَتِهِ، وفي لفظ الكتاب في أوَّل الركْنِ الثانِي حيث قال: "وهو كُلُّ من يُتصوَّر له المِلْك" ما ينبه على هذا الفرع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ في المُوصَى بِهِ وَتَصِحُّ الوَصِيَّةُ بِكُلِّ مَقْصُوب يَقْبَلُ النَّقْلَ بِشَرْطِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَونُهُ مَوْجُودَاً أَوْ عَيْناً إِذْ يَصِحُّ بالحَمْلِ، وَثَمَرَةِ البُسْتَانِ وَالمَنْفَعَةِ، وَلاَ كَوْنُهُ مَعْلُومَاً وَمَقْدُوراً عَلَيْهِ إِذْ يَصِحُّ بِالحَمْلِ وَالمَغْصُوبِ
الجزء: 7 - الصفحة: 33
وَالمَجَاهِيلِ، وَلاَ كَوْنُهُ مُعَيَّنَاً (و) إِذْ تَصِحُّ بِأحَدِ العَبْدَيْنِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدِ الشَّخْصَينِ عَلَى الأَظْهَرِ فَرْقَاً بَيْنَ المُوصَى لَهُ وَالمُوصَى بِهِ، وَلاَ كَوْنُهُ مَالاً إِذْ يَصِحُّ بِالكَلْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ وَجِلْدِ المَيْتَةِ وَالزِّبْلِ وَالخَمْرَةِ المُحْتَرَمَةِ وَكُلِّ مَا يَنْتَقِلُ إِلَى الوَارِثِ، إِلاَّ القَصَاصَ وَحَدَّ القَذْفِ فَإنَّهُ لاَ أَرَبَ فِيهِ للمُوصَى لَهُ بِخِلاَفِ الوَارِثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نورِدُ فقْهَ مسائل الفَصْل، ثم نعودُ إلَى ما يتعلَّق بالضَّبْطِ.
فِمَنَ المسائل الوصيَّةُ بالحمل، وهِيَ إما أن يكون بالحَمْل الموجودِ في الحال، أو بالحَمْل الذي سيحدث، فإن كانت 68 بالحمل الموجود في الحال، فإنْ أطلق، قال: أوصَيتُ بحَمْلِ فلانةٍ، أو قيَّد؛ فقال: بحَمْلِها الموجُودِ في الحال؛ فهي جائزةٌ، كما يجوز إعتاقُ الحمل، ثم الشرط، أن ينفصل لوَقْتٍ يعلم وجودَهُ عند الوصية، وأن ينفصل حيّاً عَلَى ما سبق في الوصية للحَمْل.
نعم، لو انفصل ميِّتاً مضموناً بجنايةِ جانٍ، فقد ذُكِرَ أن الوصيَّة لا تَبْطُلُ، وتَنْفذُ مِنَ الضَّمَان؛ لأنه انفصل متقوَّماً، بخلاف ما إذا أوصَى لحمل، وانفصل ميِّتاً بجناية جانٍ، حيث تَبْطُل الوصية علَى ما سبق؛ لأنَّ المعتبر هناك المالكية 69، وهل يصح قبول الموصَى له قبل الوَضْع؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ عَلَى أن الحملِ، هل يُعْرَفُ؟ وإن كانت الوصية بالحمل الَّذِي سيكُونُ، فوجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن أبي حنيفة: أنها باطلةٌ؛ بناءً على أن الاعتبار بحال الوصيَّة، ولا ملك يومئذ، بل لا وجود، والتصرُّف يستدْعِي مُتصرِّفاً فيه.
وأصحهما: الصحَّة، كما تصحُّ الوصية بالمنافع؛ وهذا لأنَّ الوصيَّةَ إنَّما جوزت؛ وفقاً بالناس، وكذلك احْتمِلَ فيها وجُود الغرر، فكما تَصحُّ بالمجهول، تصح بالمعْدُوم.
ومنْها: الوصيةُ بثمار البُسْتَان الحاصلةِ في الحَال، صحيحةٌ، وبالتي ستحدث طريقان:
أظهرهما: أنها علَى الوجْهَيْن في الحَمْل الذي سيحْدُث.
والثاني: القطْعُ بالصحة، كالوصية بالمنافع؛ لأنها تحْدُث من غَيْر إحداثِ أمْرٍ في أصْلِهَا، والولد لا يحْدُثُ إلا بإحداث أمر في أصله، ولهذا تجوز المساقاةُ على الثمار التي ستحْدُث، ولا تجوزُ المعاملةُ على النتاج الذي سيحْدُث والوصيةُ بصُوف الشاة ولبنها، كالوصيةُ بالثمار.
ومنْها: الوصية بمنافع الدار، والعبد، صحيحةٌ؛ لأن المنافع أموالٌ مقابلة بالعوض، فأشبهت الأعيان، وتصحُّ الوصية بها مؤبدة، ومؤقَّتة، والإطلاق يقتضي
الجزء: 7 - الصفحة: 34
التأبيد.
ومنها: الوصيةُ بما لا قدْرَةَ عَلَى تسليمه، كالمغصوب، والآبِقِ، والطَّيْرِ المنفلِتِ، صحيحةٌ، وكذا الوصية بالمجهول، مثل أن يقول: أعطوه ثوباً، أو عبداً؛ لأن الله تعالَى أعطانا ثُلُث أمْوَالِنَا في آخر أعمارنا، وقد يشبه علينا قدْرُ الثلث، إمَّا لكثرة المال، أو غيبته، فدعت الحاجة إلى تجويز الوصيَّة بالمجهول.
ومنها: لو أوصَى بأحد العبْدَيْنِ، صحَّت الوصية؛ لأنَّها محتملةٌ للجهالة، فلا يقدح الإبهام، ولو أوصَى لأحد الشخصين، فأحد الوجهين أن الجواب كذلك.
وأظهرهما: المنعُ كما في سائر التمليكات، وقد يُحْتَمَلُ في الموصَى به ما لا يُحْتَمَلُ في الموصَى له، ولذلك كان الأظهرُ في الوصية بحَمْل كُوِّنَ 70 الجواز، وفي الوصية يحمل سيكون المنع؛ لأنَّ الإبهام في الموصَى له، إنَّما يُمْنَعُ إذا قال: أوصيتُ لأحدِ الرجلين، أما إذا قال: أعْطُوا هذا العبدَ أحدَ الرجلين، ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه جائز؛ تشبيهاً بما إذا قال لوكيله: بعْهُ من أحد الرجلين، وإذا أبْهَمَ الموصَى به، عيَّنه الوارث وإن أبْهَمَ الموصَى له، وجوَّزناه، فحكمه مذكورٌ في الكتاب من بعد.
ومنها: الوصيةُ بما يحلُّ الانتفاع به من النجاسات، كالكلب المُعلَّم والزيت النجِس، والزِّبْل، وجِلْدِ الميتة، والخَمْر المحترمة صحيحة لثبوت الاختصاص فيها، وانتقالها من يَدٍ إلَى يدٍ بالإرث، وغيره، قال في "التتمة": ومن هذا القبيل شَحْمُ الميتة، لدهن السفن، ولحمُها إذا جوزنا الانتفاع به؛ وفي الجرو الذي يقع الانتفاع به وجهان؛ بناءً على أنه، هل يجُوز إمْسَاكُه، وترتيبُه، لما يتوقع في المُسْتَقْبَلِ.
والأظهر الجواز وأمَّا ما لا يحل اقتناؤه، والانتفاعُ به؛ كالخَمْرُ، والخِنْزير والكلب العَقُور فلا يجوز الوصيَّة 71 به، ونقل الحناطيًّ وجهاً أنه يجوز الوصيَّة بالكَلْب الذي لا
الجزء: 7 - الصفحة: 35
يجُوز اقتناؤه أيضاً، وقولاً: أنه لا يجوز الوصيَّةُ بالمقتَنى المنتفع به من الكِلاَب، كما لا تجوز هبته علَى رأي، وهما غريبان.
وتصحُّ الوصية بنُجُوم الكتابة؛ وإن لم تكنْ مستقرَّةَ، فإنْ عجز، فلا شَيْء للموصَى له، وتصحُّ برقبة المكاتَب، إن جوَّزنا بيعه، وإلا، فقد قال في "التتمة": هي كما لو أوصَى بمال الغير، فإذا أَوصى بمال الغير؛ فقال: أوصيتُ بهذا العبد، وهو ملك لغيره أو بهذا العَبْد، إن ملكته، فوجهان:
أحدهما: أنَّها صحيحةٌ؛ لأنَّ الوصيَّةَ بغير الموجُود جائزةٌ، فغير المملوك أَوْلَى.
والثاني: المنعُ؛ لأنَّ مالكهُ يتمكن من التصرُّف بالوصية، والشيء الواحدُ لا يجُوزُ أن يكون محلاً لِتصرُّف شخْصَيْنِ، وبهذا أجاب صاحبُ الكتابِ في "الوسيط" 72.
والوصيَّة بالأصنام، والسلاح للذميِّ، والحربيِّ، وبالعبدِ المُسْلِم، والمَصَاحِفِ للكافر، بمثابة بَيْعها 73، هذه مسائل الفَصْل وما يتعلَّق بها.
وأما ضبط الموصَى به، فصاحب الكتاب -رحمه الله- اعتبر فيه ثلاث أُمور:
أحدها: أن يكون مقصوداً، فَيَخْرُج عنه ما لا يُقْصَدُ 74، ويلتحقُ به ما يَحْرُم اقتناؤه، والانتفاع به، والمنفعة المحرمة كالمعْدُومة.
والثاني: أن تقبل النقل من شخص إلى شخص، فما لا يمكن نقلُه لا تصحُّ الوصية به، ويخرج بهذا القيد القصاصُ، وحدُّ القذف 75؛ فإنهما إنِ انتقلا بالإرْث، لا يتمكن مستحقهما من نقلهما إلَى غيره، فلا جرم، لا تجوز الوصيةُ بهما؛ والسبب أن القِصَاص، وحدَّ القذف شُرِعَا للمنتقم المستشْفِي باستيفائهما, وليس الموصَى له في ذلك كالوارث.
وكذلك لا تجوز الوصيَّة بالحقوق التابعة للأموال، كالخيار، وحقِّ الشُّفعة، إنْ لم تبْطُلْ بالتأخير لتأجيل الثمن.
والثالث: ألاَّ يزيد على الثُّلُثِ، على ما سيأتي.
الجزء: 7 - الصفحة: 36
ونزيد أمراً رابعاً وهو اختصاصه بالموصِي، إذا قلْنا: لا تجوزُ الوصية بمال الغير.
وقوله: "ولا يُشْتَرَطُ كونُه موجوداً، أو عيناً إذ تَصحُّ بالحمل، وثمرة البستان" أراد به العمل الذي سيُوجَد، والثمرة التي ستَحْدُث، وأجاب فيهما بالأظهر، ويجوز أن يُعْلَمَ بالواو؛ لما فيهما من الخلافِ، وشرط في "الوسيط" أن يكون الموصَى به موجوداً، وذلك إمَّا أن يحمل عَلَى ما إذا اقتضى اللفظ الوجودَ عند الوصية، كما إذا قال: أوصيتُ لك بحَمْلِ فلانةٍ، ولم يصرِّحْ بالحمل المستقبل، أو يُقَال: إنه جوابٌ على أنه لا تصحُّ الوصية بالحَمْل الذي سيُوجَدُ على خلاف الجواب هاهُنَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أوصى بِكَلْبٍ وَلاَ كَلْبَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ شِراءَهُ مُتَعَذِّرٌ، وَإِنْ كَانَ كِلاَبٌ لَهُ لاَ مَالَ لَهُ سِوَاهَا فَوَجْهُ اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلثُ تَقْدِيرُ القِيمَةِ (و) لَهَا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِعَدَدِ الْرُؤُوسْ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ بِتَقْوِيمِ المَنْفَعَةِ، وَكِلاَ الوَجْهَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فِيمَنْ لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ كَلْباً وَطَبْلَ لَهْوَ وَزِقَّ خَمْرٍ وَأَوْصَى بِوَاحِدٍ مِنْهِا، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ نَفَذَ وَإِنْ قَلَّ المَالُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ ضِعْفِ الكَلْبِ الَّذِي لاَ قِيمَةَ لَهُ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ كَأَنَّهُ لاَ مَالَ لَهُ وَيُرَدُّ إلَى ثُلُثِ الْكِلاَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ فرعان متعلِّقان بالوصيَّة بالكلب:
أحدهما: إذا قال: أعطوه كلباً من كِلابي؛ وله كلابٌ يحل الانتفاع بها من كلْبِ صيدٍ، وزرعٍ، وماشيةٍ، أُعْطِيَ واحداً منها 76.
ولو قال: كلباً من مالي، فكذلك، وإن لم يكن الكلب مالاً؛ لأن المنتفع به من
الجزء: 7 - الصفحة: 37
الكلابِ مما يقتني وتعتوره الأيدي كالأموال، فقد يُسْتَعَار له اسْم المال.
ولو قال: أعطوه كلباً من كلابي، أو من مالي، ولَيْس له كلْبٌ يُنْتَفَعُ به، بطَلَتِ الوصيَّة، بخلاف ما إذا قال: أعطُوه عبداً من مالي، حيث يُشْتَرَى العبدُ، والكَلْب يتعذر شراؤه 77. ويمكن أن يُقَال: لو تبرَّع متبرِّع، وأراد تنفيذ وصيته من عنده، يجوز كما لو تبرَّع بقضاء دينه.
والثاني: من لا مال له، وله كلْبٌ، فأوصى به، لم تَنْفُذِ الوصية، إلاَّ في الثلث؛ لأنه شيء منتفع به؛ فلم يكن له تفويتُ جميعه على الورثة كالأموال وإن أوصَى ببعضه، أو كان له كلابٌ، فأوصى ببعضها، ففي "أمالي" أبي الفرج الزاز وجّهٌ: أنه لا يُعْتَبَرُ خروجُ الموصَى به من الثلث؛ لأنها غير متقومة، ويكفي أن يَتْرُكَ شيئاً للورثة، وإن قلّ والمشهور اعتباره كما في الأموال، وعلى هذا؛ فإن لم يكن إلاَّ كلْبٌ واحدٌ، لم يخْفَ اعتبار الثلث منه.
وإن كان له كلاب، ففي كيفيته وجوه:
أحدها: وبه قال صاحب "التلخيص": أنه يُنظر إلى قيمتها بتقدير المالية فيها، كما يُقدَّر الرِّقُّ في الحُرِّ عند الحاجة، وتنفذ الوصيَّة في الثلث بالقيمة.
والثاني: أنَّه يُنْظَرُ إلى عدد الرؤوس وتنفذ الوصيةُ من ثلاثة 78 في واحد، وكلام الناقلين يشعر بترجيح هذا الوجّه، ومنهم من لا يَذْكُر غيره.
والثالث: أنَّه تُقوَّم منافعها؛ لأنه لا مالية للدوابِّ، ويؤخذ الثلث من قيمة المنافع، ومن لم يملك إلاَّ كلباً، وطَبْلَ لَهْو، وزقَّ خَمْرٍ محترمة، فأوصَى بواحد منها، وأردْنا اعتبار الثلث، لم يجز الوجه الثاني، ولا الثالث 79؛ لأنه لا تناسب بين الرؤوس، ولا بين المنافع؛ فتعيَّن اعتبار القيمة.
فإذا إذا لم يكن للموصِي بالكلْب مالٌ، أما إذا كان له
الجزء: 7 - الصفحة: 38
مال، وكلاب، فأوصَى بجميعها، أو بعضها، ففيه وجهانِ مذكُوران في الكتاب.
ووجه ثالث:
أظهرهما: نفوذُ الوصية، وإن كثرت وقلَّ المال؛ لأنَّ المعتبر أن يبقَى للورثة ضعْفُ الموصَى به، والمالُ، وإن قلَّ خيرٌ من ضِعْف الكلب الذي لا قيمة له، ويُحْكَى هذا عن أبي علي بن أبي هريرةَ والطَّبَرِيِّ والشيخ.
والثاني: وبه قال الإِصطخريُّ: أن الكلاب ليست من جنس الأموال، فيقدَّر كأنه لا مال له، وتَنْفُذُ الوصيَّةُ في ثلث الكلاب، على ما مر وهذا كما أن الوصية بالمال، والصورة هذه، تُعْتَبَرُ من ثلث المال، وتقدر كأنه لا كلاب له.
والثالث: أنَّه تُقوَّم الكلاب، أو منافِعُها على اختلاف الوجهَيْن السابقَيْن، ويُضَمُّ إلى ماله من المال، وتَنْفُذُ الوصيةُ في ثلث الكُلّ لمن له أعيان، ومنافع أوصَى له بها، فإن ثلثه يُعْتَبَرُ من الأعيان والمنافع جميعاً.
ولو أوصَى بثلث ماله لرجل، وبالكلاب لآخَرَ؛ فعلَى قول الإصطخريِّ يُعَتَبَرُ ثلث الكلاب وحْدها، وأَما على الوجه الأوَّل، فَعن القاضي أبي الطيب: أنه تنفُذُ الوصيَّة بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقْى للورثة خيْرٌ من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ؛ لأنَّ ما يأخذه الورثة من الثلثَيْنِ هو حصَّتُهم بحسب ما نفَذَتِ الوصية فيه، وهو الثلث، فلا يجوز أن يُحْسَبَ عليه مرَّة أخرى [كما] 80 في الوصية بالكلاب، فعلَى هذا يلتقي 81 الوجهان، وقياسُ الوجه الثالث، أن تُضَمَّ قيمة الكلاب، أو منافِعِهَا إلى المال، ويَدْخُلُ المالُ في حساب الوصيَّة بالكلاب، [وإن لم تدخل الكلابُ في حساب الوصيَّة بالمال.
وقوله في الكتاب] 82 ولا مال له سواها، وكذا "فإن كان له مال سواها" فيه تساهل؛ لأنها ليست بمال؛ حتى يُستثنى، والحمل فيه على مثل ما ذكرنا في قول المُوصِي بكَلْبٍ من مالي.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا أوْصَى بِطَبْلِ لَهْوٍ فَسَدَتْ إِلاَّ إِذَا قَبِلَ الإِصْلاحَ لِحَرْبِ مَعَ بَقَاءِ اسْم الطَّبْلِ، وَإِنْ كَانَ رُضَاضُهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عُودٍ فَيَكُونُ هُوَ المَقْصُودَ فَيُنَزَّلُ عَلَيْهِ (و) فَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِرُضَاضِهِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 39
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسم الطبل يقع على طَبْلِ الحرب، الذي يُضْرَبُ للتهويل، وعلَى طبل الحجيج والقوافل، الذي يضرب لإعلام النزول، والارتحال، وعلى طبل العطَّارِين، وهو سَفَط 83 لهم، وعلى طبل اللَّهو، وقد فُسِّر بالكوبة التي يضرب بها المخنَّثُون، وسطُها ضيِّقٌ، وطرفاها واسعان، وهي من الملاهي، ولعل التمثيل بها أولَى من التفسير.
فإنْ أطلق الوصيَّةَ بالطبل، فقد ذكره في الباب الثاني، وإن عيَّنَ ما سِوَى طبل اللهو، صحَّ؛ وإن عين طبل اللهو، نُظِرَ؛ إن صَلُحَ للحرب أو للحجيج، أو منفعة مباحة، إما على الهيئة التي هو عليها, أو بعد التغيير الذي يَبْقَى معه اسم الطبل، فالوصية صحيحةٌ أيضاً، وإلاَّ، فهي غير صحيحة، ولا نَظَر إلى المنافع المتوقعة بعد زوال اسم الطبل؛ لأنه إنما أوصى بالطبل، هذا ما أورده عامة الأصحَابِ في المسألة وذكر الإمام، وصاحب الكتاب؛ أنه إذا لم يصلُحُ لغرض مباحٍ مع بقاء اسم الطَّبْل، وكان لا يَنتَفعُ إلا برضَاضِهِ لم تصحَّ الوصية؛ لأنَّه لا يقصد منه الرضاضُ، إلاَّ إذا كان من شيْءٍ نفيس كذهب، أو عُودٍ، فتنزل الوصيةُ عليه، وكأنه أوصَى برضاضه، إذا كسر، والوصيَّة قابلة للتعليق.
واعلم أن في بيع الملاهِي التي يُعَدُّ رضاضها مالاً ثلاثةَ أوجُهٍ، بيناها في "كتاب البيع".
ثالثُها: الفرق بين أن تكون متَّخَذَةُ من جوهر نفيس، أو من غيره، فإن اكتفينا بمالية الرُّضَاض لصحَّةِ البيع في الحال، فكذلك في الوصيَّة.
إذ هي أولَى بالصحة، وإلاَّ فكذلك في الوصيَّة، [فإنَّ] 84 ما ذكره عامة الأصحاب [مع ما ذكراه وجهان في المسألة وكما أطلق عامة الأصحاب] 85 المنع في اِلبيع فكذلك منعوا الوصية، والإمام، وصاحب الكتاب اختارا صحة البَيْع، إذا كانت مُتَّخَذةً من جواهِرَ نفيسةٍ، وبمثله أجابا في الوصيَّة.
وليعلم لذلك قولُه: "فينزل عليه" والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وُيُشْتَرطُ أَلاَّ يَكُونَ المُوصَى بهِ زَائِداً عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ المَوْجُودِ عِنْدَ المَوْتِ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسَعْدِ بنِ أَبىِ وَقَّاصِ "والثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَكُلُّ تَبَرُّعٍ فِي مَرَضِ المَوْتِ فَهُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ مُنَجَّزاً، وَكَذَا إِذَا وَهَبَ في الصِّحَّةِ ثمَّ أَقْبَضَ فِي المَرَضِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 40
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن الموصَى به لا ينبغي أن يزيدَ عَلَى ثلث المال؛ لحديث سَعْدٍ -رضي الله عنه- بل الأحسن أن ينقص من الثلث؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- "والثُّلُثُ كَثِيرٌ 86 وعن عليٌّ -كرم الله وجهه- أنه قال: "لأنْ أُوصِيَ بالخُمُسِ أحَبُّ إِلَيّ من أن أُوصيَ بِالرُّبُعِ، وَلَأنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ 87 فمن أوصى بالثلث لم يترك وقيل إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث 88 وإلا نقص، وبأي يوم يُعْتَبَرُ المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيوم الوصية، كما لو نذر التصدق بثلثِ ماله، ينظر إلى يوم النذر.
وأصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب أن الاعتبار بيَوْم الموت؛ لأنَّ الوصيةِ تمليكٌ بعد الموت، وحينئذ يلزم، فعلَى هذا؛ لو زاد ماله بعد الوصيةُ تعلَّقت الوصيةُ به [وكذا لو هلك ثم كسب مالاً تعلقت به ولو أوصى بعشرة ولا مال له ثم استفاد مالاً تعلقت الوصية به] 89 وعلَى الأول كلُّ ذلك بخلافه.
ومنْهم مَنْ جعل الاعتبارَ في القَدْر بيوم المَوْت جزماً، وخصَّص الخلاف بما إذا لم يملك شيئاً أصلاً، ثم ملكه 90.
ثم الثلثُ الذي تُنَفَّذُ فيه الوصيةُ هو الثلثُ الفاضل عن الدُّيون، والديونُ مقدَّمةٌ على الوصايا؛ لما رُوِيَ عن عليٍّ -كرم الله وجهه- أنه قضَى بالدَّيْنِ قَبْلَ التَّرِكَةِ 91، وأيْضاً فالدُّيُون مقدَّمة على حق الورثة، فأولَى أن تقدم على حقِّ الموصَى له؛ لأنه أضعف.
فلو كان عليه دَيْنٌ مستغرِقٌ، لم تنفذ الوصيةُ في شيء، نعم، يُحْكَمُ بانعقادِهَا في الأصْل حتَّى ينفذها, لو تبرَّع متبرِّعٌ بقضاء الدَّين، أو أبرأ 92 المستحِقَّ.
الجزء: 7 - الصفحة: 41
وقوله في الكتاب "ويُشْتَرَطُ ألاَّ يكون الموصَى به زائداً علىَ ثُلُث المال" أي يشترط هذا في لزومِ الوَصيَّة، وأما أصل الصحَّة فيبنى على أن إجازة الورثة ابتداءُ وعطية منهم، أو تنفيذٌ، وقَد مرَّ.
وكما أن التبرُّعات المعلَّقةَ بالمَوْت، وهي الوصَايَا، معتبرةٌ من الثلث، سواء أوصَى به في الصحَّة، أو في المَرَض؛ فكذلك التبرُّعات المُنَجَّزَة في مرض الموت، تُعْتَبَرُ من الثلث، وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ اللهَ أعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ في آخِرِ أَعْمَارِكُمْ 93 ما يشعر به، وإذا وهب في الصحَّة، ثمَّ أقبض في المَرض، كان كما لو وهب في المرض؛ لأن تمام الهبة بالقبض، وحديث أبي بكر وعائشة -رضي الله عنهما- فيه مشهورٌ 94.
إذا عُرِفَ ذلك، فهذه [القاعدة] 95 يحتاج فيها إلى معرفة ثلاثةِ فُصُول: أن المرض المَخُوف، ماذا؟ وأن التبرُّعاتِ، والتصرُّفاتِ المحْسُوبَة من الثلث، ما هي؟ وأنها كيف تُحْسَبُ منه، إذا تكرَّرت وتعدَّدت؟ وصاحبُ الكتاب أوْرَدَ هذه الفصُولَ في معرض الأسْئلة والأجْوِبَةِ، [والله أعلم].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإنْ قِيلَ): وَمَا المَرَضُ المُخَوِفُ؟ (قُلْنَا): كُلُّ ما يَسْتَعِدُّ (ح) الإنْسَان بِسَبَبِهِ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ كَالقُولَنْجِ، وَذَاتِ الجَنْبِ، وَالرِّعَافِ الدَّائِمِ، وَالإِسْهَالِ المُتَواِترِ مَعَ قِيَامِ الدَّمِ، وَالسُّلِّ في انْتِهَائِهِ (و)، وَالفَالَجِ في ابْتِدَائِهِ، وَالحُمَّى المُطْبِقَةِ، أَمَّا ابْتِدَاءُ السُّلِّ وَآخِرُ الفَالَجِ وَالجَرَبُ وَوَجَعُ الضِّرْسِ وَحُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَينِ فَلَيْسَ بِمُخَوفٍ، وَمَهْمَا أَشْكَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ فِيهِ بِقَوْلِ مُسْلِمَيْنِ طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَخُوفاً حَجَرْنَا عَلَيْهِ في التَّبَرُّعَاتِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ سَلِمَ تَبَيَنَّا الصِّحَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفاً لَمْ نَحْجُرْ، فإِنْ مَاتَ مَوْتاً قِيلَ إِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ وَكُنَّا لاَ نَظُنُّهُ مَخُوفاً تَبَيَّنَ البُطْلاَنُ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الفَجْأَةِ فلاَ، وَمَهْمَا الْتَحَمَتِ الفِرْقَتَانِ في القِتَالِ، أَوْ تُمَوَّجَ البَحْرُ، أَوْ وَقَعَ فِي أَسْرِ كُفَّارِ عَادَتُهُمُ القَتْلُ، أَوْ قُدِّمَ لِلقَتْلِ في الزِّنَا، أَوْ ظَهَرَ الطَّاعُونُ فِي البَلَدِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِبَدَنِهِ فَفِي هَذِهِ الأَحْوَالِ وَالْتِحَاقِهَا بِالمَرَضِ المَخُوفِ قَوْلاَنِ (و)، وَإِنْ قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ فَالنَّصُّ أَنَّهُ قَبْلَ الجَرْحِ غَيْرُ مُخَوِفٍ، وَقِيلَ: هُوَ كَالأَسِيرِ، وَالحَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَهَا الطَّلْقُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ، فَإذَا ضَرَبَهَا فَهُوَ مَخُوفٌ، وَقِيلَ: إِنَّ السَّلاَمَةَ مُنْهُ أَغْلَبُ فَلَيسَ بِمَخُوفٍ.
الجزء: 7 - الصفحة: 42
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفَصَلِ بَيَانُ المَرَضِ 96 المَخَوْفِ، والأَحْوَالِ التي هِيَ في معناه، وبيان الطريق إلَى معرفته عنْد الإشكال، وبيان ما يحكم به للمخوف، وغير المخوف، فهذه ثلاثة أمور:
أمَّا الأوَّل: فما بالإنسان من مرض وعلَّة.
إمَّا أن ينتهيَ إلَى حالةٍ يُقْطَعُ فِيها بمَوْتِهِ منه عاجلاً؛ وذلك بأن يشْخَصَ بَصَرَهُ عند النَّزْع، وتبلغ الروحُ الحنجرة، أو يُقْطَعَ حلقُومُه، ومريئه، أو يُشَقَّ بطنُهُ وتَخْرُجَ حشوته.
قال الشيخ أبو حامد: أو يغرق في الماء، ويغْمُرَه، وهو لا يحسنُ السباحة، فلا اعتبار بكلامه في الوصيَّة وغيرها، حتى لا يصحَّ إسلام الكافر وتَوْبَة الفاسق، والحالةُ هذه؛ لأنه قد صار في حَيِّز الأموات، وحركَتُهُ كحركة المذبوح 97. وإما ألاَّ ينتهي إليها، فأما أن يُخَاف منه الموتُ عاجلاً، وهو المخُوفُ الذي يقتضي الحَجْر في التبرعات، أو لا يكون كذلك، فحكمه حكم حالة الصحة، وتكلَّم الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- في أمراضٍ خاصَّةٍ مخوفةٍ، وغير مُخوفَةٍ.
فمن الأمراض المُخوفَةِ القُولَنْجُ 98 وهو أن تنعقد إخلاط الطعام في بعض الأمعاء؛
الجزء: 7 - الصفحة: 43
فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ؛ فيؤدي إلى الهلاك.
ومنْها: ذات الجنب؛ وهي قُروحٌ تحْدُث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم ينفتح في الجنب ويسكن الوجع، وذلك وقْت الهلاك، وكذلك وجع الخَاصِرة 99.
ومنها الرّعَاف الدائم؛ لأنه نزف الدم، ويسقط القُوَّة، وابتداؤه ليس بمخوف.
ومنها: الإِسهال، إن كان متواتراً، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه ينشِّفُ رطوباتِ البَدَن، وإن كان يوماً، أو يومَيْنِ، ولم يدم، فليس بمخُوفٍ، إلاَّ إذا انضمَّ إليه أحد أمور:
الأوَّل: أن ينخرق البطْنُ؛ فلا يمكنه الإمساك، ويخرج الطَّعَامُ غير مستَحِيلٍ.
والثاني: أنْ يكُونَ معه زحير وهو أن يخرج بشدة ووجع؛ أو تقطيع، وهو أن يخرج كذلك، ويكون مقطعاً، وقد يُتوهَّم انفصالُ شَيْء كثير، فإذا نُظِرَ، كان قليلاً.
والثالث: أن يُعْجِلَهُ، ويمنعه النَّوْم.
والرابع: إذا كان معه دَمٌ، نقل المُزَنِيُّ أنَّه ليس بمَخُوف، وفي "الأمِّ": أنه كان يوماً، أو يومَيْن، ولا يأتي معه الدم، لا يكون مخوفاً، وهذا يُشْعِر بالتقييد بما إِذا لم يكن [معه] 100 دمٌ؛ فمن الأصحاب من قال: سها المزني وخروجُ الدم مَخُوفُ: لأنه يُسْقِط القوة، وإِلى هذا ذهب المسعوديُّ، وأَوَّلَ الأكثرون، فحَمَلُوا ما رواه المُزَنِيُّ عَلَى دم يَحْدُث من المخْرَجِ من البواسير ونحوه، وما رواه الربيع على دم الكَبِد وسائر الأعضاء الشريفة، فإذا مخوفٌ، وذلك غير مخوفٍ.
ومنها: السِّلُّ 101: هو داء يصيبُ الرئة، ويأخذ البدن منه في النقصان والاصفرار،
الجزء: 7 - الصفحة: 44
وقد أَطْلَقَ في "المختصر" أنه ليس بمخوف، وبهذا الإطلاق أخذ آخذون، حتى صرح أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ بأنه ليس بمخوف، لا في أوله، ولا في آخره، ووجَّهوه بأن السُّلَّ، وإن لم يسلم منه صاحبُه غالباً، فإنه لا يخشى منه الموت عاجلاً، فيكون بمثابة الشيخوخة والهرم.
وحكَى الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ [وصاحب الكتاب] 102 أن السُّلَّ في انتهائه مخُوفٌ، وفي ابتدائه ليس بمخوف.
وكان سببه أنه أن تتطاول مدته، فابتداؤه لا يخَافُ الموْتُ منْه عاجلاً، فإذا انتهى، خِيفَ، لكنَّ هذا المعنَى يقتضى أن يكون آخر الفَالِجَ مخوفاً أيضاً، وعكس البغوي في "التهذيب"؛ فقال: ابتداؤُه مخوفٌ، فإذا استمرَّ، فليس بمخوف؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه إذا دام لا يقتل عاجلاً، ويبقى مدة، فهو كالهرم، وهذا كما سنذكره في الفَالَجِ، فحَصَلَتْ، فيه ثلاثة مذاهب كما تَرَى.
وأشبهها بأصل المذهب: الأول.
ومنها: الدِّقُّ مخوف؛ وهو داءٌ يصيبُ القَلْب، ولا تمتد معه الحياةُ غالباً.
ومنها: الفالَجُ 103؛ وسببه غلبةُ الرُّطُوبة، والبلغم، وابتداؤه مَخُوف؛ لأنه إذا هاج رُبَّما أطفا الحرارة الغريزية، وأهلك، فإذا استمر لم يُخَفْ منه الموتُ عاجلاً، فلا يكون مخوفاً، وفيه وجه: أنه إذا استمر مع ارتعاش، لم يكُنْ مخوفاً؛ وإلاَّ فهو مخوف.
ومنها: الحمَّى الشديدةُ؛ وهي ضَرْبَانِ: مطبقة، وغير مطبقة.
فالمُطْبِقَةُ: هي اللازمة التي لا تبرح، فإن كانت حمَّى يوم أو يومَيْن، لم تكن مخوفاً، وإن زادَتْ، صارت مخوفة، وفيه وجه آخر أن الحمَّى من أول حدوثها مخوفة، وهذا الخلاف فيما نقل أبو الحسن العباديُّ، وغيره ناشئ من الاختلاف في قراءة لفظ = الشيرازي وصاحب الكتاب أن السل في انتهائه مخوف، وفي ابتدائه غير مخوف، ثم قال وعكس البغوي -رحمه الله- في التهذيب فقال، ابتداؤه مخوف فإذا استمر فليس بمخوف ثم قال: وأشبههما بأصل المذهب الأول يعني قول الحناطي تبعاً لإطلاق المختصرأنه ليس بمخوف لا في أوله ولا في آخره على ذلك في الروضة، وزاد بياناً، والأشبه بأصل المذهب ما قاله الحناطي وموافقوه فلم يجزم الرافعي بأنه مخوف بل رجح أنه ليس بمخوف مطلقاً.
الجزء: 7 - الصفحة: 45
الشافعيِّ -رضي الله عنه- ومن المَخُوفِ منه -يعْني من المرض- إذا كانت الحمى بدأَتْ بصاحبها ثم إذا تَطَاوَلَ، فهو مخوف، إلاَّ الربع، فقرأ بعضهم: بدأَتْ، وقرأ بعضهم تَدْأَبُ أي: تتعبه، فمن قرأ: بدأت، قال: هي من أول حدوثها مخوفةٌ، والمشهور الأوَّل، وعلى هذا، فلو اتصلَ المَوْتَ بحمَّى يوم أو يومين، نُظرَ في عطيته، إن كان قبل أن يَعْرَقَ فهي من الثلث، وقد بَانَ أنها مخوفة، وإن كانت بعد العرق، فهي من رأس المال؛ لأن أثرها قد زال بالعرق، والموت بسبب آخر، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" و"التتمة".
والضرب الثاني: غير المطبقة، وهي أنواع: الورد: وهي التي تأتي كلَّ يوم.
والغِبّ: وهي التي تَأتِي يوْماً، وتُقْلِعُ يوماً.
والثِّلث: وهي التي تأتي يومَيْن، وتُقْلِع يوماً.
حمَّى الأخوَيْن: وهي التي تأتي يومَيْنِ، وتقلع يومين.
والرِّبع: وهي التي تأتي يوماً، وتُقْلِعُ يومين 104.
فما سوى الرّبع والغِبِّ من هذه الأنواع مخوفٌ.
والربع على تجرُّدها غير مخُوفَةٍ 105؛ لأن المحموم يأخُذُ القوة في يومَيِ الإقلاع.
وفي الغبِّ وجهان 106، قال قائلون: هي مخوفةٌ، وبهذا أجاب في "التهذيب".
وقال آخرون: لا، وبه أجاب في "الشامل" أما الحمَّى اليسيرةُ، فهي غير مخوفةٍ بحال.
ومنْها: قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "مَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حتَّى تغير عقله أو المراد أو البلغم، كان مخوفاً".
وقال أيضاً: "الطاعونُ -نعوذ بالله منه- مخوفٌ حتى يذهب".
قوله: "ساوره" أي: واثبه وهاج به المراد الصفراء، فهيجان الصفراء والبلغم مخوفٌ، وكذلك هيجان الدَّم، بأن يَثُور، وينصب إلَى عُضْوٍ من يد، أو رِجْلٍ، فتحمر وتنتفخ وقد يذْهب العضْو، إن لم يتدارك أمره في الحال، وإن سلم الشخص، وقوله "حتى تغير عقله" ليس مذكوراً على سبيل الاشْتِرَاط، بل هو مخوفٌ، وإن لم يتغيَّرِ العَقْلُ نصَّ عليه في "الأم".
الجزء: 7 - الصفحة: 46
والطَّاعُون فسَّره بعضُهُم بهذا الذي ذكَرْناه من انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عضو 107.
وقال أكثرهم: إنه هيجانُ الدَّم في جميع البدن وانتفاخه.
قال في "التتمة" وهو قويبٌ من الجذام من أصابه، تآكلت أعضاؤه، وتساقط لحْمُه.
ومنها: الجراحة، إن كانت على مقتل، أو نافذةٍ إلى جوف، أو في موضع كثير اللَّحْم، أولها ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، أو حصل معها تآكلٌ، أو ورمٌ، فهي مخوفةٌ، وإلاَّ، فلا.
وذكر بعض الشارِحِينَ أن الوَرَمَ وحْدَهُ لا يُوجِبُ كونه مخوفةً وإنَّمَا يوجبه الورم مع التآكُلِ.
واحْتَجَّ عليه بأن الشافعيَّ -رضي الله عنه- قال في "المختصر" ولم يتآكل، وورم فهو غير مخوف، ولم يقل: ولم يرم.
ومنْها: القَيْءُ، إن كان معه دم، أو بلغم، أو غيرهما من الأخلاط، فهو مخوف وإلاَّ، فغير مخوف إلاَّ أن يدوم.
ومنها: البِرْسام 108 وهو مخوفٌ، وأما الجَرَبُ، ووجَعُ الضرس، ووجع العين، والصداع، فهي غير مخوفة 109 هذا هو الكلامُ في الأمراض المخوفة، وقد تَعْرِضُ أحوالٌ تشبه الأمراض في اقتضاء الخوف، وفيها صور:
إحداها: إذا الْتَقَى الفريقَانِ، والْتحم القتالُ بينهما، واختلط بعْضُهم ببعض.
والثانية: إذا كان في السَّفينة، واشتدَّت الرياح، وهاجَتِ الأمواج.
والثالثة: إذا وقع في أسر الكفار وعادتهم قتل الأسارَى.
والرابعة: قُدِّمَ؛ ليُقْتَلَ قِصاصاً، ولم يُجرح بعدُ فالحكاية عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الصور الثلاث: الأُولَى أنها تلتحقُ بالمرض المخوف، وعن نصِّه في
الجزء: 7 - الصفحة: 47
"الإملاء" في الصورة الرابعة: المَنْع، وللأصحاب فيهما طريقان 110:
أظهرهما: وبه قال المزني أنَّها جميعاً عَلَى قَولين بالنقل والتخريج:
وأحدُهما: أنَّها غير ملتحقةٌ بالمرض المَخُوف؛ لأنه لم يُصبْ بدَنَهُ شيْءٌ.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والمزنيُّ -رحمهم الله- الالتحاقُ بها، لأنها أحوالٌ تستعقب الهلاك غالباً.
والثاني: الجريانُ عَلَى ظاهر النصين، والفرق بين الصُّور الثلاث.
والرابعة: أنَّه إذا التحم القتال لا يَرْحَمُ بعضُهم بعضاً، والبحر لا يحابِي، والكافرُ لا يَرْحَمُ المسلم لكن مستحِقّ القصاص لا تَبْعُدُ منه الرحمة، والعفْوُ بعد القُدْرة إما طمعاً في الثواب، أو في المَالِ.
وعن صاحب "التقريب" أنه إنْ كَان هناك ما يغْلِبُ على الظَّنَّ أنَّه يقبض من شدَّة حقد، أو عداوةٍ شديدة، فهي مخوف، وإلاَّ، فلا، ثم موضع الخلاف فيِ صورة التحامِ القِتَالِ ما إذا كان الفريقانِ متكافِئَيْن، أو قَرِبَيْنِ من التكافؤ، وإلاَّ، فلا خوْفَ في حقِّ الغالب، بلا خلاف، ولا خلافَ أَيضاً فيما إذا لم يلتحمِ الحرب، ولم يختلط الفريقان، وإن كانا يتراميان بالنِّشاب والحراب، ولا فيما إذا كان البحر ساكناً، ولا في الأسير في يد الكفار الدين لا يقتلون الأَسَارَى كالرُّوم 111.
الخامسة: إذا قُدِّم؛ ليقتل رجماً في الزنا أو ليُقتل في قطع الطريق فالحكم كما في صورة التحام القتالِ ونَظَائِرِها؛ لأنَّه ليس في موضع العفْوِ والرَّحْمَةِ بخلاف ما إِذا قُدم للقصاص، فعلَى طريقه فيه القولان، وعلى الثاني يقطع بكونه مَخُوفاً، ومنهم من فَرَقَ بين أن يَثْبُت الزنا بالبينة أو بالاقرار؛ لاحتمال الرجوع.
الجزء: 7 - الصفحة: 48
السادسة: إذا وقع الطاعونُ في البلد وفشا الوباء، فهَلْ هو مخوفٌ في حقِّ من لم يُصِبْه؟ فيه وجهان مخرَّجان من الخلاف في الصورة السابقة، والأصحُّ أنَّه مخوفٌ قاله صاحب "التهذيب".
السابعة: الحاملُ قبل أن يضْرِبَها الطَّلْق، ليست في حال خَوْف.
وقال مالكٌ -رحمه الله-: إذا بلغت ستة أشهر؛ دَخَلت في حال الخوف، واحتج الأصحاب بأنَّها ما دامَتْ حاملاً لا تخاف الموت، وإنما تخافُة عند حدوث الطَّلْق، وإذا ضربها الطلق، ففيه قولان:
أصحُّهما: أن الحال حالُ خَوْفٍ؛ لصعوبة أمر الولادة.
والثاني: المنعُ، وُينْسَبُ إلَى رواية الشيخ أبي حامد؛ لأن الغالب السلامة، وإذا وضعَتَ، فالخوف باقٍ إلَى أن تنفصل المشيمة، فإذا انفصلتْ، زال الخوف، إلاَّ إذا حصل من الولادة جراحَةٌ، أو ضَرَبَانٌ شديدٌ، أو ورمٌ أو إلقاءُ المضْغَةِ، أو العَلَقَةِ.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لا خوْفَ منهه؛ وفي "التتمة" أن إِلقاء المُضْغة كالولادة، وموت الولد في البَطْن يوجِبُ الخوف 112، هذا، [هو] أحد مقاصِدِ الفَصْل، وهي كثيرة.
والثاني: إذا، أشكل الحال في مرض؛ فلم يدر، أهو مخوفٌ أم لا؟ فالرجوعُ فيه إلَى أهل الخبرة [والعلم بالطِّبّ، ولا بدّ في المرجوع إليه من الإسلام والبلوغ والعدالة والحرية] 113، ولا بد من العدد أيضاً وقد ذكرنا وجهاً في جواز العدول من الوضوء إلى التّيمم بقول الصبيِّ - المراهق والفاسِق، ووجهاً في أنه لا يُشْتَرَطُ فيه العددُ، وعن أبي سليمان الخطابيِّ وجْهٌ لم نَذْكُرُه في ذلك الباب، أنه يجوز العدُولُ من الوضوء إلى التيمم يقول الطبيب الكافر، كما يجوز شُرْب الدواءِ من يده، وهو لا يَدْري أنه دواء، أو داء ولا يبعُدُ أن تطرد هذه الاختلافات هاهنا، وقد قال الإمام: الذي أرى أنه يلحق بالشهادات [من كُلِّ وجه]، بل يلحق بالتَّقْويم وتعديل الأنصباء في القسمة، حتى يختلف الرأْيُ في اعتبار العدد 114.
الجزء: 7 - الصفحة: 49
وإذا اختلف الوارثُ والمتبرِّع عليه في كون المَرَضِ مَخُوفًا بعدْ موْت المتبرِّع، فالقولُ قولُ المتبرع عليه؛ لأنَّ الأصْلَ السلامةُ عن المرض المخوف، وعلى الوارث البيِّنةُ، ولا تثبت دعْوَاه إِلَّا بشهادَةِ رجلَيْن، ولا يقبل قولُ رجلٍ وامرأتين؛ لأنها شهادة على غير المال، وإن كان المقصودُ المال، نعم، لو كانت العلة بامرأة على وجه لا يتطَّلعُ عليه الرجال غالباً، فتقبل شهادةُ رجُلَينِ، ورجل وامرأتَينِ، وأربع نسوة، ويُعْتَبَرُ في الشاهدين العِلْمُ بالطّبّ قاله في "التهذيب".
والثالث: إذا وجدنا المرضَ مَخُوفًا، حجَرْنا عليه في التبرُّع فيما زاد على الثلث ولم ننفذه لكنَّه، لو فعل، ثم سلم وبرأ، تبيَّن [صحة] التبرُّع، وأن ذلك المرض لم يَكُنْ مخوفًا، ومن هذا القبيل [ما] إِذا الْتَحَمَ القتَالُ، وحكَمْنا بأنَّه مخَوَفٌ، ثم انقضى الحَرْب وسلم، وإِذا رأينا المرَضَ غَيْرَ مخوف، فاتصل به الموت، نُظرَ؛ إن كان بحيث لا يُحَال عليه الموتُ بحال؛ كوجع الضِّرْس ونحوه، فالتبرُّع نافذٌ، والموت محمولٌ على الفجأة وإن كان غيره كإسْهال يوم، أو يومَيْن، فتبيَّن باتصال الموت كونُهُ مَخُوفًا وكنَّا نظُنُّ أن القوة تحتمله، فَبَانَ خلافه، وكذلك حمَّى يوم، أو يومين فيما رواه صاحب الكتاب في "الوسيط" وقد حكَيْنا من قبلُ الفَرْقَ بين أن يعرق، أو لا يعرق في هذه الصورة والله أعلم.
ونعود الآن إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب:
أما تغيير التَّرْتيب في بعض مسائل الفَصْل، فسببه أنا أَرَدْنا أن نذْكُر الأمراض المُخَوفة، والأحوال الملتحقة بها مجْمُوعَةً، ثم نأخذ في نوع آخَرَ من الكلام، وأمَّا قوله: "كُلُّ ما يستعد الإِنسان بسببه لما بعد الموت" فمعناه أنه يتهيأ للموت، ويعد أسباب التجهيز، وما ينفعه بعد الموت من توبة، ووصية، ورد مظلمة، وفي هذه اللفظة ما يُشْعِرُ بإخراج الفَالَجِ، إذا امتدَّت مدته عن الأمراض المخوفة؛ لأن المفلوج لا يستعدُّ للموت، وما بعده، ويجوز أن يُعْلَم [قوله] 115 بالحاء؛ لأن الأستاذ أبا منصور وغيره حَكَوْا عن أبي حنيفة وأصحابه أن المرض المخوَف ما يمنعه من أن يجيء، ويذْهَب، وما لا يمنعه من التردُّد، فهو غير مخوف، ورُوِيَ عنهم أن المخُوفَ هو الذي يجُوزُ القُعُود له في صلاة الفَرْض.
= الحاكم فكان بمنزلة الأخبار، وأخبار الصبي مقبولة على رأي، فكذا خبر الفاسق يجب العمل به إذا وقع في نفس المخبر صدقة في حق نفسه، وقد تقول بمثل ذلك في خبر الكافر، ولا كذلك فيما نحن فيه؛ لأنه لا يتعلق بسماع الحاكم لا يقبل قول صبي ولا فاسق ولا كافر، كيف وفيه تفرد حكمه على الغير، ومما يوضح ذلك كله أن قول العدد الواحد في باب التيمم كافٍ بل ظن المتيمم يكفي فيه، ولا كذلك فيما نحن فيه:
الجزء: 7 - الصفحة: 50
وقوله "والإسهال المتواتر مع قيام الدم" إن أراد بالمتواتر ظاهِرَ مفهومه، وهو الدائم الممتدُّ، فلا حاجة إلى اعتبار قيام الدم، كما سبق، وإن أراد بالمتواتر [في] (1) اليوم، واليومَيْنِ، فَيُعْتَبَر؛ لكونه مخوفًا قيامُ الدم، أو شيْءٌ مما في معناه، وقوله "والسل في انتهائه" ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو؛ لما عرفته فيه، وقوله: "ففي إلحاقها بالمرض المخوف قولان" المشهور من الخلاف، في صورة ظُهُور الطَّاعون وجْهَان، لا قولان، لكنَّ القولَيْن الحاصلَيْنِ من التصرُّف بالنقل والتخريج يَقْرُبَان من الوجْهَين، فجاز التساهل، ويجوز إعلام لفْظِ القولَيْن بالواو؛ للطريقة الجازمة، وقوله: "فالنص أنه قيل الجَرح غير مخوف" مُعْلَمٌ بالحاء والميم والزاي، وقوله في مسألة العمل وقيل: إن السلامة أغلب" قول لا وجه.
فَرْعٌ:
قال الإمام: لا يُشتَرَطُ في المرض المخوف أنْ يكون الموتُ منْه غالباً، بل يكفي أن يكون نادرًا بدليلِ البرسام، ولو قال أهل البَصَر: هذا المرض لا يخَافُ منه الموت، لكنه سببٌ ظاهرٌ في أن يتولَّد منه المرض المخُوفُ، فالأول مخوفٌ أيضاً، وهذا يشكل بالحامل قبل أن يأخذها الطَّلْق، وإن قالوا: يُقْضِي إلى المرض المَخُوفِ نادرًا، فالأولُ ليْسَ بمَخُوفٍ 117.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإن قِيل): فَمَا حَدُّ التَّبرُّعِ (قُلْنَا): هُوَ إِزَالَةُ المِلْكِ عَنْ مَالِهِ بِغَيْرِ ثَمَنِ المِثْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ كَالعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ، أَمَّا قَضَاءُ الدُّيُونِ وَالزَّكَوَاتِ (ح) وَالكَفَّارَاتِ (ح و) الوَاجِبَةِ فَمِنْ رَأْسِ المَالِ (ح م) أَوْصَى (و) بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ، وَاِذَا بَاعَ بِثَمَنِ المِثْلِ مِنْ وَارِثٍ (ح) أَوْ مِنْ بَعْضِ الغُرَمَاءِ نَفَذَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، فَلَوْ كانَ بِمُحَابَاة فَقَدْرُ المُحَابَاةِ مِنَ الثُّلثِ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ فَالزِّيادَةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَقَلَّ من مَهْرِ المِثْلِ فَلاَ حَرَجَ (و) فَإِنَّ ذَلِكَ امْتِنَاعٌ مِنَ الاكْتِسَابِ وَالبُضعُ لاَ يَرِثُهُ الوَارِثُ، فَإن آجِرَ دَوَابَّهُ أَوْ عَبِيدَهُ بِأَقَلَّ من أُجْرَةِ المِثْلِ فَالمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ آجَرَ نَفْسَهُ فَلاَ لِأَنَّهُ لاَ يُعَدُّ مَطمَعًا لِلوَرَثَةِ، وَفِيهِ وَجهٌ أَنَّهُ كَمَنْفَعَةِ العَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني في بيان التبرع المحْسُوب من الثلث، وقد ضبَطَهُ في116
الجزء: 7 - الصفحة: 51
الكتاب فقال: "هو إزالةُ المِلْك عن مالي بغير ثمن [المثل] 118 من غير استحقاق [كالعتقُ والهبة والوقف والصدقة وغيرها] " 119.
وفيه أربعةُ قُيُود: إزالة الملك، وكونُهَا إِزالةَ عن مالٌ وكونها بغير ثمن المثل، ومجانًا، وبغير استحقاق.
وفيما يدخل فيها، وَيخْرُج منها مسائلُ:
إحداها: ما يستحق عليه من ديون الآدَمِيِّينَ، وديون الله تعالَى؛ كالزكاة، وحَجَّة الإِسلام، تُوَفَّى بعد موته، وتكون من رأس المال أوصَى بها، أو لم يُوصِ وقال أبو حنيفة: إنْ أوصَى بالزكوات والكفارات، يُؤَدَّى من الثلث، وإن لم يوص بها، فقد ذكرنا عنه، وعن مالك في "كتاب الحج"؛ أنَّهَا تسقط، فيُعْلَمُ قوله في الكتاب "فمن رأس المال" بالحاء والميم، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله "أوصى" بالواو؛ لوجهٍ سيأتِي في الباب الثانِي؛ أنه إذا أوصى بها بحُسْبَ من الثلث.
وقوله في الكتاب "والكفارات الواجبة" ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو أيضاً؛ لأن الذي يجعَلُه من رأس المال -بلا خلاف- ما يَجِبُ بأصْل الشرع أيضاً كالحجِّ، والزكاة، فأما ما يتعلَّق بالتزام العَبْد من نذر، ومباشرةٍ بسبب يقتضي الكفارة، ففيه خلافٌ مذكورٌ في الباب الثاني، ولو قضَى في مرضه ديونَ بَعْضِ الغرماء، فلا يزاحمه غيره، إن وَفَّى المالُ بجميع الديون، وإلاَّ، فكذلك على المذهب المشهور.
وفيه وجْهٌ آخرُ: أن للباقين مزاحمته، وهو قول أبي حنيفة -رحمه الله-، كما لو أوصَى بتقديم بعض الغرماء، لا تنْفُذُ وصيته.
الثانية: البيع بثمن المثل أو أكثر نافذٌ من رأس المال؛ سواءٌ باع من الوَارِث، أو من أجنبيٍّ غريم، أو غير غريمٍ، وقد ذكَرْنا خلافٌ أبي حنيفة في البَيْع من الوارثِ منْ قبل، وإن باع محاباة، فإن كانَتْ يسيرةً يتسامح بمثلها، فكما لو باع بثَمَنِ المثل، وإن كانَتْ أكثر من ذلك، فإن كانت مع الوارِثِ، فهي وصيةٌ للوارث، وإلاَّ، فهي معتبرةٌ من الثلث، فهذا لم تخرج من الثلث، فإن أجاز الوارث، نفذ البيعُ في الكلِّ، وإلاَّ، بطل فيما لا يَخْرُج من الثلث، وفيما يخرج طريقان، وإذا لم تبطل، ففي كيفية صحة البيع قولان، وكلُّ ذلك ذكرناه في "باب تفريق الصفقة" 120 من البيع، ثم المحاباة المعتبرةُ من الثلث كلُّ ما يزيدُ عَلَى ثمن المثل أم ما يَزِيدُ عَلَى ما يتغابَنُ الناس بمثله.
الجزء: 7 - الصفحة: 52
الذي ذكره الأستاذ أبو منصور، وأبو عبد الله الحناطيُّ هو الاحتمال الثانِي، وهذا كله إذا باع بثَمَنٍ حالٍّ، فإن باع بثَمَن مؤجَّلٍ، ولم يحل الأجلُ، حتى مات، فيعتبر من الثُّلُث، سواء باع بثمن المثل، أو أقَلَّ، أو أكثر, لما فيه من تفويت اليَدِ علَى الورثة، وتفويتُ اليدِ ملحق بتفويت المالِ؛ ألا تَرَى أن الغاصِبَ يضْمَنُ بالحيلولة، كما يضمن بتفويت المال؟ فليس له تفويت اليد عليهم، كما ليس له تفويت المال، فإن لم يخرج من الثلث، ورد الوارث ما زاد، فالمشتري بالخيار بَيْن فَسْخ البيع، والإجازة في الثلث بثُلُث الثمن، فإن أجاز، فهل يزيد ما يَصحُّ فيه البيع، إذا أدَّى الثلث؟ فيه وجهانِ منقُولاَن في "التَّهذِيب":
أصحهما: لا؛ لاَرتفاع العَقْد بالرَّدِّ.
والثاني: نعم؛ لأنَّ ما يحصل للورثة ينبغي أَن نصحح الوصية في نصفه، فعلَى هذا يصحُّ البيع في قدرِ نصف المؤدَّى، وهو السُدُسُ بسُدُسِ الثمن، فإذا أدَّى ذلك السُّدُس، زيد بقَدر نصف النصف، هكذا إلى أن يحصل الاستيعاب.
الثالثةُ: نكاحُ المريض صحيح، وعن مالك -رحمه الله- منعه لنا: أن معاذًا -رَضِيَ الله عَنْهُ- قَالَ في مَرَضِ [مَوْتِهِ] زَوِّجُوني حتَّى، لاَ أَلقَى اللهَ تَعَالَى أعْزَبَاً" 121، وأيضاً، فإنه استباحةُ بُضْعٌ فيستوي فيه حالُ الصحَّة والمَرَض، كشراءِ الجوارِي، وإذا نكح، فَيُنْظَرُ، إن كان بمهر المثل، أو أقلَّ، اعْتُبِرَ من رأس المال، كما لو اشترى شيئاً بثَمَن مثله، وإن كان بأكثر من مهر المثل، فيستحقُّ مهر المثل، فالزيادة تبرُّعٌ على الوارث، وقد سبق حكْمُه؛ فإن لم تكن وارثةً كالذمية، والمكاتَبَةِ، فالزيادةُ محسوبةٌ من الثلث، إن خرَجَتْ منه، نفَذَ التبرع بها, ولو ماتت الزوجةُ قبله، فإن كانت الزيادةُ تخرج من الثلث، فيسلَّم لها؛ لأنه لا يلزم الجمع بين التبرع والميراث، وإن لم يخرج، دارت المسألةُ، ونذْكُرُها في "باب الدَّوْر" إن شاء الله تعالى.
ولو نَكَحَتِ المريضةُ بأقلَّ من مهر المثل، فالنقصان تبرع على الوارث، فللورثة ردُّه وتكميل مهر المثل، فإن لم يكن وارثًا، كما إِذا كان عبداً، أو مُسْلِماً وهي ذمِّيَّةٌ، لم يكمل مهر المثل ولم يُعْتَبَرْ هذا النقْصَان من الثلث، وإنما جُعِلَ ذلك وصيَّةً في حقِّ الوارث، ولم يُجْعَلْ وصيةً في الاعتبار من الثلث؛ لأن المريض، إِنَّمَا يُمْنَعُ من تفويت ما عنْده، وهذا ليس بتفويت، وإنما هو امتناعٌ من الاكتساب.
وأيضاً، فإنَّ المنع فيما يُتوهَّم بقاؤه للوارث، وانتفاعه به، والبُضْع ليس كذلك،
الجزء: 7 - الصفحة: 53
هذا هو المشهور في المسألة، وفي "التتمة" وجهٌ أنه يُعْتَبَرُ من الثلث، وفرق بينه وبين ما إذا آجَرَه نفسه بأقلَّ من أجرة المثل، حيث لا يُعْتَبَرُ من الثلث، مع أن كلَّ واحد منهما لا يبْقَى للورثة بوجْهَيْنِ:
أحدهما: أن النكاحَ من غَيْر ذكْر المهر يقتضي مَهْر المثل، فإذا قال الولي زوجتها، وذكر ما دون مهر المثل، فكأنَّه أسْقَطَ العِوَضَ بعْد وجوبه، فكان كالإبْرَاء، وأما الإجارة، فإنها لا تنعقد من غير ذكْر العِوَض.
والثاني: أن المحاباة في المَهْر تُلْحِقُ نَوْع عارٍ بالورثة، فأثبت لهم ولايةَ الدَّفْع، بخلاف المحاباة في الإِجَارَةِ 122.
الرابعة: إجارة العبيد والدوابِّ وسائِرِ الأموال بما دون أجرة المِثل معتبرةٌ من الثلث، وكذلك إعارتُهَا حتَّى لو انقضتْ مدة الإجارة، أو الإعارة في مرضه، واستردَّ العين، اعتبر قدر المحاباة في الإجارة، وجميع الأجرة في الإعارة من الثلث، ولو آجر نفسه بمُحَابَاةٍ، أو عَمَلٍ لغيره متبرِّعًا، فوَجْهَان:
أحدهما: الاعتبارُ من الثلث أيضاً؛ لأن منافعه مال.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن منافعه لا تَبْقَى للورثة، وإن لم يتبرَّع، ولا تمتد إليها أطماعُهم.
وقوله في الكتاب: "وهو إزالةُ الملْك عن مال نفسه" لفظ "الإزالة" ألا تكون الإعارة معتبرةٍ من الثلثِ, لمَا مَرَّ أن الاعارة لَيْسَتْ إزالة ملك وأن المستعيرَ مستبيحٌ، لكنَّا حَكيْنا أن الإعارةَ معتبرةٌ من الثلث، فإذن اللفظ محمولٌ على تفويت المال المملوك أو نحوه وقوله [في الكتاب] 123 بغير ثمن الَمثل أراد عوض المِثْل، لا خُصُوصَ العوض في البيع، ولفظ "الوسيط" "إزالة الملك عن مالٍ مجانًا" وهو أحسنُ.
وقوله "كالعتق، والصدقة، والهبة" لفظ الصدقة ينتظم الوقف، وصدقة التمليك، وكلاهما من هذا القبيل وقوله: "إن نِكِحَتْ بأقلَّ من مهر المثل فلا حرج" مرقوم بالواو؛ لما حكينا [هـ] عن "التتمة" ثم هو غير مُجْرًى على إِطلاقه؛ بل إِذا كان الزوْجُ وارثًا، فلباقي الورثةِ التكميلُ، وهو الغالب، وقد يشكل الضبطُ المذْكُور بما إذا بَاعَ بثَمَنِ المثل نسبة فإنه يُعْتَبَرُ من الثلث مَعَ أنَّه فقد أحد [القيود] 124 الأربَعَةِ.
فُرُوعٌ: باع بالمحاباةِ بشَرْطِ الخيار، ثم مَرِضَ في زمان الخيار، وأجاز العقد، إِنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 54
قلنا: إن الملك في زمان الخيار للبائع، فقدْر المحاباة من الثلث، وإلا، فلا 125؛ لأنه ليس بتفويت، وإنَّما هو امتناعٌ من الاكتساب، والاستدراك، فصار كما إذا أفلس المشتري، والمبيع قائمٌ عنده، ومَرِضَ البائع فَلَمْ يفسخ، أو قدر عَلَى فسخ النكاحَ بعَيْبِ فيها، فلم يفعْل حتَّى مات، واستقر المهر، فإنه لا يُعْتَبَرْ من الثُّلُث.
وكذا لو اشترَى بمحاباة، ثم مرض، ووجد بالمبيع عيبًا، ولم يرد مع الإمكان، لا يُعْتَبَرُ قدر المحاباةِ مِنَ الثلث 126، ولو وجد العيب، وتعذَّر الرد بسبب، فأعرض عن الأرش، اعتُبِرَ قَدْرُ الأرش من الثلث، وقدْرُ المحاباة في الإقالة يُعْتَبَر من الثلث، كما في البيع والشراء، وخُلْعُ المريض، لا يُعْتَبَرُ من الثلث؛ لأنَّ له أن يُطَلِّقَ مجانًا، ولأن الوارث لا ينتفع ببقاء النِّكَاح، وأما خلع المريضة، فمذكور في الكتاب في "باب الخلع".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإِنْ قِيلَ): فَكَيْفَ يُحْسَبُ مِنَ الثُّلْثِ (قُلْنَا): إنْ كَانَتِ التَّبَرُّعَات مُنْجَزَةٌ علَى التَّرْتِيبِ قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ هِبَةٌ وَإِقْبَاضٌ فَهِيَ أَوْلَى مِنَ العِتْقِ بَعْدَهَا، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا وَضَاقَ المَالُ أُقْرعَ (ح) بَيْنَهُمْ، وَإِنْ وَهَبَ عَبِيدًا نَفَذَ فِي بَعْضِ كُلِّ عَبْدٍ لَأَنَّ التَّشْقِيصَ في العِتْقِ مَحْذُورٌ لِوُرُودِ الخَبَرِ فِيهِ، وَإِنْ أَضَافَ الْكُلَّ إلي المَوْتِ فَفِي تَقْدِيمِ العِتْقِ عَلَى غَيْرِهِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يُقَدَّمُ (و) الْعِتْقُ عَلَى الوَصِيَّةِ بِالعِتْقِ، وَهَلْ تُقَدَّمُ الكِتَابَة عَلَى الهَبَاتِ؟ خِلاَفٌ (و)، وَالكتَابَةُ مَحْسُوبَةَ (ح) مِنَ الثُّلُثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصلُ الثالثُ في كيفيَّة الاحْتِسَاب من الثُّلُثُ، إذا وُجِدَ تبرُّعان فَصَاعِدًا، وضاق عنهما الثُلُث، فهي إما منجَّزةٌ، أو معلَّقة بالموت، أو هي من النوعَيْنِ جميعاً:
الجزء: 7 - الصفحة: 55
القسم الأول: التبرعات المنجزة، كالإعْتَاق، والإِبْرَاء، والوقْف، والصَّدَقة، والهِبَة مع الإقباض، والمُحَابَاة في العُقُود، وهيَ إِمَّا أن تترتَّب، أو توجَدَ دفعةً واحدةً، وإن ترتبت؛ فيقدم الأولُ فالأول إِلى استغراق الثلث، وإِذا تَمَّ الثلثِ، نِيط أمر الزائِدِ بإجارة الوَرَثَةِ عَلَى ما مرَّ.
وإنما كان كذلك؛ وإن الأولي لازِمٌ لا يفتقر إلى رضا الورثة، فكان أقوى، ولا فرق بين أن يكُونَ المتقدِّمَ والمتأخِّر من جنس واحد، أو من جنسَيْنِ، ولا إذا كان من جِنسَيْن بَيْن أن يَتقدَّم المحاباةُ على العِتْق، أو يتقدَّم العتقُ على المحاباة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا تقدَّمتِ المحاباةُ على العتق، يُسَوَّى بينهما، ويُقَسَّمُ الثلث عليهما.
لنا: أنها عطيةٌ منجزةٌ لازمةٌ، فلا يساويها ما بعدها، كما لو تقدَّم العتق، أو ترتَّبت محاباةُ، وإن وجدتْ دفعةً واحدةً، فإما أن يتحد الجنس، أو يختلف:
إن اتَّحَدَ كما إذا قال لعبيد [له]: أعتَقْتُكُم، أو وهب عبيداً من جماعة، أو أبرأ جماعةً عن ديونه علَيْهِمْ، فلا يتقدَّم البعض على البعض، ولكن في غير العتق يقسَّط الثلث على الكُلِّ؛ باعتبار القيمة على ما يقتضيه الحال من التساوي أو التفاضل.
وفي العتق يُقْرَعُ بين العبيد، ولا تفرق الحريةُ وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يُقْرَعُ بينهم، بل يُعْتَقُ من كلِّ واحد منهم ثلثه ويستسعى في الباقي ومَعْتَمَدُنَا في الفَرْق بَيْن العِتْق وغيره: ما رُوِيَ عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَاهُم رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَزَّاهُم أَثْلاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةَ 127، وَفَرَقُوا من جهة المَعْنَى؛ بأن المقصود من الإعتاق تخليص الشخْص من الرقِّ، وتكميل حاله، وهذا الغرض لا يحْصُل مع التشقيص لبقاء أحكام الرِّقِّ.
والمقصودُ من الهبة، وما في معناها التمليكُ والتشقيص لا ينافيه، فإِن اختلف الجنسُ؛ بأنْ وكل بكل تبرُّع وكيلًا، فتصرَّفوا دفعةٌ واحدةٌ، فإن لم يكُنْ فيها عتقٌ، فيقسَّط الثلثُ على الكلِّ باعتبار القيمة، وإن كان فيقسط أو يقدَّم العتْق؟ فيه قولان، كما سنذكر في التبرعات المعلَّقة بالمَوْتِ.
القسم الثاني: التبرُّعات المعلَّقة بالموت، كالوصايا، وتعليق العتْق؛ فلا يقدَّم عتق
الجزء: 7 - الصفحة: 56
عبْدٍ على عتق غيره، ولا في غير العِتْقِ تبرُّعٌ على غيره، وإن تقدَّم بعض الوصايا، وتأخَّر بعضها، بل في العتق يُقْرَعُ، وفي غيره يقسَّط الثلث على الكلِّ؛ باعتبار القيمة، وفي العِتْق في هذا القِسْم وجه أنه لا يُقْرَعُ، بل يُقسَّط الثلث عليهم، وإنما القرعة من خاصِّيَّة العتْق المنجز؛ لوُرُودِ الخبر، وهذا الوجْهُ مذكورٌ في الكتاب في "باب العتق" والمذهب الأول، ثم ذلك عند إطلاق الوصية، أما إذا قال: أعتقوا سالمًا بعد مَوْتي، ثم غانِمًا، أَوِ ادْفَعُوا إلى زيد مائةً، ثم إلَى عمرو مائةً، فيقدَّم ما قدمه لا محالة، وإذا اجتمع في هذا القسم العتْقُ وغيره، فقولان:
أحدهما: يقدَّم العتقُ؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنْهُما- أنه قال: يُبْدَأُ في الوَصَايَا بالعْتْقِ 128، وعن ابن المسيِّب -رحمه الله- أنه قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ يُبدَأَ بِالعَتَاقَة في الوَصِيَّةِ، ولأن العتق أقوى؛ لتعَلُّق حق الله تعالى، وحق الآدمي به ولأن له سرايةٌ وقوةٌ ليست لغيره.
وأصحهما: التسويةُ: لما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ 129 -رضي الله عنْهما- أنه: "حكم الرجل أن يوصي بالعتق، وغيره بالتحاص 130، ولأن وقْتَ لزومِ الجميع واحدٌ، وهذا في وصايا التمليك مع الوصية بالعتق، أما إذا أوصَى للفقراء بشَيْءٍ، وبعتق عبد، قال في "التهذيب": هما سواءٌ؛ لأنَّ كُلاًّ منهما قربةٌ.
والذي أورد [هـ]، الشيخ أبو عليٍّ طرد القولَيْن؛ اعتماداً على أَن سبب تقديم العتق ما له من القوة والسراية.
وإذا قلْنَا بالتسوية، فما يخص العبيد المعْتَقِينَ، إذا ضاق عنهم يُقْرَعُ بينهم فيه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إن كان في الوصايا الأمرُ بزكاةٍ واجبةٍ، أو حجٍّ تُقدَّم تلك الوصية عَلَى سائر الوصايا، وإلاَّ، فيقدَّم ما ابتدأ به لفظاً.
القسم الثالث: إذا صدَرَتْ منه تبرعاتٌ منجَّزةٌ وأخرَى معلَّقة بالموت، تقدَّمت المنجَّزةَ؛ لأنَّها تفيدُ المِلْك في الحال، ولأنها لازمةٌ، لا يتمكن المريضُ من الرجُوع عنها.
وعن أبي حنيفة: أنه إذا أعتق، وأَوصَى بالعتق، فهما سواء.
وقوله في الكتاب: "ولا يقدَّم العتق على الوصية بالعتق" المراد منْه ما إذا علق عتق عبْد عند الموت، وأوصى بإعتاق آخر فلا يتقدم أحدهما على الآخر؛ لأن وقت استحقاقهما واحد، وقد اشتركا في قوة العتق.
الجزء: 7 - الصفحة: 57
وفي "الشامل" وغيره وجه آخر؛ أن المدبر أولى بالعتق؛ لأنه يسبق الآخر من حيث إن الآخر يحتاج إلى إنشاء عتقه بعد الموت.
وقوله قبل ذلك: "وإن تقدمت هبة وإقباض"، بين بذكر "الإقباض" أن تقديم الهبة وحدها، غير كاف؛ لأن تمام الهبة بالقبض.
حتى لو وهب، ثم أعتق أو حابى في بيع، ثم أقبض الموهوب تقدم العتق، أو المحاباة؛ لتأخر القبض عنهما.
ولا تفتقر المحاباة الواقعة في بيعٍ ونحْوِه إلَى قَبْضٍ؛ لأنَّها في ضِمْن مُعَاوَضَةٍ.
وقوله: "لأن التشقيص في العتق محذورٌ أشار به إلى أن التشْقِيص لا يفيد التخلُّص من الرق وأحكامه، والخَبَر المُجْمَلُ ذكْرُهُ هو حَدِيثُ عِمْرَانَ -رَضِيَ الله عنه-.
وفي تقديم الكتابة عَلى الهبات وسَائِرِ الوصايا طريقَانِ:
أشبههما: أنه على القولَيْن في تقدم العتقْ عليها.
والثاني: القطْعُ بالتسوية؛ لأنَّها ليس لها من القوة والسراية ما للعِتْق.
وأما قوله: "والكتابةُ محسوبةٌ من الثلث" فهذه المسألة أولاً -ليست من شرط الفصل، بل موضعُها الفَصْل السابق، ثم فقهها أنه إذا كاتب في مرضه عبداً أو أوصَى بكتابته، تعْتَبَرُ قيمته من الثلث، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- إذا كاتبه على قَدْرِ القيمة أو أكثر.
واحتجَّ الأصحاب بأنَّ المكاتبَ تقابل ملكه بملْكِهِ، وهو كسبه فيَكُونُ تفويتًا على الورثة لا معاوضةً، وبتقدير أن يكونَ مُعَاوَضَةً، فالعوضُ مُؤَخَّر، فأشبه البيع نسيئةً، ولو كاتَبَ في الصحَّة، واستوفَى النجوم في المرض، لم تعتبر قيمته من الثُّلُث؛ لأنه بالكتابة كالخَارج عن ملكه، ولو أعتقه في المرض، أو أبرأه عن النُّجُوم، اعتبر منَ الثُّلُثِ أقَلْ الأمْرَيْنِ، قيمته أو النُّجُوم لأنه، إن كانت القيمةُ أقلَّ، فربما كان يُعْجِزُ نفسه، فيسقط النجوم، وإن كانت النجومَ أقلَّ، فربما كان يؤديها، فلا يحْصُلُ للوارث غيرها.
والاستيلادُ في المرض لا يُعْتَبَرْ من الثلث، كما يستهلكه من الأطعمة اللَّذِيذَة، والثياب النفيسة، ويُقْبَلُ إقرارُ المريض بالاستيلاد؛ لقدرته على الإنشاء، ولا يُعْتَبَرُ قيمتها من الثلث، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- تُعتبر قيمتها من الثلث في صورة الإقرار، ولو قال لعَبْده: أنتَ حرٌّ قبل موتي بيومٍ، أو شهرٍ، ثم مرض، ومات؛ لم يعتبرْ من الثلث، وإن قَالَ: قبل مَوْتِي بشَهْرٍ، فإن نقص مرَضَهُ عن شَهْر، فكذلك الجواب، وإلاَّ، فهو كما لو عَلَّق عتق عبْدٍ في الصحة، ووجدت الصفة في المَرَض، وفيه قولان.
فرُوعٌ: قال في مرضه: سالِمٌ حرٌّ، وغانِمٌ حُرٌّ، وفائقٌ حُرٌّ، فهذا من صُوَر ترتيب التبرعات المنَّجزة، ولو قال: سالِمٌ، وغانمٌ، وفائقٌ، أحرارٌ، فهو من صور وقوعها دفعةً
الجزء: 7 - الصفحة: 58
واحداً، ولو علَّق عتقهم بالموت، أُقرعَ بينهم، سواء قال: [إذا مت] 131 فسالم حر وغانمٌ حرٌّ، وفائقٌ حرٌّ، أو قال: فَهُم أحرارٌ ولو قال: إذا مِتُّ، فسالمٌ حُرٌّ، وإن مِتُّ من مرضي هذا، فغانم حرٌّ، فإن مات من ذلك المرض، ولم يف الثُّلُثُ بهما، أُقْرعَ بينهما، وإن برأ ومات بعده، بَطَل التدبيرُ المقيد، وعَتَقَ سالم [والله أعلم].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَالَ لِغانِم: إنْ أَعْتَقْتُكَ فَسَالِمٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ غانِمَاً وَالثُّلُثُ لاَ يَفِي إِلاَّ بِأحَدِهِمَا تَعَيَّنَ غانِمٌ لِلْعِتْقِ وَلاَ قُرْعَةَ فإنَّهَا إِنْ خَرَجَتْ عَلَى سَالِمٍ فَكَيْفَ يُعْتَقُ وَلَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ الصِّفَةُ الَّتي عُلِّقَ عَلَيْهَا عِتْقُهُ وَغَانِمٌ كَانَ السَّبَبَ وَسَالِمٌ كَانَ المُسَبِّبَ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ المُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ، وَإِذَا وَصَّى بِعَبْدٍ هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَثُلْثَا وماله غائِبٌ لَمْ يتسَلَّطِ المُوصَى لَهُ عَلَيْهِ، وَفِي تَسْلِيطِهِ عَلَى الثُّلُثِ خِلاَفٌ (و)، وَوَجهُ المَنْعِ مَعَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ بكُلِّ حَالٍ أَنَّ حَقَّ الوَارِثِ أَن يَتَسَلَّطَ عَلَى مِثْلَى مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ المُوصَى لَهُ وَهُوَ غَيرُ مُمْكَّنِ هَاهُنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: له عبدانِ؛ سالم، وغانم، فقال: إنْ أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ حرٌّ، ثم أعتق غانمًا، في مرض موته، فإن خرجا من الثلث، عَتَقًا، وإن لم يخرُجْ إلاَّ أحدهما، ففيه وجه ضعيف، أنه يُقْرَعُ بينهما، كما له قال: أعتقْتُكُمَا، والمذْهَبُ أنه لا يُقْرَعُ، بل يتعيَّن للعتق غانم؛ لأنا لو أقرعنا، فربما تخرج القرعة عَلَى سالم، فيلزم إرقاق غانم، وإذا رَقَّ غانم، لم يحصل شرط عتق سالم، وبعضهم يقول في التوجيه: إن عِتْقَ سَالِمٍ مرتَّبٌ على عِتْقِ غانِمٍ، والأسبق أولَى بالنفوذ، لكن سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "أبواب الطلاق" أن مثل هذا الترتيب لا يقْتَضِي سبقًا زمانيًّا وإنما تثبت الأولويةُ لما هو أسبق إذا سبق بالزمان، فالتوجيه الأول أوضَحُ.
ولو قال: إن أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ حرٌّ في حال إعتاقي غانمًا، ثم أعتق غانمًا في مرَضَهِ، فالجواب كذلك، ولا فرْقَ، وعلى هذا؛ لو قال: إنْ أعتقتُ غانمًا، فسالمٌ وفائقٌ حُرَّانِ، ثم أعتق غانمًا، والثلثُ لا يَفي إلاَّ بأحدهم، تعيَّن للعتق غانم، ولا قرعةَ، وإن فَضَل من الثلث شيءٌ أُقْرعَ بيْن الآخرَيْنِ، فمن خرجَتْ له قرعةُ الحرَّيةِ، عَتَقَ كلُّه، إن خرج كلُّه، وبعضُه، إن لم يخرج إلاَّ بعضُهُ، وإن كان يخرج أحد الآخرَيْن من الثلث بعْض [الثالث] 132 فالذي خرجَتِ القرعةُ له، يُعْتَقُ كلُّه، وُيعْتَقُ من الآخَر بعضه.
ولو قال لعبده: إن تزوَّجْتُ، فأنْتَ حُرٌّ، ثم تزوج في مرض الموت، فقد ذكرنا
الجزء: 7 - الصفحة: 59
أن مَهْر المثل محسوبٌ من رأس المال، وأن الزيادة من الثلث، وإن اقتضى الحالُ تنفيذ الزيادة على مهر المثل، نُظِرَ؛ إِن خرجَتِ الزيادةُ، وقيمة العبد من الثلث، نفذ، وإلاَّ، فيقدَّم المهر، كذا ذكره توجيهًا بأن المَهْر أسبقُ، فإنه يجب بالنكاحِ، ثم يترتَّب عليه العتْقُ، لكن قضية قولنا: إن المرتّب، والمرتَّب عليه يقعان معاً، ولا يتلاحَقَانِ من حيثُ الزَّمانُ إلاَّ يتقدَّم أحدهما على الآخر، بل يُوَزَّع الثلث على الزيادة، وعلى قيمة العبد.
وقد صرَّحوا بأنه لو قال: إن تزوَّجْتُ، فأنتَ حُرٌّ في حال تزويجي، أنه يُوزَّعُ الثلث كذلك؛ لأنه لا يترتب فكذلك عند الإطلاق، إذا لم يكن ترتيب زمانيٌّ، ثم الفرْقُ بين التعليق، بالتزويج، وبيْن مسألة العبْدَيْنِ، حيث لا يوزع هناك، كما لا يُقْرَعُ أنَّ العِتْق هاهنا معلق بالنكاح، والتوزيع لا يَرْفَع النكاح، ولا يقدح فيه، وهناك عِتْقُ سالمٍ معلَّقٌ بعتق غانم كاملاً، وإذا وزَّعنا، لا يُكمَلُ عتق غانم، فلا يمكن إعتاق شيء من سَالِمٍ.
ولو قال لجاريته الحامل: إن أعتقتُ نصْفَ حَملِكِ، فأنتِ حرَّةٌ، ثم أعتق نصْفَ حملها في مرض موته، فقضيَّته عِتْق ذلك النصف سرايته إِلى النصف الآخر، وعتق الأم بسبب التعليق، فإن خرجا من الثلث، عَتَقَا جميعاً، وإن لم يخرُج من الثلث مع النصف المعتق إلا الأم، أو النصف الآخر [كما إذا كان جميع ماله ثلاثمائة، والأم منها خمسون والولد مائة فيقرع بينْ الأم والنصف الآخر] 133 فإن خرجت على [النصف] الآخر عَتَقَ جميع الولد فإن خرَجَت على الأم، لم تُعْتَقْ كلُّها؛ لأن الحمل في حُكم جزء منها يتبع عتقَهُ عُتْقُهَا فتُوزَّع قيمة الثلث، وهي خمسون، على الأم، وعلى النصف الباقي بالسوية؛ فيعتق من الأم نصفها، ومن النصف الباقي نصفُهُ، فيكون ثلاثةُ أرباعه حرًا، ولو كانت الصورةُ كما ذكرنا إلاَّ أن قيمة الأم أيضاً مائةً، وخرجَتِ القرعةُ على الأم، وُزِّعَ الخمسون علَيْها، وعلَى النصف الباقي أثلاثًا؛ فيعتقُ منْها ثلثُهَا، وهو ثلث الخمسين، ومن النصف الباقي ثُلُثه، وهو ثُلُث الخَمْسِينَ، وسدُسُ الجُمْلَةِ، فيكون الحرية من الأم الثُّلثَ، ومن الولد الثُّلُثَينِ.
المسألة الثانية: إذا أوصَى بعبد، أو ثَوْبٍ يخرج من ثلث ماله، وباقي ماله غائب، لم يُدْفَع كلُّه إلى الموصَى له، ولم يسلط على التصرُّف فيه، ما لم يحضر من المال الغائب ما يخرج الموصى به من ثلثه؛ لأن ما يحصل للموصَى له ينبغي أن يحْصُل للوارث مثلاه وربما يتلف المالُ الغائِبُ وهل يتسلط الموصَى له على التصرُّف في ثلثه؟ فيه وجهان:
أَحدهما: نعم؛ لأن استحقاقه لهذا القَدْر مستيقنٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 60
وأصحهما: المنع؛ لأن تسليط الموصَى له يتوقَّف على تسليط الورثة على مِثْلَى ما تسلَّط عليه، ولا يمكن تسليطهم على الثُّلُثَيْنِ؛ لأنه ربما يسلم المال الغائب، ويخلص الموصَى به للموصَى له، فكيف يتصرَّفون فيه؟ فلو أنهم تصرَّفوا في ثُلُثَيْ الحاضر، قال أبو الفرج السرخسيُّ في "الأمالي": إن بَانَ هلاكُ المالِ الغائِب، فتبيَّن نفوذ تصرُّفهم؛ ولك أن تقول: وَجَبَ أن يخْرُجَ ذلك على وقْف العقود 134.
قال: وإن سلم، وعاد إليهم، فتبين بطلان التصرُّف.
أم لا؟ ويغرَّم للموصى له الثلثين؛ فيه وجهان؛ الثاني منْهما ضعيف.
واعلم أنَّ هَذَا الوَجْهَ الثَّانِيَ قَرِيبٌ من قَوْلِ مَالِكِ -رحمه الله-: إِنَّ الْوَرَثَةَ يتمكَّنُونَ مِنْ خَلْعِ الوَصِيَّةِ في العَينِ المُوصَى بِهَا، وجعلها شائعة في ثلث المال.
ولو أعتق عبداً، هو ثُلُث ماله، أو دَبَّرَهُ، وباقِي مالِهِ غائبٌ، ففي نفوذ العتق والتدبير في ثلثه الخلافُ المذكورُ في الوصيَّة، هكذا ذكره في "الوسيط" وغيره، وسيأتي في التدبير، وقد يستبعد التردُّد في حصُول العِتْق في الثلث، فإنَّ المال الغائب إمَّا باقٍ، فجميعُهُ حُرٌّ أَو هالكٌ، فالثلثُ حُرٌّ، بل الوجه الجزْمُ بالوصيَّة أيضاً بإثبات الملك في الثلث، ورد الخلاف إلى أنه، هل ينفذ تصرُّفه فيه، أو يمْنَعُ من التصرُّف إلى أن يتسلط الوارثُ على مثليه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ: الصِّيغَةُ وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْصَيْتُ أَوْ أَعْطُوهُ أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ، فَإنْ قَالَ: هُوَ لَهُ فَهُوَ إِقْرَارٌ يُؤَاخَذُ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مِنْ مَالي لَهُ، وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْتُهُ لَهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ فَيَنْفذُ مَعَ النِّيَّةِ، وَالقُبُولُ شَرْطٌ (و)، وَلاَ أَثَرَ لَهُ في حَيَاةِ المُوصِي، وَلاَ يُشْتَرَط الفَوْرُ بَعْدَ المَوْتِ، وَإنْ مَاتَ المُوصَى لَه انْتَقَلَ حَقُّ القَبُولِ وَالمِلْكِ إلى الوَارِثِ، وَإِنْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ وَمَنْ لاَ يَتَعَيَّنُ لاَ يُشْتَرَطُ القُبُولُ، وَالمُعَيَّنُ إِنْ رَدَّ بَعْدَ القُبُولِ وَقَبَلَ القَبْضِ فَفِي نُفُوذِهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلاَمُ في "الصيغة" في طَرَف الإيجاب، ثم في القُبُول:
أما الإيجابُ، فلا بد منه، وذلك بأن يقول: أوصيتُ له بكذا، أو أعطُوه، أو ادْفَعُوا إليه بعْد موتي كذا، أو هُوَ له، أو جعلْتُهُ له بعد موتي، أو ملَّكته، أو وهبته منه بعد موتي، أما إذا اقتَصَرَ عَلَى قوله: وهبت منْه، ونوى الوصيَّةَ، فأظهر الوجْهَيْن: أنه لا يكون وصيةً؛ لأنه أمكن تنفيذه في موضوعه الصريح، وهو التمليك النَّاجِزُ.
الجزء: 7 - الصفحة: 61
ولو قال: هُوَ لَهُ؛ فهذا إِقرارٌ يُؤاخَذُ به، ولا يجعل كنايةً عن الوصية، إلاَّ أن يقول: هو له من مالي، أو يقولَ: عبدي هذا لفلانِ، فيصح كنايةً عن الوصية؛ لأنه لا يَصْلُح 135 إقرارًا.
ولو قال: عينته له، فهذا كناية؛ لأنه لا يحتمل التعيين للتمليك بالوصية، والتعيين للإِعارة، والإفهام في الحال، فلا يَنْصَرِفُ إلى الوصية إلاَّ بالتعيين.
وقوله في الكتاب "تنفذ مع النية" فيه وفي كلام الإمام وغيره إشعارٌ بأن الوصيَّة تنْعَقِدُ بالكنايات جزمًا، وأنه لا يجيءُ فيه الخلافُ المذكورُ في البيع ونَحْوه، ووجِّهَ ذلك بأنا ذكَرْنا في أول "البَيْع" أن ما يَقْبَلُ مقصودُهُ التعليقَ بالإغرار كالكتابة، والخُلْع -ينعقد بالكناية مع النية، والوصيَّة في نفسها تَقبَلُ التعليقَ بالإغرار 136 فأولَى أن تنعقد، ولأنها إذا قبلت التعليق بالإغرار، فَلأَن تَقْبَلَ الكنايات أولَى، وبأن الوصية لا تفتقر إلى القبول في الحال، فيشبه ما يستقلُّ به الإِنسان من التصرُّفات.
ولو كتب: إِنِّي أوصيتُ لفلانْ بكذا، قال في "التتمة": لا ينعقد، إذا كان الشخْصُ ناطقًا، كما لو قيل له: أوصيتَ لفلان بكذا، فأشار أن نَعَمُ 137.
ولو وُجِدَ له كتابُ وصيةٍ بعد موته، ولم يَقُمْ بينة عَلَى مضمونه، أو كان قد أشهد جماعةً أن الكتاب خَطِّي، وما فيه وصيَّتي، ولم يُطْلِعْهم على ما فيه، فجواب عامة الأصحاب أنه لا تَنْفُذُ الوصيةُ بذلك، ولا يُعْمَلُ بما فيه حتى يشهد به الشهودُ مفصلًا، وذكر أن نَصْرَ بن أحْمَدَ من أُمَرَاء خُرَاسَانَ أراد أن يُوصِيَ، ولا يُطْلِعَ عَلَى وصيته أحداً، فشاور العلماء، فلم يُفتُوا له بذلك، إلاَّ محمَّد بن نَصْرِ المَرْوَزِيَّ، فإنه قال فيما روى الإمامُ، والمتولِّي: يَكفِي الإشهادُ عليه مبهماً، وفيما روى أبو الحسن العَبَّادِيُّ أنه يكفي
الجزء: 7 - الصفحة: 62
الكتاب من غير الإِشهاد، واحتج بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عنْدَهُ" أشعر ذلك باعتبار الكتابة.
واعلم أن انعقاد الوصيَّة بالكتابة ليس ببَعيدٍ، وإن استبعَدَهُ؛ لأن الكتابة [بمثابة] كنايات الألفاظ، وقد سبق في "البيع" ذُكْرُ الخلاف في انعقاد البيع ونَحْوه بالكناية، وذكرنا الآن أن الوصيَّة أشدُّ قبولًا للكنايات، فإذا كتب وقال: نويتُ الوصيَّة لفلانٍ أو اعترف الورثةُ به بعد موته، وَجَبَ أنْ يصحَّ.
ولو اعتقلَ لِسَانُهُ، صحَّت وصيته بالاشارَةِ والكتابةِ، وقد رُوِيَ أن أمامة بِنْتَ أبي العَاص أُصْمِتَتْ، فقيل لها: لفلانٍ كذا, ولفلانٍ كذا، فأشارتْ أنْ نَعَمْ، فجُعِلَ ذلك وصيةً 138.
وأما القبول، فإن كانت الوصيةُ لغَيْر مُعَيَّنٍ؛ كالفقراء والمساكين، لزمت بالموت، ولم يُشْتَرطْ فيها القبول، وإن كانت الوصية لمُعَيَّنٍ، فلا بُدَّ من القبول، كما في الهبة، ويجيء فيه خلافٌ من قولٍ، سنذكره في أن الموصَى به يُمْلَكُ بالموت، فإن صحة الوصية على هذا القول مستغنيةٌ عن القُبُول.
ولا يصحُّ قبول الوصية، ولا ردُّها في حياة الموصي وله الردُّ، وإن قَبِلَ في الحياة وبالعكس، وذلك لأنه لا حَقَّ له قبل الموت؛ إذْ هي إيجابُ مِلْكٍ بعد الموت، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إذا قبل في الحياة لم يكن له الرد بعد الموت [وإذا رد في الحياة، كان له القُبُول بعد الموت، ولا يشترط القبول في الفور بعد الموت وإنما] 139. يُشتَرَطُ ذلك في العقود الناجزة، التي يُعتَبَرُ فيها ارتباطُ القَبُول بالإيجاب، ثم للردِّ بعد الموت أَحوال.
أحدها: أن يقع قبل القبول، فترتد الوصية، ويستقر الملْكُ للورثة، إن كان الموصى 140 به عَيْنَ مالٍ أو منفعته، فالعين للورثة، ولو أوصَى بالعين لواحدٍ، وبالمنفعة لآخر، فردَّ الموصَى له المنافع، فهي للورثة، أم للموصَى له الآخَرِ؟ فيه وجهان؛ أشبههما: الأول، ولو أوصَى بخدمة عبد لإنسانٍ سنَةً، وقال: هو حرٌّ بعد سنة، فرد الموصَى له، لم يعتق قبل السنة، خلافًا لمالك -رحمه الله-.
الثانية: أن يقع بعد القَبُول وقَبْض الموصَى له، فلا تصحُّ، فان رضي الورثةُ، فهو ابتداءُ تمليكٍ إِيَّاهُم.
الجزء: 7 - الصفحة: 63
والثالثة: أن يقع بعد القَبُول وقبل القبض، ففيه وجهان:
أحدهما: صحةُ الرَّدِّ؛ لأنه تمليكٌ من آدميٍّ بغير عوض، فيصح ردَّه قبل القبض، كالوقْف ويُحْكَى هذا عن ظاهر نصه في "الأم".
وأظهرهما: المنع لأن الملك حاصلٌ بعد القبول، فلا يرتفع بالردِّ، كما في البيع، وكما بعد القبض، فهذا قال الموصَى له: رددتُّ الوصية لفلان، يعني أحد الورثة، فعن "الأم" أنه إن قال: أردت لرضاه، كان ردًا على جميع الورثة، وإن قال: أردتُّ تخصيصه بالردِّ عليه، فهو هبة له خاصَّة.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وهذا مفرَّع على تصحيح الردِّ بعد القبول، وإلاَّ فما، لا يملكه لا يمكنه أن يملكه غيره، ثم لم يُعتَبَر لُفظ الهبة والتمليكِ، وقال القاضي أبو الطيب -رحمه الله-: لا بدَّ منه، وهو القياسُ، ولو مات، ولم يبيِّن ما أراده، جُعِلَ ردّاً عَلَى جميع 141 الورثة، وإذا لم يقبل المرضى له، ولم يُرِدْ، فللوارث مطالبته بأحَدِ الأمرين، فإن امتنع، حُكِمَ عليه بالرد.
ولو مات الموصَى له قبل موت الموصِي، بَطَلَتِ الوصية، ولو مات بعد موته، قام وارثه مَقَامَهُ في القَبُول والرد.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: تلزم الوصية بموته، ويجُوزُ أن يُعْلَم؛ لذلك قوله: "انتقل حقُّ القبول" بالحاء؛ واحتج الأصحاب بأن وارث الموصَى له فَرْعٌ له، فإذا لم يَملِكِ الأصل بغَيْر قبول، فالفرع أولَى، ولفظ "الملك" في قوله: "انتقل حق القبول والملك" يريد به حقَّ التمليك، ويجوز أن يُحْمَلَ على نفس الملك، تفريعًا عَلَى أن الموصَى به يملك المَوْتِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 64
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالأَصَحُّ (ح م) مِنَ الأَقْوَالِ أَن المِلْكَ قَبْلَ القُبُولِ مَوْقُوفٌ، فَإنْ قَبِلَ تَبَيَّنَّا المِلْكَ مِنْ وَقْتِ المَوْتِ، وَإِنْ رَدَّ تَبَيَّنَّا الانْتِقَالَ إلَى الوَرَثَةِ بِالمَوْتِ، وَيُمَلَّكُ بالمَوْتِ في قَوْلٍ ثَانٍ (ح)، وَبِالقَبُولِ في قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَنَتَوَقَّفُ فِي أَحْكَامِ المِلْكِ كَمَا تَوَقَّفْنَا فِي المِلْكِ كَالزِّيَاةِ الحَادِثَةِ وَالنَّفَقَةِ وَزَكَاةِ الفِطْرِ وَالمَغَارِمِ وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ إنْ كَانَ المُوصَى بِهِ زَوْجَةَ الوَارِثِ أَوِ المُوصَى لَهُ وَالعِتْقِ إنْ كَانَ قَرِيبَ المُوصَى لَهُ أَوِ الوَارِثِ، وَلَوْ كَانَ المُوصَى بِهِ ابْنَ المُوصَى لَهُ وَمَاتَ قَبْلَ القَبُولِ وَقَبِلَ أَخُوهُ الوَارِثُ عَتَقَ الابْنُ بِطَرِيقِ التَّبْيينِ مِنْ وَقْتِ (و) مَوْتِ المُوصِي، ثُمَّ لاَ يَرِثُ إِذْ فِيَ تَوْرِيثِهِ حِجَبُ الأَخِ وَإبْطَالُ قُبُولهِ فَفِي تَوْرِيِهِ إبْطَالَ تَوْرِيثِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ القَابِلُ ابْنَ المَيِّتِ إِذْ يَرْتَدُّ حَقَّهُ إلَى القُبُولِ في النِّصْفِ وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ لاَ يَرِث أَيضًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَتَى يملك الموصَى له الموصَى به؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: عن رواية ابن عبد الحَكَمِ المِصْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ: أنه يُمْلَكُ بالموت؛ لأنَّ استحقاقه يتعلَّق بالموت، فأشبه المِيرَاثَ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك، وأحمد -رحمهم الله- أنه يُملَكُ بالقبول؛ لأنه تمليكٌ بعقد، فيتوقَّف الملك فيه على القَبُول، كما في البيع ونحوه، وعلى هذا فالملكُ قبل القبول، للوارث أو يبقى للميت؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: الأول، والثالثُ، وبه قال المزنيُّ، وهو الأصحُّ، أنا نتوقَّف في الحال، فإن قَبِلَ، تبيَّنَّا أنه مِلْكٌ من يوم الموت، وإلاَّ، تبيَّنَّا أنه كان ملكَاً للوارث من يَومَئِذٍ؛ لأنه لو ملك بالمَوْتِ، لما ارْتَدَّ بالرد، كالميراث، وبتقدير أن يرتدَّ، وجب أن يكون انتقالُه إِلَيْهِمْ بحسب الهبة 142 منْهم، لا بحَسَب الإرث من الموصِي، ولو ملك بالقَبُول، فإما أن يكون قبل القُبُول للميت، واستمرار الملك مع المَوْت بعيد أو للوارثِ، وحينئذ، فالموصَى له يتلقَّى الملك عن الوارث، لا عن الموصِي، وهو بعيدٌ أيضاً.
وأيضاً، فالإرث يتأخر عن الوصايا، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] وإذا بطَلَ الجزْمُ بالأقسام، وجب التوقُّف ولو أوصَى بعتق عبْدٍ معيَّنِ بعد موته، فالملك في العبد إلَى أن يُعْتَقَ للوارث، ولا يُجْعَلُ على الخلاف، وفَرَقُوا بأن الوصيَّة تمليك للموصَى له، فيبعُدُ الحكم بالملك لغَيْر مَنْ أوجب له الملك،
الجزء: 7 - الصفحة: 65
والعتق ليس بتمليك.
ثم يتفرَّع على الأصل المذْكُور مسائل:
أحدها: كسبُ العبدِ، وثمرةُ الشَّجَرة، وسائرُ زوائدِ الموصَى به، إن حصَلَتْ قبل موت الموصي، فهي له، والوصيَّةِ لا تتناولُهَا، وإن حصَلَتْ بعده، وبعد القبول، فهي للموصَى له، وإن حصَلَت بعد موته، وقَبْلَ القبول، فإن قلنا: إنَّ الملك يحْصُل بالموت، فهي للموصَى له، قَبِلَ الوصيةَ أوردَّها، وفيما إذا ردَّها وجْهٌ: أن الزوائد ترتدُّ أيضاً؛ لأنه تبين أن سبب الملك لم يستقرّ.
وإن قلنا: يحصُلْ بالقبول، فلا تكون الزوائدُ للموصَى له، قَبِلَ الوصيَّةَ أو رَدَّهَا، لأنها حدثَتْ قبل حصول ملكه، وفيما إذا قبلها وجهٌ: أنها تكون للموصَى له؛ لأن حقَّ التمليك من وقْت المَوْت، فهي حادثةٌ على محلِّ حقه، وإن قلْنا: بالتوقُّف، فهي موقوفةٌ أيضاً، إن قَبِلَ الوصية، فهي له، وإلاَّ، فلا.
وحيث قلْنا: إنَّ الزوائدَ ترتدُّ فإلى مَنْ ترتدُّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى المُوصِي، حتى تكونَ من جملةِ تَرِكَاتِهِ، يقضي منها ديونه، وتنفذ وصاياه، كالأصل.
وأصحُّهما: أنها تكون للوارث؛ لحدوثها بعد زوال ملْك الموصِي؛ وعلى هذا الخلافِ ولَدُ الجارية، ونتاج [البهيمة] 143 الموصَى بهما، ويتعلَّق بها تفاصيلُ وأحمامٌ أخَر نذكرها موضَّحَة على الأثر -إن شاء الله تعالَى-.
ومنها: فطرة العبد الموصَى به، إذا وقع وقْتُ وجوبها بين المَوْت والقُبُول، على من تجب يخرج، على هذا الخلاف.
وقد أوردناه في "زكاة الفطرة".
وقوله في الكتاب "والمغارم" أراد به النفقة والمؤَنَ المُحْتَاج إلَيْها بين الموت والقُبُول، وحكمها حكم الفِطْرة؛ وذَكَرَ في "الوسيط"؛ أنها على الموصَى له، إن قَبِلَ عَلى كلِّ قول، وعلى الوارث، إن ردَّ على كلِّ قول، ولا يعودُ فيها الوجهُ المذكور في الزيادات، وإن كان يُحْتَملُ أن يقال: الغُرْمُ في مقابلةِ الغنم؛ لكن إدخال شيء في الملك قهراً هو أهونُ من التزام مؤنة قهراً، هكذا قاله، لكن فيما قدَّمناه في "زكاة الفطر" طَرْد ذلك الوجه.
والله أعلم.
وإذا توفف المُوصَى له في القَبُول أو الرد، أُلْزِمَ النفقة، فإن أراد الخلاصَ ردَّه.
ومنْها: إذا كان قد زَوَّج أمته من حرٍّ، وأوصَى له بها، فإن ردَّ الوصية، استمرَّ النكاح، إلاَّ إذا قلنا: إن الموصَى له يَمْلِكُ بالموت، فينفسخ النكاح من يوم الموت،
الجزء: 7 - الصفحة: 66
وإن كان المِلْكُ ضعيفاً؛ لأن الملك والنكاح لا يجتمعان، وإن قَبِلَ انفسخ، ويكون الانفساخ من يوم القَبُول، إن قلْنَا: إن الملك يَحْصُلُ بالقبولُ من يوم المَوْت، على سبيل التبيين، إن قلنا بالتوقُّف.
وإن كان قد زوَّجَهَا من وارثه، ثم أوصَى بها لغيره، فإن قَبِلَ الموصَى له الوصيَّةَ، استمر النكاح، إلاَّ إذا قلنا: إن الملك يحصُل بالقبول؛ وإنه قبل القبول للوارث، فيه وجهان:
أظهرهما: الانفساخُ، ووجه الثاني أن الملْكَ ضعيفٌ يتعلَّق باختيار الغير، بخلاف جانب الموصَى له، على أن صاحب "التتمة" أشار إلَى وجهٍ هناك أيضاً [وإن در، انفسخ النكاح، وفي استناد الفسخ إلى حالة الموت لضعف الملك] 144، هذا الخلاف، هذا إذا خرجَتِ الأَمَةُ من الثُّلث، فإن لم تخْرُج، ولم يُجِزِ الورثة، انفسخ النكاح؛ لدخول شيء مما يَزيدُ على الثلث في ملْك الزوج، وإن أجازوا، وقلْنا: يحصل الملك بالموت، أو قلْنا بالتوقُّف، فهل ينفسخ؛ إن قلْنا: إن إجازتهم تنفيذٌ لما فعله الوصيُّ، وإن قلنا: ابتداءُ عطيةٍ، فنعم؛ لكونها في مِلْكِهِمْ إلى أن أعطوه.
ومنها: أوصَى بجاريةٍ، فولَدَتْ؛ فإما أن تلد قبل موت المَوصَى له، أو بعده؛ فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إذا ولدت قبل موت الموصِي، فَيُنْظَرُ؛ إنْ تَقَضَّي أقلُّ مدة الحَمْل من يوم الوصيَّة، وهي ستة أشهر، فالولدُ غَيْرُ متناوَلٍ بالوصية؛ لأن حدوثه بعد الوصيَّة مُحْتَمَلٌ، والأصلُ عدَمُ العمل.
[يومئذ،] فلا يُجْعَلُ الموصَى به بالشَّكِّ، والاحتمال، وإن لم ينقص، عُلِمَ وجوده يوم الوصية، فيبنى على الخلاف في أنَّ الحمل، هل يُعْرَفُ، وُيعْطَى حكمًا قبل الانفصال؟ إن قلنا: لا، فإنما النظَرُ إلَى حالة الانفصال؛ فالولد غير متناوَلٍ أيضاً، بل هو زيادةٌ حدثت في ملك الموصِي، فيكون لورثته، وإن قلنا: نعم، فهو كما لو أوصَى بالجارية، وولدها بعد الانْفِصَالِ، فيُنْظَرُ؛ أيقيلهما الموصَى له، أم يردُّهما، أم يقبل أحدهما دون الآخر؟
وفي هذه الحالة مزيد بحث، موضُعُه أول الباب الثاني عند قوله: "وعند الإطلاق هل يتناول الحَمْل باسم الجارية؟ فيه خلاف".
وإذا كان الموصَى له زوْجَ الجارية، وقَبِلَ الوصية في الوَلَد، عَتِقَ عليه بالملك، وله ولاؤُهُ ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولدٍ له؛ لأنها علقت منه برقيق.
الجزء: 7 - الصفحة: 67
القسم الثاني: أن تَلِدَ منه بعد مَوْت الموصِي، وقبل قبول المُوصَى له، فإما أن تلد بعد انقضاء أقل من مدة العمل من يوم موت الموصِي، أو قبله وحينئذ إما أن تلد بعد انقضاء هذه المدة من يوم الوصة، أو قبلها فهذه أحوال ثلاث.
إحداها: إذا ولَدَتْ بعد انقضاء أقلِّ مدة الحمل مِنْ يوم الموت، فالولَدُ غير موصى به؛ لاحتمال حدوثه بعْدَ الموت، إن كان الموصَى له زوْجَ الجارية، بُنَى حكم الولد عَلَى أَن الوصيَّة، بم تُمْلَكُ؟ إن قلْنا بالقبول، وإنَّها قبل القبول لورثة الموصِي، فالولدُ لَهُمْ، لا إرْثًا عن الميت، بل لحدوثه من [مللهم] 145، وان قلْنا تمليك بالموت، أو توقفنا، فَقِبِلَ، فيكون العلوق في ملك الموصَى له، فينعقد الولدُ حرًّا، لا ولاء علَيْه؛ وتكون، الجاريةُ أمَّ ولدٍ له.
الثانية: إذا ولدت قبل أقلَّ مدة الحمل من يوم المَوْت، وبعد انقضاء هذه المدة من يوم الوصية، فهذا لا يجوز أن يكون حدوثُهُ بعد الموت، ويجوز أن يكون بعد الوصيَّة، فيجعل كأنه حَدَثَ بعْدها، فإن قلنا: الحملُ يُعْرَفُ، فالولدُ زيادةٌ حدثَتْ في ملك الموصِي، فهو له ولورثته بعده، وإنْ قلنا: لا يُعْرَفُ، ولا يعطَى حكمًا، فينبني على أن الوصيَّة، بم يُمْلَكُ؟ إن قلنا بالقبول، وإنها للورثة قبل القَبُول، فالولد حادث في ملكهم، وإن قلنا بالموت أو توقَّفْنا، وكان الموصَى له زوج الجارية، فَقَبِلَ، عَتَقَ الولدُ عليه بالمِلْك، وله الولاءُ، ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولدٍ له؛ لأن العلُوقُ حَصَلَ وهو مملوك.
الثالثة: إذا ولدَتْ قبل انقضاء مدة الحمل من يومَي الموت والوصيَّة جميعاً، فإن قلْنا: الحمل يُعْرَفُ، فكأنه أوصَى بالجارية والحملِ جميعًا، وإلاَّ، فعلَى الخلاف في أنَّ الوصيَّة، بم تُمْلَكُ؟ على ما ذكرنا في الحالة الثانية.
القسم الثالث: أن تَلِدَ بعد الموت والقبول، فله أحوال:
إحداها: أن تَلِدَ بعد انقضاء أقلِّ مدة الحمل من وقت القبول، فالولدُ للموصَى له، وإن كان الموصَى له زوج الجارية، انعَقَدَ الوَلَدُ حُرًّا، وصارت الجاريةُ أمَّ ولدٍ له.
والثانيَةُ: أن تَلِدَ قبل انقضاء هذه المدَّة من وقت القبول، وبعد انقضائها من وقْت المَوْت، فإن قلْنا: إنَّ الوصيَّة تُمْلَكُ بالموت، أو توقَّفنا فقَبِلَ فالحكم كما في الحالة الأولَى.
وإن قلنا: تُملَك بالقبول، وإنها قبل القبول للورثة، فإن قلنا: إنَّ الحمل يُعْرَفُ، فهو زيادةٌ في ملك الوَرَثَةِ، وإلاَّ، فللموصَى له، وإذا كان الموصَى له زوْجَ
الجزء: 7 - الصفحة: 68
الجاريةَ، عَتَقَ الولدُ عليه، ويثبت له الولاءُ، ولا تصير الجاريةُ أمَّ ولد.
والثالثة: أن تَلِدَ قبل انقضاء هذه المدة مِنْ وقْت القبول والمَوْتِ جميعاً، أو بعد انقضائِهَا من يوم الوصية، فإن قلْنا: إن الحَمْل يُعْرَفُ، فالولدُ غير متناوَلٍ بالوصيَّة، فإن قلنا: لا، واعتبرنا حالَةَ الانْفِصَالِ [فالانفصالُ] 146 حصَلَ في ملك الموصَى له، فيكون الوَلَدُ له، ويُعْتَقُ عليه، إن كان الموصَى له زوْجَها, ولا استيلاد.
والرابعةُ: أن تلد قبل انقضائها من يوم الوصية أيضاً، فإن قلنا: إنَّ الحمل يُعْرَفُ، فهو داخلٌ في الوصية، وإلاَّ، فهو حاصلٌ في ملك الموصَى له، فيكون له، فإن كان زوْجَها، عَتَقَ عليه بالملك ولا استيلاد.
وتناج سائر الحيواناتُ يُقَاسُ بما ذكرناه، وُيرْجَعُ في مدَّة حمْلِها إلَى أهل الخبرة، فإنها تختلِفُ.
ثم تذنب المسألة بتذنيبات.
أحدها: قال الشيخ أبو الفرج الزاز: حيث حكَمْنا بِمَصِيرِ الجارية أمَّ ولد، فيعتبر حقيقةُ الإصابة من وقْت الملْك، أم يكْفِي إمكان الإصابة؟ وفيه وجهان.
والثاني هو الملائِمُ لإيرادِ المُعْظَم.
الثاني: قال: حيثُ بَقَّينَا الولَدَ عَلَى ملك الوارث، فالمعتبر من الثلث قيمةُ الجارية وحْدَها، وإذا لم تسبقه، فالمعتبر من الثلث ما كان موجودًا يَوْمَ موت الموصِي، فإن كانت حائلًا، اعتبرنا قيمتها وحْدَها، وإن كانت حاملاً، اعتبر قيمتها مع قيمة الحَمْل؛ وحينئذ فالنَّظَر إلى قيمتها حاملاً يوم موت الموصِي، عند عامة الأصحاب.
قال ابن سُرَيْجٍ: تُعْتَبَرُ قيمتها يَوْمئذ، لو كانت حائلًا، وتُعتَبر قيمة العمل في أول حَالِ الانفصال، وإذا قوَّمناهما، فخرجا من الثلث، فذاك، وإلاَّ، فلا يُقْرَعُ، ولكن ننفذ الوصية في القَدْر الذي يحتمله الثُّلُثُ منهما عَلَى نسبة واحدةٍ.
الثالث: روى المزنيُّ في "المختصر" [أنه] 147 لو أوصَى بأمةِ لزَوْجها، فلم يَعْلَمْ حتى وضَعَتْ له بعْدَ موت سيِّدها أولادًا، فإن قَبِلَ، عُتُقُوا، ولم تكن أمهم أمَّ ولدٍ، حتى تلد منْه بعْد قبوله لستة أشهر، وفيه إشكال من وجهين:
أحدُهُما: أنه لم اعتبر عدمَ العلم بالوصيَّة، وهل يَفْتَرِقُ الحالُ بينَ أنْ يعلمَ أو لا يعلمَ؟
الجزء: 7 - الصفحة: 69
والثَّاني: أنه حكمَ بحريَّةِ الأولاَدِ، وبأنَّها لا تصيرُ أمَّ ولدٍ له: فَإِنْ فرع على أنَّ المِلكَ يحصلُ بالموتِ، أو على قول التوقُّفِ، فَلِمَ اعتبرَ مُضِيَّ الأشهرِ في مصير الجاريةِ أمَّ ولدٍ له؟ وإنْ فرَّع على الحصولِ بالقُبولِ، فَلِمَ يحَكَمَ بحريَّةِ الأولادِ في الحالِ؟
أمَّا الأوَّل: فعنِ الخضري ما يقْتضي الفرقَ بينَ العلمِ وعدمِه، واحتجَّ عليه بأنَّ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- حَكَمَ فيما إذا وَطِئ أَمَةَ الغَيْرِ على ظنَّ أنَّها زوجتُه الحرَّة، بحريَّةِ الولدِ، ولو ظنَّ أنَّها زوجتُه الرقيقةُ، يكونُ الولدُ رَقِيقًا.
فاختلفَ الحُكْمُ باعتقادِهِ.
والظَّاهِرُ: أنَّه لا فرقَ في ثُبوتِ أمِّيَّةِ الولدِ في أميَّةِ، بينَ أن يكونَ عالماً، أو لا يكونَ، حتى لو وَطِئَ أمتَه على ظَنِّ أنَّها لغيره، أو أنَّها حرةٌ وأحبلَها، ثبت أميَّة الولد، [فإِذَنْ] قولُه: "ولم يعلم" كأنَّهُ خَرَجَ مَخرَجَ الغالِب؛ فإنَّ الغالبَ أن الوصيَّة لا تبقى المدةَ الطويلةَ معلَّقةً غيرَ مردودةٍ، ولا مقبولةٍ، إلاَّ إذا لم يعلم المُوصَى له بالوصيَّة؛ لغَيْبَةٍ، أو نَحْوِهَا.
وأمَّا الثَّاني: فقد قيل: إنَّه تخليط من المُزَنِيِّ -رحمه الله- فقوله: "عتقوا" تفريع على أَن المِلْكَ يحصُلُ بالموتِ، وقولُه: "لا تصيرُ أَمّ ولدٍ له" تفريعٌ عَلَى أنَّه يحصُلُ بالقُبُول.
وقال الأكثرون: بل هو تفربعٌ علَى قولِ التوقُّفِ، وَيتَبَيَّنُ حُصولُ المِلكِ بالموتِ، وأرادَ بالقُبولِ في قولِه: "بعد قَبُولِهِ" الموتَ سمَّاهُ قَبُولًا؛ لأنَّه وقتُ القُبُول.
ومنْهُمْ من قال: لفظُ الشَّافعيِّ -رضِيَ اللهُ عنه- "المَوْتُ" لكنَّ المُزَنِيَّ غَلِطَ فيه، وبالجُمْلةِ، فهذا من المواضِعِ الَّتي أضْبَ فيها الشَّارِحُونَ "المُخْتَصَر" وحظُّ الفقه ما سبق.
ولو كانتِ الجاريةُ المُوصَى بِهَا زوجةَ المُوصَى له، كما صوَّرنا، وماتَ المُوصَى له قَبْلَ القُبولِ والرَّدِّ، فقد مرَّ أن ورثَتَه قائِمُون مَقامَهُ في الردِّ والقَبُولِ، فإنْ قَبِلُوا، فعلى الخلافِ في أنَّ المِلْكَ بمَ يحْصُل؟ إنْ قُلْنا بالموتِ، أو قلْنا: هو موقوفٌ، فَقَبُولُهم كقَبُولِ الموصَى له في عتقِ الأولادِ بالمِلْك، وفي انعقادِهِمْ على الحرَّيةِ، وفي مصيرِ الجاريةِ أمَّ ولدٍ، وفي بقائِهِمْ ممالِيكَ لورَثَةِ المُوصِي، على اختلافِ الأحوالِ المذكورةِ في المسألةِ، ولا فرقَ إلاَّ أنَّهم، إذ عُتِقُوا بقبول الموصَى له وَرِثُوه، وإذا عتقوا بقَبُولِ الوَرَثةِ، لم يَرِثُوا؛ عَلَى ما سيأتي، إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وإن قلنا يحصُلُ المِلكُ بالقَبُول، فإنْ كانَ بين الوارِثِ والأولادِ قرابةٌ تقتضي العِتْقَ؛ بأنْ كانَ وارثُ المُوصَى له أباه، فيُعْتَقُونَ عَلَيْهِ؛ لأنَّهم حَفَدَتهُ، وإلاَّ، فوجْهَانِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 70
وإذَا لمْ يحصُل العتْقُ، فهل يُقْتَضَى ديونُ الموصَى لَهُ منْها، أم تُسَلَّمُ للورثة؟ فيه وجْهَانِ، سنُبَيِّنُ ماَخَذَهَما.
ومنْها: إذا أوصَى لإنسان [بابنه أو أبيه] 148، لم يجبْ عليه قبولُ الوصيَّةِ، كما لا يجبُ عليه شِراؤه، إِذا قَدَرَ عليه، بل له الردُّ، وعن مالكٍ -رحمه الله- أنَّه يجبُ عليه القبولُ، وفيه وجهٌ أنه ممتنعٌ الرَّدِّ، إذا فَرَّعْنَا عَلَى أنَّ المِلْكَ يحصلُ بالموتِ؛ لأنه يُعْتَقُ عليه، وهذا ما أوردَه صاحبُ "التَّتِمَّةِ" تفريعًا على ذلك القولِ، لكنَّ المذهبَ خلافُه، فإنَّه لا يُعْتَقُ عليه قَبْلَ القَبُولِ.
إذا عرفت ذلك، فإنْ ردَّ، فذاك، فإنْ قَبِلَ، وقلنا: إن المِلْك يحصُلُ بالقَبولِ، عَتَقَ عليه حينئذٍ، وإن قُلْنا بالموتِ، أو قلْنا بالتَّوَقفِ، تبيَّنَ أنَّه عَتَقَ عليه يومَ الموت.
ولو ملَك ابنَ أخيه، فأوصَى به لأجنبيٍّ، ووارثُه أخوه فقَبِلَ الموصَى لَهُ الوصيَّةَ، فَهُوَ للأجنبيِّ، وإن قلنا بالتوقُّفِ، أو بحصول المِلْكِ بالموتِ، وإنْ قُلْنَا: بحصوله بالقَبُولِ، وجَعَلْنَاه قبل القَبُولِ للوارثِ، فقضيَّةُ العِتْق على الوارثِ يومَ الموتِ، لكنَّ الحكايةَ عن الأصحاب أنَّه لا يُعْتَقُ علَيْه؛ كيلا تَبْطُلَ الوصيَّةُ، هذا في ردِّ المُوصَى له وقَبولِهِ بنَفْسِهِ.
أمَّا إذا أَوصَى لإنسان بابنه، وماتَ المُوصَى له بَعْدَ موتِ المُوصِي، وَقَبْل القبول ففيه وجْهَانِ مرجُوحَان، ووجهٌ ثالثٌ وهو المذهبُ:
أحدُ الوجْهينِ المرجُوحَيْنِ: ما قدَّمْنَا؛ أنَّ الردَّ يُمْتَنِعُ، لِعتْقِه على الموصَى لَهُ، بِنَاءً على أن المِلْكَ يحصُلُ بالموتِ.
والثَّاني: حكاه الشيخُ أبو عليٍّ؛ أنَّه لَيْسَ للوارِثِ القَبُولُ؛ لما فيه من العتقِ على الميت من غيرِ إذنهِ، وإثباتِ الولاَءِ لهُ، وإنَّما يجِيءُ هذا على قولِنا: إنَّ العِتْقَ، إِذَا حصلَ وقع [على] 149 الميِّتِ وستَعْرف الخلافَ فيه.
والوَجْهُ الثَّالثُ: أنَّ الوارثَ قائم مقامَه في الردِّ والقَبولِ لنَائِبِه عنه في حقوقِه، فإن قَبِلَ: فَهُوَ كَما لَو قَبِلَ الموصَى لَهُ بنَفْسِهِ، إن قُلْنا بالتوقُّفِ، أو بحُصولِ المِلْكِ بالموتِ، وإنْ قُلنا بحْصُولِه بالقَبُولِ، نُظِر؛ إنْ لم يكنْ بينَ الموصَى به، ووارِثِ الموصَى له قرابةٌ تقتضي عِتْقَه علَيْه، بأن كانَ الوارثُ أخًا للمُوصَى له، أو ابْنَ أخِيه، فهل يُحكَمُ بعتقه؟ فيه وجْهَانِ:
الجزء: 7 - الصفحة: 71
أحدُهُمَا: لا؛ لأنَّ القبول، الَّذي يترتبُ عليه العِتقُ وُجِدَ من الوارثِ؛ فيثبتُ المِلْكُ لَهُ ابتداءً، لا تلقِّيَاً من الوارثِ، كما لوْ ورِثَ حقَّ الشفْعةِ، فَأَخَذَ بِهَا، ينتقلُ المِلْكُ إليه من المُشْتَرِي لا مِن مُوَرِّثه، وهذا ما أوردَه صاحبُ "الشَّامِل" وآخَرُون.
وأظهرُهُما: نَعَم، وهو الَّذي ذكره الشَّيْخُ أَبو عليٍّ، وصاحبُ الكِتَاب؛ لأنَّ المُوصِيَ إنَّما أوجَبَ المِلْكَ للمُوصَى له فلا يثبتُ لِغَيْرِه، وإنَّما اعْتُبِرَ القَبولُ للوارثَ عَلَى سبيل النِّيَابَةِ، وهكذا كَما لو [نصب] 150 شبكةً في حياتِه، وتعلق بِهَا صيدٌ بَعدَ موتِه، فإِنا نحكم بثبوتِ المِلْكِ لَهُ.
وإنْ كانَ بين الموصَى بهِ وبَيْنَ وارثِ المُوصَى له قرابةٌ تقْتَضِي العِتْق؛ بأنْ كانَ الوارثُ أباً للمُوصَى له [فنحكم بعتق الموصى به لا محالة، ويعود الوجهان في أنه يعتق على الموصى له] 151، أو على وارثه، وإنَّ الولاء لمن يَثبُتْ، وإذا لم يُحكمْ بالعِتْقِ، فَهَل تُقْضَى منه ديونُ المُوصَى لَهُ، أم يسَلَّمُ للوارِث؟ فيه وجْهَانِ عن روايةِ القاضِي أبي الطَّيِّبِ في "المُجَرَّدِ" وجهٌ.
الثاني: أن الوارِثَ ملك لا من جِهَةِ المُوصَى لَهُ، [والوجه] 152 الأوَّلِ، وهُوَ الأظْهَرُ: أنَّ الوارثَ مَلَكَ بسبب يتعلقُ بالمُوصَى لَهُ، فَهُوَ كالدِّيَةِ الواجبةِ بقَتْلِهِ، تُقْضَى منها ديونُه، وإنْ قُلْنا: إنَّها تثبت للوارثِ ابتدأ، هذا حكمُ العتقِ، وهل يرث الَّذي عَتَقَ مِنَ الموصَى لَه؟ أمَّا إذا قَبِلَ بنفسه، فيُنْظَرُ؛ إن قَبِلَ في حالِ الصِّحَّةِ، فَنَعَمْ، وإنْ قَبِلَ في مرضِ الموتِ، فإرثُه مبنيٌّ عَلَى أنَّ عِتقَهُ، إذاً حَصَلَ المِلْك [فيه] لاَ بِعِوَضٍ.
بَل بِإرْثٍ، أو هِبَةٍ، أو قَبولِ وصيَّةٍ، يُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ، أَوْ من رأسِ المالِ، وفيه وجْهَانِ مذكورانِ في الكتاب في "بابِ العتقِ" إن اعتبرنَاه من الثُّلُثِ، لم يَرِثهُ، وإلاَّ وَرِثَهُ، قالَهُ في التَّهذِيبِ، وهُوَ الَأصحُّ.
أمَّا إذَا ماتَ قَبَلَ القَبولِ، وَقَبلَ وارِثهِ، فإنْ حَكَمْنَا بحصولِ الحريَّةِ عند القَبولِ، لم يرِثْ من المُوصَى لَه؛ لتأخُّرِ عتِقه عنْدَ موتِه، وإِنْ حَكَمْنا بحصولِها عند الموتِ، فإِنْ كانَ القابلُ مِمَّنَ يحجبه المُوصَى بِهِ كالأخِ، لم يرْث؛ لأنَّه لَوْ وَرِثَ، يحجُبُ الأخَ، وأخرجَه عنْ أنْ يكونَ وارِثًا، وإذَا خرَج عنْ أن يكونَ وارِثًا، بَطَلَ قَبولُه؛ فَيَبْقى رَقِيقًا، فَيَمْتَنَعُ تَوْرِيثُه فإذن في توريثِه إبطالُ توريثِه.
وإذا كانَ القابل ممن لا يحجُبُه الموصَى بِه كابن أخ، ففيه ثلاثة أوجهٍ:
الجزء: 7 - الصفحة: 72
أحدُها: أنَّه يرثُ؛ لأنَّ توريثَه لا يؤدِّي إلى حِرمانِ القابِل، فصار كَما لو ماتَ عن ابْن مشهورِ النَّسِب، وأقرَّ بابنٍ آخرَ يرثان معاً.
ولو ماتَ عن أخٍ، فأقرَّ بابن للميِّتِ، ثبتَ نسبُه ولَمْ يَرِثْ.
وأظهرُهُما: وهو المذكورُ في الكتاب: المنعُ؛ لأنا لَوْ ورَّثْنَاه؛ لارتدَّ حقٌّ القابل من القَبولِ في الكلِّ إلى القبولِ في النِّصفِ، ولا يصحُّ من المُوصَى بِهِ أن يقبلَ نصيبَ نَفْسِه؛ لأنَّه إنَّما يقبلُ إذا كانَ وارِثًا، وإنَّما يكونُ وارِثًا إذا عُتِقَ، وإنَّما يُعْتَقُ إذا قَبِلَ، فإذا يَبَقَّى نصفَه رقيقاً، ومَنْ بعضُه رقيقٌ، لا يرثُ، كمن كلُّه رقيقٌ.
قال الشَّيخُ أبو عليٍّ: ويفارقُ هذا إقرارُ الابنِ بابنٍ آخرَ؛ لأنَّهما حينئذٍ مُقِرَّانِ بأنَّهما ابنَا الميِّت، فورثا المال.
وهاهُنَا العتقُ في جميعِه لا يصحُّ إلاَّ بقبولِ من يجوز جميع التَّرِكَةِ، ولا مدخل [للمقبول] 153 في القبولِ، فإنه لم يكنِ الأولُ جَائزاً، بَطُلَ القَبولُ من أصلِهِ.
والوجهُ الثَّالثُ: عن الدَّاركي: أَنَّه إن ثَبَت القبولُ للمَوصَى له، وهو مريضٌ، لم يرِثْه؛ لأنَّ قبولَ ورثته كَقَبُولِه، ولو أنَّه قَبَلَه لكانَ وصيَّةً والإرثُ والوصيَّةُ لا يجْتَمِعَانِ.
وإنْ ثَبَت، وهو صحيحٌ ورِثَهُ ولا يَخْفَى بعد هذا الحاجةِ إلى إعلامِ قولِه: "عتقُ الابنِ" بالواوِ.
وقولُه: "بطريق التبيين هن وقتِ موتِ الموصِي"، جوابٌ على قولِنا: "إن المِلكَ يحصلُ بالموتِ، أو يتبينُ بالقَبُولِ حصولُه من وقتِ الموتِ"، فأمَّا إذا قلنا: "إنَّه يحصلُ بالقَبولِ"، وحكَمنا بوقوعِ العتقِ عن الموصَى لَهُ، فلفظُ الإمامِ أنَّه يسند العتقَ إلى أَلْطَفِ حِينٍ 154 قبل موتِ الموصَى لَه، فيجوز أن يُعلَم لذلِك قوله: "من وقت موت الموصى بالواو".
وفي "مُولِّداتِ" ابنِ الحدَّادِ وشروحِها فروعٌ تتعلقُ بالاختلافِ في وقتِ الملكِ:
أحدُها: أوصَى بأمتِه الحاملِ مِن زوجِها لِزوجِها, ولابنِ لها حُرٌّ، وماتَ وخرجَتْ هي كلُّها من الثُّلثِ، فقَبلا الوصيَّةَ، وهما موسران، يُنظَر؛ إن قَبلاَها معاً، عُتِقَت الأمةُ كلُّها؛ على ابنَها النصفُ بالمِلْكِ، والباقي بالسرايةِ وعلى الزوج نصفُ قِيمتِها، وُيعتَقُ الحملُ عليهما بالسَّوِيَّةَ.
أمَّا نصيبُ الزوج؛ فلأنَّه ولدُه، وأمَّا نصيبُ الابنِ؛ فلأنَّ الأمَّ عُتِقتْ علَيه، والعتقُ يَسري في الحامل إلىَ ما يملكُه المُعتِقُ من حملِها, ولا يقومُ نصيبُ واحد منهما على الآخرِ؛ لأنَّ العتقَ حصل عليهما [حصل] دفْعةً واحدةً، فأشْبَه ما إذا اشترى ابنان أباهُما وأمَّهُمَا عُتِق عليهما ولا تَقْويمَ وإن قَبِل أحدُهُمَا، قَبْلَ الآخرِ، فإنْ قلنا: يحصلُ المِلْكُ بالموتِ، أو قُلْنا بالتوقُّفِ، فالجوابُ كذلِك؛ لأنَّ وقتَ المِلْكِ واحدٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 73
وإن اختلفَ وقت القَبولِ، وإنْ قُلنا: يحصلُ المِلْكُ بالقَبولِ، فإن تَقَدَّمَ قَبولُ الابنِ، عَتَقَتْ الأمَة بالمِلْك والحمل بسرايةِ العتقِ من الأمِّ إلى الحملِ، وعَلَيْهِ للزوجِ نصفُ قيمتِها، فإن تقدَّمَ قَبولُ الزَّوجِ، عَتَقَ جميعُ الحملِ، عليه النِّصْفُ بالمِلْكِ، والنصفُ بالسِّرَايةِ، فَيَغْرِم نصفَ قيمتِه يومَ الوِلاَدَةِ.
للابنِ، ولا يعتق عليه من الأمَةِ شيءٌ.
وإذا قبلَ الابن عَتَقَ عليه جميعها بالمِلْكِ والسرايةِ، وغرَّم للزوجِ نصفَ قيمتِها، وإن قَبِلَ للزوج وحدَه عَتَقَ عليه الحمل النصفَ بالملك، والنصفُ بالسراية، فَيَغْرَم نصفَ قيمتِه لورثَةِ الموَصِي ولا يسري العتقُ في الحملِ إلى الأمِّ؛ لأنَّ الحملَ تبعٌ لها وليست هيَ تَبَعًا له، فإن قبل الابن وحدَه عَتَقَا عليه، وغرَّم نصفَ قيمتِها لورثةِ الموصَي.
الثَّاني: أوصى لإنسانٍ بمن يعتق عليه، وماتَ الموصَى لَه عن ابنين فالقولُ في قَولِهما تفريعًا على الأقوالِ في وقت المِلْكِ، كما سبق والظَّاهرُ صحته ووقوعُ العِتقِ عن الميَّتِ، فإنْ قَبِلَ أحدُهُما دونَ الآخر يصحُ القبول في النِّصفِ، ويعتق على الميِّت ثم قال ابنُ الحدَّادِ وآخرونَ: يُنظرَ إن ورثَ القابلُ من الموصِى له ما يفي بباقِي قيمةِ العبْدِ، قُوِّمَ عليه البَاقِي فيما وَرِثَه وإلاَّ لمْ يُقَوَّمْ عليه، ولا اعتبارَ بيسارِ القابلِ في نفسِه، ولا يثبت [التقويم] في نصيب الذي لم يقْبَلْ من التَّرِكَة.
أما أنَّه لا اعتبارَ بيساره في نَفْسِه؛ فلأن العتقَ وقعَ عن الميِّتَ، فلا يكون التقويمُ على غيرِه، وإمَّا أنَّه لا يثبتُ في نصيب الَّذي لم يقبل؛ فلأنَّ سبَب العتقِ القبول؛ فالَّذي لم يقبلْ لم يُنْسَبْ إليه.
ولَكَ أن تقول: هبْ أنَّه لم يُنسبْ لكنَّه غيرُ منْكَرٍ، عِتْقَ نصيبَ القابِل، واقتضائه التَّقويمَ والتقويم كَدَيْنِ يلحقُ التَّركة، وقال الشَّيخُ أبو عليٍّ: يجب ألاَّ يقوَّم على الميِّتِ، ويقتصر العتق على القدْرِ المقْبُلِ لِمَعْنَيَيْنِ.
أحدُهُما: أنَّ المِلْكَ حصل للميِّتِ بغيرِ اختيارِه، بلْ بقَبولِ الوارثِ، فأشبَهَ ما إذا ورثَ شَخْصًا شقصًا مِن عبدٍ، فعتق عليه لا يقوّمُ عليه البَاقِي.
والثَّاني: أن العِتَقَ يحصُلُ بعدَ موتِه، ولا مالَ لَه حينَئذٍ، فأشبَه ما إذا أعتقَ شقصًا من عبدٍ بعدَ الموتِ، لا يقوّمُ عليهِ البَاقِي، قال: وقَدْ رأيتُ هذا لبعضِ الأصْحَابِ، وللأولينَ أن يَقُولُوا: نحنُ إنَّما حكَمنا بالعتقِ على الميِّتِ؛ لِجَعْلِنَا الوارثَ نَائبًا عنْه، وكيفَ ينتظمُ مع القول بالنيابةِ، نفي اختيارِ المَنوب، نَعَم، كلاهما حُكْميانِ، وأمَّا الثَّانِي، فلا يُسَلِّمُ أنَّ العتقَ يَحْصلُ بعدَ الموتِ، بلْ يستندُ إلى مَا قبلَ الموتِ، كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ ولاءِ ما عَتَقَ منه للميِّتِ، ويشتَرِكُ فيه الابنان أم ينفردُ به القابلُ؟
فيه وجهان: وجه الثاني: أنه انفردَ باكتسابِهِ فأَشْبَهَ مَا إذَا شَهِدَ شاهدٌ بدَينٍ للميِّتِ، وحَلَفَ معه أحدُ الابنين فإنَّه ينفردُ الحالفُ بنِصْفِهِ، ولا يشارُكُه الآخز فيه وَلَكَ أنْ تقولَ: المنفردُ بالاكتِسَابِ في هذهِ الصُّورَةِ لم ينْفَرِدْ إلاَّ بنَصِيبِه، فما أثبتَه للميِّتِ، فوجَبَ
الجزء: 7 - الصفحة: 74
أنْ يكونَ هاهُنَا كَذلِك.
ولو أَوْصى لإنْسَانٍ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ علَيْه، ومات الموصَى لَه، وقَبِلَ وارثُه الوصيَّة، فالقولُ في عِتْقِه على الميِّتِ، وتقويم الْبَاقِي عَلَيْهِ عَلَى ما ذكَرْنَاه في هَذِه المَسْألةِ.
الثَّالثُ: أَوْصَى بِأمَةٍ لابْنِهَا من غيره نظر، إن كَانَتْ تَخرُجُ من الثُّلثِ، وقَبلَ المُوصَى لَهُ الوصيَّة، عَتَقَتْ عَلَيْهِ، وإنْ رَدَّ بَقِيَتْ للوارِثِ، وإنْ لَم تخُرُجْ، فالْجَوابُ في قدرِ الثُّلثَ كذلك، وأمَّا الزَّائدُ عليه فلو أَعتقَه الوارثُ، وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ علَيه، ثُمَّ إنْ لم يقبلِ ابنُها الوصيَّةَ، فقدْ بيَّنا أنَّ جميعَهَا للوارِثِ، فيسرِي العتقُ من البعضِ الَّذي أعتقَه إلى الْبَاقِي، وإنْ قَبِلَ عُتَقَ عليه ما قَبِل.
قال ابنُ الحدَّادِ: ولا يُقَوَّمُ نصيبُه على الوارث ولا نصيبُ الوارثِ عَلَيه، أمَّا أنَّه لا يُقوَّمُ نَصيبُ؛ الوارثِ عليه؛ فلأنَّه أعتَقَ نصيبَه قبلَ قَبُولِهِ، وأَمَّا أنَّه لا يقوَّمُ نصيبُه على الوارِثِ؛ فلانَّا نتبينُ بالقَبُولِ حُصُولَ مِلكِه بالموتِ، وتقدَّمَه على إعتاقِ الوارثِ [الزيادةَ].
قال الشيخ أبو علي: والصواب عند الأصحاب أن يُقال: إن قلنا بحصول الملك بالموت ابتداءً، أو تبيناً فيقوم نصيب الوارث عليه؛ لأنا تبينا استناد عتقه إلى وقت الموت وعتق الوارث متأخر عليه؛ لأنه لا بد فيه من مباشرة الإعتاق، وإن قلنا بحصوله بالقبول فيعتق [الكل على الوارث لأنه يرى من نصيبه إلى قدر الثلث والقبول بعده كإعتاق الشريك الثاني بعد إعتاق الأول وهو موسر، هذا إذا حكمنا بحصول السراية بنفس] 155 الإعتاق، وإن قلنا: إنها لا تحصل إلاَّ بعد أداء القيمة، فقبوله كإعتاق الشريك الثاني نصيبه قبل أخذ القيمة، وفيه وجهان:
أحدهما: النفوذ؛ لأنه ملكه ما لم يأخذ القيمة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الأول بإعتاق نصيبه استحق تقويمه عليه للإعتاق، فصار كما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة، وهو موسر تصير أم ولد له، وليس للآخر إعتاق نصيبه، فعلى هذا له قيمة نصيبه على الوارث، وكأنه فوته بإعتاق نصيبه.
ولو كانت المسألة بحالها، ووارث الموصي ابن له من هذه الأمة، فإن رد الموصى له عُتقِت على الابن الذي هو وارث السيد، وإن قبلها فيُنظرَ: إن خرجت من الثلث عُتِقَت على الموصى له، وإن لم تخرج فالزائد على الثلث منها.
أطلق ابن الحداد أنه يُعتَق في الحال على الوارث، وفصل الشارحون فقالوا: إن لم يجز الوارث الزيادة على الثلث، فالجواب ما ذكروا وإن أجاز فعتقه مبني على أن إجازة الوارث ابتداء عطية
الجزء: 7 - الصفحة: 75
منه، أو تنفيذ إن قلنا بالأول، فقد حكمنا للوارث بالملك قبل أن يُعطَى فيعتق عليه، وإن قلنا تنفيذ لم يُعتَق؛ لأنا على هذا القول لا نجعل الزائد على الثلث للوارث، بل نقفه على الرد والإجازة فإذا أجاز تبين أنه لم يملكه وأما قدر الثلث فإنه يعتق على الموصى له، ولا يقوم نصيب أحدهما على الآخر.
وأما أنه لا يقوم على ابن السيد؛ فلأنه ملك بالإرث، وعتق الشقص المملوك بالإرث لا يقتضي السراية.
وأما أنه لا تقويم على ابنها الموصى له؛ فلأن نصيب شريكه عُتِق قبل عتق نصيبه، وإن قلنا: إنه يُملَك بالقبول، ومع عتق نصيبه إن قلنا: إنه يُملكَ بالموت، ولا تقويم على التقديرين.
الرابع: أوصى بعبد لشخصين؛ أحدهما قريبه الذي يعتق عليه، فإن قبلا الوصية معاً عُتِق جميعه على القريب، إن كان موسراً، النصف بالملك، والباقي بالسراية، ويُغرَمْ للأجنبي نصف قيمته.
وإن قبل القريب أولاً، فكذلك حكم العتق.
ويكون غرم النصف للأجنبي، إن قبل الوصية بعد ذلك، والوارث الموصي إن لم يقبل، وإن قبل الأجنبي أولاً ملك نصيبه ونصيب القريب موقوف إلى أن يقبل أو يرد فإن أعتق الأجنبي نصيبه قبل قبول القريب، ثم قبل فإن قلنا: الملك في الوصية يحصل بالقبول، قوم نصيبه على الأجنبي، فكان كما لو أعتق الشريك نصيبه، وهو موسر، ثم أعتق الثاني نصيبه فإن قلنا: يحصل بالموت، أن عتق الأجنبي غير نافذ، وأنه عتق جميعه على الوارث، وعليه نصف القيمة للأجنبي والله أعْلمُ.
البَابُ الثَّانِي في أَحْكَامِ الوَصِيَّةِ الصَّحِيحَةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى لَفْظِيَّةٍ وَإِلَى حُكمِيَّةٍ وَإلَى حِسَابِيَّة أَمَّا اللَّفْظِيَّةُ فَلَهَا طَرَفَانِ: الأَوَّلُ في المُوصَى بِهِ، وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيةٍ دُونَ حَمْلِهَا، وَبِالحَمْل دُونَ الجَارِيةِ صَحَّ، وَعِنْدَ الإِطْلاَقِ هَلْ يتَنَاوَلُ الحَمْلُ بِاسْمِ الجَارِيةِ؟ فيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ تَنَاوَلَهُ فَلاَ يَنْقَطِعُ بِالأنْفِصَالِ بَلْ يَبقَى مُوصًى بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا استجمعتِ الوصيَّةُ مما يفتقر إلَيْه صحَّتها، صحَّت، ووقع النَّظَر بعد ذلك في أحكامها، والنَّظَر فيها تارةً يكون من جهةِ اللَّفْظ؛ كنظرنا في أن الشَّاة، والدَّابَّة، والفرس عَلاَمَ تَحْمُلُ الوصيَّة بها، وتارة من جهة المعنَى؛ كنظرنا في أحكام الوصية بالمنافع، بأيَة لفظة قُدِّرتِ الوصيةُ ثم كمية الموصَى به قد تُعْرَفُ من غير حساب، وقد يحتاج فيها إلى أعمالِ فِكْرٍ، وضَرْب حسابٍ جَلِيٍّ أو خَفِيٍّ، فلذلك جعل أحكامها ثلاثةَ أنْوَاعٍ لفظيَّة، ومعنويَّة، وحسابيَّة:
الجزء: 7 - الصفحة: 76
القسم الأول: اللفظيَّة،
واللفظ المبحوثُ عنْه، قد يُسْتَعمَلُ في الموصَى به، وقد يستعملُ في الموصَى له:
الطرف الأول في الموصَى به.
فمن مسائله: أنه لو أوصَى بجاريةٍ حاملٍ، واستثنَى حمْلَهَا لنفسه، جاز بخلاف البيع، وكذلك تجوزُ الوصية بالحمل وحده، على الشَّرط الذي سَبَق، بخلاف بيعه ولو أوصَى بالحمل لرجل، وبالجارية [لآخر] 156 صَحَّت الوصيتان، ولو أطلق الوصيَّة بالجارية، ففي دخول العمل وجهان:
أحدهما: الدخولُ، كما لو باع الحامل.
والثاني: المَنْع؛ لأنه ليس جُزْءًا منْها، والأول أظهرُ فيما دلَّ عليه كلام الأئمة، ولكن لا تبعد الفتوَى بالثاني، بخلاف البَيْع؛ لأن الحمل لا يُفْرَدُ بالبيع، فجعل تَبَعًا، وُيفْرَدُ بالوصيَّة، فلا معنَى لجعله تَبَعًا؛ ولأن الأصْلَ التنزيلُ على الأقل المستيقن ولأن الوصيَّة عقْدٌ ضعيفٌ لا يليق بحالِهَا الاستتباع، فإن قلْنا بدخوله، فلا تنقطع الوصيَّة بانفصال الحَمْل، بل يبقى موصى به، والانفصال زيادة حصَلَتْ فيه، وقد ذكرنا من قبلُ فيمن أوصَى بجارية، فولَدَتْ بحيث يعلم وجوده عند الوصية أمَّا إن قلْنا: إن الحَمْل لا يُعْرَفُ، فالولدُ غير متناوَلِ، بل هو لورثة الموصِي، وإن قلنا: إن الحَمْل يُعْرَفُ، فهو كما لو أوصَى بهما، وتلك المسألةُ هي المسألة المذكورةُ هاهنا، بعينها؛ لأنه لو تعرَّض [في الوصية] 157 بالحَمْلِ والجارَيةِ معاً، ارتفع الخلافُ؛ كما لو أوصَى بالجارية لواحدٍ، بالحَمْلِ لآخَرَ، ولا ينقدح تشبيهُ التنصيص عَلَى الحَمْل؛ تفريعًا على أن الحَمْلَ لا يُعْرَفُ بالتنصيص فيما إذا قال: بعْتُ هذه الجاريةَ وحَمْلَها وأنه غيرُ جائز في أصحِّ الوجْهَيْنِ، حتى يجيء الخلافُ هاهنا مع التنصيص، وذلك لأن الحملَ لا يجُوزُ إفراده بالبيع، ولا يجوز جعلُه أحَدَ مقصودَيْهِ، ويجوز إفرادُهُ بالوصيَّة.
وقوله وبالحمل دون الجارية، صحَّ هذه المسألة قد ذكَرَهَا في الباب الأول، والغَرَضُ الآن التنبيهُ عَلَى توجيه المسألة السَّابِقة، أي: كما تجوزُ الوصيَّة بالحَمْل وحْدَهُ، تجوز الوصية بالحَامِلِ وحْدَها بخلافِ البَيْعِ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَلِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ وَلَهُ طَبْلُ لَهوٍ وَطَبْلُ حَرْبٍ نُزلَ عَلَى طَبْلِ الحَرْبِ مَيلاً إلى التَّصْحِيحِ، وَلَوْ أَوْصَى بِعُود مِنْ عِيدَانِهِ وَلَهُ عُودٌ لِلَّهوِ وَالْبِنَاءِ وَالقَوْسِ بَطَلَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لِلَّهْوٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُنَزلُ عَلَى عُودِ البِنَاءِ أَوِ القَوْسِ، كَمَا إِذَا قَالَ: عُودٌ مِنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 77
عِيدَانِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ عُودُ القَوْسِ وَالبنَاءِ، وَلَوْ أَوْصَى بِقَوْسٍ حُمِلَ عَلَى مَا يُرْمِى بِهِ النِّشَابُ دُونَ قَوْسِ النَّدْفَ وَالجَلاَهِقِ إلاَّ إذَا قَالَ قَوْسِ مَنْ قِسِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ قَوْسُ النَّدْفِ وَالجُلاَهِقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاثُ صُوَرٍ:
احداها: الطَّبْل أنواعٌ، أسلفنا ذِكْرَها، وبيَّنَّا أنَّ طَبْلَ اللهو، إن صَلُح لمنفعة مباحةٍ، إما على هيئته، وإما بعْد التغْيير الذي لا يُبْطِلُ اسْمَ الطبل، صحَّتِ الوصية، وإلاَّ فَلا، إذا تذكَّرْتَ ذلك، فلو أطلق، وقال: أعطُوه طبلًا من مالي، ولم يكن له طبلٌ يَحِلُّ الانتفاع به اشتُرِيَ، ودُفِعَ إلَيْه، وإن قال: طبلاً من طبولي، فإن كان له طبْلٌ يحلُّ الانتفاع به؛ كَطَبْل الحرب، وطَبْل اللَّهْو لا تصحُّ الوصية به ونزل على طبل الحرب ونحوه؛ ميلاً إلى التصحيح؛ لأن الموصِىِ يقْصِدُ حيازة الثَّوَاب، فالظاهرُ أنه يقْصِدُ ما تصحُّ الوصية به، وإن لم يكن له إلا طبُولٌ، لا تصحُّ الوصيةُ بها، فالوصيَّة باطلة فهذا صحَّتِ الوصيةُ بالطبل، فالجِلْدُ الذي عليه، يُدْفَعُ إلى المُوصَى له، إن كان لا يقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الطبل دُونَ الجِلْدِ، والدُّفُّ تجوز الوصيَّةُ به، فإن كان علَيْه شيْءٌ من الجَلاَجِل وحرَّمْنَاها نزعت، ولم يُدْفَعْ إلَيْه إلا حَتى أن يَنُصَّ عليها.
الثانِيَةُ: اسم العُودِ يقَعُ عَلَى هذا الَّذِي يُضْرَبُ به، وهُوَ عود اللَّهْو، وعلى الواحدِ مِنَ الأَخْشَاب، منْها التي تستعمل في البناء، والتي تصْلُحِ لِلْقِسِيِّ والعِصِيِّ؛ والوصيةُ بعُودِ اللَّهْوِ، كَهِيَ بطَبل اللَّهْو، فَيُنْظَرُ؛ هل يَصْلُحُ عَلَى هيئته؛ لمنفعةٍ مباحةٍ، أو بعد التَّغْيِيرِ الَّذي لا يَبْطُلُ اسم العُودِ، أو لا يَصْلُحُ؟ وإذا صحَّتِ الوصيةُ به، لم يُدْفَع إلَيْه الوَتَرُ، والمِضْرَابُ؛ لأنه يُسَمَّى عُودًا دونهما.
وإن قال: أعْطُوه عُودًا من عيداني، نُظِرَ؛ إن لم يكُنْ إلاَّ عيدان القسي والبناء، فيُعْطَى واحداً منها، وكذا لو كان مَعَها عيدانُ اللهو, لكنها تصلُحُ لمنفعة مباحةٍ، فيعطيه الوارثُ ما شاء من الكُلِّ، وإن كان له عيدان اللهو، الَّتي لا تصْلُحُ لمنفعة مباحة، وعيدانِ القسيِّ، والبناء، فوجهان:
أحدهما: تنزيل الوصيَّة عَلَى عيدان القِسِيِّ، والبناءِ كمثله في الطَّبْل، وكما لو لم يكُنْ إلاَّ عيدان القسيِّ والبناء، فيعطَى واحداً منها.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أن الوصية تُنَزَّلُ على عيدان اللهو، فيُبطل؛ لأن اسْمَ العُود عند الإطلاق لهذا الذي يُضْرَبُ به، واستعمالُهُ في غيره مرجُوحٌ، والطَّبْلُ يقع على طَبْل اللَّهو وغيره وقوعًا واحداً، وليس كما لو قال: عوداً من عيداني، ليس له إلاَّ أعوادُ البناء والقسي؛ لأن هناك التقييد منَعَنا من الأخْذ بالإطْلاَق، وهاهنا فوائدُ:
الجزء: 7 - الصفحة: 78
إحداها: لصاحب الوجْه الأول أن يمنع ظُهُور اسْمِ العُود في الذي يُضرَبُ به، ويقُولَ: لفظُ العُودِ مشتركٌ، يستعمل وفي الذي يُتَجَّرُ به، وفي الواحِد من الأخْشَاب بحَسَب الحاجة، ولا ترجيحَ، ثم له أن يقول: إنْ كانَ الاستعمالُ في عُود اللهو أظْهَرَ، فكما ينصرف اللفظ إليه، إذا كان واحداً، يَنْصَرِف إذا كان جميعاً؛ فيلزم أن ينصرف قوله: "عُودٌ من عيداني" إليه، فحينئذ وجَبَ أن تلغو الوصيةُ، إذا لم يكُنْ له عيدان لهو، وإن كان له ما يَصْلُح للأبنية والقسي.
الثانية: إِذا أوصى بعُودٍ، ولا عودَ لَهُ فَقَضِيَّةُ تنزيل مطْلَقِ العودِ عَلَى عود اللهو إبطالُ الوصية، أَو أن يُشتَرَى له عُودُ لَهوٍ يصلُحُ لمنفعة مباحة، وأطلق في "التتمة" أنه يُشْتَرَى مَا لو كان موجودًا في ماله، أمكن تنفيذ الوصية بالعُود به.
الثالثة: وقوعُ الطَّبْل على أنواعه، ليس كوقوع العُود عَلَى معلنيه المذكورةَ، بل الطبلُ موضوعٌ للمشترك بين الأنواع، وليس مشتركًا بينهما، والعُودُ مشتركٌ بين الخشب، والذي يُضْرَبُ به، والذي به، ثم هو بالمعْنَى الأَول غَيْرُ مشترَكٍ بَيْنَ ما يستعمل في الأبنية، ويصْلُح للقِسِيِّ بل للمشترَكِ بينهما.
الرابعةُ: لو أوصَى بعُودٍ من عيدانه، وليس له إلاَّ عودٌ واحدٌ من أعواد اللهو، وواحدٌ مما يصْلُح للبناء، وواحدٌ مما يصلح للقِسِيِّ، فإن جَعَلْنا لفظ العيدان على هذه الآحاد، حملنا اللفظ المشتركَ عَلَى مَعْنَيَيهِ معاً، وفيه نَظَرٌ للأصولِيِّينَ؛ فإن منع، فهذه الصورةُ كما لو أوصَى بعود من عيدانه، وليس له إِلَّا واحدٌ من أعواد اللهو، أو لا عُودَ له، وجب حمْلُ قوله في الكتاب "وله عودُ اللَّهْو، والقَوْسِ، والبِنَاءِ" على الجنس دون الآحاد.
فَرْعٌ: الوصيةُ بالمزْمَار كالوصيَّة بعود اللهو، وإذا صَحَّ، لم يلزم تسليم الجَمِيع، وهو الذي يجعله الزَّامِرُ بين شفتَيْهِ؛ لأن الاسْمَ لا يتوقَّف عليه.
الصورة الثالثة: اسْمُ القَوْسِ يقع على العربيَّة، وهي التي يُرْمَى بها النَّبْل، وهي السِّهَام العربية، وعلى الفارسيَّة، وهي الَّتي يُرْمَى بها النِّشَابُ، وعلى القِسِيِّ التي لها مجْرَى تنفذ فيها السِّهام الصِّغار، وتسمَّى الحسبان، وعلى الجُلاَهِقِ، وهو ما يُرْمَى بها البندق، وعلى قوس النَّدَّافين، والسابق إِلى الفَهْم من لفظ القوس أحدُ الأنواعِ الثلاثةِ الأُولَى، فلو قال أعْطُوه [ما يسمى] قَوْسَاً حمِلَ على أَحدِهَا دون قَوْس النَّدْف، والجُلاَهِق، ولو قال: أعطُوه ما يسمَّى قوساً، ففي "التتمة" أن للوارث أن يُعْطِي ما شاء
الجزء: 7 - الصفحة: 79
من الأَنواع الثلاثة وغَيْرها، ويشبه أن يكون كما لو قال: أعطوه قوساً إِلاَّ أن يقول ما يُسَمَّى قوسًا غالباً، أو نَادِرًا، أو ما أَشبه ذلك، ولو قال: أعطوه قوسًا من قِسِيِّ، وله قِسِيٌّ من كلِّ نوع، أُعْطِيَ ما يرمي به النبل، أو النِّشابِ، أو [الحسبان] 158 دون قَوْس النَّدْف والجُلاَهِقِ، وكذلك لو كان له شَيْء من الأنواع الثَّلاثة، فإن لم يَكُنْ له إلاَّ قوسُ الجُلاَهِقِ، أو قوس الندف [حمل اللفظ عليه؛ للتقييد والإضافة، وإن كان له الجُلاَهِقُ وقوْسُ النَّدْف] 159 جميعاً، أُعْطِيَ الجُلاَهِقَ؛ لأن الاسم أسبقُ إِلَيْه، وكل هذا عند الإِطلاق، فلو قال أعطُوه قوسًا يقاتِلُ بها، أو يَرْمِي الطير، أو يندق، فقد أبان الغَرَضَ، وهل يستتبع الوصيَّة بالقوس الوَتَر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الانتفاعَ يتوقَّف عليه.
وأصحُّهما: لا؛ لخروجه عن مُسمَّى القوس، وصار كما أن الوصيَّة بالدابَّة لا يستتبع السرج، ويشبه أن يجيء الوجهان في بَيْع القَوْس، والنصلُ والرِّيشُ يدْخُلاَن في السَّهْم؛ لثبوتهما، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِشَاةٍ دُفِعَ اِلَيْهِ الصَّغِيرُ وَالكبِيرُ وَالمَعِيبُ وَالسَّلِيمُ والذَّكَرُ وَالأُنْثَى وَالضَّأْنُ وَالمَعْزُ، وَلاَ يُعْطَى الكَبْشَ عَلَى النَّصِّ، وَقِيلَ: يُعْطَى إِذْ لَيْسَ التَّاءُ فِيهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَاسْمُ البَعِيرِ في تَنَاوِلِهِ النَّاقَةَ كَالشَّاةِ في تَنَاوُلهَا الكَبْشَ فِيهِ خِلاَفٌ وَالجَمَلُ لاَ يَتَنَاوَلُ النَّاقَةُ، وَلاَ النَّاقَةُ الجَمَلَ، وَلاَ الثَّوْرُ البَقَرَةَ، وَلاَ عَكْسُهَا، وَلاَ الكَلْبُ الكَلْبَةَ، وَلاَ الحِمَارَ الحمارة، وَلاَ الدَّابَّةُ الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ، فَإِنْ خَصَّصَ عُرْفُ بَلْدَةٍ بِالفَرَسِ فَقِيلَ يُحْكَمُ بِالعُرْفِ، وَقِيلَ: يُنَزَّلُ عَلَى الوَضْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحدَى صُور الفَصْل: اسمُ الشاة يَنْتَظمُ صغيرةَ الجثَّة، وكبيرتَهَا، والسَّليمةَ، والمعيبَة، والصحيحةَ، والمَرِيضةَ، والضأْنِيَّة، والماعزةَ، وأما الكِبَاشُ، والتُّيُوسُ، فنصَّ الشَّافعيّ -رضي الله عنه- في "الأم" أن اسْمَ الشاةِ لا يتناولُهَا، وإنما هو للإناث بالعُرْف، ومن الأصحاب من قال: إنه يتناول الذَّكَر والأنثَى؛ لأنه اسْمُ جنْسٍ كالإنسان، وليست التاء فيه للتأْنيثِ، يدُلُّ عليه قولُهِم: لَفْظُ الشاةِ يذكَّر ويؤنَّث، ولهذا حُمِلَ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةُ" على المذكور والإِناث، وبهذا الوجْهِ أجابَ صاحب "التهذيب" وذكر أبو عبد الله الحناطيُّ مصير الأصحاب [أكثرهم] 160 إليه، ويؤيِّده أنَّا ذكرنا
الجزء: 7 - الصفحة: 80
وجهين في جواز إخْراج الذَّكَر عن خَمْسٍ من الإبل، وبيَّنَّا أن الأصَحَّ الجوازُ؛ لشمُول الاسم، وفي السَّخْلَة والعتاقِ وجهان:
أظهرهما: أنَّ اسْمَ الشاة لا يقَعُ عليهما.
والثاني: يقع؛ بناءً على أنه اسم جنس، فمن قال بالأوَّل، حَمَلَ قوْلَ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- صغيرة أو كبيرة على صِغَرِ الجُنَّة، وكِبَرِها، وبه قال الصيدلانيُّ -رحمه الله- ومن قال بالثاني، حمَلَهُ علَى السنِّ.
إذا عُرِفَ ذلك، قلو قال أعطُوه شاةً من شيَاهِي، أو من غنمي؛ نُظِر؛ إن لم يكن له غنم، فالوصيةُ باطلةٌ، وإن كان له غَنَمٌ، أُعْطِيَ واحدة منها سليمةَ، أو معيبةَ، من الضأن، أو المعز، وإذا كانت كلها ذكُورًا، أُعْطِيَ ذَكرًا، وإن كانتْ كلُّها إناثًا، أُعْطِيَ أنثَى، وان كانت ذكورًا وإناثًا، جاز أَنْ يُعْطَى أنثى، وفي الذَّكَر الخلاف المذكورُ في تناوُلِ الشاةِ الذَّكَرَ، وكان يجوز أن يُقَالَ؛ تفريعًا على أن اسم الشاة لا يَقعُ على الذكر: إن الوصيَّة تلْغُو، إِذَا كان جميع غنمه ذُكُورًا، كما إِذا قال: شاةٌ من غنمي، ولا غَنَمَ له.
ولو قال: أعطُوهُ شاةً من مالي، أُعْطِيَ واحدةٌ يتناولها الاسم؛ فإن ملك غنماً، فللوارث أن يعْطَى على غَيْر صفة غَنَمِهِ، وإن لم يمْلِك غنماً، اشترَى له شاة، بخلاف ما لو قال: من غَنَمي، ولا غَنَمَ له، ولو قال: اشْتَرُوا له شاةَ، حكَى صاحب "التهذيب" أنه لا يجوز أن يشتري معيبةً؛ لأن إطلاق الأمر بالشراء يَقْتَضِي السليم، كما في التوكيل بالشراء، وأيْدَى فيما حكاه احْتمالًا.
ولو قال: أعطُوهُ كَبشًا، أو تَيْسًا أو شاة [ليتريها] 161 على غنمه، فالوصيَّةُ بالذكَر، ولو قال: نعجةً، أو شاةً يحلبها، أو ينتفعُ بدرِّها ونَسْلِها، فهي 162 بالأنثَى.
وقد تَجِدُ في لفْظ الكتاب في المسألة "دُفِعَ إلَيْه الصغير والكبير والسَّلِيم، والمُعِيبُ، والذَّكَر، والأنثَى، والضأْنُ، والمَعْزُ"، وقد تطرح بعض النُسخَ لفظ الذكر، والأنثى، وهو الصوابُ؛ لأن الخلافَ في الكَبْش مذكورٌ على الأثر، فكيف يذكُر المسألة مرَّةً بلا خلاف، ومرةً عَقِبَها مع الخلاف؟!
فَرْعٌ: الظباء قد يقال لها: شياهُ البَرِّ، والثَّوْرُ الوحشيُّ قد يُسَمَّى شاةً في اللُّغة، لكن مطلَقُ الوصية بالشَّاة لا يحمل عليهما، نعم، لو قال: أعطُوهُ شاةً من شيَاهِي،
الجزء: 7 - الصفحة: 81
وليس له إلاَّ ظباءٌ ففيه وجهان في "المعتمد" 163.
الثانية: البعير والجَمَلُ والناقة أسماءٌ تشمل السليم والمعيب والبُخَاتِيَّ، والغِرَابَ، ولا يتناول الجملُ الناقةَ، ولا الناقةُ الجَمَلَ، والبعيرُ، هل يتناول الناقَةَ؟ فيه مثل الخلاف المذكور في أن الشاة، هَلْ تتناول الذكرَ؟ فالحكايةُ عن النصِّ المَنْعُ وتنزيلُ اسم البعير منزلةَ الجَمَل، والأظهرُ عند الأصحاب التناوُلُ؛ لأنه اسم جنسِ في اللغة، وسُمِعَتِ العربُ تقول: صرعتني بَعِيرِي، وحلَبَ فلانٌ بَعِيَرَهُ، وربما أفهمك كلام الأصحاب توسُّطًا بينهما، وهو أن يُنَزَّلَ النصُّ على ما إذا عَمَّ العُرْفُ باستعمال البعير بمعنى الجَمَل، والعمل بقضيَّة اللغة، إذا لم تعم.
واسم الثور للذَّكَر، وفي البقرة وجْهان:
أصحهما: أنها لا تتناول الذَّكَر ووجه الثاني: حَمْلُ الهاء على التَّوْحيد، كقولنا ثمرةٌ، وزَبِيبَةٌ، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- وكذا الخلافُ في اسم البَغْلَة.
ولو قال: أعطُوهُ عَشرًا من الإبل أو البَقَرِ، أو الغنم، جاز الذَّكَر والأنثَى، ولو قال: عشرة أَيْنُقٍ، أو بقراتٍ، لم يُعْطَ إلاَّ الإِناثَ، ولا فرْق بين التصريح بالأَيْنَقِ، والبقراتِ بَيْن أن يقول: عَشْرَاً أو عشرَةً، وهذا في البقراتِ جَوَابٌ على الصحيح، وهو أن البقرة للأنثَى.
ولو قال: أعطُوهُ عَشْراً من الإبل، أو عشَرةً، جاز الذكر والأنثى؛ لتناول الإبل النوعين [وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ وجّهٌ: أنه إن قال: عشرةٌ، فهي للذكور،] 164 وإن قال: عَشْراً، فللإنَاث، وإن قال: أعطوهُ رأْسًا من الإِبِلِ أو البقر أو الغنم، جاز الذكَرُ والأنثى.
ولو أوصَى بكَلْبٍ، أو حمارٍ، حكَى صاحب الكتاب وغيره أنَّهما لا يتناولاَنِ الأنثَى؛ لأنهم ميَّزوا، فَقالوا: كلبٌ، وكلبةٌ، وحمارٌ، وحمارةٌ، ويشبه أن يُقَالَ: إنَّهما للجِنْس، وإن هذا التمييزَ لَيْسَ مستمِرًّا، متقرّرًا في اللُّغة، ولذلك قال صاحب "الصَّحَاح" 165 وربَّما قالوا للأتان حِمَارةٌ، فرواه روايةَ الشَّيْء الغَرِيب، وبتقدير استمرارِهِ، فلا شكَّ أن العرف استمر بخلافه، وقد قال بعض الأصحاب: لهذا يتبع العُرُفَ.
فَرْعٌ: تكميل البقر بالجواميسِ في نُصُب الزكاة، دخول الجواميس في البَقَر وكونُهما نوعَيْ جنْسٍ واحدٍ.
الجزء: 7 - الصفحة: 82
وقال في "المعتمد": الجواميسُ لا تدْخُل في البقر إلاَّ إذا قال: من بَقَرِي، وليس له إلاَّ الجواميسُ، فوجهان، كما ذكرنا في الظِّبَاء.
الثالثة: الدابَّةُ في اللغة اسْمٌ لما يدِبُّ على وجه الأرض، ثم إنه اشتهر استعماله فيما يُرْكَبُ من البهائم، والوصيةُ تنزل عَلَى هذا الموضع الثاني، فلو قال: أعطُوهُ دابَّةً حمل على الخيل والبغال والحمير، فيما نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-.
واختلف الأصحابُ -رحمهم الله- فعنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- إنما ذكَرَ ذلك عَلَى عادَةِ أهْلِ مصْرَ في ركوبها جميعاً، وباستعمال لفظ "الدابة" فيها، فأما في سائر البلادِ، فحَيْثُ لا يستعمل اللفظُ إلاَّ في الفرس، لا يعطَى إِلاَّ الفرَسَ، وعن أبي إِسحاق، وابن أبي هريرة، وغيرهما أن الحُكْمَ في جميع البلاد، كما نص عليه، هذا ما أشار إليه صاحبُ الكتاب بقوله: "فقد قيل: يُحْكَمُ بالعرف، وقيل: يُنَزَّلُ على الوَضْع" يعني الوضْعَ الثاني، وهذا أظهر عند الأئمة، وعلى هذا؛ فلو قال: دابَّةً من دَوَابِّي، وله جنْسَانِ من الأجناس الثلاثة، يخير الوارث، فإن لم يكن له إلاَّ جنْسٌ واحِدٌ، تعيَّن، وإن لم يكن له شيء منها، فالوصية باطلةٌ.
ويدخل في لفظ "الدابَّة" الذكر والأنثَى، والسليم والمعيب، والصغير والكبير، هذا عند الإطلاق.
أما إذا قيد؛ فقال: دَابَّةً للكَرِّ، والفَرِّ أو للقتال، حُمِلَ على الفَرس، ولو قال: لينتفع بظهرها ونَسلِها [ودَرِّها]، فكذلك، ولو قال: يظَهْرِها، ونَسْلِها، حُمِلَ على الفرس، والحمار، ولو قال: للحَمْل، حُمِل على البغَال والحَمير، إِلاَّ أن يكون في بلد [حرث] جرت عادتهم بالحَمْل على البراذين، فيدخُلُ الكُلُّ.
قال في "التتمة": بل لو كان المعهودُ في ذلك البلد الحَمْلَ على الجمال والبقَرِ، فيجوز أن يُعطَى حَمَلاً أو بقَرَةً، ولك أن تقول: هذا كلامٌ لم يصدُرْ عن تأمُّل، فإنا إِذا نزَّلنا الدابَّةَ عَلَى الأجناس الثلاثةِ، لا ينتظم منَّا حمْلُها عَلَى غير هذه الأجناس، بل نصفها بصفة، أو تقييدها بقَيْدٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالرَّقِيقُ يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالمَعِيبَ وَالسَّلِيمِ وَالذَّكَرَ وَالأُنْثَى وَالخُنْثَى، وَإِنْ قَالَ: أَعْطُوهُ رَأْساً مِنْ رَقِيقِي وَمَاتَ وَلَهُ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، وَإِنْ مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ انْفَسَخَتِ الوَصِيَّةُ، وَإِنْ قُتِلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ انْتَقَلَ حَقُّ الوَصِيَّةِ إلى القِيمَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا جَازَ المَعِيبُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالسَّلِيمِ لِعُرْفِ الشَّرْعِ في العِتْقِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي رِقَابًا فَأقَلُّهُ ثَلاَثةٌ، فَإنْ وَفَّى الثُّلُثُ بِاثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ اشْتَرَيْنَا البَعْضَ عَلَى الأظْهَرِ (و)، وَإِنْ وَفَّى بِنَفِيسَيْنِ أَوْ خَسِيسَيْنِ وَبَعْضِ الثّالِثِ فَفِي الأوْلَى تَرَدُّدٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 83
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسْمُ الرقيقِ بالوضع يتناول الصَّغير، والكَبِيرَ، والسَّليم، والمَعِيبَ والمسلَم، والكافِرَ، والذَّكَر، والأُنْثَى، والخنثَى، وفيه مسائل:
إحداها: إذا قال: أوصيتُ برأْسٍ من رقيقي، أو أعْطُوه رأْسًا من رقيقي، نُظِر؛ إن لم يكن له رقيقٌ يوم الوصية، ولا حدَثَ من بَعْدُ، فالوصية باطلةٌ، وكذا لو قال: أعطُوه عبْدِي الحَبَشِيَّ، أو العبد الذي صفته كيت وكيت، [ولا عبد له بتلك الصفة يوم الوصية ولا حدث بعده، وإن حدث له أرقَّاءُ] 166 له إرثًا بعد الوصية، ففيه الوجهان السابقان في أن الاعتبار بيَوْمِ الوصية، أو بيَوْم المَوْت، وعليهما يُخرَّج ما إذا كان له أرقاءُ يوم الوصيَّة وحدث آخرُونَ بعْده؛ هلْ للوارث أن يُعْطِيَه رقيقاً من الحادثين، أم يتعين الأولون؟ ولو لم يملك إلا رقيقًا واحداً، وقال: أعطُوه رأسَيْنِ من رقيقي، فتبطل الوصيةُ، أم تصحُّ ويُدْفَعُ إليه ذلك الواحِدُ؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة" والمذهبُ عَلَى ما حكاه من تلقَّف عَن الإمام هو الثاني.
وإن كان له أرقاءُ أعطاه الوارثُ منْهم مَنْ شاء، نعم، في الخنثَى وجهان:
أصحهما: الجواز أيضاً؛ لوقوع الاسمِ عَلَيْه، فإنه إمَّا ذكرٌ أو أنثى.
والثاني: المنع؛ لانصرافِ اللفْظ إلى الغالب المعْهُود، ويشبه ذلك بما لو أوصَى بدابَّة ينْصَرِفُ إِلى الَمعهود دون ما يَدِبُّ عَلَى وجه الأرض، ولا يجوز أن يُعْطَى غير أرقائه بدلاً إلا برضَى الموصَى له، ولا دون رضاه، أما دون رضاه، فظاهِرٌ، وأما بالرضَى؛ فلأِنَّ حقه غير متعيَّن، والمصالَحَةُ عن المجِهول غيرُ جائزة.
الثانية: له أرقاء، وأوصَى بواحدة منهم، فماتوا، أو قُتِلُوا قبل موت المُوصِي، بطَلَتِ الوصيَّةُ، وإن بَقِيَ واحدٌ، تعيَّنَ ذلك الواحِدُ، وكذا لو أعتقهم إلاَّ وَاحِدًا؛ وليس للوارثِ أن يُمْسك الذي بَقِيَ، ويدفع إِليهِ قيمةَ واحِدٍ من المقتولين، وإن قتلوا بعد موته، وبعد قَبُول الموصَى له، انتقل، حتى الوصية إِلى القيمة، فيصرف الوارثُ قيمةَ مَنْ شاء منهم إليه، وإِنْ قتلوا بعد الموت، وقبل القبول، فكذلك إنْ قلْنا بالوقف أو قلنا تملك الوصيَّة بالموت، وإن قلْنا إِنَّها تُمْلَكُ بالقبول، بطَلَتِ الوصية، وإن ماتَ واحدٌ منهم، أو قُتِلَ بعد موت المُوصِي، وقَبُول الموصَى له, فللوارث التَّعْيِينُ فيه حتى يجب [التجهيز] 167 على الموصَى له، وتكون القيمة له، إِذا قتل، وإن كان ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وَقَبْلَ القبول، فكذلك أيضاً، إن قُلْنا: تُمْلَكُ الوصيَّة بالموت، أو توقَّفْنا، وإن قلنا: تملك بالقبول، فيُعْطَى واحداً من الباقِينَ، كما لو كان ذَلِك قبل موت المُوصِي.
الثالثة: لو أوصَى برقيقٍ من ماله، ولم يضف إلَى أَرقائه، فإن لم يكُنْ له رقيق،
الجزء: 7 - الصفحة: 84
يشتري من ماله، وإن كان فللوارث أن يعطيه واحداً من أَرقائه، وَيشْتَرِيَ له كما يشاء، وإن قال: اشْتَرُوا له مملوكًا، فكما ذكَرْنا في قوله "اشْتَرُوا له شاةً" ولو قال: أعطوه شاة، ولم يَقُلْ من مالي، فالجواب في "التهذيب" أنَّ ذلك لا يكُونُ وصيَّةً، وحكى المتولِّي فيه وجْهَيْنِ؛ هذا أحدهما.
والثاني: تصحيحُ الوصيَّة، وجعْلُها كما لو قَالَ: مِنْ مالي؛ لأنه المرادُ ظاهراً، وهذا هو المَذهب.
الرابعة؛ لو قال: أعْطُوه عبداً، لم يُعْطَ أمةً ولا خُنْثَى مشكلًا ولو قال: أَعْطوهُ أمةً، لم يُعْطَ عبداً، ولا خنثَى مشكلًا وفي الواضح الوجْهان المذْكُوران من قَبل، ولو قال: رقيقًا يستمتع به، أو يَحْضنُ ولده، فهو كما لو قال: أمةً، ولو قال: رقيقاً يخْدمه، فهو كما لو أطْلَقَ.
الخامسة: أَوْصَى بأَن يعتق عنه عبداً، فأظهر الوجْهَيْن: أنه يعتق عنه ما يَقع علَيْه الاسم، كما لو قال: أعطو فلاناً رقيقًا.
والثاني: واختاره الماسرجسيُّ: أنه لا يعتق إلاَّ ما يجْرِي في الكفارة؛ لأن للشَّرْع عرفاً معْلُومًا في العتق، فَينزَّل لفظ الموصِي علَيْه بخلاف العَطَايا والتمليكات فإِنه لا عرف فيها.
فرع: قال اشتَرُوا بثُلُثِي عبداً، وأعتقُوهُ عنِّي فامتثل الوارث ما رَسَمُهُ، ثم ظَهَر عليه دَيْنٌ مستغرِقٌ، قال الأئِمةِ: إن اشتراه في الذمَّة، وقع عنه، ولزمه الثمن، ويكون العتْقُ عن الميت؛ لأنه أعتق عنه، وإن اشتراه بَعَيْنِ التركة، بَطَل الشراء، والعتق؛ لأنه تبين أنَّهُ تُصْرَفُ فيما يتعلَّق به حق الغير، فأشبه التصرُّف في المرهون، هكذا أطلقوه، ولم يذْكُروا فيه خلافاً؛ لكنه قد سبَقَ تفْصِيلٌ في تصرف الوارث في التركة مع قيام الدَّيْن، وذكرنا على تقدير البُطْلان خلافاً في أنه إذا تَصرَّف فيه، ثُمَّ ظَهَر دَيْنٌ، تبيَّن بطلانه، أم لا؟ وهذا ينبغي أن يكون على ذلك الخِلاَفِ.
السادسةُ: إذا قال: أعتِقُوا عنِّي رقابًا، أو قال: اشترُوا بثُلُثِ مالي رِقَابًا، وأعتقُوهُمْ، فأقلُّ عدد يَقَع علَيْهِ اسمُ الرِّقَاب ثلاثةٌ، فَيُنْظَرُ؛ إن تيسَّر شراءُ ثلاثِ رقابٍ فصاعدًا، بثلثه فعل، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-: والاستكثارُ مع الاسترْخَاص أولَى من الاستقلال مع الاستغْلاَءِ؛ ومعناه أن إعتاقَ خَمْسِ رقاب قليلةِ القيمة، أولَى من إعتاق أربعِ كثيرةِ القيمةِ؛ لما فيه من تخْلِيصِ رقبةٍ زائدةٍ عنَ الرِّقِّ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ" 168 ولا يجوزُ صرْفُ الثلث،
الجزء: 7 - الصفحة: 85
والحَالَة هذه، إلى رقبتَيْنِ، أو رقبة، فإن صرفه إلَى رقبتَيْن، قال الشيخ أبو الفرج الزاز: يضمن الوصيُّ الرقبةَ الثالثَةَ، وضمانُهُ ثلثُ ما نفذ فيه الوصية، أو أقلُّ ما يَجِدُ به رقبةً؟ فيه خلافٌ، كما لو دفع نصيب أحد أصناف الزكاة إلى اثنين، وإن لم يتيسَّر شراءُ ثلاثِ رقابِ بالثلث، فيُنْظَرُ؛ إن لم يوجَدْ به إلاَّ رقبتان، اشتريناهُمَا، وأعتقناهما، وإن وجدْنا رقبتين، وفضل شيء، فهل يشتري بالفَاضِل شِقْصًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وَيُحْكى عن أَبي إِسحاق: نعم؛ تكثيرًا للعتق؛ ولأنه أقرب إلَى غرض المُوصِي.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْجٍ: لا؛ لأن الشِّقْص ليْسَ برقبة، فصار كما لو قال: اشتَرُوا بثُلُثِي رقبةً وأعتقوه، فلمَ يجد به رقبةً، لا يشتري الشقص ولأن نفاسة الرقبة مرْغُوبٌ فيها، رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن أفْضَل الرِّقَاب، فَقَالَ: "أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا" 169 فيراعيها إذا ألزمنا محذور التَّشقيصَ، والوجه الأولُ أظهرُ عند صَاحِبِ الكتاب، والثاني أظُهَرْ عند عامَّة الأصْحَاب، وهو ظاهر النَّصِّ، فإن قلْنا: لا يشتري الشَّقْص، اشترينا رقبتين نفيسَتَيْنِ، يستغرق ثمنهما الثلث، فإنْ فَضَلَ عن أَنْفس رقبتينِ، وجدناهما، بطلت الوصية فيه، ويرد على الورثة، وإن قُلْنَا: يشتري الشِّقْص، فذاك، إذا وجد شقْص يشتري بالفَاضِل، وزاد عَلَى ثمن أنفس رقبتين شيء.
أما إذا لم يكُنْ شراء شقُصٍ بالفاضل، إما لقلَّتِه، أو لِفِقْدَانِ الشِّقْص، فيشتري رقبتان نفيستان، فإن فَضَل شيءٌ عن أنفس رقَبَتَيْنِ وجدناهما، بطَلَتِ الوصيةُ فيه، وفيه وجه أنَّه يُوقَفُ إلَى أن يوجد شِقْص، وإن لم يزد على ثمن أنفس رقبتين شَيْءٌ؛ بل أمكن شراءُ رقبتَيْنِ نفيسَتَيْنِ، وأمكن شراءُ خسيستين، وشِقْصٌ من ثالثة فأيُّ الطريقتين أولَى؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأوَّل لمعنَى النَّفَاسَة.
وثانيهما: الثاني؛ لما فيه من كَثْرةِ العِتْق، وهذا أشبه بمأْخَذَ الوَجْه الذي عليه نفرع، ولو كان لفظ الموصِي: اصْرِفُوا ثُلُثِي إلى العتق، فلا خلاف في أنَّا نشتري الشِّقْصَ، ولو قال: اشْتَرُوا عبداً بألف، وأعتقوه، فلم يخْرُج الألف من ثلثه، وأمكن شراءُ عبْدٍ بالقدْر الذي يخرج، فيشتري وُيعْتَقُ كما لو أوصَىَ بإعتاق عبد، فلم يخرج جميعُهُ من الثلث فيتعين، إعتاق القدر الذي يخرج، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا يشتري وتَبْطُلُ الوصية.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في المُوصَى لَهُ فَإذَا قَالَ: لِحَمْلِ فُلاَنةٍ، كَذَا فَأتَتْ
الجزء: 7 - الصفحة: 86
بِوَلَدَينِ وُزَّعَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَاسْتَوَى الذَّكَرُ وَالأُنْثَى فِي المِقْدَارِ، فَلَوْ خَرَجَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ، وَقيلَ يَسْقُطُ الشَّطْرُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُهَا غُلاَمًا فَأَعْطُوهُ فَوَلَدَتْ غُلاَمَيْنِ أَوْ غُلاَمًا وَجَارِيَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ في بَطْنِهَا غُلاَمٌ فأَعْطُوهُ اسْتَحَق الغُلاَم دُونَ الجَارِيةِ، وإنْ كانَا غُلاَمَينِ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، قِيلَ: يُوَزَّع عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: خِيَارُ التَّعْيِينِ إِلَى الوَارِثِ، وَقِيلَ: يُوقَفُ بَيْنَهُمَا إلى الصُّلْحِ بَعْدَ البُلُوغِ، وَكَذَا الحكْمُ إِذَا أَوْصَى لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ إنْ جَوَّزنَا الإِبهَامَ في المُوصَى لَه وَصَحَّحْنَا هَذِهِ الوَصِيَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من المواضِع التي يُبْحَثُ فيها عن اللَّفْظ المستعْمَل في المُوصَى له والوصيَّة للحَمْل، وقد سبق شرطُ صحَّتِها، والنَّظَرُ الآن في قضية اللَّفْظُ باعتبار العدد، والذُّكُورة، والأنَوثَة، وفيه صورتان:
إحداهما: إذا قال: أَوْصَيْتُ لحملِ فلانَة بكذا، فأتت بولدَيْنِ، وُزِّعَ عليهما بالسَّوِيَّة، ولا يفضل الذكر على الأُنْثَى، كما لو وَهَبَ من رجُلٍ وامرأةٍ شيئاً، وإنما التفضيلُ في التَّوْريث بالعُصُوبة، نعم، لو فضل صريحًا فقال: إن كان في بطنها ذَكَرٌ فله كذا، وإن كان في بطْنِها أنثى فكذا، كان الأمر عَلَى ما ذكر، ولو خرج حيٌّ وميِّتٌ، فوجهان:
أظهرهما: أن الكلَّ للحيِّ والميت كالمعدوم؛ ألا ترى أن الواحد، إذا انفصل مَيّتاً، تبطل الوصيةُ، ولا يُصْرَفُ إلَى ورثته شيء، وصار كالميراث الموقُوف للحَمْل؟ وفيه وجهٌ؛ أنَّه يسْقُط الشطْرُ، ويكون للوارث، ويصرف النصفُ إلى الحيِّ أخْذاً بالأسوأ في حقِّه.
الثانية: لو قال: إنْ كان حملُها غلامًا، فأعطوه كذا، وإن كان جاريةً فكذا، أو اقتصر على أحد الطرَفَيْنِ، فإن ولدتْ غلامًا، أو جاريةً، فعلَى ما ذكرنا، وإن ولدتْ غلامًا وجارية، فلا شيء لواحدٍ منهما؛ لأنَّه شَرَطَ صفة الذكورة أو الأنوثة في جُمْلة الحَمْل، ولم يحْصُل، وإن ولدت غلامَيْن، فالجوابُ في الكتاب أنه لا شَيْءَ لهما؛ لأن التنكير يُشْعِر بالتوحيد.
وَيصْدُق أن يُقَالَ: بأن حملها غلامان، لا غلام، لكنه ذكر في "الطَّلاق"؛ أنه لو قال: إن كان حملُكِ ذَكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةٌ، وإن كان أنثَى، فأنت طالقٌ طلقَتَينِ، فولدَتْ ذكَرَيْن، وجْهَيْن:
أحدهما: أنها [لا] 170 تُطلَّقُ؛ لهذا المعنَى.
والثاني: تُطلَّقُ واحدةً والمعنَى، إن كان جنس حملِكِ ذَكَرًا، ولا فرْقَ بين البابَيْنِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 87
فيجيء وجه آخُر؛ أنه يقسم المذكور بينهما، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو الفرج الزاز، قال: وبمثله لو قال: إن كان حملها ابناً، فله كذا، وإن كان بنتاً فكذا، فولدَتِ ابنين، فلا شيء، لهما، [وفرق] بأن الذكر والأنثى أسماء جنس، فيقع على الوَاحِد والعَدَد، بخلاف الابن والبنت، وهذا ليس بمتضح، والقياسُ ألاَّ 171 فَرْق.
ولو قال: إنْ كان ما في بَطْنِهَا غلاماً، والذي في بطنها، فهو كما لو قال: إن كان حمْلُها غلاماً.
ولو قال: إنْ كانَ فِي بَطْنِهَا غلامٌ، فأعطوه كذا، فولدَتْ غلاماً وجاريةً، استحق الغلامُ ما ذكره؛ وإن ولدَتْ غلامَيْن، فوجهان منقولان في "التتمة":
أحدهما: بُطْلاَنُ الوصية، وهذا يخرَّج على قولنا: "إن التنكير يقتضي التوحِيدَ".
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنها [لا] 172 تبطُلُ، وعلَى هذا؛ فثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يوزَّع عليهما، فليس أحدهما أولَى من الآخر.
وأشبههما: أن الوارِثَ يتخيَّر، فيصرفه إلَى من شاء منهما، كما لو وقع الإبهام في المُوصَى به يرجع إلى الوارث.
والثالث: أنه يوقَفُ بينهما إلَى أن يبلغا، فيصطَلِحَا، وتجري الأوْجُه فيما إذا أوصَى لأحد الشخصين، وجوَّزنا الإبهام في الموصَى له ومات قبل البيان ففي وجّهٍ: يُوَزَّعُ، وفي آخر تَعْيِينِ الوارث، وفي آخر يوقَفُ بينهما إلى أن يصطلحا.
ولو قال: إن كانتْ حاملاً بغلام، أو إن ولدَتْ غلاماً، فهو كما لو قال: إن كان في بطْنِها غلامٌ، ولو قال: إن ولدت ذكراً، فله مائتان، وإن ولدت أنثَى، فلها مائة، فولدت خنَثَى، دُفِعَ إلَيْه الأقلُّ، وإِن ولدت ذَكَراً وأنْثَى 173، فلكل واحد منهما ما ذُكِرَ، ولو ولدَتْ ذكَرَيْن وأنثيين جاءَ الوجهان، ثم الوجوهُ الثلاثةُ في كلِّ واحدٍ من الصنفين، وقد عرفتَ ممَّا بيَّنَّا أن جوابَ صاحب الكتاب، فيما إذا قال: إن كان حَمْلُها غلاماً فأعطوه كذا، فولدَتْ غلامَيْن، لا يلائم جوابه فيما إذا قال: إنْ كان في بَطْنِها غلامٌ، فولدَتْ غلاَميْن.
وقوله: "إن جوَّزنا الإبهامَ في المُوصَى به، وصحَّحنا هذه الوصية" بَسْطٌ في العبارة، وأحدُهُمَا مغْنٍ عن الآخر، والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 88
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا أَوْصَى لِجِيرَانِهِ أُعْطِيَ لِأَرْبَعِينَ (ح و) جاراً مِنْ أَرْبَعَةِ جَوَانِبَ قُدَّامٍ وَخَلْفٍ وَيَمينٍ وَشِمَالٍ لِلحَدِيثِ، وَاسْمُ القُرَّاءِ لِمَنْ يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ، فَإنْ لَمْ يَحْفَظْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَوَجْهَانٍ، وَالعُلَمَاءُ يُنَزَّلُ عَلَى العُلَمَاءِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ وَالحَدِيثُ وَالفِقْهُ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَسْمَعُ الحَدِيثَ فَقَطْ وَلاَ عِلْمَ لَهُ بِطَرِيقِ الحَدِيثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور:
إحداها: لو أوصَى لجيرانه، فالمشهورُ من المذْهَب أنه يُصْرَفُ إلى أربعين داراً مِن كل جانب من الجوانب الأربعةِ؛ لِمَا رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارَاً هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وأَشَارَ قُدَّاماً، وَخَلْفاً، وَيميناً، وَشِمَالاً" 174.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- الجار هو الذي يلاصق دارُه دارَهُ، وحَكاه بعضُهم وجهاً لنا.
وقال الأستاذ أبو منصورٍ: من يلاصق دارُه دارَهُ من الجوانب جارٌ، وفيمن ليس بملاصقٍ كالذي بابُ دارِهِ حذاء بابِ دارِهِ، والذين هم في زقاقٍ واحدٍ غير نافذ -اختلافٌ للأصحاب 175.
وقال أحمد -رحمه الله- فيما روى صاحب "التهذيب" وغيره: إن جيرانه الَّذين يحْضُرُون مسْجِدَه، والمشْهُور عنه كالمَشْهور من مذْهَبِنا.
الثانية: إذا أوصَى للقُرَّاء، لم يُصْرَفْ إلَى من يقرأ بعْضَ القرآن، بل إلى الَّذينَ يقرؤون الجميع؛ لأنهم الذين يقع الاسم عليهم في العَادَةِ، وهلْ يدْخُلُ فيه من لا يحْفَظ، ويقرأ من المُصْحَف؟ فيه وجهان؛ يُنْظَرُ في أحدهما إلى الوضع، وفي الثاني إلى العُرْف، وهو الأظهر، ولك أن تقول: اسم القراء، والمقرِئِينَ في هذه الأعْصَارِ يُطْلَقُ على الحُفَّاظ، وعلى الذين يَقْرَؤُونَ بالألحان.
وبالمعنَى الثاني لا يُشْتَرطُ لإطلاق اللَّفْظ الحِفْظُ، ولا قراءة جميع القرآن، فيجوز أن يُقَالَ: إنْ كان هناك قرينةٌ تُفْهِمَ أحد المعنَيَينِ، فذاك، وإلاَّ، فهُوَ كما لو أوصَى
الجزء: 7 - الصفحة: 89
للموالِي 176. الثالثةُ: إذا أوصَى للعلماء، أو لأهل العلْم صُرِفَ إلى العُلَماء بعُلوم الشرع التفسير والحديث والفقه، ولا يدخل في هذا الاسم الذين يَسْمَعُون الحديثَ، ولا علْم لهم بطُرُقِه لا بأسامي الرواة، ولا بالمُتُون، فإنَّ السماع المجرَّد ليس بعْلم، وكذلك لا يدْخُل فيه المقرئون، والمعبّرون، والأُدَبَاء، والأَطِبَّاء، والمَنجِّمُون، والحُسَّاب، والمُهَنْدِسُون، وهكذا ذكر أكثرهم في المتكلِّمين، وفي "التتمة" أن الكلام يدْخُلُ في العلوم الشرعية، وهذا قريبٌ 177؛ لأن إطلاق اسم العلماء في الفُقُهَاء عُرْفٌ مشهور، وهو بالفارسيَّة في
الجزء: 7 - الصفحة: 90
لفظ دَانَسُمَنَدانَ 178 أظهر لكن لا يُعْرفُ في العُرْف فَرْقٌ بين المفسِّىر، والمحدِّث، وبين المتكلِّم، فليدخل الكلُّ، أو ليخرُجِ الكلُّ.
ولو أوصَى للمتفقهة، أو الفقهاءِ, أو الصُّوفية، فعلَى ما ذكرنا في الوقْفِ؛ لكن لفظ صاحب "التهذيب" لا يقنع؛ بما مر في تفسير الفقهاء؛ لأنَّه قال: ولو أوصَى للفقهاء، فهو لِمَنْ يُعْلَم أحكام الشَّرْع من كلِّ نوعٍ شيئاً، وفي "التتمة": أن الرجوع فيه إلى العادة فمن يُسمَّى فقيهاً يدخل فيه، ثم حكى وجهاً في أَن مَنْ حَفِظ أربعينَ مسألةً، فهو فقيهٌ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَفِظ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً، كُتِبَ فَقِيها" 179 ولا يقْوَى هذا لِلاحتجاج؛ لأن حفظ الشيء غيرُ حفْظِهِ على الغَيْر، وأيضاً، فلا دلالة لَهُ على اعتبار أربعين مسألةً، فقد تجتمع أحاديث كثيرة في المسألة 180 الواحِدَةِ.
ولو أوصَى لأعقل النَّاس في البلد، صُرِفَ إلَى أزهدهم في الدُّنْيا، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الرَّبيع، عن نصِّه، ولو أوصَى لأجهلِ النَّاس، روى القاضي الرُّويانىُّ أنه يُصْرَفُ إلى عبدة الأوثان، فإن قال: من المسلمين، قال: مَنْ يسبُّ الصحابة -رضي الله عنهم- وفي "التتمة" أنه يُصْرَفُ إلى الإماميَّة المنتظرة للقائم، وإلَى المشبِّهَة الذين يثبتون لله تعالَى الجوارحَ والأعْضَاءَ 181.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ دَخَلَ المَسَاكِينُ، وَلِلمَسَاكِينِ دَخَلَ الفُقَرَاء إذْ يُطْلَقُ الاسْمَان عَلَى الفَرِيقَيْنِ، وَلَوْ أَوْصَى للفُقَرَاءِ وَالمَسَاكينِ وَجَبَ الجَمْعُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، = المتولي والرافعي ولا ينبغي خلاف، وقد صرح بذلك الصيمري في شرح الكفاية وألحق الفارسي في تعليقه علم المنطق بعلم الكلام، وقد جعله الغزالي في الإحياء منه فقال: والمنطق هو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام.
الجزء: 7 - الصفحة: 91
وَإِنْ أَوْصَى لِسَبِيلِ اللهِ فَهُوَ لِلغُزَاةِ، وَلِلرِّقَابِ فَهُوَ لِلمُكَاتَبِينَ (م) بِعْرفِ الشَّرْعِ، ثُمَّ لاَ يَجِبُ الاسْتِيعَابُ، وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي مِنْ كُلِّ جِنْسٍ ثَلاَثةٌ (ح)، وَلاَ يَجِبُ التَّسْوَيةُ بَينَ الثَّلاَثِ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى لِثَلاَثةِ مُعَيَّنِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يدْخُل في الوصيَّة للفقراءِ المساكينُ، حتَّى يجوز الصرفُ إلَى هؤلاء، وإلى هؤلاءِ، وكذلك يدخل في الوصية للمساكين الفقراءُ، ويجوز الصَّرْفُ إلى الصِّنْفَيْنِ؛ لأنَّ كلَّ واحد من الاسمَيْنِ يقع على الفَرِيقَيْنِ عنْد الانْفِرَادِ؛ وعن أبي إسحاق المَرْوَزِيُّ روايةُ قَوْلٍ: أنَّ ما أوصَى به للفقراءِ, لا يجوز صرْفُه إلى المساكين، وبالعَكْس، يجوز؛ لأن حاجة الفقراء أشدُّ، وهذا في "الرقْم" منسوبٌ إلَى رواية عصام ابن يوسُفَ عن الشَافعيِّ -رضي الله عنه- ولو جمع بينهما، فأوصَى للفقراء والمساكينِ، يجب الجمع بينهما، كما في الزكاة.
ولو أوصَى لسبيل الله؛ وقال ضَعُوا ثُلُثِي في سبيل الله، فهو للغزاةِ الَّذين تُصْرَفُ إليهم الزكاةُ، ولو أوصَى للرقاب أو قال: ضَعُوا ثُلُثِي في الرقاب، فللماكتَبِينَ، فإن دُفِعَ إلَى مكاتَبٍ، فعاد إلى الرِّقِّ، والمالُ باقٍ في يده، أو في يد السيِّد، استرد، ولو أوصَى للغارمين، أو لابن السبيل، فلمن تُصرَفُ إليه الزكاة منهم؟ وبالجملة فالحُكْمُ في هذه المسائلِ كما في الزكاة؛ أخذاً بعْرَفِ الشرع فيها؛ ولذلك يقول: لو أوصَى للفقراء والمساكين، يُجْعَلُ المالُ بين الصنفَيْنِ نصْفَيْنِ، ولا يُجْعَلُ، كما لو أوصَى لبني زَيْدٍ، بني عمْرو؛ حيث يقسم [المال] 182 عَلَى عدَدِهِمْ، ولا ينصَّف، ولا يجب الاستيعاب.
ويكفي الصَّرْف من كلِّ صنْفٍ إلى ثلاثة، ولا يجب التسويةُ بين الثلاثة، ولو صرف إلى اثنَيْنِ، غرم، إما الثلث، أو أقلَّ ما يُتَمَوَّل؛ على الخلاف المذكُورِ في "قسم الصدقات" ثم ليس له دفْعُ ما يغرمه إلى ثالث، بل يسلِّمه إلى القاضي؛ ليدفع بنفسه، أو يردَّه إليه، ويأتمنه في الدفع.
والوصيةُ للعلماء وسائر الموصُوفِينَ كالوصيَّة لأصناف الزكَاة في أنه لا يجِبُ الاستيعابُ، ويقتصر على ثلاثةٍ، والأَولَى استيعابُ الموجُودِينَ عند الإمكان كما في الزَّكَاة.
ولو أوصَى لفقراءِ بلدةٍ بعينها، وهُمْ عددٌ محصُورُون، فيشترط استيعابُهم، والتسويةُ بينهم؛ لتعيُّنهم بل يشترط القبول [في] هذه الوصية بخلاف الوصية لمطلق الفقراء، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، واعلم أنا سنذكر الخلافَ في أنَّ ما أوْصَى به للفقراء أو المساكينِ، هل يجوز نقلُهُ من بلدةِ المَال إلى غيره؟ فإذا قلْنا: لا يجوز،
الجزء: 7 - الصفحة: 92
وجب أن يكون قولُه "أوصيت للفقراء" وفقراءُ البلدة محصورُونَ، بمثابة قَوْلِهِ "أوصيت لفقراءِ هَذِهِ البلدة وهم محصُورُونَ" ويدلُّ عليه أن الأستاذ أبا منصورٍ ذَكَر في الوصيَّة للغارمين أنه يعطَى لثلاثة منهم، إن كانوا غَيْرَ محصُورِين.
وإن كانوا محصورين، استوعبوا، فإن اقتصر الوصيُّ على ثلاثة، فيجزئه أم يضمن حصَّة الباقين؟ جعله على جوابَيْنِ، إن قلْنا بالثاني، فالحساب عَلَى ديونهم، أم على عدد رؤوسهم؟ فيه وجهان 183.
ولو أوصَى لثلاثةٍ معينين، وجب التسوية بينهم، بخلاف الثلاثة المصْروفِ إلَيْهم من الفُقَراء وسائر الأصناف، فإنا عرفْنا ذلك من معْهُود الشَّرْع في الزكاة، وهاهنا الاستحقاق مضافٌ إلَى أعيانهم.
ويجوز أن يُعلَمَ قولهِ: "دخل فيه المَسَاكِين" بالواو، وقوله: "فهو للمكاتَبِين" بالميم، وقوله: "وأقل ما يكفي من كلِّ جنسٍ ثلاثة" بالحاء والألفِ, لأن الحُكْم هاهنا كما في الزَّكَاة، وسنذكر مذْهَبَهُم في "قسم الصدقات".
ولو أوصَى لسبيل البر، أو الخَيْر، أو الثَّواب؛ فعلَى ما ذكرنا في الوَقْف؛ ولو قال: ضعْ ثُلِثي حيث رأيْتَ، أو فيما أراكَ الله، لا يضَعُه في نفْسِهِ، كما لو قال بعْ بكذا، لا يبيعه من نَفْسِهِ، والأَولَى صرفُهُ إلى أقارب المُوصِي الذين لا يَرِثُون منه ثم إلَى محارمه من الرِّضَاع، ثم إلَى جيرانه 184 والله أعلم.
الجزء: 7 - الصفحة: 93
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِلفُقَرَاءِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ القِيَاسُ أنَّهُ كَأَحَدِهِمْ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أنَّهُ لَوْ أَعْطَى أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً فَيُعْطِيهِ الخُمُسَ أَوِ السُّدُسَ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ (و)، وَقِيلَ: يَكْفِيهِ (م ح) أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ إِذْ لَهُ ذَلِكَ في آحَادِ الفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يُعْطِيهِ الرُّبُع (خ) إِذْ أَقَلُّ عَدَدِ الفُقَرَاءِ ثَلاَثَةً، وَقِيلَ: النِّصْفَ (م) لِزَيْدٍ وَالنِّصْفَ لِلفُقَرَاءِ لِلمُقَابَلَةِ في الذِّكْرِ وَهُوَ خِلاَفُ النَّصِّ، وَلَوْ أَوْصَى لِلعَلَوِيِّينَ أَوْ الهَاشِمِيِّينَ أَوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ فَفِي صِحَّةِ الوَصِيَّةِ قَوْلاَنِ، وَوَجْهُ الإبْطَالِ عُسْرُ الاسْتِعَابِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ عُرْفَ في الشَّرْعِ يُخَصِّصُ بِثَلاَثَةٍ بِخِلاَفِ الفُقَرَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْلُ، والذي بعْدَه، ليس لهما كثير اختصاص [بهذا الموضع]، ولعل ركْنَ الموصَى له، أو ركْنَ الصيغة، أحقُّ بهما، ثم فِقْه الفصْل مسألتان:
إحداهما: إذا أوصى لزيد، ولجماعةٍ معه؛ فإما أن يكونوا موصوفين أو معينِينَ:
القسم الأول: إذا كانُوا موصُوفينَ غيْرَ محْصُورِينَ، كالفقراءِ والمساكينِ، ففي المسألة وجه أن الوصيَّةِ في حقِّ زيد باطلةٌ؛ لجهالةِ ما أُضِيفَ إليه، حكاه أبو الفرج [الزاز] 185 في "الأمالي" وهو ضعيف بمرَّةٍ، والصَّحيحُ صحَّتُها، وعلَى هذا، فوجهان، وُيقال: قولان:
أظهرهما: ما روى المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- في بعْض كتبه: أنه قال: القياسُ أنه كأحدهم ووجه التشبيه بما إذا أوصَى لزيد، ولأولاد عَمْرٍو، فإن زيداً يكون كأحدهم، ثم اختلفوا في تَفْسِير ما ذكَرَهُ على وجوه:
أحدها: أن معناه أن الوصِىَّ يعطيه سهماً من سهام القِسْمَة، إنْ قَسَّم المالَ على أربعة من الفقراء، أعطاه الخمس؛ لأن جملة المصْرُوف إليهم خمسةٌ، وإن قسَّمه علَى خمسةٍ منهم، أعطاه السدُس، وعلَى هذا القياس، وهذا ما قرره الأستاذ أبو منْصُور.
= وجزم به الصيمري والماوردي وصاحب البيان وغيره لأن الوصية للوارث لا تصح، وحكاه صاحب التقريب عن ابن سريج.
الثاني: قضية إلحاق هذه المسألة بالوكيل في البيع كما سبق من كلام الشَّافعي أنه لا يجوز للوصي أن يدفع منه شيئاً لولده كما لا يبيع له، وهو ما حكاه الهروي في الإشراف فقال: إذا قال ضع ثلثي حيث شئت قال الشَّافعي: لا يضعه في نفسه وابنه وزوجته ولا ورثة الموصي إلا فيما لا مصلحة فيه للميت.
الجزء: 7 - الصفحة: 94
وأظهرهما: أنه كواحدٍ منهم في أنه يجوز أن يُعْطَى أقلَّ ما يُتَموَّلُ إلاَّ أنه لا يجوز حرمانُهُ للنصَّ عليه، ويُعطَى غنياً كان، أو فقيراً.
والثالث: وبه قال مالك [رحمه الله]: أنَّ لزيدٍ الربع، والباقي للفقراء؛ لأن أقلَّ مَنْ يقع عليه اسمُ الفقراء ثلاثةٌ، فكأنه أوصَى لزيد، ولثلاثةٍ معَهُ، ثم نصيبُ الفقراء يقسَّم بينهم على ما يراه الوصىُّ من تَسَاوٍ وتفاوُتٍ، ولا بدَّ على اختلاف الأوجُهِ من الصَّرْف إلَى ثلاثةٍ من الفقراء، وربما أفهم لفظ صاحب "الشامل" تفريعاً على الوجه الأوسط وجوز الاقتصار على اثنين منْهم، إذا كان زيدٌ فقيراً.
والوجه الثاني: وبه قال أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله -: أن النصف لزيد، والنصف للفقراء؛ لأنه قابل بينه وبينهم في الذِّكْر، فأشبه ما إذا أوصَى لزيد وعمرو، وعن أبي إسحاق أن زيداً إن كان فقيراً، فهو كأحدهم، وإلاَّ، فله النصفُ، حكى البندنيجي عنه؛ أنه ذكره في الدَّرْس، ونقله إِلى الشَّرْح، فهذا وجه ثالثٌ.
وفي "التَّتمة" أنه إن كان غنياً، فله الربع؛ لأنه يدخل في الفقراء، فهم ثلاثة، وهو رابِعُهم، وإن كان فقيراً، فله الثُلُث؛ لدُخُوله فيهم، وهذا وجهٌ رابعٌ.
هذا كلُّه فيما إذا أطلق ذكْر زَيدٍ، أما إذا وصَفَه بمثل صفة الجماعة، فقال: لزيد الفقيرِ، وللفقراءَ، جرى الخلاف فيما لزيد، إن كان فقيراً، ومنهم من خصص الأوجه بهذه الحالة، ونفى القول بكونه كأحدِهِمْ عند الإطلاق، وإن كان غنيّاً، لم يُصْرَفْ إلَيْه شيءٌ، ونصيبه للفقراء، إن قلنا: إنَّه كأحدهم، وإلاَّ، فهو لورثة المُوصِي، وإن وصف زيداً بغير صفة الجماعة؛ فقال: لزيدٍ الكاتبِ، وللفقراءِ.
قال الأستاذِ أبو منصور: له النصْفُ قولاً واحداً، ويشبه أن يجيءَ فيه القوْلُ بأن له الربُعُ إن لم تجئْ باقي الاختلافات.
ولو أوصَى لزيدٍ بدينارٍ، للفقراءِ بثُلُثِ مالِهِ، لم يُصْرَفْ إلى زيد غَيْر الدينار، وإن كان فقيراً؛ لأنه قطع اجتهاد الوصيِّ بالتقدير، ولك أن تقول: إذا جاز أن يكون التنصيص علَى زَيْدٍ في قوله: "لزيد وللفقراء؛ لئلا يُحْرَمَ زيدٌ، جاز أن يكون التقدير هاهنا: لئلا ينقص المصروف إلَيْه عن دينار، وأيضاً، فيجوز أن يقصد عيْن زيد بالدينار، وَجهه الفقراء بالباقي، فيستَوِي في غرضه الصَّرْف إلى زيد وغيره.
ولو أوصَى لزيد، وللفقراء، والمساكين، فإن جعلناه كأحدهم في الصورة السابقةِ، فكذلك هاهنا، وإن جعلْنا له النصْفَ هناك، فله الثلثُ هاهنا، وإن جعلْنا له الربُعَ هناك، فله السبُعُ هاهنا.
القسم الثاني: إذا كانوا معينين، نُظِر؛ إن لم يكونوا محصُورِينَ كالعَلَوِيِّينَ
الجزء: 7 - الصفحة: 95
والطَّالِبِيِّينَ، فسنذكر الخلافَ في صحَّة الوصيَّة لهم وإن صحَّحنا، فالحُكْم كما إذا كانوا موصُوفِينَ، وإن لم نصحح، قال المسعوديُّ: هو كما لو أوصَى لرجل وللملائكة، وإن كانوا محصُورِينَ، فهو كأحدهم أم له النصف قال الأستاذ أبو منصور: فيه احتمالان أظهرهما الثاني، ثم حكى اختلافاً للأصحاب في أن النصْفَ الذي هو لهم 186 يُقَسَّمُ بين جميعهم، أم يجُوزُ صرْفُه إلى ثلاثة منهم؟ والمشهورُ لزومُ القسْمة على الجَمِيعِ.
فَرْعٌ: له ثلاثُ أمهاتِ أولادٍ، وأوصى لأمهاتِ أولادِهِ، وللفقراءِ، والمساكين.
قال المتولِّي: ظاهر المذْهَب قسمةُ المال علَى الأصنام أثلاثاً، وعن أبي علي الثقفيِّ: أنه يُقسَّمُ على خمسة؛ لأن أمهاتِ الأولادِ محصوراتٌ، ويجب استيعابُهُنَّ، والفقراءُ، والمساكينُ غيرُ محصورين، فَيُجْعَلُ كلُّ واحد من الصنْفَيْنِ مصرفاً وكلُّ واحدةٍ من أمهات الأولاد مصرفاً، [والله أعلم].
المسألة الثانيةُ: في الوصية لجماعةٍ معينين غيرِ محصُورين؛ كالعلوِيَّة، والهَاشِمِيَّة، والطالِبِيَّة، قولان، ويُقَال: وجهان:
أصحُّهما: وبه قال أحمد -رحمه الله- أنها صحيحةٌ كالوصية للفقراء، والمساكين.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنها باطلة؛ لأن التعميم يَقْتَضِي الاستيعاب، وأنَّه ممتنعٌ بخلاف الفقراء، فإنا عرَفْنَا هناك عرفاً مخصصاً للشرع بثلاثة، فاتَّبَعْناه.
ومَنْ نَصَرَ الأول، قال: ذلك العرف إنَّمَا يثبت في الفقراء، وأصناف الزكاة، ثم ألحق به العلماء ونحوْهم بالاتفاق، فجاز أن يلحق به العَلَوِيَّة، ومن في معناهم لتعذُّر الاستيعاب، فإن قلنا بالأول، لم يجب الاستيعابُ، ويجوز الاقتصارُ عَلَى ثلاثةٍ منهم، ولا يجبُ التسوية، كما في الفقراء، ولا يُشْتَرَطُ القبول.
ومهْما أوصَى لبني فلان، فإن عدوا قبيلة كبني تميم، وبني هاشم، فهي كالوصيَّة للعلَوِيَّة، وفي جواز الصرف إلى [أبنائهم] 187 وجْهان، ذكرناهما في "الوقْف" عَلَى بني تميم؛ والأظهرُ الجوازُ: فإن لم يُعَدُّوا قبيلةً؛ كبني زيْدٍ، وبني عَمْرٍو، فيشترط القبول، والاستيعابُ، والتسويةُ، ولا يجوزُ الصَّرْف إلى الإناث.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "وإذا أوصَى لزيْد، وللفقراء"، أجرى ذكر زيد من غَيْر وصْف بالفَقْر، ولا غيره، فيجوز أن يريد به المشترك بين صورة تجريد ذكْر زيد، ووصفه ويجوز أن يريد صورةَ التجْريد علَى التقْدِيرَيْنِ، فيجوز أن يُعْلَم قولُهِ: "قال
الجزء: 7 - الصفحة: 96
الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "القِيَاسُ أنَّهُ كَأَحَدِهِمْ" لما ذكرنا أن بعضهم لمْ يُثْبِتْ هذا القول في صورةِ التجريد، وحَمَلَ لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- على ما إذا أوصَى لزيد الفقير، وللفقراءِ، ويجوز أن يُعْلَمَ ما سوَى وجه "النصْف" بالحاء والألف؛ لأنهما يقولان بذلك الوجه، وما سوى وجه "الربع" بالميم؛ لأن مالكاً يقول به، وقوله: "أو قبيلة عظيمة" يعني التي تنحصر، لا التي تكثر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِجِبْرِيلَ فَالنِّصْفُ (و) لِزَيْدٍ وَالبَاقِيَ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ ولِلرِّيحِ، وَقِيلَ: الكُلُّ لَهُ إِذْ الْإضَافْةُ إِلَى الرِّيحِ لاَغِيَةٌ بِخِلاَفِ جِبْرِيلَ، وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدِ وَلِلَّهِ قِيلَ: الكُلُّ لِزَيْدٍ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى تَأَكِيدٌ لِقُرْبَةِ الوَصِيَّةِ، وَقِيلَ: المُضَافُ إِلَى اللَّهِ لِلفُقَرَاءِ فَإِنَّهُمْ مَصَبُّ الحُقُوقِ.
قَال الرَّافِعِيُّ: إذا أوصَى لزيد وجبريل عليه السلام فوجهان:
أصحهما: أن النصْفَ لزيد، وتبطُلُ الوصية في الباقي، كما لو أوصَى لزيد، ولأحد ابْنَيْهِ، يكون لزيد النصْفُ، وتبطل في الباقي، إن لم نصحح الوصيَّةَ للوارث، أو صحَّحناها، ورُدَّ بسائر الورثة كما لو أوصَى لابْنِ زيدٍ، وابْنِ عمْرٍو، ولم يكن لعمرٍو ابْنٌ، أو لزيدٍ وعَمْرٍو، وابْنَيْ بَكْرٍ، ولم يكن لبكرٍ إلاَّ ابنٌ، يسمى زيداً يكون النصفُ للموجود، ويبطل الباقي.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أن الكلَّ لزيد، ويلْغُو ذكْرُ من لا يثبت له الملك ويفارِقُ تلك الصورة؛ فإن المذكور هناك ممَّن يثبت له الملْكُ، ولم يذكر صاحب الكتاب في المسألة سِوَى الوجه الأول، وذكر الوجْهَيْن فيما إِذا قال: لزيد وللرِّيح، وأوهم القطْعَ بما ذكر في الصُّورة الأولى؛ فرقاً بأن جبريل حيٌّ قادرٌ، والإضافة إلى الرِّيح لاغيةٌ مِنْ كل وجه، والأكثرون نقلوا فيهما وجْهَيْن بلا فرق، وطردُوهما في كلِّ صورة.
أَوْصَى لزيدٍ، ولمَنْ لا يُوصَفُ بالملك؛ كالشيطان 188، والبهيمة، والحائط، وغيرها, ولو أوصَى لزيد وللملائكة، أو لزَيْدٍ وللرياحِ، أوله وللحيطانِ، فإن جعلنا الكلَّ لزيدٍ، فذاك، وإلا، فله النصف، أو الربعُ، أو للموصِي أن يعطِيَهُ أقلَّ ما يُتَمَوَّلُ على الخلافِ المذكورِ فيما إذا أوصَى لزيد، وللفقراء، أو لو أوصَى لزيد وللَّهِ تعالَى، فوجهان:
أحدهما: أن الكلَّ لزيد، وذكْرُ اللَّه تعالَى للتَّبَرُّك؛ كقوله تعالَى في آيتَي الفَيْءِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 97
والغَنِيمَةِ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال- 41].
والثاني: أن النصفَ لزيد، والباقي للفقراء؛ فإنَّهم مَصَبُّ الحقوق المضافة إلى اللَّهِ تعالَى.
قال الأستاذ أبو منصور: وهذا أصحُّ الوجهَيْن، لكنه لم يخصَّص النصف الباقي بالفقراء، بل [لو] قال: إنه في سَبِيل اللَّه، يُصْرَفُ إلَى وجوه القُرْب، وفيه وجه ثالثٌ عن ابن القاصِّ، أن النصفَ يُرْجَعُ إلَى ورثة الموصِي.
واعلم أنا حكَيْنا فيما إذا أوصَى لأجنبي، ووارث يطلب الوصيةُ في حقِّ الوارث وجهاً أنها تبطل في حقِّ الأجنبيِّ أيضاً، بناءً على أن تفريق الصفقة لا يجوز، وذلك الوجهُ علَى ضعْفه يلزم طَرْدُه في نَصِيبِ زيْدٍ في هذه الصُّورة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ فِيهِ الوَارِثُ وَالمَحْرَمُ وَغَيْرُ المَحْرَمِ (ح)، وَلاَ يَدْخُلُ الأَبُ وَالابْنُ فَلاَ يُعَرَّفَانِ بِالقَرِيبِ، وَيدْخُلُ الأَحْفَادُ وَالأَجْدَادُ، وَقِيلَ: لاَ يَدْخُلُ (ح) الأُصُولُ وَالفُرُوعُ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ (ح)، وَلاَ يُرْتَقَى فِي بَنِي الأَعْمَامِ مِنَ الأَقَارِبِ إِلاَّ إلى أَقْرَبِ جدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ الشَّافِعِيِّ في زَمَانِهِ ارْتَقَيْنَا إلى بَنِي شَافِع لاَ إلى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ، وَفِي زَمَانِنَا لاَ يُصرَفُ إِلاَّ إِلَى أَوْلاَدِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ لاَ إِلَى بَنِي شَافِعٍ، وَقَرَابَةُ الأُمِّ تَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ العَجَم، وَلاَ تَدْخُلُ في وَصِيَّةِ العَرَبِ عَلَى الأَظْهَرِ لِأَنَّهُمْ لاَ يَعُدُّونَ ذَلِكَ قَرَابَةً، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى لِلأَرْحَامِ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّحِمِ لاَ يُخَصُّونَ بِهِ، وَلَوْ أَوْصَي لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ خَرَجَ وَرَثَتُهُ لِقَرِينَةِ الشَّرْعِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ كُلُّهَا لِلآخَرِينَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ فَيَبْطُلُ نَصِيبُ الوَارِثِ وَيَصِحُّ البَاقِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في هذا الموضِعِ إلَى آخر الطَّرَف في الوصيَّة للقرابة، وتشتمل مسألتَيْنِ:
إحداهما: إذا أَوْصَى لأقارِب زَيْدٍ، فيتضح الحكم بذِكْرِ جُمَلٍ:
إحداها: يدخل في هذا اللفظ الذكَرُ والأنْثَى، والفقيرُ والغنيُّ، والوارثُ وغيرُ الوارثِ، والمحرمُ وغير المحرم، والقريبُ والبعيدُ، والمسلمُ والكافرُ, لأن الاسم ينتظم الجميع.
وقال أبو حنيفة: لا يدْخُل الغنيُّ، ولا غيرُ المَحْرَمِ، ولا يسوى بين القريبِ والبَعِيدِ، بل يُقدَّمُ الأقربُ، فالأقربُ، ولا يصرف إلى العَمِّ شيءٌ مع ولَدِ الأخِ، ولا إلى ابن العم مع العمّ.
وقال مالِكٌ -رحمه الله-: لا يدخل غير الوارث، وعن أحمَد -رحمه الله- أنه لا يدخلُ الكافر، ولو أوصَى لأقارب نفسه، ففِي دخول الورثة وجهَان.
الجزء: 7 - الصفحة: 98
أحدهما: أنهم لا يدْخُلون لقَرينَة الشَّرْع، لأنَّ الوارث لا يُوصَى له، خاصَّة، ولا يدخُلُ في عموم اللفظ، فعلَى هذا تختصُّ الوصية بالباقين، هذا ما يُحْكَى عن الصَّيْدَلانِيِّ، ولفظ الكتاب يقتضي ترجيحَهُ، ولم يذكر في "التتمة" غيره.
والثاني: يدخُلُونَ؛ لوقوع الاسْمِ عليهم، ثم يبطل نصيبهم، ويصحُّ الباقي لغير الورثة.
ولك أن تقولَ: وجَبَ أن يختص الوجهان بقولنا: إنَّ الوصيةَ للوارِث باطلةٌ، أما إذا قلْنَا: إنَّها موقوفةٌ على الإجازة، فليُقْطَعْ بالوجّهِ الثاني.
الثانية: في دخول الأصُولِ والفُرُوعِ أوجُهٌ:
أحدها: وبه قال أبو حنيفة وأبو إسحاق -رحمهما الله-: إن الاُبَوَيْنِ، والأولادَ لا يدْخُلون، ويدخل الأحفادُ، والأجدادُ؛ لأن الولد والوالد لا يُعَرَّفَانِ بالقريب في العُرْف، بل القريب من ينتمي إلَيْهِ بواسِطَةٍ.
[والثاني: أنه لا يدخلُ واحدٌ منْ الأصول والفروع؛ إذ: لا يُسَمُّوْنَ أقارِب] 189.
والثالث: يدخلُ الكلُّ وهذا ما أورده المتولِّي، ورجَّحه الشيخ [أبو الفرج] الزاز، ولهما أن يمنعا ما زَعَمَهُ صاحب الوجّه الأوَّل في تفسير القَرِيب، وأنْ يحتجا بأنَّ الأب والابن يدخلان فيما إذا أوصَى لأقرب الأقارب، فكيف يكون الشخص أقْرَبَ الأقارب، ولا يكون من الأقارب، وعلى هذا؛ فالأوَّلُ أظهرُ من جهة النقل، كما يشعر به نظْمُ الكتاب، حتى أن الأستاذ أبا مَنْصُورٍ ادَّعَى إجماع الأصحاب عَلَى أنه لا يدْخُلُ الأبوان والأوْلاَد.
الثالثة: يعتبر أقربُ جدٍّ يُنْسَبُ إليه الرجُلُ، ويعدُّ أصلاً، وقبيلة في نفسه، فيرتقي في بني الأعمام إليه، ولا يعتبر من فوقه حتَّى لو أوصَى لأقارب حَسَنِيٍّ، أو أوصى حَسَنِيٌّ لأقارب نفسه، لم يدخُلِ الحسينيون.
وكذلك وصيَّة المأموني لأقاربه، والوصية لأقارب المأمونيِّ لا يدخل فيها أولاد المعتصم، وسائر العباسية، والوصية لأقارب الشافعيِّ -رضي الله عنه- في زمَانِهِ يُصْرَفُ إلَى أولاد شافِعٍ، ولا يدخل فيها أولادُ عَلِيٍّ، والعبَّاسِ، وإن كان شافعٌ, وعليٌّ، وعبَّاسٌ، كلُّهم أولادُ السائِبِ بنِ عُبَيْدِ، والشافعيُّ هو مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ العَبَّاسِ، بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
ولو أوصَى مُوصٍ لأقارِبَ بَعْض أولادِ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في هذه الأزمنة، دخَلَ فيه أولادُ الشافعيِّ -رضي الله عنه- دون غيرهم منْ أولاد شافِعٍ، وعلَى هذا القياس.
الجزء: 7 - الصفحة: 99
وعن أَحمد -رحمه الله- أنه يُنْظَرُ إلَى الأب الثالث، فتُصرَفُ الوصيةُ إلى أولاده، دون أولاد الأب الرابع، ومن فوقه.
الرابعة: وصية العجَمِ، يدْخُلُ فيها قرابةُ الأب، والأمِّ في وصية العَرَبِ وجهان:
أظهرهما: عند المصنِّف وصاحب "التهذيب": أن قرابة الأمُّ لا تدخلُ، وبه قال أحمد -رحمه الله- لأن العرب لا تعدُّها قرابةَ، ولا تفتخر بها، وإنما تفتخر بمَنْ ينتمي إلَيْهم منْ جهة الأبِ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو ظاهر النص في "المختصر": الدخولُ كما في وصية العجم، والذي ادعاه صاحبُ الوجه الأول ممنوعٌ؛ ألا تَرَى إِلى ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَعْدٌ خَالِي فَلْيُرِني امْرُؤٌ خَالَهُ" 190 وبهذا أَجَاب أَصحابُنا العراقيُّون، وهو الأقوى.
الخامسةُ: لا فَرْقَ بين أن يقول: أوصيتُ لأقاربي، أو لقرابتي، أو لذِي قرابَتِي، أو ذي رَحِمِي، أو ذَوِي قرابَتِي، أو ذَوِي رَحِمي، في جميع ما ذكرنا، لكن قرابة الأمِّ عَلَى ما هو ظاهرُ النصِّ يدخل في لفظ الرَّحِم، بلا خلاف، في وصية العرب والعَجَم، جميعاً؛ لأن لفظ الرحِم لا يختص بطرف الأب، وإذا لم يوجَدْ إلاَّ قريبٌ واحدٌ، صُرِفَ المال إليه، إن أوصَى لذوي قرابته، أو ذي 191 رحمه، أو لقرابته، فإن القرابة مصدرٌ يوصَفُ بها الواحدُ والجميعُ، أما إذا كان اللفظ: لأقارِبِي، أو أقربائي، أو ذوي قَرَابَتِي، أو ذوي رحمي، فوجهان في أنه، هل يكون له الكُلُّ:
أظهرهما: نعم؛ لأن الجميع ليْسَ مقصوداً هاهنا، وإنما المقصود الصَّرْف إلَى جهة القرابة، هكذا وجه الإمام، لكنه لو كان كذلك، لَمَا وجب الاستيعابُ؛ كالوصية للفقراء، وإذا قلْنا: لا يكونُ الكلُّ لذلك الواحد، فله الثلثُ، ويبطُلُ الباقي، وحكى الأستاذ أبو منصور وجّهاً آخَرَ؛ أنَّه يكون له النصفُ، إن كان هناك جماعةٌ محصُورون، فَيُقَسَّمُ المالُ بينهم بالسوية، ولا بد منْ استيعابهم، خلافاً لأبي حنيفة - رحمه الله- حيث جَوَّزَ صرْفَ المال إلَى ثلاثة منهم.
وحكَى الحناطيُّ وجهاً مثْلَهُ، وقد مضَى نحوٌ منه عن رواية الأستاذ أبي منصور،
الجزء: 7 - الصفحة: 100
وإن كانُوا غيْرَ محصُورَيْنَ؛ كالوصية للعَلَوِيَّة، والقَبَائِلِ العظيمة، وقوله في الكتاب "ارْتَقَيْنَا إلى بَنِي شَافِعٍ، لا إِلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِي المُطَّلِبِ" هؤلاء كلهم أجدادُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- عَلَى ما ذكرنا نسبه، لكن شافعاً أقربهم منْه، وإليه انتسابه.
وقوله "وفي زماننا لا يُصْرَفُ إِلاَّ إلَى أولادِ الشافعيِّ" أي: إذا أوصَى لأقارب بعض أولاد الشافعيِّ، وقولهِ: "لأن لفظ الرَّحِم لا يخصِّصُونه" يعني أنهم لا يخصِّصون هذا اللفظ بقرابة الأبِ، بخلاف لفْظ القَرِيب واَللَّه أعْلمُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أوْصَى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ دَخَلَ فِيهِ الأَبُ وَالابْنُ، ثُمَّ لاَ تَرْجِيحِ بِالذُّكُورَةِ، فَيَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُّ، وَالأَخُ وَالأُخْتُ، وَالأَخُ مِنَ الجَانِبَيْنِ أَوْلَى مِنَ الأَخِ مِنْ جهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالأَحْفَادُ وإِنْ سَفَلُوا يُقَدَّمُونَ عَلَى الإِخْوَةِ، وَكَذَا بَنُو الإِخْوَةِ عَلَى الأَعْمَامِ لِقُوَّةِ الْجِهَةِ، وَلاَ يُقَدَّمُ ابْنُ ابْنِ الأَخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ عَلَى الأخِ لِلْأَبِ، وَلاَ عَلَى ابْنِهِ لِأَنَّ جِهَةَ الأُخُوَّةِ وَاحِدَةٌ فَيُرَاعَى قُرْبُ الدَّرَجَةِ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ البِنْتِ عَلَى حَفَدَةِ الابْنِ لِلْقُرْبِ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الْوِرَاثةَ، وَفِي الجَدِّ مَعَ الأَخِ لِلْأَبِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَوِيَانِ، وَالثَّانِي: الأَخُ أَوْلَى لِقُوَّتِهِ، وَفِي الجَدِّ مَعَ ابْنِ الأَخِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: الجَدُّ أَوْلَى لِقُرْبِهِ، والآخَر: ابْنُ الأَخِ أَوْلَى لِقُوَّةِ البُنُوَّةِ، وَالجَدُّ أَبُ الأُمِّ مَعَ الأَخِ لِلْأُم كَأَبِ الأَبِ مَعَ الأَخِ لِلْأَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثانية: إذا أوصَى لأقرب أقارب زَيْدٍ، دَخَلَ فيه الأبوانِ، ثم في الأب والابنِ، إذا اجتمعا وجّهَانِ، وعن رواية القاضِي أبَي الطَّيِّب قولان:
أحدهما: أنه يسوَّي بينهما؛ لاستوائهما في الرتبة، وعلى هذا؛ يُقدَّم [الأب على ابن الابن.
وأظهرهما: ولم يورد طوائف سواه: أنه يُقدَّم] 192 الابن لقوة إرْثِهِ وعصوبته، وعلَى هذا؛ فالأولادُ يُقَدَّمُونَ عَلَى مَنْ عداهم، ويليهم البطْنُ الثاني، ثم الثالثُ إلى حيث انْتَهَوْا ويستوي أولادُ البنين، وأولادُ البنات.
وقد يُقَالُ: إذا اقتضَتْ قوَّةُ الإرث، والعُصُوبَةِ في الابن، تقدمه على الأبِ، فهلاَّ اقتضى أصْلُ الإرث بالعُصُوبة في أولادِ البَنِينَ تقدُّمَهم على أولاد البنات فإنْ لم يكُنْ أحد من الأولاد والأحفادِ، فيُقدَّمُ الأبوان، وبعدهما الأجدادُ والجداتُ، إن لم تُوجَدِ الإِخْوَةُ والأخواتُ، عَلَى شرط تقديم الأقرب فالأقرب منْهم، أو الإِخوة والأخوات، إن لم تُوجد الأصول.
الجزء: 7 - الصفحة: 101
وإذا اجتمع الجدُّ والأخ.
فأظهر الطريقَيْنِ أن المسألة على قَوْلَيْنِ:
أحدهما: أنهما يستويان؛ لاستوائهما في الدرجة.
وأصحهما: تقديمُ الأخ؛ لِقُوَّة البنوُّة وهما كالقولَيْنِ فيما إذا اجتمع جَدُّ المعتق، وأخوه.
والطريق الثاني: القطْع بالقول الثاني، فإن قلنا بالتسوية، فالجد أولَى من ابن الأخ؛ لقربه، وإن قدمنا الأخ؛ فكذلك يُقدَّم ابن الأخ، وإن سَفَل، وأُجْرِيَ الخلاف في ابن الأخ مِنْ أبِ الجَدِّ، والظاهرُ تقديمُ ابن الأخِ، ثم يقدم بعدهم أولادُ الأخوةِ والأخَوَاتِ، ثم الأعمامُ والعَمَّات، ويُساويهم الأخوالُ والخالاتُ، ثم أولادُ هؤلاءِ, والأخ من الجهتين يُقدَّم على الأخ من جهةٍ واحدةٍ؛ لزيادة قرابته.
وحكى الإمامُ في "باب النكاح" أنَّ بعض الأصْحَاب أثبت في تقدمه 193 قولَيْنِ؛ كما في ولاية التزْويج، وهكذا نذكر الحناطيُّ، والأخ من الأب والأم، والأخُ من الأمِّ يستويان فيه، وكذا القولُ في أولاد الإخوة، والأعمام، والأخوال، وأولادِهِمْ، وفي تقدم الجدَّة من الجهتَيْنِ، على الجَدّ منْ جهةٍ واحدةٍ وجهان، وهما كالوجهَيْنِ في الميراث؛ أنَّ السدس بينهما أم تفضل صاحب الجهتين ويخرَّج مما ذكرنا أنه إذا اجتمع أولادُ إِخْوة مفترقين 194، وأولاد أخوات مفترقات، فالمالُ لولدِ الأخ من الأبوَيْنِ، وولد الأختِ من الأبوَيْنِ، وإن لم يوجَدْ أولادُ الإخوة والأخوات من الأبَويْنِ، وأولادُهُمْ من الأب، وأولادُهُمْ منْ الأمِّ سواءٌ، هذا إذا استوَتِ الدرجة، فإن اختلفت، قُدِّم الأقربُ منهم مِنْ أي جهة كان، حتى لا يُقدَّم ابنُ ابْنِ الأخ من الأبوين عَلَى الأخ من الأب، ولا على ابنه، بل يُقدَّمان عليه، وكذا يُقدَّم الأخ من الأم، وابنه؛ لأن جهة الأخُوَّة واحدةٌ، فيراعَى من قرب الدرجة، فإذا 195 اختلفتِ الجهة البعيدةُ من الجهة القَرِيبَةِ، تُقدَّم على القَرِيبِ من الجهَة البَعِيدَةِ، حتى يُقدَّم ابنُ ابنِ الابْنِ على الأخ، وابنُ ابنِ الأخِ، وإن سَفَلَ عَلى العم.
ولا ترجيح في هذا الباب بالذُّكُورة، ولا ينظر إلى الورثة بل يستوي في الاستحقاق الأبُ والأمُّ والابنُ والبنتُ، والأخُ والأختُ، كما يستوي المُسْلِم، والكَافِر، ويُقدَّمُ ابْنُ البنتِ على ابن [ابن] 196 الابنِ، وكلُّ ذلك؛ لأن الاستحقاق منوطٌ بزيادة القرب.
الجزء: 7 - الصفحة: 102
فَرْعَانِ: الأولُ: لو أوصَى لجماعةٍ من أقرب أقاربَ زَيْدٍ، فلا بدَّ من الصرف إلى ثلاثةٍ، فإن كان له في الدرجةِ القربَى ثلاثة، كبنين، أو بناتٍ، أو إِخوةٍ، دفعَ إليهم، وإن كانوا أكثر من ثلاثة، ففي وجوب تعميمهم وجّهَان.
أحدهما: أنه لا يجبُ؛ لأن الجماعة تَحْصُل بثلاثة، فيختار الوصيُّ ثلاثة منْهم، كما لو أوصَى للفقراء.
والثاني: وهو الذي اختاره صاحب "الشامل" وحكاه عن القاضي أبي الطيب في "المجرَّد": أنه يجبُ التعميم، وإلاَّ صارَتِ الوصيَّة لغير معيَّن، بخلاف الوصيَّة للفقراء؛ لأن المعتبر هناك جهةُ الفقر، وإن كانُوا دون الثلاثة، تمَّمنَا الثلاثة، ممَّن يليهم، وإن كان له ابنان وابنُ ابنٍ، دُفِعَ إليهم، وإن كان له ابن، وابنُ ابنِ، وابنُ ابنِ ابنٍ، دُفِعَ إليهم، وإن كان له ابنٌ وابنا ابْنٍ، فكذلك، وفي ابنٍ، وابنِ ابنٍ، وابْنَي ابنِ ابنٍ، يُدْفَعُ إلَى الابنْ، وابْنِ الابنِ، وواحد من الذين هم في الدرجة الثالثة، أم يعممون؟ فيه الوجهان، وإذا قلنا: يعممون، فالقياس التسويةُ بين كلِّ المدفوع إليهم، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد أن الثُّلُثَ لِمَنْ في الدرجة الأُولَى، والثلث لمن في الثانية، والثلث لِلَّذِينَ هم في الثالثة، هذا ما نقل عن النَّصِّ وكلام الأصحاب في الفَرْع، وكان الأشبه أن يُقَالَ: إنَّها وصيةٌ لغير معيَّنٍ؛ لأنَّ لفظ الجماعةِ منكر فصار كما لو أَوْصَى لأحد الرجُلَيْنِ، أو لثلاثةٍ لا على التعيين من جماعة معيَّنِين.
الثاني: لو أوصَى لأقربِ أقاربِ نَفْسِه، فالترتيبُ عَلَى ما بينا، لكن لو كان الأقربُ وارثاً، صُرِفَ إلى من يليه ممَّن ليس بوارث، إن لم نصحح الوصية للوارث، أو صححناها, ولم يُجزْ سائرُ الوَرَثَةِ، هكذا نقل صاحب "التهذيب" 197 وغيره، وهو جواب عَلَى قولنا: إنه لو أوصَى لأقارب نفسه، لم تُدْخُلِ الورثةُ بقرينة الشَّرْع، أما إذا قلْنا: إنهم يَدْخُلُون، ويوزَّع المال عليهم، وعلَى من ليس بورثة، فهاهنا تبطُلُ الوصية، إلاَّ أن يتعدَّد الأقربون، ويكون فيهم وارثٌ، وغَيْرُ وارثٍ.
وأما لفظ الكتاب، فقد تغير ترتيب بعض مسائل الكتاب 198 فيما ذكَرْناه ولا بأسَ بمثله عند الحاجَةِ، وقوله: "فيستوي الأبُ والأُمُّ" وكذا قوله: "والأخ من الجانبين أولَى من الأخ من جهة واحدة" فإنَّ هذا اللفظ ينتظم الأخَ من الأبِ، والأخَ من الأمِّ وكلاهما جواب على أنَّ قرابة الأم يدْخُلُون في الوصية مطلقاً، وعلَى ذلك؛ يتفرَّع ما بيناه في شرح الفَصْل، فإنْ قلنا: إنهم لا يدْخُلُون في وصيَّة القرب، فلا استحقاق للأخ من الأم بحال، وقوله: "وفي الجَدِّ مع الأخ للأبِ قولان" يجوز إعلام لفظ القولَيْن بالواو؛
الجزء: 7 - الصفحة: 103
للطريقة القاطعة، بتقديم الأخ، ويمكن إعلام قولُه "يستويان" وقوله: "الأخ أولَى" بالحاء؛ لما ذكر الأستاذ أبو منصور أن قياس قول أبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- في الميراث تقديمُ الجَدِّ على الأخ، وذلك خلافُ القولَيْنِ جميعاً، وعلى هذا، يمكن إعلام قوله: "ابنْ الأخِ أولَى" بالحاء أيضاً.
وأما قوله: "والجدُّ أبُ الأمِّ مع الأخ للأمِّ كالجَدُّ أبِ الأبِ مع الأخِ للأبِ" فينبغي أن يُعْلَمَ بالواو لأنه يتفرع عَلَى إدخال قرابة الأمِّ في الوصيَّة، ثم لا شَكَّ عَلَى هذا الوجْه في مجيء القولَيْن في الأخ للأم مع الجد للأم لكنَّ إيرادَ الكتَابِ مع التقييد أولاً في قوله وفي الجَدِّ مع الأخ للأبِ يشعر إشعاراً ظاهراً بتقديم الجِدِّ أَبِ الأبِ على الأخِ للأمِّ جَزْماً، كما في الإرث، لكن الذي ذكره أصحابُنا العراقيُّون، وصاحب "التهذيب"، و"التتمة" -رحمهم الله- أنه لا فَرْقَ وَيجْرِي القولان في الجَدِّ أبِ الأبِ مع الأخِ للأَمِّ، وفي الجدِّ أبِ الأمِّ مع الأخِ للأبِ، وهذا هو قياس الباب.
ثم إنَّا نخْتُم هذا القسم بفُرَوع تليق به [ونوردها أتباعاً] 199 بتوفيق اللَّه تعالَى، مقْتَصِرِينَ عَلَى بيان الألفاظ المستعملة في الموصَى لهم، فنقول:
آل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو المُطَّلِبِ أمْ جَمِيعُ أمته.
فيه وجهان ذكَرْنَاهما في "الصلاة"، والأصحُّ الأولُ، وعن مالك: آله أصحابُهُ ولو أوصَى لآلِ غَيْرِهِ، فوجهان:
أحدهما: بطلانُ الوصية؛ لإبهام اللفظ؛ وتردُّدِه بين القرابة وأهل الدِّين وغيرهما.
وأشبههما: الصحَّةُ؛ لظهور أَصْلٍ له في الشَّرِيعَةِ؛ وعلى هذا قال الأستاذ أبو منْصُور: يُحتمل أن يكون كالوصيَّة للقرابة، ويُحْتَملُ أن يُفَوَّضَ إلى اجتهادِ الحَاكِم، فإن كان هناك وصيٌّ فالمتبع رأيُ الحاكم، أو الوصيِّ؟ حكى الإمام: فيه وجهين، ولم يذكروا أن الحاكم والوصيَّ يَتَحَرَّيَانِ مُرَادَ الموصِي، أم أظهر معاني اللفظ بالوَضْع، أو الاستعمالِ، وينبَغِي أن يُقَالَ: المرعِيُّ مرادُهُ، إن أمكن العثُورُ علَيْه بقرينةٍ، وإلاَّ فأظهر المعاني 200.
وفي أهل بَيْت الرَّجُل وجهان:
أحدهما: الحمْلُ على ما يُحْمَلُ عليه الآلِ.
والثاني: دخولُ الزوجة أيضاً، وكأنه أشبه، وفي أهله دون لفظ البَيت وجهان أيْضاً:
الجزء: 7 - الصفحة: 104
أحدهما: الحَمْلُ على الزوجة خاصَّةً، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: عَلَى كلِّ مَنْ تلزُمُه نفقتُهُ، فعلى الأول؛ لو صدَرَتِ الوصيةُ منْ امرأة بطلت 201.
وآباء فلان: أجداده منْ الجهتين، وأمهاته جدَّاته منْ الجهتين، هكذا ذكره الأستاذ أبو منصور وغيره، وحكى الأستاذ عن أصحاب الرأْيِ أن الأجّدَادَ منْ جهة الأمِّ لا يدْخُلُون في الآباءِ والجَدَّاتُ من جهة الأب لا يدْخُلْنَ في الأمهات.
وجعل الإمام المذْهَبَيْنِ وجّهَيْن، ورأى الأظهر ما نسب إلَى أهل الرأْي، ولا خلافَ في شُمُول الأجدادِ والجَدَّاتِ منْ الجهتين، ولا يدخل في الإِخْوَة والأَخَوَاتِ والأحفاد.
والأَخْتَانُ أزواج البنات، ولا يدخل في أزواجُ العَمَّات، والخالاَتِ، وفي أزواج الأخوات وجهان:
أصحُّهما: عند الإمامِ المنْعُ، ويدخلُ أزواج الحوافد، وإن قُلْنَا بدُخُول الأحفاد في الوصيَّة للأولاد، عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يدخل زَوْج كلِّ ذات رَحِمٍ محرم، وللأصحاب وجه مثله، ثم الاعتبارُ بكونه زوجاً عند الموت، فلو كانت خليَّةً يوم الوصية، منكوحةً يوم الموت، استحَقَّ زوجُها.
ولو كانتْ مزوَّجةَ يوم الوصية، مطلَّقةً يوم الموت فإن كان الطَّلاَقُ رجعياً، فالاستحقاقُ بحاله، وإلاَّ، فلا شَيْء له، وإنْ طلق بيْن المَوْت والقَبُول، استحق، إن قلنا: إن المِلْكَ في الوصيَّة يحْصُل بالموت، أو توقفنا فإن قلنا: يحصل بالقبول، فعلى وجهين.
ويجْري الخلافُ فيمن تزوَّجت بعد مَوْت المُوصِي، ثم قتل زوجها.
وأحماء الرَّجُل أَبوا زوجته، وفي دخول أجدادها وجَدَّاتها تردُّد، حكاه الإمام -رحمه الله -، ولا يدْخُل أبوا زوْجَةِ الأب، وأَبَوا زَوَجَةِ الابْنِ، والأصهارُ كالأحماءِ، هذا ما نقله الأستاذ أبو منْصُور، وتابعه إمام الحَرَمَيْنِ.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ: أن كلَّ رجُلٍ من رجال المحارم، وأبو زوجته حَمُو، وأن الأصهار تشمل الأختان والأحماء 202.
ويدخل في المحارم كُلُّ محَرَّمٍ بالنَّسَب، وبالرِّضَاع، أو بالمُصَاهَرة، والأولاد، والذُّرِّيَّة، والنَّسْل، والعَقِب، والعِتْرَة، عَلَى ما ذكرنا في الوَقْف.
الجزء: 7 - الصفحة: 105
ولو قال: لورثةِ فُلاَنٍ، فلمن وَرِثَهُ مِنْ ذَكَرِ، وأنثَى ينسب أو سبَبٍ بالسوية، لا على مقادير الإرْثِ، فإن لم يكُنْ له وارثٌ خاصٌّ، وصرف ماله إلَى بيت المال، بَطَلتِ الوصيَّة.
وإِن ورثته بنتُ واحدةٌ ولم يحكم بالرد، فتستحق جميع الوصية، أم بعضها؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الأستاذ: أوَّلُهما, ولو مات الموصي، والذي أوصَى لورثته، أو لعَقِبِهِ حىٌّ؟ فالحكايةُ عن بعض الأصحاب بُطْلاَنُ الوصية, لأن الإنسان لا يرثه، ولا يعقبه أحدٌ، وهو حىٌّ، وقال صاحب "النِّهاية" الظاهرُ عِنْدي صحَّةُ الوصيَّة في لفظ العَقِب، إن كان له أولادٌ؛ لأنهم يسمون أعقاب الشَّخْص في حياته.
قال: ومثل هذا محتمل 203 في لفظ الورثة، وعلَى هذا؛ فيوقَفُ إلى أن يموتَ، فيتبين من يرثه 204.
ولو أوصَى لعصبة فلانٍ، لم يُشْتَرطْ في الاستحقاق كون فُلاَنٍ ميتاً يوم موت الموصِي، بخلاف ما ذكَرُوه في لفظ الورثة، والعَقِب، ثم أَوْلاَهم بالتَّعْصيب أولاهم بالوصيَّة.
للمَوَالِي؛ على ما ذكرنا في "الوقْف"، ولو كان له موالٍ من الأعلى والأسفل، ففيه الوجوه، وعن رواية البُوَيْطِىِّ قولٌ آخر؛ أنه يوقَفُ إلَى الاصْطلاَحِ؛ وإن لم يكن إلا أحدُهُما، فيُصرَفُ المال إليه، وهاهنا كلامان:
أحدهما: قد يبحث عَنْ موضع الأوْجُه، فنَقُول: إن قصد أحدهما، وجب أن يُحْمَلَ اللفظُ عليه، ولا يجيء فيه الخلافُ، وإن فرض الكلام، فيما إذا لم يَقْصِدْ واحداً منهما، فلا معنى لقولنا: إن الظاهر الإحْسَانُ إلى المُعْتَقِ مكافأَة، أو أن العادة الإحسانُ إلى المَمَالِيكِ، بل لا تتجه إلاَّ القسْمَةُ عليهما، أو الإبْطَالُ.
والثاني: إذا لم يوجَدْ إلاَّ أحدُهما، فينقدِحُ أن يُفَرَّعَ على الأوجه فيُقَالَ: إنْ قلْنا بالقسمة، فينبغي أن يُصْرَفَ الآن إلَى الذي وَجَدَ النِّصْف، وإن قلنا بالحمل على المعتق، أو العتيق فإن كان المَوْجُود، هُوَ المحْمُولَ عليه، فذاك، وإلاَّ، بطَلَتِ الوصية، وإن قلْنا بالبطلان، فكذلك هاهنا؛ لأن إبهام اللَّفْظ لا يختلِفُ بين أن يوجد مجاملة، أو
الجزء: 7 - الصفحة: 106
لا يوجد، ثم إذا اقتضَى الحالُ الحَمْل على الموالي من الأسفل، أو صَرَّحَ الموصى به، ثبت الاستحقاق لكل منْ عَتَقَ عليه، سواءٌ تبرَّع بإعتاقه، أو أَدَّى به كفارة أو نَذْراً أو أُعْتِقَ علَيْه بالملك.
وفي أُمهاتِ أولادِهِ، ومدِّبريه وهم الذين يُعْتَقُون بموته وجهان 205.
ويتامى القبيلة الصبيانُ الفاقِدُون لآبائهم، وهل يُشْتَرَطُ الفَقر للاستحقاق؟ فيه وجهان.
أشبههما: ما قيل في سهم الفَيْء والغنيمة: نعم، ولا بدَّ منْ تعميم المستحِقِّين، هذا إذا انحصَرُوا، [وأما] إذا لم ينْحَصِرُوا، فيجوز الاقتصارُ حينئذ على ثلاثةٍ، وجزم الأُستاذُ باشتراط الفقر فيهم، لكن الوجهين مشهورانِ في خُمْس الخمس مع عدم الانْحِصَار.
والعمْيَانُ والزَّمَنى كالأيتام في التفْضيل والخِلاَف 206.
واسمُ الأراملِ يقَعُ على اللواتِي ماتَ عنْهُنَّ الأزوَاجُ، وعلى المختلعات، والمبتُوتَاتِ دُون الرجْعِيَّات، والأيامَى غير ذوات الأزواج، هذه عبارة الأستاذ [أبي منصور]، وبها أخذ الإمام -رحمه الله- وقال: الفَرْقُ أنَّ الأرملةَ التي كانتْ لها زوجٌ والأيِّمُ لا يُشْتَرَطُ فيها تقدُّم زوج، ويشتركان في اعتبار الخُلُوِّ عن الزوج في الحال، وعبارة صاحب "المهذب" والشيخ القراء لا يُعْتَبَرُ تقدُّم الزوج في تفسير الأرامل، وذكروا في دُخول مَنْ لا زَوجَة له من الرجال في لَفَظِ الأرامل 207 وجّهَيْنِ؛ لأن الاسم في العُرْف للنساء، لكن الشاعر قال [البسيط]:
كُلُّ الأَرَامِلِ قَدْ قضيَتْ حَاجَتَهُمْ ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الأرْمَلِ الذَّكَرِ
وفي اشتراط الفقر الوجّهَان المذكُورَان في الأيتام، وبالاشتراط أجاب الأستاذ هاهنا.
والمعتَبَرُون من الأقارب الَّذين يعترَّضون، ولا يسألون، وذو القنوع الذين، يسألون.
الجزء: 7 - الصفحة: 107
وثيب القبيلة: النساء دُون الرِّجَالِ على أظهر الوجّهَيْن، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: أنه يدْخُل الرجَالُ الذي أصابُوا، وفي الأبكار هذا الخلافُ.
وغِلْمَان القَوْم وصبيانُهُمْ، وكذا الأطفال، والذَّرَارِي، واختلف الجوابُ في الشيوخ، والفتيان، والشبان ففي "المهذب" و"التهذيب" أن الشيوخَ الذين جاوَزُوا الأربَعِينَ، والفتيان والشُّبَّان الذين جاوَزُوا البلُوغَ إلى الثلاثين، والمفهومُ منه أنَّ الكُهُول هم بين الثلاثِينَ والأربَعِينَ، فرواية الأستاذ عن الأصْحَابِ الرُّجُوع في ذلك إلى اللُّغَة، واعتبارُ كَوْن الشَّعْر في السواد، والبياض، والاختلاط، ويختلف ذلك باختلاف أمزجة الأبدان 208.
الجزء: 7 - الصفحة: 108
[القسم الثاني: في المسائل المعنوية]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: القِسمُ الثَّانِي في الْمَسَائِلِ المَعْنَوِيَّةِ: أَوَّلُهَا الوَصِيَّةُ بِمَنَافِعِ الدَّارِ وَغَلَّةِ البُسْتَانِ وَثَمَرَتِهِ نَصَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- عَلَى صِحَّتِهِ، وَكَذَا مَنَافِعُ العَبْدِ وَهُوَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ بَعْدَ المَوتِ لاَ مُجَرَّدُ (ح) إِبَاحَةٍ حَتَّى إِذَا مَاتَ المُوصَى لَهُ وُرِثَ (ح) عَنْهُ، وَيصِحُّ (ح) إِجَارَتُهُ، وَلاَ يَضْمَنُ إِذَا تَلِفَ العَبْدُ في يَدِهِ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ اكْتِسَابِ العَبْدِ مِنَ الاصْطِيَادِ وَالاختِطَابِ، ولا يَمْلِكُ وَلَدَ الجَارِيةِ وَلاَ عُقْرَهَا، وَلاَ مَا يَمْلِكُهُ العَبْدُ بِالاتِّهَابِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَهَل يَمْلِكُ المُسَافَرَةَ بِهَا دُونَ رِضَا المَالِكِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أنَّ الوصيَّة بمنافع العبْد والدَّار صحيحةٌ مؤبَّدةً، ومؤقتةً، وكذا بِغَلَّة الدار، والحانوت، وكذا بثمار البستانِ الَّتِي ستحدُثُ على الأصحِّ، ولو أوصَى بخدمة عبد سنةً من السنين، ولم يعيِّن، [فيجعل] التعيين إلى الوارث [وصحت الوصية]؛ قاله الخُضَرِيُّ، وغيره ويجوز أن يجعل له ثمرة بستانه [فإن لم تثمر فثمرة] 209 العام القابل، أو خدمة عبْده العَام، فإن مرض، فخدمة العام الثاني، وكذا يجوز أن يُوصِيَ بخدمة عبده لإنسان مدةَ حياةِ زيد.
إذا تقرَّر ذلك، فالغرض الآن الكلامُ في فروع الوصية بالمنافع، ويبنى علَى أصل، وهو أن هذه الوصيَّة تمليكٌ للمنافع بعد المَوْت، وليست مجرَّد إباحة.
كما أن الوصيَّة بالأعيان تمليكٌ لها بعد الموت، فلو مات الموصَى له، وَرُثْتُ عنه؛ كسائر حقوقه، وله الإجارة، والإعارةُ، والوصية بها, ولو تلف العبد في يَدِه، لم يضمَنْه، كما لا يضمَنُ المستأجر.
قال في "التهذيب" وليس عليه مؤنةُ الرَّدِّ.
وعن أبي حنيفة: أنها عاريَّةٌ لازمةٌ لا مِلْكَ فيها, ولا يُورَثُ عنه، وليس له الإجارة، هذا إذا أطلق الوصيَّة بالمنافع، أو قيَّدها بالتأبيد، والمرادُ من التأبيد استيعابُ
الجزء: 7 - الصفحة: 109
الوصيَّة بمنفعة العبد مدةَ حياتِهِ، وكذا الحكمُ فيما إذا أوصَى بمنفعته مدةً مقدرةً من شهر أو سنةٍ، وحُكِيَ عن رواية أبي علي الطبريِّ؛ وغيره وجّهٌ آخرُ؛ أنها لا تنتقل إلَى وَارث الموصَى له لا عند الإطلاق ولا إذا قدر بمدَّة معْلُومَة، ومات الموصَى له قبل انقضائها، والمذهبُ المشهورُ الأوَّلُ.
أما إذا قال: أوصيتُ لك بمنافعه مدة حياتِكَ، فهو إباحةٌ، وليس بتمليكٍ، فليس له الإجارة، وفي الإعارة وجهان 210. وإذا مات الموصَى له، رجع الحقُّ إلى ورثة الموصِي، ولو قال: أوصيتُ لك أن تَسْكُنَ هذه الدار، أو بأن يخدمك هذا العبْدُ، فهو إباحةٌ أيضاً، لا تمليكٌ؛ بخلاف قوله: "أوصيتُ لكَ بسُكْنَاها أو خدمته" هكذا ذكره القَفَّال وغيره، لكنا ذكرنا وجهَيْن فيما إذا قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لتَفْعَلَ كذا، أنَّ العقْدَ الحاصلَ إجارةُ عَيْنٍ، أم إجارةٌ في الذِّمَّة؟ فإنْ قلنا: إنه إجارة في الذِّمَّة، فينبغي ألا يفرق هاهنا بين قوله: "بأن يسْكُنَهَا، أو بِسُكْنَاهَا".
وفي "فتاوى القفَّال": أنه لو قال: أطعموا فلاناً كذا مَنَّاً منْ الخبزِ منْ مَالِي، اقتضى تمليكَهُ، كما في إطعام الكفارة، ولو قال: اشتَرُوا الخُبْزَ، واصرفوه إلَى أهْل محلتي، فسبيله الإباحةُ، هذا هو الأصل.
وأما الفروع: فمنها ما يتعلق بجانب الموصَى له فيملك إثبات اليد على العبد الموصَى بمنفعته أو منافعه، وإكسابه المعتادَةِ من الاحتطاب والاصطياد، وأجرة الحِرْفَة؛ فإنها أبدال منافعه، وفي الأكساب النادرة؛ كالموهوب والملتقط وجهان:
أظهرهما: المنع، فإنَّها لا تقصد بالوصية، وذكر الحناطيُّ، أبو الحسنِ العباديُّ الوجهَيْنِ في مطلق الأكساب، وسيأتي في آخر الفصل ما يحقِّق روايتهما.
الجزء: 7 - الصفحة: 110
ولو أتت الجاريةُ الموصَى بمنفعتها بولدٍ منْ زوج، أو زنًى، فوجهان:
أحدهما: أنه يملكه الموصَى له؛ كالأكساب، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- سَمَّى وَلَدَ الرَّجُلِ كَسْبه.
وأصحهما: أنه لا يملكه، وعلَى هذا، فوجهان:
أحدهما: أنه ملك لورثة الموصِي؛ لأن استحقاق المنفعة لا يتعدَّى إلَى الولد، كما في الإجارة.
والثاني: أن حكمه حكم الأمِّ, رقبته للورثة، ومنفعته للموصَى له؛ لأنه جزء من الأمِّ, فيجري مجراها، وبهذا أجاب العراقيُّون، وصاحب "التهذيب" وإذا وُطِئَتْ بشبهة، أو زُوِّجَتْ، فلِمَنِ المهْرُ؟ فيه وجهان؛ جواب العراقيين بأسرهم: أنه للموصَى له، توجُّهاً بأن المهر من نماء الرَّقَبَة وغلتها، فكان كالأكساب، وتابعهم عليه صاحب "التهذيب".
والمنسوبُ إلى المرَاوِزَةِ: أنه لورثة الموصِي؛ لأنه بدل منفعةِ البُضْع، ومنفعةُ البُضْع لا تجوز الوصية بها، فبدلها لا يستحق بالوصية، وإذا تَعَذَّر ذلك كان تابعاً للرقبة؛ وهذا أشبه وأظهرُ عَلَى ما ذكره صاحب الكتاب، وهو الذي أورده أبو سعدٍ المتولِّي، ولا خلاف أنه ليس له وطؤها, لكن لو وطئها, لم يُجَدَّ للشبهة، وفيه وجه: أنه يُحَدُّ، كما لو وطئ المستأجر، ولو أولدها بالوطء لم تَصِرْ أمَّ ولد له، لكن الولد حرٌّ للشبهة.
وحكى العباديُّ وجْهَاً؛ أنه يكون رقيقاً، فإذا قلنا بحريته، فإنْ جعلنا الولد المملوك كالكسب، فلا قيمة عليه، وإلاَّ، فعلَيه القيمة، ثم هل هي لمالك الرقَبَة أم يشتري بها عبداً تكون رقبته لمالك الرقبة ومنفتُهُ للموصَى له فيه وجهان، هذا ما ذكروه في هذه الصورة، ولم يَفْرِقُوا بين أن يقول: أوصَيْتُ بمنفعة العبد، أو بغلته، أو بكسبه، أو بخدمته، أو بمنفعة الدار، أو سكناها، أو غلَّتِهَا، وكان الأحسن أن يُقَالَ: الوصيةُ بالمنفعة تُفِيدُ استحقاق الخدمة في العبد، والسكنى في الدار، والوصية بالخدمة، والسكنى لا تفيد استحقاق سائر المنافع؛ ألا ترى أنه إذا استأجَرَ عبداً للخدمة، لم يملك تكليفه البناء، والغراس، والكتابة؟ وإذا استأجر دَاراً للسُّكْنَى لم يكن له أن يعمل فيها عمل الحدَّادِين، والقصَّارين، ولا أن يطرح الزيل فيها؟ ولا يبعْدُ أن يكون المرادُ هذا.
وإن أطلقوا الكلام إطلاقاً، وأجرَوُا الصُّوَرَ مُجْرًى واحداً، بل ينبغي أن يُقَالَ: الوصيةُ بالغَلَّة، والكَسْبِ، لا تفيدُ استحقاق السكْنَى، والركوب، والاستخدام، والوصية بواحد منها لا تُفيد استحقاقَ الغلَّةِ، والكسْبِ، والغَلَّةُ، فائدةُ عينيةٌ، والمنفعة تُطْلَقُ في مقابلة العَيْن، فيُقَالُ: الأموالُ تنقسم إلى الأعيان والمنافعِ، وهذا يوافق ما حكاه وجّهاً؛ أن الموصَى له بالمنفعة لا يستحقُّ مطلق الكسب.
الجزء: 7 - الصفحة: 111
وهل ينفرد الموصَى له بالمسافرة بالمُوصى بمنفعته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يجوز لزوج الأمةِ أنْ يُسَافِر بها، رعايةً لحق المالك.
وأظهرهما: نعم، وإلا، فيتبعض عليه الانتفاع، وليس كالزَّوْج مع السيد، فإن المنفعة هناك للسيد، ولذلك يستقلُّ بالمسافرة وملك الرقبة، هاهنا لا يستقل.
وقوله في الكتاب في مبدأ الفصل "الوصيةُ بمنافعِ الدارِ، وغلَّةِ البُسْتَانِ، وثمرتِهِ لفظ الغلَّة" بالدار أليق منه بالبستان، فلو قال: بمنافع الدار، وغلَّتها، وثمرة البُسْتَانِ كان أولَى، وهكذا هو لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" قال: "ولو أوصَى بخدمة عبده، أو بِغَلَّةِ دارِهِ أو ثمرة بستانه".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالوَارِثُ يَمْلِكُ إِعْتَاقَهُ، ثُمَّ يَبْقَى (و) مُسْتَحِقَّ المَنَافِعِ بَعْدَ العِتْقِ، وَيَلْزَمُهُ (ح) الإِنْفَاقُ قبْلَ العِتْقِ، فَإِنْ أَرَادَ الخَلاَصَ فَلْيُعْتِقْ، وَقِيل الإِنْفَاقُ عَلَى المُوصَى لَهُ، كَمَا أَنَّهَا عَلَى الزَّوجِ، وَقِيلَ: إنَّهَا في كَسْبِهِ، وَلاَ يَمْلِكُ الوَارِثُ بَيْعَهُ إن أَوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُؤَبَّداً، وَإِنْ كَانَ مُؤقَّتاً فَهُوَ كَبَيْعِ المُسْتَأْجِرِ، وَهَلْ يَمْلِكِ كِتَابَتَهُ وَلاَ كَسْبَ لَهُ إلاَّ الصَّدَقَاتُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالمَاشِيَةُ المُوصَى بِنِتَاجِهَا لِلغَيْرِ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِبَقَاءِ بَعْضِ المَنَافِعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن الفروع ما تتعلق بجانب وارِثِ المُوصِي، وهي أربعة:
إحداها: الوارثُ يملك إعتاقَ العَبْدِ المُوصَى بمنفعته؛ لأن رقبته خالصةٌ له، وأشار صاحب "الرقم" وغيره إلَى خلاف 211 فيه؛ والمذهب الأول؛ وحكى الإمام وجهَيْن في جواز إعتاقه عن الكفارة.
وأصحهما: المنع؛ لأنه عاجزٌ عن الكسب لنفسه، فأشبه الزَّمَنِ، ثم إذا أُعْتِقَ، فوجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: بل في معْظَم كتب الأصحاب: أن الوصيَّةَ تبقَى بحالها، وتكونُ المنافعُ مستحقَّة للموصَى له، كما كانت؛ كما إذا أعتق العبد المستأجر، ولا يرجع العتيق على المعتق بقيمة المنفعة، بخلاف ما إذا آجر عبده، ثم أعتقه، حيث قلنا: عَلَى رأيٍ: إنه يرجع بقيمة المنفعة للمدَّة الباقية؛ لأنه أتلف عليه منفعتَهُ بعْد العتق، بعقد قبله، وأخذ عوضَهَا، وهاهنا مِلْكُ الرقبة مسلوب المنفعة، ولم يفوت عليه شيئاً.
والثاني: نقله أبو الفرج الزاز أن الوصيَّةَ تَبْطُلُ، ويبعُدُ أنْ يكون الحُرُّ مستحِقَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 112
المنفعة أبد الدهْرِ، وعلى هذا؛ فهل يرجع الموصَى له على المعْتِقِ ببدل المَنَافِع؟ فيه وجهان، وهل للوارِثِ كتابةُ هذا العبد؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن أكسابه مستحَقَّةٌ للغير فلا تنصرف إلَى جهة الكتابة.
والثاني: نعم؛ اعتماداً على ما يأخذه من الزكاة.
الثاني: إن كانت الوصيةُ بمنفعةٍ مدةً معلومةً، فنفقته على الوارث؛ لأنه مالك الرقبة.
كما إذا آجر عبده، وإن كانت الوصية بها على التأبيد، لثلاثة أوجه:
أصحهما: أن الجواب كذلك، فإن كان يتضرَّر بذلك فخلاصُهُ في أن يعتقه.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- والإِصطخريُّ: أنها على الموصَى له؛ لأنه ملك منفعته عَلَى التأبيد، فأشبه الزَّوْجَ.
والثالث: أنَّها في كسبه، فإن لم يكُنْ له كسْبٌ، أو لم يَفِ بها، ففي بيت المال 212؛ لأن الإيجاب على الوارث، ولا فائدة له في العبد وإجحافٌ به، والموصَى له، لا يملك الرقَبَةَ، حتى نوجب عليه، فتعيَّن ما ذكرناه، والفطرة عَلَى ما ذكره أبو الفرج السرخسيُّ، وطائفة، كالنفقة، ففيها الخلاف.
وعلى ما أورده صاحب "التهذيب" القطعُ بوجوبها عَلَى مالك الرقبة، وهو كما حَكَيْنَا عن أبي الفضل بنْ عبدان في "باب الفطرة" فيما إذا أوصَى برقبة عبده لرجل، وبمنفعته لآخر، وعلفُ البهيمةِ كنفقة العبد، وعمارة الدار الموصَى بمنافعها وسقي البستان الموصى بثماره، إنْ تراضيا عليه، أو تطوَّع به أحدهما، فذاك، وليس للآخر منعه، وإن تنازعا، لم يُجْبَرْ واحدٌ منهما، بخلاف النفقة؛ لحرمة الحيوان.
وأشار بعضُهم إلَى طرد الخلاف المذكور، في العمارة، وسائر المؤنات 213.
الثالث: بيع الموصَى بمنفعته مدةً؛ كبيع المستأجر، وإن كان مَوَصًى بمنفعته عَلَى التأبيد، ففي بيع الوارِثِ الرقبَةَ وجوه:
أحدها: الصحة؛ لكمال المِلْكِ فيها.
الجزء: 7 - الصفحة: 113
والثاني: المنْعُ؛ لاستغراقِ المنفعةِ بحَقِّ الغير.
والثالث: أنه يصحُّ بيع العبد، والأمة، دون البهائم والجمادات؛ لأنه يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالَى بإعتاقها.
والرابع: أنه يصحُّ البيع من الموصَى له، ولا يصحُّ البيع من غيره؛ إذْ لا فائدة [له] فيه، وهذا أرجح عَلَى ما يدُلُّ عليه كلام الأئمة -رحمهم الله-؛ ومنهم منْ قَطَعَ بالمنع، إذا باع منْ غير الموصَى له.
والماشية الموصَى بنتاجها للغير، يجوز بيعها؛ لبقاء بعض الفوائد، والمنافع؛ كالصوف واللبن والظهر، وإنما الخلافُ فيما إذا استغرقت الوصيةُ المنافع، وهذه الفروع الثلاثةُ هي المذكورةُ في الكتاب، والمواضعُ المحتاجَةُ إلى العَلاَمَاتِ منها غيرُ خَافِيَةٍ.
وقوله: "ولا يملك الوارث بيعه إن أوصَى بمنفعته مؤبداً ظاهره الجوابُ بنَفْي الصحَّة مطلقاً، لكنه عَلَى ما يدل عليه كلامُهُ في "الوسيط" أراد الوجه الفارِقَ بين ما إذا بَاعَ من الموصَى له، أو من غيره؛ والمعنى إلاَّ أن يبيع منْ الموصَى له.
وقوله: "ولا كسب له إلاَّ ما يأخذ من الصدقات" فيه إشارة إلى توجيه الوجْهَيْن، ويمكْنُ أن تجعل مجموعةً وجْهاً للمنع، أي لا كسب له إلاَّ ما يأخُذُ مِن الصَّدقاتِ، وأنها عارضةٌ لا اعتماد عليها، فلا للتصحيح.
الفرع الرابع: ليس للوارث وطء الجارية الموصَى بمنفعتها، إن كانَتْ ممن تَحْبَلُ؛ لما فيه من خوف الهلاك بالطَّلق، والنُّقصان والضَّعْف بالولادة والحَمْل، وقد يوجه أيضاً بأنه غير تامِّ الملك فيها، وإن كانت ممَّنْ لا تحمل، فعلَى وجهين، كما ذكرنا في وطء المراهق الجارِيَةَ المرهونةَ.
وقطع صاحب التَّتِمَّةِ بالجواز، وإن كانت ممَّنْ لا تحبل، وذكر وجهين فيما إذا كانت ممَّنْ تَحْبَلُ، فيحصل من ذلك ثلاثة أوجُهٍ في المسألة؛ فإن حرمنا الوطء، فوطئ، فلا حد؛ لظهور الشبهة، ووجوب المهر يُبْنَى عَلَى أنها لو وُطِئَت بالشبهة؛ لمن يكون المَهر؟ إنْ جعلناه للوارِثِ، لم يجب عليه المهْرُ هاهنا، وإلاَّ، وجب.
فإن أولدها، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته، وتكون القيمةُ للموصَى له، أم يشترى بها عبداً يخدم الموصَى له، ورقبتُهُ للوارِثِ؟ فيه وجهانِ كالوجهَيْن فيما إذا ولدَتْ ولداً رقيقاً، وتصير الجاريةُ أمَّ ولد له، وتعتق بموته، مسلوبة المنفعة، وفيه وجهٌ ضعيف؛ أنها لا تصيرُ أمَّ وَلَدٍ.
قَالَ الغَزَاليُّ: إِذَا قُتِلَ العَبد فَلِلوَارِثِ اسْتِيفَاءُ القِصَاص، وَيَحْبُطُ حَقُّ المُوصَى لَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى القِيمَةِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الوَارِثَ يَختَصُّ بِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ فَيَقُومُ
الجزء: 7 - الصفحة: 114
مَقَامَهُ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ عَلَى الرَّقَبَةِ مَسْلُوَبةَ المَنْفَعَةِ وَعَلَى المَنْفَعَةِ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الاعْتِبَار، وَإِنْ جَنَى هُوَ تَعَلَّقَ الأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فَإذَا بِيعَ بَطَلَ حَقُّ المُوصَى لَهُ، وَإِنْ فَدَاهُ الشَّيِّ، اسْتَمَرَّ حَقُّهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ طَرِيقَ احْتِسَابِهِ مِنَ الثُّلُثِ أن يُعتَبَرَ مَا نَقَصَ منْ قِيمَتِهِ بِسَبَب الوَصيَّةِ بِمَنْفَعَنِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة ثلاثُ مسائلَ:
إحداها: في الجناية على العبد الموصَى بمنفعته، فإن قُتِلَ، نُظِر؛ إنْ كان قتلاً يوجب القصاص، فلمالك الرقبة الاقتصاص، وإذا اقتصَّ، حبط حق الموصَى له، كما لو مات، أو انهدمَتِ الدار، وبطَلَتْ منافعها، وإن كان مما يوجب المال، أو رجع إلَيْه، ففي القيمة المأخوذةِ أوجه:
أحدها: أنه للوارث، بحق ملك الرقبة، ولا شيء لمستحِقِّ المنفعة، كما لا حَقَّ للمستأجر في بدل المستأجر، ولا لزوج الأمة في بدَلِها.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يشترَى بها عبدٌ يقوم مقامه، فتكون رقبته للوارِثِ، ومنفعته للموصَى له؛ لأن القيمة بدلُ الرقبة ومنافعها، فتقوم مقامها، وهذا أصحُّ عند الشيخ أبي حامد والإمام -رحمهما الله تعالى-.
والثالث: أنها توزع على الرقبة مسلوبة المنافع، وعلى المنفعة وحدها وطريقه أن يُقومَ الرَّقبة بنافعها، ثم تقوم بلا منفعة، ولا بدُ، وأن يكون لها قيمة؛ لما في إعتاقها من الثواب، وجَلْب الولاء، فقدر التفاوتِ هو قيمةِ المنفعة، فما هو حصَّةُ الرقبة من القيمة، فهو للوارث، وما هو حصَّةُ المنفعةِ، فللموصَى له، وهذا الوجه والذي قبله مأخذهما واحدٌ، وافتراقهما في أن القيمة تُصْرَفُ إلى عبدٍ آخَرَ، أو تُقَسَّمُ بحالها.
ولولا ما سنذكره من الإشكال في تقويم المنفعة، لاقتضى القياسُ ترجيحُ الثاني، كما في غرامة سائر المتلفات، وإنما يتوجَّه تحصيل عبد آخر في "الوقف".
والرابع: أنها للموصَى له خاصَّةَ؛ لأن تقويمه بمنافعه، والمنافع حقُّه؛ ويخرج على هذا الخلاف [فيما] إذا قتله الوارث، أو الموصَى له؛ فلا شيء على مَنْ لو كان القاتل غيره، لكَانَتِ القيمةُ مصروفة إليه، وإن جنَى عليه بقَطْع بعض أطرافه؛ فمنهم منْ طرد الأوجه الثلاثة الأُوَلَ في الأرش، وذكر أنه يُشتَرَى به على الوجه الثاني، ولا يَبْعُدُ تخريجُ الوجْه الرابع عَلَى هذه الطريقة؛ تشبيهاً له بالولد، والزيادات العينية، ومنهم مَنْ قَطَعَ هاهنا، يكون الأرش للوارث، واتفقوا على ترجيحه، وإنْ ثَبْتَ الخلافُ، وكان سببه أن العبْدَ بقي منتفعاً به، ومقادير المنفعة لا تنضبط، وتختلِفُ بالمرض والكبر، وكأنَّ حقُّ الموصَى له باقياً بحاله.
الجزء: 7 - الصفحة: 115
الثانية: في جنايته، فإنْ أتَى بما يوجِبُ القصاص، واقتُصَّ منه، فقد ضاع حقُّ المالك، والموصَى له جميعاً، وإن وجب المال، تعلَّق برقبته، فإن لم يفدياه، بِيعَ في الجناية، وبَطَل حقهما، ويتقدم حق المجنيِّ عليه علَى حقهما، فإنْ زاد الثمن على الأرش، قال أبو الفرَجَ السرخسيُّ: يُقَسَّمُ بينهما على نسْبَة حقِّهما، وينبغي أن يجيءَ فيه الخلافُ السابِقُ، وإن فدياه، استمر الحقَّان، وإن فداه مالك الرقبة فكذلك، وإن فداه الموصَى له، فوجهان في لزوم الإجابة على المجنيِّ عليه:
أحدهما: لا يلزم؛ لأنه أجنبىٌّ عن الرقبة.
وأشبههما: اللزوم؛ لظهور غرضه فيه، وهذا فيما إذا فَدَى أحدهما العبْدَ بمنافعه، فإن فدَى حصته، قال أبو عبد الله الحناطىُّ: يُبَاعُ نصيب صاحبه، وفيه إشكال؛ لأنه إنْ فدَى مالك الرقبة، فكيف تباع المنافع وحْدَها؟ وإنِ فدَى الموصَى له، واستمر حقُّه فَبَيْعُ الرقبة يكُونُ على الخلاف الذي مَرَّ في أن الوارث، هلْ يبيح الرقبة؟
وقوله في الكتاب: "فإن فداه السيد اسْتمرَّ حقُّه" يعني حقَّ الموصَى له، وتخصيص السيد بالذِّكْر يمكن أن يكون إشارةً إلى الخلاف في أن فداء الموصَى له، هل تلزم إجابته، أو والاختيار أنها لا تلزم.
الثالثة: كيف يُحْسَبُ الوصية بالمنفعة منْ الثُّلُث؟ إن أوصَى بالمنفعة أبداً، فوجهان، ويُقَال: قولان:
أحدهما: أنه يُعتبر الرقبةُ بتمام منافِعِها من الثلث، كما لو باع بثَمَنٍ مؤجَّلٍ يعتبر قيمته من الثلث، وهذا؛ لأنه حَالَ بينها وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف؛ ألا تَرَى أن الغاصِبَ يضمن بها؟ وأيضاً فإن منافع الرقبة وفوائِدَها قد بطَلَتْ على الوارث، فكأنه قد فوَّتها بالكلية.
والثاني: خرَّجه ابن سُرَيْجٍ: أن المعتبر ما بين قيمتها بمنافعها وقيمتها مسلوبة المنفعة؛ لأن الرقبة باقيةٌ للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصَى له، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب وطائفة، والأولُ أصحُّ عند الأكثرين، وهو نصه في اختلاف العراقِيِّينَ في "الإملاء"، وبه أجاب ابن الحدَّاد، ووجه أيضاً بأن المنفعة أبداً هي التي أوصَى بها، والمنفعة أبداً لا يمكن تقويمُها؛ لأن المنفعة أبداً يُعْنَى بها منفعةُ مدة العمر، ومدةُ العمْرِ غَيْرُ معلومةٍ، فمنفعة مدةِ العُمْرِ غيرُ معلومةٍ، وما لم يُعْلَمْ ولا يضبط لا يمكن تقويمُهُ.
وإذا تعذَّر تقويم المنافع وحدها، تعيَّن تقويم الرقبة؛ وحُكِيَ هذا الوجهُ عن أبي إسحاق.
الجزء: 7 - الصفحة: 116
واعلم أنَّا ذكرنا ما قيل في طريق تقويم المنفعة من قبل، ويشبه أن يُقَالَ: إنَّه غيرُ صَالحٍ لتقويم منفعة الموصَى بها 214 كما ذكره أبو إسحاق، لكنه صالح المعرفة ما فات على الورثة، أمَّا الأول؛ فلأنَّا إذا قوَّمنا الرقبةَ مع منافعها، فلا يُعْتَبَرُ فيه إلاَّ صفاتُ الرقبة في الحال، ولا ينظر إلى تأبدها, ولا تأقتها، كما لا يُنْظَرُ في الذَّات إلَى مدة بقائها، والموصَى به ليس له مجرَّدُ المنفعة، بل منفعة مدة العمر، فإِذنِ الطريق المذكور، لو أفاد، إنما يُفِيدُ معرفة قيمة المنفعة، لا قيمة المنفعة أبداً، وهي التي أوصَى بها.
وأما أنه صالِحُ المعرفة ما فات على الورثة؛ فلأنا إِذا قوَّمناه منتفعاً به، ومسلوب المنفعة، عَرَفْنا أن ما نَقَصَ هو الذي فوته على الورثة، فأمكن أنْ يقال: إنه المعتبرُ منْ الثلث، ويجوز أن يفوت على الورثة بوصيته ما لاَ يَحْصُل للموصَى له، كما لو أوصَى بأحد مصراعَي الباب، وزوْجَيِ الخُفِّ.
والذي ينبَغِي أن يُعْتَبَرَ منْ الثُّلُثِ هو الذي نقص من قيمتها، فإن قلنا: إن المحسوب منْ الثُّلُثِ قدر التفاوت، فهل يُحْسَبُ قيمة الرقبة منْ التركة أم لا تُحْسب على الوَارِثِ، كما لا تُحسب على الموصَى له؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول، ولنوضِّحْ ذلك بالمثال:
أوصَى بمنفعة عبد، قيمته بتمام منَافِعِه مائة، ودون المنافع عَشَرةٌ، فعلى المنصوص يُعْتَبَرُ منْ الثلث المائة، ويشترطَ أن يكون له سوى العبد مائتان، وعلى الثاني المعتبر التسْعُونَ، فيشترط أن يبقَى للورثة ضعْفُ التسعين مع العَشَرة على وجه، ودونها على وجه، هذا إذا أوصَى بمنفعته أبداً، وإن أوصَى بها سنة أو شهراً، ففيه طرق:
أحدها: أن الحكم كما في الوصية المؤبَّدة، نقله بعض الشارِحِينَ.
والثاني: عن الخُضَرِيِّ: إنِ اعتبرنا تفاوُتَ ما بين القيمتَيْنِ هناك، فهاهنا أَولَى، وإن اعتبرنا قيمة الرقبة، فهاهنا وجهانِ؛ بناءٌ على جواز بيع المستأجر.
إن جوزناه، اعتبرنا منْ الثلث قدر التفاوت، وإلاَّ، اعتبرنا قيمة الرقبة؛ لأنها كالتالفة، ويمكن على هذا القياس أن يُبْنَى الخلاف فيما إذا أوْصَى بمنفعته أبداً على الخلاف في أنَّ الوارث، هل يتمكَّنُ منْ بيعه؟
والثالث: أن المعتبر الثُّلُثُ منْ قيمة منفعةِ تلْكَ المدة، وهي أجرة المثل، واستبعده في "الوسيط" لأن المنافع تحدُثُ بعد الموت، فليس الموصي مفوتاً لها مِنْ ملَكه.
الجزء: 7 - الصفحة: 117
والرابع: وهو الأظهر: أنه يقوم العبد بمنافعه، ثم يقوم مسلوبَ المنفعة في تلْكَ المدة فما نقص، فهو المعتبرُ منْ الثلث، وقيمة الرقبة في هذه الحالة محسوبةٌ من التركة بلا خلاف.
ويتفرَّع على الخلاف المذْكُور صُوَرٌ:
إِحداها: إذا أوصَى بمنفعةِ عبدِهِ ثلاثَ سِنِينَ، ولا مالَ له سواه، إن اعتبرنا قيمة الرقَبَة منْ الثلث، صحَّت الوصية في منافع الثلث، ورُدَّتْ في الباقي، وإن اعتبرنا ما نقَصَ بسَبَب الوصية، وكان النقصان نصف القيمة، فتُرَدُّ الوصية في سُدُسِ العبد، أو ينقص منْ آخِرِ المدَّة سدُسُها؟ فيه وجهان.
أظهرهما الأول؛ لأن قيمة المنافع تختلفُ باختلاف الأوقات.
والثانية: أوصَى برقبته لإنسان، وبمنفعته لآخَر، إن قلنا: يُعْتَبَرُ منْ الثلث كمال القيمة، فَيُنْظَرُ فيما سواه من التَّركة، ويسلم إلَى كلَّ واحد حقُّه كاملاً أو غَيْرَ كامل، وإنْ قلنا: المعتبر التفاوتُ، فإن حسبنا الرقبة على الوارث [إذا بقيت له هاهنا يحسب كمال القيمة عليهما وإن لم تحسب الرقبةُ على الوارث] 215، فكذلك لا تحسب على الموصَى له بها، وتصحُّ وصيته من غير اعتبار الثلث، كذلك ذكره في "التتمة".
والثالثة: أوصى بالرقبة لإنسان، واستبقى المنفعة للورثة، فإن قلنا: المعتبر منْ الثُّلُث كمال القيمة، لم تعتبر هذه الوصية من الثلث، لجعلنا الرقبة الخالية عن المنفعة كالتالفة، وإن قلنا: المعتَبَرُ التفاوُتُ فإن حسبنا قيمة الرقَبَةِ على الوَارِثِ، فهاهنا تُحْسَبُ قيمة الرقَبَةِ على أرباب الوَصَايَا، وندخلها في الثلث، وإن لم تحسب قيمة الرقبة على الوارث، فهاهنا يحسب قدر التفاوت على الوارث، ولا يحسب قيمة الرقبة على أرباب الوصايا.
الرابعة: العبد الموصَى بمنفعته، لو غصبه غاصب، فلمن تكون أجرة المدة التي كانَتْ في يد الغاصب؟
قال في "التتمة": إن قلنا: المعتَبَرُ منْ الثلث جميعُ القيمة، فهي للموصى له، فكأنه فَوَّت الرقبة على الوَارِثِ، وإن قلنا: المعتَبَرُ التفاوُتُ، فوجهان:
أحدهما: الأجرة لمالك الرقبة، كما لو غَصَبَ العبد المستأجر.
وأظهرهما: أنها للموصَى له؛ لأنها بدل ملكه، وتخالف الإجارة لأن الإجارة تنفسِخُ في تلك المدَّة، فتعود المنافع إلَى ملك مالك الرقبة.
والخامسة: لو أوصَى بثمرة بستانه، خرج على الخلاف، ففي وجهِ: تُعْتَبَرُ جميع قيمة البستان منْ الثلث، وفي وجهٍ: ما بين قيمته بمنافعه وفوائده، وبين قيمته مسلوب
الجزء: 7 - الصفحة: 118
المنفعة 216، فإنِ احتمله الثُّلُث، فذاك، وإلاَّ، فللموصَى له القدرُ الذي يحتمله والباقي للوارث، فإن لم يحتمل إلاَّ النصف، فله منْ ثمرة كُلِّ عام النصف، والباقي للوارث.
فَرعٌ: لابْنِ الحَدَّادِ -رحمه الله- إذا أوصَى لرجلٍ بدينارٍ كلِّ شَهر منْ غلة داره، أو كسب عَبْدِهِ، وجعله بعده لوارثه، أو للفقراءِ والمساكينِ، والغلةُ، والكَسْبُ عَشَرَةٌ مثلاً؛ فاعتبَارُ هذه الوصية منْ الثلث كاعتبارِ الوصيَّة بالمنافع مدَّةً معلومةً؛ لبقاء بعض المنافع لمالِكِ الرقبة، فيكون الظاهر فيهما أنَّ المعتَبَرَ قدرُ التفاوت بين القيمتَيْنِ، ثم يُنْظَرُ؛ إن خرجتِ الوصيةُ منْ الثلث، قال ابن الحدَّاد: ليس للورثة أن يبيعوا بعض الدار، ويدعوا ما يحْصُل منه دينار؛ لأنَّ الأجرة تتفاوت؛ فقد تتراجَعُ، وتعود إلى دينار وأقل، وحينئذ، فيكون الجميع للموصى له، وهذا إذا أرادُوا بيع بعضها عَلَى أن تكون الغلَّةُ للمشتَرِي، فأما بيع مجرَّد الرقبة، فعلَى ما سبق منْ الخلاف في بيع الوارثِ الموصَى بمنفعته، وإن لم يخرج منْ الثلث، فالزائد على الثُّلُث رقبة، وغلة للوارث يتصرَّف فيه كيف يشاء، وإن كانت الوصية بعُشْرِ الغلة في كلِّ سنة، فما سوى العُشْر يخلص للوارث، يتصرَّف فيه كما يشاء، والفَرْقُ ظاهر 217.
فَرْعٌ: أوصَى لإنسانٍ بدينارٍ كلَّ سنة، حكَى الإمام أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ في السنة الأولى بدينار، وفيما بعدها قولان:
أحدهما: الصحة؛ لأن غاية ما فيها الجَهَالَةُ، وأنها لا تمنعُ صحَّة الوصيَّة، وأيضاً، فالوصيَّةُ بالمنافع صحيحةٌ لا إلَى نهايةٍ، فكذلك هاهنا.
الجزء: 7 - الصفحة: 119
وأظهرَهُمَا: البطلانُ؛ لأنه لا يعرف قَدْر الموصَى به حتَّى يخرج من الثلث؛ فإنْ صحَّحناها 218، فإن لم يكُنْ هناك وصيَّة أخْرَى، فللورثة التصرُّف في ثُلُثَيِ المال لا مَحَالة، وفي ثلثه وجهان:
أحدهما: نفوذُ التصرُّف بعد إخراج الدِّينار الواحِدِ؛ لأنا لا ندْرِي استحقاق الموصَى له في المستقبل.
والثاني: أنه يوقف؛ لأن الاستحقاقَ قد يثبت بقبول الوصية، إلَى أن يظهر قاطع، وإن قلنا بالتوقف، وبقى الموصَى له إلى أن استوعب الدنانير الثلث، فذاك، وإن مات، فعن صاحِبُ "التَّقْريب" أن بقية الثلث تُسلَّم للورثة.
قال الإمام: وفيه نَظَر؛ لأن هذه الوصية، إذا صحَّحناها كالوصيَّة بالثمار بلا نهاية، فوجب أن ينتقل الحقُّ إلى الورثة، وإن نفَّذنا تصرفهم فَكُلَّمَا انقضت سنة، طالب الموصَى له الورثَة بدينار، وكان ذلك كوصية تظهر بعد قسمةِ الورثةِ التركة، وإن كان هناك وصايا أُخَرُ، قال صاحب "التقريب" يغض الثلث بعد الدينار الوَاحِد على أَرباب الوصايا, ولا يتوقف فإذا انقضت سنةٌ أخرَى، استرد منهم بدينار ما يقتضيه التقسيط.
قال الإمام: وهذا بيِّنٌ، إذا كانت الوصية مقيَّدةٌ بحياة الموصَى له، أما إذا لم نقيد وأقمنا ورثته مقامَهُ، فهو مشكلٌ لا يهتدى إليه.
فَرْعٌ: لو انهدَمَتِ الدَّارُ الموصَى بمنافعها، فأعادها الوارِثُ بآلاتها، هل يعود حقُّ الموصَى له؟ فيه وجهانِ محكيَّان في "المعتمد".
ولو أراد الموصَى له إعادَتَهَا بآلاتها، فعلى الوَجْهَيْن 219.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: إِذا أوْصَى بِالحَجِّ عَنْهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَ تَطَوُّعاً صَحَّتْ إن جَوَّزْنَا الاسْتِنَابَةَ بِتطَوُّعِ الحَجِّ، ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَكِنْ يَتنَزَّلُ مُطْلَقُهُ عَلَى حَجِّهِ مِنَ المِيقَاتِ، أَوْ منْ دُوَيرَةِ أهْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ حَجَّةَ الإِسْلاَمِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الوَصِيَّةِ فإنَّه دَيْنٌ يَخْرُجُ منْ رَأْسِ المَالِ وَإِنْ لَمْ يُوصَ بِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَسَائرِ الدُّيُونِ، وَلَكِنْ إِنْ قَالَ: حُجُّوا مِنْ ثُلُثِي كَانَ فَائِدَتُهُ زَحْمَةَ الوَصَايَا بالمُضَارَبةِ، وَلاَ يُقَدَّمُ الحَجُّ عَلَى الوَصَايَا في الثُّلُثِ عَلَى الصَّحيحِ (و)، ثُمَّ إِنْ لَمْ يُتَمَّمِ الحَجُّ بِمَا حَصَلَ مِنَ المُضَارَبَةِ كُمِّلَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، أَمَّا الحَجَّةُ المَنْذُورَةُ فَفِيهَا وَفِي الصَّدَقَةِ المَنذُورَةِ وَفِي الكَفَّارَاتِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّهَا دَيُونٌ كَالزَّكَوَاتِ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا كَالتَّطَوُّعَاتِ لِأَنَّهُ مُتَبَرَّعٌ بِالتِزَامِهَا، فَإِنْ أَوْصَى
الجزء: 7 - الصفحة: 120
احْتُسِبَ مِنَ الثُّلُثِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْتِزَامَهَا كَالوَصِيَّةِ فَيُؤَدِّى مِنَ الثلُثِ وَإِنْ لَمْ يُوصَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحجُّ ضَرْبَانِ: متطوَّع به، ومفرُوُضٌ:
الضرب الأوَّل: المتطوَّع به، وصحة الوصية [به] مبنيةٌ عَلَى دخول النيابة فيه، وفيه قولانِ مذكُورانِ في "كتاب الحج"، أصحُّهما الجواز، ثم هو محسوبٌ من الثُّلُث 220؛ كسائر التبرعات، وُيحجُّ عنه منْ الميقات، إنْ قيد به، ومن بلده، إنْ قيد به، وعند الإطلاق فيه وجهان:
أحدهما: من الميقات؛ حَملاً عَلى أقل الدَّرَجَات.
والثاني: منْ بَلَدِهِ؛ لأن الغالبَ التجّهِيزُ للحَجِّ، والنهوض له من البلد، وإلى الأول ميل أكثرهم؛ لكن في "عيون المسائل" عن نصَّه: أنه إذا أوصَى أن يحج عنه متطوعاً، فبلغ ثلثه الحج منْ بلده، أحج عنه من بلده، وإن لم يبلغ أحج عنه من حيث بلغ ثلثه؟ وربَّما حُمِلَ ذلك على ما إذا قيد به، وهل يقدم حجُّ التطوُّع في الثلث على سائر الوصايا [عن القفَّال: أنه على القولين في تقديم العتق على سائر الوصايا] 221 لأن الحج قربةٌ كالعتق.
قال الشيخ أبو على -رحمه الله-: ولم أرَ هَذَا لأحدٍ منْ أصحابنا، وجعلوا الوصيَّة به مع سائر الوصَايَا على الخلافِ فيما إذا اجتمع حقُّ اللهِ تعالَى وحقوق الآدميين 222. وإذا لم يف الثلث، أو حصة الحَجِّ منه بالحج، بَطَلَتِ الوصية.
وكذا لو قال: أحجوا عني بمائة من ثلثي، ولم يمكن أن يحج بها, ولو قال: أَحجُّوا عني بثُلُثي، صُرِفَ ثلثه إلى ما يُمْكِنُ منْ حجتين، وثلاث فصاعداً، فإن فَضَلَ مَا
الجزء: 7 - الصفحة: 121
لا يُمكِنُ أن يَحُجَّ به، فهو للورثة 223.
ولو قال: أحِجُّوا عني بثلثي، حجةً صُرفَ ثلثه إلَى حجةٍ واحدةٍ، ثم إن كان الثلُث قدْرَ أجرة المثل، أو دُونَها، فسواءٌ رغب وارث، أو أجنبيٌّ، وإن كان أكثر من أجرةِ المِثْلِ، لم يستأْجِرْ به الأجنبيُّ؛ لأن الزيادةَ محاباةٌ، فلا تجوز للوارث.
الضرب الثاني: المفروضُ، وهو حجَّة الإِسلام أو غيرها.
أما حجَّة الإِسلامِ، فمن مات، وهي في ذمته، قُضِيَتْ من ماله، وإن لم يوص بها، كالزكوات، وسائر الديون، ويجوز أن يُعْلَم بالواو [قوله في الكتاب] "فإنه دين يخرج منْ رأس المال" بالحاء والميم؛ لما ذكرنا في "باب الحج" أن أبا حنيفة ومالكاً -رحمهما الله تعالى- قالا بأنَّهَا تسقطُ بالموت، ولو أوصَى بحجة الإِسلام، نُظِرَ: إن إضافها إلى رأس المال، فهي تأكيدٌ وتذكير منه، وكذلك يفعل، لو لم يوص، وإن أضاف إلى الثلث، قضى منه، كما لو أوصَى بقضاء دينه منْ ثلثه، وتتضمن هذه الوصية ترفيه الورثة بتوفير الثلثين علَيْهم.
وفي تقديم الحجِّ عَلَى سائر الوصايا وجّهَان.
وقال الشيخ أَبو عليٍّ: قولان للشافعيِّ -رضي الله عنه- يجريان فيما لو أوصَى بقضاء دَيْنِهِ منْ الثلث:
أحدهما: التقدُّم؛ لأنه لو لم يُوص، كان الحجُّ مقدَّماً في جميع المال على الوَصَايَا، وإذا جعَلَهُ في الثلث، تقدَّم فيه على الوصايا.
والثاني: لا يتقدَّم، بل يزاحمهما بالمضاربة؛ لأنه لما علَّقه بالثُّلُث الذي هو محلُّ الوصايا، كان سبيلُهُ [سبيلها] 224 وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، ثم إن لم يفِ الثلُثُ بالحَجِّ على الوجه الأول، أو الحاصل منْ المضاربة علَى الوجْه الثاني، كُمِّلَ منْ رأس المال، كما لو قال: اقْضُوا دَينِي منْ ثُلُثِي، فلم يف الثلث به، وحينئذ فالمسألة تَدُورُ وسنوضِّح في الفصل مِثَالَ ذلك.
وإنْ أطلق، ولم يضف إلى الثلث، ولا إلَى رأس المال، فالجوابُ عَلَى الاختصار، أنه يُحَجُّ عنه منْ رأس المال عَلَى المذهَب، وقيل منْ الثلث، وفي "البسيط"
الجزء: 7 - الصفحة: 122
أن المُزَنِيَّ قال في "المختصر": ولو أوصَى أن يَحَجَّ عنه، ولم يَحُجَّ حجة الإسلام، فإن بلغ ثلث حجةً من بلدة، أُحِجَّ عنه منْ بلده، وإن لم يبلغُ أُحِجَّ عنه منْ حيْثُ بلغ، وظاهره يقتضي أن يُحَجَّ عنه منْ ثلثه، فعن أبي الطيِّب بن سلمة، وأبي حفص بن الوكيل في آخرين: أنهم أثبتوه قَوْلاً، وقالوا: لما أوصَى به، أخرجهُ مُخْرَجَ الوصايا، فجعله منْ الثلث، كما لو صرح به.
والجمهور منَعُوا منه، وقطَعُوا بأنه منْ رأس المال، كما لو لم يوص، وقالوا: ليس في هذه الوصيَّة إلاَّ تذْكِيرُ الورثة، ثم هؤلاء فريقَانِ:
فريق خَطَّؤوهُ في النقل، وقالوا: الصوابُ نقْلُ الربيعِ، وهو ما نسبناه إلَى "عيون المسائل" وذلك في تطوُّع الحج وآخرون أَوَّلُوا، فعَنِ اَبْنِ سُرَيْجٍ حمْلُ ما نقله المُزَنِيُّ عَلَى ما إذا كانَتْ عليه حَجَّةُ الإسلام، وأوصَى بحجة أخرَى تَطَوُّعاً، ومنهم مَنْ حمله علَى ما إذا قال: أَحِجُّوا منْ ثلثي، ولو قرن بالوصية بالحج ما هو منْ الثلث، كما لو قال: أحِجُّوا عني أو أعتقوا، أو تصدَّقُوا, ولم يتعرَّض للثلث، ولا لرَأْسِ المال، فمن جعل الحجَّ منْ الثلث عند تجرُّد الوصية عن القرينة، فهاهنا أَوْلَى، وأما غيرهم، فعن ابن أبي هريرة: أنه منْ الثلث بالقرينة المضمومة إليه، واستمر عامتهم علَى جوابهم؛ لأن المقترنين لفظاً قَدْ يختلفان حكماً، ورأى الإمام تخْصيصَ هذا الترتيب، بما إذا قال: أوصيتُ إليكم لتُحِجُّوا عني، وتُعْتِقُوا، فإن لم يجر لفظ الوصية، وقال: أَحِجُّوا وأعتقوا، قال: هو كما لو تجرَّد ذكر الحَجِّ، والأشهر ألا نرق ثم مهما 225 جعلنا الحج منْ رأس المال، فيُحَجُّ عنه منْ الميقات؛ لأنه لو كان حيّاً، لم يلزمه إلاَّ ذلك, حتى لو كان في سَفَرِ تجارةٍ، ثمَ بَدا له الحجُّ حتى انتَهَى إِلى الميقات، جاز.
وإنْ جعلناه منْ الثلث، إما لتصريحِهِ بالإضافة إلَى الثلث، أو في صورة الإِطْلاَق، فوجهان كما في حَجِّ التطوُّع:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: يُحَجُّ عنه منْ بلده؛ لأنَّ الأصل وجوبُ الإحرام منه، قال الله تعالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة - 196] وعن عمر وعلِيٍّ -رضي الله عنهما- أن إتمامها أن تحرم بهما منْ دُوَيْرَةِ أهلك 226، لكن رخُّص في ترك الإحرام إلى الميقات، فيقي السعْيُ منْ البلد واجباً، وعلى هذا قال أبو إسحاق: إِنْ أوصى بالحَجِّ منْ الثلث، فجميعه منْ الثلث، وإن أطلق، فوجهان، فإن جعلناه من الثلث، فالذي هو من الثُّلُثِ مؤنةُ ما بَيْنَ البلد إلى الميقات، فهو من رأس المال.
وأظهرهما: أنه يُحَجُّ عنه من [الميقات لأنه الذي استقرَّ وجوبه في الشَّرْعِ، وعلى
الجزء: 7 - الصفحة: 123
هذا، فلو أوْصَى بأن يحجَّ عنه منْ بلده] 227، فلم يبلغ ثلثه حَجَّةً منْ بلده، حُجُّ عنه منْ حيث أمكن، وإن لم يبلغ الحجُّ من الميقات، تُمَّمَ منْ رأس المال ما يتم به الحج منْ الميقات، هذا في حجة الإِسلام.
وأما الحجة المنذورةُ: ففيها وجهان متأيِّدَانِ بتردُّدِ قولٍ محكِيَ في "الأمِ".
أظهرهما: أنها كحَجَّة الإِسلام، والزكوات، والدّيون؛ لوجوبها.
والثاني: أنها كالتطَوُّعات؛ لأنها لا تلْزَمُ ابتداءً، وإنما تتعلَّق بالتزامه، فعلَى هذا؛ إن لم يوص بها, لم تقض، وإن أوصَى، كانت منْ الثلث 228، وعلى الأول؛ إن أوصَى بها، فكما أوصَى بحجة الإسلام؛ فيُنْظَر في إطلاق الوصية وتقييدها، وإن لم يوصِ بها، فتقضي من رأس المال أو الثُلُث فيه؟ وجهان:
أصحهما: من رأْس المال؛ لوجُوبِها.
والثاني: من الثلث؛ لأنه بالنَّذر متبرّع، فجعل نذره كالوصيَّة، ولأنها لو قُضِيَتْ منْ رأس المال، لم يؤمَنْ أن تَسْتَغْرِقَ بالنَّذْر أمواله، ويخرج منْ ذلك ثلاثةُ أوجُهٍ كما في الكتاب، ويجّرِي الخلاف في الصدقة المنذورَةِ والكَفَّارات 229.
فَرْعٌ: أوصَى بأن يُحجَّ عنه حجَّة الإِسلام من الثلث، وأوصَى لإنسانٍ بمائةٍ، وجملة التركةِ ثلاثمائة، وأجرةُ الحَجِّ مائةٌ، فإن قدمنا الحج عَلَى سائر الوصايا، صُرِفَ الثلث إلَى الحَجِّ، وإن لم يُقدَّم، ووزعنا الثلث، دارت المسألة؛ لأن حصَّةَ الحجِّ تكَمَّلُ منْ رأس المال، وإذا أخذنا شَيْئاً منْ رأس المال، نَقَصَ الثلث، وإذا نقص الثلث، نقَصَتْ حصة 230 الحج، فلا تعرف حصة الحج مَا لَمْ يُعرَفِ الثلث، ولا يُعْرَفِ الثلثُ،
الجزء: 7 - الصفحة: 124
ما لم يُعْرَفِ المأخوذ منْ رأس المال، ولا يُعْرَفُ ذلك حتَّى تُعْرَفَ حصَّةُ الحج، فالطريقُ أن تأخذَ منْ التركة شيئاً لإكمَالِ حصَّة الحجِّ، يبقى ثلاثمائة إلا شيئاً، يفرز ثلثه، وهو ماثةٌ إلاَّ ثُلُث شيء، يُقَسَّمُ بين الحجِّ والموصَى له نصْفَيْنِ، فنصيبُ الحجِّ خمسون، إلاَّ سدس شيء، فيُضَمُّ الشيءُ المُفرز إليه، يبلغ خمسين وخمسة أسداس شيء تعدل مائة، وذلك تمام الأجرةِ فيسقط الخَمْسِينَ بخَمْسِينَ، يبقَى خمسة أسداس شيء في مقابلة خمسين، وإذا كانت خمسة أسداس الشيء خمسين، كان الشيء ستين فعَرَفْنَا أن ما قرَّرْنَاه سِتُّونَ، فنأخذ ثلث الباقِي وبعد الستين، وهو ثمانُونَ، ونقسِّمه بَين الوصِيَّتَيْنِ، يخص كل واحدة أرْبَعُون والأربعون مع الستين تمام أجرة الحَجِّ.
فَرْعٌ: أوصَى بأن يُحجَّ عنه تطوُّعاً، أو حجة الإِسلام منْ ثلثه بمائة، وأوصَى بما يبقى منْ ثلثه بعد المَائة، لإنسان، وثلث ماله لآخر، ولم تُجز الورثة ما زادَ عَلَى الثُّلُثِ، فيقسَّم الثلث بين الموصَى له بالثلث، وبين الوصيَتَيْنِ، الأخْرَيَيْنِ نصْفَيْن؛ لأن الوصية له بمثْلِ الوصيَتَيْن الأخريين، فإذا كان ثلث المال ثلاثمائة، كان للموصَى له بالثلث مائة، وخمسون، والباقي بين الحجِّ والموصَى له بالباقي، وفي كيفية القسْمَة بينهما وجهَان:
أحدهما: ويُحْكَى عن ابن خَيْرانَ: أنه يُصرَفُ خَمْسُون إلَى الحجِّ، ومائةٌ إلى الموصَى له بالباقي؛ رعايةً للنسبة بين الوصيَتيْن على تقدير الإجازة، وأيضاً فإن الموصى له بالباقي، يقول للحاج أوصَى لي بالثُّلُث ولك أثلاثاً، ثم دخل علينا الموصَى له بالثلث، فليس لك أن تُدْخِلَ عَلَيَّ ضرراً بدُخُوله علَيْنا.
وأصحُّهما: أنه يصرف مائة إلى الحَجِّ، وخمسُون إلى الموصَى له بالباقي؛ لأنه لم يوص إلاَّ بما يزيدُ على مَائَةِ الحجِّ.
ولو كان الثلثُ مائتين، فللموصى له بالثلثُ مائة، ويدخل الموصَى له بالباقي في الحساب، ويعدُّ على الموصى له بالثلث، ثم المائةُ الثانيةُ تُصْرَفُ إلى الحَجِّ في أصحِّ الوجهَيْنِ، ولا شيْءَ للموصَى بالباقي، ونظيره المعادة في الفرائِضِ، وفي الوجّهِ الثاني المائة، الثانية، بين الحجِّ والموصَى له بالباقي في الحساب بالسويَّة.
ولو كان الثلثُ مائةً؛ فيقسم بين الحج والموصَى له بالثلثِ نِصْفَيْنِ، ولا يدْخُلُ الموصَى له بالباقي في الحساب؛ لأنَّ الثلث غَيْر زائدٍ عَلَى ما عيَّنه للحجِّ؛ ولا شيء للموصى له بالباقي، وإن لم تُوجدِ الوصية الثالثَة، بخلاف ما، إذا كان الثُّلُث فوق المائة.
ولو كانَتِ الوصايا بحَالِها؛ لكنه أوصَى أولاً بالثلث لإنسان، ثم أوصى بالحجِّ بمائة، ثم، لآخرَ بما يبقى منْ الثلث بعد المائة، فعن أبي إسحاق أن الوصيَّة بالباقِي منْ الثُّلُث بعد المائة باطلةٌ؛ لأن الوصيَّةَ الأولَى قد استغرقَتِ الثُّلُث.
الجزء: 7 - الصفحة: 125
وقال ابنُ أبي هريرة وعامة الأصحاب -رحمهم الله تعالى-: لا فرق بين التقديم والتأخير، والوصيَّة بالمائة، وبما يبقَى من الثلث بَعْد المائة، وصيَّة بثلث آخر، وهذا الشخْصُ قد أوصَى بالثلثين، ولولاَ ذلك، لحَكْمنا فيما إذا أوصَى لزَيْدٍ بالثلث، ثم لعَمْرو بالثلث ببطلان الوصية الثانية، ولما وزَّعنا الثلُثَ عليهما.
وهذا كلُّه جواب على أن الحجَّ لا يُقَدَّمُ في الثلث عَلَى سائر الوصايا، وإنَّما قدَّمنا مائةَ الحَجِّ عَلَى وصيَّةَ الموصَى له بالباقي؛ لأنَّ موصى قدَّمها لفظاً.
فأما إذا قدَّمنا الحجَّ على سائر الوصايا، فإن كان الثلث ثلاثمائة، والمائةُ المقررةُ للحَجِّ أجرةَ مثْلِ الحج، فتؤخَذُ المائة من رأس الثلث؛ وكيف يُقَسَّمُ الباقي بين الموصَى له بالباقي، والموصَى له بثلث جميع المال.
قال ابن الحدَّاد: يُجعَلُ بينهما نصفَيْن؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما، لو انفرَدَ مع الحج لأخَذَ ما زاد على المائة، وغلَّطه عامَّةُ الأصحاب، وقالوا: يُقسَّم الباقي بينهما على قدْرِ وصيتهما، والوصية للموصى له بالباقي بما تبيَّن، وللموصَى له بالثلث بثلاثمائة، فيُقَسَّم الباقِي بينهما على خَمْسَة أسْهُمٍ؛ للموصَى له بالباقي ثمانُون لسهمَيْن، وللآخر مائةٌ وعشْرُون بثلاثةَ أسْهُم، وإن كان أجر مثل الحجَّ خمسين، والصورة بحالها، أُخِذَ من الثُّلُث خمسون أولاً، ثم قال ابن الحدَّاد: ويُجْعَلُ الباقِي بين الموصَى له بالثلث، وبين الحج والوصية الأخْرَى نصفين؛ للموصَى له بالثلث مائة وخمسة وعشرون، ويُصْرَف من الباقي خمْسُون إلى الحجِّ بالوصية، والباقي للموصَى له الآخر.
وقال الآخَرُونَ: بل يُقَسَّمُ الباقي بعد أجرة مثل الحجِّ عَلَى أحدَ عَشَرَ سهماً؛ لأن الوصية في هذه الصورة للموصَى له بالثلث بثلاثمائة والحج، وللموصى له الآخر بمائتين وخمسين، والنسبةُ بينهما ما ذكرنا، فللموصَى له بالثُّلُث ما يخص ستة، والباقي يقدم الحاجّ منه بخمسين؛ لأنَّ حقَّ الموصَى له الآخر مؤخَّر عن مائة الحج، والباقي له.
ولو كان الثُّلُثُ مائتين، فإن كان أجرة مثل الحجِّ مائةً، أُخِذَ من رأس المال، ثم عَلَى قول ابن الحدَّادِ يُجْعَلُ الباقِي بينهما نصفين، وعلى الصَّحِيح يُجْعَلُ بينهما عَلَى ثلاثة أسهُمٍ؛ لأن الوصية لهذا بمائة، ولهذا بمائتين.
ولو كان أجرة مثله خمسين، فيُؤخَذُ خمسون أولاً، والباقي عَلَى قول ابن الحدَّادِ بين الموصَى له بالثلث، وبين الوصيتين الآخريين بالسَّوِيَّة، ثم يقدم الحاجُّ بخمسين من حصتهما.
وعلى الصحيح: يُجْعَلُ المال بعد الخمسين عَلَى سبعة أسهم؛ لأنه أوصَى لأحدهما بمائتين، وللحج، وللآخر بمائةٍ وخمسينَ، فللموصَى له بالثلث ما يخصُّ أربعة، والباقي يُؤخَذُ منه خمسون للحج، والباقي للموصَى له الآخر.
الجزء: 7 - الصفحة: 126
ولو كان الثلثُ مائةً، فإن كان أجرة مثل الحجِّ مائةً، فلا شيء للموصَى لهما وإن كان أجرة مثله خمسين، أُخِذَ للحجِّ خمسون، ثم عَلَى ما ذكر ابن الحدَّاد؛ الباقي بين الحجِّ والموصَى له بالسويَّة، وعلَى الصَّحيح الباقي بين الحجِّ والموصى له بالثلث على ثلاثة؛ للحجِّ واحدٌ؛ لأن الوصيَّة في هذه الصورة للحجِّ بخمسين، وله بمائةٍ، وإذا لم تَفِ حصَّةُ الحج في هذه الصورة بالحَجِّ، فإن كانت الموصية بَحَجِّ التطوع، بَطَلت، وإن كانَت بحَجَّة الإِسلام، كمَّلنا من رأس المال، وقد بينا طرِيقَهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ الكَفَّارَةُ مَهْمَا أَخْرَجَهَا الوَارِثُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ وَقَعَتْ عَنْهُ تَشْبِيهَاً بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ العِتْقُ وَالإِطْعَامُ، وَأَمَّا الأَجْنَبِيُّ إِذَا تَبَرَّعَ بِهِ فَفِي نُفُوذِهِ عَنْهُ وَجْهَان، وَلاَ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِالعِتْقِ الَّذِي لَيْسَ بِلاَزِمِ عَلَى المَيِّتِ لِلوَارِثِ وَلِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِالعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ مخَيَّرَة وَالثُّلُثُ لاَ يَفِي بِهِ فَهُوَ كَالتَّبَرُّعِ، وإنْ كَانَ إِحْدَى خِصَالِ الوَاجِبِ، أَمَّا الدُّعَاءِ للمَيِّتِ يَنْفَعُهُ بِدَلِيلِ الخَبَرِ، وَكذَا الصَّدَقَةُ، وَأَمَّا الصَّلاةُ عَنْهُ قَضَاءِ لِمَا فَاتَهُ فَلاَ تنفَعُهُ (و)، وَالصَّوْمُ أَيْضًا لاَ يَقَعُ عَنْهُ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جرت العادَة بذكرِ ما يقع عن الميِّت بفعل الغَيْر في هذا المَوْضِعِ لمناسبة الحَجِّ عنه؛ إما بالوصية، أو دونها؛ فالحجُّ يؤدى عنه، إن كان فَرْضاً، ثم إن عَيَّن شَخْصًا، أو أوصَى إليه فيه، فعله عنه وارثًا كان، أو أجنبياً، ولو قال: أحِجُّوا عني، ولم يُعَيِّن، فللوارثِ أن يَحُجَّ عنه بنفسه، وله أن يأمر أجنبيَّاً بذلك، وإن لم يُوص به أصلاً، فللوارثِ أن يَحُجَّ عنه، وكذا للأجنبي، إن أذن الوارث، ودون إذْنه، وجهان:
أظهرهما: الجوازُ، كما لو كان عليه دَيْنٌ، فقضاه عنه.
والثاني: المنْعُ؛ لأن الحجَّ عبادة تفتقر إلَى النية، ولا تصح النية إلاَّ باستنابته أو باستنابة نائبة، وأما حجُّ التطوع، ففي جريان النيابَةِ فيه خلاف، قد سَبَق، فإن أجريناهما، ففي "أمالي" السرخسيِّ، أن للوارث أن يُنِيبَ فيه، وأنه إذا أوصَى الميت إلَى معيَّن، فعل، ولو استقل به أجنبيُّ، فوجهان:
أصحهما: المنع وفي هذا الإيراد تجويز الإنابة للوارث، وتجويز، فِعْله بنفسه، وإن لم يوص [الميت به، لكن العِرَاقيُّون، أطلقوا أنه إن لم يوص بحجِّ التطوَّع] 231، لم يحج عنه، والزكاة المؤداة عنه، كالحجِّ الواجب حتى يجُوز للأجنبيِّ أن يؤدِّي عنه زكاة المال؛ وزكاةَ الفِطْر علَى الأظهر، وقد حكاه الرويانيُّ في "التجربة" عن النص.
الجزء: 7 - الصفحة: 127
وأما الكفَّارةُ، فإن كانت مرَّتبةً، فللوارث أنْ يؤدي الواجِبَ المالِيَّ من التركة، ويحصل الولاء للميِّت إذا أعتق، وإن كانت مخيَّرة، فله أن يطعم، ويكْسُو، وفي الإعتاق وجهان:
أحدهما: المنْعُ؛ لأنه لا ضرورةَ إِلَيْه.
وأصحهما: الجوازُ، والوارثُ نائبه شَرْعاً، فإعتاقه كإعتاقه، ولو أدَّى الوارثُ من مال نَفْسه، ولا تركه، فالظاهر الجوازُ، وفيه وجهان.
آخران:
أحدهما: المنعُ؛ لبعد العبادَاتِ عن النيابة، وإنَّما جوَّزنا هناك؛ لِمَكانِ التركة.
والثاني: تخصيصُ المنع بالإِعتاق؛ لبُغدِ إِثبات الوَلاَء للمَيِّت، وإذا قُلْنا: بالجواز، فلو تبرع الأجنبيُّ بالطعام، أو الكسوة، وأدى عنه؛ فوجهان:
أحدهما: أنه لا يقع عنه؛ لأنه عبادةٌ، فلا بد من نيته أو نية وارثه،؛ بخلاف ما لو قَضَى دينه.
وأشبههما: الجوازُ، كما في قضاء الدُّيون؛ ووجَّهه الإمام بأنه، لو اشترط الوراثةَ لاعْتبرَ صدوره من جميع الورثة، كالاقرار بالنَّسب، ولا يُعْتَبَر، بل يستبدُّ به كلُّ واحد من الوَرَثةِ، ولو تبرَّع بالعتق؛ فمنهم مَنْ جَعَله على الوجْهَيْن، وهو قضيَّة إطْلاق الكتاب هاهنا، وقَطَع قاطِعُون بالمنع 232، وهو الذي أورده صاحِبُ الكتاب في "باب كفارة اليمين".
فقال هناك: والأجنبيُّ لا يُعْتَقُ عنه متبوعًا"؛ لاجتماع عدم النيابة وبُعْدِ إثبات الولاءِ للمَيِّتِ، واذا لم يكُنْ على الميت: عِتْقٌ أصلاً، فأعتق عنه معتِقٌ؛ لم يُجْز، وارثًا كان أو أجنبيَّاً؛ على قياس العبادات، ويختصُّ منها بما ذكَرْنَا من معنى الوَلَاءِ، بل يكون العتْقُ والولاءُ للمُعْتِق.
ولو أوصَى بالعتق في الكفارة المُخَيَّرة، وزادَتْ قيمة الرقبة عَلَى قيمة الطعام والكسوة؛ ففيه وجه: أن الوصية تعتبرُ من رأس المَال؛ لأنه أداءُ واجب، والأصحُّ اعتباره من الثلث؛ لأنه غير متحتم عليه، وتحصل براءةُ الذمَّة بما دُونَه، وعلَى هذا، فوجهان، قال في "التهذيب": قولان:
أحدهما: أنه تُعْتَبَرُ جميع قيمته من الثلث، وإن لم يَفِ الثلثُ به، عُدِلَ إلى الإطعام.
الجزء: 7 - الصفحة: 128
وأقْيَسُهُمَا: أن المعتَبَرَ من الثُّلُثُ ما بين القيمتَيْنِ من التفاوت؛ لأن أقلَّ القيمتين لازمٌ لا محالة، ويجري الخلافُ فيما إذا أوصَى بأن يكسو عنه، والكسوة كبرُ قيمة من الطعام، والمسألةُ معادة في "كتاب الإيمان".
وسنذكُرُ هناك ما يزيدُ به هذا الخلاف وضوحًا -إن شاء الله تعالى- ولو أعتقَ في مَرَضِ الموتِ مَنْ عليه كفارةٌ مخيَّرة، فقد أطلق في "التتمة" أنه لا يُعْتَبَرُ قيمة العَبْد من الثلث؛ لأنه مؤدٍّ فرضاً؛ وهذا كأنه جوابٌ علَى الوَجْه الذي قُلْنا: إنه لو أوصَى به، اعتبر من رأس المال.
وقوله في الكتاب فيما إذا أخْرَجَ الوارثُ الكفَّارةَ من مال نفْسِه "وقعت عنه" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما مر، وقوله: "ويستَوِي فيه العتْقُ والإطْعَام" كذلك؛ للوجه الفارق بينهما، وقوله: "ولم يَكُنْ له تركةٌ" تَدْعُو إلى البَحْث عما إذا كانَتْ له تركةٌ، ويشبه أن يُقَالَ: الوارثُ حينئذٍ كالأجْنَبِيِّ، وقوله: "تشبيهاً بقضاء الديون"، ويؤيد ترجيح الوَجْه الذاهِب إلَى أنه يجوزُ للأجنبيِّ الإخراجُ؛ لأنه لا فَرْقَ في قضاء الدَّين بَيْن الوارِثِ والأجنبيِّ.
وأما الدعاءُ للمَيِّت، فإنه ينفعه، قَالَ الله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] أثنَى عليهم بالدُّعَاء للسابِقِينَ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا مَاتَ ابنُ آدم، انقَطَعَ عَمَلُهُ إلاَّ من ثَلاَثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارَيةٍ، أو عِلم يُنْتَفَعُ بهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُوا لَهُ" 233؛ والصدقةُ عنه تنفعه أيضاً؛ لما روِيَ أن رجُلاً قال للنبى -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً، ولمْ يُوصِ، فَهَل يُكَفِّرُ عَنْهُ أن أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" 234 يستوي في الصدقة والدعاء الوارثُ والأجنبيِّ، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-: "في وُسْعِ اللهُ تَعالَى أن يُثِبَ المُتَصَدِّقَ أيْضاً".
وعلَى هذا قال الأصحابُ: يُسْتَحَبُّ أنْ ينوِيَ المتصدِّقُ الصدقَةَ عن أَبَوَيْهِ، فَإِن اللهَ تعالَى "ينيلهما الثواب ولا ينقص عن أجره شيئاً" 235 وذكر صاحب "العُدة"؛ أنه لو
الجزء: 7 - الصفحة: 129
أنبط عيناً، أو حَفَر نَهْرًا، أو غرس شَجَرة، أو وَقَف مُصْحَفًا في حال حياته، أو فَعَل غيره عَنْهُ بعد موته، يُلحَقُ الثواب بالميِّت.
واعلم أنَّ هذه الأمُورَ إذا صَدَرَت من الحيِّ، فهي صدقات جاريةٌ يلحقه ثوابُهَا، بعد الموت، كما ورَدَ في الخَبَرِ.
وإذا فعَلَ غيره عنْه بعْد موته، فقد تصدَّق عنه، والصدقة عن الميت تنفعه، ولا ينبغي أنْ يخصَّص الحكم بوَقْف المُصْحَف، بل يُلْحَقُ به كلَّ وقف، وهذا القياسُ يقتضي جوازَ التَّضْحِيَة عن الميت؛ فإنها ضرْب من الصدقة، وقد رأيت أبا الحَسَنِ العبَّاديَّ أطلَقَ القَوْلَ بجَوَازِ التضحيَةِ عن الغَيْرِ.
ورَوَى فيه حديثاً 236، لكن في "التهذيب": أنه لا تجوزُ التضحيَةُ عن الغَيْر بغَيْر إذْنه، وكذلك عن الميِّت إلا أن يكُونَ قد أوصَى به، والله أعلم.
وما عَدَا هذه القُرَب تَنْقَسِمُ إلَى صومٍ وغيره:
أما الصومُ، فلا يتطوع به عن الميِّت.
وفي قضاء فَائتةٍ عنه قولان، سبق ذكْرُهُما في "كتاب الصوم".
الجديد: المنع، والقديم أن لوليه أن يصومَ عَنْه؛ وعلَى هذا فلو أوصَى إلى أجنبي ليصومَ، كان بمثابة الولي ولو مرض بحَيْث لا يُرْجَى برؤهِ، ففي الصوم عنه وجهان، تشبيهًا بالحج.
= فيها صيد فلم يوجد ناقل الملك إليه ولأن وجد منه سبب نقله إليه في حياته فلم يبق إلا أن يقال إذا كان الإجماع منعقداً على وقوع الصدقة عن الميت تعين أن يقدر حصول الملك له قبيل الصدقة لترتب على هذا النقل حصول الصدقة عنه أو يقال بقدر حصول الملك له قبيل موته وهو بعيد وكل هذا مشكل انتهى.
وليس المراد ما قال، بل المراد أن ثواب الصدقة يحصل للميت بقصد المتصدق ذلك، ومن هذا قال القاضي عياض: يكون انتفاع المصدق عنه، وإن لم يكن له فيه نية أن المتصدق وهب أجرة منه، ولا امتناع فيما قاله أن يتفضل إلا سبحانه وتعالى عند هبة الحي ثواب عمله للميت يجعل ثواب ذلك ثواب للميت.
الجزء: 7 - الصفحة: 130
وأما غير الصوْمِ؛ كالصلاة عنه قضاء، أو غير قضاء، وقراءة القرآن عنه: فلا تنفعه، واستثنى صاحب "التلْخِيصِ" عن الصلاة ركعتَيِ الطواف، وقال: يأتي بهما الأجيرُ عن المحجوج عنه، ووافَقَهُ بعضُ الأصحاب، وقالوا: [إنه] يقع عنه تبعاً للطَّواف، ومنهم من قال: هِيَ عنِ الأجير وَتَبرَأُ ذمة المحجوج عنه بما يفعل، كما لو ارتكَبَ محظورًا، ولزمه الدَّمُ، أو الصَّوْم.
والظاهر الأوَّلُ، ويمكن أن يُعْلَمَ قوله: "وأما الصلاةُ عنه قضاءً لما فاته لا تنفعه" بالواو لتخريج من الصوم أشرنا إليه، وقد ذكرناه في "باب الصوم".
والذي يعتاد من قراءة القرآنِ عَلَى رأس القُبُور قد ذكرنا في "باب الإجارة" طريقين في عَوْدِ فائدتها إلى المَيِّت، وعن القاضي أبي الطيِّب طريقٌ ثالثٌ، وهو أن الميت كَالحَيِّ الحاضِرِ، فتَرجى له الرحمة ووصُولُ البركة إليه، إِذا أَهْدَى الثوابَ إلى القارئ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةَ إذا مُلِكَ قَرِيبُهُ فِي مَرَضِ المَوْتِ بِالإِرْثِ عَتَقَ (و) مِنْ رَأْس المَالِ، وَإِنْ مُلِكَ بالشِّرَاءِ عَتَقَ مِنَ الثُّلُث، فَمَا زَادَ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَلِكَ بُقَبُولِ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَقَدْرُ المُحَابَاةِ مِنَ المَبِيعِ كَالمَوْهُوبِ، ثُمَّ إذَا عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ لَمْ يَرِثْ (ح وم) إذْ يَنْقَلِبُ العِتْقُ تَبَرُّعًا عَلَى وَارِثٍ فَيَمْتَنِعُ، وَإِنْ عَتَقَ مِنْ رَأَسِ المَالِ وَرِثَ (و) لِأَنَّهُ وَقَعَ مُسْتَحَقًا شَرْعًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ضمن هذا الفصل فروعاً متفرَّقة:
أحدهما: إذا مَلَكَ في مرض موته من يُعْتَقُ عَلَيْهِ، نُظِر: إِن ملكه بالإرث، فوجهان في أنَّه يعتق من الثلث أو من رأس المال:
أحدها: من الثُّلُثِ؛ لأنه حَصَل في ملِكْهِ، ثم زال، فأشبه ما إِذا أَعْتَقَ عَبْداً وَرِثَهُ في مَرَضِهِ، وما إذا وَرِثَ مالاً، فاشْتَرَى به مَنْ يُعْتَقُ عليه.
والثاني، ويحكَى عن مالك -رحمه الله-: أنَّه يُعْتَقُ من رأس المال؛ لأنه لم يقْصِدْ تملُّكاً ولا إزَالَةَ ملْكٍ، بل حصل بغير اختياره، وأَيضًا لم يبذُلْ في مقابلته مالاً فيتضرر به الورثة، وبهذا الوجه أجابَ صاحِبُ الكتاب هاهنا، ونقل الوجهَيْنِ في كتاب "العِتْق" وما الأصحُّ منهما؟ قال في "التَّهْذِيب": الأول أَصَحُّ وذكر المتولِّي أنه ظاهرُ النَّصِّ وأَن الثانِيَ من تخريج ابْن سُرَيْجٍ، لكن الأَشبه ترجِيحُ الثاني عَلَى ما أجاب به في الكِتَابِ؛ لأن في كَلامِ الشيخ أَبِي عليٍّ وغيره ما يقتَضِي الجَزْمَ به ورفع الخلاف، وأَيضًا فلم يُورِد الأُستاذ أَبو منصور غيره.
ولو وهب منْهُ مَنْ يعتق عليه، أَو أَوصَى له به، فإن قلْنا: إِنه لَوْ وَرِثَه، لَعَتَقَ من
الجزء: 7 - الصفحة: 131
الثلث، فهاهنا أَولَى وإنْ قلْنا يعتق من رأْس المال هناك، فها هُنَا وجهان:
أَحدهما، وبه قال أَبو حنيفة: أنه يعتق من الثلث، كما لو وهَب منْه مَنْ لا يُعْتَقُ عليه، فقَبِلَهُ وأعتقه، ويُجْعَلُ قصْدُه إلى تملُّك من يعتق علَيْه، كابتداء العِتْق في المرض.
وأظهرهما: وبه قال ابن الحدَّاد والأستاذ أبو منصور: أنه يُعْتَقُ من رأْسِ المال؛ لأنه لم يبذل في مقابلته مالاً، والزوالُ حصَلَ بغير اختياره، فإنْ قُلْنا: يُعْتَقُ من رأْس المال، عَتَقَ، وإنْ لم يكُنْ له مالٌ سواه، وكذا لو كان عليه دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، وكذا المفْلِسُ المحجُور علَيْه، إذا قَبل، ولا سبيل للغرماء علَيهِ] 237 وإن قلنا: إِنَّه يُعْتَقُ من الثلث، فلو لم يكُنْ له مالٌ سواه، لم يُعتَق إلاَّ ثلثه، ولو كانَ علَيْهِ دَيْنٌ، لم يُعْتَقْ، وبِيع فَي الدَّيْن، وكذا في المفْلِسِ المحجور عليه، ولو اشترى المريضُ من يُعْتَقُ عليه، فإما أن يكون علَيْه دَيْنٌ أَو لا يكونَ، فإن كانَ، ففِي صحة الشراء وجهان، ويقال: قولان.
وجه المنع: أنه لو صحَّ، لملكه، ولو ملكه، لَعَتَقَ عليه، وفيه تضييعُ حُقُوقِ الغُرَمَاء.
وأصحُّهما: الصحَّة؛ لأنَّه لا خَلَلَ في الشراء، فيثبت مقتضاهُ، وهو المِلْك لأنه لا يُعْتَقُ لحقِّ الغرماء، وبهذا أجاب ابن الحدَّاد، وذكر الشيخ أَبو عليٍّ أَن الخلافَ مبنيٌّ على قولَيْن منصوصَيْنِ فيما إِذا أوصَى لصبيٍّ ببَعضِ مَنْ يعتَقُ عليه، والصبيُّ موسرٌ، هل للوليِّ القبولُ؟ في قول: لا، وإلاَّ، لعَتَقَ، وقُوِّمَ عليه الباقي، فيه إتلافُ مالِ الصبيِّ، وفي قولٍ: نعم، ولا يُقَوَّم عليه، فعلى هذا: يصحُّ الشراء، ولا يُعْتَقُ، وعلى الأول: لا يصح، وإن لم يكن عليه دَيْنٌ، فيعتبر عتقُهُ من الثلث؛ لأَنه لا يملك بالاختيار، وبذل في مقابلته المال، فإِنْ خرَجَ كلُّه من الثلث، صحَّ الشِّرَاء وعَتَقَ كلُّه، وإلا، ففي صحة الشِّراء فيما زادَ عَلَى الثُّلُث مثْل الخلاف فيما إِذَا كَانَ عليه دَيْنٌ، فإن قلْنا: لا يصحُّ، ففي قدْرِ الثلث الخلافُ المذكورُ في "تفريق الصَّفقة"، وإن قلْنا: يصحُّ، عَتَقَ من الثلث، ولم يعتق ما زاد، وعلَى هذا، ينطبق قولُة في الكتاب "وإن ملك بالشراء، عَتَقَ مِنَ الثلُث، فَمَا أزاد لَمْ يُعْتَق" وروى الأستاذ أبو منصُور وجهًا مطلقاً أَنَّ شراء الْمَرِيضِ أَباه باطِلٌ؛ لأنه وصيَّةٌ والوصيةُ موقوفةٌ علَى الخروج.
من الثلث أو الإِجازةِ، والبيعُ لا يصحُّ موقوفاً، وجميعُ هذا فيما إذا لم يكن محاباة، أما إذا اشتراه محاباةً، كما لو كانتْ قيمتُه مائةً، فاشتراه بخَمْسِينَ، كان قدر المحاباةِ، كالموهوب فيَجيءُ الوَجْهَان في أَنَّه يُعْتَبَرُ من الثلث أَوْ مِنْ رأس المال فإِنِ اعتبرنا الموهُوبَ من الثُّلُث، فجميعُ المائةِ مِنَ الثُّلث، وإِلاَّ، فالمعتبر منْه خمسون، ثم مهما حكَمْنا بأنَّه يعتق من الثلث، فلا يرث
الجزء: 7 - الصفحة: 132
العتيقَ؛ لأن عتْقَهُ وصيَّةٌ، ولا سبيل إلى الجَمْع بين الوصيَّة والميراث، فلو وَرِثَ، لصَارَتِ الوصيَّةُ وصيَّةٌ للوارث، فيُبطل، واِذا بَطَلَ العتْقُ، امتنع التوريثُ، فإذن في توريثه عَدَمُ توريثه، هكذا أَطلقوه حكمًا وتعليلاً، وكأنه مبنيٌّ على أَن الوصيَّة للوارث باطلةٌ، فإن وقفاها على الإِجَازَةِ، فلا يمتنع الجَمْعُ بين الوصية والميراث، فيحتمل أَن يُوقَفَ الأَمْرُ على الإِجازة، ويحتمل خلافُهُ 238، وحَكَى الأَستاذُ وجهاً: أَنه يرث؛ لأنَّه لا
الجزء: 7 - الصفحة: 133
يملكُ رقبته، حتى يقال: أوْصَى له بها، وإنما ينتفع بالعِتْق، فهو كانتفاع الوارث بمَسْجِدٍ، وقنطرة بناهما المورِّثُ، وذلك لا يمنع الميراثَ، فلْيُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب "لم يرث" بالواو، ويجوز أن يعلم بالحاء والميم أَيْضًا؛ لأنَّهما ذهبا إلَى توريثه، ويُحْكَى عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يسعَى في قيمته، حتَّى يخرج عتقه عن أَن يكُونَ وصيَّةً، ومهما حكَمْنا بأنَّه يعتقُ من رأْس المال، فوجهان:
أصحهما: أنه يرث 239؛ لأن العِتْقَ، والحالةُ هذه، ليس بوصيَّة، بل هو مستحَقٌّ شرعاً، فلا يلزم الجمع بين الميراث والوَصِيَّة.
والثاني: وبه قال الإِصطخريُّ: لا يرث، ويُجْعَل عتقه وصيَّةً في حقه، وإن لم يُجْعَلْ وصيَّةً في حق الوارث، كما لو نكَحَتِ المريضةُ بدُونِ مَهْر المِثْل، تصحُّ المحاباة منْ رأْس المال، إِن لم يكِنِ الزَّوج وارثًا، وإِن كَانَ وارثًا، يُجعَلَ وصيةَ، فتبطُلُ، ويجِبُ مَهْرُ المثل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَبْدِي بَعْدَ مَوْتِي لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قُبُولِ العَبْدِ لِأَنَّ لِلَّهِ = الفارقي وهذا من علو درجة الشيخين بركتهما وكيف لا وتحرير المذهب راجع إليهما، ثم ذكر الشيخ البلقيني جرياً على ما تقرر عنده فقال: يستنبط من ذلك أن من كانت له جارية ثم في مرض موته أعتقها ثم تزوجها أنها لا ترث لأن عتقها من الثلث ومن يعتق من الثلث لا يرث، وهكذا أطلق صاحب الحاوي الصغير لكن لو كان للرجل مستولدة فأعتقها في مرض موته ثم تزوجها ثم مات فإنها ترث؛ لأن عتقها لا يحسب من الثلث ولو لم يوجد العتق لعتقت بالموت من رأس المال إلى آخر ما ذكره.
وما ذكره الشيخ عن الحاوي الصغير مصرح به في الروضة في مسائل الدور الحكمي قبل الباب الثاني عشر في اختلاف الزوجين في النكاح فقال ما نصه: أعتق أمة في مرض موته ونكحها على مهر سماه نظر إن لم يخرج من الثلث فحكمه ما ذكرناه في المسائل الدورية في كتاب الوصايا وإن خرجت من الثلث نظر إن كانت قدر الثلث بلا مزيد بأن كانت قيمتها مائة وله مائتان سواء فالنكاح صحيح ثم إن لم يجر دخول فلا مهر لها لأنه لو ثبت المهر لكان دينا على الميت وحينئذ لا تخرج من الثلث ويرق بعضها وحينئذ يبطل النكاح والمهر فإثباته يؤدي إلى إسقاطه فيسقط وإن جرى دخول فقد ذكرنا حكمه في كتاب الوصايا وسواء دخل أم لا فلا ترث بالزوجية لأن عتقها وصية والإرث والوصية لا يجتمعان فلو أثبتنا الإرث لزم إبطال الوصية وهي العتق، وإذا بطلت بطلت الزوجية، وبطل الأرث إلى آخر ما ذكرا في هذا الباب لأنه لا يمتنع الجمع بيهما وذكرا ما تقدم تقريره فمسالة الأمة أيضاً مبنية على ذلك إن قلنا الوصية للوارث باطلة فلا إرث، وإن قلنا: موقوفة على الإجازة فلها الإرث.
الجزء: 7 - الصفحة: 134
حَقّاً في الْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِرَقَبَتِهِ فَفِي اشْتِرَاطِ القُبُول وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيَّ: الثاني: إِذا قال: أَعْتِقوا عبْدِي بعْد مَوْتِي، لم يفتقر إِلَى قبول العبد؛ لأن لله تعالَى حقَّاً مؤكَّدًا في العِتْق، فكان كالوصيَّة للجهات العامَّة وبناء المسجد والقَنْطَرَة، ولو قال: أوصَيْتُ له برقبته، فهذه الوصيةُ صحيحةٌ، ومقصودُها الإِعتاقُ، وهل يفتقرُ إلى قبوله؟ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: لا؛ لأنَّه في المعْنَى كقوله: "اعْتِقُوا عَبْدِي".
وأصحُّهما: وبه أجاب الشيخ أبو عليٍّ: أنَّه يفتقرُ إلَيْه؛ لاقتضاء الصِّيغة القَبُول، وصار كَمَا لو قال لعَبْدِهِ: وهبتُ منْكَ نَفْسَكَ، أَو ملكتك نَفْسَك، فإنه يحتاجُ إِلى القبول في المَجْلِس، وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا حاجة إلى القَبُول من شيء مِنْ هذه الصور، ولو قال: وهَبْتُ نفْسَك، لا على طريق التمليك، بل نَوَى وبه المعْتِقُ عتق مِنْ غَيْرِ قُبُولٍ 240.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَعْتَقَ ثُلُثَ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتهِ وَلَيْسَ فِي المَالِ مُتَّسَعْ لَمْ يَسْرِ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَالمَالُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثالِثُ: لو قال: إذا متُّ فاعتقوا ثُلُثَ عبْدِي، أو قَالَ: ثُلُثُ عَبْدِي حُرّاً، إِذا متُّ، لم يُعْتَقْ إذا مات أَكثر من ثلثه؛ لأَن إعتاق بَعْض الرقيق، إنَّما يَسْرِي إِلى الباقي، إِذا كان المعْتِقُ مالكاً للباقي، أو لم يكن مالكاً إِلاَّ أَنَّه موسِرٌ بقيمته، وإذا مات، زَالَ ملْكُه عن الباقي وعن سائر أَملاكه، فلا هو حينَ العِتْقِ مالكٌ للباقي، ولا هو موسِرٌ بقيمته، ويخالف ما لَوْ أعتق المريضُ بعْضَ عبده، حيث يَسْرِي إلى الباقي، إِذا وفَّي الثلث به؛ لأنه مالك للبَاقِي، ولو ملك ثلاثةَ أَعْبُدٍ مُتَسَاوِي القِيمَةِ، لا مَالَ له سوَاهُمْ، فأعتقَ في مرضه ثُلُث كلِّ واحد منهم، فقال: أثلاث هؤلاءِ أحرارٌ، وثلثُ كُلِّ واحدٍ حُرٌّ، ففيه وجهان:
أحدُهُما: أنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهم ثُلُثُه، كما ذكرنا.
وأَصحُّهما: أنه يُقْرَعُ بينهم؛ لتجتمع الحريةُ في واحِدٍ، فإِن عَتَق المالكُ، لا يتجزَّأُ، وإعتاقه بعض مملوكه كإعتاقِهِ جميعَهُ، فكأنه قال: أعتقْتُ هؤلاء، ولو قال ذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 135
لأقْرَعْنَا بينهم بسهمي رق وسهم عتق، فمن خَرَجَ له سَهْمُ العِتْقِ، عَتَقَ، فكذلك هاهنا.
ولو قال: أَعْتَقتْ ثُلثَكُمْ، أو ثُلُثُكُمْ حُرٌّ، فهو كما لو قال: أعتقتُكُمْ أو أعتقْتُ واحداً منْكُم، فيُقْرَعُ بينهم، ولا يجيءُ الوَجْهَان، ومنْهُمْ مَنْ جاء بالوجْهَيْن، وجعل الصيغَتَيْنِ، كما لو قال: أثْلاثُ هؤُلاءِ أحرارٌ، ولو أضاف إِلى الموت، فقال: أثلاثُ هؤلاءِ أحرَارٌ بعد موتي، أو ثُلُثُ كلِّ واحدٍ منهم، فيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منْهم ثلُثُه، ولا يُقْرَعُ؛ لما ذكرنا أَنَّ العتق بعْد المَوْت لا يَسْرِي، نعم، لو زَادَ ما أعتق على الثلث، فيُقْرَع لردِّ لزيادة لا للسِّراية، وفي "التهذيب" وغيره وجْهٌ [آخر] أنَّه يُقْرَع، كما لو نجز في مرض الموت، فمَن خَرَجَ له سَهمْ العِتْق، عَتَقَ وَرَقَّ الآخران، والصَّحِيحُ الأَوَّل، وبه أجاب ابن الحدَّاد، وفَرَّع عليه بما أوضَحَه، فقال: لو قال للأعْبُدِ الثلاثةِ: النِّصْفُ مِنْ كلِّ واحدٍ منكم حرٌّ بعد موتي، فقد عَتَقَ نصْف ماله، فإن لم تُجز الورثةُ، لقُرعَ بين العبيد بسَهْم رِقٍّ وسَهْمَيْ عِتْقٍ، فالذي أصابه سَهْمُ الرِّقِّ يرقُّ واللذان أصابَهُما سَهْمَا العِتْقِ، يَعْتِقّ مِن كلِّ واحدٍ منهما نصْفُه، ولا يَسْرِي، ولو أَعتق الانصاف في مَرَضهِ، فمن عتق منه شيءٌ، لا بد وأن يسري إلَى باقية إلَى أَن يتمَّ الثلث، فيقرع بينهم بسهمي رقٍّ، وسهْمِ عتقٍ، فمن خرج له سهمُ العِتْق، عَتَقَ كلُّه، وهو ثلثُ المالِ، ولو لم يَمْلِكْ إِلاَّ عبدَيْنِ قيمتهما سواءٌ، فقال: نصفُ غانِم حرٌّ بعد موتي، وثلثُ سالِم حرٌّ بعد موتي، فقد أعتَقَ خمسة أسداس العبد، وليس له إلاَّ إعْتَاق ثُلُثَيْ عَبدٍ، فيقرع بينهما؛ لردِّ الزيادة، فإن خَرَج سهْمُ العِتْقِ لغانم، عَتَق نصْفُه، وعَتَقَ سدس الآخر، لِيَتِمَّ الثلثُ، وإن خَرَجَ لسالمٍ، عَتَقَ ثلثِه، وعَتَقَ ثلُثُ غانم، وإن أَعتق نصْفِّ واحد منهما في مرضه، أُقْرعَ بينهما، فمن خَرَجَ له سهْمُ العتقِ، عَتَقَ ثلثاه، ورَقَّ باقيه مع جميع الآخر، وهذا كلُّه مفروضٌ فيما إِذا أعْتَقَ الأَبعاضَ في المَرَض معاً؛ بأن قال: أثلاثُ هؤلاء أحرار، ونصف كلِّ واحدٍ منهما حرٌّ، فأما إِذَا قدّم وأَخَّر، فيقدَّم الأسبق، فالأسبقُ، حتى لو قال: نصف غانم حِرٌّ وثلثُ سَالمٍ حرٌّ، يعتق من غانم ثلثاه ولا قُرْعَة.
قَالَ الغَزَاليِ: وَإِنْ أَعْتَقَ الجَارَيةَ دُونَ الحَمْلِ فَفِي السِّرَايَةِ اِلَى الحَمْلِ بَعْدَ المَوْتِ وَجْهَانِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنَ الأَصْلِ كَعُضْو مُعَيَّنٍ لاَ يَقِفُ العِتْقُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَثْنَى الجَنِينَ صَرِيحاً عَنِ الحُرِّيَةِ فَفِي صِحَّةِ الاسْتِثْنَاءِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: لو أعتق جاريتَهُ بعد الموت، وهي حاملٌ، ففي الحملِ وجهَان:
أحدهما: لا يعتق؛ لما مرَّ أَنَّ أعتق الميِّت لا يسري.
وأصحهما: أنه يعتَقُ لأنَّ الجنينَ كعُضْوٍ من الأمِّ، والعتقُ لا يثبت في بعض
الجزء: 7 - الصفحة: 136
الأعضاء دون عضوٍ؛ لأن الأُم، تستتبع الحمْلَ، كما في البيع، وهذا المعنَى أقوَى؛ لأَنَّ الأَول يشكل بما، إِذا أُعتِقَ الحملُ لا تعتق الأُمّ ولو كان كعُضْو منها، لعَتَقَتْ، ولو استثنَى الحَمْل صريحاً، فقال: هي حُرَّةٌ بعد موتِي إلاَّ جنينُها [أو دون جنينها] 241 ففي صحة الاستثناء وجهان:
أحدهما: الصحَّةُ؛ لأنه يعرض الانفصال، والاستثناء يجعله كالمُنفَصِل.
والأشبه: المنعُ كاستثناءِ الأعْضَاء وقد قيل: إنَّ الوجه الصائِر إلَى أنه لا يعتقُ عند الإطلاق مخرج من القَوْل بصحْة الاستثناء.
وقوله في الكتاب "وإن أعتَقَ الجاريةَ دُون الحَمْل" أي: أعتقها ولم يتعرَّض للحَمْل، فأما إذا قال دُون الحَمْل، فهذه صورةُ التصْرِيحِ بالاستثناء.
وقوله "لا يقف العتق عليه" أي: على الأَصلِ بَلْ يسرِي هذا إذا أَعّتَقَ الحامِلَ بعد الموت، فأَمَّا إذا نجز عتْقَهَا في الحياة، ففي "التهذيب" وغيره: أنَّ الحمْلَ يعتق أَيضًا، فإن الاستثناء لا يصحُّ، ولم يذكروا فيه خلافاً، ووجَّهوه بأن الاستثناء في البَيْع لا يصحُّ، فكذلك هاهنا، إِلا أنَّ البيع يبطُلُ من أصله، والعتق ينفذ فيهما؛ لغلبته، ولو كانَتِ الأمُّ لواحدٍ، والحملُ لآخرَ فأعتق مالك الأم الأم، وعتقَتْ دون الحمل؛ لأنَّ اخلافِ الملكِ يَمْنَع الاستتباع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أوْصَى بِثُلُثِ عَبْدِهِ فَاسْتُحِقَّ ثُلْثَاهُ نَزَلَتِ الوَصِيَّةُ عَلَى ثُلُثِهِ الَّذِى بَقِيَ، وَقِيلَ: لاَ يَبْقَى لِلْوَصِيَّةِ إِلاَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ بِحُكْمِ الشيُوعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخامسُ: أوصى بثلُثِ عبدٍ معيَّنٍ أو دارٍ أو غيرهما، فاستُحِقَّ ثلثاه، نُظِرَ: إن لم يملك شيئاً آخر فللموصِى له ثلث الثلث الباقي [وإن ملك غيره، واحتمل ثلثه الثُّلُثَ الباقي، فقد قال في "المختصر" له الثلُثُ البَاقِي،] 242 وروي قولُهُ "إنّ له ثلث الباقي" وهذا نسبه صاحب "التهذيب" إلَى رواية الربيعِ والمتولِّي إِلى بعض نُسَخِ "المختصر" وللأَصحاب في المسألة طريقَانِ:
أصحهما: أن فيها قولَيْنِ:
أظهرهما: أن الوصيَّة تنزل على ثلُثِ الباقي، وتصح فيه لأَن المقصودَ من الوصيَّة إِرفاقُ الموصَى له، فإِذا أَوصَى بما احتمله الثلث، أمكن رعايةُ عِرْضِهِ منْها، فيصار إِليه.
الجزء: 7 - الصفحة: 137
والثاني: وهو اختيار ابن سُرَيْجٍ، ويُحْكَى عن أَبي حنيفة ومالكٍ والإِصطخريِّ -رحمهم الله- أن له ثُلَثَ الثُّلُثِ الباقي؛ لأن الوصية بالثُلثِ الشائع، فإذا خرج الثلثان بالاستحقاقِ بَقِيَتِ الوصيةُ في ثلث الباقي، وهو تُسْعُ الجملة، وصار كما لو أوصَى بثلث ماله، فاستُحِقَّ ثلثاه، لا يكون من الباقي إلاَّ الثُّلُث.
والطريق الثاني: القطْعُ بأَنَّ له ثلثَ الثُّلُث الباقي، وحمل ما رواه المزنيُّ عَلَى ما إِذا لم يتلفَّظْ بالثلث، ولكن كان له ثلاثونَ من الغَنَم مثلاً، في الظاهرِ، فقال: أعطُوهُ عَشَرةً منْها، ثم استحقَّ عشرون منْها بعَيْنها أَو عَلَى ما إِذا أَوصَى بأحد أثلاثِ العَبْدِ المعيَّن، فاستحق ثلثاه، أو على ما إِذا أوصَى بثلث معيَّن من الدار، فاستحق باقيها أو عَلَى ما إذا اشترَى ثلُثَها من زيْد وثلثيها من عمْرو وأَوْصَى بما اشتراه من زيْدٍ، واستحق ما اشتراه من عمرو، فإن في هذه الصور [ة] يكونُ له الثلثُ الباقي، واعلم أنَّ أصحاب الطريقة الأولَى مَنْ يعبِّرُ عن الخلاف بالوجْهَيْن أو بالمنصوص والمُخَرَّج، وربما وجَّهوا الأظْهَر بأنَّ الظاهر أنَّه إنما يوصَى ويُتصرَّف فيما يملكه، وقد اشتهرَ الخلاَفُ في العَبْد المشتَرَكِ بين اثنين بالسويَّة، إِذا قال أحدُهُما، بعت نصفَهُ أَنَّ البيعَ ينْصَرِف إلَى نصفه أو يشيع، ولا فَرْق في ذلك بين البَيْع والوصيَّة، فينتظم أَن يبنى أحد الخلافَيْن على الآخَرِ أو يقال: هو هو، ثُمَّ عن ابن سُرَيْجٍ أَن الوصيَّةَ إِنَّما تنتفي في ثلث الثلثِ الباقي، إِذا كان قد قال: أوصيتُ له بثُلثِ هذا العبد، فأما إِذا قال: أعْطُوه ثلثه، دفع إِليه الثلث الباقي كاملاً، لا محالة، ولو أوصَى بأثلاث الأعبد الثلاثة، واستحق اثنان منهم، فلا شكَّ أَن الوصية تنفد إِلاَّ في ثلث العبد الباقِي، ولو أَوصَى بثلث صُبَّرة، فتلف ثلثاها، فله ثلث الباقِي بلا خلاف؛ لأَنَّ الوصيةَ تناولتَ التالف، كما تناولَتِ الباقِيَ، وهاهنا لا تتناول المستحقّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ إِذَا مَنَعْنَا نَقْلَ الصَّدَقَاتِ فَفِي نَقْلِ مَا أَوْصَى بِهِ في بَلَدِهِ لِلمَسَاكِين وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما أوصَى به للمساكين، هل يجوز نقله إِلى مساكين غير بلد المَال فيه طريقان 243:
أحدهما: أنه على قولَيْن، كما في نقل الزكاة؛ تنزيلاً للفظ المطْلَق عَلَى ما ورد به الفرْع.
والثاني: ترتيب الوصيَّة على نقل الزكاة، إن جوَّزنا نقل الزكاة، ففي الوصية
الجزء: 7 - الصفحة: 138
أولَى، وإن منعْنَاه ففي الوصيَّة وجهان.
والفَرْق أن الزكاةَ مطمح نظر الفقراء؛ من حيث إِنَّها موظَّفة دارِهِ، والوصية بخلافه، ولهذا يجوز تقييدُ الوصيَّة بمساكين سائر البلاد.
والطريق الثاني: وهو المذكور في الكتاب، لكنِ الاكثرُونَ أوردُوا الأول، وهو الذي يدُلُّ عليه نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- فإنَّه نصَّ في "المختصر" ههنا على منع النقل، وهو جواب منه على أحد القَوليْن، وإذا قَلْنا: لا يجوز النقل، فلو لم يكُنْ في تلك البلدة فقير، فتنتقل كالزكاة أو تبطُلُ الوصية؟ فيه وجهان في بعض الشُّروح، ولو عين فقراء بلده، ولم يكن فيه فقيرٌ، بطَلَت الوصيةُ (1) كما لو أوصَى لولدِ فلانٍ، ولا وَلَدَ له، والله أعْلم.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: القِسْمُ الثَّالِثُ فِيَ المسَائِلِ الحِسَابِيَّةِ،
إِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِمثْلِ نَصِيبِ ابْنَيَّ أَوْ بِنَصِيبِ (ح و) ابْنَيَّ وَلَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ فَهُو وَصِيَّةٌ بِالنِّصْفِ (و)، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ وَأَوْصَى بِنَصِيبِ وَاحِدٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِالثُّلُثِ (م)، وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً فَبالرُّبُعِ (م) وَبِالجُمْلَةِ يَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَنِينَ في القِسْمَةِ، وَكَذَا إِذَا أَوْصَى بِنَصِيبِ ابْنٍ ثَالِثٍ لَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الحَالِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ أعْطِيَ مِثْلَ سَهْمٍ أَقَلَّهِم نَصِيبًا (م)، وَلَوْ أَوْصَى بِضِعْفِ نَصِيبِ وَلَدِهِ أُعْطِيَ مِثلَ مَا أَعْطَى وَلَدَهُ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسائلُ الحسابيَّةُ من الوصايا طويلةٌ كثيرةُ الاِنْشِعَاب، ولذلك جعَلُوها مع سائر المَسَائِلِ الدَّوْرِيَّةِ؛ عِلْمًا برأسه، وأَفردوه بالتدْرِيس والتصنيف، ولم يورد صاحب الكتاب في هذا القِسْم إلاَّ مسائل معدودة، فالوَجْه أنْ نشْرَحَها ونضُمَّ إِليها ما لا بُدَّ منْه في الباب من الإيجاز وبالله التوفيق.
فمما ذكره: إذا أوصَى بمثل نصيبِ ابنه، وله ابن واحدٌ لا يرثه سواه، فالوصيةُ244
الجزء: 7 - الصفحة: 139
بالنصف 245 فإن لم يجز، ردَّت إلى الثلث، وكذا لو كان له ابنان أَو بنون، فأَوْصَى بمثل: نصيبهما أو نصيبهم.
وعن مالك -رحمه الله-: أَن الوصية في الصُّورة وصية بالكل، واحتج الاصَّحابُ بأنَّ الوصية بمثل نصيب الابنِ تقتَضِي أَن يكون للابنِ نصيبٌ، وللموصَى له نصيبٌ، وأن يكون النَّصِيبَان مثلين، فيلزم التسويةُ، وربما قالوا: الابنُ يأْخذُ الكلَّ؛ لولاء الوصية، فإِذا نزّل الموصَى له منزلته، فقد أثبت الكلَّ له أَيضًا، والمبلغ إِذا عالَ بمثْله، كان الزائدُ مثْلَ المزيد علَيْه، ولو لم يكن له ابن أو لم يكن له وارثًا لرق، وغيره، فالوصية باطلةٌ، لأنه لا نصيب للابن، ولو قال: أَوصَيْتُ له بنَصِيبِ ابْنِي، ولم يذكر لفْظ المِثْل، فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أَن الوصيَّةَ باطلةٌ؛ لورودها عَلَى حقِّ الغَيْر، وهذا أصحُّ عند أصحابنا العراقِيِّينَ وتابعهم صاحب "التهذيب".
والثاني: وبه مالك -رحمه الله-: أنها صحيحةٌ، والمعنى بمثل نصيب ابْني، ومثله كثير في الاستعمال، وهذا ما أَورده الأُستاذ أَبو منصور، وهو الأَصحُّ عند الإمام والقاضي الرُّويانيِّ -رحمهم الله تعالى- وغيرهما، وقالوا: إن الوصية واردةٌ على مال الموصِي، وليس للابن نصيبٌ قبل موته، وإِنما الغرضُ التقدير بما يستحقُّه من بعدُ.
ويجري الوجهان، فيما لو قَالَ: بعْتُ عبدي منْك بما باع به فلانٌ فَرَسَهُ، وهما يعلمان قدْرَهُ، فإن صحَّحنا، فهيَ وصيةٌ بالنِّصْف، كما لو قال: أَوْصَيْتُ بمثل نصيب ابْنِي، وفي "التهذيب" وجه آخر: أنها وصيةٌ بالكل، ولو كان له ابنان، فأوصَى بمثل نصيب أحدِهِما أو بمثل نصيب ابْنٍ، فالوصية بالثُّلُث، ولو كانوا ثلاثةً، فبالربع، وإن كانوا أَربعةً، فبالخمس، وعلىَ هذا القياسُ ويجعل الموصَى له كابنٍ آخَرَ معهم.
وعن مالك -رحمه الله- أن الوصية في صورة الاثْنَيْنِ بالنِّصْف، وفي الثلاثة بالثُّلُث، وعَلَى هذا؛ فالضابط عنده أن يعتَبَرَ نَصِيبُ الموصَى بنصيبه؛ لو لم تكن وصية، وعنْدنا يعتبرُ بعد الوصية، فتقام فريضةُ الميراث، ويزاد عليها مثْل سهم الموصَى بنصيبه، حتى لو كانت له بنتٌ، وأوصَى بمثل نصيبها، فالوصيةُ بالثلث؛ لأن المسألة
الجزء: 7 - الصفحة: 140
من اثنين، لو لم تكن وصيةً 246 فتزيد على الاثنين سهمًا وتعطيه سهماً من ثلاثة أسْهُمٍ.
ولو أوصَى، وله بنتان بمثل نصيب إحداهما، فالوصية بالربع؛ لأنَّ المسألة من ثلاثةٍ؛ لأن الوصية لكلِّ واحدة منهما سهمٌ، فتزيد للموصَى له سهماً، فتبلغ أربعةٌ.
ولو أَوصَى بنصيبهما معاً، فالوصية بخمسَي المال؛ لأنهما من ثلاثةٍ، ولهما سهمانِ من الثلاثة، فتزيد على الثلاثة سهمَيْن، يبلغ خمسةً.
ولو أوصَى، وله ثلاث بنات وأخٌ بمثل نصيب واحدة منْهن، فالوصية بسهمَيْن من أَحَد عشر سهماً؛ لأن المسألةَ من تسْعَة، لولاء الوصية، ونصيب كلِّ بنتٍ منْهما سهمان، فتزيد على التِّسْعَة سهمَيْن، يكون أحدَ عَشَرَ، وكذا إذا أَوصَى، وله ثلاثةُ بنينَ، وثلاثُ بناتٍ بنصيب ابْنِ، ولو أَوصَى، وله ثلاثةُ بنينَ وبنْتٌ بمثل نصيب البنْتِ، فالوصيةُ بالثمن؛ لأنَّها منَ سَبْعَة، لو لم تكن وصيَّة للبنت، منها واحد فيزيد على السَّبْعة واحدٌ.
ولو كان له ابن وثلاثُ بناتٍ وأبوانِ وأَوْصَى بمثل نصيب الابن، فالمسألة تصحُّ من ثلاثين، لو لم تكن وصيةٌ، نصيب الابن منْها ثمانيةٌ، فتزيد ثمانيةٌ على الثلاثين، ونقول: الوصيةُ بثمانية أَسهُمٍ ثمانيةٌ وثلاثينَ سَهْمًا، تروَى هذه الصورة عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- 247.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: أَوْصَى، وله ابن، بمثل نصيب ابن ثانٍ لو كان، أو أَوْصَى، وله ابنانِ، بمثل نصيب ابن ثالثٍ، لو كان فالحكْمُ في الصورة الأُولَى، كما لو كان له ابنانِ، وأوصى بمثل نصيب أحدهما، فتكون الوصيَّةُ بالثلث، وفي الثانية كما لو كان له ثلاثةُ بنين له، وأوصَى بمثل نصيب أحدهم، فتكون الوصيَّةُ بالربع، وحكى الامامُ عن شَيْخه أَنَّ الأُستاذ أَبا إِسحاق كان يقول: هذه الوصيةُ تتضمَّن إِقامة الموَصَى له مُقَام الابن المقدر، فتكون الوصيةُ في الصورة الأُولَى بالنصف، وفي الثانية بالثلُثِ، وهل من فرقٍ بين أن يحذف لفظ "المثْلِ"، فيقول: "بنصيب ابن ثان أو ثالثٍ، لو كان"، وبين ألاَّ يحذفه؟ القياسُ أَنَّه على الوجهَيْن فيما إذا أَضاف إِلى الوارث الموجود، وحكى الأَستاذ أَبو منصورِ عن الأصحابِ أنَّهم فَرَقُوا هاهنا بين اللفظين، وإن لم يَفْرِقُوا فيما إِذا أَضاف إِلى الوارث الموجودِ، وقالوا: إِذا أَوصَى بمثل نصيبه، دفع إِليه نصيبه، لو كان مزيدًا على سهام الفريضة، وإذا أوْصَى بنصيبه، دفع إِلَيْه نصيبه، لو كان من أَصْل سهام
الجزء: 7 - الصفحة: 141
الفريضة، فعلَى هذا لو أوْصَى، وله ابنان بنصيب ابن ثالث، لو كان، فالوصيَّة بالثلث، أولو قال بمثل نصيب ابن ثالث لو كان، فبالربع، كما سبق، ولو أَوصَى وله ثلاثة] 248 بنين، بمثل نصيب بنتٍ، لو كانت، فالوصية بالثُّمن، وعلَى ما حُكِيَ عن الأستاذ أبي إِسحاقَ بالسُّبع.
وقوله في الكتاب "وكذا إِذا أَوصَى بنصيب ابنٍ ثالثٍ لو كان" إلى آخره ينطبق على القول بالتسوية بين أَنْ يذكر لفْظ "المثل" أو يُحذفَهُ، وهو الذي أَورده في الوَارِثِ الموجودِ أيضاً.
ويجوز أن يُعلَمَ قوله "فهو كما لو كان، فأوصَى بمثل نصيبه" لما حكيناه عن كلِّ واحدٍ من الأُستاذَيْنِ، وقوله: "ولم يكن في الحال" كالمستغْنَى عنه وفي لفظه "لو كان" ما يشعر به.
فرع: لابْنِ سُرَيْجٍ: له ابنانِ، فأوصَى لزيدٍ بمثل نصيبِ ابْنٍ رابعٍ، لو كان، ولعَمْروٍ بمثل نصيبِ ابنٍ خامسٍ، لو كان، فللحساب طريقان:
أحدهما: أن يقال: المسألةُ من اثنين، لو لم تكُنْ وصيَّة، ومن أربعةٍ، لو كانوا أربعةً، ومِن خمسة كانوا خمسة، فههنا اثنانِ وأربعةٌ وخمسةٌ، والاثنان والأربعةُ متداخلاَنِ، فتسقط الاثنين تبقى أربعةٌ وخمسةٌ، يضربَ أحدها في الآخر، تبلغ عشرين، وهذا العددُ ينقسم على الاثنَيْنِ بلا وصية، وعلى الأربعة، لو كانوا، ونصيب كلِّ واحدٍ خمسةٌ، وعلى الخمسة، لو كانوا، ونصيبُ كلِّ واحد أربعةٌ، فيأخذ الخمسة والأربعةَ ونزيدهما على العشْرين، تبلغ تسعة وعشرين لزَيْدٍ، خمسةً من تسعة وعشرين ولعمرو أَربعة، والباقي للاثنين.
والثاني: أن يقال: لو لم تكُنْ إِلاَّ وصيةُ زيْدٍ، لكان له سهْمٌ من خمسة، فيقسَّم الباقي على خمسةٍ؛ لوصيته لعمرو بمثل نصيبِ ابْنٍ خامس، فيخرج من القسمة أَربعةُ أخماسٍ، وهو نصيبُ كلِّ ابنٍ، لو كانوا خمسةً، فتزيد على الخمسة، لعمرو أَربعة أَخماس، يكون خمسة، وأربعة أخماس لزيدٍ، منها واحدٌ، ولعمرو أربعةُ أخماسٍ، والباقي للاثنين، فإذا بسَطْنَاها أَخماسًا، كانت تسعةً وعشرين.
وإنْ شئْتَ، قلت: لو لم تكُنْ إِلاَّ وصيةُ عمرو، لكان له سهْمٌ من ستة، فيقسم الباقي على أربعة؛ لوصيته لزيدٍ بمثل نصيب ابنٍ رابعٍ، فيخرج من القسمة واحدٌ وربعٌ، وذلك نصيب كلِّ ابن، لو كانوا أَربعة، فتزيد على الستة؛ لزيد واحداً وربعًا، يكون سبعةٌ وربعًا لعمرو منها واحدٌ، ولزيدٍ واحدٌ وربعٌ، وإِذا بسطناها أَرباعًا، كانت تسعةً وعشرين.
الجزء: 7 - الصفحة: 142
ولو كانتِ المسألةُ بحالِهَا، وأوصَ لزَيْدٍ بمثل نصيبِ ابنٍ ثالثٍ، لو كان، ولعَمْرو بمثل نصيبِ ابْنٍ رابعٍ، لو كان، فعَلَى الطريق الأَول، نقول: المسألةُ من اثنين ومن ثلاثة، لو كاَنُوا ثلاثةً، وأَربعةً، لو كانوا أَربعةً، فهنا اثنان وثلاثةٌ وأربعةٌ، يسقط الاثنان؛ لدخولهما في الأربعة، يبقَى ثلاثةٌ وأربعةٌ، تضرب أحدهما في الآخر، تبلغ اثني عشَرَ، وهذا العدد ينقسِمُ عَلَى الاثنين، وعلى الثلاثة، ونصيبُ الواحدِ أربعةٌ، وعلى الأربعة، ونصيبُ الواحدِ ثلاثةٌ، فنزيد الأربعة والثلاثةَ عَلَى الاَثنَيْ عَشَرَ، يكون تسعةَ عَشَرَ، فلزَيْدٍ منها أربعةٌ، ولعمرو ثلاثةٌ، والباقي بين الاثنين.
وعلى الثاني نقول: لو لمْ تكنْ إلاَّ وصيَّةُ زيد، لكان له سهمٌ من أربعة، يقسَّم الباقي على أربعة، للوصية الأُخْرَى يخرج من القسمة ثلاثةُ أرباعٍ، فهي نصيبُ كلِّ واحد، لو كانوا أربعةً، فيزيد ثلاثة أَرباع على الأَربعة لعمرو، منها تصحُّ القسمة، وإِذا بسطْتَها أَرباعًا، كانت تسعَةَ عَشَرَ أو تقول: لو لم تكنْ إِلاَّ وصية عمرو، لكان له سهْمٌ من خمسةٍ، يقسَّم الباقي على ثلاثَةٍ للوصية الأُخرَى، يخرج من القسمة واحدٌ وثلُثٌ، وذلك نصيبُ كلِّ واحد، لو كانوا ثلاثةً، فتزيد واحداً وثلثاً على الخمسة لزَيْدٍ، تبلغ ستةً وثلثاً، منْها تصحُّ القسمةُ، وإِذا بسطتها أثلاثًا، كانت تسعةَ عشَرَ.
المسألة الثانيةُ: أوصى لإِنسانٍ بمثل نصيب أحد ورثته، أُعطِيَ مثلَ سَهْمِ أقلَّهم نصيبًا، والطريقُ أن تقام سهامُ الورثةِ بلا وصيَّة، ويزاد عليها مثْل سهم أقلِّهم نصيبًا، ثم تُقَسَّم، فلو كان له ابنٌ وبنْتٌ، فالفريضة بلا وصيةٍ من ثلاثة، للبنْتِ منْها سهْمٌ، فتزيد على الثلاثة سهماً، ونقول: الوصية بالرُبع، فيقسمُ المالُ، كما يقسم بين ابن وابنتين، ولو كان له زوج وأم وأختانِ من الأب، فَالفريضة بلا وصيةٍ من ثمانية للأُمِّ وهي أَقلُّهم نصيبًا، سهْمٌ منْها، فنزيد على الثمانية سهماً، ونقول: الوصية بالتُّسْع، وفي بنتين وثلاثِ زوجاتٍ وأخٍ الوصيَّة يجزء من خمسةٍ وعشرين، وفي بنْتٍ وبنتِ ابنٍ وأخٍ الوصيةُ بسُبْع المالِ، ولو كانتْ صيغةُ الوصيَّةِ في هذه الصورة "أوصيتُ لفلانٍ بمثل نصيبِ أحدِ ولدَيَّ" قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" أعطيتُهُ سُدُسُاً، واعْرِفْ فيه شيئَيْنِ:
أحدهما: أنه أراد سدُسًا عائلاً، وهو السُبُع لا سُدُسًا كاملاً، وحينئذ فالجوابُ، كما لو كانَتْ صيغةُ الوصية "بنصيب أَحد وَرَثَتِي".
والثاني: أَنَّ في وقوع اسم الولدِ عَلَى ولد الولد خلافاً سَبَقَ في "الوَقْف" فإن وقع عليه، فالتصوير ظاهرٌ، وإِلاَّ، فَالمنعُ عند الأِطلاق، فأما هاهنا فالنية في قوله: "أحَدَ وَلَديَّ" قرينة تبين إرادتهما جميعاً.
وعن مالك -رحمه الله-: أنه إذا أوْصَى بمثل نصيب أحدِ الورثة، اعْتبر عدَدُ رؤوسهم، ولا ينظر إلَى صفاتهم، ولا أنصبائهم، فيجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله: "أُعْطِيَ
الجزء: 7 - الصفحة: 143
مثْلَ سهم أقلِّهم نصيبًا، ولو أَوصَى بمِثْلِ نصيبِ أكثر الورثة نصيبًا، أقيمتْ سهام الورثة بلا وصيَّةٍ، فتزيد علَيْهَا مثْلَ سهام أكثرِهِمْ نصيبًا، ثم يقسَّم؛ فلو كان له ابْنٌ وبنْتٌ، فالمسألة من ثلاثَةٍ للابن منها سهمان، نزيد على الثلاية سهمَيْن، ونقول: الوصية بخُمسَي المال.
فرع: له ابنانِ، وأوصَى لزيْدٍ بمثل نصيب أحدهما؛ ولعَمرو بمثل نصيب الثاني، فإذا أجاز الوصيتَيْنِ، قسم المالُ بينهم أَرباعًا، وإن رد الوصيَتَيْنِ، ارتدتا إلى الثُّلث، وكان الثلث بينهما بالسوية، وإن أجازا إحداهما، وردّا الأخرى، فظاهر المذْهب أَنَّ كلَّ واحد منهما يأخذ سدُسَ المال؛ استحقاقًا، ويأخذ الذي أجاز له، ذلك نصف سدس آخر؛ اعتباراً بحال من أجاز وصيته بما لو أجاز الوصيتَيْن، وبحال الآخر، بما لو ردَّاهما، وتصحُّ المسألة من أربعةٍ وعشرينَ للذي أجاز وصيته ستَّة، وللآخر أربعةٌ، ولكلِّ ابنٍ سبعةٌ، وعن تخريجِ ابن سُرَيْج: أَن الذي أَجاز له يُضَمُّ سدسُهُ إلى ما لِلِاثنَينِ، ويقسمونه أَثْلاثًا، والذي رد وصيته يأخذ السدُسَ وتصحُّ من ثمانيةَ عَشَرَ، وإن أجاز أَحد الابنين لأحدهما دون الآخر، ورد الثاني الوصيتَيْنِ، فعلَى المذْهَب: المساَلة من أَربعةٍ وعشرِينَ لمَنْ لم يُجزْ له أَربعةٌ، والذي أَجاز له يستحقُّ أربعةٍ بلا إجازِةِ، والباقي إِلى تمام وصيَّته سهْمَان، فيأخذ سهماً ممَّن أَجَاز له، فيَحْصُلُ له خمسةٌ، وللمجيز سبعةٌ، وللرادِّ ثمانيةٌ، وعلَى ما حُكِيَ عن ابن سُرَيْجٍ هي من ثمانيةَ عَشَرَ؛ للموصى لهما ستةٌ؛ استحقاقًا لكلِّ واحدٍ ثلاثةٌ يبقَى لكلِّ ابنٍ ستةٌ، يَدْفَعُ المجيز مما في يده سهماً إلَى من أَجاز له؛ لأنهما لو أَجازا لَهُ، لكان لكلِّ واحدٍ منهم خمسةٌ، فإذا أجاز أحدُهما، أعطاه نصْفَ ما بَقِيَ، وهو سهمٌ، فيحصل له أَربعةٌ، وللابن المجيزِ خمسةٌ، وللآخر ستةٌ، وللموصَى له الآخر ثلاثة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِضِعْفَيْنِ أُعْطِيَ مِثْلَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (ح م)، وَإِنْ أَوْصَى بِثَلاَثَةِ أَضْعَافِهِ أُعْطِيَ مَثْلهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ أَوْصَى بِحَظٍّ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ سَهْمٍ أُعْطِيَ أَقَلَّ مَا يُتَمَوَّلُ (ح م و)، وَلَوْ أوْصَى بِالثُّلُثِ إِلاَّ شَيئًا نَزُلِّ عَلَى أَقَلِّ مَا يُتمَوَّلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: الضِّعْفُ عبارةٌ عن الشَّيْء ومثله، روي أنه أضعف عمر -رضي الله عنه- الصدَقَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِب 249 ومعلوم أنه كان يأخذُ قدْر الصدقة ومثله، فلو أوصَى بضِعْفِ نصيبِ ابنه، وله ابنٌ واحدٌ، فهذه وصيةٌ بالثلثين، ولو قال: بضعف [نصيب] 250
الجزء: 7 - الصفحة: 144
أحد أولادِي، أَو أحد وَرَثَتِي، أُعْطِيَ مِثْلَ نصيب أقلهم نصيبًا، فإن كان له ثلاثة بنين، فيجعل المال عَلَى خمسة أسهم، لكلِّ ابن سهم، وللموصَى له سهمانِ، ولو أوصَى لزيدٍ بمائةٍ، ولعمرو بضعفها، فالوصيةُ بمائتين، وضِعْفَا الشيء عبارةٌ عن قَدْر ذلك الشيْءِ ومثله، وإِن شئْتَ قلت: ثلاثة أمثاله، ولو أوصَى بضعفَيْ نصيبِ ابنِهِ، وله ابنٌ واحدٌ، فالوصية بثلائةِ أَربع المَالِ، ولو أوْصَى بضِعْفَي نَصيب، أَحد بنيه، وله ثلاثةُ بنِينَ قُسِّم المالُ عَلَى ستة، لكَلِّ واحد منهم سهْمٌ، وللموصَى له ثلاثة أسهم ولو، أوصَى لزيدٍ بمائةٍ، ولعمرو بضِعْفِها، فالوصيَّةُ بثلاثمائةٍ، وعلى هذا ثلاثةُ أضعافِ الشيْء أَرْبعةُ أَمثالِهِ، وأَربعة أَضعافِ خمسةُ أَمثاله.
وقوله في الكتاب "أُعْطِيَ مثلَهُ ثلاَثَ مَرَّاتٍ" معلم بالحاء؛ لأن عن أَبي حنيفة إِذا أَوصَى بضعفَي الشيْء، أُعْطِيَ مثلَهُ أَربع مراتٍ، وفي بعض الشروح نسبته إلَى مالك، فيجوز أَن يُعْلَمَ بالميم أيضاً، واحتج الأَصحابُ بأنه، إذا كان الضِّعْف أَن يزاد على الشيْء مثله، كان الضعفان أَن يزاد عليه مثْلاه، وربما قالوا: المرادُ من الضعفَيْنِ أَنْ يضعف مرةً بعد مرةٍ، واللفظ محتملٌ له، فوجب أن ينزل على الأَقلِّ.
الثانية: إذا أوصى بجزء من مالِهِ أَو نصيبٍ أَو حظٍّ أَو قسْطٍ أَو شيْءٍ أَو قليل أَو كَثِيير أو سَهْمٍ، رجعنا في التفْسِير والتقْدِير إلى الورثة، ويقبل منهم التفسيرُ بأقلٍّ ما يُتموَّل؛ لأن هذه الألفاظَ تقَعُ علَى القليل والكثير؛ أَلاَ تَرَى أنَّ الشريك في الدار بأدنى جزء [كان،] 251 يصدق أن يقال: إنه له سهمٌ في الدار، ولهذا لو قال: بعتُكَ سهماً من الدار، لم يصح؛ لأنه غير مضبوط، وساعدنا أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله- في لفظ الخَبَر والنَّصِيب والحَظِّ والقِسْط.
وقال أبو حنيفة: لو قال: أعطُوه كثيراً مِنْ مالي، أَو عظيماً، لم يُقْبَلِ التفسيرُ بأقلِّ ما يُتموَّلِ بلِ الحكُمُ كما سبق في "الإِقرار"، وعنه في لفظ السهْم روايتان:
أظهرهما: أَن للموصَى له أقلَّ الأمرَيْنِ من نصيبِ أقلِّ الورثة نصيبًا أَو سُدُس ماله.
والثانية: له أكثر الأَمرَيْن من السدُسِ أَو نصيب أَقلهم [نصيبًا] 252، وعن أحمد ثلاثُ روايات:
اصحها: أن له السدُسَ.
والثانيةُ: نصيب الأقلِّ من نصيب [أقل] 253 الورثة نصيبًا أو الثُّلُث.
الجزء: 7 - الصفحة: 145
والثالثةُ: أنه يزاد على سهام الفريضَةِ بعد تصحيحها سهم للموصَى له، وعن أصحاب مالك -رحمه الله تعالى- اختلافٌ، منهم من قال: له السدسُ، ومنْهم من قال: الثمن، وسوَّوْا بين السهم والحظِّ والنَّصيب، وحكى أبو الفرج الزاز عن ابن سُرَيْجٍ أَنَّه يحتملُ أنْ يكون الجوابُ في لفظ السهمْ، كالرواية الثانية عن أحمد، فيجوز أَن يُعْلَمَ قوله في الكتابُ "أُعْطِيَ أَقلَّ ما يُتموَّل" بالحاء والميم والألف والواو، وإِذا عرف ذلك، فلو عين الورثة قدرًا من المالِ وادَّعى الموصَى له أَن الموصِيَ أراد أكثر من ذلك.
قَالَ الأكثرُونَ، منْهم الأستاذ أبو منصور، والحناطيُّ والمسعُودِيُّ يحلف الوارث على أَنّه لا يعْلَم إرادته الزيادة، وحكى صاحب "التهذيب" أنه لا يتعرض للإرادة، وإنَّما يحلفُ عَلَى أنَّه لا يعلم استحقاق الزيادة، وسلم أَنه لو أقرَّ بمبهم، ومات، وجرَى مثل هذا النزاع بَيْن المقَرِّ له، وبين الوارث، حلف الوارثُ عَلَى نفي إرادة المورث، وفرق بأن الإقرار إخبار، والوصيَّة إِنشاءُ أمير على الجهالةِ، وهذا قد ذكرناه في "باب الإقرار" وللأولين أن يقولوا: نعم، الوصيةُ إنشاءٌ، لكن قد يخبر الموصِي الوارِثَ بما أَراد، إِما قبل الإِنشاء أَو بَعْده، فإذن احتمال الإطلاع قائم في الصورَتَيْن، ورد صاحب "التتمة" افتراق البابين إلَى شيء آخر، فقال: الوارث هاهنا يحلف على أَنَّه لا يعْلَم أَن الموصِيَ أراد الزيادة، [ولا يحلف] 254 على أنه أراد هذا القدْر، وفي "الإِقْرار"؛ يحلف على أَنه لا يَعْلَم الزيادة، وعلى أنه [أراد] 255 هذا القدْر.
والله أعلم.
ولو أوصَى بثلث ماله، إِلاَّ شيئاً، قُبِلَ تفسيرُ الموصَى به، وتنزيله عَلَى أَقلِّ ما يُتموَّل، وحمل الاستثناء عَلَى مالٍ كثير، وذكر الأستاذ أبو منصورٍ -رحمه الله- في "القضايا" أن هذه وصيةٌ بنصف الثلُثِ؛ فيكون المستثنى دون النصْفِ، فعلَى الوارث أن يعطيه السُدُسَ، ويزيد ما يشاء، قال: وكذا لو قال: أعطوهُ ثلث مالِي إِلاَّ قليلاً، ولو قال: أعطوه الثُّلُثَ إِلاَّ كثيراً، جاز أن يعطيه الوارِثُ أقلَّ من النصْف، والمشهورُ الأول.
فروع: لو قال: أعطوه من واحدٍ إلَى عشَرَةٍ، فعلى الأَوجُه المذكورة في "الإقْرَار"، وحكى الأستاذ أَبو منْصُورٍ عن بعض الأَصحاب أَنه إن أراد الحسابَ، فللموصَى له خَمْسَةٌ وخمسون، وهو الحاصلُ من جمع واحدٍ إِلَى عَشَرةٍ، على توالي العدَدِ، وإِن لم يرد الحساب، فله المستيقن، وهو ثمانيةٌ، ولا شكَّ في اطراد هذا في الإقْرار 256.
الجزء: 7 - الصفحة: 146
ولو قال: أعطوه واحداً في عشَرَةٍ أَو ستة في خمسة، أَطلق الأُستاذ بثبوت ما يقتضيه الضَّرب، وذكرنا فيه تفصيلاً في "الإقرار" 257.
لو قال: أعْطُوه أكثر مالي، فالوصيَّةُ بما فوق النصْف، ولو قال: أَكثر مالِي ونصفه، فالوصيةُ بما فوق ثلاثةِ أرباع، ولو قال: أكثر مالي ومثله، فبالجَمِيع.
ولو قال: أعطوه زهاء أَلفِ درهمٍ أو معْظَم الألف أو وعامَّتَه، فالوصيَّة بما فوق النِّصْف 258.
ولو قال: أعطُوه دراهِمَ أَو دنانيرَ، فأَقَلُّ ما يعطَى 259 ثلاثة، ولفْظُ "الدراهم والدنانيرِ" عنْد الإِطلاق يُحْمَل على النقْدِ الغالِب، كما في "البيع"، وليس للوارِث التفْسِير بغيرِه، فإن لم يكن غالِبٌ، فالرجوع إِلى الوَارث، وإِذا قال: أعطوه كذا، وقال: كذا وكذا، أَو قَالَ: كذا درهماً أَو قال: كذا وكذا درهماً، فعلَى ما ذكرنا في "الإِقْرار".
ولو قال: مائة ودرهماً أَو ألفاً ودِرْهَماً، لم يلزم أن تكون المائةُ والأَلف دراهمَ، ولو قال مائةً وخمسِيْن درهماً أَو مائةً وخمْسَةً وعشرين درْهماً، فعلى الخلافِ المذكور هناك.
قال في "التهذيب": ولو قال كذا وكذا من دنانيري، يعطَى ذينارًا، ولو قال: كذا، وكذا، وكذا من دنانيري، يعطى دينارَيْنِ، ولو قال: كذا، وكذا من دنانيري، يعطى حبةً، ولو قال: كذا وكذا من دنانيري، فحبتان، ولك أَن تقول: لصاحب الدنانير دينار ودنانير، وكل ما هو دينار، فهو من دنانيره، فهذا جاز حمْلُ قولِهِ "كذا من ديناري" على حبةٍ، وجَبَ مثله في قوله "كذا من دنانيري".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا أوْصَى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَطَرِيقُ تَصْحِيحِ الوَصِيَّةِ أنْ يُنْسَبَ جُزْءُ الوَصِيَّةِ إِلَى مَا يَبْقَى مِنَ الْمَالِ الَّذي هُوَ مَخْرَجُ الوَصِيَّةِ وَيُزَادُ مِثْلَ نِسْبَتِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ المَسْأَلَتَانِ، وَبَيَانُهُ أوْصَى بِثُلثُ مَالِهِ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَبِنْتَيْنِ فَمَسْأَلَةُ
الجزء: 7 - الصفحة: 147
الوَصِيَّةِ من ثَلاَثةٍ وَمَسْأَلَةُ الوَرَثَةِ مِنْ سِتَّةِ وَنسْبَةُ جُزْءِ الوَصِيَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ إِلى مَا بَقِي مِنْ مَخْرَجِهَا وَهُوَ الثَّلاَثةُ مِثْلَ النِّصْفِ إِذِ البَاقِي بَعْدَ إِخْرَاجِ الوَاحِدِ اثْنَانِ وَالوَاحِدُ مِثْل نِصْفِ الاِثْنَيْنِ فَيُزَادُ عَلَى مَسْأَلَةِ الوَرَثَةِ وَهِيَ مِنْ ستَّة مِثْلُ نِصْفِهَا لِيَصِيرَ تِسْعَةٌ وَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَ ثَلاَثةُ يَبْقَى سِتَّةٌ تَصِحُّ عَلَى الوَرَثَةِ، أَمَّا إِذَا أوْصَى بمَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُث وَرَدَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَطَرِيقُهُ أنْ يَعْرِفَ نِسْبَةَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَرْبَابِ الوَصَايَا حَالَةَ الإِجَازَةِ وَيُقَسِّمَ الثُّلُثَ بَيْنَهُم عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ، فَلَوْ أوْصَى لِوَاحِدٍ بِنِصْفٍ، وَلآخَرَ بِثُلُثٍ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ عِنْدَ الإِجَازَةِ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ ثَلاَثةٌ وَللْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سَهْمَانِ، وَالمَجْمُوعُ خَمْسَةٌ وَالنِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا بِالأخْمَاسِ، فَنَطْلُبُ مَالاً لِثُلُثِهِ خُمْسٌ يُضْرَبُ ثُلُثُهُ في خُمْسِهِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيصْرَفُ ثَلاَثةٌ مِنَ الخَمْسَةِ اِلَى المُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ وَسَهْمَانِ اِلَى المُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فَهَذَا طَرِيقُهُ، وَهَدَا الوَجِيزُ لاَ يَحْتَمِلُ أكْثَرَ من هَذَا البَيَانِ في الْحِسَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من له ورثَةٌ، إذا أوصَى بالجزء الشائع وأَوردْنا قسْمة التركَةِ بين الورثة والموصَى له فإِما أَن يوصِيَ بالثلث فما دُونَهُ أَو بأَكثر من الثُّلُث.
القسم الأَول: إِذا أوصَى بالثلث فما دونَهُ، فله حالَتَانِ:
إِحداهما: أن تكونَ الوصيَّة بجزءٍ واحدٍ، فتصحَّح مسألة الميراث عائلةً أَو غيْرَ عائلة، وينظر في مخْرَج جزء الوصيَّة، ويخرج منه جزء الوصيَّة، ثم إن القسم الباقِي عَلَى مسألة الورثة، صحَّت المسألتان، وذلك كما إذا أَوصَى بربع ماله، وخلَّف ثلاثةَ بَنِينَ، فمخرج جزء الوصيَّة أربعة، والباقي بعْد إِخراج الرُبْع ينقسم على البنِينَ، وإن لم يقسَّم، فلك طريقان:
أحدهما: أن تنظر في الباقِي وفي مسألة الورثة، فإِن تبايَنَا، ضربت مسألة الورثة في مخْرَج الوصية، وإنْ توافقا، ضربْتَ وفَقْ مسألةِ الوَرَثَةِ في مخْرَج الوصية، فما بلغ، تُصحَّح منه القسمةُ، ثم مَنْ له شيْءٌ من مخرج الوصيَّة، أخذه مضروبًا فيما ضربته في مَخْرَج الوصيَّة، ومن له شَيْءٌ مِن مسألة الورثَة، [أخذه] مضروبًا فيما بقي من مخرَجِ الوصيَّة بعد إِخراج جزء الوصية، إِن كان الباقي مع مسألة الورثة متباينَيْنِ، وإن كانَا متوافقَيْنِ، ففي وَفْقِ الباقي.
والثَّانى: وهو المذكورُ في الكتاب: أن تَنْسُبَ جزءَ الوصيةِ إلى البَاقِي من مَخْرَجِها بعدَ الجزءِ، وتزيدَ بمثلِ تلك النسبةِ علَىَ مسألةِ الورثةِ، فما بلغَ، فمنه القسمةُ، فإن كانَ فيهِ كسرٌ، ضربتَه في مخرجِ الكسرِ، فما بلغ تَصحُّ منه القسمةُ.
المثالُ: ثلاثةُ بنينَ وأوْصَى بثلثِ مالِه: مسألةُ الورثةِ من ثلاثةٍ، ومخْرَجُ الوصيةِ
الجزء: 7 - الصفحة: 148
ثلاثةٌ أيضاً، والبَاقِي بعدُ جزء الوصيةِ اثنانِ لا ينقسمانِ عَلَى ثلاثةٍ فعلَى الطَّريقِ الأوَّل؛ لا موافقةَ بيْنَ الاثنينِ والثلاثةِ، فتضرِبُ ثلاثةً في مخرجِ الوصيَّةِ؛ تبلغُ تسعةً، منها تصحُّ القسمةُ، كان للمُوصَى لَهُ سهمٌ، فيأخذه مضروبًا في الثلاثةِ الَّتي ضرْبنَاها في مخرجِ الوصيةِ، وكانَ لكلِّ ابنٍ سهمٌ من مسألةِ الورثةِ، فياخذُه مضروبًا في البَاقِي من مخرجِ الوصيَّةِ بعدَ إخراجِ جزءِ الوصيَّةِ، وهو اثنانِ، وعلَى الطريقِ الثَّاني؛ تقول: جزءُ الوصيَّةِ نصفُ البَاقِي من مخرِجهَا، فتزيد على مسألةِ الورثةِ نصفَها، تكونُ أربعةً ونصفًا، تبسطُهَا أَنْصافًا؛ تبلغُ تسعةً.
أبوان وخمس بنات، وأوْصَى بخُمْسِ ماله؛ مسأَلةُ الورثةِ: من ستةٍ، وتصحُّ من ثلاثينَ، ومخرجُ جزءِ الوصيةِ خمسةٌ، والبَاقِي بعدَ إخراجِ جزءِ الوصيَّةِ أربعةٌ لا تصِحُّ عَلَى الثلاثِينَ؛ فعلَى الطريقِ الأوَّلِ هما متوافقانِ بالنِّصْفِ، فتضربُ نصفَ مسألةِ الورثةِ، وهو خمسةَ عَشَرَ، في مَخْرَج الوصيَّةِ؛ تبلغُ خمسةً وسبعينَ، كانَ للموصى له سهمٌ من مخرج الوصيَّةِ يأخذُه مضروبًا في خمسةَ عشَرَ، وكانَ لكلِّ واحدٍ من الأبَويْنِ خمسةَ من مسألةِ الورثةِ، يأخذه مضروبًا في نصفِ الأربعةِ البَاقِيةِ من مخرج الوصيَّةِ، تكون عَشَرةً، وكانَ لكلِّ واحدةٍ من البناتِ أَربعةٌ، تأخذُها مضروبةً في نصفِ الأربَعةِ، تكونُ ثمانيةً.
وعلَى الطريقِ الثَّاني، تقول: الجزءُ المُخْرَجُ مثلُ رُبْعِ البَاقِي، فتزيد على الثلاثين ربعَها، وهو سبعةٌ ونصفٌ، نبسطها أنصافًا، تكون خمسة وسبعينَ.
أبوانِ وبنتانِ، أو ابنانِ وبنتانِ، وأوْصَى بالثُّلثِ، وهذا المثالُ مذكورٌ في الكتاب مسألةُ الوصيةِ: من ثلاثةٍ، ومسألةُ الورثةِ من ستةٍ، والبَاقِي بعدَ إخراجِ الجزءِ سهمانِ لَا ينقسمانِ عَلَى ستةٍ؛ فعلَى الطريقِ الأوَّلِ نقولُ: هما مُتَوافقَانِ بالنصفِ، فنضرب نصفَ الستةِ، وهو ثلاثةُ في مخْرَجِ الوصيةِ؛ تكونُ تسعةً، كانَ للموصَى لَه سهمٌ من مخرجِ الوصيةِ، يأخذه مضروبًا في ثلاثةٍ، وكان لكلِّ ابنٍ سهمانِ من مسألةِ الورثةِ، يأخذُهُما مضروبين في نصفِ البَاقِي من مخْرَجِ الوصيَّةِ، وهوَ واحدٌ، وكانَ لكلِّ بِنْتٍ سهمٌ، تأخذه مضروبًا في واحدٍ.
وعلَى الطريقِ الثَّاني تقولُ: جزءُ الوصيَّةِ نصف البَاقِي من مخرجِها، فتزيد عَلَى مسألةِ الوَرَثةِ نصفَها، تكون تسعةً وعَبَّرَ بعضُهُمْ عنِ الطَّريقَةِ الثانية بعبارةٍ أَقْصَرَ؛ فقالَ: يُزَادُ عَلَى مسأَلةِ الوَرثةِ مثلُ الجزءِ الَّذي هُوَ قبلَ جزءِ الوصيَّةِ، فإن كانتِ الوصيَّةُ بالثُّلُثِ، يزادُ علَيْهَا النصفُ، وإنْ كانَ بالربعِ، فالثُّلثُ، وإنْ كانَ بالخُمُسِ، فالرُّبُعُ، وعلَى هَذا.
الحالةُ الثانيةُ: أن تَكُونَ الوصيةُ بجزئَيْنِ فصَاعِدًا، فيُؤخَذُ مخرجُ الجزْئَيْنِ بالطَّرِيقِ الَّذي بيَّنَّاه في أصولِ مسائلِ الفرائضِ، ثمَّ العَمَلُ علَى ما تبين في الحالةِ الأُولَى: المثال: أَبوَانِ، وأَوْصَى بثُمُنِ مالِهِ لرَجُلٍ، وبخُمُسِهِ لآخَرَ: مَسألةُ الورثةِ من ثلاثةٍ،
الجزء: 7 - الصفحة: 149
ومخرجُ الجُزئَيْنِ أربعُونَ، يُخْرَجُ منهمَا الخُمُسُ ثمانيةً، والثُّمنُ خمسةً، تَبقى سبعةٌ وعشرونَ، وتصحُّ علَى ثلاثةٍ.
ثلاثةُ بنين، وأصَى برُبعِ مالِهِ لرجلٍ وبنصف سدسه لآخَر: مسألةُ الورثةِ من ثلاثةٍ ومخرَجُ الوصيتين: اثنا عشرَ، ومجموعُ الجزئَيْنِ أربعةٌ، إذا أخْرَجْنَاها، يَبْقَى ثمانيةُ، لا تصحُّ عَلَى ثلاثةٍ.
فعَلى الطريق الأوَّلِ نقول: لا موافَقَةَ، فنضربُ ثلاثةً في اثْنَيْ عَشَرَ تبلُغُ ستَّةً وثَلاَثِينَ، منْها تصحُّ القِسْمَةُ.
وعلَى الثَّانِي نقول: ما خَرَجَ بالوصِيَّتَيْنِ نصفُ البَاقِي من مخرجهما فنزيدُ على مسألةِ الوَرَثَةِ نِصْفَهَا، يبلغُ أربعةً ونصفاً، نبسطُها أيضاً أنْصَافًا، فتكونُ تسعةً، لكن نصيب المُوصَى لَهُمَا من مخرجِ الوصيَّتَيْنِ أربعة، والَّذي يصيبُهُما من التِّسْعَةِ ثلاثةٌ، وثلاثةٌ لا يَنْقَسِمُ عَلَى أربعةٍ ولا موافقةَ، تُضْرَبُ الأربعَة في تسعةٍ، تبلغُ سِتَّةَ وثَلاَثِينَ، ولَو كَانَ البنونَ ستةً، والوِصيَّتَانِ بحالِهِمَا؛ فعلَى الطَّرِيقِ الأوَّلِ نقولُ: البَاقِي، وهُو ثمانيةٌ لا يصحُّ عَلَى ستةٍ، ولكنْ يتوافَقَانِ بالنِّصفِ، فَنَضرِبُ نصفَ السِّتَةِ في اثْنَيْ عشَر، تبلغُ ستةً وثَلاثينَ، والطريقُ الثَّاني كَمَا سَبَقَ.
القسمُ الثانِي: إِذا أوْصَى بأكْثَرَ منَ الثُّلُثِ فيُنْظَرُ: إِنْ كانَتِ الوصيةُ لِشَخْصٍ واحدٍ أو لجماعةٍ يشترِكُونَ فيه: إِمَّا بجزءٍ؛ كالنِّصفِ، أوْ بجزئَيْنِ؛ كالنِّصفِ والرُّبع، فمدارُ المسألة كما سبق فيِ إِجازةِ الوَرَثَةِ وردِّهم، وقدْ سبقَ بيانُ الحُكْمِ والحساب، وَإنْ أوْصَى لواحدٍ بجزءٍ، ولآخَرَ بجزءٍ، فهَا هُنَا يزدادُ النَّظَرُ في الحسابِ، فإنْ أجاَزَ الورثةُ، دُفِعَ إلَى كلِّ واحدٍ منهم ما سُمِّيَ له، وقُسِّمَ البَاقِي بينَ الوَرَثَةِ، وطريقُ القِسْمَةِ ما مرَّ فِي القِسْمِ الأَوَّلِ وإنْ رَدُّوا ما زادَ علَى الثُّلُثِ، قُسّمَ الثُّلُثُ بينَهُم عَلَى قدر نسبة أنصبائِهِمْ بتقدِير الإجازَةِ، ولا فَرقَ بينَ أن يزيدَ على أحدِ الجُزْئَيْنِ وحده علَى الثُّلُثِ كالنِّصْفِ والثُّلُث، أو لاَ يزيدَ واحدٌ منْهما؛ كالثُّلُثِ والربع.
وقالَ أبو حنيفةَ -رحمه الله-: إنْ لَمْ يكن في الأجْزَاءِ ما يزيدُ علَى الثُّلُثِ يُقَسَّمُ هكَذا على التَّفَاوُتِ، وإنْ كانَ فيها ما يزيدُ عَلَى وحده على الثُّلُث، فلا نعتبرُ الزيادَةَ في القِسْمَةِ عنْدَ الرَّدِّ، حتَّى لو أوصَى لواحدٍ بالنِّصْفِ، ولآخَرَ بالثُّلُثِ، وردَّ الورثةُ، قُسِّم الثلثُ بينهمَا بالسَّويَّة.
لنا: أنَّه أوْصَى بجزئَيْنِ مختلفَيْنِ لشخصين، فإذَا ارتدَّتِ القسمةُ إلى الثُّلُثِ، رُوعِيَ تفاوتُ الجزَئْينِ، كَما لو أوْصَى بجزئَيْنِ لا يرتد واحدٌ منهما على الثُّلثُ.
المثالُ: أبوانِ وابْنانِ، وأوْصَي لواحدٍ بنصفِ مالِهِ، ولآخَرَ بالثُّلثِ، وأجَازُوا
الجزء: 7 - الصفحة: 150
الوصِيَّتَيْنِ، فمسألَةُ الورثة من ستَّةٍ، ومخرجُ الوصيَّةِ من ستةٍ أيضاً، والبَاقِي بعدَ إخراج جُزْءَي الوصيَّةِ لا ينقسِمُ عَلَى ستةٍ، فسبيلُ القِسْمَةِ على الطَّرِيقِ الأوَّل: أنْ تُضْرَبَ الستَّةُ في مخرجِ الوصيَّتَيْنِ، تصيرُ ستةً وثلاثينَ.
وعلى الثَّانِي أنْ نقولَ: جزءُ الوصيَّةِ خمسةُ أَمثالِ البَاقِي من مخرَجهَا، فيزادُ على مسألةِ الورثةِ خمسةُ أَمثالِها، تبلغ ستةً وثَلاَثِينَ، فمنها تصحُّ القِسْمةُ، وإِنْ رَدُّوا الوصيَّتَيْنِ إِلى الثُّلُثِ، قَسَّمْنَا الثُّلُثَ بينُهمْ على خمسةٍ؛ لأَنَّ نَصِيبَهُمَا بتقديرِ الإِجَازَةِ خمسةُ أَسهمٍ من ستةٍ، ولَك طريقَانِ:
أَحَدُهُما: أَن تَنْظُرَ إلى ما زادَ من جُمْلةِ الوَصايا علَى الثُّلثِ، وَتَنْقُصَ بتلكَ النِّسْبَةِ عن نصيب كلِّ واحدٍ من المُوصَى لَهُمْ، ونسبةِ ما زادَ في هَذِه الصورةِ ثلاثةُ أَخْماسِ لأَنَّ مجموعَ اَلوصيَّتَيْنِ بخمسةِ من ستةٍ، لكنَّ مخرجَ الوصيَّتَيْنِ لاَ خُمْسَ لَه، ونصيبُ كلِّ واحدٍ منهما لا خُمْسَ له، فنضربُ مخرجَ الخُمُسِ في ستةٍ، يكونُ ثَلاَثِينَ، منها خمسةَ عشرَ للموصَى له بالنِّصفِ، وعشرةٌ للمُوصَى له بالثُّلثِ، فينقصُ كلُّ واحدٍ من النَّصِيبَيْنِ ثلاثةُ أَخماسِهِ، يبْقَى للأوَّل سُتَّةٌ، وللثَّانِي أربعةٌ، والبَاقِي عشرونَ للوَرَثَةِ، وهَذِه الأنصباء مُتوافقةٌ بالنِّصفِ، فتردها إلى أنصافِها، وتُقَسَّمُ من خمسةَ عشرَ.
والثَّانِي: أنَّا إذا كنَّا نقسمُ الثُّلثَ بينهما أَخْمَاساً، فالستَّةُ الَّتي هِيَ مخرجُ الوصيَّتَيْنِ، لا تنقسم ثلُثُها أَخماسًا فنطلب مالاً لثلثه خمس فنَضرِب مخرجَ الثلثِ في مَخْرَجِ الخُمُس، يكونُ خَمْسَةَ عَشرَ، يُدفَعُ ثُلثُهَا إِليهِمَا: ثلاثةً إِلى المُوصَى له بالنِّصفِ، واثنينِ إلى الآخرِ؛ تَبقَى عَشَرَةُ للورثةِ، ومسأَلتُهُم من ستَّةٍ، وعَشَرةٌ لا تصح على ستةٍ، لكنْ يتوافقانِ بالنِّصفِ، فنضرب نصفَ الستَّةِ، فمَا صحَّتْ منه الوصيَّتانِ، وهو خمسةَ عشر، يكون خمسةً وأربعينَ، منْها تصحُّ القِسْمَةُ، هَذا إذا لَمْ تستغرِق الوصيَّةُ المَالَ، بلْ بَقِيَ منه شيءٌ، فإِنِ استغرقتْ، وأَجازَ الورثةُ قَسْمَ الماَلِ بين أَربابِ الوَصَايَا، وإنْ ردُّوا قُسِّمَ الثُّلُثِ بينَهُم على نسبةِ أنْصِبَائِهم بتقديرِ الإجَازَةِ، وإِن زادَتِ الَوَصِيَّةُ على المَالِ، كَمَا إِذا أوصَى لواحدٍ بجميعِ مالِهِ، ولاَخَرَ بثُلثِهِ، فَإِنْ أجَازُوا، فقد عَالَتِ المسألَةُ بثُلِثها إِلى أَرْبعةٍ فيقسَّمُ المالُ بينَهُمَا عَلَى أربعةٍ: للمُوصَى له بالجميع ثلاثةٌ، وللآخر واحدٌ، وإنْ رَدُّوا، قُسِّمَ الثلثُ بينَهُمَا على أربعةٍ، وتكونُ قسمةِ الوصَيَّةِ مِن اثنَيْ عَشَرَ، قال أبو حنيفَةَ -رحمه الله-: وإنْ ردُّوا، قُسِّمَ الثلثُ بينهُمَا بالسَّويَّةِ، وإنْ أجَازوا ففيهِ رواياتٌ:
مِنْهَا أَنَّ صاحبَ الجميع ينفردُ بِدَعْوَى الثُّلثينِ، فيسلَّمُ له الثُّلثَانِ، ويتزاحَمَانِ معاً في الثُّلث، فيشترِكَانِ فيهِ، فيكَونُ لصاحِبِ الجميعِ خمسةُ أَسداسٍ، وللآخر سدسٌ.
ومنها: أنَّ الوصِيَّةَ بالثلثِ لازمةٌ فيستويانِ فيه، ثمَّ المُوصَى له بالجميعِ يأخُذُ نصفَ المالِ؛ لأنَّه لا مُنَازعَ فيهِ، يبقَى من المالِ، سدسٌ يتنازَعانِ فيه فيكونُ بينَهُمَا،
الجزء: 7 - الصفحة: 151
فيحصلُ للأوَّل ثلاثةُ أرباعٍ، وللآخرِ ربعٌ وَلَوْ أوْصَى لواحدٍ بنصفِ مالِهِ، ولآخَرَ بالثُّلُثِ ولآخرَ بالرُّبع؛ فإنْ أَجَازَ الورثةُ، قُسِّم المالُ بينهُمْ عَلَى ثلاثةَ عشرَ سهماً، وإنْ رَدُّوا، قُسِّمَ الثُّلُث عَلَى ثلاثةَ عَشَرَ، وقال أَبو حنيفَة -رحمه الله- إنه إنْ أَجَازُوا، سُلِّمَ لصَاحِبِ النِّصْفِ السدسُ الَّذي يفضلُ به على [صاحب]، 260 الثُّلُثِ، ثمَّ كُلُّ واحدٍ من صاحبِ النِّصْفِ، وصاحب الثُّلثِ، يفضُلُ صاحبَ الربع بنصِفِ سدسٍ، فيأخُذُ كلُّ واحدٍ منهِمَا نصفَ سدسِ المَالِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ البَاقِي بينَهُمْ أَثلاثًا وإنْ رَدُّوا، فالمُوصَى به بأكثرَ من الثُّلثِ لاَ يضربُ إِلاَّ بالثُّلُثِ، وُيقَسَّمُ الثُّلثُ بينَهُمْ عَلَى أحدَ عشرَ سهماً: لصاحِبِ النِّصف أَربعةٌ، ولصاحبِ الثُّلثِ كَذلك ولصاحبِ الربعِ ثَلاَثةٌ.
ولو أوْصَى لإِنْسَانٍ بعَبْدٍ قيمتُه مائةُ وللآخَرَ بدارٍ قيمتُها ألفٌ، ولِآخَرَ بخمسمائةِ وثُلثُ مالِهِ ثَمَانِمَائةٍ، فقد أوْصَى بثلثَيْ مالِهِ، فإِنْ أجاز الورثةُ، فذَاكَ، وإِلاَّ، فالزَّائدُ عَلَى الثلثِ مثلُ نصف جميع الوَصَايَا، فتردُّ كلُّ وصيَّةِ إلى نصفِهَا، ويُخَصُّ كلُّ واحدٍ منهُمْ بنِصْفِ ما عُيِّنَ لَهُ.
ولو أوْصَى لزيدٍ بعَشَرَة، ولعبدِ اللهِ بعَشَرةٍ، ولخالدٍ بخمسةٍ، وثلثُ مالِه عشرونُ، ولمْ يُجِزِ الورثةُ، قُسِّمَ العشرونَ بينَهُمْ عَلَى خمسةِ أسهُمٍ: لكلِّ واحدٍ من الأوَّلَيْنِ ثمانيةٌ، ولخالدٍ أربعةٌ: وذَلِكَ لأنَّهم لو أجَازوا، لكانَ الخمسةُ والعشرونَ بينهم عَلَى خمسةِ أَسهمٍ، ولَوْ كَانَتِ المسألَةُ بحالِها، وقالَ: قَدِّموا خالداً عَلَى عبدِ اللهِ؛ قَالَ ابنُ الحدادِ - رحمَه الله- لزيدٍ ثمانيةٌ، ولعبدِ اللهِ سبعةٌ، ولخالدٍ خمسةٌ؛ وذلك لأنَّه قدَّمَ خالدًا على عبدِ الله، فتممنا لهُ الخمسةَ الَّتي كان يأخذُهَا، لو أُجيزتِ الوصَايَا، وأدْخَلْنَا النَّقْصَ عَلَى عبدِ اللهِ ولو قال؛ قَدِّمُوا خالداً عليهما، فنتم له الخمسة، ويُدْخِلُ النَّقْص عليهما بالسَّويَّة، فيكونُ لكلِّ واحدٍ سبعةٌ ونصف.
ولو أُوْصَى بعبدٍ لزيدٍ، ولعمرو بما بَقِيَ من ثلثِ مالِه، نَظَرْنَا في مالِهِ عند الموتِ: فإِنْ خَرَجَ العبد من [الثلث دفعنا إلى زيد ودفعنا إلى عمرو الباقي من] 261 الثلث، فإنْ بَقِيَ شيءٌ، وإلاَّ، بَطَلَتِ الوصيَّةُ له، وإِنْ ماتَ العبدُ قبلَ موتِ المُوصِي، لم يُحْسَبْ من التركةِ، ويُنظر في سائرِ أموالِهِ، فَيُحَطُّ من ثلثِهَا قيمةُ العبدِ، ويدفعُ البَاقي إلَى عمرو، فإِنْ لم يبقَ شيءٌ، فالوصيَّتَانِ لاغِيَتَانِ، وإنْ ماتَ بعدَ موتِ المُوصِي، عُدَّ من التركةِ وَحُسِبَتْ قيمتُه من الثُّلثِ، فإنْ بَقِيَ شَيْءٌ، دُفِعَ إلى عمرو ولو لمْ يكنْ له مالٌ سوى العبدِ، فأوْصَى لزيدٍ به، ولعمرو بثلاثةٍ، أو بثلثِ مالِهِ، ولمْ يجر لفظُ "يَقْتَضِي" الرجوعَ عن الوصيَّةِ الأولَى، فإنْ أَجَازَ الورثةُ، قُسِّمَ العبْدُ بينَهُمَا أَرباعًا: لزيد ثلاثةُ أرياعِهِ،
الجزء: 7 - الصفحة: 152
ولعمرو ربعُهُ، وإنْ لمْ يُجِيزُوا، قسِّم الثلثُ كذلِكَ، وإنْ كانَ له مالٌ آخَرَ، والوصِيَّتَان هكذا، كَمَا إِذا كانَ له سواه ألفَانِ، وقيمةُ العبدِ ألفُ: فإن أجَازَ الورثةُ، جُعِلَ العبدُ بينَهُمَا أرباعًا، ولعمرو مع ربع العبدِ ثلثُ الألْفَيْن، وإذا كانَ العبدُ الَّذي هو ثلثُ المَالِ أربعةً، كانَ الألِفَانِ، وهما ثُلثَاه ثمانيةً؛ لكنْ لَيْسَ للثمانيةِ ثلثٌ، فنضرِبُ مَخْرَج الثُّلثِ في اثني عَشَرَ، يكونُ ستَّةً وثَلاثِينَ؛ العبدُ منها اثنا عشرَ، تسعةٌ منه لزيدٍ، وثلاثةٌ مع ثمانيةٍ من البَاقِي لعمرو، والبَاقِي للورثةِ، وإنْ رَدَّ الورثَةُ، قُسِّمَ الثلثُ بينَهُمَا علَى عشرينَ سهماً؛ لأنَّ جملةَ سِهَام الوَصايَا حالةَ الإِجَازَةِ عِشْرُونَ، وإِذا كانَ العبدُ، وهو ثلثُ المالِ عشرين، كانَ الجميعُ ستينَ، لزيدٍ تِسْعَةٌ من العبدِ، ولعمرو ثلاثةٌ منه، وثمانيةُ أَسهم من البَاقِي، كَما كانَ في حالِ الإجازة؛ يَبقَى للورثةَ ثَمَانيةُ أَسهمٍ من العبدِ، واثنانِ وثَلاثونَ من البَاقِي، وذلكَ أربعونَ ضعْفِ سهام الوصيَّة، وجميعُ ما ذكرَنا فيما إِذَا جَازَ جميعُ الورثةِ جميعَ الوصَايَا، أَورَدَّ جميعُهم إِلىَ الثُّلثِ، وَوَرَاءَهُمَا حالاتٌ خَمْسٌ.
إِحْدَاهَا: أن يُجِيزُوا جميعاً بعضَها، دونَ بعضٍ.
والثَّانِية: أَن يجيزَ بعضُهُم جميعاً، ويردَّ بعضُهُم جميعاً.
والثالثةُ: أَن يجيزَ بعضُهُم جميعاً، وبعضُهُم بعضاً دون بعض.
والرابعةُ: أنْ يردَّ بعضُهُم جميعاً، وبعضهم بعضاً دون بعض.
الخامسةُ: أَن يجيزَ بعضُهُم بعضاً، وبعضُهم البعضَ الآخرَ.
والطريقُ في هذه الأحوالِ أنْ يُصحَّحُ المسألةُ على تقديرِ الإِجازَةِ المطلقَةِ، وعلى تقدير الردِّ المطلق، فإنْ تماثلتِ المسألتانِ، اكتفَيْتَ بواحدةٍ منْهُمَا، وإنْ تداخَلَتَا، اكتفيتَ بالأكَثرِ، واسْتَدعَيتَ عنَ الضَّرْبِ، وإنْ تَبَاينَتَا، ضَرَبْتَ إحداهُمَا في الأُخْرَى، وإنْ توافَقَتَا، ضَرَبْتَ جزءَ الوَفْقِ من إِحَداهِمَا في الأُخْرَى، ثمَّ يقسَّمُ المالُ بينهُمَ عَلَى تقديرِ الإِجازَةِ، والردِّ جميعاً من ذلكَ العددِ، ويُنْظَرُ في الحاصلِ لكلِّ مجيزٍ عَلَى التقديرَيْنِ، فيكَونُ قدرُ التَّفاوتِ بينهِمَا لمنْ أَجَازَ له.
المثالُ: ابنانِ، وأَوْصَى لزيدٍ بنصفِ مالِهِ، ولعمرو بالثَّلثِ المسألةُ عَلَى تقدير الإِجازَةِ: من اثْنَيْ عشرَ، وعلَى تقديرِ الردِّ: من خمسةَ عشرَ، وهُمَا متوافقانِ بالثُّلثِ، فنضربُ ثلثَ إحداهِمَا في الآخرِ، تبلغُ ستِّينَ: لزيدٍ منها؛ عَلَى تقديرِ الإجَازَةِ المطلقةِ: ثلاثونَ، ولعمرو: عشرونَ، ولكلِّ ابنٍ خمسةٌ، ولزيدٍ؛ عَلَى تقديرِ الردِّ المطلقِ: اثنا عشَرَ، ولعمرو: ثمانية، ولكلِّ ابنٍ عشرونَ، والتفاوتُ بين نصيبِ كلِّ ابنٍ بخمسةَ عشرَ، وإنْ أجازُوا وصيةَ زيدٍ، فقدْ سامحَه كلُّ واحدٍ منهِمَا بتسعةٍ فيتم له ثلاثونَ؛ ويبقَى لكلِّ واحدٍ أحدَ عشرَ، وإن أجازَا وصيةَ عمرو، فقد سامَحَهُ كلُّ واحدٍ بستةِ، فيتم له
الجزء: 7 - الصفحة: 153
عشرونَ، ولكَلِّ واحدٍ أربعةَ عشرَ، وإنْ أَجَازَ أحدُهمَا الوصيَّتَيْنِ، وردَّهُما الآخرُ فقد سامحَ المجيزُ زيدًا بتسعة، وعمرًا بستةٍ، فيكونُ لزيدٍ أحدٌ وعشرون، ولعمرو أربعةَ عشرَ، وللمجيزِ خمسةٌ، وللآخرِ عشرونَ، وإنْ أَجَازَ أحدهُمَا الوصيَّتَيْنِ، وردَّهُمَا الآخرُ، فقد سامحَ المجيزُ زيداً بتسعةٍ، وعمرًا بستةٍ، فيكونُ لزيدٍ أحدُ وعشرون، ولعمرو أربعةَ عشرَ، وللمجيزِ خمسةٌ، وللآخرِ عشرونُ، وإِنْ أَجازَ أَحدُهُمَا الوصيَّتَيْنِ، وأجَازَ الآخرُ، وصيةُ زَيْدٍ، تم لزيدٍ ثلاثونَ، وإنٍ أجازَ الآخرُ وصيةَ عمرو، تَمَّ له عشرونُ، وإنْ أجازَ أحدهُمَا وصيةَ زيدٍ، والآخرُ وصيةَ عمرو، فهذا سامحَ زيدًا بتسعةٍ، وذاك سامحَ عمراً بستةٍ، فيكونُ لزيدٍ أحدُ وعشرون، ولمجيزِ وصيَّتِه أحدَ عشر، ولعمرو أربعةَ عشر، ولمجيزِ وصيَّتِه، مثْلُ ذلِكَ.
ابنان، وأوْصَى لزيدٍ بجميع مالِهِ، ولعمرو بثلثِ مالهِ؛ عَلَى تقديرِ الإجازَةِ المطلقَةِ، من أربعةٍ: ثلاثةٌ لزيد، وواحدٌ لعمرو؛ عَلَى تقدير الردِّ المطلَقِ: من اثنَيْ عشرَ: لزيدٍ ثلاثةٌ، ولعمرو وواحدٌ، ولكلِّ ابنٍ أربعةٌ، والأربعةُ داخلةٌ في الاثنَيْ عشر، فنكتفي بهَا، إن أجازَ وصيَّتة زَيْدٍ، فقَدْ سامحَه كلُّ واحدٍ منهما بثلاثةٍ، فيتمُّ له ثلاثةُ أرباعِ المالِ، وإِنْ أجَازَ وصيةَ عمرو، فقدْ سامَحَه كلُّ واحدٍ منهما بسهْمٍ، فيتم له [ربع] 262 المالُ، وإنْ أجازَ أحدُهُمَا وصيَّةَ زيدٍ، والآخرُ وصيةَ عمرو، فالَّذيَ أجازَ لزيدٍ سامحَه بثلثه؛ يبقَى له واحدٌ، ويحصُلُ لزيدٍ ستةٌ، والَّذي أجَازَ لعمرو، وسامحَه بسهمٍ، يبقَى له ثلاثةٌ، ويحصلُ لعمرو سهمانِ، وَقِسي غلى هَذا ما أردتَّ، وباللهِ التوفيقُ، فهَذَا شرحُ ما في الكتَاب.
وأمَّا قسَّم الحساب [من] 263 المسائلَ الَّتي يُحْتَاجُ فيها إِلى الجَبر والمقابلةِ؛ من الوصَايَا وغيرِها: فإنَّ من صاحبَ الكتاب لم يُورِدْ شيئاً منها، ونحنُ لاَ نجدُ من النفسِ إِهمالَهَا لكنَّ إشباعَ القولِ فيها يُحْوِجُ إلىَ ذكرِ المسائلِ السِّتِّ الجبريةِ وأُصُولِها، وأُصولُ طريقةِ الخطائين وغيرِها، وَينْجَرُّ إلى ما يطولُ الخَطْبُ فيه، وهو مَنّ برأْسِه، وإِنَّما يحسبُ البسطُ فيه، إذا أُفرِدَ، واحداً قصداً فاقتَدَيْنَا بعامَّةِ الأصحاب في سلوكِ مَسْلَكٍ وسَطٍ، وأوْرَدنَا من كلِّ نوعٍ منها فُصُولاً في ثلاثةِ أبوابٍ؛ مقتصرينَ عَلَى استعمالِ ما يتفقُ من طريقِ الحُسَّابِ في كُلِّ مسألةٍ، دونَ أن نَسْتوعبَها؛ أو نَتَكلَّمَ في أصولِها، وَمَأَخْذِهَا.
أحدُ المسائلِ الدوريةِ: من الوَصَايَا.
والثاني: في المسائلِ الدوريَّةِ، في سائرِ التصرُّفَاتِ الشرعيةِ.
والثَّالث: في مسائلِ العَين والدَّيْنِ، والاستعانةُ بالله تعَالَى.
الجزء: 7 - الصفحة: 154
الْبَابُ الأَوَّلُ فِي الدَّوْرِيَّاتِ مِنَ الْوَصَايَا
فَصْلٌ في الوصيَّةِ بنصيبِ أحدِ الورثةِ وبجزءٍ شائعٍ من المال
الجزءُ الشائعُ قد يكونُ مضافاً إلى ما يبقى من المالِ بعدَ النَّصيبَ، وقد يكونُ مضافاً إلى جميع المالِ، فإنْ كانَ مضافاً إلى جميع المالِ، نُظِرَ: إنْ لم يزدْ جملةُ المُوصَى به علىَ الثُّلثِ جُعِلَ المُوصَى لَه النصيب؛ كأَحدِ الورثةِ، وصُحِّحَتْ مسألةُ الورثةِ، ثم يؤخذُ مخرجُ الوصيَّةِ، وُيخْرَجُ منه جزءُ الوصيَّةِ، وينظرُ، هل ينقسم البَاقِي على مسألةِ الورثةِ، إِنِ انقسَمَ، فذاكَ، وإلاَّ، فطريقُ التَّصحيح ما سبقَ، وإن زادت على الثلثِ، وأجازَ الورثةُ، فكذلك الحسابُ والجوابُ 264، وإنْ لمَ يُجِيزوا، قُسِّمَ الثُّلثُ على نسبةِ القِسمةِ عندَ الإِجازةِ.
المِثالُ: ثلاثةُ بنينَ، وأوصَى بمثلِ نصيبِ أحدِهم، ولآخَرَ بعُشْرِ الْمَالِ؛ فمسألةُ الورثةِ والمُوصَى لَه بالنَّصيب من أربعةٍ، ومخرجُ الجُزْءِ عَشَرَةُ يبقَى منها بعدَ إخراجِ الجزءِ تسعةٌ، لا تنقسِمُ على أَربعةٍ، ولا موافِقَة، فَتُضْرَبُ أربعةً في عَشَرَةٍ، تبلغُ أربعينَ، للمُوصَى لَه بالعُشْر أربعةُ، ولكلِّ واحدٍ من البنينَ والمُوصَى لَه بالنَّصيب تسعةٌ، وجملة الوصيَّتَيْنِ ثلاثةَ عشر، وإنْ أردتَّ استخراجَه بطريقِ الجَبْرِ، فَخُذْ مالاً، وأَسقِطْ منه نصيبًا؛ يَبْقَى مالٌ سوَى نصيبٍ، أَسْقِطْ منْه عُشْرَ جَمِيعَ المالِ للوصيَّةِ الأُخْرَى، تبقَى تسعةُ أعشَارِ مالٍ سوى نصيبٍ، يعدل ثلاثة أنصباء، تُجِبرُ وتقابل، يكون تسعةَ أعشارِ مالٍ معادلةَ لأربعةِ 265 أنصباءَ، فاضرِب الأربعةَ في مالٍ له عُشْرةٌ، وأقلُّه عشرة، يكون أربعين، كما خرج بالطَّريق الأوَّل، وإن كانَ الجزءُ مضافاً إلى ما تبقى من المالِ بعدَ النَّصيبِ؛ مثل أنْ يختلفَ ثلاثةُ بنين، ويوصى لزيدٍ بمثل نصيب أحدِهم، ولعمرو بسدُسِ ما تبقَّى من المالِ بعد النصيبِ، فالمقصودُ من هذه المَسْأَلَةِ وما في معناها، يُعْرفُ بطريقٍ.
ومنها طريقةُ الجبرِ، ولها وجوهٌ: أسهلُها أن تاخذَ مالاً، وتُسقطُ منه نصيبًا لزيدٍ، ويبقى مالُ سوى نصيبًا، يسقُطُ سدسُه لعمرو، تبقَّى خمسةُ أسداسِ مالٍ إلاَّ خمسةَ أسداسٍ نصيبِ، يعدِلُ أنصباءَ الورثةِ، وهي ثلاثة فَتُجْبَرُ وتُقَابَلُ، فيكونُ خمسةَ أسداسِ مالٍ مُعَادِلَةً لثلَاثةَ أنصباء وخمسة أسداسِ نصيبٍ، فَتُضربُ ثلاثةٌ وخمسةُ أسداسِ مالٍ في أقلِّ عددٍ له سُدُسٌ، وهو ستَّةٌ، تكونُ ثلاثةً وعشْرين: النَّصيبُ من ذلكِ خمسةٌ، تَبقَى ثمانيةَ عَشَرَ، سُدُسُهَا لعمرو، تبقَى خمسةَ عَشَرَ؛ لكلِّ ابنِ خمسةُ، وهذا ما كان يستعملُه الحَسنُ بْنُ أحمدَ بْنِ حَسَّانٍ الفَرائِضِيُّ القَزوِينيُّ، وهو من المتقدِّمين.
الجزء: 7 - الصفحة: 155
ومنهما: أن يُجْعَلَ المالُ كلُّه دينارًا وستةَ دراهم، والوصيةُ بالسدسِ تجعلُ الدينارَ نصيبَ زيدِ، ودرهماً من الستةِ لعمرو؛ يبقَى خمسةُ دراهمَ للبنَين؛ لكلِّ واحدٍ منهم درهمٌ وثلثانِ؛ فعلمنا أنَّ قيمةَ الدينارِ درهمٌ وثلثانِ، وكنَّا جعلنا المالَ دينارًا وستة دراهم، فَهُو إذن سبعةُ دراهمَ وثلثانِ، فنبسطها أثلاثا، تكونُ ثلاثةً وعشرينَ، وتسمَّى هذه الصورة طريقةَ الدينارِ والدراهم.
قال الأستاذُ أبو منصور: ربما سُمِّيَتِ العُثْمَانِيَةُ؛ لأنَّ عثمانَ بْنَ أَبِي ربيعةَ الباهِليَّ 266 كانَ يستعْمِلُهَا.
ومنْهَا: مسألةُ الوَرثةِ من ثلاثةِ سهامٍ، فيكونُ لزيدٍ سهمٌ مثلُ واحدٍ منها، ويزيدُ على كلِّ واحدٍ من سهامِ البنينَ مثلُ خمسةٍ؛ لأنَّه أوصَى بسدسِها، وسُدُسُ كلِّ شيءِ مثْلُ خمسِ الباقِي بعدَ إخراجِ السُّدُسِ، فيكونُ جميعُ المالِ أربعةَ سهامٍ، وثلاثةَ أخماسٍ، نبسطُهَا أخماسًا، تبلغُ ثلاثةً وعشرينَ، وهَذه تُسمَّى طريقةَ القياسِ.
ومنْها: تُقَسَّمُ سهامُ الورِثة وهي، ثلاثةٌ وتصنيف: سَهُمًا لزيدٍ، يكونُ أربعةً، نضرِبها في مخرجِ السُّدُسِ، يكونُ أربعةً وعشرينَ، يسقُطُ منها الحاصلُ من ضرب الجزءِ الموصَى بهِ بعدَ النصيبِ في النصيب، وهو واحدٌ، يَبْقَى ثلاثةٌ وعشرونَ، فهيَ المالُ، فإن أردتَّ النصيبَ؛ أَخَذْتَ سهْمًا منها، وضربتَهُ في مخرج السدسِ، يكون ستةً، تسقطُ منْهَا ما أُسقطته من المالِ؛ يبقى خمسةٌ، فهي النصيبُ، وهذه تشتهرُ بطريقةِ الحَشْوِ، وُيسَمَّى هذا الذي يُسْقَطُ سَهْمَ الحَشْوِ، ويقالُ: كانَ محمدٌ بنْ الحسنِ يعتمدُ علَيها، وسمَّاها ابْنُ حسَّان القزويني حسابَ اليتم 267.
ومِنْهَا: تَأْخذُ سهامَ الورثةِ، وتضربُها في مخرجِ السدسِ، يكونُ ثمانيةَ عَشَر تصرف سُدُسُهَا إلى عمرو؛ تبقَى خمسةَ عشرَ؛ لكلِّ ابن خمسةٌ، وإذَا بانَ أنَّ النَّصيبَ خمسةٌ، فيزيدُ خمسةٌ على الثمانيةِ عشر، يكونُ ثلاثةً وعشرين.
ومِنْهَا: أن يقالَ: المالُ كلُّه ستةٌ، ونصيبُ النَّصيبِ لزيدٍ، وسهمٌ لعمرو، يبقى خمسةٌ، لا تصحُّ على ثلاثةٍ، ولا توافق تَضْرِب ثلاثةً في ستةٍ، تكونُ ثمانيةَ عشرَ، مع النصيب المجهولِ، سدسُ الثمانيةَ عَشَر لعمرو، والبَاقِي بينَ البنينَ؛ لكلِّ واحدٍ خمسةٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ النصيبَ المجهولَ خمسةٌ، وأنَّ المالَ ثلاثةٌ وعشرونَ.
مَسْأَلَة: ثلاثةُ بنينَ، وأوصَى لزيدٍ بمثلِ نصيب أحدِهِم، ولعمرو بثلثِ ما يبْقَى من المالِ بعدَ النَّصيب استخراجها بطريقِ الخَطَائِيْنِ: يُقَدَّرُ المَالُ، إنْ شِئْنَا أربعةً؛ لعلمِنَا أنَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 156
هُنَا نَصِيباً وثلثاً بعدَ النَّصيب، ويجعلُ النَّصيبُ واحداً، ويدفعُ ثلثُ البَاقِي إلى عمرو؛ يبقَى اثنانِ، ونحنُ نحتاجُ إلَىَ ثلاثةٍ؛ ليكونَ لكلِّ ابنٍ مثلُ النَّصيبِ المفروضِ، فقدْ نَقَص عن الواجبِ واحدٌ، وهَذَا هُوَ الخطأُ الأوَّلُ.
ثمَّ نجعَلُ المالَ خمسةً، ونجعلُ النصيبَ منها اثنَيْنِ، وندفعُ ثلثَ البَاقِي إلَى عمرو، يبقَى اثنانِ، ونحنُ نحتاجُ إلَى ستة؛ ليكونَ لكلِّ ابن مثلُ النصيبِ المفروضِ، فقدْ نَقَص عن الواجبِ أربعةٌ، وهو الخطأُ الثَّاني، والخطآن جميعاً ناقصان، فسقَط أوَّلُهما من أكْثرِهما، يبقَى ثلاثةً؛ فنحفظُهَا، ثمَّ نضربُ المالَ الأَوَّلَ في الخَطَأ الثَّاني، يكونُ ستةَ عشرَ ونضربُ المالَ الثَّانِيَ في الخطأ الأوَّل، يكونُ خمسةً يسقطُ الأقلُّ من الأكثر يبقَى أحدَ عشرَ سهماً، نُقسِّمُها على الثلاثةِ المحفوظةِ، يخرجُ من القِسْمَةِ ثلاثةٌ وثلثانِ، نَبْسُطُهَا أثلاثًا بالضَّرب في ثلاثةٍ، يكونُ أحدَ عشرَ، فهُوَ المالُ، ثمَّ نضربُ النَّصِيبَ الأوَّلَ في الخطأ الثَّانِي، يكونُ أربعةً، ونضربُ النَّصيبَ الثَّانِي في الخطأ الأوَّلِ يكونُ اثنينِ، يسقطُ الأقلُّ من الأكثرِ؛ يبقَى اثْنَانِ، نقسِّمها على الثلاثةِ المحفوظةِ، يخرجُ من القسمةِ ثُلُثَانِ، وإذا بَسَطْنَا، كانا اثنينِ، فهما النصيب فتدفع اثنين من أحدَ عشرَ إلَى زيدٍ، وثلثُ الباقي ثلاثةٌ إلى عمرو؛ يبقَى ستةٌ لكلِّ واحدٍ اثنانِ، وهذا إذا أجَازَ الورثةُ، فالوصيَّتَانِ زائدتَانِ على الثُّلُثِ، وتُسَمَّى هذه الطريقة "الجامِعَ الكَبِيرَ من طرقِ الخطأين".
وبطريقةِ الباب: نقولُ: سهامُ البنينَ ثلاثةٌ، وقد أوْصَى بثلثِها؛ فيبقَى لكلِّ ابني ثُلُثَا سهمٍ، فتبيَّن أنَّ النصيب المُوصَى به لزيدٍ ثُلُثَا سهمٍ، ثم نضم الثلثُ المخرجَ، إذ بينّا النَّصيبَ إلى أنْصبَائِهِم، فيكونُ جملةُ المالِ ثلاثةَ سهامٍ وثُلَثَي سهمٍ نبسطُها أثلاثاً؛ تكونُ أحدَ عشَرَ.
وبطريقِ المقاديرِ: يُعْطَى المُوصَى لَهُ بمثلِ النصَّيب نصيبًا من المالِ؛ يبقَى منه مقدارا تُدْفَعُ ثُلثُه إلَى عمرو، ويبقَى ثُلُثَا مقدارٍ نُقَسِّمُها بيَنَ البَنِينَ؛ يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ تُسُعَا مقدارٍ، فَنَعلَمُ بذَلك أنَّ ما أخذَهُ المُوصَى له بالنَّصِيبِ تُسُعَا مقدارٍ، فالمالُ كُلُّه إذن مقدارٌ وتُسُعَا مقدارٍ، نبسطُها أتْسَاعًا، يكونُ أحدَ عَشَر، وتَخْرُجُ المسألةُ السابقةُ بهذِه الطرقِ الثلاثِ خروجَ هذه المسألةِ بتلك الطُّرُقِ الستِّ.
فَصْلٌ
وَقَدْ تكونُ الوصيةُ بجزءٍ من جزءٍ من المالِ، فما بَقِيَ يُعَدُّ النَّصِيبَ أو بَعْضَهُ؟ مثالُه: ثلاثةُ بنينَ، وأوْصَى لزيدٍ بمثلِ نصيب أحدِهم، ولعمرو بثُلُثِ ما تبقَّى من ثُلْثِ المالِ بعدَ النَّصيب: يُقَدَّرُ ثلثُ المالِ عدداً لَه ثُلُث؛ لقولِهِ بثلثِ البَاقِي من الثُّلثِ وليكن ثلثه، فيزيدُ عليه واحداً للنَّصيبِ، فيكونُ أربعةً، وإذَا كانَ الثلثُ أربعة، كانَ
الجزء: 7 - الصفحة: 157
الثلثانِ ثمانيةً وجملةُ المالِ اثنا عشرَ تدفع إلى زيدٍ واحداً، وإلى عمرو واحداً وهو ثلثُ الثَّلاثَةِ الباقيةِ من ثلثِ المالِ، يبقى سهمانِ، تضُمُّهُمَا إلَى ثُلُثَي، المَالِ تكونُ عشرةً، وكانَ ينبغي أن يكونَ ثلاثةً؛ ليكونَ لكلِّ ابنٍ مثلُ النَّصيب المفروضِ، فقدْ زادَ علَى ما يحسبُ سبعةً، وهو الخطاُ الأوَّلُ.
ثم يُقدَّرُ الثلثُ خمسةً، ويُجْعَلُ النصيبُ اثنين وتَدفعُ إلى عمرو واحداً، يبقى سهمانِ، يزيدُهُما على ثلثَيْ المالِ، وهو عشرةٌ، علَى هذا التقديرِ، يبلغ اثني عشرَ، وكانَ ينبغي أن يكونَ ستةً؛ ليكونَ لكلِّ ابن سهمانِ، فزادَ علَى الواجبِ ستةً، وهو الخطأ الثَّانِي.
ثمَّ نقولُ: لمَّا أخذَنا أربعةً؛ زادَ على الواجب سبعةٌ ولمَّا زدْنا سهماً، نَقَصَ عن الخَطأ سهمٌ؛ فعلمنَا أنَّ كلَّ سهمٍ يزيدُ، ينقصُ به من الخطَأ سهمٌ، وقد بقي من الخطأ سِتَّةُ أسهمٍ، فنزيدُ لها ستة أسهم، يكوَنُ أحدَ عشرَ سهماً، فهو ثلثُ المالِ؛ النَّصيبُ منها ثمانيةٌ، وجميعُ المالِ ثلاثةٌ وثلاثون، وتُسَمَّى هذه الطريقةُ "الجامعَ الصَّغِيرَ من طرقِ الخطأين".
مسألةٌ: ابنانِ، وأوصَى بمثلِ نصيبِ أحدِهِمَا لزيدٍ، وأوْصَى لعمرو بنصفِ ما تبقَّى من الثلثِ بعد النَّصيبِ:
استخراجُهَا بطريقِ الهَنْدَسَةِ: أن يُجْعَلَ المالُ كلُّه خَطَّ أب، ويُقَسَّمَ ثلاثةَ أقسامٍ متساوية، هي خطوطُ أح حد دب، ثمَّ ناخذُ خطَّ أح، ونقتطعُ منه بمقدارِ أهـ نسمِّيه، ونُقَسِّمُ الباقيَ بقسَمْينِ متساوِيَيْنِ، وهمَا خَطَّا هو وج، فيُعْطِي زيدًا النصفَ، وعمرًا خطَّ هو يبقَى منه خطُّ وح، وإذَا كانَ خطُّ أح نصيبًا وقسَمْينِ متساوِيَيْنِ، كانَ خطُّ ح ب نَصِيبَيْنِ وجملةَ أربعةِ أقسامٍ متساويةٍ؛ إذا ضَمَمْنَا إليه القِسْمَ الثَّاني من خطِّ أج، كانَ المبلغُ نصيبَيْنِ وخمسةَ أقسامٍ؛ يقَسَّمُ بينَ البنينَ، لابنينِ نصيبانِ، وللثالثِ خمسةُ أقسام؛ فَبَانَ أنَّ النصفَ الَّذي اقتطعْنَاه خمسةٌ، والقسمانِ الباقيانِ منهُ سَهْمانِ، فجميعُ خطِّ أح سبعةٌ، وهو ثلثُ خطِّ أب، فخطُّ أب أحدٌ وعشرون، وهو صورتُه أهـ وح د، وخمسةٌ لزيدٍ، يبقَى اثنانِ: أحدُهما لعمرو، ويبقى واحد يضمُّها إلى أربعةَ عشرَ؛ يكونُ خمسةَ عشرَ للبنينِ؛ لكلِّ واحدٍ خمسةٌ.
مسألةٌ: أربعةُ بنينَ، وأوْصَى لزيدٍ بمثلِ نصيبِ أحدِهم، ولعمرو بربع ما بَقِيَ منَ الثُّلُثِ بعد النصيبُ بأحدِ أربعةِ أسهمٍ؛ لقولهِ: "بربعَ ما بَقِيَ" ويزيدُ عليه النصَيبُ واحداً، ويجعلُ الخمسةُ ثُلُثَ المالِ، فندفعُ منها سهماً بالنَصيب إلَى زيدٍ، وسهمًا بربِعِ ما تبقَّى إلى عمرو، تبقَى ثلاثةٌ، نُضمُّها إلَى ثلثي المالِ عَشَرة، تبلغُ ثلاثةَ عشر، وكان ينبغي أن يكونَ أربعةٌ، فزادتْ تسعةٌ، وهو [الخطأ] 268 الأوَّلُ.
ثمَّ تُضَعِّفُ ما كنَّا أخذنَاه أولاً، فنأخذُ ثمانيةً، وتزيدُ عليها النصيبَ مثلَ ما ذكرنَاهُ
الجزء: 7 - الصفحة: 158
أولاً، وهو واحدٌ، ونجْعَلُ التسعةَ؛ ثُلُثُ المالِ: واحداً منها لزيدٍ، وسهمانِ هما ربعُ البَاقِي لعمرو؛ يبقَى ستةٌ، نضمُّها إلَى ثُلُثَي، المالِ؛ تكونُ أربعةً وعشرين، وكانَ ينبغي أن يكونَ أربعةً، فزاد عشرونَ، وهو الخطأ الثَّانِي، والتفاوت بينَ الخطأيْنِ أَحَدَ عَشَرَ، فهُو النصيبُ، ثم نضربُ المالَ الأولَ، وهو خمسةٌ في الخطأ الثَّانِي، وهو عشرونَ؛ تكونُ مائةً؛ ونضربُ المالَ الثَّاني، وهو تسعةُ في الخطأ الأوَّلِ، وهو تسعةٌ؛ يكونُ أحداً وثمانينَ، والتفاوتُ بينَ المبلَغَيْنِ تسعة عشر 269، فهُو ثلثُ المالِ: لزيدٍ منه أحدَ عشرَ، يبقى ثمانيةُ، ربعُها لعمرو سهمانِ، يبقى ستةٌ، نضمُّها إلى مائةٍ وثلاثينَ، يكونُ أربعةٌ وأربعينَ؛ لكلِّ واحدٍ أحدَ عشرَ بثلثِ النصيب، وتسمَّى هذه الطريقةُ الجامعَ الأكبرَ مِن طرق الخطائين.
وبطريقةِ المقاديرِ؛ نأخذُ ثلثُ المَالِ، وتُسْقِط منه نصيبًا لزيدٍ، يبقى منه مقدارٌ، وقدْ بَقِيَ من المالِ ثلثاه، فنصرفُ من كلِّ ثلثٍ نصيبًا إلى ابنٍ؛ يبقَى من كلِّ ثلثٍ مقدارٌ، ويُعْلَمُ أنَّ عمرًا لاَ يستحقُّ إلاَّ ربعَ مقدارِ، فجميعَ الباقِي مقدارانِ، وثلاثةُ أرباعٍ: مقدارٌ يكونُ للابنينِ اللَّذَيْن لَمْ يأَخُذَا شيئاً، فيكونُ النصيبُ مقدارًا وثلاثةَ أثمانِ مقدارٍ، والنصيبُ منه مقدارٌ وثلاثةُ أثمانِ مقدارٍ، نبسطُها أثمانًا؛ فيكونُ الثُّلثُ تسعةَ عشرَ، والنصيبُ أحدَ عشرَ، وبطريقةِ الدينار والدِّرْهَمِ: نجعل المالَ ديناراً، ومن الدراهمِ عدداً له ربعٌ، وليكنْ أربعةَ دراهم، ولنصرفِ الدينارُ بالنصيبِ إلى زيدٍ، ودرهماً إلى عمرو، ويبقَى ثلاثةُ دراهمٍ، نزيدُهَا على ثلثَيْ المالِ؛ يبلغُ دينَارين وأحدَ عشرَ درهماً، يعدلُ أربعةَ دنانيرِ [فنلقَى دينارين بدينارين] 270 يبقى ديناران في مقابلةِ أحدَ عشرَ درهماً، فالدينارُ الواحدُ يعدلُ خمسةَ دراهم ونصفَ درهم، وكنَّا جعلنَا الثلاثَ دينارًا وأربعةَ دراهم، فهوَ إذن تسعة دراهم ونصف، نبسطُها أنصَافًا؛ يكون تسعةَ عشرَ، فهي الثلث والدينارُ الَّذي هو النصيبُ أحدَ عشرَ.
مسألةٌ: أبوان وبنتانِ، وأوصَى لزيدٍ بمثلِ أحدِ الأبَوَيْنِ، ولعمرو ثلاثةِ أخماسِ ما يبقَى من الثلثِ:
استخراجُهَا بطريقةِ الحشْوِ أن يقالَ: مسألةُ الورثةِ من ستَّةٍ؛ تزيدُ عَلَيْها مثلَ نصيب أحدِ الأبوَيْن تبلغ سَبعةً، تُضْرَبُ في مَخْرَجِ الأخماسِ؛ يكونُ خمسةً وثلاثينَ، يسقُطُ منها الحاصلُ من ضرب الأجزاءِ المُوصَى بها بَعْد النصيب، وهي ثلاثةٌ في النصيبِ، وهو واحدٌ؛ يكون ثلانةَ [نسْقِطُها من الخمسةَ والثلاثين] 271، يبقى اثنان وثلاثون فهي
الجزء: 7 - الصفحة: 159
ثلثُ المالِ، فإنْ أردْنَا النصيبَ، أخذْنَا سهماً، وضرَبْنَاهُ في مَخْرَج الأخْمَاسِ؛ يكونُ خمسةً، نضربُها في مخرج الثلثِ، يكونُ خمسةَ عشر، نُسقِطُ منها ما أسقطْنَا من الأوَّلِ، يكونُ اثني عشَرَ، فهو النصيب، فإذا دَفَعنَا اثني عشرَ إلَى زيدٍ، يبقى من الثلثِ عشرون تدفع ثلاثةَ أخماسِه إلَى عمرو، يبقى ثمانيةٌ، نضمُّها إلَى ثلثي المالِ أربعةِ وستينَ؛ يكونُ اثنين وسبعينَ؛.
لأحدِ الأبَويْنِ منهَا السدسُ اثنا عشرَ؛ كالنَّصيبِ المفروضِ.
وبحساب الجَبرِ: نأخذُ ثلثَ المالِ، ونُسْقِطُ منه نصيبًا؛ يبقَى ثلثُ مالٍ غيرَ نصيبٍ، نُسْقِطُ ثلاثةَ أخماسهِ لعمرو، ويبقى خُمُسَا ثُلثِ المالِ سوى خُمُسَي نصيبٍ، نضمُّها إلَى ثُلُثَي المالِ، يبلغُ ثلثَيْ مالٍ، وخُمُسَيْ ثلثِه سوى خُمُسَيْ نصيبٍ، يعدلُ سهامَ الوَرَثةِ، وهيَ ستةٌ، تُجْبَرُ وَتُقَابلُ؛ فتكونُ ثُلثاً مالِ وخُمُسَا ثلثِه معادلاً لستةٍ أيضاً، وخُمُسَيْ نصيبٍ، فَنَضْرِبُ الستةَ والخمسينَ في أقلِّ عددٍ له خُمسٌ، وهو خمسةٌ؛ يكونُ اثنينِ وثلاثينِ، فهو الثُّلثُ.
مسألةٌ: ثلاثةُ بنينَ، وأَوْصَى لزيدٍ بمثل نصيب أحدِهم، ولعمرو بثلثِ ما بَقِيَ منَ الثُّلثِ بعدَ نصفِ النصيب، خُذْ ثلثَ مالٍ، وأَسْقِطْ منه نصيبًا، يبقَى ثلثُ مالٍ سوى نصيبٍ، وأُسْقِطْ منه ثلث البَاقِي بعدَ نصفِ النَّصيب، وهو تُسُعُ مالٍ إلاَّ سُدسَ نصيبِ، فيبقَى تُسُعَا مالٍ إلاَّ خَمْسَةُ أسداسِ نصيبٍ، زِدْه عَلى ثلثَي المال؛ فيكونُ ثمانيةَ أتساع مالٍ إلاَّ خمسةَ أسداسِ نصيبٍ، يعدِلُ ثلاثةَ أنصباءَ فاجبر وقابل تعدل ثمانية أتساع مال ثلاثة أنصباء؛ وخمسةَ أسداسِ نصيبٍ، فاضْرِبْ ثلاثة وخمسة أسداسٍ في تسعةٍ؛ تبلغُ أربعةً وثلاثينَ ونصفاً، أبْسُطْهَا أنصافاً، تكونُ تسعةً وستينَ، فهي المالُ: لزيدٍ منها بالنصيب ستةَ عشرَ، ولعمرو خمسةٌ، وهو ثلثُ البَاقِي من الثلثِ بعدَ نصفِ النَّصيبِ، وهو ثمانيةٌ، يبقَى سهمانِ ردهم على ثُلُثَي، المالِ، يبلغُ ثمانيةً وأربعينَ؛ لكلِّ ابنٍ ستةَ عشرُ كالنَّصيب.
فَصْلٌ
في الوصيَّةِ بنصيب أَحدِ الورثةِ مع الوصيةِ بجزئين أحدهُمَا بجميع المالِ، والآخرُ بما يبقَى، مثالهُ: بِنْتٌ وَأخٌ، وأوصَى لزيدٍ بمثلِ نصيب أحدِهِما، ولعمرو بربعِ المَالِ، ولثالثٍ بنصفِ البَاقي، يُعَدُّ ذلكَ الحسابُ بطريقِ القياس: أنَّا نعلَمُ أنَّه إذَا أَخَذَ عمروٌ ربعَ المالِ، وزيدٌ نصيبًا، ينبغِي أنْ يكونَ للباقِي نصفٌ، وأَقَلُّ عددٍ لَه نصفُ اثنانِ، وللثالثِ واحدٌ منهِمَا؛ يبقَى واحدٌ، لكلِّ واحدٍ من الوارثين نصف سهمٍ، فعلِمَنا أنَّ النصيبَ نصفُ سهمٍ، فيكونُ البَاقي من المالِ بعدَ الربعِ سهمَينِ ونصفَ سهمٍ، وذلك ثلاثةُ أرباعِ المالِ، تزيدُ عليهِ ثلثَه، وهو خمسةُ أسداسٍ، يبلغُ ثلاثةً وسُدُسَينِ، نبسطهَا أسداسًا، تكونُ عشرينَ: لزيدٍ ثلاثةٌ ولعمرو خمسةٌ يبقَى اثنا عشرَ للثالثِ ستةٌ ولكلِّ واحدٍ من
الجزء: 7 - الصفحة: 160
الوارثينَ ثلاثةٌ؛ كالنَّصيب المفروضِ، ولو كانتِ الصورةُ بحالِهَا إلاَّ أنَّ وصيةَ عمرو بِخُمُسِ المَالِ، ووصيةَ الثَّالِثِ بِثُلُثِ البَاقِي، فالمالُ خمسةٌ، والنصيبُ وَاحدٌ.
فَصْلٌ
فيما إذَا كانَ الجزآن مَعَ النَّصيبِ أحدُهُما بعدَ الآخرِ:
مثالُة: أمٌّ وعمَّانِ، وأَوْصَى لزيدٍ بمثلِ نصيب أحدِهِم، ولعمرو بربع ما تبقَّى من المالِ بعدَ النصيب ولثالث بثلث ما تبقَّى من المالِ بعدَ ذَلِك والرابع بِنصفِ ما يبقَى بعدَ ذلكَ، نأخذُ مالاً وتُلْقَى منه نصيبًا؛ يبقَى مالٌ إلاَّ نصيبًا، تلقى من هَذا الباقِي ربعُه، يبقَى ثَلاثةُ أرباع مالٍ إِلاَّ ثلاثةَ أرباعٍ نصيب تُلقَي من البَاقِي ثلثُه؛ ويبقَى نصف مالٍ إلاَّ نصفَ نصيبٍ، تُلْقِيَ من البَاقي نصفه، يبقَى ربعُ مالٍ إِلاَّ ربع نصيبٍ تعدلُ ثلاثةَ أنصباءٍ، تُجبرُ، وتُقَابل، فربعُ مالٍ يعدل ثلاثةِ أنصباءٍ، وربعُ نصيبٍ، فنضرب الثلاثةَ والربعَ في أربعةٍ، تكونُ ثلاثةَ عشرَ، النصيبُ منه واحدٌ، يبقَى اثنا عَشَرَ: لعمرو رُبُعُهُ ثلاثةٌ يبقَى تسعةُ، للثالثِ الثلثُ يبقَى ستةُ، للرابعِ نصفُه ثلاثةٌ، يبقَى ثلاثةٌ لكلِّ واحدٍ من الورثةِ واحدٌ؛ كالنصيبِ.
مسألةٌ: ثلاثةُ بنينَ، وأوْصَى لزيدٍ بنصيب أحدِهِم، ولعمرو بنصف البَاقِي من الثُّلثِ، ولثالثٍ بثلث الباقي من الثلث بعد ذلك، يجعلُ ثلثُ المالِ ديناراً، ومن الدراهِم عدداً له نصفٌ، ولنصفهِ ثلثٌ، وليكن ستةً، نُعْطِي زيدًا الدينارَ، ونصفَ الدَرَاهِمِ عمرًا، تبقَى ثلاثةٌ نُعْطِي ثلثَها للثالثِ؛ يبقَى سهمانِ، نزيدهُما على ثلثَي، المالِ، وهو دينارانِ، واثنَيْ عشرَ درهماً، تبلغُ دينارَينِ وأربعةَ عشرَ درهماً، وذلك يعدل ثلاثةَ دنانير تُلْقِي دينارَيْنِ بدينارَيْنِ قِصَاصًا، يَبْقَى دينارٌ يعدلُ أربعةَ عشرَ درهماً، وكانَ الثلثُ دينارًا وستةً، فهُوَ إِذَن عشرونَ، والنَّصيبُ أربعةَ عشرَ يدفعُ أربعةَ عشرَ إلَى زيدٍ، تبقَى ستةٌ، لعمرو نصفُهَا، تبقى ثلاثةٌ، للثالث ثلثُها، يبقَى سهمانِ، تضُمُّها إلى ثلثَي المالِ، تبلغُ اثنينِ، وأربعين، لكلِّ ابنٍ أربعةَ عشرَ.
فَصْل
في الوصيَّة بنصيبَيْنِ مع الوصيةِ بجزءٍ بعدَ كلِّ نصيبٍ: مثالُه: ثلاثةُ بنينَ، وأوْصَى لزيدٍ بمثلِ نصيبِ أحدِهِم، ولعمرو بثلث ما تبقَّى من الثلثِ، ولثالثٍ بمثلِ نصيب أحدِهِم ولرابع بنصف ما تبقَّى من الثلثِ بعْدَ النصيبِ، فأخذ أحدُ أثلاث المال، فتدفع مِنه نصيبًا إلى زيدٌ، يبقَى منه مقدارٌ يدفعُ ثلثُه إلَى عمرو، يبقَى معنا ثلثا مقدارٍ، ونَأخُذُ ثلثاً آخر، فنُدفُع منه نصيبًا إلى الثالثِ، يَبقَى مقدارٌ، يُدفع نصفَهُ إلى الرابعِ، يبقَى نصفُ مقدارٍ، فيضمُّ الباقِي من الثلثِ، وهو مقدارٌ وسدسُ مقدارٍ
الجزء: 7 - الصفحة: 161
إلى الثلثِ الثالثِ، وهو نصيب ومقدار، يكونُ نصيبًا ومقدارَيْنِ وسُدُسَ مقدارٍ، وذلك يعدل أنصباءِ الورثةِ، وهو ثلاثةٌ تُسقط نصيبًا بنصيبٍ؛ يبقَى مقدارانِ وسدُسُ مقدارٍ، في معادلةِ نصيبَيْن فالنصيب الواحدِ مقدارٌ ونصفُ سدسٍ مقدارٍ، وكنَّا فَرضْنَا كُلَّ ثلثٍ نصيبًا ومقدارًا، فهو إذن مقدارانِ ونصفُ سدسٍ مقْدَارٍ نبسطُهُا بالضَّربِ في اثنَيْ عشرَ، تكونُ خمسةً وعشرينَ، وجملةُ المالِ خمسةٌ وسبعونَ والنَّصيبُ ثلاثةَ عَشَرَ، لزيدٍ ثلاثةَ عَشَر، ولعمرو أربعة وللثالثِ ثلاثةَ عشر، وللرابعِ ستةٌ، وجملةُ ذلك ستةٌ وثلاثون، تَبْقَى تسعة وثلاثونَ للبنينَ، لكلِّ واحدٍ ثلاثةَ عشر؛ كالنصيبِ.
ولو كانتِ الصورةُ بحالِها إلا أنَّه أوْصَى للرابع بنصفِ ما تبقَّى من الثلثَيْنِ بعدَ النَّصيبِ الثَّانِي، فنأخذُ ثلثًا، ونجعلُ منهِ نصيبًا لزيدٍ؛ يبقَى مقدارٌ، تَجْعَلُ ثلاثةً لعمرو، ونَأخذُ ثلثًا آخرَ، فتَدْفَعُ نصيبًا منه إلى الثالثِ، يبقَى مقدارٌ نضمُّه إِلى الثلثِ الثالثِ، يبلغُ نصيبًا ومقدارَيْنِ؛ يُدْفَعُ إِلى الرابعِ نصفُه، وهو نصفُ نصيبٍ ومقدار، ويبقَى معنَا نصفُ نصيبٍ ومقدار، وكانَ قدْ بَقِيَ من الثلثِ الأوَّلِ ثلثاً مقدارٍ، يعدِلُ كلُّ ذلك أنصباءَ الورثةِ، وَهِيَ ثلاثةٌ، فَتُلْقِي نصفَ نصيبٍ بنصفِ نصيبٍ؛ يبقَى مقدار وثُلُثَا مقدارٍ في معادلةِ نصيبَيْنِ ونصفِ نصيبٍ، فيكونُ النصفُ ثلَثيْ مقدارِ؛ فإذن كلُّ ثُلُث مقدارٌ، وثُلُثُ مقدارٍ نبسطُهَا أثلاثًا، يكونُ خمسةً، والمالُ خمسةَ عَشَر، والنصيبُ اثنانِ، لزيدٍ اثنانِ، ولعمرو واحدٌ، وللثالثِ اثنانِ، وللرابعِ أَربعةٌ.
تبقَى ستَّةُ لِلاِبْنَيْنِ.
فَصْلٌ
في الوصيَّةِ بالنصيب وبجزءٍ شائعٍ عَلَى شرطِ ألاَّ يضامَ بعضُ الورثةِ، أي: لاَ يدخُلُ النقْصُ علَيْهِ.
مثالُه: ابنانِ، وأوْصَى لواحدٍ بربع المالِ، ولآخرَ بنصيب أحدِ الابنَيْنِ عَلَى ألاَّ يضامَ الثَّانِي بالوصيَّتَيْن، هي من أربعةٍ لذِكْره الربعِ: واحدٌ للموَصى له بالربعِ، واثنان للابنِ الَّذي شَرَطَ إلاَّ يضامَ [يبقى] 272 واحدٌ للموصَى له الثَّانِي، وللابنِ الثَّانِي لاَ يصحُّ علَيْهِمَا، فَنضْرِبُ اثنانِ في أربعةٍ.
مسألة: ثلاثةُ بنينَ، وأَوْصَى من ثلثِ مالهِ لزيد بنصيب أحدهم، ولعمرو بثلثِ ما تبقَّى من الثلثِ 273، وشَرَطَ ألاَّ يضام بَكْرٌ منهم: نأْخُذُ ثلثَ المالِ، ونَدفَعُ منه نصيبًا إِلى زيدٍ؛ يبقَى مقدارٌ، ندْفَعُ ثلثَهُ إِلى عمرو، يبقَى ثلثاً مقدارٍ، نَضُمُّه إِلى الثلثَينِ، وهما نصيبانِ ومقدارانِ، وذلكَ كلُّه يعدل ثلثَ المالِ بتمامِهِ ونصيبينِ، أمَّا ثلثُ المالِ، فهو
الجزء: 7 - الصفحة: 162
الَّذي توفيه بَكْرَاً غَيْرَ منقوصِ، وأَمَّا النصيبانِ، فهما نصيبَا الابنَيْنِ الآخَرينِ، وذلكَ ثلاثةُ أنصباءٍ ومقْدَارٌ، فَنُسقط نصيبَيْنِ بنصيبَيْنِ، ومقدارًا بمقدارٍ؛ يبقَى نصيبٌ في معادلةِ مقدارٍ، وثلثَيْنِ، فعرَفْنَا أَنَّ النصيبَ مقدارٌ وثلثانِ، وأنَّ الثلثَ مقدارانِ وثلثانِ، نبسطُهِمَا أَثلاثاً، فيكونَ ثمانيةَ، وهي ثلثُ المالِ، والنصيبُ منهما خمسةٌ، وجملةُ المالِ اربعةٌ وعشرون، لزيدٍ خمسةٌ، ولعمرو واحد، ولبكرٍ الَّذي شَرَطَ ألاَّ يُضَامَ ثمانيةٌ تَبْقَى عشرةٌ، للآخرينَ؛ لكلِّ واحدٍ خمسةٌ؛ كالنَّصيبِ.
فَصْل
في الوصيَّةِ بالنصيبِ مع استثناءِ جزءٍ من المالِ عنْهُ.
مِثَالُهُ: ثلاثةُ بنينَ أوْصَى بمثلِ نصيبِ أَحَدِهِم إلاَّ ربعَ جميع المالِ، نأخذُ مالاً ونُسقِطُ منه نصيبًا، يبقَى مالٌ ناقصٌ بنصيبٍ نزيدُ عليه ربعُ المالِ المُسْتَثْنَى، يبلغُ مالاً، ورُبُعَ مالِ إلاَّ نصيبًا وذلك يعدل ثلاثةِ أَنصباءٍ وهي أنصباءُ تُجْبَرُ، وتُقَابَلُ؛ فإذن مالٌ وربعُ يعدلُ أربعةَ أنصباءٍ، نبسطُها أرباعاً، ونقلبُ الاسم، فالمالُ ستةَ عشرَ، والنصيبُ خمسةُ؛ نَدْفَعُ إلى المُوصَى له خمسةً وتسترجع منه رُبُعَ المالِ أربعةً، يبقَى مَعَنَا خمسةَ عشرَ؛ لكلِّ ابنٍ خمسةٌ؛ كالنَّصيبِ.
وبطريقة الخطأينِ: يَجْعَلُ المالَ أربعةً، والنصيبَ اثنين، يُدْفَعُ إلى المُوصَى له اثنين، ونَسْتَرْجَعُ رُبعَ المالَ واحداً؛ يبقَى معنا ثلاثةٌ، وكانَ يجبُ أنْ يبقَى ستةٌ؛ ليكونَ لكلِّ ابن مَثلُ النصيبِ، فقدْ نَقَصَ عنَ الواجبِ ثلاثةٌ، وهذا هو الخطأُ الأَوَّلُ.
ثم نجعلُ المالَ ثمانيةً، والنصيبَ ثلاثةً، نَدفعُها إليه، ونَسترجِعُ اثنين ربعَ المالِ، يبقَى معنَا سبعةٌ وكانَ ينبغِي أنْ يَكونُ تسعةً، فقد نَقَصَ اثنانِ، وهذا هو الخطأ الثَّانِي.
وهما ناقصانِ، فَنُسْقِطُ منَ الأكثرِ؛ يبقَى واحدٌ نحفظُه، ثم نضرِبُ المالَ الأوَّلَ، وهو أَربعةٌ في الخطأ الثَّانِي، وهو اثنانِ، تكونُ ثمانيةً، ونضربُ المالَ الثَّاني، وهو ثمانيةٌ في الخطأ الأوَّلِ، وهو ثلاثةٌ، يكونُ أَربعةً وعشرينَ، فَنُسْقِطُ الأقلَّ من الأكثرِ، يَبْقَى ستةَ عشرَ، نُقَسِّمُهُ على الواحدِ المَحْفُوظِ، يكونُ ستةَ عشرَ، فَهُوَ المالُ، ونضرِبُ النصيبَ الأَولَ، وهو اثنانِ في الخطأ، الثاني يكونُ أربعةَ، والنصيبُ الثَّاني، وهو في الخطإِ الأوَّلِ، وهو ثلاثةٌ، يكونُ تسعةً، نُسْقِطُ الأقلَّ من الأكثرِ، ونقسِّمُ الحاصلَ على الواحدِ المحفوظِ، يكونُ خمسةً، فهُو النصيبُ.
وبالدينارِ والدرهم نجْعَلَ المالَ ديناراً، وأَربعةَ دراهم، وَندْفَعُ الدينارَ بالنصيب إلى المُوصَى له، ونُسْتَرْجِعُ منه رُبُعَ جميع المالِ، وهو ربعُ دينارٍ ودرهم، يحصلُ معنَا خمسةُ دراهمَ، [وربع دينار، وذلك يعدل ثلاثة دنانير، ونسقط ربع دينار بربع دينار،
الجزء: 7 - الصفحة: 163
وتبقى خمسة دراهم] (1) في معادلةِ دينارَيْنِ، وثلاثةِ أرباعِ دينارٍ، فإِذا قسَّمْنَا عددَ الدراهِمِ عَلَى عددِ الدنانيرِ، خرجَ الدينارُ خمسةَ أجزاءٍ من أحدَ عشرَ جزءاً، نَجْمَعُ بين هَذَيْن العدَدَيْنِ، يكونُ سِتَّةَ عَشَرَ، فهو المالُ.
مَسْأَلَةٌ: ابنٌ، وأوْصَى بمثلِ بنصيبٍ إِلاَّ نصفَ المالِ، نَأْخذُ مالاً ونُسْقِطُ منه نصيبًا، ثمَّ نَسْترجِعُ من النصيب نصفَ مالٍ، يحصُل معنا مالٌ ونصفٌ غيرَ نصيبٍ، يعدِلُ نصيبًا واحداً، تُجْبَرُ وتُقابلُ، فيَكونُ مالٌ ونصفٌ، يعدِلُ نصيبَيْنِ، نبسطُهُمَا أنصافًا ونَقْلِبُ الاسمَ، فيكون المالُ أربعةَ، والنصيبُ ثلاثةً، تدفع إلى المُوصَى له ثلاثة وتُسترجِعُ منه اثنينِ، يبقَى عنده واحدٌ، وهو مثلُ نصيبِ الابنِ ناقصًا بنِصِفْ المالِ.
مسألةٌ: ابنٌ، وأوْصَى بنصيب ابنٍ رابعٍ، لو كانَ إِلاَّ عُشْرَ المالِ، نقولُ: لو كانَ البنونَ أَربعةَ، لَقُسِّمَ المالُ بينهمُ على أرَبعةٍ، فنأخذُ مالاً، ونُلْقِي منه نصيبًا، ونسترجِعُ منه عُشْرَ المالِ، يكونُ معنَا مالٌ وعشرُ مالٍ سوى نصيب، يعدِلُ أَربَعةَ أَنصباءٍ فيُجْبَرُ ويُقابلُ؛ فإذن مالٌ وعشرُ يَقابِلُ خمسةَ أنصباءَ، فنبسطُها أَعشارًا، ونَقْلِبُ الاسمَ، فالمالُ خمسونَ، والنَّصيبُ أَحدَ عشرَ، ندْفَعُ إلى المُوصَى له أحدَ عشرَ؛ ونستَرْجِعُ منه عُشْرَ المالِ، وهو خمسةٌ؛ يبقَى للمُوصَى له ستةٌ، ونَأْخُذُ للابن أربعةً وأربعينَ، ولو كانوا أَربعةً، لَأَخَذَ كلُّ واحدٍ أحدَ عشرَ؛ كالنَّصيبِ.
فَصْلٌ
في الوصيَّةِ بالنصيب، مع استثناءِ جُزْءٍ مِمَّا تبَقَّى من المالِ، هَذا: إِمَّا أنْ يُفْرَضَ مع تَقْييدِ المُوصِي الاستثناَءَ بجزءٍ ممَّا تَبقَّى من المالِ بعْدِ النَّصيب، أوْ معَ التقييدِ بجزءٍ ممَّا تبقَّى من المالِ بعدَ الوصيَّةِ، أو يُفْرَضَ معَ الإِطلاقِ وإهْمَالِ كُلِّ واحدٍ منَ القَيْدَينِ، فهذهِ ثلاثةُ أقسامٍ.
أَمَّا القِسْمُ الأوَّل فمثالُهُ:
ثلاثةُ بنينَ، وأوْصَى بمثلِ نصيبِ أحدِهِم إِلاَّ ربعَ البَاقِي من المالِ بعدَ النَّصيبِ: نأْخُذُ مالاً، ونُسْقِطُ منه نصيبًا؛ يبقَى مالٌ ناقصٌ بنصيب نَزيدُ علَيه ربعَهُ، وهُوَ الَّذِي يسترِدُّهُ من جملةِ النَّصيبِ ورُبُعُهُ ربعُ مالٍ إِلاَّ ربعُ، نصيبٍ، فيَبلُغُ مالاً وربعَ مالٍ إِلاَّ نصيبًا، ورُبُعُ نصيبٍ، يعدلُ ثلاثةَ أنصباءٍ، فيُجْبَرُ، وُيقَابَل، فإِذن مالٌ وربعُ مالٍ يَعْدِلُ أربعةَ أنصباءٍ ورُبُعَ نصيبٍ، فنبسطُها أرباعًا، وُيقْلَبُ الاسمُ، فالمَالُ سبعةَ عَشَرَ، والنصيبُ خمسةُ نَدْفَعُ إِلى المُوصَى له خمسةً، يبقَى اثنا عشرَ، يَسْتَرجِعُ من الخمسةِ ربعَ274
الجزء: 7 - الصفحة: 164
البَاقِي، وهو ثلاثةٌ، يبقَى عندَ المُوصَى لَه سهمانِ، ونجْعَلُ للبنينَ خمسةَ عشرَ، لكلِّ واحدٍ خمسةٌ، وبالمقاديرِ نَدْفَعُ إِلى المُوصَى له نصيبًا، يبقَى مقدارٌ، نَسْتَرْجِعُ رُبُعَهُ من النصيبِ، ونزيده على المقدَارِ، يبلغُ مقداراً وربعَ مقدار، يعدلُ أنصباءَ الورثةِ، وهِيَ ثلاثةٍ، فالنَّصيبُ ثلثُ مقدارٍ، وثلثٌ وربعُ مقدارٍ؛ لِأنَّه إِذا قُسِّمَ المقدارُ والربعُ عَلَى ثلاثةٍ، يخرجُ من القسمةِ ما ذكرنَا، والمالُ مقدارٌ وثلثُ مقدارٍ وثلثُ وربعُ مقدارٍ نبسطُها بأجزاءِ ثلثِ الربعِ، وذلك بالضَّرْبِ في اثْنَيْ عشر، فيكونُ المالُ سبعةَ عشرَ، والنصيبُ خمسةٌ.
وبالقياسِ: علمنَا أَنَّ الباقيَ، من المالِ بعدَ النصيب عددٌ له ربعٌ فيكونُ أربعةً، وقدِ استثنَى الربعُ، فنزيدُ ربعُ الأربعةِ علَيْهَا، يكونُ خمسةً، للبنينَ لكلِّ واحدٍ سهمٌ وثلثانِ؛ فعلمنَا أنَّ النصيبَ سهمٌ وثلثانِ، فنزيدُه علَى الأربعةِ، يبلغُ خمسةً وثلاثينَ، نبسطُهَا أثلاثاً فالنصيب خمسةٌ، والمال سبعةَ عشرَ.
مسألةٌ: الصورةُ بحالِها, لكنَّه قَالَ: إلاَّ ربُعَ البَاقِي من المالِ بعدَ نِصْفِ النصيبِ، نَأخذُ مالاً ونُسْقِطُ منه نصيبًا، يبقَى مالٌ ناقصٌ بنصيب، نزيدُ علَيه رُبُعَهُ بعدَ نصفِ النَّصيب، وهُوَ رُبُعُ المالِ إلاَّ ثُمُنَ نصيبٍ، فيبلغُ مالاً ورَبُعَ مالٍ إلاَّ نصيبًا، يعادلُ أربعةَ أَنصباءٍ وثُمُنَ نصيب، فَنَبْسُطُهَا أثْمَانًا، وَنَقْلِبُ الاسمَ، فالمالُ ثلاثةٌ وثَلاثونَ والنصيبُ عَشَرةٌ [تخرِج عشرة] 275 وننظر في الباقي من المالِ بَعْدَ نِصْفِ العشرةِ، فإذا هو ثمانيةُ وعُشرونَ، نسترجِع رُبُعَهَا، وهو سبعةٌ من العَشَرَةِ، يبقَى للمُوصَى له ثُلُثهُ الباقي ثلاثونَ، لكلِّ واحدٍ عشرةٌ؛ كالنَّصيب.
مسألةٌ: زوجَةٌ، وأَبوانِ، وابنانِ، وأَوْصَى بمثلِ نصيبِ أحدِ الابنَيْنِ إِلَّا جزءَ ما تَبقَّى من المالِ بعدَ النَّصيب: مسألةُ الورثةُ تصحُّ من ثمانيةٍ وأربعينَ، ونجعلُ الوصيةَ ديناراً، نضمُّهَا إلى هذِهِ السِّهام، ثم نُسقِطُ نصيبَ ابنٍ، وهو ثلاثةَ عشرَ سهماً، يبقَى خمسةٌ وثلاثونَ سهماً وديناراً، نَأخُذُ خمُسَهَا، وهو سبعةُ أسهمٍ، وَخُمُسُ دينارٍ، ونُسْقِطُة من نصيب الابْنِ، يبقَى ستةُ أَسهِم إِلاَّ خُمُسَ دينارٍ، وذلِك 276 يعدل المضمومِ إلى السِّهام، فَإذَا أَجْبَرَنا وقابلَنَا، عادلَتْ ستةُ أسهمٍ ديناراً، وخُمُسَ دينارٍ، فيكون الدينارُ الواحد خمسةَ أسهمٍ، فتبينَّا أنَّ المضمومَ إِلى سهام الورثةِ خَمسةٌ، وأنَّ جميع المالِ ثلاثةٌ وخمسونَ سهماً، يخرجُ منها ثلاثةَ عشرَ فيبقَى أربعونَ نَسترجعُ من الثلاثةَ عشرَ مثلَ خُمُسِ الأربعينَ، وهو ثمانيةٌ؛ يبقَى مع المُوصَى له خمسةُ أسهم، والبَاقِي ثمانية وأَرْبعُونَ للورثَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 165
القسم الثَّانِي: ما إِذَا قُيِّدَ الاستثناءُ بِجُزْء ممَّا يبقَى منَ المالِ بعدَ الوصيةِ، قَالَ المعنيُّون بهذَا الفَنِّ: الجَزءُ من باقِي المالِ بعدَ الوصيةِ مثْلُ الجزءِ الَّذي يقعُ تَحْتَه من باقِي المالِ بعْدَ النَّصيبِ، فعُشْرُ البَاقِي بَعْدَ الوصيَّةِ كتسع الباقِي بعدَ النَّصيبِ [وتسع الباقي بعد الوصية، كثمن الباقي بعد النصيب] 277 وعلَى هَذَا القياسُ؛ حتَّى ينتهيَ إلَى ثلثِ البَاقِي بعدَ الوصيَّةُ، فهُوَ كنصفِ الباقِي بعدَ النَّصيب، وخرَّجُوا صُوَرَ هذَا القِسْمِ بطريقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: البناءُ علَى القاعدةِ المذْكُورَةِ؟ فإذَا أوْصَى، وله ثلاثةُ بنين بنصيب أحدِهِمْ إلاَّ [ربع ما يبقى من المال بعد الوصية، فهو كما لو أوْصَى بنصيب أحدهم إلاَّ] 278 ثُلُثَ ما يبقَى بعدَ النَّصيب، فَنأْخُذُ مالاً، ونُلقِي منه نصيبًا؛ يبقَى مالٌ ناقصٌ بنصيب نزيدُ عليه ثلثَه؛ للاستئناءِ، وهو ثلثُ مالٍ إلاَّ ثلث نصيبٍ، يبلغُ مالاً وثلثَ مالٍ إِلاَّ نصَيبًا وثلثَ نصيبٍ، يعدلُ ثلاثةَ أنصباءٍ، فيجبرُ ويقابل؛ فإذن مالٌ وثلثُ مالٍ يَعْدِلُ أربعةَ أَنصباءٍ وثُلُثَ نصيبٍ، نبسُطُهَا أثلاثاً ونقلبُ الاسمَ، فالمالُ ثلاثةَ عشر والنصيبُ أَربعةٌ نُدْفَعُ إِلى المُوصَى له أَربعةً، ويبقَى تسعة تَستردُّ من الأربعةِ ثلثَ التِّسعَةِ الباقيةِ، يبقَى عندَه سهمٌ، ويحصلُ للبنينَ اثنا عشرَ؛ لكلِّ واحدٍ أربعةٌ، فالَّذي أَخذَه المُوصَى له مثلُ النصيب إِلاَّ ثلثَ البَاقِي بعدَ النَّصيب، ومثلُ النَّصيبِ إِلاَّ ربعَ البَاقِي بعدَ الوصيَّةِ؛ لأنَّ البَاقِيَ بَعدَ الوصيَّةِ اثنَا عشرَ، وربعُهَا ثَلاثةٌ.
والثاني: أنَّا نَعلَمُ أَنَّ باقيَ المالِ في الصورةِ المذكورةِ بعدَ الوصيَّةِ أنْصِبَاءُ البنينَ، وهي ثلاثة وربعُهَا ثلاثةُ أَرباعِ نصيبٍ، فهو المُسْتَثْنَى من نَصيبِ أَحدِ البنين، يبقَى ربعُ نصيبٍ، وهو الوصيةُ، فَنَزِيدُ على أنضباءِ البنينَ، تبلغُ ثلاثةَ أَنصبَاءٍ ورُبُعَ نصيبٍ، نَبْسُطْهَا أَرباعًا بالضَّرْبِ في أَربعةٍ، يكونُ ثلاثةَ عشرَ، والوصيةُ سهْمٌ.
القسمُ الثالثُ: ما إِذَا إَطلقَ الاستثناءَ، فقالَ: أوصيتُ لَه بمثلِ نصيب فُلاَن إِلاَّ رُبُعَ ما تَبقَّى من المالِ، ولم يقلْ بعدُ النَّصيبِ، ولاَ بعدَ الوصيَّةِ، حكى الأُسَتاذُ أبو منصورٍ فيه وجهَيْنِ عن الأصحَابِ:
أحدُهما: أنَّه يُحْمَلُ علَى البَاقِي بعدَ النَّصيبِ، لِأَنَّ المذكور، هو النصيبُ، فينصرفُ الاستثناءُ إليه.
والثَّاني: وبه قَالَ أكثُرهم: أنَّه يُحْمَلُ علَى البَاقِي بعدَ الوصيَّة؛ لأنَّ البَاقِي بعدَ الوصيَّةِ أكثرُ من البَاقِي بعدَ النَّصيبِ، فيكون جزءُ المُستثنَى من النَّصيبِ أَكثرَ؛ فيكونُ البَاقِي للمُوصَى له أقلَّ، وقد تقرَّر تنزيلُ الوصَايَا والأقاريرِ علَى الأقلِّ المستيقَنِ، ثمَّ
الجزء: 7 - الصفحة: 166
طريقِ الحِساب عَلَى ما سبقَ، هذا هو النقلُ في الأقْسَام الثلاثةِ، وكان يحتمل أَن يُجْعَلَ الاستثناءُ منَ البَاقِي بعدَ الوصيَّةِ صريحًا كالاستثناءِ من الَبَاقِي بعدَ النَّصيب [لأن الموصى به هو النصيبُ، فسواءَ، قال بعد الوصية أو بعد النصيب] (1) إلاَّ، أنَّهم قالُوا: لفظُ "النَّصيبَ" لا يَحْتَمِلُ إِلاَّ ما يأخُذُه الوارثُ ولفظُ "الوصيةِ" يَحتَمِلُ ما دونَه، فإذَا صحَّحْنا والمسألَةَ عَلَى ما مضَى، فقدْ وفيْنَا بالمستيقَنِ من قضيةِ اللفْظِ، فصارَ كَمَا لَوْ أَوصَى بمالٍ، ينزَلُ علَى الأقلِّ.
فَصلٌ " في الوصيَّةِ بالنصيبِ مع استثناءِ جزءٍ ممَّا تبقَّى من جزء من المالِ".
هذا يَجيءُ فيه الأَقْسَامُ المبينةُ في ال
فصل
ِ السابِقِ، والقسمُ الثَّالثُ فيه الوجْهَانِ، وإنْ صرَّحَ بذِكِرِ النصيب، فأوْصَى، وله ثلاثةُ بنينَ بمثلِ نصيبِ أحدِهِم إلاَّ ثلثَ ما تبقَّى من الثُّلثِ بعدَ النَّصيبِ، فنأخذُ ثلثَ مالٍ وتلقِيَ منه نصيبًا؛ يبقَى ثلثُ مالٍ سوى نصيبٍ، نزيد علَيْهِ ثلثَه، وهو تُسُعُ مالٍ، إلاَّ ثُلُثَ نصيبِ الاستثناءِ، فيبلغُ أَربعةَ أَتْساعِ مالٍ سوى نصيبٍ، وثلثَ نصيبٍ، فنزيدُه علَى ثلثَي المالَ، كمال وتسعِ مالٍ سوَى نصيبٍ، وثلثِ نصيبٍ، يعدلُ أنصباَءَ الورثةِ، وهيَ ثلاثة فتُجْبَرُ وتُقَابلُ: فمالٌ وتسعُ مالٍ يعدلُ أَربعةَ أَنصباءٍ وثلثَ نصيبٍ، نبسطُهَا أَتساع، وتقلب الاسمَ فالمالُ تسعةٌ وثلاثونَ، والنَّصيبُ عشرةٌ نأخذُ الثلث ثلاثة عشر، فنسقطُ منه نصيبًا، وهو عشرةُ تَبْقَى ثَلاثةٌ، نسترْجِعُ ثلثَها بالاستثناءِ، يبقَى تسعةٌ، نُسقِطُها من المالِ؛ يبقَى ثلاثونُ لكلِّ ابنٍ عشرةٌ.
وبطريقٍ آخَرَ، نقولُ: ثلثُ المالِ نصيبٌ وثلاثةُ أسهمٍ، نَدفعُ النَّصيبَ إِلى المُوصَى له، ونَستردُّ منه بقدرِ ثلثِ البَاقِي، وهُوَ واحدٌ، ونضمُّه إلى الثلاثةِ الَّتي معنَا، يكونُ أَربعةً نضمُّها إلى ثلثَي، المالِ، وهو نصيبانِ، وستةُ أَسهمٍ، يبلغُ نَصِيبَيْنِ وعشرةَ أَسهم، [تدفع النصيبين إلَى ابنين، تبقى عشرة للابْنِ الثالثِ، فعرفنا أن النصيب عشرةَ أسهمُ] 280 وأن الثلث ثلاثة عشرَ سهماً.
ولو كانتِ المسألةِ بِحَالِها، إلاَّ أَنَّ البنينَ خمسةٌ، فالخطائين تأخذُ ثلثَ المالِ اثنينِ مثلاً، وتجعلُ النصيبَ سهماً، فنسترجعُ ثلاثة من النَّصيب، ونضمُّ السَّهمَ، والثلُثَ إلى ثلثَي المالِ، وهو أَربعةٌ، تبلغُ خمسةً وثلثًا، وكانَ ينبغِيَ أنْ يكونَ خمسةً؛ ليكونَ لكلِّ ابنٍ كالنَّصيب، فأخطَأنا بثلثِ سهمٍ، وهو الخطأُ الأوَّلُ.
ثم نَجعلُ ثلثَ المالِ ثلاثةً، والنصيبَ سهمَيْنِ، يبقَى سهمٌ نسترْجِعُ ثلثَه من279
الجزء: 7 - الصفحة: 167
النَّصيب، ونضمُّ السَّهْمَ، والثَّلثَ إلى ثلثَي، المالِ، وهو ستةٌ يبلغُ سبعةً وثلثاً، وكانَ ينبغِي أَن يكونَ عشرةً، فقدْ نقَصَ اثنانِ، وثلثانِ، وهُو الخطأُ الثَّانِي.
وهذا ناقصٌ والأَولُ زائدٌ، نجمعُ بينَهُمَا، تبلغُ ثلاثةَ نحفظها، فهي المقسومُ علَيْهَا، ثم نَضْربُ ما أخذْنَاه أوَّلاً، وهُوَ الاثنانِ من الخطإِ الثَّاني، يبلغ خمسةً وثلثًا، ونضْرِبُ ما أخذْنَاه ثانيًا، وهو ثلاثة 281 في الخطأ الأوَّلِ، وهو ثلثٌ، يكونُ سهماً نجمع بينهُمَا، يكونُ ستةً وثلثًا، نبسطُها أثلاثاً، يكونُ تسعةَ عشرَ، فلو قَسَمْنَاها على الثلاثةِ المحفوظةِ، خرجَ من القسمةِ ستةٌ وثلثٌ، واحتَجْنا إلَى البَسط ليزولَ الكَسرُ، فينزِل القسمةُ، ونقول: الثلث تسعةَ عَشَرَ، ونَضْرِبُ النَّصيبَ الأوَّلَ في الخطإِ الثَّاني، يكونُ اثنين وثلاثينَ، والنَّصيبَ الثَّانِيَ في الخطإِ الأوَّلِ وهو ثُلُثٌ، يكونُ ثَلاثينَ، ومجموعُهُمَا ثلاثَةُ وثلثٌ، نبسطُها أثلاثاً؛ ونترك القسمة، فالنصيبُ عشرةٌ، نأخذُ ثلثَ المالِ تسعةَ عشرَ، ونُسقُطُ منه النصيبَ، وهو عشرةٌ تبقَى تسعةٌ، نسترْجِعُ ثلثَها من النَّصيب، يبقَى عند الموُصِي سبعةٌ، نسقِطُها من جملةِ المَالِ؛ يبقَى خمسةٌ للبنينَ.
مسألةٌ: أربعة بنينَ، وأوْصَى بمثلِ نصيب أحدِهِم، إلاَّ رُبُعَ ما بقِيَ من الثُّلثِ بعدَ ثلثِ النَّصيب، نَأْخُذُ ثلثَ مالٍ، ونُسقِطُ منهَ نصيبًا يَبقَى ثلثَ مالٍ سوء نصيبٍ، ثُمَّ تسترجعُ من النصيبِ ربعَ البَاقِي من الثلثِ بعدَ ثلثِ النصيبِ، وهو نصف سدسِ مالٍ إلاَّ سدُسٍ 282 نصيبٍ، ونُضَمُّ إلى مَا معنَا، تبلغُ خمسةَ أجزاءٍ مَن اثنَيْ عشرَ جزءاً من مالِ إِلاَّ نصيباً، وجزءٌ أن اثنَيْ عشرَ جزءاً من نصيب، نزيدُه علَى ثُلثَي المالِ، يبلغُ مالاً وجزءًا مِنِ اثْنَيْ عشرَ جزءاً من مالِ إِلاَّ نصيبًا، وجزءًا من اثنَيْ عشرَ جزءاً من نصيبٍ يعدلِ أنصباءِ الورثةِ، وهِيَ أربعةُ، تُجْبُرُ وتقابلُ فإذن مالٌ وجزءٌ منْ اثنيْ عشرَ جزءًا من مالٍ يعدل خمسةِ أنصباءِ وجزءًا من اثني عشرَ جزءًا من نصيبٍ، ثم إنْ شئتَ، فقلْ: نبسطُها بأجْزَاءِ اثنَيْ عشرَ، ونقلب الاسمَ، فالنصيبُ ثلاتَةَ عشرَ، والمالُ أحد وستون وإن شئتَ، فقلْ: تضربُ خمسةً وجزءًا من اثني عشرَ في اثني عشرْ يبلغُ أحدَ وستين، فهو المالُ، ولكنَّ ليسَ لأحَدٍ وستينَ ثلثٌ؛ فنضربها في ثلاثةٍ، تبلغ مائةً وثلاثةً وثمانينَ، فهوَ المالُ والنصيبُ؛ تسعةٌ وثلاثونَ، نأخذ ثلثَ المال؟ وهو أحدٌ وستونَ، ونَعزِل منه تسعةً وثلاثين للنَّصيبِ، ثم نَسترْجِع منه اثنَيْ عَشَرَ؛ لأنَّ البَاقِى من الثُّلُثِ بعدَ ثلثِ النصيب ثمانيةٌ وأربعونَ، وربعُهُا اثنا عشرَ يبقَى للمُوصَى له سبعةٌ وعشْرونَ، نُسقِطها من المالِ، يبقَى مائةٌ وستةٌ وخمسونَ؛ لكلِّ ابنٍ تسعةٌ وثلاثونَ.
فَرْعٌ: لو أوْصَى بمثلِ نصيبِ أحدِ الورثةِ إلاَّ ثُلُثَ ما يبقَى، ولم يزدْ علَيْه، فعنْ
الجزء: 7 - الصفحة: 168
أبي حنيفةَ: أنَّه يُجْعَلُ كأنَّه قَالَ: إلاَّ ثلثَ ما يبقَى من الثلثِ بعدَ النصيب، وعندنَا: كأنَّه قال: إلاَّ ثلثَ ما يبقَى من المالِ بعدَ الوصيةِ؛ لأنَّه الأقلّ المستيقَنُ، فإذَا كانَ له ابنانِ، والصورةُ هذه، فنحنُ نعطِيه واحداً من تسعةٍ؛ لأنَّ لكلِّ واحدٍ من الابنينِ والمَوصَى له ثلاثةً، ثم نسترجعُ منه بقَدْرِ ثلثِ الباقِي، وهو سهمانِ، يبقى معنا واحدٌ، وعلَى قولهم يُعْطَى تمامُ الثلثِ؛ لأنَّه إِذَا أعْطِيَ ثلاثةً، لم يبقَ من الثلثِ شيءٌ؛ حتَّى يستثنى ويضمَ إلى ما للورثة، ذَكَرَ الفرعَ هكذا صاحبُ "التَّتِمَّةِ" وفيه خَبْطٌ، واللهُ أعلمُ.
وأَمَّا إِذَا صرَّح بذكْر الوصيةِ، والباقِي من الجزءِ فقَال، وله ثلاثةُ بنينَ: أوْصَيْتُ بمثلِ نصيبِ أحدِهم، إلاَّ ثُلُثَ ما يبقَى من الثلثِ بعدَ الوصيةِ، فطريق الحساب فيهِ عَلَى قياسِ ما سبَقَ؛ لكنْ يستعملُ بدلَ ثلثِ البَاقِي من الثلثِ بعد الوصيةِ؛ نصف البَاقِي من الثلثِ بعدِ النصيب؛ كما مرَّ في الفصلِ السَّابِقِ، ونجْرِي في الصورةِ المذكورةِ طريقَيْنِ:
إحداهما: طريقةُ المقاديرِ: فنأخُذُ ثُلُثَ، ونُسقطُ منه نصيبًا، يبقَى ثلثُ مقدارٍ، فنزيدُ علَيه نصفَه؛ للاستثناءِ يحصلُ معَنَا مقْدَار ونصفُ مقْدارٍ، فندفع من كلِّ ثلثٍ نصيبًا إلى أنْ يبقَى من كلِّ ثلثٍ مقدارٌ نضمَّه إِلى ما معنَا من الثلثِ الأَوَّلِ، فيحصُلُ معنَا ثلاثةُ مقاديرَ ونصف مقدارٍ، فهُو للابنِ الثالثِ، فعلْمنَا أنَّ النصيبَ ثلاثةٌ مقاديرَ ونصفُ مقدار، وكانَ الباقِي من الثلثِ بعدَ النصيب مقدارُ، فيكونُ جميعُ الثلثِ أربعَةَ مقاديرَ، ونصفَ مقدارٍ، نبسطُها أنصافًا، تبلغُ تسعةَ وجميعُ المالِ سبعةُ وعُشرون، والنصيبُ سبعةٌ، فإذَا أخذَنا ثلثَ المالِ، وهو تسعةٌ عزْلَنا 283 منه سبعة، تبقى اثنانِ، نَسترجِعُ نصفَها من النصيبِ، وهو واحدٌ 284 يبقَى مع المُوصَى له ستةٌ، ومعَ البنينُ أَحدٌ وعشرونُ، لكلِّ واحدٍ سبعةٌ، كالنَّصيب، وإِذَا خرجتِ المسألةُ، هكذا، فما أخذَه الموصَى له، كما أنَّه مثلُ النصيب إِلاَّ نِصْفَ ما يبقَى من الثلثِ بعدَ النصيب، فهو مثلُ النصيبِ وإلاَّ ثلثَ ما يبقى من الثلثِ بعدَ الوصيَّةِ؛ لأَنَّ الثلثَ تسعةٌ، والوَصيةَ ستةٌ، فالبَاقي ثلثة، والستَّةُ ناقصةٌ عنِ النصيبِ بثلث الثلاثةِ.
والثانيةُ: أنْ يقَالَ: ثلثُ المالِ نصيبٌ ناقصٌ، وثلاثةُ أسهم فجميع المالُ ثلاثةُ أنصباء وتسعةُ أسهم، لكن تعلمُ أَنَّه لا نقصانَ في نصيبَيْنِ؛ لأنَّهما لابْنَيْنِ، وإنَّما النقصانُ في نصيب المُوصَى له، فرجعتِ السِّهام إلَى سبعةٍ، ندفعُ نصيبَيْنِ كامَلَيْنِ إِلَى اثنينِ، يبقَى سبعةُ أَسهم، نأخذُها للابن الثَّالث، فعرْفَنا أنَّ النصيبَ الكاملَ سبعةُ أَسَهمٍ، وأَنَّ النصيبَ النَّاقصَ ستةٌ، لأنَّه كَمُلَ بسهم فإذن الثلثُ الَّذي قلْنا: إِنَّه نصيبٌ ناقص وثلاثةُ أسهمٍ، والمالُ سبعةٌ وعشرونَ، وهذه الطريقةُ حكاها إمامُ الحرَميْنِ عن
الجزء: 7 - الصفحة: 169
الصيدَلاَنِيِّ وذَكَرَ أَنَّ الصيدلانِيَّ وغيَرَه، لم يتعرَّضُوا للوجُوهِ الثلاثةِ التي فصَّلنَاها في الاستثناء ولا بدَّ منه، وربَّمَا اعتضدْ بما حكاه الاحتمالُ الذي قدَّمناه في أنَّ التصْريحَ في الوصية لهو بالنصيب.
فَصْلٌ
في الوصيَّةِ بجزءٍ من المالِ وبالنَّصيبِ مع استثناءِ جزءٍ من باقِي المالِ البَاقِي من المالِ، قد يقيد بما بعد النصيب وقد يقيَّدَ بما بعدَ الوصيةِ، وقدْ يُطْلَق كما مرَّ؛ فإنْ جرَى ذكرُ النصيب؛ بأنْ أوْصَى، وله ابنان، لزيدٍ بربع المالِ، ولعمرو بمثلِ نصيبِ أحدِهِما، إِلاَّ ثُلُثَ ما تبقَّى من المالِ بعدَ النصيبِ، فنأخذُ مالاً، ونجعلُ رُبُعَهُ لزيدٍ، يبقى ثلاثةُ أرباع مالٍ، نَصْرِفُ منْهَا نصيبًا إِلى عمرو، يبقَى ثلاثةُ أَرباعِ مالٍ إِلاَّ نصيبًا، نسترجِعُ من النصيب مثلَ ثلثِ هذا الباقي، وهو ربعُ مالٍ إلاَّ ثلثَ نصيبٍ، نزيدُه على ما معنَا يبلغُ مالاً إِلاَّ نصيبًا، وثُلُثَ نصيب، وذلِكَ يعدُلُ نصيبَيْنِ، فتُجْبَرُ وتُقَابلُ: فإذن مالٌ يعدلُ ثلاثةَ أَنصباءٍ، وثلثَ نصيبٍ، فنبسطُها أثْلاثاً، وتقلب الاسم، فالمالُ عشرةٌ والنصيبُ ثلاثةٌ، نصرفُ ربعَ العشرةِ إِلى زيدِ، يبقى سبعةٌ ونصفُ، نعزِلُ منها ثلاثةً لعمرو يبقَى أربعةٌ ونصفٌ نرْجِعُ ثلثَها من الثلاثةِ، وهو واحدٌ ونصفٌ، ونضمُّه إِلى ما معنَا يبلغُ ستةً، لكلِّ واحدٍ ثلاثةٌ كالنصيب، فإِنْ أَردْنَا إِزَالةَ الكسرِ، بسطْنَا العشرةَ أنصافاً، وقلنا: المالُ عشرونَ، والنصيبُ ستةٌ وبطريقِ المقادير: نجعلُ المالَ عدداً له بعدَ الربع والنصيبِ ثلثٌ، فليكنْ ثلاثةٌ، نزيدُ عليها ثلثَها، يكونُ أربعةً، نقسِّمُها بين الاثنين، لكلِّ واحدٍ منهما سهمانِ فإذن: النصيبُ سهمانِ، نزيدُهُما على الثلاثةِ، تبلغ خمسةً، وهي ثلاثةُ أرباع المالِ، فنزيدُ عليها ثلثَها؛ لنكملَ المالَ، تبلغ ستةً وثلاثينَ، نبسْطُهُا أثلاثاً، يكونُ عشرون، وبالخطائين يجعل المالَ ثمانيةً مثلاً، ونسقطُ ربعَها لزيدٍ، ثمَّ نجعلُ النصِّيب ثلاثةً، ونسترجعُ منها ثلثَ البَاقِي، وهوَ واحدٌ يبلغُ ما معنا أَربعةً، وكانَ ينبغِي أنْ يكونَ ستةً، ليأخذَ كلُّ واحدٍ منها ثلاثةً، فقد نقصَ اثنانِ، وهو الخطأُ الأوَّل.
ثم نجعلُ المالَ اثنَيْ عشرَ، ربعُهُا لزيدٍ، ونجعلُ النصيبُ ثلاثةً، ونسترجعُ منها ثلثَ الباقِي، وهو اثنانِ يكونُ معنا ثمانيةٌ، وكان ينبغِي أَنْ يكونَ ستةً، فقد زادَ اثنانِ، فجمعَ بينَ الخطأيْن؛ لأَنَّ أَحدَهُمَا زائدٌ، والآخرَ ناقصٌ، يبلغ أربعةً فتحفظها، ثمَّ تَضربُ المالَ الأوَّلَ في الخَطإِ الثَّاني، يكونُ ستةَ عشرَ، وتضربُ المالَ الثَّاني في الخطإِ الأوَّلِ، يكونُ أربعةً وعشرينَ، ونجمعُ بينهما، يكونُ أربعينَ، نُقَسِّمُهَا على الأربعةِ المحْفُوظةِ؛ يخرجُ عشرةٌ فهو المالُ، ويبلغُ بالبسط عشْرينَ وهذا إِذَا قُيِّدَ بالنَّصِيب، أمَّا إذا قُيِّد بالوصيةِ، فأوْصَى، وله ابنَانِ، بربع المالِ، ولآخرَ بمثلِ نصيب أَحدِهِما، إِلاَّ ثلثَ ما يبقَى من المال بعدَ الوصيةِ، فهو بمثابةِ ما لو قال: إِلاَّ نصفَ ماَ يبقَى من المالِ
الجزء: 7 - الصفحة: 170
بعدَ النصيبِ؛ عَلَى ما أسلفنا، وحينئذٍ: فنأخذُ مالاً، ونجعلُ لزيدٍ ربعَه، تبقَى ثلاثةُ أَرباعِ مالٍ، ندفعُ منها نصيبًا إلى عمرو، يبقَى ثلاثةُ أَرباعٍ سوَى نصيبٍ، نسترجعُ منه نصفَ هَذا الباقي، وهو ثلاثةُ أثْمانِ مالٍ سوى نصفِ نصيبْ، ونزيدُه على ما معنا، فيبلغُ مالاً وثُمُنَ مالٍ إِلاَّ نصيبًا، ونصفَ نصيبٍ، وذلك يَعْدُلُ نصيبينِ، فإذَا جبرنَا وقَابَلْنَا، فمالٌ وثُمُنُ مالٍ يعدلُ ثلاثةَ أنصباءٍ، ونصفَ نصيبٍ، نبسطُها أَثلاثًا، والمالُ ثمانيةٌ وعشرون، والنصيبُ تسعةٌ، تدفعُ ربع المالِ إِلى زيدٍ، وهو سبعةٌ، تبقى أَحد وعشرونَ تفرز منها [تسعة] (1) لعمرو؛ يبقَى اثنا عشرَ، نَسترجعُ منها نصفَها، وهو ستة من التسعةِ، ونضمُّها إلى ما معنَا، تبلغُ ثمانيةَ عشرَ لكلِّ ابنٍ تسعةٌ؛ كالنصيب، فالثلاثةُ السالمةُ لعمرو، كما أنَّها مثلُ النصيب إلاَّ نصفَ البَاقِي من المالِ بعدَ النصيبِ، فهُوَ مثلُ النصيبِ إِلاَّ ثلثَ البَاقِي من المالِ بعدَ الوصيةِ؛ لأنَّ البَاقِيَ من المالِ بَعْدَ الوصيةِ ثمانيةُ عَشَرَ، والستةُ المستثناةُ ثلثُها.
فَصْلٌ
" في الوصيَّةِ بجزءٍ شائعٍ من المالِ وبالنصيب مع استثناءِ جزءٍ ما يبقَى من جزءٍ من المال".
مثالُه: خمسةُ بنينَ، وأوْصَى لزيد بثمن مَاله، ولعمرو بثلثِ ما تبقَى من الثلثِ بعدَ الثُّمنِ، والنصيب، نأخذ ثلثَ مالٍ، وتَلقِي منه ثمن جميعِ المالِ، يبقَى خمسةٌ من أَربعةٍ وعشرينَ جزءاً من المالِ، تُفرز منه نصيبًا لعمرو؛ يبقَى خمسةٌ من أَربعةٍ وعشرينَ جزءاً، سوى نصيبٍ، نسترجعَ من النصيب ثُلُثَ هذا الباقِي، ولَيْسَ للخمسةِ ثلثُ صحيحٌ، فنضربُ المالَ في ثلاثةٍ، يكون اثنينِ وسبعينَ، ويكونُ معنا خمسةَ عشرَ جزءاً من اثنينِ وسبعينَ جزءاً من المالِ، سوى نصيب نزيد ثلث هذا المبلغ عليه يكونُ عشرينَ من اثنين وسبعينَ جزءاً من المالِ، سوى نصيب وثلث نصيب تزيده على ثلثَي المالِ، وهو ثمانيةُ وأربعونَ، يكونُ ثمانيةً وستِّينَ جزءاً من اثنينِ وسبعينَ جزءاً سوَى نصيبٍ وثلثِ نصيب، يعدلُ أنصباءَ الورثةِ، وهي خمسةٌ، فإِذَا جَبَرْنَا وقابلْنا؛ فثمانيةٌ وستونَ تَعْدِلُ ستةَ أنصباءَ، وثلثَ نصيبٍ، فنبسطُها بأجزاء، اثنين وسبعينَ، ونقلبُ الاسمُ، فالمالُ أربعمائةٍ وستةٌ وخمسون، وَالنصيبُ ثمانيةٌ وستونَ، نَأخذُ ثلثَ المالِ، وهو مائةٌ واثنانِ وخمسونَ ونُلقِي منْها ثُمُنَ المالِ، وهو سبعةٌ وخمسونَ، يبقَى خمسةٌ وتسعونَ؛ نلقي منه نصيبًا، وهُوَ ثمانيةٌ وستونَ؛ يبقَى سبعةٌ وعشرون، وتسترجعُ من النصيبِ ثلثَهَا ونزيدُها على السبْعَةِ والعشرينَ، تبلغُ ستةً وثلاثينَ، نزيدُها على ثُلثَيِ المالِ وهو [ثلاثمائة وأربعة أسهم تبلغ285
الجزء: 7 - الصفحة: 171
ثلاثمائة، (1) وأربعينَ، لكلِّ ابنٍ ثمانيةٌ وستونَ؛ كالنصيبِ، هذا إِذا صرَّح بذكر النصيب.
فإنْ كانتِ المسألةُ بحالِها، إِلاَّ أنَّه أوْصَى لعمرو بثلثِ ما يبقَى من الثُّلُثِ بعْدَ الثمنِ، وبعدَ وصيَّتِهِ، فالحسابُ كما مضَى ولكنْ نجعلُ بدلَ استثناءِ ثلثِ البَاقِي من الثلثِ بعدَ الوصيَّةِ نصفَ الباقي من الثلثِ بعدَ النصيب، ونستخرجُ المسألةَ، فنأخذُ ثلثَ مالِ، ونسقِطُ منه ثمنَ جميعِ المالِ؛ يبقَى خَمْسةٌ من أربعةٍ وعشرينَ جزءاً من المالِ، نُقرِّرُ منه نصيبًا لعمرو، ونسترجعُ من النصيب نصفَ البَاقِي، وليسَ للخمسةِ نصفٌ صحيحَ، فنضرِب المالَ في اثنينِ، تكونُ ثمانيةً وأربعينَ، ويكونُ معنا عشرةُ أجزاءٍ من ثمانيةٍ وأربعينَ جزءاً من المالِ سوى نصيبٍ، نزيدُه عليه نصفَه، يكونُ خمسةَ عشرَ جزءاً من ثمانيةٍ وأربعينَ سوَى نصيب، ونصفِ نصيبٍ نزيدِه عَلَى ثلثي المالِ، وهو اثنانِ وثلاثونَ من ثمانيةٍ وأربعينَ جزءًا، يبلغُ سبعةَ وأربعينَ جزءاً من ثمانيةٍ وأربعينَ، سوى نصيبٍ ونصفِ نصيبٍ يَعْدِلُ أنصباءَ الورثةِ، وهي خمسةٌ، فتجبرُ وتقابلُ فسبعةٌ وأربعونَ جزءاً من ثمانيةٍ وأربعينِ تَعْدِلُ ستةَ أنصباءٍ ونصفِ نصيبٍ، نبسطُها بأجزاء ثمانيةٍ وأربعينَ فالمالُ ثلاثمائةٍ واثني عشرَ، والنصيبُ سبعةٌ وأربعينَ، نأخذُ ثلثَ المالِ، وهو مائةٌ وأربعةٌ ونُسقِطُ منه ثُمَنُ المالِ، وهو تسعةٌ وثلاثونَ، يبقَى خمسةٌ وستونَ، فنُسقِطُ منه النصيبَ سبعةً وأربعينَ يبقى ثمانيةَ عشَرَ، نسترجعُ من النصيبِ نصفَها، تسعةً، ونزيدُها علَيْهَا، تكونُ سبعةً وعشرينَ، نزيدُها علَى ثلثِي المالِ، وهو مَائتانِ وثمانيةٌ، تبلغ مائتين وخمسةَ وثلاثينَ لكلِّ ابنِ سبعةٌ وسبعون فالتسعةُ التي هي نصفُ البَاقي من الثلثِ بعد الثُّمنِ، والنصيبُ ثلثُ الباقي من الثلثِ بعدَ الثمنِ والوصيةِ، فإنَّ الثُّمُنَ تسعةٌ وثلاثونَ، والذي يُسلَّمُ لعمرو ثمانيةٌ وثلاثونَ، يبقَى سبعةٌ وعشرونَ.
فَصْلٌ
في الوصيَّةِ بمثْلِ نصيب وارثٍ أو عدد من الورثة، إِلاَّ بمثل نصيب وارثٍ آخَر، وعدد منْهم، هذه الوصيةُ إما أنْ تتجرَّد عن الوصية بجزء شائع من المالِ، والوصيةُ بجزءٍ مما تبقَّى من المال أو بجزء من جزءٍ مما تبقَّى أَوْ لا يتجرَّد.
أَمَّا الحالة الأُولَى: فلا حاجةَ فِيهَا إِلى الطُّرُق الجبْرِيَّة، ولكن تقام مسألة الورثة، وتؤخذ سهام من أَوصَى بمثل نصيبه، فينقص منها نصيبه من استثنَى مثل نصيبه، ويزاد ما بَقِيَ علَى مسألة الورثة، فمنه تصحُّ:
المثالُ: زوجةٌ وأختٌ وعمٌّ، وأوصَى بمثل نصيب الأخت إِلاَّ مثل نصيب الزوجة،286
الجزء: 7 - الصفحة: 172
هي من أربعة، ونصيب الأختِ سهمان، ينقص منهما نصيب الزوجة، وهُوَ سهْمٌ، يبقى سهمٌ، نزيدُهُ على الأَربعة، فيكون خمسةً، واحدٌ، منها للموصَى له، والباقي للورثة.
زوجة وثلاثُ أخواتٍ متفرِّقات، وأوْصَى بمثلِ نصيب الزوجةِ، إِلاَّ مثلَ نصيبِ الأختِ للأمِّ، فالمسألةُ تعولُ إلَى ثلاثةَ عشر، ومنها تصحُّ للزوجةِ، منها ثلاثةٌ نُسْقِطُ منها نصيبَ الأخْتِ للأمَّ يبقَى واحدٌ، نزيدُه على الثلاثةِ، فإنْ أوْصَى مع ذلِكَ الآخَر بمثلِ نصيبِ الأختِ للأب والأمِّ إِلاَّ مثلَ نصيبِ الزوجةِ، أخذْنَا نصيبَ الأخْتِ للأب والأمِّ, وهي ستَةُ، ونقَصْنَاَ منها نصيبَ الزوجةِ، وهو ثلاثةٌ؛ يبقَى ثلاثةٌ، نزيدُها أيَضاً علَى الثلاثةَ عشرَ، يكون الكلِّ سبعةَ عشرَ، واحدٌ للمُوصَى له الأولِ، وثلاثةٌ للثَّانِي، والباقي للورثةِ، ولو أوْصَى بمثلِ نصيبِ بَعْضِ الورثةِ إِلاَّ نصيبَ وارثٍ آخرَ، لو كانَ، فيقامُ سهامُ الفريضةِ من عددٍ، يصحُّ عَلى الموجودِينَ، وعليهِم معَ ذلك للوارثِ المقدَّر، ثم نأخذُ نصيبَ الذي أوْصَى بمثلِ نصيبِهِ، ونسقِطُ منه نصيبَ المستثنَى مثلَ نصيبِه، فما بَقيَ، يزادُ عَلَى ذلك القددِ وتصحُّ منه.
مثالُه: ثلاثةُ بنينَ وزوجٌ، وأوصت بنصيبِ الزوجِ، إلاَّ نصيبَ ابنِ سادسٍ، لو كانَ، فمسألةُ الموجودِينَ من أربعةٍ، ولو كانَ البنونَ ستةً مع الزوجِ، لصحَّتْ من ثمانيةٍ، نجعلُها من ثمانيةٍ، ونأخذُ نصيبَ الزوج، وهما سهمان فنقصُ منها نصيبَ الابنِ السادسِ، لو كانَ؛ يبقَى سهمٌ نزيدُه على الثمانيةِ.
الحالةُ الثانيةُ: إذا لم يتجرَّدْ، وفيه صورٌ:
إحداها: أنْ يوصَى مع ذلكَ بجزءٍ شائعٍ من المالِ:
مثاله: أبوانِ، وأوْصَى لزيدٍ بربع مالهِ، ولعمروِ بمثل نصيب الأب إِلاَّ مثلَ نصيبِ الأمِّ، فالحسابُ أنْ يُنْظَرَ في مسألةِ الورثةِ وهي من ثلاثةٍ، فَأخُذُ مَالاً، فَنلقى رُبُعَهُ لزيدٍ؛ يبقَى ثلاثةُ أرباعٍ، نلقَى منها نصيبَيْنِ مثلَ نصيب الأب ونَسْتَرْجِعُ نصفَها مثلَ نصيب الأمِّ؛ فيبقَى ثلاثةُ أرباع مالٍ سوَى نصيب يَعدِلُ ثلاثَةَ أَنصباءٍ، هي سهامُ الورثةِ، فتجبرُ وَتقابلُ: فثلاثةُ أرباعِ مالٍ تَعْدِلُ أربعةَ أنصباءٍ، نبسطُها أرباعًا، وتقلب الاسمَ، فالمال ستة عشر، والنصيبُ ثلاثة، وإذا أَخذنا ستة عشر، وأسقطنا رُبعها، بقي اثنا عَشَر، نسقط منها نصيبين، وهما ستة؛ ونسترجع نصيبًا، وهو ثلاثةٌ يبقى للموصَى له ثلاثةٌ، فإذا أسقطنا الوصيتَيْنِ من المال، يبقى تسعة؛ للأَبِ ستة، وللأُم ثلاثة، ولو كان مع الأبوين زوْجٌ، وأوصت لزيدٍ بثلث ماله، ولعمرو بمثَلِ نصيب الزوج، إلاَّ مثل نصيب الأب، فنقسم مسألة الورثة من ستةٍ، ثم نأخذ مالًا، ونلقي عليه ثلاثةً لزيَدٍ؛ يبقى ثلثا مال؛ نسقط منه ثلاثة أنصباء، هي سهامُ الزوج، ونسترجع نصيبَيْن مثْلَ سهمَي الأب، فيبقَى ثلثا مال إلاَّ نصيبًا، يعدل ستة أنصباءَ، فتجبر وتقابل: فثلثا مال يَعْدِلُ سبعة أنصباء، فنبسطها أثلاثًا،
الجزء: 7 - الصفحة: 173
ونقلب الاسم، فالمال أحد وعشرون، والنصيب اثنان، نأخذ أحداً وعشرين، ونسقط ثلثها, لزيد؛ يبقى أَربعة عشر، نأخذ منها ثلاثة أنصباء مثل نصيب الزوج، وهي ستة ونسترجع منها أربعةٌ، يبْقَى لعمرو سهمان، فإذا أسقطنا الوصيَتيْن، من أحد وعشرين؛ يبقى اثنا عشر، للزوج ستةٌ، وللأب أربعة، وللأم سهمان.
والثانية: أن يوصى مع تلك بجُزْءٍ ممَّا تبقَّى من المال:
مثاله أبوانِ، وأوصَى لزيد بمثْلِ نصيبِ الأب إِلاَّ مثل نصيب الأمِّ، ولعمرو بربع ما يبقَى من المال، نأخذ مالًا، ونُلْقي منه نصيبين، هما نصيبُ الأب من مسألة الورثة، ونسترجع نصيبًا، وهو نصيب الأمِّ؛ فيبقى مالٌ سوى نصيب، ندفع رُبُعَهُ إلَى عمرو، وهو ربع مال إِلاَّ ربع نصيب، نلقي (1) ثلاثة أرباع إلاَّ ثلاثة أرباع نصيب، تَعْدل ثلاثة أنصباء، هي سهام المسألة، فنجبر ونقابل، بثلاثة أرباع مال، تعدل ثلاثة أنصباء، وثلاثة أرباع نصيب، فَنَبْسُطُها أرباعًا ونقلب الاسم، فالمال خمسة عشر، والنصيب ثلاثة، نأخذ خمسة عشر، ونسقط منه نصيبين، وهما ستة، ونسترجع نصيبًا، وهو ثلاثة يبْقَى اثنا عشر، رُبُعُهَا لعمرو، يبْقَى تسعة، ستة للأبِ، وثلاثةٌ للأم.
والثالثة: إن يوصِيَ مع ذلك بجُزْءٍ من جزء مما تبقَّى من المال:
مثاله: أبوان، وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب الأب، إلاَّ مثل نصيب الأم، ولعمرو بربعِ ما يبقَى من ثلثي المال، نأخذُ ثلثيْ مال، ونسقط منه نصيبَيْنِ ونسترحع منه نصيبًا؛ يبقَى ثلثا مال، سوى نصيب؛ نسقط ربعة لعمرو، وهو سدس مال، إلاَّ ربع نصيب؛ يبقَى نصف مال إلاَّ ثلاثة أرباع نصيب، يزيد على ثلث مال، يبلغ خمسة أسداس مال، إِلا ثلاثة أرباع نصيب، تعدل ثلاثة أنصباء، هي سهام المسألة، فنجبر ونقابل، فخمسةُ أسداسِ مالٍ تعدل ثلاثة أنصباء وثلاثة أرباع نصيبٍ، نَبْسُطَها [بأجزاء] (2) اثني عشر، ونقلب الاسم، فالمال خمسة وأربعون، والنصيبُ عشرة، نأخذ ثلثي المال، وهو ثلاثون ونسقط منها نصيبين، وهما عشرون ونسترجع نصيبًا، يبقَى معنا عشرون، ونسقط ربعه لعمرِو، يبقَى خمسة عشر، نزيدها عَلَى ثلث المالُ، يكون ثلاثين، للأبِ عشرون وللأم عشرةٌ.
فَصْلٌ
في الوصيَّة بالنصيب، مع استثناء نصيبٍ وارثٍ آخر منه وجزء شائع أيضاً، الجزء المستثنَى مع النصيب قد يكون من جميعِ المالِ، وقد يكونُ من باقِي المالِ، وقد يكونُ287288
الجزء: 7 - الصفحة: 174
من جزءٍ من الباقي: مثال الأوَّل: أبوانِ، وأوصَى بمثل نصيب الأبِ إِلاَّ مثل نصيب الأمِّ وإلاَّ عشر [جميع] 289 المال، نأخذ مالاً، وتلقى منه نصيبين، ونسترجع نصيبًا وعشر جميع المال، يبقَى مالٌ وعُشْرُ مالٍ إلاَّ نصيبًا يعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة، فنجبر ونقابل، فمالٌ وعشرُ مالٍ يعدل أربعة أنصباء، نبسطها أعشارًا، ونقلب الاسم، فالمال أربعون، والنصيب أحدَ عَشَر، نأخذ أربعين، ونسقط منها نصيبَيْن، وهما اثنان وعشرون، ونسترجع منها نصيبًا، وهو أحدَ عشَرَ وعُشْرُ جميع المالِ، وهو أربعةً، فيسلم للموصَى له سبعة، يبقى ثلاثة وثلاثون، اثنان وعشرون منْها للأب، واحد عشر للأُمِّ.
ومثال الثاني: المسألة بحالها إلاَّ أنه استثنى مثْل نصيب الأُمِّ وعُشْر ما تبقَى من المال بَعْدَ نصيب الأم تأخذ مالاً، وتلقَى منه نصيب الأب، وهو نصيبان من ثلاثة أنصباء، هي سهام المسألة، ونسترجع منه نصيبًا، يبقى مالٌ إلاَّ نصيبًا، نزيد عليه مثل عُشره، وهو عُشْرُ المال إلاَّ عُشْر نصيب، يبلغ مالاً وعُشْر مال إِلاَّ نصيبًا وعُشْر نصيب، يعدل ثلاثة أنصباء، هي سهام المسألة؛ فنجبر ونقابل، ونبسطها أعشارًا، ونقلب الاسم، فالمالُ أحد وأربَعُون، والنصيب أحدَ عَشَرَ، نأخذ أحداً وأربعين، ونسقط منه نصيبين، وهما اثنان وعشرون، وتسترجع نصيبًا، فيكون مَعَنَا ثلاثون، تسترجع عُشْرَ الثلاثين مِنْ ذلك النصيب أيضاً، وهو ثلاثة، وتزيده عَلَى ما مَعَنا، يبلغ ثلاثةً وثلاثين، للأبِ اثنانِ وعشْرُون، وللأم أحَدَ عَشَرَ.
ومثال الثالِثِ: المسألةُ بحالها إلاَّ أنَّه استثنَى منه نصيب الأم، وثمن ما تبقَى من ثلثَي المال بعد نصيب الأم، فتأخذ ثلثَيْ مالٍ، وتسقط منه نصيبين، وتسترجع نصيبًا، يبقى ثلثا مالٍ سوَى نصيب، تسترجع ثمن هذا المبلغ أيضاً من النصيب، وهو نصف سدسِ مال إِلاَّ ثمن نصيب، ونزيده عَلَى هذا المبلغ، يكون ثلاثة أرباع مالٍ إلاَّ نصيبًا وثمن نصيب، نزيده عَلَى ثلثِ مالٍ، يبلغ مالاً ونصفَ سدسِ مال، إلاَّ نصيبًا وثمن نصيبٍ، وذلك يعدل أنصباء الورثة، وهي سهام المسألة، فتجبر وتقابل، فمالٌ ونصف سدس مال، يعدل أربعة أنصباء وثمن نصيب، فتبسطها بأجزاء أربعة وعشرين، وبها التفاوُتُ بين الثمن ونصف السدس، وتقلب الاسم، فالمال تسعة وتسعون، والنصيب ستةٌ وعشرون، تأخذ ثلثَي المال، وهو ستة وستُّون، وتسقط منه نصيبين، وهما اثنان وخمسون، وتسترجع نصيبًا، يبقَى معنا أربعون، ونسترجع ثمنه من النصيب أيضاً، وهو خمسة وتزيده على الأربعين، يكون خمسة وأربعين، تزيده على ثلث المال، وهو ثلاثة
الجزء: 7 - الصفحة: 175
وثلاثون، تبلغ ثمانية وسبعين للأب بنصيبين اثنان وخمسون، وللأم بنصيب ستة وعشرون، ولو كانت المسألة بحالها, لكن قال: وإلاَّ ثمن ما يبْقَى من ثلثَي المال بعْد نصيب الأب؛ فتأخذ ثلثِي المال، وتسقط منه نصيبين، وتسترجع نصيبًا يبقَى ثلثا مال سوَى نصيب، وتسترجع أيضاً من ثلثِي المال بعد النصيبين، وهو نصف سدس مال إِلاَّ ربع نصيب، نزيده عَلَى ثلثَيْ مالٍ سوى نصِيب يبلغ ثلاثة أرباع مالٍ إِلاَّ نصيبًا وربع نصيب، نزيده عَلَى ثلث مال، يبلغ مالاً ونصف سدس مال، إِلاَّ نصيبًا وربع نصيب، يعدل أنصباء الورثة، فتجبر وتقابل، فمالٌ ونصفُ سدسِ مالٍ يعدل أربعة أنصباء وربع نصيب، فتبسطها بأجزاء اثنَيْ عَشَرَ، وتقلب الاسم، فالمال أحد وخمسون، والنصيب ثلاثةَ عَشَرَ، نأخذ ثلثَي المال، وهو أربعة وثلاثون، يسقط منه نصيبين، وهما ستة وعشرون، وتسترجع نصيبًا يبقَى للموصَى له ثلاثةَ عَشَرَ، تسترجع منه أيضاً ثمن الباقي من الأربعة والثلاثين بَعْد النصيب، وهو واحدٌ يبقَى له اثنا عشَرَ، يسقطها من جميع المال، يبقَى تسعة وثلاثون، للأب نصيبين ستة وعشرون، وللأم بنصيب ثلاثةَ عَشَرَ.
فَصْلٌ
في الوصايا بالتكملة، والمرادُ منها: البقيَّة التي يبلُغُ بها الشيء حدَّاً آخر، فلا تخْلُو الوصيَّة بالتكملة: إِما أَن تتجرَّد عن الوصية بغيرها، والاسشاء فيها أَو لا تتجَرَّد:
القسم الأول: فالوصية إِما أن تكون بتكملة واحدةٍ أو بتكملتين فصاعداً:
مثال الأول: أَربعةُ بنين، وأوصَى بتكملة ثلثِ ماله بنصيب أحدهم، فتأخذ مالاً، وتصرف ثلثه إلى الموصَى له، وتسترجع منه نصيبًا، فيحصل معنا ثلثا مال ونصيب، وذلك يعدل أنصباء الورثة، وهي أربعة، فتلقى نصيبًا بنصيب قصاصًا، يبقَى ثلثا مال في معادلة ثلاثة أَنصباء، نبسطها أثلاثاً، وتقلب الاسم، فالمال تسعةٌ، والنصيب اثنان، والتفاوت بين النصيب والثلث بواحد، فهو التكملة يدفع إِلى الموصَى له، يبقى ثمانية، لكلِّ واحد سهمان.
وبطريق الدينارِ والدِّرْهم: تجعل ثلث المال دينارًا ودرهماً، وتجعل الدينار نصيبًا، والتكملة درهماً تدفعه إلى الموصَى له، يبقَى من المال ثلاثة دنانير ودرهمان، يأخذ ثلاثة بين ثلاثة دنانير فيبقَى درهمان، يأخذه الابن الرابع فعلمنا أن قيمة الدينار درهمان، وأنَّ ثلث المال ثلاثةُ دراهم، والنَّصيب درهمان وبالقياس نقول: إِذا أخذ الموصَى له وصيتَهُ، كان الباقي مقسومًا على أربعة، فيجعل الباقي عدداً له ربع، وأقله أربعة، فإذا ضمَمْنا سهماً منْها إِلى التكملة، كان ثلث المال، وذلك يعدل ثلث تكملة، وسهمًا، وثلث سَهْم؛ لأنَّ جملة المال تكملة، وأربعة أسهم، فثلثها ثلث تكملة وسهم وثلث؛
الجزء: 7 - الصفحة: 176
فنسقطُ ثلث تكملةٍ بثلث تكملة، وسهماً بسهم قصاصًا، يبقى ثلثا تكملة تَعْدِلُ ثلث سهم، فالتكملة الواحدة تعدل نصف سهم، فالسهم مثلاً التكملة، فالسهم اثنان، والتكملة واحدٌ، فثلث المال ثلاثة أسهم، فجميع المال تسعةٌ.
ومثال التكملتين أربعةُ بنين وبنت، وأوصى بتكملة ثلث ماله بنصيب ابن، ولآخر بتكملة ربع ماله بنصيب البنت:
الوصية الأُولَى: ثلث مال سوى نصيبين، والثانيةُ: ربع مال سوَى نصيب؛ لأن لكل ابنٍ سهمين، وللبنت سهماً، وكل سهم في مثل ذلك يسمى نصيبًا، فتأخذ مالاً، وتسقط منه الوصيتين، يبقى خمسةُ أسهم من اثنَيْ عَشَرَ سهماً من مال وثلاثة أنصباء تعدل أنصباء الورثة؛ وهي تسعةٌ تسقط ثلاثة أنصباء بثلاثة أنصباء قِصَاصًا؛ يبقى خمسة أسهم من اثني عشر سهماً من مال في معادلة ستة أنصباء، ثم إن شئت، قُلْتَ: نبسطها بأجزاء اثنَيْ عَشَرَ، ونقلب الاسم، فالمال اثنان وسبعون، والنصيب خمسة، وإِنْ شئت، قُلتُ: إذا كانت خمسة من اثني عشر تَعْدِلُ ستة، فالمال بتمامه، يعدل أربعةَ عَشَرَ وخُمسين، نبسطها أخماسًا، تبلغ اثنين وسبعين، نأخذ ثلث المال، وهو أربعةٌ وعشرون، ونسقط منه نصيبين، وهما عَشَرَةٌ؛ يبقى أربعة عشر؛ فهي الوصية الأولَى، ونأخذ ربعه، وهو ثمانية عشر، نسقط منه نصيبًا واحداً، وهو خمسة؛ يبقى ثلاثةَ عَشَرَ، فهي الوصيةُ الثانية، فَتُسْقِطُ الوصيتَيْن من المال؛ يبقى خمسة وأربعون؛ لكلِّ ابنٍ عشرةٌ، وللبنت خمسة.
وأما القسمُ الثاني: فيصوَّر عَلَى وجوه:
منها الوصية بالتكملة مع الوصية بجزء شائع من المال.
مثاله: ثلاثة بنين، وأوصى لزيد برُبُعِ ماله، ولعمرٍو بتكملة النصف بنصيب أحد البنين، نأخذ مالاً، ونلقي منه ربعه لزيد، ثم نلقي نصفه لعمرو، ونسترجع منه نصيبًا، يبقى معنا ربع مال ونصيب، وذلك يعدل ثلاثة أنصباء، ونسقط نصيبًا بنصيب؛ يبقَى ربع مال في معادلة نصيبين نبسطُهَا أَرباعًا، ونقلب الاسم، فالمالُ ثمانيةُ والنصيب واحد تأخذ ثمانية، فتعزل ربعها لزيد، ثم تأخذ نصف الثمانية لعمرو، وتسترجع منه واحداً؛ يبقى معنا ثلاثة؛ لكلِّ واحدٍ من البنين واحدٌ.
وبطريق القياسِ نقول: ربع المالِ ونصفُهُ يستحقُّها زيد، وعمرو، وأَحَدُ البنين، فتأخذ مالاً له ربع ونصف، وهو أربعةٌ، فتسقط منها الربع والنصف، يبقَى واحد، تقسمه بين الاثنين الآخرين، فلكلِّ واحد منهما نصفٌ، فعلمنا أن النصف نصفُ سَهْمٍ، تسقطه من الثلاثة التي أسقطناها من المال، يبقى اثنان ونصف، وتسقط منها ربع جميع المال، يبقى واحدٌ ونصفٌ، فهو التكملة، تبسط الجميع أنصافًا، لزوال الكسر فالنصيب
الجزء: 7 - الصفحة: 177
واحد، والتكملة ثلاثة، والربع اثنان، والمال ثمانية، وبالدنانير والدراهم يُجْعَلُ نصف المال دينارًا ودرْهَماً، ويدفع الدرهم بالتكملة إلَى عمرو، ويبقى ديناران ودرهم، تسقط منها ربع المال، وهو نصف دينارٍ، ونصفُ درهم، يبقى دينار، ونصف دينار، ونصف درهم، وذلك يعدل ثلاثة دنانير، تسقط الجنس بالجنس فيبقى دينار ونصف، في معادلة نصف درهم، نبسطها أنصافًا، ونقلب الاسم، فالدينار واحدٌ، والدرهم ثلاثةٌ، وهو التكملة.
ومنها الوصيَّةُ بالتكملة، مع الوصية بجزء مما تبَقَّى من المال.
مثاله: أربعةُ بنين، وأوصَى لزيد بتكملةِ ثلُثِ ماله بنصيب أحدهم، ولعمرو بربع ما تبقَّى من المال، نأخذ مالاً، وندفع ثلثه إِلى زيد، ونسترجع منه نصيبًا، ونزيده عَلَى باقي المال، فيحصل معنا ثلثا مال، ونصيب؛ يخرج ربعه لعمرو، وذلك سدس مال، وربع نصيب يبقى نصف مال، وثلاثة أرباع نصيب، يعدل أنصباء الورثة، وهي أربعةٌ، فنسقط ثلاثة أرباع نصيب بثلاثة أرباع نصيب، يبقى نصف مال في معادَلَةِ ثلاثة أنصباء، وربع نصيب؛ فنبسطها أرباعًا، ونقلب الاسم، فالمال ثلاثةَ عَشَرَ، والنصيبُ سهمان؛ لكن ليس لثلاثة عَشَرَ ثلُثٌ؛ فنضربها في ثلاثة؛ تبلغ تسعةً وثلاثين، فهي المال، والنصيب ستة، نأخذ ثلثها، وهو ثلاثة عشر، ونسقط منه نصيبًا؛ يبقى سبعةٌ، فهي التكملة، ندفعها إلى زيد، يبقى من المال اثنان وثلاثون، ندفع ربعها إِلى عمرو، وهو ثمانية، يبقى أَربعة وعشرون للبنين؛ لكلِّ واحدٍ ستة.
بطريق الخطائين: يجعل المال خمسةَ أسهم، والتكملة واحداً منها تدفعه إِلى زيد، وتدفع ربع الأربعة الباقية إِلَى عمرو، يبقى ثلاثةِ للبنين لكلِّ واحدٍ ثلاثة أرباع، فهذا ضممناها إلَى التكملة، كان الحاصل واحدًا وثلاثة أرباع، وكان يجب أن يكون واحداً، وثلثين؛ لأن ذلك ثلث الخمسة التي قَدَّرْنَا أنها المال، فقد زاد نصف سدس، وهذا هو الخطأ الأول، ثم يجعلُ المال ستةً، والتكملة اثنين، فنخرجهما، وربع الباقي، يبقى ثلاثة؛ لكلِّ واحد منهم ثلاثةُ أرباع، نضمها إِلى التكملة؛ يكون اثنين وثلاثة أرباع، وكان يجب أن تكون اثنين، فقد أخطأنا بثلاثة أرباع، وهذا الخطأ زائدٌ أيضاً؛ فنسقط الأقل من أكثر، يبقى ثلثا سهم، فنحفظه، ثم نضرب المال الأول في الخطأ الثاني، يحصل ثلثه، وثلاثة أرباع، ونضرب المال الثاني في الخطأ الأول؛ يحصل سهم يسقط الأقلُّ من أكثر؛ يبقى ثلاثة وربع، يقسم على ثُلُثَيْ سهم، يخرج من القسمة سهمان وسدس، يبسط أسداسًا، يكون ثلاثة عشر، فهو المال، وينتهي إلى تسعة وثلاثين؛ كما سبق.
ومنها الوصيةُ بالتكملة، مع الوصية بجزء ممَّا يبقى من جزء من المال:
مثال: ثلاثةُ بنين، وأوصَى لزيدٍ بتكملة ثلث ماله بنصيب أحدهم، ولعمرو بِثُلُثٍ ما يبقَى من الثلث، نأخذ ثلث مَالٍ، ونلقي منه نصيبًا؛ يبقى ثلث مال إلاَّ نصيبًا، ندفعه
الجزء: 7 - الصفحة: 178
إلى زيد؛ فإنه التكملة؛ يبقَى من الثلث نصيبٌ، فيدفع ثلثه إلَى عمرو؛ يبقى ثلثا نصيبٍ، نضمه إلى ثُلُثي المال، وذلك يعدل أنصباء الورثة، فهي ثلاثة، تسقط ثلثي نصيب بثلثَيْ نصيب، يبقى ثلثا مال يعدل نصيبين، وثلث نصيب، ثم إن شئنا، قلنا: نبسطها أثلاثًا، ونقلب الاسم، فالمال سبعةٌ، والنصيب اثنان، وإن شئْنَا، قلنا: إِذا عادل ثلثا مال نصيبين، وثلُثَ نصيبٍ، فالمالُ كلُّه معادِلٌ ثلاثة أنصباء، ونصف نصيب؛ نبسطها أَنصافًا؛ يكون سبعةً؛ لكن ليس لسبعة ثلثٌ صحيحٌ، فنضربها في ثلاثة؛ يبلغ أحدًا وعشرين؛ فهو المال، والنصيب ستة، نأخذ ثلث المال "سبعة"، تلقى منه النصيبُ "ستة"، يبقى واحدٌ، فهو التكملة، وتدفع ثلُثُ الستة إلَى عمرو، يبقى أربعة، نضمها إلَى ثُلُثَي المال، يكون ثمانية عشر؛ لكل ابنٍ ستةٌ.
قال إمام الحَرَمَيْنِ: هكذا ذكروه؛ لكن لو تجردت الوصيةُ الأُولَى في هذه، فأوصى له ثلاثة بنين بتكملة ثلث ماله بنصيب أَحدهم، فالوصيةُ باطلةٌ؛ لأن نصيبَ كُلِّ ابن مستغرقٌ للثلث؛ فلا تكملة؛ وحينئذٍ: يمكن أن يقالَ هاهنا: الوصية الأولَى باطلةٌ، والثانية فرعها [فتبطل أيضاً]؛ ووجه ما ذكروه أَنَّ الوصيةَ الثانَيَةَ تَنقُصُ النصيبَ عن الثلث، ويظهر بها التكملة، قال: ويجب أَن تخرج من المسألة وأخواتها على الوجهين في أن العبرة باللفظ، أو بالمعنَى، كما إِذا قال: بعتُكَ بلا ثمن، ونحوه [وذلك أَن يخرجه على الخلاف فيما إِذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إِلاَّ ثلاثاً إِلاَّ واحدةً؛ فإنا على وجهٍ: نقول: الاستثناء الأول باطلٌ، والثاني فرعٌ عليه، فيبطل أيضاً، وعلى وجه نَقُولُ: الاستثناء الثاني أخرج الأوَّلَ عن أن يكون مستغرقًا، ولعله إلى هذا المأخذ أقرب] 290.
ومنها الوصية بالتكملة مع الوصية بالنصيب.
مثالُهُ: ثلاثةُ بنين، وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب أحدهم، ولعمرو بتكملة ثلث ماله، نأخذ ثلث مال، فندفع منه نصيبًا إِلى زيد، والباقي إِلى عمرو، يبقى معنا ثلثا مال، يعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة نبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالمال تسعة، والنصيب اثنان، نأخذ ثلث التسعة، ثلاثةً، ندفع منها اثنين، إِلى زيد، وسهمًا إلى عمرو، وهو التكملة يبقى ستة للبنين.
طريقة أخرَى: ينظر في مسأَلة الورثة، وهي من ثلاثة، فيزيد عليها مثل نصفها، يبلغ أربعة ونصفها نبسطها أنصافًا، يكون تسعة.
فهذا أردنا أن نعرف قدر التكملة، نظرنا في مجموع ما تصحُّ منه المسألة، وما زدنا عليه، فالتكملة ما تزيد منه عَلَى ما تصحُّ منه المسألة مضْمُومًا إِليه؛ مثل نصيب الموصي بنصيبه، فإِن لم يزد عليه شيء، فالوصية
الجزء: 7 - الصفحة: 179
بالتكملة باطلةٌ، ففي الصورة المذكورة: المجموعُ أربعةٌ ونصفٌ، والزائد على ما تصحُّ منه المسألة مضمومًا إليه نصيبُ نصف سهم قبل البَسْط، وسهم بعده، فهو التكملة؛ وعلى هذا القياس: لو أوصَى، وله خمسة بنين، بمثل نصيب أحدهم، ولآخر تكملة الخمس فنقول: الفريضة من خمسة، يزاد عليها ربُعُهَا، تبلغ سنة، وربعها تبسط أَرباعًا، يكون خمسة وعشرين، نأخذ خمسها خمسة، التكملةُ منه واحدٌ، والنصيب أربعة.
ولو أوصَى، وله عَشَرَةُ بنينَ، بنصيب أحدهم، ولآخر بتكملة السدس، فهي من عشرة، يزيدُ عليها خمسها، تبلغ اثني عشر نأخذ سدسها، اثنين، التكملةُ واحدٌ، والنصيب واحدٌ.
ولو ترك اثنين، وأوصَى بمثل نصيب أحدهما ولآخر تكملة الثلث، فالوصية الثانية باطلةٌ؛ [لأَنا إِذا زدنا نصف ما تصحُّ منه المسألة عليه، لا نزيد شيء منه، عَلَى ما تصحُّ منه المسألة مضمومًا إِلَيْه النصيب]، وكذا لو أوصَى، وله ثلاثة بنين؛ بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بتكملة الربع.
ومتها: الوصية بالتكملة مع استثناء جُزْءٍ من المال:
مثاله: ثلاثة بنينَ، وأوص بتكملة نصف ماله، بنصيب أحدهم إِلاَّ ثُمُن جميع المال؛ طريقة أَنْ يقال: نصفُ المال نصيبٌ، وتكملةٌ، والتكملةُ شيء، وثمن جميع المال يدفع الشيء إِلى الموصَى له، يبقى من النصف نَصيبٌ وثمن جميع المال، نَضُمُّهَا إلى النصف الثاني، يحصل معنا خمسة أثمان المال ونصيب، يعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة تسقط نصيبًا بنصيب، يبقى خمسة أثمان المال، تعدل نصيبين، فنبسطها أَثمانًا، ونقلب الاسم، فالمال ستة عشر، والنصيب خمسة، نأخذ نصف المال، وهو ثمانية، يسقط منه النصيبُ خمسة؛ يبقى ثلاثة، يسقط منها ثمن جميع المال، وهو اثنان؛ يبقى واحد، وهو التكملة؛ يسقط من جميع المال، يبقى خمسة عشر للبنين.
صورةٌ أُخرَى: عشرة بنين، وأوصى بتكملة ثلث ماله بنصيب أحدهم إلاَّ تسع جميع المال: [ثلث المال نصيبٌ وتكملة، والتكملة شيء، وتسع جميع الماَل] 291، يدفع الشيء إلى الموص له، يبقى من الثلث نصيبٌ وتسع جميع المال، نَضمها إلى ثلث المال، يحصل تسعة أتساع مال، ونصيب يعدل أنصباء الورثة، وهي عشرة؛ نسقط نصيبًا بنصيب؛ يبقى سبعة أتساع مال، يعدل تسعة أنصباء، فنبسطها أتساعاً، ويقلب الاسم، فالمال أحد وثمانون، والنصيبُ سبعة، نأخذ ثلث المال، وهو سبعة وعشرون، فَنُسْقِطَ منها النصيبَ سبعةً، يبقَى عشرون، نسقط منها تُسْعَ جميع المال، وهو تسعة،
الجزء: 7 - الصفحة: 180
يبقى أحد عشر: للموصى له؛ تسقط أحد عشر للموصَى له، يبقى سبعون؛ لكلِّ ابن سبعةٌ؛ كالنصيب.
ومنْها الوصيةُ بالتكملة مع استثناء جُزْءٍ مما يبقَى من المال:
ستة بنين، وأوصَى بتكملة ثلث ماله بنصيب أحدهم، إِلاَّ ثمن ما تبقَى من المال، نأخذ ثلث المال، ونسترجع منه نصيبًا؛ يبقى ثلث مال، إلاَّ نصيبًا، فهو التكملة، يبقَى معنا ثلثا مال، ونصيب، تسترجع من التكملة ثمنه، وينتظم الحساب من أربعة وعشرين، لذكر الثلث والثمن؛ فالذي معنا ستة عشر، ونصيب، وثمنه اثنان وثمن نصيب، نزيده عليه؛ يبلغ ثمانية عشر جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً من مالٍ ونصيبًا وثمن نصيب، يعدل 292 أنصباء الورثة، وهي ستةٌ، تسقط المثل بالمثل، يبقى ثمانية عشر جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً من مال يعدل أربعة أنصباء وسبعة أثمان نصيب، نبسطها بأجزاء المال، وهي أربعةٌ وعشرون، ونقلب الاسم، فالمال مائةٌ وسبعةَ عَشَرَ، والنصيب ثمانيةَ عَشَرَ، نأخذ ثلث المال، وهو تسعة وثلاثون، ونسقط منها نصيبًا؛ يبقى أحد وعشرون، هو التكملة إِذا أسقطناه عن جميع المال، يبقى ستة وتسعون؛ ثمنه اثْنَا عَشَرَ، نسقطه من التكملة؛ يبقَى تسعة، فهي التي يأخذها الموصَى له؛ يبقى مائة وثمانية للبنين؛ لكلِّ ابنٍ ثمانيةَ عَشَرَ.
ومنْها: الوصيةُ بالتكملة، مع استثناء جزءٍ مما تبقَّى من جزء من المال.
سبعة بنين وأوصى بتكملة ربع ماله بنصيب أحدهم إلاَّ ثلث ما تبقَّى من الثلث، نأخذ ربع مال، ونلقى منه نصيبًا؛ يبقى ربع مال، سوى نصيب، وهو التكملة، نلقيها من الثلث، يبقَى نصف سدس مال، ونصيب، تلقى ثلث ذلك من التكملة، وينتظم الحساب من ستة وثلاثين؛ فإنه أقلُّ عددٍ لنصفِ سُدُسِهِ ثُلُثٌ؛ فإذن الذي معنا من الثلث ثلاثة ونصيب، نسترجعُ ثلاثة 293 من التكملة، وهو واحدٌ، وثلثُ نصيبٍ؛ يبقى للوصية ثمانية أجزاء من ستة وثَلاَثِين جزءاً من مال إلاَّ نصيبًا وثلث نصيب نسقطها من المال وثلث نصيب يبقى ثمانية وعشرون جزءاً من ستة وثلاثين جزءاً من مال [ونصيب وثلث نصيب وذلك يعدل سبعة أنصباء تسقط المثل بالمثل] 294 في معادلة خمسة أنصباء وثلثي نصيب نبسطها بأجزاء ستة وثلث وينقلب الاسم، فالمال مائتان وأربعة، والنصيبُ ثمانية وعشرون [تأخذ ربع المال، وهو أحد وخمسون، وتسقط منه النصيب؛ يبقى ثلاثة وعشرون] 295 هي التكملة، نلقيَها من ثلث المال، وهي ثمانية وستون؛ يبقى خمسة
الجزء: 7 - الصفحة: 181
وأربعون، نسترجع ثلثها، وهو خمسةَ عَشَرَ من التكملة؛ يبقَى ثمانية، فهي الوصية، نسقطها من المال؛ يبقى مائةٌ وستةٌ وتسعونَ للبنين؛ لكل واحدٍ ثمانيةَ وعشرون.
ومنها: الوصية بالتكملة مع استثناء تكملة أخرَى:
ثلاث بنينَ، وأوصَى بتكملة نصف مال [بنصيب أحدهم إلاَّ تكملة ثلث ماله بنصيب أحدهم؛ نأخذ نصف مال وتأخذ منه نصيبًا، فالباقي هو تكملةُ النصف، ثم تأخذ ثلث مال، ونسقط منه نصيبًا، فالباقي هو تكلملةٌ،] 296 الثلث تسقط تكلملة الثلث من تكملة النصف؛ يبقى سدس مال، بلا استثناء، فالوصية إِذًا: بسدس المال؛ يبقى خمسة أسداس، تعدل ثلاثة أنصباء، فنبسطها أَسداسًا، ونقلب الاسم، فالمال ثمانيةَ عَشَرَ، والنصيب خمسة؛ نأخذ نصف المال تسعة، ونسقط منها النصيب؛ يبقَى أربعة، فهي تكملة النصف، ثم نأخذ ثلثه ستة، ونسقط منها النصيب؛ يبقَى واحد، فهو تكملة الثلث.
نسقط واحداً من أربعة؛ يبقَى ثلاثة؛ فهي الوصية نسقطها من جميع المال، يبقَى خمسة عشر للبنين؛ لكلِّ واحدٍ خمسةٌ.
ومنْها: الوصيةُ بالتكملة مع الوصية بالنصيب وبجزء مما تبقَّى من المال:
خمسة بنين، وأوصَى لزيد بمثل نصيب أحدهم، ولعمرو بتكملة ربع ماله، بنصيب أحدهم، ولثالث بثلث ما يبقَى بعد ذلك، نأخذ ربع مال، وتنقص منه نصيبًا، والباقي هو تكملة للربع، تدفعه إلَى عمرو، وتدفع النصيبَ إلى زيد، فانصرف الربع إلى الوصيتين؛ يبقى ثلاثة أرباع المال، تدفع منها واحداً إِلَى الثالث؛ يبقَى رُبُعَانِ يعدلان أنصباء البنين، وهي خمسة، نبسطها أرباعًا، ونقلب الاسم؛ فالمال عشرون، والنصيب اثنان، نأخذ ربع المال خمسة؛ تدفَعُ منها اثنين إلَى زيد، وثلاثة إلَى عمرو؛ يبقى خمسة عشر، ثلثها خمسةٌ للثالث، والباقي للبنين.
وبطريق الخطائين: يقدر المال ثمانيةٌ، ويجعل النصيب واحداً، والتكملة كذلك؛ يبقى سنة: اثنان منْها للثالث؛ تبقى أربعة، وكان ينبغي أن يكون خمسة، فقد نقص واحدٌ، وهذا هو الخطأ الأول.
ثم يجعله اثني عَشَر، فالنصيب منها اثنانِ، والتكملة واحدٌ؛ تبقى تسعةٌ؛ ثلاثةٌ منْها للثالث؛ يبقى ستةٌ، وذلك ينبغي أنْ يكون عشرةٌ، فقد نقص أَربعة، وهذا هو الخطأ الثاني، ينقص الأقَلُّ من أكثر، يبقى ثلاثة، فنحفظها، ثم نضرب المال الأول في الخطأ الثاني، يكون اثنين وثلاثين، ونضرب المال الثاني في الخطأ الأول، يكون اثني
الجزء: 7 - الصفحة: 182
عشر، تسقط الأقل من الأكثر؛ يبقى عشرون، فهو المال، ثم نضرب النصيب الأول في الخطأ الثاني، يكون أربعة، ونضرب النصيب الثاني في الخطأ الأوَّلِ، يكون اثنين، تسقط الأقل من الأكثر، يبقى اثنان، فهو النصيبُ.
ومنها: الوصيةُ بالتكملة، مع الوصية بالنصيب وبجزءٍ مما تبقَّى من جزء من المال:
خمسة بنين، وأوصَى لزيد بمثل نصيب أحدهم، ولعمرو بتكملة الربع بالنصيب، ولثالث بثلث ما تبقَّى من الثلث بعد الوصيتين، يحتاج إلَى مال له ربعٌ وثلثٌ، والباقي من الثلث بعد إسقاط الربع ثلث، وأقله ستة وثلاثون، تأخذ ربعه، وهو تسعة، فنصرفها إلى الوصيَّة بالتكملة، والنصيب، وإذا أسقطنا تسعةً من الثلث؛ يبقَى ثلاثة، نصْرِفُ منها واحداً إِلَى الثالث؛ يبقى اثنان، تزيدهما على ثلثَي المال، يكون ستة وعشرين، تعدل أنصباء الورثة، وهي خمسة، نبسطها بأجزاء سنة وثلاثين، ونقلب الاسم، فالمال مائة وثمانون، والنصيب ستة وعشرون؛ نأخذ ثلث المال، وهو ستون، وتلقى منه ربعه، وهو خمسة وأربعون بالوصيتين الأُولَيَيْنِ، ستة وعشرون بالوصية بالنصيب، والباقي بالوصية الأُخرى؛ يبقَى من الثلث خمسة عشر، نصرفُ ثلثها إِلى الوصية الثالثة؛ يبقى عشرة تزيدها على ثلثَي المال، تبلغ مائة وثلاثين، لكلِّ واحد ستة وعشرون.
ومنْها: الوصيةُ بالتكملةِ مع الوصية بالنَّصِيبِ مستثنًى منه جزءٌ مما تبقَّى من المال.
أربعة بنين، وأوصى لزيد بتكملة الثلث بنصيب أحدهم، ولعمرو بمثل نصيب أحدهم إلاَّ خمس ما يبقى من المال نأخذ ثلث المال، ونصرفه إِليهما بالنصيب والتكملة، ونسترجع من النصيب خمس الباقي، ولنقرر المال خمسة عشر؛ ليكون الباقي بعد الثلث خمس فالثلث المخرج بالنصيب والتكملة؛ إذن خمسة نسترجع من النصيب خمس الباقي، وهو اثنان؛ فالحاصل معنا اثنا عشر جزءاً من خمسة عشر جزءاً من المال، وذلك يعدل أنصباء الورثة، وهي أربعة، نبسطُهَا بأجزاء خمسةَ عَشَرَ، ونقلب الاسم، فالمال ستُّون، والنصيبُ اثنا عشر، نأخذ ثلث المال، وهو عشرون، ونلقى منْها النصيب اثنَيْ عَشَرَ؛ يبقى ثمانية، وهي التكملةُ، وندفعها إلى زيدٍ، ونسترجع من النصيب خُمس الباقي، وهو ثمانية، يبقى لعمرو أربعة، فالوصيتان جميعاً اثنا عشر؛ يبقى ثمانية وأربعون للبنين؛ لكل واحدٍ اثنا عَشَرَ.
ومنها الوصية بالتكملة، مع الوصية بالنصيب مستثنى منه جزءٌ مما تبقى من جزء من المال: خمسة بنين، وأوصى لزيد بتكملة الربع بنصيب أحدهم، ولعمرو بمثل نصيب أحدهم، إِلاَّ ثلث ما تبقَّى من الثلث بعد ذلك، نحتاج إِلى مال له ربعٌ وثلثٌ، وللباقي من الثلثَ بعد إسقاط الربع ثلُثٌ، وأقله ستة وثلاثون، نأخذ ربعه، وهو تسعةٌ،
الجزء: 7 - الصفحة: 183
فتصرفُهَا إلى الوصيتين، وتسترجعِ من النصيب ثلُثَ ما تبقَّى من ثلث المال، وهو واحد تزيده عَلَى الباقي من الثلثُ يبقَى أربعةً، نزيدها عَلَى ثُلُثَيِ المال، تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً من ستة وثلاثين جزءاً من مال، وذلك يعدل أنصباء الورثة، وهي خمسة، نبسطها بأجزاء ستة وثلاثين، ونُقْلِبُ الاسم؛ فالمال مائة وثمانون، والنصيب ثمانية وعشرون، نأخذ ربع المال، وهو خمسة وأربعون، فنلقي منه نصيبًا، وهو ثمانية وعشرون؛ يبقَى سبعة عشر، فهي التكملة، ثم نلقي الربع من الثلث جميع المال، وهو ستون، يبقى خمسةَ عَشَرَ؛ نسقط ثلثها من النصيب؛ يبقَى لعمرو ثلاثةٌ وعشرونَ، والوصيتان معاً أربعون؛ يبقى مائة وأَربعون للبنين؛ لكلِّ واحدٍ ثمانيةٌ وعشرون.
فَصْلٌ
في الوصيَّة بالنصيب مستثنىً من التكملة: ثلاثة بنينَ، وأوصَى بمثل نصيب أحدهم، إلاَّ تكملة ثلث ماله بالنصيب، نَجْعَلُ ثلث المال دينارًا ودرهمًا، ونجعل النصيب ديناراً، ندفعه إِلى الموصى له، ونَسترجع منه درهماً؛ لأَنَّ التكملة درهمٌ يبقى من الثلث درهمان، تزيدهما على الثلثين تبلغ دينارين وأربعة دراهم، تعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة دنانير، فتسقط المثل بالمثل؛ يبقى أربعة دراهم في معادلة دينار، فنقلب الاسم، ونقول: الدينار أربعة دراهم والدراهم واحد فالثلثُ خمسةٌ، والمال خمسةَ عَشَرَ، تأخذ ثلث المال، وهو خمسة، ندفع منها إلى الموصَى له نصيبًا، وهو أربعةٌ، وتسترجع واحداً، وهو التكملة؛ يبقَى للموصَى له ثلاثةٌ، تطرحُهَا من المال، يبقى اثنان عَشر؛ لكلِّ واحدٍ من البنينَ أَربعةٌ.
فَصْلٌ
في الوصايا المتعرضة للجُذُور، والكعاب.
الجَذْرُ: كلُّ مضروب في نفسه، والحاصل من الضرب يُسَمَّى مالاً، ومجذوراً، ومربَّعًا والكَعْبُ كل ما ضرب في مثله، ثم ضرب مبلغه فيه، والحاصل من الضربين يُسمَّى مكعَّبًا، فالواحدُ جذْره، وكَعْبُه الواحدُ.
والأعداد ضربان:
أحدهما: ماله جذرٌ صحيحٌ، فينطق به؛ كالأربعة؛ جَذْرُها اثنان، والتسعة جَذْرُها ثلاثة، والمائة جذرها عشرة.
والثاني: ما ليس له جَذْرٌ، ينطق به، وإنما يُسْتخرجُ جذره بالتقريب؛ كالعشرة، والعشرين، ويقال له الأصمُّ، وفي التسبيحات: سُبْحَانَ مَنْ يَعرِفُ جذْرَ
الجزء: 7 - الصفحة: 184
الأَصَمِّ 297. وكذلك من الأَعداد: ماله كَعْبٌ ينطق به، كالثمانية كَعْبها اثنان، والسبعة والعشرون كعبها ثلاثة:
ومنها: ما ليس له كعبٌ ينطق به؛ كالعَشَرَةِ والمائةِ، وإنما يستخرج كعبه بالتقريب، وقد يكون العدد منطوقًا بجذره وكعبه؛ كالأَربعة والستِّين، جذرها ثمانيةٌ، وكعبها أَربعة، وقد يكون أَصمَّ في الجذر، دون الكتب؛ كالسبعة والعشرين، أو في الكتب، دون الجذر؛ كالأَربعة، والتسعة، أَو فيهما كالعشرة 298.
إِذا عرف ذلك، فتعرض الوصية للجذر والكعب يفرض من وجوه:
منْهَا: الوصية بجذْر، المال، قال الأستاذ أبو منصور: تفرض المسألة من عدد مجْذُور، إذا سقط منه جذره، انقسم الباقي صحيحاً عَلَى سهام الورثة، فإذا أَوْصَى بجذر ماله، وله ثلاثة بنين، فإِن جعلت المال تسعةً، فللموصى له ثلاثة، والباقي بين البنين لكلِّ [ابن سهمان، وإن جعلته ستة عشر فللموصى له أربعة والباقي للبنين لكل] 299 واحدٍ أربعةٌ، ولو أوصَى بكعب ماله، والورثة هؤلاء، يجعل المال عدداً مكعباً إذا سقط منه كعبه انقسم الباقي على سهام الورثة بلا كَسْر، فإذا جعل المال ثمانية، فاثنان للموصَى له، والباقي بين البنين، وإن جعلته سبعة وعشرين، فثلاثةً للموصَى له، والباقي بين البنين، وقضى الإمام العَجَبَ مِنْ إرساله الكَلاَمَ هكذا؛ لاستحالة أن يكون الأمر في ذلك عَلَى التخيير، والفرض كيف شاء الفارض، فإنَّ الأقدار تختلف باختلاف العدد المفروض، فهذا كان المال تسعةً، فالجذر ثلاثة المال، وإن كان ستةَ عَشَرَ، فالجذر أربعة.
وفيه إشكالٌ آخرُ: وهو أن كلَّ عددٍ مجذورٌ إِلاَّ أنَّ من الأعداد: ما لا ينطق بِجذرِهِ، ومنْها: ما ينطق على ما سبق، وليس في اللفظ إِلاَّ جَذْر المال، فلم حمل على مجذور صحيحٍ؟! ولم شرط أَن ينقسم الباقي عَلَى الورثة صحيحاً؟ فإِذَنْ: كلام الأُستاذ؛ عَلَى ما بينه الإِمام، محمولٌ على ما إِذا قيد الموصى وصيَّته بما يقتضي الحمل عَلَى عدد معيَّن من الأعَداد المجذورة، فإِذا قال: نزلوا مالٍ على أوَّلِ مجذورِ صحيحٍ، إذا خرج جذره، انقسم الباقي على سهام ورثتي بلا كسر، تعيَّن الحمل في الصورة المذكورة عَلَى تسعة، وكانت الوصية بثلث المال، وإِن عين مرتبة أخرَى، تعينت.
قال الإمام: فإن أطلق الوصيةَ بالجذر، ولم يقيد بشيء من ذلك، لكن أَراد بالجذر ما يريد الحُسَّاب، فإِن كان مالهُ مقَدَّرًا بِكَيْلٍ، أو وزنٍ، أو زَرْعٍ؛ كالأرض، أو
الجزء: 7 - الصفحة: 185
عددٍ؛ كالجوز -نُزِّلَ عليه، ثم إِن كان جذره مما ينطق به، فذاك، وإلاَّ فالقَدْرُ المستيقَنُ يسلم للموصَى له، والقدر المشكوك فيه يفصل أمره بالتراضي، وإِن لم يكن المال مقدَّرًا بِشَيْءٍ من ذلك؛ كعبد وجارية، قُوِّمَ ودُفِعَ جذر القيمة إِلى الموصَى له.
ومنْها: الوصيةُ بجَذْر النصيب، فلو أوصَى من خلف ثلاثة بنين يجذر نصيب أحدهم: قال الأستاذ: يجعل نصيبُ كُلِّ ابنٍ عَدَدًا مجذورًا، ثم يجمع أنصباء البنين، ويزاد عليها جذر نصيب أحدهم، فما بلغ تصحُّ منه القسمة، فإن جعلنا نصيب كلِّ ابنٍ واحد، فأنصباؤهم ثلاثةٌ، تزيد عليه واحداً، تبلغ أربعة، تصح منه القسمة، وإن جعلنا النصيب أربعةً، فأنصباؤهم اثنا عشر، تزيد عليها اثنين، يبلغُ أربعة عشر، تصحُّ منه القسمة، ولو أوصَى بجذرَي نصيب أحدهم، وفرضنا النصيب أربعةً، فأنصباؤهم اثنا عشر، تزيد عليها جذري النصيب، تبلغ ستة عشر، منها تصحُّ القسمة، ولو أوصى بكعب نصيب [أحدهم جعلنا النصيب مكعبًا وجمعنا الأنصباء، وردْنَا عليها كعْبَ نصيبٍ] 300 قال الإمام: وليكن هذا الجوابُ فيما إِذا تَقَيَّدَتِ الوصيةُ، كما ذكرنا، وفيما إِذا قال السائل: كيف يصوِّر عدد تصحُّ منه الوصية والميراث؛ فيجاب بأنه يمكن فيه وجوه؛ منْها: كيت وكيت، أَما إِذا أطلق الوصيَّة بجذر النصيب، فقد ذَكَر فيه احتمالين:
أظهرهما: أَنه ينظر في حصة ابن مِنَ التركة، فيؤخذ جذره منطوقاً به، أو أصم، كما ذكرنا في جذر جميع المال، فيزاد على مسألة الورثة.
والثاني: أنه يُنْظر في نصيب كل واحد من سهام المسألة، فيُؤخَذُ جذره، ويزاد على مسألة الورثة، وعلى هذا، فنصيب كلِّ ابن هاهنا واحدٌ، فيزاد على السهام الثلاثةِ واحدٌ، ويصير الحكم كما لو أوصَى بنصيب أحدهما.
ومنْها: الوصية بجذْر [النصيب وجذرِ المال معاً، فَلَوْ أَوصَى من خلّق ثلاثةُ بنين بجَذْر] 301 نصيب أحدهُمْ لزيد، ولعمرو بجذر جميع المال، فالمفهوم من كلام الأستاذ: أنْ يقال: إذا كَان وصية زيدٍ جذْرَ نصيب ابن، فنصيب كلِّ ابنٍ مالٌ، ثم يجعل المال أَموالًا لها جذور صحيحة، فإنْ شئت جعلتها أَربعة أموال، فتكون وصية عمرو جَذْرَيْنِ، كما أن جذر أربعة من العدد اثنان، فتكون الوصيتان ثلاثة أجذار، نسقطها من المال؛ يبقى أربعة أموال، إلاَّ ثلاثة أجذار، تعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة أموال، فتجبر وتقابل، فأربعة أموال تعدل ثلاثة أموال، وثلاثة أجذار، فتسقط الجنس بالجنس، فمال يعدل ثلاثة أجذار، فالجذر ثلاثةٌ، والمال تسعةٌ، وتقدير الكلام: مالٌ يعدلُ ثلاثة أجذاره؛ حينئذٍ: فالتركة ستةٌ وثلاثونَ؛ لأنها أربعة أموال، ونصيب كل ابن تسعة يأخذ
الجزء: 7 - الصفحة: 186
زيدٌ جذر النصيب، وهو ثلاثة، وعمرو جذْرَ المال، وهو ستةٌ، يبقَى سبعةٌ وعشرون للبنين، وإِن شئت جعلْتَهَا تسعةَ أَموال، فيكون وصية عمرو ثلاثة أجذار، كما أن جذر تسعة من العدد ثلاثة، فتكون الوصيتان أربعة أجذار، نسقطها من المال، يبقى تسعة أموال إِلاَّ أربعة أجذار، تعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة أموال، فتجبر وتقابل، فتسعة أموال تعدل ثلاثة أموال وأربعة أجذار تسقط الجنس بالجنس، فستة أموال تعدل أربعة أجذار، فمال يعدلُ ثُلُثَيْ جذر، فالجذر ثلثا درهم، والمال أربعة أتساع، وقد كان المال تسعة أموال، فهي إِذن أربعةُ دراهم، والنصيب أربعة أتساع: لزيدٍ، جذرُ النصيب، وهو ثلثا درهمٍ، ولعمرو جذر المالِ، وهو درهمان؛ يبقى درهم وثلث بَيْن البنين؛ لكلِّ واحدٍ أربعة أتساع، ولو أوصَى لزيد بجَذْر نصيب أحدهم، ولعمرو بجَذْر ما تبقى 302 من المال، فوصية زيد جذرٌ، وكل نصيب مالٍ، ويجعل المال بعد وصية زيد أموالًا لها جذورٌ صحيحةٌ، فإن شئت جعلتها أربعة أموال، فتكون وصية عمرو جَذْرَيْنِ، وجملة المال أربعة أموال، أو جذوراً، فإذا أسقطت الوصيتين من المال يبقَى أَربعةُ أموال إِلا جذرين، تعدل ثلاثة أَموال، فتجبر وتقابل فأربعَة أموال تعدل ثلاثة أَموال وجذرين، فتسقط الجنس بالجنس، فمال يعدل جذرين، والجذر اثنان، فالمال أربعة، وقد كان جميع المال أَربعة أَموال وجذراً؛ فهو إذَنْ: ثمانية عشر؛ اثنان منْها لزَيْدٍ؛ يبْقَى ستة عشر: جَذْرُها لعمرو، وهو أَربعة، يَبقَى اثنا عشر للبنين، وإن شئت، جعلتها بعد وصية زيد تسعةَ أَموالٍ، فتكون وصية عمرو ثلاثةَ أجذارٍ، وجملة المال تسعة أَموال وجذر، فإذا أَسقطت الوصيتين، يبقَى تسعة أَموال إِلاَّ ثلاثة أَجذار، تعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة أموال، فبعد الجبر، والمقابلة، وإسقاط الجنس بالجنس، يبقَى ستة أموال في معادلة ثلاثة أجذار، فالمال الواحدُ يعدِلُ نصف جذر، فالجذر نصف درهم، والمال ربع، وكأنَّ جميع التركة تسعة أموال وجذراً؛ فهو إِذَنْ: درهمان، وثلاثة أَرباع درهم؛ لزيد جذر النصيب، وهو نصف درهم؛ يبقَى درهمان وربع، لعَمْرو جذره، وهو درهم ونصف، يبقَى ثلاثة أَرباع درهم للبنين، قال الإمام: وهذه المسائل كلُّها وضعيَّة، وطريق تطبيقها على الفقه ما سَبَقَ.
ومنها: الوصية بالنصيب والجَذْر، فإذا أَوْصَى، وله ثلاثُ بنين بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بجذر المال؛ فيقدر كأن البنين أربعة، وأوصَى بجذر المال وحده، وقد بَانَ طريقُهُ.
ومنها: الوصية بالنصيب وبجزء شائع وبجذر شائع والجذر كما إِذا حلَّف ثلاثة
الجزء: 7 - الصفحة: 187
بنين، وأوصَى بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بجذر المال، ولآخر بثلث ما يبقَى من الثلث، فنأخذ ثلث مال، فنلقي منه نصيبًا وجذرًا، يبقَى ثلث مال إِلاَّ جذراً ونصيباً، ونسقط ثلثه للوصية الثالثة، فيبقَى من الثلث تُسعا مال إلاَّ ثلثَي جذرٍ وإلاَّ ثلثي نصيب، نزيده على ثلثي المال، يبلغ ثمانية أتساع المال إلاَّ ثلثَيْ جذر، وإلاَّ ثلثي نصيب، يدل ثلاثة أنصباء، فتجبر، وتقابل؛ فيعدل ثمانية أتساع مال ثلاثة أنصباء، وثلثي نصيب، وثلثي جذر، فاجعل النصيب بعد ذلك أيَّ عدد شئت؛ بشرط أن نزيده على ضعف الجذر؛ فإن جعلته ثلاثة أمثال الجذر، فمعك مما انتهت المعادلة إِليه ثلاثة أنصباء، فيكون تسَعة أجذار، وثلثا نصيب؛ فيكون جذرين، وثلثا جذر؛ فالمبلغ أحدَ عَشَرَ جزءاً، وثلثا جذر؛ فإذن ثمانية أتساع مال تعدِلُ أحد عشر جذرًا، وثلثي جذر، فتكمل أجزاء المال بأن يزيد عليها ثمنها، ويزيد على عديلها مثله، تبلغ ثلاثة عشر جذراً وثمن جذر، فإذن مال يعدل ثلاثة عشر جذرًا وثمن جذر، فالجذر ثلاثة عشر وثمن، نضربه في مثله، يبلغ مائة واثنين وسبعين درهماً، وسبعةَ عَشَرَ جزءاً، من أَربعة وستين جزءاً من درهم فهو المال، نأخذ ثلثه، وهو سبعة وخمسون درهماً، وسبعة وعشرون جزءاً من أربعة وستين جزءاً من درهم، فنسقط منه جذر المال، ونسقط منه النصيب أيضاً، وقد فرضناه ثلاثة أمثال الجذر، فالحاصل أربعة أمثال الجذر، وهي اثنان وخمسون درهماً، ونصف درهم؛ يبقى من الثلث أربعةُ دراهمَ وتسعةٌ وخمسون جزءاً من أَربعة وستين جزءاً من درهم، يدفع ثلثها إِلى الموصَى له الثالث، وهو درهم واحد واحد وأربعون جزءاً من أربعة وستين جزءاً من درهم، فجملة الوصايا أَربعة وخمسون درهماً، وتسعة أجزاء من أَربعة وستين جزءاً من درهم، إذا أسقطها من المال، وهو مائتان، واثنان وسبعون درهماً، وسبعة عشر جزءاً من أربعة وستين جزءاً من درهم، وهي ثمن درهم، يقسم بين البنين، لكلِّ واحدٍ منهم تسعة وثلاثون درهماً، وثلاثة أثمان درهم، وهو ثلاثة أمثال الجذر، كما قررناه، هذا إِذا فرض النصيب عند المعادلة زائداً عَلَى ضعف الجذر، فإن فرض ضعْف الجذر أو أقَلّ، استحالت المسألة: بيانه: إِذا فرضْنَاه ضعْفَ الجذر، فالذي معنا، وهو ثلاثة أنصباء، وثلثا نصيب، يكون سبعة أجذار، وثلث جذر ومعنا أيضاً ثلثا جذر، فالمبلغ ثمانية أجذار تعدل ثمانية أتساع مال، فإن زدنا على كلِّ واحد منهما ثمنه، صَارَ مال يعدل تسعة أجذار، فيكون الجذر تسعةً، والمال أحداً وثمانين، نأخذ ثلثه، وهو سبعة وعشرون، ونسقط منه جذر المال، وهو تسعة؛ يبقى ثمانية عشر، نسقطها النصيب 303، لأنَّا فرضناه ضعْفَ الجذر؛ فلا يبقى للوصية الثالثة شيْءٌ.
ومنْها: الوصيةُ بالجزاء والنصيب مع استثناء الجُذُور منها:
الجزء: 7 - الصفحة: 188
المثال: أَوصى، وله ثلاثة بنين بثلث ماله إِلا جذر جميع المال، يدفع إلى الموصى لمثلث المال، ونسترجع منه جذراً، يكون معنا ثلثا مال وجذر، يعدل أنصباء الورثة، وهي ثلاثة، فيجعل المال عدداً له ثلُثٌ صحيحٌ بشرط أن ينقسم ثلثاه زائداً عليه جذْرُهُ عَلَى ثلاثة وأقل، وليكن ذلك ستة وثلاثون، فندفع ثلثه إلى الموصَى له، وتسترجع منه جذر المال، وهو ستة، يَبْقَى عنده ستةٌ، فقد أخذ ثلث المال إلا جذر المال، يبقى ثلاثون للبنين، ولو أَوصَى بمثل نصيب أحدهم إلاَّ جذر جميع المال، نأْخذ مالاً، ونسقط منه نصيبًا، ونسترجع من النصيب جذر المالَ؛ يبقى مال وجذر إِلاَّ نصيبًا يعدل أنصباء البنين، فيجبر، ويقابَلُ، فمال وجذر يَعْدِل أَربعة أَنصبَاء، فيجعل المال عدداً مجْذُورًا، إِذا زيد عليه جذْرُهُ، انقسم عَلَى أَربعة، وليكن ستة عَشَرَ إِذا زيد عليه جذره، كان عشرين، إذا قسم على أربعة، يخرج من القسمة خمسة، فإذا نَقَصْتَ من النصيب جذرًا المال، يبقى واحد يدفع إلى الموصَى له، يبقى خمسة عشر للبنين، ولو أوصَى بمثل نصيب أحدهم إلاَّ جذر نصيب أحدهم، فالنصيب عدد مجذورٌ، فإِن جعلته أَربعة، فالوصيَّة اثنان، والأَنصباء اثنا عشر، وجملة المال أربعة عشر، إِذا دفعْتَ إلى الموصَى له اثنين، فقد أخذ مثل نصيب أحدهم إِلا جذر نصيب أحدهم، وإن جعلته تسعةً، فالأنصباء سبعةٌ وعشرون، والوصيَّةُ ستةٌ.
ومنها: الوصية بالجُذُور المضافة إِلى الجُذُور:
المثالُ: ثلاثةُ بنينَ، وأوصَى لزيدٍ بجذر نصيب أحدهم، ولعمرو بجَذر وصية زيد، ولثالث بجذر وصية عمرو: فاجعل وصية الثالث ما شئْتَ من الأَعداد، فإن جعلته اثنين، فوصيَّة عمرو أربعة، ووصية زيد ستة عشر، ونصيب كل ابن مائتان [وستة] 304 وخمسون، وجملة المال سبعمائة وتسعون، ولو أوصى لزيدٍ بجذر نصيب أَحدهم، ولعمرو بجذر باقي النصيب، فالنصيب مال، فاجعل وصية عمرو أيَّ عدد شئْتَ إِلاَّ جذرًا، فإن جعلته ثلاثة إِلاَّ جذرًا، فاضربها في مثلها، يحصل تسعة أعداد ومالٍ، إلاَّ ستة جذار؛ أَلا ترى أَنك إِذا أردتَّ بالجذور واحداً، كان الحاصل ضرب اثنين في اثنين، والمبلغ أربعة، ولا فرق بين أن يقول: أربعة، وبين أن يقول: تسعة من العدد ومال، وهو واحدٌ إلا ستة جذور، وهي ستة، والمبلغ المذكور، وهو تسعة ومال إلاَّ ستة أجذار يعدلُ الباقي من نصيب الابن بَعْدَ وصيَّة زيد، وهو مال إِلاَّ جذراً، فيجبر ما في هذا الجانب ستة أجذار، ويزيد عليه ستة أجذار؛ فإذن: تسعة من العدد ومالٌ يعدلُ مالاً وخمسة أَجذار، يسقط المال بالمال، يبقى تسعة من العدد في معادلة خمسة
الجزء: 7 - الصفحة: 189
أَجذار، فالجذر الواحد درهم وأَربعة أَخماس، تضربه في مثله، فيكون أحدًا وثمانين جزءاً من أَجزاءِ خمسة وعشرين جزءاً من درهم، فهي ثلاثةُ دَرَاهِمَ وستة أجزاء من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، وذلك نصيب ابن، ينقص منه وصية زيد، وهي جذْرٌ، ودرهم، وأربعة أخماس؛ يبقى ستة وثلاثون جزءاً من أَجزاء خمسة وعشرين، ينقص منها وصية عمرو، وهي جذر هذه الستة والثلاثين، وهو درهم وخمس، فالوصيتان مقابلته دراهم، والتركة اثنا عشر درهماً، وثمانية عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم.
ومنها: الوصية الجامعةُ بين الجَذْر والتكملة:
المِثَال: أَوصى بتكملة ثلث ماله بجَذْر نصيب أحدهم: يجعل ثلث المثال مالاً وجذرًا، ويدفع المال إِلى الموصى له، يَبْقَى جذره، نزيده على ثُلُثَي المال، يبلغ مالين وثلاثة أَجذار، وذلك يعدل أنصباء البنين، وهي ثلاثة أَموال، فنسقط مالين بمالين؛ يبقى ثلاثة أَجذار في معادلة مال؛ فالجذر ثلاثة، والمال تسعة ثلث المال اثنا عشر، والوصيةُ تسعةٌ، نسقطها من المال؛ يبقى سبعة وعشرون للبنين، وقد أَخذ الموصَى له ثلث المال، إِلاَّ جَذْر نصيب أحدهم، ولو أَوصى لزيدٍ بتكملة ربع ماله بجذر نصيب أَحدهم، ولعمرو بجذر ما يبقَى من ثلثه، فيجعل النصيب مالاً وثلث التركة مالاً ووصية زيد، وهي ربع التركة إِلاَّ جذراً، نسقط منه وصيَّة عمرو، وهي جذره؛ يبقَى من الثلث مال إِلاَّ جذراً نزيده عَلَى ثلثى التركة، وهو مالان ونصْفُ تركة إِلاَّ جذْرَيْنِ، يبلغ ثلاثة أَموال ونصف تركة، إِلاَّ ثلاثة أجذار يُعدل أَنصباء البنين، وهي ثلاثة أَموال فتجبر ما معنا بثلاثة أجذار، وتزيد على عديله مثلها، فثلاثة أموال ونصف تركة تعادل ثلاثة أموال وثلاثة أجذار، فتسقط الأَموال بالأموال؛ يبقى نصف تركة، في معادلة ثلاثة أَجذار؛ فالتركة إِذَنْ ستة أَجْذَارٍ، وثلثها جَذْرَان، وربعها جذْرٌ ونصف، وقد كان ثلث التركة مالاً وربع تركة إِلاَّ جذرًا، فإذا خرج جذر من ربع التركة؛ بالاستثناء، كان الباقي نصف جَذْرٍ، فهو وصية زيْدٍ، نسقطها من ثلث المال، وهو جذران؛ يبْقَى جذر ونصف، وذلك يعدل مالاً؛ لأنَّا جعلنا باقي الثلث مالاً، والجذر درهمٌ ونصفٌ، والمال درهم وربع، وهو نصيبُ كلِّ ابن، والتركةُ ستة أجذار، فهي تسعة دراهم، نأخذ ثلثها ثلاثة، ونسقط منه ربع التسعة إِلاَّ جذر نصيب، وهو ثلاثة أرباع درْهَم، وهي وصية زيد؛ يبقى من الثلث درْهَمَان وربع، نأْخذ جذره، وهو درهمٌ ونصفٌ لعمرو، ويبقى من الثلث ثلاثة أَرباع درهم، نزيدها على ثُلُثَي المال، وهو ستة؛ يكون ستة دراهم، وثلاثة أَرباع بين البنين؛ لكلِّ واحدٍ درهمٌ وربعٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 190
فَصْلٌ الوصايَا المتعرضة لمقدَّر من المال من دِرْهَمٍ، ودينار، وغيرهما: منْها: الوصيةُ بالنَّصِيبِ وبدرهم: المثال: أَربعةُ بنين، وأَوصَى بمثل نصيب أَحدهم، وبدرهم.
قال الأُستاذ: اجعل التركة أَيَّ عددٍ شئْتَ بعد أَن يكون بحيث إِذا عزلت منْها درهماً، وقسمت الباقي بين البنين والموصَى له، على خمسة، كان النصيب الواحد مع الدرهم مثْلَ ثلث التركة أو أقلَّ، فإن جعلت التركة أحد عَشَرَ درهماً، فأسقط منها درهماً، يبقى عشرة، لكلِّ واحد سهمانِ، وإن جعلتها ثلاثة عشر، أسقطت درهماً، وقسمت البَاقِي بينهم فيخرج من القسمة اثنان وخُمْسان رُد على الخارج الدِّرْهَمَ المنقوصَ، يكون ثلاثة وخمسين للموصَى له، فإن أردتَّ أَن يزول الكسر، فانقص الدرهم من ثلاثة عشر، واضْرِب الباقي في خمسة، يكون ستين، لكلِّ ابن اثنا عشر؛ لأنه كان له اثنان وخُمُسان، فإِذا ضرب ذلك في خمسة، حصل اثنا عشر، وللموصى له مثل ذلك بزيادة درهم، واستدرك الإمام؛ فقال: القدر المدفوع إِلى المُوصَى له يختلف باختلاف الأعداد المفروضة، والفتوىَ لا تحتملُ التخيير بين القليل والكثير، فليحمل ما قاله الحُسَّاب على مثل ما مر في ال
فصل
السابق، أَما إِذا أَطلق الوصيَّة، فتنزل على ما يوجد في التركة تعزل منها درهم، ويقسَّم الباقي بين البنين، والموصَى له، ثم إن انحصرت الوصية في الثلث، نفذت وإلاَّ اعتبرت الإجازة، وهذا الاستدراك لا بُدَّ منه في أكثر أنواع الفصل.
ومنْهَا: الوصيةُ بالنصيب مع استثناء درهم.
فإِذا أَوصَى بمثل نصيب أَحد البنينَ الأربعة إِلاَّ درهماً، فإن جعلْتَ للموصَى له درهمين، فاجعل لكلِّ واحد من البنين ثلاثة، واجعل التركة من أحد وعشرين، وإن جعلْتَ له ثلاثة، فاجعل لكلِّ واحد من البنين أَربعة، واجعل التركة من خمسة عشرة.
ومنها: الوصية بجزءٍ شائعٍ وبدرهم، فإذا أوصَى، وله ثلاثة بنين بسُدُس ماله، وبدرهم، يخرج سدس التركة ودرهم، ويقسم الباقي بين الورثة، وبطريقة الجبر قالوا: نأخذ مالاً، وتسقط منه سدسه ودرهماً، يبقى خمسة أَسداس مال، إِلاَّ درهماً، يعدل ثلاثة أَنصباء، فيجبر، ويقابل، فخمسة أَسداس المال تعدل ثلاثة أَنصباء ودرهمًا فتكمل أجزاء المال؛ بأن يزيد عليها مثل خُمسها، ويزيد على العديل خمسة، فمال يعدل ثلاثة أنصباء، وثلاثة أخماس نصيبٍ ودرهمًا، وخمس درهم، فاضرب الأنصباء الثلاثة، وأخماس النصيب في عدد يبلُغُ الحاصل منه مزيداً عليه الدرهم والخمس عدداً صحيحاً
الجزء: 7 - الصفحة: 191
وذلك بأن نضربها في ثلاثة فيحصل عشرة دراهم وأربعة أخماس درهم إذا زدت عليه الدرهم والخُمُس يبلغ اثنَيْ عَشَرَ درهماً فمنها تصح القسمة: لصاحِبِ السدُس والدرهم ثلاثةٌ، ولكل ابن ثلاثة.
ومنها: الوصيةُ بجزء شائعٍ مع استثناء درهم، فإذا أَوصَى، وله ثلاثة بنين بسدس ماله إِلاَّ درهماً، فيأْخذ مالاً، ونسقط منه سدسه، ونسترجع من السدس درهماً، يحصل معنا خمسة أسداس مال ودرهم، يعدل ثلاثة أَنصباء، فتكمل أَجزاء المال بأَن تزيد علَيْهَا خمسها، وتَزيدَ الخمس عَلَى كل ما في المعادلة، فمالٌ ودرهم وخمسُ درهمٍ يعدل ثلاثة أنصباء، وثلاثة أَخماس نصيب، فتضرب هذه الأَنصباء والأَخماس في عدد، إِذا نقص من الحاصل من الضرب درهمٌ وخمس، كان الباقي عدداً صحيحاً، وهو سبعة، فإِنه إِذا ضرب سبعة في ثلاثة وثلاثة أَخماس، حصل خمسةٌ وعشرون وخمس، فإِذا نقص منه درهم وخمس، كان الباقي أَربعة وعشرين، منها تصحُّ المسألة، ندفعُ سدسها إلى الموصَى له، ونسترجع منه درهماً؛ يبقى أَحد وعشرون للبنين.
ومنها: الوصية بالنصيب، وبجُزْءِ، وبدرهمٍ، أَو دراهم، أَو مع استثناء درْهَمٍ أو دراهم:
المثال: خمسة بنين، وأوصى لزيد بمثل نصيب أحدهم ودرهم، ولعمرو بثلث ما يبْقَى من ثلثه ودرهم، نأْخُذُ ثلث المال، وتسقط منه نصيبًا ودرهمًا؛ يبقَى ثلث مال إِلاَّ نصيبًا ودرهمًا تسقط لعمرو من هذا الباقي ثلثه ودرهماَ آخر، يبقى تُسْعَا مال إِلا ثلثَيْ نصيب، وإلا درهماً، وثلثي درهم، نزيده عَلَى ثلثي المال، يكون ثمانية أَتساع مال إِلا ثلثي نصيب، واِلا درهماً، وثلثي درهم، يعدل خمسة أَنصباء، فيجبر، ويُقَابل، فثمانية أَتساع مال تعدل خمسة أَنصباء وثلثي نصيب ودرهمًا وثلثيْ درهم، تكمل أَجزاء المال بأن تزيد عليها ثمنها، ويزيد عَلَى كل ما في المعادلة ثمنه، فمال يعدل ستة أَنصباء وثلاثة أَثمان نصيب ودرهمًا، وسبعة أَثمان درهم، فنطلب عدداً، إِذا ضرب في ستة وثلاثة أثمان، يكون الحاصل منه مزيدًا عليه درْهَمٌ، وسبعة اثمان عدداً صحيحاً، وهو ثلاثة، إِذا ضربناها في ستة وثلاثة أَثمان، حصل تسعة وعشر وثمن، إِذا زيد عليه درْهَمٌ، وسبعة اثمان كان أحداً وعشرين، فمنه القسمة، والنصيب ثلاثة، تُضْرَب الأنصباء في ثلاثة، نأْخذ ثلث المال، وهو سبعة، فندفع منها إِلى زيد أَربعةً بالنصيب والدرهم، يبْقَى ثلاثةُ تدفع ثلثها ودرهماَ آخرَ 305 إلَى عمرو؛ يبقى درهم، نزيدُهُ عَلَى ثلثَي المال، يكون خمسة عشر للبنين الخمسة.
الجزء: 7 - الصفحة: 192
ولو أَوصَى، وله ستة بنين بِمِثْلِ نصيب أحدهم، ولآخر بسدس ماله إِلا درهماً، فنأخذ مالاً، وتسقط منه نصيبًا لأحدى الوصيتَيْن، وسدسه إلا درهماً للوصية الأخرَى؛ يبقى خمسة أَسداس مال ودرهم إِلا نصيبًا، يعدل ستة أَنصباء، فيجبر، ويقابل، وتكمل أَجزاء المال بزيادة خُمسها، وتزيد عَلَى كلِّ ما في المعادلة خَمسةٌ، فمال، ودرهم وخُمس درهم يعدل ثمانية أَنصباء، وخُمُسَيْ نصيب، فتضرب الأنصباء الثمانية والخمسين في عدد إِذا نقص، فما يحصل من الضرب درهم وخمس، كان الباقي عدداً صحيحاً، وهو ثلاثة، إِذا ضربناها في ثمانية وخمسين يحصل خمسة وعشرون، وخمس درهم، إِذا نقص منه درهمٌ وخمس، بقي أَربعة وعشرون، فمنها القسمةُ، والنصيبُ ثلاثة يدفع إِلى الموصَى له بالسدس السدس إلا درهماً، وهو ثلاثة، وإلى الموصَى له الآخر ثلاثة، يبقَى ثمانية عشر للبنين الستة.
ومنْها: الوصية المعترضة للتكملة والدرهم، وما في معناه من الأَموال المقدَّرة.
المثال: أَربعةُ بنين، وأَوصَى بتكملة ثلث ماله بنصيب أَحدهم، وبدرهمٍ، والمرادُ من الوصية الثلث إِلاَّ نصيب أَحدهم، وإلاَّ درهماً.
استخراجها بالخطائين: أن نجعل المال خمسة عشر والنصيب ثلاثة، فنأخذ ثلث المال خمسة، ونسقط منها النصيب، ونسقط درهماً أيضاً؛ يبقَى واحد، هو الوصية، نسقطه من المال؛ يبقى أَربعةَ عَشَرَ، وكان ينبغي أن يكون اثنَيْ عشر، فقد زاد اثنان، وهو الخطأ الأَوَّلِ.
ثم يجعل المال ثمانيةَ عَشَرَ، والنصيب أَربعة، فأخذ ثلثه ستة، ونسقط منه النصيب أربعة، ونسقط درهماً أيضاً، يبقى واحدٌ، وهو الوصية، إذا أَسقطناه مِنَ المال، يبقى سبعة عشر، وكان ينبغي أَن يكون ستة عشر، فقد زاد واحدٌ، وهو الخطأ الثاني، يسقط الأَقلُّ من أكثر، يبقى واحدٌ، نحفظه، ثم نضرب المال الأَول في الخطأ الثاني، يكون خمسة عشر، ونضرب المال الثاني في الخطأ الأول، يكون ستة وثلاثين، ونسقط الأقل من الأكثر، يبقى أحد وعشرون، فهو المال، ونضرب النصيب الأَول في الخطأ الثاني، يكون ثلاثة، ونضرب النصيب الثاني في الخطأ الأول، يكون ثمانية، نسقط الأقلَّ من الأكثر، يبقى خمسة، فهي النصيب، نأخذ ثلث المال، وهو سبعة، ونسقط منه النصيب خمسة ودرهمًا آخر، يبقى واحد، فهو الوصية، نسقطها من المال، يبقَى عشرون للبنين الأربعة.
أربعة بنين، وأوصَى بتكملة ثلث ماله بنصيب أحدهم، ولآخر بسدس ماله إِلاَّ درهماً بقَدْرِ المال اثنَيْ عَشَرَ، والنصيب اثنين، فنأخذ ثُلُثَهُ، وهو أربعة، ونسقط منه النصيب اثنين، يَبْقَى للموصى له الأول اثنان، ونأخذ سدسه اثنين، ونسقط منه واحداً؛
الجزء: 7 - الصفحة: 193
يبقى للوصية واحدٌ، ينقص الوصيتين من المال، يبقى تسعة، وكان ينبغي أن تكون ثمانية، فقد زاد واحد، وهو الخطأ الأول، ثم نجعل المال ثمانيةَ عَشَرَ، والنصيب أربعة، فنأخذ ثلثه ستة، ونسقط منه النصيب؛ يبقَى الوصية اثنان، نأخذ سُدُسَهُ بثلثه، ونسقط منه واحداً؛ تبقى الوصية اثنان أيضاً، نسقطهما من المال، يبقَى أربعة عشر، وكان ينبغي أن تكون ستة عشر، فقد نقص اثنان بجميع بين الخطأين، يبلغ ثلاثة، نحفظها، فهي المقسُوم علَيْهَا.
ثم نضرب المال الأول، وهو اثنا عشر في الخطأ الثاني، وهو اثنان، تكون أربعة وعشرين، ونضرب المال الثاني في الخطأ الأول، تكون ثمانية عشر، نجمع بينهما، تبلغ اثنين وأربعين، نقسمه على الثلاثة المحفوظة، تخرج من القسمة أربعة عشر، فهو المال،] 306 ثم نضرب النصيب الأول في الخطأ الثاني، يكون أربعة، ونضرب النصيب الثاني في الخطأ الأول، يكون أربعة؛ نجمع بينهما، يبلغ ثمانية، نقسمهما على الثلاثة، يخرج من القسمة درْهمَان وثلثان، فهو النصيب، نأخذ ثلث المال، وهو أربعة وثلثا درهم؛ فنسقط منه نصيبًا، نبقي درهمان للموصي الأول، ونأخذ سدسه، وهو درهمان وثلث درهم ونسقط منه درهماً يبقى درهم وثلث للموصى له الثاني، نجمع بين الوصيتين، ونسقطهما من المال، يبقَى عشرة وثلثا درهم للبنين؛ لكلِّ واحدٍ منهم درهمان وثلثان.
فَرْعٌ: ابنان وأوصى لزيدٍ بمثل نصيب أحدهما, ولعمرو بمثل ما تبقى من النصف وبدرهم، والتركة عشرون درهماً: نأخذ نصف التركة عشرة، ونسقط منه نصيبًا لزيد، يبقى عشرة إِلاَّ نصيبًا تسقط من هذا الباقي نصفه ودرهمًا لعمرو، وهو ستة إِلاَّ نصف نصيب؛ يبقى من العشرة أَربعةٌ إِلا نصف نصيب، نزيدها على نصف المال، يبلغ أَربعة عشر درهماً إِلاَّ نصف نصيب، يَعْدِل نصيبي الابن، يجبر، ويقابل، فأَربعة عشر تعدل نصيبين ونصف نصيب، نبسطها أنصافاً، فالمال ثمانية وعشرون، والنصيب خمسة، يُقَسَّم المالُ على النصيب، يخرج من القسمة خمسة دراهم، وثلاثة أخماس درْهَمٍ، فهو النصيب، نأخذ عشرة، وندفع منها إلَى زيدٍ خمسة دراهم وثلاثة أخماسٍ؛ يبقى منها أَربعة دراهم وخمسان، ندفع نصفها، وهو درهمان وخمسٌ، ودرهمًا آخَرَ إلَى عمرو؛ يبقى من العشرة درهمٌ وخمس، تزيده على العشرة الأخرَى، يكون أحد عشر وخمسًا للابنين، لكلِّ واحدٍ خمسةُ دراهم، وثلاثة أَخماسِ درهمٍ.
آخَرُ: ابنانِ، وأوصَى لزيد بمثل نصيب أحدهما، إِلاَّ ثُلُثَ جميعِ المالِ، ولعمرو
الجزء: 7 - الصفحة: 194
بثلث ما يبقَى من الثلث، وبدرهم، والتركةُ ثلاثون درهماً، فنأخذ ثلث المال، وهو عشرة، ونسقط منه نصيبًا، ونسترجع من النصيب ثلث المال، وهو عشرة، يَحْصل معنا عشرون إِلاَّ نصيبًا، نَدْفَعُ ثلثه، وهو ستة دراهم، وثلثا درهم إِلاَّ ثلثَ نصيبٍ، ودِرْهَمَاً آخَرَ إلى عمرو؛ يبقى اثنا عشر درهماً، وثلث درهم إِلاَّ ثلثي نصيب، نزيدهَ على ثلثي المال، يبلغ اثنين وثلاثين درهماً، وثُلُثَ درهمٍ إلاَّ ثلثي نصيب يعدِلُ نصيبين، فتجبر، وتقابل، فاثنان وثلاثون درهماً وثلث درهم تَعْدِلُ نصيبين وثلثَيْ نصيب، فنبسطها أَثلاثاً، فالنصيب ثمانيةٌ، والمال سبعة وتسعون، تُقَسَّم أَجزاءُ المال عَلَى أجزاء النصيب، يخرج من القسمة اثنا عشر درهماً، وثمن درهم، فهو النصيبُ، نأخذ اثنَيْ عشر درهماً وثمن درهم، نسترجع منه ثُلُثَ المالِ، فهو عشرة يبقَى معه درهمان وثمن درهم هي وصيةٌ، نسقطها من ثلث المال، يبقَى سبعة دراهم وسبعة أَثمان، ندفع ثلثها ودرهماً إلى عمرو، وذلك ثلاثة دراهم وخمسة أثمان درهم؛ يبقى أَربعة دراهم وربع درهم، نزيدها عَلَى ثلثي المال، وهو عشرون؛ تبلغ أَربعة وعشرين درهماً وربع درهم للابنين، هذا طريق الحساب فيه.
وقال الإمام: لو انفردتِ الوصيةُ الأُولَى، لبطلَتْ؛ لكون الاستثناء مستغرقاً إِلاَّ أَنه لما اقترنت بهاَ الوصيةُ الأخرَى، أَخْرَجْتهَا عن الاستغراق، فيجيء تردد في صحتها، وقد سبق في نظائره.
فَصْلٌ
في نوادِرِ الفُصُول المتقدِّمَةِ: مسألة: ثلاثةُ بنين وبنتٌ: وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب البنت، وثلث ما أوصَى به لعمرو ولعمرو بمثل نصيب أحد البنين وربع ما أوصى لزيد، فتجعل وصية زيدٍ عدداً له ربعٌ، وليكن أربعةَ دنانير، وصيَّة عمرو عدداً له ثلثٌ، وليكن ثلاثة دراهم، وليعلم أَنَّا إِذا نقصنا من وصيَّة زيد ثلُثَ وصيَّة عمرو، وهو درهم، بَقِيَ أربعة دنانير، إلا درهماً، وذلك نصيب البنت؛ لأن جملة وصية زَيْد مثل نصيب البنت وثلث وصية عمرو، وإذا نقَصْنا من وصية عمرو رُبُعَ وصية زيد، وهو دينار بَقِيَ ثلاثةُ دراهم إِلا ديناراً، وهو نصيب الابن، وإِذا تبيَّن أَن نصيب البنت أَربعة دنانيرَ، إِلا درهماً، ونصيب الابن ثلاثة دراهم إِلاَّ ديناراً، فيقابل بين الجملتين، فيضعف نصيبُ البنت؛ ليعادلَ نصيب الابن، وضعفه ثمانية دنانير إِلاَّ درهمين، تعدل ثلاثة دراهم إِلاَّ ديناراً، فنجبر كل واحد من الاستثنائين، ونقابل فتسعة دنانير تقابل خمسة دراهم، فالدينار خمسةُ أَسهم، والدرهم تسعة أَسهم، وكانت وصية زيد أَربعةَ دنانير، فهي إذن عشرُونَ، ووصية عمرو ثلاثةُ دراهم، فهي إِذن سبعة وعشرون، ونصيبُ كلِّ ابنٍ اثنان وعشرون؛ لأنه ثلاثةُ دراهم،
الجزء: 7 - الصفحة: 195
وهي سبعةٌ وعشرون إلاَّ ديناراً، وهو خمسةٌ ونصيب البنت أحدَ عَشَرَ؛ لأَنه أَربعة دنانير، وهو عشرون إِلاَّ درهماً، وهو تسعة، فوصيةُ زَيْدٍ مثلُ نصيب البنت، وهو أَحَدَ عَشَرَ مثل ثلث وصية عمرو، وهي تسعة، ووصية عمرو مثلُ نصيب ابنٍ، وهو اثنان وعشرون، مثل ربع وصية زَيْدٍ وهو خمسة.
مسأَلة: أَربعةُ بنين وبنتٌ: وأَوصى لزيد بمثلِ نصيب ابنٍ إِلاَّ ثلث ما يبقَى من أربعة بعد النصيب، ولعمرو بثلث ما يبقَى من ثلثه بعد الوصَية الأولَى، نأخذ ربع مالٍ، ونُلقِي منه نصيبين لأنا نسمي كلّ سهم من سهام المسألة نصيبًا، ولكل ابنٍ سهمان، فيبقَى ربع مال إِلاَّ نصيبين يزيدُ عليه ثلاثة للاستثناء، فيبلغ ثلث مال إِلاَّ نصيبين وثلثَيْ نصيب، وهذا هو الباقي من الربع بعد الوصية الأُولَى، ونحن نحتاج إلَى معرفة الباقي، من الثلثَ بعْد الوصيَّة الأولَى؛ لندفع إلى عَمْرو ثلاثة، فنزيد عليَه ما بَيْن الثلث، والربع، وهو نصف سدس، فيبلغ ربع قال وسُدُس مال، إِلاَّ نصيبين وثلثي نصيب، فيدفع ثلثه إلى عمرو، وتبقى عشرةُ أجزاء من ستة وثلاثين جزءاً من المال، إلاَّ نصيبًا، وسبعة أَتساع نصيبٍ نزيدها على ثلثَي المال، تبلغ أَربعةً وثلاثين جزءاً من ستة وثلاثين جزءاً من المال، إِلاَّ نصيبًا وسبْعَة أتْسَاع نصيب، فنضربها تعدل أنصباء الورثة، وهي تسعة، فتجبر وتقابل فأربعة وثلاثين جزءاً من ستة وثلاثين جزءاً من مال يَعْدِلُ عشرة أنصباء وسبعة أتساع نصيب، فنضربها في ستَّة وثلاثين، نقلب الاسم فيهما، فالنصيب أَربعة وثلاثون، والمال ثلاثمائة وثمانية وثمانون، لكن ليس له ثلثٌ صحيح، فنضربه في ثلاثة، يبلغُ ألفًا ومائة وأَربعة وستين، ويكون النصيب مائةً واثنين، نأخذ ربع المال، وهو مائتان، واحد وتسعون، فنلقي منه نصيبين، وهو مائتان وأربعة، تبقَى سبعة وثمانون، نأخذ ثلثها، وهو تسعة وعشرون، فنلقيه من النصيبين، فيبقَى مائة وخمسة وسبعون، فهي الوصية الأَولَى، فنسقطها من ثلث المال، وهو ثلاثمائة وثمانية وثمانون، يبقَى مائتان وثلاثة عشر، ندفع ثلثها إِلَى عمرو، وهو أَحد وسبعون يبْقَى مائة واثنان وأربعون، نزيدُها على ثلثَي المال، تبلغ تسعمائة وثمانية عشر؛ لكل ابن مائتان وأَربعة، للبنت مائة وسهمان.
مسألة: ثلاثةُ بنين، وأوصَى بمثل نصيب أحدهم إِلاَّ ما انتقص من أحدهم بالوصيَّة، فنقول: لو لم تكن وصية، لكان لكلِّ ابن ثلث المال، وقد انتقص منه بالوصية شيءٌ، فثلث المال نصيب وشيء، والمالُ كلُّه ثلاثة أنصباء وثلاثة أشياء، ندْفَعُ إِلى الموصَى له نصيبًا إِلا شيئاً؛ يبقَى معنا نصيبان وأربعة أشياء، تعدل ثلاثة أنصباء، نسقط نصيبين بنَصِيبَيْنِ؛ يبقَى نصيبٌ يعدلُ أربعة أشياء فالنَّصيب أربعة أسهم، فالشيء سهم، وكانت التركة ثلاثة أنصباء وثلاثة أشياء، فهي إذن خمسة عشر سهماً، والوصية نصيب إِلاَّ شيئاً، فهو ثلاثة أسهم، يبقَى اثنا عشر للبنين، وقد أخذ الموصَى له مثلَ
الجزء: 7 - الصفحة: 196
نصيب أحدهما، إلا ما نقص بالوصية، وهو سهمٌ من خمسة عشر؛ لأنَّه لولا الوصيةُ، لكان لكلِّ واحد منهم خمسة من خمسة عشر.
ولو أوصَى، وله ثلاثة بنين بربع ماله، إِلاَّ ما انتقص من أحدهم بالوصيَّة، فثلث المال عَلَى ما ذكرنا نصيبٌ وشيء، وجملة المال ثلاثةُ أنصباء وثلاثة أشياء، نأخذ ربُعَهَا، وهو ثلاثة أرباع نصيب، وثلاثة أرباع شيء، فنسقط منه قدْر النقصان، وهو شيء، يَبْقَى ثلاثة أَرباع نصيب إِلاَّ ربع شيء، نسقط ذلك للموصَى له من جملة المال، وهو ثلاثة أَنصباء وثلاثة أَشياء؛ يبقَى نصيبان وربع نصيب، وثلاثة أَشياء وربع شيء يُعدل ثلاثة أنصباء، فنسقط المثل بالمثل يبقَى ثلاثة أرباع نصيب، تعدل ثلاثة أَشياء وربع شيء، فالنصيب الكاملُ يعدل أَربعة أَشياء، وأَربعة أَجزاء من اثنَيْ عشر جزءاً من شيء، فنبسطها بأجزاء [خمسة عشر،] 307 ونقلب الاسم، فالشيء اثنا عشر، والنصيبُ اثنان وخمسون، وجملة المالِ مائةٌ واثنان وتسْعون، نأخذ ربع المَالِ، وهو ثمانية وأربعون، ونسقط منه ما انتقص من نصيب أَحدهم، وهو اثنا عشر؛ لأَنه لولا الوصية لأَخَذَ كُلُّ واحدٍ منهم أَربعةً وستين؛ يبقَى ستة وثلاثون، هي الوصية، نسقطها من المال؛ يبقَى مائة وستة وخمْسُون، لكلِّ واحد اثنان وخمسون.
مسألةٌ: ثلاثةُ بنينَ، وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب أَحدهم، إِلا ربع ما يبقَى من ماله بَعْد جميع الوصايا, ولعمرو بمثلِ نَصيبِ أَحدهم، إِلا خمس ما يبقَى من ماله بَعْد الوصايا, ولثالثٍ بمثل نصيب أحدهم إِلاَّ سدسَ ما يبقَى من ماله بَعْد الوصايا، فيعلَمُ أَن الباقِيَ من المال بعد الوصايا كلِّها ثلاثةُ أَنصباء، فوصيَّة زيدٍ نصيبٌ إِلا ربع ثلاثة أنصباء، وهو ثلاثة أَرباع نصيب؛ يبقَى وصية بربع نصيب، ووصية عمرو نصيب إِلاَّ خمس ثلاثة أنصباء، وهي ثلاثة أَخماس نَصِيب؛ يبقَى وصيةٌ بخمس نصيب، ووصيةُ الثالثِ بنصيب إِلا سدسَ ثلاثةِ أَنصباء، وهي نصفُ نصيب، فوصيته بنصفِ نصيبٍ، فجملة الوصايا ربُعُ نصيبٍ وخمسا نصيب، ونصف نصيب، وهي نصيبٌ وثلاثة أَجزاء من عشرين جزءاً من نصيب؛ فيبقَى مال إِلا نصيبًا، وثلاثة أَجزاءٍ من عشرين جزءاً من نصيب، وذلك يعدل ثلاثة أَنصباء، فيجبرُ ويُقابَلُ: فمال يعْدِلُ أَربعة أَنصباء، ثلاثة أَجزاء من عشرين جزءاً من نصيب، نَبْسُطها بأجزاء عشرين، ونقلب الاسمَ، فالمال ثلاثةٌ وثمانون، والنصيبُ عشرون؛ نلقى الوصايا كلَّها وهي ثلاثةٌ وعشرون؛ يبقَى ستون للبنين، ولزيد نصيب إلا ربع ما يبقَى من المال بَعْدَ الوصايا، وهو خمسةَ عَشَرَ، فله خمسةٌ، ولعمرو نصيبٌ إِلا خمس ما يبقَى بعد الوصايا، وهو اثنا عشر، فلَهُ ثمانية، وللثالث نصيب إِلا
الجزء: 7 - الصفحة: 197
سدس ما يبقَى بعد الوصايا، وهو عُشْرٌ، فله عشرة.
مسألةٌ: خمسة 308 بنينَ وأوصَى بمثل نصيب أحدِهِمْ إِلاَّ سدس ما يبقَى من ماله بَعْد الوصية، وإِلاَّ ثلث ما يبقَى من ثلثه بعد الوصية، فيجعل الوصية شيئاً، والباقي أَنصباء الورثة، فالمال شيء وثلاثةُ أَنصباء، فتسقط الوصية [ونأخذ سدس الباقي وهو نصف نصيب فتحفظه ثم تأخذ ثلث المال وهو نصيب وثلث شيء فتسقط منه الوصية] 309 وهي شيء؛ يبقَى نصف نصيب إِلا ثلثَيْ شيء، نأخذ ثلثه، وهو ثلث نصيب إلاَّ تسعي شيء وهو من النصيب، فتضمُّه إلى نصف النصيب المحْفوظ، يصير خمسة أسداس نصيب، إِلا تُسْعَيْ شيء، وهو المستثنَى من النصيب، فتضمُّه إِلى الوصية، وهي شيء؛ لنكملَ النصيب، فيبلغ خمسة أَسداس نصيبٍ، وسبعة أَتساع شيء، وذلك يعدِلُ نصيبًا وتسقط خمسة أَسداس نصيب بمثلها؛ يبقَى سدس نصيب في معادلة سَبْعة أَتساع شيء، فالنصيبُ الكاملُ يعدل أَربعةَ أَشياء، وثلثَيْ شيء، نبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم؛ فالنصيب أَربعة عشر، والشيء ثلاثةٌ، والمال كلُّه خمسة وأربعون؛ لأَنه ثلاثة أَنصباء وشيء، تُلقي الوصيَّة من المال؛ يبقَى اثنان وأربعون، تأخذ سدسها سبعة، وتحفظها، وتلقى الوصية من ثلث المال أيضاً، وهو خمسة عشر؛ يبقى اثنا عشر؛ نأخذ ثلثها، وهو أَربعةٌ، ونضمُّها إلى السبْعَة المحفوظة، يبلغ أَحد عَشَرَ، تلقيها من النصيب، فيبقى ثلاثة.
مسألةٌ: خمسُ بنين، وأوصَى بمثل نصيب أحدهم إِلاَّ ثلث ما تبقَى عن قدْر الوصيَّة من ربع ما يبقَى عن الوصيَّة بالمال شيء هو الوصيَّة وخمسة أنصباء، نأخذ ربع الباقي بَعْد الشَّيْء، وهو نصيبٌ وربع نصيب، نسقط منه الشيء، يبقَى نصيب وربع نصيب إِلاَّ شيئاً، نأخذ ثلثه، وهو ربع نصيب وسدس نصيب، إلاَّ ثلث شيء، وهو المستثنَى من النصيب، فتضمه إِلى الشَّيء، ليكمل النصيب، وإذا ضممناه إِلَيْه، بلغ ربع نصيب وسدس نصيب، وثلثي شيء، وذلك يعدلُ نصيبًا، نسقط الربع والسدس بمثلها، يبقَى ثلثا شيء في معادلة ثلث نصيب وربع نصيب، فعرفنا أَنَّ النصيب مثْلُ الشيء وسبعةً، فالنصيب ثمانيةٌ، والشيء سبعة، والمالُ كلُّه سبعة وأَربعون؛ لأنه خمسة أنصباء وشيء، نأخذ ربع المال بَعْدَ الوصية، وهو عشرة، ونسقط منه الوصيَّة؛ يَبْقَى ثلاثة، نأخذ ثلثها وهو واحدٌ نسقطه من النصيب يبقى سبعة، فهي الوصيَّة، وإذا أسقطناها من المال؛ يبقَى أربعون لكلِّ واحدٍ من البنين ثمانيةٌ.
مسألَةٌ: ثلاثةُ بنين، وبنتٌ؛ وأوصَى لزيد بمثل نصيب البنت إِلاَّ ثلث ما أَوصَى
الجزء: 7 - الصفحة: 198
لعمرو، ولعمرو بمثل نصيب أحدِ البنين إِلاَّ ربع ما أوصَى لزيد، فنجعل وصية زيد عدداً له ربع، وليكن أربعة دنانير، ووصية عَمْرِو عدداً له ثلثٌ، وليكن ثلاثة دراهم، ويعلم أَنا إِذَا أخذنا ثلُثَ وصية عمرو، وضممناه إلَى وصية زيد بلغ أربعة دنانير ودرهماً، وذلك مثْلُ نصيب البنت، فنصيب كلِّ ابنٍ ضعفه، وهو ثمانية دنانير ودرهمان وإِذا أَسقطنا من ذلك، ربع وصية، وهو دينار, يبقَى سبعة دنانير ودرهمان، وهي وصيةُ عمرو, ونقابل بها الدراهم التي جعلناها وصيَّة أَولاً، فنسقط درهمين بمثلهما، يبقَى سبعة دنانير في مقابَلَة درهم واحد، فالدينار واحدٌ، والدرهم سبعة، كانَتْ وصية زيدٍ أَربعة دنانير، فهي إِذَنْ أَرْبَعَةٌ وكانت وصية عمرو ثلاثةً [دراهم] 310، فهي إذن أحد وعشرون، ونصيب البنت أربعة دنانير ودرهم، فهو إذن أحد عشر، ونصيبُ كلِّ ابن اثنان وعشرون، فما أخذه زيدٌ مثل نصيب البنت إِلاَّ ثلث وصية عمرو، وما أَخذه عمرو مثلُ نصيب ابن إِلاَّ ربع وصية عمرو.
مسألة: زوجة وأبوان وابن، وأوصَى لزيد بتكملةِ ثلثِ ماله بنصيب أحدِ الأبوين، ولعمرو بتكملة ربع ما تَبْقَى من ماله بنصيب الآخر، فنجعل الوصيتين شيئاً واحداً، فيكون المال شيئاً وسهام الورثة، وهي أَربعة وعشرون، نأخذ ثلثها، وهو ثلث شيء وثمانيةُ أَسهم، فنسقط منه نصيبَ أحد الأبوين، وهو أربعة؛ يبقى أربعة وثلث شيء، فهو وصية زَيْدٍ، نسقطها من المال؛ يبقَى عشرون وثلثان نأخذ ربعه، وهو خمسة وسدسي شيء، نسقط منه نصيب أحد الأبوين، يبقى سهْمٌ وسدس شيء، فهو وصيةُ عمرو تجْمَعُ بين الوصيتَيْن، يبلغ خمسة ونصف شَيْء، وذلك يعدلُ الشيء الذي جعلناه أولاً مجموع الوصيتين، نسقطُ نصف شيء بنصف شيْء؛ يبقى خمسةٌ في معادلة نصف شيء، فالشيء عشرة 311 نزيدها عَلَى سهام الورثة، تبلغ أربعة وثلاثين، كان لزيد أربعةٌ، وثلث شيء، فهي سبعة وثلث، وهي مع نصيب أحد الأبوين ثلث جميع المال، وكان لعمرو سهم وسدس من شيء، فهو سهمان وثلثان، وذلك مع نصيب أحد الأبوين ربع الباقي من المال بَعْدَ وصية زَيْدٍ؛ تبقَى بعد العشرة أربعةٌ وعشرون للورثة.
ولو كانت المسألةُ بحالها، وأوصَى لثالث بتكملة نصْفِ ما يبقَى بعد الوصيَّتَيْن الأوليينِ بنصيب زوجة، فنجعل مجموعَ الوصايا شيئاً، ونسقط من المال وصيتَي زَيْد وعمرو، وكما بينا؛ يبقَى تسعة عشر، ونصف شيء، بأخذ نصفها، [وهو تسعة، ونصف سهم، وربع شيء، نسقط منه نصيب الزوجة،] 312 وهو ثلاثة؛ يبقَى ستة ونصفُ
الجزء: 7 - الصفحة: 199
سهم وربع شيء، فهي وصية الثالث، نضمها إِلى الوصيتَيْن الأوليين؛ تبلغ أحد عشر سهماً، ونصف سهم، وثلاثة أرباع شيء، وهذا يعدل الشيء الَّذي جعلناه مجموع الوصايا؛ نسقط ثلاثة أرباع شيء بثلاثة أرباع شيء، يبقَى ربع شيء في معادلة أحد عَشَرَ سهماً، ونصف سهم، فالشيء الكامل يعدِلُ ستة وأربعين، نزيدها على سهام الورثة، يبلغ سبعين، كان لزيد أربعة وثلث شيْء، فله تسعة عشر وثلث، وهو مع نصيب أحد الأبوين ثلثُ جميع المال، وكان 313 لعمرو سهم وسدس، فله ثمانية وثلثان، وهو تُسْعُ نصيب أحد الأبوين ربع الباقي بعد وصية زيد، وكان للثالث ستَّة، ونصف سهم، وربع شيء، فله ثمانية عشر، وهي مع نصيب الزوجة نصفُ الباقي بَعْد الوصيتين، وجملة الوصايا ستة وأربعون؛ يبْقَى أربعة وعشرون للورثة.
مسألة: سبعة بنين، وأوصَى بتكملة ربع ماله بنصيب أحدهم إلاَّ بتكملة سدس ما تبقَّى من ماله بعد الوصية بنصيب أحدهم، فنَجْعَلُ الوصية شيئاً، وبنصف من المال يبقَى مال إِلاَّ شيئاً، نأخذ سدسه، وهو سدس مال، إِلاَّ سدس شيء، وهذا السدُسُ الناقص سدس شيء مثل ربع المال إِلاَّ شيئاً؛ لأَن الربع الناقص شيء ما هو إِلاَّ نصيب من تكملة سدس الباقي المستثناة، وسدس الباقي نصيبٌ، وتلك التكملة، فإذن سدس مال إِلاَّ سدس شيء يعدِلُ ربع المال إِلاَّ شيئًا، فيجبر الربع بشيء، ويزيد الشيء على عديله، فإذن ربع مال يعْدِلُ سدس مال، وخمسة أسداس شيء، نسقط المثل بالمثل، يبقَى نصف سدس مال في معادلة خمسة أَسداس شيء، فالمال يعدل عشرة أَشياء، والشيء عشر مال؛ يبقى تسعة أَعشار مال بَيْن البنين، وتسعة لا تنقسم على سبعة، ولا موافقة بينهما، فنضْرِبُ عدد البنين في مخْرِج العشر، يكون سبعين، والنصيبُ تسعةٌ، نأخذ ربع المال، وهو سبعة عشر، ونصف، فنلقي منه نصيبًا، وهو تسعة؛ يبقى ثمانية ونصف، فهي تكملة ربع المال بالنصيب، ثم نسقط الوصية، وهي سبعة من المال؛ يبقى ثلاثة وستون، نأَخذ سدسها، وهو عشرة ونصف، فنسقط منها النصيب؛ يبقَى سهم ونصف، هو تكملة سدس الباقي من المال بَعْد الوصية، نسقِطُهَا من تكملة ربع الباقي من المال، وهي ثمانية ونصف؛ يبقَى سبعة، وهي الوصية، فإِذا أسقطناها من المال، يبقَى ثلاثة وستون، لكلِّ ابنٍ تسعةٌ.
مسألةٌ: ابنٌ وبنْتٌ وأَوصَى بوصية، إِذا زدتَّ عليها أَربعةَ دراهم، كانت مثلَ نصيبِ البنْت، فإِذا زدتَّ عليها تسعة دراهم، كانت مثل نصيب الابْنِ، فيجعل نصيب البنت شيئاً، وأَربعة دراهم، ونصيب الابن شيئاً وتسعة دراهم، ثم نُضَعِّف نصيب البنت،
الجزء: 7 - الصفحة: 200
يكون شيئين وثمانية دراهم، وذلك يعدلُ نصيب الابْنِ، فتسقط شيئاً بشيء، وثمانية دراهم بثمانية دراهم؛ يبقَى شيء يَعْدِلُ درهماً، فهو الوصية، فهذا زدتَّ درهماً عَلَى أربعة، بلغَتْ خمسةً، وهي نصيب البنت، فإذا زدتَّ درهماً عَلَى تسعة، بلغَتْ عشرةً، وهي نصيبُ الابن، وجملة التركة ستَّةَ عَشَرَ، ولو أَوصَى بوصية، إِذا زدتَّها على نصيبِ البنْت، بلغ أَربعةً, وإذا زدتَّها على نصيب الابْنِ، بلغ سبعة، فتجعل الوصية شيئاً، ونلقيه من أربعة، يبْقَى أَربعة إِلاَّ شيئاً، فهي نصيبُ البنت، ونلقيه من سبعة؛ تبقَى سبعة إِلاَّ شيئاً، فهي نصيبُ الابن، ثم نضعِّف نصيب البنت ثمانية إِلاَّ شيئَيْن، وذلك يعدل نصيبَ الابْنِ، فيجبر الثمانية بشيئين، ونزيدهما على التعديل، فثمانية تعدِلُ سبعة وشيئًا، يسقط سبعة بسبعة، يبقَى واحدٌ يعدل شيئاً، فالشيء واحد، وهو الوصية، ونصيب البنت ثلاثةٌ، ونصيب الابن ستَّة، وجملة التركة عشرةٌ.
مسألةٌ: ابنان وبنتٌ وأَوصَى لكلِّ واحدٍ من زَيْد وعمرو بوصيَّة، إِذا زدتَّ عَلَى وصية زيْد أربعةَ دراهم، كانت مثْلَ نصيب البنْت، واِذا زدتَّ عَلَى وصية عمرو تسْعَة دراهم، كانت مثلَ نصيب ابن، والوصيتان جميعاً عشْرُون، كَمِ التركةُ، وكم الأنصباء، وكلُّ وصيةٍ، فنجعل نصيب البنْت شيئاً؛ فيكون نصيب الابن شيئين، ويكون وصية زيْدٍ شيئاً، إلا أربعة دراهم، ووصية عمرو شيئين إلاَّ تسعة، فالوصيتان ثلاثة أشياء إلاَّ ثلاثة عشر درهماً، وذلك يعدِلُ عشرين درهماً، فيُجبَرُ وُيقَابَلُ: فثلاثة أشياء تعدِلُ ثلاثة وثلاثين، فيكون الشيء أحد عشر، فهو نصيبُ البنْت ونصيبُ كلِّ ابنٍ اثنان وعشْرُون، فإِذا نقصت في أحد عشر أَربعةٌ، بَقِيَ سبعة، فهي وصيةُ زَيْد، وإِذا نقصت من اثنين وعشْرين تسعةٌ؛ بقي ثلاثة عشر، فهي وصيةُ عمرو، فالوصيتان معاً عشرون، والتركةُ خمسة وسبْعُون.
ولو قيلَ: كانَتْ وصيةُ زيدٍ إِذا نقصت من خمسة عشر، بقي مثْلُ نصيب البنت، ووصية عمْرو إِذا نقصَتْ من أربعين، بقيَ مثل نصيب ابنٍ، والوصيتان عشرون، كمِ التركةُ؟ وكم الأنصباءُ؟ وكل واحدة من الوصيتين؟! فجعل نصيب البنت شيئاً، ونصيب الابْن شيئين، وينقص نصيب البنت عن خمسة عشر؛ يبقَى خمسة عشر إِلاَّ شيئًا، فهو وصية زيد، وينقص نصيب الابن مِنْ أربعين؛ يبقَى أربعون إِلاَّ شيئين، فهو وصيَّة عمرو، فالوصيَّتان خمسة وخمسون، إِلاَّ ثلاثة أَشياء، وهي تعدلُ عشرين، فتجبر وتقابل: فخمسة وخمسون تعدلُ عشرين، وثلاثة أَشياء تسقُطُ عشرين بعشرين، يبقَى خمسة وثلاثون في معادلة ثلثا شيء، فالشيء يعدل أحد عشر وثلثين، وهو نصيب البنتان أنقصته من خمسة عشر؛ يبقَى ثلاثة وثلثين، فهي وصية زيْدٍ، ونصيب الابن ثلاثةٌ وعشرون وثلث، إِذا نقصته من أربعين؛ يبقَى سبعة عشر، وثلثانِ، فهي وصيةُ عمْرو، فالوصيتان عشْرُون، والتركة ثمانيةٌ وسبعون وثلث.
الجزء: 7 - الصفحة: 201
مسألةٌ: ثلاثةُ بنينَ، وأوصَى لثلاثة أشخاصٍ بوصايا، هي مثلُ نصيبِ أحد البنين، ووصية زيد وعمرو معاً أكثر من وصية بَكر بثلاثة دراهم، ووصية عمرو وبكر معاً أكثر من وصية زيد بسَبْعَة دراهم، ووصية زيد وبكر معاً أكثر من وصية عمْرو باثْنَيْ عشر درهماً، كم التركةُ، وكم كلُّ وصية؟ تجعل نصيبَ كلِّ ابنِ شيئاً، فتكون الوصايا كلُّها شيئاً، تسقط منه فضْلَ وصية زيد وعمرو وعلى وصية بكر وهو ثلاثة؛ يبقى شيء إِلاَّ ثلاثةَ دراهم، نأخذ نصفَهُ، وهو نصف شيء إِلاَّ درهماً ونصفاً، فهو وصية بكْر، ثم تسقط منْه فَضْلَ وصيَّة عمرو وبكر علَى وصية زيد، وهو سبعة؛ يبقَى شيء إِلا سبْعةَ دَراهم، نأخذ نصفه، وهو نصْفُ شيء إِلا ثلاثة دَرَاهِمَ ونصف درهم، فهو وصية زيْدٍ ثمَّ تسقط منه فضل وصية زيد وبكر على وصية عمرو، وهو اثنا عشر، يبقَى شيء إِلاَّ اثنَيْ عشر، نأخذ نصفه، وهو نصفُ شيء إِلاَّ ستة فهُو وصية عمرو، وجميعها عند الأصمِّ شيء ونصف شئ إِلا أحد عشر درهماً، وذلك يعدِل شيئاً، فيجبر ويقابل: فشيءٌ ونصفُ شيء يعدِلُ شيئاً وَأَحَد عشر، يسقط الشيء بالشَّيْء، فالنصف يعدل أحد عَشَرَ، والشيء الكاملُ يعدِلُ اثنين وعشرين، فعرفنا أنَّ نصيب كلِّ ابنٍ اثنان وعشرون، وكذلك جميع الوصايا، فإن أردنا أن نعرِفَ كلَّ وصية أسقطنا من مبلغ الجميع فضْلَ وصيتَيْ زيد وعمرو، علَى وصيةُ بكْرٍ، وهو ثلاثة؛ يبقَى تسعة عشر، نأخذ نصفها، وهو تسعة ونصف، فهي وصيةُ بكر، ثم أسقطنا منْه فضْلَ وصيتَيْ عمرو وبكر عَلَى وصية زيْد، وهو سبعةٌ؛ يبقَى خمسة عشر، نأخذُ نصْفَها، وهو سبعةٌ ونصفُ درهمٍ، فهي وصية زيْدٍ، ثم أسقطنا منه فضل وصيتَيْ زيد وبكر علَى وصية عمرو، وهو اثنا عشر، يبقَى عشرة، نأخذ نصفَها خمسة، فهي وصية عمرو، وجملتها اثنانِ وعشرُون، والتفاوُتُ كما وقع السؤال عنه، ولما كانت الوصايا في هذه الصورة ثلاثاً، وكانت كلُّ اثنين منْها تفضُلُ الثالثة بعَدَدٍ، كانت كلُّ مفضولة نصف الباقي من جملة الوصايا بَعْدَ إِسقاط الفضل، ولو كانت الوصايا أَربعاً، وكلُّ ثلاث يفضل الرابعة بعَدَدٍ، فتكون المفضولة ثلُثَ الباقي من جملة الوصايا بَعْدَ إسقاط الفضل، ولو كانت الوصايا خمساً، وكلُّ أربع منها يفضل الخامسة بعدد، فتكون المفضولةُ ربع الباقي من جملة الوصايا بَعْدَ إسقاط الفَضْل، وعلَى هذا القياس.
مسألة: ابنان، وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب أحدهما، ولعمرو بثلثِ ما يبقَى من النصف وبدرهم، وترك ثلاثين درهماً، فنجعلُ الوصيتَينِ شيئاً، ونلقيه من التركة؛ يبقَى ثلاثون درهماً، إِلاَّ شيئاً، لكلِّ ابنٍ خمسةَ عشَرَ إِلاَّ نصفَ شيء، فهو النصيبُ، ثم نأخذ نصفَ المال، وهو خمسةَ عَشَرَ، فنسقط منها نصيباً، وهو خمسة عشَرَ إِلاَّ نصف شيء، يبقَى نصف شيء، نأخذ لعمرو ثلاثة، وهو سدُسُ شيء، ونضم إِليه درهماً، فالوصيتان معاً ستةَ عَشَرَ إِلا ثلث شيء، وذلك يعدل شيئاً، فيجبر ويقابل: فستة عشر درهماً،
الجزء: 7 - الصفحة: 202
تعدل شيئاً وثلُثَ شيء، فالشيء يعدل اثنَيْ عشر درْهَماً، وهي جملةُ الوصيتَيْن، يبقَى ثمانية عشر للابنين نأخذ نصف المال، وهو خمسة عشر درْهماً فنسقط نصيباً، وهو تسعة، تدفعه إلَى زيد؛ يبقَى ستة نأخذ ثلثها ودرهماً، لعمرو؛ يبقَى ثلاثة نزيدهَا على النصف الآخر، تبلغ ثمانية عشر؛ لكل ابنٍ تسعةٌ.
مسألةٌ: ستة بنينَ، وأوصَى لزيد بمثل نصيبِ أحدهم، ولعمرو بثلثِ ما يبقَى من الثُلث، والتركة ثلاثةَ عَشَرَ درهماً، وثوب فأخذ زيَد الثوب بحقه كم قيمته فجعل الثوب شيئاً فتكون التركة ثلاثة عشر درهماً وشيئاً، نأخذ ثلثها، وهو أربعة دراهم، وثلث درهم، وثلث شيء، فيُسقط منه بالنصيب شيئاً، يبقَى أربعة دراهم، [وثلث درهم، إلا ثلثي شيْء فنسقط من ذلك ثلاثة، وهو درهم] 314، وأربعة أَتْساع درهم، إِلاَّ تُسُعَيْ شيء؛ يبقَى درهمان، وثمانية أتساع درْهَمٍ، إلا أربعة أتساع شَيْء، نزيده علَى ثلثي المال وهو ثمانية أتساع درهم إِلاَّ أربعة أتساع شيء، نزيده على ثلثي المال، وهو ثمانية دراهِم، وثلثا درهم، وثلثا شيء يبلغ أحد عشر درهماً وخمسة أَتساع درْهَم، وتسعَيْ شيء، وذلك يعدل ستَّة أشياء، فنسقط تسعَيْ شيء، بِتُسُعَيْ شيء؛ يبقَى أَحد عشر درْهَماً وخَمْسة أتساع درهم، في معادلة خمسة أشياء، وسبعة أتساع شيء، فنبسطها أتساعاً، فتكون الأَشياء اثنين وخمسين، والدراهم مائة وأربعة؛ فالشيء الواحد يعدل درهمين، فعرفنا أن قيمة الثَّوْب درهمان، نأخذ ثلث المال، وهو خمسة دراهم، يدفع الثَّوْب منها إلى زَيْدٍ بدرهمين، يبقى ثلاثة، يدفع منها واحداً إِلَى عمرو، يبقى اثنان، نزيدهما على ثلثي المال، يبلغ اثني عشر، لكلِّ واحد درهمان، ولو كان البنُونَ ثلاثة، فالعمل علَى ما ذكرنا إلَى أن يعادل أحد عشر دِرْهماً.
وخمسة أتساع درهم، وتسعا شيء، ثلاثة أشياء تسقط تُسْعَيْن بتُسْعَيْن، فأحد عشر درهماً، وخمسة أتساع، يعدل شيئين، وسبعة أتساع نبسطها أتساعاً، فالأشياءُ خمسةٌ وعشرون، والدراهم مائةٌ وأربعة، فالشيء يعدل أربعة دراهم، وأربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، فهو قيمة الثوب، وجملة التَّرِكَة سبعة عشر درهماً، وأربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، نأخذ ثلثه؛ وهو خمسة دراهِمَ وثمانية عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، فنسقط منه لزيد أربعة دراهم وأَربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءاً من درهم؛ يبقَى درهم، وأربعة عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، نأخذ ثلاثة، وهو ثلاثة عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم [يبقى درهم وأربعة عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، نأخذ ثلثه، وهو ثلاثة عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم؛] 315 يبقى درهم وجزءٌ من خمسة
الجزء: 7 - الصفحة: 203
وعشرين جزءاً من درهم، تزيده على ثلثي المال؛ وهو أحد عشر درهماً، واحد عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درهم، يبلغ اثنَيْ عَشَرَ درهماً، واثني عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من درْهَمٍ لكلِّ واحدٍ أربعةُ دراهمَ وأربعة أجزاء من خمسة وعشرين من دِرْهَمٍ.
مسألة: اثنان، وأوصَى بوصية، إِذا نقصتها من نصيب أحدهما، بَقِيَ مثْلُ الوصيَّة وربع جميع المال، كم الوصية، وكم النصيب؟ نجعل ربع المال شيئاً، وتعلم أنه إذا انضمت إليه وصية، كانت مثل نصيب أحد الابنين، إلاَّ وصية، فنصيب كل ابن شيءٌ ووصيتان، ثم نأخذ المال أكله، وهو أربعةُ أشياءَ؛ لأنا جعلنا الربع شيئاً، فنسقط منه الوصية، يبقَى أربعة أشياء إلا وصيَّة، وهو يعدل نصيبَيْ الابنين، وهما شيئان وأربع وصايَا؛ لأنَّ كلَّ نصيب شيْءِ ووصيتان، فتجبر وتقابل؛ فاربعة أشياء تعدل شيئَيْنِ وخمس وصايا، نُسْقِطُ شيئين بشيئين، يبقى شيئان في معادلة خمس وصايا، فنقلب الاسم، فتقول: الشيء خمسة، والوصية اثنان، فكان المال أربعةَ أشياء، فهو إذن عشرون، ونصيب كلِّ ابن شيء ووصيَّتَان، فهو إذن تسعةٌ، فإذا نقَصْنا الوصيةَ، وهي اثنان من النصيب، تبقَى سبعة، وهي مثل الوصية وربع جميع المَالِ.
مسْاَلَةٌ: ابنٌ وبنْتٌ، وأَوصَى بثلاث وصايَا لثلاثةِ أشْخَاصٍ، وكان إذا جمعت وصيتا زيد وعمرو، كان المبلغُ مثْلَ نصيب الابن، وإذا جمعت وصيتا زيد وبكر، كان مثل ثلث التركة، فيُجْعَلُ وصية عمرو شيئاً، ويسقطه من نصيب الابن؛ يبقَى نصيبان إلاَّ شيئاً، فهو وصية زيدٍ، ويسقط الشيء من نصيب البنت، يبقَى نصيب إلاَّ شيئاً، فهو وصيَّة بكْرٍ، ثم يجمع وصيتي بكر وزيد، وهما ثلاثة أنصباء إلا شيئَينِ، وذلك ثلث المال؛ فالمال إذن تسعة أنصباء إلا ستة أشياء، فتلقى منه الوصايا كلَّها، وهي ثلاثة أنصباء إلاَّ شيئاً؛ لأن وصية زيد نصيبان إلاَّ شيئاً، ووصية عمرو شيْء، ووصية بَكْرٍ نصيب إِلاَّ شيئاً.
وإذا أسقطنا ذلك من المال، بقي ستة أنصباء إلاَّ خمسة أشياء، تَعْدِلُ أنصباء الورثة؛ وهي ثلاثة، فتجبر وتقابل، فستة أنصباء تعدل ثلاثة أنصباء، وخمسة أشياء تسقط ثلاثة أنصباء بمثلها؛ يبقَى ثلاثة أنصباء تعْدِلُ خمسة أشياء، فيقلب الاسم، ونقول: الشيءُ ثلاثة، والنصيبُ خمسة، فللابن عشَرَةٌ وللبنت خمسةٌ، ووصية زيد سبعةٌ؛ لأنها نصيبان إلاَّ شيئاً، ووصية عمرو ثلاثةٌ؛ لأنها شيْءٌ، ووصية بكر اثنان؛ لأنها نصيب إلاَّ شيئاً، والتركة تسعة وعشرون.
مسألة: ابن وبنت، وأوصَى لزيد وعمرو بوصيتين، فكانت وصية زيد ضعْفَ وصية عمرو، وكانتا معاً سدس المال، وإذا ضربْتَ كلَّ واحدة منهما في نفسها،
الجزء: 7 - الصفحة: 204
وأسقطت الأقلَّ من الأكثر، كان الباقي مثْلَ نصيب البنت؛ فيُجْعَلُ وصية عمرو شيئاً، ووصية زيد شيئين، وهما معاً سدس المال، فالمالُ ثمانية عشر شيئاً، ثم نضرب وصيَّة عمرو في نفسها، فيُجْعَلُ مال.
ووصية زيد في نفسها يجعل أربعة أموال، تسقط الأقل من الأكثر؛ تبقَى ثلاثة أموال، فهي نصيبُ البنت.
فنصيبُ الابْنِ ستة أموال، نزيد الوصيتين على مجموعهما، تحصلُ تسعة أموالٍ وثلاثة أشياء، وهي تعدل جميع المال، وهو ثمانية عشر شيئاً، يسقط ثلاثة أشياء بمثلها، تبقى تسعة أمو الذي معادلة خمسة عشر شيئاً، فالشيء واحدٌ وثلثان، وهو وصية عمرو، ووصية زيد ثلاثة وثلث، وهما جميعاً سدس التركة، فهي إذن ثلاثون، وإذا ضربت درهماً وثلثَيْ درهم في نفسه، حصل درهمان وسبعة أتساع، وإذا ضربت ثلاثة دراهم وثلث درهم في نفسه، حصل أحد عشر درهمًا وتسع درهم، وإِذا أسقطت الأَقلَّ من أكثر، يبقَى ثمانية دراهم وثلث؛ وهي مثل نصيب البنت والابن ستة عشر وثلثان.
مسألة: زوجٌ، وأم، وأخ وأوصَى لزيدٍ بمثل نصيب الأخ، ولعمرو بثلث ما يبقَى من الثلث، وشرط ألاَّ تُضَامَ الأم، فمسألة الورثة من ستة، ونَجْعَلُ ثلث المال سهماً، وثلاثة دراهم، أما سهما فلانٍ الأخ الموصَى بمثلَ نصيبه، له سهم من مسألة الورثة، وأما ثلاثة دراهم، فلذكره ثلث ما يبقَى من الثلث، فندفع سهماً إلَى زيد؛ يبقى ثلاثة دراهم، يُدْفَعُ منها واحدٌ إلى عمْرٍو يبقَى درهمان، نزيدهما عَلَى ثلثي المال، وهو سهمان وستة دراهم، يكون سهمين وثمانية دراهم، وذلك يعدل ثلث المال وأربعة أسْهُمٍ؛ لأن الأمَّ، إذا لم تُضَمْ، أخذَت ثلُثَ المال كاملاً.
وللزوج والأخ أربعة أسهمٍ، وثلث المال سهمٌ وثلاثةُ دراهم، فإذن: سهمان وثمانية دراهم تعدِلُ خمسة أسهم وثلاثة دراهم، يسقط المثل بالمثل، فتعود السهام إلى ثلاثة، والدراهم إلى خمسة، وتقلب الاسم، ويعول السهم خمسة، والدرهم ثلاثة، وكان ثلث المالِ سَهْماً وثلاثة دَرَاهِمَ، فهُوَ إذن أربعة عَشَر، [تعزل] 316 منها نصيب الأخ، وهو خمسة لزيد، وثلث الباقي، وهو ثلاثة لعمرو، يبْقَى ستة، نزيدها على ثلثي المال، يبلغ أربعة وثلاثين؛ من ذلك ئلث المال للأمِّ، وهي أربعة عشر، يبقَى عشرون للزوج بثلثه خمسة عشر، وللاخ بواحدٍ خمسة، والمسألة ونظائرها تُفْرَضُ فيما إذا أجاز من عليه الضَّيْم لمن لاضَيْمَ عليه.
الجزء: 7 - الصفحة: 205
البَابُ الثَّانِي فِي المَسَائِلِ الدَّوْرِيَّةِ مِن سَائر التصرُّفات الشرعية
ونوردها على ترتيب أبوابها في الفقه.
فمنها البيعُ: وقد ذكرنا في تفريقِ الصفقة مسائل؛ منه يفرض لها الدّور.
فمن تلك المسائل أن يبيع المريض قفيزاً جيداً من الحنطة، قيمته عشرون بقفيزٍ رديءٍ، قيمته عشرة، وبيَّنا أن هذا البيع باطل أصلاً عَلَى أحد القولَيْن، وإذا بَطَلَ البيع على ذلك القوْل، بَطلَتِ المحاباة التي هِيَ في ضمنه، وليس للمشتري أن يقول: رددتُّ البيع، فسلموا إليَّ قدْر المحاباة.
وعلى القول الثاني يصحُّ البيع في بعض القفيز ببعض القفيز، واستخرجنا بالجَبْر وغيره: أن ذلك البعض هو ثلثان، ولو باع كُّرّا قيمته خمسون بكُرِّ قيمته ثلاثون، وله سواه عشَرَةُ دراهمَ، صحَّ البيع في جميع الكُرِّ؛ لأنه رجع إليه ثلاثون، وعنده عشرة، فيبقى لورثته أربعون، ولم يُحَاب إِلاَّ بعشرين، ولو كانت قيمة الكُر الجيد خمسين، وقيمة الكر المقابل خمسة عَشَرَ، وله عشرة، فنقول: صحَّ البيع في شيْءٍ من الكر الجيد، وقابله من الثمن ثلاثة أعْشَار ذلك الشيء، فبقيت المحاباةُ سبعة أعشار شَيْء مع الورثة؛ عشرة دراهم أيضاً، وهي عُشْرا كُرِّ، فيجتمع معهم كر وعُشْر كُرِّ إلاَّ سبعة أعشار شيْء، وذلك يعدل ضعْفَ المحاباة، وهي شيء وأربعة أعشار شَيْء؛ لأن المحاباة سبعة أعشار شيء، فيجبر، ويقابل فكر وعُشر كُرِّ يعدل شيئين وعُشْر شيء، نبسطها أعشاراً، ونقلب الاسم، فيكون الكر أحداً وعشرين، والشيء اثنَيْ عَشَرَ، فيصح البيع في اثني عشر جزءاً من أحد وعشرين جزءاً من الكر.
وذلك يعدل أربعة أسباعه بأربعة أسباع الكر الرديء، وهي بالقيمة ثلاثة أعشار المبيع من الكر الجيد، فيُجْعَل الكر عدداً له سُبْع وعُشْر، وأقله سبعون، فيصحُّ البيع في أربعة أسباعه، وهي أربعون بثلاثة أعشار الأربعين، وهي اثنا عشر، فبقيتِ المحاباةُ بثمانية وعشرين.
ومع الورثة مما بَطَلَ البيع فيه ثلاثون وعُشْر كر، وهما أربعة عشر، بأجزَاءِ السبعين، فيجتمع عندهم ستة وخمسون، ضعْف المحاباة، وبطريق النسبة والتقدير: نقول: ثلث الكر والعَشَرة المتروكة عشرون، والمحاباة بخمسة وثلاثين.
والعشرون أربعة أسباع الخمسة والثلاثين، فيصحُّ البيع في أربعة أسباع الكر.
الجزء: 7 - الصفحة: 206
ولو باع كراً قيمته مائة، بكَرٍ قيمته خمسون، وعليه عَشَرَة دراهم دَيْناً، فنَحُطّ العشرة من ماله، ويُقَدَّر كأنه لا يملك إلا تسعين، وثلثها ثلاثون، والمحاباة بخمسين، والثلاثون ثلاثة أخماس الخمسين، فيصحُّ البَيْع في ثلاثة أخماس الجيد، بثلاثة أخماس الرديء، فيخرج من ملكه ستون، ويعود إليه ثلاثُونَ؛ ويبقى مما بَطَل فيه ثلاثون، وذلك ضعف المحاباة.
وإذا كان على المريض دَيْن، وله قال سوى ما باع تركةٌ، فيقابل الدين بالتركة، فإن تساويا؛ فكأنه لا دين، ولا تَرِكَة، وإن زاد أحدهما، اعتبرنا الزائد على ما بيناه.
وهذا في بيع الجنس بالجنس من الربويات.
أما إذا باع كر حنطة قيمته عشرون، بكر شعير قيمته عشرة، فإن قلنا: نصحُّ البيعُ في البعض بقسْطِه من الثمن، فالجواب كلما لو باع الحنطة الجيدة بالرديئة، فيصحُّ البيع في ثلثي الحنطة، بثلثي الشعير، وإن قلنا: يصح فيما يحتمله الثلث، وفيما يوازي، الثمن بجميع الثمن، فيصح البيع في خمسة أَسداس الحنطة بجميع الشعير؛ لأنه يصحُّ في قدر الثلث، وفيما يوازي الشعير بالقيمة، وهو النصف، ولا بأس بالمفاصلة في الكيل هاهنا.
فَصْلٌ في بيع المريض بالمحاباة مع حدوث زيادة، أو نقصان في المبيع.
أما الزيادة: فالاعتبار بالقدر الذي يصح فيه البيع بيوم البيع، وزيادته للمشتري غير محسوبة عليه، والاعتبار في القدر الذي يبطل فيه البيع، ويبقى للورثة بيوم الموت، ولا فَرْقَ بين أن تكون الزيادةُ لمجرَّد ارتفاع السوق، أو لصفقة تزيد في القيمة، فإذا باع عبداً قيمته عشرون بعشرة، ثم زادَتْ قيمته، فبلغت أربعين، وصحَّحنا البيع في بعضه على ما بيناه في تفريق الصفقة؛ فإن صحَّحنا البيع في بعضه بجميع الثمن، فللمشتري بالعشرة نصف العبد، وهي قيمته يوم الشراء، يبقى نصف العبد وقيمته يوم الموت عشرون، تضمه إلى الثمن يبلغ ثلاثين، فله من ذلك شيء بالمحاباة، وشيء يتبع المحاباة؛ بسبب زيادة القيمة غير محسوب عليه.
يبقَى ثلاثون درهماً إِلاَّ شيئين، يعدل ضعف المحاباة؛ وهو شيئان، فيُجْبَر، ويقابَلُ، فثلاثون درهماً تعدل أربعة أشياء، فالشيء ربع الثلاثين، وهو سبعة دراهم ونصف درهم، وهذا ما يجوز التبرُّع فيه، وهو ثلاثة أثمان العبد يوم البيع، فيُضَمُّ إلى النصْفِ الذي ملكه المشتري بالثمن؛ فيحصُلُ له بالتبرع، والثمن سبعة أثمان العبد، يبقى للورثة ثمنه، وهو خمسة يوم الموت، والثمن، وهو عشرة، وهما ضعف المحاباة.
الجزء: 7 - الصفحة: 207
وإن صحَّحنا البيع في بعضه بقسطه من الثمن؛ فنقول: صحَّ البيع في شيء من العبد بنصف شيءٍ من الثمن؛ فيكون المحاباة بنصف شيء ويبطل البيع في عبد إِلاَّ شيء، وقيمته عند الموت أربعون درهماً إِلاَّ شيئين، وإنما استثنى شيئين؛ لأن الاستثناء يزيد بحسب زيادة المستثنى منه، فيُضَمُّ إِليه الثمن، وهو نصف شيء، يبقى أربَعُون إلاَّ شيئاً ونصف شيء؛ وذلك يعدل ضعْفَ المحاباة، إليه الثمن، فَيُجْبَرُ، ويقابَلُ.
فأربعون تعدل شيئين ونصف شيء، فالشيء خُمسا الأربعين، وهما ستة عشر، وهي أربعة أخماس العبد يوم البيع، فللمشتري أربعة أخماس العبد بأربعة أخماس الثمن، وهي ثمانية؛ [فتكون المحاباة بثمانية، وللورثة أربعة أخماس الثمن، وهي ثمانية] 317 وخمس العبد وقيمته يوم الموت ثمانية، فالمبلغ ستة عشر؛ ضعف المحاباة.
ولا اعتبار بالزيادة الحادِثَةِ بعد موت المريض، بل وجودُهَا كعدمها.
وأما النقصان: فإما أن يحدث في يد المشتري، أو في يد البائع المريض:
القسم الأول: إذا حدث النقصان في يد المشتري؛ فإما أن يحدُثَ قبل مَوْت البائع، أو بَعْدَهُ:
أما الحالة الأُولَى فمثالها: أن يبيع عبداً قيمته عشرون بعشرة، ثم تعود قيمته إلَى عشرة، ثم يموت البائع، فإن صحَّحنا البيع في بعض العبد بجميع الثمن، فنقول: يملك المشتري نصف العبد بالعشرة، ويُضَمُّ نصفه الآخر يوم الموتِ، وهو خمسةِ إلى الثمن، يبلغ خمسة عشر، فللمشتري شيء من ذلك بالمحاباة، وذلك الشيء محسوبٌ عليه بشيئين؛ لأن النقصان بالقسْط محْسُوب على المتبرّع عليه، فيبقى للورثة خمسة عشر إِلاَّ شيئاً، يعدل ضعف المحسوب علَيْه من المحابَاةِ، وهو أربعة أشياء، فيُجبَرُ، وُيقَابَلُ، فخمسة عشر تعْدِلُ خمسة أشياء، فالشيء ثلاثةِ، وهي ثلاثة أعشار العبد يوم الموت، وإذا انضم إليها النصْف الذي ملكه بالثمن، وهو خمسة يَوْمَ المَوْت، كان المبلغ ثمانية، وهي أربعة أخماس العبد [يوم الموت، فيصحُّ البيع في أربعة أخماس العبد،] 318 وهو ستة عشر بجميع الثمن، وهو عَشَرة؛ يبقى التبرع بستة، وللورثة خمس العبد، وهوَ دِرْهَمَان، والثمن، وهُوَ عَشَرة، وجملتها اثنا عشر ضعْف المحاباة.
وإن صحَّحنا البيع في بعضه بالقِسْط فنقول: يصحُّ البيع في شيء من العبد، بنصف شيء من الثمن، ويبطُل في عبد ناقص بشيء، وقيمته يوم الموت عشرة إلاَّ نصف شيء [فنضم الحاصل من الثمن، وهو نصف شيْء] 319 إليه، فيكون عشرة دراهم
الجزء: 7 - الصفحة: 208
بلا استثناء، وهي تعدل ضعْفَ المحاباة، وهو شيء، فالشيء عشرة دراهم، وهي نصف العبد يوم البيع، فيصحُّ البيع في نصفه، وهو عشرة بنصف الثمن، وهو خمسة، فالمحاباة بخمسة دراهم، وللورثة نصْف العَبْد يوم الموت، وهو خَمْسة، ونصف الثمن، وهو خمسة، وجملتها ضعف المحاباة.
وفقه هذه الحالة: أن ما يصحُّ فيه البيع، فحصته من النقصان محسوبةٌ على المشتري؛ لأنه مضمون عليه [بالقبض، وما بطل فيه البيع، فحصته من النقصان غير مضمونة] 320 على المشتري؛ لأنه أمانة في يده؛ لأنه لم يتعدَّ بإِثبات اليد عليه، ولا قبضه لمنفعة نفسه.
واستدرك الإمام، فقال: إنْ كان النقصانُ مجرَّد انخفاض السوق، فهذا صحيح؛ لأن نقصان السوق لا يُضْمَنُ باليد مع بقاء العين، وأما إذا كان النقصان في نفس العبد؛ فيحتمل أن يقال: إنه مضمون على المشتري؛ لأنه مقبوض على حكم البيع، حتَّى لو برأ المريض، كان البيع لازماً في الجميع.
وإذا كان المقبوض بالبَيْع الفاسِد مضموناً على المشتري لاِعتقادِ كَوْنِه مبيعاً، فهذا أولَى؛ فعلى هذا: يصير المشتري غارماً لقدر من النقصان، مع الثمن، ويختلف القدر الخارج من الحِسَاب.
الحالةُ الثانيةُ: أَن يحدث النقصان بعد موت البائع؛ فظاهر ما أورده الأستاذ أبو منصور: أنه كما لو حَدَث قبل الموت؛ حتَّى يكون القدر المبيع هاهنا، كالقدر المبيع فيما إذا حدث قبل موته، قال الإمام: وهذا خطأٌ، إن أراد هذا الظاهر؛ لأن النَّظَر في التركة، وحساب الثلث والثلثين، إلى حالة الموت، ولا معنى لاعتبار النقصان بَعْده؛ كما لا يعتبر الزِّيَادَة.
القسم الثاني: إذا حدث النقصان في يد البَائِع، بأن باع المريض عبداً يساوي عشرين بعشرة، ولم يسلمه؛ حتى عادَتْ قيمته إلى عشرة؛ ذكر الأستاذ: أنه يصحُّ البيع في جميعه؛ لأن التبرُّع إنما يتم بالتسليم، وقد بان قبل التسليم أنه لا تبرع، وأنه باع الشيء بثمن مثله، وبمثله أجاب، لو عادت القيمة إلَى خمسة عشر؛ لأن التبرُّع يكون بخمسة، والثلث واف بها، واعترض الإمام بأن التبرُّع الواقع في ضمن البيع لا يتوقَّف نفوذه، وانتقال الملك فيه على التسلِيم؛ فوجب أن ينتظر إلَى وقت انتقال الملك، وَأَلاَّ يفرق بين النقصان بعد القبض وقبله، وَهذه الاعتراضات بَينِّه.
فرع: النقصان الحادث في يد المشتري، إن كان بانخفاض السوق، لم يُرْفَع خيار المشتري بتبعض الصفقة عليه، وإن كان لمعنًى في نفس المبيع، فقد شبَّهُوهُ بالعَيْب الحادث، مع الاطلاع علَى العَيْب القديم.
الجزء: 7 - الصفحة: 209
فَصْلٌ
محاباة المشترِي تُعْتَبَرُ من الثلث؛ كمحاباة البائع؛ لأن كلَّ واحد منهما مفوِّت للملك على الورثة، فهذا اشترى المريضُ عبداً، قيمته عشَرةٌ بعشرين، لا يملك غَيْرَها، فثلثُ مالِهِ سنة وثلثان؛ والمحاباة عَشَرة، وستة، وثلثان ثلثا العشرة، فيصحُّ الشراء في ثلثَي العَبْد؛ وهو ستة، وثلثان بثلثي الثمن وهو ثلاثة عشر وثلث، يبقى مع الورثة ثلث الثمن وهو ستة وثلثان -وثلثا العبد- وهو ستة وثلثان، وذلك ضعف المحاباة.
هذا إذا أجاز البائع البَيْع، وله أن يفسخ، ويسترد العبد؛ لتبعض الصفقة عليه، ولو اشترى عبداً، قيمته عشرة، بعشرين، فزادت قيمة العَبْدِ في يده، أو في يد البائع، فصارت خمسة عشر، فقد زادَت خمسة في تركتِهِ، فإن قلنا: يصحُّ الشراء في بعض ما حابى فيه بجميع ما يقابله، فيضم الخمسة الزائدة إلى الثمن؛ فيصير جميع التركة خمسة وعشرين، وثلثها ثمانية وثلث، فيقال للبائع: ثلث ماله ثمانية وثلث، وقد حاباك بعشرة، فإما أن يفسخ العقد، وتسترد العبد، وإما أن تردّ ما زاد على الثلث، وهو درهم وثلثان، فإن رد، فمع الورثة العبد، وقيمته يوم الموت خمسة عشر، ومعهم درهم وثلثان، وهما ضعف المحاباة، وإن قلْنا: يصحُّ الشراء في بعضِهِ ببعض ما يقابله، فنقول: يصحُّ الشراء في شيء من العبد بشيئَيْنِ من الثمن؛ فتكون المحاباة بشيء.
يبقَى عشرون درهماً إلاَّ شيئين؛ يُضَمُّ إليه المُشتَرى من العَبْد، وكان شيئاً فصار شيئاً ونصفاً، يبلغ عشرين إلاَّ شيئاً، ونصف شيء، وذلك يعدل ضعف المحاباة، وهو شيئان، فيُجْبَرُ وُيقابَلُ فالعشْرِون، تعدل شيئين ونصف شيء، فالشيء ثمانية؛ وهي خُمُسا العشرين، وأربعة أخماس العبد، فيصحُّ البيع في أربعة أخماس العبد، وهي ثمانية بأربعة أخماس الثمن، وهي ستة عشر؛ فتكون محاباةُ المشتري بثمانية، يبقى لورثته خمس الثمن؛ وهو أربعة وأربعة أخماس العبد، وهي اثنا عشر يوم الموت فالجملة ستة عشر، ضعْفَ المحاباة.
ولو اشترَى كما ذكرنا، ثم نقص العبد في يد المريض، فعادَتْ قيمته إلى خمسة، فإن قلْنا.
بالأول من القولين، فقد كانت تركته عشْرِين، وصارت بالآخرة خمسةَ عَشَرَ، وثلثها خمسة، فيقال للبائع: إما أن ترد على الورثة خمسة؛ ليكون معهم العبد، وهو والدراهم الخمسة 321، فيكون لهم ضعْف الخمسة، وإما أن تفسخ البيع، وتردَّ الثمن بتمامه، وتستردَّ العبد ناقصاً، ولا ضمان للمشتري، وإن قلْنا بالتقسيط، فقد ذكر الأستاذ
الجزء: 7 - الصفحة: 210
أبو منصور: أن المُشْتَرِي يضمن قسْط ما بطل البيع فيه من النقصان، وينقص ذلك من التركة؛ كدَيْن يلزمه قضاؤُه، قال الإِمامُ: هذا رجوعٌ إلَى ما قدمنا أن المأخوذ على أنه مبيع، يكون مضموناً عليه، ومناقض لما ذكر الأُسْتَاذُ أنَّ ما لا يصحُّ فيه البيع أمانة في يد المشتري، ثم حسابه أن يُقال: صحَّ الشراء في شيء من العبد، بشيئين من الثمن، وبَطَلَ في عبد ناقص، بشَيْءٍ، قيمته بالتراجع خمسة دراهم، إلا نِصْفَ شيء، فينقص القدر الذي نقص من التركة، تبقَى خمسة عشر درهماً إلا شيئاً ونصف شيء؛ تضم إليه الشيء المشتري من العبد، وقد رجع إلى نصف شيء، فيكون الحاصل خمسة عشر [درهماً إلا شَيْئاً يعدل ضعْف المحاباة، وهو شيئان فتجبر وتقابل فخمسة عشر] 322 تعدل ثلاثة أشياء.
فالشيء ثلث الخمسة عشر، وهو نصْف العبد، فيصحُّ الشراء في نصف العبد بنصف الثمن، فتكون المحاباة بخَمْسَة؛ يبقَى للورثة نصف الثمن، وهو عَشَرة، ونصف العبد، وهو اثنان ونصف، يسقط من المبْلَغِ قسط ما بَطَلَ العقد فيه من النقصان، وهو اثنان ونصف شيء، يبقى في أيديهم عشرة ضعْف المحاباة.
فرع: اشترى المريض عبْداً يساوي عشرة بعشرين، وله ثلاثون درهماً، وقبض العبد، وأعتقه، فالمحاباة بعشرة، وهي ثلث ماله، قال ابن الحدَّادِ: إن كان ذلك قَبْل توفية الثمن على البائع نفذ العتق، وبطَلَتِ المحاباة، والبائع يأخذ قَدْر قيمة العبد، بلا زيادة، وعلل بأن المحاباة في الشِّرَاء.
كالهبة، فإذا لم تكن مقبوضةً حتَّى جاء ما هو أقوَى منها، وهو العتق، أبطلها.
وإن كان بعد توفية الثمن، بطل العتق؛ لأن المحاباةَ المقْبُوضَة قد استغرقَتِ الثلث.
قال الشيخ أبو عليٍّ: قد أكثر ابن الحدَّاد التبجح 323 بهذه المسألة، وهو غالطٌ فيها عند الأصحاب كلِّهم، وقالوا: لا فرق في المحاباة بين أن تكون مقبوضَةً، أو لا تكون مقبوضة؛ لأنها متعلَّقة بالمعاوضة [والمعاوضات] 324 تلزم بنفس العقد، ولهذا يتمكَّن الواهب من إبطال الهبَةِ قبل القَبْض، ولا يتمكن من إِبطال المحاباة.
وقد أجاب ابن الحدَّاد في "باب الصداق" بهذا، إذا أصدق المريض المرأة أكثر من مَهْرِ مثلها، وإذا لم يفترق الحال بين أن تكون مقبوضة، أو غير مقبوضة فالجواب في الحالتين تصحيحُ المحاباةِ المتقدِّمة، وإبطال العتق المتأخِّر، قال: وأما قوله: "إن البائع يأخذ قيمة العبد بلا زيادة"، فهذا لا يجوز أن يلزم، ويكلَّف به؛ لأنه لم يَزُلْ ملكُهُ إِلاَّ بعشْرِين، ولكن يُخَيَّرُ بين ما ذكروه، وبين أن يفسخ البيع ويبطل العِتْق.
الجزء: 7 - الصفحة: 211
فَصْلٌ في إِتلاف المريضِ المُحَابِي، أو صاحِبِه ما أخذه
باع المريض عبداً، يساوي عشرين، بخمسةٍ، وأتلف الثمن الذي أخذه؛ فإن قلنا: يصحُّ البيع في بعض ما حابَى فيه بجميع ما يقابله، فقد ملك المشتري ربع العَبْدِ بالخمسة، وأتلف البائع الخمسة من ماله، فعادَتِ التركَةُ إلى خمسة عشر للمشتري من ذلك شيء بالمحاباة، يبقَى للورثة خمسة عَشَر إلاَّ شيئاً يعدل ضعف المحاباة، وهو شيئان، فَيُجْبَرُ، ويُقَابَلُ؛ فخمسة عشر تعدِلُ ثلاثة أشياء؛ فالشيء خمسة، وهو ربع العبد؛ فيحصل للمشتري نصْف العبد، ربعه بالثمن، وربعه بالتبرُّع، وهو خمسة؛ يبقى للورثة عَشَرة ضعْف المحاباة.
وإن قلْنا بالتقسيط، صحَّ البيع في ثلث العبد بثلث الثمن، وقد بينا ذلك بطريقة الجبر وغيرها، فيما إذا باع قَفِيزَ حنظة يساوي عشرين، أو ثلاثين، بقفيز يساوي عشرةً في "باب تفريق الصفقة" وهذا الجوابُ مطَّرِدٌ، كيف فُرِضتْ قيمة الجيد والرديء على اختلاف الأقدار، وبُيَّنَ ذلك بطريقتين أخريتين والتصوير فيما إذا كان الجيِّدُ يساوي عشْرين، والرديءُ عَشَرَةً.
إحداهما: بطريقة الخطائين، فقدر القفيز الجيِّد خمسة أسهم، وتصحيحُ البيع في سَهْم بنصف سهم، فتكون المحاباةُ بنصْف سهم؛ يبقَى أربعة أسهُمٍ ونصْف سهم، يقضي منْهَا القفيز الرديء، وهو سهمان ونصف، ويبقَى في يد الورثة سهمان، وكان ينبغِي أنْ يكُونَ سهماً، ولو ضعف المحاباة فأخطأنا بسهم واحد، ثم نعود ونصحَّح البيع في سهمٍ وثلث سهم من الخمسة بنصْفه، وهو ثلثا سهْم؛ فتكون المحاباةُ بثلثَي سهم، تبقَى في يد الورثة أربعَةٌ وثلث.
نقضي منها القفيزَ الرَّدِيء، وهما سهمان ونصْف، يبقَى سهم وخمسة أسداس سَهْم، وكان ينبغِي أَنْ يكون سهماً وثلثاً، فأخطأنا بنصف سهم، فنقول: لما زدْنَا ثلُث سَهْم، ذهب نصف الخطأ.
فلو زدنا ثلثَيْ سهم، ذهب جميع الخطأ، فإذن ما يصحُّ البيع فيه من الخمسة سهم وثلثان، وذلك ثلث الخمسة.
والثانية: طريقة الدينار والدرهم، نُقدِّر القفيزَ الجيِّد ديناراً ودرهماً، ونصحِّح البيع في الدينار، ويعود إليه نصفه، فتبقى المحاباة بنصف دينار، ويكون عنده درهم ونصف دينار، وهو العائد إليه، وقد أتلف الرديء، وهو نصف درهم ونصف دينار، فينقصه مما بقي للورثة، يبقى نصف درهم، يعدل بنصْف المُحَاباة، وهو دينار، فعرفنا أن الدينار نصْفُ درهم، وهو ثلث القفيز.
ولو أتلف المريض بعْضَ القفيز الرديء، كأنه أتلف نصفه، وقيمة القفيز الجيِّد عشرون، فبطريق النسبة والتقدير يقول: مالُ المريضِ عشْرُون، لكنه أتلف خمسة،
الجزء: 7 - الصفحة: 212
فَنَحُطُّ مِنْ ماله، يبقى خمسة عشر؛ ثلثها خمسة، والمحاباة عشرة، والخمسة نصف العشرة، فيصحُّ البيع في نصف العبد، بنصف الثمن، فيكون المحاباة بخمسة، يبقَى للورثة نصْف العبد، وهو عشرة، ضعْف المحاباة.
وبطريق الدينار والدرْهَمِ: يجْعَلُ القفيزَ الجيِّد ديناراً ودرهماً، نصحح البيع في الدينار بمثل نصفه، يبقَى درهم ونصف دينار؛ يُقضَى منه الدَّين، وهو ربع دينار وربع درهم؛ لأنَّ الرديء نصْفُ دينارٍ، ونصفُ درهم، والمتلف نصف الرديء، فيبقَى مع الورثة ثلاثة أَرباع درْهَمٍ وربع دينار، يعدل ضعف المحاباة، وهو دينار، فنسقط ربع دينار بربع دينار؛ يبقَى ثَلاثة أرباع درهم، يعدل ثلاثة أرباع دينار، فالدينار مثل الدرهم، فعرفنا صِحَّةَ البيع في نصْفِ القفيز بنصْفِ القفيز.
فروع أحدها: باع المريضُ قفيز حنطةٍ، قيمته خمسة عشر لأخيه، بقفيز قيمته خمسة، فمات أخوه قبله، وخلف بنتاً، وأخاه البائع، ثم مات البائع، ولا مال لَهُمَا سوى ما تصرَّفا فيه، فيصحُّ البيع في شيء من القفيز الجيد، وُيرْجَعُ بالعوض ثلث شيء؛ يبقَى معه قفيز إِلاَّ ثلثي شيء، فالمحاباة بثلثي شيء، ويحصل مع المشتري شيء من القفيز الجيد، والباقي من قفيزه، وهو قيمة القفيز الجيد، ثلث قفيز إلاَّ ثلث شيء، فهما معاً ثلث قفيز وثلثا شيء، يُرْجَعُ نصفه بالإِرث إلَى البائع، وهو سدس قفيز وثلث شيء، فنزيده عَلَى ما كان للبائع، فالمبلغ قفيز وسدس قفيز إلا ثلث شيء، وهذا يعدل ضعف المحاباة، وهو شيء وثلث شيء، فيُجْبَرُ وُيقابل.
فقفيز وسدس قفيز يعدل شيئاً وثلثي شيء، فنبسطها أسْدَاساً، ونقلب الاسم، فالقفيزُ عَشَرة، والشيء سبعة، فيصحُّ البيع في سبعة أعشار الجيد، وهو عشَرَةٌ ونصف، بسبعة 325 أعشار الرديء، وهو ثلاثة ونصف فتكون المحاباة بسَبْعَة، يبقَى مع البائع من قفيزه أربعةٌ ونصْفٌ، وقد أخذ بالعوض ثلاثة دراهم، ونصفِ درْهَم، فالمجموع ثمانية، وللمشتري من قفيزه دِرْهَمٌ ونصف ومن القفيز الجيِّد عَشَرة ونصف، يكون اثنَيْ عشر درهماً، يُرُجَعُ نصفه إلى البائع، وهو ستة، يبلغ ما عنده أربعة عَشَر، وهي ضعْف المحاباة.
ولو كان القفيز الرديءُ بالقيمة نصْفَ الجيد، والجيد يساوي عشرين، صحَّ البيع في الجميع؛ لأنه يكون المحاباة بعَشَرة، فيبقَى عنده عشرة، ويُرْجَعُ إِليه بالإرث عشرة.
الثاني: باع المريض عبداً، يساوي عشرين، بعشرة، فاكتسب العبد عشْرين في يد البَائِع، أَو في يد المشتَرِي، ثم مات المريض، فإن ترك عشرَة سوَى ثمن العبيد، نفذ
الجزء: 7 - الصفحة: 213
البيع في جميع للعبد، وكان الكسب للمشتري، وإن لم يملك شيئاً آخَر، بطل البيع في بعض العبد؛ لأن المحاباة لا تَخْرُجُ عن الثلث.
ثم حكى الإمامُ عن الأستاذ: أن الكسْبَ بتمامه للمشتري؛ لأنه حصل في ملكه، ثم عرض الفسخ والرد، وكان كما لو اطَّلَعَ المشتَرِي عَلَى عيب قديم بَعْد الكسب، فإنه يرده، ويبقى الكسب له، قال: وهذا زللٌ عظيمٌ؛ بل الوجه القطْعُ بأن الكسب تبعَّض بتبعُّض العبد، كما في العتق، وليس هذا فسخاً؛ ورداً للبيع في بعض العبد، بل نتبيَّن حصول الملك للمشتري في بعْض العَبْد دُون البَعْض، وصحة البيع، وهذا حقٌّ؛ لكنّ الأستاذ غير مبتدئ بهذا الكلام، ولا مبدله من عند نفسه يعدل عليه، وإنما رواه عن جواب ابن سُرَيْجٍ وأكثر الأصحاب.
ثم حكَى عن بعضهم: أن الكَسْب كالزِّيادة الحادثة في قيمته؛ وعلَى هذا: فيكون الحكْمُ التبعيض، كما في الزيادة، ولو اشترَى المريضُ عبداً، قيمته عشرة بعشرين، فاكتسب، فالكسْبُ كالزيادة في القيمة؛ لأنَّ التركة تزدَادُ به، وحكم الزيادة ما سبق.
الثالث: لو اشترى المريضُ عبداً بعَشَرة، وترك سواء بعشرين، وأوصَى لرجل بعَشَرة، ثم وجد بالعبد عيباً ينقصه خمسة، فاختار إمساكه، جاز، وكأنه حاباه بخمسة.
والمحاباة مقدّمة على الوصية، وللموصى له باقي الثلث، وهو خمسة، وإن وجد الورثة العَبْد معيباً، وأمسكوه، للموصَى له العشرة، وما نقص بالعيب، كأنهم أتلفوه؛ لأنهم لو شاءوا لفَسَخُوا، واستردوا الثمن، ولو اشترى عبداً بثلاثين، فأعتقه، وخَلَّف ستين درهماً، ثم وجد الورثة به عَيْباً، ينقصه خمسة دراهم، رجعوا على البائع بالأرش ولو وهبه وأقبضه، لم يرجعوا؛ لأنه ربما يعود إلَيْهم، فيردوه، هذا جواب الأستاذ:
وفيه وجه آخر مشروحٌ في موضعه، ولو لم يخلف غير العبد، وكان قد أعتقه، عَتَقَ منه خمساه، وهو عشرة دراهم، يرجع الورثة بالأرش، وهو خمسة على البائع، ولهم مع ذلك ثلاثة أخماس العبد، وهي خمسة عشر؛ فتكون عشرين ضعْف المحاباة.
قال الأستاذُ: وللبائع أن يأخذ ثلاثة أخماسِ العَبْد، ويرد ثلاثة أخماس الثمن، ويُغَرَّم أرش خمسيه وهو درهمان، ولو كان قد وهبه، وأقبضه بَدَلَ الإعتاق، فالخمسةُ الناقِصَة تُحْسَبُ من الثلث؛ لأن المريض هو الذي فَوَّتَ الرجوع بالأرش بما أنشأ من الهبة، وللموهوب له خُمسه، وهو خمسة، وللورثة أربعة أخماسه وهي عشرون.
الرابع: ترك عبداً قيمته ثلاثون، وأوصى بأن يُبَاعَ من زيد بعشرة، فثلث ماله عشرة، وأوصَى بأن يُحَابَى بعشرين؛ فإذا لم يُجِزِ الورثة، بيع منه عَلَى قولٍ ثلثا العبد بجميع العشرة؛ لتحصُلَ له المحاباة بقَدْر الثلث؛ وللورثة ضعفه.
وعلى قَوْلِ التقسيط يُبَاعُ منه نصْف العبد بنصف الثمن، ولو أوصَى مع ذلك بثلث
الجزء: 7 - الصفحة: 214
ماله لعمرو، فالثلث بينهما على ثَلاثةٍ؛ لزيد سهمان، ولعمرو سهم، [قال الأستاذ: فعلَى أحد القولين: يُبَاعُ من زيد خَمْسَةُ أتساع العبد، وهي ستة عشر وثلثان، عشرة] 326 بالثمن، والباقي محاباةٌ بجميع العشرة، ويُدْفَعُ إلَى عمرو ثلاثة وثلث، يبقى 327 عشرون للورثة، وعلى الثاني: يُبَاع ثُلُثُ العَبد، وهو عشرة، بثلث الثمن، وهو ثلاثة وثلث، ويُدْفَعُ إلَى عمرو ثلاثة وثلث، والباقي للورثة وهو عشرون.
ومن التصرُّفات التي يعتريها الدَّوْر السَّلَم، فإذا أسلم المريضُ عشرة في قَدْر من الحنطة مؤجلاً، يساوي عشرَةً، ومات قبل أن يحلَّ الأجل، فللورثة الخيار؛ إن أجازوا، فالسلم بحاله، وإن قالوا: لا نَرْضَى بالأجل في محلِّ حقنا، وهو الثلثان، فلهم ذلك على ما ذكَرْنَا في بيع الأعيان، بثمن مؤجل، وحينئذ فالمُسلَّم إليه بالخيار؛ إن شاء، فسخ السَّلَم، ورد رأس المال بتمامه، وإن شاء، ردَّ ثلثي رأس المال؛ وفسخ العقد في الثلثين، وبقي الثلُثُ عليه مؤجَّلاً، وإن شاء عجَّل ثلث ما عليه، ويبقى الثلث مُؤَجَّلاً عليه، فأيهما اختار، سقط حقُّ الورثة من الفسخ.
ولو أسلم عشرة في قَدْر يساوي ثلاثين، فللورثة الخيار أيضاً مع الغِبْطة بسَبَبِ التأجيل، وللمسلم إليه الخيارُ كما ذكرنا، فيكفيه أن يعَّجل مما عليه ثلثي العشرة، وذلكَ تسعاً ما عليه من الحنطة، فيكون الباقي عليه إلى انقضاء الأَجَلِ، وإنما كفاه تعَجِيل هذا القدر؛ لأنه يقول: عليه الأمر؛ أنه وهب منى العشرة، وأنتم رددتُّمْ تبرُّعه في ثلثيها؛ فلا يحصل لكم إلاَّ ما أعجله، ولو أسلم ثلاثين في قدر يساوي عشرة، فللورثة الاعتراضُ هاهنا من جهة التأجيل، ومن جهة أنه تبرُّع بما فوق الثلث، فهذا لم يجيزوا، فالمسلم إلَيْه بالخيار؛ إن شاء، فسخ السلم، وردَّ رأس المال، هان شاء، فسَخه في الثلاثين، ورد ثلثي رأس المال، ويكون الباقي عليه إلَى أجله، وإن شاء، عجَّلَ ما عليه؛ مع ما زاد من المحاباة على الثلث.
ولا يكْفيه تعجيلُ ما عليه هاهنا؛ لأنه يحصُلُ للورثة ثلثا المال، ولو عجَّل نصف ما عليه مع نصف رأس المال، وفسخ السلم في النصف، كفى، ولو أسلم المريض إلَى رجلين ثلاثين درهماً في قفيز من الحنْطَة، قيمته عشرة إلَى أجل؛ ولم يجز الورثة، واختار المسلَّم إليهما إمضاء السَّلَم فيما يجوز فيه السَّلَم، فإنْ فرعنا عَلَى أن العقد يصحُّ في بعض ما حابَى فيه بقسْطِه مما يقابله، صحَّ لهما السَّلَمُ في نصْف المسلم فيه، وقيمته خمسة دراهم، بنصف رأس المال، وهو خمسة عشر؛ فتكون المحاباة بعشرة وللورثة نصْف المسلَّم فيه، وهو خمسة، ونصف رأَس المال، وهو خمسة عشر، وذلك ضعْفُ
الجزء: 7 - الصفحة: 215
المحابَاةِ فلو غاب أحدُهُما بعد الاختيار، وصار معْسِراً، وتعذر تحصيل المال منه، فلابن سريج وجهان:
أحدُهما: أنهما إذا رَضِيَا بالمسلم فيما يستحقُّه الغائب من المحاباة، يُجْعَلُ كأنَّه قَبَضَهُ؛ فيدخل في حساب التبرع، وما عليه في الحال جُعل كالتالف، وكان ما في يد الحاضر كل التركة، فيصح السَّلَم في ثلاثة أعشار نصْف المسلم فيه لنحاضر بثلاثة أعشار نصف الثمن، وحسابه أن يُقالَ: صحَّ السلم لهما في شيء من المسلَّم فيه بثلاثة أشياء من الدراهم، فتكون المحاباة بشيئين، فيؤدي الحاضر نصْف الشيء بشئ ونصف، ويرد باقي الدراهم التي قبضها، وهو خمسة عَشَر إلاَّ شيئاً ونصف شيء، فيضمه الورثة إلَى ما أخذوا من المسلَّم فيه، فيكون خمسة عَشَر درهماً إِلاَّ شيئاً، وذلك يَعْدِلُ ضعف المحاباة، وهو أربعة أشياء، فيُجْبَرُ، ويُقَابَلُ.
فخمسة عَشَرَ تعدل خمسة أشياء، فالشيء خمسي الخمسة عشر، وهو ثلاثة، وهي ثلاثة أعشار القفيز، يؤدي الحاضر نصف ذلك، وهو ثلاثة أعشار نصف القفيز، وقيمتها درهم ونصف، بثلاثة أعشار نصف الدراهم، وهي أربعة ونصف، فتردُّ باقي النصف من الدراهم، وهي عشرة ونصْف، يضمُّه الورثة إلَى ما أخذوا، يبلغ اثني عشر، وهي ضعْفُ محاباته، ومحاباة صاحبه الغائب، وكلُّ ما يحصل بالمحاباة له، يحصل صاحبه مثله.
ثم إذا حضر الغائب، وأحضر ما عليه، صحَّ لهما السلم في النصف، فيؤدي الغائب ربع القفيز، ونصف ما قبض من الدراهم، ويؤدي الحاضر تتمة الربع، ويسترد من الورثة ثلاثة دراهم.
والوجه الثاني: أنا نقدر كأن الميت [لم] 328 يعامل إلاَّ الحاضر، وكأنه أسلم خمسة عشر في نصف قفيز، قيمته خمسة، فيصحُّ السلم في ربع قفيز، بنصف رأس المال، ثم إن تلف ما عَلَى الغائِبِ، فالذي جرَى ماضٍ على الصحة، وإن حضر الغائب أدَّى ربع القفيز، ونصف 329 ما قبض من الدراهم، هذا على قول التِّقْسيط.
أما إذا قلْنا: يصحُّ العقد في بعض ما حابَى فيه بجميع الثمن.
قال الأستاذ: إذا اختار إمْضَاء العَقْد، صح السلم في جميع القفيز بثلثَيْ رأس المال؛ فيؤديان القفيز، ويردَّان عشرة دراهم، وإن كان أحدهما غائباً، وأجاز الحاضر، جعلت الثلث سهمين بين الحاضر والغائب، وللورثة الثلثان، يسقط سهم 330 الغائب؛
الجزء: 7 - الصفحة: 216
لأنه يأخذ مما عنده، ويقسم الحاضر من التركة، وهو خمسة عشر بين الورثة والحاضر على خمسة أسهم، للحاضر منها سهم؛ وهو ثلثه، وهي وصية؛ فيؤدَّى نصف القفيز وقيمته خمسة بتمامه؛ ثلاثة منها محاباة، ويرد سبعة دراهم؛ فيكون للورثة نصفُ القفيز، وسبعة دراهم، وذلك اثنا عَشَرَ ضعف ما يحْصُلُ لهما من المحاباة.
وعلى الوجه الأول الذي تقدَّر أن الميت لم يُعَاملْ غير الحاضر، فيردي نصف القفيز، ويرد خمسة دراهم.
ومنها الضمان، والإقرار، والشُّفْعَة: وقد ذكرنا مثال الدَّوْر فيها، في أبوابها، ومن صوره في الإقرار، إذا قال زيد لعمرو عليَّ عشرة، إلاَّ نصف ما على بكر، وقال بكر لعمرو: عليَّ عشرةٌ، إلا نصف ما على زيد: فعلى كلَّ واحد من زيد، وبكر عشَرةٌ إلاَّ شيئاً، نأخذ نصف ما عَلَى أحدهما، وهو خمسة إلاَّ نصف شيء، وذلك يعدل الشيء الناقص من العشرة؛ لأنا نعلم أن ما عَلَى كل واحد منهما إذا زيد نصفه على عشرة إِلاَّ شيئاً، كان المبلغ عشرةً؛ فإذن: خمسةٌ إلا نصف شيء، يعدل شيئاً، فيُجْبَرُ ويُقَابَلُ فخمسةٌ تعدل شيئاً ونصفاً، فالشيء ثلثا الخمسة، وهو ثلاثةٌ وثلُثٌ، فهي الشيء، تسقطها من العشرة، يبقى ستة وثلثان، فهي التي يجبُ عَلَى كل واحد منهما.
ولو قال: كلُّ واحدٍ: عشرة إلا ربع ما على الآخر، قلنا: على كل واحد عشرة إِلا شيئاً، نَأْخُذ ربُعَ، ما على أحدهما، وهو درهمان ونصف، إِلاَّ ربع شيء، وذلك يعدل الشيء الناقِصَ، فيُجْبَرُ، ويُقَابَلُ، فيقع درهمانِ ونصْف في معادلة شيء وربع، شيء فالشيء درهمان، يسقطهما من العَشَرَة، يبقَى ثمانية، فهي التي تجبُ عَلَى كلِّ واحد منهما.
ولو قال أحدهما: عَشَرة إلاَّ نصف ما على الآخر، وقال الآخر: عشرةٌ إلاَّ ثُلُث ما عَلَى الآخر، فعلَى أحدهما ثلاثة أَشياء لذكر الثلث، يسقط ثلثها من العشرة، تبقَى عشرة إِلاَّ شيئاً، فهي التي على الآخر، نأخذ نصفها، وهو خمسة إِلاَّ نصف شيء، فنزيدها عَلَى ما على الآخر، وهو ثلاثة أَشياء، فتكون خمسة دراهم وشيئين ونصف شيء، وذلك يعدل عشرة، يسقط الخمسة بخمسة، يبقَى خمسة دراهم في معادلة شيئَيْنِ ونصف، فالشيء الواحد درْهَمَان، وكان عَلَى أحدهما ثلاثةُ أشياء، فهي ستة دراهم، وعلى الآخر عشرة إِلاَّ شيئاً، فهي ثمانية.
ولو قال كلُّ واحدٍ منهما: له عشرةٌ ونصْفُ ما على الآخر، فنقول على كلِّ واحدٍ منهما عشرةٌ وشيء، ونأخذ نصْفَ ما عَلَى أحدهما، وهو خمسة ونصف شيء، وذلك يعدل الشيء الزائد على العشرة، فيسقط نصف شيء بنصف شيء؛ يبقَى نصف شيء في معادلة خمسة دراهم، فالشيء عشرة دراهم وعلى كل واحد عشرون، ولو قال كل واحد: عَشَرةٌ وثلث ما على الآخر [فيزاد على العشرة نصفها تبلع خمسة عشر فهي
الجزء: 7 - الصفحة: 217
الواجب على كل منهما ولو قال وربع ما على الآخر] (1) فَيُزَادُ على العشرة ثلثها، ويُقَال: على كل واحد منهما ثلاثة عشر وثلث، وعلى هذا التنزيل.
ومنها الهبة، وفيها فصْلاَن:
فَصْل
إذا وهب المريض عبداً مثلاً من غيره، ثم رجع الموهوب، أو بعضه إلى الواهب بهبة، أو غيرها، دارت المسألة؛ لأن التركة تزيدُ بحَسَب قدْر الراجِع، وإذا زادتِ التركةُ، زادَتِ الثلث، وإذا زاد الثلث، زاد الراجع وزادَتِ التركة، وتضمن الفصْل مسائل.
مسألة: وهب المريضُ عبداً، فأقبضه، ثم وهبه الثاني من الأوَّل، وهو مريضٌ أيضاً، وماتا، ولا مال لهما سوَى العَبْد، فبالجبر: نقول: صحَّت هبة الأوَّل في شيء من العَبْد، فبقي عبد إلاَّ شيئاً؛ وصحَّت هبة الثاني في ثلث ذلك الشيء، فيرجع إلى الأوَّل ثلث شيء، ويكون عنده عبد إلا ثلثَيْ شيء وذلك يعدل ضعف ما صحَّت هبته فيه، وهو شيئان، فبعد الجبر؛ عبد يعدل شيئين وثلثَيْ شيء، نبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم.
فالعبد ثمانية، والشيء ثلاثة؛ فتصحُّ هبة الأول في ثلاثة أثمان العبد، وتبطلُ في الباقي، وتصحُّ هبة الثاني في ثمن من الأثمان الثلاثة؛ فيبقَى مع ورثة الثاني ثمنان، وهما ضعْف هبته، ومع ورثة الأول ستة أثمان العبد، وذلك ضعف هبته.
وبطريق السهام: تطلب عدداً له ثلث، ولثلثه ثلث؛ لمكان الهبتين، وأقلُّه تسعة، فتصحُّ هبة الأوَّل في ثلاثة، وُيرْجَعُ من الثلاثة واحد إلَى الأَول، وهذا هو سهم الدَّوْر، يسقطه من التسعة، يبقَى ثمانية، تصحُّ الهبة في ثلاثة منها، كما سبق، فإن كان الباقي صحيحاً، صحَّت هبة الأول في شيء من العبد؛ فيبقى عبد إلاَّ شيئاً.
ثم يرجع ذلك الشيء بالهبة إلَيْه، فعنده عبْد كامل، يعدل ضعف ما صحَّت فيه الهبة، وهو شيئان، فنقلب الاسم، ونجعل العبد اثنين، والشيء واحداً؛ فتصحُّ الهبة في نصفه، وُيرْجَعُ إليه، فيكون عنده عبد تام ضعْف ما وهب ولو وهب الثاني من مريضٍ ثالثٍ، وأقبضه، ثم وهب الثالث من الأول، فتصح هبة الأول في شيْءٍ من العبد، وهبة الثاني في ثلث ذلك الشيء، وهبة الثالث في ثلث ثلاثة، وهو تُسْعٌ، فيرجع إليه تسع ذلك الشيء، يبقى معه عبد إلا ثمانية أَتساع شيء، وذلك يعدل شَيْئَيْن، فبعد الجبر: عبد يعدل شيئين، وثمانية أتساع الشَّيْء.331
الجزء: 7 - الصفحة: 218
فنبسطُها أَتساعاً، وتقلب الاسم، فالعبد ستة وعشرون، والشيء تسعة، فتصحُّ هبة الأول في تسعة أجزاء من ستة وعشرين جزءاً من العبد، وهبة الثاني في ثلاثة منْهَا، يبقَى مع ورثته ستة، هي ضعف هبة الثالِثِ في واحِدٍ، يَبْقَى مع ورثته سهْمَان، وتضم جزءاً إلَى ما بقي مع ورثة الأوَّل، يكون ثمانية عشر، وهي ضعْفُ ما صحَّتْ فيه هبته.
وبالسِّهَام تطلب عدد له ثلث، ولثلثه ثلث، ولثلث ثلثه ثلث، لاجتماع الهبات الثلاث، وأقلُّه سبعة وعشرون، يسقُطُ منه سَهْم الدَّوْر، يبقى ستة وعشرون، عَلَى ما ذكرنا، ولو أن المريض الثاني وهَبَهُ من المريض الأوَّل، ومن مريض ثالث معاً، ثم وهب الثالث ما صار له من الأول، ثم مَاتُوا: فتصحُّ هبة الأوَّل في شيء، يبقَى عبد ناقص بشيء، ويصح هبة الثاني من ثلث الشيء، لكل واحد من الموهوب لهما سدس شيء، وتصحُّ هبة الثالث في ثلث السدس الذي صار له، وهو جزءٌ من ثمانية عشر، فَيَرْجِعُ إلى الأول من الثاني سُدُسُ، ومن الثالث ثُلُثُ سدس شيء، فيكون عنده عبد إِلاَّ أربعة عشر جزءاً من ثمانية عشر جزءاً من شيء.
وذلك يعدِلُ شيئين، فبعدَ الجَبْر، والمقابلة، والبسط بأجزاء الثمانية عشر، وقلب الاسم يكون العبد خُمْسَيْن، والشيء ثمانية عشر، فتصحُّ هبة الأول في ثمانية عشر من خمسين من العبد، وهبة الثاني في ثلثه وهو ستة، وهبة الثالث في ثلث ما صَارَ له، وهو واحد، فيُرْجَعُ إلى الأول من الثاني ثلاثة، ومن الثالث واحدٌ، يجتمع معه ستة وثلاثون، ضعف ما صحَّتْ هبته فيه.
مسألة: إذا كان للواهب شيء من التركة سوَى المَوْهُوب، كأن وهب عبداً، قيمته مائةٌ، وأقبضه، ثم وهبَهُ الموهوب منه، وهو مريضٌ أيضاً من الأول، ثم ماتا، للأول خمسون سوَى العَبْدَ.
فطريق الدينار والدرهم نقول: العبد دينارٌ ودرهمٌ تصحُّ هبة الأول في درهم، ويُرْجَعُ إليه بهبة الثاني ثلُث درهم، يبقَى معه من العبد دينارٌ، ومما سواه نصْفُ دينار، ونصف درهم، فإنه مثلُ نصف العبد، ومما رجع إليه ثلث درهم، فالمبلَغُ دينار ونصف دينار، وخمسة أسداس درهم، وذلك يعدِلُ ضعْف المحاباة، وهو درهمان، يسقط خمسة أسداس درْهَم بخمسة أسداس درهم، يبقَى دينار ونصف دينار في معادلة درهم وسدس درهم، فنبسطُهَا أسداساً، ونقلب الاسم.
فالدرهم تسْعةٌ، والدينار سبعة، وكان العبد درهماً وديناراً؛ فهو إِذَنْ: ستة عشر؛ تصحُّ الهبة في تسعة منها، وترْجَعُ إليه بالهبة الثانية ثلاثة، ومعه تركة مثلُ نصفْ العبد فالمبلغ ثمانية عشر، ضعْف التسعة، ولو كان على الواهِب الأوَّل دَين، ولا تركة سوى العَبْد، فإن كان الدَّيْن مثل العبد، أو أكثر، فالهبة باطلة، وإن كان أقل؛ بأن وهب عبداً،
الجزء: 7 - الصفحة: 219
قيمته مائة، وعليه عشرون ديناراً، فتصحُّ هبة الأول في شيء، وُيرْجَعُ إليه ثلث شيء، فيبقى عبد إلا ثلثي شيء، يُقْضَى منه الدَّيْن، وهو خمس العبد، يبقى أربعة أَخماس العبد إِلاَّ ثلثَيْ شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: أربعة أخماسِ عبدٍ يَعْدِلُ شيئين، وثلثي شيء، فنبسطُهَا بأجزاء الثلُثِ، والخمس بأن نضربهما في خمسة عشر، ونقلب الاسم، فالعبد أربعون، والشيء اثنا عشر؛ تصحُّ هبة الأوَّلِ في اثني عشر، من أربعين من العبد، وتعود إليه أربعة، يبقى اثنان وثلاثون، يُقْضَى منه الدين، هو ثمانية أجزاء، مثل خمس العبد؛ يبقَى أَربعة وعشرُون، ضعْف الهبة.
ولو كان للمريضِ الثاني تركةٌ سوى العبد؛ بأن كان العبد مائةٌ، وللثاني خمْسُون سوى العبد، ووهب جميع ماله؛ فتصحُّ هبة الأَول في شيء من العبد، ويكون مع الثاني نصْف عبد وشيء، يُرْجَعُ ثلثه إِلى الأوَّل، وهو سدس عبد وثلث شيء، فيجتمع عنده عبْدٌ، وسدُسُ عَبْدٍ، إلا ثلثي شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر عبْدٌ وسدسُ عبدٍ يعدل شيئين وثلثي شيء؛ فنبسطها أسداساً.
ونقلب الاسم، فالعبد ستة عشر، والشيء سبعة، وسع الثاني نِصْف عبد، وهو ثمانيَةٌ، [مع الشيء وهو سبعة] 332 فالمبلغ خمسة عشر، يُرْجَعُ إلى الأول من هبته خمسة، فالمبلغ أربعةَ عَشَر، ضعف الهبة، ولو كانت الهبتان، كما ذكرنا، ولا شيء لهما سوَى العَبْد، وعلى الثاني خمْسَة وعشْرُون ديناراً، فيُجْعَلُ العبد دينارًا ودرهماً، وتصحُّ هبة الأول في الدراهم، ويُقْضَى منه دَيْن الثاني؛ وهو ربع دينار وربع درهم؛ لأن الدَّيْن ربع العبد، فيبقَى ثلاثة أرباع درهم إِلاَّ ربع دينار؛ وبعود ثلثه بالهبة الثانية إِلى الأول، فيجتمع معه خمسة أسداس دينار، ونصف سدس دينار، وربع درهم، وذلك يعدل درهمين، فيَسْقُط ربع درهم بمثله، يبقَى خمسة أسداس دينار، ونصف سدس دينار في معادلة درهم، وثلاثة أرباع دِرْهم.
فنبسطها بأجزاء نصف السدس، ونقلب الاسْمَ؛ فالدرهم أحد عشر، والدينار أحد وعشرون، وكانَ العَبْد ديناراً ودرهماً، فهو اثنان وثلاثون؛ يُقْضَى من أحد عشر دَيْن الثاني، وهو ثمانية؛ لأنه رُبُع العبد، يبقَى ثلاثة، يعود منها إِلى الأول واحدٌ، يكون اثنين وعشرين ضعْف الهبة، ولو كان لكلِّ واحدٍ منهما خمسون سِوَى العبد، فتصحُّ هبة الأَول في شيء من العَبْد، ومع الثاني خمسون، وهو نصْفُ عبد، فيجتمع معه نصف عبْدٍ وشيء، يُرْجَعُ ثلاثة إلى الأول، وهو ثلث عبد وثلث شيء، ومعه عبد ونصف إِلاَّ شيئاً، فالمبلغ عبد وثلثا عبد إلاَّ ثلثي شَيْء، فبعد الجبر: عبدٌ وثلثا عبد يعدل شيئين وثلثَيْ شيء.
الجزء: 7 - الصفحة: 220
فنبسطها أثلاثاً، وتقلب الاسم؛ فالعبد ثمانية، والشيء خمسة، فتصحُّ الهبة في خمسة أثمان العبد، وسع الثاني نصْف عبد، وهو أربعة، فالمبلغ تسعة أَجزاء، تصحُّ هبته في ثلاثة منها، فيحْصُلُ مع الأول هذه الثلاثة الراجعة، والثلاثةٌ الَّتي بقيتْ عنده نصف عبد، وهو أربعة، فالمبلغ عَشَرةٌ، ضعْف هبتِهِ.
مسألة: وهب المريض عبداً، قيمته مائة، فمات في يد المتهب، ثم مات الواهب، ولا مال له، فعن ابن سُرَيْجٍ وجهان:
أحدهما: تصحُّ الهبة في جميع العبد؛ لأنه لَمْ يَبْقَ شيء، يُورَثُ عنه، فتُجْعَلُ هبته؛ كهبة الصَّحِيحِ.
وأصحُّهما: أنها باطلة 333؛ لأنها في معنى الوصيَّة، ولا تثبت الوصيَّة في جزء، ما لم يثبتِ الإِرْثُ في جزأين، فإن قلْنا بالبطْلاَن، ففي وجوب الضمان على المتَّهب وجهان:
وجه الوجوب أنه قبض لنفسه، فكانت يده كيد المستعير، والأشبه المنع، فليس كالمستَعِير؛ فإنه قبض ليرد، فإذا كان مضمونَ الردَّ، كان مضمون العين، فإِن أوجبنا الضمان، قال الأستاذ: يضمنُ ثلثي قيمته لورثة الواهب.
وقياس بطلانِ الهبة أَنْ يضمن جميع القيمة، ولو اكتسب العبْد في يد المتهب مائة، ثم مات، فإن صحَّحنا الهبة في الجميع، فالكَسْب للمتَّهب، وإن أبْطَلْنَاها في الجميع، إذا لم يكَن كَسْب، فهاهنا تصحُّ الهبة في شيء من العبد، ويكون للمتَّهِب شيء من الكسب، غير محسوب علَيْه من الوصية، وللورثة باقي الكسب، وهو مائةٌ إِلاَّ شيئاً يعدلُ شيئين، فبعد الجبر والمقابلة: [مائة] 334 تعدلُ ثلاثة أشياء، فالشيء ثلث المائَةِ، فتصحُّ الهبة في ثُلثِ العبد، وتبطُلُ في ثلثه، ولورثةِ الواهب ثلثا كسبه، وذلك ضعْفُ ما صحَّت الهبة فيه، ولم يُحْسَبْ ثلثا العبد على ورثة الواهب؛ لأنه تلف قبل موت الواهب، وحسبنا على المتَّهب ما تلف من وصيته؛ لأنه تلف تحت يده.
مسألةٌ: وهب من أخيه عبداً، لا مال له سواه، فمات الأخ قبله، وخلَّف بنتاً،
الجزء: 7 - الصفحة: 221
وأخاه الواهب، ثم مات الواهب، فتصحُّ الهبة في شيء من العبد، وُيرجَعُ بالميراث نصفه، فالباقي عبدٌ إِلاَّ نصف شيء، وذلك يعدل شيئين فيُجْبَرُ وُيقَابَلُ، فعبد يعدل شيئين ونصف شيء، فالشيء خمسا العبد؛ فتصحُّ الهبة في خمسيه، وتبطل في ثلاثة أخماسه، وُيرجَعُ بالميراث أحد الخمسين، فيحصلُ للورثة له أربعة أخماسه، وهو ضعْفُ ما صحَّت الهبة فيه.
ولو خلف الواهب مائة درهم، سوَى العَبْد، وقيمة العبد مائةٌ أيضاً، فتصحُّ الهبة في شيء من العبد، وُيرْجَعُ بالإِرث [نصف] 335 شيء ومعه مثل العبد، فيجتمع عبدان إِلاَّ نصف شيء، فبعد الجبر عَبْدَان يعدلان شَيْئَيْنِ ونصف شيء.
فنبسطُها أنصافاً، ونقلب الاسم؛ فالعبد خمسة، والشيء أربعة، تصحُّ الهبة في أربعة أخماس العبد، فيُرْجَعُ بالإرثِ خُمسان، وقد كان معه خُمس، ومثل العبد، فهي ثمانية أخماس ضعْف الهبة، ولو مات، ولا مال له سوى العبد، وعليه خمسُونَ ديناراً، فتصحُّ الهبة في شيء، وُيرْجَعُ نصف شيء، تبقَى عبد إِلا نصف شيء، وُيقْضَى منه الدَّيْن، وهو نصف عبد، يبقَى نصف عبد إلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: نصف عبد يعدلُ شيئين، ونصف شيء، فالشيء خمساً نصف عبد، فهو عشراً عبد كامل، فتصح الهبة في عُشْرَيْهِ، وَيرْجعُ بالإرث أحدهما، يبقى عبد، إلاَّ عُشْراً، يُقضَى منه الدَّيْن، وهو نصف عبد؛ يبقَى أربَعة أعشار عبد، ضعف الهبة.
ولو خلف المتهب مائةً، سوى العبد، فتصحُّ الهبة في شيء، فينضم إلى ما للمتهب، وهو مثل العبد، فيجتمع عبد وشيء، يُرجَعُ نصفه بالإرث، وهو نصف عبد ونصف شيء، فيحصلُ عبد ونصف عبد إِلا نصْفَ شيء، يعدلُ شيئين، فبعد الجبر: عبد ونصف عبد، يعدل شيئين ونصْف شَيْء؛ فنبسطها أنصافاً، ونقلب الاسم؛ فالعبد خمسة، والشيء ثلاثة، تصح الهبة في ثلاثة أخْمَاس العبد، ومع المتهب مثل العبد، وَيرجع نصف الجملة بالإرث، وهي أربعة أخماس؛ وقد بقي مع الواهب خمسان، فالمبلغ [ستة] 336 أجزاء، ضعف الهبة.
فلو مات ولا وارث له سوى الموهوب، وعليه خمسةٌ وعشرون ديناراً؛ فتصحُّ الهبة في شيء، يُقضَى منه دَيْن المتهب، وهو ربع عبد؛ يبقى شيئين إلاَّ ربع؛ يُرْجَعُ نصفه بالإِرْث، وهو نصف شيء إِلا ثُمُن عبد، فيجتمعُ سبعة أثمان عبد إِلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر، سبعة أثمان عَبدْ يعدل شيئين ونصف شيء.
فنبسطها أثماناً، ونقلب الأسم، فالعبد عشرون، والشيْء سبعة، تصحُّ الهبة في
الجزء: 7 - الصفحة: 222
سبعة أجزاء من عشرين جزءاً من العبد، يُقْضَى منها دَيْن المتهب، وهو خمسة، يبقَى جزءان، يُرجَعُ أحدهما بالإرْث إلى الواهب، فيجتمع أربعة عشر جزءاً، ضعْف الهبة.
ولو خلَّف كلُّ واحد منهما خمسين سوَى العبد، صحَّت الهبة في شيء؛ فيكون للمتَّهب شيء، ومثل نصف العبد، يرجع نصفه إلى الواهب [وهو] 337 نصف شيء وربع عبد، فيجتمع مَعه عَبْدٌ وثلاثة أَرباع عبد، تعدلُ شيئين إِلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجَبْر: عبدٌ وثلاثةُ أرباعٍ يعدلُ شيئين ونصف شيء، فنبسطُها أرباعاً، ونقلب الاسم؛ فالعبد عشرة، والشَّيْء سبْعَة، فتصحُّ الهبة في سبعة أعشار، مثل خمسة أعشاره، فهي اثنا عشر جزءاً، يُرْجَعُ نصفها إلى الواهِب، وقد بَقِيَ معه ثلاثة أعشار، ومثل خمسة أعشار، فالمبلغ أربعةَ عَشَرَ جزءاً، ضعْف الهَبة.
مسألَةٌ: أخٌ وأخْتٌ مريضان، وَهَبَ كلُّ واحد منهما من الآخر عبداً لا يملكُ غيره، وهما متساويا القيمة، ثم مات الأخ، وخلَّف بنتين، والأخت الواهبة، أو ماتتِ الأختُ، وخلَّفت زوجاً، والأخَ الواهبَ، فإن ماتت الأختُ أولاً، صارتْ هبتها للأخ وصيَّةً لوارث، وأما هبة الأخِ فتصحُّ في شيء، ويُرْجَعُ إلَيْه بالإرث نصف شيء مع نصف العبد الذي كَانَ لَهَا، فيجتمع لورثته عبدٌ ونصفُ عبدٍ إلا نصْف شيء، وذلك يعدلُ شيئين، فبعد الجَبْر عبدٌ ونصف عبْدٍ يعدل شيئين ونصْف شيء، فنبسطها أنصافاً، ونقلب الاسم؛ فالعبد خمسة، والشيء ثلاثَةٌ، تصحُّ الهبة في ثلاثة أخماس العبد، وُيُرْجَعُ إليه بالإرث، نصْفُها ونصف العبد الذي لها، وهو أربعةُ أخماس، فينضم إلى الخمسين الباقيين له، فيكون ستة أجزاء ضعْف الهبة.
ولو مات الأخُ أولاً، صارتْ هبته للأخت وصية لوارث، وتصحُّ هبة الأخت في شيء من العبد، ويُرْجَعُ إليها ثلثها مع ثلث العبد الَّذِي كان له، فيجتمع لورثَتِها عبدٌ وثلُثُ عبد، إلا ثُلُثَيْ شيء، يعدل شيئين، فَبَعْدَ الجبر: عبدٌ وثلثُ عبدٍ يعدلُ شيئين وثلثَيْ شيء؛ فنبسطُهَا أثلاثاً، ونقلب الاسْم، فالعبد ثمانية، والشيء أربعة، وهي نصْفها، فتصحُّ الهبة في نصف العبد، وتنضمُّ إلَى ماله، وهو عبد؛ فالمبلغ عبد ونصف، يعود ثلثها إلى الأخت، وهو نصْفُ عبد، فيجتمع لورثتها عبْدٌ، ضعف الهبة، ولو عمى موتهما، ولم يرث واحدٌ منهما من الآخَر، صحَّت هبة كلِّ واحدٍ منهما في نصْف عبْدِهِ.
مسألةٌ: وهب مائة لاَ يَمْلِكُ غيرها من زوجته، واْقبضها، وأوصَتْ هي بثلث مالها، ثم ماتَتْ قبل الزوج، فتصحُّ هبته في شيء من المال، وتصحُّ وصيتها في ثلث
الجزء: 7 - الصفحة: 223
ذلك الشيء، وُيرْجَعُ إِلى الزوج بالاِرْث نصف الباقي، وهو ثلث شيء، فيحصُلُ عند الزوج مائة إِلا ثلثَيْ شيء، وذلك يَعْدِلُ شيئين، فبعد الجبر مائة، تعدل شيئين وثلثَيْ شيء.
فنبسطُها أثْلاثَاً، وتقلب الاسم، فالمائة ثمانية، والشيء ثلاثة، فتصحُّ الهبة في ثلاثة أثمان المائة، وتصِحُّ الوصية في ثمن، وُيرْجَعُ بالارث ثمن إلى الزوج، فيحصل عند ورثته ستة أثمان، وهي ضعْفُ الهبة ولو أنَّ الزوج بعد الهبة [أوصى] 338 بثلث مالِهِ لإنسانٍ، فالهبة لو لم تكنْ وصيَّة، تصحُّ في خمس المائة؛ لأنها تصحُّ في شيء، ويُرْجَعُ إلى الزوج نصْفه، يبقَى مائة إلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجَبْر: مائةٌ تعدلُ شيئين ونصف شيء، فالشيء خمسا المائة، وُيُرجَعُ إلى الزوج أحدهما، فيجتمع له أربعةُ أخماسها، وهي ثمانون، فإذا جرت الوصيةُ، فعن ابن سُرَيْج: أنه يُصْرَفُ إلى الوصية من الثمانين تتِمَّة ثلث المائة، فيكون لورثة الزوج ستةٌ وستون وثلثان، وللموصَى له ثلاثةَ عَشَرَ وثلث، ولغير الزوج من ورثة الزَّوْجَة عشْرُون.
وقال الأستاذ أبو منصور: هذا غَلَطٌ؛ لأنَّ الهبة المقبوضة مقدَّمة على الوصية، وقد استغرقت الهبَةُ الثلث، والوصية بعد استغراق الثلث باطلةٌ، فكأنه لا وصيَّة.
قال إِمام الحَرَمَيْنِ: وليس قول ابْنِ سُرَيْج مع هذا استدراكاً ساقطاً عنْدي؛ لأنه أوصَى بثلثٍ مرسَلٍ، والاعتبار في الوصايَا بمَالِهَا، وإذا استقرَّتْ له أربعةُ أخماسِ المال أجزاء، لم يبْعد تنفيذُ الوصية فيما يبقَى من الثلث بعد الهبة، وإن لم يزاحم الهبة.
ولو وهب المريض عبداً من مريض، وأقبضه، ثم وهب الثاني من الأول وأقبضه، ولا مال لهما غيره، ثم أعتقه الأول، وماتا؛ قال ابن سُرَيْج: المسألة تصحُّ من أربعة وعشرين، لورثة الواهب الأول ثلثاه، ولورثة الثاني ربعه، ويُعتَق منه باقي الثلث، وهو نصف سدسه.
قال الأستاذ: هذا خطَأ عند حُذَّاقِ الأصحاب، والعتق باطلٌ؛ لأنه قدّم الهبة على العتق، وهي تستغرقُ الثلث، وإِذا بطَلَ العتْقُ، صحَّت هبة الأول في ثلاثة أثمان العبد، وُيرْجَعُ إليه بالهبة الثانية ثمنه، فيجتمع عند ورثته ستة أَثمان، وهي ضعف الهبة.
وصوَّب الإمام ابن سُرَيْجٍ، فقال: إذا اجتمع للأوَّلِ ستة أثمانه، ثم أعتق، فتنفيذ العتق في تمام الثلث لاَ يَتقُصُ حقّ ورثته عن الثلثين، ولا حتى الموهوب له، فيتعيَّن المصيرُ الَيْه؛ وحينئذٍ: فلا بد من تعديل الثلث والثلثين، ورعاية الأثمان، فنضرب ثلاثة في ثمانية، تبلغ أربعة وعشرين، كما ذكره، نَعَمْ، لو أعتقه قبل هبة الثانِي، ثم وهب الثاني، فهذا عتق لا يُصَادِف محلاًّ، فيلغوا إلا أن يحتمل الوقف.
الجزء: 7 - الصفحة: 224
فَرْعَانِ: أحدهما: وَهَبَ المريضُ من أخيه عبداً قيمته مائة فاكتسب في يده خمسين، ثم مات المتهب، وخلَّف بنتين، وأخاه الواهب، ثم مات الواهب، فتصحُّ الهبة في شيء من العَبْد، ويتبعه، من الكسب مثل نصفه، وهو نصف شيء؛ يبقَى لورثة الواهب عبْدٌ إلا شيئاً، ومن كسبه نصْف عبد إلاَّ نصْفَ شيء، يَرْجِعُ إِليهم بالإِرث ثلث ما حَصَل للمتَّهِب، وهو نصف شيء، فالمبلغ عبد ونصف إلا شيئاً، يعدل شيئين؛ فبعد الجبر: عبدٌ ونصفٌ يعدلُ ثلاثة أشياء؛ فالشيء نصف العَبْد؛ تصح الهبة في نصف العبد، ويتبعه من الكسب نصفه، وهو قدر ربع عبد غير محسوب عليه، فجملة ما يحصُلُ للمتهب ثلاثة أرباع عبد، يبقَى لورثة الواهب نصْف عبد ويتبعه من الكسب نصْفُه، وهو ربع عبد، وُيرْجِعُ إليهم بالإرث، وثلث ما للمتهب وهو ربع عَبْدٍ، فالمبلغ عبد تَامٌّ ضعف الهبَةِ.
والثاني: في زيادة الموهوب، ونقصانه كالزيادة والنقصان في العبد المُعْتَقِ، لكنْ ما يُحْسَبُ هناك للعَبْد المعتق أو عليه، تُحسَبُ هاهنا للمتهب أو علَيْه، وما يُحْسَبُ على ورثة المُعْتَقِ، يَحْسَبُ هاهنا على ورثة الواهب، وسنوضِّحه في "العتق".
فرْعٌ ثَالِثٌ: وُهِبَ المريضُ من أخيه عبد، ثم وهب المَتهب منه نصف العبد، وهو صحيح، ومات قبل المريض، وخلَّف بنتاً وأخاه الواهب، ففيه قولان:
أصحهما: عند الأُستاذ أبي منصور: أن هِبَةَ الثَّانِي تنْحَصِرُ فيما ملكه بهبة الأول، وتصحُّ في جميعه، والحساب أن هبة المريض تصحُّ في شيء، وُيرجَعُ بالهبة الثانية ذلك الشيء كله؛ لأن الواهب الثاني صحيحٌ، فيكون معه عبدٌ يعدلُ شيئين، فالشيء نصف عبد؛ فتصحُّ الهبة في نصف العبد، ثم يُرْجَعَ إِليه، فيكون لورثته عبدٌ تامٌّ ضعف الهبة.
والقوْلُ الثَّانِي: أنها تشيع لمصادفتها ما ملك، وما لم يملك، فتصحُّ في نصف ما ملك، والحساب أن هبة المريض تصحُّ في شيء من العبد، وُيرْجَعُ بهبة الثاني نصف ذلك الشيء، ثم يُرْجَعُ بالإِرث نصف ما بقي، وهو ثلاثة أرباع شيء، يبقَى عبدُ إلا ربعَ شيْءٍ، يعدلُ شيئين، فبعدَ الجبر: يعدل شيئين وربْعَ شيء، فنبسطُها أرباعاً، ونقلِبُ الاسم؛ فالعبد تسعة، والشيء أربعة، فتصح الهبةُ في أربعة أَتساع العبد، وُيرْجَعُ إِلَيْه بالهبة تُسْعَان، وبالإِرث تسع آخر، فيجتمع عنْد ورثته ثمانيةُ أتساعٍ، ضعْف الهبة.
ولو كانت الصورةُ بحالها، إلاَّ أن الثاني وُهِبَ من الأول ثلُثَ العبد، فعلى القول الأول؛ تصحُّ الهبة في شيء من العبد، وَيرْجِعُ إليه من ذلك الشيء ثُلُث عبد، بالهبة، فيحْصُلُ عبد وثلث عبْدٍ إِلاَّ شيئاً، ويبقَى للمتهب شيء إِلاَّ ثُلُثَ عبْدٍ، وَيرْجِعُ نصفه بالارث، وهو نصف شيء إِلاَّ سدُسَ عبد، فالحاصل وعنده عبْدٌ وسدسُ عبد إِلاَّ نصفَ شيء، يعدلُ شيئين، فيُجْبَرُ وُيقابَل؛ فعبد وسدس عبد يعدلُ شيئين ونصْفَ شيء،
الجزء: 7 - الصفحة: 225
فنبسطُها أسداساً، ونقلب الاسم؛ فالعبد خمسة عشر، والشيء سبعة، وتصحُّ الهبة في سبعة من خمسة عشر، وَيرْجِعُ بالهبة ثلثُ العبد، وهو خمسة، وبالإرث سهم آخر، وقَدْ كَانَ بقي عنده ثمانية، فالمبلغ أربعةَ عَشَرَ، ضعْف ما صحَّت فيه الهبة، وعلى القول الثاني؛ تصحُّ الهبة في شيء من العبد، وَيرْجِعُ بالهبة مثلُ ثلثه، ثم يَرْجِعُ نصف الباقي، فجملة الراجح ثلثا شيء؛ يبقَى عبد إلا ثلُثَ شيء، يعدلُ شيئين، فبعد الجبر: يعدل شيئين وثلُثَ شيء؛ فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالعبد سبعة، والشيء ثلاثة؛ تصحُّ الهبة في ثلاثة أسباع العبد، وَيرجِعُ منها سبع بالهبة، وسبع بالإرث، فيجتمع ستة أسباعٍ، ضعْفَ الهبة.
فَصْلٌ فيما إذا وُطِئَتِ الجاريةُ الموهوبةُ وَطْئاً يوجب المهر
إنْ وطئها أجنبىٌّ بالشبهة قبل موت الواهب، فالمهر كالكسب، يُقَسَّمُ على ما يَصِحُّ فيه الهبة، وعلَى ما لا يصح، فحصَّةُ ما تصح فيه الهبة لا يُحْسَبُ على المتَّهِب، وحصة ما لا تصحُّ فيه الهبة تُحْسَب على ورثة الوَاهِب.
وإن وَطِئها الواهب في يد المتَّهب، ومهرها مثل قيمتها، فتصحُّ الهبة في شيء، ويستحقُّ المتهب على الواهب مثْل ذلك الشيء من المهر، فيقضي مما بقي، يبقى جاريةٌ إلا شيئَيْن، يعدل شيئين، فبعد الجبر [جارية] 339 تعدل أربعة أَشياء، فالشيء ربع الجارية، وتصحُّ الهبة في ربع الجارية، وثبت على الواهب مثل رُبُعِها، يُقْضَى من الجارية، يبقَى مع الورثة نصْفها، وهو ضعف الموهوب.
فإنْ وطئها المتَّهب، ومهْرُ مثلها مثلُ قيمتها، فتصحُّ الهبة في شيء، وتبطُلُ في جارية سوى شيء، وثبت للواهب على المتَّهب مثلُ ما بطَلَتْ فيه الهبة، وهو جاريةٌ إلا شيئاً، فيحصُلُ له جاريتان إلاَّ شيئين [يعدلان شيئين] 340 فبعد الجبر: جارَيتَان تعدلان أربعة أشياء، فالشيء نصف جارية؛ فتصحُّ الهبة في نصفها، وشمتحق بالوطء مثل نصفها، فيحصل للورثة جاريةٌ تامةٌ، وهي ضعفُ الموهوب.
وإن كان مَهْرُ مثلها نصْفَ قيمتها، فتصحُّ الهبة في شيء، وتبطُلُ في جارية سوَى شيء، ويستحق الواهب على المتَّهب مثْل نصْف ما بَطَلَتْ فيه الهبة، وهو نصف جارية إلاَّ نصف شيء، فيجتمع عند الواهب جاريةٌ ونصْف إلا شيئاً، ونصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: جاريةٌ ونصف تعدلُ ثلاثة أشياء ونصفاً؛ فنبسطها أنصافاً، ونقلب
الجزء: 7 - الصفحة: 226
الاسم، فالجارية سبعةٌ، والشيء ثلاثةُ؛ تصحُّ الهبة في ثلاثة أسباع الجارية، وتبطُلُ في أربعة أسباعها، ويُغرَّم المتهب منَ مهْرها مثْل سُبُعَيْ قيمتها، فيجتمع مع ورثة الواهب ستة أسباعها، ضعْف الموهوب.
وإنْ وطئِها الواهِبُ والمتهب جميعاً، ومهرها مثل قيمتها، فتصحُّ الهبة في شيء، ويثبت للمتهب على الواهِب مثل ذلك الشيء؛ يبقَى جارية إِلا شيئين، يثبت للواهِبِ على المتَّهب مثْلُ ما بطَلَتْ فيه الهبة، وهو جاريةٌ إِلا شيئاً، فتضم إلَى ما يبقَى للواهب، يبلغ جاريتين إلاَّ ثلاثة أشياء، وذلك يعدل شيئين، فبعد الجبر: جاريتانِ يَعْدِلاَنِ خمسة أشياء؛ فالشيء خمس الجاريتين، وهو خمسا جارية، فتصحُّ الهبة في خمسها، ويثبت للمتهب على الواهب خمسان آخران، فالمبلغ أربعة أخماس، ثم يسترجع الواهب مثْلَ ما بطلت فيه الهبة، وهو ثلاثة أخماس، فيجتمع لورثته أربعة أخماسٍ، وهو ضعف الموهوب.
ولو كان مهرها نصف قيمتها، تصحُّ الهبة في ثلاثة أثمانها، وتبطل في خمسة أثمانها، وثبت للمتهب على الواهب ثمن ونصف ثمن، فيجتمع له أربعة أثمان ونصف ثمن، ثم يسترجع الواهب نصف ما بطلت فيه الهبة، وهو ثمنان 341 ونصف، فيجتمع لورثته ستة أثمان، ضعْف الموهوب.
ومنْها: الصدَاقُ والخُلْع وقد مَرَّ أنَّ المريض إذا نَكَح بمَهْر المثل، جُعِلَ ذلك من رأس المَالِ، وإن نكح بأكثر، فالزيادة من الثلث، وإن كانت وارثة، فالتبرُّع على الوارث، وذكرنا أنه، إنْ ماتت الزوجةُ قبله، وورثها الزوجُ، وقع الدَّوْر؛ لأنه لا يرث منْها؛ فنزيد بالدَّوْر، وإذا زاد ماله، زاد ما ينفذ فيه التبرُّع؛ وإذا زاد ذلك، زاد ما يرث منها، إذا تذَّكرت ذلك، فَفِي الفصل مسائل:
إحداها: أصدقَ المرأةَ مائةً، ومَهْرُ مثلِها أربعون، فماتَتْ قبله، ولا مال لهما سوى الصَّدَاق، فلها مهر مثلها أربَعُون من رأس المال، ولها شيء بالمحاباة، فيبقَى مع الزوج ستُّون إلا شيئاً، وَيرْجِعُ إِليه بالإرث نصف ما للمرأة، وهو عشرون، ونصفُ شيء، فالمبلغ ثمانون إلا نصْفَ شيء، يعدل شيئين، ضعْفَ المحاباة، فبعد الجبر: يعدلُ ثمانونَ شَيْئَيْنِ ونصف شيء؛ فالشيء خمسا الثمانين، وهو اثنان وثلاثون، فلها اثنان وسبعون؛ أربعون مهْرُ مثْلٍ، والباقي محاباة، يبقى مع الزوج ثمانيةٌ وعشرون، ويُرْجَعُ إليه بالإرث ستة وثلاثون؛ فيجتمع لورثته أربع وستون، ضعْفَ المحاباة.
فإن كان لها ولدٌ، فالراجعُ إِليه بالإِرث رُبُعُ مالِهَا، وهو عشرة، ورُبُعُ شيء؛
الجزء: 7 - الصفحة: 227
فيحصلُ للزوج سبعة إلاَّ 342 ثلاثةَ أرباع شيء، وذلك يعدل شيئين؛ فبعد الجبر؛ سبعون تعدل شيئين وثلاثة أرباع شيء، فنبَسطُها أرباعاً، فيكون الدرهم مائتين وثمانين، والأشياء أحد عشر، تُقَسَّم الدراهم على الأشياء، يخرج من القسمة خمسة وعشرون، وخمسة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، فهذا قدر المحاباة، فيكون لها بالمَهْر والمحاباة خَمْسة وستون درهماً وخمسة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، يُرْجَعُ إلى الزوج ربع ذلك، وهو ستة عشر درهماً، وأربعة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم [فيجتمع مع ورثته خمسون درهماً وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم] 343 وذلك ضعْفُ المحاباة.
ولو كانت الصورةُ بحالها، وعلَى الزوْج عشرةُ دراهمَ دينار، فإن ورث منها النصف، فلها أربعون من رأس المال، ولها بالمحاباة شيءٌ يبقَى للزوج ستون إِلاَّ شيئاً، فيرجع إليه بالإرث نصف مالها، وهو عشرون، ونصف شيء، فالمبلغ ثمانون إِلاَّ نصفَ شيءٍ، يُقضَى منه دَيْنه، وهو عشرة؛ يبقَى سبعون إِلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر؛ سبعون تَعْدِل شيئين ونصف شيء، فالشيء خمسا السبعين، وهو ثمانية وعشرون، فهو المحاباة، فلها بالمهر والمحاباةِ ثمانيةٌ وستون، يَرْجِعُ إليه نصفه، أربعة وثلاثون، وكان قد بَقِيَ له اثنان وثلاثون، فالمبلغ ستة وستون؛ يُقضَى منه عشرة، يبقَى ستة وخمسون، نصف المحاباة.
وإن ورث منها الربع، فالراجِعُ بالإرث رُبُعُ مالها، وهو عشرة وربُعُ شيء، فالمبلغُ سبْعُون إِلاَّ ثلاثة أرباع شيء؛ يُقْضَى منها الدَّين؛ يبقَى ستون إلاَّ ثلاثة أرباع شيء، تعدِلُ شيئين، فبعد الجَبْر: ستون تعدل شيئين وثلاثة أَرباع شيء، نبسطُها أَرباعاً، فالدراهمُ مائتان وأربعون، والأشياء أحدَ عَشَرَ، يقسَّم الدراهم على الأَشياء، يخرج من القسمة واحد وعشرون، وتسعة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم؛ فهو محاباة، فلها إذن بالمهر والمحاباة أحدٌ وستون درهماً وتسعة أَجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، يَرْجِعُ إلى الزَّوْج ربعه، وهو خمسة عشر وخمسة أجزاء.
وكان قد بَقِيَ له ثمانية وثلاثون درهماً وجزءان من أحد عشر جزءاً، فالمبلغ ثلاثةٌ وخمسون، وسبعةُ أجزاءٍ من أحد عشر جزءاً، يُقْضَى منها الدَّيْن عَشَرة، يبقى ثلاثةٌ واْربعون درهماً وسبعة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، وذلك ضعْف المُحَابَاةِ.
ولو كانت بحالها، وعلَى المرأة عشرَةُ دراهِمَ دَيْناً، ولا شيء على الزَّوْج، فلها أربَعُون من رأس المال، ولها بالمحاباة شيء، فذلك أربعُونَ وشيء، يَقْتَضِي منها
الجزء: 7 - الصفحة: 228
الدَّيْن، يبقَى ثلاثون وشيء، للزوج نصفُه إذا اقتضى الحالُ النصْف، وهو خمسة عشر، ونصف شيء، فيكون له خمسة وسبعونَ إلاَّ نصف شيء، وذلك يعدِلُ شيئين، فبعد الجبر: خمسةٌ وسبْعُون تعْدل شيئين ونصف شيء، فالشيء خمسا الخمسة والسبعين، وهو ثلاثون، فهو المحاباة، ولها بالمهر والمحاباة سبْعُون، يُقضَى منها الدَّيْنُ عشرة، يبقَى ستون، يَرْجِعُ نصفها إِلى الزوج، وهو ثلاثون، وقدْ كان بَقِيَ له ثلاثون، فالمبلغُ ستُّونَ، ضعْف المحاباة.
ولو كانت بحالها، وعلَى كلِّ واحد منهما عشرةٌ دَيْناً، فلها أربعون، ولها بالمحَابَاة شيء، فيقضي من ذلك دَيْنها؛ يبقَى ثلاثون وشيء، وَيرْجِعُ بالإرث نصفُهُ إلَى الزوجِ، وهو خمسة عَشَرَ ونصْفُ شيء، فيحصُلُ له خمسة وسبعون إلاَّ نصف شيء، يُقْضَى منها دَيْنه؛ يبقَى خمسة وستون إِلاَّ نصف شيء، وذلك يعدِلُ شيئين، فبعد الجبر: خمسة وستون تَعْدِلُ شيئين وَنِصْفَ شيء، فالشيء خمساً الخمسة والستين، وهو ستة وعشرون، فهُوَ المحاباة، ولها بالوجهين ستة وستون؛ ويُقْضَى منها دينها، يبقَى ستة وخمسون، يُرْجَعُ نصفه إِلى الزوج، يبقَى ثمانية وعشرون، وكان قد بَقِيَ له أربعة وثلاثون، فالمبلغ اثنان وستون، يُقضَى منها الدَّيْن، يبقَى اثنان وخمسون، ضعْفَ المحاباة، وهذا كلّه فيما إذا لم يكن لهما شيء سِوَى الصداق.
فإن كانت الصورة بحالها، وخلف الزوج سوى الصداق مائَةَ درْهَمٍ، ولا دَيْن، نَفَذَت المحاباةُ بالشَّيْئَيْنِ؛ لخروجها من الثلث، ولذلك لو ملك سبعين سوى الصداق؛ لا يملك المائة بالمهر والمحاباة، وَيرْجِعُ إِليه بالإرْث خمسون، فيجتمع لورثة الزوْج مائةٌ وعشرون، ضِعْفَ المحاباة.
فإن كان لها ولد، لم تنفذ المحاباة كلُّها، ولكن لها أربَعُون، ولها بالمحاباة شيء، يبقى للزوج ستون إِلاَّ شيئاً، ويرجع إليه بالأِرثَ عَشَرة إِلاَّ ربع شيء، وله سبعون سوى الصَّداقِ، فالمبلغ مائة وأَربعون إلاَّ ثلاثة أَرباع شيء، يعدلُ شيئين، فبعد الجبر: مائة وأربعون تعدل شيئين، وثلاثة أرباع شيء، فنبسطها أَرباعاً، بالدَّرَاهم خمسمائة وستون، والأشياء أحد عشر، تقسَّم الدراهم على الأشياء، يخرج من القسمة خمسون درهماً وعشرة أجزاء من أَحد عشر جزءاً من درهم، وهو المحاباة، فإذن لها بالمهر والمحاباة تِسْعُون درهماً وعَشَرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، يبقى [مع الزوج] 344 تسعةُ دراهم وجزءُ من أحد عشر جزءاً من درهم، وسبعون سوى الصَّداق، يَرْجِعُ إليه بالإرْث اثْنان وعشْرُون درهماً وثمانية أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم،
الجزء: 7 - الصفحة: 229
فالمبلغ مائةُ دراهِمَ، وثمانية أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم، وذلك ضعْفُ المحاباة.
وإن خلفت المرأة شيئاً دون الزوج، فإن كان ما خلفته قدراً، إِذا ضُمَّ إليه الصدَاق، كان الراجع إلى الزوج ضعْفَ المحاباة، نفذت المحاباةُ بتمامِهَا، وإِلا، لم تنفذ بتمامها.
مثاله: إِذا كان ما خلفته في الصورة المذكورة عَشَرَةَ دراهم، فلها أربعُون من رأس المال، وشيء بالمحاباة، والعشرة المخلفة، فجملتها خمسون درهماً وشيء، فإذا اقتضى الحَالُ رجوع النصف إلَى الزوج، فجملة ما يحصُلُ له خمسة وثمانون إلاَّ نصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: يظهر أن الشيء خُمسا خمسة وثمانين، وهو أربعة وثلاثون، فلها أربعة وسبعون من الصداق، والعشرة المخلفة، يُرْجِعُ نصف المبلغ إلى الزوج، وهو اثنان وأربعون، وكان قد بقي له ستة وعشرون، فالمبلغ ثمانيةُ وستون، ضعْفَ المحاباة.
وإن خلَّف كل واحد منهما عشرَةً سوى الصداق، فمبلغ مالها خمسونَ وشَيْء، يَرْجِعُ إِلى الزوج نصْفُه، وهو خمسة وعشرون ونصف شيء، وله عشرة سوى الصداق، وستون إلا شيئاً من الصداق، فالمبلغ خمسةٌ وتِسْعُون إِلاَّ نصْفَ شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر، الشيء خُمساً خمسة وتسعين، وهو ثمانية وثلاثون، فلها من الصداق ثمانية وسبعون، ولها عشرة سوى الصداق، يُرْجِعُ نُصف المبلغ بالإرث، وهو أربعة وأربعون، فله من باقي الصداق اثنان وعشرون، وعشرة سوى الصداق، فالمبلغ ستةٌ وسبْعُون، ضعْفَ المحاباة.
فَرْعٌ: وصية الزوج، أو الزوجة، أو كليهما بثلث المال، كدَيْنٍ عليهما، أو عَلَى أحدهما، وقياس الحساب ما ذكرنا.
المسألة الثانية: أَعتق المريضُ جاريةً، ونكَحَهَا عَلَى مهْرٍ مسمَّى، نُظِر: إن لم يملك غيرها، فالنكاحُ باطلٌ؛ لأنه لا يعتق جميعها، والنكاحُ والمِلْك لا يجتمعان، ثم إن لم يدخل بها، فلا مَهْرَ لها، وإن دخل فالوطء وطء شبهة، فلها من المهر بقسط ما عتق منها، وَيقَعُ فيه الدَّوْر؛ لأَنَّ القَدْرَ الذي يلزمه من المَهْر كدَيْنٍ يلحق التركة، فيوجب نقصان ما عَتَقَ، وإِذا نقص ما عتق، نقص ما يلزم من المهر، وإذا نقص ما يلزم، زاد ما يعتق.
فإذا كانت قيمتُها مائةً، والمهرُ خمسين، فيعتق منها شيء، ولها بالمهر نصْفُ شيء؛ لأن المهر نصْفُ القيمة، تبقَى جاريةٌ إلا شيئاً ونصْفَ شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر، جاريةٌ تعدلُ ثلاثة أشياء، ونصْفَ شئ، فالشيء سبعاً الجارية، فينفذ العتق في سبعيها، ويبطُلُ في خمسة أسباعها، فيصرف سبعٌ منْها إِلى مهر السبعين، يبقَى للورثة أربعةُ أسباعها، ضعْفَ ما عَتَقَ به؛ ثم السبع المصروفُ إلى المَهْر، إن رضيت به بدلاً عما لها من المهر، فذاك، ويعتق عليها حين ملكته، لا بالإعتاق الأول، وإِن أبت بيْع سَبُعِهَا في مهرها هذا إِذَا لم يملك غَيرها.
الجزء: 7 - الصفحة: 230
وإن ملك مالاً آخر، وكانت الجاريةُ قَدْرَ الثلث؛ بأن خلف مائتين سواها، فإن لم يدخلْ بها، فلا مهر لها؛ لأنها لو استحقَّت المهر للحق دين بالتركة، وحينئذ: فلا يخْرُج جميعُها من الثلث، وإذا لم يخرج جميعها من الثلث، بَطَلَ النكاح، فيسقُطُ المهر، وهذه الحالة من أَحوال المسألة مذكورةٌ في الكتاب في "باب النكاح".
وإن دخلَ بها، قال الشيخ أبو علي: تُخَيَّرُ: إن عفت عن مهرها، عتقت، وصحَّ النكاح، وإن لم تَعْفُ، فلها ذلك؛ لأنه أتلف منفعةَ بُضْعِهَا؛ وحينئذٍ يتبين أن جميعها لم يُعْتَقْ، وأن النكاح فاسدٌ، ولها مهرها ما عتق منها، وطريقُ استخراجه أن يُقَالَ: عَتَقَ منها شيءٌ: ولها بالمهر نصْفُ شيء، يبقى للورثة ثلاثمائة إِلاَّ شيئاً ونصْفَ شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: ثلاثمائة تعدلُ ثلاثة أشياء ونصْفَ شئ، فمائةٌ تَعْدِلُ شيئاً وسدُسَ شيء، نبسُطُها أسداساً، ونقلبُ الاسم، فالشيء ستة، والمائةُ سبعة، فالشيء ستة أسباعِ الجارِيَةِ.
الثالثةُ: سبق القولُ في أنَّ حلع المريض [بأقل من مهر المثل] 345 لا يُعْتَبَرُ من الثلث، وأن المريضةَ لو نُكِحَتْ بأقلَّ من مهر المثل، جاز، ولا اعتراض للورثة، إذا لم يكن الزوج وارثاً وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الخُلْع: أن المريضة، لو اختلعت بأكثر من مهر المثل، كانت الزيادة معتبرةً من الثلث، إذا تمهد ذلك.
فلو نكح في مرضه امرأةً بمائة، ومهرها أربعون درهماً، ثم خالَعَتْهُ في مرضها بمائة، وماتا من مرضهما، ولا مال لهما إلاَّ مائة، فإما أن يكون الخُلْع بعد الدخول، أو قَبْلَه:
الحالة الأولى: إذا كان بعد الدخول، فللمرأة أربعون من رأس المال، ولها شيء بالمحاباة، ثم يَرْجِعُ إِلى الزوج أربعون بالخُلْع، فله ثلث شئٍ بالمحاباة، فيحصُلُ لورثة الزوج مائة إلا ثلثي شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: مائةٌ تعدل شيئين وثلثَيْ شيء، فالشيءُ ثلاثةُ أثمان المائة، وهو سبعةٌ وثلاثون درهماً ونصْف درهم، وهي المحاباة فللمرأة بالمهر والمحاباة سبعةٌ وسبعون درهماً ونصْفُ درهم، ثم يأخذ الزوج من ذلك أربعينَ درهماً بِعَوَضِ الخلع، وبالمحاباة ثلث الباقي، وهو اثنا عشر ونصْف، وكان قد بَقِيَ له اثنان وعشرُون ونصْف، فالمبلغ خمسةٌ وسبْعُون، ضعْفَ المحاباة.
هذا إذا جرى الخُلْع بمائة في ذمتها، أما إذا جرى بعين المائة التي أصدقها، فقد خالَعَهَا على مملوك، وغير مملوك.
قال الأستاذ أبو منصور جواباً على أن المسمَّى يبْطُلُ، ويرجع إلَى مهر المثل: لها
الجزء: 7 - الصفحة: 231
أربعون من رأس المال، وشيء بالمحاباة، وللزوج عليها أربعونَ بالخُلْع، ولا شيء له بالمُحَاباة؛ لأن المسمى، إذا بطل، بَطَلَ ما في ضمنه من المحاباة، فيكون لورثة الزوجِ مائةٌ إلا شيئاً، يعدل شيئين، فبعد الجبر والمقابلة تبين أن المسمى ثلث المائة، وهو ثلاثةٌ وثلاثون درهماً وثلُثُ درهم، فلها بالمهر والمحاباة ثلاثةٌ وسبعُون درهماً وثلث درهم، يأخذ الزوج من ذلك أربَعِينَ، فيجتمع لورثته ستةٌ وستونَ وثلثان، ضعْفَ المحاباة.
الحالة الثانية: إذا جرى الخُلْع قبل الدخول، فنُشْطَرُ الصداق، فالحاصلُ للمرأة نصف مهر المثل مِنْ رأس المال، وهو عشرون درهماً وشَيْءٌ بالمحاباة، للزوج من ذلك مهْرُ المثل أربعون؛ يبقى شيء إلا عشرين درهماً، له ثلاثة بالمحاباة، وهو ثلث شيء إلا ستَّةَ دَراهم، وثلثي درهم، يبقى لورثتها ثلثا شيء إلا ثلاثة عشر درهماً، وثلث درهم؛ [فيجتمع عند ورثة الزوج مائة وثلاثة عشر درهماً وثلث درهم،] 346 إلا ثلثَىْ شيء، وذلك يعدل ضعْفَ المحاباة شيئَيْنِ، فبعد الجبر: مائةٌ وثلاثة عَشَرَ وثلُثٌ، تعدِلُ شيئين ثلثي شيء، فالشيء ثلاثة أثمان.
هذا المبلغ، وهو اثنان وأربعون درهماً ونصف درهم، وهي المحاباة، فللمرأة نصف المهر، والمحاباةُ اثنان وستون درهماً ونصف درهم، يبقَى للزوج سبعةٌ وثلاثونَ درهماً ونصف درهم، ونأخذ مما صار لها بعوض الخُلْع أربعين، فيأخذ أيضاً ثلث الباقي، وهو سبعة دراهم ونصف، فالمبلغ خمسةٌ وثمانون، ضعْفَ المحاباة.
هذا ما أجاب به الأستاذ، واعترض الإمام؛ بأَنَّ مهر المثل مع المحاباة الصَّدَاق؛ فوجب أن يَرْجِعَ شطرُ الجميع إلى الزوج، وألاَّ يفرد المحاباة عن مهر المثل؛ وعلَى هذا: فطريق الحساب: أن يُقَالَ: لها من رأس المال أربعون، والمحاباة شيء، يبقَى للزوج ستُّون إِلا شيئاً، وَيرْجِعُ إليه شطر ملكته صداقاً، وهو عشرون ونصْف شيء.
فللزوجِ ثمانون إلاَّ نصف شيء، ثم يأخذ مما بقي لها أربعون؛ يبقَى لها نصف شيء إلاَّ عشرين درهماً، تأخذ بالمُحَاباة ثلث هذا الباقي، وهو سدس شيء إلاَّ ستة دراهم، وثلثي درهم، فيجتمع عند ورثته مائةٌ وثلاثةَ عشر درهماً وثلث درهم، إِلا ثلث شيء، وذلك يعدل شيئين، فبعد الجَبْر والمقابلة: تبين أن الشيء ثلاثة أسباع، مائة وثلاثة عشر درهماً وثلث درهم، وهو ثمانية وأربعون درهماً، وأربعة أسباع درهم، يبقَى للزوج أحد عشر درهماً وثلاثة أسباع درهم، ويُرْجِعُ إليه بالتشطير أربعة وأربعون [درهماً وسبعان، ويأخذ من الشطر الآخر، قدر مهر المثل، وهو أربعون،] 347 وثلث الباقي،
الجزء: 7 - الصفحة: 232
وهو درهم وثلاثة أسباع، فالمبلغ سبعة وتسعون درهماً، وسبع درهم، وذلك ضعْفُ المحاباة، يبقَى الورثة المرأة دِرْهَمَان وستة أسباع درهم، وعلَى جواب الأستاذ يَبْقَى لهم خمسةَ عَشَرَ.
ثم لتعرف في المسألة أموراً:
أحدها: لا فرق فيها بين أن يموت الزوْجُ قبل المرأة، أو بالعكس، أو معاً؛ لانقطاعِ الميراث بالاخْتِلاَعِ.
والثاني: الدَّوْرُ في المسألة، إنما يقَعُ في جانب الزوج، دُون الزوجة؛ لأنه لا يعودُ إِلَيْهَا شيء مما يخرج منها.
والثالث: المسألة في الحالة الثانية تتعلَّق بأصولٍ تُشْرَحُ في موضعها، منْهَا القولان في تفريق الصفقة، ومنها القَوْلاَنِ في الحَصْر، والشيوع، ومنها القولان في أَنَّ الرجُوعَ عنْد فساد الصَّداق إِلى بدله، أو إلى مهر المثل؟ وَيظْهَر حينئذ: أن الجوابَ المذكور ها هنا، علام يتخرَّج من الأبواب التي يقع فيها الدَّوْر الجنايات؟
فإذا جنى عبد عَلَى حرٍّ خطأَ، وعفى المجنىُّ عليه، ومات، لم يكن العفوُ وصيَّةً لقاتل؛ لأن فائدته تعودُ إلى السيد، فإن أجاز الورثة فذاك، وإلاَّ نفذ في الثلث، وانفك ثلث العبد عن تعلُّق الأرش، وأشار الإمام فيه إلى وجه آخر؛ [أنه لا ينفك] 348 كما أن شيئاً من المرهون لا ينفك، مَا بَقِيَ شيء من الدين، والظاهر الأوَّل، ثم السيد بالخيار؛ بَيْنَ أن يسلم ثلثيه للبَيْع، وبين أن يفديه، فإِن سلمه، فلا دور، بل يُبَاعُ، وُيؤدَّى من ثمنه ثلثا الأرش، أو ما تيسَّر، وإن فداه، فيفدي الثلثين بثلثَي الأرش، كم كان، أم بالأقل من ثلثي القيمة، أو ثلثَي الدية؟ فيه قولان، فإذا كان الفداءُ بثلثَيْ قيمته، فلا دور، وإذا كان الفداء بالدِّيَة، لزم الدور، فيقطع الحساب.
مثاله: قيمةُ العبدِ ثلاثمائة، وقوَّمْنَا الإِبِلَ، فكانت أَلْفاً، ومَائتَيْنِ، فيصح العفْوُ في شيء من العبد، ويبطُلُ في عبدٍ ناقصٍ بشيء يفديه السيد بأربعة أمثاله؛ لأن الدَّيَة أربعة أمثال القيمة، وأربعة أمثاله، أربعة أعبد إِلا أربعة أشياء، فيحصُلُ لورثة العافي أربعة أعبد إلاَّ أربعة أشياء، وذلك يعدل شيئين، فيُجْبَرُ وُيقَابَلُ؛ فأربعة أعبد تعدِلُ ستة أشياء، فنقلب الاسم.
ونقول: العبدُ ستَّة، والشيء أربعة، وهي ثلثا الستة، فيصحُّ العفو في ثلثي العبد، وهو مائتان، ويفدي السيد ثلثه بثلث الدية، وهو أربعمائة، فيحصل لورثة العافي ضعف
الجزء: 7 - الصفحة: 233
المائتين، هذا إِذا لم يترك العافي سوى ما يستحقُّ من الدية، فإن ترك شيئاً آخر، نُظِرَ، إن كانت القيمة أقلَّ من الدية، وكان ما تركه ضعفَ القيمة صحَّ العفْو في جميع العبد لأن السيد لو اختار تسليمَ العَبْد، يتحصَّلْ ورثة العافي إلاَّ على قيمته، وإن كان ما تركه دونَ ضعْف القيمة، فيُضَمُّ ما تركه إلى قيمة العبد، وتصحَّح العفو في ثلث الجملة من العبد، وإن كانت القيمة أكثرَ من الدية، فيُجْمَعُ بين ما تركه، وبين الدية، ويصحَّح العفو في ثلث الجملة من الدية، ونوضِّح هذه الأحوال بالأمثلة مَصْبُوبَةً في قَالَب الصُّورة المذكورة:
مثال الحالة الأولى: المتروك ستمائةٍ، يصحُّ العفْوُ في جميع العبد؛ لأنَّ عبد ورثة العافِي ضعفه.
ومثال الثانية: المتروك ثلاثمائة، فإن سلم السيد العبْدَ بالقيمة والتركة معاً، ستمائة للسيد، ثلثها مائتان، وذلك مثل ثلثَي العبد، فيصحُّ العفو في ثلثيه، ويُبَاعُ ثلثه، وُيُصْرف ثمنه إلى ورثة العافي، ومعهم ثلاثمائة، فالمبلغ ضعْفُ ما صحَّ العفو فيه.
وإن اختارَ الفِدَاء، وقلنا: الفداءُ بالأقلِّ من الدية، أو القيمة، فالجوابُ كذلك؛ ويُدْفَعُ إليهم مائة.
وإن قلنا: الفدَاءُ بالدية، فيصحُّ العفو في شيء من العبد، وُيفْدَى باقيه بأربعة أمثاله، وهي أربعةُ أعبدٍ إلاَّ أربعة أشياء، تُضَمُّ إليها الثلاثمائة، يبلغُ خمسة عشر إلاَّ أربعة أشياء، وذلك يعدل شيئين، فبعد الجبر، وقلب الاسم، يكون العبد ستة، والشيءُ خمسةَ، فيصحُّ العفو في خمسة أَسداس العبد، ويُفْدَى سدسه بأربعة أمثاله، ومع الورثة مثل العبد، فالمبلغ عَشَرَةُ أسداسِ، ضعْفَ ما صحَّ فيه العفْو.
فُرُوعٌ: أحدُها: لو لم يترك سوى ما يستحقُّ من الدية، وعليه مائتان دَيْناً، وسلمه للبيت، واختار الفداء، وقلنا: الفداءُ بأقلِّ الأمرين، فيسقطُ الدَّيْن من قيمة العبد، يبقَى مائة للسيد؛ ثلثها، وهو ثلاثةٌ وثلاثون درهماً وثلث درهم، وذلك تسع العبد، فيصحُّ العفو في تسعة، ويُبَاعُ ثمانية أتساعه، أو يفديه السيد بثمانية أتساع قيمته، وهي مائَتَان وستة وستون دَرهماً، وثلثان، يُقْضَى منها الدَّيْن، يبقَى ستة وستون وثُلُثان، ضعْف ما صحَّ فيه العفو.
وإن قلنا: إن الفداء بالدية، فيصحُّ العفو في شيء، وُيفْدِي السيد الباقي بأربعة أمثاله، وهي أربعة أغبد، إِلا أربعة أشياء، يُحطُّ منها قدر الدين، وهو ثلثا عَبْد؛ يبقَى ثلاثة أعبد وثلث عبد، إلا أربعة أشياء؛ تَعْدِلُ شيئين، فيُجبَرُ ويُقَابَلُ: فنبسطُها أثلاثاً، ونقلب الاسم.
فالعبدُ ثمانيةَ عَشَر، والشيء عَشَرة، وهي خمسةُ أتساعِهَا، فيصحُّ العفْو في خمسة أتساع العبد، وهي مائةٌ وستة وستُّون درهماً وثُلُثان، ويَفْدِي السيد بَاقِيَةُ، وهي مائة
الجزء: 7 - الصفحة: 234
وثلاثة وثلاثون درهماً، وثلث درهم بأربعة أمثاله، وهي خمسمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، يُقْضَى منها الدَّين، يبقَى ثلاثمائة وثلاثةٌ وثلاثون وثلث درهم، ضعْفَ ما صحَّ فيه العفو.
الثاني: جنَى عبدان خطأً عَلَى حُرٍّ فعفا عنهما، وماتَ، ولا مالَ له سِوَى ما يستحقُّ من الدية، فإن اختار السيِّد أن يسلمها، أو اختار الفداءَ، وقلنا: الفداءُ بأقلِّ الأمرين، صحَّ العفو في ثلث كل عبد، وبيع ثلثاه، أو فَدَى سيده ثلثيه بثلثَي القيمة.
وإنْ قلنا: الفداءُ بالدِّية، فلو كانَت قيمة كلِّ عبد ثلاثمائة، وقيمة الدية ألفٌ ومائتان، كما قدمنا، فيصحُّ العفْو في شيء مِنْ كُلِّ واحد منهما، وفداه السيد باقيه بضعفه؛ لأن نصف الدية، هو الذي يتعلَّق بكلِّ واحد منهما، ونصف الدية ضعْف، كلِّ واحد منهما، فيحصُلُ لورثة العافي أربعةُ أعبد إلاَّ أربعة أشياء [وذلك يعدل ضعف ما جاز فيه العفو، وهو أربعة أشياء،] 349.
فبعد الجبر، أربعةُ أَعْبُدٍ تعدلُ ثمانية أشياء، فنقلبُ الاسْمَ، ونَجْعَلُ العبد ثمانية، والشيء أربعة، وهي نصفُها، فيصح العفو في نصف كلِّ عبد، ويفدي كلُّ سيد نصْفَ عبده، بعبد، فيحصُلُ للورثة عبدان، ضعْفَ ما صحَّ العفو فيه دماِن اختار أحدُهما الفداءَ، والآخر التسليمَ، وقلنا: الفداءُ بالدّية، صحَّ العفو في شيء من كلِّ واحد من العبدين؛ فيسلَّم الأول عبداً إلا شيئاً، ويفدي الثاني باقِي عبدِهِ بِضِعْفه، وهو عبدان إلاَّ شيئين، فيجتمع عند وَرَثَةِ العافي ثلاثة أعبد إلاَّ ثلاثة أشياء، تعدل ضعْفَ ما صحَّ العفو فيه، وهو أربعة أشياء، فبعد الجَبْر، وقَلْب الاسم، يكون العبد سبعة، والشَّيْء ثلاثة، فيصحُّ العفو في ثلاثة أسباع كُلِّ واحد منهما، ويسلَّم للأول أربعة أسباع عبده، ويفدي الآخر أربعة أسباع عبدهِ بِضِعْفِها، وهو ثمانيةُ أسباعٍ، فيجتمع لورثة العافِي اثنا عَشَر سبعاً، ضعْفَ ما صحَّ العفو فيه.
ولو مات أَحَدُ العبدَيْنِ قَبْل أن نفصل الأمر، ففيه جَوَابَانِ عن الأصْحَاب:
أحدهما: أنَّ المَوْتَ لا يُحْسَبُ على الورثة، ولا على الموصَى له، ويقدر كأن لم يكن، فعلَى هذا، إن اختار السيدُ تسليمَ العَبْد الثاني، نفذنا العفو في ثلثه، وبعنا ثلثيه، وإنِ اخْتَار الفداء، وقلنا: الفداء بالأرش، فيصحُّ العفو في نصْف العَبْدِ بِنِصفِ الدية.
والثاني: أنه يُحْسَبُ حصَّة العبد الذي مات من العَفْو؛ لأن العفْوَ توجَّه نحوهما جميعاً، فعلَى هذا، يتبعض العفْو في حقِّ الحىِّ؛ لأنه يصحُّ العفو في شيئين منْها، وقد
الجزء: 7 - الصفحة: 235
تعذَّر تحصيل التركة من الذي مات، فيحصُلُ من الآخر، فإن سلمه سيِّده للبيع بهذا العبد إلاَّ شيئاً يعدل ضعْفَ العفْو في العبدين، وهو أربعة أشياء، فبعد الجبر والمقابلة؛ عبدٌ يعْدِلُ خمسة أشياء، فنقلب الاسم، فالعبد خمسة، والشيء خمسة، فيصحُّ العفو في كل خُمْس كلِّ واحد منهما، ويسلَّم صاحبُ العبد الثاني أربعة أخماسه للبيع، وهو ضعف الخمْسَيْنِ اللَّذَيْنِ نَفَذَ فيهما العفْو؛ فإن اختار الفداء، وقلنا: الفداء بالدين، فدَى باقي عبده، وهو عبْدٌ إِلاَّ شيئاً، يضعفه، وهو عبدان إلاَّ شيئين، وذلك يعدل أربعة أشياء، فبعد الجَبْر: عبدانِ يعْدِلاَن ستة أشياء، فنقلِبُ الاسم، فنقول: العبْدُ ستة، والشيء اثنان، وهما ثُلُث الستة، فيصحُّ العفْو في ثلث كلِّ واحد منهما، يفدي سيد الثاني ثلثه 350 بضعفهما، وهي أربعة أثلاث، ضعف ما صحَّ العفو فيه.
الثالث: قَتَلَ عَبْدٌ حرَّيْنِ خطأً، تعلَّقت برقبته الديتان، فإن اختارَ سيَّده التسليم، بيع ووزِّع الثمن عليهما، وإن اختار الفداء، وقلنا: الفداء بالقيمة، وُزّعت القيمة، وإن قلنا: الفداءُ بالدية، فداه بالديتين، فإن عناء أحدهما في مرضه، فعن ابن سُرَيْجٍ: أنه يُدْفَعُ إلى ورثة العافي ثلثا نصفه، إلى ورثة الذي لم يَعْفُ بتمام النصف، كأَنَّ حقَّ كل واحد منهما متعلّق بنصف ثمنه، فينفذ عفو العافي في ثُلُثِ محلِّ حقه.
قال الأستاذ أبو منصور: هذا لا يستقيم على أصْل الشافعيِّ -رضي الله عنه- بَلِ الديتان متعلِّقتان بجميع العبد، وإذا عفا أحدهما، سقط ثلث الدية، فورثَتُهُ وورَثَةُ الآخر يتضاربون؛ هؤلاء بثلثَيْ دية مورِّثهم، وهؤلاء بتمامِ دِيَةِ مورِّثهم.
ومنها العتْقُ: إذا أعتق المريضُ عبداً، فاكتسب مالاً قبل موت المعتق، يوزَّع الكسب على ما يَعْتِقُ منه، وعلَى ما يَرِقُّ، وحصة ما عَتْق؛ لا يحسب عليه، وحصة ما رق تزيدُ في التركة، وإذا زادت التركة، زاد ما عَتَقَ، فيزيد حصته من الكسب، وإذا زاد حصة ما عتق، نقصت حصة التركة، فينقُصُ ما عتق، فيزيد المال، فيزيدُ ما عتق، وهكذا تَدُورُ زيادته عَلَى نُقْصانه، ونقصانُه على زيادَتِهِ، فَيقطَعُ الدَّوْر بالطرق الحسابية، وفيه مسائل:
مسألة: اكتسب العبدُ مثْلَ قيمته، فيعتق منه شيء، ويبعه من الكسب شيء غَيْر محسوب عليه، يبقى للورثةِ عبدان إلاَّ شيئين، وذلك يعدل ضعْفَ ما عَتَقَ، وهو شيئان، فبعد الجَبْرِ: عبدانِ يعدلان أربعة أشياء، فنقلِبُ الاسم، فالعبدُ أربعة، والشيء اثنان، والاثنان نصف الأربعة، فعلمنا أنه يعتق من العبد نصفه، وتبعه نصف الكسب غير محسوب عليه، يبقَى للورثة نصْف العبد، ونصف الكسب، وذلك ضعْفُ ما عَتَقَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 236
وبطريقِ السهام نأخُذُ للعتق سهماً، ولما تَبِعَهُ من الكسب سهْماً، ونأخذ للورثة ضعْفَ ما أخذنا للعِتْق، وهما سهمان، فيجتمع معنا أربعةُ أسهم، ثم تأخذ الرقبَةَ والكسْبَ، وهما مثلان، فنقسمهما على الأربعة، يخرج من القسمة نصْفٌ، فعلمنا أن الَّذي عَتَقَ نصف الرقبة.
وبطريق الخطائين: نجعل العبد ثلاثة أسْهُم، ونجيز العتق في سهم؛ يبقَى للورثة سهمان، ولهم من الكسْب سهمان، فالمبلغ أربعةً، وكان ينبغي أن يكون اثنين، فقد زاد اثنان، وهو الخطأ الأَوَّلُ.
ثم نجعله خمسةً، ونجيز العتق في سهم؛ يبقَى للورثة أربعةٌ، ولهم من الكَسْب أربعة، فالمبلغ ثمانية، وكان ينبغِي أن يكُونَ اثنين، فقد زاد إذن ستةً، وهو الخطأ الثاني.
يسقط الأقلُّ من الأكثر؛ يبقَى أربعةٌ، نحفظها، ثم نضرب المال في الخطأ الثاني، يكون ثمانيةَ عَشَرَ، والمال الثاني في الخطأ الأوَّل، يكون عشرة، يسقط الأقل من الأكثر؛ يبقَى ثمانية، نقسمها على الأربعة المحفُوظَة، يخرج من القسمة اثنان، فعلمنا أنَّ العبد يجب أن يُقَسَّمَ على سهمين، ثم نضرب ما أجزنا العتق فيه أوَّلاً الخطأ الثاني؛ يكون ستة، وما أجزنا فيه العِتْق ثانياً في الخطأ الأول؛ يكون اثنين، يسقط الأقل من الأكثر، يبقى أربعة، نقسِّمها على الأربعة المحفوظة، يخرج من القسمة واحدٌ، فهو الذي يُعْتَقُ والواحد، من الاثنين نصف، ولو اكتسب العبد، وقيمته تسْعُون، مثْلَ قيمته، ومثل نصفها، فيُعْتَقُ منه شيء، ويتبعه من الكسب شيء ونصف، غير محْسُوب عليه؛ يبقَى للورثة عبدان ونصْف إلاَّ شيئين ونصف شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: عبدان ونصف، يعدل أربعة أشياء ونصْف شيء، فنبسطُهَا أنصافاً، ونقلب الاسم، فالعبد تسعة، والشيء خمسة، فيعتق منه خمسةُ أتساعه، وقيمتها خمسُونَ، ويتبعها خمسة أتساع الكسب، وهي خمسة وسبعون؛ يبقَى للورثة أربعةُ أتساعِ العَبْد، وهي أربعون وأربعةُ أتساعِ الكَسْب، وهي ستون، وهما مائة ضعْف ما عَتَق وَبالسهام يأخذ للعِتْق سهماً، ويتبعه من الكسب سهْمٌ ونصف سهم، ونأخذ للورثة ضعْف العتق، وهو سهمان؛ فالمبلغ أربعةٌ ونصف يُقَسَّم عليها قيمة الرقبة والكَسْبُ هي مائتان وخمسة وعشرون؛ فنبسطُهُا أنصافاً، فيكون المقسُوم عليه تسعة، والمقسوم أربعمائة وخمسين، يخرج من القسْمَة خمْسُون، فذلك قيمةُ ما عَتَقَ منه، وهو خمسة أتساعه.
ولو كانت الصورةُ الثانيةُ بحالِهَا، وعلى السيد مثْلُ قيمة العبد دَيْناً، فيعتق منه شيء، وتبعه من الكسب شيءٌ ونصْف؛ يبقَى عند الورثة عبْدَان ونصف عبد، إلاَّ شيئين ونصف شيء، يسقط منه عبدٌ للدَّيْن؛ ويبقَى عبد ونصف إلاَّ شيئين ونصف شيء، يعدلُ
الجزء: 7 - الصفحة: 237
ضعْفَ ما عتق، وهو شيئان، فبعد الجَبْر: عبدٌ ونصف يعدِلُ أربعة أشياء ونصف شيء.
فنبسطها أنصافاً، ونقلِبُ الاسمُ فالعبْدُ تسعة، والشيء ثلاثةٌ، يعتق من العبد ثلاثةُ أتساعه، وتبعه من الكَسْب ثلاثة أتساعه، يُقْضَي الدين من الباقي؛ يبقَى عند الورثة ضعْفُ ماعَتَقَ.
وبطريق الدينار والدرْهم؛ يُجْعَلُ العبد ديناراً ودرهماً، والكَسْب ديناراً ونصْفَ دينار، ودرهماً ونصْفَ درهم، ويُعْتِقُ من العبد ديناراً، ويتبعه من الكسب دينارٌ ونصْف شيء؛ يبقى مع الورثة دينار ونصف، يسقط منه الدَّيْن ديناراً ودرهماً، يبقَى درهمٌ ونصْفُ إلاَّ ديناراً يعدل ضعف ما عتق، وهو ديناران، فبعد الجبر: يعدل درهم ونصف ثلاثة دنانير، فنبسطها أنصافاً، ونقلب الاسم، فالدينار ثلاثة، والدرهم ستة، وجملة العَبْد تسْعَةٌ، فإن كانت بحالها، إلاَّ أنه لا دَيْنَ على السيد، وله سوى العبد، وكسبه تسعون، فيعتق منه شيء، ويتبعه من الكَسْب شيء ونصف، يبقَى مع الورثة عبدان ونِصْف إلاَّ شيئين ونصْف شَيْء، ومعهم مثل قيمة العبد، فيجتمع عنْدَهم ثلاثة أعبد ونصف عبدْ إلاَّ شيئين ونصْف شيء، يعدِلُ شيئين، فبَعْدَ الجبر: ثلاثةُ أعبدٍ ونصفُ عبد، يعدل أربعة أشياء ونصف شيء، فنبسُطُها أنصافاً، ونقلب الاسم، فالعبد تسعة، والشيء سبعةٌ، فيعتق منه سبعةُ أتساعه، وهو سبْعُون، ويتبعه من الكَسْب سبعةُ أتساعه، وهو مائةٌ وخمسون، يبقَى للورثة تسعاه عشْرون، وتسعا الكسب ثلاثون، ومعهم تسعون، أيضاً فالمبلغ مائةٌ وأربعون، ضعْفَ ما عتق.
ومنهما ترك السيد ضعْفَ قيمة العبد، عتق جميعه، وتَبِعَهُ كسْبُه، ولا دَوْر،
وإذا كان عليه دَيْن، وله سوى العبد، وكسبه مال، قُوبِلَ الدَّيْن بذلك المالِ، فهذا تساويا، فكأنَّ لا دَيْنَ، ولا مَالَ، وإن زاد الدَّيْن فكأَنَّ قَدُرُ الزائد هو الدَّيْنَ، وإن زاد المال، فكان القَدْرُ الزائد هو المترُوكَ.
والموْهُوبَ من العبد وأرشُ الجناية عليه كالكَسْب.
فَرْعَانِ: أحدُهُما: قيمته تسْعُون، واكتسَب مثْلَ قيمته بَعْد العِتْق، فاستقرضها السيد منه وأتلفها ثم مات، فعتق منه شيْءٌ، ويستحقُّ على السيد شيئاً، هو دَيْنٌ عليه، يبقَى للورثة عبد إلاَّ شيئين، يعدل ضعْفَ ما عتق، فبعد الجَبْر: عبد يعدل أربعة أشياء، فنقلبُ الاسْم، ونقول: عَتَقَ منه رُبُعُهُ، ويتبعه ربعه، كربع كسبه، يبْقَى للورثة نصفه، وهو ضعف ما عَتَقَ، ثم ربع الكسب الذي هو دَيْن، إن أداه الورثة من عندهم، جاز، واستمرَّ ملكهم على ثلاثة أرباعِهِ، ومَلَكَ هو ما سلَّموا إليه بربعه الحُرِّ، وإن تراضَوْا مع العبد عَلَى أن يكُونَ ربع رقبته بدلاً من ربع الكسب، جاز، وعَتَقَ منه ربعُهُ عَلَى نفسه.
ثم عن ابن سُرَيْج: أنَّ ولاء ذلك الربع يكُونُ لبيت المال، وعن غيره من
الجزء: 7 - الصفحة: 238
الأصحاب: أنه لا ولأَ علَيْهِ، وإن أراد الورثة بيعه من غيره، وقال العَبْد آخذُهُ بدلاً عن الدَّيْن، فقد ذكر الأستاذ: أنه أحقُّ بنفسه من الأجانب.
قال الإمامُ: وهذا مَحْمولٌ على الأولويَّة دون الاستحقاق.
الثاني: ماتَ العَبْد المعتق قَبْلَ موت السيد، فهل يموت حرًا، أو رقيقاً، أو ثلثه حرّاً، وثلثاه رقيقاً؟ فيه ثلاثة أوجه مذكورة في الكتاب في "باب العتق" وهو كالخلاف الذي أسلفناه في موت العَبْد الموهوب، قبل مَوْت الواهِبِ المَرِيضِ.
قال الأستاذ أَبو منصور: والمشهورُ من المَذْهب الوجه الأوَّل، والثاني، تخريجُ ابْنِ سُرَيْج، وإنْ كان العبدُ قد اكتسب ضعْفَ قيمته، ولم يخلف إِلاَّ السيد، فيموت حرّاً بلا خلاف، أما إذا قلنا: إنه يموت حرّاً، إذا لم يخلف شيئاً، فهاهنا أولَى، وإن قلنا: إنه يموت رقيقاً، هناك فلأن سببه: أنه لم يخلف شيئاً، وههنا يرثُ السيدُ بالولاء كَسْبَهُ، فيحصل لورثته ضعْفُ العبد، وإِن كان الكسبُ مثْلَ قيمته، فإن قلنا: لو لم يخلّف شيئاً، لمات حرّاً، فهاهنا أولَى؛ وإن قلنا: مات رقيقاً، فهاهنا لا يرث جميعه؛ لأنه خلَّف شيئاً، ولا يعتق جميعُهُ؛ لأنَّ الكسب ليس ضعْفَه.
وإنْ قلنا: إن مَنْ بعضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ، يُورَثُ، فيُعْتَقُ نصفه، فيكونُ جميع كسبه للسيد، النصف بحقِّ الملك، والنصف بحق الإِرْث بالولاء، فيحصُلُ لورثته ضعْفُ ما عَتَق، وإن قلنا: إنه لا يُورَثُ، قال الاِمام: يُعْتَقُ منه شيء، ويتبعه من الكَسْب شيء، يُصْرَفُ ذلك الشيء إِلى بيت المال، فيبقَى عبد ناقص بشيء، يعدل ضعْفَ ما عتق، وهو شيئان، فبعد الجبر: عبدٌ يعدل ثلاثة أشياء، فالشيء ثلث العبد، فيعتق ثلثه، ويتبعه من الكسب ثلثُهُ؛ يبقَى للسيد ثلثا كسبه بحَقِّ الملك، وهو ضعف ما عَتَقَ، فإن كان الكسْبُ ضعْفَ القيمة، وخلَّف العتيق مع السيد بنتاً، فإن قلنا: لو لم يخلَّف بنتاً، لمات حرّاً، فكذلك هاهنا، والكسب بين البنت والسيد بالسوية.
وإنْ قلنا: يَمُوتُ رقيقاً، فإن قلنا: مَنْ بعضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ، يُورَثُ، فيعتق منه شيء، ويتبعُهُ من الكسب شيئان، يرث البنت أحدهما، والسيد الثاني، فيحصل لورثة السيِّد ضعف العبد إلا شيئاً، وذلك يعدل شيئين، فبعد الجبر عبدان يعدلان ثلاثةَ أشياء.
فالشيء ثلث العبدين، وهو ثلثا عبدٍ، فَيُعْتَقُ من العبد ثلثاه، ويتبعه ثلثا الكَسْب، ثم يرجع أحدُهُما بالإرث إلى السيد، فيحصل لورثة السيِّد ثلثا الكسب، وهما ضعف ما عَتَقَ.
وإِنْ قلنا: إنَّ مَنْ بعضُه حرٌ، وبعضه رقيق، لا يورَثُ، فلا ترث البنت منه؛ لأنها لو ورثت، لَمَا خرج جميعه من الثلث، فيرقُ بعضه، فإِذا رَقَّ بعضه، لم يورث، فيؤدّي توريثها إلَى إبطال توريثها، وهذه من الدوريات الحكمية، وإذا لم ترث، فكأنَّه لم
الجزء: 7 - الصفحة: 239
يخلف إِلا السيد، فيموت حرّاً، ويكُونُ جميع الكَسْب للسَّيِّد كما مَرَّ.
وإن كانت الصورةُ بحالها، وخلَّف بدل البنت ابناً فإن قلنا: إنه يموت حرّاً، لو لم يخلف شيئاً، فكذلك هاهنا، والكسب للابن، وإن قلنا: يموت رقيقاً هناك، فإنْ قلنا: من بعضُه حر، وبعضه رقيق، يُورَثُ، فيعتق منه شيْءٌ، ويتبعه من الكسب شيئان، هما للابن، يبقَى لورثة السيد باقي الكسب، وهو عبدان إلاَّ شيئين، فبعد الجبر: عبدان يعدلان أربعة أشياء، فالشيء ربع العبدين، وهو نصف عبْدٍ، فيعتق نصف العبد، ويتبعه من الكسب نصفه، يفوز به الابن، يبقَى لورثة السيد نصْف كسْبه بحقِّ الملك,.
وهو ضعْفُ ما عتق، وإن قلنا: إنَّ مَنْ بعضه حر، وبعضه رقيق، لا يُورَثُ، فيموت حرّاً، وجميع الكسب للسيد، ولا يَرِثُ الابنُ للدَّوْر، ولو لَمْ يَمُتِ المعتق، لكنْ كان له ابن حُرٌ، فمات قبل موت السيد، وترك أضعاف قِيمَةِ أبيه، وليس له إلا أبوه، وسيَّد أبيه، فلا يرث منه أبوه؛ لأنه لو ورث، لاَسْتَغْرق، ولم يحْصُلْ للسيد شيء؛ وحينئذ: فلا يعتق جميعه، فلا يرث، وإذا لم يرث حُكِمَ بحريته، وورث السيَّدُ مال ابنه بالولاء.
ولو كانت تركة الابن مثْلَ قيمة المعتق، فيعتق منه شيْء، ويثبت للسيد الولاء بقَدْر ما عَتَقَ على الابن، فيرث من تركته شيئاً، ولا يرثه أبوه؛ لِأَنَّ مَنْ بعضه رقيق لا يَرِثُ، فيحصل لورثة السيد عَبدٌ إلا شيئاً، والشيء الذي ورثه السيد بالولاء، فيتمُّ لهم عَبْد؛ لأن تركته مثْلُ العبد، وذلك يعدِلُ شيئين، فالشيء نصْفُ العبد، فيعتق نصفه، ويكون للورثة نصفه، ونصْفُ تركة ابنه، وهما ضعْفُ ما عَتَقَ.
مسألة: من الأصول المقررة: أن المريض إذَا أعتق عبيداً، لا يملك غيرهم، معاً، أُقْرعَ بينهم، وإن أعتقهم على الترتيب، بُدِئَ بالأوَّل فالأول، فإن زاد الأوَّل على الثلث، عَتَقَ منه قَدْرُ الثلث، فلو أعتق عبداً، فاكتسب مثْلَ قيمته، ثم أعتق عبداً آخر، ولا مال سواهما، وهما متساويا القيمة، فيعتَقُ من الأول شيْء، ويتبعه من الكسب شَيْء غير محسوب عليه، يبقَى للورثة ثلاثةٌ أعبد إِلاَّ شيئين، فبعد الجبر: ثلاثةُ أعبدٍ تعدلُ أربعة أشياء، فالشيء ثلاثة أرباع العبد، فيعتق من الأول ثلاثة أرباعه، ويتبعه ثلاثة أرباع الكسب، يبْقَى عبد ونصف، وهما ضعْفَ ما عتق.
ولو اكتسب الثاني مثْلَ القيمة دون الأول، عَتَقَ الأول وبقي الثاني، وكسبه للورثة، وإن اكتسب كلُّ واحد منهما مثْلَ قيمته، عَتَقَ الأول، وتبعه كسبه، وبقي الثاني وكسبه للورثة، وإن اكتسب الأوَّلُ مثل قيمتهما، عَتَقَ منه شيء، وتبعه من الكسب شيئان، يبقَى للورثة أَربعة أَعبد إلاَّ ثلاثة أشياء، تعدِلُ شيئين، فبعد الجبر يكونُ الشَّيء خُمْس أربعة أعبد، وهو أربعة أخماس عبد، يعتق من الأول أربعة أخماسه، ويتبعه أربعة أخماس الكَسْب، يبقَى للورثة خمسة، وخُمُس كسبه، والعبد الآخر، وإن اكتسب الثانِي
الجزء: 7 - الصفحة: 240
مثْلَ قيمتهما، عَتَقَ الأول، ومن الثاني شَيْء، ويتبعه من الكسب شيئان؛ يبقَى للورثة من الثاني وكَسْبه ثلاثة أعبد، إلاَّ ثلاثة أشياء، تعدل ضعْفَ ما عَتَق، وهو عبدان وشيئان؛ لأنَّ الذي عَتَقَ عبدٌ وشيء، فبعد الجَبْر: ثلاثةُ أَعبد تعدلُ وعبدين وخمسة أشياء، تُسْقِطُ عبدين بعَبْدين؛ يبقَى عبدٌ في معادلة خمسة أَشياء.
فالشيء خُمْسَ العبد، فالذي عَتَقَ من الثاني خُمْسُه، وكذلك الحكم، لو اكتسب كلُّ واحد منهما مثل قيمتهما, ولو أعتق العبدَيْن معاً أُقْرعَ بينهما، فمن خرجت له القرعة، فكأن السيد قدَّمه، والحسابُ في الصورة على ما ذكَرْنا.
ولو أعتق المريضُ ثلاثة أعبد معاً، لا يملك غيرهم، فاكتسب أحدُهم قَبل موته مثْلَ قيمته، وقيمتهم متساويةٌ، يُقْرَعُ بينهم بسَهْم عِتقٍ، وسهمَيْ رِقٍّ، فإن خرج سهم العِتْق على المكتسب، عَتَقَ، ويتبعه كسبه، والآخران للورثة؛ وإن خرج لأحد الآخرين، عَتَقَ، ثم تُعَادُ القرعة؛ لاستكمال الثُّلُث، فإن خرج للآخر، عَتَقَ ثلثه، وكان ثلثاه مع المكتسب، وكسبه للورثة، ولا دَوْر، فإن خرج سهم العِتْق في القرعة الثانية للمكتسب، دخله الدَّوْر، فنقول: يُعْتَقُ منه شيء، ويتبعه من الكسب شيءٌ، يبقَى للورثة ثلاثةُ أعبد إلاَّ شيئين، يَعْدِلُ ضعْفَ ما عَتَقَ، وهو عبدان وشيئان، فبَعد الجبر: ثلاثةُ أعبدٍ تعدلُ عبدين وأربعة أشياء، فتُسْقِطُ عبدين بعَبدَين؛ يبقَى عبد في معادَلَةِ أربعة أشياء.
فالشيءُ رُبُع العبد، فيعتق منْه رُبُعه، ويتبعه ربع كسبه؛ يبقَى للورثة ثلاثة أرباعه، وثلاثة أرباع كَسْبه، والعبد الآخر، وذلك عبدان ونصفُ، وهو ضعْفَ ما عتق.
وإن كانت الصورةُ بحالها، وعلى السَّيِّد من الدَّيْن مثل قيمة أَحدهم، فَيُقْرَعُ بين العَبْد بسَهْمٍ دَيْنٍ، وسَهْمَي تركة، ولسهم الدين حالتان:
إحداهما: أنْ يخرج لأحدِ اللذين لم يكْتسبا، فيُبَاعُ في الدَّيْن، ثم يُقرَعَ بين الآخرين؛ لإعتاق الثلث بعد قضاء الدَّيْن بسهم رِقٍّ، وسهم عِتْقٍ، فإن خرج سهْمُ العِتْق للذي لم يكتسب، عَتَقَ، والمكتسبُ وكَسْبُه للورثة، وإن خرج المكتسبُ، دخلَهُ الدَّوْر، فيعتق منه شيء، ويتبَعُهُ من الكسب شيء، يبقَى للورثة ثلاثة أعبدٍ إِلاَّ شيئين [تعدل شيئين فبعد] 351 الجبر ثلاثة أعبد، تعدل أربعة أشياء، فالشيءُ رُبُعٌ إلا عَبْد، وهو ثلاثة أرباع عبد.
الحالة الثانية: يخرج سهْم الدَّيْن للمكتسب، فيباع منه ومِنْ كسبه بقَدْر الدَّين، والدَّيْن مثل نصفها، فيباعُ في الدَّيْن نصْف رقبته، ونصف كسبه، ثم يُقْرَعُ بين الباقي
الجزء: 7 - الصفحة: 241
وبَيْن الآخرين بسهم عتْقٍ، وسهمَيْ رِقٍّ، فإن خرج سهم العتْق لأحدِ الآخرين، عَتَقَ، والآخر ونصف المكتسب وكَسْبُه للورثة، وإن خرج للمكتسب، عَتَقَ نصْفُه الباقي، ويتبعه الكسب غَيْر محسوب، ثم تُعادُ القُرْعَة بين الآخرين؛ لاستكمال الثلث، فإنا لم نعتق إِلاَّ نصْفَ عبد، وقد بقي عبدان، فلأيهما خرج العتق، عَتَقَ ثلثه، فيكون جملةُ ما عَتَقَ خمسَةَ أَسداسِ عبد، يبْقَى للورثة عبْدٌ وثلثا عبد، ضعْفَ ما عَتَقَ.
ولو كانتِ الصورةُ بحالها إلاَّ أن قيمتهم مختلفةٌ؛ فأحدهم يساوي مائة، والثاني مائتين، والثالثُ ثلاثمائة، والكَسْب لكلِّ واحدٍ منهم مثلُ قيمته، فيُقْرَعُ بينهم، فإن خرج سَهْمُ العتق على الأعلى، عَتَقَ، وتبعه كسبه، والآخران وكَسْبُهما للورثة، وذلك ضعْف الأعلَى، هذه حالة، ووراءها حالتان:
إحداهما: إذا خرج على الأدنَى، عَتَقَ، وتبعه كسبه، وتُعادُ القُرْعة، لاستكمال الثلث، فإن خرج سهْمُ العتق للأوسَطِ؛ عَتَقَ، وتبعه كسبه، ويبقَى الأعلَى، وكَسْبُه للورثة، وذلك ضعف العتيقين، وإن خرج للأعلى، عَتَقَ منه شيء، ويتبعه من الكسب مثله، يبقى للورثة باقية وباقي كسبه، والعَبْد الأوسط وكسبه، وجملة ذلك ألفٌ إِلا شيئين، يعدل ضعْفَ ما عتق، وهو مائتان وشيئان، فبعد الجبر: ألفٌ تعدلُ مائتين وأربعةَ أشياء، يسقط مائتين بمائتين، يبقَى ثمان مائة تعدل أربعةَ أشياء، فالشيء مائتان، وذلك ثلثا الأعلَى، فيعتق منه ثلثاه، ويتبعه ثلثا الكسب، يبقَى للورثة ثلثه وثلث كسبه، والعبدُ الأوسطُ وكسبُهُ، وذلك ستُّمائةٍ، ضعْفَ ما عَتَقَ من الأدنَى، وما عتق من الأعلَى.
الحالة الثانية: إذا خرج سهم العتق على الأوسَط، عَتَق، وتبعه كسبه، وتُعَادُ القُرْعة، فإن خرج سهم العِتْق للأدنَى، عَتَق، وتبعه كسبه، والأعلَى وكَسْبه للورثة، وإن خرج للأعلَى، عَتَقَ ثلثه، وتبعه ثلث كسبه، والباقي مع الأدنَى للورثة، وطريق الحساب ما بيناه.
مسألة: أعتق المريضُ جاريةً، لا يملك غيرها، فَوُطِئَتْ بالشبهة قبل مَوْت السيِّد، فلها مهر ما عتق منْها غير محسوب من الثلث، وللسيد مهْرُ ما رَقَّ منْها، فإن كان مهرها مثل ثلث قيمتها، فيعتق منها شيء، ويتبعه من المهر ثلثي شيء، وباقيها للورثة، وهو جاريةٌ ومثل ثلثها إلاَّ شيئاً، وثلث شيء، يعدل شيئين، فبعد الجبر: جاريةٌ وثلث، تعدل ثلاثة أشياء وثلث شيء، فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالجاريةَ عشرة، والشيء أربعة، فيُعْتقُ أربعة أعشارها [ويتبعها أربعة أعشار المهر، يبقى للورثة، ستة أعشارها] 352، وستة أعشار مهرها، وستة أعشار مهرها عُشْراً رقبتها، فيجتمع لهم مثل
الجزء: 7 - الصفحة: 242
ثمانية أعشار الرقَبَة، ضعْفَ ما عتق منها.
فإن أحبلها الواطئُ، وولدَت قبل موت السيد ولَداً، قيمته يوم الولادة ثلث قيمتها، فعلى الواطِئِ مع العفْو قيمةُ الولد، بِقَدْرِ ما رَقَّ منها؛ لتقوية رِقِّهِ على السيد، فيعتق منْهَا شيء من الولد، ثلث شيء غير محسوب من الثلث، ولها من المهر ثلث شيء، يبقى للورثة جاريةٌ ومثل ثلثها، إِلا شيئاً وثلث شيْءٍ، وذلك يَعْدِل شيئين.
فبعد الجبر: جارية وثلثا جاريةٌ تَعْدِل ثلاثة أشياء وثلثي شيء، فنبسطها أثلائاً، ونقلِبُ الاسم، فالجارية أحَدَ عَشَرَ، والشيء خمسة، فيعتق منها خمسة من أحد عشر [ويتبعها خمسةٌ من أحد عشر من الولد، ولها خمسة من أحد عشر] 353 من المهر، يبقَى للورثة ستةٌ من أحد عشر من الرقبة، وستة من أحد عشر من المهر، وستة من أحد عشر من قيمة الوَلَد، والشيئَانِ جميعاً كأربعةٍ من أحدَ عَشَرَ من الرقبة؛ فيجتمع للورثة مثلُ عشرة من أحَدَ عشر من الرقبة وهي ضعف ما عَتَقَ.
فإن كان الواطئُ مُعسِراً، فلم يحصُلْ منه مهر، ولا قيمة لم يتجزأ، لاَ عِتْقُ ثلثها، وثلثاها للورثة؛ فإن أيسر، وحصَلَ منْه المهر والقيمة، أتممنا عِتْقَهَا عَلَى ما يقتضيه الحساب، وتسترد الجاريةُ من كسبها مقدارَ ما عَتَقَ منها زائداً على الثلث؛ لنبين العتق فيه.
وعن ابن سُرَيْجٍ تخريجُ وجهٍ أنها لا تسترد، فإن كان الواطئُ هو المعْتِقَ، فعلَى ما ذكرنا في وطء الواهب المَرِيضِ بعد الهبة، والإقباض.
مسألة: وإذا زادَتْ قيمة المعتَق قَبْلَ موت السيد، دخل المسألةَ دَوْرٌ؛ لأن زيادة القيمة بمثابة الكَسْب، فقسْط ما عَتِقَ، لا يحسب على العبد، وقُسِّطَ ما رَقَّ، تزيد به التركة.
وكذا نقصان القيمةِ يوزَّع، فقسط ما عَتَقَ يُحْسَبُ على العبد، كأنه شيء قبضه وأتلفه، وقسط ما رق كأنه تلف من مال المُعْتِق، وإذا نقص المال، نقص ما يعتق منه، ويحتاج في استخراج المسألة إلى الطرق الحسابية.
مثال الزيادة: أعتق عبْداً، قيمته مائة، لا مَالَ له غيره، فبلغت، فيمته قبْلَ موت السيد مائة وخمسين، فنقولُ: يُعْتَقُ منه شيء، وذلك الشيء محسوبٌ عليه بثلثَيْ شيء، فيبقَى مع الورثة عبْدٌ إلا شيئاً، يعدل ضعْفَ المحسوب على العبد، وهو شيء وثلث شيء، فبَعْدَ الجبر: عبْدٌ يعدل شيئين وثلث شيء.
فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالعبد سبْعة، والشيء ثلاثة، ظيعتق منه ثلاثة أسباعه، وقيمتها يوم الموت أربعةٌ وستُّون وسبعان، والمحسوب عليم منها قيمةُ يوم
الجزء: 7 - الصفحة: 243
الإعتاق، وهي اثنان وأربعُونَ وستة أسباع، يبقَى للورثة أربعةُ، أسباعِ العبد، وقيمتُهَا خمسةٌ وثمانون، وخَمْسَة أسباع، وهي ضعْفُ المحْسُوب على العبد.
ومثال النقصان: كانَت قيمته مائةً، فعادَتْ إلى خمسين، فيعتق منه شيْءٌ، وهو محسوب عليه بشيئين، فالباقي وهو عبدٌ إِلا شيئاً يَعْدِلُ ضعْفَ المحسوب، وهو أربعة أشياء، فبعد الجَبْر: عبد يعدل خمسة أشياء، فالشَّيْء خمس العبد، فيعتق منه شيء، وهو خمسة، وقيمته يوم الموت عشرة، ويحسب عليه بعِشْرِين؛ لأن قيمتَهُ يَوْمَ الموْت عشرون، يبقَى للورثة أربعةُ أخماسه، وقيمتها أربعون، ضعْفَ المحاباة.
ومنها الكتابة: فإذا كاتَبَ في مرضه عبداً، لا يمْلِكُ غيره، ولم يؤدِّ شيئاً من النُّجُوم في حياة السيد، فثلثه مكاتَبٌ، فإذا أدى نجوم الثلث، عَتِقَ وهل يُزَادُ في الكتابة؛ لأن التركة قد زادت بما أدى؟ فيه اختلاف يجيء في الكتابة -إن شاء الله تعالى- فإن زيدَتْ، فقد ذكر في طريق الحساب: أن الكتابة تصحُّ في شيء من العبد، ويؤدِّي المكاتِبُ عنه شيئاً، والفرض فيما إذا كانت النجومُ مثل القيمة، فيحصُلُ للورثة من الرقبة، ومال الكتابة مثْل عبد، وذلك يعدل ضعْفَ ما صحَّت فيه الكتابة، وهو شيئان، فالشَّيء نصف العبد، فإذا أدَّى نجوم النصف، عَتَقَ نصفه، واستَرَدَّ من الورثة كَسْبَ سدسه، فيحصل للورثة نصْفُ الرقبة، ونصْف النجوم، وذلك ضعْفُ ما صحَّت الكتابة فيه.
ولو كاتَبَ عبْدَهُ في الصحَّة، ثم أعتقه في المرض، أو أبرأه عن النُّجُوم، نُظِر إن عجَّز نفْسَه، عَتَقَ ثلثه، ورَقَّ ثلثاه، وإن استدام الكتابة، فإنَّ كانت النجُوم مثْلَ القيمة، فوجهان:
أظهرهما: أنه يُعْتَقُ ثلثه ويبقى الكتابة في الثلثين.
والثاني: أنَّه لا يُعْتَقُ ثلثه؛ حتَّى يسلم الثلثان للورثة، إما بالعجز، أو بأداء نُجُوم الثلثين, لأنَّ ما يعجز العتق فيه، ينبغي أن يجصل للورثة مثْلاَه، فإذا كانت الكتابة مستمرةً في الثلثين، والنجُومُ في الذمة، لم يحْصُلْ في يدهم شيء.
ومن قال بالأول: قال: لو لم يعتقه، لكانَ جميعه مكاتباً، وكانت الحيلولةُ قائمةً؛ فالإعتاقُ ورَدَ على محلٍّ فيه حيلولة، فليثبت العتْق في الثلث، وليبْقَ الباقي بحاله، وإن كان بين النجوم والقيمة تفاوُتٌ، فقد سبَقَ أن المعتبر من الثلُثِ أقلُّ الأمرين، فإن كانتِ النجومُ أقلَّ؛ بأن كانت مائة، والقيمة مائتين، فيعتق ثلثُهُ، ويسقط ثلث النجوم، وهو المحسوب من الثلث؛ يبقَى للورثة ثلثا النجومُ، إن أدَّى؛ وثلثا الرقبة إن عجزوا، إن كانت القيمة أقلَّ بأن كانت مائةً، والنجومُ مائتين، دخله الدور؛ لأنا نحتاج إلَى أن يعتق منْه شيئاً محسوباً من الثلث؛ ويسقط ثلثه من النجوم، غير محْسُوب من الثُّلُث.
الجزء: 7 - الصفحة: 244
وحسابه أن يقالَ: عَتَقَ منه شيْءٌ، وسقط من النجوم شيْئَان، يبقَى للورثة من النجوم مائَتَا درهم إلا شيئَيْن، وذلك يعْدِلُ ضعْفَ ما عَتَقَ، وهو شيئان؛ فبعد الجبر: مائتان يَعْدِلاَن أربعة أشياء، فالشيْءُ ربع المائتين، وهو نصْفُ العبد، فعلمنا أن الذي يعتق نصف العبد، وأنَّه يُسْقِط نصْف النجوم.
قال الأستاذ: فإن عجَّل ما عليه من النجوم، عَتَقَ نصْفه؛ وإن لم يؤدِّ شيئاً، لم يحكم بعتق شيء، ثم كلما أدَّى شيئاً، حُكِمَ بعتق نصْف ما أدَّى؛ حتى يؤدي نصْف الكتابة، ويستوفي وصيته.
هذا ما اتفق إيراده الآن من المسائل الدورية في أبواب الفقه، وكما أوردنا طَرَفاً منها في بعض الأبواب الَّتي تتقدَّم على الوصايا، فربما نورد طرفاً في بعض الأبواب الَّتي يتأخَّر عنها إذا انتهينا إلى فقْهها -بمشيئة الله تعالى- ونختم الباب بمسائل يتولَّد الدَّوْر فيها من ازدواج أصلين.
مسألة: أعتق المريض عبداً، لا يملك غيره، ثم قتله، فينفذ العتق في جميعه؛ لأنه لا تَرِكَة، أو لا يعتق منه شَىْء؛ لأنه لا يبقَى للورثة ضعْف المحكوم بعتقه فيه خلافٌ سبق في نظائِرِه؛ قال الأستاذ أبو منصور: قياس مذهب الشافعيِّ -رضي الله عنه- الثاني، فإنْ ترك السيد مالاً، إذا قضيت الدية منه، كان الباقي ضعْفَ قيمته، فهو حرٌّ، وإن ترك من المال دون ذلك، عَتَقَ بعضه، ورَقَّ بعضه، ووجب على السيد قسْط ما عَتَقَ من الدية، ولا يرث السيِّد من دِيَتِهِ؛ لأنه قاتل له، بل إذا كان له وارثٌ أقربُ من السيد، فهي له، وإلا فهو لأقرب عَصَبَات السيد.
مثاله: قيمته مائة، وقيمة إبل الدية ثلاثمائة، وترك السيد ئلاثمائة، فنقول: يعتق منه شيء، وعلى السيد من الدية ثلاثةُ أمثاله، وباقي العبد الذي بَطَلَ العتق فيه، قد أتلفه بالقَتْل، ولم يتركْ إلا ثلاثمائة، وهو مثل ثلاثة أعبد، يقضي منْهَا ما وَجَبَ من الدية، يبْقَى ثلاثة أعبد إلا ثلاثةَ أشياء، تعدل ضعْفَ ما عَتَقَ، وهو شيئان، فيجْبَرُ ويُقَابَلُ، فثلاثة أعبدٍ تَعْدِلُ خمسة أشياء، فنقلب الاسم، فالعبدُ خمسة، والشيء ثلاثة، يعتَقُ منه ثلاثةُ أخماسه، وهي ستُّون، ويجب عليه ثلاثةُ أخماس الدية، وهي مائة وثمانون، يبقَى مائة وعشرون، ضعْفَ ما عتق، وبطريق السهام: تأخذ العبد بالعتق سهماً، ويتبعه من الدية ثلاثة أسهم، ولورثة السيد سَهْمَان، ضعْف سهم العتق، فالمبلغ ستة أسهم، ونسقِطُ منها سهماً، وهو الذي تلف من العبد، يبقَى خمسة أسهم، فهي سهام العبد، يعتق منها مثْلُ سهام التركة.
طريقةٌ أخرَى: تضربُ قيمة العبْدِ في ثلاثة؛ تكونُ ثلاثمائة، وتردُّ عليها الدية، تبلغ ستمائة، ينقص منها قيمةُ العبد؛ لأنه تلف؛ يبقَى خمسمائة، نسب إليها التركَة،
الجزء: 7 - الصفحة: 245
وهي ثلاثمائة، يكون ثلاثة أخماسه، فالذي يعتق من العبد ثلاثةُ أخماس، ولو قُطِعَ يدُهُ، فنقص من قيمته خمسُونَ دينارًا ودية اليد، لو كان حرّاً يساوي مائة دينار، وترك السيد مائة دينار، فيعتق منه شيء، ويجب على السيد من الدية شيء، وقد ترك السيد مائة دينار، وهو مثل عبد وما بَطَلَ فيه العتْقُ من العبد، وهو عبد إلا شيئاً، وقد نقص منْه نصفه، وهو نصْفُ عبد إِلاَّ نصف شيء، فالحاصل عبْدٌ ونصْفٌ إلا نصْفَ شيء، نسقط منه بالدية شيئاً؛ يبقَى عبد ونصف إلاَّ شيئاً ونصف شيء؛ وذلك يعدل ضعف ما عَتَقَ، وهو شيئان، فبعد الجبر: عبدٌ ونصف يعدِلُ ثلاثة أشياء، ونصف شيء، فنبسطُها أنصافاً، ونقلب الاسم، فالعبد سبعةٌ، والشيء ثلاثة، فيُعْتَقُ منه ثلاثة أسباعه، وهي اثنان وأربعون ديناراً، وستة أسباع؛ يبقى منه سبعةٌ وخمسونَ ديناراً وسبُعْ دينار، ولكنه نقص نصْفه، فعاد هذا الباقي إلَى ثمانية وعشرين.
ديناراً، وأربعة أسباع دينار، ومع الورثة من التركة مائة، يؤدَّى ما وجب من الدية، وهو مثل ما عتق، يبقَى خمسة وثمانون ديناراً، وخمسة أسباع دينار، وذلك ضعْفُ ما عَتَقَ.
ولو أعتق المريضُ عبداً، قيمته ستون، لا يملك غيره، فقطع أجنبيٌّ يده، ودية اليد، لو كان حرّاً مائةٌ وثمانون، ونقص من قيمته عشرة، فيعتَقُ منه شيء، ويجب على الجانِي للعَبْدِ ثلاثة أشياء، يبقَى للسيد من رقبته عبد إِلا شيئاً، فيستحقُّ به نصفه، وهو نصف عبد إلاَّ نصف شيء؛ لأن خراج العبد من قيمته كخراجِ الحُرِّ من ديته، فيجتمع له عبدٌ ونصْفُ عبد إلاَّ شيئاً ونصْف شيء.
لكنَّه نقص سدُس العبد، فينقص مما كان له سُدُس عبْد إِلاَّ سدس شيء، فيعود ما عند ورثته إلى عَبْد وثلث عبد، سوى شيء وثلث شيء، وذلك يعدل شيئين، فبعد الجبر: عبدٌ وثلثُ عَبْدٍ، يعدل ثلاثة أشياء وثلث شيء، فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالعبد عشرة، والشَّيْء أربعة، يعتق منه أربعة أعشار؛ يبقَى للسيد ستة أعشار، يستحقُّ به ثلاثة أَعشار؛ لكنه نقص من ستة أعشار واحدٌ، فالمبلغ ثمانية أعشار، ضعْفَ ما عَتَقَ، ولو كانت قيمة العبد والدية كما ذَكَرْنا، وقتله أجنبىٌّ، وخلف العبد بنتاً وسيده المعتق [فيعتق] 354 منه شيء، ويستحقُّ من الدية ثلاثة أشياء، يبقَى للسيد عبد إلاَّ شيئاً، فيستحقُّ به مثله على القاتل؛ لأن المُسْتَحَقَّ للسيد القيمة؛ فيحصُلُ له عبد إلا شيئاً، وله نصف ما استحقه العبد، وهو شيءٌ ونصْفٌ، فيجتمع للورثة عبْدٌ ونصْفُ شيء، وذلك يعدِلُ شيئين، فنْسقِطُ نصف شيء بنصف شيء؛ يبقَى عبد يعدلُ شيئاً ونصف شيء؛ فالشيء ثلثا العبد، فيعتق منه ثلثاه، وهو أربعون، ويجبُ به على الجاني مائةٌ وعشْرُون، يبقَى
الجزء: 7 - الصفحة: 246
للسيد عشرون، ويرث من المائة والعشْرِين شيئين، فالمبلَغُ ثمانون، ضعْفَ ما عَتَقَ.
والمسألة تتفرَّع علَى توريث مَنْ بعْضُهُ رقيقٌ.
مسألة: أعتق المريضُ عبداً، فَجَنَى العبْدُ علَى أجنبيٍّ بقَطْع، أو قَتْلِ، ولا مال للسيد غيره، نُظِرَ: إن كان أرش الجناية مثْلَ قيمة العبد، أو أكثر، لم يعتق منه شيء؛ لأن الأرْشَ دين يتعلق بالرقبة، والدَّيْن يتقدَّم على الوصايا، وإن كان دُونَها، كما إذا كان العبد يساوي مائة، والأرش خمسة وسبعين، فيعتق منه شيء، ويرق الباقي، والأرش يتوزَّع عليهما فحصَّة ما عَتَقَ، يتعلَّق بذمة العبد، وحصته ما رَقَّ، يؤدي منه، إن أراد السيد التسليمَ والأرْش ثلاثة أرباع القيمة، فعلَى السيد تسليمُ ثلاثة أرباع مَا رَقَّ، وهو ثلاثة أرباع عبْدٍ إِلاَّ ثلاثة أرباع شيء، يبقى مع ورثته رُبُع عبدٍ إلاَّ ربع شيء، يعدل شيئين، فبعد الجَبْر: ربع عبد يَعْدِلُ شيئين، وربع شيء.
فنبسطها أرْبَاعاً، ونقلب الاسمَ، فالعبد تسعة، والشيءُ واحدٌ، فيعتق منه سبعة، ويرق الباقي، فيسلم في الجناية ثلاثة أرباعه، وهي ستة أتساع؛ يبقَى مع الورثة تُسْعَانِ، ضِعْفَ ما عتق.
مسألة: أعتق عبداً قيمته ستون، وآخَرَ قيمته أربعون، ولا مَالَ له غَيْرهما، ثم قتل السيد الذي قيمته ستون، وديته لو كان حُرّاً تساوي ثمانين، فيقرع بين العبْدَيْن، فإن خرجت القرْعةُ للحيِّ، عَتَقَ ثلثه، ورَقَّ ثلثاه، ومات المقتول رقيقاً على الأظهر، وإن خرجت للمقتولِ، دَارَت المسألة؛ فيعتق منه شيء، ويرقُّ الباقي، وهو عبد إلاَّ شيئاً، [وثلثُه شَيْءٍ يعدل شيئَيْن، فبعد الجَبْر ثلثا عبد يعدل ثلاثة أشياء وثلث شَيْء] 355 وقد تلف ما عَتَقَ، وما رَقَّ بَقِيَ مع السيد عبْدٌ، قيمته ثلثا عبد، يُقْضَى منه ديةُ ما عتق من المقتول، وهو شيء وثلث شيء؛ لأن الدية مثل القيمة، ومثل ثلثها؛ يبقَى ثلث عبد إِلاَّ شيئاً وثلث شيء.
فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسم، فالعبدُ عَشَرة، والشيء اثنان، فيعتقُ منه عشراه، وهما اثنا عشر، وعلى السيِّد من الدية عشراها، وهما ستة عشر، يُقْضَى من الحيَّ، يبقَى منه أربعةٌ وعشرون، ضعْفَ ما عتق.
ولو أعتقهما، كما ذكرنا.
وَقُتِلَ الذي قيمته أربعون، وقطع يد الآخر، فنقص من قيمته عَشَرة، ودية كلِّ واحد منهما، لو كان حرّاً يساوي ثمانين، فيُقْرَع، إِن خرجت القُرْعَة للمقْطُوع، عَتَقَ
الجزء: 7 - الصفحة: 247
ثلثه، ورَقَّ ثلثاه، وإن خرجت للمقتول، فيعتق منه شيء، ويرق الباقي، لكنه أتلفه فالذي يَبْقَى، لورثة العبد المقْطُوِع، وهو بعد ما نقَص مثل عبد وربع عبد، يُقضى منه ما لزمه من الدية، وهو شيئان؛ لأنَّ الدية ضعْف القيمة، فيبقَى عبد وربع عبْدٍ إِلاَّ شيئين، يعدل شيئين، فبعد الجبر عبد وربع عبد يعدِلُ أربعة أشياء، فنبسطها أرباعاً، وتقلب الاسم، فالعبد ستةَ عَشَرَ، والشيء خمسة، فيعتق من العبد خمسةُ أجزاء من ستة عشر جزءاً، وقيمتها اثنا عشر ونصف، تركة السيد خمسون؛ يُقضَى منها ما لزمه من الدية، وهو ضعف ما عَتَق؛ يبقى منها خمسةٌ وعشرون، ضعْفَ ما عتق.
مسألة: وهب المريضُ عبداً لا يملك غيره، وأقبضه، فقتل العبد الواهب خطأً، نُظِرَ: إن كانت قيمته مثل الدية، صحَّت الهبة في نصفه، ويُبَاعُ ذلك النصْف في الجناية، أو يفْدِيه الموْهُوب له، فيحْصُل لورثة الواهب قَدْر نصفه، وقد بَقِيَ لهم النصْف وهما ضعف ما صحَّت الهبة فيه، ويهدر نصف الجناية؛ لأن جناية المملوك على المَالِكِ مهْدَرة.
وإن كانتِ القيمةُ أكثر، كَمَا إِذا كانَ العبد يساوِي ثلاثمائة، والدية مائة، فتصحُّ الهبة في شيء من العبد، وتبْطُل في الثاني، ويَرْجِعُ بالجنايةِ إلَى ورثة السيِّدِ ثُلُثُ شيء، فيبقَى معهم عبْدٌ إلا ثلثَيْ شيء، يعدل شيئين؛ فبعد الجبر عبدك يعدل 356 شيئين، وثلثي شيء.
فنبسطها أثلاثاً، ونقلب الاسمَ، فالعبد ثمانية، والشيء ثلاثة، فتصحُّ الهبة في ثلاثة أثمانِ العبدِ، وَيرْجِعُ إلى ورثَةِ الواهب ثُلُث ما صحَّت الهبة فيه، وهو ثمن، فيجتمع لهم ستَّة أَثمان، ضعْف ما صحَّت الهبة فيه.
وإن كانتِ القيمةُ أقلَّ، فإِن قلنا: إن الفداء بالأقلِّ من القيمة، أَو الدية، فكذلك الجوابُ، وإن قلْنا: إنَّ الفداء بالدية، فإن كانت القيمة مثْلَ نصف الدية، أو أقلَّ، صحَّت الهبة في جميعه، فإِذا فَدَاهُ، كان عندهم ضعْف ما صحَّت الهبة فيه أَو أَكثر، وإن كانتْ أكثرَ من نصف الدية؛ كما إذا كانت القيمة مائَتَيْنِ، والدية ثلاثمائة، فتصحُّ الهبة في شيء من العبد، ويفديه بمثله، ومثل نصفه، فيحصل للورثة عبد ونصف شيء، يعدل شيئين، فيسقط نصف شيء بنصف شيء؛ يبقى عبد يعْدِلُ شيئاً ونصْفَ شيء، فالشيء ثلثا العبْد، فصَحَّت الهبة في ثلثيه، يبْقَى للورثة من الرقبة ثلث، ومن الفداء مثْل عبْدٍ، فيجتمع عبد وثلث عبد وثلث.
ضعف ما صحت الهبة فيه.
فإن عفا الواهبُ عن الجناية، فالهبةُ سابقةٌ على العفْو، فيقدَّم، ثم ينظَرُ إن كانت القيمة مثْلَ نصف الدية، أو أكثرَ، بَطَلَ العفْو, لأن الهبة تستغرِقُ الثلث، فلا يبقَى شيء ينفذ العفْوُ فيه.
الجزء: 7 - الصفحة: 248
وإن كانتِ القيمة أقلَّ من نصف الدية، نُظِرَ: إن سلم الموهوب له العَبْدَ، أو فداه، وقلنا: الفداء بأقلِّ الأمرين، فكذلك الجوابُ، وإن قلنا: الفداءُ بالديَةِ فالفاضلُ من الثلث عن الهبة يُصْرَفُ إلى العَفْو.
مثاله: القيمةُ مائةٌ، والدية ثلاثمائة، فتصحُّ الهبة في جميع العبد، ويصحُّ العفْو في شيء منْه، ويفدى الباقي، وهو عبد إلاَّ شيئاً بثلاثة أمثاله، وهي ثلائةُ أعبُدٍ إِلاَّ ثلاثة أشياء، وذلك يعدل ضعف ما صحَّ بالهبة، والعفو، وهو عبدان وشَيْئَان، فبعد الجبر: ثلاثة أعبد تَعْدِلُ عبْدَيْنِ وخمسة أشياء، يسقط عبدين بعبدين، يبقَى عبد في معادلة خمسة أشياء، فالشيء خمس العبد، فيصحُّ العفو في خُمسَه، وهو عشرون فقد صحَّت الهبة في جميعه وهو مائة، فالمبلغ مائة وعشرون، يبطُلُ العفو في أربعة أخماسه، وهي ثمانون، يفديها الموهوبُ بأربعَةَ أخماس الدية، وهي مائتان وأربعون، ضعْف ما صح فيه العفو والهبة، وهذه الصُّوَر وأوضاعُهَا لا تتناهَى، فتقنع بهذا القدر واللهُ يَنفَعُ به.
البَابُ الثَّالِثُ في مسائل العَيْن والدَّيْن
بناء الباب عَلَى أن يخلف الميت عَيْناً، ودَيْناً عَلَى بعض الورثة، أو على أجنبيٍّ، فيصيب الوارث بعض ما عليه بالإِرث، أو الأجنبيّ بعض ما عليه بوصية تُفْرَضُ له، وأول ما نذكره أن الميت، إذا لم يخَلف إلاَّ دَيْناً عَلَى بعض الورثة، فالذي عليه يبرأ من حصته، ولا يتوقَّف براءته على توفير حصَّةِ الآخرين؛ لأن الملْك بالإرْث لا يتأخَّر والإنسان لاَ يستحِقُّ على نفسه شيئاً.
ولو خلَّف عيناً ودَيْناً عَلَى بعض الورثة، نُظِرَ: إن كان الدَّيْن، من غير جنس العين، أو من غير نَوْعه، فيقسَّم العين بين الورثة، فما أصاب من لا دَيْن عليه، دفع إِليه، وما أصاب المديون فعند أبي حنيفة [لا يدفع إليه، ويوقف عند من لا دين علَيْه، على سبيل الرَّهْن؛ حتى] 357 يؤدي نصيب من لا دَيْنَ علَيه، من الدين، وعندنا لا تتوقف، بل إن كان مقرّاً مَلِيئاً، دُفِعَ إليه، وإن كان جاحداً، أو مُعسِراً، فالآخر مستحق، ظفر بغير جنس حقه، وحكمه مذكورٌ في موضعه.
وإن كان الدَّيْن من ذلك الجنْسِ، وذلك النوع، كما إذا حَلَّفَ عَشَرَةً عيناً، وعَشَرَةً دَيْناً، على أحد ابنيه الحائزين، فجواب الأستاذ أبي منصور: أن الذي لا دَيْنَ عليه يأخذ العَشَرة، نصْفها إِرثاً، ونصفْها قصاصاً، عما يصيبه من الدين، وفي كيفية القِصَاصِ: الخلاف المذكورُ المعْرُوف.
الجزء: 7 - الصفحة: 249
قال الإمام: وهذا بعيد، والأقوال في تقاص الدينين، لا في تقاص الدَّيْن والعَيْن، بل المذهب أن الإرْثَ يثبت شائعاً في العين والدين، وليس لمن لا دَيْن عليه الاستبدادُ بالعشَرة التي هي عَيْن، إن كان المديون مقراً مليئاً؛ فإن تراضيا، أنشأً عقداً، وإن كان جَاحِداً، أو مُعْسِراً، فله أن يأخذها على قَصْد التملك؛ لأنه ظفر بجنس حقه ممن تعذَّر تحصيله منه.
وإذا خَلَّف دينًا وعيناً، وأوصَى بالدَّيْن لإنسان، وهو ثلث ماله، أو أقلُّ، فحقه منحصرٌ فيه، فما نَضَّ، دُفعَ إليه ولو أوصَى بثلث الدَّيْن، فوجهان:
أحدهما: أن ما نضَّ منه يُضَمُّ إلى العين، فإن كان ما نضّ ثلث الجميع، أو أقلّ، دُفِعَ إلى المُوصَى له؛ لاحتواء يد الورثة عَلَى مثليه.
وأصحُّهما: أنه كلما نض منه شيء، دُفِعَ إلَيه ثلثه إلى الموصَى له، وثلثاه إِلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الوصيَّة شائعةٌ في الدين.
إذا تقرَّر ذلك، فالدين المختلَفُ مع العَيْنِ من جنْسِهِ وَنوْعِهِ، إِما أن يَكُونَ عَلَى وارث، أو أجنبيٍّ، أو عَليْهما:
القسم الأول: أن يكُونَ على الوارث، فنصيبُهُ من جملة التركة: إما أن يكُونَ مثل ما علَيْه من الدَّيْن، أو أكثر، أو أقلّ.
الحالة الأولَى: إذا كان نصيبُه مثْلَ ما عليه، فتصحح المسالةُ، وتطْرح، فما تصحُّ منه المسألة نصيبُ المديون، وتُقسَّم العين على سهام الباقين، ولا يُدْفَعُ إِلى المديون شيء، ولا يؤْخَذُ منه شيء.
مثاله: زوج وثلاثةُ بنين، وترك خمسةً دَيْناً عَلَى أحد البنين، وخمسَة عَشَرَ عَيناً، فجملة التركة عشرون، ونصيبُ كلِّ ابنٍ خمسةٌ، فما على المديون مثلُ نصيبه، فتصحح المسألة من أربعة، وتطرح منها نصيب ابن، يبقَى ثلاثة، تقسم عليها العين، وهي خمسة عشر، يخرج من القسمة خمْسَة، ونصيب المديونِ، يقع قصاصاً بما عليه، هكذا أطلقوه؛ قال الإمام: وهو محمولٌ على ما إذا أوصَى المديون بذلك، أو عَلَى ما إذا كان جاحداً، أو مُعْسِراً؛ والباقون من الورثة ظافرون بحبس حقوقهم من ماله؛ فيأخذونه، ويقسمونه بينهم، وعلى ذلك ينزل الجواب المطلق في جميع هذه المسائل.
الثانية: إذا كان نصيبه أكْثَرَ مما عليه، فيقسم التركة بينهم فما أصاب المديون، يطرح منه ما عليه، ويأخذ الباقي من العَيْن.
مثاله: الدَّيْن في الصورة المذكورة ثلاثةٌ، والعين سبعةَ عَشَرَ، نصيب كلِّ ابن من التركة خمسةٌ، وما على المديون ثلاثة، يسقطُها من الخمسة، يبقى اثنان.
ياخذهما من العين.
الجزء: 7 - الصفحة: 250
الثالثة: إذا كان نصيبه أقلَّ مما عليه، فَيُقَامُ سهام الفريضة، فيطرحُ منْها نصيبُ المديون، وتقسم العَيْن على الباقي، فما خرج من القسمة يضرب في نصيب المَدْيُون، الذي طُرحَ فما بلغ، فهو الذي حَيّ من الدَّين، والمراد من هذه اللفظة أن ما يقع في مقابلة العين من الدَّين، كالمستوفي في المقاصة؛ فكأنه حي من الدَّين فلولا المُقَاصَّة، فالدَّيْن على المفلس ميت فائت، ثم الباقي من الدَّيْن بعد الذي حي يسقط منه شيء، ويبقى شيء، يؤدَّيه المديون إلَى سائر الورثة.
والطريق في معرفة السَّاقط والباقي؛ أن يُقَسَّم جميع التركة بين الورثة، فما أصاب المديون يُطْرَحُ مما عليه من الدَّيْن، فما بَقِيَ هو الذي يؤديه المديون، فيقسمه سائر الورثة عَلَى ما بقي من سهام الفريضَةِ بعد إسقاط نَصِيبِ المديون.
المثالُ: الدَّين في الصورة المذكورة ثمانية، والعين اثنا عشر؛ يُقَسَّمُ سهام الفريضة من أَربعة، ويُطرح منها نصيبُ المديون، ويُقَسَّم العين على الباقي؛ يخرج من القسمة أربعة، نضربها في نصيب المديون هو واحدٌ، يكون أربعة، فكذلك هو الذي حَي من الدَّين؛ يبقَى منه أربعة، تأخذ نصيب المديون من التركة، وهو خمسة، فنَطْرَحْها مما عليه يبقَى ثلاثة، فالثلاثة هي التي تبقَى من الدَّين، ويسقط واحدٌ, وتلك الثلاثة مقسومة بينهم على السهام مما يصح منه المسألة، وهي ثلاثة، وهذا إذا لم تكن وصية، فإنْ كانت؛ كما لو خلَّف ابنين، وترك عَشَرة عيناً، وعشرة دينًا، عَلَى أحدهما، وأوصَى بثلث ماله لرجُلٍ، ففيه وجهان:
أحدهما: وينسب إلى ابن سريج: أنا ننظر إلى الفريضةَ الجامِعَةِ للوَصيَّة والمِيراثَ، وهي ثلاثة، للموصَى له سهم، ولكلِّ ابنِ سهمٌ، فيأخذ المديون سهمَهُ، مما عليه، ويُقَسِّم الابن الآخر، والموصى له العَيْن نَصْفَيْن، وقد حَيّ من الدَّيْن خمسة، يبقَى خمسة، للمديون ثلاثة، يبقَى ثلاثة، وثلث، إذا أداها اقتسمها الابْن الآخر، والموصَى له نصْفَيْن؛ ووجهه أن الإرثَ والوصية ثابتان على الشيوع، فلكلِّ واحد من الابنين والموصَى له ثلُثُ الدَّين، وثلُثُ العَيْن، فيبرأ المديون عن ثلث الدَّين، ويجعل نصيبه من العين قصاصاً بثلث الدَّين، فما يستحقانه على ما بينا كيفيةَ المُقَاصَّة يَبْقَى ثُلُثُ الدَّيْن لهما عليه بالسَّويَّة.
والثاني: وينسب إلَى أبي ثَوْرٍ: أَن الموصَى له يأخذ ثلث العين، والابْنُ الذي لا دَيْنَ علَيْهِ، يَأخُذُ ثلثها إِرْثاً، والثلث قصاصاً، فيبرأ المدْيُون عن ثلثَي الدَّين بالإِرث، والمُقَاصَّة؛ يبقى عليه ثلث الدَّين، يأخذه الموصَى له، ومَالَ الأستاذُ إلى هذا الوجه، ووجهه بأنه لو كان الدَّيْن عَلَى أجنبيٍّ، لم يكن للموصَى له من العين إلاَّ الثلث، فكذلك، إذا كان عَلَى أحد الابنين، لكنَّ الجمهورَ أجابُوا بالأوَّل، وبه
الجزء: 7 - الصفحة: 251
قال [أصحاب] 358 الرأي.
وما ذكره الأستاذ مقلوبٌ عليه، فإنَّه لو كان الدَّين عَلَى أجنبيٍّ، لم يكن لأحدِ الابنين إلاَّ ثلث العين، فكذلك إِذا كان عَلَى أحد الابْنَيْن.
ولو كانت الصورةُ بحالها، إِلاَّ أنه أوصَى بربع ماله، فعَلَى الوجه الأوَّل الفريضةُ الجامعةُ من ثمانية؛ للموصَى له سهمان، ولكلِّ ابنٍ ثلاثةٌ، تسقط سهام المديون، يبقَى خمسة، يقسم عليها العَين، وهي عشرة، يخرج لكلِّ واحدٍ سهمان، فيكون للموصَى له أربعة، وللابنِ ستة، وقد حي من الدَّين، يبقَى من الدَّين أربعة، يسقط منها حصَّة المديون، وهي درْهَم ونصْف؛ لأنَّ لكلِّ ابنٍ ثلاثة من ثمانية، يبقَى درهمان ونصف، إِذا أدَّاها اقتسمها الابن الآخر، والموصَى له على خمسة؛ لهذا ثلاثة، ولهذا سهمان، فيكمل للموصَى له ربُعُ المال.
وعلى الوجه الثاني: يأخذ الموصَى له ربع العين، وثلاثة أرباعها للابن الذي لا دَيْنَ عليه بالإرث، والمقاصَّة، وتبرأ ذمة المديون عن ثلاثة أرباع الدَّيْن، يبْقَى عليه ربعه للموصَى له، ولو كانت بحالها، إلاَّ أنه أوصَى بالنصف؛ فإن لم يُجزْ الابنان ما زاد على الثلث، فكما لو أوصَى بالثلث، فإن أجاز، فعلَى الوجه الأول: الفريضةُ الجامعةُ من أربعةٍ، للموصَى له سَهْمَان، ولكل ابنٍ سهمٌ، يأخذ الغريم سهمه مما عليه، ويقسم الابن الآخر، والموصى له العَيْن عَلَى ثلاثة؛ للموصى له ثلثها, وللابن ثلثها، وقد حي من الابن ثلثه، وثلث يبقَى ستة وثلثان؛ للمديون ربعها، يبقى خمسة، كلما أدَّى منها شيئاً، اقتسمه الابن الآخر، والموصَى له ثلثًا وثلثَيْن.
وعلى الوجه الثانِي يأخذ الموصَى له نصْفَ العَيْن، ونصفها للابْنِ الذي لا دَيْن عليه بالإرْث، والمقاصَّة، ويبرئ المديون عَنْ نصف الدين، يبقَى عليه نصفه، للموصَى له؛ وإن أجاز الابْن المدْيُون دون الآخر؛ ذكر الأستاذ تفريعاً على الوجه الأول أن نصف العين للمُوصَى له، ونصفها للابن الآخر؛ كما لو كانت الوصيَّة بالثلث، وللموصَى له على المديون ثلاثة وثلث، وللآخر عليه درْهَم وثلثان، فيحصل للمُوصَى له ثمانيةٌ وثلُثٌ، وللآخر ستة وثلثان، ويسقط من الدين 359 خمسة، وهو ربع الشَّرِكَة الذي يستحقُّه حيث أجاز، وتفريعاً على الوجه الثاني: أن للموصَى له ثلث العين، والباقي يأخذه الذي لا دَيْنَ عليه، وللموصَى له خمسة على المَدْيُون.
وأَما تفريع الوجه الثاني فبين، وأما الأول: فإِن للإمام وجهاً ينصف العين بينهما؛ بأن المسألة مبنية على المُقَاصَّة، وهي على ما ذكرنا مخصوصةٌ بحالة الإِفْلاَس، وليس
الجزء: 7 - الصفحة: 252
للمُفْلس إبطالُ حقِّ المستحق الذي للدين بنزعه، مبتدئاً كان أو مجيزاً، وكان كلُّ واحد منهما يأخذ نصْف العين، لو كانت الوصيةِ بالثلث، وإن أجاز الابْنُ الذي لا دَيْن عليه دُيُون المديون، فعلى الوجه الأول يأخُذُ الموصَى له من العَيْن خمسة دراهم، وخمسة أسداس؛ لأنهما لو أجاز الأخذ، [لأخذ] 360 الثلثين، ولو كانت الوصية بالثلث، لأخذ النصف، فإذا أجازا أحدهما دون الآخر، بنصف ما بَيْن النصْف والثلثين، وهو درهم وثلثان؛ فنصفه خمسة أسداس، والباقي؛ وهو أربعةٌ وسدسٌ، يأخذه الابن الآخر بالاِرث والمقاصَّة، يبقَى للموصَى له عَلَى الابن المدْيُونِ درْهَمان ونصف، وللابن الآخرَ عليه خمسة أَسداس، ويسقط عنه ستةٌ وثلثان.
وعلى الوجه الثانِي يأخذ الموصَى له من العَيْن خمسة؛ لأن الذي أجاز يلزمه أن يؤدّي إِليه نصف ما عنده، وله على المديون ثلاثةٌ وثلث؛ وللابن المجيز نصفُ العين إِرثاً وقصاصاً، وهو قدر حقِّه، ولو كانت بحالها إلاَّ أنه أَوصَى بخمسة دراهم من ماله، حكى الأستاذُ تفريعاً على الوجه الأول: أنه يدفع إلى الموصَى له من العَيْن خمسة، ويأخذ الذي لا دَيْن عليه الخمسة الباقية؛ نصفها بالارث، ونصفها قصاصاً، عما له على المديون، ويبرأ المديون عن نصف الدَّيْن بالميراث، ومن ربعه بالقصاص، يبقى عليه ربع [الدين الآخر] 361، وتوقف الإمام في هذا؛ لأن الاعتبار في الوصايا بما لها.
وإذا كان المالُ بحاله؛ حتى ماتَ، فالتركة عشرون، والخمسة ربع العشرين، فليكن الحكم، كما لو أوصَى بربع ماله، ولو أوصَى كذلك، لم يكن للموصَى له نصْف العين، بل خمساها، كما سبق، وعلى الوَجّه الثَّاني: للموصَى له ثلث العين، فيكون الباقي من الدَّيْن.
ولو خلفت زوجاً، وثلاثة بنين، وخمسة دَيْناً على أحد البنين، وخمسة عشر عيناً، وهو المال المذكور أولاً، وأوصت بثلث مالِهَا.
فعلى الوجه الأوَّلِ الفريضةُ: الجامعةُ من ستة؛ للموصَى له سهمان، ولكلِّ واحد من الزوج والبنين سهم، يسقط نصيبُ المَدْيُون، يبقَى خمسة، يقسم عليها العَيْن، يخرج من القسمة ثلاثة، وللموصى له ستة، ولكلِّ واحدٍ منهم سوى المديون ثلاثة، وقد حي من الدَّين ثلاثة، يبقى من الدَّين درهمان، يسقط منها حصَّة المديون، وهو ثلث درهم؛ لأن لكلِّ ابن سهمان من ستة، يبقَى درهم وثلثان، إذا أدَّاها، واقتسموها عَلَى خمسة، للموصَى له ثلثان، ولكلِّ واحد من الابنين والزَّوْج ثلث.
وعلى الوجه الثاني، للموصَى له ثلث العين، وهو خمسة، وللزوج والابنين الدين لا دَيْنَ عليهما الباقي بالتسوية؛ لكلِّ واحد درهمان ونصف، بالإرث، وخمسة أسداس
الجزء: 7 - الصفحة: 253
بالمقاصَّة، [ويبرأ المديون عن سدس الدَّين بالإرث، وعن درهمين ونصف بالمقاصَّة] 362 يبقى عليه درْهم وثلثان للموصَى له.
القسم الثاني: إذا كان الدَّيْن على أجنبيِّ؛ فيُنظَرُ: إن لم يكن وصيَّة، فالورثَةُ يشتركون في العَيْن والدَّيْن، ولا إشكال، وإن كانت، فهي إما: أن تكون لغير المديون، أو للمَدْيُون، أولهما:
إن كان لغير المديون، كما إذا خلف ابنين، وترك عشرة دراهم عيناً، وعشَرَةً دينًا على رجل، وأوصَى لرجل بثلث ماله، فالابنان والموصى له يقتسمون العين أثلاثاً، وكلما حصل شيء من الدين، اقتسموه كذلك، ولو قيد الوصيَّة بثلث الدَّيْن، اقتسم الابنان العَيْن، وأما الدين، فقد سبق حكايته وجهين فيه:
أحدهما: أن الحاصِلَ من الدَّين يُضَمُّ إلى العين، ويدفع [ثلث الدين,] 363 حصل إِلَى الموصى لَهُ، ويشهر هذا بوجه الحَصْر؛ لأنه حصر حق الموصَى له فيما يَنْجَزُّ من الدين.
وأصحُّهما: أن ما يحْصُلُ من الدَّين يُدْفَع إليه ثلثه، ويشتهر هذا بوجه الشيوع، ولو أوصَى، والصورة ما ذكرنا، لزيدٍ بثلثِ العَيْن، ولعمرو بثلث الدَّين، فلزيد ثلث العين، وأما عمرو، فإذا حَصَلَ من التركة خمسة، فعلَى وجهِ الشيوع: يُدفَعُ إلَيْه ثلثها، وهو درهم وثلثان، وعلى وجّهِ الحصْر: إن أجاز الورثة، دُفعَ إليهَ من الخمسة ثلث الدين، وهو ثلاثة وثلث، وإن لم يجيزوا، لم يُدْفَعْ إليه ثلث الدين تامّاً؛ لأن الموصَى له بالعَيْن قد أخذ ثلث العين، فلو أخذ عَمْرو ثلث الدين، لا يصرف إلى الورثة ستة وثلثان، ولم يحصل فيم يد الورثة بَعْدُ إلا ثمانية وثلُث، وذلك دون الضِّعْف.
وإذا تعذَّر ذلك، فكم يُدْفَعُ إلى عمرو؟ قال الأستاذ أبو منصور: على تخريج أبي ثَوْر يُدفع إليه ثلث الخمسة الحاصلة، فيكون المصروف إلى الوصيَّتَيْن خمسة، وفي يد الورثة عشرة، وعلى تخريج ابن سريج: تُضَمُّ الخمسةُ إلى العشرة التي هي عين، وُيؤخَذُ ثلث المبلغ، وهو خمسة، يضارب فيها زيد وعمرو بجزئين متساويين، فيكون حصَّة عمرو درهمين ونصف درهم، واحتج الأستاذُ بهذه المسألة على ترجيح قول أبي ثَوْرٍ؛ لأنا إذا دَفَعْنا إلى عمرو درْهَمَيْن ونصفاً، وقد أخذ زيد ثلاثةً وثلثا، وكان المبلغ خمسةَ دراهم وخمسة أسداس، وليس في يد الورثة ضعْفُ ذلك.
قال الإمام: وجه العصر في أوله ضعف، فليحتج بما يلزم منه من محذور على
الجزء: 7 - الصفحة: 254
فساده، لا عَلَى فساد قول ابن سُرَيْجٍ؛ عَلَى أن القياس التفريعُ عليه عَلَى قول ابن سُرَيْجٍ، رد نصيب زيد إلَى درهمين ونصف [أنصافاً] 364، فلا يلزم المحذور المذكور، فإن كانت الوصيةُ للمديون، فيُنْظَر فيما يستحقُّه بالوصية: أهو مثل الدين، أو أقل، أو أكثر؟ ويقاس بما ذكرنا فيما إِذا كان الديْنُ على وارث، وإِن كانت الوصية لهما؛ كما إذا أوصَى، والصورة ما سبق، بثلث العين لزيد، وللغريم بما عليه، ورد الابنان الوصيتَيْن إلى الثلث؛ فيكون الثلث بينهما على أربعة؛ لزيد سهم، وللغريم ثلاثة.
فعلَى الوجه المنسوب إلى ابن سُرَيْج، الفريضة [الجامعة] 365 من اثني عشر، للوصيَّتين أربعة، وللابنين ثمانية، فيقسم زيْد والابنان العين على قدر سهامهم، وهي تسعة؛ لصاحب العين سهمٌ وتُسْع، ولكل واحد منهما أربعة، وأربعة أتساع، ويبرأ الغريم عن ثلاثة أرباع الثلث، وهي خمسة دراهم؛ يبقَى عليه خمسةٌ، كلما أدَّى شيئاً، جُعلَ بين زيد والابنين، وعلى تسعة، فيحصل لزيد خمسة أتساع درهم، فيتم له ربع الثلث، وهو درهم وثلثان، وللابنين أربعةٌ وأربعةُ أتساعٍ، فبلغ مالهما ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم، وذلك ثلثا المال، ثم ليكنِ المصروفُ إلى زيد عنْد خُرُوجِ الدين من العين، إن كانت باقيةً.
وعلى الوجه المَنْسُوب إلى تخريج أبي ثور، لزيد ربع الثلث، وهو درهم وثلثان، يأخذه من العين، والباقي من العين للابنين، ويبرأ الغَرِيمُ من خمسة، يبقى عليه خمسة، إِذا أَدَّاها، فيقتسمها الابنان.
ولو خلَّف ابنين، وعشرين درهماً عَيْناً، وعشرة دَيْناً على رَجُلٍ، وأوصَى للغريم بما عليه، ولزيدٍ بعَشَرة من العين، ولم يجز الابنان ما زاد على الثلث، فيجعل الثلث بينهما نصفين، ثم حكى الأستاذ فيه وجهَيْن عن ابن سُرَيْج:
أصحهما: أن الفريضة الجامعةَ من ستة؛ للوصيتين اثنان، وللابنين أربعةٌ، فيقسم زيد والابنان العشْرين عَلَى قدر سهامهم، وهي خمسة؛ فَيَحْصُل لزيد أربعة، ولكلِّ ابنٍ ثمانيةٌ، ويبرأَ الغريم عن نصف الثلث، وهو خمسة، يبقَى عليه خمسة، إذا حَصَلَ منها شيء، جُعِلَ بينهم أخماساً حتى يتم لزيد خمسة، ولهما عشرون.
والثاني: أنه يُدْفَعُ إِلى زيد من العين نصف وصية، وهو خمسة، ويبرأ الغريم من نصف ما علَيْهِ وهو خمسه، [وللابنين بَاقِي العَيْن] 366، وهو خمسةَ عَشَرَ، ويقتصان باقي الدَّيْن، وهو خمسة؛ لأن في أيديهما من العَيْن ضعْفَ ما أُخِذَ منهما والدَّيْن لم يؤخذ
الجزء: 7 - الصفحة: 255
منهما، وإنما برئ الغريمُ مما عليه، قال الإمام: وهذا الوجّهُ عَلَى ضعفه يجْرِي فيما سَبَقَ.
القسم الثالث: إِذا كان الدين على وارث وأجنبي [كما إذا خلف ابنين وترك عشرة عيناً وعشرة دينًا على أحدهما وعشرة دينًا على أجنبي] (1) وأوصى بثلث ماله؛ فعلى قياس تخريج ابن سريج الفريضة الجامعة من ثلاثة، يُجعل سهم للمديون ما عليه، ويقتسم الابن الآخر والموصى له العين، نصفين.
وإذا حصَّل ما على الأَجنبي اقتسماه كذلك وعلى الوجه الثاني، يأخذ الموصى له ثلث العين، والباقي للابن الذي لا دين عليه [ويبرأ الابن المديون عما عليه وإذا حصل ما على الأجنبي أخذ الموصى له ثلثيه والابن الذي لا دين عليه ثلثه] (2).
فرعٌ: ترك عشرة دَيناً عَلَى أحد ابنيه الجائرين، وعرضاً يساوي عشرة، وأوصَى بثلئه، فلكل واحدٍ من الابنين والموصَى له ثلث الدَّيْن، وثلث العرض، فيبرأ المديون عن ثلث الدَّين، وُيؤخَذُ منه ثلثا الدَّيْن لهما، فإن لم يملك إلا ثُلُث العرض أعطاهما ذلك عن حقِّهما، فإن لم يفعل باعه الحاكم، ودفع الثمن إلَيْهما.
ولو ترك عشَرةً عَلَى أحدهما، وعبداً يساوِي عَشَرة، وثوباً يساوي عَشَرة، فهَلْ يمنع المديون من التصرُّف في حقِّه من العين؛ حتَّى يؤدِّيَ نصيب أخيه من الدَّيْن، أم هو مطلق اليد فيه؟ حكى الأستاذ أبو مَنْصُورٍ فيه وجهَيْن، وَقَضَى على الوجْهَيْنِ بِنُفُوذِ إعتاقه في نصف العبد، لكن إذا قلنا: إنَّه ممنوعٌ من التصرُّفِ، بيعَ نصيبُهُ من الثوب، ودُفِع ثَمنه إلَى أخيه عن جهة الدَّيْن، ويُرَقُّ نصْفُ العبد له، وإن أطلقنا يده، فإن كان موسراً، قَوَّمنا عليه الباقي، فإن لم يملك إلاَّ نصيباً من الثوب، بِعْناه، وقضينا بنصف ثمنه، بنصف ما عليه لأخيه، وأعتقنا بنصفه رُبع العبد، ويرق ربعه، كأنا إِذا أنفذنا تصرُّفه، جعلنا إعتاقه مُلْزِماً غرم التقويم، فيُضَمُّ ذلك إلَى ما عليه من الدَّيْن، فيوزَّع ما يملكه عليهما، وإن لم ينفذ تصرُّفه، لم تعتبره في غرم التَّقْويم، وكان يجُوزُ أن يلحق إعتاقه بإعتاق الراهِنِ، إذا معناه من التصرُّف؛ حتى يجيء في عتق نصْفه الخلافُ، وهذا وقتُ العَوْد إلى شَرْح الكتاب.
البَابُ الثَّالِثُ في الرُّجُوعِ عَنِ الوَصِيَّة
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيصِحُّ الرُّجُوعُ عنهَا قَبلَ المَوْتِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ القَبْضُ، وَللرُّجُوعِ أَسْبَابٌ: أَوَّلُهَا: صَرِيحُ الرُّجُوعِ كَقَوْلِهِ: نَقَضْتُ وَرَجَعْتُ وَفَسَخْتُ وَهَذَا367368
الجزء: 7 - الصفحة: 256
لِوَارثي، فلَوْ قَالَ: هُوَ تَرَكَتِي فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوزُ للموصِي الرجوع عن الوصية؛ لأنه عقد تبرُّع، لم يتصل القبْض به، فأشبه الهبة قبل القبض، وأيضاً: فإن القبول المعتبر في الوصية، إنما هو القَبُول بَعْد المَوت، وكلُّ عقد لم يقترن بإيجابه القبول المعتبر، فللموجب فيه الرجوع، وقد رُوِيَ عن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "يُغَيَّرُ الرَّجُل عَنْ وَصِيَّتِهِ ما شاء" 369.
وعن عائشة -رضي الله عنْها- مثله 370.
وكما يجوز الرجُوعُ عن جميع الوصية، يجوز عن بعْضِها، كما لو أوصَى لعبد، ثم رجع عن نصفه ويعم جواز الرجوع كل تبرع معلَّق بالموت؛ كقوله: إذا متُّ، فلفلان كذا، ما دفعوا إليه، أو عبْدي، أو فهو وقف تَعَمْ في الرجوع عن التَّدْبِيرِ صريحاً خلاَفٌ يُذْكَرُ في بابه، ولا رجوع عن التبرعات المنجَّزة في المرض 371، وإن كان في الاعتبار من الثلث؛ كالمعلقة بالموت، ثم الرجوع يَحْصُل بطرق:
منْهَا: أن يقول: نقَضْتُ وصيتين، أو أبطلْتُها، أو رددتُّها، أو رفعْتُها، أو فسَخْتُها، أو رَجَعْتُ عنها: ولو سُئِلَ عن الوصية، فأنكرها كان رجوعاً عَلَى ما مر في جحود الوكالة 372، ولو قال: لا أدري، لم يكن رجوعاً؛ خلافاً لأبي حنيفة، فيما حكاه الأستاذ أبو منصور، وأشار إلَى خلاَفِ الأصحاب، فيما إذا قال: هو حرامٌ على الموصَى له، والمشهورُ أنه رجوعٌ، كما لو حرَّم طعامه على غيره، لم يكن له أكله، ولو قال: هذا لو أَرِثِي بعد موتي، أو هو ميراثٌ عني، حَصَلَ الرجُوعُ؛ لأنه لا يكون
الجزء: 7 - الصفحة: 257
للوارث، إذا انقطع تعلُّق الموصى له عنه، هكذا قيل.
لكن سنذكر: أَنه إِذا أَوصى بشيء لزيد، ثم أوصَى به لعمرو، ولم يكن رجوعاً، بل يشترك بينهما، وكان يجوز أن يقدر التشريك هاهنا أيضاً.
ويقال ببطلان نصف الوصية، ولو قال: هو تركتي فوجهان؛
أحدهما: أنه رجوع؛ إِذ التركةُ للورثة.
وأظهرهما: لا؛ فالوصيَّة من التركة.
وقوله في الكتاب: "لأنه جائز لم يتصل به القبض" لا يكاد يفسر العقد الجائز إلاَّ بما يجُوزُ إبطاله، والرجوع عنه؛ وحينئذٍ: فلا يحسن تعليل جواز الرجُوعُ به، فليجعل كنايةً عن التبرع، أو ما أشبهه.
وقوله: "وللرجوع أسباب" سبيل ضبْطِها، عَلَى ما ذكره: أن ما يحْصُلُ به الرجوع: إما قول، أو فعل: والقول ينقسم إلَى لفظٍ يستعمله الموصي لغرض الرجوع، وإلى لفظٍ يستعمله لغَرَضِ آخر، لكن يقع من لوازمه الرجوع، وإلَى غيرهما:
والفعل ينقسم إلَى ما يشعر [بقصد] التصرُّف الذي يقع من لوازمه الرجوع، وإلَى ما يبطل اسم الموصَى به، وإلى غيرهما:
والثالث مِن كل نوعٍ لا أثر له، بقي القسمان الأوَّلاَن من كُلِّ نوع، وهي الأربعة المذكورة في الكتاب.
ولا ينبغي أن يُحْمَلَ قوله: "صريح الرجوع" على اللفظ الدالِّ على الرجوع بالوضع؛ لأنه عَدَّ من هذا القبيل قوله: "هذا لوارثي" معلوم أنه غير موضوع للرجوع، بل صريحُ الرجوع محمُول على ما لا يقصد استعماله، إلاَّ الرجوع، وما يتضمن الرجوع؛ على ما يقصد به غير الرجوع، إلاَّ أنه يلازمه الرجوع، كما سبق، ولا بأس بأن يفسر لفْظُ الرجوع في قوله: "وللرجوع أسباب" بالبطلان والانتقاص؛ لأنه أدرج في مسائل الباب انهدامَ الدَّار الذي لا فِعْل للموصى فيه، ولا اختيار، ومثل هذا لا يجوز أن يُعَدَّ رجوعاً منه، لكن يجوز أن يؤَثِّر في البطلان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: مَا يَتَضَمَّنُ الرُّجُوعَ؛ كَالبَيْعِ وَالعِتْقِ وَالكِتَابةَ وَالاسْتِيلاَدِ وَالوَصِيَّةِ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ ضِدُّ الوَصِيَّةِ، أَمَّا إِذَا أوْصَى بِعَبْدٍ لِزَيْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرو فَهُوَ تَشْرِيكْ بَينَهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِزَيْدٍ فَقَدْ أَوْصَيْتُ بِهِ لِعَمْرو فَهُوَ رُجُوعٌ، وَلَو أوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَبَاعَ جَمِيعَ مَالِهِ لَمْ يَكُن رُجُوعاً لِأَنَّ الثُّلُثَ المُرْسَلَ لاَ يَنْحَصِرُ في العَيْنِ الحَاضِرَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 258
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِزالة الملْكِ عن الموصَى به بالبيع، أو الإصداق، أو الإعتاق، أو جَعْله أجرةً في إِجازة، أو عوضاً في خلعٍ، رجوعٌ عن الوصيَّة؛ لأنه نافذ التصرُّف فيه؛ لمصادفته خالِصَ ملكه؛ والوصيَّة تمليكٌ عند الموت، فإذا لم يبْقَ في ملكه ما تنفذ الوصية فيه، بطَلَتْ؛ كما لو هلك الموصَى به.
والهبة مع القبض رجوعٌ أيضاً، ودون القبض وجهان:
أصحُّهما: أنها رجوعٌ، لظهور قصد الصرْف عن الموصَى له، والرهن كالهبة، لهذا المعنَى، وفيه وجه: أنه لَيْسَ برجوع؛ لأنه لا يزيل الملك، وإنما هو نَوْعُ انتفاع؛ كالاستخدام، والكتابةُ رجوع، وكذا التدبير؛ لأنه أقوَى من الوصية؛ ألا ترَى أنه لا يحتاج إلى الَقبول، والوصيَّة تحتاج؟ وقيل: إنْ جعلنا التدبير وصيةً، فهو كما لو أوصَى بمال لزيد، ثم أوصَى به لعمرو، فيصير نصفه مدبَّراً، وتبقى الوصية في نصفه.
ولو أوصَى بالبيع، أو غيره مما هو رجوعٌ، فالمشْهُور المنصُوصُ أنه رجوعٌ عن الوصية الأولى لما مر وحكى أبو الفرج الزاز وجهاً أنه كما لو أوصَى لزيد، ثم أوصَى لعمرو؛ لأن كليهما وصية، وفرَّق صاحب الكتاب في "الوسيط" بين الصورتَيْن؛ بأن الموصَى به ثانياً هاهنا ليْسَ من جنس الأول؛ حتَّى يحمل على التشريك، ولذلك لا ينتظمُ الجَمْع بينهما في صيغة التشريك؛ بأن يقول: "أوصيتُ به لفلان"، وأعتقوه؛ بخلاف قوله: "أوصيت به لهما" لكن هذا غير مُجْدٍ لما سنَذْكُر أنَّ معنَى قوله: "أَوْصَيْتُ لهُمَا به، أوصيت بالنصف لهذا، أَوِ بالنصف لهذا" فالجمع هكذا منتظم مع اختلاف الجنس؛ بأن يقول: "أوصيت بنصفه لفلان، وبإعتاق نصفه".
والوجهان أوردَهُما أبو بكْر الشاشِيُّ صاحب المُعْتَمَدِ، فيما إذا أوصَى بعبد لإنسان، ثم أوصَى بعتقه، فعلَى وجه: يُعْتَقُ، وتبطْلُ الوصية الأولى، وعلَى وجه يُعْتَقُ نصفه، ويدفع إلى الموصَى له نصُفُه.
ولو أوصَى بعتقه، ثم أوصَى به لإنسان، فالقياس أن يُصْرَفُ إلى الموصَى له علَى الأول، وأن ينصف على الثاني، لكنه قال: أحد الوجهين: أنه يتعيَّن العتق، وتبطل الوصية الثانية، والثاني التنصيف، والتوكيل بالتصرُّفات المذْكُورة، كالوصية بها.
واستيلادُ الجارية الموصَى بها رجوع؛ لخُرُوجِها عن قبول النقل، ولو أقر بأن العبد الموصَى به مغصُوبٌ، أو حُرّ الأصل أو قال: كنت أعتقته.
قال الأستاذ أبو منصور: تبطُلُ الوصية، وذكر أنه لو باعه، ثم فسخ بخيار المجْلِس، فإن قلنا: إن الملك يزُولُ بنفس العقد، يحصل الرجوع، وإن قلْنا: يحصل بانقطاع الخيار، فلاَ.
الجزء: 7 - الصفحة: 259
ولك أن تقول: عَلَى كلِّ حال هو أقوى من الرَّهْن والهبة، قبل القبض، فإذا كان الظاهر فيهما حصول الرجوع، فهاهنا أولَى، وتعليق العتق رجوعٌ، لتنجزه، قاله العبَّادِيُّ في "الرقْم" ويشبه أن يجيء فيه الخلافُ المذكور فيما لا يزيل الملك.
وإذا أوصَى بعين مال لزيد، ثم أوصَى بها لعمرو، ففي "التتمة" وجهٌ: أن الوصية الثانية رجوعٌ عن الأولى كما لو وهب مالاً من زيد، ثم وهبه من عمرو قبل القبض، والمذهب المنصوص المشهور: أنها ليست برجوع، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد رحمهم الله، ووجَّهوه بأنه يجوز أنه قصد الجمع والتشْرِيكَ دون الرُّجُوع، فيشرك بينهما، وتنزل الوصيتان منزلةَ ما لَوْ قال دُفْعَةً واحدةً: "أوصيتُ به لهما" وليس ما ذكروه من جَوَازِ قَصْد التشريك من جهةِ اقتضاءِ اللَّفْظ التشريك، كما يقتضيه قَوْلُهُ: "أوصيت به لهما" أَلاَ ترَى أَن الأَصحابَ قَالُوا: إِذا قال: أوصيتُ لكما بهذا العبد" فرد أحدهما، لم يكن للآخَرِ الاَّ نصفه؛ لأنه لم يوجِبْ له إِلاَّ النِّصْف؟ [ولو أوصى به لزيد ثم أوصى به لعمرو] 373 هاهنا إِذا ردَّ أحدهما كان للآخَر أخذ الكل، ولو أوصَى به لأحدهما، ثم أوصَى بنصفه للآخر، فإنْ قبلاه فثلثاه للأول، وثلثه للثاني، وإن رَدَّ الأول، فنصفه للثاني، وإن ردَّ الثاني، فكلُّه للأول 374؛ فظهر أن اللَّفظ لا يقتضي التَّشْريك، ولكنَّ وجهه أنه لما أوصَى لهذا بَعْدَ ما أوصَى لذاك، فكأنه أراد أن يشرك بينهما؛ لأنه ملك كل واحد منهما جميع العبد عند المَوْت، ولا يمكن أن يكون جميعه لكلِّ واحد منهما، فيتضاربان فيه، كما لو أوصَى بجميع ماله لزيد، ثم أوصَى بجميعه، أو ثلثه لعمرو.
الجزء: 7 - الصفحة: 260
وعلَى هذا: فقوله في الكتاب: "فهو تشريك بينهما" معناه أن حُكْمَنا فيه التشريك، كما لو قال: أوصَيْتُ به لهما؛ إلاَّ أن قضية اللفظ التشريكُ، ولو قال: الذي أوصيتُ به لزيد، فقد أوصيت به لعمرو، أو قال: [لعمرو] 375 أوصيتُ لك بالعبد الذي أوصيْتُ به لزيدٍ، فهو رجوع؛ لاشعاره الظاهِرِ بالرجوع، وفيه وجه؛ أنه ليس برجوع، كالصورة السابقة.
وفرقوا عَلَى المذهب؛ بأنَّ هناك يجوز إرادة التشريك؛ كما بيَّنَّا، ويجوز أنه نسي الوصية الأُولَى، فاستصحبناها بقدر الإمْكان، وهاهنا بخلافه، ولو أوصَى به لزيدٍ، ثم قال: بيعُوه، واصرفوا ثمنه إِلى الفقراء، فهو رجوعٌ؛ بناءً على ما سبق؛ أن الوصية بالبيع رجوعٌ عن الوصية للشَّخْص، ولو أوصَى ببيعه، وصرف ثمنه، إلى الفقراء، ثم قال: بيعُوهُ، واصرفوا ثمنه إلى الرقاب، جُعِلَ الثمنُ بين جهتين؛ لأن الوصيتين متفقتان عَلَى البيع.
وإنما الزحمة في الثمن، ولو أوصَى له بدار، أو بخاتم، ثم أوصَى بأبنية الدار، وبفَصّ الخاتَم لآخر، فالدار أو الخاتم للأول، والأبنيةُ والفَصُّ بينهما؛ تفريعاً على المذهب المشهور.
ولو أوصَى له بدار، ثم أوصَى لآخر بسكناها؛ أو بعبد، ثم أوصَى بخدمته لآخر، نقل الأستاذ أبو منصور: أن الرقبة للأول، والمنفعة للثاني، وكان يجوز أن يشتركا في المنفعة؛ كما في الفصِّ والأبنية.
وهذا كلُّه في الوصية الواردة عَلَى مال معيِّن، فأما إِذا أوصَى بثلث ماله، ثم تَصَرَّفَ في جميع ما يملكه ببيع، أَو إعتاق، أو غيرهما، لم يكن رجوعاً، وكذلك لو هلك جميعُ ماله، لا تبطُلُ الوصية؛ لِأَن ثلث المال مطلقاً لا يختصُّ بما عنده من المال حَالَ الوصية، بل المعتبر ما يملكه عنْدَ الموت زاد، أو نقص، أو تَبَدَّلَ.
قَالَ الغزَالِيُّ: الثَّالِثُ: مُقَدِّمَاتُ هَذِهِ الأُمُورِ كَالعَرْضِ عَلَى البَيْعِ، وَمُجَرَّدُ الإِيجَابِ في الرَّهْنِ والهِبَةِ رُجُوعٌ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِدَلالتِهِ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، وَتَزْوِيجُ العَبْدِ وَالأَمَةِ، وَإجَارَتُهُمَا، وَخِتَانُهُمَا، وَتَعْلِيمُهُمَا لَيْسَ بِرُجُوعِ، وَالوَطْءُ مَعَ العَزلِ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَمَعَ الإنْزَالِ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ تَسرِّ، وَلَوْ أوْصَى بِمَنْفَعَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ آجَرَ سَنَةً وَمَاتَ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إِنْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الوَصِيَّةِ شَيْءٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الإِجَارَةِ سُلِّمَ إِلَى المُوصَى لَهُ بَقِيَّة السَّنَةِ، وإلاَّ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُسْتَأْنَفُ لَهُ سَنَةً كَامِلَةً بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الإِجَارَةِ.
الجزء: 7 - الصفحة: 261
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: في [أن] التوسُّل إلى الأَمر الذي يَحْصُلُ به الرجوع، هل يكون رجوعاً؟
مثاله: العرض على المبيع؛ فيه وجهان؛ كالوجهين في التوكِيل بالبيع، والأظهرُ أنه رجوعٌ، وكذا العَرْضُ على الهبة، ويجري الوجهان في مجرَّد الإِيجاب في الرَّهْن، والهبة، والبيع.
الثانية: تزويجُ العبد والأمة الموصَى بهما، وإجارتهما [وختانهما،] 376 وتعليمهما: ليس برجوع، وكذلك الإعارة، والإِذْنُ في التجارة، والاستخدام وركوب الدابة، ولبس الثوب؛ لأن هذه التصرفَات لا دلالَة لها على الرجوع بل هي: إِما انتفاع، وله المنفعة بالرقبة قبل الموت، وإِما استصْلاحٌ محض، وربما قَصَد به إِفادةَ المُوصَى له.
واعلم أن هذه المسألة لا اختصاصَ لها بهذا المَوْضِع، وكان الأحسن أن يذكر أسباب الرجوع بتمامها، ثم يذكر ما ليس برُجُوع.
الثالثة: وطء الجارية الموصَى بها مع العَزْل ليس برجوع؛ كالاستخدام، وإن أنزل الماء في الفرج، ولم يعزل؟ ففيه وجهان؛ قال ابن الحدَّاد: هو رجوع؛ لأن الظاهر أنه أراد الإيلاد، والتسرِّي، فكان كالعَرْض على البيع، وسائر ما يدلُّ على الرجوع، واسششهد عَلَى هذا بأن الشافعيِّ -رضي الله عنه- قال: في "الإملاء": لو خلف ألا يتسرَّى، فوطئ جاريةً من جواريه، وعزل، لم يحنَثْ، وإن لم يعزل، حنث؛ لأنه قد طلب الولد، وطلب الولد هو التسرِّي، وهذا ما أورده صاحِبُ الكتاب.
وقال أكثرهم: لا يكون رجوعاً، ولا اعتبار بالعزل وتَرْكِهِ، فقد ينزل ولا تَحْبَلَ، وقد يعزل، فيسبق الماء، وربما اعتذروا عن العَرْض على البيع ونحوه؛ بأن اقتضاء العَرْض على البيع إلى البيع أظْهَرُ وأقرب من إفضاء الوطء إلى الولد.
وأما مسألة اليمين، فعن ابن سُرَيْج في التسرِّي ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لو وطئ من غير عزل على ما ذكره ابن الحَدَّاد.
والثاني: أن التسرِّيَ هو مجرَّد الوطء.
والثالث: أنه الوطء مع المنع من الخروج، وعلى هذين الوجهين: لا فَرْقَ بين أن يَعْزِلَ أو لا يَعْزِلَ.
الرابعة: إذا أوصى بمنفعة عبد، أو دار سنةً، ثم أجَّر الموصى به سنةً مثلاً.
نُظِرَ:
الجزء: 7 - الصفحة: 262
إن مات بعد إنقضاء مدة الإجارة، فالوصية بحالها، وإن مات قبله، فوجهان:
أرجحهما: على ما يقتضيه إيراد الكتاب وغيره [أنه] 377 إن انقضت مدة الإِجارة قبل انقضاء سنة مِنْ يَوْمِ الموت [فالمنفعة بقيَّة السَّنة للموصَى له، ويُبْطُل الوصيَّة فيما مضَى، وإنِ انقضَتْ بعد انقضاء سنة من يَوْم المَوْتِ] 378 فالوصية باطلةٌ؛ وذلك لأن المستحق للموصَى له منفعة السنة الأولَى، فإِذا انصرفَتْ منفعتها إِلى جهة أُخرَى، بطلَتِ الوصيَّة.
والثاني: أنه يستأنف للموصَى له سنة من [يوم] 379 انقضاء مدة الإِجارة, لأن الوصيَّة بمنفعة سنة، وإنما يُصْرَفُ إليه السنة الأولَى مبادرة إلى توفية الحق، فَإذا منع منه مانع، تداركْنَا بسَنَةٍ أُخرى، فإن كان الموصِي قد قيد وصيَّته بالسنة الأولَى وجب ألا يجيء الخلاَفُ، ثُمَّ قضية التوجيهين: أن يُقَالَ: لو لم يسلّم الوارث [حتى انقضت سنة] 380 بلا عُذر، فعلى الوجّه الأوَّل يغرم قيمة المنفعة، وعلى الثاني: يسلَّم سنة أخْرَى.
وقوله في الكتاب: "إنْ بقي من مدة الوصية شيْء" يعني به سنة من يوم الموت، لكن هذه اللَّفظة تتفرع على أنَّ المستحَقَّ بالوصيَّة منفعةُ السَّنة الأولَى، وصاحب الوجّه الثَّاني لا يسلِّمُه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: مَا يَبْطُلُ بِهِ اسْمُ المُوصَى بِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِحِنْطَةٍ فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقٍ فَعَجَنَهُ، أَوْ غَزْلٍ فَنَسَجَهُ، انْفَسَخَتِ الوَصِيَّةُ، وَلَوْ أوْصَى بِخُبْزٍ فَجَعَلَهُ فَتِيتاً، أَوْ بِلَحْمٍ فَقَدَّدَهُ، أَوْ بِرَطَبٍ فَجَفَّفَهُ، أَوْ بِقُطْنٍ فَحَشَا بِهِ الفِرَاشَ، أَوْ بِدَارٍ فَانْهَدَمَتْ حَتَّى بَطَلَ اسْمُ الدَّارِ، أَوْ بِعَرْصَةٍ فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، أَوْ بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ قَمِيصاً، أَوْ بِخَشَبٍ فَاتَّخَذَهُ بَاباً، أَوْ بِشَيْءٍ وَنَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِ المُوصَى لَهُ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فَفِي الكُلِّ وَجْهَانِ، فأَمَّا إِذَا أوْصَى بِصَاعِ حِنْطَةٍ، فَخَلَطَهَا بِغَيْرهَا كَانَ رُجُوعاً، وَإِنْ أوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبرَةٍ، فَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً مِثْلَهَا، لَمْ يَكن رُجُوعاً؛ لأنَّهَا زِيادَةٌ لَمْ تَدْخُلْ في الوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَرْدَأَ فَوَجهَانِ.
قَالَ الرَّافعِيُّ: إذا أوصَى بحنطة، فطحنها، أو اتخذ منها سويقاً، أو بذَرَها، أو بدَقِيقٍ، فعجنه بَطَلتِ الوصيةُ، وكان ما أتى به رجوعاً منه؛ لمعنيين.
الجزء: 7 - الصفحة: 263
أحدهما: أن اسم الموصَى به قد بَطَلَ قبل استحقاق الموصَى له، وكانت الوصيةُ متعلِّقة بذلك الاسم، فإذا بَطَلَ، بَطَلَ الاستحقاق.
والثاني: أن الوصيَّة تمليكٌ بعد الموت، فلو كان عَلَى قصده الأوَّل، لاستدام الموصَى به، وهذه التصرُّفات مشعرةٌ بالصَّرْف عنه، فإن الحنطة تُطْحَنُ، والدقيق يُعْجَنُ للأكل، والاستهلاك.
ونسب الشيخ أبو حامد المعْنَى الأول إلى الشافعيِّ -رضي الله عنه- والثانِي إلَى أبي إسحاق -رحمه الله- وليس [بطلان الوصية] 381 ببطلان الاسم واضحاً كلِّ الوضوح؛ ألاَ ترَى أن العصير المرهون، إذا تخمَّر وتخلل قَبْلَ القبض، لا يبطل الرَّهْن فيه عَلَى رأي؟ بل يكون الكل مرهوناً مع بطْلاَن الاسم، والرهْنُ قبل القبض والوصية متقاربان، ثم قضيَّته أنْ يُفَرَّق بين قوله: "أوْصَيْتُ بهذا الطعام" وبين أن يقول: "أوصيت بهذا" ويقتصر عليه، أو يقول: "أوصيتُ بما في هذا البيت" ولو عرضت الأحوال المذكورة من غير إذْن الموصِي، فقياس المعنى الأوَّل بطلانُ الوصية، وقياس الثاني بقاؤُها وقد نصَّ الأئمة عَلَى وجهين في بعضِها، والباقي ملحق به، وألحقوا بهذا الصورة، إذا أوصى بشاةٍ، فذبحها، أو بعجينٍ فخبزه، لكن خبز العجين ما ينبغي أن يكون كعجين الدقيق، فإن العجينَ يَفْسُدُ، لو تُرِكَ، فيحتمل أنه قصد الاستصلاحَ، والحَفْظَ على الموصَى له.
وألحق أبو الحسنِ العبَّادِيُّ بها ما إذا أوصَى بجلد، فدبغه، أو ببيض، فاحضنه الدَّجَاج، ولك أن تقول: قياسُ المعنى الأول ألا يكون الدبْغُ رجوعاً؛ لبقاء الاسم، وكذا الإحضان إلَى أن يتفرَّخ، ثم الكلام في صُوَرٍ:
منها: إذا أوصى بخبز فجعله فتيتاً: فيه وجهان.
أشبههما: أنه رجوعٌ؛ لإشعاره بالصَّرف عن الوصية؛ لأن الخبز يفتت ويدق ليؤكل.
والثاني: لا؛ لأنه يقال: "خبز مدْقُوقٌ" ولم يبطل الاسم بالكلية، وقاسوا الوجه الأول على ما لو ثَرَدَهُ؛ لأنه ينتظم أنْ يقال: "خبز مثرودٌ" فليجر فيه الخلافُ، وعلى الوجهين: ما إذا أوصى بلَحْم فقدَّدَه لأنه لا يسمَّى لحماً على الإطلاق، لكن يقال: لحم قديدٌ.
ولم يذكروا خلافاً فيما إذا طَحَنَه، أو شوَاهُ، أنه رجوعٌ مع صحة القول: بأنه لحم
الجزء: 7 - الصفحة: 264
مطبوخ.
ولو أوصَى برطَبٍ فتمره، فوجهان أيضاً؛ لأن اسم الرَّطَب قد زال؛ لكنَّه صيانة له عن الفساد، فلا يشعر بتغيُّر القصد، والأشبه ألا يُجْعَلَ هذا رجوعاً، وكذا تقديد اللحْم، إذا كان تعرض للفَسَاد.
ومنْها أوْصَى بقطن، فغزله، أو بغزل فنسجه، فهو رجوعٌ وحكى ابن الصَّباغ -رحمه الله- في نسج الغزل وجهاً آخر، ولو حشا بالقُطْن فِرَاشاً، أو جُبَّة، فوجهان؛ لأنَّ الاسم باق، لكنه يشعر بقصد الصرف عن الوصية، والأظهر أنه رجوعٌ.
ومنها: أوصى بدار، فهدمها؛ حتى بطل اسم الدار، فهو رجوعٌ في الأخشاب والنُّقْض، كذا في العَرْصة؛ على أصح الوجهين.
والثاني: أن وصيَّته تبقَى في العَرْصة؛ لأن الهدْمَ ورد على الأبنية دون العَرْصة؛ وإن انهدمت، قال صاحب التتمة: في النقض وجهان.
أصحهما: بطلانُ الوصية فيه؛ لزوال اسْمِ الدار.
والثاني: بقاؤُها؛ لأنه لم يوجَدْ منه فعْلٌ وتصرّف؛ وأما العَرْصة، فتبقى الوصيَّة فيها، وفيه وجه أيضاً، وإن كان الانهدامُ بحَيْث لا يَبْطُلُ اسم الدار، وبقيَتِ الوصيةُ فيما بَقِيَ بحاله، وفي المنفصل وجهان 382، حكاهما صاحب المُعْتَمَدِ.
وإذا قلْنا في الانْهِدَامِ: إن الوصيَّة لا تبقَى في النقض، فلو فرض الانهدام بعد الموت وقبل القبول، فطريقان:
أحدهما: التخريجُ عَلَى أقوال المِلْكِ.
وأصحهما: القطْع بأنه للموصَى له؛ لأن الوصية تستقرّ بالموت، وكان اسم الدار باقياً يَوْمَئِذٍ.
ومنها: أوصَى بعَرْصَةٍ، فزرعها, لم يكن رجوعاً؛ كلُبْس الثوب، ولو بنَى فيها، أو غَرَسَ، فوجهان:
أحدهما: أن الجوابَ كذَلِك.
وأصحهما: أنه رجوع؛ لأنه للدوام؛ فيُشْعِر بأنه قصد إِبقائها لنفسه، وأبطل قصْده الأول، فإن لم نجعله رجوعاً، فموضع البناء والعْرَاسِ كالبياض المتخلل؛ حتى يأخذه الموصى له، إن زال البناء والغراس يوماً، أو تبطل الوصية فيه، ويصير تبعاً للبناء؟ فيه وجهان، ومطلق عمارة الدار ليس برجوع، لكن لو بَطَلَ الاسم؛ بأن جعلها خاناً، فهو رجوع، وإن لم يبطُلْ؛ ولكنْ أحدث فيها بناءً وباباً من عنده، فعلى الوجهين فيما لو بنَى
الجزء: 7 - الصفحة: 265
في الأرض، فإن لم نجعله رجوعاً، فالبناء الجديدُ لا يدْخُل في الوصية، وفيه وجهٌ أنه لا يدخل؛ لأنه صار من الدار.
ومنها لو أوصَى بثوب، فقَطَعَهُ قميصاً، ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه رجوعٌ، ولا يخفى مأخذهما مما تقدَّم، ولو غسله لم يكن رجوعاً؛ كتعليم العبد، ولو صبغه، فالأظهر، وهو المذكور في "التهذيب": أنه رجوع، وفيه وجهٌ آخر؛ كما في عمارة الدار؛ ولو قصَّره، فإن قلنا القصارة أثرًا محضاً، فهو كالغسل، وإلاَّ فكالصبغ، ولو أوصَى بثوب مقطوع، فخاطه، لم يكن رجوعاً، وعن أبي حنيفة خلافُهُ.
واتخاذ الباب من الخَشَب الموصَى به كاتخاذ القميص من الثوب.
ومنْها: لو أوصَى بشيء، ونقله من بلد الموصَى له إلَى مكان بعيد، ففيه وجهان؛ لأنه لو كان على قصد صرْفه إِليه، لَمَا بعَّده عنه، والأظهر المَنْع؛ ويشبه أن يكون الخلافُ مخصوصاً بما إذا أشْعَرَ التبعيد بتغيُّر القَصْد.
فأما إذا أوصَى صحيح البدن بدابة، ثم أَركبها رجلاً أو حمل عليها إلَى بلد بعيد، فلا إشْعَار 383.
ومنْها: لو أوصَى بصاعِ حنطة بعينه، ثم خلطها بحنطة أخرَى فَهُوَ رجوع؛ لأنه أخرَجَهُ عن مكان التسليم، وذكر أبو الفرج الزاز أَن الشيخ أبا زيد فَصَّل؛ فقال: إن خلطها بأجودَ منها، فهو رجوع، وإن خلطها بمثلها، أَو بأردأ منها, لم يكن رجوعاً؛ لأنه إذا خلطه بالأجود، حدثت فيه زيادة بجودة الخلط، والوصية لم تتناولْها، وإن خلط بالمثل، أو بالأردأ، فلا زيادة، والأول هو المشْهور والمَنْصُوص.
وإن أوصَى بصاع من صُبْرة، ثم خلطها بغَيْرها، نُظِر: إن كان الخلْطُ بالمثل، لم يكن رجوعاً؛ لأن الموصَى به هاهنا مخلوطٌ بغيره، شائعٌ فيه، فلا تضر زيادة الخلط، ولا يختلف فيه الغرض، وإن كان الخلط بالأجود، فهو رجوعٌ؛ لأن الزيادة الحاصلة لم تتناولها الوصية، وقد ذكرنا في البناء المستَحْدَثِ في الدار وجْهاً؛ أنه يدخل في الوصية؛ لأنه صار من الدار، وذلك الوجه هاهنا أقرب منه في البناء، وإن لم يذكروه، وإنْ كان الخلط بالأردأ فوجهان:
أحدهما: أنه رجوع لتغير الموصى به عما كان.
كما لَوْ خَلَطَ بالأجود.
وأظهرهما: المنع؛ لأن التغير فيه بالنقصان، فأشبه ما لو عيب الموصَى به، أو
الجزء: 7 - الصفحة: 266
أتلف بعْضه، ولو اختلطت بالأجود بِنَفْسها، فعلى الخلافِ السابِقِ في نظائره، وإذا أبقينا الوصية، فالزيادةُ الحاصلة بالجَوْدة غير متميزة؛ فتدخل في الوصية.
ولو أوصَى بصاع من حنطة، ولم يعين الصاع، ولا وصف الحنطة، فلا أثر للخلْط؛ ويعطيه الوارث مما شَاءَ من حنطة التركة، ولو وصفها، وقال: حنطتي الفلانية، فالوصْفَ مَرْعيٌّ، فإن بَطَلَ بالخَلْط، بطَلَتِ الوصية، وإن قال: منْ مالي حَصَّلَه الوارث.
فرعٌ: لو أوصى له بمائة معينة، ثم بمائة معينة، فله المائتان، وإن أطلق إحداهما، حملت المطْلَقة على المعينة، وكذا لو أطلقها, لم يكن له إلا مائةٌ؛ ولو أوصَى بخمسين، ثم بمائة، فله المائة، ولو أوصَى بمائة، ثم بخمسين، فوجهان:
أحدهما: أن له مائةً وخمسِينَ (1).
وأشبههما: أنه لا يدفع إلَيْه إلا خمسون؛ لأنه يحتمل أنه قصد تقليل حقه، والرجوعُ عن بعض الوصية الأولَى، فلا يُعطَى إلاَّ اليقينَ.
البَابُ الرَّابعُ في الوِصَايَةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا: (أَما الأَرْكَانُ) فَأرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ الوَصِيُّ وَشَرَاِئطُهُ خَمْسَةُ التَّكْلِيفُ (م ح)، وَكَمَالُ الحُريَّةِ، وَالإسْلاَمُ (ح)، وَالعَدَالَةُ (ح) وَكفَايَةُ التَّصَرُّفِ، وَفِي جَوَازِ التَّفْوِيض إِلَى الأَعْمَى وَجْهَانِ، وَيجُوزُ التَّفويضِ إلى النِّسَاءِ، وَالأُمُّ أَوْلَى من يُنَصَّبُ قَيِّماً، فَإِنْ لَمْ تُنَصَّبْ فَلاَ وِلاَيَةَ لَهَا، وَلَوْ أَوْصَى إلى مُسْتَوْلَدَتِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، مَنْشَؤُهُ أَنَّ المُرَاعى حَالَةُ المَوتِ أَوْ حَالَةُ العَقْدِ، وَلَوْ أوْصَى الكافِرُ إلى كَافِرٍ فَي أَوْلاَدِهِ الكُفَّارِ جَازَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا عرفت في أَول الكتاب: أن هذا الباب معقودٌ للوِصَايَةِ بأركَانِهَا، وأحكامها، وهي مستحبةٌ في ردِّ الظالم؛ وقضاء الديون، وتنفيذ الوصايا، وأمور الأَطفال 385:
[رُوِي أن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أَوْصَى؛ فَكَتَبَ أنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللهِ تَعَالَى، وإلَى الزُّبَيرِ وابنه عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما] 386 - فإِن لم يوصِ إلى أحد، نصب القاضي من يقُومُ بها.384
الجزء: 7 - الصفحة: 267
وأغْرَبَ الأستاذ أبو منصورٍ، فحَكَى عن بعض الأصحاب: أنه: إذا كان في الورثَةِ رشيدٌ، قام بهذه الأمور، وإن لم ينصبه القاضي، ولا شَكَّ أن في هذا العَقْد شخصاً، يُوصَى إليه، وشخصاً يُوصِي، وشيئاً يُوصَى به وصيغة يوصَى بها، وهذه الأمور هي التي سماها أركاناً، الأول الوصي وله شروط.
أحدها: التكليفُ فالصبي والمجنون، لا يوصَى إليهما؛ لأنهما لا يملكان التصرف لأنفسهما؛ فكيف يتصرفَّان لغيرهما؟ ولأن في الوصاية معنى الأمانة، ومعنى الوكالة؛ من حيث إِنَّهَا تعتمد تفويضاً من الغير، ومعنى الولاية من حيثُ إِن الموصِي يتصرَّف لعاجز، وهما لا يتأهلان لهذه المعاني.
والثاني: الحرية؛ فلا تصحُّ الوصية إلى العبد؛ لأنه لا يتصرَّف في مال ابنه فلا يصلح وصيّاً لغيره؛ كالمجنون، ولأنها تستدعِي فراغاً، وهو مشغولٌ بخدمة السيد.
والمكاتَبُ ومَن بعضُه حُرٌّ -كالقن، وكذا المدبَّر، وأمُّ الولد، نَعَم، في مستولدته ومدبَّره خلافٌ مبنيٌّ على أن صفات الوصيِّ تعتبر حَالَةَ الوصايَةِ، أم حالة المَوْت، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وقال مالك وأحمد: تصحُّ الوصية إلى العبد.
وقال أبو حنيفة: لا يُوصِي إلَى عبد غيره؛ ويجوز أن يُوصِيَ إلَى عبد نفسه، إذا لم يكن في ورثته رشيد، وجَوَّز الوصاية إلى المُكَاتَبِ.
والثالث: الإِسلام؛ فلا يجوزُ أن يوصِيَ المسلم إلى الذمِّيِّ، وفي وصاية الذمِّيِّ إلى الذِّمِّيِّ وجهان.
أحدهما: المنعُ؛ كما لا يجوز شهادةُ الكافِرِ للمسلم ولا للكافر.
وأظهرهما: الجوازُ، وبه قال أبو حنيفة؛ كما يجوز أن يكون وَليّاً لأولاده، وهذا ما ذَكَرَهُ في الكتاب.
ويجوز وصاية الذمِّيِّ إلى المسلم، كما يجوز شهادة المسلم على الذمِّيِّ، وقد تثبت له الولايةُ على الذمِّيِّ؛ ألا تَرَى أنَّ الإمام يلي تزويجَ الذِّمِّيَّات؟
والرابع: العدالةُ؛ فلا تجوز الوصايةُ إلى الفاسق؛ لما فيها من معنى الأمانة، والولاية، وبهذا قال أحمد -رحمه الله- في إحدى الروايتين.
والثانية: يجوزُ ويُضَمُّ إليه أمينٌ، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- تصحُّ الوصاية إليه، ولو تصرَّف نفَذَ، ولكنَّ القاضي لا يقرُّه عليها، وفرق الشافعيُّ -رضي الله عنه- بين الوصاية والوكالة؛ حيثُ يجوز توكيل الفاسق؛ بأن الوصاية في حق الغير، وفي مثله في الوكالة تشترط العدالة أيضاً؛ حتَّى لا يُوَكِّلَ الأبُ فاسقاً في مال ولده، ولا يودِعَ
الجزء: 7 - الصفحة: 268
المودع إِلاَّ عند أمين، وإن كان يجوزُ أن يُوكِّل الفاسق في ماله ويودِعَهُ إِياه.
والخامس: كفايةُ التصرُّف؛ فلا يجوزُ الوصاية إلَى من يَعْجَزُ عن التصرُّف، ولا يهتدي إليه لسفه، أو هرم، أو غيرهما، هذا هو الظاهُر، وقد تعرَّض له الحنَّاطِيُّ، فقال: لا يجُوزُ الوصاية إلى محْجور.
والقاضي الرويانيُّ، فقال: لا يجوزُ أن يكون الوصيُّ مغفَّلاً، وربما دَلَّ كلامُ الأصحاب عَلَى أن هذا الشرطَ غير مرعيِّ، ويوافقه ظاهرُ قولهم: أنَّ شروط الوصيِّ خمسة؛ الإسلام، والعقْل، والبلوغ، والحرَّية، والعدَالة.
وفي جواز التفويضِ للأعمى وجهان وجه المنع: أنَّه لا يقدر على البَيْع والشِّرَاء لنَفْسِه، فلا يحسن أن يفوَّض إليه أمر غيره.
والأظهرُ: الجواز، وبه قال أبو حنيفة، ويوكّل فيما لا يتمكَّن من مباشرته، فعلى الأول: تصير الشروط ستةٌ.
وزاد الرويانيُّ وآخرونَ شرطاً سابعاً؛ وهو ألاَّ يكون الوصيُّ عدوّاً للطفل الذي يفوض إليه أمره.
وحصروا الشروطَ جميعاً بلفظ مختصرٍ، فقالوا: ينبغي أن يكون الوصيُّ بحيثُ تُقْبَلُ شهادته على الطِّفْل 387، وكلُّ ما اعتبر من الشروط، ففي وقتِ اعتباره ثلاثةُ أوجه:
أظهرهما: وبه قال ابن سُرَيْج، وأبو إسحاق -رحمهما الله-: يعتبر حالة المَوْت؛ كما أن الاعْتبار في الوصيَّة بحالة الموت، وكما أنَّ الشاهد تعتبرُ صفاتُه عند الأداء.
والثاني: أنه يُعْتَبَرُ عند الوصاية والمَوْت جميعاً، فتلك حالةُ التفويض، وهذه حالةُ الاشتغال بالتصرُّف.
والثالث: أنه يُعتَبَرُ في الحالتين، وفيما بينهما؛ لاحْتِمَالِ المَوْتِ والحَاجَة إلى التصرُّف.
الجزء: 7 - الصفحة: 269
ولا يُشْتَرَطُ في الوصي الذكورةُ، بل يجوز التفويضُ إلى النساء، رُوِيَ أن عُمَرَ -رضيَ الله عنهُ- أوصَى إلَى حَفْصَةَ -رضي الله عنها- 388.
فإذا حصلت الشروط في أم الأطفال، فهي أولَى من ينصب قَيِّماً، ولكن لا ولاية لها بالأمومة، كما بيناه في "الحجر" وعن أبي حنيفة: أنَّ لها ولايةَ الحِفْظ والإنْفَاق، دون البيع والشِّراء.
وذكر الحنَّاطيُّ -رحمه الله- وجهاً أنه لا تجوز الوصَايَةُ إلَيْها، إذا أفرَّعْنَا على ظاهر المذهب، وهو أنَّها لا تلي، وهذا غير بعيدٍ من جهة المعنَى؛ نظراً إلَى أن في الوصاية ولايةً، وحقُّهُ الطَّردُ في جميع النساء.
واحتجَّ بعضهم على أنَّ للمرأة ولايةَ المَال في الجملة؛ بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لهنْدٍ: "خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ".
وإذا وقفت عَلَى شرح الفصْل، أَعْلَمْتَ قوله في الكتاب "وكمال الحرية" بالحاء والميم والألف، وفي لفظ "الكمال" إِشارةٌ إِلى أن المكاتب، ومَنْ بعضُه حرٌّ، لا يُجْعَلُ وصيّاً.
وقوله: "والعدالة" بالحاء والألف.
وقوله: "ويجوز التفويض إلى النساء" بالواو ولفظ "القيِّم" في منصوب القاضي أشهر إلاَّ أنَّه بالحقيقةِ يشمل الوصيَّ، ومنصوب القاضي وقوله: "أولى من ينصب قيماً" يفيد أولوية الوصاية، إليها، ونصب القاضي إِيَّاها.
وقوله: "فإن لم تنصب فلاَ ولايةَ لها" معلم بالواو والحاء؛ لوجْهٍ حكيناه عن الإصطخريِّ في "كتاب الحجر"، والمسألة مُكَرَّرَةٌ، وقد ذكَرَهَا هناك 389، وإذا عاد، فلو لمَ يذكر "فإن لم ينصبِّ"، وقال: "لا ولايةَ لها", لحصل الغرض وقوله: "ولو أوصَى الكافر إلى كافر في أولاده الكفار جاز" مُعْلَمٌ بالواو، ولما سبق، وشرَطُوا على وجه الجواز أن يكون عدلاً في دينه، وقصد بقوله: "في أولاده الكفار" أنهم لو كانوا مسلمينَ، لم يجُزْ أن يلي المفوَّض إليه أمرهم، لكن لو لم يتعرَّض له، لم يَضرَّ؛ لأنه ذكر منْ بعْد أنَّه يشترط في الموصىَ أن تكون له ولاية على الأطفال، ولا ولاية للكافر على أولاده المسلمين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ الوَصِيُّ أَمِيناً فَطَرَأَ الفِسْق انْعَزَلَ، فَإِنْ عَادَ أَمِيناً لَمْ يَعُدْ
الجزء: 7 - الصفحة: 270
وَصِيّاً، وَكذَلِكَ القَاضِي يَنْعَزِلُ ثُمَّ لاَ يَعُودُ بالتَّوْبَةِ، وَالأَبُ يَعُودُ وليّاً بِالتَّوْبَةِ، وَلاَ تَعُودُ وِلاَيَةُ القَاضِي وَالوَصِيِّ بِالإفاقَةِ بَعْدَ الجُنُونِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَالإمَامُ لاَ ينْعَزِلُ بالفِسْقِ لِأَجْلِ المَصْلَحَةِ الكُلِّيَّةِ، وَلَكِنْ لَوْ أَمْكَنَ اَلاسْتِبْدَالُ بِهِ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ فعَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصْلِ الكلامُ فيما إذا تغيَّر حال الوَصِيِّ، وذلك: إمَّا أن يكون قبل موت الموصِي، أو بعدَه، إن كان قبله: فيبني على ما ذكرنا في أنَّ الشُروطَ في أيَّ وقتٍ تُعْتَبَرُ، وإن تغير بعد موته، نظر إن فسق: إما بتعدِّ في المال، أو بسبب آخرَ، بطلت ولايته.
وفي "المجرد" للحنَّاطِيِّ وجهٌ أنها لا تبْطُلُ؛ حتى يعزله الحاكم، والمشهور الأول؛ وفي معناه قَيِّمُ الحاكم.
وفي بطلانِ ولاية القاضِي بالفِسْق وجهان.
أصحُّهما: وهو المذكورُ في الكتاب: أنها تبطُلُ أيضاً؛ لزوالِ الشَّرْط.
والثاني: لا تبطُلُ، كالإمام الأعظم، والأب، والجَدِّ، إذا فسقا، انتزع الحاكم مال الطفل منهما, ولا تبطل ولايةُ الإمامِ الأعظم بالفسْق؛ لتعلُّق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز توليةُ الفاسق ابتداءً، إذا دعت إِليهاَ ضرورةٌ، نَعَمْ، لو أمكن الاستبدالُ به، إذا فسق من غير فتنة، استبدل.
وفيه وجه: أنها تبطُلُ أيضاً، وهذا ما أورده أقْضَى القُضَاةَ [الماوَرْدِيُّ] في الأحكام السلطانية 390.
ولو فرضت توبة، وصلاح حال، بعد الفِسْق، هل تعود الولاية؟ أما الوصيّ [والقيم]، فلا تعودُ ولايتهما [والأب والجد تعود ولايتهما] 391.
وفي أمالي الشيخ أبي الفرج وجهٌ غريبٌ: أنها تعودُ؛ كالأب، والجَدِّ، إذا تابا بعد الفسْق، والمذهب الفرق؛.
لأن ولايتهما شرعية، وولاية القاضي والقيِّم مستفادةٌ من التولية والتفويض، فإذا ارتفعتْ لم تعد، إلا بتفويض جديدٍ، والقاضي إذا عزلناه بالفسْقِ
الجزء: 7 - الصفحة: 271
كالوصي، هاذا كان الوصيُّ قد أتلف مالاً، فلا يبرأ عن ضمانه؛ حتَّى يدفعه إِلى الحاكم، ثم يردَّه الحاكم عليه، إن ولاه، وفي مثله للأبِ أن يقبض الضمانَ من نفْسِهِ لولده، وليس من التعدِّي أكْلُ الأب والوصيِّ مالَ الطفَلِ للضَّرورة، لكن إذا وجب الضمانُ، فطَرِيق البراءة ما ذكَرْنا، وتصرفات الوصيِّ بعد ما انعزل بالفسْقِ مردودٌ.
قال القَفَّالُ: لكن رد الغصوب، والعواري والودائع وقضاء الديون من جنسها في التركة -لا ينقض, لأن أخذ المستحقِّ فيها كاف.
وإن جُنَّ الوصيُّ أو أُغْمِيَ عليه، أقام الحاكمُ غيرهُ مُقَامَهُ، فإن أفاق، فَوَجْهَان:
أحدهما: أنه على ولايته، كالأب والجَدِّ، والإمام الأعظم، إِذا أَفاقوا.
وأظهرهما: المَنْع؛ لأنه يلي بالتفويضِ كالتوكيل، بخلاف الأب والجد بخلافِ الإمام للمصْلَحَة الكلِّيَّة.
ويجري الوجْهَان في القاضي، إِذا أفاق وإذا أفاق الإمام الأعظم بَعْد ما وُلِّيَ غيره، فالولاية للثاني إلاَّ أن تثُورَ فتنَةٌ، فهي للأول، قاله في "التهذيب"، وإذا اختلَّت كفاية الوصيَّ؛ بأن ضعُفَ عن الكتابة، والحساب، أو ساء تدبيرُهُ؛ لِكِبرٍ، أو مرضٍ، فيضم القاضي إِليه من يعينه ويُرْشِدُه، ولو عوض ذلك لقيِّم القاضي عزله؛ لأنه الذي نصبه، فيأتي بخير منه، أو مثلهُ.
ومنصوب الأب يُحْفَظُ ما أمكن.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: المُوصِي وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى الأَطفَالِ شرْعاً كَالأَبِ وَالجَدِّ، أَمَّا الوَصِيّ فَلَيْسَ لَهُ إِلايصَاءُ إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهُ الوَليُّ في الإيصَاءِ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، كَمَا إِذَا اشتَرَطَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ وَصِيّاً بَعْدَ البُلُوغِ إِذْ يَتَحَوَّلُ الوِصَايةُ إِلَيهِ، وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ وَشَرَطَ اسْتِقْلاَلَ أَحَدِهِمَا عِنْدَ مَوْتِ الثَّانِي، صَحَّ شَرْطُهُ، وَلاَ يَجُوزُ نَصْبُ الوَصِيِّ عَلَى الأَولاَدِ البَالِغَينَ، نَعَمْ يُنَصَّبُ وَصِيّاً في قَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنفِيذِ الوَصايَا، وَلاَ يجُوزُ نَصْبُ الوَصِيِّ في حَياةِ الجَدِّ فَإنَّهُ وَليٌّ شَرْعَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرُّكْنُ الثاني: الموصِي.
فإن كانت الوصايةُ في قضاء الدُّيُون، وتنفيذِ الوَصَايا فتصحُّ من كل حرٍّ مكلَّف.
وأما في أمور الأطفال، فيُشْتَرَطُ مع ذلك أنْ يكون للموصِي ولايةً على الأطفالِ ابتداءً من الشرع، لا بتفويضٍ 392، وشرطٍ، وفيه مسائل:
الجزء: 7 - الصفحة: 272
إحداها: في أن الوصي، هَلْ يوصي؟ وفيه صور:
إحداها: ليس للوصي في الوصَايةِ المطْلَقة: أنْ يُوصِيَ إلَى غيره، وبه قال أحمد -رحمه الله-.
وقال أبو حنيفة، ومالك -رحمهما الله-: إن له أن يُوصِيَ.
لنَا: أنَّ الوليَّ لم يَرْضَ بالثاني، وأيضاً: فإنه يتصرَّف بالتولية والتفْوِيضِ؛ فلا يملك التفويض إلَى غيره؛ كالوكيل.
الثانية: لو قال: أوصيتُ إلَيْكَ، فإذا متَّ، ففلانٌ وَصِيِّ، أو فقد أوصيتُ إليه، أو قال: أوصيتُ إلَيْك، إلى أن يبلغ ابْنِي فلانٌ، أو يَقْدَمَ من سفره، فإذا بلغ، وقَدِمَ، فهو الوصيُّ.
أو قال: أوصيتُ إليكَ إلَى سنه، فإذا مَضَتْ، فوصيِّ فلانٌ، جاز؛ لأنَّ المُوصِيَ هو الَّذِي أوصَى إليهما، ورضيهما، إلاَّ أن الوصاية إلى الثاني مشروطةٌ بشرط.
وقد رُوِيَ أن فاطمة بنْتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهما- أوصَتْ في وقفها إلى عَلِيٍّ عليه السلام فإن حدَّث به حادث، فإلى ابنيها -رضي الله عنهما 393 -.
وأيضاً فإن الوصايةَ قريب من التأمير، ومن المشْهورِ أن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أمر زيداً -رضي الله عنه- وقال: "إنْ أصِيبَ، فَجَعْفَر، فَإِنْ أُصِيبَ، فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" 394 هذا ظاهرُ المذْهَبِ، ويحتمل الوصيةُ التعليقَ، كما تحتمل الجهالات، والأخطار.
وحكى أبو عبد الله الحنَّاطِيُّ، وآخرون فيها خلافاً أحداً من الخلاف في تعليق الوكالة.
وبالمنْعِ أجاب القاضي الرويانيُّ؛ فقال: لو قال: إذا متُّ، فقد أوصَيْتُ إليك لا يجوز بخلافِ قوله: أوصيتُ إليك، إذا مت، ولو قال: أوصيتُ إليك.
فإذا حَدَثَ بك حدَثُ الموت، فقد أوصيت إلَى من أوصَيتَ إليه، فوصيك وصيي روى المزني [عن نصه] 395 المنع وحَكَى عن اختلاف العراقيين قولاً آخر: أن الوصاية صحيحةٌ، وللأصحابِ في هذه الصورةِ ثلاثةُ طرقٍ؛ أشهرها أنَّ فيها قولَيْنِ:
أحدهما: الصحة؛ لأَنَّ الوصاية إِلى الأَول والثاني صادرةٌ من الموصِي، فهي كالصورة السابقة.
وأظهرهما: على ما ذكره "صاحب التهذيب" والشيخ أبو الفرج وغيرهما: المنع؛ لأن الموصَى إليه مجهولٌ هاهنا.
والطريق الثاني: القطْعُ بالمنْع، وحمل القول الآخر عَلَى ما إذا أوصَى وأَذِنَ
الجزء: 7 - الصفحة: 273
للوصي في أنْ يوصِيَ إلَى مَنْ يرى، وهكذا وجدت التصوير في اختلاف العراقيين، وحكى أبو الفرج هذه الطريقة عن القَفَّال.
والثالث: في بعض الشروح أنَّ منهم من قَطَعَ بالجواز، وغَلَّطَ المُزَنِيَّ.
الثالثة: أوصَى إلى إنْسان، وأذن له في الوصاية إلَى غيره، فينظَرُ: إنْ لم يعيّن، بل قال: أوص بتَركَتِي إلَى من شئت، فأوصَى بها إلَى رجلٍ، فطريقان:
أصحهما 396: أنَّ في صحة الوصاية قولَيْن:
أحدهما: المنع، وهو ظاهر قوله في "المختصر" لأنَّ إِذنه قد بَطَلَ بالموت، فلا يجوز أنْ ينصب عليه نائب حَيْثُ لا إِذْنَ، كما لو وَكَّلَ وكيلاً، وأَذِنَ له في التوكيل، فعزله، ثمَ وكَّلَ الوكيلَ عنه، لا يجوز.
وأصحُّهما: عند صاحب الكتاب: الصِّحَة، وهو اختيار أبي إسحاق والقاضي [أبي الطيب وابن الصباغ -رحمهم الله- ووجَّهه أن للأب أن يوصي، فله أن يستنيب] 397 في الوصاية، كما في الوكالة، وأيضاً: فإنَّ نظره للأطفال بَعْد الموت متَّبَعٌ؛ بدليلِ اتباع شرطه، فيما إذا أوصَى إلى رجلٍ إلَى أن يبلغ ابنه، وفي نظائره، وكذا لو أوصَى إلى رجلَيْن، وشرطُ استقلال أحدهما، إذا مات الثاني يتبع شرطه، وهذا القولُ يوافق مذهب أبي حنيفة ومالك.
والطريق الثاني: القطْعُ بالصحَّة 398، وحمل ما في "المختصر" على أنه قصد الردَّ على أبي حنيفة؛ حين قال: لو أوصى الوصي في أمر نفسه، كان وصيته وصية للموصي، فقال: لا يكون كذلك؛ حتى يتعرَّض لتركة الموصِي، وأمر أطفاله، وإِنْ عين، فقال: أوصي بتركتي إلى فلانٍ، فمنهم: مَنْ طرد القولَيْن، ومنهم: من قطع بالصحَّة؛ لأنَّه قطَع نظَرَ الوصي واجتهاده، فصار كما لو قال: أوصيتْ بعده إِلَى فلان.
فَرْعٌ: لو أَطلق، فقال: أوص إِلى مَنْ شئت، أو إِلى فلان، ولم يضفْ إلى نفسه، فتحمل على الوصاية عنه؛ حتى يجيء فيه الخلافُ، ويقطع بأنَّه لا يوصِي عنه وحكى "صاحبُ التَّهذيبِ" -رحمه الله- فيه خلافاً للأصحاب، وقال: الأصحُّ الثاني.
المسألة الثانية: لا يجوزُ نصْبُ الوصيَّ على الأولاد البالغين؛ لأنَّه لا يَلِي
الجزء: 7 - الصفحة: 274
أمرهم 399، نعَمْ: له أنْ ينصب وصيّاً في قضاء الديون، وتنفيذ الوصايا، فإذا نصب وصيّاً لذلك، لم يتمكَّن من إِلزام الورثة تسليمَ التركة؛ ليباع في الدَّيْن، بل لهم الإمساكُ وقضاءُ الدينِ منْ مالهم، لكن لو امتنعوا من التسليم والقضاءِ من عندهم، ألْزَمَهُمْ أحدَ الأمرَيْنِ 400؛ تبرئةً لذمة الموصِيَ.
هذا إذا أطلق الوصايةَ بقضاء الدَّيْن، فإنْ قال: ادفع هذا العبْدَ إليه؛ عوضاً عن دَيْنه، فينبغي ألا يكون للورثة إمساكُه؛ لأنَّ في أعيان الأموال أغراضاً، ولذلك قيل: لو أوصى بأنْ يُبَاع عين ماله من فلان، نفدت الوصيةُ، ولو قال: بعه واقض دَيْنه من ثمنه، فيجوز ألا يكون لهم الإمساك أيضاً؛ لأنه قد يكون أطيب 401 وأبعد عن الشبهات، ولا
الجزء: 7 - الصفحة: 275
يجوز نصب الوصيِّ في حياة الجَدِّ؛ فإنَّ الجد بدله شرعاً، فليس له نقل الولاية عنه؛ كولاية التزويج.
وقال أبو حنيفةَ: يجوز، وبه قال بَعْضُ أصحابنا: لأنه أوْلَى من الجَدِّ, فكذلك نائبه، وهذا في أمر الأَطفال، فأمَّا قضاءُ الديون، وتنفيذ الوصايا، فله نصب الوصي، ويكون الوصيَّ أولَى من الجد، ولو لم ينصب وصيّاً، فأبوه أولَى بقضاء الدين، وأمر الأَطفال، والحاكم أولَى بتنفيذ الوصايا، وكذلك حكاه "صاحب التهذيب" وغيره.
المسألة الثالثة: ليس للأخِ والعمِّ، وغير الأب والجد الوصايةُ في أمر أطفال الورثةِ؛ لأنهم لا يلون أمرهم، فكيف ينيبون فيه، وهل للأمِّ الوصاية ينبني على أنَّها، هلْ تلي، فعَلَى قول الإصطخريِّ لها الوصايَةُ.
وأمَّا لفظُ الكتاب، فقوله: "وهو كلُّ مَنْ له ولايةٌ على الأطفال شَرْعاً" المراد منه اعتبار هذا الشرْطِ في الوصاية في أمر الأطفال، لا في مطلق الوصاية؛ كما سبق، ثم الحكْمُ غيرُ مَنُوطٍ بخصوص الطفوليَّة، بل الولدُ المجنونُ كالصغير في أنَّه يجوزُ الوصاية في أمره والمُعْتَبَر أن يكونَ له ولايةٌ على الذي يوصي في حقِّه، وقوله من بعد "على الأولاد البالغين" يعني العقلاء ومواضعُ العلاماتِ لا تَخْفَى بعد ما تقدَّم، ومن جملتها قوله: "على أصحِّ القولَيْن" للطريقة النافية للخِلاَفِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: المُوصَى فِيهِ وَهُوَ التَّصَرُّفَاتُ المَالِيَّةُ المُبَاحَةُ، وَلاَ يَجُوزُ الإيصَاءُ في تَزوِيجِ الأَولاَدِ إِذْ لاَ غِبْطَةَ فِيهِ، وَلاَ في بِنَاءِ البِيعَةِ، وَكَتَبَةِ التَّورَاةِ فَإِنَّهَا مَعْصِيةٌ.
قَالَ الرافِعِيُّ: قوله في ضبطِ الموصَى فيه: "وهو التصرفات المالية المباحة" يدخل فيه الوصاية بقَضَاء الديون، وتنفيذ الوصايا، وأمور الأطفال، وفيه تعرُّض لقَيْدَيْنِ:
أحدُهما: كونُ التصرُّف ماليّاً، فلا تجوزُ الوصاية في تزويج الأطفال؛ خلافاً لمالكٍ وأحمد -رحمهما الله- لأنَّ الوصيَّ لا يتغير بدخول الدنيء في نسبهم، فالغِبْطةُ والاحتياطُ تفويضُهُ إلَى من يتعيَّن أو إلَى من يختصُّ بقوة النظر والاجتهاد، وهو السلطَانُ، وأيضاً: فإنَّهم، إنْ كانوا بالغين لم تجز الوصاية في حقهم، وإنْ كانوا صغاراً، فغير الأبِ والجدِّ لا يزوِّج الصغير والصِّغِيرة.
والثاني: كونه مباحاً، فلو أوصَى إلى رجل في بناءِ بيعة أو في كتابة التوراة، فهذا في الحقيقة وصيةٌ ووصاية، وهما باطلتان، وذكر طائفةٌ، منهم الإمام: أن الوصاية لا تَجْرِي في رد الغصوب والودائع، ولا في الوصية بعين لمعين؛ لأنَّها مستحقة بأعيانها، فيأخذها أصحابها، وإنَّما يوصي فيما يحتاج إلَى نظرٍ، واجتهاد كالوصية للفقراء، وهذا
الجزء: 7 - الصفحة: 276
موضعُ التوقُّف نقلاً ومعنًى، أما النقل؛ فلِمَا سيأتي في بقية الباب، وفي "كتاب الوديعة"؛ حيث قال "صاحب الكتاب": ولو أوصى إلَى فاسق، ضمن، وأما المعنَى؛ فلأنَّه قد يخاف خيانة الوارث 402، فيحتاج إلى الاستعانة بأمين، وبالله العصمة والتوفيق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: الصِّيغَةُ وهِيَ أن يَقُولَ: أَوصيتُ إِلَيْكَ لِتَتَصَرَّفَ في مَالِ الأَطْفَالِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ التَّصَرُّف لَمْ يَنْزِلْ مُطْلَقِ الإيصَاءِ إلاَّ عَلَى مُجَرَّدِ الحِفْظِ في أَحَدَ الوَجْهَيْنِ، وَمَهْمَا اعْتَقَلَ لِسَانُهُ، فَقُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُ الوَصِيَّةِ، فَأشَارَ بِرَأسهِ كَفَى (ح).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا بُدَّ في الوصاية مِنَ الإِيجاب؛ بأنْ يقول: أوصيت إليك وفوَّضْتُ، أو أقمتُكَ مقامِي وما أشبه ذلك، ويجوز فيها التأقيتُ، كما سبق من جواز التعليقِ، وذلك نحو أن يقول: أوصيتُ إليك إلى سنةٍ أو إلَى أن يبلِغ ابني فلان، أو يوصي إلَى زوجته إلَى أنْ تنكح، وأما القبولُ: فالظاهر اشتراطه، وأشار بعضهم إِلى خلافٍ فيه، وحَكَى، الأستاذ أبو منصور وجهين؛ في أنَّ عمل الوصيِّ، هل يقوم مقام لفْظِ القبول، وكلُّ هذا مأخوذٌ من الوكالة، ولا يشترط وقوعُ القبول في حياة الموصِي، وهلْ يعتد به في حياته وجهان:
أظهرهما: ويحْكَى عن، ابنِ سريج -رحمه الله-، لا؛ كما لو أوصَى بمالٍ يُشترط وقوعُ القبول بَعْد الموت.
والثاني: نعم، كما لو وَكَّلَهُ بعملٍ يتأخر وقته، يكون القَبُول في الحال والامتثال في المسْتَقْبَلِ، والرد في حياة الموصِي عَلَى هذين الوجهين، فعلى الوجه الأول، لو ردَّ في حياته، وَقِبَلَ بعد موته، جاز، ولو ردَّ بعد الموت، لغت الوصاية.
ثم إن فصل الموصِي، فقال: أوصيتُ إليك في قضاء دُيُوني، وتنفيذ وصاياي والتصرُّف في مال أطفالِي، والقيام بمصالحهم، أو ذَكَر بعْضَ هذه الأعمال، فذاك وإن، اقتصر عَلَى قوله: "أُوصيتُ إِليكَ فهو لغو، كما لو قال: وكَّلْتُكَ، ولم يبيِّن ما فيه التوكيل، ولو قال: أوصيت إِليك، أو أقمتك مقامِي في أمر أطفَالِي، ولم يذكر التصرُّف، فوجهان:
أحدهما: أنه ليس له إِلاَّ حفظُ أموالهم؛ تنزيلاً على الأقلِّ.
الجزء: 7 - الصفحة: 277
والثاني: أنَّ له الحفْظَ والتصرُّف؛ اعتماداً عَلَى العُرْف.
قال صاحب "التتمة": والمذهَبُ هذا، وذكر بدل الوجْه الأوَّل وجهاً: أنَّ الوصاية لا تصِحُّ؛ حتى يبين ما فوضه إِليه، فحصل في المسألة ثلاثةُ أوجهٍ، وقد عرفت بما ذكرنا أنَّ قوله في الكتاب "فإن لم يذكُر التصرُّف ... " إلى آخره، ليس المرادُ منه ما إذا اقتصَرَ عَلَى قوله: "أوصيتُ إليكَ، فلا خلافَ فيه، وإنَّما المرادُ ما إذا قال: أوصيتُ إِليك في أمور أطْفَالِي، ولم يتعرَّض للتصرف، ولو اعتقل لسانه، فأوصى بالإشارة المفهمة، أو قُرِئَ عليه كتابُ الوصية، فأشار برأسه أنْ نَعَمْ، صحَّت؛ لأنَّه بالعجْزِ، صار كالأخْرَسِ، وعن أبي حنيفة: أنَّها لا تصحُّ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى إِلَيْهِ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ لَمْ يَتَعَدَّ (ح) مَا رَسَمَهُ لِأنَّهُ مُتَصَرِّفُ بِالإِذْنِ، وَلَوْ أوْصَى إِلَى رَجُلَيْنِ، فَمُطْلَقُهُ مُنَزَّلٌ عَلَى التَّعَاوُنِ؛ حَتَّى لاَ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِشَيْءِ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِإِثْبَاتِ الاسْتِقْلاَلِ، فَإِنْ لَمْ يَثبُتْ الاسْتِقْلاَلُ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَنْفَرِدِ الثَّانِي حَتَّى يُنَصِّبَ القَاضِي بَدَلاً عَنِ المَيِّتِ فَإِنَّهُ مَا رَضِيَ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ، وَلَو أَوْصَى إلى زَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى إلى عَمْرٍو، فَإِنْ قَبِلاَ جَمِيعاً كَانَا شَرِيكَيْنِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَحْدَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ، وَإِنْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَرِ، انْفَرَدَ بِالتَّصَرُّفِ، وَلَو أَوْصَى إلى زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ: ضَمَمْتُ إِلَيْكَ عَمْراً، فَقَبِلَ عَمْرُو دُونَ زَيْدٍ، لَمْ يَكُنْ لِعَمْرٍو الانْفِرَادُ حَتَّى يَضُمَّ القَاضِي إِلَيْهِ أَمِيناً آخر؛ لِأَنَّ لَفْظَ الضَمْ لِلشَّرِكَةِ، وَمَهْمَا اخْتَلَفَ الوَصِيَّانِ فِي تَعْيينِ مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ الوَصِيَّةُ مِنَ الفُقَرَاءِ أَوْ في حِفْظِ المَالِ تَوَلَّى القَاضِي الأَمْرَ المُتَنَازَعَ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُقَسَّمُ المَالُ بَينَهُمَا إِذَا قَبِلَ القِسْمَةَ مَهْمَا تَنَازَعَا في الحِفْظِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسائلُ:
إحداها: إذا أوصَى إليه في بَعْض التصرُّفات، لم يتعداها؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيثُ قال: إذا أوصَى إليه في شيءٍ مما يُوصَى فيه، صار وصيّاً في جميع ما يُوصَى فيه.
لنا: أنَّه متصرِّف بالإذن والتولِيَة فأشبه الوكيل والحاكمُ لا يتصرَّفان في غير ما فوض إليهما، وأيضاً: فالوصيُّ أمينٌ، لا يثبت أمانته في غير المؤتمن فيه؛ كالمودع.
الثانية: يجوز أنْ يُوصِيَ إلى اثنين، فصاعداً؛ كما يجوزُ أن يُوكِّلَ اثنين، ويجوز أنَّ يُوصِيَ إلى واحدٍ، وينصب عليه مشرفاً، فلا يتصرَّف الوصيّ إِلاَّ بإِذنه، ثم إِذا أوصَى إلى اثنين، نُظِرَ: إن كانتِ الوصايةُ في ردِّ الودائع، والغُصُوب، والعواري، وتنفيذ الوصية المعيَّنة، وقضاءِ الديون الَّتي تشملُ التَّرِكة عَلَى جنسه، فلكلِّ واحدٍ منهما الانفرادُ به؛ لأنَّ صاحِبَ الحقِّ مستقلٌّ بالأخذ في هذه الصُّورة، فلا يَضُرُّ الانفرادُ هكذا نقل
الجزء: 7 - الصفحة: 278
صاحبُ "التهذيب" وغيره، ولك أن تقول: هذا أحدُ المواضع الَّتي صرَّحوا فيها بجريان الوصاية في ردِّ الغصوب، والودائع، خلافَ منا ذكره تلْكَ الطائفةُ، ثم وقوع المدفوع موقعه وعدَمُ الردِّ والنقص عند إنفراد أحدهما بَيِّنٌ، لكنَّ تجويزَ الانفرادِ لكلِّ واحدٍ منهما ليس ببَيِّنٌ، فإن تصرفهما في هذه الأموال مستفادٌ من الوصاية، فليكنْ بحسب الوصاية، ولتجيء فيه الأحوالُ التي نذْكُرها في سائِرِ التصرُّفات، وستَجِدُ في كلامِ الأصحاب ما هو كالصريح في أنَّ الحكم كما ذكرتُهُ، وإنْ كانتِ، الوصايةُ في تفرِقَهِ الثلث، وأمور الأطفال، والتصرُّف في أموالهم فلها أحوالٌ ثلاثٌ:
إحداها: أنْ يثبت الاستقلال لكلِّ واحدٍ، فيقول: أوصيتُ إليكما، أو إلَى كلّ واحدٍ منْكُمَا، أو يقول: كلُّ واحدٍ منكما وصي في كذا: قال: "أبو الفرج الزاز -رحمه الله- أو يقول: أنتما وصياي في كذا، فلكلِّ واحدٍ منهما الانفرادُ بالتصرُّف، وإِذا مَاتَ أحدُهُما أو جُنَّ أو فَسِقَ، أو لم يقبل الوصاية، كان للآخر الانْفرادُ، وإنْ ضَعُفَ نَظَر أحدِهِمَا، فكذلك للآخرِ الانفراد، وللحاكم أن يضم إلى ضعيف النَّظَرَ مَنْ يعينه، كما لو أوصى إلَى واحدٍ، فضعف نَظَرُهُ.
الحالة الثانية: أنْ يشترط اجتماعهما على التصرُّفِ، فليس لواحدٍ منهما الانفرادُ، وإنِ انفرَدَ، لم ينفذ البيع والشراء والإعتاق، ويضمن ما أنفق على الأطفال وإنْ مات أحدُهُما، أو فَسَقَ أو جُنَّ، أو غَابَ، أو لم يقبل الوصية نصب الحاكم بَدَلاً عنه، ليصرُّف مع الآخر، وهل له إِثباتُ الاستبداد للآخَرِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما ينصب القيِّم الواحد، ابتداءً.
وأصحُّهما: لا؛ لأنَّه لم يرضَ برأيه وحْده، ولو ماتا معاً، فهل للحاكم نصْبُ واحدٍ، أم لا بُدَّ من اثنين اتِّباعاً لرأيه في التفويض إلَى اثنين، فيه الوجهان: قال إمام الحرمين: وليس المرادُ من اجتماعهما على التصرُّف تلفظهما بِصِيَغِ العقود معاً، بل المرادُ صدورُه عن رأْيهما، ثم لا فَرْقَ بين أنَّ يباشِرَ أحدُهُما، أو غيرهما بِإِذْنِهِمَا.
الحالةُ الثالثةُ: أنْ يطلق قوله: أوصيتُ إليكُمَا، ويقتصِرُ عليه، فالحُكْم كما لو قيَّد بالاجتماع، والتعاوُنِ؛ لأنَّه محتمل 403، فينزل عليه؛ أخذاً بالأقلِّ، وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: وجوز أبو حنيفة لكلِّ واحدٍ منهما الانفرادَ بشراءِ الكَفَن ومواراة الميِّت وقضاء الديون، وتنفيذ الوصايا، وردِّ الودائعِ، والإِنفاق على الصغار، وقَبُول الهبة، لهم والخُصُومة عن الميت، وَمَنع مِنْ شراءِ العقار، وسائر التصرُّفات، وقَاسَ الأصحابُ ما جوَّزه عَلَى ما منعه، وعلَى ما إذا وَكَّلَ اثنَيْن، وأطلق حَيْثُ لا يُفَرَّدُ
الجزء: 7 - الصفحة: 279
أحدهما بشيء من التصرُّفات.
وقوله في الكتاب: "فإنْ لم يَثْبُتْ الاستقلال، فمات أحدُهُما، لم ينفردِ الثانِي، حيث ينصب القاضِي بدلاً عن الميت" يوافق الوجه الذاهِب إلَى أنَّه لا يجوزُ إِثبات الاستقلال للثاني، ويمكن إِعلامه بالواو؛ للوجه الآخر.
المسألة الثالثَةُ: إذا قال: أوصيتُ إِلَى زيدٍ، ثم قال: أوصيتُ إلَى عمرو، لم يكنْ قوله الثاني عَزْلًا للأولِ، ثم إنْ قَبِلا، فهما شريكان، وليس لأَحدهما الانْفراد بالتصرُّف، وإنْ قَبِلَ أحدُهما دون الآخر، انفرد بالتصرُّف ولو قال للثَّانِي: الَّذي أوصَيْتُ به إلَى فلان، فقد أوصيتُ به إلَيْك، فهو رجوعٌ، وهذا كلُّه كما مَرَّ فيما إذا أوصَى بمالٍ لزيدٍ، ثم أَوصَى به لعَمْرٍو، وفي التَّهذِيبِ: أنَّه ينفردُ كلُّ واحدٍ منْهما، إذا قال: أوصيتُ إلَى زيد، ثم قال: أوصيتُ إلَى عمرو، والاعتمادُ عَلَى الأول، وهو المذكورُ في "التتمة"، ولو أوصى إلى زيد، ثم قال: ضممتُ إليك عمراً، أو قال لعَمْرو: ضمَمْتُكَ إلى زيدٍ 404، فإن قبل عمرو، دُونَ زيدٍ، لم ينفردُ بالتصرُّف، ولكن يضم القاضي إِلَيْه أميناً؛ لأنَّه لم يفرده بالوصاية، بل جعله مضموماً إلَى غيره، وذلك يقتضي الشركةَ، وينبغي أنَّ يجيء في إِثبات الاستقلال له الوجّهَانِ، وإنْ قبل زيدٌ دون عمرو، فالَّذي حكاه المتولِّي وصاحبُ الكتاب في "الوسيط" أنَّه ينفردُ بالتصرُّفِ؛ لأنَّه أفرده بالوصاية إلَيْه، ويشبه أن يُقَالَ: إنْ ضمَّ عمرو إِلَيْه بسلب استقلاله؛ لأنَّ الضمَّ كما يشْعِر بعدم الاكتفاء، فالمضموم يُشْعِر بعدم الاكتفاء بالمضموم إليه، فليصر عمْرو مشرفاً لزيد، وإنْ قَبِلاَ جميعاً، فلفظ "الوسيط" أنَّهما شريكانِ، ويشبه أنَّ يقالَ: زيدٌ وصَّى وعمروٌ مشرفٌ عليه.
المسألة الرابعة: إذا أوصَى إلَى شخصين، فاختلفا في التصرُّف، نُظِر: إنْ كانا مستقلَّيْن، وقال كلُّ واحدٍ [منهما] 405: أنا أتصرُّف، حكى الشيْخُ أبو حامد -رحمه الله-: أنَّه يقسم بينهما؛ حتَّى يتصرُّف كلُّ واحدٍ منهما في نصفه، فإنْ كان الشيءُ ممَّا لا يَنْقَسِمُ، ترك بينهما؛ حتَّى يتصرفا فيه؛ لأنَّه ليس أحدُهما بأولَى من الآخر.
وقال غيره: لا حاصلَ لهذا الخلاف، ومن سبق، نفذ تصرُّفه 406 وإنْ لم يكونا مستقلين، أمرهما الحاكم بما يَرَى المصلحةَ فيه، فَإِنِ امتنع أحدُهُما، ضَمَّ القاضي أميناً إلى الآخر، وإن امتنعا، أقام مُقَامَهُما آخْرَيْنِ، ولا ينعزلان بالاختلافِ، بل الآخران نائبان عنهما، وإنِ اختلفا في تعيين من تُصْرَف إليه الوصيَّةُ من الفقراء، عَيَّنَ القاضي من يراه، وإنِ اختلفا في الحفظ، قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: يقسَّم بينهما واختلفوا في موضع النَّصِّ، فَعَنْ أبي إسحاق -رحمه الله-: أنَّه أراد ما إِذا كَانَا مستقلِّيْنِ، فيقسم
الجزء: 7 - الصفحة: 280
ولكلِّ واحدٍ منهما التصرُّف فيما في يده، وفي يد صاحبه، أَما إِذا لم يكونا مستقلَّيْنِ، فلا ينفرد واحدٌ منهما بحفظ شيء، وقال أكثرهم يُقَسَّمُ، سواءٌ كانا مستقلَّيْنِ، أم لا؛ لأَنَّه إذا كان المالُ في يدهما، كان النصفُ في يدِ كلِّ واحدٍ منْهما، فجاز أنْ يعين ذلك النصف، فحَصَل في القسْمة، إذا لم يكونا مستقلَّيْن وجّهان، ثم إذا قسم، وتَنَازَعَا في عين النصْفِ المحْفُوظ، فوجهان، في أنَّه يقرع بينهما، أو يُعَيِّن القاضي الأوَّلَ منهما، وهو الذي أورده الحنَّاطِيُّ -رحمه الله-: هذا إذا كان المالُ المتنازعُ فيه ممَّا ينقسم [أما إذا لم ينقسم] 407 فيحفظانه معاً إِمَّا أنَّ يجعلاه في بيتٍ، ويقفلا عليه، أو بأنْ يرضَيَا بثالث يحْفَظُه من جهتهما، وإلاَّ تولى القاضي حفْظَه، وهكذا الحكْمُ، إذا كان مما ينقسم، وقلنا: إنَّه لا ينقسم عند عدم الاستقلال، ثم ذكرَ صاحبُ "التَّهْذِيبُ" أنَّ التفصيلَ المذكورَ فيما إذَا جَعَل إليهما التصرُّف، واختلفا في الحفظ إِلى التصرُّف، فأمَّا إذا جعل الحفظ [إلى اثنين، لم ينفرد أحدهما بحال، وقوله في الكتاب: "ومهما اختلف الوصيَّان" ظاهر اللفظ يقتضي التصوير في المستقلَّيْن، لكنه ذَكَرَ عند الاختلاف في الحفظ] 408 وجهين؛ في أنَّ القاضي يتولاه، ويقسّم، وليس عن الأصحاب هذا الخلاَفُ، إلاَّ في صورةَ عَدَم الاستقلال، فليحمل الوصيان 409 على الموصَى إليهما، وقوله: "مهما تنازعا في الحفظ" أشار به إلَى أنَّ وجّهَ القسمةِ مخصوصٌ بالاختلاف في الحفظُ ولا مجالَ له، وفيما إذا اختلفا في تعيين الفقير وعلى ما حكينا [هـ]، عن الشيخِ أبي حامد أنَّه يُقَسَّمُ هناك أيْضاً، هذا تمام النَّظَر في الأَركان، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَما أَحْكامُ الوِصَايَةِ فَإِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، وَلِلوَصَيِّ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ (ح) مَهْمَا شَاءَ، وَلَهُ أنْ يَقْضِيَ دُيُونَ الصَّبيِّ، وَأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يُزَوَّجَ الأَطْفَالَ، وَلَهُ تَزْوِيجُ إِمَائِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أنَّ يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، وَأَنْ يَبِيعَ من نَفْسِهِ بِخِلاَفِ الأَبِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَشْهَدَ لِلْأَطْفَالِ بِمَالٍ، إِذْ يَسْتَفِيدُ بِهَا وَلاَيَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيّاً إلاَّ في الثُّلُثِ اسْتَفَادَ اتِّسَاعَ التَّصَرُّفَ اتِّسَاعَ الثُّلُثِ، وَمَهْمَا نَازَعَهُ الصَّبِيُّ في قَدْرِ النَّفَقَةِ وَنَسَبَهُ إِلَى الزيَادَةِ فِيهَا أَوْ نَسَبَهُ إِلَى الخِيَانَةِ في بَيْعٍ فَالقَوْلُ قَوْلُ الوَصِيِّ فَإنَّهُ أَمِينٌ وَالأَصْلُ عَدَمُ الخِيَانَةِ، وَإِنْ نَازَعَهُ في تَارِيخِ مَوْتِ الأَبِ أَوْ تَكْثِيرِ النَّفَقَةِ أَوْ فِي دَفْعِ المَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ، إِذ الأَصْلُ عَدَمُ الرَّدِّ وَالمَوْتُ وَإِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَيْهِما مُمْكِنٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: منْ أحْكَامِ الوصايةِ الجوازُ، فللموصِي الرجُوعُ مَتى شاء، وللوصيِّ
الجزء: 7 - الصفحة: 281
عزْلُ نفْسِهِ، متَى شاء 410.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: ليْسَ له عزْلُ نفْسِه بعْد موْت الموصِي، ولا في حياتِهِ إلاَّ بحُضُوره لنا: أَنَّه متصرِّفٌ بالتولية والتفويض، فأشبه الوكيلَ وقيِّم الحاكم.
ومنْها: الوصيُّ 411 يقضي ديون الصبيِّ من الغرامات، والزكوات، وكفارة القتل، وفي الكفارة وجّهٌ [لأنها ليست على الفور وينفق عليه وعلى من عليه نفقته كما ذكرنا في التتمة في "بابِ الحَجْر" ولينفق بالمعروف، وهو ألا يكون فيه إسرافٌ ولا تقتير 412، فإنْ أسرف، ضَمِنَ الزيادةَ، ويشتري له الخادِمُ عند الحاجة، إذا كان مثلُه يخدم.
وإذا بلغ الصبيُّ، ونازعه في أصْلِ الإنفاق، صُدَّق الوصي بيمينه؛ لأنَّه يعسر إقامة البينة علَيْه، ولو قال: أسرفت في الإِنفاق، فإِنْ كانَ ذلك بعْد تعيينهما قدْرَ النفقة، نُظِر فيه، وصدِّق من يقتضي الحالُ تصديقَهُ، وإنْ لم يعينا، فالمصدَّق الوصيُّ؛ لأنَّه يدعي
الجزء: 7 - الصفحة: 282
خيانته، والأصلُ عدمُ الخيانةِ، وفي "التهذيب" أنَّ مِنْ الأصحاب مَنْ جعل في قبولِ قولهِ في قَدْر ما ينفق عليه وجّهَيْن، وهذا، على غرابته، يجيءُ فيَ أصل الإِنفاق 413، بطريق الأولَى، ولو ادَّعَى على الوصيِّ: أنَّه خان في بيع ماله، بأَنْ باعه من غيرِ حاجةٍ ولا غِبْطَة، فالَّذي في الكتاب إِطلاقُ القولِ بتصديقِ الوصيِّ توجيهاً بأنَّ الأصْلَ عدم الخيانةِ، وقد ذكرنا في "باب الحَجْر" أنَّ من الأصحاب من جَعَلَ المسألةَ عَلَى وجهين، ومنْهم مَنْ قال: لا يصدّق في العقار، وفي غيره وجهان، ورجَّحوا وجه المنع، عَلَى خلافِ جوابِ الكتاب، وربما يُعَارَضُ قوله: "إذ الأصلُ عدم الخيانة" بأنْ الأصْلَ عدمُ الحاجةِ والغبْطَةِ وبأن الأصلَ عدم استمرارِ ملكه.
ولو تنازعا في تاريخ مَوْت أَبيه، فقال: مات منذُ خمس سنين، وقال الوصيُّ منذ ستٍّ، وهما متفقان على اتفاقه من يوم الموتِ، فعنِ، الإصطخريِّ -رحمه الله-: تصديق الوصيِّ، والأصحُّ خلافه، وهو المذكور في الكتاب؛ لأنَّ الأصلَ عدم الموت في الوقت الَّذي يدعيه، وإقامة البينة عليه هينةٌ بخلاف الإنفاق ولو ادَّعَى الوصيُّ دفْعَ المال إِليه بَعْد البلوغ، وأنكرَ، فهو المصدَّق بيمينه، وعلى الوصيِّ البينة، وفيه وجه أنَّه يُصدَّق الوصيُّ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله تعالى- والمسألةُ مذكورةٌ مرة في "الوكالةِ" مشروحةٌ هناك، نعم، لفظ الكتابِ في "الوكالةِ": القَيِّم وحكم الوصيِّ وقيِّم الحاكمِ واحدٌ في ذلك ويُقبل قولهما في دعوى التَّلَفِ بالغَضْبِ، والسرقةِ، والنزاع بَيْن الوصيِّ، والمجنونُ بَعْدَ الإفاقةِ في جميع ذلك، كنزاعِ الصبيِّ، إذا بلغ، وإذا بلغ الصبيُّ مجنوناً أو سفيهاً، استمر ولاية الوصيِّ عَلى ما سَبَقَ في "باب الحَجْر" ثم يُنْظَرُ: إنْ رأى أنْ يَدفعَ إلى المبذر نفقة أسبوع فعل، فإنْ كانَ لا يَثِقُ به دَفَعَها إلَيْه يومًا بيومٍ، ويكسوه كُسْوة مثله، فإنْ كانَ يخرقها، هدده، فإنْ لم يمتنعِ، اقتصر في البيت علَى إزار، فإِذا خَرَجَ كساه، وجعل عليه رقيباً.
وَمِنْهَا: ليس للوصي تزويجُ الأَطْفَالِ، ذكر الموصى له ذلك أو لم يذكر؛ لما مرَّ، وإِبلغ الصبيُّ سفيهاً، استمرَّ نظر الوصيِّ، واعتبر إذنه في نكاحه، عَلَى ما سنذكر حكْمَ نكاحِ السفيه في موضعه -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- وذَكَر القاضي الرويانيُّ في "الحليةِ" أن الوصيَّ يزوِّجه بإذن الحاكم، واعتبارُ إذْنِ الحاكم لا مَعْنَى له.
وأمَّا قولُهُ في الكتاب: "وله تزويجُ عبيدِهِمْ وإِمائِهِمْ علَى الأظهرِ" هذا مبنيٌّ على أنَّ تزويجَ عبدِ الصغير وأمته، هل يجوزُ، وموضِع بيانه "كتاب النكاح" وهناك تبين أنَّه غير مساعد على ترجيح وجّهِ الجواز.
الجزء: 7 - الصفحة: 283
ومنْهَا: لا يبيع مال الصبيِّ من نفسه، ولا مال نفسه منه، ولا يتولَّى الطرفين في بيع مال صغير من صغير، بخلاف الأبِ؛ لقوَّة ولايته، وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنَّ له أنْ يبيعَ مالَ الصَّبيِّ من نفسه بأَكثر من ثمن المثل ويتولَّى الطرفين.
لنا: أنَّهُ متصرِّف بالتفويض، فلا يبيع المالَ من نفسه؛ كالوكيل، ويجيء فيما تقدَّم من نظائر المسألة في الوكالة وجهٌ في أنَّه يبيع من نفسه، ويتولَّى الطرفين.
وَمنْهَا: تجوز شهادةُ الوصيِّ على الأطفال، ولا يَجُوزُ أنْ يشهدَ لهُمْ بمالٍ؛ لأَنَّه يثبت لنفسه ولاية التصرف، وكذا: لو لم يكن وصيّاً إِلاَّ في تفرقة الثلث؛ لأنَّه إذا زاد المال، اتَّسَعَ الثلُثُ الَّذي هو محل التصرُّف، ولو كان وصيّاً في مال معيَّن، فشهد بمال آخر، جاز.
هذا شرح ما في الكتاب.
ويجوز أنْ يوكِّل الوصيُّ فيما لم تجر العادةُ بمباشرته لمثله، ولا يبيع شيئاً من مال كبار الورثة [بغير إذنهم] 414 وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه إِذا كان بيع جميعِ، العينِ أَصلح للصَّغير والكبير، فله البيعُ من غير إِذْنِ الكبير، وإِذا أَوصَى بثلثِ ماله، وليس له إِلاَّ عبدٌ، لم يَبع، الوصيُّ إِلاَّ ثلثه، وجوَّز أبو حنيفة -رحمه الله- بَيْع الجميعِ، ولو كان الوصيُّ والصبىُّ شريكَيْن، فلا يستقلُّ بالقسمة؛ لأنَّها، إنْ كانت بيعاً، فليس له تولِّي الطرفين، وإنْ كانت إفراز حقٍّ، فليس له أنْ يقبض لنفسه من نفسه.
وفي "فتاوى القفَّال" -رحمه الله-: أنَّه ليس له خلْطُ حنطتِه بحِنْطَة الصبيِّ ولا دراهمه بدَارَهِمِهِ؛ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ [البقرة: 220]، محمولٌ عَلَى ما لا بدَّ منه للإرفاق، وهو خلطُ الدقيقِ بالدَّقيق، واللحم باللحم؛ للطَّبخِ ونحو، وأنَّه لو أَوصَى إلَى رجل، فقال: بيع أرضِي الفلانيةِ، واشترِ مِنْ ثمنها رقبةً، فأعتقها عني [وأحج عني] واشتر من الخبز مائةً منٍّ، فأطعمه الفقراءَ فباع الأَرض بعَشَرة، وكانَ لا تُوجَدُ الأرض بأقَلَّ من عشرة، ولا يوجد الحجُّ بأقلَّ من عشرَةٍ، ولا يُباعُ الخبزُ بأقلَّ من خمسةٍ، فتوزع العشَرةُ عليها عَلَى خمسة أسهمٍ، ولا يحصُلُ الإِعتاق والحَجُّ بحصتهما، فيضم إلَى حصةِ الخُبْز تمامُ الخمسة، وتنفذ فيه الوصيةُ ويردُّ الَباقي على الوَرَثَةِ؛ كما لو أَوصَى لكلِّ واحدٍ من زيد وعمرٍو بعَشَرة، وكان ثلاثة عشر، ورد أحدهما يدفع العَشَرة إلى الآخر، ولو قال: اشتَرِ مِنْ ثلثِي رقبةً، فأعتقها، وأحج عني، واحتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى عشرة، فإن قلنا: يقدَّم العتقُ، صُرِفَتِ العشرةُ إلى العتْق، وإِلا، فينبغي أنْ يُقْرَع بينهمالأولا يُوزَّع، إذُ لو وُزِّعت العَشَرة، لم يحصلْ واحدٌ منهما، وفي "الجرجانيات"
الجزء: 7 - الصفحة: 284
لأبي العَبَّاس الرويانىِّ حكايةُ وجهين في أنَّ الوصيَّ، وهل يجبُ عليه الإشهادُ في بيع مال اليتيم؟ والأصحُّ المنعُ، ووجهين في أنَّ الوليَّ، لو فسق قبل انبرام البَيْع، هل يبطُلُ البيع 415؟ ووجهين في أنَّ الوصاية، هلْ تنعقدُ بلفظ الولاية بأنْ يقولَ: وليتكَ كذا بَعْد 416 موتي؟ وذكر الأستاذ أبو منصور -رحمه الله-: أنَّ للوصيِّ أن يضارب بمال اليتيم؛ بشرط إِلاَّ يخرج من البلد، فإن دفعه مضارَبَةً إلى عن يخرج به، ضَمِنَ، وهذا جوابٌ عَلَى منع المسافرة بمال اليتيم،، وقد سَبَقَ في "باب الحَجْر" 417 أنَّ الأظهر خلافُهُ عند أمْن الطريق، والله أعلم.
ولو أوصَى إلى الله تعالَى، إلى زيدٍ، فقياسُ ما سبق فيما إذا أوصَى لله تعالَى، ولزيدٍ مجيء وجهين:
أحدهما: أن الوصايةَ إلَى زيد.
والثاني: أنَّ الوصايةَ إلَى زيدٍ، وإلى الحاكم 418، ويدلُّ عليه ما رَوَيْنَاه في أوَّل البابِ منْ وصاية ابن مسعود -رضي الله عنه-.
ولو أوصَى بشيء لرجل لم يذكره، وقال: سمَّيته لوصيِّ، فللورثَة ألا يصدقوه وفي شرح "أدب القضاء" لأبي عاصم العبَّادِيِّ -رحمه الله-: "أنَّه لو قال: سميته لوصيِّ زيْدٍ وعمرو، فعيَّنَا رجلاً، استحقه، وإن اختلفا في التعْيِين، فقدلان في أنَّه تبْطُلُ الوصية" أو يحلف كلُّ واحدٍ منهما مع شاهده وفي الزياداتِ لأبِي عاصم: "أنَّه إذا خافَ الوصيُّ أنَّ يستولِيَ غاصبٌ علَى المال، فله أنْ يؤدِّيَ شيئاً؛ لتخليصه والله يعلم المفْسِدَ من المُصْلِح 419.
الجزء: 7 - الصفحة: 285