العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ النُّذُورِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قَالَ الغَزَالِيُّ: و

َالنَّظَرُ فِي الأَرْكَانِ وَالأَحْكَامِ:

وَالأَرْكَانُ ثَلاَثَةٌ: الْمُلْتَزِمُ وَاللَّفْظُ وَالمُلْتَزَمُ أَمَّا المُلْتَزِمُ: فَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ لَهُ أَهْلِيَّةُ العِبَادَةِ، وَلاَ يَصِحُّ نَذْرُ الكَافِرِ لَكِنِ الأَحَبُّ إِذَا أَسْلَمَ أَنْ يَفِيَ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالَى: ﴿يُوْفُوْنَ بالنَّذِر﴾ [الإِنسان: 7] ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وعن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ﴿من نَذَرَ أَنْ يُطَيعَ الله فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلاَ يَعْصِهِ﴾ 1 وقال أيضاً ﴿لاَ نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدمَ﴾ 2 ولا يخفى أن النذر التزام شيء، وأنه قد يصح وقد لا يصح، وإذا صح ترتبت عليه الأحْكَامُ.
تضمَّن مقصود الكتاب طرفَيْنِ يشتمل أحدُهُمَا عَلَى بيان أركانه، وما يعتبر فيها للصحَّة، والثاني على بيان الأحكام، أما الأول، فالأركان ثلاثةٌ: الملْتَزِمُ النَّاذِرُ، وصيغةُ الالتزام، والشَّيْءُ المُلْتَزَمُ.
الركْنُ الأول: الملتزِم؛ وهو كل مكلَّفٍ له أهليةُ العبادة، وإن شئت، قلت: كل مكلف مسلم، فلا يصح نذرُ الصبيِّ والمجنون، ونذر السكران يجيء فيه الخلاف في تصرفاته، ولا يصح نذر الكافر 3، وفي وجه: أنه يصح؛ لما رُوِيَ أن عمر -رضي الله عنه- قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -: كُنْتُ نَذَرْتُ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ-: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" 4 والمذْهَبُ الأول؛ لأن النذر تقرُّبٌ، والكافر ليس

الجزء: 12 - الصفحة: 355

من أهل التقرُّب، والحديث محمول على الاستحباب؛ وذلك؛ لأنه لا يحسن أن يترك بسبب الإِسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير، والمحجور عليه والمفلس يصح منهما نذر القرب البدنية، ولا يصح من السفيه نذر القرب المالية، وأما المفلس، فإن التزم في الذمة، ولم يعيَّن مالاً يصح، ويؤديه بعد البراءة من حقوق الغرماء، وإن عيَّن مالاً، فيُبنى على أنه لو أعتق أو وهب، هل يصح تصرفه؟ إن قلنا: لا، فكذلك النذر، وإن توقَّفنا، فيتوقف في النذر أيضاً، فإنه قاله في "التتمة" وذكر أيضاً: أنه لو نذر عتق العبد المرهون ينعقد النذر، إن قلنا: ينفذ عتقه في الحال أو عند أداء المال، وإن قلنا: يلغو، فهو كما لو نذر عتق عبد غير مملوك.
ويعلم قوله في الكتاب "واللفظ" بالواو؛ إشارةً إلى أن الشاة تصير هدْياً وأضحيةً على القديم، إمَّا بمجرَّد النية أو مع التقليد والاشعار، على ما ذكرنا في الضحايا, ولا حاجة إلى اللفظ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الصِّيغَةُ: فَهِيَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضَيِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوْ صَلاَةٌ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُ زَيْداً فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَمِينُ الغَضَبِ، وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ مَا لَيْسَ بِلاَمِ إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ بَلِيَّةٍ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ، وَلَوْ عَقَّبَ النَّذْرَ بِقَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَلْزَمُهُ شَيْءُ، وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَإِنْ شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في الباب الأول من "الأيمان" أن النذر ينقسم إلى نذر اللَّجَاجِ والغَضَبِ على ما صورناه، وإلى نَذْرِ التبرُّر، وهو نوعان: أحدُهما: نذر المجازاة؛ وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية؛ كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رزقني ولداً، فلله عليَّ أن أَعتق رقبةً أو أصومَ أو أصلِّيَ، فإذا حَصَلَ المعلَّق عليه، لزمه الوفاء بما التزم، لقوله -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ نَذَرَ أَنْ يَطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ" وقد ذم الله تعالَى أقواماً عاهدوا، ثم لم يوفوا، فقال تعالَى: ﴿وَمِنْهُمْ من عَاهَدَ اللهِ لَئِنْ آتانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الآية، ولو قال: "فَعَلَيّ ولم يقل: "فَلِلَّهِ عليَّ" فالحكم كذلك على ظاهر المذهب، والعبادات يؤتَى بها لله تعالَى، فالمطلق كالمذكور، وفيه وجه: أنه لا بدّ من التصريح بذكر الله تعالَى، وقد ذكرنا مثل هذا الخلاف في أن نذر اللَّجَاج، هل يثبت موجبه، إذا قال: "فعلي"، ولم يقل: "فلله عليَّ" وهو قريب من الخلاف في أنه، هل يجب في نية الصلاة، والصوم الإِضافة إلَى الله تعالَى.
والثاني: أن يلتزم ابتداءً غير معلّق على شيء، فيقول: لله عليَّ أن أصومَ أو

الجزء: 12 - الصفحة: 356

أصلِّي أو أعتق، ففيه قولانِ، وَيُقَال: وجهان؛ لأن أحدهما على ما ذكر مخرَّج.
وأصحُهما: وهو المنصوص، وبه قال أبو حنيفة وابنُ سُرَيْجٍ والإِصطخريُّ - رحمهم الله-: أنه يصح، ويلزم الوفاء به أيضاً، لِمُطْلَق قوله -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ نَذَرَ أنْ يِطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْه" ويُرْوَى هذا عن مالكٍ وأحمدَ -رحمهما الله- أيضاً.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق وأبو بكرِ الصيرفىُّ -رحمهما الله-: أنه لا يلزم إلا بمقابلة عوض كما أن التبرّعَاتِ، لَمَّا لم يكن لها عوض 5، لم تلزمْ بالعقد، وأيضاً فقد رُوِيَ عن ثَعْلَبِ أن النذر عند العرب وعْدٌ بشرط، ولو عقب النذر بقوله: إن شاء الله، لم يلزمه شيء كما ذكرنا في تعقيب الأيمان 6 والعقود، ولو قال: لله علَيَّ كذا إن شاء زيدٌ، لم يلزمه شيء، وإن شاء؛ لأنه لم يوجَدْ منه التزام جازمٌ كما يليق بالقربات، وقد روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّمَا النَّذْرُ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى" 7 هكذا حُكِيَ عن القاضي الحُسَيْن وغيره -رحمهم الله-، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال الإِمام: وهذا عندي خطأٌ، فإنَّ تقديره إن شاء، فللَّه عليَّ كذا، وهو كما إذا قال: إن قَدِمَ زيْدٌ، فلله عليّ، كذا ويؤيد الأولَ ما نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- في نذر اللَّجاج؛ أنه إذا قال: إن فعلْتُ كذا، فلله عليَّ نذر حج، إن شاء فلانٌ، فشاء، لم يكن عليه شيء، قال في "التتَّمة": وهذا إذا غلَّبنا في نذر اللجاج معنى النذر، أما إذا غلَّبنا معنى اليمين، فهو كما لو قال: والله، لا أفعل كذا، إن شاء فلان، وقد سبق حكمه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُلْتَزَمُ: فَهُوَ عَلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ: الأُولَى: كُلُّ عِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالْحَجَّ فَيَلْزَمُ بِالنَّذْرِ حَتَّى فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ كَالجهَادِ وَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى وَالصَّلاَةِ عَلَى الجِنَازَةِ، وَيَلْزَمُ بِصِفَاتِهَا حَتَّى لَوْ قَالَ: أَحُجُّ مَاشِياً أَوِ الْتَزَمَ طُولَ القِرَاءَةِ لَزِمَ كَمَا وَصَفَ، فإنِ الْتَزَمِ المَشْيَ فِي حَجَّةِ الإِسْلاَمِ أَوْ طُولَ القِرَاءَةِ فِي الفَرَائِضِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ نَذَرَ أَلاَّ يَتْرُكَ الوَتْرَ وَرَكْعَتَي الفَجْرِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ نَذَرَ أَلاَّ يُفِطْرِ فِي السَّفَرِ لَغَا قَوْلُهُ لأَنَّهُ تَغَييْرٌ لِلشَّرْعِ الثَّانِيَّةُ: القُرُبَاتُ: كَالعِيَادَةِ لِلْمَرِيضِ وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ وَزِيارَةِ القَادِمِ فَفِي لُزُومِهِ بِالنَّذْرِ وَجْهَانِ؛ إِذْ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَكِنْ يُتَقَرَّبُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي تَجْدِيدِ الوُضُوءِ وَجْهَانِ، لأَنَّ الوُضُوءَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ لَعَيْنِهَا فِي الأَصْلِ الثَّالِثَةُ: المُبَاحَاتُ: كَالأَكْلِ

الجزء: 12 - الصفحة: 357

وَالنَّوْمِ فَلاَ يَلْزَمُ وَإِنْ تَصَوَّرَ أَنْ يَقْصِدَ بِالأَكْلِ التَّقَوّيَ عَلَى العِبَادَ فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى مُجَرَّدِ القَصْدِ، نَعَمْ إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَلاَّ آكُلَ فَقَدْ قِيْلَ تَجِبُ كَفَّارَة يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ لَفْظِهِ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَهُوَ بَعَيدٌ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اليَمِينَ فَتَجِبَ الكَفَّارَةُ بِالحِنْثِ إِنْ أَكَلَ فَرْعٌ: إِذَا نَذَرَ الجِهَادَ فِي جِهَةٍ قِيلَ: تَتَعَيَّنُ الجِهَةُ، وَقِيلَ: لاَ تَتَعَيَّنُ، تِلْكَ الجِهَةُ أَوْ مَا يُسَاوِيهَا فِي المَسَافَةِ وَالمُؤْنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يُفْرَضُ التزامه بالنذر، إما معصية، أو مباح، أو طاعةٌ، فهذه ثَلاثَةُ أقسامٍ: الأول: المعصية، فلا يصح التزامُها بالنذر قال -صلى الله عليه وسلم- "لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَّةِ اللهِ وَلاَ فِيمَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ" 8 وذلك، كما إذا نذر شرب الخمر أو القتل، أو الزنا، أو نذرت المرأة؛ أن تصلي أو تصوم في أيام الحيض أو نذر أن يصلَّيَ محدثاً أو يقرأ القرآن جُنُباً، ومن هذا القبيل ما إذا نذر ذبح ولده أو ذبح نفسه فلا ينعقد، وقال أبو حنيفة: ينعقد، ويلزمه ذبح شاة، وسلم أنه، لو نذر ذبح والده أو أخيه أو نذر قتل ولده، لا ينعقد، وعن أحمد: أنه يلزمه كفارة يمين، وأخرى أنه يلزمه ذَبْحُ كبش، وإذا عرف أنه لا ينعقد نذر فعل المعصية، فإذا لم يفعل ما نذره، فقد أحس، ولا يلزمه كفارة يمين على المذهب المشهور؛ لأنه لم يوجَدْ صيغة اليمين ولا حقيقته، وعن رواية الربيع: قوله أنه يلزمُه كفارةُ يمين، لِمَا رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وكفارتُه كفارةُ يمينٍ" 9 وذكر أن الحافظَ أحمد البيهقيَّ -رحمه الله- رَوَى هذا القول في كتاب

الجزء: 12 - الصفحة: 358

"المعرفة" واختاره عامة الأصحاب من العراقيين 10، وغَيْرُهُمْ -رحمه الله- جزموا بالأوَّل، وحملوا الحديث على نذْر اللَّجَاج، وجعلوا ما رواه الربيع من كيْسه، وبعضُهُم يَحْكِي الخلافَ في المسألة وجهَيْنِ ويوافقه ما رُوِيَ عن صاحبِ "التقريب": أن إيجابَ الكفَّارة تخريجٌ للربيع، واستبعد الإِمامُ -قدَّس الله روحه- وجوب الكفارة، كما فعَلَهُ عامة الأصحاب، وقال: يجوزُ أنْ يُجْعَل النذر كناية عن اليمين، فأما إلحاقه بالأيمان مطْلَقاً، فلا معنى له.
القسْمُ الثَّانِي: الطاعَةُ، وهي أنواعٌ: أحَدُهَا: الواجباتُ، فلا يصح نذرها؛ لأنها واجبةٌ بإيجاب الشرع ابتداءً، فلا معنى لالتزامها، وذلك مثل أن يقول: للهِ عليَّ أن أصلِّيَ الخمس, أو أصوم شهرَ رمضان, ولا فرق بين أن يعلِّقَ ذلك بحصول نعمة أو يلتزم ابتداءً، وكذا لو نذر ألاَّ يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره، ففي لزوم الكفَّارة الخلافُ المذكور في القسم الأول، وادعى صاحبُ "التهذيب" أن الظاهرَ وجوبُها.
والثاني: العباداتُ المقصودةُ، وهي التي وُضِعَتْ للتقرُّب بها، وعرف من الشرع الاهتمامُ بتكليف الخلْقِ بإقاعها عبادة فيلزم هذا النذر بالاتفاق وذلك كالصوم والصدقة والصلاة والحج والاعتكاف، وذكر الإِمام أن فروض الكفايات التي تحتاج في أدائها إلى بذل مال أو معاناة مشقَّةٍ، يلزم بالنذر أيضاً؛ كالجهاد وتجهيز الموتى، ويجيء ما سنذكره في نذر السُّنَّن الراتبة وجْهٌ أنَّها لا تلزم، ورأيت في "الرَّقْم" للعبَّادِيِّ وجهاً عن القَفَّال: أنه، إذا نذر أن يجاهد، لم يلزمه شيء، وفي الصلاة على الجنازة، والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذْلُ مالٍ وكبيرُ مشقَّةٍ، حَكَى الإِمام وجهين: أحدهما: لزومُها بالنذر أيضاً وكما يلزم أصل العبادة بالنذر، يلزم رعاية الصفة المشروطة في التزامها، إذا كانت مستحبةً، كما إذا شرط في الصلاة التي التزمها إطالَةَ = تصحيف وإنما هو من بني حنظلة، وله طريق أخرى عن عائشة رواها الدارقطني من رواية غالب بن عبيد الله الجزري عن عطاء، عن عائشة مرفوعاً: من جعل عليه نذراً في معصية، فكفارته كفارة يمين، وغالب متروك، وللحديث طريق أخرى رواه أبو داود من حديث كريب عن ابن عباس، وإسناده حسن، فيه طلحة بن يحيي، وهو مختلف فيه، وقال أبو داود: روي موقوفاً يعني وهو أصح، وقال النووي في الروضة: حديث: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين، ضعيف باتفاق المحدثين، قلت: قد صححه الطحاوي، وأبو علي بن السكن، فأين الاتفاق.

الجزء: 12 - الصفحة: 359

القيام والركوع والسجود أو شرَطَ المشْيَ في الحجَّة الملتزمة، إذا جعلْنا المشْيَ في الحج أفضلَ من الركوب، ولو أُفْرِدَتِ الصفة بالتزام، والأصل واجبٌ شرعاً؛ كتطويل القراءة والركوع والسجود في الفرائض، فوجهان: أحدُهما: أنها أوصافٌ لا تستقل بنفسها، فلا تفرد بالالتزام.
وأشبههما: اللزوم فإنها عبادةٌ محبُوبَةٌ وفي معناها ما إذا نذر أن يقرأ في صلاة الصبح سورةَ كذا، وباللزوم أجاب صاحبُ "التهذيب" ولو نذر أن يصلِّيَ الظهرَ أو الفرائض بالجماعة، ففي انعقاد نذره وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": اللزوم 11؛ لأن الجماعة مستحبةٌ، فقد تعلَّق النذر بمستحب.
والثاني: المنع: لأن الفرائض أوجبها الشرع علي صفة، وفي تصحيح النذر إبطالٌ لتلك الصفة، والنذر لالتزام ما ليس بلازم في التعين لأوضاع الشرع في العبادات، ولو نذر إقامة بعض الرواتب كالوتر وركعتي الفجر، ففيه هذان الوجهان، ولو نذر ألا يفطر في السفر في رمضان، فأحد الوجهين، وهو المذكور في الكتاب، ونسبه إبراهيمُ المَرْوَزِيُّ إلَى عامة الأصحاب -رحمهم الله- أنه لا ينعقد نذْرُه، وله أن يُفْطِرَ إِنْ شاء؛ لأن في التزامه إبطالَ رخصه الشرع، وقد قال فيه -صلى الله عليه وسلم- "إنَّ اللهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" 12. والثاني: وهو اختيارُ صاحبِ "التهذيب" وشيخه القاضي: انعقاده ووجوب الوفاء، كما في سائر المحبوبات 13، وكذلك الحكم فيما إذا نذر إتمام الصلاة في السفر، إذا قلنا: إنَّ الإِتمامَ أفضلُ، ويجري الوجهان فيما إذا نذر أن يقوم في السنن, ولا يقعد

الجزء: 12 - الصفحة: 360

فيها، ونذر غسل الرجل واستيعاب الرأس بالمسح في الوضوء أو التثليث في الغسل والوضوء، أو أن يسجد للتلاوة في الشكر عندما يقتضي السجود، وذكر الإِمام على مساق الوجْهِ الأوَّل؛ أنه إذا نذر المريضُ أن يقوم في الصلاة ويتكلَّف المشقة، لم يلزمه الوفاء، وأنه لو نذر صوماً، وشرط ألا يفطر بالمرض، لم يلزمه الوفاء؛ لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب شرعاً والمرض مرخص فيه.
والثالث: القربات التي لم توضَع؛ لتكون عبادةً، وإنما هي أعمالٌ وأخلاقٌ مستحسنةٌ رغب الشرعُ فيها لعموم فائدتها، وقد يُبْتَغَى بها وجهُ اللهِ تعالَى، فينالُ الثواب كعيادة المرضى وزيارة القادمين وإفشاء السلام على المسلمين، ففي لزومها بالنذر وجهان: أحدهما: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات.
وأظهُرهما: اللزوم؛ لأن الشارع يرغب فيها، والعبد يتقرَّب بها، فهي كالعبادات، ولو نذر تجديد الوضوء، فوجهان: أحدُهِما: وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه لا يلزم؛ لأن الوضوء ليس عبادةً مقصودةً، وإنما يُرْفَعُ به الحدث، ولا يجب من غير حَدَثٍ.
وأظهرُهما: أنه يلزم؛ لأنه عبادةٌ يثاب عليها، كسائر العبادات، وفي "التتمة": أنه لو نذر الاغتسال لكل صلاة، لزم الوفاء به، وليس هذا على أن تجديد الغُسْل، هل يستحب، وأنه لو نذر الوضوء ينعقد نذره، ولا يخرج عن النذر بالوضوء عن الحدث بل بالتجديد 14، وأنه، لو نذر أن يتوضأ لكلِّ صلاة، يلزمه الوفاء، لكن إذا كان محدثاً، فتوضأ لصلاة، لا يلزمه أن يتوضأ لها ثانياً، وأنه إذا نذر أن يَتَيمَّم، فالمذهب أنه لا ينعقد نذره؛ لأن التيمّم يُؤْتَى به عند الضرورة، وأنه إذا نذر ألاَّ يهرب من ثلاثة من الكفار فصاعداً، فإن علم من نفسه أنه يقدر على مقاومتهم، انعقد نَذْرُهُ وإلا فلا، وفي كلام الإِمام: أنه لا يلزم بالنذر انكفافٌ قطُّ حتى لو نذر ألاَّ يفعل مكروهاً، لم يلزمه الوفاء بالنذر، واللهُ أعلم.
ولو نذر أن يُحْرِمَ بالحج في شوالٍ، فهو على الخلاف الذي سبق، والأظهر، وهو اختيارُ صاحِب "التهذيب" أنه يلزم، وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا، ورتَّب مرتِّبون صور هذا الَنوع والذي قبله علَى وجه آخر، فقالوا: إن كانت القربة مما يجب

الجزء: 12 - الصفحة: 361

جنسها في الشرع، كالصوم والصلاة والإِعتاق وغيرها فيلزم بالنذر وأدرجوا الاعتكاف في هذه الجملة، وان لم نوجبه بالشرع ابتداءً، بأن قالوا: الاعتكاف لُبْثٌ في مكان بنية القربة، ومن جنسه ما هو واجبٌ شرعاً، وهو الوقوف بعرفات، وإن لم يَكُنْ في جنسها واجبٌ شرعاً؛ كعيادة المرضى وتشميت العاطس وتشييع الجنائز، ففي لزومها بالنذر وجهان، وذكر أبو سعْدٍ المتولِّي أن الوجهين ينبنيان علَى أن مُطْلَق النذر يحمل على أقلِّ ما يُتَقَرَّب به أو علَى أقل ما يجب في الشرع من جنس الملتزم، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- هذا الأصل، فإن قُلْنا: بالأول، لزمت القرباتُ كلَها بالنذر، وإن قلنا بالثاني، فما لا يجب جنسه بالشرع، لا يجب بالنذر.
القسمُ الثالثُ: المباحاتُ التي لم يَردْ فيها استحبابٌ وترغيبٌ، كالأكل والنوم والقيام والقعود، فلو نذر فعْلَها أو تركَها, لم ينعقد نذره، رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ، إِذَا بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلاَ يَقْعُدَ وَلاَ يَسْتَظِلَّ وَلاَ يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُرُوءُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" 15، وعن أحمدَ -رحمه الله- أنه ينعقد نذْرُ المُبَاح، ويتخيَّر الناذر بين الوفاء والكفارة، قال الأئمة: وقد يُتصوَّر أن يقصد بالأكل التقوِّي على العبادة، وبالنوم النشاط عند التهجد، فينال الثواب، لكنَّ الفعل غَيْرُ مقصود، والثواب يحصل بالقصد الجميل، وهل يكون نذر المباح يميناً، حتى تجب الكفَّارة، إذا خالف فيه ما ذكرناه في نَذْرِ المعاصِي والمفروضات؛ ونَقَلَ الإِمامُ أن القاضي الحسين قَطَعَ بوجُوبِ الكفَّارة في المباحات، وذكر في نذر المعاصي وجهَيْن، وأنه علق الكفَّارة باللَّفْظ من غير حنث، وهذا ما ذكر صاحبُ الكتاب، حيث قال: نعم، إذا قال: لله علَيَّ ألاَّ اكل، فقد قيل: يجب كفارة

الجزء: 12 - الصفحة: 362

يمين، أكل أو لم يأكل، بمجرَّد لفظه، وهذا لا يتحقَّق ثبوته، والمشهور في كيفية الخلاف ما قدمنا.
وقوله: "إلا أن ينوي به اليمين" أراد ما حكيناه عن الإِمام؛ أنه يجوز أن يجعل كناية عن اليمين، ويَبْعُدُ أن يجعل يميناً على الإِطْلاق، ثم ختم الفصل بفرع؛ وهو أنه إذا نذر الجهاد في جهة عيَّنَها، هل تتعيَّن تلك الجَهة، وفيه ثلاثةُ أوجه.
قال صاحبُ "التلخيص": يتعين؛ لأن الجهادَ يختلفُ باختلاف الجهات من جهةِ قُرْبِ المسافة وبعدها، ووعورة الطريق وسهولته، وقوة العَدُوِّ وضعفه.
قال الشَّيْخُ أبو زَيْد: لا يتعيَّن، ويجوز أن يجاهد في جهة هِيَ أَسْهَلُ وأقْرَبُ من الجهة المعينة.
وعن الشيخ أبي علي، وهو الأعدل: أن تلك الجهة لا تتعيَّن، ولكن التي يجاهد فيها ينبغي أن تكون مساوياً للمعيَّنة في المسافة والمؤنة، ويجعل مسافات الجهات كمسافات المواقيت في الحجِّ.
فُرُوعٌ: يُشْتَرَطُ في نذْر القربة المالية، كالصدقة والتضحية والإِعتاق أن يلتزمها مرسلَةً في الذمة أو يضيف إلى معيَّن يملكه، أما إذا كان المعيَّنُ لغيره، لم ينعقد نذره؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ" رُوِيَ أنَّ المشركين استاقُوا سرح المدينة، وفيه العَضْبَاءُ ناقةُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فأسَرُوا امرأة من الأنصار، فلما ناموا، قامَتْ، ورَكِبَتِ العضباء، ونذَرَتْ، لَئِنْ نجَّاها اللهُ عَلَيْها، لتَنْحَرَنَّها، فلما أتَتِ المدينة، أُخْبِرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فأخذ النَّاقَةَ وقال "لاَ نَذْرَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ" 16 وذكر في "التتمة": أن في لزوم الكفارة بهذا النذْرِ وجهين: أظْهَرْهُمَا: المنعِ؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأنصاريَّةَ بالتكفير، وأنه لو قال: إن مَلَكْتُ عبداً، فللَّه عليَّ أن أعتقه، انعقد نذره؛ لأنه التزم قربة في مقابلة نعمة، وهي حُصُول الملك، وأنه لو قال: إن ملكتُ عبد فلانٍ، فلله عليَّ أن أعتقه فقولان: أشبهُهُما: أن الجوابَ كَذَلِكَ.
والثاني: لا ينعقد؛ لأنه تصرُّفٌ في معيَّنٍ، فلا ينفذ قبل الملك، هذا إذا قصد الشكر على حصُولِ المِلْك، فإن قصد الامتناع من تملُّكه، فهو من قبيل نذر اللَّجَاج، وأنه لو قال: إن شفى اللهُ مريضي، وملكْتُ عبداً فلله علَيَّ أن أعتقه، صح؛ لأنه التزم قربةً في مقابلة نعمتَيْنِ، وفي معناه ما إذا قال: إن شفَى الله مريضي، فلله عليَّ أن 17

الجزء: 12 - الصفحة: 363

أعتق عبداً، إن ملكته، وأنَّه لو قال: إن شفى الله مريضي، فكل عبدٍ أمْلِكُهُ حرٌّ أو فعبد فلانٍ حرٌ إن ملكته، لم يصحَّ هذا النذر؛ لأنه ما التزم التقرُّب بقربة، لكن علق الحرية بعْدَ حصول النعمة بشَرْطٍ، وهو ليس بمالك حالَةَ التعليق، فيلغو، كما لو قال: إن ملكت عبداً، فهو حرٌّ، أو عبدَ فلانٍ، فهو حرٌّ، ولو قال: إن شفى الله مريضي، فعبدي حرٌّ، إن دخل الدار، صح؛ لأنه مالكٌ عند التعليق، فصار كأنَّه علَّقَ عتق عبده بشفاء المريض ودخول الدار، وأنه لو قال: إن شفى اللهُ مريضي، فلّله عليَّ أن أشتري عبداً وأُعْتِقَه، صح، ولم يضرَّ التعرض لطريق المِلْك.
وفي "التهذيب" في باب "الاستسقاء"؛ أنه لو نذر الإِمام أن يستسقي، لزمه أن يخرج بالناس ويُصَلِّيَ بهم، وفي الصلاة احتمالٌ عن القاضي، ولو نذر واحدٌ من عرضِ الناس، لزمه أن يصَلِّي منفرداً، وإن نذر أن يستسقي بالناس، لم ينعقد، فإنهم لا يطيعونه، ولو نذر أن يخطُبَ، وهو من أهله، لزمه، وهل يجوز أن يخطب قاعداً مع القدرة على القيام؟ فيه خلاف، كما سنذكر في الصلاة المنذورة.
وسُئِلَ صاحبُ الكتاب -رحمه الله- عما إذا قال البائعُ للمشْتَرِي: إن خرَجَ المبيع مستحقاً، فلله عليَّ أن أهَبَ منك أَلْفَ دينارٍ، هل يصحُّ هذا النذر، ولم يجيب في الكتاب إقراره 18 بأنَّ حاكماً حكم بصحته، هل يلزمه ذلك، فأجاب بأن المباحات لا تلزم بالنذر، وهذا مباحٌ، والإِقرارُ بحكم الحاكم لا يؤثر إلا إذ نُقِلَ مذهبٌ معتبرٌ في لزوم مثله في النذر 19. وذكر بعضهم أنه لو نذر أن يكسو يتيماً، لم يخرج عن العهدة باليتيم الذمِّيِّ؛ لأن مطْلَقَ اليتيم في الشرْعِ للمسلم في قوله تعالَى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ 20 [البقرة: 83 وغيرها].
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ النَّذْرِ: وَهُوَ يَتْبَعُ مُوجِبَ اللَّفْظِ، وَالْمُلْتَزَمَاتُ

الجزء: 12 - الصفحة: 364

أَنْوَاعٌ النَّوْعُ الأَوَّلُ: الصَّوْمُ فَإذَا نَذَرَ مُطْلَقِ الصَّوْمِ كَفَاهُ يَوْمُ، وَفِي لُزُومِ التَّبِييْتِ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَنْزِيلاً عَلَى أَقَلِّ جَائِزٍ لاَ عَلَى أَقَلِّ وَاجِبٍ، وَكَذَا فِي الصَّلاةِ يَكْفِيهِ رَكْعَةُ، وَفِي الصَّدقَةِ يَكْفِيهِ دَانِقٌ لأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجِبُ فِي الخُلْطَةِ، وَفِي الاعْتِكَافِ هَلْ يَكْفِيهِ الدُّخُولُ وَالنِّيَّةُ مِنْ غَيْرِ مُكْثِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا صح النذْرُ، وجب الوفاء به، والمرعيُّ فيه موجِبُ ألفاظ الالتزام وقد فصَّله في الكتاب، وتفصيل الملتزمات، وهي أنواع: أحدها: الصوم، فإن أطلق التزامه، وقال: لله عليَّ أن أصومَ أو صومٌ لزمه صومُ يَوْم، ويكفيه ذلك، ويجيء فيه وجْهٌ أنه يخرج عن النذْرِ بإمساك بعْضِ اليوم؛ بناءً علَى أن النذْرَ يُحْمَلُ على أقلِّ ما يصحُّ من جنسه، وأن إمساك بعض اليوم صومٌ، وسنذكرهما, ولو نذر صومَ أيَّامٍ، وقدَّرها، فذاك، وإن أطلق ذكْرَ الأيام، نزل على ثلاثة، ولو قال: أصوم دهراً أو حيناً كفاه صوم يوم، وهل يلزم التبييت في الصوم المنذور، يُبْنَى ذلك على أن الناذر، إذا التزم بالنذر عبادةً، وأطلق تسمية الملتزم، علاَمَ ينزل نذره قال الإِمام: وفيه قولان 21 مأخوذان من معاني كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: أحدهُما: أنه ينزل على أقل واجب من جنسه بأصل الشرع؛ لأن المنذورَ واجبٌ، فيُجْعَل كواجبٍ بالشرع ابتداءً.
والثاني 22: ينزل على أقلِّ ما يصحُّ من جنسه؛ لأن لفْظَ الناذِرِ لا يقتضي التزامَ زيادةٍ عليه، فلا معنى لالتزامه ما لم يتناولْهُ لفظه، وهذا أصحُّ عند الإِمام وصاحبِ الكتابِ ورجَّح العراقيون والقاضي الرويانيُّ، وغيْرُهُمُ الأوَّلَ، ويوافقه ما ذكرنا أن الأصحَّ أنه لا يجْمَع بتيمم واحدٍ بين فريضة ومنذورة، وبين منذورتَيْن، فإن قلنا ينزل على أقل واجب من جنسه، أوجبنا التبييت، وإن قلْنا: ينزل على أقلِّ ما يصحُّ، لم يلزم التبييت، وصحَّحناه بنية من النهار، هذا إذا أطلق نذر الصوم، وأما إذا نذر صوم يوم أو أيامٍ، فصحته بنية من النهار مع التنزيل علَى أقل ما يصح، يُبْنَى، علَى أصل آخر، وهو أن المتطوِّع بالصوم، إذا نوى نهاراً، يكون صائماً من وقْتِ النية أو من أول النَّهار، وفيه خلافٌ مذكورٌ في الصوم والظاهر الثاني، فإن قلنا: به، صح صومه بنية من النهار، وإن قلْنا: إنه يكون صائماً من وقت النية، فلا يخرج عن نذره إلا بأن يبيت لأنه التزم صوم يوم، ولا يتحقَّق على هذا الوجه صوم يوم إلا بنية منبسطة على اليوم، والنيةُ لا

الجزء: 12 - الصفحة: 365

تنعطف، فالوجه تقديمها هذا لفظُ الإِمام -رحمه الله- وقولهُ في الكتاب "تنزيلاً على أقلِّ جائزٍ" يعني ما يجوز تركه، ويُبْنَى على الأصل المذكور مَسَائِلُ: منها: إذا نذر أن يصَلِّي مَطلقاً فقولان: أحدُهُمَا: وهو المنصوص في "المختصر" وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يلزمه ركعتان؛ حملاً على أقل واجبٍ في الشَّرْع.
والثاني: نقله الربيع: أنه يكفيه ركعةٌ؛ حملاً علَى ما هو صحيح، ويُقَالُ: إن الأول الجديد، والثاني منقولٌ عن القديم، وعن أحمد -رحمه الله- روايتان كالقولين.
وقوله في الكتاب "يكفيه ركعة" ليعلَمْ بالحاء والألف، وأراد بقوله "وكذا في الصلاة" التفريعَ علَى القول الأصحِّ عنده، وهو التنزيلُ على أقلِّ جائز، وهل يجوز أن يصلِّيَ قاعداً مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان؛ بناءً على الأصل المذكور.
ولو نذر أن يصلِّيَ قاعداً، جاز أن يقعد، كما لو صرَّح في نذره بركعة، له الاقتصار عليه، وإن صلَّى قائماً، فقد أتى بالأفضل، ولو نذر أن يصلِّيَ قائماً، لم يجز أن يقعد، ولو نذر أن يصلي ركعتين، فصلى أربعاً بتسليمة واحدة بتشهد أو بتشهدين، فهل يخرج عن نذره؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة": أحدُهُمَا: لا؛ لأن ما التزمه يقتضي التحلُّل بعد الركعتين.
والثاني: نعم، كما لو نذر أن يتصدَّق بعشرة، فتصدَّق بعشرين، وبهذا أجاب في "التهذيب" لكن يمكن بناء الوجهين علَى الأصل السابق، إن حملنا المطْلَقَ على الواجب شرعاً؛ فلا يجوز الزيادة، كما لو صلَّى الصُّبْحَ أربعاً، وإن حَمَلْنا على الجائزات، فيجوز الزيادة، وإن نذر أن يصلِّيَ أَرْبَعَ ركعاتٍ، فإن نزَّلْنا المطْلَق على الواجب، أمرناه بتشهدَيْنِ، فإن ترك الأول، سجدَ للسهو، ولا يجوز أن يؤديها بتسليمتين، وإن نزلناه على الجائز، فيتخبر، إن شاء أداها بتشهدين، وإن شاء اقتصر على واحدٍ، ويجوز أداؤها بتسليمتَيْنِ، بل هو أفضل 23 ولو نذر أن يصلِّيَ ركعتَيْنِ على الأرض مستقبلاً، لا يجوز أداؤهما على الراحلة، وإن نذر أداءهما على الراحلة فله أن يؤديهما على الأرض مستقبلاً، وإن أطلق، ففيه خلاف مبني على الأصل المذكور، وقد مرَّ في موضعه.
ومنها: إذا نذر أن يتصدَّق، لم يتقدَّر بخمسة دراهم ولا بنصف دينار، وإن حملنا المطلق على الواجب من جنسه؛ لأن الخلطاءَ قد يشتركون في نصاب فيجب على

الجزء: 12 - الصفحة: 366

أحدهم شيء قليل، فيكيفيه أن يتصدَّق بدانقٍ وما دونه مما يُتموَّل، هكذا ذكر حكماً وتوجيهاً، وإنما يستمر هذا التوجيه على قولنا بتاثير الخُلْطة في النقود، ثم لك أن تقول: إذا حمَلْنا المطْلَقَ على الواجِب، فإنما نحمله على أقلِّ واجب من ذلك الجنس، والأقل من الصدقة غيرُ مضبوطٍ جنساً، وقدراً، بل الأموالُ الزكاتِيَّةُ مختلفةُ الجنس، وليس لواجبها قيمةٌ مضبوطةٌ وصدقة الفطر أيضاً واجبةٌ، وليس لها قيمة مضبوطة، فامتنع إجراء هذا القول في الصدقة، وتعيَّن اتَّباع اللفظ.
ومنها: إذا نذر أن يعتكف، وليس في جنس الاعتكاف واجبٌ بالشرع، وقد سبق في بابه ذكر وجهين في أنه هل يُشْتَرَطُ فيه اللبثُ أم الدخول في المسجد مع النيةِ اعتكافٌ شرعاً، والظاهر الأولُ، وحينئذٍ، فلا بدّ من لُبْثٍ، ويخرج عن النذر باللبث ساعةً، ويُستحبُّ أن يمكث يوماً، وإن اكتفينا بالدخول مع النية، ففيه تردُّدٌ للإِمام -رحمه الله-: أحد الاحتمالين: أنَّهُ يُشْتَرَطُ اللبث؛ لأن لفظ الاعتكاف يشعر به.
والثاني: المنعُ؛ حملاً للفظ على حقيقته شرعاً.
ومنها: إذا نذر إعتاقَ رقبةٍ، فإن نزلنا المطلق على الواجب، فعليه إعتاق رقبةٍ مؤمنة، تجزئ في الكفارة، وبهذا قال أبو إسحاق -رحمه الله- وإن نزلناه على ما يجوز، خرج عن نذره بإعتاق كافرة أو معيبة، قال الداركيُّ: والصحيح الأول، وهو قضية ما رجّح في نذر الصلاة؛ أنه يلزمه ركعتان، ويؤيِّده ما نقل عن "الأم" أنه يجزئه أي رقبة أعتق إلا أن تكونَ كافرةً، لكن ذكر في "المختصر" بعدما أوجب ركعتين في نذر الصلاة، أنه لو نذر عتق رقبة؛ فأيَّ رقبةٍ أعتق أجزأه، والجوابان لا يتلاءمان فقيل: لعله ذكر مسألة العتق في موضع آخر تفريعاً على القول الآخر، فجمع المُزَنِيُّ بينهما، ومنهم من أوَّل، وقال: المعنى أي رقبة تجزئ في الكفارة، ولو قَيَّد، فقال: لله عليَّ أن أعتق رقبةً مؤمنةً سليمة، لم يجزه الكافرةُ والمعيبةُ لا محالة، ولو قال: كافرة أو معيبة، لم يلزمه المؤمنةُ والسليمةُ، ولو أعتق مؤمنةً أو سليمةً، ففيه وجه: أنه لا يجزئ، والأصحُّ خلافه؛ لأنه أتى بما هو أفضل، وليس ذكر الكفر والعيب للتقرُّب، بل لجواز الاقتصار على الناقص، فصار كما لو نذر أن يتصدَّق بحنْطَةٍ رديئة يجزئُهُ أن يتصدَّق بالجيدة، ولو قال: عليَّ أن أعتق هذا العبد الكافر أو المَعِيبَ، لم يُجْزِه غيره، وإن كان خيراً منه، لتعلَّق النذر بعينه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُتَفَرِّقاً لَمْ يَلْزَمِ التَّفْرِيقُ، وَلَوْ عَيَّنَ يَوْماً للِصَّوْمِ تَعَيَّنَ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ شَهْرٍ مُعَيَّنِ لَمْ يَجِب التَّتَابُعُ فِي قَضَائِهِ

الجزء: 12 - الصفحة: 367

عَلَى أَحَدِ الوجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَصُومُ هَذِهِ السَّنَةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءَ أَيَّامِ العِيدِ وَأَيَّامَ رَمَضَانَ، وَهَلْ يَجِبُ قَضَاءُ أَيَّامِ الحَيْضِ وَالمَرَضِ؟ وَجْهَانِ، وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ فَلاَ يَكْفِيهِ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً وَلاَ يَنْحَطُّ عَنْهُ أَيَّامُ رَمَضَانَ وَالعِيدِ وَالحَيْضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورٌ: إحداهما: إذا نذر صوْمٍ يومٍ، ولزمه فَيُسْتَحَبُّ أن يبادر إلَيْه، ولا يجب، بل يخرج عن النذر بصومِ أيِّ يوم كان إلا ألا يُبَاحَ فيه الصومُ أو يكون من أيام رمضان، وكذا لو نذر صوم خميس، ولم يعيِّن، يصوم أي خميس شاءَ، ويخرج به عن النذر، وإذا مضى خميسٌ، استقر في ذمته حتى يَفْدِيَ عنه، إذا مات قبل أن يصوم، ذكره إبراهِيمُ المروزيُّ، وإذا عيَّن يوماً في نذره كأول خميسٍ مِن الشهر أو خميس هذا الأُسْبُوعِ، فهل يتعين؟ فيه وجهان نقلهما الصيدلانيُّ وغيره -رحمهم الله-.
أصحهما: وهو الذي أورده معظم الأصحاب: أنَّه يتعيَّن وفاء الملتزم.
والثاني: لا يتعيَّن، كما لو عين مكاناً، فعلى هذا يجوز له التقديم والتأخير، وعلى الأصحِّ لا يجوز، وإذا أخَّر، كان قضاءً، ثم إذا أخر بغير عذر، أثم, وإن كان معذوراً بسفرٍ أو مرض لم يأثم, ولو عين يوماً من أسبُوع، والتبس عليه، فينبغي أن يصومَ يوم الجمعة، فإنه آخر يوم من الأُسبوع، فإن كان هو الذي عيَّنه، فقد أتى بما التزم، وإن كان يوماً قبله، كان صومه قضاءً، ولو نذر صوماً من الأُسبوع المعيَّن، صام يوماً منه أيَّ يوم كان، ولا تثبت لليوم المعين، وإن عيناه خواصُّ رمضان من الكفَّارة عند الإِفطار بالوقاع ووجوب الإِمساك، لو أفطر، وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة، بل لو أوقع فيه قضاءً أوَ صومَ كفارةٍ، وصح، ونفي الإِمام الخلافَ فيه، ولكن في "التهذيب" ذكر وجه آخر: أنه لا ينعقد فيه صوم آخر، كما في أيام رمضان، والخلاف في أن اليوم المعيَّن، هل يتعين؟ يجري في الصلاة، إذا عَيَّنَ لها في النذر وقتاً، وفي الحج، إذا عين له سنةً، والتعيين هو الذي أورده في "التهذيب"، فقال: ولو نذر صلاةً في وقت عيَّنه غير الأوقات المنهية، تعيَّن حتى لا يجوز قبله ولا يجوز التأخير عنه، ويجب القضاء، إذ لم يصل فيه، ولو نذر أن يصلِّيَ ضحوة، صلى في ضحوة أيِّ يَوْمٍ شاء، ولا يخرج عن النذر، لو صلى في غير الضحوة، ولو عيَّن ضحوة، ولم يصلِّ فيها، قضى في أي وقت كان من ضحْوَةٍ وغيرها, ولو عيَّن للصدقة وقتاً، قال الصيدلانيُّ: يجوز تقديمُها على وقتها بلا خلاف.
الثانية: إذا نذر صومَ أيامٍ مثل أن قال: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيامٍ، فالقول في

الجزء: 12 - الصفحة: 368

أنه لا يجب المبادرة، ويُستحبُّ، وفي أنه إذا عيَّنها، هل يَتعيَّن علَى ما ذكرنا في اليوم الواحِدِ، ويجري الخلافُ في تعْيِين الشهْرِ والسَّنة المعينَيْنِ، وحيثُ لا يذكر يقتصر علَى الوجْهِ الأصحِّ، ويجوز أن يصومها متتابعةً ومتفرقةً؛ لحصول الوفاء على التقديرَيْنِ، وفي كتاب القاضي ابنِ كجٍ أن عند أبي حنيفةَ يجب التتابع، وإن قَيَّد النذر بالتتابع، لزمه رعاية التتابع، فلو أخلَّ به، فعلى ما سبق في صوم الشهرَيْن المتتابعَيْن، فإن قيد بالتفرق فوجهان، ذكر أن الأصحاب -رحمهم الله- بَنَوْهُمَا على اختلاف القول في أن التفريق في صوم التمتُّع بين الثلاثة وبين السبعة، هل يجب، إذا فاتَتِ الثلاثةُ، أنَّهمَا يقربان من الوجهين، في أن الأوقات هل تتعيَّن للصيام إذا عينت، فإن قلْنا: تتعيَّن، لم يبعد حمل استحقاق التفريق عليه؛ كما لو قال: لله عليَّ صوم الأثانين، فإنه يصومها على صفة التفريق، ثم رأى الأصح من الوجهين؛ أنه لا يجب التفريق، وهو الذي أورده صاحب الكتاب، ووجَّه بأن التفريق ليس وصفاً مقصوداً، بخلاف التتابع، فإذا صام متتابعاً، فقد أتى بما هو أفضل، وأجاب القاضي ابن كج وصاحبُ "التهذيب" وغيرُهما؛ بأنه يلزمه التفريق، وقال: التفريق مرعيٌّ في صوم التمتع شرعاً، أن التتابع مرعيٌّ في صوم الكفَّارة، وذكروا أنه، لو صام عشرة أيام متتابعة، تحسب له خمسة أيام، ويُلْغَى بعد كلِّ يومٍ يومٌ، وهذا أقرب.
الثالثة: إذا نذر صوم شهر، نُظِر؛ إن عيَّن، كرجب أو شعبان، أو قال: أصوم شهراً من الآن، فالصيام يقع متتابعاً، لتعيُّن أيام الشهر، وليس التتابع مستحَقاً في نفسه، حتى لو أفطر يوماً، لا يلزمه الاستئناف، ولو فاته الجَمِيعُ، لم يلزمْهُ التتابع في قضائه، كما في صوم رمضان، فإن شرط التتابع مع تعْيِينِ الشهر لغو.
وأظهُرهما: وهو الذي يوجد لأصحابنا العراقيين: أنها تجب حتى لو أفسد يوماً، يلزَمُه الاستئناف، وإذا فاتَه قضى، متتابعاً؛ لأن ذكره التتابعِ يدلُّ على كونه مقصوداً، وقد سبق مثل هذا في الاعتكاف، ولو أطلق، فقال: أصوم شهراً، فله التفريقُ والتتابُعُ، قال الصيدلانيُّ: وساعدنا أبو حنيفة -رحمه الله- ههنا، وإن خالَفَ فيما إذا نذر اعتكاف شهْرٍ بشرط التتابع، ثم إن فرَّق صام ثلاثين يوماً، وإن صام متتابعاً وابتدأ به بعد مضيِّ بعض الشهر الهلاليِّ فكذلك، وإن ابتدأ به في أول الشهر وخرج ناقصاً كَفَاهُ.
والرابعة: إذا نذر صوم سنة، فله حالتان: إحداهما: أن يعيِّن سنةً متواليةَ الأيام؛ كقوله: أصوم سنة كذا أو سنةً من أول شهر كذا إلى مثله أو من الغد، فصيامُها يقع متتابعاً بحق الوقت، ويصومُ رمضانَ عن فرضه، ويفطر العيدين وأيام والتشريق؛ تفريعاً على أنه لا يجوز الصوم فيها، وهو الصحيح، ولا يجب قضاؤها بل هِيَ غير داخلة في النذر، وإذا أفطرت المرأة بعُذْرِ

الجزء: 12 - الصفحة: 369

الحيض والنفاس, ففي وجوب القضاء قولانِ، ويُقَالُ وجهان: أحدُهُمَا: لا يجب، كيوم العيد وزمان الحيض والنفاس يقع مستنثًى شرعاً.
والثاني: يجبُ، والنذر محمولٌ على الواجِبِ شرعاً، وإذا وقع الحَيْضُ في الصوم الواجِبِ شَرْعاً، لم يقضِ فكذلك الواجب بالنذر، ويخالف العيد، فإنه غير قابل للصوم في نفسه، وهذا أصحُّ عند صاحِب "التهذيبِ"، والأول أصح عند أبي علي الطبريِّ وأبي الحُسَيْن بْنِ القطّان، ونسبه القاضي ابن كج إلى الجمهور وتابعهم الرويانيُّ -رحمهم الله- ولو أفطر بعذر المرض، ففيه مِثْلُ هذا الخلاف، ورجَّح القاضي ابنُ كج فيه وجوبَ القضاء فرقاً بأنه لا يصح أن ينذر صوم أيامِ الحَيْض، ويصح أن ينذر صَوْمَ أيام المرض، ولو أفطر بعُذْر السَّفَر، فالظاهر وجوب القضاء؛ لأنه يتعلَّق بمحْضِ اختياره، وبه قال أبو الحسين -وهو المذكور في الكتاب، ومنهم من طرد فيه الخلاف، وبه قال القاضي ابنُ كج، وإذا أفطر في بعض الأيَّام بغير عذر، أثِمَ، وعليه القضاء بلا خلاف، وسواء أفطر بعذر أو بغير عذر، فلا يجبُ الاستئناف، وإذا فاته صومُ السنّة، فلا يجب التتابع في قضائه، كما في صوم رمضان، هذا إذا لم يتعرَّض للتتابع، فإن شرط مع تعيين السنة، فعلى الوجهين المذكورين في الشهر، فإن قلْنا: يجب رعايته، فإذا أفطر بغير عُذْر، وجب الاستئناف، وإذا أفطرت للحيض، لم يجب والإِفطار بالمَرَضِ والسفرِ، هل يبطل التتابع؟ فيه ما ذكرنا في صوم الشهرين المتتابعين في كفاَرة اليمين، فإن قلْنا: لا يبطل ففي القضاء الخلافُ السابقُ، ولو قال: لله عليَّ صوم هذه السنة، تناول اللفظ السنة الشرعية، وهي من المحرَّم إلى المحرَّم، فإن كان قد مضى بعْضُها, لم يلزمه إلا صومُ الباقي، فإن كان رمضانُ فيما بقي، لم يلزمه قضاؤُه عن النذر، ولا قضاء العيدين وأيام التشريق والحيض والمرض؛ على ما ذكرنا في جميع السنة.
وقوله "ولو قال: أصوم هذه السنة" يشبه أن يريد به ما إذا نذر سنة أشار إلَيْهَا بعينها, وليس المرادُ حكايةَ هذه اللفْظَة من قَوْل النَّاذِر.
الحالة الثانية: إذا نذر صوم سنة وأطْلَقَ يُنْظَرِ، إن لم يشترطِ التتابع يصوم ثلثمائة وستين يوماً أو اثنَيْ عَشَر شهراً بالهلال، وكل شهر استوعبه بالصوم، فناقصه كالكامل، وإن انكسر، ولم يصمْ جميعه، فعليه إتمامه ثلاثين، وشوال ينكسر بسبب العيد، فيكمله ثلاثين، فإن كان ناقصاً، احتاج إلى تدارك اليومين، وذو الحجة يكمله ثلاثين، فإن كان ناقصاً، تدارك خمسة أيام، ولا يجب أن يصوم متتابعاً، وإن صام سنةً على التوالي، تدارك النذر رمضان والعيدين، وأيام التشريق، ولا بأس بَصَوْمِ يوم الشك عن النذر، وتتدارك المرأة لأيَّامِ الحيض، هذا ظاهرُ المذهب، ووراءه وجهان: أحدُهُما: عن أبي الحُسَيْن بنِ القطّان: أنه، إنما يخرج عن النذر بصوم ثلثمائة

الجزء: 12 - الصفحة: 370

وستين يوماً؛ لأن السنة تنكسر لا محالةَ بسبب رمضانَ وأيام الفِطْر، وإذا انكسرت، وجب أن يعتبر العدد، كما أن الشهر إذا انكسر يُعتبر العدَدُ.
والثاني: ذكره الصيدلاني: أنه إذا صام من المحرَّم إلى المحرَّم أو من شهر آخر إلى مثله، خرج عن نذره؛ لأنه يُقال: إنه صام سنة، ولا يلزم قضاء رمضان وأيام الفطر، وإن شرط التتابع، فقال: لله عليَّ صوم سنة متتابعاً، فيلزمه التتابع، ويصوم رمضان عن فرضه، ويفطر العيدَيْنِ وأيام التشْرِيق، وهل يلزمه تدارُكُهما للنَّذْر، فيه وجهان مذكوران في "التتمة": أظهرُهما: عند صاحِبها: المنع؛ لأن السنة المتتابعة اسْمٌ لاثْنَيْ عشَرَ شَهراً أو لثلثمائة وستين يوماً، وقد صام من هذه المدة ما يمكن صومه، فلا يلزم زيادة عليه، كما لو عيّن السنة.
والثاني: وهو المنصوص، وجواب معظم الأصحاب: أنه يلزمه التدارك على الاتصال بآخر المحسوب في السنة؛ لأنه التزم صوم سنة ولم يصم عما التزم سنَةً، ويخالف ما إذا كانت السنةُ معيَّنةً؛ لأن المعيَّن في العَقْد لا يبدل بغيره، والمُطْلق إذا عين قد يبدل، ويشبه ذلك بأن المبيع إذا خرج معيباً، لا يبدل، والمسلم فيه، إذا سلمه، فخرج معيباً، يبدل، ثم يحسب بالشهر الهلالي، وإن كان ناقصاً على ما ذكرنا وإذا أفطر بغير عُذْرٍ، وجب الاستئناف، وإذا أفطرت المرأة بعُذْرِ الحيض، لم يجب الاستئناف، وفي عُذْرٍ المرض والسفر ما بيناه في صوم الشهرين المتتابعين ثم في قضاء أيام الحيض والمرض الخلافُ المذكورُ في الحالة الأولى، فإذا نذر صوم شهر فقضاء 24 ما يتفق الإِفطار فيه بحيض أو مرض على ما تبيَّن في السنة، وكذا لو نذرتِ المرأةُ صومَ يوْمِ معيَّنَ، فحاضت فيه، ففي وجوب قضائه القولان، وإن نذرت صومَ يَوْمٍ غير معيَّنٍ، فشرعت في صوم يوم، فحاضَتْ، لزمها التدارك.
ولو نذر صوم ثلثمائة وستين يوماً، فعليه أن يصوم هذا العدد، ولا يلزم التتابع، فإن قال: متتابعةً، وجب؛ لرعاية التتابع، ويقضي لرمضان وأيام التشريق على الاتِّصَال، وَحَكَى القاضي ابنُ كج وجْهاً ضعيفاً؛ أن ذكر التتابع يلْغُو ههنا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلاَنٌ فَقَدِمَ لَيْلاً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارَاً لَمْ يَكْفِهِ صَوْمُ ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ بِاللَّيْلِ، وَهَلْ يَلْزَمُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلاَنٌ فَبَاع العَبْدَ ضَحْوَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ قَدِمَ بَانَ بُطْلاَنُ

الجزء: 12 - الصفحة: 371

العَقْدِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَيُحْمَلُ ذِكْرُ اليَوْمِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوْ ظَهَرِ بِعَلاَمَةٍ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَداً فَنَوَى لَيْلاً كَفَاهُ مَعَ التَّرَدُدِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِظُهُورِ العَلاَمَةِ، وَلَوْ نَذَرَ مَنْ نَوَى نَهَاراً صَوْمَ تَطَوُّعٍ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَزِمَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي قَاعِداً مَعَ القُدْرَةِ جَازَ لَهُ القُعُودُ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمِ لَغَا نَذْرُهُ في وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُهُ يَوْمٌ كَامِلٌ، وَكَذَا الخِلاَفُ لَوْ نَذَرَ رُكُوعاً أَوْ سُجُوداً فَعَلَى وَجْهٍ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ، وَعَلَى وَجْهِ يَلْغُو، وَلَوْ نَذَرَ حَجَّ هَذِهِ السَّنةَ وَهُوَ عَلَى مِائَةِ فَرْسَخِ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ يَوْمٌ فَنَذْرُهُ لاغٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ فيما إذا نذر أن يصوم يَوْمَ يَقْدَمُ فلانٌ، وقد ضمنه صُوَراً حَقُّهَا أن تقدَّمَ.
إحداها: إذا شرع في صوم تطوع، فنذر أن يتمه، فظاهر المذهب: أنه يلزمه إتمامه، وفيه وجه؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم ويجري الخلاف فيما إذا نذر أن يتمم صوم كل يوم نوى فيه صوم النفل، وإذا أصبح ممسكاً، ولم ينوِ، فهو متمكن من صوم التطوع، فلو نذر أن يصوم على هذا الوجه، فقد أطلق في لزوم الوفاء قولان؛ بناءً على أن النذر ينزل على واجب الشرع أو على ما يصح قال الإِمام: والذي أراه اللزوم، فإن النذر مقيد بالصوم على هذا الوجه، وموضع القولَيْن حالة الإِطلاق، ثم حَكَى عن الأصحاب -رحمهم الله- أنه، لو قال: عليَّ أن أصلِّيَ ركعةً، لم يلزمه إلا ركعةٌ، وأنه، لو قال: عليَّ أن أصلِّي كذا قاعداً، يلزمه القيام عند القدرة، إذا حملنا المنذور علَى واجب الشرع، وأنهم تكلَّفوا فرقاً بينهما، قال: ولا فرق فيجب تنزيلُها على الخلاف، وهو كالخلاف في نذر الصوم نهاراً عند إمكان التطوع به، فإنه بالإِضافة إلى واجب الشرع بمثابة الركعة الواحدة بالإِضافة إلى أقل واجبِ الصلاة.
ولك أن تُعْلِم؛ لما بيَّنَّا قولَهُ في الكتاب "لزمه" بالواو.
وقوله "وكذلك لو نذر ركعة واحدة" أيضاً.
وكذلك قوله "جاز له القعود".
الثانية: لو نذر صومَ بَعْضِ يومٍ، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان.
وأصحُّهُمَا: المنع؛ لأن صومَ بعْضِ اليومِ ليس بقُرْبَةٍ.
والثاني: ينعقد، وعليه صوم كامل، وزاد صاحبُ "التتمة" فقال: تبنى المسألة على أن المتنفل، إذا نوى الصوم نهاراً يكون صائماً من وقْتِ النية أو من ابتداء النهار، إن قلْنا: من وقت النية انعقد نذره، وإن قلنا: من ابتداء النهار، فوجهان: أحدُهُما: لا ينعقد؛ لأن المنذور ليس بقربة، ولا سبيل إلى إيجاب زيادة يلتزمها.

الجزء: 12 - الصفحة: 372

والثاني: ينعقد؛ لأنه قد ورد الأمر بإمساك بعضِ النهار، كما في حق من أصبح مفطراً يوم الشك، ثم بان أنه من رمضان، وذكر تفريعاً على الانعقاد؛ أنه لو أمسك بقيَّة نهاره عن النذر، يجزئه، إن لم يكن قد تناول في أوله شَيْئًا، وإن تناول، فلا يجزئه على المذهب، وقد مَرَّ في الصوم وجْهٌ أنه، إذا نوى الصوم بَعْد الأكل يجوز، فعَلَى ذلك الوجْهِ يجزئه عن نذره، وهذا يخالف ما قدَّمنا أنه يلزمه صوم يوم كامل.
ولو نذر أن يصلِّيَ بعض ركعة، ففيه وجهان، كما في مسألة الصوم، ووجه الشيخُ المتولِّي الانعقاد بأنَّ الإِنسان قد يؤْمَرُ بفعل ما دون ركعة ويثاب عليه، وهو إذا أدرك الإِمامَ بَعْد الركوع حتى يدرك به فضيلة الجماعة، إذا اتفق في الركعة الأخيرة، قال: فعلَى هذا، يلزمه ركعةٌ كاملةٌ، إن أراد أن يأتي بالمنذور منفرداً، وإن اقتدى بإمامٍ بعْدَ الركوع في الركعة الأخيرة، يخرج عن نذره؛ لأنه أتى بما التزمه، وهو قربة في نفسه، والذي أطلقه غيره؛ تفريعاً على انعقاد النذر؛ أنه يلزمه ركعةٌ، وهو الجواب، إذا نذر ركوعاً باتفاق المفرعين، ولو نذر تشهداً، ففي "التتمة" أنه يأتي بركعة يتشهَّد في آخرها أو يقتدي بمن قعد للتشهد في آخر صلاته، أو يكبر ويسجد سجدةً، ويتشهَّد على طريقة من يقول سجود التلاوة يقتضي التشهد، ويخرج به عن نذره سجدةً مفردةً، ففيه طريقان في "التتمة" أن السجدة قربة، بدليل سجدة التلاوة والشكر، ففي انعقاد نذْره وجهان، كالوجهَيْنِ في نذر عبادة المريض وتشميت العاطس، وإن قلْنَا: لا ينعقد، فالحكم كما في الركوع، وقطَع الشيْخ أبو محمَّد بأن نذْرَ السَّجْدة المنفردة لا ينعقد؛ بناءً على أنها ليست بقربة، وهو الظاهر كما تقدَّم في الصلاة.
الثالثة: إذا نذر أن يحجَّ في هذه السنة، وهو على مائة فرسخ، ولم يبق إلا يومٌ، لم ينعقد نذره؛ لأنه لا يتأتى له الإِتيان بما التزم، وهذا ظاهر المذهب، وذكر بناءً على أن في لزوم كفارة اليمين بذلك خلافاً سبَقَ في نظائره، وحَكَى القاضي ابنُ كج وجهاً آخر؛ أنه ينعقد نَذرُهُ، ويقضي في سنةٍ أخرَى، هذه هي الصورة المضمنة.
ولنعُدْ إلَى مقصود الفصل: إذا نذر أن يصوم اليَوْمَ الذي يقدم فيه فلانٌ، هل ينعقد نذره؟ فيه قولان: أحدُهُمَا: لا، وهو اختيار الشيخ أبي حامدٍ -رحمه الله- لأنه لا يمكنه الصومُ بعْد القدوم؛ لأنَّ التبييت شرطٌ في صوم الفرض، وإذا لم يمكنِ الوفاءُ بالملتزم، يلغو الالتزام، كما ذكرنا في التزام الحجِّ في الصورة الثالثة.
وأظْهَرُهُمَا: وهو اختيار المُزَنِيِّ، إلى ترجيحه ذهب القاضيان أبو الطيب والرويانيُّ وإليه ميل ابنِ الصباغ وغيره: أنه ينعقد نذره؛ لأن الوفاء به ممكنٌ بأن يعلم أنه يقدم غدًا فينوي من الليل، ويصوم عن النذر، وقد يجب الصوم في زمان لا يمكن

الجزء: 12 - الصفحة: 373

الإِتيان به ويؤثِّره وجوبه في القضاء، كالصبي يبلغ في أثناء النهار والمغمَى عليه يفيق والحائض تَطْهرُ.
التفريع: إن قلْنا: لا ينعقد نذره، فلا كلام، وإن قلنا: ينعقد، فلو قَدِمَ فلان ليلاً، فلا صوم على الناذر؛ لأن الصْومَ معلَّقٌ بيوم القدوم، ولم يوجَدْ يوم قدوم وإن قدر أنه عني باليوم الوقْتَ، فالليل غير قابل للصوم، ويُستحبُّ أن يصوم من الغد أو يوماً آخَر شكراً للهِ تعالَى وإن قَدِمَ نهاراً، فللناذر أحوال: إحداها: أن يكونَ مُقْطِراً، فيلزمه أن يصوم عن نذره يوماً 25 وكيف يقدَّر؟ أنقول: يلزمه بالنذر الصوم من أول اليوم أو نقول: يلزم من وقت القدوم؟ فيه وجهان، ويُقَالُ: قولان: أصَحُّهُمَا: وبه قال ابنُ الحداد: أنه يلزمه الصوم من أول اليوم؛ لأن قوله: أصوم يوم يقدم فلانٌ عبارةٌ عن جميع اليوم لا عن وقت القدوم خاصَّةً إلا أن يوم القدوم غيْرُ معلومٍ، فإذا قَدِمَ، تبيَّن أنه من أوَّل يوم القدوم، فأشبه ما إذا أصبح يوم الشك مفطراً، ثم بان أنه من رمضان، يلزمه القضاء.
والثاني: أنه يلزم من وقت القدوم؛ لأنه علق الالتزام بالقدوم، وبكونه في النهار إلا أن صوم بعض اليوم لا يمكن، فَلَزِمَهُ صومُ يومٍ تامٍّ، قال في "التهذيب": وليس هذا كما إذا نذر صوم بعض اليوم؛ حيث لا ينعقد على ظاهر المذهب؛ لأنه نذر ههنا صوم يوم، لكن شرط الوجوب حصل في البعض، فهو كما لو شرع في صوم تطوُّع، ثم نذر إتمامه، يلزمه على ظاهر المذهب، ويكون واجباً من حين نذر، كما في جزاء الصيد يصوم عن كل مدٍّ يوماً، وإن فضل نصف مد يصوم يوماً تاماً، والواجبُ فيه نصفُ يومٍ، وقد يعبر عن هذا الخلاف، بأن ذكر القدوم لتعريف اليوم أو هو شرطُ الوجوب، ويتعلَّق بهذا الخلافِ فوائدُ: منها: بني بعضهم القولَيْن في انعقاد النذر من أصله عَلَى هذا الخلاف، وقال: إن قلْنا: إنَّ قضيَّته لزوم الصوم من أول اليوم انعقد، وإن قلنا: قضيته اللزوم من وقت القدوم، لم ينعقد، كنذر صوم بعض اليوم، وبل أولَى؛ لأنه نذر صوم يوم في بعض اليوم، وهو مستحيلٌ.
ومنْها: لو نذر أن يعتكف اليَومَ الذي يقْدَم فيه فلانٌ، فقدِمَ نصف النهار، فإن قلنا بالأول، اعتكف باقي اليوم، وقضى ما مضى، قال الصيدلانيُّ: أو يعتكف يوماً مكانه،

الجزء: 12 - الصفحة: 374

وقضية تعين الزمان للاعتكاف أن يتعيَّن 26 الأول، والظاهر التعيين، وإن قلنا: بالثاني، اعتكف باقي اليوم، ولم يلزمه شيء آخر.
ومنها: إذا قال لعبده أنتَ حرٌّ اليوْمَ الذي يقْدَم فيه فلانٌ، فباعه ضحوةَ يومٍ، ثم قَدِمَ فلان في بقيَّة اليوم، فإن قلْنا بالأول، بان بطلان البيع وحرية العبد، وبه قال ابنُ الحَدَّاد، وإن قلنا بالثاني، فالبيع صحيح، ولا حرية، وهذا إذا كان قدوم فلانٍ بعد تفرقهما عن المجلس ولزوم العقد، أمَّا إذا قَدِمَ قبل التفرق أو في زمان الخيار المشروط، فيحصل العِتْقُ على الوجهين؛ لأنه إذا وجدت الصفةُ المعلَّق عليها، والخيار ثابتٌ للبائع، يحصل العتق على الوجهين ولو مات السيد ضحوةً ثم قَدِمَ فلانٌ، لم يُوَرَّثْ عنه على الوجه الأول، ويُوَرَّثْ على الثاني، ولو أعتقه عن كفارته، ثم قدم، لم يُجْزِه على الأول، ويجزيه على الثاني.
ومنها: إذا قال لزوجته: أنتِ طالقٌ يوم يَقْدَمُ فلانٌ، فماتت أو مات الزوج في بعض الأيام، وقَدِمَ فلان في بقية ذلك اليوم، فإن قلْنا: بالأول، بان أن الموت بعد الطلاق، فلا توارث بينهما، إن كان الطلاق بائناً، وإن قلنا: بالثاني، فلا يقع الطلاق، كما لو قال: إذا قَدِمَ فلانٌ، فأنتِ طالقٌ، فمات أحدُهُما قبل قدومه، ولو خالَعَها في صدر النهار، وقَدِمَ، فلانٌ في آخره، فعلى الأول يتبين بطلان الخلع، إن كان الطلاقُ بائناً، وعلى الثاني، يصح الخُلْعُ، ولا يقع الطلاق.
الحالة الثانية: إذا قَدِمَ فلانٌ، والناذرُ صائم عن واجبٍ من قضاءٍ أو نذرٍ آخر، فيتم ما هو فيه، ويصوم لهذا النذر يوماً آخر، واستحب الشافعيُّ -رضي الله عنه- أن يعيد صومَ الواجب الذي هو فيه؛ لأنه بان أنه صام يوماً مستحَقَّ الصوم؛ لكونه يوم قدوم زيد، قال في "التهذيب": وفي هذا دليلٌ على أنه إذا نذر صوم يوم بعينه، ثم صامه عن نذر آخر أو قضاءٍ؛ أنه ينعقد، ويقضي نذر هذا اليوم.
الثالثة: إذا قدم، وهو صائمٌ صوم تطوع أو غير صائم، لكنَّه لم يأكل شيئاً، قال في "التهذيب": وكان ذلك قبل الزوال، فيبنى على أنه يلزمه الصوم من أول اليوم أو من وقت القدوم، وإن قلْنا بالأول، فيلزمه صوم يوم آخر، ويُسْتَحَبُّ أن يمسك بقية النهار، وإن قلنا بالثاني، ففي "التتمة": أنه يُبْنَى عَلَى أنه، هل يجوز أن ينذر صوم بعْضِ اليوم،

الجزء: 12 - الصفحة: 375

إن قلنا: يجوز، فينوي، إذا قدم، ويكفيه ذلك ويُسْتَحَبُّ أن يعيد يوماً كاملاً؛ للخروج من الخلاف، وإن قلنا: لا يجوز، فلا شيء عليه، ويُستحبُّ أن يقضي، وفي "التهذيب" أنا، إذا قلْنا: يلزم الصوم من وقْتِ القدوم، فههنا وجهان: أصحُّهُما: أنه يلزمه صَوْمُ يوْمٍ آخر.
والثاني: عليه إتمام ما هُوَ فيه، ويكونُ أوله تطوعاً، وآخره فرضاً، كمن شرع في صوم تطوُّع ثم نذر إتمامه، يلزمه الإِتمام، وهذا، إذا كان صائماً عن تطوع، وإن لم يكن صائماً، فينوي، ويصوم بقية النهار، إن كان قبل الزوال، ولو تَبيَّن للناذر أن فلاناً يَقْدَمُ غدًا فنوى الصوم من الليل، ففي إجزائه عن النذر وجْهَان: أَحَدُهُمَا: ويُنْسَبُ إلى القَفَّال: أنه لا يجزئه؛ لأنه لا يمكنه الجزم به، فإن الإِخبار قد يتطرَّق إليه خَلَلٌ، وإن لم يتطرَّق، فقد يعرض مانعٌ من القدوم، والتردُّد يمنع صحة النية.
وأظهرهُما: وهو الذي أورده الأكثر: الإجزاء؛ لأنه بَنَى عَلَى أصل مظنونٍ، والتجويز النافي بعد الظن المتأكِّد لا يمنع صحة النية على ما بيَّنَّا في "كتاب الصوم" وخصَّص صاحب "التتمة" الوجهين بما إذا قلْنا: إنه يلزم الصوم من أول اليَوْم، وذكر أنا إذا قلْنا باللزوم من وقت القدوم، فلا يجزئ الصوم بنيَّة من الليل؛ لأن سبب الوجوب لم يوجَدْ في أول النهار حتى يَنْوِيَ إيقاع الصوم فيه عن الواجب.
فَرْعٌ: لو قَدِمَ فلانٌ يَوْمَ العيد أو في رمضانَ، فهو كما لو قَدِمَ ليلاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَدَرَ صَوْمَ يَوْمٍ الأثَانِينِ أَوْ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلاَنٌ أَبَداً فَقَدِمَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لَزِمَهُ الأَثَانِين لأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الوَقْتَ مُتَعَيّنَ فِي الصَّوْمِ، وَلاَ يَجِبُ قَضَاءُ الأَثَانِينِ الوَاقِعَةِ فِي رَمَضَانِ إلاَّ الاثْنَيْنِ الخَامِسَ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ وَقَد لاَ يَقَعُ فَفِي قَضَائِهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ عَشْراً فَلاَ بُدَّ مِنْ وُقوعِ بَعْضِ الأَثَانِينِ فِي الحَيْضِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيمَا يَفُوتُهُ بِسَبَبِ صَومِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ لَزِمَهُ فِي كَفَّارَةٍ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا إنْ لَزِمَتْ قَبْلَ النَّذْرِ فَلاَ تُقْضَى كَأَيَّامِ رَمَضَانَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نذر صوم يوم الاثنين أبداً، لزمه الوفاء به، تفريعاً على الأصحِّ، وهو أن الوقت المعين للصوم يتعيَّن، ولو نذر صوم اليوم الذي يَقْدَمُ فيه فلان أبداً، فقدم يوم الاثنين، ففي انعقاد النذْرِ بذلك اليَوْمِ الخلافُ الذي سبق في سائر الأثانين، يلزمه الصوم، كما لو نذر صَوْمَ الأثانينِ، ولا يجب قضاء الأثانين الواقعةِ في رمضان؛ لأن وجوب صوم رمضان سابِقٌ على النذر، فلا ينعقد عليها النذْرُ، نعم، لو وقع فيه

الجزء: 12 - الصفحة: 376

خَمْسَةُ أثانين، ففي قضاء الاثنين الخامِسِ وجهان أو قولانِ، كالقولَيْنِ فيما إذا وقع العِيدُ في يوم الاثنين؛ لأن الخامس قد يَتَّفِقُ، وقد لا يتَّفِقُ، كما أن العيد قد يقع في يوم الاثنين، وقد لا يقع، والأربعةُ لا بدّ منها، وإذا وقع عيدٌ في يوم الاثنين، ففي قضائه قولان: أصحُّهُما: وهو اختيار المُزَنِيِّ وأبي إِسحاق -رحمهما الله-: أنه لا يجب كالأثانين في رمضان؛ لأن هذا متعيِّن للإِفطار، كما أنه متعيَّن لصوم رمضان.
والثاني: يجب؛ لأن ذلك قد يتفق، وقد لا يتفق، فيتناوله النذر بخلاف أثانين رمضان، ويخلاف ما إذا نذر صوم سنةٍ معيَّنةٍ، حيث قلْنا: لا يقضي العيدين؛ لأن وقوعهما في السنة لازمٌ، ووقوع العيد في يوم الاثنين ليس بلازم، وحُكْمُ أيام التشريق؛ بناءً على الصحيح وهو أنه لا صوم فيها، حكم العيدين.
ولو صدر هذا النذر من امرأة، وأفطرت بعض الأثانين 27 بعذر الحيض والنفاس، ففي القضاء طريقان، قال الأكثرون: فيه قولان أيضاً كما في العيد، ومن هؤلاء القاضيانِ أبو الطيِّبِ وابنُ كج، والإِمامُ وصاحبُ "التتمة" وقطع آخرون بالوجوب؛ لأن النذر يُسْلَكُ به مَسْلَكُ واجب الشرعِ، إذا فات بالحيض والنفاس، تقضي، ثم في تعليق أبي حامد وغيره ترجيحُ وجوب القضاء ههنا، والمفهوم من طرد القَوليْن ههنا ترجيح المنع، لأبيه ذهب ابنُ الصبَّاغ، وهذا كما مرة فيما إذا نذر صومَ سنَةٍ معيَّنة، ثم الطريقان، فيما إذا لم يكن لها عادةٌ غالبةٌ، فإن كانَتْ، ففي القضاءِ ففيما يقع في عادتها أظهر، وربما قُطِعَ به؛ لأنها لا تقصد صوم اليوم الذي يقع في عادتها غالباً في مفتتح الأمر، وقيل بخلافه؛ لأن العادة قد تختلف بالزيادة والنقصان، وأما ما يختلف، فقد يقع في عادتها وقد لا يقع، فهو على الخلاف فيما إذا لم تكن لها عادة؛ مثاله: إذا كانت عادتها أن تحيض عشرة أيام، فلا بدّ وأن يقع فيه يوم اثنين، ويجوز أن يتكرر مرتين؛ ففي الثاني الخلاف.
ولو أفطر الناذر بعض الأثانين بعذر المرض، فالمشهور وجوب القضاء، وفي إيرادُ موردين ما يقتضي القطْعَ به، وجعله صاحب الكتاب والقاضي ابن كج علَى الخلافِ المذكور فيه، إذا نذر صوم سنة معينة، ويشبه أن يرجَّح وجوب القضاء في

الجزء: 12 - الصفحة: 377

المسأَلَتَيْنِ جميعاً، ويجوز أن يُعْلَم لها لفظ الخلاف من قوله في الكتاب: "ففي القضاء خلاف" بالواو.
ولو لزمه صوم شهرين متتابعين عن كفارة، فيقدم صوم الكفارة على صوم الأثانين، سواء تقدَّم وجوب الكفارة أو تأخر؛ لأنه يمكن قضاء الأثانين.
ولو عكس، لم يتمكَّن من صوم الكفارة؛ لفوات التتابع يتخلل الأثانين، ثم إن لزمتِ الكفارةِ بعد ما نذر صوم الأثانين، فيقضي الأثانين الواقعة في الشهرين؛ لأنه أدخل على نفْسِهِ صوم الشهرَيْنِ بعد ذلك النذر، وإن لزمت الكفارةُ قبْلَه، فوجهان، ويُقَالُ: قولان: أحدهما: أنه لا يقضيها، كما لا يقضي الأثانين الواقعة في رمضان؛ لتقدُّم وجوبها على النذر.
والثاني: يجب القضاء؛ لأن الوقت غير متعيّن لصوم الكفارة.
ولو صام في الشهر أثانينها، لوقعت عن نذره، فإذا تركه، قَضَى، بخلاف أثانين رمضان.
وهذا أظهر عند صاحب "التهذيب" وطائفة من العراقيين، ويُحكَى عن رواية الربيع، والأوليُ أظهرُ عند الإِمام وصاحب الكتاب القاضِيَيْنِ أبي الطيِّب، وابن كج.
ولو نذر أن يصوم شهراً متتابعاً أو شهرَيْنِ أو أسبوعاً، ثم نذر صوم الأثانين، فإن لم يعين الشهر أو الشهرَيْنِ، فهو كما إذا لزمته الكفَّارة، ثم نذر الأثانين.
وإن عين، ففي "التتمة": أنه يُبْنَى على أنه إذا عيَّن وقتاً للصوم هل يجوز أن يصوم فيه عن قضاء، أو نذر آخر؟ وقد سبق فيه الخلاف، فإنْ قلْنا: يجوز، فهو كما لو لم يعيَّن، وإن قلْنا: لا يجوز، فحكم ذلك الشهْر حكم رمضان، وهذا ما رآه صاحب "التهذيب"، وقال أيضاً: إذا صادف نذران زماناً معيناً، فيحتمل أن يُقَالَ: لا ينعقد النذر الثاني، وطرد، هذا الاحتمال فيما إذا قال: إن قدم زيد، فلّله عليَّ أن أصوم اليوم التالي لقدومه، وإن قدم عمرو، فلّله عليَّ أن أصوم أول خميس بعْد قدومه، فقدما معاً يوم الأربعاء، ونُقِلَ: أنه يصوم عن أول نذر نذره، ويقضي يوماً للنذر الثاني.
وفي تعليق الشيخ أبي حامد وغيره -رحمهم الله-: أنه لو نذر أن يصوم أول خميس بعد شفاء مريضه، ونذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فشفى المريض، وأصبح الناذر في أول الخميس صائماً، فقدم فيه فلانٌ، يقع صومه عما نواه، والنذر الآخر، إن قلنا: إنه لا ينعقد فلا شيء عليه، وإن قلنا: ينعقد، فيقضي عنه يوماً آخر.
وقوله في الكتاب "وكذا الخلاف فيما يفوته بسبب صوم شهرَيْن متتابعَيْن، لزمه

الجزء: 12 - الصفحة: 378

في كفارة" إلى آخره، قد يشعر ظاهره بإثبات الخلاف في قضاء الأثانين الفائتة.
بهذا السبب علَى الإِطْلاَق، وبأن الأظهر الفَرْقُ بين أن يلزم الكفَّارة قبل النَّذْر، فلا يجب القضاء أو بعده، فيجب، ولا يمكن حمله عليه؛ لأنه لا خلاف في أنها تُقْضَى، إذا لزمت الكفارة بعد النذر، وكأنه أراد الخلاف فيما يفوته بسبب صوم الشهرين، حيث وقع الخلاف لشبه الخلاف في الصوم التي قدَّمها على هذه الصورة.
ثم قوله: "والأظهر" إلى آخره: فيه بيان الراجح من الخلاف مع التنصيص على مَوْضِعِه، ولو قال: "وكذا فيما يفوته يَصُوم شهرَيْن متتابعَيْن، لزمه في كفارة قبل النذر خلاف، والأظهر أنه لا يقضي؛ لِيَسْلَمَ عن الإِبهام المذكور.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَيَّامِ العِيدِ وَالحَيْضِ وَرَمَضَانَ، وَلَهُ الفِطْرُ بِالمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَلاَ يُمْكِنُ القَضَاءُ، وَلَوْ أَفْطَرَ عَمْداً فَعَلَيْهِ مُدٌّ إِذِ القَضَاءُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالدَّهْرُ مُسْتَغْرِقٌ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ لَغَا نَذُرُهُ، وَفِي يَوْمِ الشَّكِّ وَنَذرِ الصَّلاَةِ فِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ وَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: ولو إذا نذر صوم الدهر، انعقد نذره، قال أبو سَعْدٍ المتولِّي: لأن الصوم عبادة، وليس في صوم الدهر كراهية، وقد ذكرنا في آخر "كتاب الصوم" أن من الأصحاب من أطلق القَوْل بأنه مكروه، ولا يبعد أن نتوقَّف على ذلك التقدير في صحَّة هذا النذر؛ لأن النذر تقربٌ، والمكروه لا يُتقرَّب به، والمذهب انعقاده، ثم قد ذكرنا هناك؛ أنه يستثنى عن هذا النذر العيدان، وكذلك أيام التشريق.
ولو كان عليه قضاء رمضان، فالقضاء أيضاً يقع مستثنى، وكذا لو كان عليه كفارة عند النذر وإن لزمت الكفارةُ بعد النذر، فقد أطلقنا هناك؛ أنه يصوم عن الكفارة، ويفدي عن النذر، وزاد صاحب "التتمة" فقال: يُبْنَى ذلك على أن المنذورَ يُسْلَكُ به مسْلَك واجب الشرع، أو مسلك الجائزات، إن قلْنا بالأول، فلا يصوم عن الكفارة، ويصير كالعاجز عن جميع الخصال، وإن قلنا بالثاني، فيصوم عن الكفارة، ثم إن لزمته الكفارة بسبب هو مختارٌ فيه؛ فعليه الفدية؛ لأنه تاركٌ لصوم النذر بما فعل، وإلا بان قبْل خطأً، فلا فدية عليه، بل هو كمن أفطر بعذر، ولو أفطر هذا الناذرُ في رمضان بعذر أو غير عذر، فعليه القضاء ويقدمه على النذر، كما يقدِّم الأداء، كما يقدم قضاء الحَجِّ على الحجَّة المنذورة، ثم إن أفطر بعذر، فلا فدية عليه.
وإن كان متعدياً، لزمته الفدية؛ لأنه فَوَّتَ صَوْمَ النذرِ بعُدْوانه، ولو أفطر يوماً من الدهر، فلا سبيلَ إلَى القَضَاء؛ لاستغراقِ أيَّام العُمُر بالأداء، ثم يُنْظَرُ، إن أفطر بعُذْر

الجزء: 12 - الصفحة: 379

مرضٍ أو سفرٍ، فلا فدية عليه؛ لأن من أفطر في رمضان بعذر، لا فدية عليه، ففي القضاء أولَى، وإن أفطر عمداً بلا سبب، فعليه الفدية؛ لتقصيره، كَمَنْ أفطَرَ في رمضان تعدياً، ومات قبل التمكن من القضاء، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "فعليه مُدٌّ" بالواو؛ لأن الإِمام قال: الصوم المنذر يُقَابِلُ بالفدية التي يُقَابَلُ بها صوم رمضان، على المذهب الظاهر، فأشعر بالخلاف فيه، ثم أراد الإِمام -رحمه الله- هاهنا شيئين: أحدهما: أنه لو نوى في بعض الأيام قضاءَ يَوْمِ، أفطر فيه متعدياً، فالوجه أن يَصِحَّ، إن كان الواجبُ غَيْرَ ما فعل، ثم يلزمه المُدُّ لمَا ترك من الأداء في ذلك اليوم، ولك أن تقول: يجيء في الصحة الخلاف المذكور، فيما إذا عيَّن وقتاً للصوم بنذره ينعقد فيه صوم آخر؛ لأن أيام العمر قد عيَّنها بنذره للصَّوْم.
والثاني: هل يجوز أن يصوم عن المُفْطِرِ المتعدِّي وليُّه في حياته، تفريعاً على أنه يصوم عن الميت وليُّه؟ الظاهر عندنا جوازه؛ لتعذُّر القضاء منه؛ وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له، ويتصور تكلف القضاء فيه، وقد يُسْتَفَادُ مما ذكَرَهُ أنه إذا سافر قضى ما أفطره فيه متعدياً، وينساق النظر إلى أنه هل يلزمه أن يسافر ليقضي؟.
الثانية: نذر صوم يوم العيد لا ينعقد؛ لأنه منهي عن صومه، فأشبه ما إذا نذرت المرأةُ صوم يوم الحَيْضِ.
وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره، ويصوم يوماً آخر مكانه، وربما يُرْوَى أنه لو صامه خرج عن نذره، ولو نذر صوم أيام التشريق، لم ينعقد على المذهب أيضاً، وإذا فرَّعْنا على القديم، وهو أنه يجوز للمتمتع صومها، وجوَّزنا على أحد الوجهين لغَيْرِ المتمتِّع صومها، ففي "التتمة": أن في انعقاد النذر وجهَيْن؛ كنذر الصلاة في أوقات الكراهة، ولو نذر صوم يوم الشك، أو الصلاة في الأوقات المكروهة؛ ففي انعقاده وجهان مبنيَّانِ علَى الوجهَيْنِ في صحَّة الصوم فيه، والصلاة فيها؛ والأظهر المنع، وقد ذكرنا نذر يوم الشك في الصوم، والصورة الأخرَى في الصلاة والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: الحَجُّ: فَإِذَا نَذَرَ الحَجَّ مَاشِياً وَقُلْنَا: المَشْيَ أَفْضَلُ لَزِمَهُ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ قَبْلَ الإِحْرَامِ فَفِي لُزُومِهِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَلْزَمُ المَشْيُ قَبْلَ الإحْرَامِ فإنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى المَشْيِ مِنَ المِيْقَاتِ أَوْ مَنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَهُ الرُّكُوبُ بَعْد أَحَدِ التَّحَلُّلَينِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ فَاتَهُ الحَجُّ أَوْ فَسَدَ لَزِمَهُ لِقَاءُ البَيْتِ، وَفِي جَوَازِ الرُّكُوبِ وَجْهَانِ، ثُمَّ يَلْزِمُ قَضَاءُ الحَجِّ المَنْذُورِ، وَلَوْ تَرَكَ المَشْيَ بِعُذْرٍ وَقَعَ الحَجُّ عَنْ نَذْرِهِ، وإنْ تَرَكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَولاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: وَقَعَ فَفِي لُزُومِ دَمِ الشَّاةِ

الجزء: 12 - الصفحة: 380

للِجُبْرَانِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنْ تَرَكَ بِعُذْرٍ أَيْضاً يَلْزَمُهُ الجُبْرَانُ، وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ الطَّرِيقِ وَمَشَى فِي بَعْضٍ فَالنَّصُّ أَنَّهُ إِذَا عَادَ للقَضَاءِ رَكِبَ حَيْثُ مَشَى وَمَشَى حَيْثُ رَكِبَ، وَقِيلَ: يَلْزمُهُ المَشْيُ فِي الجَمِيع.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يخفى أن الحج والعمرة يلزمان بالنذر، وإذا نذر؛ أن يحج ماشياً أو يعتمر ماشياً، فهل يلزمه المشي، أم له أن يحج أو يعتمر راكباً؟ فيه قولان: أصحهما: الأول، وهو الذي فرَّع عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- واشْتُهِرَ من نصِّه، وهما مبنيان على أن الحجَّ راكباً أفضل أو ماشياً؟ فيه قولان: أحدهما: أن الركوب أفضل؛ لما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَجَّ رَاكِبًا 28، وأيضاً ففيه تحمُّل زيادة مؤنةٍ، وإنفاقٍ في سبيل الله تعالَى.
وأصحهما: أن المشي أفضل؛ لأن التعب فيه أكثر، وقد اشْتُهِرَ أن.
النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لعاثِشةَ -رضي الله عنها- "أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ" 29. وحكى الصيدلانيُّ بدل القول الأول؛ أنهما سواء، وقد يوجد ذلك بتعارض المعنيين، وعن ابن سُرَيْج: التسوية بين المشي والركوب، ما لم يُحْرِم، فإذا أحرم، فالمشي أفضل، وقال المصنَّف -رحمه الله- في الإِحياء وينبغي أن يفصل ويُقَال: من سَهُلَ عليه المَشْيُ، فالمشي في حقه أفضل ومن ضَعُفَ عنه، وساء خُلُقُه لو مشى، فالركوب في حَقِّه أفْضَلُ، كما أن الصوم للمسافر والمريض، ما لم يؤدِّ إلى ضعف وسوء خُلُقٍ أفضل 30، فإن قلْنا: إن الركوب أفضل، أو سوَّيْنا بينهما، فلا يلزمه المشي بالتعرُّض للمشي، وإن قلنا: المشي أفضل، لزمه ذلك؛ لأنه التزم في العبادة الملزمة زيادةَ فضيلةٍ، فصار كما إذا نذر الصوم متتابعاً.
واعلم أنا ذكَرْنا في الحجِّ أن الوقوفَ بعَرَفَةَ راكباً أفضل من الوقوف راجلاً على أظهر القولَيْن وههنا نجعل الحج ماشياً أفضل، والوقوف أعظم أركانه مكاناً، يريد بهذا حالة السير والحركة، وبذاك حالة اللبث والسكون، ثم يتفرَّع على قول لزوم المشي مَسَائِلُ: إحداها: في بداية المشي، وهو مصَّدرٌ بأنه لو صرح بالتزام المشي من دويرة أهله إلى الفراغ من الحجِّ، هل يلزمه المشي قبل الإِحرام؟ فيه وجهان:

الجزء: 12 - الصفحة: 381

أحدهما: لا؛ لأن المشي قَبْلَ الإِحرام لا قُرْبَةَ فيه.
وأقربهما: نعم؛ لأن الأجْرَ على قَدْرِ النَّصِبَ، والمشي إلى العبادة قُرْبة وأيضاً فسنذكر أن الأظهر فيما إذا قال: أمشي إلى بيت الله تعالَى، يلزمه المشي من دُوَيْرَةِ أهله.
فكذلك إذا قال: أحج ماشياً من دويرة أهْلي.
وقال الإِمام: وللصورة التفات إلَى أن الأجير على الحج، إذا مات في الطريق قبل الإِحرام، هل يستحقُّ شيئاً من الأجرة؟ فإن قلْنا: لا يلزمه المشْيُ من دويرة أهله، مع التصريح بِهِ، فإذا أطلق فأولَى ألاَّ يلزم، وإن قلنا: يلزم هناك، فإذا أطلق، وقال: أحج ماشياً، فوجهان: أحدهما: أنه يلزمه المشْيُ من دوبرة أهْله، للعادة 31، فإن من قال: حجَجْتُ ماشياً، فُهِمَ منه المشْيُ في جميع الطريق.
وأصحهما: أنه يلزم من وقت الإِحرام، سواء أحرم من الميقات أو قبله؛ لأنه التزم المشي في الحج، وابتداء الحج من وقت الإحرام، وقطع بهذا قاطعون، ورَدُّوا الخلاف إلى ما إذا نذر المشْيَ إلى مكة، أو إلى بيت الله تعالَى، وسيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى- وأثبت في "التتمة" الوجهين، وبناهما على أنه من أيْنَ يلزمه الإِحرام؟ فعن أبي إسحاق المروزيِّ: أنه يلزمه الإِحرام من دُوَيْرَةِ أهله؛ لأن ذلك من تمام الحج، وعن غيره: أنه لا يلزم إلا من الميقات، كما في الواجب الشرعي، فعلى الأول يَمْشِي من دويرة أهله، وعلى الثاني من الميقات؛ لأن المشي قبل الميقات لا قربة فيه.
وقياس هذه الطريقة؛ أن يُقَالَ: إذا صرح بالتزام المشي من دويرة أهله، يلزمه الإِحرام منها على الوجه الأول، ولو قال: أمشي حاجاً، فالظاهر: أنه كقوله: أحج ماشياً، وقضية كلِّ واحد من اللفظين اقتران الحج والمشي، وفيه وجه: أن قوله: أمْشِي حاجّاً يقتضى أن يمشي من مَخْرَجِهِ وانتهاضه إلى الحَجِّ.
الثانية: في نهاية المشي، وفيها وجهان حكاهما الإِمام: أحدهما: أنه يمشي إلى أن يتحلَّل التحلُّل الثاني؛ لأنه من أعمال الحج ما بقيت عُلْقَةُ الإِحرام، ثم له الركوب، وإن بقي عليه الرمْيُ في أيام منًى؛ لأنها خارجة من الحج خروج السَّلام الثاني من الصلاة.
والثاني: أن له الرُّكُوبَ بعد التحلُّل الأول؛ لأن اسم الحج على الإِطلاق يزول حينئذٍ، وتتخفَّف تكاليف النسك، والأول هو المنصوص، والذي أورده الجمهور.

الجزء: 12 - الصفحة: 382

وجعل صاحب الكتاب الثَّانِيَ أظْهَرَ وحكاه القاضي الرويانيُّ عن المجموع وعده غلطاً، هذا في الحج، وأما العمرة، فليس لها إلا تحلل واحد فيمشي إلى أن يتحلَّل؛ والقياس أنه إذا كان يتردَّد في خلال أعمال النسك؛ لغرض تجارة وغيرها، فله أن يركب ولم يَذْكُرُه.
الثالثة: لو فاته الحج، لزمه القضاء ماشياً، ثم من المعلوم أن من فاته الحج يحتاج إلى لقاء البيت، ويتحلَّل بأعمال العمرة، فهل يلزمه المشْيُ في تلك الأعمال؟ فيه قولان: أحدهما: وهو المنصوص في "الأم": نعم؛ لأن هذه الأعمال لزمته بالإِحرام ماشياً، ومبنى الحج على إتمام ما يقع الشُّرُوع فيه بصفاته، وهذا أصحُّ عند القاضيين، الطبريِّ والرويانيِّ -رحمهما الله-.
والثاني: لا؛ لأنه خَرَجَ بالفوات عن أن يكون حجة المنذور، ولذلك وجب القضاء، وإذا خرج عن أن يكون منذوراً، وجب ألا يلزم فيه المشْيُ، وهذا أظهر عند أبي حامد والقفَّال، والصيدلانيِّ والإِمام وغيرهم -رحمهم الله-.
ولو فسد الحج بعد الشروع فيه، فهل يجب المشْيُ في المضي في الفاسد؟ فيه مثل هذا الخلاف، وإطلاق صاحب الكتاب الوجهين في المسألة اتِّبَاعٌ للإِمام، وهي مشهورةٌ بالقولين.
وقوله: "ثم يلزم قضاء الحجة المنذورة" أي ماشياً، أما أصل القضاء، فهو أوضح من أن يحتاج إلى ذكره.
الرابعة: لو ترك المشْيَ بعذر؛ بأن عجز عنه فحج راكباً، وقع حجة عن النذر، وهل عليه جبر المشي الفائت بإراقة دم؟ فيه قولان: أحدهما: لا، كما لو نذر؛ أن يصلِّيَ قائماً، فعجز، فصلَّى قاعداً، لا شيء عليه.
وأصحهما: على ما ذكره الإِمام، وصاحب "التهذيب": نعم؛ لما رُوِيَ أن أختَ عُقْبَةَ 32 بْنِ عامِرٍ نَذَرَتْ أن تحُجَّ مَاشيةً، فَسُئِلَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقيل: إنَّهَا لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ فقال: "فَلْتَرَكْبُ وَلْتُهْدِ هَدْياً" 33 وليس كالصلاة، فإنَّه لا مدخل للجبر فيها بالمال، وعلى هذا، فما الذي يلزم؟.

الجزء: 12 - الصفحة: 383

المشهور: أنه يلزمه دمُ شاة، وهو المذكور في الكتاب، لقوله - عليه السلام-: "وَلْتَهْدِ هَدْياً" ومطلق الهدي يُحْمَلُ على الشاة.
ولأنه ترفه بترك المشي، فأشبه ما إذا ترفَّه باللبس والتطيب، وحكي في "التتمة" قولاً آخر؛ أن عليه بَدَنَةً؛ لما رُوِيَ في بعض الروايات في حديث أختِ عُقْبَةَ: "وَلْتَهْدِ بَدَنَةً" 34 وإن ترك المشي مع القدرة، فحج راكباً، فقد أساء، ثم فيه قولان: أحدهما: ويُنْسَبُ إلى القديم: أنه لا تبرأ ذمته، بل عليه القضاء؛ لأنه التزم العبادة على صفة، وما أتى بها على تلك الصفة مع القدرة، وذكر على هذا مأخذان: أظهرهما: أن ما أتَى به من الحج، لم يقع عن نذره؛ لأن الفذور الحجُّ ماشياً.
والثاني: أن أصل الحج وقع عنه إلا أنه بقي المشْيُ واجبًا عليه، والمشْيُ لا يمكن تداركُهُ مفرداً فألزم حجة أخرَى ليتدارك فيها المشْي.
وعلى هذا ينطبق ما حُكِيَ عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه، لو كان قد ركب في بعض الطريق، ومشى في بعض، فإذا عاد للقضاء، مشى حيث ركب، وركب حيث مشى، وعلى المأخذ الأول يلزمه المشْيُ في القضاء كلِّه.
والقول الثاني، وهو الأصح: أنه تبرأ ذمته، ويقع ما أتى به عن النذر؛ لأنه قد أتى باركان الحج، ولم يترك إلا هيئة، فصار كما لو ترك الإِحرام من الميقات، أو المبيتِ بمِنًى.
وعلى هذا، فهل يلزمه الدم؟ فيه قولان أو وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الفدية إنَّما تجب بترك أبعاضِ- النُّسُكِ، والمشي ليس من الأبعاض.
وأظهرهما: نعم؛ للحديث الذي سبق، وعلى هذا فالواجب شاة أو بَدَنَةٌ فيه ما سبق من الخلاف، ويحسن أن يُرتَّب الخلاف في الفدية، إذا ترك المشي من غير عذر، على الخلاف فيما إذا ترك بعذر، ويُقَالُ: إن أوجبنا ثَمَّ، فهاهنا أولَى، وإن لم نوجب ثَمَّ، ففي الوجوب هاهنا وجهان؛ لأنه إنما يلزم المشي بالنذر بشرط الإمكان وقد يُجْمَعُ بين الحالتين، وَيُقَالُ: في وجوب الفدية، إذا ترك المشي، وأوقعنا المَأتي به عن نذره، = وإسناده صحيح، ثم قال بعد ذلك، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أخت عقبة بن عامر، وقد نذرت أن تمشي بحج أو عمرة، لم أجده هكذا، وهو متفق عليه البخاري [1866، مسلم 1644] من حديث عقبة بن عامر بلفظ: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: لتمشِ ولتركب.

الجزء: 12 - الصفحة: 384

ثلاثة أوجه؛ ثالثُهَا: الفرق بين المعذور وغير المعذور.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَحُجُّ عَامِي هَذا فَتَعذَّر لِمَرَضٍ فَفِي لُزُومِ القَضَاءِ خِلاَفٌ، وَإِنْ تَعَذَّرَ بِإِحْصَارٍ فَلاَ قَضَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من نذر حجًّا، فَيُسْتَحَبُّ له أن يبادر إليه في أول سِنِي الإمكان، وإن مات قبل الإِمكان، فلا شيء عليه، كما في حَجَّة الإِسلام؛ فإن مات بعده أَحج عنه من ماله؟ وإنْ عيَّن بنذره سنة تعيَّنت على الصحيح، كما في الصوم، فلو حج قبلها لم يُعتَدَّ به، لو قال: أحج عامي هذا، وهو على مسافة يمكن الحج منها في ذلك العام، فعليه الوفاء؛ تفريعاً على الصحيح، فإن لم يفْعَلْ مع الإِمكان، صار دَيْناً في ذمته يقضيه بنفسه.
فإن مات، ولم يَقْضِ الحج من ماله، لم يمكنه، قال في "التتمة" بأن كان مريضاً وقْت خروج الناس، فلم يتمكن من الخروج معهم أو لم يجد رفقة، وكان الطريق مخوفاً؛ لا يتأتى للآحاد سلوكه، فلا قضاء عليه لأن المنذور حَجٌّ في تلك السنة، ولم يقدر عليه، وهذا كما أن حَجَّة الإِسلام لا تستقر عليه، والحالة هذه، ولو صدَّه عدو أو سلطان بَعْدَ ما أحرم، حتى مضى العام، قال الإِمام -رحمه الله-: لو امتنع عليه الإحْرَامُ لمكان الصدِّ 35 فالمنصوص: أنه لا قضاء عليَه لحجة الإِسلام، إذا صُدَّ عنها في أول سنة الإِمكان، لا يلزم قضاؤها، وخرج ابن سُرَيْج قولاً، وبه قال أبو حنيفة والمزنيّ فيما حكَى الصيدلانيُّ: أنه يجب القضاء، كما لو قال: أصوم غداً، فأُغْمِيَ عليه فمضى الغد، يلزمه القضاء، وكما لو منعه مرض، وفات النذر أو منع؛ ألا ترى أنَّه لو نذر حجاتٍ كثيرةً، تلزم، ولا تلزم بالشروع إلا واحدة، وأنَّه لو نذر صلاةً في يومٍ بعينه، فأُغْمِيَ عليه، يلزمه القضاء ولا يلزم قضاء صلواتِ ذلك اليوم، وظاهر المذهب الأول.
وإن منعه عدوٌّ أو سلطان، وهَدَّدَه أو منعه ربُّ الدَّيْن، وهو لا يقدر على أدائه، ففي القضاء قولان: أظهرهما: أنه لا يجب، وفيه طريق أخرَى قاطعةٌ بالوجوب، ويجريان معاً في العصر الخاصِّ في حجة الإِسلام، ولو منعه المرض بعد الإحرام، فالمشهور وجوب القضاء، ولا ينزل منزلة الصدِّ؛ ألا ترى أنه يتحلَّل عن إحرامه بالصدِّ، ولا يتحلل بالمرض؟ وذكر الإِمام، أن الأصحاب -رحمهم الله- خرَّجوه على الخلاف المذكور في الصدِّ، وكذلك حكى الخلاف فيما إذا امتنع عليه الحَجُّ في ذلك العام بَعْد الاستطاعة،

الجزء: 12 - الصفحة: 385

وأنت إذا بحثْتَ عن كتب الأصحاب، وجدتَّها متفقة على أنَّ الحجة المنذورة في ذلك الحجة الإِسلام، إن اجتمعت في العام الذي عينه شرائطُ فَرْضِ الحَجِّ، وجب الوفاء، واستقر في الذمة، وإلا، فلا.
والنسيانُ وخطأ الطريق الضلالُ فيه كالمرض، ولو كان الناذر معضوباً وقت النذر، أو طرأ العضب، ولم يجد المال، حتى مضت السنة المعينة، فلا قضاء عليه، ولو نذر صلاة، أو صوماً أو اعتكافاً في وقت معيَّن، ومنعه مما نَذَرَ عدُوٌّ أو سلطان، يلزمه القضاء بخلاف الحج، قال في "التهذيب": لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد تجب الصلاة والصوم مع العَجْزِ؛ فكذلك ما يلزم بالنذر، والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، فكذلك حكم النذر.
فُرُوعٌ: تتعلَّق بهذا النوع: إذا نذر حجاتٍ كثيرةً، انعقد النذر، ويأتي بها على توالي السنين بشرط الإِمكان، فإن آخر، استقر في ذمته ما أخَّر، فإذا نذر عشْرَ حجَّاتٍ، ومات بعد خمسِ سِنِينَ، أمكنه الحجُّ فيها، قُضِيَ من ماله خمس حجات، ولو نذرها المعضوب، ومات بعد سنة، وكان يمكنه أن يحج عن نفسه العشرة في تلْكَ السنة، قضيت من ماله، وإن لم يَفِ ماله إلا بحَجَّتين، لم يستقرَّ إلا المقدور عليه.
من نذر الحج، لزمه أن يحج بنفسه، إلا أن يكون معضوباً، فيحج عن نفسه.
ولو نذر أن يحج راكباً، فإن قلنا: إن المشْيَ أفضل، أو سَوَّينا بينهما، فإن شاء، مشى، وإن شاء ركب، وإن قلْنا: إن الركوب أفضلُ، فعليه الوفاء، وإن مشى، فعليه دم؛ لأنَّه اندفع عنه مؤنة الركوب، وترفَّه به، وقال صاحب "التهذيب": عندي لا دم عليه؛ لأنه عدل إلى شق الطريقتين، وإن نذر أن يحج حافياً، فله أن يلبس النعلين، ولا شيء عليه.
ويخرج الناذر عن نذر الحج بالإفراد والقِرَانِ والتمتُّع.
وإن نذر القِرَانَ فقد التزم النسكين، فإن أتى بهما مفردين، فقد أتى بالأفضل، فيخرج عن نذره، وإن تمتع؛ فكذلك، وإن نذر الحج والعمرة مفردين فقرن أو تمتع، وقلنا: إن الإفراد أفضلُ، وهو الظاهر من المذهب، فالتفريع: كما ذكرنا فيما إذا نذر الحجَّ ماشياً، وقلنا: إن المشي أفضلُ، فحج راكباً، ومن نذر أن يحج، وعليه حجَّةُ الإِسلام، لزمته للنذر حجَّة أخرَى 36، كما لو نذر أن يصلِّي، وعليه صلاةُ الظُّهر، تلزمه للنذر صلاةٌ أخرَى.

الجزء: 12 - الصفحة: 386

قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ: إِتْيَانُ المَسَاجِدِ: فَإذَا نَذَرَ إِتْيَانَ مَسْجِدٍ لَمْ يَلْزَمهُ إِلاَّ المَسْجِدُ الحَرَامُ وَمَسْجِدُ المَدِينَةِ وَمَسْجِدُ إِيِلِيَاءَ وَفِيهِمَا قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: يَلْزَمُ وَجَبَ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهَا عِبَادَةً عَلَى قَوْلٍ، وَكَفِىَ مُجَرَّدُ الإِتْيَانِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ قلنَا: لاَ بُدَّ مِنْ عِبَادَةِ فَقِيلَ: تَجِبُ صَلاةٌ وَلَوْ رَكْعَةً، وَقِيلَ: بَلِ اعْتِكَافٌ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ لإِتْيَانِ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَالعُمْرَةُ وَالحَجُّ أَخَصُّ بِهِ مِنَ الاعْتِكَافِ وَالصَّلاَةِ فَيُجْزِئُ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ وَاجِبٍ فَإِذَا نذرَ إِتْيَانَ المَسْجِدِ لَزِمَهُ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ, وإنْ قُلْنَا: لاَ يُحْمَلُ فَيَلْزَمُهُ إِحْرَامٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى قَوْلٍ، فَإنْ لَمْ نَرَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَسْجِدِ المَدِينَةِ، وَلَوْ قَالَ: آتِي عَرَفَةَ لَمْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لأَنَّهُ مِنَ الحِلِّ، وَلَوْ قَالَ آتِي مَسْجِدَ الخِيفِ فَهُوَ كَالمَسْجِدِ الحَرَامِ لأَنَّهُ مِنَ الحَرَمِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَجْزَاءِ الحَرَمِ، وَلَوْ قَالَ: آتِي مَكَّةً لَمْ يَلْزَمُهُ شَىْءٌ إِلاَّ إِذَا قَصَدَ الحَجَّ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: آتِي بَيْتَ اللهِ فَإِنَّ جَمِيعَ المَسَاجِدِ بَيْتُ اللهِ، وَلَوْ نَذَرَ الصَّلاةَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجَداً لَمْ يَلْزَمُهُ إِلا المَسَاجِدُ الثَّلاثةُ فَإِنَّهَا تَتَعَيَّنُ لِلصَّلاَةِ، وَقِيلَ في تَعْيِينَهَا قَوْلاَنِ، وَلَوْ نَذَرَ المَشْيَ إلى مَسْجِدَ المَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَهُوَ كَنَذْرِ المَشْيِ مِنْ دُوَيْرَةِ أهْلِهِ قَبلَ الإِحْرَامِ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَذَرَ صَلاَةٍ في الكَعْبَةِ جَازَ الصَّلاةُ فِي جَوَانِبِ المَسْجِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التقديم والتأخير في صورة الفصل أقرب إلى الإِيضاح، وتهذيب المقصود؛ فلا يُراعَى ترتيب الكتاب فيه، ونقول: في النوع مسألتان: إحداهما: في نذر إتيان المساجد ونحوها، إذا قال: لله عليَّ أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو آتيه، أو أمشِيَ إلى البيت الحرام، ففيه طريقان: أصحهما: أنه ينعقد نذْرُه، ويلزمه 37 إتيانه؛ لما روِيَ عن ابنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ أَخْتَ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، وَقَدْ نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بَيْتِ اللهِ، أنْ تَمْشِيَ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ 38. والثاني: وهو الذي أورده الصَّيدلانيُّ، وصاحب "التتمة" -رحمهما الله-: أن فيه خلافاً، وسنبين مبناه ومأخذه في التفريع.

الجزء: 12 - الصفحة: 387

ولو قال: أمشي إلَى بيت الله، أو آتيه، ولم يذكر الحرام؛ فوجهان، أو قولان: أحدهما: أن مطلق يُحْمَلُ على البيت الحَرَام؛ لأنه السابق إلى الفَهُم، فيصير كالمذكور.
وأصحهما: أنه لا ينعقد نذره إلا أن ينوي البيت الحرام؛ لأن جميع المساجد بيْتُ الله تعالَى، وظاهر ما نقله المزنيُّ -رحمه الله- يوافق الأول، والقائلون بالثاني نسبوه إلى الإِهْمَال، وربما أَوَّلُوا.
ولو قال: أمشِي إلَى الحرم، أو إلى المسْجِدِ الحرام، أو إلى مكة، أو ذكر بقعة أخرَى من بقاع الحَرَمِ؛ كالصفا والمروة ومسجد الخِيفِ ومِنًى ومزدلفة ومقام إبراهيم وقبة زمزم وغيرها، فهو كما لو قال: إلَى بيت الله الحرام حتى لو قال: آتي دار أبي جهل، أو دار الخَيْزَرَان، كان الحكم كذلك؛ لشمول حرمة الحرم بتنفير الصيد وغيره، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- لا يلزمه المشْيُ، إلا أن يقول: إلَى بيت الله الحرام، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة، أو مقام إبراهيم، ولو نذر أن يأتي عرفاتٍ، فإن أراد التزام الحج، وعبَّر عنه بشهود عرفة، ونوى أن يأتيها مُحْرِماً، انعقد نذره بالحج، وإن لم ينوِ ذلك، لم ينعقد؛ لأن عرفات من الحِلِّ، فهو كما لو نذَرَ إتْيَان بلد آخَرَ وعن ابن أبي هريرة: أنه إن نذر إتيان عرفات يوم عرفة لزمه أن يأتيها حاجّاً، وقيَّد في "التتمة" هذا الوجه بما إذا قال: يوم عرفة بعد الزوال، وعن القاضي الحُسَيْن الاكتفاء بأنْ يخطر له شهودُهَا يوم عرفة، وربما قال بهذا الجواب على الإِطلاق.
ولو قال: آتي مر الظهران، أو بقعة أخرَى قريبةٍ من الحَرَمِ، لم يلزمه شيء ولا فرق لزوم الإِتيان بين لفظ المشي والانتقال والذهاب والمضي والمصير والمسير ونحوها, ولو نذر، أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة 39، فهو كما لو نذر إتيانها، وعن أبي حنيف: أنه لا يلزمه شيء إلا بلَفْظِ المَشْيِ.
ولو نذر؛ أن يأتي مسجد المدينة، أو مسجد إيلياء، وهو المسجد الأقْصَى، فهل يلزمه إتيانهما؟ فيه قولان: قال في البُوَيْطِيُّ: يلزم، كالمسجد الحرام، قال مالك وأحمد، وهو اختيار أبي إسحاق -رحمهم الله-: لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نصَّ عَلَى هذه المساجد الثلاث بالإِتيان، وشدِّ الرحال إليها، فقال: "لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثةَ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، والمَسْجِدْ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا" 40 وقال في "الأم": لا

الجزء: 12 - الصفحة: 388

يلزم ويلغو النذرُ به قال أبو حنيفة، وهو الذي رجَّحه العراقيون، والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله- لما رُوُيَ عن جابر أن رجلاً قال: يا رَسُولَ اللهُ، إِنِّي نَذَرْتُ، إن فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّة، إنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَاَل: "صَلِّ هاهنا فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فقال: صَلِّ هاهنا ثَلاَثاً" 41 ومعلوم أن هذا النذر يتضمن الإِتيان، ولأنهما لا يقصدان بالنسك.
فأشبها سائر المساجد.
التَّفْريع: إذا قلنا: يلزمه إتيان المسجد الحرام، وهو المذهب، فقد ذكر الصيدلانيُّ وغيره؛ أنا إن قلْنا: النذر يُحْمَلُ على الواجب شرعاً، فعليه حج أو عمرةٌ، وبهذا أجاب الشافعيُّ -رضي الله عنه- في المسألة، وهو الظاهر، وإنما تتم القُربَّةُ في إتيانه بالنسك المخصوص به، وإن قلنا: لا يُحْمَلُ على الواجب، فنبني عَلَى أصل آخر؛ وهو أنَّ دُخُول مكة، هل يقتضي الإحرام بحج أو عمرة، إن قلنا: نعم، فإذا أتاه، فعليه حج أو عمرة، وإن قلنا: لا، فهو كَمسجد المدينة والمسجد الأقصى، وفيه القولان، في أنه هل لا يلزم إتيانه.
والئفريع: إذا قلنا: يلزم إتيانه، كالتفريع على المسجدين، وإذا أوجبنا إتيان مسجد المدينة والمسجد الأقصى، فهل يلزمه مع الإِتيان شيء آخر؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي علي وغيره -رحمهم الله-: أحدهما: لا؛ لأنه لم يلتزم شيئاً سوى الإتيان، ونفس الإِتيان 42 والزيارة قُرْبة، واعترض الإِمام بان من قال بهذا الوجه؛ ماذا يقوَل، لو أنْ باب المسجد وانصرف؟ إن قال: يكفيه ذلك، فقد أبعد؛ لأنه لا قُرْبَة فيه، بل هو قريبٌ من العبث، وإن قال: يدخل المسجد، فالدخول من غير اعتكاف وعبادة، لا قربة فيه، بل نُهِيَ عن طروق المَسَاجِدِ إلا لحاجةٍ 43.

الجزء: 12 - الصفحة: 389

وأصحهما: أنه لا بدّ من ضم قُرْبَةٍ إلى الإِتيان؛ لأن النذر إنما ينعقد إذا تعلَّق بقربة، والإِتيان المجرَّد ليس بقربة، وعلَى هذا، ففيه ثلاثة أوجهٍ، جمعها الإِمام: أحدها: أنه يتعيَّن أن يصلي في المسجد الذي أتاه، واحتجَّ له بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ميَّز هذَيْنِ المسجدَيْنِ عن سائر المساجد بالصلاة، فرُوِيَ أنه قال: "صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَلاةٌ فِي مَسْجِدِ إِيلِيَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، وَصَلاةٌ في الْمسْجِدِ الحَرَامِ تَعْدِلُ مَائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ" 44 وإذا كان التمييز بالصلاة، وجب أن يُضَمَّ إلى الإِتيان الصلاةُ.
وعلى هذا؛ قال الإِمام: الذي أراه أنه لا يجبُ ركعتان قولاً واحداً، بل يكفي ركعة؛ لأن الصلاة غيرُ مقصودةٍ بالنَّذر في هذا الموضع، وذكر ابن الصبَّاغ وأكثرهم: أنه

الجزء: 12 - الصفحة: 390

يصلِّي ركعتين وحكى القاضي ابن كج عن أبِي الحُسَيْن: هل يكفي أن يصلي هناك فريضةً, أم لا بدّ من صلاة زائدة بناءً على وجهين نقلهما، فيما إذا نذر أن يعتكف شهراً بصوم، هل يجوز أن يعتكف في رمضان؟ وفرق بينهما بأن مجرَّد الإِتيان ليس بقُرْبة، فلا بدَّ وأن يضامَّة قُرْبَةٌ يتعلَّق بها النذرُ، والاعتكافُ في نفسه قُربةٌ.
والوجه الثاني: أنه يتعيَّن أن يعتكف فيه، ولو ساعةً؛ لأن الاعتكاف أخصُّ القُرَبِ بالمسجد، والصلاةُ لا تختصُّ به.
والثالث: أنه يتخيَّر بينهما؛ لتعارض المعنيين، وهذا أشبه وهو المذكور في "التهذيب" وعن الشيخ أبي عليٍّ: أن في مسجد المدينةِ يَكفِي أن يزورَ قَبْرَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وتوقف فيه الإِمامُ -رحمه الله- من جهة أنَّ الزيارة لا تتعلَّق بالمسجد، وتعظيمه، قال: وقياسه أنه لو تصدَّق في المسجد، أو صام يوماً كَفَاه، ثم فرق بأنَّ المُرُور لزيارةٍ يقع في بقعة المسجد، فيفصل عن الصدقة والصوم، والظاهر الاكتفاء بها، وإذا نَزَّلْنا المسجد الحرام مَنْزِلَةِ المسجدَيْن، وأوجبْنَا ضمَّ قُرْبَةٍ إلى الإِتيان، ففي تلك القُرْبة وجوه: أحدها: الصلاة.
والثاني: الحجُّ والعمرةُ؛ لأنهما المختصَّان به، وهذا بدَلُ الاعتكاف في المسجدَيْن.
والثالث: يتخيَّر، قال الإِمام: ولو قيل: يكفي الطواف، لم يبعد، ثم مهما قال: أمْشِي إلى بيت الله الحرام، فليس له الركوب على الأظْهَرِ، بل يلزم المشي؛ كما ذكرنا، فيما إذا قال: أحجُّ ماشياً، وفيه الخلاف والتفاريع المذكورةُ هناك، نعم، الأظهرُ هاهنا أنه يمشي من دويرة أهله، فإن قضيَّة قوله أن يخرج من بيته إليه ماشياً، ووجه في "التهذيب" الوجه الآخر؛ وهو أنه يمشي من الميقات، بأن المقصود من الإِتيان الحجُّ أو العمرة فيمشي من حيث يحرم.
وذكر القاضي أبو الطيِّب وكثير من العراقيين؛ أنه لا خلاف بين الأصحاب -رحمهم الله- في أنَّه يمْشِي من دُوَيْرَةِ أهله، لكن يحرم من دويرة أهله أو من الميقات؟ فيه وجهان؛ قال أبو إسحاق وقال صاحب "الإِفْصاح": من الميقات، وهو الأظهر، وبه قال أحمد، ولو قال: أمْشِي إلَى المسْجِدِ الأقصَى أو إلى مسجد المدينة، ففي وجوب المَشْي والتفريع على وجوب الإِتيان وجهان؛ بناهما الشيخ أبو عليٍّ على الخلاف في التزام المشْي قبل الميقات؛ لأن كلَّ واحدٍ من المشيَيْن، وإن لم يكن في عبادة، فهو واقعٌ في القصد إلَى بقعةٍ معظمةٍ، والأظهر: الوجوب، ولو كان لفْظُ الناذِرِ الإِتْيَان أو الذهاب أو غيرهما ممَّا سوى المشي، فلا خلاف؛ أنه يجوز له الركوب أما إذا نذر إتيان مَسْجد آخر سوى المساجد الثلاثة، لم ينعقدْ نَذْرُه، إذْ ليس في قصدها وإتيانها قربةٌ مقصودةٌ.

الجزء: 12 - الصفحة: 391

وقال قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِد" 45 الحديثَ 46. قال الإِمامُ؛ وكان شيخي يُفْتِي بالمنع عن شدِّ الرحال إلَى غير هذه المساجد، وربَّما كان يقول: يحْرُم، والظاهر أنه ليس فيه كراهةٌ ولا تحريم، وبه قال الشيخ أبو عليِّ، والمقصود من الحديث تخصيص القُرْبَة بقصد المساجد الثلاثة، واعلم أنَّا ذَكْرنا في الاعتكاف، أنه إذا عيَّن بنذره مسْجِدَ المدينة أو المسجد الأقصى للاعتكاف، فأظهر القولين التعين وحكينا هاهنا أنهم رجحوا من القولين إنَّه لا يلزم إتيانها، ونسب القاضي الرويانيُّ ترجيحه إلى عامة الأصحاب -رحمهم الله- ويمكن أن يُفْرَقَ بأن الاعتكاف عبادةٌ في نفسه، وهو مخصوصٌ بالمسجد، فإذا كان للمسجد فضلٌ، فللعبادةِ فيه مزيدُ ثوابٍ، فكأنه التزم فضيلة في العبادةِ الملتزمة، والإِتيان بخلافه ويوضِّحه أنه لا خلاف

الجزء: 12 - الصفحة: 392

في أنه، لو نذر إتيان سائر المساجد، لم يلزمْه، وفي مثله في الاعتكافِ خلافٌ ذكرناه هنالك.
المسألة الثانية: إذا نَذَر الصلاةَ في موْضِعٍ معيَّن، لزمته الصلاةُ لا محالَةَ، ثم يُنْظَرَ، إن عَيَّنَ المسجد الحرام، تعيَّن للصلاة الملتزمة، لعظم فضله، وتعلُّق النسك به، وإن عيَّن مسجد المدينة أو المسجد الأقصَى؛ ففيه طريقان؛ قال الأكثرون: في التعيين القولان المذكوران في لزوم الإِتيان.
والثاني: ونسبه الإِمام إلى المراوزة -رحمهم الله-: القطع بالتعيين؛ لأنه التزم قربة، وضم إليها مزيد فضيلة، ولا يبعد أنْ يُرجَّعَ التعيين هاهنا إن ثبت الخلافُ كما في الاعتكاف، وبترجيحهُ يُشْعِر نظم الكتاب، وإن عيَّن سائر المساجد والمواضع لم يتعيَّن، وإن عيَّن مسْجد المدينة أو المسجد الأقصَى للصلاة، وقلْنا: بالتعيين فصلَّى في المسجد الحرام، خرج عن نذره على الأصح، بخلاف العكس، وفيه احتمالٌ للإمام، وهل تقوم الصلاة في أحدهما مَقَامَ الصَّلاة في الآخر؟ فيه وجهانِ 47؛ لاستوائِهِمَا في التعديل المذكور في الحديث.
وذكر الإِمامُ؛ أنه لو قال: أصلِّي في مسجد المدينة، فصلَّى ألف صلاة في غيْره، لم يخرُجْ عن النذر، كما لو نذر ألْفَ صلاة، لا يخرج عن النذر بصلاة في مسْجِدِ المدينة، وأنَّ شيخه كان يقول: لو نَذَرَ صلاةً في الكعبة، فصلى في أطراف المسْجِدِ الحرام، خرج عن النذر وأن الزيادة التي رُوِيَتْ في الحديث السابق؛ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَصَلاةٌ في الْكَعْبَةِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ في الْمَسْجِدِ الحَرَامِ" 48 لم يصححها الإِثبات به والعلم عند الله.
ونعود إلى ما تعلَّق بلفظ الكتاب، قوله "فإذا نذر إتيان مسجد، لم يلزمْهُ إلاَّ المسجد الحرام" يجوز أن يعلم بالحاء؛ لما مرَّ أن عند أبي حنيفة، لا يلزم شيْءٌ إلا بلفظ المشي.
وقوله "ومسجد المدينة، ومسجد إيلياء، فيهما قولان" وفي بعض النسخ: "وفي مسجد المدينة، ومسجد إيلياء قولان" وهما صحيحان وعلى التقديرَيْن؛ فليس ذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 393

منفصلاً عن قوله "إلا المسجد الحرام" بل المعنى إلا المسجد الحرام 49 وكذا حكم المسجدَيْن في أحد القولَيْن.
وقوله: "فإن قلنا: يلزم" يجوز أن يُعْلَمَ لفظ "يلزم" بالحاء، إشارةً إلى ما ذكرنا من مذهب أبي حنيفة.
وقوله "عبادة على قول وكفى مجرد الإتيان على قول" التعبير عن الخلاف بالقول خلاف، المشهور، والمذكور في "النِّهَاية" و"الوسيط" الوجه، ورأيت للرويانيُّ في أثناء كلامٍ له، أن فيه قولَيْن مخرَّجَيْن.
وقوله "ولو ركعةً" لِيُعْلَمْ بالواو.
وقوله "بالعمرة والحج" أخص به من الاعتكاف والصلاة، فيَجْري ذلك، الأليقُ أن يُعَلَّق هذا الوجْهُ بالتخيير، وإلا كان الأحسن أن يقول: فيجب ذلك.
ثم أتم الكلام في حكم النذر؛ لإِتيان المسجد الحرام، فقال إن قلْنا" إلى آخره.
وقوله "فهو كمسجد المدينة" يعني أنه يُخرَّج لزومُ الإِتيانِ حينئذٍ على القولَيْن في المِسْجَدَيْنِ.
وقوله: "في صورة عرفة، لم يلزمه شيء" معْلَمٌ بالواو.
وقوله "ولو قال: آتى مكةَ، لم يلزمه شيء إلا إذا قصد الحج، وكذا، إذا قال: آتي بَيْتَ الله، فإن جميع المَسَاجِدِ بيْتُ الله، وهكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضْها بعد قوله "وكذلك سائر أجزاء الحرم" "وكذا لو قال: آتي مكة، وإذا قال: آتي بيت الله، لم يلزمْهُ شيء؛ فإن جميع المساجد بيت الله".
وهذا هو الصواب فأما أنه لا يلزمه شيء، إذا قال: آتي مكَّةَ حتى يَقْصِدَ الحجَّ، فلا وجه له ولا ذكر له في الكتب، بل المذكور خلافه.
وقوله "ولو نذر الصلاة في المسجد الحرام، لزمه" لِيُعْلَمْ بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا تتعيَّن للصلاة شيء من المواضع المعينة، وكذا قوله "فإنها تتعيّن للصلاة" وقوله "ولو عين مسجدًا، لم يلزمه إلا المساجد الثلاثة فإنها تَتَعَيَّنُ للصلاة" بعد قوله "ولو نذر الصلاة في المسجد الحرام، لزمه" غير مستحسن؛ فإن المسجد الحرام أحد الثلاثة، وقد ذُكِرَ حكمه؛ وكان ينبغي أني قول "ولو عين مسجداً آخَر، لم يلزمه إتيانه، إلا المسجَديْن".
وقوله "في تعيينها قولان" ينبغي أن يقرأ بالتثنية، فأما المسجد الحرام، فلم يُذْكَر خلاف في تعينه.

الجزء: 12 - الصفحة: 394

فروع: قد عرفت أن الظَّاهر في نذر المشْي إلى بيت الله تعالَى الحرام وجوبُ الحج أو العمرة فلو أنه قال في نذره: أمشي إلَى بيت الله الحرام بلا حج ولا عمرة، ففيه وجهان عن أبي إسحاق: أحدهما: أنه ينعقد نذره، ويلغو قوله "بلا حج، ولا عمرة".
والثاني: لا ينعقد؛ لأنه إذا أضَافَ حُمِلَ على عرف الشرع 50 فإذا صرح بخلافه، لم يمكن حمله عليه، فيلغو النذر، وعن الشيخ أبي حامد وغيره بناءُ الخلافِ على الخلاف فيما إذا نذر المَشْيَ إلَى مسجد المدينة والمسجد الأقصى؛ لأن المشي هناك لا يتضمَّن نسكاً، وكذلك هاهنا إذا صرفه عن النسك، واعترض ابن الصبَّاغ بأن مَنْ يقول بانعقاد النذر هنا يلغى قوله "ولا حاجّاً ولا معتمراً، ويأمره بالنسك، فلا يكون خالياً عن النسك، ثم إذا أتاه، فإن أوجبنا إحراماً لدخول مكة، فعليه حج أو عمرة، وإن قلنا لا، فعلى ما ذكرنا في مسجد المدينة والأقصى.
ولو قال: أصلِّي الفرائض في المسجد، قال في "الوسيط": يلزمه، إذا قلْنا: صفاتُ الفرائضِ تُفْرَدُ بالالتزام.
وقال القاضي ابن كج: إذا قدر أن يزور قَبْرَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فعنْدِي؛ أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً، ولو نذر أن يزور قَبْرَ غيره، ففيه وجهان عندي.
وفي "التتمة": لو قال: أمشي، ونوى بقلبه حاجّاً أو معتمراً، انعقد النذر على ما نَوَى، وإن نوى إلَى بيت الله الحرام، فيُجْعَلُ ما نواه كأنه تلفَّظَ به.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي الضَّحَايَا وَالهَدَايَا: وَلَوْ نَذَرَ التَّقَرُّبَ بِسَوْقِ شَاةٍ إِلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّفْرَقَةُ أَيْضاً بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَذكُرْ لَفْظَ الضَّحِيَّةِ وَالْقُرْبَةِ بَلْ قَالَ: عَلَيَّ ذَبْحُ شَاةٍ بِمَكَّةَ نَفِي اللُّزُومِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَضَافَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى فَأَوْلَى بألاَّ يَلْزَمَ، وَلَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ أنْ أُضَحِّيَ بِنَيْسَابُورَ فَعَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ وَالتَّفْرِقَةُ بِهَا، وَعَلَى وَجْهٍ يَلزَمُهُ التَّفْرِقَةُ بِهَا دُونَ الذَّبْحِ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَعَيَّنُ لاَ الذَّبْحُ وَلاَ التَّفْرِقَةُ، وَهُوَ مِثلُ الْخِلاَفِ فِي تَعِيْينِ الفَقِيرِ الصَّدَقَةَ بِالنَّذرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نذر دبْحَ حَيَوَانٍ، ولم يتعرَّض لهدي، ولا ضحية، بأن قال: لِلَّه عليَّ أن أذبح هذه البقرة، أو أنحر هذه البَدَنَةَ، فإن قال مع ذلك: وأتصدَّق بلحمها أو نواه، لزمه الذبح والتصدُّق، وإن لم يقله ولا نواه، ففي انعقاد نذره وجهان:

الجزء: 12 - الصفحة: 395

أحدهما: ينعقد، وعليه الذبح والتصدق، كما لو نذر أن يهدي، يلزمه الذبح والتصدق.
وأصحهما: المنع؛ فإنه لم يتعلَّق نذره بقربة.
ولو نذر أن يُهْدِيَ بدنة أو شاةً إلى مكة أو أن يَتقرَّب بسوقها إليها ويذبحها، ويفرق اللحم عَلَى فقرائها, لزمه الوفاء، ولو لم يتعرَّض للذبح وتفرقة اللحم، فيلزمه الذبح بها أيضاً وفي تفرقة اللحم وجهان: أحدهما: لا يجب تفرقة اللحم بها إلا أن يَنْوِيَ؛ لأنه لم يلتزم بل له أن يفرِّق في موضع آخر.
وأصحهما: الوجوب، حملاً على الهدايا الواجبة في الشرع، وقال الإِمام في توجيهه: إنما يتقيد الذبح بالحرم حتى يكون اللحم المفرَّق على أهله غضًّا طريّاً، وإلا، فلا أدب في اتخاذ الحرم مجازر، ولو نذر؛ أن يذبح خارج الحرم، ويفرِّق اللحم في الحرم عَلَى أهله؛ قال في "التتمة": الذبح خارج الحرم لا قُرْبَةَ فيه، فيذبح حيث شاء، ويلزمه تفرقة اللحم هناك، وكأنه نذر أن يهدي إلى مكة لحماً، ولو نذر أن يذبح بمكة ويفرِّق اللحم على فقراء بلدة أخرَى وفَّى بما التزمه، ولو قال: لله عليَّ أن أنحر أو أَذبح بمكةُ، لم يتعرَّض اللفقاللقربة والضحية ولا للتصَّدُّق باللحم، ففي انعقاد نذره وجهان: أحدهما: لا ينعقد؛ لأن مجرَّد الذبح لا قُرْبَةَ فيه.
وأصحهما: الانعقاد، وهو الذي أورده الجمهور؛ لأن ذكر الذبح متصلاً بالنذر مضافاً إلى مكة يُشْعِر بالقربة، ولأن الذبح عبادةٌ معهودةٌ، وعلى هذا، فهل يجب التصدق باللحم على فقرائها؟ فيه الوجهان السابقان.
قال في "التهذيب": لو نذر الذبح بأفضل بلد كان كما لو نذر الذبح بمكة؛ فإنها أفضل البلاد، ولو نذر الذبح أو النحر ببلدة أخرَى، ولم يقل مع ذلك؛ وأتصدَّقُ على فقرائها, ولا نواه، فظاهر ما نقله المُزَنِيُّ -رحمه الله- ينعقد نذره، وبه قال أبو إِسحاق؛ لأن النحر يتضمن تفرقة اللحم ويستتبعها، ويُرْوَى أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً في موضع سماء، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لاَ قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهِ عِيْدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَ: لاَ فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْفِ بِنَذْرِكَ" 51 والأصحُّ، وهو المحكيُّ عن نصه في "الأم": أنه لا ينعقد نذره إلا إذا قال مع

الجزء: 12 - الصفحة: 396

ذلك: وأتصدَّق على فقرائها أو نواه، بخلاف ما إذا نذر الذبْحَ بمكة، فإنَّ النذر هناك حمل على الواجب شرعاً، والذبح في غير مكة لا قربة فيه، ومن حكى الوجهَيْن في نذْرِ مكَّة؟ جعل الخلاف في غير مكة مرتباً على الوجهين هناك كما فعل في الكتاب وإذا انعقد النذر، إِما على الوجه الأول، أو الانضمام لفظ التصدق أو بنية على الثاني، فهل يجب التصدُّق باللحم عَلَى فقرائها؟ جعله الإِمام على قولَيْن مأخوذَيْن من الخلاف في نقل الصدقات، إن لم نجوز النقل، وجب التصدُّق عليهم، إنْ جوزناه، فوجهان: وجه تعيُّنهم، أن لفظ الناذر نصٌّ في التخصيص بهم والأخبار الَّتي تنقل في منع الصدقة تتعرَّض للتاويلات، والظاهر الذي يوجد للأكثرين التعيين، فإن قلْنا: لا يتعيَّن التصدُّق عليهم، فلا يجب الذبح بتلك البلدة بخلاف مكة فإنها محلُّ ذبح الهدايا، وإن قلْنا: يتعيَّن، فوجهان: أحدهما: لا يجب الذبح بها، بل لو ذبح خارِجَها ونقل اللحم إلَيها طريّاً، جاز، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وجماعة.
والثاني: يتعيَّن إِراقة الدم بها، كما في مكة، وهذا ما أورده العراقيون، وحكَوْه عن نصه في "الأم" ولو قال: أضحي ببلدةِ كذا، وأفرِّقُ اللحم عَلَى أهلها، ينعقد نذره، ويغني ذكر التضحية عن ذكر التصدُّق ونيته وجعل الإِمام وجوب التفرقة على أهلها، ووجوب الذبح على الخلاف السابق، قال: ولو اقتصرَ على قوله: أضحي، فهل يتضمن ذلك تخصيص التفرقة بهم؟ فيه وجهان: والظاهر الذي جرى عليه الأئمة، وحكَوْه عن صاحب "الإِفصاح": أنه يجب التفرقة والذبح بها، وخرَّج الإِمام الخلاف الذي ذكره في تعين فقراء البلدة؛ فيما إذا قال الرجل: لله عليَّ أن أتصدَّق علَى زَيْدٍ، وهو فقيرٌ، هل يتعيَّن زيد لذلك؟ والظاهر التعين.
وقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره؛ أنه لو نذر أن يتصدَّق بكذا على أهل بلد غنية، يجب أن يتصدَّق به عليهم، ومن هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرحان، فإن ما يجتمع منه على ما يُحْكَى يقسم على جماعة معلُومِيَن، وفي "فتاوى القفَّال": أنه لو قال: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ أن أتصدَّق بعَشَرَةٍ عَلَى فلان، = كردم عن أبيها أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي، فقال: إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا -الحديث- وفي لفظ لابن ماجة عن ميمونة بنت كردم الثقفية: أن أباها لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي ريفة كردم، فقال: إني نذرت أن أنحر ببوانة، فقال: هل فيها وثن؟ قال لا، قال: فأوف بنذرك.
(تنبيه): بوانة بضم الباء الموحدة وبعد الألف نون، موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيد، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم، وقال المنذري: هضبة من وراء ينبع.

الجزء: 12 - الصفحة: 397

فشفاه الله تعالَى لزمه التصدُّق علَيْه، فإن لم يقبل، لم يلزمْهُ شيْءٌ، هل لفلانٍ مطالبتُهُ بالتصدُّق بعد الشفاء؟ يُحْتَملُ أن يُقَال: نعم كما لو نذر إعتاق عبد معيَّن، إن شُفيَ، فَشُفِيَ، له المطالبة بالإِعتاق، وكما لو وجبت الزكاة، والمستحِقُّون في البلد محصُورُونَ، لهم المطالبة، ولا يخفَى خروجُ الوجوه الثلاْدة المذكورة في الكتاب فيما إذا قال: للهِ عليَّ أن أضحِّي بنيسابور في الخلاف الذي حَكَيْنَاه عن رواية الإِمام.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَالَ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّي بِبَدَنَةٍ فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهَا سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ أَوْ بَقَرةٌ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ عُدِمَتْ جَازَ وَإِلاَّ فلاَ، وَلَوْ نَذَرَ دَرَاهِمَ فلاَ يَتَصَدَّقُ بِجِنْسِ آخَرَ، وَإذَا ذَكَرَ فِي النَّذْرِ لَفْظَ الضَّحِيَّةَ فَلاَ يُجْزِئُهُ إلا الثَّنِيُّ مِنَ الإِبِلِ وَهُوَ مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ سَلِيماً مِنَ العُيُوبِ، وَلَوْ نَذَرَ هَدْيَاً فَعَلَى قَوْلٍ يَكْفِيهِ كُلُّ مَا يُسَمَّى مِنْحَةً وَلاَ يَجِبُ تَبْلِيْغُهُ مَكَّةَ، وعَلَى قَوْلٍ عَلَيْهِ مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ وَيَلْزَمُهُ تَبلِيغُ الحَرَمِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ بُهْدِيَ ظَبيَّةً إِلَى مَكَّةً لَزِمَهُ التَّبْلِيغُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا حَيَّةً وَلاَ تُذْبَحُ، وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي بَعِيرٍ مَعِيبٍ فَفِي ذَبْحِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَذَرَ فِي مَالٍ نَقَلَهُ إِلَى مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ عَقَاراً أَوْ مَا يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُ بَاعَ وَفَرَّقَ قِيمَتَهُ بِمَكَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: لِلَّهِ عليَّ أن أضحِّيَ بِبَدَنَةٍ، أو أن أهْدِيَ بَدَنَةً، فالبحث فيه من وجْهين: أحدهما: أن البدنة ما هي؟ وهل يقوم غيرها مَقَامَها؟ قال الإِمام: البدنةُ في اللُّغة الاِبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرةً، وأيضاً سبعاً من الغنم، قَال الشيخ أبو حامد وجماعة: اسم البدنة يقع على الإبل، والبقر، والغنم جميعاً، ولا يخلُو، إمَّا أن يُطْلَقَ التزام البدنة، أو يُقَيَّد بالإِبل لفْظاً أو نيَّةً، إن أطلق، فعليه بدَنَةٌ من الإِبل، أما على ما ذكره الإِمام فظاهر.
وأما عَلَى المأخذ الثاني، فلأنها أكمل، والاستعمال فيها أغلبُ، يتعيَّن الإبل، أو يقوم مقامها بقرةٌ، أو سبْعٌ من الغنم، يُنْظَرُ؛ إن وجدت الإِبل، فوجهان: أظهرهما: وهو المنصوص: أنه لا معدل عنها لقضية اللفظ.
والثاني: أنه يتخيَّر بينها، وبين بقرةٍ، أو سبع من الغنم؛ حملاً على معهود الشرع، وهما كوجهين أو قولَيْن ذُكِرَا في أن هذه الخضال إذا أُفسِدَ الحجُّ بالجماع تُشْرَعُ على الترتيب، أو على التخيير، وإن لم توجد الإِبل، فيعدل إلى بقرة، فإن لم يوجد فإلَى سبع من الغنم، هذا هو الظاهر المنصوص، وفيه وجه؛ أنه لا عدول عنها؛ اتباعاً للفظ، وإلحاقاً لما نص الناذر عليه بما نص الشارع عليه في الزكوات، حتى امتنع إبدالها.

الجزء: 12 - الصفحة: 398

وكذلك لو قال: للهِ عليَّ أن أتصدَّقَ بعَشَرَةِ دراهِمَ، لم يخرج عن النذر بصنف آخر من المال، وعلى هذا، فيكون في ذمته إلى أن يجد، وقد يُنْسَبُ هذا الوجه إلى القفَّال، قال القاضي الرويانيُّ: وهو القياس لكنه خالف نصَّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وإذا جمع بين الحالتين خرج مما ذكَرْنا ثلاثة أوجه؛ ثالثها، وهو الأظهر، الفرق بين أن تُوجَدَ الإبل، فلا يُعْدَلَ عنها، أو لا تُوجَدَ، فيعدل، هذا إذا أطلق البدنة أمَّا إذا قَيَّدَ؛ فقال: أضَحِّي ببَدَنَةٍ من الإِبل، أو نوى الإِبل، فلا يجزئه غيرها إذا وجدت بلا خلاف، وإن عدمت فوجهان: أحدهما: أنه يصبر إلى أن يجدها, ولا يجزئُهُ غيرها للتعيين.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أن البقرة تجزئه بالقيمة، فإن كانت قيمةُ البقرةِ دُونَ قيمة البَدَنَةِ من الإِبل، فعليه إخراج الفضل، وفرق بينه وبين ما إذا أطلق البدنة؛ بأن البدنة تقع على البقرة، فلا حاجة إلى اعتبار القيمة، فإن اللفظ عند الإِطلاق ينصرف إلَى معهود الشرع، وفي المعهود تقوم البقرة مقام البدنة من الإِبل بلا تقويم.
وإذا قَيَّدَ بالإِبل، وجبت، فعند الإعواز يلزمه أكثر الأمرين مما يقوم مقامها شرعاً أو من قيمتها، كما إذا أتْلَفَ الأضحية الَمعيَّنة، يلزمه أكثر الأمرَيْن من المِثْل أو القيمة، وحكى القَاضِي ابن كج وجْهاً: أنه لا يُعْتَبَرُ القيمةُ، كما في حالة الإِطلاق، والظاهر الأول، وكيف يخرج الفاضل؟ في الكافي للقاضي الرويانيُّ: أنه يشتري به بَقَرَةً أُخْرَى إن أمكن وإلا فيشتري به شِقْصاً، أو يتصدَّق به على المساكين فيه وجهان، والمذكور في تعليق الشيخ أبي حامدَ، أنه يتصدق به، وقال المتولِّي: يشارك إنساناً في بدنة أو بقرة أو يشتري به شاة، وإذا عدل إلَى الغنم في هذه الحالة، فتعتبر القيمة أيضاً ثم نقل الرويانيُّ في "جمع الجوامع"، أنه إذا لم يجد الإبل في حالة التقييد، يتخيَّر بين البقرة والغنم؛ لأنَّ الاعتبار بالقيمة.
والذي ذكره القاضي ابن كج والمتولِّي؛ أنه لا يعدل إلَى الغَنَمِ مع القُدْرة على البقرة؛ لأنها أقرب إلى الاِبل، ولو وجد ثلاث شياهٍ بقيمة البَدَنَةِ، فهل يجزئه حكى ابن كج وجْهَيْنِ، قال أبو الطيب بن سلمة: لا، بل عليه أن يتم السبْعَ من عنده، وقال أبو الحسين النَسْويُّ، وهو شيخ من أصحابنا، كان في أيام أبي إسحاق وابن خيران -رحمهم الله- يجزئه لوفائها بالقيمة، والأول أظهر.
واعلم أن اعتبار القيمة نَقَلَهُ الإمامُ وجهاً عن رواية صاحب "التقريب" نقل الشيء الغريب من غير تمييز بين أنْ يطلق التزام البدنة أو يقيد بالإِبل، ثم ضعَّفَهُ والمشهور في كتب أصحابنا ما بيَّنَّاه، وقد نصَّ الشافعيُّ -رضي الله عنه-؛ فقال في "المختصر": فإن كانت نيَّتُه على بدَنَةٍ من الإِبل، لم يُجْزِه من البقر والغنم إلا بقيمتها، وفي طريقة

الجزء: 12 - الصفحة: 399

الصيدلانيِّ: حمل النص عَلَى ما إذا عيَّن بعيراً، وقال: لله عليَّ أن أهدي هَذا، ثم أتلفه، فعليه أن يأتي بمثله، وذكر الأصحاب وجهين في أنَّه يتخيَّر بين بدَنَةِ مثلها، وبين البقر والغنم، أو هي على الترتيب؟ فإذا عدل إلى البقر والغنم، ينبغي أن يكون بقيمة البعير المعين.
وَعَدَّ القاضي الرويانيُّ هذا التأويل غلطاً.
ولو نذر شاةً، فجعل بدلها بدنةً، جاز، وهل يكون الكلُّ فرضاً؟ ذُكِرَ فيه وجهان: والوجه الثاني: البحْثُ عن الصفات المرعيَّة في الحيوان المنذور مطلقاً، فإذا قال لله عليَّ أن أهدي بعيراً أو بقرة أو شاةَ فهل يُشْتَرَطُ أن يكون في السِّنِّ بحيث تجزئ في الأضحية؟ وأنْ تكون سليمةً من العيوب؟ فيه قولان؛ بناءً على أن مطْلَقَ النذر يُحْمَل على أقلِّ واجب من ذلك الجنس أو على أقلِّ ما يتقرب به، والظاهر الأول.
ولو قال؛ أضحِّي ببعير أو بقرة، ففيه مثل هذا الخلاف، قال الإِمام -رحمه الله-: وبالاتفاق لا يُجْزئ الفصيل 52 لأنه لا يسمى بعيراً، ولا العجلُ، والَمذكورةُ البقرةُ ولا السخلةُ 53 والمذكورُ الشاةُ، ولو قال: أضحِّي ببدنة أو أهدي جرى الخلاف، ورأى الإِمام هذه الصورة، أولَى باشتراط السنن والسلامة؛ لشهرة اسْمِ البدنة في القرابِينِ، وهذا هو المذكور في الكتاب، ولو قال: لله عليَّ هدي أو أن أهدي، ولم يسمِّ، ففيه القولان إن قلنا: يُحْملُ النذر على أقلِّ ما يُتقرَّبُ به من جنسه فيخرج عن النذر بكل منحة، حتى الدجاجة والبيضة، وكل ما يتمول؛ لأن اسم الهَدْي يقع على الجميع، ألا ترى أن في قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الجُمُعَةِ: "مَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً" 54 وُينْسَبُ هذا القولُ إلى "الإِملاء" والقديم، وعلى هذا لا يجب تبليغه مكَّةَ، وهذا تناقض، وإن قلْنا: يُحْمَلُ عَلَى أقلِّ ما يجب من جنسه، حُمِلَ على ما يُجْزئ في الأضحية، وينسب هذا إلَى الجديد، وبه قال أبو حنيفةَ وأحمد -رحمهما الله- وقد توجَّه بأن الهْدَي شرعاً عبارةٌ عن ذلك، فيُحْمَلُ النذرُ على المعنى الشرعيِّ؛ كنذر الصلاة، وعلى هذا؛ فيجب تبليغه مكة، فإنَّ محل الهدْي الحرمُ قال الله تعالَى: [جدُّه]: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلُهُ﴾ [البقرة: 196] مَحِلَّهُ" وفيه وجه ضعيفٌ، أنه لا يجب إلا أن يصرح به، ولو قال: عَلَى أن أهدي الهَدْيَ، انصرف النذر إلى المعهود الشرعيّ بالألف واللام، ولم يجروا فيه الخلاف.

الجزء: 12 - الصفحة: 400

ولو نذر؛ أن يهدي مالاً معيناً، فيجب صرفه إلَى مساكين الحَرَمِ.
وحكى القاضي ابن كج وجهاً ضعيفاً أنَّهم لا يتعيَّنون، ثم يُنْظَرُ، إن كان المعيَّن من النعم، كما إذا قال: أهدي هذه البدنة أو الشاة، فيجب التصدُّق بها بعد الذَّبْح، ولا يجوز أن يتصدَّق بها حية؛ لأن في ذبحها قربةً، وهل يجب الذبح في الحَرَم؟ فيه وجهان: أصحُّهما: نعم.
والثاني: يجوز أن يُذْبَحَ خارجَ الحرم، بشرط أن يُنْقَلَ اللحمُ فيه قَبْل أَنْ يتغيَّر، وقد سبق نظيره، وإن كان من غير النَّعم، فهو إما حيوانٌ لا يجوز التضحية به، أو مال آخرُ يتيسَّر نقله إلى الحرم، كما إذا قال: أهدي هذه الظبية أو الطائر، أو الحمار، أو الثوب، فيجب حمله إلى الحرم.
وأطلق مُطلِقُون أن مؤنة النَّقْل على الناذر، فإن لم يكن له مالٌ، بيع بعضه لنقلِ البَاقِي، واستحسن ما يُرْوَى عن القفَّال، أنه إِن قال: أهدي هذا، فالمؤنة عليه، فإن قال: جعلته هدياً، فالمؤنة فيه يباع بعضه، لكن قضية جعله هدياً أن يبلغ كلّه الحرم فيلتزم مؤنته، كما لو قال: أهدي، ثم إذا بلغ الحَرَم، فالظاهر أنَّه يجب صرْفُه إلَى مساكين الحرم، فالمقصود من تبليغه مكَّة أن ينتفعوا به، نعم، لو نوى صرفه إلَى تطييب الكعبة، أو جعل الثوب ستراً لها، أو قربة أخرَى هناك فله صرفه إلى ما نوى، وفيه وجه، وأن أطلق، فله صرفه إلى ما نوى.
وحكى الإِمام وجهاً أضْعَفَ من هذا؛ أن الثوب الصالِحَ للسِّتْر يُحْمَلُ عليه عند الإِطلاق، وذُكرَ أن قياسَ المذْهَب، والذي صرح به الأئمة: أن ذلك المال المعيَّن، يمتنع بيعه وتفرِقَةُ ثمنه، بل يُتَصدَّقُ بعينه، وينزل تعيينه منزلة تعْيين الضحية، وتعيين الشاه في الزكوات، ويُتصَدَّقُ بالظبية والطائر، وما في معناهما في الحياة، ولا يُذْبَحُ إذْ لا قربةَ في ذَبْحِها, ولو ذبحها، فنقصت القيمة، تَصدَّق باللحم، وغرم ما نقص، وفي "التتمة" وجه آخر: أنها تُذْبَحُ، وطردها فيما إذا أُطْلِقَ ذكر الحيوان.
وقلنا: لا يُشْتَرَطُ أن يهدي ما يجزئ في الأضحية، والظاهرُ الأولُ، ولو نذر إهداء بَعِيرٍ، معيب فهل يذبحه؟ فيه وجهان مذكوران في الكتاب: أحدهما: نعم، نظراً إلَى الجِنْس.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه إذا لم يصلُحْ للتضحية، لم يكن في ذبحه قربة، كالظبية، وإن كان المال المُعَيَّنُ مما لا يتيسَّر نقله؛ كالدار، والأرض والشجر وحجر الرحا، فَيُبَاعُ، وينقل ثمنه، فيُتصَدَّق به على مساكين الحرم، قال في "التهذيب": ويتولَّى الناذر

الجزء: 12 - الصفحة: 401

البيع والنقل بنفسه، ولم يذكروا؛ أنه يُتَصَدَّقُ بعينه، حيث هو على المساكين هناك، ولا بعد فيه.
وليعلم؛ لما تبيَّن قوله في الكتاب "فلا يجزئه إلا الثني من الإبل" بالواو.
وقوله "ويكفيه كلُّ ما يسمَّى منحة" بالحاء والألف.
وقوله "ولا يجبُ تبليغه مكَّة" بالواو، وكذا قوله "ويلزمه تبليغ الحرم"، وكذا قوله في مسألة الظبية "لزمه التبليغ" للوجه الذي نقله القاضي ابن كج في كلِّ هدي، وكذا قوله "ولا يذبح" وقوله "نقله إلى مكة" وقوله "بمكة".
فروع: عن "الأم" لو قال: أنا أهدي هذه الشاة نذراً، فعليه أن يهديها، إلا أن تكون نيته، أني ساحدث نذراً، أو سأهديها, ولو نذر أن يهدي هدياً، ونوى بهيمة، أو جدياً، أو رضيعاً، أجزأه، والقولان السابقان فيما إذا أطلق نَذْرَ الهَدْي، ولم ينوِ شيئاً، ولو نذر أن يهدي شاة عوراء أو عمياء، أو ما لا يجوز في التضحية إهداؤه، ولو أهدي تامّاً، كان أحَبَّ إليَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَكَّةٍ لاَ تَتَعَيَّنُ لِلصَّوْمِ في النَّذْرِ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِلصَّدَقَةِ وَالصَّلاَةِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ أَسْتُرَ الْكَعْبَةَ أَوْ أُطَيِّبَهَا لِزَمَهُ، وَيَجُوزُ سَتْرُ الكَعْبَةِ بِالحَرِيرِ؛ لأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فَقَطْ، وَفِي نَذْرِ تَطْيِيبِ مَسْجِدِ المَدِينَةِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية صورتان: إحداهما: ظاهر المذهب، أنه إذا نذر أن يصوم في بلَدٍ لم يتعيَّن ذلك البلد، بل له أن يصوم حيث شاء، يستوي فيه حرم مكة حرسها الله تعالَى وغيره، كما أن الصوم الذي هو بدل واجباتِ الإِحرام لا يختص بالحرم، وعن صاحب "التلخيص"؛ أنه إذا عيَّن الحرم، اختص به تخريجاً من الصلاة والصدقة.
الثانية: ستر الكعبة وتطييبها من القربات، فإن الناس اعتادوهما على مر الأعمار، ولم يبد من أحد نكير، ولا فرق بين الحرير وغيره، وإنما ورد تحريم لبس ذلك في حتى الرجال، وذكرنا في باب الزكاة أن الأظهر أنه لا يجوز تَحْلِيةُ الكعبة بالذَّهَب والفضة وتعليق قناديلها، وكأن الفرق استمرار الخلق على ذاك، دون هذا، فلو نذر ستر الكعبة وتطييبها، صحَّ نذرُه، وإذا نذر أن يجعل ما يهديه في رتاج الكعبة وتطييبها، قال إبراهيم المروزيُّ: ينقله إليها، ويسلمه إلَى القَيّم، ليصرفه إلى الجهة المنذورة، إلا أن يكون قد نَصَّ في نذره، أنه يتولَّى ذلك بنفسه، ولو نذر تطييب مسْجِدِ المدينة والمسجد الأقصى وغيرهما من المساجد ففيه تردد للإِمام، ومال الإِمام إلَى تخصيصه بالكعبة والمسجد الحرام وههنا فائدتان:

الجزء: 12 - الصفحة: 402

إحداهما: احتج الإِمام لصحَّة النذر في المسألة على أن القرباتِ كلَّها يصح نذرها، وإن لم توضَعْ وضعَ العبادات على ما تقدَّم.
والثانية: أغرب القاضي ابن كج، فحكَى وجهاً، أنه لا يجوز الوقف على البنيان كما لو وقف على المسجد والكعبة ونحوهما، وإنما الوقف على من يملك، وذكر على هذا أنه لا يجوز أن يُقْصَدَ كون الستر والطيب للكعبة، بل ينبغي أن يجعله لعامة المسلمين ليتجمّلوا به، ولا أدري، هل جرى ذكر هذا الوجه في الوقف أم لا؟.
فرع: نقل القاضي ابن كج وجهين فيما لو قال: إن شفى الله مريضي فلّله عليَّ أن أُعَجِّلَ زكاة مالي، هل يصحُّ نذره؟ ووجهين فيما إذا قال: إن شفى الله مريضي، فلّله عليَّ أن أذبح لابْنِي، هل يلزمه الذبحِ لابنه؟ لأن الذبح عن الأولاد مما يُتَقَرَّبُ به ووجهين فيما إذا قال: لله عليَّ، إن شفى الله مريضي أن أذْبَحَ ابني، فإن لم يجز، فشاة مكانه، هل يلزمه ذبح شاة؟ ووجهَيْنِ فيما لو نذر النصرانيُّ، أن يصلي، ويصوم، ثم أسلم، هل يلزمه أن يصلِّي صلاة شَرْعِنَا وصومه 55؟ وأنه لو نذر أن يصوم بمكة -حرسها الله- ثلاثة أيام مثلاً، فلا يختص الصوم بمكة، وهذا قد سبق ذكره، وزاد، فقال: إن قلنا: لا يجوز دخول مكة، إلا بحج أو عمرة، انعقد النذر، ولزمه قصد مكة بحج أو بعمرة.
وإن قلنا: يجوز، فهل يلزمه أن يقصد مكة؟ فيه قولان؛ كما لو نذر المِضيَّ إلَى مسجد المدينة؟ أو مسجد بيت المقدس.
وفي فتاوى القفَّال: أنه إذا نذر رجُلٌ أن يضحي بشاة، ثم عيَّن شاة لنذره، فلما قَدَّمها للذبح صارت معيبة، لا تجزئ وبمثله، لو نذر أن يهدي شاةً، ثم عيَّن واحدةً، وذهب بها إلى مكَّة؛ فلما قدمها للذَبْح تعيَّبت، تجزئ؛ لأن الهدي ما يهدى إلى الحَرَمِ، وبالبلوغ إليه يحصل الإهداءُ، والتضحيةُ، لا تحصل إلا بالذبح، وإن صاحب "التقريب" قال: ولو قال رجلٌ: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ أن أشْتَرِيَ بدرهم خبزاً، وأتصدَّقَ به فلا يلزم الشراء، بل له أن يتصدق بخبز آخر بقدر درهم، وأنه لو قال: إن شفى الله مريضي، فلّله عليَّ رِجْلِي حج ماشياً، يصح نذره، إلا أن يريد إلزاماً على الرِّجْلِ خاصَّةً.
ولو قال: عَلَى نَفْسِي أو رقبتي، صح.
وأنه إذا نذر إعتاق رقبة، وكان عليه إعتاق رقبة في الكفارة، فأعتق رقبتين،

الجزء: 12 - الصفحة: 403

ونواهم عن الواجب، جاز، وإن لم يعين كما إذا كانت عليه كفارتان مختلفتان.
وأنه لو نذر صلاتَيْن، لم يخرج عن نذره بأربع ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ.
وأنه لو قال: إن شفى الله مَرِضي، فلله عَلَيَّ أن أتصدَّق بشيء، صح نذره، وَيتَصَدَّق بما شاء من قليل وكثير ولو قال: فعلي ألْفٌ يعين شيئاً باللفظ ولا بالنية، لم يلزمه شيء.
وأنه لو نَذَر صوْم شَهَر، ومات قبل إمكان الصوم، يُطْعم عنه لكلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، بخلاف ما لو لزمه قضاءُ رمَضَانَ لمرض أو سفر، ومات قبل إمكان القضاء، لاَ يُطْعَم عنه؛ لأن المنذور يسْتَقِرُّ بنفس النذر.
وبُنِيَ عَلَى هذا، أنه إذا حلف، وحنث في يمينه، وهو مِعْسرٌ فرضه الصيام، فمات قبل الاِمكان، يُطْعَمُ عنه، وأنه لو نَذَر حَجَّةً، ومات قبل الإِمكان، يُحَجُّ عنه، وهذا يخالف ما قدَّمناه في الحج.
في تفسير أبي نصر القُشَيْرِيِّ -رحمه الله- أن القفَّال قال: من التزم بالنذْرِ ألا يكلم الآدميِّينَ، يُحْتَمَل أن يقال: يلزمه؛ لأنه مما يَتَقَرَّبُ به، ويُحْتَمَلُ أن يُقَالَ: لا؛ لما فيه من التَّضْييق والتشديد، وليس ذلك مِنْ شَرْعِنا، كما لو نذر الوقوف في الشَّمْسِ 56، والله أعلم بالصواب.

الجزء: 12 - الصفحة: 404

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل