كِتَابُ الكِتَابَةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهِيَ عَقْدٌ لَيْس بِوَاجِبٍ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِنْ الْتَمَسَ العَبْدَ وَكانَ أَمِيناً قَادِراً عَلَى الكَسْبِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيناً لَمْ يُسْتَحَبَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الكَسْبِ فَفي الاسْتِحْبَابِ وَجْهَانِ.
[قَالَ الرَّافِعِيُّ]: ذكر الأئِمَةُ -رحمهم الله- أن الكِتَابةَ 1 مَأخُوذَةٌ من الكَتْبِ وهو الضَّمُّ والجَمْعُ؛ يقال: كَتَبْتُ البَغْلَةَ، إذا ضَمَمْتُ بين شَفْرَيْهَا بِحَلْقَةٍ أو سَيْرِ.
وكَتَبْتُ القِرْبَةَ، إذا أَوْكَئْتُ رَأْسَهَا.
ومنه الكِتَابَةُ؛ لما فيها من ضَمِّ بَعْضِ الحروف إلى بَعْضٍ والكتيبة لانْضِمَامِ بعضهم إلى بعض.
فسمي هذا العَقْدُ كِتَابَةً لما ينضم فيه النَّجْمُ إلى النَّجْمِ.
وقيل: سميت كِتَابَةَ؛ لأنها تُوَثَّقُ بالكِتَابَةِ من حيث إنها مُؤَجَّلَةٌ مُنَجَّمَةٌ، وما يدخله الأَجَلُ يُسْتَوْثَقُ بالكتابة.
ولذلك قال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] قالوا: وعَقْدُ الكِتَابَةِ خَارجٌ عن قِيَاسِ المُعَامَلَاتِ من جِهَةِ أنها دائرة
الجزء: 13 - الصفحة: 441
بين السَّيِّدِ وعَبْدِهِ، وأن العِوَضَيْن للسيد، وأن المُكَاتَبَ على رُتْبَةٍ متوسطة بين الرِّقِّ والحرية، فليس له اسْتِقْلَالُ الأَحْرَارِ، ولا عَجْزُ المماليك، ولذلك تكون تَصَرُّفَاتُهُ مُتَرَدِّدَةً بين الاسْتِقْلَالِ ونَقِيضِهِ، ولكن الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إليها، فإن السيد قد لا تسمح نَفْسُهُ بالعِتْقِ مَجَّاناً والعبد [قد يستمر] 2 لِلْكَسْبِ استمراره إذا علق عتقه بالتحصيل والأداء، فاحتمل الشَّرْع فِيه ما لم يحتمل في غيره، كما احتمل [الجُعَالة] 3 في رِبْحِ القِرَاصِ، وعمل الجُعَالَةِ.
والأصل فيه الإِجْمَاعُ.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وما روي من أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أَعَانَ غَارِماً أَوْ غَازِياً أَوْ مُكَاتَباً في كِتَابَتِهِ أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" 4.
وأنه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ".
ولا يجب على السيد أن يكاتب عبده بحال، كما لا يجب أن يدبر عبده وأن يشتري قريبه وعن رواية صَاحِب "التقريب" قول: إن الكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ إن طلبها العبد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] والمذهب الأَوَّلُ، وإلاَّ بَطَلَ أَثَرُ المِلْكِ، واحتكم المَمَالِيك على المالكين نعم تُسْتَحَبُّ الإجابة إذا طَلَبَهَا العَبْدُ إذا كان أَمِيناً قادراً على الكَسْبِ، وبهما فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- "الخير" في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33].
واعتبرت القُدْرَةُ على الكَسْبِ لِيتمكن من تَحْصِيلِ ما يؤديه، والأَمَانَة، لئلا يضيع ما يحصله ويصرفه إلى السيد فَيُعْتَقُ، فإن فُقِدَ الشرطان معاً لم تُسْتَحَبَّ الكتابة؛ لأنه يقوى رجاء العِتْقِ بها، وقد يجزم بالاستقلال أولاً 5 ويعجز نفسه آخراً، ولكنها لا تُكْرَهُ فَعَسَاهَا تُفْضِي إلى العِتْقِ.
وقال أحمد: تُكْرَهُ، وبه قال أبو الحُسَيْنِ بْنُ القَطَّانِ 6.
وإن فُقِدَتِ الأَمَانَةُ، وقدر على الكَسْبِ لم تسْتَحَبَّ أيضاً؛ لأنه لا يوثق به.
وِفي "الكافي" للروياني وجه: أنها تُسْتَحَبُّ، ولكن الاسْتِحْبَابَ هاهنا دون
الجزء: 13 - الصفحة: 442
الاسْتِحْبَاب فيما إذا اجتمع الوَصْفَانِ.
وحكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ أيضاً، فيجوز أن يُعَلَمَ لذلك قوله في الكتاب "لم تستحب" بالواو.
وإن لم يَقْدِرْ على الكَسْبِ، ولكن كان أَمِيناً ففي الاسْتِحْبَابِ وجهان: مَذْكُورَانِ في الكتاب:
أحدهما: يُسْتَحَبُّ؛ لأنه إذا عرفت أَمَانَتُهُ أُعِينَ بِالصَّدَقَاتِ فيعتق (1).
وأظهرهما: المنع، لِتَعَذُّرِ رَجَاءِ العتق بما لا يتوظف ولا يوثق به.
وإذا طلب السَّيِّدَ الكِتَابَةَ لم يجبر العَبْدُ عليه.
وروى القاضي ابْنُ كَجٍّ أن عند مالك الجَبْرَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَهَا أَرْكَانٌ وَأَحْكَامٌ النَّظَرُ الأَوَّلُ فِي
أَرْكَانِهَا
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّل
ُ؛ الصِّيغَةُ
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ فَصَاعِدَاً إِنْ أَدَّيْتَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْلِيقَ وَنَوَى كَفَى، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ لَفْظِ الكِتَابَة دُونَ صَرِيحِ التَّعْلِيقِ أَوْ نِيَّتِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنتَ حُرٌّ عَلَى أَلفٍ فَقَبِلَ عُتِقَ في الحَالِ وَالأَلْفُ في ذِمَّتِهِ، وَلَوْ قَالَ إِنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفاً فَأَنْتَ حُرٌ فَأَعْطَى مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إِذْ لَا مَالَ لَهُ هَلْ يُعْتَقُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا يُعْتَقُ فَهَلْ يُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الرَّقْبةِ وَيَتْبَعُهُ الكَسْبُ كَمَا فِي الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ أَوْ هُوَ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ بَاعَ العَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ صَحَّ وَلَهُ الوَلَاءُ، وَقِيلَ: لَا وَلَاءَ لَهُ أَصْلاً لِأَنَّهُ عُتِقَ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَدّ أَركان الكتابة أَرْبَعَةٌ:
أحدهما: الصِّيغَةُ؛ وهي أن يقول لِعَبْدِهِ: كَاتَبْتُكَ على أَلْفِ مثلاً تؤديه إِلَيَّ في نَجْمَيْنِ أو أكثر، فهذا أديت فأنت حُرٌّ.
فيقول العبد: قَبِلْتُ 8 ولو لم يصرح بِتَعْلِيقِ الحرية بالأداء، ولكن نَوَاهُ بقلبه: كاتبتك على كذا، صَحَّتِ الكتابة أيضاً، وإن لم يُصَرِّحْ بالتعليق ولا نَوَاهُ لم تَصِحَّ الكتابة، ولم يحصل العِتْقُ.7
الجزء: 13 - الصفحة: 443
ومن الأصحاب من خَرَّجَ من التدبير قَوْلًا: أن لفظ "الكتابة" صريح مُغْنٍ عن التَّصْرِيحِ بالتعليق وَنِيَّتِهِ.
وقد ذكرنا في التدبير.
وَلْيُعَلَمْ قوله في الكتاب: "ولا يكفي مجرد لفظ الكتابة دون صريح [التعليق] 9 ونيته" مع الواو بالحاء والألف؛ لأنه صريح عندهما، ووراء هذا شيئان:
أحدهما: عن أبي إِسْحَاقَ أنه إن كان الرَّجُلُ فَقِيهاً صَحَّتْ كِتَابَتُهُ لمجرد اللفظ، وإلاَّ فَلاَ بُدَّ من التعليق أو نِيَّتِهِ.
وفي "تَعْلِيقَةِ الشيخ أبي حَامِدٍ" بِنَاءُ هذا التفصيل على الفَرْقِ بين التدبير والكتابة بأن التدبير مَشْهُورٌ عند الخَوَاصِّ والعَوَامِّ، والكتابة لا يعرفها إلاَّ الخَوَاصُّ، وقد سَبَقَ هذا في "التَّدْبِيرِ"، وذكر أن أبا إسْحَاقَ قال على هذا: لو كان الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بالإسلام، أو جَاهِلاً بالأحكام لا يعرف التدبير، لا يَنْعَقِدُ تدبيره بمجرد لفظ التدبير حتى يُضَمَّ إليه نِيَّتِهِ أو زِيَادَةُ لفظ.
والثاني: حكى الصَّيدَلاَنِيُّ عن بعض الأَصْحَاب إذا ذكر ما تتميز به الكتابة عن المُخَارَجَةِ كفى مثل أن يقول: تعاملني أو أَضْمَنُ لكَ أَرْشَ الجِنَايَةِ، أو تستحق مني الإيتاء، أو من الناس سَهْمَ الرِّقَاب، كفى ذلك ولا حَاجَةَ إلى تَعْلِيقِ الحرية بالأَدَاءِ، ويُؤَيِّدُهُ ما ذكره الإِمَامُ أن قوله ها هنا: "إذا أديت فأنت حر"؛ ليس المَقْصُودُ منه التَّعْلِيقُ على الحقيقة، وإنما هو نُطْقٌ بمضمون العقد على الغالب والغَرَضُ كله 10 إِزَالَة التَّرَدُّدِ في لفظ "الكتابة".
[ولذلك قد] 11 يحصل العِتْقُ بغَيْرِ الأَدَاءِ ويكتفي بالنية [من غير لفظ التعليق، ولو كان التعليق مقصوداً لبعد حصوله بالنية] 12 ولا يكفي قوله: كَاتَبْتُكَ بحالٍ، كما إذا قال: بِعْتُكَ كذا، ولم يذكر العِوَضَ.
ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا قال: أنت حر على أَلْفٍ، فقبل العَبْدُ، عتق في الحال، ويثبت الألف في ذِمَّتِهِ، وهو كما لو قال لِزَوْجَتِهِ: أنت طَالِقٌ على ألف فَقِبَلَتْهُ.
ولو قال: إن أعطيتني ألفاً أو إن أَدَّيت إليَّ أَلْفاً فَأَنْت حر فلا يمكنه أن يعطي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فإنه لا يملك شَيْئاً، فهو كما لو قال لِزَوْجَتِهِ: إن أَعْطَيْتنِي ألفاً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فأتت بألف مَغْصُوبٍ.
وقد ذكرنا في "الخُلْعِ" وجهين في وُقُوعِ الطلاق، والأظهر أنه لا يَقَعُ، ففي
الجزء: 13 - الصفحة: 444
حُصُولِ العِتْقِ هاهنا إذا أعطى من مَالِ غَيْرِهِ مِثْلُ ذلك الخِلاَفِ فإن فَرَّعْنَا على أنه يعتقُ، فعن الشيخ أبي عَلِيٍّ رِوَايَةُ وَجْهَيْنِ في "شرح التلخيص" في أن سَبِيلَ هذه المُعَامَلَةِ سَبِيلُ الكتابة الفاسدة، أو هي تَعْلِيقُ مَحْضٌ:
أحدهما: أنها كالكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ، حتى يَرُدَّ السيد ما أخذ، ويرجع على العَبْدِ بقيمة رَقَبَتِهِ حتى يتبعه [الكسب] 13 والأولاد الحاصلة بعد التَّعْلِيقِ.
والثاني: أنه لَيْسَ لها حُكْمُ الكتابة الفَاسِدَةِ وعلى هذا فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أنه يَرْجِعُ على العبد بقيمة رَقَبَتِهِ.
كما أنه إذا قال لِزَوْجَتِهِ: إن أَعْطَيْتنِي ألْفاً،، فأعطته ألفاً مَغْصُوباً، وقلنا بوُقُوعِ الطَّلاَقِ، فإنه يرجع عليها.
والثاني: أنه لا رُجُوعَ له، والذي جرى مَحْضُ تَعْلِيقٍ، ويخالف الزوجة، فإنها أَهْلُ الْتِزَام وَقْت المُخَاطَبَةِ، والعَبْدُ ليس أَهْلاً له.
قال في "الوسيط": الظاهر أنه لا رُجُوعَ لِلسَّيِّدِ بالقيمة، وأنه لا يتبعه [الأكساب] 14 والوَلَدُ.
الثانية: إذا قال لِعَبْدِهِ: بِعْتُ منك نَفْسَكَ بكذا، فقال: اشتريت، أو قال العَبْدُ: بعْنِي نفسي بكذا فقال: بِعْتُ.
صَحَّ البَيْعُ، وثبت المَالُ في ذِمَّتِهِ، وعتقَ في الحال، كما لَو أعْتَقَهُ على مَالٍ.
هذا ظاهر المَذْهَبِ.
وعن نقل الربيع، أو تَخْرِيجِهِ قَوْلٌ: أنه لا يَصِحُّ البيع؛ لأن السيد لا يُبَايعُ عَبْدَهُ ألا ترى أنه لا يبيع منه مَالاً آخر، وأيضاً فإن البَيْعَ لإِثْبَاتِ المِلْكِ، وهو لا يملك نَفْسَهُ واختلفوا فيه؛ فمن الأصْحَابِ مَنْ أَثبَتَ هذا قَوْلاً آخر، [منهم] 15 أبو حامد القَاضِي، والشيخ، ومنهم مَنْ جَعَلَهُ من [كيس الربيع] 16، وقَطَعَ بالأول، ويحكى ذلك عن أبي إِسْحَاقَ، وابن أبي هُرَيْرَةَ.
إذا قلنا بِصِحَّةِ البَيْعِ، وحُصُولِ العِتْقِ، فللسيد الوَلاَءُ عليه كما لو أَعْتَقَهُ على مَالٍ.
وفيه وجه آخر مَذْكُورٌ من قَبْلُ.
ولو أَقَرَّ السَّيِّدُ بأنه بَاعَ منه نَفْسَهُ، وأنكر العَبْدُ، عتق العَبْدُ بإقرار السيد، وحَلَفَ العَبْدُ أنه لم يشتر ولا شَيْءَ عليه.
ولو قال: بعْتُكَ نَفْسُكَ بهذه العَيْنِ، أو بِخَمْرٍ، أو خِنْزِيرٍ فإن صَحَّحْنَا بَيعَهُ منه [وأَثْبَتْنَا] 17 الوَلَاءَ للسيد، فيعتق 18، وعلى العبد قِيمَةُ رَقَبَتِهِ؛ كما لو قال: أعتقتك على
الجزء: 13 - الصفحة: 445
خَمْرٍ، أو خِنْزِيرٍ.
وإن قلنا: لا وَلاَءَ عليه فلا يَصِحُّ ولا يعتقُ، كما لو باعه من أَجْنَبِىٍّ بِخَمْرٍ، أو خنزير.
ولو قال: وَهَبْتُ منك نَفْسَكَ، أو ملكتك نَفْسَكَ.
فقبل عتق (1).
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يُعْتَقُ بلا قَبُولٍ.
ولو أوصى له بِرَقَبَتِهِ، فإذا قَبِلَ بعد الموت عتقَ.
واعلم أن الإِعْتَاقَ على عِوَضٍ وَبيْع العَبْد من نفسه يُشَارِكَانِ الكِتَابَةَ في أن كُلَّ واحِدٍ منهما يَتَضَمَّنُ إعْتَاقاً بعوض [ويفارقانها] (2) في الشروط والأحكام وهما عَقْدَانِ برأسهما.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي
: العِوَضُ
وَشُرُوطُهُ أَرْبَعَةْ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ دَيْناً إِذْ لَوْ كَانَ عَيْناً لَكانَ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ إِذ لاَ مِلْكَ لَهُ، الثَّانِي الأَجَلُ فَلاَ تَصِحُّ الكِتَابَةُ الحَالَّةُ لِأَنَّهُ يَعْجَزُ عَقِيبَ العَقْدِ إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ لَحْظَةٍ فِي الاكْتِسَابِ إلاَّ أَنْ يَكْونَ نِصْفُهُ حُرّاً فَيَصِحَّ كِتَابَتُهُ بِغَيْرِ أَجَلٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ بَاعَ مِنَ المُفْلِسِ بِغَيْرِ أَجَلٍ بِثَمَنٍ يَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ المِثْلِ فَيَعْجَزُ عَنْهُ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أحد شروط العِوَضِ في الكِتَابَةِ أن يكون دَيْناً فَيَلْتَزِمَهُ في الذِّمَّةِ، ثم يحصله فَيُؤَدِّيه.
وأما الأَعْيَانُ فإنه لا يَمْلِكُهَا حتى يُورِدَ العَقْدَ عليها.
والثاني: أن يكون مُؤَجَّلاً، ووجه اشْتِرَاطِ التَّأْجِيلِ بأمرين:
أحدهما: اتباع السَّلَفِ؛ فإنهم لم يَعْقِدُوا الكِتَابَةَ إلاَّ على عِوَضٍ مُؤَجَّلٍ.
والثاني: أن على تقدير الحُلُولِ تَتَوَجَّهُ المُطَالَبَةُ في الحَالِ، فهو عَاجِزٌ من الأَدَاءِ حينئذ، فيكون كالسَّلَمِ في شَيْء لا يوجد عند المَحَلِّ.
واعْتُرِضَ على المعنى الثَّانِي؛ بأنه قد يُوصِي له بِمَالٍ لو قبل الكِتَابَةَ، ويَمُوتُ المُوصِي قبل عَقْدِ الكِتَابَةِ.
أو [يهب] 20 منه عَقِيبَ العَقْدِ، فلا يتحقق العَجْزُ؟
وأجيب عنه بأن نقول: الوَصِيَّةُ والهِبَةُ لا بد وأن تَتَأَخَّرَ عن قبول 21 الكتابة، فيكون العِوَضُ لاَزِماً قبل القُدْرَةِ والتَّمَكُّنِ، وقد لا يَتَيَسَّرُ القَبُولُ.1922
السيد
في أنه هل نوى العتق أم لا؟
الجزء: 13 - الصفحة: 446
واعْتُرِضَ أيضاً بأنه لو جَرَى عَقْدُ الكتابة على قَدْرٍ من المِلْحِ وهما على مَمْلَحَةٍ، فيمكنه تَسْلِيمُ المِلْحِ عَقِيبَ عَقْدِ الكتابة وأُجِيبَ عنه بأنه لا يَمْلِكُ المِلْحَ ما لم يَأْخُذْهُ، والأخذ يَتَأَخَّرُ عن الكتابة، وقد يَعُوقُ عنه عَائِقٌ، ولو ملك شِقْصَاً من عَبْدِ بَاقِيهِ حُرٌّ [فكاتب مالاً] 23 يَمْلِكُهُ منه حالاً، ففيه وجهان:
أظهرهما: المَنْعُ؛ اتِّبَاعاً لما جَرَى عليه الأَوَّلُونَ.
والثاني: أنه يجوز؛ لِأَنَّهُ قد يَمْلِكُ [ببعضه] 24 الحُرِّ مَا يُؤَدِّيهِ، فلا يتحقق العَجْزُ في الحال، ويصح البَيْعُ من المُعْسِرِ؛ لأن الحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ القدرة، وإن لم يَمْلِك شَيْئاً آخَرَ، فإنه يقدر على أَدَاءِ الثَّمَنِ من المَبِيعِ، فإذا زَادَ الثَّمَنُ على قيمة المَبِيعِ، فالمَشْهُورُ الصِّحَّةُ أيضاً؛ لأنه قد يَجِدُ زبوناً يشتريه بقَدْرِ الثمن.
وعن رِوَايَةِ الشيخ أبي مُحَمَّد وَجْهٌ: أنه لا يَصِحُّ البيع والحالة هذه.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ نَحْواً من هذا على سبيل الاحتمال، فقال: متى اشْتَرَى شيئاً في ذِمَّتِهِ، على أن يُؤَدِّيَهُ في الحال، ولم يقدر على ذلك، فلا يبعد أن يَبْطُلَ.
وعن القاضي [الحُسين] 25 ذِكْرُ وَجْهَيْنِ، فيما إذا أَسْلَمَ إلى المكاتب عَقِيبَ عَقْدِ الكتابة، ووجه الجَوَازِ [تقدرته] 26 برأس المال، والخِلاَفُ قَرِيبٌ من الخلاف في البَيْع من المعسر، والبَيْعُ أَوْلَى بالصِّحَّةِ؛ لأن الثَّمَنَ يحتمل ما لا يَحْتَمِلُهُ المسلم فيه؛ ألا ترى أنه لا يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ عنه وفي الاعْتيَاضِ عن الثمن خِلاَفٌ.
وقوله في الكتاب: "ولو بَاعَ من المُفْلِسِ"، المراد من المُفْلِسِ هاهنا المُعْسِرُ الذي لا شَيْءَ له دُونَ المَحْجُورِ عليه لِحَقِّ الغُرَمَاءِ.
واعلم أنه يَلْزَمُ من اشْتِرَاطِ التأجيل اشْتِرَاطُ [الدَّيْنِيَّةِ] 27؛ لأن الأَعْيَانَ لا تقبل الأجل، فكان بسبيل من أن يستغنى عن ذِكْرِ الشرط الأول بذكر الشرط الثاني.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: أن يُنَجِّمَ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدَاً؛ آتِّبَاعاً لِلسَّلَفِ، وَيَجُوزُ لَوْ كَاتَبَ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ بَعْدَ الْعَقْدِ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تُسْتَحَقُّ عَقِيبَ الْعَصْرِ، وَإِنَّمَا التَّأَخُّرُ بِالتَّوْفِيَةِ، وَلاَ يَضُرُّ الْحُلُولُ فِيهِ؛ لِاِتِّصَالِ الْقُدْرَةِ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرَيْنِ؛ لِيَكُونَ كُلُّ شَهْرٍ نَجْماً، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُسْتَحَقٌّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَضَافَ اسْتِحْقَاقَ الشَّهْرِ الثَّانِي إِلَى الشَّهْرِ الثَّانِي، فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْراً، عَتَقَ فِي
الجزء: 13 - الصفحة: 447
الْحَالِ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَرَجَعَ إلى قِيمَةِ المَنْفَعَةِ أَوْ قِيمَةِ الرُّتْبَةِ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ كَمَا فِي بَدَلِ الخُلْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شروط العِوَضِ في الكتابة "التَّنْجْيمُ" نَجْمَيْنِ فَصَاعِداً.
وقال أبو حنيفة ومالك: تَصحُّ الكِتَابَةُ على نَجْمٍ واحد لنا: أنه المَأْثُور عن الصَّحْابَةِ -رضي الله عنهم- فمن [بعدهم] 28 عَمَلاً وقَوْلاً.
ويروى عن عُثْمَانَ -رضي الله عنه- أنه غَضِبَ على عَبْدٍ، فقال: لَأُعَاقِبَنَّكَ، وكاتبنك على نَجْمَيْنِ 29، وفيه إِشْعَارٌ بأنه الغاية في التَّضْييقِ.
وعن عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- أنه قال: الكِتَابَةُ على نَجْمَيْنِ 30 وقال [الماسرجسي] 31: رأيت أبا إِسْحَاقَ في مَجْلِسِ النَّظَرِ قَرَّرَ ذلك، فقال: كانت الصحابة -رضي الله عنهم- يُسَارِعُونَ إلى القُرُبَاتِ والطَّاعَاتِ، فلو جازت الكِتَابَةُ على نَجْمٍ واحد لَبَادَرُوا إليها.
وعن ابن سُرَيْجٍ: الاحتجاج بما قَدَّمْنَا أن الكِتَابَةَ مُشْتَقَّةٌ من ضَمِّ النُّجُومِ بَعْضِهَا إلى بَعْضٍ، وأقل ما يحصل به الضَّمُّ نَجْمَانِ، والمَعْنَى فيه: أن الكتابة عَقْدُ إِرْفَاق، ومن تَتِمَّةِ الإِرْفَاقِ التَّنْجِيمُ، ولذلك ضُرِبَتِ الدِّيَةُ على العَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةَ مُنَجَّمَةً [لِيَتَيَسَّرَ] 32 عليهم الأَدَاءُ.
ومَنْ بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ؛ هل يشترط في كِتَابَةِ الرقيق منه التَّنْجِيمُ، وتستثنى هذه الصورة؟
فيه وجهان كالوَجْهَيْنِ في اشتراط التَّأْجِيلِ فيها، وهل يجوز "أن يُكاتبَ على مَالٍ كَثِيرٍ إلى نَجْمَيْنِ طويل وقصير مع شَرْطِ أَدَاءِ الأكثر في النَّجْمِ الأقصر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لِتَحَقُّقِ الإمْكَانِ، كما لو أسلم إلى مُعْسِرٍ في مال كثير.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن ما يندر الاقْتدَارُ عليه يلحق في المعاملات بالمعجوز عنه؛
الجزء: 13 - الصفحة: 448
ألا تَرَى أنه يَبْطُلُ السَّلَمُ فيما يَعِزُّ وُجُودُهُ، كما يَبْطُلُ فيما [يُسْتَيْقَنُ] 33 عَدَمُهُ، والوَجْهَانِ ظاهران على طَرِيقَةِ من يَقُولُ: يشترط التَّأْجِيلُ في الكتابة لتحصل القُدْرَةُ على الأَدَاءِ.
قال الإِمام: ويمكن إِجْرَاؤُهُمَا مع الاعْتِمَادِ على اتباع الأولين، فعلى أحد الوَجْهَيْنِ يجوز لِحُصُولِ صُورَةِ التأجيل والتَّنْجِيم.
وعلى الثاني: لا يَجُوزُ، فإنا وإن اتَّبَعْنَا، فلا [يتكرر] 34 منهم معنى المُوَاسَاةِ، وإذا بَعُدَ الإِمْكَانُ بَطَلَتْ المُوَاسَاةُ، وهذا يناظر اختلاف القول في إِلْحَاقِ المَحَارِم بالأَجْنَبِيَّاتِ فَي اللَّمْسِ النَّاقِصِ للطَّهَارَةِ.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: يجوز أن يُجْعَلَ عِوَضُ الكتابة مَنْفَعَةً؛ كَبِنَاءِ دار أو خِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وخِدْمَةِ شَهْرٍ، كما يجوز أن تُجْعَلَ المنافع ثَمَناً وأُجْرَةً.
وعن [مالك] 35 مَنْعُهُ، ولا يجوز أن يكتفي بِخِدْمَةِ شهر أو شهرين، أو سَنَةٍ عِوَضاً، وتقدر خِدْمَةُ كل عشرة أيام نَجْماً، أو خِدْمَةُ كل شهر من السَّنَةِ نَجْماً؛ لأن الجميع نَجْمٌ واحد، والمُطَالَبَةُ ثَابِتَةٌ به في الحال، إلاَّ أنه يوفى بِمُضِىِّ الزمان، ولو شرطا صَرِيحاً أن يكون خِدْمَةُ شهر نَجْماً، وخِدْمَةُ الشهر بعده نَجْماً آخر، فوجهان:
أصحهما: وهو المَنْصُوصُ في "الأم"-: المَنْعُ؛ لأن مَنْفَعَةَ الشهر الثاني مُتَعَيِّنَةٌ، والمَنَافِعُ المتعلقة بِالأَعْيَانِ لا يجوز أن يشرط تأخيرها.
الثاني: يجوز، واتِّصَالُ ابتداء الشَّهْرِ الثاني [بإنهاء] 36 الأول يُخْرِجُهُ عن أن يكون عَقْداً على المستقبل.
وهذا كالخِلاَفِ في إجَارَةِ الدَّارِ السَّنَةَ القابلة، أو هو هو، فإن انْقَطَعَ مبتدأ المُدَّةِ الثانية عن مُنْقَرض 37 الأولى؛ كما لو كَاتَبَهُ على خِدْمَةِ شهر، وخِدْمَةِ شهر آخر بعد ذلك الشَّهْرِ بعشرة أيام لم يَجُرْ بلا خلاف.
وينبغي أن تَتَّصِلَ الخِدْمَةُ وغيرها من المَنَافِعِ المتعلقة بالأَعْيَانِ بِعَقْدِ الكتابة ولا تَتَأَخَّرُ عنها.
وهذا كما أن عين المَبِيعِ لا تقبل التَّأْجِيلَ، وتأخير التسليم.
ولو كَاتَبَهُ في رَمَضَانَ على خِدْمَةِ شَوَّالٍ يجز 38، ولو كاتبه على دِينَارٍ يُؤَدِّيهِ في آخِرِ الشَّهْرِ، وعلى خدمة شهر بعد ذلك لم يَجُزْ.
الجزء: 13 - الصفحة: 449
وعن أبي حَنِيْفَةَ: تَجْوِيزُهُ.
وأما المَنَافِعُ الملتزمة في الذِّمَّةِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ معين، وبِنَاءِ جِدَارٍ موصوف، ودار مَوْصُوفَةٍ، فيجوز فيها التأجيل 39 ولو كَاتَبَهُ علي بناء دَارَيْنِ، وجعل لكل واحدة منهما وَقْتاً معلوماً صَحَّت الكِتَابَةُ.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فلو قال: كَاتَبْتُكَ على خِدْمَةِ شهر من الآن، وعلى دِينَارٍ بعد انْقِضَاءِ الشهر بيوم أو شهر، جاز؛ لِحُصُولِ التأجيل والتَّنْجِيمِ.
ولو قال: على خِدْمَةِ شهر، ودِينَارٍ عند انْقِضَاءِ الشهر، فظاهر كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أنه يَجُوزُ، بل عن نَصِّهِ في "الأم" أنه إذا شرط الدينار بعد الشَّهْرِ، أو معه كان جائزاً.
واختلف الأَصْحَابُ فيه على وجهين: وعن ابن سُرَيْجٍ [أن فيه قولين] 40:
أحدهما: وبه قال أبو إِسْحَاقَ: لا يجوز لأن اسْتِحْقَاقَ الدِّينَارِ يَتَّصِلُ بالفَرَاغ من الخِدْمَةِ، فيصيران معاً كالنَّجْمِ الواحد، ويُحْكَى هذا عن اخْتِيَار أبي الطيب ابن سلمة، والطبري والقَاضِي أبي حَامِدٍ [وهؤلاء حملوا] 41 ظاهر كَلَامِ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- على ما إذا قال: ودينار بعد العَقْدِ بيوم أو شهر، وغَلَّطُوا الرّبِيعَ في رواية أو معه.
وأظهرهما: وبه قال ابْنُ أبي هُرَيْرَةَ، واختاره الشَّيْخَانِ أبو حامد والقَفَّالُ-: الجَوَازُ؛ لأن المَنْفَعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ في الحال، والمدة لتقديرها والتَّوْفِية [بها] 42، والدينار إنما يُسْتَحَقُّ المُطَالَبَةُ به عند انْقِضَاءِ الشهر، وإذا اختلف الاستحقاق حصل التَّنْجِيمُ.
قالوا: ولا بَأْسَ بكون المَنْفَعَةِ حالة؛ لأن التَّأْجِيلَ يشترط لحصول القُدْرَةِ، وهو قادر على الاشْتِغَالِ بالخِدْمَةِ في الحال، بخلاف ما لو كَاتَبَ على دِينَارَيْنِ؛ أحدهما حال، والآخر مؤجل.
وبهذا يَتَبَيَّنُ أن الأَجَلَ -وإن كان يُطْلَقُ اشْتِرَاطُهُ في عِوَضِ الكتابة- فليس ذلك بِشَرْطٍ في المَنْفَعَةِ التي تقدر 43 على الشروع في تَوْقِيتَهَا في الحال.
ولو كَاتَبَهُ على خِدْمَةِ شَهْرٍ ودينار في أَثْنَاءِ الشهر، مثل أن يقول: ودينار بعد العَقْدِ بيوم، وهذه الصُّورَةُ هي المذكورة في الكتاب.
الجزء: 13 - الصفحة: 450
فعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ القَطْعُ بالمَنْعِ، والظاهر إِجْرَاءُ الوجهين، والظاهر منهما الجَوَازُ، وهو المذكور في الكتاب، ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله [في الكتاب] 44:
"ويجوز لو كَاتَبَ على خِدْمَةِ شهر ودِينَارٍ بعد العقد بيوم" مع الواو بالميم؛ لما قَدَّمْنَا من مَذْهَب مالك.
ولو قال: على خدمة شَهْرٍ من وَقْتِ العَقْدِ وعلى خياطة ثوب مَوْصُوفٍ بعد انقَضاء الشهر، فهو كما [لو] 45 قال: وعلى دينار بعد انْقِضَاءِ الشَّهْرِ.
وذكر في "التهذيب" أنه لاَ بُدَّ من بَيَانِ العَمَلِ في الخدمة إذا كاتب 46 عليها.
وقال ابن الصَّبَّاغِ: يكفي إِطْلاقُ الخِدْمَةِ 47، نعم لو قال: على مَنْفَعَةِ شهر، فلا يجوز لاخْتِلافِ [المنافع] 48. وإذا كانت على الخِدْمَةِ والدِّينار، فَمَرِضَ في الشهر، وفَاتَتِ الخدمة انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ في قَدْرِ الخِدْمَةِ، وفي الباقي قيل: هو كما لو بَاعَ [عَبْدَيْنِ، فتلف] 49 أحدهما قبل القَبْضِ.
ففي الباقي طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بِبَقَاءِ العَقْدِ فيه.
والثاني: أن فيه قولين، وقيل: تبطل الكِتَابَةُ في الباقي بلا خلاف؛ لأن الكِتَابَةَ لا تَقِفُ على بعض العَبْدِ.
وهذا ما حكاه القَاضِي أبو الطَّيِّبِ.
المسألة الثانية: إذا قال لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُكَ على أن تخدمني، أو على أن تَخْدُمَنِي أبداً، فَقَبِلَ العَبْدُ.
عتقَ في الحال.
ويرجع السَّيِّدُ عليه بقيمته؛ لأنه لم يعتقه مَجَّاناً.
ولو قال: على أن تَخْدُمَنِي شَهْراً من الآن فَقَبِلَ عتق، وعليه الوَفَاءُ، فإن تَعَذَّرَ لِمَرَضٍ أو غيره، فرجع االسَّيِّدُ عليه بأجْرَة مِثْلِ الخدمة، وهي قيمة المَنْفَعَةِ، أو بقيمة العبد فيه قولان؛ كالقولين في الصَّدَاقِ، وبَذْلِ الخُلْعِ إذا تَلِفَا قَبْلَ القَبْضِ ولو قال: كَاتَبْتُكَ على أن تَخْدُمَنِي أبداً، فلا عِتْقَ.
ولو قال: على أن تَخْدُمَنِي شَهْراً، فقبل وخدمه [شهراً] 50 عتِقَ، ويرجع السيد
الجزء: 13 - الصفحة: 451
عليه بِقِيمَتِهِ، والعبد على السيد بأُجْرَةِ مِثْلِ الخدمة؛ لأنها كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ، وإن خدمه أَقَلَّ من شهر لم يعتق.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: إِعْلاَمُ الْقَدْرِ وَالأَجَلِ وَالنَّجْمِ وَتَمْييزِ مَحَلِّ كُلِّ نَجْمٍ، فَلَوْ كَاتَبَ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيَهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَحَلُّ كُلِّ نَجْمٍ، وَلَوْ شَرَطَ في الكِتَابَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ فَسَدَ، وَلَوْ كَاتَبَهُ وَبَاعَهُ شَيئًا عَلَى عِوَضٍ واحِدٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَسَدَ البَيْعُ، وَفِي الكِتَابَةِ قَوْلا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَوْ كَاتَبَ ثَلاَثَةَ أَعْبُدٍ عَلَى أَلْفٍ في صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَالنَّصُّ الصِّحَّةُ، وَفِي شِرُاءِ ثَلاَثةِ أَعْبُدٍ مِنْ ثَلاَثَةِ مُلاَّكٍ فَالنَّصُّ الفَسَادُ، وَفِي خُلْعِ نِسْوَةٍ وَنِكَاحِهِنَّ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ واحِدٍ نَصَّ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ فِي الكُلِّ قَوْلَانِ لِكَوْنِ العِوَضِ مَعْلْومَ الجُمْلَةِ غَيْرَ مَعْلْومَ التَّفْصِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مَسَائِلَ:
إحداها: لاَ بُدَّ من إِعْلَامِ قدر العِوَضِ وصِفَتِهِ وأَقْدَارِ الآجَالِ وما يُؤَدِّي عند حُلُولِ كُلِّ أَجَلٍ؛ فإن كَاتَبَ على شيء من [الأثمان] 51 كَفَى الإطْلَاقُ، إن كان في البَلَدِ نَقْدٌ واحد أو نقود، والغَائِبُ فيها 52 واحد، وإلاَّ فَلاَ بُدَّ من التبيين والتمييز.
وإن كاتب على عِوَضٍ وَصِفَةٍ بالصفات المُعْتَبَرَةِ في السَّلَمِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ وأحمد: يَجُوزُ الإِطْلاَقُ، ويحمل العبد المطلق على عَبْدٍ وَسَطٍ.
ولو كاتب على عَيْنٍ وصفها على أن يُؤَدِّيَ نِصْفَهَا بعد انقضاء سَنَةٍ، والنِّصْفَ الآخَرَ بعد انْقِضَاءِ سنتين.
لم يصح؛ لأنه إذا سَلَّمَ النِّصْفَ في السَّنَةِ الأولى تعين النصف الثاني [في الثانية] 53، والمعين لا يجوز شَرْطُ الأَجَلِ فيه، ولا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الآجَالِ، ولا تساوي المَقَادِيرِ المُؤَدَّاةِ عند حُلُولِ الآجَالِ.
وإذا كَاتَبَهُ على مِائَةٍ، على أن يؤدي نِصْفَهَا، أو ثلثها عند انقضاء خَمْسِ سنين، والباقي عند تَمَامِ العَشْرِ، أو على أن يُؤَدِّيَ عند تَمَامِ كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةً.
جَازَ.
ولو قال: تُؤَدِّيَ بعضها عند انْقِضَاءِ نِصْفَ المُدَّةِ، والبَعْضَ عند تَمَامِهَا، لم يُجُزْ.
ولو قال: تُؤَدِّيَها في عشر سِنِينَ، لم يجز.
وَوَجَّهُوهُ بمعنيين:
أحدهما: أنه كِتَابَةٌ إلى أَجَلٍ واحد.
والثاني: أن (من) لا تَقْتَضِي إلا الظَّرْفِيَّةَ، ولم يبين أنه يؤديها دُفْعَةً وَاحِدَةً، أو في دُفْعَاتٍ، ولا أنه يؤدي في أَوَّلها، أو وَسَطِهَا، أو آخرها.
الجزء: 13 - الصفحة: 452
وفيه وجه: أنه يجوز ويُوَزَّعُ المَالُ على عَدَدِ السنين.
ولو قال: في شَهْرِ كذا، أو في سَنَةِ كذا، فهو مَجْهُولٌ، أو يحمل على أَوَّلِ الشهر، وأول السَّنَةِ؟
فيه وجهان، كما ذكر في "السَّلَمِ" مثلها، وكذا لو قال: في يوم كذا.
ولو قال: في وَسَطِ السَّنَةِ، فهو مَجْهُولٌ، أو يحمل على النِّصْفِ؛ لأنه الوَسَطُ في الحقيقة.
حكى القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الكافي" وجهين فيه.
ولو قال: يُؤَدِّيَها إلى عَشْرِ سِنِينَ لم يَجُزْ؛ لأنه كتابة إلى أَجَلٍ واحد.
ولو قال: كَاتَبْتُكَ على مِائَةٍ تُؤَدِّيَهَا إِلَيَّ في ثلاثة أشهر، قِسْطٌ كُلَّ شهر عند انْقِضَائِهِ؛ نقل القاضي ابْنُ كَجٍّ عن ابن سُرَيْجٍ أنه يجوز.
وعن ابن هُرَيْرَةَ وغيره -رحمهم الله- المَنعُ إذا لم يعلم حصة كل شهر في الحال.
وقوله في الكتاب: "إعلام القَدْرِ والأجل والنجم" كأنه يعني بالقَدْرِ جُمْلَةَ العِوَضِ وبـ"النجم" القَدْرَ المُؤَدِّيَ عند كل مَحَلّ، ويُشْبِهُ أن يقال: يكفي إِعْلامُ المؤدى عند كل محل، ويسهل فيه معرفة الجُمْلَةِ إذا أَرَادَهَا.
و"النجم" في الأَصْلِ الوَقْتُ، يقال: كَانَتْ العَرَبُ لا يعرفون الحِسَابَ، ويَبْنُونَ أُمُورَهُمْ على طُلُوع النجوم والمَنَازِلِ.
فيقول أحدهم: إذا طلع نَجْمُ الثُّرَيَّا أُدَّيت من حَقّك كذا [فسميت] 54 الأَوْقَاتُ نُجُوماً، ثم قد يسمى المؤدى في الوقت نَجْماً.
فرعان:
الأول: لو كاتب عَبْدَهُ على دِينَارٍ إلى شهر، ودِينَارَيْنِ إلى شهرين، على أنه إذا أَدَّى الدينار الأَوَّلَ عتق، ويؤدي الدينارين بعد العِتْقِ.
فعن ابن سُرَيْجٍ: أن في صِحَّة الكتابة قَوْلَيْنِ، وهما عند بعضهم القولان في أن الصَّفْقَةَ إذا جَمَعَتْ بين عَقْدَيْنِ مختلفين؛ هل يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا؟
وعند بعضهم مُتَأَصِّلانِ، ويوجه البُطْلَانُ بأنه شَرَطَ ما يخالف قَضِيَّةَ الكتابة؛ لأن قَضِيَّتَهَا أن يعتقَ [بِأَدَاءِ] 55 جميع النجوم دون البَعْضِ.
والصحة أنه لو كاتبه مُطْلقاً، وأَدَّى بَعْضَ المال، ثم أَعْتَقَهُ على أن يُؤَدِّيَ الباقي بعد العِتْقِ جاز، فكذا إذا شَرَطَهُ في الابتداء، كذلك نقله 56 ابن الصَّبَّاغ وغيره -رحمهم اللهُ-.
الجزء: 13 - الصفحة: 453
الثاني: هل يُشْتَرَط أن يُعَيِّنَ مَوْضِعَ تَسْلِيمِ النجوم؟
ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ أن فيه الخِلاَفَ المذكور في "السَّلَمِ".
وذكر خِلاَفاً في أنه إذا عَيَّنَ مَوْضِعاً، فَخَرِبَ ذلك المَوْضِعُ يسلمها في ذلك المَوْضِع، أو في أقرب المواضع إليه 57.
فرع ثالث: إذا كَاتَبَ على مَالِ الغَيْرِ فَسَدَتِ الكِتَابَةُ خِلاَفاً لأبي حَنِيْفَةَ في الدَّرَاهِم والدنانير، بناءً على أنهما لا [يتعينان بالتعيين] 58.
والمقصود من الاِشَارَةِ إليها المِقْدَارُ.
ثم قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: إذا أذن بالمال في أن يُعْطِيَهُ سَيِّده، فأعطاه حصل العِتْقُ، وإن أَدَّى بغير إِذْنِ المالك لا يحصل العِتْقُ، بخلاف ما إذا قال: إن أَدَّيْتَ هذا إِلَيَّ فأنت حُرٌّ، فإنه إذا أَدَّاهُ عتق، وإن كان مُسْتَحِقاً؛ لأن ذلك مَحْضُ تعليق، وهذه كتابة تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ وإذا وجِدَ إِذْنُ المالك فقد وُجِدَ ما يقتضي الملك، لكنه يجب الرَّدُّ والرجوع إلى القيمة؛ لِفَسَادِ الكتابة على ما سنذكر إن شاء الله -تعالى- في أحكام الكتابة الفَاسِدَةِ.
المسألة الثانية: إذا شرط في الكِتَابَةِ أن يَشْتَرِيَ العَبْدُ منه شيئاً، أو يَشْتَرِي هو من العَبْدِ.
فَسَدَتِ الكتابة؛ لأنه شرط عَقْداً في عَقْدٍ.
ولو كَاتَبَهُ وبَاعَهُ شَيْئاً على عِوَضٍ واحد، فإن قال: كَاتَبْتُكَ وبِعْتُ منك هذا الثَّوْبَ بمائة إلى شهرين؛ يُؤَدِّي منها خمسين عند الكتابة، أو قال: قبلتهما جميعاً؛ ففيه طريقان:
أحدهما: وبه قال صاحب "الإفصاح": أنهما على القَوْلَيْنِ فيما إذا جمع في صَفْقَةٍ واحدة عَقْدَيْنِ مختلفي الحكم؛ ففي قول: يَصِحَّانِ.
وفي آخر: يَبْطُلاَنِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 454
وأظهرهما -وهو المَذْكُورُ في الكتاب-: أن البَيْعَ بَاطِلٌ؛ [بتَقَدُّم] 59 أحد شِقَّيْهِ على مَصِيرِ العَبْدِ من أَهْلِ مُبَايعة السيد، وإذا بطل البَيْعُ، ففي صِحَّةِ الكتابة قَوْلاَنِ؛ لأنه جمع في الصَّفْقَةِ الواحدة بين مَا يَجُوزُ وبين ما لا يجوز، كما لو باع عَبْدَهُ وعَبْدَ غيره.
فإن قلنا: تَصِحُّ الكِتَابَةُ، وهو الأَظْهَرُ، فتصح بجميع العِوَضِ في أَحَدِ القولين، وبِالقِسْطِ في أصحهما، فيوزع ما سَمَّاهُ على قيمة العَبْدِ، وقِيمَةِ الثوب فما يَخُصُّ العَبْدَ يلزمه في النَّجْمَيْنِ، فإذا أَدَّاهُ عتقَ.
فإن قال: إنها فَاسِدَةٌ، فعليه أَدَاءُ الجميع؛ لِتَحْصُلَ الصفة، فيعتق ثم يَتَرَاجَعَانِ.
قال الصَّيدَلاَنِيُّ: ويحتمل أن يخرج قَوْلٌ آخر، وهو أنَّه إذا أدَّى ما يَخُصُّ قِيمَتَهُ يعتق، ثم يَتَرَاجَعَانِ، وأدى الإمَامُ الطريقين على نَسَقٍ آخر مع زَيادَةٍ، فقال: يفسر البَيْعُ؛ لِسَبْقِ إيجَابِ البيع على تَمَامِ اَلكتابة.
[وخرج] 60 بعضهم فيه وَجْهاً: أنَّه يَصِحُّ، كما إذا قال: اشتريت عَبْدَكَ هذا بِألْفٍ، ورَهَنْتُ داري بالألف، فقال المُخَاطب: بِعْتُ وارْتَهَنْتُ، فإن النَّصَّ صِحَّةُ الرَّهْنِ مع تَقَدُّمِ إيجابه على لُزُومِ الدَّيْنِ، إلاَّ أن الرَّهْنَ من مَصَالِحِ البيع، فاحتمل مزجه به، وما نحن فيه بِخِلاَفِهِ، فإن أفسدنا البَيْعَ، ففي صحة الكِتَابَةِ قَوْلا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وإن صَحَّحْنَاهُ فيتجه تَخْرِيجُهَا على القولين في الجمع بين عَبْدَيْنِ مختلفي الحكم، ولا يَجِيءُ هذا في الرَّهْنِ والبيع؛ لأن الرَّهْن تابعٌ للبيع، ولذلك يجوز شَرْطُهُ في البيع، ولا يجوز شَرْطُ البيع في الكتابة.
الثالثة: إذا [كاتب] 61 ثلاثة أَعْبدٍ في صَفْقَةٍ واحدة، فقال: كاتبتكم على أَلْفٍ إلى نجمين [معينين] 62 فإذا أَدَّيْتُمْ فأنتم أَحْرَارٌ.
فالنَّصُّ صِحَّةُ الكتابة، وإن اشترى ثَلاثةَ أَعْبُدٍ كل واحد منهم لواحد من مُلاَّكِهِمْ، فالحكاية عن النَّصِّ أن البيع بَاطِلٌ.
ولو خَالَعَ نِسْوَةٌ على عِوَضٍ وَاحدٍ، أو نَكَحَ نِسْوَةً على صَدَاقٍ [واحد] 63 ففي صحة المُسَمَّى قولان نَصَّ عليهما، وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذه الصور، وما [فيها] 64 من طُرُقِ الأصحاب -رحمهم الله تعالى- في "كتاب الصَّدَاقِ" وهي مُكَرَّرَةٌ هاهنا.
التفريع: إن حكمنا بِفَسَادِ هذه الكِتَابَةِ، فلو أدوا المَالَ جميعه عتقُوا بحكم التَّعْلِيقِ، وإن أدَّى بعضهم 65 حِصَّتَهُ؛ فهل يُعْتَقُ؟
فيه وجهان أو قولان: المَنْسُوبُ إلى نَصِّهِ في "الإملاء" أنَّه يعتقُ، ووجه بأن العتق
الجزء: 13 - الصفحة: 455
في الكتابة الفَاسِدَةِ مَحْمُولٌ على المُعَاوَضَةِ، ولذلك نقول بأن السَّيِّدَ والعبد يَتَرَاجَعَانِ على ما سيأتي.
وقضية المُعَاوَضَةِ أن يعتق كل واحد منهم بأداء ما عليه.
وأَقْيَسُهُمَا -وهو الذي صَحَّحَهُ القاضي ابْنُ كَجٍّ، والقَفَّالُ وغيرهما-: أنَّه لا يُعْتَقُ؛ لأن الصفقة (1) لم تكمل، فَأَشْبَهَ ما إذا قال: إذا دَخَلْتُمُ الدار، فأنتم أَحْرَارٌ، فدخل بعضهم لا يعتقُ، ثم إن عتقَ يرجع على السَّيِّدِ بما أَدَّى، ويرجع السَّيِّدُ عليه بقيمته، والاعتبار بقيمة يَوْمَ العتق؛ لأن سَلْطَنَةَ السَّيِّدِ باقية إلى وَقْتِ العتق [لتمكنه] (2) من فَسْخِ الكتابة الفَاسِدَةِ.
وإن قلنا: إنها صَحِيحَةٌ، وهو الأَظْهَرُ، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ ومالك، فَيُوَزَّع المَالُ المُسَمَّى على العَبِيدِ.
وكيف يُوَزَّعُ؟
فيه قولان:
أصحهما: وقَطَعَ به قَاطِعُونَ أنَّه يُوَزَّع على قيمتهم، فإذا كانت قِيمَةُ أحدهم مِائَةً، وقيمة الثاني ماثتان، وقيمة الثالث ثَلاَثُماثة، فعلى الأَوَّلِ سُدُسُ المسَمَّى، وعلى الثاني ثُلُثُهُ، وعلى الثالث نِصْفُهُ، والاعتبار بيوم الكتابة؛ لأن سَلْطَنَةَ
السيد
تَزُولُ يومئذ.
والثاني: نقله الصَّيْدَلاَنِيُّ والقاضي الحسين وغيرهما -رحمهم الله- أنَّه يُوَزَّعُ على عَدَدِ رُؤُسِهِمْ، وأجرى هذا القول في عِوَضِ الخُلْعِ والصَّدَاقِ، وقد ذكرناه هناك.
وذكر الإِمام: أنَّه [لو] 68 طرده طَارِدٌ على ضعفه في البيعَ لم يَبْعُدْ.
وإن قَضِيَّةَ الحكم بصحة العُقُودِ كلها لارتفاع الجَهَالَةِ والتَّرَدُّدِ، واختلاف الطُّرُقِ إنما تجيء إذا حكمنا بالتَّوْزِيع على القِيَم؛ لأن ما على كل واحد منهم مَجْهُولَ عند العَقْدِ، ثم كل واحد من العبيد يُؤَدِّي ما عَليه إما على التَّفَاضُلِ أو التَّسَاوِي في النَّجْمَينِ، فإذا أَدَّى ما عليه عتقَ، ولم يتوقف عِتقُهُ على أَدَاءِ غيره، وإن مات بعضهم أو عَجَزَ، فهو رَقِيقٌ وغيره يُعْتَقُ بِأَدَاءِ ما عليه، ولا ينظر إلى أن السَّيِّدَ عَلَّقَ عِتْقَهُمْ بأداء جميعهم، حيث قال: فإذا أديتم، فأنتم أَحْرَار، ولأن الكِتَابَةَ الصحيحة يَغْلِبُ فيها حُكمُ المُعَاوَضَةِ والملك إذا أَبْرَأ السَّيِّدُ المُكَاتَبَ عُتِقَ، وإذا مات لم تَبْطُلِ الكتابة، بخلاف التَّعْلِيقَاتِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ ومالك -رحمهما الله- أنَّه لا يُعْتَقُ بعضهم بأدَاءِ ما عليه، وإنما يُعْتَقُونَ معاً إذا أَدَّوْا جميع المال.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: السَّيِّدُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفاً (ح) أَهْلاً لِلتَّبَرُّعِ فَلاَ6667
الجزء: 13 - الصفحة: 456
يَصِحُّ (ح م) كِتَابَةُ قَيِّمِ الطِّفْلِ وَلاَ كِتَابَةُ المَرِيضِ إِذَا لَمْ يَفِ بِهِ الثُّلُثُ، وَلَوْ كَاتَبَ في الصِّحَّةِ وَوَضَعَ النُّجُومَ فِي المَرَضِ اعْتَبَرْنَا خُرُوجَ الأَقَلِّ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقَبةِ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ ذَلِكَ لَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانَتِ النُّجُومُ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهُمْ إلاَّ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِهِ أَوْ وَضعَ النُّجُومُ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِإعْتَاقِهِ أَوْ وَضَعَ النُّجُومُ عَنْهُ، وَلَوْ أَقَرَّ فِي المَرَضِ بِقَبْضِ نُجُومِ كِتَابَتِهِ فِي الصِّحَّةِ قُبِلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يعتبر في السَّيِّدِ لتَصِحَّ الكِتَابَةُ شيئان:
أحدهما: التكليف؛ فلا تَصِحُّ كتابة الصَّبِيِّ والمجنون بإِذْنِ الوَلِيِّ وبدون إِذْنِهِ، وكذا إعْتَافهُمَا على مال.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: تجوز كِتَابَةُ المميز بِإِذْنِ الوَليِّ.
والثاني: أن الكتابة تَبَرُّعٌ، واحتجوا له بِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أن المكاتب وكَسْبَهُ للسيد، فمقابلة أحدهما بالآخر تَزُولُ عن أحدهما بلا عِوَضٍ.
واعترض عليه بأنه قد يكاتبه على أَضْعَافِ قيمته، [يبتدي الحر] 69 في الاكتساب ليوقع الحرية، ويعان من الصَّدَقَاتِ، ولولا الكِتَابَةُ لكان الأَمْرُ بخلافه.
[وأجيب] 70، بأنه قد يَتْلَفُ ما يَكْتَسِبُهُ، وما يأخذه من الصَّدَقَاتِ، ويعود إلى الرِّقِّ، فلا يحصل للسيد إلاَّ الرَّقَبَةُ وتفوت أكساب مدة الكتابة عليه.
والثاني: أن المُكَاتَبَ إذا عُتِقَ كان وَلاَؤهُ للسَّيِّدِ كالعِتْقِ مَجَّاناً؛ ولو كان ما يأخذه عِوَضاً مُحَقَّقاً لَمَا كَانَ الوَلاءُ له، كما لو أَعْتَقَهُ على عِوَضٍ بَذَلَهُ غيره، ويَتَعَلَّقُ بكون الكتابة تَبَرُّعاً، أنَّه لا يجوز لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ أياً كان أو غيره أن يُكَاتِبَ عَبْدَهُمَا؛ لأنه ليس له التَّبَرُّعُ في مالهما، وكذلك لا يعتقُ عبدهما على مَالٍ، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ ومالك -رحمهما الله- ولأحمد فيها وفي العِتْقِ على مَالٍ.
ولو أَدَّى العَبْدُ إلى الوَلِيِّ ما كاتبه عليه، لم يُعْتَقْ؛ لِبُطْلاَنِ التعليق.
وكذا لا تَصِحُّ كتابة السَّفِيهِ المحجور عليه، ولا يحصل العِتْقُ بتسليم المال إليه لا في حَالِ الحَجْرِ، ولا بعد ارْتِفَاعِهِ.
وعن الفوراني حِكَايَة خِلاَف فيما إذا أَسْلَمَ المَالَ إليه في حال الحَجْرِ، ثم رفع الحجر أنَّه هل يُعْتَقُ بالتسليم السابق.
الجزء: 13 - الصفحة: 457
وإذا كاتب في مَرَضِ الموت اعتبرت قِيمَةُ العَبْدِ من الثلث، سواء كَاتَبَهُ بمثل قِيمَتِهِ، أو بما فوقها، أو بما دُونَهَا، وقد سبق ذِكْرُ هذا في "الوَصَايَا"، مع خلاف أبي حَنِيْفَةَ فيه، فإن كان يملك عند المَوْتِ مِثْلَي قيمته، صَحَّت الكتابة؛ لِخُرُوجِهِ من الثلث، وإن لم يملك شَيْئاً سِوَاهُ، وأَدَّى النُّجُومَ في حَيَاةِ السَّيِّدِ، فإن كاتبه على مِثْلَيْ قيمته، عُتِقَ كُلُّهُ؛ لأنه يبقى لِلْوَرَثَةِ مِثْلاَهُ.
وإن كاتبه على مِثْلِ قيمته، عُتِقَ منه ثُلُثَاهُ؛ لأنه إذا أخذ مائة وقيمته مائة، فالجملة مائتان، فينفذ التَّبَرُّعُ في ثلث المائتين، وهو ثلث المائة، وبخلاَفِ ما إذا باع [نسيئة] في مَرَضِ الموت بثمن المِثْلِ، وأخذ الثمن، حيث يصِح البَيْعُ في الجميع؛ لأنه لو لم يبع لم يَحْصُلْ له الثَّمَنْ، وهاهنا لو لم يكاتب فحصلت له أكْسَابُهُ.
وإذا كاتبه على مِثْلِ قيمته، وقَبَضَ نِصْفَ النُّجُوم، صَحَّت الكتابة في نصفه، وإن لم يُؤَدِّ النجوم حتى مات السَّيِّدُ، نُظِرَ إن لم يجز الورثة ما زاد على الثلث، فثلثه مُكَاتَبٌ، فإذا أَدَّى حِصَّتَهُ من النجوم عُتِقَ.
وهل يُزَادُ في الكتابة بقدر نِصْفِ ما أدى، وهو سدس العَبْدِ إذا كانت النجوم مثل القيمة؟ فيه وجهان عن ابن سُرَيْجٍ:
أظهرهما: وَيُنْسَبُ إلى النص لا؛ لأن الكتابة قد بطلت في الثُّلُثَيْنِ، فلا يعود.
والثاني: نعم؛ كما لو ظَهَرَ للميت دَفِينٌ، أو نَصْب شَبَكَةٌ في الحياة، فيعقل بها صَيْدٌ بعد الموت، فإنه يُزَادُ في الكتابة.
والوجهان كالوجهين المذكورين في "كتاب الوَصَايَا" فيما إذا باع [نسيئة]، ورد الورثة ما زاد على الثلث، وأجاز المشتري، هل يزاد ما يَصِحُّ البيع فيه بأداء ثُلُثِ الثمن.
فإن قلنا: يزاد في الكتابة، وكان الأَدَاءُ بعد حلول النُّجُوم، فهل عليه حِصَّةُ السدس من النجوم في الحال، أو يُضْرَبُ له مِثلُ المُدَّةِ التي ضربها المَيِّتُ أَوَّلاً؟
[فيه] 71 وجهان [وهكذا] عَبَّرَ الصيدلاني وغيره عن الوَجْهِ الثاني.
وقال في "التهذيب": هل يُمْهَلُ قَدْرَ الأجَلِ المضروب؟
فيه وجهان والوجهان] 72 مَبْنِيَّانِ على أن السيد إذا حَبَسَ المُكَاتَبَ مُدَّةً، هل يلزمه أن يُمْهِلَهُ من وقت حُلُولِ الأجل مِثْلَ تلك المدة؟ وِسياتي إن شاء الله -تعالى- الكَلاَمُ فيه.
وإذا زيدت الكتابة بِقَدْرِ نِصْفِ الثلث، فإذا أدَّى نُجُومَهُ فيزاد نصف السدس، وهكذا يزاد [نصف ما] 73 يؤدي مَرَّةً بعد أخرى، إلى أن ينتهي إلى ما لا يقبل التَّنْصِيفَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 458
وإن قلنا: لا يُزَادُ في الكتابة، فالباقي قِنٌّ، ولا يخرج على الخلاف فيما إذا كاتب أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ من العَبْدِ [المشترك] 74 فإن ذاك ابْتِدَاءُ كِتَابَةٍ، وهاهنا [وردت] 75 الكِتَابَةُ على الجميع، ثم دَعَتِ الحَاجَةُ إلى الإِبْطَالِ في البعض.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ عن بعض الأَصْحَاب أنَّه يخرج صِحَّة الكتابة في الثلث، على الخلاف في كِتَابَةِ أحَدِ الشريكين نَصِيبَهُ فإذا أَجاز الوَرَثَةُ الكِتَابَةَ في جميعه صَحَّتِ الكِتَابَةُ في جميعه، وإذا أعتق بأدَاءِ النُّجُوم، فَوَلاَءُ الجميع للمورث، إن جعلنا إجَازَتَهُم تَنْفِيذاً، وإن جَعَلْنَاهَا ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ، فَوَلاَءُ الثلث للمورث، وَوَلاَءُ الثلثين لهم عَلى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، وإن أَجَازُوا في بعض الثلثين، فإن جَعَلْنَا إِجَازَتَهُمْ تَنْفِيذاً صَحَّتِ الإِجَازَةُ فيما أَجَازُوا، وحكم الباقي على ما بَيَّنَّاه.
وإن جعلناه ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ، فهو على الخِلاَفِ في تَبْعِيضِ الكتابة ويتبين بما ذكرنا أن قَوْلَهُ في الكتاب: "ولا كتابة المريض إذا لم يف به الثلث" ليس المُرَادُ منه أنها لا تَصِحُّ أَصْلاً، ولكن المراد أنها لا تَصِحُّ في جَمِيعِ العَبْدِ.
ولو كان له عبدان مُتَسَاوِيَا القِيمَةِ لا مَالَ له سواهما، فكاتب في مَرَضِ موته أَحَدَهُمَا، وباع الآخَرَ نسيئة، نُظِرَ إن جعلت النُّجُومُ والثمن في حَيَاتِهِ، فالكتابة والبَيْعُ صَحِيحَانِ، وإن لم تحصل حتى مات السَّيِّدُ، ولم يجز الورثة ما زاد على الثلث صَحَّتِ الكِتَابَةُ في ثلث هذا، والبَيْعُ في ثلث هذا، فإذا حَصَلَتْ نجوم الثلث وثمن الثلث، فهل يُزَادُ في الكتابة والبيع؟
فيه الوجهان:
إن قلنا: نعم؛ يزاد فيهما جَمِيعاً، وتصح الكتابةُ في نِصْفِ السدس، والبَيْعُ كذلك.
وإن حصلت نُجُومُ الثلث، وثمن الثلث مَعاً صح كل واحد منهما من السدس.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو كاتب في الصِّحَّةِ، ثم أَبْرَأَهُ عن النجوم في المَرَضِ، أو قال: وضعت عنه النُّجُومَ، أو أعتقته، فإن خرج من الثلث عُتِقَ كله، وسَقَطَتْ عنه النُّجُومُ، وإلاَّ فإن لم يكن له مال سواه، فإن اختار العَجْزَ عُتِقَ ثلثه، ورُقَّ ثُلُثَاهُ وإن اختار بَقَاءَ الكِتَابَةِ؛ فإن كانت النُّجُومُ مِثْلَ القيمة، فأظهر الوجهين أنَّه يعتق ثلثه، وتبقى الكِتَابَةُ في الثلثين.
والثاني: وبه قال أبو عَلِيِّ بْنُ أبي هُرَيْرَةَ، والطبري: أنَّه لا يُعْتَقُ ثلثه ما لم يُسَلِّم الثلثان لِلْوَرَثَةِ، إما بأداء نجوم الثلثين، أو بالعجز، وإن كان بين النُّجُومِ والقيمة
الجزء: 13 - الصفحة: 459
[تفاوت] 76، فيعتبر خرُوجُ الأَقَلِّ منهما من الثلث.
وقد ذكرنا جَمِيعَ ذلك ووُجُوهَهُ بطرق الحِسَاب في "الوَصَايَا" واعلم أنَّه ينظر في الخروج من الثُّلُثِ إذا أعتقه في المَرَض، أو أَبْرَأَهُ عن النجوم في قيمة العَبْدِ، وفي النجوم، فإن خرج كل واحد منهما من الثُّلُثِ، نفذ عِتْقُهُ ولا إِشْكَالَ.
وإن تَفَاوَتَا وخرج أقلهما من الثلث دون الآخر، اعْتُبِرَ الأقل، فإن كان له سِوَى المُكَاتَب مائتان، وكانت القيمة مائة وخمسين والنجوم مائة فنخرج النجوم من الثلث، ونعتبرهَا ونَحْكُمُ بنفوذ العِتْقِ، أو كان الثمن مائة؛ [والنجوم مائة] 77 وخمسين فنخرج النُّجُومُ من الثلث، فنعتبرها ونحكم بِنُفُوذِ العِتْقِ، وإنما كان كذلك؛ لأن ملك السيد إنما يَسْتَقِرُّ على الأَقَلِّ منهما، فإن كانت النُّجُومُ أَقَلَّ، فالكتابة لاَزِمَةٌ من جِهَتِهِ، وقد ضعف مِلْكُهُ في المُكَاتَبِ، وليس له إلاَّ المُطَالَبَةُ بالنجوم التي صَارَتْ عِوَضاً.
وإن كانت القِيمَةُ أَقَلَّ، فهي التي تخرج من مِلْكِهِ، وللعبد إِسْقَاطُ النُّجُومِ بأن يُعَجِّزَ نفسه.
وإن لم يَخْرُج واحد منهما من الثلث، فإن كان يَمْلِكُ سوف المُكَاتَب خمسين، فيضم أَقَلَّهُمَا إلى الخمسين، وينفذ العِتْقُ في ثلثهما من العَبْدِ، فإذا كانت القِيمَةُ مائة وخمسين، والنجوم مائة ضَمَمْنَا النجوم إلى الخمسين، ونفذنا العِتْقَ في ثلثهما، وهو نِصْفُ العبد، وتبقى الكِتَابَةُ في نِصْفِهِ الآخر بنصف النجوم، فإن أَدَّاهُ إلى الوَرَثَةِ عُتِقَ، وإن عجز فلهم رَدُّهُ إلى الرِّقِّ، وإن كان يملك سوى المُكَاتَب مائة والقيمة والنجوم كما صَوَّرْنَا، فَيُعْتَقُ ثلثاه، وتبقى الكِتَابَةُ في ثلثه بثلث مَالِ الكتاَبة [وإن كانت القيمةُ مائة، والنُّجُومُ مائة وخمسين، فكذلك يُعْتَقُ ثلثاه، وتبقى الكِتَابَةُ في ثلثه بثلث مَالِ الكتابة] 78 وهو خمسون.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: وعندي أنَّه إذا أَدَّت النجمين، فقد زَادَ مال السيد؛ لأنه ثبَتَ هذا المَالُ بِعَقْدِ السيد، وورث منه، فينبغي أن يزيد ما يَعْتِقُهُ منه.
ولو أوْصَى السَّيِّدُ بِإعْتَاقِ مُكَاتَبهِ، أو بإِبْرَائِهِ، أو وضع النجوم عنه، فينظر أَيَخْرُجُ من الثلث أو لا يخرج؟ ويكون الحكم كما لو أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ أو أَبْرَأَهُ بنفسه، إلاَّ أن هاهنا نَحْتَاجُ إلى [إِنْشَاءِ] 79 إعتاق، أو إِبْرَاءٍ بعد موت السيد.
الثانية: إذا كاتب في صِحَّتِهِ، وقبض النجوم في مَرَض الموت، أو قبضها وارثه بعد المَوْتِ صَحَّ القَبْضُ وإن كانت الكِتَابَةُ من رَأسِ المال؛ لأنه أَقَرَّ بما يقدر على إِنْشَائِهِ، ولأن الإقرَارَ لغير الوارث لا فَرْقَ فيه بين الصِّحَّةِ والمرض.
الجزء: 13 - الصفحة: 460
وقوله في الكتاب: "فقبض نُجُومَ مُكَاتَبهِ في الصحة" لا ينبغي أن يعلق قوله: "في الصحة" بالقبض؛ فلا فَرْقَ أن يكون القَبْضُ المُقِرُّ به في الصحة أو في المرض، ولكن التعلق بقوله: "فكاتبه" فإن الكِتَابَةَ ينبغي أن تَقَعَ في الصِّحَّةِ ليكون الاعْتِبَارَ من رَأْسِ المال.
قال الصَّيدَلاَنِيُّ: فأَمَّا إذا كانت الكِتَابَةُ في المَرَضِ، فأصل الكتابة من الثلث، فلا يفيد الكَلاَمُ في أن الإقْرَارَ كيف يقبل، بل يقبل 80 فيما صَحَّحْنَا فيه الكِتَابَةَ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُرْتَدُّ فَيُبْنَى كِتَابَتُهُ عَلَى أَقْوَالِ المِلْكِ، وَالكَافِرُ تَصِحُّ كِتَابَتُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ العَبْدُ قَدْ أَسْلَمَ وَخُوطِبَ بِبَيْعِهِ وَكَاتَبَ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ كَاتَبَ ثُمَّ أَسْلَمَ العَبْدُ فَفِي الاِنْقِطَاعِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يَدُوم الكِتَابَةُ، وَالحَرْبِيُّ تَصِحُّ (ح م) كِتَابَتُهُ وَلَكِنْ لَوْ قَهَرَهُ السَّيِّدُ عَادَ مِلْكُهُ قَبْلَ العِتْق وَبَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يشترط لِصِحَّةِ الكِتَابَةِ إِسْلاَمُ السيد، بل تَصِحُّ كتابة الكَافِرِ في الجملة، كما يصح إِعْتَاقُهُ، ثم فيه مَسَائِلُ:
إحداها: ذكرنا في "التَّدْبِيرِ" أن تدبير المُرْتَدِّ عَبْدَهُ مَبْنِيٌّ على أقوال [الملك] 81 في المرتد، ولو [كاتب المرتد] 82 عبده، ففيه طريقان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ القَطَّانِ، وابن الوَكِيلِ، وَرَجَّحَهُ أبو إِسحاق ويُحْكَى عن اختيار الشيخ أبي حَامِدٍ: إن كانت الكِتَابَةُ على الأقوال أيضاً، فإن قلنا بِزَوَالِ مِلْكِ المُرْتَدِّ فهي بَاطِلَةٌ، وإن قلنا بِبَقَائِهِ فصحيحة، وإن قلنا بالتَّوَقُّفِ فهي موقوفة أيضاً.
والثاني وبه قال القاضي أبو حَامِدٍ: أنَّه ليس في الكِتَابَةِ إلاَّ القولان الأَوَّلاَنِ، ولا يجيء فيها التَّوَقُّفُ؛ لأن الكتابة عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، والعقود لا تُوقَفُ على أَصْلِ الشَّافعي -رضي الله عنه- بخلاف التَّدْبِيرِ، فإنه تَعْلِيقُ عِتْقٍ، والتعاليق تقبل الإغرار ومن نصر الأول قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: لا يصح العَقْدُ للمالك مَوْقُوفاً على إِجَازَتِهِ ورِضَاهُ.
فأما انعقاد العَقْدِ مَوْقُوفاً على ما سَيَظْهَرُ وَينْكَشِفُ، فإنه يجوزه؛ ألا ترى أن تَصَرُّفَ المريض بالهِبَةِ والبَيعِ بالمُحَابَاةِ يَنْعقِدُ موقوفاً على إِجَازَةِ الوَرَثَةِ.
وأيضاً فإن تَصَرُّفَ المُفْلِسِ ينعقد مَوْقُوفاً على أحد القَوْلَيْنِ وقد يُؤَدِّي غَرَضُ الطريقين بِعِبَارَةِ أَقْصَرَ من هذه، فيقال: إن قلنا بِزَوَالِ مِلْكِ المُرْتَدِّ، لم تَصِحَّ الكِتَابَةُ، وإن قلنا بِبَقَائِهِ صَحَّت، وإن قُلْنَا بالوَقْفِ، فعلى الجديد والقديم أن العُقُودَ؛ هل توقف؟ ثم ما مَوْضِعْ الخِلاَفِ على اختلاف الطريقين فيه طرق:
الجزء: 13 - الصفحة: 461
أشْبَهُهَا: وهو الذي أَوْرَدَهُ الرُّوَيانِيُّ وغيره -رحمهم الله- أن مَوْضِعَ الخلاف ما إذا [لم يحجر الحاكم عليه، وقلنا: لا يحصل الحَجْرُ بنفس الرِّدَّةِ، فأما إذا] 83 كان في حَالِ الحَجْرِ، فلا تصح الكِتَابَةُ بِحَالٍ.
والثاني: في كلام القاضي ابْنِ كَجٍّ: أنا إذا قلنا: يصير مَحْجُوراً بنفس الرِّدَّةِ، ولم يَحْجُرِ الحَاكِمُ عليه، فَتَصِحُّ كتابته بلا خِلاَفٍ.
والثالث: ويحكى عن ابن سلمة وابن القَطَّانِ طَرْدُ الخِلاَفِ في الحَالَتَيْنِ، ويخرج من هذه الاخْتِلاَفاتِ في كتابة المُرْتَدِّ وجوه أو أقوال خمسة:
أحدها: أنها مَوْقُوفَةٌ.
الثاني: صِحَّتُها.
الثالث: صحتها قبل الحَجْرِ خَاصَّةً.
والرابع: بُطْلانُهَا.
والخامس: بطلانها بعد الحَجْرِ خَاصَّةً.
والأَشْبَهُ بالتَّرْجِيحِ على ما أَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" هاهنا وفي باب [الردة] 84 الوجه الرَّابعُ.
وعن القاضي أبي حَامِدٍ: أَن الأَظْهَرَ الثاني، وهو اختيار [المزني] 85 التَّفْرِيعُ: إذا لم نحكم بِحُصُولِ الحَجْرِ بالرِّدَّةِ، ولم يحجر الحاكم عليه، وصَحَّحْنَا الكِتَابَةَ؛ فلو دَفَعَ المُكَاتَبُ النُّجُومَ إليه عُتِقَ، وكان له وَلاَؤُهُ، وتكون النجوم مِلْكَهُ؛ لأنا حكمنا ببَقَاءِ مِلْكِهِ على هذا القول.
وإن أَفْسَدْنَا الكِتَابَةَ، لم يصح الأَدَاءُ؛ لأنه مِلْكٌ للمرتد، ولا يحصل العِتْقُ.
وإن قلنا: هي مَوْقُوفَةٌ؛ فالأَدَاءُ أيضاً موقوف، فإن هَلَكَ على الرِّدَّةِ بَانَ بُطْلانهَا، وكان العبد قِنّاً، وإن صَارَ السَّيِّدُ مَحْجُوراً عليه بنفس الرِّدَّةِ، أو بِحَجْرِ الحاكم، فإن أفسدنا الكتابة فعلى ما ذكرنا فيما إذا لم يَكُنْ مَحْجُوراً عليه، فإن صَحَّحْنَاهَا، وقلنا بالتوقف، فلا يجوز دَفْعُ النُّجُومِ إليه؛ لأن المَحْجُورَ عليه لا يَصِحُّ قَبْضُهُ، بل ينبغي أن يَدْفَعَهَا إلى الحَاكِمِ، فإن دَفَعَهَا إلى السَّيِّدِ يعتق ويَسْتَرِدُّهَا، وَيَدْفَعَهَا إلى الحاكم، فإن تَلِفَتْ وتَعَذَّرَ الاسْتِرْدَادُ؛ فإن كان معه ما يفي من النُّجُومِ، ودفعه إلى الحاكم فَذَاك، وإلاَّ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 462
ثم إن هَلَكَ السَّيِّدُ على الرِّدَّةِ بعدما عَجَّزَهُ، فهو رَقِيقٌ، وإن أَسْلَمَ فَهَلْ يُلْغَى التَّعْجِيزُ؟ فيه قولان، أو وجهان:
أحدهما: لا، كما لو كان المَحْجُورِ عليه بالسَّفَهِ دَيْنٌ على غيره فَأَخَذَهُ وتَلِفَ عنده، ثم زال الحَجْرُ لا يُحْسَبُ المأخوذ عليه، ولا ينقلب قَبْضُهُ صحيحاً بِزَوَالِ الحَجْرِ.
وأصحُّهما: وهو المَنْصُوصُ في "المختصر": نعم؛ لأن المَنْعَ من التسليم [إليه] 86 إنما كان لِحَقِّ المُسْلِمِينَ فإذا أَسْلَمَ فقد سَقَطَ حَقُّ المسلمين، وصار الحَقُّ له، فَيُعْتَدُّ بِقَبضِهِ، وعلى هذا فَيُعْتَقُ لو كان قد دفع إليه جَمِيعَ النجوم.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً: أنَّه لا يُعْتَقُ، ولا ينقلب القَبْضُ الممنوع منه صحيحاً، ولكن يَبْقَى مُكَاتَباً، فَيَسْتَأْنِفُ الأدَاءَ ويمهل [مدة] 87 الردة.
والمَشْهُورُ؛ الأول.
ولو كاتب المُسْلِمُ عَبْداً ثم ارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ، كما لا يبطل بَيْعُهُ ورَهْنُهُ بالرِّدَّةِ، ولكن لا يَجُوزُ دَفْعُ النجوم إليه إن قلنا: إن مِلْكَهُ زَائِلٌ، أو صار مَحْجُوراً عليه، فإن دَفَعَهَا إليه، فعلى ما ذكرنا.
ويجوز كِتَابَةُ العَبْدِ المُرْتَدِّ، كما يجوز بَيْعُهُ وَتَدْبِيرُهُ وإِعْتَاقُهُ، ثم إن أَدَّى النُّجُومَ في رِدَّتِهِ من أَكْسَابِهِ، أو تَبَرَّعَ بالأَدَاءِ عنه مُتَبَرِّعٌ، عُتِقَ، ثم يجري عليه حُكْمُ المرتدين.
وإن لم يُؤَدِّهَا، وعاد إلى الإسْلاَم، بقي مُكَاتَباً، كما كان، وإن امتنع قُتِلَ، وكان ما في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، وارْتَفَعَتِ الكِتَاَبَةُ بِقَتْلِهِ.
ولو ارتد المُكَاتَبُ، لم تبطل الكتابة، فإن هَلَكَ على الرِّدَّةِ ارتفعت الكتابة، وكان ما في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يُؤَدِّي النُّجُومَ منه، وما بقي فهو لِوَارِثِهِ، سواء اكْتَسَبَهُ في حَالِ الرِّدَّةِ، أو الإِسلام.
حكاه في "التهذيب".
فَرْعَانِ:
عن نَصِّهِ في "الأم" أنَّه قال:
لا أجيز كِتَابَةَ السَّيِّدِ المُرْتَدِّ والعَبْدِ المُرْتَدِّ، إلاَّ على ما أُجِيزُ عليه كِتَابَةَ المسلمين، بخلاف الكَافِرِينَ الأَصْلِيِّينَ يُتْرَكَانِ على ما يَسْتَحِلاَّنِ ما لم يَتَحَاكَمَا إلينا.
وأنه لو لَحِقَ السَّيِّدَ بعدما ارتَدَّ بِدَارِ الحرب، ووقف الحاكم مَالَهُ يتأدى بأخذ كتابة مُكَاتبه، فإن عَجَزَ رَدَّهُ إلى الرِّقِّ وإذا عَجَّزَة ثم [جاء سيده] 88 فالتَّعْجِيزُ [قاضٍ] 89، ويكون هو رَقِيقاً له، فإن أسلم السَّيِّدُ، ففي الاعْتِدَادِ بما دَفَعَهُ إليه مَا مَرَّ.
الجزء: 13 - الصفحة: 463
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تصح كِتَابَةُ الذِّمِّيِّ كِتَابياً كان، أو مَجُوسِيّاً؛ لأنه مالك، والكتابة عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وفيها تَعْلِيقُ عِتْقٍ بصفة، وهما صحيحان منه.
وكذا كِتَابَةُ المُسْتَأْمَنِ صَحِيحَةٌ، وهذا إذا جَرَتْ كِتَابَتُهُمْ على شَرَائِطِ شَرْعِنَا.
فأما إذا كاتب الذِّمِّيِّ عَبْدَهُ على خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، ثم أسلما، أو تَرَافَعَا إلينا، فينظر:
إن كان ذلك بعد قَبْضِ العِوَضِ المُسَمَّى فالعتق حَاصِلٌ، ولا رُجُوعَ للسيد على العَبْدِ، ولا يُفْسَخُ العَقْدُ، ولا القَبْضُ الحاصل في الشرك.
وإن أَسْلَمَا، أو تَرَافَعَا قبل القَبْضِ، حكمنا بفَسَادِهَا وإبطالها، فإن وجد القَبْضُ بعد ذلك لم يَحْصُلِ العِتْقُ؛ لأنه لا أَثَرَ لِلكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ بعد الفَسْخِ والإبطال.
وإن قَبَضَ بعد الإِسْلاَمِ، ثم تَرَافَعَا، حَصَلَ العِتْقُ؛ لوجود الصِّفَةِ، ويرجع السيد على المُكَاتَبِ بقيمته، ولا يرجع المُكَاتَبُ للخمر والخِنْزِيرِ بشيء.
نعم، لو كان المُسَمَّى مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ، فله الرُّجُوعُ أيضاً، وإن قبض بعض المُسَمَّى في الشِّرْكِ، ثم أسلما، أو تَرَافَعَا إلينا، فنحكم ببطلان الكتابة أيضاً.
فإن اتَّفَقَ قَبْضُ الباقي بعد الإسْلاَم، وقبل إِبْطَالِهَا، حصل العِتْقُ ويرجع السيد بجميع قِيمَتِهِ عليه، ولا تُوَزَّع القيمة علىَ المَقْبُوضِ قبل الإِسلام والمقبوض بعده؛ لأن العِتْقَ يَتَعَلَّقُ بالنجم الأَخِيرِ، وأنه وجد في الإسْلاَم، ولا يَثْبُتُ للنجوم حَقِيقَةُ العِوَضِيَّةِ إلا إذا تَمَّتْ؛ ألا ترى أنه إذا عرض 90 عَجْزٌ لم يكنَ المَقْبُوضُ من قَبْلُ عِوَضاً، بل كَسْبَ رَقِيقٍ، وإذا كان كذلك لم تَكُنْ قَابِلَةً لِلتَّقْسِيطِ الجاري في الأعواض 91.
وقوله في الكِتَابَةِ: "والكافر تَصِحُّ كِتَابَتُهُ إلاَّ أن يكون العَبْدُ قد أسلم وخوطب بِبَيْعِهِ وكاتب ففيه وجهان" ليس الاسْتِثْنَاءُ فيه بحسن الموقع؛ لأن كِتَابَة الكَافِرِ قد تَصِحُّ، وقد تَفْسُدُ ككتابة المُسْلِمِ، وليس الفَسَادُ مَخْصُوصاً بهذه الصُّورَةِ المُسْتَثنَاةِ.
والذي يَقْصِدُهُ القَائِلُ بقوله: "إن الكافر لا تَصِحُّ كتابته" أنها تصح منه في الجُمْلَةِ، وإن الكُفْرَ لا يمنع صِحَّتَهَا، وهذا لا يحتاج إلى الاستثْنَاءِ.
وأما الصورة المَذْكُورَةُ: فإذا أسلم عبد لِذِمِّيِّ، واشْتَرَاهُ، وقلنا بِصحَّةِ الشِّرَاءِ، وأمرناه بِإِزَالَةِ المِلْكِ عنه، فكاتبه ففي صِحَّةِ كتابته قولان:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأنه مَأْمُور بِإِزَالَةِ المِلْكِ، والكِتَابَةُ لا تُزيل فصار كما لو دَبَّرَهُ، أو عَلَّقَ عِتْقَة بصفة.
الجزء: 13 - الصفحة: 464
وأَقْوَاهُمَا وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المُزَنِيُّ: أنها صَحِيحَةٌ؛ لأن المقصود قَطْعُ اسْتِيلاَئِهِ عنه وَدَفْعُ الذُّلِّ، وإذا كَاتَبَهُ خرج عن تَصَرُّفِهِ، وفيه نظر لِلْعَبْدِ لِتَوَقُّعِ العِتْقِ، فإن عجز، أَمَرْنَا بإزالة المِلْكِ عنه، وعلى الأول فيؤمر 92 بِإِزَالَتِهِ في الحَالِ، فإن أَدَّى النُّجُومَ قبل أن يتفق إِزَالَةُ الملك، عُتِقَ بحكم الكتابة الفَاسِدَةِ.
ويقال بإيراد آخَرَ -وقد قَدَّمْنَاهُ في "البَيْعِ"- هل يكتفي منه بالكِتَابَةِ؟ فيه وجهان:
إن قلنا: نعم، فهي صَحِيحَةٌ، وإلاَّ ففي صِحَّتِهَا خِلاَفٌ.
ولو كَاتب الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ فَأسْلَمَ المُكَاتَبُ؛ فهل ترتفع الكِتَابَةُ؟ فيه وجهان مُرَتَّبَانِ على الخِلاَفِ في أنه إذا أَسْلَمَ عبده وكاتبه هل يصح؟ أو هل يكتفي منه بالكِتَابَةِ؟
إن قلنا: نعم؛ فإذا طَرَأَ الإسْلاَمُ على الكِتَابَةِ لم يُؤَثِّرْ فيها وإن قلنا: لا؛ ففي ارْتفَاعِهَا وَجْهَانِ، والفَرْقُ قُوَّة الدَّوَامِ ووجه المنع أيضاً بأن الكِتَابَةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً، ولا يمكن أن يُؤْمَرَ بِإِزَالَةِ المِلْكِ، فإن بَيْعَ المُكَاتَبِ لا يَجُوزُ، فإن عجز فحينئذ يُؤْمَرُ.
واعلم أن هذه الصُّورَةَ مُكَرَّرَةٌ؛ فقد ذكرها مَرَّةً في "التدبير" [مضمومة] 93 إلى ما شَابَهَهَا؛ وهو ما إذا دَبَّرَ الكَافِرُ عَبْدَهُ ثم أسلم مُدَبِّرُهُ فقال: "والمُكَاتَبُ كَالمُسْتَوْلَدَةِ".
وقيل: كالمدبر [ة].
وقوله: هاهنا "فيه وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ"، فيؤدي معنى الطريقين، إلاَّ أن الخِلاَفَ هناك عند من أَثْبَتَهُ أُخِذَ من الخلاف في صورة التدبير، وهاهنا من الخِلاَفِ في صِحَّةِ الكتابة إذا تَقَدَّمَ الإِسْلاَمُ عليها.
المسألة الثالثة: كما يصح كِتَابَةُ الذِّمِّيِّ، تصح كِتَابَةُ الحَرْبِيِّ؛ لأنه مَالِكٌ.
وعن مالك وأبي حَنِيْفَةَ خِلاَفُهُ.
ثم لو قَهَرَهُ السَّيِّدُ بعدما كاتبه، ارْتَفَعَتِ الكتابة وصار قِنّاً.
ولو قَهَرَ المُكَاتَبُ سَيِّدَهُ صَار حُرّاً، وصار السَّيِّدُ عَبْداً؛ لأن الدَّارَ دَارُ قَهْرٍ، ولذلك لو قَهَرَ حُرٌّ حُرّاً هناك مَلِكَهُ، بخلاف ما لو دخل السَّيِّدُ والمُكَاتَبُ دَارَ الإِسْلاَمِ بِأَمَانٍ، ثم قهر أحدهما الآخر لا يَمْلِكُهُ؛ لأن الدَّار دَارُ حَقٍّ وإِنْصَافٍ.
وإن خرج المُكَاتَبُ إلينا مُسْلِماً، هَارِباً من سَيِّدِهِ، بطلت الكتابة، وصار حُرَّاً؛ لأنه قَهَرَهُ على نَفْسِهِ، فيزول مِلْكُهُ عنها.
وإن خرج إلينا غَيْرَ مُسْلِمٍ نُظِرَ:
إن خرج بِإِذْنِهِ، وبأمَانِنَا لِتَجَارَةٍ وغيرها، اسْتَمَرَّتِ الكِتَابَةُ، كما لو خرج السَّيِّدُ إلينا بِأمَانٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 465
وإن خرج هَارِباً منه، بطلت وصار حُرّاً، ثلاثة لا يُمَكَّنُ من الإِقَامَةِ إلاَّ بالجِزْيَةِ، فإن لم يقبل أو لم يَكُنْ ممن تُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ أُلْحِقَ بِمَأمَنِهِ.
وإن جاءنا السيد مُسْلِماً لم يتعرض لمكاتبه هناك، فإن دخل بِأمَانٍ مع المكاتب، ولم [يقهر] 94 أحدهما الآخر، وأراد العَوْدَ إلى دَارِ الحَرْب، أو كاتبه بعدما دَخَلاَ وَأَرَادَ العَوْدَ، فلم يساعده المُكَاتَبُ، لم يكن له [أن] 95 يحملهَ قَهْراً، كما لا يُسَافِرُ المُسْلِمُ بمكاتبه 96 وقد مَرَّ لهذا ذِكْرٌ في "التدبير"، ولكن يُوَكِّلُ من يَقبِضُ عنه النُّجُومَ، فإن أراد أن يُقِيمَ طُولِبَ بالجِزْيَةِ، ثم إن عُتِقَ المُكَاتَبُ طُولِبَ بالجِزْيَةِ أيضاً أو رُدَّ إلى المَأْمَنِ، فإن عَجَّزَ نفسه عَادَ قِنّاً للسيد.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: ويبقى الأَمَانُ فيه، وإن انْتَقَضَ في نَفْس السيد بِعَوْدِهِ؛ لأن المَالَ يَنْفَرِدُ بِالأَمَانِ.
ولذلكَ لو بعث الحَرْبِيُّ بحاله إلى بَلَدِ الإسْلاَمَ بِأمَانٍ، ثبت الأَمَانُ للمال دون صَاحِبِهِ.
وقد يجيء هذا الخِلاَفُ الذي سَبَقَ في "السّير" فيما إذا رجع المُسْتَأْمَنُ، وخَلَفَ عندنا مَالاً.
ولو مات السَّيِّدُ في دار الإِسْلاَمِ، أو بعد العَودِ إلى دار الحرب، ففي مَالِ الكِتَابَةِ قولان:
أظهرهما، وهو اختيار المُزَنِيِّ: إنه يَبْقَى الأَمَانُ فيه، فيبعث إلى وَرَثَتِهِ،؛ لأنه لا خِلاَفَ في أنهم وَرِثُوهُ، ومن وَرِثَ مَالاً، وَرِثَهُ بحقوقه كالرَّهْنِ والضَّمَانِ.
والثاني: يبطل الأَمَانُ فيه، ويكون قِنّاً؛ لأنه مَالُ كَافِرٍ، لا أَمَانَ له.
وإن سُبِيَ السَّيِّدُ بعدما رَجَعَ إلى دَارِ الحَرْب، نُظِرَ إن مُنَّ عليه، أو فدى 97 أَخَذَ النُّجُوم، وهو بما جَرَى في أَمانٍ، ما دام في دَارِ الإسْلاَم، فإن رجع انْتَقَضَ الأمَانُ فيه، وفي المال إن تركه عندنا ما سبق وإن اسْتُرِقَّ زال مِلْكُهُ، وفي مال الكِتَابَةِ طريقان:
أحدهما: أن فيه قَوْلَيْنِ، كما في صورة المَوْتِ.
والثاني: القَطْعُ بأنه لا يبطل الأَمَانُ فيه؛ لأنه ينتظر عِتْقُهُ وصَيْرُورَتُهُ أَهْلاً لِلْمِلْكِ، بخلاف الميت، وإن شِئْتَ قلت: يبقى الأَمَانُ فيه، ولا يصير قِنّاً، كما صُورَة المَوْتِ، فهاهنا أَوْلَى، ويوقف إن عُتِقَ فهو له، وإن مَاتَ رِقِيقاً فهو فَيْءٌ.
وفي قول: إنه يُصْرَفُ إلى وَرَثَتِهِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 466
وإن قلنا: هناك يصير [فيئاً] 98، فهاهنا قولان:
اختيار أبي إسحاق: أنَّه لا يكون [فيئاً]، ويُوقَفُ؛ لأنه يُرجَى عَوْدُ المَالِكِيَّةِ.
وأما وَلاَءُ هذا المكاتب؛ فإن عُتِقَ قبل أن يُسْتَرَقَّ السَّيِّد، فطريقان:
أحدهما: إن الوَلاَءَ كالمَالِ، فإن جَعَلْنَاهُ فيئاً، فالوَلاء لأهْلِ الفيء، وإن تَوَقَّفْنَا، فكذلك نَتَوَقَّفُ في الوَلاَءِ.
وأظهرهما: أنَّه يسقط وَلاَؤهُ؛ لأن الوَلاَءَ لا يُوَرَّثُ، ولا يَنْتَقِلُ من الشخص إلى الشخص.
وإن اسْتُرقَّ السَّيِّدُ قبل عِتْقِ المُكَاتَب، فإن جعلنا ما في ذمته 99 فيئاً، فإذا عُتِقَ يَدْفَعُهُ إلى الحاكم، ففي الوَلاَءِ الوجهان كذلَك.
ذكره صاحب "الشامل" وغيره.
وإن قلنا: إنه مَوْقُوفٌ؛ فإن عُتِقَ السَّيِّدُ، دفع المُكَاتَبُ المَالَ إليه، وكان له الوَلاَءُ، وإن مات رَقِيقاً، وصار المال فَيْئاً ففي الوَلاَءِ الوجهان.
ولو قال المُكَاتَبُ في مُدَّةِ التوقف: انْصُبُوا مَنْ يَقْبِضُ المَالَ لأعتق، أُجِيبَ إليه، وإذا عُتِقَ، فليكن في الوَلاَءِ الخِلاَفُ.
وقد قيل: يُبْنَى ذلك على أن مُكَاتَبَ المُكَاتَب إذا عُتِقَ تَفْرِيعاً على أنَّه تَصِحُّ كِتَابَتُهُ يكون وَلاَؤهُ لِسَيِّدِ المُكَاتَبِ أو يوقف على عِتْقِ المكاتب، وفيه قولان:
إن قلنا بالأَوَّلِ؛ فالوَلاَءُ هاهنا لأَهْلِ الفَيْءِ.
وإن قلنا بالثاني؛ فَيُوقَفُ.
قال الرُّوَيانِيُّ في "جمع الجوامع": والصَّحِيحُ عند عَامَّةِ الأصحاب في المسألة أنَّه يُوقَفُ المَالُ، وكذا الوَلاَءُ، فإن عُتِقَ، فله المَالُ والوَلاءُ، وإن مات رَقِيقاً، فَالمَالُ لأَهْلِ الفَيْءِ، ويسقط الوَلاَءُ.
وقوله في الكتاب: "والكَافِرُ تَصِحُّ كِتَابَتهُ" ليحمل على الذِّمِّيِّ، وإن أمكن إِجْرَاؤُهُ على إِطْلاَقِهِ على [ما تبين] 100؛ لأنه قال بعده: "والحَرْبِيُّ تصح كِتَابَتُهُ"، ولو أجرى ذلك على إطلاقه، كان الأَحْسَنُ أن يقول: والحَرْبِيُّ إن صَحَّتْ كتابته، ولكن لو قهره السَّيِّدُ ... إلى آخره.
" فروع":
الجزء: 13 - الصفحة: 467
كاتب المُسْلِمُ عَبْداً كافراً في دار الإسْلاَمِ، أو في دار الحرب صَحَّتِ الكِتَابَةُ، فإن عتق لم يُمَكَّنْ من الإِقَامَةِ في دار الإِسلام إلاَّ بالجِزْيَةِ، وإن وَقَعَ في الأَسْرِ [وكان في] 101 دار الحرب لم تبطل الكتابة؛ لأنه في أَمَانِ سَيِّدِهِ، وهذا كما أنَّه لا يُسْتَرَقُّ مُعْتقه، وإن الْتَحَقَ بِدَارِ الحرب.
وإذا اسْتَوْلَى الكُفَّارُ على مُكَاتَبِ مُسْلِم، لم تبطل الكِتَابَةُ، وكذا لا يبطل التَّدْبِيرُ، والاسْتِيلاَدُ؛ إذا اسْتَوْلَوْا على مُدَبَّرِهِ أو مُسْتَوْلَدَتِهِ.
وإذا استنفذ المُسْلِمُونَ مُكَاتَبَه، فهل تُحْسَبُ مُدَّةُ الأَسْرِ من أصل مال الكتابة؟
فيه طريقان:
أحدهما: أنَّه على القَوْلَيْنِ، فيما إذا حَبَسَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ مُدَّةً.
وأظهرهما: القَطْعُ بالاحْتِسَابِ، بخلاف تلك الصُّورَةِ، فإن المَنَافِعَ فَاتَتْ عليه بِتَقْصِيرٍ وتَعَدٍّ من السيد وهاهنا بخلافه.
ويُبْنَى على هذا الخِلاَف أنَّه: هل للسَّيِّدِ الفَسْخُ، والتعجيز، وهو في الأَسْرِ؟
فإن قلنا باحْتِسَاب المدة عليه، فله ذلك، ثم يفسخ بنفسه، كما لو كان المُكَاتَبُ حاضرًا، أو يُرْفَعُ الأَمْرُ إَلى الحاكم ليَتَفَحَّصَ؛ هل له مَالٌ يَفِي بالكتابة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول، ثم إذا فُسِخَتِ الكِتَابَةُ، وأقام البَيِّنَةَ بعد الخَلاَصِ، على أنَّه كان له مِنَ المَالِ ما يَفِي بالكتابة، بَطَلَ الفَسْخُ، وَأَدَّى المَالَ، وعُتِقَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ: المُكَاتِبُ وَلَهُ شَرْطَانَ الأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفاً فَلاَ يَصِحُّ كتَابَةُ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يشترط لِصِحَّةِ الكتابة أن يكون العَبْدُ مُكَلَّفاً؛ ليستقلى بالكَسْبِ، ويوثق بصرف ما يَكتَسِبُهُ إلى السَّيِّدِ فلا تصح كِتَابَةُ الصَّبِيِّ مُمَيِّزاً كان أو غَيْرَ مميز، ولا كِتَابَةُ المَجْنُونِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ، وأحمد: تَصِحُّ كِتَابَةُ الصبي المُمَيِّزِ، بِنَاءاً على أنَّه يجوز تَصَرُّفُهُ بِإذنِ الوَليِّ [وإيجاب] 102 السيد إذن له في القَبُولِ.
واحتج الأَصْحَابِ -رحمهم الله- بأنه غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فلا تصح كِتَابَتُهُ كالمجنون.
وفي "جمع الجوامع" للروياني: أنَّه لو كَاتَبَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ الذي لا يُمَيِّزُ والمَجْنُونَ، وقبل السيد عنه يَجُوزُ عند أبي حَنِيفَةَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 468
واسْتُؤْنِسَ لاعتبار التَّكْلِيفِ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: 33] وإنما يَتَحَقَّقُ الابْتِغَاءُ من العاقل البالغ.
وإن كاتب العَبْدُ لنفسه ولأولاده الصِّغَارِ، لم تصح الكِتَابَةُ للأولاد، وفي صِحَّتِهَا لنفسه قَوْلا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وحكى الصَّيدَلاَنِيُّ عن أبي حَنِيْفَةَ: أنها تَصِحُّ في حَقِّ الجميع، وذكر أن أبا حَنِيْفَةَ ساعد على أنَّه لو كان الأَبُ حُرّاً، لم تصح كتابته لأَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ، وأن مالكاً قال بِصِحَّتِهِا.
إذا عرف أنَّه ليس للسيد أن يُكَاتِبَ عَبْدَهُ الصغير والمجنون، فلو أنَّه فَعَلَ وقال في كتابته: "إذا أَدَّيْتَ كذا فأنت حُرٌّ، فوجدت الصِّفَةُ، حصل العِتْقُ.
قال الإمَامُ: وفي النَّفْسِ من هذا شَيْءٌ؛ لأنه أَدَاءٌ من حيث الصُّورَةُ، ولا يُتَصَوَّرُ منهما التَّمْلِيكُ، وقد ذكرنا أن قَوْلَ الرجل لامْرَأَتِهِ: إن أَعْطَيتِنِي ألفاً فأنت طَالِقٌ، يقتضي إِمْكَانَ التمليك.
ولك أن تُؤَيِّدَ ما ذكره باحْتِمَالٍ قَدَّمْنَاهُ فيما إذا عَلَّقَ الطَّلاَقَ بدخول الطفل، فوجد منه صُورَةُ الدخول أنَّه لا يَحْنَثُ، والمذهب حُصُولُ العِتْقِ، ثم حكى القاضي ابن كَجٍّ في كَيْفِيَّةِ حُصُولِهِ اخْتِلاَفاً عن الأَصْحَاب، منهم من قال: يحصل العِتْقُ حُصُولَهُ في الكتابات الفاسدة؛ لأنه لم يَرْضَ بعتقه إلاَّ بالعِوَضِ، فعلى هذا يَرْجِعُ السَّيِّدُ عليه بالقيمة 103.
وظاهر المذهب أنَّه يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ حُصُولِ الصِّفَةِ المُعَلَّقِ عليها، وأنه ليس لما جَرَى حُكْمُ الكِتَابَاتِ الفَاسِدَةِ في التراجع وغيره، فلا يرجع السيد عليه بِقِيمَتِهِ، ولا يجب عليه رَدُّ ما أخذه.
أما أنَّه لا يرجع بالقِيمَةِ، فلأن قَبُولَ الصبي والمجنون والْتِزَامَهُمَا المال بَاطِلاَنِ، والعقد معهما ليس بِعَقدٍ؛ ولذلك لو اشترى الصَّبِيُّ والمجنون شَيْئاً، وهلك عنده لا يَضْمَنُهُ بعقد.
ولو اشترى العَاقِلُ البالغ شَيْئاً شراءً فاسداً فَهَلَكَ [فهل] 104 عنده يَضْمَنُهُ.
وأما أنَّه لا يَرُدُّ ما أخذه، فلأنه كَسْبُ عَبدِهِ.
وهذا الخِلاَفُ الذي حَكَاهُ ابن كَجٍّ، كخلافٍ نَقَلُوهُ فيما إذا [كاتب] عَبْدَهُ المَجْنُونَ، وأخذ المَالَ المُسَمَّى.
روى المُزَنِيُّ في "المختصر" أنَّه يعتق العَبْدُ، ولا تَرَاجُعَ.
ورواية الرَّبيع أنَّه يثبت التَّرَاجُعُ؛ فعن ابن سُرَيْجٍ وابن خَيْرَانَ: أن الحُكْمَ ما رَوَاهُ الربيع على مَا هُوَ دَأْبُ الكتابة الفَاسِدَةِ، وأن المُزَنِيَّ أخطأ في النَّقْل، وربما حَمَلَ مَا رَوَاهُ على ما إذا [كاتب عبده] 105 كتابة صحيحة، ثم جُنَّ العَبْدُ، فأخذ المال وهو
الجزء: 13 - الصفحة: 469
[مجنون] 106 يصح القَبْضُ، ولا يراجع والأصح وبه قال أبو إِسْحَاقَ، والأكثرون: أنَّه لا يراجع، كما رواه المزني؛ لأن المَجْنُونَ ليس من أَهْلِ العَقْدِ، فيبطل معنى المُعَاوضَةِ، ويبقى مُجَرَّدُ التعليق.
ونقل الربيع وقع خطأ، وربما حمل على ما إذا [كاتب] 107 عَبْدَهُ العَاقِلَ كِتَابَةً فَاسِدَةً، ثم جُنَّ فَأدَّى.
وعن رِوَايَةِ القَاضِي أبي حَامِدٍ أن في المَسْألَةِ قولين.
وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ الامْتِنَاعُ من إجْرَاءِ الخِلاَفِ في الصبي، وفرق بأن المجنون عارض [فهو] 108 كعارض شرط فَاسِدٍ في الكتابة بخلاف الصَّبِيِّ.
وأجرى صَاحِبُ "التهذيب" في الصَّبِيِّ ما قيل في المَجْنُونِ، كما قدمناه عن ابن كَجٍّ، ثمِ من أَثبَتَ التَّرَاجُعَ، جعل ما فَضَلَ من الكَسْبِ للعبد ولم يُثْبِتْهُ جعله للسيد، وهو الأصَحُّ.
" فروع تدخل في الفصل".
لا يجوز كتابة العَبْدِ المَرْهُونِ؛ لأن الرَّهْن [يحوج] 109 إلى البَيْعِ، والكِتَابَةُ تمنع منه، ولا كِتَابَةُ العبد المُسْتَأْجَرِ؛ لأنه في تَصَرُّفِ الغَيْرِ، فلا يَتَفَرَّغُ للاكتساب لنفسه.
وفي كتاب [القاضي] 110 ابن كَجٍّ: أنَّه يجوز كِتَابَةُ المُعَلَّقِ عِتْقُهُ بصفة، وكتابة المُدَبَّرِ، فإن سَبَقَ مَوْتُ السيد، عُتِقَ بالتدبير، وإن سَبَقَ أَدَاءُ النجوم، عُتِقَ بالكتابة.
وإنه يجوز كِتَابَةُ المُسْتَوْلَدَةِ، فإن مَاتَ السيد قبل أَدَاءِ النجوم، عُتِقَتْ من رَأسِ المال، وإن أبا الحُسَيْنِ خَرَّجَ وَجْهاً: أنَّه لا يجوز كِتَابَتُهَا، وهذا ما نَقَلَهُ الرُّوَيانِيُّ في "التجربة" عن إشارة النَّصِّ في "الأم"، وَوَجَّهَهُ بأن الكِتَابَةَ اعْتِيَاضُ عن الرَّقبةِ ورَجَّحَهُ مُرجِّحُونَ، والأَظْهَرُ الأول، وسيأتي إن شاء الله -تعالى- التَّفْرِيعُ عليه.
وأنه لوِ قَبِلَ الكِتَابَةَ من السَّيِّدِ [أجْنَبِيٌّ] 111، على أن يُؤَدِّيَ عن العَبْدِ كذا في نَجْمَيْنِ، فإذا أدَّاهُمَا، عُتِقَ العبد، ففي صِحَّتِهَا وجهان:
أحدهما: الصحة، كَخُلْعِ الأجنبي.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنها تخالف مَوْضُوعَ الباب، فإن صَحَّحْنَاهَا، فهل يجوز أن تكون حالة؟
الجزء: 13 - الصفحة: 470
فيه وجهان، وإن لم نُصَحِّحْهَا فإذا أَدَّى، عُتِقَ العَبْدُ بوجود الصِّفةِ ويرجع المؤدى على السيد بما أَدَّى، والسَّيِّدُ عليه بقيمة العَبْدِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي أن يُكَاتَبَ كُلُّهُ، وَلَوْ كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدِهِ، فَالمَذْهَبُ أنَّهُ لاَ يَصِحُّ، وَلَوْ كَاتَبَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ جَازَ لِحُصُولِ الاسْتِقْلاَلِ، وَلَوْ كَاَتَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ فَالمَذْهَبُ أنَّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَاتَبَ بِالإِذْنِ فَقَوْلاَنِ، وَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يُصْرَفُ الصَّدَقَةُ إِلى مَنْ نِصْفُهُ رَقِيقٌ، وَلَوْ كَاتَبَ عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ جَازَ، وَانْقَسَمَتِ النُّجُومُ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا، فَإِنْ شَرَطَا تَفَاوُتًا فِي القِسْمَةِ، فَقَدِ انْفَرَدَتْ كُلُّ صَفْقَةِ وَهِيَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ، فَيُخَرَّجُ عَلَى القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لك أَنْ تَقُولَ: إِيرَادُ الكِتَابَةِ على كُلِّ العبد ليس صِفَةً في العبد، حتى يُقَالَ للعبد 112 شَرْطَانِ، وجعله شَرْطاً في نفس 113 الكتابة أَحْسَنُ من جعله شَرْطاً لِلْعَبْدِ.
والفِقْهُ أنَّه إذا [كاتب] بعض عَبْدٍ، فأما أن يكون بَاقِيهِ حُرّاً، فتصح الكِتَابَةُ؛ لأنها اسْتَغرَقَتِ الرَّقِيقَ منه، فتفيد الاسْتِقْلاَلَ، فإن كاتب جَمِيعَهُ، والصورة هذه بَطَلَتْ في نصفه الحُرِّ، وفي الرقيق قَوْلاَ التَّفْرِيقِ.
وكذا لو كان يَعْتَقِدُ الرِّقَّ في جميعه، فَبَانَ بعضه حُرّاً؛ فإن قلنا: يفسر، فلا يُعْتَقُ حتى يُؤَدِّيَ جميع المُسَمَّى لِتَتَحَقَّقَ الصِّفَةُ فإذا عتق اسْتَرَدَّ منه السيد ما أَدَّى، وللسيد عليه قِسْطُ القدر الذي كَاتَبَهُ من القيمة.
وإن قلنا: يصح، فَيَسْتَحِقُّ جميع المسمى، أو قِسْطَ الرقيق من القيمة؟ فيه قولان، كما في البيع: إذا أجاز المُشْتَرِي البَيْعَ في المَمْلُوكِ.
وإما أن يكون بَاقِيهِ أو بَعْضَ الباقي رَقِيقاً، فالقَدْرُ الرقيق إما أن يكون لَهُ أو لِغَيْرِهِ.
"الحالة الأولى": إذا كان له فقد نَصَّ أن الكِتَابَةَ لا تَصِحُّ؛ لأن المُكَاتَبَ يحتاج إلى التَّرَدُّدِ؛ حَضَراً وسَفَراً؛ لاكْتِسَاب النجوم، ولا يَسْتَقِلُّ بذلك، إذا كان بَعْضُهُ رَقِيقاً، فلا يحصل مَقْصُودُ الكتابة، وأيضاً فلا يمكن صَرْفُ سَهْمِ [المكاتبين] 114 إليه؛ لأنه يصير بَعْضُهُ مِلْكاً لمالك الباقي -فإنه من أكْسَابِهِ- بخلاف ما إذا كان بَاقِيهِ حُرّاً، فإنه يمكن وَضْعُ الصَّدقَةِ فيه، وفي هذا شيء سَنَذْكُرُهُ إن شاء الله تعالى.
وعن ابن سُرَيْجٍ تخريج قول آخر أَخْذاً مما إذا كَاتَبَ أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ بِإِذْنِ
الجزء: 13 - الصفحة: 471
الآخَرِ، فإنه إذا كَاتَبَ بَعْضَ ما يملكه، فقد كاتب البَعْضَ بِإِذْنِ مَالِكِ الباقي.
ونَحَا أَبُو الحُسَيْن بن القَطَّانِ نحوه، فَأَثْبَتَ في المسألة وَجْهَيْنِ، والجمهور قَطَعُوا بالمنصوص، وقالوا: أَحَدُ الشريكين لا يَتَمَكَّنُ من كتابة نَصِيبِ الآخر، والمَالِكُ الواحد يَتَمَكَّنُ من كِتَابَةِ جميع ما يملكه.
وإن صححنا كِتَابَةَ البَعْضِ؛ فإن كان بين السَّيِّدِ وبينه مُهَايَأَةٌ فاكتسب النُّجُومَ في نَوْبَتِهِ، وأَدَّاهَا، فَيُعْتَقُ القَدْرُ الذي كَاتَبَ وَيَسْرِي إلى الباقي.
وإن لم يكن بينهما مُهَايَأَةٌ؛ فما يَكْتَسِبُهُ يكون بينهما، فإن وَفَّرَ قِسْطَ السَّيِّدِ، وما بقي بالنجوم من قِسْطِهِ عُتِقَ، فإن لم يُوَفِّرْ إلا قَدْرَ النُّجُومِ؛ ففي العِتْقِ خِلاَفٌ سنذكر نَظِيرَهُ وإن لم نصححها فهي كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ، فإن أَدَّى المَالَ قبل أن يَفْسَخَهَا السيد عُتِقَ، والسِّرَايَةُ كما ذكرنا، ثم يرجع المُكَاتَبُ على السَّيِّدِ بما أَدَّى، ويرجع السَّيِّدُ إليه بقِسْطِ القَدْرِ المُكَاتَبِ من القيمة، ولا يرجع بقسط ما سَرَى العِتْقُ إليه؛ لأنه لم يعتق بحكم الكِتَابَةِ.
"الحالة الثانية": إذا كان الباقي لغيره؛ فإذا كاتب أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ، نُظِرَ:
إما أن يُكَاتِبَ بِإِذْنِ الآخَرِ، أو دون إِذْنِهِ.
إن كاتب بِإِذْنِهِ، ففيه قولان:
أصحهما: وهو المنصوص في "الأم"، واختاره المُزَنِيُّ، وبه قال مالك: أنَّه لا تَصِحُّ الكِتَابَةُ؛ لأن الشريك الآخَرَ يَمْنَعُهُ من التَّرَدُّدِ والمُسَافَرَةِ، ولا يمكن أن يُصْرَفَ إليه سَهْمُ المُكَاتَبِينَ.
والثاني: قاله في "الإملاء" على مسائل مُحَمَّدٍ بن الحَسَنِ: أنها تَصِحُّ؛ لأنه يَسْتَقِلُّ في البَعْضِ المُكَاتَب عليه، وإذا جاز إِفْرَادُ البعض بالإِعْتَاقِ، جاز إِفْرَادُهُ بالعَقْدِ المُفْضِي إلى العتق.
وبهذا القول قال أبو حَنِيْفَةَ وقال: إذا عتق نصَيبه بأداء النجوم يَسْتَسْعِي في الباقي.
وعن أبي سلمة: القَطْعُ بالقول الأول، فيجوز أن يُعَلَمَ قوله في الكتاب: "قولان" [بالواو] 115 كذلك.
وإن كاتب بغير إذن الآخر، فَظَاهِرُ المذهب فَسَادُ الكِتَابَةِ؛ لعدم الاستِحْلاَلِ؛ ولأن نَصِيبَ الشريك يَنْتَقِصُ، فَيَتَضَرَّرُ به.
وربما خرج القولان في حالة إذْنِ الشريك على هَذَيْنِ المعنيين إن قُلْنَا بالأول لم يَصِحَّ، وإن قلنا بالثاني فقد أَسْقَطَ حَقَّهُ، ورضي بالضَّرَرِ الذي يَلْحَقُهُ.
وعن أبي علي الطَّبَرِيِّ وَجهٌ آخر: أنها تَصِحُّ، وإن كاتب بغير الإِذن كما ينفرد أحد الشريكين بالإِعْتَاقِ والتعليق والتَّدْبِيرِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 472
وقال الإِمام: ذهبت طَائِفَةٌ إلى تَخْرِيجِ القولين في هذه الصورة، وهو مُنْقَدِحٌ؛ لأن إِذْنَ الشريك لا يُفِيدُهُ الاسْتِقْلاَل، فلا يبقى إلاَّ تَخَيُّلُ تَضَرُّرِ الشريك، وهذا لا حَاصِلَ له مع نُفُوذِ العِتْقِ عن الشريك.
التفريع: إن أَفْسَدْنَا كِتَابَةَ أَحَدِ الشريكين، فللسيد فَسْخُهَا وإبطالها، كسائر الكِتَابَاتِ الفاسدة، فإن لم يفعل [ودفع] 116 العبد بَعْضَ كَسبِهِ إلى الَّذِي لم يكاتبه، وبَعْضَهُ إلى المكاتب، بحسب المِلْكِ، حتى أَدَّى مَالَ الكِتَابَةِ، عُتِقَ، ويقوم نَصِيبُ الشريك على المكاتب بشرط اليَسَارِ، ويرجع العَبْدُ إليه بما دفع، ويرجع هو على العَبْدِ بِقِسْطِ القدر الذي كاتب من القيمة، وإذا دَفَعَ جَمِيعَ ما اكْتَسَبَهُ إلى المُكَاتَبِ، حتى تم قدر النجوم، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُعْتَقُ؛ لأن العِتْقَ في الكِتَابَةِ الفاسدة يَتَعَلَّقُ بحصول الصِّفَةِ، وقد حصلت.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأن المُعَاوَضَةَ تقتضي إِعْطَاءَ ما يملكه لينتفع بالمدفوع إليه.
وفي طريقة الصَّيدَلاَنِيِّ نَقْلَهُمَا قولين، ونِسْبَةُ الأول إلى ما أَطْلَقَة في كتاب ابن أبي لَيْلَى.
والثاني: إلى رواية الرَّبيع.
وأجرى الخلاف فيما إذا قال: إن أَعْطَيْتَنِي عَبْداً فأنت حُرٌّ، فأعطاه عَبْداً مُسْتحقاً؛ هل يحصل العِتْقُ؟ فإن قلنا: لا يُعْتَقُ، فللذي لم يُكَاتبْ أن يأخذ نَصِيبَهُ، كما أخذه المُكَاتَبُ فإنه ملكه، ثم إن أدَّى العَبْدُ تَمَامَ النُّجُوم من حِصَّتِهِ من الكَسْبِ، عُتِقَ، وإلاَّ فلا.
وإن قلنا: يُعْتَقُ، فيأخذ نَصِيبَهُ أَيضاً والتَّرَاجُعُ من المكاتب والعبد، وسِرَايَةُ العِتقِ على ما تقدم.
وإن صححنا كِتَابَةَ أَحَدِ الشريكين، فدفع العَبْدُ من كَسْبِهِ حِصَّتَهُ إلى المكاتب، أو جرت بينه وبين الذي لم يُكَاتب مُهَايَأَةٌ، فدفع ما اكْتَسَبَهُ في نَوْبَتِهِ إلى المكاتب حتى تَمَّتِ النجوم، عتق، وقُوِّمَ عليه نَصِيبُ الشريك إذا كان مُوسِراً وكذا لو أَبْرَأَهُ عن النُّجُومِ، أو أَعْتَقَهُ، وإن دفع إليه كُلَّ مَا اكْتَسَبَهُ حتى تم قدر النجوم ففي "جَمْع الجوامع" للقاضي الرُّوَيانِيِّ أن بَعْضَ الأصحاب جَعَلَ حُصُولَ العِتْقِ على وجهين، أو قولين، كما ذكرنا تَفْرِيعاً على قَوْلِ الفَسَادِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 473
والظاهر: القَطْعُ بالمَنْعِ، وفرق بأن الكِتَابَةَ إذا صحت غَلَبَ فيها معنى 117 المُعَاوَضَةِ، وفي المُعَاوَضَاتِ تَسْلِيمُ غير المملوك كَعَدَمِهِ، وإذا فَسَدَتِ الكِتَابَةُ فيغلب حكم الصفة، ولذلك جاء الخِلاَفُ.
فروع:
أوردها القاضي ابْنُ كَجٍّ:
أحدها: إذا أَذِنَ الشَّرِيكُ في كتابة نَصِيبِهِ، فله أن يَرْجِعَ عن [الإِذْنِ] 118 فإن لم يعلم الشَّرِيكُ برجوعه حتى كاتب، فعلى الخِلاَفِ من تَصَرُّفِ الوكيل بعد العَزْلِ، وقبل العلم به.
الثاني: كاتب نَصِيبَهُ بِإذْنِ شريكه، وجَوَّزْنَاهُ، فأراد الشريك الآخَرُ كِتَابَةُ نَصِيبِهِ؛ هل يحتاج إلى إِذْنِ الأول؟
فيه وجهان:
الثالث: كاتب أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وقال الآخر: كَاتَبْتهُ بِإِذْنِكَ وأنكر، فإن قال مع ذلك: وقد أَدَّى المَالَ، عُتِقَ بإقْراره وقُوِّمَ عليه نَصِيبُ الشريك إن كان مُوسِراً؛ وإن لم يُقِرَّ بالأَدَاءِ، فالقول قَوْلُ المُنْكِرِ مع يَمِينِهِ، فإن حَلَفَ بَطَلَتِ الكِتَابَةُ، وإن نَكَلَ حَلَفَ الذي كَاتَبَ، فإن نَكَلَ رُدَّتِ اليَمِينُ على المُكَاتَبِ؛ هكذا ذكر ابْنُ القَطَّانِ قال: وعندي يَنْبَغِي أن يكون هذا التَّدَاعِي بين الشَّرِيكِ والمُكَاتَب، فإذا ادَّعَى المُكَاتَبُ الإِذْنَ، وأنكر الشريك صُدِّقَ، وإن نَكَلَ حَلَفَ المُكَاتَبُ، وثبتت الكِتَابَةُ.
هذا إذا انفرد أَحَدُ الشريكين بالكِتَابَةِ.
أما إذا كاتبا العَبْدَ المُشْتَرَكَ معاً، أو [وَكَّلاَ] 119 رَجُلاً، فكاتب جميعه، أو وَكَّلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَكَاتَبَهُ، صحت الكتابة، إن اتفقت النُّجُوم [جنساً وأَجلاً وعَدَداً، وجَعَلا حِصَّة كل واحد من النجوم] 120 بحسب اشتراكهم في العَبْدِ، أو أطلقا، فإنها كذلك تَنْقَسِمُ، وإن اختلفت النُّجُومُ في الجِنْسِ، أو في قَدْرِ الأَجَلِ، أو العدد أو شرطا تَفَاوُتاً في النجوم مع التَّسَاوِي في المِلْك أو بالعكس، ففيه طريقان:
أحدهما 121: وهو الذي أَوْرَدَهُ في الكتاب، وبه قال القَفَّالُ -أن صِحَّة كتابتهما على القَوْلَيْنِ، فيما إذا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بكتابة نصيبه بِإِذْنِ الآخر.
الجزء: 13 - الصفحة: 474
والثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ، وبه قال القاضي أَبُو الطَّيِّبِ؛ لأنا لو جَوَّزنَا ذلك لَزِمَ أن ينتفع أَحَدُهُمَا بِمَالِ الآخر؛ لأنه إذا اسْتَوَى المِلْكَانِ، ودفع إلى أحدهما مائة، وإلى الآخر مائتين فقد ترتفع الكِتَابَةُ بالعَجْزِ، فيحتاج الأَوَّلُ إلى أن يرجع على الثاني بخمسين، ويكون الثَّانِي قد انْتَفَعَ بها مُدَّةَ بقائها في يَدِهِ من غَيْرِ استحقاق.
ولا يشترط اسْتِوَاءُ الشريكين في مِلْكِ العَبْدِ الذي يُكَاتِبَانِهِ.
وفي "الكافي" للروياني وَجْهٌ ضعيف ولْيُعَلَمْ في الكتاب قوله: "فيما إذا كاتب أحد الشريكين بغير إِذْنِ الآخر، فَالمَذْهَبُ أنَّه باطل" بالأَلِفِ؛ لأن أحمد يُصَحِّحُ هذه الكِتَابَةَ.
وفي "شرح المُوَفَّقِ بن طاهر" عن أبي حَنِيْفَةَ مِثْلُهُ، ولذلك حكى عنه فيما إذا كَاتَبَ بَعْضَ عَبِيدِهِ، والله أعلم.
بقي الكلام في مَسْأَلَةٍ؛ وهي أن المَشْهُورَ أنَّه لا يجوز صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلى مَنْ بعضه رَقِيقٌ؛ لما ذكرنا أن ما يأخذه ينقسم إلى القَدْرِ الرَّقِيقِ وغيره.
قال الإِمَامُ: ورأيت لِبَعْضِ الأصحاب ما يَدُلُّ على تَجْوِيزِهِ، وقد يمنع هذا القائل الانْقِسَامَ، ويقول: تَخْتَصُّ الصَّدَقَة بِالقَدْرِ المكاتب؛ لأنه لا يجوز أن تكون الصَّدَقَة كَسْبَ رَقِيقٍ.
وفي "الكافي" للقاضي الروياني عن بعضهم: إطْلاَقُ قولين وفي المَسأَلَةِ تفصيل حَسَنٌ، وإلى ترجيحه يميل 122 إيراده، وهو إن لم يكن بينهما مُهَايَأَةٌ، فلا يَجُوزُ أن يأخذ من سَهْمِ الصدقات، وإن كان بينهما مُهَايَأَةٌ، فله أخذه في يوم نفسه خَاصَّةً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ كَاتَبَاهُ ثُمَّ عَجَزَ أحَدُهُمَا وَأَرَادَ الثَّانِي إِبْقَاءَ الكِتَابَةِ في نَصِيبهُ بِالإِنْظَارِ فَقَوْلاَنِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ؛ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ، وَلَوْ كَاتَبَ وَاحِدٌ عَبْداً ثُمَّ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْظَرَهُ الآخَرْ فَهَذَا أَوْلَى بِالمَنْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع الشَّرِيكَانِ على كتابة العَبْدِ، ثم عجز، فَعَجَّزَهُ أحدهما، وفَسَخَ الكِتَابَةَ، وأراد الآخَرُ إِنْظَارَهُ وإبقاء الكتابة، فَأَظْهَرُ الطريقين أنَّه كَابْتِدَاءِ الكِتَابَةِ، فلا يجوز إبْقَاؤُهَا من غَيْرِ إِذْنِ الشَّريكِ، وفي إبقائها بإذْنِهِ قولان؛ وهل يكون التَّوَافُقُ على ابْتِدَاءِ الكِتَابَةِ إِذْناً في إبقائها؟ يُخَرَّجُ ممَّا أَوْرَدَهُ الإِمَامُ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنهما إذا تَوَافَقَا على الكِتَابَةِ، فقد رضيا بأحكامها؛ ومن أَحْكَامِهَا جَوَازُ الإِنْظَارِ عند العَجْزِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 475
وأشبههما: المنع، وجعل الإرْفَاق نَاقِضاً لما جرى به الإِذْنُ والموافق عليه.
ومنهم من قطع بالإِذْنِ، وقال: يحتمل التَّبْعِيض في الانْتِهَاءِ، وإن لم يحتمل في الابتداء؛ لأن الدَّوَامَ أَقْوَى من الابتداء 123.
وقوله في الكتاب: "فقوْلان وأَوْلَى بالجَوَازِ لِقُوَّةِ الدوام" بنيه على الطريقين.
ولو كاتب إِنْسَانٌ عَبْدَهُ، ومات عن ابْنَيْنِ، وعَجَزَ المُكَاتَبَ، فَأَرَقَّهُ أحدهما، وأراد الثاني إِنْظَارَهُ، فيجري فيه الطَّرِيقَانِ؛ لأن الكِتَابَةَ بعد الموت بين الوَارِثينَ ككتابة تَصْدُرُ من الشريكين، ولذلك يُعْتَقُ نصيب أحد الابنين بِإِبْرَائِهِ عن حِصَّتِهِ من النجوم، وهذه الصورة أَوْلَى بألاَّ تَتَبَعَّضَ فيها الكِتَابَةُ؛ لأنها صَدَرَتْ من واحد في الابْتِدَاءِ، وهناك تثبت من شخصين، والصَّفْقَةُ تتعَدَّدُ بتَعَدُّدِ العاقد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا بَيَانُ مَا يَصِحُّ مِنَ الكِتَابَةِ، وَمَا لاَ يَصِحُّ، فَيَنْقَسِمُ إلَى بَاطِلٍ وَفَاسِدٍ فَالبَاطِل هُوَ الَّذِي اخْتَلَّ بَعضُ أَرْكَانِهِ بِأَنْ صَدَرَ الإِيجَابُ وَالقَبُولُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، أو غَيْرِ مَالكٍ، أَوْ مُكرَهٍ، أَوْ عَدَمِ قَصْدِ مَالِيَّةِ العِوَضِ، كَمَا لَوْ كَاتَب عَلَى دَمٍ أَوْ حَشَرَاتٍ، أَوِ اخْتَلَّتِ الصِّيغَةُ بِأَنْ فُقِدَ لَفْظُ العَقْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلَّمَ في الأَرْكَانِ بشروطها التي هي مَنَاطُ الصِّحَّةِ أراد أن يُبَيِّنَ حَالَ الكِتَابَةِ التي لا تصلح وتنقسم إلى بَاطِلَةٍ وفَاسِدَةٍ.
أما الباطلة فهي التي اخْتَلَّ بعض أَرْكَانِهَا بأن كان السَّيِّدُ صبياً أو مَجْنُوناً، أو مُكْرَهاً على الكتابة، أو كان العَبْدُ كذلك، أو كاتب وَليُّ الصبي والمجنون عَبْدَهُمَا، أو لم يَجْرِ ذِكْرُ عِوَضٍ، أو ذِكْرُ ما لا يقصد ولا مَالِيَّةَ له كالدَّمِ والحَشَرَاتِ، أو اختلفت الصِّيغَةُ بأن فُقِدَ الإيجَابُ أو القَبُولُ، أو لم يوافق أحدهما الآخر.
وأما الفَاسِدَةُ فهي التي امْتَنَعَتْ صِحَّتُهَا لِشَرْطٍ فَاسِدٍ، أو لِفَوَاتِ شرط في العِوَضِ، بأن كان خَمْراً، أو خِنْزِيراً، أو مجهولاً، أو لم يُؤَجِّلْهُ، أو لم يُنَجِّمْهُ، أو كاتب بَعْض العَبْدِ.
وضبطها الإِمَامُ فقال: إذا صدرت الكِتَابَةُ إِيجَاباً وقَبُولاً ممن تصح عِبَارَتُهُ، وظهر اشْتِمَالُهَا على قَصدِ المَاليَّةِ، لكنها لم تَسْتَجْمِعْ شَرَائِطَ [الصحة] 124 فهي الكتابة الفَاسِدَةُ.
إذا عرفت ذلك فالكتابة البَاطِلَة لاَغِيَةٌ، إلاَّ أنه صَرَّحَ بالتعليق، وهو ممن يصح
الجزء: 13 - الصفحة: 476
تَعْلِيقُهُ، فيثبت مقتضى التعليق.
وأما الفَاسِدَةُ، فإنها تُشَارِكُ الصَّحِيحَةَ في بعض الأحكام، على ما سنذكر على الأَثَرِ، وإنما كان كذلك على خلاف البيع، وسائر العقود، حيث لا يُفَرَّقُ فيها بين البَاطِلِ والفاسد 125؛ لأن العِتْقَ هو المَقْصُودُ من الكتابة، ولتوقع العتق صَحَّحْنَاهَا وإلا فهي على خِلاَفِ القِيَاسِ على مَا مَرَّ، وتعليق العتق لا يفسد، وإن فَسَدَتِ الكتابة، فانْتِظَارُ العِتْقِ الذي هو المقصود [أحوج] 126 إلى أن يثبت في الفَاسِدَةِ بعض أحكام الصحيحة، هكذا وَجَّهَ الإِمَامُ.
لكن قَضِيَّةَ هذا أن تكون الكتابة البَاطِلَةُ إذا صَحَّ التَّعْلِيقُ فيها كالكِتَابَةِ التي سَمَّيْنَاهَا فَاسِدَةً.
وقوله في الكتاب: "أو غير مالك" [أو بغير إذن المالك] 127، وقوله: "أو مُكْرَهِ" بين اشتراط الاختيار في السَّيِّدِ والعَبْدِ جميعاً، ولم يذكره في الرُّكْنَيْنِ، وقد يهمل مِثْلُ هذا لِوُضُوحِهِ.
وقوله: "أو عدم قصد مَالِيَّةِ العِوَضِ، كما لو كاتب على دَمٍ أو حَشَرَاتٍ"، في قوله: "إن الدم لا يقصد" تَوَقُّفٌ أبْدَيْناه في "الخُلْعِ".
وَعَدَّ الصَّيْدَلاَنِيُّ الكِتَابَةَ على المَيْتَةِ والدَّمِ من صور الكتابة الفاسدة، كالكتابة على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ.
والله أعلم.
الجزء: 13 - الصفحة: 477
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ الفَاسِدُ يُسَاوِي الصَّحِيحَ فِي ثَلاَثةِ أُمُورٍ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ يَحْصُلُ العِتْقُ بِالأَدَاءِ، لَكِنْ بِحُكْمِ التَّعْلِيقِ، فَلاَ يَحْصُلُ بِالإِبْرَاءِ وَالاعْتِيَاضِ.
(والثاني): أنَّهُ يُسْتَقَلُّ بِالكَسْبِ وَيَسْتَتْبعُ عِنْدَ العِتْقِ مَا فَضُلَ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَذَا وَلَدُهُ مِنْ جَارِيَتِهِ، أَمَّا وَلَدُ المُكَاتَبَةِ فَفِي سِرَايَةِ الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ إِلَيْهِ قَوْلاَنِ، كَمَا فِي سِرَايَةِ التَّعْلِيقِ.
(والثَّالِثُ): أنَّهُ يَسْتَقِلُّ حَتَّى يُعَامِلَ السَّيِّدُ، وَتَسْقُطَ عَنْهُ نَفَقَتهُ، وَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يُسَافِرُ، وَفِي صَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأَصْحَابُ: تَعْلِيقُ العِتْقِ بالصِّفَةِ على ثلاثة أَقْسَامٍ:
أحدها: التَّعْلِيقُ الخَالِي عن المُعَاوَضَةِ، كقوله: إن دخلت الدَّارَ أو إن كلمت فلاناً فأنت حُرٌّ.
ومن هذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: إن أَدَّيْتَ إِلَيَّ كذا فأنت حُرٌّ، فإن المال ليس مَذْكُوراً على سبيل الأَعْوَاضِ، فهذا لازم من الجَانِبَيْنِ، فليس لِلْعَبْدِ، ولا للسيد ولا لَهُمَا رَفْعُهُ بالقول، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ السيد [وإذا وجدت الصِّفَةُ في حياته عُتِقَ، وكَسْبُ العبد] 128 قبل وجود الصفة للسيد، ولو أَبْرَأَهُ في صُورَةِ التعليق بأَدَاءِ المال عن المال، لم يُعْتَقُ، ولا تراجع بين السَّيِّدِ وبَيْنَهُ.
والثاني: التَّعْلِيق في عقد يَغْلِبُ فيه معنى المُعَاوَضَةِ، وهو الكتابة الصَّحِيحَةُ، في عَقْدٍ فيه معنى المُعَاوَضَةِ، وَيَغْلِبُ فيه معنى التعليق، وهو الكتابة الفَاسِدَة، وهي كالصحيحة في أحكام:
أَحَدُهَا: أنَّه إذا أَدَّى العَبْدُ المُسَمَّى عُتِقَ بموجب التعليق، ولا يُعْتَقُ بإبراء السيد، ولا بأَدَاءِ الغير عنه تبرعاً؛ لأن الصِّفَةَ المُعَلَّقَ عليها لا تَحْصُلُ بهما، بخلاف الكتابة الصحيحة.
وحكى الصَّيدَلاَنِيُّ عن أبي حنيفة أنَّه يُعْتَقُ بهما، ولو اعْتَاضَ عن المسمى لم يُعْتَقْ أيضاً.
وقوله في الكتاب: "فلا يحصل بالإبْرَاءِ أو الاعتياض" ونَبَّهَ على [أن العتيق] 129 يحصل بِمُوجَب التعليق، لا بحكم المُعَاوَضَةِ وإلاَّ فهو مما يُفَارِق فيه الكِتَابَة الفاسدة الكِتَابَةَ الصحيحَة، وذِكْرُهُ هناك أَحْسَنُ.
وقوله: [الاعتياض] 130 قد يفهم من السِّيَاقِ المذكور تَجْوِيزُ الاعتياض في الكتابة الصحيحة، وحُصُولِ العِتْقِ، لكن فيه خِلاَفٌ سيأتي من بَعْدُ، إن شاء الله تعالى.
الجزء: 13 - الصفحة: 478
والثاني: أنَّه يَسْتَقِلُّ بالاكتساب لِيَتَرَدَّدَ وَيتَصَرَّفَ، فيؤدي المسمى، ويُعْتَق، وإذا أَدَّى فيما فَضَلَ من الكَسْبِ، فهو له، وإنما كان كذلك؛ لأن الكِتَابَةَ الفاسدة كالصحيحة في حُصُولِ العتق بأَدَاءِ المُسَمَّى والأداء يكون من الكَسْب، فيكون بمنزلة الصَّحِيحَةِ في الكَسْبِ.
وولد المُكَاتَب من جَارَيتِهِ بِمَثَابَةِ أَكْسَابِهِ لكن لا يبيعه فإنه مكاتب عليه، على ما سَنَذْكُرُ من بَعْدُ، إن يسر الله تعالى.
فإذا عُتِقَ تَبِعَهُ، وعتق عليه.
والمُكَاتَبَةُ كِتَابَةً فاسدة؛ هل يتبعها وَلَدُهَا؟
فيه طريقان:
أظهرهما: على ما ذكره الإِمَامُ وغيره -رحمهم الله-، نعم كالأَكْسَابِ.
والثاني: وهو المذكور في الكِتَابِ، وحكاه الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ عن أبي زيد أن فيه قولين؛ لأن العِتْقَ إنما يَحْصُل في الكتَابة الفَاسِدَةِ من جهة التعليق، وقد ذكرنا في "التَّدْبِيرِ" قولين في وَلَدِ المُعَلَّقِ عِتْقُهَا.
هذا ما أَوْرَدَهُ.
وسنذكر في ولد المُكَاتَبَةِ كِتَابَةً صَحِيحَةً قولين، في أنَّه هل يتبعها؟ فيمكن أن يقال: الطريقان مُتَفَرِّعَانِ على قولنا بأنه يَتْبَعُهَا هناك.
والثالث: أَوْرَدَ الإِمَامُ، وصاحب الكتاب أنَّه إذا اسْتَقَلَّ سقطت نَفَقَتُهُ عن السَّيِّدِ، وأن له مُعَامَلَةَ السيد كالمكاتب كتابة صحيحة.
والذي ذكره صاحب "التهذيب" أنَّه لا تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ مع السيد، وأنه لا ينفذ تَصَرُّفُهُ فيما في يَدِهِ، كما في المُعَلَّقِ عِتْقُهُ بصفة، ولعل هذه أقوى.
واختلفوا في صُورَتَيْنِ:
إحداهما: هل للمكاتب كِتَابَةً فاسدة أن يُسَافِرَ دون إِذْنِ السيد؟
يبنى ذلك على أن للمكاتب كِتَابَةً صحيحة؛ هل 131 يسافر بغير إذْنِهِ؟
وقد نَصَّ في باب كتابة بَعْضِ العبد في "المختصر" أنَّه يُسَافِرُ وعن "الإملاء": مَنْعُهُ، وفيهما طريقان لِلأَصْحَابِ:
أحدهما: أن فيه قولين:
أحدهما: المَنْعُ، وبه قال مالك؛ لما فيه من المُخَاطَرَةِ بالمال، ولهذا لم يكن لِلشَّرِيكِ أن يُسَافِرَ بغير الإِذنِ بمال الشَّرِكَةِ.
وأصحُّهما: الجَوَازُ، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وأحمد -رحمهما الله- لأنه قد يَسْتَعِينُ
الجزء: 13 - الصفحة: 479
بالسَّفَرِ على الاكْتِسَاب، ولأن المُكَاتَبَ في يَدِ نَفْسِهِ، والسيد يَسْتَحِقُّ عليه دَيْناً مُؤَجّلاً، والدَّيْنُ المُؤَجَّلُ لا يمنع السَّفَرَ.
والثاني: حَمْلُهُمَا على حَالَيْنِ، حيث جوز أَرَادَ السفر القصير وحيث منع أراد السفر الطويل.
وقيل: حيث جَوَّز أراد ما إذا لم يحل النَّجْم؛ وحيث منع أراد ما إذا حَلَّ.
فإن قلنا: يسافر بغير إِذْنٍ، ففي المُكَاتَبِ كِتَابَةً فاسدة وجهان:
أحدهما: أن له ذلك أيضاً؛ لاسْتِفلاَلِهِ بالكَسْبِ.
وأظهرهما: المنع؛ لأن تَمْكِينَهُ من الخروج عن ضَبْطِ السيد ونَظَرِهِ من غير عقد لازم بعد.
الثانية: يجب على السَّيِّدِ فِطْرَةُ المُكَاتَب كِتَابَةً فَاسِدَةً، وهل يصرف إليه سَهْمُ الرِّقَابِ؟ فيه وجهان عن حكاية القاضي الحسين 132: أحدهما: نعم؛ لأنها من الأَكْسَابِ التي يُتَوَصَّلُ بها إلى العِتْقِ، وهو مُسْتَقِلٌّ بالاكتساب.
وأصحُّهما: وهو المَحْكِيُّ عن النَّصِّ: لا؛ لأن هذه الكِتَابَةَ غير لاَزِمَةٍ، والقَبْضُ فيها غير مَوْثُوقِ به، وعلى هذا فالمَسْأَلَةُ مما يُفَارق فيها الكتابة الفاسدة الصحيحة، وكذا المُسَافَرَةُ إذا منعناها في الفَاسِدَةِ، وجَوَّزْنَاهَا في الصحيحة.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُفَارِقُهُ فِي أَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ مَا عُلِّقَ بِهِ الأَدَاءُ رَدَّهُ، وَرَجَعَ إلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ لِفَسَادِ العِوَضِ (والثَّانِي): أنَّها لاَ تَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ السَّيِّدِ فَلَهُ فَسْخُهَا، وَمَهْمَا فَسَخ، أَوْ قَضَى القَاضِي بِرَدِّهَا، لَمْ يُعْتَق بِحُكْمِ التَّعْلِيق، وَإِنْ أَقدَّ؛ لأَنَّهُ كانَ تَعْلِيقاً في ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ، وَلَو أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتهِ صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَكانَ فَاسِخاً لِلكِتَابَةِ حَتَّى لاَ يَتْبَعَهُ الكَسْبُ، بِخِلاَفِ الكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإنَّهَا تَمْنَعُ الإجْزَاءَ عَنِ الكَفَّارَةِ، وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ فَأدَّى إلَى الوَارِث، لَمْ يُعْتَقْ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ القَائِلَ لَهُ: إِذَأ أَدَّيتَ فَأنْتَ حُرٌّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حَقُّ لفظ "الكتابة" تأنيث الكتابة، والتذكير هاهنا.
وفي قوله: "من قبل ثم الفاسد يساوي الصحيح" مَرْدُودٌ إلى العَقْدِ أو نحوه.
وفي الفصل مسائل:
الجزء: 13 - الصفحة: 480
إحداها: إذا أَدَّى العَبْدُ المَسَمَّى في الكتابة الفَاسِدَةِ، وحصل العِتْقُ، فيرجع السيد بما أَدَّى؛ لأنه لم يَمْتَلِكْهُ، ويرجع السيد عليه بِقِيمَةِ رَقَبَتهِ؛ لأن فيها معنى المُعَاوَضَةِ، وقد تَلِفَ المعقود عليه بالعِتْقِ، فهو كما لو تَلِفَ المبيع بَيْعاً فَاسِداً في يَدِ المشتري، يرجع على البائع بما أَدَّى، ويرجع البَائِعُ عليه بالقِيمَةِ، وكذا لو خَالَعَ على عِوَضٍ فاسد، إلاَّ أن الخُلْعَ لا مُسْتَدْرَكَ له، والكتابية تَقْبَلُ الرَّفْعَ، وإن كانت صَحِيحَةً، والاعتبار بقيمة يوم العِتْقِ، فإنه يوم التَّلَفِ.
وعن رواية ابن خَيْرَانَ قول: أنَّه يعتبر قِيمَةُ يَوْمَ العَقْدِ.
[كما في الكتابة الصحيحة، فأما إذا احتجنا إلى قسمة العِوَضِ عن العبد يُرَاعى قيمتهم يوم العقد] والظاهر المشهور: الأوَّل، وإنما اعتبرنا فيه يوم العقد في الكتابة الصَّحِيحَةِ؛ لأنه وَقْتُ الحَيْلُولَةِ، وهاهنا تحصل الحَيْلُولَةُ بالعِتْقِ، وإذا هلك المسَمَّى في يَدِ السَّيِّدِ، رجع العَتِيقُ بِمِثْلِهِ أو قيمته، فإن كان الوَاجِبُ على السَّيِّدِ من جِنْسِ القيمة بأن كان غَالِبُ نَقْدِ البلد فهو على أَقْوَالِ التَّقَاصِّ، وسيأتي ذِكْرُهَا في الكتاب إن شاء الله تعالى.
وإذا حصل التَّقَاصُّ، وفضل لأحدهما شَيْءٌ رجع بالفَاضِل.
وما ذكرنا من التراجع 133 فيما إذا كان المُسَمَّى مِمَّا له قِيمَةٌ، فإن كان خَمْراً أو خِنْزِيراً، فلا يرجع العتيق على السَّيِّدِ بشيء، وهو يرجع على العَتِيقِ بقيمة رَقَبَتِهِ.
الثَّانِيَةُ: للسيد فَسْخُ الكِتَابَةِ الفاسدة؛ لأن المُسَمَّى فيها لا يسلم للسَّيِّدِ، فإن لِلْعَبْدِ اسْتِرْدَادَهُ، بخلاف الكتابة الصحيحة، ثم إن شاء فَسَخَ بنفسه، وإن شاء رَفَعَ 134 الأَمْرَ 135 إلى الحَاكِمِ، حتى يحكم بِإِبْطَالهَا أو بِفَسْخِهَا.
قال القاضي الرُّوَيانِيُّ: وهو كما لو وَجَدَ المُشْتَرِي بالمَبِيعِ عَيْباً، له أن يفسخ البيع بنفسه، وله أن يرفع الأَمْرَ إلى الحاكم، حتى يفسخه ولا يبطلها الحاكم من غَيْرِ طَلَبِ السيد.
ذكره في "التهذيب".
ويجوز أن يُعَلمَ قوله في الكتاب: "فله فسخها" بالواو.
لأن القاضي ابْنُ كَجٍّ ذَكَرَ أن ابن القَطَّانِ حكى عن ابن سَلَمَةَ وَجْهاً آخر: أنَّه لا سَبِيلَ إلى إِبْطَالِ الكِتَابَةِ الفاسدة بالقول؛ لأن العِتْقَ فيها يَحْصُلُ بحكم التَّعْلِيقِ، والتعليق لا يجوز إِبْطَالُهُ، والظَّاهِرُ الأوَّلُ.
وإذا فسخها، أو حكم الحاكم بِإِبْطَالِهَا، ثم أَدَّى المُسَمَّى لم يعتق.
وَوُجِّهَ بأنه -وإن كان تَعْلِيقاً- فهو تَعْلِيقٌ في ضمن معاوضة، وإنما عقد طالباً
الجزء: 13 - الصفحة: 481
لِلْعِوَضِ، وكأنه قال: إن أَدَّيْتَ كذا في ضمن معاوضة فأنت حُرٌّ، فإذا ارتفعت المُعَاوَضَةُ ارتفِع التَّعْلِيقُ الذي تَضَمَّنَتهُ، وكأنه قال: إن أَدَّيْتَ فأنت حُرٌّ ما لم أرجع، فالعِتْقُ يَتَعَلَّقُ بِالأدَاءِ، وعدم الرجوع، وقد بَطَلَتْ إحدى الصِّفَتَيْنِ.
وليشهد السيد على الفَسْخِ فإن وجد أَدَاءُ المسمى، واختلفا فقال العبد: أَدَّيْتُهُ قبل أن فسخت، وقال السيد: بَلْ بعده.
فالمُصَدَّقُ العَبْدُ؛ لأن الأصل عَدَمُ الفسخ، وعلى السيد البَيِّنَةُ.
الثالث إذا أعتق المُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، عُتِقَ، لا عن جِهَةِ الكتابة، وكان إِعْتَاقُهُ فَسْخاً للكتابة، وليكن الحكم كذلك لو بَاعَهُ أو وَهَبَهُ، وعلى هذا فلو أَعْتَقَهُ عند كَفَّارَتِهِ فيجْزِيهِ، وقد سبق ذِكْرُ هذا مَرَّةً في "الكَفَّارَاتِ" وحكاه الشيخ أبو عَلِيٍّ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- ثم قال: إذا عُتِقَ لا عن جِهَةِ الكتابة لم يَتْبَعْهُ الكَسْبُ والأَوْلاَدُ بخلاف الكتابة الصحيحة؛ لأن المُكَاتَبَ هناك اسْتَحَقَّ العِتْقَ على السيد بعقد 136 لاَزِم، واستحق [استتباع] 137 الأَكْسَابِ والأولاد فليس للسَّيِّدِ إِبْطَالُهُ، وهاهنا لا اسْتِحْقَاقَ على السيد، فجعل فَاسِخاً للكتابة.
قال: وَعَرَضْتُ هذا على الشيخ القَفَّالِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وأَقَرَّني عليه ولم يَرَ غيره.
وهذا ظاهر المذهب، والمذكور في الكتاب ولْيُعْلَمْ مع ذلك قوله في الكتاب: "لأبرئت ذمته"، [وقوله] 138: "وكان فاسخاً للكتابة".
وقوله: "حتى لا يتبعه الكسب" كلها بالواو، لا كما ذكرنا في الكَفَّارَةِ: إن الإِمام قال: إجْزَاؤُهُ عن الكَفَّارَةِ مرتب على أنَّه إذا أَعْتَقَهُ السيد، هل يَسْتَتْبعُ عِتْقُهُ الأَكْسَابَ والأَوْلاَدَ؟ فيه خلاف مُحَالٌ على هذا الباب، فإن لم يستتبع كان إِعْتَاقُهُ فَسْخاً وإِجْزَاءً عن الكَفَّارَةِ، وإلاَّ ففي الإِجْزَاءِ وجهان.
وقوله: "فإنها تمنع الإِجْزَاءَ عن الكفَّارة" يجوز أن يُعَلَمَ بالحاء والألف؛ لما ذكرنا في الكَفَّارَاتِ.
"الرابعة": تبطل الكتابة الفاسدة بمَوْتِ السَّيِّدِ، فلا يحصل العِتْقُ بالأَدَاءِ إلى الوَارِثِ بعد الموت.
وعن أبي حَنِيْفَةَ وأحمد: أنَّه يَحْصُلُ، كما في الكِتَابَةِ الصحيحة.
لنا: أنها جَائِزَةٌ من الجَانِبَيْنِ، فتبطل بالموت كالوِكَالَةِ.
وأيضاً؛ فإنا قد ذَكَرْنَا أن العِتْقَ فيها يَحْصُلُ بِحُكْمِ التعليق، فيبطل بالموت كسائر التعليقات.
نعم، لو قال: لو أديت إلى ذُرِّيَّتِي كذا بعد موتي، فأنت حُرٌّ.
عتق بالأَدَاءِ إليهم،
الجزء: 13 - الصفحة: 482
كما لو قال: إن دخَلْتَ الدار بعد موتي.
ولا يَخْفى أن الكِتَابَةَ الفَاسِدَةَ مُفَارِقَةٌ للصحيحة في المَسَائِل الأربع جميعاً، وقد نُنَاقِشُ لذلك في قوله في الكتاب: "ويفارقه في أمرين" فإنه يفهم (1) الحصر، وليس بين المَسَائِلِ الثلاث بين الأخيرة رَبْطٌ حتى يجعل إفراد الرابع (2) المذكور أولاً إفراد أيضاً.
فلا يجب الإِيتاء في الكتابة الفَاسِدَة على ما سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى.
وإذا كاتب جَارِيَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، وعجزت عن الأَدَاءِ فارقها، أو فسخ الكتابة لم يجب الاسْتِبْرَاءُ، بخلاف ما في الكِتَابَةِ الصحيحة.
ولو عَجَّلَ النُّجُومَ في الكتابة الفاسدة؛ فهل يُعْتَقُ كما في الكِتَابَةِ الصحيحة، أو لا يعتق؛ لأن الصِّفَةَ لم توجد على وَجْهِهَا؟
فيه وجهان (3) هذا تَمَامُ الكلام في أَرْكَانِ الكتابة بِتَوَابِعِهِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهَا، وَهِيَ خَمسَة: الأَوَّل مَا يَحْصُلُ بِهِ العِتْقُ وَفِيهِ مَسَائِلُ سِتَّةٌ: الأُولَى أنَّهُ يَحْصُلُ فِي الصَّحِيحَةِ بِأدَاءِ النُّجُوم، وَبِالإبْرَاءِ، وَبالاعْتِيَاضِ، وَلاَ يَحْصُلُ بِجُزْءٍ مِنَ النُّجُوم جُزْءٌ مِنَ الحُرِّيَّةِ حَتَّى يُؤَدِّي الكُلَّ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ دُفْعَةً عُتِقَ أَحَدُهُمَا بِأدَاءِ نَصِيبِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّانِي، وَلَوْ كَاتَبَا عَبْداً لَمْ يُعْتَق نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ النُّجُومِ إلَيْهمَا، إلاَّ أَنْ يُكاَتَبَ وَاحِدٌ، وَيُخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَيُعْتَقَ نَصِيبُ أَحَد الابْنَيْنِ بِأدَاءِ نَصِيبِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "في
أحكامها
" يرجع إلى الكتابة المُسْتَجْمِعَةِ الأركان بِشَرَائِطِهَا، وهي الصحيحة، هذا هو المَعْهُودُ من تَرْتِيبِ صاحب الكتاب في المقدمة.
وحينئذ فقوله في الصحيحة حيث قال: "يحصل في الَصحيحة بأداء النجوم" مُسْتَغنى عنه.
واعْلَمْ أنَّه جعل أحكام الكتابة الصحيحة خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ، وأَدْرَجَ فيها ما يحتاج إلى مَعْرِفَتِهِ في هذا النَّظَرِ:
أحدها: أن العتق بم يحصل، ولا شَكَّ في حصوله بأَدَاءِ النجوم بِتَمَامِهَا، وكذلك بالإِبْرَاءِ عنها على قَضِيَّةِ الإِبْرَاءِ عن الثَّمَنِ والأُجْرَةِ.
وأما قوله: "وبالاعتياض"؛ فهذا قد أَرْسَلَهُ إِرْسَالاً، والمفهوم منه إذا أخذ عن النجوم عِوَضاً حصل العِتْقُ لِبَرَاءَةِ الذمة عن النجوم، لكن في جَوَازِ الاستبدال عن النُّجُومِ139140141
الجزء: 13 - الصفحة: 483
خِلاَفٌ قد [صرح] 142 به من بَعْدُ وإنما يستمر ما أَطْلَقَهُ هاهنا على تَجْوِيزِ الاسْتِبْدَالِ، وقد أجرى مِثْلَ هذا من خلاف أحكام الكتابة الفاسدة.
وإذا جوزنا الحِوَالَةَ بالنُّجُوم، أو عليها، فيحصل العتق بِجَرَيَانِ الحِوَالَةِ أيضاً، ولا يحصل بأدَاءِ بَعْضِ النجوم، أو بالإِبْرَاءِ عن بعضها عن بعض العَبْدِ، بل يتوقف على أَدَاءِ الكل، والإِبراء عن الكُلِّ؛ لما روي عن عَمْرِو بنِ شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّهِ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ من كِتَابَتِهِ" 143.
ولو كاتب عَبْدَيْنِ أو عَبيداً دُفْعَةً واحدة، فقد ذكرنا خِلاَفاً في صِحَّةِ هذه الكتابة، وإذا صَحَّحْنَاهَا -وهو الأَظْهَرُ- فقد بَيَّنَّا أنَّه إذا أدَّى بَعْضُهُم حِصَّتَهُ عُتِقَ، وإن لم يُؤَدِّ الآخر، وحكينا خِلاَفَ أبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- فيه، فَلْيُعَلمْ قوله: "عتق أحدهما" [بالحاء والميم، ويجوز أن يُعَلَمَ بالواو أيضاً؛ لأن عِتْقَ أحدهما] بأداء نصيبه إنما يَسْتَمِرُّ على قَوْلِنَا بِصِحَّةِ الكتابة.
فأما إذا حَكَمْنَا بِفَسَادِهَا فقد مَرَّ هناك أن الأَقْيَسَ أنَّه لا يعتق بعضهم بأداء حِصَّتِهِ خَاصَّةً.
ولو كاتب اثْنَانِ عَبْداً مُشْتَركاً بينهما معاً، فينبغي أن يسوى بينهما في الأَداءِ، ولا يعتق نصيب أحدهما بأدَاءِ نصيبه من النجوم على ما سيأتي.
ولو كاتب إنسان عَبْداً ومات، وخَلَفَ ابنين، فَأدَّى نصيب أحد الابنين بغير إذْنِ الآخَرِ، لم يعتق نَصِيبُهُ، وإن أدَّاهَ بالإِذْنِ ففي عَتْقِ نصيبه خِلاَفٌ سنشرحه من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
والذي أَطْلَقَهُ هاهنا جَوَابٌ على أحد القَوْلَيْنِ، وليعلم بالواو لما سيأتي.
وقوله: "إلا أن يكاتب واحداً ويخلف ابنين" لا يخفى أنَّه ليس باسْتِثنَاءٍ مُحَقّقٍ، ولما ذكر أن العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ بِبَعْضِ النجوم أَدَاءً أو إِبْرَاءً.
أَشَارَ بِذِكْر هذه الصورة إلى أن ذلك فيما إذا اتَّحَدَ المُكَاتَبُ والمالك، فأما إذا
الجزء: 13 - الصفحة: 484
تَعَدَّدَ المُكَاتَبُ فقد تَتَبَعَّضُ، وكذلك إذا تعدد المالك مما في مَسْأَلَةِ الوَارِثينَ على رَأْيٍ.
واعلم أن المسائل والصُّوَرَ المتعلقةُ بقاعدة واحدة كثيراً مَا وَقَعَتْ مُتَبَدِّدَةً في الكتاب، وتَوَلَّدَ من ذلك بَعْضُ التطويل والتَّكْرَارِ، ولو وقعت مَجْمُوعَةَ لكانت أَقْرَبَ إلى الفَهْمِ والاختصار، وكِتَابَةُ الشريكين العَبْدَ المُشْتَرَكَ من هذا القَبِيلِ، فَتَأمَّلْ صورها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةَ إِذَا جُنَّ السَّيِّدُ وَقَبَضَ النُّجُومَ لَمْ يُعْتَق حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَى القَيِّمِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلاَ ضَمَانَ لِلتَّقْصِيرِ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَلَوْ جُنَّ العَبْدُ فَقَبَضَ مِنْهُ السَّيِّدُ عُتِقَ لأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِشْرطٍ أَمَّا الكِتَابَةُ الفَاسِدَةُ فَتَنْفَسِخُ بِجُنُونِهِمَا عَلَى وَجْهٍ لِجَوَازِهَا، وَلاَ تَنْفَسِخُ عَلَى وَجهٍ؛ لأَنَّ مَصِيرَهَا إلى اللُّزُومِ، وَتَنْفَسِخُ عَلَى وَجْهٍ بِجُنُونِ المَالِكِ دُونَ جُنُونِ العَبْدِ، لأَنَّ الصَّحِيْحَةَ أَيْضَاً جَائِزَةٌ فِي حَقِّ العَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا تنفسخ الكِتَابَةُ بجُنُونِ السيد، ولا تنفسخ بِجُنُونِ العبد، ولا بإِغْمَائِهِمَا؛ لأن الكِتَابَةَ لاَزِمَةٌ من أَحَدِ الطرفين فَأَشْبَهَتِ الرَّهْنَ، وإنما تَنْفَسِخُ بالجُنُونِ العُقُودُ الجَائِزَةُ من الطرفين كالشَّرِكَةِ والوِكَالَةِ.
ثم إذا جُنَّ السَّيِّدُ، فعلى المُكَاتَب تَسْلِيمُ المال إلى قَيِّمِهِ، فإن سلم إليه لم يُعْتَقْ؛ لأن قَبْضَهُ فَاسِدٌ، ولو 144 تَلِفَ في يَدِهِ، فلا ضَمَانَ، لتقصيره بالتسليم إليه.
ثم إن لم يكن في يَدِ المُكَاتَب شيء آخر يُؤَدِّيهِ في الكتابة فِلِلْقَيِّم تَعْجِيزُهُ، فلو حُجِرَ عليه بالسَّفَهِ فهو كالوَجْهَيْنِ، فإذا أَدَّى المُكَاتَبُ إليه في حال الحَجْرِ وعجزه الولي ثم رُفِعَ الحَجْرُ عنه لم يَلْغُ التَّعْجِيزُ.
ومنهم من أَثْبَتَ فيه قولين، كما سبق في المُرْتَدِّ، إذا أَخَّرَ 145 النجوم وعجز الحاكم المُكَاتَبَ، ثم أسلم المُرْتَدِّ.
والظاهر الأَوَّل، وفرق بينهما بأن حَجْرَ السَّفِيهِ أَقْوَى؛ ألا ترى أن تَصَرُّفَهُ لا ينفذ، وتصرف المُرْتَدِّ يَنْفُذُ في قول، وبأن الحجر على السفيه لحفظ 146 ماله، فلو حُسِبَ عليه ما أَخَذَهُ وأَتْلَفَهُ في حال الحَجْرِ لم يحصل حِفْظُ المال.
والحَجْرُ على المُرْتَدِّ لِرِعَايَةِ حَقِّ المسلمين؛ فإذا عَادَ إلى الإِسْلاَمِ، فلا حَقَّ لهم في ماله ولا يَضُرُّهُمْ احْتِسَابُ ما أخذه عليه.
وإذا جُنَّ العَبْدُ فَأَدى في جُنُونِهِ، أو أخذه السيد من غير 147 أَدَاءٍ منه يُعْتَقُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 485
ووجه ذلك بأن قَبْضَ النجوم مُسْتَحَقٌّ، ولو أخذها المولى من غير إِقْبَاضٍ من المُكَاتَب، وقع موقعه 148، وإذا كان الأَمْرُ بهذه المَثَابَةِ، فبالأخذ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وإذا بَرِئَ عُتِقَ.
هَذا هو المشهور المذكور في الكتاب.
وقال الإِمام: إن عَسِرَ وُصُولُ السَّيِّدِ إلى حَقِّهِ إلا من جِهَةِ قبض ما يصادف، فله ذلك، وإن [أَمْكَنَ] 149 مُرَاجَعَةُ من ينصبه القاضي نَاظِراً لِلْمُكَاتَب، فلا وَجْهَ لاسْتِبْدَادِهِ بالقَبْضِ عندنا، ولو اسْتَبَدَّ لم يَصِحَّ، وإذا لم يَصِحَّ؛ فلو أقبضَ المَجْنُون لم يكن لإِقْبَاضِهِ حُكْمٌ.
وفي خلال كَلاَمِ الإِمام إِثْبَاتُ قول أو وجه في أن الكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بجنون المُكَاتَب، وقد تَعَرَّضَ له صَاحِبُ الكتاب من بَعْدُ، فإن ثبت ذلك رُخِّصَ في إِعلام قوله هاهنا: "عتق" بالواو وهذا في الكتابة الصحيحة وأما الفَاسِدَةُ؛ فهل تَبْطُلُ بجنونهما وإغمائهما؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: نعم؛ لِجَوَازِهَا من الطرفين كالشَّرِكةِ والوِكَالَةِ.
والثاني: لا؛ لأن المُغَلَّبَ فيها التَّعْلِيقُ، والتعليق لا يَبْطُلُ بالجنون، ويحكى هذا عن الشيخ أَبِي حَامِدٍ، وهو الأَصَحُّ عند الإِمَامِ ووجهه بأنها -وإن كانت جَائِزَةً- فَمَصيرُهَا إلى اللُّزُومِ كالبيع في زمان الخِيَارِ.
وأصحها عند الأكثرين -وهو ظَاهِرُ النَّصِّ- أنها تبطل بِجُنُونِ السَّيِّدِ وإغمائه بالحَجْرِ عليه، ولا تبطل بِجُنُونِ العبد وإِغْمَائِهِ.
والفَرْقُ أن الحَظَّ في الكتابة للعبد، لا للسيد؛ لما سبق أنها تَبَرُّعٌ، فيؤثر اختلال عقل السيد، ولا يُؤَثِّرُ اخْتِلاَلُ عَقْل العبد.
وأيضاً فإن العَبْدَ لا يَتَمَكَّنُ من فَسْخِ الكتابة، ورفعها صحيحة كانت أو فاسدة، وإنما يعجز نفسه، ثم السيد يَفْسَخُ إن شاء، وإذا لم يملك الفَسْخَ لم يُؤَثِّرْ جُنُونُهُ.
وأيضاً فإن الكِتَابَةَ الصحيحة أيضاً جائزة في حَقِّ العَبْدِ، وجوازها لا يقتضي بُطْلانَهَا بجنونه؛ فكذلك الكِتَابَةُ الفاسدة، فإن قلنا: إنها لا تبطل، فلو أَفَاقَ وأَدَّى المسمى عُتِقَ، وثبت التَّرَاجُعٌ، وبمثله أجابوا فيما إذا أخذ السَّيِّدُ في جُنُونِهِ، وقالوا: ينصب الحاكم مَنْ يرجع له.
وينبغي أن يقال: لا يُعْتَقُ هاهنا بِأَخْذِ السيد وإن قلنا في الكِتَابَةِ الصحيحة: إنه يُعْتَقُ؛ لأن المُغَلَّبَ هاهنا التَّعْلِيقُ، والصفة المعلق عليها الأَدَاء من العبد، ولم يوجد
الجزء: 13 - الصفحة: 486
وإذا قلنا: إنها تَبْطُلُ؛ فلو أَدَّى المُسَمَّى، ففي حصول العِتْقِ وجهان:
أظهرهما: أنَّه لا يَحْصُلُ؛ لأن العِتْقَ بالتعليق في الكِتَابَةِ الفاسدة يَتْبَعُ الكِتَابَةَ، فإذا ارْتَفَعَتِ ارتفع التَّعْلِيقُ، كما لو فسخها السَّيِّدُ.
والثاني: يحصل؛ لوجود الصِّفَةِ المُعَلَّقِ عليها، ويخالف ما لو فَسَخَ السيد، فإن فَسْخَهُ رَفْعٌ للتعليق من جِهَتِهِ.
وعلى هذا قال الإمَامُ: الوَجْهُ القَطْعُ بأنه لا تَرَاجُعَ؛ لأن التَّرَاجُعَ قَضِيَّةُ الكتابة الفَاسِدَةِ، وقد زَالَتْ وبقي التعليق المَحْضُ.
ومن أصحابنا من أَثْبَتَ الرُّجُوعَ على العَبْدِ بالقيمة قال: وَمَسَاقُهُ أن يتبعه الكَسْبُ، وهذا كالنَّدَمِ على الحكم بارتفاع الكِتَابَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ إِذَا كَاتَبَا عَبْداً ثم أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عُتِقَ وَسَرَى فِي الحَالِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: لاَ يَسْرِي إِلاَّ أنْ يُرَقَّ النَّصِيبُ الثَّاني بِالعَجْزِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي فِي الحَالِ، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في مَحَلِّ السِّرَايَةِ، وَيَنْتَقِلُ مُكَاتَباً ويُعْتَقُ حَتَّى يَكُونَ الوَلاَءُ لِلشَّرِيكِ لاَ لِمَنْ سَرَى عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّ كَوْنَهُ مُكَاتَباً يَمْنَعُ السِّرَايَةَ، ثُمَّ إِبرَاءُ أَحَدِهِمَا يَجْرِي مَجْرَى إِعْتَاقِهِ فِي السِّرَايَةِ وَكَذَا قَبْضُ نَصِيبِ نَفْسِهِ بِرِضَا صَاحِبِهِ إِنْ قَضَيْنَا بِأنَّهُ يُوجِبُ العِتْقَ، فَيَسْرِي وَلاَ نَقُولُ: هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى القَبُولِ؛ لأنَّهُ اخْتَارَ أَصْلَ العَقْدِ، نَعَمْ أَحَدُ الابْنَيْنِ إِذَا قَبَضَ نَصِيبَهُ عُتِقَ (و) وَلَمْ يَسِرْ (و) لأَنَّهُ مَقْهُورٌ في القَبْضِ، وَلَمْ يَصْدُرِ العَقْدُ مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كاتب الشَّرِيكَانِ العَبْدَ المشترك معاً، ثم أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عُتِقَ، وهل يَسْرِي إلى نصيب الشَّرِيكِ إن كان مُوسِراً؟
عن حكاية صاحب "التقريب" وَجْهٌ أو قَوْلٌ مُخَرَّجٌ: أنَّه لا يَسْرِي.
وقد ذكرناه بتوجيهه في كتاب "العِتْقِ"، وهذا ما ذكره آخِراً في الكتاب.
فقال: "وقيل: إن كَوْنَهُ مُكَاتَباً يمنع السِّرَايَةَ"، والمذهب المشهور ثُبُوتُ أَصْلِ السِّرَايَةِ، وفي وقتها قَوْلاَنِ:
أحدهما: أنها تَثْبُتُ في الحال؛ لأنه قد عُتِقَ بعضه، والمقصود من شرع السِّرَايَةِ ألا تَتَبَعَّضَ الحُرِّيَّةُ.
وأظهرهما: أنها لا تَثْبُتُ في الحَالِ؛ لأنه قد انعقد سَبَبُ الحرية للنصيب الآخر، وقد يؤدي ويعتق.
ولأن العبد يَتَضَرَّرُ به من حيث إنه ينقطع عنه الوَلَدُ والكَسْبُ.
وعن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة: القَطْعُ بالقول الثاني.
الجزء: 13 - الصفحة: 487
فإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في نَصِيبِ الشريك فيسري 150 العِتْقُ مع بقاء الكِتَابَةِ؟
فيه وجهان:
أظهرهما: -ولم يُورِدْ أَكثرهم غَيْرَهُ- أنها تَنْفَسِخُ؛ لأن الإِعْتَاقَ أَقْوَى من الكتابة، فعلى هذا يُعْتَقُ كُلُّهُ على الشَّرِيكِ المعتق، ويكون الوَلاَءُ له.
والثاني: يَسْرِي العِتْقُ إليه، مع بَقَاءِ الكتابة لئلا تَتَبَعَّضَ الحُرِّيَّةُ، ولا يبطل حق الآخر، وعلى هذا فَوَلاءُ النِّصْفِ الآخر للشريك، لا للذي أعتق نَصِيبَهُ.
وإن قلنا: لا تثبت السِّرَايَةُ في الحَالِ؛ فإن أَدَّى نَصِيبَ الآخر من النجوم، عُتِقَ عن الكتابة، وكان الوَلاء بينهما.
فإن عَجَزَ وعاد إلى الرِّقِّ، تثبت السِّرَايَةُ حينئذ، ويكون الوَلاَءُ كله للشريك المُعْتِقِ، ويجيء الخِلاَفُ في أنها تَثْبُتُ بنفس العجز، أو بأداء القيمة، أو يَتَبَيَّنُ بأَدَاءِ القيمة حُصُولُ العتق من وقت العَجْزِ، ويجري هذا الخِلاَفُ على قولنا بثبوت السِّرَايَةِ في الحال.
وأيضاً: وإن مات قبل الأَدَاءِ أو العجز، فقد مات [حراً] 151 وَبَعْضُهُ رَقِيقاً.
وهل يورث عنه؟
فيه الخلاف المذكور في "الفَرَائِضِ".
ولو أَبْرَأَ أَحَدُ الشريكين عن نَصِيبهِ من النجوم، فهو كما لو أَعْتَقَهُ والقول في السِّرَايَةِ، وفي وقتها، كما ذكرنا فيما لوَ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نصيبه، فلو قبض أحدهما نَصِيبَهُ من النجوم بِرِضَا صاحبه، فهل يعتق نصيبه؟
فيه خلاف يأتي شَرْحُهُ إن شاء الله -تعالى- في المسألة الخَامِسَةِ من الحكم الثاني.
فإن قلنا: يُعْتَقُ، فهو كالإِعْتَاقِ في السِّرَايَةِ وَوَقْتِهَا.
قال الإِمام: ولا نقول: هو مُجْبَرٌ على القَبْضِ، فلا يَسْرِي؛ لأنه مختار في إِنْشَاءِ الكِتَابَةِ التي اقْتَضَتْ إِجْبَارَهُ على القبض، فهو كما لو قال أَحَدُ الشَّرِيكين: إذا طلعت الشَّمْسُ فَنَصِيبي منك حُرٌّ.
فإذا طلعت عُتِقَ نصيبه، وسَرَى؛ لأنه مُخْتَارٌ في التعليق.
نعم: إذا كاتب عَبْداً، ومات عن ابْنَيْنِ، فقبض أحدهما نَصِيبَهُ وقلنا: إنه يُعْتَقُ نصيبه على ما سَيَأْتِي إن شاء الله -تعالى- فلا يَسْرِي؛ لأنه مُجْبَرٌ على القَبْضِ، وابتداء الكِتَابَةِ لم تصدر منه ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "عتق" بالواو، وكذا قوله: "ولم يسر" لما سنذكر من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوِ ادَّعَى العَبْدُ عَلَى الشَّرِيكيْنِ أنَّهُ وَفَّاهُمَا بِالنُّجُومِ فَصَدَّقَهُ
الجزء: 13 - الصفحة: 488
أَحَدُهُمَا عُتِقَ نَصِيبُ المُصَدِّقِ وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِي السِّرَايَةِ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ مُخْتَارٌ في التَّصْدِيقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال العبد لمالكيه -وقد كَاتَبَاهُ-: قد وَفَّيْتُ عليكما النُّجُومَ.
وأَنْكَرَا، فهما المُصَدَّقَانِ باليمين، وإن صَدَّقَهُ أحدهما، وكَذَّبَهُ الآخَرُ، عُتِقَ المُصَدِّقُ، والمُكَذِّبُ مُصَدَّقٌ بِيَمِينِهِ، وهل يَسْرِي العِتْقُ من نصيب المُصَدِّقِ إلى نصيب المُكَذِّب؟ فيه اخْتِلاَفٌ سيظهر في الفصل، والظاهر: المنع.
والاختلاف في غير [النجم] 152 الأَخِيرِ، كالاختلاف فيه، إِلاَّ أن العِتْقَ لا يحصل بما سِوَّى النجم الأخير.
ولو قال المُكَاتَبُ لأحدهما: دَفَعْتُ إليك جَمِيعَ النجوم، لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ، وتدفع نَصِيبَ الآخر إليه، فقال: دَفَعْتَ إِلَيَّ نصيبي ودفعت نصيب الآخر إليه بنفسك، وأنكر الآخَرُ القَبْضَ؛ عتق نصيب المُقِرِّ، وصُدِّقَ في أنَّه لم يَقْبضْ نَصِيبَ الآخر باليمين، وصُدِّقَ الآخر في أنَّه لم يَقْبِضْ نَصِيبَهُ، ولا حَاجَةَ إلى اليمَين؛ لأن المُكَاتَبَ لا يَدَّعِي عليه شَيْئًا، ثم يَتَخَيَّرُ المُنْكِرْ بين أن يأخذ حِصَّتَهُ من النجوم من العَبْدِ، وبين أَنْ يَأْخُذَ من المُقِرِّ نِصْفَ ما أخذ؛ لأن كَسْبَ المُكَاتَب مُتَعَلِّقُ حقهما بالشركة، ويأخذ الباقي من العَبْدِ.
ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المقر عليه؛ لأنه مُتَّهَمٌ بدفع الشركة عن نفسه، ولأن المُكَاتَبَ لا يَدَّعِي عليه شَيْئًا.
وإذا عَجَزَ المُكَاتَبُ عما طالبه المُنْكِرُ به، فله تَعْجِيزُهُ وإرْقَاقُ نَصِيبِهِ، ثم عن نَصِّهِ في "الإملاء" أنه يُقَوَّمُ ما أَرَقَّهُ على المقر 153 وروى أن ابن سلمة، وابن خَيْرَانَ نَقَلاَهُ إلى الصُّورَةِ السابقة، وجعلوا التقويم 154 عند التعجيز في الصُّوَرَتَينِ على قولين.
ووجه المَنْع بأن المقر لم ينشئ إِعْتَاقاً، وإنما اسْتَوْفَى ما ثبت له بحكم الكِتَابَةِ، فصار كما لو اسْتَوفَى أَحَدُ ابْنَي المُكَاتَبِ حِصَّتَهُ من النجوم، ولا يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ أخيه.
والثاني: بأن العِتْقَ مضاف إليه، ألا ترى أنَّه يَثْبُتُ له الوَلاَءُ؟ وفي مسألة الابنين الوَلاَءُ للمورث.
وامتنع الأَكْثَرُونَ من نَقْلِهِ إلى تلك الصُّورَةِ، وفَرَّقُوا بأن العَبْدَ هناك يقول: أنا حُرٌّ كَامِلُ الحَالِ، فلا يستحق التقويم.
وها هنا يعترف بأن نَصِيبَ المنكر منه لم يُعْتَقْ.
وفي كتاب الصَّيدَلاَنِيِّ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بالتَّقْوِيمِ في الصورتين.
الجزء: 13 - الصفحة: 489
واعلم أن ما ذَكَرْنَاهُ من أنَّه: هل يُقَوَّمُ مَا رُقَّ عند العجز يشبه أن يكون تَفْرِيعاً على أن السِّرَايَةِ تَثْبُتُ عند العجز، وإنَّا إذا أثبتنا السِّرَايَةَ هاهنا يجيء القَوْلُ الآخَرُ في أنها تَثْبُتُ في الحال.
وقد أَطْلَقَ الإِمَامُ والمُصَنِّفُ في مسألة الكتابة قَوْلَيْنِ في أنَّه إذا عتق نصيب المُصَدّقِ؛ هل يَسْرِي العِتْقُ إلى نصيب المكذب؟
أحدهما: نعم؛ لأنه عتق نَصِيبُهُ.
والثاني: لا؛ لأنه يقول: عُتِقَ النصيبان معاً، فلا معنى لإلْزَامِهِ السِّرَايَةَ، وتَمَامُ التَّفْرِيع على هذا الإِيراد أن يقال: إن قلنا: لا سِرَايَةَ فذاك، وإن أَثْبَتنَاهَا فتثبت في الحال، أو عند العجز؟ فيه القولان.
وقوله في الكتاب: "ويجري الخلاف في السِّرَايَةِ عليه؛ لأنه مختار في التصديق" مَحْمُولٌ على القولين اللَّذَيْنِ أَطلَقَهُمَا الإِمُامُ على ما بَيَّنهُ في "الوسيط"، لكن ذكر الخلاف بالألف واللام ليس بِحَسَنِ المَوْقِع؛ لأن الخِلاَفِ في [أنَّه] 155 هل يَسْرِي؟ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ حتى يُعَرَّفَ بالألف واللام، ورَده إلى ما ذكر من قبل أن الكتابة هل تمنع السراية؟ بعيد، وكان الأَوْلَى أن يقول: وفي السِّرَايَةِ عليه خِلاَفٌ.
وقوله: "لأنه مُخْتَارٌ في التَّصْدِيقِ" توجيه السِّرَايَةِ، كأنه يقول: هو بالتصديق مختار لِلْعِتْقِ، فَأشْبَهَ ما إذا أَعْتَقَ أو أبْرَأَ عن النجوم.
ولو قال المُكَاتَبُ لأحدهما: دفعت النُّجُومَ إليك لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ، وتدفع نَصِيبَ الآخر إليه -كما صورنا- فقال في الجَوَاب: قد فَعَلْتُ ما أَمَرْتَ به، وأنت عَتِيقٌ فأنكر الآخر، عُتِقَ نصيب المُقِرِّ، وصدق المُنْكرُ بيَمِينِهِ، فإذا حلف، بَقِيَ نَصِيبُهُ مُكَاتباً، وله الخِيَارُ بين أخذ حِصَّتِهِ من المكاتب، وبين أَخْذِهِ من المقر لإقراره بأخذها، ومن أَيِّهِمَا أخذ عُتِقَ نصيبه، ثم إن أخذها من المكاتب، فله الرُّجُوعُ على المِقِرِّ؛ لأنه وإن صَدَّقَهُ في الدفع إلى الشريك -فإنه كان ينبغي أن يُشْهِدَ عليه.
وإن أخذها من المقر، فلا رُجُوعَ له على المُكَاتَب لاعْتِرَافه بأنه مَظْلُومٌ، وإذا اختار الرُّجُوعَ على المُكَاتَبِ، فله يأخذ حِصَّتَهُ من المقرَ، ولم يَدْفَعْهَا إلى المنكر، وعَجَّزَ نفسه، فَنِصْفُهُ حُرٌّ، ونصفه رقيق، فَيُقَوَّمُ على المُقِرِّ، فيأخذ المنكر منه قِيمَةَ النصف، ويأخذ أيضاً ما أقر له بقبضه، فإنه كسب النصف الذي كان مَلِكَهُ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: أَحَدُ الابْنَيْنِ الوَارِثَيْنِ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ نَفَذَ، وَيَسْرِي عَلَى
الجزء: 13 - الصفحة: 490
قَوْلٍ، إمَّا فِي الحَالِ، وَإمَّا عِنْدَ العَجْزِ، وَإِنْ قُلنَا: لاَ يَسْرِي، وَرُقَّ النَّصِيبُ الآخَرُ فَهَلْ يُتَبَيَّنُ انْفِسَاخُ الكِتَابَةِ فِي النِّصْفِ الَّذِي أُعْتِقَ حَتَّى يَكُونَ الوَلاَءُ لِلمُعْتِقِ خَاصَّةً، أَوْ نَقُولَ: لَمْ تَنْفَسِخْ، وَالوَلاَءُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا كاتب عَبْداً، ومات عن ابنين، فهما قَائِمَانِ مَقَامَهُ، في أنهما إذا أَعْتَقَاهُ، أو أَبْرَأهُ عن النجوم عُتِقَ، وكذا لو اسْتَوْفَيَاهَا، ولو أَعْتَقَهُ أحدهما، أو أَعْتَقَ نصيبه عتق نصيبه وكذا لو أَبْرَأَهُ أحدهما عن نَصِيبِهِ من النجوم.
وعند أبي حَنِيْفَةَ والمُزَنِيِّ: لاَ يُعْتَقُ نَصِيبُهُ بالإبراء حتى يشتريه الآخر أو يَسْتَوْفِيَ نصيبه، كما لو كان الأَبُ حَيّاً، فَأبْرَأَهُ عن بعض النجوم.
وأجاب الأَصْحَابُ -رحمهم الله- بأنه هناك لم يبرئه عن جَمِيع ما له عليه، واحد الابنين إذا أَبْرَأَهُ عن نَصِيبِهِ من النجوم، فقد أَبْرَأَهُ عن جَمِيع مَالِهِ عليه، فَصَارَ كما لو أَبْرَأَهُ أحد الشريكين عن نصيبه من النجوم.
وربما طُرِدَ خِلاَفُ أبي حَنِيْفَةَ في إِعْتَاقِ أحدهما نَصِيبَهُ.
والذي ذكرنا أنَّه إذا أعتق نَصِيبَهُ، أو أَبْرَأَهُ عن نصيبه من النجوم يُعْتَقُ نصيبه.
هو المشهور الذي أَطْلَقَهُ عامَّةُ الأصحاب -رحمهم الله-.
وقال صاحب "التهذيب": قضية سِيَاقِ "المختصر" حُصُولُ قَوْلَيْنِ في عتق نصيبه:
أحدهما: العِتْقُ.
وأصحُّهما: المَنْعُ، بل يُوقَفُ، فإن أدَّى نصيب الآخر عُتِقَ كله والوَلاَء لِلأَب، وإن عَجَزَ؛ فإن كان قد أعتق نصيبه، عُتِقَ الآن نَصِيبُهُ، ثم إن كان مُعْسِراً، فله وَلاَءُ ما عتق، والباقي للآخر، وإن كان مُوسِراً، قُوِّمَ عليه الباقي وبطلت كِتَابَةُ الأب، وكان وَلاَءُ الكل له.
وإن كان قد أَبْرَأَهُ عن نَصِيبِهِ من النجوم، فلا يُعْتَق شَيْءٌ منه بالعجز؛ لأن الكِتَابَةَ تبطل بالعَجزِ والعِتْقُ في غير الكتابة لا يَحْصُلُ بالإبراء.
ويجوز أن يُعلَمَ لما تبين قوله في الكتاب: "نفذ" بالحاء والواو.
وإذا أجرينا على المَشْهُورِ، وقلنا: يُعْتَق نَصِيبُهُ؛ فإن كان الذي أعتق نصيبه، أو أبرأه مُعْسِراً، بَقِيَتِ الكِتَابَة في نصيب الآخر، فإن عجز عاد قِنّاً، وإن أَدَّى وعُتِقَ، فَوَلاَؤُهُ للأب، وأما وَلاَءُ نصيب الأَوَّل، فقد حكى القاصي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين في صورة الإِعْتَاقِ:
أحدهما: [أن] 156 الجواب، كذلك وهو الأَصَحُّ.
والثاني: عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة أنَّه للابن، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 157.
الجزء: 13 - الصفحة: 491
ولأنه عُتِقَ بِإِعْتَاقِهِ؛ لأن الأدَاءَ على مُوجَبِ الكِتَابَةِ، وطريقين في صورة الإبراء:
أحدهما: القَطْعُ بأنه لِلأَبِ.
وأظهرهما: طَرْدُ الوجهين.
وإن كان مُوسِراً، فهل يَسْرِي العتق إلى نصيب الشَّرِيكِ؟
إذا قلنا بالأصح، وهو أن الكِتَابَةَ لا تمنع السِّرَايَةَ، فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ ويحكى عن اخْتِيَارِ الشيخ أبي حَامِدٍ، كما لو كاتب الشَّرِيكَانِ العَبْدَ، ثم أَعْتَقَهُ أحدهما.
وأصحهما: ونقله المُزَنِيُّ في "الجامع الكبير" ونصره في "المختصر": لا؛ لأن الكتابة السابقة تَقْتَضِي حُصُولَ العِتْقِ حُكْماً لها، والمَيِّتُ لا يقوم عليه وكان [الابن] 158 يعتق علي سبيل النيابة، وبنى القولان على أن المُكَاتَبَ: هل يورث؟
إن قلنا: نعم، سَرَى، وإن قلنا: لا، فالعِتْقُ بحكم كِتَابَةِ الأب ولا سِرَايَةَ وعن القاضي [الحسين] 159 بِنَاءُ هذا الخِلاَفِ، على أن الدَّيْنَ؛ هل يمنع حُصُولَ مِلْكِ الورثة في أَعْيانِ التَّرِكَةِ؛ لأن المكاتب يستحق الصرف إلى العتق، كما أن [أعيان] 160 التركة تستحق الصرف إلى الدَّيْنِ.
التفريع: إن قلنا بالسِّرَايَةِ، فتثبت السِّرايَةُ في الحال، أو عند العجز؟ فيه قولان كما ذكرنا في الشَّرِيكَيْنِ إذا أعتق أحدهما والأَظْهَرُ الثَّاني، وهو اختيار أبي إِسْحَاقَ.
وقوله في الكتاب: "إما في الحال، أو عند العَجْزِ" إِشَارَةٌ إلى هذين القولين، ويجوز أن يُعَلما بالواو؛ لأنه حَكَى هاهنا طريقتان أخريان:
إحداهما: القَطْعُ بثبوت السِّرَايَةِ في الحال.
والثانية: القَطْعُ بتأخيرها إلى العَجْزِ؛ لأن أَحَدَ الوارثين ليس بِمُعْتِقٍ حَقِيقَةً، وأحد الشريكين مُعْتِقٌ.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فقد حكى الإِمَامُ وَجْهَيْن في انْفِسَاخ الكتابة فيما سَرَى العِتقُ إليه كما حَكَاهُمَا في صورة الشَّرِيكَيْنِ، والذي أَوْرَدَهُ معظمهم الانفساخ فيه وإثبات وَلاَئِهِ للمعتق، وفي وَلاَءِ النِّصْفِ الأول وجهان:
أحدهما: أنه للمعتق خَاصَّةً؛ لأن نصيب الآخر بَقِيَ رَقِيقًا.
الجزء: 13 - الصفحة: 492
وأصحهما: أنه لهما؛ لأنه عُتِقَ بحكم كِتَابَةِ الأب، ويثبت له الوَلاَءُ وينتقل إليهما بالعصوبة.
وإذا قلنا: لا تَنْفَسِخُ الكتابة فيما سَرَى إليه، فيكون وَلاَءُ الجميع للأب، وإن قلنا بأن السِّرَايَة تثبت عند العَجْزِ، فإن أَدَّى نصيب الابن الآخر عُتِقَ كله، وَوَلاَؤُهُ للأب.
وإن عَجَزَ فطريقان:
أحدهما: إن الكتابة تبطل، ويكون وَلاءُ الجميع له.
وأشبههما: أن وَلاَءَ مَا سَرَى العِتْقُ إليه، وقُوِّمَ عليه له.
وفي وَلاءِ النصف الأَوَّلِ الوجهان، ومنهم من خَصَّصَ الوَجْهَيْنِ بصورة الإعْتَاقِ، وقَطَعَ في صورة الإبْرَاءِ بأن وَلاَءَ النصف الأول للأب ينتقل إليهما.
أما إِذا قلنا: بأنه لا سِرَايَةَ، فنصيب [الآخر] 161 مُكَاتَبٌ، كما كان، فإن عتق بأداء أو إعتاق، أو إبراء، فَوَلاءُ الكل للأب، كان عَجَزَ بقي نِصْفُهُ رَقِيقًا.
وفي وَلاَءِ النصف الأول؛ أهو للأول أو بينهما؟
فيه ما سَبَقَ من الوجهين، ورَتَّبَهُمَا الإِمَامُ على أن الكِتَابَةَ إذا انفسخت في نصيب الثاني بالعَجْزِ، فهل تَنْفَسِخُ في نصيب الأولَ؛ لأن الكِتَابَةَ لا تقبل التَّبْعِيضَ؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع؛ ويحتمل التَّبْعِيض لانْقِسَام المُكَاتَب بين الوارثين.
إن قلنا: تَنْفَسِخُ، فَوَلاءُ الأَوَّلِ للمعتق.
وإن قلنا: لا تَنْفَسِخُ فوجهان:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لأنه يبعد أن يَسْتَوْفِيَ أحد الابنين حَقَّهُ من الرَّقَبَةِ رِقًا، ويشارك الآخر في الوَلاَءِ.
وأصحهما: أن الوَلاَءَ للأب، ويتلقيانه بالعصوبة، ويخرج ذلك على مَنْ بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌّ يورث.
ولو قبض أَحَدُ الابنين نَصِيبَهُ من النجوم، فهذا [على] 162 ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- في الشريكين؛ إذا كَاتَبَا، إن كان بغير إِذْنٍ، فهو فاسد لا يحصل به العِتْقُ، وإن كان بِإذْنِ الآخر؛ فقولان؛ فإن صَحَّحْنَاة فقد قال الإِمَام: لا سِرَايَةَ بلا خِلاَفٍ؛ لأنه يجبر عَلى القَبْضِ، ولا سِرَايَةَ، حيث حصل العِتْقُ بلا اختيار.
ألا ترى أنه إذا ورث بعض من يعتق عليه، عُتِقَ ذلك البعض، ولم يَسْرِ وهذا ما
الجزء: 13 - الصفحة: 493
ذكره صاحب الكتاب في آخر المَسْأَلَةِ الثالثة، فقال: "نعم، أَحَدُ الابنين، إذا قبض نَصِيبَهُ عُتِقَ، ولم يَسْرِ".
وفي "التهذيب": أنا إذا جَوَّزْنَا القَبْضَ بإذْنِ الآخر، فالقول في عِتْقِ نصيبه، وفي السِّرَايَةِ على ما ذكرنا فيما إذا أعتق نَصِيبَهُ، أوَ أَبرأ عن نصيبه من النجوم بلا فَرْقٍ، ولمن ذهب إليه أن يَمْنَعَ كونه مجبراً على القبض، ويقول: هو بسبيل من الإِعْتَاقِ والإِبْرَاءِ، وبتقرير: إلاَّ يعتق ولا يبرأ، فَيُشبِة أن يقال: لا يجبر على الانفراد بالقَبْضِ، وإن جَوَّزنَاهُ؛ لأنه لو عجز عن أَدَاءِ نَصِيبِ الثاني، [فيناظره] 163 الثاني فيما أخذ، فإنه يَمْتَنِعُ عن قَبْضِ ما عَسَى الثاني يزاحمه فيه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا؛ فَادَّعَىَ العَبْدُ كِتَابَةَ المُورِّثَ لَهُ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ، وَحَلَفَ، فَنَصِيبُ المُصدِّقِ مُكَاتبٌ (و) فَإِنْ أَعْتَقَهُ سَرَى إِلَى البَاقِي، وَلَمْ يُخرَّجْ عَلَى الخِلاَفِ، لِأَنَّهُ رَقِيقٌ بِقَوْلِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ أَبْرَأَ لَمْ يَسْرِ؛ لِأنَّ الشَّرِيكَ يَقولُ: إِبْرَاؤُهُ لاغٍ؛ إِذْ لا كِتَابَةَ، فَإِنْ عُتِقَ بِأَدَاءِ النُّجُومِ لَمْ يَسر؛ لِأَنَّه مَقْهُورٌ عَلَى القَبُولِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: خَلَّفَ ابنين وعَبْداً، فادَّعَى العبد أن أَبَاهُمَا كَاتبهُ، فإن كذَّبَاهُ فهما المُصَدَّقَانِ باليمين، ويكون حلفهما على نَفْي العلم بكتابة الأب، فإن حلفا فَذَاك، وإن نَكَلاَ وحَلَفَ العَبْدُ اليمين المَرْدُودَةَ تثبت الكتابة، وإن حَلَفَ أحدهما دُونَ الآخر، ثَبَتَ الرِّقُّ في نصيب الحالف، وتُرَدُّ اليمين في نَصِيب النَّاكِلِ، وإذا أراد إقَامَةَ البَيِّنَةِ احْتَاجَ إلى إِقَامَةِ عَدْلَينِ؛ لأن مقصود الكتابة العِتْقُ دون المال.
[وإن صدقاه، أو قامت البينة، فالحكم ما مَرَّ في الفصل السَّابِقِ] 164 وإن صَدَّقَهُ أحدهما، وكَذَّبَهُ الآخر، فالمُكَذِّبُ مُصَدَّق بِيَمِينِهِ وأما نصيب المصدق؛ ففي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن بَعْضَهُمْ خَرَّجَ قَوْلاً أنه لا تثبت الكِتَابَةُ فيه؛ لأن الكِتَابَةَ لا تَتَبَعَّضُ، والصحيح المَشْهُورُ ثُبُوتُهَا، وهذا التَّبْعِيضُ لضرورة أَدَّتْ إليه، بخلاف التَّبْعِيضِ في الابتداء، وأَطْلَقُوا القَوْلَ بِشَهَادَةِ المُصَدِّقِ على المُكَذِّبِ.
وقال الإِمَامُ: إنه يُثْبِتُ بِشَهَادَتِهِ لنفسه حُقُوقاً في الكتابة؛ إذ النجوم مَوْرُوثَةٌ فقبول شهادته بعَقْدٍ عوضه للشاهد مُحَالٌ، فإن فرضت شَهَادَتُهُ بعد الإِبراء عن النجوم، فله أغراض في السِّرَايَةِ، فإن نفينا السراية اتَّجَهَ القَبُولُ، وإذا وقع الحكم بأن نَصِيبَ المصدق مُكَاتَبٌ، ونصيب الآخر قِنٌّ، فنصف الكَسْبِ له يصرفه إلى جهة النجوم، ونِصْفُهُ للمكذب.
وإن اتَّفَقَا على مُهَايَأةٍ ليكتسب يَوْماً لنفسه، ويوماً للمكذب، أو بخدمة جاز، ولا
الجزء: 13 - الصفحة: 494
إجْبَارَ عليها على الأَظْهَرِ خِلاَفاً لأبي حَنيفَةَ، ولا تقدير للنَّوْبَتَيْنِ في المُهَايَأةِ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ: أنه يجوز المُهَايَأةُ يومين يومين، وثلاثة ثلاثة، فإن زادت كَسَنَةٍ وَسَنَةٍ؛ ففي الجَوَازِ وَجْهَانِ، وإذا أَدَّى النجوم، وفَضَلَ شَيْءٌ بما اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ، فهو له.
ثم إن أعتق المُصَدِّقُ نَصِيبَ نَفْسِهِ، عُتِقَ.
وهل يَسْرِي؟ فيه طريقان:
قال أكثرهم: في السراية قولان، كما لو صَدَّقَاهُ معاً، إلاَّ أَنَّا إذا قلنا بالسِّرَايَةِ، فها هنا تَثْبُتُ السِّرَايَةُ في الحال، [ولا يجيء فيه القول الآخر؛ لأن صَاحِبَهُ ينكر الكتابة، فلا يمكن التَّوَقُّفُ إلى العمد، وقال بعضهم -وهو المذكور في الكتاب-: تثبت السِّرَايَة بلا خلاف في الحال] 165 لأن منكر الكتابة يقول: إنه رَقِيقٌ لهما، فإذا أعتق صاحبه نصيبه ثَبَتَتِ السِّرَايَةُ بقوله، فإن قلنا: لا سِرَايَةَ، فَوَلاَءُ ما عتق يكون بينهما، أو ينفرد به المُصَدِّقُ؟ فيه وجهان:
وجه الأوَّل: أنه عُتِقَ بحكم كتابة الأَبِ.
ووجه الثاني: وهو الأَشْبَهُ؛ أن المنكر أَبْطَلَ حَقَّهُ بالإِنكار، فيسلم للمصدق النصف، كما لو ادَّعَى وَارِثَانِ دَيْنَاً، وأقاما شاهداً، وحلف أحدهما معه، ولم يحلف الآخر -يأخذ الحالف نصفه، ويسلم له.
وإذا جعلناه بينهما، فلو مات هذا العَبْدُ، ونصفه رقيق، وقلنا: إن مثله يورث، فتوقف حِصَّةُ المنكر.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ، فَوَلاءُ النصف الذي سَرَى العِتقُ إليه للمعتق، وفي وَلاَءِ النصف الأول الوَجْهَانِ.
ولو أَبْرَأَهُ المصدق عن نصيبه من النجوم، فالظَّاهر أنه لا سِرَايَةَ؛ لأن منكر الكتابة لا يعترف بِعِتْقِ نصيبه، ويعد الإِبْرَاءُ لَغْوًا.
قال الإِمَام: ويجيء مع هذا الخِلاَف في السِّرَايَةِ؛ لأن قَوْلَ المصدق مَقْبُولٌ في نصيبه، فإذا أتى بما يَقْتَضِي العِتْقَ، فالسِّرَايَةُ بعده قَهْرِيَّةٌ لا تربط بالرِّضَا، وإن أدى نصيب المُصَدِّق من النجوم بلا سِرَايَةٍ.
قال الإِمام وصاحب الكتاب: لأنه يُجْبَرُ على القَبُولِ لا مَحِيصَ له عنه.
وقال غيرهما: لأنه عتق بحكم كِتَابَةِ الأب، ولا سِرَايَةِ على الميت، فصار كما لو أَقَرَّ أحد الابْنَيْنِ بأن أَبَاهُمَا أَعْتَقَ هذا العبد، وأنكر الآخر يعتق نصيب المقر، ولا يَسْرِي، وَوَلاءُ ما عتق بالأداء بينهما، أو للمصدق خَاصَّةً، فيه الوجهان.
ولو عَجَّزَهُ المصدق عاد قِنّاً، والكَسْبُ الذي في يَدِهِ يكون للمصدق؛ لأن
الجزء: 13 - الصفحة: 495
المكذب قد أخذ حِصَّتَهُ، فلو اختلفا في شيء من أَكْسَابِهِ، فقال المصدق: اكتسبته بعد الكتابة، وقد أَخَذْتَ نصيبك فهو لي، وقال المكذب: بل قبلها وكان لِلأَبِ، فهو بَيْنَنَا، فالمُصَدَّق المُصَدِّقُ؛ لأن الأَصْلَ أنه لم يكتسب قبل الكتابة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَة: إِذَا قَبَضَ النُّجُومَ فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً فَلَهُ رَدُّهَا وَرَدَّ العِتْقِ إِذْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ أَوْ حَصَلَ حُصُولاً غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ بِحَسَبِ العِوَضِ، وَإِنْ رَضِيَ اسْتَمَرَّ العِتْقُ وَلَكِنْ مِنْ حِينِ الرِّضَا أَوْ مِنْ حِيْنِ القَبْضِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى النُّقْصَانِ بَعْدَ تَلَفِ النُّجُومِ جَازَ لَهُ رَدُّ العِتْقِ إِلَى أَنْ يُسَلَّمَ الأَرْشَ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ لَهُ الإرْقَاقُ وَالفَسْخُ كَالعَجْزِ بِبَعْضِ النُّجُومِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نذكر في ابْتِدَاءِ المَسْأَلَةِ أَصْلَيْنِ:
أحدهما: أن العِوَضَ في الكتابة لا يكون إلاَّ دَيْناً، ويجوز أن يكون نَقْداً، وأن يكون عِوَضًا.
والثاني: مستحق الدَّين في ذمة الغير، إذا اسْتَوْفَاهُ، فلم يجده على الصِّفَةِ المشروطة، فله رَدُّهُ، وطلب ما استحقه، ولا يرتفع العقد إن كان المَقْبُوض من غير جِنْس حَقّه، لم يملكه إلاَّ أن يَعْتَاضَ حيث يجوز الاعتياض.
وإن اطلَعَ على عَيْبٍ به، فينظر إن رَضِيَ به؟ فهل نقول: ملكه بالرضا أو نقول: ملكه بالقَبْضِ، وتَأَكَّدَ المُلْكَ بالرِّضَا؟ فيه قولان:
وإن رَدَّة، فهل نقول: مَلَكَهُ بالقبض، ثم انْتَقَضَ الملك بالرد، أو نقول: إذا رد تبين أنه لم يملكه؟ فيه قولان؟ ويبنى على هذا الخِلاَفِ مَسَائِلُ لعلها قد سَبَقَتْ:
منها: أن عقد الصَّرْفِ إذا وَرَدَ على مَوْصُوفٍ في الذمة، ثم جرى التقابض، وتَفَرَّقَا، ثم وجد أحدهما بما قبض عَيْباً، وَرَدَّهُ، فإن قلنا: إنه ملك بالقبض صَحَّ العَقْدُ.
وإن قلنا: تَبَّينَ أنه لم يملك، فالعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لأنهما تَفَرَّقا قبل التَّقَابُضِ.
ومنها: إذا أسلم في جَارِيَةٍ، وقبض جارية، فوجد بها عَيْباً، ورَدَّهَا فهل على المسلم إليه اسْتِبْرَاءُ هذه الجارية؟ يبنى على هذا الخلاف.
ومنها: قال الإِمَامُ: المَوْصُوفُ والمقبوض إذا وجد مَعِيباً، فإن قلنا: إنه يملكه بالرِّضَا، فلا شك أن الرَّدَّ ليس على الفَوْرِ، والملك موقوف على الرِّضَا.
وإن قلنا: يحصل المِلْكُ عند القَبْضِ، فيجوز أن يقال: الرَّدُّ على الفَوْرِ، كما في شراء الأَعْيَانِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 496
والأوجه: المنع؛ لأنه ليس مَعْقُودًا عليه، وإنما يثبت الفَوْرُ فيما يُؤَدِّي رَدُّهُ إلى رفع العَقْدِ؛ إِبْقَاءً للعقد.
إذا عرف ذلك، فلو وجد السَّيِّدُ ببعض النجوم المَقْبُوضَةِ، أو جميعها عَيْباً، فله الخِيَارُ بين أن يرضى به، وبين أن يَرُدَّهُ، ويطالب ببدله، ولا فَرْقَ بين العَيْبِ اليسير والفَاحِشِ، خلافاً لأبي حنيفة في اليَسِيرِ، فإن كان العَيْبُ في النَّجْمِ الأخير الذي يَتَعَلَّقُ به العِتْقُ فإما أن يرضى به، أو يريد الرد، فإن رضي به، فالعِتْقُ نافذ لا مَحَالَةَ، ويجعل رِضَاهُ بالعَيْبِ كالإبراء عن بعض الحَقِّ، ولكن يحصل العِتقُ عند الرَّضَا، أو نقول: حصل من وَقْتِ القبض؟
فيه وجهان، ويشبه أن يرجع الثاني، وبه قال أبو إِسْحَاقَ، وصاحب "التقريب" وغيرهما.
وإن أراد الرد والاسْتِبْدَالَ؛ فان قلنا: يتبين بالرَّدِّ أن الملك لم يحصل بالقَبْضِ، فالعتق غير حَاصِلٍ، فإن أَدَّى على الصفة المُسْتَحَقّةِ بعد ذلك، فحينئذ يحصل العِتْقُ.
وإن قلنا: يَحْصُلُ المِلْكُ في المقبوض، وبالرد يرتفع، فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أن العِتقَ كان حَاصِلاً، إلاَّ أنه كان بِصِفَةِ الجَوَازِ، فإذا رَدَّ العِوَضَ ارْتدَّ.
وأصحهما: أن العِتْقَ لم يحصل، إذ لَيْسَ العِتْق من التَّصَرُّفَاتِ التي يَتَطَرَّقُ النَّقْصُ إليها، فلو حَصَلَ لَمَا ارْتَفَعَ، ولا ثَبَتَ العِتْقُ بصفة اللزوم باتفاق الأَصْحَابِ.
وعن أحمد: أنه يَثْبُتُ، ولا يبطل العِتْقُ برد العِوَضِ.
واحتج الأَصحَابُ بأن الكِتَابَةَ عقد مُعَاوَضَةٍ، يلحقه الفَسْخُ بالتَّرَاضِي، فوجب أن يفسخ بالعَيْب كالبيع.
ولو تَلِفَ عند السيدِ ما قبضه، ثم عرف أنه كان مَعِيباً؛ فقد قَدَّمَ الإِمام عليه أَنه إن اتَّفَقَ ذلك في عَيْنٍ، فإن رَضِيَ، فالذي يَدُلُّ عليه فَحْوَى كلام الأئمة أن الرِّضَا كَافٍ، ولا حَاجَةَ إلى إِنْشَاءِ إِبْرَاءٍ.
ووجهه: أن الأَرْشَ كالعِوَضِ عن حَقِّ الرَّدِّ، والرَّدُّ يَكْفِي في سُقُوطِهِ الرِّضَا، فكذا الأَرْشُ، فإن طلبه تفرد، ولم يسقط إلاَّ بالإِسْقَاطِ.
وأما النجوم؛ فإن رَضِيَ، فالعِتْقُ نَافِذٌ، ويعود الوَجْهَانِ في أنه يحصل عند الرِّضَا، ويستند إلى القَبْضِ.
وإن طلب الأَرْشَ يتبين أن العِتْقَ لم يحصل، فإذا أَدَّى الأَرْشَ حصل حينئذ، وإن عَجَزَ، فَلِلسَّيِّدِ إِرْقَاقُهُ، كما لو عَجَزَ ببعض النُّجُوم، ويجيء الوَجْهُ الآخر، وهو أن يرتفع العَقْدُ بعد حُصُوله، ويوافقه لَفْظُ صاحب "الشامل" حيث قال: ويعود حكم الرِّقِّ في العَبْدِ، حتى يُؤَدِّيَهُ، والأول هو المذكور في "الوسيط".
وقوله هاهنا: "جاز رَدُّ العِتْقِ إلى أن يسلم الأَرْش".
مَحْمُولٌ عليه، وتأويله أن
الجزء: 13 - الصفحة: 497
ليس له أن يَتَوَسَّلَ إلى الحكْمِ بانْتِفَائِهِ أَصْلاً، أو ما أشبه ذلك، وأما الأَرْشُ فيه وجهان:
أحدهما: ما ينقص من قِيمَةِ رَقَبَةِ العبد، بحسب نُقْصَانِ العَيْبِ من قيمة النجوم على ما هو قِيَاسُ المُعَاوَضَاتِ.
وهذا ما أَوْرَدَهُ أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِىُّ.
والثاني: ما ينتقص من النجوم المَقْبُوضَةِ بسبب العَيْبِ.
وَوُجِّهَ بأن المقبوض عن المُلْتَزَمِ في الذمةِ ليس كما في العَقْدِ، ولذلك لا يَرْتَدُّ العَقْدُ برَدِّهِ، فلا يسترد في مُقَابَلَةِ نقصانه جزءاً من العوض كما لا يسترد العوض 166 إذا كان بَاقِياً فيرد 167 بالعيب.
وهذا ما نَقَلَ القاضي الرُّوَيانِيُّ رُجْحَانَهُ، وأُجْرِيَ الوَجْهَانِ في كل عقد، ورد على موصوف في الذِّمَّةِ.
قال الإِمَامُ: وأمثل منهما أن يُقَال: يُغَرَّمُ السَّيِّدُ ما قَبَضَ، ويطالب بالمُسَمَّى بالصفات المشروطة.
وقوله في الكتاب: "فوجدها نَاقِصَةً"، يريد به النُّقصَانَ بالعَيْب، فأما إذا ظهر نُقْصَانٌ في الكَيْلِ، أو الوَزْنِ، فالعِتْقُ غير حاصل بلا خِلاَفٍ، سواء بقيَ المَقْبُوضُ في يَدِ السِّيِّدِ أو تلف، فإن رَضِيَ بالنَّاقِصِ، فيعتق حينئذ بالإِبْرَاءِ عن الباقي.
وقوله: "ورد العتق"، يريد رَفْعَ الحُكْمِ بالعتق، أو غيره مما ينتظم على قولنا: إنه ما حَصَلَ العِتْقُ، وعلى قولنا: إنه حصل، ثم ارتفع؛ ألا تراه قال: إذ يتبين أنه لم يَحْصُلْ، أو حصل حُصُولاً غير مُسْتَقِرٍّ بحسب العِوَضِ؛ أي حصل غَيْرَ لاَزِمٍ مَوْقُوفاً حَالُهُ على تَبَيُّنِ حَالِ العِوَضِ سَلاَمَةً وَتَعَيُّبًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: إِذَا خَرَجَتِ النُّجُومُ مُسْتَحَقَّةً تَبَيَّنَ أَنْ لاَ عِتْقَ، فَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ عِنْدَ القَبْضِ: اذْهَب فَأنْتَ حُرٌّ أَوْ عُتِقْتَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُؤَاخَدُ به كَمَا لِلمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذَا خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقاً وَإِنِ ادَّعَى المِلْكَ لِلبَائِعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ قَال: كُنْتُ أَطْلَقْتُ لَفْظَةً ظَنَتتُهَا طَلاَقاً ثُمَّ رَاجَعْتُ المُفْتي فَأخْبَرَني بأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ أنَّهُ يُقْبَلُ وَقَدْ قيلَ به، وَكَذَا فِي العِتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خرج بَعْضُ النجوم، أو جَمِيعُهَا مستَحَقًا تَبَيَّنَ أنه لا عِتْقَ؛ لأن الأدَاءَ لم يَصِحَّ، وإن ظهر الاسْتِحْقَاقُ بعد مَوْتِ المكاتب بَانَ أنه مَات رَقِيقًا، وأن ما تركه للسَّيِّدِ دون الوَرَثَةِ.
ولو قال السَّيِّدُ عند الأخذ: اذهب فأنت حُرٌّ، أو فقد عتقت، ثم تَبَيَّنَ الاستحقاق؛ ففيه وجهان:
الجزء: 13 - الصفحة: 498
أحدهما: أنه يحكم بالحرية مُؤَاخَذة له بِإِقرَارِهِ.
وأصحهما -وقد نص عليه-: أنه لا يُؤَاخَذُ به، ويحمل قوله على ظَاهِرِ الحال؛ وهو صِحَّةُ الأَدَاءِ.
والوجهان كالوجْهَيْنِ فيما إذا خرج المبيع مُسْتَحَقًا، وكان قد قال في مُخَاصَمَةِ المدعي: إنه كان مِلْكاً لفلان إلى أن ابتعته منه أنه: هل يرجع بالثمن على بائعه؟
واقتصر صاحب "التهذيب" علىَ إِيرَادِ الوَجْهِ الأَصَحِّ في المسألتين، ثم قال: ولو [اختلفا] 168 فقال المُكَاتَبُ: أعتقتني بقولك: أنت حُرٌّ، وقال السيد: أردت أنك حُرٌّ بما أَدَّيْتَ، وبَانَ أنه لم يَصِحَّ الأَدَاءُ، فالقول قَوْلُ السيد مع يَمِينِهِ.
وهذا السِّيَاقُ يَدُلُّ على أن مُطْلَقَ كَلاَمِ السيد مَحْمُولٌ على أنه حُرٌّ بما أدى؛ وإن لم يخبر عن 169 إرادته.
وذكر الصَّيدلاَنِيُّ أن قِيَاسَ تَصْدِيقِ السيد في المسألة أنه لو قيل لرجل: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم طَلَّقْتُهَا.
ثم قال: إنما قلت ذلك على ظَنِّ أن اللَّفْظَ الذي جرى بيننا طَلاَقُهُ، ثم راجعت المفتيين فقالوا لا يَقَعُ بها شَيْءٌ، وقالت المَرْأَةُ: بل أردت إنشاء الطَّلاَقِ.
والإقرار بِطَلاَقٍ آخر أنه يقبل قوله مع يَمِينِهِ.
وكذا الحُكْمُ في مثله في العِتْقِ، وهذا قد ذَكَرَهُ غيره، ونقله القاضي الرُّوَيانِيُّ، ولم يعترض عليه.
ولكن قال الإِمَامُ: هذا عندي وَهْمٌ وغَلَطٌ، فإن الإِقْرَارَ جرى بصريح الطَّلاَقِ، فَقَبُولُ قوله بِنَاءً على ما يَدَّعِيهِ، ويتعارض فيه صِدْقُهُ، وكذبه مُحَالٌ، ولو فتح هذا البَابَ لما استَقَرَّ إقْرَارُ المقر به، وليس ذلك كإطلاق لفظ الحرية على أنه قَبَضَ النجوم، فإنه مَحْمُولٌ على الإِخْبَارِ عما يقتضيه القَبْضُ.
وفي مسألة الطَّلاَقِ لم توجد الإِشَارَة إلى واقعة، وإنما وجد سؤال مطلق، وجواب مُطْلَق 170.
الجزء: 13 - الصفحة: 499
واعلم أن في كلام الإِمَامِ إِشْعَاراً بأن قوله: أنت حُرٌ، إنما يقبل تنزيله على الحُرِّيَّةِ بموجب القَبْضِ إذا رَتَّبَهُ علَى القَبْض، كما صور في الكتاب، فلو قال له عند القَبْضِ: اذهب فأنت حُرٌّ.
وإن في مسألة الطَّلاَقِ لو وجدت قَرِينَةً عند الإِقْرَارِ بأن كانا يَتَخَاصَمَانِ في لفظة "أَطْلَقَهَا"، فقال ذلك، ثم أَبْدَى التأويل المذكور، يقبل أيضاً، فإن في الصورتين لو انْفَصَلَ قوله عن القَرَائِنِ لم يقبل التأويل.
وهذا التفصيل قَوِيمٌ لا بَأْسَ بالأَخْذِ به.
لكن قال في "الوسيط": لا فَرْقَ بين أن يكون (1) قوله: أنت حُرٌّ جَوَاباً عن سؤال حُرِّيَّتِهِ أو ابتداء، وبين أن يكون متصلاً (2) بقبض النُّجُومِ أو غير مُتَّصِلٍ لشمول العُذْرِ، ومَالَ كذلك إلى قَبُولِ التأويل في الإقرار بالطلاق وغيره.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الحُكْمُ الثَّانِي حُكْمُ الأَدَاءِ،
وَفِيهِ سَبعُ مَسَائِلَ: (الأُولَى) أنَّهُ يَجِبُ الإِيتَاءُ بحَطِّ شَيْءٍ مِنَ النُّجُومِ أَوْ بَذْلُ شَيْءٍ، وَلاَ يَجِبُ فِي الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ عَلَى الأَظْهَرِ (و) لاَ يَجِبُ فِي الإِعْتَاقِ بعَوَضِ، وَلاَ فِي بَيْعِ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلاَ فِي الإِعْتَاقِ مَجَّاناً، وَفِي وُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى وَقْتِ العِتْقِ وَجْهَانِ، وَيَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَقِيلَ: بَلْ مَا يَلِيقُ بِالحَالِ إلاَّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الإِيتَاءِ فَتَكونَ الزِّيَادَةُ فِي التَّرِكَةِ كوَصِيَّةٍ يُضَاربُ بِهَا الوَصَايَا لاَ كَدَيْنٍ، وَلَوْ بَقِيَ مِنَ النُّجُومِ قَدْرٌ لاَ يُقْبَلُ فِي الإِيتَاءِ أَقَلُّ مِنْهُ إِذَا قُلنَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ، وَلاَ يَحْصُلُ التَّقَاصُّ لِأنَّ الإِيتَاءَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الكِتَابَةِ وَلَكِنْ يَنْبَغي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَوْ عَدَلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ فَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَجْوزُ تَعَبُّداُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على السَّيِّدِ إيتاء المُكَاتَبِ 173؛ بقوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ171172 = المذهب المنع؛ لأنه إذا لم يعلم الدين فهو مجهول، قال وعلى هذا الخلاف إذا اعتقدت قبض مهرها فقالت أبرأتك عن مهري ثم بان بقاؤه عليه أو قال أبرأتك بما استحقه عليك من الشفعة وله الشفعة في الباطن وهو لا يعرفها في الظاهر هل يبرأ أم لا، وهكذا لو طلق امرأة ثم بانت زوجته وأعتق جارية ونسي أن له جارية فبانت جاريته وكان اعقاده أنه يطلق ويعتق أجنبية، وجهان.
انتهى.
الجزء: 13 - الصفحة: 500
اللهِ الَّذِي آتاكُمْ} [النور: 33] وذهب أبو حَنِيْفَةَ ومالك: إلى أن الإيتَاءَ يُسْتَحَبُّ، وليس بِوَاجِبٍ، واختاره القاضي الرُّويَانِيُّ في "الحلية".
والإيتاء بأن يَحُطَّ عنه شيئاً من النُّجُومِ، أو يبذل شيئاً، ويأخذ النُّجُومَ.
أما الثاني فظاهر، فإن البَذْلَ إيتاء؛ وهو المَأْمُورُ به في الآيَةِ وأما الحَطُّ فقد روي ذلك عن الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- قَوْلاً وفِعْلاً منهم: علي وابن عمر -رضي اللهُ عنهم-.
وحكي خلاف عن الأصحاب -رحمهم الله- في أن الأَصْلَ في الإيتَاءِ البَذْلُ، والحَطُّ بدل عنه أو الأمر بالعكس.
وجه الأول: أن ظاهر الآيَةِ يُشْعِرُ به.
ووجه الثاني: أن المَقْصُودَ إِعَانَتُهُ ليعتق، والإِعَانَةُ في الحَطِّ محققة، وفي البَذْلِ مَوْهُومَةٌ؛ فإنه قد ينفق المال في جِهَةٍ أخرى.
وهذا أَظهر، ويحكى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم"، ولذلك نقول: الحَطُّ أَوْلَى من البَذْلِ.
ثم في الإِيتَاءِ مَسَائِلُ:
إحداها: في مَحَلِّ الإيتاء، وهي الكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ، وفي وجوبه في الفاسدة وَجْهَانِ:
أظهرهما: المنع؛ وبَنَاهُمَا بَعْضُهُمْ على أن الأَصْلَ الحَطُّ، أو البذل، إن قلنا بالأَوَّلِ لم يجب؛ فإن النجوم غَيْرُ ثَابتَةٍ فيها حتى يجب الحَطُّ، وإذا لم يثبت الأَصْلُ لم يثبت البدل وهو البذل وإن قلنا: الأَصْلُ البَذْلُ؛ فلا يمتنع إيجَابُ شيء على السَّيِّدِ تشبيهاً 174 للكتابة الفَاسِدَةِ بالصحيحة, كما شَابَهَتْهَا في حُصُولِ العِتْقِ وغيره.
وإذا أوجبنا فيها الإيتَاءَ، فمن قَضَايَاهَا: استِحْقَاقُ السيد قيمة الرقبة، فلو حَطَّ شيئاً منها عن جِهَةِ الإِيتَاءِ كَفَىَ.
ومن أعتق عَبْدَهُ على عِوَضٍ، أو باعه من نفسه فلا إِيتَاءَ عليه في ظاهر المذهب، وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
وعن رِوَايَةِ الشيخ أبي محمد وَجْهٌ: أنه يجب الإِيتَاءُ في كل عَقْد عتاقة على عِوَضٍ، ولا خِلاَفَ في أنه لا يجب في الإعتاق 175 بغير عوض.
والثانية: في وقته ومتى يجب؟
فيه وجهان:
أحدهما: بعد العتق لتكون بُلْغَةً له؛ كما تجب المُتْعَةُ بعد الطَّلاَقِ.
وأصحهما -وبه قال أبو إِسْحَاقَ-: أنه يجب قبل العِتْقِ ليستعين به على تحصيل
الجزء: 13 - الصفحة: 501
العِتْقِ، كما يُدْفَعُ إليهم سَهْمُ الرِّقَابِ قبل العِتْقِ.
وعلى هذا فإنما يَتَعيَّنُ في النَّجْمِ الأخير.
وأما وقت الجَوَازِ، فمن أول عَقْدِ الكتابة، ويجوز بعد الأَدَاءِ، أو حصول العِتْقِ أيضاً، ولكنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ القضاء إذا أوجبنا التَّقْدِيمَ على العتق.
وفي طريقة الصَّيدَلاَنِيِّ -نقل وَجْهٍ: أنه لا يجوز الإيتَاءُ بما قبل النَّجْم الأَخِيرِ؛ بل يجب أن يحط منه ليرتب عليه العِتْق، أو يُؤْتيه بعد العِتْقِ؛ ليحصل التمليك الكَامِلُ، وقد يشعر قوله في الكتاب: "وفي وجوب تقديمه على وقت العِتْقِ وجهان"؛ فإنَّا إِذا لم نُوجِبِ التقديم يجوز 176 التقديم والتَّأْخِيرِ جَميعاً.
ومنهم من يُشْعِرُ إِيرَادُهُ بوجوب التأخير كما قَدَّمْنَا.
والثالثة: في قَدْرِهِ؛ وفيه وجهان:
أصحهما -وهو المنصوص في "الأم"-: أنه لا يتقدر 177 بل يكفي ما يتمول، ويقع عليه الاسْمُ؛ لأنه لم يَرِدْ فيه تَقْدِيرٌ.
وقوله: "مِنْ مَالِ اللهِ"؛ يتناول القَلِيلَ والكَثيرَ.
والثاني -ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ-: أنه يَنْبَغِي أن يكون قَدْراً يَلِيقُ بالحال، ويستعين به على العِتْقِ، دون القليل الذي لا وَقْعَ له.
وعلى هذا، فيختلف الحال بقِلَّةِ المال وكثرته، فإن لم يَتَّفِقَا على شيء قَدَّرَهُ الحاكم بالاجتهاد، وينظر فيه إلى قُوَّةِ العبد واكتسابه.
وعن رواية ابن القَطَّانِ وَجْهٌ: أنه يُعتَبَرُ حَالُ السَّيِّدِ في اليسار والإعسار 178.
وعن الأَصْطَخْرِيِّ: أنه يحتمل أن يُقَدَّرَ بِرُبْعِ العُشْرِ، والمُسْتَحَبُّ قَدْرُ الربع، روي ذلك عن علي -كرم الله وجهه-.
وفي وجه ضعيف: الثُّلُث، فإن لم تسمح نَفْسُهُ بذلك، فالسُّبع مَحْبُوبٌ؛ لما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كَاتَبَ عَبْداً له بخمسة وثلاثين ألف درهم، وَحَطَّ عنه خمسة آلاف 179، وخمسة سُبْع خمسة وثلاثين.
قال في "الوسيط": وكان السُّبْع إلى العشر لائقاً.
الجزء: 13 - الصفحة: 502
والرابعة: في جِنْسِهِ.
والإِيتَاءُ بِالحَطِّ لا يكون إلاَّ من عَيْنِ مَالِ الكتابة.
وأما البَذْلُ؛ فإن كان المَبْذُولُ من جنْسِ مال الكتابة كَبَذْلِ الدَّرَاهِم عن الدنانير، فلا يُلْزَمُ المُكَاتَبُ قَبُولَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] يريد مَالَ الكتابة.
قال الإمَامُ: ووجدت في كَلاَمِ بَعْضِ الأئمة -رحمهم الله- مَا يَدُلُّ على أن غير الجنس مجزئ.
وقوله في الكتاب: "ففيه وجه: أنه لا يجوز تَعَبُّداً كما في الزكاة"، يشير إلى ترجيح الجَوَازِ.
وقد صرح به في "الوسيط".
والظاهر الذي أَوْرَدَهُ الأكثرون: المَنْعُ.
والمقصود من الجَوَازِ وعدمه أنه هل يُجْبَرُ المُكَاتَبُ على قَبُولهِ أو لا يجبر؟ فأما إذا رَضِيَ المُكَاتَبُ بغير الجِنْسِ، فيجوز لا مَحَالَةَ، نص عليه.
فإن الكِتَابَةَ من قبيل المُعَامَلاَتِ، فلا [يُنْحَى] 180 بها على نَحْو العبادات، على أن الإِمام قال: إذا منعنا نقل الصَّدَقَة [وانحصر] 181 المُسْتَحِقُّونَ، فقد نقول لهم: أن يَعْتَاضُوا عُرُوضاً عن حقوقهم.
ولو كان المَبْذُولُ من غَيْرِ مال الكتابة، ولكن من جِنْسِهِ، فهل عليه القَبُولِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؟ لظاهر الآية.
والأظهر -وهو المَذْكُورُ في الكتاب-: نعم؛ كما في الزَّكَاةِ، ولأن المَقْصُودَ الإِعَانَةُ، وهي حاصلة.
وفي الفصل وَرَاءَ ما أَورَدنَاهُ فَرْعَانِ:
أحدهما: إذا مات السَّيِّدُ بعد أَخْذِ النجوم، وقبل الإِيتَاءِ, فعلى الوَرَثَةِ الإِيتَاءُ, فإن كانوا صِغَارَاً تَولاَّهُ الذي يلي أَمْرَهُمْ، ثم لا يخلو إما أن يَكون مَالُ الكتابة أو بَعْضُهُ باقياً [بحاله] 182 أو لم يكن إن كان باقياً، فيؤخذ القَدْرُ الوَاجِبُ منه، ولا يزاحم المُكَاتَبُ فيه أَرْبَابَ الديون، ولا أَرْبَابَ الوصايا، [لأن حقه] 183 في عَيْنِهِ، أو هو كالمرهون بحقه هكذا ذكره القَفَّالُ، وحكاه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه -رضي الله عنه- في "المبسوط".
الجزء: 13 - الصفحة: 503
وإن لم يكن بَاقِياً؛ فعن أبي إِسْحَاقَ، وغيره وجه: أن الواجب 184 الإيتاء لكونه غير مُقَدَّرٍ ضعيف، فيؤخر عن الدَّيْنِ، ويجعل في مَرْتَبَةِ الوَصَايَا.
وذكر وجه آخر: أن على قولنا: إن القاضي يُقَدِّرُهُ باجتهاده، فَقَدَّرَهُ أقل ما يتمول منه في مرتبة الدُّيُونِ، والزيادة عليه في مَرْتَبَةِ الوصايا لضعفه وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب مُسْتَثْنى عن قولنا: إن الوَاجِبَ ما يُقَدِّرُهُ القاضي، ويليق بالحَالِ، فقال: "إلا أن يموت قبل الإيتاء ... " إلى آخره.
وكأن مَنْ قَالَ به يقول: الزِّيَادَة على أَقَلِّ ما يتمول لا يليق بحال الميت؛ لأَنه مُعْسِرٌ.
وظَاهِرُ المَذْهَبِ أن ما يحكم بوجوبه على اخْتِلاَفِ الوجهين كَسَائِرِ الدُّيُونِ يُقَدَّمُ على الوَصَايَا، فإن أَوْصَى بِزِيَادَةٍ على الواجب، فتلك الزِّيَادَةُ من الوَصَايَا.
واعلم أن الحِكَايَةَ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" أن المُكَاتَبَ يُحَاصّ بالذي له أَهْلَ الدِّيْنِ والوَصَايَا.
واعترض المُزَنِيُّ وقال: يلزمه أن يقدمه على الوَصَايَا، وكيف يُحَاصّ الفريقين، والدُّيُونُ مقَدَّمَةٌ على الوَصَايَا، فإن حَاصَّ أَهْلَ الدُّيُونِ يقدم على الوصايا، وإن حَاصَّ أَهْلَ الوصايا تَقَدَّمَتِ الديون عليه.
واختلف الأَصْحَابُ -رحمهم الله- في الجَوَابِ على وجوه:
أحدها: أن الكاتب غلط، وإنما قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- يُحَاصّ أَهْلَ الديون دون الوَصَايَا.
والثاني: عن ابن سُرَيْجٍ تَنْزِيلُ 185 النَّصِّ على ما إذا أوصى أن يكون الإيتاء والدُّيُونُ من الثلث، وكان الثلث يحتملهما، والوَصَايَا أيضاً؛ فيتحاصُّون 186 جميعاً في الثُّلُثِ.
والثالث: تنزيله على ما إذا قدر القاضي شيئاً باجْتِهَادِهِ فَيُحَاصّ أرْبَابَ 187 الديون بأقل ما يتمول منه، وأَرْبَاب الوَصَايَا بالزيادة.
وهو الوجه الذي قَدَّمْنَاهُ.
والرابع: تَنْزِيلُهُ على ما إذا أَوْصَى السَّيِّدُ بزيادة على القَدْرِ الواجب، فيحاص أَرْبَابَ الديون بالواجب، وأَرْبَابَ الوَصَايَا بالزيادة.
وبهذا قال ابن خَيْرَانَ، وشَبَّهَ ذلك بما أَوْصَى بأن يمح عنه بالحجة الواجبة من بلده، فَقَدَّرَ أُجْرَةَ الحج من المِيقَاتِ من رَأْسِ المال، والزيادة تُعْتَبَرُ من الثلث.
الفَرْعُ الثَّانِي:
إذا لم يبق من النجوم إلاَّ القَدْرُ الواجب في الإِيتَاءِ فلا تسقط ولا يَحْصُلُ
الجزء: 13 - الصفحة: 504
التَّقَاصٌّ؛ لأنا -وإن جعلنا الحَطَّ أصلاً- فلِلسَّيِّدِ أن يُؤْتِيَهُ بَدَلاً عنه، ولا يجوز للسَّيِّدِ تعجيزه؛ لأن عليه مِثْلَهُ، ولكن يرفعه المُكَاتَبُ إلى الحاكم حتى يرى رَأْيَهُ، ويفصل الأَمْرَ بينهما.
وإن جعلنا الإيتَاءَ أَصْلاً؛ فعن القاضي الحُسَيْن أنّ له تَعْجيزَهُ بالباقي إذا لم يجبره، وإذا عَجَّزَهُ سقط الإِيتَاءُ وارتفع العَقْدُ من أَصْلِهِ.
قال الإِمام: وهذا عندي غَيْرُ صحيح، وإنما شرع الإيتاء لئلاَّ يَعْجَزَ العَبْدُ بقدره ولا يَفُوتَ العِتْقُ.
وَلْيُعَلَمْ ما ذكرنا قوله في الكتاب: "وليس للسيد تعجيزه" بالواو.
" فرع":
إذا قلنا: أيجتهد القاضي في القَدْرِ؟
فقد قال الإِمَامُ: ما يستيقن 188 أن له وقع له بالإضافة إلى مَالِ الكتابة فهو غير كَافٍ، وما [يستيقن أن له وقعاً] 189 فهو كَافٍ.
وإذا تَرَدَّدَ فعند الترَدْدِ يَتَعَارَضُ فيه أَصْلاَنِ:
أحدهما: بَرَاءَةُ ذِمَّةِ السَّيِّدِ.
والثاني: بقاء الأَمْرِ بالإيتاء، ويلتحق بأَطْرَافِ تقابل الأصلين والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: لَوْ عَجَّلَ النُّجُومَ قَبلَ المَحَلِّ أُجْبِرَ عَلَى القَبُولِ كَمَا لَوْ عَجَّلَ دَيْناً بِهِ رَهْنٌ، وَفِي سَائِرِ الدُّيُونِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ ضَرَرٌ أَوْ كَانَ وَقْتَ غَارَةٍ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ كَانَ العَقْدُ أُنْشِئَ فِي وَقْتِ الغَارَةِ فَوَجْهَانِ، فَلَوْ كَانَ غَائِباً قَبَضَ القَاضِي عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ لاَ آخُذُ فَإنَّهُ حَرَامٌ أُجْبِرَ عَلَى القَبُولِ وَالقَوْلُ قَوْلُ المُكَاتَبِ، وَلَكِنْ هَلْ يُنْتَزَعُ من يَدِهِ بَعْدَ القَبُولِ لِأَجْلِ إِقْرَارِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ينْتَزَعُ وَيُحْفَظُ فِي بَيْتِ المَالِ أَوْ يُسَلَّمُ إِلَى مَالِكِهِ إِنْ أَقَرَّ لِمَالِكٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُنْتَزَعُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: إنْ عَجَّلْتَ بَعْضَ النُّجُومِ فَقَدْ أَبْرَأتُكَ عَنِ البَاقِي لَمْ يَصِحَّ (ح و) الإِبْرَاءُ، وَلَوْ عَجَّلَ البَعْضَ بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ (ح و) الأَدَاءُ، فَإِنْ وَفَّى السَّيِّدُ وَأَبْرَأَ فَهَلْ يَنْقَلِبُ القَبْضُ صَحِيحَاً بِرِضَاهُ السَّابِقِ المُعَلَّقِ عَلَى الأدَاءِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَنْشَأَ رِضاً جَدِيدَاً فَلاَ شَكَّ أنَّهُ يَنْقَلِبُ مِنْ حِينِهِ لِأَنَّ دَوَامَ القَبْضِ كَابْتِدَائِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في المسألة قَوَاعِدُ يَتْلُوهَا فروع:
إِحْدَى القَوَاعِدِ: إِذا عجل المُكَاتَبُ النُّجُومَ قبل المَحَلِّ، نُظِرَ: إن لم يلحق السَّيِّدَ
الجزء: 13 - الصفحة: 505
ضَرَرٌ في القَبُولِ؛ أجبر عليه 190؛ لأن للمكاتب غَرَضاً ظاهراً فيه، وهو تنجيز العتق، أو تقريبه، ولا ضَرَرَ على السَّيِّدِ من قبوله 191، ولأن المحل حَقُّ مَنْ عليه الدَّيْنُ، فإذا أَسْقَطَهُ ينبغي أن يسقط، وقد ورد فيه الأَثَرُ عن عمر -رضي اللهُ عنه-؛ كان لحق السَّيِّدَ ضَرَرٌ بأن كان لا يبقى بحاله إلى وَقْتِ الحُلُولِ، كالطَّعَامِ الرَّطْبِ، أو كان يلزمه مُؤنَةٌ كَعَلَفِ الحيوان، وما يحتاج إليه لِلْحِفْظِ، أو كان في أيام فِتْنَةٍ وغَارَةٍ؛ فلا يُحْبَرُ على القَبُولِ.
نعم؛ لو أُنْشِئَ العَقْدُ في وقت الفِتْنَةِ والغَارَةِ، ففيه وجهان:
أحدهما: يُجْبَرُ؛ لاستواء الحَالَتَيْنِ، كما لو 192 استويا في الأمن.
وأصحهما: المنع؛ لأنها قد تَزُولُ عند المَحَلِّ.
ولو أتى بالنجوم في غير بَلَدِ العَقْدِ؛ فإن كان في النَّقْلِ مُؤنَةٌ، أو كان الطريق، أو ذلك البَلَدُ مَخُوفاً لم يُجْبَرْ على القبول وإلاَّ فَيُجْبَرْ.
وقوله في الكتاب: "وفي سائر الديون المؤجلة وجهان"، لا يمكن حَمْلُهُ على ما سوى النُّجُومِ مُطْلَقاً، وكيف وقد ذكر أنه لو عَجَّلَ دَيْناً به رهن يُجْبَرُ على القَبُولِ لفكِّ الرَّهْنِ.
وقد سبق ذلك في "باب السَّلَمِ"، وبَيَّنَّا هناك أنه إذا لم يكن للتعجيل غَرَضٌ سوى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ ففي إِجْبَارِ المستحق على القَبُولِ قولان:
أظهرهما: الإجْبَارُ، فليحمل قوله: "وفي سائر الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ" على ذلك، أي الديون التي لا يَتَعَلَّق بتعجيلها غَرَضُ عتق 193 وفك رَهْنٍ، وغيرهما.
الثانية: إذا أَتَى المُكَاتَبُ بالنجوم في مَحَلِّهِ، والسَّيِّدُ غَائِبٌ، فيقبض القاضي عنه، وكذا يقبض عنه إذا امتنع وهو حَاضِرٌ، ويعتق العَبْدُ.
ولو أتى بالنجم قبل المَحَلِّ والسَّيِّد غائب؟ فكذلك يقبض عنه إذا عرف أنه لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ في أَخْذِهِ.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وبمثله لو كان لِغَائِبٍ دَيْنٌ على آخر، فأتى به الحاكم؛ هل يقبضه للغائب؟ فيه وجهان:
أظهرهما: المنع؛ لأنه ليس للمؤدى غَرَضٌ إلاَّ سُقُوطُ الدَّيْنِ عنه، والنظر للغائب
الجزء: 13 - الصفحة: 506
أن يترك المَالَ في ذِمَّةِ الملئ فإنه خَيْرٌ من أن يصير أَمَانَةً في يد الحاكم 194.
الثالثة: إذا أتى المُكَاتَبُ بالنجوم، فقال السَّيِّدُ: هذا حَرَامٌ أو مغصوب؛ نُظِرَ: إن أقام على ما يقوله بَيِّنَةَ لم يُجْبَرْ على قَبُولِهِ [وتسمع هذه البَيِّنَةُ؛ لأن له في إقامتها غَرَضًا ظاهراً، وهو الامْتِنَاعُ عن الحرام.
هكذا أطلقه كثيرون.
وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ: إنما يقيم البَيِّنَةَ] 195 ويسمع إذا عَيَّنَ له مَالِكاً، أما إذا لم يُعيِّنْ فلا تُتَصَوَّرُ البَيِّنَةُ للمجهول، ولا معنى لقولهم: إنه مَغْصُوبٌ.
وللمطلقين أن يقولوا: إذا كان مَقْصُودُ هذه البَيِّنَةِ الامْتِنَاعُ عن الحرام لم يبعد قَبُولُهَا على الإِطْلاَقِ، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قول المُكَاتَب: إنه له مع يَمِينِهِ؛ لظاهر اليَدِ، فإن نَكَلَ حَلَفَ السَّيِّدُ، وكان كما لو أقام البَيِّنَةَ.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ أن المُكَاتَبَ يحتاج إلى البينة.
والمشهور الأَوَّلُ، ولا يثبت بِبَيِّنَةِ السَّيِّدِ حَقُّ المالك الذي عَيَّنَهُ، ولا يسقط بحَلِفِ المكاتب حقه.
ثم إذا حَلَفَ العبد، فظاهر المَذْهَب أنه يجبر السَّيِّدُ على قَبُولِهِ، أو إِبْرَائِهِ عن ذلك القَدْرِ، فإن امتنع منهما أخذ الحاكم النُّجُوَمَ، وعُتِقَ العبد.
وقد نص الشافعي -رضي الله عنه- فيما إذا اشْتَرَى نَخِيلاً، وأَفْلَسَ، ورجع البائع في النَّخِيلِ، وعليها ثمرة؛ فقال المُشْتَرِي: حدثت في مِلْكِي، وقال البائع: بل كانت على النَّخِيلِ وقت 196 البيع، وصدق بعض الغُرَمَاءِ المشتري دون بعض، أنه يُصَدَّقُ المشتري.
وأنه إذا حَلَفَ تُدْفَعُ الثمرة إِلى مَنْ صَدَّقَهُ دون من كَذَّبَهُ.
فحكى الشيخ أبو حَامِدٍ أن من الأَصْحَاب من قال: قَضِيَّةُ قوله: لا تدفع الثمرة إلى المكذب ألاَّ يجبر السَّيِّدُ على القَبُولِ هاهنا، وأن فيهما 197 قولين بالنَّقْلِ والتخريج، والأكثرون امْتَنَعُوا منه.
وقالوا في الفَرْقِ إذا دفعت الثَّمْرَةُ إلى من صَدَّقَهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ عن الدَّيْنِ بقدرها، ولم يتضرر.
وهاهنا لو لم يُجْبَرِ السَّيِّدُ على الأَخْذِ تَضَرَّرَ ببقاء الرِّقِّ.
ويجوز أن يُعَلمَ لما بَيَّنَّا قوله في الكتاب: "أجبر على القبول" بالواو واللفظة
الجزء: 13 - الصفحة: 507
تحتاج إلى ضَمِيمَةِ المعنى أُجْبِرَ على القَبُولِ، أو الإِبْرَاءِ عن ذلك القدر، أو أُجْبِرَ على القَبُولِ إن لم يبرئ عنه.
ثم إذا أخذه السَّيِّدُ، نُظِر إن عَيَّنَ له مَالِكَاً أُمِرَ بِتَسْلِيمِهِ إليه مُؤَاخَذَةً له بإقراره، وإن لم يقبل قوله على المُكَاتَبِ -وإن لم يعين مالكاً، واقتصر على قوله: "إنه حرام"، "أو مَغْصُوبٌ"، "أو مَسْرُوق"، فوجهان:
أحدهما: أنه يَنْتَزِعُهُ الحاكم، ويحفظه في بَيْتِ المال إلى أن يَظْهَرَ مالكه.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ فإنه لم يقر لمعين.
وذكر الرُّوَيانِيُّ وغيره -رحمهم الله- على هذا أنه يُقَالُ: له إمساكه إلى أن يَتَبَيَّنَ صَاحِبُهُ، ويمنع من التَّصَرُّفِ فيه.
ولو كَذَّبَ نَفسَهُ، وقال: هو لِلْمُكَاتَبِ، كما ادَّعَاهُ.
قال الإمَامُ: المذهب أنه يقبل وينفذ تَصَرُّفُهُ.
بحسبه، ويجوز أن يُوَجَّهَ الآخر بأنه أَقَرَّ بأنه حَرَامٌ عليه، فلا يتمكن من الرجوع عنه.
قال: وإن قلنا: إن الحاكم يزيل يَدَهُ، فالظَّاهِرُ أنه لو كَذَّبَ نفسه لا يقبل.
وقوله في الكتاب: "فيه وجهان أحدهما أنه يُنْزَعُ، ويحفظ في بيت المال، أو يسلم إلى مالكه إن أقر لمالك معين" يشعر بِإِثْبَاتِ الخلاف في الانْتِزَاعِ مع الإقرار لِمُعَيَّنٍ ليسلم إليه، ولا خِلاَفَ في أنه يُؤْمَرُ بالتسليم إليه، لكن لا يجوز 198 فَرْض الخلاف في أَنَّا هل [ننزعه لنسلمه] 199 إليه إذا كان غَائِباَ مَثَلاً.
هذه هي القَوَاعِدُ.
وأما الفروع 200: فلو جاء المُكَاتَبُ بالنَّجْمِ عند المَحَلِّ، وشرط على السيد أن يُبْرِئَهُ، فالشرط لَغْوٌ، وللسيدِ أَخْذُهُ، ولا يلزمه الإِبْرَاءُ عن الباقي.
ولو عَجَّلَ قبل المَحَلِّ على أن يُبْرِئَهُ عن الباقي؛ فأخذه وأَبْرَأَهُ لم يَصِحَّ القَبْضُ ولا الإِبْرَاءُ، خلافاً لأبي حَنِيفَةَ وأحمد.
ولو قال السيد: أَبْرَأْتُكَ عن كذا بِشَرْطِ أن تُعَجِّلَ لي الباقي، وإذا عَجَّلتَ كذا، فقد أَبْرَأتُكَ عن الباقي، فَعَجَّلَ لم يَصِحَّ القَبْضُ ولا الإِبْرَاء أيضاً، وإذا لم يَصِحَّا لم يَحْصُلِ العِتْقُ، وعلى السيد رَدُّ المأْخُوذِ.
هذا ظاهر المذهب.
وأشار المزَنِيُّ إلى تَرَدُّدِ قول في صِحَّةِ القَبْضِ والإِبْرَاء , ولم يسلم له جمهور الأصحاب اخْتِلاَفَ القَوْلِ في المَسْأَلَةِ، وحملوا التَّجْوِيَزَ على ما إذا لم يَجْرِ شرط ابتدائه.
الجزء: 13 - الصفحة: 508
وردَّدَ صاحب [الكتاب في "الوسيط"] 201 تَرَدُّدَ القول إلى أنه إذا عَجَّلَ بشرط الإبراء وفي السيد فأبرأ؛ هل يَنْقَلِب القَبضُ صحيحاً [ففي قول: ينقلب صحيحًا] 202 لأنه رضي بالأداء بشرط الإِبْرَاءِ، فإذا حصل الشَّرْطُ كان القبض مَرْضِيّاً به، وعلى هذا جَرَى في الكتاب.
ولو أَنْشَأَ رِضاً جديداً، فقبضه عما عليه يحكم بِصِحَّتِهِ، كما لو أذن للمشتري في أن يَقْبِضَ ما في يَدِهِ عن جهة الشِّرَاءِ، وللمرتهن 203 في قبضه عن جهة الرَّهْنِ.
ويجوز أن يُعَلمَ قوله في الكتاب: "لم يصح الإبراء" مع الحاء والألف بالواو؛ لما أَشَارَ إليه المزني.
وأيضاً ففي تَعْلِيقِ الإبْرَاءِ مُطْلَقاً خِلاَفٌ مَذْكُورٌ في "الضَّمَانِ"، ولو أخذ السيد ما عَجَّلَهُ المُكَاتَب أو أبرأه عن الباقي من غير شَرْطٍ لو عَجَّزَ العَبْدُ نَفسَهُ، فَأخَذَ السَّيِّدُ ما معه وأَبْرَأَهُ عن الباقي، أو أَعْتَقَهُ جاز 204.
وذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- مُشِيراً إلى حِلِّهِ بقيد حرية المُكَاتَبِ بما عَجَّله أنه 205 إن أَحَبَّ أن يصح فَلْيَرْضَ المُكَاتَبُ بالعَجْزِ، ولْيَرْضَ السَّيِّدُ بأن يأخذ ما معه ويعتقه، ولكن في هذا 206 مُخَاطَرَةٌ على العبد، فإنه لا يؤمن ألاَّ يفي السَّيِّدُ بما وَعَدَ وَيَرِقّهُ، ويأخذ ما في يَدِهِ من الأَكْسَاب، فالطريق على ما حكى عن صاحب "الإفصاح" والأئمة -رحمهم الله- أن يقول: إذاَ عَجَّزْتَ نفسك، وأَدَّيْتَ إِلَيَّ كذا، فأنت حُرٌّ، فإذا وجدت الصِّفَتَانِ يعتق، ويكون العِتْقُ على الكتابة.
قال في "التهذيب": لأنه لا ترتفع الكِتَابَةُ بِمُجَرَّدِ تعجيزه نفسه، وإنما يرتفع إذا فَسَخَهَا بعد التَّعْجِيزِ، وإذا عُتِقَ عن الكِتَابَةِ، كانت الأَكْسَابُ له، ثم يَتَرَاجَعَانِ، فيرجع العبد على السَّيِّدِ بما أخذه ويرجع السَّيِّدُ على العَبْدِ بقيمته؛ لأنه أَعْتَقَهُ على عِوَضِ التَّعْجِيزِ، والمال المذكور، والتعجيز لا يصلح عِوَضاً، وكأنه أُعْتِقَ على عِوَضٍ فَاسِدٍ.
وقال في "الشامل": لو لم يُعَلّقْ هكذا , ولكن قال: إن أَعْطَيْتَنِي كذا فأنت حُرٌّ،
الجزء: 13 - الصفحة: 509
فأعطاه عُتِقَ، ولكنه عِوَضٌ فَاسِدٌ؛ لأن المُكَاتَبَ لا تَصِحُّ المُعَاوَضَةُ عليه، فَعُتِقَ بالصفة، ويجب عليه تَمَامُ قيمته.
واعلم أن الإمَامُ أَطْنَبَ في إِيرَادِ الإِشْكَالِ في هذا الفصل وفيما أَوْرَدْنَاهُ يحِصل به الانْفِصَالُ عن أكثرها.
" فرع":
لو عَجَّلَ المُكَاتَبُ النجم 207 على أن يُعْتِقَهُ، ويُبْرِئَهُ عن الباقي ففعل السيد ذلك، عُتِقَ المُكَاتَبُ، ورجع السيد عليه بقيمته، ويرجع المُكَاتَبُ على السيد بما أَدَّاهُ؛ لأنه أعْتَقَهُ بِعَوَضٍ فَاسِدٍ.
حكاه القَاضِي عن النَّصِّ 208.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ لِتَعَذُّرِ النُّجُومِ خَمْسَةُ أَسْبَابٍ: إِذَا أَفْلَسَ بِجَمِيعِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا فَلَهُ فَسْخُ الكِتَابَةِ وَيُسَلَّمُ لَهُ مَا أَخَذَ إلاَّ مَا كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكهَا، وَلَيْسَ هَذَا الفَسْخُ عَلَى الفَوْرِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الإِنْظَارُ إلاَّ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ المَالُ مِنَ المَخْزَنَ، فَإنْ كَانَ مَالُهُ غَائِباً فَلَهُ الفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُرُوضٌ لاَ يُشْتَرَى إلاَّ فِي زَمَانٍ فَلَهُ الفَسْخُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ المسألة الكَلاَمُ فيما إذا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ النجوم عند مَحَلِّهَا، وله أسباب منها:
الإِفْلاَسُ: فإذا حَلَّ نَجْمٌ على المُكَاتَب، وهو عاجز عن أَدَائِهِ، أو أَدَاءِ بَعْضِهِ، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الكتابة [فإن شاء فسخ بنفسه] 209؛ لأنه فسخ مُجْمَعٌ عليه كَفَسْخِ النِّكَاحِ بالعِتْقِ، وإن شاء رَفَعَ الأمَرَ للحاكم لَيَفْسِخَ.
وفي "تَعْلِيق الشيخ أبي حَامِدٍ": أنه إذا ثَبَتَ عَجْزُهُ بِإقْرَارِهِ أو بالبَيِّنَةِ فللسيد فسْخُ الكتابة، ولا يَنْبَغِي أن يشترط إقراره بالعَجْزِ، ولا قيام البينة عليه؛ لأنا سنذكر أنه إذا امْتَنَعَ عن الأَدَاءِ، ثَبَتَ حَقُّ الفَسْخِ للسيد، وإذا لم يُؤَدِّ، فهو مُمْتَنِعٌ إن لم يكن عَاجِزاً، وإذا رفع الأمر إلى الحاكم 210 فلا بد من ثُبُوتِ الكِتَابَةِ، وحُلُولِ النَّجْمِ عنده ومهما فسخت الكتابة سَلَّمَ للسيد ما أَخَذَهُ؛ لأنه كَسْبُ عبده 211 نعم؛ ما أخذه من الصَّدَقَاتِ
الجزء: 13 - الصفحة: 510
فَيَسْتَرِدُّهُ مُؤَدِّيهِ.
وهذا قد سَبَقَ ذِكرُهُ في "قَسْمِ الصَّدَقَاتِ".
ويجوز أن يُعَلَمَ قَوْلُهُ في الكتاب: "فيجب ردها" لخلاف بَيَّنَاهُ هناك، وليس هذا الفَسْخُ على الفَوْرِ، بل له تَأْخِيرُهُ إلى أن يَشَاءَ، كالفَسْخِ بالإِعْسَارِ 212.
وإذا استنظره المُكَاتَبُ، فَيُسْتَحَبُّ له أن يُنْظِرَهُ.
ثم لا يُلْزَمُ الإِمْهَال؛ بل له الرُّجُوعُ إلى الفَسْخِ مهما بَدَا له، خِلاَفاً لأبي حنيفة.
وإذا طالبه بالمَالِ، فَلاَ بُدَّ من الإِمْهَالِ بِقَدْرِ ما يَخْرُجُ من المَالِ من الصنْدُوقِ والدُّكَّانِ وَالمَخْزَنِ ويزن 213، وإن كان مَالُهُ غائباً، فقد أَطْلَقَ الإمَامُ وصاحب الكتاب: للسيد الفَسْخُ، ولْيُحْمَلْ على تَفْصِيلٍ، ذكره ابن الصَّبَّاغ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما -رحمهم الله- وهو أنه إن كان على مَسَافَةِ القَصْرِ، لَم يَلْزَمْهُ التأخير إلى أن يُحْضِرَهُ؛ لِطُولِ المُدَّةِ، وإن كان على مَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، لَزِمَ التَّأْخِيرُ إلى أن يحضره، وإن كان له دَيْنٌ على إِنْسَانٍ فإن كان حَلاًّ، ومن عليه مَلِيٌّ، وجب التَّأْخِيرُ إلى اسْتِيفَائِهِ، كما لو كانت له وَدِيعَةٌ عند غيره؛ فإن كان مُؤَجّلاً، أو على مُعْسِرٍ، فلا يجب التَّأْخِيرُ.
وإن كان الدَّيْنُ على السَّيِّدِ، وهو من جِنْسِ النجوم، ففيه الخِلاَفُ في التَّقَاصِّ، وإن كان مِنْ غير جِنْسِهِ أَدَّاهُ لِيَصْرفَهُ المُكَاتَبُ إلى جنس النجوم، ولو حَلَّ النَّجْمُ وهو نَقْدٌ، وللمكاتب عُرُوضٌ، فإن تأتَّى بيعها على الفَوْرِ، فلا يَفْسِخُ السيد وتُبَاعُ، وإن احْتَاجَ البَيْعُ إلى مُدَّةٍ لكسادٍ وَغَيْرِهِ، فَقَضِيَّةُ ما أَطْلَقَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ أنه لا يَفْسِخُ أيضاً.
ورأى الإِمام جَوَازَ الفَسْخِ، ونَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ غيبة المال، وهذا أظهر وضبط في "التهذيب" مُدَّة التأخير 214 للبيع بثلاثة أَيَّامٍ، وقال: لا يلزم أَكْثَرُ من ذلك.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا غَابَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ فَلَهُ الفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الرَّفْعِ إِلَى القَاضِي، وَإِنْ كَانَ بِإذْنِهِ بَعْدَ المَحَلِّ فَلَيْسَ لَهُ الفَسْخُ حَتَّى يُخْبِرَهُ مُخْبِرٌ أنَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى الإِنْظَارِ، فَإنْ قَصَّرَ فِي الإِيَابِ فَلَهُ الفَسْخُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حَلَّ النجم، والمُكَاتَبُ غائب، أو غَابَ بعد الحُلولِ بغير إِذْنِ السيد، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الكتابة إن شاء بِنَفْسِهِ، وإن شاء بالحاكم؛ لأن المُكَاتَبَ كان ينبغي
الجزء: 13 - الصفحة: 511
أن يحضر، أو يبعث المَالَ إليه عند المَحَلِّ، ولا يجب على السَّيِّدِ تأخير الفَسْخِ بكون 215 الطريق مَخُوفاً، أو المُكَاتَبِ مَرِيضاً.
وفيه وَجْهٌ، ويُنْسَبُ إلى أبي إِسْحَاقَ: أنه لا يفسخ بنفسه عند العَقْدِ؛ بل لا بد من الرَّفْع إلى القَاضِي، فإنه نَائِبُ [الغيّب] 216، وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذين الوجهين فيما إذا أُمِرَ المُكَاتَبُ.
والظاهر الأول.
وإلى الوجه المذكور أَشَارَ بقوله في الكتاب: "من غَيْرِ حَاجَةٍ إلى الرفع"، فإن فسخ بنفسه، فليشهد عليه لئلا يُكَذِّبَهُ المُكَاتَبُ.
وإن رفع الأمر إلى الحاكم، فَلاَ بُدّ وأن يثبت عنده حُلُول النجم، وتعذر التحصيل، ويُحَلِّفهُ الحَاكِمُ مع ذلك؛ لأنه قَضَاءٌ على الغائب.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: يُحَلِّفُهُ أنه ما قَبَضَ من النجم منه، ولا من وَكِيلِهِ، ولا أَبْرَأَهُ ولا أَحَالَ به، ولا يَعْلَمُ له مَالاً حَاضِراً.
وذِكْرُ الحَوَالَةِ [يَتَفَرَّعُ] 217 على جَوَازِ الحِوَالَةِ بالنُّجُومِ.
ولو كان مَالُ المكاتب الغائب حاضرًا، لم يُؤَدّ الحاكم النُّجُومَ منه، ويمكن السيد من الفَسْخِ؛ لأنه ربما عَجَّزَ نَفْسَهُ لو كان حَاضِراً، ولم يُؤَدِّ المَالَ.
ولو أنظر المُكَاتب بعد حُلُولِ النَّجْمِ، وأَذِنَ له في السَّفَرِ، ثم بَدَا له في الإِنْظَارِ لم يكن له الفَسْخُ في الحَال 218 لأن المُكَاتَبَ غير مُقَصِّرِ هاهنا، وربما اكْتَسَبَ في السَّفَرِ ما يَفِي بالوَاجِب، ولكن يَرْفَعُ السيد الأَمْرَ إلى الحاكم، ويقيم البَيِّنَةَ على الحُلُولِ والغيبة وَيحْلِفُ مع ذَلك، ويذكر أنه رَجَعَ عن الإنظَارِ، فيكتب الحَاكِمُ إلى حَاكم بَلَدِ المُكَاتَب ليعرفه الحال؛ فإن أظهر العَجْزَ كتب به إلى حَاكِم بَلَدِ السَّيِّدِ ليفسخ إن شَاءَ.
وإن قال: أُؤَدِّي الوَاجبَ، فإن كان لسَّيِّد وَكِيلٌ هناك أمره 219 بالتسليم، فإن أبَى ثَبَتَ حَقُّ الفَسْخ [بالامتناع] 220 للسيد، وللوكيل الفَسْخُ أيضاً إن كان وَكِيلاً به.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ قَوْلاً آخر: أنه لا يَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخ بالامْتِنَاع من التسليم إلى الوَكِيلِ، لاحتمال العَزْلِ، وإن لم يكن هناك وَكِيلٌ أمره الحاكم بإِيصَالَهِ إليه، إِما بنفسه أو بغيره، وَيَلْزَمَهُ ذلك في أول رفقة تَخْرُجُ، أو في الحال إن كان لا يَحْتَاجُ إلى رُفْقَةٍ في ذلك الطريق، وعلى السَّيِّدِ الصبر 221 إلى أن تَمْضِي مُدَّةُ إِمكَانِ الوُصُولِ، فإن مَضَتِ المُدَّةُ ولم يوصله مقصّراً فللسَّيِّدِ الفَسْخُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 512
ويخرج بما ذكرنا: إنه لا يعتبر مُضِيُّ مُدَّةِ إِمْكَانِ المَسِيرِ إلى السَّيِّدِ إن كان له وَكِيلٌ هناك، وأنه يُعْتبَرُ مُضِيُّهَا إن لم يكن وَكيلٌ وكذلك نَقلَهُ الرَّبِيعُ.
وعن رواية المُزَنِيِّ أنه لا يَفْسِخَ حتى تَمْضِيَ مُدَّةُ إِمْكَانِ المسير، سواء كان هناك وَكِيلٌ، أو لم يَكُنْ وعدّ ذلك سهواً منه.
وقوله في الكتاب: "فَلَيْسَ له الفَسْخُ حتى يخبره أنه نَدِمَ على الإِنْظَارِ ليس في ظَاهِرِهِ تَعَرُّضٌ للرفع إلى الحَاكِم، ولكتاب الحاكم، لكنه الذي ذكره الشَّافِعِىُّ -رضي الله عنه- والأَصْحَابُ -رحمهم الله- بل لا بد من الحَمْلِ عليه.
نعم؛ قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: لو لم يكن في بَلَدِ السَّيِّدِ حَاكِمٌ، فكتب السيد إلى العبد، وأعلم الحال، وأمره بالتَّسْلِيمِ إلى رَجُلٍ عَيَّنَهُ، فامتنع، فَعِنْدِي: أنه كما لو امْتَنَعَ بَعْدَ كتاب القَاضِي، إذا وقع له العِلْمُ به.
وذكر أبو الحُسَيْنِ فيه وجهين، وحكى وجهين فيما لو سَلَّمَ المُكَاتَبُ إلى وكيل السيد، وبَانَ [أن] السَّيِّدَ عَزَلَهُ؛ هل يَبْرَأُ المُكَاتَبُ؟
قال: وعندي أن الوجهين مَخْصُوصَانِ بما إذا قال الحاكم: إن فلاناً وَكَّلَهُ، ولم يأمره بالتَّسْلِيمِ إليه، فَيَبْرَأُ بلا خِلاَفٍ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: أَنْ يَمْتَنِعَ مَعَ القُدْرَةِ فَلَهُ الفَسْخُ إذِ الكتَابَةُ جَائِزَةٌ (ح و) مِنْ جَانِبِ العَبْدِ، وَلَهُ أن يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَفْسَخَ مَهْمَا شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا امتنع العَبْدُ من أَدَاءِ النُّجُومِ مع القُدْرَةِ لم يُجْبَرْ عليه؛ لأن الكتابة جَائِزَةٌ من جانب العَبْدِ، فله تَعْجِيزُ نَفْسِهِ إذا شاء.
قال الأَصْحَابُ -رحمهم الله-: وإنما كانت الكتَابَةُ جَائِزَةً من جانب العَبْدِ، بخلاف جانب السَّيِّدِ؛ لأن الخَطَّ في الكتابة للعبد، فلا يَتَمَكَّنُ السَّيِّدُ من إِسْقَاطِ ما أَثْبَتَهُ من الخَطِّ والحَقِّ، وصاحب الخط بالخِيَارِ في حقه.
وهذا كما أن الرَّهْنَ جَائِزٌ من جانب المُرْتَهِنِ، لاَزِمٌ من جِهَةِ الرَّاهِنِ، وأيضاً فالكتابة تتضمن تَعْلِيقَ العِتْقِ بصفة في العَبْدِ، والتعليق يلزم من جهة المُعَلّقِ، والعَبْدُ لا يلزمه الإِتْيَانُ بالصفة المعلق عليها.
وإذا عَجَّزَ نَفْسَهُ، فالسيد بالخِيَارِ بين أن يفسخ، أو يجيز، وإذا اختار الفَسْحَ، فله الفَسْخُ بنفسه، ولا يحتاج إلى الرَّفْعِ إلى القاضي.
وهل لِلْمُكَاتَبِ الفَسْخُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ إذ لا ضَرَرَ عليه في بَقَاءِ الكِتَابَةِ.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: نعم؛ كما أن للمرتهن أن يَفْسَخَ الرَّهْنَ أيضاً.
الجزء: 13 - الصفحة: 513
قال الإِمام: تَجْوِيزُ الامْتِنَاعِ عن أَدَاءِ النجوم، مع أنه لا يملك الفَسْخَ بعيد 222.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك: إن كان في يَدِهِ وَفَاءٌ بالنجوم، لم يَجُزْ له تَعْجِيزُ نفسه، بل يُجْبرُ على الأَدَاءِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ إِذَا جُنَّ العَبْدُ وَقُلْنَا: لاَ يَنْفَسِخُ فَلهُ الفَسْخُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَللقَاضِي أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ لِيُعْتَقَ إِنْ رَأَى المَصْلَحَةَ لَهُ فِي الحُرِّيَّةِ، وَللسِّيِّدِ أَيْضاً أنْ يَسْتَقِلَّ بأَخْذِ النُّجُومِ إِذْ تمْكِينُهُ مِنْ هَذَا أَوْلَى مِنْ مَنْعِهِ حَتَّى يَفْسَخَ وَيأَخُذَ المَالَ مَجَّاناً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرّ أن الكتابة لا تَنْفَسِخُ بِجُنُونِ العَبْدِ، فإن حَاوَلَ السَّيِّدُ الفَسْخَ، فلا بد وأن يأتي الحَاكِمُ فَيُثْبِتُ عَقْدَ الكتابة، وحُلُولَ النجم ويبدي المطالبة به، ويحلفه الحاكم على بَقَاءِ الاسْتِحْقَاقِ، ثم يبحث فإن وجد للْمُكَاتَبِ مَالاً أَدَّاهُ عن الواجب عليه ليعتق، ويخالف ما إذا كان المكَاتَبُ غَائِباً، وله مالٌ حاضر، حيث قال: لا يُؤَدِّيهِ عنه، وفرق بينهما بأن الغَائِبَ من أَهْلِ النَّظَرِ لنفسه، ولو كان حَاضراً فربما امتنع وعَجَّزَ نَفْسَهُ، وربما فسخ الكتابة في غيبته.
والمجنون ليس من أَهلِ النَّظَرِ، فينوب عنه الحَاكِمُ.
ثم عَامَّةُ الأصحاب أَطْلَقُوا القَوْلَ بأن الحاكم يُؤَدِّي عنه.
وذكر صاحب الكتاب هاهنا وفي"الوسيط" أنه يُؤَدِّيهِ إن رأى المَصْلَحَةَ له في الحرية، وإن رأى أنه يضيع إذا عُتِقَ فلا يُؤَدِّيِهِ، وهذا جَيِّدٌ، ولكنه قليل النفع، مع قولنا: إن السَّيِّدَ إذا وجد له مَالاً يَسْتَقِلُّ بأخذه، إلاَّ أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ، والحالة هذه، وإن لم يجد الحاكم له 223 مَالاً، فَيُمَكنُ السَّيِّدُ من الفَسْخُ؛ فإذا فسخ عاد المُكَاتَبُ قِنًّا له، وعليه نَفَقَتُهُ.
ثم إن ظهر له مَالٌ، أو أفاق، وأتي بمال كان قد حَصَّلَهُ قبل الفَسْخِ دفع إلى السيد [و] حكم بعتقه، ونقص التعجيز هكذا أَطْلَقُوهُ.
وأَحْسَنَ الإِمَامُ فقال: إن ظهر المَالُ في يَدِ السَّيِّدِ رد التعجيز، وإلاَّ فهو نافد؛ لأنه فسخ حين تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى حَقِّهِ، فأشبه ما لو كان مَالُهُ غائباً، فحضر بعد الفَسْخِ.
وإذا حَكَمْنَا بِبُطْلاَنِ التعجيز، وكان السيد جَاهِلاً بِحَالِ المال، فعلى المُكَاتَبِ رد
الجزء: 13 - الصفحة: 514
ما أنفق السَّيِّدُ عليه؛ لأنه لا يتبرع به، وإنما أنفق على أنه عَبْدُهُ.
ولو أقام المُكَاتَبُ بعد ما أَفَاقَ بَيِّنَةً، على أنه كان قد أَدَّى النَّجُومَ، حكم بِعِتْقِهِ، ولا رُجُوعَ للسيد عليه؛ لأنه لبس وأَنْفَقَ على عِلْمٍ بحريته فيجعل 224 مُتَبَرِّعاً، فلو قال: نسيت 225 الأدَاءَ، فهل يقبل ليرجع؟ فيه وجهان:
وإن وجد السَّيِّدُ لِلْمُكَاتَب في جُنُونهِ مَالاً، فقد تَقَدَّمَ أن له أن يَسْتَقلَّ بِأَخْذِهِ، وحكينا عن الإِمَامِ -رحمه الله- تَفْصِيلاً فيه.
وقوله في الكتاب: "إِذْ تمكينه من هذا أَوْلَى من منعه حتى يفسخ ويأخذ المال مَجّاناً"، ليس المَقْصُودُ منه ما لو مَنَعْنَاهُ من الاسْتِقلاَلِ بالأَخْذِ، فيفسخ، ويأخذ المال من جِهَةِ أنه كَسْبُ عَبدِهِ، فإنه لا يفسخ إن 226 كان هناك مال، ولكن يراجع الحاكم ليسلمه إليه، ولكنه أراد أنه لو لم يرض المُكَاتَبُ إذا أفاق بالعِتْقِ والأَدَاءِ، فإن السَّيِّدِ يفسخ، ويأخذ المَالَ من جهَةِ أنه كَسْبُ عَبْدِهِ، ثمل الإعْتَاقُ بِيَدِهِ لا مَدْفَعَ له، وإذا كان كذلك، فَتَمْكِينُهُ من الأخْذِ، وعِتقُهُ من جهة الكتابة أوْلَى، فقد يفضل شَيْءٌ من أَكْسَابِهِ ويسلم له.
وعبارة "الوسيط" تُفْهِمُ ذلك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: المَوْتُ وَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ بِمَوْتِ العَبْدِ وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً لِتَعَذُّرِ العِتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات المُكَاتَبُ قبل أن يُؤَدِّيَ النُّجُومَ، انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ، ومات رَقِيقاً حتى لا يورث، وتكون أكْسَابُهُ للسيد، وتَجْهِيزُهُ عليه؛ لأن مورد العَقْدِ الرَّقَبَةُ، والمقصود مُرْتَقَبٌ فيها، فإذا فاتت كان فَوَاتُهَا كَتَلَفِ المبيع قبل القَبْضِ، ولا فَرْقَ بين أن يخلف وفاءً بالنجوم أو لا يخلف، ولا بين أن يكون البَاقِي من النُّجُومِ قَلِيلاً أو كثيراً، وسواء حَطَّ شيئاً، أو لم يحط.
وإن كان الإيتَاءُ وَاجِباً؛ قال في "الشامل": لأن الإِيتَاءَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فلا يسقط به شيء معلوم.
وعن نصه في "الأم" -رضي الله عنه- أنه لَو أَحْضَرَ المُكَاتبُ؛ المَالَ ليدفعه إلى السيد، أو دفع المَالَ إلى رَسُولِهِ؛ لِيُوَصِّلَهُ إليه، فمات قبل أن يَقْبِضَهُ السَّيِّدُ، مات رقيقاً أيضاً.
وأنه لو وَكَّلَ المُكَاتَبُ بدفع النجم الأخير إلى السَّيِّدِ، ومات المكاتب، فقال أولاده الأحرار: إن الوَكِيلَ دَفَعَهُ قبل موته، وإن مات حُراً.
وكذبهم السيد فهو
الجزء: 13 - الصفحة: 515
المُصَدَّقُ، فإن أَقَامُوا بَيِّنَةَ على الدَّفْعِ يوم الاثنين، وكان قد مات يوم الاثنين، لم يَنْفَعْهُمْ إلاَّ أن يقول الشهود: إنه دفع قبل موته، أو يقولوا: [إنه] 227 دفع قبل طُلُوعِ الشمس، ويكون السَّيِّدُ مُقِراً بأنه مات بعد الطُّلُوعِ.
وإنه لو شهد وَكِيلُ المُكَاتَبِ بقبض السيد النجوم 228 قبل موت المُكَاتَب لم تقبل شَهَادَتُهُ، ولو شَهِدَ وكيل السيد بقبضه تقبل شَهَادَتُهُ، ووجه ذلك بأن وَكِيل المُكَاتَبِ يشهد لموكله فهو مُتَّهَمٌ، ووكيل السيد يشهد على مُوَكِّلِهِ، فهو غير مُتَّهَمٍ.
ولْيُعَلَمْ قوله في الكتاب: "وإن خلف وفاء" بالحاء والميم؛ لأن عند أبي حَنِيفَة: إذا مات، وخلف وفاء، مات حُرّاً، كان لم يخلف وفاء، وله وَلَدٌ يَسْتَسْعِي الولد حتى يُؤَدِّيَ النُّجُومَ.
كان لم يكن له وَلَدٌ أيضاً مات رَقِيقاً.
وعن مالك: إن خلف وفاءً، مات حرًا، وإلاَّ فإن لم يخلف ولداً أو خلف ولداً حرًا، أو مملوكاً [ولو قبل عَقْدِ الكتابة، انفسخت الكِتَابَةُ.
وإن خلف وَلَداً مَمْلُوكَاً]، 229 ولد بعد عقد الكتابة كلف 230 أن يُؤَدِّيَ المال الذي كان على أَبيهِ، فيعتق ويتبعه 231 الوَلَدُ في الحرية.
ويحكى عن مذهبهما غَيْرُ هذا التفصيل:
" فروع تَتَعَلَّقُ بالفسخ والانفساخ":
يحصل الفسخ بقول السَّيِّدِ: فَسَخْتُ الكتابة، ونَقَضْتُهَا، ورَفَعْتُهَا، وأَبْطَلْتُهَا وَعَجَّزْتُ العَبْدَ.
ولو لم يطالبه السَّيِّدُ بعد حُلُولِ النَّجْم مُدَّةَ، ثم أحضر المُكاتَبُ المَالَ؛ لم يكن للسيد الامْتِنَاعُ من قَبْضِهِ.
وعن نصه في "الأم" -رضي الله عنه- أنه لو قال بعد التَّعْجِيزِ: قد قررتك على الكتابة؛ لم يكن عليها حتى يُجَدِّدَ له كتابة، وقد مَرَّ في "القراض" ما يقتضي إثْبَاتَ خِلاَف فيه.
ولو تَطَوَّعَ رَجُلٌ بأدَاءِ مَالِ الكتابة؛ فهل يُجْبَرُ السَّيِّدُ على القبول؟ أو يُمَكَّنُ من الفَسْخِ؟ حكى القاضي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين؛ والذي أَوْرَدَهُ الإِمَامُ -رحمه الله، منهما أنه لا يُجْبَرُ، ولو قبل ففي وُقُوعِهِ عن المُكَاتَب -إذا كان بغير إِذْنِهِ- وَجْهَانِ عن رِوَايَةِ صاحب "التقريب": القياس القَبُولُ.
وإذا مات المكاتب رَقِيقاً، أو فسخ السَّيِّدُ الكِتَابَةَ لعجزه، رُقَّ كُلُّ من يكاتب عليه
الجزء: 13 - الصفحة: 516
من وَالِدٍ وَوَلَدٍ، وصاروا جميعاً للسَّيِّدِ، وما في يَدِهِ من المال للسيد، على ما مَرَّ إن لم يكن عليه دَيْنٌ وإن كان 232 فسيأتي.
إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِىُّ: فَرْعٌ: لَوْ كَانَ اسْتَسْخَرَ المُكَاتَبَ شَهْراً وَغُرِّمَ الأُجْرَةَ فَيَلْزَمُهُ إنْظَارُ شَهْرٍ بَعْدَ المَحَلِّ فَعَسَاة يَكْتَسِبُ مَالاً، وَقِيلَ: لَه تَعْجِيزُهُ مِنْ غَيْرِ إنْظَارٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَهَرَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَ، واسْتَسْخَرَهُ في بعض أَعْمَالِهِ مُدَّةً، فعليه أُجْرَةُ مثله، ثم إذا جاء المَحَل، فعليه إِمْهَالُهُ مِثْلَ تلك المُدَّةِ، أو له التَّعْجِيزُ والفسخ؟ فيه قولان:
أحدهما -ونظم الكتاب يقتضي تَرْجِيحَهُ- أن على السيد أن يُمْهِلَهُ مثل تلك المدة؛ لأن حَقَّ السيد أن يمكنه من الاكتساب، فإذا لم يفعل لم يكن له أن يعتد عليه بتلك المُدَّةِ، وقد يتفق له فتوح في مدة القَهْرِ والحَبْسِ وان قصرت.
وأصحهما -أنه لا يَلْزَمُهُ الإِمْهَالُ 233، كما إذا حبس مستحق الدَّيْنِ المؤجل مدة [الأجل] لا يلزمه تأخير القضاء بعد المَحَلِّ، وما فوت عليه من المنافع صار مَجْبُوراً بالأُجْرَةِ.
ولو حبسه غير السيد؛ فقد حَكَى الإِمَامُ عن العِرَاقِيِّينَ إِجْرَاءَ 234 الخلاف فيه، وفيه طريقان ذكرناهما 235 فيما إذا أسر الكُفَّارُ المُكَاتَبَ مُدَّةً، ثم استنقذ وقوله في الكتاب: "وقيل له تعجيزه من غير إنظار"؛ لفظة "قيل" في وجوه الأصحاب أكثر اسْتِعْمَالاً، والمسألة مَشْهُورَةٌ بالقولين على ما بَيَّنَّا، فليحمل اللفظ عليه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (المَسْاَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي ازْدِحَامِ الدُّيُونِ) وَلَهُ صُوَرٌ: الأُولَى: إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلاَّ لِلسَّيِّدِ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ مَعَ النُّجُومِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا فِي يَدِهِ بِالدَّيْنِ وَيُعَجِّزَهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ إلاَّ مَا يَفِي بِأَحَدِهِمَا، وَإنْ أَرَادَ تَعجِيزَهُ قَبْلَ إِخْلاَءِ يَدِهِ عَنِ المَالِ يَأْخُذُهُ بِالدَّيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ المسْأَلَةِ؛ القَوْلُ فيما إذا انْضَمَّتْ إلى النجوم دُيُونٌ على المُكَاتَبِ؛ إِما للسيد وَحْدَهُ، أو لغيره، أو لهما؛ وأنها كيف تُؤَدَّى في حال بَقَاءِ الكِتَابَةِ، وبعد ارتفاعها؟
الجزء: 13 - الصفحة: 517
ومقصود الصُّورَةِ الأُولَى القَوْلُ فيما إذا كانت الدُّيُونُ للسيد وَحْدَهُ، وكانت الكتابة بَاقِيَةً؛ فإذا كان للسيد مع النُّجُومِ دَيْنُ معاملة على المكاتب، أو أَرْشُ جِنَايَةٍ عليه، أو على ماله؛ فإن تَرَاضَيَا على تَقْدِيم الدَّيْنِ الآخر وتَأَخُّر النجوم فذاك، وإن تَرَاضَيَا على تقديم النُّجُومِ عُتِقَ ثم الظاهر أن الدَّيْنَ الآخر يسقط، فللسيد مُطَالَبَتُهُ به.
ولو كان ما في يَدِهِ وافياً بالنجوم، ولم يَفِ بالدين الآخر؛ فإن أَدَّاهَا عن النجوم برضا السيد، فالحكم ما بَيَّنَّا, وللسيد أن يَمْنَعَهُ من تَقْدِيم النجومِ؛ لأنه لا يَجِدُ مَرْجَعاً لِلدَّيْنِ الآخر، إذا تَقَدَّمت النجوم عُتِقَ؛ فيأخذ ما في يَدِهِ عَن الدَّيْنِ، ثم يعجزه.
وهل له تعجيزه قَبْلَ أَخْذِ ما في يَدِهِ؟ فيه وجهان:
أحدهما -لا؛ لأنه قادر على أَدَاءِ النجوم فيما لم يخل يده عنها لا يحصل العَجْزُ.
ويُنْسَبُ هذا إلى اختيار الصَّيْدَلاَنِيِّ.
وأوجههما -عند الإِمام وغيره رحمهم الله- نَعَم؛ لأنه يتمكن من مُطَالَبَتِهِ بالدَّيْنَيْنِ معاً وأخذ ما في يَدِهِ عنهما؛ وحينئذ فيعجز عن قِسْطٍ من النجوم.
ولو دَفَعَ المُكَاتَبُ ما في يَدِهِ إلى السَّيِّدِ، ولم يتعرضا للجهة، ثم قال المكاتب: قصدت النُّجُومَ، وأنكر السَّيِّدُ، فعن القَفَّالِ: أن المُصَدَّقَ المُكَاتَبُ.
كما لو كان على الرجل دَيْنَانِ، وكان قد رهن بأحدهما، فَأَدَّى، فقال: أردت ذلك الدَّيْن.
وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ: ينبغي أن يصدق السيد؛ لأن الاختيار هاهنا إلى السَّيِّدِ، بخلاف سائر الديون.
ولو قال المكاتب: قَصَدْتُ النُّجُومَ، وسلم له السَّيِّدُ قصده، ولكن قال: قَصَدْتُ الدَّيْنَ الآخر؛ فعلى ما ذكره القَفَّالُ: يُحْكَمُ بِقَوْلِ المُكَاتَب.
وعلى ما ذكره الصَّيْدَلاَنِيُّ: بِقَوْلِ السيد.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِلأَجَانِبِ دَيْنُ مُعَامَلَةِ وَأَرْشُ جِنَايَةٍ فَقَوْلاَنِ، النَّصُّ أَنْ يُوَزَّعَ مَا فِي يَدِهِ عَلَيْهِمْ إِنْ ضَاقَ عَنْ جَمِبعِهِمْ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقَدَّمُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِأنَّ الأَرْشَ لَهُ مُتَعَلقٌ بِالرَّقَبَةِ، ثُمَّ الأَرْشُ يُقَدَّمُ عَلَى النُّجُومِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ المَالِكِ هَذَا إِذَا كَانَ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ الغُرَمَاءِ، فَأمَّا قَبْلَ الحَجْرِ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُم الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَعَلَيْهِ أَرْشٌ وَدَيْنُ مُعَامَلَةٍ فَقَدْ سَقَطَ النُّجُومُ وَمَا فِي يَدِهِ يُوَزَّعُ عَلَى الدَّيْنَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِيَرْجِعَ الأرْشُ إِلَى الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِأنَّ صَاحِبَهُ رَضِيَ بِذمَّتِهِ، ثُمَّ لِمُسْتَحِقِّ الأَرْشِ تَعْجِيزُ المُكَاتَبِ حَتَّى يَبِيعَ رَقَبَتَهُ، فَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ لِتَبْقى الكِتَابَةُ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَجِبُ قَبُولُهُ، وَأَمَّا صَاحِبُ دَيْنِ
الجزء: 13 - الصفحة: 518
المُعَامَلَةِ فَلَيْسَ لَهُ التَّعْجِيزُ إذْ لاَ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالرَّقَبَةِ، وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ فَلاَ يُضَارِبُ الغُرَمَاء بِالنَّجْمِ وَيُضَارِبُ بِدَيْنِ المُعَامَلَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع على المُكَاتَب النُّجُومُ وَدُيُونُ المُعَامَلاَتِ؛ كالأثمان، والقروض، وأَرْش الجنَايَاتِ؛ إما للسيد، أوَ لغيره، أو لهما؛ فهو كالحُرِّ في الحَجْرِ عليه، وقسمة ماله بينَ أَرْبَابِ الديون.
وهل يَحلُّ بالحَجْرِ عليه الدُّيُون المؤجلة؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن فيه قَوْلَيْنِ، كما ذكرنا في الحُرِّ إذا أَفْلَسَ.
والثاني: القَطْعُ بالحُلُولِ؛ لأن هاهنا يجتمع الحَجْرُ والرِّقُّ، وللرِّقِّ أَثَرٌ ظاهر في إبطال الأَجَلِ.
ألا ترى أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إذا اسْترقَّ الحَرْبيُّ، وعليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يحل الأَجَل، فإن حَلَّتْ، فَيُقَسَّمُ المال على الجميع، وإلاَّ فعلى الدُّيُونِ الحالة.
إذا عرف ذلك فإن كان ما في يَدِ المكاتب وَافِياً بما عليه من الدُّيُونِ، وفيت جميعاً، وإلا فإن لم يُحْجَرْ عليه بعد لعدم التماس الغرماء أو غيره فله تقديم ما شاء من النجوم وغيرها كالحُرِّ المُعْسِرِ يقدم ما شاء من الدُّيُونِ.
وله تَعْجِيلُ النجوم قبل المَحَلِّ، ولا يجوز تَعْجِيلُ الديون المُؤَجَّلَةِ لغير السَّيِّدِ بغير إِذْنِهِ وفي جوازه بالإذْنِ الخِلاَفُ في تَبَرُّعَاتِ المُكَاتَبِ بإذن السَّيِّدِ، وفي معناه ما إذا عجل سائر الديون للسَّيِّدِ.
ومنهم من أجرى الخِلاَفَ في تعجيل النجوم، وكذلك أَوْرَدَهُ القاضي الرُّوَيانِيُّ، وقال: هو بمنزلة الهِبَةِ: بإِذْنِهِ، وفيه قولان؟ إلاَّ أنه لا يؤدي مال الكتابة من العبد الجاني؛ لأن الأَرْشَ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ، وهو مُرْتَهِنٌ به.
وإذا أدى النجوم عُتِقَ، ويبقى دَيْنُ الأَجَانِب عليه.
قال في "الشامل": ولا يجيء فيه الخِلاَفُ في إِعْتَاقِ العَبْدِ الجاني؛ لأن العِتْقَ يحصل بالصِّفَةِ السَّابِقَةِ على الجِنَايَةِ؛ فهو كما لو عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بصفة، ثم جنى، فإن الجِنَايَةَ لا تمنع حُصُولَ العِتْقِ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيقِ السابق بلا خلاف، والأولى أن يُقَدِّمَ دَيْنَ المُعَامَلَةِ؛ فإن فَضَلَ شَيْءٌ جعله في الأَرْشِ، فإن فَضَلَ شَيْءٌ صَرَفَهُ إلى النجوم.
وسيظهر وَجْهُ هذا الترتيب.
وإن حَجَرَ الحاكم عليه، تَوَلَّى قِسْمَةَ ما في يَدِهِ، وفي كيفية القِسْمَةِ وجهان -ويقال قولان-:
أحدهما -وهو ظاهر نَصِّهِ في "المختصر"- أنه يُقَسِّمُهُ على أَقْدَارِ الدُّيُونِ، ولا
الجزء: 13 - الصفحة: 519
يُقَدِّمْ بَعْضَهَا على بعضِ؛ لأن جَمِيعَ الدُّيُونِ مُتَعَلِّقَةٌ بما في يَدِهِ؛ ألا ترى أن ما انْفَرَدَ منها يَتَعَلَّقُ به؟ وهذا ما أوْرَدَهُ في "التهذيب"، ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ، واختيار صاحب "التقريب".
وأصحهما: وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ، والقَفَّالُ، وهو الذي أَوْرَدَهُ القاضي ابن كجٍّ -أنه يُقَدِّمُ دَيْنَ المُعَامَلَةِ؛ لأنه يَتَعَلَّقُ بما في بَدِهِ لا غير، ولِأَرْشِ الجناية مُتَعَلّقٌ آخر، وهو الرَّقَبَةُ، وكذلك حَقُّ السَّيِّدِ بتقدير العَجْزِ يعود إلى الرَّقَبَةِ، ويسوى بين الأَثْمَانِ والقُرُوضِ، ثم يُقَدِّمُ أَرْشَ الجناية على النجوم؛ لأن الأَرْشَ مُسْتَقِرٌّ، والنجوم عُرْضَةُ السُّقُوطِ، إذا شاء المُكَاتَبُ، ولأن حَقَّ المجني عليه يُقَدَّمُ على حَقِّ المالك في القِنِّ؛ فكذلك في المكَاتَبِ.
وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ: أنه لا يَخْتَلِفُ الأَصْحَابُ في أن ذلك مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- وحَمَلُوا ما في "المختصر" على ما إذا رَضِيَا جَمِيعاً بالتَّسْوِية وقوله في الكتاب: "إِذا ضاق عن جميعهم" يشير إلى أن مَوْضِعَ الخِلاَفِ ما إذا لم يَفِ ما في يَدِهِ بالدُّيُونِ جميعاً، فإن وَفَى فيؤدى 236 الكل.
وقوله: [هنا] 237 كان قد حُجِرَ عليه بالْتِمَاسِ الغُرَمَاءِ"؛ يعني المُسْتَحِقِّينَ للديون سوى السيد؛ فإنه صور فيما إذا كانت الديون للأجانب.
وقد ذكر في "الشامل" أنه لا يُحْجَرُ عليه بالْتِمَاسِ السيد النُّجُومَ؛ لأنها غير مُسْتَقِرَّةٍ، والعَبْدُ مُتَمَكّنٌ من إسْقَاطِهَا.
ثم في الفصل صُوَرٌ:
إحداها: إذا عَجَّزَ المُكَاتَبُ نَفْسَهُ، سقطت النُّجُومُ، وفي دَيْنِ المعاملة للسيد وَجْهَانِ، الذي ذكره الإِمَامُ منهما: أنه يسقط أيضاً، ويَصْرِفُ ما في يَدِهِ إلى دُيُونِ الأجانب من المُعَامَلاَتِ والأَرْشِ، فإن لم يَفِ بالنَّوْعَيْنِ؛ ففيه ثلاثة أوجه:
أرجحها: عند الشيخ أبي مُحَمَّدٍ، وصاحب الكتاب وغيرهما -رحمهم الله- أنه يُسَوْى بينهما.
والثاني: تقديم دَيْنِ المُعَامَلَةِ؛ لأن لِلأَرْشَ مُتَعَلِّقاً آخَرَ، وهو الرَّقَبَةُ، وقضية ما قدمنا تَرْجِيحُ الوَجْهِ، وقد وفي الإِمام بهذه القضية 238.
والثالث: عن صاحب "التقريب": تقديم دَيْنِ الأَرْشِ؛ لأنها تَثبُتُ من غير رضا أَرْبَابِهَا، وفي دُيُونِ المُعَامَلَةِ قد رَضِيَ أَرْبَابُهَا بِذِمَّتِهِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 520
قال الإِمام: وهذا المعنى يَقْتَضِي طَرْدَ الوَجْهِ الثالث قبل التعجيز، وما يبقى من دَيْنِ المعاملة يُتْبَعُ به بعد العِتْقِ، وما يبقى من الأَرْشِ يَتَعَلَّقُ بالرّقَبَةِ، فيباع فيه.
ولو مات المُكَاتَبُ قبل أن يقسم ما في يَدِهِ انْفَسَخَتِ الكتابة، وسقطت النُّجُومُ وذكر جماعة -منهم صاحب "الشامل"، ويحكى عن ابن سُرَيْجٍ- أن أُرُوشَ الجِنَايَاتِ تسقط أيضاً؛ لأنها تَتَعَلَّقُ بالرَّقَبَةِ، وقد تَلِفَتْ، وتتعلق بما في يَدِهِ أيضاً بِحُكْمِ الكتابة، فإذا انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ بطل ذلك التَّعْلِيقُ أيضاً، فعلى هذا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ ما خلفه إلى دُيُونِ المُعَامَلاَتِ، وأبقى مُبْقُونَ الأَرْشَ وتَعَلُّقَهَا بالمال.
وعلى ذلك جَرَى الصَّيدَلاَنِيُّ، والإمام، وصاحب "التهذيب" -رحمهم الله- وعلى هذا؛ فإن سَوَّيْنَا [في] 239 صورة التَّعْجِيزِ، فهاهنا أَوْلَى.
وعلى الوجه المنقول 240 عن صاحب "التقريب": تَقْدِيمُ الأَرْشِ.
وإن قلنا هناك: [يقدم] 241 دين المُعَامَلَةِ؛ فهاهنا وجهان:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ استِصْحَاباً لما كان في حال الحَيَاةِ.
وأظهرهما: التَّسْوِيةُ؛ لأن الدَّيْنَيْنِ متعلقان بما خَلَّفَهُ، وتَأَخُّرُ الأَرْشِ في الحياة كان لِتَوَقُّعِ تَوْفِيرِهِ من الرَّقَبَةِ، وقد بَطَلَ ذلك التَّوَقُّعُ.
الثانية: إذا لم يكن في يَدِ المُكَاتَب مَالٌ، أو قسم الموجود إما على الديون جَمِيعاً بالتَّسْوِيةِ، أو على التَّقْدِيمِ والترتيب، وبقيت النجوم أو بَعْضُهَا؛ فللسيد تَعْجِيزُهُ وَرَدُّهُ إلى الرِّقِّ.
إن بقيت الأُرُوشُ، أو بعضها، فَلِمُسْتَحِقِّ الأَرْشِ الباقي تَعْجِيزُهُ أيضاً لتباع رَقَبَتُهُ في حَقِّهِ، ولا يُعَجِّزُهُ بنفسه؛ لأنه لم يعقد حتى يفسخ، ولكن يَرْفَعُ الأَمْرَ إلى الحاكم حتى يُعَجِّزَهُ.
صرح الأصحاب بهذا.
وقال الإِمَامُ: ظاهر كَلاَمِهِمْ أنه يُعَجِّزُهُ بِنَفْسِهِ والوَجْهُ: الرفع إلى القَاضي.
فلو 242 أراد السَّيِّدُ أن يَفْدِيَهُ، وتبقى الكتَابَةُ؛ فهل يَمْتَنِعُ على مستحق الأرش التَّعْجِيزُ؟ وهل يجب عليه قَبُولُ الفِدَاءِ؟
قال الإِمام: فيه احْتِمَالْ مُتَلَقَّى من قول الأَصْحَاب: يجوز أن يقال: لا؛ لأن السَّيِّدَ إنما يَفْدِي إذا تَعَلَّقَ الأَرْشُ بالرَّقَبَةِ، وهذا لا يَتَحَقَّقُ مَا دامت الكِتَابَة بَاقِيَةً.
وليست الكتابة كالاسْتِيلاَدِ حتى يجعل السيد مَانِعاً لها، كما يجعل مَانِعاً بالاسْتيلاَدِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 521
ويجوز أن يقال: نعم؛ لأنه رَقِيقُ السَّيِّدِ، وله غَرَضٌ في تمام العتاقَةِ، وفي استبقائه لنفسه إن لم يتم، فيتمكن 243 من الفِدَاءِ.
والأول أصح عند الإِمَامِ , وتابعه 244 صَاحِبُ الكتاب.
[والثاني نعم] 245 وهو الذي يُوجَد لسائر الأَئِمَّةِ -رحمهم الله-، وأما صاحب دَيْنِ المُعَامَلَةِ، فليس له التَّعْجِيزُ؛ لأن حَقَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بالرَّقَبَةِ على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.
ولو أَمْهَلَهُ السيد، ومُسْتَحِقُّ الأُرُوشِ، ثم بدا لِبَعْضِهِمْ، وأراد التَّعْجِيزَ، فله ذلك، خِلافاً لأبي حنيفة ومالك -رحمهما الله-.
وإذا تَحَقَّقَ التَّعْجِيزُ، سقطت النُّجُومُ، ويُبَاعُ في أَرْشِ الجناية، إلاَّ أن يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ.
ودَيْنُ المُعَامَلَةِ لا يَتَعَلَّقُ بالرقبة، ولا يُبَاعُ فيه، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ حيث قال: متعلقه بالرَّقَبَةِ، كما قال: يَتَعَلَّقُ دُيُونُ المعاملة بِرَقَبَةِ العبد المَأْذُونِ.
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه مثله؛ فيجوز أن يُعَلَمَ لذلك.
قوله في الكتاب: "ألاَّ يتعلق حقه بالرقبة"؛ بالحاء والواو.
وقضية الوَجْهِ المذكور أن يُمَكَّنَ صَاحِبُ دَيْنِ المعاملة من التَّعْجِيزِ، وأن يسوى بين دَيْنِ المعاملة، والأَرْشِ في الحياة.
الثالثة: عرفت أن الأَظْهَرَ أن دُيُونَ الأجانب مُقَدَّمَةٌ على النجوم، فلا يُضَارِبُ السَّيِّدُ معهم بالنجوم، إذا لم يَفِ ما في يَدِ المُكَاتَبِ بالجميع.
وهل يُضَارِبُ بِمَالِهِ من دَيْنِ المعاملة؟ فيه وجهان:
أشبههما: وهو المَذْكُورُ في الكتاب -نعم؛ لأنه إذا سَقَطَ لم يَكُنْ له بَدَلٌ كَدُيُونِ الغُرَمَاءِ، بخلاف النَّجْمِ؛ فإنه إذا سَقَطَ عَادَ السَّيِّدُ إلى الرَّقَبَةِ.
والثاني: لا؛ لأن دُيُونَ السَّيِّدِ ضَعِيفَةٌ، فإنها عُرْضَةٌ للسقوط بالتعجيز.
هكذا وجه الإِمام، وذَكَرَ في غير هَذَا المَوْضِعِ أن ما كان للسَّيِّدِ من دَيْنِ مُعَامَلَةِ يسقط بالتعجيز.
ونقل صاحب "التهذيب" فيه وجهين؛ فإذا 246 لم يسقط فَيُحَاصّ السَّيِّدُ الغُرَمَاءَ فيما كان في يَدِهِ.
وأمَّا ما للسيد من أَرْشِ جِنَايَةٍ على المُكَاتَبِ، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن السَّيِّدَ والأَجْنَبِيَّ يَسْتَوِيَانِ فيه في دَوَامِ الكتابة.
وأما [ما] 247 بعد التعجيز، فَيُبَاعُ في أَرْشِ الجِنَايَةِ على الأجنبي، ويسقط ما كان للسَّيِّدِ؛ لأنه صار مِلْكاً له، ولا يَثْبُتُ للسيد على عَبْدِهِ أَرْشُ جِنَايَةٍ، ويجوز أن يُفْرَضَ
الجزء: 13 - الصفحة: 522
فيه خلاف.
وقوله في الكتاب: "فلا يُضَارِب الغُرَمَاء بالنجم"؛ يجوز أن يُعَلَمَ بالواو لما تَقَدَّمَ أن على قَوْلٍ أو وَجْهٍ يُوَزَّع ما في يَدِهِ على النجوم وغيرها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ:) إِذَا كَاَتَبَا عَبْداً فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا أَنْ يَنفَرِدَ بِقَبْضِ نَصِيبِ نَفْسِهِ لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي يَدِ العَبْدِ كَالمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ سَلَّمَ إِلَى أَحَدِهِمَا جَمِيعَ النُّجُومِ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ يُعْتَقُ نَصِيبُ القَابِضِ، وَلَوْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِتَقْدِيمِ الآخَرِ بِنَصِيبِهِ فَقَبَضَ فَهَلْ يُعتَقُ نَصِيبُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا كان بَيْنَ اثْنَيْنِ عَبْدٌ بالسَّوِيَّةِ 248، فَكَاتَبَاهُ معاً، لم يكن للمُكَاتَبِ أن يُفَضِّلَ أَحَدَهُمَا على الآخر في قَدْرِ المَدْفُوعِ، ولا أن يُقَدِّمَ أَحَدَهُمَا على الآخر, لأن أَكْسَابَهُ مُشْتَرَكَةْ بينهما؛ فإن دَفَعَ إلى أحدهما تَمَامَ حِصَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ، لم يُعْتَقْ منه شَيْءٌ؛ لأن نِصْفَ المَأْخُوذ لشريكه، ويجيء فيه وَجْهٌ ضَعِيفٌ قد سَبَقَ.
وإن دفع إليه [قبل] 249 تمام النجوم، فكذلك.
وحكى الإِمَامُ وَجْهاً: أنه يُعْتَقُ نَصِيبُ القَابِضِ؛ لأنه لا يَلْزَمُهُ رَفْعُ اليَدِ، إلاَّ عن نِصْفِ المَقْبُوضِ، فليستقر مِلْكُهُ في نِصْفِ المقبوض، ولا خلاف أن لِلشَّرِيكِ الآخَرِ أَخْذَ حِصَّتِهِ مما قَبَضَ، ولا في أنه إذا قَبَضَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ النجوم بإذْنِ الآخر عُتِقَ العَبْدُ.
وإن دفع إلى أحدهما حِصَّتَهُ من مَالِ الكِتَابَةِ بِإذْنِ الآخَرِ، ورِضَاهُ بتقديمه؛ ففي صِحَّةِ القَبْضِ قولان؛ وقال صَاحِبُ الكتاب: وجهان:
أصحهما: على ما قاله الرُّوَيانِيُّ في "الحلية"، وهو اختيار المُزَنِيِّ: أنه لا يَصِحُّ؛ لأن حَقَّهُ ما في ذِمَّةِ المُكَاتَب، وما في يَدِهِ مِلْكُهُ، فلا أَثَرَ للِإِذْنِ فيه، ولأنه لو جَاءَ بالمَالِ ليعطيهما، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بأَن يَزِنَ للآخر أَوَّلاً، ففعل وأقبضه؛ لم يُعْتَقْ حتى يَزِنَ للآخر.
ولو هَلَكَ الباقي قبل أن يَدْفَعَهُ إلى الثاني، كان المَدْفُوعُ إلى الأَوَّلِ بينهما؛ فكذلك هاهنا.
والثاني: يَصِحُّ؛ لأن الحَقَّ لا يَعْدُوهُمْ، وقد اتَّفَقُوا عليه.
ويروى عن أبي حَنيفَةَ مِثْلُ القولين.
وفي طريقة الصَّيدَلاَنِيِّ أن من الأصحاب من بَنَى القَوْلَيْنِ، على أنه: هل يجوز أن يُكَاتِبَ أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ بِإذْنِ الآخَرِ؟
إن جَوَّزْنَاهُ صَحَّ القَبْضُ، وإِلاَّ فَلاَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 523
وذكر غيره أنهما مَبْنِيَّانِ على أن المُكَاتَبَ: هل تنفذ تَبَرُّعَاتُهُ بِإذْنِ السيد؛ لأن هذا التقديم 250 تبرع.
وتعرف الشيخ أبو محمد في "السلسلة" لِلْبَابَيْنِ جميعاً؛ فإن قلنا: لا يصح القَبْضُ، لم يُعْتَق نَصِيبُ القَابِضِ، وللآذِنِ طَلَبَ حِصَّتِهِ من المَقْبُوضِ، ثم إن أَدَّى العَبْدُ الباقي عُتِقَ عليهما، وإلاَّ فَلَهُمَا التَّعْجِيزُ.
فإن قلنا: يصح القَبْضُ اسْتَبَدَّ القَابِضُ بما قَبَضَهُ، وعُتِقَ نَصِيبُهُ، ثم إن كان مُعْسِراً، لم يُعْتَقْ نصيب الآخر عليه، ولكن إن كان في يَدِ المُكَاتَبِ ما يفي بنصيب الآخَرِ وأداه عتق نصيبه أيضاً وإلاّ فللآخر تَعْجِيزُهُ.
وإن كان الَّذِي قَبَضَ حِصَّتَهُ مُوسِراً قُوِّمَ عليه نَصِيبُ الشريك، ومتى يُقَوَّمُ في الحال، أو عند التَّعْجِيزِ عن نصيب الشريك؟
فيه القولان المَذْكُورَانِ من قَبْلُ، فيما إذا أَعْتَقَ أحَدُهَمَا نَصِيبَهُ.
فإن قلنا بالتَّقْوِيمِ في الحَالِ، فجميع ما في يَدِ العَبْدِ للشريك الآذِنِ 251؛ لحصوله في حال تَفَارُقِهِ واستيفاء 252 الأول نصيبه.
وإن قلنا بالتَّقْوِيم عند العَجْزِ، فما اكْتَسَبَهُ إلى أن يُعْتَقَ نِصْفُهُ يكون للشريك الآذِنِ، وما اكْتَسَبَهُ بعد ذلكَ يكون بَيْنَ المُكَاتَبِ والشريك الآذِنِ؛ لأنه اكْتَسَبَهُ بنصفه الحُرِّ، ونِصْفِهِ المكاتب.
وإن مات قبل الأدَاءِ والتَّعْجِيز، فعلى ما سَبَقَ هناك.
هذا ما يوجد لأكثر النَّاقِلِينَ -رحمهم الله-.
وسلك الإِمَامُ -رحمه الله- طَرِيقَةً أُخْرَى فقال: إن كان في يَدِهِ وفاء بنصيب الشريك الآذن، فالذي رَأَيتُهُ للأصحاب -رحمهم الله- القَطْعُ بأنه لا سِرَايَةَ.
قال في "الوسيط": ولا نقول بِعِتْقِ نَصِيبِهِ، بل يؤدى نصيب الآذِنِ فإذا أدَّى عُتِقَ عليهما، وإن عَجَزَ عن أدَاءِ نَصِيبِ الآذن؛ فقد حُكِيَ عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يُشَارِكُ القَابِض فيما قَبَضَ؛ لأنه لما قدمه فقد رَضِيَ بِبَقَاءِ حَقِّهِ في ذِمَّةِ المُكَاتَبِ، فعلى هذا
الجزء: 13 - الصفحة: 524
يُعْتَقُ نَصِيبُ القابض [و] في السِّرَايَةِ ما ذكره الأكْثَرُونَ -وعن غيره -رحمهم الله-: أن الآذِنَ- يُشَارِكُ القَابِضَ؛ لأن ما قَبَضَهُ كَسْبُ عبدهما 253، وإنما تَبَرَّعَ الآذن بالتقديم، لا بالتمليك، فلا يَخْلُصُ له المَقْبُوضُ؛ فعلى هذا لهما تعجيزه وإرقاقه والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ:) لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّاهُمَا النُّجُومَ فَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا وكَذَّبَ الآخَرُ وَحَلَفَ فَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ المُصَدِّقِ فِيمَا أقَرَّ بِقَبْضِهِ، وَلَهُ أن يُطَالِبَ المُكَاتَبَ إِنْ شَاءَ بِتَمَامِ نَصِيبِهِ، ثُمَّ لاَ يَرْجعُ المُصَدِّقُ عَلَى المُكَاَتبِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ وَلاَ المُكَاتَبُ عَلَى المُصَدِّقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرَّ أن الشَّرِيكَيْنِ إذا كَاتَبَا عَبْدَهُمَا المُشْتَرَكَ، فَادَّعى أنه وَفَّاهُمَا النُّجُومَ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وكَذَّبَهُ الآخَرُ، أن المُكَذِّبَ مُصَدَّقٌ بِيَمِينِهِ، فإذا حَلَفَ نَفَذَتِ الكِتَابَةُ في نصيبه، وهو بالخِيَارِ بين أن يشارك المُصَدّق، فما أقر بِقَبْضِهِ فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ، ويطالب العبد بالباقي، وبين أن يُطَالب [المكاتب] 254 بتمام نصيبه؛ لأن كَسْبَهُ مُتَعَلَّقُ حَقِّهِمَا بالشركة، فله أن يُشَارِكَ المُصَدّق فيما أخذه.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ أن هذا التخيير مَبْنِيٌّ عند بعض الأَصْحَابِ على أنه لا يجوز أن يَنْفَرِدَ أَحَدُ الشريكين بكتابة نَصِيبِهِ.
فأما إذا جَوَّزنَاهُ، فلا يأخذ من الشريك شيئاً، وإنما يطالب المُكَاتَب بتمام حِصَّتِهِ، وهذا يُرَخص في إِعْلاَمِ قوله في الكتاب: "فله أن يشارك المصدق" بالواو.
الظاهر ثُبُوتُ التخيير 255 على القولين؛ لأنا -كان جَوَّزْنَا انْفِرَادَ أحدهما بالكتابة- فإذا كَاتَبَا معاً، فَلَيْسَ لأحدهما أن يَنْفَرِدَ بأخذ شَيْءٍ من كسبه.
قال ابن الصَّبَّاغِ: وإنْكَارُهُ قَبْضَ الشَّرِيكِ لا يمنعه من الرُّجُوعِ عليه؛ لأنه أَقَرَّ بالقبض، وربما قَبَضَ، وهو لا يَعْلَمُ.
ثم إذا أخذ المُكَذِّبُ حصَّتَهُ منهما، أو من العَبْدِ وَحْدَهُ، عُتِقَ بَاقِيهِ، ولا يرجع المصدق إن أخذ منهما بِشَيْءٍ على العَبْدِ؛ لاعترافه بأنه مَظْلُومٌ ولا يرجع المَظْلُومُ على غير 256 ظالمه.
وكذلك لا يرجع العَبْدُ على المُصَدِّقِ بما يأخذ منه، ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المُصَدِّقِ على المُكَذِّبِ؛ لأنه مُتَّهَمٌ بِدَفْعِ مُشَارَكَتِهِ فيما أخذ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَسْأَلَةُ السَّادِسةُ: لَوْ كَاتبَ عَبْدَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَكَفَّلَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِ الآخَرِ فَسَدَ العَقْدُ، وَلَوْ تَكَفَّلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ النُّجُومَ لَيْسَتْ بِلاَزِمةٍ فَكَيْفَ
الجزء: 13 - الصفحة: 525
تُضْمَنُ، وَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بِتَسْلِيم نُجُومِ الثَّانِي وقُلْنَا: لاَ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ مَعَ الإِذْنِ فَلِلْمُؤَدِّي أَنْ يَسْتَرِد قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ، وَالنَّصُّ أنَّهُ لاَ يُسْتَردُّ بَعْدَ العِتْقِ وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ عَفَا عَنْ أَرْشَ جِنَايَةٍ ثَبَتَ لَهُ عَلَى السَّيِّدِ وَقُلْنَا: لا يَصِحُّ فَلَهُ طَلَبُهُ بَعْدَ العِتْقِ، وَقِيلَ فِي المَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَن تَبَرُّعَ المُفْلِسِ إِذَا لَمْ يَنْفُذْ لِأَجْلِ الدَّيْنِ، فلَو سَقَطَ الدَّيْنُ بِالإبْرَاءِ فَهَلْ يَنْفُذُ الآنَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كَاتَبَ عَبْدَيْنِ فَصَاعِداً، وشرط أن يَتَكَفَّلَ بعضهم عن بعض بالنجوم، فَسَدَتِ الكِتَابَةُ؛ لأنه شَرْطٌ فَاسِدٌ، فإن مَالَ الكتابة غَيْرُ لاَزِمٍ، وضَمَانُهُ غير صحيح.
ولو ضَمِنَ بَعْضُهُمْ عن بعض بغير شَرْطٍ، لم يَصِحَّ.
وحكى القاضي ابْنُ كجٍّ قَوْلاً آخر: أن الكِتَابَةَ لا تَفْسدُ بالشرط المذكور، ونَسَبَهُ الإِمام إلى القديم، وَوَجَّهَهُ بأن هذا الضَّمَانَ من مَصْلَحَةِ العَقْدِ، فإن السَّيِّدَ قد يُرِيدُ ارْتِبَاطَ بعضهم ببعض، فيتعاونوا على الاكْتِسَاب، فلا يَفْسَدُ العَقْدُ [باشتراطه] 257، ويَصِحُّ ضَمَانُ بعضهم عن بَعْض في هذه الصورة؛ لِلْحَاجَةِ والمَصْلَحَةِ كضمان الدَّرَكِ 258.
والظاهر الأول.
وكذلك لو كاتب عَبْدَهُ بشرط أن يَضْمَنَ عنه فُلاَنٌ؛ لم تَصِحَّ الكِتَابَةُ وليُعَلَمْ للقول الذي نَقَلْنَاهُ قَوْلُهُ في الكتاب: "فسد العقد" بالواو، ويجوز أن يُعَلَمَ بالحاء والميم أيضاً؛ لأن عن أبي حَنيفَةَ، ومالك -رحمهما الله- أنه إذا كَاتَبَ عَبْدَيْنِ فَصَاعِداً وكل واحد منهم ضَامِنٌ عن الآخر، وإن لم يوجد تَصْرِيحٌ بالضَّمَانِ على كُلِّ واحد أداء الجميع إذا طالبه السَّيِّدُ، فإذا أَدَّى عُتِقُوا، ورجع على أَصْحَابِهِ بِحِصَصِهِمْ.
وعن مالك: أنه إذا امْتَنَع بَعْضُهُمْ عن الاكْتِسَاب، كان للآخرين إِجْبَارُهُ، وأنه لو أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمْ، وهو غير كَسُوبٍ لم يَنْفُذْ عِتْقُهُ؛ لأن فيه إِضْرَاراً بالآخرين.
وإذا ثبت التَّضَامُنُ من غَيْرِ شرط، فعند الاشتراط أَوْلَى.
واحتج الأَصْحَابُ -رحمهم الله- بأن الكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فإذا كان في أحد طَرَفَيْهَا أَكْثَرُ من وَاحِدٍ، لم يلزمه عند الإِطلاَقِ جَمِيعُ المال كالبيع وغيره.
ولو أَدَّى بعض المُكَاتِبينَ عن بَعْضٍ، بلا شَرْطٍ ولا ضَمَانٍ، أو كاتب عَبْدَيْنِ في عَقْدَيْنِ، فَأَدَّى أحدهما عن الآخر، نُظِرَ:
إن أَدَّى بَعْدَما عُتِقَ جاز، فإن أدَاءَ الدَّيْنِ عن الغُرَمَاءِ جَائِزٌ، ثم إن أَدَّى بإذنه رَجَعَ
الجزء: 13 - الصفحة: 526
عليه، وإلاَّ فَلاَ.
وإن أَدَّى قبل العِتْقِ، فهو تَبَرُّعٌ، وتَبَرُّعُ المُكَاتَب بغير إِذْنِ سَيِّدِهِ غير جائز، وبإذنِهِ فيه قولان؛ يأتيان من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
فإن لم يعلم السيد بأنه يُؤَدِّي عن غَيرِهِ، بأن ظَنَّ أنه كَسْبُ المُؤَدَّى عنه، وأنه يُؤَدِّيهِ بِإِذْنِهِ، فهو تَبَرُّعْ بغير إِذْنِ السيد، وإن علم الحال فوجهان:
أظهرهما: أنه تَبَرُّعٌ بِالإِذْنِ، وأخذه عن عِلْمٍ بالحال قَائِمٌ مقام صريح الإِذْنِ.
والثاني: -وهو اختيار صاحب "التهذيب"- أنه لا يجعل ذلك إِذْناً، بل لا بد من التَّصْرِيح بالإِذْنِ، فإن صَحَّحْنَا الأَدَاءَ لم يرجع المُؤَدِّي على السَّيِّدِ، ويرجع على المُؤَدَّى عَنْهُ إن أَدَّى بِإذْنِهِ، ولا يرجع إن أدى بغير إِذْنِهِ.
وإذا ثبت له الرُّجُوعُ عليه -بأن كان قد عُتِقَ- فذلك، وإلاَّ فَيَأْخُذُهُ مما في يَدِهِ، وَيُقدم على النجوم؛ لأنه لا [بَدَلَ] 259 له، ولِحَقِّ السيد بَدَلٌ عند العُذْرِ، وهو رَقَبَةُ العبد، ولأن دَيْنَ الرَّاجِعِ لاَزِمٌ لا يمكن إِسْقاطه، والنجوم يمكن إِسْقَاطُهَا، بأن يعجز المكاتب نفسه.
وإن لم نصحح الأَدَاءَ، فلا رُجُوعَ للمؤدي على المُؤَدَّى عنه، ولكنه 260 يَسْتَرِدُّ من السيد مَا دَفَعُهُ إليه ما لم يُعْتَقْ، والسيد يُطَالِبُ المؤدى عنه بما عليه، فإن حَلَّ نَجْمٌ على المُؤَدِّي وَقَعَ في التَّقَاص، وإن لم يَسْتَرِدَّ من السيد، حتى أَدَّى النُّجُومَ، وعتق، فالنَّصُ أنه لا يَسْتَرِدُّ حينئذ، ونَصَّ فيما إذا جَنَى السَّيِّدُ على مُكَاتَبهِ، فعفا عن الأَرْشِ الثَّابِتِ له على السيد، وأَبْطَلنَا العَفوَ، بِنَاءً على رَدِّ تَبَرُّعَاتِهِ، ثم عتق أَن له أَخْذَ الأَرْشِ.
فقال أَكْثَرُ الأَصْحَاب: في الصورتين قولان، وأطلق مُطْلِقُونَ في المسألة وجهين من غير تَعَرُّضٍ لِلنَّصَّيْنِ:
أحدهما: لا يأخذ شَيْئاً؛ لأن المَانِعَ من صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ الرِّقُّ، وخوف فوات العتق، وقد ارتفع هذا المَانِعُ.
والثاني: يأخذ؛ لأن أَدَاءَهُ وعَفْوَهُ لم يَصِحَّ حينئذ، فلا يَنْقَلِبُ صحيحاً بزوال الرِّقِّ، وبنى الخلاف على القولين في تَصَرُّفَاتِ المُفْلِسِ؛ أهي باطلة أو موقوفة؟
إن أَبْطَلنَاهَا؛ فالأَدَاءُ والعَفْوُ بَاطِلاَنِ.
وإن قلنا: هي مَوْقُوفَةٌ، فالأداء والعفو مَوْقُوفَانِ، فإذا عُتِقَ بَانَ صِحَّتُهُمَا.
ولو كاتب رَجُلاَنِ كُلُّ وَاحِدٍ منهما عَبْدَهُ، ثم أَدَّى أحدهما عن الآخر، بغير إذن السيد، لم يصح أَدَاؤُهُ، وإن أَدَّى بِإذْنِ السَّيِّدِ، ففيه قولان.
وعن القَفَّالِ: أنه إذا 261 انْضَمَّ
الجزء: 13 - الصفحة: 527
إِذْنُ المُؤَدَّى عنه إلى إذْنِ سَيِّدِهِ يصح بلا خلاف؛ لأنه يكون إِقْرَاضاً، والإقْرَاضُ بِإذْنِ السَّيِّدِ جَائِزٌ بلا خلاف 262، فإن لم يَصِحَّ أَدَاؤُهُ، فله الاسْتِرْدَادُ، وإن عُتِقَ قبلَ الاسْتِرْدَادِ، ففيه الخلاف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ:) لَوْ كَانَا مُتَفَاوِتِي القِيمَةَ فقَالَ الخَسيسُ: أَدَّيْنَا النُّجُومَ عَلَى عَدَدِ الرُّؤوسِ وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ عَلَى قَدْرِ النُّجُومِ وكَانَا قَدْ جَاءَا به مَعاً فَالصَّحِيحُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَن يَدَّعِي الاِسْتِوَاءَ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِما.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُكَاتَبُونَ دفعة واحدة إذا اختلفوا فيما دَفَعُوهُ إلى السيد، فقال من قَلَّتْ قيمته: أدينا النجوم على عدد الرؤوس وقال من كَثُرَتْ قِيمتُهُ: بل على أقدار القيم 263؛ فقد نَصَّ في "المختصر" أن القول قَوْلُ من قَلَّتْ قيمته.
وعن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في مَوْضِعٍ آخر: أن القَوْلَ قَوْلُ من كَثُرَتْ قيمته، وفيهما طريقان للأصحاب:
أظهرهما: أن فيه قولين:
أصحهما: أن القول قَوْلُ من قَلَّتْ قيمته؛ لأن ما أدوه وسَلَّموه كان في أيديهم، وصَاحِبُ اليد يصدق أن 264 في يَدِهِ ملكه،
والثاني: أن القَوْلَ قَوْلُ من كَثُرَتْ قيمته؛ لأن الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ عليه دَيْنٌ ألاَّ يزيد عن أَدَاءِ ما عليه.
والثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالين، فحيث قال: القول قَوْلُ مَنْ قَلَّتْ قيمته، أراد ما إذا أَدَّوْا بَعْضَ المال، وكان المُؤَدِّي، بحيث لو وَزَّعَ على عَدَدِ رؤوسهم لم يَخُصَّ واحداً منهم أكثر بما كان عليه.
وحيث قال: القَوْلُ قَوْلُ مَنْ كَثُرَتْ قيمته، أراد ما إذا أَدَّوْا الجَمِيعَ، والذي قَلَّتْ قيمته يَدَّعِي أنه أَدَّى أكثر مما عليه، وأن ذلك وَدِيعَةٌ له عند السيد، أو قرض على كَثِيرِ القيمة؛ فيطالب بالبَيِّنَةِ.
وربما قيل: إن كان الخِلاَفُ فيما سِوَى النَّجْمِ الأخير، فَيُصَدَّقُ مَنْ قَلَّتْ قيمته؛ لأنه قد يُؤَدِّي زَيادَةً ليحتسب بها عن النَّجْمِ الأخير.
الجزء: 13 - الصفحة: 528
فإن كان في النجم الأخير، وأراد اسْتِرْدَادَ شيء فيحتاج إلى البَيِّنَةِ، وقطع القاضي ابن كَجٍّ فيما إذا كان الخِلاَفُ في النَّجْم الأخير.
[وأجرى القاضي الروياني] 265 الخلاف فيما لو اشْتَرَى اثنان شَيْئاً على التَّفَاوُتِ، وأديا الثَّمَنَ، واختلفا في أنهما أَدَّيَا على التَّفَاوُتِ أو التَّسَاوِي.
وقوله في الكتاب: "وقال الآخر: بل على قدر النجوم"، يعني نُجُومَ كُلِّ واحد منهما، وهو رَاجِعٌ إلى العِبَارَةِ التي سَبَقَتْ، وهي أَقْدَارُ القيم؛ لأن المسمى يُوَزَّعُ على قَدْرِ القِيَمِ على الصحيح كما تَقَدَّمَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي النَّزَاعِ) وَلَهُ صُوَرٌ: إحْدَاهَا: أَنْ يَخْتَلِفَ السَّيِّدُ وَالعَبْدُ فِي أَصْلِ الكِتَابَةِ أَوْ أَصْلِ الأَدَاءِ فَالقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، وَتَثْبُتُ دَعْوَى العَبْدِ بِشَاهِدٍ وَأمْرَأتَيْنِ فِي الأَدَاءِ، وَهَلْ تَثْبُتُ دَعْوَى الكِتَابَةِ وَدَعْوَى النَّجْمِ الأَخِيرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِتْقُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعى العَبْدُ على سَيِّدِهِ أنك كَاتَبْتَنِي، فأنكر، فهو المُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وكذا لو ادَّعَى على وَارِثِهِ بعد مَوْتِهِ أن مُوَرِّثَكَ كاتبني، فأنكر، ويحلف الوَارِثُ على نَفْي العلم.
ولو قال السيد: كَاتَبْتُكَ وأنا مَجْنُونٌ، أو مَحْجُورٌ علي، وقال العبد: بل كنت 266 في حَالِ الكَمَالِ، فإن عُرِفَ للسيد جُنُونْ، أو حَجْرٌ فهو المُصَدَّقُ، وإلاَّ فالمُصَدَّقُ العَبْدُ.
ولو قال السيد: كَاتَبْتُكَ وأنكر العَبْدُ؛ ففي كتاب 267 القاضي ابن كَجٍّ: أنه إن لم يعترف بأدَاءِ المَالِ، فيعود إلى الرِّقِّ، ويجعل إِنكاره تَعْجِيزاً لنفسه.
وإن قال السيد وأَدَّيْتَ المَالَ وعتقت؛ فهو حُرٌّ بإقرار السَّيِّدِ.
فإن قال العَبْدُ: الذي دفعته إليه لم يكن لي وإنما هو وَدِيعَةُ زَيْدٍ، وادَّعَاهُ زَيْدٌ، صُدِّقَ.
ولو اختلفا في أداء المال، فالمُصَدَّق السَّيِّدُ، فإن أراد المُكَاتَبُ أن يُقِيمَ بَيِّنَةٌ على الأَدَاءِ، أُمْهِلَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، وذُكِرَ وجهان في أن هذا الإِمْهَالَ واجب أو مُسْتَحَبٌّ؟
ولا تثبت دعوى الكِتَابَةِ بِشَاهِدٍ وامرأتين، ولا بشاهد ويمين؛ لأن مَقْصُودَهَا في الحَالِ مِلْكُ اليَدِ والتصرف، وفي المال العِتْق، فلا بد من ذَكَرَيْنِ 268 عَدْلَيْن، ويشترط التَّعَرُّض للتَّنْجِيمِ، ولمقدار كل نَجْمٍ، ومِيقَاتِهِ في الشَّهَادَةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 529
وتثبت دَعْوَى الأَدَاءِ بِشَاهِدٍ ويمين، وبرجل وامرأتين؛ لأن مَقْصُودَهَا المال.
هذا في غير النَّجْمِ الأخير.
وفي النجم الأَخِيرِ الذي يَتَعَلَّقُ به العِتْقُ وجهان:
أظهرهما: أن الجواب كذلك؛ لأن المَقْصُودَ المال، إلاَّ أنه يَتَضَمَّنُ العِتْقَ، وشُبِّهَ ذلك بما إذا ادَّعى على رجل أنه بَاعَ منه أَبَاهُ، وعُتِقَ عليه، وأقام شاهداً وامرأتين، ثبت البَيْعُ وتبعه 269 العِتْقُ.
وقد مرت المسألة في "الشهادات".
" فرع":
حكى القاضي الرّوَيانِيُّ في "الكافي" أنا إذا أَمْهَلْنَاهُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ ليأتي بالبَيِّنَةِ على الأَدَاء، فَأَحْضَرَ شاهداً بعد الثلاثة، واستنظر ليأتي بالشاهد، يُنْظَرُ ثَلاثةً أُخْرَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): إِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ النُّجُومِ أَوِ الأَجَلِ أَوْ جِنْسِ النُّجُومِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وإِنْ كَانَ العِتْقُ قَدْ حَصَلَ بِالاتفَاقِ فَفَائِدَةُ الفَسْخِ الرُّجُوعُ إِلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اختلفا في قَدْرِ النُّجُومِ، أو عَدَدِهَا، أو جنسها، أو صِفَتِهَا أو في قَدْرِ الأَجَلِ ولا بيِّنَةَ لواحد منهما تَحَالَفَا؛ لأنهما اخْتَلَفَا في عِوَضِ العقد القائم بينهما، أو في كَيْفِيَّتِهِ، فَيَتَحَالَفَانِ كما في البَيْعِ وغيره.
وعن أبي حَنيفَةَ: أن القول قَوْلُ المُكَاتَبِ.
وعن أحمد ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ:
إحداها: كقولنا.
والثانية: كقول أبي حَنِيْفَةَ.
والثالثة: أن القوْلَ قَوْلُ السيد، ثم القَوْلُ فيمن يُبْدَأُ به عند التَّحَالُفِ، وفي كيفية اليَمِينِ، على مَا مَرَّ في "البيع".
وإذا تَحَالَفَا؛ نُظِرَ، إن لم يَحْصُلِ العِتْق باتَّفَاقِهِمَا، بأن لم يقبض السيد شيئاً، أو لم يقبض جميع ما يدعيه [أو كان الاختلاف في الجنس، وقد قبض الجنس الذي يدعيه] 270 العَبْدُ دُونَ ما يدَّعِيهِ، فتنفسخ الكِتَابَةُ، أو يفسخها الحَاكِمُ، إن لم يَتَرَاضَيَا على شَيْءٍ، فيه ما سبق في البيع.
والظاهر الثاني؛ فإن حصل العِتْقُ باتِّفَاقِهِمَا، بأن قَبَضَ السَّيَّدُ ما يدعيه بِتَمَامِهِ، وزعم العَبْدُ أن الزِّيَادَةَ على القَدْرِ الذي يعترف به أودعها عنده فلا مَرَدَّ له، ولكن يَتَرَاجَعَانِ، فيرجع السَّيِّدُ على المُكَاتَبِ بقيمة المكاتب بما أَدَّى، وقد يقع في التَّقَاصِّ.
ولو قال السَّيِّدُ: كَاتَبْتُكَ على نَجْمٍ وَاحِدٍ، وقال العَبْدُ: بل على نَجْمَيْنِ.
قال في
الجزء: 13 - الصفحة: 530
"التهذيب": القول قَوْلُ السيد مع يَمِينِهِ؛ لأنه يَدَّعِي فَسَادَ العقد 271 ولو أقام العَبْدُ بَيِّنَةً على أنه كَاتَبَهُ في رَمَضَانَ سَنَةَ كذا على أَلْفٍ، وأقام السيد بَيِّنَةً أنه كَاتَبَه في شوال ذلك السَّنَةِ على ألفين، فإن اتَّفَقَا على أن الكِتَابَةَ كانت واحدة، وكل واحد منهما تكذبه الأخرى، فَتَسْقُطُ البَيِّنَتَانِ، وَيَتَحَالَفَانِ، فإن لم يَتَّفِقَا على الاتِّحَادِ، فالبيِّنَةُ المتأخرة أَوْلَى، لأنه ربما كانت في رَمَضَانَ، ثم ارْتَفَعَت تلك الكتابة فَأَحْدَثَ كِتَابَةً أخرى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) لَوْ مَاتَ مُكَاَتَبُهُ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ مُعْتِقَةٍ فَقَالَ عَتَقَ قَبْلَ المَوْتِ وَجَرَّ إِليَّ وَلاَءَ وَلَدِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ مَوَالِي الأمِّ لِأَنَّ الأَصْل بقاء الوَلاَءِ لَهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَدُ المُكَاتِب من زَوْجَتِهِ المعْتَقَةِ حُرٌّ، وَوَلاَؤُهُ لِمَوَالِيَهَا، فإن عَتَقَ المُكَاتَبُ [انْجَرَّ] 272 الوَلاءُ إلى موَالِيهِ، كما سبق في جَرِّ الوَلاَءِ فإن مات المُكَاتبُ، واختلف مَوْلاَهُ وموالي أُمِّ أولاده، فقال مَوْلاَهُ: عُتِقَ بأداء النجوم، ثم مات وجَرَّ ولاء أولاده إلى وأنكر مَوَاليها فهم المُصَدَّقُونَ باليمين، وعليه البَيِّنَةُ.
وهل يكفي شَاهِدٌ وامرأتان، أو شاهد وَيمِينٌ؟
فيه خِلاَفٌ في أن النَّجْمَ الآخر؛ هل يَثْبُتُ بذلك.
ويدفع مال المكاتب إلى وَرَثَتِهِ الأَحْرَارِ؛ لإقرار السَّيِّدِ بأنه مات حُرّاً.
ولو أقر السَّيِّدُ في حَيَاةِ المُكَاتَب بأنه أدَّى النُّجُومَ، عُتِقَ، وجرّ إليه [ولاء] ولده.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: كَاتَبَ عَبْدَيْنِ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ قَبَضَ نُجُومَ أَحَدِهِمَا وَنَكَلَ عَنْ دَعْوَى الثَّانِى حَتَّى حَلَفَ الثَّانِي عَتَقَ العَبْدَانِ جَمِيعاً، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ البَيَانِ حَلَفَ الوَارِثُ عَلَى نَفْي العِلْمِ بِمَا عَمَّاهُ المُوَرِّثُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلٍ، وَلاَ يُقْرَعُ عَلَى قَوْلٍ؛ لأنَّهُ اسْتِبْهَامٌ فِي دَيْنٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كاتب عَبْدَيْنِ في صَفْقَتَيْنِ، أو في صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وجَوَّزْنَاهَا، ثم أَقَرَّ بأنه اسْتَوْفَى نُجُومَ أحدهما، أوَ أنه أبْرَأَ أحدهما عَمَّا عليه؛ فَيُؤْمَرُ بالبَيَانِ، فإن قال: نَسِيتُهُ، أمر بالتَّذَكُّرِ، ولا يُقْرَعُ بينهما ما دام حَيّاً؛ لأن الإِنْسَانَ قد يَتَذَكَّرُ ما نَسِيَ، وَيَتَبَيَّنُ له ما اشْتَبَهَ عليه، وذلك أَقْرَبُ إلى الحَقِّ من القُرْعَةِ.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ وَجْهٌ: أنه يُقْرَعُ بينهما، وإن كان حَيّاً، كما سنذكر أنه
الجزء: 13 - الصفحة: 531
يُقْرَعُ بعد موته.
والصحيح الأول.
وإن 273 بيَّن أحدهما، فإن صَدَّقَهُ الآخر فذاكَ، وإن كَذَّبَهُ، وقال: اسْتَوْفَيْتَ مني أو أَبْرأْتَنِي، فله تحليف السيد، فإن حَلَفَ، بَقِيَ على الكتابة إلى أَدَاءِ النجوم، وإن نَكَلَ حَلَفَ المُكَذِّبُ، وعتق أيضاً.
قال الرُّوَيانِيُّ في "الكافي": وان لم يتذكر، حلف لهما إذا ادَّعَاهُ، وإذا حلف، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما يَبْنِيَانِ على الكتابة، ولا يُعْتَقُ وَاحِدٌ منهما إلاَّ بأداء النجوم.
والثاني: أن الدَّعْوَى تَتَحَوَّلُ إلى المُكَاتَبِينَ، فإن حَلَفَا على الأداء، أو نَكَلاَ ثَبَتَا على الكتابة.
وان حلف أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَرِ، حكم بِعِتقِ الحالف، وبقي النَّاكِلُ على الكتابة.
ولو أنه لما بين أحدهما قال الآخَرُ: عَنَيْتَنِي بالإِقْرَارِ الذي أبهمته، ولم يقل: استوفيت أو أبرأت، فقد قال الإِمام: الأَصَحُّ أن دَعْوَاهُ مَرْدُودَةٌ على هذا الوَجْهِ؛ لأنه ليس يَدَّعِي حقاً ثَابِتاً، وإنما يَدَّعِي إخباراً، وقد يكون صدقاً وقد يكون كَذِبًا.
وقد سَبَقَ نَظَرُ هذا في "الدَّعَاوَى".
وإن مات قبل البَيَانِ: فما الحكم؟
ساق الإِمَامُ وصاحب الكتاب طَرِيقَةً [أخرى] 274، والأكْثَرُونَ -رحمهم الله- طريقة أخرى، وبين الطَّرِيقَتَيْنِ بَعْضُ الاتِّفَاقِ، وبَعْضُ الاختلاف.
أما طريقتهما فهي: أن لكل وَاحِدٍ من المكاتبين أن يَدَّعِيَ على الوَارِثِ توْفِيَةَ النجوم على المورث، أو إبراءه، وأن يُحَلِّفَهُ على نَفْي العلم، فإذا حلف؛ فهل يُقْرَعُ بينهما؟ فيه قولان.
أحدهما: لا؛ لأنه استبهام دين، فهو كما لو قال: استوفيت كذا من أحد غَرِيمي، ومات قبل البَيَانِ، ولم يُبَيِّن الوارث، لا يُقْرَعُ بينهما.
وأشهرهما وأصحهما: على ما ذكر الإِمام: أنه يُقْرَعُ لِحَقِّ العِتْقِ، الذي يتضمنه الاسْتِيفَاءُ فهو كما لو أبهم العِتْق بين عبدين.
ثم إنه مِع تَرْجِيحِهِ هذا القول، ذكر إِشْكَالاً عليه: أن المُسْتَوْفَى منه حُرٌّ على التعيين، ومن أعْتَقَ أَحَدَ العَبْدَيْنِ بعينه، ثم أشكل الحال فلا إِقْرَاعَ، وإنما الإِقْرَاعُ فيما إذا أعتق المريض عَبِيداً، وأقتضى الشَّرْعُ قَصْرَ العِتْقِ على بعضهم.
وفيما إذا أعْتَقَ أَحَدَ العبدين -أو العَبِيدَ- ولم يُعَيِّنْ واحداً بلَفْظِهِ، ولا بقلبه، وانفصل عن الإِشْكَالِ بتخريجه على قَوْلَينِ سبق ذكرهما، فيما إذا أَعْتَقَ المَرِيضُ عَبْداً بعد عبد [واستبهم] 275 المتقدم منهما، وهما كالقولين في نَظِيرِ المسألة من الجُمُعَتَيْنِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 532
والنِّكَاحَيْنِ، وأجريا حيث علم التعيين، وليس عن الوُصُولِ إلى دَرَكِهِ، فالإِقْرَاعُ هاهنا تفريع على أحد القولين.
ولك أن تمنع قوله: إنه لا إقراع فيما إذا أعتق عبداً بِعَيْنِهِ، وأشكل الحال.
وتقول: قد سَبَقَ في "العِتْقِ" أنه إذا أعتق أَحَدَ عَبْدَيْهِ، وأراد مُعَيَّناً، ومات قبل البيان، ولم يكن له وَارِثٌ، أو قال الوَارِثُ: لا أَعْلَمُ، فالظاهر أنه يُقْرَعُ.
فإن قلنا: يُقْرَعُ؛ فمن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ فهو حُرٌّ، وعلى الآخر أَدَاءُ النجوم.
وإن قلنا: لا يقْرَعُ؛ قال الإمَامُ: الذي يَقْتَضِيهِ القِيَاسُ التَّوَقُّفُ إلى اصطلاح 276 أو بَيَانٍ، أو قيام بَيِّنَةٍ، وَيَنْقَدِحُ أن يقَال: للوارث أن يُعَجِّزَهُمَا، فإنهما مُمْتَنِعَانِ من الأَدَاء وأحدهما مُكَاتَبٌ؛، فينفذ التعجيز فيه، وحينئذ فأحدهما حُرٌّ، والآخر رَقِيقٌ، فَيُقْرَعُ.
وأما طَرِيقَةُ الأكثرين فقد قالوا: إذا مات قبل البَيَانِ، ففيه قولان:
أن الوَارِثَ لا يَقُومُ مَقَامَهُ في البَيَانِ؛ بل يُقْرَعُ؛ فمن خرجت له القُرْعَةُ فهو حُرٌّ، وعلى الآخر أَدَاءُ النجوم، وله تَحْلِيفُ الوارث على نَفْي العلم.
والثاني: أن الوارث يَقُومُ مَقَامَهُ، ولا قُرْعَةَ، وإذا تَبَيَّنَ، فالحكم كما سبق في بَيَانِ الوارث؛ إلاَّ أن الوَارِثَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْي العلم، وهذا أشبه بالترجيح على قِيَاسِ ما تَقَدَّمَ، فيما إذا أعتق أَحَدَ عَبْدَيْهِ، وأراد مُعَيّناً، ومات قبل البَيَانِ، فإن قال الوارث: لا أَعْلَمُ من أَدَّى منهما، فلكل واحد تَحْلِيفُهُ على أنه لا يعلم أنه أدَّى، فإذا حلف لهما، فوجهان:
أحدهما: أنه يستوفى من كُلِّ وَاحِدٍ ما عليه، كما إذا أقر بأن أحد غريميه بَرِيءٌ مما كان عليه، ومات قبل البَيَانِ وحلف الوَارِثُ لكل واحد منهما، فإنه يَسْتَوْفِي الدَّيْنَيْنِ جميعاً.
وحكى ابن الصَّبَّاغ وَقْفَ العِتْقِ على أن يُؤَدِّيَ كل واحد جَمِيعَ ما عَلَيْهِ.
قال: وعندي: إن اسْتَوَى المَالاَنِ، فقالا: نُؤَدِّي ما على أَحَدِنَا.
أو اختلفا، فقالا: نُؤَدِّي الأكثر ليعتق 277، كان لهما ذلك؛ لأنهما بادائه أَدَّيَا جميع ما عليهما.
والوجه الثاني؛ وبه قال القاضي أبو الطَّيِّبِ: إنه إذا قال الوَارِثُ: لا أعلم.
يُقْرَعَ بينهما.
قال الرُّويَانِيُّ: وهذا أَصَحُّ، ولو أقر باسْتِيفَاءِ بعض نُجُومِ أحدهما، ولم يبين، فلا قُرْعَةَ؛ لأن العِتْقَ لا يحصل به، بل يوقف الأمر.
الجزء: 13 - الصفحة: 533
ولو ادعى احَدُ المُكَاتَبِينَ على الوَرَثَةِ الأَدَاءَ، أو الإِبْرَاءَ، فأنكر، حصل بإِنكاره الإِقْرَارُ للآخر.
قاله الصَّيْدَلاَنِيُّ.
وقوله في الكتاب: "ونكلَ عن دعوى الثاني" في بعض النسخ "عن يمين".
الثاني، وهو الأولى والأول مؤول.
وقوله: "حتى حلف الثاني" في بعض النسخ "حتى حلف المدعى" وهما صحيحان.
وقوله: "بما عماه المورث" في بعضها "بما عناه المورث"، وهما صحيحان أيضاً.
" فروع عن التهذيب":
لو قال السيد: اسْتَوْفَيتُهُ، أو قال العبد: أليس قد وَفَّيْتُكَ؟ فقال: نعم.
ثم قال المُكَاتَبُ: وَفَّيْتُ النُّجُومَ.
وقال السيد: البَعْضَ.
فالمُصَدَّقُ السيد، واللفظ يحتملهما جَمِيعاً ولو وضع من المُكَاتَب شيئاً من النجوم، واخْتَلَفَا، فقال السيد: وضعت مني النجم الأول.
وقال المُكَاتَبُ؛: من الآخر.
أو قال: وَضَعْت بعض النجوم.
وقال المُكَاتَبُ: بل جميعها.
فالمُصَدَّق بيمينه السيد، وإذا كَاتَبَهُ على ألف درهم، فوضع عنه عَشْرَةَ دنَانِيرَ، لم يصح.
فإن قال: أَرَدْتُ قِيمَةَ عشرةُ دنانير من الدَّرَاهِمِ؛ صح.
فلو اختلفا؛ فقال المُكَاتَبُ: أردت المعنى الثاني، وأنكر السيد، فهو المُصَدَّقُ؛ لأنه أعْرَفُ بِنِيَّتِهِ.
ولو وضع عنه من الدَّرَاهِمِ ما يُقَابِلُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، وهو مَجْهُولٌ عندهما، ففي صحته وجهان؛ بنَاءً على الخلاف فيما إذا أَوْصَى بالزِّيَادَةِ على الثلث، وأجاز الوَارِثُ، وهو جاهل بالزِّيَاَدَة؛ ففي وجه: لا تَصِحُّ.
وفي وجه: تصح، ويحمل على أقل ما يتيقن.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الحُكْمُ الثَّالِثُ: حُكْمُ التَّصَرُّفَاتِ
إمَّا مِنَ السَّيِّدِ أَوْ مِنَ العَبْدِ، أمَّا السَّيِّدُ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ رَقَبَةَ المُكَاتَبِ عَلَى الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمِ يَبِيعُهُ وَيَبْقَى مُكَاتِباً، وَلاَ يَبِيعُ النُّجُومَ لأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ غَيْرِ لاَزِمٍ، وَفِي الاسْتِبْدَالِ عَنْهُ وَجْهَانِ، فَلَوْ قَبَضَ مُشْتَرِي النُّجُومِ النُّجُومَ فَهَلْ يُعْتَقُ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُعْتَقُ وَكَانَ المُشْتَرِي وَكِيلَهُ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغَرَضُ الآن في تَصَرُّفَاتِ السيد في المُكَاتَبِ، وما يَتَعَلَّقُ به، وفي تَصَرُّفَاتِ المُكَاتَبِ.
أما القسم الأول، ففي الفَصْلِ منه مسألتان:
إحداهما: في بَيْعِ السيد رَقَبَةَ المُكَاتَبِ قولان:
الجديد: مَنْعُهُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن الكِتَابَةَ عَقْدٌ يمنع من اسْتِحْقَاقِ
الجزء: 13 - الصفحة: 534
الكَسْب، وأَرْش الجِنَايَةِ، فيمنع 278 البيع، كما لو باع عَبْداً من إنسان لا يَجُوزُ له بَيعُهُ، ولأن البَيْعَ إما أن يرفع الكتابة؛ وهو باطل؛ لأن الكِتَابَةَ لاَزِمَةٌ من جهة السَّيِّدِ، أو لا يرفع، فيبقى مُستَحِقَّ العَتَاقَةِ، فوجب ألاَّ يَصِحَّ بَيْعُهُ كالمُسْتَوْلَدَةِ.
والقديم: الجَوَازُ؛ وبه قال أحمد، كَبَيْعِ المُعلَّقِ عِتْقُهُ بصفة، ويحتج له بحديث بريرةَ، فإنها اسْتَعَانَتْ بعائشة -رضي الله عنها- في كتَابَتِهَا فقالت: إن باعوك صَبَبْتُ لهم ثَمَنَكِ صبّاً فراجعتهم، فَأَبَوْا أن يَبِيعُوهَا، إلاَّ أن يكون الوَلاَءُ لهم 279 -الحديث.
ومن قال بالجديد؛ قال: إنها عَجَّزَتْ نَفْسَهَا، ثم اشْتَرَتْهَا عائشة -رضي الله عنها-.
وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرُّوياني: أن من الأَصْحَاب مَنْ قَطَعَ بالمَنْعِ، وأنكر القول الآخر، فَلْيُعَلَمْ لذلك قوله في الكتاب: "وفي القديم" بالواو.
وقوله: "يبيعه" بالحاء والميم، وقوله: "فلا يصح" بالألف.
وهِبَةُ المكاتب كَبَيْعِهِ، فإن قلنا بالجديد؛ فلو دَفَعَ النُّجُومَ إلى المشتري بعد البيع؛ فهل يعتق؟ فيه الخلاف الذي نَذْكُرُهُ فيما لو دَفَعَ النجوم إلى مشتري النجوم في المسألة الثانية.
وإذا استخدمه المُشْتَرِي مُدَّةً لَزِمَتهُ أُجرَةُ المِثْلِ للمكاتب.
وهل على السيد أن يُمْهِلَهُ المدَّةَ التي كانت في يَدِ المشتري؟
فيه قولان، كما في اسْتِخْدَامِ السيد وَحبْسِهِ.
وإن قلنا بالقديم؛ فهل تَرْتَفِعُ الكِتَابَةُ؟
نقل في "التهذيب" وَجْهاً: أنها تَرْتَفِعُ.
والظاهر: أنها لا ترتفع.
وينتقل إلى المُشْتَرِي مُكَاتباً، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: إنه إذا عُتِقَ بأداء النجوم إلى المشتري، كان الوَلاَءُ للبائع، ويكون انْتِقَالُهُ بالشِّرَاءِ، كانتقاله بالإِرْثِ إلى الوَارِثِ.
وأظهوهما: أنه يكون الوَلاَءُ لِلْمُشْتَرِي، إذا عُتِقَ بالأَدَاءِ إليه، بخلاف الوَارِثِ، فإنه يَنُوبُ عن المورث ويحلفه.
ولو كَاتَبَ كِتَابَةً فَاسِدَةً، ثم باع المُكَاتَبَ فسنذكر حُكْمَهُ من بعد إن شاء الله تعالى.
الجزء: 13 - الصفحة: 535
ولو قال أَجْنَبِيٌّ لسيد المُكَاتَبِ: أَعْتِقْ مُكَاتَبَكَ على كذا، أو: أعتقه عَنِّي على كذا أو مجاناً 280، فهو كما قال: أَعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَكَ، وقد مَرَّ في "الكَفَّارَاتِ".
ولا يجوز للسيد بَيْعُ ما في يَدِ المكاتب، ولا إعْتَاقُ عَبِيدِهِ، ولا تزويج إِمَائِهِ.
الثانية: ليس للسيد بَيْعُ نُجُومِ الكتابة على المُكَاتَبِ؛ لأنه بَيْعُ ما لم يَقْبِضُ، ولأنه بَيْعُ الدَّيْنِ من غير مَنْ عليه الدَّيْنُ، ولأن النجوم غير مُسْتَقِرَّةٍ، لماذا لم يَصِحَّ بَيْعُ المبيع قبل القبض، فبيع ما لا يلزم المِلْك فيه أوْلَى.
هذا هو المذهب المَنُصُوصُ.
وعن مالك 281 يَصِحُّ بَيْعُهَا.
وحكى مثله قول أو وجه آخر:
واختلف في كَيْفِيَّتِهِ؛ فذكر ابن كَجٍّ أنه جَوَّزَهُ في القديم.
وأن الزَّعْفَرَانِيَّ حكى أنه رَجَعَ عنه في الجديد في مسائل عددها 282.
ومنهم من أخذ من قَوْلَيْنِ يُحْكَيَانِ عن تخريج 283 ابن سُرَيْجٍ في بيع سَائِرِ الديون، واعْتُرِضَ عليه بأن ذلك في الدُّيُونِ المُسْتَقِرَّةِ، والنجوم بخلافها، ومنهم من أَخَذَهُ من تَجْوِيزِهِ بَيْعَ المُكَاتَب في القديم.
وقد يُوَجَّهُ بأنه على ذلك القول ينتقل 284 مُكَاتباً، والحَاصِلُ للسيد النجوم، وكأنه اشترى النجوم.
وهل يجوز الاسْتِبْدَالُ عنها، يُرَتَّبُ ذلك على جَوَازِ بَيْعِ النجوم؛ فإن جوز بيعها؛ جوز الاسْتِبْدَال عنها، وإلاَّ ففي الاسْتِبْدَالِ وجهان:
قال الإِمام: وسبب الترتيب أن المَبِيعَ مقْصُودٌ بالتَّمَلُّكِ، وما يستبدل عنه، فالمقصود عِوَضُهُ، وسقوط المستبدل عنه، ولذلك جاز الاستبدال عن الديون اللاَّزِمَةِ بلا خلاف، واختلف القول في بَيْعِهَا.
والأظهر: منع الاسْتِبْدَالِ أيضاً، وهو المَذْكُورُ في "التهذيب".
وإذا قلنا بظَاهِرِ المذهب؛ وهو أنه لا يَجُوزُ بَيْعُ النجوم، فلو باع لم يَجُز لِلْمُكَاتَبِ تَسْلِيمُهَا إلى المشتري، ولا للمشتري مُطَالَبَتُهُ بها، ويحصل العِتْقُ بِدَفْعِهَا إلى السَّيِّدِ البائع.
وهل يحصل بِتَسْلِيمِهَا إلى المشتري؟
قال في "المختصر": يحصل.
وعن "الأم": منعه، وفيهما طريقان:
أظهرهما: عند الأكثرين -وبه قال ابن سُرَيْجٍ- أن فيه قولين:
الجزء: 13 - الصفحة: 536
أحدهما: يَحْصُلُ لأن للسيد سلطنة 285 على القَبْضِ، فهو كما لو وكل بالقبض وكيلاً.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأنه يَقْبِضُ لنفسه، حتى لو تَلِفَ في يَدِهِ يَضْمَنُهُ، بخلاف الوكيل، فإنه يقبض للموكل.
والثاني؛ وبه قال أبو إِسْحَاقَ: أنهما مَحْمُولاَنِ على حَالَيْنِ؛ فإن قال بعد البيع: خُذْهَا منه.
أو قال لِلْمُكَاتَبِ: ادفعها إليه؛ صار وكيلاً، وحصل العِتْقُ بِقَبْضِهِ.
وإن اقتصر على البيع فلا؛ فإنه فَاسِدٌ فلا عِبْرَةَ بما يَتَضَمَّنُهُ.
ويقال: إن أبا إِسْحَاقَ عَرَضَ هذا الفَرْقَ على ابن سُرَيْجٍ، فلم يَعْبَأ به، وقال: إنه كان صرح بالإِذْنِ، فإنما يَأْذَنُ بحكم المُعَاوَضَةِ، إلاَّ أنه بينه.
فإن قلنا: يُعْتَقُ؛ فما أَخَذَهُ المُشْتَرِي يَدْفَعُهُ إلى السيد؛ لأنا جعلناه كالوكيل له.
وإن قلنا: لا يُعْتَقُ؛ فالسيد يُطَالِبُ المُكَاتَبَ، والمكاتب يَسْتَرِدُّ ما دفع إلى المشتري 286.
وأَطْلَقَ صاحب الكِتَاب في قَبْضِ مشتري النجوم وَجْهَيْنِ في أنه هل يُعْتَقُ؟ والمشهور من الخلاف فيه القولان على ما بَيَّنَّا.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَهُ مُعَامَلَةُ العَبْدِ بِالبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ وَأَخْذِ الشُّفْعَةِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ العَبْدِ مِنْهُ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ مِثْلُ النُّجُومِ قَدْراً وَجِنْساً وَقُلْنَا: يَقَعَ التَّقَاصُّ فَيُعْتَقُ، لَكِنْ فِي تَقَاصِّ الدَّيْنَيْنِ المُتَسَاوِيَيْنِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ لاَ يَحْصُلُ وَإِنْ رَضِيَاهُ (وَالثَّانِي): أنَّهُ يَحْصُلُ إِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ لاَ يَحْصُلُ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا (وَالرَّابعُ): أَنَّ التَّقَاصَّ يَقَعُ بِنَفْسِهِ دُونَ الرِّضَا، فَإِنْ أجْرَيْنَا التَّقَاصَّ فِي النَّقْدَيْنِ فَفِي ذَوَاتِ الأَمْثَالِ وَجْهَانِ، وَفِي العُرُوضِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السَّيِّدُ في المُعَامَلَةِ مع المُكَاتَبِ كالأجنبي مع الأَجْنَبِيِّ، فيبيع منه ويشتري 287، فإذا باع السيد شِقْصاً من ريع والمكاتب شريك فيه؛ فله الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 537
وإن باع المُكَاتَب، فللسيد الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، وإنما كان كذلك؛ لأن الغَرَضَ من الكتابة تَحْصِيلُ العِتْقِ، والعِتْقُ يَحْصُلُ بِأَدَاءِ المَال؛ فينبغي أن يمَكَّنَ من التصرف الذي يستعين 288 به على العِتْقِ.
وعن أبي إِسْحَاقَ توجيهه بأن المُكَاتَبَ هو المَالِكُ لما في يَدِهِ، دون السيد؛ إلاَّ أنه يُمْنَعُ من تفْوِيتِ المال كَيْلاَ يَعْجَزَ، فيفوت العِتْقُ، فلو ثبت لِلْمُكَاتَبِ دَيْنٌ على سَيِّدِهِ عن مُعَامَلةٍ، وكان للسيد عليه النجوم، أو دَيْنُ معاملة، ففي التَّقَاصِّ تَفْصِيلٌ، واختلاف لا يَخْتَصُّ بالسيد والمكاتب.
وجملة القول فيه: أنه إذا ثَبَتَ لِشَخْصٍ دين على آخر، وللآخر دَيْنٌ على الأول، إما عن جِهَةٍ واحدة، أو عن جهتين، كَسَلَمٍ وقَرْضٍ، أو قَرْضٍ وثَمَنٍ؛ فإما أن يكون الدَّيْنَانِ نَقْدَيْنِ، أو لا يكونا كذلك؛ فإن كَانَا نَقْدَيْنِ؛ فَيُنظر: أهما من جِنْسٍ وَاحِدٍ، أو من جِنْسَيْنِ، إن كانا من جِنْسٍ واحد، واتَّفَقَا في الحُلُولِ، وفي سائر الصِّفَاتِ، ففيه أربعة أقوال:
أحدها: ويحكى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الصَّرْفِ": أنهما لا يَتَقَاصَّانِ وإن رَضِيَا به؛ لأنه إِبْدَالُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وبَيْعُ الدَّيْنِ بالدين مَنْهِيٌّ عنه، فلا بد وأن يأخذ أَحَدُهُمَا ما على الآخر، ثم إن شاء دَفَعَهُ إليه، بما عليه ليخرج عن صورة بَيْعِ الدَّيْنِ بالدين.
والثاني: إنه إذا رَضِيَ أحدهما بالمقَاصَّةِ، كفى وسَقَطَ الدَّيْنَانِ؛ لأن مَنْ عليه الدَّيْنُ يُؤَدِّيهِ من حَيْثُ يشاء.
وإذا رَضِيَ أَحَدُهُمَا، وقد أَدَّى ما عليه بما له في ذِمَّةِ الآخر، ويخالف ما إذا أراد أن يَقْضِيَهُ بِدَيْنٍ على الغَيْرِ، فإنه قد لا يرضى المُسْتَحِقُّ بِذمَّةِ ذلك الغير.
وأيضاً: فإن أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذا دَعَا إلى فَصْلِ الأَمْرِ بالقسمة يُجْبَرُ الآخَرُ عليه؛ فكذلك هاهنا.
والثالث: أنه لا بد من رِضَاهُمَا، وإلاَّ فَلِكُلِّ واحد منهما مُطَالَبَةُ الآخر بما عليه؛ لأن المُقَاصَّةَ كالحِوَالَةِ في إِبْدَالِ ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ، وفي الحِوَالَةِ لاَ بُدَّ من رضا المَحِيلِ والمُحْتَالِ.
والرابع: أن التَّقَاصَّ يحصل بنفس ثُبُوتِ الدَّيْنَيْنِ، ولا حَاجَةَ إلى الرضا؛ لأن مُطَالَبَةَ أحدهما الآخَرَ، بِمِثْلِ ما عليه عَنَاءٌ، ولا فائدة فيه.
وكذلك نقول: لو كان على وَارِثهِ دَيْنٌ، فمات سَقَطَ، ولا يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ.
وأشار في "الوسيط" إلى تَرْجِيحِ هذا القَوْلِ الأخير.
الجزء: 13 - الصفحة: 538
وفي "تعليق الشيخ أبي حَامِدٍ": أنه المَنْصُوصُ.
وذكر أبو الفَرَجِ الزاز أنه المَشْهُورُ، وأن الأَصَحَّ حُصُولُ التَّقَاصِّ بتراضيهما.
إن اختلفا في الصِّفَاتِ كالصِّحَّةِ، والتَّكْسِيرِ، والحُلُولِ، والتأجيل، أو مقدار الأجل، فلا يصير أُحَدُهُمَا قصاصاً بالآخر، لاختلاف الأَغْرَاضِ، ولصاحب الحال أن يَسْتَوْفِيَهُ، وينتفع به إلى أن يَحلَّ ما عليه.
ولو تَرَاضَيَا على جَعْلِ الحال قصاصاً بالمُؤَجّل لم يَجُزْ، كما في الحِوَالَةِ.
وحكى أبو الفرج فيهما وَجْهاً آخر.
ولو كانا مُؤَجَّلَيْن بأَجَلٍ وَاحِدٍ، فقد قيل: هما كما لو كَانَا حَالَّيْنِ.
وهذا أَوْجَهُ عند الإِمام 289، لكنه تَرَدَّدَ في مجيء القول الرابع.
وقال في "التهذيب": الصحيح أنهما كالمُؤَجَّلَيْنِ بِأَجَلَيْنِ مختلفين.
وإن كانا من جِنْسَيْنِ بأن كان أحدهما دَرَاهِمَ، والآخر دَنَانِيرَ فلا مُقَاصَّةَ، والطريق أن يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا ما على الآخر، ثم إن شاء جَعلاَ المَقْبُوضَ عِوَضاً عَمَّا على الآخر.
قال الرُّوَيَانِيُّ: لأن دَفْعَ العِوَضِ عن الدَّنَانِيرِ فِي الذِّمَّةِ يجوز، ولا حاجة إلى قَبْضِ الحقَّيْنِ معاً.
وإن لم يكن الدَّيْنَانِ نَقْدَيْنِ؛ فإن كانا من جِنْسٍ واحد:
فعن صاحب "التقريب" أن التَّقَاصَّ على الاخْتِلاَفِ المذكور إذا أَجْرَيْنَاهُ في النَّقْدَيْنِ، ففي ذوات الأَمْثَالِ وَجْهَانِ؛ لأن ما سوى النَّقْدَينِ يظهر فيه التَّفَاوُتُ، وأنا إذا أجْرَيْنَاهُ في ذَوَاتِ الأَمْثَالِ ففي العرضين الموصوفين في الذِّمَّةِ وجهان بالترتيب؛ لأن التفاوت فيها أكثر.
والذي أَوْرَدَهُ العراقيون [وغيرهم من الأصحاب] 290 أن التقاصَّ لا يَجْرِي في غير الأثْمَانِ من العروض وغيرها.
وفَرَّقَ الشيخ أبو حامد بأن العَقْدَ على الأَثْمَان [ليس عقد] 291 مُغَابَنَةٍ ومُرَابَحَةٍ؛ لقلة الاختلاف فيها، فالتَّقَاصُّ فيها قَرِيبٌ؛ بخلاف سائر الأَمْوَالِ.
وإن كانا من جنسين فلا مُقَاصَّةَ.
وإن تَرَاضَيَا -بل إن كان عَرَضَيْنِ- فينبغي أن يَقْبضَ كُلُّ واحد منهما ما على الآخر، فإن قَبَضَ أَحَدُهُمَا لم يجز رَدُّهُ عِوَضاً عن المُسْتحق المَرْدُود عليه؛ لأنه بَيْعُ عَرَضٍ قبل القَبْضِ، إلاَّ أن يكون ذلك العَرَضُ مستحقاً بِقَرْضٍ، أو إِتْلاَفٍ لا بِعَقْدٍ.
الجزء: 13 - الصفحة: 539
وإن كان أحدهما نَقْداً، والآخر عَرَضاً؛ فإن قَبَضَ مُسْتَحِقُّ العَرَضِ، ورَدَّهُ عِوَضاً عن النقد المستحق عليه، جاز.
وإن قبض مُسْتَحِقُّ النَّقْدِ [النَّقْدَ] 292 ورده عِوَضاً عن العَرَضِ المستحق عليه، لم يجز إلاَّ أن يكون العَرَضُ مُسْتحقاً بِالقَرْضِ أو الإِتلاَفِ.
هكذا فصل ابن الصَّبَّاغِ والرُّوَيانِيُّ وغيرهما -رحمهم الله-.
إذا عرف ذلك حصل التَّقَاصُّ من السيد، والمُكَاتَبِ، وبرئ ذِمَّةُ المُكَاتَبِ عن النجوم وعُتِقَ كما لو أدَّى 293.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى بِرَقَبَةِ المُكَاتَبِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ أَنْ يُضِيفَ إلَى حَالَةِ العَجْزِ فَيَصِحَّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أوْصَى بِالنُّجُومِ جَازَ مِنَ الثُّلُثِ، وَللوَارِثِ تَعْجِيزُهُ وَإِنْ أَنْظَرَ المُوصَى لَهُ، وَإِنْ أَوْصَى بِرَقَبَتِهِ فَلِلمُوصَى لَهُ تَعْجِيزُهُ عَنِ العَجْزِ وَإِنْ أَنْظَرَ الوَارِثَ، وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنِ المُكَاتَبِ مَا شَاءَ فَشَاءَ الكُلَّ لَمْ يُوضَعِ الكُلُّ عَلَى الأَصَحِّ بَلْ يَبْقَى شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ: صَنَعُوا مِنْ كِتَابَتِهِ مَا شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: في الوَصِيَّةِ بالمُكَاتَب وبالنجوم؛ أما الوَصِيَّة بالمُكَاتَبِ، فهي جَائِزَةٌ على القديم الذي يجوز فيه البَيْعُ.
وعلى الجديد -وهو المذكور في الكتاب-: هي بَاطِلَةٌ؛ لأنه مَمنُوعٌ من التَّصَرُّفِ في رَقَبَتِهِ ومَنْفَعَتِهِ، فأشبه ما إذا أوْصَى بِعَبْدِ الغير، فإن قال: إن عجز مُكَاتَبِي هذا، وعاد إلى الرِّقِّ، فقد أوْصَيْتُ به لفلان؛ فقد حكى الإِمَامُ وَجْهاً أنها لا تَصِحُّ أيضاً اعْتِبَاراً بحال التَّعْلِيقِ، وقياساً على ما لو قال: إن مَلَكْتُ عَبْدَ فُلانٍ، فهو حر.
والأصح وهو الذي أَوْرَدَهُ الجُمْهُورُ: أنها صَحِيحَةٌ، كما لو أوصى بثمرة نَخْلَتِهِ، وحَمْلِ جاريته، وكما لو قال: إن مَلَكْتُ عَبْدَ فلان، فقد أَوْصَيْتُ به.
وللإمام طَرْدُ الخلاف في هذه الصورة، وجعلها أَوْلَى بالمنع؛ لأن له تَعَلُّقاً بالمُكَاتَبِ في الحال.
وإذا قلنا بالأَصَحِّ، فلو عَجَزَ، وأراد الوَارِث إنْظَارَة، فللموصى له تَعْجِيزُهُ ليأخذه، وإنما يعجز بالرَّفْعِ إلى الحاكم، كما ذكرنا في المَجْنِي عليه، وأما الوَصِيَّةُ بالنجوم على
الجزء: 13 - الصفحة: 540
المُكَاتَب فهي صَحِيحَةٌ، وإن لم تكن مُسْتَقرَّةً، كما تصح الوَصِيَّةُ بالحَمْلِ، وإن لم يكن مَمْلُوكاً في الحال، فإن أدَّاهَا فهي للموصى له، وَوَلاَءُ المُكَاتَب للسيد، وإن عَجَزَ، فللوارث تَعْجِيزُهُ، وفسخ الكتابة، وإن أَنظَرَهُ الموصى له 294.
وهل لِلْمُوصَى له إبراؤه عن النجوم؟
أبدى القاضي ابْنُ كَجٍّ فيه احْتِمَالَيْنِ -ويُرْوَيانِ عن القاضي الحسين-:
أحدهما: نعم؛ لأنه يَمْلِكُ الاسْتِيفَاءَ، فيملك الإِبْرَاءَ.
والثاني: لا؛ لأنه ملّكه استيفاء النجوم، ولم يملّكه تَفْوِيت الرَّقَبةِ على الورثة.
ولو أوْصَى لوَاحِدٍ بِرَقَبَتِهِ إن عجز، ولآخر بالنجوم، صحت الوَصِيَّتَانِ، ثم إن أَدَّى المال بَطَلَتِ الوصية الأولى، لكان رُقَّ بَطَلَتِ الثانية.
ولو أوصى لإنسان بما يُعَجِّله مكاتبه، فلم يُعَجِّلْ شيئاً، وأَدَّى النجوم في مَحَلِّهَا بَطَلَتِ الوصية، ولا يُجْبَرُ على التعجِيلِ لتنفيذ الوَصِيَّةِ.
هذا في الكتابة الصحيحة.
أما إذا كَاتَبَ عَبْدهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً ثم أوصى بِرَقَبَتِهِ؛ فإن كان عالماً بفَسَادِ الكِتَابَةِ صَحَّتِ الوَصِيَّةُ.
قال الصَّيْدَلاَنيُّ وغيره -رحمهم الله- وتَتَضَمَّنُ الوَصِيَّةُ فَسْخَ الكتابة.
وإن كان يَظُنُّ صِحَّتَهَا، ففي الوصية قولان:
أحدهما: لا تصح؛ لأنه أَوْصَى، وعنده أن ما يأتي به لَغْوٌ.
والثاني: أنها صَحِيحَةٌ اعْتِبَاراً بحقيقة الحال.
وهذا أشبه عند المُزَنِيِّ وغيره.
ومنهم من طَرَدَ القَوْلَيْنِ فيما إذا كان عَالِماً بفَسَادِ الكتابة؛ لأن الكتابة الفَاسِدَةَ كالصحيحة، في حصول العِتْقِ وغيره، بخلاف ما إذا باع بَيْعاً فَاسِداً، ثم أَوْصَى بالمَبِيعِ، وهو عالم بِفَسَادِ البيع تصح الوصية قولاً واحداً؛ لأن البيع الفَاسِدَ ليس كالصَّحِيحِ.
وأما إذا أوصى بالمَبِيعِ جَاهِلاً بِفَسَادِ البيع، فهو على القَوْلَيْنِ في الوصية.
ولو باع المُكَاتَبَ كِتَابَةً فَاسِدَةً، أو المَبِيعَ بَيْعاً فاسداً، أو وهب أو رهن وهو جَاهِلٌ بالفساد فطريقان:
الجزء: 13 - الصفحة: 541
أحدهما: طرد القولين.
والثاني: القَطْعُ بالفساد، بخلاف الوَصِيَّةِ؛ لأنها تَحْتَمِلُ من الخَطَرِ ما لا يحتمله البَيْعُ والرَّهْنُ، والخلاف في هذه الصورة كالخِلاَفِ فيما إذا باع مَالَ أبيه على ظَنِّ أنه حَيٌّ فَبَانَ أنه مَيِّتٌ.
وفي معناه ما إذا وَكَّلَ وَكِيلاً بِشِرَاءِ عَبْدٍ، ثم باعه، وهو لا يدري أن الوَكِيلَ قد اشْتَرَاهُ.
أو باع مَالَ يَتِيمٍ، وهو لا يدري أن أَبَاهُ جعله وَصِيّاً له، فَبَانَ أنه جَعَلهُ وَصِيّاً.
"المسألة الثانية": الوصية بوضع النُّجُومِ عن المُكَاتَبِ صَحِيحَةٌ، معتبرة من الثلث.
فلو قال: ضَعُوا عنه مَا عَلَيْهِ من النجوم، أو كتابته فقضيته وضع الكل.
ولو قال: نَجْماً من نجومه، فالاختيار لِلْوَارِثِ، يضع ما شَاءَ من القليل والكثير، والأَوَّل والآخر.
وكذا لو قال: ضَعُوا عنه ما قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وما خَفَّ أو ثَقُلَ، فالقِلَّة والكثرة، والخِفَّة والثقل أُمُورٌ إِضَافيَّةٌ.
ولو قال: ضَعْوا عنه ما شاء من نُجُوم الكتابة، فشاء وَضْعَ الكل؛ لا يوضع الكُلُّ، بل يبقى أَقَلّ ما يتموّل؛ لأن "من" للتَّبْعِيضَ، فلو اقتصر على قوله: ضَعُوا عنه ما شَاءَ، نقل المُزَنِيُّ أنه يبقى شَيْءٌ، ولا يوضع الكل وإن شاء؛ لأن المَعْنَى: ضَعُوا من كِتَابَتِهِ ما شاء، وإلا لَقَالَ: ضعوا عنه النجوم.
وإذا كان هذا مُضْمَراً كان كالصُّورَةِ السابقة ومنهم من قال: يَجُوزُ وَضْعُ الكل، إِذا شاءه، كما لو قال: ضعوا عنه ما عليه ان شَاء، فَحَصَلَ وجهان، والأَظْهَرُ على ما ذكر 295 في الكتاب الأول.
ولو قال: ضَعُوا عنه أَكْثَرَ ما عليه، أو أَكْثَرَ ما بَقِيَ عليه، يوضع عنه نِصْفُ ما عليه وزِيادَةٌ، وتقدير الزِّيَادَةِ إلى اختيار الوَارِثِ.
وذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ أنه إذا [كانت] 296 الزيادة فَوْقَ الأَقَلِّ المُجْزِئِ، فما زَادَ على ما يجزئ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ من قبل الوارث؛ لأن اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ القليل والكثير.
قال الإِمَامُ: هذا مَأْخُوذٌ عليه، بل هو تَفْصِيلٌ منهم
ألا ترى أنهم لو اقْتَصَرُوا على الأَقَلِّ المجزئ لم يَجُزْ أن يقال: إنهم نقصوا من الوصية.
ولو قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ ما عليه، أو أكثر ما بقي عليه، ومثل نصفه فَيُوضَعُ عنه ثلاثة أَرْبَاعِ ما عليه وَزِيَادَةُ شيء.
الجزء: 13 - الصفحة: 542
ولو قال: أكثر مما عليه، أو: ما عليه وأَكْثَرُ.
وضع عنه الكُلّ وَلَغَا ذِكْرُ الزيادة.
ولو كانت عليه نجوم مُخْتَلِفَةُ المَقَادِيرِ والآجَالِ، فقال: ضعوا عنه أَكْثَرَ النُّجُوم، أو أَكْثَرَهَا، رُوعِيَ القَدْرُ، فإن كان أطولها أو أقصرها، رُوعِيَتِ المُدَّةُ.
وإن قال: ضَعُوا عنه أَوْسَطَ النجوم، فهذا محتمل للأوسط في القَدْر، وفي الأَجَلِ، وفي العَدَدِ، فإن اختلفت النُّجُومُ فيها جميعاً، فللورثة [تعيين] 297 ما شاءوا، فإن زَعَمِ المُكَاتَبُ أنه أَرَادَ غيره حَلَّفَهُمْ على نَفْي العِلْمِ، وإذا تساوت النجوم في القَدْرِ والأجَلِ، حُمِلَتِ الوَصِيَّةُ على العَدَدِ، وإذا كان العَدَدُ وَتراً، كالثلاثة والخمسة، فالأوسط وَاحِدٌ، وإن كان شَفْعاً، فالأوسط اثنان، كالثاني والثالث من الأَرْبَعَةِ، فيعين الوَارِثُ أَحَدَهُمَا، هكذا أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وغيره.
ويجوز أن يقال: الأوسط كلاهما، فيوضعان، وهذا قَضِيَّةُ ما في "التهذيب" 298.
" فرع":
إذا أوصى بكتابة عَبْدٍ بعد مَوْتِهِ، فلم يرغب العَبْدُ في الكتابة، تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الوَصِيَّةِ، بخلاف ما إذا أوْصَى بعِتْقِ عَبْدِ لا يحتاج فيه إلى رضاه، ولا يكاتب بَدَلَهُ آخَرَ، كما لو أَوْصَى بِمَالٍ لِزَيْدٍ، فلمَ يقبل لا يصرف إلى غيره.
وإن رَغِبَ، فإن خرج كُلُّهُ من الثلث كُوتِبَ، ثم إن عَيَّنَ مَالَ الكتابة كُوتِبَ على مَا عَيَّنَهُ، وإلاَّ فعلى ما جَرَتْ به العَادَةُ، والعَادَةُ أن يكاتب العبد على ما فوق قِيمَتِهِ وإن لم يخرج كُلُّهُ من الثلث، ولم يجز الوارث، فقد قيل: كتابة القَدْرِ الذي يخرج من الثلث على الخِلاَفِ في كِتَابَةِ بعض العبد.
والصحيح أنه يُكَاتِبُ ذلك القَدْرَ.
ويصح قَوْلاً واحداً، ولا يُبَالَى بالتَّبْعِيضِ، إذا أدت الوصية إليه.
فإذا كُوتِبَ بَعْضُهُ، وأدى النجوم عُتِقَ، وَوَلاَؤُهُ للموصى، والباقي رَقِيقٌ.
وإن أجاز الوَارِثُ كِتَابَةَ كله، وعتق بأدَاءِ النجوم، فَوَلاَءُ الكل للموصى إن جعلنا إِجَازَةَ الوَرَثَةِ تَنْفِيذاً، وإلاَّ فَوَلاَءُ ما يزيد على القَدْرِ الخارج في الثلث لهم ..
ولو قال: كَاتِبُوا أَحَدَ عَبِيدِي، لم تُكَاتَبْ أَمَتُهُ، ولا مُشْكِلَ.
وهل يُكَاتَبُ الجَنِينُ الذي ظَهَرَتْ ذُكُورَتُهُ؟
الجزء: 13 - الصفحة: 543
فيه طريقان:
أظهرهما: نعم.
والثاني: أن فيه قوْلَيْنِ لِبُعْدِهِ عن الفَهْمِ والإِطْلاَقِ.
ولو قال: كَاتِبُوا إِحْدَى إِمَائِي لا يكاتب عبد، ولا مُشْكِلَ، فإن ظهرت أُنُوثَتُهُ، فعلى الخلاف.
ولو قال: أحد رقيقي جاز العَبْدُ والأَمَةُ.
وهل يجوز المُشْكِلُ؟
قال المزني: نعم.
وعن رواية الرَّبِيع: المنع، فقيل: فيه قولان، أو وَجْهَانِ، والصحيح الأول.
هذا تمام الكلام 299 في تَصَرُّفَاتِ السيد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا تَصَرُّفَاتُ المُكَاتَبِ فَهُوَ فِيهِ كالحُرِّ إلاَّ مَا فِيهِ تَبرُّعٌ أَوْ خَطَرٌ فَلاَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ وَشِرَاؤُهُ قَرِيبَهُ بالمُحَابَاةِ وَبَيْعُهُ بِالغَبْنِ، وَلاَ يَبيعُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلاَ يَرْفَعُ اليَدَ عَنِ المَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَلاَ يُكاتَبُ، وَلاَ يَتَزوَّجُ وَلاَ يُزوَّجُ عَبْدَهُ، وَلاَ يَتَسَرَّى خَوْفاً مِنْ طَلاَقِ الجَارِيَةِ، وَلاَ يتَّهِبُ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَسُوباً خَوْفاً مِنَ النَّفَقَةِ، وَالمُكَاتَبَةُ لاَ تَتَزَوَّجُ وَلاَ تُكَفِّرُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: الكَلاَمُ في تَصَرُّفَاتِ المُكَاتَبِ:
وهو كالحُرِّ في مُعْظَم التَّصَرُّفَاتِ؛ فيبيع ويشتري، ويُؤَجِّرُ وَيَسْتَأْجِرُ، ويأخذ بالشُّفْعَةِ، ويقبل الهِبَةَ والصَّدقَةَ، وَيَصْطَادُ وَيَحْتَطِبُ ويؤدب عبيده إصْلاَحاً للمال كما يَفْصِدُهُمْ وَيَخْتِنَهُمْ 300.
وفي إقامة الحَدِّ عليهم خِلاَفٌ مذكور في الحُدُودِ.
وإذا أَجَّرَ نَفْسَهُ أو عَبْدَهُ، أو أمواله فَعَجَّزَهُ السيد في المُدَّةِ انْفَسَخَ العَقْدُ.
وفي كتاب القاضي ابْنُ كَجٍّ وجه: أنه لا يجوز أن تزيد مُدَّةُ الإِجَارَةِ على أَجَلِ النجوم؛ لأنه قد يرقّ، وتكون المَنَافِع فيما زاد السيد، ولا تصح منه التَّصَرُّفَاتُ التي فيها تَبرُّعٌ، أو خَطَرٌ؛ لأن المقصود تَحْصِيلُ العِتْقِ، فَيُحْتَاط له، ولأن حَقَّ السيد غير مُنْقَطِع عما في يَدِهِ، فإنه قد يعجز، فيعود إلى الرِّقِّ.
هذا هو القَوْلُ الجُمَلِيُّ، وفي التفصيل صور:
إحداها: لا يصح إِعْتَاقُهُ ولا إِبْرَاؤُهُ عن الدُّيُونِ، ولا هِبَتُهُ مجاناً، ولا بشرط الثواب.
الجزء: 13 - الصفحة: 544
وإن صححنا الهِبَةَ بشرط الثَّوَاب؛ لأن في قَدْرِ الثواب اخْتِلاَفاً بين العلماء؛ فقد يحكم الحَاكِمُ بشيء قَلِيلٍ، ولأن الثواب إِنما يُستَحَقُّ بِإِقْبَاضِ الموهوب، وفيه خطر، وسنذكر أنه لا يسلم مبيعاً 301 قبل قَبْضِ الثمن على الظاهر.
فإن كان الثَّوَابُ مَعْلُوماً، وكان فيه غِبْطَةٌ، فقد قال الإِمام: إن قلنا: هذه الهِبَةُ بَيْعٌ، ولا يشترط في ثبوت الملك فيها إِقْبَاضٌ، فهي مُجْرَاةٌ على قياس البُيُوعِ.
وإن شرطنا الإِقْبَاضَ، فمن يَشْتَرِطُهُ لا يوجبه، فلا يمتنع أن يصحح الهِبَةَ، ويمنع من الابْتِدَاءِ بالإِقْبَاض، حتى يسبق قبض العِوَضِ، بخلاف البيع [نسيئة] 302 فإنه يوجب تَسلِيمَ المبيع قبل قبض للثمن.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ أنه لا يَحِلُّ له التَّبَسُّطُ في المَلاَبِسِ 303 والمَأْكَلِ، ولا يكلف فيها التَّغْيير المُفْرِطَ أيضاً.
وليس له أن يَدْفَعَ المَالَ إلى غيره قِرَاضاً، فإنه قد يَخُونُ أو يَمُوتُ، فَيَضِيعُ، وله أن يأخذه قِرَاضاً؛ لأنه نوع يكسب، ولذلك ليس له أن يُقْرِضَ، وله أن يَسْتَقْرِضَ، وليس له تعْجِيلُ الديون المُؤَجَّلَة؛ لما فيه من تَفْوِيتِ الانْتِفَاعِ بالمال من غير ضرورة.
الثانية: لا يشتري أَحَداً من أُصُولِهِ وفروعه، لِتَضَمُّنِهِ العِتْقَ، وفَوَاتَ المال، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ وأحمد -رحمهما الله-.
ولو وهب منه قريبه، أو أوصى له به؛ فإن لم يَقْدِرْ على الكَسْبِ لهرمه أو لزمانه وعجز، وكان يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لم يَجُزْ له قَبُولُهُ.
وقيل: يجوز قبول 304 الزمن، فقد يكتسب من غير عَمَلٍ.
وهذا ما اختاره الصَّيْمَرِيُّ فيما نقل القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الكافي".
وإن كان كَسُوباً يقوم بكِفَايَةِ نفسه، جاز قَبُولُهُ، بل يستحب؛ لأنه لا ضَرَرَ عليه في القَبُولِ، ثم لا يعْتَقُ عليه؛ لأَن ملكه ضعيف 305، ولكن يكاتب عليه، فيعتق بِعِتْقِهِ، وبرق بِرِقِّهِ، وليس له بَيْعُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 545
وحكى الشيخ أبو عَلِيٍّ في "شرح الفروع" وَجْهاً بَدِيعاً، وبعيداً عن ابن أَبِي هُريْرَةَ أن له بَيْعَهُ، ثم قال: وهذا فَاسِدٌ، ولا يجوز لأحد أن يملك أباهُ، فيبيعه، وتكون نَفَقَتُهُ في كَسْبِهِ، وما يَفْضُلُ يكون لِلْمُكَاتَب يستعين به في أَدَاءِ النجوم، فإن مَرِضَ أو عَجز أَنْفَقَ المُكَاتَبُ عليه؛ لأنه من صَلاَحِ مِلْكِهِ، وليس هذا كالإنْفَاقِ على أَقَارِبِهِ الأَحْرَارِ، حيث يمنع منه؛ لأن ذلك مَبْنِيٌّ على المُوَاسَاةِ.
فان جنى القريب على إنسان بيع في الجِنَايَةِ، وليس لِلْمُكَاتَب أن يَفْدِيَهُ، بخلاف ما إذا جنى عَبْدُهُ؛ يجوز له أن يَفْدِيَهُ؛ لأن الرَّقَبةَ تبقى له، فيصرفها إلى النجوم.
الثالثة: ليس له الشِّرَاءُ بالمُحَابَاةِ، ولا البَيْعُ بالغَبْنِ؛ لما فيه من التَّبَرُّعِ، وتَفْوِيتِ المال.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أن له أن يَبِيعَ بما عَزَّ وهَانَ، كما ذكر في الوَكِيلِ، ولا يبيع بالنَّسيئة؛ لأن إِخْرَاجَ المَالِ عن اليَدِ، بلا عِوَضٍ في الحال تَبرُّعٌ، وأيضاً ففيه خَطَرٌ، وسواء باع بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، أو أكثر، ولا فَرْقَ بين أن يَسْتَوْثِقَ بالرَّهْنِ والكفيل، أو لا يَسْتَوْثِقَ، وكذا لا يقرض، وإن استوثق؛ لأن الكَفِيلَ قد يُفْلِسُ، والرَّهْنُ قد يَتْلَفُ، ويحكم الحاكم المرفوع إليه بِسقُوطِ الدَّيْنِ.
ويجوز أن يَبِيعَ ما يُسَاوِي مائة بمائة نَقْداً، وبمائة نسيئة، ولو اشْتَرَى نَسِيئةً بثمن النَّقْدِ يجوز، ولا يرهن به؛ فإنه قد يَتْلَفُ، وإن اشْتَرَاهُ بثمن [النسيئة]، 306 لم يَجُزْ؛ لما فيه من التَّبرُّعِ.
كذلك ذكره في "التهذيب".
وفي "جمع الجوامع" للروياني: أنه يَجُوزُ، إذ لا غَبْنَ فيه، وفرقوا بين 307 المُكَاتَبِ، وبين الوَلِيِّ، حيث يبيع مال الطفل نسيئة، وَيَرْهَنُ، وَيَرْتَهِنُ للحاجة، أو المَصْلَحَةِ الظاهرة، وبأن المرعي هناك مَصْلَحَةُ الطفل، والولي مَنصُوبٌ لينظر له [وها هنا المطلوب العِتْقُ والمرعي مصلحة السيد، والمكاتب غير منصوب لينظر له] 308 وقد ذكرنا في "كتاب الرَّهْنِ" أن بعضهم سَوَّى بينه وبين الوَلِيِّ في البيع نسيئة، وفي الرَّهْن والارتهان، فيجوز أن يُعَلَمَ لذلك قوله هاهنا: "ولا يبيع [بالنسيئة] " 309 بالواو.
وأَلْحَقَ صَاحِبُ الكتاب هناك المُكَاتَبَ بالولِيِّ في جَوَازِ الرَّهْنِ، لكن الذي أَطْلَقَ عليه عَامَّةُ الأصحاب -رحمهم الله- وأَوْرَدَهُ هاهنا: المَنْع، ويشبه أن يتوسط، فيقال: إن دَعَتْ ضَرُورَة إلى البَيْعِ والرهن، كما في وقت النَّهْبِ فله ذلك حِفْظاً للمال.
وإن كان يَرَى فيه مَصْلَحَةً لم يُمَكَّنْ منه؛ لأنه ليس نَاظِراً للسَّيِّدِ، حتى يَتَحَمَّلَ الخَطَرَ لِمَصْلَحةٍ يَرَاهَا، بخلاف الوَلِيِّ، والله أعلم.
وإذا باع أَوِ اشْتَرَى لم يسلم ما في يَدِهِ، حتى يَتَسَلَّمَ
الجزء: 13 - الصفحة: 546
العِوَضَ؛ لأن رفع اليَدِ عن المال بلا عِوَضٍ، لا يَخْلُو عن غَرَرٍ، وكذلك ليس له السَّلَمُ؛ لأن مُقْتَضَاهُ تَسْلِيمُ رَأْس المال في المَجْلِسِ، وانتظار المسلم فيه سِيَّمَا إذا كان السَّلَّمُ مُؤجَّلاً.
وفيه وجه: أنه يجوز التَّسْلِيمُ ليتسلم في الحال، أو في المَجْلسِ، ويحتمل هذا القَدْر.
وهذا ما أَوْرَدَهُ الصَّيْدَلانيُّ.
وعلى هذا فَيَجُوزُ له السَّلَمُ الحَالُّ.
وأطلق الإِمام وَجْهاً في السَّلَمِ بشرط الغِبْطَةِ أنه يَجْوزُ.
الرابعة: لا يكاتب المُكَاتَبُ عَبْدَهُ، كما لا يعتقه، خِلاَفاً لأبي حَنِيْفَةَ ولو أدَّى مُكَاتَبُهُ إليه المَالَ، لم يُعْتَقْ؛ لأن تَعْلِيقَهُ غير صحيح.
الخامسة: لا يَتَزوَّجُ المُكَاتَبُ، ولا يُزَوَّجُ مِنْ [عبد] 310؛ لما فيه من المُؤَنِ، ولا [ينكح] 311 المكاتبة أيضاً؛ لأنه تنتقص قيمتها، وأيضاً فلخطر الطَّلق، وله شِرَاءُ الجَوَارِي للتِّجَارَةِ، ولكن لا يجوز له التَّسَرِّي خَوْفاً من هَلاَكِ الجَارِيَةِ في الطَّلْقِ.
قال الإِمَامُ: وهو بِمَثَابَةِ منعِ الرَّهْنِ من وَطْءِ الجارية المَرْهُونَةِ.
وكان شَيْخِي لا يبعد إجْرَاءَ الوجهين في وطء الجارية التي يُؤْمَنُ حَبَلُهَا 312 هاهنا، وهو غير مَرْضِيٍّ؛ لأن المُكَاتَبَ عَبْدٌ، والوَطْءُ يضعفه، ولا ضَبْطَ يجعل مَرْجُوعاً فيما يجوز، ويمنع منه، فالوجه حَسْمُ الباب، وللمنع من الوَطْءِ مَعْنى آخَرُ، وهو ضعف المِلْكِ، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.
السادسة: إذا لَزِمَ المُكَاتَبَ كَفَّارَةُ قَتْلٍ، أو ظِهَارٍ، أو يمين، فيكفر بالصَّوْمِ دون المَالِ؛ لأن مِلْكَهُ ليس بِتَامٍّ، وهو مستحق الصَّرْفِ إلى جِهَةٍ أخرى.
واعلم أن الصّوَرَ جَمِيعاً مَفْرُوضَةٌ فيما إذا لم يَأْذَنْ له السَّيِّدُ.
فأما إذا أذن له السيد في التَّصَرُّفَاتِ المَذْكُورَةِ، فسنذكر حكمه 313 إن شاء الله -تعالى- في الفَصْلِ التالي لهذا الفَصْلِ.
" فرع عن القَفَّالِ":
إن وَصِيَّةَ المُكَاتَب غَيْرُ صحيحة، سواء أوصى بِعَيْنٍ من أَعْيَانِ مَالِهِ، أو بثلث ماله؛ ن مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ على ما في يَدِهِ.
وعن أبي حنيفة: أنها تَصِحُّ إن أضاف إلى المَوْتِ والحرية، وإلاَّ لم تصح.
الجزء: 13 - الصفحة: 547
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكلُّ ذَلِكَ إِنْ جَرَى بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَفِي النفُوذِ قَوْلاَنِ، إِلاَّ العِتْقَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: (أَحَدُهُمَا): طَرْدُ القَوْلَيْنِ (وَالثَّانِي): القَطْعُ بِالمَنْعِ لإشْكَالِ الوَلاَءِ، فَإِنْ نَفَّذْنَا فَفِي الوَلاَءِ قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ لِلسَّيِّدِ (وَالثَّانِي): أنَّهُ موْقُوفٌ حَتَّى يُعْتِقَ المُكَاتَبَ يَوْمَاً فَيَكُونَ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ رَقِيقاً اسْتَقرَّ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَوْ مَاتَ العَتِيقُ فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ فَمِيرَاثهُ لِلسَّيِّدِ فِي قَوْلٍ، وَلبَيْتِ المَالِ في قَوْلٍ، وَكِتَابَةُ عَبْدِهِ كَإِعْتَاقِهِ فِي النُّفُوذِ وَفِي الوَلاَءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَبَرُّعَاتُ المُكَاتَبِ وَتَصَرُّفَاتُهُ المُحْظَرَةِ كالهِبَةِ، والإبْرَاءِ، والإِقْرَاضِ، والقِرَاضِ، والإِنْفَاقِ على الأَقَارِبِ، والبيع بالمُحَابَاةِ، وبالنسيئة وتعجيل الدَّيْنِ المُؤجَّلِ ونحوها، إن جرت بإِذْنِ السيد؛ فمنقول 314 المزني، والمنصوص في "الأم" أنها تَصِحُّ.
وعن الرَّبِيع فيه قَوْلٌ آخر؛ ونَصَّ على أن المكَاتَبَةَ إذا اخْتَلَعَت بِإِذْنِ السَّيِّدِ على مال لم يَجُزْ، والخلْعُ كالهِبَةِ، في أنه بَذْلُ مَالٍ من غير عِوَضٍ مَاليٍّ.
واختلف الأَصْحَابُ على طريقين: قال أكثرهم -منهم ابن سُرَيْج، وابن خَيْرَانَ، وأبو إِسْحَاقَ- في جميع هذه التَّصَرّفَاتِ قولان إِما لما رَوَاهُ الربيع، وإما للنَّصَّيْنِ في الهِبَةِ، والتَّصَرُّف فيهما بالنقل والتخريج.
ومنهم من نَقَلَ المَنْعَ عن نَصِّهِ في "الإملاء":
أحدهما: أنها غير صَحِيحَةٍ؛ لأن مِلْكَ المُكَاتَبِ نَاقصٌ، والسَّيِّدُ غَيْرُ مالك لما في يَدَيْهِ، فلا أَثَرَ لإِجَازَتِهِ، كما لو وَهَبَ المَرِيضُ جَمِيعَ مَالِهِ، وأجاز الوَارِثُ، وأيضاً فإنه يفوت غَرَضُ العَتْقِ.
وأصحهما: الصحة؛ لأن الحَقَّ لا يَعْدُوهُمَا، فإذا تَوَافَقَا عليه صَحَّ؛ كما لو وَهَبَ أَحَدُ الشريكين بِإِذْنِ الآخر.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ، والقطع بِصِحَّةِ هذه التَّصَرّفَاتِ، ويبطلان الخلع وقد ذكرنا الطريقين في "الخُلْعِ" في كتابه.
وعن أبي الطيب بن سلمة طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بصحة الخُلْعِ أَيْضاً.
فإن وهب من السيد أو من ابنه الصَّغِيرِ، فقبل أو أقْرَضَهُ، أو باعه نَسِيئَةً أو بالمُحَابَاةِ، أو عَجَّلَ دَيْناً مُؤجَّلاً له عن النُّجُومِ، فطريقان:
أظهرهما: أته على القَوْلَيْنِ فيما إذا وَهَبَ من غيره بِإِذْنِهِ.
والثاني: -واختاره الشيخ أبو مُحَمَّدٍ- القَطْعُ بالصِّحَّةِ؛ لأن لِلْمُكَاتَب أن يُعَجِّزَ نَفْسَهُ، فيجعل جميع ما في يَدِهِ للسيد، وإذا تَمَكَّنَ من جعل الجميع لِلسَّيِّدِ بالتعجيز، لم
الجزء: 13 - الصفحة: 548
يبعد أن يجعل بَعْضَهُ له بالهِبَةِ.
ولو وهب بإِذنِ السيد فرجع السيد عن الإِذْنِ، قبل إِقْبَاضِ المَوْهُوبِ لم يكن له إِقْبَاضُهُ.
ولو اشْتَرَى قَرِيبَهُ بِإذْنِ السَّيِّدِ، ففي صِحَّتِهِ القولان، فإن صححناه؛ يكاتب عليه.
وعن أبي إسحَاقَ المَرْوَزيِّ: طَرِيقَةٌ قَاطعة بالصِّحَّةِ؛ لأنه قد يَسْتَفِيدُ من أَكْسَابِهِ، وفيه صِلَةُ الرَّحِمِ.
وإعتاق المُكَاتَب بإذن السيد مُرَتَّبٌ على سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، إذا جرت بإذنه.
إن لم نُصَحِّحْهَا، فالعتق أوْلَى، وإن صححناها، ففيها قولان:
أصحهما: المنع أيضاً؛ لأنهما يعقبان الوَلاَءَ، والمُكَاتبُ ليس أهْلاً لِثُبُوتِ الوَلاَءِ له كالقِنِّ.
ويحصل من هذا التَّرْتِيبِ طَرِيقَانِ، كما ذكر في الكتاب:
أظهرهما: أن فيه قَوْلَيْنِ؛ وقد نَصَّ عليهما في "المختصر".
والثاني: القَطعُ بالمنع.
ولو أَعْتَقَ عن سَيِّدِهِ، أو عن غيره بإِذْنِهِ، فهو كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ بالإذْنِ، ولا يجيء فيه الطريقة القَاطِعَةُ؛ لأن المُعْتَقَ عنه من أهْل الوَلاَءِ.
فإن قلنا بنفوذ العِتْقِ، فلمن يكون وَلاَءُ المعتق؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه لِلسَّيِّدِ، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ؛ لأن المُكَاتَبَ ليس بِأهْلٍ للولاء، وتَوْقِيفُ الوَلاَءِ بَعِيدٌ.
وَوَلاءُ المُكَاتَبِ إذا عُتِقَ للسيد، فلا يبعد أن يكون وَلاَءُ مُعْتِقِهِ له أيضاً.
وأظهرهما: أنه يُوقَفُ؛ لأن الوَلاَءَ لمن أَعْتَقَ، والسَّيِّدُ لم يَعْتِقْ، فإن عتق [المكاتب] 315 كان الوَلاَءُ له، وإن مات رَقِيقاً، كان الوَلاَءُ للسَّيِّدِ، كان عجز وَرُقَّ، حكى الإِمَامُ أنه يَبْقى التَّوَقُّفُ؛ لأنه يُرْتَقبُ عِتْقُهُ من وجوه أُخَرَ.
واعْتَرَضَ عليه، وقال: إذا رُقَّ ينبغي أن يكون الوَلاَءُ لِلسَّيِّدِ، ولا يرتقب عِتْقُهُ من وَجْهٍ آخر؛ لأنه إذا رُقَّ تَبَيَّنَ أن تَصرُّفَهُ على حُكْم اسْتِقْلاَلِ الكتابة قد انقطع، فالعِتْقُ من وَجْهٍ آخر لا يَتَعَلَّقُ بما سبق، والذي اعْتَرَضَ به 316 هو الذي يوجد لِعَامَّةِ الأصحاب لا غَيْرَ.
فإن جعلنا الوَلاَءَ لِلسَّيِّدِ؛ فلو عُتِقَ المُكَاتَبُ بعد ذلك، ففي انْجرَارِ الوَلاَءِ إليه وَجْهَانِ، عن رواية أبي علي الطَّبَريِّ، وصاحب "التقريب":
أظهرهما: المنع، وكأن السَّيِّدُ هو الذي أَعْتَقَهُ.
والثاني: وحكاه المُوَفَّقُ بْنُ طاهر عن تَخْرِيجِ ابن سُرَيْجٍ أنه ينْجَرُّ؛ لأنه الذي بَاشَرَ
الجزء: 13 - الصفحة: 549
العِتْقَ.
وإن قلنا بالتَّوَقُّفِ؛ فلو مات المُعْتِقُ قبل عتقِ المُكَاتَبِ، وعَوْدِهِ إلى الرِّقِّ، ففي المِيرَاثِ قَوْلاَنِ عن رواية الشيخ أبي حَامِدٍ:
أظهرهما: أنَ المِيرَاثَ مَوْقُوفٌ أيضاً.
والثاني: أنه للسيد، ولا يُوقَفُ المِيرَاثُ؛ كان وَقَفَ الوَلاءُ؛ لأن الوَلاَءَ قد يثبت لِلشَّخْصِ، ثم يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ، فلا يبعد فيه التَّوَقُّفُ، بخلاف المِيرَاثِ.
ومنهم من نقل بَدَلَ الثَّانِي أنه يُصْرَفُ إلى بَيْتِ المَالِ، كما إذا كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْداً، ولَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ، فاسْتُرِقَّ، وعُتِقَ مكاتبه، ومات يُصْرَفُ مَالُهُ إلى بيت المال.
وهذا والثاني ما أوْرَدَهُ في الكتاب، وأهمل الأَوَّلَ الذي هو الأظهر.
وقوله: "حتى يعتق المكاتب يوماً ... " إلى آخره اتِّبَاعٌ 317 لما نَقَلَهُ الإِمَامُ.
ويجوز أن يُعَلَمَ قوله: "يوماً" بالواو إِشَارَةً إلى ما هو الأَظْهَرُ، وهو أنه لا يُوقَفُ حتى يُعْتَقَ يوماً من الدَّهْرِ، أو يَمُوتَ رَقِيقاً، بل يُوقَفُ إلى أن يُعْتَقَ بموجب الكِتَابَةِ، أو يظهر رِقُّهُ بالعَجْزِ، أو المَوْتِ.
ولو كاتَبَ المكَاتَبُ عَبْدَهُ بإذن السَّيّدِ؛ قال الإِمَامُ: يحتمل أن يُلْحَقَ بهِبَاتِهِ، ويحتمل أن يُلْحَقَ بِتَنْجِيزِ العِتْقِ.
وهذا الثاني هو الذي أَوْرَدَهُ الأصحاب -رحمهم الله- ونَصَّ -رضي الله عنه- عليه في "المختصر" فيعود الطَّرِيقَانِ في صِحَّةِ الكِتَابَةِ، والقولان في الوَلاَءِ تَفْرِيعاً على الصِّحَّةِ، إذا عتق المكاتب الثاني يحتمل أن يُعْتَقَ الأول، كان عُتِقَ الأول، ثم الثاني، فَوَلاءُ الثاني للأول.
وفي نِكَاحِ المُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ طريقان:
أحدهما: أن في صِحَّةِ القولين في تَبرُّعَاتِهِ بالإِذْنِ؛ لأنه يلزمه المَهْرُ والنَّفَقَةُ، وفيه بَذْلُ مَالٍ لا في مُقَابَلَةِ مَالٍ.
وهذا ما رَجَّحَهُ الإِمَامُ، ويوافقه مُطْلَقُ لفظ الكتاب، فإنه قال: "وكل ذلك إن جرى بِإِذْنِ السَّيِّدِ، ففي نفوذه قولان" ومن جملة ذلك الزواج.
وأظهرهما: عند الأَكْثَرِينَ؛ القَطْعُ بالصِّحَّةِ؛ لأن المُكَاتَبَ أَحْسَنُ حَالاً من العبد القِنِّ، والعبد القِنُّ يَنْكَحُ بالإِذْنِ، فالمُكَاتَبُ أَوْلَى.
والمعنى فيه أن النِّكَاحَ يَحْتَاجُ إليه لِلتَّحْصِينِ، وسَائِرُ المصالح المتعلقة به والهِبَةُ وما في معناها لا يَلْحَقُ به.
الجزء: 13 - الصفحة: 550
وتزويج المُكَاتَبَةِ صَحِيحَةٌ على الأظهر، ولا بد من إِذْنهَا.
وعن القفَّالِ: أنها لا تُزوَّجُ أَصْلاً؛ لأن مِلْكَ السيد فيها نَاقِصٌ، وهي أيضاً نَاقصة فلا يصح إِذْنُهَا، وقد ذكرنا ذلك في النِّكَاحِ.
وإذا أَذِنَ السَّيَّدُ لِلمُكَاتَب في وطء الجارية وتَسَرِّيَها، فقد يبتنى ذلك على أن العَبْدَ؛ هل يَمْلِكُ بالتمليك؟
إن قلنا: لا، [لم] 318 يَحِلَّ له الوَطْءُ والتَّسَرِّي، وهو الأَصَحُّ.
وإن قلنا: نعم؛ قيل: يَحِلُّ.
وقيل: ينبني على الخِلاَفِ في تبرعاته بالإِذْنِ وعن ابن أبي هُرَيْرَةً طَريقَةٌ بالمنع؛ لضعف الملك.
ولو 319 أَذِنَ السيد لِلْمُكَاتَب في التكفير 320 بالإطْعَام أو بالكُسْوَةِ، ففيه قولان يبنيان تَارَةً على أن العَبْدَ هل يَمْلِكُ بالتمليك؟
ومنهم من بناهما على أنه: هل يَتَبَرَّعُ بِإِذْنِ السيد؟
وإن أَذِنَ في الإعْتَاقِ، وصححنا إِعْتَاقَة بالإِذْنِ، وتَوَقَّفْنَا في الوَلاَءِ، فنتوقف في الإجزاء أيضاً، فإن عَجَزَ بَانَ أنه لم يُجْزِهِ، وعليه ان يُكَفِّرَ بالصوم، والظَّاهِرُ أنه لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بالإِعْتَاقِ.
وعن القَفَّالِ: أنه إذا عُتِقَ بِإِذْنِ السَّيِّد؛ وجعلنا الوَلاَءَ للسيد، فينبغي أن يجزئ عن كَفَّارته إذا نَوَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى المُكَاتَبُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ صَحَّ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إِلَى السَّيِّدِ وَعُتِقَ عَلَيْهِ، وَالقِنُّ لَوْ قَبِلَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَقُلْنَا يَنْفُذُ قَبُولُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَنْفُذُ هَهُنَا إِنْ خِيفَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ فِي الحَالِ، وَإِنْ لَمْ يخَفْ بِأَنْ كَانَ كَسُوياً نَفَذَ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ رَدُّهُ، وَهَلْ لَهُ رَدُّ غَيْرِهِ ممَّنْ يَقْبَلهُ عَبدُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ رَدُّهُ فَيَنْدَفِعُ المِلْكُ مِنَ الأَصْلِ أَوْ يَنْقَطِعُ مِنْ حِينِهِ فِيهِ وَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اشترى المُكَاتَبُ من يُعْتَقُ على سيده، كأبيه وابنه، أو اتَّهَبَهُ، أو أوْصَى له به فَقَبِلَ، صَحَّ، وكان المِلْكُ فيه لِلمُكَاتَب، فإن رُقَّ المُكَاتَبُ صار القَرِيبُ للسيد، وعتقَ عليه.
ولم يقولوا: إنه يمنع من صَرْفِ المال إلى غَرَضِ مَنْ عَسَاهُ يَعْتِقُه على السيد، ولا
الجزء: 13 - الصفحة: 551
نَظَرُوا إلى لُزُوم النَّفَقَةِ إذا عتق عليه [وإنما اعتبروا الحال] 321 ولو اشترى بعض من يعتق على سيده 322 أوَ اتَّهَبَهُ، أو قَبِلَ الوَصيَّةَ به [صح أيضاً، وعاد الأعتق على السيد] 323 وهل يَسْرِي إلى الباقي؟
إذا كان السيد مُوسِراً؛ ينظر، إن عَجَزَ المُكَاتَبُ من غير اخْتِيَارِ السيد، فلا يَسْرِي كما لو وَرِثَ بعْضَ قريبه، وإن عَجَّزَة السَّيِّدُ، فوجهان 324:
أحدهما: يَسْرِي؛ لأنه ملك باختيار التَّعْجِيزِ، فصار كما لو مَلِكَ بالشِّرَاءِ.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن قَصْدَهُ فَسْخُ الكِتَابَةِ، ودخوله في مِلْكِهِ ضِمْنِيٌّ قَهْرِيُّ.
ولو اتَّهَبَ العَبْدُ القِنُّ مَنْ يعتق على سَيِّدِهِ بغير إِذْنِهِ، فيبنى على أن اتِّهَابَهُ بغير إِذْنِ السَّيِّدِ؛ هل يَنْفُذُ؟ وفيه خلاف قد سَبَقَ إن قلنا: لا، فلا كَلاَمَ.
وإن قلنا: نعم؛ وهو الأَظْهَرُ -فإن خِيفَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ في الحال، بأن اتَّهَبَ أَبَاهُ الزَّمَنَ، والسَّيِّدُ مُوسِرٌ، لم يَنْفُذ قَبُولُهُ؛ لأن فيه إِضْرَاراً بالسيد، كان لم تجب النَّفَقَةُ في الحال، لكون 325 القريب كَسُوباً، أو لكون السَّيِّدِ فَقِيراً، نفذ القَبولُ، وعُتِقَ المَوْهُوبُ على السيد.
ولو اتَّهَبَ بعض من يعتق على السيد بغير إِذْنِهِ، وصححنا اتِّهَابَهُ بغير إِذْنِ السيد ولم يَتَعلَّقْ به لُزُومُ النَّفَقَةِ ففي صِحَّةِ القَبُولِ قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه يعتق عليه ذلك البَعْض، ويَسْرِي، وفي التَّقْوِيمِ على السيد إِضْرَارٌ به.
وأظهرهما: أنه يَصِحُّ؛ ولا يَسْرِي لحصول المِلْكِ بغير اخْتِيَارِهِ، كما لو ورث.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: وخَرَّجَ ابن سُرَيْجٍ على هذين القَوْلَيْنِ ما إذا اشترى المَرِيضُ أَبَاهُ بألْفٍ، وهو لا يملك غَيْرَ الألف، وعليه دَيْنٌ مستغرق، ففي قول: لا يصح الشِّرَاءُ؛ لأنهَ لو صَحَّ لعتق فتلف حق الغُرَمَاءِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 552
والثاني: لا يصح ولا يعتق، ويُبَاعُ في دُيُونِهِمْ.
وفي "الوسيط" وَجْهٌ آخر: أنه يصح، ويُعْتَقُ، وَيَسْرِي، ويجعل اختيار العَبْدِ كاختياره، كما جُعِلَ قَبُولُهُ كَقبُولِهِ.
ولم أجد هذا الوجه في "النهاية" 326، ثم ذكرها هنا فَرْعاً في اتِّهَابِ العَبْدِ، بغير إِذْنِ السيد لا يختص بما نحن فيه، وهو أَنَّا إذا صَحَّحْنَاهُ فيدخل المَوْهُوبُ في مِلْكِ السيد قَهْراً، كما يدخل ما احْتَطَبَهُ واصْطَادَهُ.
وهل للسيد الرَّدُّ بعد قَبُولِ العَبْدِ؟
فيه وجهان، ذكرهما صاحب "التلخيص":
أحدهما: نعم؛ لأن تَمْلِيكَ العَاقِلِ البالغ قَهْراً بَعِيدٌ.
وأقيسهما: المنع؛ كما في المِلْكِ الحَاصِلِ بالاحْتِطَابِ.
فإن قلنا بالأَوَّلِ، فينقطع مِلْكُهُ من وَقْتِ الرَّدِّ، أو يَتَبَيَّنُ أنه لم يدخل في ملكه.
ذكر صاحب "التلخيص" فيه وجْهَيْنِ أيضاً، ويظهر أثرهما فيما إذا كان الموهوب عَبْداً، ووقع هِلاَلُ شَوَّالٍ بين قَبُولِ العَبْدِ، وَرَدِّ السيد في زَكَاةِ الفِطْرِ.
وقوله في الكتاب: "ولم يكن للسيد رَدُّهُ"، يعني أن القَرِيبَ يُعْتَقُ إذا نفذ القبول، ولم يكن للسيد رَدُّ الهِبَةِ، ولا دَفْعُ العِتْقِ.
وهذا لا ذِكْرَ له في "الوسيط" ولا غيره.
ولك أن تُخَرِّجَهُ على الوَجْهَيْنِ الآخرين عن صاحب "التلخيص".
وقوله: وهل له رد 327 غيره ممن يَقْبَلُهُ عَبْدُهُ؟ لو قال: "مما يقبله عبده" لكان أَحْسَنَ.
فرعان لابن الحَدَّادِ:
[أحدهما] 328: إذا وهب من المُكَاتَبِ بَعْضَ أبيه، أوابنه، وقبله وصححنا القبول على مَا مَرَّ التفصيل فيه؛ فإذا عُتِقَ المُكَاتَبُ، عُتِقَ عليه ذلك [الشِّقْصُ] 329.
قال ابن الحَدَّادِ: وَيُقَوَّمُ عليه الباقي إن كان مُوسِراً.
وعن القَفَّالِ: أنه لا يُقَوَمُ؛ لأنه لم يَسْرِ في الابتداء، فلا يَسْرِي بعده، كمعسر
الجزء: 13 - الصفحة: 553
أعتق شِقْصاً له في عَبْدٍ لم يسر 330.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: والأَصَحُّ الأول.
وذلك الشِّقْصُ أيضاً لم يعتق في الابتداء، وإنما عُتِقَ عند عِتْقِ المُكَاتَبِ، فليست السِّرَايَةُ مُتَأَخِّرَةَ عن العِتْقِ.
والثاني: اشترى المُكَاتَبُ ابْنَ سَيِّدِهِ، ثم باعه بأبي السَّيِّدِ، يصح، ويصير الأب مِلْكاً، فإن رُقَّ المُكَاتَبُ صار الأبُ مِلْكاً للسيد وعُتِقَ عليه، فإن وجد به عَيْباً بعد ذلك، فلا سَبيلَ إلى الرَّدِّ، ولكن له الأَرْشُ والأَرْشُ جُزْءٌ من الثَّمَنِ، فإن نَقَصَ العَيْبُ عُشْرَ قيمة الَأب، فيرجع إلى عُشْرِ الابن الذي هو الثَّمَنُ، وإذا ملك عشر الابن، عُتِقَ عليه وهل يُقوَّمُ عليه الباقي؟
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: إن عَجَّزَ المُكَاتَبُ نَفْسَهُ بلا اختيار للسيد لا يُقَوَّمُ عليه الباقي، وإن عَجَّزَهُ بِنَفْسِهِ؛ ففيه وجهان، قد سبق نظيرهما قال: والأظهر: المَنْعُ.
وزاد الإِمام، فقال: القِسْطُ من الابن -الذي هو الأَرْشُ- يَنْقَلبُ إليه قَهْراً، أم لا يرجع إلاَّ باختياره؟
فيه وجهان:
فإن قلنا بالأَوَّلِ، ففي تَقْوِيمِ الباقي عليه الوَجْهَانِ.
فإن قلنا بالثاني؛ فالظَّاهِرُ السِّرَايَةُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اسْتَوْلَدَ المُكَاتَبَ جَارِيتَهُ فَوَلَدُهُ مُكَاتَبٌ عَلَيْهِ أَيْ يُعْتَقُ بِعِتْقِهِ وَيُرَقُّ بِرِقِّهِ، وَهَلْ تَصِيرُ أُمُّ الوَلَدِ مُسْتَوْلَدَتَهُ إِذَا عُتِقَ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن المكاتب لا يَطَأُ جَارِيَتَهُ بغير إِذْنِ سَيِّدِهِ، وكذا بِإِذْنِهِ على الأظهر، فلو خالف وَوَطِئَ، فلا حَدَّ عليه للشُّبْهَةِ، ولا مَهْرَ؛ لأن مَهْرَ جَارِيتِهِ لو ثَبَتَ لثبت له، فإن أَوْلَدَهَا، فَالوَلَدُ نَسِيبٌ بشُبْهَةِ المِلْكِ.
ثم لا يخلو إما أن يأتي بالوَلَدِ، وهو مُكَاتبٌ [بعد] 331، فيكون مِلْكاً له؛ لَأنه وَلَدُ جاريته، لكن لا يملك بَيْعَهُ؛ لأنه وَلَدُهُ، ولا يعتق عليه؛ لأن مِلْكَهُ ليس بتام، بل يَتَوَقَّفُ عِتْقُهُ على عِتْقِهِ؛ إن عُتِقَ عُتِقَ، وإلاَّ رُقَّ، وصار للسيد وهذا معنى قولهم: "إن ولده يتكاتب عليه".
وهل تصير الجَارِيَةُ مُسْتَوْلَدَةً له؟
منهم من يَقُولُ: لا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً في الحال، فإن عُتِقَ، ففيه قولان.
ومنهم من يطلق القولين في ثُبُوتِ حُرْمَةِ الاسْتِبْدَادِ في الحال.
الجزء: 13 - الصفحة: 554
أحدهما: الثبوت؛ ويُحْكَى هذا عن أبي حَنِيفَةَ وأحمد، واختيار المُزَنيِّ؛ لأنه ثبت للولد حَقُّ الحرية، حيث يُكَاتب عليه، وامْتَنَعَ بَيْعُهُ، فثبت لها حُرْمَةُ الاستيلاد.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأنها علقت [بمملوك، فأشبهت] (1) الأَمَةَ المَوْطُوءَةَ بالنكاح، وحَقُّ الحُرِّيَّةِ للولد لم يثبت بالاسْتِيلاَدِ في المِلْكِ، وإنما يثبت لصيرورته (2) مِلْكاً لأبيه، كما لو ملك وَلَدَهُ بِهِبَةٍ وغيرها.
فإن قلنا: ثبت حُرْمَةُ الاسْتِيلاَدِ في الحال، فإن عُتِقَ المُكَاتَبُ استقر الاستيلاد، كان عجز رُقَّتْ مع الوَلَدِ للسَّيِّدِ، فإن عُتِقَ المكاتب بعد ذلك وملكها لم تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةً [لأن بالعجز يتبين أنها علقت برقيق، وإنه لا اسْتِيلاَدَ، وإن قلنا: لا يثبت فإن عجز ثم عُتِقَ وملكها لم تَصِرْ مستَولَدَةً له] (3)، وإن عُتِقَ بأَدَاءِ النجوم، فكذلك على ظاهر المذهب.
وعن أبي إسْحَاقَ تخريج قول مما إذا أَوْلَدَ الرَّاهِنُ الجَارِية المَرْهُونَةَ، وقلنا: لا تصير مُسْتَوْلَدَةً له، فبيعت، ثم ملكها، حيث نقول بِثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ على رَأْيٍ، لكن العُلُوقَ هناك بِحُرٍّ، وهاهنا بمملوك هذا إذا أتت بالوَلَدِ، وهو مُكَاتَبٌ.
أما إذا أتت به بعد العِتْقِ؛ فإن كان لِمَا دون سِتَّةِ أَشْهُرٍ من وقت العِتْقِ، فكذلك الجَوَابُ؛ لأن العُلُوقَ وَقَعَ في الرِّقِّ.
وإن كان لِسِتَّةِ أشهر، فصاعداً من يومئذ؛ فقد أَطْلَقَ الشَّافعي -رضي الله عنه- أنها تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً له.
واختلف الأَصْحَابُ؛ فقال قائلون: هذا إذا وَطِئَ بعد الحُرِّيَّةِ، وولدت لِسِتَّةِ أشهر، فصاعداً من يوم الوطء لظهور العُلُوقِ بعد الحرية، والولد والحالة هذه حر [لا ولاء] (4) عليه إلاَّ بالوَلاَءِ على أبيه، ولا ينظر إلى احْتِمَالِ العُلُوقِ في الرِّقِّ تغليباً للحرية.
فأما إذا لم يَطَأْهَا بعد الحرية، فيكون الاسْتِيلاَدُ على الخِلاَفِ.
وقال آخرون: يثبت الاسْتِيلاَدُ وَطِئَ بعد الحرية أو لم يَطَأْ؛ لأنها كانت فِرَاشاً قبل الحُرِّيَّةِ، وذلك الفِرَاشُ مُسْتَدَامٌ بعدها، وإمكان العُلُوقِ بعد الحرية قَائِمٌ فيكتفي به لِثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ.
والأوَّلُ أَصَحُّ على مَا ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب".
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الحُكْمُ الرَّابع: حُكْمُ الوَلَدِ:
وَفِي سِرَايَةِ الكتَابَةِ مِنَ المُكَاتَبَةِ إِلَى وَلَدِهَا الَّتِي تَلِدُ بَعْدَ الكِتَابَةِ مِنْ زِناَ أَوْ نِكَاحٍ قَوْلاَنِ كَمَا فِي سِرَايَةِ التَّدْبِيرِ إلاَّ أَنَّ هَذَا يُعْتَقُ بِعِتْقِ الأُمِّ، وَوَلَدُ المُدَبِّرَةِ لاَ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا بَلْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَهَذَا يُعْتَقُ بِعِتْقِ الأُمِّ فِي دَوَامِ الكتَابَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي فَحَقُّ المِلْكِ فِيهِ لِلسَّيِّدِ فِي قَوْلٍ فَكَأنَّهُ مُكَاتَبُهُ حَتَّى يُصْرَفَ إِلَيْهِ332333334335
الجزء: 13 - الصفحة: 555
بَدَلُهُ إِذَا قُتِلَ، وَيَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ، وَيُصْرَفُ إِلَيْهِ كَسْبُهُ مَهْمَا رُقَّ، وَيَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، وَفِي قَوْلٍ هُوَ مِنْ كَسْبِ المُكَاتَبَةِ فَيَكُونُ كَسَائِرِ عَبِيدهَا، وَأمَّا وَلَدُ المُكَاتَبَ مِنْ جَارِيَتِهِ فَهُوَ كَسْبٌ لَهُ قَوْلاً وَاحِداً لاَ يَنْفُذُ فِيهِ إِعْتَاقُ السَّيِّد، وَلَكِنْ لَوْ جَنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ؛ لِأَنَّ فِدَاءَهُ كَشِرَائِهِ فَإِنَّه لاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي وَلَدِهِ بَلْ يُكَاتَبُ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كِتَابَةُ الأَمَةِ صَحِيحَةٌ لكتابة العَبْدِ، وإذا كاتب أَمَةً لها ولد، فلا يخفى بَقَاءُ الولد على مِلْكِ السيد، فإن شَرَطَا أن يكون الوَلَدُ معها في عَقْدِ الكتابة، فالكتابة فَاسِدَةٌ، لكن إذا أدَّت، عُتِقَ الوَلَدُ أيضاً بموجب التعليق.
وإن كان في يَدِهَا مَالٌ، وشَرَطَا أن يكون المَالُ لها، فقد حَكَى القَاضِي ابن كَجٍّ أن الشافعي -رضي الله عنه- نَصَّ على فَسَادِ الكتابة، وفَرَّقَ بين الولد والمَالِ، على أحد القولين؛ بأن المَالَ من جِنْسِ كَسْبِهَا، الذي يكون لها بالكِتَابَةِ، فجاز أن تَصِيرَ لها بالشَّرْطِ.
ولك أن تقول: هذه صُورَةُ كِتَابَةِ الرقيق، والبيع منه بِعِوَضٍ واحد 336، وقد سبق القَوْلُ فيه.
وإن كانت حَامِلاً عند الكِتَابَةِ، وتَيقَّنَ ذلك بأن يَنْفَصِلَ لما دون سِتَّةِ أشهر من يوم الكتابة 337؛ فقد ذكر أنا إذا قلنا: إن الحَمْلَ لا يعرف، فهو كالولد الحَادِثِ بعد الكتابة.
وسنذكر حُكْمَهُ على الأَثرِ إن شاء الله تَعَالَى.
وإن قلنا: يعرف، فحكاية القَاضِي ابْنِ كَجٍّ أن عند الكتابة يَصِيرُ كأنه توجه نحوها ونحوه، فإذا عُتِقَتْ عُتِقَ الوَلَدُ.
ونقل صاحب "التهذيب": أنه لا تثبت الكِتَابَةُ للولد؛ لأن الصغير لا يكاتب، بخلاف مثله من التدبير، والصغير يُدَبَّرُ.
ثم قال:
من عِنْدِهِ وجب أن يثبت حُكْمُ الكتابة له، لا على سبيل السِّرَايَةِ، بل على وجه الاسْتِتْبَاعِ، كما يتبع الحَمْلُ الجَارَيةَ في البيع، وإن كان لا يقبل البيع وحده.
هذا ما نقله ابْنُ كَجٍّ.
وإن حدث الوَلَدُ بعد الكِتَابَةِ؛ فهذا الوَلَدُ إما أَن يَكُونَ من السَّيِّدِ، أو من غيره، إن كان من السَّيِّدِ، فالحكم كما سيأتي إن شاء الله -تعالى- في الفَرْعِ المذكور عَقِيبَ هذا الفَصْلِ.
وإن كان من غيره، إما من زنا أو نِكَاحٍ، ففيه قولان؛ أحبهما إلى الشافعي -رضي الله عنه-، وهو المنصوص في "المختصر": أنه يثبت له حُكْمُ الكتابة حتى يُعْتَقَ [بعتق] الأم، إما بالأداء، أو الإِبْرَاءِ، أو الإِعْتَاقِ؛ لأن سبب الحُرِّيَّةِ كحقيقتها في اسْتِتْبَاعِ
الجزء: 13 - الصفحة: 556
الأولاد؛ ألا ترى أن أَوْلاَدَ المُسْتَوْلَدَةِ يتبعونها، ولأن الولد كَسْبُهَا فيتوقف أَمْرُهُ على رقِّهَا وحريتها، كسائر أَكْسَابِهَا.
والثاني: لا تثبت لأن الكتابة عَقْدٌ يقبل الفَسْخَ، فلا يثبت حُكْمُهُ في الوَلَدِ، كما أن ولد المَرْهُونَةِ لا يكون مَرْهُوناً، ويحكى هذا عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في بعض أَمَاليهِ.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أنه قطع بالقَوْلِ الأَوَّلِ، وقال: إذا اختاره الشَّافعي -رضي الله عنه- وجب أن يكون القَوْلُ الآخَرُ سَاقِطاً.
وقوله في الكتاب: "ففي سِرَايَةِ الكتابة إليه قولان"، ليس المَقْصُودُ نصْبَ الخلاف في أنه: هل يَصِيرُ الوَلَدُ مُكَاتَباً؟
فقد نَصَّ الأَصْحَابُ على أنه لا يدخل في الكتابة، ولا يُطَالب بشيء من النجوم، وكيف ولم يُوْجَدْ منه قبول 338 ولا يَجْرِي معه عَقْدٌ؟
قالوا: ويخالف التَّدْبِيرُ، حيث يَسْرِي على أَحَدِ القولين؛ لأن التدبير يَتَعَلَّقُ بقول السيد، ولا يعتبر فيه رِضَا العَبْدِ، ولذلك إذا عجزت المُكَاتَبَةُ أو مَاتَتْ بَطَلَتِ الكِتَابَةُ، وكان الوَلَدُ رَقِيقاً للسَّيِّدِ، بلا خلاف.
وفي التَّدْبِيرِ إذا ماتت المُدَبَّرَةُ قبل السيد، يبقى التدبير في الوَلَدِ، علىٍ أحد القولين، فإذن في اللفظ تَوَسُّعٌ، والمقصود أنه: هل يَتْبَعُهَا في العِتْقِ بِعِتْقِهَا، والرِّقِّ بِرقِّهَا، أم لا؟
ويوضحه ما ذكر في الكِتَاب أن وَلَدَ المُدَبَّرَةِ لا يُعْتَقُ بعتق الأم بالاستتباع 339 بل يعتق بما تعتق به الأم [وهو موتَ السَّيِّدِ بالسِّرَاية في التدبير، وولد المكاتبة بعتق الأُمِّ بالتبعية من غير أداء منه، ولا إبراء، ولا إعتاق.
وقوله: "تعتق الأم في دوام الكتابة" يشير إلى أنه إنما يُعْتَقُ بِعِتقِ الأُمِّ] 340. إذا عتقت عن جِهَةِ الكتابة، حتى لو فُسِخَتِ الكتابة، ثم عتقت الأم، لا يُعْتَقُ الوَلَدُ.
وفي لفظ الكتاب زِيَادَةٌ، فإنه قال: "إلاَّ أن هذا يُعْتَقُ بِعِتْقِ الأم".
ثم قال آخراً: "وهذا يعتق بعتق الأم في دَوَامِ الكتابة".
والثاني مُغْنٍ عن الأول.
التفريع: إن قلنا: لا يَثْبُتُ للولد حُكْمُ الكتابة، فهو قِنٌّ للسيد، له بيعه، وإعتاقه عن الكَفَّارَةِ والوطء إن كان الوَلَدُ جَارِيَةً، ولا يعتق بعتق الأم.
وإن قلنا: يَثْبُتُ، فَحَقُّ المِلْكِ فيه لمن هو؟
الجزء: 13 - الصفحة: 557
فيه قولان:
أشبههما: عند الشافعي -رضي الله عنه-: أنه للسَّيِّدِ، كما أن حَقَّ المِلْكِ في الأم له، وكما أن حَقَّ المِلْكِ في وَلَدِ أم الولد للسيد.
والثاني: وهو اختيار المزَنِيِّ-: إنه لِلمُكَاتَبَةِ؛ لأنه يتكاتب عليها، فيكون حَقُّ الملك فيه لها، كما أن حَقَّ المِلْكِ في المكاتب للسيد، ولأنه لو كان للسَّيِّدِ لما عتق بعتقها.
ويَتَفرَّعُ على القولين صور:
منها: إذا قُتِلَ الوَلَدُ، فعلى القول الأول تكون القِيمَةُ للسَّيِّدِ كقيمة الأم [لو قتلت] 341، وعلى الثاني تكون لِلْمُكَاتَبَةِ تَسْتَعِينُ بها في أداء النجوم.
وحكى الصَّيْدَلاَنِيُّ وَجْهاً: أنها تكون للسَّيِّدِ أيضاً؛ لأن القَتْلَ يقطع أَثَرَ الكِتَابَةِ، فيموت رَقِيقاً له.
والأظهر: الأول.
ومنها: كَسْبُ الولد، وأَرْشُ الجناية عليه فيما دون النَّفْسِ، ومهر الوطء بالشُّبْهَةِ إذا ولدت المُكَاتَبَة جَارِيَةً؛ ما حكمها؟
إن قلنا بالقول الأول؛ فقد قيل: إنها تُصْرَفُ إلى السيد، بلا تَوَقُّفٍ، كما تُصْرَفُ إليه القِيمَةُ إذا قيل على هذا القول.
والصحيح: أنها تُوقَفُ، فإن عُتِقَتْ المُكَاتَبَةُ، وعُتِقَ الوَلَدُ، فهي له وإلاَّ فهي للسيد 342، كما أن كَسْبَ الأم إذا عُتِقَتْ يكون لها، وإلاَّ فللسيد.
وأيضاً؛ فإنا -وإن جعلنا حَقَّ المِلْكِ فيه للسيد- فليس له التَّصَرُّفُ فيه بالبيع وغيره، بل يتوقف إلى أن يتبين أمره في الحُرِّيَّةِ والرق، فليكن كَسْبُهُ كَنَفْسِهِ.
ثم إن أَرَقَّتِ الأُمُّ نفسها مع القُدْرَةِ على أَدَاءِ النجوم؛ فقال الوَلَدُ: أُؤَدِّي نجوم أُمِّي من كَسْبِي لِتُعْتَقَ فأعتق.
قال في "النهاية": لا يُمَكَّنُ منه؛ لأنه تَابعٌ لا اخْتيَارَ له في العِتْقِ.
وإن عَجَزتْ وأَرَادَتْ أن تأخذ من كَسْبِ وَلَدِهَا المَوْقُوفِ، وتستعين به في أداء النجوم؛ فهل تجاب؟
فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنها إذا رُقَّتَ رُقَّ الوَلَدُ، وأخذ السيد كَسْبَهُ، وإذا عُتِقَتْ عتق،
الجزء: 13 - الصفحة: 558
وقد يَفْضُلُ شيء من الكَسْبِ، ففي إجابتها حَطٌّ للولد.
وأصحهما: على ما ذكر الإِمَامُ: المَنْعُ؛ لأنه لا حَقَّ لها في كَسْبِهِ على هذا القول، فإن مات الوَلَدُ في دَوَام التَّوَقُّفِ، ارتفع الوَقْفُ، وصرف الموقوف إلى السَّيِّدِ على هذا القول.
وإن قلنا بأن حَقَّ المِلْكِ فيه للأُمَّ؛ فالكسب والأَرْشُ والمَهْرُ لها تَسْتَعِينُ بهما في أَدَاءِ النُّجُومِ، وتصرف ما يحصل إليها يَوْماً بيوم، بلا تَوَقُّفٍ.
ومنها: نَفَقةُ الوَلَدِ على 343 السيد، إن قلنا: يُصْرَفُ الكَسْبُ إليه في الحال وإن قلنا: يُوقَفُ فينفق عليه من كَسْبِهِ، ويعالج جرحه، ويكفي مؤناته فما فضل فهو الذي يُوقَفُ.
فإن لم يَكُنْ له كَسْبٌ أو لم يف بالنَّفَقَةِ؛ ففيه وجهان:
أصحهما: أنها على السَّيِّدِ؛ لأن حَقَّ الملك له.
والثاني: ينفق عليه من بَيْتِ المال؛ لأن تَكْلِيفَهُ النَّفَقَةَ من غَيْرِ أن يصرف إليه الكَسْبُ في الحال إِجْحَافٌ به.
وإن قلنا: إنه يصرف الكسب إلى الأُمِّ، فالنَّفَقَةُ عليها.
ومنها: لو أَعْتَقَ السَّيِّدُ الوَلَدَ؛ فإن قلنا: حقُّ الملك له، وقلنا: إن الكَسْبَ يُصْرَفُ إليه في الحال، أو قلنا: يوقف، ومَنَعْنَاهَا من أَخْذِهِ لأداء النجوم، فَيَنْفُذُ إعْتَاقُهُ.
كان جَوَّزنَا لها الاستِعَانَةَ بالموقوف؛ فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يَنْفُذُ؛ لئلا يقطع حقها من كَسْبِهِ.
وإن قلنا: إن حَقَّ المِلْكِ في الولد للأم لم يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ.
وقوله في الكتاب: "وينفذ إعتاقه"؛ يجوز أن يُعَلَمَ بالواو؛ لما ذكرنا من الوجهين في نُفُوذِ العِتْقِ، إن جَوَّزْنَا لها الاسْتِعَانَةَ بالكَسْب الموقوف، مع التفريع على أن حَقَّ المِلْكِ فيه للسَّيِّدِ، بل إذا رُقَّ بِرِقِّ الأم 344، فَكَسْبُهُ مَصْرُوفٌ للسيد، سواء قلنا: إن حَقَّ المِلْكِ فيه للسيد، أو للأم.
وقوله: "أما ولد المكاتب من جَارَيتِهِ .... " إلى آخره، فاعلم أنه لما ذَكَرَ القَوْلَيْنِ في وَلَدِ المُكَاتَبَةِ، أراد أن يُبَيِّنَ أن وَلَدَ المُكَاتَبِ من جَارَيتِهِ يُفَارِقُ حُكْمُهُ حُكْمُ وَلَدِ المكاتبة، فَحَقُّ المِلْكِ فيه للمُكَاتَبِ، بلا خلاف، حتى يصرف كَسْبُهُ إلى المُكَاتَب، بلا خلاف، ولا يَنْفُذُ إعْتَاقُ السَّيِّدِ فيه، ونفقته على المُكَاتَبِ، وإنما كان كذلك؛ لأن هذا
الجزء: 13 - الصفحة: 559
الوَلَدَ وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ، وهي ملك له، وإذا وَلَدَتْ أَمَةُ المُكَاتَب من زِناً أو نِكَاحٍ، فهم عَبِيدُهُ، نَازِلونَ مَنْزِلَتَهُ، كسائر أَكْسَابِهِ، وهذا بِمَثَابَتِهِمْ، إلاَّ أنه لَا يَتْبَعُهُ، ويتكاتب عليه بِسَبَبِ القَرَابَةِ، فيعتق بِعِتْقِهِ، ويُرَقُّ بِرِقِّهِ.
فإذا عتق المكاتب، وتَبِعَهُ هذا الوَلَدُ، وفي يده كَسْبٌ، فالكَسْبُ لِلمُكَاتَبِ لا للولد.
ولو كان للولد تَوَقُّفٌ؛ فلو جَنَى هذا الوَلَدُ جِنَايَةً، وتَعَلَّقَ الأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فقد حكى الإِمَامُ عن العِرَاقِيِّينَ -رحمهم الله- أنه إن كان له كَسْبٌ فله أن يَفْدِيَهُ من كَسْبِهِ، وإن لم يكن له كَسْبٌ، وأراد بَيْعَهُ، فله أن يبيع كُلَّهُ -وإن زاد على قَدْرِ الأرْشِ- ثم يَصْرِفُ قَدْرَ الأَرْشِ إلى المَجْنِيِّ عليه، وَيأْخُذُ الباقي.
ثم غَلَّطَ مَنْ صَارَ إليه، وقال: الصحيح أنه لا يَفْدِي وَلَدَهُ -وإن كان يَفْدِيهِ من كَسْبهِ- لأن كَسْبَ الوَلَدِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ المُكَاتَب، والفِدَاءُ كالشراء، فليس له صَرْفُ المال الذي يملك التَّصَرُّفَ فيه إلى غَرَضِ وَلَدِهِ، الذَي لا يملك التصرف فيه، فإنه بِمَثَابَةِ التَّبَرُّعِ.
قال: والصحيح أنه إذا بَاعَ لا يبيع منه إلاَّ قَدْرَ الأَرْشِ، كما أن العَبْدَ المرْهُونَ إذا جَنَى يُبَاعُ منه بِقَدْرِ الجِنَايةِ، ولا يزاد.
وَلْيُعَلمْ لما بَيَّنَّا قوله في الكتاب: "لم يكن له أن يَفْدِيَه"، بالواو، وقوله: "فإنه لا ينفذ تصرفه في ولده".
هذا تَوْجِيهُ إِلْحَاقِ الفِدَاءِ بالشراء المعنى أنه لا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ في الوَلَدِ إذا فَدَاهُ، بل يتكاتب عليه كما لا ينفذ إذا اشْتَرَاهُ، وكما لا يَصْرِفُ المال الذي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بالبيع ونحوه إلى شِرَاءِ الولد، لا يَصْرِفُهُ إلى فِدَائِهِ.
وفي بعض النُّسَخِ: "ولا ينفذ تصرفه في مستولده" 345 وهو صحيح أيضاً؛ المعنى: أن ولده من جَارِيَتِهِ، كَسَائِرِ عَبِيدهِ وأَكْسَابهِ؛ إلاَّ أنه إذا جَنَى لمِ يكن له فداؤه، وإلاَّ إنه لا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فيه بالبيع ونحوه، بل يَتَكَاتَبُ عليه.
وولد المُكاتَبَةِ من عَبْدِهَا يُشْبِهُ أن يكون كولد المكاتب من جَارِيَتِهِ، وأَوْلاَدُ بِنْتِ المُكَاتَبَةِ كأولادها.
فرعان:
أحدهما: إذا اختلف السَّيِّدُ والمُكاتَبَة في ولدها؛ فقال السيد: وَلَدَتهُ قبل الكتابة فهو رَقِيقٌ.
وقالت: بعد الكِتَابَةِ.
وقد يكاتب تَفْرِيعاً على القَوْلِ الأظهر، وكان كُلُّ واحد من الأمرين محتملاً، فإن أَقَامَ أحدهما بَيِّنةً قضى بها.
قال في "التهذيب": وإذا أقام السيد أَرْبَع نِسوَةٍ على ما يقوله، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ؛ لأنها شَهَادَةٌ على الوِلاَدَةِ، والملك يثبت ضِمْناً.
وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على ما
الجزء: 13 - الصفحة: 560
يقوله: فالصُّورَةُ من صور التَّقَاصِّ، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فَيُصَدَّقْ بِيَمِينِهِ؛ لأنه اخْتِلافٌ في وقت الكتابة، فَيُصَدَّقُ فيه السيد، كالاختلاف في أَصْلِ الكتابة.
ولأن الأصل جَوَازُ التَّصَرُّفِ فيما يحدث من مِلْكِهِ، وهي تدعي حُدُوثَ مانع منه.
والثاني: زَوَّجَ أَمَتَهُ من عبده، ثم كاتب العَبْدَ، ثم باع منه زَوْجَتَهُ، وأتت بَوَلَدٍ، واختلف السَّيِّدُ والمُكَاتَبُ:
فقال السيد: وَلَدَتْ قبل الكِتَابَةِ، فهو قِنٌّ لي.
وقال المُكَاتَبُ: بل بعد الكِتَابَةِ والشراء.
وقد تكاتب فيصدق المُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ، بخلاف ما ذكرنا في الفَرْع السابق؛ لأن المُكَاتَبَ هناك يَدَّعِي مِلْكَ الوَلَد؛ لما مَرَّ أن ولد أَمَتِهِ ملكه، ويَدُهُ مُقَرَّةٌ عَلى هذا الوَلَدِ، واليد تَدُلُّ على المِلْكِ، فصار كما لو كان في يَدِهِ مَالٌ، وادَّعَاهُ السيد، والمُكاتَبَةُ هناك لا تَدَّعِي المِلْكَ، ولا تقر يدها على الوَلَدِ، وإنما تدعي تَوَقُّفَ أَمْرِهِ، وثُبُوتَ حكم الكتابة فيه، ولا دِلاَلَةَ لِلْيَدِ على ما يَدَّعِيهِ.
آخر: حكى الصَّيْدَلاَنِيُّ أن الشافعي -رضي الله عنه- قال: لو أتَتْ بِوَلَدَيْنِ؛ أحدهما قبل الكتابة، والآخَرُ بعدها؛ فهما للسَّيِّدِ؛ لأنهما حَمْلٌ وَاحِدٌ، وكذا لو أَتَتْ بأحدهما من يَوْمِ ملْكِ الأُمِّ، لأقل من ستة أشهر، وبالآخر لأكثر فهما للسَّيِّدِ.
كان الشيخ أبا زيد أَفْتَى بذلك.
والصَّحِيحُ أن كَلاَمَ الشَّافعي -رضي الله عنه-[مُؤوَّلٌ]، وأن الحَمْلَ يتبع الأم في البيع؛ كيف كان، حتى لو وضعت وَلَداً، وفي بَطْنِهَا آخر فبيعت، فالولد الثاني مَبِيعٌ معها، وإن كان الأول للْبَائِعِ.
هذا ما أوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" 346.
الجزء: 13 - الصفحة: 561
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إذَا وَطِئَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَتَهُ فَقَدْ تَعَدَّى وَلَكِنْ لاَ حَدَّ، وَيَجِبُ المَهْرُ (وم) وَقِيمَةُ الوَلَدِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ وَلَدَهَا كَسْبُهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ بعْدِ العَجْزِ وَالرِّقِّ أَوْ بَعْدَ العتْقِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا ثُمَّ هِيَ مُسْتوْلَدَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ، فَإِنْ أَدَّتِ النُّجُومَ عُتِقتْ وَإلاَّ عُتِقَتْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَمْنُوعٌ من وطء مُكَاتَبَتِهِ لاختلال مِلْكِهِ فيها، ولو شرط في الكِتَابَةِ أن يَطَأَهَا، فَسَدَ العَقْدُ؛ خِلاَفاً لمالك، حيث قال: يَصِحُّ العَقْدُ وَيلْغُو الشَّرْطُ.
ولأحمد حيث قال بِصِحَّتِهَا.
ثم إن خَالَفَ ما ذكرناه وَوَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ، فلا حَدَّ عليه، سواء كان عالماً بالتَّحْرِيمِ، أو جَاهِلاً؛ لأن له فيه مِلْكاً.
وإن كان ضَعِيفاً؛ ألا تَرَى أنه يَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ فيها، ويجيء قَوْلٌ قديم في وجوب الحَدِّ، ذكرناه في كتاب "حَدِّ الزِّنَا" وقد أشار إليه أبو الفَرَج السَّرَخْسِيُّ هاهنا، فيجوز أن يُعَلمَ قوله: "ولكن لا حد" بالواو ويُعَذَّرُ إنْ كان عَالِماً بالتَّحْرِيم.
وكذلك المكاتبة.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كَجٍّ حِكَايَةُ وجْهٍ: أنه يُعَزَّرُ، وإِن كان عَالِماً للشُّبْهَةِ في المَحَلِّ، وحَقُّ هذا أن يَطَّرِدَ في نَظَائِرِهِ.
ويجب المَهْرُ في صُورَتَي العِلْمِ والجهل، إن كانت هي مُكْرَهَة، كان طَاوَعَتْهُ.
ففي وجه: لا يجب المَهرُ؛ لأنها هَدَرتْ نفسها بلا عِوَضٍ وعن "المنهاج": تَرْجِيحُ هذا الوجه.
والصَّحِيحُ؛ وهو المَنْصُوصُ في "الأُمِّ" أنه يجب مع الطَّوَاعِيَةِ؛ لأن المُسْقِطَ لِلْحَدِّ شُبْهَةُ المِلْكِ، وهي تَقْتَضِي وُجُوبَ المَهْرِ، مع الطَّوَاعِيَةِ، كشبهة المِلْكِ.
وعن مالك: أنه لا حَدَّ بِحَالٍ.
لنا: أن مَنَافِعَ بُضْعِهَا لها؛ ألا ترى أنه لو وَطِئَهَا غيره بِشُبْهَةٍ، كان المَهْرُ لها، وإذا وجب المَهْرُ، فلها أَخْذُهُ في الحال، وإن حَلَّ عليها نجوم وهما من جِنْسٍ واحد، فعلى الخلاف في التَّقَاصَّ.
وإن عَجَزَتْ قبل أَخْذِهِ سَقَطَ، كان عُتِقَتْ بأداء النجوم، فلها المُطَالَبَةُ به، ولو أن السَّيِّدَ أَوْلَدَهَا، فالولد حُرٌّ؛ لأنها علقت به في ملكه، وتصير هي مُسْتَوْلَدَةً له.
وهل عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؟
إن قلنا: إن وَلَدَ المُكَاتَبَةِ قِنٌّ لِلسَّيِّدِ، أو قلنا: يتكاتب [عليه] 347، لكن حَقَّ المِلْكِ فيه للسيد، فلا شَيْءَ عليه، كما لو قتل ولد المكاتبة.
وإن قلنا: الحَقُّ لها؛ فعليه القِيمَةُ، وتَسْتَعِينُ المُكَاتَبَةُ بها، فإن عَجَزَتْ قبل الأَخْذِ
الجزء: 13 - الصفحة: 562
سقطت، وإن عُتِقَتْ أخذ بها.
وإن وَلَدَتْ بعدما عَجَزتْ، ورُقَّتْ، فلا شَيْءَ لها، وكذا لو وَلَدَتْ بعدما عُتِقَتْ؛ لأن حين يقدر تقومه ليس بكَسْبِ مكاتبه.
وقوله في الكتاب: "أو بعد العتق" في بعض النسخ: "أو 348 بعد موت السيد"؛ فإنها تعتق بِمَوْتِهِ من جهة أنها مُسْتَوْلَدَةٌ، ثم لا ترتفِع الكِتَابَةُ بِإيلاَدِهَا، بل هي مُسْتَوْلَدَةٌ ومُكَاتَبَةٌ.
فإن عَجَزَتْ ثم مات السَّيِّدُ، عتقت عن الاسْتِيلاَدِ، والأولاد الحَادِثُونَ بعد الاسْتِيلاَدِ بالنِّكَاحِ أو الزِّنَا يَتْبَعُونَهَا، والحَاصِلُونَ قبل الاستيلاد أَرِقاءُ للسيد.
فإن 349 مات السَّيِّدُ قبل عَجْزِهَا عُتِقَتْ.
قال في "التهذيب": ويتبعها أكْسَابُهَا، ويُعْتَقُ عن الكتابة أو الاستيلاد فيه وجهان:
أصحهما: عن الكتابة؛ كما لو أعتق السَّيِّدُ المُكَاتَبَ، أو أَبرْأَهُ عن النجوم وعلى هذا: فالأولاد الحَادِثُونَ بعد الكِتَابَةِ، وقبل الاسْتيِلاَدِ؛ هل يَتْبَعُونَهَا؟ فيه الخلاف السابق.
والثاني: أنها تُعْتَقُ عن الاسْتِيلاَدِ؛ لأنه آكَدُ.
وأجرى هذا الخلاف فيما إذا عَلَّقَ عِتْقَ المُكَاتَبِ بِصِفَةٍ، ووجدت [الصفة] 350 قبل أَدَاءِ النُّجُومِ، وفيما إذا تَقَدَّمَ الاسْتِيلاَدُ على الكتابة.
قال في "التهذيب": وإذا اسْتَوْلَدَ، ثم كاتب، وأَدَّت النجوم، فالأَكْسَابُ الحَاصِلَةُ بعد الكتابة تَتْبَعُهَا، والحَاصِلَةُ قبل الكِتَابَةِ للسيد، والأولاد الحَاصِلُونَ بعد الاسْتيِلاَدِ يَتْبَعُونَهَا، وهذا مَبْنِيٌّ على أن كتابة المُسْتَوْلَدَةِ جائزة، وفيه خِلاَفٌ قد تَقَدَّمَ.
" فرعان":
أحدهما: ليس للسَّيِّدِ وَطْءُ أَمَةِ مُكَاتَبهِ، أو مكاتبته، فإن وَطِئَهَا فلا حَدَّ عليه؛ للشُّبْهَةِ؛ فإنه يملك سيدها، ويلزمه المَهْرُ للمكاتب أو المكاتبة، فإن أَكْسَابَهَا لِسَيِّدِهَا وَالمَهْرُ من أَكْسَابِهَا.
وإن أَوْلَدَهَا فَالوَلَدَ حُرٌّ نَسِيبٌ، وتصير الأَمَةُ مُسْتَولَدَةً له.
قال في "الشامل": ويجب عليه قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا؛ لأنها ملكه، ولا يجب عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنها وَضَعَتْهُ في ملْكِهِ.
ويجيء فيه الخِلاَفُ الذي 351 سبق.
والثاني: للسيد وَطْءُ بِنْتِ المُكَاتَبَةِ، إن لم يثبت حُكْمُ الكتابة في ولد المُكَاتَبَةِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 563
وإن أَثْبَتْنَاهُ، فليس له وطؤها، ولكن لا حَدَّ عليه، والمَهْرُ يُبْنَى على الخلاف الذي سبق 352 في الكَسْبِ؛ إن قلنا: إنه يُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ في الحال؛ فلا مَهْرَ عليه.
وإن قلنا: إنه لِلأُمِّ فكذلك المَهْرُ، وإن قلنا بالتَّوَقُّفِ؛ فينفق منه عليها ويُوقَفُ البَاقِي، فإن عتقت بِعِتْقِ الأُمِّ، فهو لها؛ كان عَجَزَتْ، فهو للسَّيِّدِ.
وإن أَوْلَدَهَا صارت مُسْتَوْلَدَةً، والولد حُرٌّ نَسِيبٌ، ولا يجب عليه قيمة المُسْتَوْلَدَةِ لأمها؛ لأن الأُمَّ لا تملكها، وإنما يَثْبُتُ لها حَقُّ العِتْقِ بِعِتْقِ الأم، وقد تَأَكَّدَ ذلك بِالاسْتِيلاَدِ.
هكذا ذكر ابْنُ الصَّبَّاغِ، وقد سبق 353 في مِثْلِهَا قولان، في أنه: هل تجب القِيمَةُ للأُمِّ؟ فينبغي أن يكون هَاهُنَا كذلك.
قال في "التهذيب": ويبقى حُكْمُ الكِتَابَةِ فيها حتى تعتق بعتق الأم، ويكون الكَسْبُ لها إذا 354 جعلنا حَقَّ العيْنِ فيها لِلأُمِّ.
فإن مات السَّيِّدُ، عتقت البِنْتُ بِمَوْتِهِ، وتؤخذ القِيمَةُ من تَرِكَتِهِ للأم، إذا جعلنا الحَقَّ لها، كما في القَتْلِ، وقِيمَةُ الوَلَدِ على ما ذكرنا في وَلَدِ المكاتب وَيتَعلَّقُ بالفَصْلِ مسألة طويلة الذَّيْلِ، أفرد لها في "المختصر" باباً صالحاً، وهي: القَوْلُ في الأَمَةِ المُشْتَرَكَةِ، إذا كاتَبَهَا مَالِكَاهَا مَعاً، ثم وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، فحكم الحَدِّ، والتَّعْزِيرِ، وَلُزُومُ المَهْرِ على الوَاطِئِ، كما ذكرنا في المَالِكِ الواحد.
ثم إن لم يحل عليها نَجْمٌ، فلها المَهْرُ في الحال، وإن حَلَّ فإن كان مَعَهَا مِثْلُ المَهْرِ فيدفعه إلى الَّذِي لم يطأ، وفي المَهْرِ، ونَصِيب الواطئ من النَّجْم الذي حَلَّ الخِلاَفُ في التَّقَاصِّ.
وان لم يكن مَعَهَا شَيْءٌ آخر، فنصف النَّجْم لِلوَاطِئِ، مع المَهْرِ، على الخلاف في التَّقَاصَّ، والنِّصْفُ الآخر يُدْفَعُ إلى الذي لم يَطَأْ.
وإن عُتِقَتِ المُكَاتَبَةُ قبل أخذ المَهْرِ، وصَيْرُورَيهِ قِصَاصاً، أَخَذَتْهُ.
وإن عجزت بعد أَخْذِهِ، فإن بَقِيَ فهو للسَّيِّدِ، وإن تَلِفَ، فقد تَلِفَ في 355 ملكهما.
وإن عَجَزَتْ قبل أَخْذِه؛ فإن كان في يَدِهَا بِقَدْرِ المَهْرِ، مال أخذه الذي لم يَطَأَهَا، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الوَاطِئِ، وإن لم يَكُنْ معها شَيْءٌ، فللذي لم يَطَأْ أن يَأْخُذَ نِصْفَ المَهْرِ من الوَاطِئِ؛ لأنه وَطِئَ جَارَيةً مشتركة بينهما، فإن أَحْبَلَهَا نُظِرَ: إن ادَّعى الاسْتِبْرَاء، وحَلَفَ عَلَيْهِ، وأتَتْ بوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشهر، فصاعداً من وقت الاسْتِبْرَاءِ لم يلْحَقْهُ، وهو كولد المكاتبة من الزوج، أَو الزِّنَا، وقد مَرَّ حُكْمُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 564
وإن لم يَدَّعِ الاستبراء وأَتَتْ بالوَلَد لما دُونَ سِتة أشهر، فالوَلَدُ مُلْحَقٌ به، ويَثْبُتُ الاسْتيِلاَدُ في نَصِيبِهِ من الأَمَةِ، مع بَقَاءِ الكِتَابَةِ فيه، ثم هو: إما مُعْسِرٌ أو مُوسِرٌ.
إن كان مُعْسِراً، فلا يَسْرِي الاسْتِيلاَدُ إلى نَصِيب الشريك، وليس فيه إلاَّ الكِتَابَةُ به، فإن أَدَّت النجوم إليهما، عُتِقَتْ بالكِتَابَةِ، وبطَل حُكْمُ الاسْتيِلاَدِ، وإن عَجَزَتْ وفَسَخَا الكتابة، فنصفها قِنٌّ، والنِّصْفُ الآخر على حُكْم الاستيلاد.
وإن مات الوَاطِئُ قبل الأدَاءِ والفسخ، عُتِقَ نِصْفُهَا، وبقيت الكِتَابَةُ في النِّصْفِ الآخَرِ، فإن مات بعد الفَسْخِ، عُتِقَ النِّصْفُ، والباقي قِنٌّ، وفي الولد وجهان:
أحدهما: -وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ-: أنه يَنْعَقِدُ كله حُرّاً، لِشُبْهَةِ المِلْكِ؛ لأن الرِّقِّ لا يَتَبَعَّضُ ابْتِدَاءً.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق-: نصفه حُرٌّ، ونصفه رَقِيقٌ؛ لأن أَحَدَ نِصْفَي الجَاريَةِ ليس له، ولو لم تكن كلها له لَكَانَ الوَلَدُ رَقِيقاً، فإذا لم يكن نِصْفُهَا له، كان بعضه 356 رَقِيقاً.
وفي "التهذيب": أن هذا أَصَحُّ.
وقد سبق للصورة نَظَائِرُ.
فإن قلنا: إنه يَنْعَقِدُ كله حُرّاً، وفَرَّعنا على أن وَلَدَ المكاتبة قِنٌّ للسيد؛ فَعَلَى الوَاطِئِ نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ للشَّرِيكِ الآخر، ويسقط قِسْطُهُ منها.
وإن قلنا: يثبت فيه حْكْمُ الكِتَابَةِ، وجعلنا الحَقَّ فيه لِلسَّيِّد، فكذلك الجَوَابُ، وإن جعلنا الحَقَّ لِلْمُكَاتَبَةِ، فعليه جميع قِيمَةِ الوَلَدِ [لها] 357 تستعين بها في أَدَاءِ النُّجُومِ.
فإن عتقت قبل [أخذها] 358 أخذتها، وإن عَجَزَتْ قبل الأخْذِ، أَخَذَ الشريك الآخر نِصْفَهَا، وسقط النِّصْفُ.
وإن قلنا: يَنْعَقِدُ نِصْفُهُ حُرّاً، ونصفه رَقِيقاً؛ فإن جَعَلْنَا وَلَدَ المُكَاتَبَةِ قِنّاً للسيد، فالنصف الرَّقِيقُ للشريك، ولا يَجِبُ شَيْءٌ من قِيمَةِ الولد على الوَاطِئِ.
وإن أثبتنا حُكْمَ الكِتَابَةِ في وَلَدِ المْكَاتَبَةِ؛ فالنِّصْفُ الرَّقِيقُ يتكاتب عليها؛ إن عُتِقَتْ عُتِقَ، وإلاَّ رُقَّ للشريك الآخر.
وقيمة النصف الحُرِّ؛ هل تجب على الوَاطِئِ؟ يُبْنَى على أن الحَقَّ في وَلَدِ المكاتبة للسيد [أَوْ لَهَا] 359.
إن قلنا بالأول لم يجبْ، وإلاَّ وَجَبَ، ثم إن عُتِقَتْ، عُتِقَ الولد، وسُلِّمَ لها نِصْفُ القيمة، فتأخذه إن لم تكن أَخَذَتْ.
وإن عَجَزَتْ سَقَطَ عنه، فإن كان قد وَقَعَ اسْتَردَّهُ إن كان باقياً فإن كان مُوسِراً سَرَى
الجزء: 13 - الصفحة: 565
الاسْتِيلاَدُ إلى نَصِيبِ الشَّرِيك، وكان الولد كله حُرّاً، ومتى يَسْرِي؟ فيه طريقان:
قال الأكثرون: فيه قَوْلاَنِ، كما لو أَعْتَقَ أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ من المكاتب؛ ففي أَحَدِ القولين: يَسْرِي في الحال.
وفي الثَّانِي: عند العَجْزِ، وعن أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ وغيره: القَطْعُ بأنه يَسْرِي عند العَجْزِ، والفَرْقُ أن السِّرَايَةَ في الحال تَتَضَمَّنُ نَقْلَ المِلْكِ في المُكَاتَبِ، وفسخ الكتابة.
وإنما احتملنا 360 ذلك لِحُصُولِ العِتْقِ النَّاجِزِ، والاسْتِيلاَدُ [ولا ينجز العِتْقَ، فلا يحتمل رَفْعَ الكتابة به، ومن نَصَرَ القَوْلَ الأول قال: كما أن الإعْتَاقَ النَّاجِزَ أَقْوَى من الكتابة، فالاسْتِيلاَد] 361 أقوى وأَثْبَتُ فيها، فجاز أن يوقع به.
فإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فَتَنْفَسِخ الكِتَابَةُ في نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويبقى في نَصِيب الوَاطِئِ، ويثبت الاسْتِيلاَدُ في جميع الجَارِيَةِ، فعلى الواطئ للشريك نِصْفُ مَهْرِهَا، ونِصْفُ قيمتها.
وأما نِصْفُ قِيمَةِ الوَلَدِ؛ فقد قال الإِمَامُ: هو كما لو اسْتَوْلَدَ أحد الشريكين الجَارِيَةَ القِنَّةَ، وانْعَقَدَ الوَلَدُ حُرّاً، وفي وجوب قِيمَتِهِ قولان؛ بنَاء على أن العَلُوقَ على الحُرِّيَّةِ، وانْتِقَال الملك؛ هل يَفْتَرِقَانِ أم لا؟
وفي "التهذيب": أنا إن قلنا: إن السِّرَايَة تَحْصُلُ بنفس العَلُوقِ، فلا يجب.
وإن قلنا: يَحْصُلُ بِأدَاءِ القِيمَةِ، فيجب، لِتَقَدُّمِ العَلُوقِ على المِلْكِ، وعلى الوَاطِئِ أيضاً نِصْفُ المَهْرِ للمكاتبة؛ لِبَقَاءِ الكِتَابَةِ في نصيبه.
وهل يَجِبُ نِصْفُ قيمة الوَلَدِ؟
يُبْنَى على أن المِلْكَ في وَلَدِ المُكَاتَبَةِ لمن هو؟
ولو أدَّتْ نصيب الوَاطِئِ من مَالِ الكِتَابَةِ، عتق نصيبه، وسَرَى إلى الباقي.
وإن عَجَزَتْ وفَسَخَ الكِتَابَةَ، بقيت مُسْتَوْلَدَةً مُحْصَنَةً.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ عند العَجْزِ؛ فإن أَدَّتِ النُّجُومَ، عُتِقَتْ عن الكتابة، وَوَلاَؤُهَا بينهما، ويبطل حُكْمُ الاستِيلاَدِ، ولها المَهْرُ على الوَاطِئِ فتأخذه إن لم تأخذه ويجب نصف قيمة الولد لِلشَّرِيكِ.
إن قلنا: وَلَدُ المُكَاتَبَةِ قِنٌّ للسيد، أو قلنا: يثبت فيه حُكْمُ الكتابة، وحَقُّ المِلْكِ فيه للسيد.
وإن قلنا: الحَقُّ فيه لِلمُكَاتَبَةِ؛ فيجب جَمِيعُ القِيمَةِ لها.
وإن لم تُؤَدِّ النُّجُومَ وعَجَزَتْ؛ فعلى الوَاطِئِ للشريك نِصْفُ مَهْرِهَا، ونصف
الجزء: 13 - الصفحة: 566
قيمتها، ونِصْفُ قيمة الولد.
هذا تَمَامُ الكَلاَمِ فيما إذا وَطِءَ أَحَدُ الشريكين.
وإن وَطِئَاهَا جميعاً، نُظِرَ: إن لم يَحْصُلْ عَلُوقٌ، فحكم الحَدِّ والتَّعْزِيرِ كما سبق، ويجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما مَهْرٌ كَامِلٌ.
وإذا عَجَزَت وَرُقَّتْ بعد قَبْضِ [المهرين] 362 لم يُطَالِبْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بشيء، وَيَقْتَسِمَانِ المَهْرَيْنِ إن كانا بَاقِيَيْنِ.
وإن عَجَزَتْ قبل قَبْضِهِمَا سَقَطَ عن كُلِّ واحد منهما نِصْفُ ما لَزِمَهُ، وَيجِيءُ في النصْفِ الآخر التَّقَاصُّ.
وقد يكون أَحَدُ المَهْرَيْنِ أكَثَرَ من الآخر؛ إما لكونها بِكراً عند وَطْءِ أحدهما، ثَيِّباً عند وَطْءِ الآخَرِ، أو لاختلاف حالها 363 في الصِّحَّةِ والمرض، وغيرهما من الأَحْوَالِ؛ فيأخذ مُسْتَحِقُّ الفَضْلِ الفَضْلَ.
وإن أَفْضَاهَا أحدهما، فعليه نِصْفُ القِيمَةِ للشريك، كان افْتَضَّهَا فعليه نصف أرش الافْتِضَاضِ مع المَهْرِ.
كان ادَّعى كُلُّ واحد منهما على الآخَرِ أنه الذي أَفْضَى، أو افْتَضَّ، حلف كُلُّ واحد منهما للآخر، فإن حَلَفَا فَذَاكَ.
وإن حَلَفَ أحدهما، دون الآخر، قُضِيَ للحالف، وإن حَصَلَ عُلُوقٌ، فينظر: أَأَتَتْ بِوَلَدٍ واحد، أو أَتَتْ بِوَلَدٍ من كل واحد منهما.
الحالة الأولى: إذا أَتَتْ [بولد] 364 واحد؛ فينظر: إن ادَّعَيَا الاسْتِبْرَاءَ وحَلَفَا عليه، لم يُلْحَقْ بواحد منهما، وهر كَوَلَدِ تَأْتِي به المُكَاتَبَةُ من زَوْجٍ أو زِناً.
وإن لم يَدَّعِيَا الاسْتِبْرَاءَ؛ فإما ألا يمكن أن يَكُونَ من [كل] 365 واحد منهما، وإما أن يمكن أن يَكُونَ من الأَوَّل؛ دون الثاني.
وأما أن يكون بالعَكْسِ، واما أن يكون من كُلِّ وَاحِدٍ منهما.
فهذه أربعة أقسام:
الأول: إذا لم يُمْكِنْ أن يكون مِنْ وَاحِدٍ منهما؛ بأن وَلَدَتْهُ لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولما دُونَ ستة أشهر من وَطْء الثاني، أو لأكثر من أَرْبَعِ سنين من وطء آخِرِهِمَا وَطْئاً، فهو كما لَوِ ادَّعَيَا الاسْتِبْرَاءَ.
الجزء: 13 - الصفحة: 567
وحكم المَهْرِ في الحَالَتَيْنِ كما إذا لم يكن عَلُوقٌ.
والثاني: إذا أَمْكَنَ أن يكون من الأَوَّلِ دُونَ الثاني؛ بان وَلَدَتْهُ لما بَيْنَ أَقَلّ من مُدَّةِ الحَمْلِ، وأكثرها من وطئ الأول، ولما دون أقل مُدَّةِ العمل من وطء الثاني؛ فالوَلَدُ مُلْحَقٌ بالأول، ويثبت الاسْتِيلاَدُ في نَصِيبِهِ.
ثم هو: إما مُعْسِرٌ فلا سِرَايَةَ وتبقى الكتَابة في جميعها.
وإن أدَّتِ النجوم، وعُتِقَتْ، فلها على كُلِّ واحد منهما كَمَالُ المَهْرِ، وإن رُقَّتْ، فنصفها قِنٌّ للثاني، ونَصِيبُ الأول يَبْقَى على حُكْم الاستِيلاَدِ، ولكل واحد منهما على الآخر نِصْفُ المهر وهو من صُوَرِ التَّقَاصِّ والخلاف فيه، [وأما الوَلَدُ فكله حُرٌّ، أو يَتَبَعَّضُ فيه الرَّقُّ والحرية؟ فيه الخلاف الذي سبق] 366 وإما مُوسِرٌ؛ فالولد حُرٌّ كله، وسَرَى الاسْتِيلاَدُ من نَصِيبهِ إلى نصيب الشريك، ويعود الخِلاَفُ في أنه يَسْرِي في الحال، أو عند العجز؟
فإن قلنا: يَسْرِي في الحال؛ انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ في نصيب الثاني، وتبقى في نصيب الأول.
وإن قلنا: عند العَجْزِ؛ فإذا عَجَزَتْ وَرُقَّت، ارتفعت الكتابة، وهي مُسْتَوْلَدَةٌ له على القولين.
والحكم فيما إذا أَدَّت النجوم، وعُتِقَتْ على ما سبق فيما إذا وَطِئَهَا أحدهما، وأَوْلَدَهَا، وكذا الحُكْمُ لو عُتِقَتْ بالموت، وما ذكرنا أنه يجب للشريك الآخر على الذي أَوْلَدَهَا من المَهْرِ، وقيمة الجارية، وقيمة الولد تجب هاهنا للثاني على الأول.
وَوَطْء الثاني إن كان بعدما حَكَمْنَا بِمَصِيرِ جميعها، أم ولد للأول يوجب جميع المهر؛ فإن [بقيت] 367 الكتابة في نَصِيبِ الأول، فهو بينه وبين المكَاتَبَةِ، وإن ارْتَفَعَتْ في نصيبه أيضاً، فجميعه له وإن كان قبل الحكم بِمَصِيرِ جميعها، أم ولد له لم يَلْزَمْهُ إلاَّ نِصْفُ المهر؛ لأن السِّرَايَةَ إذا حَصَلَتْ أخيراً، انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ، وعاد نِصْفُهُ رَقِيقاً، فتكون الأَكْسَابُ له، والمَهْرُ من الأَكْسَاب، تم ذلك النِّصْفُ للمُكَاتَبَةِ، إن بقيت الكِتَابَةُ في نَصِيبِ الأول، وإلاَّ فهو للأول.
هكذا ضَبَطَ القول فيما يَجِبُ على الثاني جَمَاعَةٌ؛ منهم صاحب "الشامل".
واعلم أن وَطْءَ الثاني إذا وقع بَعْدَ الحكمِ بِمَصِيرِ جميعها، أم ولد للأول، فقد وقع بعد ارْتِفَاعِ شُبْهَةِ الملْكِ، وانقطاع عُلْقَتِهِ عنها، وحينئذ فيكون زِناً، والذي أُطْلِقَ من
الجزء: 13 - الصفحة: 568
وجوب جَمِيعِ المَهْرِ مُصَوَّرٌ فيما إذا فرضت شُبْهَةٌ أخرى.
وأطلق في "المختصر" قولين في أنه يَجِبُ على الثاني بِوَطْئِهِ جَمِيعُ المهر، أو نصفه، وبنى ذلك على أن السِّرَايَةَ تَتَعَجَّلُ، أو تتَوَقَّفُ على أداء القيمة.
إن قلنا: تَتَعَجَّلُ؛ فعليه جَمِيعُ المَهْرِ؛ لأنه وَطِئَهَا وَالمِلْكُ خَالصٌ للأول.
وإن قلنا: تتوقف على أَدَاءِ القِيمَة؛ فعليه النِّصْفُ؛ لأن الجَارَيةَ مشتركة بعد.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أن الصَّحِيحَ وُجُوبُ الجميع، وأنه اختيار المُزَنِيِّ والشافعي -رضي الله عنهما-.
والقسم الثالث: إذا أَمْكَنَ أن يكون من الأَوَّلِ دون الثاني، بأن وَلَدَتْهُ لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولما بَيْنَ أربع سنين وستة أشهر من وطء الثاني؛ فَالْوَلَدُ مُلْحَقٌ بالثاني، وَيثْبُتُ الاسْتِيلاَدُ في نَصِيبِهِ، ولا سِرَايَةَ إن كان مُعْسِراً.
وفي تَبْعِيضِ الحُرِّيَّةِ في الولد الخِلاَفُ السابق.
وإن كان مُوسِراً سَرَى الاسْتِيلاَدُ، إما في الحال، أو عند العَجْزِ على ما سبق، ويجب على الثَّانِي في هذا القِسْمِ ما ذكرنا أنه يجب على الأَوَّلِ في القسم الثاني.
وأما الأول: ففي "التهذيب": أنه إن كان الثاني مُعْسِراً، فعلى الأول كَمَالُ المَهْرِ للمكاتبة تستعين به في أَدَاءِ النجوم.
وإن كان مُوسِراً؛ فإن قلنا: السراية تَحْصُلُ بعد العَجْزِ، فكذلك الجواب وإن قلنا: تَحْصُلُ في الحَالِ، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في نصيب الأَوَّل، ولا يجب إلاَّ نِصْفُ المَهْرِ لها تَسْتَعِينُ به في أَدَاءِ نصيب الشريك من النجوم وأَطْلَقَ العِرَاقيُّونَ والرُّوَيَانِيُّ وغيرهم -رحمهم الله- أنه لا يَجِبُ على الأول عند يسار الثاني إلاَّ نِصْفُ المهر.
والقسم الرابع: إذا أمْكَنَ أن يَكُونَ الوَلَدُ من كُلِّ واحد منهما، بأن وَلَدَتْهُ لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وَطْءِ كل واحد منهما، وادَّعَيَا الوَلَدَ، أو ادَّعَاهُ أحدهما، فيعرض على [القائف] 368؛ فمن أَلْحَقَهُ به منهما كان الحُكْمُ كما لو تَعَيَّنَ اللُّحُوقُ به، وإن تَعَدَّرَتِ الاستفادة من القَائِفِ، فيعتمد انْتِسَابه بعد البُلُوغ، ويكون الحكم على ما بَيَّنَّاهُ.
قال الإِمام: ولو فرض ذلك من الأَمَةِ القِنَّةِ، وعرض الولد على القَائِفِ، فَأَلْحَقَهُ بأحدهما، يلحقه الولد يثبت 369 الاسْتِيلاَدُ في نصيبه، ولا يَسْرِي إن كان مُعْسِراً، لكن يَثْبُتُ الاسْتِيلاَدُ في نَصِيبِ الآخر أيضاً بإِقْرَارِهِ أنها مُسْتَوْلَدَتُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 569
وإن كان مُوسِراً سَرَى، ولا يلزمه للشريك قِيمَةُ نَصِيبِهِ؛ لأنه يَدَّعِي أن الجَارِيَةَ مُسْتَوْلَدَتُهُ، فَيُؤَاخَذُ بموجَبِ إِقْرَارِهِ.
فإذا لم يجد القَائِفُ، والمُتَدَاعِيَانِ مُوسِرَانِ، فيحكم بأن الجَارِيةَ مُسْتَوْلَدَةَ بينهما؛ نِصْفُهَا لهذا، ونِصْفُهَا لهذا، إذ ليس أحدهما بِأوْلَى من السِّرَايَةِ للآخر.
ولو أقر بالوَطْءِ وسَكَتَا عن دَعْوَى الوَلَدِ، وألْحَقَهُ القَائِفُ بأحدهما، ثَبَتَ الاسْتِيلاَدُ في نصيبه، وسَرَى، وعليه أن يَغْرَمَ للشريك؛ لأنه لم يُوجَدْ هاهنا إِقْرَارٌ ينافي الغُرْمَ.
ولو لم يوجد قَائِفٌ، واعتمدنا 370 انتسابه بعد البُلُوغِ؛ فهل يَثْبُتُ الغُرْمُ والصورة هذه؟ فيه تَرَدُّدٌ مَفْهُومٌ من كلام الأصحاب.
الحالة الثانية: إذا أَتَتْ بِوَلَدَيْنِ، وعرفا حالهما، واتَّفَقَا على أن هَذَا من هذا، وهَذَا من هذا، وفيها مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا اتَّفَقَا على السَّابِقِ منهما، فينظر: إن كانا مُوسِرَيْنِ، أو كان الأول مُوسِراً، فتصير الجَارِيَةُ مُسْتَوْلَدَةً للأول، وعليه للثاني نِصْفُ مَهْرِهَا، ونصْفُ قِيمَتِهَا، وفي وجوب نِصْفِ قيمة الوَلَدِ خِلافٌ.
قال في "التهذيب": إن قلنا: تحصل السِّرَايَةُ بنفس العلُوقِ، فلا يَجِبُ.
وإن قلنا: يَتَوَقَّفُ العَجْزُ، أو قلنا: لا يَحْصُلُ إلاَّ بأَدَاءِ القِيمَةِ، فيجب.
وأما الثاني فإن وَطِئَهَا بعدما صَارَ جميعها مُسْتَوْلَدَةً للأول، وهو عالم بالحال، فعليه الحَدُّ، وولده رَقِيقٌ للأول، وإن كان جَاهِلاً، فالولد حُرٌّ، وعليه تَمَامُ المَهْرِ، وتمام قيمة الولد، يَوْمَ الوَضْعِ، وتكون جميعها للأول، إن ارتفعت الكِتَابَةُ في نصيبه أيضاً، وإن بَقِيَتْ، فنصف المهر له، ونصفه لِلْمُكَاتَبَةِ، ونصْفُ قيمة الولد [له] 371، ونِصْفُهَا على الخِلاَفِ في ولد المُكَاتَبَةِ.
وإن وَطِئَهَا قبل أن تَصِيرَ جميعها مُسْتَوْلَدَةً للأول، فلا يَلْزَمُهُ إلاَّ نِصْفُ المهر؛ لأن نِصْفَهَا له بَعْدُ، وفي تَبَعُّضِ حرية الولد ما سَبَقَ، فإن لم يَتَبعَّضْ، فعليه نِصْفُ قيمة الولد، ولا يَثْبُتُ الاسْتِيلاَدُ في نصيب الثاني، وإن بَقِيَ نَصِيبُهُ له؛ لأن الأول اسْتَحَقَّ السِّرَايَةَ، فلا يجوز إِبْطَالُ حَقَّهِ عليه.
وعن القَفَّالِ: أن فيه وجهين، كما لو أَعْتَقَ أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ وهو مُوسِرٌ.
وقلنا: إن السِّرَايَةَ تَتَوَقَّفُ على أَدَاءِ القيمة، فأعتق الآخر نَصِيبَة قبل أدائها.
الجزء: 13 - الصفحة: 570
وإن كانا مُعْسِرَيْنِ، أو كان الأَوَّل مُعْسِراً، ثَبَتَ الاسْتِيلاَدُ في نصيبِ الأول، ولم يَسْرِ.
فإذا أحْبَلَهَا الثاني، ثَبَتَ في نَصِيبِهِ أيضاً، وعلى كُلِّ واحد منهما تَمَامُ المَهْرِ للمكاتبة، فإن عَجَزَتْ قبل الأَخْذِ، فعلى كل واحد منهما نِصْفُ المهر للشريك الآخر، ومن مَاتَ منهما عُتِقَ نصيبه بحكم الاسْتِيلاَدِ وذكر في "التهذيب": أن في تبعيض الحرية في وَلَدِ كل واحد منهما الخِلاَفُ السابق، وأما إذا لم تَحْكُمْ بالحريَّةِ في نِصْفِهِ، فهو قِنٌّ للآخر، أو يتكاتب؟ فيه الخِلاَفُ، وأنه لا يَجِبُ على واحد منهما شَيْءٌ من قِيمَةِ الولد.
وفي "أمالي" أبي الفرح السَّرَخْسِيَّ أنا إِذا قُلْنَا بالتَّبْعِيضِ، فالجواب كذلك.
أما إذا قلنا بِحُرِّيَّةِ الجميع، فعلى كُلِّ واحد منهما للآخر نِصْفُ قيمة ولده.
ولم يُجْرِ العراقيون وغيرهم الخِلاَفَ في تبعيض الحرية في وَلَدِ كل واحد منهما إذا كان الأول مُعْسِراً، والثاني مُوسِراً، [وحكموا] 372 بأن ولد الموسر حُرٌّ كُلُّهُ، والخلاف مَخْصُوصٌ بالمُعْسِرِ.
المسألة الثانية: إذا اخْتَلَفَا في السَّابِق منهما فقال كل واحد منهما: أنا أَوْلَدْتُهَا أولاً [ولدي] 373 هذا.
وكان كل واحد من القَوْلَيْنِ محتملاً، فهما إما مُوسِرَانِ، أو مُعْسِرَانِ، أو أحدهما مُوسِرٌ دون الآخر.
والاعتبار في اليَسَارِ والإِعْسَارِ بحالة الإِحْبَالِ:
الحالة الأولى: إذا كانا مُوسِرَيْنِ، كل واحد منهما يَدَّعِي على الآخر جَمِيعَ المَهْرِ، وجميع قيمة وَلَدِهِ؛ لأنه يَقُولُ: وَطئتَها -وهي مُسْتَوْلَدَتِي.
أو يَدَّعِي نِصْفَهَا على ما فصلنا في المسألة السَّابقة، وكل واحد يُقِرّ للآخر بِنِصْفِ المَهْرِ، ونِصْفِ قيمة الجَارَيةِ، فإنه يقول: أَوْلَدْتُهَا، وهي مُشْتَرَكَة، فصارت مُسْتَوْلَدَةً لي، وَيُقِرُّ أيضاً بِنِصْفِ قيمة الولد على اخْتِلاَفٍ فيه، وما يُقِرُّ به كُلُّ واحد للآخر من نِصْفِ قيمة الجارية يُكَذِّبُهُ الآخر فيه، ومن أَقرَّ بِحَقٍّ لغيره، فَكَذَّبَهُ سقط إِقْرَارُهُ به، فتبقى دَعْوَى كل واحد على الآخَرِ في المَهْرِ، وقيمة الولد، فإن اقتضى الحَالُ التَّسْوَيةَ بينهما لم يعْظُم أَثَرُ الاختلاف، وجاء الكلام في النَّقَاصِّ.
وإن تَفَاوَتَا حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهما على نَفْي ما يَدَّعِيهِ الآخَرُ.
وفي "التهذيب" وَجْهٌ: أنهما يَتَحَالَفَانِ على النَّفْي والإِثْبَاتِ، وإذا حَلَفَا، فلا شيء لواحد منهما على الآخَرِ، وهي مُسْتَوْلَدَةُ أَحدهما لا على التَّعْيِينِ، ونَفَقَتُهَا عليهما، فإذا ماتا فهي حُرَّةٌ، والوَلاَءُ مَوْقُوفٌ بينهما، وإن مَاتَ أَحَدُهُمَا؛ فالأَظْهَرُ أنه لا يُعْتَقُ منها شَيْءٌ؛ لجواز أنها مُسْتَوْلَدَةُ الآخر.
الجزء: 13 - الصفحة: 571
وعن [أبوي] 374 علي بن أبي هريرة والطبري أنه يُعْتَقُ نِصْفُهَا بموت أحدهما، واختاره القَاضِيَانِ: أبو الطيب، والرُّويَانِيُّ، وحكى ذلك عن نَصَّهِ -رضي الله عنه- في "الأم"، ووجه بأنه كان يملك نِصْفَهَا، وقد أَوْلَدَهَا وَشَكَكْنَا في أن إِحْبَالَ شَرِيكِهِ؛ هل يَسْرِي إلى نَصِيبِهِ، فيعتق نصيبه بالظاهر.
الثانية: إذا كَانَا مُعْسِرَيْنِ، فلا ثَمَرَةَ للاختلاف، والحكم كما لو عرف السابق، وهما مُعْسِرَانِ.
وإذا مات أَحَدُهُمَا، عُتِقَ نصيبه، وَوَلاَؤُهُ لِعَصَبَاتِهِ.
وإن ماتا، فالوَلاءُ للْعَصَبَتَيْنِ بالسوية.
وروى الرَّبيع في "الأم" أن الوَلاَءَ يُوقَفُ، وإن كانا مُعْسَرَيْنِ، وذكر عَامَّةُ الأصحاب أن هذا سَهْوٌ وغَلَطٌ، إما من الربيع، أو من غيره.
وقيل: أراد حَالَةَ الموْتِ، فلا فرْقَ حينئذ بين أن يكونا مُوسِرَيْنِ أو مُعْسِرَيْنِ؛ لما ذَكَرْنَا أن الاعْتِبَارَ في اليَسَارِ والإِعْسَارِ بحالة الإِحْبَالِ.
الحالة الثالثة: إذا كان أحدهما [موسراً] 375 والآخر [معسراً] 376، فَيَحْلِفُ كل واحد منهما على نَفْي ما يَدَّعِيهِ الآخَرُ عليه، ويثبت الاسْتِيلاَدُ للمُوسِرِ في نصيبه، لا يُنَازِعُهُ المُعْسِرُ فيه، ويتنازعان في نصيب المُعْسِرِ، فنصف [نفقتها] 377 على الموسر، والنِّصْفُ بينهما.
ثم إن مات المُوسِرُ أوّلاً، عُتِقَ نصيبه، وَوَلاَؤُهُ لِوَرَثَتِهِ.
فإذا مات المَعْسِرُ بعده، عُتِقَ نصيبه الآخر، وَوَلاَؤُهُ مَوْقُوفٌ بينهما.
وإن مات المُعْسِرُ أَوَّلأ، لم يعتق منه شَيْءٌ، فإذا مات المُعْسِرُ بعده عُتِقَ كلها، وَوَلاءُ نِصْفِهَا لِوَرَثَتِهِ، وَوَلاءُ النِّصْفِ الآخر مَوْقُوفٌ.
قال الصَّيْدَلاَنِيّ: هذا إذا قلنا: لا تَتَوَقَّفُ سِرَايَةُ الاسْتِيلاَدِ على أَدَاءِ القِيمَةِ، فإن قلنا: على أَدَاءِ القِيمَةِ فهاهنا لا أَدَاء، فتكون الجَارَيةُ مُسْتَوْلَدَتَهُمَا، ويكون الوَلاَءُ بينهما ولا تَوَقُّفَ.
ولو كان الاخْتِلاَفُ على عَكْسِهِ؛ فقال كُلُّ واحد منهما للآخر: أنت وَطِئْتَ أَوَّلاً، فَسَرَى إلى نصيبي، وهما مُوسِرَان.
قال في "التهذيب": يَتَحَالَفَانِ، ثم نَفَقَتُهَا عليهما، وإذا مَاتَ أَحَدُهُمَا، لم يعتق نصيبه؛ لاحتمال أن الآخَرَ سَبَقَهُ بالاسْتِيلاَدِ، ويُعْتَقُ نصيب الحَيِّ؛ لأنه أَقَرَّ بأن المَيِّتَ
الجزء: 13 - الصفحة: 572
أَوْلَدَ أولاً، وسَرَى إلى نصيبي، وعتى بموته، وَوَلاءُ لك النِّصْفِ مَوْقُوفٌ، فإذا مات الآخر عتقت كلها، وَوَلاَءُ الكل مَوْقُوفٌ.
وإن كان أحدهما مُوسِراً، والآخر مُعْسِراً، فقال المعْسِرُ: سَرَى إِيلاَدُكَ إلى نصيبي، وقال المُوسِرُ: أنت [أحبلت] (1) أولاً، ولم يَسْرِ إلى نصيبي، فَيَتَحَالَفَانِ ثم النَّفَقَةُ عليهما.
[فإن مات المُوسِرُ أَوَّلاً، عُتِقَت كلها.
أما نصيب المُوسِرِ فموته، وَوَلاَؤُهُ لعصبته، وأما نَصِيبُ المُعْسِرِ فَبِإِقْرَارِهِ، وَوَلاءُ نصيبه موْقُوفٌ] (2) وإن مات المعسر أوّلاً لم يُعْتَق منها شَيْءٌ؛ لاحتمال أن المُوسِرَ سَبَقَهُ بالإحْبَالِ، فإذا مَاتَ المُوسِرُ بعده، عتقت كلها، وَوَلاءُ نَصِيبِ المُوسِرِ له، وَوَلاَءُ نَصِيبِ المُعْسِرِ مَوْقُوفٌ.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الحُكْمُ الخَامِسُ: حُكْمُ الجِنَايَةِ
فَإذَا جَنَى عَلَى أَجْنَبِيَّ أَوْ عَلَى سَيِّدِهِ يَلْزَمُهُ الأَرْشُ، فَإِنْ زَادَ الأَرْشُ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَفِي وُجُوبِ الزِّيَادَةِ قَوْلاَنِ؛ لِأنَّهُ يقْدِرُ عَلَى أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ، فلاَ يَبْقَى مُتَعَلَّقٌ سِوَى الرَّقَبَةِ، وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ المُكَاتبِ، فَلَيْسَ لَهُ فِدَاؤُهُ بأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ بَعْدَ الجِنَايَةِ لَزِمَهُ الفِدَاءُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، وَلَوْ جَنَى عَلَى السَّيِّدِ فَأعْتَقَهُ، فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالأَرْشِ بَعْدَ العِتْقِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ المُكَاتَبِ، فَلاَ يَفْدِيهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُهُ عَلَى عَبْدِهِ، فَهَلْ يَبِيعُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ المُكَاتبُ قِصَاصاً عَلَى عَبْدِهِ أَوْ عَبْدِ غَيْرِهِ، جَازَ لَهُ الاسْتِيفَاءُ، وقِيلَ: يَجِبُ أَخْذُ الأَرْشِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ السَّيِّدُ بِالقِصَاصِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ، فَللسَّيِّدِ القِصَاصُ، وَلَوْ قُتِلَ المُكَاتَبُ انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ، وَللسَّيِّدِ القِيمَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ نذكرها، وما يَتَعَلَّقُ بها، ولا نُرَاعِي تَرْتِيبَ الكتاب:
إحداها: إذا جَنَى المُكَاتَبُ على أَجْنَبِيٍّ بما يُوجِبُ القِصَاص في النَّفْسِ أو الطَّرْفِ، فَلِمُسْتَحِقِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ؛ فإن عَفَا على مَالٍ أو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمال، فينظر إن كان في يَدِهِ مال، وكان الوَاجِبُ مِثْلَ قيمته، أو أَقَلَّ، طُولِبَ به مما في يَدِهِ، وإن كان أكثر، ففيه قَوْلاَنِ، عن رواية صاحب "التقريب" وغيره:
أحدهما: أنه يطالب بِتَمَامِ الأرْشِ؛ لأنه كالحَيِّ في المُطَالَبَةِ ما دَامَتِ الكتابة بَاقِيَةً.
وأصحهما: أنه لا يُطَالَبُ إلاَّ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ؛ لأنه يملك تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وإذا عَجَّزَ نَفْسَهُ، فَلاَ مُتَعَلَّقَ، ولا مَرْجُوعَ إليه، سِوَى الرَّقَبَةِ.378379
الجزء: 13 - الصفحة: 573
[ويعبر] 380 عن الغرض على هذا القول بأنه يُطَالَبُ بأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ من قيمته وأرْشِ الجِنَايَةِ.
ويُعَبّرُ عن القولين أيضاً بأن يُقَالَ: إن لِلْمُكَاتَبِ أن يَفْدِيَ نَفْسَهُ في الجِنَايَةِ، وبكم يَفْدِيَهَا؟ فيه قولان:
أحدهما: بأقل الأَمْرَيْنِ من أرْشِ الجِنَايَةِ والقيمة.
والثاني: بأرْشِ الجِنَايَةِ بالغاً ما بَلَغَ؛ لأنه لو عَجَّزَ نَفْسَهُ ربما اشترى بذلك القَدْرِ.
فإن قلنا: [يَفْدِي نَفْسَهُ بأقل الأَمْرَيْنِ، فله ذلك، وإن لم يَرْضَ السيد، وإن قلنا] 381: بالأَرْشِ، وزاد الأَرْشُ على القيمة لم يستقلَّ به، فإن أَذِنَ السَّيِّدُ، فهو على القولين في تَبَرُّعَاتِهِ بالإِذْنِ.
وإن لم يكن في يَدِهِ مَالٌ، وطلب مُسْتَحِقُّ الأَرْشِ تَعْجِيزَهُ، عَجَّزَهُ الحَاكِمُ، ثم يباع كُلُّهُ في الجِنَايَةِ، إن اسْتَغْرَقَ الأرْشُ قِيمَتَهُ، وإلاَّ فَيُبَاعُ منه بقدر الأَرْشِ، وتبقى الكِتَابَةُ في الباقي، فإذا أدى حِصّته في النجوم، عُتِقَ ذلك القَدْرُ.
ولو أراد السَّيِّدُ أن يَفْدِيَة من مَالِهِ، ويستديم الكتابة، فله ذلك، وعلى مُسْتَحِقِّ الأَرْشِ قَبُولُهُ.
هذا هو الظَّاهِرُ، وفيه شَيْءٌ قد سبق، يَفْديهِ؟ الجديد: أنه يَفْدِيهِ بالأقل من قِيمَتِهِ وأَرْشِ الجناية.
والقديم: أنه يَفْدِيهِ بالأَرْشِ، وله أن يرجع عن اخْتِيَارِ الفِدَاءِ، ويسلمه للبيع، إلاَّ إذا مَاتَ العَبْدُ بعد اختيار الفِدَاءِ، أو باعه بِإذْنِ المجنى عليه، بشرط الفِدَاءِ، ويسلمه للبيع، إلاَّ إذا مَاتَ العَبْدُ بعد اختيار الفِدَاءِ فيلزمه الفداء.
قال الرُّوَيانِيُّ: وإنما شَرَطَ إِذْنَ المجني عليه في البيع؛ لأن قوله: اخْتَرْتُ الفِدَاءَ؛ لا يُسْقِطُ حَقَّهُ من رَقَبَتِ العبد ما لم يُؤدِّ المال ولو أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ عن النجوم، أو أَعْتَقَهُ، فعليه أن يَفْدِيَهُ؛ لأنه فَوَّتَ بالإِعْتَاقِ مُتَعَلِّقَ حَقِّ المجني عليه، فهو كما لو [قتله] 382. وهذا بِنَاءً على نُفُوذِ الإِعْتَاقِ، وهو المَشْهُورُ.
وأشار القاضي ابْنُ كَجٍّ إلى أن فيه خِلاَفاً، كإعتاق العَبْدِ القِنِّ إذا جَنَى.
ويمكن أن نُفَرِّقَ بأن المُكَاتِبَ قد صار مُسْتَحِقَّ العِتْق بالكِتَابَةِ قبل الجِنَايَةِ، وإذا أَعْتَقَهُ وَقَعَ العِتْقُ عن الجهة المُسْتَحَقّةِ، والقِنُّ بخلافه.
وبم يَفْدِيهِ السيد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القَوْلَيْنِ: الجديد والقديم.
الجزء: 13 - الصفحة: 574
والثاني: القَطْعُ بأنه يَفْدِيهِ بالأقل، بخلاف حَالِ بَقَاءِ الكتابة؛ فإن الرِّق بَاقٍ هناك، ولو بِيعَ فربما رَغِبَ فيه رَاغِبٌ بأكثر من قِيمَتِهِ، وبعد العِتْقِ فَاتَ هذا التَّوَقُّعُ.
وكلما يلزم السَّيِّد فِدَاءُ المُكَاتَب الجَانِي بإِعْتَاقِهِ، يلزمه بِإعْتَاقِهِ فِدَاءُ ابن المُكَاتَبِ وأبيه، وإذا تكَاتَبَا عليه وَجَنيَا؛ لأنهما يُعْتَقَانِ بِإعْتَاقِهِ.
ولو عُتِقَ المُكَاتَبُ بأداء النجوم، فعليه ضَمَانُ الجِنَايَةِ، ولا يلزم السيد فِدَاؤُهُ، وإن كان هو القَابِضَ للنجوم؛ لأنه مُجْبَرٌ على قَبُولِهَا فالحوالة على المكاتب أَوْلَى، وفيما يلزمه الطَّرِيقَانِ.
ولو جَنَى المُكَاتَبُ جِنَايَاتٍ، وأَعْتَقَهُ السيد، أَوْ أَبْرَأَهُ عن النجوم، فعليه أن يَفْدِيَهُ، وإن أدَّى النجوم، وعُتِقَ، فضمان الجِنَايَةِ على المُكَاتَبِ.
وما الذي يَلْزَمُهُمَا إن كانت الجِنَايَاتُ مَعاً بِأنْ قَتَلَ اثنين، فصاعداً بضربة وَاحِدَةٍ، أو هَدَمَ عليهم جِدَاراً؛ فعلى القولين المذكورين في الجِنَايَةِ الواحدة:
فعلى الجديد: يَلْزَمُ الأَقَلّ من أرْشِ الجِنَايَاتِ كلها، ومن قِيمَتِهِ.
وفي القديم: يلزم الأُرُوش بَالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وإن كانت الجِنَايَاتُ مُتفرِّقَةً، فالقديم بحاله، وفي الجديد قولان:
أصحهما: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أن الحكم كذلك، يَلْزَم الأقل من أُرُوشِ الجنايات، ومن القيمة؛ لأن الجِنَايَاتِ جميعاً تَعَلَّقَتْ بالرَّقَبَةِ، فإذا أَتْلَفَهَا بالعِتْقِ لم يضمن إلاَّ مَا أَتْلَفَ.
ولأن المَنْعَ من البَيْعِ حَصَلَ بالإِعْتَاقِ، والإِعْتَاق شيء واحد، فلم يوجد إلاَّ منع 383 واحد.
والثاني: يجب لكل جِنَايةٍ أَقَلُّ الأمرين من أَرْشِهَا، ومن القيمة؛ لأن البيع كان مُمْكِناً عَقِيبَ كل جِنَايَةٍ وبالإِعْتَاقِ، قوت ذلك، وكأنه أحدث لكل جِنَايةٍ مَنْعاً.
والقولان كالقولين في جِنَايَاتِ أُمِّ الولد، ولو أراد المُكَاتَبُ أن يَفْدِيَ نَفْسَهُ مما في يَدِهِ عن الجِنَايَاتِ؛ ففيه طريقان:
أحدهما: أن فيما يَفْدِي نَفْسَهُ به القَوْلَيْنِ المَنْقُولَيْنِ عن الجَدِيدِ؛ لأن البيع مُمْتَنِعٌ مهما بقيت الكِتَابَةُ، فينزل إدامة 384 الكِتَابَة مَنْزِلَةَ العِتْقِ بأداء النجوم.
والثاني: القطع 385 بأنه يَفْدِي بالأقل من أَرْشِ كُلِّ جِنَايَةٍ، ومن القيمة.
الجزء: 13 - الصفحة: 575
وفرق بأن العِتْقَ يُفَوِّتُ مَحَلَّ الأَرْشِ، ويبطل إِمْكَانَ البَيْعِ.
وهاهنا: الرَّقَبَةُ بَاقِيَةٌ، وإمْكَانُ البَيْعِ مستمر.
والذي أورده في "التهذيب": أنه يُؤْخَذُ مما في يَدِهِ الأقل من أَرْشِ الجنايات كلها، ومن قِيمَتِهِ.
ويشبه أن يكون هو الأَظْهَرَ.
ولو لم يكن في يَدِهِ مَالٌ، وسال المُسْتَحِقُّونَ تَعْجِيزَهُ، عَجَّزَهُ الحَاكِمُ، ويباع، ويُقسَّمُ الثَّمَنُ على أَقْدَارِ الأرُوشِ، وإن أَبْرَأَ بعضهم قُسِّمَ على الباقين.
وإذا اختار السَّيِّدُ فِدَاءَهُ بعد التعجيز لم يبع وفيما يَفْدِيه فيه القولان.
الثانية: إذا جَنَى المُكَاتَبُ على طَرَفِ سَيِّدِهِ، فله القِصَاصُ وكذا لو جَنَى على عَبْدِ السَّيِّدِ، وإن قَتَلَ السيد، فَلِلْوَرَثَةِ القِصَاصُ فإن عَفَا المُسْتَحِقُّ على مال، أو كانت الجِنَايَةُ مُوجبَةً للمال، تَعَلَّقَ الواجب بما في يَدِهِ؛ لأن السَّيِّدَ مع المُكَاتَبِ في المُعَامَلاَتِ كالأَجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجِنَايَةِ.
وما الذي يَلْزَمُ المُكَاتَبَ؟ أيلزمه الأرْشُ بَالِغاً ما بلغ، أَو الأَقَلُّ؟ فيه القولان المَذْكُورَانِ في الجِنَايَةِ على الأَجْنَبِيٍّ.
فإن قلنا: يَلْزَمُ الأَرْشَ بَالِغَاً ما بَلَغَ، وكان 386 أكثر من قِيمَتِهِ، فعن الشيخ أبي حَامِدٍ أن له أن يَفْدِيَ نَفْسَهُ به.
وعن القاضي أبي الطَّيِّب أن فيه الخِلاَفَ في هَيْبَتِهِ من سَيِّدِهِ.
قال ابن الصَّبَّاغ، وهذا يَقْتَضِي أن يقال للسيد: أن يَمْتَنِعَ من القَبُول؛ لأنه لا يلزمه قَبُولُ الهِبَةِ.
وعندي: أنه يَلْزَمُهُ القَبُولُ إذا أَمْكَنَهُ أَدَاؤهُ، وأَدَاءُ مال الكتابة، ولا يجوز له الامْتِنَاعُ، وإن لم يكن في يَدِهِ شيء، أو كان لا يفِي بالاْرْشِ؛ فهل للسيد تَعْجِيزُهُ بسبب الأرْشِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه إذا عَجَّزَهُ يَسْقُطُ الأرش، إذ لا يَثْبُت للسيد على عبده دَيْنٌ، بخلاف ما إذا عجَّزَهُ الأجنبي، فإن الأَرْشَ يتعلق [برقبته] 387 ويُنْسَبُ هذا إلى القَفَّالِ.
وأصحهما على ما ذكر في "التهذيب": نعم؛ وهو الَّذِي أوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، ويستفيد به رَدّه إلى الرِّقِّ المَحْضِ .. وإذا عَجَزَ بسبب الأَرْشِ أو النجوم ورُقَّ، فهل يَسْقُطُ الأَرْشُ، أو يكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يُعْتَقَ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول، وهما كالوَجْهَيْنِ فيما لو كان له على عَبْدِ غيره دَيْنٌ فملكه، هل يسقط وَجِنَايَةُ المُكَاتَبِ على طَرَفِ ابن سيده كجنايته على الأَجْنَبِيِّ، وجِنَايَتُهُ على نَفْسِهِ
الجزء: 13 - الصفحة: 576
تُثْبِتُ القِصَاصَ للسَّيِّدِ، فإن عَفَا أو كان القَتْلُ خَطَأً، فهو كما لو جَنَى على السيد.
ولو أَعْتَقَ السيد المُكَاتَبَ بعد جِنَايَتِهِ عليه، أو أَبْرَأَهُ عن النجوم، فإن لم يكن في يَدِهِ شَيْءٌ سَقَطَ الأَرْشُ؛ لأنه أَزَالَ المِلْكَ عن الرَّقَبَةِ التي كانت متعلق الأَرْشِ باختياره، ولا مَالَ غيرها.
قال الإمَامُ: وفيه احْتِمَالٌ أَخْذاً من اسْتِقْلاَلِ المكاتب، وثبوت حقوق السيد في ذِمَّتِهِ.
وإن كاَن في يَدِهِ مَالٌ؛ ففي تَعَلُّقِ الأرْشِ بما في يَدِهِ وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن الأَرْشَ كان مُتَعَلِّقاً بالرَّقَبَةِ، وقد تَلِفَتْ.
وأظهرهما: التَّعَلُّقُ، والتَّوَجِيهُ المَذْكُورُ مَمْنُوعٌ، بل الأَرْشُ مُتَعلَّقٌ بالرقبة، وبما في يَدِهِ.
وذكر في "التهذيب" أنه يُطَالَبُ بالأَرْشِ من غير تَفْصِيل، وفرق بين أن يكون في يَدِهِ شَيْءٌ، أو لا يكون، ويَقْرُبُ منه قَوْلُهُ في الكتاب "فالصخيح أن يُطَالِبُهُ بالأرْشِ بعد العِتْقِ"، وإلاَّ ثَبَتَ ما قَدَّمْنَاهُ.
ولو أَدَّى النجوم فَعُتِقَ، فالأَجْوِبَةُ مُتَّفِقَةٌ على أن الوَاجِبَ لا يسقط كما لا يسقط فيما إذا جَنَى على أَجْنَبِيِّ، وأَدَّى النجوم، عُتِقَ.
ثم [ظاهر ما] 388 رَدَّدُوهُ في هذا الموْضِع أنه يجب الأَرْشُ بَالِغاً مَا بَلَغَ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- فذكر فيما لو قَطَعَ المُكَاتَبُ يَدَ سَيِّدِهِ قَطْعاً يُوجِبُ المَالَ، أو عاد بالعفْوِ إِلى المال.
وقلنا: لاَ بُدَّ من الصبرِ إلى الاندمال، فانْدَمَلَ بعدما أَدَّى المَالَ وعُتِقَ، أن عليه أَرْشَ اليَدِ بِتَمَامِه؛ وهو نِصْفُ الدِّيَةِ.
وفرق بين ما نحن فيه وبَيْنَ ما إذا جَنَى على أَجْنَبِيٍّ، ثم أَدَّى النُّجُومَ، وعُتِقَ حيث ذكرنا اخْتِلاَفاً فيما 389 يجب عليه بأن الوَاجِبَ في الجِنَايَةِ على السَّيِّدِ لا يَتَعَلَّقُ بذِمَّةِ المُكَاتَب، وإنما هو في ذِمَّتِهِ، فيجب بكماله، كما لو جَنَى حُرٌّ على حُرٍّ، وأَرْشُ الجنَايَةِ على الأَجنبي يتعلَّقُ بالرَّقَبَةِ، فجاز ألاَّ يزاد عليها.
ومنهم من طَرَدَ القَوْلَ الآخَرَ؛ وهو وُجُوبُ أَقَل الأمرين.
وقال: العِتْقُ لا يُغيِّرُ ما تَقَدَّمَ وجوبه.
الثالثة: عبد المُكَاتَبِ إذا جنى؛ فإما أن يجني على أجنبي، أو على سَيِّدِهِ وهو المُكَاتَبُ، أو على سَيِّدِ سَيِّدِهِ:
الجزء: 13 - الصفحة: 577
الحالة الأولى: إذا جنى على أَجْنَبِيٍّ؛ فله القِصَاصُ، فإن عَفَا المستحق على المال، أو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمال، تَعَلَّقَ برقبته تباع فيه، إلاَّ أن [يفديه] 390 المُكَاتَبُ وبم يَفْدِيهِ؟ أَيَفْدِيهِ بالأَرْشِ بِكَمَالِهِ، أو يفديه بالأَقَلِّ منه ومن قيمته؟
فيه قولان:
فإن قلنا بالأَوَّل فإن كان الأَرْشُ قَدْرَ قيمته، أو أقل؛ فَلِلْمُكَاتَبِ الاسْتِقْلاَل به، وإن كان أكثر لم يَسْتقل به.
وفي جَوَازِهِ بإذن السَّيِّدِ الخِلاَفُ في تَبرُّعَاتِهِ بالإِذْنِ.
ومنهم من قَطَعَ بأنه يَفْدِيهِ بالأقل.
ثم ظاهر لفظ "المختصر" أنه يعتبر قيمة العَبْدِ يوم الجِنَايَةِ؛ لأنه يوم تَعَلَّقَ الأَرْشُ بالرَّقَبَةِ.
وعن ابن خَيْرَانَ [أنه يجيء قول آخر] 391 أنه يعتبر قِيمَةُ يَوْمِ الانْدِمَال؛ بِنَاءً على أنه وَقْتُ المُطَالَبَةِ بالمال.
وحكى القَفَّال أنه ينبغي أن يختبر قِيمَةُ يَوْمِ الفِدَاءِ؛ لأن المُكَاتَبَ إنما يمنع من بَيْعِهِ، وَيَسْتَدِيمُ المِلْك فيه يومئذ.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ أن المَذْهَبَ اعْتِبَارُ أقل القيمتين من قِيمَةِ يوم الجِنَايَةِ، وقيمة يوم الفِدَاء؛ احتياطاً للمُكَاتَبِ، وإبْقَاءً للملك عليه.
ونسب هذا إلى نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
قال: وعندي أن الحُكْمَ في جِنَايَةِ المكاتب بنفسه إذا اعتبرنا قِيمَتَهُ كذلك هذا في عَبْدِ المُكَاتَبِ الذي لم يكاتب عليه.
فأما من يكاتب عليه كَوَلَدِ المُكَاتَبِ من أَمَتِهِ، وكما لو وَهَبَ منه ولده، أو والده -حيث يعُوزُ له القَبُول- فليس له أن يَفْدِيَهُ بغير إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن أَذِنَ فهو على الخِلاَفِ في تَبَرُّعَاتِهِ بالإذْنِ؛ وذلك لأن فِدَاءَهُ كَشِرَائِهِ.
وقد قدمنا هذا، وذكرنا أن الإِمَامَ حكى عن العِرَاقِيِّينَ -رحمهم الله- أنه لو كان له كَسْبٌ، فله أن يَصْرِفَهُ إلى الأَرْشِ، ويَفْدِيَهُ به وأنه استبعد ذلك، وقال: كَسْبُهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِ المكاتب، وأنه حكى عنهم أن له أن يَبِيعَ كُلَّهُ، وإن زاد على الأَرْشِ.
ولا يوجد هذا في كتبهم على هذا الإِطْلاَقِ، ولكن قالوا 392: يُبَاعُ منه بقَدْرِ الأرْشِ، فإن لم يَتَيسَّرْ بيع كله، وأدى من ثمَنه الأَرْشَ، والفَاضِلُ لِلسَّيِّدِ، وهذا ليس بِبَعِيدٍ.
وكذلك القَوْل في المَرْهُونِ إذا زاد على قَدْرِ الدَّيْنِ.
ولو جنى بَعْضُ عَبِيدِ المُكَاتَب على بَعْضٍ، أو جَنَى عَبْدُ غَيْرِهِ على عَبد له، فله أن يَقْتَصَّ؛ لأنه من مَصَالِح المِلْكِ، فلا يحتاج فيه إلى إِذنِ السَّيِّدِ.
وفيه قول: أنه لا يَقْتَصَّ إلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وعليه
الجزء: 13 - الصفحة: 578
تحصيل الأَرْش من عبد الأجنبي، ويُنْسَبُ هذا إلى تَخْرِيج الرَّبِيعِ، وهذا قوله في الكتاب: وقيل: والظَّاهِرُ الأَوَّلُ، إلاَّ أن يكون القَاتِلُ وَالِدَ المَقْتُولِ، ولو كان في عبيده أَبُوه، فقتل عَبْداً له، فكذلك لا يَقْتَصُّ منه.
ولو كان فيهم ابنه، فقتل عَبْداً له، فله أن يَقْتَصَّ منه.
وهل له أن يبيع ابْنَهُ وأباه إذا 393 كانا في مِلْكِهِ، وجَنَيَا على عَبْدٍ آخر، أو جناية موجبها المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يَثْبُتُ له على عَبْدِهِ مال، والأَصْلُ منع بيع الوالد والولد.
والثاني: نعم؛ لأنه يَسْتَفِيدُ به حُصُولَ أَرْشِ الجِنَايَةِ، ويخالف غير أبيه وابنه من عَبِيدِهِ، فإن تَعَلَّقَ الأرش به لا يُفِيدُهُ شَيْئاً، فإنه كان يَمْلِكُ بَيْعَهُ قبل الجِنَايَةِ.
والأَوَّلُ أَصَحُّ عند الإِمَام والشيخ أبي حَامِدٍ، وحَكَاهُ القاضي الطبري عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
وبالثاني أَجَابَ في "التهذيب".
وعند أبي حَنِيْفَةَ لا يجب القِصَاصُ إذا قَتَلَ بَعْضُ عَبِيدِ المكاتب بَعْضاً [وكذا لو] 394 قتل بَعْضُ عَبِيدِ الحُرِّ بَعْضاً.
والحالة الثانية: إذا جَنَى على سَيِّدِهِ، فله القِصَاصُ، ولا يحتاج إلى إِذْنِ السيد على ما ذكرنا، فإن كانت الجِنَايَةُ خَطَأً، أو عَفَا على مال لم يجب؛ إذ لا يَثْبُتُ للسيد على عَبْدِهِ مَالٌ.
الثالثة: إذا جَنَى على سَيِّدِ سَيِّدِهِ، فهو كما لو جَنَى على أَجْنَبِيٍّ، فيباع في الأَرْشِ، إلا أن يَفْدِيَهُ المكاتب.
واعلم أن الصُّورَتَينِ الأولَيَيْنِ من صور الفَصْلِ في جِنَايَةِ المُكَاتَبِ، والثالثة في جناية عَبْدِهِ، وقد فَرغْنَا فيها والصورة الرابعة 395 في الجناية على المُكَاتَبِ، وهي إما أن تفرض على طَرَفِهِ أو نَفْسِهِ:
إن كانت على طَرَفِهِ، فله القِصَاصُ إن كانت بحيث تُوجبُ القِصَاصَ، وليس للسيد مَنْعُهُ كالمريض يقتصّ، ولا يعْتَرِضُ عليه الوَرَثَةُ، والمُفْلِسُ يقتصّ، ولا يَعْتَرِضُ عليه الغُرَمَاءُ.
وفيه القول المَحْكِيُّ عن تَخْرِيجِ الربيع ووجه بأنه يُعَجِّزُ نَفْسَهُ، فيعود إلى السَّيِّدِ مَقْطُوعَ اليد بلا جَابِرٍ وإذا قلنا بالظَّاهِرِ؛ فإن اقتصَّ فذاك، وإن عَفَا على مال ثبت المَالُ، لكن لو كان المَالُ دون أَرْشِ الجِنَايَةِ، فقدر المُحَابَاةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الجميع إذا عفا مَجَّاناً، وان عفا مُطْلَقاً، فإن قلنا: موجب العَمْدِ أَحَدُ الأمرين، أو قلنا: موجبه
الجزء: 13 - الصفحة: 579
القِصَاصُ، ولكن مُطْلَقَ العفْوِ يوجب المَالَ، ثبت الأَرْشُ وإن قلنا: مُطْلَقُ العفو لا يُوجِبُ المَالَ، لم يجب شَيْءٌ، وإن عَفَا مَجَّاناً سقط القِصَاصُ.
ثم إن قلنا: مُوجَبُ العَمْدِ القِصَاصُ لم يجب شَيْءٌ؛ إن قلنا: مُطْلَقُ العفو لا يُوجِبُ المَالَ، وإن قلنا: يوجبه، فوجهان:
يجب المال إن كان العَفْوُ بغير إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بإذنه فعلى قولين؛ كما لو عَفَا عن المَالِ في الجِنَايَةِ المُوجِبَةِ للْمَالِ.
والثاني: لا يَجِبُ، وإن كان العَفْوُ بغير إِذْنِهِ؛ لأن الجِنَايَةَ على هذا القول غير مُوجِبَةٍ للمال، وإنما يَثْبُتُ المَالُ بالعفو المُطْلَقِ، وإذا عَفَا مَجّاناً، فقد امْتَنَعَ من الاكْتِسَابِ بالَعفْوِ المُطْلَقِ.
والمُكَاتَبُ إذا امْتَنَعَ من الاكْتِسَابِ لا يُجْبَرُ عليه.
وإن كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمال، فلا يَصِحُّ عَفْوُهُ عنه بغير إذْنِ السيد، وإن عفا.
بإذْنِهِ، ففيه القولان في التَّبَرُّعَاتِ بالإِذْنِ، وحيث ثَبَتَ المَالُ بالجِنَايَةِ على طَرَفِهِ، فهو للمكاتب، يَسْتَعِينُ به على أَدَاءِ النجوم؛ لأنه يَتَعَلَّقُ بِعُضْوِ من أَعْضَائِهِ، فهو كالمَهْرِ، تَسْتَحِقُّهُ المُكَاتَبَةُ، ولأن كَسْبَهُ له، وهو عِوَضُ ما تَعَطَّلَ من كَسْبِهِ بقطع ذلك العُضْوِ هكذا وَجَّهُوهُ.
وهل يستحق أَخْذَهُ في الحال، أم يتوقَّفُ على الانْدِمَالِ؟ فيه قولان، كما في الجِنَايَةِ على الحُرِّ.
ومنهم من قَطَعَ بجواز الأَخْذِ في الحَالِ هاهنا، سَعْياً في تحْصِيل العِتْقِ.
فإن قلنا: يتوقف الأَخْذُ على الانْدِمَالِ، وقد قطعت يَدُهُ، فينظر إن سَرَتِ الجِنَايَة إلى النَّفْسِ، انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ على مَا سَنَذْكُرُ في الجِنَايَةِ على النَّفْسِ، وعلى الجاني الكَفَّارَةُ.
وإذا كان أَجْنَبِيّاً، فعليه القِيمَةُ لِلسَّيِّدِ.
وإن انْدَمَلَتْ؛ فإن كان الجاني أَجْنَبِيّاً أخذ المُكَاتَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، وَيَسْتَعِينُ به على أَدَاءِ النجوم.
وإن كان الجَانِي السَّيِّدُ، فيستحقُّ المكَاتبُ عليه نِصْفَ القِيمَةِ، وهو يَسْتَحِقُّ النُّجُومَ على المُكَاتَب، فإن حَلَّ نَجْمٌ واتَّحَدَ الوَاجِبَانِ جِنْساً وصِفَةً، ففيه الخلاف في التَّقَاصِّ، ويأخذ من لهَ الفَضْلُ الفَضْلَ، وإن اخْتَلَفَا أخذ كُلُّ واحد منهما حَقَّهُ.
وإن قلنا: له أَخْذُ الأَرْشِ في الحال؛ ففي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني أنه إن كان الأَرْشُ مِثْلَ دِيَةِ حر، أو أقل، فله أخْذُ جميعه، وإلاَّ فلا يَأْخُذُ أَكْثَرَ من قَدْرِ الدِّيَةِ، لأن الجِنَايَةَ قد تَسْرِي إلى نفسه، ويعود كالواجب إلى الدِّيَةِ لِعِتْقِهِ.
وإذا أخذ مَا لَهُ أَخذَهُ، ثم انْدَمَلَتِ الجِرَاحَةُ، فقد اسْتَقَرَّ الأَرْشُ، وليأخذ الباقي إن لم يأخذ كُلّهُ.
وإن سَرَتْ إلى النَّفْسِ، نُظِرَ، إن سَرَتْ قبل أن يعتق، انْفَسَخَتِ الكتابة، فإن كان
الجزء: 13 - الصفحة: 580
الجَانِي أَجْنَبِياً، فللسيد مُطَالَبَتُهُ بِتَمَامِ القِيمَةِ، وإن كان الجَانِيَ السَّيِّدُ سَقَطَ عنه الضَّمَانُ، وأخذ كَسْبَهُ.
وإن كانت السِّرَايَةُ بعدما عُتِقَ بأداء النجوم، فإن كان الجاني أَجْنَبِياً، فَعَلَيْهِ تَمَامُ الدِّيَةِ؛ لأن الاعْتِبَارَ في الضَّمَانِ بحالة الاسْتِقْرَارِ، ويكون ذلك لمن [يرثُهُ] 396 من أَقَارِبِهِ، فإن لم يكونوا، فللسيد بالوَلاَءِ.
كان كان الجَانِيَ السَّيِّدُ، فعليه تَمَامُ الدِّيَةِ أيضاً، بخلاف ما لو جَرَحَ عَبْدَهُ القِنَّ، ثم أَعْتَقَهُ، ومات بالسِّرَايَةِ، حيث لا ضَمَانَ؛ لأن ابتداء الجِنَايَةِ غير مَضْمُونٍ هناك، وهاهنا ابتداء الجِنَايَةِ مَضْمُونٌ.
ولو حصل العِتْقُ بالتَّقَاصِّ، فالحكم كما لو حَصَلَ بالأداء، ولا يمنع من التَّقَاصِّ كَوْنُ الدِّيَةِ إِبِلاً، فإن الجَوَابَ في الابْتِدَاءِ نِصْفُ القيمة، والتِّقَاصُّ حينئذ يَحْصْلُ.
ثم إذا سَرَتِ الجِنَايَةُ بعد العِتْقِ، فيجب الفَاضِلُ من الإِبِلِ.
وإذا عَفَا المُكَاتَبُ عن المال، ولم نصحح عَفْوَهُ على ما فَصَّلْنَا، ثم عُتِقَ قبل أخذ المال؛ فهل له أَخْذُهُ؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو المَنْصُوصُ: نعم، وذلك العَفْوُ كان لاَغِياً، وربما بُنِيَ القَوْلاَنِ على أن تَصرُّفَاتِ المُفْلِسِ بَاطِلَةٌ، أو موقوفة أو منتظرة.
ولو جنى على طَرَفِ المُكَاتَب عَبْدُهُ فله القِصَاصُ، فإن كانت الجِنَايَةُ خَطأً، أو عَفَا، فلا يَثْبُتُ له على عَبْدِهِ مَالٌ.
وهل له أن يَبِيعَ منه 397 بقدر الأَرْشِ؟ فيه الوجهان المذكوران؛ فيما إذا جَنَى ابْنُ المُكَاتَبِ الذي يكاتب عليه على عَبْدٍ آخر له؛ هذا تَمَامُ القَوْلِ في الجِنَايَةِ على طَرَفِ المُكَاتَبِ.
وإن كانت الجِنَايَة على نَفْسِهِ، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ، ويموتُ رَقِيقاً.
ثم إن قتله السَّيِّدُ، فليس عليه إِلاَّ الكَفْارَةُ، كان قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ، فللسيد القِصَاصُ، أو القِيمَةُ، وله أخذ أَكْسَابِهِ أيضاً، ويأخذ ذلك بحكم المِلْكِ، لا بطريق الإِرْثِ.
وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ أن عند أبي حَنِيْفَةَ: إذا كان الأرْشُ وَافِياً بالنجوم، وزَائِداً عليها حُكِمَ بأنه مات حرًا، وأخذ من سَيِّدِهِ بَاقِي قيمَتِهِ.
والله أعلم.
وقد انتهى الكَلاَمُ فيما يَتَعَلَّقُ بالفَصْلِ.
وعليك أن تَتَأَمَّل صُوَرَهُ في الكتاب وتُنَزِّلَ كُلَّ شيء منها مَنْزِلَتَهُ.
فُرُوعٌ منثورة نَخْتمُ بها الكتاب: عن "الأم" أنه إذا جَنَى السَّيِّدُ على طَرَفِ المُكَاتَبِ، وكان الأَرْشُ مثل النجوم، وحكمنا بالتَّقَاصِّ، وحُصُولِ العِتْقِ، ثم عاد السَّيِّدُ وجَنَى عليه جِنَايَةً أخرى تُوجِبُ القِصَاصَ، فهي جِنَايَةٌ على حُرٍّ، فإن قال: لم أعلم بأنه يَحْصُلُ التَّقَاصُّ والعِتْقُ، لم
الجزء: 13 - الصفحة: 581
يُقْبَلْ منه، كما لو قتل من كان [عبداً] 398 فعتق، وقال: لم أعلم أنه عُتِقَ.
قال الربيع: وفيه قَوْلٌ آخر أنه يُؤْخَذُ منه دِيَةُ حُرٍّ ولا قِصَاصَ لِلشُّبْهَةِ.
إذا قال المُكَاتَبُ: إن عَجَزْتَ عن النُّجُوم بعد وَفَاتِي، فأنت حُرٌّ صَحَّ التَّعْلِيقُ، ثم إن قال المُكَاتَبُ قبل الحُلُولِ: عَجَزْتُ لم يعتبر قوله.
وإن كان بعد الحُلُولِ ووجد في يَدِهِ ما يَفِي بالواجب، فلا عَجْزَ أيضاً، وإن لم يوجد صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
عن "الأم" أنه إذا عُتِقَ المُكَاتَبُ، واختلف هو ومن جَنَى عليه، فقال المُكَاتَبُ: كنت حُرّاً عند الجِنَايَةِ.
وقال الجَانِي: بل مُكَاتَباً، فَيُصَدَّقُ الجاني مع يَمِينِهِ، فإن شَهِدَ السَّيِّدُ للمُكَاتَبِ، قبلت شَهَادَتُهُ، ويأتي بِشَاهِدٍ آخر.
يقبل إقرار المكاتب بِدُيُونِ المُعَامَلاَتِ، وبالبيع، وما يَقْدِرُ على إِنْشَائِهِ وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أنه إن قال: بِعْتُ هذه السِّلْعَةَ، وهذا ثَمَنُهَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ.
وإن قال: بِعْتُهَا، وتَلِفَ الثَّمَنُ في يَدِي.
ففي القَبُولِ قولان.
وإن أقر بِدَيْنِ جِنَايَةٍ؛ فهل يَقْبَلُ على السيد؟ فيه قولان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه يقبل، ويُؤَدِّي مما في يَدِهِ كَدَيْنِ المُعَامَلَةِ، لكن لو كان ما أَقَرَّ به أَكْثَرَ من قِيمَتِهِ لا يلزم إلاَّ قَدْرُ قيمته، بخلاف دَيْنِ المعاملة، فإن لم يَكُنْ في يَدِهِ شيء، بيع في دَيْنِ الجِنَايَةِ.
والثاني: وهو الذي أَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ؛ أنه لا يقبل في حَقِّ السيد، فإنه لم يسلط عليه بعقد الكتبة [فإن قبلنا إِقْرَارَهُ، فعجز قبل أن يُؤْخَذَ دَيْنُ الجناية، فقولان:
أحدهما: يباع 399 فيه؛ لأنه أَقَرَّ في وقت كَانَ إِقْرَارُهُ مَقْبُولاً والثاني: لا يُبَاعُ، ويكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يعتق؛ لأنه بالعَجْزِ صارت رَقَبَتُهُ لِلسَّيِّدِ، فصار كما لو أَقَرَّ بعد العَجْزِ، ولا يقبل إقرار السيد على المُكَاتَبِ بالجِنَايَةِ، لكن لو عَجَزَ أَخَذَ السَّيِّدُ بِإقْرَارِهِ.
ولو قال: كان قد جَنَى قبل الكِتَابَةِ، لم يقبل على المُكَاتَبِ أيضاً؛ لخروجه عن يَدِهِ بِالكتَابَةِ، كما لو خَرَجَ عن يَدِهِ بالبَيْعِ.
إذا مات سَيِّدُ المُكَاتَب؛ فقد عَرَفْتَ أن الكِتَابَةَ لا تَرْتَفِعُ، ويحصل العِتْقُ بالأَدَاءِ إلى الوَارِثِ، فإن كان له وَارَثَانِ، لم يُعْتَقْ، إلاَّ بالدَّفْعِ إليهما حَقَّهُمَا.
وإن كان الوَارِثُ صَغِيرًا، أو مَجْنُوناً، لم يُعْتَقْ، إلاَّ بالدَّفْع إلى الأب، أو الجد، أو الوَصِيَّ، أو القَائِمِ.
فإن كان قد أوصى إلى ابْنَيْنِ، لم يُعْتَق إلاَّ بالدَّفْع إليهما، إلاَّ إذا ثَبَتَ لكل واحد منهما الاسْتِقْلاَلُ.
وإذا كان على المَيِّتِ دَيْنٌ أوَ أوْصَى بِوَصَايَا [متفرقة] 400 فإن كان الوَارِثُ وَصِيّاً في قضاء الدَّيْنِ، وتَنْفِيذِ الوَصَايَا، عُتِقَ بالدَّفْعِ إليهما،
الجزء: 13 - الصفحة: 582
وإلاَّ قد أَوْصَى إلى غيره فيجمع بينه وبين الوَرَثَةِ، ويدفعها إليهم.
وإن لم يُوصِي إلى أَحَدٍ، قام القاضي مَقَامَ الوَصِيِّ، ولو دَفَعَ إلى الغَرِيم لم يُعْتَقْ، وإن دَفَعَ إلى الوَارِثِ، فإن قَضَى الدَّيْنَ والوَصَايَا، عُتِقَ، وإلاَّ وجب الضَّمَانُ على المُكَاتَبِ، ولم يُعْتَقْ.
هكذا ذكر صاحب "التهذيب".
وعن القاضي أبي الطيب أنه إذا كان الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقاً لِلْتَّرِكَةِ، بَرِئَ المُكَاتَبُ بالدَّفْعِ إلى الغَرِيم 401. وإن كان قد أَوْصَى بالنُّجُومِ لإنسان، فَيُعْتَقُ بالدفع إليه.
وإن أوصى بها لِلفُقَرَاءِ، أو المَسَاكينِ، فَيَدْفَعُهَا إلى مَنْ أوْصَى إليه بِتَفْرِيقهَا، أو إلى الحَاكِمِ.
وإن أوصى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ منها، تَعيَّنَ صرفها 402 إليه؛ فهو كما لو أَوْصَى بها لإِنْسَانٍ.
إذا مات السَّيِّدُ والمكاتب، ممن يعتق على الوارث، عُتِقَ عليه، خِلاَفاً لأبي حَنِيْفَةَ.
ولو نكح الابن مُكَاتَبَةَ أَبيهِ، ثم مات الأَبُ، والابن وَارِثٌ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لأنه مَلِكَ زَوْجَتَهُ.
وكذا لو مات السَّيِّدُ، وَبِنْتُهُ تحت مُكَاتَبهِ، فورثت زَوْجَهَا، خِلاَفاً لأبي حنيفة، وسلّم أنه لو مات وله بنْتٌ ومُكَاتَبٌ، لا يجوز لِلْمُكَاتَبِ أن يَنْكِحَهَا، وذلك يَدُلُّ على أنها تَمْلِكهُ.
ولو اشترى المُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ الأَمَةَ من السَّيِّدِ، أو غيره، أو اشترت المُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا يَنُفَسِخُ النِّكَاحُ، خلافاً لأبي حَنِيفَةَ -رحمه الله تَعَالَى-.
الجزء: 13 - الصفحة: 583