كِتَابِ العِدَّةِ
1 قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ وَالوَفَاةِ وَالاِسْتِبْرَاءِ* أَمَّا عِدَّةُ الطَّلاَقِ فَفِيهَا بَابَانِ:
الجزء: 9 - الصفحة: 422
البَابُ الأَوَّلُ فِي عِدَّةِ الحَرَائِرِ وَالإِمَاءِ
وَهِيَ بِالأقْرَاءِ* أَوْ بِالأَشْهُرِ* أَوْ بِالحَمْلِ (النَّوْعُ الأَوَّلُ الأقْرَاءُ) وَجمِيعُ ذَلِكَ يَجِبُ لِلبَرَاءَةِ وَلَكِنْ يَكُفِي جَرَيَانُ سَبَبِ الشِّغْلِ مِنْ تَغْيِيبِ الحَشَفَةِ وَوَطْءِ الصِّبيِّ وَالخَصِيِّ* وَيَجِبُ عَلَى المُعَلَّقِ طَلاَقُهَا عَلَى يَقِينِ البَرَاءَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العدَّةِ؛ الاسم من الأعداد، يقال: أنفَذْتُ عِدَّة كتب أي جماعة كتب، وقد يُجْعل مصدراً، وعَدَدتُّ الشَّيْءَ عدًّا، فالاسم العَدَد والعَدِيدُ، واعتدَّتِ المرأة اعتداداً، ويقال: عَدّه فاعتدّ أي: صار مَعْدُوداً، ويقال: اعتد بكذا.
وفي الشريعة: العدة اسم لمُدَّة معدودةٍ تَتَرَبَّصُ فيها المرأة؛ لتعرف براءة الرَّحم.
والأصّل فيها الآيات كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وقوله ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ [أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ]﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ [مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا]﴾ [البقرة: 234] والأخبار على ما سنذكرها إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المُدَّة المستدَلَّ بمُضِيِّها على براءة الرَّحِم تتعلَّق تارة بالنكاح، ووطء الشبهة، وتشهر باسم "العِدَّة"، وأخرى بملك اليمين، إما حصولاً في الابتداء أو زوالاً في الانتهاء، وتشهر باسم "الاستبراء"، والنوع الأول ينقسم إلى: ما يتعلَّق بفرقة تحصل بين الزوجَيْن، والزوج حي؛ كفرقة الطلاق واللعان والفسوخ، وتشهر بعدة الطلاق؛ لأنه أظهر أسباب الفراق، وحكم العدة عن وطء الشبهة حُكْمُها، وإلى: ما تتعلق بفُرقة تَحْصل بموت الزَّوْج، وهو عدَّة الوفاة، فاشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام: عدة الطلاق، وعدة الوفاة، والاستبراء.
القسم الأول: عدَّة الطَّلاَق، وما في معناه؛ وإنما تجب إذا حَصَلت الفُرْقة بعْد الدخول، فإن حَصَلتْ قبْله، لم يَجِبْ، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا]﴾ [الأحزاب: 49] الآية واستدخال المرأة مَنِيَّ الزوْج مقام الدخول في وُجُوب العِدَّة، وكذا في ثبوت النَّسَب 2، وكذلك استدخال مَاءِ مَنْ تظنُّه
الجزء: 9 - الصفحة: 423
زوجها 3 يقوم مقام وطء الشبهة، ولا اعتبار بِقَوْل الأطبَّاء: إن الماء إذا ضرَبَهُ الهواء، لم ينعقد منْه الولد، فهو شيْء مقول بالظَّنِّ لا ينافي الإمْكَان وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أن الاستدخال لا يوجب العدَّة إعراضاً عن النظر إلى شغل الرحم وإدارة للحكم على الإيلاج، ولا تقوم الخَلْوة مقام الدُّخول في القول الجديد، على ما مَرَّ في كتاب الصَّدَاق، قال الأئمة: ولمَّا كانَتِ عدَّة الطلاق لِطَلَب البراءة، لم تجب بالفراق عن مُطْلَق النكاح، بل اعتبر جريان سبب شغل الرحم؛ ليحتاج إلى معرفة براءته، ثم لا يُعتبر تَحقُّق الشغل، ولا تَوَهُّمُه، فإنَّ الإنزال خفيٌّ يختلف في حقِّ الاشخاص، وفي الشخص الواحد باعتبار ما يَعْرض له من الأشغال، فيعسر تَتبُّعه ويفتح، فأعرض الشرح عنْه، واكتفى بسَبَب الشّغل، وهو الوطء، الوطء بتغييب قَدْر الحشفة، وهذا صنيعه في تعْلِيق الأحكام بالمعاني الخفيَّة؛ ألا ترى أن للاعتقاد الصحيح الَّذي هو المطلوب.
وبه تحصل النجاة، لَمَّا كان أمراً خفيًّا؛ لكونه في الضمير، عُلِّقت الأحكام بالكلمة الظاهرة، حتَّى لو توفَّرت القرائن الدالَّة على أن الباطن يُخالِفُ الظَّاهر، كما إذا أُكْره على الإسلام بالسيف، لا يُبَالَي بها، ويدير الحكم على الكلمة، وأن مناط التكليف، وهو العقل والتمييز، لما كان خفيًّا يحصل على التدريج، ويختلف بالأشخاص والأحوال أعرضنا عن تتبعه ومعرفة كَمَالِهِ، وعلَّقنا البلوغ بالسن أو الاحتلام.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو طلَّق الخَصِيُّ زوجته بعد ما دخل بها، وجبت العدة، وإن بَعُد احتمال العُلُوق منه، على أنَّا قد ذكرنا أنَّه يلْحَقه الوَلَد على الأظْهَر، والمراد من الخَصِيِّ المسلول الخصيتين البَاقِي الذَّكَرِ، وأما مجبوب الذَّكَر الباقي الأنثيين، فلا يوجد منه الدُّخُول، فلا تجب عدَّة الطلاق على زوجته، إذا كانت حَائِلاً، فإن ظَهَر بها حمْل فقد ذكرنا في اللعان: أنه يلحقه الولد، فعليها العدة بوَضْع الحمل، والممسوح الذي لم يبق له شَيْءٌ لا يِتَصوَّر منْه دخول، ولو أتت بولد لا يلحقه على الظاهر، فلا يجبُ على زوجته عِدَّة الطلاق، ووطء الصبي، وإن كان في سنٍّ لا يولد له، يكفي في إيجاب العدة من الطلاق لأن الوطء شاغلٌ في الجملة على ما ذَكَرْنا، ولذلك لو عُلِّق الطلاق على براءة الرَّحِم يقيناً، وحصَلَت الصفة، وقَع الطلاق، ووجبت العدة، إذا كانت مدخولاً بها، ثم إن المصنِّف أودع الكلام في عِدَّة الطلاق في بابَيْن:
أحدهما: في كيفية العدة في الحرائر والإماء.
والثاني: في أنَّه إذا تعدَّد السبب الموجِبُ للعدة، متى تتداخل العدة، ومتى يمتنع التداخُل، وبَيَّن في صدْر الباب أن عدَّة الطلاق ثلاثة أنواع: الأقراء، والأشهر،
الجزء: 9 - الصفحة: 424
والحمل.
ولا مدخل للأقراء في عدَّة الوفاة، وإنما هي بأحد النوعين الآخرين، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالأَقْرَاءُ هِيَ الأَطْهَارَ (ح) * وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً لَمْ يَقَعْ إلاَّ فِي الطُّهْرِ* ثُمَّ بَقِيَّةُ الطُّهْرِ قرْءٌ وَاحِدٌ وَلَوْ لَحْظَةً* وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ فَالانْتِقَالُ لَيْسَ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ* وَالقُرْءُ هُوَ الطُّهْرُ المُحْتَوَشُ بِدَمَيْنِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ* فَبَقِيَّةُ طُهْرِ الصَّبِيَّةِ قَبْلَ الحَيْضِ لَيْسَ بقُرْءٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَرْء بالفتح يُجْمع على أَقْراء وقُرُوء وأَقْرُؤ، ويقال أيضاً: قُرْء بالضم، وزعم بعضهم أن القَرْء بالفتح هو الطهر وهو الذي يجمع على فُعُول، كَحَرْب وحُرُوب، وضَرْب وضُرُوب، والقُرْء بالضم الحيْضُ، ويُجْمع على أَقْرَاء كفعل وأفعال، والصحيح أنه لا فَرْقَ بين الضم والفتح، ويقع هذا الاسم على الحيض والطهر جميعاً، والحيض هو المراد فيما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: "دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" وفي قولهم: دفع فلانٌ جارِيَتَهُ إلَى ثلاثة تقرئها أي تمسكها حتَّى تحيض عنْدها، للاستبراء والطُّهْر هو المراد، بما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لابْن عمر -رضي الله عنه- وقد طَلَّق امرأته في الحَيْض "إنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا الطُّهْرَ ثُمَّ تُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلقَةً" وقول الأعشى:
...................... ... لمَا ضَاعَ فِيهَا من قُروءِ نِسانكَا 4
والكناية راجعة إلى الفرقة؛ والَّذي يضيع في غيبة الزوج طُهْر المرأة، وأما الحيض، فيستوي في حال الحضور والغيبة، ويقال: أقرأت المرأة فهي مُقْرِئٌ، إذا حاضت، وأقرأت إذا طَهُرَت، وقد قيل: إن اللفظة مأخوذةٌ من قولهم: قَرَأْتُ الطَّعَامَ في الشِّدْف، وقرأْتُ الماء في الحوض، أي: جمعْتُه، وقد تُحْذَفُ الهمزة، فيقال: قَرَبْتُ المَاءَ.
وزمان الطهر تجمع الدم في الرحم، وزمان الحيض تجمع شيئاً وترسل شيئاً، إِلى أن يدفع الكُلُّ، فيحصل معنى الجمع فيهما، وقيل: الأصل فيه الضَّمُّ، يقال: ما قَرَأَتْ فلانة جنيناً أي: لم تَضُمَّ رَحِمُهَا على وَلَدٍ، ومنه يسمى القرآن قُرْآناً؛ لأنه يضم السور والآيات، وهذا والجمع متقاربان، وقيل: هو مأخوذ من القرء والقارئ، وهو الوَقْت الذي يأتي فيه الشَّيْء، يقال: أَقْرَأَتْ حاجَتُكَ، أي دَنَتْ وَأَقْرَأَتِ الريح، إذا هبت لوقتها، وأَقْرَأَتِ المَرْأةُ، إذا دنا وقْتُ حَيْضَها أو طُهْرها، والقرء ذلك الوقت.
ثم في كيفيَّة وقوع الاسم وجْهَان للأصحاب:
الجزء: 9 - الصفحة: 425
أحدهما: أنه حقيقة في الطُّهْر مجازٌ في الحيض، فإن الطُّهْر هو الذي يجمع الدم في الرحم، ويحبسه، وقد قيل: إنَّه مأخوذٌ من قولهم أَقْرَأْتُ النُّجُوم إذا تأَخَّر مَطَرها، وأيام الطهر هي التي يتأخَّر فيها خروج الدم.
وأصحهما: أنه حقيقة فيهما جميعاً، والوجهان مبنيَّان على أنَّه يعتبر في اللفظ خصوصُ المعنيين وأنه ليس عبارة عن المعنى المشترك بينهما، وإلاَّ كان وقوعه علَيْهما كوقوع الحَيَوان على الإنْسَان وغيره، ولم يكن حقيقةً في أحدهما 5، مجازاً في الآخر، لا مشتركاً بْينَهما.
هذا ما يَتعلَّق بحال اللفظ ثم المراد عنّدنا من القُرْء المذكور في القرآن، والمحسوب من العدة الأطهار، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: المراد الحَيْض، وبه الاعتداد، عن أحمد روايتان، كالمذهبين، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُن [لِعِدَّتِهِنَّ]﴾ [الآية] 6 والمعنى: في زمان عدتهن، وقد توضَعُ اللاَّم موْضِع "في" كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] أي في يوم القيامة، وحذف لفظ "الزمان"؛ لأن العدة تستعمل مصدراً، والمصادر يُعَبَّر بها عن الزمان، يقال: آتيك خُفُوقَ النَّجْم أي زَمَانَ طُلُوعه وإشراقَهْ، وفعَلْتُ كذا مَقْدِمَ الحَجِيج أي زمان قدومهم، وإذا كان المعنى "فَطَلِّقُوهُنَّ في زمانِ عدتهن" كانت الآية إذْناً في زمان العدة، ومعلوم أن الطَّلاق في الحيض محرَّم، فينصرف الإذْن إلى زمان الطهر، ويتصف كونه زمان الطهر بكونه زماناً للعدة، وأيضاً قد مر في أول الطلاق أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم 7 - قرأ "لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ" وأن قَبْل الشَّيْء أوله، والطلاق المأذون فيه هو الطلاق في الطهر، فيكون ذلك أول العدة، ويروى أن الشَّافعيَّ وأبا عبيد القاسم بن سلام -رحمهما الله- تناظَرَا في القرء، وكان الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- يقول: إنه الحَيْض، وأبو عبيد يقول "إنه الطُّهْر" فلم يزل كل واحد منهما يقرِّر قوله حتى تفرَّقا، وقد انتحل كلِ واحد منهما مذْهَب صاحبه، وتأثَّر بما أورده من الحُجَج والشواهد، وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعيِّ -رضي الله عنه- قولٌ قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة، ثم الطهر المُفَسَّر به القرء، كيف يعتبر؟ فيه قولان:
الجزء: 9 - الصفحة: 426
قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في كتاب "الرسالة": المُعْتَبَر فيه الانتقال إلى الحَيْض، وهو الذي يُسمَّى قرءاً؛ أخذاً من قولهم "قَرَأَ النَّجْمُ" إذا طلع، "وقرأ" إذا غاب، وقد يقال قرأ أي انتقل من برج إلى برج، وقد يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض 8 إلى الطُّهْر؛ لوقوعه على الانتقال [من الطهر إلى الحيض،] وذكَرْنا شيئاً من التفريع عليه في أوَّل الطلاق.
وقال أبو سعد المتولِّي: الانتقال من الحَيْض إلى الظهر لا يَدُلُّ على براءة الرَّحِم؛ فإنَّها قد تحبل من الوطء في زمان الحيض، ثم ينقطع فيها، والانتقالُ من الطهر إلى الحيض يدل على البراءة؛ لأن الغالب أن الحَامِل لا ترى الدَّم، فاعتبر الشرع هذا الانتقال، ولم يعتبر ذلك الانتقال.
وقال -رضي الله عنه- في "الأم": المعتبر طهر مُحْتَوَشٌ بدمين لا مجرَّد الانتقال من الطهر إلى الحيض؛ وفي هذه المدة يحْصُل معنى الجمع والضم، وقد ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّويانيُّ وغيرهما أن هذا الثاني أصحُّ، لكنه يخالف ما حكينا في الطلاق؛ أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق في الحَال، إذا قال للتي لم تحفل: أنتِ طالق في كل قرْءٍ طلقةً مع تعلُّق الصور بهذا الأصل، ويجوز أن يجعل ترجيحه، لوقوع الطلاق لمعنًى يختص بتلك الصورة، لا لرجحان القول بأن القُرْء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض، وإذا طلَّقها، وقد بقيت من الطهر بقية، فتحسب تلك القية قرءاً، ويجوز أن يسمى بعْض القرء مع قرءين تامين ثلاثةَ أقراء، كما يقول القائل: خرجَت من البلد لثلاثٍ مضين مع وقوع خروجه في الثالثة، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد شوال، وذو القَعْدة، وبَعْضُ ذي الحجَّة، ولا فرق في الاعتداد بالبقية بين أن يكون قد جامَعَها فيه، أو لم يجامعْها، ويترتب على الخلاف في أن القرء الحيض أو الطُّهْر، قِصَرُ المدَّة وطُولُها، فمن قال: إنه الطهر، قال: إذا طلَّقها، وهي طاهر، فحاضت، ثم طَهُرت، ثم حاضت، ثم طَهُرت، ثم حاضت، فقد انقضت العدة، وإن طلقها في الحيض، فهذا شرعت في الحيْضة الرابعة، انقضت العدة [و] عنْد أبي حنيفة ومَنْ قال: إن القرء الحيض، إذا طُلِّقَت في الطهر، فلا تنقضي العدة ما لم تَطْهُر من الحيضة الثالثة وَلاَ تُحْتَسَب بقية الطُّهْر قرءاً، وإذا طُلِّقت في الحيض، لم تنقض العدة ما لم تطهر من الحيضة الرابعة.
واشترط أبو حنيفة مع الطهارة من الحيض أن تغتسل أو تتيمَّم عند العجز عن الماء أو يمضي عليها وقْت صلاة، إن انقطع دمها لما دون أكثر الحيض، وإن انقطع لأكثر، سَلَّم أنه لا يشترط شيْء من ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 427
وعن أحمد تفريعاً على أن القُرْء الحيض: أن العدة لا تَنْقَضِي حتى تغتسل، سواء انقطع الدم للأكثر أو لما دونه، قال الشَّافعي -رضي الله عنه-[و] 9 ليس في الكتاب والسنة ما يدل على اشتراط الغُسل في انقضاء العدة، وهل يُحْكَم بانقضاء العدة برؤية الدم للحيضة الثالثة أو الرابعة؟ الذي رواه الربيع والمزنيُّ: أنَّا نحْكُم به، وعن رواية البويطيِّ وحرملة اعتبار مضي يوم وليلة، وفيهما طريقان [للأصحاب:] 10
أشهرهما: أن المسألة على قولَيْن:
أحدهما: أنه يعتبر مضيه، ليُعْلَم أنه دم حيض.
وأصحهما: المنع؛ لأن الطاهر أن الذي طهر دم حيض، ولا يجب للعدة إلا ثلاثة قروء وقد رُوِيَ عن عائشة وزيْدِ بن ثابت -رضي الله عنهما- أنهما قالا: إذَا طَعَنَتِ المُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ.
وعن عثمان وابن عمر -رضي الله عنهما-: [أنَّها] "إذا طَعَنَتْ في الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَلاَ رَجْعَةَ لَهُ".
والثاني أن رواية الأولين محمولةٌ على ما إذا [رأت الدم على عادتها، ورواية الآخرين محمولة على ما إذا] رأته على خلاف عادتها، وإذا حكمنا بانقضاء العدة برؤية الدم، فلو لم يبلغ أقل الحيض، ولم يعد حتى مضي أقل الطهر بان خلاف ما ظَنَنَّاه، ولم تكن العدة منقضيةً حينئذ، ولحظة رؤية الدم أو اليوم والليلة إن اعتبرناهما [هل هما] من نفس العدة أو يتبين بهما انقضاء العدة، وليسا من نفس العدة؟ فيه وجهان:
أصحهما الثاني، ثم في الفصل صورتان متعلقتان بالخلاف في أن القُرْء طُهْر محتَوَش بدَمَيْن، أو هو الانتقال من الطُّهر إلى الحيض:
إحداهما: إذا قال: أنتِ طالقٌ في آخر طُهْرِكِ 11 أو في آخر جزء من أجزاء طُهْرِكِ، فهل يعتد بذلك الجزء أقراءً؟ فيه وجهان:
إن قلنا: القرء الانتقال منَ الطُّهْر إلى الحيض، فقد حصل، وإن قلنا: طُهْر محتوش بدَمَيْن، لم يمض عقيب الطلاق طُهْرُ، هذا حالُهُ، ولا بَعْضٌ، فيشْتَرَط بعد الحيضة المتصلة بالطلاق ثلاثةُ أطهار كاملة.
الثانية: التي لم تحض أصْلاً، قرؤها طهر أم لا؟ إن قلنا: القرء الانتقال، فَنَعْم، وإن قلنا: طُهر محتوش بدمين، فلا، وقد سبق ذكْر هذا فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً
الجزء: 9 - الصفحة: 428
في كل قرء طلقة، وسيعود في العدة لغرض آخر.
ونختم ما أوردناه بكلامين 12:
أحدهما: إذا أجَدتَّ التأمل فيه، عرفت أن قولهم "القرء هو الطهر المحتوش بدمين أو الانتقال من الطهر إلى الحيض" مَا عَنَوْا به الطهر بتمامه، كما هو قضية ظاهر اللفظ؛ لأنه لا خلافَ عنْدنا في أن بقيَّة الطهر محسوبٌ قرءاً، ولكن المُرَاد به، هل يعتبر من الطُّهر المُحْتَوَش شيْءٌ أم يكفي الانتقال؟ والمكتفون بالانتقال قالوا: الانتقال وحده قرء ثم إن وجد شيء من الطهر قبْله، فقد لا يخرجونه عن الاعتبار، ويجعلونه متناولاً باسم القرء؛ ألا ترى أنهم ذكَرُوا فيما إذا قال للتي لم تحض: أنتِ طالقٌ في كل قُرْء طلقةً؛ تفريعاً على هذا القول: أنه يقع الطلاق في الحال، ولم يؤخِّروا الوقوع إلى أن تحيض للانتقال، وهذا كما أن اسمْ البَدَن يقع على الجُنَّة التي لا يَدَ لَهَا، ثم اليَدُ مِنْ سليم اليَدَيْن متناولةٌ باسم البدن.
والثاني: لِيُعْلَم قوله في الكتاب "والأقراء هي الأطهار" بالحاء، والألف، ولو عُلِّم بالواو للمناظرة المحكية لم يبعد.
وقوله "ولو قال: أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً لم يقع إلا في الطهر" تفريع يتضح به معنى القرء، والمسألة بأحوالها مذكورةٌ في كتاب الطلاق.
وقوله "ثم بقيَّةُ الطهر قرءٌ" مُعْلَم بالحاء والألف، وقوله "أنت طالق مع آخر جزء من الطهر، فالانتقال ليس قرءاً على القول الجديد" لفظ: "الجديد" محمول على "الأمّ"، و"الرسالةُ" أيضاً تُحْسَب من الجديد، والقول بأنه ليس بقرء هو القول الذاهب إلى أنه طُهْر محتوش بدَمَينْ، فلو لم يتعرض لذكر الوجهين بعْده، ولم يقل "والقرء هو الطهر المحتوش بدمين على أحد الوجهين" وقال "فالانتقال ليس قرءاً على الجديد، بل هو الطهر المُحْتَوشَ بدَمَيْنِ، فبقية طُهْرِ الصبية قبل الحيض ليس بقرء" كان حسناً مُفيداً، وكأنه قصد بالسياق الذي ذكره أن في الطهر المحتوش قولَيْن: أن القرء هو مجرَّد الانتقال منه، أو يعتبر مع الانتقال كل الطهر أو بعضه.
وأما غير المحتوش، فهل الانتقال منْه مع بعضه طُهْرٌ أم لا؟ فيه وجهان:
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَعِدَّةُ الحُرَّةِ ثلاَثَةُ أَقْرَاءٍ* وَعِدَّةُ الأَمَةِ قُرْآنِ* فَإِنْ أُعْتِقَتْ فِي أَثْنَاءِ العِدَّةِ فَهِيَ كَالحُرَّةِ فِي قَوْلٍ* وَكَالأَمَة في قَوْلٍ.
وَفي القَوْلِ الثَّالثِ إِنْ كَانَتْ رَجْعيَّة التْحَقَتْ بالحُرَةِ، وإِنَّ كَانَتْ بَائِنَةً فَتَعْتَدُّ بِقُرْءَيْنِ* وَلَوْ وَطِئَ أَمَةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَعَلَيْهَا ثَلاَثَةُ أَقْرَاءٍ عَلَى أَحَدٍ الوَجْهَيْنِ* وَلَوْ وَطِئَ حُرَّةً عَلَى ظَنِّ أنَّهَا أَمَةٌ لَمْ يُؤَثِّرِ الظَّنُّ أَصْلاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 429
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألتان:
إحداهما: الحُرَّة التي تَطْهر وتحيض، تعتد من الطلاق بثلاثة قروء، والأَمَة تَعْتدُّ بقرءين عن عمر -رضي الله عنه 13 - أنَّه قال: "يُطَلِّقُ العَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأمَةُ بِقُرْءَيْنِ".
ويُرْوى ذلك عن ابن عمر 14 موقوفاً ومرفوعاً، قال الأئمة -رحمهم- الله تعالى: ومقتضى الأصول أن تعتد بقرء ونِصْفٍ؛ لأن كلَّ عددٍ يُؤَثِّر فيه الرِّقُّ بالنقصان، يكون الرقيق فيه على النصف مما عليه الحر كالحدود وعدد المنكوحات والقَسْم، إلا أن القروء لا تتبعض، فكُمِّل، كالطلاق، ووجَّهوا قولهم أن القُرْء لا يَتبعَّض، بأن القرء مُفسَّر بالانتقال نصفه أو بالطُّهْر بَيْن الدمَيْن، والانتقالُ لَيْس شيئاً يَتبعَّض، والطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْن إنَّما يظهر نصفه إذا طهر كلُّه يعود الدم، فلا بد من الانتظار إلى أن يَعُود الدَّم والمكاتبة وأم الولد [والمدبرة] في العدة؛ كالقُنَّة، وكذا مَنْ بعضها رقيقٌ، ولو وُطِئَت أمةٌ بنكاح فاسد أو بشبهة نكاحٍ اعتدت 15 بقرءين كما في الطلاق عن النكاح الصحيح، وإن وُطِئَتْ بشبهةِ مِلْكِ اليمين فتَسْتَبْرئ بقُرْء واحد.
وإن عَتَقَتِ الأمة المُطَلَّقة في العدَّةِ، نُظِرَ؛ إن كانت رجعيَّة، فقولان: الجديد واحد القولين في القديم: أنه يجب عليها تكميل عدة الحرائر.
والثاني، من قولَيِ القديم: أنَّها تقتصر على ما وجب في الابتداء، وهو قرءان، وإن كانت بائنة، فالقديم وأحد قولَي الجديد: أنها تعتد بقرءَيْن.
وللثاني أنها يُكَمِّل عدة الحرائر، وإذا أطلقت، قلت فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقنع بقرءين بائنةً كانت أو رجعيَّةً، وبه قال مالك -رحمه الله-؛ لأن الحرِّيَّة طرأت بعْد دخول العدَّة علَيْها، فلا يتغير الواجب بها.
والثاني، وبه قال المزنيُّ، أنها تكمل عدة الحرائر بائنةً كانت أو رجعيةً؛ لأنه وُجِدَ سبَبُ العدة الكاملة في أثْنَاء العدَّة، فتنتقل عليها كما لو رأَت الدم في خلال الأشهر.
والثالث، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: إن كانت رجعيةً، تكمل 16 عدة الحرائر، وإن كانت بائنةً، فلا؛ لأن الرجعية كالمَنْكُوحة في كثر الأحكام، فصار كما إذا عَتَقَت قبْل الطلاق، وهذا كما أن الرجْعِيَّة تنتقل إلى عدَّة الوفاة، لو مات عنها زوْجُها، والبائنة لا تنتقل، وهو أصَحُّ الأقوال، فيما ذكر صاحب "التهذيب" وجماعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 430
وعن أبي إسحاق الثاني -الذي اختاره المزني-، وعلى ذلك جرى المحامليُّ وصاحب "المهذب" وغيرهما: ولو طلَّق العَبْد زوْجَتَه طلاقاً رجعيًّا، فَعَتَقَتْ في العدَّة، فقد مر في خيار العتق أن لها أن تفسخ 17 في الحال أو تؤخر، وأنَّها إنْ فسَخَت، فتستأنف عدَّةٌ أخْرَى أوْ تُبْنَى على تلْكَ العِدَّة فيه خِلاَف يُذْكَر فيما إذا طَلَّق الرجعية طلقةً أخرى، وعن أبي إسحاق وغيره: القَطْع بأنها تبني، ويجري الطريقان فيما لو أخَّرت الفسْخَ، حتى راجعها الزوج ثم فسَخَتْ قبْل الدخول، قال في "التتمة": والمذهب أنها تستأنف؛ لأنها فسَخَت، وهي زوجه، والفَسْخ يوجب العدة، وحيث قلنا: تستأنف فتستأنف عدة الحرائر، وإذا قلْنا تبني، فتكمل عدة الحرائر أو تقتصر على عدة الإماء؟ فيه الخلافُ المذكُورُ فيما إذا عَتَقَتْ في عدتها، ولا فَسْخَ، وعن ابن أبي إسحاق: القَطْع بأنها تستأنف؛ لأن الفسْخ سَبَبٌ لانقضاء العدَّة.
الثانية: [ولو] 18 وطئ أمةَ إنسانٍ على ظنِّ أنها أمته، قال في "التتمة": لا يلزمها إلا قرء واحدٌ؛ لأنها في نَفْسها مملوكة، والشبهة شبهةُ ملك اليمين، ولو ظنها زوجته المملوكة، حكى فيه وجهَيْن:
أحدهما: أنه يجب قرء واحدٌ؛ لأنها مملوكَةٌ في الحقيقة.
وأظهرهما، وبه أجاب العبَّادِيُّ: أنه يجب قرءان؛ لأن الزوجة المَمْلوكة كذلك تَتربَّص وهو يعتقدها زوجة مملوكة، وإن ظنها زوجته الحُرَّة فهذه صورةُ الكتاب، وفيها الوجهان: إن اعتبرنا اعتقاد 19 الرجل، فعليها ثلاثة أقراءٍ، وإلا ففي "التتمة" أنه لا يجب إلا قرء واحدٌ، وفي "الوسيط" وغيره: أنه يجب قرءان؛ لأن الزوجة المملُوكَةَ هكذا تتربَّص 20، ولو وطئ حرَّةً على ظَنِّ أنها أمته المملوكة، فقد قطع قاطعون بأنه يلزمها 21 ثلاثة أقراء؛ لأن الظنَّ يُؤثِّر في الاحتياط لا في المساهلة، وأجرى المتولِّي الوجهَيْن، إن اعتبرنا حالها، وجب ثلاثة أقراء، وإلا، فيكفيها قرءٌ واحدٌ؛ لأن الزَّوْج يعتقد أنَّه وطئها وطْئاً لا يوجب الاستبراء، وأجرى الوجهَيْن فيما إذا ظنها زوجته المملوكة، ففي وجْهٍ: يجِبُ ثلاثة أقراء، وفي وجْهٍ قرءان، والأشبه النَّظَر إلى ظَنِّ الرجل، واعتقاده فإن العدة إنما تجب رعايةً لحقه، وأنها كانت على ظَنِّه، فكما يؤثر الظنُّ في أصل العدَّة جاز أن يؤثر الظن في صفة العدة وقدرها 22.
الجزء: 9 - الصفحة: 431
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالعِدَّة بِالأَقْرَاءِ ظَاهِرَةٌ فِي المُسْتَقِيمَةِ العَادَةِ* وَكَذَلِكَ فِي المُسْتَحَاضَةِ المُمَيِّزَةِ أَوِ الحَافِظَةِ لِلعَادَةِ* وَأَمَّا النَّاسِيَةُ فَيَكْفِيهَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهَلَّةِ فَإِنْ طُلِّقَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فَيَكْفِيهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ وَشَهْرَانِ آخَرَانِ* وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ فَلاَ بُدَّ مِنْ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلشَّهْرِ المُنْكَسِرِ وَشَهْرَيْنِ آخَرَيْنِ* وَقِيلَ: يَكْفِيهَا شَهْرَانِ آخَرَانِ* وَقِيلَ: إِذَا انْكَسَرَ شَهْرٌ انْكَسَرَ الثَّلاَثُ فَلاَ بُدَّ مِنْ تِسْعِينَ يَوْماً* وَقِيلَ: إِنَّ عَلَى النَّاسِيَةِ الصَّبْرِ إِلَى سِنِّ اليَأْسِ* أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ* أَوْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ* لأَنَّ الطُّهْرَ رُبَّمَا زَادَ عَلَى أَشْهُرٍ* وَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِنْ قَوْلِ الاِحْتِيَاطِ* وَلَكِنْ لاَ يَجْرِي هَذَا فِي الرَّجْعَةِ وَالسُّكُنَى بَلْ فِيمَا عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرأة بالقِسْمة الأُولَى؛ إما أن ترى دماً أو لا تراه، إن كانَتْ تراه؛ فإما أن يكون لها طُهْرٌ وحيضٌ صحيحانِ، وإما أن تكون مستحاضةٌ، وإن كانَتْ لا تراه، فإما أن تفْقِده بسبب يُعْهَد، ويستمر كالصغيرة الَّتي لم يُفَاتِحْها الدم والآيسة، وإما أن تفْقِده، لأمر عارضٍ فهؤلاء أصنافٌ مِنَ النِّسْوة، الصنف الأول: اللواتي لهن حَيْضٌ وَطُهْر صحيحان، فيَعْتَدِدْن باقرائهن، وإن تباعد حيْضُهن، وطال طهرهن.
والثاني: المستحاضات فإن كان للمستحاضة مَرَدٌّ، فتعتد بالأقراء المردود إلَيْهَا، وقد عَرَفْت في الحيض أن المعتادة مردودة إلَى عادتها، وأنَّ المميِّزة مردودةٌ إلى التمييز، وأن في المبتدأة قولَيْن:
أحدهما: الرد إلى الغالب، وأصحهما: الردُّ إلى الأقل، وعلى القولَيْن: إذا مضت ثلاثة أَشْهُرٍ، فقد انقضت عدَّتُها لاشتمال كلِّ شَهْر على حَيْض، وطهر غالباً وشَهْرها 23 ثلاثون يوماً، والحساب من أول رؤية الدَّم، هكذا أطلق، ويمكن أن يعتبر بالأهلة على ما سنَذْكر في الناسية، وقد أشار إلَيْه مُشيرون 24، وإن لم يكن لها مَرَدٌّ، وهي الناسية المتحيرة، فقد ذكرنا في الحَيْض قولين:
أحدهما أنها كالمبتدأة.
الجزء: 9 - الصفحة: 432
والثاني، وهو الأصح: أن عليها الاحتياطَ، فإن جعلناها كالمبتدأة، فتنقضي عدتها إذا مضت ثلاثة أشهر، وإن قلنا بالاحتياط، فوجهان:
أصحُّهما، وهو المذكور في الكتاب، في "باب الحيض": أن الجواب كذلك كيلا تبقى معلَّقة طُولَ عُمْرها، وليس كالاحتياط في العبادات، فإن المَشَقَّة فيها لا تَعْظُم عِظَم مشقة الانتظار، والتعطيل إلى سنِّ اليأس.
والثاني، عن رواية صاحب "التقريب" وغيره: أنها تُؤْمَر بالاحتياط، كما سنذكر في التي تباعد حيْضها، وعلى هذا تُؤْمر بالتربُّص إلى سن اليأس، أو أربع سنين أو تسعة أشهر، ولا نقول بامتداد الرجعة وحق السكْنَى جَمِيعَ هذه المدَّة؛ لأن الزوج يتضرَّر به، بل لا يزيد ذلك على ثلاثة أشْهُر، ويختص الاحتياط بما يتعلَّق بها، وهو تحريم النكاح، وإذا قلنا: تنقضي عدتها بثلاثة أشهر، فالاعتبار بالأشهر الهلالية، فإن انطبق الطلاق على أول الهلال، فذاك، وإن وقع في أثناء الشَّهْر الهِلالِيِّ؛ فإن كان الباقي أكْثَرَ مِنْ خمسةَ عَشَرَ يَوْماً، يُحْسَبُ ذلك قُرْءاً أيضاً وإن كان خمسة عَشَر فما دونها يحتسب قرءاً؟ فيه وجهان:
أحدهما نعم لأن الغالب أنه طُهْر، وأن الحيض يكون في أول الهلال.
وأظهرهما، على ما ذكره الإِمام وغيره، وبه أجاب الشيخ أبو حامد: أنه لا يُحْسَب ذلك قرءاً؛ لاحتمال أن يكون كُلُّه حيضاً، والتوجيه المذكور غير مُسلَّم، ولا معلومٍ، وعلى هذا، فقد ذكر أكثرهم أنَّ ذلك الباقي لا اعتبار به، وتدخل في العدة عنْد استقبال الهلال، فتمكث ثلاثة أشهر، وتنقضي بها عدتها، والمفهوم مما لهم من تصريح وتلويح: أن الشُّهور ليست متأصِّلة في حق الناسية، ولكن يحسب كلُّ شهر في حقِّها قرءاً؛ لاشتماله على حَيْض وطُهْر في الغالب، وأشار بعْضُهم إلى أن الشَهور أصْلٌ في حقها، كما في حقِّ الصَّغِيرة والمجنونة 25، وقضية هذا أن تدخل في العدة من وقت
الجزء: 9 - الصفحة: 433
الطلاق، وتكون كما إذا طَلَّق ذَاتَ الأَشْهُر في أثناء الشهْر الهلاليِّ، فتعد المنكسر، وتمكث شهرَيْن بالأهلة، وتتم المنكسر ثلاثين أو تَعُدّ تسعين من يوم الطلاق، على خلاف سنذكره، وعلى هذا، ينطبق قوله في الكتاب "وإن بَقِيَ أقلُّ فلا بدَّ من ثلاثين يوماً للشهر المنكسر" إلى آخره، وهذا لم أره في المستحاضة الناسية، إلا في هذا الكتاب، واعلم أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- قال في "المختصر": فإذا أهلَّ الهِلاَل الرَّابع، انقضتْ عدَّتها، يعني الناسية، [و] في رواية الربيع -رحمه الله-: أنه قال: إذا أهلَّ الهلالُ الثالثُ، انقضَت عدَّتُها، وكذلك نُقَل عن رواية المزنيِّ في "الجامع الكبير" وللأصحاب فيهما طريقان، فالذين جعلوا الباقي من الشَّهْر قرءاً كم كان قالوا: إنه عُدَّ على رواية المزنيِّ الشَّهْر الذي وقع فيه الطلاق من الأهِلَّة؛ لأنه محسوب من الأقراء، فكذلك يُحْسَب من الأهلة، وعلى رواية الرَّبيع: لم يعدَّه من الأهلة؛ لأنَّه متقدِّمِ على وقوع الطلاق، ولا خلاف في الحقيقة، والذين شَرَطوا أنْ يكون الباقي أكْثر من خَمْسة عشر، حَمَلوا رواية المزنيِّ على ما إذا كان الباقي خمْسةَ عَشَر فما دونها، وقالوا: الذي ذكره ذَهَابٌ إلى أنه لا يُحْسَب قرءاً وتعتد بعده بثلاثة أشهر، فإذا أهلِّ الهلال الرابعُ، انقضت العدة، وحملوا رواية الرَّبِيعِ على ما إذا كان الباقي أكْثَرَ منْ خمسة عشر، فتعتد به قرءاً، وتمكث بعده شهرين، فإذا أهل الثالث، انقضت العدةُ، والشَّهرُ الَّذي وقع فيه الطلاقُ على هذه الطريقةِ غَيْر محسوب من الروايتين جميعاً، ولو كانت الناسية منقطعة الدم ترى يوماً دماً، وآخر نقاءً، فلا تنقضي عدتها ما لم يمض ثلاثة أشهر، سواءٌ قلنا بالتلفيق، أو لم نَقُلْ، والأطْهار والنَّاقصة المتخلِّلة بين الدماء لا تنقضي بها العدَّةُ بحال، وهذا قد وَقَع التعرُّض له في الحيض، وقوله في الكتاب "والعدة بالأقراء ظاهرة في المستقيمة العادة" عني بالمستقيمةِ العادةِ التي لها حَيْضٌ وطُهْرٌ صحِيحَانِ، وفي بعض النسخ "والحيض والأقراء ظاهرة" وهو قويم أيضاً.
وقوله: "وكذلك في المستحاضة المميِّزة الحافظةِ للعادة" يعني أن الأمر ظاهر في حقهما أيضاً؛ لأن لهما مرداً يردان إليه حيضاً وطُهْراً.
وقوله "وأما الناسية، فيكفيها ثلاثة أشهر بالأهِلَّة" يجوز أن يُعلَم قوله "بالأهلة" بالواو؛ لأنه حُكِيَ عن القفَّال وجْه: أن الناسية لو كانَتْ قد جُنَّت في الصِّغَر، ثم أفاقت = والطهر سوى الهلال.
وقال في المطلب: الصحيح أن الأشهر غير مقصودة لعينها بل لجرها، وعليه نص في الأم.
انتهى.
الثاني: ما حكاه عن إشارة بعضهم من قضية كلام ابن أبي هريرة في تعليقه وأدخلها في الآية وبذلك صرح الماوردي، وأن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر من وقت الطلاق سواء طلقها في ابتداء شهر أو في أثنائه، وادعى أنه ظاهر النص.
الجزء: 9 - الصفحة: 434
بعد البلوغ، وقد استمر بها الدَّمُ، ولا يُعرف أنه كيف كان حيضها وطهرها، يجعل ابتداءُ شهرها يوم إفاقتها، وتَعْتَدُّ من يومئذٍ ثلاثين ثلاثين، وقد ذكَرْنا هذا طرفاً منه في "كتاب الحيض".
وقوله "وإن بقي أقلُّ فلا بد من ثلاثين يوماً للشهر المنكسر وشهرين آخرين" يجوز إعلامه بالواو؛ لأمرين: أحدهما: للوجه الذاهب إلى أن الباقي، وإن كان أقلَّ من خمسةَ عَشَرَ، يُحْسب قرءاً، ويكفيها معه شهران آخران.
والثاني: ما ذكرنا أنه من تفرُّدَات الكتاب، وأن الذي يُوجَد لغيره تفريعاً على أن الباقي إذا كان دون خمسةَ عَشَرَ لا يُحْسب قرءاً؛ لأنها تمْكُث ثلاثةَ أشْهُرٍ بالأهلَّة بعد تلك البقية.
وقوله "وقيل: إنَّ عَلَى النَّاسِية الصَّبْرَ إلَى سِنَّ اليَأْسِ" هو الوجه المفرَّع على قول الاحتياط، المقابل لقوله أولاً "فيكفيها ثلاثة أشهر بالأهلة" والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا) الصَّغِيرَةُ وَالآيِسَةُ فَتُعْتَدَّانِ بِالأَشْهُرِ* وَلَوْ رَأَتِ الصَّغِيرَةُ دَماً قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ فَدَم فَسَادٍ* وَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ الاعْتِدَادِ بِالأَشْهُرِ لَمْ تَسْتَأنِفْ* وَإِنْ رَأَتْ قَبْلَ الفَرَاغِ اسْتَأْنَفَتْ (وَأَمَّا الأَمَةُ) فَتَعْتَدُّ بِشَهْرَيْنِ بَدَلاً عَنْ قُرْءَيْنِ* وَقِيلَ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ لأَنَّهُ التَّبْعِيضَ* وقيلَ بِثَلاَثِةِ أَشْهُرٍ أَخْذاً مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي أُمِّ الوَلَدِ إِذَا عَتَقَتْ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ* وَبِشَهْرٍ عَلَى قَوْلٍ بَدَلاً عَنْ قُرْءٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْف الثالث: اللواتي لا يَريْنَ الدم لِصِغر أو يأْس يعتَدِدْنَ عن الطلاق بثلاثة أشهر، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وليس المراد من الصغيرة التي لم تَبْلُغ بل التي لم تَحِضْ كما هو لَفْظ القرآن، سواء بلَغَتْ سن المحيض، أو لم تبْلُغ، وعن أحمد في إحدى الروايتين: أن التي بلَغَتْ سنَّ المحيض تتربَّص تسعة أشهر، هي غالب مدة الحمل؛ لتظهر براءة الرَّحِم، وثلاثة أشْهُر بعدها.
وقوله في الكتاب "ولو رأَتِ الصَّغيرة دماً قبْل تسْعِ سِنِينَ، فدَم فَسَادٍ" لا ضرورة إلى ذكره هاهنا، فالقول في سن الحيض قد سَبَق في "كتاب الحيض"، والمذكور هاهنا هو الجواب الأصح، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنَّ أوَّل السنة التاسعة أوَّل إمكان الحيّض، والوجه الآخر، أنَّه يدْخل وقْت الإمكان بمضي ستة أشهر منْها، والكلام في سنِّ اليأس سيأتي من بعد، ولو ولَدَتِ المرأة ولم تر حيضاً قبل الولادة ولا تقاسا بعدها، فتعتد بالشُّهور؛ لظاهر الآية أو هي كمن انقطع دمُها بلا سببٍ ظاهر؛ لأن الحَمْل لا يكون إلا لذوات الأَقْراء، فيه وجهان، وينسب الأول إلى الشيخ أبي
الجزء: 9 - الصفحة: 435
حامد 26 -رحمه الله- ثم الأشهر: معتبرة بالخلال، وعليه تَدُور المواقيت الشرعية، فلو انطبق وقوع الطلاق على أول الشهْر الهلالي، فلا إشكال، وان وقع في أثنائه، وانكسر ذلك الشهْر، فيعتبر بعده شهران بالهلال، ويكمل المنكسر ثلاثين، سَوَاءٌ كان ذلك الشهر كاملاً أو ناقصاً، وعن ابن بنْتِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه إذا انْكَسَر شهْر، انكسر كل شهر؛ لأن المنكسر يتمم بما يليه، فينكسر أيضاً، والظاهر الأَوَّل، وقد مرَّ للمسألة نظائرُ، وعن أبي حنيفة: مثل ما عن ابن بنت الشَّافعي؛ والأثبت عنه: أن الشهرَيْن بعْد المنكسر، يعتبران بالهلال، ويُتَدَارك من الرابع قدْرُ ما فات من المنكسر، وإذا وقع الطلاق في أثناء النهار أو الليل، أدخل الباقي في الحساب، وعن مالك: أنه لا يَدْخُل، وتُحْسب العدة من أول الليل أو النهار، وانطباقُ الطَّلاق على أول الشهر يَظْهر فيما إذا علّق الطلاق بانسلاخ الشَّهْر أو بأول الشهر الَّذي عليه، أما التنجز فإنه، وإن ابتدأ به في أول الشهر، فإلى أن يتمَّ لفْظه، يذهب جزء من الشهر وينكسر، وقد يُصوَّر الابتداء باللفظ، بحيث يعتمد 27 الفراغ منه بأول الشهر، ولو اعتدت الصغيرة بالأشْهُر، ثم حاضت بعْدها، لم يجب الانتقال إلى الأقراء، ولو وجَب، لم يَحْصُل الاعتداد بالأشهر؛ لأن الغالب من كل 28 صغيرة الانتهاء إلى الأقراء؛ فإن حاضت قبل تمام الأشْهُر، فقد قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل، فتنتقل إلى الأقراء، كالمتيمم إذا وَجَد الماء في خلال التيمم، وهل يُحْسَب ما مضي قرءاً فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال ابن سُرَيْج: نعم؛ لأنه طُهْر يعقبه حيْض.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق: لا، كما أن ذات الأقراء إذا يئست قبل تمام الأقراء
الجزء: 9 - الصفحة: 436
تعتد بثلاثة أشهر، ولا يُحْسَب ما مضى شهراً، وهذا أقرب إلى ظاهر 29 النصِّ، وقد تَبيَّن الخلاف على ما مَضَى أن القرء طُهْر محتَوَش بين دمَيْن أو هو مجرَّد الانتقال، هذا حكم الصغيرة والآيسة الحرتين، أما إذا كانت الأمة صغيرةً أو آيسة فبم تعتد؟، فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تعتدُّ بشَهْرَيْن؛ لأن الشُّهور بَدَلٌ عن الأقراء، والأمة تعتد بقرءين، إن كانت من ذوات الأقراء، فإذا لم تكُنْ تعْتَدُّ بشهرين.
والثاني: تعتدُّ بشَهُّر ونصف، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الأصْلَ فيما ينقص بالرِّقّ من الأعداد النِّصْف، والشهر قابل للتنصيف، بخلاف الأقراء، و [صار] كما أنها تعتد عن الوفاة بشهْرَيْنِ وخَمْس ليالٍ.
والثالث: أنَّهَا تعتدُّ بثلاثة أشْهُر؛ لأنَّ الماءَ لا يَظْهر أَثَره في الرَّحِم إلا بَعْد هذه المدة؛ إذِ الولد يَتَخَلَّق في ثمانين يوماً، ثم يتبيَّن الحمل بعْد ذلك، وما يتعلَّق بالطبع لا يختلف بالرِّقِّ والحرية، وهذا القول الثالث؛ يخرج من أحد قولَيْه في المستولدة، إذا أعتقت أنها تعتدُّ بثلاثة أشهر، وفيها قول آخر: أنها تعتد بشهر بدلاً عن قرء، وهو كقول الشهرين هاهنا، ولا مجال للشَّهْر والنصف، وعن أحمد ثلاث رواياتٍ؛ كالأقوال، وذكر المحامليُّ -رحمه الله- أن الصَّحيح من الأقوال: أنها تعتد بثلاثة أشْهُر، واختاره الرُّويانيُّ؛ للاحتياط، وقال: إن القياس وظاهر المذهب: الشَّهْر والنَّصْف، وعليه جمهور أهل خراسان من أصحابنا، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) الَّتِي تَبَاعَدَتْ حَيْضَتُهَا بِرِضَاعٍ أَوْ عِلَّةٍ فَعَلَيْهَا انْتِظَارُ الحَيْضِ وَلاَ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ* وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ أَصْلاً وَإِنْ كَبِرَتْ فَتَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ* وَإِنْ كَانَ الانْقِطَاعُ بَعْدَ الحَيْضِ بغَيْرِ عِلَّة فَالقَوْلُ الجَدِيدُ أَنَّهَا تَصْبِرُ إِلَى سِنِّ اليَأْسِ ثِمَّ تَعْتَدُ بِثَلاَثةِ أَشْهُرٍ* وَالقَوْلُ القَدِيمُ أَنَّهَا تَتَرَبّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِنَفْي الحَمْلِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-* وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَدِيمٌ أنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف الرابع: اللواتي فَقَدْنَ الدم، على خِلاَف المعْهُود؛ لعارض، يُنْظَر فيهن، فان انقطع دمُها؛ لعلةٍ تعرف كرضاعٍ، ونفاس، ومرض وداءٍ بَاطِنٍ، فتصبر إلى أنْ تحيض 30، فتعتد بالأقراء أو إلى أن تَبْلُغ سنَّ اليأس، فتعتد بالأشهر، ولا تبالي
الجزء: 9 - الصفحة: 437
بطول مدة الانتظار، وقد روي أن حبان 31 بن منقذ طَلَّق امرأته طلقةً واحدةً، وكانَتْ لها [منه] بُنَيَّة صغيرة تُرْضِعها، فتباعد حيضها، ومَرِضَ حبان، فقيل له: إنَّكَ إنْ مِتَّ وَرَثَتْكَ، فَمَضَى إِلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيُّ وَزَيدٌ -رضي الله عنه- فسأله عن ذلك فقال لِعَلِيٍّ وزَيْدٍ -رضي الله عنهما-: ما تَرَيَانِ، فَقَالاَ: تَرَى أنَّهَا إِنْ مَاتَتْ، وَرِثَهَا، وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسْن من المحيض، ولا من اللائي لم يَحِضْنَ، فرجع حبان إلى أهْلِهِ، فانتزع البِنْتَ منْها، فعَادَ إلَيْها الحَيْض، فحاضَتْ حيضتين، ومات حبان قَبْل انقضاء الثالثة، فَوَرَّثَهَا عثمانُ -رضي الله عنه-.
وإن انقطع لا لعلة تُعْرف، ففيه قولان: الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها تصبر إلى أن تحيض، فتَعْتَدُّ بالأقراء أو تبلغ سن اليأس، فتعتد بثلاثة أشهر؛ لأنَّ الاعتداد بالأشْهُر إنما وَرَدَ في اللائي لم يَحِضْن أو يئسن وهذه خرجت عن اللائي لم يحضن، فينتظر دخولُها في اللائي يئسن، وأيْضاً، فإنها مطلَّقة ترْجو عَوْدَ الدَّم، فلا تعتدُّ بالشهور، كما لو انقطع دَمُها لِعَارض معْلُوم 32، وروي أن علقمة طلَّق امرأته طلقةً أو طلْقَتَيْن، فحاضَتْ حيْضَةً ثم ارتفع حيْضُها سبعةَ عشَرَ شَهْراً، ثم ماتت، فأتى ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال: "حَبَسَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِيرَاثِهَا"، وَوَرَّثَهُ مِنْهَا، والقديم: أنها تتربَّص زمان الحمل؛ لتعرف فراغ الرحم، ثم تعتد بثلاثة أشْهُر؛ وذلك لأن الانتظار إلى سن اليأس مما يشتدُّ ضرره؛ أما في حقِّ الزوجة، فلأنها تبقى محبوسة إلى سن اليأس، ولا يكاد يُرْغَب فيها بعْد تلك الغاية، وبتقدير أن يرغب راغبٌ، فلا يمكن تدارُكُ ما فات، ولا يعود الشباب، وأما في حقِّ الزوج؛ فلأنه يلْزَمُه النَّفَقَة، إن كانت رجعيَّة، وكذلك السُّكْنَى، على هذا، فقولان: أظهرهما، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنها تتربَّص مدة العمل غالباً، وهي تسعة أشهر، فإذا انقضت، اعتدت بثلاثة أشهر، وهذا مذهب عمر -رضي الله عنه- وروي 33 أنه قال: "أيّمَا امرأة طُلِّقَتْ، فحَاضَتْ حَيْضَةً أو حَيْضَتَيْن، ثمِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، فإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فإنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإلاَّ، اعْتَدَّتْ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ وَحَلَّتْ ".
والثاني: أنها تتربَّص أربع سنين لتتيقن براءة الرَّحِم، فهي أكثر مدَّة الحمْل، ثم تعتد بعده بثلاثة أشهر، وقد تجب العدة تعبُّداً مع معرفة البراءة، كما إذا علق الطلاق بوَضْع العمل، فوضعت، يلزمها العدة، وإن تَحقَّقت البراءة، فهذه ثلاثة أقوال، إذا
الجزء: 9 - الصفحة: 438
جُمِعَت؛ جديدٌ وقديمان، ونسب أبو الفرج الزاز الأول من القديمين إلى رواية الزَّعْفَرَانِيِّ، والثاني إلى رواية البُوَيْطِيِّ، وذكر أن بعض أصحاب خَرَّج قولاً ثالثًا على القديم؛ وهو اعتبار أقل مدة الحَمْل، وهو ستة أشْهُر؛ لأنه تظهر أمارات الحمل في هذه المدة وإن لم تَلدْ، فإذا لم تظْهَر، اعتدت بالأشهر، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانِيِّ وغيره: أن بعض الأصحاب رَجَع عمَّا قاله في القديم صريحًا، ولْيُعْلَم قوله "تصبر إلى سن اليأس" بالميم والألف، وقوله "تَتَرَبَّصُ تسعة أشهر" و"تتربَّصُ أربع سنين" بالحاء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى القَدِيمِ فَحَاضَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالعِدَّةِ وَالنِّكَاحِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ* وَإنْ حَاضَتْ قَبْلَ تَمَامِ التِّسْعَةِ بَطَلَ التَّرَبُّصْ وانْتَقَلَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ* فَإنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا اسْتَأْنفَتِ التَّرَبُّصَ وَالعِدَّةَ جَمِيعًا* وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ بِالتِّسْعَةِ وَلَكِنْ فِى العِدَّةِ اسْتَأنفَتِ التِّسْعَةَ وَلَكِنْ هَلْ تَبْنِي عَلَى الثَّلاَثةِ أَمْ تَسْتَأْنِفُ فِيهِ خِلاَفٌ* فَإِنْ قُلْنَا بِالبنَاءِ اسْتَكمَلَتْ ثَلاَثةَ أَشْهُرٍ بِالحِسَابِ* وَقِيلَ: يَكْفِيهَا شَهْرَانِ وَمَا مَضَى يُجْعَلُ قُرْءًا وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ البَدَلِ وَالمُبْدَلِ وَهُوَ بَعِيدٌ* وَلَوْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ المُدَّتَيْنِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ فَالنَّصُّ أنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الأَقْرَاءِ* وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ العِدَّةَ قَدْ تَمَّتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْل للتفريع على القديم، والذي يليه التفْريع على الجديد.
أما تفريع القديم؛ فلو أن التي أمرناها التربُّص، والعدة حاضَتْ، فلها أحوال:
إحداها: أن تحيض بعْد التَّربُّص والعدة، وبعد ما نَكَحت زوجاً آخر، فيستمر النكاح لِحَقِّ الثاني، ولا أثر لرؤية الدم بعْد ما ترتَّب على بدله مقصودُه، كما لو رأى المتيمِّم الماء بعْد ما صلَّي، ويُخَرَّج مما في أمالي أبي الفرجالسرخسي وجْهٌ: أنه يتبين بطلان النكاح؛ لأنها إذا حاضَتْ، تبيَّن أنها لم تكن من ذوات الأشهر.
والثانية: إذا حاضَت قبل تمام التربُّص، يبطل التربُّص، وتنتقل إلى الأقراء، ويُحْسب ما مضى قرءاً، فتَضُمُّ إليه قرءين آخرين، وإنما وجَب الانتقال إلى الأقراء؛ لأنها الأصْل، وقد قَدرت عليها قبل الشروع في البَدَل، فإن لم يعاودْها الدم، ولم تتم الأقراء، استأَنَفَتْ مدة التربص؛ لتعتد بعده بالأشهر، وذلك التربُّص قد بَطَل بظهور الدم، وقال في "التتمة": إنما أَمرْناها باستئناف التربص؛ لأنَّا على هذا القَوْل لا تَعتبر اليأس، إنما تَعْتبر ظهور براءة الرَّحِم، وقد ظهرت البراءةُ وَرُؤْيَةُ الدم تولِّد ظن البراءة، والمشهور الأول.
والثالثة: إذا حاضت بعد التربُّص، ولكن في مدة العدة، تنتقل إلى الأقراء كما في الحالة الثانية، فإن لم يعاودْها الدم، عاد المشهور، والمذكور في "التتمة" وإذا تربَّصت
الجزء: 9 - الصفحة: 439
فتبني الأشهر على ما مضى من الأشهر الثلاثة أم تستأنف الأشهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: تستأنف كما تستأنف مدة التربص.
وأظهرهما: أنها تبني؛ لأن ما مَضَى من الأشهر كان من صلب العدَّة فلا معنى لإبطاله، بخلاف مدة الانتظار، وعلى هذا، ففي كيفية البناء وجهان:
أحدهما، ويُحْكى عن رواية صاحب "التلخيص": أن ما مضى يُعَدُّ قرءاً؛ لأنها انتقلت منْه إلى الحَيْض، ويبقى عليها قرءان، فتعتد بدلها بشهرين 34 وعلى هذا، فلو حاضت مرتين، ضمت إليهما شهراً بدلاً عن القرء الثالث.
وأصحهما، ويقال إنَّه المنصوص: أنها تنظر فيما مضى، وتضم إليه ما يَبْلُغ ثلاثة اْشهر، ولا تضمُّ ببعض الأشهر إلى بعْض الأقراء؛ فإنَّ المشهور بَدَل الأقراء، والواجب الواحد لا يُؤَدَّى ببعض الأصْل، وبعض البدل كما في خصال الكفَّارة، وكما في الوضوء مع التيمُّم، وهذا معنى قوله في الكتاب "وهَذا جَمْعٌ بين البدل والمبدل" وهو بعيد، هذا [على] 35 ما ذكره الأصحاب -رحمهم الله- فيما إذا لم يعاودْها الدم في الحالة الثانية والثالثة، ولم يقولوا: إذا لم يعد إلى مدة كذا [ويشبه أن يضبط بعادتها القديمة أو بغالب عادات النساء].
والرابعة: إذا حاضت بعد التربّص والأشهر، وقبل النكاح وجهان أو قولان:
أحدهما، ويُنْسب إلى النص: أَنَّها تنتقل 36 إلى الأقراء؛ لأن البَدَل لم يتَّصل بالمقصود، ولم يتعلَّق بها حقُّ زوج آخر، وكان يكتفي 37 بالأشهر على ظن أنها لا تَرَى الدم، فقد ظهر خلافُه.
والثاني: المنع؛ لأنا قد حكَمْنا بانقضاء العدَّة، فلا تُغيِّر الحكْم بما يوجد 38 من بعدُ، كما لو حاضَتْ بعد نكاح زوج آخر، ورجَّح القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- هذا الوجْه، ونَظْم الكتاب يُشْعِر بترجيح الأول، وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره -رحمهم الله- وعن ابْن أبي هريرة: أنها إن اعتدَّت بالأشهر بحكم الحاكم، لم يُنْتَقَضِ الحُكْم، ولم تنْتقل إلى الأقراء، وإن اعتدت بها بمجرد الفتوى، انتقلت إلى الأقراء.
وأحكامُ هذه الأحوال لا تختلف بين أن تَجْعل مدة التربُّص تسعة أشهر أو ستةً أو أربع سنين.
الجزء: 9 - الصفحة: 440
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الجَدِيدِ فَسِنُّ اليَأْسِ أَقْصَى مُدَّةِ يَأْسِ امْرَأَةٍ فِي العَالَمِ مِمَّنْ تُعْرَفُ عَلَى قَوْلٍ* أَوْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا عَلَى قَوْلٍ* وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالعَصَبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ* وَقِيلَ: يُنْظَرُ إِلَى البَلَدِ لاَ إِلَى العَالَمِ* وَعَلَى هَذَا القَوْلِ لَوْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ مُضِيِّ الأَشْهُرِ بَعْدَ سِنِّ اليَأْسِ انْتَقَلَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ* فَإِن لَمْ يُعَاوِدْهَا فَتَسْتَأنفُ (و) الأَشْهُرِ قَطْعًا لأَنَّ المَطْلُوبَ اليَقِينُ* وَهَلْ عَلَيْهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعُ سِنِينَ لِلتَّرَبُّصِ إِذْ زَالَ اليَأْسُ بِالحَيْضِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ* أَمَّا إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الأشْهُرِ فَلاَ يُؤَثِّرُ عَلَىٍ قَوْلٍ* وَيُؤَثِّرُ عَلَى قَوْلٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ* وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ قَبْلَ النِّكَاحُ يُؤَثِّرُ وَبَعْدَهُ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التفريع على الجديد: يُتبيَّن غرضه بمسألتين:
إحداهما: النظر في سِنِّ اليأس إلى جميع النساء أو بعضِهن؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يُنْظر إلى جميعهن، فتعتبر أقْصَى مدة يأس النِّساء فَتُؤْمَرُ بالتربُّص إليه؛ احتياطًا وطلبًا لليقين.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يمكن طوف 39 العالَمِ والفحص 40 عن سكانه، وإنما المراد ما تبلغ خبره، ويعرف؛ وعلى هذا القول: الأشْهَر أن سن اليأس اثنان وستُّون سنةً، وفي "اللطيف" لأبي الحسن بن خيران وغيره وجهان:
أحدهما: أن سن الياس ستون سنة.
والثاني: خمسون.
وذكر أبو الفرج السرخسي أن المرأة، إنما تَبْلُغ سن الياس، إذا جاوزت تسعين سنةً، وحُكِيَ أن امرأة حاضت لِتِسْعين سنَةً.
والقول الثاني: أنَّ النَّظَر إلى بعْضِهن، وعلَى هذا فالمَشْهور، ويُحْكَى عن نصه في الأم: أنه يُنْظر إلى يأس نِسَاء عشيرتها منَ الأبوين؛ لتفاوتهن في الطَّبْع والخُلُق والخَلْق ونزوع بعضهم إلى بعض، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حِيَضُهن، ولم تر دَمَاً، فقد بلغَتْ سنَّ اليأس، وحُكِيَ وجهان آخران:
أحدهما: أن الاعتبار بنساء العَصَبَات؛ كمهر المثل، إلا أن مَهْر المثل يتعلّق بالرغبات، والنسبُ من أركان الرغبة، فاختص مهْر المثل بالعصبات، وهاهنا بخلافه.
والثاني: أن الاعتبار بنساء البَلَد؛ لأن للأهوية تاثيرًا في الأمزجة وتفاوت الطباع،
الجزء: 9 - الصفحة: 441
ونَظْمُ "التهذيب" يُشْعِر بترجيح القول الثاني؛ وهو أن الاعتبار بنساء العشيرة، وإيرادُ أكثرهم يقتضي ترجيح الأول، وفي "جمع الجوامع" للرُّويانيِّ: أن أبا إسحاق قال: لعله أصحُّ القولَيْن، ويذكر أن القولَيْن في الأصل مبنيان على أنَّه يُرَاعَى اليقينُ أو الغالب؛ إن اعتبرنا اليقين، تفحَّصنا حال النساء كلِّهن، وإن اكتفينا بالغَالِب، كفى النظر إلى النسوة اللاتي تقاربهن، وأما إذا قلنا بالقول الثاني، فالغالب من نساء العَجَم أن لا يَحِضْنَ بعْد خمسين سنةً، ومن نساء العَرَب أن لا يحِضْنَ بعد ستين، وقيل: إن العربيَّة لا تحيض إذا بلَغَتْ ستين سنةً إلا أن تكُون قرشيَّةً.
ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "أقصى مدة بأس امرأة في العَالَم" بالواو؛ لأن عن أبي علي الطَّبَرِيِّ تخريجَ وَجْه: أنه يُعتبر سنُّ اليأس غالباً، ولا يُنْظَر 41 إلى الأقْصَى، كما يعتبر في المستحاضة المبتدأة إلى ذلك الغَالِب في قَوْل.
المسألة الثانية: لو رأت الدَّم بعْد سن اليأس، نُظِرَ؛ إن رأته قبْل تمام الأشْهُر، فينتقل 42 إلى الأقراء؛ لأن ما تراه حيضٌ، ولا اعتداد بالأشهر مع الأقراء، وما مضى يُحْسَب قرءًا بلا خلاف، فتَضُمُّ إليه قرءين آخرين.
واعلم أنا إذا اعتبرنا أقصَى سن اليأس في العالَمِ، وبلغت ذلك السنن؛ ثم رأت الدم، فيصير أقْصَى السن الَّتي رأَت الدَّم فيها، ويعتبر بعد ذلك غيرها بها، وإن لم يعاودْها الدم، فيرجع إلى الأشْهُر، وهل تؤمر بالتربص بتسعة أشهر أو أربع سنين قبل الأشهر؟ ذُكِر فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ استظهارًا واحتياطًا، والأصح: المنع؛ لأنَّها قد بلَغَتْ سنِّ اليأس 43، والدمُ العارض قد زَالَ، فعاد ظن اليأس، وحينئذ، فلا حاجة إلى التربص، وفي "التتمة" أنها تعتدُّ بشهرين بدلاً من قرءين، والذي صحَّحه الأئمة، وحكَوْه عن القفَّال وغيره: أنها تعتدُّ بثلاثة أشهر تستأنفها ولا تبني، ولا يَجِيْء فيه الخلاف المذكور: أنها تبني أو تستأنف تفريعًا على القديم، وفرَّقوا بأنا على القديم نَكْتَفِي بالظن الغالب، وفي الجديد: يطلب اليقين أو القرب منه، وإذا رأت الدم، بَطَل ما ظنَنَّاه من اليأس، وبَطَل ما ترتَّب عليه من العدة، فوجب الاستئناف، وليس هذا على الخلاف في أنها هل تُؤْمر بالتربُّص إن قلنا: لا تُؤْمَر به، فلا بد من إكمال ثلاثة أشهر؛ لأن ما دون ثلاثة
الجزء: 9 - الصفحة: 442
أشهر لا يدل على البراءة، وإنما اكتفينا بالبناء على أحد الوجهين؛ تفريعًا على القديم؛ لأنه قد مضت مدة العمل عقيب الإقراء، ووجد ما يدل على البراءة، فجاز أن لا يستانف، وهاهنا بخلافه، وإن قلنا تؤمر بالتربص، فيشبه أن يجيْء في البناء والاستئناف الخلاف المذكور في التفريع على القديم، وإن رأت الدم بعْد تمام الأشهر، فإن لم تنكح بعْد، ففيه قولان:
أحدهما: أنها لا تنتقل إلَى الأقراء لانقضاء عدتها في الظاهر بالأشهر، وصار كما إذا رأت الصغيرةُ بعد الأشْهر دماً.
وأصحُّهما: الانتقال؛ لأنه تبيَّن أنها ليست من اللاتي يئسْن، فتكون من ذوات الأقراء، وتخالف الصغيرة، فإنها تعتدُّ بالأشهر من حيث إنها لم تحض، ورؤية الدم لا تمنع صدْق القول، بانها لم تحض، وقرَّب القفَّال وغيره هذا الخلاف من الخلاف فيما إذا أناب المعضوب فشفى، أو رأَوْا سوادًا، فظَنُّوه عَدُوًّا، وصلَّوْا صلاة شدة الخوف، فبان خلافه، وإن كانت قد نكحت، فطريقان:
أحدهما: أن القولَيْن يَطَّردان، فإن قلنا: تنتقل إلى الأقراء، تبيّن بطلان النكاح.
والثاني: وهو الذي أورده صاحب "الشامل" و"التتمة" في كتابهما: القطع بعدم الانتقال؛ لِتعلُّق حق الزوج والشروع في المقصود كالمتيمم إذا رأى الماء بعد الشروع في الصلاة، وإذا أطْلَقْتَ، قلتَ: في المسألة ثلاثة أقوال، كما في الكتاب.
ثالثها: الفرق بين مَا إذا نُكِحت أو لم تُنْكح، وهذا أشبه بالرُّجْحان على ما يدل عليه كلام أكثرهم، وفي "التهذيب": أن الصحيح [لزم الانتقال] بكل حال، وإذا عرفت ما ذكرنا، أعلمت قوله في الكتاب "فتستأنف الأشهر قطعاً" بالواو، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (النَّوْعُ الثَّالِثُ) هُوَ العِدَّةُ بِالحَمْلِ فَإِنَّ النَّوْعُ الثَّانِيَ هُوَ الأَشْهَرُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ* وَلانْقِضَاءِ العِدَّةِ بِهِ شَرْطَانِ: (أَحَدُهُمَا): أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ ممن مِنْهُ العِدَّةُ أَوْ يُحْتَملُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَوَلَدَ اللِّعَانِ* أَمَّا المَنْفِىُّ قَطْعًا كَوَلَدِ الصَّبيِّ وَالمَمْسُوحِ (ح) فَلاَ تَنْقَضِي (ح) العِدَّةُ بِهِ* وَلَوْ أتتْ زَوْجَةُ البَالِغِ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لاَ يَلْحَقُهُ وَلَكِنْ يَنْقَضِي العِدَّةُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لاحْتِمَالِ جَرَيَانِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ* وَلاَ تَنْقَضِي (ح) عَلَى وَجْهٍ لأَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا* وَعَلَى ثَالِثٍ لَوِ ادَّعَتْ وَطْءَ شُبْهَةٍ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لأَنْ القَوْلَ فِي العِدَّةِ قَوْلُهَا* وَإِنْ نَكَحَ (م) حَامِلاً مِنَ الزِّنَا وَهِيَ تَرَى الأَدْوَارَ وَقُلْنَا: إِنْهَا حَيْضٌ فَفِي انْقِضاءِ العِدَّةِ بِهِ وَجْهَانِ لأَنَّ حَمْلَ الزِّنَا كَالمَعْدُومِ فِي حَقِّ العِدَّةِ وَالتَّحْرِيمِ (م).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مر أن عدة الطلاق ثلاثة أنواع: الأقراء، والأشهر، ووضع الحمل.
ثم إن صاحب الكتاب لمَّا شرع في النوع الأول، وهو الأقراء، واندفع في ذِكْر
الجزء: 9 - الصفحة: 443
أصناف النسوة وأحوالهن في الحَيْض والطُّهر تأدى ذلك إلى القول في الأشهر وكيفية الاعتداد بها، ويولج النوع الثاني في الأول.
أما الثالث: فوضع الحمل أحد أسباب انقضاء لعدة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ويشترط في انقضاء العدة بالحمل شرطان:
أحدهما: أن يكون الحْمل منسوبًا إلى مَنْ العدة منه إما ظاهراً وإما احتمالاً، فالأول: ظاهرٌ، والثاني: كالولد المنفي باللِّعان، وإذا لاعن عن الحامل، ونفى الحَمْل ثم وضعته، انقضت عدتها به، وإن انتفى الولد في الظاهر؛ لأنه يمكن أن يكون الأمر كما تزعمه، والقَوْل في العدة قول المرأة إذا تحقَّق الإمكان، أما إذا لم يُتصوَّر أن يكون الولد منه، كما إذا مات الصبيُّ الذي لا ينزل، ولا يجامع، وامرأته حاملٌ، لم تنقض عدَّتها بوضع الحمل، بل تعتد بالأشهر، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن مات، وحملها ظاهر، انقَضَتْ عدتها بوَضْع الحَمْل، وإن ظَهَر الحمل بعْد موته لم تنقض العدة.
لنا: أنه منفيٌّ عنه يقيناً، فأشبه ما سلمه.
والممسوح الذي لم يتق ذكره وأنثياه، لو مات وامرأته حاملٌ لم تنقص عدتها بالوضع؛ بناءً على ما مَرَّ أنه لا يلْحَقه الولَدُ في ظاهر المَذْهب، وعن أبي بكر الصيرفي والإصطخري: أنه يلحقه الولد، وهو جواب القفَّال، ويُحْكَى ذلك قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه-، وقد قدمنا ذكْره، وعلى ذلك القول تنقضي عدَّتها بالوضّع، والمسلول الخصيتين الباقي الذَّكَرِ كالفحل في لحوق الولد على الظاهر، فتنقضي العدة عنه بالوضع سواء في ذلك عدة الوفاة والطلاق.
وفيه وجه: أنه لا يلحقه الولد، فعلى ذلك الوجه لا تنقضي العدة، وعن حكايته القاضي أبي الطيِّب وجه: أنه إن كان مسلول الخصية اليمنَى، لا يلحقه الولد، وإن بقيت اليسرى؛ لأنه يقال: إن الماء من الخصية اليُمْنى، والشَّعْرُ من اليسرى، ونقل القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- في "جمع الجوامع": أنه كان الإِمام أبو بكر بْن الحدَّاد فقيد الخصية اليمنى، وكان لا يُنْزِل، وكانت لحيته طويلةً، وهذا شيء لم يعتمده الأكثرون.
والمجبوب الذكر الباقي الأثنيين، قد تقدَّم أنه يلحقه الولد، فتعتد امرأته عن الوفاة بوَضْع الحمل، ولا تجب عدة الطلاق عليها؛ لأنها إنما تجب بعْد الدخول، ولا يُتصوَّر منْه 44 دخول.
الجزء: 9 - الصفحة: 444
ومَن مات عن زوجته أو طَلَّقها، وهي حامل بولد، [لا]، يمكن أن يكون منه؛ بأن وضَعَتْه لدون ستة أشهر مِنْ يوم النكاح أو لأكثر، وبين الزوجين مسافةٌ لا يُقْطَع في تلك المدة، فلا تنقضي العدة به، كما ذكرنا في وجْه الصبي؛ لأنه 45 ليس منه، هذا هو الظاهر، ولم يورد غيره الأكثرون، وأورد في الكتاب فيه وجهَيْن آخرَيْن:
أحدهما: انقضاء العدة؛ لاحتمال أنه جرى وطء شبهة قبل النكاح، فيكفي في انقضاء العدة به قيام الاحتمال، كما في المنفي باللعان.
والثاني: أنها إن ادعت وطء شبهة، حكَمْنا بانقضاء العدة؛ لأن القوْل في العدة قولُها، إذا حصل الإمكان، ولم يذكر في"الوسيط" و"البسيط" الوجهين في صورة الكتاب، لكن ذكر الوجوه الثَّلاثة فيما إذا قال لامرأته: إذا ولَدَتِّ، فأنت طالق، فولدَتْ، وشرعت في العدة، ثم ولدَتْ بعْد ستة أشهر ولداً آخر.
والثالث الفرق بين أن تدعي وطئًا محترمًا من الزوج بعْد الولادة الأولى، فتنقضي العدة أو لا تدعي، فلا يحكم بانقضاء العدة، فإذا قلنا بظاهر المذهب، فإنْ كان الحَمْل الذي وضعته ملحقًا بغيره بوطء شبهة أو في عقدٍ فاسدٍ، انقضت عدة الوطء بوضْعه، وتعتد عن الزوج بعْد ذلك، وإن كان مِنْ زنا، فتعتد عدة الوفاة من يَوْم الموت أو عدة الطلاق مِنْ يوم الطلاق، وتنقضي الأشهر مع الحَمْل في عدَّة الوفاة؛ وفي عدة الطَّلاق إذا كانت المرأة منْ ذوات الأشهر وإن كانت من ذوات الأقراء، فإن لم تر الدم أو قلنا: ما تراه الحامل ليس بحيض، [فكذلك] وإن كانت تراه، وقلنا: إنه حيض، ففي انقضاء العدة بأطهارها، وهي حامل، وجهان:
أحدهما: لا تنقضي؛ لأنها لا تدُلُّ على براءة الرحم، والعدَّة ما تدل على البراءة، وأظهرهما: الانقضاء؛ لأن حمْل الزنا كالمعدوم في إثبات التحريم وإيجاب العدة، فلا تمنع العدة، وعلى هذا، فلو زنت في عدة الطلاق أو الوفاة، وحبلت من الزنا، لم يَمْنَغْ = وتارة بالوضع فهي واجبة مطلقاً، وإن لم يجز ما يقتضي الدخول، أمام عدة الطلاق فقد لا تحسب حيث لم يظهر سبب يقتضيها؛ لأنها إنما تجب بالدخول ولا دخول، فإن ظهر سبب من حمل أو استدخال اعتدت بالوضع في صورة الحمل وبالأقراء أو الأشهر في صورة الاستدخال؛ لأنه تنزل في إيجاب العدة منزلة الوطء، وما قاله من عدم تصور الدخول ممنوع كما حكي عن الماوردي من إمكان سحاقها وينزل في فرجهاكاستدخال مني الفحل، وقد جزم في الذخائر بالاعتداد، وأول كلام الأصحاب فقال: وتعتد به عن الطلاق، وقول أصحابنا زوجة المجبوب لا تعتد عنه عدة الطلاق يكون بالدخول ولا دخول إنما يريدون بذلك إذا لم يكن حمل، وأما إذا كان حمل فلا بد من التربص إلى وضعه، والظاهر كما قال فإنه إذا طلقها والولد منه، ولا حق فيه، وإنما يلحق به لاحتمال ألا يزال، وقد رجح الرافعي أن استدخال المني يوجب العدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 445
ذلك انقضاءَ العدة، ولو كان الحْمل مجْهولَ الحال، حُمِل على أنَّه من زنا؛ قال الرُّويانِيُّ في "جمع الجوامع" 46
ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الممسوح" من الكتاب بالواو؛ للوجه الذي بيناه.
وقوله "فلا تنقضي العدة" بالحاء، وكذا قوله في مسألة البالغ "ولا تنقضي على وجه" لأن أبا حنيفة -رحمه الله- قال في مثل قوله في امرأة الصبيِّ.
وقوله "وإن نكح حاملاً من الزنا" صَحَّ، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها ليست في نكاح ولا عدة من الغير.
وعن مالك خلافه، ثم إذا نكحها، فهل لَهُ وطْؤها قبْل الوضع؟ ذهب ابن الحدَّاد إلى منْعه، وبه قال أبو حنيفة؛ لما رُويَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم 47 - قال: "لاَ تَسْق مَاءَكَ زَرْعَ غَيْرِكَ" والظاهر جوازه؛ لأنه لا حُرْمة لحَمْل الزنا ولو منع الوطء، لمنع صحة النكاح كوطء الشبهة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "والتحريم".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الشَّرطُ الثَّانِي) وضْعُ الحَمْلِ التَّامِّ فَلاَ تَنْقَضِي العِدَّة بِوَضْعِ أَحَدِ التَّوْءَمَيْنِ* وَأَقْصَى المُدَّةِ بَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ* وَلاَ تَنْقَضِي بِانْفِصَالِ بعْضِ الوَلَدِ بَلْ هُوَكالجَنِينِ فِي الأَحْكامِ كُلِّهَا* وَقِيلَ: هُوَ كَالمُنْفَصِل إِلاَّ فِي العِدَّةِ* وَلاَ تَنْقَضِي بِإِسْقَاطِ العَلَقَةِ* وَتَنْقَضِي إِذَا ظَهَرَتِ الصُّورَةُ وَالتَّخْطِيطُ وإنْ خَفِيَ* وإنْ كَانَ لَحْمًا فَالنَّصُّ أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ* وَلاَ تَجِبُ بِهِ الغُرَّةُ* وَلاَ يَحْصُلُ بِهِ الاسْتِيلاَدُ* وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وضعَتِ الحمل بتمامه على ما قال تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ويتعلَّق بذلك صور:
إحداها: لو كانت حاملاً بتوءمين، فإنما تنقضي العدة، إذا انفصل الثاني بتمامه، حتى لو كانت رجعيَّة، وولدت أحدهما، فله الرجعة إلى أن تلد الثاني، ومهما وقَع بيْن
الجزء: 9 - الصفحة: 446
الولدَيْن ستة أشهر فصاعدًا، فالثاني حمْلٌ آخر، وإنما يكون الولدان توءمين، إذا كانت المدة بينهما دون ستة أشْهُر أو وُلِدًا معاً، وقوله في الكتاب: "وأقصى المدة بين التوءمين ستة أشهر" فيه اختلال؛ فإن هذه المدة: مدة أقل الحمل، وإذا تخلَّلت ستة أشهر، كان الثاني حملاً آخر، والشرط أن يكون المتخلِّل أقلَّ من ستة.
الثانية: لا تنقضي العدَّة بخروج بعْض الولد؛ لأنه لا تَحْصل به براءة الرحم ولا وضْع الحمل، وإذا خرج بعضُه منفصلاً أو غير منفصل، ولم يخرج الباقي، بقيتِ الرجعة في الرجعية، ولو طلَّقها، يقع الطلاق، ولو مات أحدهما، ورثه الآخر، وكذلك تبقى سائر أحكام الجنين في الذي خرج بعْضه دون بعض؛ كنفي توريثه وسراية العتق إليه من الأم، وعدم إجزائه عن الكفَّارة، ووجوب الغُرَّة عند الجناية على الأم، وتبعته الأم في البيع والهبة وغيرهما.
وفي وجْه: إذا صَرَخ واسْتَهَلَّ، كان حكمه حكم الولد المنفصل في جميع ما ذكَرْنا، إلا في العدة؛ فإنها لا تنقضي إلا بفراغ الرَّحِم، وُينْسَب هذا إلى القفَّال -رحمه الله- في "البسيط"، وهو منقاس، وان كان بعيدًا عن المذهب، وسيعود ذكْر هذا الخلاف في غرة الجنين.
الثالثة: تنقضي العدة بانفصال الولد حيًّا أو ميِّتاً، ولا تنقضي بإسقاط العَلَقة والدم 48، فليس ذلك بولد، ولا يُتَيَقَّن أنه أصْل ولد، ولا يكاد يسمى حَمْلاً، ولو أسقطت قطعةً، فلها أحوال.
إحداها: أن يظهر فيها شيْء من صور الآدميين وخلقتهم؛ كيد وأصبع وظفر وغيرها، فتنقضي العدة به، ولو سَقَط مثْل هذا اللحم بجنايةِ جَانٍ، وجَبَت الغرة والكفارة، ولو أسقطت الأمة مثْلَها من سيدها، صارت أُمَّ ولَدٍ له.
والثانية: إذا لم تَظْهر الصورة والتخطيط لكل أحد، ولكن قالت القوابل وأهل الخبرة من النساء: إنَّ فيه صورةً خفيةً، وهي بينة لنا، وإن خفيت على غيرها، فتُقْبَل شهادتهن، ويحكم بانقضاء العدة وثبوت سائر الأحكام أيضاً.
ويقال: إن الإصطخريَّ أتى بسقط على هذه الصفة 49، فلم يحكم بثبوت الاستيلاد، فجاءت القوابل فَصَبَبْنَ عليه ماءً حارًا وغسلنه، فظهرت الصورة.
والثالثة: إذا لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا صورة خفية تعرفها القوابل، ولكنهن
الجزء: 9 - الصفحة: 447
قلْن: إنَّه أصل آدمي، ولو بقي، لتصوَّر؛ وتخلَّق، فقد نص الشافعيُّ -رضي الله عنه 50 - على أن العدة تنقضي به [في الحال،] 51 ونص في الجنايات على أنه لا تجب فيه الغرَّة، وأشعر كلامه في أُمَّهات الأولاد بأن الاستيلاد لا يثبت به، وللأصحاب -رحمهم الله- طرق:
أحدها: إثبات قولَيْن في الصور بالنقل والتخريج:
أحدها: أنَّه تنقضي العدَّة، وتجب الغرة، ويحصل الاستيلاد؛ لأن القوابل شهِدْن بأنه أصْل الولد، فأشبه ما إذا شَهِدْن بالتخطيط، وقد رُوِيَ عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "كَيْفَ تُتْبِعُهُنَّ وَقَدْ خَالَطَتْ لُحُومُنَا لُحُومَهُنَّ وَدِمَاؤُنَا دِمَاءَهُنَّ 52 وإذا أسقطت بهذه الصفة سقطًا، فقد حصلت المخالطة".
والثاني: لا يثبت شيْء من هذه الأحكام؛ لأنها منوطة بالولدِ، واسمُ الولد لا يقع عليه، فصار كما إذا ألقت عَلَقَةً.
والثاني: تقرير النصَّيْن، والفرق أن الأصل براءة الذِّمَّة، فلا تجب الغرة إلا عند تيقُّن الولدِ، وأمومةُ الولد إنما تَثْبُت تبعًا، وأما العدة فإنها لبراءة الرحم، فإذا ألقته حصلت البراءة.
والثالث: القَطْع بأنه لا يتعلَّق به شيْء من هذه الأحكام، وحمل نصُّهُ في العَدَّة على ما إذا كانت فيه صورةٌ خفيةٌ وتخطيطٌ دقيقٌ.
والرابع: القطْع بتعلُّق جميع الأحكام به، وحمل المَنْعُ على ما إذا لم يُعْلَم أنه مبتدأ خلق آدمي، وإذا شكَّت القوابل في أنه لحم آدمي أم لا، فلا خلاف في أنه لا يَثْبُت [شيْء] 53 من هذه الأحكام، والأصح من الطرق عند صاحب "التهذيب" الطريقة الثالثة، ويشبه أن تُرَجَّح طريقة القولين، وأن يقال: الأظهر انقضاء العدة 54 وعدم الاستيلاد، وكذلك ذكره أبو الحسن بن خيران في "اللطيف" والقاضي الرُّويانيُّ وإبراهيم المروزي.
الجزء: 9 - الصفحة: 448
ولو اختلف الزوجان، فقالت الزوجة: كان السقْط الذي أسقطته بحيث 55 تنقضي به العدة بوضعه، وأنكر الزوج، وقد ضاع ما أسقطته، فالقول قولها؛ لأنها مؤتمنة في العدَّة.
وقوله في الكتاب: "وتنقضي إذا ظهرت الصورة والتخطيط وإن خفي" أي إذا ظهرت لأهل الخبرة، وإن خفيت على سائر الناس.
وقوله "وإن كان لحمًا" إلى آخره، المراد باللحم الذي يشهد القوابل بأنه أصْل آدمي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) المُرْتَابَةُ بِالحَمْلِ بَعْدَ الأَقْرَاءِ لِثِقَلِ بَطْنِهَا لاَ تُنْكَحُ إنْ ظَهَرَ الأثَرُ* وَمجَرَّدُ الشَّكِّ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ* وَقِيلَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ وَقْفِ العُقُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كانَتْ تعتدُّ بالأقراء أو الأشهر، فظَهَر بها حمْلٌ من الزوج، فتعتد بوَضْع الحمل، ولا اعتبار بما مَضَى من الأقراء والأشهر؛ لأنهما إنما يدلان 56 على البراءة ظاهراً، ووضع الحمل يدل عليها قطعًا، وإنما يكتفي بالظاهر بَدلاً عن القَطْع المطلوب؛ لتعذُّر تحصيله، فإذا قَدَرْنا على الأصْل، بطل البدل، وإن لم يَظْهر الحمل بأمارة، ولكنها ما كانت [ترتاب؛] 57 لثقلٍ وحركةٍ تجدهما 58، فيُنْظَر؛ إن كان ذلك قبل تمام الأشهر أو الأقراء، فليس لها أن تنكح بعد تمامها حتى تَزُول الريبة، ولو نكحت، كان النكاح باطلاً؛ للتردُّد في انقضاء العدَّة، وإن عرضت الريبة بعْد تمام الأقراء والأشهر، فإما أن تَعْرض بعدما نكحت زوجًا، فلا يُحْكم ببطلان النِّكَاح؛ لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا، وتعلُّق حق الزوج الثاني، لكن لو تحقَّقنا كونها حاملاً يوم النكاح؛ بان ولدَتْ لأقل من ستة أشهر من يوم النكاح تبيَّن بطلان النكاح، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا، فالولد للثاني، والنكاح مستمرُّ، وإمَّا أن يعرض قبل أن تنكح زوجاً آخر، فالأَوْلَي أن تصبر 59 إلَى زوال الريبة، فإن لم تفعل، ونكحت، فقد قال في "المختصر".
والأم: هو موقوف، إن بان أنَّها حائل 60، بان صحته وإن بان الحَمْل، بان بطلانه في الحال؛ لأنَّا قدْ حكمنا بانتهاء العدة بالاجتهاد، فلا ينقض الحكم بمجرَّد الشك، وحمَلُوا نصَّ البطلان على ما إذا ارتابَتْ في أثناء الأقراء والأشهر ونكحت قبل زوال الريبة.
والثاني: أن في المسألة قولَيْن 61، واختلف الصائرون إلَيْه، فمنهم من قال: هما
الجزء: 9 - الصفحة: 449
مبنيان على القولَيْن في وقْف العقود، إن قلنا: إن العُقُود لا توقف؛ فالنكاح باطل، وإلا، فينعقد موقوفاً، قال الشيخ أبو عليٍّ: وهذا فاسدٌ؛ لأن العُقُود لا تُوقَف على الجديد، والقول بالوقف هاهنا منقولٌ عن الجديد.
ومنْهم من بناهما 62 على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه، على ظَنِّ حياته، فبان موته، هل يَصِحُّ البيع؟ أو على القولين في أن مَنْ شَكَّ في عدد الركعات بَعْد الفراغ من الصَّلاة، هل يؤمر بالتدارك؟ ويُحْكَي هذا عن القفَّال.
والثالث: عن ابن سُرَيْجٍ: أن رواية المزنيِّ محمولةٌ على ما إذا حدَثَت الريبة بعدما انقضَتِ الأقراء، ونكحت، فلا يبطل النكاح، ويتوقَّف الزوج عن الوطء إلَى أن يتبين الحال، فأمَّا إذَا نكحت والريبة حاصلةٌ، فلا يَصِحُّ النِّكَاح؛ لأنَّها لا تدري أعدتها بالأقراء أو الأشهر؟ وقد حلت بمضيها أو بوضْع الحمل، ولم تحلَّ، فلا تنكح إلا بيقين، قال ولو قلنا بصحة هذا النكاح، لجعلناه موقوفًا، والعقود لا تُوقَف على أصْل الشَّافعي -رضي الله عنه- في الجَدِيد، وأجيب عنْه: بان المذكور في الجديد هُوَ التوقف في الانعقاد ابتداءً، وقد تخلَّف شرط الصَّحة إلى أن يوجد ذلك الشَّرْط، كالوقف على إجازة المالك، وهاهنا لا يتوقَّف في الانعقاد، بل يُحْكم بأن النكاح منْعَقِدٌ؛ بِناءً على الظاهر، ثم إن بان خلافُه غَيَّرْنا 63 الحكم، وهذا كما أنَّه إذا حدثت الريبة بعد ما نكحت، لا يحكم ببطلان النكاح، لكن إذا تحقَّق الحمل يوم النكاح، 64 تَبيَّن أنه كان باطلاً، والمذكور في الكتاب من الطُّرُق الثلاث الأولَى والثانية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانيِ) إِذَا أَتَتْ بَعْدَ العِدَّةِ بِوَلَدٍ لأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَ الزَّوْجَ وَإنْ لَمْ تَنْكِحْ زَوْجاً آخَرَ* وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً حَسَبَ أَرْبَعَ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ انْصِرَامِ العِدَّةِ* أَوْ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ* فَإِنْ قُلْنَا مِنْ وَقْتِ تَصَرُّمِ العِدَّةِ تَمَادَي الإِلْحَاقُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ وَزِيَادَة إِذِ الطُّهْرُ قَدْ يَتَبَاعَدُ سِنِينَ* وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يُحْتَمَلُ فَلاَ يُحْسَبُ لِلعِدَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاَثةِ أَشْهُرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل الَّذِي تبنى عليْه المسألةُ، ومسائل كثيرة مذكورة من قَبْل، = الثاني: سكت عن مسألة مهمة وهي مراجعة الزوج في حال ارتيابها بعد انقضاء الأقراء، وقال الشَّافعي في المختصر: توقف الرجعة، فإن بان حمل فالرجعة ثابتة وإلا فباطلة، ولو راجعها بعد وضع ولد وهي تجد حركة، ولوقفنا الرجعة فإن ولدت آخر أو أسقطت سقطًا تبين فيه خلق آدمي فرجعته ثابتة.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 450
ومن بَعْد أن أكثر مدَّة الحَمْل أربع سنين، وبه قال مالك، وهو روايةٌ عن أحْمَدَ، واحتج لَهُ بأن عُمَر -رضي الله عنه 65 - قال في امرأة المفقود: تتربَّص أربع سنين، ثم تعتد بَعْد ذلك، وسبب التقدير بأربع سنين أنها نهايةُ مدة الحَمْل، وعن مالك: أنه قال: هذه جارتنا امرأة محمَّد بن عَجْلان امرأة صِدْق، وزوجها رَجُلُ صِدْقٍ، حملت ثلاثة أبْطُن في اثنتي عشر سنَةً تحمل كل بطن أربع سنين.
وروى القتيبي أن هرم بن حيان حملت به أمُّه أربع سنين.
وقال أبو حنيفة: أكبر مدَّة الحَمْل سنتان.
وعن مالك روايتان أُخْرَيَان:
إحداهما: خَمْس سنين.
والثانية: سَبْع.
إذا عرف ذلك، فلو أبان زوجته بالخُلْع أو باستيفاء عَدَد الطلاق، أو بأن فَسَخ النكاح بعَيْب 66 أو بأن لاَعَنَها ولم ينف الحمل، ثم أتت بولد لأربع سنين فما دونها مِنْ يوم الفراق، فهو ملحق بالزوج؛ لمكان الإمكان، هكذا أطلقوه في أربع سنين، واعترض منصور التميمي 67 في المستعمل، وقال: إذا لحقه الولد الذي أتت به لأربع سنين منْ وقْت الطلاق، لزم أن تكون مدَّة الحَمْل أكبر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق، فينبغي أن يقال: لأربع سنين من وقْت إمْكان العلوق قبْل الطلاق، وهذا قويم وفي الإطْلاق تساهلٌ، ولا فرق بين أن تقر المرْأة بانقضاء عدَّتها به وبيْن أن لا تقر؛ لأن النسب حق الولدِ، فلا ينقطع بإقرارها، وقد تبني إقرارها على الغالب، فتبين خلافه، ويظهر أنها كانت تحيض على الحبل، وهذا قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا أقَرَّتْ بانقضاء عدَّتها ثم وَلَدَت، لم يلحقْه الولد إلا أن يأبى به لِمَا دون ستة أشهر مِنْ وقت الإقرار، وبهذا 68 قال ابن سُرَيْج، وشبَّهه بما
الجزء: 9 - الصفحة: 451
إذا صارت الأمة فراشًا بالوطء، ثم استبرأها سيِّدُها، ثم أتَتْ بوَلَدٍ بعْد الاستبراء لستة أشهُرٍ فصاعدًا، لم يلحقْه الولد، نص عليه، واختلفوا في الجواب عَنْ هذا الاحتجاج.
فمنْهم من جَعَل المسألة على قولَيْن بالنقل والتخريج.
ومنهم من جَعَل مسألة الأمة على قولَيْن، وما تخرج من الأمة فيما نَحْن فيه، وعلى التقديرَيْن، فالمذكور هناك جوابٌ على أحَدِ القولَيْن، والجمهور امْتَنَعوا من التَّخْريج في الطرفين 69، وفرَّقوا بأنَّ فراش النكاح أسرع ثبوتًا؛ ألا ترى أنه يثبت النسب فيه بمجرَّد الإمكان، وفي الأَمَة لا يثبت بمجرَّد الإمكان، بل يعتبر الإقرار بالوطء، فإذا استبرأها، جاز 70 حكْم الوطء في الظاهر، وبقي مجرَّد الإمكان، فلا يقنع به، وفي الحُرَّة الإمْكَان باقٍ، وإنْ أقرَّت بانقضاءِ العدَّة فينتفع به لإِثْبات النَّسب، وإن أتت بالولد لأكثر من أربع سنين، فهو منفي عنه بلا لعان؛ لأنه لا إمكان، ونقل المزنيُّ أنه ينتفي عنه باللِّعان، واعترض علَيْه، فقال: يشبه أن يكون هذا غَلَطاً منْ غير الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-، قال الأصحاب: والأمر على ما ذكَرَه، وقد نصَّ -رضي الله عنه- في رواية الرَّبيع: أنه ينتفي بلا لعان، ولو طلَّقها طلاقًا رجعيّاً؛ ثم أتت بالولد، فالحُكْمُ على التفصيل المذكور إلا أن السنين الأربع تُحْسب من وقت انصرام العدة أو من وقت الطلاق فيه قولان: أحدهما: من وقت انصرام العدة لأن الرجعيَّة كالمنكوحة في مُعْظَم الأحكام.
وأصحُّهما، على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: من وقْت الطلاق؛ لأنها كالبائنة 71 في تحريم الوطء، فكذلك في أمر الولد الذي هو نتيجته، وهذا الخلاف كالخلاف الَّذي يذكر في أن الرجعية هل هي فراش أم لا أو هو هو؟ وإذا قلْنا بالاحتساب منْ وقْت انقضاء العدَّة، فقد أطلق الشيخ أبو حامد وابن الصَّبَّاغ وغيرهما حكاية وجْهَيْن عن أبي إسحاق: أنه يلحقه متَى أتت به من غير تقدير مدَّة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العِدَّة، قالوا: والأصح أنه إذا مضَتِ العدَّة بالأقراء أو الشهور، ثُمَّ ولَدت لأكثر من أربع سنين من انقضائها لم يلْحقه؛ لأنا نتحقَّق أن الحَمْل لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر، فتبيَّن بانقضائها، ويكون كما لو بانت 72 بالطلاق، ثم أتت بولَدٍ لأكثر من أربع سنين، ولك أن تقول: هذا إن استمر في الأقراء لا يستمر في الأشهر، فإن التي تَحْمل من النساء، لا تعتَدُّ بالأشهر، فإذا حمَلَتْ، بان أن عدتها لم تُنْقَض بالأشهر، وسيأتي نظيرُ هذا، ثم هذا الخلاف على ما ذكره القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة" وغيرُهُ، فيما إذا أقرت بانقضاء العدَّة، وذكر أنها إذا لم تقر
الجزء: 9 - الصفحة: 452
بانقضائها، فالولد الذي تأتي به يلحقه، وإن طال الزمان؛ لأن العدة قد تمتدُّ ويتباعد الطُّهْر، وأن القفَّال نقل وجهًا ضعيفًا: أنه إذا مضت ثلاثة أشهر، ثم أتت بالولد لاكثر من أربع سنين، لم يلْحقْه؛ لأن الغالب انقضاءُ العدة في ثلاثة أشهر، وليُحْمَل الخلافُ المذكور في الكتاب على هذه الحالة؛ لأنه مائل إلى ترجيح اللُّحوق من غير التقدير بمدة، وفيما إذا أقرت بانقضاء العدَّة، رجَّح أكثرهم التقدير، وحكَوْه عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-، فالأحْسَنُ أن يوافق اخْتِياره اختيار مَنْ قبله، ومتى حكَمْنا بثبوت النسب، فتكون المرأة معتدَّة إلى الوَضْع حتى يثبت للزوج الرجعةُ، إذا كان الطلاق رجعيًا، ولها النفقة والسُّكنَى.
فرْعان: أحدهما: لو أتت الولد لأكثر من أربع سنين، لكن ادعت في الطلاق الرجعيِّ أن الزوج راجَعَها أو ادعت أنَّه جدَّد نكاحها أو أنه وطئها بشُبْهة، وأنها ولَدَت على الفراش المجدَّد، نُظِرَ؛ إن صدَّقها الزوج، ألزم بموجب إقراره، فعليه المَهْر في التجديد، والنفقة والسكنى في الرجعة والتجديد، ويَلْحَقه الوَلَد بالفِرَاش، [وإن أنكر استحداثَ فِرَاشٍ]، فهو المُصدَّق بيمينه، وعليها البينة، فإذا نكل، حلفت، وثبت النسب إلا أن ينفيه باللعان، ونقل أبو الفرج الزاز قولاً: أنه إذا نَكَل، لا ترد اليمين عليها؛ لأنَّها لو حلَفَتْ، لثبت نسب الولد، ويبعد أن يحلف الإنسان؛ لفائدة غيره، فلو لم يحْلِفْ أو نكَلَتْ، فهل يَحْلِف الولَدُ إذا بلغ؟ فيه خلاف مذكورٌ في نظائره 73، وإن سلم الفراش الجديد، وأنكر وِلاَدَتَها، وادعى أنها التقطته أو استعارته، فيُصدَّق بيمينه، [وعليها البينة] 74 على الولادة، فإن نَكَلَ، حلفت وثبتت الولادة والنسب بالفراش، إلا أن ينفيه باللعان، ويعود في تحليفها الخلافُ السابقُ، ثم قال الأئمة -رحمهم الله-: العدة تنقضي بوضعه 75، وإن حلف الرجل على النفي، لم يثبت ما ادعته؛ لأنها تزعم أن الولد منه، فكان كما لو نفى الرجلُ حمْلَها باللعان، فانه، وإن انتفى الولد، تنقضي العدة بوضْعه؛ لزعمها أنه منْه 76، وإن ادَّعَتْ عَلَى الوارث بعْد موت الزوج أنَّ الزوج
الجزء: 9 - الصفحة: 453
كان قَدْ راجَعَها أو جَدَّد نكاحها، فإن كان الوارث ممَّن لا يحجب، نُظِرَ؛ إن كان ابنًا 77 واحدًا، فالحكم كما إذا ادَّعَت على الزوج، إلاَّ أن الوارث يحْلِف على نفْي العلم، وإلا أنه إذا ثبت النسب، لم يكن نفيه باللعان، وإن كان له ابنان، وادَّعت عليهما، فإن صَدَّقاها، أو كَذَّبا وحَلَفَا أو نكلا، فحلفت، أو صدَّقها أحدُهما، وكذَّب الآخرُ، وحلَف، ثَبَت المهر والنفقة، بحصة 78 المصدِّق.
ولا يثبت النسب؛ لأن جميع الورثة لم يتفقوا، وهل يثبت ميراث الزوجة في حصَّة المصدِّق؟ فيه خلاف مذكور في موضعه، وإن كان الوارث مِمَّن يُحْجِب كالأخ، فإن صدَّقها، فذاك، ولا يرث الولد إن ثبت نسبه؛ لئلا يخرج الأخ عن كونه وارثًا بحجبه، وإنْ كذَّبها، فعلى ما تبيَّن.
والثاني، وقد سبق طَرَف منه في الطلاق: علَّق 79 طلاق امرأته بولدتها، فولدت ولدين، نُظِرَ؛ إن كان بينهما دون ستة أشهر، لحقاه جميعاً، وطُلِّقت بوضع الأول، وانقضت عدَّتها؛ بالثاني وإن كان ستة أشهر وأكثر، طُلِّقت بولادة الأول، ثم إن كان الطلاق بائنًا، لم يلْحَقْه الثاني؛ للعلم بأن العلوق بالثاني لم يكن في النكاح، بخلاف ما إذا لم يعلق بالولادة حيث يلحقه الولد إلى أربع سنين؛ لاحتمال العلوق في النكاح، وإن كان الطلاق رجعيًّا، فيبنى على أن السنين الأربع تعتبر من وقْت الطلاق أو من وقت انقضاء العدَّة، إن قلْنا بالأول، لم يلحقه، وإن قلْنا بالثاني، لحقه إذا أتتْ بهِ لما دون أربع سنين من ولادة الأوَّل، وتنقضي العدة بوضعه، لحقه أو لم يلحقه؛ لاحتمال وطء الشبهة بعد البينونة.
قاله ابن الصبَّاغ، ولو أتتْ بثلاثة أوْلاَد، فإن كان الكلُّ حملاً واحدًا؛ بأن كان بين الأول والثالث أقل من ستة أشهر، فتُطلَّق بالأول؛ وتنقضي العدة بالثالث، ولحق الكل، وإن كان بين الأولين أقل من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث أكثر منها، لحقه الأول، وانقضت عدتها بالثاني، ولا يلحقه الثالِث للعِلْم بأن العَلُوق به لم يكن في النكاح ولا في العدة، وإن كان بَيْن الأول والثاني أكثر من ستَّة أشهر، وبين الثاني والثالث دون الستة طُلِّقت بالأول، ولم يلحقه الآخران، إن كان الطَّلاق بائناً، وإن كان رجعيًّا، فعلى الخلاف، ولو زاد ما بيْن الأولين على ستة أشهر، وكذا ما بينهما وبين الثالث، فالثالث غير لاحق، وكذا الثاني، إن كان الطلاق بائنًا، وإن كان رجعيًّا، فعلى الخلاف، ولو كان ما بيْن الأولين دون الستة، وكذا ما بينهما وبين الثالث، وكان ما بين الأول والثالث أكثر من الستة، فالأوَّلان لاحقان دون الثالث.
الجزء: 9 - الصفحة: 454
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) إِذَا نُكِحَتْ ثم أَتَتْ بِوَلَدٍ لِزَمَانٍ يُحْتَمَلُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أُلْحِقَ بِالثَّانِي إنْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحاً إِذْ لاَ سَبِيلَ إِلَى إِبْطَالِ الصَّحيحِ* وَإِنْ كانَ فَاسدًا يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ لأَنَّهُ كَوَطْءِ شُبْهَةٍ* ثُمَّ مُدَّةُ احْتِمَالِ الثَّانِي تُحْتَسَبُ مِنَ العَقْدِ الفَاسِدِ* أَوْ مِنَ الوَطْءِ فِيهِ خِلاَفٌ* وَكَذَلِكَ عِدَّةُ النِّكَاحِ الفَاسِدِ يُبتَدَأُ بَعْدَ آخِرِ وَطأةٍ* أَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِانْجِلاَءِ الشُّبْهَةِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الفرع الثاني مصوَّراً فيما إذا لم تَصرْ بعد الطلاق فراشًا لغيره، حتى أتت بولد، فإن صارتْ فراشًا لغيره؛ كما إذا نكحت بعْد انقضاء العدَّة، ثم ولَدَتْ، نُظِرَ؛ إن ولَدَتْ لما دون ستَّة أشهر من النكاح الثاني، فكأنها لم تنكح، والحكم 80 على ما مَرَّ، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر، فالولد 81 للثاني، وإن أمكن أن يكون من الأوَّل؛ لأن الفراش للثاني حاضرٌ قائمٌ، فالإلحاق به أَوْلى من الإلحاق بفراشٍ قَدِ انقطع وانقضى، وأيضًا، فإنَّ النكاح جرى على الصَّحة ظاهرًا، وعلى تقدير أن يكون الولَدُ من الأول، يكون في العدة ويبطل النكاح، ولا سبيل إلى إبطال الصحيح بالاحتمال، ولو نُكِحَت نكاحًا فاسدًا؛ بأن نُكِحَت في العدة، لم يَقْطع بمجرَّد العقدِ العدةَ، ولكن تسقط نفقتها وسكناها؛ لنشوزها، ثم إن وطئها الزوج عالمًا بالتحريم، فهو زان لا يؤثِّر وطؤه في العدة، وإن جهل التحريم، إما لظنه انقضاء العدة، أو لظنه أن المعتدة لا يَحْرُم نكاحها، فتنقطع به العدَّة؛ لصيرورتها فراشًا للثاني.
وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: لا تنقطع، قال القاضي الرُّويانيُّ: دعواه الجَهْلَ بأنها معتَّدة تُقْبَل بكل حال، ودعوى الجَهْلِ بأنَّ نكاح المعتدة حرامٌ لا يقبل إلا من قريب العهْد بالإِسلام، ثم إذا فرق بينهما، تكمل عدة الأول، ثم تعتد عدة الثاني، ولو أن هذه المنكوحة أتتْ بولد لزمان الامكان من الأول دون الثاني، فيلحق الولد بالأول، وتنقضي عدته بوضْعه، ثم تعتد للثاني، فإن أتت به لزمان الإمكان من الثاني دون الأول؛ بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فإن كان الطلاق بائنًا، فهو ملحق بالثاني، وإن كان رجعيًّا، فالجواب كذلك: أو يقال: فراش الأول باقٍ، فيعرض على القائف؟ فيه قولان، وإن أتت به لزمان الإمكان منها جميعًا، فيعرض على القائف، فإن ألحقه القائف بأحدهما، فالحكم كما لو أتَتْ به لزمان الإمْكان منْه خاصَّةً، وإن ألحقه بهما أو نفاه عنهما أو اشتبه الحال علَيْه أو لم
الجزء: 9 - الصفحة: 455
يكن [ثَمَّ] 82 قائفٌ، انتطر بلوغه وانتسابه لنفسه، وإذا وضعته، ومر بها ثلاثة أقراء، حلَّت للأزواج، وإن أتتْ به لزمان لا يمكن أن يكون مِنْ واحد منهما، بأن كان لما دون ستة أشهر من نكاح الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فلا يلحق بواحد منهما، إن كان الطلاق بائنًا، وإن كان رجعيًّا، عاد الخلاف في أنها هل هي فراش؟ وإذا نفيناه عنهما، فعن الشيخ أبي حامد: أنه لا تنقضي العدَّة بالوضع عن واحدٍ منهما، بل بعد الوضع تكمل العدة عن الأول، ثم تعتد عن الثاني، قال صاحب "الشامل": وقياس ما ذكرنا فيما إذا علَّق طلاقها بالولادة، فولدت ولدَيْن بينهما ستة أشهر: أن الثاني لا يلحقه، وتنقضي العدة بوضعه أن نقول هاهنا بانقضاء العدة عن أحدهما، ومدَّةُ الإمكان من الزوج الثاني تُحْسب من وقت النكاح الفاسد أو من وقت الوطء؟ فيه وجهان:
أحدهما، ويُحْكَى عن القفَّال الشاشيِّ -رحمه الله-: أنها تُحْسَب من وقْت النكاح، كما في النكاح الصحيح، وأظهرهما: الاحتساب من وقت الوطء، ولا عبرة بمجرَّد العقد الفاسد، وقرب من هذا الخلافِ الخلافُ في أن العدَّة في النكاح الفاسد تحسب من 83 آخر وطأة أو من وقت التفريق بينهما [بانجلاء] 84 الشبهة وظهور الفساد.
والأصحُّ على ما ذكر في "التهذيب" أنها تُحْسب من وقت التفريق؛ لأن الاستيلاد 85 ينقطع، والفراش حينئذ يزول، قال: والتفريق بأن فرق القاضي بينهما في معْناه ما إذا اتفق الزوجان على المفارقة، وما إذا مات الزوج عنها أو طلَّقها على ظنِّ الصحة، ولو غاب 86 عنها على عزم أن يعود إليها لم تحسب مدة الغيبة من العدة، ولو عزم أن لا يعود، فمدة الغيبة من العدَّة، وخُرِّجَ على الخلاَف المذكور: أن لحوق الولد في النكاح الفاسد، هل يتوقَّف على إقراره بالوطء، كما في ملك اليمين أو يكفي فيه مجرَّد العقد كما في النكاح الصحيح [وأما] إذا أحوجناه إلى الإقرار بالوطء، فهل ينتفي الولد بدعوى الاستبراء كما في ملك اليمين أَوْ لاَ ينتفي 87 إلا باللعان؟ والظاهر الاحتمال الثاني، ولو وطئت في العدة بالشبهة، وأتت بولد لزمان الإمكان من الزوج، والواطئ، فيعرض الولد على القائف، كما ذكرنا في النكاح الفاسد، ولو وُطِئَت بعد انقضاء العدَّة، فهل هو كالنكاح الثاني في قَطْع فراش الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا بل يُعْرض الولد على القائف، كما لو وُطِئت في العدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 456
وأصحهما: نعم؛ لانقطاع النكاح الأول 88 والعدة عنه على الظاهر؛ فعلى هذا، لو أتت بولدٍ، لزمان الإمكان منها يلحق بالواطئ، كما يلحق بالزوج الثاني، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) لَوْ قَالَ: طَلَّقَتْ بَعْدَ الوِلاَدَةِ فَأَنْكرَتْ وَقَالَتْ: بَلْ قَبْلَهَا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ سَوَاءْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الوِلاَدَةِ أَوْ أُبْهِمَ* وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الوِلاَدَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الطَّلاَقِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا* وَلَوِ ادَّعَتْ تَقَدُّمَ الطَّلاَقِ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي فَعَلَيْهِ يَمِينٌ جَازِمَةٌ أَوِ النُّكُولُ* فَإِنْ جَزَمَ الزَّوْجُ فَقَالَتْ: لاَ أَدْرِي فَلَهُ الرجْعَةُ وَلَيْسَ يُقْبَلُ دَعْوَاهَا مَعَ الشَّكِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتِ المرأة، وطلَّقها زوجها ثم اختلف الزوجان، فقال الزوج: طلَّقْتُك بعد الولادة، فأنْتِ في العدَّة، ولي الرجعة، وأبت المرأة فقالت: طلَّقْتَني قَبْل الولادة، وانقضت عدتي بالوَضْع، نُظِرَ؛ إن اتفقا على وقْت الولادة كيوم الجمعة، وقال: طَلَّقْتك يوم السبت، وقالت: بل يوم الخميس، فهو المُصدَّق بيمينه؛ لأن الطلاق بيده، فيُصدَّق في وقته، كما يُصدَّق في أصله؛ ولأن الأصل عدَمُ الطلاق يوم الخميس، وإن اتفقا على وقْت الطلاق، كيوم الجمعة، واختلفا في وقْت الولادة، فقال: وَلَدتُّ يوم الخميس، قالت، بل يوم السبت، فهي المُصدَّقة بيمينها؛ لأن القول في أصْل الولادة قولها، فكذلك في وقْتِها؛ ولأن الأصْل عدم الولادة يوم الخميس، ولو لم يتفقا على وقْت الولادة، ولا وقْت الطلاق، وادعى الزَّوْج تَقدُّم الولادة، وهي تقدِّم الطلاق، فهو المُصدَّق؛ لأن الأصْل بقاء سلطة النكاح، ولو ادعتِ المَرْأة تقدُّم الطلاق، فقال الزوج: لا أدْرِي، لم يُقْنَع 89 منه بذلك، بل إما أن يَحْلِف يمينًا جازمة على أن الطَّلاق لم يَتقدَّم أو يَنْكُلِ لِتَحْلِف هي؛ لأن الزوج بقوله "لا أدري" منكرًا؛ فتُعْرَض 90 عليه اليمين، وإن أعاد كلامه الأول جُعِل ناكلاً، فتحلف المرأة ولو لم يُفعل ذلك، لعجز المُدَّعَى عليه في الدعاوى كلِّها عن الدفع بهذا الطريق، وإذا حلَفَتِ المرأة، فلا عدة عليها ولا رجعة للزوج، وإن نَكَلَت، فعليها العدَّة وقال الأصحاب: وليس ذلك قضاء بالنكول، لكن الأصْل هنا بقاء النكاح، وآثاره، فيُعْمَل بهذا الأصْل، إذا لم يَظْهر دافع، وإن جزم الزَّوْج بِتقدُّم الولادة، وقالت هي: لا أدري، فله الرجْعة، فله يقنع منها بقولها "لا أدري" والورع أن لا يُرَجِعَها، وكذا 91 الحكم لو قالا جميعًا "لا تَدْرِي السابقَ منهما" وليس لها أن تنكح حتى تمضي ثلاثة أقراء 92.
الجزء: 9 - الصفحة: 457
وقوله في الكتاب "وليس يقبل دعواها مع الشك" يعني أن الأصل ثبوت الرجعة، وهي مدعية لما يَدْفَعه، فلا بد من دعْوَى صحيحةِ، ودعوى الشَّاكِّ غَيْرُ صحيحة.
البَابُ الثَّانِي فِي تَدَاخُلِ العِدَّتَيْنِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالعِدَّتَانِ المُتَّفَقَتَانِ بِالأَقْرَاء أَوِ الأَشْهُرِ تَتَدَاخَلاَنِ (و) مِنْ شَخْصٍ واحِدٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَطَأَهَا الزَّوْجُ فِي العِدَّةِ فَيَكْفِيهَا ثَلاثةِ أقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ الوَطْءِ* لَكِنِ الرَّجْعَةُ لاَ تَتَجَاوَزُ ثَلاَثةَ أَقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ* أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا بِأَنْ كَانَ إِحْدَاهُمَا بِالحَمْلِ انْدَرَجَتِ الأُخْرَى تَحْتَ الحَمْلِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وَانْقَضَتَا بِالوَضْعِ وَدَامَتِ (و) الرَّجْعَةِ إِلَيْهِ* فَإِنْ قُلْنا: لاَ يَنْدَرجُ فَإِنْ كَانَ الحَمْلُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ انْقَطَعَ عِدَّةُ الطَّلاَقِ فَتَعُودُ إِلَى بَقِيَّتهَا بَعْدَ الوَضْعِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ أَوْ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ فِي البَقِيَّةِ* وَهَلْ يَجُوزُ الرَّجْعَةِ قَبلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَمَهْمَا ثبَثَ الرَّجْعَةَ ثبَتَ المِيرَاثُ وَسَائِرُ الأَحْكَامِ* وَلَوْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَهِيَ حَامِلٌ انْقَضَتِ العِدَّةُ الأُخْرَى بِالأَقْرَاءِ مَعَ الحَمْلِ عَلَى الأَظْهَرِ لِأَنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمعَتْ على المرأة عدتان، فإما أن يكونا من شَخْصٍ واحدٍ أو مِنْ 93 شخصَيْن.
القِسْمُ الأَوَّل: إذا كانا من شَخْصٍ واحدٍ بأن طَلَّق زوجته، وشرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثم وطئها في العدة، إما جاهلاً إن كان الطلاقُ بائنًا، وإما جاهلاً، أو عالمًا، إن كان الطلاق رجْعيًّا، فتَتَداخل العِدَّتان، ومعْنَى التداخل: أنها تعتد بثلاثة أقراء أو بثلاثة أشهر من يوم الوطء، ويندرج فيها ما بقي من عدة الطلاق، وقدر تلك البقية يكون مشتركًا واقعًا عن الجهتَيْن جميعًا، ويجوز له الرجْعة في تلك البقية إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا رجعة بعْدها، ويجوز تجديد النكاح في تلْك البقية وبعدها، إذا لم يكن عَدَدُ الطلَّاق مستوفَّى.
هذا هو المشهور والأظْهَرُ، ووراءه تقديران، قد أخذ بكلِّ منهما آخذون.
أحدهما: أن عدة الطلاق تنقطع من الوطء [بما طرأ] 94 من الوطء ويسقط باقيها وتَتمخَّض العدَّة الواجبة عن الوطء، هذا حكاه أبو الحسن العَبَّاديُّ عن الحليمىِّ قال: وقياسه أن لا تثبت الرجْعة في البقية، لكن الإجماع صد 95 عنه، وقد ينقطع
الجزء: 9 - الصفحة: 458
أثر 96 النكاح في حُكْم دون حُكْم.
والثاني: أن الباقي من عدَّة الطلاق ينقضي متمحضًا عن الطلاق، والوطء لا يوجب إلا ما وراء ذلك إلى تمام ثلاثة أقراء، وهذا ضعيفٌ، وإن كانت العدَّتان من جنْسين بأن كانت إحداهما بالحَمْل، والأخرى بالأقراء، إما بأن طلقها 97، وهي حائل، ثم وطئها في 98 الأقراء وأحبلها 99 أو بأن طَلَّقها، وهي حامل، ثم وطئها قبل الوَضْع، فهل تدْخل العدة الأُخْرَى في الحمل؟ فيه وجْهان:
أشبههما الدُّخول؛ لأنَّهما من شخْص واحدٍ، فأشبهتا 100 المتجانستَيْن، فإن قلنا بالتداخل، فتنقضي العدتان جميعاً بالوضع، وله الرَّجْعة في الطلاق الرجعيِّ إلى أن تضعه إن كانَتْ عدة الطلاق بالحَمْل، وطَرَأَ الوطء، وإن كانت عدة الطلاق بالأقراء وَحَدَثَ 101 الحَمْل من الوطء، فوجهان:
أظهرهما: أن الجواب كذلك؛ لأنها في عدة الطَّلاق، وإن وجَبَتْ عدة أخرى، وهذا هو المذكور في الكتاب.
والثاني: أنه لا رجْعة له؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سَقَطَتْ، وهي الآن معتدَّة عن الوطء، وإن قلنا: لا يتداخلان، فإن كانَتْ حاملًا عند الطلاق، ووطئها قبل الوضع، فتعتد بعْد وضع الحمل بثلاثة أقراء، ولا رجْعَةَ إلاَّ في مدة الحَمْل، وإن كانت تعْتدُّ عن الطلاق بالأقراء، وحده الحْمل من الوطء فهي معتدة بالحمل عن الوطء إلى أن تَضَع، فإذا وضعت، عادت إلى بقية عدة الطلاق، وله الرجعة في تلك البقية إن كان الطلاق رجعيًّا، وهل تجوز الرجْعةُ قبْل الوضع فيه وجهان أصحهما نعم، وله تجديد النكاح قبل الوضع وبعْده، إذا لم يكن الطلاقُ رجعيًّا، ولم يحتج إلى المُحَلِّل؟ فإن العدة منْه.
وإن لم يَدْرِ أنَّ الحَمْل حدث من الوطء أو كانت حاملاً عنْد الطلاق.
قال في "التتمة": يلزمها الاعتداد بثلاثة أقراءٍ كاملة بعْد الوضع؛ لجواز أن تكون عدة الطلاق الوَضْع، وفي الفَصْل بعد هَذا مسألتان:
إحداهما: حيث قلنا بثبوت الرجعة، فلو مات أحدهما، ورِثَهُ الآخر، ولو طلَّقها، لحقها الطلاق، ويَصِحُّ الظهار، والإيلاء عنها، ولو مات الزَّوْج، انتقلت إلى عدة = لشخص، وقلنا يكتفي بعدة واحدة وان بقية العدة أولى سقط أنه لا رجعة له وكذا يأتي مثله فيما إذا حملت من وطئه في العدة فكيف يحسن ادعاء الإجماع بعدم جريانه.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 459
الوفاة، وحيث قلنا: لا تثبت الرجْعة، لا يثبت شيء من هذه الأحكام.
الثانية: في جميع ما ذكرناه فيما إذا كانَتْ لا ترى الدم على الحَمْل أو كانت تراه، وقلنا إنَّه ليس بحيض، فأما إذا جعلْناه حيضًا، فهل ينقضي مع الحَمْل العدة الأخرى بالأقراء؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نَعَمْ، وبه قال الشيخ أبو حامد، والقاضي الحسين 102؛ لأن البراءة معلومةٌ بالوضع، والحُكْمُ بعدَم التداخُل مع اتحاد الشَّخْص ليس إلا للتعبد برعاية صورة العدتين، وقَدْ حَصَلت.
والثاني، وبه قال الشيخ أبو محمَّد، وإلى ترجيحه مال الإِمام: أنها لا تنقضي؛ لأن الأقراء إنما يُعْتدُّ بها إذا وقَعَت في مظنة الدلالة على البراءة، وهاهنا الشُّغْل معلوم، فإن قلنا: تنقضي، فلو كان الحمل حادثًا من الوطء، فمضت الأقراء قبل الوضع، فقد انقضت عدَّة الطلاق، وليس للزوج الرجْعة بعْد ذلك، فإن وضعت الحْمل قبل تمام الأقراء، فقد نقضت عدة الوطء، وعليها بقية عدة الطلاق.
قال صاحب "التهذيب": وللزوج الرجْعة قبل الوضْع وبعده إلى تمام البقيَّة بلا خلاف 103؛ لأنها كانت ترى الدم على الحبل، وجعلناه حيضًا، فزمان الحمل محسوب من عدة الطلاق، ولو كانت حاملًا عند الطلاق، ووطئها قبل الوضع، فالأقراء محسوبة من عدَّة الوطء، وللزوج الرجْعة إلى وَضْع الحمل، فإن وضعت قبل تمام الإقراء، اكملت ما بقي من عدة الوطء، ولا رجْعة فيه.
وقوله في الكتاب "والعدتان المتفقتان بالأقْرَاء أو الأشْهر تتداخلان" يمكن أن يُعْلَم بالواو، ولأن من قال "يسقط الباقي 104 من عدة الطلاق، والعدة الواجبة ممحضة 105 لا
الجزء: 9 - الصفحة: 460
يحكم بدخول شَيْء من هذه في هذه، وكذا صاحب الوجه الآخر لا يقول بدخول إحداهما في الأخرى".
وقوله "وله الرجعة 106 أو تجديد النكاح في البقية" تجديد النكاح: لا يختص بالبقية، بل يجوز قبل الوضع أيضًا، وكان الأحسن أن يؤخره عن مسألة الرجعة بتمامها، ويبين جوازه على الإطلاق، واعلم أن أكثر مسائل الفَصْل مذكورةٌ في الكتاب في "باب الرجعة" معادةٌ هاهنا، وهذا الباب أحق بها ولما ذكرنا هناك في شرْحها ما فيه مقْنَعٌ ضمَمْنا أطراف الكلام هاهنا في مواضع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ وَطْءُ الشُّبْهَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يتَدَاخَلَ العِدَّتَانِ (ح م و) وَلَكِنْ إِنْ سَبَقَ الطَّلاَقُ اسْتَتَمَتْ عِدَّةُ الطَّلاَقِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ عَنِ الشُّبْهَةِ* وَإِنْ سَبَقَ الوَطْءُ فَقَدْ قِيلَ: يُقَدَّمُ عِدَّةُ السَّابِقِ* وَقِيلَ: النِّكَاحُ أَقْوَى* فَإِنْ قَدَّمْنَا عِدَّةَ الشُّبْهَةِ أَوْ كَانَ قَدْ أَحْبَلَ فَإِنَّ الحَمْلَ يُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ فَفِي الرَّجْعَةِ قَبْلَ اشْتِغَالِهَا بِعِدَّةِ الزَّوْجِ وَجْهَانِ* وَلاَ يَجُوزُ تَجْدَيدُ نِكَاحِهَا إِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فِي حَالَةِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ* أَمَّا فِي حَالِ عِدَّتِهِ إِذَا كَانَ فِي ذِمَّتِهَا عِدَّةُ الشُّبْهَةِ فَوَجْهَانِ:
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: إذا كانت العدَّتان من شخصَيْن، كما إذا كانَتْ في عدة نكاحٍ؛ إما في عدة وفاةٍ أو طلاقٍ، أو في عدَّة وطء شبهة، فوطئها بالشبهة غيره أو نَكَحها جاهلاً، ووطئها، أو كانت المنكوحة في عدة وطء شبهة، فطلقها زوجها، فلا يتداخلان، بل تعتد عن كل واحد منهما عدةً كاملةً، وبه قال أحمد -رحمه الله-.
وقال أبو حنيفة: يتداخلان، فيكفيها عدة واحدة من وقت حدوث سَبَب الثانية، وهو أظهر الروايتين عن مالك.
لنا، بعد الأثر عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- أنهما حقَّان مقصودان لآدمِيِّيْن، فلا يتداخلان كالديتين؛ واحتج الأودني بأن العدَّة نوع حبس يستحقه 107 الرجُل على المرأة، فلا يجوز أن تكون محبوسةً لاثنين في وقت واحدٍ، كالنكاح.
إذا عرف ذلك، فإمَّا أن يكون هناك حملٌ أو لا يكون؛ إحدى الحالتين إذا لم يكن [هناك] 108 حمْلٌ، فإن سبَق الطلاق، وطء الشبهة، أتمت عدة الطلاق؛ لتقدمها 109 ولقوتها؛ فإنها تَسْتَند إلى عَقْدٍ جائز، وسبب مسوِّغٍ، فإذا فرغت، استأنفت عدة الثاني،
الجزء: 9 - الصفحة: 461
ثم يُنْظَر؛ إن لم يوجَدْ من الثاني إلاَّ الوطْء بالشبهة فتبني علي عدة الطَّلاق، كما فرغت من ذلك، وإن نَكَح ووَطِئ، فزمان كونها فراشًا له لايُحْسَب عن واحدةٍ من العدَّتَيْن وبم تنقطع عدة الطلاق؟ فيه اختلافٌ مذكورٌ في الكتاب من بعد ومتى 110 تعود إلى عدة الطلاق على وجهَيْن؟
أحدهما، ويُنْسَب إلى القَفَّال الشاشيِّ: أنها تعود إلَيْها من آخر الوطئات الواقعة في ذلك النكاح.
والثاني، وهو ظاهر المذهب: أنها إنما تَعُود إلَى عدة الطلاق، إذا فرق بينهما، وللزوج الرجْعة في عدته، إن كان الطلاق رجعيًّا، وكما راجَعَها تنْقطع عدته، وتشرع في عدَّة الوطء بالشبهة، وليس للزوج الاستمتاع بها إلى أن تقضي 111، وهَلْ له تجْدِيد نكاحِها، إن كان الطلاق بائنًا؟ فيه وجهان:
أحدُهما: نعم، كما يجوز له رجْعَتها؛ لأنها في عدَّته، ثم كما نَكَحَها تسقط عدَّته، وتفتتح عدة الثاني.
والثاني لا؛ لأنه نكاح لا يستعقبه الحِلُّ، ويخالف الرجعة؛ فإنها إمساكٌ بحكم الدوام، فلا يشترط أن يستعقب الحِلّ، وهذا كما أن ابتداء نكاح المحرمة والمعتدة لا يجوز، وإذا عرض الإحرام والعدة في الدوام، لم يرتفع النكاح، وهذا الوجه الثاني يُحْكَى عن الشيخ أبي حامد، والأصح عند القَفَّال،: الأول، وبه أخذ صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما ولو وطئت منكوحة إنسانٍ بالشبهة،،ثم طلَّقها زوجُها، وهي في العدة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تستمرُّ عدة الوطء، ثم تعتد عن الطلاق؛ لأن وُجُوب عدة الوطء سابق.
والثاني: يُقدم عدة الطلاق، ثم تعود إلى بقية عدة الشبهة، وذلك لأَنَّ سبب عدة الطلاق أقْوَى، فإنها تتعلَّق بالنكاح، وبوطء مستحق فيه، واختار بعض المتأخرين الوجْه الأوَّل، ويُحْكَى الثاني عن أبي إسْحَاق، وعند الأكثرين: أنه الأظهر، فإن قلنا: تقدم عدة الوطء بالشبهة، فللزوج الرجْعة في الطلاق الرجعيِّ، إذا اشتغلت بعدته 112 وهل له الرجعة قَبْل ذلك؟ فيه وجهان، كما ذكرنا في العدتين المختلفتين من شَخْص واحد، إذا قلْنا بعدم التداخل، ولذلك عرف في النكاح، فقال: "ففي الرجعة قبل اشتغالها بعدة
الجزء: 9 - الصفحة: 462
الزوج الوَجْهَان"، لكن ذكرناهناك أن في "التَّتِمَّة" ترجيح 113 ثبوت الرجعة، ويجيْء من بعد ما ينازع في ترجيحه هاهنا، ولا يجوز تجديد نكاحها في عدة الشبهة، إذا كان الطلاق بائنًا؛ لأنها في عدَّة الغَيْر، وإن قلْنا: تقدم عدة الطلاق، فتشرع فيه كما طلَّقها فيها، فإذا أتمَّت، عادت إلى بقية عدة الشبهة، وللزوج الرجْعة في عدَّته إن كان الطلاق رجْعيًّا، وهل له تجديد النكاح إذا كان بائنًا؟ فيه ما سَبَق من الوجهَيُن، وإذا طرأ وطء شبهة في عدة وطء شبهة، فتستمر عدة الواطئ الأول بلا خلاف، ولو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، ووطئها غيره بالشُّبْهة، ثم فُرِّق بينهما؛ لظهور فساد النكاح، في "التهذيب": تقدم عدة الواطئ بالشبهة وجْهًا واحدًا؛ لأن عدته من وقْت الوطء وعدة الناكح 114 مِنْ وقت التفريق، ومعناه أن عدة الواطئ قد سبق وجوبها وليس للنكاح الفاسدِ قوَّة الصحيح، حتى يرجح بها، فهما كواطئَيْن وَطئَا بالشبهة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "لم تتداخل العدتان" مع الحاء والميم بالواو؛ لما سيأتي في الفرع الأول من الفروع المذكورة في الباب.
وقوله " [أو] 115 كان قد أحْبَل، فإن الحبل يُقَدَّم 116 بكل حال" هذا تعلق بالحالة الثانية؛ وهو أن يكون هنا حَمْلٌ، وسيأتي.
وقوله "ولا يجوز تجديد نكاحِها" إلى آخر الفصْل، يشمل ما إذا سبقت عدة الطلاق، وما إذا تأخَّرت، وفرَّعنا على أنَّها تُقدَّم، وهو صحيح، فجرى على إطلاقه على ما فصَّلناه.
واعلم أنَّه قد تُعوَّض إحدى العدتين فيما نحْن فيه بالأقراء، والأُخْرَى بالأَشْهُر مثْل أن يُطلِّقها زوجُها، ويمضي بها قرءان مثلاً، ثم ينكحها غيره، ويديم استفراشها، إلى أن تَبْلُغَ سنَّ اليَأْس، ثم يفرق بينهما، فتكمل عدة الزوج بشهر بدلاً عن قرء، ثم تعتد الثاني بثلاثة أشهر، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ رَاجَعَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنَ الشُّبْهَةِ لَمْ يَحِلَّ الوَطْءُ* وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً مِنْهُ وَلَكِنْ فِي ذِمَّتِهَا عِدَّةُ الشُّبهَةِ فَفِي جَوَازِ الوَطْءِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي وَطْءِ الحَامِلِ مِنَ الزَّوْجِ إنْ وُطُئَتْ بِالشُّبْهَةِ* هَذَا كُلُّهُ إِذَا عُلِم مَن مِنْهُ الحَمْلُ* وَإِنْ احْتُمِلَ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى القَائِفِ وَحُكِمَ بِمُوجِبِهِ* لَكِنَّ الزَّوْجَ إنْ أَرَادَ الرَّجْعَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَ قَبْلَ الوَضْعِ وَبَعْدَهُ لِيَقَعَ ذَلِكَ فِي عِدَّتِهِ بِيَقِين* ويَحْتَمِلُ الرَّجْعَةَ هَذَا الوَقْفُ عَلَى الأصَحِّ* وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ (و) لَهُ* وَإِن كَانَتْ بَائِنَةً فَعَقْدُ النِّكَاحِ مَرَّتَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ
الجزء: 9 - الصفحة: 463
وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَحْتَمِلُ الوَقْفَ وَلاَ تُطَالِبُ بِالنَّفَقَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي الحَالِ وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ عَلَى الوَاطِئِ بِالشُّبْهَةِ لأنَّهُ الآنَ مُشْكِلٌ فَإِنْ قَضَى القَائِفُ عِنْدَ الوَضْعِ لِلزَّوْجِ فَلَهَا المُطَالَبَةُ لِلزَّوْجِ* وَإِنْ قَضَى لِلوَاطِئِ فَلاَ لِأَنَّ مُضِىَّ الزَّمَانِ يُسْقِطُ نَفَقَةَ القَرِيبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كان هناك حَمْل، فتقدم عدة مَنِ الحْمل منْه سابقًا كان الحْمل أوْ لاحقاً، فإن عدَّة الحمْل لا تَقْبل التأخير، فإن طلَّقها زوْجُها، وهي حامل ثم وطئت بالشبهة، فإذا وَضَعَتِ 117، انقضت عدة الطلاق، وتَعْتدُّ بالأقراء للواطئ بعد أن تَطْهُر من النفاس، وللزوج أن يراجِعَها قبْل الوضع، إن كان الطلاق رجعيًّا لكن ذكر الرُّويانيُّ في البحر: أنَّه لا يراجِعُها في مدة اجتماع الثاني معَها؛ لأنها حينئذ خارجةٌ عن عدة الأول وفراشٌ لغيره، فلا يصِحُّ الرجعة في تلْك الحالة 118، وهل له تجْديد نِكَاحِها قبْل الوضع، إن كان الطلاق بائنًا؟ فيه الوجهان السابقان، ويجريان فيما لو وطئ امرأةً بالشبهة، وأحْبَلَها ثم وطِئَها بالشبهة آخَرُ، هل للأول أن ينكحها قبل الوضع؟ وليس له أن ينكحها في عدة الثاني بحال، وللثاني أن ينكحها في عدته، وإن كان الحمل وطء الشبهة، فإذا وضعت، انقضت عدة الوطء، وتعود إلى بقية عدة الطلاق بَعْد الوضع، وللزوج الرجْعة في تلْك البقية، إن كان الطلاقُ رجعيًّا، ولا فرق في ذلك بين مدة النفاس وغيرها؛ لأنها من جُمْلة العدة، كالحيض الذي يقع فيه الطلاق، وفي مدة النفاس وجْه: أنه لا رجْعة فيها، وإذا ثبتت الرَّجْعة، فلو طلَّقها يلحقها الطلاق، ولو مات أحدهما وَرِثه الآخر، وتنتقل بوفاة الزَّوْج إلى عدة الوفاة، وهل له الرجعة قبل الوضْع إن كان الطلاق رجعيًّا وتجديد النكاح إذا كان الطلاق بائنًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لم تنقض عدته بعْد، وإنما تنقطع الرجْعة بالفراغ منْ عدته، وهذا حكاه الشيخ أبو حامد عنْ أبي إسحاق، وذكر أنه الصحيح، وهو موافق لِمَا قدَّمناه في العدتين المختلفتين من شَخْصٍ واحدٍ.
والثاني: المَنْع؛ لأنها في عدَّة غيْره، قال في "التهذيب": وهو الصحيح، ويُرْوى مثله عن أقضى القضاة الماوَرْدِيِّ، وقد يُفَرِّق الصائر إليه بين ما نحن فيه وبين العدتين من الشخص الواحد؛ فإنهما إذا كانتا من واحدٍ، كان الحقُّ له، ورعايةُ العَدَدِ ضَرْبٌ من
الجزء: 9 - الصفحة: 464
التعبد، والرجعةُ في أية عدة وقَعَتْ، لا تصادف حق الغير، كما هنا بخلافه ثمَّ في "التهذيب" أنه لو طلَّقها قبل الوضْع يَلْحَقها الطَّلاق، وإذا مَاتَ أحدُهما، ورثه الآخر، وإذا مات الزَّوج، تنتقل إلى عدة الوفاة، حتى إذا وضَعَت، تَعْتدُّ عن الزوج عدَّةَ الوفاة، وإن كانَ لا تصِحُّ رجعتُهُ؛ لأنا نَجْعَل زمان الرجْعة كزمان صُلْب النكاح، هذا لفظه، وإذا راجَعَها، وهي حاملٌ من الأجنبيِّ، وجوَّزناه، فليس له وطؤها 119 إلى أن تَضَع، كما إذا وطئت المنكوحة بالشُّبْهة فاشتغلَتْ 120 بالعدة، وإن كانَتْ حاملاً منْه، ولكن في ذمَّتها عدَّةُ الشبهة فراجعها تنقطع عدَّته في الحال، وتَبْقَى عدَّة الشُّبْهة مؤَخَّرة إلى أن تَضَع، وتعود إلى أقرائها، وهل له وطؤها في الحال؟ فيه وجهان:
قيل: نعم؛ لأنها منكوحةٌ، وليست في الحال في عدَّة غيره.
وقيل: لا؛ لأنها متعرِّضة للعدة، والزَّوْج ممنوعٌ منْها حينئذٍ، ولا يليقُ بمحاسنِ الشَّرْع تسليطُهُ عليها في الحال، والمَنْع في الاستقبال، ومال صاحب "التتمة" إلى ترجيح الثاني، ومنْهم من رجَّح 121 الأوَّل، ويجري الوجهان فيما لو وطئت المرأة بالشُّبهة في صُلْب النكاح، وهي حاملٌ من الزوج، هل يُمْنَع منها قبل الوضْع؟ وخَرَّج مُخرِّجُون هَذا الخِلاَفَ على الخِلاَف في أنه هَلْ تَثْبُت الرجْعة في عِدَّة الشُّبُهة، وفي ذمتها عدَّة الطلاق؟ إنْ قلنا: نعم، جَعَلْنا عدَّة الطلاق التي ستنْتَهي إلَيْها كالموجودة في الحال، فيحرم الوطء وإلاَّ، فلا يَحْرُم، ولو كانت تَرَى الدم على الحَمْل، وجعلْنَاه حيْضاً، فعن القاضِي الحُسَيْن: أن العدة الأخرى تنقضي بالأقراء على قياس ما مَرَّ في العدتَيْنِ مِنْ شخْصٍ واحدٍ، وهذا ضعيفٌ عنْد الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- وقال في "البسيط": لأن فيه مصيرًا إلى تداخُل العدَّتَيْن مِنْ شخصين 122، وهو بعيدٌ على أصْل الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وجميعُ ما ذكرنا فيما إذا عُلِمَ أن الولَد منْ هذا أو من ذاك؛ لانحصار الإمكان في هذا أو ذاك ووراءه حالتان:
إحداهما: إذا لم يُحْتَمل أن يَكُون الولَدُ مِنْ واحد منهما؛ بأن أتت به لأكثر من أربع سِنِينَ مِنْ طلاقِ الأوَّل، وهو بائنٌ أو رجعيٌّ على قول، ولِمَا دون ستة أشهر من
الجزء: 9 - الصفحة: 465
وطء الثاني، فالولد منفيٌّ عنْهما ولا تنقضي بالوَضْع عدَّةُ واحدٍ منهما على الوجْه الأشهر، بل تكمل بعْد الوضع عدَّة الأوَّل، ثم تستأنف عدة الثاني، وفيه وجه آخر عن الشيخ أبي حامد -رحمه الله-: أنها تَعْتدُّ بالوَضْع عن أحدهما، لا بعينه، لإمْكان كونه مِنْ أحدهما بوطء شبهة يفَرْض من الزوج بعد الطلاق أو يفرَضَ من الواطئ قبل وطئه الظاهر، والإمكانُ كافٍ في انقضاء العدَّة، ثم إذا وضَعَتِ اعتدَّتْ عن الآخر بثَلاَثةِ أقراء، وهذا ما ارتضاه الإمامُ، وقد نقل صاحب"المهذب" الوجهَيْن جميعًا، ويتفرَّع عليهما فرعان:
أحدهما: [لو كانت ترى الدم والحالة هذه وجعلناه حيضًا قال الروياني: إن قلنا تنقضي عدة أحدهما بالوضع] لا تعتدُّ بأقرائها؛ لئلا تتداخل، عدَّتان في حقِّ شخصَيْن، وإن قلنا: لا تنقضي، ففي الاحتساب بأقرائها وجْهان:
أشبههما: الاحتساب؛ فإنها لم تَعتدَّ بالحمل، كانت كالحائل 123، وهذا ما أورده ابن الصَّبَّاع في "الشامل" وقد يمنع قول القائل: إن القَوْل باعتدادها بالأقراء مع الاعتداد بالحَمْل مُصَيِّرٌ إلى التداخل [بأن] الذي ينكر أن يعتد بالقرء بالواحد مثلاً عن اثنين، وهاهنا لا تعتدُّ بشيْءٍ واحدٍ عنهما جميعًا، بل تعتد عن أحدهما بالحَمْل، وعن الآخر بالأقراء إلا أنَّهما وَقَعا في زمانٍ واحدٍ.
الثاني: إن قلْنا: تنقضي بالوضْع لحمْل إحدى العدتَيْن، فلا تصح رجعةُ الزوج في مدة الحَمْل، ولا رجعته في الأقراء بعْد الوضع للشَّكِّ في أن عدته هذه أو هذه، فإن راجَعَ مرَّةً في الحَمْل، وأُخْرى في الأقراء، ففي صحة الرجْعة وجهان مَحكيَّان عن "الحاوي" وسيأتي -إن شاء الله- نظيرهما 124.
وإن قلْنا: لا تنقضي بالوضع 125 واحدةٌ من العدَّتَيْن، فتكمل بعْد الوضع عدَّةُ الأول، وهو الزوج، وله الرجْعة فيه، وهل له الرجْعَة في مدة الحَمْل قبله فيه الوجْهَان السَّابقان.
الحالة الثَّانِيَةِ: إذا احْتُمِل أن يكُون الوَلَد من الزوْح، واحتمل أن يكون من الواطئ بالشبهة، فيُعْرَض بعْد الوضْع على القائف، فإن ألْحَقَه بالزَّوْج أو الواطئ، فالحُكْم كما بَيَّنَّا فيما لو اختص الاحتِمَال به، وإن لم يَكُن قائف أو أشْكَل علَيْه أو ألْحَقَه بهما أو نَفَاه عنْهما أو ماتَ الولَد، وفات العرَض، فتنقضي عدَّة أحدهما بوضع الحَمْل؛
الجزء: 9 - الصفحة: 466
لأنه مِنْ أحدِهِما، ثم تعتدُّ بعد الوضع عن الآخَرِ ثلاثة أقراء؛ لأنه إنْ كان الوَلَد منَ الثَّاني، فعلها بعْد الوَضْع بَقِيَّة عدَّة الأول، وإنْ كان من الأوَّل، فتحتاج بعْد الوضْع إلَى عدَّةٍ كاملةٍ للثاني، فيُؤْخذ بالاحتياط، قال القاضِي الرُّويانيُّ: وقَوْل الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: "فإن لم يكن قائفٌ" ليس المراد منه أن لا يوجد في الدنيا، بل المراد أن يوجد في موضع الولد وما قرب منه، وهي المسافة التي تُقْطَع في أقلَّ من يوم 126 وليلة، وفي موْضِع العَرْض على القائف كلامان:
أحدهما: أن مَوضِعَه ما إذا ادعياه جميعًا، أما إذا ادعَى أحدهما دون الآخر، فوجهان:
أشهرهما: العرض أيضًا لِحَقِّ الولَدِ وحَقِّ الشرع في النسب.
والثاني: أنه يختص بالذي يدَّعيه كما في الأموال.
والثاني: قال في "التتمة": إن كان الطلاقُ بائنًا، فيُعْرَض على القَائِف كما ذكَرْنا، وإن كان رجعيًّا، يُبْنَى على أن الرجْعِيَّة هل هي فراش أم لا؟ إن قلْنا: لا، فكذلك الجَوَاب، وإن قلْنا: إنَّها فراشٌ وأن السنين الأربع في حقِّها تعتبر مِنَ انْقِضاء العِدَّة، فالولَدُ مُلْحَق بالزوج، ولا يُعْرض على القائف، ثم في هذه الحالة الأخيرة مسألتان:
أحدهما: إذا رَاجَع الزوجُ في مدَّة الحَمْل يُبْنَى على أن الزوج إذا تأخَّرت عدته؛ لإحبال الواطئ بالشبهة إياها، هل له الرجْعة في مدَّة الحمل؟ إنْ قلْنا: نَعَمْ، صحَّت رجعته؛ لأنه إما زمان عدته أو زمان عدة غيره الذي تصِحُّ فيه رجْعَتُه، وإن قلنا: لا، لم يُحْكَمْ بصحة الرجْعة؛ لجواز أن يكون الحَمْل من وطء الشبهة، فلو بأن بعْد الوضع أنَّ الحَمْل منْه بإلْحَاق القائف، فهَلْ يحْكُم الآن بأنَّ الرجْعة صَحَّتْ وحلَّتْ مَحلَّها؟ فيه وجهان مأخُوذَانِ مِنَ الخلاف فيما إذا باع مالَ مُوَرِّثهِ عَلَى ظَنِّ أنه حيٌّ، فبان أنه كان مَيِّتًا، والأظْهَر الحُكْم بالصِّحَّة، ولو راجعَ بعْد الوَضْع في الأقراء، لم يُحْكم بصحة رجعته أيضًا؛ لجواز أن يكون الحمل منه، وتكون عدته منقضيةً، فلو بان بإلْحاق القائِفِ أن الحَمْل من وطء الشبهة، ففي الحكم الآن بصحَّة الرجْعة الوجهان السابقان، وهذا إذا راجَعَ في القَدْر المستيقن بعْد الوضَعْ من الأقراء دون القَدْر الذي أوجَبْناه احتياطًا.
بيانه: لو وطئ الثاني بعْد مضيِّ قرء مِنْ بعد الطلاق، فالقَدْر الذي يتيقن لزومه بعد الوضْع قُرْءان؛ لأنه لو كان الحَمْل من الواطِئ بالشبهة، لم يلزمها إلا بقيَّة عدَّة الطَّلاق، والقرء الثالِثُ إنما نوجبه احتياطًا؛ لاحتمال كوْن الحَمْل من الزَّوْج، فلو راجع
الجزء: 9 - الصفحة: 467
في القرءين بعد الوضع، ثم بأن أن الحَمْل من وطء الشبهة، فهو موضع الوجهين.
أما إذا راجَعَ في القرء الثالث، فلا يحكم بالصِّحَّة؛ لأنه لَيْس مِنْ عدَّة الزوج يقينًا ولو راجع مرتين [مرة] 127 قبْل الوضع، وأخرى بعده في القرءين، ففيه وجهان:
أصحُّهما، وبه قال القفَّال: أن رجعته صحيحةٌ؛ لوقوع إحدى اللفظتَيْن في عدته يقينًا.
والثاني: المَنْع؛ للإيهام والتردُّد في كلِّ واحدة منْهما، وأما تجديد النكاح إذا كان الطلاق بائنًا، فينظَر؛ إن نكَحَها مرةً واحدةً، إما قبل الوضع أو بعده، لم نَحْكُمْ بصحَّة النكاح؛ لجواز كونها في عدة الواطئ بالشبهة حينئذ، فإن كان الطلاق بائنًا، فيُنْظَر، إن نكَحَها مرةً واحدةً، إما قبل الوضع أو بعده، لم نَحْكُم بصحة النكاح، فإن بأن أنَّ العدة منه بإلْحاق القائف، ففي "التتمة": أنه على الخلاف المذكور في الرجْعة، قال: وليس ذلك من جنس وقْفِ العُقُود على الإجازة، وإنما هو وقف على ظهور أمر كان عند العَقْد، ولو نَكَحها مرَّتَيْن مَرَّةً قَبْل الوَضْع، ومرةً بعْده كما صوَّرْنا في الرجْعة، فوجهان كما ذَكَرْنا هناك؛ ورأى الإِمام الأصَحُّ هاهنا: المنع، وقال: الرجْعة تحتمل مَا لاَ يحتمل النكاحَ؛ ألا ترى أنها تَصِحُّ في حال الإحرام، ولا يصح النكاح، فجاز أن يحتمل الوَقْفَ، ولا يحتمل النكاح، والوجهان مبنيان على أنه يجوز للزوج تجديد النكاح في عِدَّته وفي ذمَّتها؛ عدة الوطء بالشبهة، وإلا، فيجوز أن يكون الحَمْل من الزوج حينئذٍ، فلا يَصِحُّ واحِدٌ من النكاحين، أما ما قبل الوضع؛ فلأَنَّ في ذمتها عدَّةَ الوطء بالشبهة، وأما بعد الوضع؛ فلكونها في عدة الوطء بالشبهة، ولو نكحها الواطئ بالشبهة قبل الوضع أو بعده في القرءين، لم يَصحَّ؛ لجواز كونها في عدَّة الزوْج حينئذٍ.
نعم، لو 128 نكَحَها بعد الوضع في القرءَيْن، ثم بان بإلْحَاق القائف أن الحَمْل من الزوج، ففي تبيُّنِ الصِّحَّة الخلافُ السَّابِق، ولو نكَحَها في القرء الثالث، صَحَّ النكاح؛ لأنها في القرء الثالث في عدَّته، إن كان الحْمل من الزوْج، وغير معتدة إن كان الحمل منْهُ.
المسألة الثانية: سنذكر -بعون الله تعالى جَدّه- من بَعْد: أن الرجعيَّة تَسْتحق النفقة في العدة، وأن البائنة لا تستحقها إلا إذا كانَتْ حاملاً، وسنذكر قولَيْن في أن تلْك النفقة للحَمْل أو للحَامِل؛ وقولَيْن في أن تلْك النفقة تُصْرَف إليها يومًا بيوم، أو يُصْرَف إلَيْها الجميع عنْد الوضع، وأن المعتدَّة عن وطء الشبهة لا نَفَقَةَ لها على الواطئ، إذا قلْنا: النفقة للحَامِل إذا عرَفَتْ هذه الجمل، فإن جعلْنا النفقة للحامِلِ، وهو الصحيح، فلا
الجزء: 9 - الصفحة: 468
تطالب المرأة بالنفقة مدَّة الحمل المحتمل الزوج، ولا الواطئ، أما الواطئ؛ فلأنه لا نفقة علَيْه على هذا القَوْل، وأما الزَّوْج، فإنما يطالب بالنفقة، إذا كان الحَمْل منه، والحَمْلُ مشكوك فيه، فلا تلزمه النفقة بالشك، فإذا وَضَعت، نُظِر؛ إن ألحقه القائف بالزوج، فلها مطالبته بنفقة مدَّة الحْمل الَّتي مضَتْ، وهذا إذا لم تَصِر فراشًا للثاني؛ بأن لم يوجد إلا وطء شبهة، ويشبه أن يستثنَى زمانُ اجتماعها مع الثاني على قياس ما حَكَيْنا عن "البحر" أنه لا رجْعَة في تلْك الحالة؛ لخروجها عن عدَّته، وإن صارتْ فراشًا له بأن نَكَحَها جاهلاً، وبَقِيَتْ في فراشه إلى أن وَضَعَت، فلا نفقة لها على الزوج؛ لكونها ناشزةً بالنكاح، وإن فَرَّق الحاكم بينهما قبل الوَضْع، طالبته بالنفقة من يوم التَّفْريق إلى يَوْم الوَضْع، ثم لا نفقة لها على الواطئ في عدَّتها عنه بالأقراء، وإن ألحقه القائف بالواطئ بالشبهة، لم يلزمْ واحدًا منهما نفقة مدة الحمل، ولَزِم الزوْج نفقة مدة القرءين بعْد الوضع، إن كان الطلاق رجعيًّا، وفي نفقة زمان النفاس وجهان:
أحدهما: لا تَجِب؛ لأنه تابعٌ للحمل ومتولِّد منْه، وليس محسوبًا في عدة الزوج.
وأشبههما الوجوبُ كما أنَّ له أن يراجع في زمان النفاس، ويجوز أن لا يكون محسوبًا من العدَّة، وتجب نفقته كزمان الحَيْض الذي طلَّقها فيه، وإن لم يلحَقْه بواحدٍ منهما، أو إذا لم يكن قائفٌ، فلا نفقة على الواطئ، ولا على الزوج، إن كان الطلاق بائنًا؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ حال الحَمْل، ولا نفقة، إذا لم يكن حَمْلٌ، وإن كان رجعيًّا، فلا نفقة لمدة كونها فراشًا للثاني، ولها عليه الأقلُّ من نفقتها منْ وقْت التفريق إلى الوضع، ونفقتها 129 في القَدْر الذي يكمل عدة الطَّلاَق بعد الوضع، وهو قرءان في المثال الذي تَكَرَّر؛ لأن الأقل منْهما واجبٌ بيقين، [فإنه إن] 130 كان الحَمْل من الأول، فنفقة زَمَانِ الحمل عليه، وإن كان من الثاني، فنفقة العدَّة عليه، هذا إذا قلْنَا: إن النفقة للحامل، أما إذا قلْنا: للحمل، فعلى أحدهما نفقةٌ مدةَ الحَمْل بيقين، فإذا أشكل الحال، أنفقا عليه بالسَّويَّة، فإن قلْنا: يصرف الجميع إلَيْها بعْد الوضع، أخذت من كل واحد منهما نصْفَ نفقتها، هكذا رتب أبو نصر صاحب "الشامل"، والقاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع" وهو الأقوم، وسيأتي على الأثَر ما يشهد له، ومنْهم مَنْ أطلق القول بأنه لا تطالَبُ واحدٌ منهما بنفقتها في مدة الحَمْل؛ لأنه لا يَدْرِي أن الحَمْل من أيهما هو، ولا يفرق هؤلاء بين قولنا: إن النفقة للحامل أو للحَمْل، وهذا ما أورده في الكتاب، فقال: "ولا تطالَبُ بالنفقة واحدًا منهما [في الحال] وإن قلْنا: يجب على الواطئ بالشبهة؛ لأنه الآن مشكل"، وعلى هذا، فإذا وضعته، فألحقه القائف بالواطئ، ففي الكتاب أنَّه لا تُطَالَبُ
الجزء: 9 - الصفحة: 469
بالنفقة الماضية بِنَاءً على أن نفقة القريب تَسْقط بمُضِيِّ الزمان، وهكذا ذكره الإِمام، والذي أورده صاحب "التهذيب" وجماعة: أنه يُطَالَب بتلْك النفقة، وقالوا: هذه النفقة تَصِير دَيْنًا في الذمة، وليست هي كنفقات الأقارب، قال الإِمام -قدس الله روحه-: ولم يَصِرْ أحدٌ من الأصحاب إلى أنه إذا ألحقه القائفُ بالزَّوْج، لا يُطَالَب بالنفقة الماضية تفريعًا على أنها للحَمْل، وأنها تسْقُطُ بمضي الزمان، والقياس يقتضي المَصِيرَ 131 إليه، هذا هو الكلام في نفقة المرأة.
وأما نفقة الوَلَدِ بَعْد الوضْع، فَهُوَ عَلَى مَنْ أَلْحَقَهُ القائِفُ به منْهما، وكذا حضانَتُه، فإن لم يكُنْ قائفٌ أو أشْكَلَ عليْه، فالنفقةُ عليْهِما مُنَاصَفَةً إلى أن يُوجَد القائف أو يبلغ الصبيّ، فينتسب إلى أحدهما، وفيه وجْهٌ ضعيفٌ: أنهما لا يطالبان بالنفقة في زمان الإشكال، وفَرَّقوا على المذهب نفقة الولَد، حيث أوْجَبْنَا عليْهما نصفين، وبين نفقة المرأة حيْثُ لا نوجبها في مدَّة الحَمْل تفريعًا على أن النفقة للحَامِل، بان 132 وجوبها على أحدهما غير مستيقنٍ؛ لجواز أن يكون الحَمْل من الواطئ بالشبهة، ولا نفقة علَيْه على هذا القول، ونفقةُ الولد يستيقن وجوبها على أحدهما، وليس أحدهما بأوْلَى من الآخر، فوزعناها عليهما، وهذا يَشْهَد لِمَا مرَّ أن نفقتها في مدة الحْمل تَجِبُ عليهما وتوجد منهما إذا فَرَّعنا على النفقة للحَمْل؛ لأنَّا على ذلك القوْلِ نتيقن وجُوبَها عَلَى أحدهما؛ كما نتيقن هاهنا وجوب نفقة الولد، ثم إذا أنفقنا ثم 133 لحق الولد أحدهما إما بإلحاق القائف أو بانتسابه، فيرجع الآخر علَيْه بما أنفق بشرطَيْن:
أحدهما: أن يكون الإنفاقُ بإذْن الحاكم، وإلا، فهو مُتَبَرِّعٌ.
والثاني: أن لا يكونَ مُدَّعِيًا للوَلَدِ، فإن كان يدَّعِيه، فلا رجُوع له؛ لأنه أنْفَقَ عَلَى ولده بزعمه، ويتعلق بما نَحْن فيه فرعان:
أحدهما: لو مات المولودُ في زمان الاشكال، فتَكْفِينُه عليهما كنفقته، وللأم من ماله الثُّلُثُ، والباقي يوقف بيْن الواطئ والزوج، حتى يصطلحا، فإن كان لها ولَدَان آخرَانِ، أو كان لكلِّ واحدٍ من الزوج والواطِئ ولدان آخران، فلها السُّدُس، فإن كان لأحدهما ولدان دون الآخر، ففيما للأم وجهان:
أحدهما: الثلث؛ للشَّكِّ في أنَّهُما أخَوَانِ للميِّتِ أَمْ لا.
والثاني: السدس؛ لأنه متيقنٌ.
الجزء: 9 - الصفحة: 470
الثاني: أوصى إنسانٌ لهذا الحَمْل بشيْءٍ، وانفصل حيًّا، ثم مات، نُظِر؛ إن مات بعد قبول الزوج والواطئ الوصية، فالوصية مستقرة؛ لأن أحدهما أبوه، والمال لورثته، كما تبيَّن، وإن مات قبل أن يَقْبَلاَ، فحَقُّ القبول للورثة، ولو سَمَّى المُوصِي أحدَهُما؛ فقال: أوصَيْتُ لحَمْل فلان، فإن ألحقه القائف بغير المسمَّى، بَطَلَت الوصية، وإن ألحقه به صَحَّت، فإن نفاه باللعان، ففي بطلانها وجهان:
وقوله "ويحتمل الرجعة هذا الوقف" كأنه يعني بالوَقْف ما في كل واحد من الرجعتين من التردُّد والتَّوقُّف.
وقوله "ولو اقتصر على إحداهما لم يحل" ليعلم بالواو؛ لما قدمناه، ويُشْبِه أن يرجح الحلُّ إذا اقتصر على الرجعة قَبْل الوضع، وليعلم أيضًا قوله "فإن قلنا يجب على الواطئ بالشبهة" بالواو، والأشْبَهُ أنها تُطَالِب على هذا القول، وكذا قوله "وإن قضى للواطئ فلا والأقرب المطالبة".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) العِدَّتَانِ مِنْ حَرْبِيَّيْنِ تَتَدَاخَلاَنِ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّ اسْتِيلاَءَ الثَّاني يُبْطِلْ حَقَّ الأَوَّلِ* وَقِيلَ: قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكَرْنا أن العدَّتَيْن مِنْ شخصين لا تتداخلان، كان في الشخصَيْنِ المُحْتَرَمَيْنِ، فأما إذا طلَّق الحربيُّ زوجتَهُ فوطئها في العدَّة، حربي آخر بشبهة أو نكحها، ووطئها ثم أسلَمَتْ مع الثاني أو دَخَلاَ بأمان، وتَرَافَعَا إلينا، فقد حُكِيَ عن النصِّ أنه لا يجمع علَيْها بين عدتين، بل يكفيها واحدةٌ من يوم إصابة الثَّانِي، ورُبَّما نُسِبَ هذا النَّصُّ إلى باب التعريض بالخِطْبة، وعن القاضي أبي عليٍّ البندنيجي: إسناده إلى "الجامع الكبير" للمزنيِّ -رحمه الله- واختلف الأصحابُ في المَسْألَة على ثلاثة طرق:
أحدها: القطْع بأنه لا تَكْتَفِي بعِدَّةٍ واحدةٍ، بل تُكَمِّلُ عدة الأوَّل، وتَسْتأنِفُ عدة الثاني كما في العدَّتَيْن عن مسلمَيْنِ، وذلك لأن العدَّة معتَبَرة في حقِّ الكفار، كما هي معتَبَرة في حقِّ المسلمِينَ، فيتساويان في حُكْمها، وهؤلاء لم يُثْبِتوا رواية النص.
والثاني: أن المسألة على قولَيْن:
أحدهما: هذا.
والثاني: الاكتفاء بِعِدَّةٍ واحدة، لأنَّ حقوقهم ضعيفة، وماؤُهم غير محتَرَمٍ، فيراعى أصْل العدة، ويجعل جميعهم كالشخص الواحِدِ على هذه الطريقة، فالقول الثاني منْصوصٌ، والأول مُخرَّج من المَذْهب المقرّر في العدَّتَيْن منْ مسلِمَيْن، ونقل الشيخ أبو الفرج السرخسي، والقاضي الرُّويانيُّ: أن بعضهم خَرَّج من هذا النص فيما إذا كانت العدَّتان
الجزء: 9 - الصفحة: 471
من مسلِمَيْنِ أيضًا، وجَعَل الصورتَيْن على قولَيْن نقلاً وتخريجًا، وهذا غريبٌ 134 ضعيف.
والثالث: الأخْذُ بما نص عليه هاهنا، والقطْع به، وإذا قلنا: تَكْتفي بعدَّة واحدةٍ، فكيف التقدير؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن بقية العدة الأُولَى لا تَدْخُل في الثانية، بل تسقط؛ لأن حقوق الحربيين ضعيفةٌ متعرِّضة للسقوط بقهر الغير واستيلائه؛ ألا ترى أن الحرْبِيَّ يُسْتَرَقُّ، فتَبْطُل حقوقه في نفْسه وَتُسْتَرَقُّ زوجته، فيبطل نِكَاحُه، وتسترق مُعْتَدَّتُه، فتسقط العدَّة، ولو قهر حربيٌّ زوجة حربىِّ، يرتفع نكاح الأول، فكذلك استيلاء الثاني يبطل حقَّ الأوَّل.
والثاني: أن بقية العدَّة الأُولَى تدخل في الثانية، بخلاف عِدَّتَي المسلِمَيْنِ، وفرق بأن العدة عن الشخص المحترم تمنع سبب عدَّة أُخْرَى فلا تنقضي العدة الأخرى بالأقراء التي يمُرُّ بها حتى تتم العدَّة الأولى، والعدة عن غير المحترم 135 لا تمنع سبب عدة أخرى، حتى لو نكَحَها في العدَّة، وأسلما بعْد إنقضائها يُقَرَّانِ على النكاح، وإذا لم يمنع سبب عدة أخرى، لم يمنع ثُبُوت عدة أخرى، فجاز أن يجْتَمعا، والثانيةُ أقْوَى من الأولَى، فتدخل بقية الأولى فيها، وقد يختصر، ويقتصر على حاصل الخِلاَف، ويقال: في المسألة وجهان:
أحدهما: تُكْمِل عدَّةَ الأولَى ثم تَعْتَدُّ عن الثاني.
والثاني: يَكْفِيها عِدَّةٌ واحدةٌ منْ وقْت إصابة الثاني، والأرْجَح منْهما: الأوَّل عنْد الإِمام والقاضي الرُّويانيُّ، وعليه جَرَى الأودني في المناظرة -رحمهم الله تعالى- والثاني عند البندنيجي وصاحب "التهذيب"، ونظْمُ الكتاب إلى هذا أقْرَبُ، ثم ذكر أبو سعْد المتولِّي -رحمه الله- أنه لو أسْلَمَتِ المرأةُ ولم يُسْلم الثاني، فلا بد من أن تكمل العدةَ
الجزء: 9 - الصفحة: 472
الأُولَى، ثم تعتدَّ عن الثاني؛ لأنَّه ليستِ العدَّة الثانية أقوى هاهنا، حتَّى تسقط بقية الأُولَى أو يدخل فيها، وأنَّ الأوَّل لو كان قد طلَّقها طلْقةً رجعيةً، وأسلمت مع الثاني ثم أسْلَم الأوَّل، وأراد الرجْعَة، فله الرجعة في بقيَّة عدته إن قلنا بدخولها في العدة الثانية، وإن قلنا بسقوطها، فَلاَ، وأنه، لو أراد الثاني أن ينكحها، فله ذَلِكَ، إنْ قلنا بسقوط بقيَّة العدَّة الأولى؛ لأنها في عدته، وإنْ قلنا بدخولها في الثانية، فلا، حتى تنقضي تلْك البقية، وأنَّها إن كانت حاملًا من الأول، لم يكْفِها عدةٌ واحدةٌ بل تستأنِفُ بعد الوضْع عدَّةَ الثاني، وان أحبلها الثاني، فإن قلنا: إن بقية العدة الأولى تَسْقُط، فكذلك هاهنا، ويكفيها وضْع الحَمْل، وإن قلْنا بالتداخل، فتعود بعْد الوَضْع إلى بقيَّة الأُولَى؛ لأن الحَمْل ليْسَ من الأوَّل، فلا تنقضي به عدته 136.
ولو طلَّق الحربيُّ زوجَتُه، فوطئها في العدَّة حربيٌّ آخرُ في نكاح، وطلَّقها، جَرَى فيه الخلاف، وفيه صور الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- في "الوسيط" المسألة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "على النص" بالواو؛ لإنكار من أنكر النص.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): البَائِنَةُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ يُعَاشِرُهَا عَلَى الأَقْيَسِ (و) * وَالرَّجُعِيَّةُ لاَ تَنْقَضِي عِدَّتهَا مَعَ المُجَالَسَةِ عَلَى الأَظْهَرِ* فَإِن طَالَتِ المُفَارَقَةُ ثُمَّ جَرَتْ خَلْوَةٌ احْتَمَلَ أَنْ تَنْقَطِعَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُبْنَى مَا بَعْدَهَا عَلَيهَا* وَمُخَالَطَةُ الأَجْنَبِيِّ لاَ تَمْنَعُ العِدَّةَ* وَمُخَالَطَةُ الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ بَعْدَ انْجِلاَءِ الشُّبْهَةِ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلَّق زوجته، وهجرها، أو غاب عنها، انقضتْ عدتها بمضيِّ الأقراء أو الأشهر، ولو لم يهجُرْها، بل كان يطؤها، فإن كان الطلاق بائنًا، لم يمنع ذلك انقضاء العدة؛ لأنَّه وطأه زِناً لا حرمة له، وإن كان رجعيًّا، قال في "التتمة": لا تَشْرع في العدَّة ما دام يطؤها؛ لأن العدَّة لبراءة الرَّحِم، وهي مشغولَةٌ بما يشغل الرحم، وإن كان يطؤها، ولكن يخالِطُها ويعاشرها معاشرةَ الأزواج، في انقضاء العدَّة وجهان:
أحدهما: أن ذلك يمنع الاحتساب؛ فإنَّها تشبه الزوجاتِ دون المطَلقات.
والثاني: لا يمنع؛ لأن المخالطة لا تقتضي عدَّة، فلا يمنع مضيَّ العدة بخلاف الوطء، وهذان الوجهان أطلقهما أبو سعْد المتولِّي، هكذا، ولم يفرِّق بين الطلاق البائن والرجعىِّ، كذلك نقل صاحب الكتاب في "الوسيط"، وأضاف وجْه المنع إلى قدماء الأصحاب، وحكي عن المحقِّقين أن القياس الاحْتِساب؛ لأن أمْر العِدَّة مبنيٌّ
الجزء: 9 - الصفحة: 473
على مضيِّ المدة والإخلال بما فيها من الواجبات؛ كالإحداد، وملازمة المسكن لا تمنع انقضائها، فكذلك الإخلال بالاعتزال 137، ثم حكي عن القاضي الحُسَيْن الفَرْق بين أن يكون الطَّلاق بائنًا أو رجعيًّا، فإن كان بائنًا، لم يمنع انقضاء العدة بالمخالطة والمعاشرة، وإن كان رجعيًّا امتنع وهذا الوجْه كوجْه فارق مضموم إلى الوجهَيْن المُطْلَقَيْن، وهو الحاصل مما رجَّحه صاحب الكتاب، وبه أخذ الأئمة -رحمهم الله- منْهم القَقَّال، وبه أجاب صاحب "التهذيب" في الفتاوى، وهو المذكور في "التهذيب"، وفي "الحلية" للقاضى الرُّويانيِّ، وفرق بأنه إذا كان الطلاق بائنًا، فالمخالطة محرمة بلا شبهة، فلا تؤثِّر في العدة كوطئها الذي هو زنا، وفي الرجعيَّة الشبهةُ قائمةٌ، وهو بالمعاشرة والمخالطة مستفرش لها، فلا يُحْسَب زمانُ الاستفراش من العدَّة، كما لو نكحت زوجًا في العدة، وهو جاهل، لا بحسب زمان افتراشه، فلا بد [من] 138 أن يقوى بالاعتزال، ومخالطةُ الأجنبيِّ لا تؤثِّر، كما أن وطاه لا يؤثر، فإن كانت المخالطة عن شُبْهة، فيجوز أن لا تُحْتَسب كما مَرَّ أنها في زمان الوطء بالشبهة خارجةٌ عن العدة، ومخالَطَةُ الزوْج بعْد ظهور الحال وانجلاء 139 الشبهة كمخالطة الأجانب، ثم في الفرع فائدتان:
إحداهما: قال الشيخ الفراء -رحمه الله - في الفتاوى الذي عنْدي أنَّه لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء، وإن لم تنقض العدَّة بسبب المفارقة أخْذًا بالاحتياط من الجانبين، كما لو وطئ الرجعيَّة بعْد مضيِّ قرءين منْ وقت الطلاق، عليها أن تعتد بثلاثة أقراء منْ وقت الوطء، ولا تجوز الرجْعة في القرء الثالث منْها، وفي فتاوى القَفَّال -رحمه الله- ما يوافق هذا، وأما لحوق الطَّلْقة الثانية والثالثة، فيستمر إلى انقضاء العدة، فإنه مُقْتَضَى الاحتياط، وقد صرَّح به الرُّويانيُّ في "حليته".
والثانية في "البسيط": أنه يكفي في الحكم بالمعاشرة الخَلْوة، ولا يكفي دخول دار هي فيها، ولا يُشْترط تواصُلُ الخَلوة، بل يكفي أن يَخْلُوَ بها الليالي، ويفارقها الأيام، كما هو المعتاد بين الزوجين، ولو طالت مدة المفارقة، ثم جَرَتْ خَلْوة، ففيه احتمالان مذكوران في الكتاب:
أحدهما: تنقطع العدَّة، ويجب الاستئناف؛ لأن تلفيق أوقات المفارقة بعيدٌ.
وأشبههما: البناء على ما مَضَى، وأُجُرِيَ الخلاف في الفَرْع فيما إذا طَلَّق زوجته
الجزء: 9 - الصفحة: 474
الأمة، فأخَذ السيد في معاشرتها، هل يمنع ذلك من الاحتساب بالعدَّة؟.
قال صاحب "التهذيب" في الفتاوى: وإذا طلَّق زوجته ثلاثًا، ونكحها في العدة على ظن أن عدَّتها قد انقضت، وأنها نكحت زوجًا آخر، فينبغي أن يقال: زمان استفراشه إيَّاها لا يُحْسب من العدة، كزمان استفراش الرجعيَّة، وهذا كما ذكرنا في مخالطة الأجنبي بالشبهة، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كانت حائلاً، أما المعتدة بالحَمْل، فلا شك أن معاشرتها لا تَمْنع انقضاء العدة بالوَضْع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) إِذَا نَكَحَ مُعْتَدَّةً عَلَى ظَنِّ الصِّحَّةِ انْقَطَعَتْ عِدَّةُ النِّكَاحِ* وَتَنْقَطِعُ بِمْجَرَّدِ العَقْدِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الزِّفَافِ أَوْ بِحَقِيقَةِ الوَطْءِ فِيه تَرَدُّدٌ* وَلاَ تُحَرَّمُ (م) المُعْتَدَّةُ عَلَى نَاكِحِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: عرف 140 أنه إذا نكح معتدة على ظنِّ الصحة ووطئها، لم يُحْسب زمان استفراشه إيَّاها عن عدَّة الطلاق، ومِنْ أي وقت يُحْكَم بانقطاع العدة؟ فيه وجهان: وقيل قولان:
أحدهما، وبه قال القفَّال الشاشيُّ -رحمه الله- مِن وقْت العقد؛ لأنها بعقد النكاح مُعْرِضة عن عدة الأول.
وأصحهما: من وقت الوطء لأنَّ النكاح الفاسد لا حرمة له، ولا تُجْعل المرأة فراشًا ما لم يوجد الوطء فإن قلْنا: من وقت العقد، فلو لم تُزَفُّ إليه، فجواب الإِمام، وهو الأقوى: أنه يَتَبَيَّن أن العدة لم تنقطع؛ لأنه لم يوجد إلا لفْظ فاسدٌ، وذلك بعيد عن تأثُّر العدَّة، وحكاية غيره عن الشاشيِّ تفهم أن مجرَّد النكاح قاطعٌ وإن لم يوجد وطء وزفاف، وإذا زُفَّت إليه، فكان يخلو بها ويعاشرها ولكن لم يطأها، فهل يكون ذلك كالوطء؟ أشير فيه إلى تردُّد، ويمكن أن يوجد ذلك من الخلاف؛ في أن مخالطة الرجعيَّة هل هي كوطئها؟ وأفصح صاحب "التجريد" بذكر الخلاف وروايته، فقال: لو تزوَّج امرأةً بنكاح فاسد، وخلا بها ولم يطأْها، هل تصير بهذه الخَلْوة فراشًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الخَلْوة تُسلَّط على الإصابة، فصارت كالاصابة، ذكره أصحابنا الخُرَاسانِيُّون.
والثاني، وهو الصحيح: أنها لا تصير فرشًا ما لم يطأْها؛ لأن العَقْد فاسد،
الجزء: 9 - الصفحة: 475
فأقيمت الخَلْوةُ أو المخالطة مقام الوطء، فتنقطع العدة بالعَقْد المستعقب للخلوة، كما تنقطع بالعقد المستعْقب للوطء، وإذا قلْنا إن الانقطاع من وقت العقد، فينقطع بالزَّفَاف كما ينقطع بالوطء، إذا قلنا بالقول الآخر، ويخرج من ذلك ثلاثة مذاهب فيما تنقطع به العدة، كما أشار إليها في الكتاب.
الثانية: الجديد الصحيح أن المعتدَّة لا تُحرَّم مؤبدًا على من نَكَحَها في العدَّة جاهلاً ووطئها، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-، واحتج له بأنه وطء شبْهة، فلا يقتضي التحريم المؤبَّد، كالوطء [في] 141 النكاح بلا وليِّ ولا شهود، وعن القديم: أنها تُحَرَّم عليه على التأبيد، وبه قال مالك.
[ووجِّه بأنه استعجل الحق، قبل وقته، فأورث الحرمان] كما لو قتل مورِّثه، وعن أحمد -رحمه الله- روايتان، كالقولين، ومن الأصحاب مَنْ لم يجْعل المنقول عن القديم قولاً للشافعيِّ، وقال إنَّه يُحْكَى مذهب الغَيْر، وذكر الذين سلَّموه وجهَيْن في أن التحريم المؤبَّد، هل يشترط فيه تفريق الحاكم؟ فعلى وجْه، لا بد فيه من الحاكم، كتفريق اللعان، وعلى وجه: لا حاجة إليه كتحريم الرضاع، ونقل القاضي الرُّويانِيُّ إجراء القول القديم في كل وطء يفسد النسب كوطء زوجته الغير أو أمته بالشبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) إِذَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَفِي جَوَازِ الاكْتِفَاءِ بِبَقِيَّةِ العِدَّةِ السَّابِقَةِ قَوْلاَنِ* وَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فَجَدَّدَ نِكَاحَهَا ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ يَكْفِيهَا (ح) بَقِيَّة العِدَّةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةِ عَادَتْ إِلَى نِكَاحِ كَانَ فِيهِ وَطْءٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَسْتَأْنِفُ* وَحَيْثُ نَقُولُ بِالاسْتِئْنَافِ فَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَيَكْفِيهَا وَضْعُ الحَمْلِ* وَلَوْ رَاجَعَهَا فَوَضَعَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقُلْنَا بِالبِنَاءِ رَجَعْنَا إِلَى قَوْلِ الاسْتِئْنِافِ لِلضَّرُورَةِ وَتَعَذُّرِ البِنَاءِ* وَقِيلَ: سَقَطَتْ عَنْهَا البَقِيَّةُ للتَّعذُّرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ* أَمَّا إِذَا رَاجَعَ الحَائِلَ فِي الطُّهْرِ الثَّالِثِ ثُمَّ طَلَّقَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا إِذْ بَعْضُ الثَّالِثِ كَجَمِيعِهِ فَلاَ بَقِيَّةَ عَلَيْهَا* وَقِيلَ: البَعْضُ مِنْ أَوَّلِ الطُّهْرِ لاَ أَثَرَ لَهُ فَعَلَيهَا قُرْءٌ آخَرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا، ثم راجعها انقطعَت العدة بالرجْعة، فإن طلَّقها بعْد ذلك، فإما أن تكون حائلاً أو حاملاً.
الحالة الأولى: أن تكون حائلاً، فيُنْظر؛ إن مسها بعد ما راجَعها، فلا بد من استئناف العدَّة؛ لأن المسيس يقتضي عدةً كاملةً، فإن لم يراجعْها ولم يَمَسَّها، فقولان:
القديم، وُيرْوى عن مالك: أنها تبنى 142 على العدة السابقة، وتكفيها أيامها؛ لأنها
الجزء: 9 - الصفحة: 476
حُرِّمت عليه بالطلاق الأول، ولم يمَسَّها في الحل المستحدث، فأشبه ما إذا أبانها ثم جدَّد نكاحها، وطلَّقها قبل أن يَمَسَّها، فإنها تبني.
والجديد، وبه قال أبو حنيفة والمُزنيُّ: أنها تستأنف؛ لأنها بالرجْعة عادت إلى النكاح الذي مَسَّها فيه، فالطلاق الثاني طلاقٌ في نكاح وُجِد فيه المسيس، وصار كما إذا ارتدَّت المرأة بعْد المسيس وعادَتْ إلى الإِسلام ثمَّ طلَّقها تستأنف العدَّة، فإذا قلْنا بالبناء، فلو راجَعَها في خلال طُهْر مثل أن يراجعها في الطهر الثالث، فهَلْ يحسب ما مَضَى من الطهر قرءاً؟ حكى في الكتاب فيه وجهَيْن:
أحدهما: نعم؛ لأن بعْض القرء نازل منزلة جميعه؛ فعَلَى هذا إذا كانت الرجْعة في الطهر 143 الثالث، ثم طلَّقها، فلا شيء عليها على قول البناء؛ لتمام الأقراء بما مضَى.
والثاني: لا، وعليها في هذه الصورة قرء ثالث، وإنما يجعل 144 بعض الطهر من آخره قرءاً؛ لاتصاله بالحيض، ودلالته على البراءة، وأما البَعْض من الأول، فلا معْنَى لجعله قرءاً، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيح الوجْه الأول، ونسبه في "البسيط" و"الوسيط" إلى القَفَّال، ونسب الثاني إلى الشيخ أبي محمَّد، والظاهر الثاني، وهو الذي أورده صاحب "التتمة" والقاضي الروياني، وحكاه الرُّويانيُّ عن القفَّال، والله أعلم.
الحالة الثانية: أن تكون حاملاً، فإن طلَّقها ثانية 145 قبل وضع 146 الحمل، انقضت عدتها بالوضع، مسَّها أو لم يَمَسَّها، والبقيَّة إلى الوضع تصلح أن تكون [عدةً] 147 مستقبلة، وإن وضعت ثم طلَّقها، فإن مَسَّها، إما قبل الوضع أو بعده، فعليها استئناف العدَّة بالأقراء، وإن لم يمَسَّها، فإن قلْنا: الحامل تستأنف، فكذلك هاهنا، وإن قلْنا هناك بالبناء، فتتعذر [بناء] 148 الأقراء على الحَمْل، وفيها وجهان:
أظهرهما: أنها تستأنف العدَّة بثلاثة أقراء؛ لأنه طلاق في نكاح وُجِدَ فيه المسيس، على ما ذكرنا، فيوجب العدَّة، والوضْعُ حَصَل في صُلْب النكاح، والعدَّة لا تنقضي بما يُوجَد في صُلْب النكاح.
والثاني: أنه لا عدَّة عليها، ويحكم بانقضائها بالوضْع، وإن كانتْ تحت الزوج، ويجوز أن تنقضي العدَّة بالحَمْل تحت الزوج، وإن كانت لا تنقضي بالأقراء والأشْهُر تحته، كما أن المعتدة لو وطئها واطئ بالشبهة، وأحْبَلَهَا، تنقضي عدتها عن الوطء بوضع الحمل، ولولا الحمْلُ، لكان لا ينقضي بالأقراء والأشهر؛ لاشتغالها بعدَّة الزوج، فهذا إذ
الجزء: 9 - الصفحة: 477
راجعها ثم طلقها ثانياً.
ولو لم يراجعْها، وطلَّقها طلقةً أخرَى، ففيه طريقان:
أحدهما: أن وجوب الاستئناف على القولَيْن؛ لأن الطلاق مَعْنى لو طرأ على الزَّوْجة الممسوسة أوجب العدَّة، فإذا طرأ على الرجْعية أوجبها كالوفاة.
والثاني: القطْع بالبناء؛ لأنَّ الطلاق الثاني يُؤَكِّد الأول والعدَّةَ منْه، بخلاف الرجعة، فإنها تضادُّه فتنقطع العدة، [و] 149 لأنهما طلاقان لم يتخلَّلْها وطء [ولا رجعة،] 150 فصار كما إذا طلقها طلقتين معاً، وبهذه الطريقة قال أبو إسحاق، ورجَّحها غير واحد من الأصحاب، وبالأُولَى قال الإصطخريُّ وابن خيران، ورجَّحها القفَّال، واحتج بأن للشَّافعيِّ -رضي الله عنه- قولاً في "الإملاء" فيما إذا قال لامرأته: كلَّما ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، وولدت ثلاثة أنها تُطلَّق بالثالث الطلقة الثالثة، وأنها تستأْنف الأقراء، وذلك لا يُخَرَّج إلا على قولنا: إن الطلقة اللاحقة توجب استئناف العدة، وقد مرت المسألة في موْضِعِها، والظاهر هاهنا البناء، وإن قلنا بطريقة الخلاف، ولو راجعها ثم خالعها، فإن جعلْنا الخُلْع طلاقاً، فهو كما لو طلَّقها بعد الرجعة، وإن جعلْناه فسخاً، فطريقان:
أحدهما: أن وجوب الاستئناف على القولَيْن في الطَّلاق.
والثاني: القطْع بالاستئناف؛ لأن الفَسْخ ليس من جنْس الطلاق، فلا تبنى عدَّة أحدهما على عدة الآخر، وهذا أظْهَر عند القاضي الرُّويانيِّ -رحمه الله-، ويجري الطريقان في سائر الفُسُوخ، وذلك مثْل أن ينكح عبْدٌ أمَةً ثم يُطلِّقها طلاقاً رجعيّاً ثم تُعْتَق الأمة، ويفسخ النكاح.
هذا كلامُنا في الطلاق الرجعيِّ.
ولو طلَّق امرأته الممسوسة على عوض أو خالَعَها، فله أن ينكحها في العدَّة، وفي "المهذب" أن المزنىِّ لم يجوز له أن يَنْكِحَها، كما لا يجوز لغيره، وهو غريبٌ، وإذا نكحها، فعن ابن سريج: أنَّه لا تنقطع العدَّة ما لم يطأْها كما لو نكحها أجنبيٌّ في العدَّة جاهلاً.
والصحيح: أنه تنقطع بنفس النكاح؛ لأنَّ نكاحَه صحيح، وإذا صارت المرأة زوجةً له، لم يجز أن تكون معتدَّة منه، ونكاح الأجنبىِّ فاسدٌ؛ وعلى هذا فلو طلَّقها بعْد التجديد، نُظِرَ؛ إن كانت حاملاً، انقضت عدتها بوضْع الحمل، وإن كانت حائلاً، فإن لم يدْخُل بها، بنت على العدة السابقة، ولم يَلْزمْه إلا نصْف المهر؛ لأن هذا نكاحٌ جديد طلَّقها فيه قبل المسيسى، فلا تتعلَّق به العدة وكمال المهر، بخلاف ما سبق في الرجعية، فإنها تعود بالرجعة إلى ذلك النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 478
وقال أبو حنيفة: تستأنِفُ العدَّة، ويكمل مهرها، والله أعلم.
وأما لفْظ الكتاب فقوله "إذا راجعها ثم طلَّقها" يعني قبل أن يَمَسَّها، وفي تصريحه بذلك في مسْألة البائنة بعْده ما يفهم.
وقوله: "يكفيها بقيَّة العدة السابقة" ليعلم بالحاء وفي قوله "فالصحيح أنها لا تستأنِفُ" يمكن حَمْله على الصحيح من الطريقَيْن كما اختاره مختارون، وبمكن حمله على الصحيح من القولَيْن، جواباً على طرد الخلاف، وقوله فيما إذا وضعت بعد الرجعة ثم طلَّقها، "وقيل سقطت عنها البقية للتعذر" يجوز أن يقال معناه: إن البقية كان من حقِّها أن لا تكون في صلْب النكاح، فإذا وقعَتْ فيه، وتعذَّر تداركها، سَقَطَت، ولم يبق شيء تبنيه على ما مضى.
وقوله "أما إذا راجع الحائل في القرء الثالث" لما تأخَّرت الصورة عن الكلام في الحامل، احتاج إلى لَفْظ الحائل، ولو تقدَّمت عليه، لكان أحْسَنَ من تفرعه على قوْل البِنَاء، وإن لم يتعرَّض لفْظ الكتاب له، وأما على قول الاستئناف، فعليها ثلاثة أقراء أخرى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) إِذَا خَالَعَ المَمْسُوسَةَ ثُمَّ جَدَّد وَوَطِئَ وَخَالَعَ انْدَرَجَتِ البَقِيَّةُ الأُولَى تَحْتَ هَذِهِ العِدَّةِ* وَإِنْ مَاتَ فَهَلْ تَنْدَرجُ تِلْكَ البَقِية تَحْتَ عِدَّةِ الوَفَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا الآن أنه إذا خَالَع الممسوسة، ثم جدَّد نكاحها ومسَّها، ثُمَّ طلَّقها أو خالَعَها 151 ثانياً، يلزمها استئناف العدَّة، ويدخل في العدة المستأنفة بقية العدة السابقة على قياس ما ذكَرْنا فيما إذا طلَّق ثم وطئ في 152 العدَّة في الصورتين جميعاً مِن شَخْص واحد، ولو مات هاهنا بعد التجديد، فقد حكى صاحب الكتاب وجهَيْن في اندراج تلْك البقية تحْت عدة الوفاة؛ لأن عدَّة الطلاق وعدة الوفاة مختلفا الجنْس 153، وهما كالوجهَيْن في التداخُل فيما إذا وطئ الزوْجُ المعتدَّةَ عن الطلاق، كانت إحدى العدتين بالحمل، والأخرى بالأقراء، واعلم أن نصْب الوجهين في الاندراج وعَدَمِه يُشْعر بلزوم البقية، ورد النظر إلى أنها هل تَدْخُل في عدَّة الوفاة؟ والذي أورده صاحب
الجزء: 9 - الصفحة: 479
"التهذيب" وغيره -رحمهم الله- أن تلْك البقيَّة تسْقُط كما لو مات عن الرجعيَّة يسقط ما بقي من عدتها، ويكفيها عدَّة الوفاة بلا خلاَفٍ، وهذه فروعٌ تتعلَّق بالباب نختمه بها.
نكحت المعتدَّة من الوفاة بعْد مضي شهرين مِنْ عدتها مثلاً، ووطئها الزوج جاهلاً، وأتت بولَدٍ يمكن أن يكون منْ كل واحد منْهما، ولا قائف، فعدتها تنقضي بوضْع الحمل مِنْ أحدهما، وعليها بعْد الوضع أقصى الأمرين مِنْ بقية عدة الوفاة أو ثلاثة أقراء، فإن مضت الأقراء قبل تمام عدة الوفاة، فعليها إكمال عدة الوفاة؛ لاحتمال أن يكون الحَمْل مِنَ الثَّانِي، وإن مضَتْ بقية عدَّة الوفاة قبْل تمام الأقراء، فعليها إتمام الأقراء؟ لاحتمال أن يكون الحَمْل منَ الأوَّل.
وطئ الشريكان الجارِيَةَ المشتركةَ، فعليها الاستبراء عنْ كلِّ واحدٍ منهما، ولا يتداخل الاستبراءان كما لا تتداخل العدَّتان عن شخصين، ونقل الرُّويانيُّ وجهاً: أنه يكفيها قرءٌ واحدٌ عنْهما، وضعَّفه.
أحبل امرأة عن وطء شبهة، ثم نكَحَها، ومات عنْها قبْل أن تضع الحَمْل، فهل تنقضي عدَّة الوفاة بوضع الحَمْل؟ فيه وجهان:
لابن سريج في وجْه: تنقضي، وفي وجه: أنها تنقضي إذا مضى أكثر الأجلين من وضع الحمل ومدة عدة الوفاة، ولو طلَّقها بعد الدخول، ففي انقضاء العدتين بالوَضْع الوجهان.
القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ فِي عِدَّةِ الوَفَاةِ وَالسُّكْنَى*
وَفِيهِ بَابَانِ قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الأَوَّلُ فِي العِدَّةِ)
وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ (م) * فَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَلَوْ وَضَعَتْ فِي الحَالِ حَلَّتْ لِلأَزْوَاجِ (و) وَيَحِلّ لَهَا غَسْلُهُ بَعْدَ الوَضْعِ وَبَعْدَ نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات زوْجُ المرأة، لزمتها عدَّة الوفاة بالإجماع والنصوص، وعدةُ الوفاة، إن لم تكن المرأة حاملاً، أربعةُ أشهرٍ وَعَشَرَةُ أيام بلياليها؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وكانت هذه العدَّة في ابتداء الإِسلام بسنة على ما قال تعالىَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: 240] ثم نُسِخَتْ وتستوي في عدَّة الوفاة الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها، والمدخول بها، وغيرها؛ أخذاً بإطلاق الآية؛ ولم تُخَصَّص بالمدخول بها، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] حيث خَصَّصت بالمدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:
الجزء: 9 - الصفحة: 480
49] ولا يقاس المتوفَّى عنها على المطلَّقة؛ لأن عدَّة الوفاة لو شرط فيها الدخول لم يُؤْمن أن ينكر الدخول، حِرْصاً على الأزواج، وليس هاهنا من ينازعها، فيقضي الأمر إلى اختلاط المياه، وفي المطلَّقة صاحق الحق حَيّ ينازع، فلا يتجاسر على الإنكار 154 وأيْضاً ففُرْقَة الموت لا اختيار فيها، فأُمِرَتْ بالتفجع وإظهار الحزن؛ لفراق الزوج، ولذلك وجب فيه الإحداد، وفُرْقة الطلاق تتعلَّق باختيار المُطَلِّق، وقد جفاها بالطلاق، فلم يكن عليها إظهار التفجُّع والحزن، وأيضاً، فالمقصود الأعظم في عدة الطلاق تعرف براءة الرحم، ولذلك اعتبرت بالأقراء، وفي عدة الوفاة المقصود الأعظم حقُّ الزوج ورعاية حرمة النكاح؛ ولذلك اعتبرت بالشهور التي لا تقوى دلالتها على البراءة، وتعتبر مدة العدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شَهْر هلاليِّ، وكان الباقي أكْثَرَ من عَشَرة أيام، فتعتد بما بقي، ويحسب ثلاثة أشهر عقيبه بالأهلة، ويكمل ما بقي من شهر الوفاة ثلاثين من الشهر الرابع بعْد الثلاثة، وتضم إليها عَشَرة أيام، فإذا انتهت إلى الوقت الذي مات فيه الزوْجُ يوم مات، فقدإنتهت العدة، وإن كان الباقي أقلَّ من عشرة أيام فَتَعُدَّهُ وتحسب أربعة أشهر بالأهلة عقيبه، وتكمل الباقي من الشهر السادس، وإن كان الباقي عَشَرَةً بلا زيادةٍ ولا نقصان، فتعتد إليها، وتضم إليها أربعة أشهر 155 بالأهلة، وحكى أبو الفرج السرخسي عن أبي حنيفة وبعض أصحابنا: أنه إذا انكسر البَعْض، انكسر الكل، فيراعى العدد، وقد سبق مثله في نظائره، وإن انطبق الموت على أول الهلال، حُسِب أربعةَ أشهر بالأهلة، وضُمَّت إليها عشرة أيام من الشهر الخامس، ولو كانت محبوسةً لا تعرف الاستهلال اعتدت بالأيام، وهي مائة وثلاثون يوماً، والأمة تعتدُّ بنصف ما تعتدُّ به الحرة، وهو شهران وخمسة أيام، ولا فرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادَتِها أو لا تراه، وتنقضي العدة على التقديرَيْن؛ لإطلاق الآية، وقال مالك -رحمه الله-: تُشْتَرَط أن تَرَى الحَيْض فيها على عادتها، وبعضهم ينقل أن الشرط عنده أن تحيض في المُدَّة.
واعلم قوله في الكتاب "وَإنْ لَمْ تَحض" بالميم؛ لما حكينا من مذْهبه، ولو مات الزَّوْجُ، والمرْأَةُ في عدَّة الطلاق، فإن كانت رجعيَّةً، سَقَط عنْها عدة الطلاق، وتنتقل إلى عدة الوفاة، حتى يلزمها الإحداد، ولا تستحق النفقة، وإنما قدمت عِدَّة الوفاة؛
الجزء: 9 - الصفحة: 481
لأنها آكد؛ ألا تراها تجب قبْل الدخول وبعده، وإن كانت بائناً، تكمل عدة الطلاق، ولها النفقة إذا كانت حاملاً 156، ولا تنتقل إلَى عدة الوفاة وعنْد أبي حنيفة -رحمه الله- المبتوتة في مرض الموت يلزمها عدَّة الوفاة، ولا تسقط فيها عدَّة الطلاق فتعتد بأقصاهما، هذا إذا لم يكن المتوفَّى عنها زوجُها حاملاً، فإن كانَتْ حاملاً، فعدَّتها بوَضْع الحمل على الشرائط المذكورة في عِدَّة الطلاق، ولا فَرْق بيْن أن يتعجَّل الوضع، أو يتأخَّر.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وظاهر الآية يقتضي وجوب الاعتداد بالمدة، وإن كانت حَامِلاً.
لكن ثبت أن سبيعة الأسلمية وَلَدَتْ بعد وفاة زوْجها بنصْف شهر، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 157: "حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ من الأزواج" وعن عمر 158 -رضي الله عنه- أنه قال: "لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى السَّرِيرِ 159، حَلَّتْ" وقد قدمنا في "كتاب الجنائز" أن الزوجة تُغَسِّل زوجها، ورُوِيَ 160 عن عائِشَةَ: أنها قالت: لو استقبلنا مِنْ أمرنا ما استَدْبَرْنا مَا غَسَّلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نساؤه، وغسل أبا بكر 161 زوجته أسماء بنت
الجزء: 9 - الصفحة: 482
عُمَيْس -رضي الله عنهما- وكان قَدْ أَوْصَى بذلك.
وإلى متى تُغَسِّلُه؟ فيه ثلاثة أوجه، ذكرناهاهناك، ففي وجه: تغسله ما لم تنقض عدتها؛ لبقاء أثر النكاح ما بقيت العدَّة، فعلى هذا، وضعت، والزوج لم يُغَسَّل بعْدُ، لم يكن لها غسله، وفي وجْهٍ: ما لم تَنْكِحْ زوجاً غَيْرِه، فإذا نَكَحَتْ، لم يجز، وشبه ذلك بامتداد لحوق النسب إلى أن تنكح غيره، والأظهر، وهو الذي أورده صاحب الكتاب: أنه لا ضبط، ولها غسله أبداً بحُكم النكاح الذي كان.
وقوله في ترجمة القسم "في عدَّة الوفاة والسكنى" كانه قصد إيراد السكْنَى بعد عدة الطلاق والوفاة، جميعاً؛ لأن لها مدخلاً فيهما جميعاً، أما في عدَّة الطلاق فوفاق، وأمَّا في عدة الوفاة، فعلى خلافٍ سيأتي، إنْ شاء الله تعالى.
فَرْعٌ: عدَّة الوَفَاة تَخْتَصُّ بالنكاح الصحيح، فاما إذا نكح نكاحاً فاسداً، ومات قبْل الدخول، لم تلزم العدة، وكذا لو فرق القاضي بينهما، وإن جرى دخولٌ ثم مات أو فُرْق بَيْنهما فتعتد للدخول، كما تعتد عن الوطء للشبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ فَعَلَى إِحْدَاهُمَا عِدَّةُ الطَّلاَقِ وَعَلَى الأُخْرَى عِدَّةُ الوَفَاةِ فَعَلَيْهِمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ إِنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الأَقْرَاءِ لِلاحْتِيَاطِ* وَإِنْ كُنَّ حَوَامِلَ فَيَكْفِي الوَضْعُ* أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الأَشْهُرَ فَيَكْفِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طَلَّق إحْدى امرأتيه، ومات قبْل أن يبين التي أرادها، وقبل أن يعيِّن واحدةً منهما، إن أبهم، فيُنظر؛ إن لم تكونا ممسوستين، فعليهما الاعتداد بِعِدَّة الوفاة؛ لأن كل واحدة منهما تحتمل أن تكون مفارقة بالموت، كما يحتمل أن تكون مطلَّقة، فلا بد مِنَ الأخذ بالاحتياط، وإن كانتا ممسوستين، فإن كانَتَا مِنْ ذَوات الأشهر، فكذلك الجواب؛ لأن كل واحدةٍ بين أن يلزمها ثلاثة أشهر، وبين أن يلزمها أربعة أشهر وعشر، فيجب الأكثر، فإن كانتا حاملَيْن، فتعتدان بِوَضْع الحَمْل؛ لأن عدَّة الحامل لا تخْتَلف بالتقديرَيْن، وإن كانتا مِنْ ذوات الأقراء، فإما إنه أراد واحدة بعينها أو أبهم إن أراد واحدةً بعينها، فعلى كل واحدةٍ منهما الاعتداد بأقصى الأجلَيْنِ مِنْ عدة الوفاة 162 من ثلاثة اقراء؛ لأنها إن كانَتْ مطلْقةً، فعليها الأقراء، وإن كانت مفارَقَةً بالموت، فعلَيْها عدة الوفاة، فيطلب يقين البراءة، ثم الأقراء تُحْسب من وقت الطلاق، وعدة الوفاة [من حين الموت] حتى لو مضى قرء من وقت الطلاق، ثم مات الزوج، = وروى مالك في الموطإ عن عبد الله بن أبي بكر: أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر، قال البيهقي: وله شواهد عن ابن أبي مليكة، وعن عطاء، عن سعد بن إبراهيم، وكلها مراسيل، وقد تقدم في الجنائز.
الجزء: 9 - الصفحة: 483
فعليها الأقْصَى من عدة الوفاة، ومن قرءين من أقرائها، فلو مضَى قرءان، ثم مات الزوج، فعَلَيْها الأقْصَى من عدة الوفاة، ومن قروء 163 هذا هو الظاهر المشهور، وفي "البَحْر" نقل وجْه أنَّ الأقراء أيضاً تُحْسَب من وقْت الموت؛ لأنهما يُشْبِهان الزوجين إلى وقْت الموت، وعَلَى هذا، فيجب أن تكون الأقراء كلُّها بعد الموت، وهذا في الطلاق البائن، فان كان رجعيّاً، فالرجعة تنتقل إلَى عدَّة الوفاة، إذا مات زوْجُها، وهي في العدَّة، فعلَى كل واحدة منهما الاعتداد بِعِدَّة الوفاة، وإن كان قد أبهم الطلاق، ومات قبْل التعيين، فيبنى على أنَّه لو عيّن وقَعَ الطلاق مِنْ وقْت اللفظ أو مِنْ وقْت التعيين؟ وفيه خلافٌ مذكورٌ في الطلاق [من وقت اللفظ، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا أراد واحدةً بعينها، وإن قلنا] 164 التعيين، فوجهان:
أشهرهما: أن عليهما الاعْتِدادَ بأقْصَى الأجلَيْنِ أيضاً، لكن الأقراء هاهنا تُحْسَب من يوم الموت أيضاً؛ لأن بالموت حَصَل اليأس من التعيين.
والثاني، وهو المذكور في تعليق الشيخ أبي حامد: أن كل واحدة منهما تعتدُّ عدَّة الوفاة؛ لأنَّا نفرِّع على أن الطَّلاق يَقَع بالتعْيين، فإذا لم يُعَيَّن، فكأنه لم يُطلِّق، وإذا اختلف حال المرأتين، فكانت إحداهما ممسوسة، والأخرَى غَيْر مَمْسُوسةٍ أو إحداهما حاملاً، والأخرى ممن يَعْتَدُّ بالأقراء، فيراعى في كل واحدة منهما قضية الاحتياط في حقها كما تبيَّن، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَن انْدَرَسَ خَبَرُ زَوْجِها فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ الصَّبْرُ إِلَى المَوْتِ على القَوْلِ الجَدِيدِ (ح م) * نَعَمْ إِنْ لَمْ يَتْرُك النَّفَقَةَ فَلَهَا طَلَبُ الفَسْخِ بِسَبَبِهِ* وَعَلَى القَدِيمِ إِنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ فَلَهَا أنْ تَتَرَبَّصَ أَرْيَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفَاةِ وَتَنْكِحُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغائب عَنْ زوجته، إن لم ينقطع خبره، وكان يأتي كتابه، وُيعْرف مكانه، فنكاحه على زوجته مستمرّ، وينفق الحاكم عليها من ماله، إن كان له في بلد الزوجة مالٌ، وإن لم يكن، كَتَبَ إلَى حاكم بلَدِهِ؛ ليطالبه بحقِّها، وإن انقطع خبره، ولم يوقف على حاله حتَّى يتوهم أو يظن موته.
فالقول الجديد: أنَّه لا يجوز للمرأة أن تنكح زوجاً آخراً؛ حتى يُتَيقن موته أو طلاقه؛ وتعْتد.
وعن القديم، وبه قال مالك وأحمد: أنها تتربَّص أربع سنين، وتعتد عدَّة الوفاة، ثم تنكح، ويروى ذلك عن عمر، وعثمان وابن عباس -رضي الله عنهم-، واحتج
الجزء: 9 - الصفحة: 484
للجديد بما رُوِيَ عَن المغيرة بن شُعْبة -رحمه الله- أنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- 165 قال: "إنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ تَتَربَّصُ حَتَّى يَأْتِيَهَا يَقِينُ مَوْتِهِ أَوْ طَلاَقِهِا" 166 وعن علي -كرم الله وجهه- أنه قال "هَذِهِ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ فَلْتصْبِرْ" وبأنه لا يحكم بموته، مع انقطاع الخبر، في قِسْمة ماله وعِتْق أم ولده، فكذلك في فِرَاقِ زَوْجته، وبأن النكاح معلومٌ بيقين، فلا يُزَال إلا بيقين، وللقديم بأن عمر -رضي الله عنه- قَضَى بذلك، واشتهر من غَيْر إنكار، فَصَار مُجْمَعاً علَيه، وبأن للمرأة الخروج من النكاح بالجَبِّ والعُنَّة؛ لفوات الاستمتاعِ، وبالإعسار بالنفقة؛ لفوات المال، فَلأنْ تَخْرُج هاهنا، وقد اجتمع الضرران، كان أَوْلَى، وعن أبي حنيفة: أنها تصبر حتى يبلغ سنُّ الزوج مائةً وعشرين سنة، ثم تعتد عدَّة الوفاة وتنكح، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أن الرواية الصحيحة مثْل مذهبنا، وقوله في الكتاب "ومن اندرس خبر زوجها" تشمل المفقود في جَوْف البلد وفي السفر وفي القتال، وفيما إذا انكسرت سفينته، ولم يعلم حاله، فالحكم 167 في الكلِّ واحدٌ.
وقوله "فليس لها إلا الصبر إلى الموت" ويجوز، إعلامه بالميم والألف وبالحاء أيضاً؛ لما روينا [هـ].
وقوله "إلى الموت" يجوز أن يريد موتها، ولا يخفى أن المراد على هذا؛ إذا لم يَأْتها يقينُ موته ولا طلاقه، ويجوز أن يريد موته يعني تصبر إلى أن تَتَيَقَّنَ موته، وعلى هذا، فالمراد ما لم يَأتها يقين طلاقه.
وقوله "نعم، إن لَمْ يَتْرُكِ النَّفَقَة، فَلَهَا طَلَبُ الفَسْخِ بِسَبَبِهِ" ونقل في هذا الموضع، وهو مبيَّين في موضعه، لكنه لَمَّا حكم بانها تصبر، وفيه مشقة شديدة، وضررٌ ظاهرٌ، نبه على طريق الخلاص، وفيه مما تبين أن نفقتها تتوجَّه على الغائب، وذلك؛ لأنها ممكنة لا تقصير منها، ويمكن أن يُعْلَم قوله "فلها طلب الفسخ بِسَبَبِهِ" بعلامة من خالف عليه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وقوله "وعلى القديم" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن بعضهم ذكر أن القديم في المسألة مرجوعٌ عنه غير معدودٍ من المذهب؛ وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب في "الوسيط" وإن أمكن حَمْل انقطاع الخبر على شدة البُعْد والإيغال في الأسفار، فقد
الجزء: 9 - الصفحة: 485
حَكَى الإِمام تَرَدُّداً في إجراء القول القديم، والظاهر إجراؤه، فيتفرَّع على القولَيْن صورٌ ومسائلٌ:
منها: إذا قلْنا بالقديم، فتتربص أربع سنين، ثم يحكم الحاكم بالوفاة وحصول الفرقة، فتعتد عدة الوفاة، ثم تنكح، كذا 168 حكم العراقيُّون وغيرهم، وهل تفتقر مدة التربُّص إلى ضَرْب القاضي أم لا؟ وتحسب من وقْت انقطاع الخبر وفِقْدَان الأثر؟ فيه وجهان، ويقال قولان:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنها تفتقر إلى ضرب القاضي، ولا تعتد بما مضى قبْل ذلك؛ لأنَّ هذه مدَّة ثبتت بالاجتهاد فتفتقر إلى حكم الحاكم، كمدة العنة.
والثاني: أنها تُحْسَب من وقْت انقطاع الخَبَر؛ لإشعار الحال بالوفاة ودلالته عليها، وإيرادُ كثير من الأئمة يُشْعِر بترجيح الأوَّل، ومنهم من رجح الثانِيَ، وهو اختيار القَفَّال، ويروى عن أحْمَدَ -رحمه الله- وإذا ضرب القاضي مدة التربُّص بعد رفْعِها إلَيْه وظهور الحال عنْده، فمضت المُدَّة، فهل يكون ذلك حكماً بوفاته أم لا بُدَّ من استئناف حكم؟ قال في "التجربة": فيه وجهان محتملان:
أحدهما: أن ضَرْب المدة حُكْم بالوفاة بعْد انقضائها، فإذا انقضت، شَرَعَت في العدة، [و] 169 لا تحتاج إلى معاودة الحاكم.
وأظهرهما: أنه لا بُدَّ من الحكم بالفرْقة بعْد انقضائها، كما لا بُدَّ من الحكم بعد انقضاء المدة المضروبة في العُنَّة، ثم حكم الحاكم بالفرقة ينفذ ظاهراً وباطناً أو ظاهراً لا باطناً؟ فيه وجهان أو قولان 170:
وجه الأول: أنَّه فسْخٌ مجتَهَدٌ فيه، فأشبه الفَسْح بالعُنَّة والإعسار.
ووجْه الثاني: أن عمر 171 -رضي الله عنه- لمَّا عادَ المَفْقُود مكَّنه مِنْ أن يأخذ زوْجَتَه.
الجزء: 9 - الصفحة: 486
ومنْها: إذا جرى الحَاكِم عَلَى مُوجِب القول القديم، فهل ينقض قضاؤه تفريعاً على الجديد؟ فيه وجهان، رواهما صاحب "الحاوي" وغيره
-[رحمهم الله]-
.
والأظهر منهما عند أكثرها، وهو الذي أورده صاحب الكتاب -رحمه الله- في أدب القضاء منْسوباً إلى النص: أنه ينقض، واستبعد الوجهَيْن هنالك.
وإذا نَكَحَتْ بعد التربص والعِدَّة، ثم بان أن المفقود كان مَيِّتاً وقْت الحكم بالفرقة، ففي صِحَّة النِّكاح على الجديد وجهان؛ بناءً على الخلاف فيما إذا بَاعَ مال ابْنِه على ظَنِّ حياته، فبان أنه كان ميِّتاً.
ومنها: لو طلَّقها المفقود أو آلَى أو ظاهر عَنْها أو قَذَفَها، نظر؛ إن كان ذلك قبل رفْع الأمر إبى القاضي أو بعده؟ وقيل: أن يحكم القاضي بالفرقة، فلهذه التصرفات أحكامها، وإنْ كان بَعْد حكمه بالفرقة، فقد ذكروا أن عَلَى الجديد تَلْزَمُه أحكام هذه التصرُّفات؛ لأنها زوْجَتُه، ولَيْس للحاكم التفْرِيق بينهما؛ [وليكن] 172 هذا جواباً على أنَّه ينفض حكم مَنْ جرى على موجب القول القديم، وإذا قلنا بالقديم، فإن قلنا: ينفذ حكمه ظاهراً وباطناً تثبت أحكام هذه التصرفات، وإن قلنا ينفذ ظاهراً وباطناً فهو كالأجنبي يباشرها.
ومنها نفقها واجبة على المفقود؛ لأنها مسلمة نفسها غير مقصرة، فإن رفعت الأمر إلى الحاكم، وطلبت الفرقة، فنفقة مُدَّة التربُّص عليه أيْضاً؛ لكونها محبوسةً علَيْه، فإذا = تتربص أربع سنين، من حين رفعت أمرها إليه، ثم دعا وليه فطلقها، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم جئت بعد ما تزوجت، فجرني عمر ليها وبين الصداق الذي أصدقتها، ورواه ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن جعدة عن عمر به، وروى البيهقي [7/ 446] من طريق سعيد عن قتادة عن أبي نضرة عن ابن أبي ليلى أن رجلًا من قومه من الأنصار خرج يصلي مع قومه العشاء، ففقد، فانطلقت امرأته إلى عمر فقصت عليه، فسأل قومه عنه، فقالوا: نعم خرج يصلي العشاء ففقد، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فتربصتها، ثم أتته فسأل قومها، قالوا: نعم، فأمرها أن تتزوج، فتزوجت، ثم جاء زوجها يخاصمه في ذلك إلى عمر: يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته، فقال: إن لي عذراً خرجت أصلي العشاء، فأخذني الجن، فلبثت فيهم زماناً طويلاً، فغزاهم جن مؤمنون، فقاتلوهم فظهروا عليهم، فسبوني فيما سبوا منهم فقالوا: نراك رجلاً مسلماً، ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام وبين القفول إلى أهلي، فاخترت القفول إلى أهلي، فأقبلوا معي أما بالليل فلا يحدثونني وأما بالنهار فعصار ريح اتبعها، قال: فما كان طعامك إذ كنت فيهم، قال: الفول، وما لا يذكر اسم الله عليه؛ والشراب ما لا يخمر، قال فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته، قال سعيد وحدثني مطر عن أبي نضرة أنه أمرها بعد التربص أن تعتد أربعة أشهر وعشراً.
الجزء: 9 - الصفحة: 487
انقضَتْ، وحكم الحاكم بالفرقة والاعتداد، قال الأئمة: إن قلْنا بالقديم، فلا نفقة لها في مدة العدَّة؛ لأنَّها عدَّة الوَفاة، وفي استحقاقها السُّكْنَى قولان، قال في"البسيط": إلا إذا عاد المفقود، ورأينا أن النكاح لا ينفسخ باطناً، فيحتمل أن يقال: لا نفقة لها 173 إلا إذا كانَتْ ناشزةً بقَصْد الاعتداد، ويجوز ألَّا تُجْعَل ناشزةً بمجرَّد القصد حتى يَتَّصِل به نكاح، وإن قلنا بالجديد، فالنفقة على المفقود؛ لأنها زوجته، ويستمر ذلك إلى أن تنكح، فحينئذ يسقط؛ لأنها ناشزة بهذا النكاح، وإن كان فاسد.
وعن القاضي أبي الطيِّب: القَطْع بان نفقة مدة العدَّة علَيْه عَلَى القولين جميعاً كما في مدة التربُّص، والأظهر الأول، وإذا فرّق بينهما وقد عاد المفقود، فسلمت إليه، عادت نفقتها، وإن كان الثاني دخل بها، لم يلزم المفقودَ نفقةٌ زمانَ العدة؛ لأنها مانعةٌ نفْسَها مدَّةَ العدة كمدة النكاح، وإن لم يعد المفقود، وعادت هي بعْد التفريق إلى بيته، فالمفهوم من كلامه في "المختصر" عود النفقة.
وقال في "الأم": لا تعود، وللأصحاب طريقان:
أشهرهما: أن فيه قولَيْنِ:
وجه العَوْد: أن سقوط النفقة كان بسَبَب النُّشوز، وقد زال النشوز، ووجْه المَنْع أنَّ التسليم الأوَّل قد بَطَل، فتحتاج إلى تسليم آخر، والتسليم لا يَحْصُل إلا بالتسليم منه، وقد شبه بما إذا ترك المودع الخيانة.
والثاني: حملهما على حالتين، إن أنكحت نفْسها من غير أن يحكم حاكمٌ عادَتِ النفقة؛ لأنها سقَطَتْ بفعلها، فتعود بِفِعْلها، وإن نكحت بحكم الحاكم، لم تعد النفقة إلا بتسْلِيمٍ جديدٍ.
قال القاضي الرُّويانيُّ: والأصحُّ: أنها لا تعود، فينبغي أن يُقْطَع به، إذا لم يَعْلَم الزوج عودها إلى الطاعة، قال، وهو الذي ذكَرَهُ القفَّال -رحمه الله-: وأمَّا النفقة على الزَّوْج الثاني فلا يخفى حُكْمها على القديم، وأما على الجديد، فقد قالوا: لا نفقة علَيْه في زمان الاستفراش؛ لأنه لا زوجية بينهما، وإن أنْفق لم يَرْجِع عليها؛ لأنه مُتَطَوِّع إلا أن يُلْزِمَه الحاكِمُ الإنفاقَ، فيرجع عليها، وذُكر وجهاً أنه إذا ألزمه، رجع عَلَى الأول، وإذا شرعت في عدته، فلا نفقة لها أيضاً إلا أن تكون حاملاً، ففيه قولان مبنيان على أن النفقة للحَمْل أو للحَامِل.
ومنْها: إذا ظَهَر المفقود، فقلنا بالجديد، فهي زوجته بكل حال، فإن نَكَحَت غيره، فإنما يطؤها المفقود إذا انْقَضت عدتها من الثاني، وإن قلنا بالقديم، ففيه طرق:
الجزء: 9 - الصفحة: 488
أحدها عن أبويْ عليِّ بن أبي هريرة والطبريِّ: أن الجواب كذلك؛ لأن الحاكم إنما حكم بوفاته، وأمرها بِعِدَّةِ الوفاة؛ باجتهاده، فإذا بان حيَّا، تيقن الخطأ في اجتهاده، فينقضه كما لو حكم باجتهاده، ثم وجد نصًّا بخلافه، وهذا أصحُّ عند القاضي الرُّويانيِّ.
والثاني عن أبي إسحاق: أنه يبني الحُكْم على الخلاف في أن الحُكْم بالفرقة يَنْفُذ ظاهراً وباطناً أو يقتصر النفوذ على الظاهر؟ إن قلنا بالأول، فقد ارتفع نكَاحُ المَفْقُودِ، كما في الفسخ بالإعسار والعُنَّة، وإن نكحت غيره، فهي زوجته، وإن قلنا بالثاني، فالحكم كما ذكرنا في الجديد.
والثالث عن الداركيِّ قال: سمعت أبا إسحاق مرَّةً أخْرَى يقول: إن ظهر، وقد نكحت زوجاً غيره، لم تُرَدَّ إليه، فإن لم تَنْكِحْ غَيْرَه، رُدَّت إليه، وإن حَكَم المحاكم بالفُرْقة؛ لأن المقصود من هذه الفرقة إزالةُ الضرر عنها وتمكِينُها من نكاح غيره، فإذا لم يَحْصُل مقْصُود الفرقة، كان الأوَّل أولَى.
والرابع: القطع بأنها لا تُرَدُّ إلى الأول، ويُحْكَى ذلك عن "الحاوي".
والخامس: عن الكرابيسيِّ عن الشافعيِّ -رضي الله عنه-: أن المفقود الخيار بيْن أن ينزعها من الثاني، وبيْن أن يتركها، ويأخذ مهر المثل منه، وبِهذَا قال مالك وأحمد - رحمهما الله- وينسب إلى حكايته الشخَيْن أبي محمَّد والصيدلانىِّ؛ ومسْتَنَدُهُ أن عمر -رضي الله عنه 174 - كذلك قَضَى، وعن القاضي الحُسَيْن زيادةٌ فيه؛ وهو أنه إن فَسَخ، غُرِّمَ للثاني مهْرَ مثلها.
والسادس: أن ذلك النكاح قد ارتفع بما جَرَى بلا خلاف، ولكن إذا ظهر المفقود، هل يُحْكَم ببطلان النكاح الثَّاني؟ فيه وجهان:
أظهرهما: المنع لكن للمفقود الخيارُ كما ذكَرْنا، وإذا قلنا ببطلان النكاح الثَّاني، فكيف التقدير أنقولُ: وقع صحيحاً، ثم إذا ظهر المفْقود، بَطَل أو نقول: نتبين بظهور المفقود أنه وقع باطلًا؟ ذُكِرَ فيه وجهان؛ فعلى الثاني، يجب مهْر المثل، إن جرى دخولٌ، وإلا، لم يجب شيْءٌ، وعلى الأول، الواجبُ: المسمَّى أو نصْفُه، وإذا ظهر المفقود، وقد ماتت المرأة بعْد ما نكحت زوجاً آخَرَ، يرثها الأول أو الثاني؟ فيخرج على هذه الطرق.
ومنها: لو نكحت زوجةُ المفقودِ غيره عَلَى الصورة المجوَّزة في القديم، وأتت
الجزء: 9 - الصفحة: 489
بولدٍ لزمانٍ يُمْكِن أن يكون من الثَّاني، وجاء المفقود، ولم يَدَّعِ الولد، فهو للثاني؛ لأنَّ بِمُضِيِّ أربع سنين يتحقَّق فراغ الرَّحِم من المفقود، وإن ادعاه، فوجهان:
أظهرهما: أنه يُسْأل عن جهة ادعائه، فإن قال: إنه ولَدِي؛ لأن زوْجَتي ولدته على فراشِي، بيَّنَّا له بطلان هذه الجهة، وقلنا له: إن الولد لا يبقى في الرحم هذه المدة؛ وإن قال: قدِمْتُ عليها في خلال هذه المدة وأصبتها، وكان ما يقوله مُمْكناً، فيُعْرض الوَلَدُ على القائف، والثاني: أنه يُعْرض على القائف، من غير بحث واستفصال، وفي "البحر" أن هذين الوجهين أُخِذَا من وجهَيْن نُقِلَا في أن هذه المرأة لو أتَتْ بولدٍ من غير أن يتزوَّج، هل يُلْحق بالمفقود؟ إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى الاستفصال، وإن قلنا: لا، وهو الظاهر، فلا بد منه، وعن أبي حنيفة: يُلْحَق الولد بالأول، ادَّعاه أو لم يدعه، وإن طالت المدة، وحيث قلْنا: الولد للثاني، وحكَمْنا ببقاء نكاح المفقود، فله منعها من إرضاع الوَلَدِ إلا اللبن الذي لا يعيش إلا به، وكذا إذا لم يكن بُدٌّ من الارضاع، ولم يوجد غيْرُها، ثم إن لم تخرج من بيت الزوج، وأرضعته فيه، ولم يقع خَلَلٌ من التمكين، فعلى الزوج نفقتها، قال في "الشامل": سواء وجَبَ عليها الإرضاع أو لم يجب، وإن خرَجَتْ للإرضاع بغير إذنه، سقَطَتْ نفقتها، وإنْ خَرَجَتْ بإذنه، فوجهان، كما لو سافرت في حاجتها بإذنه، وإن كان الإرضاع واجباً، فعليه أن يأذن.
ومنْها، إذا نكَحَتْ زوجاً آخر بعْد العدَّةِ والحكم بالفُرْقة، ودخل بها، ثم عُرِف أن الأول كان حيًّا وقت نكاحه، وأنه مات بَعْد ذلك كلِّهَ، فإن قلنا بحصول الفُرْقة ظاهراً وباطناً، فهي زوْجة الثاني، وبموت الأول، لا يلزمها عدَّة، وإن قلنا: لم تَحْصُل الفرقة أو لم تحْصُل إلا ظاهراً، فعليها عدَّة الوفاة عن الأوَّل، ولكنْ لا تشرع فيها، وهي فراش للثاني حتَّى يموت الثاني أو يفرق بينه وبينها، وحينئذ، فتعتد للأول عدَّة الوفاة، ثم تعتد عن الثاني ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر، ولا تتداخل العدتان؛ فإنهما لشخصَيْن، وإن مات الثاني أَوَّلًا أو فرق بينهما، شَرَعَتْ في الأقراء، فإن تمَّت الأقراء، ثم مات الأوَّل، اعْتدَّت عن الأول عدَّةَ الوفاة، وإن مات الأول قَبْل تمام الأقراء، فأظهر الوجهَيْنِ: أن الأقراء تنقطع، فتَعْتَدُّ عن الأول عدَّة الوفاة، ثم تعود إلى بقية الأقراء، والثاني أنها تُقَدِّم ما شرَعَتْ فيه أَوَّلاً وإن ماتا معاً، أو لم يعلم، هل سبق مَوْتُ أحدهما موْتَ الآخر أو عُلِمَ سبْقُ موتِ أحدِهِما، ولم يُعْلَم السابق، فتعتد بأربعة أشهر وعَشْرٍ وبعدها بثلاثة أقراء؛ لتبرأ ذمتها عن العدتين بيقين، ولو لم يُعْلَمْ موتهما حتى مَضَت أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ، وثلاثة أقراء بَعْدها، فقد انقضت العدَّتان، ولو كانَتْ حاملاً من الثاني، فتعتد منْه بالوضع، ثم تعْتدُّ عن الأول عدَّة الوفاة، وأصحُّ الوجْهَيْن: أنه يُحْسَب منها زمان النفاس؛ لأنه ليس من عدَّة الثاني.
الجزء: 9 - الصفحة: 490
والثاني: لا يُحْسب؛ لتعلُّقه بالحمل.
فَرْعٌ: عن القَفَّال -رحمه الله- أن زوجة الغائب، إذا أخبرها عدْلٌ بأن زوْجَها ماتَ، حَلَّ لها أن تَنْكِحَ فيما بينها وبين الله تعالى؛ لأنَّ ذلك خبَرٌ، وليس بشهادة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ الحِدَادُ فِي عدَّةِ الوَفَاةِ وَهُوَ تَرْكُ التَّزْيِينِ بِلُبْسِ الإِبْرَيْسَمِ أَوِ المَصْبُوغِ لِلزِّينَةِ دُونَ الأَسْوَدِ وَالأَكْهَبِ الكَدِرِ* وَيَجُوزُ الأَبْيَضُ مِمَّا سِوَى الإِبْرَيْسَمِ* وَلاَ يَجُوزُ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالَّلآلِئِ* ويَحْرُمُ كُلُّ طَيِّبٍ يَحْرُمُ عَلَى المُحْرِمِ* وَكَذَا تَدْهِينُ الشّعْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ* وَفِي المَصْبُوغِ الخَشِنِ تَرَدُّدٌ* وَلاَ يَجُوزُ المَصْبُوغُ وَإِنْ صُبغَ قَبْلَ النَّسْجِ* يَجُوزُ لُبْسُ الكَتَّانِ وَالخَزِّ وَالدَّبِيقِيِّ الأَبْيَضُ* يَجُوزُ التَّزُيِينُ في الفَرْشِ وَأَثَاثِ البَيْتِ* وَلاَ تَكْتَحِلُ البَيْضَاءُ بِالإِثْمِدِ إِلاَّ بِسَبَبِ الرَّمَدِ لَيْلاً وَتَمْسَحُهُ نَهَاراً* وَلاَ بَأْسَ بِالتَّخَتُّمِ بِخَاتِمٍ يَحِلُّ لِلرِّجَالِ* وَلاَ بَأسَ بِالتَّنَظُّفِ بِالقَلَمِ وَالاسْتِحْدَادِ وَإِزَالَةِ الوَسَخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقال: أَحَدَّتِ المرأة 175 تَحِدُّ إحداداً، وحَدَّت تَحُدُّ حِدَاداً، وذلك من
الجزء: 9 - الصفحة: 491
المَنْع؛ لأنها تمتنع عن التزيُّن، ويجب عَلَى المرأة الإحْداد في عدَّة الوَفَاة، رُوِيَ عن أمِّ عطيَّة أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 176 - قال: "لاَ تُحَدُّ المَرْأَةُ 177 فوق ثَلاَثٍ 178، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً" وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَمسُّ طِيباً إِلاَّ إِذَا طهرت نُبْدةً من قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" وعن أم سَلَمة -رضي الله عنها- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُتَوَفَّى عنْهَا زَوْجُهَا لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب، وَلاَ المشقة وَلاَ الحُلِىَّ وَلاَ تَخْتَضِبُ وَلاَ تَكْتَحِلُ" والعصب: ضَرْبٌ من بُرُودِ اليَمَنِ 179، ويقال: هو ما صبغ غزلُه قَبْل أن ينسَج، والنبذة: الشَّيْء اليسير، ويقال: ذهب مالُهُ، وبقي نبذ منه وأَصَابَ الأَرْضَ نبذٌ مِنَ المَطَرِ أيْ شَيء يَسِيرٌ، وأُدْخِلَ فيه الهاء؛ لأنَّه نَوَى القِطْعَة.
وقوله "من قُسْطٍ أو أظفار" وهما نوعان من البخورِ ويقال: القُسْط من عقاقير البحر، والمعنى: "لاَ تَمَسُ طِيباً إلاَّ إذَا طَهُرَت مِنَ الحَيْضِ تَمَسُّ شَيْئاً يَسِيراً مِنْها يقطع الرائحة الكريهة، والممشقة: المصبوغة بالمشق وهو المغرة ويقال: شبه المغرة، وهي الطين الأحمر، وقد تُحَرَّك الغَيْن، وعن عائشة وحفْصَة -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخِرِ أن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً" 180 قال الأئمة: إِلَّا على زَوْج مُسْتَثنًى، وقوله "لا يحل" ظاهِرُهُ لا يقتضي إلا الجواز، لكن أجْمعوا على أنه أراد الوُجُوب، وأنه استثنى الواجب من الحَرَام، ولا يجب الإحْداد في عدَّة الرجعة؛ لبقاء أحكام النِّكَاح فيها، وتوقع الرجعة، لكن في رواية أبي ثَوْر عن الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أنَّهُ يُستحَبُّ لها الإحْداد، ومن الأصحاب مَنْ قال الأَوْلَى أن يتحمَّل وتتزيَّن بما يدعو الزَّوْج إلى رجْعَتها، وفي عدَّة البائن إما بالخُلْع أو 181 استيفاء الطلقات الثلاث قولان:
القديم، وبه قال أبو حنيفة: أنه يَجِبُ الإحداد؛ لأنَّها بائنٌ معتدَّةٌ عنْ نكاح، فأشبهتِ المتوفَّى عنْها زوجُها.
والجديدُ، وبه قال مالك: يُسْتحب، ولا يجب؛ لأنَّها معتدَّة عن طلاق، فأشبهت
الجزء: 9 - الصفحة: 492
الرجعيَّة، وأيضاً فهي مجفُوَّة بالطلاق، فلا يليق بها تكلُّف التفجع بخلاف المتوفَّى عنْها زوجُها، وعن أحمد روايتان كالقولَيْن، وفي المَفْسُوخ نكاحُها بعيب ونحوه طريقان:
أشبههما: أنه على القولَيْنِ، والثاني: القطع بأنه 182 لا إحْداد علَيْها؛ لأن الفسْخ لمعنًى فيها أو هي المباشرة لَه، فلا يليق إظْهَار التَّفَجُّع بحالها ولا إحداد على المعتدَّة في الوطء بالشبهة والنكاح الفاسد وأم الولد؛ لأنهُنَّ غير معتدات عن نكاح، والإحْدادُ لإظْهَار الحُزْن على الزوج وما فات من عصمة النكاح.
وقوله -صلى الله عليه وسلم 183 -: "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ" الحديث، قد يُحْتَجُّ به لتحْريم الحِدادِ على الموطوءة بالشبهة وأم الولد.
والذمية والأمة والصبيَّة والمجنونة، كغيرهن في الإحداد، ووليُّ الصبيةِ والمجنونةِ يمْنَعُها مِمَّا تمتنع 184 منه العاقلة البالغة.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد عليهن، وإذا عَرَفْتَ أن الإحداد على من يَجِب، فالكلام بعْده في كيفيته، فالواجب 185 ترك التزيُّن في الثياب الملُبُوسة، والحلي والتطيب، فهي ثلاثة أنواع، هي: النَّوْع الأوَّل: الثياب، فلا يحْرُم جنْس القُطْن، والصوف، والوبر، والشعر، بل يجوز لبس المنسوج منها على ألوانها الخِلْقيَّة، وكذا الكتان، والقصب، والدبيقي، وإن كانَتْ نفيسة ناعمةً؛ لأن نفاستها وحُسْنها مِن أصل الخِلْقة، لا من زينة دخَلَتْ عليها، وأما الإبريسم، فلم يُنْقَل فيه نصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- هو عنْد معظم الأصحاب، كالكتان وغيره، إذا لم تَحدث فيه زينة، وذهب القفَّال إلى أنه يَحْرُم عليها لُبْس الإبريسم، وإن كان المنسوج منْه على لونه الأصليِّ، وقال: إن لُبْسَه تزيُّن، وهي ممنوعة في حالة الإحداد 186 عن التزيُّن، وهذا ما اختاره الإِمام، واورده المتولِّي وصاحب الكتاب، وعلى هذا، فلا تلبس العتابي الذي غلب فيه الإبريسم، وأما الخَزُّ فلها لُبْسه، قال في "البَحْر"؛ لأن الإبريسم فيه مستتر بالصوف، وللرجل لُبْسُ الخَزِّ، وهذا التوجيه يتفرَّع على تحريم لُبْس الإبريسم إذا لم يكن مستتراً، وما لا يحرم في جِنْسه، لو صُبَغ، يُنْظَر في صَبْغه، إن كان ممَّا يقصد به الزِّينة غالباً؛ كالأحمر والأصفر والورد، فليس لها لُبْسه؛ لما مَرَّ من الأخبار، ولا فرق بين أن يكون لَيِّناً أو خَشِناً في ظاهر المذْهب، وهو المنصوص في "الأمِّ" وعن صاحب "التقريب" حكايته قولٍ آخر 187 أنَّه إذا تفاحَشَت الخشونة، لم يُعَدَّ لابِسه متزيَّناً، ويدخل في هذا
الجزء: 9 - الصفحة: 493
القسم الدِّيباج المُنَقَّش، والحرير الملوَّن، فيحرم لبسها، ولم يحرم الإبريسم على لونه الأصليِّ، والمصبوغُ غَزْله قبْل النسيج؛ كالبرود -كالمَصْبوغ بعْد النسج على المَذْهب وعن أبي إسحاق: أنه لا يحرم المصبوغ قبل النسج، قال أبو سليمان الخطَّابِىُّ، وهو أشبه بالحديث، وذلك لأنه ق الذي حديث أم عطية: "إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ" على ما سَبَق، ومن قال بالظاهر احتجَّ بأنَّه قال: لا تلبس المُعَصْفَر ولا المُمَشَّق، ولم يفصل وعارَض قَوْلَه "إلا ثوب عصب" ما روي أنَّه قال: "ولا ثوب عصب"، وربما أوَّله على الصبغ الذي لا يحرم كالأسود، وإن كان الصبغ مما لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبة واحتمال الوسخ كالأسود والكُحْليِّ، فلها لُبْسه؛ إذ لا زينة فيه، وهو أبلغ في الحداد، على أن في "الحاوي" حكايةَ وَجْهٍ أنه يجب عليها لُبْس السواد في الحداد، وإن كان الصبْغ متردَّداً بين الزينة وغيرها، كالأخضر والأزرق، فإن كانا برَّاقَيْن صَافِيَي اللون، لم يكن لها لُبْسة؛ لأن [النقيَّ] والصافِيَ منهما مستحْسَنٌ يُتَزَيَّن به، وإن كانا كَدِرَيْنِ أو مُشْبَعَين، فلا بأس؛ لأن المُشْبَع من الأخْضَر يقارب السواد، ومن الأزرق يقارب الكُحْلِيَّ، وفي معناهما الأكْهَب، والكهبة لونٌ يضرب إلى الغُبِرةِ، والطرازُ على الثوب إن كان كبيراً منع جواز اللبس؛ لظهور الزينة، وإن كان صغيراً، ففيه ثلاثة أوجُه؛ يفرق في الثالث بيْن المنسوج مع الثوب وبين المركب علَيْه بعْد نسج الثوب، فيحرم؛ لأنه محْض زينة.
والنوع الثاني: الحليُّ، فليس لها لُبْسه يستوي فيه الخلخال، والسوار، والخاتم، وغيرها ولا فَرْق بين أن يكون مِنْ ذهب أو فضة؛ لإطْلاق الخبر حيث قال: "لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب وَلاَ الممشقَة وَلاَ الحُلِيَّ" وهذا ما أورده الأكثرون، وذكر الإِمام: أنه يجوز لها التختُّم بَالخاتم الَّذي يَحِلُّ للرجال، وهو خاتم 188 الفضة؟ وإنما المُحرَّم عليها ما يختص النساءُ بتحليله في غير حالة الحداد 189، وهذا ما أورده في الكتاب التحلِّي باللآلئ تردُّدٌ للإمام؛ لأنها ليست كالذهب، وكذلك لم يحرم على الرجال، لكن الزينة ظاهرة فيها، وهذا أظهر، وهو الذي أورده في الكتاب.
فرعان: عن البحر:
أحدهما: قال بعض الأصحاب: لو كانت تلْبَسُ الحليَّ ليلاً، وتَنْزَعُه نهاراً، جاز، لكنه يكره لغير حاجة، ولو فعلَتْه؛ لإحراز المال، لم يكره.
والثاني: لو تحلَّت بالصفر والرصاص، فإن كان مُمَوَّهاً بالذهب والفضة، أو مشابهاً لهما؛ بحيث لا يُعْرف إلا بعْد التأمل، لم يجز، وإلا، فإن كانت المعتدَّة منْ قوم يتزيَّنون بمثل ذلك، لم يجز أيضًا، وإن كانت من قوم لا يتزيَّنون، ولا يتحَلَّوْن به، لكنهم يستعملونه؛ لمنفعةٍ يتوهمونها، جاز.
الجزء: 9 - الصفحة: 494
والنوع الثالث: الطِّيب، فليس لها أن تتطَيَّب في بدنها وثيابها، روي عن أم عطية -رضي الله 190 عنها- قالت: "كُنَّا نُنْهَى أَنْ نحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَأَنْ نَكْتَحِلَ وَأَنْ نَتَطَيَّبَ وَأَنْ نَلْبَسَ ثَوْباً معصفراً، ونُنْهَى أَنْ نَكْتَحِلَ" وتفصيل القول في الطِّيب قد سَبَق في الحجِّ، وإلى ذلك أشار بقوله في الكتاب: "ويحرم كل طيب يَحْرُم على المُحْرِم" ولا تَدْهن رأسها سواءٌ كان في الدُّهْن طيبٌ أو لم يكُنْ، لما فيه من تزيِّين الشَّعر، حتى لو كانَتْ لها لحية، لم يكن لها تدْهِينُها، ويجْوز لَهَا تدْهِين البَدَن بما لا طيب فيه مِنَ الأدْهَان، كالشِّيرج، والسمن والزيت، ولا يجوز بما فيه طِيَبٌ [كدُهْنِ الوَرْد والبنفسج، وكذا لا يجوز لها أكْل طَعَام فيه طيبٌ]، ولا أن تتكحل بكُحْل فيه طِيبٌ، وأما الكُحْل الذي لا طيبَ فيه، فإن كان أسود، وهو الإِثْمُدِ، فلا يجوز لها الاكتحالُ به؛ لأن فيه زينةً وجمالًا للعَيْن، وعن الماسرجسي وجْه: أنه يجوز الأكتحال به للمرأة السوداء، فإنه لا يفيدها جمالاً، وُيرْوَى ما يقرب من هذا عن القَفَّال، وفي "النهاية" أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- نصَّ في بعض المواضع على جواز الاكتحال بالإِثْمِدِ، وأن الأصحاب حمَلُوه على العربِّيَات؛ لأنهن إلى السواد، فلا يزينهن الإثْمِدُ، أما البيض فلا يكتحلن به، ووجْه الفرق هو الذي أورده في الكتاب، حيث قال: ولا تكتحل البَيْضَاء بالإثمد، والظاهر عنْد الأكثرين: أنه لا فَرْق بين البيضاء والسوداء، وقالوا: أثر الكحل يَظْهر في بياض العَيْن، ويدل عليه إطْلاق الأخْبَار، وإذا احتاجَتْ إلى الاكتحال به؛ لرمدٍ وغَيْره، اكتحلت لَيْلاً، ومسحته نهاراً، فإن دعَتِ الضرورة إلى الاستعمال نهاراً [أيضاً،] 191 عُذِرَتْ، ولا بأس باستعماله في غير العَيْن إلا الحاجب، فإنه لا تَتزيَّن به، وأما الكحل الأصفر، وهو الصبر، ففي "التهذيب": أنه لا يجوز الاكتحال به؛ لأنه أصفر يُحسِّن العين، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم 192 - دَخَلَ عَلَى أم سلَمَة -رضي الله عنها- وهي حادَّة على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبراً، فقال: ما هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ هُوَ صَبْرٌ لاَ طِيبَ فِيه، قال: "اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ" وفي "التتمة": أنه يَحْرُم الاكتحال به على السوداء دون البيضاء، والأَظهر الأول ولو طَلَتْ به
الجزء: 9 - الصفحة: 495
وَجهَهَا، لم يجز أيضاً؛ لأنه يُصَفِّر الوجه، فهو كالخضاب، فكان بأم سلمة حاجة إلى استعماله، فقال اجعليه بالليل دُون النَّهَار، والكُحْل الأبيض الذي يقال له بالفارسي تُوتَيا ونحوه، فلا زينة فيه، ولا مَنْع من الاكتحال به، وفي "البحر" وجه أنه تمنع منه المرأة البيضاء، حيث تتزين به، ولا يجوز لها استعمال الدمام وقد فسر ذلك بما يُطْلَى به الوجه للتحسين، ويقال له الكُلْكُون الذي يُحَمِّر الوجه، وكذا في استعمال الاسفيداج، ويحرم عليها أن تَخْتَضِب بالحِنَّاء 193 ونحوه؛ لما سبق من الخبر، وذلك فيما يظهر من البَدَن؛ كالوجه واليدين والرجلين، ولا مَنْع منه فيما تحْت الثياب، ذكره القاضي الرُّويانيُّ، والغاية، وإن ذهبت رائحتها كالخضاب؛ لأنَّها تسود، قال الإِمام -رحمه الله-: وتجعيد الأصداع وتصفيف الطرة 194 لا نقل فيه عن الأصْحاب، ولا يمنع أن يكون كاستعمال الحُلِيِّ.
ويجوز للمُحِدّة التزيُّن في الفرش والبُسُط والسُّتور وأثاث البَيْت؛ لأن الحداد في البَدَن لا في الفراش والمكان، ولها التنظيف بغسل الرأس، والامتشاط، ودخول الحمام 195، وقَلْم الأظفار، والاستحداد، وإزالة الأوساخ؛ فإنها ليست من الزينة.
فرْعٌ: عن بَعْض الأصحاب: أنا إذا قلْنا: لا يجب الإحداد على المبتوتة، ففي تحريم التطيب عليها وجْهانِ؛ لاختصاصه بتحريك الشهوة.
آخر: قصة قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" الحديثُ فيه إشعارٌ بأنه يَجُوز الإحْداد ثلاثة أيام فما دونها على غَيْر الزَّوْج من الموتى، وكذلك أورده صاحب الكتاب.
في "البسيط" وأبو سعْد المتولِّي -رحمهما الله- تعالى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَعَلَيْهَا مُلاَزَمَةُ المَسْكَنِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ* فَإن تَرَكَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ عَصَتْ، وَانْقَضَتِ العِدَّةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول فيمن تستحق السّكْنَى من المعتدَّات، ومَنْ لا تستحق، وفي أنَّ المعتدة يجب عليها ملازمة المَسْكَن الَّذي تعْتَدُّ فيه، ولا يجوز لها الخروج منه إلا بضرورة أو حاجة، وفي سائر أحكام السُّكْنَى سيأتيك مجموعاً في الباب الثاني، والغَرَضُ الآن أنَّها لو تركت واجب الملازمة، وكانت تَخْرج مِنْ غير حاجةٍ، كانت عاصيةً لكن تنقضي العدَّة بمضيَّ المدة، كما لو بلغها خَبَرُ وفاةِ الزَّوْج الغائب بَعْد أربعة أشعر تكون العدة منقضية، وكذا لو تركت الإحْداد الواجب عليْها في مدة العدة أو بعْضها، عَصَتْ، وانقضت العدة، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 496
البَابُ الثَّانِي فِي السُّكْنَى
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَمْرَيْنِ: (الأَوَّلُ في المُسْتَحِقَّةِ) وَهِيَ المُعْتَدَّةُ عَنْ طَلاَقٍ بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً* وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الوَفَاةِ قَوْلاَنِ* وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الفَسْخِ طَرِيقَانِ* وَقِيل: قَوْلاَنِ * وَقِيْلَ: لاَ سُكْنَى لَهَا قَطْعاً، وَإِنْ كَانَ الفَسْخ تَعَلَّقَ باختِيَارِهَا أوْ عَيْبِهَا* وَإِنْ كَانَ بِرِدَّةِ الزَّوْج فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ضمن الكلام في السكنى طرفين:
أحدهما: فيمن تستحق السكْنَى.
والثاني: فيما يتعلَّق بتوفية هذا الحَقِّ، ولكل واحدٍ من الطرفين أصولٌ ومسائلُ أُخَرُ تتعلَّق بالسكنى لا تُنْبِئ عنها الترجمتان، أما الطَّرَف الأول، فالمعتدات أنواع:
منها: المعتدة عن طلاق رجْعِيِّ أو بائن؛ لكونه على عوض، أو لاستيفاء الثلاث، فلها السكْنَى حاملاً كانت أو حائلاً، قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: 6]، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [وَلَا يَخْرُجْنَ]﴾ [الآية] 196 [الطلاق: 1] وذهب أحمد إلى أنه لا سُكْنَى للبائنة، و [قد] روى أبو سليمان الخَطَّابِيُّ عنه موافقة الجمهور.
ومنْها: المعتدَّة عن الوفاة في استحقاقها السُّكْنَى قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزنيُّ: المنع؛ لأنه لا نفقة لَهَا، وإن كانت حاملاً، فلا سُكْنَى لها كالموطوءة بالشبهة، وُيرْوَى أن عليًّا -عليه السلام- نقل ابنته أم كلثوم بعدما استشهد عمر -رضي الله عنه- بسبع ليالٍ.
والثاني: تستحق، وبه قال مالك وأحمد؛ لما رُوِيَ أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخُدْرَيُّ قُتِلَ زوجها، فسألَتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ترجع إلى أهْلِها، وقالت: إنَّ زَوْجي لم يَتْرُكْني في منْزِلٍ يملكه، فأَذِنَ لها في الرجوع، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرة أو في المسجد دعاني، فقال: "امكثي في بَيْتِك، حتى يبلغ الكتابُ أجَلَه، قالت فاعتددتُّ فيه أربعة أشْهُرٍ وعشْراً" ومَنْ قال بالأوَّل، قال: قوله "امكثي في بيتك" ندْبٌ لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكرر أوَّلاً بيان أنه لا سكْنَى لها، وذَهَب كثيرٌ من الأصحاب إلى بناء القولَيْن على التردُّد في أن حديث فريعة مُنزَّلٌ على هذا التنزيل أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخراً ينسخ الأول، وربما
الجزء: 9 - الصفحة: 497
أشير إلى حَمْل الأول على السهو، والثاني: على التدارك، وقد يسهو النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه لا يُقرّ على الخطأ، والأصحُّ من القولَيْن، على ما ذكره منصور التميمي في "المستعمل"، وصاحب الكتاب في "الخلاصة": أنه لا سكنى لها ومقابله عند الشيخ أبي حامد والعراقيين، وتابعهم القاضي الروياني وغيره.
ومنها: المعتدَّة عن النكاح بما سوى الطلاق من أسباب الفراق في الحياة، كالتي فُسِخَ نكاحها بالردة أو الإِسلام أو الرضاع، ففيها طرق:
أحدها: إطلاق قولَيْن في استحقاقها السكنى، كما في عدة الوفاة، في قول: تستحق؛ كالمطلقة؛ تحصيناً للماء.
وفي قول: لا تستحق؛ لان إيجاب السُّكنَى بعْد زوال لنكاح؛ كالمستبعد؛ ولذلك لم تجِبِ النفقة، ونص السكنى إنما ورد في المطلَّقة، فيبقى حُكْم غيرها على الأصلْ.
والثاني: إن كان لها مَدْخَلٌ في ارتفاع النِّكاح، بأن فسخت بخيار العِتْق أو بعيب 197 الزوج أو فسخ هو بعيبها، فلا سُكْنى لها قَطعاً، وإن لم يكن لها مدْخَل في ارتفاع النكاح، كما إذا انفسخ بإسلام الزوْج أو ردَّته أو الرِّضاع من الأجنبي، ففي استحقاقها السكْنَى القولان، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب 198 والثالث: في تعليقه إبراهيم المروروذي التفصيل المذكور في الطريق الثاني مع القطع باستحقاق السُّكْنَى في القِسْم الأوَّل.
والرابع: في "التهذيب": أن الفُرْقة، إن كانت بالعيب أو الغرور، فلا سُكْنَى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو صهرية، أو خيار عِتْقٍ وجهان:
أحدهما: أن الجَوَاب كذلك.
والمذهب أنها كالمُطَلَّقة، وفُرِّق بأن الفُرْقة بالرَّضَاع والصهرية وخيار العتق لم تكُنْ بسبب موجودٍ يوْمَ العَقْد، ولا [بسبب] يستند إليه الفسخ، فيجعل مفسوخاً مِنْ أصْله بدليلِ وجوبِ المسمَّى، وفي العيب، والغرور كانت بسبب في العقد، ولذلك يُوجَب مَهْر المِثْل، هَذا لفْظُه في الفرق، قال: والملاعنة كالمُطلَّقة ثلاثاً.
والخامس: القطْع بأنها تستَحِقُّ السكنى؛ لأنَّها معتدَّةٌ عن 199 فراق النكاح في حياة الزوج، فأشبهت المُطلَّقة قال في "التتمة": وهذا هو المذهب 200، وقد يؤيد ذلك بأن
الجزء: 9 - الصفحة: 498
الفسخ كالطَّلاق في إيجاب العدة، فكذلك في كيفيتها وحُقُوقها، ولذلك قلْنا: إن الأشبه التسويةُ بينهما في الإحْدَاد.
ومنْهَا: المعتدة عن الوطء بالشبهة، وعن النكاح الفاسد، وأم الولد، إذا أعتقها سيدها لا سُكْنَى لهن؛ لأن أسباب التربُّص فيهنَّ لا تتأكَّد حُرْمَتُها، فلا تُلْحق بالنكاح الصَّحيح، وأيضاً، فإنه لا سُكْنَى لها في النكاح الفاسد، فكذلك في التربُّص الذي هو من آثاره، بخلاف النكاح الصحيح؛ هذا هو الكلام لِمَنْ تستحق السكْنَى، ومن لا تستحق، وأما القول في النفقة والكسوة فمؤخَّر إلى كتاب النفقات.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي النِّكَاحِ فَلاَ سُكْنَى لَهَا كَالصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ عَلَى وَجْهٍ وَالنَّاشِزَةِ* وَفِي وُجُوبِ لُزُوم المَسْكَنِ عَلَى الأَمَةِ إِذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي عَيَّنَ المَسْكَنَ وَقُلْنَا: لَيْسَ لِلزَّوْجِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ* وَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يَجِبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور:
إحداها: الصغيرة الَّتي لا تحتمل الجِمَاعَ، هل تستحق السكنى؟ يُبْنَى ذلك عَلَى أنه هل تستحق النفقة في النكاح؟ وفيه خلافٌ يُذْكر في موضعه، فإن استحقت النفقة في النكاح، استحقت السُّكْنَى في العدَّة، وإلا، فلا.
الثانية: الأمة المزوَّجة قد مَرَّ أنَّه ليس على السيِّد أن يسلمها ليلاً ونهاراً بل [له أن] 201 يستخدمها نهاراً، وكذلك الحال في زَمَان العدة، فإن سلَّمها ليلًا ونَهَاراً ورفع اليد عنها، فلها السكنى، كما تستحق النفقة، والحالة هذه، في صُلْب النكاح، وإن كان يستخدمها نَهاراً، فيبنى استحقاق السُّكْنَى في العدة على النفقة في صُلْب النكاح إن استحقتها [استحقت] 202 السكنى، وإلا، فلا، ولكن للزوج أن يسكنها حالة فراغها من خدْمة السَّيِّد؛ ليْحْصنها.
هذا ما ذكره الأصحاب، وزاد الإِمام: فبنى استحقاقها السكْنَى على أنَّه هل يجب عليها ملازمة المسكن في العدة؟ وبنَى وجوب الملازمة على أنها في صُلْب النكاح تكون في المسكن الذي يعينه الزوج أم للسيد أن يُبَوِّئ لها بيتاً، وفيه خلاف، فإن قلْنا: تكون في المسكن الذي عيَّنه الزوج، فعليها ملازمة المسكن، وإلا، فإذا طلَّقها، وهي في البيت الذي عينه السيد، ففي وجوب ملازمته وجهان: = باب مثبتات الخيار في النكاح حيث قال: لا تجب السكنى، ونقل هناك عن ابن سلمة طريقة في العيب لم يذكرها هنا وهو أنه إن كان بعيب حادث وجبت وإلا فلا، ثم قال وإذا لم توجب السكنى فأراد أن يسكنها لما به فله ذلك، وعليها الموافقة.
قاله أبو الفرج السرخسي.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 499
وجه الوجوب: أنه المسكن الذي تراضَوْا به، وكانت في صُلْب النكاح فيه.
وأظهرهما: المنع؛ لأن العدة فرْع النكاح، وأثره، فإذا لم تستحق إسكانها في صُلْب النكاح لم يستحقَّه في العدة.
الثالثة: إذا طلَّقها، وهي ناشزة، لم تستحق السكنى في العدة؛ لأنَّها لا تَسْتحِقُّ النفقة والسكنى في صلْب النكاح؛ لتعدِّيها؛ فَلأَنْ لا تستحق بَعْدَ البينونة كان أوْلَى.
هكذا حكي عن القاضي حُسَيْن، وزاد صاحب "التتمة" فقال: وكذا لو نَشَزَتْ في العدة، تسقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة، عاد حق السكنى، قال الإِمام: إذا طُلِّقت في مسْكن النكاح، فعليها ملازمة المَسْكن؛ لِحَقِّ الشرع، فإذا أطاعت، [فتستحق السكنى، فيتجه] أن يقال: لا يلزمه مؤنة السكنى، وعبَّر بعضهم عن كلام الإِمام -رحمه الله- بأنها إن نَشَزت على الزوج، وهي في بيته، فلها السكنى في العدَّة، وإن خرجت من بيته، واستعصت عليه مطلقاً، فلا سكنى لها، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الكتاب "والنَّاشِزَةِ" لأنه مُطْلَق موافق لما حكي عن القاضي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإنَّمَا يَجبُ مُلاَزَمَةُ مَسْكَنِ النِّكَاحِ* فَلَوْ طُلِّقَتْ بَعْدَ الاِنْتِقَالِ لاَزَمَتِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ* فَإنْ أَذِنَ في الاِنْتِقَالِ وَطَلَّقَهَا فِي الطَّرَيقِ فَالمَسْكَنُ هُوَ الأَوَّلُ عَلَى وجْهٍ* وَالثَّانِي عَلَى وَجْهٍ* وَالعِبْرَةُ في الاِنْتِقَالِ بِالبَدَنِ لاَ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من استحقت السكنى من المعتدات، تَسْكن في المسكن الذي كانت فيه عنْد الفراق، إلا أن يَمْنع منه مانع، على ما سيأتي 203، فلَيْس للزوج ولا أهْلِه إخراجُها منْه، ولا لها أن تخْرُج؛ على ما ورد به الخبر، فلو اتفق الزوجان على أن تنتقل إلَى مسكن آخر منْ غير حاجة، لم يَجُزْ، وكان للحاكم المَنْع؛ لأن في العدة حقَّ الله تعالى، وقدْ وجَب في ذلك المَسْكَنُ، فكما لا يجوز إبطال أصل العدة، باتفاقهما لا يجوز إبْطال صفاته وتوابعه، وليس كما في صُلْب النِّكَاح يسكنان، وينتقلان كيف شاءا لأن هناك الحقَّ لهما على الخُلُوص، ولو تركا المكث والاستقرار، وأداما على السيْر والسفر، جاز، وهاهنا بخلافه.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فلو انتقلت مِنْ مَسْكن إلى مسكنٍ بغير إذن الزوج، ثم طلَّقها أو
الجزء: 9 - الصفحة: 500
مات عنها، فعليها أن تعود إلى الأَوَّل، وتعتد فيه، ولو أذِنَ لها بعْد الانتقال في أن تقيم، فيه، كان كما لو انتقلت بالإذْن، وإذا انتقلَتْ بالإذن، ثم طَلَّق أو مات، فتَعْتَدُّ في المنْتَقَل إليه؛ لأنه المسْكِن عند الفراق، وإن خرَجَتْ مِنَ المَسْكن الأول، ولم تصل إلى الثاني، فطَلَّقها في الطريق، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدُها: أنها تعتد في المسْكَن الأوَّل؛ لأنَّها لم تحْصُل في مسكن آخر قبْل الفراق.
وأصحَّهما، ويحكى عن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم" وبه قال أبو إسحاق: أنها تعتد في المسكن الثاني؛ لأنَّها مأمورةٌ بالمقام فيه ممنوعةٌ من غيره.
والثالث: تتخيَّر بينهما؛ لأنَّها غير مستقرةٌ في واحد منهما، ولها تعلُّق بكل واحدٍ منهما، وفي "البحر" بدل الوجه الأول وجه آخر؛ وهو أن يعتبر القُرْب، فإن كانت إلى المسكن الأول أقرب.
[عادت إلَيْه، واعتدت فيه، وإن كانت إلى الثاني أقرْب،] مضَتْ إليه، والاعتبار في الانتقال بالبَدَن لا بالأمتعة والخدم حتَّى لو كانت قد انتقلت إلى المسكن الثاني بنفسها، ولم تنْقل الرحلُ [و] الأمتعة، فمسكنها الثاني، ولو نقلت الأمتعة، ولم تنتقل هي، فالمسكن الأول كما أن حاضر المسجد الحرام مَنْ هو بمكة لا مَنْ رحله، وأمتعته بمكة، وعند أبي حنيفة: الاعتبار بالأمتعة لا بالبدن، والحكم على العَكْس، ولو أَذِنَ لها في الانتقال إلى المَسْكن الثاني، فانتقلت، ثم عادت إلى الأوَّل؛ لنقل متاع وغيره، وطلَّقَها، فالمسكن الثاني فتعتد فيه وهو كما لو خرجت عن المسكن لحاجة، فطلقها، وهي خارجة، قال الإِمام -رحمه الله-: وهذا إذا كانَتْ قد دخَلَتِ الثاني دُخُولَ قَرَارٍ، فأما إذا لم تدْخُلْه على قَصْد القرار، بل كانت تتردَّد بينهما، وتنقل أمتعتها، فإن طلَّقها، وهي في المسكن الثاني، فتعتد فيه، وإن طلَّقها، وهي في الأول، ففيه احتمالان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي سَفَرٍ وَطَلَّقَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ عُمْرَانِ البَلَدِ فَلَهَا الانْصِرَافُ* وَلَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَيْلاَ يُبْطِلَ عَلَيْهَا أُهْبَةَ السَّفَرِ* وَإِنْ كَانَ في الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهَا (وح) الانْصِرَافُ وَكَانَ لَهَا إِتْمَامُ حَاجَتِهَا، وَيجِبُ الرُّجُوعُ اِلَى المَسْكَنِ بَعْدَهُ لِبَقِيَّةِ المُدَّةِ* وَإِنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلاَ يَجِبُ* وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُزْهَةٍ وَأَذِنَ الزَّوْجُ مُدَّة فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ المُدَّةِ قَوْلاَنِ* وَكَذَلِكَ في وُجُوبِ الاِنْصِرَافِ عَنِ الطَّرِيقِ* وَفِي وُجُوبِ ترْكِ الاِعتكاف المَأْذُونِ فِيهِ خِلاَفٌ* وَلَوْ خَرَجَتْ مَعَ الزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا وَجَبَ عَليْهَا الاِنْصِرَافُ إِذْ لَيْسَ يُبْطلُ أهْبَتَهَا إِذَا خَرَجَتْ بِأُهْبَةِ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو أذِنَ لها في الانتقال إلى بَلَدٍ آخر، ثم طلَّقها أو مات عنْها،
الجزء: 9 - الصفحة: 501
فالحُكْم كما ذكرنا فيما لو أذن في الانتقال من مَسْكن إلى مَسْكن، فإن وُجِدَ سببُ الفراق بغد الانتقال إلى البلد الآخر، اعتدَّتْ في المنتقل إلَيْه، وإن وُجِدَ قبْل مفارقة عمْران البلد المنتقل عنه، لم تخرج بل تَعُود إلى المَسْكن، وتعتد فيه وإن كان في الطريق، فعَلَى الخلاف، وإن أذن في غير سفر النَّقْلة، نُظِر؛ إن تعلَّق بغرض مهمٍّ، كالتجازة أو حج وعمرة والاستحلال عن مظلمة ونحوها، ثم وُجِدَ سببُ الفراق، فيُنظر؛ إن حدث قبل أن تخرج من المسكن، فلا خلاف أنها لا تخرج بل تعْتد هناك، وإن خرجت منْه على قصْد السَّفَر ولم تفارق بعد عمران البلد، فوجهان:
أحدهما: وهو ظاهرُ النَّصِّ، واختيار الاصطخريِّ عن ابن أبي هريرة: أنه يلزمها الانصراف والاعتداد في المسكن؛ لأنَّها لم تشْرَع في السفر بعْد، فأشبه ما إذا لم تخرج من المنزل.
[والثاني: تتخير بين العود والمضى في السفر لأن عليها ضرر في إبطال سفرها وفوات غرضها] وحكي وجهٌ غريبٌ فارقٌ بين أن يكُون السفر سَفَر الحج، فلا يلزمها الانصراف وبين أن يكون غيره، فيلزم، وإنْ وُجِد سبَبُ الفراق في الطَّريق، فلا يجب الانصراف بل تتخير بين أن تمضِيَ، وهي معتدة في سيرها [وبين أن تعود] وذلك؛ لأن قطْع السفر مشقَّة ظاهرة بلحوق التعب من غير الوصول إلى المقصد وبالانقطاع عن الرُّفْقَة وغيرهما، وعن رواية ابن أبي هريرة وجهٌ ضعيف: أنه إن حدث قبل أن تقطع مسافة يوم وليلة، يلزمُها الانصراف، وإن استقر السفر، بقطع هذه المسافة لم يلزم وتخيرت، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إذا طلَّقها أو مات عنْها وبيْنها وبيْن المسْكن ثلاثة أيام، لزمها المضيُّ إليه والاعتداد فيه، وإن كان بيْنهما مسيرة ثلاثة أيام، فإن كان ذلك الموضع موضِعَ إقامة، فتقيم فيه، وتعتدُّ [و] 204 إلا فلها المضيُّ إلى المقصد، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب: "وإن كان في الطريق، لم يلزمْها الانصراف" بالحاء والواو، وإذا خيَّرناها، فإن اختارت العَوْد إلى المسكن والاعتداد به، فذاك، وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه الأوْلَى، وإن اختارت المضيَّ إلى المقصد، فمضت إليه أو حدث سبَبُ الفراق بعْدما دخَلَتِ المقصد، فلها أن تقيم إلى قضَاء حاجتها، فإن زادَتْ إقامتها على مدة إقامة المسافرين، فإن قضَت الحاجة قبْل تمام هذه المدة المذكورة، ففي "التهذيب" و"الوسيط" وغيرهما: أن لَهَا أن تقيم إلى تَمَام مُدَّة المسافرين 205، وهذا
الجزء: 9 - الصفحة: 502
حكاه 206 القاضي الرويانيُّ عن بعضهم، وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غَيْر، وإن كان الزوج أَذِنَ لها في سفر النزهة، وبلغت المقصد، ثم حدث ما يوجب العدة، فإن لم يقدر مدة، لم تقم أكثر من مدة المسافرين، وإن قدر لها مدة، فهل الحُكْم كذلك أم لها استيفاء تلْك المدَّة؟ فيه قولان:
أحدهما: أن الحُكْم كذلك؛ لأنَّها ليْسَتْ منتقلة إلَيْه، وقد بَطَل حكْم إذنه بزوال ملكه عنها.
وأصحُّهما، وهو اختيار المزنيُّ: أن لها استيفاءَ تلْك المدَّة [منه،] 207 كما يجوز في سفر الحاجة الإقامةُ إلى قضاء الحاجَة؛ للإذن فيه، وكما أنَّه إذا أذِنَ في سفَر النقلة تقيم وتعتد هناك، ولا يقال: زال 208 الإذن بزوال الملك، وأجْرى القولان فيما إذا قَدَّر مدة في سفر الحاجة زائدةً على قدْر الحاجة، فإن المكْث الزائد على قَدْر الحاجة كسفر النزهة، فعلى قول: يجب الانصرافُ إذا قضَتِ الحاجة، وعلى قول: تجوز الإقامة إلى تمام المدة المقدَّرة، ويجريان فيما إذا أمَرَها بالانتقال إلى مسكن آخر في البلدة مدة قدَّرها، ثم طلقها، أو مات.
كذلك حكاه الرويانيُّ عن نصه في "الأم"، وفي "البسيط" و"الوسيط": أن الطلاق يُبْطِل تلك المدَّة، ولم يجعله على الخلاف، وقد يفرق بينهما بأن الضرر فيه لا يُضَاهي ضَرَر قطْع السفر، ويجريان فيما إذا أذن لامرأته في الاعتكاف = تقيم إلا بعد قضاء الحاجة والظاهر أن مراده ما إذا قضتها بعد الثلاث وصرح العراقي في شرحه وصاحب الاستقصاء بان لها استيفاء الثلاث ولم يقولا إن كلامه يقتضي خلاف ذلك وهو الذي فهمه صاحب البيان أيضاً فقال وإن كان سفرها الزيارة أو النزهة ولم يقدر لها مدة فلها أن تقيم ثلاثة أيام لا غير لأنه إنما أذن في السفر دون الإقامة وإن كان سفرها لحاجة أو تجارة، فقال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ لها أن تقيم حتى تقضي حاجتها، وقال الشيخ أبو حامد: لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام.
انتهى.
وهو صريح في أن مراد صاحب المهذب ما فوق الثلاث.
وأما الجرجاني فعبارة النسك ولم تعم بعد قضاء شافية وتحذيره، فإن مضت في سفرها لم تقم بعد قضاء الوطء من التجارة ولم يقم في النزهة أكثر من ثلاثة أيام.
انتهى، وهو موافق للجمهور أن النسك والتجارة لا تقضيان غالباً من دون الثلاث، والنزهة قد تحصل في يوم أو بعضه.
وأما الرافعي في المحرر فإن عبارته توهم ذلك فإنه عبر بأنها تقيم لقضاء حاجتها لكن كلامه في الشرح الصغير يقتضي أن المذهب المنقول الجواز فإنه قال: فإذا قضت الحاجة فهل لها أن تقيم مدة مقام المسافرين ففي التهذيب وغيره أن لها إتمام هذه المدة، ونهم من نازع فيه فقال نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير.
انتهى.
وقال في الخادم: إن هذا ظاهر نص الأم والمختصر وأطال النقل بذلك عن جماعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 503
مدَّة، ولزمتها العدَّة قبل تمام المدة، هل لها إدامة الاعتكاف إلى تَمَام المدَّة، أو يلزمها الخروج، لتعتد في المَسْكن؟ فإن لم يلزمْها الخُرُوج، فخرَجَت، بَطَل اعتكافها، ولم يكن لها البناء عليْه، إذا كان منذوراً، وإن ألزمناها، فيبطل بالخروج أو يجوز البناء عليه؟ فيه خلاف مذكور في الاعتكاف، والظاهر جواز البناء، ومنْهم مَنْ يبنى الخلاَف على جواز البناء، إن جاز، فعليها الخروج، وإلا، فإبطال العبادة علَيْها كإبطال أهبة السفر، وإن حدَثَ سببُ وجوب العدَّة في سفر النزهةِ قبْل البلوغ إلى المقصد، فحيث قلْنا في سفر الحاجة: يجب الانصراف، فهاهنا أوْلَى، وإذا قلنا: لا يجب، فهاهنا وجْهان وعن القَفَّال؛ بناؤهما على القولَيْن في أنه هل يجوز استيفاء المدَّة المقدَّرة؟ إن جوَّزناه، لم يجب الانصراف من الطريق، وإلاَّ، وجب، [و] هذه الطريقة هي التي أوردها في الكتاب، ويجوز أن يُعْلَم قوله "وكذلك في وجوب الانصراف عن الطريق" بالواو؛ لأن منهم مَنْ يقطع بأنه لا يجب كما في سَفَر الحاجة، وكذلك أورده صاحب "الشامل" ثم سفر الزيارة كسفر النزهة في ظاهر النَّصِّ، ومنْهم مَنْ يُلْحقه بسفر الحاجة، ثم إذا انتهت مدة جواز الإقامة، فعليها الانصراف في الحال، إن لم تنْقَض مدة العدَّة، بتمامها؛ لتعتد بقيَّة العدَّة في المسكن، فإن كان الطريق مخوفاً أو لم تجدْ رفقة، فتعذر في التأخر، وإذا علمت أن البقيَّة تنْقَضِي في الطريق، ففي لزوم العَوْد وجهان:
أحدهما، ويُحْكى عن أبي إسحاق، واختيار القَفَّال: [المنع؛] 209 لأنَّها لا تَقْدِر على العدَّة في المسكن، والاعتدادُ وهي مقيمة، أوْلَى من الاعتداد، وهي سائرة.
وأظهرهما، وهو نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه يلزمها العَوْد؛ لتكون أقرب إلى المسكن، وأيضاً، فتلك الإقامة غير مأذونٍ فيها، والعَوْدُ مأذونٌ فيه، وهذا كلُّه فيما إذا أذِنَ لها في السفر، فأما إذا خرَجَت مع الزوج، ثم طلَّقها أو مات، فعَلَيها الانصراف، ولا تقيم أكثر من مدة المسافرين 210، إلا إذا كان الطريق مخوفاً أو لم تَجِدْ رُفْقة، وعلَّله في الكتاب بأنَّها إذا خرَجَتْ مع الزوج، خَرَجَت بأهبته، فلا يبطل عليها أهبة السفَرِ، وآخرون منْهم صاحب "التتمة": بأن سفرها كان بسفره، وقد انقطع سفَرُها بانقطاع سفَرِه أو زال سلطانه عنها، فيلزمها العَوْد إلى المسكن.
هذا إذا كان سفره لغرض نفسه واستصحبها ليستمتع بها فأما إذا كان السفر لغرضها وخرج الزوج بها، فليكن الحُكْم كما ذكرنا فيما إذا أذِنَ لها، فخرجَتْ، وفي نَظْم "المختصر" ما يشعر بذلك والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 504
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الإِحْرَامِ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ لَمْ تُحْرِمْ* وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحِجٍّ* وَهِيَ فِي البَلَدِ وَقَبْلَ تَأْخِيرِ الْحَجِّ فَفِي وُجُوبِ التَّأْخِيرِ تَرَدُّدٌ لِمَا في مُصَابَرَةِ الإِحْرَامِ مِنَ العُسْرِ* وَمَنْزِلُ البَدَوِيَّةِ مَسْكَنُهَا فَلاَ تُفَارِقُ إلاَّ إِذَا رَحَلُوا* فَإِنْ رَحَلَ أَهْلُهَا وَهِيَ فِي أَمْنٍ لَوْ أَقَامَتْ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إِذ مُفَارَقَةُ الأَهْل تَعْسُرُ* وَلَوْ رَحَلَتْ مَعَهُمْ وَأَرَادَتِ المُقَامَ بِقَرْيَةٍ جَازَ بِخِلاَفِ البَلَدِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السفر فيه مسألتان:
إحداهما: لو أذِنَ لامرأته في الإحرام بحَجِّ أو عمرة، ثم طلَّقها قبْل الإحرام، فلا تُحْرِم، ولا تنشئ السفر بعْد لزوم العدَّة، ولو أحرمتْ، فهو كما لو أحرمَتْ بعْد الطلاق من غير تقدُّم الإذن، وحكمه: أن لا يجوز لها الخُرُوج في الحال، وإن كان الحجُّ فرضاً بل تقيم وتعتدُّ؛ لأن لزوم العدة سبق الإحرام، فإذا انقضت العدَّة، أتمت عمرتها، إن كان الإحرام بعمرة، وكذا حكْم الحج، لو بقي وقته، وإن فات، تحلَّلت بعمل عمرة، وأراقت دماً، وقفت ولو أحرمت أوَّلاً، إما بإذن الزوج أو غير إذنه، ثم طلَّقها، فإن كانت لا تخْشَى فوات الحج، لو أقامت، اعتدت أولاً أو كان الإحرام بعمرة، فوجهان، وهو المذكور في "المهذب" أنه يلزمها أن تعتدَّ هناك أوَّلًا [و] 211 تؤخِّر الخروج لأداء النسك؛ لأنه أمكن رعايةُ الحَقَّيْن، فلا يجوز إسقاط أحدهما.
وأظهرهما، وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد والأكثرون: تتخير بين أن تعتد أولاً وبين أن تخْرُج في الحال؛ لأداء النسك؛ لأن مصابرة الإحرام عَسِرَةٌ، وقد تزداد مشقة الانصراف من الطريق، وإن كانت 212 تخشى فوات الحج؛ لضيق الوقْت فتخرج إلى الحج معتدةً؛ لأن الإحرام سَبَقَ وجُوب العدة؛ ولأنها إذا خرجَتْ، حَصَل الحج، وانقضت العدة، وإن أخلت صفة الوقوع في المسكن، ولو اشتغلت بالاعتداد هناك فات، أصل الحج.
وعن أبي حنيفة: أنَّها تقيم وتعتدُّ ولا تخرج للنسك بحال.
الثانية: منزل البدوِيَّة وبيتها من صوف أو شعر كمنزل الحضرية من طين وحجر، فإذا لزمتها العدَّة فيه فعليها ملازمته ثم إن كانت البدويَّة مِنْ حيٍّ نازلين على ما لا ينتقلون عنه، ولا يظعنون إِلاَّ لحاجة، فهي كالحضرية منْ كلِّ وجه، وإن كانَتْ من حيّ ينتقلون عنْه شتاءً أو صيفاً، فإن ارتحلوا جميعاً، ارتحلت معهم؛ للضرورة وإنِ ارتحل بعْضُهم، نُظِر؛ إن كان أهلها ممن لم يرتحل، وفي الذين لم يرتحلوا قوةٌ وعددٌ، فليس
الجزء: 9 - الصفحة: 505
لها الارتحال، وإن كان أهْلُها ممن يرتحل، وفي الباقين قوةٌ وعددٌ، فوجهان:
أحدهما: أنه ليس لها الارتحال، وتعتد هناك لتيسره 213.
وأصحهما: أنها تخيَّر بيْن أن تقيم وبيْن أن ترتحل؛ لأن مفارقة الأهل عَسِرة موحِشَةٌ، ولو هرب أهْلُها، خوفاً من عدوٍّ ولم ينتقلوا، ولم يكُنْ لها خوفٌ، لم يجز لها الارتحال، وسيعود المرتحلون عن قريب إذا أمنوا، ولو ارتحلتْ حيث يجُوز بها الارتحال، ثم أرادت المقام بقَرْية في الطريق والاعتداد فيها، جاز؛ فإنه أحسن من السَّيْر والانتقال، وأليق بحال المعتدة، وتخالِفُ البلديةُ المأذونةَ في السفر لا يجوز لها الإقامة ببعض القرى في الطريق؛ لأنَّها ساكنة متوطِّنة، والسفر طارئٌ عليها، فتعتد في الوطَن أو المقصد، وليس لأهل البادية مقْصد، ولا إقامة محقَّقة؛ [و]، 214 لذلك لم تُوظَّفْ عليهم الجمعة.
فرْع: لو طلَّق زوجته أو مات عنها، وهْي في سفينة، فإن ركبتها مسافرةً، فحُكْم السفر ما مرَّ؛ وإن كان الرجل ملًاحاً، ولا منزل له سوى السفينة، فإن كانت السفينة كبيرةً فيها بيوتٌ متميزةُ المرافق، اعتدَّت في بيْت منها معتزلةً عن الزوج، ويسكن الزوج بيتاً آخَرَ، وكانَتْ هذه السفينةُ كدارٍ فيها حُجَرٌ مفردةُ المرافق، وإن كانت صغيرةً، نُظِر؛ إن كان معها مَحْرَمٌ لها يمكنه أن يعالج السفينة، خرج الزوج واعتدت هي فيها، وإلا، فتخرج وتعتد في أقرب المواضع إلى الشَّطِّ، فإذا 215 تعذَّر خروجها أو خروجه، فعليها أن تتستر، وتبعد عنه بحسب الإمكان، هذا ما أورده صاحب "التهذيب" و"الشامل" وغيرهما -رحمه الله-، وفيه إشْعَار بأنه لا يجوز لها ابخروج من السفينة، إذا أمكن الاعتِدَاد فيها، وقد نصَّ عليه ناصُّون، ونقل القاضي الرُّويانيُّ: أنها تتخيَّر بين أن تعتدَّ في السفينة وبين أن تخْرُج، فتعتد خارِجَها، فإن اختارت الاعتداد في السفينة، فحينئذ يُنْظَر في السفينة، أهِيَ كبيرةٌ أم صغيرةٌ؟ ويراعى التفصيل 216 المذكور، وذكر فيما إذا اختارت الخروج وجهَيْن، في أنها أين تعتد؟ وأظهرهما، وبه قال الماسرجسي: أنَّها تعْتدُّ في اْقرب القُرَى إلى الشطِّ.
والثاني عن أبي إسحاق: أنها تعتدُّ في أي موضع شاءت، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارٍ أُخْرَى فَقَالَتْ: لاَ أَنْتَقِلُ فإِنِّي انْتَقَلْتُ بالإِذْنِ فَأَنْكَرَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ* وَإِنْ جَرَى الخِلاَفُ مَعَ الوَرَثَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذْ وُجُود الانْتِقَالِ يُقَوِّي جَانِبَهَا
الجزء: 9 - الصفحة: 506
- وَقِيلَ فِي المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خرجت الزوجة إلى غَيْر الدار المألوفة أو غير البلد المألوف، ثم طلَّقها زوْجُها، واختلفا، فقال الزوج: أذِنْتُ لك في الخروح؛ للنزعة أو بغرض كذا، فعودي إلى المنزل الأوَّل، واعتدي فيه، فقالت الزوجة: بَلْ، أذنْتَ للنقلة، وإنما أعتد في المنزل الثانيِ، فَفِي مَنْ يُصدق منْهما اختلافُ نصِّ وفي كيفيَّة النصيْن طريقان للأصحاب: أحدهما، وهو الذي أورده الشيخان صاحب "التهذيب" وإبراهيم المروروذي، وحكاه الصيدلانيُّ عن القَفَّال: أن النَّصِّ في صورة اختلاف الزوجين أن القول قوْلُها، وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ونصَّ فيما إذا خرجَتْ بالإذن، ومات الزوج، وجرى هذا الخلاف بيْن وارثه وبينها: أن القول قول الوارث، وربَّما نسب ذلك إلى رواية المزنيِّ، في "الجامع الكبير"، واختلفوا فيهما على طريقَيْن: أحدهما: أن في الصورتَيْن قولَيْن، بالنقل والتخريج.
وجهُ تصديقِ الزوجِ والوارثِ: أنَّ الأصل عدم الإذْن في النقلة، وأيضاً، لو جرى الخلاف في أصْل الإذْنَ في الخروج كان القوْل قوْلَ الزوجِ أو وارثِهِ، فكذلك، إذا اختلفا في كيفية الإذْن، ووجْه تصديق الزوجة أنها في الحال في المنْزِل الثاني، فالظاهر يشهد لها، وهي كشَيْء في يد إنسان يدَّعيه غيره، وخرَّج مُخَرِّجون على تقابُل الأصل، والظاهر، وقالوا: الأصْل مع الزوْج، والظاهر معها.
والثاني: تنزيلهما على حالَيْن، وهؤلاء اختلفوا على طريقَيْن: أحدهما: أن موضع تصديقها ما إذا اتفقا على أنَّه أذِنَ في الخروج مطلقاً، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، فقالت: بل النقلة، فيكون القول قولها؛ لأن الإذْن في الخروج إلى موضع آخر في الانتقال، وفي هذه الحالة، لو كان الاختلافُ مع الوارث، فهِيَ المصدَّقة أيضًا، وموضع تصديق الزوج أو الوارث ما إذا كان الاخْتِلافُ في اللَّفْظ، فقال الزوج قلْتُ: اخرجي للنزعة، أو قال وارثه ذلك، وقالت المرأة: بل قال: اخرجي للنقلة؛ لأن الأصل أنَّه لم يقل ذلك.
والثاني: أنه، إنّ تحوَّل الزوج معها إلى المنزل الثاني، فهي المُصدَّقة، سواءٌ جرى الخلاف مع الزوج أو وارثه، وإن انفردتْ بالتحوُّل، فالمُصدَّق الزوج أو وارثه؛ للقرينة.
والطريق الثاني في الأصل، وهو الذي أورده صاحب الكتاب، وأبو الفرج السرخسيُّ: أن النص فيما إذا كان الاختلافُ بيْن الزوجين أن القول قول الزوج، وفيما إذا كان الاختلاف بينها وبين الوارث: أن القول قولُها، واختلف ناقلو النَّصَّيْن هكذا على ثلاثة طرق:
الجزء: 9 - الصفحة: 507
أحدها: الأخْذ بهما، والفرق أن كونها في المنزل الثاني يشهد بصِدْقها، ويرجِّح جانبها على جانِب الورثة، وإن لم يترجَّح على جانِبِ الزَّوْج؛ لأن الواقعة تتعلَّق بهما، والوارث أجنبيٌّ عنها، فتكون الزوجة أعرف بما جرى.
والثاني: جعْلهما على قولَيْن نقلاً وتخريجاً.
والثالث: تنزيلهما على حالين، كما ذكرنا في الطريقة الأولى، والأولان من الطرق الثلاثة مذكوران في الكتاب، فهذان الطريقان في كيفية اختلاف النَّصِّ في المسألة، وفيها طريقة ثالثةٌ؛ وهي أنهما، إن اتفقا على جريان لفظ الانْتِقَال لغير الإقامة بأن قال: انتقلي إلى موضع كذا، أو قال اخرجي إلَيْه، وأقيمي به، وقال الزوج: ضمَمْت إليه للنُّزْهة أو شهراً أو نحوهما، فأنكرت الزوجة هذه الضميمة، فالقول قولها؛ لأن الأصل في هذه الضميمة العَدَمُ، وإن كان المتفق عليه الإذن في الخروج لا غير، وقال الزوج: أردتُّ النزهة، وقالت: بل أردتَّ النقلة؛ فالظاهر أن القول قولُه؛ لأنه أعْرَفُ بقصْده ونيته، وفيه وجْه أو قولٌ: أن القول قولها، والإذن في الخروج مطلقاً محمولٌ على الانتقال، وإن كان الاختِلافُ مع الوارث، فإن اتفقا على جريان لفْظِ الانتقال والإقامة، فهي المصدَّقة بطريق الأوْلَى وإن لم يتفقا إلا على الإذْن في الخروج، فكذلك تُصدَّق المرأة؛ لأنهما مختلفان في إرادة الزوْج وقصْدِه، وكل منهما أجنبيّ عن ضميره ويرجح 217 جانبها بأنها شاهدت الحال؛ فكان الخطاب مهماً، وكان أوْلَى بالتصديق، ومن قال بهذه 218 الطريقة، حمل نص "المختصر" على ما إذا كان الخلاف بينها وبين الورثة، أو على ما إذا كان بيْن الزوجين واتَّفقَا على جرَيَان لفْظ الانتقال، وادَّعَى الزوج زيادة 219 قيد.
ومنْهم مَنْ نسب المزنيَّ إلى السهو، والذي يميل الأصحاب على طبقاتهم إلى ترجيحه: تصْدِيقُ الزَّوْج، إذا كان الاختلاف بين الزوجين، وتصديقُها، إذا كان الاختلافُ بينها وبيْن وارثه، ويُحكَى ذلك عن أبي حنيفة، وابن سُرَيْج -رحمهما الله-، والحكم فيما إذا اتفقا على تلفظه بالانتقال كما بيَّنَّا في الطريقة الثالثة، ولم يذكر فيه خلافاً، لكن لفظ الانتقال ليس صريحاً في المعْنَى الذي يريده كسفر النقلة بل يقع موقع الذَّهَاب والسفر والخروج، فقضيَّته أن يقال: إذا ادَّعى أنه أراد به النزهة ونحوها، جاز، كما إذا ادعاها في لفظ الخُرُوج، وإن صدَّقناها في أنه لم يتلفَّظ بالزيادة التي يدعيها.
وقوله في الكتاب "ولو كانت في دار أخرى، فقالت: لا أنتقل؛ فإني انتقلْتُ
الجزء: 9 - الصفحة: 508
بالإذن" المراد منه الصورة التي شرحناها، والمعنى: طلَّقها وهي في دار غير الدار المعهودة، فقال لها ارجعي إلَيْها، فقالت: لا أرجع، فإني انتقلت إلى هذه الدار، [بإذنك؛ ليكون المسكن هذه] وليس المراد ما يسبق إلى الفَهْم من ظاهره القول [قول] 220 الزوج بلا خلاف على أن الإِمام قال: يحتمل أن يجعل القولُ قوْلَها، كوجه ذُكِرَ فيما لو قال صاحب اليد: أعَرْتَني هذه الدار، وقال المالك: ما أَعَرْتُكَ، أنه يجعل القول قول صاحب اليد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجُوزُ لَهَا مُفَارَقَةُ المَسْكَنِ بِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لِحَاجَةِ الطَّعَامِ أَوْ خَوْفِ المَالِ وَالنَّفْسِ وَالهِجْرَةِ وَإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهَا* وَلاَ يَجُوزُ في طَلَب زِيَادَةٍ كَتِجَارَةٍ وَكَتَعْجيلِ حَجَّةِ الإسْلاَمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هي يجب على المرأة ملازمة السكن الذي تعتد فيه؛ فلا تَخْرج إلا لضرورة أو عذر، إن خرجت غصباً، وقد روي عن ابن عمر 221 -رضي الله عنهما- قال: "لاَ يَصْلْحُ لِلْمَرْأَةِ أنْ تَبِيتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً إِذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ إِلاَّ في بَيْتِهَا، وَللزَّوْج أنْ يمنَعَها من الخروج؛ حفظاً لمائه، ولورثته المنعُ أيضاً عند موته، وتُعْذر في الخروج في مواضع:
منها: إذا خافَتْ على نفسها أو مالها من هدم أو حربق أو غَرَق، فلها الخُرُوج، وشحتوي فيه عدة الطلاق 222 والوفاة، وكذا لو لم تكن الدار حصينة، وكانت تخاف اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف منْهم على نفسها، أو كانت تَتأذى من الجيران أو من الأحماءَ تَأَذِّياً شديداً، وكذا لو كانت تبْذُو وتستطيل بلسانها على أحمائها، يجوز إخراجها من المسكن، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] الفاحشة مفسَّرة بذلك فيما روي عن ابن عباس وغيره -رضي الله عنهم- وإضافة البيوت إليْهنَّ من جهة أنَّها سكناهن، وليس المراد به ملكهن، فإن البذاءة لا تسلط على إخراج المالك من ملكه، ويروى 223 أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش بَتَّ زوجها طلاقَها، فأمرها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن تَعْتَدَّ في بَيْت ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ،
الجزء: 9 - الصفحة: 509
قال سعيد بن المسيِّب: في لسانها ذراية، فاستطالت على أحمائها، ثم في "التهذيب" أنها إذا بذت على أحمائها، سقط سُكْناها، وعليها أن 224 تعتد في بيت أهلها، والذي ذكره العراقيون والقاضي الرُّويانيُّ والجمهور: أنه ينقلها الزوْج إلى مسكن آخر، ويتحرى القرب من مسكن العدَّة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في نظائره، وموضع النقل بالبذاءة ما إذا كانت الأحْماء معَها في دار واحدة تتسع لجميعهم 225 وإن كان ضيِّقة لا تسع جميعهم، فينقل الزوج الأحماء، ويترك الدار لها، وإن كانت الأحْماء في دارٍ أخْرَى، لم تنقل المعتدة عن دارها بالبذاءة، [ونقل المتولي أنها تنقل لإيذاء الجيران كما تنقل لإيذاء الأحماء هذا إذا كانت في دار والأحماء في القرى فإنها لا تنقل للإيذاء] إذا لم تكن الداران متجاورَيْن، ولو كانت البذاءة من الأحْماء دُونَها، فينقل الأحماء دونها، ولو كانت في دار أبَوَيْها؛ لأن الزوج كان يسكن دارهما، فبذت على الأبوين أو بد الأبوان عليها، لم ينقل واحد منهم؛ لأن الشر والوحشة لا تطول بينهم، كما يكون بينها وبين الأحماء 226، فلو كانت أحماؤها في دار أبوَيْها أيضاً، وبذت عليهنَّ، فينقلْن دونها؛ لأنها أحقُّ بدار الأبوين.
ومنها: إذا احتاجت إلى شراء الطعام أو 227 القُطْن أو بيع الغزل أو ما أشبه ذلك، فيُنْظَر؛ وإن كانت رجعيَّةً، فهي كالزوجات، وعليه القيام بكفياتها، ولا تخْرُج إلا بإذنه، قال في "التتمة"، وكذلك الحكم في الجارية المشتراة أو المسبية في زمان الاستبراء، وأما سائر المعتدات، فيجوز 228 للمعتدَّة عن الوفاة أن تخرج لهذه الحاجات نَهاراً، وكذلك لها أن تخرج بالليل إلى دار بعْض الجيران؛ للغزل والحديث، لكن لا تبيتُ معهم، وتعود للنوم إلى مسكنها، روي عن 229 مجاهد أن رجالاً استشهدوا بأُحُدٍ، فقال نساؤهم: يا رسول الله، إنا نستوحش في بيوتنا، أقبيت عند إحدانا، فأذن لهن رسول
الجزء: 9 - الصفحة: 510
الله -صلى الله عليه وسلم- "أن يتحدَّثْن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم، تأوي كل امرأة إلى بيتها"، وحكم الموطوءة بالشبهة وفي النكاح الفاسد في عدتهما حكم المتوفَّى عنها زوجُها، قال في "التتمة": إلا أن تكون حاملاً، وقلْنا: إنها تستحق النفقة، فلا يباح لها الخروج، وفي المعتدَّة عن الطلاق البائن، وفي معناها المفسوخ نكاحُها قولان:
القديم: أنه ليس لها الخروج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وهذا قول أبي حنيفة -رحمه الله-.
والجديد: أنها كالمعتدة عن الوفاة؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه 230 - قال: طُلَّقَت خَالَتِي ثلاثاً، فخرجَتْ تجذ نخلًا فنهاها رجُلٌ، فأتتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكَرَتْ له، فقال: "اخرجي فجُذِّي نخلَك، لعلك أن تصدقي منْه أو تفعلي خيراً"، قال في "التتمة": وهذا في الحائل أما الحامل، إذا قلْنا: تُعَجَّل نفقتها، فهي مكفية بها، فلا تخرج إلا لضَرُورة 231.
ومنها: لو لزمتها العدَّة، وهي في دار الحرب فعليها أن تهاجر وتخرج إلى دار الإِسلام، ولا تقيم هنا لتعتد، قال المتولِّي: إلا أن تكون في موْضع لا تخاف على دِينها، ولا على نَفْسها، فلا تخرج حتى تعتدَّ.
ومنها: إذا وجب عليها حقٌّ احتيج إلى استيفائه، فإن أمكن استيفاؤه في مسْكنها كالدَّيْن والوديعة، فَعَل، وإن لم يمكن، واحتيج.
فيه إلى الحاكم كما إذا وجب عليها الحد، أو توجه يمين في دعوى، فإن كانت برزة، أخرجت، واْقيم عليها الحد أو حلفت ثم تعود إلى المسكن، وإن كانت مخدرةً، بعث الحاكم إليها نائباً أو يحضر بنفسه، واحتج للفَرْق بين البرزة والمخدرة بأن الغامدية 232 لما أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- واعترفت بالزنا، رحَمَها بعد وضْع الحمل، وقال في قصية العسيف 233: "وَاَغْدُ، يَا أَنيسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِن اَعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا" ولم يأمر بإحضارها، وتمام الكلام في التحذير يأتي في موضعه -إن
الجزء: 9 - الصفحة: 511
شاء الله تعالى-.
ومنها: إذا كان المسكن مستعاراً، فرجع المُعْير أو مستأجراً، ومضت المدة، وطلبه المالك، فلابد من الخُرُوج، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: البدوية تفارق المنزل، وترْتَحل مع الحيِّ إذا ارتحلوا، وقد سَبَق ذلك، ولا تُعذَر في الخروج؛ لأغراض تُعدُّ من الزيادات دون المهمات؛ كالزيارة والعمارة واستنماء المال بالتجارة، وتعجيل حَجَّة الإسلام وأمثالها.
والله أعلم.
فرْعٌ عن أبي إسحاق: زنَتِ المعتدَّة عن الوفاة، وهي بكر في عدَّتها، فعلى السلطان تقريبها، ولا تُؤَخَّر إلى انقضاء العِدَّة لا كتأخير الحد؛ لشدة الحر والبرد؛ لأنهما، يؤثِّران في الحد، ويعينان على الهلاك، والعِدَّة لا تُؤَثِّر في الحد، وعن "الحاوي" وجْه أنها لا تَغْرِب لحقِّ الزوج 234.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي فِيمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ) وَعَلَيْهِ أَلاَّ يُخْرِجَهَا من مِلْكِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ نَفِيساً لاَ يَلِيقُ بِحَالِهَا فَلَهُ أنْ يَنْقُلَهَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ* وَلْيَطلُبْ مَوْضِعاً قَرِيباً حَتَّى لاَ يَبْعُدَ اَلاِنَتِقَالُ* وَإِنْ كَانَتْ قَدْ رَضِيَتْ بِدَارٍ خَسِيسَةٍ فَلَهَا الانْتِقَالُ إِلَى أُخْرَى وَعَلَيْهِ الإِبْدَالُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن مستحِقَّة السكنى من المعتدَّات لا تخرج من المسكن إلا لعُذْر، وعلى الزَّوْج أن يسكنها مسكناً يليق بحالها، ويصلح لمثلها عنْد حصول الفراق، فإن كان مسكن النكاح كذلك، فلا تعدل عنه، وحيث قلنا بأنه تجب ملازمة مسْكن النكاح، فهو المراد، وإن أطلق الكلام إطلاقاً، فإن كان قد أسكنها في النكاح داراً نفيسةً، هي فوق سُكْنَى مثلها، وطلَّقها، وهي فيها، فله أن لا يرضى الآن، وينقلها إلى دار كما تستحقه، ولو كانت قد رضِيَتْ بدار خسيسة، فطلقها، وهي فيها، فلها أن لا ترضى الآن، وتطلب النقل إلى ما يليق بها، وعليه الإبدال، وفي الصورتين احتمال 235 محكيٌّ في "البسيط" عن إشارة المراوزة؛ [والمعروف للأصحاب ما سبق] وينبغي أن تطلب مسكناً قريباً، ولا ينقلها إلى الأبعد مع وجود الأقرب كيلا يطول ترددها، حتى لو أمكنه أن يضم حجرةً إلى الدار الخسيسة، لتصير الجملة سكْنَى مثلها، فيضم ولا يخرجها، ويشبه ذلك أن مستحِقَّ الزَّكَاة، إذا لم يوجد في بلد الوجوب، تنقل الزكاةُ إلى أقرب البلاد إليه، ثم ظاهِرُ كلام الأصحاب -رحمهم الله- أن رعاية القُرْب هكذا
الجزء: 9 - الصفحة: 512
واجبةٌ، واستبعد صاحبُ الكتاب الوجوب، وتردَّد في الاستحباب، والصورتان ملحقتان بما تقدَّم من أعذار الخروج.
وقولُهُ في الكتاب "وعليه ألا يخرجها من مِلْكه" أشار بقوله: "مِنْ مِلْكِهِ إلى أن المنزل قد يَكُون ملكاً للزوج، وقد يكون مستعاراً أو مستأجراً، وقد تكلم فيها من بعد، لكن الحُكم المذكور، وهو أن عليه أن لا يخرجها، لا تَخْتص بالمِلْك، بل لو كان مستأجراً، ولم تنقص مدة الإجارة، فكذلك لا يخرجها.
وقوله "إلا إذا كان نفيساً" يقتضي حصر الإخراج فيه، ومعلوم أن له أن يخرجها بسائر الأعذار، كما سبق، وَيحْسُن أن تحمل "إلا" على "لكن".
ويجعلى هذا استثناء منقطعاً، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ مُدَاخَلَةُ الدَّارُ لِأَجْلِ الخَلْوَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ يُحْتَشَمُ جَانِبُهَا* أَوْ مَعَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى* أَوْ جَارَيةٌ أَوْ مَحْرَمٌ لَهُ* وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلاَنِ بِامْرَأَةٍ* وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ رَجُلٌ بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ* وَلَهُ الدُّخُولُ إِنْ كَانَتْ في حُجْرَةٍ مُنْفَرِدَةِ المَرَافِقِ وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ مَعَ مَحْرَمٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يجوز مساكنة المعتدَّة في الدَّار التي تعتدُّ فيها، ولا المداخلة لما يَقَع فيهما من الخَلْوةِ، والخَلوةُ بالمعتدة كهي بالأجنبية، فقد اشتهر عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" ويستثنى موضعان؛ لفقدان المحرم فيهما:
أحدهما: أن يكون في الدار مَحْرَمٌ لها من الرجال، أو مَحْرَمٌ له من النساء 236، أو زوجةٌ أخْرَى أو جاريةٌ، ولا بد من المَحْرَم، ومَنْ في معناه من التمييز، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز، واشترط الشافعيُّ -رضي الله عنه- البلوغَ، قال القاضي أبو الطيِّب: لأنَّ مَنْ لم يبْلُغ لا تكليف عليه، فلا يلزمه إنكار الفاحشة، وقال الشيخ أبو حامد: يكْفِي عنْدي حضُور المُرَاهِق والنِّسْوة الثقات، كالمحرم، وفيه وجْه آخر؛ وهو كالخلاف في أن المرأة إذا وجدت نسوةً ثقاتٍ يخْرجْن للحج، هل عليها أن تخرج مَعَهُنَّ؟ والظاهر وجوبه، وفي "البسيط" وغيره ذُكِر تردَّدٌ في أنه إذا كان في الدار أجنبيةٌ أو معتدَّة أخْرَى، هل يمنع حضورها الخَلْوة، وهو كخلاف سبَقَ في أن المرأة هل
الجزء: 9 - الصفحة: 513
يلزمها الخُروجُ للحج مع المرأة الواحدة، والظاهر هناك أنه لا يلزم، والجواب في "الشامل" وغيره هاهنا: أنه يكفي حضُور المرأة الواحدة، إذا كانت ثقةً، ويجوز أن يُفَرَّق بينهما بالسفر وما فيه من الأخطار، والحكاية عن الأصحاب: أنَّه لا يجوز أن يخلو رجلان بامرأة واحدة، ويجوز أن يخلُوَ رجل بامرأتين أو نسوة، إذا كنَّ ثقاتٍ، وقد يفرق في الاكتفاء بالمرأة الأجنبية دون الرجل الأجنبي بان استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجُل من الرجل 237 وضبطت هذه الصورة بأنه إذا كان هناك من يُحْتَشَم جانبُه أو يُخَاف بأن يَمْنَع فيما يكاد يَجُرِي، إما بنفسه وإما بالاستعانة بغيره، فيؤمن محذور الخلوة ظاهراً، فلا يحرم؛ وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب "أو امرأة يحتشم جانبها"، وهو جواب على الاكتفاء بالمرأة الواحدة، ثم لا يخفى أن مساكنة الزوْج والمَحْرَمِ وَمنْ في معناهُ إنَّما يُفْرض فيما إذا كان في الدار ما يَفْصُل عن سكنى مثلها، فإن لمَ يكن كذلك، فعلى الزوج تخليتها للمعتدة، والانتقال عنها إلى أن تفرغ من العدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] ثم المساكنة، وإن جازت بسبب المَحْرم، فتبقى الكراهية؛ لأنه لا يُؤمَن النَّظَر.
والموضع الثاني: إذا كان في الدار حُجْرة، وقد أراد أن يَسْكُن في إحداهما، ويُسْكِنها الأخرى، فإن كانَتْ مرافق الحجْرة كالمطبخ المستراح، والبئر 238 والمرقى إلى السطح في الدار، لم يجُزْ إلا بشرط المَحْرَم؛ لأنَّ التوارد على المرافق يُفْضِي إلى الخَلْوة، وإن كانت المرافق في الحُجْرة، جاز كالحجرتَيْن والدارَيْن المتجاورَتَيْن 239، وحكم السفل والعلو حُكم الدار والحجرة، ثم ذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما: أنه يُشْترط أن لا يكون ممر إحداهما على الأخرى، ويغلق ما بينهما من الباب أو يسده، وهو أحسن، ويشهد له ما ذكر الأئمة أنه لو كانت الدارُ واسعةً، ولكن لم يكن فيها إلا بيت واحدٌ، وكان الباقي صفف لم يجز أن يساكنها، وإن كان معها مَحْرمٌ؛ لأنَّها لا تتميز من السُّكُنَى بموضع، فلو قال: أبني بيني وبينها حائلاً، وكان ما يبقى لها سكنى، فله ذلك، ثم إن جَعَل باب ما يسكنه خارجاً عن مسكنها، فلا حاجة إلى المَحْرَم، وإن جعله في مسكنهلالم يجز أن يسكنه إلا بشرط المَحْرَم، أو مَنْ في معناه، ومنهم مَنْ لم يشترط ألا أن تكون ممر إحداهما في الأخرى، واكتفى بأن يكون
الجزء: 9 - الصفحة: 514
على الحجرة بابٌ يُغْلَق، ويشهد له ما ذكر أن البيتين من الدار الكبيرة، إذا انفرد كل واحد منهما بباب 240 يُغْلَق، يجوز أن يسكُنَ الزوجُ إحداهما، ويُسْكِنَها الآخر، كالبيتين من الخان، ووفى القاضي الرويانيّ بالقضية الأولى، فقال: لا يجوز ذلك في البيتين من الدار؛ لأنه تحْصُل الخَلْوة في المدخل والمخرج من باب الدار، وفي الخان لا تحْصُل الخَلْوة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الدَّارِ إِلاَّ أن تَكُونَ عِدَّتُهَا بِالأَشْهُرِ فَيُخَرَّجُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ المُكْرَاةِ لِأَنَّ آخِرَ الأَقْرَاءِ وَالْحَمْلِ مَجْهُولٌ* وَذَاتُ الأَشْهُرِ إِذَا تُوُقِّعَ طَرَيَانُ حَيْضِهَا فَفِي البَيْعِ خِلاَفٌ* فَإنْ صَحَّحْنَا فَحَاضَتْ خُرَّجَ عَلَى اخْتِلاَطِ الثَّمَارِ بِالمَبِيْعِ* وَإِنْ كَانَ المَنْزِلُ مُسْتَعَاراً أَوْ مُسْتَأْجَرَاً فعَلَى الزَّوْجِ الاِبْدَالُ عِنْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ* فَإنِ احْتَاجَ إِلَى الأُجْرَةِ وَأَفْلَسَ ضَارَبَتْ بِاُجْرَةِ مُدَّةِ الأَقْراء إنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةَ العَادَةِ* أَوُ الأَقَلِّ إن لَمْ تَسْتَقِمْ* وَلِلْحَمْلِ إِتْمَامُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الزِّيَادَةِ* وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِباً اسْتَقْرَضَ القَاضِيَ عَلَيْهِ* فَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِذَلِكَ فَفِي رُجُوعِهَا خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: إذا كانت تعتدُّ بالأقراء أو وضع الحمل، لم يَصِحَّ بيع الدار التي تستحق سكناها، ما لم تنْقَض العدة؛ لأن مدَّة الأقراء والحَمْل مجهولةٌ، ولو كانَتْ لها عادة مستقيمة في الأقراء 241 والحمل، فلا يبْعُد تغيُّر العادة، فهو كما لو باع داراً، واستثنى منفعتها مدَّة مجهولة، وإن كانَتْ تعتدُّ بالأشهر، ففي البيع طريقان:
أشهرهما، وهو المذكور في الكتاب وفي "التهذيب" واختاره السرخسيُّ: أنه على القولَيْن في بيع الدار المكراة؛ لتعلُّق حق الغير بالمنفعة مدةً معلومةً.
والثاني: القطْع بالمنع، وبه قال صاحب "الإفصاح" والفرق أن منفعة الدار المكراة للمستأجر؛ ألا ترى أنه لو مَاتَ، كانت لورثته، والمعتدَّة لا تملك منفعة الدار؛ ألا ترى أنه لو ماتَتْ كانت الدار بمنافعها للزوج، فإذا بَاعَها، كان كمن باع داراً، واستثنى منفعتها لنفسه مدةً معلومةً، والظاهر فيه البطلان، هذا إذا لم يتوقع أن يطرأ الحيض في الأشهر؛ بأن كانت المرأة آيسةً أو صغيرةً، لم تبْلُغ سنَّ احتمال الحيض، أما إذا توقع بأن كانت بنْت تسع فصاعداً، فإن قلنا: لا يجوز البيعُ هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن جوَّزنا هناك، فهاهنا وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 515
أحدهما: لا يجوز، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنَّها قد تَحِيضُ فتصير مدة الاستحقاق مجهولةً، والظاهر التسويةُ؛ نَظراً إلى الحال، ولو نَظَر إلى ما يحتمل في المستقبل، لزم أن يقول إذا كانت رجعيَّة، وهي آيسة أو صغيرةٌ لا تحيض، لا يجوز بَيْع الدارِ في عدَّتها؛ لاحتمال أن يموت الزَّوْج، وتنتقل إلى عدة الوفاة، وتزيد المدة، وإذا جوَّزْنا البيع، فلو 242 طرأ الحيض، وانتقلت إلى الأقراء، فيخرَّج ذلك على اختلاف الثمار المبيعة بالثمار الجارية بعْد البيع فيما لا تَغْلِب فيه التَّلاحُق، وفيه قولان مذكوران في موضِعِهما.
والظاهر: أنه لا يَنْفَسِخ البيع، ولكن يثبت الخيار للمشتري 243.
وقوله في الكتاب "ففي البيع خلاف" فإن قلْنا بالصحة فيما إذا لم يتوقع أن تحيض 244، وإلاَّ، فأصْل الخلاف لا يختص بما إذا توقع.
الثانية: إذا كان المنزل مستعاراً لزمَتْه ما لم يَرْجِع المُعير، وليس للزوج نقْلُها إلى منزل آخر، وحكي وجه أن له نقْلَها في البلد الَّذي لا يعتاد أهْلُه إعارة 245 المنازل؛ كيلا تحتاج إلى تحمل منه، وإذا رجع فيه، قال صاحب "التتمة" وغيره: على الزوج أن يطلبه منه بأجرة، فإن امتنع أو طلب أكثر من أجرة المِثْل، فحينئذ ينقلها إلى مسْكَن آخر، وإذا نقَلَها، ثم بذل المنزل الأول مالكه 246 ففي البذل للقاضي الرُّويانيُّ: أنه إن بذل 247 بالإعارة، لم يلزمْ ردُّها إليه، وإن بذل بالإجارة؛ فإن كان المنقول إليه مستعاراً، وجب ردُّها إلى الأول، وإن كان مستأجراً، فوجهان، وإن كان المنزل الذي تعتد فيه مستأجراً، فانقضت مدة الإجارة، ولم يجدِّد المالك إجارةً، فلا بُدَّ من نقلها، وإذا احتاج إلى النقل، فالقول في تَحرِّي 248 أقرب المواضع على ما سَبَق، وإذا كانت المرأة تسكني منزل نفْسها، ففي "المهذب" و"التهذيب": أنه يلزمها أن تعتدَّ فيه، لكن لها أن تطالِبَه بأُجْرة المسكن؛ لأن
الجزء: 9 - الصفحة: 516
السُّكْنَى عليه، والأوْلَى ما ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وهو أنها إن رَضِيَتْ بالإقامة فيه بإجَارة أو إعارة، جاز، وهو الأوْلَى، وإن طلبت أن ينقلها، فلها ذلك وليس عليها بذل مسكنها بالإعارة ولا بالإجارة.
الثالثة: إذا طلَّق امرأته، وهي في منْزِلٍ مملوكٍ للزوج، ثم أفلس وحُجِر عليه، فيبقى لها حقُّ السكنى، وتتقدم به على الغرماء، وكذا لو مات، وعليه ديون، تتقدم به على الورثة؛ لأن حقَّها متعلِّق بعَيْن المسكن 249 كحق المكتري والمرتهن، وهل يجوز للحاكم أن يبيع رقبته فيه الخلاف الذي تقدَّم، ولو أفلس وحُجِر عليه أولاً ثم طلَّقها، فتضارب الغرماء بالسُّكْنى، وليس ذلك كدَيْن يَحْدُث 250 بعد الحَجْر لا يُزَاحِمُ صاحبُهُ الغرماء؛ لأن حقَّها، وإن كان حارثاً، فهُو مستندٌ إلى سبب متقدِّم، وهو النكاح والوطء فيه، وأيضاً؛ فإنه حق ثبت لها بالطَّلاق من غير اختيارها، فأشبه ما إذا أتْلَف المُفْلِس مالاً على إنسان، فإنَّه يزاحم الغرماء، ولو طلَّقها، وليسَتْ هي في مسكن الزوج، فتضاربهم بالأجرة، سواء كان الطَّلاق قبل الحَجْر أو بعده؛ لأن حقَّها هاهنا مرسَلٌ غير متعلِّق بعين، ومتى وقَعَت الحاجة إلى المضاربة بالحِصَّة، فإن كانت ممَّن تعتد بالأشْهُر، فتضارب بأجْرة المثل لمدة ثلاثة أشهر، وإن كانت ممَّن تعتد بالأقراء أو وضع الحمل، نُظِرَ؛ إن لم تكُن لها عادةٌ في الأقراء، وفي مدَّة الحمل، فوجهان:
أشهرهما: أنه يُؤْخَذ باليقين، فتضارب بأجرة أقل مدَّة يمكن انقضاء الأقراء فيها، والحامل تُضَارب بأجرة ما بَقِيَ من أقل مدة الحَمْل، وهي ستة أشْهُر من يوم العلوق؛ لأنَّ استحقاقَ الزِّيادة مشكُوكٌ فيه.
والثاني: أنه توجد بالعادة الغالبة؛ لأن الظَّاهر كوْنُها من جُمْلة الغَالِب، فتضارب ذات الأقراء بالغالب من مدَّة الأقراء، وهي ثلاثة أشْهُر، وفي الحامل بما بقي من مدة عادَةِ الحَمْل، وهي تسعة أشهر، وهذا ما اختاره صاحب "الحاوي"، والوجهان كالقولَيْن في أن المبتدأة الَّتي لا تتميز لها ترد إلى اليقين أو [إلى] 251 الغَالِب، وإن كانَت لها عادةٌ سابقةٌ في الأقراء أو مدَّة الحمل، فتضارب بالأُجْرة لعادتها المعْهُودة، إن كانت مستقيمةً مطَّرِدةً، وفيه وجْه: أنها لا تضارب إلا بالأَقلِّ، والظاهر الأوَّل؛ لأن الأصْل والظاهر استمرارُ عادَتِها [و] 252 إن كانت لها عاداتٌ مختلفةٌ، فإن راعينا العادَةَ المستقيمةَ، فالنَّظَر في المُضَاربة إلى الأقلِّ من عادتها، وإلاَّ، فالنظر إلى أقل مدة الإمكان، وفرَّق الشيخ أبو حامد وغيره بيْن ما نَحْن فيه؛ حيث بنينا المفماربة على الأخْذ بالأقل أو بعَادَتِها أو
الجزء: 9 - الصفحة: 517
بغالب عادَاتِ النِّساء، ولم نَبْنِ الأمر في بيْع المَسْكن على ذلك، بل قطَعْنا بالبطلان، إذا كانَتْ تعْتدُّ بالأقراء أو بِوَضْع الحمل، بأنا وإن أخَذْنا بالظاهر، فاحتمال الزيادة والنُّقْصان قائمٌ، وذلك يطرق الجهل إلى المبيع؛ إذْ 253 لا يَدْرِي.
المشتري متى يستحق المنفعة، والجهالةُ تمنع صحَّة البيع، وهاهنا الجهالةُ تقع في [صحة] 254 القسمة، فلا تدري أن ما أخَذَه، كلُّ واحد هو قَدْرُ حِصَّته أم لا، وأنها لا تمنع صحة القسمة؛ ولذلك لو قُسِّم مال المُفْلِس بيْن غرمائه، فظَهَر غريمٌ آخرٌ، تستأنف القسمة بَلْ يرجع على كلِّ بالحصة، وإذا تضارَبَتْ بأجرةٍ مدَّة، وانقضَتِ العدَّة على وفْق تلْك المضاربة، فهَلْ يُرْجَع على المُفْلِس بالباقي 255 من الأجرة عنْد يَسَاره؟ حكى الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- فيه طريقَيْنِ:
أحدهما: أنه علَى وجهين؛ بناء على أنَّ المرأة إذا لم تطالِبْ بالسكنى مدَّة، إما في النكاح أو فِي العِدَّة، هل تصير سكْنَى المدة الماضية دَيْناً في ذمته؟ وهل لها مطالَبَتُه بذلك فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وأصحُّهما: القطْع بالرجوع، كلما في الباقي من ديون الغرماء بعْد المضاربة، وليس كصورة الوجهَيْن، فإنها طلبت الكلَّ إلا أن زحْمة الدُّيون، مُنِعَت من التوفية، ولو انقضت العدَّة قَبْل تمام المُدَّة التي بُنيت عليْها المُضَاربة، رَدَّت الفضْل على الغرماء، وفي رجُوعها على الزَّوْج المفْلِس بما تقتضيه المحاصَّة للمدة التي انقضت العدَّة فيها -الطريقان، ولو امتدَّتِ العدَّة، وزادَتْ على مدة المضاربة، ففي رجوعها بحِصَّة المدةِ الزائدةِ وجْهان:
أصحُّهما: أن لها أن ترجِع بها علَى الغرماء؛ لأنَّه يتبين استحقاقُها الزيادة، فأشْبه ما إذا ظَهَر غريم آخَرُ، ولها أن تَرْجع به عَلَى المُفْلِس إذا أيسر.
والثاني: لا ترجع على الغرماء؛ لأنا قدَّزنا حقَّها بما أعطيناها مع تجويز استحقاق الزيادة، فلا 256 يغير الحكم، وتخالف الغريم الذي ظَهَر، فإنَّا لم نشعر بحاله أصلاً، ويُنْسب هذا إلى النص وهو الذي صحَّحه القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة".
والثالث: يُفَرِّق بين الحامل والتي تعْتدُّ بالأقراء، فالحامل تَرْجِع علَيْهم بالزيادة، ولا ترجع ذات الأقراء، والفَرْق أن الحمل محسوسٌ تقُوم البينة علَيْه، والأقراء لا تُعْرف إلا مِنْ قولها، فلو مكَّنَّاها من الرجوع، لم يأمن أن تدَّعِي تباعد الحيْض؛ طلباً للزيادة، وإن قلنا: لا ترجع على الغرماء، فهل ترجع على الزوْج المُفْلِس إذا أيسر؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم.
الجزء: 9 - الصفحة: 518
والثاني: لا، وقد انفصل الأمْر بما جرى، قال الإِمام: والخِلاَفُ في أنها هل تَرْجِع على الغرماء فيما لم يصدِّقُوها أمَّا إذا صدقوها، فترجع عليهم لا مَحَالَة، قال: وفي غير صورة الإفْلاس إذا مَضَى زمان العادة، فادَّعت مزيداً وتغيُّراً في العَادة، فالذي يَدُلُّ عليه كلامُ الأصْحاب أنها تُصدَّق، وجهاً واحداً، وعلى الزوج الإسكان، والفرق أنَّا، إذا قَسَّمنا المال، وبنينا المضاربة على اْقدار معْلُومة، جرى ذلك مناقصة يعسر نقضها، وهذا المعنى لاَ يتحقَّق في حقِّ الزوج، ثم أبدى فيه احتمالاً أيضاً؛ لأنَّا، لو صدَّقناها، فربما تتمادى في دعْواها إلى سن اليأس، وفيه إجْحَاف بالزوج.
وإذا ضارَبَتْ بالأُجْرة، فتستأجر بحِصَّتها المَنْزل الذي وجبت فيه العِدَّة، فإن تَعذَّر، فيجري القُرْب على ما تقدَّم، فقال ابن الصَّبَّاغ: وتسكن حيث شاءت فيما جاوز ما أَخَذَتْ أجرته.
وقوله في الكتاب "فإن احتاج إلى الأُجْرة" لو كان بدله، فإن احتيج، كان أحسن أي مَسَّت الحاجة في الواقعة إلى طَلَب الأجرة، ويدخل فيها ما إذا طلَّقها، وهو محجور علَيْه، وما إذا طلَّق المحجور أو غير المحجور زوجته، وليست هي في مسْكنه، [على ما بيَّناه، وكذلك إذا ماتَ، وليست في مسْكنه]، وعليه ديْون لا تَفِي التركةُ بها، فيضارب أيضاً بالأجرة، وقوله "بأُجْرَةِ مدَّة الأقراء، إن كانت مستقيمة العادة" يعني مدة أقرائها، ويجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنه تُبْنَى المضارَبَةُ على أقلِّ مدة الإمكان.
وقوله "أو الأقلِّ، إنْ لم تَسْتقم" يعني الأقلَّ من عادتها، إن كانَتْ عادتها مختلفةً، ويجوز إعلامه أيضاً، وكذا إعلام قوله "تسعة أشهر".
فرْعٌ: ولو كانَتِ المطلَّقة رجعيةً أو حاملاً، فتستحق النَّفَقة مع السُّكْنَى، وتضارب الغرماء عندي إفلاس الزَّوْج بالنفقة والسُّكْنَى جميعاً، والقول في كيفية المضاربة والرجوع 257 على ما مضَى، [و] 258 يزيد هاهنا النَّظَر إلى أن نفَقَة الحَامِل هلْ تُعَجَّل قبل الوضع، فإن قلنا: لا تُعَجَّل، فلا يدفع إليها حصة النفقة في الحال.
الرابعة: إذا كان الزوْجُ غائباً، فطلَّقها، وهي في دار بِمِلْك أو إجَارَة، اعتدَّت فيه، فإنْ لم يكن له مسْكَن، وكان له مالٌ، فيكتري الحاكم من ماله مسكناً، تعتدُّ فيه إن لم يجد من يتَطَوَّع به، وإن لم يكن له مالٌ، فيستقرض عليه، ويكتري به، فإذا رجع قضاه، فإن أذن لها، أن تستقرض علَيْه، أو تكتري المسكن من مالها، ففعلَتْ، جاز، وترجع وإن اكْتَرَتْ من مالها أو استقرضَتْ على قصْد الرجوع، ولم تستأذن الحاكم، نُظِر، إن قَدَرَت على الاستئذان، لم ترجع، وإن لم تَقْدِر، ولم تُشْهد، فكذلك، وإن أشْهَدت، فاصحُّ الوجْهَيْن الرُّجوع، وكلُّ ذلك على ما مَرَّ في مسألة "هرب الجمال" ونظائرها.
الجزء: 9 - الصفحة: 519
وإذا مضَتْ مدة العدَّة أو بعضها، ولم تَطْلُب حقَّ السكنَى، سقط، ولم يصر ديناً في الذمة، نص عليه، ونص في نفقة الزوجة: أنها لا تَسْقُط بمضي الزمان وتصير دَيْناً، وللأصحاب فيهما طريقان:
أحدُهما: أنَّ فيهما قولين نقلاً وتخريجاً [لترددهما بين الديون ونفقة] القريب.
والثاني: المَنْع، كنفقة الأقارب.
وأظهرهما تقرير النَّصَّيْن، وفرقوا بان النفقة في مقابلة التمكين، وقد وُجِد، فلا يسقط بتَرْك الطلب والسكنى؛ لتحصين مائه على موجب نظره واحتياطه، ولم يتحقَّق، وعن القفَّال الفَرْق بأن السكْنَى؛ لكفاية الوقت، وقد مضي الوقْت، والمرأة لا تَمْلِك المسكن، وإنما تَمْلك الانتفاع به والنفقة عين تملك، وتثبت في الذمة، وذكر أن حكْم الكسوة حكم السكنى، فإن الزوج لا يملكها الثوب، وإنما يمنعها به [وفي] هذا خلاف يأْتي في النفقات -إن شاء الله تعالى-، وحكم السكنى في صلب النكاح على ما ذكرنا في العدَّة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَلْزَمْنَا السُّكْنَى فِي عدَّةِ الوَفَاةِ فَهُوَ مِنَ التّرِكَةِ* فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِركَةٌ وَرَضِيَ الوَارِثُ بِمُقَامِهَا لَزِمَهَا المُلاَزَمَةُ* وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا كَانَ الشُّغْلُ مَوْهُوماً* فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَعْيِينُ المَسْكَنِ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات الزوج في خِلاَل العِدَّة، لم يَسْقط ما استحقته المبتوتة من السُّكْنَى، وفي كلام ابن الحدَّاد ما يُوهِم جعْلَه على الخلاف في أن المتوفَّى عنها زوجُها، هل تستحق السكنى؟ ولم يصحِّحه الأئمة -رحمهم الله- وإذا لم يَسْقُط، أو قلنا بوجوب السكنى في عدة الوفاة، فإن كانت في مسكن مملوكٍ للزوج، لم يقتسمه الورثة، حتى تنقضي العدَّة، كالدار الَّتِي أجرها جماعته من إنْسان، ولو أرادوا التمييز بخطوط ترسم من غير نقض وبناء، جاز، إن جعلنا القسمة إفراز حق، وإن جعلناه بيعاً، فالحكم في بيع مسكن العدَّة على ما مَرَّ، وذكر وجه أنا: إذا قلْنا القسمة إفراز حق، فلهم أن يَقْتسموا كيف شاؤوا، وإن كانت في مسكن مستأجر أو مستعار ومست الحاجة إلى الانتقال، فعلى الوارث أن يستأجر لها من التَّرِكة؛ فإن [لم] ينقل [أو] لم يكن وارث، فعلى السلطان أن يستأجر من التَّرِكة، فإن لم تَكُنْ تركه، فليس على الوارث إسكانُها، لكن لو تبرَّع به، فعليها الإجابة، وإذا لم يتبرَّع ففي "التهذيب": أنه يُستحبُّ للسلطان أن يهيئ 259 لها مسكناً من بيت المال [لا سيَّما]، إذا كانت تُزَنُّ بربيَةٍ، ولفظ
الجزء: 9 - الصفحة: 520
الرويانيِّ في "البحر": أن السلطان لا يلزمه أن يَكْترِيَ لها إلا عنْد الريبة، فيلزم، وإن قلْنا: لا تجب السكنى في عدة الوفاة، فالمشهور أن للورثة أن يسكنوها حيْث شاؤوا، وليس لها الامتناع، وحكى صاحب الكتاب في "الوسيط" وغيره وجهَيْن فيما إذا رضي الوارث بأن تلازم مسكن النكاح:
أظهرهما: أنه تلزمها الإجابة مُطْلقاً.
والثاني: أنَّ ذلك إنَّما يلزم إذا توقع شغْل الماء بالرحم، أما إذا لم يتوقَّع، فإن لم يَكُنْ مدخولاً بها، فليس للوارث تعيين المسكن علَيْها.
وقوله في الكتاب "فإن لم تَكُنْ تركة، ورضي الوارث بمقامها، لَزِمها الملازمة" إلى آخره، ذكره تفريعاً على وجوب السُّكُنَى [في عدة الوفاة، ونقل الوجهين على القول بوجوب السكنى] 260 يكاد يكونُ مِنْ تفرُّدات الكتاب إن لم تكن سهْو؛ وذلك لأن إلاكثرين سكَتُوا عن الخلاف فيما إذا تبرع الوارث بإسْكانها، وأطْلَقوا القول بأنَّ عليها الإجابَةَ على القَوْلين، وصاحب الكتاب إنما حَكَى الوجهين في "البسيط" و"الوسيط" تفريعاً على قول عدم الوجوب، ولم يذكر خلافاً في أن للوارث أن يُسْكنها على قوْل وجوب السكنى، ولو لم يتبرَّع الوارثُ بإسكانها، ملك السلطان أن يحصنها 261 بالإسكان احتياطاً لمن تعتد منه، وفي "البسيط" و"الوسيط": أنه ليس للسلطان أن يعين 262 المسكن بخلاف الوارث؛ فإنه ذو حظ في صون الماء، [و] 263 هذا خلافُ المنْصُوص والمشهور، وإذا لم يُسْكِنْها الوارث والسلطان، سكَنَتْ حيث شارت، ولو أسكنها أجنبيٌّ متبرعاً، ففي "البحر" للقاضي الرُّويانيِّ: أنه إذا لم تكن [المتبرع] ذا ريبة، كان تبرعه كتبرُّع الوارث، فعليها أن تَسْكُن حيث 264 يسكنها، وللزوج في النكاحِ الفاسِدِ وللواطئ بالشبهة إسكانُ المعتدَّة والله أعلم.
فَرْعٌ ومسائل من باب العدَّة: إذا طَلَّق الزوْجُ الغائبُ أو مات، فالعدة من وقْت
الجزء: 9 - الصفحة: 521
الطلاق أو الموت، لا من وقْت بلوغ الخبر، وعن بعْض الصحابة خلافُهُ.
وفي فتاوى القفَّال: أن المعتدة بِعِدَّة الطلاق لو نكحت بعد مضيِّ قرءٍ من عدتها، ووطئها الزوج الثاني، ثم جاء الأول ووطئها بشبهة، وفرق بينها وبين الثاني، فكما فرق يشتغل بالباقي من عدة الطلاق، وهي قرءان، ويدخل فيه قرءان من عدة وطء الشبهة، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء، ثم بقرء لما بقي من عدة الوطء بالشبهة.
وأنَّه لو مات زوج المعتدة، فقالت: قد انقضتْ عدتي قبل موته، لم يقبل قولها في: أنه لا تلزمها عدَّة الوفاة، ولا ترث بإقرارها.
وأن المعتدَّة، لو أسقطت مؤنة السُّكْنى عن الزَّوْج، لم يصحَّ الإسقاط؛ لأن السُّكْنى تجب يوماً يوماً، ولا يصح إسقاط ما لم يَجِبْ بعد.
وأن المنكوحة، إذا وطئت بالشُّبْهة، وصارت في العدَّة، فوطئها الزوج، لم يقطع وطؤه عدة الشبهة؛ لأن وطء الزوج لا يوجب العدَّة، فلا يقْطع العدَّة، كما لو وزنت المعتدَّة.
وذكر صاحب "التهذيب" في فتاويه أن التي لم تحض قط، إذا ولدت، تعتد بالأشهر، ولا يجعلُها النفاس من ذوات الأقراء بخلاف ما لو حاضت.
الجزء: 9 - الصفحة: 522
القِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الكِتَابِ فِي الاسْتِبْرَاءِ*
وَفِيهِ فُصُولُ
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأوَّلُ) فِي قَدْرِهِ وَحُكْمِهِ وَشَرْطِهِ* (أَمَّا القَدْرُ) فَقُرْءٌ وَاحِدٌ وَهِيَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ وَلاَ يَكْفِي بَقِيَّةُ حَيْضَةٍ* وَقِيلَ: إِنَّهُ طُهْرَ* ثُمَّ في الاكْتِفَاءِ بِبَقِيَّةِ طُهْرِ خِلاَفٌ* وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَشْهُرِ فَشَهْرٌ واحِدٌ عَلَى قَوْلٍ* وَثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْلٍ* وَالمُسْتَوْلَدَةُ إِذَا عَتَقَتِ اسْتَبرَأَتْ بِقَرْءٍ (ح) وَاحِدٍ* وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَاسْتَبْرَاؤُهَا بِالوَضْعِ* وَإِنْ كَانَ مِنَ الزِّنَا كَانَ انْفِصَالَهُ كَانْفِصَالِ الحَيْضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الاستبراء 265 عبارةٌ عن التربُّص الواجب، بسبب مِلْك اليمين حدوثاً وزوالاً؛ خُصَّ بهذا الاسم؛ لأن هذا التربُّص مقدَّر بأقل ما يدل على البراءة من غير تَكرُّر وتعدُّد فيه، وخص التربُّص الواجب بسَبَب النكاح باسْم العدَّة اشتقاقاً من العدد؛ لما يقع فيه من التعدُّد، قاله في "التتمة"، ورتب صاحب الكتاب فقه الفصّل على ثلاثة فصول:
فصل: فيما يتعلَّق بنفس الاستبراء.
وفصل: في سببه.
وفصل: فيما تصير به الأمة فراشاً.
وهذا الفصْل الثالث احتيج إليه، من جِهَة أن أحد سَبَبَيِ وجوب الاستبراء زوالُ الفراش عن الأمة، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وذلك يحوج 266 إلى معرفة أنَّها بِمَ تصير فراشاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 523
أما الأول، فالمستبرأة، إن كانتْ من ذوات الأقراء، تُسْتَبْرأ بقرءٍ واحدٍ وأما القُرْء المعتَبَر في الاستبراء، ففيه قولان:
أحدهما، وُينْسب إلى القديم و"الإملاء": أنه الطُّهر كما في العدَّة.
وأظهرهما، وينسب إلى الجديد: أن الاعتبار فيه بالحَيْض؛ لِمَا رُوِيَ أنه صلَّى 267 الله وسلم قال في سَبَايا أوْطَاس: "لا توطأ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ؛ وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" وتخالف العدَّة، فإن الأقراء يتكرَّر هناك، فيعرف بتخلُّل الحَيْض براءةُ الرَّحم، وهاهنا لا يتكرَّر، فيعتمد الحيض الدال على البراءة، ومنْهم مَنْ يذكر في المسألة وجهَيْن، بدلاً عن القولين، وفي "التَّتمة" وجْه مُفَصَّل، وهو أن الاستبراء، في أمِّ الولد، إذا مات سيِّدها أو أعتقها بالطُّهْر، وفي الأَمَةُ تمْلك، بالحَيْض، والفَرْق أن استبراء أمَّ الولد قضاءُ حقِّ السيِّد، فيشبه 268 العدَّة التي هي قضَاء حقِّ الزوج، والاستبراء عند حدوث المِلْك؛ لمعرفة فراغ الرحم، فيعتبر ما يدل على الفراغ؛ وأيضاً، فإن الاستبراء هناك لاستباحة النكاح، كما أن عدة الحرائر لاستباحة النكاح، والاستبراء عنْد حدوث المِلْك، ليحل الوطء، فيعتبر به ما يستعقب الوطء، وهو الحَيْض، وأما الطُّهر، فإنه يستعقب الحيض، فزمان الحَيْض كزمان الاستبراء في تحريم الوطء، وغَيَّر صاحب "الحاوي" عن الخلاف في المسألة بعبارة أُخْرى، فقال: المقصود في الاستبراء الحيض، والطُّهْرُ تَبَعٌ، أو الطُّهْرُ والحيضُ تَبَعٌ أو هما جميعاً مقصودان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن المقْصُود الطُّهْر، والحَيْض تَبَعٌ، كما في العدَّة.
والثاني: أن المقصُود الحيضُ، والطُّهْر تبع، بخلاف العدَّةِ؛ لمَا مَرَّ.
والثالث: أنهما جميعاً مقصودان، فإذا قلنا: إن القرء الطُّهْر، فلو صادف سبب وجوب الاستبراء آخِرَ الحيض، كان الطُّهر الكامل بعْده استبراءً، لكن يكفي ظُهُور الدم، أو يُعْتبر مُضِىُّ يوم وليلة؟ فيه مَثَلٌ الخلاف السابق في العدَّة.
وحكي وجْه: أنه لا بُدَّ من مضيَّ حيضةٍ كاملةٍ بعْد ذلك الطُّهْر، وهذا بعيدٌ فيما ذكر صاحب الكتاب وغيْره -رحمهم الله-، وذكر القاضي الرُّويانيُّ: أنه الأظهر، [وأنه] الأقْيَس، واختيار القفَّال خلافُه.
ولو وُجِدَ سبَبُ الاستبراء، وهي طاهرٌ، فهل يكتفي ببقيَّة الطُّهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نَعَم، وتعتد به طهراً، كما تعتد به في العدَّة، وهذا ما رجَّحه في "البسيط"، وحكاه أقضى القضاة الماوردِيُّ -رحمه الله- عن 269 البغداديين من 270
الجزء: 9 - الصفحة: 524
الأصحاب -رحمهم الله- والعماني، وهو المذكور في "التهذيب"، ونسبه الماوردي إلى البصريين 271 أنه لا يكتفي به، ولا ينقضي الاستبراء حتى تحيض ثم تطْهُر، ويخالف العدَّة، فإن فيها عدداً، فجاز أن يعبر بلَفْظ الجمع عن اثنين وَبَعْضِ الثالث، ولا يَجِيْء الوجْه الَّذي ذُكِر في اشتراط حيْضةٍ كاملةٍ بَعْد الطُّهر هاهنا؛ لأنَّ [فى] الحَيْضة السابِقَة عليها ما يكتفي به دلالة.
وإن قلْنَا: إنَّ الاعتبار بالحَيْض، فلا يَكْفي بعْض الحيض، بل يعتبر حيْضةً كاملةً حتى لو كانَتْ حائضاً عند وجُوب الاستبراء، لم يَنْقَض الاستبراء، حتى تَطْهر وتَحِيض حَيْضةً أخْرَى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم 272 - قال في سَبَايَا أَوْطَاس؛ "وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" ويخالف بقية الطهر، حيث يعتد بها طُهراً في العدَّة، وفي الاستبراء عَلَى رأْي؛ لأن بقيَّة الحيض [حتمٌ] 273 يستعقب الطَّهر الَّذي لا دَلاَلة فيه على البراءة، وعن مالك: أنَّه إن وجب الاستِبْراء في أوَّل الدَّمِ، حُسِب الباقي، [قُرْءاً]، وإن وَجَب في آخره، لم يُحْسَب، وذات الأقراء إذا تباعدت حِيضَتُها، فحُكْمها حُكْم المعتدة، وإن كانت المستبرأة من ذوات الأشْهُر، فقولان:
أحدهما: أنها تُسْتَبْرأُ بشهرٍ واحدٍ، بدلاً عن قُرْء.
والثاني: بثلاثة أشْهُر؛ لأنَّ الماء لا يَظْهر أثره في الرَّحِم قبل مضى ثلاثة أشهر، فهي أقل مدَّة تدُلُّ على براءة الرحم، وهذا أرْجَح عنْد جماعة؛ منْهم صاحب "المهذب"، والأصح عند المُعْظم [الأوَّل]، وإن كانت حاملاً، فإذا زال الفراش عن أَمَت أو مستولدَتَه، وهي حاملٌ، فاستبراؤها بالوَضْع، وإذا مَلَك جارية، فقد أطْلَق صاحب "التتمة" أنَّ الحكم كذلك، إن كان الحَمْل ثابتَ النَّسب مِنْ زوج أو وطء شبهة، والأقْوَم أن يُفَصَّل، ويقال: إن مَلَكَ الأمةَ بالسَّبْي 274، حَصَل استبراؤها بالوَضْع، وإن مَلَك بالشراء، فهي كالحرة، فإن كانت حاملاً من زوج، وهي في نكاحه أو عدته أو من وطء شبهة، معتدَّةٌ هي ذلك الوطء فالمَشْهور على ما سيأتِي أنَّه لا استبراءَ في الْحَال، وفي وجُوبه بعد انقضاء العدَّة خلافٌ، وإذا كان كذَلِك، لم يكنْ الاستبْرَاء حاصلاً بالوَضْع؛ لأنَّه إما غَيْر واجبٍ أو مؤخر عن الوضع، وقال في "التهذيب": هل يخرج عن
الجزء: 9 - الصفحة: 525
الاستبراء، إذا وضعت الحمل؟ فيه قولان:
أحدهما: نَعَمْ، كالمملوكة بالسبْيِ.
والثاني: لا، كما أن العدَّة لا تنقضي بالوَضْع، إذا كان الحمل من غير صاحب العدَّة، بخلاف المَمْلوكة بالسبْيِ، فإن حَمْلَها من كافر، فلا يكون له من الحرمة ما يمنع انقضاء الاستبراء، هذا لفْظُه في المسألة.
وإن كان الحَمْلِ مِن زِناً، ففي حُصُول الاستبراء بوَضْعه، حيث يحْصُل بوضعٍ ثابتِ النَّسَبِ وجهان:
أحدهما، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسيُّ: أنه لا يَحْصُل كما لا تنقضي العدَّة بوضع الحمل مِنَ الزنا، وأيضاً، فاشتغال الرَّحِم بماء الزنا لا يوجب منْعاً، فالفراغ منْه لا يُفيد حِلاًّ.
وأصحُّهما، على ما ذكر أبو سعد المتولي، وهو الذي أورده في الكتاب: أنه يَحْصُل 275 لإطلاق [الخبر] 276 حيث قال: "لاَ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ"، ولأن المقْصُود براءةُ الرَّحِم، وانفصال الولد أدلُّ على البراءة من انفصال دَمِ الحيْض، وليس الاستبراء كالعدَّة، فإنها مخصوصة بالتأكيد؛ ألا تَرَى أنه يُشْترط فيها العَدَد، ولا يشترط في الاستبراء، وعن القاضي الحُسَيْن تقريبُ هذا الخلافِ من الخِلاَف في أن استبراء ذات الأقراء بالحيض أو الطُّهر؟
إن اعتبرنا الطُّهْر لم يحْصُل الاستبراء، وإن اعتبرنا الحيْض.
فالنَّظر إلى ما تُعْرف به البراءة، والحمل من الزنا يُعْرف، بوضْعِه البراءةُ، وإذا قلنا: لا تحْصُل البراءة، فلو كانث ترى الدَّم على الحبل، وجعلْناه حيضاً، فيحصل الاستبراء بحيضة على الحبل في أصحِّ الوجهين، وإن لم نجعلْه حيضاً أو كانت لا تَرَى الدم، فاستبراؤها بحيضة بَعْد الوضع، ولو ارتابت بالحَمْل إما في مدَّة الاستبراء أو بعدها، فعلى ما ذكَرْنا في العِدَّة.
وقوله في الكتاب "أما القَدْرُ فقرْءٌ واحدٌ" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ ولأنه قدر مُطْلَقِ الاستبراء به، وعند أبي حنيفة: المستولدة تسْتبرأ بثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر،
الجزء: 9 - الصفحة: 526
ويجوز أن يُعْلَم قوله "فَشَهْرٌ واحد" على ذلك القول أيضاً.
وقوله "والمستولدة إذا عَتَقَتِ استبرأت أنْ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ" أحق بهذه العلامة، وليس إلى ذكر المستولدة كبيرُ حاجَةٍ في هذا المَوْضِع، والمسألةُ معادَةٌ مِنْ بعد، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا حُكْمُهُ) فَهُوَ تَحْرِيمُ الاسْتِمْتَاعِ إلاَّ في المَسْبِيَّةِ فَإنَّهُ لاَ يَحْرُمُ إلاَّ وَطْؤُهَا* وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّه يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْس الَّذي ذكَرَه مِن حُكْم الاستبراء، ومِنَ الشَّرْط بعْده، حُكْماً، وشرطاً المُطلَق الاستبراءُ، بل هما مخصوصان بأحَد نَوْعَيْ الاستبراء، وهو الاستبراء بِحُذوث المِلْك، فكان الأحسن في الترتيب بعْد ذِكر قَدْرِ الاستبراء: أن يَذْكُر سَبَبَيْ الاستبراء، وُيودِعَ هذا الحُكْمَ والشَّرْطَ في النَّوْع الذي يَخْتَصَّان به الفقه مَنْ مَلَك أمةً، لم يَجُزْ له أن يطأها، حتى ينقضي زمان الاستبراء؛ للحديث الذي سبق، وكما لا يجوز الوطء، لا يجوز سائر الاستمتاعات، كاللمس والقُبْلة والنَّظَر بالشهوة 277، إن مَلَكَها بغَيْر السبْيِ؛ لأنَّها قد تكون حاملاً من سيِّدها أو من وطء شبهة، فتكُونُ أمَّ ولدٍ لغيْره، ويتبيَّن أنه لم يَمْلِكْها، وإن مَلَكَها بالسبْيِ، فوجهان:
أحدهما: أنه يَحْرُم كما في غير المَسْبِيَّة، وأيضاً، فإن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرَّم.
وأظهرهما: الحِلُّ؛ لما رُوِيَ عن ابن عمر أنه قال: "وَقَعَتْ فِي سَهمِي جَارِيةٌ مِنْ سَبْي جَلُولاَءَ، فنَظَرْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا عُنُقُهَا مِثْلُ إبْرِيقِ الفِضَّةِ، فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ وَثَبْتُ عَلَيْهَا فَقَبِّلْتُهَا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ" وتفارق المَسْبِيَّةُ غيْرَهَا؛ لأن غايتها أن تكون مستولَدَة حَرْبيِّ، وذلك لا يمنع المِلْك، بل هي والولدَ يُمْلَكَان بالسبْيِ، وإنما حَرُم الوطء صيانة لمائه لئلاَّ يخْتَلِط بماء حربيِّ، لا لحُرْمة مالء الحرْبي، وإذا قلْنَا بتحريم سائر الاستمتاعات، فإذا طَهُرَت من الحيض، حل سائر الاستمتاعات، ويبقى تحريم الوطء إلى أن تَغْتَسِل، وفيه وجْه يمتد تحْريمها إلى أن يحل الوطْء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا شَرْطُهُ) فَأَنْ يَقَعَ بَعْدَ حُصُولِ مِلْكٍ لاَزِمٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ قَبْلَ قَبْضِ المُشْتَرَاةِ* وَلاَ يَجُوزُ فِي الهِبَةِ قَبْلَ القَبْضِ* وَيجُوزُ فِي الوَصِيَّةِ وَلَكِنْ بَعدَ القَبُولِ وَمَوْتِ المُوصِي* وَلاَ يَجُوزُ في مُدَّةِ الخِيَارِ إن قُلْنَا: المِلْكُ لِلبَائِع* وَإِنْ قُلْنَا:
الجزء: 9 - الصفحة: 527
إِنَّهُ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا قَبْلَ القَبْضِ وَأَضْعَفُ* وَلَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةَ أَوْ مُرْتَدَّة فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ حَيْضَةٍ بَعْدَ المِلْكِ فَفِيهِ خِلاَفٌ لِعَدَمِ مَظَنَّةِ الاسْتِحْلاَلِ* وَلَوْ تَعَدَّى بِوَطْئِهَا قَبْلَ الاسْتِبْراءِ لَمْ يَنْقَطِعِ الاسْتِبْراءُ* فَإن أَحْبَلَهَا وَهِيَ حَائِضٌ حَلَّتْ لِتَمَامِ الحَيْضِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِهِ بِالْحَمْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وجوب الاستبراء لا يمنع المِلْك عن إثبات اليد على الجارِيَة، بل هو مُؤتَمَنٌ فيه منْ جهة الشَّرع، ويدل عليه أنه لم يَمْنع سبايا أَوْطَاس منَ الَّذين وقعْن في سهامِهِمْ، وعن مالك أنَّ الجارية المشتراة 278 إن كانت حسناء، فتوضع مدة الاستبراء في يدِ عَدْلٍ، وإن كانت قبيحةً، فيستبرئها المشتري عنْده، ويُرْوَى أن البائع يُمْسكها، ثم في الفصل مسائل:
إحداها؛ ما يحْصُل به الاستبراء، لو وقع بعْد المِلْك، وقبل القبض، هل يعتد به؟ يُنْظر؛ إن ملك الجارية بالإرْث، فيعتد به؛ لأن المِلْك بالإرث متأكِّدٌ نازلٌ منزلةَ المقْبُوض، وإن لم يحصُل القبض حسًّا؛ ألا ترى أنه يصِحُّ بيعه، وإن ملكها بالشراء فوجهان:
أحدهما: لا يعتد به، لعدم استقرار المِلْك.
وأصحُّهما: وهو اختيار القاضي أبي الطيِّب والرويانيِّ: الاعتداد؛ لأن المِلْك تام لازم، فأشبه ما بعد القبض قال في "التتمة": وأصل المسألة أن المَبِيع إذا هلكَ قبل القَبْض، يرتفع العقد من أصْله أم لا؟ وفيه خلاف ذُكِرَ في موضعه، وإن ملكه بالهِبَة، لم يعتد؛ لِمَا يقع قبل القبْض؛ لتوقف المِلْك على القبْض، وفي الوصية: لا اعتداد بما يقع قبل القبول، وبعتد بما يقع بعده 279 وقبل القبض لتمام الملْك واستقراره، وأشار إلى القَطْع به مسْيرُونَ وقالوا: لا أثر للقبْض في الوصيَّة، وأَجْرَى صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فيها الخِلاَفَ المَذْكُورَ في الشراء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "ويجوز في الوصية".
الجزء: 9 - الصفحة: 528
وقوله "ولكن بَعْد القَبُول، وموت الموصِي" لو لم يَتعرَّض لموت الموصي؛ لحَصَل الغرض، فإن القبول المعتد به ما يَقَع بعْد الموت.
الثانية: إذا وقَع الحيْض أو وضع الحمل في زَمَان الخيار المَشْروط في الشرى، ففي حصول الاستبراء به على الخلاف في المِلْك، إن قلنا: إن المِلْك للبائع لم يَحْصُل، فإذا طَهُرت من النفاس، وطَعَنت في الحيض، انقضى الاستبراء، إن قلنا: إنَّ الاستبراء بالطُّهْر، وإن قلْنا: إنه بالحَيْض، فإنما ينقضي إذا تمَّت الحيضة، وإن قلنا: إنَّ المِلْك للمشتري أو قلْنا بالوقف، فوجهان عن أبي إسحاق:
أحدهما: يحصل الاستبراء؛ لوُقُوعه في المِلْك، وإمكانُ الفَسْخ لا يمنع الاعتداد به، كما لو كان بها عيْبٌ.
أظهرهما: المنع؛ لأن الملُك في زمان الخيار غيْرُ لازم، بخلاف ما قبل القبض، وعن صاحب الكتاب: تخصيص الوجهَيْن بما إذا حاضَت في زمان الخيار، والقطْعُ بحصول الاستبراء إذا وضعت الحمل؛ لأن الاستبراء بالوضْع أقوى من الاستبراء بالأقراء.
الثالثة: لو اشترى مجوسيِّة أو مرتدَّةَ فمَرَّتْ بها حيْضة أو وضعت الحَمْل، ثم أسْلَمَت، فوجهان:
أحدهما: أنه يعتد بما جرى في الكفر؛ لوقوعه في المِلْك المستقر.
وأظهرهما: المنع، ووجوب الاستبراء بعْد الإسلام؛ لأن الاستبراء استباحةُ الاستمتاع، وإنما يُعْتَدُّ بما يستعقب حل الاستمتاع، وربما بُنِيَ الوجهان على أن المُوجِب للاستبراء حدوثُ المِلْك أو حدوثُ حِلَّ الاستمتاع، وهذا أصْلٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وإذا اشترى العبدُ المأذونُ جاريةً، فللسيد وطؤها بعد الاستبراء، إن لم يكن هناك دَيْن، فإن كان هناك دَيْنٌ للغرماء، لم يكن له وطؤها؛ لئلا يُحْبِلها، فيَبْطُل حق الغرماء، فإذا انفكت عن الدُّيون بقضاء أو إبْراء، وقد جَرَى ما يَحْصُل به الاستبراء قبل 280 الانفكاك فيُحْسَب ذلك، أم يُشْترط وقوع الاستبراء بعْد الانفكاك؟ فيه وجهان، كما في مسألة المَجُوسية، وبالثاني أجاب العراقيون، وذكر في "الشامل" أنه لو اشترى جاريةً ورهنَهَا قبل الاستبراء، ثم انفك الرَّهْن، يستبرئها، ولا يُعْتدُّ بما جرى، وهي مرهونةٌ، وغلَّطه القاضي الرُّويانيُّ فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 529
الرابعة: لو وطئها قبل الاستبراء، فَقَدْ تعدَّى وأَثِمَ، وكذا لو استمْتَعَ بها، إن حرَّمناه، ولا ينقطع الاستبراء، قال في "التتمة": لأن قيام المِلْك لم يمنع الاحْتِساب، وكذا المعاشَرَة بِخِلاَف العِدَّة، ولو أحبلها بالوطء الواقع في الحَيْض، وانقطع الدم، حَلَّت له؛ لتمام الحيضة، وان كانت طَاهِراً عنْد الإِحْبال، لم يَنْقَضِ الاستبراء حتَّى تضع الحمل هذا لفظ "الوسيط" (1).
قَالَ الَغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي السَّبَبِ)
وَهُوَ اثْنَانِ: (الأَوَّلُ): حُصُولُ المِلْكِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَو فَسْخٍ (ح) أَوْ إِقَالَةٍ (ح) * وَإنْ كَانَ الانْتِقَالُ مِنَ امْرَأَةِ أَوْ صَبِيٍّ وَجَبَ أَيْضاً* وَيَجِبُ في البِكْرِ (و) وَالصَّغِيرَةِ (م) وَالآيِسَةِ* وَلاَ يُجْزِئُ اسْتِبراؤُهَا قَبْلَ البَيْعِ* وَيَجِبُ (ح) اسْتِبُرَاءُ المُكَاتَبَةِ إِذَا عَادَتْ إِلَى الرِّقِّ بِالعَجْزِ* وَلاَ أَثَرَ لِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَالرَّهْنِ* أَمَّا زَوَالُ تَحْرِيمِ الرِّدَةِ وَالإِحْرَامِ فَفِيهِ خِلاَفٌ* وَكَذَا فِي زَوَالِ تَحْرِيم التَّزْوِيجِ بِالطَّلاَقِ قَبْلَ المَسِيسِ* وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ فَعَادَتْ إِلَيْهِ بِالفَسْخِ فَيَجِبُ الاسْتِبرَاءُ إنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ بتَحْرِيمِ الوَطْءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لوجوب الاستبراء سببان:
أحدهما: حصول المِلْك، فمن مَلَك جاريةً بإرْثٍ أو اتِّهَاب أو ابتياع أو قَبُول وصيةٍ أو سبْيٍ، لزمه الاستبراء، وكذا لو عاد المِلْك فيها بعد الزوال بالرد بالعيب في التحالف أو بالإقالة أو خيار الرؤية أو الرجوع في الهِبَة، يلزم الاستبراء، وخالف أبو حنيفة إنْ جَرَتْ قبل القبض في الرد بالعيب وخيار الرؤية والرجوع في الهبة، وقاس الأصحاب ما خالَفَ فيه على ما وافَقَ، ولا فرق بين أن يكون الانتقال مِمَّن يُتصوَّر اشتغالُ الرحم بمائه أو ممَّن لا يُتصوَّر، كامرأة وصبيِّ ونحوهما، ولا بين أن تكون الجاريةُ صغيرةً أو آيسةً أو غَيْرَهُما، ولا بين البكر والثيِّب، ولا بيْن أن يستبرئها البائع قبل البَيْع أو لا يستبرئها.
وعن مالك أنَّها إنْ كانَتْ ممَّن توطأُ قبْل ملكها، وَجَب الاستبراء، وإلا، لم يَجِب، وعنه أنَّه يجب الاستبراء في الشريعة دُون الدنية، وفي أمالي أبي الفرج281
الجزء: 9 - الصفحة: 530
السرخسيِّ تخريجٌ عن ابن سُرَيْجِ في البِكْر: أنه لا يجب 282 الاستبراء، وعن المزنيِّ في "مختصر المختصر": أنه إنما يجب الاستبراء، إذا كانت الجارية موطوْءَة أو حاملاً قال القاضي الروياني: وأنا أميل إلى هذا، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- بإطْلاق الخَبَر في سبايا أوطاس مع حصول العِلْم بأنه كان منهم أبكار وعجائز، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما روينا لفْظ "الفسخ" "والإقالة" بالحاء، ولفظ "البكر" بالواو، ولفظ "الصغيرة" بالميم.
ولا يجب على بائع الجارية استبراؤها، سواءٌ وطئها أو لم يطأْها، لكن يُسْتحبٌ إن وطئها؛ ليكون على بصيرةٍ عند البيع، ولو أقرض جارية لا تحِلُّ للمستقرض، ثم استردَّها قبل أن يتصرف المستقرض فيها، وجب على المُقْرِض الاستبراء، إن قلنا: إن القرض يُمْلك بالقبض، وإن قلْنا: يملك بالتصرف، ولم يجب.
ثم الفصْل يشتمل على صور:
إحداها: "لو كاتب جارِيتَه، ثم فسخت الكتابة أو عجَّزَها السيد، لزمه الاستبراء؛ لأنه زالَ مِلْك الاستمتاع بها، وصارت إلى حالة، لو وطئها استحقَّت المَهْر، ثم عاد المِلْك، فأشبه ما لو بَاعَها ثم اشتراها، وقال أبو حنيفة: لا يَجِب الاستبراء".
الثانية: إذا حُرِّمَت على السيِّد بصومٍ أو صلاةٍ أو اعتكافٍ أو حيْض أو نِفَاسٍ، ثم حلَّت بارتفاع هذه المَعَانِي، لا يجب الاستبراء؛ لأنه لا خَلَل في المِلْك، وإنما حُرِّمَت بهذه العوارض، وكذا لو حُرِّمت عليه بالرهن، ثم انفك الرَّهْن؛ لأن مِلْك الاستمتاع باقٍ، وإنما راعيْنا 283 جانب المرتهن؛ أَلاَ تَرى أنه يجوز له القُبْلة والنَّظَر بالشهوة، وأنه لو أذن المرتهن في الوطء، حَلَّ.
الثالثة: لو ارتدت جاريته، ثم أسلمت، هل يجب على السيِّد الاستبراء؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم؛ لأنه زال مِلْك الاستمتاع ثُمَّ عاد، وقال في "التهذيب": الوجهان مبنيان على الوجهَيْن فيما إذا اشترى مرتدَّة ثم أسلَمَتْ، هل يحسب حيضها في زمان الردة عن الاستبراء؟ إن قلْنا: يُحْسَب، لم يجب الاستبراء هاهنا، وإلا وجب ولو ارتد
الجزء: 9 - الصفحة: 531
السيد، ثم عاد إلى الإِسلام، فإن قلنا بزوال المِلْك بالردة، فعَلَيْه الاستبراء لا محالة، وإلا، فوجهان، كما في ردَّة.
الاَّمَة، والأصحُّ الوجُوب، وعند أبي حنيفة: لا يجب في رِدَّتها، ولا في ردته.
ولو أحْرَمَت، ثم تحلَّلت، حكى صاحب الكتاب، وأبو سعْد المتولِّي -رحمهما الله- في وجوب الاستبراء الخِلاَفَ المذكور في الردَّة؛ لأن الأحرامَ سببٌ يتأكَّد التحريم به.
والظاهر الذي أورده الجُمْهور: أنه لا يجب، كما في التحريم بالصَّوْم والاعتكاف، ولو زوج أمَتَه، فَطلَّقها زوجُها قَبْل الدخول، فهل على السيد الاستبراء؟ فيه قولان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن المِلْك لم يَزُلْ.
والآخر: نَعَم؛ لأنَّ ملْك الاستمتاع زال ثم عاد وسنعيد هذه الصورة والقَوْلين في موضعَيْن منْ بَعْدُ.
الرابعة: إذا باع جاريةً بشرط الخيار، ثم عادت إليه بالفسخ أو عادتْ بالفَسْخ في مجلس العقْد، ففي "البسيط" و"الوسيط": أنا إن قلنا: إنَّ مِلْك البائع لم يَزَلْ، لم يجب الاستبراء، وان قلنا بزوال مِلْكه، ينبني على أنه هَلْ يحل له الوطء؛ لتضمُّنه الفسخ؟ إن قلْنا: لا يحِلُّ، فيجب الاستبراء، وإن قلنا: يحلُّ، فيجوز أن يقال: يجِبُ؛ لتجدد المِلْك، ويجوز أن يقال: لا يجبُ لإطرادِ حَلَّ الاستمتاع، وقد حكينا في البيع وجْهاً: أنه يحرم الوطء، وإن قلْنا بعدم زوال الملك؛ لأنه مِلْكٌ ضعيف، فيجيْءُ على ذلك الوجْه أن يقال بوجوب الاستبراء، وان لم يزل الملُك؛ لعَوْد الحل بعْد زواله، وهذا طريقٌ قد أورده صاحب "التتمة" -رحمه الله-.
والظاهر: حلُّ الوطء إن قلنا ببقاء المِلْك، وتحريمه إن قلْنا بزواله، فتخرج منه الفتوى: أنه لا يجب الاستبراء إنْ قلْنا ببقاء الملك، وأنه يجب إن قلْنا بزواله، وهذا ما اقتصر على إيراده صاحب "التهذيب".
وقوله في الكتاب: "إن قلنا بزوال مِلْكِهِ أو بتحريم الوطء" هكذا يُوجَد في النسخ 284، لكنه لا يوافق ما في "البسيط" و"الوسيط"؛ لأن المفْهُوم منه إن قلْنا بزوال المِلْك أو قلنا بتحريم الوطء، وان لم يَزُلِ المِلك، وهو لم يُورِدْ فيما إذا لم يزل الملك إِلاَّ أنه لا يجب الاستبراء، ولو قرئ "إنْ قُلْنَا بزوال ملْكه، وبتحريم الوطء" بالواو وافق ما في الكتابين، فتدبر، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ وَجَبَ الاِسْتِبرَاءُ عَلَى وَجُهٍ لِتَبَدُّلِ جِهَةِ الحَلِّ
الجزء: 9 - الصفحة: 532
وَتَجَدُّدِ المِلْكِ* وَلَوِ اشْتَرَى مُعْتَدَّةَ أَوْ مُزَوَّجَةً اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ العِدَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ* وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَجِبْ عِنْدَ التَّمَلُّكِ فَلاَ يَجِبُ بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا اشترى زوْجَتَه الأمة وانفسخ النكاحُ، فهل يجب الاستبراءُ أم يَدُوم حلُّ الوطء؟ فيه وجهان:
أظهرهما، وُيحْكَى عن النَّصِّ: أنه يدومِ الحِلُّ، ولا يجب الاستبراء، لكن يُستَحَبُّ 285، أما أنه لا يجب، فلأنها كانت حلالاً، فإذا لم يتجدَّد الحِلُّ، فلا حاجة إلى الاستبراء؛ ولأن الاستبراء لِحِفْظِ المياه عن الاختلاط والماءان له، وأما أنه يُستحَبُّ؛ فَلِيميز الولد في النكاح عن الوَلَد في مِلْك اليمين لأنه في النكاح ينعقد مَمْلوكاً، ثم يُعْتَق بالمِلْك [ولا تصير به أم ولد]، وفي مِلْك اليمين ينعقد حراً، وتصير الأم أمَّ وَلَدٍ.
والثاني: أنه يجب الاستبراء؛ لتجدُّد الملك وتَبدُّل جهة الحِلِّ، ولو جرى الشراء بشرط الخيار، فيجوز الوطء في مدة الخيار؛ لأنَّها إما مملوكةٌ أو منكوحةٌ أَوْ لا يجوز؛ لأنه لا يدري أنها مملوكة أو منكوحةٌ، حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهَيْن، ونسب الثاني إلى النصِّ، وذكر أنه لو طَلَّق زوجته الاَمَةَ، ثم اشتراها في العدَّة، وجب الاستبراء؛ لأنه اشتراها، وهي مُحرَّمة عليه، ولو اشترى زوجته 286 ثم أراد تزويجَها من غيره، لم يجز إن كان قد دَخَل بها قبل الشرى، إلا بَعْد مضيِّ قرءين؛ لأنه إذا انفسخ النكاح، وجَب عليها أن تعتد منْه، فلا تَنْكِح غيره، حتى تنقضي العدَّة، ولو مات عَقِيبَ الشراء، يلزمها عدَّة الوفاة، وتكمل عدة الانفساخ، ذَكَره ابن الحدَّاد، وُيحْكَى عن نصه -رضي الله عنه- في "الإملاء" 287.
الثانية: إذا اشترى جاريةً مُزوَّجة أو معتدَّةً عن زَوْج أو وطء شبهة، واختار المشتري إمْضاء البَيْع أو كان عالماً بحالها، فلا استبراء في الحال؛ لأنَّها مشغولةٌ بحقِّ الغير غير محلَّلة للمشتري، فإن طلَّقها زوجُها قبْل الدخول أو بعْده، وانقضت العدَّة أو
الجزء: 9 - الصفحة: 533
انقضت عدَّة الشبهة، فهل يجب الاستبراءُ على المُشْتَرِي؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب، وله وطؤها في الحال؛ لأن المُوجِب للاستبراء حُدُوثُ المِلْك، ولم يكن يومَئِذ في مظنة الاسْتِحْلال، وإذا تخلف الحكم عن المُوجِب، سقط أثره.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأن الموجِبَ قدْ وُجِد، لكن لم يَترتَّب عليه موجِبُه في الحال، فإذا أمكن، رتَّب، ولا بُعْد في تراخي الحُكْم عن السبب؛ ألا ترى أن المعتدة عن النكاح إذا وُطِئَت بالشبهة، تَعْتدُّ عن الوطء بعْد الفراغ من عدة النِّكاح؟ وقد يقال بوجوب الاستبراء، وُيرَدُّ الخلاف إلى أنه هل تَدْخل في العِدَّة، ويقْرُب منه ما حكَيْنا عن "التهذيب" من قبل، وهاهنا فائدتان:
إحداهما: استنبط القاضي الحُسَيْن من القولَيْن عبارتَيْن يتخرَّج عليها مسائل:
إحداهما: أن الموجب للاستبراء حدُوثُ مِلْك الرقبة مع فراغ مَحَلِّ الاستمتاع، ووجه اشتراط الفراغ بأن مقْصود الاستبراء حِلُّ الاستمتاع، فإذا كانتْ مشغولةً بنكاح أو عدة، لم تَحْصُل الاستباحة عند انقضاء الاستبراء، فلا يكون مُؤَدِّياً.
والثانية: أن الموجَب حدوثَ حِلِّ الاستمتاع في المملوكة بمِلْك اليمين، ووُجِّه بأن مِلْك الجارية قد يقصد للاستمتاع، وقد يُقْصد لغيره، فتعلُّق الحُكْم بُحِلُّ الاستمتاع لا بالمِلْك، فعلى العبارة الأُولَى، لا يجب الاستبراء عنْد انقضاء العِدَّة؛ لأنه لم يَحْدُث المِلْك حينئذ، وحين حَدَث المِلْك، لم يكن محلُّ الاستمتاع فارغاً، وعلى العبارة الثانية يجب، وعلى العبارتَيْنِ خَرَّج بعْضهم الخلاف فيما إذا اشْتَرَى مجوسيةً، فحاضَتْ ثم أسلَمَتْ، هل يلزم الاستبراء بَعْد الإسلام أم تعتد بما سَبَق وكذا الخلاف فيما إذا زَوَّج أمته وطلَّقها زوجها قبل الدخول، هل على السيد الاستبراء؟ فَعَلَى العبارةِ الأُولَى لا يَجِب، وعلى الثانية؛ يجب، ويجري الخلاف فيما إذا زَوَّجها، وطلَّقها بعد الدخول، وانقضَتِ العدة أو وُطِئَت بالشبهة، وانقضت العدة.
واعلم أن الحكاية عن نصِّه في "الأم" -رضي الله عنه- فيما إذا اشترى أمةً معتدةً من زَوْج: أنه لا يلزم الاستبراء بعْد انقضاء العدَّة، وفيما إذا زوَّج أمته، وطلَّقها الزوْج بعد الدخول: أنَّه يَلْزم الاستبراء بَعْد انقضاء العدَّة، وعن نصِّه في "الإملاء" عكس الجوابين في الصورتين، فحصل في الصورتين قولان منصوصان.
والثانية: إذا قلْنا يما إذا اشترى مزوَّجةٌ، وطلَّقها الزوج: لا يجب الاستبراء، فلمن يريد تعجيل الاستمتاع أن يتخذه حيلةً في إسقاط الاستبراء، فيسأل البائع أن يزوجَهَا ثم يشتريها، ثم يسال الزوج أن يُطلَّقها، فتَحِلُّ له في الحال، لكن لا يجوز تزويج الجارية الموطوءة إلا بعْد الاستبراء، فإنما يحْصُل الغرض إذا لم تَكُن موطوءة،
الجزء: 9 - الصفحة: 534
أو كان البائع قد استبرأها، وإذا كانت الجارية كذلك، فلو أعْتَقَها المشْتَرِي في الحَال، وأراد أن يزوِّجها من البائع أو غيره، أو أن يتزوِّجها بنَفْسِه، ففي جوازه وجْهان مذكوران في "التهذيب" وغيره.
والأصحُّ: الجواز، فعلى هذا، فمعجل الاستمتاع يمكنه أن يُعْتِقها في الحال [ويتزوجها]، ولا يحتاج إلى أن يسأل البائع تَزْويجَها أولاً، إذا كان لا يبالي بفَوَات ماليتها 288، وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يُشْترط استبراء الجارية الموطوءة، ليتزوجها، وإذا أعتقها، سَقَط الاستبراء، ويُذْكَر أن هارون الرّشِيدَ -رحمه الله- طَلَب حيلة مسْقِطَةً للاستبراء، فقال أبو يوسف القاضي -رحمه الله-: أعْتِقْها ثم تزوَّجْها، ويقال إنَّه قال: مُرْ مالكها ليزوجها لبعض خدَمِك، ثم اشْتَرِها، وأشر على الزوج بطلاقها، فنَفَقَتْ سوقُه عنده.
فُرُوعٌ وفوائد: إذا تَمَّ ملكه على جارية مشتركلة بينه وبين غيره، لَزِمَه الاستبراء، وكذلك، لو أسلم في جاريةٍ وقبضها، فوجدها بغير الصفة المَشْرُوطة، فرَدَّها، يَجبُ على المُسَلَّم إليه الاستبراء.
وإذا كانت الجاريةُ المشتراةُ مَحْرَماً للمشتري أو اشترتها امرأة، فلا معنى للاستبراء؛ لأن الاستبراء أجَلٌ يُضْرب؛ لحِلِّ الوطء، ولا مجال له هاهنا، وكذا لو اشترى اثنان جارية لا معنى للاستبراء، إلا فيما يرجع إلى التزويج.
ولو ظَهَر بالجارية المشتراة حَمْلٌ، فقال البائع: إنه متى نظر إن صدقه المشتري، فالبيع باطلٌ باتفاقهما، والجارية مستولَدَةٌ للبائع، وإن كَذَّبه، نُظِر؛ إن لم يقر البائع بوطئها عند البيع، ولا قبله، لم يُقْبَل قوله، كما لو قال بعْد البيع: كنت أعتقته، لكن يحلف المشتري أنَّه لا يَعْلَم أن الحَمْل منه، وفي ثبوت نَسَبِه من البائع خِلافٌ؛ لأنه يَقْطَع إرث المشتري بالولاء، وإن كان قَدْ أقر بوطئها، فإن استبرأها، ثم بَاعَها، ثم إنْ وَلَدت لِمَا دون ستة أشهر منْ وقت استبراء المشتري،، فالولد لاحِقٌ بالبائع، والجارية مستولَدَةٌ له والبيعُ باطلٌ، وإن ولَدَت لستة أشهر أو أكثر، لم يُقْبل قوله، ولم يَلْحَقه الولد؛ لأنه، إن كان في مِلْكِه، لم يلْحَقه، ثم يُنْظر؛ إن لم يطأْها المشتري أو وطئَها، ووَلَدَتِ لِمَا دون ستة أشهر من وقْت وطئه، فالولد مملوك له، وإن ولَدَتْ لستة أشهر واْكثر من وقْت وطئه، فالولد لاَحِقٌ بالمشتري، والجاريةُ مستولدةٌ له، وإن لم يستبرئها البائعُ قَبْل البيع، فإن وَلَدتْ لأقلَّ من ستة أشْهُر مِنْ وقْت استبراء المشتري أو لأكثر، ولم يطأْها المشتري، فالولد للبائع، والبيعُ باطلٌ، وإن وطئها المشتري، وأمكن أن
الجزء: 9 - الصفحة: 535
يكون الولَدُ مِنْ هذا، وأن يكون من ذاك، فيُعْرَض على القائف.
ولا يجب في شراء الأمة التي يطاُها البائع إلا استبراءٌ واحدٌ، ولا تقول: إن الشرى يُوجِبُ الاستبراء، وإن لم تكن موطوءة البائع، ووطئ البائع، قد يحوج 289 إلى الاستبراء، ولذلك لا يجوز تزويجُها إِلاَّ بعْد الاستبراء، فلْيتعدَّد الاستبراء؛ وذلك لأن المقصود معرفةُ براءة الرَّحِم، وقد حصَلَت.
ولو استبرأها شريكان، ووطئاها في طُهْرٍ واحدٍ، فيكفي استبراءٌ واحدٌ؛ لدلالته على البراءة أو يجب استبراءان؟ كالعِدَّتَين من شخصَيْن؟ فيه وجهان، فيما لو وَطِئَاهَا، وأرادا تزْويجها، هل يكفي استبراءٌ واحدٌ؟ وقد سبق لهذا ذِكْر، ولو وطئَ أمةَ غَيْرِه على ظَنِّ أنها أمته، ووطئها آخَرُ على هذا الظن أيضاً، قال في "التتمة": وطء كل واحد منهما يَقْتضي الاستبراءَ بقُرْء، وفي تَدَاخُلهما وجهان، أصحهما المنع 290.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي) زَوَالُ الفِرَاشِ عَنِ الأَمَةِ المَوْطُوءَةِ وَالمُسْتَوْلَدَةِ بِالعِتْقِ إمَّا بِالاِعْتَاقُ أَوْ بِمَوْتِ السَّيِّد يُوجِبُ التَّرَبُّصِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ* وَمَنْ أَرَادَ تَزْوِيجِ الأَمَة المَوْطُوءَةِ فَعَلَيْه الاسْتِبرَاءُ بِحَيْضَةٍ (ح) قَبْلَ التَّزْوِيج* وَلَوِ اسْتَبْرَأَهَا ثمَّ أَعْتَقْهَا لَمْ يَجُزْ تَزْويجُهَا عَلَى وَجْهٍ إلاَّ بَعْدَ التَّرَبُّصِ بِقُرْءٍ عَلَى وَجْهٍ؛ لَأَنَّ العِتْقَ أوجب ذَلِكَ* وَكَذَا الخِلاَفُ لَوْ زَوَّجَهَا المُشْتَرِي وَقَدِ اسْتُبْرِئَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ* وَقِيلَ: ذَلِكَ يَمْتَنِعُ في المُسْتَوْلِدَةِ دُونَ الرَّقِيقَةِ لِشَبَهِ فِرَاشِهَا بِفِرَاشِ النِّكَاحِ* وَالمُسْتَوْلَدَةُ المُزَوَّجَةُ إِذَا أُعْتِقَتْ فَفِي وُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ عَلَيْهَا خِلاَفٌ* وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ وَأَرَادَ أنْ يَنْكِحَهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أعتق الرجُل أمته الَّتي وطئها أو مستولَدَته أو مات عَنْها، وليست هي في نكاح ولا في عدة نكاح، لَزِمها الاستبراء؛ لأنَّها كانت فراشاً للسَّيِّد، وزوالُ الفراش بعْد الدخول يقتضيِ التربُّص، كما في زوال الفراش عن الحُرَّة، ويُرْوَى 291 عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّه قال: "عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إِذَا هَلَكَ سَيِّدُهَا بِحَيْضَة، واسْتِبْرَاؤُهَا
الجزء: 9 - الصفحة: 536
بِقُرْءٍ وَاحدٍ" وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: بثلاثة أقراء؛ لأنَّها حُرَّة، وعن أحمد روايتان: أظهرهما مساعدتنا والثانية: أن عليها، إذا مات السيِّد، عِدَّةَ الوفاة، واحتَجَّ الأصحاب -رحمهم الله- بأنه استبراءٌ وجب؛ لزوال مِلْك اليمين، فكان بقُرِءٍ واحدٍ، كاستبراء الأمة المتملكة، ولو مضتْ مدة الاستبراء على أم الولد، ثم أعتقها سيَّدُها أو مات عنْها، فهل تَعتدُّ بما مضَى أم يلزمها الاستبراء بعْد العتق؟ قال المتولي: فيه وجهان، وكذلك حكاه الرُّويانيُّ عن القَفَّال، وقال في "التهذيب": فيه قولان:
أصحُّهما: أن عليها الاستبْرَاءَ، ولا تَعتدُّ بما مضى كما لا تعتد [المنكوحة] بما تَقدَّم من الأقراء على ارتفاع النكاح، والخلاف مبنيٌّ عَلَى أنَّ أم الولد، هل تَخْرُح عن كونها فراشاً بالاستبراء أو الولادة؟ وهل تعود فراشاً للسيِّد، إذا مات زوجُها أو طلَّقها، وانقضت عدَّته أو لا تعود، ولا تحِلُّ له إلا بعْد الاستبراء؟ ولو استبرأ الأمة الموطوءة ثم أعتقها؟ قال الأئمة: لا استبراء علَيْها، ولها أن تَتزوَّج 292 في الحال، ولم يطرد فيها الخلاف المذكور في المستولدة؛ لأن المستولَدَة ثبت لها حقُّ الحرية، وفراشها يُشَبَّه بفراش النكاح، ولو لم تَكُن الأمة موطوءةً، لم تكن فراشاً، ولم يوجب إعتاقُها استبراءً، ثم في الفصْل مسائل:
إحداها: لا يجوز تزويج الجارية الموطوءة قَبْل الاستبراء بخلاف بيعها، والفرق أن المقصود من النكاح الوطء؛ فينبغي أن يَسْتَعْقَبَ الحِلِّ، وأن يتقدَّم عليه ما يُطلَب في معرفة فراغ الرحم، والشَّرْفُ قد يُقْصد للوطء، وقد يُقْصَد لغيره، فلا معنى لمنع البائع من البيع، وعلى المشتري أن يَحْتاط إن قصد الوطء، وجَوَّز أبو حنيفة تزويجَها قَبْل الاستبراء، وللزوج الوطء في الحال، ولا يخفى ما فيه من اختلاف الماءين، واحتَجَّ الأصحاب بأنَّه وطء، لو أتتْ منْه بولد، وأقر به ثَبَت نَسَبُه، فيوجب التربُّص كوطء الشبهة، وما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 293 - قال: "لا تَسْقِ مَائكِ زَرْعَ غَيرِكِ" وأما أمُّ الولد، ففِي جواز تزويجِها خلافٌ مذكورٌ في الكتاب في أمهات الأولاد، وإذا جوَّزناه، وهو الأصح، فَلاَ تُزوَّج قبل الاستبراء أيضاً، ولو استبرأها، ثم أعتقها، فهل يَجُوز تزويجُها في الحال أم تحتاج إلى استبراءٍ جديدٍ؟ فيه وجهان:
وجه الأول: بأنه جاز التزويج بالاستبراء قَبْل الاعتاق، فكذلك ما بَعْده.
والثاني: بأنَّها كالمالكة لنَفْسها بالعتق، فتَبدُّلُ المِلْكِ يقْتضي الاستبراء تعبُّداً قال في "البسيط": كان الخلاف راجعٌ إلى أن يُقَال: المِلْك يستقل بإيجاب الاستبراء، وإنما يجب الاستبراء عنْد توهُّم الشغل؛ لتحل للأزواج ويشبه أن يبنى الخلاف على أن فِرَاش
الجزء: 9 - الصفحة: 537
أمِّ الولد، هل ينقطع بمجرَّد الاستبراء؟ [وقضيةُ قولنا "لا ينقطع" وجوبُ الاستبراء].
ولو اشترى أمة، وأراد تزويجها قَبْل الاستبراء، فإن كان البائع قَدْ وطئها، لم يَجُزْ [إلا] أن يزوِّجها منه، وإن لم يطأها البائع أو وطِئَها، واستبرأها قبْل البيع، أو كان الانتقال من امرأة أو صبيٍّ، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز تزويجُها، كما لا يجوز له وطؤها.
وأصحُّهما: الجواز، وهو اختيار القَفَّال، وبه قال أبو حنيفة، كما كان يَجْوز للبائع أن يزوِّجها بَعْد الاستبراء، ونَسَب القَفَّال الوجْه الأوَّل إلى اختيار أكْثر الأصْحَاب، ونُوقِشَ في هذه النِّسْبة، وما ذكرنا من التردُّد في أن المستولَدَةَ هل تَخْرُج عن كونها فراشاً بالاستبراء، لا يَجِيْء في الفقه.
الثانية: لو أعتق مستولَدَتَه أو مات، وهي في نكاح زوجٍ أو عدةٍ، فلا استبراء عليها، لأنَّهَا ليست فراشاً للسيِّد، وإنما هي فراش للزَّوْج، وأيضاً، فإن الاستبراء لطلب حِلٍّ واستباحةِ نكاح، وهي مشغولةٌ بحق الزَّوْج، لا يُطْلَب منها حِلٌّ ولا تَنْكح غيره، [و] هذا هو الظاهر المنصوص، قَالَ الشيخ أبو عليِّ: وخَرَّج ابن سُرَيْج قولاً: أنه يلزمها الاستبراء، إذا مات السيِّد، وهي في نكاح زَوْجِ أو عِدَّته بعْد الفراغ منْ عدَّة 294 الزَّوْج كما لو وُطِئت منكوحةُ إنسانٍ بالشبهة، فشَرَعَتْ في عدَّة الوطء، ثم مات الزوج أو طلَّقها، تلْزمها العدَّة عنه، قال الشيخ: فعلى الظاهر المنْصُوصِ، متى انقضت عدَّة الزَّوْج، والسيِّدُ حيٌ، فتعود فراشاً للسيد، وعلى التخريج؛ لا تعود فراشاً حتى يستبرئها، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ: أن ما خَرَّج ابن سُرَيْج منصوصٌ عليه في القديم، وأضاف في "التتمة": القول بالوجوب إلى الإصطخريِّ، وأشْعْر إيراده بتَخْصِيص الوجوب بما إذا أعْتَقَها، أو مات عنها في نِكَاحٍ زَوْح، ولو أعتقها أو مات عَقِيب انقضاء عدَّة الزوج، ففي وجْه لا اسْتِبْرَاء عليها؛ لأنا قد عَرَفْنا بالعدة براءة الرحم، وبهذا أجاب بعض الآخذين 295 من الإِمام، والمنصوصُ: أنه يجب الاستبراء، قال الشيخ أبو علي: وهو ظاهر المَذْهَب، إلا أنَّ من أصحابنا مَنْ اشترط لوجوبه أن يَقَع إعْتاق السَّيِّد أو موته بَعْد انقضاء العدَّة بلَحْظة؛ لِتَعُود فيها فراشاً للسيد، ومنْهم مَنْ لم يشترط ذلك، وقال صيرورتها فراشاً أمُرٌ حكميٌّ لا يحتاج إلى زمان محسوسٍ، وإلى هذا ذَهَب
الجزء: 9 - الصفحة: 538
شيخي -رحمه الله-، وقد يبْنَى الخلاف في وجوب الاستبراء هاهنا، على ما إذا انْقَضَت عدَّة الزوج، والسيِّدُ حَىٌّ، والظاهر المنصوصُ في الجديد: أنها تعود فراشاً للسيِّد، وتَحِلٌّ له مِنْ غير استبراء [وحكى قول قديم؛ أنها لا تحل له بلا استبراء]، وَوْجِّه الأول بأن الملك لم يَزُلْ، وإنما عرض ما يمنع الوطء، فأشبه ما إذا رَهَنَها، ثم انفك الرهْن.
والثاني: بأنها حُرِّمت بعقْدِ معاوضةٍ، ثم عادت إليه، فكان كما إذا بَاعَها، ثم اشتراها، فإن قلْنا: يَحِلُّ بلا استبراء، فإذا مات السيد، فعليها الاستبراء، وإن أحوجناه إلى الاستبراء، لم يلزمْ الاستبراء إذا مات؛ لأنَّها عَتَقَتْ وليست هي فراشاً له، والخِلاَفُ في حِلِّ أم الولد إذا زال حق الزوج، [كالخلاف فيما إذا زال حق الزوج] عن الأمة المزوَّجة، هل يحتاج السيد إلى الاستبراء، لكن يُشْبِهُ أن يكون الأظْهَرُ في الأمة الفتنَّة الحَاجَة، وعن البندنيجي أنه نصّ عليه، وفرق بينهما بأن فراش أمِّ الولَدِ بالنِّكاح أشبه؛ ألا تَرَى أن موْت السيد يوجب التربُّص على أمِّ الولد، ولا يوجبه على الأمة، وولد أمِّ الولد يلحقه إذا أتَتْ به بَعْد ستة أشهر مِنْ يوم اسْتِبْرَائِها، وولد الأمة لا يَلْحَقُه؟ قاله في "البحر".
ولو أعتق مستولدته أو مات عنها، وهي في عدة [وطء] شبهة، فهل يلزمها الاستبراء؟ فيه وجهان؛ تفريعاً على المنصوص فيما إذا كانَتْ في عدَّة زوْج:
أحدهما: أنه لا يلزم أيضاً، وإليه مال في "التهذيب".
وأشهرهما: الوجُوب، ويوجه بأن عدَّة الشبهة لا تَقْوَى على رفْع الاستبراء الَّذي هو في مُقْتَضَى الإعتاق، وبانها لم تَصِرْ فراشاً لغير السيد، وهناك صارَتْ فراشاً للزوج.
الثالثة: لو أعتق مستولَدَتَه، وأراد أن يَنْكِحَها قَبْل تمام الاستبراء، ففيه وجْهان، حكاهما الإِمام وغيره
-[رحمهما الله]-
.
أصحُّهما: الجواز، كما يجوز للرجُل أن ينكح مُعْتَدَّته عن النكاح أو وطء الشبهة.
والثاني: المنع؛ لأن الإعتاق يَقْتَضِي الاستبراء، فلا يُمكن من استباحة مفتتحة إلا بعد رعاية حقِّ التعبد، وقَرُب هذا الخلاف مِنْ الخلاف في أنَّه إذا أعْتَقَ مستولدته بعْد الاستبراء، يجوز تزويجها في الحَالِ، [أو] لا بُدَّ مِنْ استبراء آخر قضية الإعتاق.
وأما لفظ الكتاب، فقوله "زوال الفراش عن الأمة الموطوءة" التعرُّض للفراش يُغْني عن ذكر الوطء 296، فإنَّ الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، وقوله "بِقُرْءٍ واحِدٍ" مُعْلَم بالحاء، وكذا قوله "فعليه الاستبراء بحيضة" ثم لا يخفى أن الحيضة إنما تُعْتَبر في ذَاتِ
الجزء: 9 - الصفحة: 539
الأقراء، وأما ذات الأشْهُر، فيعتبر في حقَّها بَدَل الحيضة.
وقوله: "ولو استبرأها ثم أعتقها".
أراد في المستولدة والقِنَّة جميعاً؛ ألا تراه ذَكَر مِنْ بَعْدُ وجهاً ثالثاً فارقاً، وقيل: ذلك يمتنع يعني التزويج في المستولَدَة دُون الرَّقِيقَة، وهو من جِهَة اللَّفْظ راجعٌ إلى الجارية الموطوءة، وهذا اللفظ ينظم 297 المستولَدَة وغيرها.
وقولُه "ففي وجوب الاستبراء عليها خلاف" يمكن أن يُعْلَمَ بالواو، لِقَطْع من قَطَع بأنه لا يجب الاستبراء، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالمُسْتَوْلَدَةُ المُزَوَّجَةُ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ أَوَّلاً فَعَلَيْهَا لِوَفَاةِ الزَّوْجِ عَدَّةُ الحَرَائِرِ* وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ أَوَّلاً فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الإِمَاءِ* وَبَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهَا التَّرَبُّصُ للسَّيِّدِ بِحَيْضَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِنْ لَمْ تَحِضْ فِي مُدَّةِ العِدَّةِ* فَإِنْ مَاتَا مَعاً فَالصَّحِيحُ أَنَّ عِدَّتَهَا عِدَّةُ الإِمَاءِ [وَبَعْدَ ذَلِك عَلَيَّهَا التَّربْصُ بِحَيْضَةٍ] 298.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المستولَدَة المزوَّجة إذا مات سيِّدها وزوْجُها جميعاً، فلذلك أحوال:
أحدها: إذا مات السيد أوَّلاً، فقد مات، وهي تحت زَوْجٍ، وقد ذَكَرْنا أنَّه لا استبراء علَيْها على الصَّحيح، فإذا مات الزَّوْج بعْده اعتدَّت عدَّة الحرائر، وكذلك لو طَلَّقها.
والثانية: إذا مات الزَّوْج أوَّلاً، فتعتدُّ عدَّة الإماء شهرَيْن وخمس ليالٍ، ثم إن مات السيِّد، وهي في عدَّة الزوْج، فقد عَتَقَتْ في أثناء العدَّة، والخلاف في أنها تُكْمِل عدَّة الحرائر أو تَكْفيها عدَّة الأماء عَلَى ما ذكرنا، فيما إذا عَتَقَتْ في أثناء العِدَّة عن الطلاق البائن، في 299 أول "كتاب العدة" والأصحُّ: أنها لا استبراء عليها، كما تَبَيَّن في الفصل السابق، وإن أوجبْنَاه؛ فإن كانت من ذوات الأشْهُر فتتربَّص شهْراً آخَرَ بعد مضيِّ العدة، وإن كانَتْ مِنْ ذوات الأقْراء فتتربَّص بحَيْضةٍ بعْد العِدَّة، إن لم تحض في مدة العدة، وإن حاضَتْ في مدة العِدَّة بعْد ما عتَقَتْ، كفاها ذلك، وهذا قوله في الكتاب، "وبعد ذلك عليها التربُّص للسيد بحيضةٍ على أحَدِ الوجهَيْن، إن لم تَحِضْ في العدَّة" وإن مات السيِّد بعْد خروجها من العدَّة، ففي وجوب الاستبراء علَيْها وجهان؛ بناءً على أنها، هل تَعُود فراشاً للسيد بالخروج عن العِدَّة؟ والأظْهَر وجوبه.
والثالثة: إذا مات السَّيِّد والزوج معاً، فلا استبراء عليها؛ لأنَّها لم تَعْدُ إلى فراشه، ويَجِيْء فيه الخلافُ المذكُور فيما إذا أعْتِقَتْ، وهي معتدَّة، هل تعتد عدَّة الوفَاةِ للإماء أو الحرائر؟ فيه وجهان:
الجزء: 9 - الصفحة: 540
أصحهما عند صاحب الكتاب: أنها تعْتدُّ عدَّة الإماء؛ لأنَّها لم تكن كاملة الفراش، والنَّظَر إلى كمال الفراش الزَّائِلِ لا إلى كمال المعتدَّة في حال العدَّة.
والثاني: تعتد عدَّة الحرائر، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" احتياطاً للعدة؛ أخذاً بالأغلظ، وذكر في "الوسيط" أو الوجهَيْن مبنيان على قولْنا إنَّ التي عَتَقَتْ في العدَّة، لا تكمل عدة الحرائر، أمَّا إذا قلْنا: إنها تكمل، إذا طرأ العتق في أثناء العدة، فَلأَنْ تكمل وقد اقترن العتق بأول العدَّة، كان أوْلَى.
والرابعة: إذا ترتَّب موتهما، وأشكل السابق 300، فله أحوال:
أحدها: أن يَعْلَم أنه لم يتخلَّل بين موتهما شهران وخمسة أيام، فعليها أربعة أشهر وعشر ليالٍ من موت آخرهما موتاً؛ لاحتمال أن السيد مات أولاً، فهي في نكاح الزَّوْج عند موْتِهِ وإن مات الزَّوْج أوَّلاً، فهي في عذته عنْد موْت السيِّد، [واستبراء عليها على الأظهر لأنَّها عند موت السيد زوجة أو معتدة] وإن قلنا بوجوب الاستبراء، فيكون الحُكْم على ما سنذكر في الحالة الثانية، ولو تَخلَّل شهْران وخمس ليالٍ بلا مزيد، فهو كما لو كان المتخلِّل أقل مِنْ هذه المدة، أو لو كان المتخلِّل أكثر منها، فيه الوجهان السابقان.
والثانية: أن تَعْلَم أنه تَخلَّل بيْن المدتين أكثر من شهرين وخمس ليالٍ، فعليها أن تعتدَّ أربعة أشهر وعشراً مِنْ موت آخرهما موتاً، لاحتمال أن السيد مات أوَّلاً، وأن عليْها لوفاة الزوْج عدةَ الحَرَائِرِ، ثم إنْ لم تحِضْ في هذه المُدَّة فعليها أن تتربَّص بعْدها إلى أن تحيض [حَيضةً]؛ لاحتمال أن الزَّوْج مات أولاً، وأن عدتها قَدِ انْقَضَت، وعادت فراشاً للسيد؛ تفريعاً على القَوْل الأظهر، وحينئذ، فيلزمها الاستبراء بموته، وإن حاضَتْ في هذه المُدَّة، فلا شيْء عليها بعْدها، ولا فَرْق بين أن يكون الحَيْض [في] 301 أول المُدَّة أو آخرها، وعن أبي إسحاق -رحمه الله- رِوَايَة وجْه أنَّه يُشْترط أن يكون الحَيْض بعد مضىِّ شهرين وخمسة أيام من هَذِه المدَّة، لئلا يقع الاستبراء وعدَّة الوفاة في زمانٍ واحدٍ، قال الأَئِمَّة: وهَذا غلطٌ من قائله؛ لأنَّ الاستبراء إنَّما يجبُ عَلَى تقدير تأخر موت السيد، وحينئذ، فتكون عدَّة الوفاة منقضيةً بالمدَّة المتخلَّلة، فلا يتصور الاجتماع، سواءٌ
الجزء: 9 - الصفحة: 541
كان الحيْض في أوَّل هذه المدة أو آخِرِها، وإذا كانت المستولَدَة مِمَّن لا يحيض، كفاها مضىُّ أربعة أشهر وعَشْرٍ.
والثالثة: إذا لم تَعْلَمْ أن المدَّة المتخلَّلة كم هي، فعليها التربُّص كما ذكرنا في الحالة الثانية؛ أخْذاً بالأحوط، ولا نورثها مِنْ الزوج، إذا شككنا في أن أسبقهما موتاً مَنْ هو؟ لأنا لا نعلم حريتها عنْد موته، والأصل دَوَامُ الرِّقِّ، فإن ادعت علم الورثة بأنها كانَتْ حرة يوم موت الزوج، فلها أن تُحَلِّفهم على نَفْيِ العِلْمِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا قَالَتْ: حِضْتُ حَلَّ للسَّيِّدِ وَطْؤُهَا في الاسْتِبْراءِ* وَلَو امْتَنَعَتْ عَلَى السَّيِّدِ فَقَالَ: أَخْبَرَتْني بِتَمَامِ الاسْتِبْرَاءِ صُدِّقَ السَّيِّدُ* وَهَلْ لَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُ؟ نِيهِ وَجْهَانِ* وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَتْ تَحْرِيمًا بِسَبَبِ وَطْءِ المُوَرِّثِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا لِلتَّحْلِيفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قالَتِ الأمة المستبرأة: حِضْتُ، اعتُمِد قوْلُها، فإن ذلك لا يُعْلَم إلا منْها، ولا تُحَلَّف، فإنها لو نَكَلَت، لم يقدر الرجوع 302 على الحَلِف [قال في "الوسيط": فإن السَّيد لا يَقْدِر على الحَلِف، ولا اطِّلاَع له على حَيْضتها،] ولو امتنعت على السيد، فقال: قد أخبرتْنِي بتمام الاستبراء، فقد أطْلَق في الكتاب: أنه يُصدَّق السيد ووُجِّه بأن الاستبراءَ بابٌ من التَّقْوَى مُفوَّض إلى السيد، وليس ذلك مجَالَ الخصومات، ولو لم يكن كذلك لحلنا بين السيد وبينها، كما نحول بين الزوج والمعتدة عن وطء الشبهة، وأشير فيه إلى وجْه آخر توجيهاً بأن الأصْل عدم انقضاء الاستبراء، وهل لها أن تُحلِّفه؟ فيه وجهان: حقيقتهما هل لِلأمَة المخاصمة فيه.
والخلاف مأخوذٌ من الخلاف في أنَّه هل للأمة أن تَمْتَنِع من السيد الأبْرَص والمجذوم؟ وقد مَرَّ ذلك في موْضِعه، فإن قلْنا: نعم، فهي صاحبة حقِّ فلها المخاصمة، ويقرب من هذا ما إذا وَرِث جاريةً، فامتنعت، وادعت أن مُوَرِّثه أصابها، وأنها حُرِّمَت عليه بإصابته، فلا يلزمه تصديقُها، وطريق الورع لا يَخْفَى، وهل لها تحليفه؟ فيه هذان الوجهان 303.
وقوله "فهل تُسْمَع دعواها للتَّحليف" يعني لغرض التحليف، وفيه إشارةٌ إلى أنها لا تُصدَّق، ولا يُقْبل قولُها؛ فإنَّ الأصل فيما تدعيه العَدَمُ.
فرْعٌ: لابن الحدَّاد: وطئ السيدُ أمَتَه في عدتها عن وفاة الزوج، ثم مات السيِّد، فعليها أن تُكْمِل عدة الوفاة عن الزوج ثم تتربَّص حيْضةً لموت السيد بعد الوطء، ولو
الجزء: 9 - الصفحة: 542
مرَّت بها حيضةٌ في بقية عدة الوفاةِ، لم تعتدَّ بها بخلاف ما ذكَرْنا فيما إذا مات زوْجُ أمِّ الولد وسيِّدُها جميعاً، وبين موتهما 304 أكثر من شهرين وخمس ليالٍ، حيث قلنا: إنها تتربَّص أربعة أشهر وعشراً، وفيها حيضة، وتعتد بالحيضة في المدة؛ لأن الواجب هناك أحَدُ الأمرين، وهاهنا تَجِبُ عدَّة الوفاة مِنْ الزوج، والاستبراء مِنْ السيد، فلا يدخل أحدهما في الآخَر، ولو لَمْ يمت السيد، ولكن أراد تزويجَها، فكذلك تُكْمِل عدَّة الوفاة، ثم تتربَّص بحيضة ثم يُزَوِّجها، ولو أراد أن يطَأَها بعْد أن تكمل عدَّة الوَفَاة، فالصحيح جوازُهُ، ولا حاجَةَ إلى الاستبراء، كما لو لم يطأْها حتى أتمَّت عدَّة الزوج، ولو كانَتْ في عدَّة الطلاق عن الزوج، فوطئها السَّيد، ثم مات، فتُكْمل عدَّة الزوج، ثم يتربَّص بحَيْضة لموت السيد بعد الوطء، فلا تُحْسب المدَّة من وقْت وطء السيد إلى موته، إذا كان يفترش 305، كما لو نكحت في العدة، وكان الزوج الثاني يستفرشها جاهلاً.
هذا كله فيما إذا وطئها، ولم يَظْهر بها حمْلٌ، أما إذا وطئها السَّيد في عدَّة الوفاة، ومات، فظهر بها حمْل، وولَدَتْ لزمانٍ يُمْكن أن يكون من الزوج، ويمكن أن يكون من السيد، فيُعْرَض على القائف، فإن ألحقه بالزوج، انقضت عدَّته بالوضع، وعليها حيْضةٌ بعْد أن تطْهُر من النفاس، وإن ألحقه بالسَّيِّد، حَصَل الاستبراء بالوَضْع، وعليها إتمام عدة الوفاة، فإن لم يكن قائفٌ، فعليها إتمام بقية العدَّة، إن كان الولد من السيد وينقضي الاستبراء بالوضع أو التربُّص إلى أن تحيض حيضةً، إن كان الولد مِنْ الزَّوْج، وتنقضي عدَّة الوفاة بالوضع، فعلَيْها أطول المدتين، فإن وقَعَت الحيضة في بقيَّة عدَّة الوفاة، كفاها ذلك، ولو ظهر بها الحَمْل في عدَّة الطلاق، وولدت لزمانٍ محتملٍ بينهما، فإن ألحق بالزوج، فعليها بعد الوضع حيضة، وإن ألْحق بالسيد، فعليها [بعده] بقيَّة العدة، وإن أَشْكَل، فعليها بقيَّة عدَّة الطلاق أو حيضة.
فَرْعٌ آخَرُ له: [اشترى أمةً ذات زوج، ووطئها قَبْل أن يعْلَم أن لها زوجاً، وظهر بها حمْلٌ، ومات الزوج، فإن وَلَدت لزمان يَحْتَمِلُ أن يكون من هذا، ويحتمل أن يكون من ذاك؛ بأن ولدت لستة أشهر فصاعداً مِنْ وطء السيد، ولأَرْبَع سنين فما دونها من وطء الزوج، عُرِضَ على القائف، فإن ألحقه بالزَّوْج، انقضت العدَّة بالوضع، وإن ألحقه بالسيد، لم تنقض بالوضع؛ لأَنَّ الولد نفى عن الزوج؛ ولذلك لو لم يكن قائِفٌ وأشْكَلَ الأمْر علَيْه، لم تنْقَضِ العدة بالوضع؛ لاحتمال كوْنِهِ منَ السيد، وعليها إتمام عدَّة الوفاة شهرَيْن وخمس ليالٍ، ولا تُحْسب مدة افتراش السيد من العدة، [وإن احتمل] أن يكون الولد من السَّيِّد، ولم يحتمل أن يكون مِنْ الزوج، فكذلك الحكم، وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 543
احتمل أن يكون من الزوج، ولم يُحْتمل أن يكون مِنْ السيد، انقضت العدة بوضْعِه، وهل على السيد الاستِبْراء بعْد انقضاء العدَّة؟ فيه ما سَبَق من الخلاف، ولو لم يظهر بها حَمْلٌ، والتصوير ما ذكَرْنا، فإمَّا أن يموت الزوج عقيب الوطء أو [بعده بمدة، فإن مات عقبه] تعتد عدَّةَ الوفاة، وهل تحل بعدها للسيد أم تحتاج إلى الاستبراء؟ فيه الخلاف، ولا يجوز تزويجها بلا خلاف إلا بَعْد الاستبراء، وإن عاش بعد الوطء مدَّةً، فعليه أن يَعْتَزل عنْها إذا علم الحال إلى أن تنقضيَ مدَّة الاستبراء، كالمنكوحة توطأ بالشبهة، وإذا مات بعد انقضائها، فليس عليها إلا عِدَّة الوفاة، وتحلُّ للسيد بعْدها، وله تزويجُهَا بلا استبراءٍ جديدٍ، ولو كان يستفرشها الزوْجُ بعْد وطء السيد جاهلاً، ثم مات، فإذا اعتدَّت عنه، فهل تحِلُّ للسيِّد مِنْ غير استبراء؟ فيه ما سَبَق من الخلاف، ولا يجوز تزويجُها إلا بعد الاستبراء.
فرْعٌ: أورده الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- في الشَّرْح: رجل له امرأةٌ وأمةٌ مزوَّجةٌ حَنثَ في طلاق امرأته أو في عِتْق أمته، ومات قبل البيان، ثم مات زَوْج الأمة، فعليها أن تعتدَّ أربعة أشهر وعشراً مِنْ يوم وفاة الزوج؛ لاحتمال أن سيِّدها حَنثَ في عِتْقِها، فتكون حرَّةً يوم وفاة زوْجها، وعلى امرأته أربعةُ أشهرٍ وعشْرٌ أو ثلاثة أقراءٍ؛ لأنَّها متوفَّى عنْها أو مطلَّقةٌ، فعليها أطَول المدتين، فإن اشتملت المدة على الأقراء اكتفت بها، ولو كان الزَوْج الأَمَة أمةٌ، وحنث هو أيضاً في عتْقها أو طلاق زوجته، وماتا قبل البيان، فعلى كل واحدة الاعتدادُ بأربعةٍ أشهرٍ وعشْرٍ أو ثلاثةِ أقراء؛ لأن كلَّ واحدة تحْتمل أن تكون مطلَّقة، وأن يكون متوفَّى عنْها زوجُها، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ)
فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الأَمَةُ فِرَاشاً وَهُوَ الإقْرَارُ (ح) بالوَطْءِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الاسْتِبْرَاءِ* فَإِنِ ادَّعَى الاسْتِبْرَاءَ بَعْدَ الوَطْءِ لَمْ يَلْحَقْهُ الوَلَدُ عَلَى الأَظْهَرِ* وَقِيلَ: يَلْحَقُ وَلاَ يَنْتَفِي إِلاَّ بِاللِّعَانِ* وَلَوِ ادَّعَتْ أُمِّيَّةَ الوَلَدِ فَلَهَا تَحْلِيفُهُ فَيَحْلِفُ أنَّهُ مَا وَطِئَهَا بَعْدَ الحَيْضِ* وَعَلَى وَجْهٍ يَقُولُ في اليَمِينِ: وَلَيْسَ الوَلَدُ مِنِّي* وَلَوْ أتَتْ بَعْدَ إِقْرَارِ الوَطْءِ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَع سِنِينَ فَهَذَا أَوْلَى بِأَنْ لاَ يَلْحَقَ مِنْ صِورَةِ دَعْوَى الاسْتِبْرَاءِ* وَكَذَا الخِلاَفُ في الوَلَدِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ منْ وَطْءٍ آخَرَ وَكَأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى أنَّهَا لاَ تَصِيرُ فِرَاشاً بِمُجَرَّدِ الإِقْرَارِ وَلَكِنْ مَا يَقْتَضِيهِ الإِقْرَارُ يُؤَاخَذُ بِهِ* وَلَوِ ادَّعَى العَزْلَ لَحِقَهُ عَلَى الأَظْهَرِ* وَلَوْ أَقَرَّ بِإِتْيَانِهَا فِي غَيْرَ المَأتَي لَمْ يَلْحَقْهُ الوَلَد.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأمة لا تصير فراشاً بالمِلْك حتى لا يلحقه الوَلَد الذي تَأْتي به، وإن حَلَّت له وخلا بها، وأمكن أن يكون منه بخلاف النِّكَاح، حيْث يلحق الولد فيه بمُجَرَّد الإمكان؛ لأن مقْصُود النكاح هو الاستِمْتاع، والولَدُ ومِلْكُ اليمين قد يُقْصَد به ذلك،
الجزء: 9 - الصفحة: 544
وقد يُقْصد به التجارة أو الاستخدام؛ ولهذا لاَ يَنْكِح منْ لاَ تَحِلُّ، وَيمْلك بملك اليمين مَنْ لا تَحِلّ، وإذا كان المقصُود مِنْ النِّكَاح ذلك، اكتفى فيه بمجرَّد الإمكان، وإنما تصير الأمة فراشاً، إذا وطئها، فإذا أتَتْ بالولد بعْد الوطء لزمانٍ يمكن أن يكُون منْهُ، لحقه، والوطء يُعْرف بالبينة أو بإقراره، وعند أبي حنيفة لا تصير الأمَةُ فراشاً بالوطء، وإن دوام عليه سِنينَ، ولا يلحقه الولد إلا إذا استلْحَقَه، وقال: إنه منِّي، لنا: ما رُوِيَ أن سَعْد بن أبي وقَّاص -رضي الله عنه- وعبْد بن زمعة تنازعا عامَ الفَتْح في ولَدٍ وليدة زمْعَة، وكان زمعة قد مات فقال سعْدٌ: يا رسولَ الله، -صلى الله عليه وسلم- إنَّ أخِي كان قَدْ عَهِدَ إلَيَّ وفيه، وذَكَر لي أنَّه أَلَمَّ بِهَا في الجَاهِلِيَّة، وقال عبْد: هُوَ أَخِي، وابْنُ وليدة أبِي، وُلِدَ على فراشه، فقال 306 رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "يَا عَبْدُ بْنَ زَمعَةَ، هُوَ لَكَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحجْرُ" ووجْه الاسْتدْلال: أنه أثبت الفراش لزمعةَ، وألحق الوَلَد بِهِ مِنْ غير استلحاقه، وقال عمر -رضي الله عنه 307 - "لاَ تَأْتِينِي أُمُّ وَلَدٍ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلاَّ أَلْحَقْتُ بهِ وَلَدَهَا، فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ" اعتبر الاعتراف بالإلمام لا الاعتراف بالولد.
ولو نفى الولَد مع الاعتراف بالوطء بان ادعى الاستبراء بعد الوطء بحيضةٍ، فيْنُظَر؛ إن ولَدَت لما دون ستة أشهر منْ وقت الاستبراء، فالاستبراء لَغْوٌ، للعِلْم بأنها كانَتْ حاملاً يومئذ، فيلحقه الولد، فلو أراد نفيه باللعان، فقد مَرَّ أن الصحيح أنَّ نسَب مِلْك اليمين لا يَنْفي باللعان، وادعى أبو سعد المتولِّي أن الصَّحِيح في هذه الصورة أنَّ له أن يلاعن؛ لأن من وطِئَ زوجته في طُهْر ورماها بالزنا في ذلك الطُّهر، وأتت بولَدٍ، كان له نفيه باللِّعان، فيَبْعُد أن يلزمه نَسَبُ ولد الأمة في هذه الحالة، ولا يلزمه نَسَب المنكوحة، وإن ولدت لستة أشهر إلى أربع سنين، فالمنصوص، وظاهر المذهب أنه لا يَلحقُه 308 الولد، واحتج بأن عُمَرَ وزَيْد بن ثابت وابْنَ عبَّاس -رضي الله عنهم- نَفَوْا أولاد جوارٍ لهم، وعن البويطِيِّ وغيره تخريجُ قول مِنْ الحُرَّة إذا طُلِّقت، ومضَتْ ثلاثة
الجزء: 9 - الصفحة: 545
أقراء، ثم أتت بولدٍ لزمانٍ يُمْكِنُ أن يكون مِنْ النِّكاح، فإنه يلحق به، وهذا قد ذكَرْناه مِنْ قبل، وبيَّنَّا اختلاف تصرُّف الأصحاب في النصَّيْن، وفرقنا بينهما بأن الوطء سبب ظاهر، والاستبراء ظاهرٌ يعارضه، وإذا تعارَضَا، سَقَط الظهور، وبقي الإمكان، والإمكانُ لا يُكْتَفَى به في الأمة، بخلافه في المسألة الأُخْرَى، وإذا قلنا بالظاهر، فلو أنكرت الاستبراء، فهل يحلف السيد أم يُصدَّق مِنْ غير يمين؟ فيه وجْهَان مَحْكِيَّان عن الحاوي وغيره، ورُبَّما بُنيا على أن الانْتِفَاء معلَّق بدعوى الاستبراء، أو بفعل الاستبراء، والظاهر تعليقُه بنفي الاستبراء ووجوب اليمين، وهو قضيَّة ما ذكره الشيخ أبو حامد وصاحب "المهذب" -رحمهما الله-، وصرح به أبو الفرج السرخسيُّ والمتولِّي، وحكاه القاضي الرُّويانيُّ عن الجمهور، وإذا قلْنا: يحلف فمحصول ما ذكر في كيفية يمينه، ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يحلف على الاستبراء، ويكفي ذلك نافياً للنسب.
والثاني: وهو اختيار الداركيِّ، وصاحب الحاوي، أنَّه لا بُدَّ، وأن يضم إليه؛ أن الولد ليس مني.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق -رحمه الله-: أنَّه لا يحتاج إلى التعرُّض للاستبراء، ويَحْلِف على أن الولد ليْس منه، وهذَا كما أنَّ في نفْي ولد الحُرَّة لا يحتاج إلى التعرُّض للاستبراء ويحلف على أن الولد ليس منه وقد ذكرَ القاضي الطبَرِيُّ وغيره: أن هذا أصحُّ، وفيه ما يُفْهِم أنه لو عَرَف أن الولد مِنْ غيره، ولم يَسْتَبُرِئْهَا يجوز له بقية والحلف عليه، لا على سبيل اللعان، والله أعلم.
وعن الحاوي حكايةُ وجهين في أنه كيف يتعرَّض في يمينه للاستبراء، أيقول: استبرأتُهَا قبل ستة أشهر من ولادة هذا الوَلَد، أو يقول: ولَدَتْه لستة أشهر بعْد استبرائي، ووجهين فيما إذا نكل:
أحدهما: أنه يلحقه بنكوله، والثاني: أنه تحلف الأمة، فإن نكلت، توقَّفْنا إلى بُلُوغ الصبيِّ، فإذا حَلَف بعْد البلوغ لَحِقَه.
ولو ادَّعت الوطء وأمِّيَّة الوَلَدِ، وأنكر السيد أصْل الوطء، فالمشهور، وهو اختيار القَفَّال: "أنه لا يُحَلَّف، وإنما حُلِّف في الصورة السابقة؛ لأنه سبق منْه الإقْرار بما يقتضي ثبوت النسب، وهو الوطء، وفيه وجْه: أنه يحلف؛ لأنه لو اعترف به، ثبت النسب، فإذا أنكر، حُلِّف، وحكاه في "التَّتِمَّة" عن اختيار القاضي الحُسَيْن، وإذا لم يكن ولد، فلا يحلف بلا خلاف.
وفي الفصل بعد هذا مسائل:
إحداها: لو أقر بالوطء فأتتْ بولدٍ لأكثر مِنْ أربع سنين مِنْ وقْت الوطء، هل
الجزء: 9 - الصفحة: 546
يلحقه؟ فيه وجان يبنيان على أن الوَلَد، هل ينتفي بالاستبراء بعد الوطء، إن قلنا: فمضيُّ هذه المدة أَوْلَي بان يمنع اللحوق، ويقرب مِنْ هذا الخلافِ الخلافُ فيما إذا أتَتْ بولدٍ بعد الولد الذي ألحقْناه بالسيد لستة أشهر فصاعداً، هل يلحقه الولد الثاني؟ فأحد الوجهين: أنه يلحقه؛ لأنَّها قد صارت فراشاً؛ فيلْحَقُه أولادها عنْد الإمكان، كما في النكاح.
والثاني: أنه لا يَلْحَقه، إلا أن يُقِرَّ بوطء جديد؛ لأن هذا الفراش يَبْطُل بالاستبراء، فَلَأَنْ يبْطُل بالولادة كانَ أَوْلَي [أما لو أتت بالولد الثاني لدون ستة أشهر فهما حمل واحد فإذا لحقه الأول لحقه الثاني بلا خلاف] وذكروا أن أصْل هذا الخلاف في أن أمَّ الولد هل تعود فراشاً للسيد، إذا انقطعت عُلْقة الزوج عنْها نكاحاً وعدَّةً وفيه قولان:
أحدهما: أنها تعود فراشاً، حتى لو مات السَّيِّد أو أعتقها بَعْد ذلك، يلزمها الاستبراء، ولو أتت بولَدٍ لستة أشهر فصاعداً منْ وقت انقطاع عُلْقة الزوج لِحَقِّ السيد.
والثاني: لا تعود فراشاً ما لم يطأها حتى لو أتَتْ بولَدٍ لما دون أربع سنين منْ وقْت الطلاق، يلحق بالزوج، فإنْ قلْنا: تعود فراشاً، لحقه الثاني منْ غير إقرار بالوطء، وإلا، فلا بدَّ مِنْ الإقرار بوطءٍ جديدٍ [لكنَّهم مائلون هاهنا إلى أنَّه لا يلحق الولد الثاني إلا بالإقرار بوطء جديد]؛ لأنَّ الولادَةَ أقْوَى من الاستبراءِ، والاستبراءُ بفَصْل هذا الفراش، كما تَقرِّر وقضيَّة الأخْذ من الأصْل المذْكُور ترجيحُ اللُّحوق؛ لِمَا سبق أن الظاهر أن المستولدة تعود فراشاً، وعند أبي حنيفة: إذا لحقه وَلَدٌ بالاستلحاق، لحقه سائر أولادها، وإن لم يسْتَلْحِقْهم.
الثانية: لو اعترف بالوطء، وقال كُنْتُ: أَعْزَلُ وأمتنع مِنْ إرْسال الماء في الرَّحِم، فوجهان:
أحدهما: أن دعوى العَزْل كدعوى الاستبراء حتى ينتفي به النَّسَب.
وأصحُّهما: أنه لا عبرة به ويَلْحَقُه؛ لأنه قد يَسْبِق الماء، وهو لا يحسُّ به، وأيضاً، فإِنَّ كونها فراشاً حُكْم مِنْ أحكام الوطء، [فلا يُشْترط فيه الإنزال كسائر أحكام الوطء] 309.
والثالثة: الإقرار بالإتيان في غير المأْتَى لا يكون كالاقرار بالوطء، فلا يُلْحَق به الولد، وفيه وجْه ضعيفٌ، وقد سبق نظير هذا الخلاف [ولو قال: كنت أصيبها فيما دون الفرج].
فالأصح 310: أن الولد لا يُلْحَق به؛ لأن سَبْق الماء إلى الفَرْج بالاصابة فيما دون
الجزء: 9 - الصفحة: 547
الفرج بعيد، ولأن سائر أحكام الوطء كالتَّحْليل والتحصين لا تَتعلَّق بالإصابة فيما دون الفرج، فكذلك فيما نحن فيه، وأما لفظ الكتاب فقوله "وهو الإقرار بالوطء مِنْ غيْر دعْوَى الاستبراء" أي خالياً عن دعوى الاستبراء؛ يُعْلَم بالحاء؛ لما ذكرنا أن عنْده لا تصير الأمة فراشاً بالإقرار بالوطء.
وقوله "وقيل: تَلْحَقُ" بعْدَ ذكر الأظهر هو الوجه الثاني في المسألة.
وقوله "لا ينتفي إلا باللعان" هكذا ذكَرَها هنا وفي "الوسيط" و"البسيط" وذلك يقتضي أنه يَجُوز اللعان عن الأَمَة إلا أن الوَلَد لا ينتفي بدَعْوَى الاستبراء، وهو مناسبٌ للفِقْه الَّذي ذكَرْناه في باب اللِّعَان في المسألة؛ لكنَّه غَيْر مُحقَّق من جهة النقل.
وقوله "ولو ادَّعَتْ أمة الولَدِ" يعني إذا ادعى السيد الاستبراء، وأنكرته هي، وادعت أنها أمُّ ولدِهِ، وفيه إشعار بانها إنما تحلف إذا ادَّعَت الاستيلاد؛ لأن ذلك حقٌّ لها، وكذلك ذكَره في غير هذا الكتاب، وأكثرون لم يتعرَّضوا لذلك، ويشبه أن يقال: الخِلاَفُ الذي قدَّمناه في أنه هل يحلف لا يجيء فيما إذا ادَّعت أُمِّيَّة الولد، [وإن لم يكن الأمْر على ما أشْعَر به اللفظ من اختصاص التحليف بما إذا ادَّعت أمية الولد]، وقوله "وعلَى وجْهٍ يقول في اليمين: "وَلَيْسَ الوَلَدُ مِنِّي" أراد به الوجه الثاني، وهو أنَّه يضم ذلك إلى دعوى 311 الاستبراء، وأما الوجه الثالث، فهو غير مذكور في الكتاب.
وقوله "وكَذَا الخِلاَفُ في الوَلَدِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ مِنْ وَطءٍ آخَرَ" قَصَد بهذا اللفظِ الاحترازَ عن ما إذا كان بين الولدَيْن أقلُّ مِنْ ستة أشهر؛ فإنه إذا كان كذلك كانا توءمين؛ فإذا لحق الأول لحق الثاني بلا خلاف.
وقوله "وَكَأَنَّ هذا يرجع إلى أنها لا تصير فراشاً" بمجرد الإقرار بالوطء إلى آخره، معناه أنَّا إذا لم نلحق الولد الثاني به لَمَّا زاد على أربع سنين، لم نجْعل الأمة فراشاً مطلقاً بالإقرار، [بالوطء] 312، [ولكلنا نجري على مقتضى 313 الإقرار،] ويؤاخِذه به، وفيما عَدَاه نجري عَلَى أصل العدم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَوَلَدَتْ لِزَمَانٍ يُحْتَمَلُ مِنَ المِلْكَيْنِ لَحِقَهُ فَلَمْ تَصِرْ أَمَّ وَلَدٍ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالوَطْءِ* فَإِنْ أَقَرَّ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنَ النِّكَاحَ فَفِي أُمِّيَّةِ الوَلَدِ مَعَ الاحْتِمَالِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اشترى زوجته الأمة، فوَلَدَتْ بعْد الشراء، فقد بان ممَّا قدمناه في
الجزء: 9 - الصفحة: 548
اللِّعَان في هذه الصورة أنَّه متى لا يلحقه، وإنه إذا لحق بالنكاح، متى يلحق بملك اليمين، ولا يَحْكم بكونها أُمَّ ولَدٍ، إذا احتمل أن يكون من النكاح، فلم يقر بالوطء بعْد الشراء؛ لأن أمومة الولد إنَّما تَثْبُت إذا كان اللُّحوق بحُكم المَلْك، ولم يظهر ذلك، وعن رواية القفَّال وجهٌ ضعيفٌ: أنها تثبت، ويكتفي باللحوق في مِلْك اليمين مع احتمال الحُدُوث في ملك اليمين، وإن أقر بالوطء بعْد الشراء، ولحق الولد بمِلْك اليمين، ولكنه احتمل كونه مِنْ النكاح، فوجهان في ثبوت أمومة الوَلَد.
وجه المنع قيامُ الاحتمالِ.
والأظهر: الثبوت؛ للحكم باللحوق بملك اليمين، وأجرى هذا الخلاف فيما إذا زَوَّج أمته، وطلقها قبل المسيس، وأقر السيِّد بوطئها، وأتتْ بولَدٍ لزمان يحتمل أن يكون منهما، وقد انقضى "كتاب العدَّة" بأبوابه بتيسير الله تعالى.
الجزء: 9 - الصفحة: 549