العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكَتابُ العِتْقِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مالِكٍ مُكَلَّفٍ لاَ يُصَادِفُ إِعْتَاقُهُ حَقّاً لازِماً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37].
قال المفسرون: أي أَعتقه.
وقال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] أي الجواز على العقبة كفك الرقبة.
وأمر اللهُ تعالى بتحرير الرقبة في مواضع من الكفارات.
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ

الجزء: 13 - الصفحة: 304

حتى فَرْجَه بِفَرْجِه" 2. وروى "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَ فداؤه مِنَ النَّارِ" 3 والإجماع منعقد على صحة الإِعْتَاقِ، وعلى أنه من القُربات 4، ويصحُّ من كل مالك مكلف لا يصادف إِعتاقه متعلق حتى لازم للغير فغير المالك لا يصح إعتاقه إلاَّ بوكالة، أو ولاية 5، ولا يصح إعتاق الصبي، والمجنون ولا إِعتاق المحجور عليه بالسَّفَهِ، وفي إِعْتَاقِ المحجور عليه بِالْفَلَسِ خلاف مذكور في "التَّفْلِيسِ"، وليس للعبد المأذون في التِّجارة الإعْتَاق إلاَّ أن يأذن له السيد في الإعتاق عنه، والمريض مرض الموت يُعْتَبَرُ إِعْتَاقُهُ منَ الثلث، وفي إِعْتَاقِ العبد المرهون الخلاف المذكور في "الرَّهْن" وفي إعتاق العبد الجاني خلاف ذكرناه في "البيع"، وهما المقصودان بقوله في الكتاب: "لاَ يُصَادِفُ إِعْتَاقُهُ حَقّاً لاَزِماً".
ولا يصح إعتاق الموقوف عليه العبد الموقوف؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ، ويبطل حق من بعده، ويصح إِعتاق الكافر ذمياً كان أو حربياً.
وإذا أعتق الحربي عبده ثم أَسْلَمَا فولاؤه ثابت عليه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: لا يصح عتقه، ولا ولاء عليه، وله أن يوالي من شاء.
واحْتَجَّ الأصحاب أن من نفذ عتقه في عبده المسلم، وجب أن ينفذ عتقه في عبده الكافر كالمسلم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَصَرِيحُ لَفْظِهِ الإِعْتَاقُ وَالتَّحْرِيرُ، أَمَّا فَكُّ الرَّقَبَةِ فَهُوَ صَرِيحٌ عَلَى وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ: يَا حُرَّةُ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ نِدَاءَهَا بِاسْمِهَا القَدِيمِ لَمْ يُقْبَل ظَاهِراً إلاَّ أَنْ يَكُونَ

الجزء: 13 - الصفحة: 305

اسْمُهَا في الحَالِ حُرَّةً، وَكَذِلِكَ لَوْ قَالَ: (يَا ازا ذمرد) ثُمَّ قَالَ أَرَدتُّ الوَصْفَ بِالجُودِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ ازاذمرد أَوْ كَانَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى المَدْحِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي وَلِجَارِيَتِهِ يَا كَذَبانوا فَهُوَ لَيْسَ بِكِنَايَة، وَلَوْ قَالَ: يَا مَوْلاَيَ فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: أَعْتَقْتُكَ لَغَا إِنْ فُهِمَ مِنْهُ الإِنْشَاءُ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الإِقْرَارُ فَإذَا اشْتَرَاهُ كَانَ مُؤَاخَداً به.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يحصل العتق بالصريح والكناية: أما الصريح: فالتحرير والإعتاق صريحان 6، فإذا قال لعبده: أنت حرٌّ أو مُحَرَّرٌ، أو حرَّرْتُكَ، أو أنتَ عتيق أو معتق 7 أو أعْتَقْتُكَ، عَتَقَ العَبْدُ، وإِنْ لم ينو، ولا أثر للخطأ في التذكير والتأنيث؛ بأن يقول لعبده: أنتِ حرَّةٌ، أو لجاريته: أنتَ حُرٌّ.
وفي فك الرقبة، أهو صريح أو كناية؟ وجهان قد ذكرهما في الكتاب في أول "الخُلْع" والأرجح على قياس نظائره أنه صريحٌ.
والكناية: كقوله لعبده: لا مِلْك لي عليك، أو لا سَبِيل، أو لا سلطان أو لا يد، أو لا أمْر، أو لا خدْمة، أو أَزَلْتُ مِلْكي عنك، أو حرمتَكِ، أو أنت سائبة وصرائح الطلاق وكناياتها كلُّها كناية في العتق 8. وفي قوله: "أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي" وجهان أيضاً؛ لاقتضائه التحريم، كما لو قال: حَرَّمْتُكِ.
وفي قوله: "أنتِ للهِ" كنايةٌ أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو قال: "وهبْتُ نفسكِ منك" ونوى العتق دون التمليك، حصل العتق أيضاً، وإن قصد التمليك، فعلى ما سنذكر فيما إذا قال: بعت نفسك منك.
ثم الكلام في صور: إحداها: إذا كانت أَمَتُهُ تُسَمَّى قبل جريان الرِّقِّ عليها حُرة فقال لها: يا حُرَّةُ.
فإن لم يخطر له النداء باسْمِهَا القديم 9؛ عتقت لا محالة وإن قصد نداءها به ففيه وجهان

الجزء: 13 - الصفحة: 306

عن الْقَاضِي الحُسَيْنِ، وبه أجابَ في الكتاب أنها تعتق؛ لأن اللفظ صريح وإنما كانت تسمى حُرَّةً حينَ كانت حُرَّةً، وإذا طرأ الرق انمحى ذلك الاسم.
قال الشيخ "أبو مُحَمَّدٍ": لا تعتق؛ لتمكن الاحتمال، وهذا أشبه وأظهر عند الإمَامِ.
ولو كان اسْمُهَا في الحال حرة فقد ذكر في الكتاب في "باب الطلاق" أنه إذا كان يُسَمَّى العبد حر فقال: "يا حر" على قصد النداء لم يعتق، وإن أطلق فوجهان وَبَيَّنَّا أن هناك أن الأَشْبَهَ أنه لا يُعْتَقُ، وكذا الحكم لو كان يَتَسَمَّى بـ"عتيق" أو بـ[بآزادرودى] 10 فقال: "يا عتيق" أو يَا "بازادرودى" 11 وليعلم لما ذكرنا قوله في الكتاب: "لم يقبل ظاهراً" بالواو.
وقوله: "إلا أن يكون اسْمهَا في الحال حرة" وليس باستثناء محقق؛ لأن هذه الحالة لا تدخل فيما إذا كان اسْمُها قديماً حرة فبُدِّلَ حتى يستثنى، والمعنى نعم لو كان اسْمُهَا في الحال حرة، وقصد نداءها باسْمِها لم تعتق.
وفي "فتاوى صاحبِ الكتابِ": أَنَّه إِذا اجْتَازَ بصاحب الضريبة فخاف أَنْ يطالبَهُ بالضريبة عن عبده فقال: "إنه حر وليس بعبد وقصد الإِخْبَارَ، لم يعتق بينه وبين اللهِ تَعَالَى، وهو كاذب في خبره.
وهذا النظم يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لا يقبل في الظاهر، وإِنَّهُ إِذَا قال: افرغ من هذا دون العشيِّ وأنت حُرٌّ.
ثم قال: أردت أنه حر من العمل دون العتق يُدين، ولا يُقبل ظاهراً، وهذا قريب من جواب الكتابِ في النداء بالاسم القديم، وأنه إذا زَاحَمَتهُ امْرَأَةٌ في الطريق فقال: تأخري يا حرةُ فَبَانَتْ أَمَتُهُ لم تعتق 12 وهذا إن أراده 13 في الظاهر فيمكن أن يفرق بأنه لا يدري مَنْ يُخَاطِبُ هَاهُنَا، وعنده أنه يخاطب غير أَمَتِهِ وهناك خاطب العبد باللفظ الصريح.
الثانية: إذا قال لعبده: [يا ازاذمرد] 14 ثم قال: أردت وصفه بالجود، لم يقبل، وحكم بعتقه ظاهراً.
نعم لو كان اسْمُهُ "ازاذمرد" وقصد نداءه باسْمه لم يعتق، ولو كان هناك قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ قصد مدحه والثناءَ عليه فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ولا يعتق، هكذا أطلق في الكتاب، وفي "الوسيط" أنه على الخلاف المذكور فيما إذا قال لامْرَأَتِهِ وهو يحل وثاقاً = يقبل ظاهراً.
وذكر صاحب المهمات أن مقتض المذهب خلافه، وهذا أيضاً يستثنى من الصريح.

الجزء: 13 - الصفحة: 307

[منها] 15 أنت طالقٌ وقال: أردت طلاقها 16 منه، فيجوز أن يعلم.
قوله في الكتاب "أو كان معه قرينة تدل على المدح [بالواو] 17 " كذلك، وفي "فتاوى الْقَفَّالِ" أنه إذا بعث غلامه في حاجة فَأَبْطَأَ عليه فلما رجع [قال] 18: [آذاذمردى كو] 19 يحكم عليه بالعتق، وحكى بعض أَئِمَةِ طَبْرِسْتَانَ وجهاً آخر أنه: لا يعتق في الحال 20، لِلْقَرينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ قصد التهكم والذم 21. الثَّالِثَةُ: قوله لعبده: يا مولاي كناية.
فإن المولى مشترك 22 بين معانٍ مِنْهَا المعتق.
ولو قال: يا سيدي -فعن القاضي الحُسَيْنِ: أنه لا يُعْتَقُ، وإِنْ نَوَى؛ لأنه منَ السُّؤْدَدِ وتبيين المنزل وليس فيه ما يَقْتَضِي العتق، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قَالَ الإِمَامُ: والذي نراه أَنَّه كناية.
ولو قال لِأَمَتِهِ: [يا "كدبانو" أو "كدبانوى" مني] 23 فهو كقوله للعبد: يا سيدي وبكونه كناية أجاب صاحب التَّهْذِيبِ وكذا لو قال للعبد [تومتراى مني] 24. الرَّابعَةُ: إِذَا قال لعبد غيره: أَنْتَ حُرٌّ، فهذا إِقْرَارٌ بحريته، وهو مردود في الحال، لكن لو تمَلَّكَه يوماً من الدهر، حكم بعتقه؛ مؤاخذةً له بِإِقْرَارِهِ قال الإمَامُ: وَإِنَّمَا يجعل إقراراً 25؛ لأنه لا مساغ للإنشاء فيه بخلاف ما إذا قال المالك لعبَده: أَنْتَ حُرٌّ فإنَّه إِنْشاءٌ كقول الزوج لزوجته: "أَنْتِ طَالِقٌ".
فلو قَالَ لعبد الْغَيْرِ: قد أعتقتك.
قال صاحب الكتاب: إن ذكره في معرض الإِنْشاء فهو لغو، وإن ذكره في مَعْرِضِ الإقرار يُؤَاخَذُ بِهِ لَوْ تَمَلَّكَهُ.
وعن الْقَاضِي الحُسَيْنِ: أنه إِذَا قال قد أعتقتك كان إقراراً؛ لأن "قد" يؤكد معنى الْمُضِيِّ في الفعل الماضي.
قال الإِمَامُ: ومجرى كلامه أَنَّ قَوْلَهُ: أعتقتك بلا "قد".
قد لا يكون إقراراً وإن كانت الصيغة في الوضع الماضي، وعندي لا فصل بينهما.
والوجه: أن يُرَاجَعَ الْقَائِلُ وَيُحْكَمُ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ، فإن لم يفسر تُرِكَ وينبغي ألاَّ يُفَرَّقَ بين قوله: "أَنْتَ حر" وبين قوله: "أعتقتك".

الجزء: 13 - الصفحة: 308

وقوله في الكتاب: "إن فُهِمَ مِنْهُ الإِنْشَاءُ، وإن فُهِمَ منه الإِقْرار" أي: إن ذكره في مَعْرضٍ يُفْهَمُ مِنْهُ هذا أو ذاك.
وَاعْلَمْ أنه يصح تعليق العتق بالصفات، والإِعتاق على العوض 26 كما في الطلاقِ، وَأَنَّهُ لو قَالَ: "جعلت عِتْقَكَ إِلَيْكَ أَوْ خيرتُكَ وَنَوَى 27 تفويض العتق إليه، فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ في الحال عَتَقَ كَمَا في الطَّلاَقِ.
ولو قال: أَعْتَقْتُكَ عَلَى كذَا فَقُبِلَ في الحال أو قال العبد: أَعْتِقْنِي عَلَى كذا؛ فأجابه عُتِقَ وعليه ما التزم.
ولو قال: أَعْتَقْتُكَ على كذا إلى شَهْرٍ فَقَبِلَ، عَتَقَ في الحال، وَالْمُلْتَزَمُ مُؤَجَّلٌ ولو أَعْتَقَهُ على خمر أو خِنْزِيرِ عَتَقَ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وهذا لو قال: أَعْتَقْتُكَ على أن تخدمني، ولم يبين مدة.
أو قال: على أن تَخْدِمَنِي أبداً.
ولو قال: على أن تخدمني شهراً، أو تعمل لي كذا وفصله فقبل عَتَقَ وعليه ما الْتَزَمَ.
ولو خدمه نصفَ شهر وماتَ، فلِلسَّيِّدِ نِصْفُ قيمته في تَرِكَتِهِ 28. فُرُوعٌ: أكثرها عن ابْنِ سُرَيْجٍ:

الجزء: 13 - الصفحة: 309

إذا قال: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلِ الدَّارَ من عبيدي، أو أَيُّ عَبْدٍ من عبيدي دخل أَوَّلاً فهو حر؛ فدخل اثْنَانِ معاً، ثم ثالث لم يَعْتِق أَحَدٌ منهم أما الثَّالِثُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الاثنان فَلِأَن واحداً منهما لا يُوصَفُ أنه أول عبد داخل، ولو كان اللفظ والصورة هذه: أول من يدخلها وحده، عَتَقَ الثالث، ولو دخل وَاحِدٌ لاَ غَيْرُ، فهل يُعْتَقُ؟ لِأنَّهُ إنما يكون أولاً إذا كان هناك ثان فيه وجهان عن تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ أَصَحَّهُمَا أنه يعتق.
ولو قال: آخِرُ مَنْ يدخل الدَّارَ من عبيدي فهو حر فدخل بعضهم [بعد بعض] 29 لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ منهم إلىَ أن يموت السيد؛ فَيَتَبَيَّنُ الآخَرُ 30. ولو قال لعبده: إن لم أَحُجَّ هذا العام فأنت حر، فَمَضَى الْعَامُ فَاخْتُلِفَا في أَنَّهُ هل حج؟ فأقام العبد بينة أنه كان بـ"الكوفة" يوم النحر عَتَقَ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: أَنَّهُ لا يَعْتِقُ.
ولو قال لِعَبْدَيْنِ لهُ إِذَا جَاءَ الْغَدُ فأحدكما حر، فإِذَا جاء الغد؛ عَتَقَ أحدهما عليه التَّعْيِينُ.
ولو باع أحدهما، أو أعتقه [أو مات] 31 قبل مجيء الغد، ثم جاء الغدُ وَالآخر في مِلْكِهِ لم يَتَعَيَّنِ المُعْتَقُ، وعلل بأنه لا يملك حينئذٍ إِعْتَاقَهُمَا فلا يملك إيقاع العتق في أحدهما، كما لو قال لعبده وَعَبْدِ غَيْرِهِ: أحدكما حر، لا يكون له حكم، وهذا غير مسلم، أليس ذكرنا في "الطلاق" وجهين؟ فيما إذا قال لزوجته وأجنبية: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ أنَّهُ هل يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ؟ فقد اتفق الوجهان على أن له حكماً وأثراً، إنما الكلام في أنه هل يتمكن من الصرف عن الزوجة؟ ولو باع أحدهما أو كلاهما ثم اشْتَرَى ما باع وجاء الغد وهما في ملكه فهو على الخلاف في عود الحَنَثِ.
= وقال ابن حزم في المحلى: في باب العتق فيما إذا عتق شخص عبداً بشرط أن يخدمه أربع سنين مثلاً فمات قبل الخدمة أن الشَّافعي قال: يؤخذ من تركته قيمة الخدمة للمدة المذكورة، انتهى.
وبذلك يحصل في المسألة قولان، والقولان شاهدهما في الصداق والخلع والوصايا بالمنافع وقد ذكرهما المصنف الكتابة فقال قبل الشرط الثالث بيان قدر العوض والأجل.
فرع: إذا قال لعبده أعتقتك على أن تخدمني أبداً فقبل العبد عتق في الحال ورجع السيد عليه بقيمته، ولو قال على أن تخدمني شهراً من الآن فَقَبِلَ عتق وعليه الوفاء، فإن تعذر بمرض وغيره ففيما يرجع عليه السيد به من أجرة مثل الخدمة أو قمة العبد قولان كالصداق وبدل الخلع، وهذا الذي سقناه يفيد قولاً ثالثاً فيما جزم به مثل هنا في قوله: "وكذا لو قال أعتقتك على أن تخدمني شهراً".

الجزء: 13 - الصفحة: 310

ولو باع نصف أحدهما وجاء الغد وفي ملكه نصفه الآخرُ، فإليه التعيين، فإن عين فيمن نصفه له؛ وقع النظر في السِّرَايَة.
ولو قال: إِذَا جاء الغد وأحدكما في ملكي فهو حر، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا ثم جاء الغد والآخر في مِلْكِهِ، عَتَقَ، وإن باع أَحَدَهُمَا وَنِصْفَ الآخر ثم جاء الغد؛ لم يعتق النِّصْفُ؛ لأن الشرط وهو كون أحدهما في ملكه لم يحصل.
والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي خَوَاصِّ العِتْقِ وَهِيَ خَمْسَة

ٌ (الخَاصِّيَّةُ الأولَى: السِّرَايَةُ)

وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبدِهِ سَرَى إلَى البَاقِي، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَضْواً مُعَيَّناً، وَلَوْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ البَاقِي بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ مُوسِراً بِمَالٍ فَاضِلٍ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَدَسْتِ ثَوْبٍ كَمَا كَانَ فِي الدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَالِهِ فَهُوَ مُعْسِرٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَاَلمَرِيضُ مُعْسِرٌ إِلاَّ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَالمَيِّتُ مُعْسِرٌ مُطْلَقاً حَتَّى لَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَنَصِيبِي مِنْكَ حُرٌّ لَمْ يَسْرِ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ صَارَ لِلوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِراً بِالبَعْضِ سَرَى بِذَلِكَ القَدْرِ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يَسْرِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا ينبغي أن يُفْهَمَ من الخَوَاصِّ ما ينفرد الْعِتْقُ به من بين سائر التصرفات؛ لأنه عَدَّ منها الامْتِنَاع بالمرض، وهذا يشمل جمبع التبرعات، ولا يَخْتَصُّ بِهِ الْعِتْقُ، وَالْقُرْعَةُ جَارِيَةٌ في القسمة وإنما أراد ما لا يُشَارِكُ الطَّلاَقُ فيه الْعِتْق، ويختص به العتق ويوضحه أنه قال في "الْوَسِيطِ": الطلاق والعتاق يَتَقَارَبَانِ، وقد فَصَّلْنَا حكم الألفاظ والتعليقات في الطلاق، فلا نعيده، بل يقتصر على ذكر

خواص العتق

، واندفع في بيانها.
إذا عرفت ذلك.
فإحدى الخواص: السِّرَايَةُ ومن أعتق بعضَ مَمْلُوكٍ فَإِمَّا أن يكون باقيه له أيضاً، أو لغيره.
الحَالَةُ الأولَى: إذا كان الباقي له؛ فَيَعْتَقُ كُلُّهُ؛ كما في الطلاق، إذا طَلَّقَ نصْفَ المرأة، يكمل، ولا فرق في ذلك بيْن المُعْسِرِ وَالمُوسِرِ 32. وَفُهِمَ من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ في عَبْدٍ، وَلَهُ مَالٌ، قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" تشوف الشرع إلى تَكْمِيل العِتْقِ، وإذا كمل والباقي لغيره، فَلأَنْ يَكْفلُ، والباقي له أَوْلَى

الجزء: 13 - الصفحة: 311

وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: لا يَعْتِقُ الباقي في الحال، وَلَكِنَّهُ مُخَيَّرٌ بين أن يَعْتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ، أَوْ يَسْتَسْعِي.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: والكتابة وَالاسْتِسْعَاءُ عنده شيء واحد إلاَّ أنه إذا كان برضا العبد وَمُعَاقَدَتِهِ، يسميه: كتابة، وإن كان دون رضاه يسميه: سَعَايَةٌ على الرقِّ، فما لم يرد المال لا يعتق الباقي وكما يكمل العتق إذا أضافه إلى البعض الشائع يَكْمُلُ إذا أضافه إلى البعض (1) المعين كاليد والرجل كما في الطلاق وخلاف أبي حَنِيْفَةَ المذكور في الطلاق عائد هاهنا، ثم في كيفية التكميل إذا أضاف العتق إلى الجزء الشائع وجهان: أَحَدُهُمَا: أنه يَحْصُلُ في الجزء المسمى، ثم يسري إلى الباقي.
والثاني: يَحْصُلُ في الكل دفْعَةً واحدة ويكون إعْتَاقُ النصف عبارة عن إِعْتَاقِ (2) الكل، وإذا أضافه إلى الجزء المعين؛ فوجهان مرتبان، وأولى أن يحصل دفْعَةً واحدة، والفرق: أنَّ الجزءَ السابق كالعتق في المعين وقد سبق ذكر هذا الخلاف في "الطلاق" بِتَفَارِيعِهِ.
ولو أعتق أَمَتَهُ الحاملَ والحمل مملوك (3) له أيضاً عتقُ الحَمْلِ أيضاً لا بطريق السِّرَايَةِ، فإن السِّرَايَةَ في الأشقاص في الأشخاص، وَلَكِنْ بطريق التَّبَعِيَّةِ كما يتبِع الحَمْلُ الأُمَّ في البيعِ، إلاَّ أَنَّ البيع يبطل بالاستثناء، والعتق لا يبطل لقوته، وهذا كما أنَّه لو استثنى عُضْواً في البيع، بطل البيع، ولو استثنى عضواً في العتق؛ لم يبطل العتق، وإن أعتق الحمل؛ نفذ العتق فيه ولم تعْتَقِ اَلأُمُّ، فإن الأم لا تَتْبَعُ الحمل (4). وعن الأُستَاذِ أَبِي إِسحَاقَ: أَنها تَعْتِقُ بِعِتْقِهِ كما يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، والظاهر الأول.
ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر، فلا تعتقُ الجارية بإعتاق مالك الحمل ولا الحمل بإعتاق مالك الجارية، ولا اسْتِتْبَاعَ مع اختلاف المالكين.
وقد سبق ذكر هذه الصورة في "الوَصَايَا" ويتعلق بما نحن فيه.

فُرُوعٌ:

منها إذا قال لِأَمَتِهِ: "إِذَا وَلَدْتِ فَوَلَدُكِ حُرٌّ أو كل ولد تَلِدِينَهُ، فهو حر، وقد ذكرنا33343536

الجزء: 13 - الصفحة: 312

في "الطلاق" أنها: إن كانت حاملاً عند التعليق فإذا ولدت؛ عتق الولد.
وإن كانت حائلاً فوجهان: أَشْبَهُهُمَا: أنه يعتق أيضاً؛ لأنه وإن لم يملك الولد حينئذ، فقد ملك الأصل المفيد لملك الولد.
ولو قال لِأَمَتِهِ الحَامِلِ: إن كان أول ما تَلِدِينَهُ غُلاَماً؛ فهو حرٌّ وإن كان جارية؛ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلاَماً وَجَارَيةً، يُنْظَرُ: إن ولدت الغلام أولاً؛ عَتِقَ وَالجَارِيَةُ والأم رقيقان وإن ولدت الجارية أولاً؛ عَتِقَتِ الأُمُّ وَيُعْتَقُ الْغُلاَمُ أَيْضاً؛ لكونه في البطن حين عتقَتِ الأُمُّ، وتكون الجَارَيةُ رَقِيقَةً؛ لأن عِتْقَ الأُمِّ حَصَلَ بَعْدَ مُفَارَقتِهَا فإن 37 وَلَدَتْهُمَا معاً؛ فلا عتق؛ لأن التعليق بأول ولد تلد، وإذا ولدتهما معاً لم تلد واحد منهما أولاً، وإذا لم يعلم أولدتهما معاً أو أحدهما قبل الآخر، فلا عتق أيضاً لأن الأصل بقاء الملْكِ والعتق غير معلوم، وإن عُلِمَ سَبْقُ وِلاَدَةِ أَحَدِهِمَا، وَأُشْكِلَ السَّابِقُ، فالغلام حر بكل حال؛ لأنه إن سبقت ولادته عتقَ بالتعليق الأول، وإن سَبَقَ وِلاَدَةَ الجَارِيةِ عتقَ بِتَبَعِيَّةِ الأُمِّ وَالجَارِيةُ رَقِيقَةٌ بكل حال؛ لأنه [إن] 38 سبق ولادة الغلام لم يعتق غيره، وإن سبق ولادتهما؛ لم يعتق بتبعية الأم لتأخر عتق الأم عن مُفَارَقَتِهَا، وأما الأم فيحتمل أن تكون عَتِيقَةً بسبق ولادة الجارية، ويحتمل أن تكون رقيقةً لسبق ولادة الغلام فَيُؤْمَرُ السَّيِّدُ بالبيان، فإن مات قبل أن يُبَيِّنَ فالأصح أنَّها رقيقة أخذاً بالأصل، وطرحاً لِلشَّكِّ.
وَقَالَ ابْنُ الحَدَّادِ: يُقْرَعُ عَلَيْهَا بِسَهْمِ عِتْقٍ وَسَهْمِ رِقِّ، وذكر في "تَقْرِيبِهِ" أنه يقرع بينها وبين الغلام، فإن خرجت على الغلام؛ لم يَعتَقْ غيره وإن خرجت عليها؛ عُتِقَتْ ولم يرق الابن، ويجوز أن يقرع بين شخصين وتعمل القرعة في أحدهما دون الثاني؛ أَلاَ تَرَى أنه لو قال: إن كان هذا الطائر غُرَاباً فَامرأتي طالقٌ، وإن لم يكن غُرَاباً فعبدي حُرٌّ ولم يبين الحال، يُقرع؛ فإن خرجت على العبد عتقَ وإن خرجت على المرأة، لم تطلق.
قَالَ الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ: وما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ غَلَطٌ عند عامة الأصحاب؛ لأنا شَكَكْنَا في عتقها، والقرعة لا تُثْبِتِ المشكوك فيه، وإنما تستعمل في تَعْيِينِ ما يستيقن أَصْلُهُ، ولو وجب الإقراع هاهنا لوجب فيما إذا قال لزوجته: "إن كان أول ما 39 تَلِدِينَهُ غلاماً؛ فأنت طالقٌ فَوَلَدَتْ غلاماً وجارية واشتبه الحال، أن يُوقَفَ عنها؛ لأن ما يوجب الإقراع في العتق، يُوجِبُ الوقْف في النِّكَاحِ؛ ألا ترى أنه لو أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيه يُقْرَعُ بينهما إذا مات، ولو طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ يُوقَفُ عنهما، وكما لا يوقف عند الشك في أصل الطلاق

الجزء: 13 - الصفحة: 313

وجب، ألاَّ يقرع عند الشك في أصل العتاق، وفي مَسْأَلَةِ الْغُرَابِ المُسْتَشْهَدِ بها: أَصْلُ الحَنَثِ مُسْتَيْقَنٌ فَأَقْرَعَ لِلْحُرِّيَّةِ.
قَالَ الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ: هذا كله إذا ولدت في صِحَّةِ السَّيِّدِ، أمَّا إذا ولدت في مرض موته، فَيَنْظُرُ إن كان الثلث يفي بالجميع؛ لم يختلف الجواب وإلاَّ كما إذا لم يكن له إلاَّ هذه الأمة، وما ولدت، فَيُقْرَعُ بين الغلام والأم فإن خرجت على الغلام عَتَقَ وَحْدَهُ إن خرج من الثلث، وإن خرجت على الأم قومت هي حاملاً بالغلام يوم ولدت الجارية أو أولدتها، 40 أولاً، وَيَعْتَقُ مِنْهَا ومن الغلام قَدْرَ الثلث فإن 41 كانت قيمة الجارية مائة، وقيمة الأم حاملاً بالغلام مِائَتَيْنِ فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا، ونصف الغلام، وقيمتهما مِائَةٌ ويبقى لِلْوَرَثَةِ النِّصْفَانِ مِائَة والجارية، وهي مائة أيضاً.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذا كان الباقي لغيره فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ؛ لأنه جائز التَّصَرُّفِ، وقد وجه العتق على ملكه، ثم إن كان المُعْتِق مُوسِراً بقيمة باقي العبد؛ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ للشَّرِيكِ ويعتق الباقي 42 عليه، ويكون وَلاَءُ جميع العبد لَهُ، وإن كان مُعْسِراً بقي الباقي على مِلْكِ الشَّرِيكِ وَلاَ يَسْرِي العتق إليه، لِمَا رُوِيَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَة عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُم وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وإلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" وَيُرْوَى "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ" 43. وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: لا تَقْوِيمَ ولا سرَايَةَ، ولكن إن كان المعتق موسراً؛ فَيُخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أن يَعْتِقَ نَصِيبَ نَفْسِهِ، وأن يَسْتَسْعى العَبْدُ حَتَّى يؤدي قيمة نصيبه ويُعْتَقُ، وعلى التقديرين يكون وَلاؤُهُ بينهما، وإن تَضَمَّنَ المُعتق قِيمَةَ نَصِيبِهِ ثم المعتق يستسعي العبد فيما غَرِمَ فإذا أَدَّاهُ عَتَقَ، وكان جميع الْوَلاَء له، وإن كان مُعْسِراً فلا يضمنه الشريك

الجزء: 13 - الصفحة: 314

ويتخير بين الخصلتين الأَوَّلييْن، وليعلم لهذا قوله في الكتاب: "قَوَّم عليه الباقي" بالحاء، ثم إِنَّهُ ذَكَرَ أن التقويم بِأَرْبَعَةِ شُرُوط: أَحَدُهَا: كون المعتقِ مُوسِراً، فلو كان مُعْسِراً لم يعتق نصيب الشَّرِيكِ واستقر فيه تَبَعُّضُ الرق والحرية، وقد سبق أَحْكَامُ مَنْ بَعضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقيقٌ في أبواب، وأكسابه مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وبين السيد، فإن جَرَتْ مهايأة بينهما اكْتَسَبَ يوماً للسيد ويوماً لنفسه، أو استخدمه السيد يوماً وتركه يوماً، والمهايأة تكون بالتَّرَاضِي، ولا تَلْزَمُ على الأظهر، وقد سبق ذكر ذلك، وفي الشرط مَسَائِلُ: إحْدَاهَا: ليس المقصود من المُوسِرِ الذي يُعَدُّ من الأغنياء لكن إذا كان له من المال 44 ما يَفِي بقيمة نصيب شريكه، فيقوم عليه، وإن لم يملك غيره؛ لظاهر الخبر الذي تقدَّم وَيُصْرَفُ إلى هذه الجهة كل ما يباع ويصرف إلى الديون 45 فلا يبقى مسكنه وخادمه وكل ما يَفْضُلُ عن قُوتِ يومه وقوت من تلزمه نفقته، ودِسْتِ ثَوْب يلبسه، وَسُكْنَى يَوْمٍ وليس الْيَسَارُ المُعْتَبَرُ في الباب كاليَسَارِ المُعْتَبر في الكَفَّارَةِ المُرَتَّبَةِ، إلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "كما في الديون التي عليه"، والاعْتِبَارُ في اليَسَارِ بحَالَةِ الإِعْتَاقِ فإن كان موسراً، حينئذ ثبت العتق، واستحقاق العتق في الباقي، وإن لم يكن مُوسِراً وقت الإعتاقِ ثم أَيسَرَ؛ فلا اعتبار به، وقد استقر البعض.
الثَّانِيَةُ: لو مَلَكَ المُعْتِقُ قِيمَةَ نصيب الشريك، ولكن عليه من الدَّيْنِ مثل ما يملكه أو أكثر، فهل يمنع الدَّيْنُ التَّقْوِيمَ عليه والسِّرَايَةَ؟ فيه قولان: كالقولين في أن الدَّيْنَ هل يمنع الزكاة؟ والجامع أن سرَايَةَ العتق حق الله تعالى، وهو متعلق بحَظِّ الآدَمِيِّ كالزكاة.
وَالأَصَحُّ: أنه لا يمنع وجعل الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الْخَلاَّفُ في المسألةِ وَجْهَيْنِ، وقال: من الأصحاب من قال: لا تقويم عليه؛ لأنه غير مُوسِرٍ بما يَمْلكُهُ بل هو فقير من فقراء المسلمين، وكذلك تَحِلُّ له الزكاة فإن أبرئ مِن الدَّيْنِ، لم يُقَوَّمْ عليه أيضاً كالمُعْسِرِ يُوسَرُ.
وقال الأكثرون ومنهم 46 ابْنُ الحَدَّاد: يُقَوَّمُ عليه؛ لأنه مالك لما في يده نَافِذُ التَّصَرُّفِ.
ولو اشترى به عبداً وأعتقه نفذ فكذلك يجوز أن يقوم عليه، فعلى هذا يُضَارِبُ الشريك بقيمة نصيبه مع الغُرَمَاءِ، فإن أصابه بالمُضَارَبَةِ ما يفي بقيمة جميع نصيبه فذاك، وإِلاَّ اقْتَصَرَ على حِصَّتِهِ ويُعْتَقُ جَمِيعُ العبد إن قلنا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق، وإن قلنا لا تحصل بنفس الإعتاق فيعتق من نصيبه بقدر حِصَّتِهِ [أي التي جعلت من المضاربة] 47 ويبقى الباقي رقيقاً، فإن حدث له بعد ذلك مالٌ لم يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الباقي، لكن

الجزء: 13 - الصفحة: 315

لو ظهر مال كان يملكه يوم الإعتاق ضَارَبَ الشريك بقيمة الباقي فيه إلى أن يعتق الجميع.
ولو كان بين شريكين عبد قيمته عشرون، فجاء إنسان وقال لأحدهما: اعْتِقْ نصيبك من هذا العبد عني على هذه العَشَرَةِ، وهو لا يملك غيرها فَأَجَابَهُ، عتق نَصِيبُهُ عن المُسْتَدْعِي ولا سرايَةَ؛ لأنه زال ملكه عن العشرة بما جرى، وهو لا يملك غيرها.
ولو قال: على عشرة في ذمتي فإن قلنا: إن الدَّيْنَ يمنع التقويم والسِّرَايَةَ لم يُقَوَّم عليه؛ لأنه يملك عشرة وعليه بالإلتماس والإجابة مثلها وإن قلنا: إنه لا يمنع فإن قلنا السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق؛ عتق جميع العبد وتقسم العشرة بين الشَّرِيكَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، ويبقى لكل واحد منهما خُمْسُهُ في ذمته، وإن قلنا: لا تحصل السِّرَايَةَ بنفس الإعتاق فيعتق من نصيب الشريك بالسِّرَايَةِ حصة الخمسة، وهي: ربع العبد، ويبقى الباقي على الرق، وللشريك المستدعى منه خمسة في ذمته.
ولو كانت المسألة بحالها ولكن قيمة العبد عشرة وقلنا: الدَّيْنُ لا يمنع التقويم، فإن قلنا: السِّرَايَةَ تَحْصُلُ بنفس الإعتاق، فيعتق جميع العبد ويتضارب الشريكان في الَعَشَرَةِ أَثْلاثاً؛ لأن المستدعى منه يستحق عشرة، وللآخر قيمة نِصْفِهِ وهي خَمْسَةٌ وإن قلنا لا تحصل بالإعتاق فيعتق منه بالسِّرَايَةِ بقدر حصته من العشرة، وهي: ثَلاثَةٌ وثلُثٌ، وذلك ثلث العبد فينضم ما عَتَقَ باستدعائه، فيكون جميع ما عتق من العبد خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ، ولو كانت المسألة بحالها, لكن قيمة العبد: ثلاثون وقلنا: الدَّيْنُ لا يمنع التقويم فإن قلنا تحصل السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق فَيَعْتَقُ مِنَ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ النِّصْفُ بالاسْتِدْعَاءِ والإِجَابَةِ، والثلُثُ؛ لأنه مُوسِرٌ بقيمة الثلث ويتضاربان في العشرة بِالسَّوِيَّةِ؛ وإن قلنا السِّرَايَةُ لا تحصل بالإعتاق فيعتق بالسِّرَايَة بقدر حِصَّتِهِ من العشرة وهي: خُمْسُهُ وَذَلِكَ سُدُسُ المال، فجملة ما يعتقُ من العبد ثُلُثَاهُ، ويجيء في هذه الصورة وجه: أَنَّهُ لا تقويم عليه بسبب آخر، وهو أنه مُوسِرٌ بقيمة بعض نصيب الشريك لا بقيمة كُلِّه، ويجيء ذكر هذا الخلاف في الفصل.
ولو مَلَكَ نِصْفَيْنِ من عبدين متساويي القيمة فأعتق نصيبه منهما، وهو موسر، بنصف قيمة أحدهما فَيُنْظَرُ إِنْ أَعْتَقَهُمَا معاً؛ عتق نصيبه منهما وسرى 48 إلى نصف نصيب الشريك من كل واحد منهما، فيكون جملة ما يعتق من كل واحد منهما ثَلاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وهذا إذا حكمنا بالسِّرَايَةِ في الحال، وقلنا: إِنَّ اليَسَارَ بقيمة بعض النصيب يَقْتَضِي السِّرَايَةَ بالقسط 49، وإن أعتق على الترتيب؛ سرى إلى جميع الأول، ثم إن قلنا

الجزء: 13 - الصفحة: 316

إن الدَّين يمنع السِّرَايَةَ؛ فلا سرَايَةَ في العبد الباقي؛ لأنَّ قيمة نصيب الشريك من الأوَّلِ دَيْنٌ عليه، وإن قلنا لا يمنع فيسرى وما في يده يصرف إلى الشريك، والباقي في ذمته، وإن كان الشقصان لشخصين صرف إلى كل واحد منهما نصفه.
ولو ملك الشقصين وَأَعْتَقَهمَا معاً ولا مال له غيرهما، فلا سرَايَةَ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ، وإن أَعْتَقَ على الترتيب فَيَعْتِقُ كُلَّ الأول؛ لأَنَّ في نصيبه من العبد الآخر وفاء بباقي العبد الذي أعتق شقصه، ثم إذا أَعْتَقَ نصيبه من الباقي نَفَذَ العِتْقُ في نصيبه ولا سرَايَةَ؛ لأَنَّهُ معسر، وَاعْتُرِضَ عليه بأنه إذا وجب بإعتاق نصيبه من الأول قيمة نصيب الشريك؛ صار نصيبه من الثاني مُسْتَحقّ البيع لحق الشريك؛ لأنه لا يملك غيره، فوجب ألاَّ ينفذ إعتاقه فيه كما إذا أَعْتَقَ أحد الشريكين نصيبه من العبد المشترك، وقلنا: "لا سرَايَةَ في الحال، لا ينفذ من الشَّرِيكِ الآخر إعتاق نصيبه على الأصح؛ لتعلق حق الأَوَّلِ به، وأجيب عنه بأن الحقَّ هناك تعلق بعين 50 ذلك النصيب؛ أَلاَ تَرَى أنهما لو اتَّفَقَا على إقامة عبد آخر مقامه لا يجوز، وهاهنا لم يتعلق بعتق نصيبه 51 من العبد الثاني لو أَدَّى المال من موضع آخر؛ يجوز.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ هذا على [القول الذي يقول] 52 إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، وهو مُوسِرٌ عَتَقَ الكُلُّ في الحال، أما إذا قلنا لا يعتق إلاَّ بوصول 53 القيمة إليه فإذا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ من الثاني نفذ 54 العتق وبطل التقويم؛ لأنه لم يبق له مال، وتعذر = ذلك أنه إذا أعتق مرتباً يعتقان جميعاً، ويصرف ما في يده إلى الشريك، والباقي في ذمته وقياسه أن يقال: فيما إذا أعتقهما معاً أن يكون الحاكم كذلك، بل أولى؛ لأن العلقة في ذمته، وقياسه أن يقال فيما إذا أعتقهما معاً أن يكون الحاكم كذلك، بل أولى؛ لأن العلقة إذا لم تؤثر مع الترتيب؛ فلان لا مؤثر مع المعية أولى، ولو قيل يقرع بين العبدين لكان أولى من هذين الرأيين؛ لأن الاعتبار لا يشقص بل يثبت القرعة ويدل لهذا أن المريض لو ملك نصفين من عبدين متساويي القيمة فأعتقهما في مرض موته، والصورة أنه يخرج من الثلث نصيباه، ونصيب أحد الشريكين فأعتق النصيبين معاً ففيها وجهان حكاهما المصنف تبعاً للبغوي وبه قال ابن الحداد يعتق من كل واحد ثلاثة أرباعه.
والثاني يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عتق كله، ولم يعتق من الآخر إلا نصيبه؛ لأن القرعة مشروعة في العتق، ولا يصار إلى الشقص مع إمكان التكميل، قلت: الأصح عندي من الوجهين الثاني، ويقتضي ذلك أن تكون الفتوى في صورة الصحيح على الإِقراع، وهو الأقرب الموافق للأحاديث الواردة في التكميل والقرعة.

الجزء: 13 - الصفحة: 317

وصول القيمة إلى الثاني وهذا ليس بواضح، وينبغي أن يكون في ذمته إلى أن يجد، فإن مات معسراً، فسيأتي في التَفْرِيعِ على الأقوال، والمسألة التي قبلها من مولدات ابْنِ الحَدَّادِ -رَحمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشريكين نصيبه في مرض الموت؛ نُظِرَ إن خرج جميع العبد من ثلث ماله؛ قُوِّمَ عليه نصيب الشريك وعتق؛ لأن تصرف المريض في ثلث ماله كتصرف الصحيح في الجميع.
وعن أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أنه لا تقويم في حال المرض، وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيُّ: أن إعتاق الشقص في المرض لا يؤثر في الباقي، ويجوز أن يعلم لذلك قوله في الْكِتَاب: "إلا في قدر الثلث بالحاء والألف، فإنه لا استثناء على ما ذَكَرَاهُ وإن لم يخرج من الثلث إلاَّ نصيبه؛ عتق نصيبه، ولا تقويم، وإن خرج نصيبه وبعض نصيب الشريك قُوِّمَ عليه ذلك القدر"، ويجيء فيه خلاف نذكره في يسار المعتق ببعض نصيب الشريك دون بعض، وبالجملة فالمريض في الثُّلُثِ كالصحيح في الكل، وفيما زاد على الثُّلُثِ وهو مُعْسِرٌ.
واحتجَّ القَاضِي الطَّبْرِيُّ وغيره باعتبار الثلث، على أن التقويم يكون بعد موت المريض؛ لأنَّ الثلث مُعْتَبَرٌ حالةَ الموت، حتى إذا لم يَفِ الثُّلُثُ بجميع العبد في حال إعتاقه، ثم استفاد مالاً ووفى عند الموت يقوم عليه جميع العبد، وفي "التَّهْذِيبِ" أنه لو ملك نصفين من عبدين متساوي 55 القيمة فأعتقهما في مرض الموت؛ يُنظر إن خرج العبدان جميعاً من الثلث؛ عتقا سَوَاءٌ أعتقهما معاً، أو على الترتيب، وعليه قيمة نصيب الشريك، وإن لم يُخْرِجْ من الثُّلُثِ إِلاَّ نَصِيبَاهُ فإن أعتقهما معاً؛ عَتَقَ نَصِيبَاهُ وَلاَ سرَايَةَ، وإن أَعْتَقَهُمَا على الترتيب؛ عتق الأول بتمامه ولم يعتق من الثاني شيء؛ لأَنَّه لزِمه قيمة نصيب الشريك من الأول، فصار نصيبه من الثاني مستحق الصرف إليه، وإِنْ خَرَجَ من الثلث نَصِيبَاهُ ونصيب أحد الشريكين فإن أَعْتَقَهُمَا على الترتيب؛ عتق جميع الأول، ولا يعتق من الثاني إلاَّ نصيبه، وإن أعْتَقَهُمَا معاً فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: يُعْتَقُ من كل واحد ثَلاثَةُ أَرْبَاعِهِ بعتق نصيباه، ونصف نصيب الشريك من كل واحد كما لو أعتقهما في الصحة وهو موسر بنصيب أحدهما.
والثاني: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فمن خرجت له القرعة؛ عتق كله ولم يعتق من الآخر إلاَّ نصيبه؛ لأن القرعة مشروعة في العتق، ولا يصار إلى التشقيص مع إِمْكَانِ التكميل 56

الجزء: 13 - الصفحة: 318

وإن لم يُخْرِجْ من الثُّلُثِ إلاَّ أحد نصيبه فإن أعتقهما معاً فوجهان: أحدهما: يعْتَقُ من كل واحد نصف نصيبه، وهو رُبعُ كُلِّ عَبْدٍ.
والثاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عُتِق منه جميع نصيبه ولا يعتق من الآخر شيء.
قال: وهذا أصحُّ، وظاهر اللفظ في أحكام هذه الصورة يَنْطَبِقُ على أَنَّ السِّرَايَةَ تحصل بنفس العقد، ولو أعتق النصيبين، ولا مال له إلاَّ النصيبان قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ في "الشَّرْحِ": إن أعتقهما على الترتيب؛ عتِقَ ثُلُثَا نصيبه من العبد الأول، وهو ثُلُثُ جَمِيع مَالِهِ وهو ثلث ذلك العبد ويبقى للورثة سُدُسُ ذَلِكَ العبد ونصف العبد الآخر، وإن أعْتَقَهُمَا معاً ومات؛ أَقْرَعَ بينهما فمن خرجت له القرعة؛ عُتِقَ منه ثُلُثَا نصيبه وهو ثُلُثُ ماله.
ولو أَوْصَى أحد الشريكين بِإعْتَاقِ نَصِيبِهِ بعد موته فلا سرَايَةَ، وإن خرج كله من الثلث -لأن المال ينتقل بالموت إلى الوارث، ويبقى الميت مُعْسِراً، ولا تقويم على من لا يملك شيئاً وقت نُفُوذِ الْعِتْقِ في نصيبه، بل لو كان العبد كله له فأوصى بِإِعْتَاقِ بعضه فَأعْتَقَ، لم يَسْرِ، وكذا لو دَبَّرَ أحدهما نصيبه فقال: إذا من؛ فنصيبي منك حُرٌّ وإن قال في الوصية: أَعْتِقُوا نَصِيبِي وَكَمِّلُوا العتق فَيَكْمُلُ إن خرج العبد من الثلث، وإن لم يَخْرُجْ جَميعُهُ وَخَرَجَ منه شيء بعد النصيب؛ نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ في ذلك القدر.
وهاهنا فائدتان: إِحْدَاهُمَا: قال القَاضِي أَبُو الطَّيِّب: عندي إذا أوصى بالتَّكْمِيلِ فإنما يكمل باختيار الشريك؛ لأن التقويم إذا لم يكن مستحقاً؛ لا يصير مستحقاً باختيار المُعْتِقِ؛ ألا ترى أن المعتق لو كان معسراً ثم أيسر أو قال: قَوِّمُوهُ عَلَيَّ حَتَّى أستقرض لا يجبر الشريك عليه، والأكثرون أطلقوا الكلام إطلاقاً؛ وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي الرَّوَيانِيُّ 57 بأنه: مُتَمَكِّنٌ مِنَ التصرف في الثُّلُثِ، وإذا أوصى بالتكميل فقد اسْتَبْقَى لِنَفْسِهِ قدر قيمة العبد من الثُلُثِ وكان مُوسِراً به.
والثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الإِمَامُ وَصَاحِبُ الكِتَاب: أن صورة الوصية بالتكميل أن يقول: اشتروا نصيب الشريكَ، فأعتقوه فَأَمَّا إذا قَال: أَعْتِقُوه عِتَاقَاً سَارِياً فلا خير في هذه

الجزء: 13 - الصفحة: 319

الوصية؛ لأنه لا سِرَايَةَ بعد الموت وإن أَعْتَقْنَا نصيبه، فالذي أتى به وصية بمحال، ولك أن تقول: إذا قال: اشْتَرُوا نصيبه وأَعْتِقُوه فإذا يتوقف على اختياره البيعَ لا مَحَالَةَ فيعود الأمر إلى ما ذكره القاضي؛ أَبُو الطَّيِّبِ؛ وإن كان لا يتوقف الأمر على اختياره، فلا يبعد أن يقال: إنه كاف متمكناً من إعتاق نَصيبه، والتوسل إلى عِتْقِ نصيب الشريك ببذل القيمة في حال صحته وفي مرضه أيضاً، إن كان يخرج العبد من الثُّلُثِ من غير اختيار الشريك، فَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بما كان يتمكن منه بنفسه.
ولو مَلَكَ نصفين من عبدين فأوصى بإعتاق نصيبه منهما بعد موته؛ يُعْتَقُ عَنْهُ النَّصِيبَانِ وَلاَ سِرَايَةَ.
فلو قال مع ذلك: وكملوا العتق فيهما نُظِرَ إن خرج العبدان جميعاً من الثُّلُثِ كَمُلَ العِتْقُ فيهما، وإن خَرَجَ مع نصيبه الباقي من أَحَدِهِمَا دون الآخَرِ، ففيه طريقان مذكوران في "التَّهْذِيبِ": أحدهما: أنه على الوجهين فيما إذا أعتق في مرض الموت النَّصِيبَيْنِ ولم يَخْرُجْ من الثلث إلاَّ نصيباه مع 58 الباقي من أحد العبدين، ففي وجه يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه.
وفي آخر: يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة أُعْتِقَ بِتَمَامِهِ وَأُعْتِقَ مِنَ الآخَرِ نَصِيبُهُ لاَ غَيْرُ.
وَالثَّانِي: القطع هاهنا بالقُرْعَةِ والفرق أنه قصد التكميل هاهنا حيث أوصى به فيراعى مقصوده 59 بقدر الإمكان.
الرَّابعَةُ: إذا كان الشريك المُعْتِقُ مُوسِراً ببعض قيمة الباقي دون بعض ففيه وجهان عن رواية صَاحِبِ "التَّقْرِيبِ": أَصَحُّهُمَا -وَيُحْكَى عَنْ نصه -رضي الله عنه- في الأُمِّ: أنه يسري إلى القدر الذي هو مُوسِرٌ به، مثل أن يجد نصف قيمته؛ يعتق به نصف الباقي؛ ليقرب حاله من الحرية والاستقلال.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن تَقْوِيمَ ذلك القدر لا يفيده الاستقلال، وثبوت أحكام الأحرار من الوِلاَيَةِ، والشهادة، والإِرْثِ وغيرها، وأيضاً فلئلا 60 يتبعض عليه ملكه كالشفيع، إذا وجد بعض ثمن الشقص لاَ يَأْخُذُ قِسْطَهُ من الشقص.
ولو كان بين ثَلاثةٍ عبد فأعتق اثنان نَصِيبَهُمَا.
وأحدهما موسر دون الآخر؛ يقوم نصيب الثالث على الموسر بلا خلاف.

الجزء: 13 - الصفحة: 320

قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي أَنْ يُعْتَقَ بِاخْتِيَارِهِ فَإنْ وَرِثَ نِصْفَ قَرِيبِهِ فَعُتِقَ لَمْ يَسْرِ، وَإِنْ اتَّهَبَ أَوِ اشْتَرَى سَرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شرط السِّرَايَةِ: أن يحصل العِتْقُ في نصيبه باختياره حتى لو وَرِثَ شقصاً من قريبه الذي يعتق عليه، فعتق لم يَسْرِ ولم يقوم عليه نصيب الشريك، بِخِلاَفِ ما إذا اشترى، وجملة القول فيه، أَنَّهُ إذا ملك بعض قريبه: الذي يُعْتَقُ عليه يعتقُ القدر الذي يملكه، وينظر، إن مَلَكَ لا باختياره كما إذا ورثه لم يَسْرِ؛ لأن التَّقْوِيمَ سبيله سبيل غَرَامَةِ المُتْلَفَاتِ، ولم يوجد منه صُنْعٌ وَقَصْدُ إِتْلاَفٍ، وإن مَلَكَهُ باختياره فأما أن يحصل الملك بطريق يقصد به اجْتِلاَبَ الملك أو بطريق لا يَقْصِدَ به التملك غالباً، لكنه يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الملك.
أما الأول: فكالشِّرَاءِ، وَقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ فذلك يقتضي حصول السِّرَايَةَ كما لو تلفظ بالإِعْتَاقِ، وإن مَلَكَهُ بما يتضمن حصول الملك ولا يقصد به التملك غالباً، كما إِذَا كَاتَبَ عَبداً فاشترى شقصاً ممن يعتق على سيده ثم عَجَّزَهُ السَّيِّدُ، فصار الشقص له، وعتق عليه، وفي السِّرَايَةِ وجهان: أحدهما: يَسْرِي لاختياره وتسببه إلى الملك بِفَسْخِ الكِتَابَةِ.
وأشبههما: لا -وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الحَدَّادِ؛ لأنه لم يقصد التَمَلُّكَ وإنما قصد التَّعْجِيزَ وحصل الملك ضمناً، وإن عجَّز المُكَاتِبُ نَفْسُهُ فلا يَسْري؛ لأنه حصل الملك، والعتق بغير اختيار السيد وتسببه كما في الإرْثِ، ولو باع شقصاً ممن يعتق على وارثه، كما لو باع ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ؛ ومات وَوَارَثُهُ أَخُوهُ فوجد بِالثَّوْب عيباً فرده واسْتَرَدَّ الشقص، وعتقَ عليه ففي السِّرَايَةَ الوجهان: في وَجْهٍ: يسري لتسببه إلى المِلْكِ بالفسخ.
وفي وجه: لا-؛ لأن مقصوده رَدُّ الثوب لا استرداد العِوَضَ، وكذلك يجري الرَّدُّ في الثوب، والعِوَضُ 61 تَالِفٌ.
ولو وجد مُشْتَرِي الشقص به عيباً فرده فلا سرَايَةَ كما في الإِرْثِ، والخلاف في الصورتين شَبِيهٌ بالخلاف فيما إذا باع الكافر عبداً أَسْلَمَ في يده بثوب، ثم وَجَدَ بالثوب عيباً.
هل له استرداد العبد؟! ولو أوصى لِزَيْدٍ بشقص مِمَّنْ يعتق على 62 وارث زيد، كما إذا أوصى له بجارية لزيد منها: ابن، أو أوصى له ببعض ابن أخيه، ومات زَيْدٌ قبل قَبُولِ الوَصِيَّةِ فَقَبِلَهَا ابْنُهُ، أو أخوه عتق الشقص.
وهل تَحْصُلُ السِّرَايَةُ -فيه وجهان:

الجزء: 13 - الصفحة: 321

أحدهما: نعم؛ لقصده التملك بالقبول 63 والأقرب لا لأن [بقبوله يدخل] 64 الشقص في ملك المُوَرّثِ، ثم ينتقل إليه بالإرث 65 ولو أوصى لزيد 66 بشقص ممن يعتق عليه، فلا يعتق على وارثه، كما لو أوصى به بشقص من ابنه أو بشقص من أمه ووارثه أخوه من الأَبِ فمات وَقَبِلَ الوَصِيَّةَ أَخُوهُ؛ عتق ذلك الشقص على الميت، ويسري إن كان له تركة يفي ثلثها بقيمة الباقي لأن قَبُولَ وارثه، كقبوله في الحياة.
قال الإِمَامُ: هكذا ذكره الأَصْحَابُ، وفيه وقفة؛ لأَنَّ القَبُولَ حصل من غير اختياره.
فرع: لو باع عبداً مِنِ ابن ذلك العبد ومِنْ أَجْنَبِيٍّ صَفْقَةً وَاحِدَةً عتق نصيب الابن وَقُوّمَ عَلَيْهِ نَصِيب الشَّرِيكِ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: لا يَضْمَنُ الأَجْنَبِيُّ شيئاً؛ لأن مِلْكَهُ لم يتم إلاَّ بِقبُولِ شَرِيكِهِ، وكأنه أَذِنَ له في إعتاق نصيبه -حكاه ابْنُ الصَّبَّاغِ .. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) أَلاَّ يَتَعَلَّقَ بِمَحَلِّ السِّرَايَةِ حَقٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ كَانَ تَعَلَّقَ بِهِ رَهْنٌ أَوْ كِتَابَةٌ أَوْ تَدْبيرٌ أَوِ اسْتِيلادٌ فَفِي الكُلِّ خِلاَفٌ، وَالاسْتِيلاَدُ أَوْلاَهَا بِالمَنْعِ، وَالتَّدْبِيرُ أَضْعَفُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كَاتَبَا عَبْداً، ثم أعْتَقَهُ أَحَدُهمَا فالصحيح المشهور أنه سرى، ويقوم 67 نصيب الشريك عليه، وهل يقوم في الحال أو بعد العَجْزِ عن أداء نصيب الشريك، فيه اختلاف قول، يُذْكَرُ في الْكِتَابَةِ بتفاريعه وعن صاحب "التَّقْرِيب" رِوَايَةُ وَجْهٍ أو قَوْلٍ: أَنَّه [لا] 68 يَسْرِي إذ لا سبيل إلى إبطال الكتابة، كما لا سبيل إلى فَسْخِهَا، ولأن السِّرَايَةَ تتضمن النقل إلى المُعتقِ والمُكَاتِبِ لا يُقْبَلُ النَّقْلُ.
الثَّالِثَةُ: إذا أعتق أَحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ، ونصيب صاحبه مدبر.
هل يقوم عليه نصيب الشَّرِيكِ؟ فيه قَوْلاَنِ: أَقْوَاهُمَا: نَعَمْ؛ لأن المدبر كالقن في جواز البيع، فكذلك في التقويم.
والثَّانِي: لا؛ لأن التَّقْوِيمَ وَالسِّرَايَةَ لتكامل عتق العبد، وقد يثبت للمدبر سبب الحرية [فيجعل] 69 التَكَامُلُ به، وأيضاً فَلِئَلاَّ يبطل على الشريك قربةٌ مهّد سَبِيلِهَا.
قَالَ الإِمَامُ: هذا شديد الشَّبَهِ عِنْدِي بِمَا إِذَا دَبَّرَتِ المَرْأَةُ العبد المصدق، ثم طلقها

الجزء: 13 - الصفحة: 322

الزَّوْجُ قبل الدخول.
ثم إن قلنا: لا يَسْرِي فلو رجع السيد عن التَّدْبِيرِ فهل يسري حينئذ؟ قال أَكْثَرَهُمُ: لا -كما لو أعتق وهو معسر ثم أيسر.
وعن رواية الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ رِوَايَةُ وَجْهٍ: أَنَّهُ يُسرى؛ لأنَّ منع السِّرَايَةَ كان على توقع العتق لموجب التدبير، وقد بطل ذلك التوقع، وعلى هذا فيحكم بالسِّرَايَةِ عند ارْتِفَاعِ التَّدْبِيرِ أم بتبين استنادها إلى وقت الإعتاق؟ فيه وجهان.
الرَّابِعَةُ: إذا أعتق نصيبه، وقد ثبت حكم الاسْتيلاَدِ في نصيب الآخر بأن كان الآخر قد اسْتَوْلَدَهَا وهو مُعْسِرٌ، فهل يسري الإعتاق؟ حَكَى صَاحِبُ الْكِتَاب وَالإِمَامُ فيه اختلاف وجه، الأَصَحُّ: المنع؛ لأن السِّرَايَةَ تَتَضَمَّنُ النَّقْلَ، وأم الولد لا تقبل النقل من مالك إلى مالك، وقد يوجه الآخر: بأن الإعتاق وسِرَايَتَهُ ينزل مَنْزِلَةَ الإِتْلاَفِ وَإِتْلاَفُ أم الولد يوجب القِيمَةَ.
ولو اسْتَوْلَدَهَا أحدهما، وهو معسر ووقف الاسْتِيلاَدُ ثم اسْتَوْلَدَهَا الثاني أيضاً، وثبت حكم الاسْتِيلاَدِ في نصيبه، ثم أعتقها أَحَدَهُمَا وهو مُوسِرٌ ففي السِّرَايَةِ ما ذكرنا، فإذا جعلنا هذه الأمور مانعة من السِّرَايَةِ انْتَظَمَ أن يُقَالَ: شرط السِّرَايَةِ ألا يَتَعَلَّقَ بِمَحَلِّهَا حَقٌّ لازم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ): أن يَتَمَكَّنَ العِتْقُ مِنْ نَصِيبِهِ أَوَّلاً، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ نَصِيبَ شَرِيكِي لَغَا قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ نِصْفَ هَذَا العَبْدِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُ نِصْفِهِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: بِعْتُ هَذَا العَبْدَ فَيُنْزَلُ عَلَى نِصْفٍ شَائِعٍ لِيَبْطُلَ فِي البَعْضِ أَوْ يُخَصَّصُ بِنَصِيبِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي الإِقْرَارِ، وَالأَوْلَى تَخْصِيصُ البَيْعِ بِنَصِيبِهِ وَإِشَاعَةُ الإِقْرَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْتَرَطُ في السِّرَايَةِ: أن يوجه المُعْتِقُ الإعْتَاقَ على ما يملكه من العبد؛ ليتمكن العتق في نصيبه أولاً ثم يسري وذلك بأن يَقُولَ: أعتقت نصيبي من هذا العبد، أو النِّصْفَ الذي أَمْلِكُهُ، فلو قال: أَعْتَقْتُ نصيبَ شريكي، أو نصيبُ شريكي من هذا العبد حر، فهو 70 لَغْوٌ لا يؤثر في نصيب الشريك، ولا في نصيبه، وإن أَطْلَقَ وقال للعبد وهو يَمْلِكُ نصفه: أَعْتَقْتُ نِصْفَكَ، فعلام يحمل؟ -فيه وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: على النصف الذي يملكه، فإن الإنسان إنما يَعْتِقُ ما يملكه.
والثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي اللَّفْظُ على إطلاقه ويُحْمَلُ على النصف شائعاً؛ لأنه لا

الجزء: 13 - الصفحة: 323

يُخَصِّصُهُ بملك نفسه، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يعتقُ جميع العبد إذا كان موسراً.
أما على التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَيعتقُ نَصِيبُهُ الذي يملكه، ثم يَسْرِي، وأَمَّا على الثاني، فلأنه يعتق نصيب نصفه 71 وهو رُبْعُ العبد، ثم يسري إلى باقي نصيبه ثم [يسري] 72 إلى نصيب الشريك.
قال الإِمَامُ: ولا يكاد يظهر لهذا الخلاف فائدة، إلاَّ أن يَفْرِضَ تعليق طلاق أو إعتاق بأن يقول: "إن أعتقت نصفي في هذا العبد فامْرَأَتِي طَالِقٌ"، فإذا قلنا نِصْفُكَ حُرٌّ وقلنا بالوجه الأول؛ يقع الطلاق وإن قلنا بالثاني لا يقع، وإذا باع نصف العبد المُشْتَرَكِ بينه وبين غيره على المناصفة بِأَنْ قَالَ: بِعْتُ النصف الذي أملكه من هذا العبد، أو نصيبي منه، وهما يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ؛ فلا إِشْكَالَ، وإن أَطْلَقَ وقال: بِعْتُ نصفه فوجهان: أَحَدُهُمَا: تَنْصَرِفُ اللَّفْظَةُ إلى ما يملكه، فإن الذي يقدم على بيعه ما يملكه.
والثَّانِي: يقع شائعاً لإِطْلاَقِ اللَّفْظِ؛ فعلى هذا يكون بَائِعاً لنصف نصيب الشريك، فلا يَصِحُّ البيع فيه، ولنصف نصيبه فيكون على تفريق الصَّفْقَةِ.
ولو أَقَرَّ لإنسان بنصف العبد المشترك، ففيه هذان الوجهان، فإن قلنا بالأول فقد أَقَرَّ بنصف المعروف به، وإن قلنا بالثاني، فقد أَقَرَّ بنِصْفِ نَصِيب نَفْسِهِ ونصف نصيب [شريكه] 73. وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يُحْمَلُ النِّصْفُ المُطْلَقُ في البيع على ما يملكه؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يَبِيعُ ما لا يملكه، وفي الإقرار على الإِشَاعَةِ؛ لأن الإقرار إخبار، ولا يمنع أن يُخْبِرَ أن ما في يد زَيْدٍ مِلْكُ عَمْرٍو وَاسْتَحْسَنَ الإِمَامُ هذا الفرق، وبه أَجَابَ صَاحِبُ الكتاب فقال: "والأولى تخصيص البيع بنصيبه، وإِشَاعَةُ الإقرار" وفي "التَّهْذِيب" أن الأصح في البيع أيضاً الحمل على الإِشَاعَةِ 74، والله أعلم.
فَرْعَانِ: مِنَ اَلمُوَلَّدَاتِ: أحدهما: إذا قال أحد الشريكين للعبد: إذا دخلت دار كذا، فأنت حر، أو فنصيبي منك حر، وقال للآخر مِثْلَ ذلك، فإذا دخلها عتق على كل واحد منهما نصيبه، ولا تَقْوِيمَ؛ لِأَنَّ النصيبين عتقا دُفْعَةً واحدة وإنما يُقَوَّمُ، إذا تقدم إِعْتَاقُ أحدهما, ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 324

فرق بين أن يكونا موسِرَيْن أو مُعْسِرَيْنِ أو أحدهما موسراً، والآخر معسراً، وكذا لو قال أحد الشريكين للعبد: إذا كَلَّمْتَ فلاناً فنصيبي منك حُرٌّ وقال للآخر: إذا شَتَمْتَهُ فنصيبي منك حر فَشَتَمَهُ؛ يعتقان معاً.
وكذا الحكم لو وَكَّلاَ رَجُلاً بالإِعْتَاق فَأَعْتَقَ كله دفعة واحدة، ولا أثر لوقوع التعليقين أو التوكيلين في وقتين مختلفين، وإنما العبرة 75 بوقت الوقوع؛ ألا ترى أنه لو قال لامْرَأَتِهِ قبل الدخول: إذا دَخَلْتِ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً ثم قال بعد ذلك: إِذَا دَخَلْتِهَا، فأنت طالقٌ طلقتين فإذا دخلتها؛ تطلق ثلاثاً كما لو قال: فأنت طالق ثلاثاً.
الثاني: إذا قال أَحَدُ الشريكين للعبد المُشْتَرَكِ: أنْتَ حُرٌّ قبل موتي بشهر [ونجز] 76 الآخر عتقه بعده بيوم مثلاً فله أحوال: إِحْدَاهَا: أن يموت المُعَلّقُ لما دون شهر من وقت التعليق؛ فَيَعْتَقُ العَبْدُ كُلُّهُ على الثاني المنجز إن كان موسراً؛ لأنه لا يمكن، والحالة هذه أن يعتق بالتَّعْلِيقِ؛ لأنه لو عتقَ بالتعليق؛ لعتق عتقاً مُتَقَدِّماً على الموت بشهر ولو عتق هكذا؛ لعتق قبل التعليق، وكذا الحكم لو مات بعد مضي شهرين من أول شروعه في لفظ التعليق بلا زيادة، وما لم يَمْضِ شهر من وقت تمام التعليق لا يمكن أن يعتق بالتعليق.
الثَّانِيَةُ: إذا مات لأكثر من شهر 77 من وقت التعليق بأيام؛ يُعتقُ جَمِيعُهُ على الثاني أيضاً؛ لأن العتق بالتعليق يتقدم على الموت بشهر لا يَنْعَطِفُ أكثر من ذلك، وإعتاق المُنْجِزِ يتقدم على الشهر المتقدم على الموت فيؤخذ قيمته نصيب المعلق من المنجز، ويُدْفَعُ إلى ورثة المُعَلِّق.
هذا إذا قلنا: السِّرَايَةُ تحصل بالإعتاق، أو قلنا بالتبيين، وإن قلنا: إنها تحصل عند أداء القيمة، فإذا سَبَقَ وقت العتق بالتعليق أداء القيمة؛ كان في نفوذ العتق عن المعلق وجهان.
على ما سنذكره في تفريع أقوال السِّرَايَةِ.
الثالثة: إذا مات على رأس شهر من تمام صِيغَةِ التَّعْلِيقِ فيعتق جميع العبد على الأول؛ لتقدم ترتب العتق بالتَّعْلِيقِ على التنجيز.
الرَّابِعَةَ: إذا مات على رَأْسِ شهر من تمام كلام المنجز؛ فيعتق على كل واحد منهما نصيبه، ولا تقويم لوقوع العِتْقَيْنِ معاً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فَتَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ عَلَى قَوْلٍ، وَيتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ القِيمَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَعِنْدَ الأَدَاءِ يَتَبَيَّنُ إِسْنَادُ العتْقِ عَلَى قَوْلٍ وَيَنْبَنِي عَلَى الأَقْوَالِ مَسَائِلُ:

الجزء: 13 - الصفحة: 325

(الأُوْلَى) فِي تَعْجِيلِ تَسْرِيَةِ الاسْتِيَلادِ تَجْرِي فِيهِ الأَقْوَالُ، وَالعِتْقُ أَوْلَى بِالتَّعْجِيلِ لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ لِأَنَّ الاسْتِيلاَدَ فِعْلِيٌّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: متى تَثْبُتُ السِّرَايَةُ حيث يحكم بها فيه ثلاثة أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا -وبه أَجَابَ في "اختلاف الحديث"، و"اختلاف العِرَاقِيِّينَ" و"كتاب الوَصَايَا" أنها تثبت بنفس إعتاق الشريك، وبه قال أَحْمَدُ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ" 78. وَيُرْوَى: "فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ" وَيُرْوَى "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَهُوَ عَتِيقٌ" 79 ولأن يساره بقيمة الباقي أقيم مقام كون الباقي له في اقْتِضَاءِ السِّرَايَةِ فيحصل بنفس اللفظ كما لو أَعْتَقَ بعَضَ عبده، ولأن الباقي مُقَوَّمٌ عليه على ما مر في الخبر، والتقويم عليه يُشْعِرُ بِحُصُولِ الاتلاف.
والثاني: ويحكى عن القديم وغيره وبه قال مَالِكٌ: أن السِّرَايَةَ لا تحصل إلاَّ إِذَا أَدَّى قيمة نصيب الشريك؛ لأن التقويم لإزالة الضرر عن العبد والشريك، وفي إزالة ملك الشريك قبل حصول العوض إِضْرَارٌ به، فإنَّه قد يَفُوتُهُ بِهَرَبٍ وغيره، والضَّرَرُ لا يزال بالضَّرَرِ ولذلك نقول: يتوقف التملك بالشُّفْعَةِ على تسليم العوض.
والثَّالِثُ: أنا نَتَوَقَّفُ فإن 80 أَدَّى القيمة؛ بَانَ حصول العتق من وقت اللفظ وإن فَاتَ؛ تَبَيَّنَّا أنه لم يُعْتَقْ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الحكم بالعتق يَضُرُّ بالسيد [والتأخير] 81 إلى أداء القيمة يضر بالعبد، والتَّوَقُّفُ أقرب إلى العدل، ورعاية الجانبين، وهذا القول فيما ذكر بعضهم مَخْرَجٌ للأصحاب.
والأكثرون قالوا: هو منصوص في البويطي وَحَرْمَلَةَ، ويجوز أن يعلم لما بينا قوله في الكتاب: "فَتَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ" بالميم.
وقوله: "وَيتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ القِيمَةِ" بِالأَلِفِ وقوله: "ويتبين إسناد العتق".
بهما جميعاً.
وَاعْلَمْ أنه ساعد المُزَنِيَّ على اختيار القول الأول مُعْظَمُ اَلأَصْحَاب -رحمهم الله تعالى- لكن ضَايَقُوه في التوجيه والتعليل على دَأَبِهِمْ مَعَهُ، وأكثر ما احتجَّ به من الوجوه يصلح للترجيح ولم أُطَوِّلْ بِحِكَايَتِهَا فيتعلق بالأقوال، وَيتَفَرَّعُ عليها مسائل مذكورة في

الجزء: 13 - الصفحة: 326

الكتاب وغير 82 مذكورة، ونقدم ما في الكتاب.
فمنها: إذا أولد أحد الشريكين الجارية المُشْتَرَكَةَ منهما بالسوية، فإن كان مُوسِراً سَرَى الاسْتِيلاَدُ كالعتق، وسرى بنفس العلوق أو عند أداء القيمة أو يَتَبَيَّنُ بأدائها حصول السِّرَاية عند العلوق، فيه الأقوال المذكورة في العتق.
وهل بين العتق والاسْتِيلاَدِ تَرَتُّبٌ أَم يَسْتَوِيَانِ؟ وبتقرير الترتيب فَالعِتْقُ بِالسِّرَايَةِ أَوْلَى، أو الاستيلاد؟ فيه الاخْتِلاَفُ المذكور في الرَّهْن، وعلى الأقوال يجب على المُسْتَوْلِدِ نِصْفُ المهر للشريك مع نصف فيمة الجارية.
ثم إن قلنا: بحصول المِلْكِ بأداء القيمة؛ فيجب مع ذلك قسط نصيب الشريك من الولد.
وإن قلنا: يحصل بِالْعُلُوقِ أو قلنا: بالتَّبْيِين فقد حكى الإمَامُ خلافاً للأصحاب في أنه يثبت بعد العتق أو قبله إن قلنا بعده؛ وجب نصف قيمة الولَد أيضاً، وإن قلنا قَبْلَهُ لم يجب، وهذا ما أجاب به في "التَّهْذِيبِ" 83 ولو وَطِئَهَا الثاني قبل أداء القيمة؛ فإن أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ بنفس العلوق فعلى الثاني كَمَالُ المهر للأول، وللثاني على الأول نِصْفُهُ فيقع نصف المهر للتقاص 84 وإن قلنا: يحصلى عند أداء القيمة؛ فعليه نصف المهر وله على الأول نصفه، فيقع في التقاص إن كان الذي أَوْلَدَ مُعْسِراً ثبت الاسْتِيلاَدُ في نصفه، ونصف الآخر قن ويكون الولد حرًا كله، أو يَتَبَعَّضُ فيه الرق والحرية.
فيه وجهان أو قولان، والصُّورَةُ مذكورة في الكتاب مشروحة في أحكام الْغَنَائِمِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): عَبْدٌ بَيْنَ ثَلاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ ثُلُثُهُ وَلِلآخَرِ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَا وَسَرَى رُؤُوسِهِمَا فَالقِيمَةُ لِلسِّرَايَةِ عَلَى عَدَدِ أَوْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَبْدٌ بين ثلاثة -لِأَحَدِهِمْ نصفه وللآخر ثلثه والثالث سُدُسُهُ، فأعتق أحدهم نصيبه وهو مُوسِرٌ يسري العتق إلى نصيب الشريكين؛ وإن كان مُوسِراً ببعض

الجزء: 13 - الصفحة: 327

قيمة الباقي، وقلنا بالصحيح قُوِّمَ عليه بنسبة المقدور عليه من نصيب كل واحد منهما، فإذا كان مُوسِرَاً بِثُلُثِ الباقي قُوِّمَ عليه ثُلُث نصيب كل واحد منهما.
ولو أَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُم نَصِيبَهُمَا معاً أو علقا بشرط واحد، أو وَكَّلاَ رجلاً بالإعتاق عنهما فأعتق نصيبهما دَفْعَةً وَاحِدَةً، فإن كان أَحَدُهُمَا مُوسِراً قُوِّمَ عليه نصيب الثالث، وإن كانا مُوسِرَيْنِ قُوِّمَ نصيب الثالث عليهما.
وكيف يقوم عليهما؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين: أحدهما: أنه يجعل القيمة عليهما بالسَّوِيَّةِ.
والثاني: أنها تجعل عليهما على قدر المِلْكَينِ فإذا أعتق صاحب النصف وصاحب السدس، غُرِمَ صاحب النصف ثلاثة أَرْبَاعِ قيمة الثلث، وصاحب السدس ربعها.
قال في "النِّهَايَةِ".
والقولان مبنيان 85 على أن الشُّفْعَةِ على عدد الرؤوس أو على قدر الأَنْصِبَاءِ.
والثاني: القطع بأَنَّها على عدد الرؤوس بخلاف الشُّفْعَةِ على أحد القولين، وفرق بينهما: بأن الأخذ بالشُّفْعَةِ من فوائد الملك، ومرافقة، فيكون على قدر الملك كالثمرة والنتاج والقيمة الواجبة هاهنا سبيلها سبيل ضمان المتلفات، وفي ضَمَانِ الإِتْلافَاتِ لا يفرق الحال بين أن تقل الجِنَايَةُ أَوْ تَكْثُرُ؛ أَلاَ تَرَى أنه لو جرح واحد جراحة، والآخر جراحات فمات المجروح منها تكون الدِيَّةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وهذه الطريقة أظهر باتفاق فرق الأصحاب لكن الإِمام ارْتَضَى طَرِيقَةَ القولين وهي التي أَوْرَدَهَا صاحب الكتاب، وعن مالك روايتين كالقولين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا حَكَمْنَا بِتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ فَيَجِبُ أَقْصَى قِيمَتِهِ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ إِلَى يَوْمِ الأَدَاءِ، وَقِيلَ بَلْ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الأَدَاءِ، وَقِيلَ بَلْ يَوْمُ الإِعْتَاقِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ القِيمَةِ فَالقَوْلُ الصَّحِيحُ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الغَارِمِ إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الغَارِمُ نَقِيصَةً طَارِيَةً فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ تَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إن قلنا: السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإِعْتَاقِ أو قلنا [بالتبيين] 86؛ فتعتبر قيمة يوم الإعتاق، وإن قلنا بتأخرها إلى الأداء فقد حكى الإِمَامُ وَصَاحِب الكتاب وُجُوهَاً: أَحَدُهَا: أن المُعْتَبَرَ قيمة يوم الأداء؛ لأَنَّ التَّلَفَ يَحْصُلُ يومئذ.

الجزء: 13 - الصفحة: 328

والثاني: يَعْتَبِرُ يَوْمَ الإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ الحَجْرَ عَلَى المالك يَحْصُلُ يومئذ.
وَالثَّالِثُ: أنه يُعْتَبِرُ أَقْصَى القيم من يوم الإعتاق إلى يوم الأداء؛ لِأَنَّ الإِعْتَاقَ سَبَبٌ يدوم أَثَرَهُ إلى التلف، فيكون بمثابة [جراح] 87 العبد ومن جَرَحَ عبداً ثم مَاتَ بعد مدة؛ يعتبر أقصى القيم من يوم الجرح إلى يوم الموت، وكذا إذا غصب عبداً وتلف في يده أقصى القيم لأنا ننزل 88 الغصب منزلة التسبب إلى التلف وهذا ما رَآهُ الإِمَامُ الصواب وَنَظْمُ الْكِتَابِ يَقْتَضِي تَرْجِيحُه؛ لكن الذي أورده أكثرهم [قيمة يوم الإِعْتَاقِ] 89 وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الإِعْتَاقَ.
هو السبب المُوجِبُ للتقويم، فإن تَأَخَّرَ التقويم فهو كاَلمفوضة يجب لها مهر المثل بالدخول، باعتبار يَوْم الْعَقْدِ؛ لأن الْبِضْعَ دخل في ضَمَانِهِ يَؤمَئِذٍ، وعلى أن في المفوضة وجهاً آخر: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ يَوْمَ الإصابة.
ولو اختلفا في قيمة العبد فَقَالَ المعتقُ: قِيمَتُهُ مائة وقال الشَّرِيكُ: بل مائتان، فإِن كان العبد حاضرًا والعهد قريب فُصِلَ الأمر بِمراجعة المُقَوِّمِين، وإن مات العبد أو غَابَ أو تَقَادَمَ العهد فمن المصدق منهما باليمين.
فيه قولان: أَصحُّهُمَا -وهو اختيار المُزَنِيُّ: العتق 90 - لِأَنَّهُ الْغَارِمُ وهذا كما أنه إذا اختلف الغاصب والمالك في قيمة المغصوب بعد تلفه يُصَدَّقُ الغَاصِبُ.
والثاني: أن المصدق -الشريك؛ لأن المعتق يتملك عليه قهراً، فيصدق المتملك عليه كما إذا اختلف الشفيع مع المشتري في الثمن المأخوذ به يصدق المشتري وَعَلاَمَ يبني القولان؟ قال أكثرهم: هما مبنيان على أن السِّرَايَةَ تتعجل بِاللَّفْظِ، أو تتأخر إلى أداء القيمة، إن قلنا: تتعجل فالمصدق المعتق؛ لأنه غَارِمٌ وإن قلنا: يتأخر فالمصدق الشريك؛ لأن ملكه باقٍ فلا يُنْتَزَعُ إلاَّ بما يقوله، كما في المُشْتَرِي مع الشفيع.
وعن الْقَفَّالِ: أن القولين جاريان سواء قلنا: بتعجل السِّرَايَة أو تأخرها، وهما كما نص الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- فيمن اشْتَرَى عبدين ومات أحدهما عنده ووجد بالآخر عيباً، وقلنا: إن له أن يفرده بالرد ويسترد حِصَّتَهُ من الثمن، [فلو اختلفا في قيمة العبد ليعرف حصة المردود من، الثمن] فقد ذكر قولين: أحدهما: أن المصدق البائع-؛ لأنه يملك 91 جَمِيعَ الثمن، والآن يحتاج إلى الرد فهو غَارِمٌ.
والثاني: أن المصدق المشتري؛ لأن البائع يدعى عليه أنك تملكت العبد التالف

الجزء: 13 - الصفحة: 329

بِثُلُثِي الثَّمَنِ مثلاً وهو يقول: تملكته بالنصف.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وفائدة الطريقتين في الأب إذا استولد جَارَية ابنه؛ فإن بنينا القولين على أَنَّ السِّرَايَةَ متى تحصل، وهناك 92 المصدق في قيمة الجارية الأب؛ لأنه ليس هناك قول أنَّ الاسْتِيَلادَ يتوقف على أداء القيمة، وإن لم يبن علي ذلك الأصل فهاهنا أيضاً قولان: أحدهما: يصدَّقُ الأب؛ لأنه غَارِمٌ.
والثاني: الابن -إذ الأصل ألاَّ يستحق إلاَّ بما يزعم، ولو اختلفا في صِفَةٍ في العبد تَزيد بها القيمة، وهما متفقان على قيمته، لو لم توجد تلك الصفة.
مِثْلُ: أن يَدَّعِي الشريك أنه كان خبازاً وأنكر المعتق، فإن كان العبد حاضراً، وهو يحسن الصَّنْعَةَ ولم يَمْضِ من الزمان بعد الإِعْتَاقِ ما يمكن تعلمها فيه؛ فَيُصَدَّقُ الشَّرِيكِ.
وإن مضى من الزمان ما يمكن التعلم فيه، أو كان العبد غائباً أو ميتاً فَطَرِيقَانِ: أحدهما: أن في المصدق منهما قَوْلاَنِ؛ لأنهما مختلفان في قدر القيمة كما في الصورة السابقة: وَأَصَحُّهُمَا -وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَوْلُ قول المعتق؛ لأن الأصل عدم الصفة التي يدعيها الشريك [وبراءة ذمته عن الزيادة التي يدعيها الشريك] 93 وَلاَ يُقْبَلُ قول العبد على الشريك: إني لست بِخَبَّازٍ؛ لأنه قد يكتم الصَّنْعَةَ ولا على المعتق أني أحسنها بل يجرب، ولو اختلفا في عيب بالعبد [ينقص القيمة] 94؛ يُنْظَرُ إِنِ ادَّعى المعتق عيباً في أصل الخلقة بأن قال: كان أَكْمَهَ أو أَخْرَسَ.
وقال الشريك: بل كان بصيراً ناطقاً، وقد غاب العبد أو مات فَيُصَدَّقُ المُعْتِقُ بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذِمَّتِهِ، والأصل عَدَمُ ما يدعيه الشريك، ومنهم من يجعله 95 على قولين، كما إذا اختلفا في مقدار القيمة مطلقاً، والظاهر الأول لكن خَصَّصَهُ في "التَّهْذِيبِ" بما إذا ادَّعَى [النقصية] 96 في الأعضاء الظاهرة أما إذا ادعاها في الأعضاء الباطنة، فهو على القولين فيما إذا ادعى حدوث العيب بعد أصل السَّلاَمَةِ، والفرق أن في الأعضاء الظاهرة يتمكن الشريك من إثبات السلامة، وإن ادعى حدوث عيب بعد السلامة: بأن زعم ذِهَابَ بَصَرِهِ، أو كونه آبِقَاً أو سَارِقاً فَقَوْلاَنِ: أحدهما: أنه يُصَدَّقُ اَلمُعْتِقُ؛ لأَنَّ الأصل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: [على] 97 ما ذكره الرَّوْيَانِيُّ، و"صاحب التَّهْذِيبِ": أن المصدق

الجزء: 13 - الصفحة: 330

الشريك لأن الأصل عدم حدوث العيب، وعن المَاسَرْجَسِيِّ: بناء القولين على أن السِّرَايَةَ تتعجل أو تتأخر إن تعجلت صدق المعتق؛ لأنه غارم وإلاَّ فلا وقد سبق مثله، وخصص بعضهم القولين بما يشاهد، ويطلع عليه وقطع فيما لا يشاهد بتصديق الشريك لِعُسْرِ إِثْبَاتِهِ بالبينة.
وقوله في الكِتَابِ: "فَيخرج على قولي تقابل الأصلين" المقصود منه ما بينه الإِمام وصاحب الكتاب فِي "الْوَسِيطِ": وهو أنه ليس المعنى تقابل الأصلين نفارهما بحيث يستحيل الترجيح؛ لأن التعارض المحقق؛ يقتضي سقوط القولين ولا بد من الفتوى بأحدهما، وتَخيِيرِ المعْنَى بين مُتَنَاقِضَيْنِ لا وجه له.
ولكن يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ من وجه آخر، سوى استصحاب الأصول، فإن لم يظهر وَجَبَ التَّوَقُّفُ إلى أن يظهر.
نعم خُصِّصَتِ المَسَائِلُ التي يتدانى فيها مأخذان، ويتقابل أصلان بحيث يَدِقُّ فيها الترجيح بهذا اللَّقَبِ وذلك كوجوب فطرة العبد المنقطع خبره، فالأصل بَرَاءَةُ اَلذِّمَّةِ من جانب وبقاء الحياة من جانب، وكما في دعوى حدوث العيب في الفصل [بأن] 98 الأصل عدم الحدوث من جانب، وبراءة الذمة من جانب، فإن لم يسلم الغَارِمُ أصل السلامة خرجت الصورة عن قالب التقابل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِنْ مَاتَ المُعْتِقُ قَبْلَ الأَدَاءِ عَلَى قَوْلِ التَّوَقُّفِ فَالقِيمَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ العَبْدُ فَفِي سُقُوطِ القِيمَةِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الشَّرِيكِ قَبْلَ الأَدَاءِ، وَفِي إِعْتَاقِهِ وَجْهَانِ، وَمَهْمَا أَعْسَرَ المُعْتِقُ قَبْلَ الأَدَاءِ ارْتَفَعَ الحَجْرُ عَنِ الشَّرِيكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل جُمْلَتَانِ: إحداهما: إذا مات الْمُعْتِقَ قبل أداء القيمة؛ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ أما إذا قلنا بتعجيل 99 السِّرَايَةِ، أو قلنا بالتبيين فظاهر، وأما إذا أَخَّرْنَاهَا إلى أداء القيمة فلأن الإعتاق وجد في الحياة، وصار عِتْقُ نصيب الشريك مستحقاً به، وذلك مما يُوجِبُ القيمة، وقد يُوجَدُ سَبَبُ الضَّمَانِ في الحياة، ويتأخر الوجوب عنها، كمن حفر بئراً في محل عدوان، وتردى فيها بَهِيمَةٌ أو إنسان بعد موته، وإِنْ أُعْسِرَ بَعْدَ الإِعْتَاقِ وَمَاتَ مُعْسِراً [فإن أثبتنا] 100 السِّرَايَةَ بنفس الإعتاق، فالقيمة في ذِمَّتِهِ، وإن قلنا بالقولين الآخرين لم يعتق نصيب الشريك ذكره في "التَّهْذِيبِ".
وقوله في الكتاب: "ولو مات المعتق قبل الأداء على قول التوقف" لم يرد به

الجزء: 13 - الصفحة: 331

التوقف في الحكم إلى أن يوجد الأداء أو لا يوجد، ولكن أراد توقف العتق على أداء القيمة كمن ذكر في التعبير عن الأقوال فيقال: ويتوقف على أداء القيمة على قول، ثم إن الحكم المذكور وهو أن القيمة في تركته لا يختصُّ [بهذا] 101 القول بل هو على سائر الأقوال أظهر وإنما خصه بالذكر؛ لأنه موضع الشبهة.
ولو مات العبد قبل أداء القيمة فإن قلنا السراية تحصل بالإعتاق مات حراً موروثاً منه فيؤخذ قيمة نصيب الشريك، وإن قلنا بالتبيين وقف إلى أداء القيمة، فإذا أديت فإن الأمر كذلك، وإن قلنا تأخر السراية إلى وقت الأداء فوجهان: أظهرهما: أنها تسقط؛ لأن وجوب القيمة ليحصل العتق والميت لا يعتق.
والثاني: المنع؛ لأنه مال استحق في الحياة فلا يسقط بالموت.
وذكر الإِمام على هذا أنه يجب على المعتق قيمة نصيب شريكه ثم يتبين أن العتق حصل قبيل موته وهو يضاهي مذهب أبي حنيفة في أن المكاتب إذا خلف وفاءً يؤدى النجوم منه.
وفي "التهذيب" تفريعاً على تأخر السراية أنه يموت نصفه رقيقاً ثم ذكر الوجهين في أن للشريك أن يطالبه بقيمة نصيبه وهذا بعيد.
الجملة الثانية: إذا أعتق الشربك نصيبه قبل أخذ القيمة لم ينفذ أثبتنا السراية في الحال وإن أخرناها إلى أداء القيمة فوجهان: أحدهما: لا ينفذ أيضاً؛ لأن المعتق استحق أن يملكه بالقيمة ليعتق عليه ويكون ولاءه له ولا يكون صرف العتق عن المستحق لغيره كما أن المستولدة لما صارت مستحقة العتق على السيد لم يجز صرف عتقها إلى غيره.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة والإصطخري، وأبو علي بن خيران، وابن أبي هريرة -رحمهم الله- أنه ينفذ لمصادفته الملك، وأيضاً فلان المقصود تكميل العتق والتكميل يحصل به ويغني عن القيمة، وهذا أظهر عند الصيدلاني والأول أظهر عند معظم الأصحاب، فإن قلنا ينفذ الإعتاق فعن القاضي الحُسين: إن في البيع والهبة ونحوهما وجهين، وهو المذكور في الكتاب المنع، وعن الشيخ أبي محمد: القطع به، وإذا قلنا بنفوذ البيع فهل للشريك أن يشفع البيع بالنقض فيبذل القيمة كما [ينقض] 102 الشفيع بيع المشتري فيه احتمال للإمام.
وللشريك مطالبة المعتق بقيمة نصيبه على الأقوال جميعها، أما على غير قول التأخير فظاهر وأما على قول التأخير فلأنه محجور ممنوع من التصرف والحيلولة من

الجزء: 13 - الصفحة: 332

أسباب [الضمان] 103. قال الإِمام: ويلزم على قولنا بنفوذ البيع ونحوه ألا يملك مطالبته به وأن يكون المعتق مختاراً في بذل القيمة كالشفيع في بذل الثمن وهو ضعيف وإذا دفع المعتق القيمة أجبر الشريك على قبولها إن وقفنا العتق على أدائها وإذ لم يدفع المعتق ولا طلب الشريك فللعبد طلب الدفع من هذا والقبض من هذا، فإن امتنع فللحاكم مطالبتهما؛ لأن العتق متعلق حق الله تعالى فإن كان الشريك غائباً فيدفع القيمة إلى وكيله فإن لم يكن له وكيل جعله القاضي عند أمين، وله أن يقرها في يد المعتق إذا كان أميناً.
وإذا تعذرت القيمة لإفلاس أو هرب ففي كلام الصيدلاني والروياني وحكاه الإِمام عن الشيخ أبي علي: أنه يبقى نصيب الشريك رقيقاً ويرتفع الحجر عنه؛ إذ لا وجه لتعطيل ملكه عليه من غير بدل، وللإمام قدس الله روحه فيه احتمال؛ لأن علته العتق فيثبت ويلزم، وأقام هذا الاحتمال في "الوسيط وجهاً" فقال: "الصحيح أن اعتبار العتق يرفع الحجر" وما حكينا عن "صاحب التهذيب": أنه أعسر المعتق ومات معسراً يشعر بالجواب بذلك الوجه فإنه لم يكتف بالإعسار بل اعتبر الموت ولو عاد اليسار قال الشيخ أبو علي يعود التقويم؛ لأن حَقَّ آلْعِتْق قد ارتفع بِتَحَلُّلِ الإِعْسَارِ، وفيه احتمال أيضاً للإمام.
فَرْعٌ: إذا قلنا: لا تحصل السِّرَايَةُ قبل أداء القيمة، فلو وَطِئَ الشَّرِيكُ الجَارِيَةَ قبل الأداء؛ وجب نصف المهر لنصفها الحر.
قال الإمَامُ: وَلْيَقَعِ الغَرَضُ في وَطْئٍ مُحْتَرَمٍ أو فيما إذا كانت مُكْرَهَةَ مَضْبُوطَةً، وفي النصف الآخر وجهان عن رواية "صاحب التَّقْريبِ": أَظهَرُهُمَا: أنه لا يلزم لمصادفته ملكه.
والثاني: يَلْزَمُ ويصرف إلى الشريك المعتق؛ لأن المِلْكَ إن كان للواطئ فهو مُسْتَحِقُّ الإنْقِلاَبِ إليه وهذا الوجه ذكر فيما إذا باع جارية بشرط خيار، وقلنا: إن المِلْكَ للبائع فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ لَمْ يفْسَخِ الْعَقْد أن المهر للمشتري نظراً إلى المال.
قال الإِمَامُ: ويجوز أن يقال تَفْرِيعاً على الوجه الثاني، أنه يكون للجارية؛ لأن مصيرها إلى العتق بتقدير الانقلاب إلى المعتق، وينبغي أن لا ينجز إلزامه بل يتبين عند [عدم] 104 السِّرَايَةِ، حتى لو ماتت الجارية، وقلنا لا سرَايَةَ بعد الموت، فلا يوجب نصف المهر، كتَبين اسْتِمْرَارِ الملك له، وإن قلنا تحصل السِّرَايَةُ بنفس الإعتاق؛ فيجب جميع المهر لها ولا حدَّ للاختلاف في ملكه والله أعلم 105.

الجزء: 13 - الصفحة: 333

قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا قَالَ: مَهْمَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ فَأَعْتَقَ المَقُولُ لَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ عُتِقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَقْوَى مِنَ التَّعْلِيقِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً نَفَذَ عَلَى المُعَلِّقِ، وَإِنْ قَالَ: فَنَصِيبِي قَبْلَهُ حُرٌّ فَهُوَ دَوْرٌ وَيَمْتَنِعُ عَلَى المَقُولِ لَهُ عِنْدَ مَنْ يبْطِلُ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال أحد الشريكين للآخر: إذا أَعْتَقْتَ نصيبك؛ فنصيبي حُرٌّ أو قال: فجميع العبد حر [أو قال] 106: فنصيبي حر بعد عتق نصيبك، فإذا أعتق المقول له نصيبه نُظِرَ، إن كان معسراً عتق على كل واحد منهما نصيبه على المقول له بالتنجيز، وعلى المعلق [بمقتضى العتق] 107 فإن كان مُوسِراً عُتِقَ نصيبه عليه ثم إن قلنا السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإعتاق عتقَ الكُلُّ عليه ولزمته قيمة نصيب الشريك، ووجه ذلك بأن السِّرَايَةَ أقوى من العتق بالتعليق؛ لأن السِّرَايَةَ قَهْرِيَّةٌ متابعة لِعِتْقِ النَّصِيب، لا مَدْفَعَ لها فكان المِلْك الذي تَتَضَمَّنُهُ السِّرَايَة مُخْتَطَفٌ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْبَيْنِ وموجب التعَليق قابل للدفع بالبيع ونحوه، وإن قلنا بالتبيين، فكذلك الحكم إذا أَدَّيْتَ القيمة وإن قلنا بتأخر السِّرَايَةِ إلى أداء القيمة فنصيب المعلق عمن يعتق؟ فيه وجهان: أحدهما: عن المعلق لوجود الصفة ونصيبه في ملكه.
والثاني: عن المعتق وعليه قيمته، وبنى ذلك على الخلاف في أنه إذا أَعْتَقَ أحد الشريكين نصيبه.
هل يَنْفُذُ إِعْتَاقُ الآخر قبل أداء القيمة؛ تفريعاً على هذا القول، إن قلنا: نعم.
عُتِقَ نَصِيبُ المعلق عنه، وإن قلنا لا -عتق على المَقُولِ لَهُ إذا أَدَّى القيمة.
ولو قال: إذا أَعْتَقْتَ نصيبك فنصيبي حُرٌّ مع عتق نصيبك، أو في حال عِتْقِ نصيبك فوجهان مع التفريع على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق: أحدهما: وبه قال ابْنُ القَاصِّ وَصَاحِبُ "التَّقْرِيب": أنه يُعْتَقُ جميع العبد عليهما.
نِصْفُهُ عن المعتق بالإعتاق، ونِصْفُهُ عن المُعَلِّقِ بوجَود الصفة، ولا شيء على المُعْتِقِ وذلك أن اعتبار المَعِيَّةِ يَمْنَعُ السِّرَايَةَ وهذا ما اختاره الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وحكاه الرَّويَانِيُّ عن عامة الأصحاب -رحمهم الله-.
والثاني -وبه قال القَفَّالُ: أَنَّه يُعْتَقُ الجميع على المَقُولِ لَهُ أيضاً، ولا أثر لقوله: مع نصيبك، فإن المُعَلِّقَ لا يقارن المعلَّق عليه، بل يَتَأَخَّرُ عنه لا مَحَالَةَ، وهذا ما أورده الشيخ أَبُو عَلَيٍّ في شَرْحِ الفروع، وألحقه.
بما حَكَى عن ابن سُرَيْجٍ أَنَّهُ: لو قال لعبده سَالِمٍ: أنت حر في حال عِتْقِ غَانِمٍ أو قال: مهما أَعْتَقْتُ غَانِماً فأنت حر مع عتقه، ثم

الجزء: 13 - الصفحة: 334

أعتق غانماً في مَرَضِ الموت، وَالثُّلُثُ لا يفي إلاَّ بأحدهما، لا يُقْرَعُ بينهما بل يتعين غانم للعتق؛ لأن عِتْقَ سَالِمٍ مَشْرُوطٌ بعتقه، فلا يُؤْخَذُ دُونَهُ، وهذه المسألة قد مَرَّتْ في "الوصايا" من غير تَعَرُّضِ المعلق لِلمَعِيَّةِ وذكرنا وجهاً: أنه يُقْرعُ بينهما والوجهان المذكوران فيما إذا قال: فنصيبي حُرٌّ مع نصيبك يجريان هاهنا أيضاً، وبناهما الإمَامُ على أنه إذا أَعْتَقَ عبيداً في مرض موته؛ لا مال له غيرهم وَرَدَّ الإعْتَاقَ إلى الثُّلُثِ، فكيف تقدر [أنقول] 108: ثبت الإعتاق في الزائد على الثلث، ثم أبطلَ أو نقول يَتَبَيَّنُ في العصر في الثلث أَنَّهُ لم يثبت في غيره.
فيه قولان يجريان في كل وَصِيَّةٍ زَائِدَةٍ على الثلث، فإن قلنا يَثْبُتُ العتق في الجميع ثم أبطل فَيُقْرَعُ بينهما، ويجعل كأنه أَعْتَقَ العبدين، وإذا خرجت القُرْعَةُ على سالم عتق؛ لأنه [قد] 109 ثبت عِتْقُ غَانِمٍ وتحققت الصفة ثم رُدّ، وإن قلنا يتبين أنه لم ينفذ فلو أَقْرَعَ وخرجت القرعة لسالم؛ لزم ألاَّ يعتق غانم؛ لأن القرعة لم تخرج له، إِلاَّ بعتق سالم؛ لأن شرط عِتْقِهِ عِتقُ غَانِمٍ، وكيف يجوز أن يعتق عبدين يخرج أحدهما من الثلث ولا يعتق واحد منهما؛ فلذلك تَعَيَّن عِتْقُ غَانِمٍ، ولو قال: إذا أعتقت نَصِيبَكَ؛ فنصيبي حُرٌّ قبل عتق نصيبك فَأَعْتَقَ المَقُولَ [له] 110 نصيبه نُظِرَ إن كانا مُعْسَرَيْنِ أو كان المُعَلِّقُ معْسِراً عَتِقَ نصيب المُنْحز، ونصيب المُعَلَّقِ يعتق عليه قبل ذلك بموجب التعليق، ولا سِّرَايَةَ، وإن كان القائل المعلق موسراً، قولنا السِّرَايَةُ تَحصُلُ بنفس الإعتاق ففيه وجهان: من صَحَّحَ الدَّوْرَ اللَّفْظِيَّ كابْنِ الحَدَّادِ يقول: لا يَنْفُذُ إعتاق المقول له في نصيبه؛ لأنه لو نَفَذَ لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق لَسَرَى وَلَوْ سَرَى لَبَطَل عِتْقُهُ؛ فيلزم من نفوذ عتقه 111 عدم نفوذه، وعلى هذا فلو قال السَّيِّدُ لعبده: مهما أعتقتك فأنت حر [مثله] 112 لم يتمكن من إعتاقه كما سبق نظيره في "الطلاق"، ولو صدر هذا التعليق من الجانبين امْتَنَعَ الإِعْتَاق عليهما.
ولو قال أحدهما للآخر: مهما بِعْتُ نصيبك فنصيبي حر قبله: لم ينفذ البيع.
والمستبعدون لصحة الدور وَانْسِدَادِ بَابِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ أولى بالاستبعاد هاهنا لتَضَمُّنِهِ الحَجْرَ على 113 الغير 114، وَمَنْ لاَ يُصَحِّحُ الدَّوْرَ، وهو الأظهر يقول: بِعِتْقِ نَصِيبِ كل واحد منهما عنه، ولا شيء لأحدهما على الآخر كما لو قال: مع نصيبك وإن قلنا:

الجزء: 13 - الصفحة: 335

إِنَّ العِتْقَ 115 بأداء القيمة فإن نَفَّذْنَا قَبْلَهُ على المعلق، وإن لم ننفذه.
قال الإِمَامُ: تدور المسألة أيضاً؛ لأنه إذا أعتق نصيب المعلق أولاً؛ صادف إعتاق الثاني من هو مُسْتَحِقُّ العِتْقِ الأَوَّلِ، فلا ينفذ، وإذا لم ينفذ لا يعتق نصيب المعلق؛ لأنه مشروط به، وفي هذه الصور جميعاً لو أعتق المعلق نصيبه، عتق وتثبت السِّرَايَةُ إذا وجد شرطها.
والله أعلم 116. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (السَّادِسَةُ) لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنْتَ مُوسِرٌ فَأَنْكَرَ عِتْقَ نَصِيبُ المُدَّعِي مَجَّاناً وَلَهُ أن يُحَلِّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ اسْتَحَقَّ باليَمِيْنِ المَرْدُودَةِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَلَمْ يُعْتَقْ نَصِيبُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: إِنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَاباً فَنَصِيبِي حُرٌّ وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَصِيبِي حُرٌّ لَمْ يُعْتَق شَيْءٌ لِلشَّكِّ، فَإِنِ اشْتَرَى العَبْدَ ثَالِثٌ حُكِمَ بِحُرِّيَّةِ النِّصْفِ فِي يَدِهِ لِلْيَقِين وَلَمْ يَكن لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا رُجُوعٌ بِالثَّمَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادعى أحد الشريكين على الآخر، وهو مُوسِرٌ أنك أعتقت [نصيبك] 117 وعليك قيمة نصيبي؛ فأنكره نُظِرَ؛ إن كان للمدعي بَيِّنَةٌ؛ حَكَمَ بِمُقْتَضَاهَا وَمَتَى يعتق نصيب المدعي، فيه الأقوال، وإذا لم تكن بينة فالمصدق المنكر مع يمينه، فَإِنْ حَلَفَ رَقَّ نصيبه، وإن نَكَلَ حلف المدعي اليمين المردودة واستحق القيمة.
والصحيح: أنه لا يُحْكَمُ بِعِتقِ نصيب المدعى عليه؛ لأن الدَّعْوَى إنما توجهت عليه؛ بسبب القيمة، إلا فلا معنى للدعوى على الإنسان [أنه] 118 أعتق عبده وإنما ذلك من وظيفة العبد، نعم.
لَوْ شَهِدَ هذا المدعي مع آخر ثبت العتق بشهادة الحِسْبَةِ.
قال الإِمَامُ: وأبعد [بعض] 119 من لا خبرة له وقضى بالعتق في نصيب المدعى عليه بيمين الرد تبعاً لدعوى انقيمة، وهل يُحْكَمُ بِعِتْقِ نَصِيبِ المُدَّعِي إذا حَلَفَ المُدَّعَى عليه لو نَكَلَ، وحلف المُدَّعِي إن قلنا: إن السِّرَايَةَ تُتَعَجَّلُ فَنَعَمْ.
لإِعْتِرَافِهِ بِسِرَايَةِ إعتاق المُدَّعَى عَلَيْهِ إلى نصيبه، وإن قلنا بالتأخير؛ لم يعتق وإذا عُتِقَ نصيبه فلا يسرى إلى نصيب المُنْكِرِ وإن كان المُدَّعِي موسراً؛ لأنه لم [ينشئ] 120 العتق فَأَشْبَه ما إذا ادَّعَى أحد الشريكين على رجل أنك اشتريت نصيبي، وأعتقته، وأنكر المُدَّعَى عَلَيْهِ يعتق نصيب المدعي، ولا يَسْرِي، وَوُجِّهَ أيضاً: بأن نصيبه عتق لا باختياره بل نصيبه لقوله: أعتقت نصيبك فصار كما لو وُرِثَ بعض من يعتق عليه، يعتق ما ورثه، ولا يسري وإن

الجزء: 13 - الصفحة: 336

قلنا: لا يُعْتَقُ إلاَّ بعد أداء القيمة لم يعتق نصيب المُدَّعِي بقوله: أَعْتَقْتُ نَصِيبَكَ وَإِنْ صَدَّقَ المُدَّعَى عليه الشريك [فلا] 121 إشكال، وإن كان المُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِراً، وَأَنْكَرَ وحلف لم يعتق شيء من العبد، فإن اشترى المُدَّعِي نصيب شريكه بعد ذلك؛ عُتِقَ مَا اشْتَرَاهُ؛ لإقراره بأنه أعتقه ولا يَسْرِي إلى الباقي.
أما إذا ادعى كل واحد من الشريكين [الموسرين] 122 على صاحبه أنك أعتقت نصيبك، وطالبه بالقيمة وأنكر صاحبه؛ فكل واحد منهما يَصْدُقُ بيمينه فيما أنكره، فإذا حلفا فلا مطالبة 123 بالقيمة، ويحكم بعتق جميع العبد إن قلنا بتعجيل السِّرَايَةِ؛ لاعتراف كل واحد منهما بِسِرَايَةِ العتق إلى نصيبه والولاء موقوف بينهما، لا يَدَّعِيهِ هذا ولا ذاك وإن قلنا: بِتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ أو بالتوقف، والتبيين؛ فالعبد رقيق، وإن كانا مُعْسِرَيْنِ وقال كل واحد منهما للآخر: قد أَعْتَقْتُ نَصِيبَكَ لم يعتق منه شيء، فإن اشترى أحدهما نصيب الآخر حُكِمَ بِعِتْقِ ما اشتراه لاعترافه بأن شريكه أعتقه ولا يسري؛ لأنه لم يُنْشِيء إعتاقاً وذكر في "التَّهْذِيبِ": إنه لو باع أحدهما من زَيْدٍ والآخر من عَمْرو؛ صح ولا عتق، ولو باعا من رجل واحَد حُكِمَ بِعِتْقِ نِصْفِهِ؛ لأن عتق أحد النصفين يَقِينٌ وقد جمعهما مِلْك وَاحِدٍ وهذا لا يتبين له وجه، ولا يقين في واحد من النصفين لجواز كونهما كاذبين، وموضع هذا الكلام: مَسْأَلَةُ الْغُرَاب على ما سنذكرها على الأثر ولا أدري -أوقع الخلل في النسخة أم كيف الحال؟ وإن كَان أحدهما مُوسِراً والآخر معسراً أُعْتِقَ نَصِيبَ المَعْسِرِ على قول تعجيل السِّرَايَةِ؛ لأن إقراره يتضمن السِّرَايَةَ إلى نصيبه، وولاؤه موقوف ولا يعتق نصيب المُوسِرِ فإن اشتراه المُعْسِرُ عتق كُلُّهُ، ولو طار طائر فقال أحد الشريكين: إن كان هذا الطائر غُرَاباً فنصيبي من هذا العبد حر وقال الآخر: إن لم يكن غُرَاباً فنصيبي منه حر، ولم يتبين الحال فإن كانا مُعْسِرَيْنِ لم يحكم بعتق نصيب واحد منهما، كما لو جرى التعليقان من شخصين في عبدين أو زوجتين لكن لو اشترى أحدهما نصيب الآخر حُكِمَ بعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ؛ لأنه قد جمعهما مِلْكٌ وَاحِدٌ وَأَحَدُ النِّصْفَيْن حر بِيَقِينٍ، وفي حق الشخصين استصحبنا يقين الملك في حتى كل واحد، وطرحنا الشَّكَّ ولو باعا النصفين من ثالث فكذلك يحْكَمُ بِعِتْقِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ، ولا رجوع له على واحد منهما، لأن كل واحد منهما يزعم أن نصيبه مملوك، هذا هو الأصح، والمذكور في الكتاب، وبه قال الْقَفَّالُ وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: عن بعض الأصحاب: أنه إن أَقْدَمَ على الشِّرَاءِ وهو عالم بالتعليقين؛ فلا رجوع له، وإن لم يعلم ثُمَّ بَانَ لَهُ الحال؛ فله الرد كما لو اشترى عبداً ثم بَانَ نِصْفُهُ حُرٌّ وعلى هذا فيرد العَبْدَ كُلَّهُ؛ لأن أحد نصفيه حر، والآخر

الجزء: 13 - الصفحة: 337

قِسْطٌ مِمَّنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وفي ذلك نقصان وعيب قال الشَّيْخُ: ولو اختلف قدر النصيبين؛ لم يحكم إلاَّ بِعِتقِ أقلهما ولو تبادلا 124 النصيبين، فإن لم يحنث واحد منهما صاحبه، واعترفا بِالإِشْكَالِ فلا يحكم على واحد منهما بعتق شيء والحكم بَعْدَ المبادلة كالحكم قبلها، وإن حنث واحد منهما الآخَرَ؛ حُكِمَ بعتق الكل؛ لأن كل واحد يزعم أن نصيب الآخر قد عتق ثم اشتراه، وكان كمن أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه يحكم بعتقه بإقراره السابق، ويكون وَلاَؤُه موقوفاً؛ لأن كُلَّ واحد منهما يقول: لم يعتق عليّ منه شيء وإنما عتق نصيب صاحبي.
وإن حَنَّثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ولم يُحَنِّثْهُ صَاحِبُهُ؛ حكم بعتق ما صار لِلْمُحْنِثِ وولاؤه موقوف، ولا يحكم بعتق النصيب الآخر، وإن كانا موسرين فإن قلنا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَة عتقَ الْعَبْدُ؛ لأَنَّا نَتَحَقَّقُ حَنَثَ أحدهما وإن لم نتمكن من التعيين فيعتق نصيبه ويسري إلى الباقي، والولاء موقوف، ولكل واحد منهما أن يدعي قيمة نصيبه على الآخر ويحلفه على الْبَتِّ أنه لم يَحْنَثْ وإن قلنا: لا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إلاَّ عند أداء القيمة، فلا يحكم بعتق شيء منه على واحد منهما والحكم كما في المُعْسِرَيْنِ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ: فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ واحد منهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه، وأراد طلب القيمة حلّفه على ما ذكرنا، وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً فإن قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ عتق نَصِيبُ المُعْسِرِ بكل حال؛ لأنه إِمَّا حَانِثٌ أو صاحبه حانث، والعتق سَارٍ إليه ولا يعتق نصيب الشريك الموسر للشك وإن [أخرناهما] 125 إلى أداء القيمة لم نحكم بعتق واحد من النصيبين في الحال، وللمعسر أن يدعي التقويم على الموسر ويحلفه.
فرعان: من القبيل الذي نحن فيه من "المُوَلَّدَاتِ": أحدهما: إذا قال أحد الشريكين: أَعْتَقْنَا الْعَبْدَ معاً وأنكر الآخر فإن كانا موسرين أو كان القائل 126 موسراً فقد أطلق ابْنُ الحَدَّادِ أنه يحلف المنكر وجرى على إطلاقه جَمَاعَةٌ.
وقال الشيخ: إنما يحلف عندي إذا قال المقر: أنت أعتقت نصيبك [وأنا لم] 127 أعتق وأراد طلب القيمة فيحلف أنه لم يعتق معه؛ ليأخذ القيمة فإن المقر أقر بما يوجب القيمة وادعى معه ما يسقطها وهو المُوَافَقَةُ فِي الإِعْتَاقِ فيدفع يمينه المسقط 128، فأما إذا قال: لم تَعْتِق نصيبك ولا أنا أَعْتَقْتُ فَلاَ مُطَالَبَةَ بالقيمة ولا يحتاج إلى اليمين ويحكم بعتق جَمِيعِ الْعَبْدِ بإقرار الشريك المُوسِرِ إن أَثْبَتْنَا السِّرَايَة بنفس الإِعْتَاقِ، وإن أخرنا إلى

الجزء: 13 - الصفحة: 338

أداء القيمة؛ فلا يُعْتَقُ نصيب المنكر وليس يدعى قيمة بأحدها، وإذا حلف المنكر في التَّصْوِيرِ المذكور؛ أخذ القيمة من المقر ويحكم بعتق جميع العبد، وَوَلاَءُ نصيب الشريك موقوف فلو مات المُعْتِقُ ولا وارث له سوى السيد المقر؛ أَخَذَ نِصْفَ مَالِهِ بالولاء على نصفه وهل له أن يأخذ من النصف الآخر قدر نصف القيمة الذي غرمه للمنكر؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ -لأَنَّه إن صدق في قوله أعتق شريكي معي [فالشريك] 129 ظالم يأخذ القيمة، والنصف الآخر له، وقد ظَفَرَ بِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُ وإن كذب وكان مقراً 130 بإعتاقه فجميع المال له بالولاء على جميعه.
والثاني: لا -لاختلاف الجِهَةِ فإنه يزعم الأخذ من جهة أنه مال ظالمه والشريك ينكره، وهو يَزْعُمُ أنه له بالولاء وهو ينكره والاختلاف في الجهة يمنع الأخذ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
وإن رجع المُنْكِرُ عن إنكاره وصَدَقَ المُقِرُّ رَدَّ ما أخذه 131 من القيمة، وإن رجع المُقِرُّ واعترف بأنه أعتقه قبل وكان جميع الولاء له وقد يقال: أنه قد أَقَرَّ بأنه لا ولاء له على النصف 132 فكيف يُقْبَلُ رجوعه عنه؟ والجواب: أن الولاء يَلُو النَّسَب، ولو [نفى] 133 وَلَداً بِاللَّعَانِ ثم استلحقه ورجع قُبِلَ؛ فكذلك الولاء.
والثاني: عَبد بين ثلاثة -شهد اثنان من مالكيه أن الثالث أَعْتَقَ نصيبه.
فالثالث: إما مُعْسِرٌ أو مُوسِرٌ.
إن كان مُعْسِراً قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وحكم بعتق نصيب المشهود عليه، وَيَرِقُّ الباقي، وإن كان موسراً فالأظهر وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ أن شهادتهم باطلة؛ لأنهما [يجران] 134 نفعاً إلى أنفسهما بِإِثْبَاتِ القيمة عليه، فلا يعتق [نصيبه] 135 ولا يلزمه القيمة لنصيبهما ويعتق نصيبهما لاعترافهما بِسِرَايَةِ العتق.
وعن بعض الأصحاب: أنه تُقْبَلُ شَهَادَتهمَا في عتق نصيبه وإنما ترد في إلزام القيمة الذي هو منشأ التهمة، والحكم بعتق نصيبهما على الأول مفرع على أن السِّرَايَةَ تتعجل، أَمَّا إذا توقفت على أداء القيمة فلا يعتق شيء من العبد، ولكن يَنْفَدُ تَصَرُّفُهُمَا فيه؛ لإقرارهما بأن نصيبهما مستحق [العتق] 136 على الشريك.
هكذا حكاه الشيخ أَبُو عَلِيٍّ عن بعض الأصحاب وصححه، ويجوز أن يقال: قَدْ مَرَّ أَنَّ تَعَذُّرَ حُصُولِ القيمة

الجزء: 13 - الصفحة: 339

بِالإِعْسَارِ وغيره يرفع الحجر من الشريك [والتعذر] 137 حاصل هاهنا.
هذه فروع أُخَر تَتَعَلَّقُ بِالسِّرَايَةِ: الأول: إن قلنا السِّرَايَةُ تحصل بنفس الإعتاق؛ فله حكم الأحرار في الميراث والشهادات والحدود والجنايات، وإن لم يؤد القيمة، وإن أخرناها إلى أداء القيمة؛ فله حكم الْأَرِقَّاءِ فيها حتى يؤدي، وَإِنْ تَوَقَّفْنَا تَوَقَّفْنَا في هذه الأحكام أيضاً.
الثاني: عن "الأُمِّ": أن العبد المُشْتَرَكَ إذا أعطى أحد مالكيه خمسين ديناراً لِعِتْقِ نَصِيبِهِ مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ يرجع الشريك عليه بنصف الخمسين وبنصف قيمة العبد، وَيَرْجِعُ المعتق على العبد بخمسة وعشرين.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: وينبغي أن يكون هذا فيما إذا لم يقع العتق على عين الخمسين، وإنما سموه خمسين، ثم دفعها عليه، وإلاَّ فإذا وقع العِتْقُ على العين يجب أن يكون الرجوع بقيمة ما أعتق بالعوض المستحق قال: ويحتمل أن يريد ما إذا كانت قيمة العبد خمسين فَيَسْتَوِي العوض والقيمة، ولو كان المعتق قد قال: إن سلمت لي هذه 138 الخمسون فأنت حر لم يُعْتَقْ؛ لأنها لم تسلم له.
الثالث: لو أعتق شركاً له في جارية [حبلى] وَهُوَ مُوسِرٌ ولم تقوم عليه حتى ولدت؛ عتق مَعَهَا وَلَدُهَا تفريعاً على أن العتق يسري في الحال، فأما إذا أخرنا السِّرَايَةَ إلى دفع القيمة فَعَنْ نَصِّهِ: أنه ينبغي ألاَّ يعتق الولد معها؛ لأنه إنما يُعْتَقُ بعِتْقِهَا إذا كان حملاً.
فَأَمَّا بعد الوِلاَدَةِ فلا.
قال القاضي أَبُو حَامِدٍ: معناه: أن نصيب اَلذي لم يُعْتَقْ من الولد مملوك، فأما نصيب المعتق فيجب أن يعتق.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ: عندي أنه أراد أن نصيب الذي لم يعتق من الولد، لا يعتق بدفع قيمة نصيبه من الجارية، وَعَتَقَهَا؛ لِأنَّهُ لا يتبعها بعد الوضع.
وإلا فقد عتق من الولد نصيب المعتق، وهو موسر فيجب أن يسرى.
الرابع: وَكَّلَ أحد الشريكين [الآخر] 139 في عتق نصيبه، فقال الوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: أَعْتَقْتُ نصفك.
فإن قال: أَرَدْتُ نَصِيبِي قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وإن قال: أردت نصيب شريكي قُوِّمَ عَلَى الشَّرِيكِ نَصِيبُهُ، وإن أطلق فيعتق عن المُوَكَّلِ؛ لأنه أعتق بعد أمره بالإعتاق، أو عن الوكيل؛ لأن إعتاقه عن نفسه يستغني عن النية، وحكى في "الشَّامِلِ" وجهين، ولهذا التفات 140 إلى أن النصف المطلق يحمل على ملكه أو يشيع 141.

الجزء: 13 - الصفحة: 340

الخامس: على 142 طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ: أنه إذا كان للمريض نصفاً عبدين مُتَسَاوِيَي الْقِيمَةِ ولا مال له غيرهما فقال: "أعتقت نَصِيبِي مِنْ سَالِمٍ ومن غَانِمٍ" وقلنا: تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بنفس اللَّفْظِ يعتق ثُلُثَا نصيبه من سالم وهو ثلث ماله ولا يعتق من الآخر شيء.
ولو قال: نصيبي من هذين حُرٌّ عتق ثلثا نصيبه من أحدهما فَيَقْرَعُ بَيْنَهُمَا فمن خرجت له القرعة؛ عتق ثلثا 143 نصيبه منه، وهو ثُلُثُهُ وإن كان نصفا العبدين ثلث ماله فقال أعتقت نصيبي من سالم ومن غانم عتق سَالِمٌ بالمباشرة والسِّرَايَة ولا يعتق من الآخر شيء.
ولو قال: نصيبي منهما حر عتق النصفان وَلاَ سِرَايَةَ.
السادس: اشْتَرَى أَمَتَهُ حَامِلاً من الزوج زوجها وَابْن لَهَا حُرٌّ [معها] 144 وهما مُوسِرَانِ فالحكم كما ذكرنا فيما لو أوصى مَالِكُهَا بوصية لهما.
وقَبِلاَ الوصية معاً، وقد ذكرناه في "الوَصَايَا"، ومُخْتَصَره أن الأمة تُعْتَقُ على الابن، والحمل يعتق عَلَيْهِمَا ولا يقوّم.
السابع: شَهِدَ شاهدان على زَيْدٍ بأنه أَعْتَقَ نصيبه من العبد المشترك 145 وهو مُوسِرٌ، وحكم القاضي بشهادتهما ثم رجعا فشهادتهما تثبت عتق نصيبه، وتوجب عليه قيمة نصيب شريكه، فَيَغْرَمَانِ بالرجوع قيمة نصيبه لا مَحَالَةَ؛ لأن شهود العتق يَغْرَمُونَ إذا رجعوا، وهل يَغْرَمَانِ له قيمة نصيب الشريك التي غَرِمَهَا؟ فيه قولان -لأن في وُجُوبِ الْغُرْمِ على شهود المال اختلاف قول سبق في موضعه.
واعْتَرَضَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فقال: إنهما لم يشهدا 146 على المال مقصوداً، ولكن تضمنته الشهادة، وكما تضمنت المال تضمنت إِعْتَاقَ نصيب الشريك، فإن اقتضى تضمنها إثبات المال التخريج على القولين اقْتَضَى تَضَمُّنُهَا الإِعْتَاقَ [للجزم] 147 بوجوب الْغُرْمِ ثم الجواب الذي تقدم فيما إذا ساعد الشريك الشهودَ، وأخذ القيمة وَعَتَقَ جميع العبد إما بنفس الإعتاق، أو عند أَخْذِ الْقِيمَةِ، فَأمَّا إذا أَكْذَبَهُمْ وَقَالَ: لم يَعْتِقْ زَيْدٌ نَصِيبَهُ فإن قلنا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ عَتِقَ الْكُلُّ ولا يلزمه للشريك شيء، وإن قلنا تتأخر إلى أداء القيمة: قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: يجبر على أخذ القيمة [ليكمل] 148 العتق، ثم يَلْزَمُهُ رَدُّ ما أَخَذَ إِن كان مُصِراً على تكذيب الشهود، وكما لو جاء المُكَاتِبُ بالنجم الأخير فقال السيد هذا حَرَامٌ غصبته من فلان يجبر على أخذه ثم يرده على من أَقَرَّ له.
ولو شهد شاهدان على أحد الشريكين بأنه أعتق نصيبه وآخران على الشريك الثاني

الجزء: 13 - الصفحة: 341

بأنه أعتق نصيبه وهما مُوسِرَان فإن أُرِّخَتِ البَيِّنَتَانِ عتق الكل على الأول وإنْ أَثْبَتْنَا السِّرَايَةَ في الحال، وعليه قيمة نصيب الآخر، وإن أَخَّرْنَا إلى أداء القيمة؛ فعلى الخلاف في أن إِعْتَاقَ الثاني قبل أداء القيمة هل يَنْفُذُ؛ إن قلنا لا، وهو الأَظْهَرُ أخذت قيمة نصيبه من الأول ليعتق.
وإن لم يُؤَرِّخَا عتق الْعَبْدُ كُلُّهُ, ولا تقويم؛ لأنا لا نعلم هل سبق أحدهما الآخر, وبتقدير السبق لا يعلم السابق, فلو رجع الشاهدان على أحد الشريكين شهادتهما لم [يغرما] (1) شيئاً؛ لأنا لا ندري أن العتق في النصف الذي شهد به حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمَا أو بشهادة الآخرين بالسِّرَايَةِ فلا توجب شيئاً بالشك وإن رَجَعُوا جميعاً فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك، لقيام الاحتمال في الطريقين.
وأظهرهما: أنهم يَغْرَمُونَ قِيمَةَ العبد؛ لأنه إذا لم يَكُنْ تَارِيخ فَالحُكْمُ [بعتق] (2) ألْعَبْدِ يتعلَّق بشهادة أَرْبَعَتِهِم ويقدر كأن [الإعتاقين] (3) وقعا معاً، والفرع من "المولدات" -رحم الله من ولدها.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: (الخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ:) عِتْقُ القَرَابَةِ:

وَمَنْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَحَدُ أَبْعَاضِهِ أَعْنِي أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ عُتِقَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهلِ التَّبَرُّعِ سَوَاءٌ دَخَلَ قَهْراً بِالإِرْثِ أَوِ اخْتِيَاراً بِالعَقْدِ، فَلاَ يَعْتِقُ مِنْ عَدَا الأَبْعَاضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَنْ مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ أُمُّه أو أحد أصوله من الأجداد والجدات، أو ملك واحداً من أَوْلاَدِهِ وأولاد أولاده 152 عتق عليه، رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهُ فَيَعْتِقَهُ" 153 يعني بالشراء، وفهم من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] الآية.
ومن قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] أن الوِلاَدَةَ والعبودية لا يجتمعان ولا فرق بين أن يدخل في مُلْكِهِ قهراً بِالْإِرْثِ أو اختياراً بعقد إما بعوض كالشراء، أو لا بعوض كالهِبَةِ، والوصية، وَفَرْقٌ بين عتق القريب وبين السِّرَايَةِ، حيث لم تَثْبُتِ السِّرَيَةَ إلاَّ عند الاختيار، بأن149150151

الجزء: 13 - الصفحة: 342

العتق صلة وإكرام 154 للقريب، فلا يَسْتَدْعِي الاختيار، وَالسِّرَايَةُ تُوجِبُ التَّغْرِيمَ والمُؤاخذة، وإنما يليق ذلك بحال الاختيار، وَلاَ يَعْتِقُ غَيْرَ الأَبْعَاضِ مع الأصول والفروع.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدَ -رحمهما الله-: يُعْتَقُ كل ذي رحم محرم بالمِلْكِ كالأخ، وابن الأخ، والعم والخال، وَأَلْحَقَ مَالِكٌ الأخوة وَالأخَوَاتِ بالوالدين والمولودين، وَسَلَّمَ أبُو حَنِيْفَةَ أن المُكَاتِبَ إذا مَلَكَ أخاه، لم يُكَاتِبْ عَلَيْهِ، فقال الأصحاب -رحمهم الله-: قريب لا يُكَاتِبُ عَلَى المُكَاتِب فلا يعتق على الحُرِّ كَبَنِي الْأَعْمَامِ.
وَلْيُعْلَمْ لما تَبَيَّنَ قوله في الكتاب: "ولا يعتق من عدا الأَبْعَاضِ" بِالحَاءِ والميم والألف.
وقوله: "إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ" قصد به الاحتراز عن الصبي والدين يذكرهم في الفصل التالي لهذا الفصل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يَشْتَرِي الطِّفْلُ قَرِيْبَهُ وَلَكِنْ يَتَّهِبُ الوَليُّ لَهُ إِذَا لَمْ يَكُن بِحَيْثُ تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي الحَالِ، وَإِنْ قَبِلَ لَهُ هِبَةَ نِصْفِ قَرِيْبةِ لَمْ يَصِحّ حَذَراً مِنَ السِّرَايَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ وَلاَ يَسْرِي، وَالمَرِيضُ إِذَا اشْتَرَى قَرِيبَهُ عُتِقَ إِنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثَهُ وَإِلاَّ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَلَكَة بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ فَيُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ المَالِ أَوِ الثُّلُثِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: مِنْ رَأْسِ المَالِ عُتِقَ عَلَى المَحْجُورِ المُفْلِسِ أَيْضاً وَالمَدْيُونِ وَالمَرِيْضِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِمُحَابَاةٍ فَقَدْرُ المُحَابَاةِ يُخَرَّجُ عَلَى الوَجْهَيْنِ وَالبَاقِي لاَ يعتق، وَلَوْ قَهَرَ الحَرْبيُّ حَرْبِيّاً مَلَكَهُ وَصَحَّ بَيْعُهُ مِنَ المُسْلِمِ، فَإِنْ قَهَرَ أَبَاهُ فَهَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ لَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا دَوَامُ القَهْرِ المُبْطِلِ لِلْعِتْقِ إِنْ فُرِضَ وَدَوَامُ القَرَابَةِ الدَّافِعَةِ لِمِلْكِ القَهْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداهما: ليس لمولى الصبي والمجنون أَنْ يَشْتَرِيَ لهما قريبهما القرابة التي تقتضي العتق، فإن فعل فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ.
ولو وهب للصبي قريبه أو أوصى له به؛ نُظِرَ إن كان الصبي مُعْسِراً فيجوز له قَبُولُهُ، فإذا قَبِلَهُ عَتِقَ على الصبي؛ لأنه لا ضَرَرَ فيه على الصبي، وفيه جمال ومنفعة، وقد يوسر فَيُنْفِقُ على الصبي، ولا نظر إلى أن الصَّبِيَّ قد يُوسَرُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ في ماله وإنما يعتبر الحال وهل يجب عليه الْقَبُولُ؟ قال الإِمام: هذا [فيه] 155 تَرَدُّدٌ [وقضية] 156 لَفْظُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: الوجوب، وعلى ذلك يجري

الجزء: 13 - الصفحة: 343

كلام الأصحاب؛ وإن كان الصبي مُوسِراً فإن كان القريب بحيث تجب نفقته في الحال، بأن يكون زمناً أو يَكُونَ غَيْرَ كَسُوبٍ على أحد القولين فلا يجوز للولي القبول؛ كَيْلاَ يَتَضَرَّرُ الصبي بالانفاق من ماله، وإن كان لا تجب نفقته فعلى مَا ذَكَرْنَا في المعسر، فإن لم يقبل [الولي] 157 قبل الحاكم، فإن لم يفعل فَلِلصَّبِيِّ بعد بلوغه، أن يقبل كذلك.
ذَكَرَهُ الرَّوْيانِيُّ وليكن هذا في الوصية.
هذا في هِبَةِ جَمِيعِ الْقَرِيب أو الوصية به فأَمَّا إِذَا وَهَبَ بعضه فإن كان الصبي مُعْسِراً قَبِلَة الولي، وإن كان مُوسِرَاً زاد النَّظَرُ في غَرَامَةِ السِّرَايَةِ وإن لم تجب النفقة وفيه قولان: أَظْهَرُهُمَا: أنه لا يقبل؛ لأنه لو قبل لعتقَ على الصبي، وإذا عتق سَرَى ولزم قيمة [نصيب] 158 الشريك، وفيه إِضْرَارٌ بالصبي.
والثاني: يَقْبَلُهُ ويعتق عليه، ولا يسري كيلا يتضرر الصبي وَوُجِّه أيضاً بأنه لا اختيار له في حصول الملك، وفي "تعليقة الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ": أن بعض الأصحاب رحمهم الله: قطع بأنه ليس له أن يقبل، وجعل القولين في أنه إذا قبل هل يصح؟ الثانية: إِذَا اشْتَرَى المَرِيضُ مَرَضَ المَوْتِ قَرِيبَهُ فأما أن يشتريه بثمنه أو بِمُحَابَاةٍ، وعلى التقدير الأول: فإِمَّا أن يكون عليه دَيْنٌ أو لا يكون وحكم الأحوال الثلاث قد ذكرناه في "الوَصَايَا"، وبينا إذا لم يكن دَيْنٌ وَلاَ مُحَابَاةَ فيعتبر عتقه من الثلث، فإن خرج الْكُلُّ من الثُّلُثِ عَتِقَ كُلِّهِ وإلاَّ عتق منه قدر الثلث، وهذا هو المقصود من قوله هاهنا: "عتق إِنْ وَفَّى به ثلثه، وإلاَّ لم يعتق" أَيْ: لم يعتق كُلُّه، وإن ملكه بإرث فيعتق من رأس المال حتى يعتق [محله] 159 وإن لم يملك شيئاً آخر أو من الثلث حَتَّى لا يُعْتَقُ إِلاَّ الثُّلُثُ، إذا لم يملك مالاً آخر فيه وجهان ذكرناهما هنالك، والأول أولى بالترجيح، وهو الذي أورده 160 صاحب الكتاب.
ثم لو مَلَكَهُ بِالاتهاب أَو بِقَبُولِ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ مُرَتَّبٌ على ما لو مَلَكَ بِالإِرْثِ إن قلنا: هناك يَحْسِبُ من الثُّلُثِ فهاهنا أولى وإن قلنا من رأس المال فهاهنا وجهان: بناء على مَعْنَيَيْنِ عَلّلَ بهما احتساب الموروث من رأس المال فَعَلَّلَ الْمُعَلِّلُونَ بِأَنَّ الملك والعتق حصلا بغير اختياره، فهو خارج عن التَّبرُّعَاتِ مستحق [شرعاً] 161. وعلل آخرون: بأنه مِلْكٌ بلا عِوَضٍ بذله في مقابلته بخلاف ما إذا اشترى فمن قال

الجزء: 13 - الصفحة: 344

بالأول، يحتسب الموهوب والموصى به من الثلث ومن قال بالثاني، يحتسب من رأس المال، فيعتق وإن كان على المريض دَيْنٌ مستغرق وكذا المُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ إذا قبل، ولا مُعْتَرَضٌ لِلْغُرَمَاءِ عليه، وإن قلنا يحتسب 162 مِنَ الثُّلُثِ فلا يعتق، ويباع في الدَّيْنِ، ويُكْتَفَى بِهَذَا القدر هاهنا فالمسألةُ مَبْسُوطَةٌ في الموضع المحال عليه، وإذا راجعته جوزت إعلام قوله هاهنا: "إن وَفَّى به ثلثه" بالواو؛ لوجه ذكرناه أن المريض ليس له شراء القريب بحال وحينئذ فلا يعتق.
الثالثة: من الأصول في "السير" أنه 163 إذا [قهر] 164 حربي حربياً ما ملكه، ويخالف ما إذا قهر مسلم حربياً وأسره، لا يجري الرق عليه حتى يرقه الإِمام؛ لأن للإمام اجتهاداً في أَسَارَى الكُفَّارِ، والمسلم مأمور بِرِعَايَتِهِ والحربي لا يؤاخذ بمثل ذلك.
قال الإِمَامُ، ولم يشرط الأَصْحَابُ قَصْدَ الإِرْقَاقِ، بل اكتفوا [بصورة] 165 القهر وعندي: لاَ بُدَّ من القصد، فإن القهر قد يكون بالاستخدام، ولا يتميز قصد الإرقاق عن غيره إلاَّ بالقَصْدِ.
وإذا عرفت ذلك فلو قهر عبد سيده الحربي عتق العبد وصار السيد رقيقاً له، ولو قَهَرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، وَاسْتَرَقَّهَا مَلَكَهَا، وجَازَ له بَيْعُهَا، وكذا لو قَهَرَت الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا ولو قهر حَرْبِيٌّ أَبَاهُ [أو] 166 ابْنَهُ فهل له بيعه؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا-؛ لأنه يعتق عليه بالملك فلا يَسْتَقِرُّ له 167 مِلْكٌ حَتَّى يَبِيعَهُ.
والثاني: نعم؛ لأن القهر دائم، فكما يَرْفَعُ ابتداؤه الحرية الأصلية يرفع دَوَّامَةَ الْعِتْقِ المُرَتَّبِ على المِلْكِ، وبهذا أجاب الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ حين سأله الحُلَيْمِيُّ في مسائل أَنْفَذَهَا إليه، يَسْتَفْتِيهِ فيها كذلك حكاه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ -رحمهم الله- ويشبه أن يرجح الأول.
قال الإِمَامُ: وَيتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ أنه لا يَمْلِكُهُ بالقهر لاقتران [السبب] 168 المقتضي للعتق بالقهر [المقتَضي] 169 للملك، ويخالف الشراء فإنا جوزناه لوقوعه ذريعة إلى تخليصه من الرق 170. وقوله في الكتاب: "صَحَّ بَيْعُهُ مِنَ المُسْلِمِ" ليس لتخصيص الحكم بالمسلم، بل يصح بيعه من المسلم، والذِّمِّيُّ والحَرْبِيُّ، وكان الغرض: أن المسلم يجوز له الشراء اعتماداً على قهر بعضهم بعضاً.

الجزء: 13 - الصفحة: 345

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى نِصْفَ قَرِيْبِهِ عُتِقَ وَسَرَى عِنْدَ شُرُوطِهِ، وَلَوْ وَرِثَ لَمْ يَسْرِ، وَلَوْ قَبِلَ وَكِيْلُهُ فَاخْتِيَارُ وَكِيلِهِ كَاخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ أَبِيْهِ فَمَاتَ قَبْلَ القَبُولِ فَقَبِلَهُ لَهُ أَخُوهُ سَرَى عَلَى المَيِّتِ إِنْ وَفَّى بِهِ الثُّلُثَ وَكَأَنَّهُ قَبْلُ فِي الحَيَاةِ، وَلوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ فَمَاتَ فَقَبِلَ أَخُوهُ لَهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الأَخِ فِي وَجْهٍ، لِأَنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ لَهُ فَكَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ قَرِيْبِهِ بِرَدِّ عِوَضِهِ بِالعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ رَجْعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد ذكر صاحب الكتاب مرة في شروط سِرَايَةِ العتق: أنه إذا اشْتَرَى نِصْفَ قريبه عُتِقَ عَلَيْهِ ما اشتراه وسرى إلى الباقي، وفي معناه قبول الْهِبَةِ وَالوَصِيَّةِ، وأنه لو وَرِثَ نِصْفَ قريبه لا يَسْرِي؛ لأنه لا اختيار له فيه، وشِرَاءُ الوَكِيلِ وَقَبُولُهُ الهِبَةِ والوصية كشرائه، وقَبُولِهِ لصدوره عن اختياره، وكذلك قَبُولُ نائبه شرعاً حتى لو أوْصَى لإنسان [ببعض ابنه] 171 فَمَاتَ قبل قبوله الوصية، وَقَبِلَهَا أخوه عتق الشَّقْصُ على المَيِّتِ وسَرَى إلى الباقي إِنْ وَفَّى به 172 الثُّلُثُ وينزل قبول الوارث مَنْزِلَةَ قَبُولِهِ في حياته ولو أوصى لإنسان ببعض مِمَّنْ يعتق على وارثه كما لو أوصى له ببعض ابن أخيه، فمات.
قبل القبول، وقبل الأخ عُتِقَ الشقص، وفي السِّرَايَةِ وجهان: أَشْبَهُهُمَا: المنع-؛ لأَنَّ المُلْكَ يحصل للميت أولاً، ثم ينتقل إليه إرثاً فكأنه لم يتملكه مقصوداً، ويجري الخلاف في السِّرَايَةِ حيث يحصل الملك بطريق اختيار، يتضمن الملك، ولا يقصد به التَّمَلُّكُ، كما إذا باع من يعتق على وارثه مثل: إن باع ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ ومات، ووَارَثَهُ أخوه فرد الثوب بعيب واسترد الشقص عتق عليه، وهل يَسْرِي إلى الباقي؟ وهذا صورة قوله في الكتاب: "لوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ قَرِيبٍ برد عِوَضِهِ بالعيب؛ لأنه رجع غير مقصود".
وقوله: "لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الأَخِ في وجه" كان الأَحْسَنُ أن يقول: لَمْ يَسْرِ ولا كلام في أن الشقص المردود؛ يعتقُ عليه، وأراد بما ذكره "أنه لم يعتق [كله] 173 عليه" [فكنى] 174 به عن السِّرَايَةِ.
واعلم أن هذه الصورة قد ذكرناها بشرحها في شروط السِّرَايَةِ؛ لأنه ذكر بعضها هناك وَضَمَّ هاهنا إلى المذكور هناك صوراً فرأينا إيرادها مَجْمُوعَةً أولى وَأَكْثَرَ فَائِدَةً.
ولو وهبَ من العبد بعض من يعتق على سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وقلنا: لا يَفْتَقِرُ قَبُولُهُ إلى إذن السيد

الجزء: 13 - الصفحة: 346

عُتِقَ [الموهوب] (1) على السيِّد وَسَرَى؛ لأن قَبُولَ العبد كَقَبُولِهِ شرعاً (2). فرع: جَرَحَ ابْنٌ رَقِيقٌ أَبَاهُ فاشتراه (3) الأب ثم مات من تلك الجراحة: إن قلنا: تَصِحُّ الوَصِيَّةُ للقاتل عتقَ مِنْ ثُلُثِهِ وإلاَّ لم يعتق قال "صاحب التَّهْذِيب": وعلى هذا فيجوز أن تُجْعَلَ صِحَةُ الشراء على وجهين كما لو اشتراه، وعليه دَيْنٌ (4) والوجهان مذكوران في "كتاب الوَصَايَا".

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: (الخَاصِيَّةُ الثَّالِثَةُ امْتِنَاع العِتْقِ بِالمَرَضِ)

فَإذَا أَعْتَقَ عَبْداً لاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهُ عُتِقَ ثُلُثُهُ فَقَط، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغرِقٌ لَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ، فَإِنْ مَاتَ هَذَا العَبْدُ قَبْلَ السَّيِّدِ فَيَمُوتُ رَقِيقاً كُلُّهُ، أَوْ حُرّاً، أَوْ ثُلُثُهُ حُرٌّ وَثُلُثَاهُ رَقِيقٌ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا لو وَهَبَ وَأَقْبَضَ فَمَاتَ فِي مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ المُتَّهِبُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مَا وَرَاءَ الثُّلُثِ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ وَمَاتَ وَاحِدٌ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَيُجْعَلُ كَالمَعْدُومِ أَمْ يَدْخُلُ المَيِّتُ فِي القُرْعَةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَدْخُلُ فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ رِقُّ الآخَرَانِ، وَلَوْ خَرَجَ عَلَى إِحْدَى الجِهَتَيْنِ لَمْ يُعْتَق إلاَّ ثُلُثَاهُ، وَمَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ قَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الوَارِثِ إِلَيْهِ هَلْ يَكُونُ كالمَوْتِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فِيْهِ وَجْهَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ الخِلاَفَ فِي مَوْتهِ قَبْلَ القُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ.175176177178

الجزء: 13 - الصفحة: 347

قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبق في "الوصايا": أن التبرعات في مرض الموت، تُعْتَبَرُ من الثُلُثِ، وأن العتق من التبرعات، وقد يَنْدَفِعُ [لذلك] 179 وُقُوعُهُ في المرض وإنما يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بعد حط قدر الدَّيْنِ، فلو 180 كان الدين مُسْتَغْرِقاً لم يُعْتَقْ منه شيء وسنعود إلى هذا.
وإذا عرف ذلك ففي الفصل مسألتان: إِحْدَاهُمَا: إذا أعتق عبداً لا مال له غيره؛ لم يُعْتَقْ منه إلاَّ ثُلُثهُ وإن مات هذا العبد بعد موت السيد مات [وثلثه حراً] 181، وإن مَاتَ قبل موت السيد ففيه ثلاثة أَوْجُهٍ: أَحدها: أن يموت رقيقاً كُلُّهُ؛ لأن ما يُعْتَقُ يَنْبَغِي أن يَحْصُلَ للورثة مِثْلاَهُ وهاهنا لم يَحْصُلْ لهم شيء 182، ويؤثر عن الشيخ أَبِي زَيْدٍ -أنه قال: أَجَبْتُ به في مجلس الشيخ أَبِي بَكْرِ المَحْمُودِيِّ فَرَضِيَهُ وَحَمَدَنِي عليه.
والثاني: أنه يموت حراً كُلُّهُ؛ لأن ما يَهْلَكُ في حياة المُوَرِّثِ لا حق فيه للورثة؛ حتى يَرُدَّ تَبَرُّعَهُ لحقهم، ولأنه لا فائدة في إِرْقَاقِ شيء منه فلا 183 يحصل للورثة منه شيء.
والثَّالِثُ -وبه قال القَفَّالُ: أنه يموت ثُلُثُهُ حراً، وُثُلُثَاهُ رقيقاً كما لو مات بعد موت السيد؛ ولأنه لو عَاشَ عَاشَ على الرِّقِّ والحرية فإذا مات مات عليهما.
والأصح عند الصَّيْدَلاَنِيِّ الوجه الأول، ولم يورد في "التَّهْذِيبِ" إلاَّ الوجهين الآخرين، وبناهما على أنه إذا زاد التَّبَرُّعُ على الثُّلُثِ، وأجازه الوارث؛ فهو تَنْفِيذٌ لما فعله المورث أو ابتداء عَطِيَّةٍ، وتمليك من الوارث؛ إن قلنا بالأول، فيموت حراً؛ لأن ما فعله المورث تنفيذ، وإن قلنا بالثاني، فلا؛ لأن تَبَرُّعَهُ غَيْرُ نَافِذٍ فيما زاد على الثُّلُثِ.
وتظهر فائدة الخلاف في شيئين: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: إذا وَهَبَ في مرض الموت عبداً لا مال له غيره وَأَقْبَضَهُ، ومات العبد قبل موت السيد فإن قلنا في مَسْأَلَةِ العتق يموت رقيقاً، فها هنا يموتُ على مِلْكِ الوَاهِبِ، وعليه مَؤُنَةُ تجهيزه، وإن قلنا يَمُوتُ حراً يموت هاهنا على مِلْكِ المَوْهُوبِ منه وعلَيه المُؤْنَةُ، وإن قُلْنَا بالوجه الثالث؛ وُزِّعَتِ المَؤُنَةُ عليهما.
والثاني: إذا كان لهذا العبد وَلَدٌ من مُعْتَقَةٍ كان وَلاَءُ الولد لموالي أُمِّهِ فإن قلنا: إنه

الجزء: 13 - الصفحة: 348

يموت حُرّاً، [فينجر] 184 الولاء إلى معتق الأب، وإن قلنا: يعتق ثُلُثُهُ ينجز ولاء الثلث، وقد ينجز الولاء في بعض الْعِتْقِ دُونَ بَعْضٍ كما لو 185 اشترى ابْنَا مَمْلُوكٍ أُمَّهُمَا معتقة أباهما بالسَّوِيَّةِ، ينجر ولاء نصف كل واحد منهما إلى الآخر، ويبقى النصف الآخر لمعتق الأم.
ولو أَعْتَقَ في المرض عَبْداً وله مَالٌ سواه فمات قبل موت المعتق؛ فقد ذَكَرَ الإِمام: أن جَمَاهِيرَ الأصحاب -رحمهم الله- قالوا: لا يحسب من الثلث ولا يُزَاحمُ أَرْبَابُ الْوَصَايَا، بل يجعل كان ذلك العبد لم يكن؛ لأن الوصية إنما تتحقق بالموت، فإذا لم تبق إلى الموت؛ لم يَدْخُلْ في الحِسَاب، وأنه يجيء على قولنا: إِنَّ حُكْمَهُ بعد الموت، كحكمه لو عاش أن يحسب من الثلث ويزاحم أرباب الوصايا.
ولو وَهَبَ عبداً، وأَقْبَضَهُ وله م الآخر فَتَلَفَ في يد المُتَّهَبِ قبل موت الوَاهِبِ، فهو كما لو أَعْتَقَهُ، وهذا كما أَنَّ هِبَتَهُ، ولا مال له سواه بمثابة إعتاقه، ولا مال له سواه، ولو أَتْلَفَهُ المُتَّهَبُ فهو كما لو كان باقياً حتى إذا 186 كان له مال آخر فيحسب من الثلث الموهوب، وإذا لم يخرج من الثلث يَغْرَمُ المتهب للورثة ما يزيد على الثلث بخلاف ما إذا تلف؛ لأن الهِبَةَ ليست مُضَمَّنَةً، والإِتْلاَفُ مُضَمَّنٌ على كل حال.
وأشار الإِمام إلى أنه يحتمل أن تَجِبَ الضَّمَانُ في صورة التلف، إذا قلنا: "أنه يُحْسَبُ من الثلث"، فَإنَّ الزائدَ على الثلث حينئذ، يَتَبَيَّنُ أنه تَلَفَ في يده لغيره، فيكون كما لو وَهَبَ الْغَاصِبُ المَغْصُوبَ من غيره، وَأَقْبَضَهُ فتلف في يد الموهوب منه فإنا قد نقول: باستقرار الضمان عليه.
قال: وبتقدير ألا يجب الضمان في التَّلَفِ، فيجوز ألاَّ يجب في صورة الإتلاف أيضاً، كما أَنَّ الوَاهِبَ في [حياته] لا يُطَالِبُ الْمَوْهُوبَ منه بشيء سواء تَلَفَ المَوْهُوبُ في يَدِهِ، أو أَتْلَفَهُ.
الثانية: إذا أَعْتَقَ ثَلاثَةَ أَعْبُدٍ قيمتهم سواء، وهو لا يملك غيرهم، فمات أَحَدُهُمْ قبل موت السَّيِّدِ، فالذي بوجد للأصحاب على اختلاف طبقاتهم، وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: أن المَيِّتَ يَدْخُلُ في القُرْعَةِ، وذكر الإِمَامُ أَنَّ قِيَاسَ ما ذكرنا في العبد الواحد، أَنْ يُجْعَلَ الْفَائِتُ كالمعدوم، ويُقَدَّرُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عبدين، لا مال له سِواهُمَا، وأقام صاحب الكتاب هذا وَجْهاً 187 فقال: "يُجْعَلُ المَيِّت كالمعدوم، أم يَدْخُلُ

الجزء: 13 - الصفحة: 349

في القرعة؟ فيه خلاف".
ولك أن تقول: [نحن] 188 في الصورتين جميعاً نبقي للورثة مِثْلَيْ مَا مات [الموروث] 189 عنه، ولا يَدْخُل الغائب في حساب التَّرِكَةِ على ما سَيَتَّضِحُ في التفريع، لَكِنَّ العَدَدَ من العبيد مَحَلُّ القُرْعَةِ، وَإِدْخَالُهُ في القُرْعَةِ يَنْفَعُ الوَرَثَةَ والعبد الواحد ليس مَحَلَّ القرعة وإذا أدخل الميت في القرعة، فإن خَرَجَ له سَهْمُ العتق بَانَ أنه مات حُراً مَوْرْوثاً عنه وَرَقَّ الآخَرَانِ، وإن خرج له سَهْمُ الرِّقِّ؛ لم يُحْسَبْ على الورثة؛ لأنهم يَسْتَغْنُونَ بالمال، وَمَنْفَعَتِهِ وَيُحْتَسَبُ بهِ عن المُعْتِقِ؛ لأن المُعْتِقَ يبغي الثواب، وتُعَادُ القرعة بين العبدين، كما لو لم يكن إلاَّ عبدان فَأَعْتَقَهُما فمن خَرَجَ له سَهْمُ العتق، عتقَ ثُلُثَاهُ وَرَقَّ 190 ثُلُثُهُ مع 191 العبد الآخر، ولو خَرَجَ سَهْمُ العتق ابتداءً على أحد الْحَيَّيْنِ، فكذلك يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ ويمكن أن يقال: إذا لم يَكُنِ المَيِّتُ من التركة وَخَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ على أحد الحيين وَأَقَمْنَا فيهما رَسْمَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَينِ، فيفرد المَيِّتُ بالحكم حتى يجيء الخلاف في أنه يموت حُراً أو رَقِيقاً، كما لو أَعْتَقَ عبداً لا مال له غيره، ولو مات أَحَدُهُم بعد موت السَّيِّدِ، وَقَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إلى التَرِكَةِ فالحكم كما لو مات قبل موت السَّيِّد.
وَلَفْظُ الصَّيْدَلاَنِيِّ يَقْتَضِي الاكْتِفَاءَ [بألاَّ] يكون المَيِّتُ في يده لثبوت الحكم المذكور، وإن مَاتَ بعد امتداد يد [الوارث إلى التركة] 192 وقبل الإِقْرَاعِ ففيه وجهان: أَصَحُّهُمَا: أنه يُحْسَبُ المَيِّتُ على الورثة، حتى لو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لأحد الحيين يعتق كُلُّهُ، وذلك لِأَنَّ الميت دخل في أيديهم وَضَمَانِهِم.
والثاني: أَنَّ الحُكْمَ كما لو مات قَبْلَ ثبوت أَيْدِيهِم على التَرِكَةِ؛ لِأَنَّهُم لا يَتَسَلَّطُونَ على التصرف، وإن ثَبَتَتْ يَدُهُمُ الحِسِّيَّةُ.
وقوله في الكتاب: "وَمَوْته بعد مَوْتِ السَّيِّدِ، ولكن قبل امتداد [يد الوارث".
إلى آخره في إثبات وجهين فيما قبل 193 امتداد أيديهم]، وفي أن بَعْضَهُم طرد الوجهين فيما إذا مات بعد امتداد أيديهم، والذي يُوجَدُ لغيره أَنَّ الحُكْمَ فيما إذا مات قبل الامتداد كهو فيما إذا مات قبل موت السيد وإن فيما بعد الامْتِدَادِ وَجْهَيْنِ، وكذلك ذكره الإِمَامُ، وصاحب الكتاب في "الوَسِيطِ" وما ساقه في الكتاب من تَفَرُّدَاتِهِ ولا يُؤْمَنُ صُدُورُ مِثْلِهِ عن السَّهْوِ، ولو كانت الصُّورَةُ بحالها، ومات اثنان قبل موت السَّيِّد فعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يُقْرَعُ بينهم، فإن خَرَجَ سَهْمُ العتق على أَحَدِ المَيِّتِيْنَ عتق نِصْفُة، وَيَحْصُلُ للورثة مِثْلاَهُ، وهو العبد الحي، وإن خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عليه أَقرَعْنَا بَيْنَ المَيِّتِ الآخَرِ وَبَيْنَ

الجزء: 13 - الصفحة: 350

الحَيِّ، فَإنْ خَرَجَ سَهْمُ العتق (1) على الميت الآخر؛ أَعْتَقْنَا نِصْفَهُ الآخر، وإن خَرَجَ سهم الرق عليه؛ لم يُحْسَبْ على الورثة، وَأَعْتَقْنَا ثُلُثَ العبد الحي.
وَلَوْ قُتلَ أَحَدُ العبيد قبل موت السَّيِّد، أو بعده؛ فيدخل الْقَتِيلُ في القرعة لا محالة؛ لأن قيمته تَقُومُ مقامه فإن خَرَجَ سَهْمُ العتق لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ عتق كُلُّهُ وللورثة الآخر وقيمة القتيل فإن خرج لِلْقَتِيلِ بَانَ أنه قُتِلَ حُرّاً، وعلى قاتله الدِّيَة لِوَرَثَتِهِ، وأما القِصَاصِ فعن بعض الأصحاب: أنه لا يجب إن كان قاتله حراً بخلاف ما إذا قال لعبده: إنْ جُرِحْتَ؛ فأنت حر قبله، فَجَرَحَهُ حُرٌّ، ومات من الجِرَاحَةِ حيث يجب القصاص؛ لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فيه، وهَاهُنَا التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ.
قال "صاحب التَّهْذِيب": يُحْتَمَلُ أن يَكُون في المَسْأَلَتَيْنِ جميعاً وجهان؛ لأنه قتل من اعْتَقَدَ رِقَّهُ، كما لو قَتَلَ من عَرَفَهُ رقيقاً فَبَانَ أنه كان عُتِقَ ففي وجوب القصاص قولان.
وَاعْلَمْ أن الكلامَ في المسألة الثانية من فروع القرعة، والخاصِيَّةُ (2) الرَّابعَةُ أَحَقُّ بِأَنْ تودع (3) فيها، وَلَكِنْ لما ذكرت (4) مَوْتَ العبد الواحد إذا أَعْتَقَ؛ عَقِبَهُ بالقوَل في موت الواحد من الجَمَاعَةِ، إذا أعتقوا وقد يُوجَدُ في كثير من نُسَخِ الْكِتَاب في آخر الفصل، "وإن كان بعد موت السيد" وهو غَلَطٌ وَالصَّوَابُ بعد ثبوت اليد أو بعد امتداد اليد.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: (الخَاصِيَّةُ الرَّابِعَةُ:) القُرْعَةُ

وَمَحَلُّهَا أَنْ يَعْتِقَ عَبِيْداً مَعاً يَقْصُرُ الثُّلُثَ عَنْهُمْ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَلَى تَرْتِيبٍ فَالسَّابِقُ مُقَدَّمٌ، وَلَوْ أوْصَى عَلَى تَرْتِيْبٍ أَوْ جَمْعِ أَقْرَعَ، وَقِيلَ: لاَ قُرْعَةَ فِي الوَصِيَّةِ بَلْ يقسم عَلَيْهِمْ، وَلَوْ قَالَ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرٌّ فَفِي إِجْرَاءِ القُرْعَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الخَاصية مُرَتَّبٌ 198 على طَرَفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: في مَحَلِّ القُرْعَةِ -وهو أَنْ يَعْتِقَ عبيداً في مرض موته دَفْعَةَ وَاحِدَةً يقصر عنهم ثلث ماله، ولم يجز للورثة صنيعه فَيَقْرَعُ بينهم لِتَجْتَمِعَ الحرية في بعضهم؛ فَيُعْتَقُ بِكَمَالِهِ، أو يقرب من العتق وبه قال مَالِكٌ، وَأحْمَدُ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: لا يُقْرَعُ، بل يُعْتَقُ من كل واحد ثُلُثَهُ وَيُسْتَسْعَى في الباقي وقد ذكرناه مع مُعْتَمَدِنَا في القُرْعَةِ، وهو خَبَرُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه- في كيفية194195196197

الجزء: 13 - الصفحة: 351

احتساب التَّبَرُّعَاتِ من الثُّلُثِ من "كتاب الوصايا"، وفي [الضابط] 199 المذكور قيود: أَحَدُهَا: وُقُوعُ الإِعْتَاقِ في مرض الموت، فإن أَعْتَقَهُم لاَ فِي مَرَضِ الموت عتقوا جميعاً ولا قُرْعَةَ.
والثاني: أَنْ يَعْتَقِهُم دَفْعَةً واحدة، مثل: أَنْ يُوَكِّلَ بإعْتَاقِ كل واحد وكيلاً [فيعتقوا] 200 معاً [أو] 201 يقول: هؤلاء أَحْرَارٌ أو يقول لهم: أَعْتَقْتُكُم، أو أنتم أحرار فإن أَعْتَقَهُم على الترتيب يقدم الأَوَّلُ فَاَلأَوَّلُ إلى أن يتم الثُّلُثَ وذلك مثل أن يقول: سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حر، وفائق حُرٌّ، ولو قال: سالم وغانم وفائق أحرار فهو محل القرعة.
ولو قال: سالم وغانم وفائق حر -فعن القاضي أَبِي حَامِدٍ: أنه يراجع، فإن قال: أردت حرية كل واحد منهم فهو كما لو قال: أَحْرَارٌ؛ وإن قال: أردت حرية الأخير قُبِلَ ولا قُرْعَةَ.
وإن قال: أردتُ حُرِّيَّةِ غَيْرِه لم يُقْبَلْ.
والثالث: أن يقصر عنهم ثلث ماله، ولا يجيز الورثة فإن وَفَّى الثُّلُثُ بالمعتقين أو أجاز الورثة عتقوا جميعاً.
ولو أوصى بإعتاق عبيد 202 ولم يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ، ولم يُجزِ الوَرَثَةُ فيقرع أيضاً ولا فرق هاهنا بين أَنْ يُوصِيَ بإعتاقهم دفعة واحدة، وبين أن يقول: أَعْتِقُوا عبدي فلاناً ثم يقول: أَعْتِقُوا فلاناً؛ لأن وقت الاستحقاق واحد وهو الموت، بخلاف ما إذا رَتّبَ الإِعْتَاق المنجز إلاَّ أن يُقَيَّدَ فيقول: أَعْتِقُوا فلاناً ثم فلاناً، ولو عَلَّقَ العِتْقَ بالموت فقال: إذا مُتُّ فأنتم أحرار أو أَعْتَقتُكُمْ بعد موتي، أَوْ رَتَّبَ فقال: إِذا مُتُّ فَفُلانٌ حُرٌّ ثمَّ قَالَ: إذا مُتُّ فَفُلاَنٌ حُرٌّ يُقْرَعُ أيضاً، وفي الوَصِيَّةِ وتعليق العتق وَجْهٌ: أنه لا قُرْعَةَ بل يُعْتَقُ من كل وَاحدٍ ثُلُثَهُ؛ لأن الْقُرْعَةَ على خلاف القياس، وإِنَّمَا ورد بها الخبر في الإعتاق المُنْجَزِ، وقد ذكرنا هذا في "الوَصَايَا"، والظَّاهِرُ الأول.
ولو قال: أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ واحد منكم، أو أَثْلاَثُ هَؤُلاَءِ أَحْرَارٌ.
فوجهان: أحدهما: أنه [لا] 203 يُقْرَعُ بَيْنَهُم، بل يُعْتَقُ من كل واحد ثُلُثه لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّبْعِيضِ وأصحُّهما -على ما ذُكِرَ في "التَّهْذِيبِ": أنه يُقْرَعُ أيضاً؛ لأن العبيد له على الخلوص، وِإعْتَاقُ بَعْضِ العبد الخَالِصِ كَإعْتَاقِ كُلِّهِ وصار كما لو قال: أعتقتكم -وقد سبق هذا في "الوصايا" أيضاً، وسبق أنهَ لو قَال: أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُم- أو ثلثكم حُرٌّ فهو كقوله: أعتقتكم أو كقوله: أَثْلاَثُ هَؤُلاَءِ أَحْرَارٌ فيه طريقان -وأنه لو أَضَافَ إلى الموت فقال: ثُلُثُ كُلِّ

الجزء: 13 - الصفحة: 352

واحد حُرٌّ بَعْدَ موتي أَوْ أَثْلاَثُ هَؤُلاءِ أحرار بعد موتي، [فيعتق] 204 مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ ولا يُقْرَعُ؛ لأنَّه لا سِرايَةَ بعد الموت، وحكى 205 وَجْهاً آخَرَ: أنه يقرع كما لو نجز في المرض وَالظَّاهِرُ الأَوَّلُ، وعليه فَرَّعَ ابْنُ الحَدَّادِ، ولصاحب الوجه الآخر أن يقول: نعم لا سِرَايَةَ بعد الموت، وَلَكِنَّ قوله: "ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ منكم حُرٌّ نزلتموه منزلة" قوله: "أَعْتَقْتُكُم حِين 206 حَكَمْتُمْ بِالقُرْعَةِ فِيهِ" في أظهر الوجهين، وإذا نزل منزلته فلو قال: أعتقتكم بعد موتي يُقْرَعُ بينهم فكذلك 207 إذا قال: ثُلُثُ كُلِّ واحد منكم حُرٌّ بعد موتي، فاعتدّ بأن أحدهما يعتبر لمعرفة الثلث فيمن أَعْتَقَهُ منجزاً في المرض قيمة يوم الإعتاق وفيمن أَوْصَى بعتقه يوم الموت؛ لأنه وَقْتُ الاسْتَحْقَاقِ [وفيما] 208 يبقى للورثة أَقَلُّ قِيمَةٍ من يوم الموت إلى أن يقبضوا التركة؛ لأنه إن كانت قيمة يوم الموت أقل فالزيادة حصلت في ملكهم وإن كانت قيمة يوم القبض أقل.
فما نقص قبل ذلك لم يدخل في يدهم فلا يحسب عليهم كما يغصب أو 209 يضيع من التركة قبل أن يقبضوه، وإذا نجز إعتاق عبد في المرض وأوصى بإعتاق آخر قومنا الأول حال إعتاقه والآخر [حال الموت] 210 وبقية التركة بأقل القيمتين، فإن خرجا من الثلث عتقا وإن خرج [أحدهما] 211 أعتقتا المنجز إعتاقه وإن زاد الثلث على أحدهما أعتقنا بقدر الزيادة من الموصى لإعتاقه وإن نقص الثلث أعتقنا بقدره [من] 212 المنجز إعتاقه.
ولو أعتق في المرض عبداً مبهماً بأن قال: أحد هؤلاء حر، أو أوصى لإعتاق [واحد] 213 منهم أيضاً بأن قال 214: أعتقوا أحد هؤلاء -ففي "جمع الجوامع" للروياني: أنه يكتب رقعة للعتق، وأخرى للوصية، ورقعتان للتركة، فمن خرج له العتق فكأنه أعتقه بعينه ومن خرج له الوصية فكأنه أوصى بإعتاقه بعينه ثم يكون الحكم كما سبق.
وفي "الشامل": أنه يميز الثلث بالقرعة أو لا، ثم يميز بين المنجز إعتاقه وبين الآخر.
والثانية: كل عبد من المنجز إعتاقهم عتق بالقرعة يحكم بعتقه من يوم الإعتاق لا من يوم القرعة ويسلم له ما اكتسبه من وقت الإعتاق غير محسوب من الثلث سواء اكتسبه في حياة المعتق أو بعد موته وكل من بقي رقيقاً منهم فأكسابه قبل موت المعتق

الجزء: 13 - الصفحة: 353

تحسب على الوارث في الثلثين وأكسابه بعد موته وقبل القرعة لا تحسب عليه لحصوله على ملكه، فلو أعتق في مرضه ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم قيمة كل واحد مائة، واكتسب أحدهم مائة، وأقرعنا فإن خرجت القرعة للمكتسب عتق وفاز بكسبه ورق الآخران، وإن خرجت لأحد الآخرين عتق، ثم تعاد القرعة بين المكتسب والثاني فإن خرجت للثاني عتق ثلثه وبقي [ثلثاه مع المكتسب] 215 وكسبه للورثة وإن خرجت للمكتسب وقع في الدور لأنه يعتق بعضه ويتوزع الكسب على ما عتق وعلى ما رق ولا [يحسب] 216 عليه حصة ما عتق وتزيد التركة بحصة ما رق وإذا زادت التركة زاد ما عتق وتزيد حصته وإذا زادت حصته نقصت حصة التركة وطريق استخراجه قد بيناه في المسائل الدورية من "الوصايا" والحكم: إنه يعتق منه ربعه ويتبعه ربع كسبه، يبقى للورثة ثلاثة أرباعه وثلاثة أرباع كسبه مع العبد الآخر، وجملتها ضعف ما عتق.
ولو اكتسب أحدهم مائتين وخرجت القرعة الثانية لغير المكتسب عتق ثلثاه، وبقي ثلثه، والمكتسب وكسبه للورثة، وإن خرجت للمكتسب فقد عتق منه شيء وتبعه من الكسب شيئان؛ لأن كسبه مثلا قيمته تبقى للورثة أربعة أعبد إلاَّ ثلاثة أشياء، وإن شئت قلت أربع مائة إلاَّ ثلاثة أشياء تعدل ضعف ما عتق وهو عبدان وشيئان فبعد الجبر أربعة أعبد تعدل عبدين وخمسة أشياء نسقط عبدين بعبدين يبقى عبدان [وشيئان] 217 في مقابلة خمسة أشياء فالشيء خمس العبدين وهما خمساً عبد وذلك أربعون فقد عتق مائة وأربعون وبقي للورثة ثلاثة أخماسه ستون وثلاثة أخماس كسبه مائة وعشرون والعبد الآخر وجملتها مائتان وثمانون.
ولو اكتسب أحدهم خمسين وخرجت القرعة الثانية لغير المكتسب عتق سدسه وهو ستة عشر وثلثان 218 وبقي خمسة أسداسه والمكتسب وكسبه للورثة، وجملة ذلك مائتان وثلاثة وثلاثون وثلث ضعف ما عتق، وإن خرجت للمكتسب عتق منه شيء وتبعه من الكسب نصف شيء، يبقى للورثة عبدان ونصف سوى شيء ونصف شيء؛ وذلك عدل ضعف ما عتق وهو عبدان وشيئان فبعد الجبر يصير عبدان ونصف في معادلة عبدين وثلاثة أشياء ونصف، نسقط عبدين بعبدين تبقى المعادلة بين نصف عبد وبين ثلاثة أشياء ونصف والشيء من ثلاثة أشياء ونصف سبعاه فالشيء سبعا نصف عبد وسبعا نصف عبد سبع عبد فعرفنا أنه عتق منه سبعه وهو أربعة عشر وسبعان ويتبعه من الكسب سبعه غير محسوب عليه يبقى للورثة ستة أسباعه، وهي خمسة وثمانون وخمسة أسباع،

الجزء: 13 - الصفحة: 354

ومن الكسب ستة أممباعه، وهي اثنان وأربعون ستة أسباع، والعبد الآخر وهو مائة وجملة ذلك مائتان وثمانية وعشرون وأربعة أصباع ضعف ما عتق.
ولو كانت المسألة كما صورنا واكتسب كل واحد من العبيد مائة فمن خرجت له القرعة عتق وتبعه كسبه، ثم تعاد القرعة بين الآخرين، فمن خرجت له القرعة عتق منه شيء وتبعه من الكسب مثله يبقى مع الورثة أربعة أعبد سوى شيئين يعدل ضعف ما أعتقنا وهو عبدان وشيئان، فبعد الجبر يعدل أربعة أعبد عبدين وأربعة أشياء فنسقط عبدين بعبدين يبقى عبدان في مقابلة أربعة أشياء فالشيء نصف العبد، فعلمنا أنه عتق من هذا العبد نصفه وتبعه نصف كسبه غير محسوب يبقى للورثة نصفه الآخر ونصف كسبه والعبيد الآخر وكسبه، وجملته ثلاثمائة ضعف ما عتق، وقد قدمنا لهذه الصورة نظائر في "الوصايا" فلا نطول، وهذا كله في الأكساب الحاصلة في حياة المعتق.
ولو اكتسب واحد من العبيد في المثال المذكور مائة بعد موته فإن خرجت القرعة للمكتسب عتق وتبعه كسبه غير محسوب كما لو اكتسب في الحياة وإن خرجت القرعة لغير المكتسب عتق ورق الآخران، وَلاَ تُعَادُ الْقُرْعَةُ لِلْكَسْبِ بَلْ يَفُوزُ به الوَرَثَة؛ لحصوله في ملكهم، وَكَسْبُ من أَوْصَى بِإِعْتَاقِهِ في حياةِ الموصى، للموصى تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ والثلث، وكسبهُ بعد موته لا تزيد به التَّرِكَةُ وَالثُّلُثُ بلا خِلاَفٍ.
وحكى ابْنُ الصَّبَّاغِ: في أنه لِلْوَرَثَةِ، أو للعبد طريقين: أَحَدُهُمَا: أن فيه قولين، كالقولين في أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ المُوصَى بِهِ بعد موت المُوصِي، وَقَبْلَ الْقَبُولِ للورثة أو لِلْمُوصَى لَهُ.
وَأَصحُّهُمَا: القطع بأنه للعبد.
والفرق أَنَّهُ اسْتَحَقَّ العتقَ.
بموت الموصى اسْتِحْقَاقَاً مستقراً وَالمُوصى غير مستقر، بل المُوصَى لَهُ بالخيار، بين الرد والْقَبُولِ، وإذا زادت قيمة من نُجِزْ إِعْتَاقِه [بموت الموصى] 219 كانت الزيادة كالكسب.
فَمَنْ خرجت له قُرعَةُ العتق؛ تبعته الزيادة غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ عليه، وهذا لو كان مِمَّنْ أَعْتَقَهُم جَارية فَوَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ المعتِق؛ فالولد كالكسب، فإذا خرجت القُرْعَةُ لها؛ تَبِعَهَا الولد غَيْرَ مَحْسُوبٍ من الثلث، وَإِنْ خَرَجَتْ لغير الذي زادت قيمته، أو الذي وَلَدَتْ؛ وَقَعَ الدَّوْرُ 220، ولو أَعْتَقَ ثَلاثَةَ أَعْبُدٍ لا مال له غيرهم قِيمَةُ كُلِّ واحدٍ مِائَةٌ [فبلغت] 221 قيمة أَحَدِهِم مائتين فهو كما لو اكتسبت [أحدهم] 222 مِائَةً [ولو أعتق جاريتين قيمة كل واحدة مائة فولدت إحداهما ولداً قيمته

الجزء: 13 - الصفحة: 355

مائة، فهو كما لو اكتسب أحدهما مائة] 223 فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للتي لم تلد؛ عتقت وَرَقَّتِ الوَالِدَةُ وَوَلَدُهَا، وَهُمَا ضِعْفُ ما أعتقنا، وَإِنْ خَرَجَتْ للوالدة عتق 224 منها شيء، وتبعها من الولد مثله؛ يبقى مع الورثة ثَلاثمائَةِ سوى شَيْئَيْن تَعْدِلُ ضِعْفَ ما أَعْتَقْنَا محسوباً وهو شيئان.
فبعد الجبر يَعْدِلُ ثَلاثمائَةٍ أَرْبَعَةُ أشْيَاءَ فَالشَّيْءُ رُبْعُ الثَّلاَثِمِائَة، وَرُبْعُ الثلاثمائة: ثلاثة أرباع المائة، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عتق منها ثَلاثةُ أَرْبَاعِهَا وتبعها ثلاثة أرباع الولد، يَبْقَى مع الورثة ربعها، وربع الولد والجارية الأخرى، وجملة ذلك مائَةٌ وَخَمْسُونَ ضعف ما عتق منها، وَفَرْعٌ على هذا الأصل أَنَّهُ لو قال لجارية له حامل في مرض موته: أَنْتِ حُرَّةٌ أو ما في بطنك فَوَلَدَتْ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أشهر من يوم الإِعتاق، ولم يتفق تعيين فيقرع بينهما، فإن خَرَجَتْ لِلْوَلَدِ عتق دون الأم، فإن لم يَفِ به الثلث؛ عتق منه بقدر الثلث، وإِنْ خرجت للأم عُتِقَتْ وتبعها الولد إن وَفَّى بهما الثُّلُثُ، وَإِلاَّ فيعتق منها شيء، وتبعها من الولد شيء.
وطريق الاسْتِخرَاجِ ما ذكرناه فيما إذا أَعْتَقَ عبداً واحداً فاكتسب في "باب الوصايا"، وتقويم الولد إنما يكون في يوم الولادة، وهذا الذي ذكرناه فيما إذا ولدت الجارية قبل موت المُعْتِقِ، فإن 225 وَلَدَتْ بعد موته؛ نُظِرَ إن ولدت لأَكْثَرَ من ستة أشهر من يوم الموت، فَالْوَلَدُ كالكسب الحاصل بعد موتهِ، إنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَة للوالدة؛ عتقت، وتَبِعَهَا الْوَلَدُ، وإن خَرَجَتْ لغير الوالدة؛ عُتِقَتْ، ولا تُعَادُ الْقُرْعَة للولد؛ لأنه حَدَثٌ على مِلْكِ الورثة، وإن وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فهل تحسب على الوارث حَتَّى تُعَادَ الْقُرْعَةُ؟ قال "صَاحِبُ التَّهْذِيبِ": يُبْنَى على أَنَّ الحملَ هل يعرف؟ إن قلنا: لا فهو كالحادث بَعْدَ الموت، فَلاَ تُعَادُ، وإن قلنا: نعم فكالحادث بَعْدَة فتعاد، وَأَطْلَقَ الصَّيْدَلاَنِيُّ حكاية وجهين في أنه: إذا وَلَدَتِ الجَارِيةُ بعد الموت، هل يُحْسَبُ الولد على الوَرَثَةِ من الثُّلُثَيْنِ؟ ولو نقصت قيمة من نجز عتقه قبل موت المُعْتِقِ فإن كان النقصان فيمن خرجت له قرعة العتق؛ فهو محسوب عليه؛ لأَنَّهُ محكوم بعِتْقِهِ من يوم الإعتاق وإن كان فيمن رَقَّ؛ فلا يُحْسَبُ على الورثة إذا لم يحصلْ لهم إلا النَّاقِصُ.
فلو أعتق عبداً لا مال له غَيْرُهُ قيمته مائَةٌ فرجع 226 إلى خَمْسِينَ.
فقد ذكرنا طريق استخراجه في "الوصايا".
وبإيراد آخر نقول: عتق منه شيء ورجع إلى نصف شيء يبقى خمسون ناقصة فنصف شيء يَعْدِلُ ضِعْفَ ما عتق، وهو شيئانِ، فبعد الجَبْرِ يَعْدِلُ خمسون شيئين

الجزء: 13 - الصفحة: 356

ونِصْفَ شَيْءٍ، فَعَرَفْنَا أنه يعتق منه خمسه؛ لأن النصف من شيئين، ونصف خمس، وإن كان قيمته يوم الإعتاق عشرين فعاد إلى عشرة، وبقي للورثة أربعة أخماسه وقيمته يوم الموت أربعون، وهي ضعف ما عُتِقَ، ولو أَعْتَقَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ قِيمَةُ كل واحد مائة فعادت قيمة أحدهم إلى خمسين، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للذي انتقص قيمته عتق، ولا يُعْتَقُ من الآخرين شيء؛ لأنه كانت قيمته يوم الإعتاق مائة، فينبغي أن يبقى للورثة ضعفها، وإن خرجت لأحد الآخرين عتق منه خمسة أسداسه، وهي بالقيمة ثلاثة وثمانون وثلث، ويبقى للورثة سُدُسُهُ والعبد الآخر [و] الذي نقصت قيمته، وجملتها: مائة وستة وستون وثلثان وهي 227 ضعف ما عتق، وإنما كان كذلك لِمَا ذكرنا أن المحسوب على الورثة الباقي بعد النقصان، وهو مائتان وخمسون.
ولو أعتق عبدين قيمة كل واحد منهما مائة، ولا مال له سواهما فعادت قيمة أحدهما إلى خمسين فإن خرجت القرعة للذي لم تنقص قيمته؛ عتق نِصْفُهُ وبقي للورثة نصفه والعبد الآخر، وهما ضعف ما عتق، وإن خرجت للذي انْتُقِصَ وَقَعَ الدَّوْرُ لأنا نحتاج إلى إعتاق بعضه مُعْتَبَراً بيوم الإعتاق، إلى إبقاء بعضه للورثة مُعْتَبَراً بيوم الموت، وَطَرِيقُهُ أن يُقَالَ: عتق منه شيء، وعاد إلى نصفه يبقى للورثة مائة وخمسون سوى نصف شيء، وذلك يَعْدِلُ ضِعْفَ ما أعتقنا، وضِعْفُ ما أعتقنا شيئان، فبعد الجبر يعدل مِائَةٌ وخمسون شيئين ونصف شيء والشيء من شيئين، ونِصْفُ خُمُسَاهُ وَخُمْسا مِائَةٍ وخمسين ستون، فعلمنا أَنَّهُ عُتِقَ من العبد يوم الإعتاق ستون، وعاد هذا المبلغ إلى ثلاثين يبقى للورثة خمساً: هذا العبد، وهو عشرون، والعبد الآخر وهو مائة، والمائة والعشرون ضعف الشيئين، وَإِنْ حَدَثَ النقصان بعد موت المعتق، وقبل الإِقْرَاعِ فهل يحسب النقصان على الورثة؟ قال في "التَّهْذِيبِ": إن كان الوارث [مقصور] 228 الْيَدِ عن التَرِكَةِ؛ لم يحسب عليه، كما في حال الحياة وإلاَّ فوجهان: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تحسب عليه، وهذا كالخلاف الذي مَرَّ فيما إذا مات بَعْضُهُم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَسْهَلُ طُرُقِ القُرْعَةِ إِذَا كَانُوا ثَلاَثةً أَنْ يَكْتُبَ الرِّقَّ عَلَى رُقْعَتَيْنِ وَالحُرِّيَّةُ عَلَى رُقْعَةٍ وَتُدْرَجَ فِي بَنَادِقَ مُتَشَابِهَةٍ وَتُعْطَى صَبِيّاً حَتَّى يُعْطِي كُلَّ عَبْدٍ وَاحِداً، وَلاَ يَتَعَيَّنُ الكَاغِدُ بَلْ يَجُوزُ بِالخَشَبِ وَالنَّوَى، وَلاَ يَجُوزُ بِشَيْءٍ آخَر فِيْهِ خَطَر؛ كَقَوْلِهِمْ: إِنْ طَارَ غُرَابٌ فَفُلاَنٌ يتَعَيَّنُ لِلْحُرِّيَّةِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 357

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَّرَفُ الثاني في كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ والتجزئة التي تترتب عليها القرعة، وفيه فصلان: الأول: في كيفية القُرْعَةِ -وقد مَرَّ في "باب القسمة": أن للقرعة طريقين: أحدهما: أَنْ يَكْتُبَ أسماء العبيد في رِقَاع ثمَ يَخْرُجُ على الرِّقِّ والحرية.
والثاني: أن يكتب في الرقاع "الرق" و"الحرية" وَيَخْرُجُ على أسماء العبيد.
وذكرنا أن من الأصحاب -رحمهم الله- من أثبت قولين في أنه يقرع بالطريق الأول، أو الثاني؟ وأن في كون ذلك الخلاف في الجواز، أو الأَوْلَويَّةِ؟ خلافاً آخر، وَأَنَّ عَامَّتَهُم ذهبوا إلى أن في العتق يَسْلُكُ ما شاء من الطريقين ولفظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الْمُخْتَصَرِ" يدل عليه، وإِثْبَاتُ الأسماء والإخراج على الرق والحرية أَخْصَرُ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الرق والحرية، والإخراج على الأسماء قد يُحْوِجُ إلى إعادة القرعة مرة أخرى كما سنفصل.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- على الطريقين أن تكون الرِّقَاعُ صغاراً؛ لتكون أخفى، وأن تكون متساوية، وأن تدرج في بَنَادِقَ، وتجعل في حجر من لم يحضر هناك على ما بينا في "القسمة"، وأن تُغَطَّى بثوب، ويدخل من يخرجها اليد تحته، وكل ذلك ليكون أبعد عن التُّهْمَةِ؛ ولا تتعين الرقاع، بل تجوز القرعة بأقلام متساوية وبالنوى وبِالبَعَرِ.
وقد روِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أَقْرَعَ في قسمة بعض الغنائم بِالبَعَرِ، وأنه أَقْرَعَ مرة بِالنَّوَى.
وذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ أنه: لا يجوز أن يُقْرَعَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كدواة وقلم، وحصاة وقد يتوقف في هذا؛ لأن المخرج إذا لم يعلم ما اختاره كُلُّ واحد منهم لا يظهر فيه حَيْفٌ، ويدل عليه ما ذكر الإِمَامُ: أَنَّ الْغَرَضَ تحكيم القرعة على وجه لا يبقى فيه خيال الخيانة، وَالمُوَاطَأَةِ، ولسنا نضبط وجهاً من القرعة ولذلك قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: "أَحَبُّ القرعة إِلَيَّ وأبعدها عن الحيف رِقَاعٌ صِغَارٌ ... " إلى آخره.
ولا يَجُوزُ الإعراض عن القرعة أصلاً، والتمييز بطريق آخر، بأن يَتَّفِقُوا على أنه إن طار غُرَابٌ ففلان حر، أو أنَّ مَنْ وَضَعَ على 229 صبي يده فهو حر، أو أن يراجع شخص لا غرض له في تعيين عبد الرق، أو العتق، بل يَتْبَعُ ما ورد به الخبر، وللإمام هاهنا بحثان 230: أحدهما: إذ كنا نَعْتِقُ عبداً، وَنَرِقُّ عبدين، ورأينا إثبات الرق والحرية فقد قال الأَصْحَابُ -رحمهم الله-: يَثْبُتُ الرق في رقعتين، والحرية في رقعة على نسبة المطلوب في القلة، والكثرة، فإن ما يكثر فهو أحرى [بسبق] 231 اليد إليه وفي كلامهم ما

الجزء: 13 - الصفحة: 358

يدل على استحقاق ذلك، ومنهم من عَدَّهُ احتياطاً وقال: يكفي رُقْعَةٌ للرق، وأخرى للحرية، ثم إذا خرجت واحدة باسم أحدهم وخرجت رقعة الحرية؛ انفصل الأمر، وإن خرجت رقعة الرق احتجنا إلى إدراجها في [البيذقة] 232 مرة أخرى.
والثاني: قال: إذا أثبتنا الرق والحرية، فَقَالَ المُخْرِجُ: أُخْرِجُ على اسْمِ هذا ونازعه الآخرون، وقالوا:، أَخْرِجْ على أسمائنا، وأثبتنا الأسماء وقال المخرِج: أُخْرجُ على الحرية، وقالوا: أَخْرِجْ على الرق أو تَنَازَعَ الوَرَثَةُ والعبد.
فقال الورثة: أَخْرِجْ على الرق، وقال الْعَبْدُ على الحرية.
فهذا لم يتعرض له الأصحاب وفيه احْتِمَالاَنِ، إن أثبت الرق والحرية: أحدهما: أن يُقْرعَ بين العبيد أولاً، حَتى يتعين من يعرض على الرق والحرية، فإذا تعين واحد أخرجت رقعة على اسْمِهِ.
والثانية: أن يثبت الحرية على رقعة والرق على رقعتين، وَيُعْطِي المُخْرِجُ كُلِّ عبد رقعة، وقد سبق في "باب القِسْمَةِ" أن تعيين من يبتدأ به من الشركاء والإجراء 233 مَنُوطٌ بِنَظَر القَسَّامِ فيمكن أن يُنَاطَ هاهنا أيضاً بِنَظَرِ مَنْ يَتَوَلَّى الإقراع من قاضٍ، أو وَصِيٍّ حيث 234 يبتدئ بمن شاء، ولا يلتفت إلى مضايقاتهم.
وقوله في الْكِتَاب: "وأسهل طرق الْقُرْعَةِ ... " إلى قوله: "حتى يعطي كل عبد واحداً" كأنه يعني به: أَنَّ إِثْبَاتَ الرق والحرية، وتسليبم رقعة إلى كل واحد أدفع للمنازعة في البداية، وهذا الاحتمال الثاني ذكره الإِمام، وَإِلاَّ فقد بَيَّنَّا أَنَّ إثبات الأسماء، والإخراج على الرق.
والحرية أَخْصَرُ وَأَيْسَرُ، وإعطاء كل عبد رقعة ليس بشرط في الإقراع، بل يكفي الإخراج بأَسْمَائِهِمْ وأعيانهم ويمكن أن يعلم قوله: "وأسهل طرق القرعة" بالواو؛ إِشَارَةٌ إلى قوله: من أثبت الخلاف في أنه الطريق هذا أو هذا، فإن من عَيَّنَ طريقاً لا يجعل للقرعة طريقين أو طرقاً حتى يكون أحدها أسهل.
وقوله: "ولا يجوز بشيء آخر فيه خَطَرُ" [لم يقل: بشيء فيه خطر] 235 إِشَارَة إلى أن في إخراج القرعة خطراً أيضاً لكن الشرع عينها، فلا مَعْدِلَ عنها إلى غيرها [والله أعلم] 236. قَالَ الْغَزَالِيُّ: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّجْزِئَةِ) فَسَهْلٌ إِذَا أَمْكَنَ تَجْزِئَتُهُمْ بِثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي

الجزء: 13 - الصفحة: 359

القِيْمَةِ وَلاَ بَأْسَ إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ عَدَدُهُمْ بَلْ يُجْبَرُ الخَسِيْسُ بِالنَّفِيْسِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَمَا لَوْ كَانُوا ثَمَانِيَةَ أَعْبُدٍ قِيْمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ تَجْزِئَتُهُمْ بِثَلاثةِ أَجْزَاءٍ تَقْرُبُ مِنَ التَّثْلِيثِ فِي القِيْمَةِ فَيُجَزَّءُونَ إلَى ثَلاثَةٍ وَثَلاَثَةٍ وَاثْنَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى ثَلاثةٍ انْحَصَرَ العِتْقُ فِيْهِمْ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ رِقٍّ وَسَهْمَي عِتْقٍ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ الرِّقُّ رَقَّ ثُلُثُهُ لِيَرْجِعَ كُلُّ العِتْقِ إلَى قَدْرِ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ عُتِقَا ثُمَّ يُعَادُ بَيْنَ السِّتَّةِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ العِتْقُ لِوَاحِدٍ فَيُرَقُّ ثُلُثُهُ وَيُعْتَقُ ثُلُثَاهُ، وَالقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ التَّثْلِيثَ لاَ يَجِبُ بَل يَجُوزُ القُرْعَةُ كَيْفَ اتَّفَقَ إلَى أَنْ يُؤَدِّي إِلَى المَقْصُودِ، وَقِيْلَ: هَذَا الخِلاَفُ فِي الاسْتِحْبَابِ دُونَ الاسْتَحْقَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: في كيفية تجزئة العبيد.
[وتجزئتهم] 237 تقع بحسب الحاجة، فلو أعتق عبدين لا مال له سواهما؛ أقرع بينهما بإثبات اسْمَيْهِمَا في رقعتين، وإخراج إحداهما على الحرية، أو الرق، أو بإثبات الرقِّ والحرية في رقعتين على اسْمِهِمَا، ثم إن استوت قيمتهما فمن خرج له سهم الحرية عتق ثلثاه ورق باقيه مع الآخر، وإِنِ اختلفت قيمتهما كمائة ومائتين، فإن خرج سهم الحرية للذي قيمته مائة، عتق ورق الآخر وإن خرج للآخر؛ عتق نصفه ورق باقيه والأول، وإذا [اختصرت] 238 قُلْتُ: من خرج له سهم الحرية؛ عتق منه قدر الثلث، فإن كان الثلث أكثر منه تمم من الثاني 239، فإن أعتق جماعة من العبيد لا مال له سواهم وأردنا القرعة، فإن كانوا ثلاثة واستوت قيمتهم فإن شئنا كتبنا أَسْمَاءَهُمْ وقلنا لِلْمُخْرِجِ: أَخْرِجْ رقعة على الحرية فمن خرج اسمه؛ عُتِقَ، أو قلنا أخرج على الرق حتى يتعين الآخر للحرية، والإخراج على الحرية أولى؛ لأنه أقرب إلى فصل الأمر، وإن شئنا كتبنا على الرقاع الرق في رقعتين والحرية في رقعة، [وقلنا] 240؛ أَخْرِجْ على اسْمِ سَالِمٍ أو أشرنا إلى عينه.
وقلنا: أَخْرِجْ على اسْم هذا، فإن خرج سهم الحرية؛ عتق، ورق الآخران وإن خرج سهم الرق؛ رَقَّ، وَأَمَرْنَا بإخراج رقعة أخرى على اسم غانم، فإن خرج سهم الحرية؛ عُتِقَ، وَرَقَّ [الثالث،] 241 وإن خرج سهم الرق فبالعكس، وإن اختلفت قيمتهم كمائة، ومائتين، وثلاثمائة فإما أن نكتب أسماؤهم فإن خرج اسم الأول، عتق وأمرنا بإخراج رقعة أخرى فإن خرج اسم الثاني؛ عُتِقَ نِصْفهُ، وإن خرج اسم الثالث؛ عُتِقَ ثُلُثَاهُ [وإن خرح أولاً اسم الثاني عتق ورق الآخران، وإن خرج اسم الثالث عتق ثلثاه] 242 وَرَقَّ باقيه والآخران، وَإِمَّا أن يكتب الرق في رقعتين، والحرية في رقعة ويخرج على أسمائهم،

الجزء: 13 - الصفحة: 360

وإن كانوا أكثر من ثلاثة، فإن أمكن تسوية الأجزاء عدداً وقيمة كَسِتَّةٍ، وتسعة، وَاثنيْ عَشَرَ قيمتهم متساوية جزأناهم [ثلاثة أجزاء] 243 وصنعنا صنيعنا في الثلاثة المتساوية القيمة 244، وكذلك الحكم في ستة، ثلاثة منهم قيمة كل واحد منهم مائة وثلاثة قيمة كل واحد منهم خمسون، فنضم إلى كل نَفِيسٍ خَسِيساً، ونجعلهم ثلاثة أجزاء وفي ستة اثنان قيمة كل واحد منهم ثلاثمائة، واثنان قيمة كل واحد منهما مائتان، واثنان قيمة كل واحد مائة فنجعل للذين قيمتهما أَرْبَعمِائَةٍ جزءاً، وتضم إلى كل واحد من النفيسين واحِد من [الخسيسين] 245 فتستوي الأجزاء عددًا وقيمة، وإن لم يمكن التسوية بالعدد وتيسرت بالقيمة كخمسة قيمة أحدهم مائة، وقيمة اثنين مائة جَزّأْنَاهُم كذلك، وأقرعنا، وإن أمكن التسوية وتيسرت بالقيمة كستة قيمة أحدهم مائة، وقيمة اثنين مائة، وقيمة ثلاثة مائة فكيف يعدلون؟! فيه وجهان: حكاهما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالعِرَاقِيُّونَ -رحمهم الله.
[و] 246 أَصَحُّهُمَا -وَيُنْسَبُ إلى النص: أنَّهم يُجَزَّءُون واحدًا واثنين وثلاثة ويقرع بينهم كما ذكرنا.
والثاني: يُجَزءُون بالعدد اتباعاً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمران وعلي -رضي الله عنهما 247 - وعلى هذا فيجعل اللذان قيمتهما مائة جزءاً، والذي قيمته مائة مع واحد من الثلاثة الباقين جزءاً والباقيان من الثلاثة جزءاً ويُقْرَعُ بينهم فإن خرجت القرعة للذين قيمتهما مائة؛ عتقا وَرَقَّ الباقون، وإن خرجت على الدين قيمة أحدهم مائة، وقيمة الآخر ثلث المائة؛ أُعِيدَتِ القُرْعَةُ بينهما، فإن خرجت للذي قيمته مائة؛ عتق وَرَقَّ الآخر، وإن خرجت للآخر؛ عتق ورق 248 من الأول ثلثاه؛ لانحصار العتق فيهما، وإن خرجت للذين قيمتهما ثلثا المائة؛ عتقا، وأعيدت القرعة بين [الجُزْأَيْنِ] 249 الآخرين، فإن خرجت على اللذين قيمتهما مائة أُعِيدَتِ القُرْعَةُ بينهما، فأيهما خرجت عليه؛ عتِقَ ثلثاه، وإن خرجت على اللذين قيمتهما مائة وثلث؛ أُعِيدَتْ بينهما، فإن خرجت على الذي قيمته ثلث المائة، عتق جَمِيعُهُ، وإن خرجت على الآخر عتقَ جميعه، وهذا تطويل بلا فائدة، وفي حديث عِمْرَانَ -رضي الله عنه- أنه كانت قيمتهم متساوية، وإذا لم تكن التسوية بالعدد، ولا بالقيمة كثمانية أَعْبُدٍ قيمتهم متساوية ففيه قولان: أَصَحُّهُمَا: أنَّهم يُجَزَّءُونَ ثلاثة أجزاء، بحيث يقرب من الثلث؛ لِأَنَّ ذلك أَقْرَبُ إلى فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيجزءون ثلاثة، وثلاثة، واثنين، ويقرع بينهم، فإن خرج سهم

الجزء: 13 - الصفحة: 361

العتق على ثلاثة رَقَّ غيرهم، وانحصر العتق فيهم، ثم يُقْرَعُ بينهم بِسَهْمَي عِتْقٍ وَسَهْمَيْ 250 رِقٍّ، فمن خرج له الرق؛ رَقَّ ثُلُثُه، وعتق ثلثاه مع الآخرين وذلك تمام الثلث، وإن خَرَجَ سهم العتق على اثنين عتقَا، ثم تعاد القرعة بين الستة، ويجعل كل اثنين جزءاً، فإذا خرج سهم العتق باسْمِ اثنين، أَعَدْنَا القُرْعَةَ بينهما، فمن خرج له سهم العتق، عتق ثُلُثَاهُ وهذا إذا كتبنا في الرقاع الرق والحرية، وإن كتبنا الأسماء فإذا خرج اسم اثنين وعتقا؛ لم تعد القرعة بين الستة، بل يخرج رقعة أخرى ثم يقرع بين الثلاثة المسمين فيها، فمن خرج له سهم العتق عتق ثلثاه 251، ولا يجوز على هذا القول أن تُجَزِّءهم أربعة واثنين واثنين لبعد 252 هذه التجزئة عن التثليث.
والقول الثاني: أنا لا نُراعي التَّثْلِيثَ، بل نراعي ما هو أقرب إلى فصل الأمر، فيجوز أن تكتب أسماؤهم في ثمان رقاع ويخرج واحدة بعد واحدة إلى أن يتم الثلث، ويجوز أن يجعلوا أرباعاً ثم إن شئنا أثبتنا اسم كل اثنين في رقعة، فإذا أخرجنا واحدة على الحرية عتقا، ثم يخرج رقعة أخرى ويقرع بين الاثنين اللذين اسمهما فيها، فمن خرجت له القرعة عتق ثلثاه 253 وإن [شئنا] 254 أثبتنا الرق والحرية، فأثبتنا العتق في واحدة والرق في ثلاث، فإذا خرجت رقعة الحرية لاثنين عتقا، ويعيد القرعة بين الستة، فإذا خرجت الحرية لاثنين آخرين، أَقْرَعْنَا بينهما كما سبق ولا يبعد أن نجوز على هذا إثبات العتق في رقعتين، والرق 255 في رقعتين ويعتق الاثنان اللذان خرجت لهما رقعة العتق أولاً، وَيُقْرَعُ بين اللذين تخرج لهما رقعة العتق الثانية، وإن كان العبيد سبعة فعلى القول الأول يُجَزِّءهم ثلاثة، واثنين، واثنين، وعلى الثاني: نجزئ كيف شئنا، إلى أن يستوفى الثلث، وإن كانوا أربعة قيمتهم متساوية: فعلى القول الأول نجزءهم اثنين وواحداً وواحداً، فإن خرج سهم الحرية لأحد الواحدين؛ عتق ثم يعيد القرعة بين الثلاثة فمن خرج له سهم الحرية؛ عتق ثلثه، وإن خرج الاثنين أقرعنا بينهما فَمَنْ خرج له سهم الحرية؛ عُتِقَ كله، ومن الآخر ثلثه، وهذا على تقدير إثبات الرق والحرية في الرقاع.
وعلى القول الثاني: إما أن يثبت اسم كل واحد في رقعة ويخرج باسم الحرية، فمن خرج له اسمه أولاً؛ عتق، ومن خرج اسمُهُ ثانياً؛ عتق ثلثه، وإن كانوا خمسة قيمتهم متساوية: فعلى الأول نُجَزِّءهم اثنين اثنين، وواحداً، وعلى الثاني: لنا إثبات أسمائهم في خمس رقاع.
ثم القولان في الاستحباب، والاستحقاق أم في الاحتياط

الجزء: 13 - الصفحة: 362

والاستحباب؟ حكى الإِمام عن القَاضِي -رحمهما الله- أن الخلاف في الاستحباب وكل منهما جائز، وهذا ما اختاره.
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ: أنه في الاستحقاق هذا ما يوافق إيراد الأكثرين وهو قضية نظم الكتاب، فإنه حكى القولين: في أنه هل يجب تجزئتهم بثلاثة أجزاء؟ ثم قال: وَقِيلَ هذا الخلاف في الاستحباب، وإذا أعتق عبيداً [من عبيده] 256 على الإبهام؛ فقد يحتاج إلى تجزئتهم أربعة أجزاء 257، أو خمسة وأكثر فَيُجَزَّءُونَ بحسب الحاجة، فكذلك لو كان على المعتق دين على ما سنذكر على الأثر إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ، الأَوَّلُ) إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ رُبُعِ التَّرِكَةِ وَلاَ مَالَ له إِلاَّ عَبِيْدٌ قَدْ أَعْتَقَهُمْ فَيُجَزأُ العَبِيْدُ بِأَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ وُيُقْرَعُ لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ، فَإذَا خَرَجَ عَلَى جُزْءٍ سهم الدَّيْن بيع أَوَّلاً فِي الدَّيْنِ وَقُدِّرَ البَاقِي كَأَنَّهُ كُلُّ المَالِ فَيُقْرَعُ لإِعْتَاقِ الثُّلُثِ مِنْهُمْ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ وَالعِتْقِ لأنَّهُ رُبَّمَا يَسْبِقُ قُرْعَةُ العِتْقِ وَلاَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَقِيْلَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ ثُمَّ يَتَوَقَّفُ العِتْقُ عَلَى القَضَاءِ، وَإِذَا دَفَعْنَا بَعْضَ العتْقِ لِأَجْلِ الدَّيْنِ فَظَهَرَ لِلْمَيِّتِ دفين تبينا نفوذ العتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذَا أعتق في مرض موته عبيداً لا مال له غيرهم ومات وعليه دين، نُظِرَ إن كان يستغرقهم فَالدَّيْنُ يُقَدَّمُ على العتق؛ لأن العتق وصية، والدَّيْنَ مُقَدَّمٌ على الوصية، وأيضاً فحق الورثة 258 في الثلثين يتقدم على العتق، والدَّيْنُ مقدم 259 على حق الورثة، فَأَوْلَى أن يقدم على العتق فيباعون وتصرف أثمانهم إلى الدَّيْنِ، وإن كان لا يستغرقهم ويحيط ببعضهم؛ فَيُقْرَعُ بين الدَّيْنِ والتركة ليصرف العتق عما يتعين للدين، فإن كان الدَّيْنُ بقدر نصفهم؛ جعلناهم جزأين وأقرعنا بينهما بسهم دَيْنٍ وَسَهْمِ تَرِكَةٍ ثم إن شئنا كتبنا أسماء كل جزء في رقعة وأخرجنا رقعة لِلدَّيْنِ، أو التركة، وإن شِئْنا كتبنا الدَّيْنَ في رُقْعَةٍ والتركة في أخرى، وأخرجنا إحداهما على أحد الجزأين 260 وإن كان الدَّيْنُ بقدر ثلثهم [جَزَّأْنَاهُمْ] ثلاثة أجزاء، وأقرعنا بينهم بسهم دَينٍ وَسَهْمَيْ تركة، وإن كان بقدر الربع جَزَّأْناهُم أربعة أجزاء، وأقرعنا بسهم دَيْنٍ وثلاثة أسهم تركة، وهل يجوز أن يقرع لِلدَّيْنِ والعتق والتركة؟ بأن يقرع والصورة هذه بسهم دَيْنٍ، وسهم عتق، وسهمي تركة، أو يُجَزِّئهم وَالدَّيْنُ بقدر النصف ستة أجزاء، ويقرع بثلاثة أسهم لِلدَّيْنِ وسهم للعتق وسهمين للتركة.
فيه وجهان:

الجزء: 13 - الصفحة: 363

أصحهما: وهو المنصوص: لا؛ لأنه لا يمكن تنفيذ العتق قبل قضاء الدَّيْنِ، ولو تلف المعين لِلدَّيْنِ قبل [قضَائه] العكس الدَّيْنُ على الباقي من التركة، وكما لا يقسم شيء على الورثة قبل قضاء الدَّيْنِ لا يعتق قبله.
والثاني: يجوز؛ لأن العمل فيه أخف، فلا ينقص به حتى ذي حق، وعلى هذا فالذي نقله في الكتاب: أنا نتوقف في تنفيذ العتق إلى أن يَقْضِيَ الدَّيْنَ وفي "التَّهْذِيبِ" ما يقتضي الحكم بالعتق في الحال، فإنَّه قَالَ فيما إذا كان العبيد ثلاثة متساوين في القيمة والدَّيْنِ يقدر قيمة أحدهم على هذا الوجه: يقرع بينهم بسهم دَيْنٍ، وسهم عتق، وسهم تركة، فمن خرج عليه سهم الدين، بِيعَ فيه، ومن خرج عليه سهم العتق؛ عتق ثُلُثَاهُ، وَرَقَّ ثلثه مع الثالث.
وَذَكَرَ اَلصَّيْدَلاَنِيُّ: أن الوجهين مبنيان على قولين سنذكرهما، فيما إذا أعتقنا ثلث العبيد بالقرعة، ولا دَيْنَ ثم ظهر دَيْنٌ غَيْرُ مستغرق هل يبطل أصل القرعة؟ إن قلنا: نعم -فلا يجوز أن يقرع للعتق ولم يحصل قضاء الدين.
وإن قلنا: لا -فلا بأس بالجمع.
وإذا قلنا بالوجه الأصح، فإذا تعين بعضهم لِلدَّيْنِ يُبَاعُ ويقضي منه الدَّيْنُ ثم يقرع للعتق وحق الورثة.
ولو قال الورثة: [أقضى] 261 الدَّيْنَ من موضع آخر، [وأمضى] 262 العتق في الجميع فهل يَنْفُذُ الْعِتْقُ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم-؛ لأن الدَّيْنَ هو الذي كان يمنع النفوذ فإذا سقط الدَّيْنُ بقضائهم من غير العبد؛ وجب أن ينفذ كما لو أسقط الورثة حقوقهم من ثلثي التركة، وأجازوا العتق في الجميع.
والثاني: لا-؛ لأن تَعَلُّقَ الدَّيْنِ منع من نفوذه فلا ينقلب نافذاً بسقوطه، كما لو أعتق الراهن، وقلنا: لا ينفذ عتقه فقال: أنا أقضي الدَّيْنَ من غيره لينفذ، فإنه لا ينفذ إلاَّ أن يبتدئ [إعتاقاً] 263 وبنى 264 الوجهان على: أن تصرف الورثة في التركة قبل قضاء الدَّين هل 265 ينفذ؟ هذه إحدى مَسْأَلَتَي الفَصْل.
والثانية: لو ظهر للميت دفين بعد ما أعتقنا بعض العبيد الدين أَعْتَقَهُم بالقرعة،

الجزء: 13 - الصفحة: 364

وأَرْقَقْنَا البعض، فإن كان بحيث يخرج جميعهم من الثلث بأن كان الدَّيْنُ مثلي قيمتهم، فيحكم بعتقهم جميعاً، وَيَدْفَعُ إليهم أكسابهم من يوم إعتاقهم، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم كمن نكح امْرَأَةً نكاحاً فاسداً على ظن أنه صحيح، ثم فرق القاضي بينهما لا يرجع الزوج بما أنفق، وإن خرج من الثلث بعض من أرققناهم أعتقناهم بالقرعة، وذلك كما إذا أعتقنا واحداً من ثلاثة، ثم ظهر [مال] 266 يخرج به عبد آخر من الثلث؛ يُقْرعُ بين اللذين أرققناهما 267 فمن خرج له سهم الحرية عتق، ولو أعتقنا بعض العبيد بالقرعة، ولم يكن عليه دَيْنٌ ظاهر ثم ظهر دَيْنٌ؛ نُظِرَ إن كان مستغرقاً للتركة؛ فالعتق باطل، فإن قال الورثة: نحن نقضي الدَّيْن من موضع آخر، فعلى الوجهين السابقين، واستبعد الشَّيْخُ بِنَاءَهُمَا على الخلاف في تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين.
وقال هناك: الوارث ينشئ إِعْتَاقاً من عنده، ولا يمضي ما صدر عن المورث وإنما الخلاف مبني على أن: إجازة الوَرَثَةِ الوَصِيَّةَ بما زاد على الثلث تنفيذ لما فعله المُوَرِّثُ أو ابتداء عطية من الوَرَثَةِ، إن قلنا: تنفيذ؛ فلهم إِمْضَاءُ عتقه بقضاء الدَّيْنِ من موضع آخر، وإن قلنا: ابتداء عطية فينبغي أن يقضوا الدَّين أولاً، ثم [يبتدِئوا] إعتاقاً، وإن كان الدَّيْنُ الذي ظهر غير مستغرق، فهل تبطل القرعة من أصلها؟ فيه وجهان ويقال قولان: أحدهما: نعم؛ لأن الدَّيْنَ مستحق كالعتق، ولم يكن الدَّيْنُ ظاهراً فهو كما لو اقتسمه شريكان، ثم ظهر لهما شريك ثالث، وعلى هذا فيقرع الآن لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ، ولا يبالي بوقوع سهم الدَّين على من خرجت له قرعة العتق أولاً.
وأظهرهما: لا-.
ولكن إن تبرع الوارث بأداء الدَّيْنِ؛ نَفَذَ العتق، وإلاَّ فيرد العتق بقدر الدَّين، فإن كان الدَّيْنُ نِصْفَ التركة رددنا العتق في نصف من أعتقنا، وإن كان قدر ثلثها؛ رددناه في ثلثهم، فلو كان العبيد ستة متساوين في القيمة، وأعتقنا اثنين منهم بالقرعة، ثم ظهر دَيْنٌ بقدر قيمة عبدين [فنبيع] 268 من الأربعة عبدين لِلدَّيْنِ، كيف اتفق؛ لأنه لا حق لهم في العتق [فإذا] 269 وهب الدَّيْنَ اثنان بقي أربعة وثلثهم عبد وثلث، فيقرع ببن اللذين خرجت لهما قرعة الحرية بسهم عتق وسهم رق فمن خرج له سهم الرق رَقَّ ثلثاه، وعتق ثلثه مع الآخر وإن ظهر الدَّيْنُ بقدر قيمة ثلاثة منهم، يقرع بين اللذين كان قد خرج لهما سهم الحرية، فمن خرج له سهم الحرية عتق ورقَّ الآخر وإن كان العبيد أربعة [وأعتقنا] 270 بالقرعة عبداً وثلثاً، ثم ظهر دَيْنٌ بقدر قيمة عبد، وقلنا بالوجه الثاني؛ فيباع في الدَّيْنِ واحد من الذين أرْقَقْنَاهُم ويقرع بين الذين أعتقنا، فإن

الجزء: 13 - الصفحة: 365

خرجت للذي أعتقنا كله كان [حراً] 271 وَرَقَّ الآخر، وإن خرجت للذي أعتقنا ثلثه؛ فَثُلُثُه حُرٌّ وَمِنَ الآخر ثلثاه، وذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ: أن الخلاف في المسألة مبني على: أن الورثة إذا اقتسموا ثم ظهر دَيْنٌ هل تنقض القسمة؟ وإذا اقتسمموا مع العلم بالدَّيْن فالقسمة بَاطِلَةٌ أو مَوْقوفَةٌ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي:) إِذَا أُبْهِمَ العِتْقُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ هَلْ يَكُونُ الوَطْءُ تَعْيِيناً لِلْمِلْكِ فِي المَوْطُوءَةِ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَفِي اللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، والاسْتِخْدَامُ لاَ يُعَيَّنُ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال الرجل لعبيد له: أحدكم حر أو اثنان حران أو أعتقت أحدكم، فإما أن يريد معيناً، أو يطلق اللفظ، ولا يقصد معيناً 272: أردت هذا؛ عتق، ولغيره أن يَدَّعِيَ [عليه] 273: أنَّكَ أردتني، وَيُحَلِّفُهُ فإن نَكَلَ السيد؛ فله أن يَحْلِفَ، ويعتق هو أيضاً باليمين المردودة.
[فلو] 274 عَيَّنَ واحداً -وقال: أردت هذا- ثم قال: لا، بل هذا، عتقا مُؤَاخَذَةً له بإقراره.
ولو قتل واحداً منهم لم يكن ذلك بياناً، بل يَبْقَى الأمر بالبيان، فإن قال: أَرَدْتُ المقتول؛ فعليه القصاص، ولو جرى ذلك في إماء أو أمتين، ثم وَطِئَ واحدة، لم يكن الوطء بياناً للعتق في غير الموطوءَةِ، حَتَّى لو بين العتق فيها، تعلق به اَلْحَدُّ، والمهر لجهلها بأنها العتيقة، وإذا مات قبل البيان ففيه طريقان: أظهرهما 275: أن وَارِثَهُ يقوم مقامه، فإنه خليفته، وربما ذكر ذلك له وأطلعه عليه.
والثاني: أن فيه قولين كما في الحالة الثانية، فإذا أقمناه مقامه فبين الوارث أحدهم؛ عتق ولغيره تحليفه على نفي العلم، وأنَّ لم يكن وارث أو قال الوارث: لا أعلم -فالظاهر أنه يُقْرَعُ بينهم؛ لأنه قد أشْكَلَ الحال والقرعة قد تعمل في العتق.
وفيه وجه أو قول: أنه لا يقرع؛ لأنه قد تخرج قرعة الرق على الحر، بل يوقف، وبهذا قال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ولو قال المعتقُ: نسيت منْ عَيَّنْتُهُ فيؤمر بالتذكر.
قال الإِمَامُ: وفي الحبس، والحالة هذه احتمال، والذي أطلقه الأصحاب -رحمهم الله-: أنه يحبس، وإن 276 مات قبل التذكر ففي بيان الورثة والقرعة إذا قالوا: لا نعلم ما مر وهكذا يكون الحكم لو سمى واحداً وأَعْتَقَهُ ثم قال: نسيت من سميته.

الجزء: 13 - الصفحة: 366

الحالة الثانية: إذا لم يرد معيناً فيؤمر بالتعيين ويوقف عنهم إلى أن يبين، ويلزمه الإنْفَاقُ عليهم، فإذا عَيَّنَ أحدهم؛ عتق، وليس لغيره أن ينازع فيه مع تسليم أنه لم يقصد معيناً، وإذا قال: عينت هذا بل هذا عتق الأول، ولُغِيَ قوله للثاني؛ لأن التعيين حصل بالأول بخلاف قوله: عينت هذا، بل هذا فإنه إخبار ثم العتق في المعين يحصل في الحال أو يتبين حصوله من وقت اللفظ المبهم.
فيه وجهان سبق نظيرهما في الطلاق، وقد يُعَبَّرُ عن هذا الخلاف بِأَنَّ الإِبْهَامَ يوقعُ 277 العتق في الحال أو 278 هو التزام عتق في الذمة، وَخُرِّجَ على الخلاف: أَنه لو مات أحدهم فعينه -هل يصح؛ إن قلنا بحصول [العتق عند] 279 التعيين، فلا يصح؛ لأن الميت لا يقبل العتق، وعلى هذا فلو كان الإبهام في عبدين، فإذا بطل التعيين في الميت تعين الثاني، ولا حاجة إلى لفظ، وإن قلنا بالوقوع عند الإبهام صَحَّ تعيينه، والتعيين على هذا بيان أيضاً، ولو جرى ذلك في أَمَتَيْنِ أَوْ إِمَاء -فهل يكون [الْوَطْءُ] تعيناً لغير المَوْطُوءَةِ؟ فيه وجهان كما ذكرنا في "الطلاق".
ونقل 280 ابْنُ الصَّبَّاغِ أن التعيين قوله أكثر الأصحاب -رحمهم الله- وهو اختيار المُزَنِيِّ، وإذا لم نجعله تعيناً فلو عين العتق في الموطوءة فلا حد عليه، وبنى في "التَّهْذِيبِ" حكم المهر على أن العتق يحصل عند التعيين، أو باللَّفْظِ الأول، إن قلنا بالأول؛ لم يجب، وإن قلنا بالثاني؛ وجب.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: [الْوَطُء] لا يكون تعيناً إِلا إِذَا أَحْبَلَهَا، [الوطْء] فيما دون الفَرْجِ، وَالقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بالشهوة يترتب على [الوطء] إن لم يكن تعيناً فهذه أولى، وإن كان تعيناً فوجهان؛ لأنهما أَخَفُّ من [الوطء] والاستخدام يترتب 281 على هذه الاسْتِمْتَاعَاتِ حكى ذلك عن الْقَاضِي الحُسَيْنِ وغيره والصحيح أنه ليس يتعين.
قال الإِمام -قَدَّسَ اللهُ روحَهُ-: وهذا يوجب طَرْدَ الخلاف في أن الاستخدام في زمان الخيار يكون فسخاً، أو إجازة والعرض على البيع كالاستخدام، ولو باع بعضهم أو وَهَبَهُ، وأَقْبَضَهُ أو أجرهُ.
قال في "التَّهْذِيبِ": فيها وجهاً [الوطء]؛ لأنها من تصرفات الملاك 282 وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: أنَّها تكون تعيناً، والإعتاق ليس بتعيين، ثم إن عَيَّنَ فيمن أعتقه قبل، وإن عين في غيره عتقا، وقتل السَّيِّدِ أَحَدَهُمْ ليس بتعيين، ثم إن عَيَّنَ في غير المقتول؛ لم يلزمه إلاَّ الكفارة، وإن عين في المقتول؛ لم يجب القصاص للشبهة، وأما المال فإن قلنا:

الجزء: 13 - الصفحة: 367

العتق يحصل عند التعيين فلا يجب عليه وإن قُلْنَا: يحصل عند الإِبْهَامِ؛ فعليه الدِّيَةُ لورثته، وإن قَتَلَ أَجْنَبِيٌّ أَحَدَهُمْ؛ فلا قصاص إن كان القاتل حراً، ثم إن عين في غير المقتول، فعليه القيمة، وإن عَيَّنَ وقلنا: إن العتق يحصل عند التعيين، فكذلك كما لو نذر إعتاق عبد بعينه فقتل، وإن قلنا: يحصل عند [إبهام] 283 اللفظ؛ فعليه الدية لورثة المقتول.
ولو مات قبل التعيين فهل للورثة التعيين؟ فيه قولان -وَيُقَالُ وجهان: أحدهما: لا؛ لأن [ذلك] 284 متعلق باختيار المبهم وقد فات؛ لأنه في حكم تكميل اللفظ فَلْيُؤْخذ 285 مِنَ المُتَلَفِّظِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه خيار يتعلق بالمال [فيخلف] 286 الوَارِثُ المُوَرثَ فيه كما في خيار البيع والشفعة.
وعن الْقَاضِي الحُسيْنِ بِنَاءً على الخلاف: على أن التعيين إيقاع، عتق في الحال، أو يستند إلى وقت الإِبْهَام، إن قلنا إيقاع في الحال فيقوم الوارث فيه مقام [الموروث] 287 كما يعتق عنه بأمره وفي تأدية كفارة، وإن قلنا ليس إيقاعاً في الحال فلا.
قال الإِمام: وهذا عندنا بالعكس أَوْلَى [فإنا] 288 إن جعلناه إيقاعاً فهو تَتِمَّةُ اللَّفْظِ، ولا يجوز أن ينقسم لفظ في الإيقاع بين 289 شخصين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ:) إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِيْنَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّتاً انْحَلَّتِ اليَمِينُ وَلَمْ يُعْتَقِ الحَيُّ بَعْدَهُ (الرَّابعُ:) إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ: أَنْتَ ابْنِي عُتِقَ عَلَيْهِ وَلَحِقَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ سِنّاً مِنْهُ فَلاَ يُعْتَقُ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي العِتْقِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لأَمَتِهِ: أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ميتاً ثم حياً لم يعتق الحي؛ لأن الشرط قد حصل بولادة الميت؛ ألا ترى أنه لو قال: إذا ولدت فَأَنْتِ حُرَّةٌ يُعْتَقُ الثاني؛ لأن الميت ليس بمحل [زوال] 290 العتق، وإذا وجدت الصفة يَنْحَلُّ اليمين.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يعتق الثاني وسلم أنه لو قال: أَوَّلُ عبد رأيته من عبيدي فهو حر فرأى واحداً منهم ميتاً؛ ينحل اليمين حتى إذا رأى بعده حياً لا يعتق.
وإذا قال لعبده: أَنْتَ ابْنِي ومثله يجوز أن يكون ابْناً له ثبت نسبه، وعتق إن كان

الجزء: 13 - الصفحة: 368

صغيراً، أو بالغاً، وَصَدَّقَهُ، وإن كَذَّبَهُ عتق أيضاً، وإن كان هو المصدق في نفي النسب، وإن لم يمكن أن يكون ابناً له بأن 291 كان أكبر منه أو مثله في السن, أو أصغر على حَدٍّ لا يتصور أن يكون ابنه لغى قوله ولم يعتق؛ لأنه ذكر محالاً.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يحكم بعتقه، هذا في مَجْهُولِ النسب، وإن كان معروف النسب من غيره فلا يلحق به، وهل يحكم بعتقه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا-؛ لأن العتق يَثْبُتُ بتبعية النسب وليس هو ممن يستلحق وأشبههما: نعم؛ لأن قوله يتضمن الإقرار بالنسب، والعتق، فإن لم يقبل في النسب لحق الغير لم يمتنع مُؤَاخَذَتِهِ بالعتق.
وقوله في الكتاب: "إلا أن يكون أكبر سناً منه" -الاستثناء غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في هذه الحالة على ما بَيَّنَّاه.
ولو قال لزوجته: أنت ابنتي -قال الإِمام الحكم في حصول الفراق وثبوت النسب كما في العَتَاقِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ:) إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمَاً فَسَالِمٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمَاً وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ عُتِقَ غَانِمٌ وَلاَ قُرْعَةَ لِأَنهُ رُبَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى سَالِمٍ فَيُعْتَقُ بِغَيْرِ وُجُودِ الصِّفَةِ (السَّادِسُ:) عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَاباً فَنَصِيبي حُرٌّ وَقَالَ الآخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ فَنَصِيبِي حُرٌّ فَلاَ يُعْتَقُ شَيْءٌ لِلشَّك فَإنِ اشْتَرَاهُ ثَالِثٌ حُكِمَ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ فِي يَدِهِ وَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَيهِمَا بِالثَّمَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفرعان متكرران: أما الأول: فمذكور في [كتاب] 292 "الوصية"، وأما الثاني: في الكتاب الذي نحن فيه، وإن بعد العهد بالوصية فهو بالعتق ليس ببعيد 293 [والتكرار] 294 فيه أبعد عن الْعُذْرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (السَّابعُ:) إِذَا قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَعْتَقْتُ أَحَدَكُمَا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلاَ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ وَقُلْنَا: الوَارِثُ لاَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عُتِقَ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ المُسَمَّى بِالإِبْهَامِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ المُسَمَّى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لِعَبْدَيْنِ له: أَعْتَقْتُ أحدكما على ألف، أو أحدكما حر على ألف، فلا يعتق واحد منهما ما لم يقبلا؛ لتعلق العتق بِالْقَبُولِ كما إذا قال: اْحدكما حر إن شئتما لا يعتق واحد منهما إلاَّ إذا شاءا فإذا قبلا جميعاً كل واحد منهما الألف؛ عتق

الجزء: 13 - الصفحة: 369

أحدهما، ويؤخذ السيد بالبيان كما لو أعتق أحدهما بغير عوض، فإن مات قبل البيان، ولم يقم الوارث مقامه في البيان أو لم يكن وارث أَقْرَعَ بينهما، فمن خرجت قرعته؛ عَتقَ ولا يعتق مجاناً؛ لأنه لَمْ يَتَبَرَّعْ بإعتاقه، وإنما أُعْتِقَ على عوض وفيما يلزم العتيق وجهان: أصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّدِ: أنه يلزمه قيمته لفسادِ المُسَمَّى من جهة أنه لم يعين أحدهما فصار كما إذا قال: بعته من أحدكما بألف فقبلا لم يصح، وإنما حصل العتق لتعلقه بالقبول، وهذا كما أنه لو قال لامرأته: إن أَعْطَيْتِنِي عبداً فأنت طالق، فأعطته عبداً يقع الطلاق ولا يملك الزوج ذلك العبد، بل يرده ويرجع عليها بمهر المثل.
والثاني: ويحكى عن أَبِي زَيْدٍ: أنه يلزمه المسمى؛ لأن المقصود العتق لا المعاوضة فيحتمل إبهام العوض تبعاً للعتق.
ولو قال لِأمَتَيْهِ: إحداكما حرة على ألف فَقَبلَتَا ثم وطئ إحداهما -قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: هل يكون الوَطء اختياراً لِلْمِلْكِ في الموَطوءَةِ، وتعيين الأخرى للعتق؟ فيه وجهان: كما لو أعتق إحداهما بلا عوض، وَوَطِئَ, هذا ما ذكره في "الفروع" ويمكن أن يقال: إن لم يقصد أحدهما بعينه فلا بد من قبولهما وإن قصد أحدهما بعينه فيكفي قبول الذي قصده.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّامِنُ) جَارِيَةٌ مُشْترَكَةٌ زَوَّجَاهَا مِنِ ابْنِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَوَلَدَتْ عُتِقَ نِصْفهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ جَدُّ المَوْلُودِ وَلاَ يَسْرِي إِذْ لاَ اخْتِيَارَ، وَلَوْ غَرَّ بِجَارِيَةِ أَبِيْهِ فَفِي لُزُومِ قِيْمَةِ الوَلَدِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْتَقُ عَلَى الحَدِّ لَوْلاَ ظَنُّهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: جارية بين شريكين زَوَّجَاهَا من ابن أحدهما فأتت منه بولد يعتق نصفه على الحد، ولا يسري إلى النصف الآخر؛ لأن شرط السِّرَايَةِ حصول العتق بالاختيار، ولم يوجد، ولا نظر إلى أنه زوِّجَ برضاه؛ لأن الوطء والعلوق لا يتعلقان باختيار المعلق، وَعَلَّلَ بعضهم امتناع السِّرَايَةِ بأن نصفه انعقد حراً، والحرية الأصلية لا تسري، وإنما يسري العتق الوارد على الرق.
ومن قال بالأول منع ذلك وقال: ينعقد الكل رقيقاً ثم يعتق النصف على الجَدِّ بالقرابة، وتوسط صَاحبُ الْكِتَابِ بين القولين فقال: عندي يَنْدَفِعُ رِقُّهُ لموجب العتق، وكذلك لو اشترى قريبه يندفع الملك والاندفاع في معنى الانقطاع.
الثاني: قد سبق في "النكاح" أن من نكح أمة غُرَّ بحريتها فأتت منه بولد ينعقد الولد حراً، ويجب على المَغْرُورِ قيمته لمالك الأَمَةِ؛ لفوات الرق عليه بظن المغرور.
هذا هو المذهب الظاهر.
وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: أن بعض الأصحاب ذكر وجهاً: أن الولد

الجزء: 13 - الصفحة: 370

يخلق 295 رقيقاً ثم يعتق على المغرور، وله وَلاَؤُه 296 وإذا قلنا: ينعقد حراً فلا قيمة على المغرور، وهو غريب.
قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ، وفي القلب من وجوب القيمة على المغرور شيء؛ لأنه لم يتلف ملكاً على مالك الأمة وإنما منع دخول شيء في ملكه، لكن ليس فيه خلاف مُعْتَدٌّ بِهِ.
وأجمعت الصحابة -رضي الله عنهم- على وجوب الضمان فلا بد من متابعتهم.
إذا عرف ذلك، فلو نكح جارية [ابنه] 297 مغروراً بحريتها فأتت منه بولد هل يلزمه قيمة الولد؟.
فيه وجهان: أحدهما: لا- لأنه إن انعقد حراً؛ فينبغي ألاَّ يلزمه شيء، وإن انعقد رقيقاً فيعتق على الجَدِّ بالقرابة، وأيضاً فإنَّه لم يفوت بظن الحرية رقاً على الأب منتفعاً به؛ لأنه كان يعتق على الجَدِّ وإن لم يوجد هذا الظن.
وأصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: يجب؛ لأن الغرور اْوجب انعقاده حراً ولم يملكه الجَدُّ حتى يعتق عليه، فَأَشْبَهَ سائر صور الغرور.
ولو نكحها عالماً بالحال فيملكه الحد ويعتق عليه، هذا هو الظاهر، ولم يستبعد الإِمام أن يقال أنه ينعقد حراً ويردف هذه الفروع [المتفرقة] 298 بفروع تتعلق بالباب.
منها: ذَكَرَ ابْنُ الحَدَّادِ أنه لو زوج أمته من عبد غيره وقبض مهرها وأتلفه ومات، ولا مال له غيرها، والزوج لم يدخل بها بعد فأعتقها الوارث نَفَذَ عتقهُ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ في شرح الفروع فصلين: أحدهما: إِذَا أعتق الوارث عبد التركة، والموروث 299 مديون، نُظِرَ إن كان الوارث معسراً فالعتق غير نافذ؛ لما في نفوذه من إبطال حق الغرماء، قطع به الشيخ أبو علي وعن الشيخ أَبِي محمد 300 أن إعتاقه كإعتاق الراهن فيجيء في نفوذه قول، وإن كان معسراً، وَرَأيُ الإِمام: الوجه الأول؛ لأن حق الوثيقة طَرَأَ على ملك الراهن ودام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة وهي مشروطة بتقديم حق الميت.
وإن كان موسراً ففيه وجهان:

الجزء: 13 - الصفحة: 371

أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: أنه يَنْفَذُ وينتقل الدَّيْنُ إلى مال الوارث كما لو أعتق السيد عبده الجاني، أو أعتق المريض عبده، وله مال يفي بديونه ينفذ العتق، ويقضي الدَّيْنَ من سائر أمواله.
هذا لفظ الشيخ ونقل الإِمام عنه: أنا إذا نفذنا العتق، نقلنا الدَّين إلى ذمة الوارث إذا لم يخلف سوى العبد قال: ولست أرى الأَمْرَ كذلك، فَالدَّيْنُ لا يتحول إلى ذمة الوارث قط ولكنه بالإعتاق متلف للعبد فعليه أقل الأمرين من الدَّيْنِ وقيمة العبد.
والثاني: أنه موقوف، فإن أدى الوارث الدَّيْنَ من ماله؛ تَبَيَّنَ نفوذ العتق وإلاَّ بيع العبد في الدَّيْن، وبَانَ أن العتق لم ينفذ، ولو باع الوارث التركة بغير إذن الغُرَمَاءِ؛ لم يَنْفُذْ بَيعَهُ إن كان مُعْسِراً، وإن كان موسراً ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن البيع باطل؛ لأنه كالمرهون بديون الغُرَمَاءِ.
والثاني: أنه يصح؛ ويلزم وسيأتي [تفريعه] 301 إن شاء الله تعالى.
والثالث: أنه موقوف كما ذكرنا في العتق، وللإمام هاهنا أبحاث: أحدها: يحكى عن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ: تنزيل التركة منزلة العبد الجاني وقد سبق في بيع السيد العبد الجاني -إِطلاَقُ قولين من غير فرق بين المعسر والموسر، فيجيء قول هاهنا في بيع الوارث، وإن كان معسراً ثم فرق بين التركة، والعبد الجاني بما فرق به بينها وبين 302 المرهون.
والثاني: ذكر الشَّيْخُ تفريعاً على صحَّةِ البيع أن الثمن يصرف إلى الغرماء وأن المشتري لو دفع الثمن إلى الوارث، فتلف في يده؛ كان للْغُرَمَاءِ تغريم المشتري.
قال الإِمام: والوجه عندي القطع بأنهم لا يُطَالِبُونَ المُشْتَرِي [وإنما] إذا ألزمنا البيع كان بمثابة الإعتاق الذي عوض له، وَبِتَقْدِير أن يكون الثمن مستحقاً للغرماء، فما ينبغي أن يفرق بين المعسر والمُوسِرِ.
والثالث: قال: إِلْزَامُ البيع بعيدٌ فإن بيع العبد الجاني، وإن صححناه لا يلزم؛ مع أن تَعَلُّقَ ألأَرْشِ به أضعف على ما ذكرنا، فبيع الوارث أولى بأن لا يلزم.
والرابع: في بيع المُفْلِسِ المحجور عليه قول: أنه يَنْعَقِدُ على التوقف فيجوز إجراؤه في الوارث المعسر.
وَاعْلَمْ أن جميع ما ذكرناه مُفَرَّعٌ على أن الدَّيْنَ لا يمنع الميراث، أما إذا قلنا يمنعه، والتركة مُقرَّةٌ على مِلْكِ الميت فلا يصح تصرف الوارث بحال، وإن ذكرنا في

الجزء: 13 - الصفحة: 372

كتاب "الرَّهْن" وجهاً: أن إِعْتَاقَهُ لا ينفذ بحال كالبيع، ووجهين في أن تعلق الدَّيْنِ بالتركة كتعلق الدَّيْنِ بالمرهون، أو كتعلق الأَرْشِ بالجاني، وَأَنَّ الأَظْهَرَ الأول وحينئذ فيكون الأظهر في الإعتاق النفوذ، كما في إعتاق الراهن الموسر، وفي البيع المنع.
والفصل الثاني: ذكرنا في "النكاح" أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد؛ كان لها الخيار فإن فسخت قبل الدخول سقط جميع المهر، وعلى السيد رده إن كان قد قبضه.
إذا تقرر ذلك فينفذ العتق في الحال في فرع ابْنِ الحَدَّادِ ثم إن كان الوارث معسراً، فلا خيار لها؛ لأنه لَوْ ثَبَتَ لها الخيار [و] 303 فسخت وجب رد مهرها, ولصار ذلك دَيْناً على الميت، وذلك يَمْنَعُ نفوذ العتق من الوارث المعسر، وإذا لم يعتق فلا خيار لها ففي إِثْبَاتِ الخيار بقية والمسألة من الدائرات؛ وقد ذكرنا طرفاً منها في "النكاح"؛ وإن كان موسراً فإن قلنا يَنْفُذُ عتقه، فلها الفسخ، وإذا فسخت صار مهرها ديناً فيطالب به المعتق إن كانت قيمتها مثل المهر، لتفويته 304 التركة، وإن كان مهرها أكثر لم يطالب إلاَّ بقدر قيمتها؛ لأنه لم يفوت إلاَّ ذلك القدر، وإن قلنا يتوقف نفوذ العتق على أداء الدَّين، فلا عتق، ولا خيار حَتَّى يرد الصداق إلى سيد العبد: هكذا ذكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وفيه إشكال؛ لأنه لا يَثْبُتُ لسيد العبد دَيْنٌ ما لم يفسخ فكيف يقضي الدَّين قبل ثبوته؟.
ومنها: مات رجل عن ابن حائز والتركة ثلاثة أَعْبُدٍ قيمتهم متساوية فقال الابن: أَعْتَقَ أَبِي في مرض موته هذا -وأشار إلى أحدهم.
ثم قال: بل أعتق هذا، وهذا، يعني الأول، وآخر معاً.
ثم قال: بل أعتق الثلاثة معاً.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: الأول [حرٌ] 305 بكل حال -لإقراره للأول ويقرع بينه وبين الثاني لإقراره الثاني، فَإِنَّ قضيته أن الثاني يستحق أن يقرع بينه وبين الأول، ويعتق إن خرجت القرعة له ويقرع بين الثلاثة مرة أخرى؛ لإقراره الثالث فَإِنَّ قضيته أن يقرع بين الثلاثة، ويعتق من خرجت قرعته فيؤاخذ بموجب كل إقرار، ولا يمكن من الرجوع عن مقتضى واحد [منهما] 306، وإذا أقرعنا [في] 307 المرتين فإن خرج سهم العتق للأول في المرتين لم يعتق غيره، وإن خرج للثاني في المرتين أو للأول في الأولى، وللثاني في الثانية أو بالعكس عتقا، وَرَقَّ الثالث، وإن خرج للأول في الأولى، وللثالث في الثانية عتقا دون الثاني، وإن خرج للثاني في الأولى، وللثالث في الثالثة عتقوا جميعاً.

الجزء: 13 - الصفحة: 373

قال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ: وإن كانت قيمتهم مختلفة كما إذا كانت قيمة الأول مائة، وقيمة الثاني المضموم إليه مائتين، وقيمة الثالث ثلاثمائة فالأول حر بكل حال لإقراره الأول، وهو دون الثلاثة 308، وإذا أقرعنا بينه وبين الأول وخرج سهم العتق للأول؛ عتق وعتق من الثاني نصفه، وإن خرج للثاني عتق كله؛ لأن موجب إقراره الثاني أن يعتق الثاني بكماله، أو الأول ونصف الثاني وإذا أقرعنا بين الثلاثة لإقراره الثالث، فإن خرج سهم العتق للثالث، عتق ثلثاه، وثلثاه ثلث ماله، وإن خرج للثاني؛ لم يعتق الثالث سواء خرجت القرعة الأولى على الثاني، أو لم تخرج؛ لِأَنَّهُ ثلث ماله، وإن خرج للأول فهو نصف الثلث فتعاد القرعة، لإكمال الثلث بين الثاني والثالث، فإن خرج على الثاني رَقَّ الثَّالِثُ، ولا يعتق من الثاني إلاَّ ما عتق بالقرعة الأولى وهو جميعه أو نصفه، وإن خرج على الثالث؛ عتق ثلثه؛ لأن ثلثه مع الأول ثلث جميع المال.
والمفهوم من كلام الشَّيْخِ أنه إذا أخرج سهم العتق في القرعة الثانية بين الثلاثة للثاني لا يعتق منه إلاَّ ما عتق من قبل.
وكذلك حكاه الإِمام عنه، واعترض عليه بأن الثاني اسْتَحَقَّ بالإقرار [و] 309 الثاني أن يقرع بينه وبين الأول، وبالإقرار الثالث أن يقرع بينه، وبين الأولين فإن لم تكمل له الحرية في القرعة الأولى لخروج سهم العتق للأول؛ وجب أن يكمل في القرعة الثانية إذا خرج سهم العتق له؛ لأنه قضية الإقرار الثالث وكذلك عند استواء القيم إذا لم يعتق بالقرعة الأولى، يُعْتَقُ بالثانية إذا خرج السهم له، فإن عَكَسْتَ التَّصْوِيرَ فقلت: قيمة الأول ثلاثمائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث مائة، فالجواب: أنه يعتق من الأول ثلثاه ثم يقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرج سهم العتق للأول [أو الثاني] 310 لَمْ يزد شيء وإن خرج للثاني؛ عتق بكماله، ثم يقرع بين الثلاثة، فإن خرج للأول والثاني؛ لَمْ يزد شيء على ما عتق، وإن خرج للثالث، عتق بكماله، وقد عتق من قبل ما إذا ضم إليه ثم الثلث بل زاد.
ومنها: مات عن ثلاثة بنين، وله ثلاثة أَعبُدٍ قيمتهم متساوية فَأَقَرَّ أحد البنين بأن أباه أَعْتَقَ في مرضه هذا العبد، وَأَقَرَّ آخر أنه أعتقه وهذا الآخر معاً، وَأَقَرَّ الثالث أنه أعتق الثلاثة معاً، فَيُعْتَقُ ثلث الأول؛ لأن أحد البنين أقر بعتقه فيقبل إقراره في حصته، وهي الثلث ثم يقرع بينه، وبين العبد المضموم إليه؛ لإقرار الثاني، فإن خرج سهم العتق للأول عتق منه ثلث آخر؛ لأن قَضِيَّةَ إقرار الثاني عتق جميعه إذا خرجت القرعة له فيقبل قوله في حِصَّتِهِ، وإن خَرَجَ للثاني؛ عتق ثُلُثُهُ لهذا المعنى، ثم يقرع الثلاثة، فمن خرج له سهم العتق؛ عتق كله، وإذا اخْتَصَرْتَ قُلْتَ: إن خرج سهم العتق في المرتين

الجزء: 13 - الصفحة: 374

للأول؛ عتق جَمِيعُهُ، وإن خرج في المرتين للثاني؛ عتق ثلثاه مع ثلث الأول، وإن خرج مرة للأول وأخرى للثاني؛ عتق ثلثا الأول، وثلث الثاني، وإن خرج مرة للثاني ومرة للثالث عتق من كل عبد ثلثه، وإذا حكمنا بعتق البعض من أحد العبيد فلا سِرَايَةَ؛ لأنهم لم يباشروا الاعتاق، ولا أقروا به على أنفسهم وإنما أقروا به على الأب، ومن أعتقنا بعضه بإقرار أحد البنين [لو وقع] 311 بالقسمة في نصيب ذلك المقر، أو صار له بوجه آخر؛ حكمنا عليه بعتقه؛ لإقراره بأنه حر كله، ولو كانت [قيمة] العبيد 312 مختلفة، كما إذا كانت قيمة الأول مائة، وقيمة الثاني مائتين، وقيمة الثالث ثلاثمائة؛ فَيُعْتَقُ من الأول ثلثه؛ لأن الأول أقر بأن الأب أعتقه، لَكِنَّهُ لا يملك منه إلاَّ الثلث فَيُقْبَلُ إقراره في حِصَّتِهِ؛ ثم يقرع بينه، وبين الثاني، لإقراره الثاني، فإن خرج سهم العتق للثاني عتق ثلثه؛ لأن كله حر بزعم الثاني إذا خرج سهم العتق له فإنَّه ثلث المال، فيقبل إقراره في حصته، وإن خرج للأول عتق منه ثلث آخر، ومن الثاني سدسه؛ لأن قضية إقراره أن يعتق جميع الأول عند خروج القرعة له، وأن يعتق من الثاني نصفه؛ ليكمل الثلث فيؤاخذ بإقراره في حصته في كل الأول، ونصف الثاني ثم يقرع بين الثلاثة لإقرار الثالث، فإن خرج سهم العتق للثالث؛ عتق منه تسعاه؛ لأن قضية إقراره إذا خرجت القرعة له أن يعتق ثلثاه، فإن ثلثيه ثلث جميع الم الذيؤاخذ بإقراره في حِصَّتِهِ، وهي ثلث الثلثين، وذلك تسعاً الجملة، وإن خرج للثاني؛ عتقَ منه ثلثه؛ لأن قضية إقراره عتق جميعه [فإنه] 313 ثلث المال فيؤاخذ به في حصته، وإن خرج للأول عتق منه ثلثه لمثل هذا المعنى لكنه لا بد من إكمال الثلث، فتعاد القرعة مرة أخرى ليعتق حصته من تمام الثلث، فإن خرج سهم العتق للثاني عتق منه سدسه؛ لأن نصفه مع الأول تمام الثلث، وَحِصَّتُهُ منه السدس، وإن خرج للثالث عتق منه تسعه؛ لأن ثلثه مع الأول تمام الثلث وحصته منه التسع.
ومنها: شهد شاهدان على مَيِّتٍ أنه أوصى بعتق عبده فلان، وهو ثلث ماله وقال الوَارِثُ: إنه أَوْصَى بعتق آخر، وهو ثلث أيضاً، فإن لم يُكَذِّبَ الوارث الشاهد، واقتصر على أنه أوصى بعتق هذا، أعتق الأول بموجب البينة، وأقرع بينه وبين الثاني لإقرار 314 الوارث، فإن خرجت القرعة للأول لم يعتق الثاني، وإن خرجت للثاني، عتق ولم يَرِقَّ الأول؛ لأنه مُسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بالبينة، فلا يتمكن الوارث من إبطاله بالإقرار، وقد تعمل

الجزء: 13 - الصفحة: 375

القرعة في أحد الطرفين دون الثاني على ما تقدم، وإن أَقَرَّ الوارث بأنه أعتق الثاني، وكذب الشهود في الأول عتقا جميعاً الأول بالشهادة والثاني بالإقرار، وإن شهد أجنبيان بأنه: أوصى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ وهو ثلث ماله، وشهد وَارِثَانِ بأنه أوصى بإعتاق آخر فإن كَذَّبَ الوَارِثَانِ الأَجْنَبِيِّيْنِ عتقا 315 جميعاً الأول بشهادة الأجنبيين، والثاني بإقرار الوارثين أنه أوصى بإعتاق هذا دون الأول [وهو ثلث المال، وإن لم يكذباهما أقرع بينهما؛ لأن إعتاق الأول] 316 ثَبَتَ بشهادة الأجنبيين، وإعتاق الثاني [بإقرار الوارثين] 317 فصار كما لو شهد اثنان بأنه أعتقهما معاً.
ومنها: ثلاثة أخوة في أيديهم أَمَةٌ وَوَلَدُهَا، وهو مجهول النسب فقال أحدهم: هذه أُمِّ وَلَدِي، وهو ولدي منها، وقال الثاني: هِيَ أُمُّ وَلَدِ أبينا والولد أخبرنا، وقال الثالث: هي أَمَتِي والولد 318 عبدي فالكلام في أحكام: أحدها في نسب الولد، ولا يثبت نسبه من أَبِيهم؛ لأنه لم يَتَّفِق الورثة عليه وأما نسبه من الذي يستلحقه، فإن قلنا: إن من استلحق عبداً مجهول النسب لحقه فيثبت نسبه منه؛ لأن غايته أن يكون ملكاً لمن يدعي ملكه، وذلك لا يمنع ثبوت النسب، وإن قلنا: لا يلحقه فوجهان: أظهرهما: أن الجواب كذلك؛ لِأَنَّ يَدَ مُدَّعِي المِلْكِ ثَابِتَةٌ على بعضه، وأنها تدل على المِلْكِ وَالمِلْكُ يَمْنَعُ اللُّحُوقَ.
والثاني: يلحقه؛ لأن الرق 319 لم يَعُمَّهُ فإن الباقي حر بقول الآخرين والنسب لا يتبعض، وهو إلى الثبوت أقرب.
قال الإِمام: وهذا القائل يقول لو كان بعض الشخص رقيقاً، وبعضه حراً واستلحق مستلحق نسبه لحقه، وهذا ليس بشيء، والثاني الذي يقول: هي أم ولد أبينا لا يَدَّعِي لنفسه شيئاً على الآخرين [فلا يحلفهما.
نعم لو ادعت الجارية ما تقوله، وقالت: عتقت بموت أبيكم، فيحلّف الآخرين] 320 على أنهما لا يعلمان أن الأب أولدها وأما الآخران فَيَدَّعِي كل واحد منهما ما في يَدِ صَاحِبِهِ هذا يقول: مُسْتَوْلِدَتِي وهذا يقول: ملكي.
فيحلف كل واحد منهما الآخر على نفي ما يدعيه في الثلث الذي في يده، والثالث الذي يقول: هي أم ولد أبينا لاَ غُرْمَ لَهُ؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً، ولا عليه؛ لأنه أقر بالاستيلاد على أبيه لا على نفسه والثاني الذي يَدَّعِي الاستيلاد يلزمه الغرم للذي يدعي الملك فيها لاعترافه بأنه فوت عليه نصيبه من الأمة، ومن الولد

الجزء: 13 - الصفحة: 376

بالاستيلاد هكذا عَلَّلُوهُ وقضية الفرض فيما إذا سلم 321 أنه كان لمدعي الرق فيها نصيب الإرث أو غيره، وإلاَّ فلا يَلْزَمُ من دعواه أَنَّ الجاريةَ مُسْتَوْلِدَتُه؛ كون الجارية مشتركة من قبل، وكم يلزمه من الغُرْمِ؟ فيه وجهان بناء على أن الجارية في يد من هي وفيه وجهان: أحدهما: أنه لاَ يَدَ عَلَيْهَا لِلَّذِي يقول: إنها مُسْتَوْلِدَةُ أَبِينَا؛ لأنها حُرَّةٌ بزعمه بموت الأب فَتَصِيرُ الجارية في يد الآخرين نصفين.
وأظهرهما: أنها في أيدي الثلاثة حكماً، كما أنها في أيديهم حِسّاً؛ فعلى الأول عليه لِمُدَّعِي الرق نصف قيمة الجارية، وقيمة الولد، وعلى الأظهر ثلث قيمتها وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ.
والرابع: الولد حر بقول مَنْ يَدَّعِي أنها مستولدة للأب، ومن يَدَّعِي أنها مستولدته.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: ويعتق عليه نصيب مُدَّعِي الرِّقِّ؛ لأنا لما أخذنا منه القيمة جعلناه له، ونصيبه من الجارية هكذا ينبغي أن يكون.
ومنها: قال لعبدين له: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثم غاب أحدهما، وحضر مكانه عبد ثالث فقال له وللذي لَمْ يغِبْ: أحدكما حر ومات قبل البيان ويقال 322 وقعت هذه المسألة بـ"نَيْسَابُورَ" فأجاب [الأستاذ] 323 أَبُو إِسْحَاقَ فيها: بأنه يُقْرَعُ بين العبدين الأولين للإعتاق الأول، فإن خرج سهم العتق لِلَّذِي غاب؛ عتق، وتعاد القرعة بين الآخرين للِإِعْتَاقِ الثاني، فمن خرجت له القرعة عتق أيضاً، وإن خرجت القرعة أَوَّلاً للذي لم يَغِبْ؛ عتق، ولا تعاد القرعة؛ لأن تعيين القرعة كتعيين المالك، ولو عَيَّنَ المالك الذي لم يغب للعتق ثم قال له وَللَّذِي حَضَرَ آخراً: أحدكما حُرٌّ لكان صادقاً في قوله ولم يَقْتَضِ ذلك عتق الآخر، واستشهد لذلك بما إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طَالِقٌ لكن في هذه الصورة خلاف مذكور في "الطلاق" وكذلك الحكم فيما إذا قال لعبده [وَلحُرٍّ] 324: أحدكما حرٌّ ؤأجاب الأستاذ أَبُو الحَسَنِ المَاسَرْجِسيُّ في المسألة بأن القرعة إذا خرجت للذي لم يغب تعاد القرعة بينهما ثانياً؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: الثاني الذي حضر آخراً.
فإن خرجت القرعة الثانية لِلَّذِي لَمْ يَغِبْ أيضاً؛ لم يعتق غيره، وإن خرجت للآخر؛ عتق أيضاً، وقد تؤثر القرعة في أحد الطرفين دون الآخر، وإلى هذا مال الإِمام وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الأَوَّلَ.
ومنها: إذا كان في ملكه أربع إمَاء فقال: كلما وَطَأْتُ واحدة منكن فواحدة منكن حرة، ثم وَطِئَ واحدة منهن فتعتقَ واحدة منهن، وهل تدخل المَوْطُوءَةُ في العتق الْمُبْهَمِ؟ يبنى على الوجهين السابقين في أن الوطء يكون تعييناً للملك في الموطوءة

الجزء: 13 - الصفحة: 377

[وللعتق] 325 في غيرها إن قلنا: لا؛ دخلت، ويقرع بين الأربع، وإن قلنا نعم، وعليه فَرَّعَ ابْنُ الحَدَّادِ فأول [الْوَطْءِ] لا يتضمن التعيين؛ لأن العتق معلوم به، وما لم يوجد لا يثبت استحقاق العتق، فَلَوْ نَزَعَ بمجرد تَغْيب الحَشَفَةَ دَخَلَتِ المَوْطُوءَةُ في العتق المبهم، وإن اسْتَدَامَ فهل تتضمن الاستدامة التعيين، وإخراج الموطوءة عن استحقاق العتق؟! فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الاستدامة تَدُلُّ على أنه يبغي استبقاء الملك فيها وبهذا قال الشَيْخُ أَبُو زَيْدٍ، فعلى هذا يُقْرَعُ بين الثلاث البواقي.
وأظهرهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا؛ لأن الموجود وطء وبه يثبت استحقاق العتق فانتهاؤه كالابتداء، ولذلك لا يستحق بالاستدامة عتق آخر، وعلى هذا فيقرع بين الأربع فمن خرجت لها القرعة؛ عتقت وهذا كما لو قال لِأَمَتِهِ: إن وطئتك فأنت حرة، فإن وَطِئَهَا وَنَزَعَ في الحال لم يلزمه المهر [فيه] وإن استدام فهل نجعل الاستدامة كابتداء الوطء بعد العتق حتى يتعلَّق بها المهر؟ فيه وجهان، ومثله الخلاف في أنه إذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فوطئها واستدام.
هل يَلْزَمُهُ المهر؟ [و] لو وطء ثلاثاً منهن مع الاستدامة فقضية كل وطء عتق أمة؛ لأنَّ كُلَّمَا 326 تقتضي التكرار فإن جعلنا [الوطء] 327 تعييناً، والاستدامة متضمنة للتعيين أيضاً، فتعتقُ الأولى والثانية، والرابعة بلا قرعة، وَتَرِقُّ الثانية، ووجهه: أنه لما وَطِئَ الأولى، وكما غيب الحَشَفَةَ ثبت حق العتق [لواحدة، فإذا استدام خرجت عن أن تكون هي المستحقة لتعيينها للملك، والثانية والثالثة تعينتا للوطء بالملك أيضاً، فتتعين الرابعة للعتق، وإذا وطئ الثانية ثبت حق العتق] 328 لها، أو للأولى أو للثالثة أما الرابعة فقد علقت بالوطء الأول، فإذا استدام خرجت هي عن الاستحقاق، وخرجت الثالثة أيضاً بوطئها فتعينت الأولى للعتق وإذا وطئ الثالثة، لَمْ يَبْقَ إلاَّ هي، والثانية، واستدامة الوطء فيها إمساك لها فتعين العتق في الثانية، وإن جعلنا [الوطء] بعد الإبهام تعييناً، ولم نجعل الاستدامة تعييناً فتقرع بين الأولى، والرابعة؛ لأنه أمسك الثانية والثالثة للملك بوطئهما، والرابعة لم [يطئها] 329 واستدامة ووطء الأولى ليس بإِمْسَاكٍ، فتردد العتق المستحق بينهما فإن خرجت القرعة للرابعة عتقت [وبوطء] 330 الثانية يستحق عتق آخر لكن لاَ حَظَّ فيه للرابعة [لأنها عتقت بالوطء الأول، ولا للثالثة؛ لأنه أمسكها بالوطء، فإذاً هو متردد بين الأولى والثانية، فيقرع بينهما، فمن خرجت لها القرعة عتقت وبوطء الثالثة تستحق عتق آخر،

الجزء: 13 - الصفحة: 378

ولا حظ فيه للرابعة]؛ ولا 331 لمن عتقت من الأولى، والثانية فإن عتقت الأُولَى أقرعنا بين الثانية والثالثة فإن عتقت الثَّانِيَةُ أقرعنا 332 بين الأولى والثالثة، وإن خرجت القرعة [الأولى] 333 للأولى دون الرابعة عتقت [بوطء] الثانية تَرَدَّدَ العتق المستحق بينها، وبين الرابعة فإن الأولى قد عُتِقَتْ والثالثة تَعَيَّنَتْ [بالوطء] للإمساك فيقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة؛ عتقت وبوطء الثالثة تستحق عتقِ [آخر] وَلاَ حَظَّ فيه للأولى، ولا لمن عتقت من الثانية، والرابعة فإن عتقت الثانية، أَقْرَعْنَا بين الثالثة، والرابعة وإن عتقت الرابعة أقرعنا بين الثانية والثالثة، وإن قلنا: [الوطء] ليس بتعيين أصلاً فيقرع ثلاث مرات لاستحقاق العتق لثلاث منهن، يقرع لوطء الأولى بين الأربع بسهم عتق وثلاثة أسهم رقٍّ فإن خرجت للرابعة؛ عتقت، ولا مهر لها فإنَّه لم [يطئها] وإن خرجت للأولى عتقت، وهل تستحق المهر؟ يبنى على أن استدامة الوطء هل توجب المهر؟ وإن خرجت للثانية أو للثالثة عتقت، ولها المهر؛ لأنه تبين أنها عتقت بوطء الأولى فيكون ابتداء وطئها بعد حصول عتقها، ثم يقرع لوطء الثانية بين الثلاث البواقي بسهم عتق، وسهمي رق، فإن خرجت الرابعة فلا شيء لها وإن خرجت للثانية ففي استحقاقها المهر الوجهان، وإن خرجت للثالثة استحقت، وإن خرجت قرعة الحرية في المرة الأولى للثانية أقرعنا لوطء الثانية بين الأولى، والثالثة والرابعة، فإن خرج سهم العتق للأولى فلا مهر لها بلا خلاف؛ لأن عتقها حصل [بوطء] الثانية، فيكون [وطؤها] واقعاً قبل العتق، وإن خرج للرابعة فكذلك؛ لأنه لم [يطئها] وإن خرج للثالثة فلها المهر؛ لأنه تبين أنها عتقت قبل، وطئها ثم يقرع [لوطء] الثالثة بين الاثنين الباقيين بسهم عِتْقٍ وسهم رِقٍّ، فإن بقيت الثالثة والرابعة وخرجت القرعة للرابعة، فلا مهر، وإن خرجت للثالثة فهل لها المهر؟ فيه الوجهان.
وإن بقيت للأولى والثانية، فلا مهر لمن خرجت لها القرعة منهما؛ لتقدم وطئها على عِتْقِهَا.
وفيه وجه آخر: أنه يقرع بين الأربع دفعة واحدة بثلاثة أسهم عتق وسهم رق فيعتق منهن ثلاث وترق واحدة.
وهذا صحيح لمعرفة العتق، والرق ولكن لا يعرف به حكم المهر، وموضع الخلاف والوفاق -نعم إن قلنا إن الاستدامة توجب المهر، فتكفي القرعة على هذا الوجه، ومن عتقت بوطئها استحقت المهر.
ولو وطئ الأربع؛ عتقن جميعاً، ويحتاج للمهر إلى الإقراع ثلاث مرات يقرع بين الأربع مرة بسهم عتق، وثلاثة أسهم رق ثم مرة بين ثلاث منهن بسهم عتق وسهمي رق ثم بين الاثنين الباقيين بسهم عتق وسهم رق، واستيعاب الاحتمالات يطول.

الجزء: 13 - الصفحة: 379

والضابط: أن ينظر في كل قرعة 334، فمن بَانَ أنها عتقت قبل وطئها فلها المهر، ومن بَانَ أنها عتقت بعد وطئها، فلا مهر، ومن بَانَ أنها عتقت بوطئها فهل لها المهر؟ فيه الوجهان في أن الاستدامة هل توجب المهر؟ هذا كله فيما إذا قال: "كلما وطئت واحدة منكن فواحدة منكن حرة" أما إذا قال: فواحدة من صواحبها 335 حرة ووطئهن جميعاً، فإن قلنا: إن الوطء تعيين للملك في الموطوءَةِ، عتقت الرَّابعَةُ [بوطء] الأولى والأولى [بوطء] الثانية، والثانية [بوطء] الثالثة وَرَقَّتِ الثَّالِثَةُ.
وإن قلنا: أنه ليس بتعيين، عتقت منهن ثلاث، وَرَقَّتْ واحدة فيقرع بين الثانية والثالثة والرابعة [بوطء] الأولى وإن خرجت القرعة للثانية؛ عتقت ثم يقرع لوطء الثانية بين الأولى والثالثة والرابعة، وإن خرجت للأولى أو الرابعة؛ عتقت وإذا وطئ الثالثة عتقت الثانية من الثلث، وهي الأولى أو الرابعة، ولا حاجة إلى القرعة، وإن خرجت القرعة الثانية للثالثة؛ عتقت، فإذا وَطِئَ الثالثة؛ أَقْرَعَ بين الأولى والرابعة، فَمَنْ خرجت لها القرعة عتقت، وأما المهر فلا مهر للتي عتقت بعد [الوطء]، ويحل المهر للتي تبين عتقها قبل الوطء، وفي هذه الصورة لا تعتقُ الموطوءة بوطئها بحال وَاعْلَمْ أن الإقراع في جميع هذه الصور فيما إذا مات قبل البيان فأما في حال حياته فيؤمر بالبيان.
ومنها: له أربع إماء وعبيد فقال: كلما وطئت واحدة من إمائي فعبد من عبيدي حر، وكلما وطئت اثنتين فعبدان حران، وكلما وطئت ثلاثاً فثلاثة من عبيدي أحرار، وكلما وطئت أربعاً فأربعة، فَوَطئ الأربع فهو كما لو قال: كلما طلقت واحدة فعبد من عبيدي حر إلى آخر التصوير، وقد تقدم في "الطلاق" والظاهر أنه يعتق خمسة عشر عبداً.
ومنها: اشترى في مرض موته [عبد] 336 بأكثر من قيمته، والمحاباة بقدر الثلث كما إذا كان له ثلاثمائة، واشترى عبداً يساوي مائة بمائتين ثم أعتق ذلك العبد.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: إن لم يوفر الثمن نفذ العتق وبطلت المحاباة؛ لأن المحاباة كالهبة، فإن لم يقترن بها القبض حتى جاء ما هو أقوى منها بطلت، ويمضي البيع بثمن المثل، وعلى البائع أن يقنع به وإن وفر الثمن نفذت المحاباة، ورد العتق؛ لأن المحاباة استغرقت الثلث.
قال الأصحاب: وهذا غلط من حيث أنه فرق في المحاباة بين أن تكون مقبوضة أو لا تكون، ولا فرق؛ لأن المحاباة تعلقت بالمعاوضة والمعاوضات تَلْزَمُ بنفس العقد، ولهذا لو حَابَى في المرض ولم يقترن القبض بمحاباته 337، ثم أراد إبطالها لم يتمكن

الجزء: 13 - الصفحة: 380

منه، ولو كانت كالهبة لتمكن من إبطالها قبل القبض في الصحة والمرض، وإذا لم يفرق الحال بين أن تكون مقبوضة أو لا تكون؛ فالجواب نفوذ المحاباة، ورد العتق؛ لتقدم المحاباة على العتق.
قالوا: والقول بأنه يَلْزَمُ البائع أن يقنع بقدر قيمة العبد غلط أيضاً، فإنَّه لم يرض بزوال ملكه إلاَّ بالزيادة، بل ينبغي أن يقال أنه بالخيار بين أن يمضي البيع بقدر القيمة، وينفذ العتق وبين أن يفسخه ويبطل العتق.
ومنها: جارية بين شريكين حامل من زوج، أو زنا أعتق أحدهما نصيبه من الحمل، وهو مُوسِرٌ، ثم وضعت الحمل لوقت يعلم وجوده يوم الإعتاق، فإن وضعت لما دون ستة أشهر؛ فهو حر بالمباشرة، والسِّرَايَة، وعلى المعتق قيمة نصيب الشريك يوم الولادة، ولا مجال للتقويم قبل الولادة، وإن ألقته ميتاً من غير جناية جانٍ فلا شيء على المعتق لأنا لا ندري هل كان حياً، وهل عتق حتى يقال أَتْلَفَ على الشريك ملكه، وإن انفصل ميتاً بجناية فعلى عاقلة الجاني [غرة تصرف] 338 إلى ورثة الجنين؛ لأنه محكوم له بالعتق، وعلى المعتق نصف عشر قيمة الأم للشريك فإن الجنين الرقيق يضمن [بالعشر] 339. هكذا أطلق ابْن الحَدَّادِ.
وَعَنِ القَفَّالِ: أنه إنما يلزم نصف عشر قيمة الأم على المعتتى إذا كان لا يزيد ذلك على نصف قيمة الغُرَّةِ فإن زاد لم يلزم إلاَّ نصف قيمة الْغُرَّة لأن سبب وجوب الضمان على المعتق الغرة ألا ترى أنه لو انفصل من غيْرِ جناية؛ لم يجب شيء [و] 340 كما يعتبر وجوب أصل الغرة يعتبر مقدارها وَرَأَى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: الأخذ بالإطلاق وقال: ينبغي ألاَّ ينظر إلى قدر الغُرَّةِ، فيلزم نصف العشر [بالغاً] ما بلغ؛ لأن انفصاله مضموناً كانفصاله حياً، ويدل عليه أن الغرة تصرف إلى الوارث النسيب، وقد لا يستحق المعتق منها شيئاً وسع ذلك يلزم الغرم وإنما كان يجب رعاية المناسبة من الغرمين أن لو كان الواجب غرماً بالجناية 341 للمعتق.
قال الشَّيْخُ: وهذا كله جواب على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق، فإن قلنا: تَحْصُلُ عند أداء القيمة، فإذا وضعت الحمل، وَقُوِّمَ ووصل نصف القيمة إلى الشريك فحينئذ يعتق الباقي، وإن ألْقَتْهُ ميتاً بجناية جان فنصفه حر، وهل يقوم الباقي على المعتق؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، ومات العبد قبل وصول القيمة إلى الشريك، فإن قلنا: يسقط التقويم على الشريك فنصفه حر، ونصفه

الجزء: 13 - الصفحة: 381

رقيق، فعلى عاقلة الجاني نصف غُرَّةٍ وإلى من تصرف؟ فيه الخلاف المذكور في أن من بعضه رقيق هل يورث عنه ويجب للنصف المملوك نِصْفُ غُرَّة 342 قيمة الأم، فيكون في مال الجاني أو على عاقلته فيه الخلاف في أن بدل الرقيق هل يضرب على العاقلة؟ ومنها: خَلَّفَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ قيمة كل واحد منهم مائة، ولا مال له غيرهم فشهد عدلان أنه أعتق في مرضه هذين، وأشار إلى اثنين من الثلاثة وأشار الوارث إلى أحدهما فقال: أما هذا فقد أعتقهُ، وأما الآخر فلم يَعْتِقْهُ، فلا يقبل قول الوارث في إبطال حق الآخر من العتق، ولكن يقرع بينهما، فإن خرج سهم العتق للذي عينه الوارثُ، فقد يوافق مقتضى الإقرار والشهادة، فَإِنَّ مُقْتَضَى الشهادة القرعة فيعتق الذي خرجت له القرعة، وَيرِقُّ الآخر، وإن خرج سهم العتق للآخر عتق بمقتضى الشهادة، ويعتق من عينه الوارث بإقراره، وإن لم يكذب الوارث الشاهدين وقال: أعتق مورثي هذا, ولا أعلم حال الآخر فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة؛ عتق دون الآخر، ولو شهد الشاهدان أنه أعتق الثلاثة دفعة، وأشار الوارث إلى اثنين منهما وقال: إنه أعتقهما, ولم يعتق الثالث.
قَالَ ابْنُ الحَدَّادِ ويقرع بين الثلاثة، فإن خرج سهم العتق للذي أنكر الوارث إعتاقه؛ عتق وتعاد القرعة لإقرار الوارث بين الآخرين، فمن خرجت له القرعة عتق بالإقرار وإن خرجت القرعة أولاً لأحد اللذين أَقَرَّ بإعتاقهما عتق ويرق الآخران.
وعن [بعض] 343 الأصحاب: أنه إذا خرجت القرعة [أولاً] 344 لأحدهما، فَتُعَادُ القرعة بينه وبين الآخر؛ لأن مقتضى الإقرار أن يقرع بينهما من غير ضم الثالث إليهما، وخروج القرعة حينئذ على أحدهما يكون أقرب منه إذا ضم إليهما الثالث فيقرع بين الثلاثة؛ لأنه مقتضى البينة، ويقرع بين الاثنين للإقرار، ولا يعتبر في القرعتين ترتيب، [فإذا] 345 أَعَدْنَا القرعة بينهما بعد ما عتق أحدهما، فالقرعة بين الثلاثة، فإن خرجت القرعة للذي عتق لم يعتق غيره، وقد يُوَافِقُ موجب القرعتين، فإن خرجت للآخر عتقا، وهذه المسائل كلها من "المُوَلَّدَاتِ".
ومن الفروع: إذا شهد شاهدان على أنه قال: أحد هذين العبدينِ حر تقبل الشهادة، وَيُحْكَمُ بمقتضاها، وكذا لو شهد شاهدان على أنه قال: إِحْدَى امْرَأَتَيْ طَالِقٌ.
وساعدنا أَبُو حَنِيْفَةَ في الطلاق دون العتاق [وسلم أنهما لو شهدا بعد موته بأنه أوصى بعتق أحدهما تسمع.

الجزء: 13 - الصفحة: 382

ولو] (1) قال لعبده: أنت حر كيف شئت.
عن أَبِي حَنِيْفَةَ -أنه يعتق في الحال، ولا يتوقف على مشيئته.
وعن صاحبيه -رحمهما الله-: أنه لا يعتق حتى يشاء.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ وهو الأشبه: إذا ولدت المَزْنِيُّ بها ولداً وملكه الزَّانِي لم يعتق عليه وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يعتقُ.
إذا أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث فعلى الوارث إعتاقه، فإن امتنع أعتقه السلطان؛ لأنه حتى توجه عليه فإذا امتنع ناب عنه السلطان.
إذا كان عبده مقيداً فحلف بعتقه [أن] (2) في قيده عشرة أرطال، وحلف بعتقه أنه لا يحله هو ولا غيره، فشهد عند القاضي شاهدان أن [في] (3) قيده خمسة أرطال، وحكم القاضي بعتقه ثم حَلَّ القيد فوجد فيه عشرة أرطال.
قال أَبُو حَنِيْفَةَ: يجب على الشاهدين قيمته بناءً على أن حكم الحاكم ينفذ باطناً وإن كان بشهادة الزور، فكأن الحكم وقع بشهادتهما.
و (4) قال صاحباه: لا يجب عليهما شيء.
قال ابْنُ الصَبَّاغ وَهُوَ الصحيح: أن العتق حصل بحل القيد دون الشهادة لتحقق كذبهما.
عن ابْنِ الحَدَّادِ: إذا شهد شاهدان على أنه أعتق في مرضه هذا العبد وأوصى بعتقه، وحكم القاضي بشهادتهما، وشهد آخران على أنه أعتق عبداً آخر، وكل واحد منهما ثلث ماله ثم رجع الأَوَّلاَنِ، فلا يُرَدُّ القضاء بعد نفوذه، ويقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للعبد الأول، عتق، وعلى الشاهد الْغُرْمِ بالرجوع، وَيرِقُّ الثاني، وحيسئذ فيحصل للورثة التركة بتمامها، وإن خرجت للثاني، عتق وَرَقَّ الأول، ولا شيء على الراجعين؛ لأن القرعة لم تفض إلى عتق من شهدا بعتقه.
واعترض ابْنُ الصَّبَّاغِ فقال: ينيغي أن يعتق الثاني بكل حال، ويقرع بينهما لمعرفة حال الأول، فإن خرجت القرعة له عتق أيضاً وَغَرمَ الرَّاجِعَانِ.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: (الخَاصِيَّةُ الخَامِسَة الوَلاءُ)

وَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَحُكْمِهِ (أَمَّا السَّبَبُ) فَهُوَ زَوَالُ المِلْكِ بِالحُرِّيَّةِ فَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالحُرِّيَّةِ عَنْ رَقِيقٍ فَهُوَ مَوْلاَهُ سَوَاءٌ نَجَّزَ عِتْقَهُ أَوْ عَلَّقَ أَوْ دَبَّرَ أَوِ اسْتَوْلَدَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ العَبْدَ بِعِوَضٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَحَقِيقَةُ الوَلاَءِ أَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَب فَإِنَّ المُعْتَقَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الرَّقِيْقِ لِنَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الأَبَ سَبَبٌ، وَلِذَلِكَ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ فِي وَجْهٍ عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، وَلَوْ أوْصَى لِبَنِي فُلاَنٍ دَخَلَ مَوَالِيهُمْ فِي وَجْهٍ،346347348349

الجزء: 13 - الصفحة: 383

وَلِذَلِكَ لَوْ شَرَطَ نَفْيَ الوَلاَءِ أَوْ ثُبُوتَهُ لِغَيْرِ المُعْتَقِ لَغَا، وَلاَ يَثْبُتُ الوَلاَءُ بِالمُوَالاَةِ وَالعَهْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال في "الصِّحَاح": يقال بينهما وَلاَءً بالفتح: أي قرابة.
والولاء وَلاَءُ المعتق، وَالوَلاَءُ المُوَالُونَ يقالَ: هم وَلاَءُ فلان، والموالاة ضد المعاداة، وفي الباب نظران: أحدهما: في سبب الولاء، وهو زوال الملك بالحرية عن الرقيق، وقد يقال: هو عتق مملوك الإنسان 350 عليه، فمن أعتق عبداً بالتَّنْجِيزِ؛ أو بالتعليق ووجود الصفة ثبت له الولاء عليه.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 351 وكذا لو دبر عبده، واستولد جاريته، فعتقا بموته، أو كاتب فعتق المكاتب بأداء النجوم أو بالإبراء، أو التمس من مالك العبد أن يعتق عبده عنه بعوض أو بغير عوض، فأجابه فإن العتق، وقع عن الملتمس، أو أعتق نصيبه من العبد المشترك فسرى، أو ملك قريبه [فعتق] 352 عليه.
ولو باع العبد من نفسه فسيأتي القول فيه في "الكتابة" والصحيح صحته، وحينئذ فولاؤه للسيد كما لو أعتقه على مال.
وفيه وجه: أنه لا ولاء عليه؛ لأن البيع يزيل الولاء عنه، ولا يثبت للعبد الولاء على نفسه، وقد ذكر هذا الوجه في الكتاب هناك واقتصر [هاهنا] 353 على إيراد الأظهر، ولا فرق بين أن يتفق الدِّيْنُ أو يختلف حتى لو أعتق المسلمُ عبداً كافراً، أو الكافر [عيباً] 354 مسلماً يثبت [علقة] 355 الولاء، وإن لم يتوارثا كما يثبت علقةُ النكاح، والنسب بين الكافر والمسلم، وإن لم يتوارثا 356. وعن مالك: أنه لا يثبت الولاء مع اختلاف الدِّينِ والولاء من خاصية الإعتاق، وبه يُشْعِرُ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 357. فمن أسلم على يديه مشرك، فلا ولاء له عليه، ومن أعتق عبد غيره بغير إذنه وقع العتق عنه، وكان الولاء له دون المعتق عنه خلافاً لمَالِكٍ ثم "الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" على ما روُيَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ" 358 والمعنى

الجزء: 13 - الصفحة: 384

قرابة، وَأَمْشَاجٌ كأمشاج النسب، وقد تفتح الَلحمة من اللحمة.
وقوله: "لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ" -يعني أن نفس الولاء لا ينتقل من شخص إلى شخص بعوض، وبغير عوض كما أن القرابة لا تنتقل، ويروى "النهي عن بيع الولاء وهبته" 359، وكذلك لا يورث الولاء، ولكن يورث به كما أن النسب لا يورث ويورث به، وَمِمَّا يدل عليه أنه لو كان الولاء موروثاً لاشترك في استحقاقه الرجال، والنساء كسائر الحقوق، وأنه لو مات المعتق المسلم عن [ابنيه] 360 -مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيّ- فأسلم النصراني ثم مات العتيق فإنهما يستويان في الإرث، ولو كان الولاء موروثاً لاختص به الابن المسلم ولما شاركه النصراني بإسلامه الطارئ، وأنه لو مات المعتق عن ابنيه ثم مات أحدهما عن ابن ثم مات العتيق، فميراثه لابن المعتق دون ابن الابن علي ما سيأتي.
ولو كان الولاء موروثاً لانْتَقَلَ نَصِيبُ الابن إلى ابنه.
وقوله في الكتاب: "فإن المعتق سبب لوجود الرقيق لنفسه" المقصود منه تحقق المشابهة [بين] 361 امْتِشَاجِ النسب، وامتشاج الولاء، والمعنى أنه كما أن الأب سبب لوجود الأولاد فالمعتق سبب لوجود الرقيق لنفسه وذلك؛ لأن الرقيق كالمفقود لنفسه، والموجود لسيده؛ ألا ترى أنه لا يستقل، ولا يملك، ولا يتصرف لنفسه، وإنما يملك ويتصرف لسيده فإذا أعتقه فقد جعله موجوداً لنفسه، وإلى هذا أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: = ابن الحسن في كتاب الولاء له عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار به، وقال أبو بكر النيسابوري: هذا خطأ, لأن الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو رواية الحسن المرسلة، ثم ساقه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال البيهقي: ورويناه من طريق ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال الطبراني: تفرد به ضمرة، يعني باللفظ المذكور، قال البيهقي: وقد رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي عن ضمرة على الصواب، كرواية الجماعة، فالخطأ فيه ممن دونه، وقد جمع أبو نعيم طرق حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، في مسند عبد الله بن دينار له، فرواه عن نحو من خمسين رجلاً أو أكثر من أصحابه عنه، ورواه الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وقال: أخطأ فيه يحيى بن سليم، وإنما رواه عبيد الله عن عبد الله بن دينار، وروى الحاكم [4/ 341] من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، مثل لفظ أبي يوسف، والطائفي فيه مقال، وتابعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية، قال البيهقي: ويحيى بن سليم ضعيف سيء الحفظ، ورواه أبو جعفر الطبري في تهذيبه، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقي حيث قال عقب حديث أبي يوسف: يروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة.

الجزء: 13 - الصفحة: 385

"لن يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ ... " الحديث 362 فإنه إذا سعى في إعتاق أبيه، فقد كافأه على حتى الأبوة إذ صار سبباً لوجوده الحكمي، كما كان 363 الأب سبباً لوجوده الحقيقي -ويوضحه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَوْلَى اَلْقَوْمِ مِنْهُم" 364 ويؤيد التشبيه بين النسب والولاء مسائل: إحداها: أن الزكاة تَحْرُمُ على موالي بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ على وجه، أو قول كما تحرم عليهم، وقد ذكرناه في "قسم الصدقات" وبينا أنه الأصح.
وليحمل لفظ "الصدقة" في الكتاب على الزكاة، فقد مر أن الأصح أن صدقة التطوع لا تحرم على بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ.
والثانية: لو أوصى لبني فلان، فقد ذكر بعض الأصحاب أن مواليهم يدخلون في الوصية دخول المنتسبين إلى فلان، والأقرب إلى اللَّفْظِ خلافه.
والثالثة: لو أعتق عبداً على أن لا ولاء له [عليه] 365 أو أعتقه على أن يكون سائبة لغى الشرط ويثبت الولاء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ.
إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 366. ولو شرط أن يكون وَلاَؤُهُ للمسلمين، أو لفلان؛ فهو لَغْوٌ أيضاً، ولا ينتقل الولاء عنه كما لا ينتقل النسب.
وعن مَالِكٍ: أنه يكون ولاؤه للمسلمين، ويسلم أنه لا يكون لفلان إلاَّ إذا أعتق عنه على ما تقدم.
والرابعة: لا يثبت الولاء بالموالاة، والعهد كما لا يثبت النَّسَبُ بالموالاة لأن هذا ثمرة الإنعام بالإعتاق كما أن ذلك ثمرة البعضية.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يَصِحُّ عقد الموالاة بين اللذين لا يعرف نسبهما ولا ولاء عليهما ويتعلق به التوارث، وتحمل العقل ولهما فسخه ما لم يتحمل أحدهما عن الآخر فإن 367 تحمل لزم، ولا فَسْخَ بَعْدَهُ.
وأعلم قوله في الكتاب: "لَغَل" بالميم -وقوله: "ولا يثبت الولاء بالموالاة والعهد" لما بينا [هـ]. والله أعلم.

الجزء: 13 - الصفحة: 386

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ يَسْتَرْسِلُ الوَلاَءُ عَلَى أَوْلاَدِ المُعْتَقِ وَأَحْفَادِهِ وَمُعْتِقِهِ وَمُعْتِقِ مُعْتِقِهِ، فَالمَوْلَى إِمَّا المُعْتَقُ أَوْ مُعْتَقُ الأَبِ أَوْ مُعْتَقُ الأُمِّ أَوْ مُعْتَقُ المُعْتَقِ، وَيَسْتَرْسِلُ الوَلاءَ عَلَى أَوْلاَدِ المُعْتَقِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيْهِمْ مَنْ مَسَّهُ الرِّقُّ فَلاَ وَلاَءَ عَلَيْهِ أَصْلاً إِلاَّ لِمُعْتِقِهِ أَوْ عَصَبَاتِ مُعْتِقِهِ؛ لِأنَّ المُبَاشَرَةَ أَقْوَى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيْهِمْ مَنْ أَبُوهُ حُرٌّ أَصْلِيٌّ مَا مَسَّ الرِّقُّ أَبَاهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً أَصْلِيَّةً ثَبَتَ الوَلاَءُ عَلَيْهِ نَظَراً إِلَى جَانِبِ الأَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى فِي إِثْبَاتِ الوَلاَءِ، وَمِنْهُمْ من سَوَّى فِي النَّفْي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: [في] 368 هذه اللَّفْظَة يجوز أن تقرأ باللام احْتجاجاً به على المشابهة بين النسب والولاء، والمعنى: أَنَّ الْقَرَابَةَ بين الأصول يتعدى إلى الفروع والأولاد، فكذلك يسترسل الولاء بتوسط المعنى 369 على أولاده وأحفاده، ويجوز أن يقرأ بالكاف وبكون ذلك معطوفاً على قوله في الفصل السابق: "فمن زال ملكه بالحرية عن رقيق فهو مولاه" والمقصود أنه كما يثبت الولاء على المعتق بمباشرة إعتاقه، أو بعتقه في ملكه يثبت على أولاده وأحفاده ومعتقهم؛ لأن النعمة على الأصل نعمة على الفرع، ولذلك يثبت على معْتِقِهِ ومعتق معتقه؛ لما ذكرنا أن للولاء أمشاجاً كامشاج النسب، وَيُعْرَفُ من هذا إذا عكس أن الولاء كما يثبت للمعتق يثبت لمعتق الأب، [وسائر] 370 الأصول، وَلِمُعْتِقِ المُعْتق، وكما يثبت الولاء على ولد المُعْتقِ، يثبت على وَلَدِ المُعْتقَةِ أيضاً وبل أولى؛ لأن الولادة حِسِّيَّةٌ والانتساب إلى الأب حكمي، ويستثنى عن استرسال الولاء على أولاد المعتق وأحفاده موضعان: أحدهما: إذا كان فيهم من مَسَّهُ الرق، والعتق فَوَلاَؤُهُ لمعتقه، فإن لم يكن فَلِعَصَبات معتقه فإن لم يكونوا، فالميراث لبيت المال ولا ولاء عليه لمعتقِ الأصول بحال، فإنه أعتق مُبَاشَرَةً، وولاء المباشرة أقوى وصورته: أن تَلِدَ رقيقة رقيقاً من رقيق أو حر، فأعتق الولد وأعتق أبواه أو أمه أيضاً.
والثاني: من أبوه حر أصلي ولا ولاء عليه، وأمه معتقة، هل يثبت الولاء عليه لموالي الأم؟ فيه ثلاثة أوجه: أَصَحُّهَا -وبه قال مَالِكٌ: لا؛ لأن الانتساب إلى الأب، والأب حر مستقل لا ولاء عليه، فليكن الولد مثله، وأيضاً فإن ابتداء حرية الأب تبطل دوام الولاء [لموالي الأم] 371 فاستدامة الحرية أولى أن تمنع ثبوت الولاء لهم.

الجزء: 13 - الصفحة: 387

والثاني: يَثْبُتُ؛ لأن الأم معتقة، وقد تعذر إثبات الولاء عليه من جانب الأب فأشبه ما إذا كان الأب رقيقاً.
والثالث: وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ: الفرق بين أن تكون حرية الأب مُسْتَيْقَنَةٌ بأن كان عربياً معلوم النسب، فلا 372 يثبت الولاء لموالي الأم وبين أن يكون الحكم بالحرية بناءً على ظاهر الدار، أو أن الأصل في الناس الحرية فيثبت لضعف حرية الأب، ولو كان الأب معتقاً والأم حرة أصلية فظاهر المذهب ثبوت الولاء عليه، لموالي الأب؛ لأن الانتساب إلى الأب، وهو معتق، ولهذا يثبت الولاء على ولد المعتقة من المعتق.
وعن رواية الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وجه ضعيف: أنه لا ولاء عليه تَغْلِيباً للحرية الأصلية من أحد الطرفين، وعلى هذا فإنما يَسْتَرْسِلُ الولاء على الأحفاد الذين ليس في أحد طرفيهم حر أصلي.
وقوله في الكتاب: ثانياً "وَيَسْتَرْسِلُ الولاء على أولاد المعتق" هو الذي اشتمل عليه قوله أولاً، "ويسترسل الولاء على أولاد 373 المُعْتِقِ وَأَحْفَادِهِ" وإنما أعاده لتعقيبه باستثناء ما يحتاج إلى استثنائه.
وذكر ظاهر المذهب فيمن أحد أبويه حر أصلي، وهو أنه لا ولاء على من أبوه حر أصلي ما مَسَّ الرق أباه، يعني: وأمه معتقة وإنه يثبت الولاء على من أمه حرة أصلية، وأبوه معتق، ثم أشار إلى وجه ثبوت الولاء في الصورة الأولى بقوله: "ومنهم مَنْ سوى في إثبات الولاء" ثم إلى الوجه الضعيف، فيما إذا كانت الأم حرة أصلية بقوله: "ومنهم من سوى في النفي".
ويجوز أَنْ يُعْلَمَ قَوْلُهُ: وكذا إن كان فيهم من أبوه حرٌّ أصلي لمصيره إلى التفصيل المذكور.
وأن يعلم قوله: " [وكذا] 374 في إِثْبَاتِ الولاء" بِالمِيمِ.
فرع: مَنْ أُمَّهُ حرة أصلية، وأبوه رقيق لا ولاء عليه لأحدها دام الأب رقيقاً، فإن أعتق فهل يثبت الولاء عليه لموالي 375 الأب؟ قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فيه جوابان سمعتهما من شيخي في وقتين وهما محتملان: أحدهما: يثبت؛ لأنه ثبت الولاء على الأب بالإعتاق، وإنما لم يثبت في الابتداء لرق الأب.
والثاني: المنع؛ لأنه لم يثبت في الابتداء؛ فلا يثبت بعده كما لو كان الأبوان حُرَّيْنِ.

الجزء: 13 - الصفحة: 388

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا التَّقْدِيمُ فَلاَ وَلاَءَ مَعَ مُبَاشَرَةِ الرِّقِّ لِغَيْرِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشِراً بِأَنْ حَصَلَ فِي نِكَاحِ الغُرورِ مِنْ رَقِيْقَيْنِ أَوْ مِنْ مُعْتقَيْنِ فَالوَلاَءُ لِمُعْتِقِ الأَبِ، وَإِنْ كَانَ الأَبُ رَقِيقاً بَعْدُ فَلِمُعْتِقِ الأَمِّ إِلَى أَنْ يُعْتَقَ الأَبُ فَيَنْجَرُّ إِلَيْهِ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الأَبُ رَقِيقاً فَأُعْتِقَ أَبُ الأَبِ انْجَرَّ الوَلاَءُ إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْجَرُّ مِنْهُ إِلَى مُعْتِقِ الأَبِ إِنْ أُعْتِقَ، وَقِيْلَ: لاَ يَنْجَرُّ؛ لأَنَّ الأَبَ رَقِيْقٌ، فَلاَ يَنْجَرُّ إِلَى أَبِيهِ، وَالمَوْلُودُ مِنْ حُرَّيْنِ إِذَا كَانَ أَجْدَادُهُ أَرِقَّاءَ ثَبَتَ الوَلاَءُ عَلَيْهِ لِمُعْتِقِ أمِّ الأُمِّ إِذَا أَعْتَقَهَا ثمَّ يَنْجَرُّ إِلَى مُعْتِقِ أَبِ الأمِّ ثُمَّ مِنْهُ إِلَى مُعْتِقِ أُمِّ الأَبِ ثُمَّ مِنْهُ إِلَى مُعْتِقِ أَبِ الأَبِ وَيَسْتَتَقِرُّ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الأَبُ رَقِيْقاً فَيَنْجَرُّ إِلَى مُعْتِقِ الأَبِ وَيَسْتَتَقِرُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَانَ في الفصل السابق أن الولاء على الشخص يثبت بمباشرة إعتاقه، أو عتقه في مِلْكِ الإنسان يثبت أيضاً متعدياً من إعتاق بعض أصوله، والغرض الآن بيان الترتيب فَجِهَةُ مُبَاشَرَةِ العتق مُتَقَدِّمَةٌ 376 على جهة تَعدِّي الولاء من الأصول.
وَاعْلَمْ أن قولنا: "تقدم أحد الشخصين على الآخر" نريد به في الغالب أنهما إذا اجتمعا كان الأول أولى من الثاني، فإذا لم يوجد الأول تام الثاني مقامه كما نقول: الابن مقدم 377 على ابن الابن في العصوبة، والأب يقدم على الحد في الولاية، وليس المقصود الآن هذا بل مهما مَسَّ الشَّخْصَ رِقٌّ [و] لحقه إعتاق، فلا ولاء عليه لمعتق أمه وأبيه، ولا واحد من أصوله على ما تبين في الفصل السابق.
وقوله في الكتاب: "فلا ولاء عليه مع مباشرة العتق لغيره"، ليس معناه: أنه لا ولاء لغيره مع وجوده فحسب، بل سواء وجد في الحال أو لم يوجد فالمباشر إعتاقه لا ولاء عليه لمعتقي أصوله، وذلك؛ لأن نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أصوله، فيختصُّ بالولاء فإن لم يوجد فالولاء لعصباته، وأما إذا خُلِقَ الشخص حراً وأبوه عتيق؛ ثبت 378 الولاء عليه لمعتق أبيه، وهذا قد يصور 379 في الأبوين الرقيقين بأن يُغَرَّ الرقيقُ بحرية أمةٍ فينكحها ويولدها على ظن الحرية فإن الولد يكون حراً، أو في وطء الشبهة بأن يطأ الرقيق أمة الغير على ظن أنها زوجته الحرة، وقد يصور فيما إذا كانت الأم حرة أصلية أو معتقة، ومعتق الأب أولى بثبوت الولاء من معتق الأم؛ لأن الولاء تِلْوُ النسب والنسب إلى الآباء دون الأمهات.
وأيضاً فإن الولاء والإرث به مبنيان على الأقوى فالأقوى، ولذلك ينفرد به المذكور من أولاد المعتق وجانب الأب أقوى من جانب الأم، وإن كان الأب رقيقاً والأم معتقة

الجزء: 13 - الصفحة: 389

فيثبت الولاء لمعتق الأم؛ لأنا عَجَزْنَا عن إثبات الولاء من جهة الأب إذ لا ولاء عليه، ولمعتق الأم نعمة عليه، فإنه عتق يعتق الأم، فإن مات والأب رقيق بعد ورث معتق الأم منه بالولاء، وإن عتق الأب في حياته إِنْجَرَّ الولاء من معتق الأم إلى معتق الأب [و] 380 يروى ذلك عن عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابتٍ -رضي الله عنهم- ولا مخالف لهم.
والمعنى فيه أن ثبوت الولاء لموالي الأم كانَ لضرورة، أنه لا ولاء على الأب، فَإِذَا [أعتق] 381 وثبت الولاء زَالَتِ الضرورة فرددنا إلى موالي الأب ولو مات الأب رقيقاً، وعتق الجَدُّ انْجَرَّ أيضاً من موالي الأم إلى موالي الجد، ولو عتق الجد والأب رقيق -فهل يَنْجَرُّ مِنْ موالي الأم إلى موالي الجد؟ فيه وجهان كالوجهين فيما إذا أَسْلَمَ الجَدُّ والأب حُرٌّ 382 كَافِرٌ هل يحكم بإسلام الطفل؟ أظهرهما: أنه يَنْجَرُّ -وبه قال مَالِكٌ- وعلى هذا فلو عتق الأب بعد ذلك انْجَرَّ من مولى الجَدِّ إلى مولى الأب؛ لأن الجَدَّ إنما جره؛ لكون الأب رقيقاً فإذا عتق كان هو أولى بالجر.
والثاني: لا يَنْجَرُّ -وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَبُو عَلِيٍّ بن أَبِي هُرَيْرَةَ وَاَلطَّبْرِيُّ -رحمهم الله- وعلى هذا فلو مات الأب بعد عتق الجَدِّ هل ينجر من موالي الجد بالعتق السابق؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه إنما لم ينجر لبقاء الأب رقيقاً، فإذا مات زال المانع.
والثاني: لا؛ لأنه لما امتنع انْجَرَّ عند العتق واستقر الولاء لمولى الأم فلا حر بعد ذلك.
وهذا كما أنه إذا أسلم الجد، والأب حُرٌّ كافر، وقلنا: لا يتبعه الطفل في الإسلام فإذا مات الأب كافراً لا يتبعه أيضاً، ولو سبى الطفل مع أبويه وهما كافران؛ لا يحكم بإسلامه فإذا ماتا كافرين لا يحكم بإسلامه أيضاً لدوام النبي، وهذا أَصَحُّ عند الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ، والأول هو المذكور في "التَّهْذِيبِ".
وإذا ثبت الولاء لموالي الأم على ولد المعتقة لرق الأب فلو اشترى الولد أباه؛ ثبت له الولاء عليه، وعلى إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ الدين هم أولاده وهل ينجر ولاء نفسه من موالي الأم؟ فيه وجهان: أَصَحُّهُمَا -وهو المنصوص: لا؛ بل يبقى ولاؤه لموالي الأم؛ لأنه لا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء، ولهذا إذا اشترى العبد نفسه، يعتق ويكون الولاء للسيد، وكذا المكاتب إذا أعتق 383 بأداء النجوم، وإذا تعذر الجر بقي في موضعه.

الجزء: 13 - الصفحة: 390

والثاني: وَيُنْسَبُ إلى تخريج ابْنِ سُرَيْج واختاره أَبُو خَلَفٍ السُّلَّمِيُّ: أنه ينجر كما لو أعتق الأب غيره لم يسقط، ويصير كحر لا ولاء عليه فالذي 384 خلق حراً من أبوين حرين إذا كان أجداده أرقاء، ويتصور ذلك في نكاح الغرور وفي الوطئ بالشبهة إذا أعتقت أم أمه؛ يثبت الولاء عليه لمعتق أم الأم فإن [أعتق] 385 أبو أمه بعد ذلك انْجَرَّ الولاء من مُعْتِقِ أم الأم إلى مُعْتِقِ أَب الأُمِّ، فإن أعتقت أم أبيه بعد ذلك انْجَرَّ ولاؤه من معتق أب الأم إلى معتق أم الأب، فإن أعتق أبو أبيه بعد ذلك انْجَرَّ الولاء من معتق أم الأب إلى معتق أب الأب.
ولو كانت المسألة بحالها لكن أبوه رقيق فأعتق الأب بعد عتق هؤلاء انجر الولاء من معتق أب الأب إلى معتق الأب، واستقر [عليه والسبب] 386 في ذلك أن جهة الأبوة أقوى من جهة الأمومة؛ فينجر من الأضعف إلى الأقوى، ولو عتقوا على ترتيب آخر لم يَخْفَ الحكم، وإذا أثبتنا الولاء لموالي الأم فمات الولد أخذوا ميراثه، فإن عتق الأب بعد ذلك لم يكن لمعتقه استرداده، بل الاعتبار بحالة الموت، ولم يكن له ولاء حينئذ وليس معنى الانْجِرَارِ أنا نتبين أن الولاء لم يزل في جانب الأب بل ينقطع من وقت عتق الأب عن موالي الأم، [فإذا] 387 انجر الولاء إلى موالي الأب فلم يبق منهم أحد، فلا يعود إلى موالي الأم بل يكون الميراث لبيت المال، وكذلك إذا ثبت الولاء لموالي الأب فَفَنُوا؛ لم يصر الولاء لموالي الجد حتى لو مات الذي انجر ولاؤه من موالي جَدِّهِ إلى موالي أبيه، حينئذ فَمِيرَاثُهُ لبيت المال.
وقوله في الكتاب: "بأن حصل في نِكَاحِ الغرور من رقيقين" يعني ثم أعتق الأب، ولا يشترط للتصوير كون الأب رقيقاً عند الغرور، وَالْإِيلاَدِ بل لو كان معتقاً كان الحكم كذلك.
وقوله: "أو من معتقين" لا يتعلق بنكاح الغرور بل ولدهما حر على الإطلاق.
وقوله: "لم يَنْجَرَّ الولاء عليه" معلم بالحاء.
وقوله: "ولا يَنْجَرُّ" بالميم.
وقوله: "ثم ينجر منه إلى معتق أب الأم ثم منه إلى معتق أم الأب ... " إلى آخره يعني إذا أعتقوا على هذا الترتيب.
وقوله: "إلا أن يكون الأب رقيقاً" ليس باستثناء محقق؛ لأنه صور أولاً في المولود من حرين فلا يدخل فيه ما إذا كان الأب رقيقاً حتى يستثنى منه؛ ولكنه استثناء منقطع.

الجزء: 13 - الصفحة: 391

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً حَامِلاً مِنْ مُعْتق فَوَلاءُ الجَنِين لَهُ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ، لاَ لِمُعْتِقِ الأَبِ لكِنْ ذَلِكَ إِذَا أتتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرِ مِنْ وَقْتِ إِعْتَاقِ الأَمِّ، فَإِنْ كَانَ لأَكَثَرَ وَالزَّوْجُ يَفْتَرِشُهَا فَالوَلاَءُ لِمَوْلَى الأَبِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَفْتَرِشُهَا وَهُوَ لِأَقَلَّ مِنْ أَربَعِ سنِينَ فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أعتق جاريته، وهي في نكاح معتق فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الإعتاق [فولاء الجنين] لمعتق الجارية، لا لمعتق أبيه لأنَّا تيقنا وجوده يوم الإعتاق، فمعتقه بَاشَرَ إعتاقه لإعتاقها وولاء المباشرة مقدم على ما مر، وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً فإن كان الزوج يفترشها فولاؤه لمعتق الأب؛ لأنا لا نعلم وجوده يوم الإعتاق والأصل عدمه، والافتراش سبب ظاهر للحدوث بعده.
وإن كان لا يفترشها وأتت به لأربع سنين من وقت الإعتاق؛ فكذلك وإن أتت به لِأَقَلَّ من أربع سنين فقولان؛ لأن ثبوت النسب يدل على تقدير وجوده حينئذ، ولكن النسب يكفي فيه الإمكان، وقد لا يكتفي 388 في الولاية وتثبت المسألة في أحوالها على ما إذا أوصى يحمل فلانة، وقد ذكرناه في "الوصية" وبينا أن الأظهر في صورة الخلاف، أنه يستحق الوصية فعلى قياسه يكون الولاء لمعتق الأم دون معتق الأب.
ولو أعتق جاريته، وهي في نكاح رقيق فأنت بولد لما دون ستة أشهر من يوم الإعتاق فولاؤه لمعتق الأم بالمباشرة، وإذا أعتق 389 الأب لم يَنْجَرّ الولاء إلى معتقه، وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً.
قال في "التَّهْذِيبِ": إن لم يفارقها الزوج، فولاؤه لمولى الأم، فإذا أعتق الأب ينجر الولاء إلى معتقه؛ لأنا لم نتحقق وجوده يوم إعتاق الأم وإن كان الزوج قد فارقها، فإن أتَتْ به لأكثر من أربع سنين من يوم الفراق، فالولد مَنْفِيٌّ عن الزوج، وولاؤه لمعتق الأم أبداً، وإن أتت به لأقل من أربع سنين، فالولد مُلْحَقٌ بالزوج، وولاؤه لمعتق الأم فإذا أعتق 390 الأب ففي انْجِرَارِ الولاء إلى معتقه قولان: أحدهما: لا يَنْجَرُّ؛ لأنا جعلناه موجوداً يوم الإعتاق؛ لثبوت النسب من الزوج فيكون عتقه بالمباشرة.
والثاني: يَنْجَرُّ ونجعله حادثاً بعد عتق الأم، ويخالف النسب فإنا نثبته بمجرد الإمكان.
ولو نفى الزوج المعتق ولد زوجته المعتقة باللعان؛ لم يحكم بأن ولاء الولد لموالي الأب، ويكون في الظاهر لموالي الأم، فإن كذب الملاعن نفسه لحقه الولد،

الجزء: 13 - الصفحة: 392

وحكمنا بالولاء لمواليه، فإن كان قد مات الولد بعد اللعان، ودفعنا الميراث إلى موالي الأم استرددنا منهم بعد الاستحقاق ما أخذوا؛ لأنه تَبَيَّنَ أنه لم يكن لهم ولاء.
ولو غر بحرية أمةٍ فنكحها وأوردها على ظَنٍّ أنها حرة، ثم علم أنها أمةٌ فَأَوْلَدهَا ولداً آخر، فالولد الأول حر، والثاني رقيق.
فلو أَعْتَقَ السيد الأمة والولد الثاني، ثم [أعتق] 391 الأب انْجَرَّ ولاء الولد الأول إلى معتق الأب، ولم يَنْجَرَّ إليه ولاء الثاني.
لأن عليه ولاء المباشرة.
ولو نكحها، وهو يعلم أنها أمةٌ وأولدها ثم عتقت فأولدها ولداً آخر فالثاني حر، وولاؤه لمعتق الأب، والأول مملوك وولاؤه لمُعْتِقِهِ.
[والله أعلم] 392. قَالَ الْغَزَالِيُ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي الحُكْمِ وَحُكْمُ الوَلاَءِ العُصُوبَةُ فَيُفِيدُ المِيرَاثَ وَوِلاَيَةَ التَّزْوِبجِ وَتَحَمُّلَ العَقْلِ وَالوَلاَءِ لِلمُعْتِقِ، فَإِنْ مَاتَ فَمِيرَاثُ العَتِيقِ لِأُولِي عَصَبَاتِهِ يَوْمَ مَوْتِ المُعْتِقِ، وَلَوْ خَلَّفَ ابْنَاً وَبِنْتَاً وَأَبَاً وَأُمَّاً فَلاَ مِيرَاثَ لِلبنْتِ وَالأُمِّ بَلْ لاَ يَثْبُتُ الوَلاَءُ أَصْلاً لامْرَأَةٍ إِلاَّ إِذَا بَاشَرَتِ العِتْقَ فَلَهَا الوَلاَءُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَحْفَادِهِ وَعَتِيقِهِ وَعَتِيقِ عتِيقِهِ كَالرَّجُلِ، وَالأخُ لاَ يُقَاسِمُ الجَدَّ فِي الوَلاَءِ فِي أَحَدِ القَوْلَينِ بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَابْنُ الأَخِ أَيْضاً أَوْلَى مِنَ الجَدِّ عَلَى هَذَا القَوْلِ لِقُوَّةِ البُنُوَّةِ، وَالأَخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الأَخِ لِلأبِ فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلاَ يُعَادُّ بِالأَخَ لِلأبِ إِنْ رَأَيْنَا المُقَاسَمَةَ بَيْنَ الجَدِّ وَالإِخْوَةِ، وَإذَا اجْتَمَعَ أَبُ المُعْتِقِ وَمُعْتِقُ الأَبِ فَلاَ وَلاَءَ لِمُعْتِقِ الأَبِ أَصْلاً لِأَنَّ عَلَى المَيِّتِ وَلاَءَ المُبَاشَرَةِ فَالمَالُ لِعَصَبَةِ مُعْتِقِهِ وَهُوَ الأَبُ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُظَنِّ أَنَّ مُعْتِقَ أَبِ المُعْتِقِ أَوْلَى مِنْ مُعْتِقِ مُعْتِقِ المُعْتِقِ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد ذكر في أول "الولاء" أن النظر في سببه وحكمه، وقد حصل [الفراغ] 393 من النظر في سببه.
أما حكمه فالولاء إحدى جهات العصوبة وَمَنْ يَرِثُ به لا يرث إلا [بالعصوبة] 394 ويتعلق به ثلاثة أحكام: الميراث وولاية التزويج، وتحمل العقل؛ وقد ذكرناها في مواضعها.
وإذا مات العتيق، ولا وارث له من جهة النَّسَبِ فولاؤه لمعتقه يرث جميع ماله وإن كان له من يرث بالفرضية، وفضل شيء أخذ المعتق ما فضل عن الفرض ثم في الفصل مسائل:

الجزء: 13 - الصفحة: 393

إِحْدَاهَا: إن لم يكن المعتق حياً؛ وَرِثَ بولاية أَقْرَب عَصَبَاتِهِ وَلاَ يَرِثُ أصحاب فروض المعتق ولا الذين يتعصبون بغيرهم فإن لم يجد للمعتق 395 عصبة من النسب فالميراث لمعتق المعتق فإن لم يبقى فلعصبات معتق المعتق فإن لم يوجد فلمعتق معتق المعتق، لعصباته ولا ميراث لمعتق عصبات المعتق إلا لمعتق أبيه أو جده.
قال الإِمام -رحمه الله-: وهذا بعينه هو الذي ذكرناه في تعدي الولاء يعني إلى الأولاد والأحفاد ومعتقيهم 396، وأوضحه بالمثال فقال: زيد أعتق سالماً فولد لسالم ابن اسمه عبد الله فأعتق عبد الله عبدًا ومات عبد الله وأبو سالم وبقي معتق أبيه زيد ثم مات عتيق عبد الله ورثه زيد؛ لأنه لما ثبتت له النعمة على سالم أبي عبد الله ورث بولائه، ثم للأصحاب -رحمهم الله- عبارة ضابطة لمن يرث بولاء المعتق إذا لم يكن المعتق حياً وهي أنه يرث العتيق فولاء المعتق ذكر يكون عصبة للمعتق لو مات المعتق يوم موت العتيق [بصفة] 397 العتيق وخرجوا عليها مسائل: منها: إذا مات العتيق وللمعتق ابن [و] 398 بنت أو أب وأم أو أخ وأخت فالميراث للذكر في هذه الصورة دون الأنثى، ولا ترث النساء بولاء الغير أصلاً؛ نعم إذا باشرت المرأة الإعتاق أو عتق عليها مملوك ثبت لها الولاء عليه كما للرجل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الولاء لمن أعتق" وروي أن بنت الحمزة أعتقت جارية فماتت الجارية عن بنت وعن المعتقة فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- نصف ميراثها للبنت والنصف للمعتقة وكما يثبت لها الولاء على عتيقها يثبت على أولاده وأحفاده وعتيقه كالرجل، والقول في أن المرأة لا ترث بولاء الغير وترث بولاء المباشرة قد ذكر مرة على الاختصار في "الفرائض" وشرحناه حكماً وتوجيهاً.
ومنها: لو أعتق عبداً ومات عن ابنيه فولاء العتيق 399 لهما فإن مات أحدهما وخلف ابناً فولاء العتيق لأخيه، وإن كان ميراثه لابنه؛ لأنه لو مات المعتق يوم موت العتيق كان عصبته الابن دون ابن الابن، وهذه الصورة ونحوها معنى ما روي عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما- أن الولاء للكبر والمراد "الكبر في الدرجة والقرب دون السن".
ولو مات المعتق عن ثلاث بنين ومات أحد البنين عن ابن وآخر عن أربعة وآخر عن خمسة فالولاء بينهم بالسوية حتى إذا مات العتيق ورثوه أعشاراً؛ لأنه لو مات المعتق يومئذ ورثوه كذلك لو ظهر للمعتق مال كان ثلثه للابن وثلثه للأربعة وثلثه للخمسة؛ لأن المال انتقل إلى آبائهم ثم من الآباء إليهم، ولو أعتق عبدًا ومات عن أخ من الأبوين

الجزء: 13 - الصفحة: 394

وآخر من الأب فماله للأخ من الأبوين وكذا ولاء عتيقه على الأصح فلو مات الأخ من الأبوين وخلف ابناً والأخ الآخر فولاء العتيق للأخ وإن كان ميراثه للابن؛ لأن المعتق لو مات [أولاً] 400 عن العتيق كان عصبته للأخ من الأب دون ابن الأخ من الأبوين.
ومنها: أعتق مسلم عبداً كافرًا ومات عن ابنين -مسلم وكافر- ثم مات العتيق فميراثه للابن الكافر؛ لأنه الذي يرث المعتق لو مات المعتق [بصفة] 401 الكفر.
ولو أسلم العتيق، ثم مات فميراثه للابن المسلم ولو أسلم الابن الكافر ثم مات العتيق مسلماً فالميراث بينهما.
ذكره في "التهذيب".
المسألة الثانية: الذين يرثون بولاء المعتق 402 من عصباته يترتبون ترتب 403 عصبات النسب إلاَّ في مسائل مذكورة في "الفرائض": منها: أخ المعتق وجدّه، إذا اجتمعا يتساويان في أحد القولين ويتقاسمان كما في النسب، ويتقدم الأخ في أصحهما، وإذا قلنا به تقدم ابن الأخ أيضاً، وإن [رأينا] 404 المقاسمة فالأخ من الأبوين لا يعاد بالأخ من الأب على الظاهر.
وفيه وجه آخر: ذكرناه في "الفرائض" وإذا راجعت الشرح هناك أعلمت قوله هاهنا "والأخ لا يقاسم" بالحاء والألف وقوله: "لا يعاد" بالواو، ولو قدم قوله: "ولا يعاد بالأخ [من الأب"] 405 على مَسْأَلَةِ الأخ من الأبوين، والأخ من الأب لكان أَحْسَنَ؛ لأنه يتعلق بصورة الجَدِّ والأخ.
ومنها: في أخ المعتق من الأبوين مع أَخِيهِ من الأب طريقان: أصحهما 406: تقديم الأخ من الأبوين.
والثاني: أن فيه قولين -وهو المذكور في الكتاب، ويجوز إِعْلاَمُ لَفْظِ القولين بالواو، والمسألتان معاً مذكورتان في [الكتاب] 407 في "الفرائض" معادتان هاهنا مع زيادات.
ومنها حكى الإِمَامُ عن أَبِي حَامِدٍ المَرْوَذِي- أنه إذا كان للمعتق ابنا عم أحدهما أخ لأم فالميراث كله للذي هو أخ لأم.
قال: ولم نر هذا إلاَّ له، وهو غَلَطٌ عند المحققين، فإن أخوة الأم لا توجب قوة في النسب، فكيف توجب قوة في الولاء، والوجه الحكم باستوائهما.
وقد أوردنا 408 الصورة في "الفرائض".

الجزء: 13 - الصفحة: 395

وإذا تأملت ما أوردناه هناك عَرَفْتَ أن المذهب ما حكاه عن أَبِى حَامِدٍ، وتعجبت مما ساقه الإِمام.
الثالثة: الانتساب في الولاء قد يَنْتَظِمُ من مَحْضِ الإِعْتَاقِ كمعتق المعتق ومعتق معتق المعتق وقد ينتظم من الإعتاق والنسب كمعتق الأب، وأبي المعتق، ومعتق أب المعتق، وقد سبق تصوير معتق أب المعتق وأنه وارث في الجملة، وإذا تركت الأسباب؛ فقد يشتبه حكم الولاء، وَيُغَالِطُ بهِ المُغَالِطُ، مثل أن يقول: إذا اجتمع أبو المعتق ومعتق الأب فَأيُّهُمَا أولى؟ والجواب: أنه إذا كان للميت أبو المعتق كان له معتق [وكان] 409 قد مَسَّهُ الرِّقُ، ولحقه العتق، وحينئذ فلا ولاء لمعتق أبيه أصلاً كما سبق ولا 410 معنى لمقابلة أحدهما بالآخر، وطلب الأولوية، وإذا اجتمع معتق أب المعتق، ومعتق المعتق فمعتق المعتق أولى؛ لأنه يستحق ولاء المعتق بالمباشرة، ومعتق أبيه يستحقه بالسِّرَايَةِ، وولاة المباشرة أقوى، ولذلك لا ينجر ولاء المباشرة، وينجر ولاء السِّرَايَةِ.
وإذا اجتمع معتق أب المعتق ومعتق معتق المعتق فقد 411 يظن ظناً غلطاً؛ لأن الأول أولى لا ولاية بالولادة، والصواب أن الثاني أولى؛ لأن المعتق الأخير في النسبة المذكورة انتسب 412 إليه شخصان: أحدهما: معتق أبيه.
والثاني: معتق معتقه.
ومن له معتق معتق، فقد مَسَّهُ الرِّقُّ ويثبت عليه ولاء المباشرة، وهو أقوى.
ذَكَرَهُ الإِمَامُ وَغَيْرُهُ -رحمهم الله-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ إِذَا اشْتَرَى أَخٌ وَأُخْتٌ أَبَاهُمَا فَعُتِقَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ أَعْتَقَ الأَبُ عَبْدَاً وَلَمْ يُخَلِّف العَتِيقُ إِلاَّ الأَخَ وَالأُخْتَ فَالمَالُ كُلُّهُ لِلأخِ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ المُعْتِقِ وَلاَ شَيْءَ لِلأخْتِ الَّتِي هِيَ مُعْتِقَةُ المُعْتِقِ بَلْ لَوْ خَلَّفَ ابْنَ عَمِّ المُعْتِقِ وَالبِنْتَ لَكَانَ ابْنُ العَمِّ أَوْلَى، وَلَوْ مَاتَ هَذَا الأَخُ وَلَمْ يُخَلِّفْ إِلاَّ أُخْتَهُ فَلَهَا ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ مِيرَاثِهِ النِّصْفُ بِالأُخُوَّةِ وَنصْفُ البَاقِي لِوَلاَئِهَا عَلَى نِصْفِ أَبِيهِ لأَنَّ أَخَاهَا وَلَدُ مُعْتِقِهَا، وَكَذَلِكَ إِنْ مَاتَ الأَبُ وَلَمْ يُخَلِّفْ إِلاَّ البِنْتَ فَلَهَا النِّصْفُ بِالبُنُوَّةِ وَنِصْفُ البَاقِي لِوَلاَئِهَا عَلَى نِصْفِ الأَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اشترت المرأة أباها، فعتقَ عَلَيهَا ثم أعتق الأب عبداً، ومات

الجزء: 13 - الصفحة: 396

عَتِيقُهُ بعد موته؛ نُظِرَ إن لم يكن للأب عصبة من النسب فميراث العتيق للبنت، لا لأنها بنت معتقة، فقد سبق أن بنت المعتق لا ترث، ولكن؛ لأنها معتقة المعتق، وإن كان له عصبة من أخ [أو عم] 413 أو ابن عم قريب.
أو بعيد، فميراث العتيق له؛ لأنه عصبة المعتق من النسب ولا شيء للبنت؛ لأنها معتقة المعتق ومعتق المعتق يتأخر عن عصبة النسب.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: وسمعت بعض الناس يقول: قد أخطأ في هذه المسألة [أربعمائة] قَاضٍ؛ لأنهم رَأَوْهَا أقرب، وهي عصبة له بولائها عليه.
ولو اشترى أخ، وأخت أباهما فعتق عليهما ثم أعتق عبداً، ومات العتيق بعد موت الأب، وَخَلَّفَ الأخ والأخت فميراثه للأخ دون الأخت من جهة أنه عصبة المعتق من النسب، وهي معتقة المعتق، بل لو كان الأخ قد مات قبل موت أبيه، وَخَلَّفَ ابناً، أو ابْنَ أبْنٍ، أو كان للأب المعتق ابن عم بعيد فهو أولى من البنت.
ولو مات هذا الأخ بعد 414 موت الأب، ولم يخلف إلاَّ أُخْتَهُ، فلها نصف الميراث بالأخوة، ونصف الباقي؛ لأن لها نصف ولاء الأخ؛ لإعتاقها نصف الأب فَيَسْتَرْسِلُ الولاء على أولاده ويكون لها نصف ولاء الأخ، وللأخ نصف ولائها، فيجمع لها ثلاثة أرباع الميراث النصف بالأخوة والربع بأنها مُعْتِقَةُ نصف الأب.
ولو مات الأب ثم مات الابن، ثم مات العتيق، ولم يُخَلِّفْ إلاَّ البنت؛ فلها ثلاثة أرباع الميراث أيضاً النصف؛ لأنها مُعْتِقَةُ نِصْفِ المعتق ونصف الباقي لثبوت ولاء السِّرَايَةِ على نصف الأخ، بإعتاقها نصف أبيه فهي معتقة نصف أبي معتق معتقة وَالرُّبْعُ الباقي في هذه الصورة والتي قبلها لبيت المال.
وأما قوله في الكتاب: "وكذلك إن مات الأب، ولم يُخَلِّفْ إلاَّ البنت فلها النصف بالبنوة، ونصف الباقي لولائها على نصف الأب" فهذه الصورة لا ذكر لها في "الْوَسِيطْ وَلم أرها في "النهاية" أيضاً، والمفهوم مما ساقه انحصار حَقِّهَا في النصف، والربع، ولكن كلام الأصحاب منهم الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو خَلَفٍ السُّلَّمِيُّ في فرع آخر: ينازع [في] 415 ذلك، وذلك أنَّهم قالوا: لو [اشترت] 416 أختان أَبَاهما بِالسَّوِيَّةِ فعتق 417 عليهما ثم مات الأب فلهما الثلثان، والباقي بالولاء لو ماتت إحداهما بعد موت الأب، وَخَلَّفَ الْأُخْرَى فلها النصف بالأخوة والنصف الباقي لولائها على نصف الأخت بإعتاقها [نصف] 418 أبيها أمَّا الربع الباقي فقد أطلق في "التَّهْذِيبِ" أنه لبيت المال، وليحمل ذلك

الجزء: 13 - الصفحة: 397

على ما إذا كانت أمهما حرة أصلية، فأما إذا كانت معتقة فلموالي الأم ولاء الأختين 419 بإعتاق الأم، فإذا أَعْتَقْنَا الأب، جَرَتْ كل واحدة منهما نصف ولاء أختها إلى نفسها.
وَهَلْ تَجُرُّ ولاء نفسها، ويسقط أو يبقى لموالي الأم؟.
فيه خلاف قد تقدم، فإن قلنا: يبقى لموالي الأم، وهو الظاهر فَالرُّبْعُ الباقي يكون لموالي الأم، وإن قُلْنَا: يجر ويسقط فهو لبيت المال، ولو ماتت إحدى الأختين ثم مات الأب وخلف الأخرى، فلها سبعة أثمان ماله النصف بِالبُنُوَّةِ وهو أربعة من ثمانية ونصف الباقي، وهو سهمان؛ لأنها معتقة نصفه ونصف الربع الباقي، وهو سهم؛ لأن الربع الباقي كان للأخت الأخرى لو كانت باقية لولائها على نصف الأب، فإذا كانت ميتة أخذت هذه نصفه؛ لأن لها نصف ولاء الأخت بإعتاقها نصف أبيها، وأما الثمن الباقي إذا كانت أمهما معتقة فهو لموالي الأم على الأظهر؛ لأن نصف ولاء الميتة يبقى لهم وَإن قلنا: لا يبقى؛ فَهُوَ لبيت المال.
وصورة الكتاب مثل هذه الصورة ولو اشترتا الأب، وعتق عليهما، ثم أنه أَعْتَقَ عبداً ومات العتيق بعد موته، وَخَلَّفَ البنتين؛ فجميع المال لهما بالولاء لا لأنهما بِنْتَا مُعْتِقِهِ، لكن لأنهما معتقتا 420 معتقة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أُخْتَانِ خُلِقَتَا حُرَّتَيْن اشْتَرَتْ إِحْدَاهُمَا أَبَاهُمَا وَالأُخْرَى أُمَّهُمَا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مَوْلاَةُ صَاحِبَتِهَا لِأَنَّ وَلاَءَ الأُمِّ لَمْ يُمْكِنِ انْجِرَارُهُ إِلَى مُشْتَرِيَةِ الأَبِ إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَنْجَرُّ وَيَسْقُطُ وَلاَءَ عَلَى مُشْتَرِيَةِ الأَبِ لمشْتَرِيَةِ الأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أخوان أو أختان ليس عليهما ولاء مباشرة -وإليه أشار في الكتاب بقوله: "خُلِقَتَا حُرَّتَيْنِ"، وأبواهما مملوكان اشترت إحداهما [أباهما] 421 فعتق عليها والأخرى أمهما فعتقت عليها.
وَتَصَوُّرُ المسألة: فيما إذا كانوا جميعاً كُفَّاراً فخرجِ إليه الولدان مسلمين، ثم اسْتَرْقَقْنَا الوالدين وفيما إذا غَرَّ عَبْدٌ بِحُرّيَّةِ أمة: فنكحها وَأوْلَدَهَا على ظن الحرية ولدين، صوإذا عرف ذلك، فولاء الأب للتي اشترته، فإذا مات عنهما فَلَهُمَا الثلثان بِالبُنُوَّةِ والباقي لها بالولاء، وولاء الأم لِلَّتِي اشترتها، فإذا ماتت عنهما فلها الثلثان، والباقي لها بالولاء، أما الأختان فلمشترية الأب الولاء على مشترية الأم تبعاً للولاء على الأب، فإذا ماتت مشترية الأم وخلفت مشترية الأَبِ، فلها النصف بالأخوة، والباقي بالولاء، وهل لمُشْتَرِيَةِ الأُمِّ الولاء على مُشْتَرِيَةِ الأَبِ؛ يُبْنَى ذلك على أَنَّ مَنْ عليه الولاء لمعتق أمه إذا اشترى أباه، فعتق عليه فَهَلْ يبقى الولاء عليه لمعتق الأم؟ أو يجر ولاء نفسه ويسقط وفيه خِلاَفٌ قَدَّمْنَاهُ.

الجزء: 13 - الصفحة: 398

وقوله في الكتاب: "لأن ولاء الأم لم يمكن انجراره إلى مشترية الأب" أراد به الوجه الأظهر من ذلك الخلاف، ووجه بأنه لو انجر لصار هو مولى نفسه، ولا يمكن أن يكون الإنسان 422 مولى نفسه.
وقوله: "وقيل إنه يَنْجَرُّ ويسقط"، وهو الوجه المنسوب إلى ابْنِ سُرَيْجٍ، وتخريجه.
وقد ذكرناهما من قبل.
فإن 423 قلنا: يبقى الولاء لمعتق الأم فَلِمُشْتَرِيَة الأم الولاء أيضاً على مُشْتَرِيَةِ الأب، وإذا ماتت فالحكم كما ذكرنا في الطرف الأول.
وإن قلنا: لا يبقى فلا ولاء لها على مُشْتَرِيَةِ الأب، وإذا ماتت فلها النصف بالأخوة، والباقي لبيت المال، فلو اشترت الأختان أَبَاهُمَا ثم اشترت إحداهما مع الأب أب الأب، وعتقَ عليها ثم مات الابن فِلِلْبِنْتَيْنِ الثلثان، وللأب السُّدُسُ بِالْفَرْضِيَّ، والباقي بِعُصُوبَةِ النَّسَبِ فإن مات الجَدُّ بعد موت الأب، فَلِبِنْتَي الابْنِ الثلثان بالبنوة، والباقي وهو الثلث نصفه للتي اشترته مع الأب؛ لإعتاقها نصفه ونصفه الآخر بينهما لإعتاقهما معتق نصفه.
ولو ماتت إحداهما بعد ذلك وخلفت الأخرى فعلى ما سبق.
ولو اشترت الأختان أمهما، ثم اشترت الأم أَبَاهُمَا وَأَعْتَقَتْهُ فَلِلأُخْتَيْنِ الولاء على الأم بالمباشرة، وللأم الولاء على أبيهما بالمباشرة وعليهما؛ لأنها مُعْتِقَةُ أبيهما، فإن ماتت الأم؛ فلها الثلثان بالبنوة، والباقي بالولاء، فإن مات الأب بعد ذلك فلهما الثلثان بالبُنُوَّةِ والباقي بالولاء؛ لأنهما مُعْتِقَتَا مُعْتَقِهِ 424 والنساء يَرِثْنَ من أعتق، وممن أعتقه من أَعتق [فإن] 425 ماتت إحدى الأختين بعد ذلك، وَخَلَّفَتِ الأُخْرَى؛ فلها النصف بالأخوة ونصف ما بقي لإعتاقها نصف معتقة أبيها، والباقي لبيت المال.
ولو اشترت الأختان أَبَاهُمَا؛ ثم اشترت إحداهما مع الأب أخاً لها من الأب فعتق نصفه على الأب، وهو مُعْسِرٌ وأَعْتَقَتِ الْمُشْتَرِيَةُ النصف الآخر.
قَالَ أَبُو خَلَفٍ السُّلَّمِيُّ: إن مات الأب فماله لأبيه وبنتيه: للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن مات الأخ بعد ذلك فَلأُخْتَيهِ الثلثان، والباقي نصفه للأخت المُشْتَرِيَةِ لإعتاقها نصفه ونصفه الآخر حِصَّةُ الأب لو كان حياً، فيكون بعد موته لابنتيه لأنهما معتقتاه فتكون القسمة من اثْنَيْ عَشَرَ لمشترية الأخ منها سبعة؛ وللأخرى خمسة.
ولو ماتت التي لم تشتر الأخ أولاً، ثم مات الأب، ثم مات الأخ فمال التي ماتت أولاً لأبيها، ومال الأب لابنه وبنته أثلاثاً، ومال الأخ 426 نصفه لأخته بِالنَّسَبِ ولها 427

الجزء: 13 - الصفحة: 399

نصف الباقي بإعتاقها نصفه والباقي وهو الربع حصة الأب لو كان حياً فيكون لبنته؛ لأنهما معتقتاه وإحداهما ميتة فللباقية حِصَّتُهَا وَحِصَّةُ الميتة تكون لمواليها، ومواليها الأخت الباقية وموالي الأم فيجعل بينهما بِالسَّوِيَّةِ، هذا مفروض فيما إذا كانت معتقة وإلاَّ فهو لبيت المال.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: اشْتَرَتْ أُخْتَانِ أُمَّهُمَا ثُمَّ شَارَكَتِ الأُمُّ أَجْنَبِيّاً فِي شِرَاءِ أَبِيهِمَا فَإِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الأُخْتَيْنِ وَلَمْ تُخَلِّفْ إِلاَّ الأخُتَ الأُخْرَى فَالنِّصْفُ لَهَا بِالأُخُوَّةِ وَالبَاقِي لِلأَجْنَبِيِّ وَالأُمِّ فَإِنَّهُمَا مُعْتِقَاً أَبيهِمَا لَكِنَّ الأُمَّ مَيِّتَةٌ فَيَرْجِعُ نَصِيبُهَا إِلَى الأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَعْتَقَاهَا لَكِنَّ إِحْدَاهُمَا مَيِّتَةٌ وَحَصَلَ لهَا الثُّمُنُ فَيَرْجِعُ إلَى الأَجْنَبِيِّ وَأُمِّهَا وَمِنَ الأُمِّ إلَى المَيِّتَةِ وَالحَيَّةِ وَيدُورُ وَلاَ يَنْقَطِعُ فَالصَّوَابُ أَنْ يقَسَّم المَالُ مِنْ سِتَّة فَيَكُونَ لَهَا النِّصْفُ بالأُخُوَّةِ وَالبَاقِي ثَلاثَةٌ يُقَسَّمُ عَلَيْهَا وَعَلَى الأَجْنَبِيَّ أَثْلاَثاً لِلأَجْنَبِيِّ سَهْمَانِ وَلَهَا سَهْمٌ فَتَتَحَصَّلُ هِيَ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِأَنَّ الثُّمُنَ الدَّائِرَ كُلَّمَا رَجَعَ إلَى المَيِّتَةِ يَحْصُلُ لِلأَجْنَبِيِّ ضِعْفَ مَا حَصَلَ لِلأُخْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أختان لا ولاء عليهما اشترتا أمهما فعتقت عليهما ثم إن الأم شاركت أجنبياً في شراء أبي الأختين وإِعْتَاقِهِ، فللأختين الولاء على أُمهما وللأم والأجنبي الولاء على الأب، وعلى الأختين؛ لأنهما معتقتا 428 أبيهما، ولكل 429 واحد منهما نصف ولاء كل واحدة منهما، ثم الكلام في صور: إحداها: إذا ماتت الأم ثم الأب ثم إحدى الأختين.
أما الأم: فثلثا مالها للأختين بالبنوة، والباقي لهما بالولاء، وأما الأب فثلثا ماله لهما أيضاً بالبنوة، وما بقي فللأجنبي نصفه؛ لأنه أعتق نصفه، والنصف الآخر وهو الربع لأجنبي لأنه أعتق نصف أبيهما والربع الباقي كان للأم لو كانت حية؛ لأنها معتقة النصف الآخر فإذا كانت ميتة فنصيبها للأختين؛ لأنهما معتقاها فتأخذ الأخت الباقية نصفه وهو الثمن ويرجع الثمن الذي هو حِصَّةُ الميتة إلى من له ولاؤها، وهو الأجنبي والأم وما للأُمِّ يرجع إلى الحَيَّةِ والميتة، وَحِصَّةُ الميتة إلى الأجنبي والأم، وهكذا يدور ولا يَنْقَطِعْ ولذلك سُمِّيَ سهم الدور وفيما يفعل به وجهان: قَالَ ابْنُ الحَدَّادِ: يجعل في بيت المال؛ لأنه لا يمكن صرفه بالنسب ولا بالولاء.
والثاني: حكاه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ عن بعض الأصحاب وحكاه الإِمام عن الشيخ -رحمهم الله-: أنه يُقْطَعُ السَّهْمُ الدَّائِرُ وهو الثُّمُنُ ويجعل كأنه لم يكن ويقسم المال على باقي السهام وهو سبعة خمسة منها للأخت الباقية وسهمان للأجنبي، وزيف الإِمام

الجزء: 13 - الصفحة: 400

الوجهين 430 بأن الولاء ثابت ونسبة الدور معلومة فيجب تنزيل السهم الدائر، وقسمته على تلك النسبة.
والوجه الثاني: أَنَّ ضَمَّ ما تَسْتَحِقُّهُ الأخت بالنسب إلى حساب الولاء وفض ما يؤخذ بالولاء على ما يؤخذ بالنسب لا معنى له، ولا سبيل إليه ثم قال: الوجه أن يفرد النصف، ولا يدخله في حساب الولاء وينظر في النصف المستحق بالولاء فيجد نصفه للأجنبي ونصفه للأم وما للأم يصير للأختين ثم نصيب كل واحدة منهما يرجع نصفه إلى الأجنبي، ونصف إلى الأُمِّ ومنها إلى الأختين فَتَبَيَّنَ من ذلك أن للأجنبي ضعف ما للأخت الواحدة؛ لأنه مثل ما للأم وما للأم ينتصف بين الأختين، فإذن المال بين الأجنبي 431 وبين الأخت بالأَثْلاَثِ فيحتاج إلى عدد له نصف ولنصفه ثلث وأقله ستة فنصرف نصف الستة إلىَ الأخت بالنسب يبقى ثلاثة -سهمان منها للأجنبي، وسهم للأخت فجملة مالها أربعة من ستة.
وهذا ما أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "أن يقسم المال من ستة" بالواو؛ للوجهين السابقين على أن أَبَا خَلَفٍ الطَّبْرِيَّ قال: أكثر أصحاب الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- على أن سَهْم الدور لبيت المال كما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ وإلى [ترجيحه] 432 يميل كلام ابْنُ اللَّبَّانِ.
[الصورة] 433 الثانية: إذا ماتت إحدى الأختين أولاً ثم ماتت الأم فمال الأخت لأبويهما للأم منه الثلث، وما بقي فللأب، وأما الأم فنصف ميراثها للبنت بالبنوة، ولها نصف النصف الباقي لإِعْتَاقِهَا نصف الأم ونصفه الباقي للأب؛ لأنه عصبة معتقة النصف الآخر من النسب، ولا دور قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وفي مثل هذه المسائل لا ترث بالزوجية إلاَّ أن يشترط السائل في السؤال بقاء الزوجية.
الثالثة: مات الأَبُ أولاً، ثم إحدى الأختين، ثم الأم فأما الأب فثلثا ماله لِلْبِنْتَيْنِ بالبنوة، والباقي للأم، والأجنبي بولائهما عليه وأما الأخت فللأم من مالها الثلث، وللأخت النصف، والباقي بين الأم والأجنبي؛ لأنهما معتقا أبيهما، وأما الأم فنصف مالها للبنت الباقية بالبنوة، ولها من النصف الباقي النصف؛ لأنها أَعْتَقَتْ نِصْفَهَا ونصفه الباقي حصة البنت الأخرى، وكانت ناجزة لو كانت حية، وإذا كانت ميتة فهو لموليتها الأم، والأجنبي، لكن الأم ميتة فيأخذ الأجنبي نصفه وهو الثمن ويرجع الثمن إلى الأختين؛ لإعتاقهما الأم، وهذا سهم الدور، وفيه الخلاف الذي تبين، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ في هذه الصورة أن البنت بعدما أخذت نصف مال الأم بالنسب والربع بالولاء وأخذ

الجزء: 13 - الصفحة: 401

الأجنبي الثمن يأخذ من الثمن الباقي نصفه أيضاً، ويكون الباقي لبيت المال.
قال القَفَّالُ وغيره -رحمهم الله-: وهذا غَلَطٌ فإن الثمن هو السَّهم الدائر، ولو جاز أن يعطي البنت منه شيئاً لأعطى الأجنبي مرة أخرى، وأيضاً فإنه طرح في هذه الصورة الأولى سهم الدور بتمامه، وجعله لبيت المال فليكن كذلك هاهنا.
الرابعة: ماتت البنتان أولاً مالهما لأبيهما كما ذكرنا، فإن مات الأب بَعْدَهُمَا فماله للأم والأجنبي بالولاء، فإن ماتت الأم بعد ذلك فنصف مالها للأجنبي؛ لأنه معتق نصف أبي معتقها، والباقي لبيت المال.
مثال آخر للدور: بنتان من معتقتين اشترتا أباهما فعتق عليهما فإن قلنا أن معتق الأب لا يجر ولاء نفسه من معتق الأم، وهو الأظهر فيبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لموالي أمها، ويثبت لكل واحدة منهما نصف ولاء الأب ونصف ولاء الأخرى؛ لأنها معتقة أَبيهَا فإذا مات الأب فلهما ثلئا ماله بالبنوة، والباقي بالولاء فإن ماتت الكبرى بعده فنصف مالها لأختها بالأخوة، ولها نصف الباقي، وهو الربع؛ لأنها معتقة أبيها، والباقي لموالي أم الكبرى، فإن ماتت الصغرى بعد ذلك فنصف مالها لموالي أمها والنصف الآخر حِصَّةُ الْكُبْرَى، وهي ميتة فيكون لمن له ولاؤها وولاؤها لموالي أمها وللصغرى فأخذ موالي أمها نصفه، وهو الربع ويبقى الربع الباقي وهو سهم الدور وفيه ما سبق من الخلاف، وإن ماتت البنتان أولاً ثم مات الأب فيقسم ماله على ثمانية أسهم لكل بنت أربعة فنصف نصيب الكبرى لموالي أمها؛ لأن لهم نصف الولاء عليها ونصفه للصغرى وهو ستة 434 فيكون نصفه، وهو الربع لموالي أمها ونصفه يرجع إلى الكبرى وهو سهم الدور ونصيب الصغرى يقسم هكذا أيضاً، فإن جُعِلَ سهم الدور لبيت المال؛ حَصَلَ لموالي كل واحدة منها ثلاثة 435 أثمان مال الأب ولبيت المال ثمناه.
وَاعْلَمْ أَنَّ الفَرَضِيِّينَ ضَبَطُوا موضع حصول الدور فقالوا: إنما يحصل الدور 436 في المسألة إذا وجدت ثلاثة شروط: أن يكون للمعتق ابنين فصاعداً.
وأن يكون قد مات منهم ابنان فصاعداً.
وألا يكون الباقي منهم حائزاً لمال الميت.
فإن اخْتَلَّ أحد هذه الشروط فلا دور.

الجزء: 13 - الصفحة: 402

ونختم الكتاب بفصل يشتمل على فروع من الولاء وغيره.
يجوز أن يفرض شخصان كل واحد منهما مولى صاحبه من أعلى ومن أسفل، كما إذا أعتق عبداً فَأَعْتَقَ الْعَتِيقُ؛ لا المعتق الأول، وكما إذا أَعْتَقَ كَافِرٌ كافراً ثم استرق المعتق، وأسلم العتيق فملكه وأعتقه.
أختان لأب وأم أعتقهما إنسان فَاسْتَرَقَّا أَبَاهُمَا، وعتق عليهما فلكل واحدة منهما نصف ولاء أبيها ولا ولاء لواحدة منهما على الأخرى؛ لأن على كل واحدة منهما ولاء المباشرة، فإذا مَاتَتْ إحداهما فللأخرى نصف مالها بالأخوة، والباقي لمعتقها بالولاء.
أعتق [أب] 437 وابن عبداً ومات الأب عن ابنين أحدهما المشتري ثم مات العتيق فنصف ماله للابن المشتري، والباقي بينهما؛ لأنهما عصبتا معتق النصف، ولو مات الأب كما صورنا ثم مات الابن المشتري عن ابن ثم مات العتيق فنصف المال لولد الابن المشتري بولاء أبيه، ونصفه لعمه بولاء أبيه ولا شيء للحافد بولاء الجَدِّ.
اشترت أختان لا ولاء عليهما أباهما فعتق عليهما ثم اشترت إِحْدَاهُمَا أُمَّهُمَا فعتقت عليها فلكل واحدة نصف ولاء الأب ونصف ولاء الأخرى تبعاً لولاء الأب، ولمعتقة الأم الولاء على الأم، وعلى نصف الأخت الأخرى بتبعية ولاء الأم، هذا هو الأَظْهَرْ وعلى قول ابْنِ سُرَيْجٍ لا ولاء لمعتق الأم على من أبوه حر، فلا يثبت لمعتقة الأم ولاء النصف الآخر من الأخت، فلو مَاتَ الأب ثم ماتت التي لم تعتق الأم فمال الأب للبنتين ثلثاه بالبنوة والباقي بالولاء، والتي لم تعتق الأُمَّ ثلث مالها للأم، ونصفه للأخت بالأخوة ونصف السُّدُسِ الباقي بولائها على نصفها؛ لإعتاق الأب ولها نصفه الآخر على الأظهر بولائها على نصفه الآخر لإعتاق الأم.
وعلى قول ابْنِ سُرَيْجٍ: نصف السُّدُسِ الآخر لبيت المال، فإن ماتت الأم بعد ذلك فللبنت الباقية النصف بالبنوة والباقي بالولاء فإنها التي أعتقها.
ولو ماتت التي أعتقت الأم بعد موت الأب فللأم الثلث وللأخت النصف بالنسب، ونصف السدس الباقي لإِعْتَاقِهَا نصف أبيها، والباقي لبيت المال فإن ماتت الأم بعدها فللبنت الباقية النصف بالبنوة ونصف الباقي بالولاء؛ لأنها معتقة نصف أبي معتقة [الأم] 438، والربع الباقي لبيت المال.
نَكَحَ عَبْدٌ حُرَّةً أَصْلِيَّةً وأخرى مُعْتَقَةَ فأتت المعتقة بولد، ومات فَثُلُثُ ميراثه للأم، والباقي لمواليها لولائهم عليه، فإن أتت الأصلية بعد ذلك بابن لأقل من ستة أشهر من

الجزء: 13 - الصفحة: 403

يوم موته اسْتَرَدَّ ما أخذه الموالي ودفع إليهم؛ لأن عصبة النسب تَتَقَدَّمُ على عصبة الولاء، وإن أتت به لستة أشهر وأكثر فلا يُسْتَرَدُّ؛ لاحتمال حدوثه بعد ذلك، وَلْيَجِيءْ فيه التفصيل السابق في افْتِرَاشِ الزَّوْجِ وَعَدَمِهِ.
في "فتاوى القَفَّالِ": أن المُكَاتِبَ إذا اشترى نِصْفَ أبيه فعتق بعتقه كما يكاتب 439 عليه ما دام مكاتباً، وإذا عتق فلا يقوم عليه الباقي؛ لأنه يقصد بأداء النجوم عتق نفسه وعتق الأب يحصل تبعاً بغير قصده واختياره.
وأنه إذا قال لِمُكَاتِبِ الْعَبْدِ: اعْتِق عَبْدَكَ عَنِّي على كذا وهو مستأجر فأعتقه يجوز قولاً واحداً بخلاف البيع لقوة العتق 440 وكذا يجوز في العبد المغصوب، والغائب إذا علم حياته.
في "فتاوى الْقَاضِي الحُسَيْنِ": أنه إذا قال لجاريته: [جان يدر] 441 لا يعتق ولو قال لعبده شهره [آزادمردى] 442 يعتق.
وَأَنَّهُ إذا ادَّعَى عبد على سيده العتق عند الحاكم وَحَلَّفَهُ فلما أتم يمينه قال على وجه السُّخْرِيةِ: قم يَا حُرُّ.
أو قال: [ازاد شوى] 443 خُيِّرَ يحكم عليه بالحرية؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جدٌّ ... " 444 وَعَدَّ منها الْعِتَاقَ.
وَيُحْكَى أنه جَرَى ذلك في مجلس ابْن أَبِي لَيْلَى فحكم بالعتاق فأنهى إلى جَعْفَرِ الصَّادِقِ -رضي الله عنه- فقال: لا يعتق؛ لأن المقصود سلب الحرية؛ لقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] وأنه إذا كانت جاريته حاملاً، والحملُ مُضْغَةً فقال: أعتقت مضغة هذه الجارية كان لغواً؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ ما لم تنفخ فيه الروح لا يصح، ولو قال: حمل هذه الجارية حُرٌّ فهو إقرار بأن الولد انْعَقَدَ حراً وتصير الأم به أم ولد.
ولو أنه 445 لو قال لعبده: إذا أخذك مُتَغَلِّبٌ فَقُلْ: أَنَا حُرٌّ أو قال بالفارسية [الرازاز كماتان بكَير ند توكَو من آزادم] 446 لا يُعْتَقُ بهذا وَهُوَ كَذِبٌ.
وكان القاضي يلقن عبيده ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 404

وكذا لو قال: [من زانام آزادان نصادم] 447 لا يعتق.
وأنه لو قال لعبده: أَعْتَقَكَ اللهُ أو اللهُ أَعْتَقَكَ فقد قيل يفرق بين اللفظين؛ لأن الأول دعاء والثاني إخبار.
قال القَاضِي: وعندي لا يعتق في الموضعين.
وعن العبادي: أنه يعتق في الموضعين.
في "الزيادات" لِأَبِي عَاصِمٍ اَلعَبَّادِيِّ: أنه إذا قال: من بشرني من عبيدي بقدوم فلان فهو حر، فبعث عَبْدٌ مِنْ عبيدةِ عبداً آخر ليبشره بذلك فجاء وقال: عبدك فلان يبشرك بقدومه، وأخبرني لأخبرك فالمبشر هو المُرْسِلُ دون الرَّسُولِ.
وأنه إذا قال: إِنِ اشْتَرَيْتُ عبدين في صفقة فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أعتقهما.
فاشترى ثلاثة، وجب إعتاق اثنين؛ لوجود الصِّفَةِ.
إذا ولدت المزني بها ولداً فملكه الزاني؛ لم يعتق عليه كما لا يثبت نسبه وعند أَبِي حَنِيْفَةَ يُعْتَقُ رأيت بخط القاضي أَبِي المحَاسِنِ الرَّوْيانِيِّ في فروع حَكَاهَا عن والده وغيره من الأئمة [رحمهم الله] 448 أنه إذا قال لعبده: أنت حر مثل هذا العبد، وأشار إلى عبد آخر يحتمل ألا تحصل الحرية لأن حرية البدن غَيْرُ ثابتة في المشبه به، فيحتمل على حرية الخلق.
وأنه لو 449 قال: أنت حر مثل هذا, ولم يقل هذا العبد فيحتمل أن يُعْتَقَا والأوضح أنهما لا يعتقان.
وأنه لو قال لآخر: أنت تعلم أن العبد الذي في يَدِيْ حر حكم بعتقه.
ولو قال يظن أنه حر لم يحكم بعتقه لأنه لو لم يكن حراً لم يكن القول له عالماً بحريته، وقد اعترف السيد بعلمه وصورة الظن بخلافه.
ولو قال: ترى أنه حر، احتمل ألا يقع واحتمل أن تحمل [الرؤية] 450 على العلم، ويقع.
أنه لو ضرب عبد غيره فقال صاحب العبد للضارب: عبد غيري حر مثلك لا يحكم بحريته؛ لأنه لم يعين عبده.
وأنه إذا أعتق بعض مملوكه يسري إلى الباقي إذا كان قابلاً للعتق، إلاَّ في مسألة ذكرها بعض الأصحاب وهي: أنه إذا وَكَّلَ إنساناً بإعتاق عبده، فأعتق الوكيل نِصْفَهُ ففي حصول العتق في النصف وَجْهَانِ، وبالحصول قال أَبُو حَنِيْفَةَ: وعلى هذا ففي عتق

الجزء: 13 - الصفحة: 405

النصف الباقي 451 وجهان: أَضْعَفُهُمَا: أنه يعتق -وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ- إلاَّ أنه قال: يُسْتَسْعَى في الباقي.
في "جَمْعِ اَلجَوَامِعِ" لِلْقَاضِي [الروياني] 452: أنه لو كان بين شريكين عَبْدٌ فجاء أجنبي وقال لأحدهما: أعْتِقْ نصيبك عني بكذا.
فأعتقه عنه؛ فولاؤه [للآمر] 453، ويقوم نصيب الشريك على المُعْتِقِ دون [الآمر] 454؛ لأنه أعتقه لغرض نفسه، وهو العِوَضُ الذي يحصل له، وَأَنَّهُ لو قال أحد الشريكين للآخر: أُعْتِقْ نصِبك عني بكذا.
فأعتقه عنه، فَوَلاَؤُهُ للآمِرِ، ويقوم نصيب الآمر على المعتق حكاه عن الْقَاضِي الطَّبْرِيِّ -وَاللهُ أَعْلَمُ-.

الجزء: 13 - الصفحة: 406

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل