العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الطَّهَارَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(2) وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ فِي المِيَاهِ الطَّاهِرَةِ

قال الغزالي: وَالمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (ح) هُوَ المَاءُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ المَائِعَاتِ.
قال الرافعي: أراد بالطهارة بعض أنواع الطهارة، وهو الطهارة بالماء، وإلا فمن شرطه إدراجِ التيمم في أبواب هذا الكتاب؛ لأنه إحدى الطَّهَارات، ألا ترى إلى قول الشافعي -رضي الله عنه- طَهَارَتَانِ فكيف يفترقان فلما أفرده بكتاب دلَّ أنه أراد الطهارة بالماء.
ثم الأحكام المتعلقة بالطَّهَارَةِ تنقسم إلى ما يَجْرِي مُجّرَى المقدمات، كالقول في المياه وإلى ما يجري مجرى المقاصد كالقول في نفس الوضوء والغُسْلِ، فجعل من الأبواب الثمانية أربعة في المُقَدّمَاتِ، ثم أربعة 3 في المَقَاصِدِ، ولهذا قال عند تمام الأربعة الأولى هذا تمام قسم المُقَدّمَات، ثم الماء إما أن يكون مَعْلُومَ الحُكْمِ، أو لا يكون، فإن كان فهو إما طَاهِرٌ، أو نَجِسٌ، فإن 4 لم يكن فهو الذي يُشْكَلُ ويشتبه حاله ثم هو على التقدير إما أن يكون في إناء يُحْفَظُ فيه ويستعمل منه، أو لا يكون، فجعل البابِ الأول في المياه الطاهرة، والطاهر ينتظم فيه الطهور، وغيره.
والثاني: في المِيَاهِ النَّجِسَةِ.
والثالث: فيما اشْتَبَهَ حُكْمُهُ.12

الجزء: 1 - الصفحة: 7

والرابع: فيما يعتبر من الأحكام باعتبار الظروف، والأواني.
وقوله: "والمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالخَبَثِ"، هو الماء من بين سائر المائعات.
وفيه كلامان: أحدهما: أن الخَبَثَ مَرْقُومٌ فيه النسخ بِرَقَمِ أبي حنيفة 5 -رحمه الله تعالى-، دون الحدث بناء على أن المشهور أن الطّهُورِيَّةَ مخصوصة بالماء في الحدث إجماعاً 6، ولكنه في الخبث مختلف فيه بيننا [وبين أبي حنيفة] 7. ولك أن تقول دعوة الإجماع في الحدث على إطلاقه لا يَستقيم، لأن نَبِيذَ التَّمْرِ عنده طَهِورٌ في السفر عند إعواز 8 الماء، وإذا كان كذلك فلو جعل الرقم على قوله هو الماء ليشملها جميعاً لم يضر.
الثاني: لم قال من بين سائر المَائِعَاتِ، ولم يقتصر على قوله، والمُطَهِّرُ للحدث والخبث، هو: الماء.
والجواب أنه لو اقتصر عليه لأشكل بِالتُّرَابِ فإنه مطهر، وليس بماء.
واعلم أنه لو أراد تخصيص الطهورية في الحدث والخبث جميعًا بالماء لما لزم هذا الإِشْكَالُ، لكنه لم يرد التَّخْصِيصَ في الفصلين جميعًا، وإنما أراد التخصيص في كل واحد منهما، فوجب الاحْتِرَازُ.
فإن قلت: ولم اختصت الطهورية بالماء.
قلنا: أما في الحدث، فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 9 لولا اخْتِصَاصُ الوضوء بالماء لما نقل إلى التراب إلا بعد فقد ما يشارك الماء في الطهورية من المَائِعَاتِ

الجزء: 1 - الصفحة: 8

ليأتي بأكمل الطهارات، وأما في الخبث فلما نستوفي من الخلاف.
قال الغزالي: ثُمَّ المِيَاهُ الطَّاهِرَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: الْقِسْمُ الأَوَّلُ: المَاءُ المُطْلَقُ البَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ فَهُوَ طَهُورٌ ومِنْهُ مَاءُ البَحْرِ وَمَاءُ البِئْرِ وَكُلَّ مَاءٍ نَبَعَ مِنَ الأَرْضِ أوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.
قال الرافعي: قوله: "ثم المياه" يعني المياه الداخلة في هذا الباب - وهي الطاهرة وإنما انقسمت إلى ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تبقى على أصل الخِلْقَةِ أو لا تبقى، وإن لم تَبْقَ فإما أن يخرج بما تغير من الصفات عن أن يسمى ماء مُطْلَقًا أو لا يكون كذلك.
الأول الباقي على أوصاف خِلُقتِهِ، فهو طَهُورٌ لوقوع [مطلق اسم] 10 الماء عليه، واندراجه تحت النصوص الآمرة باستعمال الماء، والمُجَوّزَةِ له.
وقد ورد في ماء البحر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْبَحْرَ هُوَ الطَّهُورُ ماؤه" 11. وفي ماء البئر: "إنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْر بضاعَة" 12. فإن قلت: لم اعتبر الإطلاقُ مع البقاء 13 على أصل الخِلْقَةِ حيث قال: "الماء المُطْلَقُ الباقي على أوصاف خِلْقَتِهِ فهو طهور"، ثم إذا اعتبر فكيف عُدَّ منه ماء البحر،

الجزء: 1 - الصفحة: 9

وماء البئر، وهذا مُقَيَّدٌ 14 لا مُطْلَقٌ 15. فالجواب أن وصف الماء بالإطلاق قد تَكَرَّرَ في كلامِ الأئمة، ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على أوصاف الخِلْقَةِ، ومنهم من يُفسِّرُهُ بِاْلعَارِي عن القُيُود [والأوصاف] 16. ونقول: الماء ينقسم إلى مُطْلَقِ، وإلى مضاف، ثم من المضاف ما هو طهور [كماء الكُوز] 17 والبحر، ومنه ما ليس بطهور كماء الزَّعْفَرَانِ وماء الشَّجَرِ: فيجوز أن يقال: أراد بالمطلق الباقي على أوصاف الخلقة، وبه يشعر ظاهر كلامه في الوَسِيطِ 18، وعلى هذا يكون تعقيب المطلق بالباقي على أوصاف الخلقة تفسيرًا، وبياناً لِلْمَعْنَى.
ويجوز أن يقال: أراد بالمطلق العَارِيَ عَنِ القُيُودِ والإضافات، أي: كل ما يسمى ماء من غير قيد فهو طَهُورٌ، وهذا لا ينافيه وقوع اسم الماء عليه مضافاً، بل تصح الإشارة إلى الماء المُعَيَّنِ بأنه ماء وبأنه مَاءُ عَيْنٍ، أو نهر وبهذا يظهر فساد تقسيم من قسم الماء إلى مطلق، ومضاف؛ لأن المطلق يجوز أن يكون مضافاً، وبالعكس أيضاً، فيدخل أحد القسمين في الآخر وإذا عرفت ذلك فإن أراد المعنى الأول فهما شيء واحد، فلا معنى لقول القائل: لم اعتبر الإطلاق مع البقاء على أصل الخلقة، وإن أراد المعنى الثاني فقد ذكرنا أنه لا مُنَافَاةَ بين كونه مطلقاً بهذا المعنى، ومضافاً، ثم ليس ذلك على سبيل اشتراط الإطلاق، لأن كل باق على أصل [خلقته يقع] 19 عليه اسم الماء عرياً عن الإضافات فهو إذاً ملازم للبقاء على أصل الخِلقة، وإنما هو إِشَارَةٌ إلى أن المعنى المقتضي للطّهُورِيَّةِ إطلاقه والدخول في النصوص على ما سبق، ويتبين مما ذكرناه أنه لو حذف لفظ المطلق لم يضر.
قال الغزالي: وَلاَ يُسْتَثْنَى عَنْهُ إِلَّا المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (ح) غَيْرُ طَهُورٍ (م) عَلَى القَوْلِ الجدِيدِ 20 لِتَأَدِّي العِبَادَةِ بِهِ وَانتِقَالِ المَنْعِ إِلَيهِ، فَالمُسْتَعْمَلُ فِي الكَرَّة

الجزء: 1 - الصفحة: 10

الرَّابِعَةِ طَهُورٌ لِعَدَمِ المَعْنَيَينِ، وأمَّا المُسْتَعْمَلُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَوْ فِي تَجْدِيدِ الوُضُوءِ أَوْ فِي غسلِ الذِّمِّيَّةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الحَيْضِ لِيَحِلَّ لِلزَّوْجِ غَشَيَانُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِوُجُودِ أَحَدِ المَعْنَيَينِ دُونَ الثَّاني.
قال الرافعي: استثناء المستعمل من الباقي على أوصاف الخِلْقَةِ يبين أنه ليس المراد من الأوصاف كل ما يصح وصف الماء به، حتى الإضافات، والاعتبارات وإلا فإنه قبل الاستعمال مَوْصُوفٌ بأنه غير مستعمل، وبعده بأنه مستعمل، فلا يكون باقياً على الأوصاف كلها، حتى يستثنى منه، وإنما المراد الصفات المعنوية، ثم الاعتبار منها باللَّوْنِ، وَالطَّعْمِ، وَالرَّائِحَةِ، وهي المنظور إليها في التغير بالنَّجَاسَةِ كما سيأتي، والصفات المعنوية باقية بحالها في المستعمل ثم هو غير طهور على المذهب فوجب استثناؤه.
وفقه الفصل.
أن الماء المستعمل في الحديث طاهر، وفي رواية عن أبي حنيفة -رحمه الله- هو نجس، وبه قال أبو يوسف 21 -رحمه الله-.
لنا وجهان، أحدهما: قال -صلى الله عليه وسلم-: "خَلَقَ الله الْمَاءَ طَّهُوراً، لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيْحَهُ" 22 ولا تغير هاهنا.
والثاني: أن الصحابة فمن بعدهم كانوا يتوضؤن في ثِيَابِهِمْ، ولا يَحْتَرِزُونَ عما يَتَقَاطَرُ عليهم وعلى ثيابهم، وهل هو طهور أم لا؟ قال في الجَدِيدِ: لا، لأنهم ما كانوا يجمعون المياه المستعملة للاستعمال، ثانيًا، ولو جاز الاستعمال لجمعوها كي لا يحتاجوا إلى التَّيَمُّمِ، وحكى عن القديم، أنه طهور، وبه قال مالك 23 -رحمه الله-؛ لأن الطَّهُورَ ما يتكرر منه الطهارة، كَالقَتُولِ، وَالشَّتُومِ من يتكرر منه الفعل، ولأنه ماء بَاقٍ على إطلاقه، فأشبه غيره.
ومنهم من لم يثبت هذا القول، وجزم بالجديد، وسواء ثبت أم لا فَالفَتْوَى على الجديد.
ثم ذكر الأصحاب في أنه لم سقطت طهورية المستعمل معنيين:

الجزء: 1 - الصفحة: 11

أحدهما: تأدى عبادة الطهارة به.
والثانى: تأدى فرض الطهارة به.
فمن قال بالأول: أسقط طهورية المستعمل في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، وتجديد الوضوء، والمَضْمَضَةِ، وَالاسْتِنْشَاقِ، وَغُسْل الجمعة، والعيدين، وسائر مسنونات الطهارة، [والطهارة المسنونة] 24 وقال بقاء الطهورية فيما اغتسلت به الذمية عَنِ الحَيْضِ لتحل لزوجها المسلم إذ لا تصح منها العبادة.
ومن قال: بالآخر عكس الحكم.
واتفقوا على أنهما لَيْسَتَا عِلَّتَيْنِ مستقلتين، وإلا لما صار بعضهم إلى ثبوت الطهورية في هذه الصور، وعلى أنهما ليستا جزأي علة واحدة، وإلا لما صار بعضهم إلى النفي، وإنما اختلفوا في أن المعنى هذا أو ذاك، وكل واحد منهما ملائم [الآخر] 25، أما تَأَدَّي العبادة [به] 26 فلأن الآلة المستعملة في المقصود الحِسِّيِّ يورثها ضَعْفًا وَكَلاَلاً، فكذلك [الآلة] 27 المستعملة في المَقصُودِ الشَّرْعِيِّ.
وأما تَأَدِّي الفرض به فلأن المراد منه رفع الحدث به، أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع هو كما في وضوء صاحب الضَّرُورَةِ، وذلك يقتضي تأثر الماء ألا ترى أن غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ لما أثرت في المَحِلِّ لم يبق المَحِلُّ كما كان قبل الغُسْلِ تأثرت هي بالاستعمال، حتى لم تبق كما كانت قبل الغسل، يُحْكَى هذا التقرير عَن ابْنِ سُرَيجٍ 28، ويجوز أن لا يقدر لكل واحد من فريقي الأصحاب التعليل بالمعنى الذي أبداه استقلالاً؛ بل يقول هؤلاء: ما ذكرناه من المعنى واقع في موضوع الاتفاق ملائم للحكم، فلا يحذف عن دَرَجَةِ الاعتبار، ويزعمون أن المعنى الثاني لغو، والآخرون يدعون مثل ذلك في المعنى الثاني، فَيَنْتَظِمُ الخلاف على هذا التقدير أيضاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 12

واعلم أن ظَاهِرِ المذهب اعْتِبَارُ أدَاءِ الفرض دون المعنى الثاني حتى لا تَسْقُطُ طَهورِيَّةُ المستعمل في المرة الثانية وأخواتها، وتسقط في مسألة الذمية، والوجهان في الذِّمِيِّةِ مخصوصان بقولنا: إن الذمية إذا أسلمت يجب عليها إعادة ذلك الغُسْلِ، وهو الصحيح.
أما إذا قلنا: لا تجب الإعادة عليها فهو مستعمل على المعنيين، لأنه قد ارتفع به المنع من الوَطءِ وأفاد جَوَازَ العِبَادَةِ به لو ارتفع مانع الكفر.
وقوله: في الأصل "لتأدي العبادة به وانتقال المنع" كذلك يوجد في بعض النسخ؟ بل في أكثرها؛ وفي بعض النُّسَخِ المُحْدَثَةِ "أو انتقال المنع إليه"، وشغف به جماعة من مُحَصِّلِي هذا الكتاب لما ذكرنا أن العِلَّةَ غير مركبة من المعنيين، وإنما اختلفوا في أن العلة ماذا، ولا شك أن ما شرحناه من كلام الأصحاب واختلافهم يقتضي ذلك، ولكن الواو وأو قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، فالواقف على حظ المعنى قد ينزل الواو على أو، ولا يغير صورة الكتاب، ونظيره يكثر في المذهب، ثم الحدث ليس شيئًا محققًا يفرض انتقاله من البَدَنِ إلى الماء، لكن [المعنى أن باستعمال الماء] 29 يرتفع منع كان بالبدن، وهو أنه كان ممنوعًا من الصلاة وغيرها، ويحدث منع في الماء لم يكن، وهو أنه لا يستعمل مرة أخرى فَعَبَّرَ عن ارتفاع منع وحدوث منع بالانتقال تَوَسُّعاً.
وينبغي أن تعلم أن انتقال المنع الذي ذكره هو الذي عبر عنه غيره من الأصحاب بأداء الفرض، لأن رفع الحدث فرض، ولا نعني بالفرض في مثل هذا ما يلحق الإِثْم بتركه بل ما لا بد منه، وكذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبي إلا على وجه لا يعبأ به، وباستعمال ما توضأ به البَالِغُ لصلاة النفل: وعبارة أداء الفرض أوضح وأولى.
قال الغزالي: فُرُوعٌ ثَلاثة: الأوَّلُ- المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ لاَ يسْتَعْمَلُ فِي الخَبَثِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ.
الثَّانِي- إِذَا جُمِعَ المَاءُ المُسْتَعْمَلُ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَينِ 30 عَادَ طَهُوراً عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَينِ كَالمَاءِ النَّجِسِ.
الثَّالِثُ- إِذَا انْغَمَسَ الجُنُبُ فِي مَاء قَلِيل نَاوِيًا وَخَرَجَ ارْتَفَعَتْ (و) جَنَابَتُهُ وَصارَ المَاءُ مُسْتَعْمَلاً بَعْدَ الخُرُوجِ وَالاِنْفِصَالِ.
قال الرافعي: اعلم أنه يتفرع على القول الجديد مسائل: إحداها: المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث؟ فيه وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 13

قال الأَنْمَاطِيُّ 31، وابن خيران 32: نعم، لأن للماء قُوَّتَيْنِ، ولم يستوف إلا إحداهما.
وقال الأكثرون وهو الأصح: لا، كما أن المستعمل في الحدث الأصغر لا يستعمل في الأكبر، وبالعكس.
ولا يقال: الماء له قوتان ولم يستوف إلا إحداهما, ويجري الوجهان في المستعمل في الخبث هل يستعمل في الحدث إذا فرعنا على أن المستعمل في الخبث طاهر غير طهور وهو المذهب على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى- ولك أن تقول: إذا كان المستعمل في الخبث بحيث لا نحكم بنجاسته كان باقياً على أوصاف خِلْقَتِهِ وهو غير طهور على الظاهر، فيكون مستثنى مع المستعمل في الحدث عن الماء الباقي على أوصاف الخلقة فكيف ساغ للإمام -رضي الله عنه- أن يقول: "ولا يستثنى عنه إلا الماء المستعمل في الحدث".
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قُلَّتَيْنِ، هل يعود طهورًا وجهان أحدهما يعود لأنه لو لم 33 يعد إلى الطهورية لقَبِلَ النجاسة، وقد، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لمْ يَحْمِلْ خَبُثاً" 34، ولأن الماء النجس المتفرق إذا جمع ولا تغير يعود

الجزء: 1 - الصفحة: 14

طهوراً؛ فالمستعمل أَوْلَى؛ لأن النجاسة أقوى من الاستعمال، ولأنه صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يتاثر بالاستعمال، فإذا عاد إلى تلك الحالة يسقط حكم الاستعمال.
والثاني: لا يعود طَهُورًا 35؛ لأن قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بِمَاءِ الوَرْدِ وسائر المائعات.
الثالثة: إذا انغمس الجُنُبُ في ماء قليل ونوى، نُظِر إن نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البَدَنِ، فلا خلاف في أنه يرتفع حَدَثُهُ ويصير الماء مستعملاً، أما ارتفاع الحدث فلوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النِيَّةِ 36، وأما الاستعمال فلأداء العبادة المفروضة به: وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وإنما يثبت حكم الاستعمال بعد الانفصال، ألا ترى أن الماء ما دام متردِّداً على أعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله.
والثاني: وهو الأصح: نعم، وإنما لا يحكم بالاستعمال ما دام الماء مُتَرَدِّداً جَارِياً للحاجة إلى انغسال الباقي ولا ضرورة في حق غيره والماء منفصل عنه.
فعلى هذا ليس لغيره أن يرفع به الحدث، وعلى الأول يجوز، ولو خاض جُنُبَانِ فيه وَنَويَا معاً بعد تمام الانغماس ارتفع حَدَثُهُمَا على الوَجْهَيْنِ، وإن نوى الجنب قبل تمام الانغماس، إما في أول المُلاَقَاةِ أو بعد غَمْسِ بعض البدن ففيه وجهان: قال أبو عبد الله الخضريُّ: لا ترتفع الجَنَابَةُ إلا عن أول الجزء المُلاَقِي مع النية، = خزيمة، وابن حبان، وابن منده، والطحاوي والحاكم.
وزاد أنه على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلمًا والبيهقي والخطابي وفي رواية أبي داود وغيره.
(إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) قال يحيى بن معين: إسنادهما جيد.
والحاكم صحيح، والبيهقي موصول، والزكي لا غبار عليه.
وانظر نصب الراية 1/ 14، وما بعده، والتلخيص 1/ 16 وما بعده.

الجزء: 1 - الصفحة: 15

لأن الماء يصير مستعملاً بملاقاته فلا ترتفع الجنابة عن الباقي 37 بخلاف ما إذا كان الماء واردًا على البدن، حيث لا يحكم باستعماله بأول الملاقاة لاختصاصه بِقُوَّةِ الوُرُودِ، والأصح: أنه ترتفع الجَنَابَةُ، ولا يصير الماء مستعملاً بأول الملاقاة، لأنا إنما لم نحكم بالاستعمال عند ورود الماء على البدن للحاجة إلى رفع الحدث، وعسر إفراد كل موضع بماء جديد، وهذا المعنى موجود سواء كان الماء وارداً، أو كان هو وارداً على الماء 38 وإذا عرفت ذلك نشأ لك البحث والنظر في أمور من ألفاظ الكتاب في الفَرْعِ الثالث.
أحدها: أن مراده ما إذا نوى بعد تمام الانغماس، أو فيما إذا نوى قبله أو كلتا الحالتين؟ أما اللفظ فهو 39 شامل لهما والتنزيل عليهما صحيح لما ذكرنا بأنه لا خلاف في ارتفاع الحدث 40 في الحالة الأولى، وأن الصحيح في الحالة الثانية أيضاً الارتفاع لكنه ما أراد الحالة الأولى وحدها؟ لأن قوله: "ارتفعت جَنَابَتُهُ" مُعْلَمٌ بالواو، ولا خلاف في ارتفاع الجنابة في تلك الحالة.
بَقِيَ احتمالان إرادة الحالة الثانية وحدها وعلامة الواو إشارة إلى وجه الخضري 41

الجزء: 1 - الصفحة: 16

واحتمال إرادتهما جميعاً ويصح الإعلام بالواو أيضاً؛ لأن الصائر إلى النفي في إحدى الصورتين يخالف المثبت في الصورتين، والاحتمال الثاني أقرب إلى إطلاق اللفظ، والأول قضية إيراده في الوَسِيطِ.
الثاني: أنه لم قيد صورة الفرع بالخروج فقال: "إذا انْغَمَسَ الجُنُبُ في ماء قليل وخرج" اعلم أن ارتفاع الجنابة لا يحتاج إلى هذا القيد، بل سواء خرج أو لم يخرج ترتفع الجنابة.
وأما صَيْرورَةُ الماء مستعملاً في كلام الأصحاب ما يقتضي توقف الحكم بالاستعمال على خروجه منه، وهو مشكل؛ لأن المقتضى للاستعمال أنه رفع الحدث فإذا ارتفع الحدث وجب أن يصير هو مستعملاً، سواء انْفَصَلَ عن البدن أم لا، هذا بالإضافة إليه، وأما بالإضافة إلى غيره ففيه ما حكينا من الوجهين.
وإذا عرفت ذلك فقد رتب على الانغماس والخروج شيئين: ارتفاع الجنابة، وَصَيْرُورَةُ الماء مستعملاً والأول مُسْتَغْنٍ عن شرط الخروج.
والثاني: بتقدير أن يكون محتاجاً إليه، ففي قوله: "بعد الخروج والانفصال" ما يفيد التعرض لهذا الشرط فإذًا قوله "وخرج" ضائع.
الثالث: لم جمع بين لفظي الخروج والانفصال، ظني أن هذا مما يجري به القَلَمُ لا عن قصد، أو مما يقصد به البَسْطُ في العبارة أيضاً، وعلى التقديرين فلا يطلب لكل لفظة فائدة تخصها وإن زعم 42 زعم أنه إذا لم يبق في الماء إلا عضو واحد من المنغمس يُسَمَّى خَارِجاً من الماء ولا يسمى منفصلاً، وحكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال.
قلت له: هَبْ أنه كذلك لكن هذا وجه الحاجة إلى تعقيب الخروج بالانفصال، فما الجواب عن قول القائل: لم جمع بينهما وَهَلاَّ اقتصر على الانفصال.
قال الغزالي: الْقِسْمُ الثَّاني: مَا تَغَيَّر عَنْ وَصْفِ خِلْقَتِهِ تَغَيُّراً يَسِيراً لاَ يُزَايِلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ فَهُوَ طَهُورٌ كالمُتَغَيِّر (و) بِيَسِير الزَّعْفَرَان، وَكَذَا المُتَغَيِّرُ بِمَا يُجَاوِرُهُ (و) كالعُودِ وَالكَافِورِ الصُّلْبِ، وَكَذَا المُتَغَيِّرُ بِمَا لاَ يُمْكِنُ صَوْنُ المَاءِ عَنْهُ كَالمُتَغَيِّرِ بِالطِّينِ وَالطُّحْلُب 43 وَكالمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ وَالتُّرَابِ وَالزِّرْنيخِ 44 وَالنُّورَةِ 45 فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لاَ

الجزء: 1 - الصفحة: 17

يُسْلَبُ اسْمَ المَاءِ المُطْلَقِ 46 وَكَذا المُسَخَّنُ وَالمُشَمَّسُ، وَفِي المُشَمَّسِ كَرَاهِيَةٌ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ إِذَا شُمِّسَ في البِلاَدِ المُفْرِطَةِ الحَرَارَةِ في الأوَاني المُنْطَبِعَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن المتغير عن أوصاف الخلقة قسمان: أحدهما: المتغير الذي لا يُسْلَبُ اسم الماء المطلق عنه.
والثاني: ما يسلب.
أما القسم الأول فقد أدرج فيه أنواعًا منها: أن يكون التغير يسيرًا، وإن كان المُغَيِّرُ خَلِيطاً مستغنىً عنه كـ"الزَّعْفَرانِ" وَ"الدَّقِيقِ"، ونحوهما، فظاهر المذهب أنه لا يقدح في الطهورية، لأنه لا يبطل اسم الماء المطلق.
وفيه وجه: أنه يقدح كالمتغير بالنجاسة يسلب الطهارة، سواء كان يسيراً أو فاحشاً.
ومنها: أن يتغير بشيء يجاور الماء ولا يخالطه كالعود ونحوه.
وهل يؤثر في سَلْبِ الطّهُورِيَّةِ، فيه قولان؟ أصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أنه لا يؤثر؛ لأن هذا النوع من التغير تروح لا يسلب إطلاق اسم الماء كتغير الماء بِجِيْفَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَطِّ نَهْرِ.
والثاني: نعم لأنه تغير بما يلاقي الماء فأشبه التغير بما يخالط: وفي مَعْنَى العُودِ الدُّهْنُ، وَالشَّمْعُ، وما لا يختلط بالماء.
وَالكَافُورُ نوعان: أحدهما: يذوب [في الماء] 47 ويختلط به.
والثاني: لا يَنْمَاعُ فيه، فالأول: كَالدَّقِيْقِ وَالزَّعْفَرانِ.
والثاني: كالعود فلذلك قيد الكافور بالصلابة.
ومنها: أن يتغير بما لا يمكن صون الماء عنه، كالمتغير بالطِّيْنِ، وَالطُّحْلُبِ والكِبْرِيتِ، وَالنورَةِ، في مقرّ الماء ومهره، فهذا التغير لا يسلب الطهورية لوجهين: أحدهما: أن أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه.
والثاني: عسر الاحتراز عنه، ومن هذا القبيل المتغير بالتراب الذي يثور وَيَنْبَثُّ في الماء ويختلط به والمتغير بِالزَّرْنيخِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 18

ومنها: المتغير بطول المكث، وهو على طهوريته، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- "تَوَضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَة، وَكَانَ مَاؤُهَا كَنُقَاعَةِ الحِنَّاءِ" 48، وذلك التغير لا يمكن أن يكون بالنَّجَاسَةِ وإلا لما توضأ به، فبعد ذلك لا يخلو إما أن يكون بنفسه أو بشيء طاهر آخر، إن كان بنفسه صح المدعي وإن كان بغيره فكذلك، لأن تغيره بنفسه أهون من تغيره بغيره، فإذا لم يقدح الثاني فأولى أن لا يقدح الأول.
ومنها: المسخن، فهو على طهوريته لبقاء إطلاق الاسم؛ ولأنهم تطهروا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالماء المُسَخَّنِ ولم ينكر عليهم 49. ومنها: المشمش، وهو على طهوريته كالمسخن، وهل في استعماله كراهية أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وأحمد 50 -رحمهم الله-، كماء

الجزء: 1 - الصفحة: 19

الحِيَاضِ وَالسَّوَاقِي إذا تأثرت بالشَّمِسِ؛ وكما أن التسخين لا يؤثر في الكراهية.
والثاني: وهو الأصح: نعم، لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَاهَا عَنُ اَلتَّشمِيسِ وَقَالَ: إِنَّه يُورِثُ البَرَصَ" 51. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغتَسَلَ بِمَاءٍ مُشَمَّسٍ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ" 52. وَكَرِهَ عمرُ -رَضِيَ الله عَنْهُ- المُشَمَّسَ وَقَالَ: "إِنَّه يُورِثُ الْبَرَصَ" 53. = سحائب الرحمة في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.
وحضر جنازته ثلاثمائة ألف، وقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف، وقيل: أكثر.
انظر ابن قاضي شهبة 1/ 56، حلية الأولياء 9/ 161، تاريخ بغداد 4/ 412، البداية والنهاية 10/ 325، تذكرة الحفاظ 2/ 431، تهذيب التهذيب 1/ 72.

الجزء: 1 - الصفحة: 20

فإن قلنا: بالكراهية، ففي محلها اختلاف منشؤه إشارة النقل بعد النهي إلى سببه وهو خوف الوضح 54. فقال قائلون من أصحابنا: إنما يكره إذا خيف منه هذا المحذور، وإنما يخاف عند اجتماع شرطين: أحدهما: أن يجري التشميس في الأواني المنطبعة، كَالحَدِيدِ، وَالرُّصَاصِ، وَالنَّحَاسِ، لأن الشمس إذا أثّرت فيهما استخرجت منها زُهُومَةٌ تعلو الماء ومنها يتولد المَحْذُورُ.
والثاني: أن يتفق في البلاد المفرطة الحرارة دون الباردة، والمعتدلة، فإن تأثير الشمس فيها ضعيف 55. ولا فرق عند القائلين بهذه الطريقة بين أن يقع ذلك قصداً أو اتفاقاً؛ فإن المحذور لا يختلف، وأيّدوا طريقتهم بالمشمس في الحِيَاضِ، وَالبِرَكِ، فإنه غير مكروه بالاتفاق، وإنما كان ذلك؛ لأنه لا يخلف منه مكروه.
وقال آخرون: لا تتوقف الكراهية على خوف المحذور لإطلاق النهي، والتعرض للمحذور إشارة إلى حكمته، فلا [يشترط حصولها في كل صورة، وهؤلاء طردوا الكراهية في الأواني المُنْطَبِعَةِ] 56 وغيرها، كَالخَزَفِيَّةِ، وفي البلاد الحَارَّةِ وغيرها، واعتذروا عَن مَاءِ الحِيَاضِ، وَالبِرَكِ بتعذر الاحتراز.
والطريقة الأولى أقرب إلى كلام الشافعي -رضي الله عنه- فإنه قال: "ولا أكره المشمس إلا من جهة الطب" [أي: إنما كرهه شرعاً حيث يقتضي الطب] (4) محذوراً فيه، واستثنى بعضهم من المنطبعات الذهب والفضة، لصفاء جوهرها، ويعد انفصال محذور عنهما.
وإذا عرفت ذلك نعد إلى ألفاظ الكتاب.
واعلم أن قوله: "ما تغير عن وصف خلقته تغيراً يسيراً لا يزايله اسم الماء المطلق" [ليس] 57 المراد من اليسير سوى أنه بحيث لا يزايله اسم الماء المطلق وتعقيبه به مذكور تفسيرًا لليسير وإن لم يكن كذلك، وجزينا على ظاهر اللفظ لزم اشتراط كون التغير يسيرًا لبقاء الطهُورِيَّةِ في جميع المسائل المعدودة وليس كذلك، بل التغير بطول

الجزء: 1 - الصفحة: 21

المُكْثِ، وما لا يمكن صون الماء عنه، وبالمجاور لا يفترق حكمه بين اليسير والفاحش وقوله: "وكذا المتغير بطول المُكْثِ، والتراث، والزَّرْنيخِ"، عطفه على المتغير بالطين والطُّحْلُبِ، وأحسن منه على المتغير بما يجاوره والمتغير بما لا يمكن صون الماء عنه ليكون تعذر الصون نوعًا يدخل تحته المتغير بطول المكث، وما لا يخلو الماء عنه في المقر والممر، فمنه الطين، والطحلب، ومنه التراب الذي يثور وينتثر فيه.
وأما الماء الذي يطرح فيه قصداً فقد ذكره من بعد.
والاختلافات التي ذكرناها في المشمس تقتضي أن يكون لفظ الكراهية في قوله: "وفي المُشَمَّسِ كراهية" معلَّماً بالواو والحاء والميم والألف وهو علامة أحمد -رضي الله عنه- وأن يكون قوله "من جهة الطب" معلَّماً بالواو إشارة إلى خلاف من اتبع ظاهر النهي، ولم تقف الكراهية على موضع خوف الوضع، ولا بأس أن يعلم قوله في الأواني المنطبعة بذلك أيضاً إشارة إلى استثناء من استثنى التِّبْرَيْنِ 58. قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ: مَا تَفَاحَشَ تَغَيُّرُهُ بِمُخَالَطَةِ مَا يَسْتَغنِي المَاءُ عَنْهُ حَتَّى زَايَلَهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ (ح) وَإِنْ لَم يَستَجِدَّ اسْمًا آخَرَ كالمُتَغَيِّرِ بِالصَّابُونِ وَالزَّعفَرَانِ الكَثِيرِ (ح) وَأجْنَاسِهِمَا.
قال الرافعي: إذا بلغ تغير الماء حَدًّا يَنْسَلِبُ به اسم الماء المطلق عنه خرج عن كونه طهوراً، ولا فرق بين أن يقع اسم الماء عليه مضافاً إلى الخليط المُغَيِّرِ كَمَاءِ الزَّغفَرانِ، والدقيق، أو لا يقع ويحدث له اسم آخر كَالصَّبغِ وَالمَرَقِ وَالحِبْرِ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- في الحالة الأولى.
لنا وجهان: أحدهما: القياس على مَاءِ البَاقِلاَّءِ ونحوه.
والثاني: أن النصوص الواردة في طهورية الماء متعرضة لاسم الماء عرياً عن القيود والإضافات والكلام فيما انسلب عنه اسم الماء عرياً عن القيود، والإضافات فلا يلحق بمورد النص لظهور الفرق في خاصية الرقة وغيرها.
فإن قيل: النصوص متناولهّ للماء، وماء الزعفران ماء.
قلنا: لا نسلمه، بل الماء المضاف على ضربين: منه ما يصح إطلاق اسم الماء عليه كماء البحر، وماء الكُوزِ.
ومنه ما لا يصح كَمَاءِ الوَرْدِ وماء الباقلاء فلم قلتم بان ماء الزعفران من قبيل الأول لا من قبيل الثاني؟ بل هو من الثاني فإن التغير الفاحش يصحح قول القائل: هذا ليس بماء وإنما هو ماء الزعفران؛ ولهذا لو حلف أن لا يشرب ماء فشرب ماء الزعفران

الجزء: 1 - الصفحة: 22

لا يحنث وكان اسم الماء عرياً عن القيود والإضافات غير موضوع للحقيقة المشتركة بين الماء وماء الزعفران، بل كما لا يتفاحش تغير صفاته الأصلية والله أعلم.
وهل يعتبر تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، وَالطَّعْمِ، وَالرَّائِحَةِ، جميعاً أم يكفي تغير واحد منها؟ ذكر الموفق بن طاهر 59 في "شرح مختصر الجُوينِيِّ" 60 أن صاحب "جمع الجوامع" حكى فيه قولين اختار ابن سريج الثاني منهما وهو المشهور المتوجه.
وحكى قولاً آخر عن رواية الربيع 61 أن التغير في اللون وحده وفي الطعم والرائحة معاً يمنع الطّهُورِيَّة وفي أحدهما لا يمنع.
وينبغي أن يتنبه من ألفاظ الكتاب للاحتراز عن التغيرات التي لا تقدح: فقوله: "ما تفاحش تغيره" يخرج عنه التغير اليسير، وان كان بخليط مستغنى عنه.
وقوله: "بمخالطة ما يستغني عنه" يخرج عنه التغير بالمجاور وبما لا يمكن صون الماء عنه.
قال الغزالي: فُرُوعٌ ثَلاَثَةٌ: الأَوَّلُ- المُتَغَيِّرِ بِالتُّرَابِ المَطْرُوحِ فِيهِ قَصْداً فِيهِ وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ طَهُورٌ وَيَقْرُبُ مِنْهُ المِلْحُ إِذ طُرِحَ (و) فِي المَاءِ لأَنَّه أَجْزَاءٌ سَبِخَةٌ مِنَ الأَرْضِ بِهَا يَصِيرُ مَاءُ البَحْرِ مَالِحاً فَيُضَاهِي التُّرابَ.
الثَّانِي- إِذَا تَفَتَّتَتِ الأَوْرَاقِ فِي المِيَاهِ وَخَالَطَتْهَا فَفِيهَا ثَلاَثَةُ أَوْجْهٍ يُفْرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الخَرِيفِيِّ وَالرَّبِيعِيِّ لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنِ الخَرِيفِيِّ.
الثَّالِثُ- إذَ صُبَّ مَائِعٌ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ وَلَمْ يُغْيّرْهُ فَإنْ كَانَ بِحَيث لَوْ خَالَفَهُ في اللَّوْنِ لِتَفَاحُشِ تَغَيُّرِهِ زَالَتِ الطُّهُورِيَّةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ فَهُوَ طَهُورٌ، وَيجوزُ اسْتِعْمَال الكُلِّ عَلَى الأَظْهَرِ، وقِيلَ: اِذَا بَقِيَ قَدْرُ ذَلِكَ المَائِعِ لَم يَجُزِ استِعْمَالُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 23

قال الرافعي: في المتغير بالتراب المطروح فيه قصداً وجهان: وقيل قولان: أحدهما: أنه ليس بطهور؛ لأنه تغير بمخالطة مستغنى عنه فأشبه التغير بِالزَّعْفَرانِ.
والثاني: وهو الأظهر: أنه على طهوريته، لأن التغير الحاصل بالتراب ليس إلا الكُدُورَة وهي لا تسلب اسم الماء؛ ولأن التراب يوافق الماء في الطَّهُورِيَّةِ؛ ولأن الشرع أمر بالتعفير في وُلُوغِ الكَلْبِ، ولو سلب طرح التراب في الماء الطهورية لما أمر به.
وأما المتغير بالمِلْحِ المطروح فيه، فينظر فيه إن كان الملح مائياً، فوجهان: أظهرهما: أنه طهور؛ لأنه منعقد من عين الماء كَالجَمدِ، وَالثَّلْجِ.
والثاني: لا، وليس الملح عين الماء، بل المياه نزلت عذبة من السماء، ثم تختلط بها الأجزاء السَّبَخَات 62 فتنعقد ملحاً، ولهذا لا يذوب في الشمس ولو كان منعقدًا من الماء لذاب كالجمد، وإن كان جبلياً ترتب على المائي أن سلبنا الطهورية ثمة، فههنا أولى؛ وإلا فوجهان: أظهرهما: السلب أيضاً، لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، ومن لم يسلب زعم أنه في الأصل كان ماء أيضًا، ولهذا يذوب في الماء، وإذا أطلقت الكلام في الملح فقل في التغير به ثلاثة أوجه: ثالثها: الفرق بين الجَبَلِيِّ وَالمَائِيِّ تَشْبِيهاً للمائِيِّ بِالجَمْدِ، واستبعد الإمام الغزاليُّ ذلك.
وقال: لو كان كالجَمْدِ لذاب في الشمس، ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصداً؛ لأن ماء البحر ملح وملوحته من أجزاء سبخة في الأرض تنتشر فيه فالملح إذا من أجزاء الأرض فإن حصل التغير به من غير قصد كماء البحر فهو طهور كالمتغير بالتراب من غير قصد، وإن كان بقصد فهو على الخلاف كالمتغير بالتراب المَطْرُوح فيه قصداً، وهذا معنى قوله في الكتاب: "ويقرب منه الملح" إلى قوله: "فيضاهي التراب".
ولك أن تقول: الملح إما أن يكون فيه ما ينعقد من مَحْضِ الماء أو لا يكون إن كان فتشبيهه بالجمد قويّ، ولهذا لو تغير الماء العَذْبُ بذلك الماء المِلْحُ لم يؤثر فكذلك التغير بالمنعقد منه.
والقول بأنه لو كان كالجَمْدِ لذاب في الشمس: ممنوع على هذا التقدير؛ بل من المُنْعَقد الماء ما يذوب، ومنه مالا يذوب وإن لم يكن فيه ماء ينعقد من محض الماء بل كان كل ملح من أجزاء الأرض فإنما يتضح تشبيه الخلاف فيه بالخلاف في التراب أن لو جرى ذلك الخلاف في جميع أجزاء الأرض وليس كذلك، بل نص الأصحاب على أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 24

لا يجري في الجَص 63 وَالنُّورَةِ وغيرهما، واستبعدوا خلاف من خالف فيه.
وإذا كان كذلك فما الفرق بين الجص، والملح وكل واحد منهما ليس بتراب.
وقوله: "وبها يَصِيرُ ماء البحر مالحاً" ربما تجد في بعض النُّسَخَ ملحًا، ولا شك في أنه أفْصَحُ في اللغة قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ 64 وورد المالح في لفظ الشافعي -رضي الله عنه- واعترض عليه معترضون، وزعموا أنه لا يصح في اللغة، واْجاب الأصحاب عنه وصححوه 65، هذا أحد الفروع.
الثاني: الأوراق إذا تناثرت في الماء وتروح الماء بها من غير أن يعرض 66 لها عفونة واختلاط، فهذا ماء متغير بشيء مجاور فيبقى على طهوريته على أظهر القولين كما سبق، وإن تَعَفَّنَت واختلطت به ففيه ثلاثة أوجه: أظهرهما: أنه لا يسلب الطهورية كالمتغير بالطين، والطُّحْلُبِ وسائر ما يعسر الاحتراز عنه.
والثاني: يسلب كسائر المتغيرات التي تلحق بالماء من خارج.
والثالث: وبه قال أبو زيد المَزوزِيُّ 67 لا يسلب التغير بالخَرِيفِيِّ لغلبة التَّنَاثِرُ في الخريف بخلاف الربيعي، ولأن الأوراق الخريفية قد امتصت الأشجار رطوبتها وقرب

الجزء: 1 - الصفحة: 25

طَبْعُهَا مِنْ طَبْع الخَشَبِ بخلاف الربيعية فإن فيها رُطْوبَةً وَلُزُوجَةً تقتضي الامتزاج، وهذه الوجه فيما إذَا تناثرت في الماء بنفسها وهو مسألة الكتاب.
فلو طرحت فيه قصداً فطريقان: أحدهما: القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه.
والثاني: طرد الوجوه الثلاثة، والفارق على الوجه الثالث ههنا إنما هو المعنى الثاني لا غير.
الثالث: إذا اختلط بالماء مائع يوافق الماء في الصفات كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ وماء الشجر والماء المستعمل ففيه وجهان: أحدهما: أنه إن كان الخليط أقل من الماء فهو طَهُورٌ وإن كان أكثر أو مثله فلا؛ لأنه تعذر اعتبار الأوصاف فيعدل إلى اعتبار الأجزاء ويجعل الحكم للغالب فإذا استويا أخذنا بالاحتياط.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب وهو الأظهر: أنه إن كان الخليط قدراً لو خالف الماء في طَعْم، أو لَوْنِ، أو رَائِحَةٍ لتغير الماء فهو مَسْلُوبُ الطُّهُورِيَّةِ، وإن كان لا يؤثر مع المخالفة فلا، لأن التغير سالب لِلطّهُورِيَّةِ، وهذا الخليط بسبب الموافقة في الأوصاف لا يغير، فيعتبر تغيره لاستفادة ما طلبناه كما يفعل في معرفة الحكومات.
ثم إذا اقتضى الحال بقاء الطهورية إمَّا لِقَّلةِ الخَلِيطِ على الوجه الأول أو لتقاعده عن التغير على الثاني مع تقدير المخالفة، فهل يستعمل (جميعه أم يبقى قدر الخليط؟ وفيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه يستعمل 68 الجميع لاستهلاك الخليط فيه وانطلاق اسم الماء عليه.
والثاني: أنه يبقى قدر الخليط وإلا كان مستعملاً لغير الماء يقيناً وصار كما لَوْ حَلَفَ أن لا يأكل تَمْرَةً وخلطها بتمر كثير لا يَحْنَثُ ما بقيت تمرة وإن استوعب الكل حنث، وأطبقوا على ضعف هذا الوجه.
والثالث: إن كان الماء وحده يكفي لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا.
فإن قلنا: يجوز استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بما يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

واعلم أن الخلاف في أن الجميع هل يستعمل جارٍ فيما إذا استهلكت النَّجَاسَةُ المائعة في الماء الكثير، (وفيما إذا استهلك الخليط الطَّاهِرُ في الماء لقلته مع مخالفة الأوصاف لأوصاف الماء، ولو لم يتغير الماء الكثير) لموافقة النَّجَاسَةِ له في الأوصاف فالاعتبار بتقدير المخالفة لا بالأجزاء بلا خلاف، كذلك ذكروه لتغليظ أمر النجاسة واعتبروا في النَّجَاسَةِ بالمخالف الذي هو أشد صفة احتياطاً.
وفي الطاهرات بالوسط المعتدل، فلا يعتبر في الطَّعْمِ حِدَّةُ الخَلِّ؛ ولا في الرائحة ذكَاءُ المِسْكِ وقضية هذا الوجه (أن ينظر إلى صفات الَماء عُذُوبَةً، وَمُلُوحَةَ، وَرِقَّةً وَصَفَاءً) (1) فإن لها أثراً ظاهراً في حصول التغير وعدمه (2). ثم عد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "إن كان بحيث لو خالفه في اللون" ليس لاعتبار اللون بعينه، وإنما ذكره مثالاً، وسائر الأوصاف في معناه، وفيه ما قدمناه عن رواية الربيع -رحمه الله- وقوله:"لتفاحش تغيره" إشارة إلى أنه لو كان التغير يسيراً لم يؤثر كما سبق.
قوله: "زالت الطهورية" ينبغي أن يعلم بالواو، وكذا قوله: فهو طهور، لأن الحكم لا يتعلق بتقدير التغير وعدمه عند من يعتبر الأجزاء.
وقوله: في أول هذا الفرع.
إذا صُبَّ مائع على ماء قليل ينبغي إن يعرف أن الصَّبَّ لاَ أَثَرَ لَهُ؛ بل انصباب المائع عليه واختلاطه به كالصَّبِّ، وإنما يفرق بين الوُقُوعِ فيه والطَّرْح قَصْداً فيما يتعذر الاحتراز عنه، وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد؛ بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء، ولو حُذِفَ لفظ القليل لَمْ يَضُرّ.
قال:

الْبَابُ الثَّانِي

فِي المْيَاهِ النَّجِسَةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ

قال الغزالي

: الفَصْلُ الأَوَّلِ فِي النَّجَاسَاتِ وَالجَمَادَاتُ

كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَ الخَمْرَ وَكُلَّ نَبِيذٍ (ح) مُسْكِرٍ، وَالحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَّ الكَلْبَ وَالخِتزِيرَ وَفُروعَهمَا.6970

الجزء: 1 - الصفحة: 27

قال الرافعي: لما كان أصل الماء الطهارة ونجاسته عارضة، تطرأ بملاقاة شيء نجس، حسن القول في أن النجس ماذا أولاً، فعقد الفصل الأول في النجاسات، وأداها في تقسيم اقتدى في معظمه بِإمَامِ الحَرَمَيْنِ -رحمه الله- وهو أن الأعيان تنقسم إلى جَمَادٍ، وَحَيَوانٍ، والأصل في الجميع الطَّهَارَةُ؛ لأنها مخلوقة لمنافع العباد، وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة، ولا يستثنى عن هذا الأصل من الجمادات إلا الخمر، وما يسكر من الأنبذة، أما الخمر فلوجهين: أحدهما: أنها مُحَرَّمَةُ التَّنَاوَلِ، لا لاحترام وضرر ظاهر، والناس مَشْغُوفُونَ بِهَا، فينبغي أن يكون محكوماً بنجاستها تأكيداً للزجر، ألا ترى أن الشرع حكم بنجاسة الكِلاَبِ، لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع.
الثاني: أن الله -تعالى- سماها رِجْساً وَالرِّجْسُ وَالنَّجَسُ عبارتان عن معنى واحد، وأما الأَنِبذَةُ المُسْكِرَةُ فلأنها ملحقة بها في التحريم، فكذلك في النجاسة، وينبغي أن يكون النبيذ مُعْلَمًا بعلامة أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فإنه يقول بالطهارة، حيث يقول بِالحِلِّ: وبالواو أيضاً، لأن يحيى اليمني 71 حكى في البيان وجهاً ضعيفاً: أن النَّبِيذَ طاهر لاختلاف الناس فيه بخلاف الخمر؛ بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلماً بالواو أيضاً، لأمور ثلاثة: أحدهما: أن الشيخ أبا علي حكى خلافاً في نَجَاسَةِ المُثَلَّثِ المُسْكِرِ الذي يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتَّحرِيمِ قَطْعاً.
والثاني: أنه حكى وجهاً في طهارة الخمر المحترمة.
والثالث: أنهم ذكروا وجهاً في أن يواطن حَبّضاتِ العُنْقُودِ مع استحالتها خمرًا لا يحكم بنجاستها، تشبيهًا بما في باطن الحيوان، وكل ذلك ينافي إطلاق القول بالنجاسة.
واعلم أنه لا يريد بالجماد في هذا التقسيم مطلق ما لا حياة فيه؛ بل وما لم يكن حيواناً من قبل، ولا جزءًا من الحيوان، ولا خارجًا منه، وإلا لدخل في الجَمَادَاتِ

الجزء: 1 - الصفحة: 28

المَيْتَاتُ، وأجزاء الحيوانات، وما ينفصل من باطن الحيوان، وحينئذ لا ينتظم قصر الاستثناء على الخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، وأما الحيوانات فهي طاهرة، ويستثنى منها ثلاثة: أحدهما: الكلب لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: "إِنَّهَا لَيسَت بِنَجِسَةٍ" 72 يعني: الهرَّةَ ووجه الاستدلال منه مشهور، ولأن سؤره نجس بدليل ورود الأمر بالإراقة في خبر الولوغ، ونجاسة السُّؤرِ تدل على نَجَاسَةِ الفَم، وإذا كان فمه نجسًا كانت سائر أعضائه نجسة، لأن فمة أطيب من غيره، ويقال: إنه أطيب الحيوان نَكْهَةَ لكثرة ما يلهث.
والثاني: الخِنزِيرُ وهو أسوأ حالاً من الكلب، فهو أولى بان يكون نجسًا.
والثالث: المتولد من أحدهما نجس لتولده من أصل نجس.
وعن مالك: أن الكَلْبَ، وَالخِنْزِيرَ طاهران ويغسل من وُلُوغِهِمَا تَعَبُّداً.
ولك أن تعلم قوله: "والحيوانات على الطهارة" بالواو، لأن أبا العباس الجرجاني 73 وآخرين نقلوا وجهاً أن الدُّودَ المتولد من نفس المَيْتَةِ نجس العَيْنِ كولد الكلب، فعلى ذلك الوجه لا ينحصر الاستثناء فيما ذكره، لكن هذا الوجه ساقط، ولو صح ذلك لَلَزَمَ أن يحكم بنجاسة الحَيَوانِ من حكم بنجاسة، العَلَقَةِ، وَالمُضْغَةِ، وَمَنيِّ غَيرِ المَأْكُولِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

قال الغزالي: وَالمَيْتَات كُلُّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ اِلاَّ السَّمَكَ وَالجَرَادَ، وَكَذَا الآدَمِيُّ عَلَى الصَّحِيح، وَكَذَا دُودُ الطَّعَامِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَحْرُمُ أكَلُهُ مَعَ الطَّعَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا لَيسَ لَه نَفسٌ سَائِلَةٌ لاَ يَنْجُسُ المَاءُ إذَا مَاتَ فِيهِ عَلَى الجَدِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا نَجُسَتْ (ح م) بِالمَوْتِ، وَهَذَا عَفْوٌ لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لاَ تَنْجُسُ بِالمَوتِ إِذ لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مُعْفّنٌ فَأَشْبَهَتِ النَّبَاتَ.
قال الرافعي: الأصل في الميتات النجاسة، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 74 وتحريم ما ليس بمحترم، ولا فيه ضرر كَالسُّمِّ يدل على نجاسته.
ويستثنى منها أنواع: أحدها: السمك والجراد قال -صلى الله عليه وسلم-: "أُحِلت لَنَا مَيتَتَانِ" 75. الخبر ولو كانا نجسين لكان مُحَرَّمين.
الثاني: الآدمي، وفي نجاسته بالموت قولان: أحدهما: ينجس بالموت؛ لأنه حَيَوانٌ طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجساً كغيره.
والثاني: وهو الأصح: لا ينجس لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 76 وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته؛ ولأنه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات، ولو كان كذلك لما أمر بغسله كَسَائِرِ الأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، روى هذا الاستدلال عن ابنِ سُرَيج قال أبو إسحاق 77 عليه) لو كان طاهراً لما أمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 30

أجابوا عنه بان غسل نجس العين غير معهود، أما غسل الطاهر مَعْهُودٌ فِي حَقِّ الجُنُبِ، والمحدث، على أن الغرض منه تكريمه وإزالة الأَوْسَاخِ عنه.
وقال أبو حنيفة: يُنَجَّسُ بِالمَوْتِ ويطهر بالغسل، وهو خلاف القولين جميعاً.
الثالث: الحيواناتُ التي ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟ اختلف فيه قول الشافعي -رضي الله عنه- على قولين: أحدهما: نعم، لأنها ميتة فتكون نجسة كسائر الميتات وإذا كانت نجسة نجس الماء بها كسائر النجاسات.
الثاني: وهو الأصح: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا سَقَطَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً، وإنَّهُ يُقَدِّمُ الدَّاءَ" 78 وقد يفضي المقل 79 إلى الموت سيما إذا كان الطعام حاراً، فلو نجس الماءُ لما أمر به.
وعن سلمان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ طَعَامِ وَشَرَاب وَقَعَتْ = وشرح المختصر وصنف الأصول وأخذ عنه الأئمة وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد، وخرج إلى مصر ومات بها في رجب سنة أربعين وثلاثمائة، ودفن عند الشافعي.
انظر ط. الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 105 - 106، تاريخ بغداد 6/ 11 والشيرازي 92 والعبادي 68 ووفيات الأعيان 1/ 7 وابن هداية الله 19، ومعجم المؤلفين 1/ 3.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

فِيهِ دَابَّةٌ لَيسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ [فِيهِ] فَهُوَ حَلاَلُ أَكْلُه وَشُرْبُهُ وَالوُضُوءُ مِنْهُ" 80 ولأن الاحتراز عنها مما يعسر، وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء، وأما ما نشؤه فيه وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف.
فإن قلنا: إنها تنجس الماء فلا شك في نجاستها.
وإن قلنا: لا تنجس، فَهَلْ هِيَ نَجِسَةُ في نفسها؟ قال الأكثرون: نعم، كسائر الميتات، وهو ظاهر المذهب.
وقال القَفَّالُ: لا؛ لأن هذه الحيوانات لا تَسْتحِيلُ بالموت؛ لأن الاستِحَالَةَ إنما تأتي من قبل انحصار الدَّم وَاحتِبَاسِهِ بالموت في العروق واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لاَ دَمَ لها، وما فيَها من الرُّطُوبَةِ كَرُطُوبَةِ النبات.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أنه لم يرتب الخلاف في النجاسة على الجديد، فقال: قيل: إنها نجست بالموت وعرفت أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة عن الميتات، وإنما الاستثناء على قول القَفَّالِ 81، وأما جعله 82 القول بعدم نجاسة الماء قوله الجديد: فإنما أخذه من إمام الحرمين وروى القاضي أبو المحاسن الروياني خلاف ذلك فسمى هذا القول القديم، والأكثرون أرسلوا ذكر القولين من غير تعيين جديد وقديم.
وأما ما ذكره في دود الطعام فإيراده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة إشعارًا بينًا، وليس كذلك؛ بل من قال: بنجاسة ما ليس له نفس سائلة، صرح بأنه لا فرق بين ما يتولد من الطعام، كَدُودِ الخَلِّ وَالتُفَّاح وغيرهما، وبين ما لا يتولد منه كالذُّبَابِ، وَالخُنْفُسَاءِ وقالوا: ينجس الكل بالموت لكن لا ينجس الطعام الذي يموت فيه، كما ذكرنا في نجاسة ما نشؤه في الماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 32

ومن قال: لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت، فلا شك أن يقول به في دود الطعام بطريق الأولى، فإذًا قوله: "وكذا دود الطعام طاهر على الصحيح" اختيار لطريقة القَفَّالِ، والمعنى على الصحيح من القولين ذهابًا إلى أن القول بعدم نجاسة الماء بموت ما ليس له نفس سائلة فيه مَبنِيٌّ على أنه ليس بنجس.
وأما قوله: "ولا يحرم أكله مع الطعام على الصحيح" 83 فاعلم أن التقييد بكونه مع الطعام غير محتاج إليه، لثبوت أصل الخلاف: ويجوز أن يكون محتاجاً إليه: لكن القول بالحل أصح؛ أما الأول؛ فلأنه ذكر في النِّهاية 84: أنه لو جمع جامع من دُودِ الطَّعَامِ شيئاً واعتمد أكله فهل يَحِلُّ؛ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه كَالجُزْءِ مِنَ الطَّعَام طَعْماً وَطَبْعاً؛ وأصحهما: التحريم فنقل الوجهين في أكله منفرداً، وقد أطلق في الوَسِيطِ الوجهين في الحل من غير تخصيص بالأكل مع الطعام أو منفرداً.
وأما الثاني: فلأن إفراده بالأكل مُسْتَغْنًى عنه، وهو مُستَقذَرٌ مندرج تحت عموم تحريم الميتة، أما التمييز بينه وبين الطعام عند الأكل فعسير جاز أنه يعفى عنه، وبهذا المعنى قلنا: لا ينجس الطعام بلا خلاف، وإن حكمنا بنجاسته، وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الأكل مبني على الخلاف في الطهارة والنجاسة، إن قلنا: بالنجاسة يحرم وإلا فيحل، وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق، بل الخلاف منتظم مع حكمنا بالطهارة فوجه التحريم الاسْتِقْذارُ، وشمول اسمَ الميتة، وصار كما لا نفس له سائلة مما لا يكون نشؤه في الطعام، فإنه يحرم، وإن حكم بطهارته، ووجه الحل أنه كالجزء من الطعام طَبْعاً وَطَعْماً، وأما إذا حكمنا بالنجاسة فوجه التحريم بَيِّنٌ، ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز، وعن الانفراد لا ينقدح شيء -والله أعلم- واعرف بعد هذا شيئين: أحدهما: قوله: والميتات على النجاسة، لا يعني الميتة بجميع أجزائها بل ما سوى الشعر وما في معناه، وفيها من الخلاف والتفصيل ما ذكره في باب الأواني.
والثاني: ظاهر كلامه، حصر المستثنى من الميتات في الأنواع المذكورة، وليس كذلك بل الجنين الذي يوجد ميتاً عند ذَبْح الأم حلال طاهر أيضاً، وكذا الصَّيْد إذا مات بالضغط على أحد القولين.
قال الغزالي: أَمَّا الأَجْزَاءُ المُنْفَصِلَةُ عَنْ ظَاهِرِ الحَيَوَانِ فَكُلُّ مَا أبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ

الجزء: 1 - الصفحة: 33

مَيِّتٌ إِلاَّ الشُّعُورَ المُنْتَفِعَ بِهَا فِي المَفَارِشِ وِالمَلاَبِسِ فَأَنَّهَا طَاهِرَةٌ بَعْدَ الجَزِّ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ" 85. فالأصل فيما بان من الحي النجاسة، ويستثنى منه شعر المأكول المَجْزُوز في حياته، فهو طاهر للحاجة إليه في الملابس ولو قدر قصر الانتفاع على ما يكون على المُذَكَّى، لضاع معظم الشعور.
وفي معنى الشعور الرِّيشُ، وَلصُّوفُ وَالوَبَرُ، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ 86: إن المراد إلى حين فَنَائِهَا هذا فيما يبان بطريق الجَزِّ، وفي النَتْفِ وَالتَّاثُرِ وجهان: والأصح: إلحاقها بالجز.
وعلى هذا فقوله في الكتاب: "فإنها طاهرة بعد الجز" ليس مذكورًا ليكون قيدًا في الطهارة، وعلى الوجه الآخر يمكن جعله قيدًا.
واعلم أن ظاهر قوله فكل ما أبين من حي فهو ميت، إلا الشعور المنتفع بها، لا يمكن العمل به لا في طرف المستثنى، (ولا في طرف المستثنى منه؛ أما المستثنى فلأنه يتناول جملة الشعور المَجزُوزَةِ، والطهارة مخصوصة بشعر المأكول، وأيضًا) 87 فلأنه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان، وأنه نجس في أصح الوجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 34

أما المستثنى منه فلأنه يدخل فيه العضو المبان من الآدمي، ومن السَّمَكِ وَالجَرَادِ، وَمَشِيمَةِ الآدمي، وهذه الأشياء طاهرة على المذهب الصحيح، وكذلك يدخل فيها شعر الآدمي، لأنه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى، وإذا لم يتناوله الاستثناء بقي داخلاً في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة بالتأويل، ومما ينبغي أن يتنبه له معرفة أن تفصيل الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبني على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالموت، فإن قلنا: لا ينجس بالموت فلا ينجس بالإبَانَةِ أيضاً بحال.
قال الغزالي: وَأَمّا الأجزَاءُ المُنْفَصِلَةِ عَنْ بَاطِنِ الحَيَوانِ فَكُلُّ مُتَرَشِّح لَيْسَ لَهُ مَقَرٌّ يَسْتَحِيلُ فِيهِ كَالدَّمْعِ وَاللُّعَابِ وَالعَرَقِ فَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ كُل حَيَوَانٍ طَاهِر، وَمَا اسْتَحَالَ فِي البَاطِنِ فَأصْلُة عَلَى النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَالبَولِ وَالعَذِرَةِ إِلاَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي خُرءِ الجَرَادِ وَالسَّمَكِ وَمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَجْهَانِ لِشَبَهِهَا بِالنَّبَاتِ.
قال الرافعي: المنفصل عن باطن الحيوان قسمان: أحدهما: ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن، وإنما يرشح رشحاً.
والثاني: ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج، والأول كاللُّعَاب، وَالدَّمْعِ، وَالعَرَقِ فحكمه حكم الحيوان المترشح منه، إن كان نجساً فهم نجس وإنَ كان طاهر فهو طاهر.
سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنتَوضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ فَقَالَ: نَعَم وَبِمَا أَفضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا" 88 حكم بطهارة السُّؤْر وذلك يدل على طهارة اللُّعَاب، "وركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرساً مَعْرُوريًا لأبي طلحة وركضه ولم يحترز عن العرق" 89. والقسم الثاني: كالدَّمِ، وَالبَوْلِ، وَالعُذْرَةِ وهذه الأشياءِ: نجسة من الآدمي، ومن

الجزء: 1 - الصفحة: 35

سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول، أما في غير المأكول فبالإجماع.
أما في المأكول فبالقياس 90 عليه، لأنها متغيرة مستحيلة، وذهب مالك وأحمد -رحمهما الله- إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه وبه قال أبو سعيد الإصْطَخرِيُّ 91 من أصحابنا واختاره القاضي الروياني وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلاتها ومعارضاتها.
وهل نحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه وجهان: قال أبو جعفر التِّزمِذِيِّ 92 لا، لأَنَّ أَبَا طَيبَةَ الحَاجِمَ شَرِبَ دَمَهُ فلَم يُنكِرْ عَلَيهِ 93.

الجزء: 1 - الصفحة: 36

وَرَوِيَ "أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ: إِذاً لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهَا" 94. وَيُرْوَى شُرْبُ دَمِهِ عَنْ عَلِيٍّ 95، وَابْنِ الزُّبَيْرِ 96 أَيْضًا -رَضِيَ الله عَنْهُمَا- وقال = نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني قال: (اذهب فقد أحرزت نفسك من النار) ونافع قال ابن حبان: روي عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث، وقال يحيى بن معين: كذاب وأما الرواية الثانية فلم أر فيها ذكرًا لأبي طيبة أيضاً، بل ورد في حق أبي هند رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث سالم أبي هند الحجام، قال: حجمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما فرغت شربته فقلت: يا رسول الله شربته فقال: (ويحك يا سالم أما علمت أن الدم حرام لا تعد) وفي إسناده أبو الحجاف، وفيه مقال، وروى البزار وابن أبي خيثمة والبيهقي في الشعب والسنن من طريق بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتجم ثم قال له: خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس قال فتغيبت به فشربته، ثم سألني أو قال فأخبرته فضحك.
انظر التخليص 1/ 30.

الجزء: 1 - الصفحة: 37

معظم الأصحاب حكمها كحِكمها من غيره قياساً، وحملوا الأخبار على التداوي.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لأيِي طَيبَةَ: لاَ تَعُدْ، الدَّمُ كُلُّهُ حَرَامٌ" 97. وفي خَرءِ السَّمَكِ وَالجَرَادِ وبولهما وجهان: أظهرهما: النجاسة قياساً على غيرها لوجود الاستحالة والتغير، وبه قال أبو حنيفة، وكذا في زرق الطيور الدَّجَاجَة.
والثاني: الطهارة لجَوَازِ ابْتِلاعَ السُّمُوكِ حَيَّةً، وميته وإطباق الناس على أكل المملحة منها على ما في بطونها، وكذلك في خرء ما ليس له نفس سائلة وجهان: أظهرهما: النجاسة.
والثاني: لا؛ لأن الرُّطُوبَةَ المنفصلة منه كالرطوبة المنفصلة من النبات لمشابهة صورته بعد الموت صورته في الحياة، ولهذا لم يحكم بنجاسته بالموت على رأي، ولهذا بني بعضهم الخلاف في طهارة روثه على الخلاف في نجاسته بالموت.
ونعود بعد هذا إلى ألفاظ الكتاب.
أما قوله: "كل مُتَرَشِّحٌ ليس له مَقَرٌّ يستحيل فيه" فالمراد منه القسم الأول.
وقوله: "ما استحال في الباطن" فالمراد منه القسم الثاني، والتعرض للترشح في الأول إنما وقع، لأن الغالب فيه الخروج على هيئة الترشح، لا أنه من خواصه، أو أن الطهارة منوطة به ألا ترى أن الدَّمَ وَالصَّدِيدَ قد يترشحان من القُرُوحِ والنّفَاطَاتِ، وهما نجسان.
وقوله: ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره ألا يكون مستحيلاً أصلاً لجواز أن يكون مستحيلاً لا في مقر فإن الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلاً فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان، وإن كان يستحيل لا في المقر فالحكم منوط بنفي الاستحالة في المقر لا بمطلق نفي الاستحالة، وحينئذ يكون قوله "وما استحال في الباطن" منصرفاً إليه.
= الرحمن بن المبارك ثنا سعد أبو عاصم مولى سليمان بن علي عن كيسان مولى عبد الله بن الزبير أخبرني سلمان الفارسي أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا عبد الله بن الزبير معه طشت يشرب ما فيه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (ما شأنك يا ابن أخي؟ قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جرفي) فقال: (ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين) ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث سعد أبي عاصم به (تنبيه) قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: لم نجد لهذا الحديث أصلاً بالكلية كذا قال وهو متعقب.
انظر التلخيص 1/ 30/ 31.

الجزء: 1 - الصفحة: 38

والمعنى وما استحال في مقر في الباطن، وقوله: "كالدَّم وَالبَوْلِ وَالعَذْرَةِ" ينبغي أن يعلم البول والعذرة بالميم والألف والواو إشارة إلى ما حكينا من مذهب مالك وأحمد والإصطخري، بل لا بأس بإعلام الدم أيضاً بالواو؛ لأن في المتحلب مِن الكَبدِ وَالطّحَالِ وجهاً أنه طاهر، وكذلك فِي دَمِ المسْكِ، والله أعلم.
قال الغزالي: وَالألْبَانُ طَاهِرَةٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ (ح) وَمِنْ كُلِّ حَيَوَانِ مَأْكُولِ، وَإِلا نَفْحَةُ مَعَ اسْتِحَالَتِهَا فِي البَاطِنِ قِيلَ بِطَهَارَتهَا لِحَاجَةِ الجُبْنِ إلَيْها.
قال الرافعي: اللبن من جملة المستحيلات في الباطن إلا أن الله تعالى منَّ علينا بألبان الحيوانات المأكولة، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ 98 الآية، وجعل ذلك رِفْقًا عظيمًا بالعباد.
وأما غير المأكولَ، فإن كان نجسًا فلا تخفى نجاسته منه، وإن كان طاهرًا فهو إِمَّا آدمي، أو غيره أما الآدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نَشؤُهُ على الشيء النَّجِسِ، ولأنه لم ينقل أن النسوة أمرن في عصره بغسل الثياب والأبدان مما يصيبهن من اللبن، وحكى وجه أنه نجس كسائر ما لا يؤكل، وإنما يربى الصبي به للضرورة، وأما غير الآدمي فالمذهب نَجَاسَةُ لبنه على قياس المستحيلات، وإنما خالفنا في المأكول تبعًا للحم وفي الآدمي.
لكرامته: وعن أبي سعيد الأصْطَخِريُّ أنه طاهر كالسُّؤْر والعَرَق.
وإذا عرفت ذلك فالمعتبر عنده في طهارة اللبن الحيوان، لا كونه مأكولًا فلا بأس لو أعلمت المأكول في قوله: "ومن كل حيوان مأكول" بالواو.
لأنه مذكور قيدًا في الطهارة، وكذلك قوله: "من الآدمي" للوجه الذي رويناه.
ومما يستثنى من المستحيلات إلا نَفْحَهُ في أصح الوجهين.
ولم يذكر كثيرون سوى أنها طاهرة لإطباق الناس على أكل الجبن من غير إنكار.
والثاني: أنها نجسة على قياس الاستحالة فإن الإِنْفَحَةَ لبن مستحيل في جوف السَّخْلَةِ، وإنما يجري الوجهان بشرطين أحدهما أن يؤخذ مِنَ السَّخلَةِ المَذْبُوحَةِ، فإن ماتت فهي نجسة بلا خلاف، والثاني: إلا تطعم إلا اللبن وإلا فهي نجسة بلا خلاف.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَنيُّ فَطَاهِرٌ مِنَ الآدَمِيِّ (م)، وَفِي سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ يُخَصَّّصُ الطَّهَارَةَ في الثَّالِث بِالمَأْكِولِ اللَّحْمُ مِنْهَا، لأَنَّهُ يِشِبهُ بَيْضَ الطَّيْر، وَفِي بَذْرِ

الجزء: 1 - الصفحة: 39

القَزِّ وَبَيْضِ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمَهُ وَجْهَانِ، أَمَّا دُودُ القَزِّ فَطَاهِرٌ، وَالمِسْكُ طَاهِرٌ، وَفَأَرَتُهُ كَذَلِكَ عَلى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: المنيُّ قسمان: مني الآدمي، ومني غيره، فأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عَن عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- أنَّها قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ يُصَلِّي فيْهِ".
وفي رِوَايْةٍ "وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ" 99 والاستدلال بها أقوى، ولأنه مبدأ خلق الآدمي، فأشبه التراب.
فإن قيل: هذا مَنْقُوض بِالعَلَقَةِ وَالمُضْغةِ.
قلنا: أصح الوجهين فيهما الطهارة أيضاً.
وحكى بعضهم عن صاحب التلخيص 100 قولين في مني المرأة.
وحكى آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان، وهذا أقوى النقلين عنه، ويوجه القول بنجاسة المني وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك بما روى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يُغْسَلُ الثَّوبُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذي وَالمَنِيِّ" 101.

الجزء: 1 - الصفحة: 40

وبما روى أنه -عليه السلام- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا" 102 واذا نصرنا ظاهر المذهب حملناهما على الاسْتِحِبَابِ، جَمعًا بَينَ الأَخْبَارِ.
والمذهب الأول وهو طهارة المني من الرجل والمرأة نعم قال الأئمة: إن قلنا: رُطُوبَةُ فَرْج المرأة نجسة نُجِّس المني بملاقاتها، ومجاورتها، وليس ذلك لنجاسة المني في أصله؛ بَل هُوَ كما لو بال الرجل ولم يَغسِل ذَكَرَهُ، فإن منيه ينجس بملاقاة المحل النجس.
وأما مني غير الآدمي فينظر إن كان ذلك الغير نجساً فهو نجس، وإن كان طاهرًا فَفِيه ثَلاَثةُ أوجه: أظهرها: أنه نجس؛ لأنه مستحيل في الباطن كالدم وإنما حُكِمَ بطهارته من الآدمي تكريمًا له.
والثاني: أنه طاهر؛ لأنه أصل حيوان طاهر، فأشبه مني الآدمى.
والثالث: أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن 103. وبيض الطائر المأكول طاهر كلبن الأنعام، وفي بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان كما في منيه والأظهر: النجاسة.
ويجري الوجهان في بَزْرِ القَزِّ فإنه أصل الدُّودِ كالبَيْضِ فإنه أصل الطير.
وفيه؛ معنى آخر وهو: أن الدود من جملة ما ليس له نفس سائلة وقد ذكرنا في رَوْثِ ما ليس له نفس سائلة وجهين فإن كان البَزْرُ رَوْثاً عاد فيه ذلك الخلاف، = وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة، أو إذخرة، ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي عن طريق عطاء عن ابن عباس موقوفًا.
قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح.
انظر التلخيص 1/ 32 - 33.

الجزء: 1 - الصفحة: 41

وإن لم يكن روثاً بل كان بيضاً له، فإذا كان روثه على الخلاف فَبَيْضُهُ أولى أن يكون كذلك.
وأما دود القَزِّ فلا خلاف في طهارته، كسائر الحيوانات.
وليس المسك من جملة النجاسات.
وإن قيل: إنه دم "لأَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَعْمِلُهُ وَكَانَ أحَبَّ الطِّيبِ إِلَيْهِ" 104. وفي فَأرَتِهِ وجهان: أحدهما: النجاسة؛ لأنها جزء انفصل من حي.
وأظهرهما: الطهارة؛ لأنه منفصل بالطبع كَالجَنِيْنِ؛ لأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسًا، وموضع الوجهين ما إذا انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ، أما لو انفصلت منها بعد موتها فهي نجسة، كالجنين، واللَّبَنِ [وَحُكِيَ] 105 وَجهٌ آخر: أنها طاهرة كالبيض المتصلب 106. وألفاظ الكتاب في هذه المسائل بَيِّنَةٌ، نعم قوله: "في مني غير الآدمي" يخصص الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منه؛ لأنه يشبه بيض الطير يقتضي ظاهره أن تكون الطهارة في البَيْضِ مَخْصُوصَةٌ ببيض المأكول وفاقاً، وليس كذلك؛ بل في بيض غير المأكول وجهان، كما في مني غير المأكول، فالمراد تشبيه مني المأكول ببيض المأكول لإِثْبَاتِ الطهارة فيه، من جهة أن كل واحد منهما أصل الحيوان المأكول لا لتخصيص الَطهارة، به، ولا خلاف في طهارة بيض المأكول وصاحب الوجه الثالث يقول: ينبغي أن يكون المني كذلك، وأما من غير المكول فيبقى على قِيَاسِ المُسْتَحِيلاَتِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

قال الغزالي

: الفَصْلُ الثَّاني في المَاءِ الرَّاكِد

وَالقَلِيلُ مِنْهُ يَنْجُسُ بِمُلاَقاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَم يَتَغَيَّرْ، وَالكَثِيرُ لاَ يَنْجُسُ إلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ وَلَوْ تَغَيّرًا يَسِيرًا فَإِنْ زَالَ التَّغيُّرُ بِطُولِ المُكْثِ عَادَ طَهُورًا، وَإنْ زَالَ بِطَرْحِ المِسْكِ وَالزَّعْفَرانِ فَلاَ، وَإِنْ زَالَ بِطَرْحِ التُّرَابِ فَقَوْلاَنِ لِلتَّرَدُدِ فِي أنَّهُ مُزِيلٌ أوْ سَاتِرٌ.
قال الرافعي: والماء قسمان: راكد وجار وبينهما بعض الاختلافات في كيفية قبول النجاسة وزوالها فلا بد من التمييز بينهما.
أما الراكد فينقسم إلى قليل وكثير.
وسيأتي معناهما.
أما القليل فينجس بملاقاة النجاسة تغيّر بها أم لا، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثاً" 107 وُيرْوَى "نَجِساً".
والمعنى أنه يدفعه ولا يقْبلُه فدل أن ما دون القُلَّتَيْنِ يقبله، وقد استوى حكم القليل والكثير عند التغير فيرجع الفرق إلى النجاسة من غير التغير، ويدل عليه أنه يستحب غسل اليدين للمستيقظ من النوم قبل إدخالهما الأواني، وفي الخبر تعليل ذلك باحتمال النجاسة، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-:" فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ" 108. ولولا أن نفي النجاسة يؤثر في الماء القليل، لما كان لهذا الاستحباب معنى وقال مالك: لا ينجس القليل إلا بالتغير كالكثير، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غُيّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيْحَه" 109 واختاره القاضي الرُّوَيانيُّ في الحِلْيَةِ، والشافعي -رضي الله عنه- حمل هذا الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بِئْرِ بُضَاعَةَ وكان ماؤها كثيرًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 43

وأما الكثير فينجس إذا تغير بالنجاسة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُوراً" الخبر نص على الطَّعْم، والريح، وقاس الشافعي -رضي الله عنه- اللون عليهما 110، وإن لم يتغير نُظِر إن كانَ ذلك لِقِلَّةِ النجاسة واستهلاكها فيه لم ينجس الماء لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَحْمِل خَبَثاً" 111 وهل يستعمل جميع ذلك الماء أم يبقى قدر النجاسة؟ فيه الوجهان المذكوران من قبل، وإن كان عدم التغير لموافقتها الماء في الأوصاف فيقدر بما يخالف على ما سبق، ثم لو طال مُكْثُ الماء وزال تغيره بنفسه، عاد طهوراً؛ لأن الأصل في الماء الطهورية، وإنما حكمنا بنجاسة الكثير منه لمكان التغير، فإذا زال سبب النجاسة عمل المقتضى للطهارة عمله، وحكى في التَّتِمَّةِ 112 وجها عن الإصْطَخرِيِّ أنه إذا زال التغير بنفسه لا يطهر وكما لم ينجس إلا بوارد عليه لا يطهر إلا بوارد عليه، ولو طرح فيه المسك (فلم توجد رائحة النجاسة، أو الزعفران) 113، فلم يوجد لونها، أو الخَلّ فلم يوجد طعمها، فلا يعود طهوراً، لأنا لا ندري أنَّ أوصاف النجاسة زالت أم غلب عليها المطروح فيه فسترها؛ بل الظاهر الاستتار ألا ترى أن ذكاء رائحة المسك يغلب الروائح الكريهة بحيث لا يحس بها ثم إذا فَتَرَت رائحةُ المِسْكِ حصل الإحساس بها، وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهوراً؟ فيه قولان: أحدهما -ويروى عن المزني- نعم؛ لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض ستره إياها، فإذا لم يصادف تغييرًا أشعر ذلك بالزوال، وأصحهما: أنه لا يعود طهوراً؛ لأنه وإن لم تغلب عليه هذه الأوصاف إلا أنه يكدر الماء، والكُدُورَةُ من أسباب السّتْرِ، فلا يدري معها أن التغير زائل، أو مَغْلُوبٌ.
ووجه بعضهم القول الأول بأن التراب يوافق الماء في الطُّهُورِيةِ فيتعاونان في دَفعِ النَّجَاسَةِ، ولهذا يجمع بينهما في إزالة النجاسة المُغَلَّظَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

وهذا التوجيه يليق بمن يزعم اختصاص القولين بالتراب، لكن الطريقة الصحيحة طرد القولين في الجَصِّ، وَالنُّورَةِ التي لم تُطْبَخْ، وغير ذلك مما لا يكون الوصف المتغير من الماء غالبًا عليه.
هذا فقه الفصل.
ثم نتكلم فيما يتعلق بألفاظ الكتاب من الفوائد: أما قوله: "والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير" يدخل فيه النجاسة المُجَاوِرَةُ، وَالمُخَالِطَةُ، ولا يدخل فيه: ما إذا تَرَوَّحَ الماء بِجيفَةٍ مُلْقَاةٍ على شَطِّ النهر، لأنه لا ملاقاة.
واعلم أنه ليس المراد تأثر الماء القليل بملاقاة كل نجاسة فإن من النجاسات ما لا يؤثر فيه كميتة ما لا نفس له سائلة على الجديد كما سبق، والنجاسة التي لا يدركها الطرف، وكما إذا وَلَغَتِ الهِرَّةُ بعد نجاسة فمها في ماء قليل، وفيها خلاف سيأتي، وإنما الغرض بيان كيفية التأثر، وأن التغير غير معتبر فيه، وأما أن النجاسة المؤثرة أية نجاسة، فذلك شيء آخر.
وأما قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير تغيراً يسيراً"، هكذا في أكثر النُّسَخ، ورأيت في بعضها طرح قوله: "تَغَيُّراً يَسِيراً"؛ لأنه يوهم التقييد باليسير ومتى كان [التغير] 114 اليسير قَادِحاً فالفاحش أولى أن يكون قادحاً، فيستحيل التقيد باليسير، فإن طرح فذاك.
وقوله "إلا إذا تغير"، يشمل اليسير والفاحش، وإن لم يطرح فالمراد إلا إذا تغير وإن كان تغيُّراً يسيراً، لا كالتغير بالطاهرات فإنه إنما يَسْلُبُ الطهورية إذا تَفَاحَشَ، ثم ننبه لأمور: أحدها: قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير" لا يمكن العمل بظاهره؛ لأنه يقتضي أن لا ينجس إذا لم يتغير أصلاً؛ وليس كذلك لما ذكرنا أنه لو لم يتغير للموافقة في الأوصاف تعذر كونه مخالفاً، فان كان بحيث تغير لو كان مخالفاً فالماء نجس وإن لم يتغير، فإذاً اللفظ محتاج إلى التَّأوِيلِ.
الثاني: قوله: "إلا إذا تَغَيَّر" يعم التغير بالنجاسة المخالطة والمجاورة، والنوعان يسلبان الطهارة على ظاهر المذهب، وفي وجه: التغير بالنجاسة المجاورة لا يسلب الطهارة كما أن التغير بالطاهر المجاور لا يسلب الطهورية، فلو علم قوله: "إلا إذا تغير" بالواو إشارة إلى هذا الوجه لم يكن ممتنعاً.
الثالث: قضية اللفظ أنه لا ينجس إلا إذا تغير كله، أما إذا تغير بعضه فلا؛ لأن قوله: "إذا تغير" صفة الكثير، وذلك يتناول الكل، ألا ترى أنه إذا تغير البعض يصح أن

الجزء: 1 - الصفحة: 45

يقال: ما تغير هذا المال وإنما تغير بعضه أو طرف منه، ولكن ظاهر المذهب نجاسة الكل، وإن كان المتغير البعض وهو المذكور في المُهَذَّب 115 وغيره، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير، وهذا يوافق ظاهر اللفظ.
وأمَا قوله: وإن زال بطرح التراب فقولان للتردد في أنه مُزِيلٌ أو سَاتِرٌ، ففيه استدراك لفظي، وهو أن قوله: "وإن زال" فرض المسألة في الزوال ومع الفرض في الزوال كيف ينتظم التردد في أن الحاصل زوال أم لا، وأشد من هذا قوله في الوَسِيطِ: وإن زال بِطَرحِ المسكِ وَالزَّعْفَرانِ فلا؛ لأنه استتار لا زوال؛ فطريق الجواب التأويل، إما بحمل الزوال الأول على فقد التغير وحمل الثاني على الحقيقة، وإما بإضمار، بأن يقال: المعنى وإن اعتقد الزوال أو ما أشبه ذلك.
وذكر بعضهم: أن هذا الخلاف في مسألة التراب مفروض في تغير الرائحة، أما لو تغير اللَّوْنُ لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المعتمدة ساكنة عن هذا التفصيل 116. قال الغزالي: وَالكَثِيرُ قُلَّتَانِ (ح) لِقَولِهِ عَلَيهِ السَّلاَمُ: إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَم يَحْمِل 117 خَبثاً، وَالْأَشبَهُ أنَّهُ ثُلاَثُمائَةِ مَن تَقرِيباً لاَ تَحدِيداً.
قال الرافعي: وروينا الخبر الوارد في اعتبار القلتين وفي بعض الروايات "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلاَلِ هَجَرَ" ثم روى الشافعي -رضي الله عنه- عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر فَالقُلَّة منها تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أو قِرْبَتَينِ وشيئاً، واحتاط الشافعي -رضي الله عنه- فحسب الشيء نصفاً؛ لأنه لو كان فوق النصف لقال: تَسَعُ ثلاث قِرَب إلا شيئاً

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وهذا عادة أهل اللسان: فإذاً جملة القُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَب واختلفوا في تقدير ذلك بالوزن على ثلاثة أوجه: أحدها: ذهب أبو عبد الله الزبيري -رحمة الله عليه- إلى القلتين ثلاثمائة مَنٍّ 118 , لأن القلة ما يقله البعير، ولا يُقِل الواحد من بعران العرب .. غالباً أكثر من وسق، الوَسْقُ سِتُّونَ 119 صاعاً، وذلك مائة وستون مَنّاً، فالقلتان ثلاثمائة وعشرون يحط منها عشرون للظروف والحبال، يبقى ثلاثمائة وهذا اختيار القَفَّال، والأشبه عند صاحب الكتاب 120. والثاني: أن القلتين أَلْفُ رَطلٍ؛ لأن القربة قد تسع مائتي رطل، فالاحتياط الأخذ بالأكثر، ويحكى هذا عن أبي زيد.
والثالث: هو المذهب أن القلتين خمسمائة رطل مائتان وخمسون مَنّاً بالبغدادي؛ لأِن القِرْبَةَ الوَاحِدَةَ لا تزيد على مائة رطل في الغالب ويحكى هذا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- ثم ذلك معتبر بالتقريب أم بالتحديد؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه معتبر بالتقريب؛ لأن ابن جريج رد القُلَّة إلى القرب تقريباً، والشافعي -رضي الله عنه- حمل الشيء على النصف احتياطاً وتقريباً، وَالقِلاَلُ في الأصل تكون متفاوتة أيضاً كما نعهده اليَوْمَ في الحبَابِ وَالكِيزَانِ.
والثاني: أنه معتبر بالتحديد كَنِصَابِ المشرفة 121 ونحو ذلك.
فإن قلنا: بهذا، لم نسامح بنقصان شيء.
وإن قلنا بالأول فنسامح بالقدر الذي لا يتبين بنقصانه تفاوت في التغير بالقدر المعين من الأشياء المغيرة، وعند أبي حنيفة وأصحابه لا اعتبار بالقِلاَلِ، وإنما الكثير هو الذي إذا حرك جانب منه لم يتحرك الثاني.
هذه رواية ولهمَ رِوَايَاتٌ سِوَاهَا 122. قال الغزالي: فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ- مَا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنَ النَّجَاسَةِ اضْطَرَبَ فِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، وَالأَقْرَبُ أَنَّ مَا انْتهَت قُلَّتُهُ إِلَى حدٍّ لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مَعَ

الجزء: 1 - الصفحة: 47

مُخَالَفَةِ لَوْنِهِ للون مَا يَتَّصلُ بِهِ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ للتَّحفُّطِ عَنْهُ، وَمَا يُدْرَكُ عِنْدَ اختِلاَفِ اللَّوْنِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُعْفَى عَنْهُ لاَ فِي الثَّوْب وَلاَ فِي المَاءِ.
قال الرافعي: النجاسة التي لا يدركها الطَّرْفُ كَنُقْطَةِ الخَمْرِ وَالبَوْلِ التي لا تبُصر وَالذُّبَابَةِ تقع على النجاسة ثم تطير عنها، هل تؤثر كالنَّجَاسَةِ المُدْرَكَةِ أم يعفى عنها؟ لفظة في المختصر يشعر بأنها لا تؤثر، ونقل عن الأُمِّ أنَّه لا فرق بينها وبين النجاسة المدركة؛ وعن الإملاء التسوية بينهما في الثوب.
واختلف الأصحاب فيه على سبعة طرق: أحدها: أن في تَأثِيرِهَا في الماء والثوب قَوْلَيْنِ.
والثاني: أنها تؤثر فيهما بلا خلاف.
والثالث: لا تؤثر فيهما بلا خلاف.
والرابع: تؤثر في الماء وفي الثوب قولان.
والخامس: تؤثر في الثوب وفي الماء قولان.
والسادس: تؤثر في الماء دون الثوب بلا خلاف 123. السابع: تؤثر في الثوب دون الماء بلا خلاف.
فهذا هو اضطراب النص ومقالات الأصحاب، وأما التوجيه فمن ألحق هذه بما يدركه الطرف، قال: الظواهر المقتضية لاحتساب النجاسة عامة تتناول التي يدركها الطرف والتي لا يدركها، ومن سامح بهذه النجاسة، علل بتعذر الاحْتِرَازِ فإن الذُّبَابَ يقع على النجاسات، ثم يطير ويقع في الماء، وعلى الثياب فأشبه دَمَ الَبَراغِيتِ، وسائر ما يتعذر الاحتراز عنه.
ومن قال: تُؤَثِّرِ في الماء دون الثوب، فرق من وجهين: أحدهما: أن صون الماء بتغطية رأس الإناء ممكن بخلاف الثياب.
والثاني: أن الذبابة إذا ارتفعت عن النجاسة، جَفَّ ما نجس منها بالهواء، فلا يؤثر في الثوب ويؤثر في الماء، فلو كان الثوب رَطْباً، كان كالماء، ومن قال: يؤثر في الثوب دون الماء، قال: الماء أقوى على دفع النجاسات، بدليل الماء الكثير.
وأما ما ذكره حجة الإسلام -رحمه الله- من أنه إن انتهت القُلَّةُ إلى حد لا يدرك مع مخالفة لونه للون ما يتصل به، فهو معفو عنه في الماء وغيره وإلا فلا.
فَهَذَا تَفْصِيلٌ لاَ نَرَاهُ لغيره،

الجزء: 1 - الصفحة: 48

ووجهه في غير الوجيز 124: بأن قال: إذا بلغت القُلَّةُ الحَدُّ المذكور، كانت هذه النجاسة، كما تحملها الرياح من النجاسات مثل الذَّرِّ وتبثها على المياه والثياب، ومعلوم أن ذلك مما لا يبالي به فكذلك هاهنا ولك أن تقول: غير هذا التفصيل أجود منه؛ لأن الكلام فيما لا يدركه الطرف، لقلته لا للموافقة في اللون، وما لا يدرك لقلته لا يدرك اختلف اللون أو اتفق.
فأحد القسمين، وهو أن يكون بحيث يدرك عند اختلاف اللون، خارج عن صورة المسألة وإنما صورتها القسم الثاني، ثم القول فيه بالعفو اختيار القول المنقول في عدم تأثير هذه النجاسة في الماء والثوب جميعاً.
وظاهر المَذْهَب عند المعظم خلافة، ثم في عبارة الكتاب بسط وتطويل، ولا يخفى إيراد الغَرَض فيَ أقصر منها لمن يبتغي الإيجاز.
قال الغزالي: الثَّانِي- قُلَّتَانِ نَجِسَتَانِ غَيْرُ مُتَغَيِّرَتَيْنِ إذَا جُمعَتَا لاَ تَغَيُّرِ عَادَتَا طَاهِرَتَينِ فَإذَا فُرِّقَتَا بَقِيَتَا عَلَى الطَّهارَةِ وَلَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ إلاَّ إذَا كَانتِ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَبَقِيَتْ 125 في إحْدَى القُلَّتَيْنِ.
قال الرافعي: الماء القليل النجس إذا كُوثِرَ حتى بلغ قلتين، هل يعود طهورًا؟ نُظِر إن كوثر بغير الماء فلا؛ بل لو كمل الماء الناقص عن القلتين بِمَاءِ وَرْدٍ وصار مستهلكًا فيه، ثم وقعت فيه نجاسة تنجس وإن لم يتغير، وإنما لا تقبل النجاسة قلتان من محض الماء على ما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْن لَم يَحْمِل خَبَثًا" 126، وإن كُوثِرَ بالماء نُظِر إن كان مستعملاً ففي عَوْدِ الطهورية وجهان: أحدهما: لا يعود لاِنْسِلاَبِ قوة المستعمل، والتحاقه بسائر المائعات.
وأظهرهما: تعود، لأن الأصل فيه الطهورية، والضعف الذي عرض له ليس بأكثر من أن تعرض له النجاسة.
ولو كُوثِرَ الماء النجس بماء نجس ولا تغير، عادت الطهورية، ومأخذ هذا الخلاف كمأخذ الخلاف في أن المستعمل هل يعود بالكثرة طهورًا؟ وإن لم يكن مستعملاً عادت الطُّهُورِيَّةُ، فإن الأصل في الماء الطهورية، والنجاسة عرضت لعلة القلة، فإذا كثر عمل الأصل عمله، ثم التفريق بعد عود الطهورية لا يضر كما لو كان الماء قُلَّتَيْنِ عند وقوع النجاسة فيه، ولم يتغير ثم فرق ولا فرق بين أن يقع التَّكْمِيلُ بماء طاهر، أو نجس في عود الطهورية.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وصورة مسألة الكتاب ما إذا كان كل واحد من المُكَمِّلِ وَالمُكَمَّلِ نجساً، ثم لا يخفى أن عود الطهورية إنما يكون بشرط عدم التغير في المجموع، وهل يشترط أن لا يكون فيه نجاسة جامدة؟ فيه خلاف التباعد، ولو كوثر الماء القليل بما يغلب عليه ويغمره، ولكن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ فهل تزول نجاسته؟ فيه وجهان: أظهرهما: [أنه] 127 لا تزول 128: وإن قلنا: بالزوال، فهو طاهر غير طهور، وذلك بشروط أحدها: أن يكون التكميل بماء طاهر لا ينجس.
والثاني: أن يورد الطاهر على النجس.
الثالث: أن يكون المُكمَّل أكثر من المكمِّل مما لا يكون فيه نجاسة، وكل ذلك فيما إذا بلغ قُلَّتَيْنِ بخلافه.
ويشترط أيضاً أن لا يكون فيه نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ لا محالة.
وقوله: في الكتاب "جمعتا" عادتا طاهرتين، في لفظ الجمع إشارة إلى ما ذكره الأصحاب أن المعتبر في المُكَاثَرةِ الضَّمُّ وَالجَمْعُ دون الخَلْطِ، حتى لو كان أحد البعضين صافياً والآخر كدراً، وانضما تزول النجاسة من غير توقف على الاختلاط المانع من التميز، وقوله: "عادتا" معلم بالألف لما روى عن أحمد، وعن أصحابه، أنه لا تعود الطهارة.
وليس المراد من قوله "عادتا طاهرتين"، مجرد الطهارة، بل مع الطهورية.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ كَثِيرٍ يَجُوزُ الاغْتِرافُ مِنْ جَوَانِبِها عَلَى القَوْلِ القَدِيمِ وَهُوَ الأَقْيَسُ، وَيجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْر القُلَّتَينِ فِي القَوْلِ الجدِبدِ.
قال الرافعي: إذا وقع في الماء الكثير الراكد نجاسة جامدة كَالمَيْتَةِ، فهل يجوز الاغْتِرَافُ مما حوالى النجاسة، أم يجب التباعد عنها بقدر القلتين؟ فيه قولان: القديم: وهو ظاهر المذهب على خلاف الغالب، أنه يجوز الاغتراف من أي موضع شاء، ولا حاجة إلى التباعد؛ لأنه طاهر كله، فيستعمله المستعمل كيف شاء.
والدليل على أنه طاهر كله، قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ" 129 الخبر والجديد: أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 50

يبعد عن النجاسة بقدر قلتين، ثم يغترف؛ لأن ما دون القلتين مما يجاور النجاسة، لو كان وحده لكان مجتنباً، فكذلك إذا كان معه غيره، وأثره الكثرة دفع النجاسة عما وراء ذلك القدر، وقال مَنْ نصر المذهب: ذلك القدر المجتنب لو كان وحده محكوم له بالنجاسة في حالة الانفراد، فإما أن يكون محكوماً له بالنجاسة هاهنا أيضاً أو لا يكون، وإن لم يكن فقد تَغَيَّرَ حُكْمُهُ عما كان عليه وحده، وإن كان فلينجس ما يجاوره بمجاورته، كما ينجس هو بمجاورة النجاسة، وهكذا حتى تنتشر النَّجَاسَةُ إلى الكُلِّ.
لا يقال: هذا مائع، وذلك جامد، وحكم النجاسة الجامدة أخف، ألا ترى أن النجاسة المائعة لو وقعت في ماء كثير، وانغمرت فيه، جاز استعمال الكل، لأنَّا نقول: إذا كان حكم النجاسة المائعة ما ذكرتم، فنأخذ حكم الطهارة هاهنا أيضاً؛ لاتصاله بالماء الكثير، وحصوله فيه، لماذا كان طاهرًا واجب أن يجوز الاغتراف والاستعمال.
واعلم أن من أصحابنا العِرَاقِيِّينَ مَنْ حَكَى خلاف التباعد وجهين، ونَقْلُ القولين أثبت؛ فإن فرعنا على وجوب التباعد، فلا يكفي أن يبعد في البحر بقدر شبر على حد العمق في حساب القلتين، بل يتباعد بقدر القُلَّتَيْنِ في أبعاد متماثلة طولاً وعرضاً وعمقاً، فإن كان الماء في موضع لا يتأتى فيه ذلك، كما لو وقف في موضع مُنْبَسِطاً من غير عمق يتباعد فِي الطُّولِ وَالعَرْضِ قدر ما يبلغ قلتين في ذلك العمق.
وقال الإمام محمد بن يحيى 130 -رضي الله عنه- لا يغني التباعد بقدر قلتين في هذه الصورة؛ بل يبعد إلى حيث يعلم أن النَّجَاسَةَ لا تنتشر إليه كما يعتبره أبو حنيفة - رحمة الله عليه- في بعض الروايات في الماء الكثير، ولو كان الماء قُلَّتَينِ بلا زيادة فعلى الجديد: لا يجوز الاغتراف منه، وعلى القديم: يجوز ذلك في أصح الوجهين، كما في الحالة الأولى والثانية؛ لا, لأن المَأْخُوذَ بَعْضُ البَاقِي، والباقي نجس بالانفصال فكذلك المأخوذ، وينبغي أن يبحث عن القولين في مسألة التباعد، أهما في جواز الاستعمال وعدمه بعد الاتِّفاق على الطهارة، أم في الطهارة والنجاسة؟

الجزء: 1 - الصفحة: 51

وذلك يترتب عليه فإن كان الثاني، فلم يتكلم الأكثرون في الاغْتِرَافِ والاستعمال نفياً وإثباتاً؟ واشتهرت المسألة بالتباعد وَهَلاَّ تَكَلَّمُوا فِي الطَّهَارَةِ والنجاسة على المعهود في نظائره، ثم يتفرع عليه جواز الاستعمال وعدمه، وإن كان الأول فِيِمَ يوجه المنع من الاسْتِعْمَالِ مَعَ الحُكْم بالطهارة؟ ولم يتكلم بعضهم في النجاسة ونفيها، وفرض فيها الخلاف؟ وهل هما طريقتان؟ وهذا موضع نظر وتأمل، ويدل على الاحتمال الأول أخبار القُلَّتَيْنِ، فإنها تنفي نجاسة الماء الكثير، وأيضاً فقد صرح بعض المُعَلِّقِينَ عن الشيخ أبي محمد، بأنه لا خلاف في الطهارة، وإنما الخلاف في جواز الاستعمال 131. وأما لفظ الكتاب فاعلم أن قضية كلامه في وُجُوب اجتِنَابِ الحَرِيمِ في الفصل الثالث يقتضي أن يكون مراده من قوله هاهنا يجوز الاغتراف من جوارها على القول القديم ما وراء الحريم، وإلا أن المَذهَبَ أنَّ حُكمَ الحريم حكم غيره [كما سيأتي] 132. قال الغزالي: الرَّابعُ- كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ غَيرُ مُتَغَيِّر طَرِيقَ 133 تَطْهِيرِهِ أَنْ يُغْمَسَ في مَاءٍ كثِيرٍ فَإِذَا اسْتَوَى عَلَيْهِ المَاءُ صَارَ طَهُوراً لِلاتِّصَالِ بِهِ.
قال الرافعي: إذا غُمِسَ كُوزٌ فيه ماء نجس في ماء طاهر هل يعود طهوراً؟ إن كان الكُوزُ ضَيِّق الرَّأسِ فوجهان: أحدهما: نعم، لحصول الكثرة والاتصال، وأصحهما: لا؛ لأنه لا يحصل به اتصال يفيد تأثير أحدهما في الآخر؛ لأنَّ مَاءَ الكُوزِ كالمودع بطرفيه فيه، وليس معدوداً جزءاً منه، وإن كان واسع الرأس، فعلى هذين الوجهين لكن الأظهر هاهنا الطهارة، لتأثر كل واحد منهما بالآخر عند سَعَةِ رَأْسِ الإِنَاءِ، وحيث يحكم بعود الطهارة فتعود على الفور أم بعد أن تمكث زماناً؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا تعود على الفَورِ؛ بل لا بد من مضي زمان يزول فيه التغير، لو كان متغيرًا، ولاَ شَكَّ أن ذلك الزمان يكون في ضيق الرأس أطول منه في واسعه 134. وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب، وأعلم قوله: "صار طهورا" بالواو،

الجزء: 1 - الصفحة: 52

للوجه الثاني كعود الطهارة والطَّهُورِيْةَ.
وقوله: "فإذا استوى عليه الماء" أيضاً إشارة إلى الوجه الصائر إلى اشتراط المُكثِ، ثم تنبه لأمور: أحدهما: قوله: "غير متغير" ليس مذكوراً لِلتَّقْيِيدِ، فإنه لو كان متغيراً فزال التغير بِالاتِّصَالِ، عادت الطهورية أيضاً، وكأنه تعرض لهذا الوصف؛ لأنه حُكِمَ بَعَوْدِ الطُّهُورِيَّةِ بمجرد استواء الماء عليه، وبتقدير التغير لا تعود الطهورية بمجرد استواء الماء؛ بل لا بد من زوال التغير.
الثاني: قوله: "فإذا استوى عليه الماء" ينبه على أنه لو لم يَكُنِ الكُوزُ مَلْآنَ وغمسه فيه فما دام يدخل فيه فلا اتصال، وهو على نجاسته.
الثالث: حكم بالطهورية من غير التعرض للخلاف، فإن كان يختار ذلك سواء ضاق رَأسُ الكُوزِ، أم اتسع فهو معمول بظاهره، وان قال بالمنع عند ضيق الرأس كما حكينا أنه ظاهر المذهب، فَفِي الكَلاَمِ إضمَارٌ تقديره كُوزٌ وَاسِعُ الرَّأسِ فِيهِ مَاءً نَجِسٌ والاحتمال الثاني، هو قضية كلامه في سائر كتبه.
قال الغزالي: الخَامِسُ- فَأرَةٌ وَقَعَتْ فِي بِئْرِ فَتَمَعَّطَ شَعْرُهَا فَالطَّرِيقُ أَنْ يُسْتَقَى المَاءُ المَوْجُودُ فِي البِئْرِ فَمَا يَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إِن رُئِيَ فِيه شَعْرٌ فَنَجِسٌ وَإِلاَّ فَطَهُورٌ إِذَا الاَّصْلُ طَهَارَتُهُ وَوُقُوعُ الشَّعْرِ فِيهِ مَشكُوكٌ فِيهِ وَإِخرَاجُ جَمِيعِهِ هُوَ الغَالِبُ بِاسْتِقَاءِ المَاءِ.
قال الرافعي: مَاءُ البِئْرِ في البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها، لكن ضرورة النزح للاستقاءِ منها قد يخصه لضرب من العسر، فإن كان قليلاً وقد تنجس بوقوع نَجَاسَةٍ فيه فليس من الرأي أن ينزح لينبع بعده الماء الطهور، لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسًا، وقد يُفْضِي النَّزْحُ إلَى تَنْجِيسِ جُدْرَانِ البئر أيضاً؛ بل ينبغي أن يترك ليزداد فيبلغ حَدَّ الكثرةِ، فإن كانت قليلة الماء لايتوقع كثرته، صُبَّ فيها ماء من خارج حتى يكثر ويزول التغير أيضاً لو كان متغيراً، فإن كان ماؤها كثيراً وقد تنجس بالتغير فتكاثر إلى زوال التغير، أو يترك بحاله حتى يزول التغير بِطُولِ المُكْثِ، أو بازدياد الماء فلو تفتت الشيء النجس فيه كَالفَأرَةِ تمعط شعرها، فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير، لكن يتعذر استعماله بسبب أنه لا ينزح منه دلو إلا وفيه شيء من أجزاء النجاسة، فينبغي أن يستقى الماء كله لتخرج الشعور في صحبته، فإن [كانت] 135 العَيْنُ فوّارة وتعذر اسْتِقَاءُ الكُلِّ، فينزح بقدر ما يغلب على الظن، إن الشعر قد خرج معه كله، فما يبقى بعد ذلك في البئر وما يحدث فيه فهو طهور، لأنه ماء غير مستيقن النجاسة، ولا مظنون

الجزء: 1 - الصفحة: 53

النجاسة، ولا أثر للشك والتردد في بقاء الشعر فيه، ووقوعه فيما حدث لحصول الظن بإخراج الجميع، ثم إن تحقق شَيْءٌ بعد ذلك على خلاف الغالب اتبعه.
وقيل: لم ينزح إلى الحد المذكور، فإذا غلب على ظنه أنه لا يَخلُو كل دلو عن شيء من النجاسة، ولكنه لم يره، ولا تيقنه فجواز الاستعمال على القولين في الأصل والغالب إذا تعارضا كما سيأتي نظائر ذلك.
واعلم أن فَرْضَ المَسْأَلَةِ في تَمَعُّط الشعور مبنى على نجاسة شعور الحيوانات بالموت، فإن لم ينجسها، فليقع الفرض في سائر الأجزاء.

الفْصَلْ الثَّالِثُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي

قال الغزالي: فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَطَاهِرٌ إِذِ الأَوَّلُونَ لَمْ يَحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ.
قال الرافعي: نشرح مسائل الماء الجاري.
على ما ذكرها، ورواها في الأصل ثم [نورد] 136 فيها [إن شاء الله تعالى] ما ينبغي.
فنقول: الماء الجاري ينقسم إلى: ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة.
القسم الأول: ماء الأنهار المعتدلة، والنجاسة الواقعة فيه، إما أن تكون مَائِعَةَ، أو جَامِدَةٌ، فإن كانت مائعة فينظر هل تغير الماء أم لا؟ فإن غيرته فالقدر المتغير نجس، وحكم غيره معه كحكمه مع النَّجَاسَةِ الجامدة، وإن لم تغيره، فينظر إن كان عدم التغير للموافقة في الأوصاف، فالحكم على ما ذكرنا في الراكد، وإن كان لقلة النجاسة وانمِحَاقِهَا فيه لم ينجس الماء، وإن كان قليلاً؛ لأن الأولين كانوا يَسْتَنْجُونَ على شُطُوطِ الأنهار الصغيرة، ولا يرون ذلك تنجيساً لِمِيَاهها، وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب.
قال الغزالي: وَإِنْ كانَتْ جَامِدَةً تَجْرِي بِجَرْيِ المَاءِ فَمَا فَوْقَ النَّجَاسَةِ وَمَا تَحْتَهَا طَاهِرٌ لِتفَاصُلِ جَرَيَاتِ المَاءِ، وَمَا عَلَى جَانِبَيْهَا فِيهِ طَرِيقَانِ، قيلَ بِطَهَارَتهِ، وَقِيل بِتَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ، وإِنْ كانَتِ النَّجَاسَةُ وَاقِعَةٌ فَالحُكْمُ مَا سَبَقَ إِلاَّ أَنَّ مَا يَجْرِي مِنَ المَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيَنْفَصِلُ عَنْهَا فَهُوَ نَجِسٌ فِيمَا دُونَ القُلَّتَينِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى القُلَّتَينِ أَعْنِي مَا بَيْنَ المُغتَرَفِ وَالنَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ: أَظْهَرَهُمَا: المَنْعُ إِلاَّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي حَوْضِ مُتَرَادّاً فإِنَّ الجَارِي لاَ تَرَادَّ لَهُ فَهِيَ مُتَفَاصِلَةُ الأَجْزَاءِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 54

قال الرافعي: أما إذا كانت النجاسة جامدة كَالمَيتَةِ، فإن غيرت شيئاً من الماء فهو نجس، وإن لم تغير فينظر أتجري مع الماء، أم هي واقفة، والماء يجري عليها؟ فإن كانت تجري مع الماء فما فوقها الذي لم يصل إلى النجاسة وما تحتها الذي لَمْ يَصِلْ إليه النجاسة طاهران لتفاصل أجزاء الماء الجاري، فإن كل جَرْيَةٍ منه طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها بخلاف الرَّاكِدِ، فإن أجزاءه مُتَرَادَّةٌ مُتَعَاضِدَةٌ.
وأما ما على يمينها، وشمالها، وفي سمتها إلى العمق، أو وجه الماء.
فيه طريقان: أحدهما: القطع بالطهارة، لما ذكرنا من تفاصل الأجزاء.
والثاني: التخريج على قولي التباعد كالراكد، والتَّفَاصُلُ إنما يكون في طول النهر لانحدار الماء فيه لا في العَرْضِ، ومنهم من أجرى خلاف التَّبَاعُدِ فيما تحت النَّجَاسَةِ دون ما فوقها؛ لأن ما تحتها مستمد من موضعها.
وفي كلام العراقيين ما يقتضي طرده في جميع الجوانب.
فينبغي أن يعلم قوله: "فيما فوق النجاسة، وما تحتها طاهر" بالواو، إشارة إلى الخلاف المذكور، وإن كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها، فالحكم كما لو كانت جارية مع الماء، ونزيد هاهنا أن ما يجري من الماء على النجاسة، وهو قليل ينجس بملاقاتها، ولا يجوز الاغْتِرَافُ منها إذا كان بين النجاسة، وموقع الاغْتِرَافِ دُونَ القُلَّتَينِ، فإن بلغ قلتين في الطول فوجهان: أحدهما: وبه قال صَاحِبُ "التَّلْخِيص"، وأبُو إسْحَاقَ -رحمهما الله، أنه طاهر يجوز الاغتراف منه لحيلولة قدر القلتين، ودفعه النَّجَاسَة، وأصحهما، وبه قال ابن سريج: أنه نجس، وإن امتد الجَدْوَلُ فَرَاسِخَ لما سبق أن أجزاء الماء الجاري مُتَفَاصِلَةٌ، فلا يتقوى البعض منها بالبعض، ولا تندفع النجاسة إلا بأن تجتمع في حَوْضٍ، أو حفرة متراداً، وقد يسأل فيقال: ماء هو ألف قلة، وهو نجس من غير أن يتغير بالنجاسة هذا صورته.
قال الغزالي: هَذَا فِي الأَنْهَارِ المُعْتَدَلَةِ، فَأَمَّا النَّهْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّبَاعُدُ فِيهِ عَنْ جَوَانِبِ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ القُلَّتَينِ فَلاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ إِلاَّ حَرِيمُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا الحَرِيمُ مُجتَنَبٌ أيْضاً في المَاءِ - الرَّاكِدِ.
قال الرافعي: بَيَّنَا انقسام الماء الجاري إلى ماء الأنهار المعتدلة، وإلى ماء الأنهار العظيمة وذكرنا حكم القسم الأول، أما النَّهْرُ العَظِيمُ فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة، ولا يعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في التَّبَاعُدِ عما حَوَالَى النجاسة، وحَكَى في البَسِيْطِ وجهاً آخر: أنه يجري الخلات فيه أيضاً، ولا بد من بيان العظيم، والحريم، وقد أشار إلى تفسيرهما في الكتاب.
أما العظيم، فقد قال: هو الذي يمكن التباعد فيه عن جوانب

الجزء: 1 - الصفحة: 55

النجاسة كلها بقدر القلتين.
والمعتدل ما لا يمكن فيه ذلك، ويدخل فيه الجَدَاوِلُ الصَّغِيرَةُ التي يجري فيها الماء اليسير، والأنهار التي يبلغ ما بين حافتيها قدر قلتين، ولكن لا يمكن التباعد فيها بقدر قلتين من كل جانب، وذكر إمام الحرمين -رضي الله عنه- أن النهر المعتدل هو الذي يفرض تغيره بالنَّجَاسَاتِ المُعْتَادَةِ، والعظيم ما لا يمكن تَغَيُّرُهُ بها 137. قال: والبعرة في النهر المعتدل كالجيفة في الوادي العظيم، وأما الحريم فقد فسّرَه بما يتغير شكله بسبب النجاسة، يعني ما ينسب إلى النجاسة بتحريكه إياها، وانعطافه عليها، أو التفافه بها، ولهذا اعتبر التغير في الشَّكلِ دون الرَّائِحَةِ، وسائر الصفات، وفي وجوب اجتناب الحريم، وجهان حكاهما في البسيط.
أحدهما: أنه لا يجتنب كغيره.
والثاني: وهو الذي ذكره هاهنا أنه يجتنب وإن لم يوجب التباعد [لأنه] في العِيَافَةِ وَالاسْتِقْذَارِ، كالمتغير بالنجاسة.
[ثم قال: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" أيضاً] 138 وذكر في "البسيط" أنه لا يجتنب في الماء الراكد، وفرق بينه وبين الجاري على أحد الوجهين، بأن الراكد لاَ حَرَكَةَ له حتى ينفصل البعض عن البعض في الحكم، فكما يَجُوزُ الاغْتِرَافُ مما بعد من النجاسة يجوز الاغتراف من جوارها، وهذه الاختلافات تقتضي إعلام المُسْتَثْنى والمُستَثْنَى منه، في قوله: "فلا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة", لأن منهم من أوجب اجتناب غير الحريم، ومنهم من لم يوجب اجتناب [غير] الحريم أيضاً، وكذلك إعلام قوله: "وهذا الحريم يجتنب أيضاً في الماء الراكد" فهذا شرح ما ذكره، ونعود إلى المَوْعُودِ، ونذكر أموراً من شرط محصل هذا الكتاب أن يعرفها.
أحدهما: حكمه بِطَهُورِيَّةِ القليل من الجاري إذا وقعت فيه نجاسة مائعة، ولم تغيره، كأنه اختيار القول القديم الذي حكاه صاحب التلخيص، وغيره في أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، وذلك القول قد اختاره طَائِفَةٌ من الأصحاب، ووجهوه بشيء آخر سوى ما ذكره في الكتاب، وهو أن الماء الجاري وارد على النجاسة، فلا

الجزء: 1 - الصفحة: 56

ينجس إلا بالتغير، كالماء الذي تزال به النجاسة، لكن المذهب الذي عليه الجمهور، الفرق بين القليل والكثير، كما في الرَّاكِد، ونجاسة القليل بمجرد الملاقاة، وتدل عليه الأخبار الفارقة بين القليل والكثير، فإنها تَعُمُّ الرَّاكِدَ والجاري.
والثاني: لم يتعرض في تفصيل النجاسة الجَامِدَةِ للفرق بين القليل من الماء والكثير، ولا بد منه لأنه لا يمكن أن تكون مَسَائِلُه كلها مفروضة في الكثير وحده، ولا في الكثير والقليل جميعاً، وإلاَّ كان الوجهان في نجاسة الماء الجاري على المَيْتَةِ جاريين في الكثير الذي تبلغ كل جَرْيَةٍ منه قلتين فصاعداً، وهذا محال، ولا يمكن أن تكون كلها مفروضة في القليل وحده، وإلا كان خلاف التباعد جارياً فيما على يمين النجاسة ويسارها مع قلة الماء وهو بعيد؛ بَلِ الوَجْهُ الحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ عند القلة وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" (1) وغيره.
الثالث: قضية كلام الأكثرين تصريحاً، وتلويحاً، أنه لا فرق بين الحَرِيمِ وغيره لا فِي الرَّاكِدِ ولا في الجَارِي على خلاف ما ذكره.
لأنه إما أن يكون طاهراً في نفسه، أو نجساً، إن كان طاهراً، فلا معنى لوجوب الاجتناب، وإن كان نجساً، فيلزم نجاسة ما يجاوره بملاقاته حتى يتعدى إلى جميع [الراكد وإلى جميع] (2) ما في عرض النهر في الماء الجاري.

الْفَصْلُ الرَّابعُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ

قال الغزالي: فَإِنْ كَانَتْ حُكمِيَّةَ فَيَكْفِي إِجْرَاءُ المَاءِ عَلَى مَوْرِدِهَا، وَإنْ كَانَتْ عَيْنِيَّةً فَلاَ بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ عَيْنَها، فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَطهُرْ لأنَّ إِزَالَتَة سَهْلٌ، وَإاِنْ بَقِيَ لَوْنٌ بَعْدَ الحَتِّ وَالقَرْضِ فَمَعْفُوٌ عَنْهُ، وَالرَّائِحَةُ كَاللَّوْنِ عَلَى الأَصَّحِّ.139140

الجزء: 1 - الصفحة: 57

قال الرافعي: الشيء النجس يَنْقَسِمُ إلَى نَجِسِ العَيْنِ وغيره، أما نجس العين فلا يطهر بحال إلا الخمر تطهر بالتَحَلُّلِ، وجلد الميتة يطهر بالدِّبَاغِ، والعَلَقَةُ والمُضْغَةُ، والدم الذي هو حَشْوُ البيض إذا نجسناها فاستحالت حَيَوَاناً.
وأما غيره فالنجاسة تنقسم إلى حُكْمِيَّةٍ وإِلى عَيْنِيَّةٍ: أما الحكمية فهي: التي لا تحس مع تَيَقُّنِ وجودها، كالبول إذا جَفَّ على المحل ولم توجد له رائحة، ولا أثر فيكفي إجراء الماء على موردها إذ ليس ثم ما يزال ولا يجب في الإجراء عدد خلافاً لأبي حنيفة حيث شرط في إزالة النجاسة الحكمية الغسل ثلاثاً في رواية.
وفي رواية الشرط أن يغلب على ظن الغَاسِلِ طهارته، ولأحمد حيث قال في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ: يشترط الغسل سَبْعاً في جميع النجاسات كما في نجاسة الكلب.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم- لأسماء -رضي الله عنها-: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" 141 أمرها بالغسل من غير اعتبار عدد.
وأما العَينِيَّةُ فلا يكفي فيها إجزاء الماء؛ بل لا بد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة: الطعم، واللون، والرائحة، أو ما وجد منها، فإن بقي طعم لم يطهر سواء بقي مع غيره من الصفات، أو وحده، لأن الطعم سَهْلُ الإِزَالَةِ، ويظهر تصويره فيما إذا دَمِيَتْ لَثَتُهُ، أو تنجس 142 فوه بنجاسة أخرى، فغسله فهو غير طاهر ما دام يجد طعمه في

الجزء: 1 - الصفحة: 58

فيه، وإن لم يبق الطعم نظر، إن بقي اللون وَحْدَهُ وكان سهل الإزالة فلا يطهر [حتى يزول] 143 وإن كان عسر الإزالة كَدَم الحَيْضِ يُصِيبُ الثوب، وربما لا يزول بعد المُبَالَغَةِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالحَتِّ، وَالقَرْصِ فيطهَر، لما روي "أَنَّ نِسْوَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلْنَهُ عَنْ دَمِ الحَيْضِ، يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَذَكَرْنَ أَنَّ لَوْنَ الدَّم يَبْقَى، فَقَالَ الْطَخْنَهُ بِزَعْفَرَانِ" 144، المعنى: أن اللون الباقي لا أثر له، فإن كرهتن رؤيتهَ فَالطَخنَهُ بزعفران.
وعن خولة بنت يسار قالت: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن دم الحيض فقال: "اغسِلِيهِ" فقلت: أَغْسِلُهُ فَيَبْقَى أَثَرهُ [فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: [الْمَاءُ] يَكفِيكِ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثْرُهُ 145] " وإن بقيت الرائحة وحدها، وهي عَسِرَةُ الإزالة كرائحة الخمر، فهل يطهر المحل؟ فيه قولان: وقيل: وجهان: والأول أصح، أحدهما: لا، لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء العين، فصار كَالطَّعْمِ، وهذا هو القياس في اللون، لكن منعنا عنه الأخبار.
والثاني: وهو الأصح أنه يطهر؛ لأنَّا إنما احتملنا بقاء اللون لمكان المشقة في إزالته، وهذا المعنى موجود في الرائحة، وروى في اللون أيضاً وجه، أنه لا يطهر المحل ما دام باقياً، ذكره في "التتمة" ونسبه إمام الحرمين إلى صاحب التَّلْخيص، فلو أعلمت قوله "فمعفو"، إشارة إلى هذا الوجه لما كان به بأس.
لمان بقي اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ معاً، فلا يطهر المحل لقوة دلالتهما على بقاء العين، وفيه وجه ضعيف، ويتبين لك بما حكيناه أن قوله: "فإن بقي طعم لم يطهر" هذا لا يجري على إطلاقه، لأنه لا فرق بين أن يبقى وحده، أو مع غيره، من الصفات الثلاثة.
وقوله في الرائحة، واللون، غير محمول على إطلاقه؛ بل المراد ما إذا كان كل واحد منهما وحدة.
ثم لك في قوله: "وإن بقي لون بعد الحَتِّ، والقَرْصِ فمعفو" مبحثان: إحداهما: الاسْتِعَانَةُ بِالحَتِّ وَالقَرْصِ، وهل هي شرط أم لا؟ ظاهر كلامه يقتضي الاشتراط وبه يشعر نقل بعضهم، لكن الذي نص عليه المعظم خلافه، واحتجوا عليه بحديث خولة واقتصروا على الاسْتِحبَابِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

الثانية: لم قال: فَمَعْفُوٌّ، ولم يقل: فطاهر أهو نجس، لكن يعفى عنه، أم كيف الحال؟ أطلق الأكثرون القول بالطهارة، ويجوز أن يقال: إنه نجس لكن يعفى عنه كما في أثر محل الاستنجاء ودم البراغيث وليس في الأخبار تصريح بالطهارة وإنما تقتضي العفو والمسامحة، وقد تعرض في "التتمة" لمثل هذا في الرائحة، فقال: إن قلنا: لا يطهر فهو معفو عنه، كدم البراغث.
قال الغزالي: ثُمَّ يُسْتَحَبُّ الاسْتِظهَارُ بِغَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ وَفِي وُجُوبِ العَصْرِ وَجْهَانِ فَإنْ وَجَبَ العَصْرُ فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالجَفَافِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يستحب الاستظهار" يجوز أن يقرأ بالطاء والظاء - فالاستطهار طلب الطهارة، والاستظهار طلب الاحتياط، وهذا كما قال الشافعي -رضي الله عنه- في المبتدأة المميزة إذا استحيضت "لا يجوز لها أن تستظهر بثلاثة أيام"، قُرِئَ بها جميعاً، والغرض أن التَّثْلِيثَ مستحب في إزالة النجاسة، كما في رفع الحدث، واحتجوا عليه بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَرَ المُسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ بِأَنْ لاَ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا" 146 لتوهم النجاسة، فعند تحققها أولى، وإنما يَتَأَدَّى الاستحباب إذا وقعت المرة الثانية، والثالثة، بعد زوال النجاسة.
أما الغَسَلاَت المحتاج إليها لإزالة النجاسة فلا بد منها واستحباب الاستظهار يشمل النجاسة الحُكْمِيَّةَ، والعَيْنِيَّةَ، وقد حكينا عن مذهب أحمد أن العدد واجب في إزالة النَّجَاسَاتِ مطلقاً، فينبغي أن يكون قوله: "ثم يستحب" معلماً بالألف، وأما [مسألة] 147 العصر، فقد اختلفوا في حصول الطَّهَارَةِ قبله على وجهين، وبنوهما على أن الغسالة طاهرة، أم نجسة؟ إن قلنا: إنها طاهرة فلا حاجة إلى العصر، وهو الأصح، وإلا فَالغُسَالَة باقية فلا تطهر، وعلى هذا هل يكتفي [قبل العصر] (3) بالجفاف؟ فيه وجهان: أصحهما نعم: لأن زوال الغُسَالَةِ بِالجَفَافِ أبلغ منه بالعَصْرِ.
والثاني: لا، لأنا بالعصر نَتَوَهَّمُ انتقال أجزاء النجاسة [في صحبة الماء، وعند الجَفَافِ لا يزول إلا بَلَلُ الماء، وتبقى أجزاء النجاسة]، وقد يستدرك على العبارة التي ذكرها في تفريع الوجهين في الجفاف على وجوب العصر، لأن التَّفْرِيعَ على الشيء لا ينبغي أن يرفع الأصل.
ومن قال: تطهر بالجفاف، لا ينتظر منه القول بوجوب العصر، واشتراطه؛ بل الشرط عنده زَوَال البلل، إما بالعصر، أو بالجفاف فالعبارة السليمة أن يقال: إذا غسل المَحِلُّ، ولم يعصر، هل يطهر مع بقاء البلل؟ فيه وجهان: إن قلنا: لا يطهر، فهل يطهر إذا جفّ؟ فيه وجهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 60

قال الغزالي: فُرُوعٌ سَبْعَةٌ: الأوَّلُ- إِذَا أُوْردَ الثَّوْبُ النَّجِسُ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ نَجسَ المَاءُ وَلَمْ يَطْهُرِ الثَّوْبُ عَلَى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: ما سبق من طهارة المَحِلِّ بالغسل، إما مع العصر، أو دونه فيما إذا كان الماء وارداً على المحل، إما لورود المحل النجس كالثوب يغمس في إجانة فيها ماء، ويغسل فيه، فهل يطهر؟ فيه وجهان: قال ابْنُ سُرَيُج: يطهر كما لو كان الماء وارداً عليه.
وقال الأكثرون: وهو الأصح لا يطهر، لأن الملاقاة بين الماء القليل، والنجاسة يَقتضي نجاسة الماء خالفناه فيما إذا كان الماء وارداً، فإن الوارد عامل، والقوة للعامل، ويدل على الفرق أنه -صلى الله عليه وسلم- منع المُسْتَيْقِظَ من النوم من غَمْس اليَدِ فِي الإنَاءِ قبل الغسل ثلاثاً، ولولا الفرق بين الوارد، والمورود لما انتظم المنع من الغمس والأمر بالغسل، والوجه الأول فيما إذا قص بالغمس إزالة النجاسة، فاما لو ألقته الريح فيه، والماء قليل نجس الماء بلا خلاف، قال الأئمة رحمهم الله: ومن هذا نشأ ظن من نقل عن ابن سريج أن يشترط النِّيَّةَ في إزالة النجاسة.
قال الغزالي: الثَّانِي- إِذَا أَصَابَ الأَرْضَ بَوْلٌ فَأُفِيضَ عَلَيْهِ المَاءُ حَتَّى صَار مَغْلُوباً وَنَضَبَ المَاءُ طَهُرَ (ح).
وَكَذَا إِذَا لَمْ يَنْصُبْ إِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الغُسَالَةِ وَأَنَّ العَصْرَ لاَ يَجِبُ.
قال الرافعي: إذا أصابَ الأرْضَ بَوْلٌ، فصب عليها من الماء ما يغمره، وتستهلك فيه النجاسة، طهرت بعد نُضُوب الماء وقبله وجهان: إن قلنا: إن الغُسَالَةَ طاهرة والعصر لا يجب فنعم.
وإن قلناَ: إنها نجسة، والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطَّهَارَةِ على الجَفَافِ؛ بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصور لا يشترط فيه الجفاف، والنُّضُوبُ كَالعَصْرِ.
وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النَّدَاوَةُ وينقل التراب.
لنا ما روى:" أَنَّ أَعْرَابِيّاً بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ" 148، ولم يأمر بنقل التراب.
وقوله: "حتى صار مَغْلُوباً" إشارة إلى أن المعتبر أن يكون الماء المَصْبُوبُ على

الجزء: 1 - الصفحة: 61

الموضع غالباً على النجاسة، غامراً لها، ولا بأس لو أعلمته أو أعلمت قوله "طهر" بالواو، ولوجهين رويا على خلاف ظاهر المذهب: أحدهما: يجب أن يكون الماء سبعة أضعاف البول.
الثاني: يجب أن يُصَبَّ على بول الواحد ذَنُوبٌ، وعلى بول الاثنين ذَنُوبَانِ، وعلى هذا أبداً، ثم الخَمْر، وسائرِ النَّجَاسَاتِ المَائِعَةِ، كَالبَوْلِ تطهر الأرض عنها بالمُكَاثَرَةِ، ولا تقدير على ظاهر المذهب.
وقوله: "إذا حكمنا بطهارة الغُسَالَةِ، وأن العصر لا يجب"، لا ضرورة إلى الجمع بينهما؛ بل لو اقتصر على نفي وجوب العصر لحصل الغرض، فإن الخلاف في العصر مبني على الخلاف في الغُسَالَةِ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- اللَّبَّنُ المَعْجُونُ بِمَاء نَجِسٍ يَطهُرُ إِذَا صُبَّ عَلَيهِ المَاءُ الطَّهُورُ فَإِنْ طُبِخَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ المَاءِ دُونَ بَاطِنِهِ.
قال الرافعي: اللَّبَنُ النجس ضربان: أحدهما: أن يختلط بالتراب نجاسة جامدة من روث، أو عظام ميتة 149، أو غيرهما، فيضرب منه لبن، فهو نجس، ولا سبيل إلى تطهيره بحال لما فيه من عين النجاسة.
فَلَوْ طُبِخَ فالمذهب الجديد: أنه على نجاسته، وَالنَّارُ لا تطهر شيئاً؛ بل الطَّهُورِيةُ مخصوصة بالماء، وفي القديم قول أن الأرض النجسة تطهر إذا زال أثر النجاسة بالشمس، والرّيْحِ، ومرور الزمان 150، فخرج أبو زيد، والخضري، وآخرون، = تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو عن طاوس، وكذا رواه سعيد ابن منصور عن ابن عيينة فمن شواهد هذا المرسل مرسل آخر رواه أبو داود، والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني وهو تابعي.
قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء قال أبو داود: روي مرفوعاً يعني موصولاً، ولا يصح.
قلت: وله إسنادان موصولان أحدهما عن ابن مسعود رواه الدارمي والدارقطني ولفظه (فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء) وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي قاله أبو زرعة وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة: هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم لا أصل له ثانيهما عن وائلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني وفيه عبيد الله بن حميد الهذلي وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم.
انظر التلخيص 37/ 1.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

منه قولاً في تأثير النار، وقالوا: تأثير النار أشد وأقوى من تأثير الشمس.
فعلى هذا يطهر ظاهره بالطبخ، لأن النار تحرق ما عليه من النجاسة، وإن قلنا: بالجديد الصحيح، فلو غسل هل يطهر ظاهره؟ المنصوص في الأم أنه لا يطهر لانْتِشَارِ أجزاء النجاسة والْتِصَاقِهَا بِالمَحِلِّ، وزوال الجميع غير معلوم.
وقال أبو الحسن بن المرزبان 151، والففال: يطهر؛ لأن عين النجاسة قد زالت، فإذا ورد عليه الماء طهر محله النجس، والظاهر الأول.
الضرب الثاني: أن لا يختلط به نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، ولكن يعجن بماء نجس، أو بول، وهو الذي ذكره في الكتاب، فهذا اللبن يمكن تطهيره كسائر الأعيان التي أصابتها نجاسة مائعة، وطريق تطهير ظاهره إفاضة الماء عليه على سبيل غسل سائر الأعيان، وطريق تطهير باطنه أن ينقع في الماء حتى يصل الماء إلى [سائر] 152 أجزائه كالعجين بمائع نجس، إنما يطهر بوصول الماء إلى جميع أجزائه، [هذا] 153 أحكم، 154 ما لم يطبخ فإن طبخ فعلى التخريج الذي سبق يطهر ظاهره، وكذلك باطنه في أظهر القَوْلَيْن، لتأثره بالنار، وعلى الجديد: هو على نجاسته، وإذا غسل طهر ظاهره دون باطنه، لأنه استحجر بالطبخ، فلا يتغلغل الماء فيه، وإنما يطهر الكل إذا دق، حتى صار كالتراب، ثم أفيض الماء عليه، ولو كان رَخْواً لا يمتنع، نفوذ الماء فيه بعد الطَّبْخ، فهو كما قبل الطبخ 155، وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: "يطهر إذا صب عليه المَاء الطهور" ليس

الجزء: 1 - الصفحة: 63

المراد منه طَهَارَةُ الظَّاهِر وحده، بدليل قوله بعده: "فإن طبخ طهر ظاهره دون باطنه"، فإنه بين إرادة طهارة الكل [بإفاضة الماء] 156 في الأول، وحينئذ فمجرد الصَّبِّ لا يكفي؛ بل في الكلام إضمار.
المعنى: إذا صب فيه الماء الطهور حتى ينتقع فيه، ويصل الماء إلى جميع أجزائه.
وفي بعض النسخ: إذا نضب، وهو: عبارة الوسيط، وتقييد الماء بالطَّهُورِيَّةِ في هذا الموضع كالمستغنى عنه لوضوح اشتراط الطهورية في الماء الذي تزال به النَّجَاسَاتِ مطلقاً، وعدم اختصاصه بهذا الموضع، وقوله: "فإن طبخ طهر ظاهره بإفاضة الماء" جاز أن يعلم قوله بإفاضة الماء بالواو، إشارة إلى التَّخْرِيج المذكور، فإن من صار إليه قال بأنه يطهر بالطَّبْخِ، لا بإفاضة الماء عليه؛ وكذلك قولَه: "دون باطنه" لما ذكرنا أن أحد القولين على قاعدة القول المُخَرَّج طهارة الباطن أيضاً.
قال الغزالي: الرَّابعُ- بَوْل الصَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ يَكْفِي فِيهِ رَشٌّ المَاءِ (ح م) وَلاَ يَجِبُ الغَسْلُ بِخلاَفِ الصَّبِيَةِ للْحَدِيثِ.
قال الرافعي:- الواجب في إزالة النجاسات الغسل إلا في بول الصبي الذي لم يَطْعَمْ، ولم يشرب سوى اللبن، فيكفي فيه الرَّشُّ، ولا يجب الغُسْلُ 157 خلافاً لأبي حنيفة، ومالك [وأحمد] لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وُيرَشُّ عَلَى بَوْلِ الغُلاَمِ" 158. وعن "أُمِّ قَيْسٍ أَنَّهَا أَتَتْ رَسَولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِصَبِيٍّ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَتهُ فِي = عليها سماً نجساً أو غمسها فيه فشربته، ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر ليس على الأجواف هذا نصه بحروفه.
قال المتولي وإذا شرطنا سقي السكين جاز أن يقطع بها الأشياء الرطبة قبل السقي كما يقطع اليابسة.
ولو أصابت الزئبق نجاسة فإن لم يتقطع طهر بصب الماء عليه، وإن تقطع كالدهن لا يمكن تطهيره على الأصح ذكره المحاملي والبغوي.
وإزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليست على الفور، وإنما يجب عند إرادة الصلاة ونحوها.
ويستحب المبادرة بها.
قال المتولي وغيره: للماء قوة عند الورود على النجاسة فلا ينجس بملاقاتها، بل يبقى مطهراً فلو صبه على موضع النجاسة من ثوب فانتشرت الرطوبة في الثوب لا يحكم بنجاسة موضع الرطوبة، ولو صب الماء في إناء نجس ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور.
فإذا أداره على جوانبه طهرت الجوانب كلها.
قال: ولو غسل ثوب عن نجاسة فوقعت عليه نجاسة عقب عصره.
هل يجب غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة؟ وجهان: الصحيح: الثاني والله أعلم.
الروضة 1/ 139 - 140.

الجزء: 1 - الصفحة: 64

حِجْرِه فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغسِلْهُ 159. واعلم أنه لا بد من أن يصيب = داود والبزار والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام، قال البزار وأبو زرعة ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه، وقال غيره يقال اسمه إياد؛ وقال البخاري: حديث حسن ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبال عليه فقلت: البس ثوباً جديداً وأعطني إزارك حتى أغسله فقال: (إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) ورواه الطبراني من حديثها مطولاً، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في بول الرضيع: (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية)، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا لفظ الترمذي، وقال: حسن، رفعه هشام ووقفه سعيد.
قلت: إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني، وقال البزار: تفرد برفعه معاذ ابن هشام عن أبيه، وقد روى هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها إسناداً حديث علي، وروى أحمد وابن ماجة والطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أم كرز قالت: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بصبي فبال عليه، فأمر به فنضح، وأتي بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل وفيه انقطاع، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل عنه عن أبيه عن جده كالجادة أخرجه الطبراني في الأوسط، وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني وإسناده ضعيف، فيه إسماعيل بن مسلم المكي لكن رواه أبو داود من طريق الحسن عن أمه أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية وسنده صحيح، ورواه البيهقي من وجه آخر عنها موقوفاً أيضاً وصححه، وعن أنس وفي إسناده نافع أبو هرمز وهو متروك، وعن زينب بنت جحش رواه عبد الرزاق، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وعن امرأة من أهل البيت رواه أحمد بن منيع في مسنده.
قال: حدثنا ابن علية ثنا عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز عن حسين بن علي أو ابن حسين بن علي حدثتنا امرأة من أهلنا، وعن ابن عمر وابن عباس نحو ذلك، وفي أحاديث أكثر هؤلاء أن صاحب القصة حسن أو حسين بن علي، وروى الدارقطني من حديث عائشة قالت: بال ابن الزبير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذته أخذاً عنيفاً فقال: (إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله)، وإسناده ضعيف، وأصله في البخاري بلفظ (أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسل)، وروى الطبراني في الأوسط من حديث الحسن البصري عن أمه أن الحسن أو الحسين بال على بطن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهبوا ليأخذوه فقال: (لا تزرموا ابني) الحديث، وفي المصنف وصحيح ابن حبان عن ابن شهاب مضت السنة أنه يرش على بول من لم يأكل الطعام من الصبيان.
قال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين بول الغلام والجارية إذا ضم بعضها إلى بعض قويت، وكأنها لم تثبت عند الشافعي حتى قال: ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، قلت: قد نقل ابن ماجة عن الشافعي فرقاً من حيث المعنى، وأشار في الأم إلى نحوه.
انظر التلخيص 1/ 37، 38، 39.

الجزء: 1 - الصفحة: 65

الماء جميع موضع البول، ثم لا يراده ثلاث درجات: إحداها: النَضْحُ المُجَرَّدُ.
الثانية: النَّضْحُ مع الغَلَبَةِ والمُكَاثَرَةِ.
الثالثة: أن ينضم إلى ذلك الجَرَيانُ، والسَّيَلاَنُ، ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة، وهل يحتاج إلى الثانية؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، [والرش، وَالغُسلُ يفترقان في أمر السَّيَلاَن، والتَّقَاطُر، وهل يلحق بول الصبية ببول الصبي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم] 160، كما يستوي بول الرجل والمرأة في الحكم.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلحق به، للخبر، ويفرق بينهما من جهة المعنى، بأن بول الصبي، كالماء، وبول الصبية أصفرُ ثَخِينٌ، وأيضاً بأن طبعها أحَرُّ فبولها ألصَقُ بِالمَحِلِّ.
قال الغزالي: الخَامِسُ- وُلُوغُ الكَلْبِ يُغسَلُ سبعاً إِحْدَاهُن بالتَّرَاب وَعَرَقُهُ وَسَائِرُ أجزَائِهِ كَاللُّعَابِ وَفِي إِلْحَاقِ (م) الخِنْزِيرِ بِهِ قَوْلاَنِ: وَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقومُ الصَّابُونُ والأَشْنَانُ (ز) مَقَامَ التُّرَابِ وَلاَ الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ نَجِساً أَوْ مُزجَ بالخَلِّ فَوَجهَانِ وَلو ذُرَّ التُّرَابُ عَلَى المَحَلِّ لَمْ يَكْفِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ مَائِع يُعَفَّرُ بِهِ فَيُوصِلُهُ إِلَيهِ.
قال الرافعي: وُلُوغُ الكَلْب ما ولغ فيه، والولوغ: المصدر، وقاعدة الفرع: أنه يغسل من ولوغ الكلب سَبْعاً، إحَداهن بالتراب خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: حكمه حكم سائر النجاسات ولأحمد حيث قال في رواية: يغسل ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ.
لنا ما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيُرِقْهُ، وَليَغسِلُهُ سَبعاً أُولاَهُنَّ، أَوْ إحْدَاهُن بِالتُّرَابِ" 161. ثم فيه مسائل: إحداها: عَرَقهُ، وسائر أجزائه، وَفَضَلاته كاللُّعَاب، إذا تنجس الشيء بها، وجب العدد وَالتَّعْفِيرُ؛ لأن فمه أنظف من غيره كما سبق، فإذا ورد التَّغْلِيظُ فيه، ففي غيره أولى، وفي وجه أن غير اللعاب كسائر النجاسات، قياساً، وعند مالك -رحمه الله- لا يغسل من غير الولوغ؛ لأن الكلب طاهر عنده، والغُسْلُ من الوُلُوغ تعبد.
الثانية: في إلحاق الخنزير بالكلب في هذا التَّغْلِيظِ قولان: الجديد: أنه يلحق به؛

الجزء: 1 - الصفحة: 66

لأنه حيوان نجس العين، والسؤر كالكلب، فهو أولى بالتغليظ؛ لأنه لا يجوز اقتناؤه بحال، والقديم: أنه لا يلحق به؛ لأن القياس يقتضي الاقتصار على المرة الواحدةِ، وإنما ورد التغليظ في الكلاب فطماً لهم عن عادة مخالطتها، ومنهم من قطع بإلحاق الخِنْزِيرِ بِالكَلْب، ولم يثبت القول القديم ذلك أن تعلم قوله "قولان" بالواو، وتشير إلى هذه الطريقة الثانية.
الثالثة: هل يقوم الصابون والأَشْنَانُ مقام التراب؟ فيه ثلاثة أقوال: أظهرها: لا لظاهر الخبر؛ ولأنها طهارة متعلقة [بالتراب] 162، فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم.
والثاني: نعم كَالدِّبَاغ يقوم فيه غَيْرُ الشّب وَالقَرَظِ 163 مقامهما، وكالاسْتنْجَاءِ يقوم فيه غير الحِجَارَةِ مقامها.
الثالث: إن وجد التراب لم يعدل إلى غيره، وإن لم يجده جاز إقامة غيره مقامه للضرورة، ومنهم من قال: يجوز إقامة غير التراب مقامه فيما يفسد باستعمال التراب فيه، كالثياب، ولا يجوز فيما لا يفسد كالأواني.
الرابعة: لو اقتصَر على الماءِ، وزاد في عدد الغَسَلاَتِ على السَّبْعِ، هل يطهر؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
لظاهر الخبر؛؟ ولأنه غلظ أمر هذه النجاسة بالجمع فيه بين جنسين، فلا يجوز الاقتصار على أحدهما، كَزِنَا البِكْرِ لَمَّا غِلُظَ أمره بالجمع بين الجلد وَالتَّغْرِيب، لا يقتصر على أحدهما.
والثاني: نعم؛ لأن المقصود التطهير، والماء أبلغ في التطهير من التراب، ثم منهم من رتب هذا الخلاف على أن الصابون والأشنان ونحوهما، هل تقوم مقام التراب أم لا؟ إن قلنا: لا، فكذلك الغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ، وإن قلنا: نعم، فهاهنا وجهان؛ لأن ثَمّ استعان بشيء آخر سوى الماء، ومنهم من بَنَاهُ على الخلاف فيما إذا غمس الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء كثير، هل يطهر أم لا يعتد بذلك إلا غسلة واحدة؟ ويجب غسله ستاً إحداهن بالتراب، فإن قلنا بالأول طهر بالغسلة الثامنة، وإن قلنا بالثاني فلا، وحكى القاضي الروياني في المسألة وجهاً ثالثاً: أن الغَسْلَةَ الثامنة تقوم مقام التراب عند عدمه، ولا تقوم مقامه عند وجوده، وزهو نظير القول الثالث في المسألة السابقة.

الجزء: 1 - الصفحة: 67

الخامسة: لو كان التراب نجساً ففيه وجهان: أحدهما: يُجزِئُ كالدَّبْغِ بالشيء النجس فإن المقصود الاسْتِعَانَةُ على القلع بشيء آخر، وأصحهما: لا، كما لو تيمم بالتراب النجس وهذه المسألة تناظر مسألة أخرى وهي: أن الأرض الترابية لو تنجست بإصابة الكلب إياها، هل يحتاج في تطهيرها إلى التراب؟ أم يكفي مَحْض الماء، إن قلنا: يجوز التطهير بالتراب النجس، فلا حاجة إلى تراب آخر، وإن قلنا: لا يجوز، فلا بد من استعمال ترابٍ آخر، والأظهر في هذه المسألة أنه لا حاجة إلى استعمال التراب؛ لأنه لا معنى للتعفير في التراب.
السادسة: لا يكفي ذَرُّ التراب على المحل وإن غسله سبعاً؛ بل لا بد من مائع يمزجه به، ليصل التراب بوساطته إلى جميع أجزاء المحل، ثم ذلك المائع إن كان ماءً حصل الغرض، وإن كان غيره كَالخَلِّ وَمَاءِ الوَرْدِ وغسله ستاً بالماء، فوجهان: أحدهما: يكفي؛ لأن المقصود من تلك الغَسْلَةِ التراب، وأصحهما: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيَغسِلْهُ سَبْعاً إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ".
المعنى: فليغسله بالماء سبعاً، وإلا لجاز الغسل [سبعاً] 164 بغير الماء وبَنى طبقةٌ من الأئمة، ومنهم صاحب الكتاب الخلاف في المسائل [الأربعة] 165 الأخيرة على النظر في أن التعفير لماذا روعي؟ فمنهم من قال: هو تَعَبُّدٌ يتبع فيه ظاهر النقل وقيل: سببه الاستظهار بغير الماء، وقيل: سببه الجمع بين نوعي الطهور فعلى الأول: لا يغني استعمال غير التراب [وعلى الثاني يجوز استعمال غير التراب] 166 والتراب النجس، والممزوج بسائر المائعات، لكن لا تجزى الغسلة الثامنة.
وعلى الثالث يمنع الكل إلا المزج بسائر المائعات، وقد يتوقف المتأمل في بعض هذه التفاريع.
وقوله: في الأصل "بل لا بد من مائع يغيره لِوصله إليه" يجوز أن يقرأ بالياء من التغيير، أي: يغير التراب ذلك المائع، فيوصل المائع التراب إليه، ويمكن أن يجعل الفعل للمائع على معنى أنه يغير التراب عن هيئته فيتهيأ للنفوذ، والوصول إلى جميع الأجزاء، وفي بعض النسخ "يغير به" وكل جائز 167.

الجزء: 1 - الصفحة: 68

قال الغزالي: السَّادِسُ- سُؤرُ الهِرَّةِ طَاهِرٌ فَإِنْ أكَلَتْ فَأَرَةً ثِم وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ تَلِغَ فِي الحالِ أَوْ بَعْدَ غَيْبَةٍ مُحْتَمَلَةٍ للُولُوغِ فِي المَاءِ الكَثِيرِ وَالأحْسَنُ 168 تَعْمِيمُ العَفْوِ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: سُؤْرُ الهِرَّةِ طاهر؛ لأنها طاهرة العين، وما هو طاهر العين، فهو طاهر السؤر، ولذلك لما تعجبوا من إصغاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإناء للهرة قال: "أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّهَا مِنَ الطوْافِينَ عَلَيْكُمْ" 169. = يحسب شيئاً؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: واحدة، ويستحب أن يكون التراب في غير السابعة، والأولى أولى.
ولو ولغ في ماء لم ينقص برلوغه عن قلتين فهو باق على طهوريته، ولا يجب غسل الإناء.
ولو ولغ في شيء نجسه فأصاب ذلك الشيء آخر وجب غسله سبعًا.
ولو ولغ في طعام جامد، ألقى ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته وإذا لم يرد استعمال الإناء الذي ولغ فيه لا يجب إراقته على الصحيح الذي قطع به الجمهور.
وفي (الحاوي) وجه أنه يجب إراقته على الفور للحديث الصحيح بالأمر بإراقته، ولو ولغ في ماء كثير متغير بالنجاسة ثم أصاب ذلك الماء ثوبًا قال الروياني: قال القاضي حسين: يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب، لأن الماء المتغير بالنجاسة كخل تنجس، ولو ولغ حيوان تولد من كلب أو خنزير وغيره أو من كلب وخنزير فقد نقل فيه صاحب (العدة) الخلاف في الخنزير، لأنه ليس كلباً.
والله أعلم.
الروضة 1/ 143.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

جعل طهارة العين علة طهارة السؤر، فلو أكلت فأرة، أو تنجس فمها بسببٍ آخر، ثم ولغت في ماء قليل، ونحن نتيقن نجاسة فمها بعد، فهل ينجس؟ فيها وجهان: أحدهما: لا، لكثرة اختلاطها وعسر الاحتراز، "وَلأنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصْغِيَ للهِرَّةِ لها الإنَاءَ" ولا شك أنه تعتري النجاسة لفيها، ولم يكن بقرب جحر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ماء كثير ترده الهرة.
وأصحهما: نعم، كسائر النجاسات، والاحتراز وإن عسر، فإنما يعسر عن مطلق الولوغ فأما عن الوُلُوغِ بعد تيقن نجاسة الفم فممنوع.
= وأما حالهما فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين وأما كبشة فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها.
والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك، وإن كل من خرج له فهو ثقة عند ابن معين، وأما كما صح عنه فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك وإلا فالقول ما قال ابن منده.
جعل الرافعي تبعاً للمتولي: الذي أصغى الاناء للهرة هو النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه قال: لما تعجبوا من إصغاء الرسول الاناء للهرة قال: (إنها ليست بنجسة) انتهى.
والمعروف في الروايات ما تقدم نعم روى البيهقي من حديث عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة يصغي الاناء للهرة فتشرب، ثم يتوضأ به، فقيل له في ذلك فقال: ما صنعت إلا ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع، وروى ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من طريق محمد بن إسحاق عن صالح عن جابر قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع الاناء للسنور فيلغ فيه، ثم توضأ من فضله.
ورواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي عن عبد ربه بن سعيد المقبري عن أبيه عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تمر به الهرة فتصغي لها الاناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها، وعبد ربه هو عبد الله متفق على ضعفه، واختلف عليه فيه فقيل عنه هكذا، وقيل عنه عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة، ورواه الدارقطني من وجه آخر عن عروة عن عائشة، وفيه الواقدي، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجه آخر رواه أبو داود من طريق الدراودي عن داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة قالت: فوجدتها تصلي فأشارت إليّ أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، وقالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) ورواه الدارقطني، وقال: تفرد برفعة داود بن صالح، وكذا قال الطبراني والبزار وقال: لا يثبت ورواه الدارقطني والعقيلي من حديث سليمان بن مسافع عن منصور ابن صفية عن أمه عن عائشة، ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الشعبي عن عائشة، وفيه انقطاع، ورواه الدارقطني، وابن ماجة من طريق أخرى عن عمرة عن عائشة قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك، وفيها حارثة بن محمد، وهو ضعيف قال الدارقطني تفرد به عن مصعب، بل ماهان عن الثوري ورواه الخطيب من وجه آخر وفيه سلم بن المغيرة وهو ضعيف.
قال الدارقطني: تفرد به عن مصعب بن عاهان عن الثوري عن هشام عن أبيه عن عائشة والمحفوظ عن الثوري عن حارثة.
انظر التلخيص 1/ 41 - 42 - 43.

الجزء: 1 - الصفحة: 70

وتغطية رأس الإناء هينة، وإصغاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتمل أنه كان عند العلم بالطهارة، أو عدم العلم بالنجاسة، وإن لم يتيقن عند الولوغ أن فمها نجس، بعدُ، فإن غابت، واحتمل ولوغها في ماء كثير، أو ماء جارٍ (1) فهل ينجس؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ماء معلوم الطهارة، فلا يحكم بنجاسته بالشك.
والثاني: نعم استصحاباً لنجاسة الفم، إذ لم تتيقن طهارته، والأول: أظهر، وصاحب الكتاب قد جمع بين الحالتين، وجعل المسألة على ثلاثة أوجه، وهو حسن لكن اختار تعميم العفو هو خلاف ما صححه معظم الأصحاب والله أعلم.

فَصْلٌ فِي غسالَةِ النَّجَاسَةِ

قال الغزالي: السَّابعُ- غُسَالَة النَّجَاسَةِ إِنْ تَغَيَّرَتْ فَنَجِسَة وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرُ فَحْكْمُهَا حُكْمُ المَحَلِّ بَعْدَ الغَسْل إِنْ طَهَّرَ فَطَاهِرٌ (ح) وَفِي القَدِيم: هِيَ طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَقِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ المَحَلِّ قَبْلَ الغَسْلِ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُة في رَشَاشِ الغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ.
قال الرافعي: الماء المستعمل في إزالة النجاسة وهو الغُسَالَةُ، إما أن يتغير بعض أوصافهِ بالنجاسة فهو نجس، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ"، أو لا يتغير ففيه ثلاثة أقوال: الجديد: أن حكمه حكم المحل بعد الغسل إن كان نجساً بعد فهو نجس، وإلا فطاهر غير طهور؛ لأن البلل الباقي في المحل بعضه، والماء الواحد القليل لا يتبعض في الطهارة، والنجاسة، وإنما حكمنا بسقوط الطهورية لما سبق في المستعمل في الحدث.
والثاني: وهو مخرج على الجديد، أنه نجس؛ لأنه ماء قليل أصابته نجاسة، والعبارة عن هذا القول أن حكم الغُسَالَةِ حكم المحل قبل استعمالها فيه، كما في المستعمل في الحدث، ومنه خرج.
والثالث: وهو القول القديم: أنه طاهر طهور بكل حال، لما سبق في توجيه [القول] 171 القديم في المستعمل في الحدث، والعبارة عنه أن حكم الغُسَالَةِ حكمها قبل الوُرُودِ على المَحِلِّ، ومنهم من يعبر عن هذا الخلاف بالوجوه؛ لأنها غير منصوصة ويخرج على هذا الخلاف: غسالات الماء المستعمل في إزالة نجاسة الكلب فلو تطاير170

الجزء: 1 - الصفحة: 71

منها شَيْءٌ في المرة الأولى إلى ثوب أو غيره غسل ذلك الموضع على الأول ست مرات؛ لأنه حكم المحل المغسول بعد تلك الغسلة وعلى الثاني يغسل سَبْعاً؛ لأنه حكم المحل قبل تلك الغسلة، وعلى الثالث لا حاجة إلى غسله أصلاً، وعلى هذا لو تطاير من السابعة غسل على القول الثاني مرة ولا يغسل منها أصلاً، فقس المرة الثانية وما بعدها حتى تنتهي إلى المرة السابعة، فيغسل منهما على القول الثاني مرة، ولا يغسل منها أصلاً على الأول والثالث ومتى وجب الغسل عنها نظر هل سبق التعفير المرة المضاف منها أم لا؟ فإن لم يسبق لزم رعايته، وفي وجه: لكل غسلهَ سبع حكم المحل؛ لأنها تزيل سبع النجاسة فيغسل منها مرة، وهذا الوجه يتضمن التسوية بين الغسلة المشتملة على التعفير، وبين سائر الغسلات، وهو إسقاط لأثر التعفير، ولا يخفى عليك بعد هذا أن قوله: "حكمه حكم المحل قبل الغسل"، أي: قبل ذلك لا قبل مطلق الغسل وإن ذكر الغسلة الثانية جرى على سبيل المثال والكناية في قوله: "وتظهر فائدته" تجوز أن يعود القول الثالث، وتجوز أن يعود إلى الخلاف، واستخراج العبارات الثلاث، والأول أحسن وأولى، فهذا شرح ما في الكتاب على النظم، وينبغي أن يتنبه فيه لمسائل: إحداها: أن ما ذكره من الخلاف مخصوصٌ بالماء القليل إذا غسل به النجاسة، وإن أطلق اللفظ وإلافلا خلاف في أن الكثير لا ينجس إلا بالتغير.
الثانية: أطلق الخلاف فيما إذا لم يتغير، ولو لم يتغير ولكن ازداد وزنه عند الانفصال على ما كان فهو نجس بمثابة ما لو تغير على أصح الوجهين.
الثالثة: الخلاف المذكور في المستعمل [إزالة النجاسة (1) الواجبة]، أما المستعمل في مندوبها ففيه وجهان: أظهرهما: أنه طاهر طهور بلا خلاف.
والثاني: أنه كالمستعمل في واجبها فيعود فيه القول الأول، والثالث دون الثاني.
الاجتهاد في الماء المشتبه

البَّابُ الثَّالِثُ في الاجْتِهَادِ

قال الغزالي: مَهْمَا اشْتَبَهَ إِنَاءٌ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ عَنْ عَدْلٍ بإنَاءٍ طَاهِرٍ لَمْ يَجُزْ (و) أَخْذِ أَحَدِ الاِنَاءَينِ إِلاَّ باجتِهَادٍ (ز) وَطَلَبِ عَلاَمَةٍ تَغْلِبُ ظَنَّ الطَّهَارَةِ.172

الجزء: 1 - الصفحة: 72

قال الرافعي: إذا اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس، واحتاج إلى الطَّهَارَةِ فماذا يفعل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يستعمل ما شاء من غير اجتهاد ونظر؛ لأن الذي يقصده بالاستعمال غير معلوم النجاسة، والأصل فيه الطهارة.
والثاني: إنما يأخذ أحدهما إذا ظن طهارته، ولكن لا يشترط استناده إلى اجتهاد، وَأَمَارَةٍ؛ بل له أن يأخذ بما سبق وهمه إليه، وكفى ذلك مرجحاً لأصل الطهارة.
والثالثة: وهو المذهب ولم يذكر في الكتاب سواه أنه لا يجوز أخذ أحدهما إلا بالاجتهاد، وطلب علامة تغلب ظن طهارة المأخوذ، ونجاسة المتروك، لأن أصل الطهارة عارضة يقين النجاسة، وعرفنا أن ذلك الأصل، صار متروكاً إما في هذا، أو في ذاك، فيجب النظر في التعيين.
وقال المزني: يتيمم ولا يجتهد، وإن كان الاشتباه في ثوبين صلى فيهما صلاتين، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجتهد في الثياب، ولا يجتهد في الأواني إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر.
لنا قياس الأواني على الثياب، وقد أعلموا لفظ الكتاب بالعلامات المشعرة بهذه الاختلافات.
فقوله: "لم يَجُزْ" معلم بالواو، ولفظ "الإنائين" معلم بالحاء.
وقوله: "إلا باجتهاد" بالألف والزاي، ولو كان سبب الاشْتِبَاهِ إخبار عَدْلٍ إياه عن نجاسة أحدهما على الإبهام، وجب الاجتهاد كما لو عرفه بنفسه، وكذلك لو أخبره عن نجاسة أحدهما بعينه، ثم اشتبه عليه، وسبيله سبيل الرواية، وكل من تقبل روايته من ذَكَرٍ وأُنْثَى وعبد وحر يقبل قوله في ذلك، بشرط العدالة، وهل يقبل قول الصبي المميز؟ فيه وجهان 173 ويشترط أن يعلم من حال المخبر أنه لا يخبر إلا عن حقيقة؛ لأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسات، فقد يظن ما ليس بنجس منجساً، ولعلك تقول لفظ الكتاب يقتضي أن يكون إخبار العدل مفيداً لليقين؛ لأنه قال: "تيقن نجاسته، بمشاهدة، أو سماع من عدل" وقول الواحد لا يفيد اليقين، فاعلم أن الفقهاء كثيراً ما يعبرون بلفظ المعرفة واليقين عن الاعتقاد القوي علماً كان أو ظناً مؤكدًا، أو يجري ذلك في لسان أهل العرف أيضاً، وهذا على ذلك المذهب، ولك أن تستفيد من قوله: "لم يَجُز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد".
فائدة وهي: النظر فيما لو خرج أحد الإنائين عن أن يستعمل إما بالانْصِبَابِ أو بِتَقَاطُرِ شيء من الآخر فيه، هل يحتاج إلى الاجتهاد في الثاني؟ الذي يقتضيه لفظ الكتاب أنه يحتاج إليه، وهو الظاهر، وفيه وجهان آخران:

الجزء: 1 - الصفحة: 73

أحدهما: يتوضأ به من غير تحر.
والثاني: لا يتوضأ به أصلاً، بل يتيمم.
وقوله: إلا بالاجتهاد وطلب علامة تغلب ظن الطهارة ليس به إلا الإيضاح، ولو اقتصر على قوله لم يجز أخذ أحد الإنائين إلا بالاجتهاد.
أو قال: إلاَّ بطلب علامة لحصل به الغرض.
قال الغزالي: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَةُ أَحَدِ الإِنَاءَيْنِ بِكَوْنِهِ مِنْ مِيَاهِ مُدْمِنِي الخَمْرِ وَالكُفَّارِ المُتَدَيّنينَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَاسْتِيقَانِ النَّجَاسَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَينِ وَعَلَيْهِ تَمْتَنِعُ الصَّلاةُ فِي المَقَابِرِ المَنْبُوشَةِ وَمَعَ طِينِ الشَّوَارعِ وَكُلِّ مَا الغَالِبُ نَجَاسَتُة.
قال الرافعي: الشيء الذي لم يتيقن نجاسته، ولكن الغالب في مثله النجاسة يستصحب طهارته، أم يؤخذ بنجاسته، قولان: أحدهما: يستصحب طهارته تمسكاً بالأصل المتيقن إلى أن يزول بيقين بعده كما في الإحداث.
والثاني: يؤخذ [بنجاسته] 174 عملاً بالظنِّ المستفاد من الغلبة بخلاف الإحداث، فإن عروضها كثر فخفف الأمر فيها بطرح الظن كالشك، ويشهد هذان القولان لقولي تعارض الأصل والظاهز 175، وللمسألة نظائر كثيرة منها ثياب مدمني الخمر وَأَوَانِيهِمْ، وثياب القَصَّابِينَ 176، والصبيان الذين لا احتراز لهم عن النجاسات وطين الشوارع، حيث لا تتيقن نجاسته، والمقابر المَنْبُوشَة، حيث لا تتيقن النجاسة، ومنها أواني الكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسات كالمجوس، يغتسلون بِبَوْلِ البَقَرِ، ويتقربون بذلك، ولا يلحق بهم الكفار الذين لا يتدينون باستعمالها، كاليهود والنصارى، نعم المنهمكون منهم في الخمر والتلوث بالخنزير.
يجري في ثيابهم وأوانيهم القولان لا محالة كمدمني الخمر من المسلمين، وربما أطلقوا نقل القولين فيما إذا غلب على الظن النجاسة ولم يستيقن، ولكن له ما شرط، وهو أن تكون غلبه الظن مستندة إلى أن الغالب في مثله النجاسة، أما لو كان سبب الظن غير ذلك لم يلزم طرد القولين، حتى لو رأى ظَبْيَةً تبول في ماء كثير، وكان بعيداً عن الماء، فانتهى إليه ووجده متغيراً، وشك في أن تغيره بالبول، أم بغيره فهو نجس، نص عليه الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه -رضوان الله

الجزء: 1 - الصفحة: 74

عليهم أجمعين- ثم الظاهر من القولين استصحاب الأصل فإنه أصدق وأضبط من الغالب الذي يختلف باختلاف الزمان، والأحوال، والنقل يعضد ذلك، مثل ما روى "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- حَمَلَ أَمَامَةَ بِنْتَ أَبِي العَاصي فِي صَلاَتِهِ" 177، وكانت هي بحيث لا تحترز عن النجاسات.
إذا تقرر هذا الأصل.
فنقول: إنْ ألحقنا عليه الظن باليقين، فلو اشتبه عليه إناء طاهر بإناء الغالب في مثله النَّجَاسَةِ كان كما لو اشتبه بإناء مُسْتَيقَنِ النجاسة، فيحتاج إلى الاجتهاد كما سبق.
وإن لم نلحقها باليقين فلا حاجة إلى الاجتهاد، ويستعمل أيهما شاء وكليهما أيضاً.
وقوله: "وعليه يخرج امتناع الصلاة في المقابر المَنْبُوشَةِ"، وفي بعض النسخ "وعليه تمتنع الصلاة" أي: على قول إلحاق الغلبة باليقين تمتنع الصلاة في المقابر المنبوشة وكذلك حكم التيمم بترابها، وامتناع الصلاة مع طِيْنِ الشوارع 178 ونحوه ويجوز أن يرجع الكناية 179 في قوله: "وعليه يخرج" إلى الخلاف.
قال الغزالي: ثُمَّ لِلاجْتِهَادِ شَرَائِطُ: الأَوَّلُ- أنْ يَكُونَ لِلْعَلاَمَاتِ مَجَالٌ فِي المُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَجُوزُ (ز) الاجتِهَادُ في الثِّيَابِ وَالأوَانِي وَلاَ يَجْوزُ فِي تَمْييزِ المُحَرَّمِ وَالمَيِّتَةِ عَن المُذَكَّاةِ وَالأَجْنَبِيَّةِ.
قال الرافعي: الشرائط 180 جمع شريطة، وحقها أن يقال: الأولى والثانية، فقوله:

الجزء: 1 - الصفحة: 75

"الأوَّل" والثاني محمول على المعنى.
التقدير الشرط الأول والثاني، إذا عرفت ذلك فمن شرائط الاجتهاد: أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه، فيجوز في الثياب والأواني إذا اشتبه بعضها ببعض؛ لأنها مجال العلامات على ما سيأتي، أما إذا كان الاشتباه فيما لا يتوقع ظهور الحال فيه بالعلامات لفقدها، فلا يجوز الاجتهاد كما لو اختلط محرم له بنسب أو رضاع بأجنبية، أو أجنبيات محصورات، فلا يجوز له نكاح واحدة بالاجتهاد إذ لا علامة تمتاز [بها المحرم عن الأجنبية.
ولو اشتبه عليه مَيْتَةُ وَمُذَكَّاةَ، أو لَبَنُ بِقَرٍ بِلَبَنِ أَتَانٍ 181 فوجهان: أصحهما: لا يجتهد أيضاً إذ لا علامة] 182. والثاني: يجتهد إذ الميتة تطفو على الماء.
واعلم أنه لو منع مانع فقد الأمارات في المحرم والأجنبية وادعى إمكان الامتياز بالأمور الخلقية والأخلاق وغيرها لم يبعد، وكذلك في الصورة الثانية؛ ثم إنما ينتظم التعليل لفقد الأمارات إذا اعتبرنا في الاجتهاد النظر في الأمارات أما إذا قلنا: يأخذ بما سبق وهمه إليه فليست العلَّةُ هذا، وإنما العلَّة فيه أن سبق الوَهْم إنما يؤخذ به اعتماداً على أن الأصل في الماء الطهارة، وهاهنا الأصل في الأَبْضَاعِ الحرمة، وليست اللحوم على الإباحة أيضاً ألا تَرَى أنه لو ذبح المُشْرِفُ على الموت وشك في أن حركته عند الذبح كانت حركة المذبوح، أو حياة مستقرة يغلب التحريم، ولك أن تقول في توجيه المنع على قاعدة اعتبار العلامات: [إن فقدت العلامات هاهنا، فقد تعذر الاجتهاد، وإن وجدت فالعلامات] (3) إنما تعتمد عند تأييدها بالأصل لما سيأتي، ولم توجد هاهنا.
قال الغزالي: الثَّانِى- أَنْ يَتَأَيَّد الاجتِهَادُ باسْتِصْحَابِ الحَالِ فَلاَ يَجُوزُ الاجتِهَادُ عِنْدَ اشتِبَاهِ البَوْلِ أَوْ مَاءِ الوَرْدِ (ح) بِالمَاءِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَينِ.
= علامات لازمة دالة على الصحة والتوثق، وفي اصطلاح أهل العلم هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يلزم من عدم الحكم أو عدم السبب لحكمه في عدمه تنافي حكمه الحكم أو السبب أو هو: ما يتعلق به الوجود دون الوجوب، ويكون خارجاً عن ماهيته، فشرط الشيء ما يتفق عليه ثبوته، وحصوله له، لا وجوبه، انظر تفصيل الشرط في فتح الغفار 3/ 73، أصول السرخسي 2/ 302، روضة الناظر 31، مسلم الوصول 1/ 61، شرح الكوكب المنير 1/ 451. وشرح مختصر المنتهى 2/ 7، شرح جمع الجوامع 2/ 20، غاية الوصول 13.

الجزء: 1 - الصفحة: 76

قال الرافعي: إذا اشتبه عليه مَاءٌ وَبَولٌ، أو ماء ومَاءُ وَرْدٍ، فهل يجتهد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم اعتماداً على الأمارات كما في الماء النجس.
وأصحهما: لا؛ لأن الاجتهاد وهم أو رجم ظن لا يعتمد إلا إذا اعتضد بأصل الطهارة والطهورية، فعلى هذا يعرض هاهنا في الصورة الأولى ويتيمم، وفي الثانية: يتوضأ بهذا مرة، وبهذا مرة.
وإن قلنا: بالأول فلا شك أن هاهنا لا يكتفي بسبق الوهم لفقد الأصل، فلا بد من الأمارات، وبنى بعضهم الخلاف في الصورتين جميعاً على الخلاف في أَنَّا هل نكتفي في الاجتهاد بسبق الوهم أم يعتبر النظر في الأمارات؟ إن قلنا بالأول فلا يجتهد، وإن قلنا بالثاني فيجتهد.
قال الغزالي: الثَّالِثُ- أَنْ يَعْجَزَ عَنِ الوُصُولِ اِلَى اليَقِينِ، فَانْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرِ امْتَنعَ الاجتِهَادُ فِي الأَوَانِي وَالثِّيَابِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ.
قال الرافعي: هل يجتهد مع إمكان الطهارة فيه وجهان: أحدهما: لا, لأن الاجتهاد إنما يصار إليه عند العجز عن درك اليقين، ألا ترى أن في الحوادث لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص؟ وأظهرهما: نعم؛ لأن تركه التطهير بالماء المقطوع بطهارته، والعدول إلى المشكوك في طهارته جائز، وهذا أصل يتخرج عليه مسائل.
منها: ما إذا كان على شَطِّ نَهْرٍ أمكنه التطهر به، والإعراض عن المائين المشتبهين جميعاً، وأمكن غسل الثياب المشتبهة به، وهذه الصورة هي المذكورة في الكتاب.
ومنها: أن يكون عنده قُلَّتَا ماء، إحداهما نجسة من غير تغير ولو جمعهما لبلغ المجموع قلتين.
ومنها: أن يشتبه عليه ماء طهور وماء مستعمل.
ومنها: أن يشتبه عليه ماء، وَمَاءُ وَرْدٍ، فيجري الوجهان في جميع هذه الصورة إلا أن الظاهر في الصورة الأخيرة منع الاجتهاد، لا من جهة هذا الأصل؛ بل للمعنى الذي سبق.
قال الغزالي: الرَّابعُ- أَنْ تَلُوحُ عَلاَمَةُ النَّجَاسَةِ كَحَرَكَةِ المَاءِ أَوْ نُقْصَانِهِ أَوْ انصِبَابِهِ أَو ابْتِلاَلِ طَرَفِ الإِنَاءِ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ بِولُوغِ الكَلْبِ وَيَشتَرِكُ فِي ذِرْكِهِ الأَعْمَى (و) وَالبَصِيرُ فَإنْ لَمْ تَلُحْ عَلاَمَةُ صَبِّ المَاءِ وَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّبِّ وَجَبَ القَضَاءُ لأَنَّ مَعَهَ مَاءً طَاهِراً بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: إن قلنا يأخذه ويستعمله من غير اجتهاد، أو قلنا ما سبق وهمه إلى طهارته أخذ به فلا يحتاج إلى العلامات، وَإنِ اعتبرنا الأمارات والعلامات، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 77

الصحيح، وعليه بني صاحب الكتاب الكلام، فلا بد من أن تلوح علامة النجاسة ليمتاز عنده النجس عن الطاهر.
مثال ذلك: أن يَعرف أن سبب النجاسة وُلُوغُ الكلب، ثم يرى نُقْصَانَ ماء أحد الانائين، أو حركته أو ابتلال طرف الإناء، أو قرب أثر الكلب من أحدهما، فهذه الأمور مُشْعِرَةٌ بكونه نجساً، وقد تدل حركة الماء وابتلال طرف الأناء على النجاسة في غير وُلُوغِ الكلب أيضاً، فإن لم تَلُحْ له علامة، وتحَيَّرَ تَيَمَّمَ لعجزه عن الوضوء، ثم إن كان تيممه بعد صَبِّ الماء في الإنائين فلا قضاء عليه، ويعذر في صبه لدفع القضاء بخلاف ما إذا صب ما [عنده] 183 من الماء الطاهر عَبَثاً وتيمم يقضي على أحد الوجهين، وفي معنى الصَّبُ ما لو جمع بينهما لتنجَسَّا، وإن تيمم قبل ذلك قضى؛ لأن معه ماءً طاهراً بيقين.
وهل يجتهد الأعمى في الأواني؟ فيه قوله: أحدهما: لا، كما لا يجتهد في القبلة؛ بل يقلد فيهما.
وأصحهما: نعم، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه يعرف باللمس اعوجاج الإناء، واضطراب الغطاء، وسائر العلامات، فصار كالاجتهاد في الوقت.
فعلى الأول من شرائط الاجتهاد كونه بصيراً.
وعلى الثاني لا فرق.
ثم إن عَجَزَ الأَعْمَى ولم يغلب على ظنه شيء، فوجهان: أظهرهما: أن له أن يقلد 184 بخلاف البصير إذا تَحَيَّرَ فيه هذا آخر الشروط، وإذا تأملتها عرفت أن اشتراط الكل مختلف فيه.
أما الثاني والثالث فظاهر، وأما الأول والرابع فهما مَبنِيَّانِ على اعتبار العلامات، ولعلك تقول: الاجتهاد هو البحث، والنظر 185، وثمرته ظهور العلامات وثمرة الشيء تتأخر عنه، والشرط يتقدم، فكيف جعل ظهور العلامات شرطاً، فالجواب: أن قوله: "ثم للاجتهاد شرائط"، أي: للعمل بالاجتهاد، أو لكونه مفيداً، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ أَدَّى اجتِهَادُهُ إِلَى إنَاءِ وَصَلَّى بِهِ الصُّبحَ ثُمَّ أَدَّى عِنْدَ الظَّهْرِ اجتهَادُة إلَى الثَّانِي تَيَمَّمَ وَلا يَسْتَعمِلْ لأَنَّ الاجتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِالاجتِهَادِ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 78

أَنَّهُ يَستَعْمِلُ وَنُورِدُهُ عَلَى جَمِيعِ مَوَارِدِ الأَوَّلِ لأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ أُخْرَى.
وَعلَى النَّصِّ هَلْ يَقْضِي الصَّلاةَ الثَّانِيَةَ لأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِراً بِحُكمِ الاجْتِهَادِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا غلب على ظَنِّهِ طهارة أحد الإنائين، فالمستحب أن يُرِيقَ الثاني لئلا يتغير اجتهاده [فيشكل [الأمر عليه] 186، فلو لم يفعل وقد صلى الصبح مثلاً بما ظَنَّ طهارته، ثم تغير] 187 اجتهاده عند الظهر إلى طهارة الثاني فلا يخلو إما ألا يبقى من الأول، شيء، أو بقي، فهما حالتان: إحداهما: ألا يبقى من الأول شيء، وهذه الحالة هي التي تكلم فيها في الكتاب.
فنقول: أولاً لا يجب عليه إعادة الاجتهاد هاهنا إذا حضرته الصلاة الثانية لكن لو أعاد وتغير اجتهاده فظن طهارة الثاني ففيه قولان: أحدهما: وهو المنصوص أنه لا يستعمله، بل يتيمم، لو استعمله فإما أن يغسل ما أصابه الماء الأول من بدنه، وثيابه فيلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد، أو لا يغسل ذلك فيكون مصلياً مع يقين النجاسة، والثاني خرجه ابن سريج من تغير الاجتهاد في القبلة أنه يتوضأ بالثاني، ولا يتيمم؛ لأن هذه قضية مستأنفة، فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي، لكن لا بد من إيراد الماء على جميع المواضع التي أصابهما الماء الأول، وغسلها لإزالة النجاسة، ثم يتوضأ بعد ذلك لأن من على بدنه نجاسة وأراد أن يتوضأ، أو يغتسل لم تَكْفِه الغسلة الواحدة عنهما جميعاً، ثم على النص هل تقتضي الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، إذ ليس معه ماء طاهر بيقين والثاني: نعم؛ لأن معه ماء طاهر بحكم الاجتهاد، وأما الصلاة الأولى فلا حاجة إلى قضائها لا على النص ولا على التخريج.
الحالة الثانية: أن يبقى من الأول شيء، فإن كانت البقية كافية لطهارته، فالحكم على ما ذكرناه في الحالة الأولى إلا في شيئين: أحدهما: أنه يجب إعادة الاجتهاد للصلاة الثانية؛ لأن معه ماء مستيقن الطهارة.
والثاني: أن الصلاة الثانية المؤداة بالتيمم يجب قضاؤها؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين، إما هذا أو ذاك.
هذا هو النص، وفيه وجه: أنه لا يجب؛ لأن ما معه من الماء ممنوعٌ من استعماله شرعاً، فأشبه الذي حال بينه وبينه سبع.
وإن لم تكن البقية كافية زاد

الجزء: 1 - الصفحة: 79

النظر في أن ما لا يكفيه من الماء هل يجب استعماله أم لا؟ إن قلنا: فكما لو لم يبق شيء من الأول، وإلا فكما لو بقي، ولو صَبَّ الماء الثاني في الحالة الأولى أو صبهما جميعاً في الحالة الثانية، ثم تيمم سقط القضاء بلا خلاف 188.

الجزء: 1 - الصفحة: 80

البابُ الرَّابعُ فِي الأَوانِي

قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثة أَقْسَامِ:

الْقِسْمُ الأَوَّلُ- المُتَّخَذُ مِنَ الجُلُودِ،

وَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الجِلْدُ طَاهراً وَطَهَارَتُهُ بِالذَّكَاةِ فِيمَا يُؤكَلُ (ح) لَحْمُهُ أَوْ بِالدِّبَاغِ فِي الجَمِيعِ إِلاَّ الكَلْبَ (ح) والخِنزِيرَ.
قال الرافعي: جعل الأَوَانِيَ على ثلاثة أقسام؛ لأنها إما أنْ تُتَخَذَ من الجُلُودِ، أو العظام، أو من غيرهما، وعلى الأحوال فالأعيان المتخذ منها إما أن تكون نجسة، فلا يجوز استعمالها في الشرب، والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال، أو طاهرة فيجوز، ويستثنى الذهب والفضة على ما سيأتي، وهذه الجملة ظاهرة.
نعم الحاجة تمس إلى بيان الطاهر، والنجس من الجلود والعظام، وتمييز أحدهما عن الآخر، وإلى حكم المتخذ من الذهب والفضة فحصر كلام الأقسام الثلاثة في هذه الأمور، وإنما يكون الجلد المتخذ منه الإناء طاهراً في حالتين: إحداهما: أن يكون جلد المأكول المُذَكَّى فهو على طهارته كاللحم، وسائر الأجزاء، وقد يؤكل الجلد الرُّؤُوس، والمَسْمُوطِ ولا يلحق غير المأكول بالمأكول في ذلك؛ بل جلد غير المأكول نجس وان ذكّي كلحمه 189 خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
الثانية: أن يكون مَدْبُوغا، فَالدِّبَاغُ يفيد طهارة الجلد من المأكول وغيره خلافاً لأحمد.
لنا ما رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيهِ السَّلاَمُ مَرَّ بِشَاةٍ مَيَّتَةٍ لِمَيمُونَةَ، فقال: "هَلاَّ اتَّخَذتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغتمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقِيلَ: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُر" 190. = يبقى قدر لو كان الاختلاط به ابتداء منع الجواز، ولو كان له دنَّان فيهما مائع فاغترف منهما في إناء فرأى فيه فأرة لا يدري من أيهما هي تحرّي، فإن ظهر له أنها من أحدهما بعينه فإن كان اغترف بمغرفتين فالآخر طاهر، وإن كان بمغرفة فإن ظهر بالاجتهاد أن الفأرة في الثاني فالأول على طهارته، وإلا فهما نجسان، وقد أكثرت الزيادة في هذا الباب لمسيس الحاجة إليها فبقيت منه بقايا حذفتها كراهة كثرة الإطالة.
والله أعلم.
الروضة 1/ 148 - 150.

الجزء: 1 - الصفحة: 81

ويستثنى جلد الحيوان النجس في الحياة، وهو: الكَلْبُ والخنزير، وفروعهما خلافاً لأبي حنيفة في الكلب.
لنا أن جلدهما لم ينجس بالموت، لما بينا أنهما نجسان في الحياة، والدِّبَاغ إنما يطهر جلداً نجس بالموت، لأن غاية الدّباغ نَزْعُ الفَضَلاَتِ، ودفع الاستحالات، ومعلوم أن الحياة [أبلغ في ذلك] 191 من الدباغ، فإذا لم تفد الحياة الطهارة حتى كان نجساً قبل الموت، فاولى أن لا يفيدها الدباغ.
ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "المتخذ من الجلد فاستعماله جائز بشرط أن يكون الجلد طاهراً"، فاعلم أن هذا كما هو شرط في المُتَّخَذِ من الجلد فهو شرط في المُتَّخَذِ من سائر الأعيان، وإن لم يذكره في سائر الأقسام.
وقوله: "وطهارته بالذّكَاة" ليس على معنى أن الذّكَاة تطهر، فإن التطهير يستدعي سبق النجاسة، وهو طاهر في الحياة وبعد الزكاة 192 وإنما المواد أن الجلد الذي يتخذ منه الأناء لا يكون طاهراً، إلا إذا وجد فيه أحد المعنيين، إما الذّكَاة في المأكول أو الدّباغ.
وقوله: "فيما يؤكل لحمه" ينبغي أن يكون معلماً بالحاء؛ لأن عنده لا حاجة إلى هذا القيد، وموضع باقي العلامات ظاهر بعد ما نقلنا من الخلاف.
وقوله: "إلا الكلب والخنزير" يوجب حصر الاستثناء فيهما، وهو ظاهر المذهب بعد إلحاق فروعهما بهما.
ولنا قول أن الآدمي ينجس بالموت على ما تقدم ذكره، فعلى ذلك القول، هل يطهر جلده بالدباغ؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لعموم الخبر؛ ولأنه طاهر في الحياة، فأشبه جلده سائر الجلود.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة، أنه لا يطهر لما فيه من الامتهان، فعلى هذا يلحق جلود الآدمي بالمستثنى، ولك أن تعلم قوله "بالدباغ" مع الألف المشيرة إلى = النسائي وأحمد بلفظ: مر بشاة لميمونة ورواه البزار بلفظ (ماتت شاة لميمونة)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره).
وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وفي تاريخ نيسابور للحاكم من طريق مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بشاة ميتة لامِّ سلمة أو لسودة فذكر الحديث، وأما حديث: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فرواه الشافعي عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن عباس سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: بهذا، وكذا رواه الترمذي في جامعة عن قتيبة عن سفيان، وقال حسن صحيح، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد عن سفيان بلفظ (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، ورواه ابن حبان بلفظ قتيبة وفي سياقه عن ابن عيينة حدثني زيد بن أسلم سمعت ابن وعلة سمعت ابن عباس وله شاهد عن ابن عمر رواه الدارقطني بإسناد على شرط الصحة، وقال إنه حسن وآخر من حديث جابر رواه الخطيب في تلخيص المتشابه.
انظر التلخيص 1/ 46.

الجزء: 1 - الصفحة: 82

مذهب أحمد بالواو، لا لمصير بعض الأصحاب إلى المنع من الدّباغ، فليس منهم من يقول به، لكن لأن صاحب "التتمة" حكى وجهاً عن رواية ابن القطان 193: أن جلد الميتة لا ينجس، وإنما أمر بالدَّبغ لإزالة الزُّهُومَةِ، فإذا كان طاهراً قبل الدّباغ لم تكن طهارته بالدّبَاغِ.
قال الغزالي: وَكَيْفِيَّةُ الدَّبَاغِ نَزْعُ الفَضَلاَتِ بِالأَشيَاءِ الحَرّيفَةِ وَلاَ يكفِي التَّتْرِيبُ (ح) وَالتَّشْمِيسُ (ح) وَلاَ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ المَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَيجِبُ إِفَاضَةِ المَاءِ المُطْلَقِ عَلَى الجِلْدِ المَدْبُوغِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: ولك في قوله: "وكيفية الدباغ نزع الفضلات"، مباحثتان: إحداهما: أن تقول: ما الذي أراد بكيفية الدباغ أراد به حقيقته أم غير ذلك؟ وكيف يجوز إرادة الحقيقة، وقد اشتهر في كلام الفقهاء أن مقصود الدباغ نَزْعُ الفضلات وَعدَّ ذلك كلاماً صحيحاً منتظماً، ومقصود الشيء غَيْرُ حقيقته، وإن أراد غير ذلك فما هو؟ والجواب: يجوز أن يكون المعنى والكيفية المعتبرة في الدباغ نزع الفضلات، ويجوز أن يريد بكيفية حقيقته، لكن الدباغ، يطلق بمعنيين يطلق لمعنى الفعل المخصوص في الجلد على الهيئة التي يبتغى بها إصلاح الجلد، ويطلق بمعنى الفعل المصلح، ولهذا يقال: يحصل الدّباغ بكذا، ولا يحصل بكذا، مع وجود الدَّلْكِ والاستعمال على الهيئة التي يبتغي بها الصلاح، فبالمعنى الأول ينتظم أن يقال: مقصود الدباغ نزع الفضلات، والمعنى الثاني: ينتظم أن يقال: حقيقة الدباغ نزع الفضلات.
الثانية: أن يقول كيف اعتبر مجرد النزع؟ والأصحاب يقولون يعتبر عند الشافعي -رضي الله عنه- في الدِّباغ ثلاثة أشياء نَزْعُ الفُصُول، وَتَطْبِيبُ الجِلْدِ، وَصَيرُورَتُهُ بحيث لو نقع في الماء لم يعد الفساد والنتن.
والجواب أنه لا فرق في المعنى، فإنه إذا نزعت الفضلات طاب الجلد وصار إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 83

الحالة المذكورة.
وإذا اعتبرنا أحد الأمور المتلازمة فقد اعتبرناها جميعاً، وقوله: "بالأشياء الحريفة" يجوز أن يكون معلماً بالواو لشيئين: أحدهما: أن هذا اللفظ يعم الشب والقَرَظ الواردين في خبر الدباغ وغيرهما، كالعَفَصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وحكى بعضهم وجهاً: أن يختص الدِّباغ بالشب والقَرَظ كما يختص تطهير ولوغ الكلب بالتراب على الأظهر، والمذهب أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما مما يصلح للدباغ، والشث بالثاء كذلك ذكره الأزهري 194، وفي الصحاح 195 أن الشب بالباء شيء يشبه الزَّاجَ، والشَّثُّ بالثاء نَبْتٌ يدبغ به.
الثاني: أنه يعم الطاهر والنجس من آلات الدباغ سواء كان نجس العين كذرق الطائر وغيره، وفيه وجهان: أحدهما: لا يجوز الدّباغ بالنجس؛ لأن النجس لا يصلح للتطهير.
وأظهرهما: وهو ظاهر ما ذكره الجواز؛ لأن الغرض إخراج الجلد عن التعرض للعفونة والاستحالة، وهذا يحصل بالطاهر والنجس جميعاً، وهذا في طهارة العين.
ويجب غسله بعد ذلك لا محالة بخلاف المدبوغ بالشيء الطاهر، ففي وجوب غسله [قولان] 196 يأتي [ذكرهما] 197. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن النزع إنما اعتبر ليصير الجلد نظيفاً مصوناً عن الاستحالات والتغيرات فيطهر، كما كان في حال الحياة، ويترتب عليه أن التجميد بالإلقاء في التراب والشمس لا يكفي؛ لأن الفضلات لا تزول؛ ألا ترى أنه إذا نقع في الماء عاد الفساد.
وعن أبي حنيفة: أنه يكفي ذلك، وبه قال: بعض الأصحاب لحصول الجفاف، وطيب الرائحة، ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: هل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ مع الأدوية؟ فيه وجهان: إحداهما: نعم؛ لأن معنى الإزالة في الدباغ [أبلغ] 198 والماء متعين لإزالة النجاسات، وأيضاً فقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلَيَسَ فِي الشَّب وَالْقَرَظِ وَالْمَاءِ مَا يُطَهِّرُه" 199.

الجزء: 1 - الصفحة: 84

وأظهرهما: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَد طَهُرَ" 200 والغالب في الدباع الإحالة دون الإزالة، ومعناه أن الجلد بنزع الفضلات يستحيل إلى الطهارة، كالخمر يَستَحِيْلُ خَلاًّ.
الثانية: إذا دبغ الجلد بشيء طاهر فهل يجب.
غسله بعد الدباغ؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لإزالة أجزاء الأدوية فإنها نجست بملاقاة الجلد، وبقيت ملتصقة به.
والثاني: لا، لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَقَدْ طَهُرَ" فإن قلنا: يجب فالجلد بعد الدباغ طاهر العين كالثوب النجس بخلاف ما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ، ولم يستعمل، فإنه يكون نجس العين، وهل يطهر بمجرد نقعه في الماء أم لا بد من استعمال الأدوية ثانياً؟ فيه وجهان.
وإذا أوجبنا الغسل بعد الدباغ لم يَجُزْ أن يكون الماء متغيراً بالأدوية وإذا أوجبنا الاستعمال في أثناء الدباغ لم يضر كونه متغيراً بها؛ بل لا بد منه فلهذا وصف الماء في المسألة الثانية بكونه مُطْلَقاً، ولم يتعرض لذلك في الأولى.
قال الغزالي: ثُمَّ الجِلْدُ المَدْبُوغُ طَاهِرٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ (وم) يَجُوزُ بَيْعُهُ (وم) وَيَحِلُّ أكْلُهُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: هل يطهر بالدباغ، باطن الجلد كظاهره أم لا يطهر إلا ظاهره؟ فيه قولان: الجديد: أنه يطهر الباطن، والظاهر حتى يصلى فيه وعليه ويباع ويستعمل في الأشياء الرطبة، واليابسة لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" ولقوله: "هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُم بِهِ".
أطلق ولم يفصل بين الانتفاع في الرطب، واليابس؛ ولأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعاً.
والقديم: وهو مذهب مالك أنه: لا يطهر باطنه حتى يصلى عليه، ولا يصلى فيه ولا يباع ولا يستعمل في الأشياء الرطبة 201 لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلاَ عَصَبٍ" 202. ظاهره المنع مطلقاً خالفنا في ظاهر الجلد جمعاً بينه وبين الأخبار المجوزة للدباغ، وأما الأكل منه، فإن كان جِلْدَ مَأَكُولٍ فقولان:

الجزء: 1 - الصفحة: 85

الجديد: الجواز لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ" 203. = الميتة بإهاب ولا عصب) وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين قال الترمذي: حسن، وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة وقال الخلال لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف فيه، وقال ابن حبان: بعد أن أخرجها هذه اللفظة أو همت عالماً من الناس أن هذا الخبر ليس بمتصل وليس كذلك، بل عبد الله بن عكيم شهد كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قرئ عليهم في جهينة وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، وقال البيهقي والخطابي: هذا الخبر مرسل، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه ليست لعبد الله بن عكيم صحبة، وإنما روايته كتابة، وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مات ولعبد الله بن عكيم سنة، وقال صاحب الإمام تضعيف من ضعفه لشى من قبل الرجال، فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب كما نقل عن أحمد، ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي والطبراني من حديث شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، ولفظه جاءنا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بأرض جهينة إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب، إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في الأوسط، ورواه أبو داود من حديث خالد عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا، وقعدت على الباب فخرجوا إلي وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم لكن إن وجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك، وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف، وعن جابر رواه ابن وهب في مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر، وزمعه ضعيف، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده من طريق أخرى قال الشيخ الموفق إسناده حسن، وقد تكلم الحازمي في الناسخ والمنسوخ على هذا الحديث فشفي، ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم، والاضطراب في سنده فإنه تارة قال عن كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب، والاضطراب في المتن فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين، أو أربعين يوماً أو ثلاثة أيام، والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدالة على الدباغ أصح والقول بموجبه بأن الاهاب اسم الجلد قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ فيسمى شناً وقربة، حمله على ذلك ابن عبد البر والبيهقي وهو منقول عن النضر بن شميل، والجوهري قد جزم به، وقال ابن شاهين لما احتمل الأمرين وجاء قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فحملناه على الأول جمعاً بين الحديثين، والجمع بينهما بالتخصيص بأن المنهى عنه جلد الكلب والخنرير، فإنهما لا يدبغان، وقيل: محمول على باطن الجلد في النهي، وعلى ظاهره في الإباحة والله أعلم.
انظر التلخيص 1/ 47، 48.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

والقديم: المنع؛ لقوله -عليه السلام-: "إنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكَلَها" 204، وإن كان من غير مأكول، فطريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: القطع بالمنع كما في الذَّكَاة 205، وقد أطلق في الكتاب ذكر القولين في الأكل فيجوز أن يريد من المأكول، ويجوز أن يريد المأكول وغيره، على طريقة طرد القولين فيهما، وبها قال القَفَّالُ، ثم الخلاف في الأكل يجوز أن يجعل من فروع = عرفه غيره، عرفه على ابن المديني، وروى عنه الحسن وقتادة، وصحح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك على ابن حزم كما أوضحته في كتابي في الصحابة، وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، وابن شاهين من طريق فليح عن زيد ابن أسلم عن ابن وعلة عنه بلفظ: (دباغ كل إهاب طهوره) وأصله في مسلم من حديث أبي الخير عن ابن وعلة بلفظ: (دباغه طهوره) وفيه قصة لابن وعلة مع ابن عباس في سؤله عن الأسقية التي تأتيهم بها المجوس، ورواه الدولابي في الكنى من حديث إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قلت لابن عباس الفراء تصنع من جلود الميتة؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ذكاة كل مسك دباغه)، ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: ماتت شاة لميمونة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره؟!) وابن عطاء ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة ولابن عباس حديث آخر رواه أحمد، وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من طريق سالم بن أبي الجعد عن أخيه عنه (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة.
فقال: دباغه يزيل خبثه، أو نجسه أو رجسه) وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي، ورواه النسائي وابن حبان والطبراني والدارقطني، والبيهقي من حديث عائشة فلفظ النسائي: (دباغها طهورها) وفي لفظ ابن حبان (دباغ جلود الميتة طهورها) وفي الباب أيضاً عن المغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وأبي أمامة وابن عمر وهي في الطبراني، وحديث ابن عمر عند ابن شاهين بلفظ: (جلود الميتة دباغها طهورها) وحديث قلد بن ثابت في تاريخ نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ترجمة أبي سهل وعن هزيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أم سلمة أو غيرها وهو عند البيهقي، ولأم سلمة حديث آخر رواه الدارقطني بلفظ: (إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر).
وفيه الفرج بن فضالة وهو ضعيف، وعن أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم بن منده في مستخرجه.
انظر التلخيص 1/ 49، 50.

الجزء: 1 - الصفحة: 87

الخلاف في طهارة الباطن، وهو قضية إيراده في الأصل، ويجوز أن يجعل خلافاً مستقلاً ويوجه بما سبق، وكذلك جعله بعضهم وجهاً لا قولاً وكذلك، حكاه في الوسيط.

قال الغزالي

: القِسْمُ الثَّانِي: المُتَّخَذُ مِنَ العِظَامِ،

وَالعَظْمُ يَنُجُسُ (ح) بِالمَوْتِ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا فِي الشَّعْرِ، وَلاَ يَنْجُسُ (و) شَعْرُ الآدَمِيَّ بِالمَوْتِ وَالإِبَانَةِ وَلاَ شَعْرُ الحَيَوَانِ المَأكُولِ بِالجَزِّ قَوْلاً وَاحِداً فَإِنْ حُكِمَ بِأَنَّ شَعْراً مَا لاَ يَنْجُسُ بِالمَوْتِ فَالأَصَحُّ أَنَّ شَعْرَ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ نَجِسٌ لِنَجَاسَةِ المَنبَتِ.
قال الرافعي: الشُّعُورُ هل تنجس بالموت والإبانة؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه لا تحلها الحياة، بدليل أنها لا تحس ولا تألم، وإنما يتأثر بالموت ما تحله الحياة.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه إن حلها الحياة كانت كسائر الأجزاء، وإلا فهي حادثة من الجملة، فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة، كما تجعل تابعة لها في حكم الجنابة وغيره، ويجري القولان في الصُّوفِ، وَالوَبَرِ، وَالرِّيْشِ، وأما العظام ففيها طريقان: أظهرهما: القطع بالنجاسة، لأنها تحس وتألم.
والثاني: طرد القولين كما فيها, لأن الظّفْرَ يقلم ولا يألم، والظّلْف 206 تبرد بالمبرد، ولا يحس به الحيوان.
فإن قلنا: الشعر والعظم ينجسان بالموت والإبانة وجعلنا حكمهما حكم سائر الأجزاء.
فيستثنى عنهما موضعان: أحدهما: شعر المأكول إذا أبين في حياته كما سبق.
والثاني: شعر الآدمي وفيه قولان أو وجهان مَبْنيَّانِ على نجاسته بالموت إن قلنا: لا ينجس وهو الأصح، فلا ينجس شعره بالموت والإبانة.
وإن قلنا: ينجس شعره أيضاً بالموت والإبانة، وعلى هذا القول إذا سقطت منه شعرة أو شعرتان وصلى فيها، فلا باس للقلة وتعذر الاحتراز، فإن كثرت لم يحتمل 207

الجزء: 1 - الصفحة: 88

كدم البراغيث، وإن قلنا: ينجس شعره بالموت والإبانة فهل يستثنى شعر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ فيه وجهان: وجه الاستثناء: "أَنَّهُ لَمَّا حَلَقَ شَعْرَهُ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- لِيُفَرِّقَهَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنِ اسْتِصْحَابِهِ" 208. وإذا كان الصحيح في شعر غيره الطهارة، فما ظنك بشعره -صلى الله عليه وسلم-.
وجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فهل يطهر على هذا القول؟ فيه قولان: أظهرهما: لا؛ لأن الشعر لا تتأثر بالدباغ؛ بل هي قبله وبعده على هيئة واحدة، بخلاف الجلد.
والثاني: أنها تطهر تبعاً لطهارة الجلد، كما نجست بالموت تبعاً، وإذا فرعنا على أن الشعور لا تنجس بالموت، فهي مُلْحَقَةٌ بِالجَمَادَاتِ، وجميعها طاهر إلا شَعرَ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، ففيه وجهان: أصحهما: أنه نجس، ويستثنى هو من الجمادات، كما استثنى صاحبه من الحيوانات.
والثاني: أنه طاهر كشعر غيره والوجهان يشملان حالتي الموت والحياة جميعاً، فهذا فقه هذه المسائل.
وحظ الباب منه أن العَظْمَ إذا كان طاهراً، فاستعمال الإناء المتخذ منه جائز وإلا فلا.
وإنما يكون طاهراً إذا كان من المُذَكَّى المأكول، أو فرعنا على القول الضعيف أن العظام لا تنجس أصلاً 209. واعلم أن القطع في قوله: "ولا ينجس شعر الآدمي بالموت والإبانة ولا شعر المأكول لحمه بالجَزِّ قولاً واحداً"، لا يرجع إلى المسألتين، وإنما يرجع إلى المسألة الأخيرة، وفي شعر الآدمي هل ينجس بالموت والإبانة ما سبق من الخلاف؟ وشعر المأكول قد سبق في الكتاب في فصل النجاسات، وإنما أعاده هاهنا ليتبين أنه ليس موضع القولين.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

وقوله: "فإن حكمنا بأن الشعر لا ينجس بالموت" هكذا الصواب، وربما نجد في بعض النسخ، "فإن حكمنا بأن شعر الآدمي لا ينجس بالموت".
وقوله:"فالأصح أن شعر الكلب والخنزير نجس" ليس المعنى أنه نجس بالموت؛ لأنه نجس في الحياة، والموت جميعاً على الأصح.
وظاهر فيهما على الثاني، وعلى التقديرين، فلا يكون نجساً بالموت، وإنما المعنى التعرّض لنفس النجاسة.
وقوله: "لنجاسة المَنْبَتِ" قد يعترض عليه بأن هذا التعليل يقتضي نَجَاسَةَ الزرع النابت على السِّرْقِينِ (1)، وقد نصوا على أنه ليس بنجس العين، لكنه نجس بمُلاَقَاةِ النجاسة، فإذا غسل طهر واذا تَسَنَّبَلَ فالحبات الخارجة منه طاهرة، ويجوز، أو يجاب عنه بأنه أراد بالمَنبَتِ ما منه النبات، والذي ينبت منه الشعر نجس، أما الزرع فإنه ينبت من الحبات المُنْبَثَّةِ في السِّرِقينِ، لا من نفس السِّرْقِينِ.

قال الغزالي

: القِسْمُ الثَّالِثُ- المُتَّخَذُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ

وَهُوَ مُحَرَّمٌ الاستِعْمَالِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنَّسَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْيِينُ الحَوَانِيتِ بِهَا عَلَى الأَصَحِّ وَلاَ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ (و) وَلاَ قِيمَةَ عَلَى كَاسِرِهِ (و) وَلاَ يَتَعَدَّى التَّحرِيمُ إِلَى الفَيْروزَجِ وَاليَاقُوتِ عَلَى الأَصَحِّ لأن نَفَاسَتَهُمَا لاَ يُدرِكُهَا إلاَّ الخَوَاصّ.
قال الرافعي: عن حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ [وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا" 211. يكره استعمال الأواني المتخذة من الذهب والفضة] 212 وهل ذلك على سبيل التحريم أو هو على سبيل التنزيه؟ فيه قولان: قال: في القديم أنه على التنزيه؛ لأن جهة المنع ما فيه من السَّرَفِ وَالخُيَلاَءِ وانكسار قلوب المساكين، ومثل هذا لا يقتضي التحريم.
وقال في الجديد: إنه على التحريم - وهو الصحيح، وبه قطع بعضهم، لما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنيَةِ الفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمُ" 213.210

الجزء: 1 - الصفحة: 90

رتب الوعيد بالنار عليه ويساوي في المنع الرجال والنساء لشمول معنى الخُيَلاَءِ وإن جاز للنساء التَّحَلّي بالذهب والفضة تزينا كما أن افتراش الحرير يحرم عليهن، كما يحرم على الرجال، ولا يحرم اللبس عليهن، ثم الخبر وإن ورد في الأكل والشرب منهما، فسائر وجوه الاستعمال في معناهما، كالتوضي والأكل بملعقة الفضة، والتَّطَيُّبُ بِمَاءِ الوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الفِضَّةِ، وَالتَّجَمّرُ بِمِجْمَرَةِ الفِضَّةِ، إذا احتوى عليها، ولا حرج في إتيان الرائحة من بعد، وهل يجوز اتخاذ الأواني الذهبية والفضية؟ إن قلنا: لا يحرم استعمالها على القديم فيجوز، وإن قلنا: يحرم فوجهان: أحدهما: يجوز لجمع المال وإحرازه كيلا يتفرق.
والثاني: وهو الأصح والمذكور في الكتاب أنه لا يجوز، لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي فإن قيل آلات الملاهي تتشوف النفس إلى استعمالها، بخلاف الأواني.
قيل: لا نسلم أن الأواني لا تتشوف النفس إلى استعمالها، بل الواجد لها يَلْتَذُّ باستعمالها واحتجوا لهذا الوجه أيضاً: بأنه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها ولو كان اتخاذها مُبَاحاً, لكان وجوب الزكاة فيها على القولين في الحُلْى المباح، وعلى الوجهين يبنى جواز الاستئجار على اتخاذها، وغرامة الصنعة على من كسرها، إن قلنا: يجوز اتخاذها جاز الاستئجار ووجب الغرم وإلا فلا وفي جواز تزيين البيوت، والحوانيت، والمجالس بها وجهان؛ لأنه ليس باستعمال، لكن السَّرَفَ وَالخُيَلاَءَ يكاد يكون أبلغ، ثم في كلام بعضهم بناء الخلاف في الاتخاذ على هذا الخلاف ان حرمناه فلا منفعة فيها بحال، فلا يجوز اتخاذها، وإلا فيجوز، ويجوز أن يعكس هذا البناء، فيقال: إن حرمنا الاتخاذ حرم التزيين؛ لأن ما حرم اتخاذه يجب إتلافه، والتزيين يتضمن الإِمْسَاكَ، وإن أبحنا الاتخاذ فلا منع إلا من الاستعمال.
وقال إمام الحرمين -رحمة الله عليه- الوجه عندي تحريم التزيين بها للسرف، مع الخلاف في حرمة الصنعة.
وأما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة كَالفَيْرُوزج وَاليَاقُوتِ والزَّبَرجَدِ وغيرها، فهل هي في معنى المتخذ من الذهب والفضة؟ فيه قولان، بناهما الأئمة على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؟ قالوا: وفيه قولان: الجديد: أن لعينهما؛ اختصاصهما بتقويم الأشياء بهما، ووجوب حق المعدن فيهما وجعلهما رأس مال القراض ونحو ذلك.
والثاني: أنه لمعنى فيهما، وهو السرف والخيلاء، فعلى الأول لا يحرم ما اتخذ من غيرهما من الجواهر النفيسة وعلى الثاني يحرم، واعتبر العراقيون والإمام معنى السرف والخيلاء لا محالة، وقالوا: حسم باب المعنى مع ظهوره بعيد، لكن وجه

الجزء: 1 - الصفحة: 91

الجواز أن التزين بالتبرين يظهر لكافة الناس، والجواهر النفيسة يختص بمعرفتها بعضهم، فيكون السرف والخيلاء في التبرين أكثر، وهذا قضية قول صاحب الكتاب؛ لأن نفاستها لا يدركها إلا الخواص، وكيف ما كان؟ فالأصح أنها ليست في معنى الذهب والفضة ولا خلاف في أن تكون نفاسته بسبب الصّنْعَةِ لا يحرم استعماله، ولا يكره كَلِبْسِ الكِتَّانِ النَّفِيسِ.
قال الغزالي: وَالمُمَوَّهُ لاَ يحْرُمُ عَلَى أَظَهْرَ المَذْهَبَينِ، وَالمُضَبَّبُ في مَحَلٍّ يَلْقَى فَمِ الشَّارِبِ مَحْظُورٌ عَلَى الأَظْهَرِ وَإِنْ لَمْ يَلْقَ فَإنْ كَانَ صَغِيراً لاَ يَلُوحُ مِنَ البُعْدِ أَوْ عَلَى قَدْرِ حَاجَةِ الكَسْرِ فَجَائزٌ (و) فَإِنْ انْتَفَى المَعْنَيَانِ فَحَرامٌ (ح) وَاِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ، وَفِي المُكْحَلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لو اتخذ إناء من حديد، أو غيره، ومَوَّهَهُ بالذهب، أو الفضة، نُظِرَ إن كان يحصل منها شيء بالعرض على النار، منع من استعماله، وليس هذا موضع الخلاف؛ وإن لم يحصل شَيءٌ فهل يمنع من الاستعمال؟ فيه وجهان مبنيان على مثل ما ذكرنا في الجواهر النفيسة.
قال قائلون: إن قلنا: إن التحريم لعين الذهب والفضة فلا منع، وإن قلنا: إنه لمعنى الخُيَلاَء منع منه، وقال آخرون: معنى الخُيَلاَء معْتَبَرٌ، لكن من جوز قال: المُمَوَّه لا يكاد يخفى، ولا يلتبس بالتِّبْرِ، ولو اتُّخِذَ إناء من ذهب أو فضة وَمَوَّهَهُ بنِحاس أو غيره، جرى الخلاف، إن قلنا: التحريم لعين الذهب والفضة يحرم، وإن قلنا: لمعنى الخُيَلاَء فلا.
ولو غشى ظاهره وباطنه جميعاً بالنحاس.
قال الإمام: الذي أراه القطع بجواز استعماله والذي يجيء على قول: من يقول التحريم لعين الذهب والفضة، أن يقول بالتحريم هاهنا أيضاً.
وقوله: في الأصل "على أظهر المذهبين" -بمعنى- الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرناهما 214 وأما المُضَبَّبُ، فينظر إن كانت الضَّبَّةُ على شَفَةِ الإناء، بحيث تلقى فم الشارب، فوجهان: أحدهما: التحريم، وبه قال مالك قدس الله روحه سواء كانت صغيرة أو كبيرة على قدر الحاجة، أو فوقها لكونها في موضع الاستعمال.
والثاني: أنها كما لو كانت في موضع آخر، وصاحب الكتاب في آخرين جعلوا الوجه الأول أظهر، ولعل الذي دعاهم إليه أنه أشبه بكلام الشافعي -رضي الله عنه- في المختصر، لكن معظم العراقيين على أنه لا فرق بين أن تكون الضَّبَّة على موضع الشرب

الجزء: 1 - الصفحة: 92

أو غيره، وهو أوفق للمعنى، لأن التحريم إن كان لعين الذهب والفضة، فلا فرق، وإن كان لمعنى الخُيَلاَءِ فكذلك، وقد تكون الزينة في غير موضع الشرب أكثر، وليس لقائل أن يقول: إذا كان شارباً على فضة كان متناولاً بالنص،, لأن لفظ الخبر المنع من الشرب في آنية الفضة، لا على الفضة، والمضبب ليس بآنية الفضة.
ثم من نصر الوجه الأول فمن شرطه أن يقول: لو كان الاستعمال في غير الشرب، وكانت الضَّبَّةُ على الموضع الذي يمسه المستعمل، ولا يلاقيه يحرم أيضاً، ولا ينساغ غير ذلك، وإن كانت الضَّبّة على غير موضع الشرب، نظر إن كانت صغيرة وكانت على قدر الحاجة فلا تحريم، ولا كراهة روي: "أَنَّ حَلْقَةَ قَصْعَةِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- كَانَتْ مِنْ فِضَةٍ" 215. وكذلك قبيعة 216 سيفه 217 وإن كانت كبيرة وفوق الحاجة حرم الاستعمال لظهور الزينة، ووجود عين الذّهب والفضة وإن كانت صغيرة، لكنها فوق قدر الحاجة، أو كبيرة، لكنها بقدر الحاجة فوجهان: أحدهما: التحريم لظهور معنى الخُيَلاءَ.
أما في الصورة الأولى؛ فلأنه للزينة دون الحاجة.
وأما في الثانية (فَلِكِبَرِ الضِّبَّةِ) 218 وافتتان الناظرين بها، كأصل الإناء، وأصحهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والعِرَاقِيُّونَ أنه يكره، ولا يحرم أما في الصورة الأولى، فَلِصْغرها وقدرة معظم الناس على مثلها.
وأما في الثانية، فلظهور قصد الحاجة دون الزينة، وبنى بعضهم الوجهين على الأصل الذي سبق إن قلنا: التحريم لعين الذهب والفضة حرم، وإن قلنا: لمعنى الخُيَلاَء فلا.
وفي أصل المسألة وجهان آخران: أحدهما: أن المضبَّب يكره استعماله ولا يحرم بحال، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه يحرم مطلقاً، حكاه الشيخ أبو بحمد 219 تخريجاً على اعتبار العين،

الجزء: 1 - الصفحة: 93

وإذا عرفت ذلك، فليكن قوله: "على قدر حاجة الكسر فجائز" معلماً بالواو للوجه الثاني.
وقوله: "وإن انتفى المعنيان فحرام" بالحاء، والواو، للوجه الأول، ثم هنا مباحثات.
إحداها: هل هذا الخلاف والتفصيل في المُضَبَّب بالفضة خاصة أو يعم المضبب بالفضة والذهب جميعاً؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي -رحمة الله عليه- أنه يحرم التضبيب بالذهب مطلقاً، وهذا الخلات والتفصيل في المضبب بالفضة ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الذهب والحرير: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي" 220. وَأيضاً: فقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ أَوْ فِي إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهِنَّمَ" 221. قضية هذا الخبر تحريم المضبّب بهما مطلقاً، خالفنا في الفضة؛ لما ورد من خبر القبيعة، والحلقة، فبقي في الذهب على ظاهره، والذي نصّ عليه الجمهور التسوية بين ضَبَّة الذهب وضبة الفضة كأصل الإناء.
الثانية: ما حد الصغير والكبير؟ قال بعضهم: الكبير ما يستوعب جزءاً من الإناء كأسفله، أو جانباً من جوانبه أو تكون عروته، أو شَفَتُهُ أو غيرهما من الأجزاء كله من ذهب أو فضة.
والصغير ما دون ذلك واستبعد إمام الحرمين هذا.
وقال: لعل الوجه أن يقال: ما يلمح على البعد للناظر فهو كبير، وما لا فهو صغير فيكون مأخذ ذلك مدانياً للقليل والكثير من طين الشوارع، وهذا ما أشار إليه في الأصل، حيث قال: "فإن كان صغيراً لا يلوح من البعد" -أراد تفسير الصغير بما لا يلوح من البعد- ولو بحِث باحث عن حد البعد فلا يجد مرجعاً فيه إلا العرف والعادة، وإذا كان كذلك، فلو رجعنا في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة وطرحنا الواسطة لما كان به بأس، وقد فعل بعض الأصحاب ذلك، وقال: المرجع في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة 222. الثالثة: هل يُسَوَّى بين الذهب والفضة في الصغير والكبير؟ لم يتعرض الأكثرون = إسرائيل لنقلت إلينا أوصافه وافتخروا به.
توفي بنيسابور في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة قال الحافظ أبو صالح المؤذن: غسلته فلما لففته في الأكفان رأيت يده اليمنى إلى الإبط منيرة كلون القمر، فتحيرت وقلت: هذه بركة فتاويه.
انظر ابن قاضي شهبة 1/ 209، 210 وانظر ابن خلكان 2/ 250، وابن السبكي 3/ 208، وابناه الرواة للقفطي 2/ 152، البداية والنهاية 12/ 55، والنجوم الزاهرة 5/ 42.

الجزء: 1 - الصفحة: 94

لذلك، وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا ينبغي أن يسوى بينهما، فإن الخُيَلاَء في قليل الذهب كالخيلاء في كثير الفضة، وأقرب معتبر فيه، أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب إذا قومت بالفضة، وهذا الكلام يقرب مأخذه مما حكيناه عن الشيخ أبي إسحاق، وقياس الباب أن لا فرق 223. الرابعة: ما معنى الحاجة التي أطلقناها في المسألة 224، والجواب يعني- بها الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التَّزيُّن، كإصلاح موضع الكسر، وكالشد، والتوثيق، فإذا كان على قدر ما يستدعيه الكسر، فهد بقدر الحاجة.
وقوله: في الأصل "على قدر حاجة الكسر" إشارة إلى هذا، ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الذهب والفضة، فإن الاضطرار يبيح استعمال أصل الإناء من الذهب والفضة.
الخامسة: قدر الضبة المجوّزة، لو اتخذ منه إناء صغير، كالمِكْحَلة وَطَرْفِ الغَالِية، هل يجوز؟ حكى فيه وجهان للشيخ أبي محمد: أحدهما: نعم؛ كما لو ضبب به غيره.
وأظهرهما: لا، لأنه الآن يقع علين اسم الآنية، فيندرج تحته النهي، وخصوا هذا التردد بالفضة، وقياس ما سبق التسوية بين الذهب والفضة.
وذكر في "التهذيب" أنه لو اتخذ للإناء حَلَقَةٌ من فضة، أو سِلسِلَةٌ، أو رأساً يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله، ولك أن تقول: لا نسلم أنه لا يستعمله؛ بل هو مستعمل بحسبه تبعًا للإناء 225 هب أنه لا يستعمله؛ لكن في اتخاذ الأواني من غير استعمال خلاف سبق، فليكن هذا على ذلك الخلاف أيضاً، ويجوز أن يوجه التجويز بالمضبب، أو تجعل هذه الأشياء كالظروف الصغيرة، كما سبق والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 95

قال الغزالي: هَذَا قِسْمُ المُقَدِّمَاتِ أَمَّا المَقَاصِدُ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الأَوَّلُ في صِفَةِ الوُضُوءِ

وَفَرَائِضُهُ سِتَّةَ: الأَوَّلُ: النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ عَنْ حَدَثٍ (ح و) وَلاَ تَجِبُ (و) في إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلاَ يَصِحُّ (و) وُضوءُ الكَافِرِ وَغُسْلُهُ إِذ لاَ عِبرَةَ بِنَيَّتِهِ إِلاَّ الذِّمِّيَّةَ تَحْتَ المُسْلِمِ تَغْتَسِلُ عَنِ الحَيْضِ لَحَقِّ الزَّوْجِ فَلا يَلْزمُهَا الإعَادَة بَعْدَ الإِسْلاَمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَالرِّدَّةُ بَعْدَ الوُضُوءِ لاَ تُبْطِلُهُ (و) وَبَعْدَ التَّيَمُّمِ تُبْطِلُهُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: ذكرنا في أول الكتاب أَنَّ أحكام الطهارة على قسمين مقدمات ومقاصد.
وجعل قسم المقاصد على أربعة أبواب: أحدهما: في صفة الوضوء، وله فرائض وسنن، أما الفرائض فهي.
ست: الفرض الأول منها النية، فهي واجبة في طهارات الأحداث، خلافاً لأبي حنيفة، إلا في التيمم.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 226. واعتبار ما عدا التيمم بالتيمم وأما إزالة النجاسة، فلا يعتبر فيها النية، لأنها من قبيل المتروك، والمقصود، هُجْرَانُ النجاسة، والمتروك لا تعتبر فيها النية، كترك الشرب، والزنا وغيرهما.
وطهارات الأحداث عبادات، فأشبهت سائر العبادات، ويحكى عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي 227، فيما حكاه صاحب "التتمة"، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه بني على اعتبار النية في الطهارات امتناع صحتها من الكافر، فلو اغتسل الكافر في كفره، أو توضأ، ثم أسلم - لم يعتد بما فعله في الكفر؛ لأنه ليس أهلاً للنية، فيلزم الإعادة بعد الإسلام، ولأن الطهارة عبادة،

الجزء: 1 - الصفحة: 96

والكافر ليس أهلاً للعبادات، ولهذا لا يصح منه الصلاة والصوم.
ولعل هذا أولى من التعليل، بأنه لا يصح منه النية؛ لأن النية المعتبرة في الوضوء نية رفع الحدث، وهي متصورة من الكافر.
وقال أبو بكر الفارسي 228: لا يجب إعادة الغسل ويجب إعادة الوضوء؛ لأن الغسل يصح من الكافر في بعض الأحيان، بدليل غسل الذِّمّيةِ عن الحيض لزوجها المسلم، والوضوء لا يصح منه بحال.
وحكى وجه آخر: أنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء وبه قال أبو حنيفة.
وأما مسألة الذمية، فإنها إذا طهرت من الحَيْضِ وَالنَّفَاسِ فلا يحل لزوجها المسلم غِشْيَانُهَا حتى تغتسل، كالمسلمة المجنونة تطهر من الحيض، ثم لو أسلمت الذمية بعد ذلك الغسل، أو أفاقت المجنونة، فهل يلزمها الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو بكر الفارسي لا يلزم، لأنه غسل صح في حق حل الوطء، فيصح في حكم الصلاة وغيره.
وأصحهما: أنه يلزم الاعادة، لأنه ليس للكافر والمجنون أهلية العبادة، وإنما صح في حل الوطء لضرورة حق الزوج.
ولهذا تُجْبَرُ الزوجة على الغُسْلِ من الحيض -مسلمة كانت أو ذمية- لحقه هذا حكم الكافر الأصلي.
أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي؛ لأن من قال: ثم لا حاجة إلى الإعادة أخذ ذلك من غسل الذمية يحل الوَطْءِ، أو من التخفيف والعفو عند الإسلام، ولا يفرض واحد منهما في المرتد.
ولو توضأ المسلم ثم ارتد، هل يبطل وضوءه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن ابتداء الوضوء لا يصح مع الردة، فإذا طرأت في دوامه أبطله، كالصلاة لا يصح ابتداؤها مع الردة، وتبطل إذا طرأت في دوامها.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يبطل، حتى لا تجب الإعادة، إذا عاد إلى الإسلام؛ لأنه بعد الفراغ من الوضوء، مستديم حكمه لا فعله، وإذا كان كذلك لم يتأثر ما سبق بالردة.
ألا ترى أنه إذا ارتد لم يبطل ما معنى من صومه وصلاته، حتى لا تجب إعادته بعد الإسلام! وهل يجرى هذا الخلاف في الغسل؟

الجزء: 1 - الصفحة: 97

المشهور: إنه لا يجري، لأن الغسل بجامع الكفر، بدليل مسألة الذمية، والوضوء بخلافة، ومنهم من أجرى الخلاف فيه أيضاً، والتوجيه ما ذكرنا في الوضوء.
وأما التيمم ففي بطلانه بعروض الردة وجهان أيضاً: لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، وإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة، فلا يفيد تيممه الإباحة بعد ذلك؛ كما إذا تيمم قبل الوقت، لا يستبيح به الصلاة بعد دخول الوقت ومنهم من يرتب فيقول: إن بطل الوضوء بالردة فالتيمم أولى، وإن لم يبطل، ففي التيمم وجهان، والفرق ضعف [التيمم] 229 وتقاعده عن إفادة الإباحة بعد تَعَذُّرِ الاسْتِبَاحة.
قال الغزالي: ثُمَّ وَقْتُ النِّيَّةِ حَالَةُ غَسْلِ الوَجهِ وَلاَ يَضُرُّ الغُرُوبُ بَعْدَهُ، وَلَو اقْتَرَنَتْ بِأوَّلِ سُنَنِ الوُضُوءِ وَعَزُبَتْ قَبْلِ غَسْلِ الوَجْهِ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: لا يجوز أن تتأخر النية عن أول غسل الوجه؛ لأنها لو تأخرت لخلا أول الفرض عن النية، وصار كالصلاة، يشترط فيها المقارنة بأولها بخلاف الصوم، يحتمل فيه المتقدم تارة والتأخر أخرى، لعسر مراقبة طلوع الفجر وتطبيق النية عليه، ثم إذا لم تتأخر، فإما أن يحدث مقارنة لأول غسل الوجه أو يتقدم عليه، فإن حدثت مقارنة لأول غسل الوجه صح الوضوء ولا يجب الاستصحاب إلى آخر الوضوء، لما فيه من العسر، ولكن لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن، إذ ليس للمؤمن من عمله إلا ما نوى 230 وإن تقدمت عليه، نظر إن استصحبها إلى أن ابتدأ بغسل الوجه صح الوضوء.
وحصل ثواب السنن المَنْوِيَّة قبله، وإن قارنت ما قبله من السنن، وعزبت قبل غسل الوجه، ففي الوضوء وجهان: أحدهما: الصحة؛ لأن تلك السنن من جملة الوضوء فإذا اقترنت النية بها، فقد اقترنت بأول العبادة.
وإن لم تكن فرضاً وأصحهما: المنع، لأن المقصود من العبادة واجباتها والمندوبات توابع وتزينات، فلا يكفي اقتران النية بها، ولأنها أمور سابقة على فرض الوضوء، فلا يكفي اقتران النية بها، كالاستنجاء ثم لا خلاف في أن المضمضة، والاستنشاق من سنن الوضوء، واختلفوا فيما قبل ذلك، كغسل اليدين، والسواك، والتَّسْمِيَّة، فلم يعدها كثيرون من سننه.
وإن كانت مندوبة في ابتدائه، وعدها آخرون من سننه، وهو الوجه، ولهذا تقع معتداً بها مثاباً عليها إذا نوى مطلق الوضوء، ولو لم تكن معدودة من أفعاله لما اعتد بها بنية الوضوء.
وفي لفظ الكتاب أشياء، ينبغي أن يتنبه لمثلها.

الجزء: 1 - الصفحة: 98

الأول: إن قوله: "وقت النية حالة غسل الوجه" مؤول، لأن إطلاق غسل الوجه يتناول جميعه والجميع ليس بوقت النية، لا بمعنى أنه يجب اقتران النية بالكل، كقولنا: وقت الصوم النهار؛ لأنه يجوز أن يغسل الوجه على التدريج، ولا تقترن النِّيَّة بما سوى الجزء الأول، ولا بمعنى أنه تجزى النية في أي بعض من أبعاضه اتفقت، كقولنا: وقت الصلاة كذا؛ لأن اقترانها بما سوى الجزء الأول لا يغني فإذاً المراد أول غسل الوجه.
والثاني: أن قوله: لا يضر العُزُوبُ بعده ليس على إطلاقه.
لأن الذي لا يضر ليس مطلق العزوب؛ بل العزوب بشرط أن لا تحدث نية أخرى، حتى لو عزبت نيته المعتبرة، وحدثت له نية تبرد، أو تنظف، لم يصح وضوءه في أصح الوجهين؛ لأن النية الأولى غير باقية حقيقة، والثانية حاصلة حقيقة، فتكون أقوى.
والثالث: قوله: "ولو اقترنت بأول سُنَنِ الوضوء"، ليس من شرط هذه الصورة أن يكون الاقتران بالسنة الأولى؛ بل سواء اقترنت النية بالأولى أو بغيرها وعزبت قبل الشروع في غسل الوجه - حصل الوجهان وبالله التوفيق.
قال الغزالي: وَكَيْفيَّتُهَا أَنْ يَنْوي رَفْعَ الحَدَثِ أَو استِبَاحَةَ الصَّلاةِ أَوْ مَا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بالطَّهَارَةِ أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الوُضُوءِ، فَإِنْ نَوَى رَفعَ بَعَضْ الحَدَثِ دُونَ البَعْضِ فَسَدَتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجهَينِ، وَإِنْ نَوَى استِبَاحَةَ صَلاَةٍ لاَ بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ تَفْسَدُ فِي الكُلِّ، وَقِيلَ يُبَاحُ لَهُ مَا نَوى، وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الوُضُوءُ كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطاً ثُمَّ تَبيَّنَ الحَدَثَ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَجهَانِ لِلتَّرَدْدِ فِي النِّيَّةِ، وَإِنْ نَوِى بِوْضُوئِهِ رَفْعَ الحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ لَمْ يَضُرَّ عَلَى الأَظْهَرِ وَكَذَا إِنْ نَوَى غُسْلَ الجَنَابَةِ مَعَ غُسْلِ الجُمُعَةِ حَصَلاَ مَعاً.
قال الرافعي: الوضوء نوعان، وضوء رفاهية، ووضوء ضرورة، أما وضوء الرَّفاهِية فعلى صاحبه أن ينوي أحد أمور ثلاثة: أولها: رفع الحدث، أو الطهارة عنه، فإن أطلق كفاه؛ لأن المقصود من الوضوء رفع مانع الصلاة ونحوها، فإذا نواه فقد تعرض لما هو المطلوب بالفعل.
وحكى وجه: أنه إن كان يمسح على الخف لم يجزه نية رفع الحدث؛ بل ينوي استباحة الصلاة، كالمتيمم، ولو نوى رفع بعض الأحداث دون بعض، بأن كان قد نام وبال ومسّ، فنوى رفع حدث منها، ففيه وجوه أصحها: أنه يصح وضوءه؛ لأنه نوى رفع البعض، فوجب أن يرتفع، والحدث لا يتجزأ، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.
والثاني: لا يصح؛ لأن مَا لَمْ يَنْوِ رفعه يبقى، والأحداث لا تتجزَّأُ، فإذا بقي البعض بقي الكل، ويكاد هذان الكلامان يتقاومان، لكن من نصر الأول قال: نفس النوم

الجزء: 1 - الصفحة: 99

والبول لا يرفع، وإنما يرفع حكمهما، وهو شيء واحد تعددت أسبابه، والتعرض لها ليس بشرط، فإذا تعرض له مضافاً إلى سبب واحد - لغت الإضافة إلى السبب، وارتفع.
والثالث: إن لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه، وإن نفاه فلا، لأن نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وإبقاءه فصار، كما لو قال: أرفع الحدث لا أرفع الحدث.
والرابع: إن نوى رفع الحدث الأول صح وضوءه، وإن نوى غيره فلا؛ لأن الأول هو الذي أثر في المنع ونقض الطهارة.
والخامس: إن نوى رفع الحدث الأخير صح، وإن نوى غيره فلا، لأن الأخير أقرب، وذكر بعضهم: أن الخلاف فيما إذا نواه، ونفى غيره، فإن لم يَنْفِ صح بلا خلاف، وهذا إذا كان الحدث الذي خصه بالرفع واقعاً له، فإن لم يكن، كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم، وإنما بال، نظر إن كان غَالِطاً صح وضوءه؛ لأن التعرض لها ليس بشرط، فلا يضر الغلط فيها، وإن كان عامداً لم يصح في أصح الوجهين، لأنه متلاعب بطهارته.
الثاني: استباحة الصلاة أو غيرها، مما لا يباح إلا بالطهارة، كالطواف، وسجدة التِّلاوة، والشكر، ومس المصحف، فإذا نواها وأطلق أجزأه، لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه الأشياء، فإذا نواها فقد نوى غاية المَقْصَدِ، وروى وجه: أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة، لأن الصلاة ونحوها قد تُسْتَبَاحُ مع بقاء الحدث بدليل المُتيمِّم وإن نوى اسْتِبَاحَةَ صلاة معينة، فإن لم يتعرض لما عداها بالنفي والإثبات صح أيضاً وإن نفى غيرها فثلاثة أوجه: أصحها: الصحة؛ لأن المَنْوِيَّةَ ينبغي أن تباح، ولا تباح إلا إذا ارتفع الحدث، والحدث لا يتبعض.
والثاني: المنع، لأن نيته تضمنت رفع الحدث، وإبقاءه كما سبق.
والثالث: يباح له المنوي دون غيره، لظاهر قوله- صلّى الله عليه وآله وسلّم: "وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
وإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن لِلْمُحْدِثِ، وسماع الحديث وروايته، والقعود في المسجد وغيرها، فوجهان: أظهرهما: لا يصح وضوءه؛ لأن هذه الأفعال مباحة مع الحدث، فلا يتضمن قصدهما قصد رفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه قصد أن يكون ذلك [الفعل على أكمل أحواله، ولن يكون كذلك إلا إذا ارتفع الحدث:

الجزء: 1 - الصفحة: 100

والوجهان جاريان فيما إذا كان] 231 الوضوء مستحباً في ذلك الفعل لمكان الحدث، كما ذكرنا من الأمثلة، وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحَدَثِ كتجديد الوضوء، فإن المقصد منه زيادة النَّظَافَةِ، لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الأول، ولذلك قطع بعضهم بنفي الصحة فيه.
ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة، فتوضأ احتياطاً، ثم تَبَيَّنَ أنه كان محدثاً، فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث؛ وفي المسألة معنى آخر، وهو أنه الوضوء متردد في الحدث، فيكون متردداً في نِيَّةِ رفع الحدث، وإذا كان كذلك وجب أن لا يعتد بوضوئه لاخْتِلال النية، وهذا بخلاف ما إذا شك في الطهارة بعد يَقِينِ الحدث، حيث يُؤْمَرُ بالوضوء، ويحكم بصحته مع التردُّد، لأن الأصل بقاء الحدث، والتردد الذي يعتضد أحد طرفيه بالأصل لا يضر لحصول الرُّجحَان والظهور.
وهذا المعنى على العكس هاهنا، أما إذا كان الفعل، بحيث لا يتوقف على الوضوء، ولا يستحب الوضوء له كدخول السوق، فتوضأ له لم يصح.
الثالث: أداء فرض الوضوء، فيصح الوضوء بهذه النية؛ كما إذا نوى المصلِّي أداء فرض الصلاة، وهذا لأن النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قُرْبَة، فأشبه سائر القربات، ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى الله تعالى كما في الصوم، والصلاة وسائر العبادات.
والأولى: أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل يعتبرها للتمييز ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية، لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات، وقد نَصُّوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه، بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية ولو نوى رفع الحدث أو الاسْتِبَاحَة والله أعلم.
فإن قيل: إذا لم يدخل وقت الصلاة، فليس عليه وضوء ولا صلاة، فكيف ينوي فرض الوضوء؟ فالجواب أن الشيخ أبا على ذكر أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد وجد، إلا أن وقتها لا يتضيَّقُ عليه، ما لم يدخل وقت الصلاة، فلذلك صح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول الوقت، لكن هذا الجواب مبني على أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد صار بعض الأصحاب: إلى أن الموجب هو دخول الوقت أو أحدهما بشرط الآخر، ويجوز أن يقال: لا تعنى بالفرضية 232 أنه يلزمه الإتيان به، وإلا لامتنع أن يتوضأ الصبي المميز بهذه النية، ولكن المراد أنه ينوي إقامة طهارة الحدث المشروطة في الصلاة،

الجزء: 1 - الصفحة: 101

وشروط الشيء تسمى فروضه، وربما نذكر في معنى فرضية الصلاة التي ينويها المصلي ما يقارب هذا، ونبين ما فيه من الإشكال في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
ثم إذا نوى بوضوئه أحد الأمور الثلاثة، وقصد معه شيئاً آخر يحصل ذلك الشيء من غير قصد ونية، كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرُّد أو استباحة الصلاة والتبرد، ففي صحة الوضوء وجهان: أحدهما: ويحكى عن ابن سريح: أنه لا يصح؛ لأن الاشتراك في النية بين القربة وغيرها مما لا يخل بالإخلاص، وأصحهما: أنه يصح، لأن التبرُّدَ حاصل وإن لم يَنْوِ فنيته لاغية؛ وصار كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعْلاَمَ القوم لا يضر، ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبَرُّد فعلى هذين الوجهين.
ولو كانَ يغتسل ضَحْوَةَ الجمعة، فنوى رفع الجنابة وغسل الجمعة، فهذا يُبْنَى على أنه لو اقتصر على نية رفع الجنابة، هل يتأدى به سُنَّةُ غسل الجمعة أم لا؟ فيه قولان: إن قلنا: لا، فقضيته أنه لا يصح الغسل أصلاً؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل جميعاً.
لمان قلنا: يتأدّى به وهو الأصح فوجهان، كالوجهين في ضَمِّ نية التبرد إلى رفع الحدث، أصحهما: أنه لا يضر، كما لو صلى الفرض عند دخول المسجد، ونوى التحِيَّةَ أيضاً لا يضرُّ، لأن التحية تحصل، وإن يَنْوِها ولا فرق في جَرَيَان الوجهين -في مسألة التبرُّد- بين أن يضم قصد التبرد إلى النية المعتبرة في الابتداء، وبين أن يحدثها في الأثناء وهو ذاكر للنية المعتبرة، أما إذا كان غافلاً عنها لم يصح ما أتى به بعد ذلك في أصح الوجهين، وقد قدمنا هذا.
هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار، ونعود إلى ما يتعلق بخصوص الكتاب.
قوله: "وكيفيته أن ينوي رفع الحدث"، يجوز أن يعلم رفع الحدث بالواو، إشَارَةً إِلَى الوَجْهِ الذي ذكرنا، في حق الماسح على الخُفِّ، فإن ذلك القائل لا يصحح الوضوء بنية رفع الحدث على الإطلاق؛ بل في حق غَيْرِ المَاسِحِ.
وقوله: "أو استباحة الصَّلاَة" ينبغي أن يعلم أيضاً بالواو، للوجه الذي رويناه.
وقوله: "أو أداء فرض الوضوء" ليس ذكر الفرضية على سبيل الاعتبار والاشتراط كما سبق، وقد أوضح ذلك في "الوسيط".
فقال: ينوي أداء الوضوء أو فريضة الوضوء.
وقوله: "ولو نوى رفع بعض الحدث دون البعض"، يشمل ما إذا لم يتعرض للباقي أصلاً، وما إذا نفى رفع الباقي والخلاف جارٍ في الحالتين على أظهر الطريقين كما سبق -فهو مجرى على إطلاقه، لكن قوله: "وإن نوى استباحة صلاة بعينها"- المراد منه: ما إذا عَيِّنَهَا؛ ونفى غيرها، لأنه لا خلاف فيما إذا لم يتعرض لما سواها.
وقوله: في مسألة الشك "للتردُّدِ في النيّة" إشارة إلى المعنى الثاني، لوجه عدم الإجزاء، لكن المناسب لا يراد المسألة

الجزء: 1 - الصفحة: 102

مقرونة بما إذا نوى بوضوئه الأفعال المستحبة المعنى الأول.
وقوله: "كذا لو نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا"، يجوز أن يريد به العطف على الأظهر في مسألة التبرد، بناء على أنه يحصل غسل الجمعة وإن اقتصر على رفع الجنابة، وعلى هذا فاللفظ يشعر بالخلاف في المسألة ولا حاجة إلى إعلامه بالواو، ويجوز أن يحمل على الابتداء، وعلى هذا يحتاج إلى العلامة بالواو، وعلى التقديرين وهو مُعْلَّمٌ بالميم، لأن صاحب "البيان" حَكَى عن مالك أنه لا يجزئه الغسل الواحد عنهما.
قال الغزالي: وَالمُسْتَحَاضَةُ لاَ يَكْفِيهَا نِيَّة رَفْعِ الحَدَثِ بَلْ تَنْوي اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَرَفْعَ الحَدَثِ وَلَو اقْتَصَرَتْ عَلَى نِيَّةِ الاسْتِبَاحَةِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: تكلمنا في كَيْفِيَّةِ النية في وضوء الرَّفَاهِية، أما النوع الثاني في وضوء الضرورة وهو وضوء من به حَدَثَّ دائم، كَالمُسْتَحَاضَةِ، وَسَلَسِ البول ونحوهما.
فنقول: لو اقتصرت المُسْتَحَاضَةُ على نية رفع الحدث، فهل يصح وضوءها؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يصح؛ لأن حدثها لا يرتفع بالوضوء، وكيف يرتفع؟ ومنه ما يقارن وضوءها ويتأخر عنه.
والثاني: يصح؛ لأن رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة، فقصد رفع الحدث يؤثر بمتضمنه وإن لم يؤثر بخصوصه، ولو اقتصرت على نية الاستباحة فوجهان: أصحهما: أنه يصح وضوءها، كما يصح التيمُّم بهذه النية.
والثاني: لا يصح يُحْكَى ذلك عن أبي بكر الفارسيِّ، والخضريِّ؛ لأن لها أحداثاً سابقة وأخرى لاحقة، فتنوي الرفع لما تقدم، والاستباحة لما تأخر، وإن جمعت بينهما، فهو الغاية، لم لو نوت استباحة فريضة واحدة لا غير جاز بلا خلاف، بخلاف ما إذا فعل ذلك صاحب طهارة الرفاهية، لأن طهارتها لا تفيد إلا فريضة واحدة.
ولو نوت استباحة نافلة بعينها، عاد ذلك الخلاف، ثم النَّظر في كون المُسْتَبَاح فرضاً أو نفلاً أو مطلق الصلاة، وفيما يباح لها إذا نوت النفل، كما سيأتي في التيمُّم.
قال الغزالي: وَلَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً فِي الأولَى فَانْغَسَلَتْ فِي الكَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَصْدِ التَّنَفُّلِ فَفِي ارْتفَاعِ الحَدَثِ وَجْهَانِ، وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو كان يتوضأ ثلاثاً كما هو السُّنَّة وترك لُمْعَة في المرة الأولى غافلاً،

الجزء: 1 - الصفحة: 103

وانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة، وهو يقصد التنفل بهما، فهل يعتد بغسل تلك اللُّمْعَة أم يحتاج إلى إعادته؟ فيه وجهان مخرجان على أصلين سبق ذكرهما.
أحدهما: أنه إذا لم تبق نيته الأولى، وحدثت نِيَّةٌ أخرى؛ كما إذا عزبت نية رفع الحدث، وقصد التبرد أو التنطف، فقد حكينا فيه وجهين، وهاهنا كذلك لأنه لم يبق له في المرة الثانية والثالثة نية رفع الحدث ضرورة اعتقاده ارتفاع الحدث بالمرة الأولى.
والثاني: أن تلك اللّمْعَة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث، وما في معناه؛ بل على قصد التنفل، فيكون كما لو نوى بوضوئه ما يستحب له الطهارة 233 ولو أغفل لمعة في وضوئه، وانغسلت في تجديد الوضوء بعد ذلك، فعلى هذين الوجهين، لكن الأصح الاعتداد بالمُنْغَسِلِ في المرة الثانية والثالثة، وعدم الاعتداد بالمنغسل في التجديد، والفرق أن الغسلات في المرات الثلاث طهارة واحدة، وقضية نية الأولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد الأولى، مما لم ينغسل عن الأولى لا يقع عن الثانية، وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الأولى، كما لو ترك سجدة من الأولى ناسياً وسجد في الثانية تتم بها الأولى، وإن كان تَوَهَّمَ خلاف ذلك، وأما التجديد فهو طهارة مستقلة منفردة بنية لم تتوجه إلى رفع الحدث أصلاً.
المسألة الثانية: إذا فرَّق النية على أعضاء الوضوء، فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما، وهكذا، ففي صحة وضوئه وجهان: أظهرهما: عند صاحب الكتاب المنع؛ لأن الوضوء عِبَادَةٌ واحدة، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها كالصوم، والصلاة.
والثاني: وهو الأصح عند المعظم، أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله على الصحيح ولا يشترط فيه الموالاة وإن كان عبادة واحدة، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله بخلاف الصلاة وغيرها لا يجوز التفريق في أبعاضها، ثم من الأصحاب من يبني تفريق النية على تفريق الأفعال إن جوزتا تفريق الأفعال جوزنا تفريق النية وإلا فلا، ومنهم من رَتَّبَ، فيقول: إن لم يَجُزِ التفريق في الأفعال ففي النية أولى، وإن جوزنا ذلك ففي هذا وجهان.
والفرق أنه وإن فرق أفعاله، فهو عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض، ألا ترى أنه لو أراد مَسَّ المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الأعضاء لا يجوز، وإذا كان كذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 104

فليشملها نية واحدة، بخلاف الأفعال فإنها لا تَتَأَتَّى إلا متفرقة، ثم الخلاف في مطلق تفريق النية أم فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول، ونفى غسل سائر الأعضاء دون ما إذا اقتصر على رفع الحدث عنه، والمشهور الأول، وحكى عن بعض الأصحاب الثاني، وإذا قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يُعْتَدُّ بغسل اللّمْعَة في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، فهل يبطل ما مضى من طهارته، أم يجوز البناء؟ فيه وجها تفريق النية: إن قلنا: لا يجوز التفريق يمتنع البناء؛ لأنه محتاج عند البناء إلى تجديد النية للباقي، وإن قلنا: يجوز البناء ويبقى النظر في طول الفصل وعدمه، فإن اعتبرنا الموالاة لم يُحْتَمَلْ طول الفصل.
قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّانِي: اسْتِيعَابُ غَسْلِ الوَجهِ مِنْ مُبْتَدَا تسْطِيحِ الجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى الذّقنِ وَمِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ وَاجِبٌ، وَلاَ تَدْخُلُ النَّزَعَتَانِ وَلاَ مَوْضِعُ الصَّلَعِ فِي التحْدِيدِ، وَمَوْضِعُ التَّحْذِيفِ (3) مِنَ الوَجهِ عَلَى الأظْهَرِ، وَالغَمَمُ إِن اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ الجَبْهَةِ وَجَبَ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: غسل الوجه أول الأركان الظاهرة في الوضوء، قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 234، وَحَدُّ الوجه على ما اختاره صاحب الكتاب من مُبْتَدَا تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ في الطول، ومن الأُذُن إلى الأُذُن في العرض، ومعنى ذلك: أن ميل الرأس إلى التَّدْوِيرِ، ومن أول الجَبْهَةِ يأخذ الموضع في التَّسْطِيح، وتقع به المُحَاذَاةُ والمواجهة، فَحَدُّ الوجه في الطول من حيث يبتدئ التسطيح، وما فوق ذلك من الرأس.
وإذا عرفت ذلك فمما يخرج عن الحد النَّزَعَتَانِ، وهما البَيَاضَانِ المُكْتَنِفَانِ للنَّاصِيَةِ أعلى الجَبِيْنَينِ، لأنهما في سَمْتِ الناصية، وهما جميعاً في حدِّ التَّدْوِيرِ، ومما يخرج عنه موضع الصَّلَعِ، لأنه فوق ابتداء التسطيح، ولا عبرة بانحسار الشعر عنه، نظراً إلى الأعَمِّ الأغلب، ومما يخرج عنه موضعا الصُّدْغَيْن، وهما في جانبي الأذن يتصلان بِالعِذَارَيْنِ من فوق؛ لأنهما خارجان عما بين الأذنين 235 لكونهما فوق الأذنين، وحكى في الصُّدْغَيْنِ وجه: أنهما من الوجه، ومما يدخل في الحَدِّ موضع الغَمَم 236؛ لأنه في تسطيح الجَبهَةِ، ولا عِبْرَةَ بنبات الشعر على خلاف الغالب، كما لا عبرةَ بانحساره عن موضع الصَّلَعِ على خلاف الغالب، هذا إذا استوعب الغَمَمُ جميع الجَبْهَةِ، وإلا فوجهان: أصحهما: أن الأمر لا يختلف، وهو من الوجه لما ذكرنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 105

والثاني: أنه من الرأس؛ لأنه على هيئته، والباقي المكشوف هو من الجبهة، بخلاف ما إذا أخذ الغمم جميع الجبهة، فإن العادة لم تَجْرِ بأن لا يكون للإنسان جبهة أصلاً، وربما وجه أحد هذين الوجهين، أنه مقبل في صَفْحَةِ الوجه.
والثاني بأنه في تدوير الرأس، ومعناه أن الأَغَمَّ ينتأُ من أوائل جبهته شيء، ولا ينقطع شكل تدوير رأسه حيث ينقطع من غيره، فذلك الموضع متصل بتدوير الرأس، لكنه مقبل في صفحة الوجه.
وأما موضع التَّحْذِيفِ؛ وهو الذي ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العِذَارِ والنَّزَعَةِ، وربما يقال: بين الصُّدْغِ والنَزَعَة؛ والمعنى لا يختلف لأن الصدغ والعذار متلاصقان، وهل هو من الوجه، أو الرأس؟ فيه وجهان.
قال ابن سريج وغيره: هو من الوجه لمحاذاته بَيَاضُ الوجه، ولذلك تعتاد النساء والأشراف إزالة الشعر عنه ولهذا سمى موضع التًحْذِيفِ.
وقال أبو إسحاق وغيره: هو من الرأس لنبات الشعر عليه متصلاًّ بسائر شعر الرأس، والأول: هو الأظهر عند المصنف، والذي عليه الأكثرون.
الثاني وهو الذي يوافق نص الشافعي -رضي الله عنه- في حَدِّ الوجه، وحاول إمام الحرمين تقدير موضع التحذيف، فقال: إذا وضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على زاوية الجبين فما يقع منه في جانب الوجه فهو من الوجه، ولك أن تقول بتوجيه من يجعله من الوجه لا يقتضي التقدير بهذا المقدار، فإن من يحذف قد يحذف أكثر من ذلك، أو أقل، ولا يراعى هذا الضبط فلا بد للتقدير من دليل.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "استيعاب غسل الوجه".
كان الأحسن أن يقول: استيعاب الوجه بالغسل.
وقوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة" إلى آخره، تحديد للوجه، وكلمتا "من" و"إلى" إذا دخلتا في مثل هذا الكلام قَدْ يُرَادُ بهما دخول ما وردتا عليه في الحَدِّ، وقد يُرَادُ خروجه.
نظير الأول: حضر القوم من فلان إلى فلان.
ونظير الثاني: من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعاً، وهما في قوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ مستعملتان بالمعنى الأول، إذ لا يراد بمتبدأ التسطيح إلا أوله، وبمنتهى الذقن إلا آخره، ومعلوم أنهما داخلان في الوجه، وفي قوله: من الأذن إلى الأذن مستعملتان بالمعنى الثاني، لأن الأذنين خارجتان من الوجه.
واعلم قوله: "من الأذن إلى الأذن" بالميم؛ لأن مالكاً يعتبر من العِذَارِ إلى العِذَارِ، ويخرج البَيَاضَ الذي بين العذار والأذن عن حد الوجه، فإن قيل: يدخل في

الجزء: 1 - الصفحة: 106

هذا الحد ما ليس من الوجه ويخرج منه ما هو من الوجه أما الأول فلأنه يدخل فيه داخل الفم، والأنف فإنه بين تسطيح الجبهة ومنتهى الذقن، وليس من الوجه، وأما الثاني؛ فلأنه تخرج عنه اللِّحيَةُ المُسْتَرسَلَةُ وهي من الوجه، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً غطى لحيته، وهو في الصلاة فقال: "اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإِنَّهَا مِنَ الوَجهِ" 237. قلنا: أما الأول فَلِلْكَلاَم تأويل.
المعنى ظاهر ما بين تَسْطِيحِ الجبهة ومنتهى الذَّقْنِ؛ ولهذا لو بطن جزء بالالتحام وظهر جزء خرج الظاهر عن أن يكون من الوجه وصار الباطن من الوجه نقيم الشَّعْرَ مقام البَشْرَةِ من صاحب اللحية الكَثَّةِ، وأما الثاني فتسمية اللِّحْيَة وجهاً على سبيل التبعية والمجاز؛ لأمرين: أحدهما: أنه لولا ذلك لكانت وجوه المُرْدِ وَالنِّسْوَانِ ناقصة، ولصح أن يقال: لمن حلقت لحيته: قطع بعض وجهه، معلوم أنه ليس كذلك.
والثاني: أنَّه يصح قول القائل اللِّحْية من الشعور النابتة على الوجه وفي المسترسلة: أنها نازلة عن حَدِّ الوجه، وذلك يدل على ما ذكرنا.
قال الغزالي: وَيجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعْورِ الخَفِيفَةِ غَالِبًا كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَينِ، فَأَمَّا شَعْرُ الذَّقَنِ فَإِنْ كَثُفَ بِحَيْثُ لاَ تَتَراءَى البَشَرَةُ لِلنَّاظِرِ لَمْ يَجِب إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِهَا إلاَّ المَرأَةَ فَإِنْ لِحْيَتَهَا نَادِرَةٌ، وَفِي العَنْفَقَةِ وَجْهَانِ لأَنَّ كَثَافَتَهَا قَد تُعَدُّ نَادِراً، وَيَجِبُ إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ الخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الوَجْهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: لما تكلم في حدِّ الوجه عاد إلى الشعور النابتة عليه، وهي: قسمان حاصلة في حَدِّ الوجه، وخارجة عنه.
والقسم الأول على ضربين: أحدهما: ما يندر فيه الكثافة كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ، وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَيْنِ.
والعِذَارُ: هو القدر المُحَاذِي لِلأُذُنِ يتصل من الأعلى بالصدغ ومن الأسفل بِالعَارِضِ، فهذه الشُّعُورُ يَجِبُ غَسْلُهَا ظاهراً وباطناً، كَالسَّلْعَةِ 238 النابتة على محل الفرض، ويجب غَسْلُ البَشَرَةِ تحتها؛ لأنها من الوجه ولا عِبْرَةَ بَحَيْلُولَةِ الشعر لأمرين: أظهرهما: أن الغالب في هذه الشعور الخفة، فيسهل إيصال الماء إلى مَنَابِتِهَا فإن

الجزء: 1 - الصفحة: 107

فرضت فيها الكَثَافَةُ على سبيل النُّدْرَةِ، فالنادر ملحق بالغالب.
والثاني: أن بَيَاض الوجه محيط بها إما من جميع الجوانب 239 كالحاجبين والأَهْدَاب، أو من جانبين كالعذارين والشاربين، فيجعل موضعها تبعاً لما يُحِيطُ به، ويعطى حَكمه، وفي كلام بعض الأئمة حكاية وجه أنها: إذا كثفت لا يجب غسل مَنَابِتِهَا كاللِّحْيَة، فلك أن تعلم قوله: "ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة غالباً" [بالواو] 240 إشارة إلى هذا الوجه، واقتصاره على ذكر المنابت ليس لأن الشعور لا تغسل؛ بل إذا وجب غسل المنابت وجب غسل الشعور بطريق الأولى، ففي ذكر المَنَابِتِ تنبيه عليها.
والضرب الثاني: ما لا يندر فيه الكثافة وهو شعر الذقن والعَارِضَيْنِ، والعَارِضُ ما ينحطُّ عن القدر المحاذي للأذن، فينظر فيه إن كان خفيفاً وجب غسله مع البشرة تحته كالشعور الخفيفة غالباً، وإن كان كثيفاً وجب غسل ظاهره، ولم يجب غسل البشرة تحته.
لما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَلَ بِهَا وَجهَهُ، وَكَانَ -صلى الله عليه وسلم- كَثَّ اللِّحْيَةِ" 241 ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة، والمعنى فيه: عسر إيصال الماء إلى المَنَابتِ مع الكثافة غير النادرة، وحكى فيه قول قديم: أنه يجب غسل البشرة تحته؛ لأنها الوجه وهذا شعر نابت عليه ومنهم من يحكيه وجهاً وهو قول المزني -رحمه الله-.
وليكن قوله: "لم يجب إيصال الماء إلى منابتها"، معلماً بالزاي والواو لهذا الخلاف والمذهب الأول.
ويستثنى عن اللِّحْيَة الكثيفة ما إذا خرجت للمرأة لحية كثيفة، فيجب إيصال الماء إلى منابتها؛ لأن أصل اللحية لها نادر فكيف بصفة الكثافة، وكذلك لحية الخُنْثَى المشكل إذا لم يكن نبات اللحية مزيلاً للإشكال، وفيه خلاف يأتي ذكره فإذا اللحية في حقها من الضرب الأول، وعَنْفَقةُ الرجل من الضرب الأول، أو من الضرب الثاني؟ فيه وجهان مبنيان على المعنيين المذكورين في الحَاجِبَيْن ونحوهما، إن عللنا بالمعنى الأول وهو ندرة الكثافة في تلك الشعور، فَالعَنْفَقَةُ مُلحَقَةٌ بها.
وإن عللنا بإحاطة البَيَاضِ فلا، بل هي كاللحية، والمعنى الأول أظهر، لأنهم حكوا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- التعليل بأن هذه الشعور لا تستر ما تحتها غالباً، ويدل عليه لحية المرأة والله أعلم.
ثم هاهنا سؤالان: أحدهما: ما الفرق بين الخَفِيْفِ وَالكَثِيْفِ؟ والجواب عبارة أكثر الأصحاب أن

الجزء: 1 - الصفحة: 108

الخفيف ما تترآى: البشرة من خلاله في مجلس التَّخَاطُب، والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية، وهذا ما شعر به لفظ الشافعي -رضي الله عنه- وهو الذي حكاه المصنف، وقال بعض الأصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه، ورأيت الشيخ أبا محمد، والمسعودي 242 وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الأخرى 243، ويقولون: إنهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذي ذكروه، لأن لهيئة النبات وكيفية الشعر في السُّبُوطَةِ وَالجُعُودَةِ تأثيراً في السَتْرِ وفي وصول الماء إلى المَنْبَتِ، وقد يؤثر شعره في أحد الأمرين دون الآخر، وإذا ظهر الاختلاف ذلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول: الشارب معدود من الشعور الخفيفة، وليس كونه مانعًا من رؤية البشرة تحته بأمر نادر.
الثاني: لو كان بعضه خفيفاً وبعضه كثيفاَ ما حكمه؟ الجواب فيه وجهان: أصحهما: أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفيراً لمقتضى كل واحد منهما عليه.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في التهذيب، وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذِّرَاعِ إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل، وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها، لأنه قال: "أما شعر الذَّقْنِ فإن كثف" إلى آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها، ويفرض ذلك على وجهين: أحدهما: أن تخف كلها ولا يخفى حكمه.
والثاني: أن يخف البعض ويكثف البعض، وهو هذه المسألة.
هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه.
القسم الثاني: الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولاً وعرضاً قولان: أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيُّ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المَسْحُ عليه، فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وأصحهما: يجب، لأنه من الوجه بحكم التَّبَعِيَّةِ لما سبق من الخَبَرِ؛ ولأن الوجه ما تقع به المُخَاطَبَةُ والمواجهة، ولأن متدلٍّ من محل الفرض فأشبه الجِلْدَةَ المتدلية، وهذا الخلاف يجري أيضاً في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعِذَارِ والسِّبَالِ إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السِّبَالِ: أنه يجب غسله قولاً واحداً والظاهر الأول فإن قلت: قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت بالإفاضة؟ فالناقلون يقولون: تجب الإفَاضَةُ في قول ولا تجب في قول، وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل، فاعلم أن لفظ الإفاضة في اصْطِلاحِ الأئمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لإمرار الماء على الظاهر، ولفظ الغسل للإمرار على الظاهر مع الإِدْخَالِ في الباطن، ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري 244 -رضي الله عنه- لما قال في هذه المسألة: يجب الغسل في قولِ، والإفاضة في قولٍ، وقالوا: الغسل غير واجب قولاً واحداً وإنما الخلاف في الإفاضة، وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللَّفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولاً واحداً كالشعور النَّابِتَةِ تحت الذَّقْنِ، لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه، والإفاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر، ثم مع هذا كله فقد حُكِيَ وَجْهٌ: إنه يجب غسل الوجه الباطن من الطَّبَقَةِ العُلْيَا من المسترسل، إذا أوجبنا غسل الوجه البَادِي منه وهو بعيد عند علماء المذهب 245. قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّالِثُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَينِ فَلَوْ قُطِعَ يَدُهُ مِنَ السَّاعِدِ غُسِلَ البَاقي، وَإِنْ قُطِعَ مِنَ العَضُدِ اسْتُحِبَّ غَسْلُ البَاقي لِتَطْوِيلِ الغُرَّةِ، وَاِنْ كَانَ مِنَ المَفْصِلِ يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ العَظْمِ البَاقِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهُ مِنَ المِرْفَقِ، وَلَوْ نَبَتَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ مِنْ سَاعِدِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الزَّائِدُ عَنِ الأَصْلِيِّ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ العَضُدِ لاَ تُغْسَلُ إلاَّ إذَا حَاذَتْ مَحَلَّ الفَرْضِ فَيُغْسَلُ القَدْرُ المحَاذِي هَذَا نَصُّهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 110

قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكَمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ 246 وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 247، وقوله عز اسمه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 248، وهو المراد هاهنا، لما روى "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ" 249. وروى: "أنَّهُ أمرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ثمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلاَّ بِهِ".
ثم اليد إن كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب، وكانت كاملة فذاك، وإن قطع بعضها فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون القطع مما تحت المِرْفَقِ كَالكُوع وَالذِّرَاع فغسل الباقي واجب فالمَيسُور لا يسقط بالمَعسُور.
والثانية: لا يكون مما فوق المِرْفق، فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العَضُدِ يستحب غسله لتطويل الغِرَّةِ؛ كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعنى.
فإن قيل: غسل ذلك الموضع مستحب تبعاً، فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجُنُونِ لما سقط قضاء الأصل سقط قضاء الرَّوَاتِبِ التي هي اتباع.
قلنا: سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة، وإلا فهو ممكن والتبع أَولى بالمسامحة، وسقوط الأصل هاهنا ليس على سبيل الترخُّص؛ بل هو متعذر في نفسه فحسن الإتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له إمرار المُوسى على الرأس وقت الحَلْقِ.
فإن قيل: تطويل الغُرَّةِ إنما يفرض في الوجه، والذي في اليد تطويل التَّحْجِيلِ فكيف قال: يغسل الباقي لتطويل الغُرَّةِ، قلنا: تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن، فيجوز أن يكون قوله: "التطويل الغرة" إشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق بينهما، ويطلق تطويل الغرة في اليد، ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" 250 قال: وإنما يمكن الإطَالَةُ في اليد, لأن استيعاب الوجه بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشيء, لأن لِلْمُعْتَرِض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى الليث وَصَفْحة العُنُق، وهو مستحب نص عليه الأئمة.
والثالثة: أن يكون القطع من مِفْصَل المرفق، فهل يجب غسل رأس العظم الباقي؟ فيه طريقان: أحدهما: القطع بالوجوب؛ لأنه من محل الرفض وقد بقي فأشبه الساعد إذا كان القطع من الكُوعِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 111

والثاني: وهو الذي ذكره في الكتاب فيه قولان: القديم: ومنقول المزني أنه لا يجب، والأصح: وهو منقول الربيع.
أنه يجب، واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليَدِ السَّلِيمَةِ يغسل تبعاً أم مقصوداً.
فمن قائل تبعاً وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شيء من الرأس تبعاً، وضرورة لاستيعاب الوجه بالغسل.
ومن قائل يغسل مقصوداً كسائر أجزاء محل الفرض وكأطراف الوجه، بالإضافة إلى وسط ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق.
فمن قائل المرفق عبارة عن: طرف عظم السَّاعِدِ ولم يَبْقَ، ومن قائل المرفق: مجموع العظمين وقد بقي أحدهما فيغسل، وهذا ما أشار إليه بقوله لأنه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة.
أما إذا خلقت لشخصٍ واحدٍ من جانب واحد يَدَانِ، فلا يَخْلُو إما أن تتميز الزائدة منهما عن الأصلية أو تشتبه 251 الحال، فإن تميزت الزائدة عن الأصلية نظر إن خرجت الزائدة [من محل الفرض كالسَّاعِدِ والمرفق، وجب غسلها، مع الأصلية كالأُصْبُعِ الزائدة] 252، والسَّلعة النابتة، ولا فرق بين أن يجاوز طولها الأصلية أو لا يجاوز، وإن خرجت مما فوق محل الفرض فإن لم تبلغ إلى مُحَاذَاةِ محل الفرض لم يجب غسل شيء منها، وإن بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في "الأم": أنه يجب غسل القدر المُحَاذِي دون ما فوقه، لوقوع اسم اليد عليها، وحصول ذلك القدر في محل الفرض، بخلاف الجِلْدَة المنكشطة من العَضُدِ لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه: إنه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره؛ لأن هذه الزائدة ليست على محل الفرض، فتجعل تبعاً ولا هي أصلية حتى تكون مقصودة بالخطاب، وحملوا نصه في الأم على ما إذا التصق شيء منها بمحل الفرض، أما إذا لم تتميز الزائدة عن الأصلية، وجب غسلهما جميعاً سواء خرجتا من المنكب، أو من المِرْفق، أو الكُوع، لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرروة أداء الواجب منهما، وإذا خرجتا من المرفق والكوع غسلتا حتماً، ومن الأمَارَاتِ المميزة للزائدة عن الأصلية أن تكون إحداها قصيرة فاحشة القصر، والأخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة، ومنها: نقصان الأصابع.
ومنها: فقد البطَشْ وضعفه 253.

الجزء: 1 - الصفحة: 112

قال الغزالي: الفَرْضُ الرَّابعُ: مَسْحُ الرَّأَسِ وَأَقَلُّهُ مَا يُسَمَّى (ح) مَسْحاً (م ز) وَلَوْ عَلَى شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ (و) بِشَرْطِ أَنْ لا يَخْرُجَ مَحَلُّ المَسْحِ عَنْ حَدِّ الرأس، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الغَسْلُ، وَلاَ يُكرَهُ عَلَى الأَظْهَرِ وَفِي الإِبْلاَلِ دُونَ المُدِّ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم﴾ 254، وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح، بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم، لأن من أمرَّ يده على هَامَةِ اليتيم صَحَّ أن يقال: مسح رأسه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" 255، ولم يستوعب.
وقال مالك: يجب الاستيعاب، وهو اختيار المُزَنِيُّ وإحدى الروايتين عن أحمد والثانية: إنه يجب مسح أكثر الرأس.
وقال أبو حنيفة: يتقدر بالربع، ثم إن كان يمسح على بَشْرَةِ الرأس فذاك، ولا يضر كونها تحت الشعر.
وقال الروياني: في التجربة لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعر، وإن كان يمسح على الشَّعْرِ، فكذلك يجوز، وإن اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها، ولا تقدير.
وعن ابن القاص: إنه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر إزالتها في التحلُّلِ عن النسك، وفي إيجاب الدَّم على المحرِم، وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة؟ ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات، في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعاً، والأول أظهر، ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حَدِّ الرأس، فلو كان مسترسلاً خارجاً عن حده وكان جعداً كائناً في حَدِّ الرأس لكنه بحيث لو مدّ لخرج عن حده لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس، واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجاً عن حد الرأس، وإن كان في غاية القِصَرِ، وكان المراد المد في جهة الرقبة والمَنْكِبَيْنِ وهي جهة النزول، ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المَسْحُ على ما جاور منبته وإن كان في حَدِّ الرأس فإنه كالغِطَاءِ لما تحته كالعِمَامة.
= غسل باطنه، لأنه صار ظاهراً، وإن لم يقدر الأقطع والمريض على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه، إما متبرعاً وإما بأجرة المثل إذا وجدها.
فإن لم يجد من يوضئه أو وجده، ولم يجد الأجرة أو وجدها فطلب أكثر من أجرة المثل لزمه أن يصلي بالتيمم، ويعيد لندوره، فإن لم يقدر على التيمم، صلى على حاله وأعاد.
والله أعلم.
الروضة 1/ 164.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

وأصحهما: أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه.
ولو غسل الرأس بدلاً عن المسح، ففي إجزائه وجهان: أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه مأمور بالمسح، والغسل ليس بمسح.
وأصحهما: أنه يجزئه؛ لأن الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح؛ فكان مجزئاً بطريق الأولى، وهذا قضية ما ذكره في الكتاب، لأنه نفى الاستحباب والكراهية عنه، وهو مشعر بالإجزاء، وهل يكره الغسل بدلاً عن المسح وإن أجزأ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه سرف كغسل الخف بدلاً عن مسحه، وكالغسلة الرابعة.
وأظهرهما: لا يكره؛ لأن الأصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص، فإذا عدل إلى الأصل لم يكن مكروهاً؛ لكن لا يستحب ذلك لما أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب الرخص بقوله: "إن اللهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ" 256. وقوله: "لا يستحب الغسل ولا يكره على الأظهر" ربما أوهم عَوْد الخلاف إليهما، وليس كذلك وإنما الخلاف في الكراهية وحدها، ولو بل رأسه ولم يعد اليد أو غيرها ما يمسح به على الموضع، فهل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الإيصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجري الماء على الأَعْضَاءِ أو يخوض ببدنه في الماء.
والثاني: وهو اختيار القَفَّال: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى مسحاً، وهو مأمور بالمسح، ولو قطر على رأسه قطرة ولم تَجْرِ هي على الموضع، فعلى الخلاف فإن جرت كفى، وهذا يدل على أنَّ المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا إن سلم أن الإمساس والوضع ليس بمسح 257. قال الغزالي: الفَرْضُ الخَامِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 258، وحكم الرجل على

الجزء: 1 - الصفحة: 114

انقسامها إلى الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكَعْبَانِ: هما العَظْمَانِ النَّاتَئَانِ من الجانبين عند مفصل الساق والقدم، وروى القاضي ابن كج وغيره عن بعض الأصحاب: أن الكعب هو الذي فوق مُشْطِ القدم 259. وجه الأول: ما روى النُّعْمَان بْنُ بشير -رضي الله عنه- قال: "أَمَرنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَلْزُقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ أَخِيهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ" 260. والذي يتصور فيه التزاق القائمين في الصفِّ ما ذكرنا دون ظهر القدم، وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته: ما إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث والأصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حق الحدث أكبر والأصغر، هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكفيه؛ لأن الطَّهَارَتَينِ عبادتان مختلفتان، فلا تتداخلان كالصَّلاتين، ولأنهما مختلفتا السبب والأثر والفعل، وهذه الاختلافات تمنع التداخل.
وأصحهما: أنه يكفيه الغَسْل لظاهر الأخبار، نحو ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَمَّا أَنَا فَأَحْثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ" 261. ولم يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد، فعلى الأول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما، وعلى الثاني وهو الأصح: هل من شرط الغسل ليكفي مراعاة الترتيب في أعضاء الوضوء، فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء، والتداخل إنما يجري فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال دون خواصهما، فعلى هذا يكفي غسل البدن مرة واحدة، ولكن يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب، وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطاً آخر: وهو أن يمسح الرأس؛ لأنه من خاصية الوضوء أيضاً بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح.
والثاني: وهو الأصح، لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 115

يبعد أن يدخل الأصغر في أكبر فلا تبقى خاصيته، ألا ترى أن العُمْرَةَ تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بِالقرَانِ ولو انفردت لا تفوت.
فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الأكبر، فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعاً بغسله أم يكفيه نية الأكبر؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتاج إلى الجمع، كالحج والعمرة يتداخلان في الأفعال دون النِيَّة.
وأصحهما: لا حاجة إليه؛ لأن الطهارات موضوعة على التداخل فعلاً ونية، ألا ترى أنه إذا اجتمعت الأحداث كفى فعل واحد ونية واحدة، هذا كله إذا اتفق وقوع الأكبر والأصغر معاً، أو سبق الأصغر أكبر.
أما إذا سبق الاكبر الأصغر فطريقان: أطهرهما: طرد الخلاف.
والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف؛ لأن الأكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن، فلا يؤثر فيه الأصغر بعد ذلك، والأصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الأكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره.
إذا عرفت هذا الأصل فنعود إلى الصورة المذكورة، ونقول: إن قلنا: يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين، وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء، وتكون الرجل مغسولة مرتين، وإن قلنا: يكفي الغسل، ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء، وجب غسل الرجلين مؤخراً عن سائر أعضاء الوضوء، ويكون غسلهما واقعاً عن الجهتين: الجنابة والحدث جميعاً.
وإن قلنا: يكفي الغسل من غير اشتراط الترتيب، فعلية غسل الرِّجْلَيْنِ عن جهة الجَنَابة، إما قبل سائر أعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها، ويغسل سائر الأعضاء عن الحَدَثِ على الترتيب، وهذا هو الأصح واختيار ابن سريج وابن الحدَّاد 262، وعلى هذا الوجه يكون المَأتِيُّ به وضوءاً خالياً عن غسل الرجلين؛ لأن الرجلين قد اجتمع فيهما الحَدَثَانِ ونحن على هذا الوجه نحكم باضْمِحلاَلِ الأصغر في جنب الأكبر،

الجزء: 1 - الصفحة: 116

فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء، فهذه هي صورة الامتحان، وَيَنْبَغِي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين، ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرّجلين على ما ذكرنا في الرجلين، ولزم أن نقول على الوجه الصحيح هذا وضوء خالٍ عن مسح الرأس والرجلين، وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين 263 فلهذا لا نتيح المحصل بأمثال هذه الامتحانات.
فائدة: عدوا غسل الرجلين أحد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه، بل الذي يلزمه أحد أمرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه، فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيباً، والمراد عند الإطلاق ما إذا كان لا يمسح أو أن الأصل الغسل والمسح بدل.
قال الغزالي: الفَرْضُ السَّادِسُ: التَّرتِيبُ (ح م ز) إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَ سَقَطَ التَّرتِيبُ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ فَإنَّه يُكْفِي لِلجَنَابَةِ فَلِلأَصْغْرِ أَوْلَى، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ بَلَلٌ وَاحْتَمَلَ الجَنَابَةَ وَالحَدَثَ فإن شَاءَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَغْسِلِ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ وَضُوءاً مُرَتَّباً وَغَسَلَ الثَّوْبَ.
قال الرافعي: روى أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ" 264، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب، وخلاف أبي حنيفة، ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور: أحدها: لو اغتسل المحدث بدلاً عن الوضوء هل يجزئه ذلك: نظر إن أتى بالغسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زماناً، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه, لأن الترتيب من واجبات الوضوء، والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب، وأصحهما: يجزئه لمعنيين:

الجزء: 1 - الصفحة: 117

أحدهما: أن الغسل أكمل من الوضوء، فإنه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللأصغر أولى، كيف والأصل هو الغسل وإنما حط تخفيفاً.
والثاني: أن الترتيب حاصل في الحالة المفروضة، فإنه إذا لاقى الماء وجهه, وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء، فعلى المعنى الأول وهو الذي ذكره في الكتاب إِيْثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب.
وعلى الثاني: الترتيب حاصل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل، كما لو اغتسل مراعياً للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف، وإن يتأت فيه تقدير الترتيب بإن انغمس وخرج على الفور أو غسل الأسافل قبل الأعالي ففيه وجهان مبنيان على الوجهين في الحالة الأولى: إن قلنا: لا يجزئ ثَمَّ فهنا أولى، وإن قلنا: يجزئ فيبنى على المعنيين إن قلنا: الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه هاهنا أيضاً، وإن قلنا: بالمعنى الثاني فلا والمعنى الثاني أصح، فلا جرم الأصح في هذه الحالة أنه لا يجزئه، ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعاً إذا قارنته النية، والكلام فيما عداه، ومنهم من قال: في الحالة الأولى يجزئه ما أتى به بلا خلاف، والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى رفع الجَنَابَة إن قلنا: لا يجزئه إذا نوى رفع الحدث فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجزئه فوجهان هاهنا: أحدهما: لا يجزئه لأنه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهارة غير مرتبة.
وأصحهما: الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفياً وإثباتاً، وهذا كله في المحدث المَحْضِ يغتسل.
إما إذا أجنب وأحدث فالظاهر أنه يكفيه الغسل كما تقدم، والأصغر يتلاشى في جنب الأكبر وإذا عرفت ما ذكرناه، ونظرت في لفظ الكتاب، وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يَتَأَتَّى فيه تقدير الترتيب، وما إذا اغتسل بِحَيْثُ لا يتأتى فيه ذلك، فإن أرادهما جميعاً فالخلاف شامل، لكن الأظهر عند الجمهور أنه لا يجزئه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره.
وإن أراد الحالة الأولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره.
الثاني: لو ترك الترتيب عامداً لم يَجْزِهِ وضوءه لكن يعتدُّ بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يَجْزِهِ الوضوء، كما لو نكس لأن المَعِيَّةَ تنافي الترتيب أيضاً، وفيه وجه: أن الشرط عدم التَّنْكيس، ويجزئه الوضوء هاهنا، وان ترك الترتيب ناسياً فقولان: الجديد: أنه كما لو ترك عامداً كما لو ترك سائر الأركان ناسياً، وفي القديم قول: أنه يعذر بالنسيان، وذكر الأئمة أنه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسياً، ووجه

الجزء: 1 - الصفحة: 118

الشبه أن قراءة الفاتحة وإن كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالرُّكُوعِ والقيام ونحوهما وإنما هي زينة وتتمة للقيام.
كذلك الترتيب زينة وهيئة في سائر الأركان.
الثالث: الوضوء نوعان: أحدهما: وضوء من يتقن أن حدثه الأصغر، فيعتبر فيه الترتيب.
والثاني: وضوء من يجوز أن يكون حدثه الأكبر، ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون مَنِيّاً، واحتمل أن يكون مَذْياً ففيما يلزمه وجوه: أحدها: أنه يجب عليه الوضوء؛ لأن غسل ما زاد على الأعضاء الأربعة مشكوك فيه، والمستيقن هذا القدر؛ وعلى هذا الوجه لو عدل إلى الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلاً عن الوضوء.
والثاني: يجب عليه الوضوء وغسل سائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل؛ لأن شغل ذمته بإحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الإتيان بهما ليخرج عن العهدة بيقين.
والثالث: وهو الأصح أنه يتخير بين أن يغتسل أخذاً بأنه مني، أو يتوضأ أخذاً بأنه مَذيٌ, لأن كل واحد منهما محتمل، فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته؛ لأن لزوم الآخر مشكوك فيه، والأصل العدم، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب.
وليكن قوله: "فإن شاء" "وإن شاء" مُعْلَمَيْنِ بالواو؛ إشارة إلى ما روينا من الوجهين، ثم على الوجه الأظهر لو توضأ وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البَلَل من ثوب وغيره؛ لأنه على التقدير الذي يجب الوضوء، يكون ذلك الخارج نجساً، وفيه وجه: أنه لا يجب غسل الثوب، وهو ضعيف، ولا بد أن يكون الوضوء المَأْتِيُّ به مرتباً.
وفيه وجه: أنه لا يجب الترتيب؛ لأنه إذا شك في كونه منياً، أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى، والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى، فلا يجب بالشك؛ كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى، وإنما يجب المشترك بينهما، ويقال: كان القفال يقول بهذا الوجه، ثم رجع إلى الأول، وهو المذهب؛ لأنه إما مَنِي، فموجبه الغسل، أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه، فإذا لم يرتب الوضوء، ولا اغتسل، فقد صلى مع أحد المحدثين يقيناً.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا أوْلَج خُنْثَى مشكل في دبر رجل، فهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان، وإلا فمحدثان، فالجَنَابَةُ محتملة غير مُسْتَيقَنةٍ، فإذا توضأ وجب عليهما المحافظة على الترتيب في ظاهر المذهب.
وفي وجه: لا يجب؛ لأن لزوم الترتيب مشكوك فيه، وهذا الوجه هو الذي دعا إلى إيراد مسألة البلل هاهنا وإن لم يذكره في لفظ الكتاب، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 119

الْقَوْلُ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ

قال الغزالي: أَنْ يَسْتَاكَ بِقُضْبَانِ الأَشْجَارِ عَرَضاً، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَة وَعِنْدَ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ إلا بَعْدَ الزَّوَالِ (ح م) لِلصَّائِمِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةً لِلرَّبِ" 265 إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقاً ولا يكره إلاَّ بعد الزوال للصَّائم خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله- وسنذكر تفصيل مذاهبهم في الصوم إن شاء الله تعالى.
لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خُلُوفُ الفَم، وأنه مشهود له بِالطِّيبِ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ" 266. وإذا كان كذلك فيكره إزالته كَدَمِ الشَّهداءِ وَإنما خص بما بعد الزوال؛ لأنه تغير الفم بسبب الصوم، وحينئذ يطهر، وفي غير هذه الحالة يطرد الاستحباب، لكنه آكَدُ في مواضع: منها: عند الصلاة، وإن كان على الطهارة، سواء كان متغير الفم، أو لم يكن لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" 267. ومنها: عند تغيير النَّكْهَة، وذلك قد يكون للنوم، فيستحب عند الاستيقاظ الاستياك، كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اسْتَيْقَظَ اسْتَّاكَ" 268 وروى "أَنَّهُ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ" 269 وقد يكون لطول السكوت، وقد يكون لترك الأكل، وقد يكون لأكل ماله رائحة كريهة، فَيُسْتَحَبَّ الاستياك عندها جميعاً؛ لأنها أسباب تغير الفم، فتشبه النوم.
ومنها: اصْفِرَارُ الأسنان، وقد يفرض ذلك من غير تغير النَّكْهَة.
ومنها: قراءة القرآن، تعظيماً, وتطهيراً له.
ومنها: عند الوضوء، وإن لم يصلّ في الحال: روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ" 270.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وقد حَكَيْنَا فيما تقدم عن بعض الأصحاب: أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله: "إن يستاك" بالواو، وإشارة إلى ذلك الوجه.
وقوله: "بقضبان الأشجار" ليس على سبيل الاشتراط، لكنها أولى من غيرها، والأولى منها الآراك، والأحب أن يكون يابساً، لين بالماء دون ما لم يلين، فإنه يقرح اللَّثَةَ، ودون الرطب فإنه لا ينقى اللُّزُوجة، وأصل السنة تَتَأَدَّى بكل خشن، يصلح لإزالة القِلْحِ، كالخِرْقَةِ الخشنة ونحوها، نعم لو كان جزءاً منه كَأُصبُعِهِ الخشنة، ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى استياكاً.
والثاني: يجزئ لحصول مقصود الاستياك به.
والثالث: إن قدر على العود ونحوه فلا يجزئ، وإلا فيجزئ, لمكان العُذْرِ.
وأما قوله: "عرضاً" فقد ذكر إمام الحرمين: أنه يمد السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجِهَتَيْنِ، فالعرض أولى؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اسْتَاكُوا عَرْضاً" 271 وهكذا أورده المصنف في الوسيط، وذكر آخرون منهم صاحب "التتمة": أن يستاك في عرض الأسنان لا في طولها.
ورووا في الخبر: "أَنَّه قَالَ: "اسْتَاكوا عَرْضاً لاَ طُولاً" فعلى الأول قوله: "عرضاً" ليس لأنه متعين في إقامة هذه السنة، بل خصه بالذكر لأنه أولى، وعلى الثاني هو تعيين 272. قال الغزالي: وَأَنْ يَقُولَ: بِسْم اللهِ فِي الابْتِدَاءِ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلاَثاً قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ.
قال الرافعي: ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه: بسم الله على سبيل التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّن، وذهب أحمد إلى أن التسمية واجبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ عَلَيْهِ" 273.

الجزء: 1 - الصفحة: 121

قلنا: المعنى لا وضوء كاملاً، كذلك روى في بعض الروايات، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَر اسْمَ اللهِ كَانَ طَهُوراً لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، كَانَ طَهُوراً لأَعْضَاءِ وَضُوئِهِ" 274. ولو كانت التسمية واجبة لما طَهُرَ شيء، ثم لو نسي التسمية في الابتداء، وتذكرها في أثناء الوضوء أتى بها, كما لو نسي التسمية في ابتداء الأكل يأتي بها إذا تذكر في الأثناء، ولو تركها في الابتداء عمداً، فهل يشرع له التدارك في الأثناء؟ هذا محتمل 275. ولك أن تعلم قوله: "وأن يقول بسم الله" بالألف، والواو، "فالألف", لأن أحمد عَدَّها من الواجبات.
"والواو"؛ لأن بعض الأصحاب لم يعدها من سنن الوضوء، وقال: هي محبوبة في كل أمر ذي بال، فلا اختصاص لها بالوضوء.
ومن سننه غسل اليدين إلى الكُوعَينِ قبل غسل الوجه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ" 276 ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم، وغيره، ولا بين أن يتردَّد في طهارة يديه، أو يتيقنها، ولا بين من يدخل يديه في الإناء من توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضي إلا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الإناء ثم مَنْ يدخل يديه في الإناء، ولم يتيقن طهارة يديه بأن قام من النوم، واحتمل تنجس يديه في طوافهما، وهو نائم يختص بشيء، وهو أنه يكره له ذلك قبل الغسل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا اسْتَيقَظَ أحَدكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يِغْسِلَهَا ثَلاثاً، فَإِنَّهُ لاَ يَدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" 277 وكذلك لو كان مستيقظاً ولم يستيقن طهارة اليدين، وإن تيقن طهارة يديه، فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان: أظهرها: لا، بل بتخير بين تقديم الغمس وتأخيره؛ لأن سبب المنع ثم الاحتياط للماء؛ لاحتمال نجاسة اليد.
وهذا مفقود هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 122

والثاني: يكره، لأن المتيقن والمتردِّد يستويان في أصل استحباب الغسل، فكذلك في استحباب تقديم الغسل على الغَمْس 278. وليكن قوله: "وأن يغسل يديه" مُعْلماً بالألف والواو أيضاً، أما "الألف" فلأن عند أحمد إن قام من نَوْمِ الليل يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإن قام من نوم النهار لا يجب.
وأما "الواو" فلأن بعضهم لا يعده من سنن الوضوء على ما سبق.
وأما قوله: "ثلاثاً"، فليس ذلك من خاصية هذه السنة، بل التَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ في جميع أفعال الوضوء، كما سيأتي.
قال الغزالي: وَأَنْ يَتَمَضْمَضَ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ فَيَأخُذَ غرْفَةً لِفيهِ وَغرْفَةً لأَنْفِهِ عَلى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفي الثَّانِى يَأَخُذُ غرْفَةَ لَهِمَا ثُمَّ يَخْلِطُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ إِذَا كَانَتِ الغرْفَةَ وَاحِدَةً وَيُقَدِّمِ المَضْمَضَةَ فِي الوَجْهِ الثَّاني وَأَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِماً فَيَرْفُقُ.
قال الرافعي: "كَانَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فِي وُضُوئِهِ" 279 فهما مستحبان فيه، خلافاً لأحمد حيث قال بوجوبهما.
لنا: ما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَشْرٌ مِنَ السُّنَّةِ" 280. وَعَدَّ مِنْهَا المَضْمَضَةَ، وَالاسْتِنْشَاقَ ثم أصل الاستحباب يتأدَّى بإيصال الماء إلى الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة، أو أكثر، لكن اختلفوا في الكيفية التي هي أفضل على طريقين: أصحهما: أن فيه قولين.
أصحهما: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ" 281. ويقال: إن عثمان وعلياً -رضي الله عنهما- كذلك روياه 282؛ ولأنه أقرب إلى النظافة.
والثاني: أن الجمع بينهما أفضل؛ لما روى عن علي -رضي الله عنه- في وصف

الجزء: 1 - الصفحة: 123

وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ" 283، ونقل مثله عن وصَفِ عبد الله بن زيد 284، والرواية عنه وعن عثمان وعلي -رضي الله عنهم- في الباب مختلفة.
والطريق الثاني: أن الفصل أفضل بلا خلاف، وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجَوَازِ.
فإن قلنا: بالفصل ففي كيفيته وجهان: أصحهما: "أَنَّهُ يَأخُذُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلاَثًا وَغَرْفَةً أُخْرَى يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلاَثاً, لأَن عَلِيّاً- رَضِي الله عَنْهُ- كَذَلِكَ رَواهُ" 285. والثاني: أنه يأخذ ثلاث غَرَفَاتِ لِلْمَضْمَضَةِ، وثلاثاً للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا التقديم مستحق على أظهر الوجهين؛ لأنهما عضوان فَيَتَعَيَّنُ الترتيب بينهما، كما في سائر الأعضاء.
والثاني: أنه مُسْتَحَبٌّ؛ لأنهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار.
وإن قلنا: بالجمع، ففي كيفيته وجهان أيضاً: أظهرهما: أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ ثالثة؛ فيفعل بها مثل ذلك، كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد 286. والثاني: أنه يأخذ غَرْفَةً واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، روى ذلك في بعض الروايات أيضاً.
ثم على هذا الوجه، وهو اتِّحْادُ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق؟ أم يقدم المضمضة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يخلط، فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه، ثم يفعل ذلك ثانية، وثالثة، لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما في حكم عضو واحد.
والثاني: يقدم المضمضة على الاستنشاق، فإن ذلك أقرب إلى النَّظَافَة 287. ولنبين

الجزء: 1 - الصفحة: 124

ما يشتمل عليه الكتاب من هذه الاختلافات.
أما قوله: "فيأخذ غَرْفَة لفيه، وغرفة لأنفه على أحد القولين"، فهو قول الفصل بالكَيْفِيّة المذكورة في الوجه الأول من الوجهين المذكورين على هذا القول.
وأما قوله: "وفي الثاني يأخذ غَرْفَة لهما" فهو قول الجمع بالكَيْفِيَّة المذكورة في الوجه الثاني على هذا القول.
وقوله: "ثم يخلط على أحد الوجهين" إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيراً.
ومن سنن الوضوء: المبالغة في المَضْمَضَة والاستنشاق، ففي المضمضة يبلغ الماء أقصى الحَنَكِ، وَوَجْهَي الأسنان واللَّثَات مع إمرار الإصبع عليها، وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخَيْشُوم مع إدخال الإصبع، وازالة ما فيه من الأَذَى، لكن لو كان صائماً لا يبالغ فيهما، كيلا يصل الماء إلى الدماغ، أو البطن، وقد روى "عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبَرَةَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ.
قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالَغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِماً 288 " 289. قال الغزالي: وَأَن يُكَرِّرَ الغَسْلَ وَالمَسْحَ (ح م و) فِي الجَمِيع وَإِن شَكَّ أَخَذَ بِالأَقَلِّ.
قال الرافعي: "توَضَّأَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثاً ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" 290. وروى: "أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلاَثاً ثَلاَثاً، وَقَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَد أَسَاءَ وَظَلَم" 291. ولا فرق بين المَغْسُولِ من الأعضاء والممسوح المفروض منهما، وغير المفروض؛ لأن لفظ الخبر مطلق يتناول المغسول والممسوح.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا يستحب التَّكْرار في مَسْحِ الرأس وحكاه أبو عيسى التِّرْمذي في جامعة عن الشافعي -رضي الله عنه- ونقله أبو عبد الله الحناطي وجهاً للأصحاب فيه، وفي مسح الأذنين.
واحتجوا عليه بما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً" 292 وعن علي وعثمان -رضي الله عنهما- أنهما في وَصْفِ وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "مَسَحَا رُؤُوسَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
قلنا: ورد في رواية الرُّبَيِّع بنت معوذ: "أَنَّهُ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّتَيْنِ 293 "، وعن عثمان "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأسَهُ ثَلاَثاً" 294، على أن ما رويتموه يَجْوزُ أن يكون فعله في بعض الأحوال؛ لبيان الجواز.
وهذا لبيان الفضيلة، فلو شك في أنه غسل، أو مسح مرة، أو مرتين، أو شك في أنه فعل ذلك مرتين، أو ثلاثاً؛ فوجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يأخذ بالأقل؛ كما لو شك في عدد رَكَعَاتِ الصلاة.
والثاني: ذكره الشيخ أبو محمد: أنه يأخذ بالأكثر؛ حذراً من أن يزيد غسلة رابعة، فإنها بِدْعَةٌ وترك السنة أهون من اقتحام البدعة، لكن من قال بالأول لا يسلم أن الرابعة بدعة على الإطلاق؛ بل البدعة: إتيانه بالرَّابِعَة عن علم منه بحقيقة الحال 295. قال الغزالي: وأنْ يُخَلِّلَ اللَّحْيَةَ إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً.
قال الرافعي: ما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شَعرِ الوجه، يستحب تَخْلِيلُه بالأصابع، روى عن عثمان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخلِّلُ لِحْيَتَه 296 وروى: أنه كان يُخَلل لحيته، وَيدْلُكُ

الجزء: 1 - الصفحة: 126

عَارِضَيْهِ بعض الدلك.
وعن المزني: أن التَّخلِيلَ واجب 297 ورواه القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب، فإن أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم يخرجها على أصل الشافعي -رضي الله عنه- وإن أراد غيره حصل وجه موافق لما ذهب إليه المزني.
قال الغزالي: وأنْ يُقَدِّمَ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى.
قال الرافعي: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب التيامن في كل شيء، حتى في وضوئه وانتعاله 298. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا تَوَضَّأتم فَأْبْدَؤُا بِمَيَامِنُكِم" 299 وزعم المرتضى 300 من الشيعة أن الشافعي -رضي الله عنه- في القديم كان يوجب تقديم اليمنى على اليسرى، وليس لهذا ذكر في كتب أصحابنا، ولا اعتماد عليه، ويدل على نفي الوجوب ما روى عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: ما أبالي بيميني بدأت، أو بشمالي إذا أكملت الوضوء 301. ثم استحباب تقديم اليمنى على اليسرى في كل عضوين يعتبر إيراد الماء عليهما دفعة واحدة، كاليدين والرجلين، أما الأذنان فلا يستحب البداية باليمنى منهما؛ لأن مسحهما معاً أهون، وكذلك الخدان يغسلان معاً: نعم الأقطع يعجز عن غسل الخدين، ومسح الأذنين دفعة واحدة فيراعى التَّيَامُنُ، هكذا ذكر القاضي أبو المحاسن 302 وليكن قوله: "وأن يقدم اليمنى" مرقوماً بالألف؛ لأن أحمد صار إلى وجوبه.
قال الغزالي: وأنْ يطَوِّلَ الغُرَّةَ.
قال الرافعي: وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أُمَّتِي يَومَ الْقِيَامَةِ غُرٌّ مُحَجُّلُونَ مِنْ آَثَارِ الوُضُوءِ" 303. قال أبو هريرة: "فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَغْسِلُ أَيْدِيَنَا إِلَى الأبَاطِ" 304.

الجزء: 1 - الصفحة: 127

واختلف الأصحاب في التفسير، ففرق بعضهم بين تطويل الغُرَّة وتطويل التَّحْجِيل فقالوا: تطويل الغرة غَسْلُ مُقَدَّمات الرأس مع الوجه، وكذلك غسل صَفْحَةِ العُنُقِ، والتحجيل غسل بعض العَضُد عند غسل اليد وغسل بعض الساق عند غسل الرجل، وغاية ذلك استيعاب العضد، والساق وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالى الوجه، والأول أولى وأوفق لظاهر الخبر.
قال الغزالي: وَأَنْ يَسْتَوْعِبَ الرَّأْسَ بِالمَسْحِ فَإِنْ عَسُرَ تَنْحِيَةُ العِمَامَةِ كَمَّلَ بِالمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ.
قال الرافعي: من سنن الوضوء اسْتِيعَابُ الرأس بالمسح، والأحبُّ في كيفيته أن يضع يده على مقدم رأسه، وكل واحدة من سَبَّابَتَيْهِ مُلْصَقَة بالأخرى، وإبهاماه على صُدْغَيه ثم يذهب بهما إلى قَفَاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، روى عن عبد الله ابن زيد في صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، أَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمَقْدِمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ" 305. وهل الذِّهَاب باليد والرد مَسحَةٌ واحدة؟ أم الذهاب وحده مسحة؟ إن لم يكن على رأسه شعر، أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليد؟ وردها لكونه ضَفِيرَةً معقودة، أو لطوله فإمرار اليد من المقدم إلى المؤخر مَسْحَة واحدة.
قال في التهذيب: ولا يحسب الرد، والحالة هذه مسحة أخرى؛ لِصَيْرُورَةِ البَلَلِ مستعملاً بحصول مسح جميع الرأس، وإن كان على رأسه شعر ينقلب بالذهاب باليد، وردها فهما جميعاً مسحة واحدة؛ ليستوعب البلل جميع الرأس، فإن مَنَابِتَ الشعور مختلفة، منها ما يكون وجهه إلى مقدم الرأس، ومنها ما يكون وجهه إلى مؤخره، فبالذهاب يبتلُّ بواطن القسم الأول، وظواهر الثاني وبالرد يبتل ظواهر الأول، وبواطن الثاني، والأول أن يمسح من الرأس النَّاصية، "مَسَحَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" 306 ولا يجوز الاقتصار على مسح العِمَامَةِ؛ لأن المأمور به مسح الرأس، والماسح على العمامة ليس بماسح على الرأس، ولو عسر عليه تنحية ما على رأسه من عمامة، وغيرها ومسح من الرأس قدر ما يجب كمل بالمسح على العمامة، بدلاً من الاستيعاب وتشبها به.
قال الغزالي: وَأَنْ يَمْسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 128

قال الرافعي: يستحب مَسْحُ الأُذُنَيْن؛ لما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذَنَيهِ، ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ" 307. وينبغي أن يمسحهما بماء جديد؛ لما روى عن عبد الله بن زيد، في صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاء غَيْرِ المَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ" 308. وليس من الشرط أن يأخذ ماءً جديداً حينئذ؛ بل لو أمسك بعض أصابعه من البلل المأخوذ لمسح الرأس، ومسح به الأذنين تأَدَّت هذه السنة؛ روى "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- "أَمْسَكَ بسَبَّابَتَيْهِ، وإبْهَامَيْهِ عَنِ الرَّأْسِ؛ لِمَسْحِ الأُذُنيْنِ، فَمَسَحَ بِسَبَّابَتَيْهِ بِاطِنَهُمَا، وَبِإِبْهَامَيْهِ ظًاهِرَهُمَا" 309، ويمسح الصِّمَاخَيْنِ بماء جديد أيضاً نص عليه؛ لأنه من الأذن، كالفم والأنف من الوجه، وحكى قول آخر: أنه يكفي مَسْحُه ببقية بلل الأذن؛ لأن الصِّمَاخَ من الأذن، والأحبُّ في إقامة هذه السنة أن يدخل مسبحتيه في صِمَاخَيْه، ويديرهما على المَعَاطف، ويمر إبهاميِه على ظهورهما، ثم يلصق كفيه، وهما مبلولتان بالأذنين استظهاراً.
ولك أن تعلم قوله: "وأن يمسح أذنيه" بالألف؛ لأن أحمد قال بوجوبه، وبالميم؛ لأن مالكاً قال في رواية: هما من الوجه يُغْسَلاَن معه، ولا يُمْسَحان.
وقوله: "بماء جديد" بالحاء لأن أبا حنيفة يقول: هما من الرأس يمسحان بالبلل المأخوذ للرأس 310، وبالميم، لأن مالكاً: يقول في رواية هما من الوجه يمسحان بالبَلَلِ الباقي عن غسل الوجه 311 وبالألف، لأن أحمد مع قوله "بالوجوب" يجوزه بالمأخوذ لمسح الرأس، وعن مالك روايتان، أخريان أحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى مثل مذهب أبي حنيفة.
قال الغزالي: وأنْ يَمْسَحَ الرَّقَبَةَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 129

قال الرافعي: روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنَ الْغُلِّ" 312 وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 313 "] 314. وهل يمسح بماء جديد، أم بما يبقى من بلل مسح الرأس، أو الأذن؟ بناه بعضهم على وجهين في أن مسح العنق سنة أم أدب، إن قلنا: سنة مسح بماء جديد وإن نقلنا: أدب مسح بالبلل الباقي.
واعلم أن السُّنة والأدب يشتركان في أصل الندبية، والاستحباب، لكن السنة ما يتأكد شأنها، والأدب دون ذلك، ثم اختيار القاضي الروياني: أنه ينبغي أن يمسحه بماء جديد، وميل الأكثرين إلى أنه يكفي مسحه بالبلل الباقي، وهو قضية كلام المسعودي، وصاحب "التهذيب"؛ لأن المسعودي قال: إنه غير مقصود في نفسه، بل هو تابعٌ للقَفَا في المسح والقفا تابع للرأس؛ لتطويل الغُرَّة.
وقال صاحب "التهذيب": يستحب مسحه؛ تبعاً للرأس، أو الأذن إطالةً للغرة، وإذا كان استحبابه لتطويل الغرة، كفى فيه البلل الباقي 315 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأنْ يُخَلَّلَ أَصَابعَ الرِّجْلَينِ بِخنْصِرِ اليَدِ اليُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ أَصَابعِ الرِّجْلِ اليُمْنَى وَيَبتَدِئُ بِخِنْصِر اليُمْنَى وَيَخْتُمِ بِخِنْصِرَ اليُسْرَى.
قال الرافعي: من سنن الوضوء: تخليلُ أصابع الرجلين في غسلهما؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للقيط بن صبرة: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلِ الْأَصَابع".
وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تَخْلِيلٍ، فلو كانتِ الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينئذ يجب التخليل، لا لِذَاتِهِ، لكن الأداء فرض الغسل، وإن كانت ملتحمة لم يجب الفَتْقُ، ولا يستحب أيضاً، والأحب في كيفية التخليل: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل الأصابع، مبتدئًا بخِنْصَرِ الرِّجْل اليمنى، ومختتماً بخِنْصَر اليسرى، وَرَدَ الخبر 316 بذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك ذكره الأئمة، وعن أبي طاهر

الجزء: 1 - الصفحة: 130

الزيادي 317؛ أنه يخللُ ما بين كل إصْبُعَيْن من أصابع رجله بإصبع من أصابع يده؛ ليكون بماء جديد، ويفصل الإبهامان، فلا يخلل بهما؛ لما فيه من العسر، وهل التخليل من خاصية أصابع الرجلين؟ أم هو مستحب في أصابع اليدين أيضاً؟ معظم أئمة المذهب ذكروه في أصابع الرجلين، وَسَكتُوا عنه في اليدين، لكن القاضي أبا القاسم بن كج قال: إنه مستحب فيهما، واستدل بخبر لقيط بن صبرة، فإن لفظ الأصابع ينتظمها، وفي جامع أبي عيسى الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أَصَابعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ" 318. وعلى هذا فالذي يقرب من الفهم هاهنا أن يشبك بين الأصابع، ولا تعود فيه الكيفية المذكورة في الرجلين، ولك أن تعلم قوله: "بخنصر اليد اليسرى" بالواو، إشارة إلى ما حكينا عن الأستاذ أبي طاهر.
قال الغزالي: وأنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الأَفْعَالِ فَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في الموالاة.
فقال في القديم: هي واجبة، وبه قال مالك، وأحمد في رواية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ على سبيل الموالاة، وقال: "هذَا وُضُوء لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بهِ" 319؛ ولأنها عبادة ينقضهما الحدث، فيعتبر فيها الموالاة، كالصلاة، وقال في الجَديد: هي سنة؛ لما روى "أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ وَتَرَكَ لُمعَةً فِي عَقِبِهِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- بِغَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالاِستِئنَافِ 320 " ولم يبحث عن قَدْرِ المدة الفاصلة، وعن ابن عمر -رضي الله = الملقن في الخلاصة (1/ 38): وقد أجمع المحدثون على ضعفه كما قاله البيهقي لكن نقل الدارقطني والبيهقي عن مالك أنه قال هذا حديث حسن، ولم ينفرد به ابن لهيعة فقد روى من طريقه أخرى ليس هو فيها وصححها ابن القطان وقال الحافظ: هذه الكيفية لا أصل لها، وساق ما سقناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

عنهما-: أنه كان يتوضأ في سوق المدينة، فدُعِيَ إلى جنازة، وقد بَقِيَ من وضوئه فرض الرجلين، فذهب معها إلى المُصَلَّى، ثم مسح خفيه وكان لابساً ولأن أفعال الوضوء يجوز أن يتخلَّلها الزمان اليسير، فكذلك الزمان الكثير بخلاف الصلاة.
ثم لجريان القولين شرطان، وإن أطلق في الكتاب.
أحدهما: أن يهمل الموالاة بتفريق كثير، أما التفريق اليسير فلا يقدح بلا خلاف، سواء كان بعذر، أو بغير عذر، والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يَجِفّ فيه المَغْسُولُ مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص، ولا عبرة بحال المَحْمُومِ، ولا بتباطُؤ الجفاف؛ بسبب بُرُودَةِ الهواء، ولا بتَسَارُعِهِ بسبب الحرارة.
وقيل: يؤخذ الكثير والقليل من العادة.
وقيل: إذا مضى قدر ما يمكن فيه إتمام الطهارة فقد كثر التفريق، واعتبار مدة التفريق من آخر الفعل المأتي من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه، ووقع فصل، ثم مسح رأسه، قبل جفاف ماء اليدين لم يضر، وإن جف الماء على وجهه.
وإذا غسل ثَلاثاً، فالاعتبار من الغسلة الأخيرة.
الشَّرْط الثاني: أن يكون التفريق الكثيرة بغير عذر، أما إذا كان بعذر فلا يضر، ولا يعود فيه القول القديم.
قال المسعودي: لأن الشافعي -رضي الله عنه- جوز في القديم تفريق الصلاة بالعُذْرِ، فإنه إذا سبقه الحدث يتطهر، ويبني، ففي الطهارة أولى، والعذر كما إذا نفد ماؤه، فذهب لطلبه، أو خاف من شيء فهرب، وهل النسيان من الأعذار؟ فيه وجهان، للشيخ أبي محمد: والأظهر: أنه من الأعذار، ومنهم من طرد القولين في التفريق بالعُذْر أيضاً، والأكثرون على الأول، وَحُكِيَ عن نص الشافعي -رضي الله عنه- ما يدل عليه وإذا عرفت موضع القولين، فنقول: إذا فرعنا على القديم وفرق وجب عليه الاستئناف.
وإن فرعنا على الجديد، فله البناء، ثم إن كان مستديماً للنية فذاك، وإن لم يكن فهل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن استيفاء النية حكماً خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه عند تواصل الأفعال.
وأظهرهما: لا؛ لأن التفريق إذا كان جائزاً كانت النية الأولى كافية، ألا ترى أن الحج إذا جاز فيه التفريق كَفَتِ النية الأولى فيه.
قال الغزالي: وَأَنْ لاَ يَسْتَعِينَ فِي الوُضُوءِ بِغَيْرِهِ، وَأَنْ لاَ يُنَشِّفَ الأَعْضَاءَ فَهِيَ سُنَّةٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 132

عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَأَنْ لاَ يَنْفُضَ يَدَيْهِ لِلنَّهْي عَنْهُ، وَأَنْ يَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ المَأْثُورَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ غَسْلِ الأَعْضَاءِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على أربع سنن: إحداهما: أن لا يستعين في وضوئه بغيره.
روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَنَا لاَ أَسْتَعِينُ عَلَى وُضُوئِي بأَحَدٍ" 321 قاله لعمر -رضي الله عنه- وقد بادر لِيَصُبَّ الماء على يديه؛ ولأنه نوع من التنعيم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبِّد، والأجر على قدر النصب.
وهل تكره الاستعانة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لما ذكرناه.
وأظهرهما: لاَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ اسْتَعَانَ أَحْيَانًا 322 مِنها: ما رُوِيَ "أَنَّ أُسامة 323 وَالربيع بِنْتَ مُعَوِّذِ صَبَّا الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ" 324. ومنها ما روى "أنَّهُ اسْتَعَانَ بالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةُ لِمَكَانِ جُبَّةٍ ضَيِّقَةِ الْكُمَّيْنِ كَانَ قَدْ لَبِسَهَا فَعَسَرَ عَلَيْهِ الإِسْبَاغُ مُنْفرَداً" 325 ولا يستبعدن الخلاف في أن الاستعانة هل تكره؟ مع الجزم بأن تركها محبوب فإن الشيء قد يكون أولى، ولا يوصف ضده بالكراهية كأستغراق الأوقات بالعبادة وتركه.
الثانية: هل يستحب ترك تنشيف الأعضاء فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لما روى عن أنس "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ لاَ يُنَشِّفُ أَعْضَاءَهُ" 326.

الجزء: 1 - الصفحة: 133

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصْبِحُ جُنُبًا، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَرَأسُهُ يَقْطُرُ مَاء" 327. والثاني: لا يستحب ذلك.
وعلى هذا اختلفوا.
منهم من قال: لا يستحب التَّنْشِيف أيضاً، وقد روي من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التنشيف، وتركه، وكل حسن، ولا ترجيح، ومنهم من قال: يستحب التنشيف؛ لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار، وإذا فرعنا على الأظهر، وهو استحباب الترك، فهل نقول التَّنْشِيفُ مَكْرُوهٌ؛ أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: لا؛ "لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- اغْتَسَلَ، فَأَتَى بِمَلحَفَةٍ وَرَسِيَّةٍ، فَالْتَحَفَ بِهَا حَتَّى رُؤي أَثَرُ الوَرَسِ فِي عُكَتِهِ" 328. ولو كان مكروهًا لما فعل.
والثاني: نعم؛ لأنه إزالة لأثر العبادة، فأشبه إزالة خُلُوف فَمِ الصائم.
والثالث: حُكِيَ عن القاضي الحسين: أنه إن كان في الصيف كره، وإن كان في الشتاء لم يكره؛ لعذر البرد.
الثالثة: أن لا ينفض يديه، فهو مكروه 329 لما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا تَوَضَّأتُم فَلاَ تَنْفضُوا أَيْدِيَكُم، فَإِنَّهَا مَرَاوح الشَّيْطَانِ" 330. الرابعة: أن يحافظ على الدعوات 331 الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: "اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً"، وعند غسل اليسرى: "اللهم لا تعطني

الجزء: 1 - الصفحة: 134

كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري"، وعند مسح الرأس: "اللهم حَرِّمْ شعري وبشري على النار" وروى: "اللهم احْفَظْ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى"، وعند مسح الأذنين: "اللَّهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، وعند غسل الرجلين: "اللَّهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"، ورد بها الأثر عن السلف الصالحين 332 خاتمتان: إحداهما: السنن التي أوردها، يعود يصفها في الغسل، التسمية، وغسل اليدين، والمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والتكرار، والمُوَالاة، وترك الاستعانة، والتنشيف، والنفض.
وفي التسمية وجه: أنها لا تستحب في الغسل، وفي الموالاة طريق: أنها لا تجب في الغسل بلا خلاف.
الثانية: ظاهر لفظ الكتاب حصر السنن في العدد المذكور، لكن للوضوء مَنْدُوبَات أخر.
منها: أن يقول بعد التسمية: الحَمْدُ لله الذي جعل الماء طهوراً.
وأنَّ يستصحب النية في جميع الأفعال.
وأن يجمع في النية بين اللِّسان القلب.
وأن يتعهد الماقين 333 بالسبابتين، وما تحت الخَاتِمَ بتحريك الخاتم، وكذلك المواضع التي يحتاج فيها إلى الاحتياط.
وأن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه، وفي مسح الرأس بمقدمه وفي اليد والرجل بأطراف الأصابع، ويختم بالمرافق، والكعب إن كان يصب الماء عليهما بنفسه، وإن صبه عليه غيره بدأ بالمِرْفَقِ، والكَعْبِ.
وأن لا ينقص الماء المتوضأ به عن مدٍ.
وأن لا يسرف في صب الماء.
وأن لا يزيد على ثلاث مرات.
وأن لا يتكلم في أثنائه.
ولا يَلْطُم الوجه بالماء.
وأن يتوضأ في مكان لا يرجع رشاش الماء إليه.
وأن يُمِرَّ اليدَ على الأعضاء المغسولة.
وأن يقول بعد الوضوء مستقبلاً للقبلة: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وليس لك أن تقول: هذا من الأذكار والأدعية، وقد أشار إليها في الكتاب، فلا يكون وراء ما ذكره؛ لأن الأدعية التي أشار إليها في الكتاب، هي المأثورة عند غسل الأعضاء، وهذا متأخر عن غَسْلِهَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

الْبَابُ الثَّانِي فِي الاسْتِنْجَاءِ

وَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةُ قال الغزالي: الأوَّلُ فِي آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ: وَهِيَ أَنْ يَستُرَ عَوْرَتَهُ ولا يُحَاذِيَ بِهَا الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالقِبْلَةَ واستدْبَاراً وَاسْتِدْبَاراً إِلاَّ إِذَا كلانَ فِي بِنَاءٍ، وَأَنْ لاَ يَجْلِسَ في مُتَحَدَّثِ النَّاسِ وَلاَ عَلَى الشَّوَارعِ.
قال الرافعي: الاسْتِنْجَاء واجب عندنا، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام: "وَلْيَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ" 334 ونحوه، ثم المحوج إلى الاستنجاء إنما هو قضاء الحاجة؛ فلذلك قدم فصلاً أولاً في آدابه، وذكر منها أموراً: أحدها: أن يستر عورته عن العيون بشجرة، أو بقية جدار، ونحوهما؛ لما روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيباً مِنْ رَملٍ فَلْيَفْعَلْ" 335، وهذا إذا لم يكن في بِنَاءِ ساتر، وهو أن يكون مسقفاً، أو مَحُوطاً يمكن تَسْقِيفُه، فلو كان في بُسْتَان مَحُوطٍ، وجلس بعيداً عن الجدار أو جلس في عَرْصَةِ دار فَيْحَاء، فهو كما لو جلس في الصحراء، فينبغي أن يستتر بشيء، ثم ليكن الساتر قريباً من مؤخرة الرجل، وليكن بينه وبين الساتر قدر ثلاثة أذرع، فما دونها، ولو أناخ راحلته وتستر بها، أو جلس في وَهْدَةٍ، أو نهر، أو أرخى ذَيْلَهُ حصل الغرض.
الثاني: أَنْ لاَ يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِفَرْجِهِ، فَقَد وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ 336، ويشترك فيه الصحراء، والبنيان، كذلك ذكره المحاملي.
الثالث: إذا كان في بناء، أو بين يديه ساتِرُ، فالأدب أن لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، وإذا كان في الصحراء، ولم يستتر بشيء، حرم عليه استقبال القبلة.
واستدبارها؛ لما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدَكُمُ الْغَائِطَ، فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائطٍ وَلاَ بَوْلٍ" 337 وروى: أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "لاَ تَسْتَقْبِلُوا

الجزء: 1 - الصفحة: 136

الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ، وَلاَ بَولٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا" 338. ولا يحرم ذلك في البناء، وإن كان الخبر مطلقاً، خلافاً لأبي حنيفة؛ وذلك لما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما - قال: "رَقَيْتُ السَّطْحَ مَرَّةً فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- جَالِسًا عَلَى لَبَنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ" 339 ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة، فقد استدبر الكعبة 340 وعن جابر قال: "نَهَانَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَسْتَقِبْلَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِنَا"، ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة" 341. وسبب المنع في الصحراء، فيما ذكر الأصحاب أن الصحراء لا تخلو عن مُصَلٍّ من ملك، أو جني، أو إنسي، فربما وقع بصره على عورته، فأما في الأبنية، فالحشُوشُ لا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي يكون خارجاً عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلى، وليس السبب مُجَرَّدَ احترام الكعبة، وقد نقل ما ذكروه عن ابن عمر، وعن الشعبي -رضي الله عنهما-.
الرابع: أن لا يجلس في متحدث الناس؛ كيلا يفسد عليهم مجلسهم، فيلعنوه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ" 342. ثم في لفظ الكتاب في الأدب الثاني، والثالث كلامان:

الجزء: 1 - الصفحة: 137

أحدهما: قوله: "ولا يُحَاذِي بها الشمس، والقمر، والقبلة، استقبالاً، واستدباراً، يقتضي المنع من استقبال الشمس والقمر، واستدبارهما جميعاً، كالقبلة سواء رجع قوله "استقبالاً واستدباراً" إلى الشمس والقمر، والقبلة، أو إلى القبلة وحدها، أما على التقدير الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن لفظة المحاذاة، وهي تشمل الاستقبال والاستدبار.
وأكثر الكتب ساكتة عن استدبارهما، وإن كان المنع عن استقبالهما مشهوراً، لكنه صحيح حكاه في البيان عن الضيمري ورأيته في الشافي، لأبي العباس الجرجاني، وفي الخبر ما يدل عليه.
الثاني: ظاهر كلامه يقتضي عَوْدَ الاستثناء في قوله: "إلا إذا كان في بناء" إلى الشمس، والقمر، والقبلة جميعاً؛ ولا شك أنه ليس كذلك؛ بل هو مخصوص بِالقِبْلَةِ، ثم الاحتراز عن استقبال النَّيرينِ واستدبارها ليس بواجب بحال، وإنما هو أَدَبٌ، والاحتراز عن استقبال الكعبة واستَدبارهما أدب في حال، وواجب في حال، كما سبق بيانه.
وإذاعرفت ذلك فيتوجه للناظر أن يقول: إن أراد الإمام بالمنع حالة التحريم لم يحسن درجة في جملة الآداب، ولا الجمع بين القبلة والشمس والقمر في جملة واحدة، وإن أراد حالة الكراهة، فلم استثنى ما إذا كان في بناء، والأدب الاحتراز في البناء أيضاً؟ قال الغزالي: وَلاَ يَبُولَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ وَلاَ فِي الجِحَرَةِ وَلاَ تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ وَلاَ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ اسْتِنزَاهاً مِنَ البَوْلِ.
قال الرافعي: ومن الآداب: أن لا يبول في الماء الرَّاكِدِ؛ لما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَبولُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ" 343 ويروى: "فِي الرَّاكِدِ".
وهذا المَنْعُ يَشْمَلُ القليل والكثير؛ لما فيه من إلاسْتِقْذَارِ، ثم إن كان قليلاً ففيه شيء آخر، وهو أنه تنجيس للماء، وتعطيل لفوائده فإن كان بالليل زاد شيء آخر، وهو ما قيل: أن الماء بالليل للجِنِّ، فلا يبغي أن يبال فيه، ولا يغتسل؛ خوفًا من آفة تصيب من جهتهم.
ومنها: أن لا يبول في الحُجْرَةِ؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس، "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْهُ.
قِيلَ لِقَتَادَةَ: مَا بَالُ الجُحْرَةِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الجِنِّ" 344. = لم يدرك معاذاً، كما قاله المزي وغيره وهو في نفسه مجهول كما قاله ابن القطان، وانظر التلخيص 1/ 105.

الجزء: 1 - الصفحة: 138

ومنها: أن لا يجلس تحت الأشجار المثمرة؛ صيانة لها عن التَّلْويثِ والتَّنْجِيس، وهذا في البول والغائط جميعاً، وإن كان نظم الكتاب يخص البول.
ومنها: أن لا يبول في مَهَابِّ الرياح؛ استنزاهًا من البول، وحذاراً من رَشَاشِهِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَاب الْقَبْرِ مِنْهُ" 345 وروى "أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَمَخَّرُ الرِّيحَ" 346، أي: ينظر أي مجراها، فلا يستقبلها؛ لئلا يُرَدُّ عليه البول، لكن يَسْتَدْبِرُهَا.
قال الغزالي: وَيَعْتَمِدَ فِي الجُلُوس عَلَى الرِّجْلِ اليُسْرَى، وَيَعُدَّ النَّبْلَ وَلاَ يَسْتَنْجِيَ بِالمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَلاَ يَسْتَصْحِبَ شَيئًا عَلَيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، ويُقَدِّمَ الرِّجْلَ اليُسْرَى في دُخُولِهِ الخَلاَءَ واليُمْنَى فِي الخُرُوج، وأنْ يَسْتَبْرئَ مِنَ البَوْلِ بِالتَّنَحْنُحِ وَالنَّتْرِ.
قال الرافعي: ومنها: أن يعتمد إذا جَلَسَ على الرجل اليسرى؛ لما روى عن سُرَاقَةَ بن مالك، قال: "عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَتَيْنَا الخَلاَءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى" 347. ومنها: أن يعد النَّبَل إن كان يستنجي بالأحجار، ثم يشتغل بعد ذلك بقضاء الحاجة؛ لما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ، وَأَعِدُّوا النَّبلَ" 348. والمعنى: فيه خوف الانتشار لو طالبها بعد قضاء الحاجة، والنَّبَلُ: أحجار الاستنجاء، جمع نَبَلَةٍ، وأصلها الحَصَاةُ الصغيرة.
ومنها: أن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة؛ بل ينتقل عنه، ثم يستنجي تحرُّزاً من عَودِ الرَّشَاشِ إليه 349 إذا أصاب الماء النجاسة، وأما إذا كان يستنجي بالحجر، فلا يقوم عن الموضع؛ كيلا تنتشر النَّجَاسة.

الجزء: 1 - الصفحة: 139

ومنها: أن لا يستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى، كالخاتم والدراهم التي عليها اسم الله تعالى، "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ" (1)؛ لأنَّه كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُولُ الله (2)، وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله -صلى الله عليه وسلم-، تعظيماً؛ وتوقيراً له كذلك يحترز عن اسْتِصْحَاب ما عليه شَيْءٌ من القرآن، وهل يختص هذا [الأدب] (3) بالبنيان، أم يعم البُنْيَان وَالصَّحَارِي؟ فيه اختلاف للأصحاب، والأظهر التعميم.
ورأيت للصيمري: أنه إذا كان على فص الخاتم ذكر الله تعالى، خلعه قبل دخول الخلاء، أو ضم كفه عليه فخير بينهما، وكلام غيره يشعر بأنه لا بد من النَّزْع، نعم قيل: إنه لو غفل عن النزع حتى اشتغل بفضاء الحاجة، ضم كفه عليه حتى لا يظهر.
ومنها: أن يُقَدِّمَ رجله اليُسْرَى في دخول الخَلاَءِ، واليمنى في الخروج على العكس من دخول المسجد، والخروج منه؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لغيره، وهل يختص ذلك بالبنيان، أم لا؟ اختلف فيه كلام الأصحاب، والذي ذكره في "الوسيط" يقتضي الاختصاص، لكن الأكثرين على أنه لا يختص، حتى يقدم رجله اليسرى إذا بلغ مَوْضِعَ جلوسه في الصَّحَرَاء، أيضاً، وإذا فرغ قدم اليمنى.
ومنها: أن يستبرئ من البول بالتَّنَحْنُحِ عند انقطاعه، وبالنَّتْرِ ثلاثاً بأن يمر بعض أصابعه على أسفل الذَّكَرِ ويدلكه لإخراج ما هنالك من البقايا؛ وهذا للاسْتِنْزَاه من البول أيضاً، ويروى: أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فَلْيَتنُزْ ذَكَرَهُ" (4) ولو استبرأ بالمشي عُقَيْبَ البول فلا بأس، وأكثره فيما قيل: سبعون خطوة، ويكره حشو الإِحْلِيلِ بالقُطْنَةِ ونحوها.

قال الغزالي

: الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَنْجَى عَنْهُ:

وَهَي كُلُّ نَجَاسَةٍ ملَوثَةٍ خَارِجَةٍ عَن المَخْرَجِ المُعْتَادِ نَادِرةً كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَة جَازَ الاقتِصَارُ فِيهَا عَلَى الحَجَرِ مَا لَمْ تَنْتَشَرْ إِلاَّ مَا يَنْتَشِرُ مِنَ العَامَّةِ وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى الحَجَرِ فِي دَمِ الحَيْضِ، وَفِي النَّجَاسَاتِ النَّادِرَةِ قَولٌ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ المَاءُ وَقِيلَ: المَذْيُ نَادِرٌ، وَاِذَا خَرَجَتْ دُودَةٌ لَمْ ثلوِّثْ فَفِي وُجُوبِ الاسْتِنْجَاءِ وَجْهَانِ.350351352353

الجزء: 1 - الصفحة: 140

قال الرافعي: الخارج من البدن إما ريحٌ فلا اسْتنْجَاءَ منها، أو عين، فإن وجبت بخروجها الطهارة الكبرى كالمَنِيِّ والحَيْضِ، فيجب الغَسْلُ، ولا يمكن الاقتصار على الحِجَارَة 354 وإن لم تجب به الطهارة الكبرى نظر، إن لم تجب به الصغرى فإن كان طاهراً فذاك، وإن كان نجساً كدم الفَصْدِ والحِجَامة فيزال، كما تزال سائر النجاسات، ولا مدخل للجحر فيه، وإن وجبت به الطهارة الصغرى، فإن خرج من الثقبة التي تنفتح، ويحكم بانتفاض الطهارة بالخارج منها على ما سيأتي، فتزال كسائر النجاسات، أم للحجارة فيه مدخل.
فهي وجوه ثلاثة قد ذكرها في الكتاب في باب الأحداث، ونذكرها في موضعها إن شاء الله -تعالى- وإن خرج من السَّبَيْلَيْنِ نظر، إن لم يكن مُلَوَّثًا كالدُّودَة والحَصَاة التي لا رطوبة معها، ففي وجوب الاستنجاء منه قولان: أصحها: لا يجب.
لا بالماء، ولا بالحجر؛ لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة، أو تخفيفها عن المحل، فإذا لم يتلوث المحل، ولم يتنجس فلا معنى للإزالة، ولا للتخفيف.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يخلو عن رطوبة 355 وإن قلت: وخفيت، وإن كان ملوثاً فينظر إن كان نادراً كالدم والقَيْحِ، ففيه قولان: أحدهما: أنه يتعين إزالته بالماء، رواه الربيع حيث حُكِيَ عن نصه: أنه إن كان في جوف مَقعَدَتِه بَوَاسير يخرج منها الدَّمَ والقَيْحُ يجب غسله بالماء، ووجهه أن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس، ورد فيما يعم به البلوى، فلا يلحق به غيره.
والثاني: رواه المزني، وحرملة، وهو الأصح: أنه يجوز فيه الاقتصار على الحجر، نظراً إلى المخرج المعتاد، فإن خروج النجاسات منه على الانقسام إلى الغالبة والنادرة مما يتكرر ويعسر البحث عنها، والوقوف على كيفياتها، فيناط الحكم بِالمَخْرَج، ومنهم من قطع بهذا، وحمل ما رواه الربيع على ما إذا كان بين الإِلْيَتَيْنِ لا في الداخل.
ومن جملة النجاسات النادرة المذي، فيجيء فيه هذا الاختلاف، وحكى عن القَفَّال تفصيل في النجاسات النادرة، وهو: أن ما يخرج منها مَشُوباً بالمعتاد كفى الحجر

الجزء: 1 - الصفحة: 141

فيه، وإن تمحض النادر فلا بد من الماء، هذا في الخارج النادر: أما المعتاد فإن لم يعد المخرج فعليه أحد الأمرين، إما إزالته بالماء كسائر النجاسات، وإما التخفيف بجامد على الشرط المذكور في الفصل الثالث، وذلك أن الأصل في النجاسات الإزالة بالماء بحيث لا يبقى عَيْنٌ ولا أَثَرٌ، فإن جرى على الأصل فذاك، وإلا أجزأه الاقتصار على الأحجار؛ تخفيفاً.
روى عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيُذْهِبْ مَعَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِبُّ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجزِئُ 356 عَنْهُ".
وإن عدا المخرج نظر، إن لم ينتشر أكثر من القدر المعتاد، فكذلك يتخير بين الأمرين، وذلك القدر من الانتشار يتعذر، أو يتعسر الاحتراز عنه، ونقل المزنى -رحمه الله- أنه إذا عدا المخرج لا يجزي فيه إلا الماء، فمنهم من أثبته قولاً آخر، وزعم أن الضرورة تختص بالمحرج، فلا تسامح فيما عداه بالاقتصار على الأحجار، والأكثرون امتنعوا من إثباته قولاً، وانقسموا إلى مغلط ومؤول، وإن انتشر أكثر من القدر المعتاد، وهو أن يعدو المخرج وما حواليه، فينظر، إن لم يجاوز الغائط الألْيَتَينِ ففي جواز الاقتصار فيه على الأحجار قولان: أظهرهما: الجواز رواه الربيع، واحتج الشافعي -رضي الله عنه- لهذا القول بأن قال: "لم يزل في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى اليوم رقَّة البطون".
وكان أكثر أقواتهم التمر، وهو مما يرقق البطن، ومن رق بطنه انتشر خلاؤه عن الموضع، وما حَوَالَيْهِ، ومع ذلك أمروا بالاسْتِجْمَار.
والثاني: ذكره في القديم: أنه لا يجوز؛ لأنه انتشار لا يعم ولا يغلب، فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات، وفيه طريقتان أخريان: إحداهما: القطع بالقول الأول، رواها الشيخ أبو محمد، والمسعودي.
والثانية: القطع بالقول الثاني، حكاها كثيرون من الأئمة.
وأما البول فالحَشَفَةُ فيه بمثابة الإِلْيَتَيْنِ في الغائط، والأمر فيه على هذا الاختلاف، وعن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا جاوز البول الثُقْب لم يَجُزْ فيه الحجر قولاً واحداً، والخلاف والتفصيل في الغائط.
والفرق أن البول ينفصل على سبيل التزريق، فيبعد فيه الانْتِشَارُ، وإن جاوز الغائط الإليتين، والبول الحَشَفَة، تعيَّنت الإزالة بالماء كسائر النجاسات؛ لأنه نادر نحوه؛ ولا فَرْقَ بين القَدْرِ المجاوز وغيره، ومنهم من جعل ما لم يجاوز على الخلاف، ثم حيث يجوز الاقتصار على الحجر فذاك، بشرط أن لا تنتقل النجاسة عن الموضع

الجزء: 1 - الصفحة: 142

الذي أصابته عند الخروج، فلو قام وانضمت إليتاه عند الخطو، وانتقلت النجاسة تعين الماء، ويشترط أن لا يصيب موضع النَّجْو نجاسة من خارج حتى لو عاد إليه رَشَاش، ما أْصاب الأرض تعين الماء، ويشترط في النادر أن لا يَجِفَّ الخارج على الموضع، فإن جف تَعَيَّن الماء، وحكى القاضي الروياني: أنه إن كان يُقْلِعُهُ الحجر يجزي فيه الحجر، وإلا فلا، وأختار هذا الوجه -والله أعلم-.
هذا فقه مَسَائِل [الفصل.
وألفاظ الكتاب في بعض المواضع من الفصل تفتقر إلى مزيد بيان، فنقول: أما قوله] 357: الفصل الثاني فيما يستنجى عنه، فلفظ الاستنجاء يشمل الإزالة بالماء، والتَّخْفِيف بالأحجار؛ لأنه مشتق من النَّجْو وهو القَلْع، إلا أن المراد هاهنا إنما هو الاستنجاء بالحجر لا مطلق الاستنجاء، وإلا فلا يشترط في مطلق الاستنجاء كونه خارجاً من المَخْرَج المعتاد، ولا كونه غير مُنْتَشِرٍ، لكن قوله: في آخر الفصل: فإذا خرجت دُودَةٌ لم تلوَث ففي وجوب الاستنجاء وجهان، ليس المراد منه الاسْتِنْجَاء بالحجر؛ بل مطلق الاستنجاء على ما بينا المسألة من قبل، وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوجهين، وكذلك نقل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، والإمام، والأكثرون نقلوا قولين، ومنهم من حكاهما عن الجامع الكبير، والله أعلم.
وأما قوله: كل نجاسة، يخرج عنه الأشياء الطاهرة، وقوله: مُلَّوَثَةٌ، يخرج عنه ما لا يلوث، واشتراط هذا القيد على الخلاف المذكور.
وقوله: خارجة عن المخرج عن دَم الفَصْدِ والحِجَامَةِ، وكذا الخارج عن الثقبة المنفتحة، وإن حكمنا بانتفاض الطهر بالخارج منها، وفيه الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، لكن الأظهر أنه لا يقتصر فيه على الحجر، فلا بأس بخروجه عن الضابط.
وقوله: نادرة كانت أو معتادة، جرى على أصح القولين في النَّجَاسَاتِ النَّادرة، وهو: أنه يقتصر فيها على الحجر، وقد ذكر القول الثاني بعد ذلك.
وقوله: ما لم ينتشر إلا ما ينتشر من العامَّة، يَنْبَغِي أن تكون كلمة الاستثناء منه مرقوم بالواو؛ إشارة إلى مَذْهَب من جعل منقول المزني قولاً، فإن عدم الانتشار شرط عنده من غير استثناء، وكذلكَ قوله: ما ينتشر من العامة؛ إشارة إلى القول الذي رواه الربيع: أنه وإن زاد على ذلك جاز الاقْتِصَار فيه على الحَجَرِ ما لم يجاوز الإلْيَتَيْنِ، والذي ذكره جواب على القول المنسوب إلى القديم، واختيار له، وقد رجّحَه إمامُ الحرمين وكثيرون، لكن منقول الربيع أظهر كما سبق، وكذلك ذكره المسعودي، والقاضي الرُّوياني وآخرون، وبه أجاب المحاملي في المقنع.
وأما قوله: المَذْيُ نادر فيقتضي إثبات خلاف في أنه هل يعد من النجاسات

الجزء: 1 - الصفحة: 143

النادرة؟ ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضاً، لكن الذي يشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عده من النجاسات النادرة من غير التعرض لخلاف فيه، وطرح بعضهم لهذا السبب لفظة قيل: من الكتاب، وقد أحسن، ولك أن تستدرك فنقول ما ذكره في الضَّابط لا يحوي جملة الشرائط المعتبرة في جواز الاقْتِصَار على الحجر؛ لأن منها أن لا تَجِفَّ النجاسة على الموضع ولا تنتقل عنه، ولا تصيبه نجاسة أخرى كما سبق، وقد سكت عنها.

قال الغزالي

: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يُسْتَنْجى بِهِ:

وَهُو كُلُّ عَيْنِ طَاهِرَةٍ مُنَشِّفَةٍ غَيْرِ مُحْتَرَمةٍ فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّوْثِ وَالزُّجَاج الأَمْلَسِ وَالمَطْعُومِ وَفِي سُقُوطِ الفَرْضِ بِالمَطْعُومِ وَجْهَانِ، وَالعَظْمُ مَطْعُومٌ، وَالجِلْدُ الطَّاهِرُ يَجُوزُ الاسْتِنْجَاءُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: قوله: فيما يستنجى به أي: من الجَامِدَات، وله شروط: أحدها: أن يكون طاهراً خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالرَّوَثِ 358، وَالرِّمَّةِ، ولأن النجاسة لا تزال بالنَّجس، كما لا تزال بالماء النجس، ولا فرق بين نجس العَيْنِ كالرَّوَثِ، وما تنجس بِعَارِض، ألا ترى أن الشافعي -رضي الله عنه- قال: ولا يستنجى بحجر قد مسح به مَرَّة إلا أن يكون قد طهر بالماء، فلو استنجى بنجس هل يتعين استعمال الماء بعد ذلك؟ أم له الاقتصار على الحجر؟ كما قبل استعماله؟ فيه وجهان: أحدهما: له الاقتصار على الحجر؛ لأن النجس لا يتأثر بالنجاسة، فيبقى حكمه كما كان، وأظهرهما أنه يتعيَّن الماء؛ لأن المحل قد أصابته نجاسة أجنبية باستعماله فيه، والاقتصار على الحجر تخفيف فيما تَعُمُّ به البَلْوَى، فلا يلحق به.
والثاني: أن يكون منشفاً قالعًا للنجاسة، فما لا يقلع لملاسته كالزَّجَاج الأملس وَالقَصَبِ، والحديد المملس لا يجوز الاسْتِنْجَاء به؛ لأنه لا يزيل النجاسة، وينقلها عن موضعها، وكذلك ما لا يقلع لِلُزوجَتِهِ، أو لِتَنَاثُرِ أجزائه كالحمَمة الرَّخوة، والتراب لا يجوز الاستنجاء به، وقد نقل عن الشافعي -رضي الله عنه- جواز الاستنجاء بالمقابس، ونقل أنه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين، والأصح: تنزيلهما على حالين إن بقيت فيه صلابة، إما لضعف تأثير النار فيه، أو لقوة في جوهره كالغَضَا، فيجوز الاسْتِنْجَاء به، وهو المراد بالمَقَابسِ، وإن كان يَتَنَاثَرُ عند الاعتماد فلا يجوز، وهو المراد بالحممة، وكذلك نقل اختلاف النص في التراب، وأثبت بعضهم فيه قولين، وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 144

كان يتناثر، والأصح أنه حيث جوز أراد المَدَرَ المتماسك، وحيث منع أراد المتناثر؛ لأنه يلتصق بالنجاسة، ولا يتأتى التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها، وانتشرت، ثم لو استنجى بما لا يقلع لم يسقط الفرض به، وإن انقى، ويتعين بعده الإزالة بالماء إن نقل النجاسة من موضع إلى موضع، وإن لم ينقل جاز الاقتصار على الحَجَرِ، وخرجوا على الشرط الأول.
والثاني: امتناع الاستنجاء بالحجر الرَّطْبِ، ونحوه؛ لأن البَلَلَ الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، ويعود شيء منه إلى مَحِلِّ النَّجْو، فيحصل عليه نجاسة أجنبية، ويكون كاستعمال الحجر النجس؛ ولأن الشيء الرطب لا يزيل النجاسة، بل يزيد التلوث والانتشار.
وحكى القاضي ابن كج وغيره وجهاً آخر، أنه يجوز الاستنجاء بالشيء الرطب، ولمن نصره أن يقول لا نسلم أن البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، وإنما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسات، وأما قوله: إنه لا يزيل النجاسة ممنوع، نعم لو كان عليه شيء محسوس من الماء فربما كان كذلك، أما مجرد البلل فلا.
والثالث: أن لا يكون محترماً فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها، والعَظْمُ معدود من المَطْعُومَاتِ، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالْعَظْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ زاد إخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ" 359. وليس له حكم طعامنا في تحريم الربا، فيه وغيره، وعند مالك لَا منع من الاسْتِنْجَاء بالعَظْمِ الطاهر، والخبر حُجَّةٌ عليه، ومن الأشياء المحترمة ما كتب عليه شيء من العلم، كالحديث والفقه، وفي جزء الحيوان المتصل به كَاليَدِ وَالعَقِب من المستنجى وغيره كَذَنَبِ الحمار وجهان: أصحهما: أنه لا يجوز الاستنجاء به؛ لحرمته، ومنهم من فرق بين أن يستنجى بيد نفسه [أو يد غيره، فقال: لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه] 360 ويجوز أن يستنجى بيد غيره، كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه، وعكس إمام الحرمين ذلك، فقال: له أن يستنجى بيد نفسه دون يد غيره، لأنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسات، ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان، ففي جملة الحيوان أولى، وصورته: أن يستنجى بعصفورة حية، وما في معناها، ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم للذهب، والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخَشِنَةِ من الذهب، والجواهر النفيسة، كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الدِّيْبَاج، ثم إذا استنجى

الجزء: 1 - الصفحة: 145

بشيء محترم من مَطْعُومٍ وغيره عصى، وهل يجزئه ذلك عن الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المقصود، قلع النجاسة، وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين.
وأظهرهما: أنه لا يجزئه، لأن الاقتصار على الأحجار [من قبيل الرُّخَصِ، والرخص لا تُنَاط بالمعاصي؛ وعلى هذا فله أن يقتصر على الأحجار] 361، كما لو لم يستعمل شيئاً إلا إذا نقل النجاسة عن موضعها، كما في الأَمْلَسِ، ويلتحق بهذا الشرط القول في الجِلْدِ، والطاهر منه ضَرْبانِ غير المدبوغ، وهو جلد المَأْكُول المُذكَّى، والمدبوغ من المأكول وغيره، أما غير المدبوغ ففي جواز الاستنجاء به قولان: أحدهما: الجواز كالثياب وسائر الأعيان، وإن كان فيه حرمة فليست هي، بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة.
وأصحهما: المنع لأمرين: أحدهما: أن فيه دُسُومَةً تمنع التَّنْشِيفِ.
والثاني: أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل على الرؤوس والأَكَارعِ، فصار كسائر المَطْعُومَاتِ، ومنهم من قال: لا يجوز بلا خلاف، وإليه مال الشَيخ أبو حامد، وكثيرون، وحملوا ما نقل من تَجْوِيزِ الاستنجاء على ما بعد الدِّبَاغِ.
وأما الضرب الثاني: وهو المدبوغ، ففيه قولان أيضاً: أصحهما: الجواز؛ لأن الدِّباغ يزيل ما فيه من الدُّسُومة، وبقلبه عن طَبْعِ اللحوم إلى طبع الثياب والثاني لا يجوز؛ لأنه من جنس ما يؤكل، ويجوز أكله إذا دبغ، وإن كان جلد ميته على اختلاف فيه قد قدمناه، ومنهم من قال: يجوز هاهنا بلا خلاف، وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدّباغ، وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة، وهي إجراء القولين في الصورتين، واعتبرنا مُطْلَق الجلد انتظم ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب المنع مطلقاً، والتجويز مطلقاً؛ والفرق بين المدبوغ وغيره، وهو الأصح في المذهب، وإن جعل صاحب الكتاب الثاني أصح، وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة أخرى، بل إن تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وَجَفَّ، وإن لم ينجس كالحجر الثاني.
والثالث: إذا لم يبق على الموضع شَيْءٌ جاز استعماله في الحال، وفيه وجه: أنه لا يجوز كالتراب المستعمل، ولو كان كذلك لما جاز أيضاً بعد غسله، ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

قال الغزالي

: الفَصْلُ الرَّابعُ، فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاءِ:

فَيَسْتَنْجِي بِثَلاَثةِ أَحْجَار وَالعَدَدُ وَاجِبٌ (ح م ز).
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الإِنْقَاءُ اسْتَعمَلَ رَابِعاً حَصَلَ أَوْتَرَ بِخَامِسَةٍ، وَيَمُرُّ كُلَّ حَجَرٍ عَلَى جَمِيعِ المَوضِعِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَاحِدَةٌ لِلصَّفْحَةِ اليُمْنَى وَوَاحِدَةً لِلصَّفْحَةِ اليُسْرَى وَوَاحِدَةً لِلوَسَطِ، وَينْبَغِي أَنْ يَضَعَ الحَجَرَ عَلَى مَوْضِع طَاهِرِ حَتَّى لاَ يَلْقَى جُزْءاً مِنَ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يُدِير لِيخَتَطِفَ النَّجَاسَةَ وَلاَ يُمِرَّ فَيَنْقُلُهَا، فَإنْ أمَرَّ وَلَمْ يَنْقُلْ كَفَى عَلَى أَصَحَّ الوَجْهيْنِ وَيَسْتَنْجِي بِيَدِهِ اليُسْرَى، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المَاءِ والحَجَرِ.
قال الرافعي: وفي الفصل مسائل: إحداها: إذا كان يستنجي بالجامد وجب أن يستوفي ثلاث مَسَحَات، إما بأحرف حجر واحد وما في معناه، أو بأحجار؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَليَمْسَح ثَلاَثَ مَسَحَاتٍ" 362. وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "أَنْ لاَ نَجْتَزِئَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ".
وظاهر الأمر للوجوب 363 فيجب رعاية العدد.
وعند أبي حنيفة الاستنجاء مستحب من أصله، والعدد فيه غير مُسْتَحَبٍّ، وإنما الاعتبار للإنْقَاءِ.
وقال مالك: إذا حصل الإنقاء بما دون الثَّلاَثِ كفى، ولأصحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد الله الحناطي وغيره، ويحتج له بما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ [مَنْ فَعَلَ فَقدْ أَحْسَنَ] وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ" 364. ومن أوجب العدد حمله على ما بعد الثلاث؟ جمعاً بين الأخبار، وحينئذ لا حرج في ترك الإِيتَارِ، ثم قوله: وَلْيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار ليس لتخصيص الحكم بها؛ لأن غير الحجر بالشرائط المذكورة مشارك للحجر في تحصيل مقصود والاستنجاء، وقد روى أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَار، لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ" 365.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

هذا يشعر بأن الحكم غير مخصوص بالحجر، وإلا فلا فرق بين الرَّجِيعِ والعَظْمِ وسائر ما ليس بحجر، ولعل ذكر الأحجار جرى لغلبتها والقدرة عليها في عامة الأماكن، ثم إذا استنجى بثلاثة أحجار ونحوها واستوفى العدد، لكنه لم ينق وجب عليه أن يزيد، حتى ينقى.
فإنه المقصود الأصلي من شرع الاسْتِنْجَاء، فلو حصل الإنقاء بالرابعة استحب أن يِوتِرَ بخامسة؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اسْتَجمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسْتَجْمرْ وِتْراً 366 ". وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: فيستنجى بثلاثة أحجار مسوق على موافقة الخبر، وإلا فالحكم غير مخصوص بالأحجار، وقوله: استعمل رابعة.
أي: وجوباً وقوله: أوتر بخامسة، أي: استحباباً.
المسألة الثانية: في كيفية الاستنجاء، وجهان: أظهرهما: وبه قال ابن أبي هريرة وأبو زيد المروزي: أنه يمسح بكل حجر جميع المَحِلِّ، بأن يضع واحداً على مقدم الصفحة اليمنى فيمسحها [به إلى مؤخرها، ويديرها إلى الصفحة اليسرى فيمسحها] 367 به من مؤخرها إلى مَقْدِمِهَا، فيرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى، ويفعل به مثل ذلك، ويمسح بالثالث الصفحتين والمسربة.
وتوجيهه ما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يُقْبِلُ بِوَاحِدَةٌ وَيُدْبِرُ بِأُخْرَى، وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ 368. وَالثَّانِي": قاله أبو إسحاق، إنَّ حجراً للصفحة اليمنى، وحجراً لليسرى، وحجراً للوسط؛ لما روى: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُمْنَى، وَحَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُسْرَى، وَحَجَرٌ لِلْوَسَطِ 369 " وحكى في "التهذيب" وجهاً ثالثًا، وهو أنه يأخذ واحداً؛ فيضعه على مقدم المسرَبة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث، كأن المراد بالمسربة جميع الموضع، وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الأول، والثاني جميع الموضع، كأنه صَفْحَةٌ واحدة، ويدير الحجر الثالث على المنفد، بهذا يفارق هذا الوجه الأول، فإنه على ذلك الوجه يُطِيفُ الحجرين الأولين، ويمسح بالثالث جميع الموضع، وهذا الخلاف في الاستحقاق، أم في الأولوية، والاستحباب فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد: أن الوجهين موضوعان على التنافي، فصاحب الوجه

الجزء: 1 - الصفحة: 148

الأول لا يجيز الثاني، لأن تخصيص [كل حجر بموضع مما يمنع رعاية العدد الواجب، ولا يحصل في كل موضع إلا مَسْحَةٌ واحدة، وصاحب الوجه الثاني لا يجيز الأول؛ للخبر المصرح بالتخصيص] 370 ويقول العدد معتبر بالإضافة إلى جملة الموضع، دون كل جزء منه، وقال المعظم: الخلاف في الأولوية، والاستحباب لثبوت الروايتين جميعاً، وكل منهما جائز.
وقوله في هذه المسألة: ويمر كل حجر على جميع الموضع -يعني- به المسح المشترك بين الإِمْرَارِ، والإِدْارَةِ، دون خصوص الإمرار، ألا تراه يقول بعد ذلك: يدير الحجر ولا يمره.
المسألة الثالثة: ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النَّجَاسة؛ لأنه لو وضع على النجاسة لبقي شيء منها، ونشرها، وحينئذٍ يتعين الغسل بالماء، ثم إذا انتهى إلى النجاسة أدار الحجر قليلاً قليلاً حتى يرفع كل جزء منه جزءاً من النجاسة، ولو أمره من غير إدارة لنقل النجاسة من الموضع إلى الموضع وتعين الماء، ولو أمر ولم ينقل هل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الجزء الثاني من المحل فيلقى ما تنجس من الحجر، والاستنجاء بالنجس لا يجوز.
وأظهرهما: أنه يجزئه؛ لأن الاقتصار على الحجر رخصة، وتكليف الإدارة يضيق باب الرخصة، وقد يعبر عن هذا الخلاف بأن الإِدَارَةَ هل تجب أم لا؟ المسألة الرابعة: الأدب للاستنجاء باليسار دون اليمين؛ لما روى عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ اليُسْرَى لِخَلاَئِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى" 371، فإن كان يستنجي بالماء صَبَّه بيمينه ومسح بيساره، وإن كان يستنجي بالجامد ففي الغَائِطِ يأخذ الحجر بِيَسَارِهِ ويمسح به الموضع، ولا يستعين باليمنى، بخلاف ما في الماء، وكذلك تفعل المرأة في الاستنجاء من البول، وأما الرجل إذا كان يستنجي من البول فينظر إن استنجى بما لا يحتاج إلى ضبطه كالصخرة العظيمة والجدار أخذ ذكره باليسار ومسحه عليه ثلاثاً في مواضع 372، وإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 149

يحتاج إلى ضبطه كالحجر الصغير فيمسكه بين إِبْهَامَي الرجلين، أو بين العَقِبَيْنِ، ويأخذ ذَكَرَهُ بيساره، ويمسحه عليه فإن احتاج إلى الاستعانة باليمين أخذ الحجر باليمين والذكر باليسار ويحرك اليسار دون اليمين فلو حركها جميعاً أو خص اليمين بالحركة كان مستنجياً باليمين، ومنهم من قال: الأولى أن يأخذ الحجر بيساره والذكر بيمينه، ويمر الحجر على الذكر، لأن الاستنجاء يقع بالحجر فإمساكه باليسار أولى، والأول أظهر وأشهر؛ لأن مس الذكر باليمين مكروه، روى أبو قتادة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمَسُّ ذَكَرَهُ بيَمِينِهِ" 373. وذكر بعضهم أنه لا طريق للاحتراز عن هذه الكراهية إلا الإمساك بين العَقبين، أو الإبهامين أما إذا استعمل اليمين فيه كان مرتكباً للنهي كيف فعل.
الخامسة: الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، أو ما في معناه "قَدْ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، بِذَلِكَ، وَأُنْزِلَ فِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ 374 " الآية.
وفيه من طريق المعنى أن العَيُنَ تزول بالحجر والأثر بالماء، فلا يحتاج إلى مُخَامَرَةِ عَيْنِ النجاسة، وهي محبوبة، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر، والحجر لا يزيل إلا العين، والله أعلم.
ونختم الباب بمسألة في حال المستنجين باعتبار الذُّكُورة والأنوثة.
فنقول: لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال في الاستنجاء، من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مَسْلَكَيْهِ أو أحدهما؛ لأن كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائداً، فسبيل النجاسة الخارجة منه سبيل دم الفَصْدِ وَالحِجَامَةِ، نعم يجيء في مسلكيه الخلاف الذي نذكره في جواز الاقتصار على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد، إذا قلنا: تنتقض الطهارة بالخارج منها، وأما واضح الحال فالرجل مُخَيَّرٌ، إن شاء اقتصر على الماء، وإن شاء استعمل الأحجار، أو ما في معناها، وكذلك البِكْرُ؛ لأن البكارة تمنع من نزول البول في الفرج، وأما الثيب فالغالب أنها إذا بالت تَعَدَّى البول إلى فَرْجِهَا الذي هو مَدْخَلُ الذكر، ومخرج الولد؛ لأن ثقبة البول فوقه، فيسيل إليه، فإن تحققت أن الأمر كذلك لم يجزئها إلا الماء، وإن لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر؛ لأن موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة، وانتشار البول إلى غيره، غير معلوم، وحكى وجه: أنه لا يجوز لها الاقتصار على الحَجَرِ بحال، ثُمَّ القدر المَغسُول من الرجل ظاهر، وهو من المرأة ما يظهر إذا

الجزء: 1 - الصفحة: 150

جلست على القدمين، وفي وجه: تغسل الثيب باطن فروجها، كما تخلل أصابع رجليها؛ لأنه صار ظاهراً بالثَّيَابَةِ 375.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

قال الغزالي:

الْبَابُ الثَّالِثُ

فِي الْأحدَاثِ، وَفِيهِ فَصْلاَنِ

الْفَصْلُ الأوَّلُ، فِي أَسْبَابِهَا

وَلاَ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِالْفَصْدِ 376 (ح) وَالحِجَامَةِ 377 (ح) وَالقَهْقَهَة (ح) فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا وَأكْلِ مَا مَسَّتهُ النَّارُ (و).
قال الرافعي: الحدث: يقع على الحالة الموجبة للوضوء، والحالة الموجبة للغُسْلِ، ألا ترى أنه يُقَالُ: هذا حدث أصغر، وذا حدث أكبر، لكن إذا أْطلق مجرداً عن الوصف بالصِّغَرِ والكِبَرِ كان المراد منه الأصغر غالباً، وهو الذي أراده في هذا الموضع، ثم له سبب وأثر، فجعل كلام الباب في فصلين: أحدهما: في الأسباب.
والثاني: في الآثار، وتكلم أولاً فيما ليس من أسباب الحدث عندنا، واشتهر خلاف العلماء أيانا فيه، فمن ذلك الفَصْدُ والحِجَامَةُ، وكل خارج من غير السَّبيلين، لا ينقض الطَّهَارة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: كل نجاسة خارجة من البدن تنقض الوضوء، كالدم إذا سال، والقيء إذا ملأ الفم، وبه قال أحمد، إلاَّ أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين.
لنا ما روى أنس: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ 378 ".

الجزء: 1 - الصفحة: 152

وروى مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة -رضي الله عنهم-.
ومنها: القَهْقَهَةُ، فلا تنقض الوضوء، سواء وجدت في الصلاة أو في غيرها.
وعند أبي حنيفة القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، إلا في صلاة الجَنَازَةِ، لنا ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الضَّحِكُ يَنْقُضُ الصَّلاةَ وَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" 379. ومنها أكل ما مَسَّتْهُ النار، فلا يؤثر في انتقاض الطهارة.
وقال أحمد: تَنْتَقِضُ الطهارة بأكل لحم الجَزُورِ، وحكى ابن القاص عن القديم قولاً مثله 380 لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَوَضَئوا مِنْ لَحُومِ الْإِبِلِ وَلاَ تَتَوَضَئوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَم" 381، لنا ما روي عن جابر قال: "كانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ" 382.

الجزء: 1 - الصفحة: 153

قال الغزالي: وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ بأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ (الْأَوَّلُ) خُرُوجُ الْخَارجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ رِيحًا كَانَ أَوْ عَينًا نَادِراً كَانَ أَوْ مُعتَادًا طَاهِرًا أَوْ نَجِساً.
قال الرافعي: نواقض الوضوء عندنا أربعة: أحدها: خروج الخارج من أحد السَّبِيلَيْنِ، يدل عليه الإجماع والنصوص، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ 383 وقوله -صلى الله عليه وسلم- في المَذْي: "يَنْضَحُ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ ويتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ" 384. ولا فرق بين العين والريح قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ 385 أَوْ رِيحٍ" وقد يفرض خروج الريح من القُبُلِ في النساء، ومن الإحليل أيضاً؛ لأدرة وغيرها فينقض الطهارة أيضاً خلافاً لأبي حنيفة، لنا القياس على الدُّبُرِ، ولك أن تعلم قوله: (ريحاً) بالحاء إشارة إلى هذا الخلاف، وإذا كان الخارج عيناً فلا فرق بين أن يكون معتاداً أو نادراً كالذود والحصا خلافاً لمالك في النادر إلا في دم الاسْتِحَاضة.
لنا القياس على المعتاد بعلَّة أنه خارج من السبيلين، وظاهر ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ" 386. ونحو ذلك.
وأما قوله طاهراً أو نجساً فقد يتوهم أن المراد من الطاهر المَنِيُّ، وليس كذلك، بل المراد منه الدود والحصا وسائر ما هو طاهر العين.
وأما المني فلا يوجب خروجه الحدث وإنما يوجب الجَنَابة، ولا يُغْتَرُّ بتعميم الأئمة القول في أن الخارج من السبيلين ناقض للطهارة، فإن هذا ظاهر يعارضه نصهم في تصوير الجنابة المجردة عن الحَدَثِ، على أن من أنزل بمجرد النظر أو بالاحتلام

الجزء: 1 - الصفحة: 154

قاعداً فهو جنب غير محدث، وَحُكِيَ في "البيان" عن القاضي أبى الطيب 387 أن خروج المني يوجب الحدثين جميعاً، الأصغر، لأنه خارج من أحد، السبيلين، والأكبر؛ لأنه مني، والمذهب المشهور هو الأول، فالشيء مهما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه لا يوجب أهونها بعمومه، كزنى المُحْصَن، لما أوجب أعظم الحَدَّين؛ لأنه زنى المحصن، لا يوجب أدناهما لأنه زنى، ولا يخفى أن المراد من قوله: "خروج الخارج من السبيلين"، هو الخروج من أيهما كان، ولا يشترط في الانتقاض الخروج من كليهما، وكل ما ذكرناه فيمن هو واضح الحال في أمر الذُّكورة والأنوثة، أما المشكل 388 فإن خرج 389 الخارج من فرجيه جميعاً فهو حدث؛ لأن أحدهما أصلي، وإن خرج من أحدهما، فالحكم كما لو خرج من واضح الحال خارج من ثقبة انفتحت تحت المعدة مع انفتاح السبيل المعتاد، وسيأتي حكمه.
قال الغزالي: وَفِي مَعْنَاهُ ثُقْبَةٌ انْفَتَحَتْ تَحْتَ المَعِدَةَ مَعَ انْسِدَادِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ المَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا وَلَكِنْ مَعَ انْفِتَاحِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ فَقَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِضُ فَلَوْ كَانَ الْخَارجُ نَادِراً فَقَوْلاَنِ، وَفِي جَوَازِ الإِقْتِصَارِ فِيهِ عَلَى الْحَجَرِ ثَلاثَةُ أوْجُهِ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثَ بَيْنَ المُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي انْتِقَاضِ الطُّهْرِ بِمَسِّهِ وَوُجُوبِ الغُسْل بِالإِيلاجِ فِيهِ وَحِلِّ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لو انسد السبيل المعتاد وانفتحت ثقبة تحت المعدة، نُظِر إن خرج منها النجاسة المعتادة وهي البول والعُذْرَة 390 انتقض الطهر؛ لأن الإنسان لا بد له في مُطَّرد العادة من مَنْفَذٍ يخرج منه الفضلات التي تدفعها الطبيعة، فإذا انسد ذلك قام ما

الجزء: 1 - الصفحة: 155

انفتح مقامه، وإن خرج غيرها كالدُّود والحَصَا والدم والريح، ففيه قولان: أحدهما: لا ينتقض به الوضوء؛ لأن غير الفَرْج إنما يقام مقامه لضرورة أن الإنسان لا بد له من منفذ تنفصل فيه الفضلات المعتادة الَتي تخرج لا محالة ولا ضرورة في خروج غير المعتاد.
وأظهرهما: أنه ينتقض؛ لأنه منفذ تنتقض الطهارة بالمعتاد إذا خرج منه، فكذلك بغيره كالفرج الأصلي.
ولو انفتحت الثقبة فوق المعدة، وقد إنسد السبيل المعتاد، أو تحت المعدة والمعتاد منفتح، فهل تنتقض الطهارة بالخارج المعتاد منها في الصورتين؟ فيه قولان: أصحهما: لا.
أما في الصورة الأولى فلأن ما يخرج من فوق المعدة، أو من حيث يُحَاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة، لأن ما تحيله تلقيه إلى الأسفل، فهو إذًا بالقَيْءِ أشبه، وما في الثانية فلأن غير الفرج إنما يعطي حكمة، لضرورة أن الإنسان لا بد له من مسلك، فيقام المنفتح عند انسداد المعتاد مقامه، ولا انسداد.
والثاني: ينتقض؛ لأن الخارج النجاسة المعتادة، ولا يضر في أن تتحول الثقبة التي تنفصل فيها الفضلات إلى مكان أعلى أو أسفل.
وهاتان الصورتان هما المجموعتان في قوله: "فإن كان فوق المعدة أو تحتها ولكن مع انفتاح المَسْلِك المعتاد" المعنى: فإن كان فوق المعدة 391 مع الانسداد أو تحتها ولكن مع الانفتاح، فإن قلنا: لا تنتقض الطهارة بخروج المعتاد في الصورتين فلا كلام، وإن قلنا: تنتقض، فهل تنتقض بخروج النادر، فيه القولان المذكوران في خروج النادر من ثقبة تحت المعدة مع انسداد السبيل المعتاد، وإن انتفى المعنيان، فلم يكن المعتاد منسدًّا، ولا المنفتح تحت المعدة، فلا انتقاض 392 كالقيء والرعاف ونحوهما، ومتى حكمنا بالانتقاض فيتفرع عليه فروع: أحدها: هل يجوز الاقتصار في الخارج منه على الأحجار وما في معناها أم تتعين الإزالة بالماء؟ حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه يتعين الماء؛ لأنه نادر والاقتصار على الحَجَرِ خارج عن القياس، فلا يكون في معنى السبيلين.
وثانيها: يجوز الاقتصار عليه؛ لأنه منفذ ألحق بالسبيلين في كون الخارج منه ناقضاً للطهارة، فكذلك في جواز الاقتصار على الحجر.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وثالثها: يفرق بين أن يكون الخارج النجاسة المعتادة فيجوز، وبين أن تكون غيرها فلا، لانضمام ندرة الخارج إلى ندرة المَخْرَج، وحكى إمام الحرمين بدل الوجوه أقوالاً، وهو والإمام الغزالي -قدَّس الله روحيهما- مسبوقان بهذا الاختلاف، لأن القاضي أبا القاسم ابن كج 393 حكى في المسألة قولين وهما: الأول والثاني وحكاهما أبو علي صاحب الإفصاح 394: وجهين، وكذلك روى الصيدلاني 395. الثاني: هل تنتقض الطهارة بمسه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه التحق بالفرج في انْتِقَاضِ الطهارة بالخارج منه فكذلك في حكم الانتقاض بمسه وأصحهما لا؛ لأنه لا يقع مسه في مَظَنَّةِ الشَّهوة؛ ولأنه ليس بفرج حقيقة، فلا يتناوله النصوص [الواردة في مس الفرج، وحينئذ وجب أن يحكم ببقاء الطهارة.
الثالث: إذا أوْلَجَ فيه هل يجب الغُسْل؟ فيه وجهان] 396 لا يخفى توجيههما مما ذكرنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 157

الرابع: هل يَحِلُّ النظر إليه؟ فيه هذان الوجهان، وموضع الوجهين ما إذا كان فوق السرة، أما إذا كان تحتها فلا يحل النظر إليه لا مَحَالة، ولو كان بحيث يُحَاذي السُّرَةَ جرى الوجهان، كما لو كان فوقها؛ لأن الصحيح أن السُّرَةَ لَيْسَتْ من العَوْرَةِ والظاهر أنه لا يثبت شيء من الأحكام.
قال إمام الحرمين: والتردُّد في هذه الأحكام على بعده لا يتعدى أحكام الأحداث، فلا يثبت في الإيْلاَجِ فيه شيء من أحكام الوَطْءِ سوى ما ذكرناه في وجوب الغُسْلِ، نعم كان شيخي يتردد في حل النظر وهو قريب هذا كلامه.
ورأيت لأبي عبد الله الحناطي 397 طرد التردد في إيجاب المَهْرِ وسائر أحكام الوطء والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّانِي) زَوَالُ الْعَقْلِ بِإغْمَاء أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَوْمٍ، كُلُّ ذلِكَ يَنْقُضُ الطُّهْرَ إِلاَّ النَّوْمَ قَاعِدًا (م وز) مُمْكِّناً مَقْعَدَهُ مِنَ الْأَرْضِ.
قال الرافعي: زوال العقل يفرض بطرقين: أحدهما: غير النوم كالجنون والإغماء والسكر، فينتقض الوضوء بكل حال، لأن النوم ناقض على ما سيأتي، وإنما كان كذلك، لأنه قد يخرج منه الخارج من غير شعوره به، ومعلوم أن الذُّهُولَ عند هذه الأسباب أبلغ، والسُّكْرُ الذي ينقض الوضوء هو الذي لا يبقى معه الشعور دون أوائل النَّشْوَةِ، وحكى في "التَّتمة" وجهاً ضعيفاً: أن السكر لا ينقض الوضوء أصلاً.
والثاني: النوم وإنما تحصل حقيقته إذا استرخى البَدَنُ، وزال الاسْتِشْعَار، وخفى عليه كلام من يتكلم عنده، وليس في معناه النّعاس، وحديث النفس، وهو من نواقض الوضوء في الجُمَلة لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ 398، فَإذَا نَامَ الْعَيْنَانُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ".

الجزء: 1 - الصفحة: 158

وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اسْتَجْمَعَ نَوْماً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ" 399. وتفصيله بأن يقال: النوم إما أن يكون في غير الصلاة أو في الصلاة، إن كان في غير الصلاة نظر إن نام قاعداً ممكناً مقعده من مَقَرِّه فلا ينتقض وضوءه، لأنه يأمن استطلاق الوِكَاء إذا نام على هذه الحالة، وقد روي أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كانوا يَنْتَظِرُونَ العِشَاء، فَينَامُونَ قُعُودًا، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" 400. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِداً، إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً، فَإِنَّ مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً] اسْتَرخَتْ مَفَاصِلُهُ" 401 ولا فرق بين أن يكون مستنداً أو غير مستند، بعد أن يكون المَقْعَدُ متمكناً من الأرض، ولا بين أن يكون السِّنَاد بحيث لو سل لسقط، وبين أن لا يكون كذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه إن كان بحيث لو سل لسقط بطل الوضوء، وإن نام على غير هيئة القعود بالصفة المذكورة بطل الوضوء، سواء كان مضطجعاً أو مُسْتَلْقياً أو قائماً أو على هيئة الساجدين أو الراكعين، (وفي قول لا ينتقض الوضوء بالنوم قائماً مستوياً) 402، وفي قول: لا ينتقض الوضوء بالنوم على أي هَيْئة كانت من هيئات المُصَّلين عند الاختيار، وإن لم يكن في الصلاة وبه قال أبو حنيفة لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: = أبو نعيم عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وحسنه ابن الصلاح والنووي والذكي، وفيه نظر: لأنه منقطع.
قال أبو زرعة عبد الرحمن بن علي مرسل، وكذا قاله عبد الحق، وابن القطان، وصاحب الإمام: لا جرم، قال ابن عبد البر في الاستذكار فيهما: ضعيفان لا حجة فيهما من جهة النقل، وأما ابن السكن فذكرهما في سننه الصحاح المأثورة.
قاله ابن الملقن، المذكور في هذا الحديث بفتح السين المهملة، وكسر الهاء المخففة، الدبر والوِكاء بكسر الواو الخيط الذي تربط به الخريطة والمعنى: اليقظة وكاء الدبر أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً أحس بما يخرج منه.
انظر خلاصة البدر (1/ 52 - 53) التلخيص (1/ 118).

الجزء: 1 - الصفحة: 159

"لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا" 403 لكن أئمة الحديث ضعفوه، فعلى هذين القولين لا يَنْحَصِرُ الاستثناء في حالة القعود، على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب، وعن الشافعي -رضي الله عنه- قول آخر أن تلك الحالة أيضاً لا تستثنى بل النوم في عينه حدث، لإطلاق ما سبق من الأخبار، وكما في سائر الأحداث لا فرق فيها بين حالتي القعود وغيرها، وإلى هذا القول صار المزني.
وعن مالك أنه إن نام جالساً قليلاً لم ينتقض [وضوءه وإن نام كثيراً انتقض] 404 هذا كله إذا كان في غير الصلاة، [أما إذا كان في الصلاة] (3) فقولان: القديم: أنه لا ينتقض وضوءه، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي صَلاَتِهِ بَاهَى اللهُ بِهِ مَلاَئِكَتَهُ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ سَاجِدٌ بَيْنَ يَدَيَّ" 405. والجديد: أن حكمه كما لو كان خارج الصلاة، لما سبق من الأخبار وللقياس على سائر الأحداث، ولأن النوم إنما أثر؛ لأنه قد يخرج منه الشيء من غير شعوره به، وهذا المعنى لا يختلف بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة 406. وإذا عرفت ما ذكرنا عرفت أن قوله: "أو سكر" ينبغي أن يكون مُعلمًا بالواو، وكلمة الاستنثاء من قوله: "إلا النوم قاعداً" بالقاف والزاي إشارة إلى القول الذي حكينا أن عين النوم حَدَثٌ، وإليه ذهب المزني 407 فإنه لا استثناء على ذلك القول وقوله:

الجزء: 1 - الصفحة: 160

"وكذا النوم قاعداً" بالميم لما ذكرنا من مَذْهَبِ مالك، وكذلك ينبغي أن يكون قوله: "كل ذلك ينقض الطهر" مُعْلماً بالقاف إشارَةً إلى القول المنقول في النوم قائماً أنه لا ينقض، وفي النوم على هيئات المصلِّين، وكذلك في النوم في الصلاة، فإنها مُسْتثناة أيضاً على هذه الأقوال.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) لَمْسُ بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ (م ح) فَإِنْ كَانَتْ مَحْرَماً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَيِّتَةَ أَوْ مَسَّ شَعْرَهَا أَوْ ظُفُرَهَا أَوْ عُضْوًا مُبَاناً مِنْهَا فَفِي الكُلِّ خِلاَفٌ، وَفِي المَلْمُوسِ قَوْلاَنِ، وَاللَّمْسُ سَهْوًا أَوْ عَمدًا سَوَاءٌ (وم).
قال الرافعي: اللَّمْسُ من نواقض الوضوء خلافاً لأبي حنيفة، إلا في المُبَاشَرَةِ الفاحشة، وهي أن يضع الفَرْجَ على الفَرجِ مع الانْتِشَار، ولمالك وأحمد فإنهما اعتبرا الشهوة في كونه ناقضاً، هذه رواية عن أحمد وعنه روايتان أخريان: إحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى: مثل مذهب أبي حنيفة.
لنا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 408 عطف اللَّمْسَ على المجيء من الغائط، ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، فدل على كونه حدثاً كالمجيء من الغائط، والمراد من اللمس الجَسُّ باليد، كذلك روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره ثم ينظر إن وجد اللمس من الرجل بالصفات المذكورة في الكتاب، وهي أن يلمس بشرة المرأة الكبيرة الأجنبية فَتَنْتَقِضُ طَهَارته.
فإن قيل: الشرط في الانتقاض أن لا يكون بينهما حائل ولم يتعرض له.
قلنا: في قوله "لمس بشرة المرأة" ما يفيد ذلك؛ لأنه إذا كان بينهما حائل فلا يقال: لمس ولا مس، ولهذا لو حلف أن لا يَمْسُّ امرأة فمسها من وراء حَائلٍ، قال الأصحاب: لا يَحْنَثٌ، وإن فقد شيء من الصفات التي ذكرها نظر إن لمس غير البشرة، كالشعر والظفر والسن ففيه وجهان: أحدهما: ينتقض وضوءه كسائر أجزاء البدن، ولهذا يسوى بين الكل في الحِلِّ والحرمة وإضافة الطلاق، وأصحهما: لا ينتقض، لأن الالْتِذَاذ بهذه الأشياء إنما يكون بالنظر دون اللمس، أو معظم الالْتِذَاذ فيها بالنظر.
وإن كان الملموس عضواً مباناً منها ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالمتصل ألا ترى أن مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل على الصحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وأصحهما: أنه لا ينتقض، لأن المس حدث لظاهر الآية، وفهم من جهة المعنى اعتبار الوقوع في مَظَنَّةِ الشهوة 409 ولمس المُبَانِ ليس في مظنة الشهوة، ولا يقال لمن لمسه: لمس امرأة، بخلاف من مس الذكر المبان فإنه قد مس الذكر.
وإن لمس صغيرة، والمراد التي لم تبلغ حَدَّ الشهوة، ففيه وجهان: أحدهما: نعم، لظاهر الآية، وأصحهما: لا، لأنه ليس في مظنَّة الشهوة، فصار كلمس الرجلِ الرجلَ.
ومنهم من يقول في المسألة قولان كما في المحرم، وإن لمس محرماً فقولان: أحدهما: أن حكمها حكم الأجنبيات في اللمس لعموم الآية، وأصحهما: لا، لأنها ليست في مظنَّة الشهوة بالإضافة إليه، ولا فرق بين محرَمِيَّة النَّسب والرِّضَاع والمُصَاهرة في اطِّراد القولين وإن لمس ميتة ففيه وجهان أيضاً، ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ وفي الثاني إلى أن لمسها ليس في مظنة الشهوة، والظاهر الأول، كما يجب الغُسْلُ بالإيلاجَ فيها، ولم يذكر مسألة الميتة في "الوسيط"، وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن الخَلاف الذي أبهمه في قوله: "ففي الكل خلاف"، قولان في مسألة المحرم، ووجهان في سائر المسائل، وهذا مما ينبغي أن يعتني به محصل هذا الكتاب، فإنه كثيراً ما يرسل ذكر الخلاف والتردد في مسائل يعطف بعضها على بعض، وهو قول في بعضها ووجه في البعض، فينبغي أن يُضْبَطَ.
ثم كما ينتقض وضوء الرجل إذا لمس بهذه الشرائط، ينتقض وضوء المرأة إذا لَمَسَتْ بهذه الشَّرائط، وفي الملموس قولان: أصحهما: أنه ينتقض وضوءه أيضاً لاستوائهما في اللَّذة، كما أن الفاعل والمفعول يستويان في حكم الجماع.
والثاني: لا ينتقض، لما روى عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أصابت يدي أخْمُصَ قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، فلما فرغ من صلاته قال: "أَتَاكِ شَيْطَانُكِ" 410 ولو انتقض طهر الملموس لما أتم الصلاة، ثم حكى قولان في أن الملموس من هو: أحدهما: أن الملموسة هي المرأة، وإن وجد فعل اللمس منها، والرجل لامس.
والثاني: وهو الأَصَحُّ المشهور، أن الَّلامس من وجد منه فعل اللمس رجلاً كان أو امرأة، والملموس الآخر، ويخرج مما ذكرناه قول أن المرأة لا ينتقض وضوءها وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 162

لمست وإن نفى المُصَنِّف في "الوسيط" أن يكون في الانتقاض خلاف، ثم لا فرق بين أن يتفق اللمس عمداً أو سهواً كسائر الأحداث، ولا بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة.
وحكي وجه أن اللمس إنما ينقض الوضوء إذا وقع قصداً 411، وكان تَخْصِيصُ اللمس بالذَّكَرِ في الكتاب إنما كان لمكان هذا الوجه، وإلا فسائر الأحداث أيضاً عمدها وسهوها سواء، لكن أبا عبد الله الحناطي روى في مس الذكر ناسياً وجهين أيضاً، وحكى في اللَّمس أن ابن سريج ذهب إلى اعتبار الشهوة، كما صار إليه مالك قال: وحكى ذلك عن الشافعي -رضي الله عنه- أيضاً ولمس العجوز كغيرها، ولمس العضو الأشَلِّ والزائد كلمس الصحيح والأصلي، وفي الصور الثلاث وجه آخر.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) مَسُّ الذّكَرِ بِبَطْنِ الكَفِّ نَاقِضٌ (ح ز) لِلْؤضُوءِ وَكَذَا مَسُّ فَرْجِ المَرْأَةِ وَكَذَا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ (م) عَلَى الجَدِيدِ وَكَذَا فَرْجُ البَهِيمَةِ عَلَى القَدِيمِ وَكَذَا فَرْجُ المَيِّتِ (و) وَالصَّغِيرِ (م) وَكَذَا مَحَلُّ الجَبِّ (و)، وَفِي الذَّكَرِ المُبَانِ وَجْهَانِ، وَفِي المَسِّ بِرَأْسِ الأَصَابع وَجْهَانِ، وَبِمَا بَيْنَ الأَصَابع لا يَنْتَقِضُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: مَسُّ الذكر ناقض للوضوء خلافاً لأبي حنيفة ومالك، فإن حكم المس عندهما على ما ذكرنا في اللمس: لنا حديث بسرة بنت صفوان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأْ" 412 وإنما ينتقض الوضوء إذا مس بالكَفِّ، والمراد بالكف الرَّاحَة وبطون الأصابع، وقال أحمد: تنتقض الطهارة سواء مس بظهر الكف أو بِبَطْنها: لنا أن الأخبار الواردة في الباب جرى في بعضها لفظ اللمس، وفي بعضها لفظ الإفضاء، ومعلوم أن المراد منهما واحد، والإفضاء في اللغة: اللمس ببطن الكف 413.

الجزء: 1 - الصفحة: 163

ولو مس بِبَطْنِ أصبع زائدة نظر إن كانت على استواء الأصابع فهي كالأصلية على أصح الوجهين، وإن لم تكن على اسْتِوَاء الأصابع فلا في أصح الوجهين، ولو كانت له كَفَّان فإن كانتا عاملتين فبأيتهما مسَّ انتقض الوضوء، وإن كانت إحداهما عاملة دون الأخرى انتقض بالمس بالعاملة دون الأخرى، ذكره القاضي الروياني 414 وصاحب "التهذيب"، وحكى بعضهم خلافاً في اليد الزائدة مطلقاً، واليد الشلاَّء كالصحيحة في أصح الوجهين، وكذا الذكر الأشل كالصحيح.
وحكم فرج المرأة في المس حكم الذكر، لما روى عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يصَلَّونُ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء، قال: "إذَا مَسَّتْ إِحْدَاكُنَّ فرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ" 415. وفي حلقة الدُّبُرِ وهي ملتقى المنفذ قولان: في القديم: لا ينتقض الوضوء بمسه، وبه قال مالك؛ لأن الأخبار وردت في القُبُلِ وهو الذي يفضي بمسه إذا كان على سبيل الشهوة إلى خروج المذي وغيره، فأقيم مسَّه مقام خروج الخارج، بخلاف الدبر.
وقال في الجديد: ينتقض؛ لأنه فرج فينتقض الوضوء بمسّه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" 416 وبالقياس على القُبُلِ، ومن الأصحاب من جزم بما قاله في الجديد، ونفى الخلاف فيه، وعن أحمد روايتان كالقولين، وفي فَرْج البَهِيمَة قولان حكى عن القديم أن مسه كمس فرج الآدمي؛ لظاهر قوله: "مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ الْوُضُوء" 417؛ ولأن فرج البهيمة كفرج الآدمي في الإيْلاَجِ، فكذلك في حكم المس وهذا القول في القبل دون الدبر، فإن دبر الآدمي لا يلحق على القديم بالقبل، فمن غيره

الجزء: 1 - الصفحة: 164

أولى 418. وقال في الجديد: لا أثر لمسه كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه، ولا يتعلق به خِتَانٌ ولا اسْتِنْجَاء، ولأن لمس إناث البهائم ليس بحدث، فكذلك مس فروجها، وقطع بعضهم بما قاله في الجديد.
وفي مَسِّ فرج الميت ذكراً كان أو أنثى وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه كفرج الحَيِّ لشمول الاسم وبقاء الحُرْمَة.
والثاني: لا أثر لمسه لزوال الحياة وخروج لمسه عن مظنَّة الشهوة.
وفي فرج الصغيرة وجهان: أصحهما: أنه كفرج الكبير لما ذكرنا.
والثاني: لا، لما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مَسَّ رَبِيبَةَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ" 419: ومس محل الجَبِّ من المَجْبُوب هل يؤثر فيه، وجهان: أصحهما: نعم، لأن مسّه مظنة خروج الخارج منه فأشبه الشاخص.
والثاني: لا؛ لأنه مس محل الذكر دون الذكر وقد حكى عن القفال أن الموجهين مركبان على أحد أصلين: إما مس حلقة الدبر.
فإن قلنا: إنه لا يؤثر فهذا أولى.
وإن قلنا: يؤثر فهاهنا وجهان؛ لأن الحلقة طاهرة بأصل الخلقة، وهذا قد طهر بعارض، وأما مس الثقبة المنفتحة مع انْسِدَاد المَسْلَكِ المعتاد فيه وجهان سبق ذكرهما، وعلى هذا فالانتقاض هاهنا أولى؛ لأنه أصلي، والوجهان في المسألة فيما إذا لم يبق شيء شاخص أصلاً، فإن بقي شيء فلا خلاف في أن مسه ناقض، وفي الذكر المبان وجهان: أصحهما: أنه كالمتصل بشمول الاسم له.
والثاني: لا؛ لخروج لمسه عن مظنة الشهوة ولعلك تقول: رجح الأئمة من

الجزء: 1 - الصفحة: 165

الخلاف في مسائل اللمس الوجه الناظر إلى وقوعه في محل الشَّهوة ومظنتها، حتى قالوا لا تنقض الطهارة بلمس المحرم والصغيرة على الأصح وهاهنا عكسوا ذلك فقالوا: الأصع الانتقاض بمس فرج الميت والصغير، ولم يعتبروا الشهوة فما الفرق.
فالجواب: أن اللَّمْسَ والمَسَّ متقاربان في أمر الشهوة، وحصول الخلاف إذا وقعا في غير مظنة الشهوة، إلا أن الشافعي -رضي الله عنه- نظر في اللمس إلى شيء آخر، إذا كان الممسوس فَرْج الغير، وهو أنه بالمس هاتك حرمة الممسوس فرجه، فحكم بانتقاض وضوئه، منعاً له عن ذلك، ولهذا لم يحكم بانتقاض طَهَارة المَمْسُوس فرجه؛ لأنه لا هتك منه، بخلاف الملموس حيث انتقض طهره على أظهر القولين، لشمول معنى الشهوة، وكان الهتك أرجح المعنيين عند الشافعي -رضي الله عنه- والنظر إليه أولى، ألا تراه علل في مس فرج البهيمة لا يوجب حدثاً، فقال: لأنه لا حرمة لها، ولا تعُبّد عليها -والله أعلم-.
وهذه المسائل كلها في المس ببطن الكف، أما لو مس برءوس الأصابع، ففيه وجهان: أحدهما: أن المَسَّ بها كالمس بالراحة؛ لأنها من جنس بشرة الكف، ويُعْتَاد المس بها بالشهوة وغيرها وأظهرهما: أنه لا يؤثر المس بها؛ لأنها خارجة عن سمت الكف، ولا يعتمد على المس بها وحدها من أراد معرفة ما يعرف باللمس من اللين والخُشُونة وغيرهما، وفيما بين الأصابع أيضاً وجهان، وعدم الانتقاض فيه أظهر، وقد نقلوه عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وأطبقوا على ترجيحه، وأما في رءوس الأصابع، فمنهم من رجح القول بالانْتِقَاض، وكأنه لهذا التفاوت صرح بأن الصحيح عدم الانتقاض في المسألة الثانية، وسكت عن الترجيح والتصحيح في الأولى، والمعنى برأس الإصبع موضع الاستواء بعد المنحرف الذي يلي الكف، فإنه من الكف بلا خلاف، ثم من يقول: بأن المس برأس الإصبع ناقض يقول: باطن الكف ما بين الأظفار، والزّند 420، أي: في الطول، ومن يقول: إنه غير ناقض يقول: باطن الكف هو القدر المنطبق إذا وضعت إحدى اليدين على الأخرى، مع تَحَامُل يسير والتقييد بقولنا: مع تحامل يسير، ليدخل فيه المنحرف الذي ذكرناه، وطرف الكَفِّ وهو حرف اليد على الوجهين في رءوس الأصابع.
قال الغزالي: وَإِذَا مَسَّ الخُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أحَد فَرْجَيْهِ لَم يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالَ أنَّهُ زَائِدٌ،

الجزء: 1 - الصفحة: 166

وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ ذَكرَهُ أَوِ امْرَأَةٌ فَرْجَهُ انْتَقَضَ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ مَسِّ وَلَمْسٍ، وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ فَرجَهُ أَوِ امْرَأَة ذَكَره لَمْ يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالِ أَنَّ المَلْمُوسَ زَائِدٌ، وَلَوْ أَنَّ خُنْثَيَيْنِ مَسَّ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الفَرْجَ وَمَسَّ الآخَرُ الذَّكَرَ، فَقَدِ انْتَقَضَ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَلكِنْ يَصِحُّ صَلاَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، لأَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ مُمْكِنٌ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل فيما إذا اتفق المس، ولم يكن في الماسِّ ولا في الممسوس إشكال في حكم الذُّكورة والأنوثة، فإن كان ففيه مسائل: إحداها: إن مسّ الخُنْثَى المشكل فرجاً واضحاً فالحكم على ما سبق، وإن مس فرج نفسه نُظِر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض وضوءه، لأنه إن كان رجلاً فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد مست فرجها، وإن مس أحدهما لم ينتقض وضوءه، لأنه إن مس الذكر فيجوز أن يكون أنثى، وهو سلعة زائدة، وإن مس الآخر فيجوز أن يكون رجلاً وهو ثقبة زائدة، وإن مس أحدهما وصلَّى الصبح مثلاً ثم توضأ، ومس الآخر وصلى الظهر ففي المسألة وجهان: أحدهما: أنه يقضيهما جميعاً؛ لأن إحدى صلاتيه وَاقِعَةٌ مع الحدث.
وأظهرهما: أنه لا يقضي واحدة منهما؛ لأن كل صلاة مُفَرَدٌ بحكمها، وقد بني كل واحدة على ظن صحيح فصار كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء بينهما أعاد الظُّهر؛ لأنه محدث عندها، ومضت الصبح على الصحة.
الثانية: لو مس الواضح فرج مشكل نُظِر، إن مس رجل ذكره انتقض وضوءه؛ لأنه إن كان رجلاً فقد مس الذكر، وإن كانت امرأة فقد لمس امرأة، وإن مست امرأة فرجه انتقض وضوءها أيضاً لمثل هذا المعنى، وهذا إذا لم يكن بين الخُنْثَى والماس محرمية وغيرها، مما يمنع لمسه على أنه ينتقض به الوضوء، فإن كان فلا انتقاض، وإن مس الرجل فرجه لم ينتقض وضوءه؛ لاحتمال أن يكون رجلاً، والممسوس ثقبة زائدة، وإن مسّت المرأة ذكره فكذلك لا ينتقض وضوءها؛ لاحتمال أن يكون الخُنْثَى امرأة، والممسوس سلعة زائدة.
والضابط أن الواضح إذا مس منه ما له انتقض وضوءه، فإن مس ما ليس له فلا.
ثم إذا حكمنا بانْتِقَاض طهارة الواضح فلا نقول: الخنثى ملموس حتى يعود في انتقاض طهارته القولان، بل هو مَمْسُوس حتى لا تنتقض طهارته؛ طرحًا للشك؛ واستصحاباً للطهارة.
والثالثة: لو مس مشكل فرج مشكل آخر نظر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض

الجزء: 1 - الصفحة: 167

وضوؤه كما لو مسهما من نفسه، وكذلك لو مس ذكر مُشْكل وفرج مشكل آخر ينتقض وضوؤه أيضاً، لكن هاهنا ينتقض لعلة المس، أو اللمس، وإن مس أحد فرجيه لا غير لم ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال كونه عضواً زائداً، ولو مس أحد المشكلين فرج الآخر، ومس الآخر ذكر الأول انتقض طهارة أحدهما، لا بعينه؛ لأنهما إن كانا رجلين فقد أحدث ماس الذكر، وإن كانتا امرأتين فقد أحدثت ماسة الفرج، وإن كان أحدهما رجل والآخر امرأة فقد أحدثا جميعاً بسبب اللمس، فإذاً طهارة أحدهما باطلة لا محالة، لكنه غير متعين، وما من واحد منهما أفردناه بالنَّظر، إلا والحدث في حقه مشكوك فيه، فنستصحب يقين الطهارة، ولا نمنع واحداً منهما عن الصلاة، ونظائر ذلك لا تخفى.
وأما قوله في الكتاب في هذه المسألة: "ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده" ففي كلمة "وحده" إشكال؛ لأن المفهوم منه أن لكل واحد منهما أن يصلى منفرداً، ويمتنع أن يقتدى بالآخر، كما نقول: إذا اختلف اجتهاد اثنين في إنَائَيْنِ مشتبهين، صلَّى كل واحد منهما وحده، يريد به ما ذكرنا، لكن اقتداء الخُنْثَى بالخنثى ممتنع على الإطلاق، فإن معنى التقييد في هذه المسألة: أن كلمة وَحْدَهُ يشبه أن يكون من سَبْقِ القلم، لا عن قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ؛ لأنه في "الوسيط" لم يتعرض لذلك، وإنما قال: "لكن تصح صلاتهما، ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصّحة"، وإن أتى بها عن قصد، فقد ذكر بعضهم أن فائدة التقييد أنه لا تجزئ صلاة واحد منهما خلف الآخر قطعاً، وإن بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، بخلاف ما إذا اقتدى الخُنْثَى بالخنثى في غير هذه الصورة، ثم بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، فإن في وجوب القضاء قولين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالْيَقِينُ لاَ يُرفَعُ بِالشَّكِّ (م) لاَ فِي الطَّهَارَةِ وَلاَ فِي الْحَدَثِ، وَلَو تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تَوَضَّأَ وَأَحْدَثَ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ أَسْنَدَ الوَهْمَ إِلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِنْ انْتَهَى إِلَى الْحَدَثِ فَهُوَ الآنَ مُتَطَهِّرٌ لأَنَّهُ تَيَقَّنَ طُهْرًا بَعْدَهُ وَشَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإنِ انْتَهَى إِلَى الطُّهْرِ فَهُوَ الانَ مُحْدِثٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَا قَبْلَ الْحَالَتَيْنِ وَيَتَعَارَضُ الظَّنَّانِ.
قال الرافعي: من القواعد التي يَنْبَنِي عليها كثير من الأحكام الشرعية استصحاب اليقين، والإعراض عن الشَّكِّ، والأصل فيما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمسَجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" 421. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ

الجزء: 1 - الصفحة: 168

الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيْهِ، وَيقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثتَ، فَلاَ يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" 422 ولا فرق عندنا بين أن يَتَيقَّنَ الطهارة، ويشك في الحَدَثِ بعده، أَوْ يتيقَّن الحدث ويشك في الطهارة بعده، بل يستصحب اليقين في الحالتين، خلافاً لمالك حيث قال: إذا استيقن الطهارة، وشك في الحدث، أخذ بالحدث احتياطاً، وتوضأ إذا كان خارج الصلاة وإن كان في الصلاة فله أن يمضي في صلاته، وما رويناه من الخبر حجة عليه، لأنه مطلق، وحَكَى في "التتمة" وجهاً عن بعض الأصحاب يوافق مذهب مالك.
ومن نظائر الشك في عروض الحدث ما إذا نام قاعداً، ثم تمايل وانتبه، ولم يدر أيهما سبق، فلا ينتقض وضوءه، بخلاف ما إذا عرض الانتباه وكان بعد التَّمَايُلِ يلزمه الوضوء.
ومنها ما إذا شك في أنه لمس الشعر، أو البشرة إذا قلنا: إنه لا أثر للمس الشعر.
ومنها ما إذا مس الخنثى فرجه مرتين، وشك في أن الممسوس ثانياً هو الممسوس أولاً، أو الفرج الآخر.
ومنها ما لو شك في أن ما عرض له رؤيا، أو حديث نفس فلا يلزمه الوضوء في شيء منها، وكذلك القول في الشك في الحدث الأكبر، وهذا كله إذا عرف سبق الطهارة، أما إذا لم يعرف ذلك بأن تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث، ولم يَدْرِ أيهما سبق، أنه الآن على ماذا؟ ففي المسألة وجهان: أصحهما: قال صاحب التلخيص: والأكثرون يؤمر بإسناد الوَهْمِ إلى ما قبل طلوع الشمس وتَذَكَّر ما كان عليه من الطهارة والحدث، فإن تذكر أنه كانَ محدثاً فهو الآن على الطهارة؛ لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث، وشك في تَأَخُّرِ الحدث المعلوم بعد الطلوع عن تلك الطهارة، وإن تذكر أنه كان متطهراً فهو الآن محدث؛ لأنه تيقن حدثاً بعد تلك الطهارة، وشك في تأخر الطهارة عن ذلك الحدث، ومن الجائز سبقها على الحدث، وتوالي الطهارتين، وهذا إذا كان الشخص ممن يعتاد تجديد الطهارة، فإن لم يكن التجديد من عادته فالظاهر أن طهارته بعد الحدث، فيكون الآن متطهراً، وإن لم يتذكر ما قبلها فلا بد من الوُضُوء؟ لتعارض الاحتمالين من غير تَرْجِيح، ولا سبيل إلى الصلاة مع التردد المَحْضِ في الطهارة؛ ومنهم من قال: يؤمر بالتذكُّر، لكنه إن تذكر الحدث قبل الطلوع فهو الآن محدث أيضاً، وإن تذكر الطهارة فهو الآن متطهر، لأن ما يذكره من قبل معلوم، فيستصحب ويتعارض الظنان الطارئان بعده، لتقابل الاحتمالين، والوجه الثاني، أنه لا نظر إلى ما قبل الطلوع، ويؤمر بالوضوء بكل حال؛ أخْذاً بالاحْتِيَاطِ.
ثم نتكلم في قوله: "واليقين لا يرفع بالشك" في ابتداء هذا الفصل، من ثلاثة أوجه:

الجزء: 1 - الصفحة: 169

أحدها: قد يتوهم أن هذا الكلام متصل بآخر مسألة الخنثيين، وهو قوله: "لأن بقاء طهارته ممكن"، ولا شك أنه صالح لذلك، لكنه لم يقصد تذنيب المسألة به، وإنما أراد افتتاح قاعدة مقصودة في نفسها، وإيراده في "الوسيط" يوضح ذلك، ثم لا يخفى تخريج مسألة الخنثيين على هذه القاعدة.
الثاني: لا نعني بقولنا: اليقين لا يرفع ولا يترك بالشك يقيناً حاضراً، فإن الطهارة والحدث نقيضان، ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال أن نَتَيَقَّنَ الآخر، ولكن المراد أن اليقين الذي كان لا يترك حكمه بالشك، بل يستصحب؛ لأن الأصل في الشيء الدَّوام والاستمرار، فهو في الحقيقة عمل بالظن وطرح للشك.
الثالث: المشهور من معنى الشك التردد في طرفي وجود الشيء وعدمه بصفة التساوي، فإذا حدث له هذا التردُّد في الحدث بعد تيقن الطهارة، أو في الطهارة بعد تيقن الحدث لم يلتفت إليه واستصحب ما كان، وهذا الحكم لا يختص بالشك في طرف الحدث، بل لو كان الحادث ظن الحدث بعد تيقُّن الطهارة فهو كالشك في أنه يجوز له الصلاة؛ استصحاباً ليقين الطهارة، لكن لو ظَنَّ الطهارة بعد الحدث لم يستصحب حكم الحدث [بل له أن يصلي بالظن، فإذاً حكم الشك واحد في الطرفين، وحكم الظن في الحدث] 423 خلاف حكمه في الطهارة.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ تَنْكَشِفُ حَالُ الخُنْثَى بِثَلاَثِ طُرُقٍ: (الأوُلَى): خُرُوجُ خَارج مِنَ الفَرْجَينِ فَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ أَوْ أَمْنَى فَرَجُلٌ وَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ أَوْ حَاضَ فَامْرَأَةً فَإنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ وَحَاضَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ قِيلَ: التَّعْوِيلُ عَلَى المَبَالِ؛ لأَنَّهُ أَدْوَمُ وَقِيلَ: مُشْكِلٌ (الثَّانِيَةُ): نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِهِمَا كمَا لاَ عِبْرَةَ بِتَأخُّرِ النَّبَاتِ وَالنُّهُودِ عَنْ أَوَانِهِمَا (الثَّالِثَةُ): أَنْ يُرَاجَعَ الشَّخْصُ لِيُحْكَمَ بِمَيْلِهِ فَإِذَا أَخْبَرَ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعه إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا رَجُلٌ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا.
قال الرافعي: لما تكلم في صور مَسِّ الخنثى أراد أن يبين ما ينكشف به حال الخُنْثَى، فذكر له طرقًا.
منها: خروج الخارج من أحد الفَرْجَيْنِ، وذلك على قسمين: أحدهما: خارج لا يوجب الغُسْل، وهو البول، فإذا بال بفرج الرجال فَرَجُلٌ، وإن بَالَ بفرج النساء فامرأة، لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 170

في الذي له ما للرجال وما للنساء: "يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ" 424. وهذا بشرط أن يكون له ما يشبه آلَةَ الرجال، وما يشبه آلة النساء، ويكون بوله من أحدهما.
فأما إذا لم يكونا له، وهو يبول من ثقبة، أو كان له، لكنه لا يبول بهما، فلا دلالة في بوله.
ولو بال بهما جميعاً، ففيه وجهان: أحدهما: أن دلالة البول قد سقطت.
وأصحهما: أن ما يختص بسبق الخروج، أو تأخر الانقطاع، فالحكم له، فإن وجد أحد المعنيين في أحدهما، والآخر في الثاني، فالأخذ بسبق الخروج أولى، وإن فقد المعينان فيهما سقطت دلالة البول، ولا حكم للكثرة، ولا للتَّزْرِيقِ والتَّرْشِيش في أصح الوجهين.
والثاني بأن الحكم للأكثر، وأنه إن زرق بهما فرجل، وإن رشش فامرأة، وإن زرق بهذا ورشش بذلك فحينئذ تسقط دلالة البول.
والقسم الثاني: خارج موجب للغسل، كالحَيْضِ، والمَنِيِّ، فإذا أمنى بفرج الرجال فرجل، وإن أمنى بفرج النساء، أو حاض فامرأة، وذلك بشرطين: أحدهما: أن ينفصل في وقت إمكان خروج المني والحيض.
والثاني: أن يتكرر خروجه، ليتأكد الظن.
ولا يتوهم كونه اتفاقياً، ولو أمنى من الفرجين جميعاً فوجهان: أحدهما: أنه تسقط هذه الدلالة، ويستمر الإشكال.
وأصحهما: أنه لو أمنى منهما على صفة مني الرجال يكون رجلاً، ولو أمنى منهما على صفة مني النساء يكون امرأة؛ لأن الظاهر أن المني الموصوف بصفة مني الرجال ينفصل من الرجال، وكذلك ما هو بصفة مني النساء ينفصل من النساء، نعم لو أمنى من فرج الرجال على صفة مني النساء، أو من فَرْجِ النساء على صفة مني الرجال، أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم، ومن فرج النساء على صِفَةِ منيهن يستمر الإشكال.
ومن هذا القسم خروج الولد، فيفيد القطع بالأُنوثَةِ حتى يترجح على ما يعارضه من الأمَارَاتِ، أما لو تعارض البول مع الحَيْضِ، أو مع المني، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول؛ لأنه دائم متكرر، فيكون أقوى دلالة، وأصحهما: أنه يستمر الإشكال ويتساقطان.
ومنها نبات اللِّحية ونُهُود الثدي، وفيهما وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 171

أحدهما: أن نَبَاتَ اللحية يدل على الذُّكورة، ونهود الثدي على الأنوثة؛ لأن اللِّحىَ إنما تكون للرجال غالباً، وتدلي الثديين للنساء غالباً؛ فيستدل بهما على الذكورة، والأنوثة، وأظهرهما أنه لا عبرة بهما؛ لأنه لا خلاف أن عدم نَبَات اللحية في وقته لا يقتضي الأنوثة، وعدم تدلي الثديين في وقته لا يقتضي الذكورة، ولو جاز الاستدلال بنبات اللحية على الذكورة لجاز الاستدلال بعدمه على الأنوثة؛ لأن الغالب من حال من لا يلتحى في وقته الأنوثة، كما أنِ الغالب من حال من يَلْتَحِي الذكورة.
وأجرى بعضهم الوجهين في نزول اللبن، أيضاً، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه تعد أضلاع الخنثى من جانبيه، فإن نقص عددها من الجانب الأيسر فهو دليل الذكورة، وإن تساوى عددها من الجانبين فهو دليل الأنوثة، وظاهر المذهب أنه لا عبرة بذلك، والتفاوت بين الرجل والمرأة في عدد الأضلاع غير مَعْلُومٍ، ولا مُسَلَّم.
ومنها: أن يراجع الخنثى، فإن قال أميل إلى الرجال استدللنا عى الأنوثة، وإن قال أميل إلى النساء استدللنا به على الذكورة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال بالطبع، وهذا إذا عجزنا عن الأمَارَاتِ السابقة، وإلا فالحكم لها؛ لأنها محسوسة معلومة الوجود، وقيام الميل غير معلوم، فإنه ربما يكذب في إخباره، ومن شرط الاعتماد على إخباره وقوعه بعد العَقْلِ والبلوغ، كسائر الروايات والأخبار، ومن الأصحاب من قال: يكفي وقوعه في سِنِّ التمييز، كالحَضَانة يخيَّر فيها الصبي بين الأبوين في سن التَّمْييز، والمذهب الأول، لأن اختيار الخنثى لازم، فلا حكم له قبل البلوغ، كالمولود إذا تداعاه اثنان لا يصح انْتِسَابُهُ قبل البلوغ، والاختيار في الحَضَانَةِ ليس بلازم، ثم يتعلق بفصل الاختيار فروع: أحدها: إذا بلغ وهو يجد من نفسه أحد الميلين يجب عليه أن يخبر عنه، فإن أخر عصى.
الثاني: لا يخبر بالتَّشهِّي فإنه غير مخير، ولكن يخبر عما يجده من ميله الجِبلِّي.
الثالث: لو زعم أنه لا يميل إلى الرجال ولا إلى النساء، أو أنه يميل إليهما جميعاً استمر الإشكال.
الرابع: إذا أخبر عن أحد الميلين لزمه، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك؛ لاعترافه بموجبه، نعم لو وجدت الدلالة القاطعة بعد إخباره عن الذكورة، وهي الولادة غيَّرْنَا الحكم؛ لأنا تيقنا خلاف ما ظنناه، وكذا لو ظهر حمل بعده تبين بطلان إخباره، كما لو حكمنا بشيء من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر به حمل بطل ذلك، وقد ذكر هذا الفرع في

الجزء: 1 - الصفحة: 172

الكتاب، لكن للمتأمل وقفة عند قوله: "فإذا أخبر لا يقبل رجوعه إلا إذا كذبه الحِسِّ" لأن ظاهر الاسْتِثْنَاء يقتضي قبول الرجوع عند الوِلاَدة، وإذا ولدت فلا عبرة بالرُّجُوع، ولا معنى له، بل يبطل الحكم السابق سواء، وجد الرجوع أم لا، وكأنه أراد أن لا يقبل رجوعه، ويجري عليه حكم قوله الأول، إلا أن يكذبه الحس بالولادة، فالاستثناء يرجع إلى إجزاء حكم القول الأول عليه، لا إلى عدم قبول الرجوع، وكذلك أورد إمام الحرمين -رحمه الله- هذه اللفظة.
الخامس: ذكرنا أن الاختيار إنما يرجع إليه عند فقد الأمارات الظاهرة، فلو رجعنا إليه لفقدها، ثم وجد بعض تلك الأمَارَات يجوز أن يقال: لا نُبَالِي به ونستصحب الحكم الأول، إلا أن توجد دَلاَلَةٌ قاطعة (1) وهذا قضية قوله: (إلا أن يكذبه الحس) إذا قدرنا عَوْدَ الاستثناء إلى ما بيَّناه، ويجوز أن يقال: يعدل إلى الأمارة الظاهرة، ويحكم بها كما إذا تداعى اثْنَانِ مَوْلُودًا، ولم يكن قائفًا (2) فانتسب بعد البلوغ، واختار ثم وجدنا القائف تقدم القِيَافَةِ على اختياره -والله أعلم-.

قال الغزالي

: الفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الحَدَثِ

وَهُوَ المَنْعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَيَسْتَوِي (ح) فِي المَسِّ الجَلْدُ وَالحَوَاشِي وَمَحِلّ الكِتَابَةِ، وَفِي مَسِّ الخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ (ح) وَالعِلاقةِ وَتَقْلِيب الأَوْرَاقِ بقَضِيب وَحَمْلِ صُنْدُوقٍ فِيهِ أَمْتِعَةٌ سِوَى المُصْحَفِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَحْرُمُ مَسُّ كِتَاب الفِقْهِ وَالتَّفْسِير وَالدَّرَاهِمِ المَنْقُوشَةِ، إلاَّ مَا كُتِبَ لِلدرَاسَةِ كَلَوْحِ الصِّبيَانِ (و) وَالأصَحُّ أنَّهُ لاَ يَجِبُ علَى المُعَلِّمِ تكْلِيفُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ الطَّهَارَةَ لِمَسِّ اللَّوْحِ وَالمُصْحَفِ.
قال الرافعي: المحدث ممنوع من الصلاة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 427 وكذلك من الطَّوَافِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "الطَوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَه وَتَعَالَى أَبَاحِ فيه الْكَلاَمَ" 428. وَسَجْدَةُ الشكر والتلاوة كالصلاة في أن المحدث ممنوع منهما، ويحرم عليه425426

الجزء: 1 - الصفحة: 173

أيضاً مس المصحف، وحمله، قال الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 429 وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلاَّ طَاهِراً" 430 وروي أنه قال: "لاَ تَحْمِلِ المُصْحَفَ، وَلاَ تَمَسَّهُ إِلاَّ طَاهِراً" 431 ثم فيه مسائل: إحداها: إذا كان المصحف مجلداً، فهل يحرم مس الجِلْدِ؟ كمس الموضع المكتوب؟ فيه وجهان: أصحهما 432: [وهو الذي ذكره في الكتاب] 433 نعم؛ لأنه كالجزء من المصحف، ألا ترى أنه لو باعه دخل الجلد فيه.
والثاني: لا؛ لأنه ظرف ووعاء لما كتب عليه القرآن، فصار كالكِيْسَ والجراب الذي فيه المصحف.
الثانية: لا فرق في حكم المس بين موضع الكتابة وبين الحَوَاشِي، والبياض في خلال السطور، لأن اسم المصحف يقع على جميع ذلك وقوعاً واحداً.
الثالثة: في مس الخريطة والصُّنْدُوق والعِلاَقة 434 وجهان إذا كان المصحف فيها: أظهرهما: أنه يحرم؛ لأنها متخذة للقرآن منسوبة إليه، فإذا اشتملت على القرآن اقتضى التعظيم أن لا يمس إلا على الطهارة.
والثاني: لا، لأن الظواهر واردة في المصحف وهذه الأشياء غير المصحف، وهذا الخلاف قريب من الخلاف من الجِلْدِ، ولذلك جمع بعض الأصحاب بينهما جميعاً، وحكى فيهما الوجهين، ومنهم من جزم بالجواز في غير الجِلْدِ وخصص الخلاف بالجلد، ومنهم من جزم بالمَنْعِ في الجلد، وخصص الخلاف بما سواه، وكلامه في الكتاب أوفق لهذه الطريقة، أو هو هي، وفي كتب أصحابنا عن أبي حنيفة: = المستدرك (1/ 459) وقال صحيح الإسناد، وقد أوقفه جماعة، وأقره الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن مرفوعاً وموقوفاً (5/ 87) وقال ابن الملقن: بعد غزوه للحاكم من رواية ابن عباس: وهذا من طريق غريب عزيز لم يعثر به أحد من مصنفي الأحكام، وإنما ذكره الناس من الطريق المشهور في جامع الترمذي، وقد أكثر الناس القول فيها إن كان أمرها آل إلى الصحة فهذه ليس فيها مقال.
انظر الخلاصة (1/ 57).

الجزء: 1 - الصفحة: 174

أنه يجوز للمحدث مس غير المكتوب من الحَوَاشِي، وظهر المصحف، وغيرهما: نعم لا يجوز ذلك للجنب والحائض.
وعنه أيضاً: أنه يجوز للمُحْدِث الحمل، والمس مطلقاً، ولا يجوز للجنب والحائض.
وعنه أيضاً: أنه يجوز له حمل المصحف بعِلاقته، وبه قال أحمد، وحكَى بعضهم عن مالك أنه يجوز له حمل المصحف ومسه من غير طهارة، والمشهور أن هذا قول داود، ولا يخفى موضع العلاقة من هذه الاختلافات.
الرابعة: لو وضع المصحف بين يديه وهو يقلب أوراقه بقضيب وغيره، ويقرأ منه، هل يجوز فيه؟ وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه لم يحمل المصحف ولا مسه، فقد حافظ على شرط التعظيم.
وأصحهما: أنه لا يجوز، لأنه حمل بعض المصحف مقصوداً، فإن الورقة بحمله تنتقل من جانب إلى جانب 435. الخامسة: المَنْعُ من الحَمْلِ حيث كان المصحف هو المقصود بالحمل، فأما إذا حمل صندوقاً فيه ثياب وأمتعة سواه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه حامل للمصحف.
وحكم الحمل لا يختلف بين أن يكون هو المحمول، أو يكون محمولاً مع غيره، ألا ترى أنه لو حمل نجاسة في صلاته لم تصح صلاته، سواء حملها وحدها، أو مع غيرها.
وأصحهما: الجواز؛ لأن المنع من الحمل المُخِلِّ بالتعظيم والإجلال، ويفارق حمل الصندوق والخريطة، فإن ذلك تبع للمصحف، وهنا بخلافه: السادسة: المصحف مكتوب لدراسة القرآن منه، فحكمه في المس والحمل ما ذكرنا.
وفي لوح الصبيان وجهان: أصحهما: هو الذي ذكره في الكتاب أنه في معنى المصحف؛ لأنه أثبت فيه القرآن للتعلم منه ولدراسته.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد لإثباته الدوام، بل هو كالمِسْوَدَّة التي تتخذ وسيلة، ولا يُعْتَنَى بها، وأما ما أثبت فيه شيئاً من القرآن لا للدراسة، كالدراهم الأحديةِ والعِمَامَةِ المُطَرَّزَةِ بآيات القرآن، والحيطان المَنْقُوشَةِ به وكتب الفقه والأصول والتفسير ففيه وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 175

أحدهما: أنها كالمصحف في حرمة المس والحمل؛ تعظيماً للقرآن.
وأصحهما: أنه لا مانع، لما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَتَبَ كِتَاباً إِلَى هِرَقْلَ وَكَانَ فِيهِ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية 436 ولم يأمر الحامل بالمحافظة على الطهارة، ولأن هذه الأشياء لا يقصد بإثبات القرآن فيها قراءته، فلا تجري عليها أحكام القرآن، ولهذا يجوز هَدْمُ الجِدَارِ المنقوش عليه، وأكل الطعام، وهذا الوجه هو المذكور في الكتاب 437 وذهب بعض الأصحاب إلى تفصيل في الكتب.
فقال: إن كان القرآن أكثر حرم المس والحمل، وإلا فوجهان ذكروا ذلك في كتاب التفسير، ولا شك في أن غيره في معناه، ومنهم من قال: إن كتب القرآن بخط غليظ والتفسير بخط دقيق وميّز بينهما حَرُمَ الحمل، وإن كان الكل بخط واحد فوجهان: السابعة: كل ما ذكرناه في العاقل البالغ، أما الصبي المميز هل يجب على الولي والمعلم منعه من مس المصحف وحمله إذا كان محدثاً؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن البالغ إنما يمنع منه تعظيماً للقرآن، والصبي أنقص حالاً منه، فأولى أن يمنع، وأصحهما لا، لأن تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم فيه المشقة، والوجهان جاريان في اللوح أيضاً وفيه تكلم في الكتاب، وهو بناء على أن اللوح حكمه حكم المصحف كما تقدم هذه مسائل الكتاب ونختمها بفروع: الأول: كتابة القرآن على الشيء الموضوع بين يديه من غير مس ولا حمل جائز للمحدث في أصح الوجهين.
الثاني: لا يحرم مس التوراة والإنجيل وحملهما في أصبح الوجهين، وكذا حكم ما نسخ قراءته من القرآن.
الثالث: حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يلحق بالقرآن فيما نحن فيه، لكن الأولى أن يكون على الوضوء إذا مسّه.
قال الغزالي:

الجزء: 1 - الصفحة: 176

الْبَابُ الرَّابعُ فِي الغُسْل

وَمُوجِبُهُ الحَيْضُ وَالنَّفَاس وَالمَوْتُ وَالوِلاَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ جَفَافٍ عَلَى الأَظْهرَ.
قال الرافعي: عندنا موجبات الغسل أربعة: يشتمل هذا الفصل على ثلاثة منها: أحدها: الحيض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 438 ثم وجوبه بخروج الدم، أو بانقطاعه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول، والغسل بخروج المني.
وثانيها: بالانقطاع لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" 439 علق الاغتسال بإدبار الدم: وثالثها: وهو الأظهر أن الخروج يوجب الغسل عند الانقطاع 440 كما يقال: الوطء يوجب العدة عند الطلاق، والنكاح: يوجب الإرث عند الموت، وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع، بل عند القيام إلى الصلاة، والنفاس كالحيض في الغسل، ومعظم الأحكام.
الثاني: الموت يوجب غسل التي على ما سيأتي في الجنائز، ولك أن تقول: إن الغسل إما أن يكون مفسراً بما سوى النية، وهو غسل الأعضاء، أو يكون مفسراً به مع النية، والأول ضعيف، فإن النية عندنا من جملة الغسل، ولولا ذلك لعد نجاسة جميع

الجزء: 1 - الصفحة: 177

البدن، ونجاسة موضع منه أشبه بالباقي من موجبات الغسل، وقد امتنع صاحب الكتاب، ومعظم الأئمة منه، فتعين الثاني، وحينئذ، إما أن يكون المعتبر مطلق النية، أو النية من صاحب الأعضاء المغسولة، فإن كان الثاني لم ينتظم عد الموت من موجبات الغسل، وكان إطلاق الغسل في الميت بمعنى آخر، وإن كان الأول فغسل الميت إنما يكون من هذه الجملة، إذا كانت النية معتبرة فيه من جهة الغاسل، ولنا في ذلك وجهان.
سيأتي ذكرهما في باب الجنائز: الثالث: الولادة فلو ولدت ولداً ولم تر بللاً ولا دماً، ففي وجوب الغسل عليها وجهان: أحدهما: لا يجب لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 441 فإنه ينفي وجوب الغسل بغير الإنزال خالفنا في الأسباب المتفق عليها، فيتمسك به فيما عداها، وأظهرهما: الوجوب لأنه لا يخلو عن بلل وإن قل غالباً، فيقام الولد مقامه كالنوم يقام مقام الخروج لمقارنته إياه غالباً، ولأنه يجب الغسل بخروج الماء الذي يُخْلَقُ الولد منه، فبخروج الولد أولى ويجري الوجهان في إلقاء العلقة والمضغة.
قال الغزالي: وَالجَنَابَةُ، وَحُصُولُهَا بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ أَوْ بِإيلاجَ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ فِي أَيِّ فَرْج كانَ مِنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ أَوْ مَيِّتٍ (ح) أَوْ بَهِيمَةٍ (ح)، وَبِخُرُوجِ المَنِيِّ، وَخَوَاصُّ صِفَاتِهِ ثَلاَثَةٌ: رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَالتَّدَفَّق بِدَفَعَاتٍ، وَالتَّلَذُّذُ بِخُرُوجِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ لاسْتِكْثَارِ الوِقَاعِ وَجَبَ الغُسْلُ لِبَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ (ح م) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ خَرَجَ بَقِيَّتُهُ بَعْدَ الغُسْلِ حَصَلَتْ (م) الجَنَابَةُ إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَلَوِ انْتَبَهَ وَلَمْ يَرَ إلاَّ الثَّخَانَةَ وَالبَيَاضَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَدْيًا فَلاَ يَلزَمُهُ الغُسْلُ، وَالمَرْأَةُ إذَا تَلَذَّذَتْ بِخُرُوجِ مَاء مِنْهَا لَزِمَهَا الغُسْلُ، وَكَذَا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ بَعْدَهُ فَإنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ مَائِهَا.
قال الرافعي: السبب الرابع: الجنابة ولها طريقان: إحدهما إلتقاء الختانين: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَد وَجَبَ الْغُسْلُ 442 فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَاغْتَسَلْنَا"، وفسر الشافعي -رضي الله عنه- التقاء الختانين فقال: المراد منه

الجزء: 1 - الصفحة: 178

تحاذيهما لا انضمامهما فإن التضام غير ممكن لأن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وهو مخرج الولد، والحيض، وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول، وشفرا المرأة يحيطان بها جميعاً، وإذا كان كذلك كان التضام متعذراً لما بينهما من الفاصل.
وهاهنا شبهة وهي أن يقال إن كان موضع ختان المرأة في حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شيء من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح، لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران بأول الحشفة لاقى 443 شيء من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكناً، فلعل المراد من الخبر ذلك، والله أعلم.
ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل، أما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيَّب مقدار الحشفة لزمه الغسل، فإنه في معنى 444 الحشفة ومعلوم أن ما أسفل الحشفة ليس موضع ختان، ولكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل، لأن التحاذي لا يحصل به غالباً، وحكى القاضي ابن كج أن تغييب بعض الحشفة كتغييب الكل، وروى وجه أن تغييب قدر الحشفة من 445 مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل 446 وإنما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة، أو أكثر وأما في المحل فلأن المحل الذي هو موضع الختان قبل المرأة، كما يجب الغسل بالإيلاج فيه يجب الغسل بالإيلاج في غيره كالإتيان في غير المأتى، وهو الدبر 447 يجب الغسل به على الفاعل، والمفعول، وكذا فرج البهيمة خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه جماع في الفرج، فأشبه فرج الأدمي بل إيجاب الغسل هاهنا أولى لأنه أحق بالتغليظ، ولا فرق بين الإيلاج في فرج الميت، والإيلاج في فرج الحي، وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال: في الصغيرة التي لا تشتهي.
لنا أنه قد التقى الختانان فيجب الغسل، ثم كما يجب الغسل بالايلإج في فرج الميت، والبهيمة يجب على من غاب في فرجه فرجها ولا يجب إعادة غسل الميت بسبب الإيلاج فيه على أظهر القولين 448 وإذا عرفت ما ذكرناه فانظر في لفظ الكتاب 449 واعلم أنه إنما عقب قوله: (بالتقاء الختانين) بقوله أو (إيلاج قدر الحشفة) في أي فرج

الجزء: 1 - الصفحة: 179

كان لما بينا أن إلتقاء الختانين غير معتبر 450 بعينه، والإيلاج في كل فرج في معناه، ولو اقتصر على قوله: "والجنابة وحصولها بإيلاج قدر الحشفة" في أي فرج كان حصل الغرض، ودخل فيه التقاء الختانين إلا أن التقاء الختانين هو الأصل الذي ورد فيه الخبر، فقدمه ثم بين أن كل جماع في معناه وفي قوله: "قدر الحشفة" إشارة إلى ما سبق أن المرعي مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلماً بالواو للخلاف الذي حكيناه، ثم قوله: "أو إيلاج قدر الحشفة" يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج، وكذلك التقاء الختانين، لأن المراد منه التحاذي، فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة -رضي الله عنها-، وروى أنها قالت قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" 451 والالتقاء ينتظم بهذه الصورة، ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضاً.
والثاني: لا يحصل، لأن اللذة إنما تكمل عند ارتفاع الحجاب.
والثالث: أنه إن كانت الخرقة لينة حصلت الجنابة، وإلا فلا لأن اللينة لا تمنع [من] 452 حصول اللذة بخلاف الخشنة، والخشنة هي التي تمنع وصول بلل الفرج للذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، واللينة ما لا تمنع 453 وكل هذا فيما إذا جرى الإيلاج، وهما واضحا الحال أما إذا كان مشكلين وأولج 454 أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة، ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر، وإن أولج كل واحد منهما في دبر الآخر، فلا جنابة أيضاً لجواز كونهما امرأتين، ولكن بالنزع يحدثان لأن خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء 455 وإن أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى، وإن أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الأول فلا جنابة أيضاً لاحتمال كونهما امرأتين، لكنهما على هذا التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني، وعلى غير هذا التقدير هما جنبان، فيحكم بثبوت أدنى المحدثين، ولو كان

الجزء: 1 - الصفحة: 180

الإشكال في الفاعل وحده، فلا جنابة أيضاً سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة، وينتقض وضوء المرأة بالنزع، وإن أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضاً لكن يحدثان، لأن بتقدير الذكورة هما جنبان، وبتقدير الأنوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شيء وهما من نواقض الوضوء، فيثبت أدنى الحدثين، ولو كان الإشكال في المفعول وحده فالإيلاج في دبره كهو في دبر غيره، والإيلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثاً لجواز كونه رجلاً، ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة، فالمشكل جنب، لأنه جامع أو جومع، والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع.
الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للإجماع ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 456 ولا فرق بين أن يخرج [منيه] 457 من الطريق المعتاد، أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب، أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره، وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة، إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل، والخلاف المذكور، ويجوز أن يكون الصلب هاهنا بمثابة المعدة، ثم [قال] 458 يخرج المني من الصلب ثم للمني خواص ثلاث: أحداها: الرائحة الشبيهة برائحة العجين، والطلع ما دام رطباً فإذا جفت اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 459. والثالثة: التلذذ بخروجه، واستعقابه فتور الذكر، وانكسار الشهوة، وله صفات أخر نحو الثخانة والبياض في مني الرجل، والرقة، والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع، لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضاً أبيض ثخين كمني الرجل، والمذي رقيق كمني المرأة، لماذا عرفت هذا فنقول: ما ليس من خواصه لا ينفي عدمه كونه منياً ولا يقتضي وجوده كونه منياً ويوضح الطرقين بالمثال.
أما الأول: فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شيء من خواصه، ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضاً اعتماداً على الصفات الخاصة به، وحكى وجه أنه لا يجب الغسل هاهنا لأن المني دم في الأصل فإذا خرج على لون الدم لم يقتض غسلاً كسائر الدماء.
وأما الثاني: فلو تنبه ولم ير إلا الثخانة، والبياض فلا غسل عليه، لأن الودي

الجزء: 1 - الصفحة: 181

يشارك المني في هاتين الصفتين فيحتمل أن يكون الخارج (ودياً)، فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين أن يتوضأ ويغسل المحل الذي أصابه ذلك الخارج، وبين أن يغتسل، ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب، وقد حكينا وجهاً أنه يلزمه الغسل فلذلك أعلم.
قوله: في الكتاب "فلا يلزمه الغسل" بالواو.
فإن قلنا بظاهر المذهب، وغلب على الظن أنه مني لأن الودي لا يليق بصاحب 460 الواقعة، أو لتذكر وقاع [قبله] 461 تخيله: قال إمام الحرمين يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن تخريجاً على غلبة الظن في النجاسة، والاحتمال الأول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص.
فأما خواص المني فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة أن الخارج مني، فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شيء ثقيل وجب الغسل خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه أصحابنا.
لنا أن الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" 462. [ولو اغتسل عن الإنزال ثم خرجت منه بقية وجب الغسل لوجود الرائحة] سواء خرجت بعد ما بال، أو قبله خلافاً لمالك حيث قال: في إحدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفي رواية أنه خرج قبل البول فهو من بقية المني الأول، فلا يجب الغسل ثانياً وإن خرج بعده فهو مني جديد فيلزمه الغسل، وخلافاً لأحمد حيث قال: إن خرج قبل البول وجب الغسل ثانياً، وإن خرج بعده فلا.
وحكى عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الأولى وهي اعتبار التدفق والشهوة، لأن ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة، وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس إحدى الحالتين على الأخرى، وقول من قال الخارج بعد البول 463 مني جديد ممنوع بل هو بقية الأول بكل حال -والله أعلم-.
ولا فرق في خروج المني بين الرجال وبين النساء في حكم الغسل: روي أن أم سليم جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فقالت: إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" 464. وقوله في الأصل: "والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل" يشعر بأن طريقة معرفة المني في حقها الشهوة والتلذذ لا غير.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

وقد صرح به في الوسيط فقال: ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الأكثرون تصريحاً وتعريضاً التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث.
وقد قال في التهذيب: أن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل، فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع، ثم خرج منها المني لزمها الغسل بشرطين: أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة التي لا شهوة لها.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة.
وإنما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين، لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، وإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها.
أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم إعادة الغسل لأن الخارج مني الرجل، وخروج مني الغير من الإنسان لا يقتضي جنابته.
وصورة المسألة في الكتاب، وإن كانت مطلقة لكن في قوله: "فإنه لا ينفك عن مائها" ما يبين اشتراط ما ذكرنا: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل بحال لأنه لا يتيقن خروج منيها، نعم الاحتياط الإعادة هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما، وهو الصحيح وزاد بعض الأصحاب طريقاً آخر للجنابة، وهو استدخال المني قالوا: إذا استدخلت المرأة منيّاً لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترماً: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزي وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر، والمذهب الأول لأن الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
خاتمة قوله في أول الباب "وموجبه الحيض والنفاس" إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة الذكورة لكن إلقاء المضغة، والعلقة موجب على الصحيح كما سبق، وهو لا يدخل في لفظ الولادة، فيكون خارجاً عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين: أحدهما: غسل الميت [فإن منهم] من قال: في القديم يجب به الغسل على الغاسل وإليه ذهب أحمد لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأُ" 465، والجديد أنه ليس من موجبات الغسل، والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

والثاني: زوال العقل بالجنون والإغماء حكى بعضهم عن أبي هريرة أن زواله بالجنون يوجب الغسل، وروى آخرون وجهين: في الجنون والإغماء جميعاً: ووجه وجوبه أن زوال العقل يفضي إلى الإنزال غالباً، فأقيم مقامه كالنوم أقيم مقام خروج الخارج، والمذهب المشهور أنه لا يجب به الغسل ويستصحب يقين الطهارة إلى أن يستيقن الإنزال، والقول بأن الغالب منه الإنزال ممنوع 466. قال الغزالي: ثُمَّ حُكْمُ الجَنَابَةِ حُكْمُ الحَدَثِ مَعَ زَيادَةِ تَحْرِيم قِرَاءَةِ القُرْآنِ والمُكْثِ فِي المَسْجِدِ (ز)، أَمَّا العُبُورُ فَلاَ (م ح) ثُمَّ لاَ فَرْقَ فِي القِرَاءَةِ بَيْنَ آيَةٍ (م) أَوْ بَعْضِهَا (ح) إلاَّ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ الله عَلَى قَصْدِ الذّكْرِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةٌ لِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ (م) وَخَوْفِ النِّسْيَانِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: لما فرغ من بيان موجب الجنابة ذكر حكمها، وأما حكم الحيض والتفاس فيأتي في بابهما ولا يفرض في الموت مثل هذه الأحكام فيقول: كل ما يحرم بالحدث الأصغر يحرم بالجنابة بطريق الأولى لأنها أغلظ ويزداد تحريم شيئين: أحدهما: قراءة القرآن فيحرم على الجنب أن يقرأ شيئاً من القرآن قاصداً به القرآن سواء كان آية، أو بعض آية خلافاً لمالك حيث جوّز قراءة الآيات اليسيرة للجنب، ولأبي حنيفة حيث جوّز له قراءة بعض الآية وبه قال أحمد في أصح الروايتين: لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْرَأ الْجُنُبُ وَلاَ الْحَائِضُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ" 467 وعن علي -رضي الله = وعشرين طريقاً، وقال علي بن المديني وأحمد ومحمد بن يحيى الذهلي: لا يصح في الباب شيء وقال البخاري: الأشبه وقفه على أبي هريرة، وقال البيهقي: إنه الصحيح، وقال الرافعي في شرح المسند: إنه الذي صححه الأئمة.
انظر الخلاصة (1/ 60).

الجزء: 1 - الصفحة: 184

عنه- قال: لم يكن يحجب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القرآن شيء سوى الجنابة 468، ويروى (يحجز)، ولا يستثنى عندنا شيء من الصور إلا إذا لم يجد الجنب ماء، ولا تراباً وصلى على حسب الحال، ففي جواز قراءة الفاتحة له وجهان: أحدهما: يجوز، والترخيص في الصلاة ترخيص في قراءة الفاتحة إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، فعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة.
أصحهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز قراءتها كقراءة غيرها ويأتي بالذكر والتسبيح بدلاً كالعاجز عن القراءة 469 حقيقة، أما إذا قرأ شيئاً منه لا على قصد القرآن فيجوز كما لو قال: باسم الله الرحمن الرحيم على قصد التبرك والابتداء، أو الحمد لله في خاتمة الأمر، أو قال: "سُبْحَانَ اللَّهِ الذِي سَخَّرَ لَنَا هذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" 470 على قصد إقامة سنة الركوب، لأنه إذا لم يقصد القرآن لم يكن فيه إخلال بالتعظيم ولو جرى على لسانه ولم يقصد هذا ولا ذاك فلا يحرم أيضاً.
وكما تحرم القراءة على الجنب تحرم على الحائض لما سبق من الخبر، ولأن حدثها أغلظ فيكون الحكم في التحريم أولى.
وعن مالك أنه يجوز لها قراءة القرآن، ورواه أبو ثور عن أبي عبد الله فمن الأصحاب من قال أراد به مالكاً، ونفى أن يكون الجواز قولاً للشافعي ومنهم من قال أراد الشافعي -رضي الله عنه-، وهو قول له في القديم 471 وهذا ما ذكره في الكتاب فقال: ولا يحل للحائض القراءة لحاجة التعليم وخوف النسيان على الأصح أي من القولين وهذه الطريقة أظهر لأن الشيخ أبا محمد قال: وجدت أبا ثور جمع بينهما في بعض المواضع فقال: قال: أبو عبد الله ومالك فثبت نقل قول الجواز وتوجيهه ما أشار إليه، وهو أنها قد تكون معلمة، فلو منعناها عن القراءة والحيض مما يعرض في كل شهر غالباً لانقطعت عن حرفتها، ولأن ترك القراءة يؤدي إلى النسيان لامتداد زمان

الجزء: 1 - الصفحة: 185

الحيض بخلاف الجنابة فإنه يمكن إزالتها في الحال، وهذا القول يجري في النفساء أيضاً.
الثاني: المكث في المسجد وهو حرام على الجنب، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ أُحِلُّ الْمسجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ" 472، ولا يحرم العبور قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 473 والمعنى الفارق بين المكث والعبور أن العبور في المسجد لا قربة فيه، وفي المَكث قرية الاعتكاف فمنع منه الجنب، ثم قد يعذر في المكث عند الضرورة كما لو نام في المسجد فاحتلم، ولم يمكن الخروج لإغلاق الباب أو الخوف من العسس، أو غيره على النفس أو المال وليتيمم في هذه الحالة تطهيراً وتخفيفاً للحدث بقدر الإمكان، وهكذا إذا وجد تراباً غير تراب المسجد، ولا يتيمم بترابه [لكن لو تيمم به صح والعبور وإن لم يكن حراماً [فمكروه] 474 إلا لغرض كما إذا كان المسجد طريقه إلى مقصده، أو كان أقرب الطريقين إليه ولا فرق في الجواز بين أن يكون له سبيل أخر إلى مقصده، وبين أن لا يكون في وجه إنما يجوز إذا لم يجد طريقاً سواه، وليس له أن يتردد في أكتاف المسجد فإن التردد في غير جهة الخروج كالمكث 475 وليكن قوله: "والمكث في المسجد" معلماً بالألف، لأن عند أحمد يجوز للجنب المكث إذا توضأ، وبالزاي، لأن عند المزني في الرواية المشهورة يجوز له المكث مطلقاً، وقوله: "أما العبور فلا" معلماً بالحاء والميم؛ لأن عندهما لا يجوز له العبور أيضاً إلا أن يحتلم في المسجد فله أن يعبر في الخروج، ولا يكلف قصد الباب الأقرب.
قال الغزالي: وَفَضْلُ مَاءِ الجُنُبِ وَالحَائِضِ طَهُورٌ، وَلاَ بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلَ فَرجَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:

الجزء: 1 - الصفحة: 186

إحداهما: فضل ماء الجنب والحائض طهور ولا كراهية في استعماله وقال: أحمد لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل ما استعملته المرأة إذا خلت بالماء، واستعملت بعضه، لنا ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" 476 تختلف أيدينا فيه قال إمام الحرمين: لو فسر فضل ماء الحائض والجنب بما لم يمساه من الماء فلا يتخيل امتناع استعماله، والذي يتوهم فيه الخلاف ما مسه بدن الجنب والحائض على وجه لا يصير الماء به مستعملاً ولهذا استدل الشافعي -رضي الله عنه- في الباب بأخبار تدل على طهارة بدنهما.
الثانية: يجوز للجنب أن يجامع ثانياً، وأن ينام ويأكل ويشرب لكن يستحب أن لا يفعل شيئاً من ذلك إلا بعد غسل الفرج، والوضوء كما [يتوضأ] 477 به للصلاة، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ" 478 وروي أنه قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ فَليَتَوَضَّأ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً" 479، والمقصود منه التنظيف ودفع الأذى.
وأعلم أن كلامه في الكتاب يشعر بتخصيص الوضوء وغسل الفرج بالجماع أو تخصيص غسل الفرج به، واستحباب الوضوء بغير الجماع؛ لأنه قال: "لا بأس للجنب أن يجامع ويأكل ويشرب لكن يستحب له أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع"، فإن كان قوله: "عند الجماع" راجعاً إلى جميع ما وصفه بالاستحباب فهو تخصيص للوضوء، وغسل الفرج معاً بالجماع، وإلا فهو راجع إلى غسل الفرج المذكور أخيراً.
وفيه تخصيص لغسل الفرج بالجماع لكن ليسا ولا واحداً منهما مما يختص استحبابه بالجماع، بل هما مستحبان في الأكل والشرب والنوم أيضاً، كذلك ذكره في التهذيب وغيره، وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُد" 480 ويروى عنه أنه قال: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ" 481.

الجزء: 1 - الصفحة: 187

قال الغزالي: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ) فَأَقَلُّهُ النِّيَّةُ وَاسْتِيعَابُ البَدَنِ بِالْغَسْلِ، وَلاَ يَجِبُ المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ (ح)، وَيَجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ كثُفَث وَيَجِبُ (م) نَقْضُ الضَّفَائِرِ إِنْ كَانَ لاَ يَصِلُ المَاءُ إلَى بَاطِنِهَا.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في موجبات الجنابة وأحكامها، تكلم في كيفية الغسل والقول في كيفيته يتعلق بالأقل والأكمل، أما الأقل فهو شيئان: أحدهما: النية فهي واجبة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، كما في الوضوء وقد ذكرنا مسائل النية في الوضوء ونظائرها في الغسل تقاس بها فلا يجوز أن تتأخر النية عن أول الغسل المفروض، كما لا يجوز أن تتأخر في الوضوء عن أول غسل الوجه، وإن حدثت مقارنة لأول الغسل المفروض صح الغسل لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن على ما سيأتي بيانها، وإن تقدمت على أول غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان كما سبق في الوضوء، ثم إن نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل، وإن نوى رفع الحدث مطلقاً، ولم يتعرض للجنابة ولا غيرها صح غسله أيضاً على أظهر الوجهين.
[لأن الحدث عبارة عن المانع من الصلاة وغيرها على أي وجه فرض.
ولو نوى رفع الحدث الأصغر فإن تعمد لم يصح غسله على أظهر الوجهين] 482 وإن غلط فظن أن حدثه الأصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفي أعضاء الوضوء وجهان: أحدهما: لا ترتفع عنها أيضاً، لأن الجنابة أغلظ ولم يقصد رفعها.
وأظهرهما: أنها ترتفع عن الوجه واليدين والرجلين، لأن غسل هذه الأعضاء واجب في المحدثين، فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى، ولا يرتفع عن الرأس في أصح الوجهين، لأن فرض الرأس في الوضوء المسح فالذي نواه إنما هو المسح، والمسح لا يغنى عن الغسل أما إذا نوى المغتسل استباحة فعل نظر إن كان مما يتوقف على الغسل كالصلاة والطواف وقراءة القرآن فالحكم على ما سبق في الوضوء، ومن هذا القبيل ما إذا نوت الحائض استباحة الوطء في أصح الوجهين: والثاني: أن غسلها بهذه النية لا يصح للصلاة، وما في معناها كغسل الذمية عن الحيض لتحل للزوج، وإن لم يتوقف الفعل المنوي على الغسل [نُظر، إن لم يستحب له الغسل لم تصح نية استباحته: وإن كان يستحب له الغسل] (2) كالعبور في المسجد،

الجزء: 1 - الصفحة: 188

والأذان وكذا إذا اغتسل للجمعة 483 والعيد، فالحكم على ما ذكرنا في الوضوء، وإن نوى الغسل المفروض أو فريضة الغسل صح غسله، الثاني استيعاب جميع البدن بالغسل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَة، فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأنْقُوا البَشَرَةَ" 484 ومن جملة البشرة ما يظهر من صماخي الأذنين وما يبدو من الشقوق، وكذا ما تحت القلفة من الأقلف، وما ظهر من أنف المجدوع في أظهر الوجهين، وكذا ما ظهر من الثيب بالافتضاض قدر ما يبدو عند القعود لقضاء الحاجة دون ما وراء ذلك في أظهر الوجوه، لأنه صار ذلك في حكم الظاهر كالشقوق.
والثاني: أنه لا يجب غسل ما وراء ملتقى الشفرين كما لا يجب غسل باطن الفم والأنف.
والثالث: يجب عليها غسل باطن الفرج في غسل الحيض والنفاس خاصة، لإزالة دمها ولا يدخل فيها باطن الأنف والفم، فلا تجب المضمضة والاستنشاق في الغسل عندنا خلافاً لأبي حنيفة ذكر إمام الحرمين أن بعض تعاليق شيخه حكاية وجه موافق لمذهب أبي حنيفة: لنا أنهما لا يجبان في غسل الميت ولو وجب في غسل الحي لوجبا في غسل الميت وأيضاً فلو وجب غسل باطن الفم والأنف في الغسل لكانا من الوجه.
ولو كانا من الوجه لوجب غسلهما في الوضوء.
وأما الشعور فيجب إيصال الماء إلى منابتها خفت أو كثفت بخلاف الوضوء لأنه يتكرر في اليوم والليلة مراراً فلو كلف إيصال الماء فيه إلى المنابت لعظمت المشقة.
ويجب نقض الضفائر إن كان لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض: أما الأحكام الشد أو للتبلد ولغيرهما فإن وصل الماء إليها بدون النقض فلا حاجة إليه.
وعن مالك أنه لا يجب نقض الضفائر [ولا إيصال الماء إلى باطن الشعور الكثيفة وما تحتها.
وعن أبي حنيفة أنه إذا بلغ الماء أصول الشعر فليس على المرأة نقض الضفائر] 485: وعن أحمد أن الحائض تنقض شعرها دون الجنب.
لنا الخبر الذي قدمناه، ويستثنى من الشعور ما ينبت في العين، فإن إدخال الماء في العين لا يجب وكذلك باطن العقد التي تقع على الشعرات يسامح به وحكى القاضي

الجزء: 1 - الصفحة: 189

الروياني وجهاً آخر أنه يلزم قطعها 486. قال الغزالي: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ أَذىً أَوَّلاً ثم يَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَيُؤَخِّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الغُسْلِ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَهَّدَ مَعَاطِفَ بَدَنِهِ ثُمَّ يُفِيّضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُكَررَ ثَلاَثًا ثُمَّ يَدْلُكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا تَسْتَعْمِلُ فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَمَاءُ الغُسْلِ وَالوْضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ (ح) وَقَدْ يُرْفَقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيُخْرَق بِالكَثِيرِ فَلاَ يَكْفِي وَالرِّفقُ أَوْلى وَأَحَبُّ.
قال الرافعي: كمال الغسل [يحصل] 487 بأمور ذكر منها ثمانية: أحدها: أن يغسل ما على بدنه من أذى أولاً: فإن اعترض معترض فقال: الأذى المذكور إما أن يكون المراد منه الشيء القذر، أو النجاسة، وكيف يجوز الأول وقد فسر الشارحون قول الشافعي -رضي الله عنه- "ثم يغسل ما به من أذى" بموضع الاستنجاء إذا كان قد استنجى بالحجر، وهذا تفسير له بالنجاسة وكذلك فسروا لفظ الأذى في الخبر.
وإن كان الثاني فكيف عطف النجاسة على الأذى في الوسيط، والعطف يقتضي المغايرة، ثم من على بدنه نجاسة لا بد له من إزالة النجاسة أولاً ليعتد بغسله ووضوئه، وإذا كان كذلك كان غسل الموضع عن النجاسة من الواجبات لا من صفات الكمال.
الجواب قلنا: من على بدنه نجاسة لو اقتصر على الاغتسال أو الوضوء، وزالت تلك النجاسة طهر المحل، وهل يرتفع الحدث [فيه] 488، وجهان: حكاهما في المعتمد وغيره.
فإن قلنا: بارتفاع الحدث أمكن عَدَّ إزالة النجاسة من جملة صفات الكمال ولعل من عدَّه منها صار إلى ذلك الوجه.
وإن قلنا: لا يرتفع الحدث وهو الظاهر من المذهب فالأذى المحدود إزالته من جملة صفات الكمال، إنما هو الشيء المستقذر.
وأعلم أنا إذا جرينا على ظاهر المذهب وهو أنه لا يرتفع الحدث إذا كان على بدنه نجاسة حتى يغسل النجاسة أولاً ثم يغسل الموضع عن الحدث، فكما لا يصح عدّ إزالة النجاسة من كمال الغسل لا يصح عدّها من أركانه أيضاً، خلافاً لكثير من أصحابنا حيث قالوا: واجبات الغسل ثلاثة: غسل النجاسة إن كانت على البدن، والنية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

لنا أنه لو كان من واجبات نفس الغسل لكان الترتيب معتبراً في أركان الغسل لاشتراط تقديم إزالة النجاسة، وقد اتفقوا على أنه لا ترتيب في الغسل، ولأن الأمر في الوضوء والغُسْل واحد، ولم يعده أحد من أركان الوضوء فإذاً تقديم إزالة النجاسة شرط فيهما، وشرط الشيء لا يعد من نفس ذلك الشيء كالطّهارة وستر العورة لا يعدان من أفعال الصّلاة وأركانها: وأما من جمع بين الأذى والنجاسة وعدَّ إزالتهما من كمال الغُسْل لم ينتظم ما فعله في النّجاسة إلا على قولنا إن الغسلة الواحدة كافية عن الخبث والحدث جميعاً.
ولم يتفق المفسرون لكلام الشافعي -رضي الله عنه- على أن المراد من الأذى النَّجاسة، بل اختلفوا منهم من فسره بها.
ومنهم من فسره بالمني، ونحوه، مما يستقذر: حكى هذا الخلاف القاضي أبو القاسم بن كج وغيره ولعل ذلك بحسب الاختلاف في المَسْئلة المذكورة -والله أعلم-.
الثاني: أنْ يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، روت عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا اغتسل من الجَنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثم يفيض الماء على جلده كله 489. وأعلم أن قوله في الأصل: "ويتوضأ وضوءه للصّلاة وإن لم يكن مُحدثا" يشعر باطّراد الاستحباب فيما إذا كان يغتسل من الجنابة المجردة، وفيما إذا انضم الحدث إلى الجنابة، وإنما يتضح ذلك بتصوير الجنابة المجردة أولاً فنقول من صور ذلك: إتيان الغلام والبهيمة يوجب الجنابة دون الحدث لفقد أسبابه الأربعة.
ومنها: ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج في فرج امرأة تحصل الجنابة على قولنا أن الخرقة الحائلة لا تمنع حصول الجنابة، وقد قدمنا الخلاف فيه ولا يحصل الحدث، لأن اللمس إنما يوجب الحدث إذا لم يكن بين البشرتين حائل.
ومنها: إذا أنزل بفكر ونظر أو احتلم قاعداً ممكَّناً مقعده من الأرض تحصل الجنابة دون الحدث على ما سبق في باب الأحداث، وألحق المسعودي بهذه الصور الجماع مطلقاً، وقال: إنه يوجب الجنابة لا غير، واللمس الذي يتضمنه مغموراً به كما أن خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال يصير مغموراً به، واستشهد على ما ذكره 490 بأن من جامع في الحجّ يلزمه بدنه، وإن كان متضمّناً للمس، ومجرد اللمس يوجب شاة وعند الأكثرين بالجماع يحصل الحدثان جميعاً، ولا يندفع أثر اللمس الذي يتضمنه

الجزء: 1 - الصفحة: 191

الجماع بخلاف اندفاع أثر خروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال، لأن اللمس يسبق حصول حقيقة الجماع، فيجب ترتيب حكمه عليه، وإذا تم حقيقة الجماع وجب حصول الجنابة أيضاً، وفي الإنزال لا يسبق خروج الخارج الإنزال، بل إذا نزل حصل خروج الخارج، وخروج المنيّ وموجب خروج المني أعظم الحَدَثين فيدفع حلوله حلول الأصغر معه كما سبق.
وأما مسألة المحرم فممنوع على وجه، وعلى التسليم ففي الفدية معنى الزجر والمُؤَاخَذَة، وسبيل الجنايات اندراج المقدمات في المقاصد، ألا يرى أن مقدمات الزِّنا لو تجردت أوجبت التعذير، وإذا أفضت إلى الزنا لم يجب التعزير مع الحد، وأما هاهنا فالحكم منوط بصورة اللمس، ولهذا لا يفرق فيه بين العمد والنِّسيان: وإذا عرفت ذلك فنقول: إن تجردت الجنابة فالوضوء محبوب في الغُسْل عنها، وإن اجتمع الحدث والجنابة فقد حكينا في باب صفة الوضوء الخلاف في أنه هل يكفيه الغسل أم يجب معه الوضوء؟ فإن اكتفينا بالغُسْل فالوضوء فيه محبوب كما لو كان يغتسل عن مجرد جَنَابة، وعلى هذا ينتظم القول باستحباب الوضوء على الاطّراد أما إذا أوجبنا معه الوضوء امتنع القول باستحبابه في الغسل، ولا صائر إلى أنه يأتي بوضوء مفرد وبوضوء آخر، لرعاية كمال الغسل، ولا ترتيب على هذا الوجه بين الوضوء والغسل، بل يقدم منهما ما شاء، ولا بد من إفراد الوضوء بالنِّيَّة، لأنها عبادة مستقلّة على هذا الخلاف أما إذا كان من محبوبات الغسل فإنه لا يحتاج إلى إفراده بنية: ثم الوضوء المَحْبُوب في الغُسْل هل يتمه في ابتداء الغسل أم يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟ فيه قولان: أظهرهما: أنه يتمه ويقدم غسل الرجلين مع سائر أعضاء الوضوء، لما سبق من حديث عائشة فإنها قدمت الوضوء على إفاضة الماء، والوضوء ينتظم غسل الرجلين.
وثانيهما: أنه يؤخره إلى آخر الغسل، وبه قال أبو حنيفة: لأن ميمونة وصفت غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهَ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جَسَدِهِ، ثمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجلَيْهِ" 491. ولا كلام في أن أصل السنة يتأدّى بكل واحد من الطّريقين، إنما الكلام في الأولى.
الثالث: يتعهد من بدنه الموضع الذي فيه انعطاف والتواء، كالأُذُنَيْن فيأخذ كفًّا من الماء، ويضع الأذن برفق عليه ليصل إلى معاطفه، وزواياه كغضون البطن إذا كان سَمِيناً، وكذلك بفعل بِمَنَابت الشّعر، فيخلل أصول الشعر ومنابته، وكل ذلك قبل إفاضة

الجزء: 1 - الصفحة: 192

الماء على الرأس، وإنما بفعل ذلك ليكون أبعد عن الإسْرَافِ في الماء، وأقرب إلى الثِّقة بوصول الماء.
الرابع: يفيض الماء على رأسه ثم على الشق الأيمن، ثم على الشق الأيسر، ويروى ذلك في صفة غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 492. الخامس: يكرر غسل البدن ثلاثاً كما في الوضوء، بل أولى، لأن الوضوء مبني على التُّخفيف، فإن كان ينغمس في الماء انغمس ثلاث مرات، وهل يستحب تجديد الغسل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو ضوء.
وأظهرهما: لا، لأن الترغيب في التجديد إنّما ورد في الوضوء، والغُسل ليس في معناه؛ لأن موجب الوضوء أغلب وقوعاً واحتمال عدم الشّعور به أقرب فيكون الاحتياط فيه أتمّ.
السّادس: يدلك ما وصل إليه يده من بدنه، يتبع بها الماء، والفائدة ما ذكرناه في التعهد.
وقال مالك: يجب الدّلك، لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّا أَنَا فَأحْثِي عَلَى رَأسي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا أنا قَدْ طَهُرْتُ" 493. رتَّب الطَّهارة على إفاضة الماء، ولم يتعرض للدّلك.
السّابع: إذا اغتسلت الحائض تَتَعَهَّدُ أثر الدم بِمِسْكِ أَوْ طِيْب آخر، بأن تجعله على قُطْنَةٍ وتدخلها في فرجها، روى عن عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسأله عن الغُسْلِ من الحَيْضِ، فقال: "خُذِي فُرْصَةَ مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا"، فلم تعرف ما أراد فاجتذبتها، وقال: تتبعي بها آثار الدّم 494، والفرصة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب، ويروى: "خُذِي فرْصَةً مُمْسِكَة".

الجزء: 1 - الصفحة: 193

قال العراقيين 495: الفُرْصَةُ القطعة من الصوف أو القطن، فالأولى المِسْكُ، فإن لم تجده استعملت طِيْباً آخر، فإن لم تجد فَطِينًا لقطع الرّائحة الكريهة، فإن لم تجد كفى الماء، والنُّفَسَاء كالحائض في ذلك.
الثّامن: ماء الوضوء والغسل غير مقدر.
قال الشّافعي -رضي الله عنه-: "وقد يخرق بالكثير فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي".
والأحبّ أن لا ينقص ماء الوضوء عن مُدِّ، وماء الغسل عن صَاع، لما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" 496 وروي أنه قال: "سَيَأْتِي أَقْوَامٌ يَسْتَقِلُّونَ هَذَا فَمَنْ رَغِبَ فِي سُنَّتِي وَتَمَسَّكَ بِهَا بُعِثَ مَعِي فِي حَضِيرَةِ القُدْسِ" 497. والصَّاع والمُدُّ معتبران على التّقريب، دون التحديد، -والله أعلم- وحكى بعض مشايخنا عن أبي حنيفة أنه يتقدر ماء الغسل بِصَاعٍ فلا يجوز أقل منه، وماء الوضوء بِمُدٍّ، وربما حكى ذلك عن محمد بن الحسن، لنا أن ثبتت الرواية عنهما ما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ" 498 وروى أيضاً: "أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدٍّ" 499. ونختم الباب بكلامين: أحدهما: إن أدخل كلمةٌ "ثمَّ" في معظم هذه الآداب، وهي على حقيقتها في الترتيب إلا في قوله: "ثم يدلك" بعد قوله: "ثم يُكَرِّر ثلاثاً"، فإن الدّلك لا يكون متأخراً عن التَّكْرار ثلاثاً، بل الدلك في كل غسلة معها.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

الثاني: أن كَمَالَ الغُسْلِ لا ينحصر فيما ذكره بل له مندوبات أخر.
منها: ما بيناه في فضل سنن الوضوء.
ومنها: أن يستصحب النية إلى آخر الغسل.
ومنها: أن لا يغتسل في الماء الراكد، ومنها أن يقول في آخره: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ 500.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

قال الغزالي:

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِ
البَابُ الأَوَّلُ فِي المِيَاهِ الطَّاهِرَةِالْبَابُ الثَّانِي: الفَصْلُ الثَّاني في المَاءِ الرَّاكِدالفْصَلْ الثَّالِثُ فِي الْمَاءِ الْجَارِيالْفَصْلُ الرَّابعُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِفَصْلٌ فِي غسالَةِ النَّجَاسَةِالبَّابُ الثَّالِثُ في الاجْتِهَادِالبابُ الرَّابعُ فِي الأَوانِيالْقِسْمُ الأَوَّلُ- المُتَّخَذُ مِنَ الجُلُودِ،: القِسْمُ الثَّانِي: المُتَّخَذُ مِنَ العِظَامِ،: القِسْمُ الثَّالِثُ- المُتَّخَذُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِالْبَابُ الأَوَّلُ في صِفَةِ الوُضُوءِالْقَوْلُ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَالْبَابُ الثَّانِي فِي الاسْتِنْجَاءِ: الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَنْجَى عَنْهُ:: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يُسْتَنْجى بِهِ:: الفَصْلُ الرَّابعُ، فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاءِ:الْبَابُ الثَّالِثُالْفَصْلُ الأوَّلُ، فِي أَسْبَابِهَا: الفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الحَدَثِالْبَابُ الرَّابعُ فِي الغُسْل
كِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل